######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_009362 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: ابن عاشور #META# 010.AuthorNAME :: محمد الطاهر بن عاشور #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1284 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: التحرير والتنوير #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: التفاسير :: كتب التفاسير وعلوم القرآن #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: تفسير التحرير والتنوير #META# 030.LibURI :: JK_009362 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار سحنون للنشر والتوزيع #META# 044.EdPLACE :: تونس #META# 045.EdYEAR :: 1997م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # # | بسم الله الرحمن الرحيم # والصلاة والسلام على أشرف المرسلين | الحمد لله على أن بين للمستهدين ~~معالم مراده ، ونصب لجحافل المستفتحين أعلام أمداده فأنزل القرآن قانونا ~~عاما معصوما ، وأعجز بعجائبه فظهرت يوما فيوما ، وجعله مصدقا لما بين يديه ~~ومهيمنا ، وما فرط فيه من شئ يعظ مسيئا ويعد محسنا ، حتى عرفه المنصفون من ~~مؤمن وجاحد ، وشهد له الراغب والمحتار والحاسد ، فكان الحال بتصديقه أنطق ~~من اللسان ، وبرهان العقل فيه أبصر من شاهد العيان ، وأبرز آياته في الآفاق ~~فتبين للمؤمنين أنه الحق ، كما أنزله على أفضل رسول فبشر بأن لهم قدم صدق ، ~~فبه أصبح الرسول الأمي سيد الحكماء المربين ، وبه شرح صدره إذ قال إنك على ~~الحق المبين ، فلم يزل كتابه مشعا نيرا ، محفوظا من لدنه أن يترك فيكون ~~مبدلا ومغيرا . | ثم قيض لتبيينه أصحابه الأشداء الرحماء ، وأبان أسراره من ~~بعدهم في الأمة من العلماء . فصلاة الله وسلامه على رسوله وآله الطاهرين ، ~~وعلى أصحابه نجوم الاقتداء للسائرين والماخرين أما بعد فقد كان أكبر أمنيتي ~~منذ أمد بعيد ، تفسير الكتاب المجيد ، الجامع لمصالح الدنيا والدين ، وموثق ~~شديد العرى من الحق المتين ، والحاوي لكليات العلوم ومعاقد استنباطها ، ~~والآخذ قوس البلاغة من محل نياطها ، طمعا في بيان نكت من العلم وكليات من ~~التشريع ، وتفاصيل من مكارم الأخلاق ، كان يلوح أنموذج من جميعها في خلال ~~تدبره ، أو مطالعة كلام مفسره ، ولكني كنت على كلفي بذلك أتجهم التقحم على ~~هذا PageV01P005 المجال ، وأحجم عن الزج بسية قوسي في هذا النضال . اتقاء ~~ما عسى أن يعرض له المرء نفسه من متاعب تنوء بالقوة ، أو فلتات سهام الفهم ~~وإن بلغ ساعد الذهن كمال الفتوة . فبقيت أسوف النفس مرة ومرة أسومها زجرا ، ~~فإن رأيت منها تصميما أحلتها على فرصة أخرى ، وأنا آمل أن يمنح من التيسير ~~، ما يشجع على قصد هذا الغرض العسير . وفيما أنا بين إقدام وإحجام ، أتخيل ~~هذا الحقل مرة القتاد وأخرى الثمام . إذا أنا بأملي قد خيل إلي أنه تباعد ~~أو انقضى ، إذ قدر أن تسند إلي خطة القضا ms0001 . فبقيت متلهفا ولات حين مناص ، ~~وأضمرت تحقيق هاته الأمنية متى أجمل الله الخلاص ، وكنت أحادث بذلك الأصحاب ~~والإخوان ، وأضرب المثل بأبى الوليد ابن رشد في كتاب البيان ، ولم أزل كلما ~~مضت مدة يزداد التمني وأرجو إنجازه ، إلى أن أوشك أن تمضي عليه مدة الحيازة ~~، فإذا الله قد من بالنقلة إلى خطة الفتيا . وأصبحت الهمة مصروفة إلى ما ~~تنصرف إليه الهمم العليا ، فتحول إلى الرجاء ذلك الياس ، وطمعت أن أكون ممن ~~أوتي الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها الناس . هنالك عقدت العزم على تحقيق ما ~~كنت أضمرته ، واستعنت بالله تعالى واستخرته ? وعلمت أن ما يهول من توقع كلل ~~أو غلط ، لا ينبغي أن يحول بيني وبين نسج هذا النمط ، إذا بذلت الوسع من ~~الاجتهاد ، وتوخيت طرق الصواب والسداد . | أقدمت على هذا المهم إقدام ~~الشجاع ، على وادي السباع ؛ متوسطا في معترك أنظار PageV01P006 الناظرين ، ~~وزائر بين ضباح الزائرين ، فجعلت حقا علي أن أبدي في تفسير القرآن نكتا لم ~~أر من سبقني إليها ، وأن أقف موقف الحكم بين طوائف المفسرين تارة لها وآونة ~~عليها ، فإن الاقتصار على الحديث المعاد ، تعطيل لفيض القرآن الذي ما له من ~~نفاد . ولقد رأيت الناس حول كلام الأقدمين أحد رجلين : رجل معتكف فيما شاده ~~الأقدمون ، وآخر آخذ بمعوله في هدم ما مضت عليه القرون ، وفي كلتا الحالتين ~~ضر كثير ، وهنالك حالة أخرى ينجبر بها الجناح الكسير ، وهي أن نعمد إلى ما ~~أشاده الأقدمون فنهذبه ونزيده ، وحاشا أن ننقضه أو نبيده ، عالما بأن غمض ~~فضلهم كفران للنعمة ، وجحد مزايا سلفها ليس من حميد خصال الأمة ، فالحمد ~~لله الذي صدق الأمل ، ويسر إلى هذا الخير ودل . # | والتفاسير وإن كانت كثيرة فإنك لا تجد الكثير منها إلا عالة على كلام ~~سابق بحيث لاحظ لمؤلفه إلا الجمع على تفاوت بين اختصار وتطويل . وإن أهم ~~التفاسير تفسير الكشاف و المحرر الوجيز لابن عطية و مفاتيح الغيب لفخر ~~الدين الرازي ، وتفسير البيضاوي الملخص من الكشاف ومن مفاتيح الغيب بتحقيق ~~بديع ، وتفسير الشهاب الآلوسي ، وما كتبه الطيبي ms0002 والقزويني والقطب ~~والتفتزاني على الكشاف ، وما كتبه الخفاجي على تفسير البيضاوي ، وتفسير أبي ~~السعود ، وتفسير القرطبي والموجود من تفسير الشيخ محمد بن عرفة التونسي من ~~تقييد تلميذه الأبي وهو بكونه تعليقا على تفسير ابن عطية أشبه منه بالتفسير ~~لذلك لا يأتي على جميع آي القرآن وتفاسير الأحكام ، وتفسير الإمام محمد ابن ~~جرير الطبري ، وكتاب درة التنزيل المنسوب لفخر الدين الرازي ، وربما ينسب ~~للراغب الأصفهاني . ولقصد الاختصار أعرض عن العزو إليها ، وقد ميزت ما يفتح ~~الله لي من فهم في معاني كتابه وما أجلبه من المسائل العلمية ، مما لا ~~يذكره المفسرون ، وإنما حسبي في ذلك عدم عثوري علبه فيما بين يدي من ~~التفاسير في تلك الآية خاصة ، ولست أدعي انفرادي به في نفس الأمر ، فكم من ~~كلام تنشئه تجدك قد سبقك إليه متكلم ، PageV01P007 وكم من فهم تستظهره وقد ~~تقدمك إليه متفهم ، وقديما قيل : هل غادر الشعراء من متردم إن معاني القرآن ~~ومقاصده ذات أفانين كثيرة بعيدة المدى مترامية الأطراف موزعة على آياته ~~فالأحكام مبينة في آيات الأحكام ، والآداب في آياتها ، والقصص في مواقعها ، ~~وربما اشتملت الآية الواحدة على فنين من ذلك أو أكثر . وقد نحا كثير من ~~المفسرين بعض تلك الأفنان ، ولكن فنا من فنون القرآن لا تخلو عن دقائقه ~~ونكته آية من آيات القرآن ، وهو فن دقائق البلاغة هو الذي لم يخصه أحد من ~~المفسرين بكتاب كما خصوا الأفانين الأخرى ، من أجل ذلك التزمت أن لا أغفل ~~التنبيه على ما يلوح لي من هذا الفن العظيم في آية من آي القرآن كلما ~~ألهمته بحسب مبلغ الفهم وطاقة التدبر . | وقد اهتممت في تفسيري هذا ببيان ~~وجوه الإعجاز ونكت البلاغة العربية وأساليب الاستعمال ، واهتممت أيضا ببيان ~~تناسب اتصال الآي بعضها ببعض ، وهو منزع جليل قد عني به فخر الدين الرازي ، ~~وألف فيه برهان الدين البقاعي كتابه المسمى نظم الدرر في تناسب الآي والسور ~~إلا أنهما لم يأتيا في كثير من الآي بما فيه مقنع ، فلم تزل أنظار ~~المتأملين لفصل القول تتطلع ، أما ms0003 البحث عن تناسب مواقع السور بعضها إثر ~~بعض ، فلا أراه حقا على المفسر . | ولم أغادر سورة إلا بينت ما أحيط به من ~~أغراضها لئلا يكون الناظر في تفسير القرآن مقصورا على بيان مفرداته ومعاني ~~جمله كأنها فقر متفرقة تصرفه عن روعة انسجامه وتحجب عنه روائع جماله . | ~~واهتممت بتبيين معاني المفردات في اللغة العربية بضبط وتحقيق مما خلت عن ~~ضبط كثير منه قواميس اللغة . وعسى أن يجد فيه المطالع تحقيق مراده ، ~~ويتناول منه فوائد ونكتا على قدر استعداده ، فإني بذلت الجهد في الكشف عن ~~نكت من معاني القرآن وإعجازه خلت عنها التفاسير ، ومن أساليب الاستعمال ~~الفصيح ما تصبو إليه همم النحارير ، بحيث ساوى هذا التفسير على اختصاره ~~مطولات القماطير ، ففيه أحسن ما في التفاسير ، وفيه أحسن مما في التفاسير . ~~| وسميته تحرير المعنى السديد ، وتنوير العقل الجديد ، من تفسير الكتاب ~~المجيد . PageV01P008 | واختصرت هذا الاسم باسم التحرير والتنوير من ~~التفسير وها أنا أبتدئ بتقديم مقدمات تكون عونا للباحث في التفسير ، وتغنيه ~~عن معاد كثير . PageV01P009 # المقدمة الأولى # في التفسير والتأويل وكون التفسير علما | التفسير مصدر فسر بتشديد السين ~~الذي هو مضاعف فسر بالتخفيف من بابي نصر وضرب الذي مصدره الفسر ، وكلاهما ~~فعل متعد فالتضعيف ليس للتعدية . | والفسر الإبانة والكشف لمدلول كلام أو ~~لفظ بكلام آخر هو أوضح لمعنى المفسر عند السامع ، ثم قيل المصدران والفعلان ~~متساويان في المعنى ، وقيل يختص المضاعف بإبانة المعقولات ، قاله الراغب ~~وصاحب البصائر ، وكأن وجهه أن بيان المعقولان يكلف الذي يبينه كثرة القول ، ~~كقول أوس بن حجر : الألمعي الذي يظن بك الظ ن كأن قد رأى وقد سمعا # فكان تمام البيت تفسيرا لمعنى الألمعي ، وكذلك الحدود المنطقية المفسرة ~~للمواهي والأجناس ، لا سيما الأجناس العالمية الملقبة بالمقولات فناسب أن ~~يخص هذا البيان بصيغة المضاعفة ، بناء على أن فعل المضاعف إذا لم يكن ~~للتعدية كان المقصود منه الدلالة على التكثير من المصدر ، قال في الشافية ~~وفعل للتكثير غالبا وقد يكون التكثير في ذلك مجازيا واعتباريا بأن ينزل كد ~~الفكر في تحصيل المعاني ms0004 الدقيقة ، ثم في اختيار أضبط الأقوال لإبانتها ~~منزلة العمل الكثير كتفسير صحار العبدي وقد سأله معاوية عن البلاغة فقال : ~~أن تقول فلا تخطئ ، وتجيب فلا تبطئ ثم قال لسائله أقلني لا تخطئ ولا تبطئ . ~~PageV01P010 | ويشهد لهذا قوله تعالى ) ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق ~~وأحسن تفسيرا ( . فأما إذا كان فعل المضاعف للتعدية فإن إفادته التكثير ~~مختلف فيها ، والتحقيق أن المتكلم قد يعدل عن تعدية الفعل بالهمزة إلى ~~تعديته بالتضعيف لقصد الدلالة على التكثير لأن المضاعف قد عرف بتلك الدلالة ~~في حالة كونه فعلا لازما فقارنته تلك الدلالة عند استعماله للتعدية مقارنة ~~تبعية . ولذلك قال العلامة الزمخشري في خطبة الكشاف الحمد لله الذي أنزل ~~القرآن كلاما مؤلفا منظما ، ونزله على حسب المصالح منجما فقال المحققون من ~~شراحه ، جمع بين أنزل ونزل لما في نزل من الدلالة على التكثير ، الذي يناسب ~~ما أراده العلامة من التدريج والتنجيم . وأنا أرى أن استفادة معنى التكثير ~~في حال استعمال التضعيف للتعدية أمر من مستتبعات الكلام حاصل من قرينة عدول ~~المتكلم البليغ عن المهموز . الذي هو خفيف إلى المضعف الذي هو ثقيل ، فذلك ~~العدول قرينة على المراد وكذلك الجمع بينهما في مثل كلام الكشاف قرينة على ~~إرادة التكثير . | وعزا شهاب الدين القرافي في أول أنواء البروق إلى بعض ~~مشايخه أن العرب فرقوا بين فرق بالتخفيف ، وفرق بالتشديد ، فجعلوا الأول ~~للمعاني والثاني للأجسام بناء على أن كثرة الحروف تقتضي زيادة المعنى أو ~~قوته ، والمعاني لطيفة يناسبها المخفف ، والأجسام كثيفة يناسبها التشديد ، ~~واستشكله هو بعدم اطراده ، وهو ليس من التحرير بالمحل اللائق ، بل هو أشبه ~~باللطائف منه بالحقائق ، إذ لم يراع العرب في هذا الاستعمال معقولا ولا ~~محسوسا وإنما راعوا الكثرة الحقيقية أو المجازية كما قررنا ، ودل عليه ~~استعمال القرآن ، ألا ترى أن الاستعمالين ثابتان في الموضع الواحد ، كقوله ~~تعالى ) وقرآنا فرقناه ( قرىء بالتشديد والتخفيف ، وقال تعالى حكاية لقول ~~المؤمنين ) لا نفرق بين أحد من رسله ( وقال لبيد : فمضى وقدمها وكانت عادة ~~منه إذا هي عردت إقدامها فجاء ms0005 بفعل قدم وبمصدر أقدم ، وقال سيبويه إن فعل ~~وأفعل يتعاقبان على أن التفرقة عند مثبتها ، تفرقة في معنى الفعل لا في ~~حالة مفعوله بالأجسام . والتفسير في الاصطلاح نقول : هو اسم للعلم الباحث ~~عن بيان معاني ألفاظ القرآن وما يستفاد منها باختصار أو توسع . PageV01P011 ~~والمناسبة بين المعنى الأصلي والمعنى المنقول إليه لا يحتاج إلى تطويل . | ~~وموضوع التفسير : ألفاظ القرآن من حيث البحث عن معانيه ، وما يستنبط منه ~~وبهذه الحيثية خالف علم القراءات لأن تمايز العلوم - كما يقولون - بتمايز ~~الموضوعات ، وحيثيات الموضوعات . | هذا وفي عد التفسير علما تسامح ؛ إذ ~~العلم إذا أطلق ، إما أن يراد به نفس الإدراك ، نحو قول أهل المنطق ، العلم ~~إما تصور وإما تصديق ، وإما أن يراد به الملكة المسماة بالعقل وإما أن يراد ~~به التصديق الجازم وهو مقابل الجهل وهذا غير مراد في عد العلوم وإما أن ~~يراد بالعلم المسائل المعلومات وهي مطلوبات خبرية يبرهن عليها في ذلك العلم ~~وهي قضايا كلية ، ومباحث هذا العلم ليست بقضايا يبرهن عليها فما هي بكلية ، ~~بل هي تصورات جزئية غالبا لأنه تفسير ألفاظ أو استنباط معان . فأما تفسير ~~الألفاظ فهو من قبيل التعريف اللفظي وأما الاستنباط فمن دلالة الالتزام ~~وليس ذلك من القضية . # | فإذا قلنا إن يوم الدين في قوله تعالى ) ملك يوم الدين ( هو يوم الجزاء ~~، وإذا قلنا إن قوله تعالى ) وحمله وفصاله ثلاثون شهرا ( مع قوله ) وفصاله ~~في عامين ( يؤخذ منه أن أقل الحمل ستة أشهر عند من قال ذلك ، لم يكن شيء من ~~ذلك قضية ، بل الأول تعريف لفظي ، والثاني من دلالة الالتزام ولكنهم عدوا ~~تفسير ألفاظ القرآن علما مستقلا أراهم فعلوا ذلك لواحد من وجوه ستة : الأول ~~: أن مباحثه لكونها تؤدي إلى استنباط علوم كثيرة وقواعد كلية ، نزلت منزلة ~~القواعد الكلية لأنها مبدأ لها ، ومنشأ ، تنزيلا للشيء منزلة ما هو شديد ~~الشبه به بقاعدة ما قارب الشيء يعطي حكمه ، ولا شك أن ما تستخرج منه ~~القواعد الكلية والعلوم أجدر بأن يعد علما من عد فروعه علما ، وهم ms0006 قد عدوا ~~تدوين الشعر علما لما فى حفظه من استخراج نكت بلاغية وقواعد لغوية . | ~~والثاني أن نقول : إن اشتراط كون مسائل العلم قضايا كلية يبرهن عليها في ~~العلم خاص بالعلوم المعقولة ، لأن هذا اشتراط ذكره الحكماء في تقسيم العلوم ~~، أما العلوم الشرعية والأدبية فلا يشترط فيها ذلك ، بل يكفي أن تكون ~~مباحثها مفيدة كمالا علميا لمزاولها ، PageV01P012 والتفسير أعلاها في ذلك ~~، كيف وهو بيان مراد الله تعالى من كلامه ، وهم قد عدوا البديع علما ~~والعروض علما وما هي إلا تعاريف لألقاب اصطلاحية . | والثالث أن نقول : ~~التعاريف اللفظية تصديقات على رأي بعض المحققين فهي تؤول إلى قضايا ، وتفرع ~~المعاني الجمة عنها نزلها منزلة الكلية ، والاحتجاج عليها بشعر العرب وغيره ~~يقوم مقام البرهان على المسألة ، وهذا الوجه يشترك مع الوجه الأول في تنزيل ~~مباحث التفسير منزلة المسائل ، إلا أن وجه التنزيل في الأول راجع إلى ما ~~يتفرع عنها ، وهنا راجع إلى ذاتها مع أن التنزيل في الوجه الأول في جميع ~~الشروط الثلاثة وهنا في شرطين ، لأن كونها قضايا إنما يجيء على مذهب بعض ~~المنطقيين . | الرابع أن نقول : إن علم التفسير لا يخلو من قواعد كلية في ~~أثنائه مثل تقرير قواعد النسخ عند تفسير ) ما ننسخ من آية ( وتقرير قواعد ~~التأويل عند تقرير ) وما يعلم تأويله ( وقواعد المحكم عند تقرير ) منه آيات ~~محكمات ( ، فسمي مجموع ذلك وما معه علما تغليبا ، وقد اعتنى العلماء بإحصاء ~~كليات تتعلق بالقرآن ، وجمعها ابن فارس ، وذكرها عنه في الإتقان وعنى بها ~~أبو البقاء الكفوي في كلياته ، فلا بدع أن تزاد تلك في وجوه شبه مسائل ~~التفسير بالقواعد الكلية . | الخامس : أن حق التفسير أن يشتمل على بيان ~~أصول التشريع وكلياته فكان بذلك حقيقا بأن يسمى علما ولكن المفسرين ابتدأوا ~~بتقصي معاني القرآن فطفحت عليهم وحسرت دون كثرتها قواهم ، فانصرفوا عن ~~الاشتغال بانتزاع كليات التشريع إلا في مواضع قليلة . | السادس وهو الفصل : ~~أن التفسير كان أول ما اشتغل به علماء الإسلام قبل الاشتغال بتدوين بقية ~~العلوم ، وفيه كثرت مناظراتهم . وكان يحصل ms0007 من مزاولته والدربة فيه لصاحبه ~~ملكة يدرك بها أساليب القرآن ودقائق نظمه ، فكان بذلك مفيدا علوما كلية لها ~~مزيد اختصاص بالقرآن المجيد ، فمن أجل ذلك سمي علما . | ويظهر أن هذا العلم ~~إن أخذ من حيث إنه بيان وتفسير لمراد الله من كلامه كان معدودا من أصول ~~العلوم الشرعية وهي التي ذكرها الغزالي في الضرب الأول من العلوم الشرعية ~~PageV01P013 المحمودة من كتاب الإحياء ، لأنه عد أولها الكتاب والسنة ، ولا ~~شك أنه لا يعنى بعلم الكتاب حفظ ألفاظه بل فهم معانيها وبذلك صح أن يعد رأس ~~العلوم الإسلامية كما وصفه البيضاوي بذلك ، وإن أخذ من حيث ما فيه من بيان ~~مكي ومدني ، وناسخ ومنسوخ ، ومن قواعد الاستنباط التي تذكر أيضا في علم ~~أصول الفقه من عموم وخصوص وغيرهما كان معدودا في متممات العلوم الشرعية ~~المذكورة في الضرب الرابع من كلام الغزالي ، وبذلك الاعتبار عد فيها إذ قال ~~الضرب الرابع المتممات وذلك في علم القرآن ينقسم إلى ما يتعلق باللفظ ، ~~كعلم القراءات ، وإلى ما يتعلق بالمعنى كالتفسير فإن اعتماده أيضا على ~~النقل ، وإلى ما يتعلق بأحكامه كالناسخ والمنسوخ ، والعام والخاص ، وكيفية ~~استعمال البعض منه مع البعض وهو العلم الذي يسمى أصول الفقه وهو بهذا ~~الاعتبار لا يكون رئيس العلوم الشرعية . # | والتفسير أول العلوم الإسلامية ظهورا ، إذ قد ظهر الخوض فيه في عصر ~~النبي صلى الله عليه وسلم ، إذ كان بعض أصحابه قد سأل عن بعض معاني القرآن ~~كما سأله عمر رضي الله عنه عن الكلالة ، ثم اشتهر فيه بعد من الصحابة علي ~~وابن عباس وهما أكثر الصحابة قولا في التفسير ، وزيد بن ثابت وأبي بن كعب ، ~~وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم ، وكثر الخوض ~~فيه ، حين دخل في الإسلام من لم يكن عربي السجية ، فلزم التصدي لبيان معاني ~~القرآن لهم ، وشاع عن التابعين وأشهرهم في ذلك مجاهد وابن جبير ، وهو أيضا ~~أشرف العلوم الإسلامية ورأسها على التحقيق . | وأما تصنيفه فأول من صنف فيه ~~عبد الملك بن ms0008 جريج المكي المولود سنة 80 ه والمتوفي سنة 149 ه صنف كتابه في ~~تفسير آيات كثيرة وجمع فيه آثارا وغيرها وأكثر روايته عن أصحاب ابن عباس ~~مثل عطاء ومجاهد ، وصنفت تفاسير ونسبت روايتها إلى ابن عباس ، PageV01P014 ~~لكن أهل الأثر تكلموا فيها وهي تفسير محمد بن السائب الكلبي المتوفي سنة ~~146 ه عن أبي صالح عن ابن عباس ، وقد رمي أبو صالح بالكذب حتى لقب بكلمة ~~دروغدت بالفارسية بمعنى الكذاب وهي أوهى الروايات فإذا انضم إليها رواية ~~محمد بن مروان السدى عن الكلبي فهي سلسلة الكذب ، أرادوا بذلك أنها ضد ما ~~لقبوه بسلسلة الذهب ، وهي مالك عن نافع عن ابن عمر . وقد قيل إن الكلبي كان ~~من أصحاب عبد الله بن سبأ اليهودي الأصل ، الذي أسلم وطعن في الخلفاء ~~الثلاثة وغلا في حب علي بن أبي طالب ، وقال : إن عليا لم يمت وأنه يرجع إلى ~~الدنيا وقد قيل إنه ادعى إلهية علي . | وهنالك رواية مقاتل ورواية الضحاك ، ~~ورواية علي بن أبي طلحة الهاشمي كلها عن ابن عباس ، وأصحها رواية علي بن ~~أبي طلحة ، وهي التي اعتمدها البخاري في كتاب التفسير من صحيحه فيما يصدر ~~به من تفسير المفردات على طريقة التعليق ، وقد خرج في الإتقان ، جميع ما ~~ذكره البخاري من تفسير المفردات ، عن ابن أبي طلحة عن ابن عباس مرتبة على ~~سور القرآن . والحاصل أن الرواية عن ابن عباس ، قد اتخذها الوضاعون ~~والمدلسون ملجأ لتصحيح ما يروونه كدأب الناس في نسبة كل أمر مجهول من ~~الأخبار والنوادر ، لأشهر الناس في ذلك المقصد . | وهنالك روايات تسند لعلي ~~رضي الله عنه ، أكثرها من الموضوعات ، إلا ما روي بسند صحيح ، مثل ما في ~~صحيح البخاري ونحوه ، لأن لعلي أفهاما في القرآن كما ورد في صحيح البخاري ، ~~عن أبي جحيفة قال : قلت لعلي هل عندكم شيء من الوحي ليس في كتاب الله ? ~~فقال لا والذي فلق الحبة ، وبرأ النسمة ، ما أعلمه إلا فهما يعطيه الله ~~رجلا في القرآن ثم تلاحق العلماء في تفسير القرآن وسلك ms0009 كل فريق مسلكا يأوي ~~إليه وذوقا يعتمد عليه . | فمنهم من سلك مسلك نقل ما يؤثر عن السلف ، وأول ~~من صنف في هذا المعنى ، مالك ابن أنس ، وكذلك الداودي تلميذ السيوطي في ~~طبقات المفسرين ، وذكره عياض في المدارك إجمالا . وأشهر أهل هذه الطريقة ~~فيما هو بأيدي الناس محمد بن جرير الطبري . PageV01P015 | ومنهم من سلك ~~مسلك النظر كأبي إسحاق الزجاج وأبي علي الفارسي ، وشغف كثير بنقل القصص عن ~~الإسرائيليات ، فكثرت في كتبهم الموضوعات ، إلى أن جاء في عصر واحد عالمان ~~جليلان أحدهما بالمشرق ، وهو العلامة أبو القاسم محمود الزمخشري ، صاحب ~~الكشاف ، والآخر بالمغرب بالأندلس وهو الشيخ عبد الحق بن عطية ، فألف ~~تفسيره المسمى ب المحرر الوجيز . كلاهما يغوص على معاني الآيات ، ويأتي ~~بشواهدها من كلام العرب ويذكر كلام المفسرين إلا أن منحي البلاغة والعربية ~~بالزمخشري أخص ، ومنحي الشريعة على ابن عطية أغلب ، وكلاهما عضادتا الباب ، ~~ومرجع من بعدهما من أولي الألباب . # وقد جرت عادة المفسرين بالخوض في بيان معنى التأويل ، وهل هو مساو ~~للتفسير أو أخص منه أو مباين . وجماع القول في ذلك أن من العلماء من جعلهما ~~متساويين ، وإلى ذلك ذهب ثعلب وابن الأعرابي وأبو عبيدة ، وهو ظاهر كلام ~~الراغب ، ومنهم من جعل التفسير للمعنى الظاهر والتأويل للمتشابه ، ومنهم من ~~قال : التأويل صرف اللفظ عن ظاهر معناه إلى معنى آخر محتمل لدليل فيكون هنا ~~بالمعنى الأصولي ، فإذا فسر قوله تعالى ) يخرج الحي من الميت ( بإخراج ~~الطير من البيضة ، فهو التفسير ، أو بإخراج المسلم من الكافر فهو التأويل ، ~~وهنالك أقوال أخر لا عبرة بها ، وهذه كلها اصطلاحات لا مشاحة فيها إلا أن ~~اللغة والآثار تشهد للقول الأول ، لأن التأويل مصدر أوله إذا أرجعه إلى ~~الغاية المقصودة ، والغاية المقصودة من اللفظ هو معناه وما أراده منه ~~المتكلم به من المعاني ، فساوى التفسير ، على أنه لا يطلق إلا على ما فيه ~~تفصيل معنى خفي معقول . قال الأعشى : على أنها كانت تأول حبها تأول ربعي ~~السقاب فأصحبا أي تبيين تفسير حبها أنه كان صغيرا في ms0010 قلبه ، فلم يزل يشب ~~حتى صار كبيرا كهذا السقب ، أي ولد الناقة ، الذي هو من السقاب الربيعية لم ~~يزل يشب حتى كبر وصار له ولد يصحبه قاله أبو عبيدة ، وقد قال الله تعالى ) ~~هل ينظرون إلا تأويله ( أي ينتظرون إلا بيانه الذي هو المراد منه ، وقال ~~صلى الله عليه وسلم في دعائه لأبن عباس اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل ~~، أي فهم معاني القرآن ، وفي حديث عائشة رضي الله عنها PageV01P016 كان صلى ~~الله عليه وسلم يقول في ركوعه : سبحانك اللهم ربنا وبحمدك ، اللهم اغفر لي ~~. يتأول القرآن أي يعمل بقوله تعالى ) فسبح بحمد ربك واستغفره ( فلذلك جمع ~~في دعائه التسبيح والحمد وذكر لفظ الرب وطلب المغفرة فقولها يتأول ، صريح ~~في أنه فسر الآية بالظاهر منها ولم يحملها على ما تشير إليه من انتهاء مدة ~~الرسالة وقرب انتقاله صلى الله عليه وسلم ، الذي فهمه منها عمر وأبن عباس ~~رضي الله عنهما . PageV01P017 # المقدمة الثانية # في استمداد علم التفسير | استمداد العلم يراد به توقفه على معلومات سابق ~~وجودها على وجود ذلك العلم عند مدونيه لتكون عونا لهم على إتقان تدوين ذلك ~~العلم ، وسمي ذلك في الاصطلاح بالاستمداد عن تشبيه احتياج العلم لتلك ~~المعلومات بطلب المدد ، والمدد العون والغواث ، فقرنوا الفعل بحرفي الطلب ~~وهما السين والتاء ، وليس كل ما يذكر في العلم معدودا من مدده ، بل مدده ما ~~يتوقف عليه تقومه ، فأما ما يورد في العلم من مسائل علوم أخرى ، عند ~~الإفاضة في البيان ، مثل كثير من إفاضات فخر الدين الرازي ، في مفاتيح ~~الغيب فلا يعد مددا للعلم ، ولا ينحصر ذلك ولا ينضبط ، بل هو متفاوت على ~~حسب مقادير توسع المفسرين ومستطرداتهم ، فاستمداد علم التفسير للمفسر ~~العربي والمولد ، من المجموع الملتئم من علم العربية وعلم الآثار ، ومن ~~أخبار العرب وأصول الفقه قيل وعلم الكلام وعلم القراءات . | أما العربية ~~فالمراد منها معرفة مقاصد العرب من كلامهم وأدب لغتهم سواء حصلت تلك ~~المعرفة ، بالسجية والسليقة ، كالمعرفة الحاصلة للعرب الذين نزل القرآن بين ~~ظهرانيهم ، أم حصلت بالتلقي ms0011 والتعلم كالمعرفة الحاصلة للمولدين الذين ~~شافهوا بقية العرب ومارسوهم ، والمولدين الذين درسوا علوم اللسان ودونوها . # | إن القرآن كلام عربي فكانت قواعد العربية طريقا لفهم معانيه ، وبدون ~~ذلك يقع الغلط وسوء الفهم ، لمن ليس بعربي بالسليقة ، ونعني بقواعد العربية ~~مجموع علوم اللسان العربي ، وهي : متن اللغة ، والتصريف ، والنحو ، ~~والمعاني ، والبيان . ومن وراء ذلك استعمال العرب المتبع من أساليبهم في ~~خطبهم وأشعارهم وتراكيب بلغائهم ، ويدخل في ذلك ما يجري مجرى التمثيل ~~والاستئناس للتفسير من أفهام أهل اللسان أنفسهم لمعاني آيات غير واضحة ~~الدلالة عند المولدين ، قال في الكشاف : ومن حق مفسر كتاب الله الباهر ، ~~وكلامه المعجز أن يتعاهد في مذاهبه بقاء النظم على حسنه والبلاغة على ~~كمالها ، وما وقع به PageV01P018 التحدي سليما من القادح ، فإذا لم يتعاهد ~~أوضاع اللغة فهو من تعاهد النظم والبلاغة على مراحل ولعلمي البيان والمعاني ~~مزيد اختصاص بعلم التفسير لأنهما وسيلة لإظهار خصائص البلاغة القرآنية ، ~~وما تشتمل عليه الآيات من تفاصيل المعاني وإظهار وجه الإعجاز ولذلك كان ~~هذان العلمان يسميان في القديم علم دلائل الإعجاز قال في الكشاف : علم ~~التفسير الذي لا يتم لتعاطيه وإجالة النظر فيه كل ذي علم ، فالفقيه وإن برز ~~على الأقران في علم الفتاوى والأحكام ، والمتكلم وإن بز أهل الدنيا في ~~صناعة الكلام ، وحافظ القصص والأخبار وإن كان من ابن القرية أحفظ ، والواعظ ~~وإن كان من الحسن البصري أوعظ ، والنحوي وإن كان أنحى من سيبويه ، واللغوي ~~وإن علك اللغات بقوة لحييه ، لا يتصدى منهم أحد لسلوك تلك الطرائق ، ولا ~~يغوص على شئ من تلك الحقائق ، إلا رجل قد برع في علمين مختصين بالقرآن وهما ~~علما البيان والمعاني ا ه . | وقال في تفسير سورة الزمر عند قوله تعالى ) ~~والسماوات مطويات بيمينه ( : وكم من آية من آيات التنزيل وحديث من أحاديث ~~الرسول ، قد ضيم وسيم الخسف ، بالتأويلات الغثه ، والوجوه الرثة ، لأن من ~~تأولها ليس من هذا العلم في عير ولا نفير ، ولا يعرف قبيلا منه من دبير ~~يريد به علم البيان . وقال السكاكي في مقدمة القسم ms0012 الثالث من كتاب المفتاح ~~: وفيما ذكرنا ما ينبه على أن الواقف على تمام مراد الحكيم تعالى ، وتقدس ~~من كلامه مفتقر إلى هذين العلمين المعاني والبيان كل الافتقار ، فالويل كل ~~الويل لمن تعاطى التفسير وهو فيهما راجل ، قال السيد الجرجاني في شرحه : ~~ولا شك أن خواص نظم القرآن أكثر من غيرها فلابد لمن أراد الوقوف عليها ، إن ~~لم يكن بليغا سليقة ، من هذين العلمين . وقد أصاب السكاكي بذكر الحكيم ~~المحز ، أي أصاب المحز إذ خص بالذكر هذا الاسم من بين الأسماء الحسنى ، لأن ~~كلام الحكيم يحتوي على مقاصد جليلة ومعاني غالية ، لا يحصل الاطلاع على ~~جميعها أو معظمها إلا بعد التمرس بقواعد بلاغة الكلام المفرغة فيه ، وفي ~~قوله ينبه إشارة إلى أن من حقه أن يكون معلوما ولكنه قد يغفل عنه ، ~~PageV01P019 وقوله فالويل كل الويل تنفير ، لأن من لم يعرف هذين العلمين ~~إذا شرع في تفسير القرآن واستخراج لطائفه أخطأ غالبا ، وإن أصاب نادرا كان ~~مخطئا في إقدامه عليه ا ه . وقوله تمام مراد الحكيم ، أي المقصود هو معرفة ~~جميع مراد الله من قرآنه ، وذلك إما ليكثر الطلب واستخراج النكت ، فيدأب كل ~~أحد للاطلاع على غاية مراد الله تعالى ، وإما أن يكون المراد الذي نصب عليه ~~علامات بلاغية وهو منحصر فيما يقتضيه المقام بحسب التتبع ، والكل مظنة عدم ~~التناهي وباعث للناظر على بذل غاية الجهد في معرفته ، والناس متفاوتون في ~~هذا الاطلاع على قدر صفاء القرائح ووفرة المعلومات ، وقال أبو الوليد ابن ~~رشد ، في جوابه له عمن قال : إنه لا يحتاج إلى لسان العرب ما نصه : هذا ~~جاهل فلينصرف عن ذلك وليتب منه فإنه لا يصح شئ من أمور الديانة والإسلام ~~إلا بلسان العرب يقول الله تعالى ) بلسان عربي مبين ( إلا أن يرى أنه قال ~~ذلك لخبث في دينه فيؤدبه الإمام على قوله ذلك بحسب ما يرى فقد قال عظيما اه ~~، ومراد السكاكي من تمام مراد الله ما يتحمله الكلام من المعاني الخصوصية ، ~~فمن يفسر قوله تعالى ) إياك نعبد ( بإنا نعبدك ms0013 لم يطلع على تمام المراد ~~لأنه أهمل ما يقتضيه تقديم المفعول من القصد . # | وقال في آخر فن البيان من المفتاح : لا أعلم في باب التفسير بعد علم ~~الأصول أقرأ على المرء لمراد الله من كلامه ، من علمي المعاني والبيان ، ~~ولا أعون على تعاطي تأويل متشابهاته ، ولا أنفع في درك لطائف نكته وأسراره ~~، ولا أكشف للقناع عن وجه إعجازه ، ولكم آية من آيات القرآن تراها قد ضيمت ~~حقها واستلبت ماءها ورونقها أن وقعت إلى من ليسوا من أهل هذا العلم ، ~~فأخذوا بها في مآخذ مردودة ، وحملوها على محامل غير مقصودة إلخ . | وقال ~~الشيخ عبد القاهر في دلائل الإعجاز . في آخر فصل المجاز الحكمي : ومن عادة ~~قوم ممن يتعاطى التفسير بغير علم ، أن يتوهموا ألباب الألفاظ الموضوعة على ~~المجاز والتمثيل أنها على ظواهرها أي على الحقيقة ، فيفسدوا المعنى بذلك ~~ويبطلوا الغرض ويمنعوا أنفسهم والسامع منهم العلم بموضع البلاغة وبمكان ~~الشرف ، وناهيك بهم إذا أخذوا في ذكر الوجوه وجعلوا يكثرون في غير طائل ، ~~هنالك ترى ما شئت من باب جهل قد فتحوه ، وزند ضلالة قد قدحوا به . ~~PageV01P020 | وأما استعمال العرب ، فهو التملي من أساليبهم في خطبهم ~~وأشعارهم وأمثالهم وعوائدهم ومحادثاتهم ، ليحصل بذلك لممارسة المولد ذوق ~~يقوم عنده مقام السليقة والسجية عند العربي القح والذوق كيفية للنفس بها ~~تدرك الخواص والمزايا التي للكلام البليغ قال شيخنا الجد الوزير وهي ناشئة ~~عن تتبع استعمال البلغاء فتحصل لغير العربي بتتبع موارد الاستعمال والتدبر ~~في الكلام المقطوع ببلوغه غاية البلاغة ، فدعوى معرفة الذوق لا تقبل إلا من ~~الخاصة وهو يضعف ويقوي بحسب مثافنة ذلك التدبر اه . | ولله دره في قوله ~~المقطوع ببلوغه غاية البلاغة المشير إلى وجوب اختيار الممارس لما يطالعه من ~~كلامهم وهو الكلام المشهود له بالبلاغة بين أهل هذا الشأن ، نحو المعلقات ~~والحماسة ونحو نهج البلاغة ومقامات الحريري ورسائل بديع الزمان . | قال ~~صاحب المفتاح قبيل الكلام على اعتبارات الإسناد الخبري ليس من الواجب في ~~صناعته وإن كان المرجع في أصولها وتفاريعها إلى مجرد العقل ، أن ms0014 يكون ~~الدخيل فيها كالناشئ عليها في استفادة الذوق منها ، فكيف إذا كانت الصناعة ~~مستندة إلى تحكيمات وضيعة ، واعتبارات إلفية ، فلا بأس على الدخيل في علم ~~المعاني ، أن يقلد صاحبه في بعض فتاواه إن فاته الذوق هناك إلى أن يتكامل ~~له على مهل موجبات ذلك الذوق اه . | ولذلك أي لإيجاد الذوق أو تكميله لم ~~يكن غنى للمفسر في بعض المواضع من الاستشهاد على المراد في الآية ، ببيت من ~~الشعر ، أو بشيء من كلام العرب لتكميل ما عنده من الذوق ، عند خفاء المعنى ~~، ولإقناع السامع والمتعلم اللذين لم يكمل لهما الذوق في المشكلات . | وهذا ~~كما قلناه آنفا شئ وراء قواعد علم العربية . وعلم البلاغة به يحصل انكشاف ~~بعض المعاني واطمئنان النفس لها ، وبه يترجح أحد الاحتمالين على الآخر ~~معاني القرآن ألا ترى أنه لو اطلع أحد على تفسير قوله تعالى ) يا أيها ~~الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء ~~( ، وعرض لديه احتمال أن يكون عطف قوله ) ولا نساء ( على قوله ) قوم ( عطف ~~مباين ، أو عطف خاص على عام فاستشهد المفسر في ذلك بقول زهير : PageV01P021 ~~وما أدرى وسوف إخال أدري أقوم آل حصن أم نساء كيف تطمئن نفسه لاحتمال عطف ~~المباين دون عطف الخاص على العام ، وكذلك إذا رأى تفسير قوله تعالى ) ~~وامسحوا برؤوسكم ( وتردد عنده احتمال أن الباء فيه للتأكيد أو أنها للتبعيض ~~أو للآلة وكانت نفسه غير مطمئنة لاحتمال التأكيد إذ كان مدخول الباء مفعولا ~~فإذا استشهد له على ذلك بقول النابغة : لك الخير إن وارت بك الأرض واحدا ~~وأصبح جد الناس يظلع عاثرا وقول الأعشى : فكلنا مغرم يهوى بصاحبه قاص ودان ~~ومحبول ومحتبل رجح عنده احتمال التأكيد وظهر له أن دخول الباء على المفعول ~~للتأكيد طريقة مسلوكة في الاستعمال . | روى أئمة الأدب أن عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه قرأ على المنبر قوله تعالى ) أو يأخذهم على تخوف ( ثم قال ما ~~تقولون فيها ? أي في معنى التخوف ، فقام شيخ من هذيل ms0015 فقال : هذه لغتنا ، ~~التخوف التنقص ، فقال عمر : وهل تعرف العرب ذلك في كلامها ? قال : نعم . ~~قال : أبو كبير الهذلي : # تخوف الرحل منها تامكا قردا كما تخوف عود النبعة السفن فقال عمر عليكم ~~بديوانكم لا تضلوا ، هو شعر العرب فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم وعن ابن ~~عباس الشعر ديوان العرب فإذا خفي علينا الحرف من القرآن ، الذي أنزله الله ~~بلغتهم رجعنا إلى ديوانهم فالتمسنا معرفة ذلك منه وكان كثيرا ما ينشد الشعر ~~إذا سئل عن بعض حروف القرآن . قال القرطبي سئل ابن عباس ، عن السنة في قوله ~~تعالى ) لا تأخذه سنة ولا نوم ( فقال النعاس وانشد قول زهير : لا سنة في ~~طوال الليل تأخذه ولا ينام ولا في أمره فند وسئل عكرمة ما معنى الزنيم ، ~~فقال هو ولد الزنى وأنشد : زنيم ليس يعرف من أبوه بغى الأم ذو حسب لئيم ~~PageV01P022 فمما يؤثر عن أحمد بن حنبل رحمه الله ، أنه سئل عن تمثل الرجل ~~ببيت شعر لبيان معنى في القرآن فقال ما يعجبني فهو عجيب ، وإن صح عنه فلعله ~~يريد كراهة أن يذكر الشعر لإثبات صحة ألفاظ القرآن كما يقع من بعض الملاحدة ~~، روى أن ابن الراوندى وكان يزن بالإلحاد قال لابن الأعرابي : أتقول العرب ~~لباس التقوى فقال ابن الأعرابي لا باس لا باس ، وإذا أنجى الله الناس ، فلا ~~نجى ذلك الرأس ، هبك يابن الرواندي تنكر أن يكون محمد نبيا أفتنكر ان يكون ~~فصيحا عربيا ? . | ويدخل في مادة الاستعمال العربي ما يؤثر عن بعض السلف في ~~فهم معاني بعض الآيات على قوانين استعمالهم ، كما روى مالك في الموطأ عن ~~عروة بن الزبير قال قلت لعائشة وأنا يومئذ حديث السن : أرأيت قول الله ~~تعالى ) إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح ~~عليه أن يطوف بهما ( فما على الرجل شئ أن لا يطوف بهما ، فقالت عائشة : كلا ~~لو كان كما تقول ، لكانت فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما ، إنما نزلت هذه ~~الآية في الأنصار كانوا يهلون لمناة ms0016 الطاغية ، وكانت مناة حذو قديد ، ~~وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة ، فلما جاء الإسلام سألوا رسول ~~الله عن ذلك ، فأنزل الله : ) إن الصفا والمروة ( الآية اه ، فبينت له ~~ابتداء طريقة استعمال العرب لو كان المعنى كما وهمه عروة ثم بينت له مثار ~~شبهته الناشئة عن قوله تعالى ) فلا جناح عليه ( الذي ظاهره رفع الجناح عن ~~الساعي الذي يصدق بالإباحة دون الوجوب . | وأما الآثار فالمعني بها ، ما ~~نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ، من بيان المراد من بعض القرآن في مواضع ~~الإشكال والإجمال ، وذلك شئ قليل . قال ابن عطية عن عائشة ما كان رسول الله ~~يفسر من القرآن إلا آيات معدودات علمه إياهن جبريل ، قال معناه في مغيبات ~~القرآن وتفسير مجمله مما لا سبيل إليه إلا بتوقيف ، قلت : أو كان تفسير ألا ~~توقيف فيه ، كما بين لعدي بن حاتم أن الخيط الأبيض والخيط الأسود هما سواد ~~الليل وبياض النهار ، وقال له : إنك لعريض الوسادة ، وفي رواية إنك لعريض ~~القفا ، وما نقل عن الصحابة الذين PageV01P023 شاهدوا نزول الوحي من بيان ~~سبب النزول ، وناسخ ومنسوخ ، وتفسير مبهم ، وتوضيح واقعة من كل ما طريقهم ~~فيه الرواية عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، دون الرأي وذلك مثل كون المراد ~~من ) المغضوب عليهم ( اليهود ومن ) الضالين ( النصارى ، ومثل كون المراد من ~~قوله تعالى ) ذرني ومن خلقت وحيدا ( الوليد بن المغيرة المخزومي أبا خالد ~~بن الوليد ، وكون المراد من قوله تعالى ) أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال ~~لأوتين مالا وولدا ( الآية ، العاصي بن وائل السهمي في خصومته بينه وبين ~~خباب بن الأرت كما في صحيح البخاري في تفسير سورة المدثر . # | 0 # قال ابن عباس مكثت سنين أريد أن أسأل عمر عن المرأتين اللتين تظاهرتا على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يمنعني إلا مهابته ، ثم سألته فقال : هما ~~حفصة وعائشة . ومعنى كون أسباب النزول من مادة التفسير ، أنها تعين على ~~تفسير المراد ، وليس المراد أن لفظ الآية يقصر عليها ؛ لأن سبب النزول لا ~~يخصص ، قال ms0017 تقي الدين السبكي : وكما أن سبب النزول لا يخصص ، كذلك خصوص غرض ~~الكلام لا يخصص ، كأن يرد خاص ثم يعقبه عام للمناسبة فلا يقتضي تخصيص العام ~~، نحو ) فلا جناح عليهما أن يصالحا بينهما صلحا والصلح خير ( . وقد يكون ~~المروي في سبب النزول مبينا ومؤولا لظاهر غير مقصود ، فقد توهم قدامة بن ~~مظعون من قوله تعالى ) ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما ~~طعموا ( فاعتذر بها لعمر بن الخطاب في شرب قدامة خمرا ، روي أن عمر استعمل ~~قدامة ابن مظعون على البحرين فقدم الجارود على عمر فقال : إن قدامة شرب ~~فسكر ، فقال عمر : من يشهد على ما تقول ? قال الجارود : أبو هريرة يشهد على ~~ما أقول وذكر الحديث ، فقال عمر : ياقدامة إني جالدك ، قال والله لو شربت ~~كما يقولون ما كان لك أن تجلدني ، قال عمر : ولم ? قال لأن الله يقول ) ليس ~~على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح ( الخ ، فقال عمر : إنك أخطأت ~~التأويل يا قدامة ، إذا اتقيت الله اجتنبت ما حرم الله . وفي رواية فقال : ~~لم تجلدني بيني وبينك كتاب الله ، فقال عمر : وأي كتاب الله تجد أن لا ~~أجلدك ? قال : إن الله يقول في كتابه ) ليس على الذين آمنوا ( إلى آخر ~~الآية فأنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وأحسنوا ، شهدت مع ~~رسول الله بدرا واحدا والخندق والمشاهد ، فقال عمر : ألا تردون عليه قوله ~~فقال ابن عباس : إن هؤلاء الآيات أنزلن عذرا للماضين وحجة على الباقين ، ~~PageV01P024 فعذر الماضين بأنهم لقوا الله قبل أن تحرم عليهم الخمر ، وحجة ~~على الباقين لأن الله يقول : ) يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر ( ~~ثم قرأ إلى آخر الآية الأخرى ، فإن كان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات ثم ~~اتقوا وآمنوا وأحسنوا فإن الله قد نهى أن يشرب الخمر ، قال عمر : صدقت ~~الحديث . | وتشمل الآثار إجماع الأمة على تفسير معنى ، إذ لا يكون إلا عن ~~مستند كإجماعهم على أن المراد من الأخت في آية الكلالة الأولى هي الأخت ~~للأم ، وأن المراد من الصلاة ms0018 في سورة الجمعة هي صلاة الجمعة ، وكذلك ~~المعلومات بالضرورة كلها ككون الصلاة مرادا منها الهيئة المخصوصة دون ~~الدعاء ، والزكاة المال المخصوص المدفوع . | وأما القراءات فلا يحتاج إليها ~~إلا في حين الاستدلال بالقراءة على تفسير غيرها ، وإنما يكون في معنى ~~الترجيح لأحد المعاني القائمة من الآية أو لاستظهار على المعنى ، فذكر ~~القراءة كذكر الشاهد من كلام العرب ؛ لأنها إن كانت مشهورة ، فلا جرم أنها ~~تكون حجة لغوية ، وإن كانت شاذة فحجتها لا من حيث الرواية ، لأنها لا تكون ~~صحيحة الرواية ، ولكن من حيث إن قارئها ما قرأ بها إلا استنادا لاستعمال ~~عربي صحيح ، إذ لا يكون القارئ معتدا به إلا إذا عرفت سلامة عربيته ، كما ~~احتجوا على أن أصل ) الحمد لله ( أنه منصوب على المفعول المطلق بقراءة ~~هارون العتكي ) الحمد لله ( بالنصب كما في الكشاف ، وبذلك يظهر أن القراءة ~~لا تعد تفسيرا من حيث هي طريق في أداء ألفاظ القرآن ، بل من حيث أنها شاهد ~~لغوي فرجعت إلى علم اللغة . | وأما أخبار العرب فهي من جملة أدبهم . وإنما ~~خصصتها بالذكر تنبيها لمن يتوهم أن الاشتغال بها من اللغو فهي يستعان بها ~~على فهم ما أوجزه القرآن في سوقها لأن القرآن إنما يذكر القصص والأخبار ~~للموعظة والاعتبار ، لا لأن يتحادث بها الناس في الأسمار ، فبمعرفة الأخبار ~~يعرف ما أشارت له الآيات من دقائق المعاني ، فنحو قوله تعالى ) ولا تكونوا ~~كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا ( وقوله ) قتل أصحاب الأخدود ( يتوقف ~~على معرفة أخبارهم عند العرب . # | وأما أصول الفقه فلم يكونوا يعدونه من مادة التفسير ، ولكنهم يذكرون ~~أحكام الأوامر PageV01P025 والنواهي والعموم وهي من أصول الفقه ، فتحصل أن ~~بعضه يكون مادة للتفسير ، وذلك من جهتين : إحداهما أن علم الأصول قد أودعت ~~فيه مسائل كثيرة هي من طرق استعمال كلام العرب وفهم موارد اللغة أهمل ~~التنبيه عليها علماء العربية مثل مسائل الفحوى ومفهوم المخالفة ، وقد عد ~~الغزالي علم الأصول من جملة العلوم التي تتعلق بالقرآن وبأحكامه فلا جرم أن ~~يكون مادة للتفسير . | الجهة الثانية ms0019 : أن علم الأصول يضبط قواعد الاستنباط ~~ويفصح عنها فهو آلة للمفسر في استنباط المعاني الشرعية من آياتها . | وقد ~~عد عبد الحكيم والآلوسي ، أخذا من كلام السكاكي ، في آخر فن البيان الذي ~~تقدم آنفا وما شرحه به شارحاه التفتزاني والجرجاني ، علم الكلام في جملة ما ~~يتوقف عليه علم التفسير ، قال عبد الحكيم : لتوقف علم التفسير على إثبات ~~كونه تعالى متكلما ، وذلك يحتاج إلى علم الكلام . | وقال الآلوسي لتوقف فهم ~~ما يجوز على الله ويستحيل على الكلام يعني من آيات التشابه في الصفات مثل ~~الرحمن على العرش استوى ، وهذا التوجيه أقرب من توجيه عبد الحكيم ، وهو ~~مأخوذ من كلام السيد الجرجاني في شرح المفتاح ، وكلاهما اشتباه لأن كون ~~القرآن كلام الله قد تقرر عند سلف الأمة قبل علم الكلام ، ولا أثر له في ~~التفسير ، وأما معرفة ما يجوز وما يستحيل فكذلك ، ولا يحتاج لعلم الكلام ~~إلا في التوسع في إقامة الأدلة على استحالة بعض المعاني ، وقد أبنت أن ما ~~يحتاج إليه المتوسع لا يصير مادة للتفسير . | ولم نعد الفقه من مادة علم ~~التفسير كما فعل السيوطي ، لعدم توقف فهم القرآن ، على مسائل الفقه ، فإن ~~علم الفقه متأخر عن التفسير وفرع عنه ، وإنما يحتاج المفسر إلى مسائل الفقه ~~، عند قصد التوسع في تفسيره ، للتوسع في طرق الاستنباط وتفصيل المعاني ~~تشريعا وآدابا وعلوما ، ولذلك لا يكاد يحصر ما يحتاجه المتبحر في ذلك من ~~العلوم ، ويوشك أن يكون المفسر المتوسع محتاجا إلى الإلمام بكل العلوم وهذا ~~المقام هو الذي أشار له البيضاوي بقوله : لا يليق لتعاطيه ، والتصدي للتكلم ~~فيه ، إلا من برع في العلوم الدينية كلها أصولها وفروعها وفي الصناعات ~~العربية والفنون الأدبية بأنواعها . PageV01P026 | تنبيه : اعلم أنه لا يعد ~~من استمداد علم التفسير ، الآثار المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~تفسير آيات ، ولا ما يروى عن الصحابة في ذلك لأن ذلك من التفسير لا من مدده ~~، ولا يعد أيضا من استمداد التفسير ما في بعض آي القرآن من معنى يفسر بعضا ~~آخر منها ms0020 ، لأن ذلك من قبيل حمل بعض الكلام على بعض ، كتخصيص العموم وتقييد ~~المطلق وبيان المجمل وتأويل الظاهر ودلالة الاقتضاء وفحوى الخطاب ولحن ~~الخطاب ، ومفهوم المخالفة . | ذكر ابن هشام ، في مغنى اللبيب ، في حرف لا ، ~~عن أبي علي الفارسي ، أن القرآن كله كالسورة الواحدة ، ولهذا يذكر الشيء في ~~سورة وجوابه في سورة أخرى ، نحو ) وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك ~~لمجنون ( وجوابه ) ما أنت بنعمة ربك بمجنون ( اه . | وهذا كلام لا يحسن ~~إطلاقه ، لأن القرآن قد يحمل بعض آياته على بعض وقد يستقل بعضها عن بعض ، ~~إذ ليس يتعين أن يكون المعنى المقصود في بعض الآيات مقصودا في جميع نظائرها ~~، بله ما يقارب غرضها . | واعلم أن استمداد علم التفسير ، من هذه المواد لا ~~ينافي كونه رأس العلوم الإسلامية كما تقدم ، لأن كونه رأس العلوم الإسلامية ~~، معناه أنه أصل لعلوم الإسلام على وجه الإجمال ، فأما استمداده من بعض ~~العلوم الإسلامية ، فذلك استمداد لقصد تفصيل التفسير على وجه أتم من ~~الإجمال ، وهو أصل لما استمد منه باختلاف الاعتبار على ما حققه عبد الحكيم ~~. PageV01P027 # المقدمة الثالثة # في صحة التفسير بغير المأثور ومعنى التفسير بالرأي ونحوه # | إن قلت : أتراك بما عددت من علوم التفسير تثبت أن تفسيرا كثيرا للقرآن ~~لم يستند إلى مأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه ، وتبيح لمن ~~استجمع من تلك العلوم حظا كافيا وذوقا ينفتح له بهما من معاني القرآن ما ~~ينفتح عليه ، أن يفسر من آي القرآن بما لم يؤثر عن هؤلاء ، فيفسر بمعان ~~تقتضيها العلوم التي يستمد منها علم التفسير ، وكيف حال التحذير الواقع في ~~الحديث الذي رواه الترمذي عن ابن عباس أن رسول الله قال من قال في القرآن ~~برأيه فليتبوأ مقعده من النار ، وفي رواية : من قال في القرآن بغير علم ~~فليتبوأ مقعده من النار . والحديث الذي رواه أبو داود والترمذي والنسائي أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال : من تكلم في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ ~~وكيف محمل ما روي من ms0021 تحاشي بعض السلف عن التفسير بغير توقيف ? فقد روي عن ~~أبي بكر الصديق أنه سئل عن تفسير الأب في قوله وفاكهة وأبا فقال : أي أرض ~~تقلني ، وأي سماء تظلني إذا قلت في القرآن برأيي . ويروى عن سعيد بن المسيب ~~والشعبي إحجامهما عن ذلك . | قلت : أراني كما حسبت أثبت ذلك وأبيحه ، وهل ~~اتسعت التفاسير وتفننت مستنبطات معاني القرآن إلا بما رزقه الذين أوتوا ~~العلم من فهم في كتاب الله . وهل يتحقق قول علمائنا إن القرآن لا تنقضي ~~عجائبه إلا بازدياد المعاني باتساع التفسير ? ولولا ذلك لكان تفسير القرآن ~~مختصرا في ورقات قليلة . وقد قالت عائشة : ما كان رسول الله يفسر من كتاب ~~الله إلا آيات معدودات علمه جبريل إياهن كما تقدم في المقدمة الثانية . | ~~ثم لو كان التفسير مقصورا على بيان معاني مفردات القرآن من جهة العربية ~~لكان التفسير نزرا ، ونحن نشاهد كثرة أقوال السلف من الصحابة ، فمن يليهم ~~في تفسير آيات القرآن وما أكثر ذلك الاستنباط برأيهم وعلمهم . قال الغزالي ~~والقرطبي : لا يصح أن يكون كل ما قاله الصحابة في التفسير مسموعا من النبي ~~صلى الله عليه وسلم لوجهين : أحدهما : أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يثبت ~~عنه من التفسير إلا تفسير آيات قليلة وهي ما تقدم عن عائشة . الثاني أنهم ~~اختلفوا في التفسير على وجوه مختلفة لا يمكن الجمع بينها . PageV01P028 ~~وسماع جميعها من رسول الله محال ، ولو كان بعضها مسموعا لترك الآخر ، أي لو ~~كان بعضها مسموعا لقال قائله : إنه سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فرجع إليه من خالفه ، فتبين على القطع أن كل مفسر قال في معنى الآية بما ~~ظهر له باستنباطه . روى البخاري في صحيحه عن أبي جحيفة قال : قلت لعلي : هل ~~عندكم شيء من الوحي إلا ما في كتاب الله ? قال لا والذي فلق الحبة وبرأ ~~النسمة لا أعلمه إلا فهما يعطيه الله رجلا في القرآن إلخ وقد دعا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عباس فقال اللهم فقهه ms0022 في الدين وعلمه ~~التأويل واتفق العلماء على أن المراد بالتأويل تأويل القرآن ، وقد ذكر ~~فقهاؤنا في آداب قراءة القرآن أن التفهم مع قلة القراءة أفضل من كثرة ~~القراءة بلا تفهم ، قال الغزالي في الإحياء التدبر في قراءته إعادة النظر ~~في الآية والتفهم أن يستوضح من كل آية ما يليق بها كي تتكشف له من الأسرار ~~معان مكنونة لا تتكشف إلا للموفقين قال : ومن موانع الفهم أن يكون قد قرأ ~~تفسيرا واعتقد أن لا معنى لكلمات القرآن إلا ما تناوله النقل عن ابن عباس ~~وابن مجاهد ، وأن ما وراء ذلك تفسير بالرأي فهذا من الحجب العظيمة وقال فخر ~~الدين في تفسير قوله تعالى ) وعاشروهن بالمعروف ( في سورة النساء : وقد ثبت ~~في أصول الفقه أن المتقدمين إذا ذكروا وجها في تفسير الآية فذلك لا يمنع ~~المتأخرين من استخراج وجه آخر في تفسيرها وإلا لصارت الدقائق التي يستنبطها ~~المتأخرون في التفسير مردودة ، وذلك لا يقوله إلا مقلد خلف بضم الخاء ا ه . ~~وقال سفيان بن عيينة في قوله تعالى ) ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل ~~الظالمون ( هي تسلية للمظلوم وتهديد للظالم ، فقيل له : من قال هذا ? فغضب ~~وقال : إنما قاله من علمه يريد نفسه ، وقال أبو بكر ابن العربي في العواصم ~~إنه أملى على سورة نوح خمسمائة مسألة وعلى قصة موسى ثمانمائة مسألة . # | وهل استنباط الأحكام التشريعية من القرآن في خلال القرون الثلاثة ~~الأولى من قرون الإسلام إلا من قبيل التفسير لآيات القرآن بما لم يسبق ~~تفسيرها به قبل ذلك ? وهذا الإمام الشافعي يقول : تطلبت دليلا على حجية ~~الإجماع فظفرت به في قوله تعالى ) ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له ~~الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا ( . | ~~قال شرف الدين الطيبي في شرح الكشاف في سورة الشعراء : شرط التفسير الصحيح ~~PageV01P029 أن يكون مطابقا للفظ من حيث الاستعمال ، سليما من التكلف عريا ~~من التعسف ، وصاحب الكشاف يسمي ما كان على خلاف ذلك بدع التفاسير . | وأما ~~الجواب عن ms0023 الشبهة التي نشأت من الآثار المروية في التحذير من تفسير القرآن ~~بالرأي فمرجعه إلى أحد خمسة وجوه : أولها أن المراد بالرأي هو القول عن ~~مجرد خاطر دون استناد إلى نظر في أدلة العربية ومقاصد الشريعة وتصاريفها ، ~~وما لا بد منه من معرفة الناسخ والمنسوخ وسبب النزول ، فهذا لا محالة إن ~~أصاب فقد أخطأ في تصوره بلا علم ، لأنه لم يكن مضمون الصواب كقول المثل ~~رمية من غير رام وهذا كمن فسر آلم إن الله أنزل جبريل على محمد بالقرآن ~~فإنه لا مستند لذلك ، وأما ما روي عن الصديق رضي الله عنه فيما تقدم في ~~تفسير الآية فذلك من الورع خشية الوقوع في الخطأ في كل ما لم يقم له فيه ~~دليل أو في مواضع لم تدع الحاجة إلى التفسير فيها ، ألم تر أنه سئل عن ~~الكلالة في آية النساء فقال أقول فيها برأي فإن كان صوابا فمن الله وإن كان ~~خطأ فمني ومن الشيطان الخ . وعلى هذا المحمل ما روي عن الشعبي وسعيد أي ~~أنهما تباعدا عما يوقع في ذلك ولو على احتمال بعيد مبالغة في الورع ودفعا ~~للاحتمال الضعيف ، وإلا فإن الله تعالى ما تعبدنا في مثل هذا إلا ببذل ~~الوسع مع ظن الإصابة . | ثانيها : أن لا يتدبر القرآن حق تدبره فيفسره بما ~~يخطر له من بادئ الرأي دون إحاطة بجوانب الآية ومواد التفسير مقتصرا على ~~بعض الأدلة دون بعض كأن يعتمد على ما يبدو من وجه في العربية فقط ، كمن ~~يفسر قوله تعالى : ) ما أصابك من حسنة فمن الله ( الآية على ظاهر معناها ~~يقول ، إن الخير من الله والشر من فعل الإنسان بقطع النظر على الأدلة ~~الشرعية التي تقتضي أن لا يقع إلا ما أراد الله غافلا عما سبق من قوله ~~تعالى ) قل كل من عند الله ( أو بما يبدو من ظاهر اللغة دون استعمال العرب ~~كمن يقول في قوله تعالى ) وآتينا ثمود الناقة مبصرة ( فيفسر مبصرة بأنها ~~ذات بصر لم تكن عمياء ، فهذا من الرأي المذموم لفساده ms0024 . PageV01P030 | ~~ثالثها : أن يكون له ميل إلى نزعة أو مذهب أو نحلة فيتأول القرآن على وفق ~~رأيه ويصرفه عن المراد ويرغمه على تحمله ما لا يساعد عليه المعنى المتعارف ~~، فيجر شهادة القرآن لتقرير رأيه ويمنعه عن فهم القرآن حق فهمه ما قيد عقله ~~من التعصب ، عن أن يجاوزه فلا يمكنه أن يخطر بباله غير مذهبه حتى إن لمع له ~~بارق حق وبدا له معنى يباين مذهبه حمل عليه شيطان التعصب حملة وقال كيف ~~يخطر هذا ببالك ، وهو خلاف معتقدك كمن يعتقد من الاستواء على العرش التمكن ~~والاستقرار ، فإن خطر له أن معنى قوله تعالى ) القدوس ( أنه المنزه عن كل ~~صفات المحدثات حجبة تقليده عن أن يتقرر ذلك في نفسه ، ولو تقرر لتوصل فهمه ~~فيه إلى كشف معنى ثان أو ثالث ، ولكنه يسارع إلى دفع ذلك عن خاطره لمناقضته ~~مذهبه . | وجمود الطبع على الظاهر مانع من التوصل للغور . كذلك تفسير ~~المعتزلة قوله ) إلى ربها ناظرة ( بمعنى أنها تنتظر نعمة ربها على أن إلى ~~واحد الآلاء مع ما في ذلك من الخروج عن الظاهر وعن المأثور وعن المقصود من ~~الآية . وقالت البيانية في قوله تعالى ) هذا بيان للناس ( : إنه بيان ابن ~~سمعان كبير مذهبهم . وكانت المنصورية أصحاب أبي منصور الكسف يزعمون أن ~~المراد من قوله تعالى ) وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم ( ~~أن الكسف إمامهم نازل من السماء ، وهذا إن صح عنهم ولم يكن من ملصقات ~~أضدادهم فهو تبديل للقرآن ومروق عن الدين . | رابعها : أن يفسر القرآن برأي ~~مستند إلى ما يقتضيه اللفظ ثم يزعم أن ذلك هو المراد دون غيره لما في ذلك ~~من التضييق على المتأولين . # | خامسها : أن يكون القصد من التحذير أخذ الحيطة في التدبر والتأويل ونبذ ~~التسرع إلى ذلك ، وهذا مقام تفاوت العلماء فيه واشتد الغلو في الورع ببعضهم ~~حتى كان لا يذكر تفسير شيء غير عازية إلى غيره . وكان الأصمعي لا يفسر كلمة ~~من العربية إذا كانت واقعة في القرآن ، PageV01P031 ذكر ذلك في المزهر فأبى ms0025 ~~أن يتكلم في أن سرى وأسرى بمعنى واحد ، لأن أسرى ذكرت في القرآن ، ولا في ~~أن عصفت الريح وأعصفت بمعنى واحد لأنها في القرآن ، وقال : الذي سمعته في ~~معنى الخليل أنه أصفى المودة وأصمها ولا أزيد فيه شيئا لأنه في القرآن اه . ~~| فهذا ضرب من الورع يعتري بعض الناس لخوف ، وأنه قد يعتري كثيرا من أهل ~~العلم والفضل ، وربما تطرق إلى بعضهم في بعض أنواع الأحوال دون بعض ، فتجد ~~من يعتريه ذلك في العلم ولا يعتريه في العقل ، وقد تجد العكس ، والحق أن ~~الله ما كلفنا في غير أصول الإعتقاد بأكثر من حصول الظن المستند إلى الأدلة ~~والأدلة متنوعة على حسب أنواع المستند فيه ، وأدلة فهم الكلام معروفة وقد ~~بيناها . | أما الذين جمدوا على القول بأن تفسير القرآن يجب أن لا يعدو ما ~~هو مأثور فهم رموا هذه الكلمة على عواهنها ولم يضبطوا مرادهم من المأثور ~~عمن يؤثر ، فإن أرادوا به ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم من تفسير بعض ~~آيات إن كان مرويا بسند مقبول من صحيح أو حسن ، فإذا التزموا هذا الظن بهم ~~فقد ضيقوا سعة معاني القرآن وينابيع ما يستنبط من علومه ، وناقضوا أنفسهم ~~فيما دونوه من التفاسير ، وغلطوا سلفهم فيما تأولوه ، إذ لا ملجأ لهم من ~~الاعتراف بأن أئمة المسلمين من الصحابة فمن بعدهم لم يقصروا أنفسهم على أن ~~يرووا ما بلغهم من تفسير عن النبي صلى الله عليه وسلم . وقد سأل عمر بن ~~الخطاب أهل العلم عن معاني آيات كثيرة ولم يشترط عليهم أن يرووا له ما ~~بلغهم في تفسيرها عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وإن أرادوا بالمأثور ما ~~روى عن النبي وعن الصحابة خاصة وهو ما يظهر من صنيع السيوطي في تفسيره الدر ~~المنثور ، لم يتسع ذلك المضيق إلا قليلا ولم يغن عن أهل التفسير فتيلا ، ~~لأن أكثر الصحابة لا يؤثر عنهم في التفسير إلا شيء قليل سوى ما يروى عن علي ~~بن أبي طالب على ما فيه من صحيح وضعيف ms0026 وموضوع ، وقد ثبت عنه أنه قال : ما ~~عندي مما ليس في كتاب الله شيء إلا فهما يؤتيه الله . وما يروي عن ابن ~~مسعود وعبد الله بن عمر وأنس وأبي هريرة . وأما ابن عباس فكان أكثر ما يروي ~~عنه قولا برأيه على تفاوت بين رواته . وإن أرادوا بالمأثور ما كان مرويا ~~قبل تدوين التفاسير الأول مثل ما يروي عن أصحاب ابن عباس وأصحاب ابن مسعود ~~، فقد أخذوا يفتحون الباب من شقه ، ويقربون ما بعد من الشقة ، إذ لا محيص ~~لهم من الاعتراف بأن التابعين قالوا أقوالا في معاني القرآن PageV01P032 لم ~~يسندوها ولا ادعوا أنها محذوفة الأسانيد ، وقد اختلفت أقوالهم في معاني ~~آيات كثيرة اختلافا ينبئ إنباء واضحا بأنهم تأولوا تلك الآيات من أفهامهم ~~كما يعلمه من له علم بأقوالهم ، وهي ثابتة في تفسير الطبري ونظرائه ، وقد ~~التزم الطبري في تفسيره أن يقتصر على ما هو مروي عن الصحابة والتابعين ، ~~لكنه لا يلبث في كل آية ان يتخطى ذلك إلى اختياره منها وترجيح بعضها على ~~بعض بشواهد من كلام العرب ، وحسبه بذلك تجاوزا لما حدده من الاقتصار على ~~التفسير بالمأثور وذلك طريق ليس بنهج ، وقد سبقه إليه بقي ابن مخلد ولم نقف ~~على تفسيره ، وشاكل الطبري فيه معاصروه ، مثل ابن حاتم وابن مردويه والحاكم ~~، فلله در الذين لم يحبسوا أنفسهم في تفسير القرآن على ما هو مأثور مثل ~~الفراء وأبي عبيدة من الأولين ، والزجاج والرماني ممن بعدهم ، ثم الذين ~~سلكوا طريقهم مثل الزمخشري وابن عطية . # | وإذ قد تقصينا مثارات التفسير بالرأي المذموم وبينا لكم الأشياء ~~والأمثال ، بما لا يبقي معه للاشتباه من مجال ، فلا نجاوز هذا المقام ما لم ~~ننبهكم إلى حال طائفة التزمت تفسير القرآن بما يوافق هواها ، وصرفوا ألفاظ ~~القرآن عن ظواهرها بما سموه الباطن ، وزعموا أن القرآن إنما نزل متضمنا ~~لكنايات ورموز عن أغراض ، وأصل هؤلاء طائفة من غلاة الشيعة عرفوا عند أهل ~~العلم بالباطنية فلقبوهم بالوصف الذي عرفوهم به ، وهم يعرفون عند المؤرخين ~~بالإسماعيلية لأنهم ينسبون مذهبهم إلى ms0027 جعفر بن إسماعيل الصادق ، ويعتقدون ~~عصمته وإمامته بعد أبيه بالوصاية ، ويرون أن لا بد للمسلمين من إمام هدى من ~~آل البيت هو الذي يقيم الدين ، ويبين مراد الله . ولما توقعوا أن يحاجهم ~~العلماء بأدلة القرآن والسنة رأوا ان لا محيص لهم من تأويل تلك الحجج التي ~~تقوم في وجه بدعتهم ، وأنهم إن خصوها بالتأويل وصرف اللفظ إلى الباطن ~~اتهمهم الناس بالتعصب والتحكم فرأوا صرف جميع القرآن عن ظاهره وبنوه على أن ~~القرآن رموز لمعان خفية في صورة ألفاظ تفيد معاني ظاهرة ليشتغل بها عامة ~~المسلمين ، وزعموا أن ذلك شأن الحكماء ، فمذهبهم مبني على قواعد الحكمة ~~الإشراقية ومذهب التناسخ والحلولية فهو خليط من ذلك ، ومن طقوس الديانات ~~اليهودية والنصرانية وبعض طرائق الفلسفة ودين زرادشت . وعندهم أن الله يحل ~~في كل رسول وإمام وفي الأماكن المقدسة ، PageV01P033 وأنه يشبه الخلق تعالى ~~وتقدس وكل علوي يحل فيه الإله . وتكلفوا لتفسير القرآن بما يساعد الأصول ~~التي أسسوها . ولهم في التفسير تكلفات ثقيلة منها قولهم ان قوله تعالى ) ~~وعلى الأعراف رجال ( أن جبلا يقال له الأعراف هو مقر أهل المعارف الذين ~~يعرفون كلا بسيماهم . وأن قوله تعالى ) وإن منكم غلا واردها ( أي لا يصل ~~أحد إلى الله إلا بعد جوازه على الآراء الفاسدة إما في صباه ، أو بعد ذلك ، ~~ثم ينجي الله من يشاء . وإن قوله تعالى ) اذهبا إلى فرعون إنه طغى ( أراد ~~بفرعون القلب . وقد تصدى للرد عليهم الغزالي في كتابه الملقب ب المستظهري . ~~وقال إذا قلنا بالباطن فالباطن لا ضبط له بل تتعارض فيه الخواطر فيمكن ~~تنزيل الآية على وجوه شتى اه يعني والذي يتخذونه حجة لهم يمكن أن نقلبه ~~عليهم وندعي أنه باطن القرآن لأن المعنى الظاهر هو الذي لا يمكن اختلاف ~~الناس فيه لاستناده للغة الموضوعة من قبل . وأما الباطن فلا يقوم فهم أحد ~~فيه حجة على غيره اللهم إلا إذا زعموا أنه لا يتلقى إلا من الإمام المعصوم ~~ولا إخالهم إلا قائلين ذلك . ويؤيد هذا ما وقع في بعض قراطيسهم قالوا ms0028 إنما ~~ينتقل إلى البدل مع عدم الأصل ، والنظر بدل من الخبر فإن كلام الله هو ~~الأصل فهو خلق الإنسان وعلمه البيان والإمام هو خليفته ومع وجود الخليفة ~~الذي يبين قوله فلا ينتقل إلى النظر اه وبين ابن الغربي في كتاب العواصم ~~شيئا من فضائح مذهبهم بما لا حاجة إلى التطويل به هنا . فإن قلت فما روى : ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن للقرآن ظهرا وبطنا وحدا ومطلعا . وعن ~~ابن عباس أنه قال : إن للقرآن ظهرا وبطنا . قلت لم يصح ما روى عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ، بله المروي عن ابن عباس فمن هو المتصدي لروايته عنه ? على ~~أنهم ذكروا من بقية كلام ابن عباس أنه قال فظهره التلاوة وبطنه التأويل فقد ~~أوضح مراده إن صح عنه بأن الظهر هو اللفظ والبطن هو المعنى . ومن تفسير ~~الباطنية تفسير القاشاني وكثير من أقوالهم مبثوث في رسائل إخوان الصفاء . # | أما ما يتكلم به أهل الإشارات من الصوفية في بعض آيات القرآن من معان ~~لا تجري على ألفاظ القرآن ولكن بتأويل ونحوه فينبغي أن تعلموا أنهم ما ~~كانوا يدعون أن كلامهم في ذلك تفسير للقرآن ، بل يعنون أن الآية تصلح ~~للتمثل بها في الغرض المتكلم فيه ، وحسبكم في ذلك أنهم سموها إشارات ولم ~~يسموها معاني ، فبذلك فارق قولهم قول الباطنية . ولعلماء الحق فيها رأيان : ~~فالغزالي يراها مقبولة ، قال في كتاب من الإحياء : إذا قلنا فى قوله صلى ~~PageV01P034 الله عليه وسلم لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة فهذا ~~ظاهره أو إشارته أن القلب بيت وهو مهبط الملائكة ومستقر آثارهم ، والصفات ~~الرديئة كالغضب والشهوة والحسد والحقد والعجب كلاب نابحة في القلب فلا ~~تدخله الملائكة وهو مشحون بالكلاب ، ونور الله لا يقذفه في القلب إلا ~~بواسطة الملائكة ، فقلب كهذا لا يقذف فيه النور . وقال : ولست أقول إن ~~المراد من الحديث بلفظ البيت القلب وبالكلب الصفة المذمومة ولكن أقول هو ~~تنبيه عليه ، وفرق بين تغيير الظاهر وبين التنبيه على البواطن من ذكر ~~الظواهر ms0029 ا ه . فبهذه الدقيقة فارق نزعة الباطنية . ومثل هذا قريب من تفسير ~~لفظ عام في آية بخاص من جزئياته كما وقع في كتاب المغازي من صحيح البخاري ~~عن عمرو بن عطاء في قوله تعالى ) ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا ( ~~قال هم كفار قريش ، ومحمد نعمة الله ) وأحلوا قومهم دار البوار ( قال يوم ~~بدر : وابن العربي في كتاب العواصم يرى إبطال هذه الإشارات كلها حتى أنه ~~بعد أن ذكر نحلة الباطنية وذكر رسائل إخوان الصفاء أطلق القول في إبطال أن ~~يكون للقرآن باطن غير ظاهره ، وحتى أنه بعد ما نوه بالثناء على الغزالي في ~~تصديه للرد على الباطنية والفلاسفة قال : وقد كان أبو حامد بدرا في ظلمة ~~الليالي ، وعقدا في لبة المعالي ، حتى أوغل في التصوف ، وأكثر معهم التصرف ~~، فخرج عن الحقيقة ، وحاد في أكثر أقواله عن الطريقة اه . | وعندي إن هذه ~~الإشارات لا تعدو واحدا من ثلاثة أنحاء : الأول ما كان يجري فيه معنى الآية ~~مجرى التمثيل لحال شبيه بذلك المعنى كما يقولون مثلا ومن أظلم ممن منع ~~مساجد الله أن يذكر فيها اسمه أنه إشارة للقلوب لأنها مواضع الخضوع لله ~~تعالى إذ بها يعرف فتسجد له القلوب بفناء النفوس . ومنعها من ذكره هو ~~الحيلولة بينها وبين المعارف اللدنية ، وسعى في خرابها بتكديرها بالتعصبات ~~وغلبة الهوى ، فهذا يشبه ضرب المثل لحال من لا يزكي نفسه بالمعرفة ويمنع ~~قلبه أن تدخله صفات الكمال الناشئة عنها بحال مانع المساجد أن يذكر فيها ~~اسم الله ، وذكر الآية عند تلك الحالة كالنطق بلفظ المثل ، ومن هذا قولهم ~~في حديث لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب كما تقدم عن الغزالي . الثاني : ما ~~كان من نحو التفاؤل فقد يكون للكلمة معنى يسبق من صورتها إلى السمع هو غير ~~معناها المراد وذلك من باب انصراف ذهن السامع إلى ما هو المهم عنده ، والذي ~~يجول في خاطره PageV01P035 وهذا كمن قال في قوله تعالى ) من ذا الذي يشفع ( ~~من ذل ذي إشارة للنفس يصير من المقربين ms0030 للشفعاء ، فهذا يأخذ صدى موقع ~~الكلام في السمع ويتأوله على ما شغل به قلبه . ورأيت الشيخ محي الدين يسمي ~~هذا النوع سماعا ولقد أبدع . الثالث : عبر ومواعظ وشأن أهل النفوس اليقظى ~~أن ينتفعوا من كل شيء ويأخذوا الحكمة حيث وجدوها فما ظنك بهم إذا قرأوا ~~القرآن وتدبروه فاتعظوا بمواعظه فإذا أخذوا من قوله تعالى ) فعصى فرعون ~~الرسول فأخذناه أخذا وبيلا ( اقتبسوا أن القلب الذي لم يمتثل رسول المعارف ~~العليا تكون عاقبته وبالا . ومن حكاياتهم في غير باب التفسير أن بعضهم مر ~~برجل يقول لآخر : هذا العود لا ثمرة فيه فلم يعد صالحا إلا للنار ، فجعل ~~يبكي ويقول : إذن فالقلب غير المثمر لا يصلح إلا للنار . # | فنسبة الإشارة إلى لفظ القرآن مجازية لأنها إنما تشير لمن استعدت ~~عقولهم وتدبرهم في حال من الأحوال الثلاثة ولا ينتفع بها غير أولئك ، فلما ~~كانت آيات القرآن قد أنارت تدبرهم وأثارت اعتبارهم نسبوا تلك الإشارة للآية ~~. فليست تلك الإشارة هي حق الدلالة اللفظية والاستعمالية حتى تكون من لوازم ~~اللفظ وتوابعه كما قد تبين . وكل إشارة خرجت عن حد هذه الثلاثة الأحوال إلى ~~ما عداها فهي تقترب إلى قول الباطنية رويدا رويدا إلى أن تبلغ عين مقالاتهم ~~وقد بصرناكم بالحد الفارق بينهما ، فإذا رأيتم اختلاطه فحققوا مناطه ، وفي ~~أيديكم فيصل الحق فدونكم اختراطه . | وليس من الإشارة ما يعرف في الأصول ~~بدلالة الإشارة ، وفحوى الخطاب ، وفهم الاستغراق من لام التعريف في المقام ~~الخطابي ، ودلالة التضمن والالتزام كما أخذ العلماء من تنبيهات القرآن ~~استدلالا لمشروعية أشياء ، كاستدلالهم على مشروعية الوكالة من قوله تعالى ) ~~فابعثوا أحدكم بورقكم هذه ( ومشروعية الضمان من قوله ) وأنا به زعيم ( . ~~ومشروعية القياس من قوله ) لتحكم بين الناس بما أراك الله ( ولا بما هو ~~بالمعنى المجازي نحو ) يا جبال أوبي معه ( و ) فقال لها وللأرض ائتيا طوعا ~~أو كرها قالتا أتينا طائعين ( ولا ما هو من تنزيل الحال منزلة المقال نحو ) ~~وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ( لأن جميع هذا مما ms0031 قامت ~~فيه الدلالة العرفية مقام الوضعية واتحدت في إدراكه أفهام أهل العربية فكان ~~من المدلولات التبعية . PageV01P036 | قال في الكشاف : وكم من آية أنزلت في ~~شأن الكافرين وفيها أوفر نصيب للمؤمنين تدبرا لها واعتبارا بموردها . يعني ~~أنها في شأن الكافرين من دلالة العبارة وفي شأن المؤمنين من دلالة الإشارة ~~. | هذا وإن واجب النصح في الدين والتنبيه إلى ما يغفل عنه المسلمون مما ~~يحسبونه هينا وهو عند الله عظيم قضي علي أن أنبه إلى خطر أمر تفسير الكتاب ~~والقول فيه دون مستند من نقل صحيح عن أساطين المفسرين أو إبداء تفسير أو ~~تأويل من قائله إذا كان القائل توفرت فيه شروط الضلاعة في العلوم التي سبق ~~ذكرها في المقدمة الثانية . | فقد رأينا تهافت كثير من الناس على الخوض في ~~تفسير آيات من القرآن فمنهم من يتصدى لبيان معنى الآيات على طريقة كتب ~~التفسير ومنهم من يضع الآية ثم يركض في أساليب المقالات تاركا معنى الآية ~~جانبا ، جالبا من معاني الدعوة والموعظة ما كان جالبا ، وقد دلت شواهد ~~الحال على ضعف كفاية البعض لهذا العمل العلمي الجليل فيجب على العاقل أن ~~يعرف قدره ، وأن لا يتعدى طوره ، وأن يرد الأشياء إلى أربابها ، كي لا ~~يختلط الخاثر بالزباد ، ولا يكون في حالك سواد ، وإن سكوت العلماء على ذلك ~~زيادة في الورطة ، وإفحاش لأهل هذه الغلطة ، فمن يركب متن عمياء ، ويخبط ~~خبط عشواء ، فحق على أساطين العلم تقويم اعوجاجه ، وتمييز حلوه من أجاجه ، ~~تحذيرا للمطالع ، وتنزيلا في البرج والطالع . PageV01P037 # المقدمة الرابعة # فيما يحق أن يكون غرض المفسر | كأني بكم وقد مر على أسماعكم ووعت ألبابكم ~~ما قررته من استمداد علم التفسير ، ومن صحة تفسير القرآن بغير المأثور ، ~~ومن الإنحاء على من يفسر القرآن بما يدعيه باطنا ينافي مقصود القرآن ، ومن ~~التفرقة بين ذلك وبين الإشارات ، تتطلعون بعد إلى الإفصاح عن غاية المفسر ~~من التفسير ، وعن معرفة المقاصد التي نزل القرآن لبيانها حتى تستبين لكم ~~غاية المفسرين من التفسير على اختلاف طرائقهم ، وحتى تعلموا عند مطالعة ms0032 ~~التفاسير مقادير اتصال ما تشتمل عليه ، بالغاية التي يرمي إليها المفسر ~~فتزنوا بذلك مقدار ما أوفى به من المقصد ، ومقدار ما تجاوزه ، ثم ينعطف ~~القول إلى التفرقة بين من يفسر القرآن بما يخرج عن الأغراض المرادة منه ، ~~وبين من يفصل معانيه تفصيلا ، ثم ينعطف القول إلى نموذج مما استخرجه ~~العلماء من مستنبطات القرآن في كثير من العلوم . # | إن القرآن أنزله الله تعالى كتابا لصلاح أمر الناس كافة رحمة لهم ~~لتبليغهم مراد الله منهم قال الله تعالى ) وأنزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل ~~شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين ( فكان المقصد الأعلى منه صلاح الأحوال ~~الفردية ، والجماعية ، والعمرانية . فالصلاح الفردي يعتمد تهذيب النفس ~~وتزكيتها ، ورأس الأمر فيه صلاح الإعتقاد لأن الإعتقاد مصدر الآداب ~~والتفكير ، ثم صلاح السريرة الخاصة ، وهي العبادات الظاهرة كالصلاة ، ~~والباطنة كالتخلق بترك الحسد والحقد والكبر . وأما الصلاح الجماعي فيحصل ~~أولا من الصلاح الفردي إذ الأفراد أجزاء المجتمع ، ولا يصلح الكل إلا بصلاح ~~أجزائه ، ومن شيء زائد على ذلك وهو ضبط تصرف الناس بعضهم مع بعض على وجه ~~يعصمهم من مزاحمة الشهوات ومواثبة القوى النفسانية . وهذا هو علم المعاملات ~~، ويعبر عنه عند الحكماء بالسياسة المدنية . | وأما الصلاح العمراني فهو ~~أوسع من ذلك إذ هو حفظ نظام العالم الإسلامي ، وضبط تصرف الجماعات ~~والأقاليم بعضهم مع بعض على وجه يحفظ مصالح الجميع ، ورعي المصالح الكلية ~~الإسلامية ، وحفظ المصلحة الجامعة عند معارضة المصلحة القاصرة لها ، ويسمى ~~هذا بعلم العمران وعلم الاجتماع . PageV01P038 | فمراد الله من كتابه هو ~~بيان تصاريف ما يرجع إلى حفظ مقاصد الدين وقد أودع ذلك في ألفاظ القرآن ~~التي خاطبنا بها خطابا بينا وتعبدنا بمعرفة مراده والاطلاع عليه فقال : ) ~~كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته ، وليتذكر أولوا الألباب ( سواء ~~قلنا إنه يمكن الاطلاع على تمام مراد الله تعالى وهو قول علمائنا والمشائخي ~~والسكاكي وهما من المعتزلة ، أم قال قائل بقول بقية المعتزلة إن الاطلاع ~~على تمام مراد الله تعالى غير ممكن وهو خلاف لا طائل تحته إذ القصد هو ~~الإمكان الوقوعي لا ms0033 العقلي ، فلا مانع من التكليف باستقصاء البحث عنه بحسب ~~الطاقة ومبلغ العلم مع تعذر الاطلاع على تمامه . | وقد اختار الله تعالى أن ~~يكون اللسان العربي مظهرا لوحيه ، ومستودعا لمراده ، وأن يكون العرب هم ~~المتلقين أولا لشرعه وإبلاغ مراده لحكمة علمها : منها كون لسانهم أفصح ~~الألسن وأسهلها انتشارا ، وأكثرها تحملا للمعاني مع أيجاز لفظه ، ولتكون ~~الأمة المتلقية للتشريع والناشرة له أمة قد سلمت من أفن الرأي عند المجادلة ~~، ولم تقعد بها عن النهوض أغلال التكالب على الرفاهية ، ولا عن تلقي الكمال ~~الحقيقي إذ يسبب لها خلطه بما يجر إلى اضمحلاله فيجب أن تعلموا قطعا أن ليس ~~المراد من خطاب العرب بالقرآن أن يكون التشريع قاصرا عليهم أو مراعيا لخاصة ~~أحوالهم ، بل إن عموم الشريعة ودوامها وكون القرآن معجزة دائمة مستمرة على ~~تعاقب السنين ينافي ذلك ، نعم إن مقاصده تصفية نفوس العرب الذين اختارهم ~~كما قلنا لتلقي شريعته وبثها ونشرها ، فهم المخاطبون ابتداءا قبل بقية أمة ~~الدعوة فكانت أحوالهم مرعية لا محالة ، وكان كثير من القرآن مقصودا به ~~خطابهم خاصة ، وإصلاح أحوالهم قال تعالى ) ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من ~~قبل هذا ( وقال ) أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا ، وإن ~~كنا عن دراستهم لغافلين ، أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى ~~منهم ( لكن ليس ذلك بوجه للاقتصار على أحوالهم كما سيأتي . | أليس قد وجب ~~على الآخذ في هذا الفن أن يعلم المقاصد الأصلية التي جاء القرآن لتبيانها ~~فلنلم بها الآن بحسب ما بلغ إليه استقراؤنا وهي ثمانية أمور : PageV01P039 ~~الأول : إصلاح الإعتقاد وتعليم العقد الصحيح . وهذا أعظم سبب لإصلاح الخلق ~~، لأنه يزيل عن النفس عادة الإذعان لغير ما قام عليه الدليل ، ويطهر القلب ~~من الأوهام الناشئة عن الإشراك والدهرية وما بينهما ، وقد أشار إلى هذا ~~المعنى قوله تعالى ) فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء ~~لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب ( فأسند لآلهتهم زيادة تتبيبهم ، ~~وليس هو من فعل الآلهة ولكنه ms0034 من آثار الإعتقاد بالآلهة . # | الثاني : تهذيب الأخلاق قال تعالى ) وإنك لعلى خلق عظيم ( وفسرت عائشة ~~رضي الله تعالى عنها لما سئلت عن خلقه صلى الله عليه وسلم فقالت كان خلقه ~~القرآن . وفي الحديث الذي رواه مالك في الموطأ بلاغا أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال بعثت لأتمم مكارم حسن الأخلاق وهذا المقصد قد فهمه عامة ~~العرب بله خاصة الصحابة ، وقال أبو خراش الهذلي مشيرا إلى ما دخل على العرب ~~من أحكام الإسلام بأحسن تعبير : فليس كعهد الدار يأم مالك ولكن أحاطت ~~بالرقاب السلاسل وعاد الفتى كالكهل ليس بقائل سوى العدل شيئا فاستراح ~~العواذل أراد بإحاطة السلاسل بالرقاب أحكام الإسلام . والشاهد في قوله وعاد ~~الفتى كالكهل . | الثالث : التشريع وهو الأحكام خاصة وعامة . قال تعالى ) ~~إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله وأنزلنا إليك ~~الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما ~~أنزل الله ( ولقد جمع القرآن جميع الأحكام جمعا كليا في الغالب ، وجزئيا في ~~المهم ، فقوله ) تبيانا لكل شيء ( وقوله : ) اليوم أكملت لكم دينكم ( ~~المراد بهما إكمال الكليات التي منها الأمر بالاستنباط والقياس . قال ~~الشاطبي لأنه على اختصاره جامع والشريعة تمت بتمامه ولا يكون جامعا لتمام ~~الدين إلا والمجموع فيه أمور كلية . | الرابع : سياسة الأمة وهو باب عظيم ~~في القرآن القصد منه صلاح الأمة وحفظ نظامها كالإرشاد إلى تكوين الجامعة ~~بقوله ) واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ ~~كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من ~~النار فأنقذكم منها ( وقوله ) إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم ~~في شيء PageV01P040 ( وقوله ) ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ( وقوله ) ~~وأمرهم شورى بينهم ( . | الخامس : القصص وأخبار الأمم السالفة للتأسي بصالح ~~أحوالهم قال ) نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن ، وإن ~~كنت من قبله لمن الغافلين ( ) أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ( ~~وللتحذير من مساويهم قال ) وتبين لكم كيف فعلنا بهم ( وفي ms0035 خلالها تعليم ، ~~وكنا أشرنا إليها في المقدمة الثانية . | السادس : التعليم بما يناسب حالة ~~عصر المخاطبين ، وما يؤهلهم إلى تلقي الشريعة ونشرها وذلك علم الشرائع وعلم ~~الأخبار وكان ذلك مبلغ علم مخالطي العرب من أهل الكتاب . وقد زاد القرآن ~~على ذلك تعليم حكمة ميزان العقول وصحة الاستدلال في أفانين مجادلاته ~~للضالين وفي دعوته إلى النظر ، ثم نوه بشأن الحكمة فقال ) يؤتي الحكمة من ~~يشاء ، ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ( وهذا أوسع باب انبجست منه ~~عيون المعارف ، وانفتحت به عيون الأميين إلى العلم . وقد لحق به التنبيه ~~المتكرر على فائدة العلم ، وذلك شيء لم يطرق أسماع العرب من قبل ، إنما ~~قصارى علومهم أمور تجريبية ، وكان حكماؤهم أفرادا اختصوا بفرط ذكاء تضم ~~إليه تجربة وهم العرفاء فجاء القرآن بقوله ) وما يعقلها إلا العالمون ( و ) ~~هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ( وقال ) ن~ والقلم ( فنبه إلى ~~مزية الكتابة . | السابع : المواعظ والإنذار والتحذير والتبشير ، وهذا يجمع ~~جميع آيات الوعد والوعيد ، وكذلك المحاجة والمجادلة للمعاندين ، وهذا باب ~~الترغيب والترهيب . | الثامن : الإعجاز بالقرآن ليكون آية دالة على صدق ~~الرسول ؛ إذ التصديق يتوقف على دلالة المعجزة بعد التحدي ، والقرآن جمع ~~كونه معجزة بلفظه ومتحدي لأجله بمعناه والتحدي وقع فيه ) قل فأتوا بسورة ~~مثله ( ولمعرفة أسباب النزول مدخل في ظهور مقتضى الحال ووضوحه . هذا ما بلغ ~~إليه استقرائي . وللغزالي في أحياء علوم الدين بعض من ذلك . # | فغرض المفسر بيان ما يصل إليه أو ما يقصده من مراد الله تعالى في كتابه ~~بأتم بيان يحتمله المعنى ولا يأباه اللفظ من كل ما يوضح المراد من مقاصد ~~القرآن ، أو ما يتوقف عليه فهمه أكمل فهم ، أو يخدم المقصد تفصيلا وتفريعا ~~كما أشرنا إليه في المقدمة الأولى ، مع إقامة الحجة على ذلك إن كان به خفاء ~~، أو لتوقع مكابرة من معاند أو جاهل ، فلا جرم كان رائد PageV01P041 المفسر ~~في ذلك أن يعرف على الإجمال مقاصد القرآن مما جاء لأجله ، ويعرف اصطلاحه في ~~إطلاق الألفاظ ، وللتنزيل اصطلاح وعادات ، وتعرض صاحب ms0036 الكشاف إلى شيء من ~~عادات القرآن في متناثر كلامه في تفسيره . | فطرائق المفسرين للقرآن ثلاث ، ~~إما الاقتصار على الظاهر من المعنى الأصلي للتركيب مع بيانه وإيضاحه وهذا ~~هو الأصل . وإما استنباط معان من وراء الظاهر تقتضيها دلالة اللفظ أو ~~المقام ولا يجافيها الاستعمال ولا مقصد القرآن ، وتلك هي مستتبعات التراكيب ~~وهي من خصائص اللغة العربية المبحوث فيها في علم البلاغة ككون التأكيد يدل ~~على إنكار المخاطب أو تردده ، وكفحوى الخطاب ودلالة الإشارة واحتمال المجاز ~~مع الحقيقة ، وإما أن يجلب المسائل ويبسطها لمناسبة بينها وبين المعنى ، أو ~~لأن زيادة فهم المعنى متوقفة عليها ، أو للتوفيق بين المعنى القرآني وبين ~~بعض العلوم مما له تعلق بمقصد من مقاصد التشريع لزيادة تنبيه إليه ، أو لرد ~~مطاعن من يزعم أنه ينافيه لا على أنها مما هو مراد الله من تلك الآية بل ~~لقصد التوسع كما أشرنا إليه في المقدمة الثانية . | ففي الطريقة الثانية قد ~~فرع العلماء وفصلوا في الأحكام ، وخصوها بالتآليف الواسعة ، وكذلك تفاريع ~~الأخلاق والآداب التي أكثر منها حجة الإسلام الغزالي في كتاب الإحياء فلا ~~يلام المفسر إذا أتى بشيء من تفاريع العلوم مما له خدمة للمقاصد القرآنية ، ~~وله مزيد تعلق بالأمور الإسلامية كما نفرض أن يفسر قوله تعالى ) وكلم الله ~~موسى تكليما ( بما ذكره المتكلمون في إثبات الكلام النفسي والحجج لذلك ، ~~والقول في ألفاظ القرآن وما قاله أهل المذاهب في ذلك . وكذا أن يفسر ما ~~حكاه الله تعالى في قصة موسى مع الخضر بكثير من آداب المعلم والمتعلم كما ~~فعل الغزالي . وقد قال ابن العربي إنه أملى عليها ثمانمائة مسألة . وكذلك ~~تقرير مسائل من علم التشريع لزيادة بيان قوله تعالى في خلق الإنسان ) من ~~نطفة ثم من علقة ( الآيات ، فإنه راجع إلى المقصد وهو مزيد تقرير عظمة ~~القدرة الإلهية . | وفي الطريقة الثالثة تجلب مسائل علمية من علوم لها ~~مناسبة بمقصد الآية : إما على أن بعضها يومىء إليه معنى الآية ولو بتلويح ~~ما كما يفسر أحد قوله تعالى ) ومن يؤت الحكمة فقد أوتي ms0037 خيرا كثيرا ( فيذكر ~~تقسيم علوم الحكمة ومنافعها مدخلا ذلك تحت قوله ) خيرا كثيرا ) . ~~PageV01P042 | فالحكمة وإن كانت علما اصطلاحيا وليس هو تمام المعنى للآية ~~إلا أن معنى الآية الأصلي لا يفوت وتفاريع الحكمة تعين عليه . وكذلك أن ~~نأخذ من قوله تعالى ) كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم ( تفاصيل من علم ~~الاقتصاد السياسي وتوزيع الثروة العامة ونعلل بذلك مشروعية الزكاة ~~والمواريث والمعاملات المركبة من رأس مال وعمل على أن ذلك تومئ إليه الآية ~~إيماء . | وأن بعض مسائل العلوم قد تكون أشد تعلقا بتفسير آي القرآن كما ~~نفرض مسألة كلامية لتقرير دليل قرآني مثل برهان التمانع لتقرير معنى قوله ~~تعالى ) لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ( . وكتقرير مسألة المتشابه ~~لتحقيق معنى نحو قوله تعالى ) والسماء بنيناها بأيد ( فهذا كونه من غايات ~~التفسير واضح ، وكذا قوله تعالى ) أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف ~~بنيناها وزيناها وما لها من فروج ( فإن القصد منه الاعتبار بالحالة ~~المشاهدة فلو زاد المفسر ففصل تلك الحالة وبين أسرارها وعللها بما هو مبين ~~في علم الهيأة كان قد زاد المقصد خدمة . وإما على وجه التوفيق بين المعنى ~~القرآني وبين المسائل الصحيحة من العلم حيث يمكن الجمع . وإما على وجه ~~الاسترواح من الآية كما يؤخذ من قوله تعالى ) ويوم نسير الجبال ( أن فناء ~~العالم يكون بالزلازل ومن قوله ) إذا الشمس كورت ( الآية أن نظام الجاذبية ~~يختل عند فناء العالم . # | وشرط كون ذلك مقبولا أن يسلك فيه مسلك الإيجاز فلا يجلب إلا الخلاصة من ~~ذلك العلم ولا يصير الاستطراد كالغرض المقصود له لئلا يكون كقولهم : السي ~~بالسي يذكر . # | وللعلماء في سلوك هذه الطريقة الثالثة على الإجمال آراء : فأما جماعة ~~منهم فيرون من الحسن التوفيق بين العلوم غير الدينية وآلاتها وبين المعاني ~~القرآنية ، ويرون القرآن مشيرا إلى كثير منها . قال ابن رشد الحفيد في فصل ~~المقال أجمع المسلمون على أن ليس يجب أن تحمل ألفاظ الشرع كلها على ظاهرها ~~، ولا أن تخرج كلها عن ظاهرها بالتأويل ، والسبب في ورود الشرع بظاهر وباطن ms0038 ~~هو اختلاف نظر الناس . وتباين قرائحهم في التصديق PageV01P043 وتخلص إلى ~~القول بأن بين العلوم الشرعية والفلسفية اتصالا . وإلى مثل ذلك ذهب قطب ~~الدين الشيرازي في شرح حكمة الإشراق ، وهذا الغزالي والإمام الرازي وأبو ~~بكر ابن العربي وأمثالهم صنيعهم يقتضي التبسط وتوفيق المسائل العلمية ، فقد ~~ملأوا كتبهم من الاستدلال على المعاني القرآنية بقواعد العلوم الحكمية ~~وغيرها وكذلك الفقهاء في كتب أحكام القرآن ، وقد علمت ما قاله ابن العربي ~~فيما أملاه على سورة نوح وقصة الخضر وكذلك ابن جنى والزجاج وأبو حيان قد ~~أشبعوا تفاسيرهم من الاستدلال على القواعد العربية ، ولا شك أن الكلام ~~الصادر عن علام الغيوب تعالى وتقدس لا تبنى معانيه على فهم طائفة واحدة ~~ولكن معانيه تطابق الحقائق ، وكل ما كان من الحقيقة في علم من العلوم وكانت ~~الآية لها اعتلاق بذلك فالحقيقة العلمية مرادة بمقدار ما بلغت إليه أفهام ~~البشر وبمقدار ما ستبلغ إليه . وذلك يختلف باختلاف المقامات ويبنى على توفر ~~الفهم ، وشرطه أن لا يخرج عما يصلح له اللفظ عربية ، ولا يبعد عن الظاهر ~~إلا بدليل ، ولا يكون تكلفا بينا ولا خروجا عن المعنى الأصلي حتى لا يكون ~~في ذلك كتفاسير الباطنية . وأما أبو إسحاق الشاطبي فقال في الفصل الثالث من ~~المسألة الرابعة : لا يصح في مسلك الفهم والإفهام إلا ما يكون عاما لجميع ~~العرب . فلا يتكلف فيه فوق ما يقدرون عليه وقال في المسألة الرابعة من ~~النوع الثاني ما تقرر من أمية الشريعة وأنها جارية على مذاهب أهلها وهم ~~العرب تنبني عليه قواعد ، منها : أن كثيرا من الناس تجاوزوا في الدعوى على ~~القرآن الحد فأضافوا إليه كل علم يذكر للمتقدمين أو المتأخرين من علوم ~~الطبيعيات والتعاليم والمنطق وعلم الحروف وأشباهها وهذا إذا عرضناه على ما ~~تقدم لم يصح فإن السلف الصالح كانوا أعلم بالقرآن وبعلومه وما أودع فيه ، ~~ولم يبلغنا أن أحدا منهم تكلم في شيء من هذا سوى ما ثبت فيه من أحكام ~~التكاليف وأحكام الآخرة . نعم تضمن علوما من جنس علوم العرب وما هو ms0039 على ~~معهودها مما يتعجب منه أولو الألباب ولا تبلغه إدراكات العقول الراجحة الخ ~~. وهذا مبني على ما أسسه من كون القرآن لما كان خطابا للأميين وهم العرب ~~فإنما يعتمد في مسلك فهمه وإفهامه على مقدرتهم وطاقتهم ، وأن الشريعة أمية ~~. وهو أساس واه لوجوه ستة : الأول أن ما بناه عليه يقتضي أن القرآن لم يقصد ~~منه انتقال العرب من حال إلى حال وهذا باطل لما قدمناه ، قال تعالى ) تلك ~~من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا ( . ~~الثاني أن مقاصد القرآن PageV01P044 راجعة إلى عموم الدعوة وهو معجزة باقية ~~فلا بد أن يكون فيه ما يصلح لأن تتناوله أفهام من يأتي من الناس في عصور ~~انتشار العلوم في الأمة . الثالث أن السلف قالوا : إن القرآن لا تنقضي ~~عجائبه يعنون معانيه ولو كان كما قال الشاطبي لانقضت عجائبه بانحصار أنواع ~~معانيه . الرابع أن من تمام إعجازه أن يتضمن من المعاني مع إيجاز لفظه ما ~~لم تف به الأسفار المتكاثرة . الخامس أن مقدار أفهام المخاطبين به ابتداء ~~لا يقضي إلا أن يكون المعنى الأصلي مفهوما لديهم فأما مازاد على المعاني ~~الأساسية فقد يتهيأ لفهمه أقوام ، وتحجب عنه أقوام ، ورب حامل فقه إلى من ~~هو أفقه منه . السادس أن عدم تكلم السلف عليها إن كان فيما ليس راجعا إلى ~~مقاصده فنحن نساعد عليه ، وإن كان فيما يرجع إليها فلا نسلم وقوفهم فيها ~~عند ظواهر الآيات بل قد بينوا وفصلوا وفرعوا في علوم عنوا بها ، ولا يمنعنا ~~ذلك أن نقتفي على آثارهم في علوم أخرى راجعة لخدمة المقاصد القرآنية أو ~~لبيان سعة العلوم الإسلامية ، أما ما وراء ذلك فإن كان ذكره لإيضاح المعنى ~~فذلك تابع للتفسير أيضا . لأن العلوم العقلية إنما تبحث عن أحوال الأشياء ~~على ما هي عليه ، وإن كان فيما زاد على ذلك فذلك ليس من التفسير لكنه تكملة ~~للمباحث العلمية # واستطراد في العلم لمناسبة التفسير ليكون متعاطي التفسير أوسع قريحة في ~~العلوم . اد في العلم لمناسبة التفسير ms0040 ليكون متعاطي التفسير أوسع قريحة في ~~العلوم . | وذهب ابن العربي في العواصم إلى إنكار التوفيق بين العلوم ~~الفلسفية والمعاني القرآنية ولم يتكلم على غير هاته العلوم وذلك على عادته ~~في تحقير الفلسفة لأجل ما خولطت به من الضلالات الاعتقادية وهو مفرط في ذلك ~~مستخف بالحكماء . | وأنا أقول : إن علاقة العلوم بالقرآن على أربع مراتب : ~~الأولى : علوم تضمنها القرآن كأخبار الأنبياء والأمم ، وتهذيب الأخلاق ~~والفقه والتشريع والاعتقاد والأصول والعربية والبلاغة . | الثانية : علوم ~~تزيد المفسر علما كالحكمة والهيأة وخواص المخلوقات . | الثالثة : علوم أشار ~~إليها أو جاءت مؤيدة له كعلم طبقات الأرض والطب والمنطق . | الرابعة : علوم ~~لا علاقة لها به إما لبطلانها كالزجر والعيافة والميثولوجيا ، وإما لأنها ~~لا تعين على خدمته كعلم العروض والقوافي . PageV01P045 # المقدمة الخامسة # في أسباب النزول | أولع كثير من المفسرين بتطلب أسباب نزول آي القرآن ، ~~وهي حوادث يروى أن آيات من القرآن نزلت لأجلها لبيان حكمها أو لحكايتها أو ~~إنكارها أو نحو ذلك ، وأغربوا في ذلك وأكثروا حتى كاد بعضهم أن يوهم الناس ~~أن كل آية من القرآن نزلت على سبب ، وحتى رفعوا الثقة بما ذكروا . بيد أنا ~~نجد في بعض آي القرآن إشارة إلى الأسباب التي دعت إلى نزولها ونجد لبعض ~~الآي أسبابا ثبتت بالنقل دون احتمال أن يكون ذلك رأي الناقل ، فكان أمر ~~أسباب نزول القرآن دائرا بين القصد والإسراف ، وكان في غض النظر عنه وإرسال ~~حبله على غاربه خطر عظيم في فهم القرآن . فذلك الذي دعاني إلى خوض هذا ~~الغرض في مقدمات التفسير لظهور شدة الحاجة إلى تمحيصه في أثناء التفسير ، ~~وللاستغناء عن إعادة الكلام عليه عند عروض تلك المسائل ، غير مدخر ما أراه ~~في ذلك رأيا يجمع شتاتها . وأنا عاذر المتقدمين الذين ألفوا في أسباب ~~النزول فاستكثروا منها ، بأن كل من يتصدى لتأليف كتاب في موضوع غير مشبع ~~تمتلكه محبة التوسع فيه فلا ينفك يستزيد من ملتقطاته ليذكي قبسه ، ويمد ~~نفسه ، فيرضى بما يجد رضى الصب بالوعد ، ويقول زدني من حديثك يا سعد . غير ~~هياب لعاذل ms0041 ، ولا متطلب معذرة عاذر ، وكذلك شأن الولع إذا امتلك القلب ~~ولكني لا أعذر أساطين المفسرين الذين تلقفوا الروايات الضعيفة فأثبتوها في ~~كتبهم ولم ينبهوا على مراتبها قوة وضعفا ، حتى أوهموا كثيرا من الناس أن ~~القرآن لا تنزل آياته إلا لأجل حوادث تدعو إليها ، وبئس هذا الوهم فإن ~~القرآن جاء هاديا إلى ما به صلاح الأمة في أصناف الصلاح فلا يتوقف نزوله ~~على حدوث الحوادث الداعية إلى تشريع الأحكام . نعم إن العلماء توجسوا منها ~~فقالوا إن سبب النزول لا يخصص ، إلا طائفة شاذة ادعت التخصيص بها ، ولو أن ~~أسباب النزول كانت كلها متعلقة بآيات عامة لما دخل من ذلك ضر على عمومها إذ ~~قد أراحنا أئمة الأصول حين قالوا العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ولكن ~~أسبابا كثيرة رام رواتها تعيين مراد من تخصيص عام أو تقييد مطلق أو إلجاء ~~إلى محمل ، فتلك هي التي قد تقف عرضة أمام معاني التفسير قبل التنبيه على ~~ضعفها أو تأويلها . PageV01P046 | وقد قال الواحدي في أول كتابه في أسباب ~~النزول : أما اليوم فكل أحد يخترع للآية سببا ، ويختلق إفكا وكذبا ، ملقيا ~~زمامه إلى الجهالة ، غير مفكر في الوعيد وقال لا يحل القول في أسباب نزول ~~الكتاب إلا بالرواية والسماع ممن شاهدوا التنزيل اه . # | 4 # إن من أسباب النزول ما ليس المفسر بغنى عن علمه لأن فيها بيان مجمل أو ~~إيضاح خفي وموجز ، ومنها ما يكون وحده تفسيرا . ومنها ما يدل المفسر على ~~طلب الأدلة التي بها تأويل الآية أو نحو ذلك . ففي صحيح البخاري أن مروان ~~بن الحكم أرسل إلى ابن عباس يقول لئن كان كل امرئ فرح بما أتى ، وأحب أن ~~يحمد بما لم يفعل معذبا لنعذبن أجمعون يشير إلى قوله تعالى ) لا يحسبن ~~الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة ~~من العذاب ولهم عذاب أليم ( فأجاب ابن عباس قائلا : إنما دعا النبي اليهود ~~فسألهم على شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره فأروه أنهم قد استحمدوا إليه بما ~~أخبروه ms0042 عنه فيما سألهم وفرحوا بما أتوا من كتمانهم ، ثم قرأ ابن عباس ) وإذ ~~أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ~~ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون . . لا يحسبن الذين يفرحون ( ~~. الآيات . وفي الموطأ عن هشام بن عروة بن الزبير عن أبيه أنه قال قلت ~~لعائشة أم المؤمنين وأنا يومئذ حديث السن : أرأيت قول الله تعالى ) إن ~~الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف ~~بهما ( فما على الرجل شيء ألا يطوف بهما ، قالت عائشة : كلا ، لو كان كما ~~تقول لكانت فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما ، إنما نزلت هذه الآية في ~~الأنصار كانوا يهلون لمناة ، وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة ~~فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله عن ذلك فأنزل الله تعالى ) إن الصفا ~~والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ( ~~اه ومنها ما ينبه المفسر إلى إدراك خصوصيات بلاغية تتبع مقتضى المقامات فإن ~~من أسباب النزول ما يعين على تصوير مقام الكلام كما سننبهك إليه في أثناء ~~المقدمة العاشرة . | وقد تصفحت أسباب النزول التي صحت أسانيدها فوجدتها ~~خمسة أقسام : الأول : هو المقصود من الآية يتوقف فهم المراد منها على علمه ~~فلابد من البحث عنه للمفسر ، وهذا منه تفسير مبهمات القرآن مثل قوله تعالى ~~) قد سمع الله قول التي تجادلك PageV01P047 في زوجها ( ، ونحو ) يا أيها ~~الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا ( ومثل بعض الآيات التي فيها ) ~~ومن الناس ( . | والثاني : هو حوادث تسببت عليها تشريعات أحكام وصور تلك ~~الحوادث لا تبين مجملا ولا تخالف مدلول الآية بوجه تخصيص أو تعميم أو تقييد ~~، ولكنها إذا ذكرت أمثالها وجدت مساوية لمدلولات الآيات النازلة عند حدوثها ~~، مثل حديث عويمر العجلاني الذي نزلت عنه آية اللعان ، ومثل حديث كعب بن ~~عجرة الذي نزلت عنه آية ) ومن كان مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام ( ~~الآية فقد قال كعب ms0043 بن عجرة : هي لي خاصة ولكم عامة ، ومثل قول أم سلمة رضي ~~الله عنها للنبي صلى الله عليه وسلم : يغزو الرجال ولا نغزو ، فنزل قوله ~~تعالى ) ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض ( الآية . وهذا القسم لا ~~يفيد البحث فيه إلا زيادة تفهم في معنى الآية وتمثيلا لحكمها ، ولا يخشى ~~توهم تخصيص الحكم بتلك الحادثة ، إذ قد اتفق العلماء أو كادوا على أن سبب ~~النزول في مثل هذا لا يخصص ، واتفقوا على أن أصل التشريع أن لا يكون خاصا . # | والثالث : هو حوادث تكثر أمثالها تختص بشخص واحد فنزلت الآية لإعلانها ~~وبيان أحكامها وزجر من يرتكبها ، فكثيرا ما تجد المفسرين وغيرهم يقولون ~~نزلت في كذا وكذا ، وهم يريدون أن من الأحوال التي تشير إليها تلك الآية ~~تلك الحالة الخاصة فكأنهم يريدون التمثيل . ففي كتاب الأيمان من صحيح ~~البخاري في باب قول الله تعالى ) إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا ~~قليلا ( أن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله من حلف على يمين صبر ~~يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان فأنزل الله تصديق ذلك ) ~~إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا ( الآية فدخل الأشعث بن قيس ~~فقال ما حدثكم أبو عبد الرحمن ? فقالوا كذا وكذا ، قال في أنزلت ، لي بئر ~~في أرض بن عم لي الخ ، فابن مسعود جعل الآية عامة لأنه جعلها تصديقا لحديث ~~عام ? والأشعث بن قيس ظنها خاصة به إذ قال في أنزلت بصيغة الحصر . ومثل ~~الآيات النازلة في المنافقين في سورة براءة المفتتحة بقوله تعالى ) ومنهم - ~~ومنهم ( ، ولذلك قال ابن عباس : كنا نسمي سورة التوبة سورة الفاضحة . ومثل ~~قوله تعالى ) ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم ~~من خير من ربكم ( فلا حاجة لبيان أنها نزلت لما أظهر بعض اليهود ~~PageV01P048 مودة المؤمنين . وهذا القسم قد أكثر من ذكره أهل القصص وبعض ~~المفسرين ولا فائدة في ذكره ، على أن ذكره قد يوهم القاصرين قصر الآية ms0044 على ~~تلك الحادثة لعدم ظهور العموم من ألفاظ تلك الآيات . | والرابع : هو حوادث ~~حدثت وفي القرآن آيات تناسب معانيها سابقة أو لاحقة فيقع في عبارات بعض ~~السلف ما يوهم أن تلك الحوادث هي المقصود من تلك الآيات ، مع أن المراد ~~أنها مما يدخل في معنى الآية ويدل لهذا النوع وجود اختلاف كثير بين الصحابة ~~في كثير من أسباب النزول كما هو مبسوط في المسألة الخامسة من بحث أسباب ~~النزول من الإتقان فارجعوا إليه ففيه أمثلة كثيرة . وفي صحيح البخاري في ~~سورة النساء أن ابن عباس قرأ قوله تعالى ) ولا تقولوا لمن ألقى إليكم ~~السلام لست مؤمنا ( بألف بعد لام السلام وقال كان رجل في غنيمة له تصغير ~~غنم فلحقه المسلمون فقال السلام عليكم فقتلوه أي ظنوه مشركا يريد أن يتقي ~~منهم بالسلام وأخذوا غنيمته فأنزل الله في ذلك ) ولا تقولوا لمن ألقى إليكم ~~السلام ( الآية . فالقصة لابد أن تكون قد وقعت لأن ابن عباس رواها لكن ~~الآية ليست نازلة فيها بخصوصها ولكن نزلت في أحكام الجهاد بدليل ما قبلها ~~وما بعدها فإن قبلها ) يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ~~( وبعدها ) فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل ( . وفي تفسير تلك ~~السورة من صحيح البخاري بعد أن ذكر نزاع الزبير والأنصاري في ماء شراج ~~الحرة قال الزبير : فما أحسب هذه الآيات إلا نزلت في ذلك ) فلا وربك لا ~~يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ( الآية قال السيوطي في الإتقان عن ~~الزركشي قد عرف من عادة الصحابة والتابعين أن أحدهم إذا قال نزلت هذه الآية ~~في كذا ، فإنه يريد بذلك أنها تتضمن هذا الحكم لا أن هذا كان السبب في ~~نزولها . وفيه عن ابن تيمية قد تنازع العلماء في قول الصحابي : نزلت هذه ~~الآية في كذا ، هل يجري مجرى المسند أو يجري مجرى التفسير ? فالبخاري يدخله ~~في المسند ، وأكثر أهل المسانيد لا يدخلونه فيه ، بخلاف ما إذا ذكر سببا ~~نزلت عقبه فإنهم كلهم يدخلونه في المسند . # | والخامس ms0045 قسم يبين مجملات ، ويدفع متشابهات مثل قوله تعالى ) ومن لم ~~يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ( فإذا ظن أحد أن ) من ( للشرط أشكل ~~عليه كيف يكون الجور في الحكم كفرا ، ثم إذا علم أن سبب النزول هم النصارى ~~علم أن ) من ( موصولة وعلم أن الذين PageV01P049 تركوا الحكم بالإنجيل لا ~~يتعجب منهم أن يكفروا بمحمد . وكذلك حديث عبد الله بن مسعود قال لما نزل ~~قوله تعالى ) الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ( شق ذلك على أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وقالوا أينا لم يلبس إيمانه بظلم ظنوا أن الظلم هو ~~المعصية . فقال رسول الله : إنه ليس بذلك ? ألا تسمع لقول لقمان لابنه إن ~~الشرك لظلم عظيم . ومن هذا القسم ما لا يبين مجملا ولا يؤول متشابها ولكنه ~~يبين وجه تناسب الآي بعضها مع بعض كما في قوله تعالى ، في سورة النساء : ) ~~وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء ( الآية ، ~~فقد تخفي الملازمة بين الشرط وجزائه فيبينها ما في الصحيح ، عن عائشة أن ~~عروة بن الزبير سألها عنها فقالت : هذه اليتيمة تكون في حجر وليها تشركه في ~~ماله فيريد أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها فنهوا أن ينكحوهن إلا أن ~~يقسطوا لهن في الصداق ، فأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن . | ~~هذا وإن القرآن كتاب جاء لهدي أمة والتشريع لها ، وهذا الهدي قد يكون واردا ~~قبل الحاجة ، وقد يكون مخاطبا به قوم على وجه الزجر أو الثناء أو غيرهما ، ~~وقد يكون مخاطبا به جميع من يصلح لخطابه ، وهو في جميع ذلك قد جاء بكليات ~~تشريعية وتهذيبية ، والحكمة في ذلك أن يكون وعى الأمة لدينها سهلا عليها ، ~~وليمكن تواتر الدين ، وليكون لعلماء الأمة مزية الاستنباط ، وإلا فإن الله ~~قادر أن يجعل القرآن أضعاف هذا المنزل وأن يطيل عمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم للتشريع أكثر مما أطال عمر إبراهيم وموسى ، ولذلك قال تعالى ) وأتممت ~~عليكم نعمتي ( ، فكما لا يجوز حمل كلماته ms0046 على خصوصيات جزئية لأن ذلك يبطل ~~مراد الله ، كذلك لا يجوز تعميم ما قصد منه الخصوص ولا إطلاق ما قصد منه ~~التقييد ؛ لأن ذلك قد يفضي إلى التخليط في المراد أو إلى إبطاله من أصله ، ~~وقد اغتر بعض الفرق بذلك . قال ابن سيرين في الخوارج : إنهم عمدوا إلى آيات ~~الوعيد النازلة في المشركين فوضعوها على المسلمين فجاءوا ببدعة القول ~~بالتكفير بالذنب ، وقد قال الحرورية لعلي رضي الله عنه يوم التحكيم ) إن ~~الحكم إلا لله ( فقال علي كلمة حق أريد بها باطل وفسرها في خطبة له في نهج ~~البلاغة . | وثمة فائدة أخرى عظيمة لأسباب النزول وهي أن في نزول القرآن ~~عند حدوث حوادث دلالة على إعجازه من ناحية الارتجال ، وهي إحدى طريقتين ~~لبلغاء العرب في أقوالهم ، فنزوله على حوادث يقطع دعوى من ادعوا أنه أساطير ~~الأولين . PageV01P050 # المقدمة السادسة # في القراءات | لولا عناية كثير من المفسرين بذكر اختلاف القراءات في ~~ألفاظ القرآن حتى في كيفيات الأداء ، لكنت بمعزل عن التكلم في ذلك لأن علم ~~القراءات علم جليل مستقل قد خص بالتدوين والتأليف وقد أشبع فيه أصحابه ~~وأسهبوا بما ليس عليه مزيد ، ولكني رأيتني بمحل الاضطرار إلى أن ألقى عليكم ~~جملا في هذا الغرض تعرفون بها مقدار تعلق اختلاف القراءات بالتفسير ، ~~ومراتب القراءات قوة وضعفا ? كي لا تعجبوا من إعراضي عن ذكر كثير من ~~القراءات في أثناء التفسير . | أرى أن للقراءات حالتين : إحداهما لا تعلق ~~لها بالتفسير بحال ، والثانية لها تعلق به من جهات متفاوتة . # | أما الحالة الأولى فهي اختلاف القراء في وجوه النطق بالحروف والحركات ~~كمقادير المد والإمالات والتخفيف والتسهيل والتحقيق والجهر والهمس والغنة ، ~~مثل ) عذابي ( بسكون الياء و ? ) عذابي ( بفتحها ، وفي تعدد وجوه الإعراب ~~مثل ) حتى يقول الرسول ( بفتح لام ) يقول ( وضمها . ونحو ) لا بيع فيه ولا ~~خلة ولا شفاعة ( برفع الأسماء الثلاثة أو فتحها أو رفع بعض وفتح بعض ، ~~ومزية القراءات من هذه الجهة عائدة إلى أنها حفظت على أبناء العربية ما لم ~~يحفظه غيرها وهو تحديد كيفيات نطق العرب ms0047 بالحروف في مخارجها وصفاتها وبيان ~~اختلاف العرب في لهجات النطق بتلقي ذلك عن قراء القرآن من الصحابة ~~بالأسانيد الصحيحة ، وهذا غرض مهم جدا لكنه لا علاقة له بالتفسير لعدم ~~تأثيره في اختلاف معاني الآي ، ولم أر من عرف لفن القراءات حقه من هذه ~~الجهة ، وفيها أيضا سعة من بيان وجوه الإعراب في العربية ، فهي لذلك مادة ~~كبرى لعلوم اللغة العربية . # | فأئمة العربية لما قرأوا القرآن قرأوه بلهجات العرب الذين كانوا بين ~~ظهرانيهم في الأمصار التي وزعت عليها المصاحف : المدينة ، ومكة ، والكوفة ، ~~والبصرة ، والشام ، قيل واليمن والبحرين ، وكان في هذه الأمصار قراؤها من ~~الصحابة قبل ورود مصحف عثمان إليهم فقرأ كل فريق بعربية قومه في وجوه ~~الأداء ، لا في زيادة الحروف ونقصها ، ولا في اختلاف PageV01P051 الإعراب ~~دون مخالفته مصحف عثمان ، ويحتمل أن يكون القارئ الواحد قد قرأ بوجهين ليرى ~~صحتهما في العربية قصدا لحفظ اللغة مع حفظ القرآن الذي أنزل بها ، ولذلك ~~يجوز أن يكون كثير من اختلاف القراء في هذه الناحية اختيارا ، وعليه يحمل ~~ما يقع في كتابي الزمخشري وابن العربي من نقد بعض طرق القراء ، على أن في ~~بعض نقدهم نظرا ، وقد كره مالك رحمه الله القراءة بالإمالة مع ثبوتها عن ~~القراء ، وهي مروية عن مقرئ المدينة نافع من رواية ورش عنه وانفرد بروايته ~~أهل مصر ، فدلت كراهته على أنه يرى أن القارئ بها ما قرأ إلا بمجرد ~~الاختيار ، وفي تفسير القرطبي في سورة الشعراء عن أبي إسحاق الزجاج ، يجوز ~~أن يقرأ ) طسين ميم ( بفتح النون من ) طسين ( وضم الميم الأخيرة كما يقال ~~هذا معد يكرب اه مع أنه لم يقرأ به أحد . قلت : ولا ضير في ذلك ما دامت ~~كلمات القرآن وجمله محفوظة على نحو ما كتب في المصحف الذي أجمع عليه أصحاب ~~رسوا الله إلا نفرا قليلا شذوا منهم ، كان عبد الله بن مسعود منهم ، فإن ~~عثمان لما أمر بكتب المصحف على نحو ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ~~وأثبته كتاب المصحف ، رأى أن يحمل ms0048 الناس على اتباعه وترك قراءات ما خالفه ، ~~وجمع جميع المصاحف المخالفة له وأحرقها ووافقه جمهور الصحابة على ما فعله . ~~قال شمس الدين الأصفهاني في المقدمة الخامسة من تفسيره . كان على طول أيامه ~~يقرأ مصحف عثمان ويتخذه إماما . وقلت : إنما كان فعل عثمان إتماما لما فعله ~~أبو بكر من جمعه القرآن الذي كان يقرأ في حياة الرسول ، وأن عثمان نسخه في ~~مصاحف لتوزع على الأمصار ، فصار المصحف الذي كتب لعثمان قريبا من المجمع ~~عليه وعلى كل قراءة توافقه وصار ما خالفه متروكا بما يقارب الإجماع . قال ~~الأصفهاني في تفسيره كانت قراءة أبي بكر وعمر وعثمان وزيد بن ثابت ~~والمهاجرين والأنصار واحدة ، وهي قراءة العامة التي قرأ بها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على جبريل في العام الذي قبض فيه ، ويقال إن زيد بن ثابت ~~شهد العرضة الأخيرة التي عرضها رسول الله على جبريل اه وبقى الذين قرأوا ~~قراءات مخالفة لمصحف عثمان يقرأون بما رووه لا ينهاهم أحد عن قراءتهم ولكن ~~يعدوهم شذاذا ولكنهم لم يكتبوا قراءتهم في مصاحف بعد أن أجمع الناس على ~~مصحف عثمان ، قال البغوي في تفسير قوله تعالى ) وطلح منضود ( عن مجاهد وفي ~~الكشاف والقرطبي - قرأ علي بن أبي طالب وطلع منضود بعين في موضع الحاء ، ~~وقرأ قارئ بين يديه وطلح منضود فقال : وما شأن الطلح ? إنما هو وطلع ~~PageV01P052 وقرأ لها طلع نضيد فقالوا أفلا نحولها ? فقال إن آي القرآن لا ~~تهاج اليوم ولا تحول ، أي لا تغير حروفها ولا تحول عن مكانها فهو قد منع من ~~تغيير المصحف ، ومع ذلك لم يترك القراءة التي رواها ، وممن نسبت إليهم ~~قراءات مخالفة لمصحف عثمان ، عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وسالم مولى أبي ~~حذيفة ، إلى أن ترك الناس ذلك تدريجا . ذكر الفخر في تفسير قوله تعالى ) إذ ~~تلقونه بألسنتكم ( من سورة النور أن سفيان قال : سمعت أمي تقرأ إذ تثقفونه ~~بألسنتكم وكان أبوها يقرأ بقراءة ابن مسعود ، ومع ذلك فقد شذت مصاحف بقيت ~~مغفولا عنها بأيدي أصحابها ms0049 ، منها ما ذكره الزمخشري في الكشاف في سورة ~~الفتح أن الحارث بن سويد صاحب عبد الله بن مسعود كان له مصحف دفنه في مدة ~~الحجاج ، قال في الكشاف لأنه كان مخالفا للمصحف الإمام ، وقد أفرط الزمخشري ~~في توهين بعض القراءات لمخالفتها لما اصطلح عليه النجاة وذلك من إعراضه عن ~~معرفة الأسانيد . | من أجل ذلك اتفق علماء القراءات والفقهاء على أن كل ~~قراءة وافقت وجها في العربية ووافقت خط المصحف أي مصحف عثمان وصح سند ~~راويها ؛ فهي قراءة صحيحة لا يجوز ردها ، قال أبو بكر ابن العربي : ومعنى ~~ذلك عندي أن تواترها تبع لتواتر المصحف الذي وافقته وما دون ذلك فهو شاذ ، ~~يعني وأن تواتر المصحف ناشئ عن تواتر الألفاظ التي كتبت فيه . # | قلت - وهذه الشروط الثلاثة ، هي شروط في قبول القراءة إذا كانت غير ~~متواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، بأن كانت صحيحة السند إلى النبي ~~ولكنها لم تبلغ حد التواتر فهي بمنزلة الحديث الصحيح ، وأما القراءة ~~المتواترة فهي غنية عن هذه الشروط لأن تواترها يجعلها حجة في العربية ، ~~ويغنيها عن الاعتضاد بموافقة المصحف المجمع عليه ، ألا ترى أن جمعا من أهل ~~القراءات المتواترة قرأوا قوله تعالى ) وما هو على الغيب بظنين ( بظاء ~~مشالة أي بمتهم ، وقد كتبت في المصاحف كلها بالضاد الساقطة . | على أن أبا ~~علي الفارسي صنف كتاب الحجة للقراءات ، وهو معتمد عند المفسرين وقد رأيت ~~نسخة منه في مكاتب الآستانة . فالقراءات من هذه الجهة لا تفيد في علم ~~التفسير والمراد بموافقة خط المصحف موافقة أحد المصاحف الأئمة التي وجه بها ~~عثمان بن عفان إلى أمصار الإسلام إذ قد يكون اختلاف يسير نادر بين بعضها ، ~~مثل زيادة الواو في ( وسارعوا PageV01P053 إلى مغفرة ) في مصحف الكوفة ومثل ~~زيادة الفاء في قوله ) وما أصابكم من مصيبة فيما كسبت أيديكم ( في سورة ~~الشورى ) ووصينا الإنسان بوالديه حسنا - أو إحسانا ( فذلك اختلاف ناشئ عن ~~القراءة بالوجهين بين الحفاظ من زمن الصحابة الذين تلقوا القرآن عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم ، لأنه ms0050 قد أثبته ناسخو المصحف في زمن عثمان فلا ينافي ~~التواتر إذ لا تعارض ، إذا كان المنقول عنه قد نطق بما نقله عنه الناقلون ~~في زمانين أو أزمنة ، أو كان قد أذن للناقلين أن يقرأوا بأحد اللفظين أو ~~الألفاظ ، وقد انحصر توفر الشروط في الروايات العشر للقراء وهم ، نافع بن ~~أبي نعيم المدني ، وعبد الله بن كثير المكي ، وأبو عمرو المازني البصري ~~وعبد الله بن عامر الدمشقي ، وعاصم بن أبي النجود الكوفي ، وحمزة بن حبيب ~~الكوفي ، والكسائي علي بن حمزة الكوفي ، ويعقوب بن إسحاق الحضرمي البصري ، ~~وأبو جعفر يزيد بن القعقاع المدني ، وخلف البزار بزاي فألف فراء مهملة ~~الكوفي ، وهذا العاشر ليست له رواية خاصة ، وإنما اختار لنفسه قراءة تناسب ~~قراءات أئمة الكوفة ، فلم يخرج عن قراءات قراء الكوفة إلا قليلا ، وبعض ~~العلماء يجعل قراءة ابن محيصن واليزيدي والحسن ، والأعمش ، مرتبة دون العشر ~~، وقد عد الجمهور ما سوى ذلك شاذا لأنه لم ينقل بتواتر حفاظ القرآن . | ~~والذي قاله مالك والشافعي ، أن ما دون العشر لا تجوز القراءة به ولا أخذ ~~حكم منه لمخالفته المصحف الذي كتب فيه ما تواتر ، فكان ما خالفه غير متواتر ~~فلا يكون قرآنا ، وقد تروي قراءات عن النبي صلى الله عليه وسلم بأسانيد ~~صحيحة في كتب الصحيح مثل صحيح البخاري ومسلم وأضرابهما إلا أنها لا يجوز ~~لغير من سمعها من النبي صلى الله عليه وسلم القراءة بها لأنها غير متواترة ~~النقل فلا يترك المتواتر للآحاد وإذا كان راويها قد بلغته قراءة أخرى ~~متواترة تخالف ما رواه وتحقق لديه التواتر وجب عليه أن يقرأ بالمروية ~~تواترا ، وقد اصطلح المفسرون على أن يطلقوا عليها قراءة النبي صلى الله ~~عليه وسلم ، لأنها غير منتسبة إلى أحد من أئمة الرواية في القراءات ، ويكثر ~~ذكر هذا العنوان في تفسير محمد بن جرير الطبري وفي الكشاف وفي المحرر ~~الوجيز لعبد الحق ابن عطية ، وسبقهم إليه أبو الفتح ابن جني ، فلا تحسبوا ~~أنهم أرادوا بنسبتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، أنها وحدها المأثورة ms0051 ~~عنه ولا ترجيحها على القراءات المشهورة لأن القراءات المشهورة قد رويت عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم PageV01P054 بأسانيد أقوى وهي متواترة على الجملة ~~كما سنذكره ، وما كان ينبغي إطلاق وصف قراءة النبي عليها لأنه يوهم من ~~ليسوا من أهل الفهم الصحيح أن غيرها لم يقرأ به النبي صلى الله عليه وسلم ، ~~وهذا يرجع إلى تبجح أصحاب الرواية بمروياتهم . # | وأما الحالة الثانية : فهي اختلاف القراء في حروف الكلمات مثل ) مالك ~~يوم الدين ( و ) ملك يوم الدين ( و ) ننشرها ( و ) ننشزها ( و ) ظنوا أنهم ~~قد كذبوا ( بتشديد الذال أو ) قد كذبوا ( بتخفيفه ، وكذلك اختلاف الحركات ~~الذي يختلف معه معنى الفعل كقوله ) ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه ~~يصدون ( قرأ نافع بضم الصاد وقرأ حمزة بكسر الصاد ، فالأولى بمعنى يصدون ~~غيرهم عن الإيمان ، والثانية بمعنى صدودهم في أنفسهم وكلا المعنيين حاصل ~~منهم ، وهي من هذه الجهة لها مزيد تعلق بالتفسير لأن ثبوت أحد اللفظين في ~~قراءة قد يبين المراد من نظيره في القراءة الأخرى ، أو يثير معنى غيره ، ~~ولأن اختلاف القراءات في ألفاظ القرآن يكثر المعاني في الآية الواحدة نحو ) ~~حتى يطهرن ( بفتح الطاء المشددة والهاء المشددة ، وبسكون الطاء وضم الهاء ~~مخففة ، ونحو ) لامستم النساء ( و ) لمستم النساء ( ، وقراءة ) وجعلوا ~~الملائكة الذين هم عند الرحمن إناثا ( مع قراءة ) الذين هم عباد الرحمن ( ~~والظن أن الوحي نزل بالوجهين وأكثر ، تكثيرا للمعاني إذا جزمنا بأن جميع ~~الوجوه في القراءات المشهورة هي مأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، على ~~أنه لا مانع من أن يكون مجيء ألفاظ القرآن على ما يحتمل تلك الوجوه مرادا ~~لله تعالى ليقرأ القراء بوجوه فتكثر من جراء ذلك المعاني ، فيكون وجود ~~الوجهين فأكثر في مختلف القراءات مجزئا عن آيتين فأكثر ، وهذا نظير التضمين ~~في استعمال العرب ، ونظير التورية والتوجيه في البديع ، ونظير مستتبعات ~~التراكيب في علم المعاني ، وهو من زيادة ملاءمة بلاغة القرآن ، ولذلك كان ~~اختلاف القراء في اللفظ الواحد من القرآن قد يكون معه اختلاف المعنى ؛ ولم ms0052 ~~يكن حمل أحد القراءتين على الأخرى متعينا ولا مرجحا ، وإن كان قد يؤخذ من ~~كلام أبي علي الفارسي في كتاب الحجة أنه يختار حمل معنى إحدى القراءتين على ~~معنى الأخرى ، ومثال هذا قوله في قراءة الجمهور قوله تعالى ) فإن الله هو ~~الغني الحميد ( في سورة الحديد ، وقراءة نافع وابن عامر ) فإن الله الغني ~~الحميد ( بإسقاط هو أن من أثبت هو يحسن أن يعتبره ضمير فصل لا مبتدأ ، لأنه ~~PageV01P055 لو كان مبتدأ لم يجز حذفه في قراءة نافع وابن عامر ، قال أبو ~~حيان : وما ذهب إليه ليس بشيء لأنه بني ذلك على توافق القراءتين وليس كذلك ~~، ألا ترى أنه قد يكون قراءتان في لفظ واحد لكل منهما توجيه يخالف الآخر ، ~~كقراءة ) والله أعلم بما وضعت ( بضم التاء أو سكونها . وأنا أرى أن على ~~المفسر أن يبين اختلاف القراءات المتواترة لأن في اختلافها توفيرا لمعاني ~~الآية غالبا فيقوم تعدد القراءات مقام تعدد كلمات القرآن . | وهذا يبين لنا ~~أن اختلاف القراءات قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم كما ورد في حديث ~~عمر بن الخطاب مع هشام بن حكيم بن حزام ففي صحيح البخاري أن عمر بن الخطاب ~~قال : سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ في الصلاة سورة الفرقان في حياة رسول ~~الله فاستمعت لقراءته فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله ، ~~فكدت أساوره في الصلاة فتصبرت حتى سلم فلببته بردائه فقلت : من أقرأك هذه ~~السورة التي سمعتك تقرأ ? قال أقرأنيها رسول الله ، فقلت كذبت فإن رسول ~~الله أقرأنيها على غير ما قرأت ، فانطلقت به أقوده إلى رسول الله فقلت إني ~~سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها ، فقال رسول الله اقرأ يا ~~هشام فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ فقال رسول الله كذلك أنزلت ، ثم ~~قال اقرأ يا عمر فقرأت القراءة التي أقرأني فقال رسول الله كذلك أنزلت إن ~~هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرأوا ما تيسر منه اه . | وفي الحديث ~~إشكال ، وللعلماء في ms0053 معناه أقوال يرجع إلى اعتبارين : أحدهما اعتبار الحديث ~~منسوخا والآخر اعتباره محكما . # | فأما الذين اعتبروا الحديث منسوخا وهو رأي جماعة منهم أبو بكر ~~الباقلائي وابن عبد البر وأبو بكر بن العربي والطبري والطحاوي ، وينسب إلى ~~ابن عيينة وابن وهب قالوا كان ذلك رخصة في صدر الإسلام أباح الله للعرب أن ~~يقرأوا القرآن بلغاتهم التي جرت عادتهم باستعمالها ، ثم نسخ ذلك بحمل الناس ~~على لغة قريش لأنها التي بها نزل القرآن وزال العذر لكثرة الحفظ وتيسير ~~الكتابة ، وقال ابن العربي دامت الرخصة مدة حياة النبي عليه السلام ، وظاهر ~~كلامه أن ذلك نسخ بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإما نسخ بإجماع ~~الصحابة أو بوصاية من النبي صلى الله عليه وسلم ، واستدلوا على ذلك بقول ~~عمر : إن القرآن نزل بلسان قريش ، وبنهيه عبد الله بن مسعود أن يقرأ ( فتول ~~عنهم حتى حين ) وهي PageV01P056 لغة هذيل في ( حتى ) ، وبقول عثمان لكتاب ~~المصاحف فإذا اختلفتم في حرف فاكتبوه بلغة قريش فإنما نزل بلسانهم ، يريد ~~أن لسان قريش هو الغالب على القرآن ، أو أراد أنه نزل بما نطقوا به من ~~لغتهم وما غلب على لغتهم من لغات القبائل إذ كان عكاظ بأرض قريش وكانت مكة ~~مهبط القبائل كلها . | ولهم في تحديد معنى الرخصة بسبعة أحرف ثلاثة أقوال : ~~الأول أن المراد بالأحرف الكلمات المترادفة للمعنى الواحد ، أي أنزل بتخيير ~~قارئه أن يقرأه باللفظ الذي يحضره من المرادفات تسهيلا عليهم حتى يحيطوا ~~بالمعنى . وعلى هذا الجواب فقيل المراد بالسبعة حقيقة العدد وهو قول ~~الجمهور فيكون تحديدا للرخصة بأن لا يتجاوز سبعة مرادفات أو سبع لهجات أي ~~من سبع لغات ؛ إذ لا يستقيم غير ذلك لأنه لا يتأتى في كلمة من القرآن أن ~~يكون لها ستة مرادفات أصلا ، ولا في كلمة أن يكون فيها سبع لهجات إلا كلمات ~~قليلة مثل أف - وجبريل - وأرجه . وقد اختلفوا في تعيين اللغات السبع ، فقال ~~أبو عبيدة وابن عطية وأبو حاتم والباقلاني هي من عموم لغات العرب وهم : ~~قريش ، وهذيل ، وتيم ms0054 الرباب ، والأزد ، وربيعة ، وهوازن ، وسعد بن بكر من ~~هوازن ، وبعضهم يعد قريشا ، وبني دارم ، والعليا من هوازن وهم سعد بن بكر ، ~~وجشم بن بكر ، ونصر بن معاوية ، وثقيف ، قال أبو عمرو بن العلاء أفصح العرب ~~عليا هوازن وسفلى تميم وهم بنو دارم . | وبعضهم يعد خزاعة ويطرح تميما ، ~~وقال أبو علي الاهوازي ، وابن عبد البر ، وابن قتيبة هي لغات قبائل من مضر ~~وهم قريش ، وهذيل ، وكنانة ، وقيس ، وضبة ، وتيم الرباب ، وأسد بن خزيمة ، ~~وكلها من مضر . | القول الثاني : لجماعة منهم عياض : أن العدد غير مراد به ~~حقيقته ، بل هو كناية عن التعدد والتوسع ، وكذلك المرادفات ولو من لغة ~~واحدة كقوله ) كالعهن المنفوش ( وقرأ ابن مسعود كالصوف المنفوش ، وقرأ أبي ~~) كلما أضاء لهم مشوا فيه ( مروا فيه سعوا فيه ، وقرأ ابن مسعود ) انظرونا ~~نقتبس من نوركم ( أخرونا ، أمهلونا ، وأقرأ ابن مسعود رجلا ) إن شجرة ~~الزقوم طعام الأثيم ( فقال الرجل طعام اليتيم ، فأعاد له فلم يستطع أن يقول ~~الأثيم فقال له ابن مسعود : أتستطيع أن تقول طعام الفاجر ? قال نعم ، قال ~~فاقرأ كذلك ، وقد اختلف عمر وهشام بن حكيم ولغتهما واحدة . PageV01P057 | ~~القول الثالث : أن المراد التوسعة في نحو ) كان الله سميعا عليما ( أن يقرأ ~~عليما حكيما ما لم يخرج عن المناسبة كذكره عقب آية عذاب أن يقول ) وكان ~~الله غفورا رحيما ( أو عكسه وإلى هذا ذهب ابن عبد البر . | وأما الذين ~~اعتبروا الحديث محكما غير منسوخ فقد ذهبوا في تأويله مذاهب : فقال جماعة ~~منهم البيهقي وأبو الفضل الرازي أن المراد من الأحرف أنواع أغراض القرآن ~~كالأمر والنهي ، والحلال والحرام ، أو أنواع كلامه كالخبر والإنشاء ، ~~والحقيقة والمجاز : أو أنواع دلالته كالعموم والخصوص ، والظاهر والمؤول . ~~ولا يخفى أن كل ذلك لا يناسب سياق الحديث على اختلاف رواياته من قصد ~~التوسعة والرخصة . وقد تكلف هؤلاء حصر ما زعموه من الأغراض ونحوها في سبعة ~~فذكروا كلاما لا يسلم من النقض . # | وذهب جماعة منهم أبو عبيد وثعلب والأزهري وعزي لابن عباس أن المراد أنه ~~أنزل مشتملا على سبع ms0055 لغات من لغات العرب مبثوثة في آيات القرآن لكن لا على ~~تخيير القارئ ، وذهبوا في تعيينها إلى نحو ما ذهب إليه القائلون بالنسخ إلا ~~أن الخلاف بين الفريقين في أن الأولين ذهبوا إلى تخيير القارئ في الكلمة ~~الواحدة ، وهؤلاء أرادوا أن القرآن مبثوثة فيه كلمات من تلك اللغات ، لكن ~~على وجه التعيين لا على وجه التخيير ، وهذا كما قال أبو هريرة : ما سمعت ~~السكين إلا في قوله تعالى ) وآتت كل واحدة منهن سكينا ( ما كنا نقول إلا ~~المدية ، وفي البخاري : إلا من النبئ في قصة حكم سليمان بين المرأتين من ~~قول سليمان ايتوني بالسكين أقطعه بينكما ، وهذا الجواب لا يلاقي مساق ~~الحديث من التوسعة ، ولا يستقيم من جهة العدد لأن المحققين ذكروا أن في ~~القرآن كلمات كثيرة من لغات قبائل العرب ، وأنهاها السيوطي نقلا عن أبي بكر ~~الواسطي إلى خمسين لغة . | وذهب جماعة أن المراد من الأحرف لهجات العرب في ~~كيفيات النطق كالفتح والإمالة ، والمد والقصر ، والهمز والتخفيف ، على معنى ~~أن ذلك رخصة للعرب مع المحافظة على كلمات القرآن ، وهذا أحسن الأجوبة لمن ~~تقدمنا ، وهنالك أجوبة أخرى ضعيفة لا ينبغي للعالم التعريج عليها وقد أنهى ~~بعضهم جملة الأجوبة إلى خمسة وثلاثين جوابا . PageV01P058 | وعندي أنه إن ~~كان حديث عمر وهشام بن حكيم قد حسن إفصاح راويه عن مقصد عمر فيما حدث به ~~بأن لا يكون مرويا بالمعنى مع إخلال بالمقصود أنه يحتمل أن يرجع إلى ترتيب ~~آي السور بأن يكون هشام قرأ سورة الفرقان على غير الترتيب الذي قرأ به عمر ~~فتكون تلك رخصة لهم في أن يحفظوا سور القرآن بدون تعيين ترتيب الآيات من ~~السورة ، وقد ذكر الباقلاني احتمال أن يكون ترتيب السور من اجتهاد الصحابة ~~كما يأتي في المقدمة الثامنة . فعلى رأينا هذا تكون هذه رخصة . ثم لم يزل ~~الناس يتوخون بقراءتهم موافقة قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كان ~~ترتيب المصحف في زمن أبي بكر على نحو العرضة الأخيرة التي عرضها رسول الله ~~صلى الله عليه ms0056 وسلم فأجمع الصحابة في عهد أبي بكر على ذلك لعلمهم بزوال ~~موجب الرخصة . | ومن الناس من يظن المراد بالسبع في الحديث ما يطابق ~~القراءات السبع التي اشتهرت بين أهل فن القراءات ، وذلك غلط ولم يقله أحد ~~من أهل العلم ، وأجمع العلماء على خلافه كما قال أبو شامة : فإن انحصار ~~القراءات في سبع لم يدل عليه دليل ، ولكنه أمر حصل إما بدون قصد أو بقصد ~~التيمن بعدد السبعة أو بقصد إيهام أن هذه السبعة هي المرادة من الحديث ~~تنويها بشأنها بين العامة ، ونقل السيوطي عن أبي العباس ابن عمار أنه قال : ~~لقد فعل جاعل عدد القراءات سبعا ما لا ينبغي ، وأشكل به الأمر على العامة ~~إذ أوهمهم أن هذه السبعة هي المرادة في الحديث ، وليت جامعها نقص عن السبعة ~~أو زاد عليها . | قال السيوطي : وقد صنف ابن جبير المكي وهو قبل ابن مجاهد ~~كتابا في القراءات فاقتصر على خمسة أئمة من كل مصر إماما ، وإنما اقتصر على ~~ذلك لأن المصاحف التي أرسلها عثمان إلى الأمصار كانت إلى خمسة أمصار . | ~~قال ابن العربي في العواصم : أول من جمع القراءات في سبع ابن مجاهد غير أنه ~~عد قراءة يعقوب سابعا ثم عوضها بقراءة الكسائي ، قال السيوطي وذلك على رأس ~~الثلاثمائة : وقد اتفق الأئمة على أن قراءة يعقوب من القراءات الصحيحة مثل ~~بقية السبعة ، وكذلك قراءة أبي جعفر وشيبة ، وإذ قد كان الاختلاف بين ~~القراء سابقا على تدوين المصحف الإمام في زمن عثمان وكان هو الداعي لجمع ~~المسلمين على مصحف واحد تعين أن الاختلاف لم يكن ناشئا عن الاجتهاد في ~~قراءة ألفاظ المصحف فيما عدا اللهجات . PageV01P059 | وأما صحة السند الذي ~~تروى به القراءة لتكون مقبولة فهو شرط لا محيد عنه إذ قد تكون القراءة ~~موافقة لرسم المصحف وموافقة لوجوه العربية لكنها لا تكون مروية بسند صحيح ، ~~كما ذكر في المزهر أن حماد بن الزبرقان قرأ ) إلا عن موعدة وعدها أباه ( ~~بالباء الموحدة وإنما هي إياه بتحتية ، وقرأ ) بل الذين كفروا في غرة ( ~~بغين معجمة ms0057 وراء مهملة وإنما هي عزة بعين مهملة وزاي ، وقرأ ) لكل امرئ ~~منهم يومئذ شأن يعنيه ( بعين مهملة ، وإنما هي يغنيه بغين معجمة ، ذلك أنه ~~لم يقرأ القرآن على أحد وإنما حفظه من المصحف . # مراتب القراءات الصحيحة والترجيح بينها # | قال أبو بكر بن العربي في كتاب العواصم : اتفق الأئمة على أن القراءات ~~التي لا تخالف الألفاظ التي كتبت في مصحف عثمان هي متواترة وإن اختلفت في ~~وجوه الأداء وكيفيات النطق ومعنى ذلك أن تواترها تبع لتواتر صورة كتابة ~~المصحف ، وما كان نطقه صالحا لرسم المصحف ، واختلف فيه فهو مقبول ، وما هو ~~بمتواتر لأن وجود الاختلاف فيه مناف لدعوى التواتر ، فخرج بذلك ما كان من ~~القراءات مخالفا لمصحف عثمان ، مثل ما نقل من قراءة ابن مسعود ، ولما قرأ ~~المسلمون بهذه القراءات من عصر الصحابة ولم يغير عليهم ، فقد صارت متواترة ~~على التخيير ، وإن كانت أسانيدها المعينة آحادا ، وليس المراد ما يتوهمه ~~بعض القراء من أن القراءات كلها بما فيها من طرائق أصحابها ورواياتهم ~~متواترة وكيف وقد ذكروا أسانيدهم فيها فكانت أسانيد أحاد ، وأقواها سندا ما ~~كان له راويان عن الصحابة مثل قراءة نافع بن أبي نعيم وقد جزم ابن العربي ، ~~وابن عبد السلام التونسي ، وأبو العباس ابن إدريس فقيه بجاية من المالكية ، ~~والأبياري من الشافعية بأنها غير متواترة ، وهو الحق لآن تلك الأسانيد لا ~~تقتضي إلا أن فلانا قرأ كذا وأن فلانا قرأ بخلافه ، وأما اللفظ المقروء ~~فغير محتاج إلى تلك الأسانيد لأنه ثبت بالتواتر كما علمت آنفا ، وإن اختلفت ~~كيفيات النطق بحروفه فضلا عن كيفيات أدائه . وقال إمام الحرمين في البرهان ~~: هي متواترة ورده عليه الأبياري ، وقال المازري في شرحه : هي متواترة عند ~~القراء وليست متواترة عند عموم الأمة ، وهذا توسط بين إمام الحرمين ~~والأبياري ، ووافق إمام الحرمين ابن سلامة الأنصاري PageV01P060 من ~~المالكية . وهذه مسألة مهمة جرى فيها حوار بين الشيخين ابن عرفة التونسي ~~وابن لب الأندلسي ذكرها الونشريسي في المعيار . | وتنتهي أسانيد القراءات ~~العشر إلى ثمانية من الصحابة وهم : عمر ms0058 بن الخطاب ، وعثمان ابن عفان ، وعلي ~~ابن أبي طالب ، وعبد الله من مسعود ، وأبي بن كعب ، وأبو الدرداء ، وزيد ~~ابن ثابت ، وأبو موسى الأشعري ، فبعضها ينتهي إلى جميع الثمانية وبعضها إلى ~~بعضهم وتفصيل ذلك في علم القرآن . | وأما وجوه الإعراب في القرآن فأكثرها ~~متواتر إلا ما ساغ فيه إعرابان مع اتحاد المعاني نحو ) ولات حين مناص ( ~~بنصب حين ورفعه ، ونحو ) وزلزلوا حتى يقول الرسول ( بنصب ) يقول ( ورفعه ، ~~ألا ترى أن الأمة أجمعت على رفع اسم الجلالة في قوله تعالى ) وكلم الله ~~موسى تكليما ( وقرأه بعض المعتزلة بنصب اسم الجلالة لئلا يثبتوا لله كلاما ~~، وقرأ بعض الرافضة ) وما كنت متخذ المضلين عضدا ( بصيغة التثنية ، وفسروها ~~بأبي بكر وعمر حاشاهما ، وقاتلهم الله . | وأما ما خالف الوجوه الصحيحة في ~~العربية ففيه نظر قوي لأنا لا ثقة لنا بانحصار فصيح كلام العرب فيما صار ~~إلى نحاة البصرة والكوفة ، وبهذا نبطل كثيرا مما زيفه الزمخشري من القراءات ~~المتواترة بعلة أنها جرت على وجوه ضعيفة في العربية لا سيما ما كان منه في ~~قراءة مشهورة كقراءة عبد الله بن عامر قوله تعالى ) وكذلك زين لكثير من ~~المشركين قتل أولادهم شركائهم ( ببناء ) زين ( للمفعول وبرفع ) قتل ( ، ~~ونصب ) أولادهم ( وخفض ) شركائهم ( ولو سلمنا أن ذلك وجه مرجوح ، فهو لا ~~يعدو أن يكون من الاختلاف في كيفية النطق التي لا تناكد التواتر كما قدمناه ~~آنفا على ما في اختلاف الإعرابين من إفادة معنى غير الذي يفيده الآخر ، لأن ~~لإضافة المصدر إلى المفعول خصائص غير التي لإضافته إلى فاعله ، ولأن لبناء ~~الفعل للمجهول نكتا غير التي لبنائه للفاعل ، على أن أبا علي الفارسي ألف ~~كتابا سماه الحجة احتج فيه للقراءات المأثورة احتجاجا من جانب العربية . # | ثم إن القراءات العشر الصحيحة المتواترة ، قد تتفاوت بما يشتمل عليه ~~بعضها من خصوصيات البلاغة أو الفصاحة أو كثرة المعاني أو الشهرة ، وهو ~~تمايز متقارب ، وقل أن PageV01P061 يكسب إحدى القراءات في تلك الآية رجحانا ~~، على أن كثيرا من العلماء كان لا يرى مانعا من ترجيح ms0059 قراءة على غيرها ، ~~ومن هؤلاء الإمام محمد بن جرير الطبري ، والعلامة الزمخشري وفي أكثر ما رجح ~~به نظر سنذكره في مواضعه ، وقد سئل ابن رشد عما يقع في كتب المفسرين ~~والمعربين من اختيار إحدى القراءتين المتواترتين وقولهم هذه القراءة أحسن : ~~أذاك صحيح أم لا ? فأجاب : أما ما سألت عنه مما يقع في كتب المفسرين ~~والمعربين من تحسين بعض القراءات واختيارها على بعض لكونها أظهر من جهة ~~الإعراب ، وأصح في النقل ، وأيسر في اللفظ فلا ينكر ذلك ، كرواية ورش التي ~~اختارها الشيوخ المتقدمون عندنا أي بالأندلس فكان الإمام في الجامع لا يقرأ ~~إلا بها لما فيها من تسهيل النبرات وترك تحقيقها في جميع المواضع ، وقد ~~تؤول ذلك فيما روى عن مالك من كراهية النبر في القرآن في الصلاة . | وفي ~~كتاب الصلاة الأول من العتبية : سئل مالك عن النبر في القرآن فقال : إني ~~لأكرهه وما يعجبني ذلك ، قال ابن رشد في البيان يعنى بالنبر ههنا إظهار ~~الهمزة في كل موضع على الأصل فكره ذلك واستحب فيه التسهيل على رواية ورش ، ~~لما جاء من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تكن لغته الهمز أي إظهار ~~الهمز في الكلمات المهموزة بل كان ينطق بالهمزة مسهلة إلى أحرف علة من جنس ~~حركتها ، مثل ياجوج وماجوج بالألف دون الهمز ، ومثل الذيب في الذئب ومثل ~~مومن في مؤمن . | ثم قال : ولهذا المعنى كان العمل جاريا في قرطبة قديما أن ~~لا يقرأ الإمام بالجامع في الصلاة إلا برواية ورش ، وإنما تغير ذلك وتركت ~~المحافظة عليه منذ زمن قريب ، اه ، وهذا خلف بن هشام البزار راوي حمزة ، قد ~~اختار لنفسه قراءة من بين قراءات الكوفيين ، ومنهم شيخة حمزة بن حبيب ~~وميزها قراءة خاصة فعدت عاشرة القراءات العشر وما هي إلا اختيار من قراءات ~~الكوفيين ، ولم يخرج عن قراءة حمزة والكسائي وأبي بكر عن عاصم إلا في قراءة ~~قوله تعالى ( وحرام على قرية ) قرأها بالألف بعد الراء مثل حفص والجمهور . ~~| فإن قلت هل يفضي ترجيح بعض القراءات على ms0060 بعض إلى أن تكون الراجحة أبلغ من ~~المرجوحة فيفضي إلى أن المرجوحة أضعف في الإعجاز ؟ PageV01P062 قلت : حد ~~الإعجاز مطابقة الكلام لجميع مقتضى الحال ، وهو لا يقبل التفاوت ، ويجوز مع ~~ذلك أن يكون بعض الكلام المعجز مشتملا على لطائف وخصوصيات تتعلق بوجوه ~~الحسن كالجناس والمبالغة ، أو تتعلق بزيادة الفصاحة ، أو بالتفنن مثل ) أم ~~تسألهم خرجا فخراج ربك خير ( . | على أنه يجوز أن تكون إحدى القراءات نشأت ~~عن ترخيص النبي صلى الله عليه وسلم للقارئ أن يقرأ بالمرادف تيسيرا على ~~الناس كما يشعر به حديث تنازع عمر مع هشام بن حكيم ، فتروي تلك القراءة ~~للخلف فيكون تمييز غيرها عليها بسبب أن المتميزة هي البالغة غاية البلاغة ~~وأن الأخرى توسعة ورخصة ، ولا يعكر ذلك على كونها أيضا بالغة الطرف الأعلى ~~من البلاغة وهو ما يقرب من حد الإعجاز . | وأما الإعجاز فلا يلزم أن يتحقق ~~في كل آية من آي القرآن لأن التحدي إنما وقع بسورة مثل سور القرآن ، وأقصر ~~سورة ثلاث آيات فكل مقدار ينتظم من ثلاث آيات من القرآن يجب أن يكون مجموعه ~~معجزا . | تنبيه أنا أقتصر في هذا التفسير على التعرض لاختلاف القراءات ~~العشر المشهورة خاصة في أشهر روايات الراوين عن أصحابها لأنها متواترة ، ~~وإن كانت القراءات السبع قد امتازت على بقية القراءات بالشهرة بين المسلمين ~~في أقطار الإسلام . | وأبني أول التفسير على قراءة نافع برواية عيسى ابن ~~مينا المدني الملقب بقالون لأنها القراءة المدنية إماما وراويا ولأنها التي ~~يقرأ بها معظم أهل تونس ، ثم أذكر خلاف بقية القراء العشرة خاصة . | ~~والقراءات التي يقرأ بها اليوم في بلاد الإسلام من هذه القراءات العشر ، هي ~~قراءة نافع برواية قالون في بعض القطر التونسي وبعض القطر المصري ، وفي ~~ليبيا وبرواية ورش في بعض القطر التونسي وبعض القطر المصري وفي جميع القطر ~~الجزائري وجميع المغرب الأقصى ، وما يتبعه من البلاد . والسودان . # | وقراءة عاصم برواية حفص عنه في جميع الشرق من العراق والشام وغالب ~~البلاد المصرية والهند وباكستان وتركيا والأفغان . | وبلغني أن قراءة أبي ~~عمرو ms0061 البصري يقرأ بها في السودان المجاور مصر . PageV01P063 # المقدمة السابعة # قصص القرآن | امتن الله على رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله ) نحن نقص ~~عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين ~~( فعلمنا من قوله ) أحسن ( ، أن القصص القرآنية لم تسق مساق الإحماض وتجديد ~~النشاط ، وما يحصل من استغراب مبلغ تلك الحوادث من خير أو شر ؛ لأن غرض ~~القرآن أسمى وأعلى من هذا ، ولو كان من هذا لساوى كثيرا من قصص الأخبار ~~الحسنة الصادقة فما كان جديرا بالتفضيل على كل جنس القصص . | والقصة : ~~الخبر عن حادثة غائبة عن المخبر بها ، فليس ما في القرآن من ذكر الأحوال ~~الحاضرة في زمن نزوله قصصا مثل ذكر وقائع المسلمين مع عدوهم . وجمع القصة ~~قصص بكسر القاف ، وأما القصص بفتح القاف فاسم للخبر المقصوص ، وهو مصدر سمي ~~به المفعول ، يقال قص على فلان إذا أخبره بخبر . | وأبصر أهل العلم أن ليس ~~الغرض من سوقها قاصرا على حصول العبرة والموعظة مما تضمنته القصة من عواقب ~~الخير أو الشر ، ولا على حصول التنويه بأصحاب تلك القصص في عناية الله بهم ~~أو التشويه بأصحابها فيما لقوه من غضب الله عليهم كما تقف عنده أفهام ~~القانعين بظواهر الأشياء وأوائلها ، بل الغرض من ذلك أسمى وأجل . إن في تلك ~~القصص لعبرا جمة وفوائد للأمة ؛ ولذلك نرى القرآن يأخذ من كل قصة أشرف ~~مواضيعها ويعرض عما عداه ليكون تعرضه للقصص منزها عن قصد التفكه بها . من ~~أجل ذلك كله لم تأت القصص في القرآن متتالية متعاقبة في سورة أو سور كما ~~يكون كتاب تاريخ ، بل كانت مفرقة موزعة على مقامات تناسبها ، لأن معظم ~~الفوائد الحاصلة منها لها علاقة بذلك التوزيع ، هو ذكر وموعظة لأهل الدين ~~فهو بالخطابة أشبه . وللقرآن أسلوب خاص هو الأسلوب المعبر عنه بالتذكير ~~وبالذكر في آيات يأتي تفسيرها ؛ فكان أسلوبه قاضيا للوطرين وكان أجل من ~~أسلوب القصاصين في سوق القصص لمجرد معرفتها لأن سوقها في مناسباتها يكسبها ~~صفتين : صفة البرهان وصفة التبيان ونجد ms0062 من مميزات قصص القرآن نسج نظمها على ~~أسلوب الإيجاز ليكون شبهها بالتذكير PageV01P064 أقوى من شبهها بالقصص ، ~~مثال ذلك قوله تعالى في سورة القلم ) فلما رأوها قالوا إنا لضالون بل نحن ~~محرومون قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون ( فقد حكيت مقالته هذه في موقع ~~تذكيره أصحابه بها لأن ذلك محز حكايتها ولم تحك أثناء قوله ) إذ أقسموا ~~ليصرمنها مصبحين ( وقوله ) فتنادوا مصبحين أن اغدوا على حرثكم إن كنتم ~~صارمين ( . | ومن مميزاتها طي ما يقتضيه الكلام الوارد كقوله تعالى في سورة ~~يوسف ) واستبقا الباب ( فقد طوي ذكر حضور سيدها وطرقه الباب وإسراعهما إليه ~~لفتحه ، فإسراع يوسف ليقطع عليها ما توسمه فيها من المكر به لتري سيدها أنه ~~أراد بها سوءا . وإسراعها هي لضد ذلك لتكون البادئة بالحكاية فتقطع على ~~يوسف ما توسمته فيه من شكاية . فدل على ذلك ما بعده من قوله ) وألفيا سيدها ~~لدى الباب قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا ( الآيات ، ومنها أن القصص بثت ~~بأسلوب بديع إذ ساقها في مظان الاتعاظ بها مع المحافظة على الغرض الأصلي ~~الذي جاء به القرآن من تشريع وتفريع فتوفرت من ذلك عشر فوائد : الفائدة ~~الأولى : أن قصارى علم أهل الكتاب في ذلك العصر كان معرفة أخبار الأنبياء ~~وأيامهم وأخبار من جاورهم من الأمم ، فكان اشتمال القرآن على تلك القصص ~~التي لا يعلمها إلا الراسخون في العلم من أهل الكتاب تحديا عظيما لأهل ~~الكتاب ، وتعجيزا لهم بقطع حجتهم على المسلمين ، قال تعالى ) تلك من أنباء ~~الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا ( فكان حملة ~~القرآن بذلك أحقاء بأن يوصفوا بالعلم الذي وصفت به أحبار اليهود ، وبذلك ~~انقطعت صفة الأمية عن المسلمين في نظر اليهود ، وانقطعت ألسنة المعرضين بهم ~~بأنهم أمة جاهلية ، وهذه فائدة لم يبينها من سلفنا من المفسرين . # | الفائدة الثانية أن من أدب الشريعة معرفة تاريخ سلفها في التشريع من ~~الأنبياء بشرائعهم فكان اشتمال القرآن على قصص الأنبياء وأقوامهم تكليلا ~~لهامة التشريع الإسلامي بذكر تاريخ المشرعين ms0063 ، قال تعالى ) وكأين من نبي ~~قاتل معه ربيون كثير ( . الآية . وهذه فائدة من فتوحات الله لنا أيضا . وقد ~~رأيت من أسلوب القرآن في هذا الغرض أنه لا يتعرض إلا إلى حال أصحاب القصة ~~في رسوخ الإيمان وضعفه وفيما لذلك من أثر عناية إلهية أو خذلان . وفي هذا ~~الأسلوب لا تجد في ذكر أصحاب هذه القصص بيان أنسابهم PageV01P065 أو ~~بلدانهم إذ العبرة فيما وراء ذلك من ضلالهم أو إيمانهم . وكذلك مواضع ~~العبرة في قدرة الله تعالى في قصة أهل الكهف ) أم حسبت أن أصحاب الكهف ~~والرقيم كانوا من آياتنا عجبا ( إلى قوله ) نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم ~~فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى ( الآيات . فلم يذكر أنهم من أي قوم وفي أي ~~عصر . وكذلك قوله فيها ) فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة ( فلم يذكر ~~أية مدينة هي لأن موضع العبرة هو انبعاثهم ووصول رسولهم إلى مدينة إلى قوله ~~) وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق ( . | الفائدة الثالثة : ما ~~فيها من فائدة التاريخ من معرفة ترتيب المسببات على أسبابها في الخير والشر ~~والتعمير والتخريب لتقتدي الأمة وتحذر ، قال تعالى ) فتلك بيوتهم خاوية بما ~~ظلموا ( وما فيها من فائدة ظهور المثل العليا في الفضيلة وزكاء النفوس أو ~~ضد ذلك . | الفائدة الرابعة : ما فيها من موعظة المشركين بما لحق الأمم ~~التي عاندت رسلها ، وعصت أوامر ربها حتى يرعووا عن غلوائهم ، ويتعظوا ~~بمصارع نظرائهم وآبائهم ، وكيف يورث الأرض أولياءه وعباده الصالحين قال ~~تعالى ) فاقصص القصص لعلهم يتفكرون ( وقال ) لقد كان في قصصهم عبرة لأولي ~~الألباب ( وقال ) ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي ~~الصالحون ( وهذا في القصص التي يذكر فيها ما لقيه المكذبون للرسل كقصص قوم ~~نوح وعاد وثمود وأهل الرس وأصحاب الأيكة . | الفائدة الخامسة : أن في حكاية ~~القصص سلوك أسلوب التوصيف والمحاورة وذلك أسلوب لم يكن معهودا للعرب فكان ~~مجيئه في القرآن ابتكار أسلوب جديد في البلاغة العربية شديد التأثير في ~~نفوس أهل اللسان ، وهو من إعجاز القرآن ؛ إذ ms0064 لا ينكرون أنه أسلوب بديع ولا ~~يستطيعون الإتيان بمثله إذ لم يعتادوه ، انظر إلى حكاية أحوال الناس في ~~الجنة والنار والأعراف في سورة الأعراف ، وقد تقدم التنبيه عليه في المقدمة ~~الخامسة فكان من مكملات عجز العرب عن المعارضة . | الفائدة السادسة : أن ~~العرب بتوغل الأمية والجهل فيهم أصبحوا لا تهتدي عقولهم إلا بما يقع تحت ~~الحس ، أو ما ينتزع منه ففقدوا فائدة الاتعاظ بأحوال الأمم الماضية وجهلوا ~~معظمها وجهلوا أحوال البعض الذي علموا أسماءه فأعقبهم ذلك إعراضا عن السعي ~~لإصلاح PageV01P066 أحوالهم بتطهيرها مما كان سبب هلاك من قبلهم ، فكان في ~~ذكر قصص الأمم توسيع لعلم المسلمين بإحاطتهم بوجود الأمم ومعظم أحوالها ، ~~قال مشيرا إلى غفلتهم قبل الإسلام ) وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم ~~وتبين لكم كيف فعلنا بهم ( . | الفائدة السابعة : تعويد المسلمين على معرفة ~~سعة العالم وعظمة الأمم والاعتراف لها بمزاياها حتى تدفع عنهم وصمة الغرور ~~كما وعظهم قوله تعالى عن قوم عاد ) وقالوا من أشد منا قوة ( فإذا علمت ~~الأمة جوامع الخيرات وملائمات حياة الناس تطلبت كل ما ينقصها مما يتوقف ~~عليه كمال حياتها وعظمتها . | الفائدة الثامنة : أن ينشئ في المسلمين همة ~~السعي إلى سيادة العالم كما ساده أمم من قبلهم ليخرجوا من الخمول الذي كان ~~عليه العرب إذ رضوا من العزة باغتيال بعضهم بعضا فكان منتهى السيد منهم أن ~~يغنم صريمة ، ومنتهى أمل العامي أن يرعى غنيمة ، وتقاصرت هممهم عن تطلب ~~السيادة حتى آل بهم الحال إلى أن فقدوا عزتهم فأصبح كالأتباع للفرس والروم ~~، فالعراق كله واليمن كله وبلاد البحرين تبع لسيادة الفرس . والشام ومشارفه ~~تبع لسيادة الروم . وبقي الحجاز ونجد لا غنية لهم عن الاعتزاز بملوك العجم ~~والروم في رحلاتهم وتجارتهم . # | الفائدة التاسعة : معرفة أن قوة الله تعالى فوق كل قوة ، وأن الله ينصر ~~من ينصره ، وأنهم إن أخذوا بوسيلتي البقاء : من الاستعداد والاعتماد ؛ ~~سلموا من تسلط غيرهم عليهم . وذكر العواقب الصالحة لأهل الخير ، وكيف ~~ينصرهم الله تعالى كما في قوله ) فنادى في الظلمات أن لا إله إلا ms0065 أنت ~~سبحانك إني كنت من الظالمين . فاستجبنا له ونجيناه من الغم ، وكذلك ننجي ~~المؤمنين ( . | الفائدة العاشرة : أنها يحصل منها بالتبع فوائد في تاريخ ~~التشريع والحضارة وذلك يفتق أذهان المسلمين للإلمام بفوائد المدنية كقوله ~~تعالى ) كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله ~~( في قراءة من قرأ دين بكسر الدال ، أي في شرع فرعون يومئذ ، فعلمنا أن ~~شريعة القبط كانت تخول استرقاق السارق . وقوله ) معاذ الله أن نأخذ إلا من ~~وجدنا متاعنا عنده ( يدل على أن شريعتهم ما كانت تسوغ أخذ البدل في ~~الاسترقاق ، وأن الحر لا يملك إلا بوجه معتبر . ونعلم من قوله ) وابعث في ~~المدائن PageV01P067 حاشرين - فأرسل فرعون في المدائن حاشرين ( أن نظام مصر ~~في زمن موسى إرسال المؤذنين والبريح بالإعلام بالأمور المهمة . ونعلم من ~~قوله ) قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابات الجب يلتقطه بعض ~~السيارة ( أنهم كانوا يعلمون وجود الأجباب في الطرقات وهي آبار قصيرة ~~يقصدها المسافرون للاستقاء منها . وقول يعقوب ) وأخاف أن يأكله الذئب ( أن ~~بادية الشام إلى مصر كانت توجد بها الذئاب المفترسة وقد انقطعت منها اليوم ~~. | وفيما ذكرنا ما يدفع عنكم هاجسا رأيته خطر لكثير من أهل اليقين ~~والمتشككين وهو أن يقال : لماذا لم يقع الاستغناء بالقصة الواحدة في حصول ~~المقصود منها . وما فائدة تكرار القصة في سور كثيرة ? وربما تطرق هذا ~~الهاجس ببعضهم إلى مناهج الإلحاد في القرآن . والذي يكشف لسائر المتحيرين ~~حيرتهم على اختلاف نواياهم وتفاوت مداركهم أن القرآن - كما قلنا هو بالخطب ~~والمواعظ أشبه منه بالتآليف . وفوائد القصص تجتلبها المناسبات وتذكر القصة ~~كالبرهان على الغرض المسوقة هي معه ، فلا يعد ذكرها مع غرضها تكريرا لها ~~لأن سبق ذكرها إنما كان في مناسبات أخرى . كما لا يقال للخطيب في قوم ، ثم ~~دعته المناسبات إلى أن وقف خطيبا في مثل مقامه الأول فخطب بمعان تضمنتها ~~خطبته السابقة إنه أعاد الخطبة ، بل إنه أعاد معانيها ولم يعد ألفاظ خطبته ~~. وهذا مقام تظهر فيه مقدرة الخطباء فيحصل ms0066 من ذكرها هذا المقصد الخطابي . ~~ثم تحصل معه مقاصد أخرى : أحدها رسوخها في الأذهان بتكريرها . | الثاني : ~~ظهور البلاغة ، فإن تكرير الكلام في الغرض الواحد من شأنه أن يثقل على ~~البليغ فإذا جاء اللاحق منه إثر السابق مع تفنن في المعاني باختلاف طرق ~~أدائها من مجاز أو استعارات أو كناية . وتفنن الألفاظ وتراكيبها بما تقتضيه ~~الفصاحة وسعة اللغة باستعمال المترادفات مثل : ولئن رددت . ولئن رجعت . ~~وتفنن المحسنات البديعية المعنوية واللفظية ونحو ذلك كان ذلك من الحدود ~~القصوى في البلاغة ، فذلك وجه من وجوه الإعجاز . | الثالث : أن يسمع ~~اللاحقون من المؤمنين في وقت نزول القرآن ذكر القصة التي كانت فاتتهم ~~مماثلتها قبل إسلامهم أو في مدة مغيبهم ، فإن تلقي القرآن عند نزوله أوقع ~~في النفوس من تطلبه من حافظيه . PageV01P068 | الرابع : أن جمع المؤمنين ~~جميع القرآن حفظا كان نادرا بل تجد البعض يحفظ بعض السور فيكون الذي حفظ ~~إحدى السور التي ذكرت فيها قصة معينة عالما بتلك القصة . كعلم من حفظ سورة ~~أخرى ذكرت فيها تلك القصة . | الخامس : أن تلك القصص تختلف حكاية القصة ~~الواحدة منها بأساليب مختلفة ويذكر في بعض حكاية القصة الواحدة ما لم يذكر ~~في بعضها الآخر وذلك لأسباب : منها تجنب التطويل في الحكاية الواحدة فيقتصر ~~على موضع العبرة منها في موضع وبذكر آخر في موضع آخر فيحصل من متفرق ~~مواضعها في القرآن كمال القصة أو كمال المقصود منها ، وفي بعضها ما هو شرح ~~لبعض . # | ومنها أن يكون بعض القصة المذكور في موضع مناسبا للحالة المقصودة من ~~سامعيها ، ومن أجل ذلك تجد ذكرا لبعض القصة في موضع وتجد ذكرا لبعض آخر ~~منها في موضع آخر لأن فيما يذكر منها مناسبة للسياق الذي سيقت له ، فإنها ~~تارة تساق إلى المشركين ، وتارة إلى أهل الكتاب ، وتارة تساق إلى المؤمنين ~~، وتارة إلى كليهما ، وقد تساق للطائفة من هؤلاء في حالة خاصة ، ثم تساق ~~إليها في حالة أخرى . وبذلك تتفاوت بالإطناب والإيجاز على حسب المقامات ، ~~ألا ترى قصة بعث موسى كيف بسطت في سورة ms0067 طه ، وسورة الشعراء . وكيف أوجزت في ~~آيتين في سورة الفرقان ) ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون ~~وزيرا فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا فدمرناهم تدميرا ( . | ~~ومنها أنه قد يقصد تارة التنبيه على خطأ المخاطبين فيما ينقلونه من تلك ~~القصة ، وتارة لا يقصد ذلك . | فهذه تحقيقات سمحت بها القريحة ، وربما كانت ~~بعض معانيها في كلام السابقين غير صريحة . PageV01P069 # المقدمة الثامنة # في اسم القرآن وآياته وسوره وترتيبها وأسمائها | هذا غرض له مزيد اتصال ~~بالقرآن . وله اتصال متين بالتفسير ؛ لأن ما يتحقق فيه ينتفع به في مواضع ~~كثيرة من فواتح السور ، ومناسبة بعضها لبعض فيغني المفسر عن إعادته . | ~~معلوم لك أن موضوع علم التفسير هو القرآن لتبيان معانيه وما يشتمل عليه من ~~إرشاد وهدى وآداب وإصلاح حال الأمة في جماعتها وفي معاملتها مع الأمم التي ~~تخالطها : بفهم دلالته اللغوية والبلاغية . فالقرآن هو الكلام الذي أوحاه ~~الله تعالى كلاما عربيا إلى محمد صلى الله عليه وسلم بواسطة جبريل على أن ~~يبلغه الرسول إلى الأمة باللفظ الذي أوحي به إليه للعمل به ولقراءة ما ~~يتيسر لهم أن يقرأوه منه في صلواتهم وجعل قراءته عبادة . | وجعله كذلك آية ~~على صدق الرسول في دعواه الرسالة عن الله إلى الخلق كافة بأن تحدى منكريه ~~والمترددين فيه من العرب وهم المخاطبون به الأولون بأنهم لا يستطيعون ~~معارضته ، ودعاهم إليها فلم يفعلوا . دعاهم أول الأمر إلى الإتيان بعشر سور ~~مثله فقال ) أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من ~~استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين . فإلم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل ~~بعلم الله ( سورة هود . ثم استنزلهم إلى أهون من ذلك عليهم فقال ) أم ~~يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتتم من دون الله إن كنتم ~~صادقين بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ( سورة يونس ثم جاء بأصرح من ذلك ~~وأنذرهم بأنهم ليسوا بآتين بذلك فقال في سورة البقرة ) وإن كنتم في ريب مما ~~نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله ms0068 وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم ~~صادقين . فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار ( الآية . وقال ) ويقولون ~~لولا أنزل عليه آية من ربه فقل إنما الغيب لله فانتظروا إني معكم من ~~المنتظرين أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة ~~وذكرى لقوم يؤمنون ( سورة العنكبوت ) PageV01P070 وقد بين النبي صلى الله ~~عليه وسلم ذلك بقوله ما من الأنبياء نبي إلا أوتي من الآيات ما مثله آمن ~~عليه البشر ، وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحاه الله إلي ، فأرجو أن أكون ~~أكثرهم تابعا يوم القيامة وفي هذا الحديث معان جليلة ليس هذا مقام بيانها ~~وقد شرحتها في تعليقي على صحيح البخاري المسمى النظر الفسيح عند مضايق ~~الأنظار في الجامع الصحيح . # | فالقرآن اسم للكلام الموحى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو جملة ~~المكتوب في المصاحف المشتمل على مائة وأربع عشرة سورة ، أولاها الفاتحة ~~وأخراها سورة الناس . صار هذا الاسم علم على هذا الوحي . وهو على وزن فعلان ~~وهي زنة وردت في أسماء المصادر مثل غفران ، وشكران وبهتان ، ووردت زيادة ~~النون في أسماء أعلام مثل عثمان وحسان وعدنان ، واسم قرآن صالح للاعتبارين ~~لأنه مشتق من القراءة لأن أول ما بدئ به الرسول من الوحي ) اقرأ باسم ربك ( ~~الآية . وقال تعالى ) وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه ~~تنزيلا ( فهمزة قرآن أصلية ووزنه فعلان ولذلك اتفق أكثر القراء على قراءة ~~لفظ قرآن مهموزا حيثما وقع في التنزيل ولم يخالفهم إلا ابن كثير قرأه بفتح ~~الراء بعدها ألف على لغة تخفيف المهموز وهي لغة حجازية ، والأصل توافق ~~القراءات في مدلول اللفظ المختلف في قراءته . وقيل هو قرآن بوزن فعال ، من ~~القرن بين الأشياء أي الجمع بينها لأنه قرنت سوره بعضها ببعض وكذلك آياته ~~وحروفه وسمى كتاب الله قرآنا كما سمى الإنجيل الإنجيل ، وليس مأخوذا من ~~قرأت ، ولهذا يهمز قرأت ولا يهمز القرآن فتكون قراءة ابن كثير جارية على ~~أنه اسم أخر لكتاب الله على هذا الوجه . ومن الناس من ms0069 زعم أن قرآن جمع ~~قرينه أي اسم جمع ، إذ لا يجمع مثل قرينه على وزن فعال في التكثير فإن ~~الجموع الواردة على وزن فعال محصورة ليس هذا منها ، والقرينة العلامة ، ~~قالوا لأن آياته يصدق بعضها بعضا فهي قرائن على الصدق . | فاسم القرآن هو ~~الاسم الذي جعل علما على الوحي المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ، ولم ~~يسبق أن أطلق على غيره قبله ، وهو أشهر أسمائه وأكثرها ورودا في آياته ~~وأشهرها دورانا على ألسنة السلف . PageV01P071 | وله أسماء أخرى هي في ~~الأصل أوصاف أو أجناس أنهاها في الإتقان إلى نيف وعشرين . والذي اشتهر ~~إطلاقه عليه منها ستة : التنزيل ، والكتاب ، والفرقان ، والذكر ، والوحي ، ~~وكلام الله . | فأما الفرقان فهو في الأصل اسم لما يفرق به بين الحق ~~والباطل وهو مصدر ، وقد وصف يوم بدر بيوم الفرقان وأطلق على القرآن في قوله ~~تعالى ) تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ( وقد جعل هذا الاسم علما على ~~القرآن بالغلبة مثل التوراة على الكتاب الذي جاء به موسى والإنجيل على ~~الوحي الذي أنزل على عيسى قال تعالى ) هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات ~~محكمات ( إلى قوله ) وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل ~~الفرقان ( فوصفه أولا بالكتاب وهو اسم الجنس العام ثم عبر عنه باسم الفرقان ~~عقب ذكر التوراة والإنجيل وهما علمان ليعلم أن الفرقان علم على الكتاب الذي ~~أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم . ووجه تسميته الفرقان أنه امتاز عن بقية ~~الكتب السماوية بكثرة ما فيه من بيان التفرقة بين الحق والباطل ، فإن ~~القرآن يعضد هديه بالدلائل والأمثال ونحوها ، وحسبك ما اشتمل عليه من بيان ~~التوحيد وصفات الله مما لا تجد مثله في التوراة والإنجيل كقوله تعالى ) ليس ~~كمثله شيء ( وأذكر لك مثالا يكون تبصرة لك في معنى كون القرآن فرقانا وذلك ~~أنه حكى صفة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم الواردة في التوراة والإنجيل ~~بقوله ) والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ( الآيات من سورة محمد ~~فلما وصفهم القرآن قال ) كنتم خير ms0070 أمة أخرجت للناس ( الآية آل عمران فجمع ~~في هاته الجملة جميع أوصاف الكمال . | وأما إن افتقدت ناحية آيات أحكامه ~~فإنك تجدها مبرأة من اللبس وبعيدة عن تطرق الشبهة ، وحسبك قوله ) فانكحوا ~~ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ~~ملكت أيمانكم ذلك أدنى أن لا تعولوا ( فإنك لا تجد في التوراة جملة تفيد ~~هذا المعنى بله ما في الإنجيل . | وهذا من مقتضيات كون القرآن مهيمنا على ~~الكتب السالفة في قوله تعالى ) وأنزلنا عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين ~~يديه من الكتاب ومهيمنا عليه ( وسيأتي بيان هذا في أول آل عمران . | وأما ~~التنزيل فهو مصدر نزل ، أطلق على المنزل باعتبار أن ألفاظ القرآن أنزلت من ~~السماء PageV01P072 قال تعالى ) تنزيل من الرحمن الرحيم . كتاب فصلت آياته ~~قرآنا عربيا لقوم يعلمون ( وقال : ) تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب ~~العالمين ( . # | وأما الكتاب فأصله اسم جنس مطلق ومعهود . وباعتبار عهده أطلق على ~~القرآن كثيرا قال تعالى ) ذلك الكتاب لا ريب فيه ( ، وقال ) الحمد لله الذي ~~أنزل على عبده الكتاب ( وإنما سمي كتابا لأن الله جعله جامعا للشريعة فأشبه ~~التوراة لأنها كانت مكتوبة في زمن الرسول المرسل بها ، وأشبه الإنجيل الذي ~~لم يكتب في زمن الرسول الذي أرسل به ولكنه كتبه بعض أصحابه وأصحابهم ، ولأن ~~الله أمر رسوله أن يكتب كل ما أنزل عليه منه ليكون حجة على الذين يدخلون في ~~الإسلام ولم يتلقوه بحفظ قلوبهم . وفي هذه التسمية معجزة للرسول صلى الله ~~عليه وسلم بأن ما أوحي إليه سيكتب في المصاحف قال تعالى ) وهذا كتاب ~~أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها ( . وقال ) ~~وهذا كتاب مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون ( وغير ذلك ، ولذلك اتخذ النبي ~~صلى الله عليه وسلم من أصحابه كتابا يكتبون ما أنزل إليه ؛ من أول ما ابتدئ ~~نزوله ، ومن أولهم عبد الله ابن سعد بن أبي سرح ، وعبد الله بن عمرو بن ~~العاص ، وزيد بن ثابت ، ومعاوية بن أبي سفيان ms0071 . وقد وجد جميع ما حفظه ~~المسلمون في قلوبهم على قدر ما وجدوه مكتوبا يوم أمر أبو بكر بكتابة المصحف ~~. | وأما الذكر فقال تعالى ) وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ~~( أي لتبينه للناس ، وذلك أنه تذكير بما يجب على الناس اعتقاده والعمل به . ~~| وأما الوحي فقال تعالى ) قل إنما أنذركم بالوحي ( ووجه هذه التسمية أنه ~~ألقي إلى النبي صلى الله عليه وسلم بواسطة الملك وذلك الإلقاء يسمى وحيا ~~لأنه يترجم عن مراد الله تعالى فهو كالكلام المترجم عن مراد الإنسان ، ~~ولأنه لم يكن تأليف تراكيبه من فعل البشر . | وأما كلام الله فقال تعالى ) ~~وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ( . | واعلم أن أبا ~~بكر رضي الله عنه لما أمر بجمع القرآن وكتابته كتبوه على الورق فقال ~~للصحابة : التمسوا اسما ، فقال بعضهم سموه إنجيلا فكرهوا ذلك من أجل ~~النصارى ، PageV01P073 وقال بعضهم سموه السفر فكرهوه من أجل أن اليهود ~~يسمون التوراة السفر . فقال عبد الله ابن مسعود : رأيت بالحبشة كتابا ~~يدعونه المصحف فسموه مصحفا يعني أنه رأى كتابا غير الإنجيل . # آيات القرآن | الآية : هي مقدار من القرآن مركب ولو تقديرا أو إلحاقا ، ~~فقولي ولو تقديرا لإدخال قوله تعالى ) مدهامتان ( إذ التقدير هما مدهامتان ~~، ونحو ) والفجر ( إذ التقدير أقسم بالفجر . وقولي أو إلحاقا : لإدخال بعض ~~فواتح السور من الحروف المقطعة فقد عد أكثرها في المصاحف آيات ما عدا : آلر ~~، وآلمر ، وطس~ ، وذلك أمر توقيفي وسنة متبعة ولا يظهر فرق بينها وبين ~~غيرها . وتسمية هذه الأجزاء آيات هو من مبتكرات القرآن ، قال تعالى ) هو ~~الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات ( وقال ) كتاب أحكمت آياته ثم فصلت ~~( . وإنما سميت آية لأنها دليل على أنها موحى بها من عند الله إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم لأنها تشتمل على ما هو من الحد الأعلى في بلاغة نظم ~~الكلام ، ولأنها لوقوعها مع غيرها من الآيات جعلت دليلا على أن القرآن منزل ~~من عند الله وليس من تأليف البشر إذ قد تحدى النبي ms0072 به أهل الفصاحة والبلاغة ~~من أهل اللسان العربي فعجزوا عن تأليف مثل سورة من سوره . | فلذا لا يحق ~~لجمل التوراة والإنجيل أن تسمى آيات إذ ليست فيها هذه الخصوصية في اللغة ~~العبرانية والآرامية . وأما ما ورد في حديث رجم اليهوديين اللذين زنيا من ~~قول الراوي فوضع الذي نشر التوراة يده على آية الرجم فذلك تعبير غلب على ~~لسان الراوي على وجه المشاكلة التقديرية تشبيها بجمل القرآن ، إذ لم يجد ~~لها اسما يعبر به عنها . | وتحديد مقادير الآيات مروي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وقد تختلف الرواية في بعض الآيات وهو محمول على التخيير في حد ~~تلك الآيات التي تختلف فيها الرواية في تعيين منتهاها ومبتدإ ما بعدها . ~~فكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على علم من تحديد الآيات . قلت وفي ~~الحديث الصحيح أن فاتحة الكتاب السبع المثاني أي السبع الآيات . وفي الحديث ~~من قرأ العشر الخواتم من آخر آل عمران الحديث . وهي الآيات التي ~~PageV01P074 أولها ( إن في خلق السماوات والأرض ، واختلاف الليل والنهار ~~لآيات لأولى الألباب ) إلى آخر السورة . # | وكان المسلمون في عصر النبوة وما بعده يقدرون تارة بعض الأوقات بمقدار ~~ما يقرأ القارئ عددا من الآيات كما ورد في حديث سحور النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه كان بينه وبين طلوع الفجر مقدار ما يقرأ القارئ خمسين آية . | قال ~~أبو بكر ابن العربي وتحديد الآية من معضلات القرآن ، فمن آياته طويل وقصير ~~، ومنه ما ينقطع ومنه ما ينتهي إلى تمام الكلام ، وقال الزمخشري الآيات علم ~~توقيفي . | وأنا أقول لا يبعد أن يكون تعيين مقدار الآية تبعا لانتهاء ~~نزولها وأمارته وقوع الفاصلة . | والذي استخلصته أن الفواصل هي الكلمات ~~التي تتماثل في أواخر حروفها أو تتقارب ، مع تماثل أو تقارب صيغ النطق بها ~~وتكرر في السورة تكررا يؤذن بأن تماثلها أو تقاربها مقصود من النظم في آيات ~~كثيرة متماثلة ، تكثر وتقل ، وأكثرها قريب من الأسجاع في الكلام المسجوع . ~~| والعبرة فيها بتماثل صيغ الكلمات من حركات وسكون وهي أكثر شبها ms0073 بالتزام ~~ما لا يلزم في القوافي . وأكثرها جار على أسلوب الأسجاع . | والذي استخلصته ~~أيضا أن تلك الفواصل كلها منتهى آيات ولو كان الكلام الذي تقع فيه لم يتم ~~فيه الغرض المسوق إليه ، وأنه إذا انتهى الغرض المقصود من الكلام ولم تقع ~~عند انتهائه فاصلة لا يكون منتهى الكلام نهاية آية إلا نادرا كقوله تعالى ) ~~ص والقرآن ذي الذكر ( ، فهذا المقدار عد آية وهو لم ينته بفاصلة ، ومثله ~~نادر . فإن فواصل تلك الآيات الواقعة في أول السورة أقيمت على حرف مفتوح ~~بعده ألف مد بعدها حرف ، مثل : شقاق ، مناص ، كذاب ، عجاب . | وفواصل بنيت ~~على حرف مضموم مشبع بواو . أو على حرف مكسور مشبع بياء ساكنة ، وبعد ذلك ~~حرف ، مثل أنتم عنه معرضون ، اذ يستمعون ، نذير مبين ، من طين . | فلو ~~انتهى الغرض الذي سيق له الكلام وكانت فاصلة تأتي بعد انتهاء الكلام تكون ~~PageV01P075 الآية غير منتهية ولو طالت ، كقوله تعالى ) قال لقد ظلمك بسؤال ~~نعجتك ( إلى قوله ) وخر راكعا وأناب ( ، فهذه الجمل كلها عدت آية واحدة . | ~~واعلم أن هذه الفواصل من جملة المقصود من الإعجاز لأنها ترجع إلى محسنات ~~الكلام وهي من جانب فصاحة الكلام فمن الغرض البلاغي الوقوف عند الفواصل ~~لتقع في الأسماع فتتأثر نفوس السامعين بمحاسن ذلك التماثل ، كما تتأثر ~~بالقوافي في الشعر وبالأسجاع في الكلام المسجوع . فإن قوله تعالى ) إذ ~~الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون آية في الحميم ثم في النار يسجرون آية ~~ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون آية من دون الله ( إلى آخر الآيات . فقوله ) ~~في الحميم ( متصل بقوله ) يسحبون ( وقوله و ) من دون الله ( متصل بقوله ) ~~تشركون ( . وينبغي الوقف عند نهاية كل آية منها . | وقوله تعالى ) واشهدوا ~~أني بريء مما تشركون آية . وقوله ) من دونه ( ابتداء الآية بعدها في سورة ~~هود . | ألا ترى أن من الإضاعة لدقائق الشعر أن يلقيه ملقيه على مسامع ~~الناس دون وقف عند قوافيه فإن ذلك إضاعة لجهود الشعراء ، وتغطية على محاسن ~~الشعر ، وإلحاق للشعر بالنثر . | وأن إلفاء السجع دون وقوف ms0074 عند أسجاعه هو ~~كذلك لا محالة . | ومن السذاجة أن ينصرف ملقي الكلام عن محافظة هذه الدقائق ~~فيكون مضيعا لأمر نفيس أجهد فيه قائله نفسه وعنايته . | والعلة بأنه يريد ~~أن يبين للسامعين معاني الكلام ، فضول ، فإن البيان وظيفة ملقي درس لا ~~وظيفة منشد الشعر ، ولو كان هو الشاعر نفسه . | وفي الإتقان عن أبي عمرو ~~قال بعضهم : الوقف على رؤوس الآي سنة . وفيه عن البيهقي في شعب الإيمان : ~~الفضل الوقف على رؤوس الآيات وان تعلقت بما بعدها اتباعا لهدي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وسنته ، وفي سنن أبي داود عن أم سلمة أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان إذا قرأ قطع قراءته آية آية يقول : بسم الله الرحمن الرحيم . ~~ثم يقف . PageV01P076 ( الحمد لله رب العالمين ) . ثم يقف ( الرحمن الرحيم ~~) ثم يقف . | على أن وراء هذا وجوب اتباع المأثور من تحديد الآي كما قال ~~ابن العربي والزمخشري ولكن ذلك لا يصدنا عن محاولة ضوابط تنفع الناظر وإن ~~شذ عنها ما شذ . | ألا ترى أن بعض الحروف المقطعة التي افتتحت بها بعض ~~السور قد عد بعضها آيات مثل . آلم . آلمص . كهيعص . عسق . طسم . يس . حم . ~~طه . | ولم تعد ألر . ألمر . طس~ . ص~ . ق~ . ن~ . آيات . # | وآيات القرآن متفاوتة في مقادير كلماتها فبعضها أطول من بعض ولذلك ~~فتقدير الزمان بها في قولهم : مقدار ما يقرأ القارئ خمسين آية مثلا ، تقدير ~~تقريبي ، وتفاوت الآيات في الطول تابع لما يقتضيه مقام البلاغة من مواقع ~~كلمات الفواصل على حسب ما قبلها من الكلام . | وأطول آية قوله تعالى ) هم ~~الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام ( إلى قوله ) وكان الله بكل شيء عليما ~~( في سورة الفتح ، وقوله ) واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان ( إلى ~~قوله ) لو كانوا يعلمون ( في سورة البقرة . | ودونهما قوله تعالى ) حرمت ~~عليكم أمهاتكم ( إلى قوله ) إن الله كان غفورا رحيما ( في سورة النساء . | ~~وأقصر آية في عدد الكلمات قوله تعالى ) مدهامتان ( . في سورة الرحمن وفي ~~عدد الحروف المقطعة قوله ) طه ( . | وأما وقوف القرآن ms0075 فقد لا تساير نهايات ~~الآيات ، ولا ارتباط لها بنهايات الآيات فقد يكون في آية واحدة عدة وقوف ~~كما في قوله تعالى ) إليه يرد علم الساعة وقف وما تخرج من ثمرات من أكمامها ~~وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه وقف ويوم يناديهم أين شركائي قالوا ~~آذناك ما منا من شهيد . وقف ( ، ومنتهى الآية في سورة فصلت . وسيأتي الكلام ~~على الوقوف في آخر هذا المبحث . | فأما ما اختلف السلف فيه من عدد الآيات ~~القرآن بناء على الاختلاف في نهاية بعضها ، فقد يكون بعض ذلك عن اختلاف في ~~الرواية كما قدمنا آنفا ، وقد يكون بعضه عن اختلاف الاجتهاد . | قال أبو ~~عمرو الداني في كتاب العدد : أجمعوا على أن عدد آيات القرآن يبلغ ستة آلاف ~~آية ، واختلفوا فيما زاد على ذلك ، فمنهم من لم يزد ، ومنهم من قال ومائتين ~~وأربع PageV01P077 آيات ، وقيل وأربع عشرة ، وقيل وتسع عشرة ، وقيل وخمسا ~~وعشرين ، وقيل وستا وثلاثين ، وقيل وستمائة وست عشرة . | قال المازري في ~~شرح البرهان : قال مكي بن أبي طالب قد أجمع أهل العدد من أهل الكوفة ~~والبصرة والمدينة والشام على ترك عد البسملة آية في أول كل سورة ، وإنما ~~اختلفوا في عدها وتركها في سورة الحمد لا غير ، فعدها آية الكوفي والمكي ~~ولم يعدها آية البصري ولا الشامي ولا المدني . | وفي الإتقان كلام في ~~الضابط الأول من الضوابط غير محرر وهو آيل إلى ما قاله المازري ، ورأيت في ~~عد بعض السور أن المصحف المدني عد آيها أكثر مما في الكوفي ، ولو عنوا عد ~~البسملة لكان الكوفي أكثر . | وكان لأهل المدينة عددان ، يعرف أحدهما ~~بالأول ويعرف الآخر بالأخير ، ومعنى ذلك أن الذين تصدوا لعد الآي بالمدينة ~~من أئمة القراء هم : أبو جعفر يزيد بن القعقاع ، وأبو نصاح شيبة بن نصاح ، ~~وأبو عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السلمي ، وإسماعيل بن جعفر بن كثير ~~الأنصاري ، وقد اتفق هؤلاء الأربعة على عدد وهو المسمى بالعدد الأول ، ثم ~~خالفهم إسماعيل ابن جعفر بعدد انفرد به وهو الذي يقال ms0076 له العدد الثاني ، ~~وقد رأيت هذا ينسب إلى أيوب ابن المتوكل البصري المتوفي سنة 200 . | ولأهل ~~مكة عدد واحد ، وربما اتفقوا في عدد آي السورة المعينة ، وربما اختلفوا ، ~~وقد يوجد اختلاف تارة في مصاحف الكوفة والبصرة والشام ، كما نجد في تفسير ~~المهدوي وفي كتب علوم القرآن ، ولذلك تجد المفسرين يقولون في بعض السور عدد ~~آيتها في المصحف الفلاني كذا . وقد كان عدد آي السور معروفا في زمن النبي ~~صلى الله عليه وسلم : وروي محمد بن السائب عن ابن عباس أنه لما نزلت آخر ~~آية وهي قوله تعالى ( واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ) الآية قال جبريل ~~للنبي صلى الله عليه وسلم ضعها في رأس ثمانين ومائتين من سورة البقرة ، ~~واستمر العمل بعد الآي في عصر الصحابة ، ففي صحيح البخاري عن سعيد ابن جبير ~~عن ابن عباس قال إذا سرك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ومائة من ~~سورة الأنعام ( قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم ) الآية . ~~PageV01P078 # ترتيب الآي # | وأما ترتيب الآي بعضها عقب بعض فهو بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم ~~حسب نزول الوحي ، ومن المعلوم أن القرآن نزل منجما آيات فربما نزلت عدة ~~آيات متتابعة أو سورة كاملة ، كما سيأتي قريبا ، وذلك الترتيب مما يدخل في ~~وجوه إعجازه من بداعة أسلوبه كما سيأتي في المقدمة العاشرة ، فلذلك كان ~~ترتيب آيات السورة الواحدة على ما بلغتنا عليه متعينا بحيث لو غير عنه إلى ~~ترتيب آخر لنزل على حد الإعجاز الذي امتاز به ، فلم تختلف قراءة النبي صلى ~~الله عليه وسلم في ترتيب آي السور على نحو ما هو في المصحف الذي بأيدي ~~المسلمين اليوم ، وهو ما استقرت عليه رواية الحفاظ من الصحابة عن العرضات ~~الأخيرة التي كان يقرأ بها النبي صلى الله عليه وسلم في أواخر سني حياته ~~الشريفة ، وحسبك أن زيد بن ثابت حين كتب المصحف لأبي بكر لم يخالف في ترتيب ~~آي القرآن . | وعلى ترتيب قراءة النبي صلى الله عليه وسلم في الصلوات ms0077 ~~الجهرية وفي عديد المناسبات حفظ القرآن كل من حفظه كلا أو بعضا ، وليس لهم ~~معتمد في ذلك إلا ما عرفوا به من قوة الحوافظ ، ولم يكونوا يعتمدون على ~~الكتابة ، وإنما كان كتاب الوحي يكتبون ما أنزل من القرآن بأمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم ، وذلك بتوقيف إلهي . ولعل حكمة الأمر بالكتابة أن يرجع ~~إليها المسلمون عندما يحدث لهم شك أو نسيان ولكن ذلك لم يقع . | ولما جمع ~~القرآن في عهد أبي بكر لم يؤثر عنهم أنهم فرددوا في ترتيب آيات من إحدى ~~السور ولا أثر عنهم إنكار أو اختلاف فيما جمع من القرآن فكان موافقا لما ~~حفظته حوافظهم ، قال ابن وهب : سمعت مالكا يقول : إنما ألف القرآن على ما ~~كانوا يسمعونه من رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال ابن الأنباري كانت ~~الآية تنزل جوابا لمستخبر يسأل ويوقف جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على موضع الآية . | واتساق الحروف واتساق الآيات واتساق السور كله عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم . | فلهذا كان الأصل في آي القرآن أن يكون بين ~~الآية ولاحقتها تناسب في الغرض . أو في الانتقال منه أو نحو ذلك من أساليب ~~الكلام المنتظم المتصل ، ومما يدل عليه وجود PageV01P079 حروف العطف ~~المفيدة الاتصال مثل الفاء ولكن وبل ومثل أدوات الاستثناء ، على أن وجود ~~ذلك لا يعين اتصال ما بعده بما قبله في النزول ، فإنه قد اتفق على أن قوله ~~تعالى ) غير أولى الضرر ( نزل بعد نزول ما قبله وما بعده من قوله ) لا ~~يستوي القاعدون ( إلى قوله ) وأنفسهم ( قال بدر الدين الزركشي بعض مشايخنا ~~المحققين قد وهم من قال لا تطلب للآي الكريمة مناسبة والذي ينبغي في كل آية ~~أن يبحث أول شيء عن كونها مكملة لما قبلها أو مستقلة ، ثم المستقلة ما وجه ~~مناسبتها لما قبلها ففي ذلك علم جم . | على أنه يندر أن يكون موقع الآية ~~عقب التي قبلها لأجل نزولها عقب التي قبلها من سورة هي بصدد النزول فيؤمر ~~النبي بأن يقرأها عقب التي ms0078 قبلها ، وهذا كقوله تعالى ) وما نتنزل إلا بأمر ~~ربك ( عقب قوله ) تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا ( في سورة ~~مريم ، فقد روى أن جبريل لبث أياما لم ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم ~~بوحي ، فلما نزل بالآيات السابقة عاتبه النبي ، فأمر الله جبريل أن يقول ) ~~وما نتنزل إلا بأمر ربك ( # فكانت وحيا نزل به جبريل ، فقرئ مع الآية التي نزل بأثرها ، وكذلك آية ) ~~إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها ( عقب قوله تعالى ) وبشر ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات ( إلى قوله ) وهم فيها خالدون ( ~~في سورة البقرة إذ كان ردا على المشركين في قولهم : أما يستحي محمد أن يمثل ~~بالذباب وبالعنكبوت ? فلما ضرب لهم الأمثال بقوله ( مثلهم كمثل الذي استوقد ~~نارا ) تخلص إلى الرد عليهم فيما أنكروه من الأمثال . على أنه لا يعدم ~~مناسبة ما ، وقد لا تكون له مناسبة ولكنه اقتضاه سبب في ذلك المكان كقوله ~~تعالى ( لا تحرك به لسانك لتعجل به . إن علينا جمعه وقرآنه . فإذا قرأناه ~~فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه ) فهذه الآيات نزلت في سورة القيامة في خلال ~~توبيخ المشركين على إنكارهم البعث ووصف يوم الحشر وأهواله ، وليست لها ~~مناسبة بذلك ولكن سبب نزولها حصل في خلال ذلك . روى البخاري عن ابن عباس ~~قال كان رسول الله إذا نزل جبريل بالوحي كان مما يحرك به لسانه وشفتيه يريد ~~أن يحفظه فأنزل الله الآية التي في ( لا أقسم بيوم القيامة ) اه ، فذلك ~~يفيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرك شفتيه بالآيات التي نزلت في أول ~~السورة . PageV01P080 | على أنه قد لا يكون في موقع الآية من التي قبلها ~~ظهور مناسبة فلا يوجب ذلك حيرة للمفسر ؛ لأنه قد يكون سبب وضعها في موضعها ~~أنها قد نزلت على سبب وكان حدوث سبب نزولها في مدة نزول السورة التي وضعت ~~فيها فقرئت تلك الآية عقب آخر آية انتهى إليها النزول ، وهذا كقوله تعالى ) ~~حافظوا على الصلوات ( إلى ms0079 قوله ) ما لم تكونوا تعلمون ( بين تشريعات أحكام ~~كثيرة في شؤون الأزواج والأمهات ، وقد ذكرنا ذلك عند هذه الآية في التفسير ~~. | وقد تكون الآية ألحقت بالسورة بعد تمام نزولها بأن أمر الرسول بوضعها ~~عقب آية معينة كما تقدم آنفا عن ابن عباس في آية ) واتقوا يوما ترجعون فيه ~~إلى الله ( وكذلك ما روى في صحيح مسلم عن ابن مسعود أن أول سورة الحديد نزل ~~بمكة ، ولم يختلف المفسرون في أن قوله تعالى ) وما لكم ألا تنفقوا في سبيل ~~الله ( إلى آخر السورة نزل بالمدينة فلا يكون ذلك إلا لمناسبة بينها وبين ~~آي تلك السورة والتشابه في أسلوب النظم ، وإنما تأخر نزول تلك الآية عن ~~نزول أخواتها من سورتها لحكمة اقتضت تأخرها ترجع غالبا إلى حدوث سبب النزول ~~كما سيأتي قريبا . | ولما كان تعيين الآيات التي أمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم بوضعها في موضع معين غير مروي إلا في عدد قليل ، كان حقا على المفسر ~~أن يتطلب مناسبات لمواقع الآيات ما وجد إلى ذلك سبيلا موصلا وإلا فليعرض ~~عنه ولا يكن من المتكلفين . | إن الغرض الأكبر للقرآن هو إصلاح الأمة ~~بأسرها . فإصلاح كفارها بدعوتهم إلى الإيمان ونبذ العبادة الضالة واتباع ~~الإيمان والإسلام ، وإصلاح المؤمنين بتقويم أخلاقهم وتثبيتهم على هداهم ~~وإرشادهم إلى طريق النجاح وتزكية نفوسهم ولذلك كانت أغراضه مرتبطة بأحوال ~~المجتمع في مدة الدعوة ، فكانت آيات القرآن مستقلا بعضها عن بعض ، لأن كل ~~آية منه ترجع إلى غرض الإصلاح والاستدلال عليه ، وتكميله وتخليصه من تسرب ~~الضلالات إليه فلم يلزم أن تكون آياته متسلسلة ، ولكن حال القرآن كحال ~~الخطيب يتطرق إلى معالجة الأحوال الحاضرة على اختلافها وينتقل من حال إلى ~~حال بالمناسبة ولذلك تكثر في القرآن الجمل المعترضة لأسباب اقتضت نزولها أو ~~بدون ذلك ؛ فإن كل جملة تشتمل على حكمة وإرشاد أو تقويم معوج ، كقوله ) ~~وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه ~~PageV01P081 النهار ( إلى قوله ) قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما ~~أوتيتم ms0080 ( فقوله ) قل إن الهدى هدى الله ( جملة معترضة . # وقوف القرآن # | الوقف هو قطع الصوت عن الكلمة حصة يتنفس في مثلها المتنفس عادة ، ~~والوقف عند انتهاء جملة من جمل القرآن قد يكون أصلا لمعنى الكلام فقد يختلف ~~المعنى باختلاف الوقف مثل قوله تعالى ) وكأين من نبي قتل معه ربيون كثير ( ~~فإذا وقف عند كلمة قتل كان المعنى أن أنبياء كثيرين قتلهم قومهم وأعداؤهم . ~~ومع الأنبياء أصحابهم فما تزلزلوا لقتل أنبيائهم فكان المقصود تأييس ~~المشركين من وهن المسلمين على فرض قتل النبي صلى الله عليه وسلم في غزوته . ~~على نحو قوله تعالى في خطاب المسلمين وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله ~~الرسل أفإين مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم الآية ، وإذا وصل قوله قتل عند ~~قوله كثير كان المعنى أن أنبياء كثيرين قتل معهم رجال من أهل التقوى فما ~~وهن من بقي بعدهم من المؤمنين وذلك بمعنى قوله تعالى ) ولا تحسبن الذين ~~قتلوا في سبيل الله أمواتا ( إلى قوله ) ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من ~~خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون ( . | وكذلك قوله تعالى ) وما يعلم ~~تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به ( الآية ، فإذا وقف عند ~~قوله ) إلا الله ( كان المعنى أن المتشابه الكلام الذي لا يصل فهم الناس ~~إلى تأويله وأن علمه مما اختص الله به مثل اختصاصه بعلم الساعة وسائر ~~الأمور الخمسة وكان ما بعده ابتداء كلام يفيد أن الراسخين يفوضون فهمه إلى ~~الله تعالى ، وإذا وصل قوله ) إلا الله ( بما بعده كان المعنى أن الراسخين ~~في العلم يعلمون تأويل المتشابه في حال أنهم يقولون آمنا به . | وكذلك قوله ~~تعالى ) واللاء يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر ~~واللاء لم يحضن ( فإنه لو وقف على قوله ) ثلاثة أشهر ( وابتدأ بقوله ) ~~واللاء لم يحضن ( وقع قوله ) وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ( معطوفا ~~على ) اللاء لم يحضن ( فيصير قوله ) أجلهن أن يضعن حملهن ( . خبرا عن ) ~~اللاء لم يحضن وأولات الأحمال ( ولكنه لا ms0081 يستقيم المعنى إذ كيف يكون لللاء ~~لم يحضن حمل حتى يكون أجلهن أن يضعن حملهن . PageV01P082 | وعلى جميع ~~التقادير لا تجد في القرآن مكانا يجب الوقف فيه ولا يحرم الوقف فيه كما قال ~~ابن الجزري في أرجوزته ، ولكن الوقف ينقسم إلى أكيد حسن ودونه وكل ذلك ~~تقسيم بحسب المعنى . وبعضهم استحسن أن يكون الوقف عند نهاية الكلام وأن ~~يكون ما يتطلب المعنى الوقف عليه قبل تمام المعنى سكتا وهو قطع الصوت حصة ~~أقل من حصة قطعه عند الوقف ، فإن اللغة العربية واضحة وسياق الكلام حارس من ~~الفهم المخطئ ، فنحو قوله تعالى ) يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ~~ربكم ( لو وقف القاري على قوله ) الرسول ( لا يخطر ببال العارف باللغة أن ~~قوله ) وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم ( تحذير من الإيمان بالله ، وكيف يخطر ~~ذلك وهو موصوف بقوله ) ربكم ( فهل يحذر أحد من الإيمان بربه . | وكذلك قوله ~~تعالى ) أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها ( فإن كلمة بناها هي منتهى الآية ~~والوقف عند أم السماء ولكن لو وصل القارئ لم يخطر ببال السامع أن يكون ~~بناها من جملة أم السماء لأن معادل همزة الاستفهام لا يكون إلا مفردا . | ~~على أن التعدد في الوقف قد يحصل به ما يحصل بتعدد وجوه القراءات من تعدد ~~المعنى مع اتحاد الكلمات . فقوله تعالى ) ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب ~~كانت قواريرا قواريرا من فضة قد روها تقديرا ( فإذا وقف على قواريرا ، ~~الأول كان قواريرا الثاني تأكيدا لرفع احتمال المجاز في لفظ قواريرا ، واذا ~~وقف على قواريرا الثاني كان المعنى الترتيب والتصنيف ، كما يقال : قرأ ~~الكتاب بابا بابا ، وحضروا صفا صفا . وكان قوله ) من فضة ( عائدا إلى قوله ~~) بآنية من فضة ( . | ولما كان القرآن مرادا منه فهم معانيه وإعجاز ~~الجاحدين به وكان قد نزل بين أهل اللسان كان فهم معانيه مفروغا من حصوله ~~عند جميعهم . فأما التحدي بعجز بلغائهم عن معارضته فأمر يرتبط بما فيه من ~~الخصوصيات البلاغية التي لا يستوي في القدرة عليها جميعهم بل خاصة بلغائهم ~~من ms0082 خطباء وشعراء ، وكان من جملة طرق الإعجاز ما يرجع إلى محسنات الكلام من ~~فن البديع ، ومن ذلك فواصل الآيات التي هي شبه قوافي الشعر وأزجاع النثر ، ~~وهي مراده في نظم القرآن لا محالة كما قد مناه عند الكلام على آيات القرآن ~~فكان عدم الوقف عليها تفريطا في الغرض المقصود منها . PageV01P083 # | لم يشتد اعتناء السلف بتحديد أوقافه لظهور أمرها ، وما ذكر عن ابن ~~النحاس من الاحتجاج لوجوب ضبط أوقاف القرآن بكلام لعبد الله بن عمر ليس ~~واضحا في الغرض المحتج به فانظره في الإتقان للسيوطي . | فكان الاعتبار ~~بفواصله التي هي مقاطع آياته عندهم أهم لأن عجز قادتهم وأولي البلاغة ~~والرأي منهم تقوم به الحجة عليهم وعلى دهمائهم ، فلما كثر الداخلون في ~~الإسلام من دهماء العرب ومن عموم بقية الأمم ، توجه اعتناء أهل القرآن إلى ~~ضبط وقوفه تيسيرا لفهمه على قارئيه ، فظهر الاعتناء بالوقوف وروعي فيها ما ~~يراعى في تفسير الآيات فكان ضبط الوقوف مقدمة لما يفاد من المعاني عند واضع ~~الوقف . وأشهر من تصدى لضبط الوقوف أبو محمد بن الانباري ، وأبو جعفر بن ~~النحاس ، وللنكزاوي أو النكزوي كتاب في الوقف ذكره في الإتقان ، واشتهر ~~بالمغرب من المتأخرين محمد بن أبي جمعه الهبطي المتوفي سنة 930 . # سور القرآن | السورة قطعة من القرآن معينة بمبدأ ونهاية لا يتغيران ، ~~مسماة باسم مخصوص ، تشتمل على ثلاث آيات فأكثر في غرض تام ترتكز عليه معاني ~~آيات تلك السورة ، ناشئ عن أسباب النزول ، أو عن مقتضيات ما تشتمل عليه من ~~المعاني المتناسبة . | وكونها تشتمل على ثلاث آيات مأخوذة من استقراء سور ~~القرآن مع حديث عمر فيما رواه أبو داود عن الزبير قال جاء الحارث بن خزيمة ~~هو المسمى في بعض الروايات خزيمة وأبا خزيمة بالآيتين من آخر سورة براءة ~~فقال : أشهد أني سمعتهما من رسول الله . فقال عمر وأنا أشهد لقد سمعتهما ~~منه ، ثم قال : لو كانت ثلاث آيات لجعلتها سورة على حدة إلخ ، فدل على أن ~~عمر ما قال ذلك إلا عن علم بأن ذلك أقل ms0083 مقدار سوره . وتسمية القطعة المعينة ~~من عدة آيات القرآن سورة من مصطلحات القرآن ، وشاعت تلك التسمية عند العرب ~~حتى المشركين منهم . فالتحدي للعرب بقوله تعالى ) فأتوا بعشر سور مثله ( ~~وقوله ) فأتوا بسورة من مثله ( لا يكون إلا تحديا باسم معلوم المسمى ~~والمقدار عندهم وقت التحدي ، فإن آيات التحدي نزلت بعد السور الأول ، وقد ~~جاء في القرآن تسمية سورة النور باسم سورة في قوله تعالى ) سورة أنزلناها ( ~~أي هذه سورة ، وقد زادته السنة بيانا . ولم تكن PageV01P084 أجزاء التوراة ~~والإنجيل والزبور مسماة سورا عند العرب في الجاهلية ولا في الإسلام . ووجه ~~تسمية الجزء المعين من القرآن سورة قيل مأخوذة من السور بضم السين وتسكين ~~الواو وهو الجدار المحيط بالمدينة أو بمحله قوم زادوه هاء تأنيث في آخره ~~مراعاة لمعنى القطعة من الكلام ، كما سموا الكلام الذي يقوله القائل خطبة ~~أو رسالة أو مقامة . وقيل مأخوذة من السور بهمزة بعد السين وهو البقية مما ~~يشرب الشارب بمناسبة أن السور جزء مما يشرب ، ثم خففوا الهمزة بعد الضمة ~~فصارت واوا ، قال ابن عطية : وترك الهمز في سورة هو لغة قريش ومن جاورها من ~~هذيل وكنانة وهوازن وسعد بن بكر ، وأما الهمز فهو لغة تميم ، وليست إحدى ~~اللغتين بدالة على أن أصل الكلمة من المهموز أو المعتل ، لأن للعرب في ~~تخفيف المهموز وهمز المخفف من حروف العلة طريقتين ، كما قالوا أجوه وإعاء ~~وإشاح ، في وجوه ووعاء ووشاح ، وكما قالوا الذئب بالهمز والذيب بالياء . ~~قال الفراء : ربما خرجت بهم فصاحتهم إلى أن يهمزوا ما ليس مهموزا كما قالوا ~~رثأت الميت ولبأت بالحج وحلأت السويق بالهمز . | وجمع سورة سور بتحريك ~~الواو كغرف ، ونقل في شرح القاموس عن الكراع أنها تجمع على سور بسكون الواو ~~. | وتسوير القرآن من السنة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، فقد كان ~~القرآن يومئذ مقسما إلى مائة وأربع عشرة سورة بأسمائها ، ولم يخالف في ذلك ~~إلا عبد الله بن مسعود فإنه لم يثبت المعوذتين في سور القرآن ، وكان يقول ~~إنما هما تعوذ ms0084 أمر الله رسوله بأن يقوله وليس هو من القرآن ، وأثبت القنوت ~~الذي يقال في صلاة الصبح ، على أنه سورة من القرآن سماها سورة الخلع والخنع ~~. وجعل سورة الفيل وسورة قريش سورة واحدة . # | وكل ذلك استنادا لما فهمه من نزول القرآن . ولم يحفظ عن جمهور الصحابة ~~حين جمعوا القرآن أنهم ترددوا ولا اختلفوا في عدد سوره ، وأنها مائة وأربع ~~عشرة سورة ، روى أصحاب السنن عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كان إذا نزلت الآية يقول : ضعوها في السورة التي يذكر فيها كذا ، وكانت ~~السور معلومة المقادير منذ زمن النبي صلى الله عليه وسلم محفوظة عنه في ~~قراءة الصلاة وفي عرض القرآن ، فترتيب الآيات في السور هو بتوقيف ~~PageV01P085 من النبي صلى الله عليه وسلم ، وكذلك عزا ابن عطية إلى مكي بن ~~أبي طالب وجزم به السيوطي في الإتقان ، وبذلك يكون مجموع السورة من الآيات ~~أيضا توقيفيا ، ولذلك نجد في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في ~~الصلاة سورة كذا وسورة كذا من طوال وقصار ، ومن ذلك حديث صلاة الكسوف ، وفي ~~الصحيح أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يزوجه امرأة فقال له النبي ~~: هل عندك ماتصدقها ? قال : لا ، فقال : ما معك من القرآن ? قال : سورة كذا ~~وسورة كذا لسور سماها ، فقال قد زوجتكها بما معك من القرآن وسيأتي مزيد شرح ~~لهذا الغرض عند الكلام على أسماء السور . | وفائدة التسوير ما قاله صاحب ~~الكشاف في تفسير قوله تعالى ) فأتوا بسورة من مثله ( : إن الجنس إذا انطوت ~~تحته أنواع كان أحسن وأنبل من أن يكون ببانا واحدا ، وأن القارئ إذا ختم ~~سورة أو بابا من الكتاب ثم أخذ في آخر كان أنشط له وأهز لعطفه كالمسافر إذا ~~علم أنه قطع ميلا أو طوى فرسخا . | وأما ترتيب السور بعضها إثر بعض ، فقال ~~أبو بكر الباقلاني : يحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي أمر ~~بترتيبها كذلك ، ويحتمل أن يكون ذلك من اجتهاد الصحابة ، وقال الداني : كان ms0085 ~~جبريل يوقف رسول الله على موضع الآية وعلى موضع السورة . | وفي المستدرك عن ~~زيد بن ثابت أنه قال : كنا عند رسول الله نؤلف القرآن من الرقاع قال ~~البيهقي : تأويله أنهم كانوا يؤلفون آيات السور . ونقل ابن عطية عن ~~الباقلاني الجزم بأن ترتيب السور بعضها إثر بعض هو من وضع زيد بن ثابت ~~بمشاركة عثمان ، قال ابن عطية : وظاهر الأثر أن السبع الطوال والحواميم ~~والمفصل كانت مرتبة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان من السور ما لم ~~يرتب فذلك هو الذي رتب وقت كتابة المصحف . | أقول : لا شك أن طوائف من سور ~~القرآن كانت مرتبة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم على ترتيبها في المصحف ~~الذي بأيدينا اليوم الذي هو نسخة من المصحف الإمام الذي جمع وكتب في خلافة ~~أبي بكر الصديق ووزعت على الأمصار نسخ منه في خلافة عثمان ذي النورين فلا ~~شك في أن سور المفصل كانت هي آخر القرآن ولذلك كانت سنة قراءة السورة في ~~الصلوات المفروضة أن يكون في بعض الصلوات من طوال المفصل وفي بعضها من ~~PageV01P086 وسط المفصل وفي بعضها من قصار المفصل . وأن طائفة السور الطولي ~~الأوائل في المصحف كانت مرتبة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم أول القرآن ~~. والاحتمال فيما عدا ذلك . | وأقول : لا شك في أن زيد بن ثابت وعثمان بن ~~عفان وهما من أكبر حفاظ القرآن من الصحابة ، توخيا ما استطاعا ترتيب قراءة ~~النبي صلى الله عليه وسلم للسور ، وترتيب قراءة الحفاظ التي لا تخفى على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان زيد بن ثابت من أكبر حفاظ القرآن وقد ~~لازم النبي صلى الله عليه وسلم مدة حياته بالمدينة ، ولم يتردد في ترتيب ~~سور القرآن على نحو ما كان يقرؤها النبي صلى الله عليه وسلم حين نسخ ~~المصاحف في زمن عثمان . ذلك أن القرآن حين جمع في خلافة أبي بكر لم يجمع في ~~مصحف مرتب وإنما جعلوا لكل سورة صحيفة مفردة ولذلك عبروا عنها بالصحف ، وفي ~~موطأ ms0086 ابن وهب عن مالك أن ابن عمر قال جمع أبو بكر القرآن في قراطيس . وكانت ~~تلك الصحف عند أبي بكر ثم عند عمر ثم عند حفصة بنت عمر أم المؤمنين ، بسبب ~~أنها كانت وصية أبيها على تركته ، فلما أراد عثمان جمع القرآن في مصحف واحد ~~أرسل إلى حفصة فأرسلت بها إليه ولما نسخت في مصحف واحد أرجع الصحف إليها ، ~~قال في فتح الباري : وهذا وقع في رواية عمارة ابن غزية أن زيد بن ثابت قال ~~: أمرني أبو بكر فكتبت في قطع الأديم والعسب فلما هلك أبو بكر وكان عمر ~~كتبت ذلك في صحيفة واحدة فكانت عنده والأصح أن القرآن جمع في زمن أبي بكر ~~في مصحف واحد . # | وقد يوجد في آي من القرآن ما يقتضي سبق سورة على أخرى مثل قوله في سورة ~~النحل ) وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل ( يشير إلى قوله ) ~~وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ( الآية من سورة الأنعام فدلت على أن ~~سورة الأنعام نزلت قبل سورة النحل ، وكذلك هي مرتبة في المصحف ، وقد ثبت أن ~~آخر آية نزلت آية في سورة البقرة أو في سورة النساء أو في براءة ، وثلاثتها ~~في الترتيب مقدمة على سور كثيرة . | فالمصاحف الأولى التي كتبها الصحابة ~~لأنفسهم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم كانت مختلفة في ترتيب وضع السور ~~. وممن كان له مصحف عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب ، وروي أن أول من جمع ~~القرآن في مصحف سالم مولى أبي حذيفة . قال في الإتقان : إن من الصحابة من ~~رتب مصحفه على ترتيب النزول أي بحسب ما بلغ إليه علمه وكذلك PageV01P087 ~~كان مصحف علي رضي الله عنه وكان أوله اقرأ باسم ، ثم المدثر ، ثم المزمل ، ~~ثم التكوير وهكذا إلى آخر المكي ثم المدني . ومنهم من رتب على حسب الطول ~~والقصر وكذلك كان مصحف أبي وابن مسعود فكانا ابتدأ بالبقرة ثم النساء ثم آل ~~عمران ، وعلى هذه الطريقة أمر عثمان رضي الله عنه بترتيب المصحف المدعو ms0087 ~~بالإمام ، أخرج الترمذي وأبو داود عن ابن عباس قال : قلت لعثمان بن عفان : ~~ما حملكم أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني وإلى براءة وهي من المئين ~~فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم ، ووضعتموهما ~~في السبع الطوال ، فقال عثمان كان رسول الله مما يأتي عليه الزمان وهو تنزل ~~عليه السور ذوات العدد فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب فيقول ~~ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا ، وكانت الأنفال من ~~أوائل ما أنزلت بالمدينة وكانت براءة من آخر القرآن ، وكانت قصتها شبيهة ~~بقصتها فظننت أنها منها فقبض رسول الله ولم يبين لنا أنها منها ، فمن أجل ~~ذلك قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم فوضعتهما في ~~السبع الطوال . وهو صريح في أنهم جعلوا علامة الفصل بين السور كتابة ~~البسملة ولذلك لم يكتبوها بين سورة الأنفال وسورة براءة لأنهم لم يجزموا ~~بأن براءة سورة مستقلة ، ولكنه كان الراجح عندهم فلم يقدموا على الجزم ~~بالفصل بينهما تحريا . وفي باب تأليف القرآن من صحيح البخاري عن عبد الله ~~بن مسعود أنه ذكر النظائر التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأهن في ~~كل ركعة فسئل علقمة عنها فقال : عشرون سورة من أول المفصل على تأليف ابن ~~مسعود آخرها من الحواميم حم الدخان وعم يتسائلون ، على أن الجمهور جزموا ~~بأن كثيرا من السور كان مرتبا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم . # | ثم اعلم ظاهر حديث عائشة رضي الله عنها في صحيح البخاري في باب تأليف ~~القرآن أنها لا ترى القراءة على ترتيب المصحف أمرا لازما فقد سألها رجل من ~~العراق أن تريه مصحفها ليؤلف عليه مصحفه فقالت وما يضرك أية آية قرأت قبل ، ~~إنما نزل أول ما نزل منه سورة فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى ~~الإسلام نزل الحلال والحرام وفي صحيح مسلم عن حذيفة أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم صلى بالبقرة ثم بالنساء ثم ms0088 بآل عمران في ركعة . قال عياض في الإكمال ~~هو دليل لكون ترتيب السورة وقع PageV01P088 باجتهاد الصحابة حين كتبوا ~~المصحف وهو قول مالك رحمه الله وجمهور العلماء وفي حديث صلاة الكسوف أن ~~النبي قرأ فيها بسورتين طويلتين ولما كانت جهرية فإن قراءته تينك السورتين ~~لا يخفى على أحد ممن صلى معه ، ولذلك فالظاهر أن تقديم سورة آل عمران على ~~سورة النساء في المصحف الإمام ما كان إلا اتباعا لقراءة النبي صلى الله ~~عليه وسلم ، وإنما قرأها النبي كذلك إما لأن سورة آل عمران سبقت في النزول ~~سورة النساء التي هي من آخر ما أنزل ، أو لرعى المناسبة بين سورة البقرة ~~وسورة آل عمران في الافتتاح بكلمة آلم ، أو لأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وصفهما وصفا واحدا ففي حديث أبي أمامة أن النبي قال اقرءوا الزهراوين ~~البقرة وآل عمران وذكر فضلهما يوم القيامة أو لما في صحيح مسلم أيضا عن ~~حديث النواس ابن سمعان أن النبي قال يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين ~~كانوا يعملون به تقدمه سورة البقرة وآل عمران ، وضرب لهما ثلاثة أمثال ~~الحديث . ووقع في تفسير شمس الدين محمود الأصفهاني الشافعي ، في المقدمة ~~الخامسة من أوائله لا خلاف في أن القرآن يجب أن يكون متواترا في أصله ~~وأجزائه ، وأما في محله ووضعه وترتيبه فعند المحققين من أهل السنة كذلك ؛ ~~إذ الدواعي تتوفر على نقله على وجه التواتر ، وما قيل التواتر شرط في ثبوته ~~بحسب أصله وليس شرطا في محله ووضعه وترتيبه فضعيف لأنه لو لم يشترط التواتر ~~في المحل جاز أن لا يتواتر كثير من المكررات الواقعة في القرآن وما لم ~~يتواتر يجوز سقوطه وهو يعنى بالقرآن ألفاظ آياته ومحلها دون ترتيب السور . ~~| قال ابن بطال لا نعلم أحدا قال بوجوب القراءة على ترتيب السور في المصحف ~~بل يجوز أن تقرأ الكهف قبل البقرة ، وأما ما جاء عن السلف من النهي عن ~~قراءة القرآن منكسا ، فالمراد منه أن يقرأ من آخر السورة إلى أولها . قلت ~~أو يحمل النهي ms0089 على الكراهة . | واعلم أن معنى الطولى والقصرى في السور ~~مراعى فيه عدد الآيات لا عدد الكلمات PageV01P089 والحروف . وأن الاختلاف ~~بينهم في تعيين المكي والمدني من سور القرآن خلاف ليس بكثير . وأن ترتيب ~~المصحف تخللت فيه السور المكية والمدنية . وأما ترتيب نزول السور المكية ~~ونزول السور المدنية ففيه ثلاث روايات ، إحداها رواية مجاهد عن ابن عباس ، ~~والثانية رواية عطاء الخراساني عن ابن عباس ، والثالثة لجابر بن زيد ولا ~~يكون إلا عن ابن عباس ، وهي التي اعتمدها الجعبري في منظومته التي سماها ~~تقريب المأمول في ترتيب النزول وذكرها السيوطي في الإتقان وهي التي جرينا ~~عليها في تفسيرنا هذا . # | وأما أسماء السور فقد جعلت لها من عهد نزول الوحي ، والمقصود من ~~تسميتها تيسير المراجعة والمذاكرة ، وقد دل حديث ابن عباس الذي ذكر آنفا أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا نزلت الآية وضعوها في السورة التي ~~يذكر فيها كذا ، فسورة البقرة مثلا كانت بالسورة التي تذكر فيها البقرة . ~~وفائدة التسمية أن تكون بما يميز السورة عن غيرها . وأصل أسماء السور أن ~~تكون بالوصف كقولهم السورة التي يذكر فيها كذا ، ثم شاع فحذفوا الموصول ~~وعوضوا عنه الإضافة فقالوا سورة ذكر البقرة مثلا ، ثم حذفوا المضاف وأقاموا ~~المضاف إليه مقامه فقالوا سورة البقرة . أو أنهم لم يقدروا مضافا - وأضافوا ~~السورة لما يذكر فيها لأدنى ملابسة . وقد ثبت في صحيح البخاري قول عائشة ~~رضي الله عنها لما نزلت الآيات من آخر البقرة الحديث وفيه عن ابن مسعود قال ~~قرأ رسول الله النجم . وعن ابن عباس أن رسول الله سجد بالنجم . وما روى من ~~حديث عن أنس مرفوعا لا تقولوا سورة البقرة ولا سورة آل عمران ولا سورة ~~النساء وكذلك القرآن كله ولكن قولوا السورة التي يذكر فيها آل عمران وكذا ~~القرآن كله فقال أحمد بن حنبل هو حديث منكر ، وذكره ابن الجوزي في ~~الموضوعات ، ولكن ابن حجر أثبت صحته . ويذكر عن ابن عمر أنه كان يقول مثل ~~ذلك ولا يرفعه إلى النبي صلى الله ms0090 عليه وسلم ، ذكره البيهقي في شعب الإيمان ~~، وكان الحجاج بن يوسف يمنع من يقول سورة كذا ويقول قل السورة التي يذكر ~~فيها كذا ، والذين صححوا حديث أنس تأولوه وتأولوا قول ابن عمر بأن ذلك كان ~~في مكة حين كان المسلمون إذ قالوا : سورة الفيل وسورة العنكبوت مثلا هزأ ~~بهم المشركون ، وقد روى أن هذا سبب نزول قوله تعالى ) إنا كفيناك ~~المستهزئين ( فلما هاجر المسلمون إلى المدينة زال سبب النهي فنسخ ، وقد علم ~~الناس كلهم معنى التسمية . PageV01P090 ولم يشتهر هذا المنع ولهذا ترجم ~~البخاري في كتاب فضائل القرآن بقوله باب من لم ير بأسا أن يقول سورة البقرة ~~وسورة كذا وسورة كذا وأخرج فيه أحاديث تدل على أنهم قالوا سورة البقرة ، ~~سورة الفتح ، سورة النساء ، سورة الفرقان ، سورة براءة ، وبعضها من لفظ ~~النبي صلى الله عليه وسلم ، وعليه فللقائل أن يقول سورة البقرة أو التي ~~يذكر فيها البقرة ، وأن يقول سورة والنجم وسورة النجم ، وقرأت النجم وقرأت ~~والنجم ، كما جاءت هذه الإطلاقات في حديث السجود في سورة النجم عن ابن عباس ~~. | والظاهر أن الصحابة سموا بما حفظوه عن النبي صلى الله عليه وسلم أو ~~أخذوا لها أشهر الأسماء التي كان الناس يعرفونها بها ولو كانت التسمية غير ~~مأثورة ، فقد سمى ابن مسعود القنوت سورة الخلع والخنع كما مر ، فتعين أن ~~تكون التسمية من وضعه ، وقد اشتهرت تسمية بعض السور في زمن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وسمعها وأقرها وذلك يكفي في تصحيح التسمية . | واعلم أن أسماء ~~السور إما أن تكون بأوصافها مثل الفاتحة وسورة الحمد ، وإما أن تكون ~~بالإضافة لشيء اختصت بذكره نحو سورة لقمان وسورة يوسف وسورة البقرة ، وإما ~~بالإضافة لما كان ذكره فيها أوفى نحو سورة هود وسورة إبراهيم ، وإما ~~بالإضافة لكلمات تقع في السورة نحو سورة براءة ، وسورة حم عسق ، وسورة حم ~~السجدة كما سماها بعض السلف ، وسورة فاطر . وقد سموا مجموع السور المفتتحة ~~بكلمة حم آل حم وربما سموا السورتين بوصف واحد فقد سموا سورة الكافرون ~~وسورة ms0091 الإخلاص المقشقشتين . | واعلم أن الصحابة لم يثبتوا في المصحف أسماء ~~السور بل اكتفوا بإثبات البسملة في مبدأ كل سورة علامة على الفصل بين ~~السورتين ، وإنما فعلوا ذلك كراهة أن يكتبوا في أثناء القرآن ما ليس بآية ~~قرآنية ، فاختاروا البسملة لأنها مناسبة للافتتاح مع كونها آية من القرآن ~~وفي الإتقان أن سورة البينة سميت في مصحف أبى سورة أهل الكتاب ، وهذا يؤذن ~~بأنه كان يسمى السور في مصحفه . وكتبت أسماء السور في المصاحف باطراد في ~~عصر التابعين ولم ينكر عليهم . قال المازري في شرح البرهان عن القاضي أبي ~~بكر الباقلاني : إن أسماء السور لما كتبت المصاحف كتبت بخط آخر لتتميز عن ~~القرآن ، وإن البسملة كانت مكتوبة في أوائل السور بخط لا يتميز عن الخط ~~الذي كتب به القرآن . # | وأما ترتيب آيات السورة فإن التنجيم في النزول من المعلوم كما تقدم ~~آنفا ، وذلك في PageV01P091 آياته وسوره فربما نزلت السورة جميعا دفعة ~~واحدة كما نزلت سورة الفاتحة وسورة المرسلات من السور القصيرة ، وربما نزلت ~~نزولا متتابعا كسورة الأنعام ، وفي صحيح البخاري عن البراء ابن عازب قال : ~~آخر سورة نزلت كاملة براءة ، وربما نزلت السورة مفرقة ونزلت السورتان ~~مفرقتان في أوقات متداخلة ، روى الترمذي عن ابن عباس عن عثمان بن عفان قال ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يأتي عليه الزمان وهو تنزل عليه ~~السور ذوات العدد ، أي في أوقات متقاربة فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض ~~من يكتب الوحي فيقول ضعوا هؤلاء الآيات في السورة كذا . ولذلك فقد تكون ~~السورة بعضها مكيا وبعضها مدنيا . وكذلك تنهية كل سورة كان بتوقيف من النبي ~~صلى الله عليه وسلم ، فكانت نهايات السور معلومة ، كما يشير إليه حديث من ~~قرأ الآيات الخواتم من سورة آل عمران وقول زيد بن ثابت فقدت آخر سورة براءة ~~. وقد توفي رسول الله والقرآن مسور سورا معينة ، كما دل عليه حديث اختلاف ~~عمر بن الخطاب مع هشام بن حكيم بن حزام في آيات من سورة الفرقان في حياة ~~النبي ms0092 صلى الله عليه وسلم كما تقدم في المقدمة الخامسة . وقال عبد الله بن ~~مسعود في سور بني إسرائيل ، والكهف ، ومريم ، وطه ، والأنبياء هن من العتاق ~~الأول وهن من تلادي وقد جمع من الصحابة القرآن كله في حياة رسول الله زيد ~~بن ثابت ، ومعاذ بن جبل ، وأبو زيد ، وأبي بن كعب ، وأبو الدرداء ، وعبد ~~الله بن عمر ، وعبادة بن الصامت ، وأبو أيوب ، وسعد بن عبيد ، ومجمع بن ~~جارية ، وأبو موسى الأشعري ، وحفظ كثير من الصحابة أكثر القرآن على تفاوت ~~بينهم . | وفي حديث غزوة حنين لما انكشف المسلمون قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم للعباس اصرخ يا معشر الأنصار ، يا أصحاب السمرة ، يا أصحاب سورة ~~البقرة فلعل الأنصار كانوا قد عكفوا على حفظ ما نزل من سورة البقرة لأنها ~~أول السور النازلة بالمدينة ، وفي أحكام القرآن لابن العربي عن ابن وهب عن ~~مالك كان شعارهم يوم حنين يا أصحاب سورة البقرة . | وقد ذكر النحويون في ~~الوقف على تاء التأنيث هاء أن رجلا نادى : يا أهل سورة البقرة بإثبات التاء ~~في الوقف وهي لغة ، فأجابه مجيب ما أحفظ منها ولا آية محاكاة للغته . ~~PageV01P092 # المقدمة التاسعة # في أن المعاني التي تتحملها جمل القرآن ، تعتبر مرادة بها | إن العرب أمة ~~جبلت على ذكاء القرائح وفطنة الأفهام ، فعلى دعامة فطنتهم وذكائهم أقيمت ~~أساليب كلامهم ، وبخاصة كلام بلغائهم ، ولذلك كان الإيجاز عمود بلاغتهم ~~لاعتماد المتكلمين على أفهام السامعين كما يقال لمحة دالة . لأجل ذلك كثر ~~في كلامهم : المجاز ، والاستعارة ، والتمثيل ، والكناية ، والتعريض ، ~~والاشتراك والتسامح في الاستعمال كالمبالغة ، والاستطراد ومستتبعات ~~التراكيب ، والأمثال ، والتلميح ، والتمليح ، واستعمال الجملة الخبرية في ~~غير إفادة النسبة الخبرية ، واستعمال الاستفهام في التقرير أو الإنكار ، ~~ونحو ذلك . | وملاك ذلك كله توفير المعاني ، وأداء ما في نفس المتكلم بأوضح ~~عبارة وأخصرها ليسهل اعتلاقها بالأذهان ؛ وإذ قد كان القرآن وحيا من العلام ~~سبحانه وقد أراد أن يجعله آية على صدق رسوله وتحدى بلغاء العرب بمعارضة ~~أقصر سورة منه كما سيأتي في المقدمة العاشرة ، فقد نسج نظمه نسجا ms0093 بالغا ~~منتهى ما تسمح به اللغة العربية من الدقائق واللطائف لفظا ومعنى بما يفي ~~بأقصى ما يراد بلاغة إلى المرسل إليهم . # | فجاء القرآن على أسلوب أبدع مما كانوا يعهدون وأعجب ، فأعجز بلغاء ~~المعاندين عن معارضته ولم يسعهم إلا الإذعان ، سواء في ذلك من آمن منهم مثل ~~لبيد ابن ربيعة وكعب ابن زهير والنابغة الجعدي ، ومن استمر على كفره عنادا ~~مثل الوليد بن المغيرة . فالقرآن من جانب إعجازه يكون أكثر معاني من ~~المعاني المعتادة التي بودعها البلغاء في كلامهم . وهو لكونه كتاب تشريع ~~وتأديب وتعليم كان حقيقا بأن يودع فيه من المعاني والمقاصد أكثر ما تحتمله ~~الآلفاظ ، في أقل ما يمكن من المقدار ، بحسب ما تسمح به اللغة الوارد هو ~~بها التي هي أسمح اللغات بهذه الاعتبارات ، ليحصل تمام المقصود من الإرشاد ~~الذي جاء لأجله في جميع نواحي الهدى ، فمعتاد البلغاء إيداع المتكلم معنى ~~يدعوه إليه غرض كلامه وترك غيره والقرآن ينبغي أن يودع من المعاني كل ما ~~يحتاج السامعون إلى علمه وكل ما له حظ في البلاغة سواء كانت متساوية أم ~~متفاوتة في البلاغة إذا كان المعنى الأعلى مقصودا وكان ما هو PageV01P093 ~~أدنى منه مرادا معه لا مرادا دونه سواء كانت دلالة التركيب عليها متساوية ~~في الاحتمال والظهور أم كانت متفاوتة بعضها أظهر من بعض ولو أن تبلغ حد ~~التأويل وهو حمل اللفظ على المعنى المحتمل المرجوح . أما إذا تساوى ~~المعنيان فالأمر أظهر ، مثل قوله تعالى ) وما قتلوه يقينا ( أي ما تيقنوا ~~قتله ولكن توهموه ، أو ما أيقن النصارى الذين اختلفوا في قتل عيسى علم ذلك ~~يقينا بل فهموه خطأ ، ومثل قوله ) فأنساه الشيطان ذكر ربه ( ففي كل من كلمة ~~) ذكر ( و ) ربه ( معنيان ، ومثل قوله ) قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي ~~( ففي لفظ ) رب ( معنيان . وقد تكثر المعاني بإنزال لفظ الآية على وجهين أو ~~أكثر تكثيرا للمعاني مع إيجاز اللفظ وهذا من وجوه الإعجاز . ومثاله قوله ~~تعالى ) إلا عن موعدة وعدها إياه ( بالمثناة التحتية وقرأ الحسن البصري : ~~أباه ms0094 ، بالباء الموحدة ، فنشأ احتمال فيمن هو الواعد . ولما كان القرآن ~~نازلا من المحيط علمه بكل شيء ، كان ما تسمح تراكيبه الجارية على فصيح ~~استعمال الكلام البليغ باحتماله من المعاني المألوفة للعرب في أمثال تلك ~~التراكيب ، مظنونا بأنه مراد لمنزله ، ما لم يمنع من ذلك مانع صريح أو غالب ~~من دلالة شرعية أو لغوية أو توفيقية . وقد جعل الله القرآن كتاب الأمة كلها ~~وفيه هديها ، ودعاهم إلى تدبره وبذل الجهد في استخراج معانيه في غير ما أية ~~كقوله تعالى ) فاتقوا الله ما استطعتم ( وقوله ) وإذا جاءهم أمر من الأمن ~~أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين ~~يستنبطونه منهم ( وقوله ) بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم ( ~~وغير ذلك . على أن القرآن هو الحجة العامة بين علماء الإسلام لا يختلفون في ~~كونه حجة شريعتهم وإن اختلفوا في حجية ما عداه من الأخبار المروية عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لشدة الخلاف في شروط تصحيح الخبر ، ولتفاوتهم في ~~مقدار ما يبلغهم من الأخبار مع تفرق العصور والأقطار ، فلا مرجع لهم عند ~~الاختلاف يرجعون إليه أقوى من القرآن ودلالته . # | ويدل لتأصيلنا هذا ما وقع إلينا من تفسيرات مروية عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لآيات ، فنرى منها ما نوقن بأنه ليس هو المعنى الأسبق من التركيب ~~؛ ولكنا بالتأمل نعلم أن الرسول عليه الصلاة والسلام ما أراد بتفسيره إلا ~~إيقاظ الأذهان إلى أخذ أقصى المعاني من ألفاظ القرآن ، مثال ذلك ما رواه ~~أبو سعيد بن المعلى قال : دعاني رسول الله وأنا في الصلاة فلم أجبه فلما ~~فرغت أقبلت إليه فقال ما منعك أن تجيبني ? فقلت : يا رسول الله PageV01P094 ~~كنت أصلي ، فقال : ألم يقل الله تعالى استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم ? ، ~~فلا شك أن المعنى المسوقة فيه الآية هو الاستجابة بمعنى الامتثال ، كقوله ~~تعالى الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح ، وأن المراد من ~~الدعوة الهداية كقوله ) يدعون إلى الخير ( ، وقد تعلق فعل دعاكم ms0095 بقوله ) ~~لما يحييكم ( أي لما فيه صلاحكم ، غير أن لفظ الاستجابة لما كان صالحا ~~للحمل على المعنى الحقيقي أيضا وهو إجابة النداء حمل النبي صلى الله عليه ~~وسلم الآية على ذلك في المقام الصالح له ، بقطع النظر عن المتعلق وهو قوله ~~) لما يحييكم ( وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم يحشر الناس يوم القيامة حفاة ~~عراة غرلا ، كما بدأنا أول خلق نعيده إنما هو تشبيه الخلق الثاني بالخلق ~~الأول لدفع استبعاد البعث ، كقوله تعالى ) أفعيينا بالخلق الأول ، بل هم في ~~لبس من خلق جديد ( ، وقوله ) وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه ( ~~، فذلك مورد التشبيه ، غير أن التشبيه لما كان صالحا للحمل على تمام ~~المشابهة أعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن ذلك مراد منه ، بأن يكون ~~التشبيه بالخلق الأول شاملا للتجرد من الثياب والنعال . | وكذلك قوله تعالى ~~) إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ( فقد قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم لعمر بن الخطاب لما قال له : لا تصل على عبد الله ابن أبى بن ~~سلول فأنه منافق وقد نهاك الله عن أن تستغفر للمنافقين ، فقال النبي خيرني ~~ربي وسأزيد على السبعين فحمل قوله تعالى ) استغفر لهم أو لا تستغفر لهم ( ~~على التخيير مع أن ظاهره أنه مستعمل في التسوية ، وحمل اسم العدد على ~~دلالته الصريحة دون كونه كناية عن الكثرة كما هو قرينه السياق لما كان ~~الأمر واسم العدد صالحين لما حملهما عليه فكان الحمل تأويلا ناشئا عن ~~الاحتياط . ومن هذا قول النبي لأم كلثوم بنت عقبة بن معيط حين جاءت مسلمة ~~مهاجرة إلى المدينة وأبت أن ترجع إلى المشركين فقرأ النبي قوله تعالى ) ~~يخرج الحي من الميت ( فاستعمله في معنى مجازي هو غير المعنى الحقيقي الذي ~~سيق إليه ، وما أرى سجود النبي صلى الله عليه وسلم في مواضع سجود التلاوة ~~من القرآن إلا راجعا إلى هذا الأصل فإن كان فهما منه رجع إلى ما شرحنا ~~تأصيله ، وإن كان وحيا كان أقوى حجة في إرادة ms0096 الله من ألفاظ كتابة ما ~~تحتمله ألفاظه مما لا ينافى أغراضه . # | وكذلك لما ورد عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم من الأئمة ~~مثل ما روى PageV01P095 أن عمرو بن العاص أصبح جنبا في غزوة في يوم بارد ~~فتيمم وقال : الله تعالى يقول : ) ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ~~( مع أن مورد الآية أصله في النهى عن أن يقتل الناس بعضهم بعضا . ومن ذلك ~~أن عمر لما فتحت العراق وسأله جيش الفتح قسمة أرض السواد بينهم قال : إن ~~قسمتها بينكم لم يجد المسلمون الذين يأتون بعدكم من البلاد المفتوحة مثل ما ~~وجدتم فأرى أن أجعلها خراجا على أهل الأرض يقسم على المسلمين كل موسم فإن ~~الله يقول : ) والذين جاءوا من بعدهم ( وهذه الآية نزلت في فيء قريظة ~~والنضير ، والمراد بالذين جاءوا من بعد المذكورين هم المسلمون الذين أسلموا ~~بعد الفتح المذكور . وكذلك استنباط عمر ابتداء التاريخ بيوم الهجرة ، من ~~قوله تعالى ) لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أ تقوم فيه ( فإن المعنى ~~الأصلي أنه أسس من أول أيام تأسيسه ، واللفظ صالح لأن يحمل على أنه أسس من ~~أول يوم من الأيام أي أحق الأيام أن يكون أول أيام الإسلام فتكون الأولية ~~نسبية . وقد استدل فقهاؤنا على مشروعية الجعالة ومشروعية الكفالة في ~~الإسلام ، بقوله تعالى في قصة يوسف ) ولمن جاء حمل بعير وأنا به زعيم ( كما ~~تقدم في المقدمة الثالثة ، مع أنه حكاية قصة مضت في أمة خلت ليست في سياق ~~تقرير ولا إنكار ، ولا هي من شريعة سماوية ، إلا أن القرآن ذكرها ولم ~~يعقبها بإنكار . ومن هذا القبيل استدلال الشافعي على حجية الإجماع وتحريم ~~خرقه بقوله تعالى ) ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير ~~سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا ( مع أن سياق الآية في ~~أحوال المشركين ، فالمراد من الآية مشاقة خاصة واتباع غير سبيل خاص ولكن ~~الشافعي جعل حجية الإجماع من كمال الآية . | وإن القراءات المتواترة إذا ms0097 ~~اختلفت في قراءة ألفاظ القرآن اختلافا يفضي إلى اختلاف المعاني لمما يرجع ~~إلى هذا الأصل . | ثم إن معاني التركيب المحتمل معنيين فصاعدا قد يكون ~~بينهما العموم والخصوص فهذا النوع لا تردد في حمل التركيب على جميع ما ~~يحتمله ، ما لم يكن عن بعض تلك المحامل صارف لفظي أو معنوي ، مثل حمل ~~الجهاد في قوله تعالى ) ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه ( في سورة العنكبوت على ~~معني مجاهدة النفس في إقامة شرائع الإسلام ، ومقاتلة الأعداء في الذب عن ~~حوزة الإسلام . وقد يكون بينها التغاير ، بحيث يكون تعيين التركيب للبعض ~~PageV01P096 منافيا لتعيينه للآخر بحسب إرادة المتكلم عرفا ، ولكن صلوحية ~~التركيب لها على البدلية مع عدم ما يعين إرادة أحدها تحمل السامع على الأخذ ~~بالجميع إيفاء بما عسى أن يكون مراد المتكلم ، فالحمل على الجميع نظير ما ~~قاله أهل الأصول في حمل المشترك على معانيه احتياطا . وقد يكون ثاني ~~المعنيين متولدا من المعنى الأول ، وهذا لا شبهة في الحمل عليه لأنه من ~~مستتبعات التراكيب ، مثل الكناية والتعريض والتهكم مع معانيها الصريحة ، ~~ومن هذا القبيل ما في صحيح البخاري عن ابن عباس قال : كان عمر يدخلني مع ~~أشياخ بدر فكأن بعضهم وجد في نفسه فقال : لم يدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله ~~? ، فقال عمر : إنه من حيث علمتم ، فدعاه ذات يوم فأدخله معهم قال : فما ~~رئيت أنه دعاني إلا ليريهم ، قال : ما تقولون في قول الله تعالى ) إذا جاء ~~نصر الله والفتح ? ( فقال بعضهم : أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا ~~وفتح علينا وسكت بعضهم فلم يقل شيئا ، فقال لي : أكذلك تقول يا ابن عباس ? ~~فقلت : لا ، فقال : فما تقول ? قلت : هو أجل رسول الله أعلمه له ، قال إذا ~~جاء نصر الله والفتح وذلك علامة أجلك فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا ~~، فقال عمر : ما أعلم منها إلا ما تقول . | وإنك لتمر بالآية الواحدة ~~فتتأملها وتتدبرها فتنهال عليك معان كثيرة يسمح بها التركيب على اختلاف ~~الاعتبارات في أساليب الاستعمال العربي . وقد تتكاثر عليك فلا ms0098 تك من كثرتها ~~في حصر ولا تجعل الحمل على بعضها منافيا للحمل على البعض الآخر إن كان ~~التركيب سمحا بذلك . # | فمختلف المحامل التي تسمح بها كلمات القرآن وتراكيبه وإعرابه ودلالته ، ~~من اشتراك وحقيقة ومجاز ، وصريح وكناية ، وبديع ، ووصل ، ووقف ، إذا لم تفض ~~إلى خلاف المقصود من السياق ، يجب حمل الكلام على جميعها كالوصل والوقف في ~~قوله تعالى ) لا ريب فيه هدى للمتقين ( إذا وقف على ) لا ريب ( أو على ) ~~فيه ( . وقوله تعالى ) وكأين من نبي قتل معه ربيون كثير ( باختلاف المعنى ~~إذا وقف على قوله ) قتل ( ، أو على قوله ) معه ربيون كثير ( . وكقوله تعالى ~~) وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون ( باختلاف المعنى ~~عند الوقف على اسم الجلالة أو على قوله في العلم ، وكقوله تعالى ) قال ~~أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك ( باختلاف ارتباط ~~النداء من قوله PageV01P097 ( يا إبراهيم ) بالتوبيخ بقوله ) أراغب أنت ( ، ~~أو بالوعيد في قوله ) لئن لم تنته لأرجمنك ( ، وقد أراد الله تعالى أن يكون ~~القرآن كتابا مخاطبا به كل الأمم في جميع العصور ، لذلك جعله بلغة هي أفصح ~~كلام بين لغات البشر وهي اللغة العربية ، لأسباب يلوح لي منها : أن تلك ~~اللغة أوفر اللغات مادة ، وأقلها حروفا ، وأفصحها لهجة ، وأكثرها تصرفا في ~~الدلالة على أغراض المتكلم ، وأوفرها ألفاظا ، وجعله جامعا لأكثر ما يمكن ~~أن تتحمله اللغة العربية في نظم تراكيبها من المعاني ، في أقل ما يسمح به ~~نظم تلك اللغة ، فكان قوام أساليبه جاريا على أسلوب الإيجاز ؛ فلذلك كثر ~~فيه ما لم يكثر مثله في كلام بلغاء العرب . | ومن أدق ذلك وأجدره بأن ننبه ~~عليه في هذه المقدمة استعمال اللفظ المشترك في معنييه أو معانيه دفعة . | ~~واستعمال اللفظ في معناه الحقيقي ومعناه المجازي معا . بله إرادة المعاني ~~المكني عنها مع المعاني المصرح بها ، وإرادة المعاني المستتبعات بفتح الباء ~~من التراكيب المستتبعة بكسر الباء . | وهذا الأخير قد نبه عليه علماء ~~العربية الذين اشتغلوا بعلم المعاني والبيان . وبقي المبحثان الأولان وهما ~~استعمال المشترك ms0099 في معنييه أو معانيه ، واستعمال اللفظ في حقيقته ومجازه ، ~~محل تردد بين المتصدين لاستخراج معاني القرآن تفسيرا وتشريعا ، سببه أنه ~~غير وارد في كلام العرب قبل القرآن أو واقع بندرة ، فلقد تجد بعض العلماء ~~يدفع محملا من محامل بعض آيات بأنه محمل يفضي إلى استعمال المشترك في ~~معنييه أو استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه ، ويعدون ذلك خطبا عظيما . | من ~~أجل ذلك اختلف علماء العربية وعلماء أصول الفقه في جواز استعمال المشترك في ~~أكثر من معنى من مدلوله اختلافا ينبي عن ترددهم في صحة حمل ألفاظ القرآن ~~على هذا الاستعمال . وقد أشار كلام بعض الأئمة إلى أن مثار اختلافهم هو عدم ~~العهد بمثله عند العرب قبل نزول القرآن ، إذ قال الغزالي وأبو الحسين ~~البصري يصح أن يراد بالمشترك عدة معان لكن بإرادة المتكلم وليس بدلالة ~~اللغة . وظني بهما أنهما يريدان تصيير تلك الإرادة PageV01P098 إلى أنها ~~دلالة من مستتبعات التراكيب لأنها دلالة عقلية لا تحتاج إلى علاقة وقرينة ، ~~كدلالة المجاز والاستعارة . | والحق أن المشترك يصح إطلاقه على عدة من ~~معانيه جميعا أو بعضا إطلاقا لغويا ، فقال قوم : هو من قبيل الحقيقة ، ونسب ~~إلى الشافعي وأبي بكر الباقلاني وجمهور المعتزلة . وقال قوم : هو المجاز ، ~~وجزم ابن الحاجب بأنه مراد الباقلاني من قوله في كتاب التقريب والإرشاد إن ~~المشترك لا يحمل على أكثر من معنى إلا بقرينة ، ففهم ابن الحاجب أن القرينة ~~من علامات المجاز وهذا لا يستقيم لأن القرينة التي هي من علامات المجاز هي ~~القرينة المانعة من إرادة المعنى الحقيقي وهي لا تتصور في موضوعنا ؛ إذ ~~معاني المشترك كلها من قبيل الحقيقة وإلا لانتقضت حقيقة المشترك فارتفع ~~الموضوع من أصله . وإنما سها أصحاب هذا الرأي عن الفرق بين قرينة إطلاق ~~اللفظ على معناه المجازي وقرينة إطلاق المشترك على عدة من معانيه ، فإن ~~قرينة المجاز مانعة من إرادة المعنى الحقيقي وقرينة المشترك معينة للمعاني ~~المرادة كلا أو بعضا . # | وثمة قول آخر لا ينبغي الالتفات إليه وإنما نذكره استيعابا لآراء ~~الناظرين في هذه المسألة ms0100 ، وهو صحة إطلاق المشترك على معانيه في النفي وعدم ~~صحة ذلك في الإيجاب ، ونسب هذا القول إلى برهان علي المرغيناني الفقيه ~~الحنفي صاحب كتاب الهداية في الفقه ، ومثاره في ما أحسب اشتباه دلالة اللفظ ~~المشترك على معانيه بدلالة النكرة الكلية على أفرادها حيث تفيد العموم إذا ~~وقعت في سياق النفي ولا تفيده في سياق الإثبات . | والذي يجب اعتماده أن ~~يحمل المشترك في القرآن على ما يحتمله من المعاني سواء في ذلك اللفظ المفرد ~~المشترك ، والتركيب المشترك بين مختلف الاستعمالات ، سواء كانت المعاني ~~حقيقية أو مجازية ، محضة أو مختلفة . مثال استعمال اللفظ المفرد في حقيقته ~~ومجازه قوله تعالى ) ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض ~~والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس ( فالسجود له ~~معنى حقيقي وهو وضع الجبهة على الأرض ومعنى مجازي وهو التعظيم ، وقد استعمل ~~فعل يسجد هنا في معنييه المذكورين لا محالة . وقوله تعالى ) ويبسطوا إليكم ~~أيديهم وألسنتهم بالسوء ( فبسط الأيدي حقيقة في مدها للضرب والسلب ، وبسط ~~الألسنة مجاز في عدم إمساكها عن القول البذيء PageV01P099 وقد استعمل هنا ~~في كلا معنييه . ومثال استعمال المركب المشترك في معنييه قوله تعالى ) ويل ~~للمطففين ( فمركب ويل له يستعمل خبرا ويستعمل دعاء ، وقد حمله المفسرون هنا ~~على كلا المعنيين . | وعلى هذا القانون يكون طريق الجمع بين المعاني التي ~~يذكرها المفسرون ، أو ترجيح بعضها على بعض ، وقد كان المفسرون غافلين عن ~~تأصيل هذا الأصل فلذلك كان الذي يرجح معنى من المعاني التي يحتملها لفظ آية ~~من القرآن ، يجعل غير ذلك المعنى ملغى . ونحن لا نتابعهم على ذلك بل نرى ~~المعاني المتعددة التي يحتملها اللفظ بدون خروج عن مهيع الكلام العربي ~~البليغ ، معاني في تفسير الآية . فنحن في تفسيرنا هذا إذا ذكرنا معنيين ~~فصاعدا فذلك على هذا القانون . وإذا تركنا معنى مما حمل بعض المفسرين عليه ~~في آيات من القرآن فليس تركنا إياه دالا على إبطاله ، ولكن قد يكون ذلك ~~لترجح غيره ، وقد يكون اكتفاء بذكره في ms0101 تفاسير أخرى تجنبا للإطالة ، فإن ~~التفاسير اليوم موجودة بين يدي أهل العلم لا يعوزهم استقراؤها ولا تمييز ~~محاملها متى جروا على هذا القانون . PageV01P100 # المقدمة العاشرة # في إعجاز القرآن | لم أر غرضا تناضلت له سهام الأفهام . ولا غاية تسابقت ~~إليها جياد الهمم فرجعت دونها حسرى . واقتنعت بما بلغته من صبابة نزرا . ~~مثل الخوض في وجوه إعجاز القرآن فإنه لم يزل شغل أهل البلاغة الشاغل . ~~وموردها للمعلول والناهل . ومغلي سبائها للنديم والواغل ، ولقد سبق أن ألف ~~علم البلاغة مشتملا على نماذج من وجوه إعجازه . والتفرقة بين حقيقته ومجازه ~~. إلا أنه باحث عن كل خصائص الكلام العربي البليغ ليكون معيارا للنقد أو ~~آلة للصنع . ثم ليظهر من جراء ذلك كيف تفوق القرآن على كل كلام بليغ بما ~~توفر فيه من الخصائص التي لا تجتمع في كلام آخر للبلغاء حتى عجز السابقون ~~واللاحقون منهم عن الإتيان بمثله . قال أبو يعقوب السكاكي في كتاب المفتاح ~~واعلم أني مهدت لك في هذا العلم قواعد متى بنيت عليها أعجب كل شاهد بناؤها ~~. واعترف لك بكمال الحذق في البلاغة أبناؤها - إلى أن قال ثم إذا كنت ممن ~~ملك الذوق وتصفحت كلام رب العزة . أطلعتك على ما يوردك موارد العزة . وكشفت ~~عن وجه إعجازه القناع اه . # | فأما أنا فأردت في هذه المقدمة أن ألم بك أيها المتأمل إلمامة ليست ~~كخطرة طيف . ولا هي كإقامة المنتجع في المربع حتى يظله الصيف . وإنما هي ~~لمحة ترى منها كيف كان القرآن معجزا وتتبصر منها نواحي إعجازه وما أنا ~~بمستقص دلائل الإعجاز في آحاد الآيات والسور ، فذلك له مصنفاته وكل صغير ~~وكبير مستطر . ثم ترى منها بلاغة القرآن ولطائف أدبه التي هي فتح لفنون ~~رائعة من أدب لغة العرب حتى ترى كيف كان هذا القرآن فتح بصائر ، وفتح عقول ~~، وفتح ممالك ، وفتح أدب غض ارتقى به الأدب العربي مرتقى لم يبلغه أدب أمة ~~من قبل . وكنت أرى الباحثين ممن تقدمني يخلطون هذين الغرضين خلطا ، وربما ~~أهملوا معظم الفن الثاني ، وربما ألموا به إلماما ms0102 وخلطوه بقسم الإعجاز وهو ~~الذي يحق أن يكون البحث فيه من مقدمات علم التفسير ، ولعلك تجد في هذه ~~المقدمة أصولا ونكتا أغفلها من تقدموا ممن تكلموا في إعجاز القرآن مثل ~~الباقلاني ، والرماني ، وعبد القاهر ، والخطابي ، وعياض ، والسكاكي ، ~~فكونوا منها بالمرصاد ، وافلوا عنها PageV01P101 كما يفلي عن النار الرماد ~~. وإن علاقة هذه المقدمة بالتفسير هي أن مفسر القرآن لا يعد تفسيره لمعاني ~~القرآن بالغا حد الكمال في غرضه ما لم يكن مشتملا على بيان دقائق من وجوه ~~البلاغة في آيه المفسرة بمقدار ما تسمو إليه الهمة من تطويل واختصار ، ~~فالمفسر بحاجة إلى بيان ما في آي القرآن من طرق الاستعمال العربي وخصائص ~~بلاغته وما فاقت به آي القرآن في ذلك حسبما أشرنا إليه في المقدمة الثانية ~~لئلا يكون المفسر حين يعرض عن ذلك بمنزلة المترجم لا بمنزلة المفسر . | فمن ~~أعجب ما نراه خلو معظم التفاسير عن الاهتمام بالوصول إلى هذا الغرض الأسمى ~~إلا عيون التفاسير ، فمن مقل مثل معاني القرآن لأبي إسحاق الزجاج ، والمحرر ~~الوجيز للشيخ عبد الحق بن عطية الأندلسي ، ومن مكثر مثل الكشاف . ولا يعذر ~~في الخلو عن ذلك إلا التفاسير التي نحت ناحية خاصة من معاني القرآن مثل ~~أحكام القرآن ، على أن بعض أهل الهمم العلية من أصحاب هذه التفاسير لم يهمل ~~هذا العلق النفيس كما يصف بعض العلماء كتاب أحكام القرآن لإسماعيل بن إسحاق ~~بن حماد المالكي البغدادي ، وكما نراه في مواضع من أحكام القرآن لأبي بكر ~~بن العربي . | ثم إن العناية بما نحن بصدده من بيان وجوه إعجاز القرآن إنما ~~نبعت من مختزن أصل كبير من أصول الإسلام وهو كونه المعجزة الكبرى للنبي صلى ~~الله عليه وسلم ، وكونه المعجزة الباقية ، وهو المعجزة التي تحدى بها ~~الرسول معانديه تحديا صريحا . قال تعالى ) وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ~~ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين . أو لم يكفهم أنا أنزلنا ~~عليك الكتاب يتلى عليهم ( ولقد تصدى للاستدلال على هذا أبو بكر الباقلاني ~~في كتاب له ms0103 سماه أو سمي إعجاز القرآن وأطال ، وخلاصة القول فيه أن رسالة ~~نبينا عليه الصلاة والسلام بنيت على معجزة القرآن وإن كان قد أيد بعد ذلك ~~بمعجزات كثيرة إلا أن تلك المعجزات قامت في أوقات وأحوال ومع ناس خاصة ونقل ~~بعضها متواترا وبعضها نقل نقلا خاصا ، فأما القرآن فهو معجزة عامة ، ولزوم ~~الحجة به باق من أول ورودها إلى يوم القيامة ، وإن كان يعلم وجه إعجازه من ~~عجز أهل العصر الأول عن الإتيان بمثله فيغني ذلك عن نظر مجدد ، فكذلك عجز ~~أهل كل عصر من العصور التالية عن النظر في حال عجز أهل العصر الأول ، ودليل ~~ذلك متواتر من نص القرآن في عدة آيات تتحدى PageV01P102 العرب بأن يأتوا ~~بسورة مثله ، وبعشر سور مثله مما هو معلوم ، ناهيك أن القرآن نادى بأنه ~~معجز لهم ، نحو قوله تعالى ) وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا ~~بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين فإن لم تفعلوا ~~ولن تفعلوا فاتقوا النار ( الآية فإنه سهل وسجل : سهل عليهم أن يأتوا بمثل ~~سورة من سوره ، وسجل عليهم أنهم لا يفعلون ذلك أبدا ، فكان كما سجل ، ~~فالتحدي متواتر وعجز المتحدين أيضا متواتر بشهادة التاريخ إذ طالت مدتهم في ~~الكفر ولم يقيموا الدليل على أنهم غير عاجزين ، وما استطاعوا الإتيان بسورة ~~مثله ثم عدلوا إلى المقاومة بالقوة . # | قال الله تعالى ) وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من ~~مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا ~~فاتقوا النار ( الآية من سورة البقرة . | وقال ) قل فأتوا بسورة مثله ~~وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين ( سورة يونس وقال ) أم ~~يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون ~~الله أن كنتم صادقين فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله ( ~~سورة هود . | فعجز جميع المتحدين عن الإتيان بمثل القرآن أمر متواتر بتواتر ~~هذه الآيات بينهم وسكوتهم عن المعارضة ms0104 مع توفر دواعيهم عليها . | وقد اختلف ~~العلماء في تعليل عجزهم عن ذلك فذهبت طائفة قليلة إلى تعليله بأن الله ~~صرفهم عن معارضة القرآن فسلبهم المقدرة أو سلبهم الداعي ، لتقوم الحجة ~~عليهم بمرأى ومسمع من جميع العرب . ويعرف هذا القول بالصرفة كما في المواقف ~~للعضد والمقاصد للتفتزاني ولعلها بفتح الصاد وسكون الراء وهي مرة من الصرف ~~وصيغ بصيغة المرة للإشارة إلى أنها صرف خاص فصارت كالعلم بالغلبة ولم ~~ينسبوا هذا القول إلا إلى الأشعري فيما حكاه أبو الفضل عياض في الشفاء وإلى ~~النظام والشريف المرتضى وأبي إسحاق الاسفرائيني فيما حكاه عنهم عضد الدين ~~في المواقف ، وهو قول ابن حزم صرح به في كتاب الفصل ص 7 جز 3 ص 184 جز وقد ~~عزاه صاحب المقاصد في شرحه إلى كثير من المعتزلة . | وأما الذي عليه جمهرة ~~أهل العلم والتحقيق واقتصر عليه أيمة الأشعرية وإمام PageV01P103 الحرمين ~~وعليه الجاحظ وأهل العربية كما في المواقف ، فالتعليل لعجز المتحدين به ~~بأنه بلوغ القرآن في درجات البلاغة والفصاحة مبلغا تعجز قدرة بلغاء العرب ~~عن الإتيان بمثله ، وهو الذي نعتمده ونسير عليه في هذه المقدمة العاشرة . | ~~وقد بدا لي دليل قوي على هذا وهو بقاء الآيات التي نسخ حكمها وبقيت متلوة ~~من القرآن ومكتوبة في المصاحف فإنها لما نسخ حكمها لم يبق وجه لبقاء ~~تلاوتها وكتبها في المصاحف إلا ما في مقدار مجموعها من البلاغة بحيث يلتئم ~~منها مقدار ثلاث آيات متحدي بالإتيان بمثلها مثال ذلك آية الوصية في سورة ~~العقود . | وإنما وقع التحدي بسورة أي وإن كانت قصيرة دون أن يتحداهم بعدد ~~من الآيات لأن من أفانين البلاغة ما مرجعه إلى مجموع نظم الكلام وصوغه بسبب ~~الغرض الذي سيق فيه من فواتح الكلام وخواتمه ، وانتقال الأغراض ، والرجوع ~~إلى الغرض ، وفنون الفصل ، والإيجاز والإطناب ، والاستطراد والاعتراض ، وقد ~~جعل شرف الدين الطيبي هذا هو الوجه لإيقاع التحدي بسورة دون أن يجعل بعدد ~~من الآيات . | وإذ قد كان تفصيل وجوه الإعجاز لا يحصره المتأمل كان علينا ~~أن نضبط معاقدها التي ms0105 هي ملاكها ، فنرى ملاك وجوه الإعجاز راجعا إلى ثلاث ~~جهات : الجهة الأولى : بلوغه الغاية القصوى مما يمكن أن يبلغه الكلام ~~العربي البليغ من حصول كيفيات في نظمه مفيدة معاني دقيقة ونكتا من أغراض ~~الخاصة من بلغاء العرب مما لا يفيده أصل وضع اللغة ، بحيث يكثر فيه ذلك ~~كثرة لا يدانيها شيء من كلام البلغاء من شعرائهم وخطبائهم . | الجهة ~~الثانية : ما أبدعه القرآن من أفانين التصرف في نظم الكلام مما لم يكن ~~معهودا في أساليب العرب ، ولكنه غير خارج عما تسمح به اللغة . | الجهة ~~الثالثة : ما أودع فيه من المعاني الحكمية والإشارات إلى الحقائق العقلية ~~والعلمية مما لم تبلغ إليه عقول البشر في عصر نزول القرآن وفي عصور بعده ~~متفاوتة ، وهذه الجهة أغفلها المتكلمون في إعجاز القرآن من علمائنا مثل أبي ~~بكر الباقلاني والقاضي عياض . PageV01P104 | وقد عد كثير من العلماء من ~~وجوه إعجاز القرآن ما يعد جهة رابعة هي ما انطوى عليه من الأخبار عن ~~المغيبات مما دل على أنه منزل من علام الغيوب ، وقد يدخل في هذه الجهة ما ~~عده عياض في الشفاء وجها رابعا من وجوه إعجاز القرآن وهو ما أنبأ به من ~~أخبار القرون السالفة مما كان لا يعلم منه القصة الواحدة إلا الفذ من أحبار ~~أهل الكتاب ، فهذا معجز للعرب الأميين خاصة وليس معجزا لأهل الكتاب ؛ وخاص ~~ثبوت إعجازه بأهل الإنصاف من الناظرين في نشأة الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وأحواله ، وليس معجزا للمكابرين فقد قالوا إنما يعلمه بشر . # | فأعجاز القرآن من الجهتين الأولى والثانية متوجه إلى العرب ، إذ هو ~~معجز لفصحائهم وخطبائهم وشعرائهم مباشرة ، ومعجز لعامتهم بواسطة إدراكهم أن ~~عجز مقارعيه عن معارضته مع توفر الدواعي عليه هو برهان ساطع على أنه تجاوز ~~طاقة جميعهم . ثم هو بذلك دليل على صدق المنزل عليه لدى بقية البشر الذين ~~بلغ إليهم صدى عجز العرب بلوغا لا يستطاع إنكاره لمعاصريه بتواتر الأخبار ، ~~ولمن جاء بعدهم بشواهد التاريخ . فإعجازه للعرب الحاضرين دليل تفصيلي ، ~~وإعجازه لغيرهم دليل إجمالي . | ثم قد يشارك ms0106 خاصة العرب في إدراك إعجازه كل ~~من تعلم لغتهم ومارس بليغ كلامهم وآدابهم من أئمة البلاغة العربية في مختلف ~~العصور ، وهذا معنى قول السكاكي في المفتاح مخاطبا للناظر في كتابه متوسلا ~~بذلك أي بمعرفة الخصائص البلاغية التي هو بصدد الكلام عليها إلى أن تتأنق ~~في وجه الإعجاز في التنزيل منتقلا مما أجمله عجز المتحدين به عندك إلى ~~التفصيل . | والقرآن معجز من الجهة الثالثة للبشر قاطبة إعجازا مستمرا على ~~ممر العصور ، وهذا من جملة ما شمله قول أئمة الدين : إن القرآن هو المعجزة ~~المستمرة على تعاقب السنين ، لأنه قد يدرك إعجازه العقلاء من غير الأمة ~~العربية بواسطة ترجمة معانيه التشريعية والحكمية والعلمية والأخلاقية ، وهو ~~دليل تفصيلي لأهل تلك المعاني وإجمالي لمن تبلغه شهادتهم بذلك . | وهو من ~~الجهة الرابعة عند الذين اعتبروها زائدة على الجهات الثلاث معجز لأهل عصر ~~نزوله إعجازا تفصيليا ، ومعجز لمن يجيء بعدهم ممن يبلغه ذلك بسبب تواتر نقل ~~القرآن ، وتعين صرف الآيات المشتملة على هذا الإخبار إلى ما أريد منها . ~~PageV01P105 | هذا ملاك الإعجاز بحسب ما انتهى إليه استقراؤنا إجمالا ، ~~ولنأخذ في شيء من تفصيل ذلك وتمثيله . | فأما الجهة الأولى فمرجعها إلى ما ~~يسمى بالطرف الأعلى من البلاغة والفصاحة ، وهو المصطلح على تسميته حد ~~الإعجاز ، فلقد كان منتهى التنافس عند العرب بمقدار التفوق في البلاغة ~~والفصاحة ، وقد وصف أئمة البلاغة والأدب هذين الأمرين بما دون له علما ~~المعاني والبيان ، وتصدوا في خلال ذلك للموازنة بين ما ورد في القرآن من ~~ضروب البلاغة وبين أبلغ ما حفظ عن العرب من ذلك مما عد في أقصى درجاتها . ~~وقد تصدى أمثال أبي بكر الباقلاني وأبي هلال العسكري وعبد القاهر والسكاكي ~~وابن الأثير ، إلى الموازنة بين ما ورد في القرآن وبين ما بلغ في بليغ كلام ~~العرب من بعض فنون البلاغة بما فيه مقنع للمتأمل ، ومثل للمتمثل . وليس من ~~حظ الواصف إعجاز القرآن وصفا جماليا كصنعنا ههنا أن يصف هذه الجهة وصفا ~~مفصلا لكثرة أفانينها ، فحسبنا أن نحيل في تحصيل كلياتها وقواعدها على ms0107 ~~الكتب المجعولة لذلك مثل دلائل الإعجاز ، وأسرار البلاغة ، والقسم الثالث ~~فما بعده من المفتاح ، ونحو ذلك ، وأن نحيل في تفاصيلها الواصفة لإعجاز آي ~~القرآن على التفاسير المؤلفة في ذلك وعمدتها كتاب الكشاف للعلامة الزمخشري ~~، وما سنستنبطه ونبتكره في تفسيرنا هذا إن شاء الله ، غير أني ذاكر هنا ~~أصولا لنواحي إعجازه من هذه الجهة وبخاصة ما لم يذكره الأئمة أو أجملوا في ~~ذكره . | وحسبنا هنا الدليل الإجمالي وهو أن الله تعالى تحدى بلغاءهم أن ~~يأتوا بسورة من مثله فلم يتعرض واحد إلى معارضته ، اعترافا بالحق وربئا ~~بأنفسهم عن التعريض بالنفس إلى الافتضاح ، مع أنهم أهل القدرة في أفانين ~~الكلام نظما ونثرا ، وترغيبا وزجرا ، قد خصوا من بين الأمم بقوة الذهن وشدة ~~الحافظة وفصاحة اللسان وتبيان المعاني ، فلا يستصعب عليهم سابق من المعاني ~~، ولا يجمح بهم عسير من المقامات . # | قال عياض في الشفاء : فلم يزل يقرعهم النبي صلى الله عليه وسلم أشد ~~التقريع ويوبخهم غاية التوبيخ ويسفه أحلامهم ويحط أعلامهم وهم في كل هذا ~~ناكصون عن معارضته محجمون عن مماثلته ، يخادعون أنفسهم بالتكذيب والإغراء ~~بالافتراء ، وقولهم : إن هذا إلا سحر يؤثر وسحر مستمر وإفك افتراه وأساطير ~~الأولين . وقد قال تعالى : ) فإن لم PageV01P106 تفعلوا ولن تفعلوا ( فما ~~فعلوا ولا قدروا ، ومن تعاطى ذلك من سخفائهم كمسيلمة كشف عواره لجميعهم . ~~ولما سمع الوليد بن المغيرة قوله تعالى : ) إن الله يأمر بالعدل والإحسان ( ~~الآية قال : والله إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة ، وإن أسفله لمغدق وإن ~~أعلاه لمثمر وما هو بكلام بشر . وذكر أبو عبيدة أن أعرابيا سمع رجلا يقرأ ~~فاصدع بما تؤمر فسجد وقال : سجدت لفصاحته ، وكان موضع التأثير في هذه ~~الجملة هو كلمة اصدع في إبانتها عن الدعوة والجهر بها والشجاعة فيها ، ~~وكلمة بما تؤمر في إيجازها وجمعها . وسمع آخر رجلا يقرأ فلما استيأسوا منه ~~خلصوا نجيا فقال : أشهد أن مخلوقا لا يقدر على مثل هذا الكلام . وكون النبي ~~صلى الله عليه وسلم تحدى به وأن العرب عجزوا عن معارضته مما علم بالضرورة ms0108 ~~إجمالا وتصدى أهل علم البلاغة لتفصيله ، قال السكاكي في المفتاح : واعلم أن ~~شأن الإعجاز عجيب يدرك ولا يمكن وصفه ، كاستقامة الوزن تدرك ولا يمكن وصفها ~~، أو كالملاحة . | ومدرك الإعجاز عندي هو الذوق ليس إلا . وطريق اكتساب ~~الذوق طول خدمة هذين العلمين المعاني والبيان نعم للبلاغة وجوه متلثمة ربما ~~تيسرت إماطة اللثام عنها لتجلى عليك ، أما نفس وجه الإعجاز فلا ا ه . | قال ~~التفتزاني يعني أن كل ما ندركه بعقولنا ففي غالب الأمر نتمكن من التعبير ~~عنه ، والإعجاز ليس كذلك لأنا نعلم قطعا من كلام الله أنه بحيث لا تمكن ~~للبشر معارضته والإتيان بمثله ولا يماثله شيء من كلام فصحاء العرب مع أن ~~كلماته كلمات كلامهم ، وكذا هيئات تراكيبه ، كما أنا نجد كلاما نعلم قطعا ~~أنه مستقيم الوزن دون آخر ، وكما أنا ندرك من أحد كون كل عضو منه كما ينبغي ~~وآخر كذلك أو دون ذلك ، لكن فيه شيء نسميه الملاحة ولا نعرف أنه ما هو ، ~~وليس مدرك الإعجاز عند المصنف سوى الذوق وهو قوة إدراكية لها اختصاص بإدراك ~~لطائف الكلام ووجوه محاسنه الخفية ، فإن كان حاصلا بالفطرة فذاك وإن أريد ~~اكتسابه فلا طريق إليه سوى الاعتناء بعلمي المعاني والبيان وطول ممارستهما ~~والاشتغال بهما ، وإن جمع بين الذوق الفطري وطول خدمة العلمين فلا غاية ~~وراءه ، فوجه الإعجاز أمر من جنس البلاغة والفصاحة لا كما ذهب إليه النظام ~~وجمع من المعنزلة أن إعجازه بالصرفة بمعنى أن الله صرف العرب عن معارضته ~~وسلب قدرتهم عليها ، ولا كما ذهب إليه جماعة من أن إعجازه بمخالفة أسلوبه ~~لأساليب كلامهم من الأشعار والخطب والرسائل لا سيما في المقاطع PageV01P107 ~~مثل يؤمنون وينفقون ويعلمون قال السيد لا سيما في مطالع السور ومقاطع الآي ~~أو بسلامته من التناقض قال السيد مع طوله جدا أو باشتماله على الإخبار ~~بالمغيبات والكل فاسد . اه وقال السيد : الجرجاني فهذه أقوال خمسة في وجه ~~الإعجاز لا سادس لها . | وقال السيد أراد المصنف أن الإعجاز نفسه وإن لم ~~يمكن وصفه وكشفه بحيث يدرك به لكن ms0109 الأمور المؤدية إلى كون الكلام معجزا ~~أعنى وجوه البلاغة قد تحتجب فربما تيسر كشفها ليتقوى بذلك ذوق البليغ على ~~مشاهدة الإعجاز . | يريد السيد بهذا الكلام إبطال التدافع بين قول صاحب ~~المفتاح : يدرك ولا يمكن وصفه إذ نفى الإمكان ، وبين قوله نعم للبلاغة وجوه ~~متلثمة ربما تيسرت إماطة اللثام عنها ، فاثبت تيسر وصف وجوه الإعجاز ، بأن ~~الإعجاز نفسه لا يمكن كشف القناع عنه ، وأما وجوه البلاغة فيمكن كشف القناع ~~عنها . # | واعلم أنه لا شك في أن خصوصيات الكلام البليغ ودقائقه مراده لله تعالى ~~في كون القرآن معجزا وملحوظة للمتحدين به على مقدار ما يبلغ إليه بيان ~~المبين . وان إشارات كثيرة في القرآن تلفت الأذهان لذلك ويحضرني الآن من ~~ذلك أمور : أحدها ما رواه مسلم والأربعة عن أبي هريرة قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال الله تعالى : قسمت الصلاة أي سورة الفاتحة بيني وبين ~~عبدي نصفين ولعبدي ما سأل . فإذا قال العبد : الحمد لله رب العالمين ، قال ~~الله تعالى : حمدني عبدي . وإذا قال : الرحمن الرحيم ، قال الله تعالى أثنى ~~علي عبدي . وإذ قال : مالك يوم الدين ، قال : مجدني عبدي وقال مرة : فوض ~~إلي عبدي فإذا قال : إياك نعبد وإياك نستعين ، قال : هذا بيني وبين عبدي ~~ولعبدي ما سأل ، فإذا قال : اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم ~~غير المغضوب عليهم ولا الضالين ، قال : هذا لعبدي ولعبدي ما سأل . | ففي ~~هذا الحديث تنبيه على ما في نظم فاتحة الكتاب من خصوصية التقسيم إذ قسم ~~الفاتحة ثلاثة أقسام . وحسن التقسيم من المحسنات البديعية . مع ما تضمنه ~~ذلك التقسيم من محسن التخلص في قوله فإذا قال : إياك نعبد وإياك نستعين ، ~~قال : هذا بيني وبين عبدي إذ كان ذلك مزيجا من القسمين الذي قبله والذي ~~بعده . | وفي القرآن مراعاة التجنيس في غير ما آية والتجنيس من المحسنات ، ~~ومنه قوله تعالى ( وهم ينهون عنه وينأون عنه ) . PageV01P108 | وفيه ~~التنبيه على محسن المطابقة كقوله ) فإنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير . | ~~والتنبيه على ما فيه من تمثيل كقوله ms0110 تعالى ) ويضرب الله الأمثال للناس وما ~~يعقلها إلا العالمون ( وقوله ) يضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ( . ~~| ولذا فنحن نحاول تفصيل شيء مما أحاط به علمنا من وجوه الإعجاز : نرى من ~~أفانين الكلام الالتفات وهو نقل الكلام من أحد طرق التكلم أو الخطاب أو ~~الغيبة إلى طريق آخر منها . وهو بمجرده معدود من الفصاحة ، وسماه ابن جني ~~شجاعة العربية لأن ذلك التغيير يجدد نشاط السامع فإذا انضم إليه اعتبار ~~لطيف يناسب الانتقال إلى ما انتقل إليه صار من أفانين البلاغة وكان معدودا ~~عند بلغاء العرب من النفائس ، وقد جاء منه في القرآن ما لا يحصى كثرة مع ~~دقة المناسبة في الانتقال . | وكان للتشبيه والاستعارة عند القوم المكان ~~القصي والقدر العلي في باب البلاغة ، وبه فاق امرؤ القيس ونبهت سمعته ، وقد ~~جاء في القرآن من التشبيه والاستعارة ما أعجز العرب كقوله ) واشتعل الرأس ~~شيبا ( وقوله ) واخفض لهما جناح الذل ( وقوله ) وآية لهم الليل نسلخ منه ~~النهار ( وقوله تعالى ) ابلعي ماءك ( وقوله ) صبغة الله ( إلى غير ذلك من ~~وجوه البديع . | ورأيت من محاسن التشبيه عندهم كمال الشبه ، ورأيت وسيلة ~~ذلك الاحتراس وأحسنه ما وقع في القرآن كقوله تعالى ) فيها أنهار من ماء غير ~~آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين ( احتراس عن ~~كراهة الطعام ) وأنهار من عسل مصفى ( احتراس عن أن تتخلله أقذاء من بقايا ~~نحله . | وانظر التمثيلية في قوله تعالى ) أيود أحدكم أن تكون له جنة من ~~نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار ( الآية . ففيه إتمام جهات كمال تحسين ~~التشبيه لإظهار أن الحسرة على تلفها أشد . وكذا قوله تعالى ) مثل نوره ~~كمشكاة ( إلى قوله ) يكاد زيتها يضيء ( فقد ذكر من الصفات ، والأحوال ما ~~فيه مزيد وضوح المقصود من شدة الضياء ، وما فيه تحسين المشبه وتزيينه ~~بتحسين شبهه ، وأين من الآيتين قول كعب . | شجت بذي شبم من ماء محنية صاف ~~بأبطح أضحى وهو مشمول تنفي الرياح القذى عنه وأفرطه من صوب سارية بيض ~~يعاليل PageV01P109 إن نظم القرآن مبني ms0111 على وفرة الإفادة وتعدد الدلالة ، ~~فجمل القرآن لها دلالتها الوضعية التركيبية التي يشاركها فيها الكلام ~~العربي كله ، ولها دلالتها البلاغية التي يشاركها في مجملها كلام البلغاء ~~ولا يصل شيء من كلامهم إلى مبلغ بلاغتها . | ولها دلالتها المطوية وهي ~~دلالة ما يذكر على ما يقدر اعتمادا على القرينة ، وهذه الدلالة قليلة في ~~كلام البلغاء وكثرت في القرآن مثل تقدير القول وتقدير الموصوف وتقدير الصفة ~~. # | ولها دلالة مواقع جمله بحسب ما قبلها وما بعدها ، ككون الجملة في موقع ~~العلة لكلام قبلها ، أو في موقع الاستدراك ، أو في موقع جواب سؤال ، أو في ~~موقع تعريض أو نحوه . وهذه الدلالة لا تتأتى في كلام العرب لقصر أغراضه في ~~قصائدهم وخطبهم بخلاف القرآن ، فإنه لما كان من قبيل التذكير والتلاوة سمحت ~~أغراضه بالإطالة ، وبتلك الإطالة تأتى تعدد مواقع الجمل والأغراض . | مثال ~~ذلك قوله تعالى ) وخلق الله السماوات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت ~~وهم لا يظلمون ( بعد قوله ) أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون ( فإن قوله ) ~~وخلق الله السماوات والأرض ( إلى آخره مفيد بتراكيبه فوائد من التعليم ~~والتذكير ، وهو لوقوعه عقب قوله ) أم حسب الذين اجترحوا السيئات ( واقع ~~موقع الدليل على أنه لا يستوي من عمل السيئات مع من عمل الصالحات في نعيم ~~الآخرة . | وإن للتقديم والتأخير في وضع الجمل وأجزائها في القرآن دقائق ~~عجيبة كثيرة لا يحاط بها وسننبه على ما يلوح منها في مواضعه إن شاء الله . ~~وإليك مثلا من ذلك يكون لك عونا على استجلاء أمثاله . قال تعالى ) إن جهنم ~~كانت مرصادا للطاغين مآبا ( إلى قوله ) إن للمتقين مفازا حدائق وأعنابا ( ~~إلى قوله ) وكأسا دهاقا لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا ( فكان للابتداء ~~بذكر جهنم ما يفسر المفاز في قوله ) إن للمتقين مفازا ( أنه الجنة لأن ~~الجنة مكان فوز . ثم كان قوله ) لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا ( ما يحتمل ~~لضمير فيها من قوله ) لا يسمعون فيها ( أن يعود إلى ms0112 ) كأسا دهاقا ( وتكون ~~في للظرفية المجازية أي الملابسة أو السببية أي لا يسمعون في ملابسة شرب ~~الكأس ما يعتري شاربيها PageV01P110 في الدنيا من اللغو واللجاج ، وان يعود ~~إلى ) مفازا ( بتأويله باسم مؤنث وهو الجنة وتكون في للظرفية الحقيقية أي ~~لا يسمعون في الجنة كلاما لا فائدة فيه ولا كلاما مؤذيا . وهذه المعاني لا ~~يتأتى جميعها إلا بجمل كثيرة لو لم يقدم ذكر جهنم ولم يعقب بكلمة ) مفازا ( ~~. ولم يؤخر ) وكأسا دهاقا ( ولم يعقب بجملة ) لا يسمعون فيها لغوا ( الخ . ~~| ومما يجب التنبيه له أن مراعاة المقام في أن ينظم الكلام على خصوصيات ~~بلاغية هي مراعاة من مقومات بلاغة الكلام وخاصة في إعجاز القرآن ، فقد ~~تشتمل آية من القرآن على خصوصيات تتساءل نفس المفسر عن دواعيها وما يقتضيها ~~فيتصدى لتطلب مقتضيات لها ربما جاء بها متكلفة أو مغصوبة ، ذلك لأنه لم ~~يلتفت إلا إلى مواقع ألفاظ الآية ، في حال أن مقتضياتها في الواقع منوطة ~~بالمقامات التي نزلت فيها الآية ، مثال ذلك قوله تعالى في سورة المجادلة ) ~~أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون ( ثم قوله ) أولئك حزب ~~الله ألا إن حزب الله هم المفلحون ( فقد يخفى مقتضى اجتلاب حرف التنبيه في ~~افتتاح كلتا الجملتين فيأوي المفسر إلى تطلب مقتضه ويأتي بمقتضيات عامة مثل ~~أن يقول : التنبيه للاهتمام بالخبر ، ولكن إذا قدرنا أن الآيتين نزلتا ~~بمسمع من المنافقين والمؤمنين جميعا علمنا أن اختلاف حرف التنبيه في الأولى ~~لمراعاة إيقاظ فريقي المنافقين والمؤمنين جميعا ، فالأولون لأنهم يتظاهرون ~~بأنهم ليسوا من حزب الشيطان في نظر المؤمنين إذ هم يتظاهرون بالإسلام فكأن ~~الله يقول قد عرفنا دخائلكم ، وثاني الفريقين وهم المؤمنون نبهوا لأنهم ~~غافلون عن دخائل الآخرين فكأنه يقول لهم تيقظوا فإن الذين يتولون أعداءكم ~~هم أيضا عدو لكم لأنهم حزب الشيطان والشيطان عدو الله وعدو الله عدو لكم ~~واجتلاب حرف التنبيه في الآية الثانية لتنبيه المنافقين إلى فضيلة المسلمين ~~لعلهم يرغبون فيها فيرعوون عن النفاق ، وتنبيه المسلمين إلى أن حولهم فريقا ~~ليسوا ms0113 من حزب الله فليسوا بمفلحين ليتوسموا أحوالهم حق التوسم فيحذروهم . # | ومرجع هذا الصنف من الإعجاز إلى ما يسمى في عرف علماء البلاغة بالنكت ~~البلاغية فإن بلغاءهم كان تنافسهم في وفرة إيداع الكلام من هذه النكت ، ~~وبذلك تفاضل بلغاؤهم ، فلما سمعوا القرآن انثالت على كل من سمعه من بلغائهم ~~من النكت التي تفطن لها ما لم يجد من قدرته قبلا بمثله . وأحسب أن كل بليغ ~~منهم قد فكر في الاستعانة بزملائه PageV01P111 من أهل اللسان فعلم ألا مبلغ ~~بهم إلى التظاهر على الإتيان بمثل القرآن فيما عهده كل واحد من ذوق زميله ، ~~هذا كله بحسب ما بلغت إليه قريحة كل واحد ممن سمع القرآن منهم من التفطن ~~إلى نكت القرآن وخصائصه . | ووراء ذلك نكت لا يتفطن إليها كل واحد ، وأحسب ~~أنهم تآمروا وتدارسوا بينهم في نواديهم أمر تحدي الرسول إياهم بمعارضة ~~القرآن وتواصفوا ما اشتملت عليه بعض آياته العالقة بحوافظهم وأسماعهم من ~~النكت والخصائص وأوقف بعضهم على ما لاح له من تلك الخصائص ، وفكروا وقدروا ~~وتدبروا فعلموا أنهم عاجزون عن الإتيان بمثلها إن انفردوا أو اجتمعوا ، ~~ولذلك سجل القرآن عليهم عجزهم في الحالتين فقال تارة ) فأتوا بسورة من مثله ~~( وقال لهم مرة ) لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ( فحالة ~~اجتماعهم وتظاهرهم لم تكن مغفولا عنها بينهم ضرورة أنهم متحدون بها . | ~~وهذه الناحية من هذه الجهة من الإعجاز هي أقوى نواحي إعجاز القرآن وهي التي ~~يتحقق بها إعجاز أقصر سورة منه . | وفي هذه الجهة ناحية أخرى وهي ناحية ~~فصاحة اللفظ وانسجام النظم وذلك بسلامة الكلام في أجزائه ومجموعه مما يجر ~~الثقل إلى لسان الناطق به ، ولغة العرب لغة فصيحة وأهلها مشهورون بفصاحة ~~الألسن . قال فخر الدين الرازي في مفاتيح الغيب : إن المحاسن اللفظية غير ~~مهجورة في الكلام الحكمي ، والكلام له جسم وهو اللفظ وله روح وهو المعنى ~~وكما أن الإنسان الذي نور روحه بالمعرفة ينبغي أن ينور جسمه بالنظافة ، ~~كذلك الكلام ، ورب كلمة حكيمة لا تؤثر في النفوس لركاكة لفظها . | وكان ms0114 مما ~~يعرض لشعرائهم وخطبائهم ألفاظ ولهجات لها بعض الثقل على اللسان ، فأما ما ~~يعرض للألفاظ فهو ما يسمى في علم الفصاحة بتنافر حروف الكلمة أو تنافر حروف ~~الكلمات عند اجتماعها مثل : مستشزرات والكنهبل في معلقة امريء القيس ، ~~وسفنجة والخفيدد في معلقة طرفة ، وقول القائل وليس قرب قبر حرب قبر . | وقد ~~سلم القرآن من هذا كله مع تفننه في مختلف الأغراض وما تقتضيه من تكاثر ~~الألفاظ ، وبعض العلماء أورد قوله تعالى ( ألم أعهد إليكم ) وقوله ( وعلى ~~أمم ممن معك ) PageV01P112 وتصدى للجواب ، والصواب أن ذلك غير وارد كما ~~قاله المحققون لعدم بلوغه حد الثقل ، ولأن حسن دلالة اللفظ على المعنى بحيث ~~لا يخلفه فيها غيره مقدم على مراعاة خفة لفظه . | فقد اتفق أئمة الأدب على ~~أن وقوع اللفظ المتنافر في أثناء الكلام الفصيح لا يزيل عنه وصف الفصاحة ، ~~فإن العرب لم يعيبوا معلقة امرئ القيس ولا معلقة طرفة . قال أبو العباس ~~المبرد : وقد يضطر الشاعر المفلق والخطيب المصقع والكاتب البليغ فيقع في ~~كلام أحدهم المعنى المستغلق واللفظ المستكره فإذا انعطفت عليه جنبتا الكلام ~~غطتا على عواره وسترتا من شينه . | وأما ما يعرض للهجات العرب فذلك شيء ~~تفاوتت في مضماره جياد ألسنتهم وكان المجلي فيها لسان قريش ومن حولها من ~~القبائل المذكورة في المقدمة السادسة وهو مما فسر به حديث : أنزل القرآن ~~على سبعة أحرف ، ولذلك جاء القرآن بأحسن اللهجات وأخفها وتجنب المكروه من ~~اللهجات ، وهذا من أسباب تيسير تلقي الأسماع له ورسوخه فيها . قال تعالى ) ~~ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ( . # | ومما أعده في هذه الناحية صراحة كلماته باستعمال أقرب الكلمات في لغة ~~العرب دلالة على المعاني المقصودة ، وأشملها لمعان عديدة مقصودة بحيث لا ~~يوجد في كلمات القرآن كلمة تقصر دلالتها عن جميع المقصود منها في حالة ~~تركيبها ، ولا تجدها مستعملة إلا في حقائقها مثل إيثار كلمة حرد في قوله ~~تعالى ) وغدوا على حرد قادرين ( إذ كان جميع معاني الحرد صالحا للإرادة في ~~ذلك الغرض ، أو مجازات أو استعارات أو نحوها ms0115 مما تنصب عليه القرائن في ~~الكلام ، فإن اقتضى الحال تصرفا في معنى اللفظ كان التصرف بطريق التضمين ~~وهو كثير في القرآن مثل قوله تعالى ) ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر ~~السوء ( فجاء فعل أتوا مضمنا معنى مروا فعدي بحرف على ؛ لأن الإتيان تعدى ~~إلى اسم القرية والمقصود منه الاعتبار بمآل أهلها ، فإنه يقال أتى أرض بني ~~فلان ومر على حي كذا . وهذه الوجوه كلها لا تخالف أساليب الكلام البليغ بل ~~هي معدودة من دقائقه ونفائسه التي تقل نظائرها في كلام بلغائهم لعجز فطنة ~~الأذهان البشرية عن الوفاء بجميعها . | وأما الجهة الثانية وهى ما أبدعه ~~القرآن من أفانين التصرف في أساليب الكلام البليغ وهذه جهة مغفولة من علم ~~البلاغة ، فاعلم أن أدب العرب نوعان شعر ونثر ، والنثر PageV01P113 خطابة ~~وأسجاع كهان ، وأصحاب هذه الأنواع وإن تنافسوا في ابتكار المعاني وتفاوتوا ~~في تراكيب أدائها في الشعر فهم بالنسبة إلى الأسلوب قد التزموا في أسلوبي ~~الشعر والخطابة طريقة واحدة تشابهت فنونها فكادوا لا يعدون ما ألفوه من ذلك ~~حتى إنك لتجد الشاعر يحذو حذو الشاعر في فواتح القصائد وفي كثير من ~~تراكيبها ، فكم من قصائد افتتحت بقولهم بانت سعاد للنابغة وكعب بن زهير ، ~~وكم من شعر افتتح ب : ياخليلي اربعا واستخبرا وكم من شعر افتتح ب : يا أيها ~~الراكب المزجي مطيته وقال امرؤ القيس في معلقته : وقوفا بها صحبي على مطيهم ~~يقولون لا تهلك أسى وتحمل فقال طرفة في معلقته بيتا مماثلا له سوى أن كلمة ~~القافية منه وتجلد . | وكذلك القول في خطبهم تكاد تكون لهجة واحدة وأسلوبا ~~واحدا فيما بلغنا من خطب سحبان وقس بن ساعدة . وكذلك أسجاع الكهان وهي قد ~~اختصت بقصر الفقرات وغرابة الكلمات . إنما كان الشعر الغالب على كلامهم ، ~~وكانت الخطابة بحالة ندور لندرة مقاماتها . قال عمر كان الشعر علم القوم ~~ولم يكن لهم علم أصح منه فانحصر تسابق جياد البلاغة في ميدان الكلام ~~المنظوم ، فلما جاء القرآن ولم يكن شعرا ولا سجع كهان ، وكان من أسلوب ~~النثر أقرب ms0116 إلى الخطابة ، ابتكر للقول أساليب كثيرة بعضها تتنوع بتنوع ~~المقاصد ، ومقاصدها بتنوع أسلوب الإنشاء ، فيها أفانين كثيرة فيجد فيه ~~المطلع على لسان العرب بغيته ورغبته ، ولهذا قال الوليد ابن المغيرة لما ~~استمع إلى قراءة النبي صلى الله عليه وسلم والله ما هو بكاهن ، ما هو ~~بزمزمته ولا سجعه ، وقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه ، وقريضه ومبسوطه ، ~~ومقبوضه ما هو بشاعر . | وكذلك وصفه أنيس بن جنادة الغفاري الشاعر أخو أبي ~~ذر حين انطلق إلى مكة ليسمع من النبي صلى الله عليه وسلم ويأتي بخبره إلى ~~أخيه فقال لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم ، ولقد وضعته على إقراء الشعر ~~فلم يلتئم ، وما يلتئم على لسان واحد بعدى أنه شعر ثم أسلم . وورد مثل هذه ~~الصفة عن عتبة بن ربيعة والنضر بن الحرث ، والظاهر أن PageV01P114 المشركين ~~لما لم يجدوا بدا من إلحاق القرآن بصنف من أصناف كلامهم ألحقوه بأشبه ~~الكلام به فقالوا إنه شعر تقريبا للدهماء بما عهده القوم من الكلام الجدير ~~بالاعتبار من حيث ما فيه من دقائق المعاني وأحكام الانتظام والنفوذ إلى ~~العقول ، فإنه مع بلوغه أقصى حد في فصاحة العربية ومع طول أغراضه وتفنن ~~معانيه وكونه نثرا لا شعرا ترى أسلوبه يجري على الألسنة سلسا سهلا لا تفاوت ~~في فصاحة تراكيبه ، وترى حفظه أسرع من حفظ الشعر . وقد اختار العرب الشعر ~~لتخليد أغراضهم وآدابهم لأن ما يقتضيه من الوزن يلجئ إلى التدريب على ألفاظ ~~متوازنة فيكسبها ذلك التوازن تلاؤما ، فتكون سلسلة على الألسن ، فلذلك ~~انحصر تسابق جياد البلاغة في الكلام المنظوم ، وفحول الشعراء مع ذلك ~~متفاوتون في سلالة الكلام مع تسامحهم في أمور كثيرة اغتفرها الناس لهم وهي ~~المسماة بالضرورات . # | بحيث لو كان لواحد من البشر أن يتكلف فصاحة لما يقوله من كلام ويعاود ~~تنقيحه وتغيير نظمه بإبدال الكلمات أو بالتقديم لما حقه التأخير ، أو ~~التأخير لما حقه التقدير ، أو حذف أو زيادة ، لقضى زمنا مديدا في تأليف ما ~~يقدر بسورة من متوسط سور القرآن ، ولما سلم مع ذلك ms0117 من جمل يتعثر فيها ~~اللسان . ولم يدع مع تلك الفصاحة داع إلى ارتكاب ضرورة أو تقصير في بعض ما ~~تقتضيه البلاغة ، فبنى نظمه على فواصل وقرائن متقاربة فلم تفته سلاسة الشعر ~~ولم ترزح تحت قيود الميزان ، فجاء القرآن كلاما منثورا ولكنه فاق في فصاحته ~~وسلاسته على الألسنة وتوافق كلماته وتراكيبه في السلامة من أقل تنافر وتعثر ~~على الألسنة . فكان كونه من النثر داخلا في إعجازه ، وقد اشتمل القرآن على ~~أنواع أساليب الكلام العربي وابتكر أساليب لم يكونوا يعرفونها وإن لذلك ~~التنويع حكمتين داخلتين في الإعجاز : أولاهما ظهور أنه من عند الله ؛ إذ قد ~~تعارف الأدباء في كل عصر أن يظهر نبوغ نوابغهم على أساليب مختلفة كل يجيد ~~أسلوبا أو أسلوبين . والثانية أن يكون في ذلك زيادة التحدي للمتحدين به ~~بحيث لا يستطيع أحد أن يقول إن هذا الأسلوب لم تسبق لي معالجته ولو جاءنا ~~بأسلوب آخر لعارضته . | نرى من أعظم الأساليب التي خالف بها القرآن أساليب ~~العرب أنه جاء في نظمه بأسلوب جامع بين مقصديه وهما : مقصد الموعظة ومقصد ~~التشريع ، فكان نظمه يمنح بظاهره السامعين ما يحتاجون أن يعلموه وهو في هذا ~~النوع يشبه خطبهم ، وكان في مطاوي معانيه ما يستخرج PageV01P115 منه العالم ~~الخبير أحكاما كثيرة في التشريع والآداب وغيرها ، وقد قال في الكلام على ~~بعضه ) وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم ( هذا من حيث ما ~~لمعانيه من العموم والإيماء إلى العلل والمقاصد وغيرها . | ومن أساليبه ما ~~أسميه بالتفنن وهو بداعة تنقلاته من فن إلى فن بطرائق الاعتراض والتنظير ~~والتذييل والإتيان بالمترادفات عند التكرير تجنبا لثقل تكرير الكلم ، وكذلك ~~الإكثار من أسلوب الالتفات المعدود من أعظم أساليب التفنن عند بلغاء ~~العربية فهو في القرآن كثير ، ثم الرجوع إلى المقصود فيكون السامعون في ~~نشاط متجدد بسماعه وإقبالهم عليه ، ومن أبدع أمثلة ذلك قوله ) مثلهم كمثل ~~الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا ~~يبصرون صم بكم عمى فهم لا يرجعون . أو كصيب من ms0118 السماء فيه ظلمات ورعد وبرق ~~يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين . ~~يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ولو ~~شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير ( . بحيث كان أكثر ~~أساليب القرآن من الأساليب البديعة العزيز مثلها في شعر العرب وفي نثر ~~بلغائهم من الخطباء وأصحاب بدائه الأجوبة . وفي هذا التفنن والتنقل مناسبات ~~بين المنتقل منه والمنتقل إليه هي في منتهى الرقة والبداعة بحيث لا يشعر ~~سامعه وقارئه بانتقاله إلا عند حصوله . وذلك التفنن مما يعين على استماع ~~السامعين ويدفع سآمة الإطالة عنهم ، فأن من أغراض القرآن استكثار أزمان ~~قراءته كما قال تعالى ) علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرءؤا ما تيسر من ~~القرآن ( فقوله ) ما تيسر ( يقتضي الاستكثار بقدر التيسر ، وفي تناسب ~~أقواله وتفنن أغراضه مجلبة لذلك التيسير وعون على التكثير ، نقل عن أبي بكر ~~بن العربي أنه قال في كتابه سراج المريدين ارتباط آي القرآن بعضها مع بعض ~~حتى تكون كالكلمة الواحدة متسعة منتظمة المباني ، علم عظيم ونقل الزركشي عن ~~عز الدين بن عبد السلام المناسبة علم حسن ويشترط في حسن ارتباط الكلام أن ~~يقع في أمر متحد مرتبط أوله بآخره فإن وقع على أسباب مختلفة لم يقع فيه ~~ارتباط ، والقرآن نزل في نيف وعشرين سنة في أحكام مختلفة شرعت لأسباب ~~مختلفة ، وما كان كذلك لا يتأتى ربط بعضه ببعض . PageV01P116 | وقال شمس ~~الدين محمود الأصفهاني في تفسيره نقلا عن الفخر الرازي أنه قال إن القرآن ~~كما أنه معجز بسبب فصاحة ألفاظه وشرف معانيه هو أيضا معجز بسبب ترتيبه ونظم ~~آياته ، ولعل الذين قالوا إنه معجز بسبب أسلوبه أرادوا ذلك . | إن بلاغة ~~الكلام لا تنحصر في أحوال تراكيبه اللفظية ، بل تتجاوز إلى الكيفيات التي ~~تؤدي بها تلك التراكيب . # | فإن سكوت المتكلم البليغ في جملة سكوتا خفيفا قد يفيد من التشويق إلى ~~ما يأتي بعده ما يفيده إبهام بعض كلامه ثم تعقيبه ببيانه ، فإذا كان من ms0119 ~~مواقع البلاغة نحو الإتيان بلفظ الاستئناف البياني ، فإن السكوت عند كلمة ~~وتعقيبها بما بعدها يجعل ما بعدها بمنزلة الاستئناف البياني ، وان لم يكنه ~~عنه ، مثاله قوله تعالى ) هل أتاك حديث موسى إذ ناداه ربه بالواد المقدس ~~طوى ( فإن الوقف على قوله ) موسى ( يحدث في نفس السامع ترقبا لما يبين حديث ~~موسى ، فإذا جاء بعده ) إذ ناداه ربه ( الخ حصل البيان مع ما يحصل عند ~~الوقف على كلمة موسى من قرينة من قرائن الكلام لأنه على سجعة الألف مثل ~~قوله ) طوى ، طغى ، تزكى ( الخ . | وقد بينت عند تفسير قوله تعالى ) ذلك ~~الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين ( أنك إن وقفت على كلمة ) ريب ( كان من قبيل ~~إيجاز الحذف أي لا ريب في أنه الكتاب فكانت جملة ) فيه هدى للمتقين ( ~~ابتداء كلام وكان مفاد حرف في استنزال طائر المعاندين أي ان لم يكن كله هدى ~~فإن فيه هدى . وإن وصلت ) فيه ( كان من قبيل الإطناب وكان ما بعده مفيدا أن ~~هذا الكتاب كله هدى . | ومن أساليب القرآن العدول عن تكرير اللفظ والصيغة ~~فيما عدا المقامات التي تقتضي التكرير من تهويل ونحوه ، ومما عدل فيه عن ~~تكرير الصيغة قوله تعالى ) إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما ( فجاء بلفظ ~~قلوب جمعا مع أن المخاطب امرأتان فلم يقل قلبا كما تجنبا لتعدد صيغة المثنى ~~. | ومن ذلك قوله تعالى ) وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ~~ومحرم على أزواجنا ( فروعي معنى ما الموصولة مرة فأتى بضمير جماعة المؤنث ~~وهو خالصة ، وروعي لفظ ما الموصولة فأتي بمحرم مذكرا مفردا . PageV01P117 | ~~إن المقام قد يقتضي شيئين متساويين أو أشياء متساوية فيكون البليغ مخيرا في ~~أحدهما وله ذكرهما تفننا وقد وقع في القرآن كثير من هذا : من ذلك قوله ) ~~وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا ( بواو العطف في سورة ~~البقرة ، وقوله في الأعراف ) فكلا ( بفاء التفريع وكلاهما مطابق للمقام ~~فإنه أمر ثان وهو أمر مفرع على الإسكان فيجوز أن يحكي بكل من الاعتبارين ، ~~ومنه ms0120 قوله في سورة البقرة ) وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية وكلوا منها ( وفي ~~سورة الأعراف ) وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية فكلوا منها ( فعبر مرة ب ) ~~ادخلوا ( ومرة ب ) اسكنوا ( وعبر مرة بواو العطف ومرة بفاء التفريع . | ~~وهذا التخالف بين الشيئين يقصد لتلوين المعاني المعادة حتى لا تخلو إعادتها ~~عن تجدد معنى وتغاير أسلوب ، فلا تكون إعادتها مجرد تذكير . | قال في ~~الكشاف في تفسير قوله تعالى ) إن ربي يعلم القول في السماء والأرض ( في ~~سورة الأنبياء : ليس بواجب ان يجاء بالآكد في كل موضع ولكن يجاء بالوكيد ~~تارة وبالآكد أخرى كما يجاء بالحسن في موضع وبالأحسن في غيره ليفتن الكلام ~~افتنانا . | ومنها اتساع أدب اللغة في القرآن . لم يكن أدب العرب السائر ~~فيهم غير الشعر ، فهو الذي يحفظ وينقل ويسير في الآفاق ، وله أسلوب خاص من ~~انتقاء الألفاظ وإبداع المعاني ، وكان غيره من الكلام عسير العلوق بالحوافظ ~~، وكان الشعر خاصا بأغراض وأبواب معروفة أشهرها وأكثرها النسيب والحماسة ~~والرثاء والهجاء والفخر ، وأبواب أخر لهم فيها شعر قليل وهي الملح والمديح ~~. ولهم من غير الشعر الخطب ، والأمثال ، والمحاورات : فأما الخطب فكانت ~~تنسى بانتهاء المقامات المقولة فيها فلا يحفظ من ألفاظها شيء ، وإنما يبقي ~~في السامعين التأثر بمقاصدها زمانا قليلا للعمل به فتأثر المخاطبين بها ~~جزئي ووقتي . | وأما الأمثال فهي ألفاظ قصيرة يقصد منها الاتعاظ بمواردها ، ~~وأما المحاورات فمنها عادية لا يهتمون بما تتضمنه إذ ليست من الأهمية بحيث ~~تنقل وتسير ، ومنها محاورات نواد وهي المحاورات الواقعة في المجامع العامة ~~والمنتديات وهي التي أشار إليها لبيد بقوله : وكثيرة غرباؤها مجهولة ترجى ~~نوافلها ويخشى ذامها غلب تشذر بالذحول كأنها جن البدي رواسيا أقدامها ~~PageV01P118 أنكرت باطلها ويؤت بحقها عندي ولم يفخر علي كرامها # وتلك مثل مجامعهم عند الملوك وفي مقامات المفاخرات وهي نادرة الوقوع ~~قليلة السيران وحيدة الغرض ؛ إذ لا تعدو المفاخر والمبالغات فلا يحفظ منها ~~إلا ما فيه نكتة أو ملحة أو فقرات مسجوعة مثل خطاب امرئ القيس مع شيوخ بني ~~أسد . | فجاء القرآن بأسلوب ms0121 في الأدب غض جديد صالح لكل العقول ، متفنن إلى ~~أفانين أغراض الحياة كلها معط لكل فن ما يليق به من المعاني والألفاظ ~~واللهجة : فتضمن المحاورة والخطابة والجدل والأمثال أي الكلم الجوامع ~~والقصص والتوصيف والرواية . | وكان لفصاحة ألفاظه وتناسبها في تراكيبه ~~وترتيبه على ابتكار أسلوب الفواصل العجيبة المتماثلة في الأسماع وإن لم تكن ~~متماثلة الحروف في الأسجاع ، كان لذلك سريع العلوق بالحوافظ خفيف الانتقال ~~والسير في القبائل ، مع كون مادته ولحمته هي الحقيقة دون المبالغات الكاذبة ~~والمفاخرات المزعومة ، فكان بذلك له صولة الحق وروعة لسامعيه ، وذلك تأثير ~~روحاني وليس بلفظي ولا معنوي . | وقد رأيت المحسنات في البديع جاءت في ~~القرآن أكثر مما جاءت في شعر العرب ، وخاصة الجناس كقوله ) وهم يحسبون أنهم ~~يحسنون صنعا ( . | والطباق كقوله ) كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه ~~إلى عذاب السعير ( وقد ألف ابن أبي الإصبع كتابا في بديع القرآن . وصار ~~لمجيئه نثرا أدبا جديدا غضا ومتناولا لكل الطبقات . | وكان لبلاغته وتناسقه ~~نافذ الوصول إلى القلوب حتى وصفوه بالسحر وبالشعر أم يقولون شاعر نتربص به ~~ريب المنون . PageV01P119 # مبتكرات القرآن | هذا وللقرآن مبتكرات تميز بها نظمه عن بقية كلام العرب ~~. | فمنها أنه جاء على أسلوب يخالف الشعر لا محالة وقد نبه عليه العلماء ~~المتقدمون . وأنا أضم إلى ذلك أن أسلوب الخطابة بعض المخالفة ، بل جاء ~~بطريقة كتاب يقصد حفظه وتلاوته ، وذلك من وجوه إعجازه إذ كان نظمه على ~~طريقة مبتكرة ليس فيها اتباع لطرائقها القديمة في الكلام . | وأعد من ذلك ~~أنه جاء بالجمل الدالة على معان مفيدة محررة شأن الجمل العلمية والقواعد ~~التشريعية ، فلم يأت بعموميات شأنها التخصيص غير مخصوصة ، ولا بمطلقات ~~تستحق التقييد غير مقيدة ، كما كان يفعله العرب لقلة اكتراثهم بالأحوال ~~القليلة والأفراد النادرة . مثاله قوله تعالى ) لا يستوي القاعدون من ~~المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون ( وقوله ) ومن أضل ممن اتبع هواه هدى ~~من الله ( فبين أن الهوى قد يكون محمودا إذا كان هوى المرء عن هدى ، وقوله ~~) إن الإنسان لفي خسر إلا الذين ms0122 آمنوا ( . | ومنها أن جاء على أسلوب ~~التقسيم والتسوير وهي سنة جديدة في الكلام العربي أدخل بها عليه طريقة ~~التبويب والتصنيف وقد أومأ إليها في الكشاف إيماء . | ومنها الأسلوب القصصي ~~في حكاية أحوال النعيم والعذاب في الآخرة ، وفي تمثيل الأحوال ، وقد كان ~~لذلك تأثير عظيم على نفوس العرب إذ كان فن القصص مفقودا من أدب العربية إلا ~~نادرا ، كان في بعض الشعر كأبيات النابغة في الحية التي قتلت الرجل وعاهدت ~~أخاه وغدر بها ، فلما جاء القرآن بالأوصاف بهت به العرب كما في سورة ~~الأعراف من وصف أهل الجنة وأهل النار وأهل الأعراف ) ونادى أصحاب الجنة ~~أصحاب النار ( إلخ وفي سورة الحديد ) فضرب بينهم بسور ( الآيات . | ومما ~~يتبع هذا أن القرآن يتصرف في حكاية أقوال المحكي عنهم فيصوغها على ما ~~يقتضيه أسلوب إعجازه لا على الصيغة التي صدرت فيها ، فهو إذا حكى أقوالا ~~غير عربية صاغ مدلولها في صيغة تبلغ حد الإعجاز بالعربية ، وإذا حكى أقوالا ~~عربية تصرف فيها تصرفا يناسب أسلوب المعبر مثل ما يحكيه عن العرب فإنه لا ~~يلتزم حكاية ألفاظهم بل يحكي PageV01P120 حاصل كلامهم ، وللعرب في حكاية ~~الأقوال اتساع مداره على الإحاطة بالمعنى دون التزام الألفاظ ، فالإعجاز ~~الثابت للأقوال المحكية في القرآن هو إعجاز للقرآن لا للأقوال المحكية . | ~~ومن هذا القبيل حكاية الأسماء الواقعة في القصص فإن القرآن يغيرها إلى ما ~~يناسب حسن مواقعها في الكلام من الفصاحة مثل تغيير شاول إلى طالوت ، وتغيير ~~اسم تارح أبي إبراهيم إلى آزر . # | وكذلك التمثيل فقد كان في أدب العرب الأمثال وهي حكاية أحوال مرموز لها ~~بتلك الجمل البليغة التي قيلت فيها أو قيلت لها المسماة بالأمثال ، فكانت ~~تلك الجمل مشيرة إلى تلك الأحوال ، إلا أنها لما تداولتها الألسن في ~~الاستعمال وطال عليها الأمد نسيت الأحوال التي وردت فيها ولم يبق للأذهان ~~عند النطق بها إلا الشعور بمغازيها التي تقال لأجلها . | أما القرآن فقد ~~أوضح الأمثال وأبدع تركيبها كقوله تعالى ) مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم ~~كرماد اشتدت به الرياح في يوم عاصف ms0123 ( وقوله ) ومن يشرك بالله فكأنما خر من ~~السماء فتخطفه الطير أو تهوى به الريح في مكان سحيق ( وقوله ) والذين كفروا ~~أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ( إلى قوله ) فما له من نور ( وقوله ) ~~والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ ~~فاه وما هو ببالغه ( . | لم يلتزم القرآن أسلوبا واحدا ، واختلفت سوره ~~وتفننت ، فتكاد تكون لكل سورة لهجة خاصة ، فإن بعضها بني على فواصل وبعضها ~~ليس كذلك . وكذلك فواتحها منها ما افتتح بالاحتفال كالحمد ، ويا أيها الذين ~~آمنوا ، وآلم ذلك الكتاب ، وهي قريب مما نعبر عنه في صناعة الإنشاء ~~بالمقدمات . ومنها ما افتتح بالهجوم على الغرض من أول الأمر نحو ) الذين ~~كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم ( و ) براءة من الله ورسوله ( . | ~~ومن أبدع الأساليب في كلام العرب الإيجاز وهو متنافسهم وغاية تتبارى إليها ~~فصحاؤهم ، وقد جاء القرآن بأبدعه إذ كان مع ما فيه من الإيجاز المبين في ~~علم المعاني فيه إيجاز عظيم آخر وهو صلوحية معظم آياته لأن تؤخذ منها معان ~~متعددة كلها تصلح لها العبارة باحتمالات لا ينافيها اللفظ ، فبعض تلك ~~الاحتمالات مما يمكن اجتماعه ، وبعضها وإن كان فرض واحد منه يمنع من فرض ~~آخر فتحريك الأذهان إليه وإخطاره بها يكفي في حصول المقصد من التذكير به ~~للامتثال أو الانتهاء . وقد أشرنا إلى هذا في المقدمة التاسعة . ~~PageV01P121 ولولا إيجاز القرآن لكان أداء ما يتضمنه من المعاني في أضعاف ~~مقدار القرآن . وأسرار التنزيل ورموزه في كل باب بالغة من اللطف والخفاء ~~حدا يدق عن تفطن العالم ويزيد عن تبصره ، ولا ينبئك مثل خبير . | إنك تجد ~~في كثير من تراكيب القرآن حذفا ولكنك لا تعثر على حذف يخلو الكلام من دليل ~~عليه من لفظ أو سياق ، زيادة على جمعه المعاني الكثيرة في الكلام القليل ، ~~قال في الكشاف في سورة المدثر الحذف والاختصار هو نهج التنزيل قال بعض ~~بطارقة الروم لعمر بن الخطاب لما سمع قوله تعالى ) ومن يطع الله ورسوله ~~ويخش الله ويتقه فأولئك ms0124 هم الفائزون ( : قد جمع الله في هذه الآية ما أنزل ~~على عيسى من أحوال الدنيا والآخرة . ومن ذلك قوله تعالى ) وأوحينا إلى أم ~~موسى أن أرضعيه ( الآية ، جمع بين أمرين ونهيين وبشارتين ، ومن ذلك قوله ) ~~ولكم في القصاص حياة ( مقابلا أوجز كلام عرف عندهم وهو القتل أنفى للقتل ، ~~ومن ذلك قوله تعالى ) وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي ( ولقد بسط ~~السكاكي في المفتاح آخر قسم البيان نموذجا مما اشتملت عليه هذه الآية من ~~البلاغة والفصاحة ، وتصدى أبو بكر الباقلاني في كتابه المسمى إعجاز القرآن ~~إلى بيان ما في سورة النمل من الخصائص فارجع إليهما . | وأعد من أنواع ~~إيجازه إيجاز الحذف مع عدم الالتباس ، وكثر ذلك في حذف القول ، ومن أبدع ~~الحذف قوله تعالى ) في جنات يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر ( أي ~~يتذاكرون شأن المجرمين فيقول من علموا شأنهم سألناهم هم فقلنا ما سلككم في ~~سقر . قال في الكشاف قوله ) ما سلككم في سقر ( ليس ببيان للتساؤل عنهم ~~وإنما هو حكاية قول المسؤولين ، أي أن المسئولين يقولون للسائلين قلنا لهم ~~ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين اه . ومنه حذف المضاف كثيرا كقوله ~~تعالى ) ولكن البر من آمن بالله ( . وحذف الجمل التي يدل الكلام على ~~تقديرها نحو قوله تعالى ) وأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق ( ~~إذ التقدير : فضرب فانفلق . ومن ذلك الإخبار عن أمر خاص بخبر يعمه وغيره ~~لتحصل فوائد : فائدة الحكم العام ، وفائدة الحكم الخاص ، وفائدة أن هذا ~~المحكوم عليه بالحكم الخاص هو من جنس ذلك المحكوم عليه بالحكم العام . # | وقد تتبعت أساليب من أساليب نظم الكلام في القرآن فوجدتها مما لا عهد ~~بمثلها في PageV01P122 كلام العرب ، مثال ذلك قوله تعالى ) قد أنزل الله ~~إليكم ذكرا رسولا يتلو عليكم آيات الله مبينات ( فإبدال ) رسولا ( من ) ~~ذكرا ( يفيد أن هذا الذكر ذكر هذا الرسول ، وأن مجيء الرسول هو ذكر لهم ، ~~وأن وصفه بقوله يتلو عليكم آيات الله يفيد أن الآيات ذكر . ونظير هذا ms0125 قوله ~~) حتى تأتيهم البينة رسول من الله يتلو صحفا مطهرة ( الآية وليس المقام ~~بسامح لإيراد عديد من هذا . ولعله يأتي في أثناء التفسير . | ومن بديع ~~الإيجاز في القرآن وأكثره ما يسمى بالتضمين ، وهو يرجع إلى إيجاز الحذف ، ~~والتضمين أن يضمن الفعل أو الوصف معنى فعل أو وصف آخر ويشار إلى المعنى ~~المضمن بذكر ما هو من متعلقاته من حرف أو معمول فيحصل في الجملة معنيان . | ~~ومن هذا الباب ما اشتمل عليه من الجمل الجارية مجرى الأمثال ، وهذا باب من ~~أبواب البلاغة نادر في كلام بلغاء العرب ، وهو الذي لأجله عدت قصيدة زهير ~~في المعلقات فجاء في القرآن ما يفوق ذلك كقوله تعالى ) قل كل يعمل على ~~شاكلته ( وقوله ) طاعة معروفة ( وقوله ) ادفع بالتي هي أحسن ( . | وسلك ~~القرآن مسلك الإطناب لأغراض من البلاغة ومن أهم مقامات الإطناب مقام توصيف ~~الأحوال التي يراد بتفصيل وصفها إدخال الروع في قلب السامع وهذه طريقة ~~عربية في مثل هذا كقول ابن زيابة : نبئت عمرا غارزا رأسه في سنة يوعد ~~أخواله فمن آيات القرآن في مثله تعالى ) كلا إذا بلغت التراقي وقيل من راق ~~وظن أنه الفراق والتفت الساق بالساق ( وقوله ) فلولا إذا بلغت الحلقوم ~~وأنتم حينئذ تنظرون ( وقوله ) مهطعين مقنعي رؤسهم لا يرتد إليهم طرفهم ( . ~~| ومن أساليب القرآن المنفرد بها التي أغفل المفسرون اعتبارها أنه يرد فيه ~~استعمال اللفظ المشترك في معنيين أو معان إذا صلح المقام بحسب اللغة ~~العربية لإدارة ما يصلح منها ، واستعمال اللفظ في معناه الحقيقي والمجازي ~~إذا صلح المقام لإرادتهما ، وبذلك تكثر معاني الكلام مع الإيجاز وهذا من ~~آثار كونه معجزة خارقة لعادة كلام البشر ودالة على أنه منزل من لدن العليم ~~بكل شيء والقدير عليه . وقد نبهنا على ذلك وحققناه في المقدمة التاسعة . ~~ومن PageV01P123 أساليبه الإتيان بالألفاظ التي تختلف معانيها باختلاف ~~حروفها أو اختلاف حركات حروفها وهو من أسباب اختلاف كثير من القراءات مثل ) ~~وجعلوا الملائكة الذين هم عند الرحمن إناثا ( قرئ ) عند ( بالنون دون ألف ~~وقرئ ) عباد ( بالموحدة وألف ms0126 بعدها ، ومثل ) إذا قومك منه يصدون ( بضم ~~الصاد وكسرها . | وقد أشرنا إلى ذلك في المقدمة السادسة . | واعلم أن مما ~~يندرج تحت جهة الأسلوب ما سماه أئمة نقد الأدب بالجزالة ، وما سموه بالرقة ~~وبينوا لكل منهما مقاماته وهما راجعتان إلى معاني الكلام ، ولا تخلو سورة ~~من القرآن من تكرر هذين الأسلوبين ، وكل منهما بالغ غايته في موقعه ، ~~فبينما تسمعه يقول ) قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من ~~رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم ( ويقول ) يريد ~~الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا ( إذ تسمعه يقول ) فإن أعرضوا فقل ~~أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود ( قال عياض في الشفا : إن عتبة بن ربيعة ~~لما سمع هذه الآية أمسك بيده على فم النبي صلى الله عليه وسلم وقال له : ~~ناشدتك الله والرحم إلا ما كففت . # عادات القرآن | يحق على المفسر أن يتعرف عادات القرآن من نظمه وكلمه . ~~وقد تعرض بعض السلف لشيء منها ، فعن ابن عباس : كل كاس في القرآن فالمراد ~~بها الخمر . وذكر ذلك الطبري عن الضحاك أيضا . | وفي صحيح البخاري في تفسير ~~سورة الأنفال قال ابن عيينة : ما سمى الله مطرا في القرآن إلا عذابا ، ~~وتسميه العرب الغيث كما قال تعالى ) وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا ( ~~. | وعن ابن عباس أن كل ما جاء من يا أيها الناس فالمقصود به أهل مكة ~~المشركون . | وقال الجاحظ في البيان وفي القرآن معان لا تكاد تفترق ، مثل ~~الصلاة والزكاة ، والجوع والخوف ، والجنة والنار ، والرغبة والرهبة ، ~~والمهاجرين والأنصار ، والجن والإنس قلت : والنفع والضر ، والسماء والأرض . ~~PageV01P124 # | وذكر صاحب الكشاف وفخر الدين الرازي أن من عادة القرآن أنه ما جاء ~~بوعيد إلا أعقبه بوعد ، وما جاء بنذارة إلا أعقبها ببشارة . ويكون ذلك ~~بأسلوب الاستطراد والاعتراض لمناسبة التضاد ، ورأيت منه قليلا في شعر العرب ~~كقول لبيد : فاقطع لبانا من تعرض وصله فلشر واصل خل صرامها واحب المجامل ~~بالجزيل وصرمه باق إذا ظلعت وزاغ قوامها وفي الكشاف في تفسير ms0127 قوله تعالى ) ~~فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون قال قائل منهم إني كان لي قرين ( الآية : جيء ~~به ماضيا على عادة الله في أخباره . وقال فخر الدين في تفسير قوله تعالى ) ~~يوم يجمع الله الرسل ( من سورة العقود : عادة هذا الكتاب الكريم أنه إذا ~~ذكر أنواعا كثيرة من الشرائع والتكاليف أتبعها إما بالإلهيات وإما بشرح ~~أحوال الأنبياء وأحوال القيامة ليصير ذلك مؤكدا لما تقدم ذكره من التكاليف ~~والشرائع . | وقد استقريت بجهدي عادات كثيرة في اصطلاح القرآن سأذكرها في ~~مواضعها ، ومنها أن كلمة هؤلاء إذا لم يرد بعدها عطف بيان يبين المشار ~~إليهم فإنها يراد بها المشركون من أهل مكة كقوله تعالى ) بل متعت هؤلاء ~~وآباءهم ( وقوله ) فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها ~~بكافرين ( وقد استوعب أبو البقاء الكفوي في كتاب الكليات في أوائل أبوابه ~~كليات مما ورد في القرآن من معاني الكلمات ، وفي الإتقان للسيوطي شيء من ~~ذلك . | وقد استقريت أنا من أساليب القرآن أنه إذا حكى المحاورات ~~والمجاوبات حكاها بلفظ قال دون حروف عطف ، إلا إذا انتقل من محاورة إلى ~~أخرى ، انظر قوله تعالى ) وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ~~قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ( إلى قوله ) أنبئهم بأسمائهم ( . | وأما ~~الجهة الثالثة من جهات الإعجاز وهي ما أودعه من المعاني الحكمية والإشارات ~~العلمية فاعلموا أن العرب لم يكن لهم علم سوى الشعر وما تضمنه من الأخبار : ~~قال عمر بن الخطاب كان الشعر علم القوم ولم يكن لهم علم أصح منه . ~~PageV01P125 | إن العلم نوعان علم اصطلاحي وعلم حقيقي ، فأما الاصطلاحي فهو ~~ما تواضع الناس في عصر من الإعصار على أن صاحبه يعد في صف العلماء ، وهذا ~~قد يتغير بتغير العصور ويختلف باختلاف الأمم والأقطار ، وهذا النوع لا تخلو ~~عنه أمة . | وأما العلم الحقيقي فهو معرفة ما بمعرفته كمال الإنسان ، وما ~~به يبلغ إلى ذروة المعارف وإدراك الحقائق النافعة عاجلا وآجلا ، وكلا ~~العلمين كمال إنساني ووسيلة لسيادة أصحابه على أهل زمانهم ، وبين العلمين ~~عموم ms0128 وخصوص من وجه . وهذه الجهة خلا عنها كلام فصحاء العرب ، لأن أغراض ~~شعرهم كانت لا تعدو وصف المشاهدات والمتخيلات والافتراضات المختلفة ولا ~~تحوم حول تقرير الحقائق وفضائل الأخلاق التي هي أغراض القرآن ، ولم يقل إلا ~~صدقا كما أشار إليه فخر الدين الرازي . # | وقد اشتمل القرآن على النوعين ، فأما النوع الأول فتناوله قريب لا ~~يحتاج إلى كد فكر ولا يقتضي نظرا فإن مبلغ العلم عندهم يومئذ علوم أهل ~~الكتاب ومعرفة الشرائع والأحكام وقصص الأنبياء والأمم وأخبار العالم ، وقد ~~أشار إلى هذا القرآن بقوله ) وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ~~ترحمون أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن ~~دراستهم لغافلين أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد ~~جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة ( وقال ) تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما ~~كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا ( ونحو هذا من محاجة أهل الكتاب . ولعل ~~هذا هو الذي عناه عياض بقوله في الشفاء ما أنبأ به من أخبار القرون السالفة ~~والأمم البائدة والشرائع الداثرة مما كان لا يعلم القصة منه إلا الفذ من ~~أحبار أهل الكتاب الذي قضى عمره في تعليم ذلك فيورده النبي صلى الله عليه ~~وسلم على وجهه فيعترف العالم بذلك بصحته وصدقه كخبر موسى مع الخضر ، ويوسف ~~وإخوته ، وأصحاب الكهف ، وذي القرنين ، ولقمان الخ كلامه ، وإن كان هو قد ~~ساقه في غير مساقنا بل جاء به دليلا على الإعجاز من حيث علمه به صلى الله ~~عليه وسلم مع ثبوت الأمية ، ومن حيث محاجته إياهم بذلك . فأما إذا أردنا عد ~~هذا الوجه في نسق وجوه الإعجاز فذلك فيما نرى من جهة أن العرب لم يكن أدبهم ~~مشتملا على التاريخ إلا بإرشادات نادرة ، كقولهم درع عادية ، ورمح يزنية ، ~~PageV01P126 وقول شاعرهم : أحلام عاد وأجسام مطهرة وقول آخر : تراه يطوف ~~الآفاق حرصا ليأكل رأس لقمان بن عاد ولكنهم لا يأبهون بذكر قصص الأمم التي ~~هي مواضع العبرة ، فجاء القرآن بالكثير من ذلك ms0129 تفصيلا كقوله ) واذكر أخا ~~عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف ( وكقوله ) فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد ~~وثمود ( ولهذا يقل في القرآن التعرض إلى تفاصيل أخبار العرب لأن ذلك أمر ~~مقرر عندهم معلوم لديهم ، وإنما ذكر قليل منه على وجه الإجمال على معنى ~~العبرة والموعظة بخبر عاد وثمود وقوم تبع ، كما أشرنا إليه في المقدمة ~~السابعة في قصص القرآن . | وأما النوع الثاني من إعجازه العلمي فهو ينقسم ~~إلى قسمين : قسم يكفي لإدراكه فهمه وسمعه ، وقسم يحتاج إدراك وجه إعجازه ~~إلى العلم بقواعد العلوم فينبلج للناس شيئا فشيئا انبلاج أضواء الفجر على ~~حسب مبالغ الفهوم وتطورات العلوم ، وكلا القسمين دليل على أنه من عند الله ~~لأنه جاء به أمي في موضع لم يعالج أهله دقائق العلوم ، والجائي به ثاو ~~بينهم لم يفارقهم . وقد أشار القرآن إلى هذه الجهة من الإعجاز بقوله تعالى ~~في سورة القصص ( قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم ~~صادقين فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ) ثم إنه ما كان ~~قصاراه مشاركة أهل العلوم في علومهم الحاضرة ، حتى ارتقى إلى ما لم يألفوه ~~وتجاوز ما درسوه وألفوه . | قال ابن عرفة عند قوله تعالى ( تولج الليل في ~~النهار ) في سورة آل عمران : كان بعضهم يقول إن القرآن يشتمل على ألفاظ ~~يفهمها العوام وألفاظ يفهمها الخواص وعلى ما يفهمه الفريقان ومنه هذه الآية ~~فإن الإيلاج يشمل الأيام التي لا يدركها إلا الخواص والفصول التي يدركها ~~سائر العوام أقول : وكذلك قوله تعالى ( أن السماوات والأرض كانتا رتقا ~~ففتقناهما ) . | فمن طرق إعجازه العلمية أنه دعا للنظر والاستدلال ، قال في ~~الشفاء ومنها جمعه لعلوم ومعارف لم تعهد للعرب ، ولا يحيط بها أحد من علماء ~~الأمم ، ولا يشتمل عليها كتاب من كتبهم فجمع فيه من بيان علم الشرائع ، ~~والتنبيه على طرق الحجة العقلية ، والرد على فرق PageV01P127 الأمم ببراهين ~~قوية وأدلة كقوله : ) لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ( وقوله : ) أو ~~ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن ms0130 يخلق مثلهم ( . # | ولقد فتح الأعين إلى فضائل العلوم بأن شبه العلم بالنور وبالحياة كقوله ~~) لتنذر من كان حيا ( وقوله ) يخرجهم من الظلمات إلى النور ( وقال ) وتلك ~~الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون ( وقال ) هل يستوي الذين ~~يعلمون والذين لا يعلمون ( . | وهذا النوع من الإعجاز هو الذي خالف به ~~القرآن أساليب الشعر وأغراضه مخالفة واضحة . هذا والشاطبي قال في الموافقات ~~: إن القرآن لا تحمل معانيه ولا يتأول إلا على ما هو متعارف عند العرب ولعل ~~هذا الكلام صدر منه في التفصي من مشكلات في مطاعن الملحدين اقتصادا في ~~البحث وإبقاء على نفيس الوقت ، وإلا فكيف ينفي إعجاز القرآن لأهل كل العصور ~~، وكيف يقصر إدراك إعجازه بعد عصر العرب على الاستدلال بعجز أهل زمانه إذ ~~عجزوا عن معارضته ، وإذ نحن نسلم لهم التفوق في البلاغة والفصاحة ، فهذا ~~إعجاز إقناعي بعجز أهل عصر واحد ولا يفيد أهل كل عصر إدراك طائفة منهم ~~لإعجاز القرآن . وقد بينت نقض كلام الشاطبي في أواخر المقدمة الرابعة . وقد ~~بدت لي حجة لتعلق هذه الجهة الثالثة بالإعجاز ودوامه وعمومه وهي قوله صلى ~~الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ما من الأنبياء نبي إلا أوتي أو أعطي من ~~الآيات ما مثله آمن عليه البشر وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحاه الله إلي ~~وإني أرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة ففيه نكتتان غفل عنهما شارحوه ~~: الأولى أن قوله ما مثله آمن عليه البشر اقتضى أن كل نبي جاء بمعجزة هي ~~إعجاز في أمر خاص كان قومه أعجب به وأعجز عنه فيؤمنون على مثل تلك المعجزة ~~. ومعنى آمن عليه أي لأجله وعلى شرطه ، كما تقول على هذا يكون عملنا أو ~~اجتماعنا ، الثانية أن قوله وإنما كان الذي أوتيت وحيا اقتضى أن ليست ~~معجزته من قبيل الأفعال كما كانت معجزات الرسل الأولين أفعالا لا أقوالا ، ~~كقلب العصا وانفجار الماء من الحجر ، وإبراء الأكمه والأبرص ، بل كانت ~~معجزته ما في القرآن من دلالة على عجز البشر عن الإتيان بمثله من جهتي ms0131 ~~اللفظ والمعاني ، وبذلك يمكن أن يؤمن به كل من يبتغي إدراك ذلك من البشر ~~ويتدبره ويفصح عن ذلك تعقيبه بقوله : فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا إذ قد عطف ~~بالفاء المؤذنة بالترتب ، فالمناسبة بين كونه أوتي وحيا وبين كونه يرجو أن ~~يكون PageV01P128 أكثرهم تابعا لا تنجلي إلا إذا كانت المعجزة صالحة لجميع ~~الأزمان حتى يكون الذين يهتدون لدينه لأجل معجزته أمما كثيرين على اختلاف ~~قرائحهم فيكون هو أكثر الأنبياء تابعا لا محالة ، وقد تحقق ذلك لأن المعني ~~بالتابع التابع له في حقائق الدين الحق لا اتباع الادعاء والانتساب بالقول ~~. ولعل الرجاء متوجه إلى كونه أكثر من جميعهم تابعا أي أكثر أتباعا من ~~أتباع جميع الأنبياء كلهم ، وقد أغفل بيان وجه التفريع في هذا اللفظ النبوي ~~البليغ . | وهذه الجهة من الإعجاز إنما تثبت للقرآن بمجموعه أي مجموع هذا ~~الكتاب إذ ليست كل آية من آياته ولا كل سورة من سوره بمشتملة على هذا النوع ~~من الإعجاز ، ولذلك فهو إعجاز حاصل من القرآن وغير حاصل به التحدي إلا ~~إشارة نحو قوله ) ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ( . | ~~وإعجازه من هذه الجهة للعرب ظاهر : إذ لا قبل لهم بتلك العلوم كما قال الله ~~تعالى ) ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا ( ، وإعجازه لعامة الناس أن ~~تجيء تلك العلوم من رجل نشأ أميا في قوم أميين ، وإعجازه لأهل الكتاب خاصة ~~إذ كان ينبئهم بعلوم دينهم مع كونه أميا ، ولا قبل لهم بأن يدعوا أنهم ~~علموه لأنه كان بمرأى من قومه في مكة بعيدا عن أهل الكتاب الذين كان ~~مستقرهم بقرى النضير وقريظة وخيبر وتيماء وبلاد فلسطين ، ولأنه جاء بنسخ ~~دين اليهودية والنصرانية ، والإنحاء على اليهود والنصارى في تحريفهم فلو ~~كان قد تعلم منهم لأعلنوا ذلك وسجلوا عليه أنه عقهم حق التعليم . # | وأما الجهة الرابعة وهي الإخبار بالمغيبات فقد اقتفينا أثر من سلفنا ~~ممن عد ذلك من وجوه الإعجاز اعتدادا منا بأنه من دلائل كون القرآن منزلا من ~~عند الله ms0132 ، وإن كان ذلك ليس له مزيد تعلق بنظم القرآن ودلالة فصاحته ~~وبلاغته على المعاني العليا ، ولا هو كثير في القرآن ، وسيأتي التنبيه على ~~جزئيات هذا النوع في تضاعيف هذا التفسير إن شاء الله . وقد جاء كثير من ~~آيات القرآن بذلك منها قوله ) آلم غلبت الروم ( الآية روى الترمذي في ~~تفسيرها عن ابن عباس قال : كان المشركون يحبون أن يظهر أهل فارس على الروم ~~لأنهم وإياهم أهل أوثان ، وكان المسلمون يحبون أن يظهر الروم لأنهم أهل ~~كتاب فذكره أبو بكر لرسول الله فنزل قوله تعالى ) آلم غلبت الروم في أدنى ~~الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين ( فخرج أبو بكر يصيح بها في ~~نواحي مكة ، فقال له ناس من قريش أفلا نراهنك على PageV01P129 ذلك ؟ قال ~~بلى وذلك قبل تحريم الرهان ، فلما كانت السنة السابعة ظهرت الروم على فارس ~~وأسلم عند ذلك كثير من قريش . وقوله ) وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا ~~الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم ~~الذي ارتضي لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا ( وقوله ) لتركبوها وزينة ~~ويخلق ما لا تعلمون ( فما حدث بعد ذلك من المراكب منبأ به في هذه الآية . ~~وقوله ) إنا فتحنا لك فتحا مبينا ( نزلت قبل فتح مكة بعامين . وقوله ) ~~لتدخلن المسجد الحرام أن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون ( ~~. وأعلن ذلك الإعجاز بالتحدي به في قوله تعالى في شأن القرآن ) وأن كنتم في ~~ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله ( إلى قوله ) ولن تفعلوا ( ~~فسجل أنهم لا يفعلون ذلك أبدا وكذلك كان ، كما بيناه آنفا في الجهة الثالثة ~~. | وكأنك بعد ما قررناه في هذه المقدمة قد صرت قديرا على الحكم فيما اختلف ~~فيه أئمة علم الكلام من إعجاز القرآن للعرب هل كان بما بلغه من منتهى ~~الفصاحة والبلاغة وحسن النظم وما احتوى عليه من النكت والخصوصيات التي لا ~~تقف بها عدة ، ويزيدها النظر مع طول الزمان جدة ، فلا تخطر ببال ناظر من ~~العصور ms0133 الآتية نكتة أو خصوصية إلا وجد آيات القرآن تتحملها بحيث لا يمكن ~~إيداع ذلك في كلام إلا لعلام الغيوب وهو مذهب المحققين ، أة كان الإعجاز ~~بصرف الله تعالى مشركي العرب عن الإتيان بمثله وأنه لولا أن الله سلبهم ~~القدرة على ذلك لأمكن أن يأتوا بمثله لأنه مما يدخل تحت مقدور البشر ، ونسب ~~هذا إلى الحسن الأشعري وهو منقول في شرح التفتزاني على المفتاح عن النظام ~~وطائفة من المعتزلة ، ويسمى مذهب أهل الصرفة ، وهو الذي قال به ابن حزم في ~~كتابه في الملل والنحل . | والأول هو الوجه الذي اعتمده أبو بكر الباقلاني ~~في كتابه إعجاز القرآن ، وأبطل ما عداه بما لا حاجة إلى التطويل به ، وعلى ~~اعتباره دون ائمة العرب علم البلاغة ، وقصدوا من ذلك تقريب إعجاز القرآن ~~على التفصيل دون الاجمال ، فجاءوا بما يناسب الكامل من دلائل الكمال . | ~~PageV01P130 # | 1 ( سورة الفاتحة ) 1 # سورة الفاتحة من السور ذات الأسماء الكثيرة ، أنهاها صاحب ( الإتقان ) ~~إلى نيف وعشرين بين ألقاب وصفات جرت على ألسنة القراء من عهد السلف ، ولم ~~يثبت في السنة الصحيحة والمأثور من أسمائها إلا فاتحة الكتاب ، والسبع ~~المثاني ، وأم القرآن ، أو أم الكتاب ، فلنقتصر على بيان هذه الأسماء ~~الثلاثة . # فأما تسميتها فاتحة الكتاب فقد ثبتت في السنة في أحاديث كثيرة منها قول ~~النبيء صلى الله عليه وسلم ( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ) وفاتحة ~~مشتقة من الفتح وهو إزالة حاجز عن مكان مقصود ولوجه فصيغتها تقتضي أن ~~موصوفها شيء يزيل حاجزا ، وليس مستعملا في حقيقته بل مستعملا في معنى أول ~~الشيء تشبيها للأول بالفاتح لأن الفاتح للباب هو أول من يدخل ، فقيل ~~الفاتحة في الأصل مصدر بمعنى الفتح كالكاذبة بمعنى الكذب ، والباقية بمعنى ~~البقاء في قوله تعالى : { فهل ترى لهم من باقية } ( الحاقة : 8 ) وكذلك ~~الطاغية في قوله تعالى : { فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية } ( الحاقة : 5 ) في ~~قول ابن عباس أي بطغيانهم . والخاطئة بمعنى الخطأ والحاقة بمعنى الحق . ~~وإنما سمي أول الشيء بالفاتحة إما تسمية للمفعول لأن الآتي على وزن ms0134 فاعلة ~~بالمصدر الفتح يتعلق بأول أجزاء الفعل ففيه يظهر مبدأ المصدر ، وإما على ~~اعتبار الفاتحة اسم فاعل ثم جعلت اسما لأول الشيء ، إذ بذلك الأول يتعلق ~~الفتح بالمجموع فهو كالباعث على الفتح ، فالأصل فاتح الكتاب ، وأدخلت عليه ~~هاء التأنيث دلالة على النقل من الوصفية إلى الاسمية أي إلى معاملة الصفة ~~معاملة الاسم في الدلالة على ذات معينة لا على ذي وصف ، مثل الغائبة في ~~قوله تعالى : { وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب مبين } ( النمل ~~: 75 ) ومثل العافية والعاقبة قال التفتزاني في ( شرح الكشاف ) : ( ولعدم ~~اختصاص الفاتحة والخاتمة بالسورة ونحوها كانت التاء للنقل من الوصفية إلى ~~الاسمية وليست لتأنيث الموصوف في الأصل ، يعني لأنهم يقولون فاتحة وخاتمة ~~دائما في خصوص جريانه على موصوف مؤنث كالسورة والقطعة ، وذلك كقولهم فلان ~~خاتمة العلماء ، وكقول الحريري في المقامة الأولى : ( أدتني خاتمة المطاف ~~وهدتني فاتحة الألطاف ) . PageV01P131 وأيا ما كان ففاتحة وصف وصف به مبدأ ~~القرآن وعومل معاملة الأسماء الجنسية ، ثم أضيف إلى الكتاب ثم صار هذا ~~المركب علما بالغلبة على هذه السورة . # ومعنى فتحها الكتاب أنها جعلت أول القرآن لمن يريد أن يقرأ القرآن من ~~أوله فتكون فاتحة بالجعل النبوي في ترتيب السور ، وقيل لأنها أول ما نزل ~~وهو ضعيف لما ثبت في ( الصحيح ) واستفاض أن أول ما أنزل سورة { اقرأ باسم ~~ربك } ( العلق : 1 ) ، وهذا مما لا ينبغي أن يتردد فيه . فالذي نجزم به أن ~~سورة الفاتحة بعد أن نزلت أمر الله رسوله أن يجعلها أول ما يقرأ في تلاوته ~~. # وإضافة سورة إلى فاتحة الكتاب في قولهم سورة فاتحة الكتاب من إضافة العام ~~إلى الخاص باعتبار فاتحة الكتاب علما على المقدار المخصوص من الآيات من { ~~الحمد لله إلى الضالين } ( الفاتحة : 2 7 ) ، بخلاف إضافة سورة إلى ما ~~أضيفت إليه في بقية سور القرآن فإنها على حذف مضاف أي سورة ذكر كذا ، ~~وإضافة العام إلى الخاص وردت في كلام العرب مثل قولهم شجر الأراك ويوم ~~الأحد وعلم الفقه ، ونراها قبيحة لو قال ms0135 قائل إنسان زيد ، وذلك باد لمن له ~~أدنى ذوق إلا أن علماء العربية لم يفصحوا عن وجه الفرق بين ما هو مقبول من ~~هذه الإضافة وبين ما هو قبيح فكان حقا أن أبين وجهه : وذلك أن إضافة العام ~~إلى الخاص تحسن إذا كان المضاف والمضاف إليه اسمي جنس وأولهما أعم من ~~الثاني ، فهنالك يجوز التوسع بإضافة الأعم إلى الأخص إضافة مقصودا منها ~~الاختصار ، ثم تكسبها غلبة الاستعمال قبولا نحو قولهم شجر الأراك ، عوضا عن ~~أن يقولوا الشجر الذي هو الأراك ، ويوم الأحد عوضا عن أن يقولوا يوم هو ~~الأحد وقد يكون ذلك جائزا غير مقبول لأنه لم يشع في الاستعمال كما لو قلت ~~حيوان الإنسان ؛ فأما إذا كان أحد المتضايفين غير اسم جنس فالإضافة في مثله ~~ممتنعة فلا يقال إنسان زيد ولهذا جعل قول الناس : شهر رمضان علما على الشهر ~~المعروف بناء على أن لفظ رمضان خاص بالشهر المعروف لا يحتمل معنى آخر ، ~~فتعين أن يكون ذكر كلمة شهر معه قبيحا لعدم الفائدة منه لولا أنه شاع حتى ~~صار مجموع المركب الإضافي علما على ذلك الشهر . # ويصح عندي أن تكون إضافة السورة إلى فاتحة الكتاب من إضافة الموصوف إلى ~~الصفة ، كقولهم مسجد الجامع ، وعشاء الآخرة ، أي سورة موصوفة بأنها فاتحة ~~الكتاب PageV01P132 فتكون الإضافة بيانية ، ولم يجعلوا لها اسما استغناء ~~بالوصف ، كما يقول المؤلفون مقدمة أو باب بلا ترجمة ثم يقولون باب جامع ~~مثلا ، ثم يضيفونه فيقولون باب جامعع الصلاة . وأما إضافة فاتحة إلى الكتاب ~~فإضافة حقيقية باعتبار أن المراد من الكتاب بقيته عدا السورة المسماة ~~الفاتحة ، كما نقول : خطبة التأليف ، وديباجة التقليد . # وأما تسميتها أم القرآن وأم الكتاب فقد ثبتت في السنة ، من ذلك ما في ( ~~صحيح البخاري ) في كتاب الطب أن أبا سعيد الخدري رقى ملدوغا فجعل يقرأ عليه ~~بأم القرآن ، وفي الحديث قصة ، ووجه تسميتها أم القرآن أن الأم يطلق على ~~أصل الشيء ومنشئه ، وفي الحديث الصحيح قال النبيء صلى الله عليه وسلم ( كل ~~صلاة لم يقرأ فيها ms0136 بأم القرآن فهي خداج ) أي منقوصة مخدوجة . # وقد ذكروا لتسمية الفاتحة أم القرآن وجوها ثلاثة : أحدها : أنها مبدؤه ~~ومفتتحه فكأنها أصله ومنشؤه ، يعني أن افتتاحه الذي هو وجود أول أجزاء ~~القرآن قد ظهر فيها فجعلت كالأم للولد في أنها الأصل والمنشأ فيكون أم ~~القرآن تشبيها بالأم التي هي منشأ الولد لمشابهتها بالمنشأ من حيث ابتداء ~~الظهور والوجود . # الثاني : أنها تشتمل محتوياتها على أنواع مقاصد القرآن وهي ثلاثة أنواع : ~~الثناء على الله ثناء جامعا لوصفه بجميع المحامد وتنزيهه عن جميع النقائص ، ~~ولإثبات تفرده بالإلاهية وإثبات البعث والجزاء وذلك من قوله : { الحمد لله ~~} إلى قوله : { ملك يوم الدين } ، والأوامر والنواهي من قوله : { إياك نعبد ~~} ، والوعد والوعيد من قوله : { صراط الذين } إلى آخرها ، فهذه هي أنواع ~~مقاصد القرآن كله ، وغيرها تكملات لها لأن القصد من القرآن إبلاغ مقاصده ~~الأصلية وهي صلاح الدارين وذلك يحصل بالأوامر والنواهي ، ولما توقفت ~~الأوامر والنواهي على معرفة الآمر وأنه الله الواجب وجوده خالق الخلق لزم ~~تحقيق معنى الصفات ، ولما توقف تمام الامتثال على الرجاء في الثواب والخوف ~~من العقاب لزم تحقق الوعد والوعيد . والفاتحة مشتملة على هاته الأنواع فإن ~~قوله : { الحمدلله } إلى قوله : { يوم الدين } حمد وثناء ، وقوله : { إياك ~~نعبد } إلى قوله : { المستقيم } من نوع الأوامر والنواهي ، وقوله : { صراط ~~الذين } إلى آخرها من نوع الوعد والوعيد مع أن ذكر { المغضوب عليهم ~~والضالين } يشير أيضا إلى نوع قصص القرآن ، وقد يؤيد هذا الوجه بما ورد في ~~الصحيح في : { قل هو الله أحد } ( الإخلاص : 1 ) أنها تعدل ثلث القرآن لأن ~~ألفاظها كلها أثناء على الله تعالى . # الثالث : أنها تشتمل معانيها على جملة معاني القرآن من الحكم النظرية ~~والأحكام العملية PageV01P133 فإن معاني القرآن إما علوم تقصد معرفتها وإما ~~أحكام يقصد منها العمل بها ، فالعلوم كالتوحيد والصفات والنبوءات والمواعظ ~~والأمثال والحكم والقصص ، والأحكام إما عمل الجوارح وهو العبادات ~~والمعاملات ، وإما عمل القلوب أي العقول وهو تهذيب الأخلاق وآداب الشريعة ، ~~وكلها تشتمل عليها معاني الفاتحة بدلالة المطابقة أو التضمن أو الالتزام ف ~~{ الحمد ms0137 لله } يشمل سائر صفات الكمال التي استحق الله لأجلها حصر الحمد له ~~تعالى بناء على ما تدل عليه جملة { الحمد لله } من اختصاص جنس الحمد به ~~تعالى واستحقاقه لذلك الاختصاص كما سيأتي و { رب العالمين } يشمل سائر صفات ~~الأفعال والتكوين عند من أثبتها ، و { الرحمن الرحيم } يشمل أصول التشريع ~~الراجعة للرحمة بالمكلفين و { ملك يوم الدين } يشمل أحوال القيامة ، و { ~~إياك نعبد } يجمع معنى الديانة والشريعة ، و { إياك نستعين } يجمع معنى ~~الإخلاص لله في الأعمال . # قال عز الدين بن عبد السلام في كتابه ( حل الرموز ومفاتيح الكنوز ) : ~~الطريقة إلى الله لها ظاهر ( أي عمل ظاهر أي بدني ) وباطن ( أي عمل قلبي ) ~~فظاهرها الشريعة وباطنها الحقيقة ، والمراد من الشريعة والحقيقة إقامة ~~العبودية على الوجه المراد من المكلف . ويجمع الشريعة والحقيقة كلمتان هما ~~قوله : { إياك نعبد وإياك نستعين } فإياك نعبد شريعة وإياك نستعين حقيقة ، ~~ا ه . # و { اهدنا الصراط المستقيم } يشمل الأحوال الإنسانية وأحكامها من عبادات ~~ومعاملات وآداب ، و { صراط الذين أنعمت عليهم } يشير إلى أحوال الأمم ~~والأفراد الماضية الفاضلة ، وقوله : { غير المغضوب عليهم ولا الضالين } ~~يشمل سائر قصص الأمم الضالة ويشير إلى تفاصيل ضلالالتهم المحكية عنهم في ~~القرآن ، فلا جرم يحصل من معاني الفاتحة تصريحا وتضمنا علم إجمالي بما حواه ~~القرآن من الأغراض . وذلك يدعو نفس قارئها إلى تطلب التفصيل على حسب التمكن ~~والقابلية . ولأجل هذا فرضت قراءة الفاتحة في كل ركعة من الصلاة حرصا على ~~التذكر لما في مطاويها . # وأما تسميتها السبع المثاني فهي تسمية ثبتت بالسنة ، ففي ( صحيح البخاري ~~) عن أبي سعيد ابن المعلى ( أن رسول الله قال : { الحمد لله رب العالمين } ~~هي السبع المثاني والقرآن العظيم PageV01P134 الذي أوتيته ) ووجه تسميتها ~~بذلك أنها سبع آيات باتفاق القراء والمفسرين ولم يشذ عن ذلك إلا الحسن ~~البصري فقال : هي ثمان آيات ، وإلا الحسين الجعفي فقال : هي ست آيات ، وقال ~~بعض الناس : تسع آيات ويتعين حينئذ كون البسملة ليست من الفاتحة لتكون سبع ~~آيات ومن عد البسملة أدمج آيتين . # وأما وصفها بالمثاني ms0138 فهو مفاعل جمع مثنى بضم الميم وتشديد النون ، أو ~~مثنى مخفف مثنى ، أو مثنى بفتح الميم مخفف مثنى كمعنى مخفف معني ويجوز ~~تأنيث الجميع كما نبه عليه السيد الجرجاني في ( شرح الكشاف ) وكل ذلك مشتق ~~من التثنية وهي بضم ثان إلى أول . # ووجه الوصف به أن تلك الآيات تثنى في كل ركعة كذا في ( الكشاف ) . قيل : ~~وهو مأثور عن عمر بن الخطاب ، وهو مستقيم لأن معناه أنها تضم إليها السورة ~~في كل ركعة ، ولعل التسمية بذلك كانت في أول فرض الصلاة فإن الصلوات فرضت ~~ركعتين ثم أقرت صلاة السفر وأطيلت صلاة الحضر كذا ثبت في حديث عائشة في ( ~~الصحيح ) وقيل : العكس . # وقيل : لأنها تثنى في الصلاة أي تكرر فتكون التثنية بمعنى التكرير بناء ~~على ما شاع عند العرب من استعمال المثنى في مطلق المكرر نحو { ثم ارجع ~~البصر كرتين } ( الملك : 4 ) وقولهم لبيك وسعديك ، وعليه فيكون المراد ~~بالمثاني هنا مثل المراد بالمثاني في قوله تعالى : { كتابا متشابها مثاني } ~~( الزمر : 23 ) أي مكرر القصص والأغراض ، وقيل : سميت المثاني لأنها ثنيت ~~في النزول فنزلت بمكة ثم نزلت في المدينة وهذا قول بعيد جدا وتكرر النزول ~~لا يعتبر قائله ، وقد اتفق على أنها مكية فأي معنى لإعادة نزولها بالمدينة ~~. # وهذه السورة وضعت في أول السور لأنها تنزل منها منزل ديباجة الخطبة أو ~~الكتابب ، مع ما تضمنته من أصول مقاصد القرآن كما علمت آنفا وذلك شأن ~~الديباجة من براعة الاستهلال . # وهذه السورة مكية باتفاق الجمهور ، وقال كثير إنها أول سورة نزلت ، ~~والصحيح أنه نزل قبلها : { اقرأ باسم ربك } ( العلق : 1 ) وسورة المدثر ثم ~~الفاتحة ، وقيل نزل قبلها أيضا : { ن والقلم } ( القلم : 1 ) وسورة المزمل ~~، وقال بعضهم هي أول سورة نزلت كاملة أي غير منجمة ، بخلاف سورة القلم ، ~~وقد حقق بعض العلماء أنها نزلت عند فرض الصلاة فقرأ المسلمون بها في الصلاة ~~عند فرضها ، وقد عدت في رواية عن جابر بن زيد السورة الخامسة في ترتيب ~~PageV01P135 نزول السور . وأيا ما كان فإنها قد سماها النبيء ms0139 صلى الله عليه ~~وسلم فاتحة الكتاب وأمر بأن تكون أول القرآن . # قلت : ولا يناكد ذلك نزولها بعد سور أخرى لمصلحة اقتضت سبقها قبل أن ~~يتجمع من القرآن مقدار يصير به كتابا فحين تجمع ذلك أنزلت الفاتحة لتكون ~~ديباجة الكتاب . # وأغراضها قد علمت من بيان وجه تسميتها أم القرآن . # وهي سبع آيات باتفاق القراء والمفسرين ، ولم يشذ عن ذلك إلا الحسن البصري ~~، قال هي ثمان آيات ، ونسب أيضا لعمرو بن عبيد وإلى الحسين الجعفي قال هي ~~ست آيات ، ونسب إلى بعضهم غير معين أنها تسع آيات ، وتحديد هذه الآيات ~~السبع هو ما دل عليه حديث ( الصحيحين ) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال : ( قال الله عز وجل ، قسمت الصلاة نصفين بيني وبين عبدي ~~فنصفها لي ونصفها لعبدي ، ولعبدي ما سأل ، يقول العبد : { الحمد لله رب ~~العالمين ، فأقول : حمدني عبدي ، فإذا قال : العبد الرحمن الرحيم ، يقول ~~الله : أثنى علي عبدي ، وإذا قال العبد : ملك يوم الدين ، قال الله : مجدني ~~عبدي ، وإذا قال : إياك نعبد وإياك نستعين ، قال الله : هذا بيني وبين عبدي ~~، وإذا قال : اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب ~~عليهم ولا الضالين } ( الفاتحة : 2 7 ) ، قال الله : هؤلاء لعبدي ولعبد ما ~~سأل ) ا ه . فهن ثلاث ثم واحدة ثم ثلاث ، فعند أهل المدينة لا تعد البسملة ~~آية وتعد : { أنعمت عليهم } آية ، وعند أهل مكة وأهل الكوفة تعد البسملة ~~آية وتعد { أنعمت عليهم } جزء آية ، والحسن البصري عد البسملة آية وعد { ~~أنعمت عليهم } آية . PageV01P136 # الكلام على البسملة # # | 2 ( { بسم الله الرحمان الرحيم } . ) 2 # البسملة اسم لكلمة باسم الله ، صيغ هذا الاسم على مادة مؤلفة من حروف ~~الكلمتين باسم والله على طريقة تسمى النحت ، وهو صوغ فعلل مضي على زنة فعلل ~~مؤلفة مادته من حروف جملة أو حروفف مركب إضافي ، مما ينطق به الناس اختصارا ~~عن ذكر الجملة كلها لقصد التخفيف لكثرة دوران ذلك على الألسنة . وقد استعمل ~~العرب النحت في النسب إلى الجملة أو المركب ms0140 إذا كان في النسبب إلى صدر ذلك ~~أو إلى عجزه التباس ، كما قالوا في النسبة إلى عبد شمس عبشمي خشية الالتباس ~~بالنسب إلى عبد أو إلى شمس ، وفي النسبة إلى عبد الدار عبدري كذلك وإلى ~~حضرموت حضرمي قال سيبويه في باب الإضافة ( أي النسب ) إلى المضاف من ~~الأسماء : ( وقد يجعلون للنسب في الإضافة اسما بمنزلة جعفري ويجعلون فيه من ~~حروف الأول والآخر ولا يخرجونه من حروفهما ليعرف ) ا ه ، فجاء من خلفهم من ~~مولدي العرب واستعملوا هذه الطريقة في حكاية الجمل التي يكثر دورانها في ~~الألسنة لقصد الاختصار ، وذلك من صدر الإسلام فصارت الطريقة عربية . قال ~~الراعي : # قوم على الإسلام لما يمنعوا # ما عونهم ويضيعوا التهليلا # أي لم يتركوا قول : لا إلاه إلا الله . وقال عمر بن أبي ربيعة : # لقد بسملت ليلى غداة لقيتها # ألا حبذا ذاك الحبيب المبسمل # أي قالت بسم الله فرقا منه ، فأصل بسمل قال بسم الله ثم أطلقه المولدون ~~على قول بسم الله الرحمن الرحيم ، اكتفاء واعتمادا على الشهرة وإن كان هذا ~~المنحوت خليا من الحاء والراء اللذين هما من حروف الرحمن الرحيم ، فشاع ~~قولهم بسمل في معنى قال بسم الله الرحمن الرحيم ، واشتق من فعل بسمل مصدر ~~هو البسملة كما اشتق من هلل مصدر هو الهيللة وهو مصدر قياسي لفعلل . واشتق ~~منه اسم فاعل في بيت عمر بن أبي ربيعة ولم يسمع اشتقاق اسم مفعول . # ورأيت في ( شرح ابن هارون التونسي على مختصر ابن الحاجب ) في باب الأذان ~~عن المطرز PageV01P137 في كتاب ( اليواقيت ) : الأفعال التي نحتت من ~~أسمائها سبعة : بسمل في بسم الله ، وسبحل في سبحان الله ، وحيعل في حي على ~~الصلاة ، وحوقل في لا حول ولا قوة إلا بالله ، وحمدل في الحمد لله ، وهلل ~~في لا إلاه إلا الله ، وجيعل إذا قال : جعلت فداك ، وزاد الطيقلة في أطال ~~الله بقاءك ، والدمعزة في أدام الله عزك . # ولما كان كثير من أيمة الدين قائلا بأنها آية من أوائل جميع السور غير ~~براءة أو بعض السور تعين ms0141 على المفسر أن يفسر معناها وحكمها وموقعها عند من ~~عدوها آية من بعض السور . وينحصر الكلام عليها في ثلاثة مباحث . الأول : في ~~بيان أهي آية من أوائل السور أم لا ؟ . الثاني : في حكم الابتداء بها عند ~~القراءة . الثالث في تفسير معناها المختص بها . # فأما المبحث الأول فهو أن لا خلاف بين المسلمين في أن لفظ { بسم الله ~~الرحمن الرحيم } هو لفظ قرآني لأنه جزء آية من قوله تعالى : { إنه من ~~سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم } ( النمل : 30 ) كما أنهم لم يختلفوا ~~في أن الافتتاح بالتسمية في الأمور المهمة ذوات البال ورد في الإسلام ، ~~وروي فيه حديث : ( كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بسم الله الرحمن الرحيم فهو ~~أقطع ) لم يروه أصحاب ( السنن ) ولا ( المستدركات ) ، وقد وصف بأنه حسن ، ~~وقال الجمهور إن البسملة رسمها الذين كتبوا المصاحف في أوائل السور ما عدا ~~سورة براءة ، كما يؤخذ من محادثة ابن عباس مع عثمان ، وقد مضت في المقدمة ~~الثامنة ، ولم يختلفوا في أنها كتبت في المصحف في أول سورة الفاتحة وذلك ~~ليس موضع فصل السورة عما قبلها ، وإنما اختلفوا في أن البسملة هل هي آية من ~~سورة الفاتحة ومن أوائل السور غير براءة ، بمعنى أن الاختلاف بينهم ليس في ~~كونها قرآنا ، ولكنه في تكرر قرآنيتها كما أشار إليه ابن رشد الحفيد في ( ~~البداية ) ، فذهب مالك والأوزاعي وفقهاء المدينة والشام والبصرة وقيل ~~باستثناء عبد الله بن عمرو ابن شهاب من فقهاء المدينة إلى أنها ليست بآية ~~من أوائل السور لكنها جزء آية من سورة النمل ، وذهب الشافعي في أحد قوليه ~~وأحمد وإسحاق وأبو ثور وفقهاء مكة والكوفة غير أبي حنيفة ، إلى أنها آية في ~~أول سورة الفاتحة خاصة ، وذهب عبد الله بن المبارك والشافعي في أحد قوليه ~~وهو الأصح عنه إلى أنها آية من كل سورة . ولم ينقل عن أبي حنيفة من فقهاء ~~الكوفة فيها شيء ، وأخذ منه صاحب ( الكشاف ) أنها ليست من السور عنده فعده ~~في الذين قالوا بعدم PageV01P138 جزئيتها من ms0142 السور وهو الصحيح عنه . قال ~~عبد الحكيم لأنه قال بعدم الجهر بها مع الفاتحة في الصلاة الجهرية وكره ~~قراءتها في أوائل السور الموصولة بالفاتحة في الركعتين الأوليين . وأزيد ~~فأقول إنه لم ير الاقتصار عليها في الصلاة مجزئا عن القراءة . # أما حجة مذهب مالك ومن وافقه فلهم فيها مسالك : أحدها من طريق النظر ، ~~والثاني من طريق الأثر ، والثالث من طريق الذوق العربي . # فأما المسلك الأول : فللمالكية فيه مقالة فائقة للقاضي أبي بكر الباقلاني ~~وتابعه أبو بكر ابن العربي في ( أحكام القرآن ) والقاضي عبد الوهاب في كتاب ~~( الإشراف ) ، قال الباقلاني : ( لو كانت التسمية من القرآن لكان طريق ~~إثباتها إما التواتر أو الآحاد ، والأول : باطل لأنه لوثبت بالتواتر كونها ~~من القرآن لحصل العلم الضروري بذلك ولامتنع وقوع الخلاف فيه بين الأمة ، ~~والثاني : أيضا باطل لأن خبر الواحد لا يفيد إلا الظن فلو جعلناه طريقا إلى ~~إثبات القرآن لخرج القرآن عن كونه حجة يقينية ، ولصار ذلك ظنيا ، ولو جاز ~~ذلك لجاز ادعاء الروافض أن القرآن دخله الزيادة والنقصان والتغيير والتحريف ~~) ا ه وهو كلام وجيه والأقيسة الاستثنائية التي طواها في كلامه واضحة لمن ~~له ممارسة للمنطق وشرطياتها لا تحتاج للاستدلال لأنها بديهية من الشريعة ~~فلا حاجة إلى بسطها . زاد أبو بكر بن العربي في ( أحكام القرآن ) فقال : ~~يكفيك أنها ليست من القرآن الاختلاف فيها ، والقرآن لا يختلف فه ا ه . وزاد ~~عبد الوهاب فقال : ( إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين القرآن بيانا ~~واحدا متساويا ولم تكن عادته في بيانه مختلفة بالظهور والخفاء حتى يختص به ~~الواحد والاثنان ؛ ولذلك قطعنا بمنع أن يكون شيء من القرآن لم ينقل إلينا ~~وأبطلنا قول الرافضة إن القرآن حمل جمل عند الإمام المعصوم المنتظر فلو ~~كانت البسملة من الحمد لبينها رسول الله بيانا شافيا ) ا ه . وقال ابن ~~العربي في ( العارضة ) : إن القاضي أبا بكر بن الطيب ، لم يتكلم من الفقه ~~إلا في هذه المسألة خاصة لأنها متعلقة بالأصول . # وقد عارض هذا الدليل أبو حامد الغزالي في ms0143 ( المستصفى ) فقال : ( نفي كون ~~البسملة من القرآن أيضا إن ثبت بالتواتر لزم أن لا يبقى الخلاف ( أي وهو ~~ظاهر البطلان ) وإن ثبت بالآحاد يصير القرآن ظنيا ، قال : ولا يقال : إن ~~كون شيء ليس من القرآن عدم والعدم لا يحتاج إلى الإثبات لأنه الأصل بخلاف ~~القول بأنها من القرآن ، لأنا نجيب بأن هذا وإن كان عدما PageV01P139 إلا ~~أن كون التسمية مكتوبة بخط القرآن يوهن كونها ليست من القرآن فهاهنا لا ~~يمكننا الحكم بأنها ليست من القرآن إلا بالدليل ويأتي الكلام في أن الدليل ~~ما هو ، فثبت أن الكلام الذي أورده القاضي لازم عليه ا ه ، وتبعه على ذلك ~~الفخر الرازي في ( تفسيره ) ولا يخفى أنه آل في استدلاله إلى المصادرة إذ ~~قد صار مرجع استدلال الغزالي وفخر الدين إلى رسم البسملة في المصاحف ، ~~وسنتكلم عن تحقيق ذلك عند الكلام على مدرك الشافعي . وتعقب ابن رشد في ( ~~بداية المجتهد ) كلام الباقلاني والغزالي بكلام غير محرر فلا نطيل به . # وأما المسلك الثاني : وهو الاستدلال من الأثر فلا نجد في صحيح السنة ما ~~يشهد بأن البسملة آية من أوائل سور القرآن والأدلة ستة : # الدليل الأول : ما روى مالك في ( الموطأ ) عن العلاء بن عبد الرحمن عن ~~أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( قال الله تعالى قسمت ~~الصلاة نصفين بيني وبين عبدي فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل ، يقول ~~العبد : { الحمد لله رب العالمين } ، فأقول : حمدني عبدي ) الخ ، والمراد ~~في الصلاة القراءة في الصلاة ووجه الدليل منه أنه لم يذكر بسم الله الرحمن ~~الرحيم . # الثاني : حديث أبي بن كعب في ( الموطأ ) و ( الصحيحين ) أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال له : ( ألا أعلمك سورة لم ينزل في التوراة ولا في ~~الإنجيل مثلها قبل أن تخرج من المسجد ) ؟ قال : بلى ، فلما قارب الخروج قال ~~له : كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة ؟ قال أبي فقرأت { الحمد لله رب العالمين ~~} حتى أتيت على آخرها ، فهذا دليل على أنه لم يقرأ منها البسملة . # الثالث ms0144 : ما في ( صحيح مسلم ) و ( سنن أبي داود ) و ( سنن النسائي ) عن ~~أنس بن مالك من طرق كثيرة أنه قال : صليت خلف رسول الله وأبي بكر وعمر ~~فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين لا يذكرون ( بسم الله الرحمن ~~الرحيم ) ، لا في أول قراءة ولا في آخرها . # الرابع : حديث عائشة في ( صحيح مسلم ) و ( سنن أبي داود ) قالت : كان ~~رسول الله يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد الله رب العالمين . # الخامس : ما في ( سنن الترمذي والنسائي ) عن عبد الله بن مغفل قال : صليت ~~مع النبيء وأبي بكر وعمر وعثمان ، فلم أسمع أحدا منهم يقول : ( بسم الله ~~الرحمن الرحيم ) ، إذا أنت صليت فقل { الحمد لله رب العالمين } . ~~PageV01P140 # السادس وهو الحاسم : عمل أهل المدينة ، فإن المسجد النبوي من وقت نزول ~~الوحي إلى زمن مالك صلى فيه رسول الله والخلفاء الراشدون والأمراء وصلى ~~وراءهم الصحابة وأهل العلم ولم يسمع أحد قرأ ( بسم الله الرحمن الرحيم ) في ~~الصلاة الجهرية ، وهل يقول عالم أن بعض السورة جهر وبعضها سر ، فقد حصل ~~التواتر بأن النبيء والخلفاء لم يجهروا بها في الجهرية ، فدل على أنها ليست ~~من السورة ولو جهروا بها لما اختلف الناس فيها . # وهناك دليل آخر لم يذكروه هنا وهو حديث عائشة في بدء الوحي إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وهو معتبر مرفوعا إلى النبي ، وذلك قوله : ( ففجئه ~~الملك فقال : اقرأ قال رسول الله فقلت ما أنا بقارىء إلى أن قال فغطني ~~الثالثة ثم قال : { اقرأ باسم ربك الذي خلق } ( العلق : 1 ) الحديث . فلم ~~يقل فقال لي بسم الله الرحمن الرحيم { اقرأ بسم ربك } ، وقد ذكروا هذا في ~~تفسير سورة العلق وفي شرح حديث بدء الوحي . # وأما المسلك الثالث وهو الاستدلال من طريق الاستعمال العربي فيأتي القول ~~فيه على مراعاة قول القائلين بأن البسملة آية من سورة الفاتحة خاصة ، وذلك ~~يوجب أن يتكرر لفظان وهما { الرحمن الرحيم } في كلام غير طويل ليس بينهما ~~فصل كثير وذلك مما لا يحمد في باب البلاغة ، وهذا الاستدلال نقله ms0145 الإمام ~~الرازي في ( تفسيره ) وأجاب عنه بقوله : إن التكرار لأجل التأكيد كثير في ~~القرآن وإن تأكيد كونه تعالى رحمانا رحيما من أعظم المهمات . وأنا أدفع ~~جوابه بأن التكرار وإن كانت له مواقع محمودة في الكلام البليغ مثل التهويل ~~، ومقام الرثاء أو التعديد أو التوكيد اللفظي ، إلا أن الفاتحة لا مناسبة ~~لها بأغراض التكرير ولا سيما التوكيد لأنه لا منكر لكونه تعالى رحمانا ~~رحيما ، ولأن شأن التوكيد اللفظي أن يقترن فيه اللفظان بلا فصل فتعين أنه ~~تكرير اللفظ في الكلام لوجود مقتضى التعبير عن مدلوله بطريق الاسم الظاهر ~~دون الضمير ، وذلك مشروط بأن يبعد ما بين المكررين بعدا يقصيه عن السمع ، ~~وقد علمت أنهم عدوا في فصاحة الكلام خلوصه من كثرة التكرار ، والقرب بين ~~الرحمن والرحيم حين كررا يمنع ذلك . # وأجاب البيضاوي بأن نكتة التكرير هنا هي تعليل استحقاق الحمد ، فقال ~~السلكوتي أشار بهذا إلى الرد على ما قاله بعض الحنفية : إن البسملة لو كانت ~~من الفاتحة للزم التكرار وهو جواب لا يستقيم لأنه إذا كان التعليل قاضيا ~~بذكر صفتي { الرحمن الرحيم } فدفع التكرير يقتضي تجريد البسملة PageV01P141 ~~التي في أول الفاتحة من هاتين الصفتين بأن تصير الفاتحة هكذا : ( بسم الله ~~الحمد لله الخ ) . # وأنا أرى في الاستدلال بمسلك الذوق العربي أن يكون على مراعاة قول ~~القائلين بكون البسملة آية من كل سورة فينشأ من هذا القولل أن تكون فواتح ~~سور القرآن كلها متماثلة وذلك مما لا يحمد في كلام البلغاء إذ الشأن أن يقع ~~التفنن في الفواتح ، بل قد عد علماء البلاغة أهم مواضع التأنق فاتحة الكلام ~~وخاتمته ، وذكروا أن فواتح السور وخواتمها واردة على أحسن وجوه البيان ~~وأكملها فكيف يسوغ أن يدعى أن فواتح سورة جملة واحدة ، مع أن عامة البلغاء ~~من الخطباء والشعراء والكتاب يتنافسون في تفنن فواتح منشآتهم ويعيبون من ~~يلتزم في كلامه طريقة واحدة فما ظنك بأبلغ كلام . # وأما حجة مذهب الشافعي ومن وافقه بأنها آية من سورة الفاتحة خاصة فأمور ~~كثيرة أنهاها فخر الدين إلى سبع ms0146 عشرة حجة لا يكاد يستقيم منها بعد طرح ~~المتداخل والخارج عن محل النزاع وضعيف السند أو واهيه إلا أمران : أحدهما ~~أحاديث كثيرة منها ما روى أبو هريرة أن النبيء عليه الصلاة والسلام قال : ( ~~فاتحة الكتاب سبع آيات أولاهن { بسم الله الرحمن الرحيم } وقول أم سلمة قرأ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاتحة وعد : { بسم الله الرحمن الرحيم ~~الحمد لله رب العالمين } آية . الثاني : الإجماع على أن ما بين الدفتين ~~كلام الله . # والجواب : أما عن حديث أبي هريرة فهو لم يخرجه أحد من رجال الصحيح إنما ~~خرجه الطبراني وابن مردويه والبيهقي فهو نازل عن درجة الصحيح فلا يعارض ~~الأحاديث الصحيحة ، وأما حديث أم سلمة فلم يخرجه من رجال الصحيح غير أبي ~~داود وأخرجه أحمد بن حنبل والبيهقي ، وصحح بعض طرقه وقد طعن فيه الطحاوي ~~بأنه رواه ابن أبي مليكة ، ولم يثبت سماع ابن أبي مليكة من أم سلمة ، يعني ~~أنه مقطوع ، على أنه روى عنها ما يخالفه ، على أن شيخ الإسلام زكرياء قد ~~صرح في ( حاشيته على تفسير البيضاوي ) بأنه لم يرو باللفظ المذكور وإنما ~~روي بألفاظ تدل على أن { بسم الله } آية وحدها ، فلا يؤخذ منه كونها من ~~الفاتحة ، على أن هذا يفضي إلى إثبات القرآنية بغير المتواتر وهو ما يأباه ~~المسلمون . # وأما عن الإجماع على أن ما بين الدفتين كلام الله ، فالجواب أنه لا يقتضي ~~إلا أن البسملة قرآن وهذا لانزاع فيه ، وأما كون المواضع التي رسمت فيها في ~~المصحف مما تجب قراءتها PageV01P142 فيها ، فذلك أمر يتبع رواية القراء ~~وأخبار السنة الصحيحة فيعود إلى الأدلة السابقة . # وهذا كله بناء على تسليم أن الصحابة لم يكتبوا أسماء السور وكونها مكية ~~أو مدنية في المصحف وأن ذلك من صنع المتأخرين وهو صريح كلام عبد الحكيم في ~~( حاشية البيضاوي ) ، وأما إذا ثبت أن بعض السلف كتبوا ذلك كما هو ظاهر ~~كلام المفسرين والأصوليين والقراء كما في ( لطائف الإشارات ) للقسطلاني وهو ~~مقتضى كتابة المتأخرين لذلك لأنهم ما كانوا يجرأون على الزيادة على ms0147 ما فعله ~~السلف فالاحتجاج حينئذ بالكتابة باطل من أصله ودعوى كون أسماء السور كتبت ~~بلون مخالف لحبر القرآن ، يرده أن المشاهد في مصاحف السلف أن حبرها بلون ~~واحد ولم يكن التلوين فاشيا . # وقد احتج بعضهم بما رواه البخاري عن أنس أنه سئل كيف كانت قراءة النبيء ؟ ~~فقال كانت مدا ثم قرأ { بسم الله الرحمن الرحيم } يمد { بسم الله } ويمد ~~بالرحمان ويمد بالرحيم ، ا ه ، ولا حجة في هذا لأن ضمير قرأ وضمير يمد ~~عائدان إلى أنس ، وإنما جاء بالبسملة على وجه التمثيل لكيفية القراءة لشهرة ~~البسملة . # وحجة عبد الله بن المبارك وثاني قولي الشافعي ما رواه مسلم عن أنس قال : ~~( بينا رسول الله بين أظهرنا ذات يوم إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه متبسما ~~فقلنا ما أضحكك يا رسول الله ؟ قال : أنزلت علي سورة آنفا فقرأ بسم الله ~~الرحمن الرحيم { إنا أعطيناك الكوثر } ( الكوثر : 1 ) السورة ، قالوا ~~وللإجماع على أن ما بين الدفتين كلام الله ولإثبات الصحابة إياها في ~~المصاحف مع حرصهم على أن لا يدخلوا في القرآن ما ليس منه ولذلك لم يكتبوا ~~آمين في الفاتحة . # والجواب عن الحديث أنا نمنع أن يكون قرأ البسملة على أنها من السورة بل ~~افتتح بها عند إرادة القراءة لأنها تغني عن الاستعاذة إذا نوى المبسمل ~~تقدير أستعيذ باسم الله وحذف متعلق الفعل ، ويتعين حمله على نحو هذا لأن ~~راويه أنسا بن مالك جزم في حديثه الآخر أنه لم يسمع رسول الله بسمل في ~~الصلاة . فإن أبوا تأويله بما تأولناه لزم اضطراب أنس في روايته اضطرابا ~~يوجب سقوطها . # والحق البين في أمر البسملة في أوائل السور ، أنها كتبت للفصل بين السور ~~ليكون الفصل مناسبا لابتداء المصحف ، ولئلا يكون بلفظ من غير القرآن ، وقد ~~روى أبو داود PageV01P143 في ( سننه ) والترمذي وصححه عن ابن عباس أنه قال ~~: قلت لعثمان بن عفان : ( ما حملكم أن عمدتم إلى براءة وهي من المئين وإلى ~~الأنفال وهي من المثاني فجعلتموهما في السبع الطوال ولم تكتبوا بينهما سطرا ~~بسم الله ms0148 الرحمن الرحيم ) ، قال عثمان كان النبيء لما تنزل عليه الآيات ~~فيدعو بعض من كان يكتب له ويقول له ضع هذه الآية بالسورة التي يذكر فيها ~~كذا وكذا ، أو تنزل عليه الآية والآيتان فيقول مثل ذلك ، وكانت الأنفال من ~~أول ما أنزل عليه بالمدينة ، وكانت براءة من آخر ما أنزل من القرآن وكانت ~~قصتها شبيهة بقصتها فقبض رسول الله ولم يبين لنا أنها منها ، فظننت أنها ~~منها ، فمن هناك وضعتها في السبع الطوال ولم أكتب بينهما سطر بسم الله ~~الرحمن الرحيم ) . # وأرى في هذا دلالة بينة على أن البسملة لم تكتب بين السور غير الأنفال ~~وبراءة إلا حين جمع القرآن في مصحف واحد زمن عثمان ، وأنها لم تكن مكتوبة ~~في أوائل السور في الصحف التي جمعها زيد بن ثابت في خلافة أبي بكر إذ كانت ~~لكل سورة صحيفة مفردة كما تقدم في المقدمة الثامنة من مقدمات هذا التفسير . # وعلى أن البسملة مختلف في كونها آية من أول كل سورة غير براءة ، أو آية ~~من أول سورة الفاتحة فقط ، أو ليست بآية من أول شيء من السور ؛ فإن القراء ~~اتفقوا على قراءة البسملة عند الشروع في قراءة سورة من أولها غير براءة . ~~ورووا ذلك عمن تلقوا ، فأما الذين منهم يروون اجتهادا أو تقليدا أن البسملة ~~آية من أول كل سورة غير براءة ، فأمرهم ظاهر ، وقراءة البسملة في أوائل ~~السور واجبة عندهم لا محالة في الصلاة وغيرها ، وأما الذين لا يروون ~~البسملة آية من أوائل السور كلها أو ما عدا الفاتحة فإن قراءتهم البسملة في ~~أول السورة عند الشروع في قراءة سورة غير مسبوقة بقراءة سورة قبلها تعلل ~~بالتيمن باقتفاء أثر كتاب المصحف ، أي قصد التشبه في مجرد ابتداء فعل ~~تشبيها لابتداء القراءة بابتداء الكتابة . فتكون قراءتهم البسملة أمرا ~~مستحبا للتأسي في القراءة بما فعله الصحابة الكاتبون للمصحف ، فقراءة ~~البسملة عند هؤلاء نظير النطق بالاستعاذة ونظير التهليل والتكبير بين بعض ~~السور من آخر المفصل ، ولا يبسملون في قراءة الصلاة الفريضة ، وهؤلاء إذا ~~قرأوا ms0149 في صلاة الفريضة تجري قراءتهم على ما انتهى إليه فهمهم من أمر ~~البسملة من اجتهاد أو تقليد . وبهذا تعلم أنه لا ينبغي أن يؤخذ من قراءتهم ~~قول لهم بأن البسملة آية PageV01P144 من أول كل سورة كما فعل صاحب ( الكشاف ~~) والبيضاوي . # واختلفوا في قراءة البسملة في غير الشروع في قراءة سورة من أولها ، أي في ~~قراءة البسملة بين السورتين . # فورش عن نافع في أشهر الروايات عنه وابن عامر ، وأبو عمرو ، وحمزة ، ~~ويعقوب ، وخلف ، لا يبسملون بين السورتين وذلك يعلل بأن التشبه بفعل كتاب ~~المصحف خاص بالابتداء ، وبحملهم رسم البسملة في المصحف على أنه علامة على ~~ابتداء السورة لا على الفصل ، إذ لو كانت البسملة علامة على الفصل بين ~~السورة والتي تليها لما كتبت في أول سورة الفاتحة ، فكان صنيعهم وجيها ~~لأنهم جمعوا بين ما رووه عن سلفهم وبين دليلل قصد التيمن ، ودليل رأيهم أن ~~البسملة ليست آية من أول كل سورة . # وقالون عن نافع وابن كثير وعاصم والكسائي وأبو جعفر يبسملون بين السورتين ~~سوى ما بين الأنفال وبراءة ، وعدوه من سنة القراءة ، وليس حظهم في ذلك إلا ~~اتباع سلفهم ، إذ ليس جميعهم من أهل الاجتهاد ، ولعلهم طردوا قصد التيمن ~~بمشابهة كتاب المصحف في الإشعار بابتداء السورة والإشعار بانتهاء التي ~~قبلها . # واتفق المسلمون على ترك البسملة في أول سورة براءة وقد تبين وجه ذلك آنفا ~~، ووجهه الأئمة بوجوه أخر تأتي في أول سورة براءة ، وذكر الجاحظ في ( ~~البيان والتبيين ) أن مؤرجا السدوسي البصري سمع رجلا يقول : ( أمير ~~المؤمنين يرد على المظلوم ) فرجع مؤرج إلى مصحفه فرد على براءة بسم الله ~~الرحمن الرحيم ، ويحمل هذا الذي صنعه مؤرج إن صح عنه إنما هو على التمليح ~~والهزل وليس على الجد . # وفي هذا ما يدل على أن اختلاف مذاهب القراء في قراءة البسملة في مواضع من ~~القرآن ابتداء ووصلا كما تقدم لا أثر له في الاختلاف في حكم قراءتها في ~~الصلاة ، فإن قراءتها في الصلاة تجري على أحكام النظر في الأدلة ، وليست ~~مذاهب القراء بمعدودة ms0150 من أدلة الفقه ، وإنما قراءاتهم روايات وسنة متبعة في ~~قراءة القرآن دون استناد إلى اعتبار أحكام رواية القرآن من تواتر ودونه ، ~~ولا إلى وجوب واستحباب وتخيير ، فالقارىء يقرأ كما روى عن معلميه ~~PageV01P145 ولا ينظر في حكم ما يقرأه من لزوم كونه كما قرأ أو عدم اللزوم ~~، فالقراء تجري أعمالهم في صلاتهم على نزعاتهم في الفقه من اجتهاد وتقليد ، ~~ويوضح غلط من ظن أن خلاف الفقهاء في إثبات البسملة وعدمه مبني على خلاف ~~القراء ، كما يوضح تسامح صاحب ( الكشاف ) في عده مذاهب القراء في نسق مذاهب ~~الفقهاء . وإنما اختلف المجتهدون لأجل الأدلة التي تقدم بيانها ، وأما ~~الموافقة بينهم وبين قراء أمصارهم غالبا في هاته المسألة فسببه شيوع القول ~~بين أهل ذلك العصر بما قال به فقهاؤه في المسائل ، أو شيوع الأدلة التي ~~تلقاها المجتهدون من مشائخهم بين أهل ذلك العصر ولو من قبل ظهور المجتهد ~~مثل سبق نافع بن أبي نعيم إلى عدم ذكر البسملة قبل أن يقول مالك بعدم ~~جزئيتها ؛ لأن مالكا تلقى أدلة نفي الجزئية عن علماء المدينة وعنهم أو عن ~~شيوخهم تلقى نافع بن أبي نعيم ، وإذ قد كنا قد تقلدنا مذهب مالك واطمأننا ~~لمداركه في انتفاء كون البسملة آية من أول سورة البقرة كان حقا علينا أن لا ~~نتعرض لتفسيرها هنا وأن نرجئه إلى الكلام على قوله تعالى في سورة النمل ( ~~30 ) : { إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم } غير أننا لما وجدنا ~~من سلفنا من المفسرين كلهم لم يهملوا الكلام على البسملة في هذا الموضع ~~اقتفينا أثرهم إذ صار ذلك مصطلح المفسرين . # واعلم أن متعلق المجرور في { بسم الله } محذوف تقديره هنا أقرأ ، وسبب ~~حذف متعلق المجرور أن البسملة سنت عند ابتداء الأعمال الصالحة فحذف متعلق ~~المجرور فيها حذفا ملتزما إيجازا اعتمادا على القرينة ، وقد حكى القرآن قول ~~سحرة فرعون عند شروعهم في السحر بقوله : { فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا ~~بعزة فرعون } ( الشعراء : 44 ) وذكر صاحب ( الكشاف ) أن أهل الجاهلية كانوا ~~يقولون في ابتداء أعمالهم : ( باسم ms0151 اللاتت باسم العزى ) فالمجرور ظرف لغو ~~معمول للفعل المحذوف ومتعلق به وليس ظرفا مستقرا مثل الظروف التي تقع ~~أخبارا ، ودليل المتعلق ينبىء عنه العمل الذي شرع فيه فتعين أن يكون فعلا ~~خاصا من النوع الدال على معنى العمل المشروع فيه دون المتعلق العام مثل ~~أبتدىء لأن القرينة الدالة على المتعلق هي الفعل المشروع فيه المبدوء ~~بالبسملة فتعين أن يكون المقدر اللفظ الدال على ذلك الفعل ، ولا يجري في ~~هذا الخلاف الواقع بين النحاة في كون متعلق الظروف هل يقدر اسما نحو كائن ~~أو مستقر أم فعلا نحو كان أو استقر لأن ذلك الخلاف في الظروف الواقعة ~~أخبارا أو أحوالا بناء على تعارض PageV01P146 مقتضى تقدير الاسم وهو كونه ~~الأصل في الأخبار والحالية ، ومقتضى تقدير الفعل وهو كونه الأصل في العمل ~~لأن ما هنا ظرف لغو ، والأصل فيه أن يعدى الأفعال ويتعلق بها ، ولأن مقصد ~~المبتدىء بالبسملة أن يكون جميع عمله ذلك مقارنا لبركة اسم الله تعالى ~~فلذلك ناسب أن يقدر متعلق الجار لفظا دالا على الفعل المشروع فيه . وهو ~~أنسب لتعميم التيمن لإجزاء الفعل ، فالابتداء من هذه الجهة أقل عموما ، ~~فتقدير الفعل العام يخصص وتقدير الفعل الخاص يعمم وهذا يشبه أن يلغز به . ~~وهذا التقدير من المقدرات التي دلت عليها القرائن كقول الداعي للمعرس ( ~~بالرفاء والبنين ) وقول المسافر عند حلوله وترحاله ( باسم الله والبركات ) ~~وقول نساء العرب عندما يزففن العروس ( ياليمنن والبركة وعلى الطائر الميمون ~~) ولذلك كان تقدير الفعل هاهنا واضحا . وقد أسعف هذا الحذف بفائدة وهي ~~صلوحية البسملة ليبتدىء بها كل شارع في فعل فلا يلجأ إلى مخالفة لفظ القرآن ~~عند اقتباسه ، والحذف من قبيل الإيجاز لأنه حذف ما قد يصرح به في الكلام ، ~~بخلاف متعلقات الظروف المستقرة نحو عندك خير ، فإنهم لا يظهرون المتعلق فلا ~~يقولون خير كائن عندك ولذلك عدوا نحو قوله : # فإنك كالليل الذي هو مدركي # من المساواة دون الإيجاز يعني مع ما فيه من حذف المتعلق . وإذ قد كان ~~المتعلق محذوفا تعين أن يقدر في موضعه ms0152 متقدما على المتعلق به كما هو أصل ~~الكلام ؛ إذ لا قصد هنا لإفادة البسملة الحصر ، ودعوى صاحب ( الكشاف ) ~~تقديره مؤخرا تعمق غير مقبول ، لا سيما عند حالة الحذف ، فالأنسب أن يقدر ~~على حسب الأصل . # والباء باء الملابسة والملابسة ، هي المصاحبة ، وهي الإلصاق أيضا فهذه ~~مترادفات في الدلالة على هذا المعنى وهي كما في قوله تعالى : { تنبت بالدهن ~~} ( المؤمنون : 20 ) وقولهم : ( بالرفاء والبنين ) وهذا المعنى هو أكثر ~~معاني الباء وأشهرها ، قال سيبويه : الإلصاق لا يفارق الباء وإليه ترجع ~~تصاريف معانيها ولذلك قال صاحب ( الكشاف ) : ( وهذا الوجه ( أي الملابسة ) ~~أعرب وأحسن ) أي أحسن من جعل الباء للآلة أي أدخل في العربية وأحسن لما فيه ~~من زيادة التبرك بملابسة جميع أجزاء الفعل لاسمه تعالى . # والاسم لفظ جعل دالا على ذات حسية أو معنوية بشخصها أو نوعها ، وجعله ~~أئمة البصرة مشتقا من السمو وهو الرفعة لأنها تتحقق في إطلاقات الاسم ولو ~~بتأويل فإن أصل PageV01P147 الاسم في كلام العرب هو العلم ولا توضع الأعلام ~~إلا لشيء مهتم به ، وهذا اعتداد بالأصل والغالب ، وإلا فقد توضع الأعلام ~~لغير ما يهتم به كما قالوا فجار علم للفجرة . فأصل صيغته عند البصريين من ~~الناقص الواوي فهو إما سمو بوزن حمل ، أو سمو بوزن قفل فحذفت اللام حذفا ~~لمجرد التخفيف أو لكثرة الاستعمال ولذلك جرى الإعراب على الحرف الباقي ، ~~لأنه لو حذفت لامه لعلة صرفية لكان الإعراب مقدرا على الحرف المحذوف كما في ~~نحو قاضض وجوار ، فلما جرى الإعراب على الحرف الباقي الذي كان ساكنا نقلوا ~~سكونه للمتحرك وهو أول الكلمة وجلبوا همزة الوصل للنطق بالساكن ؛ إذ العرب ~~لا تستحسن الابتداء بحرف ساكن لابتناء لغتهم على التخفيف ، وقد قضوا ~~باجتلاب الهمزة وطرا ثانيا من التخفيف وهوعود الكلمة إلى الثلاثي لأن ~~الأسماء التي تبقى بالحذف على حرفين كيد ودمم لا تخلو من ثقل ، وفي هذا ~~دليل على أن الهمزة لم تجتلب لتعويض الحرف المحذوف وإلا لاجتلبوها في يد ~~ودمم وغد . # وقد احتجوا على أن أصله كذلك بجمعه على أسماء بوزن ms0153 أفعال ، فظهرت في آخره ~~همزة وهي منقلبة عن الواو المتطرفة إثر ألف الجمع ، وبأنه جمع على أسامي ~~وهو جمع الجمع بوزن أفاعيل بإدغام ياء الجمع في لام الكلمة ويجوز تخفيفها ~~كما في أثافي وأماني ، وبأنه صغر على سمي . وأن الفعل منه سميت ، وهي حجج ~~بينة على أن أصله من الناقص الواوي . وبأنه يقال سمى كهدى ؛ لأنهم صاغوه ~~على فعل كرطب فتنقلب الواو المتحركة ألفا إثر الفتحة وأنشدوا على ذلك قول ~~أبي خالد القناني الراجز : # والله أسماك سمى مباركا # آثرك الله به إيثاركا # وقال ابن يعيش : لا حجة فيه لاحتمال كونه لغة من قال سم والنصب فيه نصب ~~إعراب لا نصب الإعلال ، ورده عبد الحكيم بأن كتابته بالإمالة تدل على خلاف ~~ذلك . وعندي فيه أن الكتابة لا تتعلق بها الرواية فلعل الذين كتبوه بالياء ~~هم الذين ظنوه مقصورا ، على أن PageV01P148 قياسها الكتابة بالألف مطلقا ~~لأنه واوي إلا إذا أريد عدم التباس الألف بألف النصب . ورأي البصريين أرجح ~~من ناحية تصاريف هذا اللفظ . وذهب الكوفيون إلى أن أصله وسم بكسر الواو ~~لأنه من السمة وهي العلامة ، فحذفت الواو وعوضت عنها همزة الوصل ليبقى على ~~ثلاثة أحرف ثم يتوسل بذلك إلى تخفيفه في الوصل ، وكأنهم رأوا أن لا وجه ~~لاشتقاقه من السمو لأنه قد يستعمل لأشياء غير سامية وقد علمت وجه الجواب ، ~~ورأي الكوفيين أرجح من جانب الاشتقاق دون التصريف ، على أن همزة الوصل لم ~~يعهد دخولها على ما حذف صدره وردوا استدلال البصريين بتصاريفه بأنها يحتمل ~~أن تكون تلك التصاريف من القلب المكاني بأن يكون أصل اسم وسم ، ثم نقلت ~~الواو التي هي فاء الكلمة فجعلت لاما ليتوسل بذلك إلى حذفها ورد في تصرفاته ~~في الموضع الذي حذف منه لأنه تنوسي أصله ، وأجيب عن ذلك بأن هذا بعيد لأنه ~~خلاف الأصل وبأن القلب لا يلزم الكلمة في سائر تصاريفها وإلا لما عرف أصل ~~تلك الكلمة . وقد اتفق علماء اللغة على أن التصاريف هي التي يعرف بها ~~الزائد من الأصلي والمنقلب من غيره ms0154 . وزعم ابن حزم في كتاب ( الملل والنحل ~~) أن كلا قولي البصريين والكوفيين فاسد افتعله النحاة ولم يصح عن العرب وأن ~~لفظ الاسم غير مشتق بل هو جامد وتطاول ببذاءته عليهم وهي جرأة عجيبة ، وقد ~~قال تعالى : { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } ( النحل : 43 ) . # وإنما أقحم لفظ اسم مضافا إلى علم الجلالة إذ قيل ( بسم الله ) ولم يقل ~~بالله لأن المقصود أن يكون الفعل المشروع فيه من شؤون أهل التوحيد الموسومة ~~باسم الإلاه الواحد فلذلك تقحم كلمة اسم في كل ما كان على هذا المقصد ~~كالتسمية على النسك قال تعالى : { فكلوا مما ذكر اسم الله عليه } ( الأنعام ~~: 118 ) وقال : { وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه } ( الأنعام : ~~119 ) وكالأفعال التي يقصد بها التيمن والتبرك وحصول المعونة مثل : { اقرأ ~~باسم ربك } ( العلق : 1 ) فاسم الله هو الذي تمكن مقارنته للأفعال لا ذاته ~~، ففي مثل هذا لا يحسن أن يقال بالله لأنه حينئذ يكون المعنى أنه يستمد من ~~الله تيسيرا وتصرفا من تصرفات قدرته وليس ذلك هو المقصود بالشروع ، فقوله ~~تعالى : { فسبح باسم ربك العظيم } ( الواقعة : 74 ) أمر بأن يقول سبحان ~~الله ، وقوله : { وسبحه } ( الإنسان : 26 ) أمر بتنزيه ذاته وصفاته عن ~~النقائص ، فاستعمال لفظ الاسم في هذا بمنزلة استعمال سمات الإبل عند ~~القبائل ، وبمنزلة استعمال PageV01P149 القبائل شعار تعارفهم ، واستعمال ~~الجيوش شعارهم المصطلح عليه . والخلاصة أن كل مقام يقصد فيه التيمن ~~والانتساب إلى الرب الواحد الواجب الوجود يعدى فيه الفعل إلى لفظ اسم الله ~~كقوله : { وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها } ( هود : 41 ) وفي ~~الحديث في دعاء الاضطجاع : ( باسمك ربي وضعت جنبي وباسمك أرفعه ) وكذلك ~~المقام الذي يقصد فيه ذكر اسم الله تعالى كقوله تعالى : { فسبح باسم ربك ~~العظيم } أي قل سبحان الله : { سبح اسم ربك الأعلى } ( الأعلى : 1 ) وكل ~~مقام يقصد فيه طلب التيسير والعون من الله تعالى يعدى الفعل المسؤول إلى ~~علم الذات باعتبار ما له من صفات الخلق والتكوين كما في قوله تعالى : { ~~فاسجد له } ( الإنسان ms0155 : 26 ) وقوله في الحديث : ( اللهم بك نصبح وبك نمسي ) ~~أي بقدرتك ومشيئتك وكذلك المقام الذي يقصد فيه توجه الفعل إلى الله تعالى ~~كقوله تعالى : { فاسجد له } { وسبحه } أي نزه ذاته وحقيقته عن النقائص . ~~فمعنى ( بسم الله الرحمن الرحيم ) أقرأ قراءة ملابسة لبركة هذا الاسم ~~المبارك . # هذا وقد ورد في استعمال العرب توسعات في إطلاق لفظ الاسم مرة يعنون به ما ~~يرادف المسمى كقول النابغة : # نبئت زرعة والسفاهة كاسمها # يهدى إلي غرائب الأشعار # يعني أن السفاهة هي هي لا تعرف للناس بأكثر من اسمها وهو قريب من استعمال ~~اسم الإشارة في قوله تعالى : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } ( البقرة : 143 ) ~~. أي مثل ذلك الجعل الواضح الشهير ويطلقون الاسم مقحما زائدا كما في قول ~~لبيد : # إلى الحولل ثم اسم السلام عليكما # يعني ثم السلام عليكما وليس هذا خاصا بلفظ الاسم بل يجىء فيما يرادفه مثل ~~الكلمة في قوله تعالى : { وألزمهم كلمة التقوى } ( الفتح : 26 ) وكذلك ( ~~لفظ ) في قول بشار هاجيا : # وكذاك ، كان أبوك يؤثر بالهنى # ويظل في لفظ الندى يتردد # وقد يطلق الاسم وما في معناه كناية عن وجود المسمى ، ومنه قوله تعالى : { ~~وجعلوا لله شركاء قل سموهم } ( الرعد : 33 ) والأمر للتعجيز أي أثبتوا ~~وجودهم ووضع أسماء لهم . فهذه اطلاقات أخرى ليس ذكر اسم الله في البسملة من ~~قبيلها ، وإنما نبهنا عليها لأن بعض المفسرين خلط بها في PageV01P150 تفسير ~~البسملة ، ذكرتها هنا توضيحا ليكون نظركم فيها فسيحا فشدوا بها يدا ولا ~~تتبعوا طرائق قددا . # وقد تكلموا على ملحظ تطويل الباء في رسم البسملة بكلام كله غير مقنع ، ~~والذي يظهر لي أن الصحابة لما كتبوا المصحف طولوها في سورة النمل للإشارة ~~إلى أنها مبدأ كتاب سليمان فهي من المحكي ، فلما جعلوها علامة على فواتح ~~السور نقلوها برسمها ، وتطويل الباء فيها صالح لاتخاذه قدوة في ابتداء ~~الغرض الجديد من الكلام بحرف غليظ أو ملون . # والكلام على اسم الجلالة ووصفه يأتي في تفسير قوله تعالى : { الحمد لله ~~رب العالمين الرحمن الرحيم } ( الفاتحة : 2 ، 3 ) . # ومناسبة الجمع ms0156 في البسملة بين علم الجلالة وبين صفتي الرحمن الرحيم ، قال ~~البيضاوي إن المسمي إذا قصد الاستعانة بالمعبود الحق الموصوف بأنه مولي ~~النعم كلها جليلها ودقيقها يذكر علم الذات إشارة إلى استحقاقه أن يستعان به ~~بالذات ، ثم يذكر وصف الرحمن إشارة إلى أن الاستعانة على الأعمال الصالحة ~~وهي نعم ، وذكر الرحيم للوجوه التي سنذكرها في عطف صفة الرحيم على صفة ~~الرحمن . # وقال الأستاذ الإمام محمد عبده : إن النصارى كانوا يبتدئون أدعيتهم ~~ونحوها باسم الأب والابن والروح القدس إشارة إلى الأقانيم الثلاثة عندهم ، ~~فجاءت فاتحة كتابب الإسلام بالرد عليهم موقظة لهم بأن الإلاه الواحد وإن ~~تعددت أسماؤه فإنما هو تعدد الأوصاف دون تعدد المسميات ، يعني فهو رد عليهم ~~بتغليظ وتبليد . وإذا صح أن فواتح النصارى وأدعيتهم كانت تشتمل على ذلك إذ ~~الناقل أمين فهي نكتة لطيفة . # وعندي أن البسملة كان ما يرادفها قد جرى على ألسنة الأنبياء من عهد ~~إبراهيم عليه السلام فهي من كلام الحنيفية ، فقد حكى الله عن إبراهيم أنه ~~قال لأبيه : { يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن } ( مريم : 45 ) ، ~~وقال : { سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا } ( مريم : 47 ) ومعنى الحفي قريب ~~من معنى الرحيم . وحكي عنه قوله : { وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم } ( ~~البقرة : 128 ) . وورد ذكر مرادفها في كتاب سليمان إلى ملكة سبأ : { إنه من ~~سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين } ( النمل ~~: 30 ، 31 ) . والمظنون أن سليمان اقتدى في افتتاح كتابه بالبسملة بسنة ~~موروثة من عهد إبراهيم جعلها إبراهيم كلمة باقية في وارثي نبوته ، وأن الله ~~أحيا هذه السنة في الإسلام في جملة ما أوحى له من الحنيفية كما قال تعالى : ~~{ ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل } ( الحج : 78 ) . # PageV01P151 # | 2 ( { الحمد لله رب العالمين } . ) 2 # { الحمد لله رب العالمين } . # الشأن في الخطاب بأمر مهم لم يسبق للمخاطب به خطاب من نوعه أن يستأنس له ~~قبل إلقاء المقصود وأن يهيأ لتلقيه ، وأن يشوق إلى سماع ذلك وتراض نفسه ms0157 على ~~الاهتمام بالعمل به ليستعد للتلقي بالتخلي عن كل ما شأنه أن يكون عائقا عن ~~الانتفاع بالهدى من عناد ومكابرة أو امتلاء العقل بالأوهام الضالة ، فإن ~~النفس لا تكاد تنتفع بالعظات والنذر ، ولا تشرق فيها الحكمة وصحة النظر ما ~~بقي يخالجها العناد والبهتان ، وتخامر رشدها نزغات الشيطان ، فلما أراد ~~الله أن تكون هذه السورة أولى سور الكتاب المجيد بتوقيف النبيء صلى الله ~~عليه وسلم كما تقدم آنفا نبه الله تعالى قراء كتابه وفاتحي مصحفه إلى أصول ~~هذه التزكية النفسية بما لقنهم أن يبتدئوا بالمناجاة التي تضمنتها سورة ~~الفاتحة من قوله : { إياك نعبد } إلى آخر السورة ، فإنها تضمنت أصولا عظيمة ~~: أولها التخلية عن التعطيل والشرك بما تضمنه { إياك نعبد } . الثاني ~~التخلي عن خواطر الاستغناء عنه بالتبرىء من الحول والقوة تجاه عظمته بما ~~تضمنه { وإياك نستعين } . الثالث الرغبة في التحلي بالرشد والاهتداء بما ~~تضمنه { اهدنا الصراط المستقيم } . الرابع الرغبة في التحلي بالأسوة الحسنة ~~بما تضمنه { صراط الذين أنعمت عليهم } . الخامس التهمم بالسلامة من الضلال ~~الصريح بما تضمنه { غير المغضوب عليهم } . السادس التهمم بسلامة تفكيرهم من ~~الاختلاط بشبهات الباطل المموه بصورة الحق وهو المسمى بالضلال لأن الضلال ~~خطأ الطريق المقصود بما تضمنه { ولا الضالين } . # وأنت إذا افتقدت أصول نجاح المرشد في إرشاده والمسترشد في تلقيه على ~~كثرتها وتفاريعها وجدتها عاكفة حول هذه الأركان الستة فكن في استقصائها ~~لبيبا . وعسى أن أزيدك من تفصيلها قريبا . وإن الذي لقن أهل القرآن ما فيه ~~جماع طرائق الرشد بوجه لا يحيط به غير علام الغيوب لم يهمل إرشادهم إلى ~~التحلي بزينة الفضائل وهي أن يقدروا النعمة حق قدرها بشكر المنعم بها ~~فأراهم كيف يتوجون مناجاتهم بحمد واهب العقل ومانح التوفيق ، ولذلك كان ~~افتتاح كل كلام مهم بالتحميد سنة الكتاب المجيد . فسورة الفاتحة بما تقرر ~~منزلة من القرآن منزلة PageV01P152 الديباجة للكتاب أو المقدمة للخطبة ، ~~وهذا الأسلوب له شأن عظيم في صناعة الأدب العربي وهو أعون للفهم وأدعى ~~للوعي . # وقد رسم أسلوب الفاتحة للمنشئين ثلاث قواعد للمقدمة : القاعدة الأولى ms0158 ~~إيجاز المقدمة لئلا تمل نفوس السامعين بطول انتظار المقصود وهو ظاهر في ~~الفاتحة ، وليكون سنة للخطباء فلا يطيلوا المقدمة كي لا ينسبوا إلى العي ~~فإنه بمقدار ما تطال المقدمة يقصر الغرض ، ومن هذا يظهر وجه وضعها قبل ~~السور الطوال مع أنها سورة قصيرة . الثانية أن تشير إلى الغرض المقصود وهو ~~ما يسمى براعة الاستهلال لأن ذلك يهيىء السامعين لسماع تفصيل ما سيرد عليهم ~~فيتأهبوا لتلقيه إن كانوا من أهل التلقي فحسب ، أو لنقده وإكماله إن كانوا ~~في تلك الدرجة ، ولأن ذلك يدل على تمكن الخطيب من الغرض وثقته بسداد رأيه ~~فيه بحيث ينبه السامعين لوعيه ، وفيه سنة للخطباء ليحيطوا بأغراض كلامهم . ~~وقد تقدم بيان اشتمال الفاتحة على هذا عند الكلام على وجه تسميتها أم ~~القرآن . الثالثة أن تكون المقدمة من جوامع الكلم وقد بين ذلك علماء البيان ~~عند ذكرهم المواضع التي ينبغي للمتكلم أن يتأنق فيها . الرابع أن تفتتح ~~بحمد الله . # إن القرآن هدى للناس وتبيانا للأحكام التي بها إصلاح الناس في عاجلهم ~~وآجلهم ومعاشهم ومعادهم ولما لم يكن لنفوس الأمة اعتياد بذلك لزم أن يهيأ ~~المخاطبون بها إلى تلقيها ويعرف تهيؤهم بإظهارهم استعداد النفوس بالتخلي عن ~~كل ما من شأنه أن يعوق عن الانتفاع بهاته التعاليم النافعة وذلك بأن يجردوا ~~نفوسهم عن العناد والمكابرة وعن خلط معارفهم بالأغلاط الفاقرة ، فلا مناص ~~لها قبل استقبال تلك الحكمة والنظر من الاتسام بميسم الفضيلة والتخلية عن ~~السفاسف الرذيلة . # فالفاتحة تضمنت مناجاة للخالق جامعة التنزه عن التعطيل والإلحاد والدهرية ~~بما تضمنه قوله : { ملك يوم الدين } ، وعن الإشراك بما تضمنه { إياك نعبد ~~وإياك نستعين } ، وعن المكابرة والعناد بما تضمنه { اهدنا الصراط المستقيم ~~صراط الذين أنعمت عليهم } فإن طلب الهداية اعتراف بالاحتياج إلى العلم ، ~~ووصف الصراط بالمستقيم اعتراف بأن من العلم ما هو حق ومنه ما هو مشوب بشبه ~~وغلط ، ومن اعترف بهذين الأمرين فقد أعد نفسه لاتباع أحسنهما ، وعن ~~الضلالات التي تعتري العلوم الصحيحة والشرائع الحقة فتذهب بفائدتها ~~PageV01P153 وتنزل صاحبها إلى دركة أقل مما ms0159 وقف عنده الجاهل البسيط ، وذلك ~~بما تضمنه قوله : { غير المغضوب عليهم ولا الضالين } كما أجملناه قريبا ، ~~ولأجل هذا سميت هاته السورة أم القرآن كما تقدم . # ولما لقن المؤمنون هاته المناجاة البديعة التي لا يهتدي إلى الإحاطة بها ~~في كلامه غير علام الغيوب سبحانه قدم الحمد عليها ليضعه المناجون كذلك في ~~مناجاتهم جريا على طريقة بلغاء العرب عند مخاطبة العظماء أن يفتتحوا خطابهم ~~إياهم وطلبتهم بالثناء والذكر الجميل . قال أمية ابن أبي الصلت يمدح عبد ~~الله بن جدعان : # أأذكر حاجتي أم قد كفاني # حياؤك إن شيمتك الحياء # إذا أثنى عليك المرء يوما # كفاه عن تعرضه الثناء # فكان افتتاح الكلام بالتحميد سنة الكتاب المجيد لكل بليغ مجيد ، فلم يزل ~~المسلمون من يومئذ يلقبون كل كلام نفيس لم يشتمل في طالعه على الحمد ~~بالأبتر أخذا من حديث أبي هريرة عن النبيء صلى الله عليه وسلم ( كل أمر ذي ~~بال لا يبدأ فيه بالحمد لله أو بالحمد فهو أقطع ) . وقد لقبت خطبة زياد ابن ~~أبي سفيان التي خطبها بالبصرة بالبتراء لأنه لم يفتتحها بالحمد ، وكانت ~~سورة الفاتحة لذلك منزلة من القرآن منزلة الديباجة للكتاب أو المقدمة ~~للخطبة ، ولذلك شأن مهم في صناعة الإنشاء فإن تقديم المقدمة بين يدي ~~المقصود أعود للأفهام وأدعى لوعيها . # و ( الحمد ) هو الثناء على الجميل أي الوصف الجميل الاختياري فعلا كان ~~كالكرم وإغاثة الملهوف أم غيره كالشجاعة . وقد جعلوا الثناء جنسا للحمد فهو ~~أعم منه ولا يكون ضده . فالثناء الذكر بخير مطلقا وشذ من قال يستعمل الثناء ~~في الذكر مطلقا ولو بشر ، ونسبا إلى ابن القطاع وغره في ذلك ما رود في ~~الحديث وهو قوله صلى الله عليه وسلم ( من أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنة ~~ومن أثنيتم عليه شرا وجبت له النار ) وإنما هو مجاز دعت إليه المشاكلة ~~اللفظية والتعريض بأن من كان متكلما في مسلم فليتكلم بثناء أو ليدع ، فسمى ~~ذكرهم بالشر ثناء PageV01P154 تنبيها على ذلك . وأما الذي يستعمل في الخير ~~والشر فهو النثاء بتقديم النون وهو في ms0160 الشر أكثر كما قيل . # وأما المدح فقد اختلف فيه فذهب الجمهور إلى أن المدح أعم من الحمد فإنه ~~يكون على الوصف الاختياري وغيره . وقال صاحب ( الكشاف ) الحمد والمدح أخوان ~~فقيل أراد أخوان في الاشتقاق الكبير نحوجبذ وجذب ، وإن ذلك اصطلاح له في ( ~~الكشاف ) في معنى أخوة اللفظين لئلا يلزم من ظاهر كلامه أن المدح يطلق على ~~الثناء على الجميل الاختياري ، لكن هذا فهم غير مستقيم والذي عليه المحققون ~~من شراح ( الكشاف ) أنه أراد من الأخوة هنا الترادف لأنه ظاهر كلامه ؛ ~~ولأنه صريح قوله في ( الفائق ) : ( الحمد هو المدح والوصف بالجميل ) ولأنه ~~ذكر الذم نقيضا للحمد إذ قال في ( الكشاف ) : ( والحمد نقيضه الذم ) مع ~~شيوع كون الذم نقيضا للمدح ، وعرف علماء اللغة أن يريدوا من النقيض المقابل ~~لا ما يساوي النقيض حتى يجاب بأنه أراد من النقيض ما لا يجامع المعنى والذم ~~لا يجامع الحمد وإن لم يكن معناه رفع معنى الحمد بل رفع معنى المدح إلا أن ~~نفي الأعم وهو المدح يستلزم نفي الأخص وهو الحمد لأن هذا لا يقصده علماء ~~اللغة ، يعني وإن اغتفر مثله في استعمال العرب كقول زهير : # ومن يجعل المعروف في غير أهله # يكن حمده ذما عليه ويندم # لأن كلام العلماء مبني على الضبط والتدقيق . # ثم اختلف في مراد صاحب ( الكشاف ) من ترادفهما هل هما مترادفان في ~~تقييدهما بالثناء على الجميل الاختياري ؟ أو مترادفان في عدم التقييد ~~بالاختياري ، وعلى الأول حمله السيد الشريف وهو ظاهر كلام سعد الدين . ~~واستدل السيد بأنه صرح بذلك في قوله تعالى : { ولكن الله حبب إليكم الإيمان ~~} ( الحجرات : 7 ) إذ قال : ( فإن قلت فإن العرب تمدح بالجمال وحسن الوجوه ~~وهو مدح مقبول عند الناس ، قلت الذي سوغ ذلك أنهم رأوا حسن الرواء ووسامة ~~المنظر في الغالب يسفر عن مخبر مرضض وأخلاق محمودة على أن من محققة الثقات ~~وعلماء المعاني من دفع صحة ذلك وخطأ المادح به وقصر المدح على النعت بأمهات ~~الخير وهي كالفصاحة والشجاعة والعدل والعفة وما يتشعب عنها ) ا ه ms0161 . وعلى ~~المحمل الثاني وهو أن يكون قصد من الترادف إلغاء قيد الاختياري في كليهما ~~حمله المحقق عبد الحكيم السلكوتي في ( حواشي التفسير ) فرضا أو نقلا لا ~~ترجيحا بناء على أنه ظاهر كلامه في ( الكشاف ) و ( الفائق ) إذ ألغى قيد ~~الاختياري في تفسير المدح بالثناء على الجميل وجعلهما مع ذلك مترادفين . ~~PageV01P155 # وبهذا يندفع الإشكال عن حمدنا الله تعالى على صفاته الذاتية كالعلم ~~والقدرة دون صفات الأفعال وإن كان اندفاعه على اختيار الجمهور أيضا ظاهرا ؛ ~~فإن ما ورد عليهم من أن مذهبهم يستلزم أن لا يحمد الله تعالى على صفاته ~~لأنها ذاتية فلا توصف بالاختيار إذ الاختيار يستلزم إمكان الاتصاف ، وقد ~~أجابوا عنه إما بأن تلك الصفات العلية نزلت منزلة الاختيارية لاستقلال ~~موصوفها ، وإما بأن ترتب الآثار الاختيارية عليها يجعلها كالاختيارية ، ~~وإما بأن المراد بالاختيارية أن يكون المحمود فاعلا بالاختيار وإن لم يكن ~~المحمود عليه اختياريا . # وعندي أن الجواب أن نقول إن شرط الاختياري في حقيقة الحمد عند مثبته ~~لإخراج الصفات غير الاختيارية لأن غير الاختياري فينا ليس من صفات الكمال ~~إذ لا تترتب عليها الآثار الموجبة للحمد ، فكان شرط الاختيار في حمدنا ~~زيادة في تحقق كمال المحمود ، أما عدم الاختيار المختص بالصفات الذاتية ~~الإلاهية فإنه ليس عبارة عن نقص في صفاته ولكنه كمال نشأ من وجوب الصفة ~~للذات لقدم الصفة فعدم الاختيار في صفات الله تعالى زيادة في الكمال لأن ~~أمثال تلك الصفات فينا لا تكون واجبة للذات ملازمة لها فكان عدم الاختيار ~~في صفات الله تعالى دليلا على زيادة الكمال وفينا دليلا على النقص ، وما ~~كان نقصا فينا باعتبار ما قد يكون كمالا لله تعالى باعتبار آخر مثل عدم ~~الولد ، فلا حاجة إلى الأجوبة المبنية على التنزيل إما باعتبار الصفة أو ~~باعتبار الموصوف ، على أن توجيه الثناء إلى الله تعالى بمادة ( حمد ) هو ~~أقصى ما تسمى به اللغة الموضوعة لأداء المعاني المتعارفة لدى أهل تلك اللغة ~~، فلما طرأت عليهم المدارك المتعلقة بالحقائق العالية عبر لهم عنها بأقصى ~~ما يقربها من ms0162 كلامهم . # ( الحمد ) مرفوع بالابتداء في جميع القراءات المروية وقوله ( لله ) خبره ~~فلام ( لله ) متعلق بالكون والاستقرار العام كسائر المجرورات المخبر بها ~~وهو هنا من المصادر التي أتت بدلا عن أفعالها في معنى الإخبار ، فأصله ~~النصب على المفعولية المطلقة على أنه بدل من فعله وتقدير الكلام نحمد حمدا ~~لله ، فلذلك التزموا حذف أفعالها معها . قال سيبويه هذا باب ما ينصب من ~~المصادر على إضمار الفعل غير المستعمل إظهاره وذلك قولك سقيا ورعيا وخيبة ~~وبؤسا ، والحذر بدلا عن احذر فلا يحتاج إلى متعلق وأما قولهم سقيا لك نحو : # سقيا ورعيا لذاك العاتبب الزاري # فإنما هو ليبينوا المعني بالدعاء . ثم قال بعد أبواب : هذا باب ما ينتصب ~~على إضمار الفعل المتروك إظهاره من المصادر في غير الدعاء ، من ذلك قولك ~~حمدا PageV01P156 وشكرا لا كفرا وعجبا ، فإنما ينتصب هذا على إضمار الفعل ~~كأنك قلت أحمد الله حمدا وإنما اختزل الفعل هاهنا لأنهم جعلوا هذا بدلا من ~~اللفظ بالفعل كما فعلوا ذلك في باب الدعاء وقد جاء بعض هذا رفعا يبتدأ به ~~ثم يبنى عليه ( أي يخبر عنه ) ثم قال بعد باب آخر : هذا باب يختار فيه أن ~~تكون المصادر مبتدأة مبنيا عليها ما بعدها ، وذلك قولك { الحمد لله } ، ~~والعجب لك ، والويل له ، وإنما استحبوا الرفع فيه لأنه صار معرفة وهو خبر ( ~~أي غير إنشاء ) فقوي في الابتداء ( أي إنه لما كان خبرا لا دعاء وكان معرفة ~~بأل تهيأت فيه أسباب الابتداء لأن كونه في معنى الإخبار يهيىء جانب المعنى ~~للخبرية وكونه معرفة يصحح أن يكون مبتدأ ) بمنزلة عبد الله ، والرجل ، ~~والذي تعلم ( من المعارف ) لأن الابتداء إنما هو خبر وأحسنه إذا اجتمع ~~معرفة ونكرة أن تبدأ بالأعرف وهو أصل الكلام . وليس كل حرف ( أي تركيب ) ~~يصنع به ذاك ، كما أنه ليس كل حرف ( أي كلمة من هذه المصادر ) يدخل فيه ~~الألف واللام ، فلو قلت السقي لك والرعي لك لم يجز ( يعني يقتصر فيه على ~~السماع ) . واعلم أن { الحمد لله } وإن ابتدأته ففيه معنى المنصوب ms0163 وهو بدل ~~من اللفظ بقولك أحمد الله . وسمعنا ناسا من العرب كثيرا يقولون : التراب لك ~~والعجب لك ، فتفسير نصب هذا كتفسيره حيث كان نكرة ، كأنك قلت حمدا وعجبا ، ~~ثم جئت بلك لتبين من تعني ولم تجعله مبنيا عليه فتبتدئه ) . انتهى كلام ~~سيبويه باختصار . وإنما جلبناه هنا لأنه أفصح كلام عن أطوار هذا المصدر في ~~كلام العرب واستعمالهم ، وهو الذي أشار له صاحب ( الكشاف ) بقوله : ( وأصله ~~النصب بإضمار فعله على أنه من المصادر التي ينصبها العرب بأفعال مضمرة في ~~معنى الإخبار كقولهم شكرا ، وكفرا ، وعجبا ، ينزلونها منزلة أفعالها ويسدون ~~بها مسدها ، ولذلك لا يستعملونها معها والعدول بها عن النصب إلى الرفع على ~~الابتداء للدلالة على ثبات المعنى ) الخ . # ومن شأن بلغاء العرب أنهم لا يعدلون عن الأصل إلا وهم يرمون إلى غرض ~~عدلوا لأجله ، والعدول عن النصب هنا إلى الرفع ليتأتى لهم الدلالة على ~~الدوام والثبات بمصير الجملة اسمية ؛ والدلالة على العموم المستفاد في ~~المقام من أل الجنسية ، والدلالة على الاهتمام المستفاد من التقديم . وليس ~~واحد من هذه الثلاثة بممكن الاستفادة لو بقي المصدر منصوبا إذ النصب يدل ~~على الفعل المقدر والمقدر كالملفوظ فلا تكون الجملة اسمية إذ الاسم فيها ~~نائب PageV01P157 عن الفعل فهو ينادي على تقدير الفعل فلا يحصل الدوام . ~~ولأنه لا يصح معه اعتبار التقديم فلا يحصل الاهتمام . ولأنه وإن صح اجتماع ~~الألف واللام مع النصب كما قرىء بذلك وهي لغة تميم كما قال سيبويه فالتعريف ~~حينئذ لا يكون دالا على عموم المحامد لأنه إن قدر الفعل أحمد بهمزة المتكلم ~~فلا يعم إلا تحميدات المتكلم دون تحميدات جميع الناس ، وإن قدر الفعل نحمد ~~وأريد بالنون جميع المؤمنين بقرينة { اهدنا الصراط المستقيم } وبقرينة { ~~إياك نعبد } فإنما يعم محامد المؤمنين أو محامد الموحدين كلهم ، كيف وقد ~~حمد أهل الكتاب الله تعالى وحمده العرب في الجاهلية . قال أمية بن أبي ~~الصلت : # الحمد لله حمدا لا انقطاع له # فليس إحسانه عنا بمقطوع # أما إذا صار الحمد غير جار على فعل فإنه يصير الإخبار ms0164 عن جنس الحمد بأنه ~~ثابت لله فيعم كل حمد كما سيأتي . فهذا معنى ما نقل عن سيبويه أنه قال : إن ~~الذي يرفع الحمد يخبر أن الحمد منه ومن جميع الخلق والذي ينصب يخبر أن ~~الحمد منه وحده لله تعالى . # واعلم أن قراءة النصب وإن كانت شاذة إلا أنها مجدية هنا لأنها دلت على ~~اعتبار عربي في تطور هذا التركيب المشهور ، وأن بعض العرب نطقوا به في حال ~~التعريف ولم ينسوا أصل المفعولية المطلقة . فقد بان أن قوله { الحمد لله } ~~أبلغ من { الحمد لله } بالنصب ، وأن { الحمد لله } بالنصب والتعريف أبلغ من ~~حمدا لله بالتنكير . وإنما كان { الحمد لله } بالرفع أبلغ لأنه دال على ~~الدوام والثبات . قال في ( الكشاف ) : ( إن العدول عن النصب إلى الرفع ~~للدلالة على ثبات المعنى واستقراره ومنه قوله تعالى : { قالوا سلاما قال ~~سلام } ( الذاريات : 25 ) رفع السلام الثاني للدلالة على أن إبراهيم عليه ~~السلام حياهم بتحية أحسن من تحيتهم ) ا ه . # فإن قلت وقع الاهتمام بالحمد مع أن ذكر اسم الله تعالى أهم فكان الشأن ~~تقديم اسم الله تعالى وإبقاء الحمد غير مهتم به حتى لا يلجأ إلى تغييره عن ~~النصب إلى الرفع لأجل هذا الاهتمام ، قلت قدم الحمد لأن المقام هنا مقام ~~الحمد إذ هو ابتداء أولى النعم بالحمد وهي نعمة تنزيل القرآن الذي فيه نجاح ~~الدارين ، فتلك المنة من أكبر ما يحمد الله عليه من جلائل صفات الكمال لا ~~سيما وقد اشتمل القرآن على كمال المعنى واللفظ والغاية فكان خطوره عند ~~ابتداء سماع إنزاله وابتداء تلاوته مذكرا بما لمنزله تعالى من الصفات ~~الجميلة ، وذلك يذكر بوجوب حمده وأن لا يغفل عنه فكان المقام مقام الحمد لا ~~محالة ، فلذلك قدم وأزيل عنه ما يؤذن بتأخره لمنافاته PageV01P158 الاهتمام ~~، ثم إن ذلك الاهتمام تأتى به اعتبار الاهتمام بتقديمه أيضا على ذكر الله ~~تعالى اعتدادا بأهمية الحمد العارضة في المقام وإن ذكر الله أهم في نفسه ~~لأن الأهمية العارضة تقدم على الأهمية الأصلية لأنها أمر يقتضيه المقام ~~والحال والآخر ms0165 يقتضيه الواقع ، والبلاغة هي المطابقة لمقتضى الحال والمقامم ~~، ولأن ما كان الاهتمام به لعارض هو المحتاج للتنبيه على عارضه إذ قد يخفى ~~، بخلاف الأمر المعروف المقرر فلا فائدة في التنبيه عليه بل ولا يفيته ~~التنبيه على غيره . # فإن قلت كيف يصح كون تقديم الحمد وهو مبتدأ مؤذنا بالاهتمام مع أنه الأصل ~~، وشأن التقديم المفيد للاهتمام هو تقديم ما حقه التأخير ؟ # قلت لو سلم ذلك فإن معنى تقديمه هو قصد المتكلم للإتيان به مقدما مع ~~إمكان الإتيان به مؤخرا ؛ لأن للبلغاء صيغتين متعارفتين في حمد الله تعالى ~~إحداهما { الحمد الله } كما في الفاتحة والأخرى { لله } كما في سورة ~~الجاثية ( 36 ) . # وأما قصد العموم فسيتضح عند بيان معنى التعريف فيه . # والتعريف فيه بالألف واللام تعريف الجنس لأن المصدر هنا في الأصل عوض عن ~~الفعل فلا جرم أن يكون الدال على الفعل والساد مسده دالا على الجنس فإذا ~~دخل عليه اللام فهو لتعريف مدلوله لأن اللام تدل على التعريف للمسمى فإذا ~~كان المسمى جنسا فاللام تدل على تعريفه . ومعنى تعريف الجنس أن هذا الجنس ~~هو معروف عند السامع فإذا قلت الحمد لله أو العجب لك فكأنك تريد أن هذا ~~الجنس معروف لديك ولدى مخاطبك لا يلتبس بغيره كما أنك إذا قلت الرجل وأردت ~~معينا في تعريف العهد النحوي فإنك تريد أن هذا الواحد من الناس معروف بينك ~~وبين مخاطبك فهو في المعنى كالنكرة من حيث إن تعريف الجنس ليس معه كبير ~~معنى إذ تعين الجنس من بين بقية الأجناس حاصل بذكر لفظه الدال عليه لغة وهو ~~كاف في عدم الدلالة على غيره ، إذ ليس غيره من الأجناس بمشارك له في اللفظ ~~ولا متوهم دخوله معه في ذهن المخاطب بخلاف تعريف العهد الخارجي فإنه يدل ~~على واحد معين بينك وبين مخاطبك من بين بقية أفراد الجنس التي يشملها اللفظ ~~، فلا يفيد هذا التعريف أعني تعريف الجنس إلا توكيد اللفظ وتقريره وإيضاحه ~~للسامع ؛ لأنك PageV01P159 لما جعلته معهودا فقد دللت على أنه واضح ظاهر ، ~~وهذا يقتضي ms0166 الاعتناء بالجنس وتقريبه من المعروف المشهور ، وهذا معنى قول ~~صاحب ( الكشاف ) : ( وهو نحو التعريف في أرسلها العراك ومعناه الإشارة إلى ~~ما يعرفه كل أحد من أن الحمد ما هو والعراك ما هو من بين أجناس الأفعال ) ~~وهو مأخوذ من كلام سيبويه . # وليست لام التعريف هنا للاستغراق لما علمت أنها لام الجنس ولذلك قال صاحب ~~( الكشاف ) : ( والاستغراق الذي توهمه كثير من الناس وهم منهم ) غير أن ~~معنى الاستغراق حاصل هنا بالمثال لأن الحكم باختصاص جنس الحمد به تعالى ~~لوجود لام تعريف الجنس في قوله : { الحمد } ولام الاختصاص في قوله : { لله ~~} يستلزم انحصار أفراد الحمد في التعلق باسم الله تعالى لأنه إذا اختص ~~الجنس اختصت الأفراد ؛ إذ لو تحقق فرد من أفراد الحمد لغير الله تعالى ~~لتحقق الجنس في ضمنه فلا يتم معنى اختصاص الجنس المستفاد من لام الاختصاص ~~الداخلة على اسم الجلالة ، ثم هذا الاختصاص اختصاص ادعائي فهو بمنزلة القصر ~~الادعائي للمبالغة . # واللام في قوله تعالى : { لله } يجوز أن يكون للاختصاص على أنه اختصاص ~~ادعائي كما مر ، ويجوز أن يكون لام التقوية قوت تعلق العامل بالمفعول لضعف ~~العامل بالفرعية وزاده التعريف باللام ضعفا لأنه أبعد شبهه بالأفعال ، ولا ~~يفوت معنى الاختصاص لأنه قد استفيد من تعريف الجزأين . # هذا وقد اختلف في أن جملة ( الحمد ) هل هي خبر أو إنشاء ؟ فإن لذلك مزيد ~~تعلق بالتفسير لرجوعه إلى المعنى بقول القائل ( الحمد لله ) . # وجماع القول في ذلك أن الإنشاء قد يحصل بنقل المركب من الخبرية إلى ~~الإنشاء وذلك كصيغ العقود مثل بعت واشتريت ، وكذلك أفعال المدح والذم ~~والرجاء كعسى ونعم وبئس وهذا الأخير قسمان منه ما استعمل في الإنشاء مع ~~بقاء استعماله في الخبر ومنه ما خص بالإنشاء فالأول كصيغ العقود فإنها ~~تستعمل أخبارا تقول بعت الدار لزيد التي أخبرتك بأنه ساومني إياها ~~PageV01P160 فهذا خبر ، وتقول بعت الدار لزيد أو بعتك الدار بكذا فهذا ~~إنشاء بقرينة أنه جاء للإشهاد أو بقرينة إسناد الخبر للمخاطب مع أن المخبر ~~عنه حال من أحواله ، والثاني كنعم ms0167 وعسى . # فإذا تقرر هذا فقد اختلف العلماء في أن جملة { الحمد لله } هل هي إخبار ~~عن ثبوت { الحمد لله } أو هي إنشاء ثناء عليه إلى مذهبين ، فذهب فريق إلى ~~أنها خبر ، وهؤلاء فريقان منهم من زعم أنها خبر باق على الخبرية ولا إشعار ~~فيه بالإنشائية ، وأورد عليه أن المتكلم بها لا يكون حامدا لله تعالى مع أن ~~القصد أنه يثني ويحمد الله تعالى ، وأجيب بأن الخبر بثبوت الحمد له تعالى ~~اعتراف بأنه موصوف بالجميل إذ الحمد هو عين الوصف بالجميل ، ويكفي أن يحصل ~~هذا الوصف من الناس وينقله المتكلم . ويمكن أن يجاب أيضا بأن المخبر داخل ~~في عموم خبره عند الجمهور من أهل أصول الفقه . وأجيب أيضا بأن كون المتكلم ~~حامدا قد يحصل بالالتزام من الخبر يريدون أنه لازم عرفي لأن شأن الأمر الذي ~~تضافر عليه الناس قديما أن يقتدي بهم فيه غيرهم من كل من علمه ، فإخبار ~~المتكلم بأنه علم ذلك يدل عرفا على أنه مقتد بهم في ذلك هذا وجه اللزوم ، ~~وقد خفي على كثير أي فيكون مثل حصول لازم الفائدة من الخبر المقررة في علم ~~المعاني ، مثل قولك سهرت الليلة وأنت تريد أنك علمت بسهره ، فلا يلزم أن ~~يكون ذلك إنشاء لأن التقدير على هذا القول أن المتكلم يخبر عن كونه حامدا ~~كما يخبر عن كون جميع الناس حامدين فهي خبر لا إنشاء والمستفاد منها بطريق ~~اللزوم معنى إخباري أيضا . ويرد على هذا التقدير أيضا أن حمد المتكلم يصير ~~غير مقصود لذاته بل حاصلا بالتبع مع أن المقام مقام حمد المتكلم لا حمد ~~غيره من الناس ، وأجيب بأن المعنى المطابقي قد يؤتى به لأجل المعنى ~~الالتزامي لأنه وسيلة له ، ونظيره قولهم طويل النجاد والمراد طول القامة ~~فإن طول النجاد أتى به ليدل على معنى طول القامة . # وذهب فريق ثان إلى أن جملة { الحمد لله } هي خبر لا محالة إلا أنه أريد ~~منه الإنشاء مع اعتبار الخبرية كما يراد من الخبر إنشاء التحسر والتحزن في ~~نحو : { إني وصعتها ms0168 أنثى } ( آل عمران : 36 ) وقول جعفر بن علبة الحارثي : # هواي مع الركبب اليمانين مصعد # فيكون المقصد الأصلي هو الإنشاء ولكن العدول إلى الإخبار لما يتأتى ~~بواسطة الإخبار من الدلالة على استغراق والاختصاص والدوام والثبات ووجه ~~التلازم بين الإخبار عن حمد الناس وبين إنشاء الحمد واضح مما علمته في وجه ~~التلازم على التقرير الأول ، بل هو هنا أظهر لأن المخبر عن حمد الناس ~~PageV01P161 لله تعالى لا جرم أنه منشىء ثناء عليه بذلك ، وكون المعنى ~~الالتزامي في الكناية هو المقصود دون المعنى المطابقي أظهر منه في اعتبار ~~الخبرية المحضة لما عهد في الكناية من أنها لفظ أريد به لازم معناه مع جواز ~~إرادة الأصل معه ، فدل على أن المعنى الأصلي إما غير مراد أو مراد تبعا لأن ~~مع تدخل على المتبوع . # المذهب الثاني أن جملة { الحمد لله } إنشاء محض لا إشعار له بالخبرية ، ~~على أنها من الصيغ التي نقلتها العرب من الإخبار إلى إنشاء الثناء كما نقلت ~~صيغ العقود وأفعال المدح والذم أي نقلا مع عدم إماتة المعنى الخبري في ~~الاستعمال ، فإنك قد تقول الحمد لله جوابا لمن قال لمن الحمد أو من أحمد ~~ولكن تعهد المعنى الأصلي ضعيف فيحتاج إلى القرينة . والحق الذي لا محيد عنه ~~أن الحمد لله خبر مستعمل في الإنشاء فالقصد هو الإنشائية لا محالة ، وعدل ~~إلى الخبرية لتحمل جملة الحمد من الخصوصيات ما يناسب جلالة المحمود بها من ~~الدلالة على الدوام والثبات والاستغراق والاختصاص والاهتمام ، وشيء من ذلك ~~لا يمكن حصوله بصيغة إنشاء نحو حمدا لله أو أحمد الله حمدا ومما يدل على ~~اعتبار العرب إياها إنشاء لا خبرا قول ذي الرمة : # ولما جرت في الجزل جريا كأنه # سنا الفجر أحدثنا لخالقها شكرا # فعبر عن ذكر لفظ الحمد أو الشكر بالإحداث ، والإحداث يرادف الإنشاء لغة ~~فقوله أحدثنا خبر حكى به ما عبر عنه بالإحداث وهو حمده الواقع حين التهابها ~~في الحطب . # والله هو اسم الذاتت الواجبب الوجود المستحق لجميع المحامد . وأصل هذا ~~الاسم الإلاه بالتعريف وهو تعريف ms0169 إلاه الذي هو اسم جنس للمعبود مشتق من أله ~~بفتح اللام بمعنى عبد ، أو من أله بكسر اللام بمعنى تحير أو سكن أو فزع أو ~~ولع مما يرجع إلى معنى هو ملزوم للخضوع والتعظيم فهو فعال بكسر الفاء بمعنى ~~مفعول مثل كتاب ، أطلقه العرب على كل معبود من أصنامهم لأنهم يرونها حقيقة ~~بالعبادة ولذلك جمعوه على آلهة بوزن أفعلة مع تخفيف الهمزة الثانية مدة ، ~~وأحسب أن اسمه تعالى تقرر في لغة العرب قبل دخول PageV01P162 الإشراك فيهم ~~فكان أصل وضعه دالا على انفراده بالألوهية إذ لا إلاه غيره فلذلك صار علما ~~عليه ، وليس ذلك من قبيل العلم بالغلبة بل من قبيل العلم بالانحصار مثل ~~الشمس والقمر فلا بدع في اجتماع كونه اسم جنس وكونه علما ، ولذلك أرادوا به ~~المعبود بحق ردا على أهل الشرك قبل دخول الشرك في العرب وإننا لم نقف على ~~أن العرب أطلقوا الإلاه معرفا باللام مفردا على أحد أصنامهم وإنما يضيفون ~~فيقولون إلاه بني فلان والأكثر أن يقولوا رب بني فلان أو يجمعون كما قالوا ~~لعبد المطلب أرضض الآلهة ، وفي حديث فتح مكة : ( وجد رسول الله البيت فيه ~~الآلهة ) . فلما اختص الإلاه بالإلاه الواحد واجبب الوجود اشتقوا له من اسم ~~الجنس علما زيادة في الدلالة على أنه الحقيق بهذا الاسم ليصير الاسم خاصا ~~به غير جائز الإطلاق على غيره سنن الأعلام الشخصية ، وأراهم أبدعوا وأعجبوا ~~إذ جعلوا علم ذاته تعالى مشتقا من اسم الجنس المؤذن بمفهوم الألوهية تنبيها ~~على أن ذاته تعالى لا تستحضر عند واضع العلم وهو الناطق الأول بهذا الاسم ~~من أهل اللسان إلا بوصف الألوهية وتنبيها على أنه تعالى أولى من يؤله ويعبد ~~لأنه خالق الجميع فحذفوا الهمزة من الإلاه لكثرة استعمال هذا اللفظ عند ~~الدلالة عليه تعالى كما حذفوا همزة الأناس فقالوا الناس ؛ ولذلك أظهروها في ~~بعض الكلام . قال البعيث بن حريث . # معاذ الإلاه أن تكون كظبية # ولا دمية ولا عقيلة ربرب PageV01P163 # كما أظهروا همزة الأناس في قول عبيد بن الأبرص الأسدي : # إن ms0170 المنايا ليطلع # ن على الأناس الآمنين # ونزل هذا اللفظ في طوره الثالث منزلة الأعلام الشخصية فتصرفوا فيه هذا ~~التصرف لينتقلوا به إلى طور جديد فيجعلوه مثل علم جديد ، وهذه الطريقة ~~مسلوكة في بعض الأعلام . قال أبو الفتح بن جني في شرح قول تأبط شرا في ~~النشيد الثالث عشر من ( الحماسة ) : # إني لمهد من ثنائي فقاصد # به لابن عم الصدق شمسس بن مالك # شمس بضم الشين وأصله شمس بفتحها كما قالوا حجر وسلمى فيكون مما غير عن ~~نظائره لأجل العلمية ا ه . وفي ( الكشاف ) في تفسير سورة أبي لهب بعد أن ~~ذكر أن من القراء من قرأ ( أبي لهب ) بسكون الهاء ما نصه وهي من تغيير ~~الأعلام كقولهم شمس بن مالك بالضم ا ه . وقال قبله : ( ولفليته بن قاسم ~~أمير مكة ابنان أحدهما عبد الله بالجر ، والآخر عبد الله بالنصب ، وكان ~~بمكة رجل يقال له عبد الله لا يعرف إلا هكذا ) ا ه . يعني بكسر دال عبد في ~~جميع أحوال إعرابه ، فهو بهذا الإيماء نوع مخصوص من العلم ، وهو أنه أقوى ~~من العلم بالغلبة لأن له لفظا جديدا بعد اللفظ المغلب . وهذه الطريقة في ~~العلمية التي عرضت لاسم الجلالة لا نظير لها في الأعلام فكان اسمه تعالى ~~غير مشابه لأسماء الحوادث كما أن مسمى ذلك الاسمم غير مماثل لمسميات أسماء ~~الحوادث . وقد دلوا على تناسيهم ما في الألف واللام من التعريف وأنهم ~~جعلوهما جزءا من الكلمة بتجويزهم نداء اسم الجلالة مع إبقاء الألف واللام ~~إذ يقولون يا الله مع أنهم يمنعون نداء مدخول الألف واللام . # وقد احتج صاحب ( الكشاف ) على كون أصله الإلاه ببيت البعيث المتقدم ، ولم ~~يقرر ناظروه وجه احتجاجه به ، وهو احتجاج وجيه لأن معاذ من المصادر التي لم ~~ترد في استعمالهم مضافة لغير اسم الجلالة ، مثل سبحان فأجريت مجرى أمثال في ~~لزومها لهاته الإضافة ، إذ تقول معاذالله فلما قال الشاعر معاذ الإلاه وهو ~~من فصحاء اللسان علمنا أنهم يعتبرون الإلاه أصلا للفظ الله ، ولذلك لم يكن ~~هذا التصرف ms0171 تغييرا إلا أنه تصرف في حروف اللفظ الواحد كاختلافف وجوه الأداء ~~مع كون اللفظ واحدا ، ألا ترى أنهم احتجوا PageV01P164 على أن لاه مخفف ~~الله بقول ذي الأصبع العدواني : # لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب # عنى ولا أنت دياني فتخزوني # وبقولهم لاه أبوك لأن هذا مما لزم حالة واحدة ، إذ يقولون لله أبوك ولله ~~ابن عمك ولله أنت . # وقد ذكرت وجوه أخر في أصل اسم الجلالة : منها أن أصله لاه مصدر لاه يليه ~~ليها إذا احتجب سمي به الله تعالى ، ثم أدخلت عليه الألف واللام للمح الأصل ~~كالفضل والمجد اسمين ، وهذا الوجه ذكر الجوهري عن سيبويه أنه جوزه . ومنها ~~أن أصله ولاه بالواو فعال بمعنى مفعول من وله إذا تحير ، ثم قلبت الواو ~~همزة لاستثقال الكسرة عليها ، كما قلبت في إعاء وإشاح ، أي وعاء ووشاح ، ثم ~~عرف بالألف واللام وحذفت الهمزة . ومنها أن أصله ( لاها ) بالسريانية علم ~~له تعالى فعرب بحذف الألف وإدخال اللام عليه . ومنها أنه علم وضع لاسم ~~الجلالة بالقصد الأولي من غير أخذ من أله وتصييره الإلاه فتكون مقاربته في ~~الصورة لقولنا الإلاه مقاربة اتفاقية غير مقصودة ، وقد قال بهذا جمع منهم ~~الزجاج ونسب إلى الخليل وسيبويه ، ووجهه بعض العلماء بأن العرب لم تهمل ~~شيئا حتى وضعت له لفظا فكيف يتأتى منهم إهمال اسم له تعالى لتجري عليه ~~صفاته . # وقد التزم في لفظ الجلالة تفخيم لامه إذا لم ينكسر ما قبل لفظه وحاول بعض ~~الكاتبين توجيه ذلك بما لا يسلم من المنع ، ولذلك أبى صاحب ( الكشاف ) ~~التعريج عليه فقال : ( وعلى ذلك ( أي التفخيم ) العرب كلهم ، وإطباقهم عليه ~~دليل أنهم ورثوه كابرا عن كابر ) . # وإنما لم يقدم المسند المجرور وهو متضمن لاسم الجلالة على المسند إليه ~~فيقال لله الحمد ، لأن المسند إليه حمد على تنزيل القرآن والتشرف بالإسلام ~~وهما منة من الله تعالى فحمده عليهما عند ابتداء تلاوة الكتاب الذي به صلاح ~~الناس في الدارين فكان المقام للاهتمام به اعتبارا لأهمية الحمد العارضة ، ~~وإن كان ذكر الله أهم ms0172 أصالة فإن الأهمية العارضة تقدم على الأهمية الأصلية ~~لاقتضاء المقام والحالل ، والبلاغة هي المطالبة لمقتضى الحال ، على أن ~~الحمد لما تعلق باسم الله تعالى كان في الاهتمام به اهتمام بشؤون الله ~~تعالى . PageV01P165 # ومن أعجب الآراء ما ذكره صاحب ( المنهل الأصفى في شرح الشفاء ) التلمساني ~~عن جمع من العلماء القول بأن اسم الجلالة يمسك عن الكلام في معناه نعظيما ~~وإجلالا ولتوقف الكلام فيه على إذن الشارع . # { رب العالمين } . # وصف لاسم الجلالة فإنه بعد أن أسند الحمد لاسم ذاته تعالى تنبيها على ~~الاستحقاق الذاتي ، عقب بالوصف وهو الرب ليكون الحمد متعلقا به أيضا لأن ~~وصف المتعلق متعلق أيضا ، فلذلك لم يقل الحمد لرب العالمين كما قال : { يوم ~~يقوم الناس لرب العالمين } ( المطففين : 6 ) ليؤذن باستحقاقه الوصفي أيضا ~~للحمد كما استحقه بذاته . # وقد أجرى عليه أربعة أوصاف هي : رب العالمين ، الرحمن ، الرحيم ، ملك يوم ~~الدين ، للإيذان بالاستحقاق الوصفي فإن ذكر هذه الأسماء المشعرة بالصفات ~~يؤذن بقصد ملاحظة معانيها الأصلية ، وهذا من المستفادات من الكلام بطريق ~~الاستتباع لأنه لما كان في ذكر الوصف غنية عن ذكر الموصوف لا سيما إذا كان ~~الوصف منزلا منزلة الاسم كأوصافه تعالى وكان في ذكر لفظ الموصوف أيضا غنية ~~في التنبيه على استحقاق الحمد المقصود من الجملة علمنا أن المتكلم ما جمع ~~بينهما إلا وهو يشير إلى أن كلا مدلولي الموصوف والصفة جدير بتعلق الحمد له ~~مع ما في ذكر أوصافه المختصة به من التذكير بما يميزه عن الآلاهة المزعومة ~~عند الأمم من الأصنام والأوثان والعناصر كما سيأتي عند قوله تعالى : { ملك ~~يوم الدين } . # والرب إما مصدر وإما صفة مشبهة على وزن فعل من ربه يربه بمعنى رباه وهو ~~رب بمعنى مرب وسائس . والتربية تبليغ الشيء إلى كماله تدريجا ، ويجوز أن ~~يكون من ربه بمعنى ملكه ، فإن كان مصدرا على الوجهين فالوصف به للمبالغة ، ~~وهو ظاهر ، وإن كان صفة مشبهة على الوجهين فهي واردة على القليل في أوزان ~~الصفة المشبهة فإنها لا تكون على فعل من فعل يفعل إلا ms0173 قليلا ، من ذلك قولهم ~~نم الحديث ينمه فهو نم للحديث . # والأظهر أنه مشتق من ربه بمعنى رباه وساسه ، لا من ربه بمعنى ملكه لأن ~~الأول الأنسب بالمقام هنا إذ المراد أنه مدبر الخلائق وسائس أمورها ومبلغها ~~غاية كمالها ، ولأنه لو حمل على معنى المالك لكان قوله تعالى بعد ذلك { ملك ~~يوم الدين } كالتأكيد والتأكيد خلاف الأصل ولا داعي PageV01P166 إليه هنا ، ~~إلا أن يجاب بأن العالمين لا يشمل إلا عوالم الدنيا ، فيحتاج إلى بيان أنه ~~ملك الآخرة كما أنه ملك الدنيا ، وإن كان الأكثر في كلام العرب ورود الرب ~~بمعنى الملك والسيد وذلك الذي دعا صاحب ( الكشاف ) إلى الاقتصار على معنى ~~السيد والملك وجوز فيه وجهي المصدرية والصفة ، إلا أن قرينة المقام قد تصرف ~~عن حمل اللفظ على أكثر موارده إلى حمله على ما دونه فإن كلا الاستعمالين ~~شهير حقيقي أو مجازي والتبادر العارض من المقام المخصوص لا يقضي بتبادر ~~استعماله في ذلك المعنى في جميع المواقع كما لا يخفي . والعرب لم تكن تخص ~~لفظ الرب به تعالى لا مطلقا ولا مقيدا لما علمت من وزنه واشتقاقه . قال ~~الحرث بن حلزة : # وهو الرب والشهيد على يو # م الحيارين والبلاء بلاء # يعني عمرو بن هند . وقال النابغة في النعمان بن الحارث : # تخب إلى النعمان حتى تناله # فدى لك من رب طريفي وتالدي # وقال في النعمان بن المنذر حين مرض : # ورب عليه الله أحسن صنعه # وكان له على البرية ناصرا # وقال صاحب ( الكشاف ) ومن تابعه : إنه لم يطلق على غيره تعالى إلا مقيدا ~~أو لم يأتوا على ذلك بسند وقد رأيت أن الاستعمال بخلافه ، أما إطلاقه على ~~كل من آلهتهم فلا مرية فيه كما قال غاوي بن ظالم أو عباس بن مرداس : # أرب يبول الثعلبان برأسه # لقد هان من بالت عليه الثعالب # وسموا العزى الربة . وجمعه على أرباب أدل دليل على إطلاقه على متعدد فكيف ~~تصح دعوى تخصيص إطلاقه عندهم بالله تعالى ؟ وأما إطلاقه مضافا أو متعلقا ~~بخاص فظاهر وروده بكثرة نحو رب ms0174 الدار ورب الفرس ورب بني فلان . # وقد ورد الإطلاق في الإسلام أيضا حين حكى عن يوسف عليه السلام قوله : { ~~إنه ربي أحسن مثواي } ( يوسف : 23 ) إذا كان الضمير راجعا إلى العزيز وكذا ~~قوله : { أأرباب متفرقون خير } ( يوسف : 39 ) فهذا إطلاق للرب مضافا وغير ~~مضاف على غير الله تعالى في الإسلام لأن اللفظ عربي أطلق في الإسلام ، وليس ~~يوسف أطلق هذا اللفظ بل أطلق مرادفه فلو لم يصح التعبير بهذا اللفظ عن ~~المعنى الذي عبر به يوسف لكان في غيره من ألفاظ العربية معدل ، إنما ورد في ~~الحديث النهي عن أن يقول PageV01P167 أحد لسيده ربي وليقل سيدي ، وهو نهي ~~كراهة للتأديب ولذلك خص النهي بما إذا كان المضاف إليه ممن يعبد عرفا ~~كأسماء الناس لدفع تهمة الإشراك وقطع دابره وجوزوا أن يقول رب الدابة ورب ~~الدار ، وأما بالإطلاق فالكراهة أشد فلا يقل أحد للملك ونحوه هذا رب . # و ( العالمين ) جمع عالم قالوا ولم يجمع فاعل هذا الجمع إلا في لفظين ~~عالم وياسم ، اسم للزهر المعروف بالياسمين ، قيل جمعوه على ياسمون وياسمين ~~قال الأعشى : # وقابلنا الجل والياسم # ون والمسمعات وقصابها # والعالم الجنس من أجناس الموجودات ، وقد بنته العرب على وزن فاعل بفتح ~~العين مشتقا من العلم أو من العلامة لأن كل جنس له تميز عن غيره فهو له ~~علامة ، أو هو سبب العلم به فلا يختلط بغيره . وهذا البناء مختص بالدلالة ~~على الآلة غالبا كخاتم وقالب وطابع فجعلوا العوالم لكونها كالآلة للعلم ~~بالصانع ، أو العلم بالحقائق . ولقد أبدع العرب في هذه اللطيفة إذ بنوا اسم ~~جنس الحوادث على وزن فاعل لهذه النكتة ، ولقد أبدعوا إذ جمعوه جمع العقلاء ~~مع أن منه ما ليس بعاقل تغليبا للعاقل . # وقد قال التفتزاني في ( شرح الكشاف ) : ( العالم اسم لذوي العلم ولكل جنس ~~يعلم به الخالق ، يقال عالم الملك ، عالم الإنسان ، عالم النبات يريد أنه ~~لا يطلق بالإفراد إلا مضافا لنوع يخصصه يقال عالم الإنس عالم الحيوان ، ~~عالم النبات وليس اسما لمجموع ما سواه تعالى بحيث لا ms0175 يكون له إجراء فيمتنع ~~جمعه ) وهذا هو تحقيق اللغة فإنه لا يوجد في كلام العرب إطلاق عالم على ~~مجموع ما سوى الله تعالى ، وإنما أطلقه على هذا علماء الكلام في قولهم ~~العالم حادث فهو من المصطلحات . # والتعرف فيه للاستغراق بقرينة المقام الخطابي فإنه إذا لم يكن عهد خارجي ~~ولم يكن معنى للحمل على الحقيقة ولا على المعهود الذهني تمحض التعريف ~~للاستغراق لجميع الأفراد دفعا للتحكم فاستغراقه استغراق الأجناس الصادق هو ~~عليها لا محالة وهو معنى قول صاحب ( الكشاف ) : ( ليشمل كل جنس مما سمي به ~~) إلا أن استغراق الأجناس يستلزم استغراق أفرادها استلزاما واضحا إذ ~~الأجناس لا تقصد لذاتها لا سيما في مقام الحكم بالمربوبية عليها فإنه لا ~~معنى لمربوبية الحقائق . # وإنما جمع العالم ولم يؤت به مفردا لأن الجمع قرينة على استغراق ، لأنه ~~لو أفرد لتوهم أن PageV01P168 المراد من التعريف العهد أو الجنس فكان الجمع ~~تنصيصا على الاستغراق ، وهذه سنة الجموع مع ( ال ) الاستغراقية على التحقيق ~~، ولما صارت الجمعية قرينة على الاستغراق بطل منها معنى الجماعات فكان ~~استغراق الجموع مساويا لاستغراق المفردات أو أشمل منه . وبطل ما شاع عند ~~متابعي السكاكي من قولهم استغراق المفرد أشمل كما سنبينه عند قوله تعالى : ~~{ وعلم آدم الاسماء كلها } ( البقرة : 31 ) . # # | 2 ( 3 ) { الرحمان الرحيم } . ) 2 # وصفان مشتقان من رحم ، وفي ( تفسير القرطبي ) عن ابن الأنباري عن المبرد ~~أن الرحمن اسم عبراني نقل إلى العربية قال وأصله بالخاء المعجمة ( أي ~~فأبدلت خاؤه حاء مهملة عند أكثر العرب كشأن التغيير في التعريب ) وأنشد على ~~ذلك قول جرير يخاطب الأخطل : # أو تتركن إلى القسيس هجرتكم # ومسحكم صلبكم رخمان قربانا # ( الرواية بالخاء المعجمة ) ولم يأت المبرد بحجة على ما زعمه ، ولم لا ~~يكون الرحمن عربيا كما كان عبرانيا فإن العربية والعبرانية أختان وربما ~~كانت العربية الأصلية أقدم من العبرانية ولعل الذي جرأه على ادعاء أن ~~الرحمن اسم عبراني ما حكاه القرآن عن المشركين في قوله : { قالوا وما ~~الرحمن } ( الفرقان : 60 ) ويقتضي أن العرب لم يكونوا يعلمون هذا ms0176 الاسم لله ~~تعالى كما سيأتي بعض عرب اليمن يقولون رخم رخمة بالمعجمة . # واسم الرحمة موضوع في اللغة العربية لرقة الخاطر وانعطافه نحو حي بحيث ~~تحمل من اتصف بها على الرفق بالمرحوم والإحسان إليه ودفع الضر عنه وإعانته ~~على المشاق . فهي من الكيفيات النفسانية لأنها انفعال ، ولتلك الكيفية ~~اندفاع يحمل صاحبها على أفعال وجودية بقدر استطاعته وعلى قدر قوة انفعاله ، ~~فأصل الرحمة من مقولة الانفعال وآثارها من مقولة الفعل ، فإذا وصف موصوف ~~بالرحمة كان معناه حصول الانفعال المذكور في نفسه ، وإذا أخبر عنه بأنه رحم ~~غيره فهو على معنى صدر عنه أثر من آثار الرحمة ، إذ لا تكون تعدية فعل رحم ~~إلى المرحوم إلا على هذا المعنى فليس لماهية الرحمة جزئيات وجودية ولكنها ~~جزئيات من آثارها . فوصف الله تعالى بصفات الرحمة في اللغات ناشىء على ~~مقدار عقائد أهلها فيما يجوز على الله ويستحيل ، وكان أكثر الأمم مجسمة ثم ~~يجيء ذلك PageV01P169 في لسان الشرائع تعبيرا عن المعاني العالية بأقصى ما ~~تسمح به اللغات مع اعتقاد تنزيه الله عن أعراض المخلوقات بالدليل العام على ~~التنزيه وهو مضمون قول القرآن : { ليس كمثله شيء } ( الشورى : 11 ) فأهل ~~الإيمان إذا سمعوا أو أطلقوا وصفي الرحمن الرحيم لا يفهمون منه حصول ذلك ~~الانفعال الملحوظ في حقيقة الرحمة في متعارف اللغة العربية لسطوع أدلة ~~تنزيه الله تعالى عن الأعراض ، بل إنه يراد بهذا الوصف في جانب الله تعالى ~~إثبات الغرض الاسمي من حقيقة الرحمة وهو صدور آثار الرحمة من الرفق واللطف ~~والإحسان والإعانة ؛ لأن ما عدا ذلك من القيود الملحوظة في مسمى الرحمة في ~~متعارف الناس لا أهمية له لولا أنه لا يمكن بدونه حصول آثاره فيهم ألا ترى ~~أن المرء قد يرحم أحدا ولا يملك له نفعا لعجز أو نحوه . # وقد أشار إلى ما قلناه أبو حامد الغزالي في ( المقصد الأسنى ) بقوله : ( ~~الذي يريد قضاء حاجة المحتاج ولا يقضيها فإن كان قادرا على قضائها لم يسم ~~رحيما إذ لو تمت الإرادة لوفى بها وإن كان عاجزا فقد ms0177 يسمى رحيما باعتبار ما ~~اعتوره من الرحمة والرقة ولكنه ناقص ) . وبهذا تعلم أن إطلاق نحو هذا الوصف ~~على الله تعالى ليس من المتشابه لتبادر المعنى المراد منه بكثرة استعماله ~~وتحقق تنزه الله عن لوازم المعنى المقصود في الوضع مما لا يليق بجلال الله ~~تعالى كما نطلق العليم على الله مع التيقن بتجرد علمه عن الحاجة إلى النظر ~~والاستدلال وسبق الجهل ، وكما نطلق الحي عليه تعالى مع اليقين بتجرد حياته ~~عن العادة والتكون ، ونطلق القدرة مع اليقين بتجرد قدرته عن المعالجة ~~والاستعانة . فوصفه تعالى بالرحمان الرحيم من المنقولات الشرعية فقد أثبت ~~القرآن رحمة الله في قوله : { ورحمتي وسعت كل شيء } ( الأعراف : 156 ) فهي ~~منقولة في لسان الشرع إلى إرادة الله إيصال الإحسان إلى مخلوقاته في الحياة ~~الدنيا وغالب الأسماء الحسنى من هذا القبيل . وأما المتشابه فهو ما كانت ~~دلالته على المعنى المنزه عنه أقوى وأشد وسيأتي في سورة آل عمران ( 7 ) عند ~~قوله تعالى : { وأخر متشابهات . والذي ذهب إليه صاحب الكشاف } وكثير من ~~المحققين أن الرحمن صفة مشبهة كغضبان وبذلك مثله في ( الكشاف ) . # وفعل رحم وإن كان متعديا والصفة المشبهة إنما تصاغ من فعلل لازم إلا أن ~~الفعل المتعدي إذا صار كالسجية لموصوفه ينزل منزلة أفعال الغرائز فيحول من ~~فعل بفتح العين أو كسرها إلى فعل بضم العين للدلالة على أنه صار سجية كما ~~قالوا فقه الرجل وظرف وفهم ، ثم تشتق منه بعد ذلك الصفة المشبهة ، ومثله ~~كثير في الكلام ، وإنما يعرف هذا التحويل بأحد أمرين PageV01P170 إما بسماع ~~الفعل المحول مثل فقه وإما بوجود أثره وهو الصفة المشبهة مثل بليغ إذا صارت ~~البلاغة سجية له ، مع عدم أو قلة سماع بلغ . ومن هذا رحمان إذ لم يسمع رحم ~~بالضم . ومن النحاة من منع أن يكون الرحمن صفة مشبهة بناء على أن الفعل ~~المشتق هو منه فعل متعد وإليه مال ابن مالك في ( شرح التسهيل ) في باب ~~الصفة المشبهة ونظره برب وملك . . # وأما الرحيم فذهب سيبويه إلى أنه من أمثلة المبالغة وهو ms0178 باق على دلالته ~~على التعدي وصاحب ( الكشاف ) والجمهور لم يثبتوا في أمثلة المبالغة وزن ~~فعيل فالرحيم عندهم صفة مشبهة أيضا مثل مريض وسقيم ، والمبالغة حاصلة فيه ~~على كلا الاعتبارين . والحق ما ذهب إليه سيبويه . # ولا خلاف بين أهل اللغة في أن الوصفين دالان على المبالغة في صفة الرحمة ~~أي تمكنها وتعلقها بكثير من المرحومين وإنما الخلاف في طريقة استفادة ~~المبالغة منهما وهل هما مترادفان في الوصف بصفة الرحمة أو بينهما فارق ؟ ~~والحق أن استفادة المبالغة حاصلة من تتبع الاستعمال وأن الاستعمال جرى على ~~نكتة في مراعاة واضعي اللغة زيادة المبنى لقصد زيادة في معنى المادة قال في ~~( الكشاف ) : ( ويقولون إن الزيادة في البناء لزيادة المعنى وقال الزجاج في ~~الغضبان هو الممتلىء غضبا ومما طن على أذني من ملح العرب أنهم يسمون مركبا ~~من مراكبهم بالشقدف وهو مركب خفيف ليس في ثقل محامل العراق فقلت في طريق ~~الطائف لرجل منهم ما اسم هذا المحمل أردت المحمل العراقي فقال أليس ذاك ~~اسمه الشقندف ؟ قلت بلى فقال هذا اسمه الشقنداف فزاد في بناء الاسم لزيادة ~~المسمى ) وهي قاعدة أغلبية لا تتخلف إلا في زيادات معروفة موضوعة لزيادة ~~معنى جديد دون زيادة في أصل معنى المادة مثل زيادة ياء التصغير فقد أفادت ~~معنى زائدا على أصل المادة وليس زيادة في معنى المادة . وأما نحو حذر الذي ~~هو من أمثلة المبالغة وهو أقل حروفا من حاذر فهو من مستثنيات القاعدة لأنها ~~أغلبية . # وبعد كون كل من صفتي الرحمن الرحيم دالة على المبالغة في اتصافه تعالى ~~بالرحمة فقد قال الجمهور إن الرحمن أبلغ من الرحيم بناء على أن زيادة ~~المبنى تؤذن بزيادة المعنى وإلى ذلك مال جمهور المحققين مثل أبي عبيدة وابن ~~جني والزجاج والزمخشري وعلى رعي هذه القاعدة أعني أن زيادة المبنى تؤذن ~~بزيادة المعنى فقد شاع ورود إشكال على وجه إرداف وصفه الرحمن بوصفه بالرحيم ~~مع أن شأن أهل البلاغة إذا أجروا وصفين في معنى واحد على موصوف في مقام ~~الكمال أن يرتقوا من ms0179 الأعم إلى الأخص ومن القوي إلى الأقوى كقولهم شجاع ~~باسل PageV01P171 وجواد فياض ، وعالم نحرير ، وخطيب مصقع ، وشاعر مفلق ، ~~وقد رأيت للمفسرين في توجيه الارتقاء من الرحمن إلى الرحيم أجوبة كثيرة ~~مرجعها إلى اعتبار الرحمن أخص من الرحيم فتعقيب الأول بالثاني تعميم بعد ~~خاص ولذلك كان وصف الرحمن مختصا به تعالى وكان أول إطلاقه مما خصه به ~~القرآن على التحقيق بحيث لم يكن التوصيف به معروفا عند العرب كما سيأتي . ~~ومدلول الرحيم كون الرحمة كثيرة التعلق إذ هو من أمثلة المبالغة ولذلك كان ~~يطلق على غير الله تعالى كما في قوله تعالى في حق رسوله { بالمؤمنين رؤوف ~~رحيم } ( التوبة : 128 ) فليس ذكر إحدى الصفتين بمغن عن الأخرى : # وتقديم الرحمن على الرحيم لأن الصيغة الدالة على الإتصاف الذاتي أولى ~~بالتقديم في التوصيف من الصفة الدالة على كثرة متعلقاتها . وينسب إلى قطرب ~~أن الرحمن والرحيم يدلان على معنى واحد من الصفة المشبهة فهما متساويان ~~وجعل الجمع بينهما في الآية من قبيل التوكيد اللفظي ومال إليه الزجاج وهو ~~وجه ضعيف إذ التوكيد خلاف الأصل والتأسيس خير من التأكيد والمقام هنا بعيد ~~عن مقتضى التوكيد . وقد ذكرت وجوه في الجمع بين الصفتين ليست بمقنعة . # وقد ذكر جمهور الأئمة أن وصف الرحمن لم يطلق في كلام العرب قبل الإسلام ~~وأن القرآن هو الذي جاء به صفة لله تعالى فلذلك اختص به تعالى حتى قيل إنه ~~اسم له وليس بصفة واستدلوا على ذلك بقوله تعالى : { وإذا قيل لهم اسجدوا ~~للرحمان قالوا وما الرحمن } ( الفرقان : 60 ) وقال : { وهم يكفرون بالرحمان ~~} ( الرعد : 30 ) وقد تكرر مثل هاتين الآيتين في القرآن وخاصة في السور ~~المكية مثل سورة الفرقان وسورة الملك وقد ذكر الرحمن في سورة الملك باسمه ~~الظاهر وضميره ثماني مرات مما يفيد الاهتمام بتقرير هذا الاسم لله تعالى في ~~نفوس السامعين فالظاهر أن هذا الوصف تنوسي في كلامهم ، أو أنكروا أن يكون ~~من أسماء الله . # ومن دقائق القرآن أنه آثر اسم الرحمن في قوله : { ما يمسكهن إلا الرحمن ~~في ms0180 سورة الملك ( 19 ) ، وقال : ما يمسكهن إلا الله في سورة النحل ( 79 ) إذ ~~كانت آية سورة الملك مكية وآية سورة النحل القدر النازل بالمدينة من تلك ~~السورة ، وأما قول بعض شعراء بني حنيفة في مسيلمة : # سموت بالمجد يا ابن الأكرمين أبا # وأنت غيث الورى لا زلت رحمانا # فإنما قاله بعد مجىء الإسلام وفي أيام ردة أهل اليمامة ، وقد لقبوا ~~مسيلمة أيامئذ رحمان اليمامة وذلك من غلوهم في الكفر . وإجراء هذين الوصفين ~~العليين على اسم الجلالة بعد PageV01P172 وصفه بأنه رب العالمين لمناسبة ~~ظاهرة للبليغ لأنه بعد أن وصف بما هو مقتضى استحقاقه الحمد من كونه رب ~~العالمين أي مدبر شؤونهم ومبلغهم إلى كمالهم في الوجودين الجثماني ~~والروحاني ، ناسب أن يتبع ذلك بوصفه بالرحمان أي الذي الرحمة له وصف ذاتي ~~تصدر عنه آثاره بعموم واطراد على ما تقدم ، فلما كان ربا للعالمين وكان ~~المربوبون ضعفاء كان احتياجهم للرحمة واضحا وكان ترقبهم إياها من الموصوف ~~بها بالذات ناجحا . # فإن قلت إن الربوبية تقتضي الرحمة لأنها إبلاغ الشيء إلى كماله شيئا ~~فشيئا وذلك يجمع النعم كلها ، فلماذا احتيج إلى ذكر كونه رحمانا ؟ قلت لأن ~~الرحمة تتضمن أن ذلك الإبلاغ إلى الكمال لم يكن على وجه الإعنات بل كان ~~برعاية ما يناسب كل نوع وفرد ويلائم طوقه واستعداده ، فكانت الربوبية نعمة ~~، والنعمة قد تحصل بضرب من الشدة والأذى ، فأتبع ذلك بوصفه بالرحمان تنبيها ~~على أن تلك النعم الجليلة وصلت إلينا بطريق الرفق واليسر ونفي الحرج ، حتى ~~في أحكام التكاليف والمناهي والزواجر فإنها مرفوقة باليسر بقدر ما لا يبطل ~~المقصود منها ، فمعظم تدبيره تعالى بنا هو رحمات ظاهرة كالتمكين من الأرض ~~وتيسير منافعها ، ومنه ما رحمته بمراعاة اليسر بقدر الإمكان مثل التكاليف ~~الراجعة إلى منافعنا كالطهارة وبث مكارم الأخلاق ، ومنها ما منفعته للجمهور ~~فتتبعها رحمات الجميع لأن في رحمة الجمهور رحمة بالبقية في انتظام الأحوال ~~كالزكاة . # وقد اختلف في أن لفظ رحمان لو لم يقرن بلام التعريف هل يصرف أو يمنع من ~~الصرف ؟ قال في الكافية ms0181 } : ( النون والألف إذا كانا في صفة فشرط منعه من ~~الصرف انتفاء فعلانة ، وقيل وجود فعلى ، ومن ثم اختلف في رحمان ، وبنو أسد ~~يصرفون جميع فعلان لأنهم يقولون في كل مؤنث له فعلانة ) واختار الزمخشري ~~والرضى وابن مالك عدم صرفه . # # | 2 ( 4 ) { مالك يوم الدين } . ) 2 # إتباع الأوصاف الثلاثة المتقدمة بهذا ليس لمجرد سرد صفات من صفاته تعالى ~~، بل هو مما أثارته الأوصاف المتقدمة ، فإنه لما وصف تعالى بأنه رب ~~العالمين الرحمن الرحيم وكان ذلك مفيدا لما قدمناه من التنبيه على كمال ~~رفقه تعالى بالمربوبين في سائر أكوانهم ، ثم التنبيه بأن تصرفه تعالى في ~~الأكوان والأطوار تصرف رحمة عند المعتبر ، وكان من جملة تلك PageV01P173 ~~التصرفات تصرفات الأمر والنهي المعبر عنها بالتشريع الراجع إلى حفظ مصالح ~~الناس عامة وخاصة ، وكان معظم تلك التشريعات مشتملا على إخراج المكلف عن ~~داعية الهوى الذي يلائمه اتباعه وفي نزعه عنه إرغام له ومشقة ، خيف أن تكون ~~تلك الأوصاف المتقدمة في فاتحة الكتاب مخففا عن المكلفين عبء العصيان لما ~~أمروا به ومثيرا لأطماعهم في العفو عن استخفافهم بذلك وأن يمتلكهم الطمع ~~فيعتمدوا على ما علموا من الربوبية والرحمة المؤكدة فلا يخشوا غائلة ~~الإعراض عن التكاليف ، لذلك كان من مقتضى المقام تعقيبه بذكر أنه صاحب ~~الحكم في يوم الجزاء : { اليوم تجزى كل نفس بما كسبت } ( غافر : 17 ) لأن ~~الجزاء على الفعل سبب في الامتثال والاجتناب لحفظ مصالح العالم ، وأحيط ذلك ~~بالوعد والوعيد ، وجعل مصداق ذلك الجزاء يوم القيامة ، ولذلك اختير هنا وصف ~~ملك أو مالك مضافا إلى يوم الدين . فأما ملك فهو مؤذن بإقامة العدل وعدم ~~الهوادة فيه لأن شأن الملك أن يدبر صلاح الرعية ويذب عنهم ، ولذلك أقام ~~الناس الملوك عليهم . ولو قيل رب يوم الدين لكان فيه مطمع للمفسدين يجدون ~~من شأن الرب رحمة وصفحا ، وأما مالك فمثل تلك في إشعاره بإقامة الجزاء على ~~أوفق كيفياته بالأفعال المجزى عليها . # فإن قلت فإذا كان إجراء الأوصاف السابقة مؤذنا بأن جميع تصرفات الله ~~تعالى فينا رحمة فقد كفى ms0182 ذلك في الحث على الامتثال والانتهاء إذ المرء لا ~~يخالف ما هو رحمة به فلا جرم أن ينساق إلى الشريعة باختياره . قلت ~~المخاطبون مراتب : منهم من لا يهتدي لفهم ذلك إلا بعد تعقيب تلك الأوصاف ~~بهذا الوصف ، ومنهم من يهتدي لفهم ذلك ولكنه يظن أن في فعل الملائم له رحمة ~~به أيضا فربما آثر الرحمة الملائمة على الرحمة المنافرة وإن كانت مفيدة له ~~، وربما تأول الرحمة بأنها رحمة للعموم وأنه إنما يناله منها حظ ضعيف فآثر ~~رحمة حظه الخاص به على رحمة حظه التابع للعامة . وربما تأول أن الرحمة في ~~تكاليف الله تعالى أمر أغلبي لا مطرد وأن وصفه تعالى بالرحمان بالنسبة لغير ~~التشريع من تكوين ورزقق وإحياء ، وربما ظن أن الرحمة في المآل فآثر عاجل ما ~~يلائمه . وربما علم جميع ما تشتمل عليه التكاليف من المصالح باطراد ولكنه ~~ملكته شهوته وغلبت عليه شقوته . فكل هؤلاء مظنة للإعراض عن التكاليف ~~الشرعية ، ولأمثالهم جاء تعقيب الصفات الماضية بهذه الصفة تذكيرا لهم بما ~~سيحصل من الجزاء يوم الحساب لئلا يفسد المقصود من التشريع حين تتلقفه أفهام ~~كل متأول مضيع . PageV01P174 ثم إن في تعقيب قوله : { رب العالمين الرحمن ~~الرحيم } بقوله : { ملك يوم الدين } إشارة إلى أنه ولي التصرف في الدنيا ~~والآخرة فهو إذن تتميم . # وقوله ( ملك ) قرأه الجمهور بدون ألف بعد الميم وقرأه عاصم والكسائي ~~ويعقوب وخلف ( مالك ) بالألف فالأول صفة مشبهة صارت اسما لصاحب الملك ( بضم ~~الميم ) والثاني اسم فاعل من ملك إذا اتصف بالملك ( بكسر الميم ) وكلاهما ~~مشتق من ملك ، فأصل مادة ملك في اللغة ترجع تصاريفها إلى معنى الشد والضبط ~~كما قاله ابن عطية ، ثم يتصرف ذلك بالحقيقة والمجاز ، والتحقيق والاعتبار ، ~~وقراءة ( ملك ) بدون ألف تدل على تمثيل الهيئة في نفوس السامعين لأن الملك ~~بفتح الميم وكسر اللام هو ذو الملك بضم الميم والملك أخص من الملك ، إذ ~~الملك بضم الميم هو التصرف في الموجودات والاستيلاء ويختص بتدبير أمور ~~العقلاء وسياسة جمهورهم وأفرادهم ومواطنهم فلذالك يقال : ملك الناس ولا ~~يقال ms0183 : ملك الدواب أو الدراهم ، وأما الملك بكسر الميم فهو الاختصاص ~~بالأشياء ومنافعها دون غيره . # وقرأ الجمهور ( ملك ) بفتح الميم وكسر اللام دون ألف ورويت هذه القراءة ~~عن النبيء صلى الله عليه وسلم وصاحبيه أبي بكر وعمر في ( كتاب الترمذي ) . ~~قال ابن عطية : حكى أبو على عن بعض القراء أن أول من قرأ ( ملك يوم الدين ) ~~مروان بن الحكم فرده أبو بكر بن السراج بأن الأخبار الواردة تبطل ذلك فلعل ~~قائل ذلك أراد أنه أول من قرأ بها في بلد مخصوص . وأما قراءة ( مالك ) بألف ~~بعد الميم بوزن اسم الفاعل فهي قراءة عاصم والكسائي ويعقوب وخلف ، ورويت عن ~~عثمان وعلي وابن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وطلحة والزبير ، ورواها ~~الترمذي في ( كتابه ) أنها قرأ بها النبيء صلى الله عليه وسلم وصاحباه أيضا ~~. وكلتاهما صحيحة ثابتة كما هو شأن القراءات المتواترة كما تقدم في المقدمة ~~السادسة . وقد تصدى المفسرون والمحتجون للقراءات لبيان ما في كل من قراءة ( ~~ملك ) بدون ألف وقراءة ( مالك ) بالألف من خصوصيات بحسب قصر النظر على ~~مفهوم كلمة ملك ومفهوم كلمة ( مالك ) ، وغفلوا عن إضافة الكلمة إلى يوم ~~الدين ، فأما والكلمة مضافة إلى يوم الدين فقد استويا في إفادة أنه المتصرف ~~في شؤون ذلك اليوم دون شبهة مشارك . ولا محيص عن اعتبار التوسع في إضافة ( ~~ملك ) أو ( مالك ) إلى ( يوم ) بتأويل شؤون يوم الدين . على أن ( مالك ) ~~لغة في ( ملك ) ففي ( القاموس ) : ( وكأمير وكتف وصاحب ذو الملك ) . ~~PageV01P175 # ويوم الدين يوم القيامة ، ومبدأ الدار الآخرة ، فالدين فيه بمعنى الجزاء ~~، قال الفند الزماني : # فلما صرح الشر # فأمسى وهو عريان # ولم يبق سوى العدوا # نن دناهم كما دانوا # أي جازيناهم على صنعهم كما صنعوا مشاكلة ، أو كما جازوا من قبل إذا كان ~~اعتداؤهم ناشئا عن ثأر أيضا ، وهذا هو المعنى المتعين هنا وإن كان للدين ~~إطلاقات كثيرة في كلام العرب . # واعلم أن وصفه تعالى بملك يوم الدين تكملة لإجراء مجامع صفات العظمة ~~والكمال على اسمه تعالى ، فإنه بعد أن وصف ms0184 بأنه رب العالمين وذلك معنى ~~الإلاهية الحقة إذ يفوق ما كانوا ينعتون به آلهتهم من قولهم إلاه بني فلان ~~فقد كانت الأمم تتخذ آلهة خاصة لها كما حكى الله عن بعضهم : { فقالوا هذا ~~إلاهكم وإلاه موسى } ( طه : 88 ) وقال : { قالوا يا موسى اجعل لنا إلاها ~~كما لهم آلهة } ( الأعراف : 138 ) وكانت لبعض قبائل العرب آلهة خاصة ، فقد ~~عبدت ثقيف اللات قال الشاعر : # ووقرت ثقيف إلى لاتها # وفي حديث عائشة في ( الموطأ ) : ( كان الأنصار قبل أن يسلموا يهلون لمناة ~~الطاغية التي كانوا يعبدونها عند المشلل ) الحديث . # فوصف الله تعالى بأنه رب العالمين كلهم ، ثم عقب بوصفي الرحمن الرحيم ~~لإفادة عظم PageV01P176 رحمته ، ثم وصف بأنه ملك يوم الدين وهو وصف بما هو ~~أعظم مما قبله لأنه ينبىء عن عموم التصرف في المخلوقات في يوم الجزاء الذي ~~هو أول أيام الخلود ، فملك ذلك الزمان هو صاحب الملك الذي لا يشذ شيء عن ~~الدخول تحت ملكه ، وهو الذي لا ينتهي ملكه ولا ينقضي ، فأين هذا الوصف من ~~أوصافف المبالغة التي يفيضها الناس على أعظم الملوك مثل ملك الملوك ( شاهان ~~شاه ) وملك الزمان وملك الدنيا ( شاه جهان ) وما شابه ذلك . مع ما في تعريف ~~ذلك اليوم بإضافته إلى الدين أي الجزاء من إدماج التنبيه على عدم حكم الله ~~لأن إيثار لفظ الدين ( أي الجزاء ) للإشعار بأنه معاملة العامل بما يعادل ~~أعماله المجزي عليها في الخير والشر ، وذلك العدل الخاص قال تعالى : { ~~اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم } ( غافر : 17 ) فلذلك لم يقل ملك ~~يوم الحساب فوصفه بأنه ملك يومم العدل الصرف وصف له بأشرف معنى الملك فإن ~~الملوك تتخلد محامدهم بمقدار تفاضلهم في إقامة العدل وقد عرف العرب المدحة ~~بذلك . قال النابغة يمدح الملك عمرو بن الحارث الغساني ملك الشام : # وكم جزانا بأيد غير ظالمة # عرفا بعرف وإنكارا بإنكار # وقال الحارث بن حلزة يمدح الملك عمرو بن هند اللخمي ملك الحيرة : # ملك مقسط وأفضل من يم # شي ومن دون ما لديه القضاء ms0185 # وإجراء هذه الأوصاف الجليلة على اسمه تعالى إيماء بأن موصوفها حقيق ~~بالحمد الكامل الذي أعربت عنه جملة { الحمد لله } ، لأن تقييد مفاد الكلام ~~بأوصاف متعلق ذلك المفاد يشعر بمناسبة بين تلك الأوصاف وبين مفاد الكلام ~~مناسبة تفهم من المقام مثل التعليل في مقام هذه الآية . # # | 2 ( 5 ) { إياك نعبد وإياك نستعين } . ) 2 # إذا أتم الحامد حمد ربه يأخذ في التوجه إليه بإظهار الإخلاص له انتقالا ~~من الإفصاح عن حق الرب إلى إظهار مراعة ما يقتضيه حقه تعالى على عبده من ~~إفراده بالعبادة والاستعانة . فهذا الكلام استئناف ابتدائي . # ومفاتحة العظماء بالتمجيد عند التوجه إليهم قبل أن يخاطبوا طريقة عربية . ~~روى PageV01P177 أبو الفرج الأصفهاني عن حسان بن ثابت قال : كنت عند ~~النعمان فنادمته وأكلت معه فبينا أنا على ذلك معه في قبة إذا رجل يرتجز ~~حولها : # أصم أم يسمع رب القبه # يا أوهب الناسس لعيسس صلبه # ضرابة بالمشغر الأذيه # ذاتت هبابب في يديها خلبه # في لاحب كأنه الأطبه # فقال النعمان : أليس بأبي أمامة ؟ ( كنية النابغة ) قالوا : بلى ، قال : ~~فأذنوا له فدخل . # والانتقال من أسلوب الحديث بطريق الغائب المبتدإ من قوله : { الحمد لله } ~~إلى قوله : { ملك يوم الدين } ، إلى أسلوب طريق الخطاب ابتداء من قوله { ~~إياك نعبد } إلى آخر السورة ، فن بديع من فنون نظم الكلام البليغ عند العرب ~~، وهو المسمى في علم الأدب العربي والبلاغة التفاتا . وفي ضابط أسلوب ~~الالتفات رأيان لأئمة علم البلاغة : أحدهما رأي من عدا السكاكي من أئمة ~~البلاغة وهو أن المتكلم بعد أن يعبر عن ذات بأحد طرق ثلاثة من تكلم أو غيبة ~~أو خطاب ينتقل في كلامه ذلك فيعبر عن تلك الذات بطريق آخر من تلك الثلاثة ، ~~وخالفهم السكاكي فجعل مسمى الالتفات أن يعبر عن ذات بطريق من طرق التكلم أو ~~الخطاب أو الغيبة عادلا عن أحدهما الذي هو الحقيق بالتعبير في ذلك الكلام ~~إلى طريق آخر منها . # ويظهر أثر الخلاف بين الجمهور والسكاكي في المحسن الذي يسمى بالتجريد في ~~علم البديع مثل قول علقمة بن عبده ms0186 في طالع قصيدته : # طحا بك قلب في الحسان طروب # مخاطبا نفسه على طريقة التجريد ، فهذا ليس بالتفات عند الجمهور وهو معدود ~~من الالتفات عند السكاكي ، فتسمية الالتفات التفاتا على رأي الجمهور ~~باعتبار أن عدول المتكلم عن الطريق الذي سلكه إلى طريق آخر يشبه حالة ~~الناظر إلى شيء ثم يلتفت عنه ، وأما تسميته التفاتا على رأي السكاكي فتجري ~~على اعتبار الغالب من صور الالتفات دون صورة التجريد ، ولعل السكاكي التزم ~~هذه التسمية لأنها تقررت من قبله فتابع هو الجمهور في هذا الاسم . ومما يجب ~~PageV01P178 التنبه له أن الاسم الظاهر معتبر من قبيل الغائب على كلا ~~الرأيين ، ولذلك كان قوله تعالى : { إياك نعبد } التفاتا على كلا الرأيين ~~لأن ما سبق من أول السورة إلى قوله { إياك نعبد } تعبير بالاسم الظاهر وهو ~~اسم الجلالة وصفاته . # ولأهل البلاغة عناية بالالتفات لأن فيه تجديد أسلوب التعبير عن المعنى ~~بعينه تحاشيا من تكرر الأسلوب الواحد عدة مرار فيحصل بتجديد الأسلوب تجديد ~~نشاط السامع كي لا يمل من إعادة أسلوب بعينه . قال السكاكي في ( المفتاح ) ~~بعد أن ذكر أن العرب يستكثرون من الالتفات : ( أفتراهم يحسنون قرى الأشباح ~~فيخالفون بين لون ولون وطعم وطعم ولا يحسنون قرى الأرواح فيخالفون بين ~~أسلوب وأسلوب ) . فهذه فائدة مطردة في الالتفات . ثم إن البلغاء لا يقتصرون ~~عليها غالبا بل يراعون للالتفات لطائف ومناسبات ولم يزل أهل النقد والأدب ~~يستخرجون ذلك من مغاصه . # وما هنا التفات بديع فإن الحامد لما حمد الله تعالى ووصفه بعظيم الصفات ~~بلغت به الفكرة منتهاها فتخيل نفسه في حضرة الربوبية فخاطب ربه بالإقبال ، ~~كعكس هذا الالتفاتت في قول محمد بن بشير الخارجي ( نسبة إلى بني خارجة ~~قبيلة ) : # ذممت ولم تحمد وأدركت حاجة # تولى سواكم أجرها واصطناعها # أبى لك كسب الحمد رأي مقصر # ونفس أضاق الله بالخير باعها # إذا هي حثته على الخير مرة # عصاها وإن همت بشر أطاعها # فخاطبه ابتداء ثم ذكر قصور رأيه وعدم انطباع نفسه على الخير فالتفت من ~~خطابه إلى التعبير عنه بضمير الغيبة فقال ms0187 : إذا هي حثته فكأنه تخيله قد ~~تضاءل حتى غاب عنه ، وبعكس ذلك قوله تعالى : { والذين كفروا بآيات الله ~~ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي } ( العنكبوت : 23 ) لاعتبار تشنيع كفر ~~المتحدث عنهم بأنهم كفروا بآيات صاحب ذلك الاسم الجليل ، وبعد تقرر ذلك ~~انتقل إلى أسلوب ضمير المتكلم إذ هو الأصل في التعبير عن الأشياء المضافة ~~إلى ذات المتكلم . ومما يزيد الالتفات وقعا في الآية أنه تخلص من الثناء ~~إلى الدعاء ولا شك أن الدعاء يقتضي الخطاب فكان قوله : { إياك نعبد } تخلصا ~~يجىء بعده : { اهدنا الصراط } ونظيره في ذلك قول النابغة في رثاء النعمان ~~الغساني : # أبى غفلتي أني إذا ما ذكرته # تحرك داء في فؤادي داخل PageV01P179 # وأن تلادي إن نظرت وشكتي # ومهري وما ضمت إلي الأنامل # حباؤك والعيس العتاق كأنها # هجان المهى تزجى عليها الرحائل # وأبو الفتح ابن جني يسمى الالتفات ( شجاعة العربية ) كأنه عنى أنه دليل ~~على حدة ذهن البليغ وتمكنه من تصريف أساليب كلامه كيف شاء كما يتصرف الشجاع ~~في مجال الوغي بالكر والفر . # و ( إياك ) ضمير خطاب في حالة النصب . والأظهر أن كلمة إيا جعلت ليعتمد ~~عليها الضمير عند انفصاله ولذلك لزمتها الضمائر نحو : إياي تعني ، وإياك ~~أعني ، وإياهم أرجو . ومن هنالك التزم في التحذير لأن الضمير انفصل عند ~~التزام حذف العامل . ومن النحاة من جعل ( إيا ) ضميرا منفصلا ملازما حالة ~~واحدة وجعل الضمائر التي معه أضيفت إليه للتأكيد . ومنهم من جعل ( إيا ) هو ~~الضمير وجعل ما بعده حروفا لبيان الضمير . ومنهم من جعل ( إيا ) اعتمادا ~~للضمير كما كانت أي اعتمادا للمنادى الذي فيه ال . ومنهم من جعل ( إيا ) ~~اسما ظاهرا مضافا للمضمرات . # والعبادة فعل يدل على الخضوع أو التعظيم الزائدين على المتعارف بين الناس ~~. وأما إطلاقها على الطاعة فهو مجاز . والعبادة في الشرع أخص فتعرف بأنها ~~فعل ما يرضي الرب من خضوع وامتثال واجتناب ، أو هي فعل المكلف على خلاف هوى ~~نفسه تعظيما لربه ، وقال الرازي في تفسير قوله تعالى : { وما خلقت الجن ~~والإنس إلا ليعبدون } ( الذاريات : 56 ) ( ( العبادة ms0188 تعظيم أمر الله ~~والشفقة على الخلق ، وهذا المعنى هو الذي اتفقت عليه الشرائع وإن اختلفوا ~~في الوضع والهيئة والقلة والكثرة ) ) ا ه فهي بهذا التفسير تشمل الامتثال ~~لأحكام الشريعة كلها . # وقد فسر الصوفية العبادة بأنها فعل ما يرضي الرب ، والعبودية بالرضا بما ~~يفعل الرب . فهي أقوى . وقال بعضهم : العبودية الوفاء بالعهود ، وحفظ ~~الحدود ، والرضا بالموجود . والصبر على المفقود . وهذه اصطلاحات لا مشاحة ~~فيها . # قال الفخر : ( ( مراتب العبادة ثلاث : الأولى أن يعبد الله طمعا في ~~الثواب وخوفا من العقاب وهي العبادة ، وهي درجة نازلة ساقطة لأنه جعل الحق ~~وسيلة لنيل المطلوب . الثانية أن يعبد الله لأجل أن يتشرف بعبادته ~~والانتساب إليه بقبول تكاليفه وهي أعلى من الأولى إلا PageV01P180 أنها ~~ليست كاملة لأن المقصود بالذات غير الله . الثالثة أن يعبد الله لكونه ~~إلاها خالقا مستحقا للعبادة وكونه هو عبدا له ، وهذه أعلى المقامات وهو ~~المسمى بالعبودية ) ) ا ه . # قلت ولم يسم الإمام المرتبة الثالثة باسم والظاهر أنها ملحقة في الاسم ~~بالمرتبة الثالثة أعني العبودية لأن الشيخ ابن سينا قال في ( الإشارات ) : ~~( ( العارف يريد الحق لا لشيء غيره ولا يؤثر شيئا على عرفانه وتعبده له فقط ~~ولأنه مستحق للعبادة ولأنها نسبة شريفة إليه لا لرغبة أو رهبة ) ) ا ه ~~فجعلهما حالة واحدة . # وما ادعاه الفخر في سقوط الدرجة الأولى ونزول مرتبتها قد غلب عليه فيه ~~اصطلاح غلاة الصوفية وإلا فإن العبادة للطمع والخوف هي التي دعا إليها ~~الإسلام في سائر إرشاده ، وهي التي عليها جمهور المؤمنين وهي غاية التكليف ~~، كيف وقد قال تعالى : { إنما يخشى الله من عباده العلماء } ( فاطر : 28 ) ~~فإن بلغ المكلف إلى المرتبتين الأخريين فذلك فضل عظيم وقليل ما هم ، على ~~أنه لا يخلو من ملاحظة الخوف والطمع في أحوال كثيرة ، نعم إن أفاضل الأمة ~~متفاوتون في الاحتياج إلى التخويف والإطماع بمقدار تفاوتهم في العلم بأسرار ~~التكليف ومصالحه وتفاوتهم في التمكن من مغالبة نفوسهم ، ومع ذلك لا محيص ~~لهم عن الرجوع إلى الخوف في أحوال كثيرة والطمع في أحوال أكثر ms0189 . وأعظم دليل ~~على ما قلنا أن الله تعالى مدح في كتابه المتقين في مواضع جمة ودعا إلى ~~التقوى ، وهل التقوى إلا كاسمهما بمعنى الخوف والاتقاء من غضب الله قال ~~تعالى : { ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا } ( الإسراء ~~: 57 ) . والمرتبة الثالثة هي التي أشار لها قوله صلى الله عليه وسلم لمن ~~قال له كيف تجهد نفسك في العبادة وقد غفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ~~فقال : ( أفلا أكون عبدا شكورا ) لأن من الظاهر أن الشكر هنا على نعمة قد ~~حصلت فليس فيه حظ للنفس بالطمع في المزيد لأن الغفران العام قد حصل له فصار ~~الشكر لأجل المشكور لا غير وتمحض أنه لا لخوف ولا طمع . PageV01P181 # واعلم أن من أهم المباحث البحث عن سر العبادة وتأثيرها وسر مشروعيتها لنا ~~وذلك أن الله تعالى خلق هذا العالم ليكون مظهرا لكمال صفاته تعالى : الوجود ~~، والعلم ، والقدرة . وجعل قبول الإنسان للكمالات التي بمقياسها يعلم نسبة ~~مبلغ علمه وقدرته من علم الله تعالى وقدرته ، وأودع فيه الروح والعقل ~~اللذين بهما يزداد التدرج في الكمال ليكون غير قانع بما بلغه من المراتب في ~~أوج الكمال والمعرفة ، وأرشده وهداه إلى ما يستعين به على مرامه ليحصل له ~~بالارتقاء العاجل رقي آجل لا يضمحل ، وجعل استعداده لقبول الخيرات كلها ~~عاجلها وآجلها متوقفا على التلقين من السفرة الموحى إليهم بأصول الفضائل . ~~ولما توقف ذلك على مراقبة النفس في نفراتها وشرداتها وكانت تلك المراقبة ~~تحتاج إلى تذكر المجازي بالخير وضده ، شرعت العبادة لتذكر ذلك المجازي لأن ~~عدم حضور ذاته واحتجابه بسبحات الجلال يسرب نسيانه إلى النفوس ، كما أنه ~~جعل نظامه في هذا العالم متصل الارتباط بين أفراده فأمرهم بلزوم آداب ~~المعاشرة والمعاملة لئلا يفسد النظام ، ولمراقبة الدوام على ذلك أيضا شرعت ~~العبادة لتذكر به ، على أن في ذلك التذكر دوام الفكر في الخالق وشؤونه وفي ~~ذلك تخلق بالكمالات تدريجا فظهر أن العبادة هي طريق الكمال الذاتي ~~والاجتماعي مبدأ ونهاية ، وبه يتضح معنى قوله تعالى : { وما ms0190 خلقت الجن ~~والإنس إلا ليعبدون } ( الذاريات : 56 ) فالعبادة على الجملة لا تخرج عن ~~كونها محققة للمقصد من الخلق ، ولما كان سر الخلق والغاية منه خفية ~~الإدراكك عرفنا الله تعالى إياها بمظهرها وما يحققها جمعا لعظيم المعاني في ~~جملة واحدة وهي جملة : { إلا ليعبدون } ، وقريب من هذا التقرير الذي نحوناه ~~وأقل منه قول الشيخ ابن سينا في ( الإشارات ) : ( ( لما لم يكن الإنسان ~~بحيث يستقل وحده بأمر نفسه إلا بمشاركة آخر من بني جنسه وبمعاوضة ومعارضة ~~تجريان بينهما يفرغ كل واحد منهما لصاحبه عن مهم لو تولاه بنفسه لازدحم على ~~الواحد كثير وكان مما يتعسر إن أمكن ، وجب أن يكون بين الناس معاملة وعدل ~~يحفظه شرع يفرضه شارع متميز باستحقاق الطاعة ووجب أن يكون للمحسن والمسيء ~~جزاء من عند القدير الخبير ، فوجب معرفة المجازي والشارع وأن يكون مع ~~المعرفة سبب حافظ للمعرفة ففرضت عليهم العبادة المذكرة للمعبود ، وكررت ~~عليهم ليستحفظ التذكير بالتكرير ) ) ا ه . # لا شك أن داعي العبادة التعظيم والإجلال وهو إما عن محبة أو عن خوف مجرد ~~، PageV01P182 وأهمه ما كان عن محبة لأنه يرضي نفس فاعله قال : # أهابكك إجلالا وما بكك قدرة # علي ولكن ملء عين حبيبها # وهي تستلزم الخوف من غضب المحبوب قال محمود الوراق أو منصور الفقيه : # تعصي الإلاه وأنت تظهر حبه # هذا لعمري في القياس بديع # لو كان حبك صادقا لأطعته # إن المحب لمن يحب مطيع # ولذلك قال تعالى : { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله } ( آل ~~عمران : 31 ) فذلك يشعر بأن اتباع الشريعة يوجب محبة الله وأن المحب يود أن ~~يحبه حبيبه كما قال المتنبي : # أنت الحبيب ولكني أعوذ به # من أن أكون محبا غير محبوب # وإلى هذا النوع ترجع عبادة أكثر الأمم ، ومنها العبادة المشروعة في جميع ~~الشرائع لأنها مبنية على حب الله تعالى ، وكذلك عبادة المشركين أصنامهم قال ~~تعالى : { ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله } ( ~~البقرة : 165 ) . ومن الأمم من عبدت عن خوف دون محبة وإنما هو لاتقاء ms0191 شر ~~كما عبدت بعض الأمم الشياطين وعبدت المانوية من المجوس المعبود ( أهرمن ) ~~وهو عندهم رب الشر والضر ويرمزون إليه بعنصر الظلمة وأنه تولد من خاطر سوء ~~خطر للرب ( يزدان ) إلاه الخير ، قال المعري : # فكر يزدان على غرة # فصيغ من تفكيره أهرمن # والحصر المستفاد من تقديم المعمول في قوله تعالى : { إياك نعبد } حصر ~~حقيقي لأن المؤمنين الملقنين لهذا الحمد لا يعبدون إلا الله . وزعم ابن ~~الحاجب في ( إيضاح المفصل ) في شرح ديباجة ( المفصل ) عند قول الزمخشري ( ~~اللها أحمد ) أن التقديم لا يفيد إلا الاهتمام دون حصر وأن قوله تعالى : { ~~إياك نعبد } تقديم المفعول للاهتمام دون قصر وأن تمسكهم بقوله : { بل الله ~~فاعبد } ( الزمر : 66 ) ضعيف لورود : { فاعبد الله مخلصا له الدين } ( ~~الزمر : 2 ) وإبطال رأيه مقرر في كتب علم المعاني . # وأنا أرى استدلاله بورود قوله تعالى : { فاعبد الله } لا يليق بمقامه ~~العلمي إذ لا يظن أن محامل الكلام متماثلة في كل مقام ، { وإياك نستعين } ~~جملة معطوفة على جملة { إياك نعبد } وإنما لم تفصل عن جملة { إياك نعبد } ~~بطريقة تعداد الجمل مقام التضرع ونحوه من مقامات التعداد والتكرير كلا أو ~~بعضا للإشارة إلى خطور الفعلين جميعا في إرادة المتكلمين بهذا التخصيص ، أي ~~نخصك PageV01P183 بالاستعانة أيضا مع تخصيصك بالعبادة . # والاستعانة طلب العون . والعون والإعانة تسهيل فعلل شيء يشق ويعسر على ~~المستعين وحده ، فهي تحصل بإعداد طريق تحصيله من إعارة آلة ، أو مشاركة ~~بعمل البدن كالحمل والقود ، أو بقول كالإرشاد والتعليم ، أو برأي كالنصيحة ~~. قال الحريري في المقامة : ( وخلقي نعم العون ) ، أو بمال كدفع المغرم ، ~~بحيث يحصل الأمر بعسير من جهود المستعين والمعين . # وأما الاستعانة بالله فهي طلب المعونة على ما لا قبل للبشر بالإعانة عليه ~~ولا قبل للمستعين بتحصيله بمفرده ، ولذلك فهي مشعرة بأن المستعين يصرف ~~مقدرته لتحصيل الفعل ويطلب من الله العون عليه بتيسير ما لا قبل لقدرة ~~المستعين على تحصيله بمفرده ، فهذه هي المعونة شرعا . وقد فسرها العلماء ~~بأنها هي خلق ما به تمام الفعل أو تيسيره ، فتنقسم قسمين ضرورية أي ms0192 ما ~~يتوقف الفعل عليها فلا يحصل بدونها أي لا يحصل بدون توفر متعلقها وهي إعطاء ~~الاقتدار للفاعل وتصوره للفعل وحصول المادة والآلة ، ومجموع هاته الأربعة ~~يعبر عنه بالاستطاعة ، ويعبر عنها بسلامة الأسباب والآلات وبها يصح تكليف ~~المستطيع . # القسم الثاني المعونة غير الضرورية وينبغي أن تخص باسم الإعانة وهي إيجاد ~~المعين ما يتيسر به الفعل للمعان حتى يسهل عليه ويقرب منه كإعداد الراحلة ~~في السفر للقادر على المشي . وبانضمام هذا المعنى للمعنى الأول تتم حقيقة ~~التوفيق المعرف عندهم بأنه خلق القدرة والداعية إلى الطاعة ، وسمى الراغب ~~هذا القسم الثاني بالتوفيق ولا تعارض بين كلامه وبين تعريفهم إياه لما علمت ~~من أنه لا يحصل إلا بعد حصول المعونة بالمعنى الأول فتم التوفيق ؛ والمقصود ~~هنا الاستعانة على الأفعال المهمة كلها التي أعلاها تلقي الدين وكل ما يعسر ~~على المرء تذليله من توجهات النفوس إلى الخير وما يستتبع ذلك من تحصيل ~~الفضائل . وقرينة هذا المقصود رسمه في فاتحة الكتاب ووقوع تخصيص الإعانة ~~عقب التخصيص بالعبادة . ولذلك حذف متعلق { نستعين } الذي حقه أن يذكر ~~مجرورا بعلى ، وقد أفاد هذا الحذف الهام عموم الاستعانة المقصورة على الطلب ~~من الله تأدبا معه تعالى ، ومن توابع ذلك وأسبابه وهي المعارف والإرشادات ~~والشرائع وأصول العلوم فكلها من الإعانة المطلوبة وكلها من الله تعالى فهو ~~الذي ألهمنا مبادىء العلوم وكلفنا الشرائع ولقننا النطق ، قال : { ألم نجعل ~~له عينين ولسانا وشفتين وهديناه النجدين } ( البلد : 8 10 ) فالأول إيماء ~~إلى طريق المعارف وأصلها المحسوسات وأعلاها المبصرات ، والثاني إيماء إلى ~~PageV01P184 النطق والبيان للتعليم ، والثالث إلى الشرائع . # والحصر المستفاد من التقديم في قوله : { وإياك نستعين } حصر ادعائي ~~للمبالغة لعدم الاعتداد بالاستعانات المتعارفة بين الناس بعضهم ببعض في ~~شؤونهم ، ومعنى الحصر هنا لا نستعين على عظائم الأمور التي لا يستعان فيها ~~بالناس إلا بالله تعالى . ويفيد هذا القصر فيهما التعريض بالمشركين الذين ~~يعبدون غير الله ويستعينون بغيره لأنهم كانوا فريقين منهم من عبد غير الله ~~على قصد التشريك إلا أن ولعه واستهتاره بغير الله تعالى ms0193 أنساه عبادة الله ~~تعالى كما عبدت سبأ الشمس وعبد الفرس النور والظلمة ، وعبد القبط العجل ~~وألهوا الفراعنة ، وعبدت أمم السودان الحيوانات كالثعابين . ومن المشركين ~~من أشرك مع عبادة الله عبادة غيره وهذا حال معظم العرب ممن عبد الأصنام أو ~~عبد الكواكب ، فقد عبدت ضبة وتيم وعكل الشمس ، وعبدت كنانة القمر ، وعبدت ~~لخم وخزاعة وبعض قريش الشعرى ، وعبدت تميم الدبران ، وعبدت طيىء الثريا ، ~~وهؤلاء كلهم جعلوا الآلاهة بزعمهم وسيلة يتقربون بها إلى الله تعالى ، ~~فهؤلاء جمعوا العبادة والاستعانة بهم لأن جعلهم وسيلة إلى الله ضرب من ~~الاستعانة ، وإنما قلنا إن استفادة الرد على المشركين ونحوهم بطريق التعريض ~~أي بطريق عرض الكلام لأن القصر الحقيقي لا يصلح أن يكون لرد الإعتقاد إلا ~~تعريضا لأن معناه حاصل على الحقيقة كما أشار إليه السلكوتي في ( حاشية ~~التفسير ) . # فإن قلت كيف أمرنا بأن لا نعبد إلا الله ولا نستعين إلا به حسبما تشير ~~إليه هذه الآية ، وقد ورد في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم لما علم ~~عبد الله بن عباس قال له ( إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله ) ~~فلم يأت بصيغة قصر . قلت قد ذكر الشيخ الجد قدس الله روحه في تعليقه على ~~هذا الحديث أن ترك طريقة القصر إيماء إلى أن المقام لا يقبل الشركة وأن من ~~حق السؤال أن لا يكون إلا لله القادر العليم ، وقد قال علماء البلاغة إذا ~~كان الفعل مقصورا في نفسه فارتكاب طريق القصر لغو من الكلام ا ه . # وأقول تقفية على أثره إن مقام الحديث غير مقام الآية فمقام الحديث مقام ~~تعليم خاص لمن نشأ وشب وترجل في الإسلام فتقرر قصر الحكم لديه على طرف ~~الثمام ولذلك استغنى عنه وأما مقام هذه الآية فمقام مفتتح الوحي والتشريع ~~واستهلال الوعظ والتقريع ، فناسب تأكيد الحكم بالقصر مع التعريض بحال الشرك ~~الشنيع على أن تعليق الأمر بهما في جواب الشرط على حصول أي سؤال وأية ~~استعانة يفيد مفاد القصر تعريضا بالمشركين PageV01P185 وبراءة من صنيعهم ~~فقد كانوا يستعينون ms0194 بآلهتهم . ومن ذلك الاستقسام بالأزلام الموضوعة عند ~~الآلهة والأصنام . # وضميرا { نعبد ونستعين } يعودان إلى تالي السورة ذاكرا معه جماعة ~~المؤمنين . وفي العدول عن ضمير الواحد إلى الإتيان بضمير المتكلم المشارك ~~الدلالة على أن هذه المحامد صادرة من جماعات ، ففيه إغاظة للمشركين إذ ~~يعلمون أن المسلمين صاروا في عزة ومنعة ، ولأنه أبلغ في الثناء من أعبد ~~وأستعين لئلا تخلو المناجاة عن ثناء أيضا بأن المحمود المعبود المستعان قد ~~شهد له الجماعات وعرفوا فضله ، وقريب من هذا قول النابغة في رثاء النعمان ~~بن الحارث الغساني : # قعودا له غسان يرجون أوبة # وترك ورهط الأعجمين وكابل # إذ قصد من تعداد أصناف من الأمم الكناية عن عظمة النعمان وكثرة رعيته . ~~فكأن الحامد لما انتقل من الحمد إلى المناجاة لم يغادر فرصة يقتنص منها ~~الثناء إلا انتهزها . # ووجهه تقديم قوله { إياك نعبد } على قوله : { وإياك نستعين } أن العبادة ~~تقرب للخالق تعالى فهي أجدر بالتقديم في المناجاة ، وأما الاستعانة فهي ~~لنفع المخلوق للتيسير عليه فناسب أن يقدم المناجي ما هو من عزمه وصنعه على ~~ما يسأله مما يعين على ذلك ، ولأن الاستعانة بالله تتركب على كونه معبودا ~~للمستعين به ولأن من جملة ما تطلب الإعانة عليه العبادة فكانت متقدمة على ~~الاستعانة في التعقل . وقد حصل من ذلك التقديم أيضا إيفاء حق فواصل السورة ~~المبنية على الحرف الساكن المتماثل أو القريب في مخرج اللسان . # وأعيد لفظ { إياك } في الاستعانة دون أن يعطف فعل { نستعين } على { نعبد ~~} مع أنهما مقصودان جميعا كما أنبأ عنه عطف الجملة على الجملة لأن بين ~~الحصرين فرقا ، فالحصر في { إياك نعبد } حقيقي والقصر في { إياك نستعين ~~ادعائي فإن المسلم قد يستعين غير الله تعالى كيف وقد قال تعالى : وتعاونوا ~~على البر والتقوى } ( المائدة : 2 ) ولكنه لا يستعين في عظائم الأمور إلا ~~بالله ولا يعد الاستعانة حقيقة إلا الاستعانة بالله تعالى . # PageV01P186 # | 2 ( 6 ) { اهدنا الصراط المستقيم } . ) 2 # تهيأ لأصحاب هذه المناجاة أن يسعوا إلى طلب حظوظهم الشريفة من الهداية ~~بعد أن حمدوا الله ووصفوه بصفات ms0195 الجلالة ثم أتبعوا ذلك بقولهم : { إياك ~~نعبد وإياك نستعين } الذي هو واسطة جامع بين تمجيد الله تعالى وبين إظهار ~~العبودية وهي حظ العبد بأنه عابد ومستعين وأنه قاصر ذلك على الله تعالى ، ~~فكان ذلك واسطة بين الثناء وبين الطلب ، حتى إذا ظنوا بربهم الإقبال عليهم ~~ورجوا من فضله ، أفضوا إلى سؤل حظهم فقالوا : { اهدنا الصراط المستقيم } ~~فهو حظ الطالبين خاصة لما ينفعهم في عاجلهم وآجلهم ، فهذا هو التوجيه ~~المناسب لكون الفاتحة بمنزلة الديباجة للكتاب الذي أنزل هدى للناس ورحمة ~~فتتنزل هاته الجملة مما قبلها منزلة المقصد من الديباجة ، أو الموضوع من ~~الخطبة ، أو التخلص من القصيدة ، ولاختلاف الجمل المتقدمة معها بالخبرية ~~والإنشائية فصلت هذه عنهن ، وهذا أولى في التوجيه من جعلها جوابا لسؤال ~~مقدر على ما ذهب إليه صاحب ( الكشاف ) . # والهداية الدلالة بتلطف ولذلك خصت بالدلالة لما فيه خير المدلول لأن ~~التلطف يناسب من أريد به الخير ، وهو يتعدى إلى مفعول واحد بنفسه لأن معناه ~~معنى الإرشاد ، ويتعدى إلى المفعول الثاني وهو المهدى إليه بإلى وباللام ~~والاستعمالان واردانن ، تقول هديته إلى كذا على معنى أوصلته إلى معرفته ، ~~وهديته لكذا على معنى أرشدته لأجل كذا : { فاهدوهم إلى صراط الجحيم } ( ~~الصافات : 23 ) ، { الحمد لله الذي هدانا لهذا } ( الأعراف : 43 ) وقد يعدى ~~إلى المفعول الثاني بنفسه كما هنا على تضمينه معنى عرف قيل هي لغة أهل ~~الحجاز وأما غيرهم فلا يعديه بنفسه وقد جعلوا تعديته بنفسه من التوسع ~~المعبر عنه بالحذف والإيصال . وقيل الفرق بين المتعدي وغيره أن المتعدي ~~يستعمل في الهداية لمن كان في الطريق ونحوه ليزداد هدى ومصدره حينئذ ~~الهداية ، وأما هداه إلى كذا أو لكذا فيستعمل لمن لم يكن سائرا في الطريق ~~ومصدره هدى ، وكأن صاحب هذا القول نظر إلى أن المتعدي بالحرف إنما عدي ~~لتقويته والتقوية إما أن يقصد بها تقوية العامل لضعفه في العمل بالفرعية أو ~~التأخير ، وإما أن يقصد بها تقوية معناه ، والحق أن هذا إن تم فهو أغلبي ~~على أنه تخصيص من الاستعمال فلا يقتضي كون ms0196 الفعل مختلف المعنى لأن الفعل لا ~~تختلف معانيه باعتبار كيفية تعديته إلا إذا ضمن معنى فعل آخر ، PageV01P187 ~~على أن كلا من الهدى والهداية اسم مصدر والمصدر هو الهدي . والذي أراه أن ~~التعدية والقصور ليسا من الأشياء التي تصنع باليد أو يصطلح عليها أحد ، بل ~~هي جارية على معنى الحدث المدلول للفعل فإن كان الحدث يتقوم معناه بمجرد ~~تصور من قام به فهو الفعل القاصر وإن كان لا يتقوم إلا بتصور من قام به ومن ~~وقع عليه فهو المتعدي إلى واحد أو أكثر ، فإن أشكلت أفعال فإنما إشكالها ~~لعدم اتضاح تشخص الحدث المراد منها لأن معناها يحوم حول معان متعددة . وهدى ~~متعد لواحد لا محالة ، وإنما الكلام في تعديته لثان فالحق أنه إن اعتبر فيه ~~معنى الإراءة والإبانة تعدى بنفسه وإن اعتبر فيه مطلق الإرشاد والإشارة فهو ~~متعد بالحرف فحالة تعديته هي المؤذنة بالحدث المتضمن له . # وقد قيل إن حقيقة الهداية الدلالة على الطريق للوصول إلى المكان المقصود ~~فالهادي هو العارف بالطرق وفي حديث الهجرة : ( إن أبا بكر استأجر رجلا من ~~بني الديل هاديا خريتا ) وإن ما نشأ من معاني الهداية هو مجازات شاع ~~استعمالها . والهداية في اصطلاح الشرع حين تسند إلى الله تعالى هي الدلالة ~~على ما يرضي الله من فعل الخير ويقابلها الضلالة وهي التغرير . # واختلف علماء الكلام في اعتبار قيد الإيصال إلى الخير في حقيقة الهداية ~~فالجمهور على عدم اعتباره وأنها الدلالة على طريق الوصول سواء حصل الوصول ~~أم لم يحصل وهو قول الأشاعرة وهو الحق . وذهب جماعة منهم الزمخشري إلى أن ~~الهداية هي الدلالة مع الإيصال وإلا لما امتازت عن الضلالة أي حيث كان الله ~~قادرا على أن يوصل من يهديه إلى ما هداه إليه ، ومرجع الخلاف إلى اختلافهم ~~في أصل آخر وهو أصل معنى رضى الله ومشيئته وإرادته وأمره ، فأصحاب الأشعري ~~اعتبروا الهداية التي هي من متعلق الأمر ، والمعتزلة نظروا إلى الهداية ~~التي هي من متعلق التكوين والخلق ، ولا خلاف في أن الهداية مع الوصول هي ms0197 ~~المطلوبة شرعا من الهادي والمهدي مع أنه قد يحصل الخطأ للهادي وسوء القبول ~~من المهدي وهذا معنى ما اختار عبد الحكيم أنها موضوعة في الشرع لقدر ~~المشترك لورودها في القرآن في كل منهما قال : { إنك لا تهدي من أحببت } ( ~~القصص : 56 ) وقال : { وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى } ( ~~فصلت : 17 ) والأصل عدم الاشتراك وعدم المجاز . # والهداية أنواع تندرج كثرتها تحت أربعة أجناس مترتبة : الأول إعطاء القوى ~~المحركة والمدركة التي بها يكون الاهتداء إلى انتظام وجود ذات الإنسان ، ~~ويندرج تحتها أنواع PageV01P188 تبتدىء من إلهام الصبي التقام الثدي ~~والبكاء عند الألم إلى غاية الوجدانيات التي بها يدفع عن نفسه كإدراك هول ~~المهلكات وبشاعة المنافرات ، ويجلب مصالحه الوجودية كطلب الطعام والماء ~~وذود الحشرات عنه وحك الجلد واختلاج العين عند مرور ما يؤذي تجاهها ، ~~ونهايتها أحوال الفكر وهو حركة النفس في المعقولات أعني ملاحظة المعقول ~~لتحصيل المجهول في البديهيات وهي القوة الناطقة التي انفرد بها الإنسان ~~المنتزعة من العلوم المحسوسة . # الثاني نصب الأدلة الفارقة بين الحق والباطل والصواب والخطأ ، وهي هداية ~~العلوم النظرية . الثالث الهداية إلى ما قد تقصر عنه الأدلة أو يفضي ~~إعمالها في مثله إلى مشقة وذلك بإرسال الرسل وإنزال الكتب وموازين القسط ~~وإليها الإشارة بقوله تعالى في شأن الرسل : { وجعلناهم أيمة يهدون بأمرنا } ~~( الأنبياء : 23 ) . الرابع أقصى أجناس الهداية وهي كشف الحقائق العليا ~~وإظهار أسرار المعاني التي حارت فيها ألباب العقلاء إما بواسطة الوحي ~~والإلهام الصحيح أو التجليات ، وقد سمى الله تعالى هذا هدى حين أضافه ~~للأنبياء فقال : { أولئك الذين هدى الله فيهداهم اقتده } ( الأنعام : 90 ) ~~. # ولا شك أن المطلوب بقوله { اهدنا الملقن للمؤمنين هو ما يناسب حال الداعي ~~بهذا إن كان باعتبار داع خاص أو طائفة خاصة عندما يقولون : اهدنا ، أو هو ~~أنواع الهداية على الجملة باعتبار توزيعها على من تأهل لها بحسب أهليته إن ~~كان دعاء على لسان المؤمنين كلهم المخاطبين بالقرآن ، وعلى كلا التقديرين ~~فبعض أنواع الهداية مطلوب حصوله لمن لم يبلغ إليه ، وبعضها مطلوب دوامه لمن ms0198 ~~كان حاصلا له خاصة أو لجميع الناس الحاصل لهم ، وذلك كالهداية الحاصلة لنا ~~قبل أن نسألها مثل غالب أنواع الجنس الأول . # وصيغة الطلب موضوعة لطلب حصول الماهية المطلوبة من فعل أو كف فإذا ~~استعملت في طلب الدوام كان استعمالها مجازا نحو : يأيها الذين آمنوا آمنوا ~~} ( النساء : 136 ) وذلك حيث لا يراد بها إلا طلب الدوام . وأما إذا ~~استعملت في طلب الدوام للزيادة مما حصل بعضه ولم يحصل بعضه فهي مستعملة في ~~معناها وهو طلب الحصول لأن الزيادة في مراتب الهداية مثلا تحصيل لمواد أخرى ~~منها . ولما كان طلب الزيادة يستلزم طلب دوام ما حصل إذ لا تكاد تنفع ~~الزيادة إذا انتقض الأصل كان استعمالها حينئذ في لازم المعنى مع المعنى فهو ~~كناية . أما إذا قال : { اهدنا الصراط المستقيم } من بلغ جميع مراتب ~~الهداية ورقى إلى قمة غاياتها وهو النبي صلى الله PageV01P189 عليه وسلم ~~فإن دعاءه حينئذ يكون من استعمال اللفظ في مجاز معناه ويكون دعاؤه ذلك ~~اقتباسا من الآية وليس عين المراد من الآية لأن المراد منها طلب الحصول ~~بالمزيد مع طلب الدوام بطريقة الالتزام ولا محالة أن المقصود في الآية هو ~~طلب الهداية الكاملة . # والصراط الطريق وهو بالصاد وبالسين وقد قرىء بهما في المشهورة وكذلك نطقت ~~به بالسين جمهور العرب إلا أهل الحجاز نطقوه بالصاد مبدلة عن السين لقصد ~~التخفيف في الانتقال من السين إلى الراء ثم إلى الطاء قال في ( لطائف ~~الإشارات ) عن الجعبري إنهم يفعلون ذلك في كل سين بعدها غين أو خاء أو قاف ~~أو طاء وإنما قلبوها هنا صادا لتطابق الطاء في الإطباق والاستعلاء والتفخم ~~مع الراء استثقالا للانتقال من سفل إلى علو ا ه . أي بخلاف العكس نحو طست ~~لأن الأول عمل والثاني ترك . وقيس قلبوا السين بين الصاد والزاي وهو إشمام ~~وقرأ به حمزة في رواية خلف عنه . ومن العرب من قلب السين زايا خالصة قال ~~القرطبي : وهي لغة عذرة وكلب وبني القين وهي مرجوحة ولم يقرأ بها ، وقد قرأ ~~باللغة الفصحى ( بالصاد ms0199 ) جمهور القراء وقرأ بالسين ابن كثير في رواية قنبل ~~، والقراءة بالصاد هي الراجحة لموافقتها رسم المصحف وكونها اللغة الفصحى . # فإن قيل كيف كتبت في المصحف بالصاد وقرأها بعض القراء بالسين ؟ قلت إن ~~الصحابة كتبوها بالصاد تنبيها على الأفصح فيها ، لأنهم يكتبون بلغة قريش ~~واعتمدوا على علم العرب فالذين قرأوا بالسين تأولوا أن الصحابة لم يتركوا ~~لغة السين للعلم بها فعادلوا الأفصح بالأصل ولو كتبوها بالسين مع أنها ~~الأصل لتوهم الناس عدم جواز العدول عنه لأنه الأصل والمرسوم كما كتبوا ~~المصيطر بالصاد مع العلم بأن أصله السين فهذا مما يرجع الخلاف فيه إلى ~~الاختلاف في أداء اللفظ لا في مادة اللفظ لشهرة اختلاف لهجات القبائل في ~~لفظ مع اتحاده عندهم . # والصراط اسم عربي ولم يقل أحد من أهل اللغة إنه معرب ولكن ذكر في ( ~~الإتقان ) عن النقاش وابن الجوزي أنه الطريق بلغة الروم وذكر أن أبا حاتم ~~ذكر ذلك في كتاب ( الزينة ) له وبنى على ذلك السيوطي فزاده في ( منظومته في ~~المعرب ) . # والصراط في هذه الآية مستعار لمعنى الحق الذي يبلغ به مدركه إلى الفوز ~~برضاء الله لأن ذلك الفوز هو الذي جاء الإسلام بطلبه . PageV01P190 # والمستقيم اسم فاعل استقام مطاوع قومته فاستقام ، والمستقيم الذي لا عوج ~~فيه ولا تعاريج ، وأحسن الطرق الذي يكون مستقيما وهو الجادة لأنه باستقامته ~~يكون أقرب إلى المكان المقصود من غيره فلا يضل فيه سالكه ولا يتردد ولا ~~يتحير . # والمستقيم هنا مستعار للحق البين الذي لا تخلطه شبهة باطل فهو كالطريق ~~الذي لا تتخلله بنيات ، عن ابن عباس أن الصراط المستقيم دين الحق ، ونقل ~~عنه أنه ملة الإسلام ، فكلامه يفسر بعضه بعضا ولا يريد أنهم لقنوا الدعاء ~~بطلب الهداية إلى دين مضى وإن كانت الأديان الإلاهية كلها صرطا مستقيمة ~~بحسب أحوال أممها يدل لذلك قوله تعالى في حكاية غواية الشيطان : { قال فبما ~~أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم } ( الأعراف : 16 ) . # فالتعريف في ( الصراط المستقيم ) تعريف العهد الذهني ، لأنهم سألوا ~~الهداية لهذا الجنس في ضمن فرد وهو الفرد المنحصر ms0200 فيه الاستقامة لأن ~~الاستقامة لا تتعدد كما قال تعالى : { فماذا بعد الحق إلا الضلال } ( يونس ~~: 32 ) ولأن الضلال أنواع كثيرة كما قال : { ولو أعجبك كثرة الخبيث } ( ~~المائدة : 100 ) وقد يوجه هذا التفسير بحصول الهداية إلى الإسلام فعلمهم ~~الله هذا الدعاء لإظهار منته وقد هداهم الله بما سبق من القرآن قبل نزول ~~الفاتحة ويهديهم بما لحق من القرآن والإرشاد النبوي . وإطلاق الصراط ~~المستقيم على دين الإسلام ورد في قوله تعالى : { قل إنني هداني ربي إلى ~~صراط مستقيم دينا قيما } ( الأنعام : 161 ) . # والأظهر عندي أن المراد بالصراط المستقيم المعارف الصالحات كلها من ~~اعتقاد وعمل بأن يوفقهم إلى الحق والتمييز بينه وبين الضلال على مقادير ~~استعداد النفوس وسعة مجال العقول النيرة والأفعال الصالحة بحيث لا يعتريهم ~~زيغ وشبهات في دينهم وهذا أولى ليكون الدعاء طلب تحصيل ما ليس بحاصل وقت ~~الطلب وإن المرء بحاجة إلى هذه الهداية في جميع شؤونه كلها حتى في الدوام ~~على ما هو متلبس به من الخير للوقاية من التقصير فيه أو الزيغ عنه . ~~والهداية إلى الإسلام لا تقصر على ابتداء اتباعه وتقلده بل هي مستمرة ~~باستمرار تشريعاته وأحكامه بالنص أو الاستنباط . وبه يظهر موقع قوله : { ~~غير المغضوب عليهم ولا الضالين } مصادفا المحز . # PageV01P191 # | 2 ( 7 ) { صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضآلين } . ) ~~2 # { صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضآلين } . # بدل أو عطف بيان من { الصراط المستقيم } ، وإنما جاء نظم الآية بأسلوب ~~الإبدال أو البيان دون أن يقال : اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم المستقيم ، ~~لفائدتين : الأولى : أن المقصود من الطلب ابتداء هو كون المهدى إليه وسيلة ~~للنجاة واضحة سمحة سهلة ، وأما كونها سبيل الذين أنعم الله عليهم فأمر زائد ~~لبيان فضله . الفائدة الثانية : ما في أسلوب الإبدال من الإجمال المعقب ~~بالتفصيل ليتمكن معنى الصراط للمطلوب فضل تمكن في نفوس المؤمنين الذين ~~لقنوا هذا الدعاء فيكون له من الفائدة مثل ما للتوكيد المعنوي ، وأيضا لما ~~في هذا الأسلوب من تقرير حقيقة هذا الصراط وتحقيق مفهومه في ms0201 نفوسهم فيحصل ~~مفهومه مرتين فيحصل له من الفائدة ما يحصل بالتوكيد اللفظي واعتبار البدلية ~~مساو لاعتباره عطف بيان لا مزية لأحدهما على الآخر خلافا لمن حاول التفاضل ~~بينهما ، إذ التحقيق عندي أن عطف البيان اسم لنوع من البدل وهو البدل ~~المطابق وهو الذي لم يفصح أحد من النحاة على تفرقة معنوية بينهما ولا شاهدا ~~يعين المصير إلى أحدهما دون الآخر . # قال في ( الكشاف ) : ( فإن قلت ما فائدة البدل ؟ قلت فائدته التوكيد لما ~~فيه من التثنية والتكرير ) ا ه فأفهم كلامه أن فائدة الإبدال أمران يرجعان ~~إلى التوكيد وهما ما فيه من التثنية أي تكرار لفظ البدل ولفظ المبدل منه ~~وعنى بالتكرير ما يفيده البدل عند النحاة من تكرير العامل وهو الذي مهد له ~~في صدر كلامه بقوله : ( وهو في حكم تكرير العامل كأنه قيل : اهدنا الصراط ~~المستقيم اهدنا صراط الذين ، وسماه تكريرا لأنه إعادة للفظ بعينه ، بخلاف ~~إعادة لفظ المبدل منه فإنه إعادة له بما يتحد مع ما صدقه فلذلك عبر ~~بالتكرير وبالتثنية ، ومراده أن مثل هذا البدل وهو الذي فيه إعادة لفظ ~~المبدل منه يفيد فائدة البدل وفائدة التوكيد اللفظي ، وقد علمت أن الجمع ~~بين الأمرين لا يتأتى على وجه معتبر عند البلغاء إلا بهذا الصوغ البديع . # وإن إعادة الاسم في البدل أو البيان ليبنى عليه ما يراد تعلقه بالاسم ~~الأول أسلوب بهيج من الكلام البليغ لإشعار إعادة اللفظ بأن مدلوله بمحل ~~العناية وأنه حبيب إلى النفس ، ومثله تكرير الفعل كقوله تعالى : { وإذا ~~مروا باللغو مروا كراما } ( الفرقان : 72 ) وقوله : { ربنا هؤلاء الذين ~~أغوينا أغويناهم كما غوينا } ( القصص : 63 ) فإن إعادة فعل { مروا } وفعل { ~~أغويناهم } وتعليق المتعلق بالفعل المعاد دون الفعل الأول تجد له من الروعة ~~والبهجة ما لا تجده لتعليقه بالفعل الأول PageV01P192 دون إعادة ، وليست ~~الإعادة في مثله لمجرد التأكيد لأنه قد زيد عليه ما تعلق به . قال ابن جني ~~في ( شرح مشكل الحماسة ) عند قول الأحوص : # فإذا تزول تزول عن متخمط # تخشى بوادره على الأقران # محال أن ms0202 تقول إذا قمت قمت وإذا أقعد أقعد لأنه ليس في الثاني غير ما في ~~الأول وإنما جاز أن يقول فإذا تزول تزولل لما اتصل بالفعل الثاني من حرف ~~الجر المفادة منه الفائدة ، ومثله قول الله تعالى : { هؤلاء الذين أغوينا ~~أغويناهم كما غوينا } وقد كان أبو علي ( يعني الفارسي ) امتنع في هذه الآية ~~مما أخذناه ا ه . # قلت ولم يتضح توجيه امتناع أبي علي فلعله امتنع من اعتبار { أغويناهم } ~~بدلا من { أغوينا } وجعله استئنافا وإن كان المآل واحدا . وفي استحضار ~~المنعم عليهم بطريق الموصول ، وإسناد فعل الإنعام عليهم إلى ضمير الجلالة ، ~~تنويه بشأنهم خلافا لغيرهم من المغضوب عليهم والضالين . # ثم إن في اختيار وصف الصراط المستقيم بأنه صراط الذين أنعمت عليهم دون ~~بقية أوصافه تمهيدا لبساط الإجابة فإن الكريم إذا قلت له أعطني كما أعطيت ~~فلانا كان ذلك أنشط لكرمه ، كما قرره الشيخ الجد قدس الله سره في قوله صلى ~~الله عليه وسلم ( كما صليت على إبراهيم ) ، فيقول السائلون : إهدنا الصراط ~~المستقيم الصراط الذين هديت إليه عبيد نعمك مع ما في ذلك من التعريض بطلب ~~أن يكونوا لاحقين في مرتبة الهدى بأولئك المنعم عليهم ، وتهمما بالاقتداء ~~بهم في الأخذ بالأسباب التي ارتقوا بها إلى تلك الدرجات ، قال تعالى : { ~~لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة } ( الممتحنة : 6 ) ، وتوطئة لما سيأتي بعد من ~~التبرىء من أحوال المغضوب عليهم والضالين فتضمن ذلك تفاؤلا وتعوذا . # والنعمة بالكسر وبالفتح مشتقة من النعيم وهو راحة العيش وملائم الإنسان ~~والترفه ، والفعل كسمع ونصر وضرب . والنعمة الحالة الحسنة لأن بناء الفعلة ~~بالكسر للهيئات ومتعلق النعمة اللذات الحسية ثم استعملت في اللذات المعنوية ~~العائدة بالنفع ولو لم يحس بها صاحبها . فالمراد من النعمة في قوله : { ~~الذين أنعمت عليهم } النعمة التي لم يشبها ما يكدرها ولا تكون عاقبتها سوأى ~~، فهي شاملة لخيرات الدنيا الخالصة من العواقب السيئة ولخيرات الآخرة ، وهي ~~الأهم ، فيشمل النعم الدنيوية الموهوبي منها والكسبي ، والروحاني والجثماني ~~، ويشمل النعم الأخروية . PageV01P193 والنعمة بهذا المعنى يرجع معظمها إلى ~~الهداية ، فإن الهداية ms0203 إلى الكسبي من الدنيوي وإلى الأخروي كله ظاهرة فيها ~~حقيقة الهداية ، ولأن الموهوب في الدنيا وإن كان حاصلا بلا كسب إلا أن ~~الهداية تتعلق بحسن استعماله فيما وهب لأجله . # فالمراد من المنعم عليهم الذين أفيضت عليهم النعم الكاملة ولا تخفى تمام ~~المناسبة بين المنعم عليهم وبين المهديين حينئذ فيكون في إبدال { صراط ~~الذين } من { الصراط المستقيم } معنى بديع وهو أن الهداية نعمة وأن المنعم ~~عليهم بالنعمة الكاملة قد هدوا إلى الصراط المستقيم . والذين أنعم الله ~~عليهم هم خيار الأمم السابقة من الرسل والأنبياء الذين حصلت لهم النعمة ~~الكاملة . وإنما يلتئم كون المسؤول طريق المنعم عليهم فيما مضى وكونه هو ~~دين الإسلام الذي جاء من بعد باعتبار أن الصراط المستقيم جار على سنن ~~الشرائع الحقة في أصول الديانة وفروع الهداية والتقوى ، فسألوا دينا قويما ~~يكون في استقامته كصراط المنعم عليهم فأجيبوا بدين الإسلام ، وقد جمع ~~استقامة الأديان الماضية وزاد عليها ، أو المراد من المنعم عليهم الأنبياء ~~والرسل فإنهم كانوا على حالة أكمل مما كان عليه أممهم ، ولذلك وصف الله ~~كثيرا من الرسل الماضين بوصف الإسلام وقد قال يعقوب لأبنائه : { فلا تموتن ~~إلا وأنتم مسلمون } ( البقرة : 132 ) ذلك أن الله تعالى رفق بالأمم فلم ~~يبلغ بهم غاية المراد من الناس لعدم تأهلهم للاضطلاع بذلك ولكنه أمر ~~المرسلين بأكمل الحالات وهي مراده تعالى من الخلق في الغاية ، ولنمثل لذلك ~~بشرب الخمر فقد كان القدر غير المسكر منه مباحا وإنما يحرم السكر أو لا ~~يحرم أصلا غير أن الأنبياء لم يكونوا يتعاطون القليل من المسكرات وهو ~~المقدار الذي هدى الله إليه هذه الأمة كلها ، فسواء فسرنا المنعم عليهم ~~بالأنبياء أو بأفضل أتباعهم أو المسلمين السابقين فالمقصد الهداية إلى صراط ~~كامل ويكون هذا الدعاء محمولا في كل زمان على ما يناسب طرق الهداية التي ~~سبقت زمانه والتي لم يبلغ إلى نهايتها . # والقول في المطلوب من { اهدنا } على هذه التقادير كلها كالقول فيما تقدم ~~من كون { اهدنا } لطلب الحصول أو الزيادة أو الدوام . # والدعاء مبني على ms0204 عدم الاعتداد بالنعمة غير الخالصة ، فإن نعم الله على ~~عباده كلهم كثيرة والكافر منعم عليه بما لا يمترى في ذلك ولكنها نعم تحفها ~~آلام الفكرة في سوء العاقبة ويعقبها عذاب الآخرة ، فالخلاف المفروض بين بعض ~~العلماء في أن الكافر هل هو منعم عليه خلاف لا طائل تحته فلا فائدة في ~~التطويل بظواهر أدلة الفريقين . PageV01P194 # { غير المغضوب عليهم ولا الضآلين } . # كلمة غير مجرورة باتفاق القراء العشرة ، وهي صفة للذين أنعمت عليهم ، أو ~~بدل منه والوصف والبدلية سواء في المقصود ، وإنما قدم في ( الكشاف ) بيان ~~وجه البدلية لاختصار الكلام عليها ليفضي إلى الكلام على الوصفية ، فيورد ~~عليها كيفية صحة توصيف المعرفة بكلمة ( غير ) التي لا تتعرف ، وإلا فإن جعل ~~{ غير المغضوب } صفة للذين هو الوجه وكذلك أعربه سيبويه فيما نقل عنه أبو ~~حيان ووجهه بأن البدل بالوصف ضعيف إذ الشأن أن البدل هو عين المبدل منه أي ~~اسم ذات له ، يريد أن معنى التوصيف في { غير } أغلب من معنى ذات أخرى ليست ~~السابقة ، وهو وقوف عند حدود العبارات الاصطلاحية حتى احتاج صاحب ( الكشاف ~~) إلى تأويل { غير المغضوب } بالذين سلموا من الغضب ، وأنا لا أظن الزمخشري ~~أراد تأويل غير بل أراد بيان المعنى . وإنما صح وقوع ( غير ) صفة للمعرفة ~~مع قولهم إن غير لتوغلها في الإبهام لا تفيدها الإضافة تعريفا أي فلا يكون ~~في الوصف بها فائدة التمييز فلا توصف بها المعرفة لأن الصفة يلزم أن تكون ~~أشهر من الموصوف ، فغير وإن كانت مضافة للمعرفة إلا أنها لما تضمنه معناها ~~من الإبهام انعدمت معها فائدة التعريف ، إذ كل شيء سوى المضاف إليه هو غير ~~، فماذا يستفاد من الوصف في قولك مررت بزيد غير عمرو ، فالتوصيف هنا إما ~~باعتبار كون { الذين أنعمت عليهم } ليس مرادا به فريق معين فكان وزان ~~تعريفه بالصلة وزان المعرف بأل الجنسية المسماة عند علماء المعاني بلام ~~العهد الذهني ، فكان في المعنى كالنكرة وإن كان لفظه لفظ المعرفة فلذلك عرف ~~بمثله لفظا ومعنى ، وهو { غير المغضوب } الذي هو في صورة ms0205 المعرفة لإضافته ~~لمعرفة وهو في المعنى كالنكرة لعدم إرادة شيء معين ، وإما باعتبار تعريف ~~غير في مثل هذا لأن غير إذا أريد بها نفي ضد الموصوف أي مساوي نقيضه صارت ~~معرفة ، لأن الشيء يتعرف بنفي ضده نحو عليك بالحركة غير السكون ، فلما كان ~~من أنعم عليه لا يعاقب كان المعاقب هو المغضوب عليه ، هكذا نقل ابن هشام عن ~~ابن السراج والسيرافي وهو الذي اختاره ابن الحاجب في أماليه على قوله تعالى ~~: { غير أولي الضرر } ( النساء : 95 ) ونقل عن سيبوبه أن غيرا إنما لم ~~تتعرف لأنها بمعنى المغاير فهي كاسم الفاعل وألحق بها مثلا وسوى وحسب وقال ~~: إنها تتعرف إذا قصد بإضافتها الثبوت . وكأن مآل المذهبين واحد لأن غيرا ~~إذا أضيفت PageV01P195 إلى ضد موصوفها وهو ضد واحد أي إلى مساوي نقيضه ~~تعينت له الغيرية فصارت صفة ثابتة له غير منتقلة ، إذ غيرية الشيء لنقيضه ~~ثابتة له أبدا فقولك عليك بالحركة غير السكون هو غير قولك مررت بزيد غير ~~عمرو وقوله : { غير المغضوب عليهم } من النوع الأول . # ومن غرض وصف { الذين أنعمت عليهم } بأنهم { غير المغضوب عليهم ولا ~~الضالين } التعوذ مما عرض لأمم أنعم الله عليهم بالهداية إلى صراط الخير ~~بحسب زمانهم بدعوة الرسل إلى الحق فتقلدوها ثم طرأ عليهم سوء الفهم فيها ~~فغيروها وما رعوها حق رعايتها ، والتبرؤ من أن يكونوا مثلهم في بطر النعمة ~~وسوء الامتثال وفساد التأويل وتغليب الشهوات الدنيوية على إقامة الدين حتى ~~حق عليهم غضب الله تعالى ، وكذا التبرؤ من حال الذين هدوا إلى صراط مستقيم ~~فما صرفوا عنايتهم للحفاظ على السير فيه باستقامة ، فأصبحوا من الضالين بعد ~~الهداية إذ أساءوا صفة العلم بالنعمة فانقلبت هدايتهم ضلالا . # والظاهر أنهم لم يحق عليهم غضب الله قبل الإسلام لأنهم ضلوا عن غير تعمد ~~فلم يسبق غضب الله عليهم قديما واليهود من جملة الفريق الأول ، والنصارى من ~~جملة الفريق الثاني كما يعلم من الاطلاع على تاريخ ظهور الدينين فيهم . ~~وليس يلزم اختصاص أول الوصفين باليهود والثاني بالنصارى فإن في الأمم ms0206 ~~أمثالهم وهذا الوجه في التفسير هو الذي يستقيم معه مقام الدعاء بالهداية ~~إلى الصراط المستقيم ولو كان المرادين اليهودية ودين النصرانية لكان الدعاء ~~تحصيلا للحاصل فإن الإسلام جاء ناسخا لهما . # ويشمل المغضوب عليهم والضالون فرق الكفر والفسوق والعصيان ، فالمغضوب ~~عليهم جنس للفرق التي تعمدت ذلك واستخفت بالديانة عن عمد أو عن تأويل بعيد ~~جدا ، والضالون جنس للفرق التي أخطأت الدين عن سوء فهم وقلة إصغاء ؛ وكلا ~~الفريقين مذموم لأننا مأمورون باتباع سبيل الحق وصرف الجهد إلى إصابته ، ~~واليهود من الفريق الأول والنصارى من الفريق الثاني . وما ورد في الأثر مما ~~ظاهره تفسير المغضوب عليهم باليهود والضالين بالنصارى فهو إشارة إلى أن في ~~الآية تعريضا بهذين الفريقين اللذين حق عليهما هذان الوصفان لأن كلا منهما ~~صار علما فيما أريد التعريض به فيه . وقد تبين لك من هذا أن عطف { ولا ~~الضالين } على { غير المغضوب عليهم } ارتقاء في التعوذ من شر سوء العاقبة ~~لأن التعوذ من الضلال الذي جلب لأصحابه غضب الله لا يغني عن التعوذ من ~~الضلال الذي لم يبلغ بأصحابه تلك الدركات وذلك وجه تقديم { المغضوب عليهم } ~~على { ولا الضالين } ، لأن الدعاء كان بسؤال النفي ، فالتدرج فيه ~~PageV01P196 يحصل بنفي الأضعف بعد نفي الأقوى ، مع رعاية الفواصل . # والغضب المتعلق بالمغضوب عليهم هو غضب الله . وحقيقة الغضب المعروفف في ~~الناس أنه كيفية تعرض للنفس يتبعها حركة الروح إلى الخارج وثورانها فتطلب ~~الانتقام ، فالكيفية سبب لطلب الانتقام وطلب الإنتقام سبب لحصول الانتقام . ~~والذي يظهر لي أن إرادة الانتقام ليست من لوازم ماهية الغضب بحيث لا تنفك ~~عنه ولكنها قد تكون من آثاره ، وأن الغضب هو كيفية للنفس تعرض من حصول ما ~~لا يلائمها فتترتب عليه كراهية الفعل المغضوب منه وكراهية فاعله ، ويلازمه ~~الإعراض عن المغضوب عليه ومعاملته بالعنف وبقطع الإحسان وبالأذى وقد يفضى ~~ذلك إلى طلب الانتقام منه فيختلف الحد الذي يثور عند الغضب في النفس ~~باختلاف مراتب احتمال النفوس للمنافرات واختلاف العادات في اعتبار أسبابه ، ~~فلعل الذين جعلوا إرادة الانتقام لازمة للغضب ms0207 بنوا على القوانين العربية . # وإذ كانت حقيقة الغضب يستحيل اتصاف الله تعالى بها وإسنادها إليه على ~~الحقيقة للأدلة القطعية الدالة على تنزيه الله تعالى عن التغيرات الذاتية ~~والعرضية ، فقد وجب على المؤمن صرف إسناد الغضب إلى الله عن معناه الحقيقي ~~، وطريقة أهل العلم والنظر في هذا الصرف أن يصرف اللفظ إلى المجاز بعلاقة ~~اللزوم أو إلى الكناية باللفظ عن لازم معناه فالذي يكون صفة لله من معنى ~~الغضب هو لازمه ، أعني العقاب والإهانة يوم الجزاء واللعنة أي الإبعاد عن ~~أهل الدين والصلاح في الدنيا أو هو من قبيل التمثيلية . # وكان السلف في القرن الأول ومنتصفف القرن الثاني يمسكون عن تأويل هذه ~~المتشابهات لما رأوا في ذلك الإمساك من مصلحة الاشتغال بإقامة الأعمال التي ~~هي مراد الشرع من الناس فلما نشأ النظر في العلم وطلب معرفة حقائق الأشياء ~~وحدث قول الناس في معاني الدين بما لا يلائم الحق ، لم يجد أهل العلم بدا ~~من توسيع أساليب التأويل الصحيح لإفهام المسلم وكبت الملحد ، فقام الدين ~~بصنيعهم على قواعده ، وتميز المخلص له عن ماكره وجاحده . وكل فيما صنعوا ~~على هدى . وبعد البيانن لا يرجع إلى الإجمال أبدا . وما تأولوه إلا بما هو ~~معروف في لسان العرب مفهوم لأهله . # فغضب الله تعالى على العموم يرجع إلى معاملته الحائدين عن هديه العاصين ~~لأوامره ويترتب عليه الانتقام وهو مراتب أقصاها عقاب المشركين والمنافقين ~~بالخلود في الدرك PageV01P197 الأسفل من النار ودون الغضب الكراهية فقد ورد ~~في الحديث : ( ويكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال ) ، ويقابلهما الرضى ~~والمحبة وكل ذلك غير المشيئة والإرادة بمعنى التقدير والتكوينن ، { ولا ~~يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم } ( الزمر : 7 ) { ولو شاء ربك ما ~~فعلوه } ( الأنعام : 112 ) { ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا } ( ~~يونس : 99 ) وتفصيل هذه الجملة في علم الكلام . # واعلم أن الغضب عند حكماء الأخلاق مبدأ من مجموع الأخلاق الثلاثة الأصلية ~~التي يعبر عن جميعها بالعدالة وهي : الحكمة والعفة والشجاعة ، فالغضب مبدأ ~~الشجاعة إلا أن الغضب يعبر به ms0208 عن مبدأ نفساني لأخلاق كثيرة متطرفة ومعتدلة ~~فيلقبون بالقوة الغضبية ما في الإنسان من صفات السبعية وهي حب الغلبة ومن ~~فوائدها دفع ما يضره ولها حد اعتدال وحد انحراف فاعتدالها الشجاعة وكبر ~~الهمة ، وثبات القلب في المخاوف ، وانحرافها إما بالزيادة فهي التهور وشدة ~~الغضب من شيء قليل والكبر والعجب والشراسة والحقد والحسد والقساوة ، أو ~~بالنقصان فالجبن وخور النفس وصغر الهمة فإذا أطلق الغضب لغة انصرف إلى بعض ~~انحراف الغضبية ، ولذلك كان من جوامع كلم النبيء صلى الله عليه وسلم ( أن ~~رجلا قال له أوصني قال : لا تغضب فكرر مرارا فقال : لا تغضب ) رواه الترمذي ~~. وسئل بعض ملوك الفرس بم دام ملككم ؟ فقال : لأنا نعاقب على قدر الذنب لا ~~على قدر الغضب . فالغضب المنهى عنه هو الغضب للنفس لأنه يصدر عنه الظلم ~~والعدوان ، ومن الغضب محمود وهو الغضب لحماية المصالح العامة وخصوصا ~~الدينية وقد ورد أن النبيء كان لا يغضب لنفسه فإذا انتهكت حرمة من حرمات ~~الله غضب لله . # وقوله : { ولا الضالين } معطوف على { المغضوب عليهم } كما هو متبادر ، ~~قال ابن عطية ، قال مكي ابن أبي طالب إن دخول ( لا ) لدفع توهم عطف ( ~~الضالين ) على ( الذين أنعم عليهم ) ، وهو توجيه بعيد فالحق أن ( لا ) ~~مزيدة لتأكيد النفي المستفاد من لفظ ( غير ) على طريقة العرب في المعطوف ~~على ما في حيز النفي نحو قوله : { أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير } ( ~~المائدة : 19 ) وهو أسلوب في كلام العرب . وقال السيد في ( حواشي الكشاف ) ~~لئلا يتوهم أن المنفي هو المجموع فيجوز ثبوت أحدهما ، ولما كانت غير في ~~معنى النفي أجريت إعادة النفي في المعطوف عليها ، وليست زيادة ( لا ) هنا ~~كزيادتها في نحو : { ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك } ( الأعراف : 12 ) كما ~~توهمه بعض المفسرين ؛ لأن PageV01P198 تلك الزيادة لفظية ومعنوية لأن ~~المعنى على الإثبات والتي هنا زيادة لفظية فحسب والمعنى على النفي . # والضلال سلوك غير الطريق المراد عن خطإ سواء علم بذلك فهو يتطلب الطريق ~~أم لم يعلم ، ومنه ضالة الإبل ، وهو ms0209 مقابل الهدى وإطلاق الضال على المخطىء ~~في الدين أو العلم استعارة كما هنا . والضلال في لسان الشرع مقابل الاهتداء ~~والاهتداء هو الإيمان الكامل والضلال ما دون ذلك ، قالوا وله عرض عريض ~~أدناه ترك السنن وأقصاه الكفر . وقد فسرنا الهداية فيما تقدم أنها الدلالة ~~بلطف ، فالضلال عدم ذلك ، ويطلق على أقصى أنواعه الختم والطبع والأكنة . # والمراد من المغضوب عليهم والضالين جنسا فرق الكفر ، فالمغضوب عليهم جنس ~~للفرق التي تعمدت ذلك واستحقت بالديانة عن عمد وعن تأويل بعيد جدا تحمل ~~عليه غلبة الهوى ، فهؤلاء سلكوا من الصراط الذي خط لهم مسالك غير مستقيمة ~~فاستحقوا الغضب لأنهم أخطأوا عن غير معذرة إذ ما حملهم على الخطأ إلا إيثار ~~حظوظ الدنيا . 6 # والضالون جنس للفرق الذين حرفوا الديانات الحق عن عمد وعن سوء فهم وكلا ~~الفريقين مذموم معاقب لأن الخلق مأمورون باتباع سبيل الحق وبذل الجهد إلى ~~إصابته والحذر من مخالفة مقاصده . # وإذ قد تقدم ذكر المغضوب عليهم وعلم أن الغضب عليهم لأنهم حادوا عن ~~الصراط الذي هدوا إليه فحرموا أنفسهم من الوصول به إلى مرضاة الله تعالى ، ~~وأن الضالين قد ضلوا الصراط ، فحصل شبه الاحتباك وهو أن كلا الفريقين نال ~~حظا من الوصفين إلا أن تعليق كل وصف على الفريق الذي علق عليه يرشد إلى أن ~~الموصوفين بالضالين هم دون المغضوب عليهم في الضلال فالمراد المغضوب عليهم ~~غضبا شديدا لأن ضلالهم شنيع . فاليهود مثل للفريق الأول والنصارى من جملة ~~الفريق الثاني كما ورد به الحديث عن النبيء صلى الله عليه وسلم في ( جامع ~~الترمذي ) وحسنه . وما ورد في الأثر من تفسير المغضوب عليهم باليهود ~~والضالين بالنصارى ، فهو من قبيل التمثيل بأشهر الفرق التي حق عليها هذان ~~الوصفانن ، فقد كان العرب يعرفون اليهود في خيبر والنضير وبعض سكان المدينة ~~وفي عرب اليمن . وكانوا يعرفون نصارى العرب مثل تغلب وكلب وبعض قضاعة ، وكل ~~أولئك بدلوا وغيروا وتنكبوا عن الصراط المستقيم الذي أرشدهم الله إليه ~~وتفرقوا في بنيات الطرق على تفاوت في ذلك . PageV01P199 # فاليهود تمردوا على ms0210 أنبيائهم وأحبارهم غير مرة وبدلوا الشريعة عمدا ~~فلزمهم وصف المغضوب عليهم وعلق بهم في آيات كثيرة . والنصارى ضلوا بعد ~~الحواريين وأساءوا فهم معنى التقديس في عيسى عليه السلام فزعموه ابن الله ~~على الحقيقة قال تعالى : { قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ~~ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل } ~~( المائدة : 77 ) . وفي وصف الصراط المسؤول في قوله : { اهدنا الصراط ~~المستقيم } بالمستقيم إيماء إلى أن الإسلام واضح الحجة قويم المحجة لا يهوى ~~أهله إلى هوة الضلالة كما قال تعالى : { قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم ~~دينا قيما } ( الأنعام : 161 ) وقال : { وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا ~~تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله } ( الأنعام : 153 ) ، على تفاوت في مراتب ~~إصابة مراد الله تعالى ولذلك قال النبيء صلى الله عليه وسلم ( من اجتهد ~~وأصاب فله أجران ومن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد ) ولم يترك بيان الشريعة ~~مجاري اشتباه بين الخلافف الذي تحيط به دائرة الإسلام والخلافف الذي يخرج ~~بصاحبه عن محيط الإسلام قال تعالى : { إنك على الحق المبين } ( النمل : 79 ~~) . # واختلف القراء في حركة هاء الضمير من قوله : { أنعمت عليهم } ، وقوله : { ~~غير المغضوب عليهم } ، وما ضاهاهما من كل ضمير جمع وتثنية مذكر ومؤنث ~~للغائب وقع بعد ياء ساكنة ، فالجمهور قرأوها بكسر الهاء تخلصا من الثقل لأن ~~الهاء حاجز غير حصين فإذا ضمت بعد الياء فكأن ضمتها قد وليت الكسرة أو ~~الياء الساكنة وذلك ثقيل وهذه لغة قيس وتميم وسعد بن بكر . وقرأ حمزة عليهم ~~وإليهم ولديهم فقط بضم الهاء وما عداها بكسر الهاء نحو إليهما وصياصيهم وهي ~~لغة قريش والحجازيين . وقرأ يعقوب كل ضمير من هذا القبيل مما قبل الهاء فيه ~~ياء ساكنة بضم الهاء . وقد ذكرنا هذا هنا فلا نعيد ذكره في أمثاله وهو مما ~~يرجع إلى قواعد علم القراءات في هاء الضمير . # واختلفوا أيضا في حركة ميم ضمير الجمع الغائب المذكر في الوصل إذا وقعت ~~قبل متحرك فالجمهور قرأوا : { عليهم ms0211 غير المغضوب عليهم } بسكون الميم وقرأ ~~ابن كثير وأبو جعفر وقالون في رواية عنه بضمة مشبعة : { غير المغضوب عليهم ~~} وهي لغة بعض العرب وعليها قول لبيد : # وهمو فوارسها وهم حكامها # فجاء باللغتين ، وقرأ ورش بضم الميم وإشباعها إذا وقع بعد الميم همز دون ~~نحو : { غير المغضوب عليهم } وأجمع الكل على إسكان الميم في الوقف . # # PageV01P200 # | 1 ( 2 سورة البقرة ) 1 # كذا سميت هذه السورة سورة البقرة في المروي عن النبيء صلى الله عليه وسلم ~~وما جرى في كلام السلف ، فقد ورد في ( الصحيح ) أن النبيء صلى الله عليه ~~وسلم قال : ( من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة كفتاه ) ، وفيه عن عائشة : ~~( لما نزلت الآيات من آخر البقرة في الربا قرأهن رسول الله ثم قام فحرم ~~التجارة في الخمر ) . # ووجه تسميتها أنها ذكرت فيها قصة البقرة التي أمر الله بني إسرائيل ~~بذبحها لتكون آية ووصف سوء فهمهم لذلك ، وهي مما انفردت به هذه السورة ~~بذكره ، وعندي أنها أضيفت إلى قصة البقرة تمييزا لهاعن السور آل آلم من ~~الحروف المقطعة لأنهم كانوا ربما جعلوا تلك الحروف المقطعة أسماء للسور ~~الواقعة هي فيها وعرفوها بها نحو : طه ، ويس ، وص وفي الأتفاق عن ( ~~المستدرك ) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إنها سنام القرآن ) وسنام ~~كل شيء أعلاه وهذا ليس علما لها ولكنه وصف تشريف . وكذلك قول خالد بن معدان ~~إنها فسطاط القرآن والفسطاط ما يحيط بالمكان لإحاطتها بأحكام كثيرة . # نزلت سورة البقرة بالمدينة بالاتفاق وهي أول ما نزل في المدينة ، وحكى ~~ابن حجر في ( شرح البخاري ) الاتفاق عليه ، وقيل نزلت سورة المطففين قبلها ~~بناء على أن سورة المطففين مدنية ، ولا شك أن سورة البقرة فيها فرض الصيام ~~، والصيام فرض في السنة الأولى من الهجرة ، فرض فيها صوم عاشوراء ثم فرض ~~صيام رمضان في السنة الثانية لأن النبيء صلى الله عليه وسلم صام سبع ~~رمضانات أولها رمضان من العام الثاني من الهجرة ، فتكون سورة البقرة نزلت ~~في السنة الأولى من الهجرة في أواخرها أو في ms0212 الثانية . # وفي البخاري عن عائشة ( ما نزلت سورة البقرة إلا وأنا عنده ) ( تعني ~~النبيء صلى الله عليه وسلم وكان بناء رسول الله على عائشة في شوال من السنة ~~الأولى للهجرة ، وقيل في أول السنة الثانية ، وقد روى عنها أنها مكثت عنده ~~تسع سنين فتوفي وهي بنت ثمان عشرة سنة وبنى بها وهي بنت تسع سنين ، إلا أن ~~اشتمال سورة البقرة على أحكام الحج والعمرة وعلى أحكام القتال من المشركين ~~في الشهر الحرام والبلد الحرام ينبىء بأنها استمر نزولها إلى سنة خمس وسنة ~~ست كما سنبينه عند آية : { فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي } ( البقرة : ~~196 ) PageV01P201 وقد يكون ممتدا إلى ما بعد سنة ثمان كما يقتضيه قوله : { ~~الحج أشهر معلومات الآيات إلى قوله لمن اتقى } ( البقرة : 197 203 ) . على ~~أنه قد قيل إن قوله : { واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله } ( البقرة : 281 ~~) الآية هو آخر ما نزل من القرآن ، وقد بينا في المقدمة الثامنة أنه قد ~~يستمر نزول السورة فتنزل في أثناء مدة نزولها سور أخرى . # وقد عدت سورة البقرة السابعة والثمانين في ترتيب نزول السور نزلت بعد ~~سورة المطففين وقبل آلل عمران . # وإذ قد كان نزول هذه السورة في أول عهد بإقامة الجامعة الإسلامية ~~واستقلال أهل الإسلام بمدينتهم كان من أول أغراض هذه السورة تصفية الجامعة ~~الإسلامية من أن تختلط بعناصر مفسدة لما أقام الله لها من الصلاح سعيا ~~لتكوين المدينة الفاضلة النقية من شوائب الدجل والدخل . # وإذ كانت أول سورة نزلت بعد الهجرة فقد عني بها الأنصار وأكبوا على حفظها ~~، يدل لذلك ما جاء في السيرة أنه لما انكشف المسلمون يوم حنين قال النبيء ~~صلى الله عليه وسلم للعباس : ( اصرخ يا معشر الأنصار يا أهل السمرة ( يعني ~~شجرة البيعة في الحديبية ) يا أهل سورة البقرة ) فقال الأنصار : لبيك لبيك ~~يا رسول الله أبشر . وفي ( الموطأ ) قال مالك إنه بلغه أن عبد الله بن عمر ~~مكث على سورة البقرة ثماني سنين يتعلمها ، وفي ( صحيح البخاري ) : كان ~~نصراني أسلم فقرأ البقرة ms0213 وآل عمران وكان يكتب للنبيء صلى الله عليه وسلم ثم ~~ارتد إلى آخر القصة . # وعدد آيها مائتان وخمس وثمانون آية عند أهل العدد بالمدينة ومكة والشام ، ~~وست وثمانون عند أهل العدد بالكوفة ، وسبع وثمانون عند أهل العدد بالبصرة . ~~PageV01P202 # محتويات هذه السورة # هذه السورة مترامية أطرافها ، وأساليبها ذات أفنان ، قد جمعت من وشائج ~~أغراض السور ما كان مصداقا لتلقيبها فسطاط القرآن ، فلا تستطيع إحصاء ~~محتوياتها بحسبان ، وعلى الناظر أن يترقب تفاصيل منها فيما يأتي لنا من ~~تفسيرها ، ولكن هذا لا يحجم بنا عن التعرض إلى لائحات منها ، وقد حيكت بنسج ~~المناسبات والاعتبارات البلاغية من لحمة محكمة في نظم الكلام ، وسدى متين ~~من فصاحة الكلمات . # ومعظم أغراضها ينقسم إلى قسمين : قسم يثبت سمو هذا الدين على ما سبقه ~~وعلو هديه وأصول تطهيره النفوس ، وقسم يبين شرائع هذا الدين لأتباعه وإصلاح ~~مجتمعهم . وكان أسلوبها أحسن ما يأتي عليه أسلوب جامع لمحاسن الأساليب ~~الخطابية ، وأساليب الكتب التشريعية ، وأساليب التذكير والموعظة ، يتجدد ~~بمثله نشاط السامعين بتفنن الأفانين ، ويحضر لنا من أغراضها أنها ابتدئت ~~بالرمز إلى تحدي العرب المعاندين تحديا إجماليا بحروف التهجي المفتتح بها ~~رمزا يقتضي استشرافهم لما يرد بعده وانتظارهم لبيان مقصده ، فأعقب بالتنويه ~~بشأن القرآن فتحول الرمز إيماء إلى بعض المقصود من ذلك الرمز له أشد وقع ~~على نفوسهم فتبقى في انتظار ما يتعقبه من صريح التعجيز الذي سيأتي بعد قوله ~~: { وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله } ( البقرة : ~~23 ) . فعدل بهم إلى ذات جهة التنويه بفائق صدق هذا الكتاب وهديه ، وتخلص ~~إلى تصنيف الناس تجاه تلقيهم هذا الكتاب وانتفاعهم بهديه أصنافا أربعة ( ~~وكانوا قبل الهجرة صنفين ) بحسب اختلاف أحوالهم في ذلك التلقي . وإذ قد كان ~~أخص الأصناف انتفاعا بهديه هم المؤمنين بالغيب المقيمين الصلاة يعني ~~المسلمين ابتدىء بذكرهم ، ولما كان أشد الأصناف عنادا وحقدا صنفا المشركين ~~الصرحاء والمنافقين لف الفريقان لفا واحدا فقورعوا بالحجج الدامغة ~~والبراهين الساطعة ، ثم خص بالإطناب صنف أهل النفاق تشويها لنفاقهم وإعلانا ~~لدخائلهم ms0214 ورد مطاعنهم ، ثم كان خاتمة ما قرعت به أنوفهم صريح التحدي الذي ~~رمز إليه بدءا تحديا يلجئهم إلى الاستكانة ويخرس ألسنتهم عن التطاول ~~والإبانة ، ويلقي في قرارات أنفسهم مذلة الهزيمة وصدق الرسول الذي تحداهم ، ~~فكان ذلك من رد PageV01P203 العجز على الصدر فاتسع المجال لدعوة المنصفين ~~إلى عبادة الرب الحق الذي خلقهم وخلق السماوات والأرض ، وأنعم عليهم بما في ~~الأرض جميعا . وتخلص إلى صفة بدء خلق الإنسان فإن في ذلك تذكيرا لهم بالخلق ~~الأول قبل أن توجد أصنامهم التي يزعمونها من صالحي قوم نوح ومن بعدهم ، ~~ومنة على النوع بتفضيل أصلهم على مخلوقات هذا العالم ، وبمزيته بعلم ما لم ~~يعلمه أهل الملأ الأعلى وكيف نشأت عداوة الشيطان له ولنسله ، لتهيئة نفوس ~~السامعين لاتهام شهواتها ولمحاسبتها على دعواتها . فهذه المنة التي شملت كل ~~الأصناف الأربعة المتقدم ذكرها كانت مناسبة للتخلص إلى منة عظمى تخص الفريق ~~الرابع وهم أهل الكتاب الذين هم أشد الناس مقاومة لهدي القرآن ، وأنفذ ~~الفرق قولا في عامة العرب لأن أهل الكتاب يومئذ هم أهل العلم ومظنة اقتداء ~~العامة لهم من قوله : { يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ~~وأوفوا بعهدي } ( البقرة : 40 ) الآيات فأطنب في تذكيرهم بنعم الله وأيامه ~~لهم ، ووصفف ما لاقوا به نعمه الجمة من الانحراف عن الصراط السوي انحرافا ~~بلغ بهم حد الكفر وذلك جامع لخلاصة تكوين أمة إسرائيل وجامعتهم في عهد موسى ~~، ثم ما كان من أهم أحداثهم مع الأنبياء الذين قفوا موسى إلى أن تلقوا دعوة ~~الإسلام بالحسد والعداوة حتى على الملك جبريل ، وبيان أخطائهم ، لأن ذلك ~~يلقي في النفوس شكا في تأهلهم للاقتداء بهم . وذكر من ذلك نموذجا من ~~أخلاقهم من تعلق الحياة : { ولتجدن أحرص الناس على حياة } ( البقرة : 96 ) ~~، ومحاولة العمل بالحسر { واتبعوا ما تتلوا الشياطين الخ } ( البقرة : 102 ~~) وأذى النبيء بموجه الكلام { لا تقولوا راعنا } ( البقرة : 104 ) . # ثم قرن اليهود والنصارى والمشركون في قرن حسدهم المسلمين والسخط على ~~الشريعة الجديدة : { ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين ms0215 إلى ~~قوله : ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } ( البقرة : 105 112 ) ، ثم ما أثير ~~من الخلاف بين اليهود والنصارى وإدعاء كل فريق أنه هو المحق : { وقالت ~~اليهود ليست النصارى على شيء إلى يختلفون } ( البقرة : 113 ) ثم خص ~~المشركون بأنهم أظلم هؤلاء الأصناف الثلاثة لأنهم منعوا المسلمين من ذكر ~~الله في المسجد الحرام وسعوا بذلك في خرابه وأنهم تشابهوا في ذلك هم ~~واليهود والنصارى واتحدوا في كراهية الإسلام . # وانتقل بهذه المناسبة إلى فضائل المسجد الحرام ، وبانيه ، ودعوته لذريته ~~بالهدى ، PageV01P204 والاحتراز عن إجابتها في الذين كفروا منهم ، وأن ~~الإسلام على أساس ملة إبراهيم وهو التوحيد ، وأن اليهودية والنصرانية ليستا ~~ملة إبراهيم ، وأن من ذلك الرجوع إلى استقبال الكعبة ادخره الله للمسلمين ~~آية على أن الإسلام هو القائم على أساس الحنيفية ، وذكر شعائر الله بمكة ، ~~وإبكات أهل الكتاب في طعنهم على تحويل القبلة ، وأن العناية بتزكية النفوس ~~أجدر من العناية باستقبال الجهات : { ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق ~~والمغرب } ( البقرة : 177 ) . وذكروا بنسخ الشرائع لصلاح الأمم وأنه لا بدع ~~في نسخ شريعة التوراة أو الإنجيل بما هو خير منهما . # ثم عاد إلى محاجة المشركين بالاستدلال بآثار صنعة الله : { إن في خلق ~~السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك الخ } ( البقرة : 164 ) ، ~~ومحاجة المشركين في يوم يتبرأون فيه من قادتهم ، وإبطال مزاعم دين الفريقين ~~في محرمات من الأكل : { يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم } ( ~~البقرة : 172 ) ، وقد كمل ذلك بذكر صنف من الناس قليل وهم المشركون الذين ~~لم يظهروا الإسلام ولكنهم أظهروا مودة المسلمين : { ومن الناس من يعجبك ~~قوله في الحياة الدنيا } ( البقرة : 204 ) . # ولما قضى حق ذلك كله بأبدع بيان وأوضح برهان ، انتقل إلى قسم تشريعات ~~الإسلام إجمالا بقوله : { ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب } ( ~~البقرة : 177 ) ، ثم تفصيلا : القصاص ، الوصية ، الصيام ، الاعتكاف ، الحج ~~، الجهاد ، ونظام المعاشرة والعائلة ، المعاملات المالية ، والإنفاق في ~~سبيل الله ، والصدقات ، والمسكرات ، واليتامى ، والمواريث ، والبيوع والربا ~~، والديون ، والإشهاد ، والرهن ، والنكاح ، وأحكام النساء ، والعدة ، ~~والطلاق ms0216 ، والرضاع ، والنفقات ، والأيمان . # وختمت السورة بالدعاء المتضمن لخصائص الشريعة الإسلامية وذلك من جوامع ~~الكلم فكان هذا الختام تذييلا وفذلكة : { ما في السماوات وما في الأرض وإن ~~تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه } ( البقرة : 284 ) الآيات . # وكانت في خلال ذلك كله أغراض شتى سبقت في معرض الاستطراد في متفرق ~~المناسبات تجديدا لنشاط القارىء والسامع ، كما يسفر وجه الشمس إثر نزول ~~الغيوث الهوامع ، وتخرج بوادر الزهر عقب الرعود القوارع ، من تمجيد الله ~~وصفاته : { الله لا إلاه إلا هو } ( البقرة : 255 ) ورحمته وسماحة الإسلام ~~، وضرب أمثال : { أو كصيب } ( البقرة : 19 ) واستحضار نظائر : { وإن من ~~الحجارة } ( البقرة : 74 ) PageV01P205 { ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم ~~} ( البقرة : 243 ) وعلم وحكمة ، ومعاني الإيمان والإسلام ، وتثبيت ~~المسلمين : { يأيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر } ( البقرة : 153 ) ~~والكمالات الأصلية ، والمزايا التحسينية ، وأخذ الأعمال والمعاني من ~~حقائقها وفوائدها لا من هيئاتها ، وعدم الاعتداد بالمصطلحات إذا لم ترمم ~~إلى غايات : { وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها } ( البقرة : 189 ) { ~~ليس البر أن تولوا وجوهكم } ( البقرة : 177 ) { وإخراج أهله منه أكبر عند ~~الله } ( البقرة : 217 ) والنظر والاستدلال ، ونظام المحاجة ، وأخبار الأمم ~~الماضية ، والرسل وتفاضلهم ، واختلاف الشرائع . # $ 2 ( 1 ) { ال & # 1764 م & # 1764 } . ) 2 $ # تحير المفسرون في محل هاته الحروف الواقعة في أول هاته السور ، وفي فواتح ~~سور أخرى عدة جميعها تسع وعشرون سورة ومعظمها في السور المكية ، وكان بعضها ~~في ثاني سورة نزلت وهي { ن والقلم } ( القلم : 1 ) ، وأخلق بها أن تكون ~~مثار حيرة ومصدر ، أقوال متعددة وأبحاث كثيرة ، ومجموع ما وقع من حروف ~~الهجاء أوائل السور أربعة عشر حرفا وهي نصف حروف الهجاء وأكثر السور التي ~~وقعت فيها هذه الحروف : السور المكية عدا البقرة وآل عمران ، والحروف ~~الواقعة في السور هي : أ ، ح ، ر ، س ، ص ، ط ، ع ، ق ، ك ، ل ، م ، ن ، ه ~~، ي ، بعضها تكرر في سور وبعضها لم يتكرر وهي من القرآن لا محالة ومن ~~المتشابه في تأويلها . # ولا خلاف أن هاته الفواتح حين ينطق بها القارىء أسماء الحروف ms0217 التهجي التي ~~ينطق في الكلام بمسمياتها وأن مسمياتها الأصوات المكيفة بكيفيات خاصة تحصل ~~في مخارج الحروف ولذلك إنما يقول القارىء : ( ألف لام ميم ) مثلا ولا يقول ~~( ألم ) . وإنما كتبوها في المصاحف بصور الحروف التي يتهجى بها في الكلام ~~التي يقوم رسم شكلها مقام المنطوق به في الكلام ولم يكتبوها بدوال ما ~~يقرأونها به في القرآن لأن المقصود التهجي بها وحروف التهجي تكتب بصورها لا ~~بأسمائها . وقيل لأن رسم المصحف سنة لا يقاس عليه وهذا أولى لأنه أشمل ~~للأقوال المندرجة تحتها ، وإلى هنا خلص أن الأرجح من تلك الأقوال ثلاثة وهي ~~كونها تلك الحروف لتبكت المعاندين وتسجيلا لعجزهم عن المعارضة ، أو كونها ~~أسماء للسور الواقعة هي فيها ، أو كونها أقساما أقسم بها لتشريف قدر ~~الكتابة ، وتنبيه العرب الأميين إلى PageV01P206 فوائد الكتابة لإخراجهم من ~~حالة الأمية ، وأرجح هذه الأقوال الثلاثة هو أولها ، فإن الأقوال الثاني ~~والسابع والثامن والثاني عشر والخامس عشر والسادس عشر يبطلها أن هذه الحروف ~~لو كانت مقتضبة من أسماء أو كلمات لكان حق أن ينطق بمسمياتها لا بأسمائها ؛ ~~لأن رسم المصحف سنة لا يقاس عليها ، وهذا أولى لأنه أشمل للأقوال . # وعرفت اسميتها من دليلين : أحدهما اعتوار أحوال الأسماء عليها مثل ~~التعريف حين تقول : الألف ، والباء ، ومثل الجمع حين تقول الجيمات ، وحين ~~الوصف حين تقول ألف ممدودة والثاني ما حكاه سيبويه في ( كتابه ) : قال ~~الخليل يوما وسأل أصحابه كيف تلفظون بالكاف التي في لك والباء التي في ضرب ~~فقيل نقول كاف ، باء ، فقال إنما جئتم بالاسم ولم تلفظوا بالحرف وقال أقول ~~كه ، وبه ( يعني بهاء وقعت في آخر النطق به ليعتمد عليها اللسان عند النطق ~~إذ أبقيت على حرف واحد لا يظهر في النطق به مفردا ) . # والذي يستخلص من أقوال العلماء بعد حذف متداخله وتوحيد متشاكله يؤول إلى ~~واحد وعشرين قولا ولشدة خفاء المراد من هذه الحروف لم أر بدا من استقصاء ~~الأقوال على أننا نضبط انتشارها بتنويعها إلى ثلاثة أنواع : # ةالنوع الأول يرجع إلى أنها رموز اقتضبت من كلم ms0218 أو جمل ، فكانت أسرارا ~~يفتح غلقها مفاتيح أهل المعرفة ويندرج تحت هذا النوع ثمانية أقوال : الأول ~~أنها علم استأثر الله تعالى به ونسب هذا إلى الخلفاء الأربعة في روايات ~~ضعيفة ولعلهم يثبتون إطلاع الله على المقصود منها رسوله صلى الله عليه وسلم ~~وقاله الشعبي وسفيان . والثاني أنها حروف مقتضبة من أسماء وصفات لله تعالى ~~المفتتحة بحروف مماثلة لهذه الحروف المقطعة رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس ~~، وقاله محمد بن القرظي أو الربيع بن أنس فألم مثلا الألف إشارة إلى أحد أو ~~أول أو أزلي ، واللام إلى لطيف ، والميم إلى ملك أو مجيد ، ونحو ذلك ، وعلى ~~هذا يحتاج في بيانها إلى توقيف وأنى لهم به . # الثالث أنها رموز لأسماء الله تعالى وأسماء الرسول صلى الله عليه وسلم ~~والملائكة فألم مثلا ، الألف من الله ، واللام من جبريل ، والميم من محمد ، ~~قاله الضحاك ، ولا بد من توقيف في كل فاتحة منها ، ولعلنا سننبه على ذلك في ~~مواضعه . # الرابع جزم الشيخ محي الدين في الباب الثامن والتسعين والمائة في الفصل ~~27 منه من كتابه ( الفتوحات ) أن هاته الحروف المقطعة في أوائل PageV01P207 ~~السور أسماء للملائكة وأنها إذا تليت كانت كالنداء لملائكتها فتصغي أصحاب ~~تلك الأسماء إلى ما يقوله التالي بعد النطق بها ، فيقولون صدقت إن كان ما ~~بعدها خبر ، ويقولون هذا مؤمن حقا نطق حقا وأخبر بحق فيستغفرون له ، وهذا ~~لم يقله غيره وهو دعوى . # الخامس أنها رموز كلها لأسماء النبيء صلى الله عليه وسلم وأوصافه خاصة ~~قاله الشيخ محمد بن صالح المعروف بابن ملوكة التونسي في ( رسالة ) له قال ~~إن كل حرف من حروف الهجاء في فواتح السور مكنى به عن طائفة من أسمائة ~~الكريمة وأوصافه الخاصة ، فالألف مكنى به عن جملة أسمائه المفتتحة بالألف ~~كأحمد وأبي القاسم ، واللام مكني به عن صفاته مثل لب الوجود ، والميم مكني ~~به عن محمد ونحوه مثل مبشر ومنذر ، فكلها منادى بحرف نداء مقدر بدليل ظهور ~~ذلك الحرف في يس . ولم يعز هذا القول إلى أحد ، وعلق ms0219 على هذه ( الرسالة ) ~~تلميذه شيخ الإسلام محمد معاوية ( تعليقة ) أكثر فيها من التعداد ، وليست ~~مما ينثلج لمباحثه الفؤاد ( وهي وأصلها موجودة بخزنة جامع الزيتونة بتونس ~~عدد 514 ) ويرد هذا القول التزام حذف حرف النداء وما قاله من ظهروه في يس ~~مبني على قول من قال : إن يس بمعنى يا سيد وهو ضعيف ؛ لأن الياء فيه حرف من ~~حروف الهجاء لأن الشيخ نفسه عد يس بعد ذلك من الحروف الدالة على الأسماء ~~مدلولا لنحو الياء من { كهيعص } ( مريم : 1 ) . # القول السادس أنها رموز لمدة دوام هذه الأمة بحساب الجمل قاله أبو ~~العالية أخذا بقصة رواها ابن إسحاق عن جابر بن عبد الله بن وثاب قال : ( ~~جاء أبو ياسر بن أخطب وحيي بن أخطب وكعب بن الأشرف فسألوا رسول الله عن ألم ~~وقالوا هذا أجل هذه الأمة من السنين إحدى وسبعون سنة فضحك رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقال لهم ص والمر فقالوا اشتبه علينا الأمر فلا ندري ~~أبالقليل نأخذ أم بالكثير ؟ ) ا ه . وليس في جواب رسول الله إياهم بعدة ~~حروف أخرى من هذه الحروف المتقطعة في أوائل السور تقرير لاعتبارها رموزا ~~لأعداد مدة هذه الأمة ، وإنما أراد إبطال ما فهموه بإبطال أن يكون مفيدا ~~لزعمهم على نحو PageV01P208 الطريقة المسماة بالنقض في الجدل ومرجعها إلى ~~المنع والمانع لا مذهب له . وأما ضحكه صلى الله عليه وسلم فهو تعجب من ~~جهلهم . # القول السابع أنها رموز كل حرف رمز إلى كلمة فنحو : ( ألم ) أنا الله ~~أعلم ، و ( ألمر ) أنا الله أرى ، و ( ألمص ) أنا الله أعلم وأفصل . رواه ~~أبو الضحى عن ابن عباس ، ويوهنه أنه لا ضابط له لأنه أخذ مرة بمقابلة الحرف ~~بحرفف أول الكلمة ، ومرة بمقابلته بحرف وسط الكلمة أو آخرها . ونظروه بأن ~~العرب قد تتكلم بالحروف المقطعة بدلا من كلمات تتألف من تلك الحروف نظما ~~ونثرا ، من ذلك قول زهير : # بالخير خيرات وإن شر فا # ولا أريد الشر إلا أن تا # أراد وإن شر فشر وأراد إلا أن تشا ms0220 ، فأتى بحرف من كل جملة . وقال الآخر ( ~~قرطبي ) : # ناداهم ألا الجموا ألا تا # قالوا جميعا كلهم ألا فا # أراد بالحرف الأول ألا تركبون ، وبالثاني ألا فاركبوا . وقال الوليد بن ~~المغيرة عامل عثمان يخاطب عدي بن حاتم : # قلت لها قفي لنا قالت قاف # لا تحسبني قد نسيت الإيجاف # أراد قالت وقفت . وفي الحديث : ( من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة ) قال ~~شقيق : هو أن يقول أق مكان اقتل . وفي الحديث أيضا : ( كفى بالسيف شا ) ، ~~أي شاهدا . وفي ( كامل المبرد ) من قصيدة لعلي بن عيسى القمي وهو مولد : # وليس العجاجة والخافقا # تت تريك المنا برؤوس الأسل # أي تريك المنايا . وفي ( تلع ) من ( صحاح الجوهري ) قال لبيد : # درس المنا بمتالعع فأبان # فتقادمت بالحبس فالسوبان # أراد درس المنازل . وقال علقمة الفحل ( ( خصائص ) ص 82 ) : # كأن إبريقهم ظبي على شرف # مفدم بسبا الكتان ملثوم # أراد بسبائب الكتان . وقال الراجز : PageV01P209 # حين ألقت بقباء بركها # واستمر القتل في عبد الأشل # أي عبد الأشهل . وقول أبي فؤاد : # يدرين حندل حائر لجنوبها # فكأنما تذكى سنابكها الحبا # أراد الحباحب . وقال الأخطل : # أمست مناها بأرض ما يبلغها # بصاحب الهم إلا الجسرة الأجد # أراد منازلها . ووقع ( ( طراز المجالس ) المجلس ) للمتأخرين من هذا كثير ~~مع التورية كقول ابن مكانس : # لم أنس بدرا زارني ليلة # مستوفزا مطلعا للخطر # فلم يقم إلا بمقدار ما # قلت له أهلا وسهلا ومر # أراد بعض كلمة مرحبا وقد أكثرت من شواهده توسعة في مواقع هذا الاستعمال ~~الغريب ولست أريد بذلك تصحيح حمل حروف فواتح السور على ذلك لأنه لا يحسن ~~تخريج القرآن عليه وليس معها ما يشير إليه مع التورية بجعل مر من المرور . # القول الثامن أنها إشارات إلى أحوال من تزكية القلب ، وجعلها في ( ~~الفتوحات ) في الباب الثاني إيماء إلى شعب الإيمان ، وحاصله أن جملة الحروف ~~الواقعة في أوائل سور القرآن على تكرار الحروف ثمانية وسبعون حرفا ~~والثمانية هنا هي حقيقة البضع حصل له ذلك بالكشف فيكون عدد الحروف ثمانية ~~وسبعين وقد قال النبيء صلى الله عليه وسلم ms0221 ( الإيمان بضع وسبعون شعبة ) ~~فهذه الحروف هي شعب الإيمان ، ولا يكمل لأحد أسرار الإيمان حتى يعلم حقائق ~~هذه الحروف في سورها . وكيف يزعم زاعم أنها واردة في معان غير معروفة مع ~~ثبوت تلقي السامعين لها بالتسليم من مؤمن ومعاند ، ولولا أنهم فهموا منها ~~معنى معروفا دلت عليه القرائن لسأل السائلون وتورك المعاندون . # قال القاضي أبو بكر بن العربي : لولا أن العرب كانوا يعرفون لها مدلولا ~~متداولا بينهم لكانوا أول من أنكر ذلك على النبيء صلى الله عليه وسلم بل ~~تلا عليهم حم فصلت وص وغيرهما فلم ينكروا ذلك مع تشوفهم إلى عثرة وحرصهم ~~على زلة قلت وقد سألوا عن أوضح من هذا فقالوا { وما الرحمن } ( الفرقان : ~~60 ) ، وأما ما استشهدوا PageV01P210 به من بيت زهير وغيره فهو من نوادر ~~كلام العرب ، ومما أخرج مخرج الألغاز والتمليح وذلك لا يناسب مقام الكتاب ~~المجيد . # النوع الثاني يجمع الأقوال الراجعة إلى أن هاته الحروف وضعت بتلك الهيئات ~~أسماء أو أفعالا وفيه من الأقوال أربعة . # التاسع في عداد الأقوال في أولها لجماعة من العلماء والمتكلمين واختاره ~~الفخر أنها أسماء للسور التي وقعت فيها ، قاله زيد بن أسلم ونسب لسيبويه في ~~( كتابه ) باب أسماء السور من أبواب ما لا ينصرف أو للخليل ونسبه صاحب ( ~~الكشاف ) للأكثر ويعضده وقوع هاته الحروف في أوائل السور فتكون هاته الحروف ~~قد جعلت أسماء بالعلامة على تلك السور ، وسميت بها كما نقول الكراسة ب ~~والرزمة ج ونظره القفال بما سمت العرب بأسماء الحروف كما سموا لام الطائي ~~والد حارثة ، وسموا الذهب عين ، والسحاب غين ، والحوت نون ، والجبل قاف ، ~~وأقوال ، وحاء قبيلة من مذحج ، وقال شريح بن أوفى العنسي أو العبسي : # يذكرني حاميم والرمح شاجر # فهلا تلا حاميم قبل التقدم # يريد { حم عسق } ( الشورى : 1 ، 2 ) التي فيها : { قل لا أسألكم عليه ~~أجرا إلا المودة في القربى } ( الشورى : 23 ) . ويبعد هذا القول بعدا ما إن ~~الشأن أن يكون الاسم غير داخل في المسمى وقد وجدنا هذه الحروف مقروءة مع ~~السور بإجماع المسلمين ms0222 ، على أنه يرده اتحاد هذه الحروف في عدة سور مثل آلم ~~وآلر وحم . وأنه لم توضع أسماء السور الأخرى في أوائلها . # القول العاشر وقال جماعة إنها أسماء للقرآن اصطلح عليها قاله الكلبي ~~والسدي وقتادة ويبطله أنه قد وقع بعد بعضها ما لا يناسبها لو كانت أسماء ~~للقرآن ، نحو { آلم غلبت الروم } ( الروم : 1 ، 2 ) ، و { آلم أحسب الناس } ~~( العنكبوت : 1 ، 2 ) . # القول الحادي عشر أن كل حروفف مركبة منها هي اسم من أسماء الله رووا عن ~~علي أنه كان يقول يا كهيعص يا حم عسق وسكت عن الحروف المفردة فيرجع بها إلى ~~ما يناسبها أن تندرج تحته من الأقوال ويبطله عدم الارتباط بين بعضها وبين ~~ما بعده لأن يكون PageV01P211 خبرا أو نحوه عن اسم الله مثل { الم ذلك ~~الكتاب } ( البقرة : 1 ، 2 ) و { آلمص كتاب أنزل إليك } ( الأعراف : 1 ، 2 ~~) . # الثاني عشر قال الماوردي : هي أفعال فإن حروف المص كتاب فعل ألم بمعنى ~~نزل فالمراد { آلم ذلك الكتاب } أي نزل عليكم ، ويبطل كلامه أنها لا تقرأ ~~بصيغ الأفعال على أن هذا لا يتأتى في جميعها نحو كهيعص وألمص والر ولولا ~~غرابة هذا القول لكان حريا بالإعراض عنه . # النوع الثالث تندرج فيه الأقوال الراجعة إلى أن هاته الحروف حروف هجاء ~~مقصودة بأسمائها لأغراض داعية لذلك وفيه من الأقوال : # القول الثالث عشر : أن هاته الحروف أقسم الله تعالى بها كما أقسم بالقلم ~~تنويها بها لأن مسمياتها تألفت منها أسماء الله تعالى وأصول التخاطب ~~والعلوم قاله الأخفش ، وقد وهن هذا القول بأنها لو كانت مقسما بها لذكر حرف ~~القسم إذ لا يحذف إلا مع اسم الجلالة عند البصريين وبأنها قد ورد بعدها في ~~بعض المواضع قسم نحو : { ن والقلم } ( القلم : 1 ) و { حم والكتاب المبين } ~~( الزخرف : 1 ) ، قال صاحب الكشاف : وقد استكرهوا الجمع بين قسمين على مقسم ~~واحد حتى قال الخليل في قوله تعالى : { والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى } ~~( الليل : 1 ، 2 ) أن الواو الثانية هي التي تضم الأسماء للأسماء أي واو ms0223 ~~العطف ، والجواب عن هذا أن اختصاص الحذف باسم الجلالة مختلف فيه وأن كراهية ~~جمع قسمين تنفع بجعل الواو التالية لهاته الفواتح واو العطف على أنهم قد ~~جمعوا بين قسمين ، قال النابغة : # والله والله لنعم الفتى ال # حارث لا النكس ولا الخامل # القول الرابع عشر : أنها سيقت مساق التهجي مسرودة على نمط التعديد في ~~التهجية تبكيتا للمشركين وإيقاظا لنظرهم في أن هذا الكتاب المتلو عليهم وقد ~~تحدوا بالإتيان بسورة مثله هو كلام مؤلف من عين حروف كلامهم كأنه يغريهم ~~بمحاولة المعارضة ويستأنس لأنفسهم بالشروع في ذلك بتهجي الحروف ومعالجة ~~النطق تعريضا بهم بمعاملتهم معاملة من لم يعرف تقاطيع اللغة ، فيلقنها ~~كتهجي الصبيان في أول تعلمهم بالكتاب حتى يكون عجزهم عن المعارضة بعد هذه ~~المحاولة عجزا لا معذرة لهم فيه ، وقد ذهب إلى هذا القول المبرد وقطرب ~~والفراء ، قال في ( الكشاف ) وهذا القول من القوة والخلافة بالقبول بمنزلة ~~، وقلت وهو الذي نختاره وتظهر المناسبة لوقوعها في فواتح السور أن كل سورة ~~مقصودة بالإعجاز لأن الله تعالى يقول : { فأتوا بسورة من مثله } ( البقرة : ~~23 ) PageV01P212 فناسب افتتاح ما به الإعجاز بالتمهيد لمحاولته ويؤيد هذا ~~القول أن التهجي ظاهر في هذا المقصد فلذلك لم يسألوا عنه لظهور أمره وأن ~~التهجي معروف عندهم للتعليم فإذا ذكرت حروف الهجاء على تلك الكيفية ~~المعهودة في التعليم في مقام غير صالح للتعليم عرف السامعون أنهم عوملوا ~~معاملة المتعلم لأن حالهم كحاله في العجز عن الإتيان بكلام بليغ ، ويعضد ~~هذا الوجه تعقيب هاته الحروف في غالب المواقع بذكر القرآن وتنزيله أو ~~كتابيته إلا في { كهيعص } ( مريم : 1 ) و { الم أحسب الناس } ( العنكبوت : ~~1 ، 2 ) و { الم غلبت الروم } ( الروم : 1 ، 2 ) ووجه تخصيص بعض تلك الحروف ~~بالتهجي دون بعض ، وتكرير بعضها لأمر لا نعلمه ولعله لمراعاة فصاحة الكلام ~~، ويؤيده أن معظم مواقع هذه الحروف في أوائل السور المكية عدا البقرة على ~~قول من جعلوها كلها مدنية وآل عمران ، ولعل ذلك لأنهما نزلتا بقرب عهد ~~الهجرة من مكة وأن قصد التحدي ms0224 في القرآن النازل بمكة قصد أولي ، ويؤيده ~~أيضا الحروف التي أسماؤها مختومة بألف ممدودة مثل الياء والهاء والراء ~~والطاء والحاء قرئت فواتح السور مقصودة على الطريقة التي يتهجى بها للصبيان ~~في الكتاب طلبا للخفة كما سيأتي قريبا في آخر هذا المبحث من تفسير { الم } ~~. # القول الخامس عشر : أنها تعليم للحروف المقطعة حتى إذا وردت عليهم بعد ~~ذلك مؤلفة كانوا قد علموها كما يتعلم الصبيان الحروف المقطعة ، ثم ~~يتعلمونها مركبة قاله عبد العزيز بن يحيى ، يعني إذ لم يكن فيهم من يحسن ~~الكتابة إلا بعض المدن كأهل الحيرة وبعض طيء وبعض قريش وكنانة من أهل مكة ، ~~ولقد تقلبت أحوال العرب في القراءة والكتابة تقلبات متنوعة في العصور ~~المختلفة ، فكانوا بادىء الأمر أهل كتابة لأنهم نزحوا إلى البلاد العربية ~~من العراق بعد تبلبل الألسن ، والعراق مهد القراءة والكتابة وقد أثبت ~~التاريخ أن ضخم بن إرم أول من علم العرب الكتابة ووضع حروف المعجم التسعة ~~والعشرين ، ثم إن العرب لما بادوا ( أي سكنوا البادية ) تناست القبائل ~~البادية بطول الزمان القراءة والكتابة ، وشغلهم حالهم عن تلقي مبادىء ~~العلوم ، فبقيت الكتابة في الحواضر كحواضر اليمن والحجاز ، ثم لما تفرقوا ~~بعد سيل العرم نقلوا الكتابة إلى المواطن التي نزلوها فكانت طيء بنجد ~~يعرفون القراءة والكتابة ، وهم الفرقة الوحيدة من القحطانيين ببلاد نجد ~~ولذلك يقول أهل الحجاز ونجد إن الذين وضعوا الكتابة ثلاثة نفر من بني بولان ~~من طيء يريدون من الوضع أنهم علموها للعدنانيين بنجد ، وكان أهل الحيرة ~~يعلمون الكتابة فالعرب بالحجاز تزعم PageV01P213 أن الخط تعلموه عن أهل ~~الأنبار والحيرة ، وقصة المتلمس في كتب الأدب تذكرنا بذلك إذ كان الذي قرأ ~~له الصحيفة غلام من أغيلمة الحيرة . ولقد كان الأوس والخزرج مع أنهم من ~~نازحة القحطانيين ، قد تناسوا الكتابة إذ كانوا أهل زرع وفروسية وحروب ، ~~فقد ورد في السير أنه لم يكن أحد من الأنصار يحسن الكتابة بالمدينة وكان في ~~أسرى المشركين يوم بدر من يحسن ذلك فكان من لا مال له من الأسرى يفتدي بأن ms0225 ~~يعلم عشرة من غلمان أهل المدينة الكتابة فتعلم زيد بن ثابت في جماعة ، ~~وكانت الشفاء بنت عبد الله القرشية تحسن الكتابة وهي علمتها لحفصة أم ~~المؤمنين . ويوجد في أساطير العرب ما يقتضي أن أهل الحجاز تعلموا الكتابة ~~من أهل مدين في جوارهم فقد ذكروا قصة وهي أن المحض بن جندل من أهل مدين ~~وكان ملكا كان له ستة أبناء وهم : أبجد ، وهوز ، وحطي ، وكلمن ، وسعفص ، ~~وقرشت ، فجعل أبناءه ملوكا على بلاد مدين وما حولها فجعل أبجد بمكة وجعل ~~هوزا وحطيا بالطائف ونجد ، وجعل الثلاثة الباقين بمدين ، وأن كلمنا كان في ~~زمن شعيب وهو من الذين أخذهم عذاب يوم الظلة قالوا فكانت حروف الهجاء أسماء ~~هؤلاء الملوك ثم ألحقوا بها ثخذ وضغط فهذا يقتضي أن القصة مصنوعة لتلقين ~~الأطفال حروف المعجم بطريقة سهلة تناسب عقولهم وتقتضي أن حروف ثخذ وضغظ لم ~~تكن في معجم أهل مدين فألحقها أهل الحجاز ، وحقا إنها من الحروف غير ~~الكثيرة الاستعمال ولا الموجودة في كل اللغات إلا أن هذا القول يبعده عدم ~~وجود جميع الحروف في فواتح السور بل الموجود نصفها كما سيأتي بيانه من كلام ~~( الكشاف ) . # القول السادس عشر : أنها حروف قصد منها تنبيه السامع مثل النداء المقصود ~~به التنبيه في قولك يافتى لإيقاظ ذهن السامع قاله ثعلب والأخفش وأبو عبيدة ~~، قال ابن عطية كما يقول في إنشاد أشهر القصائد لا وبل لا ، قال الفخر في ~~تفسير سورة العنكبوت : إن الحكيم إذا PageV01P214 خاطب من يكون محل الغفلة ~~أو مشغول البال يقدم على الكلام المقصود شيئا ليلفت المخاطب إليه بسبب ذلك ~~المقدم ثم يشرع في المقصود فقد يكون ذلك المقدم كلاما مثل النداء وحروفف ~~الاستفتاح ، وقد يكون المقدم صوتا كمن يصفق ليقبل عليه السامع فاختار ~~الحكيم للتنبيه حروفا من حروف التهجي لتكون دلالتها على قصد التنبيه متعينة ~~إذ ليس لها مفهوم فتمحضت للتنبيه على غرض مهم . # القول السابع عشر : أنها إعجاز بالفعل وهو أن النبيء الأمي الذي لم يقرأ ~~قد نطق بأصول القراءة كما ينطق بها ms0226 مهرة الكتبة فيكون النطق بها معجزة وهذا ~~بين البطلان لأن الأمي لا يعسر عليه النطق بالحروف . # القول الثامن عشر : أن الكفار كانوا يعرضون عن سماع القرآن فقالوا : { لا ~~تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه } ( فصلت : 26 ) فأوردت لهم هذه الحروف ~~ليقبلوا على طلب فهم المراد منها فيقع إليهم ما يتلوها بلا قصد ، قاله قطرب ~~وهو قريب من القول السادس عشر . # القول التاسع عشر : أنها علامة لأهل الكتاب وعدوا بها من قبل أنبيائهم أن ~~القرآن يفتتح بحروف مقطعة . # القول العشرون : قال التبريزي : علم الله أن قوما سيقولون بقدم القرآن ~~فأراهم أنه مؤلف من حروف كحروف الكلام ، وهذا وهم لأن تأليف الكلام من ~~أصوات الكلمات أشد دلالة على حدوثه من دلالة الحروف المقطعة لقلة أصواتها . # القول الحادي والعشرون : روي عن ابن عباس أنها ثناء أثنى الله به على ~~نفسه وهو يرجع إلى القول الأول أو الثاني . # هذا جماع الأقوال ، ولا شك أن قراءة كافة المسلمين إياها بأسماء حروف ~~الهجاء مثل ألف . لام . ميم دون أن يقرأوا ألم وأن رسمها في الخط بصورة ~~الحروف يزيف جميع أقوال النوع الأول ويعين الاقتصار على النوعين الثاني ~~والثالث في الجملة ، على أن ما يندرج تحت ذينك النوعين متفاوت في درجات ~~القبول ، فإن الأقوال الثاني ، والسابع ، والثامن ، والثاني عشر ، والخامس ~~عشر ، والسادس عشر ، يبطلها أن هذه الحروف لو كانت مقتضبة من أسماء أو ~~كلمات لكان الحق أن ينطق بمسمياتها لا بأسمائها . فإذا تعين هذان النوعان ~~وأسقطنا ما كان من الأقوال المندرجة تحتمها واهيا ، خلص أن الأرجح من تلك ~~الأقوال ثلاثة : وهي كون تلك الحروف لتبكيتت المعاندين وتسجيلا PageV01P215 ~~لعجزهم عن المعارضة ، أو كونها أسماء للسور الواقعة هي فيها ، أو كونها ~~أقساما أقسم بها لتشريف قدر الكتابة وتنبيه العرب الأميين إلى فوائد ~~الكتابة لإخراجهم من حالة الأمية وأرجح هذه الأقوال الثلاثة هو أولها . # قال في ( الكشاف ) : ما ورد في هذه الفواتح من أسماء الحروف هو نصف أسامي ~~حروف المعجم إذ هي أربعة عشر وهي : الألف ، واللام ، والميم ، والصاد ، ~~والراء ، والكاف ms0227 ، والهاء ، والياء ، والعين ، والطاء ، والسين ، والحاء ، ~~والقاف ، والنون ، في تسع وعشرين سورة على عدد حروف المعجم ، وهذه الأربعة ~~عشر مشتملة على أنصاف أجناس صفات الحروف ففيها من المهموسة نصفها : الصاد ، ~~والكاف ، والهاء ، والسين ، والحاء ، ومن المجهورة نصفها : الألف ، واللام ~~، والميم ، والراء ، والعين ، والطاء ، والقاف ، والياء ، والنون ، ومن ~~الشديدة نصفها : الألف ، والكاف ، والطاء ، والقاف ، ومن الرخوة نصفها : ~~اللام ، والميم ، والراء ، والصاد ، والهاء ، والعين ، والسين ، والحاء ، ~~والياء ، والنون . ومن المطبقة نصفها : الصاد ، والطاء . ومن المنفتحة ~~نصفها : الألف ، واللام ، والميم ، والراء ، والكاف ، والهاء ، والعين ، ~~والسين ، والقاف ، والياء ، والنون . ومن المستعلية نصفها القاف ، والصاد ، ~~والطاء . ومن المستفلة نصفها : الألف ، واللام ، والميم ، والراء والكاف ، ~~والهاء ، والياء ، والعين ، والسين ، والحاء ، والنون . ومن حروف القلقلة ~~نصفها : القاف ، والطاء . ثم إن الحروف التي ألغى ذكرها مكثورة بالمذكورة ، ~~فسبحان الذي دقت في كل شيء حكمته ا ه وزاد البيضاوي على ذلك أصنافا أخرى من ~~صفات الحروف لا نطيل بها فمن شاء فليراجعها . ومحصول كلامهما أنه قد قضى ~~بذكر ما ذكر من الحروف وإهمال ذكر ما أهمل منها حق التمثيل لأنواع الصفات ~~بذكر النصف ، وترك النصف من باب ( وليقس ما لم يقل ) لحصول الغرض وهو ~~الإشارة إلى العناية بالكتابة ، وحق الإيجاز في الكلام . فيكون ذكر مجموع ~~هذه الفواتح في سور القرآن من المعجزات العلمية وهي المذكورة في الوجه ~~الثالث من وجوه الإعجاز التي تقدمت في المقدمة العاشرة من مقدمات هذا ~~التفسير . # وكيفية النطقق أن ينطق بها موقوفة دون علاماتت إعراب على حكم الأسماء ~~المسرودة إذ لم تكن معمولة لعوامل فحالها كحال الأعداد المسرودة حين تقول ~~ثلاثه أربعه خمسه . PageV01P216 وكحال أسماء الأشياء التي تملى على الجارد ~~لها ، إذ تقول مثلا : ثوب ، بساط ، سيف ، دون إعراب ، ومن أعربها كان مخطئا ~~. ولذلك نطق القراء بها ساكنة سكون الموقوف عليه فما كان منها صحيح الآخر ~~نطق به ساكنا نحو ألف ، لام ، ميم . وما كان من أسماء الحروف ممدود الآخر ~~نطق به في أوائل السور ألفا مقصورا لأنها مسوقة مساق المتهجى بها وهي في ~~حالة ms0228 التهجي مقصورة طلبا للخفة لأن التهجي إنما يكون غالبا لتعليم المبتدىء ~~، واستعمالها في التهجي أكثر فوقعت في فواتح السور مقصورة لأنها على نمط ~~التعديد أو مأخوذة منه . # ولكن الناس قد يجعلون فاتحة إحدى السور كالاسم لها فيقولون قرأت : { ~~كهيعص } كما يجعلون أول كلمة من القصيدة اسما للقصيدة فيقولون قرأت : ( قفا ~~نبك ) و ( بانت سعاد ) فحينئذ قد تعامل جملة الحروف الواقعة في تلك الفاتحة ~~معاملة كلمة واحدة فيجري عليها من الإعراب ما هو لنظائر تلك الصيغة من ~~الأسماء فلا يصرف حاميم كما قال شريح بن أوفى العنسي المتقدم آنفا : # يذكرني حاميم والرمح شاجر # فهلا تلا حاميم قبل التقدم # وكما قال الكميت : # قرأنا لكم في آلل حاميم آية # تأولها منا فقيه ومعرب # ولا يعرب { كهيعص } ( مريم : 1 ) إذ لا نظير له في الأسماء إفرادا ولا ~~تركيبا . وأما طسم فيعرب اعتراب المركب المزجى نحو حضرموت ودارابجرد وقال ~~سيبويه : إنك إذا جعلت ( هود ) اسم السورة لم تصرفها فتقول قرأت هود ~~للعلمية والتأنيث قال لأنها تصير بمنزلة امرأة سميتها بعمرو . ولك في ~~الجميع أن تأتي به في الإعراب على حاله من الحكاية وموقع هاته الفواتح مع ~~ما يليها من حيث الإعراب ، فإن جعلتها حروفا للتهجي تعريضا بالمشركين ~~وتبكيتا لهم فظاهر أنها حينئذ محكية ولا تقبل إعرابا ، لأنها حينئذ بمنزلة ~~أسماء الأصوات لا يقصد إلا صدورها فدلالتها تشبه الدلالة العقلية فهي تدل ~~على أن الناطق بها يهيىء السامع إلى ما يرد بعدها مثل سرد الأعداد الحسابية ~~على من يراد منه أن يجمع حاصلها ، PageV01P217 أو يطرح ، أو يقسم ، فلا ~~إعراب لها مع ما يليها ، ولا معنى للتقدير بالمؤلف من هذه الحروف إذ ليس ~~ذلك الإعلام بمقصود لظهوره وإنما المقصود ما يحصل عند تعدادها من التعريض ~~لأن الذي يتهجى الحروف لمن ينافي حاله أن يقصد تعليمه يتعين من المقام أنه ~~يقصد التعريض . وإذا قدرتها أسماء للسور أو للقرآن أو لله تعالى مقسما بها ~~فقيل إن لها أحكاما مع ما يليها من الإعراب بعضها محتاج للتقدير الكثير ، ~~فدع عنك ms0229 الإطالة بها فإن الزمان قصير . # وهاته الفواتح قرآن لا محالة ولكن اختلف في أنها آيات مستقلة والأظهر ~~أنها ليست بآيات مستقلة بل هي أجزاء من الآيات الموالية لها على المختار من ~~مذاهب جمهور القراء . وروى عن قراء الكوفة أن بعضها عدوه آياتت مستقلة ~~وبعضها لم يعدوه وجعلوه جزء آية مع ما يليه ، ولم يظهر وجه التفصيل حتى قال ~~صاحب ( الكشاف ) إن هذا لا دخل للقياس فيه . والصحيح عن الكوفيين أن جميعها ~~آيات وهو اللائق بأصحاب هذا القول إذ التفصيل تحكم ؛ لأن الدليل مفقود . ~~والوجه عندي أنها آيات لأن لها دلالة تعريضية كنائية إذ المقصود إظهار ~~عجزهم أو نحو ذلك فهي تطابق مقتضى الحال مع ما يعقبها من الكلام ولا يشترط ~~في دلالة الكلام على معنى كنائي أن يكون له معنى صريح بل تعتبر دلالة ~~المطابقة في هذه الحروف تقديرية إن قلنا باشتراط ملازمة دلالة المطابقة ~~لدلالة الالتزام . ويدل لإجراء السلف حكم أجزاء الآيات عليها أنهم يقرأونها ~~إذا قرأوا الآية المتصلة بها ، ففي ( جامع الترمذي ) في كتاب التفسير في ~~ذكر سبب نزول سورة الروم فنزلت : { الم غلبت الروم } ( الروم : 1 ، 2 ) ، ~~وفيه أيضا : ( فخرج أبو بكر الصديق يصيح في نواحي مكة { الم غلبت الروم وفي ~~سيرة ابن إسحاق } من رواية ابن هشام عنه : ( فقرأ رسول الله على عتبة بن ~~ربيعة : { حم تنزيل من الرحمن الرحيم حتى بلغ قوله : فقل أنذرتكم صاعقة مثل ~~صاعقة عاد وثمود } ( فصلت : 1 13 ) الحديث . # وعلى هذا الخلاف اختلف في إجزاء قراءتها في الصلاة عند الذين يكتفون في ~~قراءة السورة مع الفاتحة بآية واحدة مثل أصحاب أبي حنيفة . # PageV01P218 # | 2 ( 2 ) { ذالك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين } . ) 2 # { ذالك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين } . # مبدأ كلام لا اتصال له في الإعراب بحروف { الم } ( البقرة : 1 ) كما علمت ~~مما تقدم على جميع الاحتمالات كما هو الأظهر . وقد جوز صاحب ( الكشاف ) على ~~احتمال أن تكون حروف { ألم } مسوقة مساق التهجي لإظهار عجز المشركين عن ~~الإتيان بمثل بعض القرآن ms0230 ، أن يكون اسم الإشارة مشارا به إلى { الم } ~~باعتباره حرفا مقصودا للتعجيز ، أي ذلك المعنى الحاصل من التهجي أي ذلك ~~الحروف باعتبارها من جنس حروفكم هي الكتاب أي منها تراكيبه فما أعجزكم عن ~~معارضته ، فيكون { الم } جملة مستقلة مسوقة للتعريض . # واسم الإشارة مبتدأ و ( الكتاب ) خبرا . وعلى الأظهر تكون الإشارة إلى ~~القرآن المعروف لديهم يومئذ واسم الإشارة مبتدأ و ( الكتاب ) بدل وخبره ما ~~بعده ، فالإشارة إلى ( الكتاب ) النازل بالفعل وهي السور المتقدمة على سورة ~~البقرة ؛ لأن كل ما نزل من القرآن فهو المعبر عنه بأنه القرآن وينضم إليه ~~ما يلحق به ، فيكون ( الكتاب ) على هذا الوجه أطلق حقيقة على ما كتب بالفعل ~~، ويكون قوله ( الكتاب ) على هذا الوجه خبرا عن اسم الإشارة ، ويجوز أن ~~تكون الإشارة إلى جميع القرآن ما نزل منه وما سينزل لأن نزوله مترقب فهو ~~حاضر في الأذهان فشبه بالحاضر في العيان ، فالتعريف فيه للعهد التقديري ~~والإشارة إليه للحضور التقديري فيكون قوله ( الكتاب ) حينئذ بدلا أو بيانا ~~من { ذلك } والخبر هو { لا ريب فيه } . # ويجوز الإتيان في مثل هذا باسم الإشارة الموضوع للقريب والموضوع للبعيد ، ~~قال الرضي ( وضع اسم الإشارة للحضور والقربب لأنه للمشار إليه حسا ثم يصح ~~أن يشار به إلى الغائب فيصح الإتيان بلفظ البعد لأن المحكي عنه غائب ، ويقل ~~أن يذكر بلفظ الحاضر القريب فتقول جاءني رجل فقلت لذلك الرجل وقلت لهذا ~~الرجل ، وكذا يجوز لك في الكلام المسموع عن قريب أن تشير إليه بلفظ الغيبة ~~والبعد كما تقول : ( والله وذلك قسم عظيم ) لأن اللفظ زال سماعه فصار ~~كالغائب ولكن الأغلب في هذا الإشارة بلفظ الحضور فتقول وهذا قسم عظيم ) ا ه ~~، أي الأكثر في مثله الإتيان باسم إشارة البعيد ويقل ذكره بلفظ الحاضر ، ~~وعكس ذلك في الإشارة للقول . # وابن مالك في ( التسهيل ) سوى بين الإتيان بالقريب والبعيد في الإشارة ~~لكلام متقدم إذ قال : وقد يتعاقبان ( أي اسم القريب والبعيد ) مشارا ~~PageV01P219 بهما إلى ماولياه أي من الكلام ، ومثله شارحه بقوله تعالى بعد ~~قصة عيسى ms0231 : { ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم } ( آل عمران : 58 ) ~~ثم قال : { إن هذا لهو القصص الحق } ( آل عمران : 62 ) فأشار مرة بالبعيد ~~ومرة بالقريب والمشار إليه واحد ، وكلام ابن مالك أوفق بالاستعمال إذ لا ~~يكاد يحصر ما ورد من الاستعمالين فدعوى الرضي قلة أن يذكر بلفظ الحاضر دعوى ~~عريضة . وإذا كان كذلك كان حكم الإشارة إلى غائب غير كلام مثل الإشارة إلى ~~الكلام في جواز الوجهين لكثرة كليهما أيضا ، ففي القرآن : { فوجد فيها ~~رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه } ( القصص : 15 ) فإذا كان ~~الوجهان سواء كان ذلك الاستعمال مجالا لتسابق البلغاء ومراعاة مقتضيات ~~الأحوال ، ونحن قد رأيناهم يتخيرون في مواقع الإتيان باسم الإشارة ما هو ~~أشد مناسبة لذلك المقام فدلنا على أنهم يعرفون مخاطبيهم بأغراض لا قبل ~~لتعرفها إلا إذا كان الاستعمال سواء في أصل اللغة ليكون الترجيح لأحد ~~الاستعمالين لا على معنى ، مثل زيادة التنبيه في اسم الإشارة البعيد كما ~~هنا ، وكما قال خفاف بن ندبة : # أقول له والرمح يأطر متنه # تأمل خفافا إنني أنا ذلك # وقد يؤتى بالقريب لإظهار قلة الاكتراث كقول قيس بن الخطيم في ( الحماسة ) ~~: # متى يأتت هذا الموت لا يلفف حاجة # لنفسي إلا قد قضيت قضاءها # فلا جرم أن كانت الإشارة في الآية باستعمال اسم الإشارة للبعيد لإظهار ~~رفعة شأن هذا القرآن لجعله بعيد المنزلة . وقد شاع في الكلام البليغ تمثيل ~~الأمر الشريف بالشيء المرفوع PageV01P220 في عزة المنال لأن الشيء النفيس ~~عزيز على أهله فمن العادة أن يجعلوه في المرتفعات صونا له عن الدروس وتناول ~~كثرة الأيدي والابتذال ، فالكتاب هنا لما ذكر في مقام التحدي بمعارضته بما ~~دلت عليه حروف التهجي في { الم } ( البقرة : 1 ) كان كالشيء العزيز المنال ~~بالنسبة إلى تناولهم إياه بالمعارضة أو لأنه لصدق معانيه ونفع إرشاده بعيد ~~عمن يتناوله بهجر القول كقولهم : { افتراه } ( يونس : 38 ) وقولهم : { ~~أساطير الأولين } ( الأنعام : 25 ) . ولا يرد على هذا قوله : { وهذا كتاب ~~أنزلناه } ( الأنعام : 92 ) فذلك للإشارة إلى كتاب بين يدي أهله لترغيبهم ms0232 ~~في العكوف عليه والإتعاظ بأوامره ونواهيه . ولعل صاحب ( الكشاف ) بنى على ~~مثل ما بنى عليه الرضي فلم يعد : { ذلك الكتاب } تنبيها على التعظيم أو ~~الاعتبار ، فلله در صاحب ( المفتاح ) إذ لم يغفل ذلك فقال في مقتضيات تعريف ~~المسند إليه بالإشارة : أو أن يقصد ببعده تعظيمه كما تقول في مقام التعظيم ~~ذلك الفاضل وأولئك الفحول وكقوله عز وعلا : { الم ذلك الكتاب } ذهابا إلى ~~بعده درجة . # وقوله : { الكتاب } يجوز أن يكون بدلا من اسم الإشارة لقصد بيان المشار ~~إليه لعدم مشاهدته ، فالتعريف فيه إذن للعهد ، ويكون الخبر هو جملة { لا ~~ريب فيه } ، ويجوز أن يكون ( الكتاب ) خبرا عن اسم الإشارة ويكون التعريف ~~تعريف الجنس فتفيد الجملة قصر حقيقة الكتاب على القرآن بسبب تعريف الجزءين ~~فهو إذن قصر ادعائي ومعناه ذلك هو الكتاب الجامع لصفات الكمال في جنس الكتب ~~بناء على أن غيره من الكتب إذا نسبت إليه كانت كالمفقود منها وصف الكتاب ~~لعدم استكمالها جميع كمالات الكتب ، وهذا التعريف قد يعبر عنه النحاة في ~~تعداد معاني لام التعريف بمعنى الدلالة على الكمال فلا يرد أنه كيف يحصر ~~الكتاب في أنه الم أو في السورة أو نحو ذلك إذ ليس المقام مقام الحصر وإنما ~~هو مقام التعريف لا غير ، ففائدة التعريف والإشارة ظاهرية وليس شيء من ذلك ~~لغوا بحال وإن سبق لبعض الأوهام على بعض احتمال . # و ( الكتاب ) فعال بمعنى المكتوب إما مصدر كاتب المصوغ للمبالغة في ~~الكتابة ، فإن المصدر يجىء بمعنى المفعول كالخلق ، وإما فعال بمعنى مفعول ~~كلباس بمعنى ملبوس وعماد بمعنى معمود به . واشتقاقه من كتب بمعنى جمع وضم ~~لأن الكتاب تجمع أوراقه وحروفه ، فإن النبيء صلى الله عليه وسلم أمر بكتابة ~~كل ما ينزل من الوحي وجعل للوحي كتابا ، وتسمية القرآن كتابا إشارة إلى ~~وجوب كتابته لحفظه . وكتابة القرآن فرض كفاية على المسلمين . PageV01P221 # { لا ريب فيه هدى للمتقين } . # حال من الكتاب أو خبر أول أو ثان على ما مر قريبا . والريب الشك وأصل ~~الريب القلق واضطراب النفس ، وريب الزمانن وريب ms0233 المنون نوائب ذلك ، قال ~~الله تعالى : { تتربص به ريب المنون } ( الطور : 30 ) ولما كان الشك يلزمه ~~اضطراب النفس وقلقها غلب عليه الريب فصار حقيقة عرفية يقال رابه الشيء إذا ~~شككه أي بجعلل ما أوجب الشك في حاله فهو متعد ، ويقال أرابه كذلك إذ الهمزة ~~لم تكسبه تعدية زائدة فهو مثل لحق وألحق ، وزلقه وأزلقه وقد قيل إن أراب ~~أضعف من راب أراب بمعنى قربه من أن يشك قاله أبو زيد ، وعلى التفرقة بينهما ~~قال بشار : # أخوك الذي إن ربته قال إنما # أربت وإن عاتبته لان جانبه # وفي الحديث : ( دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ) أي دع الفعل الذي يقربك من ~~الشك في التحريم إلى فعل آخر لا يدخل عليك في فعله شك في أنه مباح . # ولم يختلف متواتر القراء في فتح { لا ريب } نفيا للجنس على سبيل التنصيص ~~وهو أبلغه لأنه لو رفع لاحتمل نفي الفرد دون الجنس فإن كان الإشارة بقوله : ~~{ ذلك } إلى الحروف المجتمعة في { الم } على إرادة التعريض بالمتحدين وكان ~~قوله : { الكتاب } خبرا لاسم الإشارة على ما تقدم كان قوله : { لا ريب } ~~نفيا لريب خاص وهو الريب الذي يعرض في كون هذا الكتاب مؤلفا من حروف كلامهم ~~فكيف عجزوا عن مثله ، وكان نفي الجنس فيه حقيقة وليس بادعاء ، فتكون جملة { ~~لا ريب } منزلة منزلة التأكيد لمفاد الإشارة في قوله : { ذلك الكتاب } وعلى ~~هذا الوجه يجوز أن يكون المجرور وهو قوله : { فيه } متعلقا بريب على أنه ~~ظرف لغو فيكون الوقف على قوله : { فيه ، وهو مختار الجمهور على نحو قوله ~~تعالى : وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه } ( الشورى : 7 ) وقوله : { ربنا إنك ~~جامع الناس ليوم لا ريب فيه } ( آل عمران : 9 ) ويجوز أن يكون قوله : { فيه ~~} ظرفا مستقرا خبرا لقوله بعده : { هدى للكتقين } ومعنى ( في ) هو الظرفية ~~المجازية العرفية تشبيها لدلالة اللفظ باحتواء الظرف فيكون تخطئة للذين ~~أعرضوا عن استماع القرآن فقالوا : { لا تسمعوا لهذا القرآن } ( فصلت : 26 ) ~~استنزالا لطائر نفورهم كأنه قيل هذا الكتاب مشتمل على شيء ms0234 من الهدى فاسمعوا ~~إليه ولذلك نكر PageV01P222 الهدى أي فيه شيء من هدى على حد قول النبيء صلى ~~الله عليه وسلم لأبي ذر : ( إنك امرؤ فيك جاهلية ) ويكون خبر ( لا ) محذوفا ~~لظهوره أي لا ريب موجود ، وحذف الخبر مستعمل كثيرا في أمثاله نحو : { قالوا ~~لا ضير } ( الشعراء : 50 ) وقول العرب لا بأس ، وقول سعد بن مالك : # من صد عن نيرانها # فأنا ابن قيس لا براح # أي لا بقاء في ذلك ، وهو استعمال مجازي فيكون الوقف على قوله : { لا ريب ~~} وفي ( الكشاف ) أن نافعا وعاصما وقفا على قوله : { ريب . # وإن كانت الإشارة بقوله : ذلك } إلى { الكتاب } باعتبار كونه كالحاضر ~~المشاهد وكان قوله { الكتاب } بدلا من اسم الإشارة لبيانه فالمجرور من قوله ~~: { فيه } ظرف لغو متعلق بريب وخبر لا محذوف على الطريقة الكثيرة في مثله ، ~~والوقف على قوله { فيه } ، فيه معنى نفي وقوع الريب في الكتاب على هذا ~~الوجه نفي الشك في أنه منزل من الله تعالى لأن المقصود خطاب المرتابين في ~~صدق نسبته إلى الله تعالى وسيجىء خطابهم بقوله : { وإن كنتم في ريب مما ~~نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله } ( البقرة : 23 ) فارتيابهم واقع ~~مشتهر ، ولكن نزل ارتيابهم منزلة العدم لأن في دلائل الأحوال ما لو تأملوه ~~لزال ارتيابهم فنزل ذلك الارتياب مع دلائل بطلانه منزلة العدم . قال صاحب ( ~~المفتاح ) : ( ويقلبون القضية مع المنكر إذا كان معه ما إن تأمله ارتدع ~~فيقولون لمنكر الإسلام : الإسلام حق وقوله عز وجل في حق القرآن : { لا ريب ~~فيه } وكم من شقي مرتاب فيه وارد على هذا فيكون المركب الدال على النفي ~~المؤكد للريب مستعملا في معنى عدم الاعتداد بالريب لمشابهة حال المرتاب في ~~وهن ريبه بحال من ليس بمرتاب أصلا على طريقة التمثيل . # ومن المفسرين من فسر قوله تعالى : { لا ريب فيه } بمعنى أنه ليس فيه ما ~~يوجب ارتيابا في صحته أي ليس فيه اضطراب ولا اختلاف فيكون الريب هنا مجازا ~~في سببه ويكون المجرور ظرفا مستقرا خبر ( لا ) فينظر إلى قوله تعالى : { ~~أفلا ms0235 يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } ( ~~النساء : 82 ) أي إن القرآن لا يشتمل على كلام يوجب الريبة في أنه من عند ~~الحق رب العالمين ، من كلام يناقض بعضه بعضا أو كلام يجافي الحقيقة ~~والفضيلة أو PageV01P223 يأمر بارتكاب الشر والفساد أو يصرف عن الأخلاق ~~الفاضلة ، وانتفاء ذلك عنه يقتضي أن ما يشتمل عليه القرآن إذا تدبر فيه ~~المتدبر وجده مفيدا اليقين بأنه من عند الله والآية هنا تحتمل المعنيين ~~فلنجعلهما مقصودين منها على الأصل الذي أصلناه في المقدمة التاسعة . # وهذا النفي ليس فيه ادعاء ولا تنزيل فهذا الوجه يغني عن تنزيل الموجود ~~منزلة المعدوم فيفيد التعريض بما بين يدي أهل الكتاب يومئذ من الكتب فإنها ~~قد اضطربت أقوالها وتخالفت لما اعتراها من التحريف وذلك لأن التصدي للإخبار ~~بنفي الريب عن القرآن مع عدم وجود قائل بالريب فيما تضمنه أي بريب مستند ~~لموجب ارتياب إذ قصارى ما قالوه فيه أقوال مجملة مثل هذا سحر ، هذا أساطير ~~الأولين يدل ذلك التحدي على أن المراد التعريض لا سيما بعد قوله : { ذلك ~~الكتاب } كما تقول لمن تكلم بعد قوم تكلموا في مجلس وأنت ساكت : هذا الكلام ~~صواب تعرض بغيره . # وبهذا الوجه أيضا يتسنى اتحاد المعنى عند الوقف لدى من وقف على { فيه } ~~ولدى من وقف { على ريب } ، لأنه إذا اعتبر الظرف غير خبر وكان الخبر محذوفا ~~أمكن الاستغناء عن هذا الظرف من هاته الجملة ، وقد ذكر ( الكشاف ) أن الظرف ~~وهو قوله : { فيه } لم يقدم على المسند إليه وهو { ريب } ( أي على احتمال ~~أن يكون خبرا عن اسم لا ) كما قدم الظرف في قوله : { لا فيها غول } ( ~~الصافات : 47 ) لأنه لو قدم الظرف هنا لقصد أن كتابا آخر فيه الريب ا ه . ~~يعني لأن التقديم في مثله يفيد الاختصاص فيكون مفيدا أن نفي الريب عنه ~~مقصور عليه وأن غيره من الكتب فيه الريب وهو غير مقصود هنا . وليس الحصر في ~~قوله : { لا ريب فيه } بمقصود لأن السياق خطاب للعرب المتحدين ms0236 بالقرآن ~~وليسوا من أهل كتاب حتى يرد عليهم . وإنما أريد أنهم لا عذر لهم في إنكارهم ~~أنه من عند الله إذ هم قد دعوا إلى معارضته فعجزوا . نعم يستفاد منه تعريض ~~بأهل الكتاب الذين آزروا المشركين وشجعوهم على التكذيب به بأن القرآن لعلو ~~شأنه بين نظرائه من الكتب ليس فيه ما يدعو إلى الارتياب في كونه منزلا من ~~الله إثارة للتدبر فيه هل يجدون ما يوجب الارتياب فيه وذلك يستطير جاثم ~~إعجابهم بكتابهم المبدلل المحرف فإن الشك في الحقائق رائد ظهورها . والفجر ~~بالمستطير بين يدي طلوع الشمس بشير بسفورها . وقد بنى كلامه على أن الجملة ~~المكيفة بالقصر في حالة الإثبات لو دخل عليها نفي وهي بتلك الكيفية أفاد ~~قصر النفي لا نفى القصر ، وأمثلة PageV01P224 صاحب ( المفتاح ) في تقديم ~~المسند للاختصاص سوى فيها بين ما جاء بالإثبات وما جاء بالنفي . وعندي فيه ~~نظر سأذكره عند قوله تعالى : { ليس عليك هداهم } ( البقرة : 272 ) . وحكم ~~حركة هاء الضمير أو سكونها مقررة في علم القراءات في قسم أصولها . # وقوله : { هدى للمتقين } الهدى اسم مصدر الهدي ليس له نظير في لغة العرب ~~إلا سرى وتقى وبكى ولغى مصدر لغي في لغة قليلة . وفعله هدى هديا يتعدى إلى ~~المفعول الثاني بإلى وربما تعدى إليه بنفسه على طريقة الحذف المتوسع فيما ~~تقدم في قوله تعالى : { اهدنا الصراط المستقيم } ( الفاتحة : 6 ) . # والهدى على التحقيق هو الدلالة التي من شأنها الإيصال إلى البغية وهذا هو ~~الظاهر في معناه لأن الأصل عدم الترادف فلا يكون هدى مرادفا لدل ولأن ~~المفهوم من الهدى الدلالة الكاملة وهذا موافق للمعنى المنقول إليه الهدى في ~~العرف الشرعي . وهو أسعد بقواعد الأشعري لأن التوفيق الذي هو الإيصال عند ~~الأشعري من خلق الله تعالى في قلب الموفق فيناسب تفسير الهداية بما يصلح له ~~ليكون الذي يهدي يوصل الهداية الشرعية . فالقرآن هدى ووصفه بالمصدر ~~للمبالغة أي هو هاد . # والهدى الشرعي هو الإرشاد إلى ما فيه صلاح العاجل الذي لا ينقض صلاح ~~الآجل . وأثر هذا الهدى هو الاهتداء ms0237 فالمتقون يهتدون بهديه والمعاندون لا ~~يهتدون لأنهم لا يتدبرون ، وهذا معنى لا يختلف فيه وإنما اختلف المتكلمون ~~في منشأ حصول الاهتداء وهي مسألة لا حاجة إليها في فهم الآية . وتفصيل ~~أنواع الهداية تقدم عند قوله تعالى : { اهدنا الصراط } . ومحل ( هدى ) إن ~~كان هو صدر جملة أن يكون خبرا لمبتدأ محذوف هو ضمير ( الكتاب ) فيكون ~~المعنى الإخبار عن الكتاب بأنه الهدى وفيه من المبالغة في حصول الهداية به ~~ما يقتضيه الإخبار بالمصدر للإشارة إلى بلوغه الغاية في إرشاد الناس حتى ~~كان هو عين الهدى تنبيها على رجحان هداه على هدى ما قبله من الكتب ، وإن ~~كان الوقف على قوله { لا ريب } وكان الظرف صدر الجملة الموالية وكان قوله { ~~هدى } مبتدأ خبره الظرف المتقدم قبله فيكون إخبارا بأن فيه هدى فالظرفية ~~تدل على تمكن الهدى منه فيساوي ذلك في الدلالة على التمكن الوجه المتقدم ~~الذي هو الإخبار عنه بأنه عين الهدى . PageV01P225 # والمتقي من اتصف بالاتقاء وهو طلب الوقاية ، والوقاية الصيانة والحفظ من ~~المكروه فالمتقي هو الحذر المتطلب للنجاة من شيء مكروه مضر ، والمراد هنا ~~المتقين الله ، أي الذين هم خائفون غضبه واستعدوا لطلب مرضاته واستجابة ~~طلبه فإذا قرىء عليهم القرآن استمعوا له وتدبروا ما يدعو إليه فاهتدوا . # والتقوى الشرعية هي امتثال الأوامر واجتناب المنهيات من الكبائر وعدم ~~الاسترسال على الصغائر ظاهرا وباطنا أي اتقاء ما جعل الله الاقتحام فيه ~~موجبا غضبه وعقابه ، فالكبائر كلها متوعد فاعلها بالعقاب دون اللمم . # والمراد من الهدى ومن المتقين في الآية معناهما اللغوي فالمراد أن القرآن ~~من شأنه الإيصال إلى المطالب الخيرية وأن المستعدين للوصول به إليها هم ~~المتقون أي هم الذين تجردوا عن المكابرة ونزهوا أنفسهم عن حضيض التقليد ~~للمضلين وخشوا العاقبة وصانوا أنفسهم من خطر غضب الله هذا هو الظاهر ، ~~والمراد بالمتقين المؤمنون الذين آمنوا بالله وبمحمد وتلقوا القرآن بقوة ~~وعزم على العمل به كما ستكشف عنهم الأوصاف الآتية في قوله تعالى : { الذين ~~يؤمنون بالغيب إلى قوله من قبلك } ( البقرة : 3 ، 4 ) . # وفي بيان كون ms0238 القرآن هدى وكيفية صفة المتقي معان ثلاثة : # الأول : أن القرآن هدى في زمن الحال لأن الوصف بالمصدر عوض عن الوصف باسم ~~الفاعل وزمن الحال هو الأصل في اسم الفاعل والمراد حال النطق . والمتقون هم ~~المتقون في الحال أيضا لأن اسم الفاعل حقيقة في الحال كما قلنا ، أي إن ~~جميع من نزه نفسه وأعدها لقبول الكمال يهديه هذا الكتاب ، أو يزيده هدى ~~كقوله تعالى : { والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم } ( محمد : 17 ) . # الثاني : أنه هدى في الماضي أي حصل به هدى أي بما نزل من الكتاب ، فيكون ~~المراد من المتقين من كانت التقوى شعارهم أي أن الهدى ظهر أثره فيهم فاتقوا ~~وعليه فيكون مدحا للكتاب بمشاهدة هديه وثناء على المؤمنين الذين اهتدوا به ~~وإطلاق المتقين على المتصفين بالتقوى فيما مضى ، وإن كان غير الغالب في ~~الوصف باسم الفاعل إطلاق يعتمد على قرينة سياق الثناء على الكتاب . # الثالث : أنه هدى في المستقبل للذين سيتقون في المستقبل وتعين عليه هنا ~~قرينة الوصف بالمصدر في { هدى } لأن المصدر لا يدل على زمان معين . # حصل من وصف الكتاب بالمصدر من وفرة المعاني ما لا يحصل ، لو وصف باسم ~~PageV01P226 الفاعل فقيل هاد للمتقين ، فهذا ثناء على القرآن وتنويه به ~~وتخلص للثناء على المؤمنين الذين انتفعوا بهديه ، فالقرآن لم يزل ولن يزال ~~هدى للمتقين ، فإن جميع أنواع هدايته نفعت المتقين في سائر مراتب التقوى ، ~~وفي سائر أزمانه وأزمانهم على حسب حرصهم ومبالغ علمهم واختلاف مطالبهم ، ~~فمن منتفع بهديه في الدين ، ومن منتفع في السياسة وتدبير أمور الأمة ، ومن ~~منتفع به في الأخلاق والفضائل ، ومن منتفع به في التشريع والتفقه في الدين ~~، وكل أولئك من المتقين وانتفاعهم به على حسب مبالغ تقواهم . وقد جعل أئمة ~~الأصول الاجتهاد في الفقه من التقوى ، فاستدلوا على وجوب الاجتهاد بقوله ~~تعالى : { فاتقوا الله ما استطعتم } ( التغابن : 16 ) فإن قصر بأحد سعيه عن ~~كمال الانتفاع به ، فإنما ذلك لنقص فيه لا في الهداية ، ولا يزال أهل العلم ~~والصلاح يتسابقون في التحصيل على أوفر ms0239 ما يستطيعون من الاهتداء بالقرآن . # وتلتئم الجمل الأربع كمال الالتئمام : فإن جملة { الم } ( البقرة : 1 ) ~~تسجيل لإعجاز القرآن وإنحاء على عامة المشركين عجزهم عن معارضته وهو مؤلف ~~من حروف كلامهم وكفى بهذا نداء على تعنتهم . # وجملة : { ذلك الكتاب } تنويه بشأنه وأنه بالغ حد الكمال في أحوال الكتب ~~، فذلك موجه إلى الخاصة من العقلاء أن يقول لهم هذا كتاب مؤلف من حروف ~~كلامكم ، وهو بالغ حد الكمال من بين الكتب ، فكان ذلك مما يوفر دواعيكم على ~~اتباعه والافتخار بأن منحتموه فإنكم تعدون أنفسكم أفضل الأمم ، فكيف لا ~~تسرعون إلى متابعة كتاب نزل فيكم هو أفضل الكتب فوزان هذا وزان قوله تعالى ~~: { أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا إلى قوله : ورحمة } ( ~~الأنعام : 156 ، 157 ) ، وموجه إلى أهل الكتاب بإيقاظهم إلى أنه أفضل مما ~~أوتوه . # وجملة : { لا ريب } إن كان الوقف على قوله : { لا ريب } تعريض بكل ~~المرتابين فيه من المشركين وأهل الكتاب أي إن الارتياب في هذا الكتاب نشأ ~~عن المكابرة ، وأن ( لا ريب ) فإنه الكتاب الكامل ، وإن كان الوقف على قوله ~~: { فيه } كان تعريضا بأهل الكتاب في تعلقهم بمحرف كتابيهم مع ما فيهما من ~~مثار الريب والشك من الاضطراب الواضح الدال PageV01P227 على أنه من صنع ~~الناس ، قال تعالى : { أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا ~~فيه اختلافا كثيرا } ( النساء : 82 ) . # وقال في ( الكشاف ) : ثم لم تخل كل واحدة من هذه الأربع بعد أن نظمت هذا ~~التنظيم السري من نكتة ذاتت جزالة : ففي الأولى الحذف والرمز إلى الغرض ~~بألطف وجه ، وفي الثانية ما في التعريف من الفخامة ، وفي الثالثة ما في ~~تقديم الريب على الظرف ، وفي الرابعة الحذف ووضع المصدر وهو الهدى موضع ~~الوصف وإيراده منكرا والإيجاز في ذكر المتقين ا ه . فالتقوى إذن بهذا ~~المعنى هي أساس الخير ، وهي بالمعنى الشرعي الذي هو غاية المعنى اللغوي ~~جماع الخيرات . قال ابن العربي لم يتكرر لفظ في القرآن مثلما تكرر لفظ ~~التقوى اهتماما بشأنها . # # | 2 ( 3 ) { الذين ms0240 يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلواة ومما رزقناهم ينفقون } ~~. ) 2 # { الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلواة ومما رزقناهم ينفقون } . # يتعين أن يكون كلاما متصلا بقوله : { للمتقين } ( البقرة : 2 ) على أنه ~~صفة لإرداف صفتهم الإجمالية بتفصيلل يعرف به المراد ، ويكون مع ذلك مبدأ ~~استطراد لتصنيف أصناف الناس بحسب اختلاف أحوالهم في تلقي الكتاب المنوه به ~~إلى أربعة أصناف بعد أن كانوا قبل الهجرة صنفين ، فقد كانوا قبل الهجرة ~~صنفا مؤمنين وصنفا كافرين مصارحين ، فزاد بعد الهجرة صنفان : هما المنافقون ~~وأهل الكتاب ، فالمشركون الصرحاء هم أعداء الإسلام الأولون ، والمنافقون ~~ظهروا بالمدينة فاعتز بهم الأولون الذين تركهم المسلمون بدار الكفر ، وأهل ~~الكتاب كانوا في شغل عن التصدي لمناوأة الإسلام ، فلما أصبح الإسلام في ~~المدينة بجوارهم أوجسوا خيفة فالتفوا مع المنافقين وظاهروا المشركين . وقد ~~أشير إلى أن المؤمنين المتقين فريقان : فريق هم المتقون الذين أسلموا ممن ~~كانوا مشركين وكان القرآن هدى لهم بقرينة مقابلة هذا الموصول بالموصول ~~الآخر المعطوف بقوله : { والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ~~وبالآخرة هم يوقنون } ( البقرة : 4 ) الخ . فالمثني عليهم هنا هم الذين ~~كانوا مشركين فسمعوا الدعوة المحمدية فتدبروا في النجاة واتقوا عاقبة الشرك ~~فآمنوا ، فالباعث الذي بعثهم على الإسلام هو التقوى دون الطمع أو التجربة ، ~~فوائل بن حجر مثلا لما جاء من اليمن راغبا في الإسلام هو من المتقين ، ~~ومسيلمة حين وفد مع PageV01P228 بني حنيفة مضمر العداء طامعا في الملك هو ~~من غير المتقين . وفريق آخر يجيء ذكره بقوله : { والذين يؤمنون بما أنزل ~~إليك } ( البقرة : 4 ) الآيات . # وقد أجريت هذه الصفات للثناء على الذين آمنوا بعد الإشراك بأن كان رائدهم ~~إلى الإيمان هو التقوى والنظر في العاقبة ، ولذلك وصفهم بقوله : { يؤمنون ~~بالغيب } أي بعد أن كانوا يكفرون بالبعث والمعاد كما حكى عنهم القرآن في ~~آيات كثيرة ، ولذلك اجتلبت في الإخبار عنهم بهذه الصلات الثلاث صيغة ~~المضارع الدالة على التجدد إيذانا بتجدد إيمانهم بالغيب وتجدد إقامتهم ~~الصلاة والإنفاق إذ لم يكونوا متصفين بذلك إلا بعد أن جاءهم هدى القرآن . # وجوز ms0241 صاحب ( الكشاف ) كونه كلاما مستأنفا مبتدأ وكون : { أولئك على هدى } ~~( البقرة : 5 ) خبره . وعندي أنه تجويز لما لا يليق ، إذ الاستئناف يقتضي ~~الانتقال من غرض إلى آخر ، وهو المسمى بالاقتضاب وإنما يحسن في البلاغة إذا ~~أشيع الغرض الأول وأفيض فيه حتى أوعب أو حتى خيفت سآمة السامع ، وذلك موقع ~~أما بعد أو كلمة هذا ونحوهما ، وإلا كان تقصيرا من الخطيب والمتكلم لا سيما ~~وأسلوب الكتاب أوسع من أسلوب الخطابة لأن الإطالة في أغراضه أمكن . # والغيب مصدر بمعنى الغيبة : { ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب } ( يوسف : ~~52 ) { ليعلم الله من يخافه بالغيب } ( المائدة : 94 ) وربما قالوا بظهر ~~الغيب قال الحطيئة : # كيف الهجاء وما تنفك صالحة # من آل لام بظهر الغيب تأتيني # وفي الحديث : ( دعوة المؤمن لأخيه بظهر الغيب مستجابة ) . والمراد بالغيب ~~ما لا يدرك بالحواس مما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم صريحا بأنه واقع أو ~~سيقع مثل وجود الله ، وصفاته ، ووجود الملائكة ، والشياطين ، وأشراط الساعة ~~، وما استأثر الله بعلمه . فإن فسر الغيب بالمصدر أي الغيبة كانت الباء ~~للملابسة ظرفا مستقرا فالوصف تعريض بالمنافقين ، وإن فسر الغيب بالاسم وهو ~~ما غاب عن الحس من العوالم العلوية والأخروية ، كانت الباء متعلقة بيؤمنون ~~، فالمعنى حينئذ : الذين يؤمنون بما أخبر الرسول من غير عالم الشهادة ~~كالإيمان بالملائكة والبعث والروح ونحو ذلك . وفي حديث الإيمان : ( أن تؤمن ~~بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره ) . وهذه ~~كلها من عوالم الغيب . # كان الوصف تعريضا بالمشركين الذين أنكروا البعث وقالوا : { هل ندلكم على ~~رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد } ( سبأ : 7 ) فجمع هذا ~~الوصف بالصراحة ثناء على المؤمنين ، PageV01P229 وبالتعريض ذما للمشركين ~~بعدم الاهتداء بالكتاب ، وذما للمنافقين الذين يؤمنون بالظاهر وهم مبطنون ~~الكفر ، وسيعقب هذا التعريض بصريح وصفهم في قوله : { إن الذين كفروا سواء ~~عليهم أأنذرتهم } ( البقرة : 6 ) الآيات . وقوله : { ومن الناس من يقول ~~آمنا بالله } ( البقرة : 8 ) . # ويؤمنون معناه يصدقون ، وآمن مزيد أمن وهمزته المزيدة دلت على التعدية ، ~~فأصل آمن تعدية ms0242 أمن ضد خاف فآمن معناه جعل غيره آمنا ثم أطلقوا آمن على ~~معنى صدق ووثق حكى أبو زيد عن العرب : ( ما آمنت أن أجد صحابة ) يقوله ~~المسافر إذا تأخر عن السفر ، فصار آمن بمعنى صدق على تقدير أنه آمن مخبره ~~من أن يكذبه ، أو على تقدير أنه آمن نفسه من أن تخاف من كذب الخبر مبالغة ~~في أمن كأقدم على الشيء بمعنى تقدم إليه وعمد إليه ، ثم صار فعلا قاصرا إما ~~على مراعاة حذف المفعول لكثرة الاستعمال بحيث نزل الفعل منزلة اللازم ، ~~وإما على مراعاة المبالغة المذكورة أي حصل له الأمن أي من الشك واضطراب ~~النفس واطمأن لذلك لأن معنى الأمن والاطمئنان متقارب ، ثم إنهم يضمنون آمن ~~معنى أقر فيقولون آمن بكذا أي أقر به كما في هذه الآية ، ويضمنونه معنى ~~اطمأن فيقولون آمن له : { أفتطمعون أن يؤمنوا لكم } ( البقرة : 75 ) . # ومجيء صلة الموصول فعلا مضارعا لإفادة أن إيمانهم مستمر متجدد كما علمت ~~آنفا ، أي لايطرأ على إيمانهم شك ولا ريبة . # وخص بالذكر الإيمان بالغيب دون غيره من متعلقات الإيمان لأن الإيمان ~~بالغيب أي ما غاب عن الحس هو الأصل في اعتقاد إمكان ما تخبر به الرسل عن ~~وجود الله والعالم العلوي ، فإذا آمن به المرء تصدى لسماع دعوة الرسول ~~وللنظر فيما يبلغه عن الله تعالى فسهل عليه إدراك الأدلة ، وأما من يعتقد ~~أن ليس وراء عالم الماديات عالم آخر وهو ما وراء الطبيعة فقد راض نفسه على ~~الإعراض عن الدعوة إلى الإيمان بوجود الله وعالم الآخرة كما كان حال ~~الماديين وهم المسمون بالدهريين الذين قالوا : { ما يهلكنا إلا الدهر } ( ~~الجاثية : 24 ) وقريب من اعتقادهم اعتقاد المشركين ولذلك عبدوا الأصنام ~~المجسمة ومعظم العرب كانوا يثبتون من الغيب وجود الخالق وبعضهم يثبت ~~الملائكة ولا يؤمنون بسوى ذلك . والكلام على حقيقة الإيمان ليس هذا موضعه ~~ويجىء عند قوله تعالى : { وما هم بمؤمنين } ( البقرة : 8 ) . PageV01P230 # { ويقيمون الصلواة } . # الإقامة مصدر أقام الذي هو معدى قام ، عدي إليه بالهمزة الدالة على الجعل ~~، والإقامة جعلها قائمة ms0243 ، مأخوذ من قامت السوق إذا نفقت وتداول الناس فيها ~~البيع والشراء وقد دل على هذا التقدير تصريح بعض أهل اللسان بهذا المقدر . ~~قال أيمن ابن خريم الأنطري : # أقامت غزالة سوق الضراب # لأهل العراقين حولا قميطا # وأصل القيام في اللغة هو الانتصاب المضاد للجلوس والاضطجاع ، وإنما يقوم ~~القائم لقصد عمل صعب لا يتأتى من قعود ، فيقوم الخطيب ويقوم العامل ويقوم ~~الصانع ويقوم الماشي فكان للقيام لوازم عرفية مأخوذة من عوارضه اللازمة ~~ولذلك أطلق مجازا على النشاط في قولهم قام بالأمر ، ومن أشهر استعمال هذا ~~المجاز قولهم قامت السوق وقامت الحرب ، وقالوا في ضده ركدت ونامت ، ويفيد ~~في كل ما يتعلق به معنى مناسبا لنشاطه المجازي وهو من قبيل المجاز المرسل ~~وشاع فيها حتى ساوى الحقيقة فصارت كالحقائق ولذلك صح بناء المجاز الثاني ~~والاستعارة عليها ، فإقامة الصلاة استعارة تبعية شبهت المواظبة على الصلوات ~~والعناية بها بجعل الشيء قائما ، وأحسب أن تعليق هذا الفعل بالصلاة من ~~مصطلحات القرآن وقد جاء به القرآن في أوائل نزوله فقد ورد في سورة المزمل ( ~~20 ) : { وأقيموا الصلاة وهي ثالثة السور نزولا . وذكر صاحب الكشاف } وجوها ~~أخر بعيدة عن مساق الآية . # وقد عبر هنا بالمضارع كما وقع في قوله : { يؤمنون } ليصلح ذلك للذين ~~أقاموا الصلاة فيما مضى وهم الذين آمنوا من قبل نزول الآية ، والذين هم ~~بصدد إقامة الصلاة وهم الذين يؤمنون عند نزول الآية ، والذين سيهتدون إلى ~~ذلك وهم الذين جاءوا من بعدهم إذ المضارع صالح لذلك كله لأن من فعل الصلاة ~~في الماضي فهو يفعلها الآن وغدا ، ومن لم يفعلها فهو إما يفعلها الآن أو ~~غدا وجميع أقسام هذا النوع جعل القرآن هدى لهم . وقد حصل من إفادة المضارع ~~التجدد PageV01P231 تأكيد ما دل عليه مادة الإقامة من المواظبة والتكرر ~~ليكون الثناء عليهم بالمواظبة على الصلاة أصرح . # والصلاة اسم جامد بوزن فعلة محرك العين ( صلوة ) ورد هذا اللفظ في كلام ~~العرب بمعنى الدعاء كقول الأعشى : # تقول بنتي وقد يممت مرتحلا # يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا # عليكك ms0244 مثل الذي صليتت فاغتمضي # جفنا فإن لجنبب المرء مضطجعا # وورد بمعنى العبادة في قول الأعشى : # يراوح من صلوات الملي # كك طورا سجودا وطورا جؤارا # فأما الصلاة المقصودة في الآية فهي العبادة المخصوصة المشتملة على قيام ~~وقراءة وركوع وسجود وتسليم . قال ابن فارس كانت العرب في جاهليتها على إرث ~~من إرث آبائهم في لغاتهم فلما جاء الله تعالى بالإسلام حالت أحوال ونقلت ~~ألفاظ من مواضع إلى مواضع أخر بزيادات ، ومما جاء في الشرع الصلاة وقد ~~كانوا عرفوا الركوع والسجود وإن لم يكن على هاته الهيأة قال النابغة : # أو درة صدفية غواصها # بهيج متى يرها يهل ويسجد # وهذا وإن كان كذا فإن العرب لم تعرفه بمثل ما أتت به الشريعة من الأعداد ~~والمواقيت ا ه . # قلت لا شك أن العرب عرفوا الصلاة والسجود والركوع وقد أخبر الله تعالى عن ~~إبراهيم عليه السلام فقال : { ربنا ليقيموا الصلاة } ( إبراهيم : 37 ) وقد ~~كان بين ظهرانيهم اليهود يصلون أي يأتون عبادتهم بهيأة مخصوصة ، وسموا ~~كنيستهم صلاة ، وكان بينهم النصارى وهم يصلون وقد قال النابغة في ذكر دفن ~~النعمان بن الحارث الغساني : # فآب مصلوه بعين جلية # وغودر بالجولان حزم ونايل PageV01P232 # على رواية مصلوه بصاد مهملة أراد المصلين عليه عند دفنه من القسس ~~والرهبان ، إذ قد كان منتصرا ومنه البيت السابق . وعرفوا السجود قال ~~النابغة : # أو درة صدفية غواصها # بهج متى يرها يهل ويسجد # وقد تردد أئمة اللغة في اشتقاق الصلاة ، فقال قوم مشتقة من الصلا وهو عرق ~~غليظ في وسط الظهر ويفترق عند عجب الذنب فيكتنفه فيقال : حينئذ هما صلوان ، ~~ولما كان المصلي إذا انحنى للركوع ونحوه تحرك ذلك العرق اشتقت الصلاة منه ~~كما يقولون أنف من كذا إذا شمخ بأنفه لأنه يرفعه إذا اشمأز وتعاظم فهو من ~~الاشتقاق من الجامد كقولهم استنوق الجمل وقولهم تنمر فلان ، وقولها : ( ~~زوجي إذا دخل فهد وإذا خرج أسد ) والذي دل على هذا الاشتقاق هنا عدم صلوحية ~~غيره فلا يعد القول به ضعيفا لأجل قلة الاشتقاق من الجوامد كما توهمه السيد ms0245 ~~. # وإنما أطلقت على الدعاء لأنه يلازم الخشوع والانخفاض والتذلل ، ثم اشتقوا ~~من الصلاة التي هي اسم جامد صلى إذا فعل الصلاة واشتقوا صلى من الصلاة كما ~~اشتقوا صلى الفرس إذا جاء معاقبا للمجلي في خيل الحلبة ، لأنه يجىء مزاحما ~~له في السبق ، واضعا رأسه على صلا سابقه واشتقوا منه المصلي اسما للفرس ~~الثاني في خيل الحلبة ، وهذا الرأي في اشتقاقها مقتضب من كلامهم وهو الذي ~~يجب اعتماده إذ لم يصلح لأصل اشتقاقها غير ذلك . وما أورده الفخر في ( ~~التفسير ) أن دعوى اشتقاقها من الصلوين يفضي إلى طعن عظيم في كون القرآن ~~حجة لأن لفظ الصلاة من أشد الألفاظ شهرة ، واشتقاقه من تحريك الصلوين من ~~أبعد الأشياء اشتهارا فيما بين أهل النقل ، فإذا جوزنا أنه خفي واندرس حتى ~~لا يعرفه إلا الآحاد لجاز مثله في سائر الألفاظ فلا نقطع بأن مراد الله ~~تعالى من هذه الألفاظ ما يتبادر منها إلى أفهامنا في زماننا هذا لاحتمال ~~أنها كانت في زمن الرسول موضوعة لمعان أخر خفيت علينا ا ه يرده بالاستعمال ~~أنه لا مانع من أن يكون لفظ مشهور منقولا من معنى خفي لأنه العبرة في ~~الشيوع بالاستعمال وأما الاشتقاق فبحث علمي ولهذا قال البيضاوي : ( واشتهار ~~هذا اللفظ في المعنى الثاني مع عدم اشتهاره في الأول لا يقدح في نقله منه ) ~~. PageV01P233 # ومما يؤيد أنها مشتقة من هذا كتابتها بالواو في المصاحف إذ لولا قصد ~~الإشارة إلى ما اشتقت منه ما كان وجه لكتابتها بالواو وهم كتبوا الزكاة ~~والربا والحياة بالواو إشارة إلى الأصل . وأما قول ( الكشاف ) : وكتابتها ~~بالواو على لفظ المفخم أي لغة تفخيم اللام يرده أن ذلك لم يصنع في غيرها من ~~اللامات المفخمة . # ومصدر صلى قياسه التصلية وهو قليل الورود في كلامهم . وزعم الجوهري أنه ~~لا يقال صلى تصلية وتبعه الفيروزابادي ، والحق أنه ورد بقلة في نقل ثعلب في ~~( أماليه ) . # وقد نقلت الصلاة في لسان الشرع إلى الخضوع بهيأة مخصوصة ودعاء مخصوص ~~وقراءة وعدد . والقول بأن أصلها في اللغة الهيئة في ms0246 الدعاء والخضوع هو أقرب ~~إلى المعنى الشرعي وأوفق بقول القاضي أبي بكر ومن تابعه بنفي الحقيقة ~~الشرعية ، وأن الشرع لم يستعمل لفظا إلا في حقيقته اللغوية بضميمة شروط لا ~~يقبل إلا بها . وقالت المعتزلة الحقائق الشرعية موضوعة بوضع جديد وليست ~~حقائق لغوية ولا مجازات . وقال صاحب ( الكشاف ) : الحقائق الشرعية مجازات ~~لغوية اشتهرت في معان . والحق أن هاته الأقوال ترجع إلى أقسام موجودة في ~~الحقائق الشرعية . # { ومما رزقناهم ينفقون } . # صلة ثالثة في وصف المتقين مما يحقق معنى التقوى وصدق الإيمان من بذل عزيز ~~على النفس في مرضاة الله ؛ لأن الإيمان لما كان مقره القلب ومترجمه اللسان ~~كان محتاجا إلى دلائل صدق صاحبه وهي عظائم الأعمال ، من ذلك التزام آثاره ~~في الغيبة الدالة عليه : { الذين يؤمنون بالغيب } ومن ذلك ملازمة فعل ~~الصلوات لأنها دليل على تذكر المؤمن من آمن به . ومن ذلك السخاء ببذل المال ~~للفقراء امتثالا لأمر الله بذلك . # والرزق ما يناله الإنسان من موجودات هذا العالم التي يسد بها ضروراته ~~وحاجاته وينال بها ملائمه ، فيطلق على كل ما يحصل به سد الحاجة في الحياة ~~من الأطعمة والأنعام والحيوان والشجر المثمر والثياب وما يقتني به ذلك من ~~النقدين ، قال تعالى : { وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين ~~فارزقوهم منه } ( النساء : 8 ) أي مما تركه الميت وقال : { الله يبسط الرزق ~~لمن يشاء ويقدر وفرحوا بالحياة الدنيا } ( الرعد : 26 ) وقال في قصة قارون ~~: { وآتيناه من الكنوز إلى قوله PageV01P234 ويكأن الله يبسط الرزق لمن ~~يشاء ويقدر } ( القصص : 76 82 ) مرادا بالرزق كنوز قارون وقال : { ولو بسط ~~الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض } ( الشورى : 27 ) واشهر استعماله بحسب ~~ما رأيت من كلام العرب وموارد القرآن أنه ما يحصل من ذلك للإنسان ، وأما ~~إطلاقه على ما يتناوله الحيوان من المرعى والماء فهو على المجاز ، كما في ~~قوله تعالى : { وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها } ( هود : 6 ) ~~وقوله : { وجد عندها رزقا } ( آل عمران : 37 ) وقوله : { لا يأتيكما طعام ~~ترزقانه } ( يوسف : 37 ) . # والرزق شرعا عند ms0247 أهل السنة كالرزق لغة إذ الأصل عدم النقل إلا لدليل ، ~~فيصدق اسم الرزق على الحلال والحرام لأن صفة الحل والحرمة غير ملتفت إليها ~~هنا فبيان الحلال من الحرام له مواقع أخرى ولا يقبل الله إلا طيبا وذلك ~~يختلف باختلاف أحوال التشريع مثل الخمر والتجارة فيها قبل تحريمها ، بل ~~المقصود أنهم ينفقون مما في أيديهم . وخالفت المعتزلة في ذلك في جملة فروع ~~مسألة خلق المفاسد والشرور وتقديرهما ، ومسألة الرزق من المسائل التي جرت ~~فيها المناظرة بين الأشاعرة والمعتزلة كمسألة الآجال ، ومسألة السعر ، ~~وتمسك المعتزلة في مسألة الرزق بأدلة لا تنتج المطلوب . # والإنفاق إعطاء الرزق فيما يعود بالمنفعة على النفس والأهل والعيال ومن ~~يرغب في صلته أو التقرب لله بالنفع له من طعام أو لباس . وأريد به هنا بثه ~~في نفع الفقراء وأهل الحاجة وتسديد نوائب المسلمين بقرينة المدح واقترانه ~~بالإيمان والصلاة فلا شك أنه هنا خصلة من خصال الإيمان الكامل ، وما هي إلا ~~الإنفاق في سبيل الخير والمصالح العامة إذ لا يمدح أحد بإنفاقه على نفسه ~~وعياله إذ ذلك مما تدعو إليه الجبلة فلا يعتني الدين بالتحريض عليه ؛ فمن ~~الإنفاق ما هو واجب وهو حق على صاحب الرزق ، للقرابة وللمحاويج من الأمة ~~ونوائب الأمة كتجهيز الجيوش والزكاة ، وبعضه محدد وبعضه تفرضه المصلحة ~~الشرعية الضرورية أو الحاجية وذلك مفصل في تضاعيف الأحكام الشرعية في كتب ~~الفقه ، ومن الإنفاق تطوع وهو ما فيه نفع من دعا الدين إلى نفعه . # وفي إسناده فعل ( رزقنا ) إلى ضمير الله تعالى وجعل مفعوله ضمير { الذين ~~يؤمنون } تنبيه على أن ما يصير الرزق بسببه رزقا لصاحبه هو حق خاص له خوله ~~الله إياه بحكم الشريعة على حسب الأسباب والوسائل التي يتقرر بها ملك الناس ~~للأموال والأرزاق ، وهو الوسائل المعتبرة في الشريعة التي اقتضت استحقاق ~~أصحابها واستئثارهم بها بسبب الجهد مما عمله المرء بقوة بدنه التي لا مرية ~~في أنها حقه مثل انتزاع PageV01P235 الماء واحتطاب الحطب والصيد وجني ~~الثمار والتقاط ما لا ملك لأحد عليه ولا هو كائن في ms0248 ملك أحد ، ومثل خدمته ~~بقوته من حمل ثقل ومشي لقضاء شؤون من يؤجره وانحباس للحراسة ، أو كان مما ~~يصنع أشياء من مواد يملكها وله حق الانتفاع بها كالخبز والنسج والتجر ~~وتطريق الحديد وتركيب الأطعمة وتصوير الآنية من طين الفخار ، أو كان مما ~~أنتجه مثل الغرس والزرع والتوليد ، أو مما ابتكره بعقله مثل التعليم ~~والاختراع والتأليف والطب والمحاماة والقضاء ونحو ذلك من الوظائف والأعمال ~~التي لنفع العامة أو الخاصة ، أو مما أعطاه إياه مالك رزقق من هبات وهدايا ~~ووصايا ، أو أذن بالتصرف كإحياء الموات ، أو كان مما ناله بالتعارض كالبيوع ~~والإجارات والأكرية والشركات والمغارسة ، أو مما صار إليه من مال انعدم ~~صاحبه بكونه أحق الناس به كالإرث . وتملك اللقطة بعد التعريف المشروط ، وحق ~~الخمس في الركاز . فهذه وأمثالها مما شمله قول الله تعالى : { مما رزقناهم ~~} . # وليس لأحد ولا لمجموع الناس حق فيما جعله الله رزق الواحد منهم لأنه لا ~~حق لأحد في مال لم يسع لاكتسابه بوسائله وقد جاءت هند بنت عقبة زوج أبي ~~سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : ( إن أبا سفيان رجل مسيك ~~فهل أنفق من الذي له عيالنا فقال لها : ( لا إلا بالمعروف ) أي إلا ما هو ~~معروف أنه تتصرف فيه الزوجة مما في بيتها مما وضعه الزوج في بيته لذلك دون ~~مسارقة ولا خلسة . # وتقديم المجرور المعمولل على عامله وهو { ينفقون } لمجرد الاهتمام بالرزق ~~في عرف الناس فيكون في التقديم إيذان بأنهم ينفقون مع ما للرزق من المعزة ~~على النفس كقوله تعالى : { ويطعمون الطعام على حبه } ( الإنسان : 8 ) ، مع ~~رعي فواصل الآيات على حرف النون ، وفي الإتيان بمن التي هي للتبعيض إيماء ~~إلى كون الإنفاق المطلوب شرعا هو إنفاق بعض المال لأن الشريعة لم تكلف ~~الناس حرجا ، وهذا البعض يقل ويتوفر بحسب أحوال المنفقين . فالواجب منه ما ~~قدرت الشريعة نصبه ومقاديره من الزكاة وإنفاقق الأزواج والأبناء والعبيد ، ~~وما زاد على الواجب لا ينضبط تحديده وما زاد فهو خير ، ولم يشرع الإسلام ~~وجوب تسليم المسلم ms0249 ما ارتزقه واكتسبه إلى يد غيره . وإنما اختير ذكر هذه ~~الصفات لهم دون غيرها لأنها أول ما شرع من الإسلام فكانت شعار المسلمين وهي ~~الإيمان الكامل وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة فإنهما أقدم المشروعات وهما ~~أختان في كثير من آيات القرآن ، ولأن هذه الصفات PageV01P236 هي دلائل ~~إخلاص الإيمان لأن الإيمان في حال الغيبة عن المؤمنين وحال خويصة النفس أدل ~~على اليقين والإخلاص حين ينتفي الخوف والطمع إن كان المراد ما غاب . أو لأن ~~الإيمان بما لا يصل إليه الحس أدل دليل على قوة اليقين حتى إنه يتبقى من ~~الشارع ما لا قبل للرأي فيه وشأن النفوس أن تنبو عن الإيمان به لأنها تميل ~~إلى المحسوس فالإيمان به على علاته دليل قوة اليقين بالمخبر وهو الرسول إن ~~كان المراد من الغيب ما قابل الشهادة ، ولأن الصلاة كلفة بدنية في أوقات لا ~~يتذكرها مقيمها أي محسن أدائها إلا الذي امتلأ قلبه بذكر الله تعالى على ما ~~فيها من الخضوع وإظهار العبودية ، ولأن الزكاة أداء المال وقد علم شح ~~النفوس قال تعالى : { وإذا مسه الخير منوعا } ( المعارج : 21 ) ولأن ~~المؤمنين بعد الشرك كانوا محرومين منها في حال الشرك بخلاف أهل الكتاب فكان ~~لذكرها تذكير بنعمة الإسلام . # # | 2 ( 4 ) { والذين يؤمنون بمآ أنزل إليك ومآ أنزل من قبلك وبالأخرة هم ~~يوقنون } . ) 2 # عطف على { الذين يؤمنون بالغيب } ( البقرة : 3 ) طائفة ثانية على الطائفة ~~الأولى المعنية بقوله : { الذين يؤمنون بالغيب } وهما معا قسمان للمتقين ، ~~فإنه بعد أن أخبر أن القرآن هدى للمتقين الذين آمنوا بعد الشرك وهم العرب ~~من أهل مكة وغيرهم ووصفهم بالذين يؤمنون بالغيب لأنهم لم يكونوا يؤمنون به ~~حين كانوا مشركين ، ذكر فريقا آخر من المتقين وهم الذين آمنوا بما أنزل من ~~الكتب الإلاهية قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم ثم آمنوا بمحمد ، وهؤلاء ~~هم مؤمنو أهل الكتاب وهم يومئذ اليهود الذين كانوا كثيرين في المدينة وما ~~حولها في قريظة والنضير وخيبر مثل عبد الله بن سلام ، وبعض النصارى مثل ~~صهيب الرومي ms0250 ودحية الكلبي ، وهم وإن شاركوا مسلمي العرب في الاهتداء ~~بالقرآن والإيمان بالغيب وإقامة الصلاة فإن ذلك كان من صفاتهم قبل مجيء ~~الإسلام فذكرت لهم خصلة أخرى زائدة على ما وصف به المسلمون الأولون ، ~~فالمغايرة بين الفريقين هنا بالعموم والخصوص ، ولما كان قصد تخصيصهم بالذكر ~~يستلزم عطفهم وكان العطف بدون تنبيه على أنهم فريق آخر يوهم أن القرآن لا ~~يهدي إلا الذين آمنوا بما أنزل من قبل لأن هذه خاتمة الصفات فهي مرادة فيظن ~~أن الذين آمنوا عن شرك لا حظ لهم من هذا الثناء ، وكيف وفيهم من خيرة ~~المؤمنين PageV01P237 من الصحابة وهم أشد اتقاء واهتداء إذ لم يكونوا أهل ~~ترقب لبعثة رسول من قبل فاهتداؤهم نشأ عن توفيق رباني ، دفع هذا الإيهام ~~بإعادة الموصول ليؤذن بأن هؤلاء فريق آخر غير الفريق الذي أجريت عليهم ~~الصفات الثلاث الأول ، وبذلك تبين أن المراد بأهل الصفات الثلاث الأول هم ~~الذين آمنوا بعد شرك لوجود المقابلة . ويكون الموصولانن للعهد ، وعلم أن ~~الذين يؤمنون بما أنزل من قبل هم أيضا ممن يؤمن بالغيب ويقيم الصلاة وينفق ~~لأن ذلك مما أنزل إلى النبيء ، وفي التعبير بالمضارع من قوله { يؤمنون بما ~~أنزل إليك } من إفادة التجدد مثل ما تقدم في نظائره لأن إيمانهم بالقرآن ~~حدث جديدا ، وهذا كله تخصيص لهم بمزية يجب اعتبارها وإن كان التفاضل بعد ~~ذلك بقوة الإيمان ورسوخه وشدة الاهتداء ، فأبو بكر وعمر أفضل من دحية وعبد ~~الله بن سلام . # والإنزال جعل الشيء نازلا ، والنزول الانتقال من علو إلى سفل وهو حقيقة ~~في انتقال الذوات من علو ، ويطلق الإنزال ومادة اشتقاقه بوجه المجاز اللغوي ~~على معان راجعة إلى تشبيه عملل بالنزول لاعتبار شرفف ورفعة معنوية كما في ~~قوله تعالى : { قد أنزلنا عليكم لباسا } ( الأعراف : 26 ) وقوله : { وأنزل ~~لكم من الأنعام ثمانية أزواج } ( الزمر : 6 ) لأن خلق الله وعطاءه يجعل ~~كوصول الشيء من جهة عليا لشرفه ، وأما إطلاقه على بلوغ الوصف من الله إلى ~~الأنبياء فهو إما مجاز عقلي بإسناد النزول إلى الوحي تبعا لنزول ms0251 الملك ~~مبلغه الذي يتصل بهذا العالم نازلا من العالم العلوي قال تعالى : { نزل به ~~الروح الأمين على قلبك } ( الشعراء : 194 ، 195 ) فإن الملك ملابس للكلام ~~المأمور بتبليغه ، وإما مجاز لغوي بتشبيه المعاني التي تلقى إلى النبيء ~~بشيء وصل من مكان عالل ، ووجه الشبه هو الارتفاع المعنوي لا سيما إذا كان ~~الوحي كلاما سمعه الرسول كالقرآن وكما أنزل إلى موسى وكما وصف النبيء صلى ~~الله عليه وسلم بعض أحوال الوحي في الحديث الصحيح بقوله : ( وأحيانا يأتيني ~~مثل صلصلة الجرس فيفصم عني وقد وعيت ما قال ) وأما رؤيا النوم كرؤيا ~~إبراهيم فلا تسمى إنزالا . # والمراد بما أنزل إلى النبيء صلى الله عليه وسلم المقدار الذي تحقق نزوله ~~من القرآن قبل نزول هذه الآية فإن الثناء على المهتدين إنما يكون بأنهم حصل ~~منهم إيمان بما نزل لا توقع إيمانهم بما سينزل لأن ذلك لا يحتاج للذكر إذ ~~من المعلوم أن الذي يؤمن بما أنزل يستمر إيمانه بكل ما ينزل على الرسول لأن ~~العناد وعدم الاطمئنان إنما يكون في أول الأمر ، فإذا زالا بالإيمان أمنوا ~~من الارتداد وكذلك الإيمان حين PageV01P238 تخالط بشاشته القلوب . فالإيمان ~~بما سينزل في المستقبل حاصل بفحوى الخطاب وهي الدلالة الأخروية فإيمانهم ~~بما سينزل مراد من الكلام وليس مدلولا للفظ الذي هو للماضي فلا حاجة إلى ~~دعوى تغليب الماضي على المستقبل في قوله تعالى : { بما أنزل } والمراد ما ~~أنزل وما سينزل كما في ( الكشاف ) . # وعدي الإنزال بإلى لتضمينه معنى الوصف فالمنزل إليه غاية للنزول والأكثر ~~والأصل أنه يعدى بحرف على لأنه في معنى السقوط كقوله تعالى : { نزل عليك ~~الكتاب بالحق } ( آل عمران : 3 ) وإذا أريد أن الشيء استقر عند المنزل عليه ~~وتمكن منه قال تعالى : { وأنزلنا عليكم المن والسلوى } ( البقرة : 57 ) ~~واختيار إحدى التعديتين تفنن في الكلام . # ثم إن فائدة الإتيان بالموصول هنا دون أن يقال : والذين يؤمنون بك من أهل ~~الكتاب الدلالة بالصلة على أن هؤلاء كانوا آمنوا بما ثبت نزوله من الله على ~~رسلهم دون تخليط بتحريفات صدت قومهم ms0252 عن الدخول في الإسلام ككون التوراة لا ~~تقبل النسخ وأنه يجىء في آخر الزمان من عقب إسرائيل من يخلص بني إسرائيل من ~~الأسر والعبودية ونحو ذلك من كل ما لم ينزل في الكتب السابقة ، ولكنه من ~~الموضوعات أو من فاسد التأويلات ففيه تعريض بغلاة اليهود والنصارى الذين ~~صدهم غلوهم في دينهم وقولهم على الله غير الحق عن اتباع النبيء صلى الله ~~عليه وسلم # وقوله : { وبالآخرة هم يوقنون } عطف صفة ثانية وهي ثبوت إيمانهم بالآخرة ~~أي اعتقادهم بحياة ثانية بعد هذه الحياة ، وإنما خص هذا الوصف بالذكر عند ~~الثناء عليهم من بين بقية أوصافهم لأنه ملاك التقوى والخشية التي جعلوا ~~موصوفين بها لأن هذه الأوصاف كلها جارية على ما أجمله الوصف بالمتقين فإن ~~اليقين بدار الثواب والعقاب هو الذي يوجب الحذر والفكرة فيما ينجي النفس من ~~العقاب وينعمها بالثواب وذلك الذي ساقهم إلى الإيمان بالنبيء صلى الله عليه ~~وسلم ولأن هذا الإيقان بالآخرة من مزايا أهل الكتاب من العرب في عهد ~~الجاهلية فإن المشركين لا يوقنون بحياة ثانية فهم دهريون ، وأما ما يحكى ~~عنهم من أنهم كانوا يربطون راحلة الميت عند قبره ويتركونها لا تأكل ولا ~~تشرب حتى الموت ويزعمون أنه إذا حيي يركبها فلا يحشر راجلا PageV01P239 ~~ويسمونها البلية فذلك تخليط بين مزاعم الشرك وما يتلقونه عن المتنصرين منهم ~~بدون تأمل . # والآخرة في اصطلاح القرآن هي الحياة الآخرة فإن الآخرة صفة تأنيث الآخر ~~بالمد وكسر الخاء وهو الحاصل المتأخر عن شيء قبله في فعل أو حال ، وتأنيث ~~وصف الآخرة منظور فيه إلى أن المراد إجراؤه على موصوف مؤنث اللفظ حذف لكثرة ~~استعماله وصيرورته معلوما وهو يقدر بالحياة الآخرة مراعاة لضده وهو الحياة ~~الدنيا أي القريبة بمعنى الحاضرة ، ولذلك يقال لها العاجلة ثم صارت الآخرة ~~علما بالغلبة على الحياة الحاصلة بعد الموت وهي الحاصلة بعد البعث لإجراء ~~الجزاء على الأعمال . فمعنى : { وبالآخرة هم يوقنون } أنهم يؤمنون بالبعث ~~والحياة بعد الموت . # واليقين هو العلم بالشيء عن نظر واستدلال أو بعد شك سابق ولا ms0253 يكون شك إلا ~~في أمر ذي نظر فيكون أخص من الإيمان ومن العلم . واحتج الراغب لذلك بقوله ~~تعالى : { لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم } ( التكاثر : 6 ، 7 ) ولذلك ~~لا يطلقون الإيقان على علم الله ولا على العلوم الضرورية وقيل : هو العلم ~~الذي لا يقبل الاحتمال وقد يطلق على الظن القوي إطلاقا عرفيا حيث لا يخطر ~~بالبال أنه ظن ويشتبه بالعلم الجازم فيكون مرادفا للإيمان والعلم . # فالتعبير عن إيمانهم بالآخرة بمادة الإيقان لأن هاته المادة ، تشعر بأنه ~~علم حاصل عن تأمل وغوص الفكر في طريق الاستدلال لأن الآخرة لما كانت حياة ~~غائبة عن المشاهدة غريبة بحسب المتعارف وقد كثرت الشبه التي جرت المشركين ~~والدهريين على نفيها وإحالتها ، كان الإيمان بها جديرا بمادة الإيقان بناء ~~على أنه أخص من الإيمان ، فلإيثار { يوقنون } هنا خصوصية مناسبة لبلاغة ~~القرآن ، والذين جعلوا الإيقان والإيمان مترادفين جعلوا ذكر الإيقان هنا ~~لمجرد التفنن تجنبا لإعادة لفظ { يؤمنون } بعد قوله : { والذين يؤمنون بما ~~أنزل إليك } . # وفي قوله تعالى : { وبالآخرة هم يوقنون } تقديم للمجرور الذي هو معمول { ~~يوقنون } على عامله ، وهو تقديم لمجرد الاهتمام مع رعاية الفاصلة ، وأرى أن ~~في هذا التقديم ثناء على هؤلاء بأنهم أيقنوا بأهم ما يوقن به المؤمن فليس ~~التقديم بمفيد حصرا إذ لا يستقيم معنى الحصر هنا بأن يكون المعنى أنهم ~~يوقنون بالآخرة دون غيرها ، وقد تكلف صاحب ( الكشاف ) وشارحوه لإفادة الحصر ~~من هذا التقديم ويخرج الحصر عن تعلقه بذات المحصور فيه إلى تعلقه بأحواله ~~وهذا غير معهود في الحصر . PageV01P240 # وقوله : { هم يوقنون } جيء بالمسند إليه مقدما على المسند الفعلي لإفادة ~~تقوية الخبر إذ هو إيقان ثابت عندهم من قبل مجيء الإسلام على الإجمال ، وإن ~~كانت التوراة خالية عن تفصيله والإنجيل أشار إلى حياة الروح ، وتعرض كتابا ~~حزقيال وأشعياء لذكره وفي كلا التقديمين تعريض بالمشركين الدهريين ونداء ~~على انحطاط عقيدتهم ، وأما المتبعون للحنيفية في ظنهم مثل أمية بن أبي ~~الصلت وزيد بن عمرو بن نفيل فلم يلتفت إليهم لقلة عددهم أو لأنهم ملحقون ~~بأهل ms0254 الكتاب لأخذهم عنهم كثيرا من شرائعهم بعلة أنها من شريعة إبراهيم عليه ~~السلام . # # | 2 ( 5 ) { أولائك على هدى من ربهم وأولائك هم المفلحون } . ) 2 # { أولائك على هدى من ربهم وأولائك هم المفلحون } . # اسم الإشارة متوجه إلى { المتقين } ( البقرة : 2 ) الذين أجرى عليهم من ~~الصفات ما تقدم ، فكانوا فريقين . وأصل الإشارة أن تعود إلى ذات مشاهدة ~~معينة إلا أن العرب قد يخرجون بها عن الأصل فتعود إلى ذات مستحضرة من ~~الكلام بعد أن يذكر من صفاتها وأحوالها ما ينزلها منزلة الحاضر في ذهن ~~المتكلم والسامع ، فإن السامع إذا وعى تلك الصفات وكانت مهمة أو غريبة في ~~خير أو ضده صار الموصوف بها كالمشاهد ، فالمتكلم يبني على ذلك فيشير إليه ~~كالحاضر المشاهد ، فيؤتى بتلك الإشارة إلى أنه لا أوضح في تشخصه ، ولا أغنى ~~في مشاهدته من تعرف تلك الصفات ، فتكفي الإشارة إليها ، هذا أصل الاستعمال ~~في إيراد الإشارة بعد ذكر صفات مع عدم حضور المشار إليه . ثم إنهم قد ~~يتبعون اسم الإشارة الوارد بعد تلك الأوصاف بأحكام فيدل ذلك على أن منشأ ~~تلك الأحكام هو تلك الصفات المتقدمة على اسم الإشارة ، لأنها لما كانت هي ~~طريق الاستحضار كانت الإشارة لأهل تلك الصفات قائمة مقام الذوات المشار ~~إليها ، فكما أن الأحكام الواردة بعد أسماء الذوات تفيد أنها ثابتة ~~للمسميات فكذلك الأحكام الواردة بعد ما هو للصفات تفيد أنها ثبتت للصفات ، ~~فكقوله : { أولئك على هدى من ربهم } بمنزلة أن يقول إن تلك الأوصاف هي سبب ~~تمكنهم من هدي ربهم إياهم . ونظيره قول حاتم الطائي : # ولله صعلوك يساور همه # ويمضى على الأحداث والدهر مقدما # فتى طلبات لا يرى الخمص ترحة # ولا شبعة إن نالها عد مغنما PageV01P241 # إلى أن قال : # فذلك إن يهلك فحسنى ثناؤه # وإن عاش لم يقعد ضعيفا مذمما # فقوله : { أولئك على هدى } جملة مستأنفة استئنافا بيانيا لأن السامع إذا ~~سمع ما تقدم من صفات الثناء عليهم ترقب فائدة تلك الأوصاف ، واسم الإشارة ~~هنا حل محل ذكر ضميرهم والإشارة أحسن منه وقعا لأنها تتضمن ms0255 جميع أوصافهم ~~المتقدمة فقد حققه التفتزاني في باب الفصل والوصل من الشرح المطول أن ~~الاستئناف بذكر اسم الإشارة أبلغ من الاستئناف الذي يكون بإعادة اسم ~~المستأنف عنه . وهذا التقدير أظهر معنى وأنسب بلاغة وأسعد باستعمال اسم ~~الإشارة في مثل هاته المواقع ، لأنه أظهر في كون الإشارة لقصد التنويه بتلك ~~الصفات المشار إليها وبما يرد بعد اسم الإشارة من الحكم الناشىء عنها ، ~~وهذا لا يحصل إلا بجعل اسم الإشارة مبتدأ أول صدر جملة استئناف . فقوله : { ~~أولئك على هدى من ربهم } رجوع إلى الإخبار عنهم بأن القرآن هدى لهم ~~والإتيان بحرف الاستعلاء تمثيل لحالهم بأن شبهت هيئة تمكنهم من الهدى ~~وثباتهم عليه ومحاولتهم الزيادة به والسير في طريق الخيرات بهيأة الراكب في ~~الاعتلاء على المركوب والتمكن من تصريفه والقدرة على إراضته فشبهت حالتهم ~~المنتزعة من متعدد بتلك الحالة المنتزعة من متعدد تشبيها ضمنيا دل عليه حرف ~~الاستعلاء لأن الاستعلاء أقوى أنواع تمكن شيء من شيء ، ووجه جعلنا إياها ~~مؤذنة بتقدير مركوب دون كرسي أو مسطبة مثلا ، لأن ذلك هو الذي تسبق إليه ~~أفهامهم عند سماع ما يدل على الاستعلاء ، إذ الركوب هو أكثر أنواع ~~استعلائهم فهو الحاضر في أذهانهم ، ولذلك تراهم حين يصرحون بالمشبه به أو ~~يرمزون إليه ما يذكرون إلا المركوب وعلائقه ، فيقولون جعل الغواية مركبا ~~وامتطى الجهل وفي ( المقامة ) : ( لما اقتعدت غارب الاغتراب وقالوا في ~~الأمثال : ركب متن عمياء ، تخبط خبط عشواء . وقال النابغة يهجو عامر بن ~~الطفيل الغنوي : # فإن يك عامر قد قال جهلا # فإن مطية الجهلل الشباب # فتكون كلمة ( على ) هنا بعض المركب الدال على الهيأة المشبه بها على وجه ~~الإيجاز PageV01P242 وأصله أولئك على مطية الهدى فهي تمثيلية تصريحية إلا ~~أن المصرح به بعض المركب الدال لا جميعه . هكذا قرر كلام ( الكشاف ) فيها ~~شارحوه والطيبي ، والتحتاني والتفتزاني والبيضاوي . وذهب القزويني في ( ~~الكشف ) والسيد الجرجاني إلى أن الاستعارة في الآية تبعية مقيدة بأن شبه ~~التمسك بالهدى عند المتقين بالتمكن من الدابة للراكب ، وسرى التشبيه إلى ~~معنى الحرف وهو على ms0256 ، وجوز السيد وجها ثالثا وهو أن يكون هنا استعارة مكنية ~~مفردة بأن شبه الهدى بمركوب وحرف الاستعلاء قرينة على ذلك على طريقة ~~السكاكي في رد التبعية للمكنية . ثم زاد الطيبي والتفتزاني فجعلا في الآية ~~استعارة تبعية مع التمثيلية قائلين إن مجيء كلمة على يعين أن يكون معناها ~~مستعارا لما يماثله وهو التمكن فتكون هنالك تبعية لا محالة . # وقد انتصر سعد الدين التفتزاني لوجه التمثيلية وانتصر السيد الجرجاني ~~لوجه التبعية . واشتد السيد في إنكار كونها تمثيلية ورآه جمعا بين متنافيين ~~لأن انتزاع كل من طرفي التشبيه من أمور متعددة يستلزم تركبه من معان متعددة ~~، كيف ومتعلق معنى الحرف من المعاني المفردة كالاستعلاء هنا ؛ فإذا اعتبر ~~التشبيه هنا مركبا استلزم أن لا يكون معنى على ومتعلق معناها مشبها به ولا ~~مستعارا منه لا تبعا ولا أصالة ، وأطال في ذلك في ( حاشيته للكشاف ) و ( ~~حاشيته على المطول ) كما أطال السعد في ( حاشية الكشاف ) وفي ( المطول ) ، ~~وتراشقا سهام المناظرة الحادة . ونحن ندخل في الحكومة بين هذين العلمين ~~بأنه لا نزاع بين الجميع أن في الآية تشبيه أشياء بأشياء على الجملة حاصلة ~~من ثبوت الهدى للمتقين ومن ثبوت الاستعلاء على المركوب غير أن اختلاف ~~الفريقين هو في تعيين الطريقة الحاصل بها هذا التشبيه فالأكثرون يجعلونها ~~طريقة التمثيلية بأن يكون تشبيه تلك الأشياء حاصلا بالانتزاع والتركيب ~~لهيئة ، والسيد يجعلها طريقة التبعية بأن يكون المشبه والمشبه به هما فردان ~~من تلك الأشياء ويحصل العلم ببقية تلك الأشياء بواسطة تقييد المفردين ~~المشبه والمشبه به ، ويجوز طريقة التمثيل وطريقة المكنية . فينصرف النظر ~~هنا إلى أي الطريقتين أرجح اعتبارا وأوفى في البلاغة مقدارا . # وإلى أن الجمع بين طريقتي التمثيلية والتبعية هل يعد متناقضا في اعتبار ~~القواعد البيانية كما زعمه السيد ؟ تقرر في علم البيان أن أهله أشد حرصا ~~على اعتبار تشبيه الهيئة فلا يعدلون عنه إلى المفرد PageV01P243 مهما ~~استقام اعتباره ولهذا قال الشيخ في ( دلائل الإعجاز ) عند ذكر بيت بشار : # كأن مثار النقع فوق رؤوسنا # وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه # ( قصد ms0257 تشبيه النقع والسيوف فيه بالليل المتهاوية كواكبه ، لا تشبيه النقع ~~بالليل من جانب والسيوف بالكواكب من جانب ، ولذلك وجب الحكم بأن أسيافنا في ~~حكم الصلة للمصدر ( أي مثار ) لئلا يقع في تشبيهه تفرق ، فإن نصب الأسياف ~~على أن الواو بمعنى مع لا على العطف ) . إذا تقرر هذا تبين لديك أن للتشبيه ~~التمثيلي الحظ الأوفى عند أهل البلاغة ووجهه أن من أهم أغراض البلغاء ~~وأولها باب التشبيه وهو أقدم فنونها ، ولا شك أن التمثيل أخص أنواع التشبيه ~~لأنه تشبيه هيئة بهيئة فهو أوقع في النفوس وأجلى للمعاني . # ونحن نجد اعتبار التمثيلية في الآية أرجح لأنها أوضح وأبلغ وأشهر وأسعد ~~بكلام ( الكشاف ) ، أما كونها أوضح فلأن تشبيه التمثيل منزع واضح لا كلفة ~~فيه فيفيد تشبيه مجموع هيئة المتقين في اتصافهم بالهدى بهيئة الراكب إلخ ~~بخلاف طريقة التبعية فإنها لا تفيد إلا تشبيه التمكن بالاستعلاء ثم يستفاد ~~ما عدا ذلك بالتقييد . وأما كونها أبلغ فلأن المقام لما سمح بكلا ~~الاعتبارين باتفاق الفريقين لا جرم كان أولاهما بالاعتبار ما فيه خصوصيات ~~أقوى وأعز . وأما كونها أشهر فلأن التمثيلية متفق عليها بخلاف التبعية . ~~وأما كونه أسعد بكلام ( الكشاف ) فلأن ظاهر قوله : ( مثل ) أنه أراد ~~التمثيل ، لأن كلام مثله من أهل هذه الصناعة لا تخرج فيه اللفظة الاصطلاحية ~~عن متعارف أهلها إلى أصل المعنى اللغوي . # فإذا صح أن التمثيلية أرجح فلننقل الكلام إلى تصحيح الجمع بينها وبين ~~التبعية وهو المجال الثاني للخلاف بين العلامتين فالسعد والطيبي يجوزان ~~اعتبار التبعية مع التمثيلية في الآية والسيد يمنع ذلك كما علمتم ويقول إذا ~~كان التشبيه منتزعا من متعدد فقد انتزع كل جزء في المشبه من جزئي المشبه به ~~وهو معنى التركيب فكيف يعتبر بعض المشبه به مستعارا لبعض المشبه فينتقض ~~التركيب . وهذا الدليل ناظر إلى قول أئمة البلاغة إن أصل مفردات المركب ~~التمثيلي أن تكون مستعملة في معانيها الحقيقية وإنما المجاز في جملة المركب ~~أي في إطلاقه على الهيئة المشبهة ، فكلام السيد وقوف عندها . ولكن ~~التفتزاني لم ير مانعا ms0258 من اعتبار المجاز في بعض مفردات المركب التمثيلي إذا ~~لم يكن فيه تكلف ، ولعله يرى ذلك زيادة في خصوصيات إعجاز هذه الآية ، ومن ~~شأن البليغ أن لا يفيت ما يقتضيه الحال من الخصوصيات ، وبهذا PageV01P244 ~~تفاوتت البلغاء كما تقرر في مبحث تعريف البلاغة وحد الإعجاز هو الطرف ~~الأعلى للبلاغة الجامع لأقصى الخصوصيات كما بيناه في موضعه وهو المختار ~~فلما وجد في الهيئة المشبهة والهيئة المشبه بها شيئان يصلحان لأن يشبه ~~أحدهما بالآخر تشبيها مستقلا غير داخل في تشبيه الهيئة كان حق هذا المقام ~~تشبيه التمكن بالاستعلاء وهو تشبيه بديع وأشير إليه بكلمة على وأما غير ~~هذين من أجزاء الهيأتين فلما لم يحسن تشبيه شيء منها بآخر ألغي التشبيه ~~المفرد فيها إذ لا يحسن تشبيه المتقي بخصوص الراكب ولا الهدى بالمركوب ~~فتكون ( على ) على هذا الوجه بعضا من المجاز المركب دليلا عليه باعتبار ~~ومجازا مفردا باعتبار آخر . # والذي أختاره في هذه الآية أن يكون قوله تعالى : { أولئك على هدى } ~~استعارة تمثيلية مكنية شبهت الحالة بالحالة وحذف لفظ المشبه به وهو المركب ~~الدال على الركوب كأن يقال راكبين مطية الهدى وأبقى ما يدل على المشبه وهو ~~{ أولئك } والهدى ، ورمز للمركب الدال على المشبه به بشيء من لوازمه وهو ~~لفظ ( على ) الدال على الركوب عرفا كما علمتم ، فتكمل لنا في أقسام ~~التمثيلية الأقسام الثلاثة : الاستعارة كما في الاستعارة المفردة فيكون ~~التمثيل منه مجاز مرسل كاستعمال الخبر في التحسر ومنه استعارة مصرحة نحو ~~أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى ومنه مكنية كما في الآية على رأينا ، ومنه تبعية ~~كما في قول الحماسي : # وفارسس في غمار الموت منغمس # إذا تألى على مكروهة صدقا # فإن منغمس تمثيل لهيئة إحاطة أسباب الموت به من كل جانب بهيئة من أحاطت ~~به المياه المهلكة من كل جانب ولفظ منغمس تبعية لا محالة . # وإنما نكر هدى ولم يعرف باللام لمساواة التعريف والتنكير هنا إذ لو عرف ~~لكان التعريف تعريف الجنس فرجح التنكير تمهيدا لوصفه بأنه من عند ربهم ، ~~فهو مغاير للهدى السابق ms0259 في قوله : { هدى للمتقين } مغايرة بالاعتبار إذ ~~القصد التنويه هنا بشأن الهدى وتوسلا إلى إفادة تعظيم الهدى بقرينة مقام ~~المدح وبذكر ما يدل على التمكن فتعين قصد التعظيم . فقوله : { من ربهم } ~~تنويه بهذا الهدى يقتضي تعظيمه وكل ذلك يرجع إلى تعظيم المتصفين بالتمكن ~~منه . # وإنما وصف الهدى بأنه من ربهم للتنويه بذلك الهدى وتشريفه مع الإشارة ~~بأنهم بمحل العناية من الله وكذلك إضافة الرب إليهم هي إضافة تعظيم لشأن ~~المضاف إليه بالقرينة . PageV01P245 # { وأولائك هم المفلحون } . # مرجع الإشارة الثانية عين مرجع الأولى ، ووجه تكرير اسم الإشارة التنبيه ~~على أن كلتا الأثرتين جديرة بالاعتناء والتنويه ، فلا تذكر إحداهما تبعا ~~للأخرى بل تخص بجملة وإشارة خاصة ليكون اشتهارهم بذلك اشتهارا بكلتا ~~الجملتين وأنهم ممن يقال فيه كلا القولين . # ووجه العطف بالواو دون الفصلل أن بين الجملتين توسطا بين كمالي الاتصال ~~والانقطاع لأنك إن نظرت إلى اختلاف مفهومهما وزمن حصولهما فإن مفهوم ~~إحداهما وهو الهدى حاصل في الدنيا ومفهوم الأخرى وهو الفلاح حاصل في الآخرة ~~كانتا منقطعتين . وإن نظرت إلى تسبب مفهوم إحداهما عن مفهوم الأخرى ، وكون ~~كل منهما مقصودا بالوصف كانتا متصلتين ، فكان التعارض بين كمالي الاتصال ~~والانقطاع منزلا إياهما منزلة المتوسطين ، كذا قرر شراح ( الكشاف ) ومعلوم ~~أن حالة التوسط تقتضي العطف كما تقرر في علم المعاني ، وتعليله عندي أنه ~~لما تعارض المقتضيان تعين العطف لأنه الأصل في ذكر الجمل بعضها بعد بعض . # وقوله : { هم المفلحون } الضمير للفصل ، والتعريف في المفلحون للجنس وهو ~~الأظهر إذ لا معهود هنا بحسب ظاهر الحال ، بل المقصود إفادة أن هؤلاء ~~مفلحون ، وتعريف المسند بلام الجنس إذا حمل على مسند إليه معرفف أفاد ~~الاختصاص فيكون ضمير الفصل لمجرد تأكيد النسبة ، أي تأكيدا للاختصاص . فأما ~~إذا كان التعريف للجنس وهو الظاهر فتعريف المسند إليه مع المسند من شأنه ~~إفادة الاختصاص غالبا لكنه هنا مجرد عن إفادة الاختصاص الحقيقي ، ومفيد ~~شيئا من الاهتمام بالخبر ، فلذلك جلب له التعريف دون التنكير وهذا مثله عبد ~~القاهر بقولهم : هو البطل الحامي ، أي إذا ms0260 سمعت بالبطل الحامي وأحطت به ~~خبرا فهو فلان . وإليه أشار في ( الكشاف ) هنا بقوله : ( أو على أنهم الذين ~~إن حصلت صفة المفلحين وتحققوا ما هم وتصوروا بصورتهم الحقيقية فهم هم ) ~~والسكاكي لم يتابع الشيخين على هذا فعدل عنه في ( المفتاح ) ولله دره . ~~PageV01P246 # والفلاح : الفوز وصلاح الحال ، فيكون في أحوال الدنيا وأحوال الآخرة ، ~~والمراد به في اصطلاح الدين الفوز بالنجاة من العذاب في الآخرة . والفعل ~~منه أفلح أي صار ذا فلاح ، وإنما اشتق منه الفعل بواسطة الهمزة الدالة على ~~الصيرورة لأنه لا يقع حدثا قائما بالذات بل هو جنس تحف أفراده بمن قدرت له ~~، قال في ( الكشاف ) : انظر كيف كرر الله عز وجل التنبيه على اختصاص ~~المتقين بنيل ما لا يناله أحد على طرق شتى وهي ذكر اسم الإشارة وتكريره ~~وتعريف المفلحين ، وتوسيط ضمير الفصل بينه وبين { أولئك } ليبصرك مراتبهم ~~ويرغبك في طلب ما طلبوا وينشطك لتقديم ما قدموا . # # | 2 ( 6 ) { إن الذين كفروا سوآء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ~~} . ) 2 # { إن الذين كفروا سوآء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون } . # هذا انتقال من الثناء على الكتاب ومتقلديه ووصفف هديه وأثر ذلك الهدى في ~~الذين اهتدوا به والثناء عليهم الراجع إلى الثناء على الكتاب لما كان ~~الثناء إنما يظهر إذا تحققت آثار الصفة التي استحق بها الثناء ، ولما كان ~~الشيء قد يقدر بضده انتقل إلى الكلام على الذين لا يحصل لهم الاهتداء بهذا ~~الكتاب ، وسجل أن حرمانهم من الاهتداء بهديه إنما كان من خبث أنفسهم إذ ~~نبوا بها عن ذلك ، فما كانوا من الذين يفكرون في عاقبة أمورهم ويحذرون من ~~سوء العواقب فلم يكونوا من المتقين ، وكان سواء عندهم الإنذار وعدمه فلم ~~يتلقوا الإنذار بالتأمل بل كان سواء والعدم عندهم ، وقد قرنت الآيات فريقين ~~فريقا أضمر الكفر وأعلنه وهم من المشركين كما هو غالب اصطلاح القرآن في لفظ ~~{ الذين كفروا } وفريقا أظهر الإيمان وهو مخادع وهم المنافقون المشار إليهم ~~بقوله تعالى : { ومن الناس من يقول آمنا } ( البقرة : 8 ms0261 ) . وإنما قطعت ~~هاته الجملة عن التي قبلها لأن بينهما كمال الانقطاع إذ الجمل السابقة لذكر ~~الهدى والمهتدين ، وهذه لذكر الضالين فبينهما الانقطاع لأجل التضاد ، ويعلم ~~أن هؤلاء قسم مضاد للقسمين المذكورين قبله من سياق المقابلة . وتصدير ~~الجملة بحرف التأكيد إما لمجرد الاهتمام بالخبر وغرابته دون رد الإنكار أو ~~الشك ؛ لأن الخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم وللأمة وهو خطاب أنف بحيث لم ~~يسبق شك في وقوعه ، ومجيء ( إن ) للاهتمام كثير في الكلام وهو في القرآن ~~كثير . وقد تكون ( إن ) هنا لرد الشك تخريجا للكلام على خلاف مقتضى الظاهر ~~؛ لأن حرص النبيء صلى الله عليه وسلم على هداية الكافرين تجعله لا يقطع ~~الرجاء PageV01P247 في نفع الإنذار لهم وحاله كحال من شك في نفع الإنذار ، ~~أو لأن السامعين لما أجرى على الكتاب من الثناء ببلوغه الدرجة القصوى في ~~الهداية يطمعهم أن تؤثر هدايته في الكافرين المعرضين وتجعلهم كالذين يشكون ~~في أن يكون الإنذار وعدمه سواء فأخرج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر ونزل ~~غير الشاك منزلة الشاك . وقد نقل عن المبرد أن ( إن ) لا تأتي لرد الإنكار ~~بل لرد الشك . # وقد تبين أن ( الذين كفروا ) المذكورين هنا هم فريق من المشركين الذين هم ~~مأيوس من إيمانهم ، فالإتيان في ذكرهم بالتعريف بالموصول إما أن يكون ~~لتعريف العهد مرادا منه قوم معهودون كأبي جهل والوليد بن المغيرة وأضرابهم ~~من رؤوس الشرك وزعماء العناد دون من كان مشركا في أيام نزول هذه الآية ثم ~~من آمن بعد مثل أبي سفيان بن حرب وغيره من مسلمة الفتح وإما أن يكون ~~الموصول لتعريف الجنس المفيد للاستغراق على أن المراد من الكفر أبلغ أنواعه ~~بقرينة قوله : { لا يؤمنون } فيكون عاما مخصوصا بالحس لمشاهدة من آمن منهم ~~أو يكون عاما مرادا به الخصوص بالقرينة وهذان الوجهان هما اللذان اقتصر ~~عليهما المحققون من المفسرين وهما ناظران إلى أن الله أخبر عن هؤلاء بأنهم ~~لا يؤمنون فتعين أن يكونوا ممن تبين بعد أنه مات على الكفر . # ومن المفسرين من تأول قوله تعالى ms0262 : { الذين كفروا } على معنى الذين قضى ~~عليهم بالكفر والشقاء ونظره بقوله تعالى : { إن الذين حقت عليهم كلمات ربك ~~لا يؤمنون } ( يونس : 96 ) وهو تأويل بعيد من اللفظ وشتان بينه وبين تنظيره ~~. ومن المفسرين من حمل { الذين كفروا } على رؤساء اليهود مثل حيي بن أخطب ~~وأبي رافع يعني بناء على أن السورة نزلت في المدينة وليس فيها من الكافرين ~~سوى اليهود والمنافقين وهذا بعيد من عادة القرآن وإعراض عن السياق المقصود ~~منه ذكر من حرم من هدي القرآن في مقابلة من حصل لهم الاهتداء به ، وأيا ما ~~ما كان فالمعنى عند الجميع أن فريقا خاصا من الكفار لا يرجى إيمانهم وهم ~~الذين ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وروى ذلك عن ابن عباس والمقصود من ~~ذلك أن عدم اهتدائهم بالقرآن كان لعدم قابليتهم لا لنقص في دلالة القرآن ~~على الخير وهديه إليه . # والكفر بالضم : إخفاء النعمة ، وبالفتح : الستر مطلقا وهو مشتق من كفر ~~إذا ستر . ولما كان إنكار الخالق أو إنكار كماله أو إنكار ما جاءت به رسله ~~ضربا من كفران نعمته على PageV01P248 جاحدها ، أطلق عليه اسم الكفر وغلب ~~استعماله في هذا المعنى . وهو في الشرع إنكار ما دلت عليه الأدلة القاطعة ~~وتناقلته جميع الشرائع الصحيحة الماضية حتى علمه البشر وتوجهت عقولهم إلى ~~البحث عنه ونصبت عليه الأدلة كوحدانية الله تعالى ووجوده ولذلك عد أهل ~~الشرك فيما بين الفترة كفارا . وإنكار ما علم بالضرورة مجيء النبيء صلى ~~الله عليه وسلم به ودعوته إليه وعده في أصول الإسلام أو المكابرة في ~~الاعتراف بذلك ولو مع اعتقاد صدقه ولذلك عبر بالإنكار دون التكذيب . ويلحق ~~بالكفر في إجراء أحكام الكفر عليه كل قول أو فعل لا يجترىء عليه مؤمن مصدق ~~بحيث يدل على قلة اكتراث فاعله بالإيمان وعلى إضماره الطعن في الدين وتوسله ~~بذلك إلى نقض أصوله وإهانته بوجه لا يقبل التأويل الظاهر وفي هذا النوع ~~الأخير مجال لاجتهاد الفقهاء وفتاوى أساطين العلماء إثباتا ونفيا بحسب مبلغ ~~دلالة القول والفعل على طعن أو شك ms0263 . ومن اعتبر الأعمال أو بعضها المعين في ~~الإيمان اعتبر فقدها أو فقد بعضها المعين في الكفر . # قال القاضي أبو بكر الباقلاني : القول عندي أن الكفر بالله هو الجهل ~~بوجوده والإيمان بالله هو العلم بوجوده فالكفر لا يكون إلا بأحد ثلاثة أمور ~~أحدها الجهل بالله تعالى ، الثاني أن يأتي بفعل أو قول أخبر الله ورسوله أو ~~أجمع المؤمنون على أنه لا يكون إلا من كافر كالسجود للصنم ، الثالث أن يكون ~~له قول أو فعل لا يمكن معه العلم بالله تعالى . # ونقل ابن راشد في ( الفائق ) عن الأشعري رحمه الله أن الكفر خصلة واحدة . ~~قال القرافي في الفرق 241 أصل الكفر هو انتهاك خاص لحرمة الربوبية ويكون ~~بالجهل بالله وبصفاته أو بالجرأة عليه وهذا النوع هو المجال الصعب لأن جميع ~~المعاصي جرأة على الله . # وقوله : { سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم } خبر { إن الذين كفروا } و ~~( سواء ) اسم بمعنى الاستواء فهو اسم مصدر دل على ذلك لزوم إفراده وتذكيره ~~مع اختلاف موصوفاته ومخبراته فإذا أخبر به أو وصف كان ذلك كالمصدر في أن ~~المراد به معنى اسم الفاعل لقصد المبالغة . وقد قيل إن ( سواء ) اسم بمعنى ~~المثل فيكون التزام إفراده وتذكيره لأن المثلية لا تتعدد ، وإن تعدد ~~موصوفها تقول هم رجال سواء لزيد بمعنى مثل لزيد . # وإنما عدي سواء بعلى هنا وفي غير موضعع ولم يعلق بعند ونحوها مع أنه ~~المقصود من الاستعلاء في مثله ، للإشارة إلى تمكن الاستواء عند المتكلم ~~وأنه لا مصرف له عنه ولا تردد له فيه فالمعنى سواء عندهم الإنذار وعدمه . ~~PageV01P249 # واعلم أن للعرب في سواء استعمالين : أحدهما أن يأتوا بسواء على أصل وضعه ~~من الدلالة على معنى التساوي في وصف بين متعدد فيقع معه ( سواء ) ما يدل ~~على متعدد نحو ضمير الجمع في قوله تعالى : { فهم فيه سواء } ( النحل : 71 ) ~~ونحو العطف في قول بثينة : # سواء علينا يا جميل بن معمر # إذا مت بأساء الحياة ولينها # ويجري إعرابه على ما يقتضيه موقعه من التركيب ، وثانيهما أن يقع ms0264 مع همزة ~~التسوية وما هي إلا همزة استفهام كثر وقوعها بعد كلمة { سواء } ومعها { أم ~~} العاطفة التي تسمى المتصلة كقوله تعالى ) { سواء علينا أجزعنا أم صبرنا } ~~وهذا أكثر استعماليها وتردد النحاة في إعرابه وأظهر ما قالوه وأسلمه أن { ~~سواء } خبر مقدم وأن الفعل الواقع بعده مقترنا بالهمزة في تأويل مبتدأ لأنه ~~صار بمنزلة المصدر إذ تجرد عن النسبة وعن الزمان ، فالتقدير في الآية سواء ~~عليهم إنذارك وعدمه . # وأظهر عندي مما قالوه أن المبتدأ بعد { سواء } مقدر يدل عليه الاستفهام ~~الواقع معه وأن التقدير سواء جواب { أأنذرتهم أم لم تنذرهم } وهذا يجري على ~~نحو قول القائل علمت أزيد قائم إذ تقديره علمت جواب هذا السؤال ، ولك أن ~~تجعل { سواء مبتدأ رافعا لفاعل سد مسد الخبر لأن سواء } في معنى مستو فهو ~~في قوة اسم الفاعل فيرفع فاعلا سادا مسد خبر المبتدأ وجواب مثل هذا ~~الاستفهام لما كان واحدا من أمرين كان الإخبار باستوائهما عند المخبر مشيرا ~~إلى أمرين متساويين ولأجل كون الأصل في خبره الإفراد كان الفعل بعد ( سواء ~~) مؤولا لا بمصدر ووجه الأبلغية فيه أن هذين الأمرين لخفاء الاستواء بينهما ~~حتى ليسأل السائلون أفعل فلان كذا وكذا فيقال إن الأمرين سواء في عدم ~~الاكتراث بهما وعدم تطلب الجواب على الاستفهام من أحدهما فيكون قوله تعالى ~~: { سواء عليهم أأنذرتهم } مشيرا إلى أن الناس لتعجبهم في دوام الكفار على ~~كفرهم مع ما جاءهم من الآيات بحيث يسأل السائلون أأنذرهم النبي أم لم ~~ينذرهم متيقنين أنه لو أنذرهم لما ترددوا في الإيمان فقيل إنهم سواء عليهم ~~جواب تساؤل الناس عن إحدى الأمرين ، وبهذا انتفى جميع التكلفات التي فرضها ~~النحاة هنا ونبرأ مما ورد عليها من الأبحاث ككون الهمزة خارجة عن معنى ~~الاستفهام ، وكيف يصح عمل ما بعد الاستفهام فيما قبله إذا أعرب ( سواء ) ~~خبرا والفعل بعد الهمزة مبتدأ مجردا عن الزمان ، وككون الفعل مرادا منه ~~مجرد الحدث ، وكدعوى كون الهمزة في التسوية مجازا بعلاقة PageV01P250 ~~اللزوم ، وكون أم بمعنى الواو ليكون الكلام لشيئين لا ms0265 لأحد شيئين ونحو ذلك ~~، ولا نحتاج إلى تكلف الجواب عن الإيراد الذي أورد على جعل الهمزة بمعنى ~~سواء إذ يؤول إلى معنى استوى الإنذار وعدمه عندهم سواء فيكون تكرارا خاليا ~~من الفائدة فيجاب بما نقل عن صاحب ( الكشاف ) أنه قال معناه أن الإنذار ~~وعدمه المستويين في علم المخاطب هما مستويان في عدم النفع ، فاختلفت جهة ~~المساواة كما نقله التفتزاني في ( شرح الكشاف ) . # ويتعين إعراب ( سواء ) في مثله مبتدأ والخبر محذوف دل عليه الاستفهام ~~تقديره جواب هذا الاستفهام فسواء في الآية مبتدأ ثان والجملة خبر { الذين ~~كفروا } . ودع عنك كل ما خاض فيه الكاتبون على ( الكشاف ) ، وحرف ( على ) ~~الذي يلازم كلمة { سواء } غالبا هو للاستعلاء المجازي المراد به التمكن أي ~~إن هذا الاستواء متمكن منهم لا يزول عن نفوسهم ولذلك قد يجيء بعض الظروف في ~~موضع على مع كلمة سواء مثل عند ، ولدي ، قال أبو الشغب العبسي : # لا تعذلي في جندجج إن جندجا # وليث كفرينن لدى سواء # وسيأتي تحقيق لنظير هذا التركيب عند قوله تعالى في سورة الأعراف ( 193 ) ~~: { سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون } ، وقرأ ابن كثير : { أأنذرتهم } ~~بهمزتين أولهما محققة والثانية مسهلة . وقرأ قالون عن نافع وورش عنه في ~~رواية البغداديين وأبو عمرو وأبو جعفر كذلك مع إدخال ألف بين الهمزتين ، ~~وكلتا القراءتين لغة حجازية . وقرأه حمزة وعاصم والكسائي بتحقيق الهمزتين ~~وهي لغة تميم . وروى أهل مصر عن ورش إبدال الهمزة الثانية ألفا . قال ~~الزمخشري : وهو لحن ، وهذا يضعف رواية المصريين عن ورش ، وهذا اختلاف في ~~كيفية الأداء فلاينافي التواتر . # { لا يؤمنون } . # الأظهر أن هاته الجملة مسوقة لتقرير معنى الجملة التي قبلها وهي { سواء ~~عليهم أأنذرتهم } الخ فلك أن تجعلها خبرا ثانيا عن ( إن ) واستفادة التأكيد ~~من السياق ولك أن PageV01P251 تجعلها تأكيدا وعلى الوجهين فقد فصلت إما ~~جوازا على الأول وإما وجوبا على الثاني ، وقد فرضوا في إعرابها وجوها أخر ~~لا نكثر بها لضعفها ، وقد جوز في ( الكشاف ) جعل جملة { سواء عليهم ~~أأنذرتهم أم لم تنذرهم } اعتراضا لجملة { لا ms0266 يؤمنون } وهو مرجوح لم يرتضه ~~السعد والسيد ، إذ ليس محل الإخبار هو { لا يؤمنون } إنما المهم أن يخبر ~~عنهم باستواء الإنذار وعدمه عندهم ، فإن في ذلك نداء على مكابرتهم وغباوتهم ~~، وعذرا للنبيء صلى الله عليه وسلم في الحرص على إيمانهم ، وتسجيلا بأن من ~~لم يفتح سمعه وقلبه لتلقي الحق والرشاد لا ينفع فيه حرص ولا ارتياد ، وهذا ~~وإن كان يحصل على تقديره جعل { لا يؤمنون } خبرا إلا أن المقصود من الكلام ~~هو الأولى بالإخبار ، ولأنه يصير الخبر غير معتبر إذ يصير بمثابة أن يقال ~~إن الذين كفروا لا يؤمنون ، فقد علم أنهم كفروا فعدم إيمانهم حاصل ، وإن ~~كان المراد من { لا يؤمنون } استمرار الكفر في المستقبل إلا أنه خبر غريب ~~بخلاف ما إذا جعل تفسيرا للخبر . # وقد احتج بهاته الآية الذين قالوا بوقوع التكليف بما لا يطاق احتجاجا على ~~الجملة إذ مسألة التكليف بما لا يطاق بقيت زمانا غير محررة ، وكان كل من ~~لاح له فيها دليل استدل به ، وكان التعبير عنها بعبارات فمنهم من يعنونها ~~التكليف بالمحال ، ومنهم من يعبر بالتكليف بما ليس بمقدور ، ومنهم من يعبر ~~بالتكليف بما لا يطاق ، ثم إنهم ينظرون مرة للاستحالة الذاتية العقلية ، ~~ومرة للذاتية العادية ، ومرة للعرضية ، ومرة للمشقة القوية المحرجة للمكلف ~~فيخلطونها بما لا يطاق ولقد أفصح أبو حامد الإسفراييني وأبو حامد الغزالي ~~وأضرابهما عما يرفع القناع عن وجه المسألة فصارت لا تحير أفهاما وانقلب ~~قتادها ثماما ، وذلك أن المحال منه محال لذاته عقلا كجمع النقيضين ومنه ~~محال عادة كصعود السماء ومنه ما فيه حرج وإعنات كذبح المرء ولده ووقوف ~~الواحد لعشرة من أقرانه ، ومنه محال عرضت له الاستحالة بالنظر إلى شيء آخر ~~كإيمان من علم الله عدم إيمانه وحج من علم الله أنه لا يحج ، وكل هاته أطلق ~~عليها ما لا يطاق كما في قوله تعالى : { ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به } إذ ~~المراد ما يشق مشقة عظيمة ، وأطلق عليها المحال حقيقة ومطابقة في بعضها ~~والتزاما في البعض ، ومجازا في ms0267 البعض ، وأطلق عليها عدم المقدور كذلك ، كما ~~أطلق الجواز على الإمكان ، وعلى الإمكان للحكمة ، وعلى الوقوع ، فنشأ من ~~تفاوت هاته الأقسام PageV01P252 واختلاف هاته الإطلاقات مقالات ملأت الفضاء ~~، وكانت للمخالفين كحجر المضاء ، فلما قيض الله أعلاما نفوا ما شاكها ، ~~وفتحوا أغلاقها ، تبين أن الجواز الإمكاني في الجميع ثابت لأن الله تعالى ~~يفعل ما يشاء لو شاء ، لا يخالف في ذلك مسلم . وثبت أن الجواز الملائم ~~للحكمة منتف عندنا وعند المعتزلة وإن اختلفنا في تفسير الحكمة لاتفاق الكل ~~على أن فائدة التكليف تنعدم إذا كان المكلف به متعذر الوقوع . وثبت أن ~~الممتنع لتعلق العلم بعدم وقوعه مكلف به جوازا ووقوعا ، وجل التكاليف لا ~~تخلو من ذلك ، وثبت ما هو أخص وهو رفع الحرج الخارجي عن الحد المتعارفف ، ~~تفضلا من الله لقوله : { وما جعل عليكم في الدين من حرج } ( الحج 78 ) ~~وقوله : { علم أن لن تحصوه فتاب عليكم } ( المزمل : 20 ) أي لا تطيقونه كما ~~أشار إليه ابن العربي في ( الأحكام ) . # هذا ملاك هاته المسألة على وجه يلتئم به متناثرها ، ويستأنس متنافرها . ~~وبقي أن نبين لكم وجه تعلق التكليف بمن علم الله عدم امتثاله أو بمن أخبر ~~الله تعالى بأنه لا يمتثل كما في هاته الآية ، وهي أخص من مسألة العلم بعدم ~~الوقوع إذ قد انضم الإخبار إلى العلم كما هو وجه استدلال المستدل بها ، ~~فالجواب أن من علم الله عدم فعله لم يكلفه بخصوصه ولا وجه له دعوة تخصه إذ ~~لم يثبت أن النبيء صلى الله عليه وسلم خص أفرادا بالدعوة إلا وقد آمنوا كما ~~خص عمر بن الخطاب حين جاءه ، بقوله : ( أما آن لك يا ابن الخطاب أن تقول لا ~~إلاه إلا الله ) وقوله لأبي سفيان يوم الفتح قريبا من تلكم المقالة ، وخص ~~عمه أبا طالب بمثلها ، ولم تكن يومئذ قد نزلت هذه الآية ، فلما كانت الدعوة ~~عامة وهم شملهم العموم بطل الاستدلال بالآية وبالدليل العقلي ، فلم يبق إلا ~~أن يقال لماذا لم يخصص من علم عدم امتثاله من عموم الدعوة ، ودفع ms0268 ذلك أن ~~تخصيص هؤلاء يطيل الشريعة ويجرىء غيرهم ويضعف إقامة الحجة عليهم ، ويوهم ~~عدم عموم الرسالة ، على أن الله تعالى قد اقتضت حكمته الفصل بين ما في قدره ~~وعلمه ، وبين ما يقتضيه التشريع والتكليف ، وسر الحكمة في ذلك بيناه في ~~مواضع يطول الكلام بجلبها ويخرج من غرض التفسير ، وأحسب أن تفطنكم إلى ~~مجمله ليس بعسير . # PageV01P253 # | 2 ( 7 ) { ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم ~~عذاب عظيم } . ) 2 # { ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم } . # هذه الجملة جارية مجرى التعليل للحكم السابق في قوله تعالى : { سواء ~~عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون } ( البقرة : 6 ) وبيان لسببه في ~~الواقع ليدفع بذلك تعجب المتعجبين من استواء الإنذار وعدمه عندهم ومن عدم ~~نفوذ الإيمان إلى نفوسهم مع وضوح دلائله ، فإذا علم أن على قلوبهم ختما ~~وعلى أسماعهم وأن على أبصارهم غشاوة علم سبب ذلك كله وبطل العجب ، فالجملة ~~استئناف بياني يفيد جواب سائل يسأل عن سبب كونهم لا يؤمنون ، وموقع هذه ~~الجملة في نظم الكلام مقابل موقع جملة { أولئك على هدى من ربهم } ( البقرة ~~: 5 ) فلهذه الجملة مكانة بين ذم أصحابها بمقدار ما لتلك من المكانة في ~~الثناء على أربابها . # والختم حقيقته السد على الإناء والغلق على الكتاب بطين ونحوه مع وضع ~~علامة مرسومة في خاتم ليمنع ذلك من فتح المختوم ، فإذا فتح علم صاحبه أنه ~~فتح لفساد يظهر في أثر النقش وقد اتخذ النبيء صلى الله عليه وسلم خاتما ~~لذلك ، وقد كانت العرب تختم على قوارير الخمر ليصلحها انحباس الهواء عنها ~~وتسلم من الأقذار في مدة تعتيقها . وأما تسمية البلوغ لآخر الشيء ختما فلأن ~~ذلك الموضع أو ذلك الوقت هو ظرف وضع الختم فيسمى به مجازا . والخاتم بفتح ~~التاء الطين الموضوع على المكان المختوم ، وأطلق على القالب المنقوش فيه ~~علامة أو كتابة يطبع بها على الطين الذي يختم به . وكان نقش خاتم النبيء ~~صلى الله عليه وسلم محمد رسول الله . وطين الختم طين خاص ms0269 يشبه الجبس يبل ~~بماء ونحوه ويشد على الموضع المختوم فإذا جف كان قوي الشد لا يقلع بسهولة ~~وهو يكون قطعا صغيرة كل قطعة بمقدار مضغة وكانوا يجعلونه خواتيم في رقاب ~~أهل الذمة قال بشار : # ختم الحب لها في عنقي # موضع الخاتم من أهل الذمم # والغشاوة فعالة من غشاه وتغشاه إذا حجبه ومما يصاغ له وزن فعالة بكسر ~~الفاء معنى الاشتمال على شيء مثل العمامة والعلاوة واللفافة . وقد قيل إن ~~صوغ هذه الزنة للصناعات كالخياطة لما فيها من معنى الاشتمال المجازي ومعنى ~~الغشاوة الغطاء . # وليس الختم على القلوب والأسماع ولا الغشاوة على الأبصار هنا حقيقة كما ~~توهمه بعض المفسرين فيما نقله ابن عطية بل ذلك جار على طريقة المجاز بأن ~~جعل قلوبهم أي عقولهم في عدم نفوذ الإيمان والحق PageV01P254 والإرشاد ~~إليها ، وجعل أسماعهم في استكاكها عن سماع الآيات والنذر ، وجعل أعينهم في ~~عدم الانتفاع بما ترى من المعجزات والدلائل الكونية ، كأنها مختوم عليها ~~ومغشى دونها إما على طريقة الاستعارة بتشبيه عدم حصول النفع المقصود منها ~~بالختم والغشاوة ثم إطلاق لفظ ختم على وجه التبعية ولفظ الغشاوة على وجه ~~الأصلية وكلتاهما استعارة تحقيقية إلا أن المشبه محقق عقلا لا حسا . ولك أن ~~تجعل الختم والغشاوة تمثيلا بتشبيه هيئة وهمية متخيلة في قلوبهم أي إدراكهم ~~من التصميم على الكفر وإمساكهم عن التأمل في الأدلة كما تقدم بهيئة الختم ، ~~وتشبيه هيئة متخيلة في أبصارهم من عدم التأمل في الوحدانية وصدق الرسول ~~بهيئة الغشاوة وكل ذينك من تشبيه المعقول بالمحسوس ، ولك أن تجعل الختم ~~والغشاوة مجازا مرسلا بعلاقة اللزوم والمراد اتصافهم بلازم ذلك وهو أن لا ~~تعقل ولا تحس ، والختم في اصطلاح الشرع استمرار الضلالة في نفس الضال أو ~~خلق الضلالة ، ومثله الطبع ، والأكنة . # والظاهر أن قوله : { وعلى سمعهم } معطوف على قوله : { قلوبهم } فتكون ~~الأسماع مختوما عليها وليس هو خبرا مقدما لقوله { غشاوة } فيكون : { وعلى ~~أبصارهم } معطوفا عليه لأن الغشاوة تناسب الأبصار لا الأسماع ولأن الختم ~~يناسب الأسماع كما يناسب القلوب إذ كلاهما يشبه بالوعاء ms0270 ويتخيل فيه معنى ~~الغلق والسد ، فإن العرب تقول : استك سمعه ووقر سمعه وجعلوا أصابعهم في ~~آذانهم . # والمراد من القلوب هنا الألباب والعقول ، والعرب تطلق القلب على اللحمة ~~الصنوبرية ، وتطلقه على الإدراك والعقل ، ولا يكادون يطلقونه على غير ذلك ~~بالنسبة للإنسان وذلك غالب كلامهم على الحيوان ، وهو المراد هنا ، ومقره ~~الدماغ لا محالة ولكن القلب هو الذي يمده بالقوة التي بها عمل الإدراك . # وإنما أفرد السمع ولم يجمع كما جمع ( قلوبهم ) و ( أبصارهم ) إما لأنه ~~أريد منه المصدر الدال على الجنس ، إذ لا يطلق على الآذان سمع ألا ترى أنه ~~جمع لما ذكر الآذان في قوله : { يجعلون أصابعهم في أذانهم } ( البقرة : 19 ~~) وقوله : { وفي آذاننا وقر } ( فصلت : 5 ) فلما عبر بالسمع أفرد لأنه مصدر ~~بخلاف القلوب والأبصار فإن القلوب متعددة والأبصار جمع بصر الذي هو اسم لا ~~مصدر ، وإما لتقدير محذوف أي وعلى حواس سمعهم أو PageV01P255 جوارح سمعهم . ~~وقد تكون في إفراد السمع لطيفة روعيت من جملة بلاغة القرآن هي أن القلوب ~~كانت متفاوتة واشتغالها بالتفكر في أمر الإيمان والدين مختلف باختلاف وضوح ~~الأدلة ، وبالكثرة والقلة وتتلقى أنواعا كثيرة من الآيات فلكل عقل حظه من ~~الإدراك ، وكانت الأبصار أيضا متفاوتة التعلق بالمرئيات التي فيها دلائل ~~الوحدانية في الآفاق ، وفي الأنفس التي فيها دلالة ، فلكل بصر حظه من ~~الالتفات إلى الآيات المعجزات والعبر والمواعظ ، فلما اختلفت أنواع ما ~~تتعلقان به جمعت . وأما الأسماع فإنما كانت تتعلق بسماع ما يلقى إليها من ~~القرآن فالجماعات إذا سمعوا القرآن سمعوه سماعا متساويا وإنما يتفاوتون في ~~تدبره والتدبر من عمل العقول فلما اتحد تعلقها بالمسموعات جعلت سمعا واحدا ~~. # وإطلاق أسماء الجوارح والأعضاء إذا أريد به المجاز عن أعمالها ومصادرها ~~جاز في إجرائه على غير المفرد إفراده وجمعه وقد اجتمعا هنا فأما الإطلاق ~~حقيقة فلم يصح ، قال الجاحظ في ( البيان ) : قال بعضهم لغلام له اشتر لي ~~رأس كبشين فقيل له ذلك لا يكون ، فقال : إذا فرأسي كبش فزاد كلامه إحالة ) ~~وفي ( الكشاف ) أنهم يقولون ذلك إذا أمن ms0271 اللبس كقول الشاعر : # كلوا في بعضض بطنكم تعفوا # فإن زمانكم زمن خميص # وهو نظير ما قاله سيبويه في باب ما لفظ به مما هو مثنى كما لفظ بالجمع من ~~نحو قوله تعالى : { فقد ضغت قلوبكما } ( التحريم : 4 ) ويقولون ضع رحالهما ~~وإنما هما اثنان وهو خلاف كلام الجاحظ وقد يكون ما عده الجاحظ على القائل ~~خطأ لأن مثل ذلك القائل لا يقصد المعاني الثانية فحمل كلامه على الخطأ ~~لجهله بالعربية ولم يحمل على قصد لطيفة بلاغية بخلاف ما في البيت فضلا عن ~~الآية كقول علي رضي الله عنه لمن سأله حين مرت جنازة : من المتوفى ( بصيغة ~~اسم الفاعل ) فقال له علي : ( الله ) لأنه علم أنه أخطأ أراد أن يقول ~~المتوفي وإلا فإنه يصح أن يقال توفى فلان بالبناء للفاعل فهو متوف أي ~~استوفى أجله ، وقد قرأ علي نفسه قوله تعالى : { والذين يتوفون منكم } بصيغة ~~المبني للفاعل . # وبعد كون الختم مجازا في عدم نفوذ الحق لعقولهم وأسماعهم وكون ذلك مسببا ~~لا محالة عن إعراضهم ومكابرتهم أسند ذلك الوصف إلى الله تعالى لأنه المقدر ~~له على طريقة إسناد PageV01P256 نظائر مثل هذا الوصف في غير ما آية من ~~القرآن نحو قوله : { أولئك الذين طبع الله على قلوبهم } ( النحل : 108 ) ~~وقوله : { ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا } ( الكهف : 28 ) ونظائر ذلك ~~كثيرة في القرآن كثرة تنبو عن التأويل ومحملها عندنا على التحقيق أنها ~~واردة على اعتبار أن كل واقع هو بقدر الله تعالى وأن الله هدى ووفق بعضا ، ~~وأضل وخذل بعضا في التقدير والتكوين ، فلا ينافي ذلك ورود الآية ونظائرها ~~في معنى النعي على الموصوفين بذلك والتشنيع بحالهم لأن ذلك باعتبار ما لهم ~~من الميل والاكتساب ، وبالتحقيق القدرة على الفعل والترك التي هي دون الخلق ~~، فالله تعالى قدر الشرور وأوجد في الناس القدرة على فعلها ولكنه نهاهم ~~عنها لأنه أوجد في الناس القدرة على تركها أيضا ، فلا تعارض بين القدر ~~والتكليف إذ كل راجع إلى جهة خلاف ما توهمته القدرية فنفوا القدر وهو ~~التقدير ms0272 والعلم وخلاف ما توهمته المعتزلة من عدم تعلق قدرة الله تعالى ~~بأفعال المكلفين ولا هي مخلوقة له وإنما المخلوق له ذواتهم وآلات أفعالهم ، ~~ليتوسلوا بذلك إلى إنكار صحة إسناد مثل هاته الأفعال إلى الله تعالى تنزيها ~~له عن إيجاد الفساد ، وتأويلل ما ورد من ذلك : على أن ذلك لم يغن عنهم شيئا ~~لأنهم قائلون بعلمه تعالى بأنهم سيفعلون وهو قادر على سلب القدر منهم ~~فبتركه إياهم على تلك القدرة إمهال لهم على فعل القبيح وهو قبيح ، فالتحقيق ~~ما ذهب إليه الأشاعرة وغيرهم من أهل السنة أن الله هو مقدر أفعال العباد ~~إلا أن فعلها هو من العبد لا من الله وهو الذي أفصح عنه إمام الحرمين ~~وأضرابه من المحققين . ولا يرد علينا أنه كيف أقدرهم على فعل المعاصي ؟ ~~لأنه يرد على المعتزلة أيضا أنه كيف علم بعد أن أقدرهم بأنهم شارعون في ~~المعاصي ولم يسلب عنهم القدرة ؟ فكان مذهب الأشاعرة أسعد بالتحقيق وأجرى ~~على طريق الجمع بين ما طفح به الكتاب والسنة من الأدلة . ولنا فيه تحقيق ~~أعلى من هذا بسطناه في ( رسالة القدرة والتقدر ) التي لما تظهر . # وإسناد الختم المستعمل مجازا إلى الله تعالى للدلالة على تمكن معنى الختم ~~من قلوبهم وأن لا يرجى زواله كما يقال خلقة في فلان ، والوصف الذي أودعه ~~الله في فلان أوأعطاه فلانا ، وفرق بين هذا الإسناد وبين الإسناد في المجاز ~~العقلي لأن هذا أريد منه لازم المعنى والمجاز العقلي إنما أسند فيه فعل ~~لغير فاعله لملابسة ، والغالب صحة فرض الاعتبارين فيما صلح لأحدهما وإنما ~~يرتكب ما يكون أصلح بالمقام . PageV01P257 # وجملة : { وعلى سمعهم } معطوفة على قوله : { وعلى قلوبهم } بإعادة الجار ~~لزيادة التأكيد حتى يكون المعطوف مقصودا لأن على مؤذنة بالمتعلق فكأن { ختم ~~} كرر مرتين . وفيه ملاحظة كون الأسماع مقصودة بالختم إذ ليس العطف ~~كالتصريح بالعامل . وليس قوله { وعلى سمعهم } خبرا مقدما لغشاوة لأن ~~الأسماع لا تناسبها الغشاوة وإنما يناسبها السد ألا ترى إلى قوله تعالى : { ~~وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة } ( الجاثية ms0273 : 23 ) ولأن تقديم ~~قوله : { وعلى أبصارهم } دليل على أنه هو الخبر لأن التقديم لتصحيح ~~الابتداء بالنكرة فلو كان قوله : { وعلى سمعهم } هو الخبر لاستغنى بتقديم ~~أحدهما وأبقى الآخر على الأصل من التأخير فقيل وعلى سمعهم غشاوة وعلى ~~أبصارهم . # وفي تقديم السمع على البصر في مواقعه من القرآن دليل على أنه أفضل فائدة ~~لصاحبه من البصر فإن التقديم مؤذن بأهمية المقدم وذلك لأن السمع آلة لتلقي ~~المعارف التي بها كمال العقل ، وهو وسيلة بلوغ دعوة الأنبياء إلى أفهام ~~الأمم على وجه أكمل من بلوغها بواسطة البصر لو فقد السمع ، ولأن السمع ترد ~~إليه الأصوات المسموعة من الجهات الست بدون توجه ، بخلاف البصر فإنه يحتاج ~~إلى التوجه بالالتفات إلى الجهات غير المقابلة . # { ولهم عذاب عظيم } . # العذاب : الألم ، وقد قيل إن أصله الإعذاب مصدر أعذب إذا أزال العذوبة ~~لأن العذاب يزيل حلاوة العيش فصيغ منه اسم مصدر بحذف الهمزة ، أو هو اسم ~~موضع للألم بدون ملاحظة اشتقاق من العذوبة إذ ليس يلزم مصير الكلمة إلى ~~نظيرتها في الحروف . ووصف العذاب بالعظيم دليل على أن تنكير عذاب للنوعية ~~وذلك اهتمام بالتنصيص على عظمه لأن التنكير وإن كان صالحا للدلالة على ~~التعظيم إلا أنه ليس بنص فيه ولا يجوز أن يكون { عظيم } تأكيدا لما يفيده ~~التنكير من التعظيم كما ظنه صاحب ( المفتاح ) لأن دلالة التنكير على ~~التعظيم غير وضعية ، والمدلولات غير الوضعية يستغني عنها إذا ورد ما يدل ~~عليها وضعا فلا يعد تأكيدا . والعذاب في الآية ، إما عذاب النار في الآخر ، ~~وإما عذاب القتل والمسغبة في الدنيا . # PageV01P258 # | 2 ( 8 ) { ومن الناس من يقول ءامنا بالله وباليوم الأخر وما هم بمؤمنين ~~} . ) 2 # هذا فريق آخر وهو فريق له ظاهر الإيمان وباطنه الكفر وهو لا يعدو أن يكون ~~مبطنا الشرك أو مبطنا التمسك باليهودية ويجمعه كله إظهار الإيمان كذبا ، ~~فالواو لعطف طائفة من الجمل على طائفة مسوقق كل منهما لغرض جمعتهما في ~~الذكر المناسبة بين الغرضين فلا يتطلب في مثله إلا المناسبة بين الغرضين لا ~~المناسبة بين ms0274 كل جملة وأخرى من كلا الغرضين على ما حققه التفتزاني في { شرح ~~الكشاف } ، وقال السيد إنه أصل عظيم في باب العطف لم ينتبه له كثيرون فأشكل ~~عليهم الأمر في مواضع شتى وأصله مأخوذ من قول ( الكشاف ) : ( وقصة ~~المنافقين عن آخرها معطوفة على قصة { الذين كفروا } ( البقرة : 6 ) كما ~~تعطف الجملة على الجملة ) فأفاد بالتشبيه أن ذلك ليس من عطف الجملة على ~~الجملة . قال المحقق عبد الحكيم : وهذا ما أهمله السكاكي أي في أحوال الفصل ~~والوصل وتفرد به صاحب ( الكشاف ) . # واعلم أن الآيات السابقة لما انتقل فيها من الثناء على القرآن بذكر ~~المهتدين به بنوعيهم الذين يؤمنون بالغيب والذين يؤمنون بما أنزل إليك إلى ~~آخر ما تقدم ، وانتقل من الثناء عليهم إلى ذكر أضدادهم وهم الكافرون الذين ~~أريد بهم الكافرون صراحة وهم المشركون ، كان السامع قد ظن أن الذين أظهروا ~~الإيمان داخلون في قوله { الذين يؤمنون بالغيب } ( البقرة : 3 ) فلم يكن ~~السامع سائلا عن قسم آخر وهم الذين أظهروا الإيمان وأبطنوا الشرك أو غيره ~~وهم المنافقون الذين هم المراد هنا بدليل قوله : { وإذا لقوا الذين آمنوا ~~قالوا آمنا } ( البقرة : 14 ) الخ ، لأنه لغرابته وندرة وصفه بحيث لا يخطر ~~بالبال وجوده ناسب أن يذكر أمره للسامعين ، ولذلك جاء بهذه الجملة معطوفة ~~بالواو إذ ليست الجملة المتقدمة مقتضية لها ولا مثيرة لمدلولها في نفوس ~~السامعين ، بخلاف جملة : { إن الذين كفروا سواء عليهم } ( البقرة : 6 ) ترك ~~عطفها على التي قبلها لأن ذكر مضمونها بعد المؤمنين كان مترقبا للسامع ، ~~فكان السامع كالسائل عنه فجاء الفصل للاستئناف البياني . # وقوله : { ومن الناس } خبر مقدم لا محالة وقد يتراءى أن الإخبار بمثله ~~قليل الجدوى لأنه إذا كان المبتدأ دالا على ذات مثله ، أو معنى لا يكون إلا ~~في الناس كان الإخبار عن المبتدأ بأنه من الناس أو في الناس غير مجد بخلاف ~~قولك الخضر من الناس ، أي لا من PageV01P259 الملائكة فإن الفائدة ظاهرة ، ~~فوجه الإخبار بقولهم من الناس في نحو الآية ونحو قول بعض أعزة الأصحاب في ~~تهنئة ms0275 لي بخطة القضاء : # في الناس من ألقى قلادتها إلى # خلفف فحرم ما ابتغى وأباحا # إن القصد إخفاء مدلول الخبر عنه كما تقول قال هذا إنسان وذلك عندما يكون ~~الحديث يكسب ذما أو نقصانا ، ومنه قول النبيء صلى الله عليه وسلم ( ما بال ~~أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله ) وقد كثر تقديم الخبر في مثل هذا ~~التركيب لأن في تقديمه تنبيها للسامع على عجيب ما سيذكر ، وتشويقا لمعرفة ~~ما يتم به الإخبار ولو أخر لكان موقعه زائدا لحصول العلم بأن ما ذكره ~~المتكلم لا يقع إلا من إنسان كقول موسى بنن جابر الحنفي : # ومن الرجال أسنة مذروبة # ومزندون وشاهد كالغائب # وقد قيل إن موقع { من الناس } مؤذن بالتعجب وإن أصل الخبر إفادة أن فاعل ~~هذا الفعل من الناس لئلا يظنه المخاطب من غير الناس لشناعة الفعل ، وهذا ~~بعيد عن القصد لأنه لو كان كما قال لم يكن للتقديم فائدة بل كان تأخيره ~~أولى حتى يتقرر الأمر الذي يوهم أن المبتدأ ليس { من الناس } ، هذا توجيه ~~هذا الاستعمال وذلك حيث لا يكون لظاهر الإخبار بكون المتحدث عنه من أفراد ~~الناس كبير فائدة فإن كان القصد إفادة ذلك حيث يجهله المخاطب كقولك من ~~الرجال من يلبس برقعا تريد الإخبار عن القوم المدعون بالملثمين ( من لمتونة ~~) ، أو حيث ينزل المخاطب منزلة الجاهل كقول عبد الله بن الزبير ( بفتح ~~الزاي وكسر الباء ) : # وفي الناس إن رثت حبالك واصل # وفي الأرض عن دار القلى متحول # إذا كان حال المخاطبين حال من يظن أن المتكلم لا يجد من يصله إن قطعه هو ~~، فذكر { من الناس } ونحوه في مثل هذا وارد على أصل الإخبار ، وتقديم الخبر ~~هنا للتشويق إلى استعلام المبتدأ وليس فيه إفادة تخصيص . وإذا علمت أن قوله ~~{ من الناس } مؤذن بأن المتحدث عنهم ستساق في شأنهم قصة مذمومة وحالة شنيعة ~~إذ لا يستر ذكرهم إلا لأن حالهم من الشناعة بحيث يستحي المتكلم أن يصرح ~~بموصوفها وفي ذلك من تحقير شأن النفاق ومذمته أمر كبير ، فوردت ms0276 في شأنهم ~~ثلاث عشرة آية نعي عليهم فيها خبثهم ومكرهم ، وسوء عواقبهم ، PageV01P260 ~~وسفه أحلامهم ، وجهالتهم ، وأردف ذلك كله بشتم واستهزاء وتمثيل حالهم في ~~أشنع الصور وهم أحرياء بذلك فإن الخطة التي تدربوا فيها تجمع مذام كثيرة إذ ~~النفاق يجمع الكذب ، والجبن ، والمكيدة ، وأفن الرأي ، والبله ، وسوء ~~السلوك ، والطمع ، وإضاعة العمر ، وزوال الثقة ، وعداوة الأصحاب ، واضمحلال ~~الفضيلة . # أما الكذب فظاهر ، وأما الجبن فلأنه لولاه لما دعاه داع إلى مخالفة ما ~~يبطن ، وأما المكيدة فإنه يحمل على اتقاء الاطلاع عليه بكل ما يمكن ، وأما ~~أفن الرأي فلأن ذلك دليل على ضعف في العقل إذ لا داعي إلى ذلك ، وأما البله ~~فللجهل بأن ذلك لا يطول الاغترار به ، وأما سوء السلوك فلأن طبع النفاق ~~إخفاء الصفات المذمومة ، والصفات المذمومة ، إذا لم تظهر لا يمكن للمربي ~~ولا للصديق ولا لعموم الناس تغييرها على صاحبها فتبقى كما هي وتزيد تمكنا ~~بطول الزمان حتى تصير ملكة يتعذر زوالها ، وأما الطمع فلأن غالب أحوال ~~النفاق يكون للرغبة في حصول النفع ، وأما إضاعة العمر فلأن العقل ينصرف إلى ~~ترويج أحوال النفاق وما يلزم إجراؤه مع الناس ونصبب الحيل لإخفاء ذلك وفي ~~ذلك ما يصرف الذهن عن الشغل بما يجدي ، وأما زوال الثقة فلأن الناس إن ~~اطلعوا عليه ساء ظنهم فلا يثقون بشيء يقع منه ولو حقا ، وأما عداوة الأصحاب ~~فكذلك لأنه إذا علم أن ذلك خلق لصاحبه خشي غدره فحذره فأدى ذلك إلى عداوته ~~، وأما اضمحلال الفضيلة فنتيجة ذلك كله . # وقد أشار قوله تعالى : { وما هم بمؤمنين } إلى الكذب ، وقوله : { يخادعون ~~} ( البقرة : 9 ) إلى المكيدة والجبن ، وقوله : { ما يخادعون إلا أنفسهم } ~~( البقرة : 9 ) إلى أفن الرأي ، وقوله : { وما يشعرون } ( البقرة : 9 ) إلى ~~البله ، وقوله : { في قلوبهم مرض } ( البقرة : 10 ) إلى سوء السلوك ، وقوله ~~: { فزادهم الله مرضا } ( البقرة : 10 ) إلى دوام ذلك وتزايده مع الزمان ، ~~وقوله : { قالوا إنما نحن مصلحون } ( البقرة : 11 ) إلى إضاعة العمر في غير ~~المقصود ، وقوله : { قالوا إنا معكم } ( البقرة : 14 ) مؤكدا بإن إلى قلة ~~ثقة ms0277 أصحابهم فيهم ، وقوله : { فما ربحت تجارتهم } ( البقرة : 16 ) إلى أن ~~أمرهم لم يحظ بالقبول عند أصحابهم ، وقوله : { صم بكم عمي فهم لا يعقلون } ~~( البقرة : 18 ) إلى اضمحلال الفضيلة منهم وسيجيء تفصيل لهذا ، وجمع عند ~~قوله تعالى : { في قلوبهم مرض } . # والناس اسم جمع إنسي بكسر الهمزة وياء النسب فهو عوض عن أناسي الذي هو ~~الجمع القياسي لإنس وقد عوضوا عن أناسي أناس بضم الهمزة وطرح ياء النسب ، ~~دل على هذا التعويض ظهور ذلك في قول عبيد بن الأبرص الأسدي يخاطب امرأ ~~القيس : PageV01P261 # إن المنايا يطلع # ن على الأناس الآمنينا # ثم حذفوا همزته تخفيفا ، وحذف الهمزة للتخفيف شائع كما قالوا لوقة في ~~ألوقة وهي الزبدة ، وقد التزم حذف همزة أناس عند دخول أل عليه غالبا بخلاف ~~المجرد من أل فذكر الهمزة وحذفها شائع فيه وقد قيل إن ناس جمع وإنه من جموع ~~جاءت على وزن فعال بضم الفاء مثل ظؤار جمع ظئر ، ورخال جمع رخل وهي الأنثى ~~الصغيرة من الضأن ووزن فعال قليل في الجموع في كلام العرب وقد اهتم أئمة ~~اللغة بجمع ما ورد منه فذكرها ابن خالويه في ( كتاب ( ليس ) ) وابن السكيت ~~وابن بري . وقد عد المتقدمون منها ثمانية جمعت في ثلاثة أبيات تنسب ~~للزمخشري والصحيح أنها لصدر الأفاضل تلميذه ثم ألحق كثير من اللغويين بتلك ~~الثمانن كلماتت أخر حتى أنهيت إلى أربع وعشرين جمعا ذكرها الشهاب الخفاجي ~~في ( شرح درة الغواص ) وذكر معظمها في ( حاشيته على تفسير البيضاوي ) وهي ~~فائدة من علم اللغة فارجعوا إليها إن شئتم . # وقيل إن ما جاء بهذا الوزن أسماء جموع ، وكلام ( الكشاف ) يؤذن به ومفرد ~~هذا الجمع إنسي أو إنس أو إنسان وكله مشتق من أنس ضد توحش لأن الإنسان يألف ~~ويأنس . # والتعريف في الناس للجنس لأن ما علمت من استعماله في كلامهم يؤيد إرادة ~~الجنس ويجوز أن يكون التعريف للعهد والمعهود هم الناس المتقدم ذكرهم في ~~قوله : { إن الذين كفروا } ( البقرة : 6 ) أو الناس الذين يعهدهم النبيء ~~صلى الله عليه وسلم والمسلمون في ms0278 هذا الشأن ، و ( من ) موصولة والمراد بها ~~فريق وجماعة بقرينة قوله { وما هم بمؤمنين } وما بعده من صيغ الجمع . # والمذكور بقوله : { ومن الناس من يقول } الخ قسم ثالث مقابل للقسمين ~~المتقدمين للتمايز بين الجميع بأشهر الصفات وإن كان بين البعض أو الجميع ~~صفات متفقة في الجملة فلا يشتبه وجه جعل المنافقين قسيما للكافرين مع أنهم ~~منهم لأن المراد بالتقسيم الصفات المخصصة . # وإنما اقتصر القرآن من أقوالهم على قولهم { آمنا بالله وباليوم الآخر } ~~مع أنهم أظهروا الإيمان بالنبيء صلى الله عليه وسلم إيجازا لأن الأول هو ~~مبدأ الاعتقادات كلها لأن من لم يؤمن برب واحد لا يصل إلى الإيمان بالرسول ~~إذ الإيمان بالله هو الأصل وبه يصلح الإعتقاد وهو أصل العمل ، والثاني هو ~~الوازع والباعث في الأعمال كلها وفيه صلاح الحال العملي أوهم PageV01P262 ~~الذين اقتصروا في قولهم على هذا القول لأنهم لغلوهم في الكفر لا يستطيعون ~~أن يذكروا الإيمان بالنبيء صلى الله عليه وسلم استثقالا لهذا الاعتراف ~~فيقتصرون على ذكر الله واليوم الآخر إيهاما للاكتفاء ظاهرا ومحافظة على ~~كفرهم باطنا لأن أكثرهم وقادتهم من اليهود . # وفي التعبير بيقول في مثل هذا المقام إيماء إلى أن ذلك قول غير مطابق ~~للواقع لأن الخبر المحكي عن الغير إذا لم يتعلق الغرض بذكر نصه وحكى بلفظ ~~يقول أومأ ذلك إلى أنه غير مطابق لاعتقاده أو أن المتكلم يكذبه في ذلك ، ~~ففيه تمهيد لقوله : { وما هم بمؤمنين } وجملة وما هم بمؤمنين في موضع الحال ~~من ضمير { يقول } أي يقول هذا القول في حال أنهم غير مؤمنين . # والآية أشارت إلى طائفة من الكفار وهم المنافقون الذين كان بعضهم من أهل ~~يثرب وبعضهم من اليهود الذين أظهروا الإسلام وبقيتهم من الأعراب المجاورين ~~لهم ، ورد في حديث كعب بن مالك أن المنافقين الذين تخلفوا في غزوة تبوك ~~بضعة وثمانون ، وقد عرف من أسمائهم عبد الله بن أبي بن سلول وهو رأس ~~المنافقين ، والجد بن قيس ، ومعتب بن قشير ، والجلاس بن سويد الذي نزل فيه ~~: { يحلفون بالله ما قالوا ms0279 } ( التوبة : 74 ) ، وعبد الله بن سبأ اليهودي ~~ولبيد بن الأعصم من بني زريق حليف اليهود كما في باب السحر من كتاب الطب من ~~( صحيح البخاري ) ، والأخنس أبى بن شريق الثقفي كان يظهر الود والإيمان ~~وسيأتي عند قوله تعالى : { ومن الناس من يعجبك } ( البقرة : 204 ) ، وزيد ~~بن اللصيت القينقاعي ووديعة بن ثابت من بني عمرو بن عوف ، ومخشن بن حمير ~~الأشجعي اللذين كانا يثبطان المسلمين من غزوة تبوك ، وقد قيل إن زيد بن ~~اللصيت تاب وحسن حاله ، وقيل لا ، وأما مخشن فتاب وعفا الله عنه وقتل شهيدا ~~يوم اليمامة . # وفي كتاب ( المرتبة الرابعة ) لابن حزم قد ذكر قوم معتب بن قشير الأوسي ~~من بني عمرو بن عوف في المنافقين وهذا باطل لأن حضوره بدرا يبطل هذا الظن ~~بلا شك ولكنه ظهر منه يوم أحد ما يدل على ضعف إيمانه فلمزوه بالنفاق فإنه ~~القائل يوم أحد : { لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا } ( آل عمران : ~~154 ) ، رواه عنه الزبير بن العوام قال ابن عطية كان مغموصا بالنفاق . ومن ~~المنافقين أبو عفك أحد بني عمرو بن عوف ظهر نفاقه حين قتل رسول الله الحارث ~~بن سويد بن صامت وقال شعرا يعرض بالنبيء صلى الله عليه وسلم وقد أمر رسول ~~الله PageV01P263 بقتل أبي عفك فقتله سالم بن عمير ، ومن المنافقات عصماء ~~بنت مروان من بني أمية بنن زيد نافقت لما قتل أبو عفك وقالت شعرا تعرض ~~بالنبي قتلها عمير بن عدي الخطمي وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ~~لا ينتطح فيها عنزان ) ، ومن المنافقين بشير بن أبيرق كان منافقا يهجو ~~أصحاب رسول الله وشهد أحدا ومنهم ثعلبة بن حاطب وهو قد أسلم وعد من أهل بدر ~~، ومنهم بشر المنافق كان من الأنصار وهو الذي خاصم يهوديا فدعا اليهودي ~~بشرا إلى حكم النبيء فامتنع بشر وطلب المحاكمة إلى كعب بن الأشرف وهذا هو ~~الذي قتله عمر وقصته في قوله تعالى : { ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا ~~بما أنزل إليك في ms0280 سورة النساء ( 60 ) . وعن ابن عباس أن المنافقين على عهد ~~رسول الله كانوا ثلاثمائة من الرجال ومائة وسبعين من النساء ، فأما ~~المنافقون من الأوس والخزرج فالذي سن لهم النفاق وجمعهم عليه هو عبد الله ~~بن أبى حسدا وحنقا على الإسلام لأنه قد كان أهل يثرب بعد أن انقضت حروب ~~بعاث بينهم وهلك جل ساداتهم فيها قد اصطلحوا على أن يجعلوه ملكا عليهم ~~ويعصبوه بالعصابة . قال سعد بن عبادة للنبيء في حديث البخاري : اعف عنه يا ~~رسول الله واصفح فوالله لقد أعطاك الله الذي أعطاك ولقد اصطلح أهل هذه ~~البحيرة أن يعصبوه بالعصابة فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاكه شرق بذلك ا ~~ه . # وأما اليهود فلأنهم أهل مكر بكل دين يظهر ولأنهم خافوا زوال شوكتهم ~~الحالية من جهات الحجاز ، وأما الأعراب فهم تبع لهؤلاء ولذلك جاء : الأعراب ~~أشد كفرا ونفاقا } ( الأعراف : 97 ) الآية ، لأنهم يقلدون عن غير بصيرة وكل ~~من جاء بعدهم على مثل صفاتهم فهو لاحق بهم فيما نعى الله عليهم وهذا معنى ~~قول سلمان الفارسي في تفسير هذه الآية : ( لم يجيء هؤلاء بعد ) قال ابن ~~عطية معنى قوله أنهم لم ينقرضوا بل يجيئون من كل زمان ا ه ، يعني أن سلمان ~~لا ينكر ثبوت هذا الوصف لطائفة في زمن النبوة ولكن لا يرى المقصد من الآية ~~حصر المذمة فيهم بل وفي الذين يجيئون من بعدهم . # وقوله : { وما هم بمؤمنين } جيء في نفي قولهم بالجملة الاسمية ولم يجيء ~~على وزان قولهم : { آمنا } بأن يقال وما آمنوا لأنهم لما أثبتوا الإيمان ~~لأنفسهم كان الإتيان بالماضي أشمل حالا لاقتضائه تحقق الإيمان فيما مضى ~~بالصراحة ودوامه بالالتزام ؛ لأن الأصل ألا يتغير PageV01P264 الإعتقاد بلا ~~موجب كيف والدين هو هو ، ولما أريد نفي الإيمان عنهم كان نفيه في الماضي لا ~~يسلتزم عدم تحققه في الحال بله الاستقبال فكان قوله : { وما هم بمؤمنين } ~~دالا على انتفائه عنهم في الحال ، لأن اسم الفاعل حقيقة في زمن الحال وذلك ~~النفي يستلزم انتفاءه في الماضي بالأولى ، ولأن الجملة ms0281 الفعلية تدل على ~~الاهتمام بشأن الفعل دون الفاعل فلذلك حكى بها كلامهم لأنهم لما رأوا ~~المسلمين يتطلبون معرفة حصول إيمانهم قالوا { آمنا } ، والجملة الاسمية تدل ~~على الاهتمام بشأن الفاعل أي إن القائلين { آمنا } لم يقع منهم إيمان ~~فالاهتمام بهم في الفعل المنفي تسجيل لكذبهم وهذا من مواطن الفروق بين ~~الجملتين الفعلية والاسمية وهو مصدق بقاعدة إفادة التقديم الاهتمام مطلقا ~~وإن أهملوا التنبيه على جريان تلك القاعدة عندما ذكروا الفروق بين الجملة ~~الفعلية والاسمية في كتب المعاني وأشار إليه صاحب ( الكشاف ) هنا بكلام ~~دقيق الدلالة . # فإن قلت : كان عبد الله بن سعد بن أبي سرح أسلم ثم ارتد وزعم بعد ردته ~~أنه كان يكتب القرآن وأنه كان يملي عليه النبيء صلى الله عليه وسلم عزيز ~~حكيم مثلا فيكتبها غفور رحيم مثلا والعكس وهذا من عدم الإيمان فيكون حينئذ ~~من المنافقين الذين آمنوا بعد ، فالجواب أن هذا من نقل المؤرخين وهم لا ~~يعتد بكلامهم في مثل هذا الشأن لا سيما وولاية عبد الله ابن أبي سرح ~~الإمارة من جملة ما نقمه الثوار على عثمان وتحامل المؤرخين فيها معلوم ~~لأنهم تلقوها من الناقمين وأشياعهم ، والأدلة الشرعية تنفي هذا لأنه لو صح ~~للزم عليه دخول الشك في الدين ولو حاول عبد الله هذا لأعلم الله تعالى به ~~رسوله لأنه لا يجوز على الرسول السهو والغفلة فيما يرجع إلى التبليغ على ~~أنه مزيف من حيث العقل إذ لو أراد أن يكيد للدين لكان الأجدر به تحريف غير ~~ذلك ، على أن هذا كلام قاله في وقت ارتداده وقوله حينئذ في الدين غير مصدق ~~لأنه متهم بقصد ترويج ردته عند المشركين بمكة وقد علمت من المقدمة الثامنة ~~من هذا التفسير أن العمدة في آيات القرآن على حفظ حفاظه وقراءة النبيء صلى ~~الله عليه وسلم وإنما كان يأمر بكتابته لقصد المراجعة للمسلمين إذا احتاجوا ~~إليه ، ولم يرو أحد أنه وقع الاحتياج إلى مراجعة ما كتب من القرآن إلا في ~~زمن أبي بكر ، ولم ينقل أن حفاظ القرآن وجدوا ms0282 خلافا بين محفوظهم وبين ~~الأصول المكتوبة ، على أن عبد الله بن أبي سرح لم يكن منفردا بكتابة الوحي ~~فقد كان يكتب معه آخرون . PageV01P265 # ونفي الإيمان عنهم مع قولهم { آمنا } دليل صريح على أن مسمى الإيمان ~~التصديق وأن النطق بما يدل على الإيمان قد يكون كاذبا فلا يكون ذلك النطق ~~إيمانا ، والإيمان في الشرع هو الإعتقاد الجازم بثبوت ما يعلم أنه من الدين ~~علما ضروريا بحيث يكون ثابتا بدليل قطعي عند جميع أئمة الدين ويشتهر كونه ~~من مقومات الإعتقاد الإسلامي اللازم لكل مسلم اشتهارا بين الخاصة من علماء ~~الدين والعامة من المسلمين بحيث لا نزاع فيه فقد نقل الإيمان في الشرع إلى ~~تصديق خاص وقد أفصح عنه الحديث الصحيح عن عمر أن جبريل جاء فسأل النبيء صلى ~~الله عليه وسلم عن الإيمان فقال : ( الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله واليومم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره ) . # وقد اختلفت علماء الأمة في ماهية الإيمان ما هو وتطرقوا أيضا إلى حقيقة ~~الإسلام ونحن نجمع متناثر المنقول منهم مع ما للمحققين من تحقيق مذاهبهم في ~~جملة مختصرة . وقد أرجعنا متفرق أقوالهم في ذلك إلى خمسة أقوال : # القول الأول : قول جمهور المحققين من علماء الأمة قالوا إن الإيمان هو ~~التصديق لا مسمى له غير ذلك وهو مسماه اللغوي فينبغي ألا ينقل من معناه لأن ~~الأصل عدم النقل إلا أنه أطلق على تصديق خاص بأشياء بينها الدين وليس ~~استعمال اللفظ العام في بعض أفراده بنقله له عن معناه اللغوي وغلب في لسان ~~الشرعيين على ذلك التصديق واحتجوا بعدة أدلة هي من أخبار الآحاد ولكنها ~~كثيرة كثرة تلحقها بالمستفيض . # من ذلك حديث جبريل المتقدم وحديث سعد أنه قال ( يا رسول الله : مالك عن ~~فلان فإني لأراه مؤمنا فقال : أو مسلما ) ، قالوا وأما النطق والأعمال فهي ~~من الإسلام لا من مفهوم الإيمان لأن الإسلام الاستسلام والانقياد بالجسد ~~دون القلب ودليل التفرقة بينهما اللغة وحديث جبريل ، وقوله تعالى : { قالت ~~الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا } ( الحجرات : 14 ms0283 ) ولما رواه ~~مسلم عن طلحة بن عبيد الله أنه جاء رجل من نجد ثائر الرأس نسمع دوي صوته ~~ولا نفقه ما يقول ، فإذا هو يسأل عن الإسلام فبين له النبيء صلى الله عليه ~~وسلم أن الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام ~~الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا ، ونسب ~~هذا القول إلى مالك بن أنس أخذا من قوله في ( المدونة ) : ( من اغتسل وقد ~~أجمع على الإسلام بقلبه أجزأه ) قال ابن رشد لأن إسلامه بقلبه فلو مات مات ~~مؤمنا ، وهو PageV01P266 مأخذ بعيد وستعلم أن قول مالك بخلافه . ونسب هذا ~~أيضا إلى الأشعري قال إمام الحرمين في ( الإرشاد ) وهو المرضي عندنا ، وبه ~~قال الزهري من التابعين . # القول الثاني : إن الإيمان هو الإعتقاد بالقلب والنطق باللسان بالشهادتين ~~للإقرار بذلك الإعتقاد فيكون الإيمان منقولا شرعا لهذا المعنى فلا يعتد ~~بالاعتقاد شرعا إلا إذا انضم إليه النطق ونقل هذا عن أبي حنيفة ونسبه ~~النووي إلى جمهور الفقهاء والمحدثين والمتكلمين ونسبه الفخر إلى الأشعري ~~وبشر المريسي ، ونسبه الخفاجي إلى محققي الأشاعرة واختاره ابن العربي ، قال ~~النووي وبذلك يكون الإنسان من أهل القبلة . # قلت ولا أحسب أن بين هذا والقول الأول فرقا وإنما نظر كل قيل إلى جانب ، ~~فالأول نظر إلى جانب المفهوم والثاني نظر إلى الاعتداد ولم يعتنوا بضبط ~~عباراتهم حتى يرتفع الخلاف بينهم وإن كان قد وقع الخلاف بينهم في أن ~~الاقتصار على الإعتقاد هل هو منج فيما بين المرء وبين ربه أو لا بد من ~~الإقرار ؟ حكاه البيضاوي في ( التفسير ) ومال إلى الثاني ويؤخذ من كلامهم ~~أنه لو ترك الإقرار لا عن مكابرة كان ناجيا مثل الأخرس والمغفل والمشتغل ~~شغلا اتصل بموته . واحتجوا بإطلاق الإيمان على الإسلام والعكس في مواضع من ~~الكتاب والسنة ، قال تعالى : { فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا ~~فيها غير بيت من المسلمين } ( الذاريات : 35 ، 36 ) وفي حديث وفد عبد القيس ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم ms0284 : ( آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع ~~الإيمان بالله أتدرون ما الإيمان بالله ؟ شهادة أن لا إلاه إلا الله وأن ~~محمدا رسول الله وإقام الصلاة ) الخ وهذه أخبار آحاد فالاستدلال بها في أصل ~~من الدين إنما هو مجرد تقريب على أن معظمها لا يدل على إطلاق الإيمان على ~~حالة ليس معها حالة إسلام . # القول الثالث : قول جمهور السلف من الصحابة والتابعين أن الإيمان اعتقاد ~~وقول وعمل ذلك أنهم لكمال حالهم ومجيئهم في فاتحة انبثاق أنوار الدين لم ~~يكونوا يفرضون في الإيمان أحوالا تقصر في الامتثال ، ونسب ذلك إلى مالك ~~وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة والأوزاعي وابن جريج والنخعي والحسن وعطاء ~~وطاووس ومجاهد وابن المبارك والبخاري ونسب لابن مسعود وحذيفة وبه قال ابن ~~حزم من الظاهرية وتمسك به أهل الحديث لأخذهم بظاهر ألفاظ الأحاديث ، وبذلك ~~أثبتوا الزيادة والنقص في الإيمان بزيادة الأعمال ونقصها لقوله تعالى : { ~~ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم } ( الفتح : 4 ) الخ . وجاء في الحديث : ( ~~الإيمان بضع وسبعون شعبة ) فدل ذلك على قبوله PageV01P267 للتفاضل . وعلى ~~ذلك حمل قوله صلى الله عليه وسلم ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ) أي ~~ليس متصفا حينئذ بكمال الإيمان . # ونقل عن مالك أنه يزيد ولا ينقص فقيل إنما أمسك مالك عن القول بنقصانه ~~خشية أن يظن به موافقة الخوارج الذين يكفرون بالذنوب . قال ابن بطال وهذا ~~لا يخالف قول مالك بأن الإيمان هو التصديق وهو لا يزيد ولا ينقص لأن ~~التصديق أول منازل الإيمان ويوجب للمصدق الدخول فيه ولا يوجب له استكمال ~~منازله وإنما أراد هؤلاء الأئمة الرد على المرجئة في قولهم إن الإيمان قول ~~بلا عمل ا ه . ولم يتابعهم عليه المتأخرون لأنهم رأوه شرحا للإيمان الكامل ~~وليس فيه النزاع إنما النزاع في أصل مسمى الإيمان وأول درجات النجاة من ~~الخلود ولذلك أنكر أكثر المتكلمين أن يقال الإيمان يزيد وينقص وتأولوا نحو ~~قوله تعالى : { ليزدادوا إيمانا } ( الفتح : 4 ) بأن المراد تعدد الأدلة ~~حتى يدوموا على الإيمان وهو التحقيق . # القول الرابع : قول الخوارج والمعتزلة إن الإيمان اعتقاد ms0285 ونطق وعمل كما ~~جاء في القول الثالث إلا أنهم أرادوا من قولهم حقيقة ظاهره من تركب الإيمان ~~من مجموع الثلاثة بحيث إذا اختل واحد منها بطل الإيمان ، ولهم في تقرير ~~بطلانه بنقص الأعمال الواجبة مذاهب غير منتظمة ولا معضودة بأدلة سوى التعلق ~~بظواهر بعض الآثار مع الإهمال لما يعارضها من مثلها . # فأما الخوارج فقالوا إن تارك شيء من الأعمال كافر غير مؤمن وهو خالد في ~~النار فالأعمال جزء من الإيمان وأرادوا من الأعمال فعل الواجبات وترك ~~المحرمات ولو صغائر ، إذ جميع الذنوب عندهم كبائر ، وأما غير ذلك من ~~الأعمال كالمندوبات والمستحبات فلا يوجب تركها خلودا ، إذ لا يقول مسلم إن ~~ترك السنن والمندوبات يوجب الكفر والخلود في النار ، وكذلك فعل المكروهات . # وقالت الإباضية من الخوارج إن تارك بعض الواجبات كافر لكن كفره كفر نعمة ~~لا شرك ، نقله إمام الحرمين عنهم وهو الذي سمعناه من طلبتهم . # وأما المعتزلة فقد وافقوا الخوارج في أن للأعمال حظا من الإيمان إلا أنهم ~~خالفوهم في مقاديرها ومذاهب المعتزلة في هذا الموضع غير منضبطة ، فقال ~~قدماؤهم وهو المشهور عنهم إن العاصي مخلد في النار لكنه لا يوصف بالكفر ولا ~~بالإيمان ووصفوه بالفسق وجعلوا استحقاق الخلود لارتكاب الكبيرة PageV01P268 ~~خاصة ، وكذلك نسب إليهم ابن حزم في كتاب ( الفصل ) ، وقال واصل بن عطاء ~~الغزال إن مرتكب الكبيرة منزلة بين المنزلتين أي لا يوصف بإيمان ولا كفر ~~فيفارق بذلك قول الخوارج وقول المرجئة ووافقه عمرو بن عبيد على ذلك . وهذه ~~هي المسألة التي بسببها قال الحسن البصري لواصل وعمرو بن عبيد اعتزل مجلسنا ~~. ودرج على هذا جميعهم ، لكنهم اضطربوا أو اضطرب النقل عنهم في مسمى ~~المنزلة بين المنزلتين ، فقال إمام الحرمين في ( الإرشاد ) إن جمهورهم ~~قالوا إن الكبيرة تحبط ثواب الطاعات وإن كثرت ، ومعناه لا محالة أنها توجب ~~الخلود في النار وبذلك جزم التفتزاني في ( شرح الكشاف ) وفي ( المقاصد ) ، ~~وقال إن المنزلة بين المنزلتين هي موجبة للخلود وإنما أثبتوا المنزلة لعدم ~~إطلاق اسم الكفر ولإجراء أحكام المؤمنين على صاحبها في ms0286 ظاهر الحال في ~~الدنيا بحيث لا يعتبر مرتكب المعصية كالمرتد فيقتل . وقال في ( المقاصد ) ~~ومثله في ( الإرشاد ) : المختار عندهم خلاف المشتهر فإن أبا علي وابنه ~~وكثيرا من محققيهم ومتأخريهم قالوا إن الكبائر إنما توجب دخول النار إذا ~~زاد عقابها على ثواب الطاعات فإن أربت الطاعات على السيئات درأت السيئات ، ~~وليس النظر إلى أعداد الطاعات ولا الزلات ، وإنما النظر إلى مقدار الأجور ~~والأوزار فرب كبيرة واحدة يغلب وزرها طاعات كثيرة العدد ، ولا سبيل إلى ضبط ~~هذه المقادير بل أمرها موكول إلى علم الله تعالى ، فإن استوت الحسنات ~~والسيئات فقد اضطربوا في ذلك فهذا محل المنزلة بين المنزلتين . ونقل ابن ~~حزم في ( الفصل ) عن جماعة منهم ، فيهم بشر المريسي والأصم من استوت حسناته ~~وسيئاته فهو من أهل الأعراف ولهم وقفة لا يدخلون النار مدة ثم يدخلون الجنة ~~ومن رجحت سيئاته فهو مجازى بقدر ما رجح له من الذنوب فمن لفحة واحدة إلى ~~بقاء خمسين ألف سنة في النار ثم يخرجون منها بالشفاعة . وهذا يقتضي أن ~~هؤلاء لا يرون الخلود . وقد نقل البعض عن المعتزلة أن المنزلة بين ~~المنزلتين لا جنة ولا نار إلا أن التفتزاني في ( المقاصد ) غلط هذا البعض ~~وكذلك قال في ( شرح الكشاف ) . وقد قرر صاحب ( الكشاف ) حقيقة المنزلة بين ~~المنزلتين بكلام مجمل فقال في تفسير قوله تعالى : { وما يضل به إلا ~~الفاسقين من سورة البقرة ( 26 ) والفاسق في الشريعة الخارج عن أمر الله ~~بارتكاب الكبيرة وهو النازل بين المنزلتين أي بين منزلتي المؤمن والكافر . ~~وقالوا إن أول من حد له هذا الحد أبو حذيفة واصل بن عطاء وكونه بين بين أن ~~حكمه حكم المؤمن في أنه يناكح ويوارث ويغسل ويصلى عليه ويدفن في مقابر ~~المسلمين PageV01P269 وهو كالكافر في الذم واللعن والبراءة منه واعتقاد ~~عداوته وأن لا تقبل له شهادة ا ه ، فتراه مع إيضاحه لم يذكر فيه أنه خالد ~~في النار وصرح في قوله تعالى : ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا ~~فيها في سورة النساء ( 93 ) بما يعمم ms0287 خلود أهل الكبائر دون توبة في النار . # قلت وكان الشأن أن إجراء الأحكام الإسلامية عليه في الدنيا يقتضي أنه غير ~~خالد إذ لا يعقل أن تجري عليه أحكام المسلمين وتنتفي عنه الثمرة التي ~~لأجلها فارق الكفر إذ المسلم إنما أسلم فرارا من الخلود في النار فكيف يكون ~~ارتكاب بعض المعاصي موجبا لانتقاض فائدة الإسلام ، وإذا كان أحد لا يسلم من ~~أن يقارف معصية وكانت التوبة الصادقة قد تتأخر وقد لا تحصل فيلزمهم ويلزم ~~الخوارج أن يعدوا جمهور المسلمين كفارا وبئس منكرا من القول . على أن هذا ~~مما يجريء العصاة على نقض عرى الدين إذ ينسل عنه المسلمون لانعدام الفائدة ~~التي أسلموا لأجلها بحكم : أنا الغريق فما خوفي من البلل ، ومن العجيب أن ~~يصدر هذا القول من عاقل فضلا عن عالم ، ثم الأعجب منه عكوف أتباعهم عليه ~~تلوكه ألسنتهم ولا تفقهه أفئدتهم وكيف لم يقيض فيهم عالم منصف ينبري لهاته ~~الترهات فيهذبها أو يؤولها كما أراد جمهور علماء السنة من صدر الأمة فمن ~~يليهم . # القول الخامس : } قالت الكرامية الإيمان هو الإقرار باللسان إذا لم يخالف ~~الاعتقاد القول فلا يشترط في مسمى الإيمان شيء من المعرفة والتصديق ، فأما ~~إذا كان يعتقد خلاف مقاله بطل إيمانه وهذا يرجع إلى الاعتداد بإيمان من نطق ~~بالشهادتين وإن لم يشغل عقله باعتقاد مدلولهما بل يكتفى منه بأنه لا يضمر ~~خلاف مدلولهما وهذه أحوال نادرة لا ينبغي الخوض فيها . أو أرادوا أنه تجري ~~عليه في الظاهر أحكام المؤمنين مع أن الكرامية لا ينكرون أن من يعتقد خلاف ~~ما نطق به من الشهادتين أنه خالد في النار يوم القيامة ، وفي ( تفسير الفخر ~~) أن غيلان الدمشقي وافق الكرامية . # هذه جوامع أقوال الفرق الإسلامية في مسمى الإيمان . وأنا أقول كلمة أربأ ~~بها عن الانحياز إلى نصرة وهي أن اختلاف المسلمين في أول خطوات مسيرهم وأول ~~موقف من مواقف أنظارهم وقد مضت عليه الأيام بعد الأيام وتعاقبت الأقوام بعد ~~الأقوام يعد نقصا علميا لا ينبغي البقاء عليه ، ولا أعرفني بعد هذا ms0288 اليوم ~~ملتفتا إليه . # لا جرم أن الشريعة أول ما طلبت من الناس الإيمان والإسلام ليخرجوا بذلك ~~من PageV01P270 عقائد الشرك ومناوأة هذا الدين فإذا حصل ذلك تهيأت النفوس ~~لقبول الخيرات وأفاضت الشريعة عليها من تلك النيرات فكانت في تلقي ذلك على ~~حسب استعدادها زينة لمعاشها في هذا العالم ومعادها ، فالإيمان والإسلام هما ~~الأصلان اللذان تنبعث عنهما الخيرات ، وهما الحد الفاصل بين أهل الشقاء ~~وأهل الخير حدا لا يقبل تفاوتا ولا تشككا ، لأن شأن الحدود أن لا تكون ~~متفاوتة كما قال الله تعالى : { فماذا بعد الحق إلا الضلال } ( يونس : 32 ) ~~، ولا يدعي أحد أن مفهوم الإيمان هو مفهوم الإسلام ، فيكابر لغة تتلى عليه ~~، كيف وقد فسره الرسول لذلك الجالس عند ركبتيه . فما الذين ادعوه إلا قوم ~~قد ضاقت عليهم العبارة فأرادوا أن الاعتداد في هذا الذي لا يكون إلا ~~بالأمرين وبذلك يتضح وجه الاكتفاء في كثير من مواد الكتاب والسنة بأحد ~~اللفظين ، في مقام خطاب الذين تحلوا بكلتا الخصلتين ، فانتظم القولان الأول ~~والثاني . # إن موجب اضطراب الأقوال في التمييز بين حقيقة الإيمان وحقيقة الإسلام ~~أمران : أحدهما أن الرسالة المحمدية دعت إلى الإعتقاد بوجود الله ووحدانيته ~~وبصدق محمد صلى الله عليه وسلم والإيمان بالغيب ودعت إلى النطق بما يدل على ~~حصول هذا الإعتقاد في نفس المؤمن لأن الإعتقاد لا يعرف إلا بواسطة النطق ~~ولم يقتنع الرسول من أحد بما يحصل الظن بأنه حصل له هذا الإعتقاد إلا بأن ~~يعترف بذلك بنطقه إذا كان قادرا . # الثاني : أن المؤمنين الذين استجابوا دعوة الرسول لم تكن ظواهرهم مخالفة ~~لعقائدهم إذ لم يكن منهم مسلم يبطن الكفر فكان حصول معنى الإيمان لهم ~~مقارنا لحصول معنى الإسلام وصدق عليهم أنهم مؤمنون ومسلمون ، ثم لما نبع ~~النفاق بعد الهجرة طرأ الاحتياج إلى التفرقة بين حال الذين اتصفوا بالإيمان ~~والإسلام وبين حال الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر تفرقة بالتحذير ~~والتنبيه لا بالتعيين وتمييز الموصوف ، لذا كانت ألفاظ القرآن وكلام النبيء ~~تجري في الغالب على مراعاة غالب أحوال المسلمين الجامعين بين ms0289 المعنيين ~~وربما جرت على مراعاة الأحوال النادرة عند الحاجة إلى التنبيه عليها كما في ~~قوله تعالى : { قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في ~~قلوبكم } ( الحجرات : 14 ) وكما في قول النبيء لمن قال له : مالك عن فلان ~~فوالله إني لأراه مؤمنا قال : ( أو مسلما ) . PageV01P271 # فحاصل معنى الإيمان حصول الإعتقاد بما يجب اعتقاده ، وحاصل معنى الإسلام ~~إظهار المرء أنه أسلم نفسه لاتباع الدين ودعوة الرسول ، قال تعالى : { إن ~~المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات } ( الأحزاب : 35 ) الآية . # وهل يخامركم شك في أن الشريعة ما طلبت من الناس الإيمان والإسلام لمجرد ~~تعمير العالم الأخروي من جنة ونار لأن الله تعالى قادر على أن يخلق لهذين ~~الموضعين خلقا يعمرونهما إن شاء خلقهما ، ولكن الله أراد تعمير العالمين ~~الدنيوي والأخروي ، وجعل الدنيا مصقلة النفوس البشرية تهيئها للتأهل إلى ~~تعمير العالم الأخروي لتلتحق بالملائكة ، فجعل الله الشرائع لكف الناس عن ~~سيء الأفعال التي تصدر عنهم بدواعي شهواتهم المفسدة لفطرتهم ، وأراد الله ~~حفظ نظام هذا العالم أيضا ليبقى صالحا للوفاء بمراد الله إلى أمد أراده ، ~~فشرع للناس شرعا ودعا الناس إلى اتباعه والدخول إلى حظيرته ذلك الدخول ~~المسمى بالإيمان وبالإسلام لاشتراط حصولهما في قوام حقيقة الانضواء تحت هذا ~~الشرع ، ثم يستتبع ذلك إظهار تمكين أنفسهم من قبول ما يرسم لهم من السلوك ~~عن طيب نفس ، وثقة بمآلي نزاهة أو رجس . وذلك هو الأعمال ائتمارا وانتهاء ~~وفعلا وانكفافا . وهذه الغاية هي التي تتفاوت فيها المراتب إلا أن تفاوت ~~أهلها فيها لا ينقص الأصل الذي به دخلوا فإن الآتي بالبعض من الخير قد أتى ~~بما كان أحسن من حاله قبل الإيمان ، والآتي بمعظم الخير قد فاق الذي دونه ، ~~والآتي بالجميع بقدر الطاقة هو الفائز ، بحيث إن الشريعة لا تعدم منفعة ~~تحصل من أفراد هؤلاء الذين تسموا بالمؤمنين والمسلمين ومن تلك المراتب ~~حماية الحوزة والدفاع عن البيضة ، فهل يشك أحد في أن عمرو بن معديكرب أيام ~~كان لا يرى الانتهاء عن شرب الخمر ويقول إن الله تعالى قال : { فهل ms0290 أنتم ~~منتهون } ( المائدة : 91 ) فقلنا لا إنه قد دل جهاده يوم القادسية على ~~إيمانه وعلى تحقيق شيء كثير من أجزاء إسلامه فهل يعد سواء والكافرين في ~~كونه يخلد في النار ؟ # فالأعمال إذن لها المرتبة الثانية بعد الإيمان والإسلام لأنها مكملة ~~المقصد لا ينازع في هذين أعني كونها في الدرجة الثانية وكونها مقصودة إلا ~~مكابر . ومما يؤيد هذا أكمل تأييد ما ورد في ( الصحاح ) في حديث معاذ بن ~~جبل أن النبيء صلى الله عليه وسلم كان بعثه إلى اليمن فقال له : ( إنك ~~ستأتي قوما من أهل الكتاب فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا PageV01P272 أن ~~لا إلاه إلا الله وأن محمدا رسول الله ( أي ينطقوا بذلك نطقا مطابقا ~~لاعتقادهم ) فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في ~~كل يوم وليلة ) الخ فلولا أن للإيمان وللإسلام الحظ الأول لما قدمه ، ولولا ~~أن الأعمال لا دخل لها في مسمى الإسلام لما فرق بينهما ، لأن الدعوة للحق ~~يجب أن تكون دفعة وإلا لكان الرضا ببقائه على جزء من الكفر ولو لحظة مع ~~توقع إجابته للدين رضى بالكفر وهو من الكفر فكيف يأمر بسلوكه المعصوم عن أن ~~يقر أحدا على باطل ، فانتظم القول الثالث للقولين . # ومما لا شبهة فيه أن استحقاق الثواب والعقاب على قدر الأعمال القلبية ~~والجوارحية فالأمر الذي لا يحصل شيء من المطلوب دونه لا ينجي من العذاب إلا ~~جميعه فوجب أن يكون من لم يؤمن ولم يسلم مخلدا في النار لأنه لا يحصل منه ~~شيء من المقصود بدون الإيمان والإسلام ، وأما الأمور التي يقرب فاعلها من ~~الغاية بمقدار ما يخطو في طرقها فثوابها على قدر ارتكابها والعقوبة على قدر ~~تركها ، ولا ينبغي أن ينازع في هذا غير مكابر ، إذ كيف يستوي عندالله ~~العليمم الحكيم رجلان أحدهما لم يؤمن ولم يسلم والآخر آمن وأسلم وامتثل ~~وانتهى ، إلا أنه اتبع الأمارة بالسوء في خصلة أو زلة فيحكم بأن كلا ~~الرجلين في عذاب وخلود ؟ وهل تبقى فائدة لكل مرتكب معصية في ms0291 البقاء على ~~الإسلام إذا كان الذي فر من أجله للإسلام حاصلا على كل تقدير وهو الخلود في ~~النار حتى إذا أراد أن يتوب آمن يومئذ ؟ وهل ينكر أحد أن جل الأمة لا يخلون ~~من التلبس بالمعصية والمعصيتين إذ العصمة مفقودة فإذا كان ذلك قبل التوبة ~~كفرا فهل يقول هذا العاقل إن الأمة في تلك الحالة متصفة بالكفر ولا إخال ~~عاقلا يلتزمها بعد أن يسمعها ، أفهل يموه أحد بعد هذا أن يأخذ من نحو قوله ~~تعالى : { وما كان الله ليضيع إيمانكم } ( البقرة : 143 ) يعني الصلاة ، إن ~~الله سمي الصلاة إيمانا ولولا أن العمل من الإيمان لما سميت كذلك بعد أن ~~بينا أن الأعمال هي الغاية من الإيمان والإسلام فانتظم القول الرابع ~~والخامس لثلاثة الأقوال لمن اقتدى في الإنصاف بأهل الكمال . # ثم على العالم المتشبع بالاطلاع على مقاصد الشريعة وتصاريفها أن يفرق بين ~~مقامات خطابها فإن منها مقام موعظة وترغيب وترهيب وتبشير وتحذير ، ومنها ~~مقام تعليم وتحقيق فيرد كل وارد من نصوص الشريعة إلى مورده اللائق ولا ~~تتجاذبه المتعارضات مجاذبة المماذق فلا يحتج أحد بما ورد في أثبت أوصاف ~~الموصوف ، وأثبت أحد تلك الأوصاف تارة في سياق الثناء عليه PageV01P273 إذ ~~هو متصف بها جميعا ، فإذا وصف تارة بجميعها لم يكن وصفه تارة أخرى بواحد ~~منها دالا على مساواة ذلك الواحد لبقيتها ، فإذا عرضت لنا أخبار شرعية جمعت ~~بين الإيمان والأعمال في سياق التحذير أو التحريض لم تكن دليلا على كون ~~حقيقة أحدهما مركبة ومقومة من مجموعهما فإنما يحتج محتج بسياق التفرقة ~~والنفي أو بسياق التعليم والتبيين فلا ينبغي لمنتسب أن يجازف بقولة سخيفة ~~ناشئة عن قلة تأمل وإحاطة بموارد الشريعة وإغضاء عن غرضها ويؤول إلى تكفير ~~جمهور المسلمين وانتقاض الجامعة الإسلامية بل إنما ينظر إلى موارد الشريعة ~~نظرة محيطة حتى لا يكون ممن غابت عنه أشياء وحضره شيء ، بل يكون حكمه في ~~المسألة كحكم فتاة الحي . # أما مسألة العفو عن العصاة فهي مسألة تتعلق بغرضنا وليست منه ، والأشاعرة ~~قد توسعوا فيها وغيرهم ms0292 ضيقها وأمرها موكول إلى علم الله إلا أن الذي بلغنا ~~من الشرع هو اعتبار الوعد والوعيد وإلا لكان الزواجر كضرب في بارد الحديد ~~وإذا علمتم أن منشأ الخلاف فيها هو النظر لدليل الوجوب أو الجواز علمتم ~~خروج الخلاف فيها من الحقيقة إلى المجاز ولا عجب أعجب من مرور الأزمان على ~~مثل قولة الخوارج والإباضية والمعتزلة ولا ينبري من حذاق علمائهم من يهذب ~~المراد أو يؤول قول قدمائه ذلك التأويل المعتاد ، وكأني بوميض فطنة نبهائهم ~~أخذ يلوح من خلل الرماد . # # | 2 ( 9 ) { يخادعون الله والذين ءامنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما ~~يشعرون } . ) 2 # جملة : { يخادعون بدل اشتمال من جملة : يقول آمنا بالله } ( البقرة : 8 ) ~~وما معها لأن قولهم ذلك يشتمل على المخادعة . والخداع مصدر خادع الدال على ~~معنى مفاعلة الخدع ، والخدع هو فعل أو قول معه ما يوهم أن فاعله يريد ~~بمدلوله نفع غيره وهو إنما يريد خلاف ذلك ويتكلف ترويجه على غيره ليغيره عن ~~حالة هو فيها أو يصرفه عن أمر يوشك أن يفعله ، تقول العرب : خدع الضب إذا ~~أوهم حارشه أنه يحاول الخروج من الجهة التي أدخل فيها الحارش يده حتى لا ~~يرقبه الحارش لعلمه أنه آخذه لا محالة ثم يخرج الضب من النافقاء . # والخداع فعل مذموم إلا في الحرب والانخداع تمشي حيلة المخادع على المخدوع ~~وهو مذموم أيضا لأنه من البله وأما إظهار الانخداع مع التفطن للحيلة إذا ~~كانت غير مضرة PageV01P274 فذلك من الكرم والحلم قال الفرزدق : # استمطروا من قريش كل منخدع # إن الكريم إذا خادعته انخدعا # وفي حديث ( المؤمن غر كريم ) أي من صفاته الصفح والتغاضي حتى يظن أنه غر ~~ولذلك عقبه بكريم لدفع الغرية المؤذنة بالبله فإن الإيمان يزيد الفطنة لأن ~~أصول اعتقاده مبنية على نبذ كل ما من شأنه تضليل الرأي وطمس البصيرة ألا ~~ترى إلى قوله : ( والسعيد من وعظ بغيره ) مع قوله : ( لا يلدغ المؤمن من ~~جحر مرتين ) ، وكلها تنادي على أن المؤمن لا يليق به البله وأما معنى ( ~~المؤمن غر كريم ) فهو أن ms0293 المؤمن لما زكت نفسه عن ضمائر الشر وخطورها بباله ~~وحمل أحوال الناس على مثل حاله فعرضت له حالة استئمان تشبه الغرية قال ذو ~~الرمة : # تلك الفتاة التي علقتها عرضا # إن الحليم وذا الإسلام يختلب # فاعتذر عن سرعة تعلقه بها واختلابها عقله بكرم عقله وصحة إسلامه فإن كل ~~ذلك من أسباب جودة الرأي ورقة القلب فلا عجب أن يكون سريع التأثر منها . # ومعنى صدور الخداع من جانبهم للمؤمنين ظاهر ، وأما مخادعتهم الله تعالى ~~المقتضية أن المنافقين قصدوا التمويه على الله تعالى مع أن ذلك لا يقصده ~~عاقل يعلم أن الله مطلع على الضمائر والمقتضية أن الله يعاملهم بخداع ، ~~وكذلك صدور الخداع من جانب المؤمنين للمنافقين كما هو مقتضى صيغة المفاعلة ~~مع أن ذلك من مذموم الفعل لا يليق بالمؤمنين فعله فلا يستقيم إسناده إلى ~~الله ولا قصد المنافقين تعلقه بمعاملتهم لله كل ذلك يوجب تأويلا في معنى ~~المفاعلة الدال عليه صيغة { يخادعون } أو في فاعله المقدر من الجانب الآخر ~~وهو المفعول المصرح به . # فأما التأويل في { يخادعون } فعلى وجوه : # أحدها : أن مفعول خادع لا يلزم أن يكون مقصودا للمخادع بالكسر إذ قد يقصد ~~خداع أحد فيصادف غيره كما يخادع أحد وكيل أحد في مال فيقال له أنت تخادع ~~فلانا وفلانا تعني الوكيل وموكله ، فهم قصدوا خداع المؤمنين لأنهم يكذبون ~~أن يكون الإسلام من عند الله فلما كانت مخادعتهم المؤمنين لأجل الدين كان ~~خداعهم راجعا لشارع ذلك الدين ، وأما تأويل معنى خداع الله تعالى والمؤمنين ~~إياهم فهو إغضاء المؤمنين عن بوادرهم وفلتات ألسنهم وكبواتت أفعالهم ~~وهفواتهم الدال جميعها على نفاقهم حتى لم يزالوا يعاملونهم معاملة المؤمنين ~~فإن ذلك لما كان من المؤمنين بإذن الرسول صلى الله عليه وسلم حتى لقد نهى ~~PageV01P275 من استأذنه في أن يقتل عبد الله بن أبي ابن سلول ، كان ذلك ~~الصنيع بإذن الله فكان مرجعه إلى الله ، ونظيره قوله تعالى : { إن ~~المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم في سورة النساء ( 142 ) ، كما رجع إليه ~~خداعهم للمؤمنين ، وهذا تأويل في ms0294 المخادعة من جانبيها ، كل بما يلائمه . # الثاني : } ما ذكره صاحب ( الكشاف ) أن { يخادعون } استعارة تمثيلية ~~تشبيها للهيئة الحاصلة من معاملتهم للمؤمنين ولدين الله ، ومن معاملة الله ~~إياهم في الإملاء لهم والإبقاء عليهم ، ومعاملة المؤمنين إياهم في إجراء ~~أحكام المسلمين عليهم ، بهيئة فعل المتخادعين . # الثالث : أن يكون خادع بمعنى خدع أي غير مقصود به حصول الفعل من الجانبين ~~بل قصد المبالغة . قال ابن عطية عن الخليل : يقال خادع من واحد لأن في ~~المخادعة مهلة كما يقال عالجت المريض لمكان المهلة ، قال ابن عطية كأنه يرد ~~فاعل إلى اثنين ولا بد من حيث إن فيه مهلة ومدافعة ومماطلة فكأنه يقاوم في ~~المعنى الذي يجيء فيه فاعل ا ه . وهذا يرجع إلى جعل صيغة المفاعلة مستعارة ~~لمعنى المبالغة بتشبيه الفعل القوي بالفعل الحاصل من فاعلين على وجه ~~التبعية ، ويؤيد هذا التأويل قراءة ابن عامر ومن معه : ( يخدعون الله ) . ~~وهذا إنما يدفع الإشكال عن إسناد صدور الخداع من الله والمؤمنين مع تنزيه ~~الله والمؤمنين عنه ، ولا يدفع إشكال صدور الخداع من المنافقين لله . # وأما التأويل في فاعل { يخادعون } المقدر وهو المفعول أيضا فبأن يجعل ~~المراد أنهم يخادعون رسول الله فالإسناد إلى الله تعالى إما على طريقة ~~المجاز العقلي لأجل الملابسة بين الرسول ومرسله وإما مجاز بالحذف للمضافف ، ~~فلا يكون مرادهم خداع الله حقيقة ، ويبقى أن يكون رسول الله مخدوعا منهم ~~ومخادعا لهم ، وأما تجويز مخادعة الرسول والمؤمنين للمنافقين لأنها جزاء ~~لهم على خداعهم فذلك غير لائق . # وقوله : { يخادعون الله } قرأه نافع وابن كثير وأبو عمرو وخلف ( يخادعون ~~) بألف بعد الخاء وقرأه ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وأبو جعفر ويعقوب ( ~~يخدعون ) بفتح التحتية وسكون الخاء . # وجملة { وما يخادعون إلا أنفسهم } حال من الضمير في { يخادعون } الأول أي ~~يخادعون في حال كونهم لا يخادعون إلا أنفسهم أي خداعهم مقصور عن ذواتهم لا ~~يرجع شيء منه إلى PageV01P276 الله والذين آمنوا ، فيتعين أن الخداع في ~~قوله { وما يخادعون } عين الخداع المتقدم في قوله : { يخادعون الله } فيرد ~~إشكال صحة ms0295 قصر الخداع على أنفسهم مع إثبات مخادعتهم الله تعالى والمؤمنين . ~~وقد أجاب صاحب ( الكشاف ) بما حاصله أن المخادعة الثانية مستعملة في لازم ~~معنى المخادعة الأولى وهو الضر فإنها قد استعملت أولا في مطلق المعاملة ~~الشبيهة بالخداع وهي معاملة الماكر المستخف فأطلق عليها لفظ المخادعة ~~استعارة ثم أطلقت ثانيا وأريد منها لازم معنى الاستعارة وهو الضر لأن الذي ~~يعامل بالمكر والاستخفاف يتصدى للإنتقام من معامله فقد يجد قدرة من نفسه أو ~~غرة من صاحبه فيضره ضرا فصار حصول الضر للمعامل أمرا عرفيا لازما لمعامله ، ~~وبذلك صح استعمال يخادع في هذا المعنى مجازا أو كناية وهو من بناء المجاز ~~على المجاز لأن المخادعة أطلقت أولا استعارة ثم نزلت منزلة الحقيقة ~~فاستعملت مجازا في لازم المعنى المستعار له ، فالمعنى وما يضرون إلا أنفسهم ~~فيجري فيه الوجوه المتعلقة بإطلاق مادة الخداع على فعلهم ، ويجىء تأويل ~~معنى جعل أنفسهم شقا ثانيا للمخادعة مع أن الأنفس هي عينهم فيكون الخداع ~~استعارة للمعاملة الشبيهة بفعل الجانبين المتخادعين بناء على ما شاع في ~~وجدان الناس من الإحساس بأن الخواطر التي تدعو إلى ارتكاب ما تسوء عواقبه ~~أنها فعل نفس هي مغايرة للعقل وهي التي تسول للإنسان الخير مرة والشر أخرى ~~وهو تخيل بني على خطابة أخلاقية لإحداث العداوة بين المرء وبين خواطره ~~الشريرة بجعلها واردة عليه من جهة غير ذاته بل من النفس حتى يتأهب ~~لمقارعتها وعصيان أمرها ولو انتسبت إليه لما رأى من سبيل إلى مدافعتها ، ~~قال عمرو بن معديكرب : # فجاشت علي أول مرة # فردت على مكروهها فاستقرت # وذكر ابن عطية أن أبا علي الفارسي أنشد لبعض الأعراب : # لم تدر ما ( لا ) ولست قائلها # عمرك ما عشت آخر الأبد # ولم تؤامر نفسيك ممتريا # فيها وفي أختها ولم تكد # يريد بأختها كلمة ( نعم ) وهي أخت ( لا ) والمراد أنها أخت في اللسان . ~~وقلت ومنه قول عروة بن أذينة : # وإذا وجدت لها وساوس سلوة # شفع الفؤاد إلى الضمير فسلها # فكأنهم لما عصوا نفوسهم التي تدعوهم للإيمان عند سماع الآيات والنذر ms0296 إذ ~~لا تخلو PageV01P277 النفس من أوبة إلى الحق جعل معاملتهم لها في الإعراض ~~عن نصحها وإعراضها عنهم في قلة تجديد النصح لهم وتركهم في غيهم كالمخادعة ~~من هذين الجانبين . # واعلم أن قوله : { وما يخادعون إلا أنفسهم } أجمعت القراءات العشر على ~~قراءته بضم التحتية وفتح الخاء بعدها ألف . والنفس في لسان العرب الذات ~~والقوة الباطنية المعبر عنها بالروح وخاطر العقل . # وقوله : { وما يشعرون } عطف على جملة { وما يخادعون } والشعور يطلق على ~~العلم بالأشياء الخفية ، ومنه سمي الشاعر شاعرا لعلمه بالمعاني التي لا ~~يهتدي إليها كل أحد وقدرته على الوزن والتقفية بسهولة ، ولا يحسن لذلك كل ~~أحد ، وقولهم ليت شعري في التحير في علم أمر خفي ، ولولا الخفاء لما تمنى ~~علمه بل لعلمه بلا تمن ، فقولهم هو لا يشعر وصف بعدم الفطنة لا بعدم ~~الإحساس وهو أبلغ في الذم لأن الذم بالوصف الممكن الحصول أنكى من الذم بما ~~يتحقق عدمه فإن إحساسهم أمر معلوم لهم وللناس فلا يغيضهم أن يوصفوا بعدمه ~~وإنما الذي يغيضهم أن يوصفوا بالبلادة . على أن خفاء مخادعتهم أنفسهم مما ~~لا يمتري فيه واختير مثله في نظيره في الخفاء وهو { ألا إنهم هم المفسدون ~~ولكن لا يشعرون } ( البقرة : 12 ) لأن كليهما أثبت فيه ما هو المآل والغاية ~~وهي مما يخفي واختير في قوله { ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون } ( ~~البقرة : 13 ) نفي العلم دون نفي الشعور لأن السفه قد يبدو لصاحبه بأقل ~~التفاتة إلى أحواله وتصرفاته لأن السفه أقرب لادعاء الظهور من مخادعة النفس ~~عند إرادة مخادعة الغير ومن حصول الإفساد عند إرادة الإصلاح وعلى الإطلاق ~~الثاني درج صاحب ( الكشاف ) قال : فهم لتمادي غفلتهم كالذي لا حس له . # # | 2 ( 10 ) { فى قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا ~~يكذبون } . ) 2 # استئناف محض لعد مساويهم ويجوز أن يكون بيانيا لجواب سؤال متعجب ناشىء عن ~~سماع الأحوال التي وصفوا بها قبل في قوله تعالى : { يخادعون الله والذين ~~آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون } ( البقرة : 9 ) فإن ms0297 من يسمع أن ~~طائفة تخادع الله تعالى وتخادع قوما عديدين وتطمع أن خداعها يتمشى عليهم ثم ~~لا تشعر بأن ضرر الخداع لاحق بها لطائفة جديرة بأن يتعجب من أمرها المتعجب ~~ويتساءل كيف خطر هذا بخواطرها فكان قوله : { في قلوبهم مرض } بيانا وهو أن ~~في قلوبهم خللا تزايد إلى أن بلغ حد الأفن . PageV01P278 ولهذا قدم الظرف ~~وهو { في قلوبهم } للاهتمام لأن القلوب هي محل الفكرة في الخداع فلما كان ~~المسؤول عنه هو متعلقها وأثرها كان هو المهتم به في الجواب . وتنوين { مرض ~~} للتعظيم . وأطلق القلوب هنا على محل التفكير كما تقدم عند قوله تعالى : { ~~ختم الله على قلوبهم } ( البقرة : 7 ) . # والمرض حقيقة في عارض للمزاج يخرجه عن الاعتدال الخاص بنوع ذلك الجسم ~~خروجا غير تام وبمقدار الخروج يشتد الألم فإن تم الخروج فهو الموت ، وهو ~~مجاز في الأعراض النفسانية العارضة للأخلاق البشرية عروضا يخرجها عن كمالها ~~، وإطلاق المرض على هذا شائع مشهور في كلام العرب ، وتدبير المزاج لإزالة ~~هذا العارض والرجوع به إلى اعتداله هو الطب الحقيقي ومجازي كذلك قال علقمة ~~بن عبدة الملقب بالفحل : # فإن تسألوني بالنساء فإنني # خبير بأدواء النساء طبيب # فذكر الأدواء والطب لفساد الأخلاق وإصلاحها . # والمراد بالمرض في هاته الآية هو معناه المجازي لا محالة لأنه هو الذي ~~اتصف به المنافقون وهو المقصود من مذمتهم وبيان منشأ مساوي أعمالهم . # ومعنى { فزادهم الله مرضا } أن تلك الأخلاق الذميمة الناشئة عن النفاق ~~والملازمة له كانت تتزايد فيهم بتزايد الأيام لأن من شأن الأخلاق إذا تمكنت ~~أن تتزايد بتزايد الأيام حتى تصير ملكات كما قال المعلوط القريعي : # ورج الفتى للخير ما إن رأيته # على السن خيرا لا يزال يزيد # وكذلك القول في الشر ولذلك قيل : من لم يتحلم في الصغر لا يتحلم في الكبر ~~، وقال النابغة يهجو عامر بن الطفيل : # فإنك سوف تحلم أو تناهى # إذا ماشبت أو شاب الغراب # وإنما كان النفاق موجبا لازدياد ما يقارنه من سيء الأخلاق لأن النفاق ~~يستر الأخلاق الذميمة فتكون محجوبة عن الناصحين والمربين ms0298 والمرشدين وبذلك ~~تتأصل وتتوالد إلى غير حد فالنفاق في كتمه مساوىء الأخلاق بمنزلة كتم ~~المريض داءه عن الطبيب ، وإليك بيان ما ينشأ عن النفاق من الأمراض ~~الأخلاقية في الجدول المذكور هنا وأشرنا إلى ما يشير إلى كل خلق منها في ~~الآيات الواردة هنا أو في آيات أخرى في هذا الجدول : PageV01P279 # # # # صفحة مستقلة للرسم ص 280 الأصل . # PageV01P280 # اعلم أن هذه طباع تنشأ عن النفاق أو تقارنه من حيث هو ولا سيما النفاق في ~~الدين فقد نبهنا الله تعالى لمذام ذلك تعليما وتربية فإن النفاق يعتمد على ~~ثلاث خصال وهي : الكذب القولي ، والكذب الفعلي وهو الخداع ، ويقارن ذلك ~~الخوف لأن الكذب والخداع إنما يصدران ممن يتوقى إظهار حقيقة أمره وذلك لا ~~يكون إلا لخوف ضر أو لخوف إخفاق سعي وكلاهما مؤذن بقلة الشجاعة والثبات ~~والثقة بالنفس وبحسن السلوك ، ثم إن كل خصلة من هاته الخصال الثلاث الذميمة ~~توكد هنوات أخرى ، فالكذب ينشأ عن شيء من البله لأن الكاذب يعتقد أن كذبه ~~يتمشى عند الناس وهذا من قلة الذكاء لأن النبيه يعلم أن في الناس مثله ~~وخيرا منه ، ثم البله يؤدي إلى الجهل بالحقائق وبمراتب العقول ، ولأن الكذب ~~يعود فكر صاحبه بالحقائق المحرفة وتشتبه عليه مع طول الاسترسال في ذلك حتى ~~إنه ربما اعتقد ما اختلقه واقعا ، وينشأ عن الأمرين السفه وهو خلل في الرأي ~~وأفن في العقل ، وقد أصبح علماء الأخلاق والطب يعدون الكذب من أمراض الدماغ ~~. # وأما نشأة العجب والغرور والكفر وفساد الرأي عن الغباوة والجهل والسفه ~~فظاهرة ، وكذلك نشأة العزلة والجبن والتستر عن الخوف ، وأما نشأة عداوة ~~الناس عن الخداع فلأن عداوة الأضداد تبدأ من شعورهم بخداعه ، وتعقبها عداوة ~~الأصحاب لأنهم إذا رأوا تفنن ذلك الصاحب في النفاق والخداع داخلهم الشك أن ~~يكون إخلاصه الذي يظهره لهم هو من المخادعة فإذا حصلت عداوة الفريقين تصدى ~~الناس كلهم للتوقي منه والنكاية به ، وتصدى هو للمكر بهم والفساد ليصل إلى ~~مرامه ، فرمته الناس عن قوس واحدة واجتنى من ذلك أن يصير هزأة ms0299 للناس أجمعين ~~. # وقد رأيتم أن الناشىء عن مرض النفاق والزائد فيه هو زيادة ذلك الناشىء أي ~~تأصله وتمكنه وتولد مذمات أخرى عنه ، ولعل تنكير ( مرض ) في الموضعين أشعر ~~بهذا فإن تنكير الأول للإشارة إلى تنويعع أو تكثير ، وتنكير الثاني ليشير ~~إلى أن المزيد مرض آخر على قاعدة إعادة النكرة نكرة . # وإنما أسندت زيادة مرض قلوبهم إلى الله تعالى مع أن زيادة هاته الأمراض ~~القلبية من ذاتها لأن الله تعالى لما خلق هذا التولد وأسبابه وكان أمرا ~~خفيا نبه الناس على خطر الاسترسال في النوايا الخبيثة والأعمال المنكرة ، ~~وأنه من شأنه أن يزيد تلك النوايا تمكنا PageV01P281 من القلب فيعسر أو ~~يتعذر الإقلاع عنها بعد تمكنها ، وأسندت تلك الزيادة إلى اسمه تعالى لأن ~~الله تعالى غضب عليهم فأهملهم وشأنهم ولم يتداركهم بلطفه الذي يوقظهم من ~~غفلاتهم لينبه المسلمين إلى خطر أمرها وأنها مما يعسر إقلاع أصحابها عنها ~~ليكون حذرهم من معاملتهم أشد ما يمكن . # فجملة : { فزادهم الله مرضا } خبرية معطوفة على قوله : { في قلوبهم مرض } ~~واقعة موقع الاستئناف للبيان ، داخلة في دفع التعجب ، أي إن سبب توغلهم في ~~الفساد ومحاولتهم ما لا ينال لأن في قلوبهم مرضا ولأنه مرض يتزايد مع ~~الأيام تزايدا مجعولا من الله فلا طمع في زواله . وقال بعض المفسرين : هي ~~دعاء عليهم كقول جبير بن الأضبط : # تباعد عني فطحل إذ دعوته # أمين فزاد الله ما بيننا بعدا # وهو تفسير غير حسن لأنه خلاف الأصل في العطف بالفاء ولأن تصدي القرآن ~~لشتمهم بذلك ليس من دأبه ، ولأن الدعاء عليهم بالزيادة تنافي ما عهد من ~~الدعاء للضالين بالهداية في نحو : ( اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون ) . # وقوله : { ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون } معطوف على قوله : { فزادهم ~~الله مرضا } إكمالا للفائدة فكمل بهذا العطف بيان ما جره النفاق إليهم من ~~فساد الحال في الدنيا والعذاب في الآخرة . وتقديم الجار والمجرور وهو { لهم ~~} للتنبيه على أنه خبر لانعت حتى يستقر بمجرد سماع المبتدأ العلم بأن ذلك ~~من صفاتهم فلا تلهو النفس ms0300 عن تلقيه . # والأليم فعيل بمعنى مفعول لأن الأكثر في هذه الصيغة أن الرباعي بمعنى ~~مفعل وأصله عذاب مؤلم بصيغة اسم المفعول أي مؤلم من يعذب به على طريقة ~~المجاز العقلي لأن المؤلم هو المعذب دون العذاب كما قالوا جد جده ، أو هو ~~فعيل بمعنى فاعل من ألم بمعنى صار ذا ألم ، وإما أن يكون فعيل بمعنى مفعل ~~أي مؤلم بكسر اللام ، فقيل لم يثبت عن العرب في هذه المادة وثبت في نظيرها ~~نحو الحكيم والسميع بمعنى المسمع كقول عمرو بن معديكرب : # وخيلل قد دلفت لها بخيل # تحية بينهم ضرب وجيع # أي موجع ، واختلف في جواز القياس عليه والحق أنه كثير في الكلام البليغ ~~وأن منع القياس عليه للمولدين قصد منه التباعد عن مخالفة القياس بدون داع ~~لئلا يلتبس حال الجاهل بحال البليغ فلا مانع من تخريج الكلام الفصيح عليه . ~~PageV01P282 # وقوله : { بما كانوا يكذبون } الباء للسببية . وقرأ الجمهور ( يكذبون ) ~~بضم أوله وتشديد الذال . وقرأه عاصم وحمزة والكسائي وخلف بفتح أوله وتخفيف ~~الذال أي بسبب تكذيبهم الرسول وإخباره بأنه مرسل من الله وأن القرآن وحي ~~الله إلى الرسول ، فمادة التفعيل للنسبة إلى الكذب مثل التعديل والتجريح ، ~~وأما قراءة التخفيف فعلى كذبهم الخاص في قولهم : { آمنا بالله } ( البقرة : ~~8 ) وعلى كذبهم العام في قولهم : { إنما نحن مصلحون } ( البقرة : 11 ) ~~فالمقصود كذبهم في إظهار الإيمان وفي جعل أنفسهم المصلحين دون المؤمنين . # والكذب ضد الصدق ، وسيأتي عند قوله تعالى : { ولكن الذين كفروا يفترون ~~على الله الكذب في سورة المائدة ( 103 ) . و ( ما ) المجرورة بالباء مصدرية ~~، والمصدر هو المنسبك من كان أي الكون . # $ 2 ( 11 ) وإذا قيل لهم لا تفسدوا فى الأرض قالو & # 1764 ا إنما نحن مصلحون } . ) 2 $ # يظهر لي أن جملة { وإذا قيل لهم } عطف على جملة { في قلوبهم مرض } ( ~~البقرة : 10 ) ؛ لأن قوله : { وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما ~~نحن مصلحون } إخبار عن بعض عجيب أحوالهم ، ومن تلك الأحوال أنهم قالوا { ~~إنما نحن مصلحون } في حين أنهم مفسدون فيكون معطوفا ms0301 على أقرب الجمل الملظة ~~لأحوالهم وإن كان ذلك آيلا في المعنى إلى كونه معطوفا على الصلة في قوله : ~~{ من يقول آمنا بالله } ( البقرة : 8 ) . # و ( إذا ) هنا لمجرد الظرفية وليست متضمنة معنى الشرط كما أنها هنا ~~للماضي وليست للمستقبل وذلك كثير فيها كقوله تعالى : { حتى إذا فشلتم ~~وتنازعتم في الأمر } ( آل عمران : 152 ) الآية . ومن نكت القرآن المغفول ~~عنها تقييد هذا الفعل بالظرف فإن الذي يتبادر إلى الذهن أن محل المذمة هو ~~أنهم يقولون { إنما نحن مصلحون } مع كونهم مفسدين ، ولكن عند التأمل يظهر ~~أن هذا القول يكون قائلوه أجدر بالمذمة حين يقولونه في جواب من يقول لهم { ~~لا تفسدوا في الأرض } فإن هذا الجواب الصادر من المفسدين لا ينشأ إلا عن ~~مرض القلب وأفن الرأي ، لأن شأن الفساد أن لا يخفى ولئن خفي فالتصميم عليه ~~واعتقاد أنه صلاح بعد الإيقاظ إليه والموعظة إفراط في الغباوة أو المكابرة ~~وجهل فوق جهل . وعندي أن هذا هو المقتضى لتقديم الظرف على جملة { قالوا . . ~~. } ، لأنه أهم إذ هو محل التعجيب من حالهم ، ونكت الإعجاز لا تتناهى . ~~PageV01P283 # والقائل لهم { لا تفسدوا في الأرض } بعض من وقف على حالهم من المؤمنين ~~الذين لهم اطلاع على شؤونهم لقرابة أو صحبة ، فيخلصون لهم النصيحة والموعظة ~~رجاء إيمانهم ويسترون عليهم خشية عليهم من العقوبة وعلما بأن النبيء صلى ~~الله عليه وسلم يغضي عن زلاتهم كما أشار إليه ابن عطية . وفي جوابهم بقولهم ~~: { إنما نحن مصلحون } ما يفيد أن الذين قالوا لهم { لا تفسدوا في الأرض } ~~كانوا جازمين بأنهم مفسدون لأن ذلك مقتضى حرف إنما كما سيأتي ويدل لذلك ~~عندي بناء فعل قيل للمجهول بحسب ما يأتي في قوله تعالى : { وإذا لقوا الذين ~~آمنوا قالوا آمنا } ( البقرة : 8 ) ولا يصح أن يكون القائل لهم الله ~~والرسول إذ لو نزل الوحي وبلغ إلى معينين منهم لعلم كفرهم ولو نزل مجملا ~~كما تنزل مواعظ القرآن لم يستقم جوابهم بقولهم : { إنما نحن مصلحون } . # وقد عن لي في بيان إيقاعهم الفساد أنه مراتب ms0302 : # أولها : إفسادهم أنفسهم بالإصرار على تلك الأدواء القلبية التي أشرنا ~~إليها فيما مضى وما يترتب عليها من المذام ويتولد من المفاسد . # الثانية : إفسادهم الناس ببث تلك الصفات والدعوة إليها ، وإفسادهم ~~أبناءهم وعيالهم في اقتدائهم بهم في مساويهم كما قال نوح عليه السلام : { ~~إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا } ( نوح : 27 ) . # الثالث : إفسادهم بالأفعال التي ينشأ عنها فساد المجتمع ، كإلقاء النميمة ~~والعداوة وتسعير الفتن وتأليب الأحزاب على المسلمين وإحداث العقبات في طريق ~~المصلحين . # والإفساد فعل ما به الفساد ، والهمزة فيه للجعل أي جعل الأشياء فاسدة في ~~الأرض . والفساد أصله استحالة منفعة الشيء النافع إلى مضرة به أو بغيره ، ~~وقد يطلق على وجود الشيء مشتملا على مضرة ، وإن لم يكن فيه نفع من قبل يقال ~~فسد الشيء بعد أن كان صالحا ويقال فاسد إذا وجد فاسدا من أول وهلة ، وكذلك ~~يقال أفسد إذا عمد إلى شيء صالح فأزال صلاحه ، ويقال أفسد إذا أوجد فسادا ~~من أول الأمر . والأظهر أن الفساد موضوع للقدر المشترك من المعنيين وليس من ~~الوضع المشترك ، فليس إطلاقه عليهما كما هنا من قبيل استعمال المشترك في ~~معنييه . فالإفساد في الأرض منه تصيير الأشياء الصالحة مضرة كالغش في ~~الأطعمة ، ومنه إزالة الأشياء النافعة كالحرق والقتل للبرآء ، ومنه إفساد ~~الأنظمة كالفتن والجور ، ومنه إفساد المساعي كتكثير الجهل وتعليم الدعارة ~~وتحسين الكفر ومناوأة PageV01P284 الصالحين المصلحين ، ولعل المنافقين قد ~~أخذوا من ضروب الإفساد بالجميع ، فلذلك حذف متعلق { تفسدوا } تأكيدا للعموم ~~المستفاد من وقوع في حيز النفي . # وذكر المحل الذي أفسدوا ما يحتوي عليه وهو الأرض لتفظيع فسادهم بأنه ~~مبثوث في هذه الأرض لأن وقوعه في رقعة منها تشويه لمجموعها . والمراد ~~بالأرض هذه الكرة الأرضية بما تحتوي عليه من الأشياء القابلة للإفساد من ~~الناس والحيوان والنبات وسائر الأنظمة والنواميس التي وضعها الله تعالى لها ~~، ونظيره قوله تعالى : { وإذا تولى سعي في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث ~~والنسل والله لا يحب الفساد } ( البقرة : 200 ) . # وقوله تعالى : { قالوا إنما نحن مصلحون } جواب ms0303 بالنقض فإن الإصلاح ضد ~~الإفساد ، أي جعل الشيء صالحا ، والصلاح ضد الفساد يقال صلح بعد أن كان ~~فاسدا ويقال صلح بمعنى وجد من أول وهلة صالحا فهو موضوع للقدر المشترك كما ~~قلنا . وجاءوا بإنما المفيدة للقصر باتفاق أئمة العربية والتفسير ولا ~~اعتداد بمخالفه شذوذا في ذلك . وأفاد { إنما } هنا قصر الموصوف على الصفة ~~ردا على قول من قال لهم { لا تفسدوا } ، لأن القائل أثبت لهم وصف الفساد ~~إما باعتقاد أنهم ليسوا من الصلاح في شيء أو باعتقاد أنهم قد خلطوا عملا ~~صالحا وفاسدا ، فردوا عليهم بقصر القلب ، وليس هو قصرا حقيقيا لأن قصر ~~الموصوف على الصفة لا يكون حقيقيا ولأن حرف إنما يختص بقصر القلب كما في ( ~~دلائل الإعجاز ) ، واختير في كلامهم حرف ( إنما ) لأنه يخاطب به مخاطب مصر ~~على الخطأ كما في ( دلائل الإعجاز ) وجعلت جملة القصر اسمية لتفيد أنهم ~~جعلوا اتصافهم بالإصلاح أمرا ثابتا دائما ، إذ من خصوصيات الجملة الاسمية ~~إفادة الدوام . # $ 2 ( 12 ) { ألا & # 1764 إنهم هم المفسدون ولاكن لا يشعرون } . ) 2 $ # رد عليهم في غرورهم وحصرهم أنفسهم في الصلاح فرد عليهم بطريق من طرق ~~القصر هو أبلغ فيه من الطريق الذي قالوه لأن تعريف المسند يفيد قصر المسند ~~على المسند إليه فيفيد قوله : { ألا إنهم هم المفسدون } قصر الإفساد عليهم ~~بحيث لا يوجد في غيرهم وذلك ينفي حصرهم أنفسهم في الإصلاح وينقضه وهو جار ~~على قانون النقض وعلى أسلوب القصر الحاصل بتعريف الجنس وإن كان الرد قد ~~يكفي فيه أن يقال إنهم مفسدون بدون صيغة قصر ، إلا أنه PageV01P285 قصر ~~ليفيد ادعاء نفي الإفساد عن غيرهم . وقد يفيد ذلك أن المنافقين ليسوا ممن ~~ينتظم في عداد المصلحين لأن شأن المفسد عرفا أن لا يكون مصلحا إذ الإفساد ~~هين الحصول وإنما يصد عنه الوازع فإذا خلع المرء عنه الوازع وأخذ في ~~الإفساد هان عليه الإفساد ثم تكرر حتى يصبح سجية ودأبا لا يكاد يفارق ~~موصوفه . # وحرف ( ألا ) للتنبيه إعلانا لوصفهم بالإفساد . # وقد أكد قصر الفساد عليهم بضمير الفصل ms0304 أيضا كما أكد به القصر في قوله : { ~~وأولئك هم المفلحون } ( البقرة : 5 ) كما تقدم قريبا . ودخولل ( إن ) على ~~الجملة وقرنها بألا المفيدة للتنبيه وذلك من الاهتمام بالخبر وتقويته دلالة ~~على سخط الله تعالى عليهم فإن أدوات الاستفتاح مثل ألا وأما لما كان شأنها ~~أن ينبه بها السامعون دلت على الاهتمام بالخبر وإشاعته وإعلانه ، فلا جرم ~~أن تدل على أبلغية ما تضمنه الخبر من مدح أو ذم أو غيرهما ، ويدل ذلك أيضا ~~على كمال ظهور مضمون الجملة للعيان لأن أدوات التنبيه شاركت أسماء الإشارة ~~في تنبيه المخاطب . # وقوله : { ولكن لا يشعرون } محمله محمل قوله تعالى قبله : { وما يخادعون ~~إلا أنفسهم وما يشعرون } ( البقرة : 9 ) فإن أفعالهم التي يبتهجون بها ~~ويزعمونها منتهى الحذق والفطنة وخدمة المصلحة الخالصة آيلة إلى فساد عام لا ~~محالة إلا أنهم لم يهتدوا إلى ذلك لخفائه وللغشاوة التي ألقيت على قلوبهم ~~من أثر النفاق ومخالطة عظماء أهله ، فإن حال القرين وسخافة المذهب تطمس على ~~العقول النيرة وتخف بالأحلام الراجحة حتى ترى حسنا ما ليس بالحسن . وموقع ~~حرف الاستدراك هنا لأن الكلام دفع لما أثبتوه لأنفسهم من الخلوص للإصلاح ، ~~فرفع ذلك التوهم بحرف الاستدراك . # $ 2 ( 13 ) { وإذا قيل لهم ءامنوا كمآ ءامن الناس قالو & # 1764 ا أنؤمن كمآ آمن السفهآء ألا & # 1764 إنهم هم السفهآء ولاكن لا يعلمون } . ) 2 $ # { وإذا قيل لهم ءامنوا كمآ ءامن الناس قالو & # 1764 ا أنؤمن كمآ آمن السفهآء ألا & # 1764 إنهم هم السفهآء ولاكن لا يعلمون } . # هو من تمام المقول قبله فحكمه حكمه بالعطف والقائل ، ويجوز هنا أن يكون ~~القائل أيضا طائفة من المنافقين يشيرون عليهم بالإقلاع عن النفاق لأنهم ~~ضجروه وسئموا كلفه ومتقياته ، وكلت أذهانهم من ابتكار الحيل واختلاق الخطل ~~. وحذف مفعول { آمنوا } استغناء عنه بالتشبيه في قوله : { كما آمن الناس } ~~أو لأنه معلوم للسامعين . وقوله : { كما آمن الناس } PageV01P286 الكاف فيه ~~للتشبيه أو للتعليل ، واللام في ( الناس ) للجنس أو للاستغراق العرفي . ~~والمراد بالناس من عدا المخاطبين ، كلمة تقولها العرب في الإغراء بالفعل ~~والحث ms0305 عليه لأن شأن النفوس أن تسرع إلى التقليد والاقتداء بمن يسبقها في ~~الأمر ، فلذلك يأتون بهاته الكلمة في مقام الإغراء أو التسلية أو الائتساء ~~، قال عمرو ابن البراقة النهمي : # وننصر مولانا ونعلم أنه # كما الناسس مجروم عليه وجارم # وقوله : { أنؤمن كما آمن السفهاء } استفهام للإنكار ، قصدوا منه التبرىء ~~من الإيمان على أبلغ وجه ، وجعلوا الإيمان المتبرأ منه شبيها بإيمان ~~السفهاء تشنيعا له وتعريضا بالمسلمين بأنهم حملهم على الإيمان سفاهة عقولهم ~~، ودلوا على أنهم علموا مراد من يقول لهم { كما آمن الناس } أنه يعني ~~بالناس المسلمين . # والسفهاء جمع سفيه وهو المتصف بالسفاهة ، والسفاهة خفة العقل وقلة ضبطه ~~للأمور قال السموأل : # نخاف أن تسفه أحلامنا # فنخمل الدهر مع الخامل # والعرب تطلق السفاهة على أفن الرأي وضعفه ، وتطلقها على سوء التدبير ~~للمال . قال تعالى : { ولا تؤتوا السفهاء أموالكم } ( النساء : 5 ) وقال : ~~{ فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا } ( البقرة : 282 ) الآية لأن ذلك ~~إنما يجىء من ضعف الرأي . ووصفهم المؤمنين بالسفاهة بهتان لزعمهم أن ~~مخالفتهم لا تكون إلا لخفة في عقولهم ، وليس ذلك لتحقيرهم ، كيف وفي ~~المسلمين سادة العرب من المهاجرين والأنصار . وهذه شنشنة أهل الفساد والسفه ~~أن يرموا المصلحين بالمذمات يهتانا ووقاحة ليلهوهم عن تتبع مفاسدهم ولذلك ~~قال أبو الطيب : # وإذا أتتك مذمتي من ناقصفهي الشهادة لي بأني كامل # وليس في هاته الآية دليل على حكم الزنديق إذا ظهر عليه وعرفت زندقته ~~إثباتا ، ولا نفيا لأن القائلين لهم { آمنوا كما آمن الناس } هم من أقاربهم ~~أو خاصتهم من المؤمنين الذين لم يفشوا أمرهم فليس في الآية دليل على ظهور ~~نفاقهم للرسول بوجه معتاد ولكنه شيء أطلع PageV01P287 عليه نبيئه ، وكانت ~~المصلحة في ستره ، وقد اطلع بعض المؤمنين عليه بمخالطتهم وعلموا من النبيء ~~صلى الله عليه وسلم الإعراض عن إذاعة ذلك فكانت الآية غير دالة على حكم ~~شرعي يتعلق بحكم النفاق والزندقة . # { ألا & # 1764 إنهم هم السفهآء ولاكن لا يعلمون } . # أتى بما يقابل جفاء طبعهم انتصارا للمؤمنين ، ولولا جفاء قولهم : { أنؤمن ~~كما آمن ms0306 السفهاء } لما تصدى القرآن لسبابهم مع أن عادته الإعراض عن ~~الجاهلين ولكنهم كانوا مضرب المثل : ( قلت فأوجبت ) ، ولأنه مقام بيان الحق ~~من الباطل فتحسن فيه الصراحة والصرامة كما تقرر في آداب الخطابة ، وأعلن ~~ذلك بكلمة ألا المؤذنة بالتنبيه للخبر ، وجاء بصيغة القصر على نحو ما قرر ~~في : { ألا إنهم هم المفسدون } ( البقرة : 12 ) ليدل على أن السفاهة مقصورة ~~عليهم دون المؤمنين فهو إضافي لا محالة . وإذا ثبتت لهم السفاهة انتفى عنهم ~~الحلم لا محالة لأنهما ضدان في صفات العقول # ( إن ) هنا لتوكيد الخبر وهو مضمون القصر وضمير الفصل لتأكيد القصر كما ~~تقدم آنفا . و ( ألا ) كأختها المتقدمة في : { ألا إنهم هم المفسدون } . # وقوله : { ولكن لا يعلمون } نفى عنهم العلم بكونهم سفهاء بكلمة { يعلمون ~~دون يشعرون خلافا للآيتين السابقتين لأن اتصافهم بالسفه ليس مما شأنه ~~الخفاء حتى يكون العلم به شعورا ويكون الجهل به نفي شعور ، بل هو وصف ظاهر ~~لا يخفى لأن لقاءهم كل فريق بوجه واضطرابهم في الاعتماد على إحدى الخلتين ~~وعدم ثباتهم على دينهم ثباتا كاملا ولا على الإسلام كذلك كاف في النداء ~~بسفاهة أحلامهم فإن السفاهة صفة لا تكاد تخفى ، وقد قالت العرب : السفاهة ~~كاسمها ، قال النابغة : # نبئت زرعة والسفاهة كاسمها # يهدى إلي غرائب الأشعار # وقال جزء بن كلاب الفقعسي : # تبغى ابن كوز والسفاهة كاسمها # ليستاد منا أن شتونا لياليا # فظنهم أن ما هم عليه من الكفر رشد ، وأن ما تقلده المسلمون من الإيمان ~~سفه يدل على PageV01P288 انتفاء العلم عنهم . فموقع حرف الاستدراك لدفع ~~تعجب من يتعجب من رضاهم بالاختصاص بوصف السفاهة . # $ 2 ( 14 ) وإذا لقوا الذين ءامنوا قالو & # 1764 ا ءامنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالو & # 1764 ا إنا معكم إنما نحن مستهزءون } . ) 2 $ # عطف { وإذا لقوا } على ما عطف عليه : { وإذا قيل لهم لا تفسدوا } ( ~~البقرة : 12 ) { وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس } ( البقرة : 13 ) . ~~والكلام في الظرفية والزمان سواء . # والتقييد بقوله : { وإذ لقوا الذين آمنوا } تمهيد لقوله : { وإذا خلوا } ~~فبذلك كان مفيدا فائدة ms0307 زائدة على ما في قوله : { ومن الناس من يقول آمنا ~~بالله } ( البقرة : 8 ) الآية فليس ما هنا تكرارا مع ما هناك ، لأن المقصود ~~هنا وصف ما كانوا يعملون مع المؤمنين وإيهامهم أنهم منهم ولقائهم بوجوه ~~الصادقين ، فإذا فارقوهم وخلصوا إلى قومهم وقادتهم خلعوا ثوب التستر وصرحوا ~~بما يبطنون . ونكتة تقديم الظرف تقدمت في قوله : { وإذا قيل لهم لا تفسدوا ~~} . # ومعنى قولهم { آمنا } أي كنا مؤمنين فالمراد من الإيمان في قولهم { آمنا ~~} الإيمان الشرعي الذي هو مجموع الأوصاف الاعتقادية والعلمية التي تلقب بها ~~المؤمنون وعرفوا بها على حد قوله تعالى : { إنا هدنا إليك } ( الأعراف : ~~156 ) أي كنا على دين اليهودية فلا متعلق بقوله { آمنا } حتى يحتاج لتوجيه ~~حذفه أو تقديره ، أو أريد آمنا بما آمنتم به ، والأول أظهر ، ولقاؤهم الذين ~~آمنوا هو حضورهم مجلس النبيء صلى الله عليه وسلم ومجالس المؤمنين . ومعنى { ~~قالوا آمنا } أظهروا أنهم مؤمنون بمجرد القول لا بعقد القلب ، أي نطقوا ~~بكلمة الإسلام وغيرها مما يترجم عن الإيمان . # وقوله : { وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم } معطوف على قوله : { ~~وإذا لقوا } والمقصود هو هذا المعطوف وأما قوله : { وإذا لقوا الذين آمنوا ~~} فتمهيد له كما علمت ، وذلك ظاهر من السياق لأن كل أحد يعلم أن المقصود ~~أنهم يقولون آمنا في حال استهزاء يصرحون بقصده إذا خلوا بدليل أنه قد تقدم ~~أنهم يأبون من الإيمان ويقولون : { أنؤمن كما آمن السفهاء } ( البقرة : 13 ~~) إنكارا لذلك ، وواو العطف صالحة للدلالة على المعية وغيرها بحسب السياق ~~وذلك أن السياق في بيان ما لهم من وجهين وجه مع المؤمنين ووجه مع قادتهم ، ~~وإنما لم يجعل مضمون الجملة الثانية في PageV01P289 صورة الحال كأن يقال ~~قائلين لشياطينهم إذا خلوا ولم نحمل الواو في قوله : { وإذا خلوا } على ~~الحال ، أما الأول فلأن مضمون كلتا الجملتين لما كان صالحا لأن يعتبر صفة ~~مستقلة دالة على النفاق قصد بالعطف استقلال كلتيهما لأن الغرض تعداد ~~مساويهم فإن مضمون : { وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا } مناد وحده ~~بنفاقهم في هاته الحالة ms0308 كما يفصح عنه قوله : { وإذا لقوا } الدال على أن ~~ذلك في وقت مخصوص ، وأما الثاني فلأن الأصل اتحاد موقع الجملتين ~~المتماثلتين لفظا . ولما تقدم إيضاحه في وجه العدول عن الإتيان بالحال . # والشياطين جمع شيطان ، جمع تكسير ، وحقيقة الشيطان أنه نوع من المخلوقات ~~المجردة ، طبيعتها الحرارة النارية وهم من جنس الجن قال تعالى في إبليس : { ~~كان من الجن } ( الكهف : 50 ) وقد اشتهر ذكره في كلام الأنبياء والحكماء ، ~~ويطلق الشيطان على المفسد ومثير الشر ، تقول العرب فلان من الشياطين ومن ~~شياطين العرب وذلك استعارة ، وكذلك أطلق هنا على قادة المنافقين في النفاق ~~، قال تعالى : { وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين } ( الأنعام : 112 ) الخ ~~. # ووزن شيطان اختلف فيه البصريون والكوفيون من علماء العربية فقال البصريون ~~هو فيعال من شطن بمعنى بعد ؛ لأنه أبعد عن رحمة الله وعن الجنة فنونه أصلية ~~وقال الكوفيون هو فعلان من شاط بمعنى هاج أو احترق أو بطل ووجه التسمية ~~ظاهر . ولا أحسب هذا الخلاف إلا أنه بحث عن صيغة اشتقاقه فحسب أي البحث عن ~~حروفه الأصول وهل إن نونه أصل أو زائد وإلا فإنه لا يظن بنحاة الكوفة أن ~~يدعوا أنه يعامل معاملة الوصف الذي فيه زيادة الألف والنون مثل غضبان ، كيف ~~وهو متفق على عدم منعه من الصرف في قوله تعالى : { وحفظناها من كل شيطان ~~رجيم } ( الحجر : 17 ) . وقال ابن عطية ويرد على قول الكوفيين أن سيبويه ~~حكى أن العرب تقول تشيطن إذا فعل الشيطان فهذا يبين أنه من شطن وإلا لقالوا ~~تشيط ا ه . وفي ( الكشاف ) : جعل سيبويه نون شيطان في موضع من كتابه أصلية ~~وفي آخر زائدة ا ه . # والوجه أن تشيطن لما كان وصفا مشتقا من الاسم كقولهم تنمر أثبتوا فيه ~~حروف الاسم على ما هي عليه لأنهم عاملوه معاملة الجامد دون المشتق لأنه ليس ~~مشتقا مما اشتق منه الاسم بل من حروف الاسم فهو اشتقاق حصل بعد تحقيق ~~الاستعمال PageV01P290 وقطع النظر عن مادة الاشتقاق الأول فلا يكون قولهم ~~ذلك مرجحا لأحد القولين . # وعندي ms0309 أنه اسم جامد شابه في حروفه مادة مشتقة ودخل في العربية من لغة ~~سابقة لأن هذا الاسم من الأسماء المتعلقة بالعقائد والأديان ، وقد كان ~~العرب العراق فيها السبق قبل انتقالهم إلى الحجاز واليمن ، ويدل لذلك تقارب ~~الألفاظ الدالة على هذا المعنى في أكثر اللغات القديمة . وكنت رأيت قول من ~~قال إن اسمه في الفارسية سيطان . # و ( خلوا ) بمعنى انفردوا فهو فعل قاصر ويعدى بالباء وباللام ومن ومع بلا ~~تضمين ويعدى بإلى على تضمين معنى آب أو خلص ويعدى بنفسه على تضمين تجاوز ~~وباعد ومنه ما شاع من قولهم : ( افعل كذا وخلاك ذم ) أي إن تبعة الأمر أو ~~ضره لا تعود عليك . وقد عدي هنا بإلى اليشير إلى أن الخلوة كانت في مواضع ~~هي مآبهم ومرجعهم وأن لقاءهم للمؤمنين إنما هو صدفة ولمحات قليلة ، أفاد ~~ذلك كله قوله : { لقوا وخلوا . } وهذا من بديع فصاحة الكلمات وصراحتها . # واعلم أنه حكى خطابهم للذين آمنوا بما يقتضي أنهم لم يأتوا فيه بما يحقق ~~الخبر من تأكيد ، وخطابهم موهم بما يقتضي أنهم حققوا لهم بقاءهم على دينهم ~~بتأكيد الخبر بما دل عليه حرف التأكيد في قوله : { إنا معكم } مع أن مقتضى ~~الظاهر أن يكون كلامهم بعكس ذلك ؛ لأن المؤمنين يشكون في إيمان المنافقين ، ~~وقومهم لا يشكون في بقائهم على دينهم ، فجاءت حكاية كلامهم الموافقة ~~لمدلولاته على خلاف مقتضى الظاهر لمراعاة ما هو أجدر بعناية البليغ من ~~مقتضى الظاهر . فخلو خطابهم مع المؤمنين عما يفيد تأكيد الخبر لأنهم لا ~~يريدون أن يعرضوا أنفسهم في معرض من يتطرق ساحته الشك في صدقه لأنهم إذا ~~فعلوا ذلك فقد أيقظوهم إلى الشك وذلك من إتقان نفاقهم على أنه قد يكون ~~المؤمنون أخلياء الذهن من الشك في المنافقين لعدم تعينهم عندهم فيكون تجريد ~~الخبر من المؤكدات مقتضى الظاهر . # وأما قولهم لقومهم { إنا معكم } بالتأكيد فذلك لأنه لما بدا من إبداعهم ~~في النفاق عند لقاء المسلمين ما يوجب شك كبرائهم في البقاء على الكفر وتطرق ~~به التهمة أبواب قلوبهم PageV01P291 احتاجوا إلى ms0310 تأكيد ما يدل على أنهم ~~باقون على دينهم . وكذلك قولهم : { إنما نحن مستهزئون } فقد أبدوا به وجه ~~ما أظهروه للمؤمنين وجاءوا فيه بصيغة قصر القلب لرد اعتقاد شياطينهم فيهم ~~أن ما أظهروه للمؤمنين حقيقة وإيمان صادق . # وقد وجه صاحب ( الكشاف ) العدول عن التأكيد في قولهم : { آمنا } والتأكيد ~~في قولهم { إنا معكم } بأن مخاطبتهم المؤمنين انتفى عنها ما يقتضي تأكيد ~~الخبر لأن المخبرين لم يتعلق غرضهم بأكثر من ادعاء حدوث إيمانهم لأن نفوسهم ~~لا تساعدهم على أن يتلفظوا بأقوى من ذلك ولأنهم علموا أن ذلك لا يروج على ~~المسلمين أي فاقتصروا على اللازم من الكلام فإن عدم التأكيد في الكلام قد ~~يكون لعدم اعتناء المتكلم بتحقيقه ، ولعلمه أن تأكيده عبث لعدم رواجه عند ~~السامع ، وهذه نكتة غريبة مرجعها قطع النظر عن إنكار السامع والإعراض عن ~~الاهتمام بالخبر . وأما مخاطبتهم شياطينهم فإنما أتوا بالخبر فيها مؤكدا ~~لإفادة اهتمامهم بذلك الخبر وصدق رغبتهم في النطق به ولعلمهم أن ذلك رائج ~~عند المخاطبين فإن التأكيد قد يكون لاعتناء المتكلم بالخبر ورواجه عند ~~السامع أي فهو تأكيد للاهتمام لا لرد الإنكار . # وقولهم : { إنما نحن مستهزئون } قصروا أنفسهم على الاستهزاء قصرا إضافيا ~~للقلب أي مؤمنون مخلصون ، وجملة : { إنما نحن مستهزئون } تقرير لقوله : { ~~إنا معكم } لأنهم إذا كانوا معهم كان ما أظهروه من مفارقة دينهم استهزاء أو ~~نحوه فأما أن تكون الجملة الثانية استئنافا واقعة في جواب سؤال مقدر كأن ~~سائلا يعجب من دعوى بقائهم على دينهم لما أتقنوه من مظاهر النفاق في معاملة ~~المسلمين ، وينكر أن يكونوا باقين على دينهم ويسأل كيف أمكن الجمع بين ~~البقاء على الدين وإظهار المودة للمؤمنين فأجابوا { إنما نحن مستهزئون ، } ~~وبه يتضح وجه الإتيان بأداة القصر لأن المنكر السائل يعتقد كذبهم في قولهم ~~{ إنا معكم } ويدعي عكس ذلك ، وإما أن تكون الجملة بدلا من { إنا معكم } ~~بدل اشتمال لأن من دام على الكفر وتغالى فيه وهو مقتضى { معكم } أي في ~~تصلبكم فقد حقر الإسلام وأهله واستخف بهم ، والوجه الأول أولى الوجوه ms0311 لأنه ~~يجمع ما تفيده البدلية والتأكيد من تقرير مضمون الجملة الأولى مع ما فيه من ~~الإشارة إلى رد التحير الذي ينشأ عنه السؤال وهذا يفوت على تقديري التأكيد ~~والبدلية . # والاستهزاء السخرية يقال : هزأ به واستهزأ به فالسين والتاء للتأكيد مثل ~~استجاب ، أي عامله فعلا أو PageV01P292 قولا يحصل به احتقاره أو والتطرية ~~به ، سواء أشعره بذلك أم أخفاه عنه . والباء فيه للسببية قيل : لا يتعدى ~~بغير الباء وقيل : يتعدى بمن ، وهو مرادف سخر في المعنى دون المادة كما ~~سيأتي في سورة الأنعام . # وقرأ أبو جعفر ( مستهزون ) بدون همزة وبضم الزاي تخفيفا وهو لغة فصيحة في ~~المهموز . # # | 2 ( 15 ) { الله يستهزىء بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون } . ) 2 # { الله يستهزىء بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون } . # لم تعطف هاته الجملة على ما قبلها لأنها جملة مستأنفة استئنافا بيانيا ~~جوابا لسؤال مقدر ، وذلك أن السامع لحكاية قولهم للمؤمنين { آمنا } ( ~~البقرة : 14 ) وقولهم لشياطينهم { إنا معكم } ( البقرة : 14 ) الخ . يقول ~~لقد راجت حيلتهم على المسلمين الغافلين عن كيدهم وهل يتفطن متفطن في ~~المسلمين لأحوالهم فيجازيهم على استهزائهم ، أو هل يرد لهم ما راموا من ~~المسلمين ، ومن الذي يتولى مقابلة صنعهم فكان للاستئناف بقوله : { الله ~~يستهزىء بهم } غاية الفخامة والجزالة ، وهو أيضا واقع موقع الاعتراض ~~والأكثر في الاعتراض ترك العاطف . وذكر { يستهزىء } دليل على أن مضمون ~~الجملة مجازاة على استهزائهم . ولأجل اعتبار الاستئناف قدم اسم الله تعالى ~~على الخبر الفعلي . ولم يقل يستهزىء الله بهم لأن مما يجول في خاطر السائل ~~أن يقول من الذي يتولى مقابلة سوء صنيعهم فأعلم أن الذي يتولى ذلك هو رب ~~العزة تعالى ، وفي ذلك تنويه بشأن المنتصر لهم وهم المؤمنون كما قال تعالى ~~: { إن الله يدافع عن الذين آمنوا } ( الحج : 38 ) فتقديم المسند إليه على ~~الخبر الفعلي هنا لإفادة تقوى الحكم لا محالة ثم يفيد مع ذلك قصر المسند ~~على المسند إليه فإنه لما كان تقديم المسند إليه على المسند الفعلي في سياق ~~الإيجاب يأتي لتقوي الحكم ويأتي للقصر على رأي ms0312 الشيخ عبد القاهر وصاحب ( ~~الكشاف ) كما صرح به في قوله تعالى : { والله يقدر الليل والنهار في سورة ~~المزمل ( 20 ) ، كان الجمع بين قصد التقوي وقصد التخصيص جائزا في مقاصد ~~الكلام البليغ وقد جوزه في الكشاف } عند قوله تعالى : { فلا يخاف بخسا ولا ~~رهقا في سورة الجن ( 13 ) ، لأن ما يراعيه البليغ من الخصوصيات لا يترك حمل ~~الكلام البليغ عليه فكيف بأبلغ كلام ، ولذلك يقال النكت لا تتزاحم . # كان المنافقون يغرهم ما يرون من صفح النبيء عنهم وإعراض المؤمنين عن ~~التنازل لهم فيحسبون رواج حيلتهم ونفاقهم ولذلك قال عبد الله بن أبي : ~~ليخرجن الأعز PageV01P293 منها الأذل } ( المنافقون : 8 ) فقال الله تعالى ~~: { ولله العزة ولرسوله } ( المنافقون : 8 ) فتقديم اسم الجلالة لمجرد ~~الاهتمام لا لقصد التقوي إذ لا مقتضي له . # وفعل : { يستهزىء } المسند إلى الله ليس مستعملا في حقيقته لأن المراد ~~هنا أنه يفعل بهم في الدنيا ما يسمى بالاستهزاء بدليل قوله : { ويمدهم في ~~طغيانهم } ولم يقع استهزاء حقيقي في الدنيا فهو إما تمثيل لمعاملة الله ~~إياهم في مقابلة استهزائهم بالمؤمنين ، بما بشبه فعل المستهزىء بهم وذلك ~~بالإملاء لهم حتى يظنوا أنهم سلموا من المؤاخذة على استهزائهم فيظنوا أن ~~الله راضض عنهم أو أن أصنامهم نفعوهم حتى إذا نزل بهم عذاب الدنيا من القتل ~~والفضح علموا خلاف ما توهموا فكان ذلك كهيئة الاستهزاء بهم . والمضارع في ~~قوله : { يستهزىء } لزمن الحال . # ولا يحمل على اتصاف الله بالاستهزاء حقيقة عند الأشاعرة لأنه لم يقع من ~~الله معنى الاستهزاء في الدنيا ، ويحسن هذا التمثيل ما فيه من المشاكلة . ~~ويجوز أن يكون { يستهزىء بهم } حقيقة يوم القيامة بأن يأمر بالاستهزاء بهم ~~في الموقف وهو نوع من العقاب فيكون المضارع في { يستهزىء } للاستقبال ، ~~وإلى هذا المعنى نحا ابن عباس والحسن في نقل ابن عطية ، ويجوز أن يكون ~~مرادا به جزاء استهزائهم من العذاب أو نحوه من الإذلال والتحقير والمعنى ~~يذلهم وعبر عنه بالاستهزاء مجازا ومشاكلة ، أو مرادا به مآل الاستهزاء من ~~رجوع الوبال عليهم . وهذا كله وإن جاز ms0313 فقد عينه هنا جمهور العلماء من ~~المفسرين كما نقل ابن عطية والقرطبي وعينه الفخر الرازي والبيضاوي وعينه ~~المعتزلة أيضا لأن الاستهزاء لا يليق إسناده إلى الله حقيقة لأنه فعل قبيح ~~ينزه الله تعالى عنه كما في ( الكشاف ) وهو مبني على المتعارف بين الناس . # وجيء في حكاية كلامهم بالمسند الاسمي في قولهم { إنما نحن مستهزئون } ( ~~البقرة : 14 ) لإفادة كلامهم معنى دوام صدور الاستهزاء منهم وثباته بحيث لا ~~يحولون عنه . # وجيء في قوله : { الله يستهزىء بهم } بإفادة التجدد من الفعل المضارع أي ~~تجدد إملاء الله لهم زمانا إلى أن يأخذهم العذاب ، ليعلم المسلمون أن ما ~~عليه أهل النفاق من النعمة إنما هو إملاء وإن طال كما قال تعالى : { لا ~~يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل } ( آل عمران : 196 ) . ~~PageV01P294 # { ويمدهم في طغيانهم يعمهون } . # يتعين أنه معطوف على { الله يستهزىء بهم } . # و ( يمد ) فعل مشتق من المدد وهو الزيادة ، يقال مده إذا زاده وهو الأصل ~~في الاشتقاق من غير حاجة إلى الهمزة لأنه متعد ، ودليله أنهم ضموا العين في ~~المضارع على قياس المضاعف المتعدي ، وقد يقولون أمده بهمزة التعدية على ~~تقدير جعله ذا مدد ثم غلب استعمال مد في الزيادة في ذات المفعول نحو مد له ~~في عمره ومد الأرض أي مططها وأطالها ، وغلب استعمال أمد المهموز في الزيادة ~~للمفعول من أشياء يحتاجها نحو أمده بجيش : { أمدكم بأنعام وبنين } ( ~~الشعراء : 133 ) . وإنما استعمل هذا في موضع الآخر على الأصل فلذلك قيل لا ~~فرق بينهما في الاستعمال وقيل يختص أمد المهموز بالخير نحو : { أتمدونني ~~بمال } ( النمل : 36 ) { أن ما نمدهم به من مال } ( المؤمنون : 55 ) ، ~~ويختص مد بغير الخير ونقل ذلك عن أبي علي الفارسي في كتاب ( الحجة ) ، ~~ونقله ابن عطية عن يونس بن حبيب ، إلا المعدى باللام فإنه خاص بالزيادة في ~~العمر والإمهالل فيه عند الزمخشري وغيره خلافا لبعض اللغويين فاستغنوا بذكر ~~اللام المؤذنة بأن ذلك للنفع وللأجل ( بسكون الجيم ) عن التفرقة بالهمز ~~رجوعا للأصل لئلا يجمعوا بين ما يقتضي التعدية وهو ms0314 الهمزة وبين ما يقتضي ~~القصور وهو لام الجر ، وكل هذا من تأثير الأمثلة على الناظرين وهي طريقة ~~لهم في كثير من الأفعال التي يتفرع معناها الوضعي إلى معان جزئية له أو ~~مقيدة أو مجازية أن يخصوا بعض لغاته أو بعض أحواله ببعض تلك المعاني جريا ~~وراء التنصيص في الكلام ودفع اللبس بقدر الإمكان . وهذا من دقائق استعمال ~~اللغة العربية ، فلا يقال إن دعوى اختصاص بعض الاستعمالات ببعض المعاني هي ~~دعوى اشتراك أو دعوى مجاز وكلاهما خلاف الأصل كما أورد عبد الحكيم ؛ لأن ~~ذلك التخصيص كما علمت اصطلاح في الاستعمال لا تعدد وضع ولا استعمال في غير ~~المعنى الموضوع له ونظير ذلك قولهم فرق وفرق ووعد وأوعد ونشد وأنشد ونزل ( ~~المضاعف ) وأنزل ، وقولهم العثار مصدر عثر إذ أريد بالفعل الحقيقة ، ~~والعثور مصدر عثر إذ أريد بالفعل المجاز وهو الاطلاع ، وقد فرقت العرب في ~~مصادر الفعل الواحد وفي جموع الاسم الواحد لاختلاف القيود . PageV01P295 # وتعدية فعل ( يمد ) إلى ضميرهم الدال على أدب أو ذوق مع أن المد إنما ~~يتعدى إلى الطغيان جاءت على طريقة الإجمال الذي يعقبه التفصيل ليتمكن ~~التفصيل في ذهن السامع مثل طريقة بدل الاشتمال وجعل الزجاج والواحدي أصله ~~ويمد لهم في طغيانهم فحذف لام الجر واتصل الفعل بالمجرور على طريقة نزع ~~الخافض وليس بذلك . # والطغيان مصدر بوزن الغفران والشكران ، وهو مبالغة في الطغي وهو الإفراط ~~في الشر والكبر وتعليق فعل { يمدهم } هنا بضمير الذوات تعليق إجمالي يفسره ~~قوله : { في طغيانهم } ويجوز أن يكون على تقدير لام محذوفة أي يمد لهم في ~~طغيانهم أي يمهلهم فيكون نحو بعض ما فسر به قوله : { الله يستهزىء بهم } ~~وهذا قول الزجاج والواحدي وفيه بعد . # والعمه انطماس البصيرة وتحير الرأي وفعله عمه فهو عامه وأعمه . # وإسناد المد في الطغيان إلى الله تعالى على الوجه الأول في تفسير قوله : ~~{ ويمدهم } إسناد خلق وتكوين منوط بأسباب التكوين على سنة الله تعالى في ~~حصول المسببات عند أسبابها . فالنفاق إذا دخل القلوب كان من آثاره أن لا ~~ينقطع عنها ms0315 ، ولما كان من شأن وصف النفاق أن تنمي عنه الرذائل التي قدمنا ~~بيانها كان تكونها في نفوسهم متولدا من أسباب شتى في طباعهم متسلسلا من ~~ارتباط المسببات بأسبابها وهي شتى ومتفرعة وذلك بخلق خاص بهم مباشرة ولكن ~~الله حرمهم توفيقه الذي يقلعهم عن تلك الجبلة بمحارية نفوسهم ، فكان حرمانه ~~إياهم التوفيق مقتضيا استمرار طغيانهم وتزايده بالرسوخ فإسناد ازدياده إلى ~~الله لأنه خالق النظم التي هي أسباب ازدياده ، وهذا يعد من الحقيقة العقلية ~~الشائعة وليس من المجاز لعدم ملاحظة خلق الأسباب بحسب ما تعارفه الناس من ~~إسناد ما خفي فاعله إلى الله تعالى لأنه الخالق للأسباب الأصلية والجاعل ~~لنواميسها بكيفية لا يعلم الناس سرها ولا شاهدوا من تسند إليه على الحقيقة ~~غيره وهذا بخلاف نحو بنى الأمير المدينة لا سيما بعد التصريح بالإسناد إليه ~~في الكلام بحيث لم يبق للبناء على عرف الناس مجال وهذا بخلاف نحو : يزيدك ~~وجهه حسنا وسرتني رؤيتك ؛ لأن ذلك وإن كان في الواقع من فعل الله تعالى إلا ~~أنه غير ملتفت إليه في العرف فلذلك قال الشيخ عبد القاهر : إنه من المجاز ~~الذي لا حقيقة له . PageV01P296 # وإنما أضاف الطغيان لضمير المنافقين ولم يقل في الطغيان بتعريف الجنس كما ~~قال في سورة الأعراف : ( 202 ) { وإخوانهم يمدونهم في الغي إشارة إلى تفظيع ~~شأن هذا الطغيان وغرابته في بابه وإنهم اختصوا به حتى صار يعرف بإضافته ~~إليهم . والظرف متعلق بيمدهم ويعمهون } جملة حالية . # # | 2 ( 16 ) { أولائك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما ~~كانوا مهتدين } . ) 2 # { أولائك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين ~~} . # الإشارة إلى من يقول { آمنا بالله وباليوم الآخر } ( البقرة : 8 ) وما ~~عطف على صلته من صفاتهم وجىء باسم إشارة الجمع لأن ما صدق ( من ) هو فريق ~~من الناس ، وفصلت الجملة عن التي قبلها لتفيد تقرير معنى : ( { ويمدهم في ~~طغيانهم يعمهون } ( البقرة : 15 ) فمضمونها بمنزلة التوكيد ، وذلك مما ~~يقتضي الفصل ، ولتفيد تعليل مضمون جملة { ويمدهم في طغيانهم يعمهون } فتكون ~~استئنافا بيانيا لسائل ms0316 عن العلة ، وهي أيضا فذلكة للجمل السابقة الشارحة ~~لأحوالهم وشأن الفذلكة عدم العطف كقوله تعالى : { تلك عشرة كاملة } ( ~~البقرة : 196 ) ، وكل هذه الاعتبارات مقتض لعدم العطف ففيها ثلاثة موجبات ~~للفصل . # وموقع هذه الجملة من نظم الكلام مقابل موقع جملة { أولئك على هدى من ربهم ~~} ( البقرة : 5 ) ومقابل موقع جملة { ختم الله على قلوبهم } ( البقرة : 7 ) ~~الآية . # واسم الإشارة هنا غير مشار به إلى ذوات ولكن إلى صنف اجتمعت فيهم الصفات ~~الماضية فانكشفت أحوالهم حتى صاروا كالحاضرين تجاه السامع بحيث يشار إليهم ~~وهذا استعمال كثير الورود في الكلام البليغ . وليس في هذه الإشارة إشعار ~~ببعد أو قرب حتى تفيد تحقيرا ناشئا عن البعد لأن هذا من أسماء الإشارة ~~الغالبة في كلام العرب فلا عدول فيها حتى يكون العدول لمقصد كما تقدم في ~~قوله تعالى : { ذلك الكتاب } ( البقرة : 2 ) ولأن المشار إليه هنا غير ~~محسوس حتى يكون له مرتبة معينة فيكون العدول عن لفظها لقصد معنى ثان فإن ~~قوله تعالى : { ذلك الكتاب } مع قرب الكتاب للناطق بآياته عدول عن إشارة ~~القريب إلى البعيد فأفاد التعظيم . وعكس هذا قول قيس بن الخطيم : # متى يأتت هذا الموت لا يلفف حاجة # لنفسي إلا قد قضيت قضاءها # فإن الموت بعيد عنه فحقه أن يشير إليه باسم البعيد ، وعدل عنه إلى إشارة ~~القريب لإظهار استخفافه به . PageV01P297 # والاشتراء افتعال من الشري وفعله شرى الذي هو بمعنى باع كما أن اشترى ~~بمعنى ابتاع فاشترى وابتاع كلاهما مطاوع لفعله المجرد أشار أهل اللسان إلى ~~أن فاعل هذه المطاوعة هو الذي قبل الفعل والتزمه فدلوا بذلك على أنه آخذ ~~شيئا لرغبة فيه ، ولما كان معنى البيع مقتضيا آخذين وباذلين كان كل منهما ~~بائعا ومبتاعا باختلاف الاعتبار ، ففعل باع منظور فيه ابتداء إلى معنى ~~البذل والفعل ابتاع منظور فيه ابتداء إلى معنى الأخذ فإن اعتبره المتكلم ~~آخذا لما صار بيده عبر عنه بمبتاع ومشتر ، وإن اعتبره باذلا لما خرج من يده ~~من العوض ، عبر عنه ببائع وشار ، وبهذا يكون الفعلان جاريين على ms0317 سنن واحد ، ~~وقد ذكر كثير من اللغويين أن شرى يستعمل بمعنى اشترى والذي جرأهم على ذلك ~~سوء التأمل في قوله تعالى : { وشروه بثمن بخس دراهم معدودة } ( يوسف : 20 ) ~~فتوهموا الضمير عائدا إلى المصريين مع أن معاده واضح قريب وهو سيارة من ~~قوله تعالى : { وجاءت سيارة } ( يوسف : 19 ) أي باعوه ، وحسبك شاهدا على ~~ذلك قوله : { وكانوا فيه من الزاهدين } ( يوسف : 20 ) أما الذي اشتراه فهو ~~فيه من الراغبين ألا ترى إلى قوله لامرأته : { أكرمي مثواه } ( يوسف : 21 ) ~~. # وعلى ذينك الاعتبارين في فعلي الشراء والبيع كانت تعديتهما إلى المفعول ~~فهما يتعديان إلى المقصود الأصلي بأنفسهما وإلى غيره بالباء فيقال باع فرسه ~~بألف وابتاع فرس فلان بألف لأن الفرس هو الذي كانت المعاقدة لأجله لأن الذي ~~أخرجه ليبيعه علم أن الناس يرغبون فيه والذي جاء ليشتريه كذلك . # وإطلاق الاشتراء ههنا مجاز مرسل بعلاقة اللزوم ، أطلق الاشتراء على لازمه ~~الثاني وهو الحرص على شيء والزهد في ضده أي حرصوا على الضلالة ، وزهدوا في ~~الهدى إذ ليس في ما وقع من المنافقين استبدال شيء بشيء إذ لم يكونوا من قبل ~~مهتدين . # ويجوز أن يكون الاشتراء مستعملا في الاستبدال وهو لازمه الأول واستعماله ~~في هذا اللازم مشهور . قال بشامة بن حزن : # إنا بني نهشلل لا ندعي لأب # عنه ولا هو بالأبناء يشرينا # أي يبيعنا أي يبدلنا ، وقال عنترة بن الأخرس المعني من شعراء ( الحماسة ) ~~: # ومن إن بعت منزلة بأخرى # حللت بأمره وبه تسير PageV01P298 # أي إذا استبدلت دارا بأخرى . وهذا بخلاف قول أبي النجم : # أخذت بالجمة رأسا أزعرا # وبالطويل العمر عمرا جيدار # فيكون الحمل عليه هنا أن اختلاطهم كما اشترى المسلم إذ تنصرا بالمسلمين ~~وإظهارهم الإيمان حالة تشبه حال المهتدي تلبسوا بها فإذا خلوا إلى شياطينهم ~~طرحوها واستبدلوها بحالة الضلال وعلى هذا الوجه الثاني يصح أيضا أن يكون ~~الاشتراء استعارة بتشبيه تينك الحالتين بحال المشتري لشيء كان غير جائز له ~~وارتضاه في ( الكشاف ) . # والموصول في قوله { الذين اشتروا } بمعنى المعرف بلام الجنس فيفيد ~~التركيب قصر المسند على ms0318 المسند إليه وهو قصر ادعائي باعتبار أنهم بلغوا ~~الغاية في اشتراء الضلالة والحرص عليها إذ جمعوا الكفر والسفه والخداع ~~والإفساد والاستهزاء بالمهتدين . # { فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين } . # رتبت الفاء عدم الربح المعطوف بها وعدم الاهتداء المعطوف عليه على اشتراء ~~الضلالة بالهدى لأن كليهما ناشىء عن الاشتراء المذكور في الوجود والظهور ؛ ~~لأنهم لما اشتروا الضلالة بالهدى فقد اشتروا ما لا ينفع وبذلوا ما ينفع فلا ~~جرم أن يكونوا خاسرين وأن يتحقق أنهم لم يكونوا مهتدين فعدم الاهتداء وإن ~~كان سابقا على اشتراء الضلالة بالهدى أو هو عينه أو هو سببه إلا أنه لكونه ~~عدما فظهوره للناس في الوجود لا يكون إلا عند حصول أثره وهو ذلك الاشتراء ، ~~فإذا ظهر أثره تبين للناس المؤثر فلذلك صح ترتيبه بفاء الترتيب فأشبه العلة ~~الغائية ، ولهذا عبر ب { ما كانوا مهتدين } دون ما اهتدوا لأن ما كانوا ~~أبلغ في النفي لإشعاره بأن انتفاء الاهتداء عنهم أمر متأصل سابق قديم ، لأن ~~كان تدل على اتصاف اسمها بخبرها منذ المضي فكان نفي الكون في الزمن الماضي ~~أنسب بهذا التفريع . # والربح هو نجاح التجارة ومصادفة الرغبة في السلع بأكثر من الأثمان التي ~~اشتراها بها التاجر ويطلق الربح على المال الحاصل للتاجر زائدا على رأس ~~ماله . والتجارة بكسر أوله على وزن فعالة وهي زنة الضائع ومعنى التجارة ~~التصدي لاشتراء الأشياء لقصد بيعها بثمن PageV01P299 أوفر مما اشترى به ~~ليكتسب من ذلك الوفر ما ينفقه أو يتأثله . ولما كان ذلك لا ينجح إلا ~~بالمثابرة والتجديد صيغ له وزن الضائع ونفي الربح في الآية تشبيه لحال ~~المنافقين إذ قصدوا من النفاق غاية فأخفقت مساعيهم وضاعت مقاصدهم بحال ~~التجار الذين لم يحصلوا من تجارتهم على ربح فلا التفات إلى رأس مال في ~~التجارة حتى يقال إنهم إذا لم يربحوا فقد بقي لهم نفع رأس المال ويجاب بأن ~~نفي الربح يستلزم ضياع رأس المال لأنه يتلف في النفقة من القوت والكسوة لأن ~~هذا كله غير منظور إليه إذ الاستعارة تعتمد على ما يقصد ms0319 من وجه الشبه فلا ~~تلزم المشابهة في الأمور كلها كما هو مقرر في فن البيان . # وإنما أسند الربح إلى التجارة حتى نفي عنها لأن الربح لما كان مسببا عن ~~التجارة وكان الرابح هو التاجر صح إسناده للتجارة لأنها سببه فهو مجاز عقلي ~~وذلك أنه لولا الإسناد المجازي لما صح أن ينفى عن الشيء ما يعلم كل أحد أنه ~~ليس من صفاته لأنه يصير من باب الإخبار بالمعلوم ضرورة ، فلا تظنن أن النفي ~~في مثل هذا حقيقة فتتركه ، إن انتفاء الربح عن التجارة واقع ثابت لأنها لا ~~توصف بالربح وهكذا تقول في نحو قول جرير : # ( ونمت وماليل المطي بنائم ) # بخلاف قولك ما ليله بطويل ، بل النفي هنا مجاز عقلي لأنه فرع عن اعتبار ~~وصف التجارة بأنها إلى الخسر ووصفها بالربح مجاز وقاعدة ذلك أن تنظر في ~~النفي إلى المنفي لو كان مثبتا فإن وجدت إثباته مجازا عقليا فاجعل نفيه ~~كذلك وإلا فاجعل نفيه حقيقة لأنه لا ينفى إلا ما يصح أن يثبت . وهذه هي ~~الطريقة التي انفصل عليها المحقق التفتزاني في ( المطول ) ، وعدل عنها في ( ~~حواشي الكشاف ) وهي أمثل مما عدل إليه . # وقد أفاد قوله : { فما ربحت تجارتهم } ترشيحا للاستعارة في { اشتروا } ~~فإن مرجع الترشيح إلى أن يقفى المجاز بما يناسبه سواء كان ذلك الترشيح ~~حقيقة بحيث لا يستفاد منه إلا تقوية المجاز كما تقول له يد طولى أو هو أسد ~~دامي البراثن أم كان الترشيح متميزا به أو مستعارا لمعنى آخر هو من ملائمات ~~المجاز الأول سواء حسن مع ذلك استقلاله بالاستعارة كما في هذه الآية فإن ~~نفي الربح ترشح به { اشتروا } . ومثله قول الشاعر أنشده ابن الأعرابي كما ~~في ( أساس البلاغة ) للزمخشري ولم يعزه : PageV01P300 # ولما رأيت النسر عز ابن داية # وعشش في وكريه جاش له صدري # فإنه لما شبه الشيب بالنسر والشعر الأسود بالغراب صح تشبيه حلول الشيب في ~~محلي السواد وهما الفودان بتعشيش الطائر في موضع طائر آخر ؛ أم لم يحسن إلا ~~مع المجاز الأول كقول بعض فتاك ms0320 العرب في أمه ( أنشده في ( الكشاف ) ولم أقف ~~على تعيين قائله ) : # وما أم الردين وإن أدلت # بعالمة بأخلاق الكرام # إذا الشيطان قصع في قفاها # تنفقناه بالحبل التؤام # فإنه لما استعار قصع لدخول الشيطان أي وسوسته وهي استعارة حسنة لأنه شبه ~~الشيطان بضب يدخل للوسوسة ودخوله من مدخله المتعارف له وهو القاصعاء ، وجعل ~~علاجهم وإزالة وسوسته كالتنفق أي تطلب خروج الضب من نافقائه بعد أن يسد ~~عليه القاصعاء ولا تحسن هذه الثانية إلا تبعا للأولى . والآية ليست من هذا ~~القبيل . وقوله : { وما كانوا مهتدين } قد علم من قوله : { اشتروا الضلالة ~~بالهدى } إلى : { وما كانوا مهتدين ، } فتعين أن الاهتداء المنفي هو ~~الاهتداء بالمعنى الأصلي في اللغة وهو معرفة الطريق الموصل للمقصود وليس هو ~~بالمعنى الشرعي المتقدم في قوله : { اشتروا الضلالة بالهدى } فلا تكرير في ~~المعنى فلا يرد أنهم لما أخبر عنهم بأنهم اشتروا الضلالة بالهدى كان من ~~المعلوم أنه لم يبق فيهم هدى . # ومعنى نفي الاهتداء كناية عن إضاعة القصد أي إنهم أضاعوا ما سعوا له ولم ~~يعرفوا ما يوصل لخير الآخر ولا ما يضر المسلمين . وهذا نداء عليهم بسفه ~~الرأي والخرق وهو كما علمت فيما تقدم يجري مجرى العلة لعدم ربح التجارة ، ~~فشبه سوء تصرفهم حتى في كفرهم بسوء تصرف من يريد الربح ، فيقع في الخسران . ~~فقوله : { وما كانوا مهتدين } تمثيلية ويصح أن يؤخذ منها كناية عن الحسران ~~وإضاعة كل شيء لأن من لم يكن مهتديا أضاع الربح وأضاع رأس المال بسوء سلوكه ~~. # PageV01P301 # | 2 ( 17 ) { مثلهم كمثل الذى استوقد نارا فلمآ أضاءت ما حوله ذهب الله ~~بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون } . ) 2 # { مثلهم كمثل الذى استوقد نارا فلمآ أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم ~~وتركهم في ظلمات لا يبصرون } . # أعقبت تفاصيل صفاتهم بتصوير مجموعها في صورة واحدة ، بتشبيه حالهم بهيئة ~~محسوسة ، وهذه طريقة تشبيه التمثيل ، إلحاقا لتلك الأحوال المعقولة ~~بالأشياء المحسوسة ، لأن النفس إلى المحسوس أميل . # وإتماما للبيان بجمع المتفرقات في السمع ، المطالة في اللفظ ، في صورة ~~واحدة لأن للإجمال ms0321 بعد التفصيل وقعا من نفوس السامعين . # وتقريرا لجميع ما تقدم في الذهن بصورة تخالف ما صور سالفا لأن تجدد ~~الصورة عند النفس أحب من تكررها . قال في ( الكشاف ) : ( ولضرب العرب ~~الأمثال واستحضار العلماء المثل والنظائر شأن ليس بالخفي في إبراز خبيات ~~المعاني ورفع الأستار عن الحقائق حتى تريك المتخيل في صورة المحقق والمتوهم ~~في معرض المتيقن والغائب كالمشاهد ) . # واستدلالا على ما يتضمنه مجموع تلك الصفات من سوء الحالة وخيبة السعي ~~وفساد العاقبة ، فمن فوائد التشبيه قصد تفظيع المشبه . # وتقريبا لما في أحوالهم في الدين من التضاد والتخالف بين ظاهر جميل وباطن ~~قبيح بصفة حال عجيبة من أحوال العالم فإن من فائدة التشبيه إظهار إمكان ~~المشبه ، وتنظير غرائبه بمثلها في المشبه به . قال في ( الكشاف ) : ( ولأمر ~~ما أكثر الله تعالى في كتابه المبين أمثاله وفشت في كلام رسول صلى الله ~~عليه وسلم وكلام الأنبياء والحكماء قال تعالى : { وتلك الأمثال نضربها ~~للناس وما يعقلها إلا العالمون } ( العنكبوت : 43 ) ا ه . # والتمثيل منزع جليل بديع من منازع البلغاء لا يبلغ إلى محاسنه غير خاصتهم ~~. وهو هنا من قبيل التشبيه لا من الاستعارة لأن فيه ذكر المشبه والمشبه به ~~وأداة التشبيه وهي لفظ مثل . فجملة : { مثلهم كمثل الذي استوقد نارا } ~~واقعة من الجمل الماضية موقع البيان والتقرير والفذلكة ، فكان بينها وبين ~~ما قبلها كمال الاتصال فلذلك فصلت ولم تعطف ، والحالة التي وقع تمثيلها ~~سيجىء بيانها في آخر تفسير الآية . # وأصل المثل بفتحتين هو النظير والمشابه ، ويقال أيضا مثل بكسر الميم ~~وسكون الثاء ، PageV01P302 ويقال : مثيل كما يقال : شبه وشبه وشبيه ، وبدل ~~وبدل ، وبديل ، ولا رابع لهذه الكلمات في مجيء فعل وفعل وفعيل بمعنى واحد . # وقد اختص لفظ المثل ( بفتحتين ) بإطلاقه على الحال الغريبة الشأن لأنها ~~بحيث تمثل للناس وتوضح وتشبه سواء شبهت كما هنا ، أم لم تشبه كما في قوله ~~تعالى : { مثل الجنة } ( الرعد : 35 ) . # وبإطلاقه على قول يصدر في حال غريبة فيحفظ ويشيع بين الناس لبلاغة وإبداع ~~فيه ، فلا يزال الناس يذكرون الحال التي ms0322 قيل فيها ذلك القول تبعا لذكره وكم ~~من حالة عجيبة حدثت ونسيت لأنها لم يصدر فيها من قول بليغ ما يجعلها مذكورة ~~تبعا لذكره فيسمى مثلا وأمثال العرب باب من أبواب بلاغتهم وقد خصت بالتأليف ~~ويعرفونه بأنه قول شبه مضربه بمورده وسأذكره قريبا . # فالظاهر أن إطلاق المثل على القول البديع السائر بين الناس الصادر من ~~قائله في حالة عجيبة هو إطلاق مرتب على إطلاق اسم المثل على الحال العجيبة ~~، وأنهم لا يكادون يضربون مثلا ولا يرونه أهلا للتسيير وجديرا بالتداول إلا ~~قولا فيه بلاغة وخصوصية في فصاحة لفظ وإيجازه ووفرة معنى ، فالمثل قول عزيز ~~غريب ليس من متعارف الأقوال العامة بل هو من أقوال فحول البلاغة فلذلك وصف ~~بالغرابة أي العزة مثل قولهم : ( الصيف ضيعتت اللبن ) وقولهم : ( لا يطاع ~~لقصير أمر ) وستعرف وجه ذلك . # ولما شاع إطلاق لفظ المثل ( بالتحريك ) على الحالة العجيبة الشأن جعل ~~البلغاء إذا أرادوا تشبيه حالة مركبة بحالة مركبة أعني وصفين منتزعين من ~~متعدد أتوا في جانب المشبه والمشبه به معا أو في جانب أحدهما بلفظ المثل ~~وأدخلوا الكاف ونحوها من حروف التشبيه على المشبه به منهما ولا يطلقون ذلك ~~على التشبيه البسيط فلا يقولون مثل فلان كمثل الأسد وقلما شبهوا حالا مركبة ~~بحال مركبة مقتصرين على الكاف كقوله تعالى : { إلا كباسط كفيه إلى الماء ~~ليبلغ فاه } ( الرعد : 14 ) بل يذكرون لفظ المثل في الجانبين غالبا نحو ~~الآية هنا ، وربما ذكروا لفظ PageV01P303 المثل في أحد الجانبين كقوله : { ~~إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء } ( يونس : 24 ) الآية وذلك ~~ليتبادر للسامع أن المقصود تشبيه حالة بحالة لا ذات بذات ولا حالة بذات ~~فصار لفظ المثل في تشبيه الهيئة منسيا من أصل وضعه ومستعملا في معنى الحالة ~~فلذلك لا يستغنون عن الإتيان بحرف التشبيه حتى مع وجود لفظ المثل فصارت ~~الكاف في قوله تعالى : { كمثل } دالة على التشبيه وليست زائدة كما زعمه ~~الرضى في ( شرح الحاجبية ) ، وتبعه عبد الحكيم عند قوله تعالى : { أو كصيب ~~} ( البقرة : 19 ) وقوفا ms0323 مع أصل الوضع وإغضاء عن الاستعمال ألا ترى كيف ~~استغنى عن إعادة لفظ المثل عند العطف في قوله تعالى : { أو كصيب } ولم ~~يستغن عن الكاف . # ومن أجل إطلاق لفظ المثل اقتبس علماء البيان مصطلحهم في تسمية التشبيه ~~المركب بتشبيه التمثيل وتسمية استعمال المركب الدال على هيئة منتزعة من ~~متعدد في غير ما وضع له مجموعه بعلاقة المشابهة استعارة تمثيلية وقد تقدم ~~الإلمام بشيء منه عند قوله تعالى : { أولئك على هدى من ربهم } ( البقرة : 5 ~~) . # وإنني تتبعت كلامهم فوجدت التشبيه التمثيلي يعتريه ما يعتري التشبيه ~~المفرد فيجىء في أربعة أقسام : # الأول : ما صرح فيه بأداة التشبيه أو حذفت منه على طريقة التشبيه البليغ ~~كما في هذه الآية وقوله : { أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى } ( البقرة ~~: 16 ) إذا قدرنا أولئك كالذين اشتروا كما قدمنا . # الثاني : ما كان على طريقة الاستعارة التمثيلية المصرحة بأن يذكروا اللفظ ~~الدال بالمطابقة على الهيئة المشبه بها ويحذف ما يدل على الهيئة المشبهة ~~نحو المثال المشهور وهو قولهم : إني أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى . # الثالث : تمثيلية مكنية وهي أن تشبه هيئة بهيئة ولا يذكر اللفظ الدال على ~~الهيئة المشبه بها بل يرمز إليه بما هو لازم مشتهر من لوازمه ، وقد كنت أعد ~~مثالا لهذا النوع خصوص الأمثال المعروفة بهذا اللقب نحو الصيف ضيعت اللبن ~~وبيدي لا بيد عمرو ونحوها من الأمثال فإنها ألفاظ قيلت عند أحوال واشتهرت ~~وسارت حتى صار ذكرها ينبىء بتلك الأحوال التي قيلت عندها وإن لم يذكر اللفظ ~~الدال على الحالة ، وموجب شهرتها سيأتي . ثم لم يحضرني مثال للمكنية ~~التمثيلية من غير باب الأمثال حتى كان يوم حضرت فيه جنازة ، فلما ~~PageV01P304 دفنوا الميت وفرغوا من مواراته التراب ضج أناس بقولهم : ( ~~اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة ) فقلت إن الذين سنوا ~~هذه المقالة في مثل هذه الحالة ما أرادوا إلا تنظير هيئة حفرهم للميت بهيئة ~~الذين كانوا يحفرون الخندق مع النبيء صلى الله عليه وسلم إذ كانوا يكررون ~~هذه المقالة كما ورد في كتب ms0324 السنة قصدا من هذا التنظير أن يكون حفرهم ذلك ~~شبيها بحفر الخندق في غزوة الأحزاب بجامع رجاء القبول عند الله تعالى فلم ~~يذكروا ما يدل على الشبه به ولكنهم طووه ورمزوا إليه بما هو من لوازمه التي ~~عرف بها وهو قول النبيء تلك المقالة ثم ظفرت بقول أحمد بن عبد ربه الأندلسي ~~: # وقل لمن لام في التصابي # خل قليلا عن الطريق # فرأيته من باب التمثيلية المكنية فإنه حذف المشبه به وهو حال المتعرض ~~لسائر في طريقه يسده عليه ويمنعه المرور به وأتى بشيء من لوازم هذه الحالة ~~وهو قول السائر للمتعرض : خل عن الطريق . # رابعها : تمثيلية تبعية كقول أبي عطاء السندي : # ذكرتكك والخطي يخطر بيننا # وقد نهلت منى المثقفة السمر # فأثبت النهل للرماح تشبيها لها بحالة الناهل فيما تصيبه من دماء الجرحى ~~المرة بعد الأخرى كأنها لا يرويها ما تصيبه أولا ثم أتى بنهلت على وجه ~~التبعية ، ومن هذا القسم عند التفتزاني الاستعارة في ( على ) من قوله تعالى ~~: { أولئك على هدى من ربهم } ( البقرة : 5 ) وقد تقدم الكلام عليه هناك . # فأما المثل الذي هو قول شبه مضربه بمورده ، وهو الذي وعدت بذكره آنفا ~~فمعنى تشبيه مضربه بمورده أن تحصل حالة لها شبه بالحالة التي صدر فيها ذلك ~~القول فيستحضر المتكلم تلك الحالة التي صدر فيها القول ويشبه بها الحالة ~~التي عرضت وينطق بالقول الذي كان صدر في أثناء الحالة المشبه بها ليذكر ~~السامع بتلك الحالة ، وبأن حالة اليوم شبيهة بها ويجعل علامة ذكر ذلك القول ~~الذي قيل في تلك الحالة وإذا حققت التأمل وجدت هذا العمل من قبيل الاستعارة ~~التمثيلية المكنية لأجل كون تلك الألفاظ المسماة بالأمثال قد سارت ونقلت ~~بين البلغاء في تلك الحوادث فكانت من لوازم الحالات المشبه بها لا محالة ~~لمقارنتها لها في أذهان الناس فهي PageV01P305 لوازم عرفية لها بين أهل ~~الأدب فصارت من روادف أحوالها وكان ذكر تلك الأمثال رمزا إلى اعتبار ~~الحالات التي قيلت فيها ، ومن أجل ذلك امتنع تغييرها عن ألفاظها الواردة ~~بها لأنها ms0325 إذا غيرت لم تبق على ألفاظها المحفوظة المعهودة فيزول اقترانها ~~في الأذهان بصور الحوادث التي قيلت فيها فلم يعد ذكرها رمزا للحال المشبه ~~به التي هي من روادفها لا محالة وفي هذا ما يغني عن تطلب الوجه في احتراس ~~العرب من تغيير الأمثال حتى تسلموا من الحيرة في الحكم بين صاحب ( الكشاف ) ~~وصاحب ( المفتاح ) إذ جعل صاحب ( الكشاف ) سبب منع الأمثال من التغيير ما ~~فيها من الغرابة فقال : ( ولم يضربوا مثلا ولا رأوه أهلا للتسيير ، ولا ~~جديرا بالتداول إلا قولا فيه غرابة من بعض الوجوه ومن ثم حوفظ عليه وحمي من ~~التغيير ) فتردد شراحه في مراده من الغرابة ، وقال الطيبي الغرابة غموض ~~الكلام وندرته وذلك إما أن يكون بحسب المعنى وإما أن يكون بحسب اللفظ ، أما ~~الأول فكأن يرى عليه أثر التناقض وما هو بتناقض نحو قول الحكم بن عبد يغوث ~~: رب رمية من غير رام ، أي رب رمية مصيبة من غير رام أي عارف وقوله تعالى : ~~{ ولكم في القصاص حياة } ( البقرة : 179 ) إذ جعل القتل حياة . وأما الثاني ~~بأن يكون فيه ألفاظ غريبة لا تستعملها العامة نحو قول الحباب بن المنذر : ( ~~أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب ) أو فيه حذف وإضمار نحو رمية من غير رام ~~. أو فيه مشاكلة نحو : ( كما تدين تدان ) . أراد كما تفعل تجازى . وفسر ~~بعضهم الغرابة بالبلاغة والفصاحة حتى صارت عجيبة وعندي أنه ما أراد ~~بالغرابة إلا أن يكون قولا بديعا خاصيا إذ الغريب مقابل المألوف والغرابة ~~عدم الإلف يريد عدم الإلف به في رفعة الشأن . وأما صاحب ( المفتاح ) فجعل ~~منعها من التغيير لورودها على سبيل الاستعارة فقال : ثم إن التشبيه ~~التمثيلي متى شاع واشتهر استعماله على سبيل الاستعارة صار يطلق عليه المثل ~~لا غير ا ه . وإلى طريقته مال التفتزاني والسيد . وقد علمت سرها وشرحها ~~فيما بيناه . ولورود الأمثال على سبيل الاستعارة PageV01P306 لا تغير عن ~~لفظها الذي ورد في الأصل تذكيرا وتأنيثا وغيرهما . فمعنى قولهم في تعريف ~~المثل بهذا الإطلاق : ( قول شبه مضربه بمورده ) أن ms0326 مضربه هو الحالة المشبهة ~~سميت مضربا لأنها بمنزلة مكان ضرب ذلك القول أي وضعه أي النطق به يقال ضرب ~~المثل أي شبه ومثل قال تعالى : { أن يضرب مثلا ما } ( البقرة : 26 ) وأما ~~مورده فهو الحالة المشبه بها وهي التي ورد ذلك القول أي صدر عند حدوثها ، ~~سميت موردا لأنها بمنزلة مكان الماء الذي يرده المستقون ، ويقال الأمثال ~~السائرة أي الفاشية التي يتناقلها الناس ويتداولونها في مختلف القبائل ~~والبلدان فكأنها تسير من بلد إلى بلد . و { الذي استوقد نارا } مفرد مراد ~~به مشبه واحد لأن مستوقد النار واحد ولا معنى لاجتماع جماعة على استيقاد ~~نار ولا يريبك كون الحالة المشبه حالة جماعة المنافقين ، كأن تشبيه الهيئة ~~بالهيئة إنما يتعلق بتصوير الهيئة المشبهة بها لا بكونها على وزن الهيئة ~~المشبهة فإن المراد تشبيه حال المنافقين في ظهور أثر الإيمان ونوره مع ~~تعقبه بالضلالة ودوامه ، بحال من استوقد نارا . # واستوقد بمعنى أوقد فالسين والتاء فيه للتأكيد كما هما في قولهه تعالى : ~~{ فاستجاب لهم ربهم } ( آل عمران : 195 ) وقولهم استبان الأمر وهذا كقول ~~بعض بني بولان من طي في ( الحماسة ) : # نستوقد النبل بالحضيض ونص # طاد نفوسا بنت على الكرم # أراد وقودا يقع عند الرمي بشدة . وكذلك في الآية لإيراد تمثيل حال ~~المنافقين في إظهار الإيمان بحال طالب الوقود بل هو حال الموقد وقوله : # { فلمآ أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم } . # مفرع على { استوقد } . و { لما } حرف يدل على وقوع شيء عند وقوع غيره ~~فوقوع جوابها مقارن لوقوع شرطها وذلك معنى قولهم حرف وجود لوجود أي حرف يدل ~~على وجود الجواب لوجود شرطها أي أن يكون جوابها كالمعلول لوجود شرطها سواء ~~كان من ترتب المعلول على العلة أو كان ترتب المسبب العرفي على السبب أم كان ~~ترتب المقارن على مقارنه المهيأ والمقارن الحاصل على سبيل المصادفة وكلها ~~استعمالات واردة في كلام العرب وفي القرآن . # مثال ترتب المعلول على العلة لما تعفنت أخلاطه حم ، والمسبب على السبب ، ~~{ ولما PageV01P307 جاءت رسلنا لوطا شيء بهم وضاق بهم ذرعا ms0327 } ( هود : 77 ) ~~، وقول عمرو بن معد يكرب : # لما رأيت نساءنا # يفحصن بالمعزاء شدا # نازلت كبشهم ولم # أر من نزال الكبش بدا # ومثال المقارن المهيأ قول امرىء القيس : # فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى # بنا بطن خبت ذي حقاف عقنقل # هصرت بفودي رأسها فتمايلت # علي هضيم الكشح ريا المخلخل # ومثال المقارن الحاصل اتفاقا { ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا ~~إنا مهلكوا . . . } ( العنكبوت : 31 ) وقوله : { ولما دخلوا على يوسف آوى ~~إليه أخاه } ( يوسف : 69 ) فمن ظن أن لما تؤذن بالسببية اغترارا بقولهم ~~وجود لوجود حملا للام في عبارتهم على التعليل فقد ارتكب شططا ولم يجد من ~~كلام الأئمة فرطا . # و ( أضاء ) يجىء متعديا وهو الأصل لأن مجرده ضاء فتكون حينئذ همزته ~~للتعدية كقول أبي الطمحان القيني : # أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم # دجى الليل حتى ثقب الجزع ثاقبه # ويجىء قاصرا بمعنى ضاء فهمزته للصيرورة أي صار ذا ضوء فيساوي ضاء كقول ~~امرىء القيس يصف البرق : # يضىء سناه أو مصابيح راهب # أمال السليط بالذبال المفتل # والآية تحتملهما أي فلما أضاءت النار الجهات التي حوله وهو معنى ارتفاع ~~شعاعها وسطوع لهبها ، فيكون ما حوله موصولا مفعولا لأضاءت وهو المتبادر ، ~~وتحتمل أن تكون من أضاء القاصر أي أضاءت النار أي اشتعلت وكثر ضوءها في ~~نفسها ، ويكون ما حوله على هذا ظرفا للنار أي حصل ضوء النار حولها غير بعيد ~~عنها . # و { حوله } ظرف للمكان القريب ولا يلزم أن يراد به الإحاطة فحوله هنا ~~بمعنى لديه ومن توهم أن { ما حوله } يقتضي ذلك وقع في مشكلات لم يجد منها ~~مخلصا إلا بعناء . # وجمع الضمير في قوله : { بنورهم } مع كونه بلصق الضمير المفرد في قوله : ~~{ ما حوله } مراعاة للحال المشبهة وهي حال المنافقين لا للحال المشبه بها ؛ ~~وهي حال المستوقد الواحد على وجه PageV01P308 بديع في الرجوع إلى الغرض ~~الأصلي وهو انطماس نور الإيمان منهم ، فهو عائد إلى المنافقين لا إلى ( ~~الذي ) ، قريبا من رد العجز على الصدر فأشبه تجريد الاستعارة المفردة وهو ~~من التفنين كقول طرفة : # وفي الحي أحوى ينفض ms0328 المرد شادن # مظاهر سمطي لؤلؤ وزبرجد # وهذا رجوع بديع ، وقريب منه الرجوع الواقع بطريق الاعتراض في قوله الآتي ~~: { والله محيط بالكافرين } ( البقرة : 19 ) وحسنه أن التمثيل جمع بين ذكر ~~المشبه وذكر المشبه به فالمتكلم بالخيار في مراعاة كليهما لأن الوصف لهما ~~فيكون ذلك البعض نوعا واحدا في المشبه والمشبه به ، فما ثبت للمشبه به ~~يلاحظ كالثابت للمشبه . وهذا يقتضي أن تكون جملة { ذهب الله بنورهم } جواب ~~( لما ) فيكون جمع ضمائر بنورهم وتركهم إخراجا للكلام على خلاف مقتضى ~~الظاهر إذ مقتضى الظاهر أن يقول ذهب الله بنوره وتركه ، ولذلك اختير هنا ~~لفظ النور عوضا عن النار المبتدأ به ، للتنبيه على الانتقال من التمثيل إلى ~~الحقيقة ليدل على أن الله أذهب نور الإيمان من قلوب المنافقين ، فهذا إيجاز ~~بديع كأنه قيل فلما أضاءت ذهب الله بناره فكذلك ذهب الله بنورهم وهو أسلوب ~~لا عهد للعرب بمثله فهو من أساليب الإعجاز . وقريب منه قوله تعالى : { بل ~~قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون وكذلك ما أرسلنا من ~~قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على ~~آثارهم مقتدون قل أو لو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما ~~أرسلتم به كافرون } ( الزخرف : 22 24 ) فقوله : { أرسلتم } حكاية لخطاب ~~أقوام الرسل في جواب سؤال محمد صلى الله عليه وسلم قومه بقوله : { أولو ~~جئتكم . } وبهذا يكون ما في هذه الآية موافقا لما في الآية بعدها من قوله ~~تعالى : { يجعلون أصابعهم في آذانهم } إذ يتعين رجوعه لبعض المشبه به دون ~~المشبه . وجوز صاحب ( الكشاف ) أن يكون قوله : { ذهب الله بنورهم } ~~استئنافا ويكون التمثيل قد انتهى عند قوله تعالى { فلما أضاءت ما حوله } ~~ويكون جواب ( لما ) محذوفا دلت عليه الجملة المستأنفة وهو قريب مما ذكرته ~~إلا أن الاعتبار مختلف . # ومعنى { ذهب الله بنورهم } : أطفأ نارهم فعبر بالنور لأنه المقصود من ~~الاستيقاد ، وأسند إذهابه إلى الله تعالى لأنه حصل بلا سبب من ريح أو مطر ~~أو إطفاء ms0329 مطفىء ، والعرب والناس يسندون الأمر الذي لم يتضح سببه لاسم الله ~~تعالى كما تقدم عند قوله : { ويمدهم في طغيانهم } ( البقرة : 15 ) ~~PageV01P309 و { ذهب } المعدى بالباء أبلغ من أذهب المعدى بالهمزة وهاته ~~المبالغة في التعدية بالباء نشأت من أصل الوضع لأن أصل ذهب به أن يدل على ~~أنهما ذهبا متلازمين فهو أشد في تحقيق ذهاب المصاحب كقوله : { فلما ذهبوا ~~به } ( يوسف : 15 ) وأذهبه جعله ذاهبا بأمره أو إرساله فلما كان الذي يريد ~~إذهاب شخص إذهابا لا شك فيه يتولى حراسة ذلك بنفسه حتى يوقن بحصول امتثال ~~أمره صار ذهب به مفيدا معنى أذهبه ، ثم تنوسي ذلك بكثرة الاستعمال فقالوا ~~ذهب به ونحوه ولو لم يصاحبه في ذهابه كقوله : { يأتي بالشمس من المشرق } ( ~~البقرة : 258 ) وقوله : { وجاء بكم من البدو } ( يوسف : 100 ) ثم جعلت ~~الهمزة لمجرد التعدية في الاستعمال فيقولون : ذهب القمار بمال فلان ولا ~~يريدون أنه ذهب معه ، ولكنهم تحفظوا ألا يستعملوا ذلك إلا في مقام تأكيد ~~الإذهاب فبقيت المبالغة فيه . وضمير المفرد في قوله { وما حوله } مراعاة ~~للحال المشبهة . # واختيار لفظ النور في قوله : { ذهب الله بنورهم } دون الضوء ودون النار ~~لأن لفظ النور أنسب ؛ لأن الذي يشبه النار من الحالة المشبهة هو مظاهر ~~الإسلام التي يظهرونها وقد شاع التعبير عن الإسلام بالنور في القرآن فصار ~~اختيار لفظ النور هنا بمنزلة تجريد الاستعارة لأنه أنسب بالحال المشبهة ، ~~وعبر عما يقابله في الحال المشبه بها بلفظ يصلح لهما أو هو بالمشبه أنسب في ~~اصطلاح المتكلم كما قدمنا الإشارة إليه في وجه جمع الضمير في قوله : { ~~بنورهم . } # { وتركهم في ظلمات لا يبصرون } . # هذه الجملة تتضمن تقريرا لمضمون { ذهب الله بنورهم } لأن من ذهب نوره بقي ~~في ظلمة لا يبصر ، والقصد منه زيادة إيضاح الحالة التي صاروا إليها فإن ~~للدلالة الصريحة من الارتسام في ذهن السامع ما ليس للدلالة الضمنية فإن ~~قوله { ذهب الله بنورهم } يفيد أنهم لما استوقدوا نارا فانطفأت انعدمت ~~الفائدة وخابت المساعي ولكن قد يذهل السامع عما صاروا إليه عند ms0330 هاته الحالة ~~فيكون قوله بعد ذلك : { وتركهم في ظلمات لا يبصرون } تذكيرا بذلك وتنبيها ~~إليه ، فإنهم لا يقصدون من البيان إلا شدة تصوير المعاني ولذلك يطنبون ~~ويشبهون ويمثلون ويصفون المعرفة ويأتون بالحال ويعددون الأخبار والصفات ~~فهذا إطناب بديع كما في قول طرفة : # نداماي بيض كالنجوم وقينة # تروح إلينا بين برد ومجسد PageV01P310 # فإن قوله تروح إلينا الخ لا يفيد أكثر من تصوير حالة القينة وتحسين ~~منادمتها ، وتفيد هذه الجملة أيضا أنهم لم يعودوا إلى الاستنارة من بعد ، ~~على ما في قوله { وتركهم } من إفادة تحقيرهم ، وما في جمع { ظلمات } من ~~إفادة شدة الظلمة وهي فائدة زائدة على ما استفيد ضمنا من جملة { ذهب الله ~~بنورهم } وما يقتضيه جمع { ظلمات } من تقدير تشبيهات ثلاثة لضلالات ثلاث من ~~ضلالاتهم كما سيأتي . وبهذا الاعتبار الزائد على تقرير مضمون الجملة قبلها ~~عطفت على الجملة ولم تفصل . # وحقيقة الترك مفارقة أحد شيئا كان مقارنا له في موضع وإبقاؤه في ذلك ~~الموضع . وكثيرا ما يذكرون الحال التي ترك الفاعل المفعول عليها ، وفي هذا ~~الاستعمال يكثر أن يكون مجازا عن معنى صير أو جعل . قال النابغة : # فلا تتركني بالوعيد كأنني # إلى الناس مطلي به القار أجرب # أي لا تصيرني بهذه المشابهة ، وقول عنترة : # جادت عليه كل عينن ثرة # فتركن كل قرارة كالدرهم # يريد صيرن ، والأكثر أن يكنى به في هذا الاستعمال عن الزهادة في مفعوله ~~كما في بيت النابغة ، أو عن تحقيره كما في هذه الآية . # والفرق بين ما يعتبر فيه معنى صير حتى يكون منصوبه الثاني مفعولا ، وما ~~يعتبر المنصوب الثاني معه حالا ، أنه إن كان القصد إلى الإخبار بالتخلية ~~والتنحي عنه فالمنصوب الثاني حال وإن كان القصد أولا إلى ذلك المنصوب ~~الثاني وهو محل الفائدة فالمنصوب الثاني مفعول وهو في معنى الخبر فلا يحتمل ~~واحد منهما غير ذلك معنى وإن احتمله لفظا . # وجمع { ظلمات } لقصد بيان شدة الظلمة كقوله تعالى : { قل من ينجيكم من ~~ظلمات البر والبحر } ( الأنعام : 63 ) وقول النبيء صلى الله عليه وسلم ( ~~الظلم ms0331 ظلمات يوم القيامة ) فإن الكثرة لما كانت في العرف سبب القوة أطلقوها ~~على مطلق القوة وإن لم يكن تعدد ولا كثرة مثل لفظ كثير كما يأتي عند قوله ~~تعالى : { وادعوا ثبورا كثيرا في سورة الفرقان ( 14 ) ، ومنه ذكر ضمير ~~الجمع للتعظيم ، للواحد ، وضمير المتكلم ومعه غيره للتعظيم ، وصيغة الجمع ~~من ذلك القبيل ، قيل لم يرد في القرآن ذكر الظلمة مفردا ، ولعل لفظ ظلمات ~~أشهر إطلاقا في فصيح الكلام وسيأتي بيان هذا عند قوله تعالى : وجعل الظلمات ~~والنور في سورة الأنعام ( 1 ) بخلاف قوله تعالى : PageV01P311 في ظلمات ~~ثلاث } ( الزمر : 6 ) فإن التعدد مقصود بقرينة وصفه بثلاث . ولكن بلاغة ~~القرآن وكلام الرسول عليه السلام لا تسمح باستعمال جمع غير مراد به فائدة ~~زائدة على لفظه المفرد ، ويتعين في هذه الآية أن جمع ( ظلمات ) أشير به إلى ~~أحوال من أحوال المنافقين كل حالة منها تصلح لأن تشبه بالظلمة وتلك هي حالة ~~الكفر ، وحالة الكذب ، وحالة الاستهزاء بالمؤمنين ، وما يتبع تلك الأحوال ~~من آثار النفاق . # وهذا التمثيل تمثيل لحال المنافقين في ترددهم بين مظاهر الإيمان وبواطن ~~الكفر فوجه الشبه هو ظهور أمر نافع ثم انعدامه قبل الانتفاع به ، فإن في ~~إظهارهم الإسلام مع المؤمنين صورة من حسن الإيمان وبشاشته لأن للإسلام نورا ~~وبركة ثم لا يلبثون أن يرجعوا عند خلوهم بشياطينهم فيزول عنهم ذلك ويرجعوا ~~في ظلمة الكفر أشد مما كانوا عليه لأنهم كانوا في كفر فصاروا في كفر وكذب ~~وما يتفرع عن النفاق من المذام ، فإن الذي يستوقد النار في الظلام يتطلب ~~رؤية الأشياء فإذا انطفأت النار صار أشد حيرة منه في أول الأمر لأن ضوء ~~النار قد عود بصره فيظهر أثر الظلمة في المرة الثانية أقوى ويرسخ الكفر ~~فيهم . وبهذا تظهر نكتة البيان بجملة : { لا يبصرون } لتصوير حال من انطفأ ~~نوره بعد أن استضاء به . # ومفعول { لا يبصرون } محذوف لقصد عموم نفي المبصرات فتنزل الفعل منزلة ~~اللازم ولا يقدر له مفعول كأنه قيل لا إحساس بصر لهم ، كقول البحتري : # شجو حساده وغيظ ms0332 عداه # أن يرى مبصر ويسمع واع # وقد أجمل وجه الشبه في تشبيه حال المنافقين اعتمادا على فطنة السامع لأنه ~~يمخضه من مجموع ما تقدم من شرح حالهم ابتداء من قوله : { ومن الناس من يقول ~~آمنا بالله } ( البقرة : 8 ) الخ ومما يتضمنه المثلان من الإشارة إلى وجوه ~~المشابهة بين أجزاء أحوالهم وأجزاء الحالة المشبه بها ، فإن إظهارهم ~~الإيمان بقولهم : { آمنا بالله } وقولهم : { إنما نحن مصلحون } ( البقرة : ~~11 ) وقولهم عند لقاء المؤمنين : { آمنا } ( البقرة : 14 ) أحوال ومظاهر ~~حسنة تلوح على المنافقين حينما يحضرون مجلس النبيء صلى الله عليه وسلم ~~وحينما يتظاهرون بالإسلام والصلاة والصدقة مع المسلمين ويصدر منهم طيب ~~القول وقويم السلوك وتشرق عليهم الأنوار النبوية فيكاد نور الإيمان يخترق ~~إلى نفوسهم ولكن سرعان ما يعقب تلك الحالة الطيبة حالة تضادها عند انفضاضهم ~~عن تلك المجالس الزكية وخلوصهم إلى بطانتهم من كبرائهم أو من أتباعهم ~~فتعاودهم الأحوال الذميمة PageV01P312 من مزاولة الكفر وخداع المؤمنين ~~والحقد عليهم والاستهزاء بهم ووصفهم بالسفه ، مثل ذلك التظاهر وذلك ~~الانقلاب بحال الذي استوقد نارا ثم ذهب عنه نورها . # ومن بدائع هذا التمثيل أنه مع ما فيه من تركيب الهيأة المشبه بها ~~ومقابلتها للهيأة المركبة من حالهم هو قابل لتحليله بتشبيهاتت مفردة لكل ~~جزء من هيأة أحوالهم بجزء مفرد من الهيأة المشبه بها فشبه استماعهم القرآن ~~باستيقاد النار ، ويتضمن تشبيه القرآن في إرشاد الناس إلى الخير والحق ~~بالنار في إضاءة المسالك للسالكين ، وشبه رجوعهم إلى كفرهم بذهاب نور النار ~~، وشبه كفرهم بالظلمات ، ويشبهون بقوم انقطع إبصارهم . # # | 2 ( 18 ) { صم بكم عمى فهم لا يرجعون } . ) 2 # أخبار لمبتدأ محذوف هو ضمير يعود إلى ما عاد إليه ضمير { مثلهم } ( ~~البقرة : 17 ) ولا يصح أن يكون عائدا على { الذي استوقد } ( البقرة : 17 ) ~~لأنه لا يلتئم به أول التشبيه وآخره لأن قوله : { كمثل الذي استوقد نارا } ~~يقتضي أن المستوقد ذو بصر وإلا لما تأتى منه الاستيقاد ، وحذف المسند إليه ~~في هذا المقام استعمال شائع عند العرب إذا ذكروا موصوفا بأوصاف أو أخبار ~~جعلوه ms0333 كأنه قد عرف للسامع فيقولون : فلان أو فتى أو رجل أو نحو ذلك على ~~تقدير هو فلان ، ومنه قوله تعالى : { جزاء من ربك عطاء حسابا رب السماوات ~~والأرض وما بينهما } ( النبأ : 36 ، 37 ) التقدير هو رب السماوات عدل عن ~~جعل ( رب ) بدلا من ربك ، وقول الحماسي : # سأشكر عمرا إن تراخت منيتي # أيادي لم تمنن وإن هي جلت # فتى غير محجوبب الغنى عن صديقه # ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت # وسمى السكاكي هذا الحذف ( الحذف الذي اتبع فيه الاستعمال الوارد على تركه ~~) . والإخبار عنهم بهذه الأخبار جاء على طريقة التشبيه البليغ شبهوا في ~~انعدام آثار الإحساس منهم بالصم البكم العمي أي كل واحد منهم اجتمعت له ~~الصفات الثلاث وذلك شأن الأخبار الواردة بصيغة الجمع بعد مبتدأ هو اسم دال ~~على جمع ، فالمعنى كل واحد منهم كالأصم الأبكم PageV01P313 الأعمى وليس ~~المعنى على التوزيع فلا يفهم أن بعضهم كالأصم وبعضهم كالأبكم وبعضهم ~~كالأعمى ، وليس هو من الاستعارة عند محققي أهل البيان . قال صاحب ( الكشاف ~~) : ( ( فإن قلت هل يسمى ما في الآية استعارة قلت مختلف فيه والمحققون على ~~تسميته تشبيها بليغا لا استعارة لأن المستعار له مذكور وهم المنافقون ) ) ا ~~ه أي لأن الاستعارة تعتمد على لفظ المستعار منه أو المستعار له في جملة ~~الاستعارة فمتى ذكرا معا فهو تشبيه ، ولا يضر ذكر لفظ المستعار له في غير ~~جملة الاستعارة لظهور أنه لولا العلم بالمستعار له في الكلام لما ظهرت ~~الاستعارة ولذلك اتفقوا على أن قول ابن العميد : # قامت تظللني من الشمس # نفس أعز علي من نفسي # قامت تظللني ومن عجب # شمس تظللني من الشمس # أن قوله شمس استعارة ولم يمنعهم من ذلك ذكر المستعار له قبل في قوله نفس ~~أعز ، وضميرها في قوله قامت تظللني وكذا إذا لفظ المستعار غير مقصود ابتناء ~~التشبيه عليه لم يكن مانعا من الاستعارة كقول أبي الحسن ابن طباطبا : # لا تعجبوا من بلى غلالته # قد زر أزراره على القمر # فإن الضمير لم يذكر ليبنى عليه التشبيه بل جاء ms0334 التشبيه عقبه . # والصم والبكم والعمى جمع أصم وأعمى وأبكم وهم من اتصف بالصمم والبكم ~~والعمي ، فالصمم انعدام إحساس السمع عمن من شأنه أن يكون سميعا ، والبكم ~~انعدام النطق عمن من شأنه النطق ، والعمي انعدام البصر عمن من شأنه الإبصار ~~. # وقوله : { فهم لا يرجعون } تفريع على جملة : { صم بكم عمي } لأن من ~~اعتراه هذه الصفات انعدم منه الفهم والإفهام وتعذر طمع رجوعه إلى رشد أو ~~صواب . والرجوع الانصراف من مكان حلول ثان إلى مكان حلول أول وهو هنا مجاز ~~في الإقلاع عن الكفر . # $ 2 ( 19 ) { أو كصيب من السمآء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم فى & # 1764 ءاذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين } . ) 2 $ # { أو كصيب من السمآء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم فى & # 1764 ءاذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين } . # عطف على التمثيل السابق وهو قوله : { كمثل الذي استوقد نارا } ( البقرة : ~~17 ) أعيد تشبيه حالهم بتمثيل آخر وبمراعاة أوصاف أخرى فهو تمثيل لحال ~~المنافقين المختلطة بين جواذب ودوافع PageV01P314 حين يجاذب نفوسهم جاذب ~~الخير عند سماع مواعظ القرآن وإرشاده ، وجاذب الشر من أعراق النفوس ~~والسخرية بالمسلمين ، بحال صيب من السماء اختلطت فيه غيوث وأنوار ومزعجات ~~وأكدار ، جاء على طريقة بلغاء العرب في التفنن في التشبيه وهم يتنافسون فيه ~~لا سيما التمثيلي منه وهي طريقة تدل على تمكن الواصف من التوصيف والتوسع ~~فيه . # وقد استقريت من استعمالهم فرأيتهم قد يسلكون طريقة عطف تشبيه على تشبيه ~~كقول امرىء القيس في معلقته : # أصاحح ترى برقا أريك وميضه # كلمعع اليدين في حبي مكلل # يضيء سناه أو مصابيحح راهب # أمال السليط بالذبال المفتل # وقولل لبيد في معلقته يصف راحلته : # فلها هباب في الزمام كأنها # صهباء خف مع الجنوب جهامها # أو ملمع وسقت لأحقب لاحه # طرد الفحول وضربها وكدامها # وكثر أن يكون العطف في نحوه بأو دون الواو ، وأو موضوعة لأحد الشيئين أو ~~الأشياء فيتولد منها معنى التسوية وربما سلكوا في إعادة التشبيه مسلك ~~الاستفهام بالهمزة أي لتختار التشبيه بهذا أم بذلك ms0335 وذلك كقول لبيد عقب ~~البيتين السابق ذكرهما : # أفتلك أم وحشية مسبوعة # خذلت وهادية الصوار قوامها # وقال ذو الرمة في تشبيه سير ناقته الحثيث : # وثب المسحجج من عاناتت معقلة # كأنه مستبان الشك أو جنب PageV01P315 # ثم قال : # أذاك أم نمش بالوشي أكرعه # مسفع الخد غاد ناشع شبب # ثم قال : # أذاك أم خاضب بالسي مرتعه # أبو ثلاثين أمسى وهو منقلب # وربما عطفوا بالواو كما في قوله تعالى : { ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء ~~متشاكسون } ( الزمر : 29 ) الآية ثم قال : { وضرب الله مثلا رجلين } ( ~~النحل : 76 ) الآية . وقوله : { ما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا ~~النور ولا الظل ولا الحرور } ( فاطر : 19 21 ) الآية بل وربما جمعوا بلا ~~عطف كقوله تعالى : { حتى جعلناهم حصيدا خامدين } ( الأنبياء : 15 ) وهذه ~~تفننات جميلة في الكلام البليغ فما ظنك بها إذا وقعت في التشبيه التمثيلي ~~فإنه لعزته مفردا تعز استطاعة تكريره . # و ( أو ) عطفت لفظ ( صيب ) على { الذي استوقد } ( البقرة : 17 ) بتقدير ~~مثل بين الكاف وصيب . وإعادة حرف التشبيه مع حرف العطف المغني عن إعادة ~~العامل ، وهذا التكرير مستعمل في كلامهم وحسنه هنا أن فيه إشارة إلى اختلاف ~~الحالين المشبهين كما سنبينه وهم في الغالب لا يكررونه في العطف . # والتمثيل هنا لحال المنافقين حين حضورهم مجلس رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وسماعهم القرآن وما فيه من آي الوعيد لأمثالهم وآي البشارة ، فالغرض ~~من هذا التمثيل تمثيل حالة مغايرة للحالة التي مثلت في قوله تعالى : { ~~مثلهم كمثل الذي استوقد } ( البقرة : 17 ) بنوع إطلاق وتقييد . # فقوله : { أو كصيب } تقديره أو كفريق ذي صيب أي كقوم على نحو ما تقدم في ~~قوله : { كمثل الذي استوقد } دل على تقدير قوم قوله : { يجعلون أصابعهم في ~~آذانهم } وقوله : PageV01P316 { يخطف أبصارهم } ( البقرة : 20 ) . الآية ، ~~لأن ذلك لا يصح عوده إلى المنافقين فلا يجيء فيه ما جاز في قوله : { ذهب ~~الله بنورهم } ( البقرة : 17 ) الخ . فشبهت حال المنافقين بحال قوم سائرين ~~في ليل بأرض قوم أصابها الغيث وكان أهلها كانين في مساكنهم كما علم ذلك ms0336 من ~~قوله : { كلما أضاء لهم مشوا فيه } ( البقرة : 20 ) فذلك الغيث نفع أهل ~~الأرض ولم يصبهم مما اتصل به من الرعد والصواعف ضر ولم ينفع المارين بها ~~وأضر بهم ما اتصل به من الظلمات والرعد والبرق ، فالصيب مستعار للقرآن وهدى ~~الإسلام وتشبيهه بالغيث وارد . وفي الحديث الصحيح : ( مثل ما بعثني الله به ~~من الهدى كمثل الغيث أصاب أرضا فكان منها نقية ) الخ . وفي القرآن : { كمثل ~~غيث أعجب الكفار نباته } ( الحديد : 20 ) . ولا تجد حالة صالحة لتمثيل هيئة ~~اختلاط نفع وضر مثل حالة المطر والسحاب وهو من بديع التمثيل القرآني ، ومنه ~~أخذ أبو الطيب قوله : # فتى كالسحاب الجون يرجى ويتقى # يرجى الحيا منه وتخشى الصواعق # والظلمات مستعار لما يعتري الكافرين من الوحشة عند سماعه كما تعتري ~~السائر في الليل وحشة الغيم لأنه يحجب عنه ضوء النجوم والقمر ، والرعد ~~لقوارع القرآن وزواجره ، والبرق لظهور أنوار هديه من خلال الزواجر فظهر أن ~~هذا المركب التمثيلي صالح لاعتبارات تفريق التشبيه وهو أعلى التمثيل . # والصيب فيعل من صاب يصوب صوبا إذا نزل بشدة ، قال المرزوقي إن ياءه للنقل ~~من المصدرية إلى الاسمية فهو وصف للمطر بشدة الظلمة الحاصلة من كثافة ~~السحاب ومن ظلام الليل . # والظاهر أن قوله : { من السماء } ليس بقيد للصيب وإنما هو وصف كاشف جيء ~~به لزيادة استحضار صورة الصيب في هذا التمثيل إذ المقام مقام إطناب كقول ~~امرىء القيس : # كجلمود صخر حطه السيل من علل # إذ قد علم السامع أن السيل لا يحط جلمود صخر إلا من أعلى ولكنه أراد ~~التصوير ، وكقوله تعالى : { ولا طائر يطير بجناحيه } ( الأنعام : 38 ) ، ~~وقوله : { كالذي استهوته الشياطين في الأرض } ( الأنعام : 71 ) وقال تعالى ~~: { فأمطر علينا حجارة من السماء } ( الأنفال : 32 ) . # والسماء تطلق على الجو المرتفع فوقنا الذي نخاله قبة زرقاء ، وعلى الهواء ~~المرتفع قال تعالى : { كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء } ( إبراهيم ~~: 24 ) وتطلق على السحاب ، وتطلق على المطر PageV01P317 نفسه ففي الحديث : ~~( خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إثر سماء ) الخ ، ولما كان تكون ms0337 ~~المطر من الطبقة الزمهريرية المرتفعة في الجو جعل ابتداؤه من السماء وتكرر ~~ذلك في القرآن . # ويمكن أن يكون قوله : { من السماء } تقييدا للصيب إما بمعنى من جميع ~~أقطار الجو إذا قلنا إن التعريف في السماء للاستغراق كما ذهب إليه في ( ~~الكشاف ) على بعد فيه إذ لم يعهد دخول لام الاستغراق إلا على اسم كلي ذي ~~أفراد دون اسم كل ذي أجزاء فيحتاج لتنزيل الأجزاء منزلة أفراد الجنس ولا ~~يعرف له نظير في الاستعمال فالذي يظهر لي إن جعلنا قوله : { من السماء } ~~قيدا للصيب أن المراد من السماء أعلى الارتفاع والمطر إذا كان من سمت مقابل ~~وكان عاليا كان أدوم بخلاف الذي يكون من جوانب الجو ويكون قريبا من الأرض ~~غير مرتفع . وضمير ( فيه ) عائد إلى ( صيب ) والظرفية مجازية بمعنى معه ، ~~والظلمات مضى القول فيه آنفا . # والمراد بالظلمات ظلام الليل أي كسحاب في لونه ظلمة الليل وسحابة الليل ~~أشد مطرا وبرقا وتسمى سارية . والرعد أصوات تنشأ في السحاب . والبرق لامع ~~ناري مضيء يظهر في السحاب ، والرعد والبرق ينشآن في السحاب من أثر كهربائي ~~يكون في السحاب فإذا تكاثفت سحابتان في الجو إحداهما كهرباؤها أقوى من ~~كهرباء الأخرى وتحاكتا جذبت الأقوى منهما الأضعف فحدث بذلك انشقاق في ~~الهواء بشدة وسرعة فحدث صوت قوي هو المسمى الرعد وهو فرقعة هوائية من فعل ~~الكهرباء ، ويحصل عند ذلك التقاء الكهرباءين وذلك يسبب انقداح البرق . # وقد علمت أن الصيب تشبيه للقرآن وأن الظلمات والرعد والبرق تشبيه لنوازع ~~الوعيد بأنها تسر أقواما وهم المنتفعون بالغيث وتسوء المسافرين غير أهل تلك ~~الدار ، فكذلك الآيات تسر المؤمنين إذ يجدون أنفسهم ناجين من أن تحق عليهم ~~وتسوء المنافقين إذ يجدونها منطبقة على أحوالهم . # PageV01P318 $ 2 ( 20 ) { يجعلون أصابعهم فى & # 1764 ءاذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين } { يكاد البرق ~~يخطف أبصارهم كلمآ أضآء لهم مشوا فيه وإذآ أظلم عليهم قاموا ولو شآء الله ~~لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شىء قدير } . ) 2 $ # الأظهر أن تكون جملة : { يجعلون } حالا اتضح ms0338 بها المقصود من الهيئة ~~المشبه بها لأنها كانت مجملة ، وأما جملة : { يكاد البرق } فيجوز كونها ~~حالا من ضمير { يجعلون } ، لأن بها كمال إيضاح الهيئة المشبه بها ويجوز ~~كونها استئنافا لبيان حال الفريق عند البرق نشأ عن بيان حالهم عند الرعد . ~~وجملة : { كلما أضاء لهم مشوا فيه } حال من ( البرق ) أو من ضمير ( أبصارهم ~~) لا غير ، وفي هذا تشبيه لجزع المنافقين من آيات الوعيد بما يعتري القائم ~~تحت السماء حين الرعد والبرق والظلمات فهو يخشى استكاك سمعه ويخشى الصواعق ~~حذر الموت ويعشيه البرق حين يلمع بإضاءة شديدة ويعمي عليه الطريق بعد ~~انقطاع لمعانه . وقوله : { كلما أضاء لهم } تمثيل لحال حيرة المنافقين بحال ~~حيرة السائرين في الليل المظلم المرعد المبرق . وقوله : { والله محيط ~~بالكافرين } اعتراض للتذكير بأن المقصود التمثيل لحال المنافقين في كفرهم ~~لا لمجرد التفنن في التمثيل . وقوله : { ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم ~~} رجوع إلى وعيد المنافقين الذين هم المقصود من التمثيل فالضمائر التي في ~~جملة { ولو شاء الله } راجعة إلى أصل الكلام ، وتوزيع الضمائر دل عليه ~~السياق . فعبر عن زواجر القرآن بالصواعق وعن انحطاط قلوب المنافقين وهي ~~البصائر عن قرار نور الإيمان فيها بخطف البرق للأبصار ، وإلى نحو من هذا ~~يشير كلام ابن عطية نقلا عن جمهور المفسرين وهو مجاز شائع ، يقال فلان يرعد ~~ويبرق ، على أن بناءه هنا على المجاز السابق يزيده قبولا ، وعبر عما يحصل ~~للمنافقين من الشك في صحة اعتقادهم بمشي الساري في ظلمة إذا أضاء له البرق ~~، وعن إقلاعهم عن ذلك الشك حين رجوعهم إلى كفرهم بوقوف الماشي عند انقطاع ~~البرق على طريقة التمثيل ، وخلل ذلك كله بتهديد لا يناسب إلا المشبهين وهو ~~PageV01P319 ما أفاده الاعتراض بقوله : { والله محيط بالكافرين } وقوله : { ~~ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم } فجاء بهذه الجمل الحالية والمستأنفة ~~تنبيها على وجه الشبه وتقريرا لقوة مشابهة الزواجر وآيات الهدى والإيمان ~~بالرعد والبرق في حصول أثري النفع والضر عنهما مع تفنن في البلاغة وطرائق ~~الحقيقة والمجاز . # وجعل في ( الكشاف ) الجمل الثلاث مستأنفا بعضها ms0339 عن بعض بأن تكون الأولى ~~استئنافا عن جملة : { أو كصيب } ( البقرة : 19 ) والثانية وهي : { يكاد ~~البرق } مستأنفة عن جملة : { يجعلون } لأن الصواعق تستلزم البرق ، والثالثة ~~وهي : { كلما أضاء لهم مشوا } مستأنفة عن قوله : { يكاد البرق } والمعنى ~~عليه ضعيف وهو في بعضها أضعف منه في بعض كما أشرنا إليه آنفا . # والجعل والأصابع مستعملان في حقيقتهما على قول بعض المفسرين لأن الجعل هو ~~هنا بمعنى النوط ، والظرفية لا تقتضي الإحاطة فجعل بعض الإصبع في الأذن هو ~~جعل للإصبع فتمثل بعض علماء البيان بهذه الآية للمجاز الذي علاقته الجزئية ~~تسامح ولذلك عبر عنه صاحب ( الكشاف ) بقوله هذا من الاتساعات في اللغة التي ~~لا يكاد الحاصر يحصرها كقوله : { فاغسلوا وجوهكم } ( المائدة : 6 ) { ~~فاقطعوا أيديهما } ( المائدة : 38 ) ومنه قولك مسحت بالمنديل ، ودخلت البلد ~~، وقيل ذلك مجاز في الأصابع ، وقيل مجاز في الجعل ولمن شاء أن يجعله مجازا ~~في الظرفية فتكون تبعية لكلمة ( في ) . # و ( من ) في قوله : { من الصواعق } للتعليل أي لأجل الصواعق إذ الصواعق ~~هي علة جعل الأصابع في الآذان ولا ضير في كون الجعل لاتقائها حتى يقال يلزم ~~تقدير مضاف نحو ترك واتقاء إذ لا داعي إليه ، ونظير هذا قولهم سقاه من ~~العيمة ( بفتح العين وسكون الياء وهي شهوة اللبن ) لأن العيمة سبب السقي ~~والمقصود زوالها إذ المفعول لأجله هو الباعث وجوده على الفعل سواء كان مع ~~ذلك غاية للفعل وهو الغالب أم لم يكن كما هنا . # والصواعق جمع صاعقة وهي نار تندفع من كهربائية الأسحبة كما تقدم آنفا . ~~وقوله : { حذر الموت } مفعول لأجله وهو هنا علة وغاية معا . # ومن بديع هذا التمثيل أنه مع ما احتوى عليه من مجموع الهيئة المركبة ~~المشبه بها حال المنافقين حين منازعة الجواذب لنفوسهم من جواذب الاهتداء ~~وترقبها ما يفاض على نفوسهم من قبول دعوة النبيء وإرشاده مع جواذب الإصرار ~~على الكفر وذبهم عن أنفسهم أن يعلق بها ذلك الإرشاد حينما يخلون إلى ~~شياطينهم ، هو مع ذلك قابل لتفريق التشبيه PageV01P320 في مفرداته إلى ~~تشابيه مفردة بأن يشبه ms0340 كل جزء من مجموع الهيئة المشبهة لجزء من مجموع هيئة ~~قوم أصابهم صيب معه ظلمات ورعد وصواعق لا يطيقون سماع قصفها ويخشون الموت ~~منها وبرق شديد يكاد يذهب بأبصارهم وهم في حيرة بين السير وتركه . وقوله : ~~{ والله محيط بالكافرين } اعتراض راجع للمنافقين إذ قد حق عليهم التمثل ~~واتضح منه حالهم فآن أن ينبه على وعيدهم وتهديدهم وفي هذا رجوع إلى أصل ~~الغرض كالرجوع في قوله تعالى { ذهب الله بنورهم وتركهم } ( البقرة : 17 ) ~~الخ كما تقدم إلا أنه هنا وقع بطريق الاعتراض . # والإحاطة استعارة للقدرة الكاملة شبهت القدرة التي لا يفوتها المقدور ~~بإحاطة المحيط بالمحاط على طريقة التبعية أو التمثيلية وإن لم يذكر جميع ما ~~يدل على جميع المركب الدال على الهيئة المشبهة بها وقد استعمل هذا الخبر في ~~لازمه وهو أنه لا يفلتهم وأنه يجازيهم على سوء صنعهم . # والخطف الأخذ بسرعة . # و ( كلما ) كلمة تفيد عموم مدخولها ، و ( ما ) كافة لكل عن الإضافة أوهي ~~مصدرية ظرفية أو نكرة موصوفة فالعموم فيها مستفاد من كلمة ( كل ) . وذكر ( ~~كلما ) في جانب الإضاءة و ( إذا ) في جانب الإظلام لدلالة ( كلما ) على ~~حرصهم على المشي وأنهم يترصدون الإضاءة فلا يفيتون زمنا من أزمان حصولها ~~ليتبينوا الطريق في سيرهم لشدة الظلمة . # و { أضاء فعل يستعمل ومتعديا باختلاف المعنى كما تقدم في قوله : فلما ~~أضاءت ما حوله } ( البقرة : 17 ) وأظلم يستعمل قاصرا كثيرا ويستعمل متعديا ~~قليلا . والظاهر أم ( أضاء ) هنا متعد فمفعول ( أضاء ) محذوف لدلالة ( مشوا ~~) عليه وتقديره الممشى أو الطريق أي أضاء لهم البرق الطريق وكذلك ( أظلم ) ~~أي وإذا أظلم عليهم البرق الطريق بأن أمسك وميضه فإسناد الإظلام إلى البرق ~~مجاز لأنه تسبب في الإظلام . ومعنى القيام عدم المشي أي الوقوف في الموضع . # وقوله تعالى : { ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم } مفعول ( شاء ) ~~محذوف لدلالة الجواب عليه وذلك شأن فعل المشيئة والإرادة ونحوهما إذا وقع ~~متصلا بما يصلح لأن يدل على مفعوله مثل وقوعه صلة لموصول يحتاج إلى خبر نحو ~~ما شاء الله كان أي ms0341 ما شاء كونه كان ومثل وقوعه شرطا للو لظهور أن الجواب ~~هو دليل المفعول وكذلك إذا كان في الكلام السابق قبل فعل المشيئة ما يدل ~~على مفعول الفعل نحو قوله تعالى : { سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله } ( ~~الأعلى : 6 ، 7 ) PageV01P321 قال الشيخ في ( دلائل الإعجاز ) : إن البلاغة ~~في أن يجاء به كذلك محذوفا وقد يتفق في بعضه أن يكون إظهار المفعول هو ~~الأحسن وذلك نحو قول الشاعر ( هو إسحاق الخريمي مولى بني خريم من شعراء عصر ~~الرشيد يرثي أبا الهيذام الخريمي حفيده ابن ابن عمارة ) . # ولو شئت أن أبكي دما لبكيته # عليه ولكن ساحة الصبر أوسع # وسبب حسنه أنه كأنه بدع عجيب أن يشاء الإنسان أن يبكي دما فلما كان كذلك ~~كان الأولى أن يصرح بذكره ليقرره في نفس السامع الخ كلامه وتبعه صاحب ( ~~الكشاف ) وزاد عليه أنهم لا يحذفون في الشيء المستغرب إذ قال لا يكادون ~~يبرزون المفعول إلا في الشيء المستغرب الخ وهو مؤول بأن مراده أن عدم الحذف ~~حينئذ يكون كثيرا . وعندي أن الحذف هو الأصل لأجل الإيجاز فالبليغ تارة ~~يستغني بالجواب فيقصد البيان بعد الإبهام وهذا هو الغالب في كلام العرب ، ~~قال طرفة : وإن شئت لم ترقل وإن شئت أرقلت ، وتارة يبين بذكر الشرط أساس ~~الإضمار في الجواب نحو البيت وقوله تعالى : { لو أردنا أن نتخذ لهوا ~~لاتخذناه } ( الأنبياء : 17 ) ويحسن ذلك إذا كان في المفعول غرابة فيكون ~~ذكره لابتداء تقريره كما في بيت الخريمي والإيجاز حاصل على كل حال لأن فيه ~~حذفا إما من الأول أو من الثاني . وقد يوهم كلام أئمة المعاني أن المفعول ~~الغريب يجب ذكره وليس كذلك فقد قال الله تعالى : { قالوا لو شاء ربنا لأنزل ~~ملائكة } ( فصلت : 14 ) فإن إنزال الملائكة أمر غريب قال أبو العلاء المعري ~~. # وإن شئت فازعم أن من فوق ظهرها # عبيدك واستشهد إلاهك يشهد # فإن زعم ذلك زعم غريب . # والضمير في قوله : { بسمعهم وأبصارهم } ظاهره أن يعودوا إلى أصحاب الصيب ~~المشبه بحالهم حال المنافقين لأن الإخبار ms0342 بإمكان إتلاف الأسماع والأبصار ~~يناسب أهل الصيب المشبه بحالهم بمقتضى قوله : { يكاد البرق يخطف أبصارهم } ~~وقوله : { يجعلون أصابعهم في آذانهم } والمقصود أن الرعد والبرق الواقعين ~~في الهيئة المشبه بها هما رعد وبرق بلغا منتهى قوة جنسيهما بحيث لا يمنع ~~قصيف الرعد من إتلاف أسماع سامعيه ولا يمنع وميض البرق من إتلاف أبصار ~~ناظريه إلا مشيئة الله عدم وقوع ذلك لحكمة وفائدة ذكر هذا في الحالة ~~المشبهة بها أن يسري نظيره في الحالة المشبهة وهي حالة المنافقين فهم على ~~وشك انعدام الانتفاع بأسماعهم وأبصارهم انعداما تاما من كثرة عنادهم ~~وإعراضهم عن الحق إلا أن الله لم يشأ ذلك استدراجا لهم وإملاء ليزدادوا ~~PageV01P322 إثما أو تلوما لهم وإعذارا لعل منهم من يثوب إلى الهدى وقد صيغ ~~هذا المعنى في هذا الأسلوب لما فيه من التوجيه بالتهديد لهم أن يذهب الله ~~سمعهم وأبصارهم من نفاقهم إن لم يبتدروا الإقلاع عن النفاق وذلك يكون له ~~وقع الرعب في قلوبهم كما وقع لعتبة بن ربيعة لما قرأ عليه النبيء صلى الله ~~عليه وسلم { فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود } ( فصلت : 13 ) . فليس ~~المقصود من اجتلاب لو في هذا الشرط إفادة ما تقتضيه ( لو ) من الامتناع ~~لأنه ليس المقصود الإعلام بقدرة الله على ذلك بل المقصود إفادة لازم ~~الامتناع وهو أن توفر أسباب إذهاب البرق والرعد أبصارهم الواقعين في ~~التمثيل متوفرة وهي كفران النعمة الحاصلة منهما إذ إنما رزقوهما للتبصر في ~~الآيات الكونية وسماع الآيات الشرعية فلما أعرضوا عن الأمرين كانوا أحرياء ~~بسلب النعمة إلا أن الله لم يشأ ذلك إمهالا لهم وإقامة للحجة عليهم فكانت ~~لو مستعملة مجازا مرسلا في مجرد التعليق إظهارا لتوفر الأسباب لولا وجود ~~المانع على حد قول أبي بن سلمى بن ربيعة من شعراء ( الحماسة ) يصف فرسه : # ولو طار ذو حافر قبلها # لطارت ولكنه لم يطر # أي توفر فيها سبب الطيران ، فالمعنى لو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم ~~بزيادة ما في البرق والرعد من القوة فيفيد بلوغ الرعد والبرق قرب ms0343 غاية ~~القوة ، ويكون لقوله : { إن الله على كل شيء قدير } موقع عجيب . # وقوله : { إن الله على كل شيء قدير } تذييل ، وفيه ترشيح للتوجيه المقصود ~~للتهديد زيادة في تذكيرهم وإبلاغا لهم وقطعا لمعذرتهم في الدنيا والآخرة . # # | 2 ( 21 ) { ياأيها الناس اعبدوا ربكم الذى خلقكم والذين من قبلكم لعلكم ~~تتقون } . ) 2 # استئناف ابتدائي ثني به العنان إلى موعظة كل فريق من الفرق الأربع ~~المتقدم ذكرها موعظة تليق بحاله بعد أن قضى حق وصف كل فريق منهم بخلاله ، ~~ومثلت حال كل فريق وضربت له أمثاله فإنه لما استوفى أحوالا للمؤمنين ~~وأضدادهم من المشركين والمنافقين لا جرم تهيأ المقام لخطاب عمومهم بما ~~ينفعهم إرشادا لهم ورحمة بهم لأنه لا يرضى لهم الضلال ولم PageV01P323 يكن ~~ما ذكر آنفا من سوء صنعهم حائلا دون إعادة إرشادهم والإقبال عليهم بالخطاب ~~ففيه تأنيس لأنفسهم بعد أن هددهم ولامهم وذم صنعهم ليعلموا أن الإغلاظ ~~عليهم ليس إلا حرصا على صلاحهم وأنه غني عنهم كما يفعله المربي الناصح حين ~~يزجر أو يوبخ فيرى انكسار نفس مرباه فيجبر خاطره بكلمة لينة ليريه أنه إنما ~~أساء إليه استصلاحا وحبا لخيره فلم يترك من رحمته لخلقه حتى في حال عتوهم ~~وضلالهم وفي حال حملهم إلى مصالحهم . # وبعد فهذا الاستئناس وجبر الخواطر يزداد به المحسنون إحسانا وينكف به ~~المجرمون عن سوء صنعهم فيأخذ كل فريق من الذين ذكروا فيما سلف حظه منه . ~~فالمقصود بالنداء من قوله : { يأيها الناس } الإقبال على موعظة نبذ الشرك ~~وذلك هو غالب اصطلاح القرآن في الخطاب بيأيها الناس ، وقرينة ذلك هنا قوله ~~: { فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون } ( البقرة : 22 ) وافتتح الخطاب ~~بالنداء تنويها به . # و ( يا ) حرف للنداء وهو أكثر حروف النداء استعمالا فهو أصل حروف النداء ~~ولذلك لا يقدر غيره عند حذف حرف النداء ولكونه أصلا كان مشتركا لنداء ~~القريب والبعيد كما في ( القاموس ) . قال الرضي في ( شرح الكافية ) : إن ~~استعمال يا في القريب والبعيد على السواء ودعوى المجاز في أحدهما أو ~~التأويل خلاف الأصل ، وهو يريد بذلك ms0344 الرد على الزمخشري إذ قال في ( الكشاف ~~) : ( ويا حرف وضع في أصله لنداء البعيد ثم استعمل في مناداة من سها أو غفل ~~وإن قرب تنزيلا له منزلة من بعد ) وكذلك فعل في كتاب ( المفصل ) . # و ( أي ) في الأصل نكرة تدل على فرد من جنس اسم يتصل بها بطريق الإضافة ، ~~نحو أي رجل أو بطريق الإبدال نحو يأيها الرجل ، ومنه ما في الاختصاص كقولك ~~لجليسك أنا كفيت مهمك أيها الجالس عندك وقد ينادون المنادى باسم جنسه أو ~~بوصفه لأنه طريق معرفته أو لأنه أشمل لإحضاره كما هنا فربما يؤتى بالمنادى ~~حينئذ نكرة مقصودة أو غير مقصودة ، وربما يأتون باسم الجنس أو الوصف معرفا ~~باللام الجنسية إشارة إلى تطرق التعريف إليه على الجملة تفننا فجرى ~~استعمالهم أن يأتوا حينئذ مع اللام باسم إشارة إغراقا في تعريفه ~~PageV01P324 ويفصلوا بين حرف النداء والاسم المنادى حينئذ بكلمة أي وهو ~~تركيب غير جار على قياس اللغة ولعله من بقايا استعمال عتيق . # وقد اختصروا اسم الإشارة فأبقوا ( ها ) التنبيهية وحذفوا اسم الإشارة ، ~~فأصل يأيها الناس يأيهؤلاء وقد صرحوا بذلك في بعض كلامهم كقول الشاعر الذي ~~لا نعرفه : # أيهذانن كلا زاديكما # وربما أرادوا نداء المجهول الحاضر الذات أيضا بما يدل على طريق إحضاره من ~~حالة قائمة به باعتبار كونه فردا من جنس فتوصلوا لذلك باسم الموصول الدال ~~على الحالة بصلته والدال على الجنسية لأن الموصول يأتي لما تأتي له اللام ~~فيقحمون أيا كذلك نحو : { يأيها الذي نزل عليه الذكر } ( الحجر : 6 ) . # و ( الناس ) تقدم الكلام في اشتقاقه عند قوله تعالى : { ومن الناس } ( ~~البقرة : 8 ) وهو اسم جمع نودي هنا وعرف بأل يشمل كل أفراد مسماه لأن ~~الجموع المعرفة باللام للعموم ما لم يتحقق عهد كما تقرر في الأصول ~~واحتمالها العهد ضعيف إذ الشأن عهد الأفراد فلذلك كانت في العموم أنص من ~~عموم المفرد المحلى بأل . # فإن نظرت إلى صورة الخطاب فهو إنما واجه به ناسا سامعين فعمومه لمن لم ~~يحضر وقت سماع هذه الآية ، ولمن سيوجد من بعد ms0345 يكون بقرينة عموم التكليف ~~وعدم قصد تخصيص الحاضرين وذلك أمر قد تواتر نقلا ومعنى فلا جرم أن يعم ~~الجميع من غير حاجة إلى القياس ، وإن نظرت إلى أن هذا من أضرب الخطاب الذي ~~لا يكون لمعين فيترك فيه التعيين ليعم كل من يصلح للمخاطبة بذلك وهذا شأن ~~الخطاب الصادر من الدعاة والأمراء والمؤلفين في كتبهم من نحو قولهم يا قوم ~~، ويا فتى ، وأنت ترى ، وبهذا تعلم ، ونحو ذلك فما ظنك بخطاب الرسل وخطاب ~~هو نازل من الله تعالى كان ذلك عاما لكل من يشمله اللفظ من غير استعانة ~~بدليل آخر . وهذا هو تحقيق المسألة التي يفرضها الأصوليون ويعبرون عنها ~~بخطاب المشافهة والمواجهة هل يعم أم لا ؟ والجمهور وإن قالوا إنه يتناول ~~الموجودين دون من بعدهم بناء على أن ذلك هو مقتضى المخاطبة حتى قال العضد ~~إن إنكار ذلك مكابرة ، وبحث فيه التفتزاني ، فهم قالوا إن شمول الحكم لمن ~~يأتي بعدهم هو مما تواتر من عموم البعثة وأن أحكامها شاملة للخلق في جميع ~~العصور كما أشار إليه البيضاوي . PageV01P325 # قلت : الظاهر أن خطابات التشريع ونحوها غير جارية على المعروف في توجه ~~الخطاب في أصل اللغات لأن المشرع لا يقصد لفريق معين ، وكذلك خطاب الخلفاء ~~والولاة في الظهائر والتقاليد ، فقرينة عدم قصد الحاضرين ثابتة واضحة ، ~~غاية ما في الباب أن تعلقه بالحاضرين تعلق أصلي إلزامي وتعلقه بالذين يأتون ~~من بعد تعلق معنوي إعلامي على نحو ما تقرر في تعلق الأمر في علم أصول الفقه ~~فنفرض مثله في توجه الخطاب . # والعبادة في الأصل التذلل والخضوع وقد تقدم القول فيها عند قوله تعالى : ~~{ إياك نعبد } ( الفاتحة : 5 ) ولما كان التذلل والخضوع إنما يحصل عن صدق ~~اليقين كان الإيمان بالله وتوحيده بالإلاهية مبدأ العبادة لأن من أشرك مع ~~المستحق ما ليس بمستحق فقد تباعد عن التذلل والخضوع له . فالمخاطب بالأمر ~~بالعبادة المشركون من العرب والدهريون منهم وأهل الكتاب والمؤمنون كل بما ~~عليه من واجب العبادة من إثبات الخالق ومن توحيده ، ومن الإيمان بالرسول ، ~~والإسلام للدين والامتثال ms0346 لما شرعه إلى ما وراء ذلك كله حتى منتهى العبادة ~~ولو بالدوام والمواظبة بالنسبة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ~~معه فإنهم مشمولون للخطاب على ما تقرر في الأصول ، فالمأمورية هو القدر ~~المشترك حتى لا يلزم استعمال المشترك في معانيه عند من يأبى ذلك الاستعمال ~~وإن كنا لا نأباه إذا صلح له السياق بدليل تفريع قوله بعد ذلك : { فلا ~~تجعلوا لله أندادا } ( البقرة : 22 ) على قوله : { اعبدوا ربكم } الآية . ~~فليس في هذه الآية حجة للقول بخطاب الكفار بفروع الشريعة لأن الأمر ~~بالعبادة بالنسبة إليهم إنما يعنى به الإيمان والتوحيد وتصديق الرسول ، ~~وخطابهم بذلك متفق عليه وهي مسألة سمجة . # وقد مضى القول في معنى الرب عند قوله تعالى : { الحمد لله رب العالمين في ~~سورة الفاتحة ( 2 ) . ووجه العدول عن غير طريق الإضافة من طرق التعريف نحو ~~العلمية إذ لم يقل اعبدوا الله ، لأن في الإتيان بلفظ الرب إيذانا بأحقية ~~الأمر بعبادته فإن المدبر لأمور الخلق هو جدير بالعبادة لأن فيها معنى ~~الشكر وإظهار الاحتياج . # وإفراد اسم الرب دل على أن المراد رب جميع الخلق وهو الله تعالى إذ ليس ~~ثمة رب يستحق هذا الاسم بالإفراد والإضافة إلى جميع الناس إلا الله ، فإن ~~المشركين وإن أشركوا مع الله آلهة إلا أن بعض القبائل كان لها مزيد اختصاص ~~ببعض الأصنام ، كما كان لثقيف PageV01P326 مزيد اختصاص باللات كما تقدم في ~~سورة الفاتحة وتبعهم الأوس والخزرج كما سيأتي في تفسير قوله تعالى : فمن حج ~~البيت أو اعتمر } ( البقرة : 158 ) في هذه السورة فالعدول إلى الإضافة هنا ~~لأنها أخصر طريق في الدلالة على هذا المقصد فهي أخصر من الموصول فلو أريد ~~غير الله لقيل اعبدوا أربابكم فلا جرم كان قوله : { اعبدوا ربكم } صريحا في ~~أنه دعوة إلى توحيد الله ولذلك فقوله : { الذي خلقكم } زيادة بيان لموجب ~~العبادة ، أو زيادة بيان لما اقتضته الإضافة من تضمن معنى الاختصاص بأحقية ~~العبادة . # وقوله : { والذين من قبلكم } يفيد تذكير الدهريين من المخاطبين الذين ~~يزعمون أنهم إنما خلقهم آباؤهم فقالوا ms0347 { نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر } ~~( الجاثية : 24 ) فكان قوله : { والذين من قبلكم } تذكيرا لهم بأن آباءهم ~~الأولين لا بد أن ينتهوا إلى أب أول فهو مخلوق لله تعالى . ولعل هذا هو وجه ~~التأكيد بزيادة حرف ( من ) في قوله : { من قبلكم } الذي يمكن الاستغناء عنه ~~بالاقتصار على { قبلكم ، لأن ( من ) في الأصل للابتداء فهي تشير إلى أول ~~الموصوفين بالقبلية فذكرها هنا استرواح لأصل معناها مع معنى التأكيد الغالب ~~عليها إذا وقعت مع قبل وبعد . # والخلق أصله الإيجاد على تقدير وتسوية ومنه خلق الأديم إذا هيأه ليقطعه ~~ويخرزه ، قال جبير في هرم بن سنان : # ولأنت تفري ما خلقت وبع # ض القوم يخلق ثم لا يفري # وأطلق الخلق في القرآن وكلام الشريعة على إيجاد الأشياء المعدومة فهو ~~إخراج الأشياء من العدم إلى الوجود إخراجا لا صنعة فيه للبشر فإن إيجاد ~~البشر بصنعتهم أشياء إنما هو تصويرها بتركيب متفرق أجزائها وتقدير مقادير ~~مطلوبة منها كصانع الخزف فالخلق وإيجاد العوالم وأجناس الموجودات وأنواعها ~~وتولد بعضها عن بعض بما أودعت الخلقة الإلاهية فيها من نظام الإيجاد مثل ~~تكوين الأجنة في الحيوان في بطونه وبيضه وتكوين الزرع في حبوب الزريعة ~~وتكوين الماء في الأسحبة فذلك كله خلق وهو من تكوين الله تعالى ولا عبرة ~~بما قد يقارن بعض ذلك الإيجاد من علاج الناس كالتزوج وإلقاء الحب والنوى في ~~الأرض للإنبات ، فالإيجاد الذي هو الإخراج من العدم إلى الوجود بدون عمل ~~بشري PageV01P327 خص باسم الخلق في اصطلاح الشرع ، لأن لفظ الخلق هو أقرب ~~الألفاظ في اللغة العربية دلالة على معنى الإيجاد من العدم الذي هو صفة ~~الله تعالى وصار ذلك مدلول مادة خلق في اصطلاح أهل الإسلام فلذلك خص إطلاقه ~~في لسان الإسلام بالله تعالى : أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون } ( ~~النحل : 17 ) وقال : { هل من خالق غير الله } ( فاطر : 3 ) وخص اسم الخالق ~~به تعالى فلا يطلق على غيره ولو أطلقه أحد على غير الله تعالى بناء على ~~الحقيقة اللغوية لكان إطلاقه عجرفة فيجب أن ms0348 ينبه على تركه . # وقال الغزالي في ( المقصد الأسنى ) : لا حظ للعبد في اسمه تعالى الخالق ~~إلا بوجه من المجاز بعيد فإذا بلغ في سياسة نفسه وسياسة الخلق مبلغا ينفرد ~~فيه باستنباط أمور لم يسبق إليها ويقدر مع ذلك على فعلها كان كالمخترع لما ~~لم يكن له وجود من قبل فيجوز إطلاق الاسم ( أي الخالق ) عليه مجازا ا ه . ~~فجعل جواز إطلاق فعل الخلق على اختراع بعض العباد مشروطا بهذه الحالة ~~النادرة ومع ذلك جعله مجازا بعيدا فما حكاه الله في القرآن من قول عيسى ~~عليه السلام : { إني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طائرا ~~بإذن الله } ( آل عمران : 49 ) وقول الله تعالى : { وإذ تخلق من الطين ~~كهيئة الطير بإذني } ( المائدة : 110 ) فإن ذلك مراعى فيه أصل الإطلاق ~~اللغوي قبل غلبة استعمال مادة خلق في الخلق الذي لا يقدر عليه إلا الله ~~تعالى . ثم تخصيص تلك المادة بتكوين الله تعالى الموجودات ومن أجل ذلك قال ~~الله تعالى : { فتبارك الله أحسن الخالقين } ( المؤمنون : 14 ) . # وجملة : { لعلكم تتقون } تعليل للأمر باعبدوا فلذلك فصلت ، أي أمرتكم ~~بعبادته لرجاء منكم أن تتقوا . # ( ولعل ) حرف يدل على الرجاء ، والرجاء هو الإخبار عن تهيىء وقوع أمر في ~~المستقبل وقوعا مؤكدا ، فتبين أن لعل حرف مدلوله خبري لأنها إخبار عن تأكد ~~حصول الشيء ومعناها مركب من رجاء المتكلم في المخاطب وهو معنى جزئي حرفي . ~~وقد شاع عند المفسرين وأهل العلوم الحيرة في محمل لعل الواقعة من كلام الله ~~تعالى لأن معنى الترجي يقتضي عدم الجزم بوقوع المرجو عند المتكلم فللشك ~~جانب في معناها حتى قال الجوهري : ( لعل كلمة PageV01P328 شك ) وهذا لا ~~يناسب علم الله تعالى بأحوال الأشياء قبل وقوعها ولأنها قد وردت في أخبار ~~مع عدم حصول المرجو لقوله تعالى : { ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من ~~الثمرات لعلهم يذكرون } ( الأعراف : 13 ) مع أنهم لم يتذكروا كما بينته ~~الآيات من بعد . # ولهم في تأويل لعل الواقعة في كلام الله تعالى وجوه : # أحدها قال سيبويه : ( لعل ms0349 على بابها والترجي أو التوقع إنما هو في حيز ~~المخاطبين ا ه . يعني أنها للإخبار بأن المخاطب يكون مرجوا ، واختاره الرضي ~~قائلا لأن الأصل أن لا تخرج عن معناها بالكلية . # وأقول لا يعني سيبويه أن ذلك معنى أصل لها ولكنه يعني أنها مجاز قريب من ~~معنى الحقيقة لوقوع التعجيز في أحد جزأي المعنى الحقيقي لأن الرجاء يقتضي ~~راجيا ومرجوا منه فحرف الرجاء على معنى فعل الرجاء إلا أنه معنى جزئي ، وكل ~~من الفاعل والمفعول مدلول لمعنى الفعل بالالتزام ، فإذا دلت قرينة على ~~تعطيل دلالة حرف الرجاء على فاعل الرجاء لم يكن في الحرف أو الفعل تمجز ، ~~إذ المجاز إنما يتطرق للمدلولات اللغوية لا العقلية وكذلك إذا لم يحصل ~~الفعل المرجو . # ثانيها : أن لعل للإطماع تقول للقاصد لعلك تنال بغيتك ، قال الزمخشري : ( ~~وقد جاءت على سبيل الإطماع في مواضع من القرآن ) . والإطماع أيضا معنى ~~مجازي للرجاء لأن الرجاء يلزمه التقريب والتقريب يستلزم الإطماع فالإطماع ~~لازم بمرتبتين . # ثالثها : أنها للتعليل بمعنى كي قاله قطرب وأبو علي الفارسي وابن ~~الأنباري ؛ وأحسب أن مرادهم هذا المعنى في المواقع التي لا يظهر فيها معنى ~~الرجاء ، فلا يرد عليهم أنه لا يطرد في نحو قوله : { وما يدريك لعل الساعة ~~قريب } ( الشورى : 17 ) لصحة معنى الرجاء بالنسبة للمخاطب ولا يرد عليهم ~~أيضا أنه إثبات معنى في ( لعل ) لا يوجد له شاهد من كلام العرب وجعله ~~الزمخشري قولا متفرعا على قول من جعلها للإطماع فقال : ( ولأنه إطماع من ~~كريم إذا أطمع فعل ) قال من قال : إن لعل بمعنى كي ، يعني فهو معنى مجازي ~~ناشيء عن مجاز آخر ، فهو من تركيب المجاز على اللزوم بثلاث مراتب . # رابعها : ما ذهب إليه صاحب ( الكشاف ) أنها استعارة فقال : ( ولعل واقعة ~~في الآية موقع المجاز لأن الله تعالى خلق عباده ليتعبدهم ووضع في أيديهم ~~زمام الاختيار وأراد منهم الخير PageV01P329 والتقوى فهم في صورة المرجو ~~منهم أن يتقوا ليترجح أمرهم وهم مختارون بين الطاعة والعصيان كما ترجحت حال ~~المرتجى بين أن يفعل وأن لا ms0350 يفعل ومصداقه قوله تعالى : { ليبلوكم أيكم أحسن ~~عملا } ( هود : 7 ) وإنما يبلي ويختبر من تخفي عنه العواقب ولكن شبه ~~بالاختبار بناء أمرهم على الاختيار فكلام ( الكشاف ) يجعل لعل في كلامه ~~تعالى استعارة تمثيلية لأنه جعلها تشبيه هيئة مركبة من شأن المزيد والمراد ~~منه والإرادة بحال مركبة من الراجي والمرجو منه والرجاء فاستعير المركب ~~الموضوع للرجاء لمعنى المركب الدال على الإرادة . # وعندي وجه آخر مستقل وهو : ( أن لعل الواقعة في مقام تعليل أمر أو نهي ~~لها استعمال يغاير استعمال لعل المستأنفة في الكلام سواء وقعت في كلام الله ~~أم في غيره ، فإذا قلت افتقد فلانا لعلك تنصحه كان إخبارا باقتراب وقوع ~~الشيء وأنه في حيز الإمكان إن تم ما علق عليه فأما اقتضاؤه عدم جزم المتكلم ~~بالحصول فذلك معنى التزامي أغلبي قد يعلم انتفاؤه بالقرينة وذلك الانتفاء ~~في كلام الله أوقع ، فاعتقادنا بأن كل شيء لم يقع أو لا يقع في المستقبل هو ~~القرينة على تعطيل هذا المعنى الالتزامي دون احتياج إلى التأويل في معنى ~~الرجاء الذي تفيده لعل حتى يكون مجازا أو استعارة لأن لعل إنما أتى بها لأن ~~المقام يقتضي معنى الرجاء فالتزام تأويل هذه الدلالة في كل موضع في القرآن ~~تعطيل لمعنى الرجاء الذي يقتضيه المقام والجماعة لجأوا إلى التأويل لأنهم ~~نظروا إلى لعل بنظر متحد في مواقع استعمالها بخلاف لعل المستأنفة فإنها ~~أقرب إلى إنشاء الرجاء منها إلى الإخبار به . وعلى كل فمعنى لعل غير معنى ~~أفعال المقاربة . # والتقوى هي الحذر مما يكره ، وشاعت عند العرب والمتدينين في أسبابها ، ~~وهو حصول صفات الكمال التي يجمعها التدين ، وقد تقدم القول فيها عند قوله ~~تعالى : { هدى للمتقين } ( البقرة : 2 ) . ولما كانت التقوى نتيجة العبادة ~~جعل رجاؤها أثرا للأمر بالعبادة وتقدم عند قوله تعالى : { هدى للمتقين } ~~فالمعنى اعبدوا ربكم رجاء أن تتقوا فتصبحوا كاملين متقين ، فإن التقوى هي ~~الغاية من العبادة فرجاء حصولها عند الأمر بالعبادة وعند عبادة العابد أو ~~عند إرادة الخلق والتكوين واضح الفائدة . # PageV01P330 # | 2 ( 22 ) { الذى جعل ms0351 لكم الارض فراشا والسمآء بنآء وأنزل من السمآء مآء ~~فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون } . ) 2 # { الذى جعل لكم الارض فراشا والسمآء بنآء وأنزل من السمآء مآء فأخرج به ~~من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون } . # يتعين أن قوله : { الذي جعل لكم الأرض فراشا } صفة ثانية للرب لأن مساقها ~~مساق قوله : { الذي خلقكم } ( البقرة : 21 ) ، والمقصود الإيماء إلى سبب ~~آخر لاستحقاقه العبادة وإفراده بها فإنه لما أوجب عبادته أنه خالق الناس ~~كلهم أتبع ذلك بصفة أخرى تقتضي عبادتهم إياه وحده ، وهي نعمه المستمرة ~~عليهم مع ما فيها من دلائل عظيم قدرته فإنه مكن لهم سبل العيش وأولها ~~المكان الصالح للاستقرار عليه بدون لغوب فجعله كالفراش لهم ومن إحاطة هذا ~~القرار بالهواء النافع لحياتهم والذي هو غذاء الروح الحيواني ، وذلك ما ~~أشير إليه بقوله : { والسماء بناء } وبكون تلك الكرة الهوائية واقية الناس ~~من إضرار طبقات فوقها متناهية في العلو ، من زمهرير أو عناصر غريبة قاتلة ~~خانقة ، فالكرة الهوائية جعلت فوق هذا العالم فهي كالبناء له ونفعها كنفع ~~البناء فشبهت به على طريقة التشبيه البليغ وبأن أخرج للناس ما فيه إقامة ~~أود حياتهم باجتماع ماء السماء مع قوة الأرض وهو الثمار . # والمراد بالسماء هنا إطلاقها العرفي عند العرب وهو ما يبدو للناظر كالقبة ~~الزرقاء وهو كرة الهواء المحيط بالأرض كما هو المراد في قوله : { أو كصيب ~~من السماء } ( البقرة : 19 ) وهذا هو المراد الغالب إذا أطلق السماء ~~بالإفراد دون الجمع . # ومعنى جعل الأرض فراشا أنها كالفراش في التمكن من الاستقرار والاضطجاع ~~عليها وهو أخص أحوال الاستقرار . والمعنى أنه جعلها متوسطة بين شدة الصخور ~~بحيث تؤلم جلد الإنسان وبين رخاوة الحمأة بحيث يتزحزح الكائن فوقها ويسوخ ~~فيها وتلك منة عظيمة . # وأما وجه شبه السماء بالبناء فهو أن الكرة الهوائية جعلها الله حاجزة بين ~~الكرة الأرضية وبين الكرة الأثيرية فهي كالبناء فيما يراد له البناء وهو ~~الوقاية من الأضرار النازلة ، فإن للكرة الهوائية دفعا لأضرار ms0352 أظهرها دفع ~~ضرر طغيان مياه البحار على الأرض ودفع أضرار بلوغ أهوية تندفع عن بعض ~~الكواكب إلينا وتلطيفها حتى تختلط بالهواء أو صد الهواء إياها عنا مع ما في ~~مشابهة منظر الكرة الهوائية لهيئة القبة ، والقبة بيت من أدم مقبب وتسمى ~~بناء ، PageV01P331 والبناء في كلام العرب ما يرفع سمكه على الأرض للوقاية ~~سواء كان من حجر أو من أدم أو من شعر ، ومنه قولهم : بنى على امرأته إذا ~~تزوج لأن المتزوج يجعل بيتا يسكن فيه مع امرأته وقد اشتهر اطلاق البناء على ~~القبة من أدم ولذلك سموا الأدم الذي تبنى منه القباب مبناة بفتح الميم ~~وكسرها ، وهذا كقوله في سورة الأنبياء ( 32 ) : { وجعلنا السماء سقفا ~~محفوظا . # فإن قلت يقتضي كلامك هذا أن الامتنان بجعل السماء كالبناء لوقاية الناس ~~من قبيل المعجزات العلمية التي أشرت إليها في المقدمة العاشرة وذلك لا ~~يدركه إلا الأجيال التي حدثت بعد زمان النزول فماذا يكون حظ المسلمين ~~وغيرهم الذين نزلت بينهم الآية : والذين جاءوا من بعدهم } ( الحشر : 10 ) ~~في عدة أجيال فإن أهل الجاهلية لم يكونوا يشعرون بأن للسماء خاصية البناء ~~في الوقاية وغاية ما كانوا يتخيلونه أن السماء تشبه سقف القبة كما قالت ~~الأعرابية حين سئلت عن معرفة النجوم : أيجهل أحد خرزات معلقة في سقفه ~~فتتمحض الآية لإفادة العبرة بذلك الخلق البديع إلا أنه ليس فيه حظ من ~~الامتنان الذي أفاده قوله : { لكم } فهل نخص تعلقه بفعل { جعل } المصرح به ~~دون تعلقه بالفعل المطوي تحت واو العطف ، أو بجعله متعلقا بقوله : { فراشا ~~} فيكون قوله : { والسماء بناء } معطوفا على معمول فعل الجعل المجرد عن ~~التقييد بالمتعلق . # قلت : هذا يفضي إلى التحكم في تعلق قوله : { لكم } تحكما لا يدل عليه ~~دليل للسامع بل الوجه أن يجعل { لكم } متعلقا بفعل { جعل } ويكفي في ~~الامتنان بخلق السماء إشعار السامعين لهذه الآية بأن في خلق السماء على تلك ~~الصفة ما في إقامة البناء من الفوائد على الإجمال ليفرضه السامعون على ~~مقدار قرائحهم وأفهامهم ثم يأتي تأويله في قابل الأجيال ms0353 . # وحذف ( لكم ) عند ذكر السماء إيجازا لأن ذكره في قوله : { الذي جعل لكم ~~الأرض } دليل عليه . # و ( جعل ) إن كانت بمعنى أوجد فحمل الامتنان هو إن كانتا على هذه الحالة ~~وإن كانت بمعنى صير فهي دالة على أن الأرض والسماء قد انتقلتا من حال إلى ~~حال حتى صارتا كما هما وصار أظهر في معنى الانتقال من صفة إلى صفة وقواعد ~~علم طبقات الأرض ( الجيولوجيا ) تؤذن بهذا الوجه الثاني فيكون في الآية ~~منتان وعبرتان في جعلهما على ما رأينا وفي الأطوار التي انتقلتا فيهما ~~بقدرة الله تعالى وإذنه فيكون كقوله تعالى : { أو لم ير الذين كفروا أن ~~السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما إلى قوله : وجعلنا السماء سقفا ~~محفوظا وهم عن آياتها معرضون } ( الأنبياء : 30 32 ) PageV01P332 # وقد امتن الله وضرب العبرة بأقرب الأشياء وأظهرها لسائر الناس حاضرهم ~~وباديهم وبأول الأشياء في شروط هذه الحياة ، وفيهما أنفع الأشياء وهما ~~الهواء والماء النابع من الأرض وفيهما كانت أول منافع البشر . وفي تخصيص ~~الأرض والسماء بالذكر نكتة أخرى وهي التمهيد لما سيأتي من قوله : { وأنزل ~~من السماء ماء } الخ . وابتدأ بالأرض لأنها أول ما يخطر ببال المعتبر ثم ~~بالسماء لأنه بعد أن ينظر لما بين يديه ينظر إلى ما يحيط به . # وقوله : { وأنزل من السماء ماء فأخرج به } الخ هذا امتنان بما يلحق ~~الإيجاد مما يحفظه من الاختلال وهو خلقة لما تتلفه الحرارة الغريزية والعمل ~~العصبي والدماغي من القوة البدنية ليدوم قوام البدن بالغذاء وأصل الغذاء هو ~~ما يخرج من الأرض وإنما تخرج الأرض النبات بنزول الماء عليها من السماء أي ~~من السحاب والطبقات العليا . # واعلم أن كون الماء نازلا من السماء هو أن تكونه يكون في طبقات الجو من ~~آثار البخار الذي في الجو فإن الجو ممتلىء دائما بالأبخرة الصاعدة إليه ~~بواسطة حرارة الشمس من مياه البحار والأنهار ومن نداوة الأرض ومن النبات ~~ولهذا نجد الإناء المملوء ماء فارغا بعد أيام إذا ترك مكشوفا للهواء فإذا ~~بلغ البخار أقطار الجو العالية برد ببرودتها وخاصة ms0354 في فصل الشتاء فإذا برد ~~مال إلى التميع ، فيصير سحابا ثم يمكث قليلا أو كثيرا بحسب التناسب بين ~~برودة الطبقات الجوية والحرارة البخارية فإذا زادت البرودة عليه انقبض ~~السحاب وثقل وتميع فتجتمع فيه الفقاقيع المائية وتثقل عليه فتنزل مطرا وهو ~~ما أشار له قوله تعالى : { وينشىء السحاب الثقال . } ( الرعد : 12 ) وكذلك ~~إذا تعرض السحاب للريح الآتية من جهة البحر وهي ريح ندية ارتفع الهواء إلى ~~أعلى الجو فبرد فصار مائعا وربما كان السحاب قليلا فساقت إليه الريح سحابا ~~آخر فانضم أحدهما للآخر ونزلا مطرا ، ولهذا غلب المطر بعد هبوب الريح ~~البحرية وفي الحديث : ( إذا أنشأت بحرية ثم تشاءمت فتلك عين غديقة ) ومن ~~القواعد أن الحرارة وقلة الضغط يزيدان في صعود البخار وفي قوة انبساطه ~~والبرودة وكثرة الضغط يصيران البخار مائعا وقد جرب أن صعود البخار يزداد ~~بقدر قرب الجهة من خط الاستواء وينقص بقدر بعده عنه وإلى بعض هذا يشير ما ~~ورد في الحديث أن المطر ينزل من صخرة تحت العرش فإن العرش هو اسم لسماء من ~~السماوات والصخرة تقريب لمكان ذي برودة وقد علمت أن المطر تنشئه البرودة ~~فيتميع السحاب فكانت البرودة هي لقاح المطر . PageV01P333 # و ( من ) التي في قوله : { من الثمرات } ليست للتبعيض إذ ليس التبعيض ~~مناسبا لمقام الامتنان بل إما لبيان الرزق المخرج ، وتقديم البيان على ~~المبين شائع في كلام العرب وإما زائدة لتأكيد تعلق الإخراج بالثمرات . # { فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون } . # أتت الفاء لترتيب هاته الجملة على الكلام السابق وهو مترتب على الأمر ~~بالعبادة و ( لا ) ناهية والفعل مجزوم وليست نافية حتى يكون الفعل منصوبا ~~في جواب الأمر من قوله : { اعبدوا ربكم } والمراد هنا تسببه الخاص وهو ~~حصوله عن دليل يوجبه وهو أن الذي أمركم بعبادته هو المستحق للإفراد بها فهو ~~أخص من مطلق ضد العبادة لأن ضد العبادة عدم العبادة . ولكن لما كان الإشراك ~~للمعبود في العبادة يشبه ترك العبادة جعل ترك الإشراك مساويا لنقيض العبادة ~~لأن الإشراك ما هو إلا ترك لعبادة الله ms0355 في أوقات تعظيم شركائهم . # والند بكسر النون المساوي والمماثل في أمر من مجد أو حرب ، وزاد بعض أهل ~~اللغة أن يكون مناوئا أي معاديا ، وكأنهم نظروا إلى اشتقاقه من ند إذا نفر ~~وعاند ، وليس بمتعين لجواز كونه اسما جامدا وأظن أن وجه دلالة الند على ~~المناوأة والمضادة أنها من لوازم المماثلة عرفا عند العرب ، فإن شأن المثل ~~عندهم أن ينافس مماثله ويزاحمه في مراده فتحصل المضادة . ونظيره في عكسه ~~تسميتهم المماثل قريعا ، فإن القريع هو الذي يقارع ويضارب ولما كان أحد لا ~~يتصدى لمقارعة من هو فوقه لخشيته ولا من هو دونه لاحتقاره كانت المقارعة ~~مستلزمة للمماثلة ، وكذلك قولهم قرن للمحارب المكافىء في الشجاعة . ويقال ~~جعل له ندا ، إذا سوى غيره به . # والمعنى لاتثبتوا لله أندادا تجعلونها جعلا وهي ليست أندادا وسماها ~~أندادا تعريضا بزعمهم لأن حال العرب في عبادتهم لها كحال من يسوي بين الله ~~وبينها وإن كان أهل الجاهلية يقولون إن الآلاهة شفعاء ويقولون ما نعبدهم ~~إلا ليقربونا إلى الله ، وجعلوا الله خالق الآلهة فقالوا في التلبية : ( ~~لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك ) لكنهم لما عبدوها ونسوا ~~بعبادتها والسعي إليها والنذور عندها وإقامة المواسم حولها عبادة الله ، ~~أصبح عملهم PageV01P334 عمل من يعتقد التسوية بينها وبين الله تعالى لأن ~~العبرة بالفعل لا بالقول . وفي ذلك معنى من التعريض بهم ورميهم باضطراب ~~الحال ومناقضة الأقوال للأفعال . # وقوله : { وأنتم تعلمون } جملة حالية ومفعول { تعلمون } متروك لأن الفعل ~~لم يقصد تعليقه بمفعول بل قصد إثباته لفاعله فقط فنزل الفعل منزلة اللازم ، ~~والمعنى وأنتم ذو علم . والمراد بالعلم هنا العقل التام وهو رجحان الرأي ~~المقابل عندهم بالجهل على نحو قوله تعالى : { قل هل يستوي الذين يعلمون ~~والذين لا يعلمون } ( الزمر : 9 ) وقد جعلت هاته الحال محط النهي والنفي ~~تمليحا في الكلام للجمع بين التوبيخ وإثارة الهمة فإنه أثبت لهم علما ~~ورجاحة الرأي ليثير همتهم ويلفت بصائرهم إلى دلائل الوحدانية ونهاهم عن ~~اتخاذ الآلهة أو نفي ذلك مع تلبسهم ms0356 به وجعله لا يجتمع مع العلم توبيخا لهم ~~على ما أهملوا من مواهب عقولهم وأضاعوا من سلامة مداركهم . وهذا منزع ~~تهذيبي عظيم ، أن يعمد المربي فيجمع لمن يربيه بين ما يدل على بقية كمال ~~فيه حتى لا يقتل همته باليأس من كماله فإنه إذا ساءت ظنونه في نفسه خارت ~~عزيمته وذهبت مواهبه ، ويأتي بما يدل على نقائص فيه ليطلب الكمال فلا ~~يستريح من الكد في طلب العلا والكمال . # وقد أومأ قوله : { وأنتم تعلمون } إلى أنهم يعلمون أن الله لا ند له ~~ولكنهم تعاموا وتناسوا فقالوا : ( إلا شريكا هو لك ) . # # | 2 ( 23 ) { وإن كنتم فى ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله ~~وادعوا شهدآءكم من دون الله إن كنتم صادقين } . ) 2 # انتقال لإثبات الجزء الثاني من جزئي الإيمان بعد أن تم إثبات الجزء الأول ~~من ذلك بما قدمه من قوله تعالى : { يا أيها الناس اعبدوا ربكم } ( البقرة : ~~21 ) الخ . فتلك هي المناسبة التي اقتضت عطف هذه الجملة على جملة : { يا ~~أيها الناس اعبدوا ربكم ، } ولأن النهي عن أن يجعلوا لله أندادا جاء من عند ~~الله فهم بمظنة أن ينكروا أن الله نهى عن عبادة شفعائه ومقربيه لأنهم من ~~ضلالهم كانوا يدعون أن الله أمرهم بذلك قال تعالى : { وقالوا لو شاء الرحمن ~~ما عبدناهم } ( الزخرف : 20 ) فقد اعتلوا لعبادة الأصنام بأن الله أقامها ~~وسائط بينه وبينهم ، فزادت بهذا مناسبة عطف قوله : { وإن PageV01P335 كنتم ~~في ريب } عقب قوله : { فلا تجعلوا لله أندادا } ( البقرة : 22 ) . وأتى بإن ~~في تعليق هذا الشرط وهو كونهم في ريب وقد علم في فن المعاني اختصاص إن ~~بمقام عدم الجزم بوقوع الشرط ، لأن مدلول هذا الشرط قد حف به من الدلائل ما ~~شأنه أن يقلع الشرط من أصله بحيث يكون وقوعه مفروضا فيكون الإتيان بإن مع ~~تحقق المخاطب علم المتكلم بتحقق الشرط توبيخا على تحقق ذلك الشرط ، كأن ~~ريبهم في القرآن مستضعف الوقوع . # ووجه ذلك أن القرآن قد اشتطت ألفاظه ومعانيه على ما لو تدبره العقل ~~السليم ms0357 لجزم بكونه من عند الله تعالى فإنه جاء على فصاحة وبلاغة ما عهدوا ~~مثلهما من فحول بلغائهم ، وهم فيهم متوافرون متكاثرون حتى لقد سجد بعضهم ~~لبلاغته واعترف بعضهم بأنه ليس بكلام بشر . وقد اشتمل من المعاني على ما لم ~~يطرقه شعراؤهم وخطباؤهم وحكماؤهم ، بل وعلى ما لم يبلغ إلى بعضه علماء ~~الأمم . ولم يزل العلم في طول الزمان يظهر خبايا القرآن ويبرهن على صدق ~~كونه من عند الله فهذه الصفات كافية لهم في إدراك ذلك وهم أهل العقول ~~الراجحة والفطنة الواضحة التي دلت عليها أشعارهم وأخبارهم وبداهتهم ~~ومناظرتهم ، والتي شهد لهم بها الأمم في كل زمان ، فكيف يبقى بعد ذلك كله ~~مسلك للريب فيه إليهم فضلا عن أن يكونوا منغمسين فيه . # ووجه الإتيان بفي الدالة على الظرفية الإشارة إلى أنهم قد امتلكهم الريب ~~وأحاط بهم إحاطة الظرف بالمظروف . واستعارة ( في ) لمعنى الملابسة شائعة في ~~كلام العرب كقولهم هو في نعمة . # وأتى بفعل نزل دون أنزل لأن القرآن نزل نجوما . وقد تقدم في أول التفسير ~~أن فعل يدل على التقضي شيئا فشيئا على أن صاحب ( الكشاف ) قد ذكر أن ~~اختياره هنا في مقام التحدي لمراعاة ما كانوا يقولون { لولا نزل عليه ~~القرآن جملة واحدة } ( الفرقان : 32 ) فلما كان ذلك من مثارات شبههم ناسب ~~ذكره في تحديهم أن يأتوا بسورة مثله منجمة . # والسورة قطعة من القرآن معينة فتميزه عن غيرها من أمثالها بمبدأ ونهاية ~~تشتمل على ثلاث آيات فأكثر في غرض تام أو عدة أغراض . وجعل لفظ سورة اسما ~~جنسيا لأجزاء من القرآن اصطلاح جاء به القرآن . وهي مشتقة من السور وهو ~~الجدار الذي يحيط بالقرية أو الحظيرة ، فاسم السورة خاص بالأجزاء المعينة ~~من القرآن دون غيره من الكتب وقد تقدم تفصيله في المقدمة الثامنة من مقدمات ~~هذا PageV01P336 التفسير ، وإنما كان التحدي بسورة ولم يكن بمقدار سورة من ~~آيات القرآن لأن من جملة وجوه الإعجاز أمورا لا تظهر خصائصها إلا بالنظر ~~إلى كلام مستوفى في غرض من الأغراض وإنما تنزل سور القرآن ms0358 في أغراض مقصودة ~~فلا غنى عن مراعاة الخصوصيات المناسبة لفواتح الكلام وخواتمه بحسب الغرض ، ~~واستيفاء الغرض المسوق له الكلام ، وصحة التقسيم ، ونكت الإجمال والتفصيل ، ~~وأحكام الانتقال من فن إلى آخر من فنون الغرض ، ومناسبات الاستطراد ~~والاعتراض والخروج والرجوع ، وفصل الجمل ووصلها ، والإيجاز والإطناب ، ونحو ~~ذلك مما يرجع إلى نكت مجموع نظم الكلام ، وتلك لا تظهر مطابقتهاجلية إلا ~~إذا تم الكلام واستوفى الغرض حقه ، فلا جرم كان لنظم القرآن وحسن سبكه ~~إعجاز يفوت قدرة البشر هو غير الإعجاز الذي لجمله وتراكيبه وفصاحة ألفاظه . ~~فكانت السورة من القرآن بمنزلة خطبة الخطيب وقصيدة الشاعر لا يحكم لها ~~بالتفوق إلا باعتبارات مجموعها بعد اعتبار أجزائها . قال الطيبي في ( حاشية ~~الكشاف ) عند قوله تعالى : { فلم تقتلوهم في سورة الأنفال ( 17 ) ، ولسر ~~النظم القرآني كان التحدي بالسورة وإن كانت قصيرة دون الآيات وإن كانت ذوات ~~عدد . # والتنكير للإفراد أو النوعية ، أي بسورة واحدة من نوع السور وذلك صادق ~~بأقل سورة ترجمت باسم يخصها ، وأقل السور عدد آيات سورة الكوثر ، وقد كان ~~المشركون بالمدينة تبعا للمشركين بمكة وكان نزول هذه السورة في أول العهد ~~بالهجرة إلى المدينة فكان المشركون كلهم ألبا على النبيء يتداولون الإغراء ~~بتكذيبه وصد الناس عن اتباعه ، فأعيد لهم التحدي بإعجاز القرآن الذي كان قد ~~سبق تحديهم به في سورة يونس وسورة هود وسورة الإسراء . # وقد كان التحدي أولا بالإتيان بكتابب مثل ما نزل منه ففي سورة الإسراء ( ~~88 ) : قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون ~~بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا . فلما عجزوا استنزلوا إلى الإتيان بعشر ~~سور مثله في سورة هود ، ثم استنزلوا إلى الإتيان بسورة من مثله في سورة ~~يونس . # والمثل أصله المثيل والمشابه تمام المشابهة فهو في الأصل صفة يتبع موصوفا ~~ثم شاع إطلاقه على الشيء المشابه المكافىء . PageV01P337 # والضمير في قوله : من مثله } يجوز أن يعود إلى ( ما نزلنا ) أي من مثل ~~القرآن ، ويجوز أن يعود إلى { عبدنا } فإن أعيد إلى ( ما نزلنا ) أي ms0359 من مثل ~~القرآن فالأظهر أن ( من ) ابتدائية أي سورة مأخوذة من مثل القرآن أي كتاب ~~مثل القرآن والجار والمجرور صفة لسورة ، ويحتمل أن تكون ( من ) تبعيضية أو ~~بيانية أو زائدة ، وقد قيل بذلك كله ، وهي وجوه مرجوحة ، وعلى الجميع ~~فالجار والمجرور صفة لسورة ، أي هي بعض مثل ما نزلنا ، ومثل اسم حينئذ ~~بمعنى المماثل ، أو سورة مثل ما نزلنا و ( مثل ) صفة على احتمالي كون ( من ~~) بيانية أو زائدة ، وكل هذه الأوجه تقتضي أن المثل سواء كان صفة أو اسما ~~فهو مثل مقدر بناء على اعتقادهم وفرضهم ولا يقتضي أن هذا المثل موجود لأن ~~الكلام مسوق مساق التعجيز . وإن أعيد الضمير لعبدنا فمن لتعدية فعل ( ائتوا ~~) وهي ابتدائية وحينئذ فالجار والمجرور ظرف لغو غير مستقر . ويجوز كون ~~الجار والمجرور صفة لسورة على أنه ظرف مستقر والمعنى فيهما ائتوا بسورة ~~منتزعة من رجل مثل محمد في الأمية ، ولفظ مثل إذن اسم . # وقد تبين لك أن لفظ ( مثل ) في الآية لا يحتمل أن يكون المراد به الكناية ~~عن المضاف إليه على طريقة قوله تعالى : { ليس كمثله شيء } ( الشورى : 11 ) ~~بناء على أن لفظ ( مثل ) كناية عن المضاف إليه إذ لا يستقيم المعنى أن يكون ~~التقدير فأتوا بسورة من القرآن ، أو من محمد خلافا لمن توهم ذلك من كلام ( ~~الكشاف ) وإنما لفظ مثل مستعمل في معناه الصريح إلا أنه أشبه المكنى به عن ~~نفس المضافف هو إليه من حيث إن المثل هنا على تقدير الاسمية غير متحقق ~~الوجود إلا أن سبب انتفاء تحققه هو كونه مفروضا فإن كون الأمر للتعجيز ~~يقتضي تعذر المأمور ، فليس شيء من هاته الوجوه بمقتضض وجود مثل للقرآن حتى ~~يراد به بعض الوجوه كما توهمه التفتزاني . # وعندي أن الاحتمالات التي احتملها قوله : { من مثله } كلها مرادة لرد ~~دعاوى المكذبين في اختلاف دعاويهم فإن منهم من قال : القرآن كلام بشر ، ~~ومنهم من قال : هو مكتتب من أساطير الأولين ، ومنهم من قال : إنما يعلمه ~~بشر . وهاته الوجوه في معنى الآية تفند ms0360 جميع الدعاوى فإن كان كلام بشر ~~فأتوا بمماثله أو بمثله ، وإن كان من أساطير الأولين فأتوا أنتم بجزء من ~~هذه الأساطير ، وإن كان يعلمه بشر فأتوا أنتم من عنده بسورة فما هو ببخيل ~~عنكم إن سألتموه . وكل هذا إرخاء لعنان المعارضة وتسجيل للإعجاز عند عدمها ~~. PageV01P338 فالتحدي على صدق القرآن هو مجموع مماثلة القرآن في ألفاظه ~~وتراكيبه ، ومماثلة الرسول المنزل عليه في أنه أمي لم يسبق له تعليم ولا ~~يعلم الكتب السالفة ، قال تعالى : { أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب } ~~( العنكبوت : 51 ) . فذلك معنى المماثلة فلو أتوا بشيء من خطبب أو شعر ~~بلغائهم غير مشتمل على ما يشتمل عليه القرآن من الخصوصيات لم يكن ذلك ~~إتيانا بما تحداهم به ، ولو أتوا بكلام مشتمل على معان تشريعية أو من ~~الحكمة من تأليف رجل عالم حكيم لم يكن ذلك إتيانا بما تحداهم به . فليس في ~~جعل ( من ) ابتدائية إيهام إجزاء أن يأتوا بشيء من كلام بلغائهم لأن تلك ~~مماثلة غير تامة . # وقوله تعالى : { وادعوا شهداءكم من دون الله } معطوف على { فأتوا بسورة } ~~أي ائتوا بها وادعوا شهداءكم . والدعاء يستعمل بمعنى طلب حضور المدعو ، ~~وبمعنى استعطافه وسؤاله لفعل ما ، قال أبو فراس يخاطب سيف الدولة ليفديه من ~~أسر ملك الروم : # دعوتك للجفن القريح المسهد # لدي وللنوم الطريد المشرد # والشهداء جمع شهيد فعيل بمعنى فاعل من شهد إذا حضر ، وأصله الحاضر قال ~~تعالى : { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } ( البقرة : 282 ) ثم استعمل هذا ~~اللفظ فيما يلازمه الحضور مجازا أو كناية لا بأصل وضع اللفظ ، وأطلق على ~~النصير على طريقة الكناية فإن الشاهد يؤيد قول المشهود فينصره على معارضه ~~ولا يطلق الشهيد على الإمام والقدوة وأثبته البيضاوي ولا يعرف في كتب اللغة ~~ولا في كلام المفسرين . ولعله انجر إليه من تفسير ( الكشاف ) لحاصل معنى ~~الآية فتوهمه معنى وضعيا فالمراد هنا ادعوا آلهتكم بقرينة قوله : { من دون ~~الله } أي ادعوهم من دون الله كدأبكم في الفزع إليهم عند مهماتكم معرضين ~~بدعائهم واستنجادهم عن دعاء الله ms0361 واللجأ إليه ففي الآية إدماج توبيخهم على ~~الشرك في أثناء التعجيز عن المعارضة وهذا الإدماج من أفانين البلاغة أن ~~يكون مراد البليغ غرضين فيقرن الغرض المسوق له الكلام بالغرض الثاني وفيه ~~تظهر مقدرة البليغ إذ يأتي بذلك الاقتران بدون خروج عن غرضه المسوق له ~~الكلام ولا تكلف . قال الحرث بن حلزة : # آذنتنا ببينها أسماء # رب ثاو يمل منه الثواء # فإن قوله رب ثاو عند ذكر بعد الحبيبة والتحسر منه كناية عن أن ليست هي من ~~هذا القبيل الذي يمل ثواؤه . وقد قضى بذلك حق إرضائها بأنه لا يحفل بإقامة ~~غيرها ، وقد عد PageV01P339 الإدماج من المحسنات البديعة وهو جدير بأن يعد ~~في الأبواب البلاغية في مبحث الإطناب أو تخريج الكلام على خلاف مقتضى ~~الظاهر ، فإن آلهتهم أنصار لهم في زعمهم . # ويجوز أن يكون المراد ادعوا نصراءكم من أهل البلاغة فيكون تعجيزا للعامة ~~والخاصة ، وادعوا من يشهد بمماثلة ما أتيتم به لما نزلنا ، على نحو قوله ~~تعالى : { قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا } ( الأنعام : 150 ~~) ويكون قوله : { من دون الله } على هذه الوجوه حالا من الضمير في ( ادعوا ~~) أو من ( شهداءكم ) أي في حال كونكم غير داعين لذلك الله أو حال كون ~~الشهداء غير الله بمعنى اجعلوا جانب الله الذي أنزل الكتاب كالجانب المشهود ~~عليه فقد أذناكم بذلك تيسيرا عليكم لأن شدة تسجيل العجز تكون بمقدار تيسير ~~أسباب العمل ، وجوز أن يكون ( دون ) بمعنى أمام وبين يدي يعني ادعوا ~~شهداءكم بين يدي الله ، واستشهد له بقول الأعشى : # تريك القذى من دونها وهي دونه # إذا ذاقها من ذاقها يتمطق # كما جوز أن يكون { من دون الله } بمعنى من دون حزب الله وهم المؤمنون أي ~~أحضروا شهداء من الذين هم على دينكم فقد رضيناهم شهودا فإن البارع في صناعة ~~لا يرضى بأن يشهد بتصحيح فاسدها وعكسه إباءة أن ينسب إلى سوء المعرفة أو ~~الجور ، وكلاهما لا يرضاه ذو المروءة وقديما كانت العرب تتنافر وتتحاكم إلى ~~عقلائها وحكامها فما كانوا يحفظون لهم ms0362 غلطا أو جورا . وقد قال السموأل : # إنا إذا مالت دواعي الهوى # وأنصت السامع للقائل # لا نجعل الباطل حقا ولا # نلظ دون الحق بالباطل # نخاف أن تسفه أحلامنا # فنخمل الدهر مع الخامل # وعلى هذا التفسير يجىء قول الفقهاء إن شهادة أهل المعرفة بإثبات العيوب ~~أو بالسلامة لا تشترط فيها العدالة ، وكنت أعلل ذلك في دروس الفقه بأن ~~المقصود من العدالة تحقق الوازع عن شهادة الزور ، وقد قام الوازع العلمي في ~~شهادة أهل المعرفة مقام الوازع الديني لأن العارف PageV01P340 حريص ما ~~استطاع أن لا يؤثر عنه الغلط والخطأ وكفى بذلك وازعا عن تعمده وكفى بعلمه ~~مظنة لإصابة الصواب فحصل المقصود من الشهادة . # وقوله : { إن كنتم صادقين } اعتراض في آخر الكلام وتذييل . أتى بإن ~~الشرطية التي الأصل في شرطها أن يكون غير مقطوع بوقوعه لأن صدقهم غير محتمل ~~الوقوع وإن كنتم صادقين في أن القرآن كلام بشر وإنكم أتيتم بمثله . # والصدق ضد الكذب وهما وصفان للخبر لا يخلو عن أحدهما فالصدق أن يكون ~~مدلول الكلام الخبري مطابقا ومماثلا للواقع في الخارج أي في الوجود الخارجي ~~احترازا عن الوجود الذهني ، والكذب ضد الصدق وهو أن يكون مدلول الكلام ~~الخبري غير مطابق أي غير مماثل للواقع في الخارج ، والكلام موضوع للصدق ~~وأما الكذب فاحتمال عقلي والإنشاء لا يوصف بصدق ولا كذب إذ لا معنى ~~لمطابقته لما في نفس الأمر لأنه إيجاد للمعنى لا للأمور الخارجية . هذا ~~معنى الصدق والكذب في الإطلاق المشهور . وقد يطلق الكذب صفة ذم فيلاحظ في ~~معناه حينئذ أن مخالفته للواقع كانت عن تعمد فتوهم الجاحظ أن ماهية الكذب ~~تتقوم من عدم مطابقة الخبر للواقع وللاعتقاد معا وسرى هذا التقوم إلى ماهية ~~الصدق فجعل قوامها المطابقة للخارج والاعتقاد معا ومن هنا أثبت الواسطة بين ~~الصدق والكذب ، وقريب منه قول الراغب ، ويشبه أن يكون الخلاف لفظيا ومحل ~~بسطه في علمي الأصول والبلاغة . # والمعنى إن كنتم صادقين في دعوى أن القرآن كلام بشر ، فحذف متعلق ( ~~صادقين ) لدلالة ما تقدم عليه ، وجواب الشرط محذوف تدل ms0363 عليه جملة مقدرة بعد ~~جملة : { وادعوا شهداءكم من دون الله } إذ التقدير فتأتون بسورة من مثله ~~ودل على الجملة المقدرة قوله قبلها : { فأتوا بسورة من مثله } وتكون الجملة ~~المقدرة دليلا على جواب الشرط فتصير جملة { إن كنتم صادقين } تكريرا للتحدي ~~. # وفي هذه الآية إثارة لحماسهم إذ عرض بعدم صدقهم فتتوفر دواعيهم على ~~المعارضة . # PageV01P341 # | 2 ( 24 ) { فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التى وقودها الناس ~~والحجارة أعدت للكافرين } . ) 2 # تفريع على الشرط وجوابه ، أي فإن لم تأتوا بسورة أو أتيتم بما زعمتم أنه ~~سورة ولم يستطع ذلك شهداؤكم على التفسيرين فاعلموا أنكم اجترأتم على الله ~~بتكذيب رسوله المؤيد بمعجزة القرآن فاتقوا عقابه المعد لأمثالكم . # ومفعول { تفعلوا } محذوف يدل عليه السياق أي فإن لم تفعلوا ذلك أي ~~الإتيان بسورة مثله وسيأتي الكلام على حذف المفعول في مثله عند قوله تعالى ~~: { وإن لم تفعل فما بلغت رسالاته في سورة المائدة ( 67 ) . # وجيء بإن الشرطية التي الأصل فيها عدم القطع مع أن عدم فعلهم هو الأرجح ~~بقرينة مقام التحدي والتعجيز ؛ لأن القصد إظهار هذا الشرط في صورة النادر ~~مبالغة في توفير دواعيهم على المعارضة بطريق الملاينة والتحريض واستقصاء ~~لهم في إمكانها وذلك من استنزال طائر الخصم وقيد لأوابد مكابرته ومجادلة له ~~بالتي هي أحسن حتى إذا جاء للحق وأنصف من نفسه يرتقي معه في درجات الجدل ؛ ~~ولذلك جاء بعده ولن تفعلوا } كأن المتحدي يتدبر في شأنهم ، ويزن أمرهم ~~فيقول أولا ائتوا بسورة ، ثم يقول : قدروا أنكم لا تستطيعون الإتيان بمثله ~~وأعدوا لهاته الحالة مخلصا منها ثم يقول : ها قد أيقنت وأيقنتم أنكم لا ~~تستطيعون الإتيان بمثله ، مع ما في هذا من توفير دواعيهم على المعارضة ~~بطريق المخاشنة والتحذير . # ولذلك حسن موقع ( لن ) الدالة على نفي المستقبل فالنفي بها آكد من النفي ~~بلا ، ولهذا قال سيبويه لا لنفي يفعل ، ولن لنفي سيفعل فقد قال الخليل إن ~~لن حرف مختزل من لا النافية وأن الاستقبالية وهو رأي حسن وإذا كانت لنفي ~~المستقبل تدل على النفي ms0364 المؤبد غالبا لأنه لما لم يوقت بحد من حدود ~~المستقبل دل على استغراق أزمنته إذ ليس بعضها أولى من بعض ومن أجل ذلك قال ~~الزمخشري بإفادتها التأبيد حقيقة أو مجازا وهو التأكيد ، وقد استقريت ~~مواقعها في القرآن وكلام العرب فوجدتها لا يؤتى بها إلا في مقام إرادة ~~النفي المؤكد أو المؤبد . وكلام الخليل في أصل وضعها يؤيد ذلك فمن قال من ~~النحاة إنها لا تفيد تأكيدا ولا تأبيدا فقد كابر . # وقوله : { ولن تفعلوا } من أكبر معجزات القرآن فإنها معجزة من جهتين : ~~الأولى أنها أثبتت أنهم لم يعارضوا لأن ذلك أبعث لهم على المعارضة لو كانوا ~~قادرين ، وقد تأكد ذلك كله PageV01P342 بقوله قبل { إن كنتم صادقين } ( ~~البقرة : 23 ) وذلك دليل العجز عن الإتيان بمثله فيدل على أنه كلام من ~~قدرته فوق طوق البشر . 5 الثانية أنه أخبر بأنهم لا يأتون بذلك في المستقبل ~~فما أتى أحد منهم ولا ممن خلفهم بما يعارض القرآن فكانت هاته الآية معجزة ~~من نوع الإعجاز بالإخبار عن الغيب مستمرة على تعاقب السنين فإن آيات ~~المعارضة الكثيرة في القرآن قد قرعت بها أسماع المعاندين من العرب الذين ~~أبوا تصديق الرسول وتواترت بها الأخبار بينهم وسارت بها الركبان بحيث لا ~~يسع ادعاء جهلها ، ودواعي المعارضة موجودة فيهم ، ففي خاصتهم بما يأنسونه ~~من تأهلهم لقول الكلام البليغ وهم شعراؤهم وخطباؤهم . وكانت لهم مجامع ~~التقاول ونوادي التشاور والتعاون ، وفي عامتهم وصعاليكهم بحرصهم على حث ~~خاصتهم لدفع مسبة الغلبة عن قبائلهم ودينهم والانتصار لآلهتهم وإيقاف تيار ~~دخول رجالهم في دين الإسلام ، مع ما عرف به العربي من إباءة الغلبة وكراهة ~~الاستكانة . فما أمسك الكافة عن الإتيان بمثل القرآن إلا لعجزهم عن ذلك ~~وذلك حجة على أنه منزل من عند الله تعالى ، ولو عارضه واحد أو جماعة لطاروا ~~به فرحا وأشاعوه وتناقلوه فإنهم اعتادوا تناقل أقوال بلغائهم من قبل أن ~~يغريهم التحدي فما ظنك بهم لو ظفروا بشيء منه يدفعون به عنهم هذه الاستكانة ~~وعدم العثور على شيء يدعى من ذلك يوجب ms0365 اليقين بأنهم أمسكوا عن معارضته ، ~~وسنبين ذلك بالتفصيل في آخر تفسير هذه الآية . # و { تفعلوا } الأول مجزوم بلم لا محالة لأن ( إن ) الشرطية دخلت على ~~الفعل بعد اعتباره منفيا فيكون معنى الشرط متسلطا على ( لم ) وفعلها فظهر ~~أن ليس هذا متنازع بين إن ولم في العمل في { تفعلوا } لاختلاف المعنيين فلا ~~يفرض فيه الاختلاف الواقع بين النحاة في صحة تنازع الحرفين معمولا واحدا ~~كما توهمه ابن العلج أحد نحاة الأندلس نسبه إليه في ( التصريح على التوضيح ~~) على أن الحق أنه لا مانع منه مع اتحاد الاقتضاء من حيث المعنى وقد أخذ ~~جوازه من كلام أبي علي الفارسي في ( المسائل الدمشقيات ) ومن كتاب ( ~~التذكرة ) له أنه جعل قول الراجز : # حتى تراها وكأن وكأن # أعناقها مشرفات في قرن # من قبيل التنازع بين كأن المشددة وكأن المخففة . # وقوله : { فاتقوا النار } أثر لجواب الشرط في قوله : { فإن لم تفعلوا } ~~دل على جمل محذوفة PageV01P343 للإيجاز لأن جواب الشرط في المعنى هو ما جيء ~~بالشرط لأجله وهو مفاد قوله : { وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا } ( ~~البقرة : 23 ) ، فتقدير جواب قوله { فإن لم تفعلوا } أنه : فأيقنوا بأن ما ~~جاء به محمد منزل من عندنا وأنه صادق فيما أمركم به من وجوب عبادة الله ~~وحده واحذروا إن لم تمتثلوا أمره عذاب النار ، فوقع قوله : { فاتقوا النار ~~} موقع الجواب لدلالته عليه وإيذانه به وهو إيجاز بديع وذلك أن اتقاء النار ~~لم يكن مما يؤمنون به من قبل لتكذيبهم بالبعث فإذا تبين صدق الرسول لزمهم ~~الإيمان بالبعث والجزاء . # وإنما عبر بلم تفعلوا ولن تفعلوا دون فإن لم تأتوا بذلك ولن تأتوا كما في ~~قوله تعالى : { ائتوني بأخ لكم من أبيكم } إلى قوله : { فإن لم تأتوني به } ~~( يوسف : 59 ، 60 ) الخ لأن في لفظ { تفعلوا } هنا من الإيجاز ما ليس مثله ~~في الآية الأخرى إذ الإتيان المتحدى به في هذه الآية إتيان مكيف بكيفية ~~خاصة وهي كون المأتي به مثل هذا القرآن ومشهودا عليه ومستعانا عليه ~~بشهدائهم فكان في ms0366 لفظ { تفعلوا } من الإحاطة بتلك الصفات والقيود إيجاز لا ~~يقتضيه الإتيان الذي في سورة يوسف . # والوقود بفتح الواو اسم لما يوقد به ، وبالضم مصدر وقيل بالعكس ، وقال ~~ابن عطية حكي الضم والفتح في كل من الحطب والمصدر . وقياس فعول بفتح الفاء ~~أنه اسم لما يفعل به كالوضوء والحنوط والسعوط والوجور إلا سبعة ألفاظ وردت ~~بالفتح للمصدر وهي الولوع والقبول والوضوء والطهور والوزوع واللغوب والوقود ~~. والفتح هنا هو المتعين لأن المراد الاسم وقرىء بالضم في الشاذ وذلك على ~~اعتبار الضم مصدرا أو على حذف مضاف أي ذوو وقودها الناس . # والناس أريد به صنف منهم وهم الكافرون فتعريفه تعريف الاستغراق العرفي ~~ويجوز أن يكون تعريف العهد لأن كونهم المشركين قد علم من آيات أخرى كثيرة . # والحجارة جمع حجر على غير قياس وهو وزن نادر في كلامهم جمعوا حجرا عن ~~أحجار وألحقوا به هاء التأنيث قال سيبويه كما ألحقوها بالبعولة والفحولة . ~~وعن أبي الهيثم أن العرب تدخل الهاء في كل جمع على فعال أو فعول لأنه إذا ~~وقف عليه اجتمع فيه عند الوقف ساكنان أحدهما الألف الساكنة والثاني الحرف ~~الموقوف عليه أي استحسنوا أن يكون خفيفا إذا وقفوا عليه ، وليس هو من ~~اجتماع الساكنين الممنوع ، ومن ذلك عظامة ونفارة وفحالة وحبالة وذكارة ~~وفحولة وحمولة ( جموعا ) وبكارة جمع بكر ( بفتح الباء ) ومهارة جمع مهر . ~~PageV01P344 # ومعنى وقودها الحجارة أن الحجر جعل لها مكان الحطب لأنه إذا اشتعل صار ~~أشد إحراقا وأبطأ انطفاء ومن الحجارة أصنامهم فإنها أحجار وقد جاء ذلك ~~صريحا في قوله تعالى : { إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم } ( ~~الأنبياء : 98 ) . # وفي هذه الآية تعريض بتهديد المخاطبين والمعنى المعرض به فاحذروا أن ~~تكونوا أنتم وما عبدتم وقود النار وقرينة التعريض قوله : { فاتقوا } وقوله ~~: { والحجارة } لأنهم لما أمروا باتقائها أمر تحذير علموا أنهم هم الناس ، ~~ولما ذكرت الحجارة علموا أنها أصنامهم ، فلزم أن يكون الناس هم عباد تلك ~~الأصنام فالتعريض هنا متفاوت فالأول منه بواسطة واحدة والثاني بواسطتين . # وحكمة إلقاء حجارة الأصنام في ms0367 النار مع أنها لا تظهر فيها حكمة الجزاء أن ~~ذلك تحقير لها وزيادة إظهار خطإ عبدتها فيما عبدوا ، وتكرر لحسرتهم على ~~إهانتها ، وحسرتهم أيضا على أن كان ما أعدوه سببا لعزهم وفخرهم سببا ~~لعذابهم ، وما أعدوه لنجاتهم سببا لعذابهم ، قال تعالى : { إنكم وما تعبدون ~~من دون الله حصب جهنم } الآية . # وتعريف ( النار ) للعهد ووصفها بالموصول المقتضي علم المخاطبين بالصلة ~~كما هو الغالب في صلة الموصول لتنزيل الجاهل منزلة العالم بقصد تحقيق وجود ~~جهنم ، أو لأن وصف جهنم بذلك قد تقرر فيما نزل قبل من القرآن كقوله تعالى ~~في سورة التحريم ( 6 ) : { يأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا ~~وقودها الناس والحجارة وإن كانت سورة التحريم معدودة في السور التي نزلت ~~بعد سورة البقرة فإن في صحة ذلك العد نظرا ، أو لأنه قد علم ذلك عندهم من ~~أخبار أهل الكتاب . # وفي جعل الناس والحجارة وقودا دليل على أن نار جهنم مشتعلة من قبل زج ~~الناس فيها وأن الناس والحجارة إنما تتقد بها لأن نار جهنم هي عنصر الحرارة ~~كلها كما أشار إليه حديث الموطأ } : ( إن شدة الحر من فيح جهنم ) فإذا اتصل ~~بها الآدمي اشتعل ونضج جلده وإذا اتصلت بها الحجارة صهرت ، وفي الاحتراق ~~بالسيال الكهربائي نموذج يقرب ذلك للناس اليوم . وروي عن ابن عباس أن جهنم ~~تتقد بحجارة الكبريت فيكون نموذجها البراكين الملتهبة . # وقوله : { أعدت للكافرين } استئناف لم يعطف لقصد التنبيه على أنه مقصود ~~بالخبرية لأنه لو عطف لأوهم العطف أنه صفة ثانية أو صلة أخرى وجعلة خبرا ~~أهول وأفخم وأدخل للروع في قلوب المخاطبين وهو تعريض بأنها أعدت لهم ابتداء ~~لأن المحاورة معهم . PageV01P345 # وهذه الآية قد أثبتت إعجاز القرآن إثباتا متواترا امتاز به القرآن عن ~~بقية المعجزات ، فإن سائر المعجزات للأنبياء ولنبينا عليهم الصلاة والسلام ~~إنما ثبتت بأخبار آحاد وثبت من جميعها قدر مشترك بين جميعها وهو وقوع أصل ~~الإعجاز بتواتر معنوي مثل كرم حاتم وشجاعة عمرو فأما القرآن فإعجازه ثبت ~~بالتواتر النقلي أدرك معجزته العرب بالحس ، وأدركها عامة ms0368 غيرهم بالنقل ، ~~وقد تدركها الخاصة من غيرهم بالحس كذلك على ما سنبينه . # أما إدراك العرب معجزة القرآن فظاهر من هذه الآية وأمثالها فإنهم كذبوا ~~النبيء صلى الله عليه وسلم وناوؤه وأعرضوا عن متابعته فحاجهم على إثبات ~~صدقه بكلام أوحاه الله إليه ، وجعل دليل أنه من عند الله عجزهم عن معارضته ~~فإنه مركب من حروف لغتهم ومن كلماتها وعلى أساليب تراكيبها ، وأودع من ~~الخصائص البلاغية ما عرفوا أمثاله في كلام بلغائهم من الخطباء والشعراء ثم ~~حاكمهم إلى الفصل في أمر تصديقه أو تكذيبه بحكم سهل وعدل ، وهو معارضتهم ~~لما أتى به أو عجزهم عن ذلك نطق بذلك القرآن في غير موضع كهاته الآية فلم ~~يستطيعوا المعارضة فكان عجزهم عن المعارضة لا يعدو أمرين : إما أن يكون ~~عجزهم لأن القرآن بلغ فيما اشتمل عليه من الخصائص البلاغية التي يقتضيها ~~الحال حد الإطاقة لأذهان بلغاء البشر بالإحاطة به ، بحيث لو اجتمعت أذهانهم ~~وانقدحت قرائحهم وتآمروا وتشاوروا في نواديهم وبطاحهم وأسواق موسمهم ، ~~فأبدى كل بليغ ما لاح له من النكت والخصائص لوجدوا كل ذلك قد وفت به آيات ~~القرآن في مثله وأتت بأعظم منه ، ثم لو لحق بهم لاحق ، وخلف من بعدهم خلف ~~فأبدى ما لم يبدوه من النكت لوجد تلك الآية التي انقدحت فيها أفهام ~~السابقين وأحصت ما فيها من الخصائص قد اشتملت على ما لاح لهذا الأخير وأوفر ~~منه ، فهذا هو القدر الذي أدركه بلغاء العرب بفطرهم ، فأعرضوا عن معارضته ~~علما بأنهم لا قبل لهم بمثله ، وقد كانوا من علو الهمة ورجاحة الرأي بحيث ~~لا يعرضون أنفسهم للافتضاح ولا يرضون لأنفسهم بالانتقاص لذلك رأوا الإمساك ~~عن المعارضة أجدى بهم واحتملوا النداء عليهم بالعجز عن المعارضة في مثل هذه ~~الآية ، لعلهم رأوا أن السكوت يقبل من التأويل بالأنفة ما لا تقبله ~~المعارضة القاصرة عن بلاغة القرآن فثبت أنه معجز لبلوغه حدا لا يستطيعه ~~البشر فكان هذا الكلام خارقا للعادة ودليلا على أن الله أوجده كذلك ليكون ~~دليلا على صدق الرسول فالعجز عن المعارضة ms0369 لهذا الوجه كان لعدم القدرة على ~~الإتيان PageV01P346 بمثله وهذا هو رأي جمهور أهل السنة والمعتزلة وأعيان ~~الأشاعرة مثل أبي بكر الباقلاني وعبد القاهر الجرجاني وهو المشهور عن ~~الأشعري . # وقد يجوز أن يكونوا قادرين على الإتيان بمثله ممكنة منهم المعارضة ولكنهم ~~صرفهم الله عن التصدي لها مع توفر الدواعي على ذلك فيكون صدهم عن ذلك مع ~~اختلاف أحوالهم أمرا خارقا للعادة أيضا وهو دليل المعجزة ، وهذا مذهب من ~~قول ذهب إليه فريق وقد ذكره أبو بكر الباقلاني في كتابه في ( إعجاز القرآن ~~) ولم يعين له قائلا وقد نسبه التفتزاني في كتاب ( المقاصد ) إلى القائلين ~~إن الإعجاز بالصرفة وهو قول النظام من المعتزلة وكثير من المعتزلة ونسبه ~~الخفاجي إلى أبي إسحاق الإسفرائيني ونسبه عياض إلى أبي الحسن الأشعري ولكنه ~~لم يشتهر عنه وقال به الشريف المرتضى من الشيعة كما في ( المقاصد ) وهو مع ~~كونه كافيا في أن عجزهم على المعارضة بتعجيز الله إياهم هو مسلك ضعيف . وقد ~~تقدم الكلام على وجوه إعجاز القرآن تفصيلا في المقدمة العاشرة من مقدمات ~~هذا التفسير . # فإن قلت : لم لا يجوز أن يكون ترك العرب للمعارضة تعاجزا لا عجزا ؟ وبعد ~~فمن آمننا أن يكون العرب قد عارضوا القرآن ولم ينقل إلينا ما عارضوا به ؟ ~~قلت يستحيل أن يكون فعلهم ذلك تعاجزا فإن محمدا صلى الله عليه وسلم بعث في ~~أمة مناوئة له معادية لا كما بعث موسى في بني إسرائيل موالين معاضدين له ~~ومشايعين فكانت العرب قاطبة معارضة للنبيء صلى الله عليه وسلم إذ كذبوه ~~ولمزوه بالجنون والسحر وغير ذلك لم يتبعه منهم إلا نفر قليل مستضعفين بين ~~قومهم لا نصير لهم في أول الدعوة ثم كان من أمر قومه أن قاطعوه ثم أمروه ~~بالخروج بين هم بقتله واقتصار على إخراجه كل هذا ثبت عنهم في أحاديثهم ~~وأقوالهم المنقولة نقلا يستحيل تواطؤنا عليه على الكذب وداموا على مناوأته ~~بعد خروجه كذلك يصدونه عن الحج ويضطهدون أتباعه إلى آخر ما عرف في التاريخ ~~والسير ولم تكن تلك المناوأة ms0370 في أمد قصير يمكن في خلاله كتم الحوادث وطي ~~نشر المعارضة فإنها مدة تسع عشرة سنة إلى يوم فتح مكة . PageV01P347 # لا جرم أن أقصى رغبة لهم في تلك المدة هي إظهار تكذيبه انتصارا لأنفسهم ~~ولآلهتهم وتظاهرا بالنصر بين قبائل العرب كل هذا ثبت بالتواتر عند جميع ~~الأمم المجاورة لهم من فرس وروم وقبط وأحباش . # ولا جرم أن القرآن قصر معهم مسافة المجادلة وهيأ لهم طريق إلزامه بحقية ~~ما نسبوه إليه فأتاهم كتابا منزلا نجوما ودعاهم إلى المعارضة بالإتيان ~~بقطعة قصيرة مثله وأن يجمعوا لذلك شهداءهم وأعوانهم نطق بذلك هذا الكتاب ، ~~كل هذا ثبت بالتواتر فإن هذا الكتاب متواتر بين العرب ولا يخلو عن العلم ~~بوجوده أهل الدين من الأمم وإن اشتماله على طلب المعارضة ثابت بالتواتر ~~المعلوم لدينا فإنه هو هذا الكتاب الذي آمن المسلمون قبل فتح مكة به وحفظوه ~~وآمن به جميع العرب أيضا بعد فتح مكة فألفوه كما هو اليوم شهدت على ذلك ~~الأجيال جيلا بعد جيل . # وقد كان هؤلاء المتحدون المدعوون إلى المعارضة بالمكانة المعروفة من ~~أصالة الرأي واستقامة الأذهان ، ورجحان العقول وعدم رواج الزيف عليهم ، ~~وبالكفاءة والمقدرة على التفنن في المعاني والألفاظ تواتر ذلك كله عنهم بما ~~نقل من كلامهم نظما ونثرا وبما اشتهر وتواتر من القدر المشترك من بين ~~المرويات من نوادرهم وأخبارهم فلم يكن يعوزهم أن يعارضوه لو وجدوه على ~~النحو المتعارف لديهم فإن صحة أذهانهم أدركت أنه تجاوز الحد المتعارف لديهم ~~فلذلك أعرضوا عن المعارضة مع توفر داعيهم بالطبع وحرصهم لو وجدوا إليه ~~سبيلا ثبت إعراضهم عن المعارضة بطريق التواتر إذ لو وقع مثل هذا لأعلنوه ~~وأشاعوه وتناقله الناس لأنه من الحوادث العظيمة فعدلوا عن المعارضة باللسان ~~إلى المحاربة والمكافحة ، ثبت ذلك بالتواتر لا محالة عند أهل التاريخ ~~وغيرهم . # وأيا ما جعلت سبب إعراضهم عن المعارضة من خروج كلامه عن طوق البشر أو من ~~صرف الله أذهانهم عن ذلك فهو دليل على أمر خارق للعادة كان بتقدير من خالق ~~القدر ومعجز البشر . # ووراء ms0371 هذا كله دليل آخر يعرفنا بأن العرب بحسن فطرتهم قد أدركوا صدق ~~الرسول وفطنوا لإعجاز القرآن وأنه ليس بكلام معتاد للبشر وأنهم ما كذبوا ~~إلا عنادا أو مكابرة وحرصا على السيادة ونفورا من الاعتراف بالخطأ ، ذلك ~~الدليل هو إسلام جميع قبائل العرب PageV01P348 وتعاقبهم في الوفادة بعد فتح ~~مكة فإنهم كانوا مقتدين بقريش في المعارضة مكبرين المتابعة لهذا الدين خشية ~~مسبة بعضهم وخاصة قريش ومن ظاهرهم ، فلما غلبت قريش لم يبق ما يصد بقية ~~العرب عن المجيء طائعين معترفين عن غير غلب فإنهم كانوا يستطيعون الثبات ~~للمقارعة أكثر مما ثبتت قريش إذ قد كان من تلك القبائل أهل البأس والشدة من ~~عرب نجد وطىء وغيرهم ممن اعتز بهم الإسلام بعد ذلك فإنه ليس مما عرف في ~~عوائد الأمم وأخلاقها أن تنبذ قبائل عظيمة كثيرة أديانا تعتقد صحتها وتجيء ~~جميعها طائعا نابذا دينه في خلال أشهر من عام الوفود لم يجمعهم فيه ناد ولم ~~تسر بينهم سفراء ولا حشرهم مجمع لولا أنهم كانوا متهيئين لهذا الاعتراف لا ~~يصدهم عنه إلا صاد ضعيف وهو المكابرة والمعاندة . # ثم في هذه الآية معجزة باقية وهي قوله : { ولن تفعلوا } فإنها قد مرت ~~عليها العصور والقرون وماصدقها واضح إذ لم تقع المعارضة من أحد من ~~المخاطبين ولا ممن لحقهم إلى اليوم . # فإن قلت : ثبت بهذا أن القرآن معجز للعرب وبذلك ثبت لديهم أنه معجزة وثبت ~~لديهم به صدق الرسول ولكن لم يثبت ذلك لمن ليس مثلهم فما هي المعجزة لغيرهم ~~؟ قلت إن ثبوت الإعجاز لا يستلزم مساواة الناس في طريق الثبوت فإنه إذا ~~أعجز العرب ثبت أنه خارق للعادة لما علمت من الوجهين السابقين فيكون ~~الإعجاز للعرب بالبداهة ولمن جاء بعدهم بالاستدلال والبرهان وهما طريقان ~~لحصول العلم . # وبعد فإن من شاء أن يدرك الإعجاز كما أدركه العرب فما عليه إلا أن يشتغل ~~بتعلم اللغة وأدبها وخصائصها حتى يساوي أو يقارب العرب في ذوق لغتهم ثم ~~ينظر بعد ذلك في نسبة القرآن من كلام بلغائهم ولم يخل عصر ms0372 من فئة اضطلعت ~~بفهم البلاغة العربية وأدركت إعجاز القرآن وهم علماء البلاغة وأدب العربية ~~الصحيح . # قال الشيخ عبد القاهر في مقدمة ( دلائل الإعجاز ) فإن قال قائل إن لنا ~~طريقا إلى إعجاز القرآن غير ما قلت ( أي من توقفه على علم البيان ) وهو ~~علمنا بعجز العرب عن أن يأتوا بمثله وتركهم أن يعارضوه مع تكرار التحدي ~~عليهم وطول التقريع لهم بالعجز عنه ولو كان الأمر كذلك ما قامت به الحجة ~~على العجم قيامها على العرب وما استوى الناس فيه قاطبة فلم يخرج الجاهل ~~بلسان العرب عن أن يكون محجوجا بالقرآن قيل له خبرنا عما اتفق عليه ~~المسلمون من اختصاص نبينا عليه السلام بأن كانت معجزته باقية على وجه الدهر ~~أتعرف له معنى غير ألا يزال البرهان منه لائحا معرضا لكل من أراد العلم به ~~والعلم به PageV01P349 ممكنا لمن التمسه وألا معنى لبقاء المعجزة بالقرآن ~~إلا أن الوصف الذي كان به معجزا قائم فيه أبدا ا ه . # وقال السكاكي في معرض التنويه ببعض مسائل التقديم قوله : ( متوسلا بذلك ~~إلى أن يتأنق في وجه الإعجاز في التنزيل منتقلا مما أجمله عجز المتحدين به ~~عندك إلى التفصيل ) وقد بينت في المقدمة العاشرة تفاصيل من وجوه إعجازه فقد ~~اشتملت هذه الآية على أصناف من الإعجاز إذ نقلت الإعجاز بالتواتر وكانت ~~ببلاغتها معجزة ، وكانت معجزة من حيث الإخبار عن المستقبل كله بما تحقق ~~صدقه فسبحان منزلها ومؤتيها . # # | 2 ( 25 ) { وبشر الذين ءامنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجرى من ~~تحتها الأنهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هاذا الذى رزقنا من قبل ~~وأتوا به متشابها ولهم فيهآ أزواج مطهرة وهم فيها خالدون } . ) 2 # { وبشر الذين ءامنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجرى من تحتها الأنهار ~~كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هاذا الذى رزقنا من قبل وأتوا به ~~متشابها ولهم فيهآ أزواج مطهرة وهم فيها خالدون } . # في ( الكشاف ) من عادته عز وجل في كتابه أن يذكر الترغيب مع الترهيب ~~ويشفع البشارة بالإنذار إرادة التنشيط ms0373 لاكتساب ما يزلف والتثبيط عن اقتراف ~~ما يتلف فلما ذكر الكفار وأعمالهم وأوعدهم بالعقاب قفاه ببشارة عباده الذين ~~جمعوا بين التصديق والأعمال الصالحة ا ه . # وجعل جملة : { وبشر } معطوفة على مجموع الجمل المسوقة لبيان وصف عقاب ~~الكافرين يعني جميع الذي فصل في قوله تعالى : { وإن كنتم في ريب } ( البقرة ~~: 23 ) إلى قوله : { أعدت للكافرين } ( البقرة : 24 ) فعطف مجموع أخبار عن ~~ثواب المؤمنين على مجموع أخبار عن عقاب الكافرين والمناسبة واضحة مسوغة ~~لعطف المجموع على المجموع ، وليس هو عطفا لجملة معينة على جملة معينة الذي ~~يطلب معه التناسب بين الجملتين في الخبرية والإنشائية ، ونظره بقولك : زيد ~~يعاقب بالقيد والإرهاق وبشر عمرا بالعفو والإطلاق . # وجعل السيد الجرجاني لهذا النوع من العطف لقب عطف القصة على القصة لأن ~~المعطوف ليس جملة على جملة بل طائفة من الجمل على طائفة أخرى ، ونظيره في ~~المفردات ما قيل إن الواو الأولى والواو الثالثة في قوله تعالى : { هو ~~الأول والآخر والظاهر والباطن } ( الحديد : 3 ) ليستا مثل الواو الثانية ~~لأن كل واحدة منهما لإفادة الجمع بين الصفتين المتقابلتين وأما الثانية ~~فلعطف مجموع الصفتين المتقابلتين اللتين بعدها على مجموع الصفتين ~~المتقابلتين اللتين قبلها ولو اعتبر عطف الظاهر وحده على إحدى السابقتين ~~PageV01P350 لم يكن هناك تناسب ، هذا حاصله ، وهو يريد أن الواو عاطفة جملة ~~ذات مبتدأ محذوف وخبرين على جملة ذات مبتدأ ملفوظ به وخبرين ، فالتقدير وهو ~~الظاهر والباطن وليس المراد أن المبتدأ فيها مقدر لإغناء حرف العطف عنه بل ~~هو محذوف للقرينة أو المناسبة في عطف جملة ( الظاهر والباطن ) على جملة ( ~~الأول والآخر ) . أنهما صفتان متقابلتان ثبتتا لموصوف واحد هو الذي ثبتت له ~~صفتان متقابلتان أخريان . # قال السيد ولم يذكر صاحب ( المفتاح ) عطف القصة على القصة فتحير الجامدون ~~على كلامه في هذا المقام وتوهموا أن مراد صاحب ( الكشاف ) هنا عطف الجملة ~~على الجملة وأن الخبر المتقدم مضمن معنى الطلب أو بالعكس لتتناسب الجملتان ~~مع أن عبارة ( الكشاف ) صريحة في غير ذلك وقصد السيد من ذلك إبطال فهم فهمه ~~سعد ms0374 الدين من كلام ( الكشاف ) وأودعه في شرحه ( المطول ) على ( التخليص ) . # وجوز صاحب ( الكشاف ) أن يكون قوله : { وبشر } معطوفا على قوله : { ~~فاتقوا } ( البقرة : 24 ) الذي هو جواب الشرط فيكون له حكم الجواب أيضا ~~وذلك لأن الشرط وهو { فإن لم تفعلوا } ( البقرة : 24 ) سبب لهما لأنهم إذا ~~عجزوا عن المعارضة فقد ظهر صدق النبيء فحق اتقاء النار وهو الإنذار لمن دام ~~على كفره وحقت البشارة للذين آمنوا . وإنما كان المعطوف على الجواب مخالفا ~~له لأن الآية سيقت مساق خطاب للكافرين على لسان النبيء فلما أريد ترتب ~~الإنذار لهم والبشارة للمؤمنين جعل الجواب خطابا لهم مباشرة لأنهم المبتدأ ~~بخطابهم وخطابا للنبيء ليخاطب المؤمنين إذ ليس للمؤمنين ذكر في هذا الخطاب ~~فلم يكن طريق لخطابهم إلا الإرسال إليهم . PageV01P351 # وقد استضعف هذا الوجه بأن علماء النحو قرروا امتناع عطف أمر مخاطب على ~~أمر مخاطب إلا إذا اقترن بالنداء نحو قم يا زيد واكتب يا عمرو ، وهذا لا ~~نداء فيه . # وجوز صاحب ( المفتاح ) أن { بشر } معطوف على قل مقدرا قبل { يأيها الناس ~~اعبدوا } ( البقرة : 21 ) وقال القزويني في ( الإيضاح ) إنه معطوف على مقدر ~~بعد قوله : { أعدت للكافرين } ( البقرة : 24 ) أي فأنذر الذين كفروا وكل ~~ذلك تكلف لا داعي إليه إلا الوقوف عند ظاهر كلام النحاة مع أن صاحب ( ~~الكشاف ) لم يعبأ به قال عبد الحكيم لأن منع النحاة إذا انتفت قرينة تدل ~~على تغاير المخاطبين والنداء ضرب من القرينة نحو : { يوسف أعرض عن هذا ~~واستغفري لذنبك } ( يوسف : 29 ) ا ه . يريد أن كل ما يدل على المراد ~~بالخطاب فهو كاف وإنما خص النحاة النداء لأنه أظهر قرينة واختلاف الأمرين ~~هنا بعلامة الجمع والإفراد دال على المراد ، وأيا ما كان فقد روعي في الجمل ~~المعطوفة ما يقابل ما في الجمل المعطوف عليها فقوبل الإنذار الذي في قوله : ~~{ فاتقوا النار } ( البقرة : 24 ) بالتبشير وقوبل { الناس } ( البقرة : 21 ~~) المراد به المشركون بالذين آمنوا وقوبل ( النار ) بالجنة فحصل ثلاثة ~~طباقات . # والتبشير الإخبار بالأمر المحبوب فهو أخص من الخبر . وقيد بعض ms0375 العلماء ~~معنى التبشير بأن يكون المخبر ( بالفتح ) غير عالم بذلك الخبر والحق أنه ~~يكفي عدم تحقق المخبر ( بالكسر ) علم المخبر ( بالفتح ) فإن المخبر ( ~~بالكسر ) لا يلزمه البحث عن علم المخاطب فإذا تحقق المخبر علم المخاطب لم ~~يصح الإخبار إلا إذا استعمل الخبر في لازم الفائدة أو في توبيخ ونحوه . # والصالحات جمع صالحة وهي الفعلة الحسنة فأصلها صفة جرت مجرى الأسماء ~~لأنهم يقولون صالحة وحسنة ولا يقدرون موصوفا محذوفا قال الحطيئة : # كيف الهجاء وما تنفك صالحة # من آل لأمم بظهر الغيبب تأتينا # وكأن ذلك هو وجه تأنيثها للنقل من الوصفية للاسمية . # والتعريف هنا للاستغراق وهو استغراق عرفي يحدد مقداره بالتكليف ~~والاستطاعة والأدلة الشرعية مثل كون اجتناب الكبائر يغفر الصغائر فيجعلها ~~كالعدم . # فإن قلت : إذا لم يقل وعملوا الصالحة بالإفراد فقد قالوا إن استغراق ~~المفرد أشمل من استغراق المجموع ، قلت تلك عبارة سرت إليهم من كلام صاحب ( ~~الكشاف ) في هذا الموضع PageV01P352 من تفسيره إذ قال : ( إذا دخلت لام ~~الجنس على المفرد كان صالحا لأن يراد به الجنس إلى أن يحاط به وأن يراد به ~~بعضه إلى الواحد منه وإذا دخلت على المجموع صلح أن يراد به جميع الجنس وأن ~~يراد به بعضه لا إلى الواحد منه ا ه . فاعتمدها صاحب ( المفتاح ) وتناقلها ~~العلماء ولم يفصلوا بيانها . # ولعل سائلا يسأل عن وجه إتيان العرب بالجموع بعد أل الاستغراقية إذا كان ~~المفرد مغنيا غناءها فأقول : إن أل المعرفة تأتي للعهد وتأتي للجنس مرادا ~~به الماهية وللجنس مرادا به جميع أفراده التي لا قرار له في غيرها فإذا ~~أرادوا منها الاستغراق نظروا فإن وجدوا قرينة الاستغراق ظاهرة من لفظ أو ~~سياق نحو : { إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا } ( العصر : 2 ، 3 ) { ~~وتؤمنون بالكتاب كله } ( آل عمران : 119 ) { والملك على أرجائها } ( الحاقة ~~: 17 ) اقتنعوا بصيغة المفرد لأنه الأصل الأحف وإن رأوا قرينة الاستغراق ~~خفية أو مفقودة عدلوا إلى صيغة الجمع لدلالة الصيغة على عدة أفراد لا على ~~فرد واحد . ولما كان تعريف العهد لا يتوجه ms0376 إلى عدد من الأفراد غالبا تعين ~~أن تعريفها للاستغراق نحو : { والله يحب المحسنين } ( آل عمران : 134 ) ~~لئلا يتوهم أن الحديث على محسن خاص نحو قولها : { وأن الله لا يهدي كيد ~~الخائنين } ( يوسف : 52 ) لئلا يتوهم أن الحديث عن خائن معين تعني نفسها ~~فيصير الجمع في هذه المواطن قرينة على قصد الاستغراق . # وانتصب الصالحات على المفعول به لعملوا على المعروف من كلام أئمة العربية ~~وزعم ابن هشام في الباب السادس من ( مغني اللبيب ) أن مفعول الفعل إذا كان ~~لا يوجد إلا بوجود فعله كان مفعولا مطلقا لا مفعولا به فنحو : { عملوا ~~الصالحات } مفعول مطلق ونحو : { خلق الله السماوات } ( العنكبوت : 44 ) ~~كذلك ، واعتضد لذلك بأن ابن الحاجب في ( شرح المفصل ) زعم أن المفعول ~~المطلق يكون جملة نحو قال زيد عمرو منطلق وكلام ابن هشام خطأ وكلام ابن ~~الحاجب مثله ، وقد رده ابن هشام نفسه . والصواب أن المفعول المطلق هو مصدر ~~فعله أو ما يجري مجراه . # والجنات جمع جنة ، والجنة في الأصل فعلة من جنه إذا ستره نقلوه للمكان ~~الذي تكاثرت أشجاره والتف بعضها ببعض حتى كثر ظلها وذلك من وسائل التنعم ~~والترفه عند البشر قاطبة لا سيما في بلد تغلب عليه الحرارة كبلاد العرب قال ~~تعالى : { وجنات ألفافا } ( النبأ : 16 ) . PageV01P353 # والجري حقيقته سرعة شديدة في المشي ، ويطلق مجازا على سيل الماء سيلا ~~متكررا متعاقبا وأحسن الماء ما كان جاريا غير قار لأنه يكون بذلك جديدا ~~كلما اغترف منه شارب أو اغتسل مغتسل . # والأنهار جمع نهر بفتح الهاء وسكونها والفتح أفصح والنهر الأخدود الجاري ~~فيه الماء على الأرض وهو مشتق من مادة نهر الدالة على الانشقاق والاتساع ~~ويكون كبيرا وصغيرا . وأكمل محاسن الجنات جريان المياه في خلالها وذلك شيء ~~اجتمع البشر كلهم على أنه من أنفس المناظر لأن في الماء طبيعة الحياة ولأن ~~الناظر يرى منظرا بديعا وشيئا لذيذا . # وأودع في النفوس حب ذلك فإما لأن الله تعالى أعد نعيم الصالحين في الجنة ~~على نحو ما ألفته أرواحهم في هذا العالم فإن للإلف ms0377 تمكنا من النفوس ~~والأرواح بمرورها على هذا العالم عالم المادة اكتسبت معارف ومألوفات لم تزل ~~تحن إليها وتعدها غاية المنى ولذا أعد الله لها النعيم الدائم في تلك الصور ~~، وإما لأن الله تعالى حبب إلى الأرواح هاته الأشياء في الدنيا لأنها على ~~نحو ما ألفته في العوالم العليا قبل نزولها للأبدان لإلفها بذلك في عالم ~~المثال ، وسبب نفرتها من أشكال منحرفة وذوات بشعة عدم إلفها بأمثالها في ~~عوالمها . والوجه الأول الذي ظهر لي أراه أقوى في تعليل مجيء لذات الجنة ~~على صور اللذات المعروفة في الدنيا وسينفعنا ذلك عند قوله تعالى : { وأتوا ~~به متشابها } . # ومعنى { من تحتها } من أسفلها والضمير عائد إلى الجنات باعتبار مجموعها ~~المشتمل على الأشجار والأرض النابتة فيها ويجوز عود الضمير إلى الجنات ~~باعتبار الأشجار لأنها أهم ما في الجنات ، وهذا القيد لمجرد الكشف فإن ~~الأنهار لا تكون إلا كذلك ويفيد هذا القيد تصوير حال الأنهار لزيادة تحسين ~~وصف الجنات كقول كعب بن زهير : # شجت بذي شبمم من ماء محنية # صافف بأبطح أضحى وهو مشمول # البيتين . # وقد أورد صاحب ( الكشاف ) توجيها لتعريف الأنهار ومخالفتها لتنكير ( جنات ~~) إما بأن يراد تعريف الجنس فيكون كالنكرة وإما بأن يراد من التعريف العهد ~~إلا أنه عهد تقديري لأن الجنات لما ذكرت استحضر لذهن السامع لوازمها ~~ومقارناتها فساغ للمتكلم أن يشير PageV01P354 إلى ذلك المعهود فجيء باللام ~~، وهذا معنى قوله أو يراد أنهارها فعوض التعريف باللام من تعريف الإضافة ، ~~يريد أن المتكلم في مثل هذا المقام في حيرة بين أن يأتي بالأنهار معرفة ~~بالإضافة للجنات وبين أن يعرفها بأل العهدية عهدا تقديريا واختير الثاني ~~تفاديا من كلفة الإضافة وتنبيها على أن الأنهار نعمة مستقلة جديرة بأن لا ~~يكون التنعم بها تبعا للتنعم بالجنات وليس مراده أن أل عوض عن المضاف إليه ~~على طريقة نحاة الكوفة لأنه قد أباه في تفسير قوله تعالى : { فإن الجحيم هي ~~المأوى } ( النازعات : 39 ) وإنما أراد أن الإضافة واللام متعاقبتان هنا ~~وليس ذلك صالحا في كل موضع على أني ms0378 أرى مذهب الكوفيين مقبولا وأنهم ما ~~أرادوا إلا بيان حاصل المعنى من ذلك التعريف فإن تقدير المضاف إليه هو الذي ~~جعل المضاف المذكور كالمعهود فأدخلت عليه لام التعريف العهدي . # وعندي أن الداعي إلى التعريف هو التفنن لئلا يعاد التنكير مرة ثانية ~~فخولف بينهما في اللفظ اقتناعا بسورة التعريف . # وقوله : { من تحتها } يظهر أنه قيد كاشف قصد منه زيادة إحضار حالة جري ~~الأنهار إذ الأنهار لا تكون في بعض الأحوال تجري من فوق فهذا الوصف جيء به ~~لتصوير الحالة للسامع لقصد الترغيب وهذا من مقاصد البلغاء إذ ليس البليغ ~~يقتصر على مجرد الإفهام ، وقريب من هذا قول النابغة يصف فرس الصائد وكلابه ~~: # من حس أطلس تسعى تحته شرع # كأن أحناكها السفلى مآشير # والتحت اسم لجهة المكان الأسفل وهو ضد الأعلى ، ولكل مكان علو وسفل ولا ~~يقتضي ذلك ارتفاع ما أضيف إليه التحت على التحت بل غاية مدلوله أنه بجهة ~~سفله قال تعالى حكاية عن فرعون : { وهذه الأنهار تجري من تحتي } ( الزحرف : ~~51 ) فلا حاجة إلى تأويل الجنة هنا بالأشجار لتصحيح التحت ولا إلى غيره من ~~التكلفات . PageV01P355 # { كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هاذا الذى رزقنا من قبل وأتوا به ~~متشابها ولهم فيهآ أزواج مطهرة وهم فيها خالدون } . # جملة : { كلما رزقوا } يجوز أن تكون صفة ثانية لجنات ، ويجوز أن تكون ~~خبرا عن مبتدأ محذوف وهو ضمير { الذين آمنوا } فتكون جملة ابتدائية الغرض ~~منها بيان شأن آخر من شؤون الذين آمنوا ، ولكمال الاتصال بينها وبين جملة { ~~أن لهم جنات } فصلت عنها كما تفصل الأخبار المتعددة . # و ( كلما ) ظرف زمان لأن كلا أضيفت إلى ما الظرفية المصدرية فصارت ~~لاستغراق الأزمان المقيدة بصلة ما المصدرية وقد أشربت معنى الشرط لذلك فإن ~~الشرط ليس إلا تعليقا على الأزمان المقيدة بمدلول فعل الشرط ولذلك خرجت ~~كثير من كلمات العموم إلى معنى الشرط عند اقترانها بما الظرفية نحو كيفما ~~وحيثما وأنما وأينما ومتى وما مهما . والناصب لكلما الجواب لأن الشرطية ~~طارئة عليها طريانا غير مطرد بخلاف مهما ms0379 وأخواتها . # وإذ كانت كلما نصا في عموم الأزمان تعين أن قوله { من قبل } المبني على ~~الضم هو على تقدير مضاف ظاهر التقدير أي من قبل هذه المرة فيقتضي أن ذلك ~~ديدن صفات ثمراتهم أن تأتيهم في صور ما قدم إليهم في المرة السابقة . وهذا ~~إما أن يكون حكاية لصفة ثمار الجنة وليس فيه قصد امتنان خاص فيكون المعنى ~~أن ثمار الجنة متحدة الصورة مختلفة الطعوم . ووجه ذلك والله أعلم أن اختلاف ~~الأشكال في الدنيا نشأ من اختلاف الأمزجة والتراكيب فأما موجودات الآخرة ~~فإنها عناصر الأشياء فلا يعتورها الشكل وإنما يجيء في شكل واحد وهو الشكل ~~العنصري . ويحتمل أن في ذلك تعجيبا لهم والشيء العجيب لذيذ الوقع عند ~~النفوس ولذلك يرغب الناس في مشاهدة العجائب والنوادر . وهذا الاحتمال هو ~~الأظهر من السياق . ويحتمل أن كلما لعموم غير الزمن الأول فهو عام مراد به ~~الخصوص بالقرينة ، ومعنى ( من قبل ) في المرة الأولى من دخول الجنة . ومن ~~المفسرين من حمل قوله { من قبل } على تقدير من قبل دخول الجنة أي هذا الذي ~~رزقناه في الدنيا ، ووجهه في ( الكشاف ) : ( بأن الإنسان بالمألوف آنس ) ~~وهو بعيد لاقتضائه أن يكون عموم كلما مرادا به خصوص الإتيان به في المرة ~~الأولى في الجنة ولأنه يقتضي اختلاف الطعم واختلاف الأشكال وهذا أضعف في ~~التعجب ، ولأن من أهل الجنة من PageV01P356 لا يعرف جميع أصناف الثمار ~~فيقتضي تحديد الأصناف بالنسبة إليه . # وقوله : { وأتوا به متشابها } ظاهر في أن التشابه بين المأتي به لا بينه ~~وبين ثمار الدنيا . ثم من الله عليهم بنعمة التأنس بالأزواج ونزه النساء عن ~~عوارض نساء الدنيا مما تشمئز منه النفس لولا النسيان فجمع لهم سبحانه ~~اللذات على نحو ما ألفوه فكانت نعمة على نعمة . # والأزواج جمع زوج يقال للذكر والأنثى لأنه جعل الآخر بعد أن كان مفردا ~~زوجا وقد يقال للأنثى زوجة بالتاء وورد ذلك في حديث عمار بن ياسر في ~~البخاري : ( إني لأعلم أنها زوجته في الدنيا والآخرة ) يعني عائشة وقال ~~الفرزدق : # وإن الذي يسعى ms0380 ليفسد زوجتي # كساعع إلى أسد الشرى يستمليها # وقوله : { وهم فيها خالدون } احتراس من توهم الانقطاع بما تعودوا من ~~انقطاع اللذات في الدنيا لأن جميع اللذات في الدنيا معرضة للزوال وذلك ~~ينغصها عند المنعم عليه كما قال أبو طيب : # أشد الغم عندي في سرور # تحقق عنه صاحبه انتقالا # وقوله : { مطهرة } هو بزنة الإفراد وكان الظاهر أن يقال مطهرات كما قرىء ~~بذلك ولكن العرب تعدل عن الجمع مع التأنيث كثيرا لثقلهما لأن التأنيث خلاف ~~المألوف والجمع كذلك ، فإذا اجتمعا تفادوا عن الجمع بالإفراد وهو كثير شائع ~~في كلامهم لا يحتاج للاستشهاد . # $ 2 ( 26 ، 27 ) { إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها ~~فأما الذين ءامنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذآ ~~أراد الله بهاذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين ~~* الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون مآ أمر الله به أن يوصل ~~ويفسدون في الارض أول & # 1764 ائك هم الخاسرون } . ) 2 $ # { إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين ءامنوا ~~فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذآ أراد الله بهاذا ~~مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين } . # قد يبدو في بادىء النظر عدم التناسب بين مساق الآيات السالفة ومساق هاته ~~الآية ، فبينما كانت الآية السابقة ثناء على هذا الكتاب المبين ، ووصف حالي ~~المهتدين بهديه والناكبين عن صراطه وبيان إعجازه والتحدي به مع ما تخلل ~~وأعقب ذلك من المواعظ والزواجر النافعة والبيانات البالغة والتمثيلات ~~الرائعة ، إذا بالكلام قد جاء يخبر بأن الله تعالى لا يعبأ أن يضرب مثلا ~~بشيء حقير أو غير حقير ، فحقيق بالناظر عند التأمل أن تظهر له المناسبة ~~لهذا الانتقال ، ذلك أن الآيات السابقة اشتملت على تحدي البلغاء بأن يأتوا ~~بسورة مثل القرآن ، فلما عجزوا عن معارضة النظم سلكوا في المعارضة طريقة ~~الطعن في المعاني فلبسوا على الناس بأن في القرآن من ms0381 سخيف المعنى ما ينزه ~~عنه كلام الله ليصلوا بذلك إلى إبطال PageV01P357 أن يكون القرآن من عند ~~الله بإلقاء الشك في نفوس المؤمنين وبذر الخصيب في تنفير المشركين ~~والمنافقين . # روى الواحدي في ( أسباب النزول ) عن ابن عباس أن الله تعالى لما أنزل ~~قوله : { إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن ~~يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه } ( الحج : 73 ) وقوله : { مثل الذين ~~اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا } ( العنكبوت : 41 ) ~~قال المشركون أرأيتم أي شيء يصنع بهذا فأنزل الله : { إن الله لا يستحي أن ~~يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها } وروي عن الحسن وقتادة أن الله لما ذكر ~~الذباب والعنكبوت في كتابه وضرب بها المثل ضحك اليهود وقالوا ما يشبه أن ~~يكون هذا كلام الله فأنزل الله : { إن الله لا يستحي } الآية . # والوجه أن نجمع بين الروايتين ونبين ما انطوتا عليه بأن المشركين كانوا ~~يفزعون إلى يهود يثرب في التشاور في شأن نبوءة محمد صلى الله عليه وسلم ~~وخاصة بعد أن هاجر النبيء صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، فيتلقون منهم ~~صورا من الكيد والتشغيب فيكون قد تظاهر الفريقان على الطعن في بلاغة ضرب ~~المثل بالعنكبوت والذباب فلما أنزل الله تعالى تمثيل المنافقين بالذي ~~استوقد نارا وكان معظمهم من اليهود هاجت أحناقهم وضاف خناقهم فاختلقوا هذه ~~المطاعن فقال كل فريق ما نسب إليه في إحدى الروايتين ونزلت الآية للرد على ~~الفريقين ووضح الصبح لذي عينين . # فيحتمل أن ذلك قاله علماء اليهود الذين لا حظ لهم في البلاغة ، أو قد ~~قالوه مع علمهم بفنون ضرب الأمثال مكابرة وتجاهلا . وكون القائلين هم ~~اليهود هو الموافق لكون السورة نزلت بالمدينة ، وكان أشد المعاندين فيها هم ~~اليهود ، ولأنه الأوفق بقوله تعالى : { وما يضل به إلا الفاسقين الذين ~~ينقضون عهد الله } وهذه صفة اليهود ، ولأن اليهود قد شاع بينهم التشاؤم ~~والغلو في الحذر من مدلولات الألفاظ حتى اشتهروا باستعمال الكلام الموجه ~~بالشتم والذم كقولهم { راعنا } ( البقرة : 104 ) ، قال ms0382 تعالى : { فبدل ~~الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم } ( البقرة : 59 ) كما ورد تفسيره ~~في ( الصحيح ) ولم يكن ذلك من شأن العرب . # وإما أن يكون قائله المشركون من أهل مكة مع علمهم بوقوع مثله في كلام ~~بلغائهم كقولهم أجرأ من ذبابة ، وأسمع من قراد ، وأطيش من فراشة ، وأضعف من ~~بعوضة . وهذا الاحتمال أدل ، على أنهم ما قالوا هذا PageV01P358 التمثيل ~~إلا مكابرة ومعاندة فإنهم لما غلبوا بالتحدي وعجزوا عن الإتيان بسورة من ~~مثله تعلقوا في معاذيرهم بهاته السفاسف ، والمكابر يقول ما لا يعتقد ، ~~والمحجوج المبهوت يستعوج المستقيم ويخفي الواضح ، وإلى هذا الثاني ينزع ~~كلام صاحب ( الكشاف ) وهو أوفق بالسياق . والسورة وإن كانت مدنية فإن ~~المشركين لم يزالوا يلقون الشبه في صحة الرسالة ويشيعون ذلك بعد الهجرة ~~بواسطة المنافقين . وقد دل على هذا المعنى قوله بعده : { فأما الذين آمنوا ~~فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا } إلى قوله : { ويهدي به كثيرا ~~} . # فإن قيل : لم يكن الرد عقب نزول الآيات الواقع فيها التمثيل الذي أنكروه ~~فإن البدار بالرد على من في مقاله شبهة رائجة يكون أقطع لشبهته من تأخيره ~~زمانا . # قلنا : الوجه في تأخير نزولها أن يقع الرد بعد الإتيان بأمثال معجبة ~~اقتضاها مقام تشبيه الهيآت ، فذلك كما يمنع الكريم عدوه من عطاء فيلمزه ~~الممنوع بلمز البخل ، أو يتأخر الكمي عن ساحة القتال مكيدة فيظنه ناس جبنا ~~فيسرها الأول في نفسه حتى يأتيه القاصد فيعطيه عطاء جزلا ، والثاني حتى يكر ~~كرة تكون القاضية على قرنه . فكذلك لما أتى القرآن بأعظم الأمثال وأروعها ~~وهي قوله : { مثلهم كمثل الذي استوقد } ( البقرة : 17 ) { أو كصيب } ( ~~البقرة : 19 ) الآيات وقوله : { صم بكم عمي } ( البقرة : 18 ) أتى إثر ذلك ~~بالرد عليهم فهذا يبين لك مناسبة نزول هذه الآية عقب التي قبلها وقد غفل عن ~~بيانه المفسرون . # والمراد بالمثل هنا الشبه مطلقا لا خصوص المركب من هيئة ، بخلاف قوله ~~فيما سبق { مثلهم كمثل الذي استوقد نارا } لأن المعنى هنا ما طعنوا به في ~~تشابيه القرآن مثل قوله ms0383 : { لن يخلقوا ذبابا } ( الحج : 73 ) وقوله : { ~~كمثل العنكبوت اتخذت بيتا } ( العنكبوت : 41 ) . # وموقع ( إن ) هنا بين . # وأما الإتيان بالمسند إليه علما دون غيره من الصفات فلأن هذا العلم جامع ~~لجميع صفات الكمال فذكره أوقع في الإقناع بأن كلامه هو أعلى كلام في مراعاة ~~ما هو حقيق بالمراعاة وفي ذلك أيضا إبطال لتمويههم بأن اشتمال القرآن على ~~مثل هذا المثل دليل على أنه ليس من عند الله فليس من معنى الآية أن غير ~~الله ينبغي له أن يستحي أن يضرب مثلا من هذا القبيل . ولهذا أيضا اختير أن ~~يكون المسند خصوص فعل الاستحياء زيادة في الرد عليهم لأنهم أنكروا التمثيل ~~بهاته الأشياء لمراعاة كراهة الناس ومثل هذا ضرب من الاستحياء كما سنبينه ~~PageV01P359 فنبهوا على أن الخالق لا يستحي من ذلك إذ ليس مما يستحي منه ، ~~ولأن المخلوقات متساوية في الضعف بالنسبة إلى خالقها والمتصرف فيها ، وقد ~~يكون ذكر الاستحياء هنا محاكاة لقولهم أما يستحي رب محمد أن يضرب مثلا ~~بالذباب والعنكبوت . # فإن قلت : إذا كان استعمال هذه الألفاظ الدالة على معان حقيرة غير مخل ~~بالبلاغة فما بالنا نرى كثيرا من أهل النقد قد نقدوا من كلام البلغاء ما ~~اشتمل على مثل هذا كقول الفرزدق : # من عزهم حجرت كليب بيتها # زربا كأنهم لديه القمل # وقول أبي الطيب : # أماتكم من قبل موتكم الجهل # وجركم من خفة بكم النمل # وقول الطرماح : # ولو أن برغوثا على ظهر قملة # يكر على ضبعي تميم لولت # قلت أصول الانتقاد الأدبي تؤول إلى بيان ما لا يحسن أن يشتمل عليه كلام ~~الأديب من جانب صناعة الكلام ، ومن جانب صور المعاني ، ومن جانب المستحسن ~~منها والمكروه وهذا النوع الثالث يختلف باختلاف العوائد ومدارك العقول ~~وأصالة الأفهام بحسب الغالب من أحوال أهل صناعة الأدب ، ألا ترى أنه قد ~~يكون اللفظ مقبولا عند قوم غير مقبول عند آخرين ، ومقبولا في عصر مرفوضا في ~~غيره ، ألا ترى إلى قول النابغة يخاطب الملك النعمان : # فإنك كالليل الذي هو مدركي # وإن خلت أن المنتأى عنك ms0384 واسع # فإن تشبيه الملك بالليل لو وقع في زمان المولدين لعد من الجفاء أو ~~العجرفة ، وكذلك تشبيههم بالحية في الإقدام وإهلاك العدو في قول ذي الإصبع ~~: # عذير الحي من عدوا # ن كانوا حية الأرض # وقول النابغة في رثاء الحارث الغساني : # ماذا رزئنا به من حية ذكر # نضناضة بالرزايا صل أصلال # وقد زعم بعض أهل الأدب أن عليا بن الجهم مدح الخليفة المتوكل بقوله : # أنت كالكلب في وفائك بالعه # د وكالتيس في قراع الخطوب PageV01P360 # وأنه لما سكن بغداد وعلقت نضارة الناس بخياله قال في أول ما قاله : # عيون المها بين الرصافة والجسر # جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري # وقد انتقد بشار على كثير قوله : # ألا إنما ليلى عصا خيزرانة # إذا لمسوها بالأكف تلين # فقال لو جعلها عصا مخ أو عصا زبد لما تجاوز من أن تكون عصا ، على أن ~~بشارا هو القائل : # إذا قامت لجارتها تثنت # كأن عظامها من خيزران # وشبه بشار عبدة بالحية في قوله : # وكأنها لما مشت # أيم تأود في كثيب # والاستحياء والحياء واحد ، فالسين والتاء فيه للمبالغة مثل استقدم ~~واستأخر واستجاب ، وهو انقباض النفس من صدور فعل أو تلقيه لاستشعار أنه لا ~~يليق أو لا يحسن في متعارف أمثاله ، فهو هيئة تعرض للنفس هي من قبيل ~~الانفعال يظهر أثرها على الوجه وفي الإمساك عن ما من شأنه أن يفعل . # والاستحياء هنا منفي عن أن يكون وصفا لله تعالى فلا يحتاج إلى تأويل في ~~صحة إسناده إلى الله ، والتعلل لذلك بأن نفي الوصف يستلزم صحة الاتصاف تعلل ~~غير مسلم . # والضرب في قوله : { أن يضرب مثلا } مستعمل مجازا في الوضع والجعل من ~~قولهم ضرب خيمة وضرب بيتا قال عبدة بن الطبيب : # إن التي ضربت بيتا مهاجرة # بكوفة الجند غالت ودها غول # وقول الفرزدق : # ضربت عليك العنكبوت بنسجها # وقضى عليك به الكتاب المنزل # أي جعل شيئا مثلا أي شبها ، قال تعالى : { فلا تضربوا لله الأمثال } ( ~~النحل : 74 ) أي لا تجعلوا له مماثلا من خلقه فانتصاب { مثلا } على المفعول ~~به . وجوز ms0385 بعض أئمة اللغة أن يكون فعل ضرب مشتقا PageV01P361 من الضرب ~~بمعنى المماثل فانتصاب { مثلا } على المفعولية المطلقة للتوكيد لأن مثلا ~~مرادف مصدر فعله على هذا التقدير ، والمعنى لا يستحي أن يشبه بشيء ما . # والمثل المثيل والمشابه وغلب على مماثلة هيئة بهيئة وقد تقدم عند قوله ~~تعالى : { مثلهم كمثل الذي استوقد نارا } ( البقرة : 17 ) وتقدم هناك معنى ~~ضرب المثل بالمعنى الآخر وتنكير { مثلا } للتنويع بقرينة بيانه بقوله { ~~بعوضة فما فوقها } . # وما إبهامية تتصل بالنكرة فتؤكد معناها من تنويع أو تفخيم أو تحقير ، نحو ~~لأمر ما وأعطاه شيئا ما . والأظهر أنها مزيدة لتكون دلالتها على التأكيد ~~أشد . وقيل اسم بمعنى النكرة المبهمة . # و { بعوضة } بدل أو بيان من قوله : { مثلا } . والبعوضة واحدة البعوض وهي ~~حشرة صغيرة طائرة ذات خرطوم دقيق تحوم على الإنسان لتمتص بخرطومها من دمه ~~غذاء لها ، وتعرف في لغة هذيل بالخموش ، وأهل تونس يسمونه الناموس واحدته ~~الناموسة وقد جعلت هنا مثلا لشدة الضعف والحقارة . # وقوله : { فما فوقها } عطف على { بعوضة } ، وأصل فوق اسم للمكان المعتلي ~~على غيره فهو اسم مبهم فلذلك كان ملازما للإضافة لأنه تتميز جهته بالاسم ~~الذي يضاف هو إليه فهو من أسماء الجهات الملازمة للإضافة لفظا أو تقديرا ~~ويستعمل مجازا في المتجاوز غيره في صفة تجاوزا ظاهرا تشبيها بظهور الشيء ~~المعتلي على غيره على ما هو معتل عليه ، ففوق في مثله يستعمل في معنى ~~التغلب والزيادة في صفة سواء كانت من المحامد أو من المذام يقال : فلان ~~خسيس وفوق الخسيس وفلان شجاع وفوق الشجاع ، وتقول : أعطى فلان فوق حقه أي ~~زائدا على حقه . وهو في هذه الآية صالح للمعنيين أي ما هو أشد من البعوضة ~~في الحقارة وما هو أكبر حجما . ونظيره قول النبيء صلى الله عليه وسلم ( ما ~~من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتبت له بها درجة ومحيت عنه بها خطيئة ) ~~رواه مسلم ، يحتمل أقل من الشوكة في الأذى مثل نخبة النملة كما جاء في حديث ~~آخر ، أو ما هو أشد من الشوكة ms0386 مثل الوخز بسكين وهذا من تصاريف لفظ فوق في ~~الكلام ولذلك كان لاختياره في هذه الآية دون لفظ أقل ودون لفظ أقوى مثلا ~~موقع من بليغ الإيجاز . PageV01P362 # والفاء عاطفة ( ما فوقها ) على ( بعوضة ) أفادت تشريكهما في ضرب المثل ~~بهما ، وحقها أن تفيد الترتيب والتعقيب ولكنها هنا لا تفيد التعقيب وإنما ~~استعملت في معنى التدرج في الرتب بين مفاعيل { أن يضرب } ولا تفيد أن ضرب ~~المثل يكون بالبعوضة ويعقبه ضربه بما فوقها بل المراد بيان المثل بأنه ~~البعوضة وما يتدرج في مراتب القوة زائدا عليها درجة تلي درجة فالفاء في مثل ~~هذا مجاز مرسل علاقته الإطلاق عن القيد لأن الفاء موضوعة للتعقيب الذي هو ~~اتصال خاص ، فاستعملت في مطلق الاتصال ، أو هي مستعارة للتدرج لأنه شبيه ~~بالتعقيب في التأخر في التعقل كما أن التعقيب تأخر في الحصول ومنه : ( رحم ~~الله المحلقين فالمقصرين ) . # والمعنى أن يضرب البعوضة مثلا فيضرب ما فوقها أي ما هو درجة أخرى أي أحقر ~~من البعوضة مثل الذرة وأعظم منها مثل العنكبوت والحمار . # { فأما الذين ءامنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ~~ماذآ أراد الله بهاذا مثلا } . # الفاء للتعقيب الذكري دون الحصولي أي لتعقيب الكلام المفصل على الكلام ~~المجمل عطفت المقدر في قوله : { لا يستحي } لأن تقديره لا يستحي من الناس ~~كما تقدم ، ولما كان في الناس مؤمنون وكافرون وكلا الفريقين تلقى ذلك المثل ~~واختلفت حالهم في الانتفاع به ، نشأ في الكلام إجمال مقدر اقتضى تفصيل ~~حالهم . وإنما عطف بالفاء لأن التفصيل حاصل عقب الإجمال . # و ( أما ) حرف موضوع لتفصيل مجمل ملفوظ أو مقدر . ولما كان الإجمال يقتضي ~~استشراف السامع لتفصيله كان التصدي لتفصيله بمنزلة سؤال مفروض كأن المتكلم ~~يقول إن شئت تفصيله فتفصيله كيث وكيت ، فلذلك كانت أما متضمنة معنى الشرط ~~ولذلك لزمتها الفاء في الجملة التي بعدها لأنها كجواب شرط ، وقد تخلو عن ~~معنى التفصيل في خصوص قول العرب أما بعد فتتمحض للشرط وذلك في التحقيق ~~لخفاء معنى التفصيل لأنه مبني على ترقب ms0387 السامع كلاما بعد كلامه الأول . ~~وقدرها سيبويه بمعنى مهما يكن من شيء ، وتلقفه أهل العربية بعده وهو عندي ~~تقدير معنى لتصحيح دخول الفاء في جوابها وفي النفس منه شيء PageV01P363 لأن ~~دعوى قصد عموم الشرط غير بينة ، فإذا جيء بأداة التفصيل المتضمنة معنى ~~الشرط دل ذلك على مزيد اهتمام المتكلم بذلك التفصيل فأفاد تقوية الكلام ~~التي سماها الزمخشري توكيدا وما هو إلا دلالة الاهتمام بالكلام ، على أن ~~مضمونه محقق ولولا ذلك لما اهتم به وبهذا يظهر فضل قوله : { فأما الذين ~~آمنوا فيعلمون } الخ على أن يقال فالذين آمنوا يعلمون بدون أما والفاء . # وجعل تفصيل الناس في هذه الآية قسمين لأن الناس بالنسبة إلى التشريع ~~والتنزيل قسمان ابتداء مؤمن وكافر ، والمقصود من ذكر المؤمنين هنا الثناء ~~عليهم بثبات إيمانهم وتأييس الذين أرادوا إلقاء الشك عليهم فيعلمون أن ~~قلوبهم لا مدخل فيها لذلك الشك . والمراد بالذين كفروا هنا إما خصوص ~~المشركين كما هو مصطلح القرآن غالبا ، وإما ما يشملهم ويشمل اليهود بناء ~~على ما سلف في سبب نزول الآية . # وإنما عبر في جانب المؤمنين بيعلمون تعريضا بأن الكافرين إنما قالوا ما ~~قالوا عنادا ومكابرة وأنهم يعلمون أن ذلك تمثيل أصاب المحز ، كيف وهم أهل ~~اللسان وفرسان البيان ، ولكن شأن المعاند المكابر أن يقول ما لا يعتقد حسدا ~~وعنادا . # وضمير ( أنه ) عائد إلى المثل . # و ( الحق ) ترجع معانيه إلى موافقة الشيء لما يحق أن يقع وهو هنا الموافق ~~لإصابة الكلام وبلاغته . و ( من ربهم ) حال من ( الحق ) و ( من ) ابتدائية ~~أي وارد من الله لا كما زعم الذين كفروا أنه مخالف للصواب فهو مؤذن بأنه من ~~كلام من يقع منه الخطأ . # وأصل ( ماذا ) كلمة مركبة من ما الاستفهامية وذا اسمم الإشارة ولذلك كان ~~أصلها أن يسأل بها عن شيء مشار إليه كقول القائل ماذا مشيرا إلى شيء حاضر ~~بمنزلة قوله ما هذا . غير أن العرب توسعوا فيه فاستعملوه اسم استفهام مركبا ~~من كلمتين وذلك حيث يكون المشار إليه معبرا عنه بلفظ آخر غير الإشارة ms0388 حتى ~~تصير الإشارة إليه مع التعبير عنه بلفظ آخر لمجرد التأكيد ، نحو ماذا ~~التواني ، أو حيث لا يكون للإشارة موقع نحو : { وماذا عليهم لو آمنوا بالله ~~} ( النساء : 39 ) ولذلك يقول النحاة إن ذا ملغاة في مثل هذا التركيب . وقد ~~يتوسعون فيها توسعا أقوى فيجعلون ذا اسم موصول وذلك حين يكون المسؤول عنه ~~معروفا للمخاطب بشيء من أحواله فلذلك يجرون عليه جملة أو نحوها هي صلة ~~ويجعلون ذا موصولا نحو : { ماذا أنزل ربكم } ( النحل : 24 ) وعلى هذين ~~الاحتمالين يصح إعرابه مبتدأ ويصح إعرابه مفعولا مقدما إذا وقع بعده فعل . ~~والاستفهام هنا إنكاري أي جعل الكلام في صورة الاستفهام PageV01P364 كناية ~~به عن الإنكار لأن الشيء المنكر يستفهم عن حصوله فاستعمال الاستفهام في ~~الإنكار من قبيل الكناية ، ومثله لا يجاب بشيء غالبا لأنه غير مقصود به ~~الاستعلام . وقد يلاحظ فيه معناه الأصلي فيجاب بجواب لأن الاستعمال الكنائي ~~لا يمنع من إرادة المعنى الأصلي كقوله تعالى : { عم يتساءلون عن النبأ ~~العظيم } ( النبأ : 1 ، 2 ) . # والإشارة بقوله : { بهذا } مفيدة للتحقير بقرينة المقام كقوله : { أهذا ~~الذي يذكر آلهتكم } ( الأنبياء : 36 ) . # وانتصب قوله : { مثلا } على التمييز من ( هذا ) لأنه مبهم فحق له التمييز ~~وهو نظير التمييز للضمير في قولهم ( ربه رجلا ) . # { يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين * الذين ينقضون ~~عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون مآ أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الارض ~~أول & # 1764 ائك هم الخاسرون } . # بيان وتفسير للجملتين المصدرتين بأما على طريقة النشر المعكوس لأن معنى ~~هاتين الجملتين قد اشتمل عليهما معنى الجملتين السالفتين إجمالا فإن علم ~~المؤمنين أنه الحق من ربهم هدى ، وقول الكافرين { ماذا أراد الله } الخ ~~ضلال ، والأظهر أن لا يكون قوله : { يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا } جوابا ~~للاستفهام في قول الذين كفروا { ماذا أراد الله بهذا مثلا } لأن ذلك ليس ~~استفهاما حقيقيا كما تقدم . ويجوز أن يجعل جوابا عن استفهامهم تخريجا ~~للكلام على الأسلوب الحكيم بحمل استفهامهم على ظاهره تنبيها على أن اللائق ms0389 ~~بهم أن يسألوا عن حكمة ما أراد الله بتلك الأمثال فيكون قوله : { يضل به ~~كثيرا ويهدي به كثيرا } جوابا لهم وردا عليهم وبيانا لحال المؤمنين ، وهذا ~~لا ينافي كون الاستفهام الذي قبله مكنى به عن الإنكار كما علمته آنفا من ~~عدم المانع من جمع المعنيين الكنائي والأصلي . وكون كلا الفريقين من المضلل ~~والمهدى كثيرا في نفسه ، لا ينافي نحو قوله : { وقليل من عبادي الشكور } ( ~~سبأ : 13 ) لأن قوة الشكر التي اقتضاها صيغة المبالغة ، أخص في الاهتداء . ~~PageV01P365 # والفاسق لفظ من منقولات الشريعة أصله اسم فاعل من الفسق بكسر الفاء ، ~~وحقيقة الفسق خروج الثمرة من قشرها وهو عاهة أو رداءة في الثمر فهو خروج ~~مذموم يعد من الأدواء مثل ما قال النابغة : # صغار النوى مكنوزة ليس قشرها # إذا طار قشر التمر عنها بطائر # قالوا ولم يسمع في كلامهم في غير هذا المعنى حتى نقله القرآن للخروج عن ~~أمر الله تعالى الجازم بارتكاب المعاصي الكبائر ، فوقع بعد ذلك في كلام ~~المسلمين ، قال رؤبة يصف إبلا : # فواسقا عن قصدها جوائرا # يهوين في نجد وغور غائرا # والفسق مراتب كثيرة تبلغ بعضها إلى الكفر . وقد أطلق الفسق في الكتاب ~~والسنة على جميعها لكن الذي يستخلص من الجمع بين الأدلة هو ما اصطلح عليه ~~أهل السنة من المتكلمين والفقهاء وهو أن الفسق غير الكفر وأن المعاصي وإن ~~كثرت لا تزيل الإيمان وهو الحق ، وقد لقب الله اليهود في مواضع كثيرة من ~~القرآن بالفاسقين وأحسب أنه المراد هنا وعزاه ابن كثير لجمهور من المفسرين ~~. # وإسناد الإضلال إلى الله تعالى مراعى فيه أنه الذي مكن الضالين من الكسب ~~والاختيار بما خلق لهم من العقول وما فصل لهم من أسباب الخير وضده . وفي ~~اختيار إسناده إلى الله تعالى مع صحة إسناده لفعل الضال إشارة إلى أنه ضلال ~~متمكن من نفوسهم حتى صار كالجبلة فيهم فهم مأيوس من اهتدائهم كما قال تعالى ~~: { ختم الله على قلوبهم } ( البقرة : 7 ) . فإسناد الإضلال إلى الله تعالى ~~منظور فيه إلى خلق أسبابه القريبة والبعيدة وإلا ms0390 فإن الله أمر الناس كلهم ~~بالهدى وهي مسألة مفروغ منها في علم الكلام . # وقوله : { وما يضل به إلا الفاسقين } إما مسوق لبيان أن للفسق تأثيرا في ~~زيادة الضلال لأن الفسق يرين على القلوب ويكسب النفوس ظلمة فتتساقط في ~~الضلال المرة بعد الأخرى على التعاقب ، حتى يصير لها دربة . وهذا الذي يؤذن ~~به التعليق على الوصف المشتق إن كان المراد به هنا المعنى الاشتقاقي ، ~~فكأنه قيل هؤلاء فاسقون وما من فاسق إلا وهو ضال فما ثبت الضلال إلا بثبوت ~~الفسق على نحو طريقة القياس الاقتراني ، وإما مسوق لبيان أن الضلال والفسق ~~أخوان فحيثما تحقق أحدهما أنبأ بتحقق الآخر على نحو قياس المساواة إذا أريد ~~من الفاسقين المعنى اللقبي المشهور فلا يكون له إيذان بتعليل ، وإما لبيان ~~أن الإضلال PageV01P366 المتكيف في إنكار الأمثال إضلال مع غباوة فلا يصدر ~~إلا من اليهود وقد عرفوا بهذا الوصف . # والقول في مذاهب علماء الإسلام في الفسق وتأثيره في الإيمان ليس هذا مقام ~~بيانه إذ ليس هو المقصود من الآية . # فإن كان محمل الفاسقين على ما يشمل المشركين واليهود الذين طعنوا في ضرب ~~المثل كان القصر في قوله : { وما يضل به } الخ بالإضافة إلى المؤمنين ليحصل ~~تمييز المراد من المضلل والمهتدى ، وإن كان محمل الفاسقين على اليهود كان ~~القصر حقيقيا ادعائيا أي يضل به كثيرا وهم الطاعنون فيه وأشدهم ضلالا هم ~~الفاسقون ، ووجه ذلك أن المشركين أبعد عن الاهتداء بالكتاب لأنهم في شركهم ~~، وأما اليهود فهم أهل كتاب وشأنهم أن يعلموا أفانين الكتب السماوية وضرب ~~الأمثال فإنكارهم إياها غاية الضلال فكأنه لا ضلال سواه . # وجملة { الذين ينقضون } إلى آخره صفة للفاسقين لتقرير اتصافهم بالفسق لأن ~~هاته الخلال من أكبر أنواع الفسوق بمعنى الخروج عن أمر الله تعالى . وجوز ~~أن تكون مقطوعة مستأنفة على أن ( الذين ) مبتدأ وقوله : { أولئك هم ~~الخاسرون } خبر وهي مع ذلك لا تخرج عن معنى توصيف الفاسقين بتلك الخلال إذ ~~الاستئناف لما ورد إثر حكاية حال عن الفاسقين تعين في حكم البلاغة أن تكون ms0391 ~~هاته الصلة من صفاتهم وأحوالهم للزوم الاتحاد في الجامع الخيالي وإلا لصار ~~الكلام مقطعا منتوفا فليس بين الاعتبارين إلا اختلاف الإعراب وأما المعنى ~~فواحد فلذلك كان إعرابه صفة أرجح أو متعينا إذ لا داعي إلى اعتبار القطع . # ومجيء الموصول هنا للتعريف بالمراد من الفاسقين أي الفاسقين الذين عرفوا ~~بهذه الخلال الثلاث فالأظهر أن المراد من الفاسقين اليهود وقد أطلق عليهم ~~هذا الوصف في مواضع من القرآن وهم قد عرفوا بما دلت عليه صلة الموصول كما ~~سنبينه هنا بل هم قد شهدت عليهم كتب أنبيائهم بأنهم نقضوا عهد الله غير مرة ~~وهم قد اعترفوا على أنفسهم بذلك فناسب أن يجعل النقض صلة لاشتهارهم بها ، ~~ووجه تخصيصهم بذلك أن الطعن في هذا المثل جرهم إلى زيادة الطعن في الإسلام ~~فازدادوا بذلك ضلالا على ضلالهم السابق في تغيير دينهم وفي كفرهم بعيسى ، ~~فأما المشركون فضلالهم لا يقبل الزيادة ، على أن سورة البقرة نزلت بالمدينة ~~وأكثر الرد في الآيات المدنية متوجه إلى أهل الكتاب . PageV01P367 # والنقض في اللغة حقيقة في فسخ وحل ما ركب ووصل ، بفعل يعاكس الفعل الذي ~~كان به التركيب ، وإنما زدت قولي بفعل الخ ليخرج القطع والحرق فيقال نقض ~~الحبل إذا حل ما كان أبرمه ، ونقض الغزل ونقض البناء . وقد استعمل النقض ~~هنا مجازا في إبطال العهد بقرينة إضافته إلى ( عهد الله ) وهي استعارة من ~~مخترعات القرآن بنيت على ما شاع في كلام العرب في تشبيه العهد وكل ما فيه ~~وصل بالحبل وهو تشبيه شائع في كلامهم ، ومنه قول مالك بن التيهان الأنصاري ~~للنبيء صلى الله عليه وسلم يوم بيعة العقبة : ( يا رسول الله إن بيننا وبين ~~القوم حبالا ونحن قاطعوها فنخشى إن أعزك الله وأظهرك أن ترجع إلى قومك ) ( ~~يريد العهود التي كانت في الجاهلية بين قريش وبين الأوس والخزرج ) . وكان ~~الشائع في الكلام إطلاق لفظ القطع والصرم وما في معناهما على إبطال العهد ~~أيضا في كلامهم . قال امرؤ القيس : # وإن كنتت قد أزمعتت صرمي فأجملي # وقال لبيد : # أو لم تكن ms0392 تدري نوار بأنني # وصال عقد حبائل جذامها # وقال : # بل ما تذكر من نوار وقد نأت # وتقطعت أسبابها ورمامها # وقال : # فاقطع لبانة من تعرض وصله # فلشر واصل خلة صرامها # ووجه اختيار استعارة النقض الذي هو حل طيات الحبل إلى إبطال العهد أنها ~~تمثيل لإبطال العهد رويدا رويدا وفي أزمنة متكررة ومعالجة . والنقض أبلغ في ~~الدلالة على الإبطال من القطع والصرم ونحوهما لأن في النقض إفسادا لهيأة ~~الحبل وزوال رجاء عودها وأما القطع فهو تجزئة . # وفي النقض رمز إلى استعارة مكنية لأن النقض من روادف الحبل فاجتمع هنا ~~استعارتان مكنية وتصريحية وهذه الأخيرة تمثيلية وقد تقرر في علم البيان أن ~~ما يرمز به للمشبه به المطروح في المكنية قد يكون مستعملا في معنى حقيقي ~~على طريقة التخييل وذلك حيث لا يكون للمشبه المذكور في صورة المكنية رديف ~~يمكن تشبيهه برديف المشبه به المطروح مثل إثباتت PageV01P368 الأظفار ~~للمنية في قولهم أظفار المنية وإثباتت المخالبب والناب للكماة في قول أبي ~~فراس الحمداني : # فلما اشتدت الهيجاء كنا # أشد مخالبا وأحد نابا # وإثباتت اليد للشمال في قول لبيد : # وغداة ريحح قد كشفت وقرة # إذ أصبحت بيد الشمال زمامها # وقد يكون مستعملا في معنى مجازي إذا كان للمشبه في المكنية رديف يمكن ~~تشبيهه برديف المشبه به المضمر نحو { ينقضون عهد الله } ، وقد زدنا أنها ~~تمثيلية أيضا والبليغ لا يفلت هاته الاستعارة مهما تأت له ولا يتكلف لها ~~مهما عسرت فليس الجواز المذكور في قرينة المكنية إلا جوازا في الجملة أي ~~بالنظر إلى اختلاف الأحوال . # وهذا الذي هو من روادف المشبه به في صورة المكنية وغيرها قد يقطع عن ~~الربط بالمكنية فيكون استعارة مستقلة ( وذلك حيث لا تذكر معه لفظا يراد ~~تشبيهه بمشبه به مضمر ) نحو أن تقول فلان ينقض ما أبرم . وقد يربط بالمكنية ~~وذلك حيث يذكر معه شيء أريد تشبيهه بمشبه به مضمر كما في الآية حيث ذكر ~~النقض مع العهد . وقد يربط بمصرحة وذلك حيث يذكر مع لفظ المشبه به الذي ~~الرادف من توابعه نحو ms0393 قوله : ( إن بيننا وبين القوم حبالا نحن قاطعوها ) ~~وحينئذ يكون ترشيحا للمجاز وهذه الاعتبارات متداخلة لامتضادة إذ قد يصح في ~~الموضع اعتباران منها أو جميعها وإنما التقسيم بالنظر إلى ما ينظر إليه ~~البليغ أول النظر . # واعلم أن رديف المشبه به في المكنية إذا اعتبر استعارة في ذاته قد يتوهم ~~أن اعتباره ذلك ينافي كونه رمزا للمشبه به المضمر كالنقض فإنه لما أريد به ~~إبطال العهد لم يكن من روادف الحبل ، لكن لما كان إيذانه بالحبل سابقا عند ~~سماع لفظه لسبق المعنى الحقيقي إلى ذهن السامع حتى يتأمل في القرينة كفى ~~ذلك السبق دليلا ورمزا على المشبه به المضمر فإذا حصل ذلك الرمز لم يضر فهم ~~الاستعارة في ذلك اللفظ ، وأجاب عبد الحكيم بأن كونه رادفا بعد كونه ~~استعارة بناء على أنه لما شبه به الرادف وسمي به صار رادفا ادعائيا وفيه ~~تكلف . # و ( عهد الله ) هو ما عهد به أي ما أوصى برعيه وحفاظه ، ومعاني العهد في ~~كلام العرب كثيرة وتصريفه عرفي . قال الزجاج : ( قال بعضهم ما أدري ما ~~العهد ) ومرجع معانيه إلى المعاودة PageV01P369 والمحافظة والمراجعة ~~والافتقاد ولا أدري أي معانيه أصل لبقيتها وغالب ظني أنها متفرع بعضها عن ~~بعض والأقرب أن أصلها هو العهد مصدر عهده عهدا إذا تذكره وراجع إليه نفسه ~~يقولون عهدتك كذا أي أتذكر فيك كذا وعهدي بك كذا ، وفي حديث أم زرع ( ولا ~~يسأل عما عهد أي عما عهد وترك في البيت ومنه قولهم في عهد فلان أي زمانه ~~لأنه يقال للزمان الذي فيه خير وشر لا ينساه الناس ، وتعهد المكان أو فلانا ~~وتعاهده إذا افتقده وأحدث الرجوع إليه بعد ترك العهد والوصية ومنه ولي ~~العهد . والعهد اليمين والعهد الالتزام بشيء ، يقال عهد إليه وتعهد إليه ~~لأنها أمور لا يزال صاحبها يتذكرها ويراعيها في مواقع الاحتراز عن خفرها . ~~وسمي الموضع الذي يتراجعه الناس بعد البعد عنه معهدا . # والعهد في الآية الذي أخذه الله على بني آدم أن لا يعبدوا غيره : { ألم ~~أعهد إليكم يا بني ms0394 آدم أن لا تعبدوا الشيطان } ( يس : 60 ) الآية ، فنقضه ~~يشمل الشرك وقد وصف الله المشركين بنقض العهد في قوله : { والذين ينقضون ~~عهد الله من بعد ميثاقه } الآية في سورة الرعد . ( 25 ) وفسر بالعهد الذي ~~أخذه الله على الأمم على ألسنة رسلهم أنهم إذا بعث بعدهم رسول مصدق لما ~~معهم ليؤمنن به : { وإذ أخذ الله ميثاق النبيئين لما آتيناكم من كتاب وحكمة ~~ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه } ( آل عمران : 81 ) ~~الآيات لأن المقصود من ذلك أخذ العهد على أممهم . وفسر بالعهد الذي أخذه ~~الله على أهل الكتاب ليبننه للناس : { وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا ~~الكتاب لتبيننه للناس } ( آل عمران : 187 ) الآية في تفاسير أخرى بعيدة . # والصحيح عندي أن المراد بالعهد هو العهد الذي أخذه الله على بني إسرائيل ~~غير مرة من إقامة الدين وتأييد الرسل وأن لا يسفك بعضهم دماء بعض وأن ~~يؤمنوا بالدين كله ، وقد ذكرهم القرآن بعهود الله تعالى ونقضهم إياها في ~~غير ما آية من ذلك قوله تعالى : { وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم } ( البقرة : 40 ~~) . { ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا إلى ~~قوله : فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم } ( المائدة : 12 13 ) الخ وقوله : { لقد ~~أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلا } ( المائدة : 70 ) إلى قوله : ~~{ فعموا وصموا } ( المائدة : 70 ، 71 ) . { وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون ~~دماءكم إلى قوله : ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم } ( البقرة : 80 84 ) إلى ~~قوله : { وتكفرون ببعض } ( البقرة : 85 ) بل إن كتبهم قد صرحت بعهود الله ~~تعالى لهم وأنحت عليهم نقضهم لها وجعلت ذلك إنذارا بما يحل بهم من المصائب ~~كما في كتاب أرميا ومراثي أرميا وغير ذلك ، بل قد صار لفظ العهد عندهم لقبا ~~للشريعة التي جاء بها موسى . ولما كان قوله : { الذين PageV01P370 ينقضون ~~عهد الله } الآية وصفا للفاسقين وكان المراد من الفاسقين اليهود كما علمت ~~كان ذكر العهد إيماء إلى أن الفاسقين هنا هم ، وتسجيلا على اليهود بأنهم قد ~~حق عليهم هذا الوصف من قبل ms0395 اليوم بشهادة كتبهم وعلى ألسنة أنبيائهم فكان ~~لاختيار لفظ العهد هنا وقع عظيم يتنزل منزلة المفتاح الذي يوضع في حل اللغز ~~ليشير للمقصود فهو العهد الذي سيأتي ذكره في قوله تعالى : { وأوفوا بعهدي } ~~( البقرة : 40 ) . # والميثاق مفعال وهو يكون للآلة كثيرا كمرقاة ومرآة ومحراث ، قال الخفاجي ~~كأنه إشباع للمفعل ، وللمصدر أيضا نحو الميلاد والميعاد وهو الأظهر هنا . ~~والضمير للعهد أي من بعد توكيد العهد وتوثيقه . ولما كان المراد بالعهد ~~عهدا غير معينن ، بل كل ما عاهدوا عليه كان توكيد كل ما يفرضه المخاطب بما ~~تقدمه من العهود وما تأخر عنه فهو على حد : { ولا تنقضوا الأيمان بعد ~~توكيدها } ( النحل : 91 ) فالميثاق إذن عهد آخر اعتبر مؤكدا لعهد سبقه أو ~~لحقه . # وقوله : { ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل } قيل ما أمر الله به أن يوصل ~~هو قرابة الأرحام يعني وحيث ترجح أن المراد به بعض عمل اليهود فذلك إذ ~~تقاتلوا وأخرجوا كثيرا منهم من ديارهم ولم تزل التوراة توصي بني إسرائيل ~~بحسن معاملة بعضهم لبعض . وقيل الإعراض عن قطع ما أمر الله به أن يوصل هو ~~موالاة المؤمنين . وقيل اقتران القول بالعمل . وقيل التفرقة بين الأنبياء ~~في الإيمان ببعض والكفر ببعض . وقال البغوي يعني بما أمر الله به أن يوصل ~~الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبجميع الرسل . # وأقول تكميلا لهذا إن مراد الله تعالى مما شرع للناس منذ النشأة إلى ختم ~~الرسالة واحد وهو إبلاغ البشر إلى الغاية التي خلقوا لها وحفظ نظام عالمهم ~~وضبط تصرفاتهم فيه على وجه لا يعتوره خلل ، وإنما اختلفت الشرائع على حسب ~~مبلغ تهييء البشر لتلقي مراد الله تعالى ولذلك قلما اختلفت الأصول الأساسية ~~للشرائع الإلاهية قال تعالى : { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي ~~أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين } ( الشورى ~~: 13 ) الآية . وإنما اختلفت الشرائع في تفاريع أصولها اختلافا مراعى فيه ~~مبلغ طاقة البشر لطفا من الله تعالى بالناس ورحمة منه بهم حتى في حملهم ms0396 على ~~مصالحهم ليكون تلقيهم لذلك أسهل ، وعملهم به أدوم ، إلى أن جاءت الشريعة ~~الإسلامية في وقت راهق فيه البشر مبلغ غاية الكمال العقلي وجاءهم دين تناسب ~~أحكامه وأصوله استعدادهم الفكري وإن تخالفت الأعصار وتباعدت الأقطار فكان ~~دينا عاما لجميع البشر ، فلا جرم أن كانت الشرائع السابقة تمهيدا له لتهييء ~~البشر لقبول تعاليمه وتفاريعها PageV01P371 التي هي غاية مراد الله تعالى ~~من الناس ولذا قال تعالى : { إن الدين عند الله الإسلام } ( آل عمران : 19 ~~) . فما من شريعة سلفت إلا وهي حلقة من سلسلة جعلت وصلة للعروة الوثقى التي ~~لا انفصام لها وهي عروة الإسلام فمتى بلغها الناس فقد فصوا ما قبلها من ~~الحلق وبلغوا المراد ، ومتى انقطعوا في أثناء بعض الحلق فقد قطعوا ما أراد ~~الله وصله ، فاليهود لما زعموا أنهم لا يحل لهم العدول عن شريعة التوارة قد ~~قطعوا ما أمر الله به أن يوصل ففرقوا مجتمعه . # والفساد في الأرض تقدم الكلام عليه عند قوله تعالى : { ألا إنهم هم ~~المفسدون } ( البقرة : 12 ) ومن الفساد في الأرض عكوف قوم على دين قد اضمحل ~~وقت العمل به وأصبح غير صالح لما أراد الله من البشر فإن الله ما جعل شريعة ~~من الشرائع خاصة وقابلة للنسخ إلا وقد أراد منها إصلاح طائفة من البشر ~~معينة في مدة معينة في علمه ، وما نسخ دينا إلا لتمام وقت صلوحيته للعمل به ~~فالتصميم على عدم تلقي الناسخ وعلى ملازمة المنسوخ هو عمل بما لم يبق فيه ~~صلاح للبشر فيصير ذلك فسادا في الأرض لأنه كمداواة المريض بدواء كان وصف له ~~في حالة تبدلت من أحوال مرضه حتى أتى دين الإسلام عاما دائما لأنه صالح ~~للكل . # وقوله : { أولئك هم الخاسرون } قصر قلب لأنهم ظنوا أنفسهم رابحين وهو ~~استعارة مكنية تمثيلية تقدمت في قوله تعالى : { فما ربحت تجارتهم } ( ~~البقرة : 16 ) . وذكر الخسران تخييل مراد منه الاستعارة في ذاته على نحو ما ~~قرر في { ينقضون عهد الله } فهذه الآية ظاهرة في أنها موجهة إلى اليهود لما ~~علمت عند قوله : { وما ms0397 يضل به إلا الفاسقين } ولما علمت من كثرة إطلاق وصف ~~الفاسقين على اليهود ، وإن كان الذين طعنوا في أمثال القرآن فريقين : ~~المشركين واليهود ، كما تقدم ، وكان القرآن قد وصف المشركين في سورة الرعد ~~( 25 ) وهي مكية بهذه الصفات الثلاث في قوله : { والذين ينقضون عهد الله من ~~بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم ~~اللعنة ولهم سوء الدار فالمراد بهم المشركون لا محالة فذلك كله لا يناكد ~~جعل آية سورة البقرة موجهة إلى اليهود إذ ليس يلزم المفسر حمله آي القرآن ~~على معنى واحد كما يوهمه صنيع كثير من المفسرين حتى كان آي القرآن عندهم ~~قوالب تفرغ فيها معان متحدة . # واعلم أن الله قد وصف المؤمنين بضد هذه الصفات في قوله تعالى : إنما ~~يتذكر أولو الألباب الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق والذين يصلون ~~ما أمر الله به أن يوصل الآية في سورة الرعد ( 25 ) . PageV01P372 # واعلم أن نزول هذه الآيات ونحوها في بعض أهل الكتاب أو المشركين هو وعيد ~~وتوبيخ للمشركين وأهل الكتاب وهو أيضا موعظة وذكرى للمؤمنين ليعلم سامعوه ~~أن كل من شارك هؤلاء المذمومين فيما أوجب ذمهم وسبب وعيدهم هو آخذ بحظ مما ~~نالهم من ذلك على حسب مقدار المشاركة في الموجب . # # | 2 ( 28 ) كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ~~ثم إليه ترجعون } . ) 2 # ثني عنان الخطاب إلى الناس الذين خوطبوا بقوله آنفا : { يأيها الناس ~~اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم } ( البقرة : 21 ) ، بعد أن عقب ~~بأفانين من الجمل المعترضة من قوله : { وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~أن لهم جنات تجري } ( البقرة : 25 ) إلى قوله : { الخاسرون } ( البقرة : 27 ~~) . # وليس في قوله : { كيف تكفرون بالله } تناسب مع قوله : { إن الله لا يستحي ~~أن يضرب مثلا ما } ( البقرة : 26 ) وما بعده مما حكى عن الذين كفروا في ~~قولهم : { ماذا أراد الله بهذا مثلا } ( البقرة : 26 ) حتى يكون الأنتقال ~~إلى الخطاب في قوله : { تكفرون } التفاتا ، فالمناسبة بين موقع هاته ms0398 الآية ~~بعد ما قبلها هي مناسبة اتحاد الغرض ، بعد استيفاء ما تخلل واعترض . # ومن بديع المناسبة وفائق التفنن في ضروب الانتقالات في المخاطبات أن كانت ~~العلل التي قرن بها الأمر بعبادة الله تعالى في قوله : { يأيها الناس ~~اعبدوا ربكم } ( البقرة : 21 ) الخ هي العلل التي قرن بها إنكار ضد العبادة ~~وهو الكفر به تعالى في قوله هنا : { كيف تكفرون بالله } فقال فيما تقدم : { ~~الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون } ( البقرة : 21 ) { الذي جعل لكم ~~الأرض فراشا والسماء بناء } ( البقرة : 22 ) الآية وقال هنا : { وكنتم ~~أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون هو الذي خلق لكم ما في ~~الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء } ( البقرة : 29 ) وكان ذلك مبدأ التخلص ~~إلى ما سيرد من بيان ابتداء إنشاء نوع الإنسان وتكوينه وأطواره . # فالخطاب في قوله : { تكفرون } متعين رجوعه إلى ( الناس ) وهم المشركون ~~لأن اليهود لم يكفروا بالله ولا أنكروا الإحياء الثاني . # و ( كيف ) اسم لا يعرف اشتقاقه يدل على حالة خاصة وهي التي يقال لها ~~الكيفية نسبة إلى PageV01P373 كيف ويتضمن معنى السؤال في أكثر موارد ~~استعماله فلدلالته على الحالة كان في عداد الأسماء لأنه أفاد معنى في نفسه ~~إلا أن المعنى الاسمي الذي دل عليه لما كان معنى مبهما شابه معنى الحرف ~~فلما أشربوه معنى الاستفهام قوي شبهه بالحروف لكنه لا يخرج عن خصائص ~~الأسماء فلذلك لا بد له من محل إعراب ، وأكثر استعماله اسم استفهام فيعرب ~~إعراب الحال . ويستفهم بكيف عن الحال العامة . والاستفهام هنا مستعمل في ~~التعجيب والإنكار بقرينة قوله : { وكنتم أمواتا } الخ أي إن كفركم مع تلك ~~الحالة شأنه أن يكون منتفيا لا تركن إليه النفس الرشيدة لوجود ما يصرف عنه ~~وهو الأحوال المذكورة بعد فكان من شأنه أن ينكر فالإنكار متولد من معنى ~~الاستفهام ولذلك فاستعماله فيهما من إرادة لازم اللفظ ، وكأن المنكر يريد ~~أن يقطع معذرة المخاطب فيظهر له أنه يتطلب منه الجواب بما يظهر السبب فيبطل ~~الإنكار والعجب حتى إذا لم يبد ذلك ms0399 كان حقيقا باللوم والوعيد . # والكفر بضم الكاف مصدر سماعي لكفر الثلاثي القاصر وأصله جحد المنعم عليه ~~نعمة المنعم ، اشتق من مادة الكفر بفتح الكاف وهو الحجب والتغطية لأن جاحد ~~النعمة قد أخفى الاعتراف بها كما أن شاكرها أعلنها . وضده الشكر ولذلك صيغ ~~له مصدر على وزان الشكر وقالوا أيضا كفران على وزن شكران ، ثم أطلق الكفر ~~في القرآن على الإشراك بالله في العبادة بناء على أنه أشد صور كفر النعمة ~~إذ الذي يترك عبادة من أنعم عليه في وقت من الأوقات قد كفر نعمته في تلك ~~الساعة إذ توجه بالشكر لغير المنعم وترك المنعم حين عزمه على التوجه بالشكر ~~ولأن عزم نفسه على مداومة ذلك استمرار في عقد القلب على كفر النعمة وإن لم ~~يتفطن لذلك ، فكان أكثر إطلاق الكفر بصيغة المصدر في القرآن على الإشراك ~~بالله ولم يرد الكفر بصيغة المصدر في القرآن لغير معنى الإشراك بالله . وقل ~~ورود فعل الكفر أو وصف الكافر في القرآن لجحد رسالة محمد صلى الله عليه ~~وسلم وذلك حيث تكون قرينة على إرادة ذلك كقوله : { ما يود الذين كفروا من ~~أهل الكتاب ولا المشركين } ( البقرة : 105 ) وقوله : { ومن لم يحكم بما ~~أنزل الله فأولئك هم الكافرون } ( المائدة : 44 ) يريد اليهود . # وأما إطلاقه في السنة وفي كلام أئمة المسلمين فهو الإعتقاد الذي يخرج ~~معتقده عن الإسلام وما يدل على ذلك الإعتقاد من قول أو فعل دلالة لا تحتمل ~~غير ذلك . # وقد ورد إطلاق الكفر في كلام الرسول عليه السلام وكلام بعض السلف على ~~PageV01P374 ارتكاب جريمة عظيمة في الإسلام إطلاقا على وجه التغليظ ~~بالتشبيه المفيد لتشنيع ارتكاب ما هو من الأفعال المباحة عند أهل الكفر ~~ولكن بعض فرق المسلمين يتشبثون بظاهر ذلك الإطلاق فيقضون بالكفر على مرتكب ~~الكبائر ولا يلتفتون إلى ما يعارض ذلك في إطلاقات كلام الله ورسوله . وفرق ~~المسلمين يختلفون في أن ارتكاب بعض الأعمال المنهي عنها يدخل في ماهية ~~الكفر وفي أن إثبات بعض الصفات لله تعالى أو نفي بعض الصفات عنه ms0400 تعالى داخل ~~في ماهية الكفر على مذاهب شتى . # ومذهب أهل الحق من السلف والخلف أنه لا يكفر أحد من المسلمين بذنب أو ~~ذنوب من الكبائر فقد ارتكبت الذنوب الكبائر في زمان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم والخلفاء فلم يعاملوا المجرمين معاملة المرتدين عن الدين ، ~~والقول بتكفير العصاة خطر على الدين لأنه يؤول إلى انحلال جامعة الإسلام ~~ويهون على المذنب الانسلاخ من الإسلام منشدا ( أنا الغريق فما خوفي من ~~البلل ) . # ولا يكفر أحد بإثبات صفة لله لا تنافي كماله ولا نفي صفة عنه ليس في ~~نفيها نقصان لجلاله فإن كثيرا من الفرق نفوا صفات ما قصدوا بنفيها إلا ~~إجلالا لله تعالى وربما أفرطوا في ذلك كما نفى المعتزلة صفات المعاني وجواز ~~رؤية الله تعالى ، وكثير من الفرق أثبتوا صفات ما قصدوا من إثباتها إلا ~~احترام ظواهر كلامه تعالى كما أثبت بعض السلف اليد والإصبع مع جزمهم بأن ~~الله لا يشبه الحوادث . # والإيمان ذكر معناه عند قوله تعالى : { الذين يؤمنون بالغيب } ( البقرة : ~~3 ) . # وقوله : { وكنتم أمواتا فأحياكم } جملة حالية وهي تخلص إلى بيان ما دلت ~~عليه ( كيف ) بطريق الإجمال وبيان أولى الدلائل على وجوده وقدرته وهي ما ~~يشعر به كل أحد من أنه وجد بعد عدم . # ولقد دل قوله تعالى : { وكنتم أمواتا فأحياكم } أن هذا الإيجاد على حال ~~بديع وهو أن الإنسان كان مركب أشياء موصوفا بالموت أي لا حياة فيه إذ كان ~~قد أخذ من العناصر المتفرقة في الهواء والأرض فجمعت في الغذاء وهو موجود ~~ثانن ميت ثم استخلصت منه الأمزجة من الدم وغيره وهي ميتة ، ثم استخلص منه ~~النطفتان للذكر والأنثى ، ثم امتزج فصار علقة ثم مضغة كل هذه أطوار أولية ~~لوجود الإنسان وهي موجودات ميتة ثم بثت فيه الحياة بنفخ الروح فأخذ في ~~الحياة إلى وقت الوضع فما بعده ، وكان من حقهم أن يكتفوا به دليلا على ~~انفراده تعالى بالإلاهية . # وإطلاق الأموات هنا مجاز شائع بناء على PageV01P375 أن الموت هو عدم ~~اتصاف الجسم بالحياة سواء كان متصفا بها ms0401 من قبل كما هو الإطلاق المشهور في ~~العرف أم لم يكن متصفا بها إذا كان من شأنه أن يتصف بها فعلى هذا يقال ~~للحيوان في أول تكوينه نطفة وعلقة ومضغة ميت لأنه من شأنه أن يتصف بالحياة ~~فيكون إطلاق الأموات في هذه الآية عليهم حين كانوا غير متصفين بالحياة ~~إطلاقا شائعا والمقصود به التمهيد لقوله : { فأحياكم } ثم التمهيد والتقريب ~~لقوله : { ثم يميتكم ثم يحييكم } . # وقال كثير من أئمة اللغة الموت انعدام الحياة بعد وجودها وهو مختار ~~الزمخشري والسكاكي وهو الظاهر ، وعليه فإطلاق الأموات عليهم في الحالة ~~السابقة على حلول الحياة استعارة . واتفق الجميع على أنه إطلاق شائع في ~~القرآن فإن لم يكن حقيقة فهو مجاز مشهور قد ساوى الحقيقة وزال الاختلاف . # والحياة ضد الموت ، وهي في نظر الشرع نفخ الروح في الجسم . وقد تعسر ~~تعريف الحياة أو تعريف دوامها على الفلاسفة المتقدمين والمتأخرين تعريفا ~~حقيقيا بالحد ، وأوضح تعاريفها بالرسم أنها قوة ينشأ عنها الحس والحركة ~~وأنها مشروطة باعتدال المزاج والأعضاء الرئيسية التي بها تدوم الدورة ~~الدموية ، والمراد بالمزاج التركيب الخاص المناسب مناسبة تليق بنوع ما من ~~المركبات العنصرية وذلك التركيب يحصل من تعادل قوى وأجزاء بحسب ما اقتضته ~~حالة الشيء المركب مع انبثاث الروح الحيواني ، فباعتدال ذلك التركيب يكون ~~النوع معتدلا ولكل صنف من ذلك النوع مزاج يخصه بزيادة تركيب ، ولكل شخص من ~~الصنف مزاج يخصه ويتكون ذلك المزاج على النظام الخاص تنبعث الحياة في ذي ~~المزاج في إبان نفخ الروح فيه وهي المعبر عنها بالروح النفساني . وقد أشار ~~إلى هذا التكوين حديث الترمذي عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال : ( إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون ~~علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ) ~~فأشار إلى حالات التكوين التي بها صار المزاج مزاجا مناسبا حتى انبعثت فيه ~~الحياة ، ثم بدوام انتظام ذلك المزاج تدوم الحياة وباختلاله تزول الحياة ، ~~وذلك الاختلال ms0402 هو المعبر عنه بالفساد ، ومن أعظم الاختلال فيه اختلال الروح ~~الحيواني وهو الدم إذا اختلت دورته فعرض له فساد ، وبعروض حالة توقف عمل ~~المزاج وتعطل آثاره يصير الحي شبيها بالميت كحالة المغمى عليه وحالة العضو ~~المفلوج ، فإذا انقطع PageV01P376 عمل المزاج فذلك الموت . فالموت عدم ~~والحياة ملكة وكلاهما موجود مخلوق قال تعالى : { الذي خلق الموت والجياة في ~~سورة الملك ( 2 ) . # وليس المقصود من قوله : وكنتم أمواتا فأحياكم } الامتنان بل هو استدلال ~~محض ذكر شيئا يعده الناس نعمة وشيئا لا يعدونه نعمة وهو الموتتان فلا يشكل ~~وقوع قوله : { أمواتا } وقوله : { ثم يميتكم } في سياق الآية . # وأما قوله : { ثم يحييكم ثم إليه ترجعون } فذلك تفريع عن الاستدلال وليس ~~هو بدليل إذ المشركون ينكرون الحياة الآخرة فهو إدماج وتعليم وليس باستدلال ~~، أو يكون ما قام من الدلائل على أن هناك حياة ثانية قد قام مقام العلم بها ~~وإن لم يحصل العلم فإن كل من علم وجود الخالق العدل الحكيم ورأى الناس لا ~~يجرون على مقتضى أوامره ونواهيه فيرى المفسد في الأرض في نعمة والصالح في ~~عناء علم أن عدل الله وحكمته ما كان ليضيع عمل عامل وأن هنالك حياة أحكم ~~وأعدل من هذه الحياة تكون أحوال الناس فيها على قدر استحقاقهم وسمو حقائقهم ~~. # وقوله : { ثم إليه ترجعون } أي يكون رجوعكم إليه ، شبه الحضور للحساب ~~برجوع السائر إلى منزله باعتبار أن الله خلق الخلق فكأنهم صدروا من حضرته ~~فإذا أحياهم بعد الموت فكأنهم أرجعهم إليه وهذا إثبات للحشر والجزاء . # وتقديم المتعلق على عامله مفيد القصر وهو قصر حقيقي سيق للمخاطبين ~~لإفادتهم ذلك إذ كانوا منكرين ذلك وفيه تأييس لهم من نفع أصنامهم إياهم إذ ~~كان المشركون يحاجون المسلمين بأنه إن كان بعث وحشر فسيجدون الآلهة ~~ينصرونهم . # و { ترجعون } بضم التاء وفتح الجيم في قراءة الجمهور ، وقرأه يعقوب بفتح ~~التاء وكسر الجيم والقراءة الأولى على اعتبار أن الله أرجعهم وإن كانوا ~~كارهين لأنهم أنكروا البعث والقراءة الثانية باعتبار وقوع الرجوع منهم بقطع ~~النظر عن الاختيار أو ms0403 الجبر . # PageV01P377 # | 2 ( 29 ) { هو الذى خلق لكم ما فى الارض جميعا ثم استوى إلى السمآء ~~فسواهن سبع سماوات وهو بكل شىء عليم } . ) 2 # { هو الذى خلق لكم ما فى الارض جميعا ثم استوى إلى السمآء فسواهن سبع ~~سماوات وهو بكل شىء عليم } . # هذا ، إما استدلال ثانن على شناعة كفرهم بالله تعالى وعلى أنه مما يقضي ~~منه العجب فإن دلائل ربوبية الله ووحدانيته ظاهرة في خلق الإنسان وفي خلق ~~جميع ما في الأرض فهو ارتقاء في الاستدلال بكثرة المخلوقات ، وفصل الجملة ~~السابقة يجوز أن يكون لمراعاة كمال الاتصال بين الجملتين لأن هذه كالنتيجة ~~للدليل الأول لأن في خلق الأرض وجميع ما فيها وفي كون ذلك لمنفعة البشر ~~إكمالا لإيجادهم المشار إليه بقوله : { وكنتم أمواتا فأحياكم } ( البقرة : ~~28 ) لأن فائدة الإيجاد لا تكمل إلا بإمداد الموجود بما فيه سلامته من آلام ~~الحاجة إلى مقومات وجوده . ويجوز أن يكون ترك العطف لدفع أن يوهم العطف أن ~~الدليل هو مجموع الأمرين فبترك العطف يعلم أن الدليل الأول مستقل بنفسه وفي ~~الأول بعد وفي الثاني مخالفة الأصل لأن أصل الفصل أن لا يكون قطعا على أنه ~~توهم لا يضير . وإما أن يكون قوله : { هو الذي خلق } امتنانا عليهم بالنعم ~~لتسجيل أن إشراكهم كفران بالنعمة أدمج فيه الاستدلال على أنه خالق لما في ~~الأرض من حيوان ونبات ومعادن استدلالا بما هو نعمة مشاهدة كما أشار إليه ~~قوله : { لكم } فيكون الفصل بين الجملتين كما قرر آنفا ، ولم يلتفت إلى ما ~~في هذه الجملة من مغايرة للجملة الأولى بالامتنان لأن ما أدمج فيها من ~~الاستدلال رجح اعتبار الفصل . # والخلق تقدم تفسيره عند قوله تعالى : { يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي ~~خلقكم } ( البقرة : 21 ) . والأرض اسم للعالم الكروي المشتمل على البر ~~والبحر الذي يعمره الإنسان والحيوان والنبات والمعادن وهي المواليد الثلاثة ~~وهذه الأرض هي موجود كائن هو ظرف لما فيه من أصناف المخلوقات ، وحيث إن ~~العبرة كائنة في مشاهدة الموجودات من المواليد الثلاثة ، علق الخلق هنا بما ~~في الأرض ms0404 مما يحتويه ظرفها من ظاهره وباطنه ولم يعلق بذات الأرض لغفلة جل ~~الناس عن الاعتبار ببديع خلقها إلا أن خالق المظروف جدير بخلق الظرف إذ ~~الظرف إنما يقصد لأجل المظروف فلو كان الظرف من غير صنع خالق المظروف للزم ~~إما تأخر الظرف عن مظروفه وفي ذلك إتلاف المظروف ، والمشاهدة تنفي ذلك ، ~~وإما تقدم الظرف وذلك عبث . فاستفادة أنه خلق الأرض مأخوذة بطريق الفحوى ~~فمن البعيد أن يجوز صاحب ( الكشاف ) أن يراد بالأرض الجهة السفلية كما يراد ~~بالسماء الجهة العلوية ، وبعده من PageV01P378 وجهين أحدهما أن الأرض لم ~~تطلق قط على غير الكرة الأرضية إلا مجازا كما في قول شاعر أنشده صاحب ( ~~المفتاح ) في بحث التعريف باللام ولم ينسبه هو ولا شارحوه : # الناس أرض بكل أرض # وأنت من فوقهم سماء # بخلاف السماء أطلقت على كل ما علا فأظل ، والفرق بينهما أن الأرض شيء ~~مشاهد والسماء لا يتعقل إلا بكونه شيئا مرتفعا . الثاني على تسليم القياس ~~فإن السماء لم تطلق على الجهة العليا حتى يصح إطلاق الأرض على الجهة السفلى ~~بل إنما تطلق السماء على شيء عال لا على نفس الجهة . # وجملة : { هو الذي خلق لكم } صيغة قصر وهو قصر حقيقي سيق للمخاطبين من ~~المشركين الذين لا شك عندهم في أن الله خالق ما في الأرض ولكنهم نزلوا ~~منزلة الجاهل بذلك فسيق لهم الخبر المحصور لأنهم في كفرهم وانصرافهم عن ~~شكره والنظر في دعوته وعبادته كحال من يجهل أن الله خالق جميع الموجودات . ~~ونظير هذا قوله : { أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون } ( النحل : 17 ) { ~~إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له } ( الحج : 73 ~~) فإن المشركين ما كانوا يثبتون لأصنامهم قدرة على الخلق وإنما جعلوها ~~شفعاء ووسائط وعبدوها وأعرضوا عن عبادة الله حق عبادته ونسوا الخلق الملتصق ~~بهم وبما حولهم من الأحياء والمقصود من الكلام فيما أراه موافقا للبلاغة ~~التذكير بأن الله هو خالق الأرض وما عليها وما في داخلها وأن ذلك كله خلقه ~~بقدر انتفاعنا بها وبما ms0405 فيها في مختلف الأزمان والأحوال فأوجز الكلام ~~إيجازا بديعا بإقحام قوله : { لكم } فأغنى عن جملة كاملة فالكلام مسوق مساق ~~إظهار عظيم القدرة وإظهار عظيم المنة على البشر وإظهار عظيم منزلة الإنسان ~~عند الله تعالى ، وكل أولئك يقتضي اقتلاع الكفر من نفوسهم . # وفي هذه الآية فائدتان : # الأولى : أن لام التعليل دلت على أن خلق ما في الأرض كان لأجل الناس وفي ~~هذا تعليل للخلق وبيان لثمرته وفائدته فتثار عنه مسألة تعليل أفعال الله ~~تعالى وتعلقها بالأغراض والمسألة مختلف فيها بين المتكلمين اختلافا يشبه أن ~~يكون لفظيا فإن جميع المسلمين اتفقوا على أن أفعال الله تعالى ناشئة عن ~~إرادة واختيار وعلى وفق علمه وأن جميعها مشتمل على حكم ومصالح وأن تلك ~~الحكم هي ثمرات لأفعاله تعالى ناشئة عن حصول الفعل فهي لأجل PageV01P379 ~~حصولها عند الفعل تثمر غايات ، هذا كله لا خلاف فيه وإنما الخلاف في أنها ~~أتوصف بكونها أغراضا وعللا غائية أم لا ؟ فأثبت ذلك جماعة استدلالا بما ورد ~~من نحو قوله تعالى : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } ( الذاريات : 56 ~~) ، ومنع من ذلك أصحاب الأشعري فيما عزاه إليهم الفخر في ( التفسير ) ~~مستدلين بأن الذي يفعل لغرض يلزم أن يكون مستفيدا من غرضه ذلك ضرورة أن ~~وجود ذلك الغرض أولى بالقياس إليه من عدمه ، فيكون مستفيدا من تلك الأولوية ~~ويلزم من كون ذلك الغرض سببا في فعله أن يكون هو ناقصا في فاعليته محتاجا ~~إلى حصول السبب . # وقد أجيب بأن لزوم الاستفادة والاستكمال إذا كانت المنفعة راجعة إلى ~~الفاعل ، وأما إذا كانت راجعة للغير كالإحسان فلا ، فرده الفخر بأنه إذا ~~كان الإحسان أرجح من غيره وأولى لزمت الاستفادة . وهذا الرد باطل لأن ~~الأرجحية لا تستلزم الاستفادة أبدا بل إنما تستلزم تعلق الإرادة ، وإنما ~~تلزم الاستفادة لو ادعينا التعين والوجوب . # والحاصل أن الدليل الذي استدلوا به يشتمل على مقدمتين سفسطائيتين أولاهما ~~قولهم إنه لو كان الفعل لغرض للزم أن يكون الفاعل مستكملا به وهذا سفسطة ~~شبه فيها الغرض النافع للفاعل بالغرض بمعنى الداعي ms0406 إلى الفعل والراجع إلى ~~ما يناسبه من الكمال لا توقف كماله عليه . الثانية قولهم إذا كان الفعل ~~لغرض كان الغرض سببا يقتضي عجز الفاعل وهذا شبه فيه السبب الذي هو بمعنى ~~الباعث بالسبب الذي يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم وكلاهما يطلق عليه ~~سبب . # ومن العجائب أنهم يسلمون أن أفعال الله تعالى لا تخلو عن الثمرة والحكمة ~~ويمنعون أن تكون تلك الحكم عللا وأغراضا مع أن ثمرة فعل الفاعل العالم بكل ~~شيء لا تخلو من أن تكون غرضا لأنها تكون داعيا للفعل ضرورة تحقق علم الفاعل ~~وإرادته . ولم أدر أي حرج نظروا إليه حين منعوا تعليل أفعال الله تعالى ~~وأغراضها . # ويترجح عندي أن هاته المسألة اقتضاها طرد الأصول في المناظرة ، فإن ~~الأشاعرة لما PageV01P380 أنكروا وجوب فعل الصلاح والأصلح أورد عليهم ~~المعتزلة أو قدروا هم في أنفسهم أن يورد عليهم أن الله تعالى لا يفعل شيئا ~~إلا لغرض وحكمة ولا تكون الأغراض إلا المصالح فالتزموا أن أفعال الله تعالى ~~لا تناط بالأغراض ولا يعبر عنها بالعلل وينبىء عن هذا أنهم لما ذكروا هذه ~~المسألة ذكروا في أدلتهم الإحسان للغير ورعي المصلحة . # وهنالك سبب آخر لفرض المسألة وهو التنزه عن وصف أفعال الله تعالى بما ~~يوهم المنفعة له أو لغيره وكلاهما باطل لأنه لا ينتفع بأفعاله ولأن الغير ~~قد لا يكون فعل الله بالنسبة إليه منفعة . # هذا وقد نقل أبو إسحاق الشاطبي في ( الموافقات ) عن جمهور الفقهاء ~~والمتكلمين أن أحكام الله تعالى معللة بالمصالح ودرء المفاسد ، وقد جمع ~~الأقوال الشيخ ابن عرفة في ( تفسيره ) فقال : ( هذا هو تعليل أفعال الله ~~تعالى وفيه خلاف وأما أحكامه فمعللة ) . # الفائدة الثانية : أخذوا من قوله تعالى : { هو الذي خلق لكم ما في الأرض ~~جميعا } أن أصل استعمال الأشياء فيما يراد له من أنواع الاستعمال هو ~~الإباحة حتى يدل دليل على عدمها لأنه جعل ما في الأرض مخلوقا لأجلنا وامتن ~~بذلك علينا وبذلك قال الإمام الرازي والبيضاوي وصاحب ( الكشاف ) ونسب إلى ~~المعتزلة وجماعة من الشافعية والحنفية ms0407 منهم الكرخي ونسب إلى الشافعي . وذهب ~~المالكية وجمهور الحنفية والمعتزلة في نقل ابن عرفة إلى أن الأصل في ~~الأشياء الوقف ولم يروا الآية دليلا قال ابن العربي في ( أحكامه ) : ( إنما ~~ذكر الله تعالى هذه الآية في معرض الدلالة والتنبيه على طريق العلم والقدرة ~~وتصريف المخلوقات بمقتضى التقدير والإتقان بالعلم ) الخ . # والحق أن الآية مجملة قصد منها التنبيه على قدرة الخالق بخلق ما في الأرض ~~وأنه خلق لأجلنا إلا أن خلقه لأجلنا لا يستلزم إباحة استعماله في كل ما ~~يقصد منه بل خلق لنا في الجملة ، على أن الامتنان يصدق إذا كان لكل من ~~الناس بعض مما في العالم بمعنى أن الآية ذكرت أن المجموع للمجموع لا كل ~~واحد لكل واحد كما أشار إليه البيضاوي لا سيما وقد خاطب الله بها قوما ~~كافرين منكرا عليهم كفرهم فكيف يعلمون إباحة أو منعا ، وإنما محل الموعظة ~~هو ما خلقه الله من الأشياء التي لم يزل الناس ينتفعون بها من وجوه متعددة ~~. # وذهب جماعة إلى أن أصل الأشياء الحظر ونقل عن بعض أهل الحديث وبعض ~~المعتزلة فللمعتزلة الأقوال الثلاثة كما قال القرطبي . قال الحموي في ( شرح ~~كتاب الأشباه ) لابن نجيم نقلا عن الإمام الرازي وإنما تظهر ثمرة المسألة ~~في PageV01P381 حكم الأشياء أيام الفترة قبل النبوة أي فيما ارتكبه الناس ~~من تناول الشهوات ونحوها ولذلك كان الأصح أن الأمر موقوف وأنه لا وصف ~~للأشياء يترتب من أجله عليها الثواب والعقاب . # وعندي أن هذا لا يحتاج العلماء إلى فرضه لأن أهل الفترة لا شرع لهم وليس ~~لأفعالهم أحكام إلا في وجوب التوحيد عند قوم ، وأما بعد ورود الشرع فقد ~~أغنى الشرع عن ذلك فإن وجد فعل لم يدل عليه دليل من نص أو قياس أو استدلال ~~صحيح فالصحيح أن أصل المضار التحريم والمنافع الحل وهذا الذي اختاره الإمام ~~في ( المحصول ) فتصير للمسألة ثمرة باعتبار هذا النوع من الحوادث في ~~الإسلام . # { ثم استوى إلى السمآء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شىء عليم } . # انتقال من الاستدلال بخلق الأرض ms0408 وما فيها وهو مما علمه ضروري للناس ، إلى ~~الاستدلال بخلق ما هو أعظم من خلق الأرض وهو أيضا قد يغفل عن النظر في ~~الاستدلال به على وجود الله ، وذلك خلق السماوات ، ويشبه أن يكون هذا ~~الانتقال استطرادا لإكمال تنبيه الناس إلى عظيم القدرة . # وعطفت ( ثم ) جملة ( استوى ) على جملة { خلق لكم } . ولدلالة ( ثم ) على ~~الترتيب والمهلة في عطف المفرد على المفرد كانت في عطف الجملة على الجملة ~~للمهلة في الرتبة وهي مهلة تخييلية في الأصل تشير إلى أن المعطوف بثم أعرق ~~في المعنى الذي تتضمنه الجملة المعطوف عليها حتى كأن العقل يتمهل في الوصول ~~إليه بعد الكلام الأول فينتبه السامع لذلك كي لا يغفل عنه بما سمع من ~~الكلام السابق ، وشاع هذا الاستعمال حتى صار كالحقيقة ، ويسمى ذلك بالترتيب ~~الرتبي وبترتب الإخبار ( بكسر الهمزة ) كقوله تعالى : { فلا اقتحم العقبة ~~وما أدراك ما العقبة فك رقبة } ( البلد : 11 13 ) إلى أن قال : { ثم كان من ~~الذين آمنوا } ( البلد : 17 ) فإن قوله : { فك رقبة } خبر مبتدأ محذوف ولما ~~كان ذكر هاته الأمور التي يعز إيفاؤها حقها مما يغفل السامع عن أمر آخر ~~عظيم نبه عليه بالعطف بثم للإشارة إلى أنه آكد وأهم ، ومنه قول طرفة بن ~~العبد يصف راحلته : # جنوح دفاق عندل ثم أفرعت # لها كتفاها في معالى مصعد PageV01P382 # فإنه لما ذكر من محاسنها جملة نبه على وصف آخر أهم في صفات عنقها وهو طول ~~قامتها قال المرزوقي في ( شرح الحماسة ) في شرح قول جعفر بن علبة الحارثي : # لا يكشف الغماء إلا ابن حرة # يرى غمراتت الموتت ثم يزورها # إن ثم وإن كان في عطفه المفرد على المفرد يدل على التراخي فإنه في عطفه ~~الجملة على الجملة ليس كذلك وذكر قوله تعالى : { ثم كان من الذين آمنوا } ا ~~ه . وإفادة التراخي الرتبي هو المعتبر في عطف ثم للجمل سواء وافقت الترتيب ~~الوجودي مع ذلك أو كان معطوفها متقدما في الوجود وقد جاء في الكلام الفصيح ~~ما يدل على معنى البعدية مرادا منه ms0409 البعدية في الرتبة وإن كان عكس الترتيب ~~الوجودي فتكون البعدية مجازية مبنية على تشبيه البون المعنوي بالبعد ~~المكاني أو الزماني ومنه قوله تعالى : { هماز مشاء بنميم مناعع للخير معتد ~~أثيم عتل بعد ذلك زنيم } ( القلم : 11 13 ) فإن كونه عتلا وزنيما أسبق في ~~الوجود من كونه همازا مشاء بنميم لأنهما صفتان ذاتيتان بخلاف هماز مشاء ~~بنميم ، وكذلك قوله تعالى : { فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين ~~والملائكة بعد ذلك ظهير } ( التحريم : 4 ) . فإذا تمحضت ثم للتراخي الرتبي ~~حملت عليه وإن احتملته مع التراخي الزمني فظاهر قول المرزوقي : ( فإنه في ~~عطف الجملة ليس كذلك ) إنه لا يحتمل حينئذ التراخي الزمني . ولكن يظهر جواز ~~الاحتمالين وذلك حيث يكون المعطوف بها متأخرا في الحصول على ما قبلها وهو ~~مع ذلك أهم كما في بيت جعفر بن علبة . قلت وهو إما مجاز مرسل أو كناية ، ~~فإن ألقت ( ثم ) وأريد منها لازم التراخي وهو البعد التعظيمي كما أريد ~~التعظيم من اسم الإشارة الموضوع للبعيد ، والعلاقة وإن كانت بعيدة إلا أنها ~~لشهرتها في كلامهم واستعمالهم ومع القرائن لم يكن هذا الاستعمال مردودا . # واعلم أني تتبعت هذا الاستعمال في مواضعه فرأيته أكثر ما يرد فيما إذا ~~كانت الجمل إخبارا عن مخبر عنه واحد بخلاف ما إذا اختلف المخبر عنه فإن ( ~~ثم ) تتعين للمهلة الزمنية كقوله تعالى : { وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون ~~دماءكم إلى قوله : ثم أنتم هؤلاء تقتلون PageV01P383 أنفسكم } ( البقرة : ~~84 ، 85 ) أي بعد أن أخذنا الميثاق بأزمان صرتم تقتلون أنفسكم ونحو قولك : ~~مرت كتيبة الأنصار ثم مرت كتيبة المهاجرين . # فأما هذه الآية فإنه إذا كانت السماوات متأخرا خلقها عن خلق الأرض فثم ~~للتراخي الرتبي لا محالة مع التراخي الزمني وإن كان خلق السماوات سابقا فثم ~~للترتيب الرتبي لا غير . والظاهر هو الثاني . وقد جرى اختلاف بين علماء ~~السلف في مقتضى الأخبار الواردة في خلق السماوات والأرض فقال الجمهور منهم ~~مجاهد والحسن ونسب إلى ابن عباس إن خلق الأرض متقدم على خلق السماء لقوله ~~تعالى هنا : { ثم ms0410 استوى إلى السماء } وقوله في سورة حم السجدة ( 9 11 ) : { ~~قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين إلى أن قال : ثم استوى إلى ~~السماء وهي دخان . وقال قتادة والسدي ومقاتل إن خلق السماء متقدم واحتجوا ~~بقوله تعالى : بناها رفع سمكها فسواها إلى قوله : والأرض بعد ذلك دحاها } ( ~~النازعات : 27 30 ) . وقد أجيب بأن الأرض خلقت أولا ثم خلقت السماء ثم دحيت ~~الأرض فالمتأخر عن خلق السماء هو دحو الأرض ، على ما ذهب إليه علماء طبقات ~~الأرض من أن الأرض كانت في غاية الحرارة ثم أخذت تبرد حتى جمدت وتكونت منها ~~قشرة جامدة ثم تشققت وتفجرت وهبطت منها أقسام وعلت أقسام بالضغط إلا أن ~~علماء طبقات الأرض يقدرون لحصول ذلك أزمنة متناهية الطول وقدرة الله صالحة ~~لإحداث ما يحصل به ذلك التقلب في أمد قليل بمقارنة حوادث تعجل انقلاب ~~المخلوقات عما هي عليه . # وأرجح القولين هو أن السماء خلقت قبل الأرض لأن لفظ { بعد ذلك } أظهر في ~~إفادة التأخر من قوله : { ثم استوى إلى السماء } ولأن أنظار علماء الهيئة ~~ترى أن الأرض كرة انفصلت عن الشمس كبقية الكواكب السيارة من النظام الشمسي ~~. وظاهر سفر التكوين يقتضي أن خلق السماوات متقدم على الأرض . وأحسب أن ~~سلوك القرآن في هذه الآيات أسلوب الإجمال في هذا الغرض لقطع الخصومة بين ~~أصحاب النظريتين . # والسماء إن أريد بها الجو المحيط بالكرة الأرضية فهو تابع لها متأخر عن ~~خلقها ، وإن أريد بها الكواكب العلوية وذلك هو المناسب لقوله : { فسوتهن ~~سبع سماوات } فالكواكب أعظم من الأرض فتكون أسبق خلقا وقد يكون كل من ~~الاحتمالين ملاحظا في مواضع من القرآن غير الملاحظ فيها الاحتمال الآخر . ~~PageV01P384 # والاستواء أصله الاستقامة وعدم الاعوجاج يقال صراط مستو ، واستوى فلان ~~وفلان واستوى الشيء مطاوع سواء ، ويطلق مجازا على القصد إلى الشيء بعزم ~~وسرعة كأنه يسير إليه مستويا لا يلوي على شيء فيعدى بإلى فتكون ( إلى ) ~~قرينة المجاز وهو تمثيل ، فمعنى استواء الله تعالى إلى السماء تعلق إرادته ~~التنجيزي بإيجادها تعلقا يشبه الاستواء في ms0411 التهيىء للعمل العظيم المتقن . # ووزن استوى افتعل لأن السين فيه حرف أصلي وهو افتعال مجازي وفيه إشارة ~~إلى أنه لما ابتدأ خلق المخلوقات خلق السماوات ومن فيها ليكون توطئة لخلق ~~الأرض ثم خلق الإنسان وهو الذي سيقت القصة لأجله . # و ( سواهن ) أي خلقهن في استقامة ، واستقامة الخلق هي انتظامه على وجه لا ~~خلل فيه ولا ثلم . وبين استوى وسواهن الجناس المحرف . # والسماء مشتقة من السمو وهو العلو واسم السماء يطلق على الواحد وعلى ~~الجنس من العوالم العليا التي هي فوق العالم الأرضي والمراد به هنا الجنس ~~بقرينة قوله : { فسواهن سبع سماوات } إذ جعلها سبعا ، والضمير في قوله : { ~~فسواهن } عائد إلى ( السماء ) باعتبار إرادة الجنس لأنه في معنى الجمع وجوز ~~صاحب ( الكشاف ) أن يكون المراد من السماء هنا جهة العلو ، وهو وإن صح لكنه ~~لا داعي إليه كما قاله التفتزاني . # وقد عد الله تعالى في هذه الآية وغيرها السماوات سبعا وهو أعلم بها ~~وبالمراد منها إلا أن الظاهر الذي دلت عليه القواعد العلمية أن المراد من ~~السماوات الأجرام العلوية العظيمة وهي الكواكب السيارة المنتظمة مع الأرض ~~في النظام الشمسي ويدل لذلك أمور : # أحدها : أن السماوات ذكرت في غالب مواضع القرآن مع ذكر الأرض وذكر خلقها ~~هنا مع ذكر خلق الأرض فدل على أنها عوالم كالعالم الأرضي وهذا ثابت ~~للسيارات . # ثانيها : أنها ذكرت مع الأرض من حيث إنها أدلة على بديع صنع الله تعالى ~~فناسب أن يكون تفسيرها تلك الأجرام المشاهدة للناس المعروفة للأمم الدال ~~نظام سيرها وباهر نورها على عظمة خالقها . # ثالثها : أنها وصفت بالسبع وقد كان علماء الهيئة يعرفون السيارات السبع ~~من عهد الكلدان وتعاقب علماء الهيئة من ذلك العهد إلى العهد الذي نزل فيه ~~القرآن فما اختلفوا في أنها سبع . # رابعها : أن هاته السيارات هي الكواكب المنضبط سيرها بنظام مرتبط مع نظام ~~سير الشمس والأرض ، ولذلك يعبر عنها علماء الهيئة المتأخرون بالنظام الشمسي ~~فناسب أن تكون هي PageV01P385 التي قرن خلقها بخلق الأرض . وبعضهم يفسر ~~السماوات بالأفلاك وهو تفسير لا ms0412 يصح لأن الأفلاك هي الطرق التي تسلكها ~~الكواكب السيارة في الفضاء ، وهي خطوط فرضية لا ذوات لها في الخارج . # هذا وقد ذكر الله تعالى السماوات سبعا هنا وفي غير آية ، وقد ذكر العرش ~~والكرسي بما يدل على أنهما محيطان بالسماوات وجعل السماوات كلها في مقابلة ~~الأرض وذلك يؤيد ما ذهب إليه علماء الهيئة من عد الكواكب السيارة تسعة وهذه ~~أسماؤها على الترتيب في بعدها من الأرض : نبتون ، أورانوس ، زحل ، المشتري ~~، المريخ ، الشمس ، الزهرة ، عطارد ، بلكان . # والأرض في اصطلاحهم كوكب سيار ، وفي اصطلاح القرآن لم تعد معها لأنها ~~التي منها تنظر الكواكب وعد عوضا عنها القمر وهو من توابع الأرض فعده معها ~~عوض عن عد الأرض تقريبا لأفهام السامعين . # وأما الثوابت فهي عند علماء الهيئة شموس سابحة في شاسع الأبعاد عن الأرض ~~وفي ذلك شكوك . ولعل الله لم يجعلها سماوات ذات نظام كنظام السيارات السبع ~~فلم يعدها في السماوات أو أن الله إنما عد لنا السماوات التي هي مرتبطة ~~بنظام أرضنا . # وقوله : { وهو بكل شيء عليم } نتيجة لما ذكره من دلائل القدرة التي لا ~~تصدر إلا من عليم فلذلك قال المتكلمون ، إن القدرة يجري تعلقها على وفق ~~الإرادة ، والإرادة على وفق العلم . وفيه تعريض بالإنكار على كفرهم ~~والتعجيب منه فإن العليم بكل شيء يقبح الكفر به . # وهذه الآية دليل على عموم العلم وقد قال بذلك جميع المليين كما نقله ~~المحقق السلكوتي في ( الرسالة الخاقانية ) وأنكر الفلاسفة علمه بالجزئيات ~~وزعموا أن تعلق العلم بالجزئيات لا يليق بالعلم الإلاهي وهو توهم لا داعي ~~إليه . PageV01P386 # وقرأ الجمهور هاء ( وهو ) بالضم على الأصل ، وقرأها قالون وأبو عمرو ~~والكسائي وأبو جعفر بالسكون للتخفيف عند دخول حرف العطف عليه ، والسكون ~~أكثر من الضم في كلامهم وذلك مع الواو والفاء ولامم الابتداء ووجهه أن ~~الحروف التي هي على حرف واحد إذا دخلت على الكلمة تنزلت منزلة الجزء منها ~~فصارت الكلمة ثقيلة بدخول ذلك الحرف فيها فخففت بالسكون كما فعلوا ذلك في ~~حركة لام الأمر مع الواو والفاء ، ومما ms0413 يدل على أن أفصح لغات العرب إسكان ~~الهاء من ( هو ) إذا دخل عليه حرف ، أنك تجده في الشعر فلا يتزن البيت إلا ~~بقراءة الهاء ساكنة ولا تكاد تجد غير ذلك بحيث لا يمكن دعوى أنه ضرورة . [ # PageV01P387 $ 2 ( 30 ) { وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل فى الأرض خليفة ~~قالو & # 1764 ا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ~~قال إني & # 1764 أعلم ما لا تعلمون } . ) 2 $ # { وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل فى الأرض خليفة قالو & # 1764 ا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ~~قال إني & # 1764 أعلم ما لا تعلمون } . # عطفت الواو قصة خلق أول البشر على قصة خلق السماوات والأرض انتقالا بهم ~~في الاستدلال على أن الله واحد وعلى بطلان شركهم وتخلصا من ذكر خلق ~~السماوات والأرض إلى خلق النوع الذي هو سلطان الأرض والمتصرف في أحوالها ، ~~ليجمع بين تعدد الأدلة وبين مختلف حوادث تكوين العوالم وأصلها ليعلم ~~المسلمون ما علمه أهل الكتاب من العلم الذي كانوا يباهون به العرب وهو ما ~~في سفر التكوين من التوراة . # واعلم أن موقع الدليل بخلق آدم على الوحدانية هو أن خلق أصل النوع أمر ~~مدرك بالضرورة لأن كل إنسان إذا لفت ذهنه إلى وجوده علم أنه وجود مسبوق ~~بوجود أصل له بما يشاهد من نشأة الأبناء عن الآباء فيوقن أن لهذا النوع ~~أصلا أول ينتهي إليه نشوءه ، وإذ قد كانت العبرة بخلق ما في الأرض جميعا ~~أدمجت فيها منة وهي قوله : { لكم } ( البقرة : 29 ) المقتضية أن خلق ما في ~~الأرض لأجلهم تهيأت أنفسهم لسماع قصة إيجاد منشأ الناس الذين خلقت الأرض ~~لأجلهم ليحاط بما في ذلك من دلائل القدرة مع عظيم المنة وهي منة الخلق التي ~~نشأت عنها فضائل جمة ومنة التفضيل ومنة خلافة الله في الأرض ، فكان خلق ~~أصلنا هو أبدع مظاهر إحيائنا الذي هو الأصل في خلق ما في الأرض لنا ، فكانت ~~المناسبة في الانتقال إلى التذكير به واضحة ms0414 مع حسن التخلص إلى ذكر خبره ~~العجيب ، فإيراد واو العطف هنا لأجل إظهار استقلال هذه القصة في حد ذاتها ~~في عظم شأنها . PageV01P395 # و ( إذ ) من أسماء الزمان المبهمة تدل على زمان نسبة ماضية وقعت فيه نسبة ~~أخرى ماضية قارنتها ، ف ( إذ ) تحتاج إلى جملتين جملة أصلية وهي الدالة على ~~المظروف وتلك هي التي تكون مع جميع الظروف ، وجملة تبين الظرف ما هو ، لأن ~~( إذ ) لما كانت مبهمة احتاجت لما يبين زمانها عن بقية الأزمنة ، فلذلك ~~لزمت إضافتها إلى الجمل أبدا ، والأكثر في الكلام أن تكون إذ في محل ظرف ~~لزمن الفعل فتكون في محل نصب على المفعول فيه ، وقد تخرج ( إذ ) عن النصب ~~على الظرفية إلى المفعولية كأسماء الزمان المتصرفة على ما ذهب إليه صاحب ( ~~الكشاف ) وهو مختار ابن هشام خلافا لظاهركلام الجمهور ، فهي تصير ظرفا ~~مبهما متصرفا ، وقد يضاف إليها اسم زمان نحو يومئذ وساعتئذ فتجر بإضافة ~~صورية ليكون ذكرها وسيلة إلى حذف الجملة المضافة هي إليها ، وذلك أن ( إذ ) ~~ملازمة للإضافة فإذا حذفت جملتها علم السامع أن هنالك حذفا ، فإذا أرادوا ~~أن يحذفوا جملة مع اسم زمان غير ( إذ ) خافوا أن لا يهتدي السامع لشيء ~~محذوف حتى يتطلب دليله فجعلوا إذ قرينة على إضافة وحذفوا الجملة لينبهوا ~~السامع فيتطلب دليل المحذوف . # وهي في هذه الآية يجوز أن تكون ظرفا وكذلك أعربها الجمهور وجعلوها متعلقة ~~بقوله : { قالوا } وهو يفضي إلى أن يكون المقصود من القصة قول الملائكة ~~وذلك بعيد لأن المقصود من العبرة هو خطاب الله لهم وهو مبدأ العبرة وما ~~تضمنته من تشريف آدم وتعليمه بعد الامتنان بإيجاد أصل نوع الناس الذي هو ~~مناط العبرة من قوله : { كيف تكفرون } ( البقرة : 28 ) الآيات ، ولأنه لا ~~يتأتى في نظيرها وهو قوله الآتي : { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا ~~} ( البقرة : 34 ) إذ وجود فاء التعقيب يمنع من جعل الظرف متعلقا بمدخولها ~~، ولأن الأظهر أن قوله : { قالوا } حكاية للمراجعة والمحاورة على طريقة ~~أمثاله كما سنحققه . فالذي ينساق إليه أسلوب النظم فيه أن ms0415 يكون العطف على ~~جملة : { خلق لكم ما في الأرض جميعا } ( البقرة : 29 ) أي خلق لكم ما في ~~الأرض وقال للملائكة إني خالق أصل الإنسان لما قدمناه من أن ذكر خلق ما في ~~الأرض وكونه لأجلنا يهيىء السامع لترقب ذكر شأننا بعد ذكر شأن ما خلق ~~لأجلنا من سماء وأرض ، وتكون ( إذ ) على هذا مزيدة للتأكيد قاله أبو عبيدة ~~معمر بن المثنى وأنشد قول الأسود بن يعفر : # فإذ وذلك لامهاه لذكره # والدهر يعقب صالحا بفساد PageV01P396 # ( هكذا رواه فإذ على أن يكون في البيت زحاف الطي ، وفي رواية فإذا فلا ~~زحاف ، والمهاه بهاءين الحسن ولا يشكل عليه أن شأن الزيادة أن تكون في ~~الحروف لأن إذ وإذا ونحوهما عوملت معاملة الحروف ) ، أو أن يكون عطف القصة ~~على القصة ويؤيده أنها تبتدأ بها القصص العجيبة الدالة على قدرة الله تعالى ~~، ألا ترى أنها ذكرت أيضا في قوله تعالى : { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ~~} ولم تذكر فيما بينهما وتكون ( إذ ) اسم زمان مفعولا به بتقدير اذكر ، ~~ونظيره كثير في القرآن ، والمقصود من تعليق الذكر والقصة بالزمان إنما هو ~~ما حصل في ذلك الزمان من الأحوال . وتخصيص اسم الزمان دون اسم المكان لأن ~~الناس تعارفوا إسناد الحوادث التاريخية والقصص إلى أزمان وقوعها . # وكلام الله تعالى للملائكة أطلق على ما يفهمون منه إرادته وهو المعبر عنه ~~بالكلام النفسي فيحتمل أنه كلام سمعوه فإطلاق القول عليه حقيقة وإسناده إلى ~~الله لأنه خلق ذلك القول بدون وسيلة معتادة ، ويحتمل أنه دال آخر على ~~الإرادة ، فإطلاق القول عليه مجاز لأنه دلالة للعقلاء والمجاز فيه أقوى من ~~المجاز الذي في نحو قول النبيء صلى الله عليه وسلم ( اشتكت النار إلى ربها ~~) وقوله تعالى : { فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين ~~} ( فصلت : 11 ) وقول أبي النجم : ( إذ قالت الآطال للبطن الحق ) ، ولا ~~طائل في البحث عن تعين أحد الاحتمالين . # والملائكة جمع ملك وأصل صيغة الجمع ملائكة والتاء لتأكيد الجمعية لما في ~~التاء من الإيذان بمعنى الجماعة ، والظاهر أن ms0416 تأنيث ملائكة سرى إلى لغة ~~العرب من كلام المتنصرين منهم إذ كانوا يعتقدون أن الأملاك بنات الله ~~واعتقده العرب أيضا قال تعالى : { ويجعلون لله البنات سبحانه } ( النحل : ~~57 ) فملائك جمع ملأك كشمائل وشمأل ، ومما يدل عليه أيضا قول بعض شعراء عبد ~~القيس أو غيره : # ولست لإنسي ولكن لملأك # تنزل من جو السماء يصوب # ثم قالوا ملك تخفيفا . # وقد اختلفوا في اشتقاقه فقال أبو عبيدة هو مفعل من لأك بمعنى PageV01P397 ~~أرسل ومنه قولهم في الأمر بتبليغ رسالة ألكني إليه أي كن رسولي إليه وأصل ~~ألكني ألإكني وإن لم يعرف له فعل . وإنما اشتق اسم الملك من الإرسال لأن ~~الملائكة رسل الله إما بتبليغ أو تكوين كما في الحديث : ( ثم يرسل إليه ( ~~أي للجنين في بطن أمه ) الملك فينفخ فيه الروح ) ، فعلى هذا القول هو مصدر ~~ميمي بمعنى اسم المفعول ، وقال الكسائي هو مقلوب ووزنه الآن معفل وأصله ~~مألك من الألوك والألوكة وهي الرسالة ويقال مألك ومألكة ( بفتح اللام وضمها ~~) فقلبوا فيه قلبا مكانيا فقالوا ملأك فهو صفة مشبهة . وقال ابن كيسان هو ~~مشتق من الملك ( بفتح الميم وسكون اللام ) والملك بمعنى القوة قال تعالى : ~~{ عليها ملائكة غلاظ شداد } ( التحريم : 6 ) والهمزة مزيدة فوزنه فعأل ~~بسكون العين وفتح الهمزة كشمأل ، ورد بأن دعوى زيادة حرف بلا فائدة دعوى ~~بعيدة ، ورد مذهب الكسائي بأن القلب خلاف الأصل ، فرجح مذهب أبي عبيدة ، ~~ونقل القرطبي عن النضر بن شميل أنه قال لا اشتقاق للملك عند العرب يريد ~~أنهم عربوه من اللغة العبرانية ويؤيده أن التوراة سمت الملك ملاكا بالتخفيف ~~، وليس وجود كلمة متقاربة اللفظ والمعنى في لغتين بدال على أنها منقولة من ~~إحداهما إلى الأخرى إلا بأدلة أخرى . # والملائكة مخلوقات نورانية سماوية مجبولة على الخير قادرة على التشكل في ~~خرق العادة لأن النور قابل للتشكل في كيفيات ولأن أجزاءه لا تتزاحم ونورها ~~لا شعاع له فلذلك لا تضىء إذا اتصلت بالعالم الأرضي وإنما تتشكل إذا أراد ~~الله أن يظهر بعضهم لبعض رسله وأنبيائه على وجه ms0417 خرق العادة . وقد جعل الله ~~تعالى لها قوة التوجه إلى الأشياء التي يريد الله تكوينها فتتولى التدبير ~~لها ولهذه التوجهات الملكية حيثيات ومراتب كثيرة تتعذر الإحاطة بها وهي ~~مضادة لتوجهات الشياطين ، فالخواطر الخيرية من توجهات الملائكة وعلاقتها ~~بالنفوس البشرية وبعكسها خواطر الشر . # والخليفة في الأصل الذي يخلف غيره أو يكون بدلا عنه في عمل يعمله ، فهو ~~فعيل بمعنى فاعل والتاء فيه للمبالغة في الوصف كالعلامة . والمراد من ~~الخليفة هنا إما المعنى المجازي وهو الذي يتولى عملا يريده المستخلف مثل ~~الوكيل والوصي ، أي جاعل في الأرض مدبرا يعمل ما نريده في الأرض فهو ~~استعارة أو مجاز مرسل وليس بحقيقة لأن الله تعالى لم يكن حالا في الأرض ولا ~~عاملا فيها العمل الذي أودعه في الإنسان وهو السلطنة على موجودات الأرض ، ~~PageV01P398 ولأن الله تعالى لم يترك عملا كان يعمله فوكله إلى الإنسان بل ~~التدبير الأعظم لم يزل لله تعالى فالإنسان هو الموجود الوحيد الذي استطاع ~~بما أودع الله في خلقته أن يتصرف في مخلوقات الأرض بوجوه عظيمة لا تنتهي ~~خلاف غيره من الحيوان ، وإما أن يراد من الخليفة معناه الحقيقي إذا صح أن ~~الأرض كانت معمورة من قبل بطائفة من المخلوقات يسمون الحن والبن بحاء مهملة ~~مكسورة ونون في الأول ، وبموحدة مكسورة ونون في الثاني وقيل اسمهم الطم ~~والرم بفتح أولهما ، وأحسبه من المزاعم ، وأن وضع هذين الاسمين من باب قول ~~الناس : هيان بن بيان إشارة إلى غير موجود أو غير معروف . ولعل هذا أنجز ~~لأهل القصص من خرافات الفرس أو اليونان فإن الفرس زعموا أنه كان قبل ~~الإنسان في الأرض جنس اسمه الطم والرم كان اليونان يعتقدون أن الأرض كانت ~~معمورة بمخلوقات تدعى التيتان وأن زفس وهو المشتري كبير الأرباب في ~~اعتقادهم جلاهم من الأرض لفسادهم . وكل هذا ينافيه سياق الآية فإن تعقيب ~~ذكر خلق الأرض ثم السماوات بذكر إرادته تعالى جعل الخليفة دليل على أن جعل ~~الخليفة كان أول الأحوال على الأرض بعد خلقها فالخليفة هنا الذي يخلف صاحب ~~الشيء ms0418 في التصرف في مملوكاته ولا يلزم أن يكون المخلوف مستقرا في المكان من ~~قبل ، فالخليفة آدم وخلفيته قيامه بتنفيذ مراد الله تعالى من تعمير الأرض ~~بالإلهام أو بالوحي وتلقين ذريته مراد الله تعالى من هذا العالم الأرضي ، ~~ومما يشمله هذا التصرف تصرف آدم بسن النظام لأهله وأهاليهم على حسب وفرة ~~عددهم واتساع تصرفاتهم ، فكانت الآية من هذا الوجه إيماء إلى حاجة البشر ~~إلى إقامة خليفة لتنفيذ الفصل بين الناس في منازعاتهم إذ لا يستقيم نظام ~~يجمع البشر بدون ذلك ، وقد بعث الله الرسل وبين الشرائع فربما اجتمعت ~~الرسالة والخلافة وربما انفصلتا بحسب ما أراد الله من شرائعه إلى أن جاء ~~الإسلام فجمع الرسالة والخلافة لأن دين الإسلام غاية مراد الله تعالى من ~~الشرائع وهو الشريعة الخاتمة ولأن امتزاج الدين والملك هو أكمل مظاهر ~~الخطتين قال تعالى : { وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله } ( النساء ~~: 64 ) ولهذا أجمع أصحاب رسول الله بعد وفاة النبيء صلى الله عليه وسلم على ~~إقامة الخليفة لحفظ نظام الأمة وتنفيذ الشريعة ولم ينازع في ذلك أحد من ~~الخاصة ولا من العامة إلا الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم ~~الهدى ، من جفاة الأعراب ودعاة الفتنة فالمناظرة مع أمثالهم سدى . ~~PageV01P399 # وللخليفة شروط محل بيانها كتب الفقه والكلام ، وستجيء مناسبتها في آيات ~~آتية . # والظاهر أن خطابه تعالى هذا للملائكة كان عند إتمام خلق آدم عند نفخ ~~الروح فيه أو قبل النفخ والأول أظهر ، فيكون المراد بالمخبر عن جعله خليفة ~~هو ذلك المخلوق كما يقول الذي كتب كتابا بحضرة جليس إني مرسل كتابا إلى ~~فلان فإن السامع يعلم أن المراد أن ذلك الذي هو بصدد كتابته كتاب لفلان ، ~~ويجوز أن يكون خطابهم بذلك قبل خلق آدم ، وعلى الوجوه كلها يكون اسم الفاعل ~~في قوله : { جاعل } للزمن المستقبل لأن وصف الخليفة لم يكن ثابتا لآدم ~~ساعتئذ . # وقول الله هذا موجه إلى الملائكة على وجه الإخبار ليسوقهم إلى معرفة فضل ~~الجنس الإنساني على وجه يزيل ما علم الله ms0419 أنه في نفوسهم من سوء الظن بهذا ~~الجنس ، وليكون كالاستشارة لهم تكريما لهم فيكون تعليما في قالب تكريم مثل ~~إلقاء المعلم فائدة للتلميذ في صورة سؤال وجواب وليسن الاستشارة في الأمور ~~، ولتنبيه الملائكة على ما دق وخفي من حكمة خلق آدم كذا ذكر المفسرون . # وعندي أن هاته الاستشارة جعلت لتكون حقيقة مقارنة في الوجود لخلق أول ~~البشر حتى تكون ناموسا أشربته نفوس ذريته لأن مقارنة شيء من الأحوال ~~والمعاني لتكوين شيء ما ، تؤثر تآلفا بين ذلك الكائن وبين المقارن . ولعل ~~هذا الاقتران يقوم في المعاني التي لا توجد إلا تبعا لذوات مقام أمر ~~التكوين في الذوات فكما أن أمره إذا أراد شيئا أي إنشاء ذاتت أن يقول له كن ~~فيكون ، كذلك أمره إذا أراد اقتران معنى بذات أو جنس أن يقدر حصول مبدأ ذلك ~~المعنى عند تكوين أصل ذلك الجنس أو عند تكوين الذات ، ألا ترى أنه تعالى ~~لما أراد أن يكون قبول العلم من خصائص الإنسان علم آدم الأسماء عندما خلقه ~~. # وهذا هو وجه مشروعية تسمية الله تعالى عند الشروع في الأفعال ليكون ~~اقتران ابتدائها بلفظ اسمه تعالى مفيضا للبركة على جميع أجزاء ذلك الفعل ، ~~ولهذا أيضا طلبت منا الشريعة تخير أكمل الحالات وأفضلل الأوقات للشروع في ~~فضائل الأعمال ومهمات المطالب ، وتقدم هذا في الكلام على البسملة ، وسنذكر ~~ما يتعلق بالشورى عند قوله تعالى : { وشاورهم في الأمر في سورة آل عمران ( ~~159 ) . PageV01P400 # وأسندت حكاية هذا القول إلى الله سبحانه بعنوان الرب لأنه قول منبىء عن ~~تدبير عظيم في جعل الخليفة في الأرض ، ففي ذلك الجعل نعمة تدبير مشوب بلطف ~~وصلاح وذلك من معاني الربوبية كما تقدم في قوله : الحمد لله رب العالمين } ~~( الفاتحة 2 ) ، ولما كانت هذه النعمة شاملة لجميع النوع أضيف وصف الرب إلى ~~ضمير أشرف أفراد النوع وهو النبيء محمد صلى الله عليه وسلم مع تكريمه بشرف ~~حضور المخاطبة . # { قالو & # 1764 ا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء } . # هذا جواب الملائكة عن قول الله لهم : { إني ms0420 جاعل في الأرض خليفة } ~~فالتقدير فقالوا على وزان قوله : { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا } ~~( البقرة : 34 ) وفصل الجواب ولم يعطف بالفاء أو الواو جريا به على طريقة ~~متبعة في القرآن في حكاية المحاورات وهي طريقة عربية قال زهير : # قيل لهم ألا اركبوا ألاتا # قالوا جميعا كلهم آلافا # أي فاركبوا ولم يقل فقالوا . وقال رؤبة بن العجاج : # قالت بنات العم يا سلمى وإن # كان فقيرا معدما قالت وإن # وإنما حذفوا العاطف في أمثاله كراهية تكرير العاطف بتكرير أفعال القول ~~فإن المحاورة تقتضي الإعادة في الغالب فطردوا الباب فحذفوا العاطف في ~~الجميع وهو كثير في التنزيل وربما عطفوا ذلك بالفاء لنكتة تقتضي مخالفة ~~الاستعمال وإن كان العطف بالفاء هو الظاهر والأصل ، وهذا مما لم أسبق إلى ~~كشفه من أساليب الاستعمال العربي . # ومما عطف بالفاء قوله تعالى : { فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إلاه ~~غيره أفلا تتقون فقال الملأ في سورة المؤمنين ( 23 ، 24 ) وقد يعطف بالواو ~~أيضا كما في قوله : فأرسلنا فيهم رسولا منهم أن اعبدوا الله ما لكم من إلاه ~~غيره أفلا تتقون وقال الملأ من قومه الخ في سورة المؤمنون ( 32 ، 33 ) وذلك ~~إذا لم يكن المقصود حكاية التحاور بل قصد الإخبار عن أقوال جرت أو كانت ~~الأقوال المحكية مما جرى في أوقات متفرقة أو أمكنة متفرقة . ويظهر ذلك لك ~~في قوله تعالى : قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه } ( غافر : 25 ) إلى ~~قوله : { وقال فرعون ذروني أقتل موسى ( 26 ) ثم قال تعالى : وقال موسى إني ~~عذت بربي وربكم ( 27 ) ثم قال : وقال رجل مؤمن من آل فرعون ( 28 ) الآية في ~~سورة غافر ، وليس قوله : قالوا أتجعل } جوابا لإذ عاملا فيها لما قدمناه ~~آنفا من أنه يفضي إلى أن يكون قولهم : { أتجعل فيها } هو المقصود من القصة ~~وأن تصير جملة ( إذ ) تابعة له إذ الظرف تابع للمظروف . PageV01P401 # والاستفهام المحكي عن كلام الملائكة محمول على حقيقته مضمن معنى التعجب ~~والاستبعاد من أن تتعلق الحكمة بذلك فدلالة الاستفهام على ذلك ms0421 هنا بطريق ~~الكناية مع تطلب ما يزيل إنكارهم واستبعادهم فلذلك تعين بقاء الاستفهام على ~~حقيقته خلافا لمن توهم الاستفهام هنا لمجرد التعجب ، والذي أقدم الملائكة ~~على هذا السؤال أنهم علموا أن الله لما أخبرهم أراد منهم إظهار علمهم تجاه ~~هذا الخبر لأنهم مفطورون على الصدق والنزاهة من كل مؤاربة فلما نشأ ذلك في ~~نفوسهم أفصحت عنه دلالة تدل عليه يعلمها الله تعالى من أحوالهم لا سيما إذا ~~كان من تمام الاستشارة أن يبدي المستشار ما يراه نصحا وفي الحديث : ( ~~المستشار مؤتمن وهو بالخيار ما لم يتكلم ) يعني إذا تكلم فعليه أداء أمانة ~~النصحية . # وعبر بالموصول وصلته للإيماء إلى وجه بناء الكلام وهو الاستفهام والتعجب ~~لأن من كان من شأنه الفساد والسفك لا يصلح للتعمير لأنه إذا عمر نقض ما ~~عمره . وعطف سفك الدماء على الإفساد للاهتمام به . وتكرير ضمير ( الأرض ) ~~للاهتمام بها والتذكير بشأن عمرانها وحفظ نظامها ليكون ذلك أدخل في التعجب ~~من استخلاف آدم وفي صرف إرادة الله تعالى عن ذلك إن كان في الاستشارة ~~ائتمار . # والإفساد تقدم في قوله تعالى : { ألا إنهم هم المفسدون } ( البقرة : 12 ) ~~. # والسفك الإراقة وقد غلب في كلامهم تعديته إلى الدماء وأما إراقة غير الدم ~~فهي سفح بالحاء . وفي المجيء بالصلة جملة فعلية دلالة على توقع أن يتكرر ~~الإفساد والسفك من هذا المخلوق وإنما ظنوا هذا الظن بهذا المخلوق من جهة ما ~~استشعروه من صفات هذا المخلوق المستخلف بإدراكهم النوراني لهيئة تكوينه ~~الجسدية والعقلية والنطقية إما بوصف الله لهم هذا الخليفة أو برؤيتهم صورة ~~تركيبه قبل نفخ الروح فيه وبعده ، والأظهر أنهم رأوه بعد نفخ الروح فيه ~~فعلموا أنه تركيب يستطيع صاحبه أن يخرج عن الجبلة إلى الاكتساب وعن ~~الامتثال إلى العصيان فإن العقل يشتمل على شاهية وغاضبة وعاقلة ومن مجموعها ~~ومجموع بعضها تحصل تراكيب من التفكير نافعة وضارة ، ثم إن القدرة التي في ~~الجوارح تستطيع تنفيذ كل ما يخطر للعقل وقواه أن يفعله ثم إن النطق يستطيع ~~إظهار خلاف الواقع وترويج الباطل ، فيكون ms0422 من أحوال ذلك فساد كبير ومن ~~أحواله أيضا صلاح عظيم وإن طبيعة استخدام ذي القوة لقواه قاضية بأنه سيأتي ~~بكل ما تصلح له هذه القوى خيرها وشرها فيحصل فعل مختلط من PageV01P402 صالح ~~وسيء ، ومجرد مشاهدة الملائكة لهذا المخلوق العجيب المراد جعله خليفة في ~~الأرض كاف في إحاطتهم بما يشتمل عليه من عجائب الصفات على نحو ما سيظهر ~~منها في الخارج لأن مداركهم غاية في السمو لسلامتها من كدرات المادة ، وإذا ~~كان أفراد البشر يتفاوتون في الشعور بالخفيات ، وفي توجه نورانية النفوس ~~إلى المعلومات ، وفي التوسم والتفرس في الذوات بمقدار تفاوتهم في صفات ~~النفس جبلية واكتسابية ولدنية التي أعلاها النبوة ، فما ظنك بالنفوس ~~الملكية البحتة ؟ # وفي هذا ما يغنيك عما تكلف له بعض المفسرين من وجه اطلاع الملائكة على ~~صفات الإنسان قبل بدوها منه من توقيف واطلاع على ما في اللوح أي علم الله ، ~~أو قياس على أمة تقدمت وانقرضت ، أو قياس على الوحوش المفترسة إذ كانت قد ~~وجدت على الأرض قبل خلق آدم كما في سفر التكوين من التوراة . وبه أيضا تعلم ~~أن حكم الملائكة هذا على ما يتوقع هذا الخلق من البشر لم يلاحظ فيه واحد ~~دون آخر ، لأنه حكم عليهم قبل صدور الأفعال منهم وإنما هو حكم بما يصلحون ~~له بالقوة ، فلا يدل ذلك على أن حكمهم هذا على بني آدم دون آدم حيث لم يفسد ~~، لأن في هذا القول غفلة عما ذكرناه من البيان . # وأوثر التعبير بالفعل المضارع في قوله : { من يفسد } { ويسفك } لأن ~~المضارع يدل على التجدد والحدوث دون الدوام أي من يحصل منه الفساد تارة ~~وسفك الدماء تارة لأن الفساد والسفك ليسا بمستمرين من البشر . # وقولهم : { أتجعل فيها من يفسد فيها } دليل على أنهم علموا أن مراد الله ~~من خلق الأرض هو صلاحها وانتظام أمرها وإلا لما كان للاستفهام المشوب ~~بالتعجب موقع وهم علموا مراد الله ذلك من تلقيهم عنه سبحانه أو من مقتضى ~~حقيقة الخلافة أو من قرائن أحوال الاعتناء بخلق الأرض وما عليها ms0423 على نظم ~~تقتضي إرادة بقائها إلى أمد ، وقد دلت آيات كثيرة على أن إصلاح العالم مقصد ~~للشارع قال تعالى : { فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا ~~أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله } ( محمد : 22 ، 23 ) وقال : { وإذا تولى ~~سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد } ( ~~البقرة : 205 ) . # ولا يرد هنا أن هذا القول غيبة وهم منزهون عنها لأن ذلك العالم ليس عالم ~~تكليف ولأنه لا غيبة في مشورة ونحوها كالخطبة والتجريح لتوقف المصلحة على ~~ذكر ما في المستشار PageV01P403 في شأنه من النقائص ، ورجحانن تلك المصلحة ~~على مفسدة ذكر أحد بما يكره ، ولأن الموصوف بذلك غير معين إذ الحكم على ~~النوع ، فانتفى جميع ما يترتب على الغيبة من المفاسد في واقعة الحال فلذلك ~~لم يحجم عنها الملائكة . # و { نسبح بحمدك ونقدس لك } . # الواو متعينة للحالية إذ لا موقع للعطف هنا وإن كان ما بعد الواو من ~~مقولهم ومحكيا عنهم لكن الواو من المحكي وليست من الحكاية لأن قولهم { ونحن ~~نسبح بحمدك } يحتمل معنيين أحدهما أن يكون الغرض منه تفويض الأمر إلى الله ~~تعالى واتهام علمهم فيما أشاروا به كما يفعل المستشار مع من يعلم أنه أسد ~~منه رأيا وأرجح عقلا فيشير ثم يفوض كما قال أهل مشورة بلقيس إذ قالت : { ~~أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون قالوا نحن أولوا قوة وأولوا ~~بأسس شديد أي الرأي أن نحاربه ونصده عما يريد من قوله وأتوني مسلمين } ( ~~النمل : 31 ) والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين ( النمل : 32 ، 33 ) ، وكما ~~يفعل التلميذ مع الأستاذ في بحثه معه ثم يصرح بأنه مبلغ علمه ، وأن القول ~~الفصل للأستاذ ، أو هو إعلان بالتنزيه للخالق عن أن يخفى عليه ما بدا لهم ~~من مانع استخلاف آدم ، وبراءة من شائبة الاعتراض ، والله تعالى وإن كان ~~يعلم براءتهم من ذلك إلا أن كلامهم جرى على طريقة التعبير عما في الضمير من ~~غير قصد إعلام الغير ، أو لأن في نفس هذا التصريح تبركا وعبادة ms0424 ، أو إعلان ~~لأهل الملإ الأعلى بذلك . # فإذا كان كذلك كان العطف غير جائز لأن الجملة المحكية بالقول إذا عطفت ~~عليها جملة أخرى من القول فالشأن أن لا يقصد العطف على تقدير عامل القول ~~إلا إذا كان القولان في وقتين كما في قوله تعالى : { وقالوا حسبنا الله ~~ونعم الوكيل } ( آل عمران : 173 ) على أحد الوجوه في عطف جملة { نعم الوكيل ~~} عند من لا يرون صحة عطف الإنشاء على الخبر وإن كان الحق صحة عطف الإنشاء ~~على الخبر وعكسه وأنه لا ينافي حسن الكلام ، فلذلك لم يكن حظ للعطف ، ألا ~~ترى أنهم إذا حكوا حادثا ملما أو مصابا جما أعقبوه بنحو حسبنا الله ونعم ~~الوكيل أو إنا لله وإنا إليه راجعون أو نحو ذلك ولا يعطفون مثل ذلك فكانت ~~الواو واو الحال للإشارة إلى PageV01P404 أن هذا أمر مستحضر لهم في حال ~~قولهم : { أتجعل فيها من يفسد } وليس شيئا خطر لهم بعد أن توغلوا في ~~الاستبعاد والاستغراب . # الاحتمال الثاني : أن يكون الغرض من قولهم { ونحن نسبح بحمدك } التعريض ~~بأنهم أولى بالاستخلاف لأن الجملة الاسمية دلت على الدوام وجملة { من يفسد ~~فيها } دلت على توقع الفساد والسفك فكان المراد أن استخلافه يقع منه صلاح ~~وفساد والذين لا يصدر منهم عصيان مراد الله هم أولى بالاستخلاف ممن يتوقع ~~منه الفساد فتكون حالا مقررة لمدلول جملة { أتجعل فيها من يفسد } تكملة ~~للاستغراب ، وعاملها هو { تجعل } وهذا الذي أشار إليه تمثيل ( الكشاف ) . ~~والعامل في الحال هو الاستفهام لأنه مما تضمن معنى الفعل لا سيما إذا كان ~~المقصود منه التعجب أيضا إذ تقدير { أتجعل فيها } الخ نتعجب من جعله خليفة ~~. # والتسبيح قول أو مجموع قول مع عمل يدل على تعظيم الله تعالى وتنزيهه ~~ولذلك سمى ذكر الله تسبيحا ، والصلاة سبحة ويطلق التسبيح على قول سبحان ~~الله لأن ذلك القول من التنزيه وقد ذكروا أن التسبيح مشتق من السبح وهو ~~الذهاب السريع في الماء إذ قد توسع في معناه إذ أطلق مجازا على مر النجوم ~~في السماء قال تعالى ms0425 : { وكل في فلك يسبحون } ( يس : 40 ) وعلى جري الفرس ~~قالوا فلعل التسبيح لوحظ فيه معنى سرعة المرور في عبادة الله تعالى ، وأظهر ~~منه أن يكون سبح بمعنى نسب للسبح أي البعد وأريد البعد الاعتباري وهو ~~الرفعة أي التنزيه عن أحوال النقائص وقيل سمع سبح مخففا غير مضاعف بمعنى ~~نزه ، ذكره في ( القاموس ) . # وعندي أن كون التسبيح مأخوذا من السبح على وجه المجاز بعيد والوجه أنه ~~مأخوذ من كلمة سبحان ولهذا التزموا في هذا أن يكون لوزن فعل المضاعف فلم ~~يسمع مخففا . # وإذا كان التسبيح كما قلنا هو قول أو قول وعمل يدل على التعظيم فتعلق ~~قوله { بحمدك } به هنا وفي أكثر المواضع في القرآن ظاهر لأن القول يشتمل ~~على حمد الله تعالى وتمجيده والثناء عليه فالباء للملابسة أي نسبح تسبيحا ~~مصحوبا بالحمد لك وبذلك تنمحي جميع التكلفات التي فسروا بها هنا . # والتقديس التنزيه والتطهير وهو إما بالفعل كما أطلق المقدس على الراهب في ~~قول امرىء القيس يصف تعلق الكلاب بالثور الوحشي : PageV01P405 # فأدركنه يأخذن بالساق والنسا # كما شبرق الولدان ثوب المقدس # وإما بالاعتقاد كما في الحديث : ( لا قدست أمة لا يؤخذ لضعيفها من قويها ~~) أي لا نزهها الله تعالى وطهرها من الأرجاس الشيطانية . # وفعل قدس يتعدى بنفسه فالإتيان باللام مع مفعوله في الآية لإفادة تأكيد ~~حصول الفعل نحو شكرت لك ونصحت لك وفي الحديث عند ذكر الذي وجد كلبا يلهث من ~~العطش ( فأخذ خفه فأدلاه في الركية فسقاه فشكر الله له ) أي شكره مبالغة في ~~الشكر لئلا يتوهم ضعف ذلك الشكر من أنه عن عمل حسنة مع دابة فدفع هذا ~~الإيهام بالتأكيد باللام وهذا من أفصح الكلام ، فلا تذهب مع الذين جعلوا ~~قوله : { لك } متعلقا بمحذوف تقديره حامدين أو هو متعلق بنسبح واللام بمعنى ~~لأجلك على معنى حذف مفعول { نسبح } أي نسبح أنفسنا أي ننزهها عن النقائص ~~لأجلك أي لطاعتك فذلك عدول عن فصيح الكلام ، ولك أن تجعل اللام لام التبيين ~~التي سنتعرض لها عند قوله تعالى : { واشكروا لي ولا تكفرون ms0426 } ( البقرة : ~~152 ) . # فمعنى { ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك } نحن نعظمك وننزهك والأول بالقول ~~والعمل والثاني باعتقاد صفات الكمال المناسبة للذات العلية ، فلا يتوهم ~~التكرار بين ( نسبح ) و ( نقدس ) . # وأوثرت الجملة الاسمية في قوله : { ونحن نسبح } لإفادة الدلالة على ~~الدوام والثبات أي هو وصفهم الملازم لجبلتهم ، وتقديم المسند إليه على ~~الخبر الفعلي دون حرف النفي يحتمل أن يكون للتخصيص بحاصل ما دلت عليه ~~الجملة الاسمية من الدوام أي نحن الدائمون على التسبيح والتقديس دون هذا ~~المخلوق والأظهر أن التقديم لمجرد التقوى نحو هو يعطي الجزيل . # { قال إني & # 1764 أعلم ما لا تعلمون } . # جواب لكلامهم فهو جار على أسلوب المقاولة في المحاورات كما تقدم ، أي ~~أعلم ما في البشر من صفات الصلاح ومن صفات الفساد . # واعلم أن صلاحه يحصل منه المقصد من تعمير الأرض وأن فساده لا يأتي على ~~المقصد بالإبطال وأن في ذلك كله مصالح عظيمة ومظاهر PageV01P406 لتفاوت ~~البشر في المراتب واطلاعا على نموذج من غايات علم الله تعالى وإرادته ~~وقدرته بما يظهره البشر من مبالغ نتائج العقول والعلوم والصنائع والفضائل ~~والشرائع وغير ذلك . كيف ومن أبدع ذلك أن تركب الصفتين الذميمتين يأتي ~~بصفات الفضائل كحدوث الشجاعة من بين طرفي التهور والجبن . وهذا إجمال في ~~التذكير بأن علم الله تعالى أوسع مما علموه فهم يوقنون إجمالا أن لذلك حكمة ~~ومن المعلوم أن لا حاجة هنا لتقدير وما تعلمون بعد { ما لا تعلمون } لأنه ~~معروف لكل سامع ولأن الغرض لم يتعلق بذكره وإنما تعلق بذكر علمه تعالى بما ~~شذ عنهم . وقد كان قول الله تعالى هذا تنهية للمحاورة وإجمالا للحجة على ~~الملائكة بأن سعة علم الله تحيط بما لم يحط به علمهم وأنه حين أراد أن يجعل ~~آدم خليفة كانت إرادته عن علم بأنه أهل للخلافة ، وتأكيد الجملة بأن لتنزيل ~~الملائكة في مراجعتهم وغفلتهم عن الحكمة منزلة المترددين . # $ 2 ( 31 ) { وعلم ءادم الأسمآء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئونى ~~بأسمآء هاؤلا & # 1764 ء إن كنتم صادقين } . ) 2 $ # { وعلم ءادم الأسمآء كلها ms0427 ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئونى بأسمآء ~~هاؤلا & # 1764 ء إن كنتم صادقين } . # معطوف على قوله : { قال إني أعلم م لا تعلمون } ( البقرة : 30 ) عطف ~~حكاية الدليل التفصيلي على حكاية الاستدلال الإجمالي الذي اقتضاه قوله : { ~~إني أعلم ما لا تعلموت } فإن تعليم آدم الأسماء وإظهار فضيلته بقبوله لهذا ~~التعليم دون الملائكة جعله الله حجة على قوله لهم { إني أعلم ما لا تعلمون ~~أي ما لا تعلمون } من جدارة هذا المخلوق بالخلافة في الأرض ، وعطف ذكر آدم ~~بعد ذكر مقالة الله للملائكة وذكر محاورتهم يدل على أن هذا الخليفة هو آدم ~~وأن آدم اسم لذلك الخليفة وهذا الأسلوب من بديع الإجمالي والتفصيل والإيجاز ~~كما قال النابغة : # فقلت لهم لا أعرفن عقائلا # رعابيب من جنبي أريك وعاقل # الأبيات . ثم قال بعدها : # وقد خفت حتى ما تزيد مخافتي # على وعل في ذي المطارة عاقل # مخافة عمرو أن تكون جياده # يقدن إلينا بين حافف وناعل # فدل على أن ما ذكره سالفا من العقائل التي بين أريك وعاقل ومن الأنعام ~~المغتنمة هو ما يتوقع من عزو عمرو بن الحرث الغساني ديار بني عوف من قومه . ~~PageV01P407 # وآدم اسم الإنسان الأول أبي البشر في لغة العرب وقيل منقول من العبرانية ~~لأن أداما بالعبرانية بمعنى الأرض وهو قريب لأن التوراة تكلمت على خلق آدم ~~وأطالت في أحواله فلا يبعد أن يكون اسم أبي البشر قد اشتهر عند العرب من ~~اليهود وسماع حكاياتهم ، ويجوز أن يكون هذا الاسم عرف عند العرب ~~والعبرانيين معا من أصل اللغات السامية فاتفقت عليه فروعها . وقد سمي في ~~سفر التكوين من التوراة بهذا الاسم آدم ووقع في ( دائرة المعارف العربية ) ~~أن آدم سمى نفسه إيش ( أي ذا مقتني ) وترجمته إنسان أو قرء . قلت ولعله ~~تحريف ( إيث ) كما ستعلمه عند قوله تعالى : { اسكن أنت وزوجك الجنة } ( ~~البقرة : 35 ) . # وللإنسان الأول أسماء أخر في لغات الأمم وقد سماه الفرس القدماء ( كيومرت ~~) بفتح الكاف في أوله وبتاء مثناة فوقية في آخره ، ويسمى أيضا ( كيامرتن ) ~~بألف عوق الواو ms0428 وبكسر الراء وبنون بعد المثناة الفوقية ، قالوا إنه مكث في ~~الجنة ثلاثة آلاف سنة ثم هبط إلى الأرض فعاش في الأرض ثلاثة آلاف سنة أخرى ~~، واسمه في العبرانية ( آدم ) كما سمي في التوراة وانتقل هذا الاسم إلى ~~اللغات الأفرنجية من كتب الديانة المسيحية فسموه ( آدام ) بإشباع الدال ، ~~فهو اسم على وزن فاعل صيغ كذلك اعتباطا وقد جمع على أوادم بوزن فواعل كما ~~جمع خاتم وهذا الذي يشير إليه صاحب ( الكشاف ) وجعل محاولة اشتقاقه كمحاولة ~~اشتقاق يعقوب من العقب وإبليس من الإبلاس ونحو ذلك أي هي محاولة ضئيلة وهو ~~الحق . # وقال الجوهري أصله أأدم بهمزتين على وزن أفعل من الأدمة وهي لون السمرة ~~فقلبت ثانية الهمزتين مدة ويبعده الجمع وإن أمكن تأويله بأن أصله أأادم ~~فقلبت الهمزة الثانية في الجمع واوا لأنها ليس لها أصل كما أجاب به الجوهري ~~. ولعل اشتقاق اسم لون الأدمة من اسم آدم أقرب من العكس . # والأسماء جمع اسم وهو في اللغة لفظ يدل على معنى يفهمه ذهن السامع فيختص ~~بالألفاظ سواء كان مدلولها ذاتا وهو الأصل الأول ، أو صفة أو فعلا فيما طرأ ~~على البشر الاحتياج إليه في استعانة بعضهم ببعض فحصل من ذلك ألفاظ مفردة أو ~~مركبة وذلك هو معنى الاسم عرفا إذ لم يقع نقل . فما قيل إن الاسم يطلق على ~~ما يدل على الشيء سواء كان لفظه أو صفته أو فعله توهم في اللغة . ولعلهم ~~تطوحوا به إلى أن اشتقاقه من السمة وهي العلامة ، وذلك على تسليمه لا يقتضي ~~أن يبقى مساويا لأصل اشتقاقه . وقد قيل هو مشتق من السمو لأنه PageV01P408 ~~لما دل على الذات فقد أبرزها . وقيل مشتق من الوسم لأنه سمة على المدلول . ~~والأظهر أنه مشتق من السمو وأن وزنه سمو بكسر السين وسكون الميم لأنهم ~~جمعوه على أسماء ولولا أن أصله سمو لما كان وجه لزيادة الهمزة في آخره ~~فإنها مبدلة عن الواو في الطرف إثر ألف زائدة ولكانوا جمعوه على أوسام . # والظاهر أن الأسماء التي علمها آدم هي ألفاظ ms0429 تدل على ذوات الأشياء التي ~~يحتاج نوع الإنسان إلى التعبير عنها لحاجته إلى ندائها ، أو استحضارها ، أو ~~إفادة حصول بعضها مع بعض ، وهي أي الإفادة ما نسميه اليوم بالأخبار أو ~~التوصيف فيظهر أن المراد بالأسماء ابتداء أسماء الذوات من الموجودات مثل ~~الأعلام الشخصية وأسماء الأجناس من الحيوان والنبات والحجر والكواكب مما ~~يقع عليه نظر الإنسان ابتداء مثل اسم جنة ، وملك ، وآدم ، وحواء ، وإبليس ، ~~وشجرة وثمرة ، ونجد ذلك بحسب اللغة البشرية الأولى ولذلك نرجح أن لا يكون ~~فيما علمه آدم ابتداء شيء من أسماء المعاني والأحداث ثم طرأت بعد ذلك فكان ~~إذا أراد أن يخبر عن حصول حدث أو أمر معنوي لذات ، قرن بين اسم الذات واسم ~~الحدث نحو ماء برد أي ماء بارد ثم طرأ وضع الأفعال والأوصاف بعد ذلك فقال ~~الماء بارد أو برد الماء ، وهذا يرجح أن أصل الاشتقاق هو المصادر لا ~~الأفعال لأن المصادر صنف دقيق من نوع الأسماء وقد دلنا على هذا قوله تعالى ~~: { ثم عرضهم } كما سيأتي . # والتعريف في ( الأسماء ) تعريف الجنس أريد منه الاستغراق للدلالة على أنه ~~علمه جميع أسماء الأشياء المعروفة يومئذ في ذلك العالم فهو استغراق عرفي ~~مثل جممع الأمير الصاغة أي صاغة أرضه ، وهو الظاهر لأنه المقدار الذي تظهر ~~به الفضيلة فما زاد عليه لا يليق تعليمه بالحكمة وقدرة الله صالحة لذلك . # وتعريف الأسماء يفيد أن الله علم آدم كل اسم ما هو مسماه ومدلوله ، ~~والإتيان بالجمع هنا متعين إذ لا يستقيم أن يقول وعلم آدم الاسم ، وما شاع ~~من أن استغراق المفرد أشمل من استغراق الجمع في المعرف باللام كلام غير ~~محرر ، وأصله مأخوذ من كلام السكاكي وسنحققه عند قوله تعالى : { ولكن البر ~~من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب } ( البقرة : 177 ) في هذ ~~السورة . # و { كلها } تأكيد لمعنى الاستغراق لئلا يتوهم منه العهد فلم تزد كلمة كل ~~العموم شمولا ولكنها دفعت عنه الاحتمال . ( وكل ) اسم دال على الشمول ~~والإحاطة فيما أضيف PageV01P409 هو إليه وأكثر ما يجىء مضافا إلى ضمير ms0430 ما ~~قبله فيعرب توكيدا تابعا لما قبله ويكون أيضا مستقلا بالإعراب إذا لم يقصد ~~التوكيد بل قصدت الإحاطة وهو ملازم للإضافة لفظا أو تقديرا فإذا لم يذكر ~~المضاف إليه عوض عنه التنوين ولكونه ملازما للإضافة يعتبر معرفة بالإضافة ~~فلا تدخل عليه لام التعريف . # وتعليم الله تعالى آدم الأسماء إما بطريقة التلقين بعرض المسمى عليه فإذا ~~أراه لقن اسمه بصوت مخلوق يسمعه فيعلم أن ذلك اللفظ دال على تلك الذات بعلم ~~ضروري ، أو يكون التعليم بإلقاء علم ضروري في نفس آدم بحيث يخطر في ذهنه ~~اسم شيء عند ما يعرض عليه فيضع له اسما بأن ألهمه وضع الأسماء للأشياء ~~ليمكنه أن يفيدها غيره وذلك بأن خلق قوة النطق فيه وجعله قادرا على وضع ~~اللغة كما قال تعالى : { خلق الإنسان علمه البيان } ( الرحمن : 2 ، 3 ) ~~وجميع ذلك تعليم إذ التعليم مصدر علمه إذا جعله ذا علم مثل أدبه فلا ينحصر ~~في التلقين وإن تبادر فيه عرفا . وأيا ما كانت كيفية التعليم فقد كان سببا ~~لتفضيل الإنسان على بقية أنواع جنسه بقوة النطق وإحداث الموضوعات اللغوية ~~للتعبير عما في الضمير . وكان ذلك أيضا سببا لتفاضل أفراد الإنسان بعضهم ~~على بعض بما ينشأ عن النطق من استفادة المجهول من المعلوم وهو مبدأ العلوم ~~، فالإنسان لما خلق ناطقا معبرا عما في ضميره فقد خلق مدركا أي عالما وقد ~~خلق معلما ، وهذا أصل نشأة العلوم والقوانين وتفاريعها لأنك إذا نظرت إلى ~~المعارف كلها وجدتها وضع أسماء لمسميات وتعريف معاني تلك الأسماء وتحديدها ~~لتسهيل إيصال ما يحصل في الذهن إلى ذهن الغير . وكلا الأمرين قد حرمه بقية ~~أنواع الحيوان ، فلذلك لم تتفاضل أفراده إلا تفاضلا ضعيفا بحسن الصورة أو ~~قوة المنفعة أو قلة العجمة بله بقية الأجناس كالنبات والمعدن . وبهذا تعلم ~~أن العبرة في تعليم الله تعالى آدم الأسماء حاصلة سواء كان الذي علمه إياه ~~أسماء الموجودات يومئذ أو أسماء كل ما سيوجد ، وسواء كان ذلك بلغة واحدة هي ~~التي ابتدأ بها نطق البشر منذ ذلك التعليم ms0431 أم كان بجميع اللغات التي ستنطق ~~بها ذرياته من الأمم ، وسواء كانت الأسماء أسماء الذوات فقط أو أسماء ~~المعاني والصفات ، وسواء كان المراد من الأسماء الألفاظ الدالة على المعاني ~~أو كل دال على شيء لفظا كان أو غيره من خصائص الأشياء وصفاتها وأفعالها كما ~~تقدم إذ محاولة تحقيق ذلك لا طائل تحته في تفسير القرآن . ولعل كثيرا من ~~المفسرين قد هان عندهم أن يكون تفضيل آدم بتعليم الله متعلقا بمعرفة عدد ~~PageV01P410 من الألفاظ الدالة على المعاني الموجودة فراموا تعظيم هذا ~~التعليم بتوسيعه وغفلوا عن موقع العبرة وملاكك الفضيلة وهو إيجاد هاته ~~القوة العظيمة التي كان أولها تعليم تلك الأسماء ، ولذلك كان إظهار عجز ~~الملائكة عن لحاق هذا الشأو بعدم تعليمهم لشيء من الأسماء ، ولو كانت ~~المزية والتفاضل في تعليم آدم جميع ما سيكون من الأسماء في اللغات لكفى في ~~إظهار عجز الملائكة عدم تعليمهم لجمهرة الأسماء وإنما علم آدم أسماء ~~الموجودات يومئذ كلها ليكون إنباؤه الملائكة بها أبهر لهم في فضيلته . # وليس في هذه الآية دليل على أن اللغات توقيفية أي لقنها الله تعالى البشر ~~على لسان آدم ولا على عدمه لأن طريقة التعليم في قوله تعالى : { وعلم آدم ~~الأسماء } مجملة محتملة لكيفيات كما قدمناه . والناس متفقون على أن القدرة ~~عليها إلهام من الله وذلك تعليم منه سواء لقن آدم لغة واحدة أو جميع لغات ~~البشر وأسماء كل شيء أو ألهمه ذلك أو خلق له القوة الناطقة ، والمسألة ~~مفروضة في علم الله وفي أصول الفقه وفيها أقوال ولا أثر لهذا الاختلاف لا ~~في الفقه ولا في غيره قال المازري ( إلا في جواز قلب اللغة والحق أن قلب ~~الألفاظ الشرعية حرام وغيره جائز ) ولقد أصاب المازري وأخطأ كل من رام أن ~~يجعل لهذا الخلاف ثمرة غير ما ذكر ، وفي استقراء ذلك ورده طول ، وأمره لا ~~يخفى عن سالمي العقول . # { ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئونى بأسمآء هاؤلا & # 1764 ء إن كنتم صادقين } . # قيل عطفه بثم لأن بين ابتداء التعليم وبين العرض ms0432 مهلة وهي مدة تلقين ~~الأسماء لآدم أو مدة إلهامه وضع الأسماء للمسميات . والأظهر أن ( ثم ) هنا ~~للتراخي الرتبي كشأنها في عطفها الجمل لأن رتبة هذا العرض وظهور عدم علم ~~الملائكة وظهور علم آدم وظهور أثر علم الله وحكمته كل ذلك أرفع رتبة في ~~إظهار مزية آدم واستحقاقه الخلافة ، من رتبة مجرد تعلمه الأسماء لو بقي غير ~~متصل به ما حدث من الحادثة كلها . ولما كان مفهوم لفظ ( اسم ) من المفهومات ~~الإضافية التي يتوقف تعقلها على تعقل غيرها إذ الاسم لا يكون إلا لمسمى كان ~~PageV01P411 ذكر الأسماء مشعرا لا محالة بالمسميات فجاز للبليغ أن يعتمد ~~على ذلك ويحذف لفظ المسميات إيجازا . # وضمير { عرضهم } للمسميات لأنها التي تعرض بقرينة قوله : { أنيئوني ~~بأسماء هؤلاء } وبقرينة قوله : { وعلم آدم الأسماء كلها } ، فإن الاسم ~~يقتضي مسمى وهذا من إيجاز الحذف وأما الأسماء فلا تعرض لأن العرض إظهار ~~الذات بعد خفائها ومنه عرض الشيء للبيع ويوم العرض والألفاظ لا تظهر فتعين ~~أن المعروض مدلولات الأسماء إما بأن تعرض صور من الذوات فقط ويسأل عن معرفة ~~أسمائها أي معرفة الألفاظ الدالة عليها ، أو عن بيان مواهيها وخصائصها وإما ~~بأن تعرض الذوات والمعاني بخلق أشكال دالة على المعاني كعرض الشجاعة في ~~صورة فعل صاحبها والعلم في صورة إفاضة العالم في درسه أو تحريره كما نرى في ~~الصور المنحوتة أو المدهونة للمعاني المعقولة عند اليونان والرومان والفرس ~~والصور الذهنية عند الإفرنج ، بحيث يجد الملائكة عند مشاهدة تلك الهيئة أن ~~المعروض معنى شجاعة أو معنى علم ويقرب ذلك ما يحصل في المرائي الحلمية . ~~والحاصل أن الحال المذكورة في الآية حالة عالم أوسع من عالم المحسوسات ~~والمادة . # وإعادة ضمير المذكر العاقل على المسميات في قوله : { عرضهم } للتغليب لأن ~~أشرف المعروضات ذوات العقلاء وصفاتهم على أن ورود مثله بالألفاظ التي أصلها ~~للعقلاء طريقة عربية نحو قوله تعالى : { إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك ~~كان عنه مسؤلا } ( الإسراء : 36 ) . والداعي إلى هذا أن يعلم ابتداء أن ~~المعروض غير الأسماء حتى لا يضل فهم ms0433 السامع قبل سماع قرينة { أنبئوني ~~بأسماء هؤلاء } . # وقوله تعالى : { فقال أنبئوني } تفريع على العرض وقرن بالفاء لذلك . ~~والأمر في قوله : { أنبئوني } أمر نعجيز بقرينة كون المأمور يعلم أن الآمر ~~عالم بذلك فليس هذا من التكليف بالمحال كما ظنه بعض المفسرين . واستعمال ~~صيغة الأمر في التعجيز مجاز ، ثم إن ذلك المعنى المجازي يستلزم علم الآمر ~~بعجز المأمور وذلك يستلزم علم الآمر بالمأمور به . # والإنباء الإخبار بالنبأ وهو الخبر ذو الفائدة العظيمة والأهمية بحيث ~~يحرص السامعون على اكتسابه ، ولذلك تضمن الإنباء معنى الإعلام لأن المخبر ~~به يعد مما يعلم ويعتقد بوجه أخص من اعتقاد مطلق الخبر فهو أخص من الخبر . # وقوله : { إن كنتم صادقين } إما أراد به إن كنتم صادقين في أنكم أفضل من ~~هذا المخلوق إن كان قولهم : { ونحن نسبح } الخ تعريضا بأنهم أحقاء بذلك ، ~~أو أراد إن كنتم PageV01P412 صادقين في عدم جدارة آدم بالخلافة كما دل عليه ~~قولهم : { أتجعل فيها من يفسد فيها } ( البقرة : 30 ) كان قولهم : { ونحن ~~نسبح بحمدك } ( البقرة : 30 ) لمجرد التفويض أو الإعلان للسامعين من أهل ~~الملأ الأعلى بالبراءة من شائبة الاعتراض على ما اخترناه . # ووجه الملازمة بين الإنباء بالأسماء وبين صدقهم فيما ادعوه التي اقتضاها ~~ربط الجزاء بالشرط أن العلم بالأسماء عبارة عن القوة الناطقة الصالحة ~~لاستفادة المعارف وإفادتها ، أو عبارة عن معرفة حقائق الأشياء وخصائصها ، ~~أو عبارة عن معرفة أسماء الذوات والمعاني ، وكل ذلك يستلزم ثبوت العالمية ~~بالفعل أو بالقوة ، وصاحب هذا الوصف هو الجدير بالاستخلاف في العالم لأن ~~وظيفة هذا الاستخلاف تدبير وإرشاد وهدى ووضع الأشياء مواضعها دون احتياج ~~إلى التوقيف في غالب التصرفات ، وكل ذلك محتاج إلى القوة الناطقة أو فروعها ~~، والقوى الملكية على شرفها إنما تصلح لأعمال معينة قد سخرت لها لا تعدوها ~~ولا تتصرف فيها بالتحليل والتركيب ، وما يذكر من تنوع تصرفها وصواب أعمالها ~~إنما هو من توجيه الله تعالى إياها وتلقينه المعبر عنه بالتسخير ، وبذلك ~~ظهر وجه ارتباط الأمر بالإنباء بهذا الشرط وقد تحير فيه كثير . # وإذا انتفى الإنباء انتفى ms0434 كونهم صادقين في إنكارهم خلافة آدم ، فإن كان ~~محل الصدق هو دعواهم أنهم أجدر فقد ثبت عدمها ، وإن كان محل التصديق هو ~~دعواهم أن البشر غير صالح للاستخلاف فانتفاء الإنباء لا يدل على انتفاء ~~دعواهم ولكنه تمهيد له لأن بعده إنباء آدم بالأسماء لأن المقام مؤذن بأنهم ~~لما أمروا أمر تعجيز وجعل المأمور به دلالة على الصدق كان وراء ذلك إنباء ~~آخر مترقبا من الذي طعنوا في جدارته ويدل لذلك أيضا قوله تعالى لهم : { إني ~~أعلم ما لا تعلمون } ( البقرة : 30 ) ذ . # # | 2 ( 32 ) { قالوا سبحانك لا علم لنآ إلا ما علمتنآ إنك أنت العليم ~~الحكيم } . ) 2 # جرد { قالوا } من الفاء لأنه محاورة كما تقدم عند قوله تعالى : { قالوا ~~أتجعل فيها من يفسد فيها } ( البقرة : 30 ) وافتتاح كلامهم بالتسبيح وقوف ~~في مقام الأدب والتعظيم لذي العظمة المطلقة ، وسبحان اسم التسبيح وقد تقدم ~~عند قوله : { ونحن نسبح بحمدك } ( البقرة : 30 ) وهو اسم مصدر سبح المضاعف ~~وليس مصدرا لأنه لم يجىء على أبنية مصادر الرباعي وقيل هو مصدر سبح مخففا ~~PageV01P413 بمعنى نزه فيكون كالغفران والشكران ، والكفران من غفر وشكر ~~وكفر وقد كثر استعماله منصوبا على المفعولية المطلقة بإضمار فعله ك { معاذ ~~الله } ( يوسف : 23 ) وقد يخرج عن ذلك نادرا قال : ( سبحانك اللهم ذا ~~السبحان ) وكأنهم لما خصصوه في الاستعمال بجعله كالعلم على التنزيه عدلوا ~~عن قياس اشتقاقه فصار سبحان كالعلم الجنسي مثل برة وفجار بكسر الراء في قول ~~النابغة : # فحملت برة واحتملت فجار # ومنعوه من الصرف للعلمية وزيادة الألف والنون قال سيبويه : وأما ترك ~~تنوين ( سبحان ) فلأنه صار عندهم معرفة وقول الملائكة : { لا علم لنا إلا ~~ما علمتنا } خبر مراد منه الاعتراف بالعجز لا الإخبار عن حالهم لأنهم ~~يوقنون أن الله يعلم ما تضمنه كلامهم . ولا أنهم قصدوا لازم الفائدة وهي أن ~~المخبر عالم بالخبر فتعين أن الخبر مستعمل في الاعتراف . # ثم إن كلامهم هذا يدل على أن علومهم محدودة غير قابلة للزيادة فهي مقصورة ~~على ما ألهمهم الله تعالى وما يأمرهم ms0435 ، فللملائكة علم قبول المعاني لا علم ~~استنباطها . # وفي تصدير كلامهم بسبحانك إيماء إلى الاعتذار عن مراجعتهم بقولهم : { ~~أتجعل فيها من يفسد فيها } ( البقرة : 30 ) فهو افتتاح من قبيل براعة ~~الاستهلال عن الاعتذار . والاعتذار وإن كان يحصل بقولهم : { لا علم لنا إلا ~~ما علمتنا } لكن حصول ذلك منه بطريق الكناية دون التصريح ويحصل آخرا لا ~~ابتداء فكان افتتاح كلامهم بالتنزيه تعجيلا بما يدل على ملازمة جانب الأدب ~~العظيم { إنك أنت العليم الحكيم } ساقوه مساق التعليل لقولهم { لا علم لنا ~~إلا ما علمتنا } لأن المحيط علمه بكل شيء المحكم لكل خلق إذا لم يجعل لبعض ~~مخلوقاته سبيلا إلى علم شيء لم يكن لهم قبل بعلمه إذ الحصول بقدر القبول ~~والاستعداد أي فلا مطمع لنا في تجاوز العلم إلى ما لم تهيىء لنا علمه بحسب ~~فطرتنا . والذي دل على أن هذا القول مسوق للتعليل وليس مجرد ثناء هو تصديره ~~بإن في غير مقام رد إنكار ولا تردد . # قال الشيخ في ( دلائل الإعجاز ) ومن شأن إن إذا جاءت على هذا الوجه ( أي ~~أن تقع إثر كلام وتكون لمجرد الاهتمام ) أن تغني غناء الفاء العاطفة ( مثلا ~~) وأن تفيد من ربط الجملة بما قبلها أمرا عجيبا فأنت ترى الكلام بها مقطوعا ~~موصولا ، وأنشد قول بشار : PageV01P414 # بكرا صاحبي قبل الهجير # إن ذاك النجاح في التبكير # وقول بعض العرب : # فغنها وهي لك الفداء # إن غناء الإبل الحداء # فإنهما استغنيا بذكر إن عن الفاء ، وإن خلفا الأحمر لما سأل بشارا لماذا ~~لم يقل : ( بكرا فالنجاح في التبكير ) أجابه بشار بأنه أتى بها عربية بدوية ~~ولو قال : ( فالنجاح ) لصارت من كلام المولدين ( أي أجابه جوابا أحاله فيه ~~على الذوق ) وقد بين الشيخ عبد القاهر سببه . وقال الشيخ في موضع آخر ألا ~~ترى أن الغرض من قوله : ( إن ذاك النجاح في التبكير ) أن يبين المعنى في ~~قوله لصاحبيه ( بكرا ) وأن يحتج لنفسه في الأمر بالتبكير ويبين وجه الفائدة ~~منه ) ا ه . # ( والعليم ) الكثير العلم وهو من أمثلة المبالغة على الصحيح ويجوز ms0436 كونه ~~صفة مشبهة على تقدير تحويل علم المكسور اللام إلى علم بضم اللام ليصير من ~~أفعال السجايا نحو ما قررناه في الرحيم ونحن في غنية عن هذا التكلف إذ لا ~~ينبغي أن يبقى اختلاف في أن وزن فعيل يجيىء لمعنى المبالغة وإنما أنشأ هذه ~~التمحلات من زعموا أن فعيلا لا يجيء للمبالغة . # ( الحكيم ) فعيل من أحكم إذا أتقن الصنع بأن حاطه من الخلل . وأصل مادة ~~حكم في كلام العرب للمنع من الفساد والخلل ومنه حكمة الدابة ( بالتحريك ) ~~للحديدة التي توضع في فم الفرس لتمنعه من اختلال السير ، وأحكم فلان فلانا ~~منعه قال جرير : # أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم # إني أخاف عليكم أن أغضبا # والحكمة بكسر الحاء ضبط العلم وكماله ، فالحكيم إما بمعنى المتقن للأمور ~~كلها أو بمعنى ذي الحكمة وأيا ما كان فقد جرى بوزن فعيل على غير فعل ثلاثي ~~وذلك مسموع قال عمرو بن معديكرب : # أمن ريحانة الداعي السميع # يؤرقني وأصحابي هجوع # ومن شواهد النحو ما أنشده أبو علي ولم يعزه : # فمن يك لم ينجب أبوه وأمه # فإن لنا الأم النجيبة والأب # أراد الأم المنجبة بدليل قوله لم ينجب أبوه وفي القرآن { بديع السماوات ~~والأرض } ( البقرة : 117 ) ووصف PageV01P415 الحكيم والعرب تجري أوزان بعض ~~المشتقات على بعض فلا حاجة إلى التكلف بتأول { بديع السماوات والأرض } ~~ببديع سماواته وأرضه أي على أن ( أل ) عوض عن المضاف إليه فتكون الموصوف ~~بحكيم هو السماوات والأرض وهي محكمة الخلق فإن مساق الآية تمجيد الخالق لا ~~عجائب مخلوقاته حتى يكون بمعنى مفعول ، ولا إلى تأويل الحكيم بمعنى ذي ~~الحكمة لأن ذلك لا يجدي في دفع بحث مجيئه من غير ثلاثي . # وتعقيب العليم بالحكيم من إتباع الوصف بأخص منه فإن مفهوم الحكمة زائد ~~على مفهوم العلم لأن الحكمة كمال في العلم فهو كقولهم خطيب مصقع وشاعر مفلق ~~. # وفي ( معارج النور ) للشيخ لطف الله الأرضرومي : وفي الحكيم ذو الحكمة ~~وهي العلم بالشيء وإتقان عمله وهو الإيجاد بالنسبة إليه والتدبير بأكمل ما ~~تستعد له ذات المدبر ( بفتح الباء ) والاطلاع ms0437 على حقائق الأمور ا ه . # وقال أبو حامد الغزالي في ( المقصد الأسنى ) : الحكيم ذو الحكمة والحكمة ~~عبارة عن المعرفة بأفضل الأشياء ، فأفضل العلوم العلم بالله وأجل الأشياء ~~هو الله وقد سبق أنه لا يعرفه كنه معرفته غيره وجلالة العلم بقدر جلالة ~~المعلوم فهو الحكيم الحق لأنه يعلم أجل الأشياء بأجل العلوم إذ أجل العلوم ~~هو العلم الأزلي القديم الذي لا يتصور زواله المطابق للمعلوم مطابقة لا ~~يتطرق إليها خفاء ، ولا شبهة ولا يتصور ذلك إلا في علم الله ا ه . وسيجىء ~~الكلام على الحكمة عند قوله تعالى : { يؤتي الحكمة من يشاء } ( البقرة : ~~269 ) . # و { أنت } في { إنك أنت العليم الحكيم } ضمير فصل ، وتوسيطه من صيغ القصر ~~فالمعنى قصر العلم والحكمة على الله قصر قلب لردهم اعتقادهم أنفسهم أنهم ~~على جانب من علم وحكمة حين راجعوا بقولهم : { أتجعل فيها من يفسد فيها } ( ~~البقرة : 30 ) أو تنزيلهم منزلة من يعتقد ذلك على الاحتمالين المتقدمين ، ~~أو هو قصر حقيقي ادعائي مراد منه قصر كمال العلم والحكمة عليه تعالى . # $ 2 ( 33 ) { قال ياءادم أنبئهم بأسمآئهم فلمآ أنبأهم بأسمآئهم قال ألم ~~أقل لكم إني & # 1764 أعلم غيب السماوات والارض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون } . ) 2 $ # { قال ياءادم أنبئهم بأسمآئهم فلمآ أنبأهم بأسمآئهم قال ألم أقل لكم إني ~~& # 1764 أعلم غيب السماوات والارض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون } . # لما دخل هذا القول في جملة المحاورة جردت الجملة من الفاء أيضا كما تقدم ~~في نظائره لأنه وإن كان إقبالا بالخطاب على غير المخاطبين بالأقوال التي ~~قبله فهو بمثابة خطاب لهم لأن المقصود من خطاب آدم بذلك أن يظهر عقبه فضله ~~عليهم في العلم من هاته الناحية فكان PageV01P416 الخطاب بمنزلة أن يكون ~~مسوقا إليهم لقوله عقب ذلك : { قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات ~~والأرض } . # وابتداء خطاب آدم بندائه مع أنه غير بعيد عن سماع الأمر الإلاهي للتنويه ~~بشأن آدم وإظهار اسمه في الملأ الأعلى حتى ينال بذلك حسن السمعة مع ما فيه ~~من التكريم ms0438 عند الآمر لأن شأن الآمر والمخاطب بالكسر إذا تلطف مع المخاطب ~~بالفتح أن يذكر اسمه ولا يقتصر على ضمير الخطاب حتى لا يساوي بخطابه كل ~~خطاب ، ومنه ما جاء في حديث الشفاعة بعد ذكر سجود النبيء وحمده الله بمحامد ~~يلهمه إياها فيقول : ( يا محمد ارفع رأسك سل تعط واشفع تشفع ) وهذه نكتة ~~ذكر الاسم حتى في أثناء المخاطبة كما قال امرؤ القيس : # أفاطم مهلا بعض هذا التدلل # وربما جعلوا النداء طريقا إلى إحضار اسمه الظاهر لأنه لا طريق لإحضاره ~~عند المخاطبة إلا بواسطة النداء فالنداء على كل تقدير مستعمل في معناه ~~المجازي . # { فلمآ أنبأهم بأسمآئهم } . # الإنباء إخبارهم بالأسماء ، وفيه إيماء بأن المخبر به شيء مهم . والضمير ~~المجرور بالإضافة ضمير المسميات مثل ضمير { عرضهم } ، وفي إجرائه على صيغة ~~ضمائر العقلاء ما قرر في قوله : { ثم عرضهم } ( البقرة : 31 ) . # وقوله : { فلما أنبأهم بأسمائهم } الضمير في ( أنبأ ) لآدم وفي ( قال ) ~~ضمير اسم الجلالة وإنما لم يؤت بفاعله اسما ظاهرا مع أنه جرى على غير من هو ~~له أي عقب ضمائر آدم في قوله : { أنبئهم } و { أنبأهم } لأن السياق قرينة ~~على أن هذا القول لا يصدر من مثل آدم . # { قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والارض } . # جواب ( لما ) والقائل هو الله تعالى وهو المذكور في قوله : { وإذ قال ربك ~~} ( البقرة : 30 ) وعادت إليه ضمائر { قال إني أعلم } ( البقرة : 30 ) و { ~~علم } ( البقرة : 31 ) و { عرضهم } وما قبله من الضمائر وهو تذكير لهم ~~بقوله لهم في أول المحاورة : { إني أعلم ما لا تعلمون } وذلك القول وإن لم ~~يكن فيه : { أعلم غيب السماوات PageV01P417 والأرض } صراحة إلا أنه يتضمنه ~~لأن عموم { ما لا تعلمون } يشمل جميع ذلك فيكون قوله هنا : { إني أعلم غيب ~~السماوات والأرض } بيانا لما أجمل في القول الأول لأنه يساويه ما صدقا لأن ~~{ ما لا تعلمون } هو غيب السموات والأرض وقد زاد البيان هنا على المبين ~~بقوله : # { وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون } . # وإنما جيء بالإجمال قبل ظهور البرهان وجيء بالتفصيل بعد ms0439 ظهوره على طريقة ~~الحجاج وهو إجمال الدعوى وتفصيل النتيجة لأن الدعوى قبل البرهان قد يتطرقها ~~شك السامع بأن يحملها على المبالغة ونحوها وبعد البرهان يصح للمدعى أن يوقف ~~المحجوج على غلطه ونحوه وأن يتبجح عليه بسلطان برهانه فإن للحق صولة . ~~ونظيره قول صاحب موسى : { سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا أما السفينة ~~} ( الكهف : 78 ، 79 ) إلى قوله : { وما فعلته عن أمري } ( الكهف : 82 ) ثم ~~قال : { ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا } ( الكهف : 82 ) . فجاء باسم ~~إشارة البعيد تعظيما للتأويل بعد ظهوره . وهذه طريقة مسلوكة للكتاب ~~والخطباء وهي ترجع إلى قاعدة أخذ النتائج من المقدمات في صناعة الإنشاء كما ~~بينته في كتاب ( أصول الإنشاء والخطابة ) وأكثر الخطباء يفضي إلى الغرض من ~~خطبته بعد المقدمات والتمهيدات وقد جاءت الآية على طريقة الخطباء والبلغاء ~~فيما ذكرنا تعليما للخلق وجريا على مقتضى الحال المتعارف من غير مراعاة ~~لجانب الألوهية فإن الملائكة لا يمترون في أن قوله تعالى الحق ووعده الصدق ~~فليسوا بحاجة إلى نصب البراهين . # و { كنتم } في قوله : { وما كنتم تكتمون } الأظهر أنها زائدة لتأكيد تحقق ~~الكتمان فإن الذي يعلم ما اشتد كتمانه يعلم ما لم يحرص على كتمانه ويعلم ~~ظواهر الأحوال بالأولى . # وصيغة المضارع في { تبدون } و { تكتمون } للدلالة على تجدد ذلك منهم ~~فيقتضي تجدد علم الله بذلك كلما تجدد منهم . # ولبعضهم هنا تكلفات في جعل { كنتم } للدلالة على الزمان الماضي وجعل { ~~تبدون } للاستقبال وتقدير اكتفاء في الجانبين أعني وما كنتم تبدون وما ~~تكتمون واكتفاء في غيب السماوات والأرض يعني وشهادتهما وكل ذلك لا داعي ~~إليه . # وقد جعل الله تعالى علم آدم بالأسماء وعجز الملائكة عن ذلك علامة على ~~أهلية النوع البشري لخلافته في الأرض دون الملائكة لأن الخلافة في الأرض هي ~~خلافة الله تعالى في القيام PageV01P418 بما أراده من العمران بجميع أحواله ~~وشعبه بمعنى أن الله تعالى ناط بالنوع البشري إتمام مراده من العالم فكان ~~تصرف هذا النوع في الأرض قائما مقام مباشرة قدرة الله تعالى بجميع الأعمال ~~التي ms0440 يقوم بها البشر ، ولا شك أن هذه الخلافة لا تتقوم إلا بالعلم أعني ~~اكتساب المجهول من المعلوم وتحقيق المناسبة بين الأشياء ومواقعها ~~ومقارناتها وهو العلم الاكتسابي الذي يدرك به الإنسان الخير والشر ويستطيع ~~به فعل الخير وفعل الشر كل في موضعه ولا يصلح لهذا العلم إلا القوة الناطقة ~~وهي قوة التفكير التي أجلى مظاهرها معرفة أسماء الأشياء وأسماء خصائصها ~~والتي تستطيع أن تصدر الأضداد من الأفعال لأن تلك القوة هي التي لا تنحصر ~~متعلقاتها ولاتقف معلوماتها كما شوهد من أحوال النوع الإنساني منذ النشأة ~~إلى الآن وإلى ما شاء الله تعالى . والملائكة لما لم يخلقوا متهيئين لذلك ~~حتى أعجزهم وضع الأسماء للمسميات وكانوا مجبولين على سجية واحدة وهي سجية ~~الخير التي لا تختلف ولا تتخلف لم يكونوا مؤهلين لاستفادة المجهولات من ~~المعلومات حتى لا تقف معارفهم . ولم يكونوا مصادر للشرور التي يتعين صدورها ~~لإصلاح العالم فخيرتهم وإن كانت صالحة لاستقامة عالمهم الطاهر لم تكن صالحة ~~لنظام عالم مخلوط ، وحكمة خلطه ظهور منتهى العلم الإلهي كما قال أبو الطيب ~~: # ووضع الندى في موضع السيف بالعلا # مضر كوضع السيف في موضع الندى # والآية تقتضي مزية عظمى لهذا النوع في هذا الباب وفي فضل العلم ولكنها لا ~~تدل على أفضلية النوع البشري على الملائكة إذ المزية لا تقتضي الأفضلية كما ~~بينه الشهاب القراقي في الفرق الحادي والتسعين فهذه فضيلة من ناحية واحدة ~~وإنما يعتمد التفضيل المطلق مجموع الفضائل كما دل عليه حديث موسى والخضر . # والاستفهام في قوله : { ألم أقل لكم } إلخ تقريري لأن ذلك القول واقع لا ~~محالة والملائكة لا يعلمون وقوعه ولا ينكرونه . وإنما أوقع الاستفهام على ~~نفي القول لأن غالب الاستفهام التقريري يقحم فيه ما يفيد النفي لقصد ~~التوسيع على المقرر حتى يخيل إليه أنه يسأل عن نفي وقوع الشيء فإن أراد أن ~~يزعم نفيه فقد وسع المقرر عليه ذلك ولكنه يتحقق أنه لا يستطيع إنكاره فلذلك ~~يقرره على نفيه ، فإذا أقر كان إقراره لازما له لا مناص له منه . فهذا ms0441 ~~قانون الاستفهام التقريري الغالب عليه وهو الذي تكرر في القرآن PageV01P419 ~~وبنى عليه صاحب ( الكشاف ) معاني آياته التي منها قوله تعالى : { ألم تعلم ~~أن الله على كل شيء قدير } ( البقرة : 106 ) وتوقف فيه ابن هشام في ( مغني ~~اللبيب ) ورده عليه شارحه . وقد يقع التقرير بالإثبات على الأصل نحو : { ~~أأنت قلت للناس } ( المائدة : 116 ) وهو تقرير مراد به إبطال دعوى النصارى ~~، وقوله : { قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم } ( الأنبياء : 62 ) . # $ 2 ( 34 ) { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لادم فسجدو & # 1764 ا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين } . ) 2 $ # عطف على جملة { وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة } ( البقرة ~~: 30 ) عطف القصة على القصة . وإعادة ( إذ ) بعد حرف العطف المغني عن إعادة ~~ظرفه تنبيه على أن الجملة مقصودة بذاتها لأنها متميزة بهذه القصة العجيبة ~~فجاءت على أسلوب يؤذن بالاستقلال والاهتمام ، ولأجل هذه المراعاة لم يؤت ~~بهذه القصة معطوفة بفاء التفريع فيقول : { فقلنا للملائكة اسجدوا لآدم } ~~وإن كان مضمونها في الواقع متفرعا على مضمون التي قبلها فإن أمرهم بالسجود ~~لآدم ما كان إلا لأجل ظهور مزيته عليهم إذ علم ما لم يعلموه وذلك ما اقتضاه ~~ترتيب ذكر هذه القصص بعضها بعد بعض ابتداء من خلق السماوات والأرض وما طرأ ~~بعده من أطوار أصول العامرين الأرض وما بينها وبين السماء فإن الأصل في ~~الكلام أن يكون ترتيب نظمه جاريا على ترتيب حصول مدلولاته في الخارج ما لم ~~تنصب قرينة على مخالفة ذلك . # ولا يريبك قوله تعالى في سورة الحجر ( 28 ، 29 ) { إني خالق بشرا من ~~صلصال من حمأ مسنون فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين لأن تلك ~~حكت القصة بإجمال فطوت أنباءها طيا جاء تبيينه في ما تكرر منها في آيات ~~أخرى وأوضحها آية البقرة لاقتضاء الآية السابقة أن فضيلة آدم لم تظهر ~~للملائكة إلا بعد تعليمه الأسماء وعرضها عليهم وعجزهم عن الإنباء بها وأنهم ~~كانوا قبل ذلك مترقبين بيان ما يكشف ظنهم بآدم أن يكون مفسدا في ms0442 الأرض بعد ~~أن لازموا جانب التوقف لما قال الله لهم : إني أعلم ما لا تعلمون } ( ~~البقرة : 30 ) ، فكان إنباء آدم بالأسماء عند عجزهم عن الإنباء بها بيانا ~~لكشف شبهتهم فاستحقوا أن يأتوا بما فيه معذرة عن عدم علمهم بحقه . ~~PageV01P420 # وقد أريد من هذه القصة إظهار مزية نوع الإنسان وأن الله يخص أجناس ~~مخلوقاته وأنواعها بما اقتضته حكمته من الخصائص والمزايا لئلا يخلو شيء ~~منها عن فائدة من وجوده في هذا العالم ؛ وإظهار فضيلة المعرفة ، وبيان أن ~~العالم حقيق بتعظيم من حوله إياه وإظهار ما للنفوس الشريرة الشيطانية من ~~الخبث والفساد ، وبيان أن الاعتراف بالحق من خصال الفضائل الملائكية ، وأن ~~الفساد والحسد والكبر من مذام ذوي العقول . # والقول في إعراب ( إذ ) كالقول الذي تقدم في تفسير قوله : { وإذ قال ربك ~~للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة } ( البقرة : 30 ) . # وإظهار لفظ الملائكة ولفظ آدم هنا دون الإتيان بضميريهما كما في قوله : { ~~قالوا سبحانك } ( البقرة : 32 ) وقوله : { فلما أنبأهم } ( البقرة : 33 ) ~~لتكون القصة المعطوفة معنونة بمثل عنوان القصة المعطوف عليها إشارة إلى ~~جدارة المعطوفة بأن تكون قصة مقصورة غير مندمجة في القصة التي قبلها . # وغير أسلوب إسناد القول إلى الله فأتي به مسندا إلى ضمير العظمة { وإذ ~~قلنا } وأتي به في الآية السابقة مسندا إلى رب النبيء { وإذ قال ربك } ( ~~البقرة : 30 ) للتفنن ولأن القول هنا تضمن أمرا بفعلل فيه غضاضة على ~~المأمورين فناسبه إظهار عظمة الآمر ، وأما القول السابق بمجرد إعلام من ~~الله بمراده ليظهر رأيهم ، ولقصد اقتران الاستشارة بمبدأ تكوين الذات ~~الأولى من نوع الإنسان المحتاج إلى التشاور فناسبه الإسناد إلى الموصوف ~~بالربوبية المؤذنة بتدبير شأن المربوبين . وأضيف إلى ضمير أشرف المربوبين ~~وهو النبيء صلى الله عليه وسلم كما تقدم عند قوله تعالى : { وإذ قال ربك ~~للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة . # وحقيقة السجود طأطأة الجسد أو إيقاعه على الأرض بقصد التعظيم لمشاهد ~~بالعيان كالسجود للملك والسيد والسجود للكواكب ، قال تعالى : وخروا له سجدا ~~} ( يوسف : 100 ) ، وقال { لا تسجدوا للشمس ولا ms0443 للقمر } ( فصلت : 37 ) وقال ~~الأعشى : # فلما أتانا بعيد الكرى # سجدنا له وخلعنا العمارا # وقال أيضا : # يراوح من صلوات الملي # ك طورا سجودا وطورا جؤارا PageV01P421 # أو لمشاهد بالتخيل والاستحضار وهو السجود لله ، قال تعالى : { فاسجدوا ~~لله واعبدوا } ( النجم : 62 ) . # والسجود ركن من أركان الصلاة في الإسلام . وأما سجود الملائكة فهو تمثيل ~~لحالة فيهم تدل على تعظيم ، وقد جمع معانيه قوله تعالى : { ولله يسجد ما في ~~السموات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون } ( النحل : 49 ) ~~. فكان السجود أول تحية تلقاها البشر عند خلق العالم . # وقد عرف السجود منذ أقدم عصور التاريخ فقد وجد عى الآثار الكلدانية منذ ~~القرن التاسع عشر قبل المسيح صورة حمورابي ملك كلدية راكعا أمام الشمس ، ~~ووجدت على الآثار المصرية صور أسرى الحرب سجدا لفرعون ، وهيآت السجود تختلف ~~باختلاف العوائد . وهيئة سجود الصلاة مختلفة باختلاف الأديان . والسجود في ~~صلاة الإسلام الخرور على الأرض بالجبهة واليدين والرجلين . # وتعدية { اسجدوا } لاسم آدم باللام دال على أنهم كلفوا بالسجود لذاته وهو ~~أصل دلالة لام التعليل إذا علق بمادة السجود مثل قوله تعالى : { فاسجدوا ~~لله واعبدوا } ( النجم : 62 ) وقوله : { لا تسجدوا للشمس ولا للقمر } ( ~~فصلت : 37 ) ولا يعكر عليه أن السجود في الإسلام لغير الله محرم لأن هذا ~~شرع جديد نسخ ما كان في الشرائع الأخرى ولأن سجود الملائكة من عمل العالم ~~الأعلى وليس ذلك بداخل تحت تكاليف أهل الأرض فلا طائل تحت إطالة البحث في ~~أن آدم مسجود له أو هو قبلة للساجدين كالكعبة للمسلمين ، ولا حاجة إلى ~~التكلف بجعل اللام بمعنى إلى مثلها في قول حسان : # أليس أول من صلى لقبلتكم # فإن للضرورة أحكاما . لا يناسب أن يقال بها أحسن الكلام نظاما . # وفي هذه الآية منزع بديع لتعظيم شأن العلم وجدارة العلماء بالتعظيم ~~والتبجيل لأن الله لما علم آدم علما لم يؤهل له الملائكة كان قدجعل آدم ~~أنموذجا للمبدعات والمخترعات والعلوم التي ظهرت في البشر من بعد والتي ~~ستظهر إلى فناء هذا العالم . PageV01P422 # وقرأ أبو جعفر في أشهر ms0444 الرواية عنه ( للملائكة اسجدوا ) بضمة على التاء ~~في حال الوصل على إتباع حركة التاء لضمة الجيم في ( اسجدوا ) لعدم الاعتداد ~~بالساكن الفاصل بين الحرفين لأنه حاجز غير حصين ، وقراءته هذه رواية وهي ~~جرت على لغة ضعيفة في مثل هذا فلذلك قال الزجاج والفارسي : هذا خطأ من أبي ~~جعفر ، وقال الزمخشري : لا يجوز استهلاك الحركة الإعرابية بحركة الإتباع ~~إلا في لغة ضعيفة كقراءة الحسن { الحمد لله } ( الفاتحة : 2 ) بكسر الدال ~~قال ابن جني : وإنما يجوز هذا الذي ذهب إليه أبو جعفر إذا كان ما قبل ~~الهمزة ساكنا صحيحا نحو : { وقالت اخرج عليهن في سورة يوسف ( 31 ) اه وإنما ~~حملوا عليه هذه الحملة لأن قراءته معدودة في القراءات المتواترة فما كان ~~يحسن فيها مثل هذا الشذوذ ، وإن كان شذوذا في وجوه الأداء لا يخالف رسم ~~المصحف . # وعطف فسجدوا } بفاء التعقيب يشير إلى مبادرة الملائكة بالامتثال ولم ~~يصدهم ما كان في نفوسهم من التخوف من أن يكون هذا المخلوق مظهر فساد وسفك ~~دماء لأنهم منزهون عن المعاصي . # واستثناء إبليس من ضمير الملائكة في { فسجدوا } استثناء منقطع لأن إبليس ~~لم يكن من جنس الملائكة قال تعالى في سورة الكهفف ( 50 ) { إلا إبليس كان ~~من الجن ولكن الله جعل أحواله كأحوال النفوس الملكية بتوفيق غلب على جبلته ~~لتتأتى معاشرته بهم وسيره على سيرتهم فساغ استثناء حاله من أحوالهم في مظنة ~~أن يكون مماثلا لمن هو فيهم . # وقد دلت الآية على أن إبليس كان مقصودا في الخبر الذي أخبر به الملائكة ~~إذ قال للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة } ( البقرة : 30 ) وفي الأمر الذي ~~أمر به الملائكة إذ قال لهم { اسجدوا لآدم } ذلك أن جنس المجردات كان في ~~ذلك العالم مغمورا بنوع الملك إذ خلق الله من نوعهم أفرادا كثيرة كما دل ~~عليه صيغة الجمع في قوله : { وإذ قال ربك للملائكة } ( البقرة : 30 ) ولم ~~يخلق الله من نوع الجن إلا أصلهم وهو إبليس ، وخلق من نوع الإنسان أصلهم ~~وهو آدم . وقد أقام الله إبليس بين الملائكة ms0445 إقامة ارتياض وتخلق وسخره ~~لاتباع سنتهم فجرى على ذلك السنن أمدا طويلا لا يعلمه إلا الله ثم ظهر ما ~~في نوعه من الخبث كما أشار إليه قوله تعالى : { ففسق عن أمر ربه في سورة ~~الكهف ( 50 ) فعصى ربه حين أمره بالسجود لآدم . PageV01P423 # وإبليس اسم الشيطان الأول الذي هو مولد الشياطين ، فكان إبليس لنوع ~~الشياطين والجن بمنزلة آدم لنوع الإنسان . وإبليس اسم معرب من لغة غير ~~عربية لم يعينها أهل اللغة ، ولكن يدل لكونه معربا أن العرب منعوه من الصرف ~~ولا سبب فيه سوى العلمية والعجمة ولهذا جعل الزجاج همزته أصلية ، وقال وزنه ~~على فعليل . وقال أبو عبيدة : هو اسم عربي مشتق من الإبلاس وهو البعد من ~~الخير واليأس من الرحمة وهذا اشتقاق حسن لولا أنه يناكد منعه من الصرف ~~وجعلوا وزنه إفعيل لأن همزته مزيدة وقد اعتذر عن منعه من الصرف بأنه لما لم ~~يكن له نظير في الأسماء العربية عد بمنزلة الأعجمي وهو اعتذار ركيك . وأكثر ~~الذين أحصوا الكلمات المعربة في القرآن لم يعدوا منها اسم إبليس لأنهم لم ~~يتبينوا ذلك وصلاحية الاسم لمادة عربية ومناسبته لها . # وجمل أبى واستكبر وكان من الكافرين } استئناف بياني مشير إلى أن مخالفة ~~حاله لحال الملائكة في السجود لآدم ، شأنه أن يثير سؤالا في نفس السامع كيف ~~لم يفعل إبليس ما أمر به وكيف خالف حال جماعته وما سبب ذلك لأن مخالفته ~~لحالة معشره مخالفة عجيبة إذ الشأن الموافقة بين الجماعات كما قال دريد بن ~~الصمة : # وهل أنا إلا من غزية إن غوت # غويت وإن ترشد غزية أرشد # فبين السبب بأنه أبى واستكبر وكفر بالله . # والإباء الامتناع من فعل أو تلقيه . والاستكبار شدة الكبر والسين والتاء ~~فيه للعد أي عد نفسه كبيرا مثل استعظم واستعذب الشراب أو يكون السين والتاء ~~للمبالغة مثل استجاب واستقر فمعنى استكبر اتصف بالكبر . والمعنى أنه استكبر ~~على الله بإنكار أن يكون آدم مستحقا لأن يسجد هو له إنكارا عن تصميم لا عن ~~مراجعة أو استشارة كما دلت عليه ms0446 آيات أخرى مثل قوله : قال أنا خير منه ~~خلقتني من نار وخلقته من طين ( الأعراف : 12 ) وبهذا الاعتبار خالف فعل ~~إبليس قول الملائكة حين قالوا : { أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء } ~~( البقرة : 30 ) ، لأن ذلك كان على وجه التوقف في الحكمة ولذلك قالوا : { ~~ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك } ( البقرة : 30 ) فإبليس بإبائه انتقضت الجبلة ~~التي جبل عليها أول مرة ، فاستحالت إلى جبلة أخرى على نحو ما يعرض من تطور ~~للعاقل حين يختل عقله وللقادر حين تشل بعض أعضائه ، ومن العلل علل جسمانية ~~ومنها علل روحانية كما قال : PageV01P424 # فكنت كذي رجلين رجلل صحيحة # ورجل رمى فيها الزمان فشلت # والاستكبار التزايد في الكبر لأن السين والتاء فيه للمبالغة لا للطلب كما ~~علمت ، ومن لطائف اللغة العربية أن مادة الاتصاف بالكبر لم تجىء منها إلا ~~بصيغة الاستفعال أو التفعل إشارة إلى أن صاحب صفة الكبر لا يكون إلا متطلبا ~~الكبر أو متكلفا له وما هو بكبير حقا ويحسن هنا أن نذكر قول أبي العلاء : # علوتم فتواضعتم على ثقة # لما تواضع أقوام على غرر # وحقيقة الكبر قال فيها حجة الإسلام في كتاب ( الإحياء ) : الكبر خلق في ~~النفس وهو الاسترواح والركون إلى اعتقاد المرء نفسه فوق التكبر عليه ، فإن ~~الكبر يستدعي متكبرا عليه ومتكبرا به وبذلك ينفصل الكبر عن العجب فإن العجب ~~لا يستدعي غير المعجب ولا يكفي أن يستعظم المرء نفسه ليكون متكبرا فإنه قد ~~يستعظم نفسه ولكنه يرى غيره أعظم من نفسه أو مماثلا لها فلا يتكبر عليه ، ~~ولا يكفي أن يستحقر غيره فإنه مع ذلك لو رأى نفسه أحقر لم يتكبر ولو رأى ~~غيره مثل نفسه لم يتكبر بل أن يرى لنفسه مرتبة ولغيره مرتبة ثم يرى مرتبة ~~نفسه فوق مرتبة غيره ، فعند هذه الاعتقادات الثلاثة يحصل خلق الكبر وهذه ~~العقيدة تنفخ فيه فيحصل في نفسه اعتداد وعزة وفرح وركون إلى ما اعتقد ، وعز ~~في نفسه بسبب ذلك فتلك العزة والهزة والركون إلى تلك العقيدة هو خلق الكبر ~~. # وقد كانت هذه ms0447 الآية ونظائرها مثار اختلاف بين علماء أصول الفقه فيما ~~تقتضيه دلالة الاستثناء من حكم يثبت للمستثنى فقال الجمهور : الاستثناء ~~يقتضي اتصاف المستثنى بنقيض ما حكم به للمستثنى منه فلذلك كثر الاكتفاء ~~بالاستثناء دون أن يتبع بذكر حكم معين للمستثنى سواء كان الكلام مثبتا أو ~~منفيا . ويظهر ذلك جليا في كلمة الشهادة لا إلاه إلا الله فإنه لولا إفادة ~~الاستثناء أن المستثنى يثبت له نقيض ما حكم به للمستثنى منه لكانت كلمة ~~الشهادة غير مفيدة سوى نفي الإلاهية عما عدا الله فتكون إفادتها الوحدانية ~~لله بالالتزام . # وقال أبو حنيفة الاستثناء من كلام منفي يثبت للمستثنى نقيض ما حكم به ~~للمستثنى منه ، والاستثناء من كلام مثبت لا يفيد إلا أن المستثنى يثبت له ~~نقيض الحكم لا نقيض المحكوم به ، فالمستثنى بمنزلة المسكوت عن وصفه ، ~~PageV01P425 فعند الجمهور المستثنى مخرج من الوصف المحكوم به للمستثنى منه ~~وعند أبي حنيفة المستثنى مخرج من الحكم عليه فهو كالمسكوت عنه . # وسوى المتأخرون من الحنفية بين الاستثناء من كلام منفي والاستثناء من ~~كلام مثبت في أن كليهما لا يفيد المستثنى الاتصاف بنقيض المحكوم به ~~للمستثنى منه وهذا رأي ضعيف لا تساعده اللغة ولا موارد استعماله في الشريعة ~~. # فعلى رأي الجمهور تكون جملة { أبى واستكبر } استئنافا بيانيا ، وعلى رأي ~~الحنفية تكون بيانا للإجمال الذي اقتضاه الاستثناء ولا تنهض منها حجة تقطع ~~الجدال بين الفريقين . # وجملة { وكان من الكافرين } معطوف على الجمل المستأنفة ، و ( كان ) لا ~~تفيد إلا أنه اتصف بالكفر في زمن مضى قبل زمن نزول الآية ، وليس المعنى أنه ~~اتصف به قبل امتناعه من السجود لآدم ، وقد تحير أكثر المفسرين في بيان معنى ~~الآية من جهة حملهم فعل ( كان ) على الدلالة على الاتصاف بالكفر فيما مضى ~~عن وقت الامتناع من السجود ، ومن البديهي أنه لم يكن يومئذ فريق يوصف ~~بالكافرين فاحتاجوا أن يتمحلوا بأن إبليس كان من الكافرين أي في علم الله ، ~~وتمحل بعضهم بأن إبليس كان مظهرا الطاعة مبطنا الكفر نفاقا ، والله مطلع ~~على باطنه ولكنه لم ms0448 يخبر به الملائكة وجعلوا هذا الاطلاع عليه مما أشار ~~إليه قوله تعالى : { إني أعلم ما لا تعلمون } ( البقرة : 30 ) وكل ذلك تمحل ~~لا داعي إليه لما علمت من أن فعل المضي يفيد مضى الفعل قبل وقت التكلم ، ~~وأمثلهم طريقة الذين جعلوا كان بمعنى صار فإنه استعمال من استعمال فعل كان ~~قال تعالى : { وحال بينهما الموج فكان من المغرقين } ( هود : 43 ) وقال : { ~~وبست الجبال بسا فكانت هباء منبثا } ( الواقعة : 5 ، 6 ) وقول ابن أحمر : # بتيهاء قفر والمطي كأنها # قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها # أي صار كافرا بعدم السجود لأن امتناعه نشأ عن استكباره على الله واعتقاد ~~أن ما أمر به غير جار على حق الحكمة وقد علمت أن الانقلاب الذي عرض لإبليس ~~في جبلته كان انقلاب استخفاف بحكمة الله تعالى فلذلك صار به كافرا صراحا . # والذي أراه أحسن الوجوه في معنى { وكان من الكافرين } أن مقتضى الظاهر أن ~~يقول وكفر كما قال : { أبى واستكبر } فعدل عن مقتضى الظاهر إلى { وكان من ~~الكافرين } لدلالة ( كان ) PageV01P426 في مثل هذا الاستعمال على رسوخ معنى ~~الخبر في اسمها ، والمعنى أبى واستكبر وكفر كفرا عميقا في نفسه وهذا كقوله ~~تعالى : { فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين } ( الأعراف : 83 ) ~~، وكقوله تعالى : { ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون } ( النمل : 41 ~~) دون أن يقول أم لا تهتدي لأنها إذا رأت آية تنكير عرشها ولم تهتد كانت ~~راسخة في الاتصاف بعدم الاهتداء ، وأما الإتيان بخبر { كان من الكافرين } ~~دون أن يقول وكان كافرا فلأن إثبات الوصف لموصوف بعنوان كون الموصوف واحدا ~~من جماعة تثبت لهم ذلك الوصف أدل على شدة تمكن الوصف منه مما لو أثبت له ~~الوصف وحده بناء على أن الواحد يزداد تمسكا بفعله إذا كان قد شاركه فيه ~~جماعة لأنه بمقدار ما يرى من كثرة المتلبسين بمثل فعله تبعد نفسه عن التردد ~~في سداد عملها وعليه جاء قوله تعالى : { أصدقت أم كنت من الكاذبين } ( ~~النمل : 27 ) وقوله الذي ذكرناه آنفا { أم تكون من ms0449 الذين لا يهتدون } وهو ~~دليل كنائي واستعمال بلاغي جرى عليه نظم الآية وإن لم يكن يومئذ جمع من ~~الكافرين بل كان إبليس وحيدا في الكفر . وهذا منزع انتزعه من تتبع موارد ~~مثل هذا التركيب في هاتين الخصوصيتين خصوصية زيادة ( كان ) وخصوصية إثبات ~~الوصف لموصوف بعنوان أنه واحد من جماعة موصوفين به وسيجيء ذلك قريبا عن ~~قوله تعالى : { واركعوا من الراكعين } ( البقرة : 43 ) . وإذ لم يكن في زمن ~~امتناع إبليس من السجود جمع من الكافرين كان قوله : { وكان من الكافرين } ~~جاريا على المتعارف في أمثال هذا الإخبار الكنائي . # وفي هذا العدول عن مقتضى الظاهر مراعاة لما تقتضيه حروف الفاصلة أيضا ، ~~وقد رتبت الأخبار الثلاثة في الذكر على حسب ترتيب مفهوماتها في الوجود وذلك ~~هو الأصل في الإنشاء أن يكون ترتيب الكلام مطابقا لترتيب مدلولات جمله ~~كقوله تعالى : { ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم ~~عصيب } ( هود : 77 ) وقد أشرت إلى ذلك في كتابي ( أصول الإنشاء الخطابة ) . # PageV01P427 # | 2 ( 35 ) { وقلنا ياءادم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث ~~شئتما ولا تقربا هاذه الشجرة فتكونا من الظالمين } . ) 2 # عطف على { قلنا للملائكة اسجدوا } ( البقرة : 34 ) أي بعد أن انقضى ذلك ~~قلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة . وهذه تكرمة أكرم الله بها آدم بعد أن ~~أكرمه بكرامة الإجلال من تلقاء الملائكة . # ونداء آدم قبل تخويله سكنى الجنة نداء تنويه بذكر اسمه بين الملإ الأعلى ~~، لأن نداءه يسترعي إسماع أهل الملإ الأعلى فيتطلعون لما سيخاطب به ، ~~وينتزع من هذه الآية أن العالم جدير بالإكرام بالعيش الهنيء ، كما أخذ من ~~التي قبلها أنه جدير بالتعظيم . # والأمر بقوله : { اسكن } مستعمل في الامتنان بالتمكين والتخويل وليس أمرا ~~له بأن يسعى بنفسه لسكنى الجنة إذ لا قدرة له على ذلك السعي فلا يكلف به . # وضمير ( أنت ) واقع لأجل عطف { وزوجك } على الضمير المستتر في { اسكن } ~~وهواستعمال العربية عند عطف اسم ، على ضمير متصل مرفوع المحل لا يكادون ~~يتركونه ، يقصدون بذلك زيادة إيضاح ms0450 المعطوف فتحصل فائدة تقرير مدلول ~~المعطوف لئلا يكون تابعه المعطوف عليه أبرز منه في الكلام ، فليس الفصل ~~بمثل هذا الضمير مقيدا تأكيدا للنسبة لأن الإتيان بالضمير لازم لا خيرة ~~للمتكلم فيه فلا يكون مقتضى حال ولا يعرف السامع أن المتكلم مريد به تأكيدا ~~ولكنه لا يخلو من حصول تقرير معنى المضمر وهو ما أشار إليه في ( الكشاف ) ~~بمجموع قوله : وأنت تأكيد للضمير المستكن ليصح العطف عليه . # والزوج كل شيء ثان مع شيء آخر بينهما تقارن في حال ما . ويظهر أنه اسم ~~جامد لأن جميع تصاريفه في الكلام ملاحظ فيها معنى كونه ثاني اثنين أو مماثل ~~غيره ، فكل واحد من اثنين مقترنين في حالل ما يسمى زوجا للآخر قال تعالى : ~~{ أو يزوجهم ذكرانا وإناثا } ( الشورى : 50 ) أي يجعل لأحد الطفلين زوجا له ~~أي سواه من غير صنفه ، وقريب من هذا الاستعمال استعمال لفظ شفع . # وسميت الأنثى القرينة للرجل بنكاح زوجا لأنها اقترنت به وصيرته ثانيا ، ~~ويسمى الرجل زوجا لها لذلك بلا فرق ، فمن ثم لا يقال للمرأة زوجة بهاء ~~تأنيث لأنه اسم وليس بوصفه . وقد لحنوا الفرزدق في قوله : PageV01P428 # وإن الذي يسعى ليفسد زوجتي # كساعع إلى أسد الثرى يستبيلها # وتسامح الفقهاء في إلحاق علامة التأنيث للزوج إذا أرادوا به امرأة الرجل ~~لقصد نفي الالتباس في تقرير الأحكام في كتبهم في مثل قولهم : القول قول ~~الزوج ، أو القول قول الزوجة وهو صنيع حسن . # وفي ( صحيح مسلم ) عن أنس بن مالك ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~يحدث إحدى نسائه فمر به رجل فدعاه يا فلان فجاء فقال له : هذه زوجتي فلانة ~~) الحديث ، فقوله : زوجتي بالتاء فتعين كونه من عبارة راوي الحديث في السند ~~إلى أنس وليست بعبارة النبيء صلى الله عليه وسلم # وطوى في هذه الآية خلق زوج آدم ، وقد ذكر في آيات أخرى كقوله تعالى : { ~~الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها } ( النساء : 1 ) وسيأتي ذلك في ~~سورة النساء وسورة الأعراف ( 189 ) . # ولم يرد اسم زوج آدم في القرآن ms0451 واسمها عند العرب حواء وورد ذكر اسمها في ~~حديث رواه ابن سعد في ( طبقاته ) عن خالد بن خداش عن ابن وهب يبلغ به رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( الناس لآدم وحواء كطف لصاع لن يملأوه ~~) الحديث ( طف المكيال بفتح الطاء وكسرها ما قرب من ملئه ) أي هم لا يبغون ~~الكمال فإن كل كمال من البشر قابل للزيادة . وخالد بن خداش بصري وثقه ابن ~~معين وأبو حاتم وسليمان بن حرب وضعفه ابن المديني . فاسم زوج آدم عند العرب ~~حواء واسمها في العبرانية مضطرب فيه ، ففي سفر التكوين في الإصحاح الثاني ~~أن اسمها امرأة سماها كذلك آدم قال : لأنها من امرىء أخذت . وفي الإصحاح ~~الثالث أن آدم دعا اسم امرأته حواء لأنها أم كل حي . وقال ابن سعد نام آدم ~~فخلقت حواء من ضلعه فاستيقظ ووجدها عنده فقال : أثا أي امرأة بالنبطية ، أي ~~اسمها بالنبطية المرأة كما سماها آدم . وقد تقدم عند قوله تعالى : { وعلم ~~آدم الأسماء } ( البقرة : 31 ) أن آدم دعا نفسه ، إيش ، فلعل أثا محرقة عن ~~إشا . واسمها بالعبرية ( خمواه ) بالخاء المعجمة وبهاء بعد الألف ويقال ~~أيضا حيوا بحاء مهملة وألف في آخره فصارت بالعربية حواء وصارت في الطليانية ~~إيا وفي الفرنسية أي . وفي التوراة أن حواء خلقت في الجنة بعد أن أسكن آدم ~~في الجنة وأن الله خلقها لتؤنسه قال تعالى : { وجعل منها زوجها ليسكن إليها ~~} ( الأعراف : 189 ) أي يأنس . # والأمر في { اسكن } أمر إعطاء أي جعل الله آدم هو وزوجه في الجنة . ~~PageV01P429 والسكنى اتخاذ المكان مقرا لغالب أحوال الإنسان . # والجنة قطعة من الأرض فيها الأشجار المثمرة والمياه وهي أحسن مقر للإنسان ~~إذا لفحه حر الشمس ويأكل من ثمره إذا جاع ويشرب من المياه التي يشرب منها ~~الشجر ويروقه منظر ذلك كله ، فالجنة تجمع ما تطمح إليه طبيعة الإنسان من ~~اللذات . # وتعريف ( الجنة ) تعريف العهد وهي جنة معهودة لآدم يشاهدها إذا كان ~~التعريف في ( الجنة ) حكاية لما يرادفه فيما خوطب به آدم ، أو أريد بها ~~المعهود ms0452 لنا إذا كانت حكاية قول الله لنا بالمعنى وذلك جائز في حكاية القول ~~. # وقد اختلف علماء الإسلام في تعيين هذه الجنة فالذي ذهب إليه جمهور السلف ~~أنها جنة الخلد التي وعد الله المؤمنين والمصدقين رسله وجزموا بأنها موجودة ~~في العالم العلوي عالم الغيب أي في السماء وأنها أعدها الله لأهل الخير بعد ~~القيامة وهذا الذي تقلده أهل السنة من علماء الكلام وأبو علي الجبائي ، وهو ~~الذي تشهد به ظواهر الآيات والأخبار المروية عن النبيء صلى الله عليه وسلم ~~ولا تعدو أنها ظواهر كثيرة لكنها تفيد غلبة الظن وليس لهذه القضية تأثير في ~~العقيدة . # وذهب أبو مسلم الأصفهاني محمد بن بحر وأبو القاسم البلخي والمعتزلة عدا ~~الجبائي إلى أنها جنة في الأرض خلقها الله لإسكان آدم وزوجه ، ونقل ~~البيضاوي عنهم أنها بستان في فلسطين أو هو بين فارس وكرمان ، وأحسب أن هذا ~~ناشىء عن تطلبهم تعيين المكان الذي ذكر ما يسمى في التوراة باسم عدن . # ففي التوراة في الإصحاح الثاني من سفر التكوين ( وأخذ الرب الإلاه آدم ~~ووضعه في جنة عدن ليعملها ويحفظها ثم قالت فأخرجه الرب الإلاه من جنة عدن ~~ليعمل الأرض التي أخذ منها ) وهذا يقتضي أن جنة عدن ليست في الأرض لكن الذي ~~عليه شراح التوراة أن جنة عدن في الأرض وهو ظاهر وصف نهر هذه الجنة الذي ~~يسقيها بأنه نهر يخرج من عدن فيسقي الجنة ومن هناك ينقسم فيصير أربعة رؤوس ~~اسم الواحد ( قيشون ) وهو المحيط بجميع أرض الحويلة وهم من بني كوش كما في ~~الإصحاح من التكوين واسم النهر الثاني ( جيحون ) وهو المحيط بجميع أرض كوش ~~، واسم النهر الثالث ( حدا قل ) وهو الجاري شرق أشور ( دجلة ) . والنهر ~~الرابع الفرات . # ولم أقف على ضبط عدن هذه . ورأيت في كتاب عبد الحق الإسلامي السبتي الذي ~~كان PageV01P430 يهوديا وأسلم وألف كتابا في الرد على اليهود سماه ( الحسام ~~المحدود في الرد على اليهود ) كتبه بغيدن وضبطه بالعلامات بكسر الغين ~~المعجمة وكسر الدال المهملة ولعل النقطة على حرف العين سهو من ms0453 الناسخ فذلك ~~هو منشأ قول القائلين أنها بعدن أو بفلسطين أو بين فارس وكرمان ، والذي ~~ألجأهم إلى ذلك أن جنة الثواب دار كمال لا يناسب أن يحصل فيها العصيان ~~وأنها دار خلد لا يخرج ساكنها ، وهو التجاء بلا ملجىء لأن ذلك من أحوال ~~سكان الجنة لا لتأثير المكان وكله جعل الله تعالى عندما أراده . # واحتج أهل السنة بأن أل في ( الجنة ) للعهد الخارجي ولا معهود غيرها ، ~~وإنما تعين كونها للعهد الخارجي لعدم صحة الحمل على الجنس بأنواعه الثلاثة ~~، إذ لا معنى للحمل على أنها لام الحقيقة لأنها قد نيط بها فعل السكنى ولا ~~معنى لتعلقه بالحقيقة بخلاف نحو الرجل خير من المرأة ، ولا معنى للحمل على ~~العهد الذهني إذ الفرد من الحقيقة هنا مقصود معين لأن الأمر بالإسكان جزاء ~~وإكرام فلا بد أن يكون متعلقا بجنة معروفة ، ولا معنى للحمل على الاستغراق ~~لظهور ذلك . ولما كان المقصود هو الجزاء تعين أن يكون متعلقا بأمر معين ~~معهود ولا معهود إلا الجنة المعروفة لا سيما وهو اصطلاح الشرع . # وقد يقال يختار أن اللام للعهد ولعل المعهود لآدم هو جنة في الأرض معينة ~~أشير إليها بتعريف العهد ولذلك أختار أنا أن قوله تعالى : { اسكن أنت وزوجك ~~الجنة } لما كان المقصود منه القصص لنا حكي بالألفاظ المتعارفة لدينا ترجمة ~~لألفاظ اللغة التي خوطب بها آدم أو عن الإلهام الذي ألقي إلى آدم فيكون ~~تعريف ( الجنة ) منظورا فيه إلى متعارفنا فيكون آدم قد عرف المراد من مسكنه ~~بطريق آخر غير التعريف ويكون قد حكي لنا ذلك بطريقة التعريف لأن لفظ الجنة ~~المقترن في كلامنا بلام التعريف يدل على عين ما دل عليه الطريق الآخر الذي ~~عرف به آدم مراد الله تعالى ، أي قلنا له اسكن البقعة التي تسمونها أنتم ~~اليوم بالجنة ، والحاصل أن الأظهر أن الجنة التي أسكنها آدم هي الجنة ~~المعدودة دارا لجزاء المحسنين . # ومعنى الأكل من الجنة من ثمرها لأن الجنة تستلزم ثمارا وهي مما يقصد ~~بالأكل ولذلك تجعل ( من ) تبعيضية بتنزيل بعض ms0454 ما يحويه المكان منزلة بعض ~~لذلك المكان . ويجوز أن تكون ( من ) ابتدائية إشارة إلى أن الأكل المأذون ~~فيه أكل ما تثمره تلك الجنة كقولك هذا الثمر من خيبر . PageV01P431 # والرغد وصف لموصوف دل عليه السياق أي أكلا رغدا ، والرغد الهنيء الذي لا ~~عناء فيه ولا تقتير . # وقوله : { حيث شئتما } ظرف مكان أي من أي مواضع أردتما الأكل منها ، ولما ~~كانت مشيئتهما لا تنحصر بمواضع استفيد العموم في الإذن بطريق اللزوم ، وفي ~~جعل الأكل من الثمر من أحوال آدم وزوجه بين إنشائها تنبيه على أن الله جعل ~~الاقتيات جبلة للإنسان لا تدوم حياته إلا به . # وقوله : { ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين } يعني به ولا تأكلا ~~من الشجرة لأن قربانها إنما هو لقصد الأكل منها فالنهي عن القربان أبلغ من ~~النهي عن الأكل لأن القرب من الشيء ينشىء داعية وميلا إليه ففيه الحديث ( ~~من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه ) وقال ابن العربي سمعت الشاشي في مجلس ~~النظر يقول : ( إذا قيل لا تقرب ( بفتح الراء ) كان معناه لا تتلبس بالفعل ~~، وإذا قيل بضم الراء كان معناه لا تدن منه ) اه . وهو غريب فإن قرب وقرب ~~نحو كرم وسمع بمعنى دنا ، فسواء ضممت الراء أو فتحتها في المضارع فالمراد ~~النهي عن الدنو إلا أن الدنو بعضه مجازي وهو التلبس وبعضه حقيقي ولا يكون ~~للمجازي وزن خاص في الأفعال وإلا لصار من المشترك لا من الحقيقة والمجاز ، ~~اللهم إلا أن يكون الاستعمال خص المجازي ببعض التصاريف فتكون تلك الزنة ~~قرينة لفظية للمجاز وذلك حسن وهو من محاسن فروق استعمال الألفاظ المترادفة ~~في اللغة العربية مثل تخصيص بعد مكسور العين بالانقطاع التام وبعد مضموم ~~العين بالتنحي عن المكان ولذلك خص الدعاء بالمكسور في قولهم للمسافر لا ~~تبعد ، قالت فاطمة بنت الأحجم الخزاعية : # إخوتي لا تبعدوا أبدا # وبلى والله قد بعدوا # وفي تعليق النهي بقربان الشجرة إشارة إلى منزع سد الذرائع وهو أصل من ~~أصول مذهب مالك رحمه الله وفيه تفصيل مقرر في أصول ms0455 الفقه . # والإشارة بهذه إلى شجرة مرئية لآدم وزوجه ، والمراد شجرة من نوعها أو ~~كانت شجرة وحيدة في الجنة . # وقد اختلف أهل القصص في تعيين نوع هذه الشجرة فعن علي وابن مسعود وسعيد ~~بن جبير والسدي أنها الكرمة ، وعن ابن عباس والحسن وجمهور المفسرين أنها ~~الحنطة ، وعن قتادة وابن جريج ونسبه ابن جريج إلى جمع من الصحابة أنها شجرة ~~التين . ووقع في سفر التكوين من التوراة إبهامها وعبر عنها بشجرة معرفة ~~الخير والشر . PageV01P432 # وقوله : { فتكونا من الظالمين } أي من المعتدين وأشهر معاني الظلم في ~~استعمال العرب هو الاعتداء ، والاعتداء إما اعتداء على نهي الناهي إن كان ~~المقصود من النهي الجزم بالترك وإما اعتداء على النفس والفضيلة إن كان ~~المقصود من النهي عن الأكل من الشجرة بقاء فضيلة التنعم لآدم في الجنة ، ~~فعلى الأول الظلم لأنفسهما بارتكاب غضب الله وعقابه وعلى الثاني الظلم ~~لأنفسهما بحرمانها من دوام الكرامة . # # | 2 ( 36 ) { فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا ~~بعضكم لبعض عدو ولكم فى الأرض مستقر ومتاع إلى حين } . ) 2 # الفاء عاطفة على قوله : { ولا تقربا } ( البقرة : 35 ) وحقها إفادة ~~التعقيب فيكون التعقيب عرفيا لأن وقوع الإزلال كان بعد مضي مدة هي بالنسبة ~~للمدة المرادة من سكنى الجنة كالأمد القليل . والأحسن جعل الفاء للتفريع ~~مجردة عن التعقيب . # والإزلال جعل الغير زالا أي قائما به الزلل وهو كالزلق أن تسير الرجلان ~~على الأرض بدون اختيار لارتخاء الأرض بطين ونحوه ، أي ذاهبة رجلاه بدون ~~إرادة ، وهو مجاز مشهور في صدور الخطيئة والغلط المضر ومنه سمي العصيان ~~ونحوه الزلل . # والضمير في قوله : { عنها } يجوز أن يعود إلى الشجرة لأنها أقرب وليتبين ~~سبب الزلة وسبب الخروج من الجنة إذ لو لم يجعل الضمير عائدا إلى الشجرة ~~لخلت القصة عن ذكر سبب الخروج . و ( عن ) في أصل معناها أي أزلهما إزلالا ~~ناشئا عن الشجرة أي عن الأكل منها ، وتقدير المضاف دل عليه قوله : { ولا ~~تقربا هذه الشجرة } ، وليست ( عن ) للسببية ومن ذكر السببية أراد حاصل ~~المعنى كما ms0456 قال أبو عبيدة في قوله تعالى : { وما ينطق عن الهوى } ( النجم : ~~3 ) أن معناه وما ينطق بالهوى فقال الرضي : الأولى أن ( عن ) بمعناها وأن ~~الجار والمجرور صفة لمصدر محذوف أي نطقا صادرا عن الهوى . ويجوز كون الضمير ~~للجنة وتكون ( عن ) على ظاهرها والإزلال مجازا في الإخراج بكره والمراد منه ~~الهبوط من الجنة مكرهين كمن يزل عن موقفه فيسقط كقوله : ( وكم منزل لولاي ~~طحت ) . # وقوله : { فأخرجهما مما كانا فيه } تفريع عن الإزلال بناء على أن الضمير ~~للشجرة ، PageV01P433 والمراد من الموصول وصلته التعظيم ، كقولهم قد كان ما ~~كان ، فإن جعلت الضمير في قوله : { عنها } عائدا إلى الجنة كان هذا التفريع ~~تفريع المفصل عن المجمل وكانت الفاء للترتيب الذكري المجرد كما في قوله ~~تعالى : { وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون } ( ~~الأعراف : 4 ) وقوله : { كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون ~~وازدجر } ( القمر : 9 ) . أما دلالة الموصول عن التعظيم فهي هي . # وقرأ حمزة ( فأزالهما ) بألف بعد الزاي وهو من الإزالة بمعنى الإبعاد ، ~~وعلى هذه القراءة يتعين أن يكون ضمير { عنها } عائدا إلى الجنة لا إلى ~~الشجرة . وقد نبه عليه بخصوصه مع العلم بأن من خرج من الجنة فقد خرج مما ~~كان فيه إحضارا لهذه الخسارة العظيمة في ذهن السامعين حتى لا تكون ~~استفادتها بدلالة الالتزام خاصة فإنها دلالة قد تخفى فكانت إعادته في هذه ~~الصلة بمرادفه كإعادته بلفظه في قوله تعالى : { فغشيهم من اليم ما غشيهم } ~~( طه : 78 ) . # وتفيد الآية إثارة الحسرة في نفوس بني آدم على ما أصاب آدم من جراء عدم ~~امتثاله لوصاية الله تعالى وموعظة تنبه بوجوب الوقوف عند الأمر والنهي ~~والترغيب في السعي إلى ما يعيدهم إلى هذه الجنة التي كانت لأبيهم وتربية ~~العداوة بينهم وبين الشيطان وجنده إذ كان سببا في جر هذه المصيبة لأبيهم ~~حتى يكونوا أبدا ثأرا لأبيهم معادين للشيطان ووسوسته مسيئين الظنون بإغرائه ~~كما أشار إليه قوله تعالى : { يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج ~~أبويكم من الجنة } ( الأعراف : 27 ms0457 ) وقوله هنا : { بعضكم لبعض عدو } . وهذا ~~أصل عظيم في تربية العامة ولأجله كان قادة الأمم يذكرون لهم سوابق عداوات ~~منافسيهم ومن غلبهم في الحروب ليكون ذلك باعثا على أخذ الثأر . # وعطف { وقلنا اهبطوا } بالواو دون الفاء لأنه ليس متفرع عن الإخراج بل هو ~~متقدم عليه ولكن ذكر الإخراج قبل هذا لمناسبة سياقق ما فعله الشيطان وغروره ~~بآدم فلذلك قدم قوله : { فأخرجهما } إثر قوله : { فأزلهما الشيطان } . ووجه ~~جمع الضمير في { اهبطوا } قيل لأن هبوط آدم وحواء اقتضى أن لا يوجد نسلهما ~~في الجنة فكان إهباطهما إهباطا لنسلهما ، وقيل الخطاب لهما ولإبليس وهو وإن ~~أهبط عند إبايته السجود كما أفاده قوله تعالى في سورة الأعراف { قال أنا ~~خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر ~~فيها فاخرج إنك من الصاغرين } ( الأعراف : 12 ، 13 ) إلى قوله { قال اخرج ~~منها PageV01P434 مذءوما مدحورا } ( الأعراف : 18 ) إلى قوله { ويا آدم ~~اسكن أنت وزوجك الجنة } ( الأعراف : 19 ) فهذا إهباط ثان فيه تحجير دخول ~~الجنة عليه والإهباط الأول كان إهباط منع من الكرامة مع تمكينه من الدخول ~~للوسوسة وكلا الوجهين بعيد ، فالذي أراه أن جمع الضمير مراد به التثنية ~~لكراهية توالي المثنيات بالإظهار والإضمار من قوله : { وكلا منها رغدا } ( ~~البقرة : 35 ) والعرب يستثقلون ذلك قال امرؤ القيس : # وقوفا بها صحبي علي مطيهم # يقولون لا تهلك أسى وتجمل # وإنما له صاحبان لقوله : ( قفا نبك ) إلخ وقال تعالى : { فقد صغت قلوبكما ~~وسيأتي في سورة التحريم ( 4 ) . # وقوله : بعضكم لبعض عدو } يحتمل أن يراد بالبعض بعض الأنواع وهو عداوة ~~الإنس والجن . إن كان الضمير في { اهبطوا } لآدم وزوجه وإبليس ، ويحتمل أن ~~يراد عداوة بعض أفراد نوع البشر ، إن كان ضمير { اهبطوا } لآدم وحواء فيكون ~~ذلك إعلاما لهما بأثر من آثار عملهما يورث في بنيهما ، ولذلك مبدأ ظهور ~~آثار الاختلاف في تكوين خلقتهما بأن كان عصيانهما يورث في بنيهما ، ولذلك ~~مبدأ ظهور آثار الاختلال في تكوين خلقتهما بأن كان عصيانهما يورث في ~~أنفسهما وأنفس ms0458 ذريتهما داعية التغرير والحيلة على حد قوله تعالى : { إن من ~~أزواجكم وأولادكم عدوا لكم } فإن الأخلاق تورث وكيف لا وهي مما يعدى بكثرة ~~الملابسة والمصاحبة وقد قال أبو تمام : # لأعديتني بالحلم إن العلا تعدي # ووجه المناسبة بين هذا الأثر وبين منشئه الذي هو الأكل من الشجرة أن ~~الأكل من الشجرة كان مخالفة لأمر الله تعالى ورفضا له وسوء الظن بالفائدة ~~منه دعا لمخالفته الطمع والحرص على جلب نفع لأنفسهما ، وهو الخلود في الجنة ~~والاستئثار بخيراتها مع سوء الظن بالذي نهاهما عن الأكل منها وإعلامه لهما ~~بأنهما إن أكلا منها ظلما أنفسهما لقول إبليس لهما : { ما نهاكما ربكما عن ~~هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين } ( الأعراف : 20 ) ~~فكذلك كانت عداوة أفراد البشر مع ما جبلوا عليه من الألفة والأنس والاتحاد ~~منشؤها رفض تلك الألفة والاتحاد لأجل جلب النفع للنفس وإهمال منفعة الغير ، ~~فلا جرم كان بين ذلك الخاطر الذي بعثهما على الأكل من الشجرة وبين أثره ~~الذي بقي في نفوسهما والذي سيورثونه نسلهما فيخلق النسل مركبة عقولهم على ~~التخلق بذلك الخلق الذي طرأ على عقل PageV01P435 أبويهما ، ولا شك أن ذلك ~~الخلق الراجع لإيثار النفس بالخير وسوء الظن بالغير هو منبع العداوات كلها ~~لأن الواحد لا يعادي الآخر إلا لاعتقاد مزاحمة في منفعة أو لسوء ظن به في ~~مضرة . وفي هذا إشارة إلى مسألة أخلاقية وهي أن أصل الأخلاق حسنها وقبيحها ~~هو الخواطر الخيرة والشريرة ثم ينقلب الخاطر إذا ترتب عليه فعل فيصير خلقا ~~وإذا قاومه صاحبه ولم يفعل صارت تلك المقاومة سببا في اضمحلال ذلك الخاطر ، ~~ولذلك حذرت الشريعة من الهم بالمعاصي وكان جزاء ترك فعل ما يهم به منها ~~حسنة وأمرت بخواطر الخير فكان جزاء مجرد الهم بالحسنة حسنة ولو لم يعملها ~~وكان العمل بذلك الهم عشر حسنات كما ورد في الحديث الصحيح : ( من هم بحسنة ~~فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة ثم قال ومن هم بسيئة فعملها كتبت له ~~سيئة واحدة ) وجعل العفو عن ms0459 حديث النفس منة من الله تعالى ومغفرة في حديث ( ~~إن الله تجاوز عن أمتي فيما حدثت به نفوسها ) . # إن الله تعالى خلق الإنسان خيرا سالما من الشرور والخواطر الشريرة على ~~صفة ملكية وهو معنى { لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم } ( التين : 4 ) ثم ~~جعله أطوارا فأولها طور تعليمه النطق ووضعع الأسماء للمسميات لأن ذلك مبدأ ~~المعرفة وبه يكون التعليم أي يعلم بعض أفراده بعضا ما علمه وجهله الآخر ~~فكان إلهامه اللغة مبدأ حركة الفكر الإنساني وهو مبدأ صالح للخير ومعين ~~عليه لأن به علم الناس بعضهم بعضا ولذلك ترى الصبي يرى الشيء فيسرع إلى ~~قرنائه يناديهم ليروه معه حرصا على إفادتهم فكان الإنسان معلما بالطبع وكان ~~ذلك معينا على خيريته إلا أنه صالح أيضا لاستعمال النطق في التمويه والكذب ~~؛ ثم إن الله تعالى لما نهاه عن أمر كلفه بما في استطاعته أن يمتثله وأن ~~يخالفه فتلك الاستطاعة مبدأ حركة نفسه في الحرص والاستئثار فكان خلق الله ~~تعالى إياه على تلك الاستطاعة مبدأ طور جديد هو المشار إليه بقوله : { ثم ~~رددناه أسفل سافلين } ( التين : 5 ) ، ثم هداه بواسطة الشرائع فصار ~~باتباعها يبلغ إلى مراتب الملائكة ويرجع إلى تقويمه الأول وذلك معنى قوله : ~~{ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } ( التين : 6 ) وقد أشير إلى هذا الطور ~~الأخير بقوله فيما يأتي : { فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي } ( البقرة ~~: 38 ) الآية . # وجملة { بعضكم لبعض عدو } إما مستأنفة استئنافا ابتدائيا وإما جملة حال ~~من ضير { اهبطوا } وهي اسمية خلت من الواو ، وفي اعتبار الجملة الاسمية ~~الخالية من الواو حالا PageV01P436 خلاف بين أئمة العربية ، منع ذلك الفراء ~~والزمخشري وأجازه ابن مالك وجماعة . والحق عندي أن الجملة الحالية تستغني ~~بالضمير عن الواو وبالواو عن الضمير فإذا كانت في معنى الصفة لصاحبها ~~اشتملت على ضميره أو ضمير سببيه فاستغنت عن الواو نحو الآية ونحوجاء زيد ~~يده على رأسه أو أبوه يرافقه ، وإلا وجبت الواو إذ لا رابط حينئذ غيرها نحو ~~جاء زيد والشمس طالعة وقولل تأبط شرا : # فخالط ms0460 سهل الأرضض لم يكدح الصفا # به كدحة والموت خزيان ينظر # وقوله : { ولكم في الأرض مستقر } ضميره راجع إلى ما رجع إليه ضمير { ~~اهبطوا } على التقادير كلها . والحين الوقت والمراد به وقت انقراض النوع ~~الإنساني والشيطاني بانقراض العالم ، ويحتمل أن يكون المراد من ضمير { لكم ~~} التوزيع أي ولكل واحد منكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين . وإنما كان ذلك ~~متاعا لأن الحياة أمر مرغوب لسائر البشر على أن الحياة لا تخلو من لذات ~~وتمتع بما وهبنا الله من الملائمات . هذا إن أريد بالخبر المجموع أي ~~لجميعكم وإن أريد به التوزيع فالحين هو وقت موت كل فرد على حد قولك للجيش : ~~هذه الأفراس لكم أي لكل واحد منكم فرس . # # | 2 ( 37 ) { فتلقى ءادم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم } ~~. ) 2 # جاء بالفاء إيذانا بمبادرة آدم بطلب العفو . والتلقي استقبال إكرام ومسرة ~~قال تعالى : { وتتلقاهم الملائكة } ( الأنبياء : 103 ) ووجه دلالته على ذلك ~~أنه صيغة تفعل من لقيه وهي دالة على التكلف لحصوله وتطلبه وإنما يتكلف ~~ويتطلب لقاء الأمر المحبوب بخلاف لاقى فلا يدل على كون الملاقى محبوبا بل ~~تقول لاقى العدو . واللقاء الحضور نحو الغير بقصد أو بغير قصد وفي خير أو ~~شر ، قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا } ( ~~الأنفال : 45 ) الآية فالتعبير بتلقى هنا مؤذن بأن الكلمات التي أخذها آدم ~~كلمات نافعة له فعلم أنها ليست كلمات زجر وتوبيخ بل كلمات عفو ومغفرة ورضى ~~وهي إما كلمات لقنها آدم من قبل الله تعالى ليقولها طالبا المغفرة وإما ~~كلمات إعلام من الله إياه بأنه عفا عنه بعد أن أهبطه من الجنة اكتفاء بذلك ~~في العقوبة ، ومما يدل على أنها كلمات عفو عطف { فتاب عليه } بالفاء إذ لو ~~كانت كلمات توبيخ لما صح التسبب . # وتلقي آدم للكلمات إما بطريق الوحي PageV01P437 أو الإلهام . ولهم في ~~تعيين هذه الكلمات روايات أعرضنا عنها لقلة جدوى الاشتغال بذلك ، فقد قال ~~آدم الكلمات فتيب عليه فلنهتم نحن بما ينفعنا من الكلام ms0461 الصالح والفعل ~~الصالح . # ولم تذكر توبة حواء هنا مع أنها مذكورة في مواضع أخرى نحو قوله : { قالا ~~ربنا ظلمنا أنفسنا } ( الأعراف : 23 ) لظهور أنها تتبعه في سائر أحواله ~~وأنه أرشدها إلى ما أرشد إليه ، وإنما لم يذكر في هذه الآية لأن الكلام جرى ~~على الابتداء بتكريم آدم وجعله في الأرض خليفة فكان الاعتناء بذكر تقلباته ~~هو الغرض المقصود . # وأصل معنى تاب رجع ونظيره ثاب بالمثلثة ، ولما كانت التوبة رجوعا من ~~التائب إلى الطاعة ونبذا للعصيان وكان قبولها رجوعا من المتوب إليه إلى ~~الرضى وحسن المعاملة وصف بذلك رجوع العاصي عن العصيان ورجوع المعصي عن ~~العقاب فقالوا تاب فلان لفلان فتاب عليه لأنهم ضمنوا الثاني معنى عطف ورضى ~~فاختلاف مفادي هذا الفعل باختلاف الحرف الذي يتعدى به وكان أصله مبنيا على ~~المشاكلة . # والتوبة تتركب من علم وحال وعمل ، فالعلم هو معرفة الذنب والحال هو تألم ~~النفس من ذلك الضرر ويسمى ندما ، والعمل هو الترك للإثم وتدارك ما يمكن ~~تداركه وهو المقصود من التوبة ، وأما الندم فهو الباعث على العمل ولذلك ورد ~~في الحديث : ( الندم توبة ) قاله الغزالي ، قلت : أي لأنه سببها ضرورة أنه ~~لم يقصر لأن أحد الجزءين غير معرفة . # ثم التعبير بتاب عليه هنا مشعر بأن أكل آدم من الشجرة خطيئة إثم غير أن ~~الخطيئة يومئذ لم يكن مرتبا عليها جزاء عقاب أخروي ولا نقص في الدين ولكنها ~~أوجبت تأديبا عاجلا لأن الإنسان يومئذ في طور كطور الصبا فلذلك لم يكن ~~ارتكابها بقادح في نبوءة آدم على أنها لا يظهر أن تعد من الكبائر بل قصارها ~~أن تكون من الصغائر إذ ليس فيها معنى يؤذن بقلة اكتراث بالأمر ولا يترتب ~~عليه فساد ، وفي عصمة الأنبياء من الصغائر خلاف بين أصحاب الأشعري وبين ~~الماتريدي وهي في كتب الكلام ، على أن نبوءة آدم فيما يظهر كانت بعد النزول ~~إلى الأرض فلم تكن له عصمة قبل ذلك إذ العصمة عند النبوءة . # وعندي وبعضه مأخوذ من كلامهم أن ذلك العالم لم يكن عالم تكليف ms0462 بالمعنى ~~المتعارف عند أهل الشرائع بل عالم تربية فقط فتكون خطيئة آدم ومعصيته ~~مخالفة تأديبية ولذلك كان الجزاء عليها جاريا على طريقة العقوبات التأديبية ~~بالحرمان مما جره إلى المعصية ، فإطلاق المعصية والتوبة وظلم النفس على ~~جميع ذلك هو بغير المعنى الشرعي المعروف بل هي معصية كبيرة PageV01P438 ~~وتوبة بمعنى الندم والرجوع إلى التزام حسن السلوك ، وتوبة الله عليه بمعنى ~~الرضى لا بمعنى غفران الذنوب ، وظلم النفس بمعنى التسبب في حرمانها من لذات ~~كثيرة بسبب لذة قليلة فهو قد خالف ما كان ينبغي أن لا يخالفه ويدل لذلك ~~قوله بعد ذلك : { فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي إلى قوله خالدون } ( ~~البقرة : 38 ، 39 ) فإنه هو الذي بين به لهم أن المعصية بعد ذلك اليوم ~~جزاؤها جهنم فأورد علي بعض الحذاق من طلبة الدرس أنه إذا لم يكن العالم ~~عالم تكليف فكيف كفر إبليس باعتراضه وامتناعه من السجود ؟ فأجبته بأن دلالة ~~ألوهية الله تعالى في ذلك العالم حاصلة بالمشاهدة حصولا أقوى من كل دلالة ~~زيادة على دلالة العقل لأن إبليس شاهد بالحس الدلائل على تفرده تعالى ~~بالألوهية والخلق والتصرف المطلق وبعلمه وحكمته واتصافه بصفات الكمال كما ~~حصل العلم بمثله للملائكة فكان اعتراضه على فعله والتغليط إنكارا لمقتضى ~~تلك الصفات فكان مخالفة لدلائل الإيمان فكفر به . وأما الأمر والنهي ~~والطاعة والمعصية وجزاء ذلك فلا يتلقى إلا بالإخبارات الشرعية وهي لم تحصل ~~يومئذ وإنما حصلت بقوله تعالى لهم : { فمن تبع هداي } الآية فظهر الفرق . # وقرأ الجمهور { آدم } بالرفع و { كلمات } بالنصب ، وقرأه ابن كثير بنصب ( ~~آدم ) ورفع ( كلمات ) على تأويل ( تلقى ) بمعنى بلغته كلمات فيكون التلقي ~~مجازا عن البلوغ بعلاقة السببية . # وقوله : { إنه هو التواب الرحيم } تذييل وتعليل للجملة السابقة وهي { ~~فتاب عليه } لأنه يفيد مفادها مع زيادة التعميم والتذييل من الإطناب كما ~~تقرر في علم المعاني . ومعنى المبالغة في التواب أنه الكثير القبول للتوبة ~~أي لكثرة التائبين فهو مثال مبالغة من تاب المتعدي بعلى الذي هو بمعنى قبول ~~التوبة إيذان بأن ذلك لا ms0463 يخص تائبا دون آخر وهو تذييل لقوله : { فتلقى آدم ~~من ربه } المؤذن بتقدير تاب آدم فتاب الله عليه على جعل التواب بمعنى ~~الملهم لعباده الكثيرين أن يتوبوا فإن أمثلة المبالغة قد تجيء من غير ~~التكاثر فالتواب هنا معناه الملهم التوبة وهو كناية عن قبول توبة التائب . # وتعقيبه بالرحيم لأن الرحيم جار مجرى العلة للتواب إذ قبوله التوبة عن ~~عباده ضرب من الرحمة بهم وإلا لكانت التوبة لا تقتضي إلا نفع التائب نفسه ~~بعدم العود للذنب حتى تترتب عليه الآثام ، وأما الإثم المترتب فكان من ~~العدل أن يتحقق عقابه لكن الرحمة سبقت العدل هنا بوعد من الله . # PageV01P439 # | 2 ( 38 ، 39 ) { قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم منى هدى فمن تبع ~~هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون * والذين كفروا وكذبوا بآياتنآ أولائك ~~أصحاب النار هم فيها خالدون } . ) 2 # كررت جملة { قلنا اهبطوا } فاحتمل تكريرها أن يكون لأجل ربط النظم في ~~الآية القرآنية من غير أن تكون دالة على تكرير معناها في الكلام الذي خوطب ~~به آدم فيكون هذا التكرير لمجرد اتصال ما تعلق بمدلول { وقلنا اهبطوا } ( ~~البقرة : 36 ) وذلك قوله : { بعضكم لبعض عدو } ( البقرة : 36 ) وقوله : { ~~فإما يأتينكم مني هدى } . إذ قد فصل بين هذين المتعلقين ما اعترض بينهما من ~~قوله : { فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم } ( ~~البقرة : 37 ) فإنه لو عقب ذلك بقوله : { فإما يأتينكم مني هدى } لم يرتبط ~~كمال الارتباط ولتوهم السامع أنه خطاب للمؤمنين على عادة القرآن في التفنن ~~فلدفع ذلك أعيد قوله : { قلنا اهبطوا } فهو قول واحد كرر مرتين لربط الكلام ~~ولذلك لم يعطف { قلنا } لأن بينهما شبه كمال الاتصال لتنزل قوله : { قلنا ~~اهبطوا منها جميعا } من قوله : { وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو } منزلة ~~التوكيد اللفظي ثم بنى عليه قوله : { فإما يأتينكم مني هدى } الآية وهو ~~مغاير لما بنى على قوله : { وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو } ليحصل شيء من ~~تجدد فائدة في الكلام لكي لا يكون إعادة { اهبطوا } مجرد توكيد ويسمى هذا ms0464 ~~الأسلوب في علم البديع بالترديد نحو قوله تعالى : { لا تحسبن الذين يفرحون ~~بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب } ( ~~آل عمران : 188 ) وإفادته التأكيد حاصلة بمجرد إعادة اللفظ . # وقيل هو أمر ثاني بالهبوط بأن أهبط آدم من الجنة إلى السماء الدنيا ~~بالأمر الأول ثم أهبط من السماء الدنيا إلى الأرض فتكون إعادة { قلنا ~~اهبطوا } للتنبيه على اختلاف زمن القولين والهبوط وهو تأويل يفيد أن ~~المراحل والمسافات لا عبرة بها عند المسافر ولأن ضمير { منها } المتعين ~~للعود إلى الجنة لتنسق الضمائر في قوله : { وكلا منها PageV01P440 رغدا } ( ~~البقرة : 35 ) وقوله : { فأزلهما الشيطان عنها } ( البقرة : 36 ) مانع من ~~أن يكون المراد اهبطوا من السماء جميعا إذ لم يسبق معاد للسماء فالوجه عندي ~~على تقدير أن تكون إعادة { اهبطوا } الثاني لغير ربط نظم الكلام أن تكون ~~لحكاية أمر ثانن لآدم بالهبوط كيلا يظن أن توبة الله عليه ورضاه عنه عند ~~مبادرته بالتوبة عقب الأمر بالهبوط قد أوجبت العفو عنه من الهبوط من الجنة ~~فأعاد له الأمر بالهبوط بعد قبول توبته ليعلم أن ذلك كائن لا محالة لأنه ~~مراد الله تعالى وطور من الأطوار التي أرادها الله تعالى من جعله خليفة في ~~الأرض وهو ما أخبر به الملائكة . # وفيه إشارة أخرى وهي أن العفو يكون من التائب في الزواجر والعقوبات . ~~وأما تحقيق آثار المخالفة وهو العقوبة التأديبية فإن العفوعنها فساد في ~~العالم لأن الفاعل للمخالفة إذا لم ير أثر فعله لم يتأدب في المستقبل ~~فالتسامح معه في ذلك تفويت لمقتضى الحكمة ، فإن الصبي إذا لوث موضعا وغضب ~~عليه مربيه ثم تاب فعفا عنه فالعفو يتعلق بالعقاب وأما تكليفه بأن يزيل ~~بيده التلويث الذي لوث به الموضع فذلك لا يحسن التسامح فيه ولذا لما تاب ~~الله على آدم رضي عنه ولم يؤاخذه بعقوبة ولا بزاجر في الدنيا ولكنه لم يصفح ~~عنه في تحقق أثر مخالفته وهو الهبوط من الجنة ليرى أثر حرصه وسوء ظنه ، ~~هكذا ينبغي أن يكون التوجيه إذا ms0465 كان المراد من { اهبطوا } الثاني حكاية أمر ~~ثان بالهبوط خوطب به آدم . # و { جميعا } حال . وجميع اسم للمجتمعين مثل لفظ ( جمع ) فلذلك التزموا ~~فيه حالة واحدة وليس هو في الأصل وصفا وإلا لقالوا جاءوا جميعين لأن فعيلا ~~بمعنى فاعل يطابق موصوفه وقد تأولوا قول امرىء القيس : # فلو أنها نفس تموت جميعة # بأن التاء فيه للمبالغة والمعنى اهبطوا مجتمعين في الهبوط متقارنين فيه ~~لأنهما استويا في اقتراف سبب الهبوط . # وقوله : { فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي } شرط على شرط لأن ( إما ) ~~شرط مركب من إن الشرطية وما الزائدة دالة على تأكيد التعليق لأن إن بمجردها ~~دالة على الشرط فلم يكن دخول ما الزائدة عليها كدخولها على ( متى ) و ( أي ~~) و ( أين ) و ( أيان ) و ( ما ) و ( من ) و ( مهما ) على القول بأن أصلها ~~ماما لأن تلك كانت زيادتها لجعلها مفيدة معنى الشرط فإن هذه الكلمات لم ~~توضع له بخلاف ( إن ) وقد التزمت العرب تأكيد فعل الشرط مع إما بنون ~~التوكيد لزيادة توكيد التعليق بدخول علامته على أداته وعلى فعله فهو تأكيد ~~لا يفيد تحقيق حصول الجواب لأنه مناف للتعليق ، ولذلك لم يؤكد جواب الشرط ~~بالنون بل يفيد تحقيق الربط أي إن كون PageV01P441 حصول الجواب متوقفا على ~~حصول الشرط أمر محقق لا محالة فإن التعليق ما هو إلا خبر من الأخبار ، إذ ~~حاصله الإخبار بتوقف حصول الجزاء على حصول الشرط فلا جرم كان كغيره من ~~الأخبار قابلا للتوكيد وقلما خلا فعل الشرط مع إما عن نون التوكيد كقول ~~الأعشى : # إما ترينا حفاة نعال لنا # إنا كذلك ما نحفي وننتعل # وهو غير حسن عند سيبويه والفارسي ، وقال المبرد والزجاج هوممنوع فجعلا ~~خلو الفعل عنه ضرورة . # وقوله : { فمن تبع هداي } من شرطية بدليل دخول الفاء في جوابها { فلا خوف ~~عليهم } لأن الفاء وإن دخلت في خبر الموصول كثيرا فذلك على معاملته معاملة ~~الشرط فلتحمل هنا على الشرطية اختصارا للمسافة . # وأظهر لفظ الهدى في قوله : { هداي } وهوعين الهدى في قوله : { مني هدى } ~~فكان المقام ms0466 للضمير الرابط للشرطية الثانية بالأولى لكنه أظهر اهتماما ~~بالهدى ليزيد رسوخا في أذهان المخاطبين على حد { كما أرسلنا إلى فرعون ~~رسولا فعصى فرعون الرسول } ( المزمل : 15 ، 16 ) ولتكون هاته الجملة مستقلة ~~بنفسها لا تشتمل على عائد يحتاج إلى ذكر معاد حتى يتأتى تسييرها مسير المثل ~~أو النصيحة فتلحظ فتحفظ وتتذكرها النفوس لتهذب وترتاض كما أظهر في قوله : { ~~وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا } ( الإسراء : 81 ) لتسير ~~هذه الجملة الأخيرة مسير المثل ومنه قول بشار : # إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن # برأي نصيح أو نصيحة حازم # ولا تجعل الشورى عليك غضاضة # مكان الخوافي قوة للقوادم # وأدنن إلى الشورى المسدد رأيه # ولا تشهد الشورى امرأ غير كاتم # فكرر الشورى ثلاث مرات في البيتين الثاني والثالث ليكون كل نصف سائرا ~~مسير المثل وبهذا يظهر وجه تعريف الهدى الثاني بالإضافة لضمير الجلالة دون ~~أل مع أنها الأصل في وضع الظاهر موضع الضمير الواقع معاد لئلا يفوت هاته ~~الجملة المستقلة شيء تضمنته الجملة الأولى إذ الجملة الأولى تضمنت وصف ~~الهدى بأنه آت من الله والإضافة في الجملة الثانية تفيد هذا المفاد . ~~PageV01P442 # والإتيان في قوله تعالى : { فإما يأتينكم } بحرف الشرط الدال على عدم ~~الجزم بوقوع الشرط إيذان ببقية من عتاب على عدم امتثال الهدى الأول وتعريض ~~بأن محاولة هديكم في المستقبل لا جدوى لها كما يقول السيد لعبده إذا لم ~~يعمل بما أوصاه به فغضب عليه ثم اعتذر له فرضي عنه : إن أوصيتك يوما آخر ~~بشيء فلا تعد لمثل فعلتك ، يعرض له بأن تعلق الغرض بوصيته في المستقبل أمر ~~مشكوك فيه إذ لعله قليل الجدوى ، وهذا وجه بليغ فات صاحب ( الكشاف ) حجبه ~~عنه توجيه تكلفه لإرغام الآية على أن تكون دليلا لقول المعتزلة بعدم وجوب ~~بعثة الرسل للاستغناء عنها بهدي العقل في الإيمان بالله مع كون هدي الله ~~تعالى الناس واجبا عندهم ، وذلك التكلف كثير في ( كتابه ) وهو لا يليق ~~برسوخ قدمه في العلم ، فكان تقريره هذا كالاعتذار عن القول بعدم وجوب بعثة ~~الرسل ms0467 على أن الهدى لا يختص بالإيمان الذي يغني فيه العقل عن الرسالة عندهم ~~بل معظمه هدي التكاليف وكثير منها لا قبل للعقل بإدراكه ، وهو على أصولهم ~~أيضا واجب على الله إبلاغه للناس فيبقى الإشكال على الإتيان بحرف الشك هنا ~~بحالة فلذلك كانت الآية أسعد بمذهبنا أيها الأشاعرة من عدم وجوب الهدي كله ~~على الله تعالى لو شئنا أن نستدل بها على ذلك كما فعل البيضاوي ولكنا لا ~~نراها واردة لأجله . # وقوله : { فإما يأتينكم مني هدى } الآية هو في معنى العهد أخذه الله على ~~آدم فلزم ذريته أن يتبعوا كل هدى يأتيهم من الله وأن من أعرض عن هدى يأتي ~~من الله فقد استوجب العذاب PageV01P443 فشمل جميع الشرائع الإلاهية المخاطب ~~بها طوائف الناس لوقوع ( هدى ) نكرة في سياق الشرط وهو من صيغ العموم ، ~~وأولى الهدي وأجدره بوجوب اتباعه الهدي الذي أتى من الله لسائر البشر وهو ~~دين الإسلام الذي خوطب به جميع بني آدم وبذلك تهيأ الموقع لقوله : { والذين ~~كفروا } إلخ فالله أخذ العهد من لدن آدم على اتباع الهدي العام كقوله : { ~~وإذ أخذ الله ميثاق النبيئين لما آتيناكم من كتاب وحكمة } ( آل عمران : 81 ~~) الآية . # وهذه الآية تدل على أن الله لا يؤاخذ البشر بما يقترفونه من الضلال إلا ~~بعد أن يرسل إليهم من يهديهم فأما في تفاصيل الشرائع فلا شك في ذلك ولا ~~اختلاف وأما في توحيد الله وما يقتضيه من صفات الكمال فيجري على الخلاف بين ~~علمائنا في مؤاخذة أهل الفترة على الإشراك ، ولعل الآية تدل على أن الهدى ~~الآتي من عند الله في ذلك قد حصل من عهد آدم ونوح وعرفه البشر كلهم فيكون ~~خطابا ثابتا لا يسع البشر ادعاء جهله وهو أحد قولين عن الأشعري ، وقيل لا ، ~~وعند المعتزلة والماتريدية أنه دليل عقلي . # وقوله : { فلا خلاف عليهم } نفي لجنس الخوف . و { خوف } مرفوع في قراءة ~~الجمهور وقرأه يعقوب مبنيا على الفتح وهما وجهان في اسم ( لا ) النافية ~~للجنس وقد روي بالوجهين قول المرأة الرابعة من نساء ms0468 حديث أم زرع ( زوجي ~~كليل تهامه لا حر ولا قر ولا مخافة ولا سآمه ) . وبناء الاسم على الفتح نص ~~في نفي الجنس ورفعه محتمل لنفي الجنس ولنفي فرد واحد ، ولذلك فإذا انتفى ~~اللبس استوى الوجهان كما هنا إذ القرينة ظاهرة في نفي الجنس . # وقوله : { والذين كفروا وكذبوا بآياتنا } يحتمل أنه من جملة ما قيل لآدم ~~فإكمال ذكره هنا استيعاب لأقسام ذرية آدم وفيه تعريض بالمشركين من ذرية آدم ~~وهو يعم من كذب بالمعجزات كلها ومن جملتها القرآن ، عطف على ( من ) الشرطية ~~في قوله : { فمن تبع هداي } إلخ فهو من عطف جملة اسمية على جملة اسمية ، ~~وأتى بالجملة المعطوفة غير شرطية مع ما في الشرطية من قوة الربط والتنصيص ~~على ترتب الجزاء على الشرط وعدم الانفكاك عنه لأن معنى الترتب والتسبب وعدم ~~الانفكاك قد حصل بطرق أخرى فحصل معنى الشرط من مفهوم قوله : { فمن تبع هداي ~~فلا خوف عليهم } فإنه بشارة يؤذن مفهومها بنذارة من لم يتبعه فهو خائف حزين ~~فيترقب السامع ما يبين هذا الخوف والحزن فيحصل ذلك بقوله : { والذين كفروا ~~وكذبوا } الآية . وأما معنى التسبب فقد حصل من تعليق الخبر على الموصول ~~وصلته المومىء إلى وجه بناء الخبر وعلته على أحد التفسيرين في الإيماء إلى ~~وجه بناء الخبر ، وأما عدم الانفكاك PageV01P444 فقد اقتضاه الإخبار عنهم ~~بأصحاب النار المقتضي للملازمة ثم التصريح بقوله : { هم فيها خالدون } . # ويحتمل أنه تذييل ذيلت به قصة آدم لمناسبة ذكر المهتدين وليس من المقول ~~له ، والمقصود من هذا التذييل تهديد المشركين والعود إلى عرض قوله تعالى : ~~{ يا أيها الناس اعبدوا ربكم } ( البقرة : 21 ) وقوله : { كيف تكفرون بالله ~~} ( البقرة : 28 ) فتكون الواو في قوله : { والذين كفروا } اعتراضية ~~والمراد بالذين كفروا الذين أنكروا الخالق وأنكروا أنبياءه وجحدوا عهده كما ~~هو اصطلاح القرآن والمعنى والذين كفروا بي وبهداي كما دلت عليه المقابلة . # والآيات جمع آية وهي الشيء الدال على أمر من شأنه أن يخفى ، ولذلك قيل ~~لأعلام الطريق آيات لأنهم وضعوها للإرشاد إلى الطرق الخفية في الرمال ، ~~وتسمى ms0469 الحجة آية لأنها تظهر الحق الخفي ، كما قال الحارث بن حلزة : # من لنا عنده من الخير آيا # ت ثلاث في كلهن القضاء # يعني ثلاث حجج على نصحهم وحسن بلائهم في الحرب وعلى اتصالهم بالملك عمرو ~~بن هند . وسمى الله الدلائل على وجوده وعلى وحدانيته وعلى إبطال عقيدة ~~الشرك آيات ، فقال : { وماتأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها ~~معرضين } ( الأنعام : 4 ) وقال : { وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ~~ظلمات البر والبحر قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون } ( الأنعام : 97 ) إلى ~~قوله : { إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون } ( الأنعام : 99 ) وقال : { ~~وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها } ( الأنعام : 109 ) ~~وسمي القرآن آية فقال : { وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما ~~الآيات عند الله إلى قوله أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم ~~في سورة العنكبوت ( 50 ، 51 ) . وسمى أجزاءه آيات فقال : وإذا تتلى عليهم ~~آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون ~~عليهم آياتنا } ( الحج : 72 ) وقال : { المر تلك آيات الكتاب والذي أنزل ~~إليك من ربك الحق } ( الرعد : 1 ) لأن كل سورة من القرآن يعجز البشر عن ~~الإتيان بمثلها كما قال تعالى : { فأتوا بسورة من مثله } ( البقرة : 23 ) ، ~~فكان دالا على صدق الرسول فيما جاء به وكانت جمله آيات لأن بها بعض المقدار ~~المعجز ، ولم تسم أجزاء الكتب السماوية الأخرى آيات ، وأما ما ورد في حديث ~~الرجم أن ابن صوريا حين نشر التوراة وضع يده على آية الرجم فذلك على تشبيه ~~الجزء من التوراة بالجزء من القرآن وهو من تعبير راوي الحديث . # وأصل الآية عند سيبويه PageV01P445 فعلة بالتحريك أييه أو أويه على ~~الخلاف في أنها واوية أو يائية مشتقة من أي الاستفهامية أو من أوى فلما ~~تحرك حرفا العلة فيها قلب أحدهما وقلب الأول تخفيفا على غير قياس لأن قياس ~~اجتماع حرفي علة صالحين للإعلال أن يعل ثانيهما إلا ما قل من نحو آية وقاية ~~وطاية وثاية وراية ms0470 . # فالمراد بآياتنا هنا آيات القرآن أي وكذبوا بالقرآن أي بأنه وحي من عند ~~الله . والباء في قوله : { وكذبوا بآياتنا } باء يكثر دخولها على متعلق ~~مادة التكذيب مع أن التكذيب متعد بنفسه ولم أقف في كلام أئمة اللغة على ~~خصائص لحاقها بهذه المادة والصيغة فيحتمل أنها لتأكيد اللصوق للمبالغة في ~~التكذيب فتكون كالباء في قوله تعالى : { وامسحوا برؤوسكم } ( المائدة : 6 ) ~~وقول النابغة : # لك الخير أن وارت بك الأرض واحدا # ويحتمل أن أصلها للسببية وأن الأصل أن يقال كذب فلانا بخبره ثم كثر ذلك ~~فصار كذب به وكذب بمعنى واحد والأكثر أن يقال كذب فلانا ، وكذب بالخبر ~~الفلاني ، فقوله : { بآياتنا } يتنازعه فعلا كفروا وكذبوا . وقوله : { هم ~~فيها خالدون } بيان لمضمون قوله : { أصحاب النار } فإن الصاحب هنا بمعنى ~~الملازم ولذلك فصلت جملة { فيها خالدون } لتنزلها من الأولى منزلة البيان ~~فبينهما كمال الاتصال . # PageV01P446 $ 2 ( 40 ) { يابنى & # 1764 إسراءيل اذكروا نعمتي التى & # 1764 أنعمت عليكم وأوفوا بعهدى & # 1764 أوف بعهدكم وإياى فارهبون } . ) 2 $ # انتقال من موعظة المشركين إلى موعظة الكافرين من أهل الكتاب وبذلك تتم ~~موعظة الفرق المتقدم ذكرها ، لأن فريق المنافقين لا يعدو أن يكونوا من ~~المشركين أو من أهل الكتاب اليهود ، ووجه الخطاب هنا إلى بني إسرائيل وهم ~~أشهر الأمم المتدينة ذات الكتاب الشهير والشريعة الواسعة ، وذلك لأن هذا ~~القرآن جاء يهدي للتي هي أقوم فكانت هاته السورة التي هي فسطاطه مشتملة على ~~الغرض الذي جاء لأجله ، وقد جاء الوفاء بهذا الغرض على أبدع الأساليب وأكمل ~~وجوه البلاغة فكانت فاتحتها في التنويه بشأن هذا الكتاب وآثار هديه وما ~~يكتسب متبعوه من الفلاح دنيا وأخرى ، وبالتحذير من سوء مغبة من يعرض عن ~~هديه ويتنكب طريقه ، ووصف في خلال ذلك أحوال الناس تجاه تلقي هذا الكتاب من ~~مؤمن وكافر ومنافق ، بعد ذلك أقبل على أصناف أولئك بالدعوة إلى المقصود ، ~~وقد انحصر الأصناف الثلاثة من الناس المتلقين لهذا الكتاب بالنسبة لحالهم ~~تجاه الدعوة الإسلامية في صنفين لأنهم إما مشرك أو متدين أي كتابي ، إذ قد ~~اندرج ms0471 صنف المنافقين في الصنف المتدين لأنهم من اليهود كما قدمناه ، فدعا ~~المشركين إلى عبادته تعالى بقوله : { يأيها الناس اعبدوا ربكم } ( البقرة : ~~21 ) . فالناس إن كان المراد به المشركين كماهو اصطلاح القرآن غالبا كما ~~تقدم فظاهر ، وإن كان المراد به كل الناس فقوله : { اعبدوا ربكم } يختص بهم ~~لا محالة إذ ليس المؤمنون بداخلين في ذلك ، وذكرهم بدلائل الصنعة وهي خلق ~~أصولهم وبأصول نعم الحياة وهي خلق الأرض والسماء وإنزال الماء من السماء ~~لإخراج الثمرات ، وعجب من كفرهم مع ظهور دلائل إثبات الخالق من الحياة ~~والموت ، وذكرهم بنعمه عظيمة وهي نعمة تكريم أصلهم وتوبته على أبيهم ، كل ~~ذلك اقتصار على القدر الثابت في فطرتهم إذ لم يكن لديهم من الأصول الدينية ~~ما يمكن أن يجعل مرجعا في المحاورة والمجادلة يقتنعون به ، وخاطبهم في شأن ~~إثبات صدق الرسول خلال ذلك بالدليل الذي تدركه أذواقهم البلاغية فقال : { ~~وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله } ( البقرة : 23 ~~) الآيات . ولما قضى ذلك كله حقه أقبل بالخطاب هنا على الصنف الثاني وهم ~~أهل الشرائع والكتاب وخص من PageV01P447 بينهم بني إسرائيل لأنهم أمثل أمة ~~ذات كتاب مشهور في العالم كله وهم الأوحداء بهذا الوصف من المتكلمين باللغة ~~العربية الساكنين المدينة وما حولها ، وهم أيضا الذين ظهر منهم العناد ~~والنواء لهذا الدين ، ومن أجل ذلك لم يدع اليهود إلى توحيد ولا اعتراف ~~بالخالق لأنهم موحدون ولكنه دعاهم إلى تذكر نعم الله عليهم وإلى ما كانت ~~تلاقيه أنبياؤهم من مكذبيهم ، ليذكروا أن تلك سنة الله وليرجعوا على أنفسهم ~~بمثل ما كانوا يؤنبون به من كذب أنبياءهم وذكرهم ببشارات رسلهم وأنبيائهم ~~بنبي يأتي بعدهم . # ولتوجيه الخطاب إليهم طريقة أخرى وهي أنه جادلهم بالأدلة الدينية العلمية ~~وإثبات صدق الرسالة بما تعارفوه من أحوال الرسل ، ولم يعرج لهم على إثبات ~~الصدق بدلالة معجزة القرآن إذ لم يكونوا من فرسان هذا الميدان كما قدمناه ~~في تفسير قوله تعالى : { إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما } ( البقرة : 26 ~~) فكان ms0472 خطابهم هنا بالدلائل الدينية وبحجج الشريعة الموسوية ليكون دليل صدق ~~الرسول في الاعتبار بحاله وأنه جاء على وفاق أحوال إخوانه المرسلين ~~السابقين . # وقد أفاض القرآن في ذلك وتدرج فيه من درجة إلى أختها بأسلوب بديع في ~~مجادلة المخاطبين وأفاد فيه تعليم المسلمين حتى لا يفوتهم علماء بني ~~إسرائيل قال تعالى : { أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل } ( ~~الشعراء : 197 ) فقد كان العلم يومئذ معرفة التشريع ومعرفة أخبار الأنبياء ~~والأمم الماضية وأحوال العالمين العلوي والسفلي مع الوصايات الأدبية ~~والمواعظ الأخلاقية ، فبذلك كان اليهود يفوقون العرب ومن أجله كانت العرب ~~تسترشدهم في الشؤون وبه امتاز اليهود على العرب في بلادهم بالفكرة المدنية ~~. وكان علم عامة اليهود في هذا الشأن ضعيفا وإنما انفردت بعلمه علماؤهم ~~وأحبارهم فجاء القرآن في هاته المجادلات معلما أيضا للمسلمين وملحقا لهم ~~بعلماء بني إسرائيل حتى تكون الدرجة العليا لهم لأنهم يضمون هذا العلم إلى ~~علومهم اللسانية ونباهتهم الفكرية فتصبح عامة المسلمين مساوية في العلم ~~لخاصة الإسرائيليين وهذا معنى عظيم من معاني تعميم التعليم والإلحاق في ~~مسابقة التمدين . وبه تنكشف لكم حكمة من حكم تعرض القرآن لقصص الأمم ~~وأحوالهم فإن في ذلك مع العبرة تعليما اصطلاحيا . ولقد نعد هذا من معجزات ~~القرآن وهو أنه شرح من أحوال بني إسرائيل ما لا يعلمه إلا أحبارهم وخاصتهم ~~مع حرصهم على كتمانه الاستئثار به PageV01P448 خشية المزاحمة في الجاه ~~والمنافع فجاء القرآن على لسان أبعد الناس عنهم وعن علمهم صادعا بما لا ~~يعلمه غير خاصتهم فكانت هذه المعجزة للكتابيين قائمة مقام المعجزة البلاغية ~~للأميين . وقد تقدم الإلمام بهذا في المقدمة السابعة . وقد روعيت في هذا ~~الانتقال مسايرة ترتيب كتب التوراة إذا عقبت كتاب التكوين بكتاب الخروج أي ~~وصف أحوال بني إسرائيل في مدة فرعون ثم بعثة موسى ، وقد اقتصر مما في سفر ~~التكوين على ذكر خلق آدم وإسكانه الأرض لأنه موضع العبرة وانتقل من ذلك إلى ~~أحوال بني إسرائيل لأن فيها عبرا جمة لهم وللأمة . # فقوله : { يا بني إسرائيل } خطاب ms0473 لذرية يعقوب وفي ذريته انحصر سائر الأمة ~~اليهودية ، وقد خاطبهم بهذا الوصف دون أن يقول يا أيها اليهود لكونه هو اسم ~~القبيلة أما اليهود فهو اسم النحلة والديانة ولأن من كان متبعا دين ~~اليهودية من غير بني إسرائيل كحمير لم يعتد بهم لأنهم تبع لبني إسرائيل فلو ~~آمن بنو إسرائيل بالنبيء صلى الله عليه وسلم لآمن أتباعهم لأن المقلد تبع ~~لمقلده . ولأن هذا الخطاب للتذكير بنعم أنعم الله بها على أسلافهم وكرامات ~~أكرمهم بها فكان لندائهم بعنوان كونهم أبناء يعقوب وأعقابه مزيد مناسبة ~~لذلك ألا ترى أنه لما ذكروا بعنوان التدين بدين موسى ذكروا بوصف الذين ~~هادوا في قوله تعالى : { إن الذين آمنوا والذين هادوا } ( البقرة : 62 ) ~~الآية كما سيأتي قريبا . # وتوجيه الخطاب إلى جميع بني إسرائيل يشمل علماءهم وعامتهم لأن ما خوطبوا ~~به هو من التذكير بنعمة الله على أسلافهم وبعهد الله لهم . وكذلك نجد ~~خطابهم في الأغراض التي يراد منها التسجيل على جميعهم يكون بنحو { يا أهل ~~الكتاب } ( آل عمران : 64 ) أو بوصف اليهود الذين هادوا أو بوصف النصارى ، ~~فأما إذا كان الغرض التسجيل على علمائهم نجد القرآن يعنونهم بوصف { الذين ~~أوتوا الكتاب } ( النساء : 47 ) أو { الذين آتيناهم الكتاب } ( الأنعام : ~~20 ) . وقد يستغنى عن ذلك بكون الخبر المسوق مما يناسب علماءهم خاصة مثل ~~قوله تعالى : { وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما ~~عقلوه وهم يعلمون } ( البقرة : 75 ) . ونحو { ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ~~} ( البقرة : 41 ) ونحو { ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم ~~تعلمون } ( البقرة : 42 ) { فويل الذين يكتبون الكتاب بأيديهم } ( البقرة : ~~79 ) الآية { ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل ~~يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به } ( البقرة : 89 ) ~~{ إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في ~~الكتاب أولئك PageV01P449 يلعنهم الله } ( البقرة : 159 ) { ولئن أتيت ~~الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك } ( البقرة : 145 ) الآية . ~~فإذا جاء ms0474 الخطاب بأسلوب شامل لعلمائهم وعامتهم صرف إلى كل طائفة من ~~الطائفتين ما هو لائق بها . # وبنون مما ألحق بجمع المذكر السالم وليس منه لأنه دخل التكسير بحذف لامه ~~وزيادة همزة الوصل في أوله فحقه أن يجمع على أبناء . # وقد اختلف في أصل ابن فقيل هو مشتق من بني أي فهو مصدر بمعنى المفعول ~~كالخلق فأصله بني أي مبني لأن أباه بناه وكونه فحذفت لامه للتخفيف وعوض ~~عنها همزة الوصل ففيه مناسبة في معنى الاشتقاق إلا أن الحذف حينئذ على غير ~~قياس لأن الياء لاموجب لحذفها إلا أن يتكلف له بأن الياء تحركت مع سكون ما ~~قبلها فنقلت حركتها للساكن إجراء له مجرى عين الكلمة ثم لما انقلب ألفا على ~~تلك القاعدة خيف التباسه بفعل بني فحذفت اللام وعوض عنها همزة الوصل . وقيل ~~أصله وأو على وزن بنو أو بنو بسكون النون أو بالتحريك فحذفت الواو كما حذفت ~~من نظائره نحو أخ وأب وفي هذا الوجه بعد عن الاشتقاق وبعد عن نظائره لأن ~~نظائره لما حذفت لاماتها لم تعوض عنها همزة الوصل . # وإسرائيل لقب يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام قال ابن عباس معناه ~~عبد الله ، لأن إسرا بمعنى عبد وإيل اسم الله أي مركب من كلمتين إسرا و إيل ~~اسم الله تعالى كما يقولون بيت إيل ( اسم لقرية تسمى لوز من أرض كنعان ~~نزلها يعقوب عليه السلام في مهاجره فرارا من أخيه عيسو وبنى فيها مذبحا ~~ودعا اسمه بيت إيل ) . والذي في كتب اليهود أن سبب تسمية يعقوب إسرائيل أنه ~~لما كان خائفا في مهاجره من أن يلحقه أخوه عيسو لينتقم منه عرض له في إحدى ~~الليالي شخص فعلم يعقوب أنه ربه ( أي ملك من ملائكة الله ) فأمسكه وصارعه ~~يعقوب كامل الليل إلى طلوع الفجر فقال له أطلقني فقد طلع الفجر فقال له ~~يعقوب : لا أطلقك حتى تباركني فقال له : ما اسمك ؟ قال : يعقوب قال له : لا ~~يدعى اسمك يعقوب بعد اليوم بل أنت PageV01P450 إسرائيل لأنك جاهدت الله ~~والناس ms0475 وقدرت . وباركه هناك . فهذا يدل على أن إسرا في هذا الاسم راجع إلى ~~معنى الأسر في الحرب كما هو في العربية فإذا كان هذا من أصل التوراة فهو ~~على تأويل رؤيا رآها يعقوب جعل الله بها له شرفا أو عرض له ملك كذلك . ثم ~~إن يعقوب له اثنا عشر ابنا وهم المشهورون بالأسباط لأنهم أسباط إسحاق بن ~~إبراهيم وإلى هؤلاء الأسباط يرجع نسب جميع بني إسرائيل وسيأتي ذكر الأسباط ~~في هذه السورة . # و { اذكروا } أمر من الذكر وهو أي الذكر بكسر الذال وضمها يطلق على خطور ~~شيء ببال من نسيه ولذلك قيل ، وكيف يذكره من ليس ينساه ، ويطلق على النطق ~~باسم الشيء الخاطر ببال الناس ، ثم أطلق على التصريح بالدال مطلقا لأن ~~الشأن أن أحدا لا ينطق باسم الشيء إلا إذا خطر بباله ، وقد فرق بعض ~~اللغويين بين مكسور الذال ومضمومه فجعل المكسور للساني والمضموم للعقلي ~~ولعلها تفرقة استعمالية مولدة إذ لا يحجر على المستعمل تخصيصه أحد مصدري ~~الفعل الواحد لأحد معاني الفعل عند التعبير فيصير ذلك اصطلاحيا استعماليا ~~لا وضعا حتى يكون من المترادف إذ اتحاد الفعل مانع من دعوى ترادف المصدرين ~~فقد قال عمر رضي الله عنه : أفضل من ذكر الله باللسان ذكر الله عند أمره ~~ونهيه فسمى النوعين ذكرا . والمقصود هنا الذكر العقلي إذ ليس المراد ذكر ~~النعمة باللسان . # والمراد بالنعمة هنا جميع ما أنعم الله به على المخاطبين مباشرة أو ~~بواسطة الإنعام على أسلافهم فإن النعمة على الأسلاف نعمة على الأبناء لأنها ~~سمعة لهم ، وقدوة يقتدون بها ، وبركة تعود عليهم منها ، وصلاح حالهم الحاضر ~~كان بسببها ، وبعض النعم يكون فيما فطر الله عليه الإنسان من فطنة وسلامة ~~ضمير وتلك قد تورث في الأبناء . ولولا تلك النعم لهلك سلفهم أو لساءت حالهم ~~فجاء أبناؤهم في شر حال . فيشمل هذا جميع النعم التي أنعم الله بها عليهم ~~فهو بمنزلة اذكروا نعمي عليكم . وهذا العموم مستفاد من إضافة نعمة إلى ضمير ~~الله تعالى إذ الإضافة تأتي لما تأتي له ms0476 اللام ولا يستقيم من معاني اللام ~~العهد إذ ليس في الكلام نعمة معينة معهودة ، ولا يستقيم معنى اللام الجنسية ~~، فتعين أن تكون الإضافة على معنى لام الاستغراق فالعموم حصل من إضافة نعمة ~~إلى المعرفة وقليل من علماء أصول الفقه من يذكرون المفرد المعرف بالإضافة ~~في صيغ العموم ، وقد ذكره الإمام الرازي في ( المحصول ) في أثناء ~~PageV01P451 الاستدلال . وقال ولي الدين : الإضافة عند الإمام أدل على ~~العموم من اللام وقال ابن السبكي في ( شرح مختصر ابن الحاجب ) : دلالة ~~المفرد المضاف على العموم ما لم يتحقق عهد هو الصحيح نحو قوله تعالى : { ~~فليحذر الذين يخالفون عن أمره } ( النور : 63 ) أي كل أمره وقد تأيد قصد ~~عموم النعمة بأن المقام للامتنان والدعوة إلى الإسلام فيناسبه تكثير النعم ~~. والمراد النعم التي أنعم الله بها على أسلافهم وعلى الحاضرين منهم زمن ~~نزول القرآن فإن النعمة على أسلافهم نعمة عليهم وقد تتابعت النعم عليهم إذ ~~بوأهم قرى في بلاد العرب بعد أن سلبت بلادهم فلسطين وجعلهم في بحبوحة من ~~العيش مع الأمن والثروة ومسالمة العرب لهم . # والأمر بذكر النعمة هنا مراد منه لازمه وهوشكرها ومن أول مراتب الشكر ترك ~~المكابرة في تلقي ما ينسب إلى الله من الرسالة بالنظر في أدلتها ومتابعة ما ~~يأتي به المرسلون . فقوله : { التي أنعمت عليكم } وصف أشير به إلى وجوب شكر ~~النعم لما يؤذن الموصول وصلته من التعليل فهومن باب قوله تعالى : { وليتم ~~نعمته عليكم لعلكم تشكرون } ( المائدة : 6 ) . ويفيد مع ذلك أمرهم بتفكر ~~النعم التي أنعم بها عليهم لينصرفوا بذلك عن حسد غيرهم فإن تذكير الحسود ~~بما عنده من النعم عظة له وصرف له عن الحسد الناشىء عن الاشتغال بنعم الغير ~~وهذا تعريض بهم أنهم حاسدون للعرب فيما أوتوا من الكتاب والحكمة ببعثة محمد ~~صلى الله عليه وسلم وانتقال النبوة من بني إسرائيل إلى العرب وإنما ذكروا ~~بذلك لأن للنفس غفلة عما هو قائم بها وإنما تشتغل بأحوال غيرها لأن الحس هو ~~أصل المعلومات فإذا رأى الحاسد نعم الغير نسي أنه ms0477 أيضا في نعمة فإذا أريد ~~صرفه عن الحسد ذكر بنعمه حتى يخف حسده فإن حسدهم هو الذي حال دون تصديقهم ~~به فيكون وزانه وزان قوله تعالى : { أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من ~~فضله } ( النساء : 54 ) ، وتقديمه على قوله : { وأوفوا بعهدي } من باب ~~تقديم التخلية بالمعجمة على التحلية بالمهملة ويكون افتتاح خطابهم بهذا ~~التذكير تهيئة لنفوسهم إلى تلقي الخطاب بسلامة طوية وإنصاف . # وقوله تعالى : { وأوفوا بعهدي } هو فعل مهموز من ( وفى ) المجرد وأصل ~~معنى وفى أتم الأمر تقول وفيته حقه ، ولما كان المجرد متعديا للمفعول ولم ~~يكن في المهموز زيادة تعدية للتساوي بين قولك وفيته حقه وأوفيته حقه تعينت ~~الزيادة لمجرد المبالغة في التوفية مثل بان وأبان وشغل وأشغل وأما وفى ~~بالتضعيف فهو أبلغ من أوفى لأن فعل وإن شارك أفعل في معانيه إلا أنه لما ~~كان PageV01P452 دالا على التقضي شيئا بعد شيء كان أدل على المبالغة لأن ~~شأن الأمر الذي يفعل مدرجا أن يكون أتقن . وقد أطلق الوفاء على تحقيق الوعد ~~والعهد إطلاقا شائعا صيره حقيقة . # والعهد تقدم معناه عند قوله تعالى : { الذين ينقضون عهد الله من بعد ~~ميثاقه } ( البقرة : 27 ) في هذه السورة . # والعهد هنا هو الالتزام للغير بمعاملة التزاما لا يفرط فيه المعاهد حتى ~~يفسخاه بينهما واستعير العهد المضاف إلى ضمير الجلالة لقبول ما يكلفهم به ~~من الدين واستعمل مجازا لقبول التكاليف والدخول في الدين واستعير المضاف ~~إلى ضمير المخاطبين للوعد على ذلك بالثواب في الآخرة والنصر في الدنيا فلك ~~أن تجعل كل عهد مجازا مفردا استعمل العهد الأول في التكاليف واستعمل العهد ~~الثاني في الوعد بالثواب والنصر واستعمل الإيفاء مع كليهما في تحقيق ما ~~التزم به كلا الجانبين مستعارا من ملائم المشبه به إلى ملائم المشبه ليفيد ~~ترشيحا لاستعارته ولك أن تجعل المجموع استعارة تمثيلية بأن شبه الهيئة ~~الحاصلة من قولهم لما أمرهم الله به وأن لا يقصروا في العمل ومن وعد الله ~~إياهم على ذلك بالثواب بهيئة المتعاهدين على التزام كل منهما بعمل للآخر ms0478 ~~ووفائه بعهده في عدم الإخلال به فاستعير لهذه الهيئة الكلام المشتمل على ~~قوله : { وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم } وهذا أحسن وبه يتبين وجه استعمال لفظ ~~العهد الثاني في قوله تعالى : { أوف بعهدكم } وتقربه المشاكلة . # وعلى الوجهين فالعهد في الموضعين مضاف للمفعول وهو ما ذهب إليه صاحب ( ~~الكشاف ) لأن إضافته إلى المفعول متعينة إذا تعلق به الإيفاء إذ لا يوفي ~~أحد إلا بعهد نفسه فإذا أضيف العهد الذي هو مفعول { أوفوا } إلى غير فاعل ~~الإيفاء تعين أن تكون إضافته للمفعول وبذلك يتم ترشيح المجاز إن كان مفردا ~~كما أشار له المحقق التفتزاني فإن كان مركبا فأخلق به لأن اللفظ الموضوع ~~للهيئة المشبه بها يضاف بقيد الإيفاء إلى مفعوله لا محالة . # ومن لطائف القرآن في اختيار لفظ العهد للاستعارة هنا لتكليف الله تعالى ~~إياهم أن ذلك خطاب لهم باللفظ المعروف عندهم في كتبهم فإن التوراة المنزلة ~~على موسى عليه السلام تلقب عندهم بالعهد لأنها وصايات الله تعالى لهم ولذا ~~عبر عنه في مواضع من القرآن بالميثاق وهذا من طرق الإعجاز العلمي الذي لا ~~يعرفه إلا علماؤهم وهم أشح به منهم في كل شيء بحيث لا يعرف ذلك إلا خاصة ~~أهل الدين فمجيئه على لسان النبيء العربي الأمي دليل على أنه وحي من العلام ~~بالغيوب . والعهد قد أخذ على أسلافهم بواسطة رسلهم وأنبيائهم قال تعالى : { ~~وإذ PageV01P453 أخذ الله ميثاق النبيئين لما آتيناكم من كتاب وحكمة ثم ~~جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه } ( آل عمران : 81 ) الآية ~~وإذ قد كان المخاطبون بالآية قد تلقوا الشريعة من أسلافهم بما فيها من عهد ~~فقد كان العهد لازما لهم وكان الوفاء متعينا عليهم لأنهم الذين جاء فيهم ~~الرسول الموعود به . # وقوله : { وإياي فارهبون } عطفت الواو جملة { وإياي } على الجمل المتقدمة ~~من قوله : { وأوفوا بعهدي } إلى آخرها على طريقه الانتقال من معنى إلى ~~المعنى المتولد عنه وهي أصل طريقة المنشئين أن يراعوا الترتيب الخارجي في ~~الخبر والإنشاء لأنه الأصل ما لم يطرأ مقتض لتغيير الترتيب الطبيعي ومنه ms0479 في ~~القرآن قوله : { ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم ~~عصيب وجاءه قومه يهرعون إليه } ( هود : 77 ) إلخ ، فإنه لما افتتح خطابهم ~~بالتذكير بالنعمة الباعث على شكر المنعم ومراقبة حقه والمطهر لهم من الحسد ~~فإنه صارف عن الاعتراف بالنعمة كما قدمنا . ثم عطف عليه قوله : { وأوفوا ~~بعهدي } وهو مبدأ المقصود من الأمر بتصديق الرسول الموعود به على ألسنة ~~أنبيائهم . ثم عقب ذلك بقوله : { وإياي فارهبون } فهو تتميم لذلك الأمر ~~السابق بالنهي عما يحول بينهم وبين الإيفاء بالعهد على وجهه وذلك هو صد ~~كبرائهم وأحبارهم إياهم عن الانتقال عما هم عليه من التمسك بالتوراة فإنهم ~~هم القوم الذين كانوا يقولون لملك بلادهم فرعون مصر يوم بعثة موسى { لن ~~نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا } ( طه : 72 ) فكانوا أحرياء ~~بأن يخاطبوا سادتهم وأحبارهم بمثل ذلك الخطاب عند البعثة المحمدية . # فتقديم المفعول هنا متعين للاختصاص ليحصل من الجملة إثبات ونفي واختير من ~~طرق القصر طريق التقديم دون ما وإلا ليكون الحاصل بالمنطوق هو الأمر برهبة ~~الله تعالى ويكون النهي عن رهبة غيره حاصلا بالمفهوم فإنهم إذا رهبوا الله ~~تعالى حرصوا على الإيفاء بالعهد ولما كانت رهبتهم أحبارهم تمنعهم من ~~الإيفاء بالعهد أدمج النهي عن رهبة غير الله مع الأمر برهبة الله تعالى في ~~صيغة واحدة . # وتقديم المفعول مع اشتغال فعله بضميره آكد في إفادة التقديم الحصر من ~~تقديم المفعول على الفعل غير المشتغل بضميره ، فإياي ارهبون آكد من نحو ~~إياي ارهبوا كما أشار إليه صاحب ( الكشاف ) إذ قال : ( وهو من قولك زيدا ~~رهبته وهو أوكد في إفادة الاختصاص من { إياك نعبد } ) ( الفاتحة : 1 ) اه . ~~ووجهه عندي أن تقديم المفعول يحتمل الاختصاص ، إلا أن الأصل فيه أن يدل ~~PageV01P454 على الاختصاص إلا إذا أقامت القرينة على التقوى فإذا كان مع ~~التقديم اشتغال الفعل بضمير المقدم نحو زيدا ضربته كان الاختصاص أوكد أي ~~كان احتمال التقوى أضعف وذلك لأن إسناد الفعل إلى الضمير بعد إسناده إلى ~~الظاهر المتقدم يفيد ms0480 التقوى فتعين أن تقديم المفعول للاختصاص دون التقوى إذ ~~التقوى قد حصل بإسناد الفعل أولا إلى الاسم أو الظاهر المتقدم وثانيا إلى ~~ضمير المتقدم ولهذا لم يقل صاحب ( الكشاف ) وهو أكثر اختصاصا ولا أقوى ~~اختصاصا إذ الاختصاص لا يقبل التقوية بل قال وهو أوكد في إفادة الاختصاص أي ~~إن إفادته الاختصاص أقوى لأن احتمال كون التقديم للتقوى قد صار مع الاشتغال ~~ضعيفا جدا . ولسنا ندعي أن الاشتغال متعين للتخصيص فإنه قد يأتي بلا تخصيص ~~في نحو قوله تعالى : { إنا كل شيء خلقناه بقدر } ( القمر : 49 ) ، وقوله : ~~{ أبشرا منا واحدا نتبعه } ( القمر : 24 ) وقول زهير : # فكلا أراهم أصبحوا يعقلونه # صحيحات مال طالعات بمخرم # لظهور أن لا معنى للتخصيص في شيء مما ذكرنا غير أن الغالب أن يكون ~~التقديم مع صيغة الاشتغال للتخصيص إذ العرب لا تقدم المفعول غالبا إلا لذلك ~~ولا التفات إلى ما وجه به صاحب ( المفتاح ) أن احتمال المفعول في الاشتغال ~~التخصيص والتقوي باق على حاله ولكنك إن قدرت الفعل المحذوف متقدما على ~~المفعول كان التقديم للتقوي وإن قدرته بعد المفعول كان التقديم للتخصيص ~~فإنه بناه على حالة موقع الفعل المقدر مع أن تقدير الفعل اعتبار لا يلاحظه ~~البلغاء ولأنهم ينصبون على موقعه قرينه فتعين أن السامع إنما يعتد بالتقديم ~~المحسوس وبتكرير التعلق وأما الاعتداد بموقع الفعل المقدر فحوالة على غير ~~مشاهد لأن التقدير إن كان بنية المتكلم فلا قبل للسامع بمعرفة نيته ولا يصح ~~أن يكون الخيار في التقدير للسامع . # هذا والتقديم إذا اقترن بالفاء كان فيه مبالغة ، لأن الفاء كما في هذه ~~الآية مؤذنة بشرط مقدر ولما كان هذا الشرط لا دليل عليه إلا الفاء تعين ~~تقديره عاما نحو إن يكن شيء أو مهما يكن شيء كما أشار له صاحب ( الكشاف ) ~~في قوله تعالى : { وربك فكبر } ( المدثر : 3 ) حيث قال : ( ودخلت الفاء ~~لمعنى الشرط كأنه قيل مهما كان فلا تدع تكبيره ) . فالمعنى هنا وأوفوا ~~بعهدي أوف بعهدكم ومهما يكن شيء فإياي ارهبوني ، فلما حذفت جملة الشرط بعد ms0481 ~~واو العطف بقيت فاء الجواب موالية لواو العطف فزحلقت إلى أثناء الجواب ~~كراهية توالي PageV01P455 حرفين فقيل { وإياي فارهبون } بدلا عن أن يقال ~~فارهبون . والتعليق على الشرط العام يستلزم تحقق وقوع الجواب لأن التعليق ~~الشرطي بمنزلة ربط المسبب بالسبب فإذا كان المعلق عليه أمرا محقق الوقوع ~~لعدم خلو الحدثان عنه تعين تحقق وقوع المعلق ، وهذا مبني على مذهب سيبويه ~~في باب الأمر والنهي يختار فيهما النصب في الاسم الذي يبنى عليه الفعل وذلك ~~مثل قولك زيدا اضربه ومثل ذلك أما زيدا فاقتله فإذا قلت زيد فاضربه لم ~~يستقم أن تحمله على الابتداء ألا ترى أنك لو قلت زيد فمنطلق لم يستقم ، ثم ~~أشار إلى أن الفاء هنا في معنى فاء الجزاء فمن ثم جزم الزمخشري بأن هاته ~~الفاء مهما وجدت في الاشتغال دلت على شرط عام محذوف وإن الفاء كانت داخلة ~~على الاسم فزحلقت على حكم فاء جواب أما الشرطية وأحسب أن مثل هذا التركيب ~~من مبتكر أساليب القرآن ولم أذكر أني عثرت على مثله في كلام العرب . # ومما يؤيد ما ذهب إليه صاحب ( الكشاف ) المبني على كلام سيبويه من اعتبار ~~الفاء مشعرة بشرط مقدر ، أن غالب مواقع هاته الفاء المتقدم معها المفعول ~~على مدخلها أن تقع بعد نهي أو أمر يناقض الأمر والنهي الذي دخلت عليه تلك ~~الفاء نحو قوله تعالى : { ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت } ~~إلى قوله : { بل الله فاعبد } ( الزمر : 65 ، 66 ) وقول الأعشى : ( ولا ~~تعبد الشيطان والله فاعبدا ) فكان ما يتقدم هاته الفاء يتولد منه شرط في ~~المعنى وكانت الفاء مؤذنة بذلك الشرط وعلامة عليه فلأجل كونه مدلولا عليه ~~بدليلين أصله وفرعه كان كالمذكور كأنه قيل لئن أشركت ليحبطن عملك ، وفإن ~~كنت عابدا شيئا فالله فاعبد ، وكذا في البيت وهذه فائدة لم يفصح عنها السلف ~~فخذها ولا تخف . PageV01P456 # قال التفتزاني ( ونقل عن صاحب ( الكشاف ) أنه قال : إن في قوله تعالى : { ~~وإياي فارهبون } وجوها من التأكيد : تقديم الضمير المنفصل وتأخير المتصل ~~والفاء الموجبة معطوفا ms0482 عليه ومعطوفا تقديره إياي ارهبوا فارهبون أحدهما ~~مقدر والثاني مظهر ، وما في ذلك من تكرار الرهبة ، وما فيه من معنى الشرط ~~بدلالة الفاء كأنه قيل : إن كنتم راهبين شيئا فارهبون ) اه . يريد أن في ~~تقديم الضمير إفادة الاختصاص والاختصاص تأكيد ، قال صاحب ( المفتاح ) ليس ~~الحصر والتخصيص إلا تأكيدا على تأكيد وأما تأخير الضمير المتصل فلما في ~~إعادة الإسناد من التقوي ، ومراد الزمخشري بقوله معطوفا عليه ومعطوفا العطف ~~اللغوي أي معقبا ومعقبا به لا العطف النحوي إذ لا يستقيم هنا ، فتحصل أن في ~~التعبير عن مثل هذا الاختصاص في كلام البلغاء مراتب أربع : مجرد التقديم ~~للمفعول نحو { إياك نعبد } ( الفاتحة : 5 ) . وتقديمه على فعله العامل في ~~ضميره نحو زيدا رهبته ، وتقديمه على فعله مع اقتران الفعل بالفاء نحو { ~~وربك فكبر } ( المدثر : 3 ) وتقديمه على فعله العامل في ضميره مع اقتران ~~الفعل بالفاء نحو { وإياي فارهبون } . فالثانية والثالثة والرابعة أوكد ~~منهما . # وحذفت ياء المتكلم بعد نون الوقاية في قوله : { فارهبون } للجمهور من ~~العشرة في الوصل والوقف وأثبتها يعقوب في الوصل والوقف . وجمهور العرب ~~يحذفونها في الوقف دون الوصل وهذيل يحذفونها في الوقف والوصل وأهل الحجاز ~~يثبتونها في الحالين وإنما اتفق الجمهور هنا على حذفها في الوصل مثل الوقف ~~لأن كلمة { فارهبون } كتبت في المصحف الإمام بدون ياء وقرئت كذلك في سنة ~~القراءة . ووجه ذلك أنها وقعت فاصلة فاعتبروها كالموقوف عليها قال سيبويه ~~في باب ما يحذف من أواخر الأسماء في الوقف ( وجميع مالا يحذف في الكلام وما ~~يختار فيه أن لا يحذف يحذف في الفواصل والقوافي ) . ولأن لغة هذيل تحذفها ~~مطلقا ، وقراءة يعقوب بإثبات الياء في الوصل والوقف جرى على لغة أهل الحجاز ~~ولأنه رواها بالإثبات وهو وجه في العربية ويكون قد تأول كتابتها بدون ياء ~~في المصحف أنه اعتماد على أن القارىء يجريها على روايته ولذلك لو لم تكن ~~ياء المتكلم في كلمة هي فاصلة من الآي لما اتفق الجمهور على حذفها كما في ~~قوله تعالى : { أجيب دعوة الداعي إذا دعان ms0483 } ( البقرة : 186 ) كما سيأتي . # PageV01P457 $ 2 ( 41 ) { وءامنوا بمآ أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونو & # 1764 ا أول كافر به ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وإياى فاتقون } . ) 2 $ # { وءامنوا بمآ أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونو & # 1764 ا أول كافر به ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وإياى فاتقون } . # شروع في دعوة بني إسرائيل إلى الإسلام وهدي القرآن وهذا هو المقصود من ~~خطابهم ولكن قدم بين يديه ما يهيىء نفوسهم إلى قبوله كما تتقدم المقدمة على ~~الغرض ، والتخلية على التحلية . # والإيمان بالكتاب المنزل من عند الله أو بكتب الله وإن كان من جملة ما ~~شمله العهد المشار إليه بقوله : { وأوفوا بعهدي } ( البقرة : 40 ) إلا أنه ~~لم يلتفت إليه هنا من تلك الجهة لأنهم عاهدوا الله على أشياء كثيرة كما ~~تقدم ومن جملتها الإيمان بالرسل والكتب التي تأتي بعد موسى عليه السلام إلا ~~أن ذلك مجمل في العهد فلا يتعين أن يكون ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ~~هو مما عاهدوا الله عليه بل حتى يصدقوا بأنه من عند الله وأن الجائي به ~~رسول من الله فهم مدعوون إلى ذلك التصديق هنا . فعطف قوله : { وآمنوا } على ~~قوله : { وإياي فارهبون } ( البقرة : 40 ) كعطف المقصد على المقدمة ، وعطفه ~~على قوله : { وأوفوا بعهدي } من قبيل عطف الخاص على العام في المعنى ولكن ~~هذا من عطف الجمل فلا يقال فيه عطف خاص على عام لأنه إنما يكون في عطف ~~الجزئي على الكلي من المفردات لا في عطف الجمل وإنما أردنا تقريب موقع ~~الجملة وتوجيه إيرادها موصولة غير مفصولة . # وفي تعليق الأمر باسم الموصول وهو ( ما أنزلت ) دون غيره من الأسماء نحو ~~الكتاب أو القرآن أو هذا الكتاب إيماء إلى تعليل الأمر بالإيمان به وهو أنه ~~منزل من الله وهم قد أوصوا بالإيمان بكل كتاب يثبت أنه منزل من الله . ~~ولهذا أتى بالحال التي هي علة الصلة إذ جعل كونه مصدقا لما في التوراة ~~علامة على أنه من عند الله . وهي العلامة الدينية المناسبة لأهل العلم ms0484 من ~~أهل الكتاب فكما جعل الإعجاز اللفظي علامة على كون القرآن من عند الله لأهل ~~الفصاحة والبلاغة من العرب كما أشير إليه بقوله : { ألم ذلك الكتاب } ( ~~البقرة : 1 ، 2 ) إلى قوله : { فأتوا بسورة من مثله } ( البقرة : 23 ) ؛ ~~كذلك جعل الإعجاز المعنوي وهو اشتماله على الهدى الذي هو شأن الكتب الإلهية ~~علامة على أنه من عنده لأهل الدين والعلمم بالشرائع . ثم الإيمان بالقرآن ~~يستلزم الإيمان بالذي جاء به وبالذي أنزله . # والمراد بما معهم كتب التوراة الأربعة وما ألحق بها من كتب الأنبياء من ~~بني إسرائيل PageV01P458 كالزبور ، وكتاب أشعياء ، وأرمياء ، وحزقيال ، ~~ودانيال وغيرها ولذا اختير التعبير بما معكم دون التوراة مع أنها عبر بها ~~في مواضع غير هذا لأن في كتب الأنبياء من بعد موسى عليه السلام بشاراتت ~~ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم أصرح مما في التوراة فكان التنبيه إليها ~~أوقع . # والمراد من كون القرآن مصدقا لما معهم أنه يشتمل على الهدى الذي دعت إليه ~~أنبياؤهم من التوحيد والأمر بالفضائل واجتناب الرذائل وإقامة العدل ومن ~~الوعيد والوعد والمواعظ والقصص فما تماثل منه بها فأمره ظاهر وما اختلف ~~فإنما هو لاختلاف المصالح والعصور مع دخول الجميع تحت أصل واحد ، ولذلك سمي ~~ذلك الاختلاف نسخا لأن النسخ إزالة حكم ثابت ولم يسم إبطالا أو تكذبيا فظهر ~~أنه مصدق لما معهم حتى فيما جاء مخالفا فيه لما معهم لأنه ينادي على أن ~~المخالفة تغيير أحكام تبعا لتغير أحوال المصالح والمفاسد بسبب تفاوت ~~الأعصار بحيث يكون المغير والمغير حقا بحسب زمانه وليس ذلك إبطالا ولا ~~تكذيبا قال تعالى : { فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات } ( النساء : ~~160 ) الآية . فالإيمان بالقرآن لا ينافي تمسكهم القديم بدينهم ولا ما سبق ~~من أخذ رسلهم عليهم العهد باتباعه . ومما يشمله تصديق القرآن لما معهم أن ~~الصفات التي اشتمل عليها القرآن ودين الإسلام والجائي به موافقة لما بشرت ~~به كتبهم فيكون وروده معجزة لأنبيائهم وتصديقا آخر لدينهم وهو أحد وجهين ~~ذكرهما الفخر والبيضاوي فيلزم تأويل التصديق بالتحقيق لأن التصديق حقيقة ms0485 في ~~إعلام المخبر ( بفتح الباء ) بأن خبر المخبر مطابق للواقع إما بقوله صدقت ~~أو صدق فلان كما ورد في حديث جبريل في ( صحيح البخاري ) لما سأله عن ~~الإيمان والإسلام والإحسان أنه لما أخبره قال السائل صدقت قال : فعجبنا له ~~يسأله ويصدقه ، وإما بأن يخبر الرجل بخبر مثل ما أخبر به غيره فيكون إخباره ~~الثاني تصديقا لإخبار الأول . وأما إطلاق التصديق على دلالة شيء على صدقق ~~خبر ما فهو إطلاق مجازي والمقصود وصف القرآن بكونه مصدقا لما معهم بأخباره ~~وأحكامه لا وصف الدين والنبوة كما لا يخفى . PageV01P459 # { ولا تكونو & # 1764 ا أول كافر به } . # جمع الضمير في { تكونوا } مع إفراد لفظ { كافر } يدل على أن المراد من ~~الكافر فريق ثبت له الكفر لا فرد واحد فإضافة { أول } إلى { كافر } بيانية ~~تفيد معنى فريق هو أول فرق الكافرين . والضمير المجرور في { به } ظاهره أنه ~~عائد إلى { ما أنزلت } لأنه المقصود . وهو عطف على جملة { وآمنوا بما أنزلت ~~} وهو ارتقاء في الدعوة واستجلاب القلوب فإنه لما أمرهم بالإيمان بالقرآن ~~وكانت صيغة الأمر محتملة لطلب الامتثال بالفور أو بالتأخير وكانوا معروفين ~~بشدة العداوة لدين الإسلام ، عطف على أمرهم بالإيمان بالقرآن نهيهم عن أن ~~يكونوا أول كافر بالقرآن وذلك يصدق بمعان بعضها يستفاد من حق التركيب ~~وبعضها من لوازمه وبعضها من مستتبعاته وكلها تحتملها الآية ، فالمعنى الأول ~~أن يحمل قوله : { أول كافر } على حقيقة معنى الأول وهو السابق غيره فيحصل ~~من الجملة المعطوفة تأكيد الجملة المعطوف عليها بدلالة المطابقة فالنهي عن ~~الكفر بالقرآن يؤكد قوله : { وآمنوا بما أنزلت } ثم إن وصف ( أول ) يشعر ~~بتقييد النهي بالوصف ولكن قرينة السياق دالة على أنه لا يراد تقييد النهي ~~عن الكفر بحالة أوليتهم في الكفر ، إذ ليس المقصود منه مجرد النهي عن أن ~~يكونوا مبادرين بالكفر ولا سابقين به غيرهم لقلة جدوى ذلك ولكن المقصود ~~الأهم منه أن يكونوا أول المؤمنين فأفيد ذلك بطريق الكناية التلويحية فإن ~~وصف أول أصله السابق غيره في عمل يعمل أو شيء يذكر ms0486 فالسبق والمبادرة من ~~لوازم معنى الأولى لأنها بعض مدلول اللفظ ولما كان الإيمان والكفر نقيضين ~~إذا انتفى أحدهما ثبت الآخر كان النهي عن أن يكونوا أول الكافرين يستلزم أن ~~يكونوا أول المؤمنين . # والمقصود من النهي توبيخهم على تأخرهم في اتباع دعوة الإسلام فيكون هذا ~~المركب قد كني به عن معنيين من ملزوماته ، هما معنى المبادرة إلى الإسلام ~~ومعنى التوبيخ المكنى عنه بالنهي ، فيكون معنى النهي مرادا ولازمه وهو ~~الأمر بالمبادرة بالإيمان مرادا وهو المقصود فيكون الكلام كناية اجتمع فيها ~~الملزوم واللازم معا ، فباعتبار اللازم يكون النهي في معنى الأمر فيتأكد به ~~الأمر الذي قبله كأنه قيل : وآمنوا بما أنزلت وكونوا أول المؤمنين ، ~~وباعتبار الملزوم يكون نهيا عن الكفر بعد الأمر بالإيمان فيحصل بذلك غرضان ~~. PageV01P460 # وهذه الكناية تعريضية لأن غرض المعنى الكنائي غير غرض المعنى الصريح وهذا ~~هو الذي استخلصته في تحقيق معنى التعريض وهو أن يكون غرض الحكم المشار إليه ~~به غير غرض الحكم المصرح به ، أو أن يكون المحكوم له به غير المحكوم له ~~بالصريح . وهذا الوجه مستند إلى الظاهر والتحقيق بين متناثر كلامهم في ~~التعريض المعروف من الكناية ويندفع بهذا سؤالان مستقلان أحدهما ناشىء عما ~~قبله : الأول كيف يصح النهي عن أن يكونوا أول الكافرين ومفهومه يقتضي أنهم ~~لو كفروا به ثانيا لما كان كفرهم منهيا عنه ؟ الثاني أنه قد سبقهم أهل مكة ~~للكفر لأن آية البقرة في خطاب اليهود نزلت في المدينة فقد تحقق أن اليهود ~~لم يكونوا أول الكافرين فالنهي عن أن يكونوا أول الكافرين تحصيل حاصل . ~~ووجه الاندفاع أن المقصود الأهم هو المعنى التعريضي وهو يقوم قرينة على أن ~~القصد من النهي أن لا يكونوا من المبادرين بالكفر أي لا يكونوا متأخرين في ~~الإيمان وهذا أول الوجوه في تفسير الآية عند صاحب ( الكشاف ) واختاره ~~البيضاوي فاقتصر عليه . # واعلم أن التعريض في خصوص وصف ( أول ) وأما أصل النهي عن أن يكونوا ~~كافرين به فذلك مدلول اللفظ حقيقة وصريحا . والتعريض من قبيل الكناية ~~التلويحية لما فيه من ms0487 خفاء الانتقال من المعنى إلى لوازمه . وبعض التعريض ~~يحصل من قرائن الأحوال عند النطق بالكلام ولعل هذا لا يوصف بحقيقة ولا مجاز ~~ولا كناية وهو من مستتبعات التراكيب ودلالتها العقلية وسيجيء لهذا زيادة ~~بيان عند قوله تعالى : { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء } ( ~~البقرة : 235 ) في هذه السورة . # المعنى الثاني أن يكون المقصود التعريض بالمشركين وأنهم أشد من اليهود ~~كفرا أي لا تكونوا في عدادهم ولعل هذا هو مراد صاحب ( الكشاف ) من قوله : ( ~~ويجوز أن يراد ولا تكونوا مثل أول كافر به يعني من أشرك من أهل مكة ) ولا ~~يريد أنه تشبيه بليغ وإن كان كلامه يوهمه وسكت عنه شراحه . PageV01P461 # المعنى الثالث : أن يراد من ( أول ) المبادر والمستعجل لأنه من لوازم ~~الأولية كما قال تعالى : { فأنا أول العابدين } ( الزخرف : 81 ) وقال سعيد ~~بن مقروم الضبي : # فدعوا نزالل فكنت أول نازل # وعلام أركبه إذا لم أنزل # فقوله : أول نازل لا يريد تحقيق أنه لم ينزل أحد قبله وإنما أراد أنه ~~بادر مع الناس فإن الشأن أنه إذا دعا القوم نزالل أن ينزل السامعون كلهم ~~ولكنه أراد أنه ممن لم يتربص . ويكون المعنى ولا تعجلوا بالتصريح بالكفر ~~قبل التأمل ، فالمراد من الكفر هنا التصميم عليه لا البقاء على ما كانوا ~~عليه فتكون الكناية بالمفرد وهو كلمة ( أول ) . # المعنى الرابع : أن يكون ( أول ) كناية عن القدوة في الأمر لأن الرئيس ~~وصاحب اللواء ونحوهما يتقدمون القوم ، قال تعالى : { يقدم قومه يوم القيامة ~~} ( هود : 98 ) وقال خالد بن زهير وهو ابن أخت أبي ذؤيب الهذلي : # فلا تجزعن من سنة أنت سرتها # فأول راضض سنة من يسيرها # أي الأجدر والناصر لسنة ، والمعنى ولا تكونوا مقرين للكافرين بكفركم ~~فإنهم إن شاهدوا كفركم كفروا اقتداء بكم وهذا أيضا كناية بالمفرد . # المعنى الخامس : أن يكون المراد الأول بالنسبة إلى الدعوة الثانية وهي ~~الدعوة في المدينة لأن ما بعدالهجرة هو حال ثانية للإسلام ، فيها ظهر ~~الإسلام متميزا مستقلا . # هذا كله مبني على جعل الضمير المجرور بالباء في ms0488 قوله : { كافر به } عائدا ~~على ما { ما أنزلت } أي القرآن وهو الظاهر لأنه ذكر في مقابل الإيمان به . ~~وقيل إن الضمير عائد على ما معكم وهو التوراة قال ابن عطية : ( وعلى هذا ~~القول يجيء { أول كافر } مستقيما على ظاهره في الأولية ) ولا يخفى أن هذا ~~الوجه تكلف لأنه مؤول بأن كفرهم بالقرآن وهو الذي جاء على نحوما وصفت ~~التوراة وكتب أنبيائهم في بشاراتهم بنبىء وكتاب يكونان من بعد موسى فإذا ~~كذبوا بذلك فقد كفروا بصحة ما في التوراة فيفضي إلى الكفر بما معهم . # قال التفتزاني : وهذا كله إنما يتم لو كان كفرهم به بمعنى ادعائهم أنه ~~كله كذب وأما إذا كفروا بكونه كلام الله واعتقدوا أن فيه صدقا وكذبا فلا ~~يتم ، ولهذا كان هذا الوجه مرجوحا ، ورده عبد الحكيم بما لا يليق به . ~~PageV01P462 # وبهذا كله يتضح أن قوله : { ولا تكونوا أول كافر به } لا يتوهم منه أن ~~يكون النفي منصبا على القيد بحيث يفيد عدم النهي عن أن يكونوا ثاني كافر أو ~~ثالث كافر بسبب القرينة الظاهرة وأن أول كافر ليس من قبيل الوصف الملازم ~~حتى يستوي في نفي موصوفه أن يذكر الوصف وأن لا يذكر كقول امرىء القيس : # على لاحبب لا يهتدى بمناره # وقول ابن أحمر : # ولا ترى الضب بها ينجحر # كما سيأتي في قوله تعالى : { ولا تشتروا بايتي ثمنا قليلا } عقب هذا . # { ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا } . # عطف على النهي الذي قبله وهذا النهي موجه إلى علماء بني إسرائيل وهم ~~القدوة لقومهم والمناسبة أن الذي صدهم عن قبول دعوة الإسلام هو خشيتهم أن ~~تزول رئاستهم في قومهم فكانوا يتظاهرون بإنكار القرآن ليلتف حولهم عامة ~~قومهم فتبقى رئاستهم عليهم ، قال النبيء صلى الله عليه وسلم ( لو آمن بي ~~عشرة من اليهود لآمن بي اليهود كلهم ) . # والاشتراء تقدم عند قوله تعالى : { أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى } ~~( البقرة : 16 ) وهو اعتياض أعيانن بغيرها مثلها أو ثمنها من النقدين ~~ونحوهما كأوراق المال والسفاتج وقد استعير الاشتراء هنا لاستبدال شيء بآخر ~~دون تبايع ms0489 . # والآيات جمع آية وأصلها في اللغة العلامة على المنزل أو على الطريق قال ~~النابغة : # توهمت آياتت لها فعرفتها # لستة أعوام وذا العام سابع # ثم أطلقت الآية على الحجة لأن الحجة علامة على الحق قال الحارث ابن حلزة ~~: # من لنا عنده من الخير يا # ت ثلاث في كلهن القضاء # ولذلك سميت معجزة الرسول آية كما في قوله تعالى : { في تسع آيات إلى ~~فرعون وقومه } ( النمل : 12 ) { وإذا لم تأتهم بآية } ( الأعراف : 203 ) ، ~~وأطلقت أيضا على الجملة التامة من القرآن قال تعالى : { هو الذي أنزل عليك ~~الكتاب منه آيات محكمات } ( آل عمران : 7 ) وفي الحديث الصحيح قال رسول ~~الله : ( أما تكفيك PageV01P463 آية الصيف ) { يستفتونك قل الله يفتيكم في ~~الكلالة } ( النساء : 176 ) لأن جمل القرآن حجة على صدق الرسول لأن بلاغتها ~~معجزة . وأما إطلاق آية على الجملة من التوراة في حديث الرجم في قول الراوي ~~( فوضع المدراس يده على آية الرجم ) فذلك مجاز على مجاز لعلاقة المشابهة . ~~ووجه المشابهة بين إعراضهم وبين الاشتراء ، أن إعراضهم عن آيات القرآن لأجل ~~استبقاء السيادة ، والنفع في الدنيا يشبه استبدال المشتري في أنه يعطي ما ~~لا حاجة له به ويأخذ ما إليه احتياجه وله فيه منفعته ، ففي { تشتروا } ~~استعارة تحقيقية في الفعل ، ويجوز كون { تشتروا } مجازا مرسلا بعلاقة ~~اللزوم أو بعلاقة الاستعمال المقيد في المطلق كما تقدم في قوله تعالى : { ~~أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى } ( البقرة : 16 ) ، لكن هنا الاستعارة ~~متأتية فهي أظهر لظهور علاقة المشابهة واستغناء علاقة المشابهة عن تطلب وجه ~~العدول عن الحقيقة إلى المجاز لأن مقصد التشبيه وحده كاف في العدول إلى ~~الاستعارة ، إذ التشبيه من مقاصد البلغاء . # وإذ قد كان فعل الاشتراء يقتضي شيئين أبدل أحدهما بالآخر جعل العوض ~~المرغوب فيه هو المشتري وهو المأخوذ ويعدى إلى الفعل بنفسه ، وجعل العوض ~~الآخر هو المدفوع ويسمى الثمن ويتعدى الفعل إليه بالباء الدالة على معنى ~~العوض . # وقد عدي الاشتراء هنا إلى الآيات بالباء فكانت الآيات هي الواقعة موقع ~~الثمن لأن الثمن هو مدخل الباء فدل ms0490 دخول الباء على أن الآيات شبهت بالثمن ~~في كونها أهون العوضين عند المستبدل ، وذكر الباء قرينة المكنية لأنها تدخل ~~على الثمن ولا يصح كونها تبعية إذ ليس ثم معنى حقه أن يؤدى بالحرف شبه ~~بمعنى الباء ، فها هنا يتعين سلوك طريقة السكاكي في رد التبعية للمكنية . ~~ولا يصح أيضا جعل الباء تخييلا إذ ليست دالة على معنى مستقل يمكن تخيله . # ثم عبر عن مفعول الاشتراء بلفظ الثمن وكان الظاهر أن يعطى لفظ الثمن ~~لمدخول الباء أو أن يعبر عن كل بلفظ آخر كأن يقال : لا تشتروا بآياتي متاعا ~~قليلا فأخرج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر وعبر عن المتاع ونحوه بالثمن على ~~طريق الاستعارة التحقيقية لتشبيه هذا العوض من الرئاسة أو المال بالثمن أو ~~لأنه يشبه الثمن في كونه أعيانا وحطاما جعلت بدلا عن أمر نافع وفي ذلك ~~تعريض بهم في أنهم مغبونو الصفقة إذ قد بذلوا أنفس شيء وأخذوا حظا ما قليلا ~~فكان كلا البدلين في الآية مشبها بالثمن إلا أن الآيات شبهت به في كونها ~~أهون PageV01P464 على المعتاض ، والمتاع الذي يأخذونه شبه بالثمن في كونه ~~شيئا ماديا يناله كل أحد أو للإشارة إلى أن كلا من الآيات والثمن أمر هين ~~على فريق فالآيات هانت على الأحبار والأموال هانت على العامة وخص الهين ~~حقيقة بإعطائه اللفظ الحقيقي الدال على أنه هين وأما الهين صورة فقد أعطى ~~الباء المجازية وكل من الاستعارتين قرينة على الأخرى ، ولأنه لما غلب في ~~الاستعمال إطلاق الثمن على النقدين اختير إطلاق ذلك على ما يأخذونه تلميحا ~~إلى أنهم يأخذون المال عن تغيير الأحكام الشرعية كقوله { يأخذون عرض هذا ~~الأدنى } ( الأعراف : 169 ) . # وقد قيل إن قوله { ثمنا } قرينة الاستعارة في قوله { ولا تشتروا } ووجهه ~~أنه لما أدخلت الباء على الآيات تعين أن الآيات هي ثمن الاشتراء فلما عبر ~~بعده بلفظ { ثمنا } مفعولا لفعل { تشتروا } علم السامع أن الأول ليس بثمن ~~حقيقي فعلم أن الاشتراء مجاز ثم هو يعلم أن المعبر عنه بالثمن بعد ذلك أيضا ~~ليس بثمن ms0491 حقيقي تبعا للعلم بالمجاز في الفعل الناصب له . وقد قيل إن قوله { ~~ثمنا } تجريد وتقريره مثل تقرير كونه قرينة إذا جعلنا القرينة قوله { ~~بآياتي } . وقيل هو ترشيح لأن لفظ الثمن من ملائم الشراء وهو قريب مما ~~قدمناه في كونه استعارة لأن الترشيح في نفسه قد يكون استعارة من ملائم ~~المشبه به لملائم المشبه على الاحتمالات كلها هي تدل على تجهيلهم وتقريعهم ~~. والآيات لا تستبدل ذواتها فتعين تقدير مضاف أي لا تشتروا بقبول آياتي ~~ثمنا . # وإضافة آيات إلى ضمير الجلالة للتشريف قال الشيخ محمد بن عرفة : عظم ~~الآيات بشيئين الجمع والإضافة إلى ضمير الجلالة وحقر العوض بتحقيرين ~~التنكير والوصف بالقلة اه أي وفي ذلك تعريض بغبن صفقتهم إذ استبدلوا نفيسا ~~بخسيس وأقول وصف { قليلا } صفة كاشفة لأن الثمن الذي تباع به إضاعة الآيات ~~هو قليل ولو كان أعظم متمول بالنسبة إلى ما أضاعه آخذ ذلك الثمن وعلى هذا ~~المراد ينبغي حمل كلام ابن عرفة . # وقد أجمل العوض الذي استبدلوا به الآيات فلم يبين أهو الرئاسة أو الرشى ~~التي يأخذونها ليشمل ذلك اختلاف أحوالهم فإنهم متفاوتون في المقاصد التي ~~تصدهم عن اتباع الإسلام على حسب اختلاف همهم . PageV01P465 # ووصف { ثمنا } بقوله : { قليلا } ليس المراد به التقييد بحيث يفيد النهي ~~عن أخذ عوض قليل دون أخذ عوض له بال وإنما هو وصف ملازم للثمن المأخوذ عوضا ~~عن استبدال الآيات فإن كل ثمن في جانب ذلك هو قليل فذكر هذا القيد مقصود به ~~تحقير كل ثمن في ذلك فهذا النفي شبيه بنفي القيود الملازمة للمقيد ليفيد ~~نفي القيد والمقيد معا كما في البيت المشهور لامرىء القيس : # على لاحبب لا يهتدى بمناره # إذا سافه العود الديافي جرجرا # أي لا منار له فيهتدى به لأن الاهتداء لازم للمنار ، وكذلك قول ابن أحمر ~~: # لا يفزع الأرنب أهوالها # ولا ترى الضب بها بنجحر # أي لا أرنب بها حتى يفزع من أهوالها ولا ضب بها حتى ينجحر ، وقول النابغة ~~: # مثل الزجاجة لم تكحل من الرمد # أي عينا لم ترمد حتى ms0492 تكحل ؛ لأن التكحيل لازم للعين الرمداء ومثله كثير ~~في الكلام البليغ . # وقد وقع { ثمنا } نكرة في سياق النهي وهو كالنفي فشمل كل عوض ، كما وقعت ~~الآيات جمعا مضافا فشملت كل آية ، كما وقع الفعل في سياق النفي فشمل كل ~~اشتراء إذ الفعل كالنكرة . # والخطاب وإن كان لبني إسرائيل غير أن خطابات القرآن وقصصه المتعلقة ~~بالأمم الأخرى إنما يقصد منها الاعتبار والاتعاظ فنحن محذرون من مثل ما ~~وقعوا فيه بطريق الأولى لأننا أولى بالكمالات النفسية كما قال بشار : # الحر يلحى والعصا للعبد # وكالبيت السائر : # العبد يقرع بالعصا # والحر تكفيه الإشاره # فعلماؤنا منهيون على أن يأتوا بما نهي عنه بنو إسرائيل من الصدف عن الحق ~~لأعراض الدنيا وكذلك كانت سيرة السلف رضي الله عنهم . # ومن هنا فرضت مسألة جعلها المفسرون متعلقة بهاته الآية وإن كان تعلقها ~~بها ضعيفا وهي مسألة أخذ الأجرة على تعليم القرآن والدين ويتفرع عنها أخذ ~~الأجرة على تعليم العلم وعلى PageV01P466 بعض ما فيه عبادة كالأذان ~~والإمامة . وحاصل القول فيها أن الجمهور من العلماء أجازوا أخذ الأجر على ~~تعليم القرآن فضلا عن الفقه والعلم فقال بجواز ذلك الحسن وعطاء والشعبي ~~وابن سيرين ومالك والشافعي وأحمد وأبو ثور والجمهور ، وحجتهم في ذلك الحديث ~~الصحيح عن ابن عباس أن النبيء صلى الله عليه وسلم قال : ( إن أحق ما أخذتم ~~عليه أجرا كتاب الله ) وعليه فلا محل لهاته الآية على هذا المعنى عندهم ~~بحال ؛ لأن المراد بالاشتراء فيها معناه المجازي وليس في التعليم استبدال ~~ولا عدول ولا إضاعة . وقد نقل ابن رشد إجماع أهل المدينة على الجواز ولعله ~~يريد إجماع جمهور فقهائهم . وفي ( المدونة ) : لا بأس بالإجارة على تعليم ~~القرآن . ومنع ذلك ابن شهاب من التابعين من فقهاء المدينة وأبو حنيفة ~~وإسحاق بن راهويه وتمسكوا بالآية وبأن التعليم لذلك طاعة وعبادة كالصلاة ~~والصوم فلا يؤخذ عليها أجر كذلك وبما روي عن أبي هريرة أن النبيء صلى الله ~~عليه وسلم قال : ( دراهم المعلمين حرام ) وعن عبادة بن الصامت أنه قال : ( ~~علمت ناسا من ms0493 أهل الصفة القرآن والكتابة فأهدى إلى رجل منهم قوسا فسألت ~~النبيء صلى الله عليه وسلم فقال : ( إن سرك أن تطوق بها طوقا من نار ~~فاقبلها ) وأجاب عن ذلك القرطبي بأن الآية محملها فيمن تعين عليه التعليم ~~فأبى إلا بالأجر ، ولا دليل على ما أجاب به القرطبي . فالوجه أن ذلك كان في ~~صدر الإسلام وبث الدعوة فلو رخص في الأجر فيه لتعطل تعليم كثير لقلة من ~~ينفق في ذلك لأن أكثرهم لا يستطيعه ومحمل حديث ابن عباس على ما بعد ذلك حين ~~شاع الإسلام وكثر حفاظ القرآن . وأقول لا حاجة إلى هذا كله لأن الآية بعيدة ~~عن هذا الغرض كما علمت وأجاب القرطبي عن القياس بأن الصلاة والصوم عبادتان ~~قاصرتان وأما التعليم فعبادة متعدية فيجوز أخذ الأجر على ذلك الفعل وهذا ~~فارق مؤثر . وأما حديث أبي هريرة وحديث عبادة ففيهما ضعف من جهة إسناديهما ~~كما بينه القرطبي ، قلت ولا أحسب الزهري يستند لمثلهما ولا للآية ولا لذلك ~~القياس ولكنه رآه واجبا فلا تؤخذ عليه أجرة وقد أفتى متأخرو الحنفية بجواز ~~أخذ الأجرة على تعليم القرآن والفقه قال في ( الدرر ) و ( شرحه ) : ( ويفتى ~~اليوم بصحتها أي الإجارة لتعليم القرآن والفقه والأصل أن الإجارة لا تجوز ~~عندنا على الطاعات والمعاصي لكن لما وقع الفتور في الأمور الدينية جوزها ~~المتأخرون ) اه . # ومن فروع هاته المسألة جواز أخذ الأجرة على الأذان والإمامة ، قال ابن ~~عبد البر هي مأخوذة من مسألة الأجر على تعليم القرآن وحكمهما واحد ، وفي { ~~المدونة } تجوز الإجارة على PageV01P467 الأذان وعلى الأذان والصلاة معا ~~وأما على الصلاة وحدها فكرهه مالك ، قال ابن شاس جازت على الأذان لأن ~~المؤذن لا يلزمه الإتيان به أما جمعه مع الصلاة فالأجرة على الأذان فقط ، ~~وأجاز ابن عبد الحكم الإجارة على الإمامة ووجهه أنه تكلف الصلاة في ذلك ~~الموضع في ذلك الوقت ، وروى أشهب عن مالك لا بأس بالأجر على تراويح رمضان ~~وكرهه في الفريضة قال القرطبي : وكرهها أبو حنيفة وأصحابه وفي ( الدرر ) ~~ويفتى اليوم بصحتها لتعليم القرآن ms0494 والفقه والإمامة والأذان ويجبر المستأجر ~~على دفع الأجرة ويحبس ، وقال القرافي في الفرق الخامس عشر والمائة : ولا ~~يجوز في إمامة الصلاة الإجارة على المشهور من مذهب مالك لأنها عقد مكايسة ~~من المعاوضات فلا يجوز أن يحصل العوضان فيها لشخص واحد لأن أجر الصلاة له ~~فإذا أخذ عنها عوضا اجتمع له العوضان اه . وهو تعليل مبني على أصل واه قدمه ~~في الفرق الرابع عشر والمائة على أن في كونه من فروع ذلك الأصل نظرا لا ~~نطيل فيه فانظره فقد نبهتك إليه ، فالحق أن الكراهة المنقولة عن مالك كراهة ~~تنزيه . وهذه المسألة كانت قد حدثت بين ابن عرفة والدكالي وهي أنه ورد على ~~تونس في حدود سنة سبعين وسبعمائة رجل زاهد من المغرب اسمه محمد الدكالي ~~فكان لا يصلي مع الجماعة ولا يشهد الجمعة معتلا بأن أئمة تونس يأخذون ~~الأجور على الإمامة وذلك جرحة في فاعله فأنكر عليه الشيخ ابن عرفة وشاع ~~أمره عند العامة وحدث خلاف بين الناس فخرج إلى المشرق فارا بنفسه وبلغ أنه ~~ذهب لمصر فكتب ابن عرفة إلى أهل مصر أبياتا هي : # يا أهل مصر ومن في الدين شاركهم # تنبهوا لسؤال معضل نزلا # لزوم فسقكم أو فسق من زعمت # أقواله أنه بالحق قد عملا # في تركه الجمع والجمعات خلفكم # وشرط إيجاب حكم الكل قد حصلا # إن كان شأنكم التقوى فغيركم # قد باء بالفسق حتى عنه ما عدلا # وإن يكن عكسه فالأمر منعكس # قولوا بحق فإن الحق ما اعتزلا # فيقال إن أهل مصر أجابوه بأبيات منها : # ما كان من شيم الأبرار أن يسموا # بالفسق شيخا على الخيرات قد جبلا # لا لا ولكن إذا ما أبصروا خللا # كسوه من حسن تأويلاتهم حللا # أليس قد قال في ( المنهاج ) صاحبه # يسوغ ذاك لمن قد يختشى زللا PageV01P468 # ومنها : # وقد رويت عن ابن القاسم العتقي # فيما اختصرت كلاما أوضح السبلا # ما إن ترد شهادة لتاركها # إن كان بالعلم والتقوى قد احتفلا # نعم وقد كان في الأعلين منزلة # من جانب الجمع والجمعات واعتزلا # كمالكك غير ms0495 مبد فيه معذرة # إلى الممات ولم يسأل وما عذلا # هذا وإن الذي أبداه متجها # أخذ الأئمة أجرا منعه نقلا # وهبك أنك راء حله نظرا # فما اجتهادك أولى بالصواب ولا # هكذا نسبت هذه الأبيات في بعض كتب التراجم للمغاربة أنها وردت من أهل مصر ~~وقد قيل إنها نظمها بعض أهل تونس انتصارا للدكالي ذكر ذلك الخفاجي في ( ~~طراز المجالس ) ، وقال إن المجيب هو أبو الحسن علي السلمي التونسي وذكر أن ~~السراج البلقيني ذكر هاته الواقعة في ( فتاواه ) وذكر أن والده أجاب في ~~المسألة بأبيات لامية انظرها هناك . # { وإياى فاتقون } . # القول فيه كالقول في { وإياي فارهبون } إلا أن التعبير في الأولى بارهبون ~~وفي الثاني باتقون لأن الرهبة مقدمة التقوى إذ التقوى رهبة معتبر فيها ~~العمل بالمأمورات واجتناب المنهيات بخلاف مطلق الرهبة فإنها اعتقاد وانفعال ~~دون عمل ، ولأن الآية المتقدمة تأمرهم بالوفاء بالعهد فناسبها أن يخوفوا من ~~نكثه ، وهذه الآية تأمرهم بالإيمان بالقرآن الذي منعهم منه بقية دهمائهم ~~فناسبها الأمر بأن لا يتقوا إلا الله . وللتقوى معنى شرعي تقدم في قوله ~~تعالى : { هدى للمتقين } وهي بذلك المعنى أخص لا محالة من الرهبة ولا أحسب ~~أن ذلك هو المقصود هنا . # والقول في حذف ياء المتكلم من قوله : { فاتقون } نظير القول فيه من قوله ~~: { وإياي فارهبون } . # PageV01P469 # | 2 ( 42 ) { ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون } . ) 2 # معطوف على جميع ما تقدم من قوله : { اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم } ( ~~البقرة : 40 ) إلى هنا لأن هاته الجمل كلها لم يقصد أن الواحدة منها معطوفة ~~على التي قبلها خاصة بل على جميع ما تقدمها لا سيما قوله : { ولا تلبسوا } ~~فإنه مبدأ انتقال من غرض التحذير من الضلال إلى غرض التحذير من الإضلال بعد ~~أن وسط بينهما قوله : { ولا تشتروا بآياتي } ( البقرة : 41 ) كما تقدم . # وإن شئت أن تجعل كلا معطوفا على الذي قبله فهومعطوف على الذي قبله بعد ~~اعتبار كون ما قبله معطوفا على ما قبله كذلك ، وهذا شأن الجمل المتعاطفة ~~إلا إذا أريد عطف جملة على ms0496 جملة معينة لكون الثانية أعلق بالتي والتها دون ~~البقية وذلك كعطف { وتكتموا الحق } على { لا تلبسوا } فإنها متعينة للعطف ~~على { تلبسوا } لا محالة إن كانت معطوفة وهو الظاهر فإن كلا الأمرين منهي ~~عنه والتغليظ في النهي عن الجمع بينهما واضح بالأولى . # وجوزوا أن يكون { وتكتموا الحق } منصوبا بأن مضمرة بعد واو المعية ويكون ~~مناط النهي الجمع بين الأمرين وهو بعيد لأن كليهما منهي عنه والتفريق في ~~المنهي يفيد النهي عن الجمع بالأولى بخلاف العكس اللهم إلا أن يقال إنما ~~نهوا عن الأمرين معا على وجه الجمع تعريضا بهم بأنهم لا يرجا منهم أكثر من ~~هذا الترك للبس وهو ترك اللبس المقارن لكتم الحق فإن كونه جريمة في الدين ~~أمر ظاهر . أما ترك اللبس الذي هو بمعنى التحريف في التأويل فلا يرجا منهم ~~تركه إذ لا طماعية في صلاحهم العاجل . # و ( الحق ) الأمر الثابت من حق إذا ثبت ووجب وهو ما تعترف به سائر النفوس ~~بقطع النظر عن شهواتها . والباطل في كلامهم ضد الحق فإنه الأمر الزائل ~~الضائع يقال بطل بطلا وبطولا وبطلانا إذا ذهب ضياعا وخسرا وذهب دمه بطلا أي ~~هدرا . والمراد به هنا ما تتبرأ منه النفوس وتزيله مادامت خلية عن غرض ~~أوهوى ، وسمي باطلا لأنه فعل يذهب ضياعا وخسارا على صاحبه . # واللبس خلط بين متشابهات في الصفات يعسر معه التمييز أو يتعذر وهو يتعدى ~~إلى الذي اختلط عليه بعدة حروف مثل على واللامم والباء على اختلاف السياق ~~الذي يقتضي معنى بعض تلك الحروف . وقد يعلق به ظرف عند . وقد يجرد عن ~~التعليق بالحرف . ويطلق على اختلاط المعاني وهو الغالب ، وظاهر كلام الراغب ~~في ( مفردات القرآن ) أنه PageV01P470 هو المعنى الحقيقي ، ويقال في الأمر ~~لبسة بضم اللام أي اشتباه ، وفي حديث شق الصدر ( فخفت أن يكون قد التبس بي ~~) أي حصل اختلاط في عقلي بحيث لا يميز بين الرؤية والخيال ، وفعله من باب ~~ضرب وأما فعل لبس الثياب فمن باب سمع . # فلبس الحق بالباطل ترويج الباطل في صورة الحق ، وهذا ms0497 اللبس هو مبدأ ~~التضليل والإلحاد في الأمور المشهورة فإن المزاولين لذلك لا يروج عليهم قصد ~~إبطالها فشأن من يريد إبطالها أن يعمد إلى خلط الحق بالباطل حتى يوهم أنه ~~يريد الحق قال تعالى : { وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ~~ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم } ( الأنعام : 137 ) لأنهم أوهموهم أن ذلك ~~قربة إلى الأصنام . # وأكثر أنواع الضلال الذي أدخل في الإسلام هو من قبيل لبس الحق بالباطل ، ~~فقد قال الذين ارتدوا من العرب ومنعوا الزكاة إننا كنا نعطي الزكاة للرسول ~~ونطيعه فليس علينا طاعة لأحد بعه ، وهذا نقض لجامعة الملة في صورة الأنفة ~~من الطاعة لغير الله ، وقد قال شاعرهم وهو الخطيل بن أوس : # أطعنا رسول الله إذ كان بيننا # فيا لعباد الله مالأبي بكر # وقد فعل ذلك الناقمون على عثمان رضي الله عنه فلبسوا بأمور زينوها للعامة ~~كقولهم رقي إلى مجلس النبيء صلى الله عليه وسلم في المنبر وذلك استخفاف لأن ~~الخليفتين قبله نزل كل منهما عن الدرجة التي كان يجلس عليها سلفه ، وسقط من ~~يده خاتم النبيء صلى الله عليه وسلم وذلك رمز على سقوط خلافته . وقد قالت ~~الخوارج ( لا حكم إلا لله ) فقال علي رضي الله عنه : ( كلمة حق أريد بها ~~باطل ) . وحرف أقوام آيات بالتأويل البعيد ثم سموا ذلك بالباطن وزعموا أن ~~للقرآن ظاهرا وباطنا فكان من ذلك لبس كثير ، ثم نشأت عن ذلك نحلة الباطنية ~~، ثم تأويلات المتفلسفين في الشريعة كأصحاب ( الرسائل ) الملقبين بإخوان ~~الصفاء . ثم نشأ تلبيس الواعظين والمرغبين والمرجئة فأخذوا بعض الآيات ~~فأشاعوها وكتموا ما يقيدها ويعارضها نحو قوله تعالى : { يا عبادي الذين ~~أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله } ( الزمر : 53 ) فأوهموا الناس ~~أن المغفرة عامة لكل ذنب وكل مذنب ولو لم يتب وأغضوا عن آيات الوعيد وآيات ~~التوبة . # وللتفادي من هذا الوصف الذي ذمه الله تعالى قال علماء أصول الفقه إن ~~التأويل لا يصح إلا إذا دل عليه دليل قوي ، أما إذا وقع التأويل لما يظن ~~أنه دليل فهو PageV01P471 تأويل ms0498 باطل فإن وقع بلا دليل أصلا فهو لعب لا ~~تأويل ولهذا نهى الفقهاء عن اقتباس القرآن في غير المعنى الذي جاء له كما ~~قال ابن الرومي : # لئن أخطأت في مدحي # ك ما أخطأت في منعي # لقد أنزلت حاجاتي # بواد غير ذي زرع # وقوله : { وأنتم تعلمون } حال وهو أبلغ في النهي لأن صدور ذلك من العالم ~~أشد فمفعول ( تعلمون ) محذوف دل عليه ما تقدم ، أي وأنتم تعلمون ذلك أي ~~لبسكم الحق بالباطل . قال الطيبي عند قوله تعالى الآتي : { أفلا تعقلون } ( ~~البقرة : 44 ) إن قوله تعالى : { وأنتم تعلمون } غير منزل منزلة اللازم ~~لأنه إذا نزل منزلة اللازم دل على أنهم موصوفون بالعلم الذي هووصف كمال ~~وذلك ينافي قوله الآتي : { أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم } إلى قوله : ~~{ أفلا تعقلون } ( البقرة : 44 ) إذ نفى عنهم وصف العقل فكيف يثبت لهم هنا ~~وصف العلم على الإطلاق . # # | 2 ( 43 ) { وأقيموا الصلواة وآتوا الزكواة واركعوا مع الراكعين } . ) 2 # أمر بالتلبس بشعار الإسلام عقب الأمر باعتقاد عقيدة الإسلام فقوله : { ~~وآمنوا بما أنزلت } ( البقرة : 41 ) الآية راجع إلى الإيمان بالنبيء صلى ~~الله عليه وسلم وما هو وسيلة ذلك وما هو غايته ، فالوسيلة { اذكروا نعمتي ~~إلى فارهبون } ( البقرة : 40 ) والمقصد { وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ~~} ، والغاية { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } . وقد تخلل ذلك نهي عن مفاسد ~~تصدهم عن المأمورات مناسباتت للأوامر . فقوله : { وأقيموا الصلاة } إلخ أمر ~~بأعظم القواعد الإسلامية بعد الإيمان والنطق بكلمة الإسلام ، وفيه تعريض ~~بحسن الظن بإجابتهم وامتثالهم للأوامر السالفة وأنهم كملت لهم الأمور ~~المطلوبة . وفي هذا الأمر تعريض بالمنافقين ، ذلك أن الإيمان عقد قلبي لا ~~يدل عليه إلا النطق ، والنطق اللساني أمر سهل قد يقتحمه من لم يعتقد إذا لم ~~يكن ذا غلو في دينه فلا يتحرج أن ينطق بكلام يخالف الدين إذا كان غير معتقد ~~مدلوله كما قال تعالى : { وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا } ( البقرة : ~~14 ) الآية ، فلذلك أمروا بالصلاة والزكاة لأن الأولى عمل يدل على تعظيم ~~الخالق والسجود إليه وخلع الآلهة ، ومثل هذا ms0499 الفعل لا يفعله المشرك لأنه ~~يغيظ آلهته بالفعل وبقول الله أكبر ولا يفعله الكتابي لأنه يخالف عبادته ، ~~ولأن الزكاة إنفاق المال PageV01P472 وهو عزيز على النفس فلا يبذله المرء ~~في غير ما ينفعه إلا عن اعتقاد نفع أخروي لا سيما إذا كان ذلك المال ينفق ~~على العدو في الدين ، فلذلك عقب الأمر بالإيمان بالأمر بإقامة الصلاة ~~وإيتاء الزكاة لأنهما لا يتجشمهما إلا مؤمن صادق . ولذلك جاء في المنافقين ~~{ وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى } ( النساء : 142 ) وقوله : { فويل ~~للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون } ( الماعون : 4 ، 5 ) وفي ( الصحيح ) أن ~~صلاة العشاء أثقل صلاة على المنافقين . # وفي هذه الآية دليل لمالك على قتل من يمتنع من أداء الصلاة مع تحقق أنه ~~لم يؤدها من أول وقت صلاة من الصلوات إلى خروجه إذا كان وقتا متفقا بين ~~علماء الإسلام ، لأنه جعل ذلك الامتناع مع عدم العذر دليلا على انتفاء ~~إيمانه ، لكنه لما كان مصرحا بالإيمان قال مالك : إنه يقتل حدا جمعا بين ~~الأدلة ومنعها لذريعة خرم الملة . ويوشك أن يكون هذا دليلا لمن قالوا بأن ~~تارك الصلاة كافر لولا الأدلة المعارضة . # وفيها دليل لما فعل أبو بكر رضي الله عنه من قتال مانعي الزكاة وإطلاق ~~اسم المرتدين عليهم ؛ لأن الله جعل الصلاة والزكاة أمارة صدق الإيمان إذ ~~قال لبني إسرائيل { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } ولهذا قال أبو بكر لما ~~راجعه عمر في عزمه على قتال أهل الردة حين منعوا إعطاء الزكاة وقال له : ~~كيف تقاتلهم وقد قالوا : لا إله إلا الله وقد قال رسول الله : ( أمرت أن ~~أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم ~~وأموالهم إلا بحقها ) فقال أبو بكر : لآقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة ~~فإن الزكاة حق المال ، فحصل من عبارته على إيجازها جواب عن دليل عمر . # وقوله : { واركعوا مع الراكعين } تأكيد لمعنى الصلاة لأن لليهود صلاة لا ~~ركوع فيها فلكي لا يقولوا إننا نقيم صلاتنا دفع هذا التوهم بقوله : { ~~واركعوا مع الراكعين } . # والركوع ms0500 طأطأة وانحناء الظهر لقصد التعظيم أو التبجيل ، وقد كانت العرب ~~تفعله لبعض كبرائهم ، قال الأعشى : # إذا ما أتانا أبو مالك # ركعنا له وخلعنا العمامه # ( وروي سجدنا له وخلعنا العمارا ، والعمار هو العمامة ) . # وقوله : { مع الراكعين } إيماء إلى وجوب ممثالة المسلمين في أداء شعائر ~~الإسلام المفروضة فالمراد بالراكعين المسلمون وفيه إشارة إلى الإتيان ~~بالصلاة بأركانها وشرائطها . # PageV01P473 # | 2 ( 44 ) { أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا ~~تعقلون } . ) 2 # اعتراض بين قوله : { وأقيموا الصلاة } ( البقرة : 43 ) وقوله : { ~~واستعينوا بالصبر والصلاة } ( البقرة : 45 ) ووجه المناسبة في وقوعه هنا ~~أنه لما أمرهم بفعل شعائر الإسلام من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وذيل ذلك ~~بقوله : { واركعوا مع الراكعين } ( البقرة : 43 ) ليشير إلى أن صلاتهم التي ~~يفعلونها أصبحت لا تغني عنهم ، ناسب أن يزاد لذلك أن ما يأمر به دينهم من ~~البر ليسوا قائمين به على ما ينبغي ، فجيء بهذا الاعتراض ، وللتنبيه على ~~كونه اعتراضا لم يقرن بالواو لئلا يتوهم أن المقصود الأصلي التحريض على ~~الأمر بالبر وعلى ملازمته ، والغرض من هذا هو النداء على كمال خسارهم ومبلغ ~~سوء حالهم الذي صاروا إليه حتى صاروا يقومون بالوعظ والتعليم كما يقوم ~~الصانع بصناعته والتاجر بتجارته لا يقصدون إلا إيفاء وظائفهم الدينية حقها ~~ليستحقوا بذلك ما يعوضون عليه من مراتب ورواتب فهم لا ينظرون إلى حال ~~أنفسهم تجاه تلك الأوامر التي يأمرون بها الناس . # والمخاطب بقوله : { أتأمرون } جميع بني إسرائيل الذين خوطبوا من قبل ، ~~فيقتضي أن هذه الحالة ثابتة لجميعهم أي أن كل واحد منهم تجده يصرح بأوامر ~~دينهم ويشيعها بين الناس ولا يمتثلها هو في نفسه ، ويجوز أن يكون المقصود ~~بهذا الخطاب فريقا منهم فإن الخطاب الموجه للجماعات والقبائل يأخذ كل فريق ~~ما هو حظه من ذلك الخطاب ، فيكون المقصود أحبارهم وعلماءهم وهم أخص بالأمر ~~بالبر ، فعلى الوجه الأول يكون المراد بالناس إما المشركين من العرب فإن ~~اليهود كانوا يذكرون لهم ما جاء به دينهم والعرب كانوا يحفلون بسماع ~~أقوالهم كما قال تعالى : { وكانوا من قبل يستفتحون ms0501 على الذين كفروا } ( ~~البقرة : 89 ) وإما أن يكون المراد من ( الناس ) من عدا الآمر كما تقول ~~أفعل كما يفعل الناس وكقوله : { إن الناس قد جمعوا لكم } ( آل عمران : 173 ~~) أي أيأمر الواحد غيره وينسى نفسه ، وعلى الوجه الثاني يكون المراد بالناس ~~العامة من أمة اليهود أي كيف تأمرون أتباعكم وعامتكم بالبر وتنسون أنفسكم ؟ ~~ففيه تنديد بحال أحبارهم أو تعريض بأنهم يعلمون أن ما جاء به رسول الإسلام ~~هو الحق فهم يأمرون أتباعهم بالمواعظ ولا يطلبون نجاة أنفسهم . # والاستفهام هنا للتوبيخ لعدم استقامة الحمل على الاستفهام الحقيقي ~~فاستعمل في التوبيخ PageV01P474 مجازا بقرينة المقام وهو مجاز مرسل لأن ~~التوبيخ يلازم الاستفهام لأن من يأتي ما يستحق التوبيخ عليه من شأنه أن ~~يتساءل الناس عن ثبوت الفعل له ويتوجهون إليه بالسؤال فينتقل من السؤال إلى ~~التوبيخ ويتولد منه معنى التعجيب من حال الموبخ وذلك لأن الحالة التي وبخوا ~~عليها حالة عجيبة لما فيها من إراد الخير للغير وإهمال النفس منه فحقيق بكل ~~سامع أن يعجب منها ، وليس التعجب بلازم لمعنى التوبيخ في كل موضع بل في نحو ~~هذا مما كان فيه الموبخ عليه غريبا غير مألوف من العقلاء فإذا استعمل ~~الاستفهام في لازم واحد فكونه مجازا مرسلا ظاهر وإذا استعمل في لازمين ~~يتولد أحدهما من الآخر أو متقاربين فهو أيضا مجاز مرسل واحد لأن تعدد ~~اللوازم لا يوجب تعدد العلاقة ولا تكرر الاستعمال لأن المعاني المجازية ~~مستفادة من العلاقة لا من الوضع فتعدد المجازات للفظ واحد أوسع من استعمال ~~المشترك وأيا ما كان فهو مجاز مرسل على ما اختاره السيد في ( حاشية المطول ~~) في باب الإنشاء علاقته اللزوم وقد تردد في تعيين علاقته التفتزاني وقال : ~~إنه مما لم يحم أحد حوله . # والبر بكسر الباء الخير في الأعمال في أمور الدنيا وأمور الآخرة ~~والمعاملة ، وفعله في الغالب من باب علم إلا البر في اليمن فقد جاء من باب ~~علم وباب ضرب ، ومن الأقوال المأثورة البر ثلاثة : بر في عبادة الله وبر في ~~مراعاة الأقارب ms0502 وبر في معاملة الأجانب ، وذلك تبع للوفاء بسعة الإحسان في ~~حقوق هذه الجوانب الثلاثة . # والنسيان ذهاب الأمر المعلوم من حافظة الإنسان لضعف الذهن أو الغفلة ~~ويرادفه السهو وقيل السهو الغفلة اليسيرة بحيث يتنبه بأقل تنبيه ، والنسيان ~~زواله بالكلية وبعض أهل اللغة فسر النسيان بمطلق الترك وجعله صاحب ( الأساس ~~) مجازا وهو التحقيق وهو كثير في القرآن . والنسيان هنا مستعار للترك عن ~~عمد أو عن التهاون بما يذكر المرء في البر على نحو ما . قيل في قوله تعالى ~~: { الذين هم عن صلاتهم ساهون } ( الماعون : 5 ) أي وتتركون أنفسكم من ذلك ~~أي من أمرها بالبر أو وتنسون أن تأمروا أنفسكم بالبر وفي هذا التقدير يبقى ~~النسيان على حقيقته لأنهم لما طال عليهم الأمد في التهاون بالتخلق بأمور ~~الدين والاجتراء على تأويل الوحي بما يمليه عليهم الهوى بغير هدى صاروا ~~ينسون أنهم متلبسون بمثل ما ينهون عنه فإذا تصدوا إلى مواعظ قومهم أو ~~الخطابة فيهم أو أمروهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر كانوا ينهونهم عن مذام ~~قد تلبسوا بأمثالها إلا أن التعود بها أنساهم إياها فأنساهم أمر أنفسهم ~~بالبر لنسيان سببه PageV01P475 وقد يرى الإنسان عيب غيره لأنه يشاهده ولا ~~يرى عيب نفسه لأنه لا يشاهدها ولأن العادة تنسيه حاله . ودواء هذا النسيان ~~هو محاسبة النفس فيكون البر راجعا إلى جميع ما تضمنته الأوامر السابقة من ~~التفاصيل فهم قد أمروا غيرهم بتفاصيلها ونسوا أنفسهم عند سماعها وذلك يشمل ~~التصديق بدين الإسلام لأنه من جملة ما تضمنته التوراة التي كانوا يأمرون ~~الناس بما فيها . # وجملة : { وتنسون أنفسكم } يجوز أن تكون حالا من ضمير { تأمرون } أو يكون ~~محل التوبيخ والتعجب هو أمر الناس بالبر بقيد كونه في حال نسيان ، ويجوز أن ~~تكون الجملة معطوفة على { تأمرون } وتكون هي المقصودة من التوبيخ والتعجيب ~~ويجعل قوله : { أتأمرون الناس } تمهيدا لها على معنى أن محل الفظاعة ~~الموجبة للنهي هي مجموع الأمرين . # وبهذا تعلم أنه لا يتوهم قصد النهي عن مضمون كلا الجملتين إذ القصد هو ~~التوبيخ على اتصاف بحالة فظيعة ليست ms0503 من شيم الناصحين لا قصد تحريم فلا تقع ~~في حيرة من تحير في وجه النهي عن ذلك ولا في وهم من وهم فقال : إن الآية ~~دالة على أن العاصي لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر كما نقل عنهم ~~الفخر في ( التفسير ) فإنه ليس المقصود نهي ولا تحريم وإنما المقصود تفظيع ~~الحالة ويدل لذلك أنه قال في تذييلها { أفلا تعقلون } ولم يقل أفلا تتقون ~~أو نحوه . # والأنفس جمع نفس بسكون الفاء وهي مجموع ذات الإنسان من الهيكل والروح كما ~~هنا وباعتبار هذا التركيب الذي في الذات اتسع إطلاق النفس في كلام العرب ~~تارة على جميع الذات كما في التوكيد نحو جاء فلان نفسه وقوله : { النفس ~~بالنفس } ( المائدة : 45 ) وقوله : { تقتلون أنفسكم } ( البقرة : 85 ) ~~وتارة على البعض كقول القائل أنكرت نفسي وقوله : { وتنسون أنفسكم } وعلى ~~الإحساس الباطني كقوله : { تعلم ما في نفسي } ( المائدة : 116 ) أي ضميري . ~~وتطلق على الروح الذي به الإدراك { إن النفس لأمارة بالسوء } ( يوسف : 53 ) ~~وسيأتي لهذا زيادة إيضاح عند قوله تعالى : { يوم تأتي كل نفس في سورة النحل ~~( 111 ) . # وقوله : وأنتم تتلون الكتاب } جملة حالية قيد بها التوبيخ والتعجيب لأن ~~نسيان أنفسهم يكون أغرب وأفظع إذا كان معهم أمران يقلعانه ، وهما أمر الناس ~~بالبر ، فإن شأن الأمر بالبر PageV01P476 أن يذكر الآمر حاجة نفسه إليه إذا ~~قدر أنه في غفلة عن نفسه ، وتلاوة الكتاب أي التوراة يمرون فيها على ~~الأوامر والنواهي من شأنه أن تذكرهم مخالفة حالهم لما يتلونه . # وقوله : { أفلا تعقلون } استفهام عن انتفاء تعقلهم استفهاما مستعملا في ~~الإنكار والتوبيخ نزلوا منزلة من انتفى تعقله فأنكر عليهم ذلك ، ووجه ~~المشابهة بين حالهم وحال من لا يعقلون أن من يستمر به التغفل عن نفسه ~~وإهمال التفكر في صلاحها مع مصاحبة شيئين يذكرانه ، قارب أن يكون منفيا عنه ~~التعقل . # وفعل { تعقلون } منزل منزلة اللازم أو هو لازم . وفي هذا نداء على كمال ~~غفلتهم واضطراب حالهم . وكون هذا أمرا قبيحا فظيعا من أحوال البشر مما لا ~~يشك فيه عاقل . # # | 2 ms0504 ( 45 ، 46 ) { واستعينوا بالصبر والصلواة وإنها لكبيرة إلا على ~~الخاشعين * الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون } . ) 2 # خطاب لبني إسرائيل بالإرشاد إلى ما يعينهم على التخلق بجميع ما عدد لهم ~~من الأوامر والنواهي الراجعة إلى التحلي بالمحامد والتخلي عن المذمات ، له ~~أحسن وقع من البلاغة فإنهم لما خوطبوا بالترغيب والترهيب والتنزيه والتشويه ~~ظن بهم أنهم لم يبق في نفوسهم مسلك للشيطان ولا مجال للخذلان وأنهم أنشأوا ~~يتحفزون للامتثال والائتساء ، إلا أن ذلك الإلف القديم يثقل أرجلهم في ~~الخطو إلى هذا الطريق القويم ، فوصف لهم الدواء الذي به الصلاح وريش ~~بقادمتي الصبر والصلاة منهم الجناح . # فالأمر بالاستعانة بالصبر لأن الصبر ملاك الهدى فإن مما يصد الأمم عن ~~اتباع دين قويم إلفهم بأحوالهم القديمة وضعف النفوس عن تحمل مفارقتها فإذا ~~تدرعوا بالصبر سهل عليهم اتباع الحق . وأما الاستعانة بالصلاة فالمراد تأكد ~~الأمر بها الذي في قوله : { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } ( البقرة : 43 ) ~~وهذا إظهار لحسن الظن بهم وهو طريق بديع من طرق الترغيب . # ومن المفسرين من زعم أن الخطاب في قوله : { واستعينوا } إلخ للمسلمين على ~~وجه الانتقال من خطاب إلى خطاب آخر ، وهذا وهم لأن وجود حرف العطف ينادي ~~على خلاف ذلك ولأن قوله : { إلا على الخاشعين } مراد به إلا على المؤمنين ~~حسبما بينه قوله : { الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم } الآية اللهم إلا أن ~~PageV01P477 يكون من الإظهار في مقام الإضمار وهو خلاف الظاهر مع عدم وجود ~~الداعي . والذي غرهم بهذا التفسير توهم أنه لا يؤمر بأن يستعين بالصلاة من ~~لم يكن قد آمن بعد وأي عجب في هذا ؟ وقريب منه آنفا قوله تعالى : { وأقيموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين } ( البقرة : 43 ) خطابا لبني ~~إسرائيل لا محالة . # والصبر عرفه الغزالي في ( إحياء علوم الدين ) بأنه ثبات باعث الدين في ~~مقابلة باعث الشهوة وهو تعريف خاص بالصبر الشرعي صالح لأن يكون تفسيرا ~~للآية لأنها في ذكر الصبر الشرعي ، وأما الصبر من حيث هو الذي هو وصف كمال ~~فهو عبارة عن احتمال ms0505 النفس أمرا لا يلائمها إما لأن مآله ملائم ، أو لأن ~~عليه جزاء عظيما فأشبه ما مآله ملائم ، أو لعدم القدرة على الانتقال عنه ~~إلى غيره مع تجنب الجزع والضجر ، فالصبر احتمال وثبات على ما لا يلائم ، ~~وأقل أنواعه ما كان عن عدم المقدرة ولذا ورد في ( الصحيح ) : ( إنما الصبر ~~عند الصدمة الأولى ) أي الصبر الكامل هو الذي يقع قبل العلم بأن التفصي عن ~~ذلك الأمر غير ممكن وإلا فإن الصبر عند اعتقاد عدم إمكان التفصي إذا لم ~~يصدر منه ضجر وجزع هو صبر حقيقة . فصيغة الحصر في قوله ( إنما الصبر ) حصر ~~ادعائي للكمال كما في قولهم أنت الرجل . # والصلاة أريد بها هنا معناها الشرعي في الإسلام وهي مجموع محامد لله ~~تعالى ، قولا وعملا واعتقادا فلا جرم كانت الاستعانة المأمور بها هنا راجعة ~~لأمرين : الصبر والشكر . وقد قيل إن الإيمان نصفه صبر ونصفه شكر كما في ( ~~الإحياء ) وهو قول حسن ، ومعظم الفضائل ملاكها الصبر إذ الفضائل تنبعث عن ~~مكارم الخلال ، والمكارم راجعة إلى قوة الإرادة وكبح زمام النفس عن الإسامة ~~في شهواتها بإرجاع القوتين الشهوية والغضبية عما لا يفيد كمالا أو عما يورث ~~نقصانا فكان الصبر ملاك الفضائل فما التحلم والتكرم والتعلم والتقوى ~~والشجاعة والعدل والعمل في الأرض ونحوها إلا من ضروب الصبر . ومما يؤثر عن ~~علي رضي الله عنه : الشجاعة صبر ساعة . وقال زفر بن الحارث الكلابي يعتذر ~~عن انهزام قومه : # سقيناهم كاسا سقونا بمثلها # ولكنهم كانوا على الموت أصبرا # وحسبك بمزية الصبر أن الله جعله مكمل سبب الفوز في قوله تعالى : { والعصر ~~إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحوا وتواصوا بالحق وتواصوا ~~بالصبر } ( العصر : 1 3 ) وقال هنا : { واستعينوا بالصبر والصلاة } . قال ~~الغزالي : ذكر الله الصبر في القرآن في نيف وسبعين موضعا وأضاف أكثر ~~الخيرات والدرجات إلى الصبر وجعلها ثمرة له ، فقال عز من قائل : ~~PageV01P478 { وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا } ( السجدة : 24 ) ~~. وقال : { وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا } ( الأعراف : ~~137 ) وقال ms0506 : { إن الله مع الصابرين } ( البقرة : 153 ) اه . # وأنت إذا تأملت وجدت أصل التدين والإيمان من ضروب الصبر فإن فيه مخالفة ~~النفس هواها ومألوفها في التصديق بما هو مغيب عن الحس الذي اعتادته ، ~~وبوجوب طاعتها واحدا من جنسها لا تراه يفوقها في الخلقة وفي مخالفة عادة ~~آبائها وأقوامها من الديانات السابقة . فإذا صار الصبر خلقا لصاحبه هون ~~عليه مخالفة ذلك كله لأجل الحق والبرهان فظهر وجه الأمر بالاستعانة على ~~الإيمان وما يتفرع عنه بالصبر فإنه خلق يفتح أبواب النفوس لقبول ما أمروا ~~به من ذلك . # وأما الاستعانة بالصبر فلأن الصلاة شكر والشكر يذكر بالنعمة فيبعث على ~~امتثال المنعم على أن في الصلاة صبرا من جهات في مخالفة حال المرء المعتادة ~~ولزومه حالة في وقت معين لا يسوغ له التخلف عنها ولا الخروج منها على أن في ~~الصلاة سرا إلاهيا لعله ناشىء عن تجلي الرضوان الرباني على المصلي فلذلك ~~نجد للصلاة سرا عظيما في تجلية الأحزان وكشف غم النفس وقد ورد في الحديث ( ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا حزبه ( بزاي وباء موحدة أي نزل به ) ~~أمر فزع إلى الصلاة ) وهذا أمر يجده من راقبه من المصلين وقال تعالى : { إن ~~الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر } ( العنكبوت : 45 ) لأنها تجمع ضروبا من ~~العبادات . # وأما كون الشكر من حيث هو معينا على الخير فهو من مقتضيات قوله تعالى : { ~~لئن شكرتم لأزيدنكم } ( إبراهيم : 7 ) . # وقوله : { وإنها لكبيرة } اختلف المفسرون في معاد ضمير { إنها } فقيل ~~عائد إلى الصلاة والمعنى إن الصلاة تصعب على النفوس لأنها سجن للنفس وقيل ~~الضمير للاستعانة بالصبر والصلاة المأخوذة من { استعينوا } على حد { اعدلوا ~~هو أقرب للتقوى } ( المائدة : 8 ) . وقيل راجع إلى المأمورات المتقدمة من ~~قوله تعالى : { اذكروا نعمتي } ( البقرة : 40 ) إلى قوله { واستعينوا ~~بالصبر والصلاة } ( البقرة : 45 ) وهذا الأخير مما جوزه صاحب ( الكشاف ) ~~ولعله من مبتكراته وهذا أوضح الأقوال وأجمعها والمحامل مرادة . # والمراد بالكبيرة هنا الصعبة التي تشق على النفوس ، وإطلاق الكبر على ~~الأمر الصعب والشاق مجاز مشهور في ms0507 كلام العرب لأن المشقة من لوازم الأمر ~~الكبير في حمله أو تحصيله قال تعالى : { وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى ~~الله } ( البقرة : 143 ) وقال : { وإن كان كبر عليك إعراضهم } ( الأنعام : ~~35 ) الآية . وقال : { كبر على المشركين ما تدعوهم إليه } ( الشورى : 13 ) ~~. PageV01P479 # وقوله : { إلا على الخاشعين } أي الذين اتصفوا بالخشوع ، والخشوع لغة هو ~~الانزواء والانخفاض قا النابغة : # ونؤي كجذم الحوض أثلم خاشع # أي زال ارتفاع جوانبه . والتذلل خشوع ، قال جعفر بن عبلة الحارثي : # فلا تحسبي أني تخشعت بعدكم # لشيء ولا أني من الموت أفرق # وهو مجاز في خشوع النفس وهو سكون وانقباض عن التوجه إلى الإباية أو ~~العصيان . # والمراد بالخاشع هنا الذي ذلل نفسه وكسر سورتها وعودها أن تطمئن إلى أمر ~~الله وتطلب حسن العواقب وأن لا تغتر بما تزينه الشهوة الحاضرة فهذا الذي ~~كانت تلك صفته قد استعدت نفسه لقبول الخير . وكأن المراد بالخاشعين هنا ~~الخائفون الناظرون في العواقب فتخف عليهم الاستعانة بالصبر والصلاة مع ما ~~في الصبر من القمع للنفس وما في الصلاة من التزام أوقات معينة وطهارة في ~~أوقات قد يكون للعبد فيها اشتغال بما يهوى أو بما يحصل منه مالا أو لذة . ~~وقريب منه قول كثير : # فقلت لها يا عز كل مصيبة # إذا وطنت يوما لها النفس ذلت # وأحسب أن مشروعية أحكام كثيرة قصد الشارع منها هذا المعنى وأعظمها الصوم ~~. # ولا يصح حمل الخشوع هنا على خصوص الخشوع في الصلاة بسبب الحال الحاصل في ~~النفس باستشعار العبد الوقوف بين يدي الله تعالى حسبما شرحه ابن رشد في أول ~~مسألة من كتاب الصلاة الأول من ( البيان والتحصيل ) وهو المعنى المشار إليه ~~بقوله تعالى : { قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون } ( المؤمنون ~~: 1 ، 2 ) ، فإن ذلك كله من صفات الصلاة وكمال المصلي فلا يصح كونه هو ~~المخفف لكلفة الصلاة على المستعين بالصلاة كما لا يخفى . # وقد وصف تعالى الخاشعين بأنهم الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه ~~راجعون وهي صلة لها مزيد اتصال بمعنى الخشوع ففيها معنى ms0508 التفسير للخاشعين ~~ومعنى بيان منشأ خشوعهم ، فدل على أن المراد من الظن هنا الإعتقاد الجازم ~~وإطلاق الظن في كلام PageV01P480 العرب على معنى اليقين كثير جدا ، قال أوس ~~بن حجر يصف صيادا رمى حمار وحش بسهم : # فأرسله مستيقن الظن أنه # مخالط ما بين الشرا سيف جائف # وقال دريد بن الصمة : # فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج # سراتهم بالفارسي المسرج # فهو مشترك بين الإعتقاد الجازم وبين الإعتقاد الراجح . # والملاقاة والرجوع هنا مجازان عن الحساب والحشر أو عن الرؤية والثواب ؛ ~~لأن حقيقة اللقاء وهو تقارب الجسمين ، وحقيقة الرجوع وهو الانتهاء إلى مكان ~~خرج منه المنتهى مستحيلة هنا . والمقصود من قوله : { وإنها لكبيرة } إلخ ~~التعريض بالثناء على المسلمين ، وتحريض بني إسرائيل على التهمم بالاقتداء ~~بالمؤمنين وعلى جعل الخطاب في قوله : { واستعينوا } للمسلمين يكون قوله : { ~~وإنها لكبيرة } تعريضا بغيرهم من اليهود والمنافقين . # والملاقاة مفاعلة من لقي ، واللقاء الحضور كما تقدم في قوله : { فتلقى ~~آدم من ربه كلمات } ( البقرة : 37 ) والمراد هنا الحضور بين يدي الله ~~للحساب أي الذين يؤمنون بالبعث ، وسيأتي تفصيل لها عند قوله تعالى { واتقوا ~~الله واعلموا أنكم ملاقوه } ( البقرة : 223 ) في هذه السورة ، وفي سورة ~~الأنعام ( 31 ) عند قوله تعالى : { قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله . # PageV01P481 $ 2 ( 47 ) يابنى إسراءيل اذكروا نعمتى التى & # 1764 أنعمت عليكم وأنى فضلتكم على العالمين } . ) 2 $ # أعيد خطاب بني إسرائيل بطريق النداء مماثلا لما وقع في خطابهم الأول لقصد ~~التكرير للاهتمام بهذا الخطاب وما يترتب عليه ، فإن الخطاب الأول قصد منه ~~تذكيرهم بنعم الله تعالى ليكون ذلك التذكير داعية لامتثال ما يرد إليهم من ~~الله من أمر ونهي على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم غير أنه لما كان الغرض ~~المقصود من ذلك هو الامتثال كان حق البلاغة أن يفضي البليغ إلى المقصود ولا ~~يطيل في المقدمة ، وإنما يلم بها إلماما ويشير إليها إجمالا ، تنبيها ~~بالمبادرة إلى المقصود على شدة الاهتمام به ولم يزل الخطباء والبلغاء يعدون ~~مثل ذلك من نباهة الخطيب ويذكرونه في مناقب وزير الأندلس محمد ms0509 بن الخطيب ~~السلماني إذ قال عند سفارته عن ملك غرناطة إلى ملك المغرب ابن عنان أبياته ~~المشهورة التي ارتجلها عند الدخول عليه طالعها : # خليفة الله ساعد القدر # علاك مالاح في الدجا قمر # ثم قال : # والناس طرا بأرض أندلس # لولاك ما وطنوا ولا عمروا # وقد أهمتهم نفوسهم # فوجهوني إليك وانتظروا # فقال له أبو عنان : ما ترجع إليهم إلا بجميع مطالبهم وأذن له في الجلوس ~~فسلم عليه . قال القاضي أبو القاسم الشريف وكان من جملة الوفد لم نسمع ~~بسفير قضى سفارته قبل أن يسلم على السلطان إلا هذا . # فكان الإجمال في المقدمة قضاء لحق صدارتها بالتقديم وكان الإفضاء إلى ~~المقصود قضاء لحقه في العناية ، والرجوع إلى تفصيل النعم قضاء لحقها من ~~التعداد فإن ذكر النعم تمجيد للمنعم وتكريم للمنعم عليه وعظة له ولمن ~~يبلغهم خبر ذلك تبعث على الشكر . PageV01P482 فللتكرير هنا نكتة جمع ~~الكلامين بعد تفريقهما ونكتة التعداد لما فيه إجمال معنى النعمة . # والنعمة هنا مراد بها جميع النعم لأنه جنس مضاف فله حكم الجمع كما في ~~قوله تعالى : { يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي ~~أوفف بعهدكم } ( البقرة : 40 ) . # وقوله تعالى : { وأني فضلتكم على العالمين } عطف على { نعمتي } أي ~~واذكروا تفضيلي إياكم على العالمين وهذا التفضيل نعمة خاصة فعطفه على ( ~~نعمتي ) عطف خاص على عام وهو مبدأ لتفصيل النعم وتعدادها وربما كان تعداد ~~النعم مغنيا عن الأمر بالطاعة والامتثال لأن من طبع النفوس الكريمة امتثال ~~أمر المنعم لأن النعمة تورث المحبة . وقال منصور الوراق : # تعصي الإلاه وأنت تظهر حبه # هذا لعمري في القياس بديع # لو كان حبك صادقا لأطعته # إن المحب لمن يحب مطيع # وهذا التذكير مقصود به الحث على الاتسام بما يناسب تلك النعمة ويستبقي ~~ذلك الفضل . # ومعنى العالمين تقدم عنه قوله : { الحمد لله رب العالمين } ( الفاتحة : 2 ~~) والمراد به هنا صنف من المخلوقات ولا شك أن المخلوقات تصنف أصنافا متنوعة ~~على حسب تصنيف المتكلم أو السامع ، فالعالمون في مقام ذكر الخلق هم أصناف ~~المخلوقات كالإنس والدواب ms0510 والطير والحوت ، والعالمون في مقام ذكر فضائل ~~الخلق أو الأمم أو القبائل يراد بها أصناف تلك المتحدث عنها فلا جرم أن ~~يكون المراد من العالمين هناهم الأمم الإنسانية فيعم جميع الأمم لأنه جمع ~~معرف باللام لكن عمومه هنا عرفي يختص بأمم زمانهم كما يختص نحو : جمع ~~الأمير الصاغة بصاغة مكانه أي بلده ويختص أيضا بالأمم المعروفة كما يختص ~~جمع الأمير الصاغة بالصاغة المتخذين الصياغة صناعة دون كل من يعرف الصياغة ~~وذلك كقولك : هو أشهر العلماء وأنجب التلامذة ، فالآية تشير إلى تفضيل بني ~~إسرائيل المخاطبين أو سلفهم على أمم عصرهم لا على بعض الجماعات الذين كانوا ~~على دين كامل مثل نصارى نجران ، فلا علاقة له بمسألة تفضيل الأنبياء على ~~الملائكة بحال ولا التفات إلى ما يشذ في كل أمة أو قبيلة من الأفراد فلا ~~يلزم تفضيل كل فرد من بني إسرائيل على أفراد من الأمم بلغوا مرتبة صالحة أو ~~نبوءة لأن التفضيل في مثل هذا يراد به تفضيل المجموع ، كما تقول قريش أفضل ~~من طيء وإن كان في طيء حاتم الجواد . PageV01P483 فكذلك تفضيل بني إسرائيل ~~على جميع أمم عصرهم وفي تلك الأمم أمم عظيمة كالعرب والفرس والروم والهند ~~والصين وفيهم العلماء والحكماء ودعاة الإصلاح والأنبياء لأنه تفضيل المجموع ~~على المجموع في جميع العصور ، ومعنى هذا التفضيل أن الله قد جمع لهم من ~~المحامد التي تتصف بها القبائل والأمم ما لم يجمعه لغيرهم وهي شرف النسب ~~وكمال الخلق وسلامة العقيدة وسعة الشريعة والحرية والشجاعة ، وعناية الله ~~تعالى بهم في سائر أحوالهم ، وقد أشارت إلى هذا آية : { وإذ قال موسى لقومه ~~يا قوم اذكروا نعمة الله عليهم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما ~~لم يؤت أحدا من العالمين } ( آل عمران : 20 ) وهذه الأوصاف ثبتت لأسلافهم ~~في وقت اجتماعها وقد شاع أن الفضائل تعود على الخلف بحسن السمعة وإن كان ~~المخاطبون يومئذ لم يكونوا بحال التفضيل على العالمين ولكنهم ذكروا بما ~~كانوا عليه فإن فضائل الأمم لا يلاحظ فيها الأفراد ولا العصور ms0511 . ووجه زيادة ~~الوصف بقوله : { التي أنعمت عليكم } مر في أختها الأولى . # # | 2 ( 48 ) { واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ~~ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون } . ) 2 # عطف التحذير على التذكير ، فإنه لما ذكرهم بالنعمة وخاصة تفضيلهم على ~~العالمين في زمانهم وكان ذلك منشأ غرورهم بأنه تفضيل ذاتي فتوهموا أن ~~التقصير في العمل الصالح لا يضرهم فعقب بالتحذير من ذلك . # والمراد بالتقوى هنا معناها المتعارف في اللغة لا المعنى الشرعي . ~~وانتصاب { يوما } على المفعولية به وليس على الظرفية ولذلك لم يقرأ بغير ~~التنوين . # والمراد باتقائه اتقاؤه من حيث ما يحدث فيه من الأهوال والعذاب فهو من ~~إطلاق اسم الزمان على ما يقع فيه كما تقول مكان مخوف . # و { تجزي } مضارع جزى بمعنى قضى حقا عن غيره ، وهو متعد بعن إلى أحد ~~مفعوليه فيكون { شيئا } مفعوله الأول ، ويجوز أيضا أن يكون مفعولا مطلقا ~~إذا أريد شيئا من الجزاء ويكون المفعول محذوفا . PageV01P484 # وجملة : { لا تجزي نفس } صفة ليوما وكان حق الجملة إذا كانت خبرا أو صفة ~~أو حالا أو صلة أن تشتمل على ضمير ما أجريت عليه ، ويكثر حذفه إذا كان ~~منصوبا أو ضميرا مجرورا فيحذف مع جاره ولا سيما إذا كان الجار معلوما لكون ~~متعلقه الذي في الجملة لا يتعدى إلا بجار معين كما هنا تقديره فيه وإنما ~~جاز حذفه لأن المحذوف فيه متعين من الكلام وقد يحذف لقرينة كما في حذف ضمير ~~الموصول إذا جر بما جر به الموصول . ونظير هذا الحذف قول العريان الجرمي من ~~جرم طيء : # فقلت لها لا والذي حج حاتم # أخونكك عهدا إنني غير خوان # تقديره حج حاتم إليه . # وتنكير النفس في الموضعين وهو في حيز النفي يفيد عموم النفوس أي لا يغني ~~أحد كائنا من كان فلا تغني عن الكفار آلهتهم ولا صلحاؤهم على اختلاف ~~عقائدهم في غناء أولئك عنهم ، فالمقصود نفي غنائهم عنهم بأن يحولوا بينهم ~~وبين عقاب الله تعالى ، أي نفي أن يجزوا عنهم جزاء يمنع الله ms0512 عن نوالهم ~~بسوء رعيا لأوليائهم ، فالمراد هنا الغناء بحرمة الشخص وتوقع غضبه وهو غناء ~~كفء العدو الذي يخافه العدو على ما هو معروف عند الأمم يومئذ من اتقائهم ~~بطش مولى أعدائهم وإحجامهم عما يوجب غضبه تقية من مكره أو ضره أو حرمان ~~نفعه قال السموأل : # وما ضرنا أنا قليل وجارنا # عزيز وجار الأكثرين ذليل # وقال العنبري : # لو كنت من مازن لم تستبح إبلي # بنو الشقيقة من ذهل بن شيبان # وبهذا يتبين أن مفاد قوله : { لا تجزي نفس عن نفس شيئا } مغاير لمفاد ما ~~ذكر بعده بقوله : { ولا يقبل منها شفاعة } إلخ فقوله : { لا تجزي نفس عن ~~نفس شيئا } ، هو بمعنى قوله تعالى : { يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر ~~يومئذ لله } ( الانفطار : 19 ) . # وقوله : { ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل } الضميران عائدان ~~للنفس الثانية المجرورة بعن أي لا يقبل من نفس شفاعة تأتي بها ولا عدل ~~تعتاض به لأن المقصود الأصلي إبطال عقيدة تنصل المجرم من عقاب الله ما لم ~~يشأ الله ؛ ليكون الضمير في قوله : { ولا هم ينصرون } PageV01P485 راجعا ~~إلى مرجع الضميرين قبله . وهذا التأييس يستتبع تحقير من توهمهم الكفرة ~~شفعاء وإبطال ما زعموه مغنيا عنهم من غضب الله من قرابين قربوها ومجادلات ~~أعدوها وقالوا : { هؤلاء شفعاؤنا عند الله } ( يونس : 18 ) . { يوم تأتي كل ~~نفس تجادل عن نفسها } ( النحل : 111 ) . # ومن المفسرين من فسر قوله : { لا تجزي نفس عن نفس شيئا } بما يعم الإجزاء ~~فجعل ما هو مذكور بعده من عطف الخاص على العام ولذلك قال الشيخ ابن عطية : ~~( حصرت هذه الآية المعاني التي اعتاد بها بنو آدم في الدنيا فإن الواقع في ~~شدة لا يتخلص إلا بأن يشفع له أو يفتدى أو ينصر ) اه وألغى جمعها لحالة أن ~~يتجنب الناس إيقاعه في شدة اتقاء لمواليه ، وما فسرنا به أرشق . وقد جمع ~~كلام شيوخ بني أسد مع أمرىء القيس حين كلموه في دم أبيه حجر فقالوا : فأحمد ~~الحالات في ذلك أن تعرف الواجب عليك في إحدى خلال ms0513 ثلاث : أما إن اخترت من ~~بني أسد أشرفها بيتا فقدناه إليك بنسعه تذهب مع شفرات حسامك بباقي قصرته ، ~~أو فداء بما يروح على بني أسد من نعمها فهي ألوف ، وإما وادعتنا إلى أن تضع ~~الحوامل فتسدل الأزر وتعقد الخمر فوق الرايات ) اه . # وقرأ الجمهور ( ولا يقبل ) بياء تحتية ياء المضارع المسند إلى مذكر ~~لمناسبة قوله بعده : { ولا يؤخذ منها عدل } ، ويجوز في كل مؤنث اللفظ غير ~~حقيقي التأنيث أن يعامل معاملة المذكر لأن صيغة التذكير هي الأصل في الكلام ~~فلا تحتاج إلى سبب ، وقرأه ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب بمثناة فوقية رعيا ~~لتأنيث لفظ ( شفاعة ) . # والشفاعة : السعي والوساطة في حصول نفع أو دفع ضر سواء كانت الوساطة بطلب ~~من المنتفع بها أم كانت بمجرد سعي المتوسط ويقال لطالب الشفاعة مستشفع . ~~وهي مشتقة من الشفع لأن الطالب أو التائب يأتي وحده فإذا لم يجد قبولا ذهب ~~فأتى بمن يتوسل به فصار ذلك الثاني شافعا للأول أي مصيره شفعا . # والعدل بفتح العين العوض والفداء ، سمي بالمصدر لأن الفادي يعدل المفدى ~~بمثله في القيمة أو العين ويسويه به ، يقال عدل كذا بكذا أي سواه به . # والنصر هو إعانة الخصم في الحرب وغيره بقوة الناصر وغلبته . وإنما قدم ~~المسند إليه لزيادة التأكيد المفيد أن انتفاء نصرهم محقق زيادة على ما ~~استفيد من نفي الفعل مع إسناده للمجهول كما أشرنا إليه آنفا . # وقد كانت اليهود تتوهم أو تعتقد أن نسبتهم إلى الأنبياء وكرامة أجدادهم ~~عند الله تعالى مما يجعلهم في أمن من عقابه على العصيان والتمرد كما هو شأن ~~الأمم في إبان جهالتها وانحطاطها PageV01P486 وقد أشار لذلك قوله تعالى : { ~~وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم } ( ~~المائدة : 18 ) . # وقد تمسك المعتزلة بهذه الآية للاحتجاج لقولهم بنفي الشفاعة في أهل ~~الكبائر يوم القيامة لعموم ( نفس ) في سياق النفي المقتضي أن كل نفس لا ~~يقبل منها شفاعة وهو عموم لم يرد ما يخصصه عندهم . والمسألة فيها خلاف بين ~~المعتزلة وأصحاب الأشعري . # واتفق المسلمون ms0514 على ثبوت الشفاعة يوم القيامة للطائعين والتائبين لرفع ~~الدرجات ، لم يختلف في ذلك الأشاعرة والمعتزلة فهذا اتفاق على تخصيص العموم ~~ابتداء ، والخلاف في الشفاعة لأهل الكبائر فعندنا تقع الشفاعة لهم في حط ~~السيئات وقت الحساب أو بعد دخول جهنم لما اشتهر من الأحاديث الصحيحة في ذلك ~~كقوله صلى الله عليه وسلم ( لكل نبيء دعوة مستجابة وقد ادخرت دعوتي شفاعة ~~لأمتي ) وغير ذلك . قال القاضي أبو بكر الباقلاني : إن الأحاديث في ذلك ~~بلغت مبلغ التواتر المعنوي كما أشار إليه القرطبي في نقل كلامه . # وعند المعتزلة لا شفاعة لأهل الكبائر لوجوه منها الآيات الدالة على عدم ~~نفع الشفاعة كهاته الآية ، وقوله : { فما تنفعهم شفاعة الشافعين } ( المدثر ~~: 48 ) . { من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة } ( البقرة : ~~254 ) { ما للظامين من حميم ولا شفيع } ( غافر : 18 ) قالوا والمعصية ظلم . ~~ومنها قوله تعالى : { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى } ( الأنبياء : 28 ) وصاحب ~~الكبيرة ليس بمرتضى ، ومنها قوله : { فاغفر للذين تابوا } ( غافر : 7 ) . # والجواب عن الجميع أن محل ذلك كله في الكافرين جمعا بين الأدلة وأن قوله ~~: { لمن ارتضى } يدل على أن هنالك إذنا في الشفاعة كما قال : { إلا لمن أذن ~~له } ( سبأ : 23 ) وإلا لكان الإسلام مع ارتكاب بعض المعاصي مساويا للكفر ~~وهذا لا ترضى به حكمة الله وأما قوله : { فاغفر للذين تابوا } فدعاء لا ~~شفاعة . # والظاهر أن الذي دعا المعتزلة إلى إنكار الشفاعة منافاتها لخلود صاحب ~~الكبيرة في العذاب الذي هو مذهب جمهورهم الذين فسروا قول واصل بن عطاء ~~بالمنزلة بين المنزلتين بمعنى إعطاء العاصي حكم المسلم في الدنيا وحكم ~~الكافر في الآخرة ولا شك أن الشفاعة تنافي هذا الأصل ، فما تمسكوا من ~~الآيات إنماهو لقصد التأبيد ومقابلة أدلة أهل السنة بأمثالها . PageV01P487 ~~ولم نر جوابهم عن حديث الشفاعة ، وأحسب أنهم يجيبون عنه بأن أخبار الآحاد ~~لا تنقض أصول الدين ولذلك احتاج القاضي أبو بكر إلى الاستدلال بالتواتر ~~المعنوي . # والحق أن المسألة أعلق بالفروع منها بالأصول لأنها لا تتعلق بذات الله ms0515 ~~ولا بصفاته ولو جاريناهم في القول بوجوب إثابة المطيع وتعذيب العاصي ، فإن ~~الحكمة تظهر بدون الخلود وبحصول الشفاعة بعد المكث في العذاب ، فلما لم نجد ~~في إثبات الشفاعة ما ينقض أصولهم فنحن نقول لهم : لم يبق إلا أن هذا حكم ~~شرعي في تقدير تعذيب صاحب الكبيرة غير التائب وهو يتلقى من قبل الشارع ~~وعليه فيكون تحديد العذاب بمدة معينة أو إلى حصول عفو الله أو مع الشفاعة ، ~~ولعل الشفاعة تحصل عند إرادة الله تعالى إنهاء مدة التعذيب . وبعد فمن حق ~~الحكمة أن لا يستوي الكافرون والعصاة في مدة العذاب ولا في مقداره ، فهذه ~~قولة ضعيفة من أقوالهم حتى على مراعاة أصولهم ، وقد حكى القاضي أبو بكر ~~الباقلاني إجماع الأمة قبل حدوث البدع على ثبوت الشفاعة في الآخرة ، وهو حق ~~فقد قال سواد بن قارب يخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم # فكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة # بمغنن فتيلا عن سواد بن قارب # وأما الشفاعة الكبرى العامة لجميع أهل موقف الحساب الوارد فيها الحديث ~~الصحيح المشهور فإن أصول المعتزلة لا تأباها . # وقوله : { ولا يؤخذ منها عدل } والعدل بفتح العين يطلق على الشيء المساوي ~~شيئا والمماثل له ولذلك جعل ما يفتدي به عن شيء عدلا وهو المراد هنا كما في ~~قوله تعالى : { أو عدل ذلك صياما } ( المائدة : 95 ) فالمعنى : ولا يقبل ~~منها ما تفتدي به عوضا عن جرمها . # والنصر هو إعانة العدو على عدوه ومحاربه إما بالدفاع معه أو الهجوم معه ~~فهو في العرف مراد منه الدفاع بالقوة الذاتية وأما إطلاقه على الدفاع ~~بالحجة نحو { من أنصاري إلى الله } ( آل عمران : 52 ) وعلى التشيع والاتباع ~~نحو { إن تنصروا الله ينصركم } ( محمد : 7 ) فهو استعارة . # PageV01P488 $ 2 ( 49 ) { وإذ نجيناكم من ءال فرعون يسومونكم سو & # 1764 ء العذاب يذبحون أبنآءكم ويستحيون نسآءكم وفى ذالكم بلا & # 1764 ء من ربكم عظيم } . ) 2 $ # عطف على قوله : { نعمتي } ( البقرة : 47 ) فيجعل ( إذ ) مفعولا به كما هو ~~في قوله تعالى : { واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم } ( الأعراف ms0516 : 86 ) فهو ~~هنا اسم زمان غير ظرف لفعل والتقدير اذكروا وقت نجيناكم ، ولما غلبت إضافة ~~أسماء الزمان إلى الجمل وكان معنى الجملة بعدها في معنى المصدر وكان ~~التقدير اذكروا وقت إنجائنا إياكم ، وفائدة العدول عن الإتيان بالمصدر ~~الصريح لأن في الإتيان بإذ المقتضية للجملة استحضارا للتكوين العجيب ~~المستفاد من هيئة الفعل لأن الذهن إذا تصور المصدر لم يتصور إلا معنى الحدث ~~وإذا سمع الجملة الدالة عليه تصور حدوث الفعل وفاعله ومفعوله ومتعلقاته ~~دفعة واحدة فنشأت من ذلك صورة عجيبة ، فوزان الإتيان بالمصدر وزان ~~الاستعارة المفردة ، وزان الإتيان بالفعل وزان الاستعارة التمثيلية ، وليس ~~هو عطفا على جملة { اذكروا } ( البقرة : 47 ) كما وقع في بعض التفاسير لأن ~~ذلك يجعل ( إذ ) ظرفا فيطلب متعلقا وهو ليس بموجود ، ولا يفيده حرف العطف ~~لأن العاطف في عطف الجمل لا يفيد سوى التشريك في حكم الجملة المعطوف عليها ~~، وليس نائبا مناب عامل ، ولا يريبك الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه أعني ~~{ وإذ نجيناكم } بجملة { واتقوا يوما } ( البقرة : 48 ) فتظنه ملجأ لاعتبار ~~العطف على الجملة لما علمت فيما تقدم أن قوله : { واتقوا } ناشىء عن ~~التذكير فهو من علائق الكلام وليس بأجنبي ، على أنه ليس في كلام النحاة ما ~~يقتضي امتناع الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بالأجنبي فإن المتعاطفين ~~ليسا بمرتبة الاتصال كالعامل والمعمول ، وعدي فعل { أنجينا } إلى ضمير ~~المخاطبين مع أن التنجية إنما كانت تنجية أسلافهم لأن تنجية أسلافهم تنجية ~~للخلف فإنه لو بقي أسلافهم في عذاب فرعون لكان ذلك لاحقا لأخلافهم فذلك ~~كانت منة النتجية منتين : منة على السلف ومنة على الخلف فوجب شكرها على كل ~~جيل منهم ولذلك أوجبت عليهم شريعتهم الاحتفال بما يقابل أيام النعمة عليهم ~~من أيام كل سنة وهي أعيادهم وقد قال الله لموسى : { وذكرهم بأيام الله } ( ~~إبراهيم : 5 ) . # وآل الرجل أهله . وأصل آل أهل قلبت هاؤه همزة تخفيفا ليتوصل بذلك إلى ~~تسهيل الهمزة مدا . والدليل على أن أصله أهل رجوع الهاء في التصغير إذ ~~قالوا : أهيل ولم يسمع أويل خلافا للكسائي . PageV01P489 # والأهل ms0517 والآل يراد به الأقارب والعشيرة والموالي وخاصة الإنسان وأتباعه . ~~والمراد من آل فرعون وزعته ووكلاؤه ، ويختص الآل بالإضافة إلى ذي شأن وشرف ~~دنيوي ممن يعقل فلا يقال آل الجاني ولا آل مكة ، ولما كان فرعون في الدنيا ~~عظيما وكان الخطاب متعلقا بنجاة دنيوية من عظيم في الدنيا أطلق على أتباعه ~~آل فلا توقف في ذلك حتى يحتاج لتأويله بقصد التهكم كما أول قوله تعالى : { ~~أدخلوا آل فرعون أشد العذاب } ( غافر : 46 ) لأن ذلك حكاية لكلام يقال يوم ~~القيامة وفرعون يومئذ محقر ، هلك عنه سلطانه . # فإن قلت : إن كلمة أهل تطلق أيضا على قرابة ذي الشرف لأنها الاسم المطلق ~~فلماذا لم يؤت بها هنا حتى لا يطلق على آل فرعون ما فيه تنويه بهم ؟ قلت : ~~خصوصية لفظ آل هنا أن المقام لتعظيم النعمة وتوفير حق الشكر والنعمة تعظيم ~~بما يحف بها فالنجاة من العذاب وإن كانت نعمة مطلقا إلا أن كون النجاة من ~~عذاب ذي قدرة ومكانة أعظم لأنه لا يكاد ينفلت منه أحد . # ولا قرار على زأر من الأسد # وإنما جعلت النجاة من آل فرعون ولم تجعل من فرعون مع أنه الآمر بتعذيب ~~بني إسرائيل تعليقا للفعل بمن هو من متعلقاته على طريقة الحقيقة العقلية ~~وتنبيها على أن هؤلاء الوزعة والمكلفين ببني إسرائيل كانوا يتجاوزون الحد ~~المأمور به في الإعنات على عادة المنفذين فإنهم أقل رحمة وأضيق نفوسا من ~~ولاة الأمور كما قال الراعي يخاطب عبد الملك بن مروان : # إن الذين أمرتهم أن يعدلوا # لم يفعلوا مما أمرت فتيلا # جاء في التاريخ أن مبدأ استقرار بني إسرائيل بمصر كان سببه دخول يوسف ~~عليه السلام PageV01P490 في تربية العزيز طيفار كبير شرط فرعون ، وكانت مصر ~~منقسمة إلى قسمين مصر العليا الجنوبية المعروفة اليوم بالصعيد لحكم فراعنة ~~من القبط وقاعدتها طيوه ، ومصر السفلى وهي الشمالية وقاعدتها منفيس وهي ~~القاعدة الكبرى التي هي مقر الفراعنة وهذه قد تغلب عليها العمالقة من ~~الساميين أبناء عم ثمود وهم الذين يلقبون في التاريخ المصري بالرعاة ~~الرحالين والهكصوص ms0518 في سنة 3300 أو سنة 1900 قبل المسيح على خلاف ناشىء عن ~~الاختلاف في مدة بقائهم بمصر الذي انتهى سنة 1700 ق م عند ظهور العائلة ~~الثامنة عشرة ، فكان يوسف عند رئيس شرط فرعون العمليقي ، واسم فرعون يومئذ ~~أبو فيس أو أبيبي وأهل القصص ومن تلقف كلامهم من المفسرين سموه ريان بن ~~الوليد وهذا من أوهامهم وكان ذلك في حدود سنة 1739 قبل ميلاد المسيح ، ثم ~~كانت سكنى بني إسرائيل مصر بسبب تنقل يعقوب وأبنائه إلى مصر حين ظهر أمر ~~يوسف وصار بيده حكم المملكة المصرية السفلى . وكانت معاشرة الإسرائيليين ~~للمصريين حسنة زمنا طويلا غير أن الإسرائيليين قد حافظوا على دينهم ولغتهم ~~وعاداتهم فلم يعبدوا آلهة المصريين وسكنوا جميعا بجهة يقال لها أرض ( جاسان ~~) ومكث الإسرائيليون على ذلك نحوا من أربعمائة سنة تغلب في خلالها ملوك ~~المصريين على ملوك العمالقة وطردوهم من مصر حتى ظهرت في مصر العائلة ~~التاسعة عشرة وملك ملوكها جميع البلاد المصرية ونبغ فيهم رعمسيس الثاني ~~الملقب بالأكبر في حدود سنة 1311 قبل المسيح وكان محاربا باسلا وثارت في ~~وجهه الممالك التي أخضعها أبوه ومنهم الأمم الكائنة بأطراف جزيرة العرب ، ~~فحدثت أسباب أو سوء ظنون أوجبت تنكر القبط على الإسرائيليين وكلفوهم أشق ~~الأعمال وسخروهم في خدمة المزارع والمباني وصنع الآجر . وتقول التوراة إنهم ~~بنوا لفرعون مدينة مخازن ( فيثوم ) ومدينة ( رعمسيس ) ثم خشي فرعون أن يكون ~~الإسرائيليون أعوانا لأعدائه عليه فأمر باستئصالهم وكأنه اطلع على مساعدة ~~منهم لأبناء نسبهم من العمالقة والعرب فكان يأمر بقتل أبنائهم وسبي نسائهم ~~وتسخير كبارهم ولا بد أن يكون ذلك لما رأى منهم من التنكر ، أو لأن القبط ~~لما أفرطوا في استخدام العبرانيين علم فرعون أنه إن اختلطت جيوشه في حرب لا ~~يسلم من ثورة الإسرائيليين فأمر باستئصالهم . وأما ما يحكيه القصاصون أن ~~فرعون أخبره كاهن أن ذهاب ملكه يكون على يد فتى من إسرائيل فلا أحسبه صحيحا ~~إذ يبعد أن يروج PageV01P491 مثل هذا على رئيس مملكة فيفنى به فريقا من ~~رعاياه ، اللهم ms0519 إلا أن يكون الكهنة قد أغروا فرعون باليهود قصدا لتخليص ~~المملكة من الغرباء أو تفرسوا من بني إسرائيل سوء النوايا فابتكروا ذلك ~~الإنباء الكهنوتي لإقناع فرعون ، بوجوب الحذر من الإسرائيليين ولعل ذبح ~~الأبناء كان من فعل المصريين استخفافا باليهود ، فكانوا يقتلون اليهودي في ~~الخصام القليل كما أنبأت بذلك آية { فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من ~~عدوه } ( القصص : 15 ) والحاصل أن التاريخ يفيد على الإجمال أن عداوة عظيمة ~~نشأت بين القبط واليهود آلت إلى أن استأصل القبط الإسرائيليين . ولقد أبدع ~~القرآن في إجمالها إذ كانت تفاصيل إجمالها كثيرة لا يتعلق غرض التذكير ~~ببيانها . # وجملة : { يسومونكم سوء العذاب } حال من { آل فرعون } يحصل بها بيان ما ~~وقع الإنجاء منه وهو العذاب الشديد الذي كان الإسرائيليون يلاقونه من ~~معاملة القبط لهم . # ومعنى { يسومونكم } يعاملونكم معاملة المحقوق بما عومل به يقال سامه خسفا ~~إذا أذله واحتقره فاستعمل سام في معنى أنال وأعطى ولذلك يعدى إلى مفعولين ~~ليس أصلهما المبتدأ والخبر . وحقيقة سام عرض السوم أي الثمن . # وسوء العذاب أشده وأفظعه وهو عذاب التسخير والإرهاق وتسليط العقاب الشديد ~~بتذبيح الأبناء وسبي النساء والمعنى يذبحون أبناء آبائكم ويستحيون نساء ~~قومكم الأولين . # والمراد من الأبناء قيل أطفال اليهود وقيل : أريد به الرجال بدليل ~~مقابلته بالنساء وهذا الوجه أظهر وأوفق بأحوال الأمم إذ المظنون أن المحق ~~والاستئصال إنما يقصد به الكبار ، ولأنه على الوجه الأول تكون الآية سكتت ~~عن الرجال إلا أن يقال : إنهم كانوا يذبحون الصغار قطعا للنسل ويسبون ~~الأمهات استعبادا لهن ويبقون الرجال للخدمة حتى ينقرضوا على سبيل التدريج . ~~وإبقاء الرجال في مثل هاته الحالة أشد من قتلهم . أو لعل تقصيرا ظهر من ~~نساء بني إسرائيل مرضعات الأطفال ومربيات الصغار وكان سببه شغلهن بشؤون ~~أبنائهن فكان المستعبدون لهم إذا غضبوا من ذلك قتلوا الطفل . # والاستحياء استفعال يدل على الطلب للحياة أي يبقونهن أحياء أو يطلبون ~~حياتهن . ووجه ذكره هنا في معرض التذكير بما نالهم من المصائب أن هذا ~~الاستحياء للإناث كان PageV01P492 المقصد منه خبيثا وهو ms0520 أن يعتدوا على ~~أعراضهن ولا يجدن بدا من الإجابة بحكم الأسر والاسترقاق فيكون قوله : { ~~ويستحيون نساءكم } كناية عن استحياء خاص ولذلك أدخل في الإشارة في قوله : { ~~وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم } ولو كان المراد من الاستحياء ظاهره لما كان ~~وجه لعطفه على تلك المصيبة . # وقيل إن الاستحياء من الحياء وهو الفرج أي يفتشون النساء في أرحامهن ~~ليعرفوا هل بهن حمل وهذا بعيد جدا وأحسن منه أن لو قال إنه كناية كما ذكرنا ~~آنفا . وقد حكت التوراة أن فرعون أوصى القوابل بقتل كل مولود ذكر . # وجملة : { يذبحون أبناءكم } إلخ بيان لجملة { يسومونكم سوء العذاب } ~~فيكون المراد من سوء العذاب هنا خصوص التذبيح وما عطف عليه وهو { ويستحيون ~~نساءكم } لما عرفت فكلاهما بيان لسوء العذاب فكان غير ذلك من العذاب لا ~~يعتد به تجاه هذا . ولك أن تجعل الجملة في موضع بدل البعض تخصيصا لأعظم ~~أحوال سوء العذاب بالذكر وهذاهو الذي يطابق آية سورة إبراهيم ( 6 ) التي ~~ذكر فيها { ويذبحون أبناءكم بالعطف على سوء العذاب } وليس قوله { ويستحيون ~~} مستأنفا لإتمام تفصيل صنيع فرعون بل هو من جملة البيان أو البدل للعذاب ~~ويدل لذلك قوله تعالى في الآية الأخرى : { يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه ~~كان من المفسدين } ( القصص : 4 ) فعقب الفعلين بقوله : { إنه كان من ~~المفسدين } . # والبلاء الاختبار بالخير والشر قال تعالى : { وبلوناهم بالحسنات والسيئات ~~} ( الأعراف : 168 ) وهو مجاز مشهور حقيقته بلاء الثوب بفتح الباء مع المد ~~وبكسرها مع القصر وهو تخلقه وترهله ولما كان الاختبار يوجب الضجر والتعب ~~سمي بلاء كأنه يخلق النفس ، ثم شاع في اختبار الشر لأنه أكثر إعناتا للنفس ~~، وأشهر استعماله إذا أطلق أن يكون للشر فإذا أرادوا به الخير احتاجوا إلى ~~قرينة أو تصريح كقول زهير : # جزى الله بالإحسانن ما فعلا بكم # وأبلاهما خير البلاء الذي يبلو # فيطلق غالبا على المصيبة التي تحل بالعبد لأن بها يختبر مقدار الصبر ~~والأناة والمراد هنا المصيبة بدليل قوله { عظيم } . وقيل أراد به الإنجاء ~~والبلاء بمعنى اختبار الشكر وهو بعيد هنا ms0521 . # وتعلق الإنجاء بالمخاطبين لأن إنجاء سلفهم إنجاء لهم فإنه لو أبقى سلفهم ~~هنالك للحق المخاطبين سوء العذاب وتذبيح الأبناء ، أو هو على حذف مضاف أي ~~نجينا آباءكم ، أو هو تعبير عن الغائب PageV01P493 بضمير الخطاب إما لنكتة ~~استحضار حاله وإما لكون المخاطبين مثالهم وصورتهم فإن ما يثبت من الفضائل ~~لآباء القبيلة يثبت لأعقابهم فالإتيان بضمير المخاطب على خلاف مقتضى الظاهر ~~على حد ما يقال في قوله تعالى : { إنا لما طغا الماء حملناكم في الجارية } ~~( الحاقة : 11 ) فالخطاب ليس بالتفات لأن اعتبار أحوال القبائل يعتبر للخلف ~~ما ثبت منه للسلف . # # | 2 ( 50 ) { وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا ءال فرعون وأنتم ~~تنظرون } . ) 2 # هذا زيادة في التفصيل بذكر نعمة أخرى عظيمة خارقة للعادة ، بها كان تمام ~~الإنجاء من آل فرعون ، وفيها بيان مقدار إكرام الله تعالى لهم ومعجزة لموسى ~~عليه السلام وتعدية فعل { فرقنا } إلى ضمير المخاطبين بواسطة الحرف جار على ~~نحو تعدية فعل { نجيناكم } ( البقرة : 49 ) إلى ضميرهم كما تقدم . # وفرق وفرق بالتخفيف والتشديد بمعنى واحد إذ التشديد يفيده تعدية ومعناه ~~الفصل بين أجزاء شيء متصل الأجزاء ، غير أن فرق يدل على شدة التفرقة وذلك ~~إذا كانت الأجزاء المفرقة أشد اتصالا ، وقد قيل إن فرق للأجسام وفرق ~~للمعاني نقله القرافي عن بعض مشايخه وهو غير تام كما تقدم في المقدمة ~~الأولى من مقدمات هذا التفسير بدليل هذه الآية ، فالوجه أن فرق بالتشديد ~~لما فيه علاج ومحاولة وأن المخفف والمشدد كليهما حقيقة في فصل الأجسام وأما ~~في فصل المعاني الملتبسة فمجاز . # وقد اتفقت القراءات المتواترة العشر على قراءة ( فرقنا ) بالتخفيف ~~والتخفيف منظور فيه إلى عظيم قدرة الله تعالى فكان ذلك الفرق الشديد خفيفا ~~. # وتصغر في عين العظيم العظائم # وأل في ( البحر ) للعهد وهو البحر الذي عهدوه أعني بحر القلزم المسمى ~~اليوم بالبحر الأحمر وسمته التوراة بحر سوف . # والباء في ( بكم ) إما للملابسة كما في طارت به العنقاء وعدا به الفرس ، ~~أي كان فرق البحر ملابسا لكم والمراد من الملابسة أنه يفرق وهم ms0522 يدخلونه ~~فكان الفرق حاصلا بجانبهم . وجوز صاحب ( الكشاف ) كون الباء للسببية أي ~~بسببكم يعني لأجلكم . # والخطاب هنا كالخطاب في قوله : { وإذ نجيناكم من آل فرعون } ( البقرة : ~~49 ) . # وقوله : { فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون } هو محل المنة وذكر النعمة وهو ~~نجاتهم من الهلاك وهلاك عدوهم ، قال الفرزدق : PageV01P494 # كيف تراني قاليا مجنى # قد قتل الله زيادا عني # فكون قوله : { وإذ فرقنا بكم البحر } تمهيدا للمنة لأنه سبب الأمرين ~~النجاة والهلاك وهو مع ذلك معجزة لموسى عليه السلام . # وقد أشارت الآية إلى ما حدث لبني إسرائيل بعد خروجهم من مصر من لحاق جند ~~فرعون بهم لمنعهم من مغادرة البلاد المصرية وذلك أنهم لما خرجوا ليلا إما ~~بإذن من فرعون كما تقول التوراة في بعض المواضع ، وإما خفية كما عبرت عنه ~~التوراة بالهروب ، حصل لفرعون ندم على إطلاقهم أو أغراه بعض أعوانه بصدهم ~~عن الخروج لما في خروجهم من إضاعة الأعمال التي كانوا يسخرون فيها أو لأنه ~~لما رآهم سلكوا غير الطريق المألوف لاجتياز مصر إلى الشام ظنهم يرومون ~~الانتشار في بعض جهات مملكته المصرية فخشى شرهم إن هم بعدوا عن مركز ملكه ~~ومجتمع قوته وجنده . # إن بني إسرائيل ما خرجوا من جهات حاضرة مصر وهي يومئذ مدينة منفيس لم ~~يسلكوا الطريق المألوف لبلاد الشام إذ تركوا أن يسلكوا طريق شاطىء بحر ~~الروم ( المتوسط ) فيدخلوا برية سينا من غير أن يخترقوا البحر ولا يقطعوا ~~أكثر من اثنتي عرة مرحلة أعني مائتين وخمسين ميلا وسلكوا طريقا جنوبية ~~شرقية حول أعلى البحر الأحمر لئلا يسلكوا الطريق المألوفة الآهلة بقوافل ~~المصريين وجيوش الفراعنة فيصدوهم عن الاسترسال في سيرهم أو يلحق بهم فرعون ~~من يردهم لأن موسى علم بوحي كما قال تعالى : { وأوحينا إلى موسى أن أسر ~~بعبادي إنك متبعون } ( الشعراء : 52 ) إن فرعون لا يلبث أن يصدهم عن المضي ~~في سيرهم فلذلك سلك بهم بالأمر الإلهي طريقا غير مطروقة فكانوا مضطرين ~~للوقوف أمام البحر في موضع يقال له ( فم الحيروث ) فهنالك ظهرت المعجزة إذ ~~فلق الله لهم البحر ms0523 بباهر قدرته فأمر موسى أن يضربه بعصاه فانفلق وصار فيه ~~طريق يبس مرت عليه بنو إسرائيل وكان جند فرعون قد لحق بهم ورام اقتحام ~~البحر وراءهم فانطبق البحر عليهم فغرقوا . PageV01P495 # وقوله : { وأغرقنا آل فرعون } أي جنده وأنصاره . ولم يذكر في هاته الآية ~~غرق فرعون لأن محل المنة هو إهلاك الذين كانوا المباشرين لتسخير بني ~~إسرائيل وتعذيبهم والذين هم قوة فرعون وقد ذكر غرق فرعون في آيات أخرى ~~نتكلم عليها في موضعها إن شاء الله ، وكان ذلك في زمن الملك ( منفتاح ) ~~ويقال له ( منفطة ) أو ( مينيتاه ) من فراعنة العائلة التاسعة عشرة في ~~ترتيب فراعنة مصر عند المؤرخين . # قوله : { وأنتم تنظرون } جملة حالية من الفاعل وهو ضمير الجلالة في { ~~فرقنا } و { أنجينا } و { أغرقنا } مقيدة للعوامل الثلاثة على سبيل التنازع ~~فيها ، ولا يتصور في التنازع في الحال إضمار في الثاني على تقدير إعمال ~~الأول لأن الجملة لا تضمر كما لا يضمر في التنازع في الظرف نحو سكن وقرأ ~~عندك ولعل هذا مما يوجب إعمال الأول وهذا الحال زيادة في تقرير النعمة ~~وتعظيمها فإن مشاهدة المنعم عليه للنعمة لذة عظيمة لا سيما ومشاهدة إغراق ~~العدو أيضا نعمة زائدة كما أن مشاهدة فرق البحر نعمة عظيمة لما فيها من ~~مشاهدة معجزة تزيدهم إيمانا وحادث لا تتأتى مشاهدته لأحد . ويجوز أن تكون ~~الجملة حالا من المفعول وهو ( آل فرعون ) أي تنظرونهم ، ومفعول { تنظرون } ~~محذوف ولا يستقيم جعله منزلا منزلة اللازم . وإسناد النظر إليهم باعتبار أن ~~أسلافهم كانوا ناظرين ذلك لأن النعمة على السلف نعمة على الأبناء لا محالة ~~فضمير الخطاب مجاز . # # | 2 ( 51 ، 52 ) { وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده ~~وأنتم ظالمون * ثم عفونا عنكم من بعد ذالك لعلكم تشكرون } . ) 2 # تذكير لهم بنعمة عفو الله عن جرمهم العظيم بعبادة غيره وذلك مما فعله ~~سلفهم ، فإسناد تلك الأفعال إلى ضمير المخاطبين باعتبار ما عطف عليه من ~~قوله : { ثم عفونا عنكم } فإن العفو عن الآباء منة عليهم وعلى أبنائهم يجب ~~على الأبناء ms0524 الشكر عليه كما تقدم عند قوله : { اذكروا نعمتي التي أنعمت ~~عليكم } ( البقرة : 40 ، 47 ) . # ووقع في ( الكشاف ) و ( تفسير البغوي ) و ( تفسير البيضاوي ) أن الله وعد ~~موسى أن يؤتيه الشريعة بعد أن عاد بنو إسرائيل إلى مصر بعد مهلك فرعون ، ~~وهذا وهم فإن بني إسرائيل لم PageV01P496 يعودوا إلى مصر البتة بعد خروجهم ~~، كيف والآيات صريحة في أن نزول الشريعة كان بطورسينا وأن خروجهم كان ~~ليعطيهم الله الأرض المقدسة التي كتب الله لهم وقد أشار في ( الكشاف ) في ~~سورة الدخان إلى التردد فيه ولا ينبغي التردد في ذلك . # وقوله : { ثم اتخذتم العجل من بعده } هو المقصود وأما ما ذكر قبله فهو ~~تمهيد وتأسيس لبنائه وتهويل لذلك الجرم إظهارا لسعة عفو الله تعالى وحلمه ~~عنهم . وتوسيط التذكير بالعفو عن هذه السيئة بين ذكر النعم المذكورة مراعاة ~~لترتيب حصولها في الوجود ليحصل غرضان غرض التذكير وغرض عرض تاريخ الشريعة . # والمراد من المواعدة هنا أمر الله موسى أن ينقطع أربعين ليلة لمناجاة ~~الله تعالى وإطلاق الوعد على هذا الأمر من حيث إن ذلك تشريف لموسى ووعد له ~~بكلام الله وبإعطاء الشريعة . # وقراءة الجمهور { وواعدنا } بألف بعد الواو على صيغة المفاعلة المقتضية ~~حصول الوعد من جانبين الواعد والموعود والمفاعلة على غير بابها لمجرد ~~التأكيد على حد سافر وعافاه الله ، وعالج المريض وقاتله الله ، فتكون مجازا ~~في التحقيق لأن المفاعلة تقتضي تكرر الفعل من فاعلين فإذا أخرجت عن بابها ~~بقي التكرر فقط من غير نظر للفاعل ثم أريد من التكرر لازمه وهو المبالغة ~~والتحقق فتكون بمنزلة التوكيد اللفظي . والأشهر أن المواعدة لما كان غالب ~~أحوالها حصول الوعد من الجانبين شاع استعمال صيغتها في مطلق الوعد وقد شاع ~~استعمالها أيضا في خصوص التواعد بالملاقاة كما وقع في حديث الهجرة ( ~~وواعداه غار ثور ) . وقول الشاعر : # فواعديه سرحتي مالك # أو الربا بينهما أسهلا # واستعملت هنا لأن المناجاة والتكلم يقتضي القرب فهو بمنزلة اللقاء على ~~سبيل الاستعارة ولذلك استغني عن ذكر الموعود به لظهوره من صيغة المواعدة . # وقيل المفاعلة على ms0525 بابها بتقدير أن الله وعد موسى أن يعطيه الشريعة وأمره ~~بالحضور للمناجاة فوعد موسى ربه أن يمتثل لذلك ، فكان الوعد حاصلا من ~~الطرفين وذلك كاف في تصحيح المفاعلة بقطع النظر عن اختلاف الموعود به ، ~~وذلك لا ينافي المفاعلة لأن مبنى صيغة المفاعلة حصول فعل متماثل من جانبين ~~لا سيما إذا لم يذكر المتعلق في اللفظ كما هنا لقصد الإيجاز البديع لقصد ~~إعظام المتعلق من الجانبين ، ولك أن تقول سوغ حذفه علم المخاطبين به فإن ~~هذا الكلام مسوق للتذكير لا للإخبار والتذكير يكتفى فيه بأقل إشارة فاستوى ~~الحذف والذكر فرجح الإيجاز وإن كان الغالب اتحاده . PageV01P497 # وقرأ أبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب { وعدنا } بدون ألف عقب الواو على ~~الحقيقة . # وموسى هو رسول الله إلى بني إسرائيل وصاحب شريعة التوراة ، وهو موسى بن ~~عمران ولم يذكر اسم جده ولكن الذي جاء في التوراة أنه هو وأخوه هارون من ~~سبط لاوى بن يعقوب . ولد بمصر في حدود سنة ألف وخمسمائة قبل ميلاد عيسى ~~ولما ولدته أمه خافت عليه أن يأخذه القبط فيقتلوه لأنه في أيام ولادته كان ~~القبط قد ساموا بني إسرائيل سوء العذاب لأسباب غير مشروعة كما تقدم عند ~~قوله تعالى : { يذبحون أبناءكم } ( البقرة : 49 ) فأمر ملك مصر بقتل كل ذكر ~~يولد في إسرائيل . # وأمه تسمى ( يوحانذ ) وهي أيضا من سبط لاوى وكان زوجها قد توفي حين ولدت ~~موسى فتحيلت لإخفائه عن القبط مدة ثلاثة أشهر ثم ألهمها الله فأرضعته رضعة ~~ووضعته في سفط منسوج من خوص البردي وطلته بالمغرة والقار لئلا يدخله الماء ~~ووضعت فيه الولد وألقته في النيل بمقربة من مساكن فرعون على شاطىء النيل ~~ووكلت أختا له اسمها مريم بأن ترقب الجهة التي يلقيه النيل فيها وماذا يصنع ~~به ، وكان ملك مصر في ذلك الوقت تقريبا هو فرعون رعمسيس الثاني ، ولما حمله ~~النهر كانت ابنة فرعون المسماة ثرموت مع جوار لها يمشين على حافة النهر ~~لقصد السباحة والتبرد في مائه قيل كانوا في مدينة عين شمس فلما بصرت بالسفط ~~أرسلت ms0526 أمة لها لتنظر السفط فلما فتحنه وجدن الصبي فأخذته ابنة فرعون إلى ~~أمها وأظهرت مريم أخت موسى نفسها لابنة فرعون فلما رأت رقة ابنة فرعون على ~~الصبي قالت : إن فينا مرضعا أفأذهب فأدعوها لترضعه ؟ فقالت : نعم فذهبت ~~وأتت بأم موسى . وأخذت امرأة فرعون الولد وتبنته وسمته موشى قيل : إنه مركب ~~من كلمة ( مو ) بمعنى الماء وكلمة ( شى ) بمعنى المنقذ وقد صارت في العربية ~~موسى والأظهر أن هذا الاسم مركب من اللغة العبرية لا من القبطية فلعله كان ~~له اسم آخر في قصر فرعون وأنه غير اسمه بعد ذلك . # ونشأ موسى في بيت فرعون كولد له ولما كبر علم أنه ليس بابن لفرعون وأنه ~~إسرائيلي ولعل أمه أعلمته بذلك وجعلت له أمارات يوقن بها وأنشأه الله على ~~حب العدل ونصر الضعيف وكان موسى شديدا قوي البنية ولما بلغ أشده في حدود ~~نيف وثلاثين من عمره حدث له حادث قتل فيه قبطيا انتصارا لإسرائيلي ولعل ذلك ~~كان بعد مفارقته لقصر فرعون أي بعد موت مربيه فخاف موسى أن يقتص منه وهاجر ~~من مصر ومر في مهاجرته بمدين وتزوج ابنة شعيب ثم خرج من مدين بعد عشر سنين ~~وعمره يومئذ نيف وأربعون سنة . PageV01P498 وأوحى الله إليه في طريقه أن ~~يخرج بني إسرائيل من مصر وينقذهم من ظلم فرعون فدخل مصر ولقي أخاه هارون في ~~جملة قومه في مصر وسعى في إخراج بني إسرائيل من مصر بما قصه الله في كتابه ~~وكان خروجه ببني إسرائيل من مصر في حدود سنة 1460 ستين وأربعمائة وألف قبل ~~المسيح في زمن منفطاح الثاني وتوفي موسى عليه السلام قرب أريحا على جبل ~~نيبو سنة 1380 ثمانين وثلاثمائة وألف قبل ميلاد عيسى ودفن هنالك وقبره غير ~~معروف لأحد كما هو نص التوراة . # وقوله : { أربعين ليلة } انتصب على أنه ظرف لمتعلق { واعدنا } وهو اللقاء ~~الموعود به ناب هذا الظرف عن المتعلق أي مناجاة وغيرها في أربعين ليلة إن ~~جعل { واعدنا } مسلوب المفاعله وإن أبقي على ظاهره قدرنا متعلقين وعلى كلا ms0527 ~~التقديرين فانتصاب ( أربعين ) على الظرفية لذلك المحذوف على أن إطلاق اسم ~~الزمان على ما يقع فيه مجاز شائع في كلام البلغاء ومنه { واتقوا يوما لا ~~تجزى نفس } ( البقرة : 48 ) كما تقدم والأمور التي اشتملت عليها الأربعون ~~ليلة معلومة للمخاطبين يتذكرونها بمجرد الإلماع إليها . # وبما حررناه في قوله : { وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة } تستغني عن ~~تطويلات واحتمالات جرت في كلام الكاتبين هنا من وجوه ذكرها التفتزاني وعبد ~~الحكيم وقد جمع الوجه الذي أبديناه محاسنها . وجعل الميقات ليالي لأن ~~حسابهم كان بالأشهر القمرية . # وعطفت جملة { اتخذتم العجل من بعده } بحرف { ثم } الذي هو في عطف الجمل ~~للتراخي الترتيبي للإشارة إلى ترتيب في درجات عظم هذه الأحوال وعطف { ثم ~~عفونا عنكم من بعد ذلك } أيضا لتراخي مرتبة العفو العظيم عن عظيم جرمهم ~~فروعي في هذا التراخي أن ما تضمنته هذه الجمل عظائم أمور في الخير وضده ~~تنبيها على عظم سعة رحمة الله بهم قبل المعصية ، وبعدها وحذف المفعول ~~الثاني لاتخذتم لظهوره وعلمهم به ولشناعة ذكره وتقديره معبودا أو إلها وبه ~~تظهر فائدة ذكر { من بعده } لزيادة التشنيع بأنهم كانوا جديرين بانتظارهم ~~الشريعة التي تزيدهم كمالا لا بالنكوص على أعقابهم عما كانوا عليه من ~~التوحيد والانغماس في نعم الله تعالى وبأنهم كانوا جديرين بالوفاء لموسى ~~فلا يحدثوا ما أحدثوا في مغيبه بعد أن رأوا معجزاته وبعد أن نهاهم عن هاته ~~العبادة لما قالوا له : { اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون ~~} ( الأعراف : 138 ) الآية . # وفائدة ذكر ( من ) للإشارة إلى أن الاتخاذ ابتدأ من أول أزمان بعدية مغيب ~~موسى عليه السلام PageV01P499 وهذه أيضا حالة غريبة لأن شأن التغير عن ~~العهد أن يكون بعد طول المغيب على أنه ضعف في العهد كما قال الحرث بن كلدة ~~: # فما أدري أغيرهم تناء # وطول العهد أم مال أصابوا # ففي قوله : { من بعده } تعريض بقلة وفائهم في حفظ عهد موسى . # وقوله : { من بعده } أي بعد مغيبه وتقدير المضاف مع بعد المضاف إلى اسم ~~المتحدث عنه شائع في ms0528 كلام العرب لظهوره بحسب المقام وإذا لم يكن ما يعنيه ~~من المقام فالأكثر أنه يراد به بعد الموت كما في قوله تعالى : { قلتم لن ~~يبعث الله من بعده رسولا } ( غافر : 34 ) وقوله : { ألم تر إلى الملأ من ~~بني إسرائيل من بعد موسى } ( البقرة : 246 ) . # وإنما اتخذوا العجل تشبها بالكنعانيين الذين دخلوا إلى أرضهم وهم ~~الفنيقيون سكان سواحل بلاد الشام فإنهم كانوا عبدة أوثان وكان العجل مقدسا ~~عندهم وكانوا يمثلون أعظم الآلهة عندهم بصورة إنسان من نحاس له رأس عجل ~~جالس على كرسي مادا ذراعيه كمتناول شيء يحتضنه وكانوا يحمونه بالنار من ~~حفرة تحت كرسيه لا يتفطن لها الناس فكانوا يقربون إليه القرابين وربما ~~قربوا له أطفالهم صغارا فإذا وضع الطفل على ذراعيه اشتوى فظنوا ذلك أمارة ~~قبول القربان فتبا لجهلهم وما يصنعون . وكان يسمى عندهم ( بعلا ) وربما ~~سموه ( مولوك ) وهم أمة سامية لغتها وعوائدها تشبه في الغالب لغة وعوائد ~~العرب فلما مر بهم بنو إسرائيل قالوا لموسى { اجعل لنا إلها كما لهم آلهة } ~~( الأعراف : 138 ) فانتهرهم موسى وكانوا يخشونه فلما ذهب للمناجاة واستخلف ~~عليهم هارون استضعفوه وظنوا أن موسى هلك فاتخذوا العجل الذي صنعوه من ذهب ~~وفضة من حليهم وعبدوه . # وقوله : { وأنتم ظالمون } حال مقيدة لاتخذتم ليكون الاتخاذ مقترنا بالظلم ~~من مبدئه إلى منتهاه وفائدة الحال الإشعار بانقطاع عذرهم فيما صنعوا وأن لا ~~تأويل لهم في عبادة العجل أو لأنهم كانوا مدة إقامتهم بمصر ملازمين للتوحيد ~~محافظين على وصية إبراهيم ويعقوب لذريتهما بملازمة التوحيد فكان انتقالهم ~~إلى الإشرك بعد أن جاءهم رسول انتقالا عجيبا . فلذلك كانوا ظالمين في هذا ~~الصنع ظلما مضاعفا فالظاهر أن ليس المراد بالظلم في هاته الآية الشرك ~~والكفر وإن كان من معاني الظلم في اصطلاح القرآن لظهور أن اتحاذ العجل ~~PageV01P500 ظلم فلا يكون للحال معه موقع . وقد اطلعت بعد هذا على ( تفسير ~~الشيخ محمد بن عرفة التونسي ) فوجدته قال : { وأنتم ظالمون } أي لا شبهة ~~لكم في اتخاذه . # وقوله : { ثم عفونا عنكم من بعد ذلك } هو محل ms0529 المنة ، وعطفه بثم لتراخي ~~رتبة هذا العفو في أنه أعظم من جميع تلك النعم التي سبق عدها ففيه زيادة ~~المنة فالمقصود من الكلام هو المعطوف بثم وأما ما سبق من قوله : { وإذ ~~واعدنا موسى أربعين ليلة } إلخ فهو تمهيد له وتوصيف لما حف بهذا العفو من ~~عظم الذنب . وقوله : { من بعد ذلك } حال من ضمير ( عفونا ) مقيدة للعفو ~~إعجابا به أي هو عفو حال حصوله بعد ذلك الذنب العظيم وليس ظرفا لغوا متعلقا ~~بعفونا حتى يقال : إن ثم دلت على معناه فيكون تأكيدا لمدلول ثم تأخير العفو ~~فيه وإظهار شناعته بتأخير العفو عنه وإنما جاء قوله ذلك مقترنا بكاف خطاب ~~الواحد في خطاب الجماعة لأن ذلك لكونه أكثر أسماء الإشارة استعمالا ~~بالإفراد إذ خطاب المفرد أكثر غلب فاستعمل لخطاب الجمع تنبيها على أن الكاف ~~قد خرجت عن قصد الخطاب إلى معنى البعد ومثل هذا في كلام العرب كثير لأن ~~التثنية والجمع شيآن خلاف الأصل لا يصار إليهما إلا عند تعيين معناهما فإذا ~~لم يقصد تعيين معناهما فالمصير إليهما اختيار محض . # وقوله : { لعلكم تشكرون } رجاء لحصول شكركم ، وعدل عن لام التعليل إيماء ~~إلى أن شكرهم مع ذلك أمر يتطرقه احتمال التخلف فذكر حرف الرجاء دون حرف ~~التعليل من بديع البلاغة فتفسير لعل بمعنى لكي يفيت هذه الخصوصية وقد تقدم ~~كيفية دلالة لعل على الرجاء في كلام الله تعالى عند قوله : { يا أيها الناس ~~اعبدوا ربكم إلى قوله لعلكم تتقون } ( البقرة : 21 ) . ومعنى الشكر تقدم في ~~قوله تعالى : { الحمد لله رب العالمين } ( الفاتحة : 2 ) وللغزالي فيه باب ~~حافل عدلنا عن ذكره لطوله فارجع إليه في كتاب ( الإحياء ) . # # | 2 ( 53 ) { وإذ ءاتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون } . ) 2 # هذا تذكير بنعمة نزول الشريعة التي بها صلاح أمورهم وانتظام حياتهم ~~وتأليف جماعتهم مع الإشارة إلى تمام النعمة وهم يعدونها شعار مجدهم وشرفهم ~~لسعة الشريعة المنزلة لهم حتى كانت كتابا فكانوا به أهل كتاب أي أهل علم ~~تشريع . # والمراد من ( الكتاب ) التوراة التي أوتيها موسى ms0530 فالتعريف للعهد ، ويعتبر ~~معها ما ألحق بها على نحو ما قدمناه في قوله تعالى : { ذلك PageV01P501 ~~الكتاب } ( البقرة : 2 ) . # والفرقان مصدر بوزن فعلان مشتق من الفرق وهو الفصل استعير لتمييز الحق من ~~الباطل فهو وصف لغوي للتفرقة فقد يطلق على كتاب الشريعة وعلى المعجزة وعلى ~~نصر الحق على الباطل وعلى الحجة القائمة على الحق وعلى ذلك جاءت آيات { ~~تبارك الذي نزل الفرقان على عبده } ( الفرقان : 1 ) { ولقد آتينا موسى ~~وهارون الفرقان } ( الأنبياء : 48 ) فلعله أراد المعجزات لأن هارون لم يؤت ~~وحيا وقال : { يوم الفرقان يوم التقى الجمعان } ( الأنفال : 41 ) يعني يوم ~~النصر يوم بدر وقال : { وأنزل الفرقان } ( آل عمران : 4 ) عطفا على { نزل ~~عليك الكتاب بالحق وأنزل التوراة والإنجيل } ( آل عمران : 3 ) الآية . # والظاهر أن المراد به هنا المعجزة أو الحجة لئلا يلزم عطف الصفة على ~~موصوفها إن أريد بالفرقان الكتاب الفارق بين الحق والباطل والصفة لا يجوز ~~أن تتبع موصوفها بالعطف ومن نظر ذلك بقول الشاعر : # إلى الملك القرم وابن الهمام # وليث الكتيبة في المزدحم # فقد سها لأن ذلك من عطف بعض الصفات على بعض لا من عطف الصفة على الموصوف ~~كما نبه عليه أبو حيان . # وقوله : { لعلكم تهتدون } هو محل المنة لأن إتيان الشريعة لو لم يكن ~~لاهتدائهم وكان قاصرا على عمل موسى به لم يكن فيه نعمة عليهم . والقول في { ~~لعلكم تهتدون } كالقول في { لعلكم تشكرون } ( البقرة : 52 ) السابق . # $ 2 ( 54 ) { وإذ قال موسى لقومه ياقوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل ~~فتوبو & # 1764 ا إلى بارئكم فاقتلو & # 1764 ا أنفسكم ذالكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم ~~} . ) 2 $ # هذه نعمة أخرى وهي نعمة نسخ تكليف شديد عليهم كان قد جعل جابرا لما ~~اقترفوه من إثم عبادة الوثن فحصل العفو عنهم بدون ذلك التكليف فتمت المنة ~~وبهذا صح جعل هذه منة مستقلة بعد المنة المتضمنة لها قوله تعالى : { ثم ~~عفونا عنكم من بعد ذلك } ( البقرة : 52 ) لأن العفو عن المؤاخذة بالذنب في ~~الآخرة قد يحصل ms0531 مع العقوبة الدنيوية من حد ونحوه وهو حينئذ منة إذ لو شاء ~~الله لجعل للذنب عقابين دنيوي وأخروي كما كان المذنب النفس والبدن ولكن ~~الله برحمته PageV01P502 جعل الحدود جوابر في الإسلام كما في الحديث الصحيح ~~، فلما عفا الله عن بني إسرائيل على أن يقتلوا أنفسهم فقد تفضل بإسقاط ~~العقوبة الأخروية التي هي أثر الذنب ، ولما نسخ تكليفهم بقتل أنفسهم فقد ~~تفضل بذلك فصارت منتان . # فقول موسى لقومه : { إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم ~~فاقتلوا أنفسكم } تشريع حكم لا يكون مثله إلا عن وحي لا عن اجتهاد وإن جاز ~~الاجتهاد للأنبياء فإن هذا حكم مخالف لقاعدة حفظ النفوس التي قيل قد اتفق ~~عليها شرائع الله فهو يدل على أنه كلفهم بقتل أنفسهم قتلا حقيقة إما بأن ~~يقتل كل من عبد العجل نفسه فيكون المراد بالأنفس الأرواح التي في الأجسام ~~فالفاعل والمفعول واحد على هذا وإنما اختلفا بالاعتبار كقوله { ظلمتم ~~أنفسكم } وقول ابن أذينة : # وإذا وجدت لها وساوس سلوءه # شفع الفؤاد إلى الضمير فسلها # وإما بأن يقتل من لم يعبدوا العجل عابديه ، وكلام التوراة في هذا الغرض ~~في غاية الإبهام وظاهره أن موسى أمره الله أن يأمر اللاويين الذين هم من ~~سبط لاوي الذي منه موسى وهارون أن يقتلوا من عبد العجل بالسيف وأنهم فعلوا ~~وقتلوا ثلاثة آلاف نفس ثم استشفع لهم موسى فغفر الله لهم أي فيكون حكم قتل ~~أنفسهم منسوخا بعد العمل به ويكون المعنى فليقتل بعضكم بعضا ، فالأنفس مراد ~~بها الأشخاص كما في قوله تعالى : { فإذا دخلتهم بيوتا فسلموا على أنفسكم } ~~( النور : 61 ) أي فليسلم بعضكم على بعض وقوله : { وإذ أخذنا ميثاقكم لا ~~تسفكون دماءكم } ( البقرة : 84 ) أي لا يسفك بعضكم دماء بعض وقوله عقبه : { ~~ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم } ( البقرة : 85 ) فالفاعل والمفعول متغايران ~~. # ومن الناس من حمل الأمر بقتل النفس هنا على معنى القتل المجازي وهو ~~التذليل والقهر على نحو قول امرىء القيس : ( في أعشار قلب مقتل ) وقوله : ~~خمر مقتلة أو مقتولة ، أي مذللة سورتها ms0532 بالماء . قال بجير بن زهير : # إن التي ناولتني فرددتها # قتلت قتلت فهاتها لم تقتل # وفيه بعد عن اللفظ بل مخالفة لغرض الامتنان ، لأن تذليل النفس وقهرها ~~شريعة غير منسوخة . PageV01P503 # والظلم هنا الجناية والمعصية على حد قوله : { إن الشرك لظلم عظيم } ( ~~لقمان : 13 ) . # والفاء في قوله : { فتوبوا } فاء التسبب لأن الظلم سبب في الأمر بالتوبة ~~فالفاء لتفريع الأمر على الخبر وليست هنا عاطفة عند الزمخشري وابن الحاجب ~~إذ ليس بين الخبر والإنشاء ترتب في الوجود ، ومن النحاة من لا يرى الفاء ~~تخرج عن العطف وهو الجاري على عبارات الجمهور مثل صاحب ( مغني اللبيب ) ~~فيجعل ذلك عطف إنشاء على خبر ولا ضير في ذلك . # وذكر التوبة تقدم في قوله تعالى : { فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه } ~~( البقرة : 37 ) . # والفاء في قوله : { فاقتلوا أنفسكم } ظاهرة في أن قتلهم أنفسهم بيان ~~للتوبة المشروعة له فتكون الفاء للترتيب الذكري وهو عطف مفصل على مجمل ~~كقوله تعالى : { فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة } ( ~~النساء : 153 ) كما في ( مغني اللبيب ) وهو يقتضي أنها تفيد الترتيب لا ~~التعقيب . وأما صاحب ( الكشاف ) فقد جوز فيه وجهين أحدهما تأويل الفعل ~~المعطوف عليه بالعزم على الفعل فيكون ما بعده مرتبا عليه ومعقبا وهذا الوجه ~~لم يذكره صاحب ( المغني ) وهذا لا يتأتى في قوله تعالى : { فقد سألوا موسى ~~أكبر من ذلك فقالوا } ، وثانيهما جعل التوبة المطلوبة شاملة لأقوال وأعمال ~~آخرها قتلهم أنفسهم فتكون الفاء للترتيب والتعقيب أيضا . # وعندي أنه إذا كانت الجملة الثانية منزلة منزلة البيان من الجملة الأولى ~~وكانت الأولى معطوفة بالفاء كان الأصل في الثانية أن تقطع عن العطف فإذا ~~قرنت بالفاء كما في هذه الآية كانت الفاء الثانية مؤكدة للأولى ، ولعل ذلك ~~إنما يحسن في كل جملتين تكون أولاهما فعلا غير محسوس وتكون الثانية فعلا ~~محسوسا مبين للفعل الأول فينزل منزلة حاصل عقبه فيقرن بالفاء لأنه لا يحصل ~~تمامه إلا بعد تقرير الفعل الأول في النفس ولذلك قربه صاحب ( الكشاف ) ~~بتأويل الفعل الأول بالعزم ms0533 في بعض المواضع . # والبارىء هو الخالق الخلق على تناسب وتعديل فهو أخص من الخالق ولذلك أتبع ~~به الخالق في قوله تعالى : { هو الله الخالق البارىء } ( الحشر : 24 ) . # وتعبير موسى عليه السلام في كلامه بما يدل على معنى لفظ البارىء في ~~العربية تحريض على التوبة لأنها رجوع عن المعصية ففيها معنى الشكر وكون ~~الخلق على مثال متناسب يزيد تحريضا على شكر الخالق . PageV01P504 # وقوله : { فتاب عليكم } ظاهر في أنه من كلام الله تعالى عند تذكيرهم ~~بالنعمة وهو محل التذكير من قوله : { وإذ قال موسى لقومه } إلخ فالماضي ~~مستعمل في بابه من الإخبار وقد جاء على طريقة الالتفات لأن المقام للتكلم ~~فعدل عنه إلى الغيبة ورجحه هنا سبق معاد ضمير الغيبة في حكاية كلام موسى . ~~وعطفت الفاء على محذوف إيجازا ، أي ففعلتم فتاب عليكم أو فعزمتم فتاب عليكم ~~، على حد { أن اضرب بعصاك البحر فانفلق } ( الشعراء : 63 ) أي فضرب ، وعطف ~~بالفاء إشارة إلى تعقيب جرمهم بتوبته تعالى عليهم وعدم تأخيرها إلى ما بعد ~~استئصال جميع الذين عبدوا العجل بل نسخ ذلك بقرب نزوله بعد العمل به قليلا ~~أو دون العمل به وفي ذلك رحمة عظيمة بهم إذ حصل العفو عن ذنب عظيم بدون ~~تكليفهم توبة شاقة بل اكتفاء بمجرد ندمهم وعزمهم على عدم العود لذلك . # ومن البعيد أن يكون { فتاب عليكم } من كلام موسى لما فيه من لزوم حذف في ~~الكلام غير واضح القرينة ؛ لأنه يلزم تقدير شرط تقديره فإن فعلتم يتب عليكم ~~فيكون مرادا منه الاستقبال والفاء فصيحة ، ولأنه يعرى هذه الآية عن محل ~~النعمة المذكر به إلا تضمنا . # وجملة : { إنه هو التواب الرحيم } خبر وثناء على الله ، وتأكيده بحرف ~~التوكيد لتنزيلهم منزلة من يشك في حصول التوبة عليهم لأن حالهم في عظم ~~جرمهم حال من يشك في قبول التوبة عليه وإنما جمع التواب مع الرحيم لأن ~~توبته تعالى عليهم كانت بالعفو عن زلة اتخاذهم العجل وهي زلة عظيمة لا ~~يغفرها إلا الغفار ، وبالنسخ لحكم قتلهم وذلك رحمة فكان للرحيم موقع عظيم ms0534 ~~هنا وليس هو لمجرد الثناء . # # | 2 ( 55 ، 56 ) { وإذ قلتم ياموسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم ~~الصاعقة وأنتم تنظرون * ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون } . ) 2 # تذكير بنعمة أخرى نشأت بعد عقاب على جفاء طبع فمحل المنة والنعمة هو قوله ~~: { ثم بعثناكم } ، وما قبله تمهيد له وتأسيس لبنائه كما تقدم في قوله : { ~~وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة } ( البقرة : 51 ) الآية . والقائلون هم أسلاف ~~المخاطبين وذلك أنهم قالوا لموسى { لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة } . ~~PageV01P505 # والظاهر أن هذا القول وقع منهم بعد العفو عن عبادتهم العجل كما هو ظاهر ~~ترتيب الآيات ، روى ذلك البغوي عن السدي ، وقيل : إن ذلك سألوه عند مناجاته ~~وأن السائلين هم السبعون الذين اختارهم موسى للميقات وهم المعبر عنهم في ~~التوراة بالكهنة وبشيوخ بني إسرائيل . وقيل : سأل ذلك جمع من عامة بني ~~إسرائيل نحو العشرة الآلاف وهذان القولان حكاهما في ( الكشاف ) وليس في ~~التوراة ما هو صريح لترجيح أحد القولين ولا ما هو صريح في وقوع هذا السؤال ~~ولكن ظاهر ما في سفر التثنية منها ما يشير إلى أن هذا الاقتراح قد صدر وأنه ~~وقع بعد كلام الله تعالى الأول لموسى لأنها لما حكت تذكير موسى في مخاطبة ~~بني إسرائيل ذكرت ما يغاير كيفية المناجاة الأولى إذ قال : فلما سمعتم ~~الصوت من وسط الظلام والجبل يشتعل بالنار تقدم إلي جميع رؤساء أسباطكم ~~وشيوخكم وقلتم هو ذا الرب إلاهنا قد أرانا مجده وعظمته وسمعنا صوته من وسط ~~النار . . . إن عندما نسمع صوت الرب إلاهنا أيضا نموت . . . تقدم أنت واسمع ~~كل ما يقول لك الرب إلاهنا وكلمنا بكل ما يكلمك به الرب إلخ . فهذا يؤذن أن ~~هنالك ترقبا كان منهم لرؤية الله تعالى وأنهم أصابهم ما بلغ بهم مبلغ الموت ~~، وبعد فالقرآن حجة على غيره مصدقا لما بين يديه ومهيمنا عليه . والظاهر أن ~~ذلك كان في الشهر الثالث بعد خروجهم من مصر . # ومعنى { لا نؤمن لك } يحتمل أنهم توقعوا الكفر إن لم يروا الله ms0535 تعالى أي ~~إنهم يرتدون في المستقبل عن إيمانهم الذي اتصفوا به من قبل ، ويحتمل أنهم ~~أرادوا الإيمان الكامل الذي دليله المشاهدة أي إن أحد هذين الإيمانين ينتفي ~~إن لم يروا الله جهرة لأن لن لنفي المستقبل قال سيبويه : ( لا لنفي يفعل ~~ولن لنفي سيفعل ) وكما أن قولك سيقوم لا يقتضي أنه الآن غير قائم فليس في ~~الآية ما يدل على أنهم كفروا حين قولهم هذا ولكنها دالة على عجرفتهم وقلة ~~اكتراثهم بما أوتوا من النعم وما شاهدوا من المعجزات حتى راموا أن يروا ~~الله جهرة وإن لم يروه دخلهم الشك في صدق موسى وهذا كقول القائل إن كان كذا ~~فأنا كافر . وليس في القرآن ولا في غيره ما يدل على أنهم قالوا ذلك عن كفر ~~. # وإنما عدى { نؤمن } باللام لتضمينه معنى الإقرار بالله ولن نقر لك بالصدق ~~والذي دل على هذا الفعل المحذوف هو اللام وهي طريقة التضمين . PageV01P506 # والجهرة مصدر بوزن فعلة من الجهر وهو الظهور الواضح فيستعمل في ظهور ~~الذوات والأصوات حقيقة على قول الراغب إذ قال : ( الجهر ظهور الشيء بإفراط ~~إما بحاسة البصر نحو رأيته جهارا ومنه جهر البئر إذا أظهر ماءها ، وإما ~~بحاسة السمع نحو : { وإن تجهر بالقول } ( طه : 7 ) ) وكلام ( الكشاف ) مؤذن ~~بأن الجهر مجاز في الرؤية بتشبيه الذي يرى بالعين بالجاهر بالصوت والذي يرى ~~بالقلب بالمخافت ، وكان الذي حداه على ذلك اشتهار استعمال الجهر في الصوت ~~وفي هذا كله بعد إذ لا دليل على أن جهرة الصوت هي الحقيقة ولا سبيل إلى ~~دعوى الاشتهارفي جهرة الصوت حتى يقول قائل إن الاشتهار من علامات الحقيقة ~~على أن الاشتهار إنما يعرف به المجاز القليل الاستعمال ، وأما الأشهرية ~~فليست من علامات الحقيقة ، ولأنه لا نكتة في هذه الاستعارة ولا غرض يرجع ~~إلى المشبه من هذا التشبيه فإن ظهور الذوات أوضح من ظهور الأصوات . # وانتصب ( جهرة ) على المفعول المطلق لبيان نوع فعل ترى لأن من الرؤية ما ~~يكون لمحة أو مع سائر شفاف فلا تكون واضحة . # ووجه العدول عن ms0536 أن يقول عيانا إلى قوله ( جهرة ) لأن جهرة أفصح لفظا ~~لخفته ، فإنه غير مبدوء بحرف حلق والابتداء بحرف الحلق أتعب للحلق من وقوعه ~~في وسط الكلام ولسلامته من حرف العلة وكذلك يجتبي البلغاء بعض الألفاظ على ~~بعض لحسن وقعها في الكلام وخفتها على السمع وللقرآن السهم المعلى في ذلك ~~وهو في غاية الفصاحة . # وقوله : { فأخذتكم الصاعقة } أي عقوبة لهم عما بدا منهم من العجرفة وقلة ~~الاكتراث بالمعجزات . وهذه عقوبة دنيوية لا تدل على أن المعاقب عليه حرام ~~أو كفر لا سيما وقد قدر أن موتهم بالصاعقة لا يدوم إلا قليلا فلم تكن مثل ~~صاعقة عاد وثمود . وبه تعلم أن ليس في إصابة الصاعقة لهم دلالة على أن رؤية ~~الله تعالى مستحيلة وأن سؤالها والإلحاح فيه كفر كما زعم المعتزلة وأن لا ~~حاجة إلى الجواب عن ذلك بأن الصاعقة لاعتقادهم أنه تعالى يشبه الأجسام ~~فكانوا بذلك كافرين إذ لا دليل في الآية ولا غيرها على أنهم كفروا ، كيف ~~وقد سأل الرؤية موسى عليه السلام . # والصاعقة نار كهربائية من السحاب تحرق من أصابته ، وقد لا تظهر النار ~~ولكن يصل هواؤها إلى الأحياء فيختنقون بسبب ما يخالط الهواء الذي يتنفسون ~~فيه من الحوامض الناشئة عن شدة الكهربائية ، وقد قيل : إن الذي أصابهم نار ~~، وقيل : سمعوا صعقة فماتوا . PageV01P507 # وقوله : { وأنتم تنظرون } فائدة التقييد بهذا الحال عند صاحب ( الكشاف ) ~~الدلالة على أن الصاعقة التي أصابتهم نار الصاعقة لا صوتها الشديد لأن ~~الحال دلت على أن الذي أصابهم مما يرى ، وقال القرطبي أي وأنتم ينظر بعضكم ~~إلى بعض أي مجتمعون . وعندي أين مفعول { تنظرون } محذوف وأن ( تنظرون ) ~~بمعنى تحدقون الأنظار عند رؤية السحاب على جبل الطور طمعا أن يظهر لهم الله ~~من خلاله لأنهم اعتادوا أن الله يكلم موسى كلاما يسمعه من خلال السحاب كما ~~تقوله التوراة في مواضع ، ففائدة الحال إظهار أن العقوبة أصابتهم في حين ~~الإساءة والعجرفة إذ طمعوا فيما لم يكن لينال لهم . # وقوله : { ثم بعثناكم من بعد موتكم } إيجاز بديع ، أي فمتم ms0537 من الصاعقة ثم ~~بعثناكم من بعد موتكم ، وهذا خارق عهادة جعل الله معجزة لموسى استجابة ~~لدعائه وشفاعته أو كرامة لهم من بعد تأديبهم إن كان السائلون هم السبعين ~~فإنهم من صالحي بني إسرائيل . # فإن قلت إذا كان السائلون هم الصالحين فكيف عوقبوا ؟ # قلت قد علمت أن هذا عقاب دنيوي وهو ينال الصالحين ويسمى عند الصوفية ~~بالعتاب وهو لا ينافي الكرامة ، ونظيره أن موسى سأل رؤية ربه فتجلى الله ~~للجبل فجعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك . # فإن قلت إن الموت يقتضي انحلال التركيب المزاجي فكيف يكون البعث بعده في ~~غير يوم إعادة الخلق ؟ # قلت : الموت هو وقوف حركة القلب وتعطيل وظائف الدورة الدموية فإذا حصل عن ~~فساد فيها لم تعقبه حياة إلا في يوم إعادة الخلق وهو المعنى بقوله تعالى : ~~{ لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى } ( الدخان : 56 ) وإذا حصل عن ~~حادث قاهر مانع وظائف القلب من عملها كان للجسد حكم الموت في تلك الحالة ~~لكنه يقبل الرجوع إن عادت إليه أسباب الحياة بزوال الموانع العارضة ، وقد ~~صار الأطباء اليوم يعتبرون بعض الأحوال التي تعطل عمل القلب اعتبار الموت ~~ويعالجون القلب بأعمال جراحية تعيد إليه حركته . والموت بالصاعقة إذا كان ~~عن اختناق أو قوة ضغط الصوت على القلب قد تعقبه الحياة بوصول هواء صاف جديد ~~وقد يطول زمن هذا الموت في العادة ساعات قليلة ولكن هذا الحادث كان خارق ~~عادة فيمكن أن يكون موتهم قد طال يوما وليلة كما روي في بعض الأخبار ويمكن ~~دون ذلك . # PageV01P508 $ 2 ( 57 ) { وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن ~~والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولاكن كانو & # 1764 ا أنفسهم يظلمون } . ) 2 $ # عطف { وظللنا } على { بعثناكم } ( البقرة : 56 ) . وتعقيب ذكر الوحشة ~~بذكر جائزة شأن الرحيم في تربية عبده ، والظاهر أن تظليل الغمام ونزول المن ~~والسلوى كان قبل سؤالهم رؤية الله جهرة لأن التوراة ذكرت نزول المن والسلوى ~~حين دخولهم في برية سين بين إيليم وسينا في اليوم الثاني ms0538 عشر من الشهر ~~الثاني من خروجهم من مصر حين اشتاقوا أكل الخبز واللحم لأنهم في رحلتهم ما ~~كانوا يطبخون بل الظاهر أنهم كانوا يقتاتون من ألبان مواشيهم التي أخرجوها ~~معهم ومما تنبته الأرض . وأما تظليلهم بالغمام فالظاهر أنه وقع بعد أن ~~سألوا رؤية الله لأن تظليل الغمام وقع بعد أن نصب لهم موسى خيمة الاجتماع ~~محل القرابين ومحل مناجاة موسى وقبلة الداعين من بني إسرائيل في برية سينا ~~فلما تمت الخيمة سنة اثنتين من خروجهم من مصر غطت سحابة خيمة الشهادة ومتى ~~ارتفعت السحابة عن الخيمة فذلك إذن لبني إسرائيل بالرحيل فإذا حلت السحابة ~~حلوا إلخ كذا تقول كتبهم . فلما سأل بنو إسرائيل الخبز واللحم كان المن ~~ينزل عليهم في الصباح والسلوى تسقط عليهم في المساء بمقدار ما يكفي جميعهم ~~ليومه أو ليلته إلا يوم الجمعة فينزل عليهم منهما ضعف الكمية لأن في السبت ~~انقطاع النزول . # والمن مادة صمغية جوية ينزل على شجر البادية شبه الدقيق المبلول ، فيه ~~حلاوة إلى الحموضة ولونه إلى الصفرة ويكثر بوادي تركستان وقد ينزل بقلة ~~غيرها ولم يكن يعرف قبل في برية سينا . وقد وصفته التوراة بأنه دقيق مثل ~~القشور يسقط ندى كالجليد على الأرض وهو مثل بزر الكزبرة أبيض وطعمه كرقاق ~~بعسل وسمته بنو إسرائيل منا ، وقد أمروا أن لا يبقوا منه للصباح لأنه يتولد ~~فيه دود وأن يلتقطوه قبل أن تحمى الشمس لأنها تذيبه فكانوا إذا التقطوه ~~طحنوه بالرحا أو دقوه بالهاون وطبخوه في القدور وعملوه ملات وكان طعمه كطعم ~~قطائف بزيت وأنهم أكلوه أربعين سنة حتى جاءوا إلى طرف أرض كنعان يريد إلى ~~حبرون . PageV01P509 # وأما السلوى فهي اسم جنس جمعي واحدته سلواة وقيل : لا واحد له وقيل : ~~واحده وجمعه سواء ، وهو طائر بري لذيذ اللحم سهل الصيد كانت تسوقه لهم ريح ~~الجنوب كل مساء فيمسكونه قبضا ويسمى هذا الطائر أيضا السمانى بضم السين ~~وفتح الميم مخففة بعدها ألف فنون مقصور كحبارى ، وهو أيضا اسم يقع للواحد ~~والجمع ، وقيل : هو الجمع وأما الفرد ms0539 فهو سماناة . # وقوله : كلوا من طيبات ما رزقناكم مقول قول محذوف لأن المخاطبين حين نزول ~~القرآن لم يؤمروا بذلك فدل على أنه من بقية الخبر عن أسلافهم . # وقوله : { وما ظلمونا } قدره صاحب ( الكشاف ) معطوفا على مقدر أي فظلموا ~~وقرره شارحوه بأن ( ما ظلمونا ) نفي لظلم متعلق بمفعول معين وهو ضمير ~~الجلالة وهذا النفي يفيد في المقام الخطابي أن هنالك ظلما متعلقا بغير هذا ~~المنصوب إذ لو لم يكن الظلم واقعا لنفى مطلقا بأن يقال : وما ظلموا وليس ~~المعنى عليه ، وأنه إنما قدر في ( الكشاف ) الفعل المحذوف مقترنا بالفاء ~~لأن الفاء في عطف الجمل تفيد مع الترتيب والتعقيب معنى السببية غالبا ، ~~فتكون الجملة المعطوفة متسببة عن الجملة المعطوف عليها فشبه وقوع ظلمهم حين ~~كفروا النعمة عقب الإحسان بترتب المسبب على السبب في الحصول بلا ريثث وبدون ~~مراقبة ذلك الإحسان حتى كأنهم يأتون بالظلم جزاء للنعمة ، ورمز إلى لفظ ~~المشبه به برديفه وهو فاء السببية وقرينة ذلك ما يعلمه السامع من أن الظلم ~~لا يصلح لأن يكون مسببا عن الإنعام على حد قولك أحسنت إلى فلان فأساء إلي ~~وقوله تعالى : { وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون } ( الواقعة : 82 ) أي تجعلون ~~شكر رزقكم أنكم تكذبون فالفاء مجاز لغير الترتب على أسلوب قولك : أنعمت ~~عليه فكفر . ولك أن تقول إن أصل معنى الفاء العاطفة الترتيب والتعقيب لا ~~غير وهو المعنى الملازم لها في جميع مواقع استعمالها فإن الاطراد من علامات ~~الحقيقة . وأما الترتب أي السببية فأمر عارض لها فهومن المجاز أو من ~~مستتبعات التراكيب ألا ترى أنه يوجد تارة ويتخلف أخرى فإنه مفقود في عطف ~~المفردات نحوجاء زيد فعمرو وفي كثير من عطف الجمل نحو قوله تعالى : { لقد ~~كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك } ( ق : 22 ) فلذلك كان معنى السببية ~~حيثما استفيد محتاجا إلى القرائن فإن لم تتطلب له علاقة قلت هو من مستتبعات ~~تراكيب بقرينة المقام وإن تطلبت له علاقة وهي لا تعوزك قلت هو مجاز لأن ~~أكثر الأمور الحاصلة عقب غيرها PageV01P510 يكون ms0540 موجب التعقيب فيها هو ~~السببية ولو عرفا ولو ادعاء فليس خروج الفاء عن الترتب هو المجاز بل الأمر ~~بالعكس . # ومما يدل على أن حقيقة الفاء العاطفة هو الترتيب والتعقيب فقط أن بعض ~~البيانيين جعلوا قوله تعالى : { فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا } ( القصص ~~: 8 ) اللام فيه مستعارة لمعنى فاء التعقيب أي فكان لهم عدوا فجعلوا الفاء ~~حقيقة في التعقيب ولو كانت للترتيب لساوت اللام فلم تستقم الاستعارة فيكون ~~الوجه الحامل للزمخشري على تقدير المحذوف مقترنا بالفاء هو أنه رأى عطف ~~الظلم على { وظللنا عليكم الغمام } وما بعده بالواو ولا يحسن لعدم الجهة ~~الجامعة بين الامتنان والذم والمناسبة شرط في قبول الوصل بالواو بخلاف ~~العطف بالفاء ، فتعين إما تقدير ظلموا مستأنفا بدون عطف وظاهر أنه ليس ~~هنالك معنى على الاستئناف وإما ربط ظلموا بعاطف سوى الواو وليس يصلح هنا ~~غير الفاء لأن المعطوف حصل عقب المعطوف عليه فكان ذلك التعاقب في الخارج ~~مغنيا عن الجهة الجامعة ولذلك كانت الفاء لا تستدعي قوة مناسبة كمناسبة ~~الواو ولكن مناسبة في الخيال فقط وقد وجدت هنا لأن كون المعطوف حصل في ~~الخارج عقب المعطوف عليه مما يجعله حاضرا في خيال الذي يتكلم عن المعطوف ~~عليه ، وأما قبح نحو قولك جاء زيد فصاح الديك فلقلة جدوى هذا الخبر ألا ~~تراه يصير حسنا لو أردت بقولك فصاح الديك معنى التوقيت بالفجر فبهذا ظهر ~~أنه لم يكن طريق لربط الظلم المقدر بالفعلين قبله إلا الفاء . 6 # وفي ذلك الإخبار والربط والتصدي لبيانه مع غرابة هذا التعقيب تعريض ~~بمذمتهم إذ قابلوا الإحسان بالكفران وفيه تعريض بغباوتهم إذ صدفوا عن الشكر ~~كأنهم ينكون بالمنعم وهم إنما يوقعون النكاية بأنفسهم ، هذا تفصيل ما يقال ~~على تقدير صاحب ( الكشاف ) . # والذي يظهر لي أن لا حاجة إلى التقدير وأن جملة { وما ظلمونا } عطف على ~~ما قبلها لأنها مثلها في أنها من أحوال بني إسرائيل ومثار ذكر هذه الجملة ~~هو ما تضمنته بعض الجمل التي سبقت من أن ظلما قد حصل منهم من ms0541 قوله : { ثم ~~اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون } ( البقرة : 51 ) وقوله : { إنكم ظلمتم ~~أنفسكم باتخاذكم العجل } ( البقرة : 54 ) وما تضمنه قوله : { فأخذتكم ~~الصاعقة وأنتم تنظرون } ( البقرة : 55 ) الدال على أن ذلك عذاب جروه إلى ~~أنفسهم فأتى بهذه الجملة كالفذلكة لما تضمنته الجمل السابقة نظير قوله : { ~~وما يخادعون إلا أنفسهم } ( البقرة : 9 ) عقب قوله : { يخادعون الله والذين ~~آمنوا } ( البقرة : 9 ) ونظير قوله : { وظلموا أنفسهم } ( سبأ : 19 ) بعد ~~الكلام السابق وهو قوله : { وجعلنا بينهم وبين PageV01P511 القرى التي ~~باركنا فيها قرى ظاهرة } ( سبأ : 18 ) الآية . # وغير الأسلوب في هذه الجملة إذ انتقل من خطاب بني إسرائيل إلى الحديث ~~عنهم بضمير الغيبة لقصد الاتعاظ بحالهم وتعريضا بأنهم متمادون على غيهم ~~وليسوا مستفيقين من ضلالهم فهم بحيث لا يقرون بأنهم ظلموا أنفسهم . وهذا ~~الظلم الذي قدر في نظم الآية هو ضجرهم من مداومة أكل المن والسلوى الذي ~~سيأتي ذكره بقوله تعالى : { وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد } ( ~~البقرة : 61 ) الآية فكان قوله : { وما ظلمونا } تمهيدا له وتعجيلا بتسجيل ~~قلة شكرهم على نعم الله وعنايته بهم إذ كانت شكيمتهم لم تلينها الزواجر ولا ~~المكارم . # وقوله : { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } قدم فيه المفعول للقصر وقد حصل ~~القصر أولا بمجرد الجمع بين النفي والإثبات ثم أكد بالتقديم لأن حالهم كحال ~~من ينكي غيره كما قيل : يفعل الجاهل بنفسه ما يفعل العدو بعدوه . # # | 2 ( 58 ، 59 ) { وإذ قلنا ادخلوا هاذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا ~~وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين * فبدل ~~الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السمآء ~~بما كانوا يفسقون } . ) 2 # هذا تذكير بنعمة أخرى مكنوا منها فما أحسنوا قبولها ولا رعوها حق رعايتها ~~فحرموا منها إلى حين وعوقب الذين كانوا السبب في عدم قبولها . وفي التذكير ~~بهذه النعمة امتنان عليهم ببذل النعمة لهم لأن النعمة نعمة وإن لم يقبلها ~~المنعم عليه ، وإثارة لحسرتهم على ما فات أسلافهم وما لقوه من جراء ms0542 إعجابهم ~~بآرائهم ، وموعظة لهم أن لا يقعوا فيما وقع فيه الأولون فقد علموا أنهم ~~كلما صدفوا عن قدر حق النعم نالتهم المصائب . قال الشيخ ابن عطاء الله : من ~~لم يشكر النعم فقد تعرض لزوالها ، ومن شكرها فقد قيدها بعقالها . # ولعلم المخاطبين بما عنته هذه الآية اختصر فيها الكلام اختصارا ترك كثيرا ~~من المفسرين فيها حيارى ، فسلكوا طرائق في انتزاع تفصيل المعنى من مجملها ~~فما أتوا على شيء مقنع ، وكنت تجد أقوالهم هنا إذا التأم PageV01P512 بعضها ~~بنظم الآية لا يلتئم بعضه الآخر ، وربما خالف جميعها ما وقع في أيام أخر . # والذي عندي من القول في تفسير هاته الآية أنها أشارت إلى قصة معلومة ~~تضمنتها كتبهم وهي أن بني إسرائيل لما طوحت بهم الرحلة إلى برية فاران ~~نزلوا بمدينة قادش فأصبحوا على حدود أرض كنعان التي هي الأرض المقدسة التي ~~وعدها الله بني إسرائيل وذلك في أثناء السنة الثانية بعد خروجهم من مصر ~~فأرسل موسى اثني عشر رجلا ليتجسسوا أرض كنعان من كل سبط رجل وفيهم يوشع بن ~~نون وكالب بن بفنة فصعدوا وأتوا إلى مدينة حبرون فوجدوا الأرض ذات خيرات ~~وقطعوا من عنبها ورمانها وتينها ورجعوا لقومهم بعد أربعين يوما وأخبروا ~~موسى وهارون وجميع بني إسرائيل وأروهم ثمر الأرض وأخبروهم أنها حقا تفيض ~~لبنا وعسلا غير أن أهلها ذوو عزة ومدنها حصينة جدا فأمر موسى كالبا فأنصت ~~إسرائيل إلى موسى وقال إننا نصعد ونمتلكها وكذلك يوشع أما العشرة الآخرون ~~فأشاعوا في بني إسرائيل مذمة الأرض وأنها تأكل سكانها وأن سكانها جبابرة ~~فخافت بنو إسرائيل من سكان الأرض وجبنوا عن القتال فقام فيهم يوشع وكالب ~~قائلين لا تخافوا من العدو فإنهم لقمة لنا والله معنا ، فلم يصغ القوم لهم ~~وأوحى الله لموسى أن بني إسرائيل أساءوا الظن بربهم وأنه مهلكهم فاستشفع ~~لهم موسى فعفا الله عنهم ولكنه حرمهم من الدخول إلى الأرض المقدسة أربعين ~~سنة يتيهون فلا يدخل لها أحد من الحاضرين يومئذ إلا يوشعا وكالبا وأرسل ~~الله على الجواسيس العشرة المثبطين ms0543 وباء أهلكهم . # فهذه الآية تنطبق على هذه القصة تمام الانطباق لا سيما إذا ضمت لها آية ~~سورة ( المائدة : 21 ، 25 ) { يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله ~~لكم إلى قوله الفاسقين فقوله : ادخلوا هذه القرية } الظاهر أنه أراد بها ( ~~حبرون ) التي كانت قريبة منهم والتي ذهب إليها جواسيسهم وأتوا بثمارها ، ~~وقيل : أراد من القرية الجهة كلها قاله القرطبي عن عمرو بن شبة فإن القرية ~~تطلق على المزرعة لكن هذا يبعده قوله : { وادخلوا الباب } وإن كان الباب ~~يطلق على المدخل بين الجبلين وكيفما كان ينتظم PageV01P513 ذلك مع قوله : { ~~فكلوا منها حيث شئم رغدا } يشير إلى الثمار الكثيرة هناك . وقوله : { فبدل ~~الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم } يتعين أنه إشارة إلى ما أشاعه ~~الجواسيس العشرة من مذمة الأرض وصعوبتها وأنهم لم يقولوا مثل ما قال موسى ~~حيث استنصت الشعب بلسان كالب بن بفنة ويوشع ويدل لذلك قوله تعالى في سورة ~~الأعراف ( 162 ) { فبدل الذين ظلموا منهم قولا أي من الذين قيل لهم ادخلوا ~~القرية وأن الرجز الذي أصاب الذين ظلموا هو الوباء الذي أصاب العشرة ~~الجواسيس ، وينتظم ذلك أيضا مع قوله في آية المائدة ( 21 ، 22 ) ولا ترتدوا ~~على أدباركم فتنقلبوا خاسرين قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين إلخ وقوله ~~: قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب } ( ~~المائدة : 23 ) فإن الباب يناسب القرية . وقوله : { قال فإنها محرمة عليهم ~~} ( المائدة : 26 ) . فهذا هو التفسير الصحيح المنطبق على التاريخ الصريح . # فقوله : { وإذ قلنا } أي على لسان موسى فبلغه للقوم بواسطة استنصات كالب ~~بن بفنة ، وهذاهو الذي يوافق ما في سورة العقود في قوله تعالى : { يا قوم ~~ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم } الآيات . وعلى هذا الوجه فقوله : ~~{ ادخلوا } إما أمر بدخول قرية قريبة منهم وهي ( حبرون ) لتكون مركزا أولا ~~لهم ، والأمر بالدخول أمر بما يتوقف الدخول عليه أعني القتال كما دلت عليه ~~آية المائدة إذ قال : { ادخلوا الأرض المقدسة } إلى قوله { ولا ترتدوا على ~~أدباركم } فإن ms0544 الارتداد على الأدبار من الألفاظ المتعارفة في الحروب كما ~~قال تعالى : { فلا تولوهم الأدبار } ( الأنفال : 15 ) . ولعل في الإشارة ~~بكلمة { هذه } المفيدة للقرب ما يرجح أن القرية هي حبرون التي طلع إليها ~~جواسيسهم . # والقرية بفتح القاف لا غير على الأصح البلدة المشتملة على المساكن ~~المبنية من حجارة وهي مشتقة من القري بفتح فسكون وبالياء وهو الجمع يقال : ~~قرى الشيء يقريه إذا جمعه وهي تطلق على البلدة الصغيرة وعلى المدينة ~~الكبيرة ذات الأسوار والأبواب كما أريد بها هنا بدليل قوله : { وادخلوا ~~الباب سجدا } . وجمع القرية قرى بضم القاف على غير قياس لأن قياس فعل أن ~~يكون جمعا لفعلة بكسر الفاء مثل كسوة وكسى وقياس جمع قرية أن يكون على قراء ~~بكسر القاف وبالمد كما قالوا : ركوة وركاء وشكوة وشكاء . # وقوله : { وادخلوا الباب سجدا } مراد به باب القرية لأن أل متعينة ~~للعوضية عن PageV01P514 المضاف إليه الدال عليه اللفظ المتقدم . ومعنى ~~السجود عند الدخول الانحناء شكرا لله تعالى لا لأن بابها قصير كما قيل ، إذ ~~لا جدوى له . والظاهر أن المقصود من السجود مطلق الانحناء لإظهار العجز ~~والضعف كيلا يفطن لهم أهل القرية وهذا من أحوال الجوسسة ، ولم تتعرض لها ~~التوراة ويبعد أن يكون السجود المأمور به سجود الشكر لأنهم داخلون متجسسين ~~لا فاتحين وقد جاء في الحديث الصحيح أنهم بدلوا وصية موسى فدخلوا يزحفون ~~على استاهم كأنهم أرادوا إظهار الزمانة فأفرطوا في التصنع بحيث يكاد أن ~~يفتضح أمرهم لأن بعض التصنع لا يستطاع استمراره . # وقوله : { وقولوا حطة } الحطة فعلة من الحط وهو الخفض وأصل الصيغة أن تدل ~~على الهيئة ولكنها هنا مراد بها مطلق المصدر ، والظاهر أن هذا القول كان ~~معروفا في ذلك المكان للدلالة على العجز أو هو من أقوال السؤال والشحاذين ~~كيلا يحسب لهم أهل القرية حسابا ولا يأخذوا حذرا منهم فيكون القول الذي ~~أمروا به قولا يخاطبون به أهل القرية . # وقيل : المراد من الحطة سؤال غفران الذنوب أي حط عنا ذنوبنا أي اسألوا ~~الله غفران ذنوبكم إن دخلتم القرية ms0545 . وقيل : من الحط بمعنى حط الرحال أي ~~إقامة أي ادخلوا قائلين إنكم ناوون الإقامة بها إذ الحرب ودخول ديار العدو ~~يكون فتحا ويكون صلحا ويكون للغنيمة ثم الإياب . وهذان التأويلان بعيدان ~~ولأن القراءة بالرفع وهي المشهورة تنافي القول بأنها طلب المغفرة لأن ~~المصدر المراد به الدعاء لا يرتفع على معنى الإخبار نحو سقيا ورعيا وإنما ~~يرتفع إذا قصد به المدح أو التعجب لقربهما من الخبر دون الدعاء ولا يستعمل ~~الخبر في الدعاء إلا بصيغة الفعل نحو رحمه الله ويرحمه الله . # و ( حطة ) بالرفع على أنه مبتدأ أو خبر نحو سمع وطاعة وصبر جميل . # والخطايا جمع خطيئة ولامها مهموزة فقياس جمعها خطائيء بهمزتين بوزن فعائل ~~فلما اجتمعت الهمزتان قلبت الثانية ياء لأن قبلها كسرة أو لأن في الهمزتين ~~ثقلا فخففوا الأخيرة منهما ياء ثم قلبوها ألفا إما لاجتماع ثقل الياء مع ~~ثقل صيغة الجمع وإما لأنه لما أشبه جائي استحق التخفيف ولكنهم لم يعاملوه ~~معاملة جائي لأن همزة جائي زائدة وهمزة خطائيء أصلية ففروا بتخفيفه إلى قلب ~~الياء ألفا كما فعلوا في يتامى ووجدوا له في الأسماء الصحيحة نظيرا وهو ~~طهارى جمع طاهرة . والخطيئة فعيلة بمعنى مفعولة لأنها مخطوء بها أي مسلوك ~~بها PageV01P515 مسلك الخطأ أشاروا إلى أنها فعل يحق أن لا يقع فيه فاعله ~~إلا خطأ فهي الذنب والمعصية . # وقوله : { وسنزيد المحسنين } وعد بالزيادة من خيري الدنيا والآخرة ولذلك ~~حذف مفعول ( نزيد ) . والواو عاطفة جملة { سنزيد } على جملة { قلنا ادخلوا ~~} أي وقلنا سنزيد المحسنين ؛ لأن جملة { سنزيد حكيت في سورة الأعراف ( 161 ~~) مستأنفة فعلم أنها تعبر عن نظير لها في الكلام الذي خاطب الله به موسى ~~على معنى الترقي في التفضل فلما حكيت هنا عطفت عطف القول على القول . # وقوله : فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم } أي بدل العشرة القول ~~الذي أمر موسى بإعلانه في القوم وهو الترغيب في دخول القرية وتهوين العدو ~~عليهم فقالوا لهم : لا تستطيعون قتالهم وثبطوهم ولذلك عوقبوا فأنزل عليهم ~~رجز من السماء وهو ms0546 الطاعون . وإنما جعل من السماء لأنه لم يكن له سبب أرضي ~~من عدوى أو نحوها فعلم أنه رمتهم به الملائكة من السماء بأن ألقيت عناصره ~~وجراثيمه عليهم فأصيبوا به دون غيرهم . ولأجل هذا خص التبديل بفريق معروف ~~عندهم فعبر عنه بطريق الموصولية لعلم المخاطبين به وبتلك الصلة فدل على أن ~~التبديل ليس من فعل جميع القوم أو معظمهم لأن الآية تذكير لليهود بما هو ~~معلوم لهم من حوادثهم . # وإنما جاء بالظاهر في موضع المضمر في قوله : { فأنزلنا على الذين ظلموا ~~رجزا } ولم يقل عليهم لئلا يتوهم أن الرجز عم جميع بني إسرائيل وبذلك تنطبق ~~الآية على ما ذكرته التوراة تمام الانطباق . # وتبديل القول تبديل جميع ما قاله الله لهم وما حدثهم الناس عن حال القرية ~~، وللإشارة إلى جميع هذا بني فعل { قيل } إلى المجهول إيجازا . فقولا مفعول ~~أو لبدل ، و { غير الذي قيل } مفعول ثان لأن ( بدل ) يتعدى إلى مفعولين من ~~باب كسى أي مما دل على عكس معنى كسى مثل سلبه ثوبه . قال أبو الشيص : # بدلت من برد الشباب ملاءة # خلقا وبئس مثوبة المقتاض # وفائدة إظهار لفظ القول دون أن يقال فبدلوه لدفع توهم أنهم بدلوا لفظ حطة ~~خاصة وامتثلوا ما عدا ذلك لأنه لو كان كذلك لكان الأمر هينا . PageV01P516 ~~وقد ورد في الحديث عن أبي هريرة أن القول الذي بدلوا به أنهم قالوا : حبة ~~في شعرة أو في شعيرة ، والظاهر أن المراد به أن العشرة استهزؤا بالكلام ~~الذي أعلنه موسى عليه السلام في الترغيب في فتح الأرض وكنوا عن ذلك بأن ~~محاولتهم فتح الأرض كمحاولة ربط حبة بشعرة أي في التعذر ، أو هو كأكل حبة ~~مع شعرة تخنق آكلها ، أو حبة من بر مع شعيرة . # وقوله : { فبدل الذين ظلموا } وقوله : { فأنزلنا على الذين ظلموا } اعتنى ~~فيهما بالإظهار في موضع الإضمار ليعلم أن الرجز خص الذين بدلوا القول وهم ~~العشرة الذين أشاعوا مذمة الأرض لأنهم كانوا السبب في شقاء أمة كاملة . وفي ~~هذا موعظة وذكرى لكل من ينصب نفسه ms0547 لإرشاد قوم ليكون على بصيرة بما يأتي ~~ويذر وعلم بعواقب الأمور فمن البر ما يكون عقوقا ، وفي المثل ( على أهلها ~~تجني براقش ) وهي اسم كلبة قوم كانت تحرسهم بالليل فدل نبحها أعداءهم عليهم ~~فاستأصلوهم فضربت مثلا . # # | 2 ( 60 ) { وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه ~~اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا ~~فى الارض مفسدين } . ) 2 # تذكير بنعمة أخرى جمعت ثلاث نعم وهي الري من العطش ، وتلك نعمة كبرى أشد ~~من نعمة إعطاء الطعام ولذلك شاع التمثيل بري الظمآن في حصول المطلوب . وكون ~~السقي في مظنة عدم تحصيله وتلك معجزة لموسى وكرامة لأمته لأن في ذلك فضلا ~~لهم . وكون العيون اثنتي عشرة ليستقل كل سبط بمشرب فلا يتدافعوا . # وقوله : { وإذ } متعلق ب { اذكروا } وقد أشارت الآية إلى حادثة معروفة ~~عند اليهود وذلك أنهم لما نزلوا في ( رفيديم ) قبل الوصول إلى برية سينا ~~وبعد خروجهم من برية سين في حدود الشهر الثالث من الخروج عطشوا ولم يكن ~~بالموضع ماء فتذمروا على موسى وقالوا أتصعدنا من مصر لنموت وأولادنا ~~ومواشينا عطشا فدعا موسى ربه فأمره الله أن يضرب بعصاه صخرة هناك في ( ~~حوريب ) فضرب فانفجر منها الماء . ولم تذكر التوراة أن العيون اثنتا عشرة ~~عينا وذلك التقسيم من الرفق بهم لئلا يتزاحموا مع كثرتهم فيهلكوا فهذا مما ~~بينه الله في القرآن . PageV01P517 # فقوله : { استسقى موسى } صريح في أن طالب السقي هو موسى وحده ، سأله من ~~الله تعالى ولم يشاركه قومه في الدعاء لتظهر كرامته وحده ، كذلك كان ~~استسقاء النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة على المنبر لما قال له ~~الأعرابي ( هلك الزرع والضرع فادع الله أن يسقينا ) والحديث في ( الصحيحين ~~) . # وقوله : { لقومه } مؤذن بأن موسى لم يصبه العطش وذلك لأنه خرج في تلك ~~الرحلة موقنا أن الله حافظهم ومبلغهم إلى الأرض المقدسة فلذلك وقاه الله أن ~~يصيبه جوع أو عطش وكلل وكذلك شأن الأنبياء فقد قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم ms0548 في حديث وصال الصوم : ( إني لست كهيئتكم إني أبيت عند ربي يطعمني ~~ويسقيني ) . # قال ابن عرفة في ( تفسيره ) أخذ المازري من هذه الآية جواز استسقاء ~~المخصب للمجدب لأن موسى عليه السلام لم ينله ما نالهم من العطش ورده ابن ~~عرفة بأنه رسولهم وهو معهم اه . وهو رد متمكن إذ ليس المراد باستسقاء ~~المخصب للمجدب الأشخاص وإنما المراد استسقاء أهل بلد لم ينلهم الجدب لأهل ~~بلد مجدبين والمسألة التي أشار إليها المازري مختلف فيها عندنا واختار ~~اللخمي جواز استسقاء المخصب للمجدب لأنه من التعاون على البر ولأن دعوة ~~المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة وقال المازري فيه نظر لأن السلف لم يفعلوه ~~. # وعصا موسى هي التي ألقاها في مجلس فرعون فتلقفت ثعابين السحرة وهي التي ~~كانت في يد موسى حين كلمه الله في برية سينا قبل دخوله مصر وقد رويت في ~~شأنها أخبار لا يصح منها شيء فقيل إنها كانت من شجر آس الجنة أهبطها آدم ~~معه فورثها موسى ولو كان هذا صحيحا لعده موسى في أوصافها حين قال : { هي ~~عصاي } ( طه : 18 ) إلخ فإنه أكبر أوصافها . # والعصا بالقصر أبدا ومن قال عصاه بالهاء فقد لحن ، وعن الفراء أن أول لحن ~~ظهر بالعراق قولهم عصاتي . # و ( أل ) في ( الحجر ) لتعريف الجنس أي اضرب أي حجر شئت ، أو للعهد مشيرا ~~إلى حجر عرفه موسى بوحي من الله وهوحجر صخر في جبل حوريب الذي كلم الله منه ~~موسى كما ورد في سفر الخروج وقد وردت فيه أخبار ضعيفة . # والفاء في قوله : { فانفجرت } قالوا هي فاء الفصيحة ومعنى فاء الفصيحة ~~أنها الفاء العاطفة إذ لم يصلح المذكور بعدها لأن يكون معطوفا على المذكور ~~قبلها فيتعين تقدير معطوف PageV01P518 آخر بينهما يكون ما بعد الفاء معطوفا ~~عليه وهذه طريقة السكاكي فيها وهي المثلى . وقيل : إنها التي تدل على محذوف ~~قبلها فإن كان شرطا فالفاء فاء الجواب وإن كان مفردا فالفاء عاطفة ويشملها ~~اسم فاء الفصيحة وهذه طريقة الجمهور على الوجهين فتسميتها بالفصيحة لأنها ~~أفصحت عن محذوف ، والتقدير ms0549 في مثل هذا فضرب فانفجرت وفي مثل قول عباس بن ~~الأحنف : # قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا # ثم القفول فقد جئنا خراسانا # أي إن كان القفول بعد الوصول إلى خراسان فقد جئنا خراسان أي فلنقفل فقد ~~جئنا . # وعندي أن الفاء لا تعد فاء فصيحة إلا إذا لم يستقم عطف ما بعدها على ما ~~قبلها فإذا استقام فهي الفاء العاطفة والحذف إيجاز وتقدير المحذوف لبيان ~~المعنى وذلك لأن الانفجار مترتب على قوله تعالى لموسى : { اضرب بعصاك الحجر ~~} لظهور أن موسى ليس ممن يشك في امتثاله بل ولظهور أن كل سائل أمرا إذا قيل ~~له افعل كذا أن يعلم أن ما أمر به هو الذي فيه جوابه كما يقول لك التلميذ ~~ما حكم كذا ؟ فتقول افتح كتاب ( الرسالة ) في باب كذا ، ومنه قوله تعالى ~~الآتي : { اهبطوا مصرا } ( البقرة : 61 ) وأماتقدير الشرط هنا أي فإن ضربت ~~فقد انفجرت إلخ فغير بين ، ومن العجب ذكره في ( الكشاف ) . # وقوله : { قد علم كل أناس مشربهم } قال العكبري وأبو حيان : إنه استئناف ~~، وهما يريدان الاستئناف البياني ولذلك فصل ، كأن سائلا سأل عن سبب انقسام ~~الانفجار إلى اثنتي عشرة عينا فقيل قد علم كل سبط مشربهم ، والأظهر عندي ~~أنه حال جردت عن الواو لأنه خطاب لمن يعقلون القصة فلا معنى لتقدير سؤال . ~~والمراد بالأناس كل ناس سبط من الأسباط . # وقوله : { كلوا واشربوا من رزق الله } مقول قول محذوف . وقد جمع بين ~~الأكل والشرب وإن كان الحديث على السقي لأنه قد تقدمه إنزال المن والسلوى ، ~~وقيل هنالك : { كلوا من طيبات ما رزقناكم } ( البقرة : 57 ) فلما شفع ذلك ~~بالماء اجتمع المنتان . # وقوله : { ولا تعثوا في الأرض مفسدين } من جملة ما قيل لهم ووجه النهي ~~عنه أن النعمة قد تنسي العبد حاجته إلى الخالق فيهجر الشريعة فيقع في ~~الفساد قال تعالى : { كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى } ( العلق : 6 ، ~~7 ) . # { ولا تعثوا } مضارع عثي كرضي ، وهذه لغة أهل الحجاز وهي PageV01P519 ~~الفصحى فقوله : { ولا تعثوا } بوزن لا ترضوا ومصدره عند أهل ms0550 اللغة يقتضي أن ~~يكون بوزن رضي ولم أر من صرح به وذكر له في ( اللسان ) مصادر العثي والعثي ~~بضم العين وكسرها مع كسر الثاء فيهما وتشديد الياء فيهما ، والعثيان ~~بفتحتين وفي لغة غير أهل الحجاز عثا يعثو مثل سما يسمو ولم يقرأ أحد من ~~القراء : { ولا تعثوا } بضم الثاء . # وهو أشد الفساد وقيل : هو الفساد مطلقا وعلى الوجهين يكون { مفسدين } ~~حالا مؤكدة لعاملها . وفي ( الكشاف ) جعل معنى { لا تعثوا } لا تتمادوا في ~~فسادكم فجعل المنهي عنه هو الدوام على الفعل وكأنه يأبى صحة الحال المؤكدة ~~للجملة الفعلية فحاول المغايرة بين { لا تعثوا } وبين { مفسدين } تجنبا ~~للتأكيد وذلك هو مذهب الجمهور لكن كثيرا من المحققين خالف ذلك ، واختار ابن ~~مالك التفصيل فإن كان معنى الحال هومعنى العامل جعلها شبيهة بالمؤكدة ~~لصاحبها كما هنا وخص المؤكدة لمضمون الجملة الواقعة بعد الاسمية نحو زيد ~~أبوك عطوفا وقول سالم بن دارة اليربوعي : # أنا ابن دارة معروفا بها نسبي # وهل بدارة يا للناس من عار # # | 2 ( 61 ) { وإذ قلتم ياموسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج ~~لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثآئها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون ~~الذى هو أدنى بالذى هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة ~~والمسكنة وبآءوا بغضب من الله ذالك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون ~~النبيين بغير الحق ذالك بما عصوا وكانوا يعتدون } . ) 2 # # { وإذ قلتم ياموسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت ~~الأرض من بقلها وقثآئها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذى هو أدنى ~~بالذى هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة ~~وبآءوا بغضب من الله ذالك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين ~~بغير الحق ذالك بما عصوا وكانوا يعتدون } # هي معطوفة على الجمل قبلها بأسلوب واحد ، وإسناد القول إلى ضمير ~~المخاطبين جار على ما تقدم في نظائره وما تضمنته الجمل قبلها هو من تعداد ~~النعم عليهم محضة أو ms0551 مخلوطة بسوء شكرهم وبترتب النعمة على ذلك الصنيع ~~بالعفو ونحوه كما تقدم ، فالظاهر أن يكون مضمون هذه الجملة نعمة أيضا . # وللمفسرين حيرة في الإشارة إليها فيؤخذ من كلام الفخر أن قوله تعالى : { ~~اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم } هو كالإجابة لما طلبوه يعني والإجابة إنعام ~~ولو كان معلقا على دخول قرية من القرى ، ولا يخفى أنه بعيدجدا لأن إعطاءهم ~~ما سألوه لم يثبت وقوعه . ويؤخذ من كلام المفسرين الذي صدر الفخر بنقله ~~ووجهه عبد الحكيم أن سؤالهم تعويض المن والسلوى بالبقل ونحوه معصية لما فيه ~~من كراهة النعمة التي أنعم الله بها عليهم إذ عبروا عن PageV01P520 تناولها ~~بالصبر والصبر هو حمل النفس على الأمر المكروه ويدل لذلك أنه أنكر عليهم ~~بقوله : { أتستبدلون الذي هو أدنى } فيكون محل النعمة هو الصفح عن هذا ~~الذنب والتنازع معهم إلى الإجابة بقوله : { اهبطوا } ولا يخفى أن هذا بعيد ~~إذ ليس في قوله { اهبطوا } إنعام عليهم ولا في سؤالهم ما يدل على أنهم عصوا ~~لأن طلب الانتقال من نعمة لغيرها لغرض معروف لا يعد معصية كما بينه الفخر . # فالذي عندي في تفسير الآية أنها انتقال من تعداد النعم المعقبة بنعم أخرى ~~إلى بيان سوى اختيارهم في شهواتهم والاختيار دليل عقل اللبيب ، وإن كان ~~يختار مباحا ، مع ما في صيغة طلبهم من الجفاء وقلة الأدب مع الرسول ومع ~~المنعم إذ قالوا : { لن نصبر } فعبروا عن تناول المن والسلوى بالصبر ~~المستلزم الكراهية وأتوا بما دل عليه ( لن ) في حكاية كلامهم من أنهم لا ~~يتناولون المن والسلوى من الآن فإن ( لن ) تدل على استغراق النفي لأزمنة ~~فعل { نصبر } من أولها إلى آخرها وهو معنى التأبيد وفي ذلك إلجاء لموسى أن ~~يبادر بالسؤال يظنون أنهم أيأسوه من قبول المن والسلوى بعد ذلك الحين فكان ~~جواب الله لهم في هذه الطلبة أن قطع عنايته بهم وأهملهم ووكلهم إلى نفوسهم ~~ولم يرهم ما عودهم من إنزال الطعام وتفجير العيون بعد فلق البحر وتظليل ~~الغمام بل قال لهم : { اهبطوا مصرا } فأمرهم بالسعي ms0552 لأنفسهم وكفى بذلك ~~تأديبا وتوبيخا . # قال الشيخ ابن عطاء الله رحمه الله : من جهل المريد أن يسيء الأدب فتؤخر ~~العقوبة عنه فيقول لو كان في هذا إساءة لعوقبت فقد يقطع المدد عنه من حيث ~~لا يشعر ولو لم يكن إلا منع المزيد ، وقد يقام مقام البعد من حيث لا يدري ، ~~ولو لم يكن إلا أن يخليك وما تريد ، والمقصد من هذا أن ينتقل من تعداد ~~النعم إلى بيان تلقيهم لها بالاستخفاف لينتقل من ذلك إلى ذكر انقلاب ~~أحوالهم وأسباب خذلانهم وليس شيء من ذلك بمقتضى كون السؤال معصية فإن ~~العقوبات الدنيوية وحرمان الفضائل ليست من آثار خطاب التكليف ولكنها من ~~أشباه خطاب الوضع ترجع إلى ترتب المسببات على أسبابها وذلك من نواميس نظام ~~العالم وإنما الذي يدل على كون المجزي عليه معصية هو العقاب الأخروي وبهذا ~~زالت الحيرة واندفع كل إشكال وانتظم سلك الكلام . # وقد أشارت الآية إلى قصة ذكرتها التوراة مجملة منتثرة وهي أنهم لما ~~ارتحلوا من برية سينا من ( حوريب ) ونزلوا في برية ( فاران ) في آخر الشهر ~~الثاني من السنة الثانية من الخروج سائرين إلى جهات ( حبرون ) فقالوا : ~~تذكرنا السمك الذي كنا نأكله في مصر PageV01P521 مجانا ( أي يصطادونه ~~بأنفسهم ) والقثاء والبطيخ والكراث والبصل والثوم وقد يبست نفوسنا فلا ترى ~~إلا هذا المن فبكوا فغضب الله عليهم وسأله موسى العفو فعفا عنهم وأرسل ~~عليهم السلوى فادخروا منها طعام شهر كامل . # والتعبير بلن المفيدة لتأبيد النفي في اللغة العربية لأداء معنى كلامهم ~~المحكي هنا في شدة الضجر وبلوغ الكراهية منهم حدها الذي لا طاقة عنده ، فإن ~~التأبيد يفيد استغراق النفي في جميع أجزاء الأبد أولها وآخرها فلن في نفي ~~الأفعال مثل لا التبرئة في نفي النكرات . # ووصفوا الطعام بواحد وإن كان هو شيئين المن والسلوى لأن المراد أنه متكرر ~~كل يوم . # وجملة { يخرج لنا } إلى آخرها هي مضمون ما طلبوا منه أن يدعو به فهي في ~~معنى مقول قول محذوف كأنه قيل قل لربك يخرج لنا ومقتضى الظاهر أن يقال ms0553 أن ~~يخرج لنا فعدل عن ذلك إلى الإتيان بفعل مجزوم في صورة جواب طلبهم إيماء إلى ~~أنهم واثقون بأنه إن دعا ربه أجابه حتى كأن إخراج ما تنبت الأرض يحصل بمجرد ~~دعاء موسى ربه ، وهذا أسلوب تكرر في القرآن مثل قوله : { قل لعبادي الذين ~~آمنوا يقيموا الصلاة } ( إبراهيم : 31 ) . و { قل لعبادي يقولوا التي هي ~~أحسن } ( الإسراء : 53 ) وهوكثير فهو بمنزلة شرط وجزاء كأن قيل إن تدع ربك ~~بأن يخرج لنا يخرج لنا ، وهذا بتنزيل سبب السبب منزلة السبب فجزم الفعل ~~المطلوب في جواب الأمر بطلبه لله للدلالة على تحقق وقوعه لثقتهم بإجابة ~~الله تعالى دعوة موسى ، وفيه تحريض على إيجاد ما علق عليه الجواب كأنه أمر ~~في مكنته فإذا لم يفعل فقد شح عليهم بما فيه نفعهم . # والإخراج : الإبراز من الأرض ، و ( من ) الأولى تبعيضية والثانية بيانية ~~أو الثانية أيضا تبعيضية لأنهم لا يطلبون جميع البقل بل بعضه ، وفيه تسهيل ~~على المسؤول ويكون قوله : { من بقلها } حالا من ( ما ) أو هو بدل من ( ما ~~تنبت ) بإعادة حرف الجر ، وعن الحسن : كانوا قوما فلاحة فنزعوا إلى عكرهم . # وقد اختلف في الفوم فقيل : هو الثوم بالمثلثة وإبدال الثاء فاء شائع في ~~كلام العرب كما قالوا : جدث وجدف وثلغ وفلغ ، وهذا هو الأظهر والموافق لما ~~عد معه ولما في التوراة . وقيل الفوم الحنطة وأنشد الزجاج لأحيحة بن الجلاح ~~: # قد كنت أغنى الناس شخصا واحدا # ورد المدينة من مزارع فوم PageV01P522 # ( يريد مزارع الحنطة ) وقيل الفوم الحمص بلغة أهل الشام . # وقوله : { قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير } هو من كلام موسى ~~وقيل من كلام الله وهو توبيخ شديد لأنه جرده عن المقنعات وعن الزجر ، ~~واقتصر على الاستفهام المقصود منه التعجب فالتوبيخ . وفي الاستبدال للخير ~~بالأدنى النداء بنهاية حماقتهم وسوء اختيارهم . # وقوله : { أتستبدلون } السين والتاء فيه لتأكيد الحدث وليس للطلب فهو ~~كقوله : { واستغنى الله } ( التغابن : 6 ) وقولهم استجاب بمعنى أجاب ، ~~واستكبر بمعنى تكبر ، ومنه قوله تعالى : { كان شره مستطيرا في سورة الإنسان ~~( 7 ms0554 ) . وفعل استبدل مشتق من البدل بالتحريك مثل شبه ، ويقال بكسر الباء ~~وسكون الدال مثل شبه ويقال بديل مثل شبيه وقد سمع في مشتقاته استبدل وأبدل ~~وبدل وتبدل وكلها أفعال مزيدة ولم يسمع منه فعل مجرد وكأنهم استغنوا بهذه ~~المزيدة عن المجرد ، وظاهر كلام صاحب الكشاف } في سورة النساء ( 2 ) عند ~~قوله تعالى : { ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب أن استبدل هو أصلها وأكثرها وأن ~~تبدل محمول عليه لقوله والتفعل بمعنى الاستفعال غزير ومنه التعجل بمعنى ~~الاستعجال والتأخر بمعنى الاستئخار . # وجميع أفعال مادة البدل تدل على جعل شيء مكان شيء آخر من الذوات أو ~~الصفات أوعن تعويض شيء بشيء آخر من الذوات أو الصفات . # ولما كان هذا معنى الحدث المصوغ منه الفعل اقتضت هذه الأفعال تعدية إلى ~~متعلقين إما على وجه المفعولية فيهما معا مثل تعلق فعل الجعل ، وإما على ~~وجه المفعولية في أحدهما والجر للآخر مثل متعلقي أفعال التعويض كاشترى وهذا ~~هو الاستعمال الكثير ، فإذا تعدى الفعل إلى مفعولين نحو يوم تبدل الأرض غير ~~الأرض } ( إبراهيم : 48 ) كان المفعول الأول هو المزال والثاني هو الذي ~~يخلفه نحو قوله تعالى : { فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات } ( الفرقان : 70 ~~) { يوم تبدل الأرض غير الأرض } وقولهم أبدلت الحلقة خاتما ، وإذ تعدت إلى ~~مفعول واحد وتعدت إلى الآخر بالباء وهو الأكثر فالمنصوب هو المأخوذ ~~والمجرور هو المبذول نحو قوله هنا : { أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير ~~وقوله ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل PageV01P523 سواء السبيل } ( البقرة ~~: 108 ) وقوله في سورة النساء { ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب } ، وقد يجر ~~المعمول الثاني بمن التي هي بمعنى باء البدلية كقول أبي الشيص : # بدلت من مرد الشباب ملاءة # خلقا وبئس مثوبة المقتاض # وقد يعدل عن تعدية الفعل إلى الشيء المعوض ويعدى إلى آخذ العوض فيصير من ~~باب أعطى فينصب مفعولين وينبه على المتروك بما يدل على ذلك من نحو من كذا ، ~~وبعد كذا ، كقوله تعالى : { وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا } ( النور : 55 ) ~~التقدير ليبدلن خوفهم أمنا هذا تحرير طريق استعمال هذه ms0555 الأفعال . # ووقع في ( الكشاف ) عند قوله تعالى : { ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب } ما ~~يقتضي أن فعل بدل له استعمال غير استعمال فعل استبدل وتبدل بأنه إذا عدي ~~إلى المعمول الثاني بالباء كان مدخول الباء هو المأخوذ وكان المنصوب هو ~~المتروك والمعطى فقرره القطب في ( شرحه ) بما ظاهره أن بدل لا يكون في معنى ~~تعديته إلا مخالفا لتبدل واستبدل ، وقرره التفتزاني بأن فيه استعمالين إذا ~~تعدى إلى المعمول الثاني بالباء أحدهما يوافق استعمال تبدل والآخر بعكسه ، ~~والأظهر عندي أن لا فرق بين بدل وتبدل واستبدل وأن كلام ( الكشاف ) مشكل ~~وحسبك أنه لا يوجد في كلام أئمة اللغة ولا في كلامه نفسه في كتاب ( الأساس ~~) . # فالأمر في قوله : { اهبطوا } للإباحة المشوبة بالتوبيخ أي إن كان هذا ~~همكم فاهبطوا بقرينة قوله : { أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير } ~~فالمعنى اهبطوا مصرا من الأمصار يعني وفيه إعراض عن طلبهم إذ ليس حولهم ~~يومئذ بلد قريب يستطيعون وصوله . وقيل : أراد اهبطوا مصر أي بلد مصر بلد ~~القبط أي ارجعوا إلى مصر التي خرجتم منها والأمر لمجرد التوبيخ إذ لا ~~يمكنهم الرجوع إلى مصر . واعلم أن مصر على هذا المعنى يجوز منعه من الصرف ~~على تأويله بالبقعة فيكون فيه العلمية والتأنيث ، ويجوز صرفه على تأويله ~~بالمكان أو لأنه مؤنث ثلاثي ساكن الوسط مثل هند فهو في قراءة ابن مسعود ~~بدون تنوين وأنه في مصحف أبي بن كعب بدون ألف وأنه ثبت بدون ألف في بعض ~~مصاحف عثمان قاله ابن عطية ، وذكر أن أشهب قال قال لي مالك : هي عندي مصر ~~قريتك مسكن فرعون اه . ويكون قول موسى لهم : { اهبطوا مصرا } أمرا قصد منه ~~التهديد على تذكرهم أيام ذلهم وعنائهم وتمنيهم الرجوع لتلك المعيشة ، كأنه ~~يقول لهم ارجعوا إلى ما كنتم فيه إذ لم تقدروا PageV01P524 قدر الفضائل ~~النفسية ونعمة الحرية والاستقلال . وربما كان قوله : { اهبطوا } دون لنهبط ~~مؤذنا بذلك لأنه لا يريد إدخال نفسه في هذا الأمر وهذا يذكر بقول أبي الطيب ~~: # فإن كان أعجبكم عامكم # فعودوا إلى ms0556 حمص في القابل # وقوله : { فإن لكم ما سألتم } الظاهر أن الفاء للتعقيب عطفت جملة { إن ~~لكم ما سألتم } على جملة { اهبطوا } للدلالة على حصول سؤلهم بمجرد هبوطهم ~~مصر أو ليست مفيدة للتعليل إذ ليس الأمر بالهبوط بمحتاج إلى التعليل بمثل ~~مضمون هذه الجملة لظهور المقصود من قوله : { اهبطوا مصرا } ولأنه ليس بمقام ~~ترغيب في هذا الهبوط حتى يشجع المأمور بتعليل الأمر والظاهر أن عدم إرادة ~~التعليل هو الداعي إلى ذكر فاء التعقيب لأنه لو أريد التعليل لكانت إن ~~مغنية غناء الفاء على ما صرح به الشيخ عبد القاهر في ( دلائل الإعجاز ) في ~~الفصل الخامس والفصل الحادي عشر من فصول شتى في النظم إذ يقول : واعلم أن ~~من شأن إن إذا جاءت على هذا الوجه أي الذي في قول بشار : # بكرا صاحبي قبل الهجير # إن ذاك النجاح في التبكير # أن تغني غناء الفاء العاطفة مثلا وأن تفيد من ربط الجملة بما قبلها أمرا ~~عجيبا فأنت ترى الكلام بها مستأنفا غير مستأنف مقطوعا موصولا معا وقال إنك ~~ترى الجملة إذا دخلت إن ترتبط بما قبلها وتأتلف معه حتى كأن الكلامين أفرغا ~~إفراغا واحدا حتى إذا أسقطت إن رأيت الثاني منهما قد نبا عن الأول وتجافى ~~معناه عن معناه حتى تجيء بالفاء فتقول مثلا : # بكرا صاحبي قبل الهجير # إن ذاك النجاح في التبكير # ثم لا ترى الفاء تعيد الجملتين إلى ما كانتا عليه من الألفة وهذا الضرب ~~كثير في التنزيل جدا من ذلك قوله تعالى : { يا أيها الناس اتقوا ربكم إن ~~زلزلة الساعة شيء عظيم } ( الحج : 1 ) وقوله : { يا بني أقم الصلاة } إلى ~~قوله : { إن ذلك من عزم الأمور } ( لقمان : 17 ) وقال : { وصل عليهم إن ~~صلواتك سكن لهم } ( التوبة 103 ) إلخ . فظاهر كلام الشيخ أن وجود إن في ~~الجملة المقصود منها التعليل والربط مغن عن الإتيان بالفاء ، وأن الإتيان ~~بالفاء حينئذ لا يناسب الكلام البليغ إذ هو كالجمع بين العوض والمعوض عنه ~~فإذا وجدنا الفاء مع إن علمنا أن الفاء لمجرد العطف وإن ms0557 لإرادة التعليل ~~والربط بين الجملتين المتعاطفتين بأكثر من معنى التعقيب . ويستخلص من ذلك ~~أن مواقع التعليل هي التي يكون فيها معناه بين مضمون الجملتين كالأمثلة ~~التي ذكرها . PageV01P525 # وجعل أبو حيان في ( البحر المحيط ) جملة { فإن لكم ما سألتم } جوابا ~~للأمر زعم أن الأمر كما يجاب بالفعل يجاب بالجملة الاسمية ولا يخفى أن كلا ~~المعنيين ضعيف ههنا لعدم قصد الترغيب في هذا الهبوط حتى يعلل أو يعلق ، ~~وإنما هو كلام غضب كما تقدم . واقتران الجملة بإن المؤكدة لتنزيلهم منزلة ~~من يشك لبعد عهدهم بما سألوه حتى يشكون هل يجدونه من شدة شوقهم ، والمحب ~~بسوء الظن مغرى . # { وضربت عليهم الذلة والمسكنة وبآءوا بغضب من الله } . # عطف على الجمل المتقدمة بالواو وبدون إعادة إذ ، فأما عطفه فلأن هاته ~~الجملة لها مزيد الارتباط بالجمل قبلها إذ كانت في معنى النتيجة والأثر ~~لمدلول الجمل قبلها من قوله : { وإذ نجيناكم من آل فرعون } ( البقرة : 49 ) ~~فإن مضمون تلك الجمل ذكر ما من الله تعالى به عليهم من نعمة تحريرهم من ~~استعباد القبط إياهم وسوقهم إلى الأرض التي وعدهم فتضمن ذلك نعمتي التحرير ~~والتمكين في الأرض وهو جعل الشجاعة طوع يدهم لو فعلوا فلم يقدروا قدر ذلك ~~وتمنوا العود إلى المعيشة في مصر إذ قالوا { لن نصبر على طعام واحد } كما ~~فصلناه لكم هنالك مما حكته التوراة وتقاعسوا عن دخول القرية وجبنوا عن لقاء ~~العدو كما أشارت له الآية الماضية وفصلته آية المائدة فلا جرم إذ لم يشكروا ~~النعمة ولم يقدروها أن تنتزع منهم ويسلبوها ويعوضوا عنها بضدها وهو الذلة ~~المقابلة للشجاعة إذ لم يثقوا بنصر الله إياهم والمسكنة وهي العبودية فتكون ~~الآية مسوقة مساق المجازاة للكلام السابق فهذا وجه العطف . # وأما كونه بالواو دون الفاء فليكون خبرا مقصودا بذاته وليس متفرعا على ~~قول موسى لهم : { أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير } لأنهم لم يشكروا ~~النعمة فإن شكر النعمة هو إظهار آثارها المقصودة منها كإظهار النصر للحق ~~بنعمة الشجاعة وإغاثة الملهوفين بنعمة الكرم وتثقيف الأذهان بنعمة ms0558 العلم ~~فكل من لم يشكر النعمة فهو جدير بأن تسلب عنه ويعوض بضدها قال تعالى : { ~~فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط ~~وأثل } ( سبأ : 16 ) الآية ، ولو عطف بغير الواو لكان ذكره تبعا لذكر سببه ~~فلم يكن له من الاستقلال ما ينبه البال . PageV01P526 # فالضمير في قوله : { وضربت عليهم . . . وباءوا } إلخ عائدة إلى جميع بني ~~إسرائيل لا إلى خصوص الذين أبوا دخول القرية والذين قالوا : { لن نصبر على ~~طعام واحد } بدليل قوله { ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون ~~النبيئين بغير الحق } فإن الذين قتلوا النبيئين هم أبناء الذين أبوا دخول ~~القرية وقالوا : { لن نصبر } فالإتيان بضمير الغيبة هنا جار على مقتضى ~~الظاهر لأنهم غير المخاطبين فليس هو من الالتفات إذ ليس قوله : { وضربت ~~عليهم الذلة } إلخ من بقية جواب موسى إياهم لما علمت من شموله للمتحدث عنهم ~~الآبين دخول القرية ولغيرهم ممن أتى بعدهم فقد جاء ضمير الغيبة على أصله ، ~~أما شموله للمخاطبين فإنما هو بطريقة التعريض وهو لزوم توارث الأبناء أخلاق ~~الآباء وشمائلهم كما قررناه في وجه الخطابات الماضية من قوله : { وإذ فرقنا ~~بكم البحر } ( البقرة : 50 ) الآيات ويؤيده التعليل الآتي بقوله : { ذلك ~~بأنهم كانوا يكفرون } المشعر بأن كل من اتصف بذلك فهو جدير بأن يثبت له من ~~الحكم مثل ما ثبت للآخر . # والضرب في كلام العرب يرجع إلى معنى التقاء ظاهر جسم بظاهر جسم آخر بشدة ~~، يقال ضرب بعصا وبيده وبالسيف وضرب بيده الأرض إذا ألصقها بها ، وتفرعت عن ~~هذا معان مجازية ترجع إلى شدة اللصوق . فمنه ضرب في الأرض : سار طويلا ، ~~وضرب قبة وبيتا في موضع كذا بمعنى شدها ووثقها من الأرض . قال عبدة بن ~~الطبيب : # إن التي ضربت بيتا مهاجرة # وقال زياد الأعجم : # في قبة ضربت على ابن الحشرج # وضرب الطين على الحائط ألصقه ، وقد تقدم ما لجميع هذه المعاني عند قوله ~~تعالى : { إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها } ( البقرة : ~~26 ) . # فقوله : { وضربت عليهم الذلة والمسكنة } استعارة ms0559 مكنية إذ شبهت الذلة ~~والمسكنة في الإحاطة بهم واللزوم بالبيت أو القبة يضربها الساكن ليلزمها ~~وذكر الضرب تخييل لأنه ليس له شبيه في علائق المشبه . ويجوز أن يكون ضربت ~~استعارة تبعية وليس ثمة مكنية بأن شبه لزوم الذلة لهم ولصوقها بلصوق الطين ~~بالحائط ، ومعنى التبعية أن المنظور إليه في التشبيه هو الحدث والوصف لا ~~الذات بمعنى أن جريان الاستعارة في الفعل ليس بعنوان كونه تابعا لفاعل كما ~~في التخييلية بل بعنوان كونه حدثا وهو معنى قولهم أجريت في الفعل تبعا ~~لجريانها PageV01P527 في المصدر وبه يظهر الفرق بين جعل ضربت تخييلا وجعله ~~تبعية وهي طريقة في الآية سلكها الطيبي في { شرح الكشاف } وخالفه التفتزاني ~~وجعل الضرب استعارة تبعية بمعنى الإحاطة والشمول سواء كان المشبه به القبة ~~أو الطين ، وهما احتمالان مقصودان في هذا المقام يشعر بهما البلغاء . # ثم إن قوله تعالى : { وضربت عليهم الذلة } ليس هو من باب قول زياد الأعجم ~~: # إن السماحة والمروءة والندى # في قبة ضربت على ابن الحشرج # لأن القبة في الآية مشبه بها وليست بموجودة والقبة في البيت يمكن أن تكون ~~حقيقة فالآية استعارة وتصريح والبيت حقيقة وكناية كما نبه عليه الطيبي وجعل ~~التفتزاني الآية على الاحتمالين في الاستعارة كناية عن كون اليهود أذلاء ~~متصاغرين وهي نكت لا تتزاحم . # والذلة الصغار وهي بكسر الذال لا غير وهي ضد العزة ولذلك قابل بينهما ~~السموأل أو الحارثي في قوله : # وما ضرنا أنا قليل وجارنا # عزيز وجار الأكثرين ذليل # والمسكنة الفقر مشتقة من السكون لأن الفقر يقلل حركة صاحبه . وتطلق على ~~الضعف ومنه المسكين للفقير . ومعنى لزوم الذلة والمسكنة لليهود أنهم فقدوا ~~البأس والشجاعة وبدا عليهم سيما الفقر والحاجة مع وفرة ما أنعم الله عليهم ~~فإنهم لما سئموها صارت لديهم كالعدم ولذلك صار الحرص لهم سجية باقية في ~~أعقابهم . # والبوء الرجوع وهو هنا مستعار لانقلاب الحالة مما يرضى الله إلى غضبه . ~~PageV01P528 # { ذالك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذالك ~~بما عصوا وكانوا يعتدون } . # استئناف بياني أثاره ما ms0560 شنع به حالهم من لزوم الذلة والمسكنة لهم ~~والإشارة إلى ما تقدم من قوله : { وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب ~~} . وأفرد اسم الإشارة لتأويل المشار إليه بالمذكور وهو أولى بجواز الإفراد ~~من إفراد الضمير في قول رؤبة : # فيها خطوط من سواد وبلق # كأنه في الجلد توليع البهق # قال أبو عبيدة لرؤبة : إن أردت الخطوط فقل كأنها وإن أردت السواد والبياض ~~فقل كأنهما فقال رؤبة : ( أردت كأن ذلك ويلك ) وإنما كان ما في الآية أولى ~~بالإفراد لأن الذلة والمسكنة والغضب مما لا يشاهد فلا يشار إلى ذاتها ولكن ~~يشار إلى مضمون الكلام وهو شيء واحد أي مذكور ومقول ومن هذا قوله تعالى : { ~~ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم } ( آل عمران : 58 ) أي ذلك القصص ~~السابق . ومنه قوله تعالى : { عوان بين ذلك } ( البقرة : 68 ) وسيأتي . # وقال صاحب ( الكشاف ) ( والذي حسن ذلك أن أسماء الإشارة ليست تثنيتها ~~وجمعها وتأنيثها على الحقيقة وكذلك الموصولات ولذلك جاء الذي بمعنى الجمع ) ~~اه قيل أراد به أن جمع أسماء الإشارة وتثنيتها لم يكن بزيادة علامات بل كان ~~بألفاظ خاصة بتلك الأحوال فلذلك كان استعمال بعضها في معنى بعض أسهل إذا ~~كان على تأويل ، وهو قليل الجدوى لأن المدار على التأويل والمجاز سواء كان ~~في استعمال لفظ في معنى آخر أو في استعمال صيغة في معنى أخرى فلا حسن يخص ~~هذه الألفاظ فيما يظهر فلعله أراد أن ذا موضوع لجنس ما يشار إليه . والذي ~~موضوع لجنس ما عرف بصلة فهو صالح للإطلاق على الواحد والمثنى والجمع ~~والمذكر والمؤنث وإن ما يقع من أسماء الإشارة والموصولات للمثنى نحو ذان ~~وللجمع نحو أولئك ، إنما هو اسم بمعنى المثنى والمجموع لا أنه تثنية مفرد ، ~~وجمع مفرد ، فذا يشار به للمثنى والمجموع ولا عكس فلذلك حسن استعمال المفرد ~~منها للدلالة على المتعدد . # والباء في قوله : { بأنهم كانوا يكفرون } سببية أي إن كفرهم وما معه كان ~~سببا لعقابهم في الدنيا بالذلة والمسكنة وفي الآخرة بغضب الله وفيه تحذير ~~من الوقوع في مثل ms0561 ما وقعوا فيه . PageV01P529 # وقوله : { ويقتلون النبيئين بغير الحق } خاص بأجيال اليهود الذين اجترموا ~~هذه الجريمة العظيمة سواء في ذلك من باشر القتل وأمر به ومن سكت عنه ولم ~~ينصر الأنبياء . وقد قتل اليهود من الأنبياء أشعياء بن أموص الذي كان حيا ~~في منتصف القرن الثامن قبل المسيح ، قتله الملك منسى ملك اليهود سنة 700 ~~قبل المسيح نشر نشرا على جذع شجرة . وأرمياء النبيء الذي كان حيا في أواسط ~~القرن السابع قبل المسيح وذلك لأنه أكثر التوبيخات والنصائح لليهود فرجموه ~~بالحجارة حتى قتلوه وفي ذلك خلاف . وزكرياء الأخير أبا يحيى قتله هيرودس ~~العبراني ملك اليهود من قبل الرومان لأن زكرياء حاول تخليص ابنه يحيى من ~~القتل وذلك في مدة نبوءة عيسى ، ويحيى بن زكرياء قتله هيرودس لغضب ابنة أخت ~~هيرودس على يحيى . # وقوله : { بغير الحق } أي بدون وجه معتبر في شريعتهم فإن فيها : { أنه من ~~قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا } ( المائدة : ~~32 ) فهذا القيد من الاحتجاج على اليهود بأصول دينهم لتخليد مذمتهم ، وإلا ~~فإن قتل الأنبياء لا يكون بحق في حال من الأحوال ، وإنما قال ( الأنبياء ) ~~لأن الرسل لا تسلط عليهم أعداؤهم لأنه مناف لحكمة الرسالة التي هي التبليغ ~~قال تعالى : { إنا لننصر رسلنا } ( غافر : 51 ) وقال : { والله يعصمك من ~~الناس } ( المائدة : 67 ) ومن ثم كان ادعاء النصارى أن عيسى قتله اليهود ~~ادعاء منافيا لحكمة الإرسال ولكن الله أنهى مدة رسالته بحصول المقصد مما ~~أرسل إليه . # وقوله : { ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون } يحتمل أن تكون الإشارة فيه إلى ~~نفس المشار إليه بذلك الأولى فيكون تكريرا للإشارة لزيادة تمييز المشار ~~إليه حرصا على معرفته ، ويكون العصيان والاعتداء سببين آخرين لضرب الذلة ~~والمسكنة ولغضب الله تعالى عليهم ، والآية حينئذ من قبيل التكرير وهو مغن ~~عن العطف مثل قوله تعالى : { أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون } ~~( الأعراف : 179 ) . # ويجوز أن يكون المشار إليه بذلك الثاني هو الكفر بآيات الله وقتلهم ~~النبيئين فيكون ( ذلك ) إشارة إلى ms0562 سبب ضرب الذلة إلخ فما بعد كلمة ( ذلك ) ~~هو سبب السبب تنبيها على أن إدمان العاصي يفضي إلى التغلغل فيها والتنقل من ~~أصغرها إلى أكبرها . # والباء على الوجهين سببية على أصل معناها . ولا حاجة إلى جعل إحدى ~~الباءين بمعنى PageV01P530 مع على تقدير جعل اسم الإشارة الثاني تكريرا ~~للأول أخذا من كلام ( الكشاف ) الذي احتفل به الطيبي فأطال في تقريره ~~وتفنين توجيهه فإن فيه من التكلف ما ينبو عنه نظم القرآن . وكان الذي دعا ~~إلى فرض هذا الوجه هوخلو الكلام عن عاطف يعطف { بما عصوا } على { بأنهم ~~كانوا يكفرون } إذا كانت الإشارة لمجرد التكرير . ولقد نبهناك آنفا إلى دفع ~~هذا بأن التكرير يغني غناء العطف . # # | 2 ( 62 ) { إن الذين ءامنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من ءامن ~~بالله واليوم الاخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون } . ) 2 # توسطت هاته الآية بين آيات ذكر بني إسرائيل بما أنعم الله عليهم وبما ~~قابلوا به تلك النعم من الكفران وقلة الاكتراث فجاءت معترضة بينها لمناسبة ~~يدركها كل بليغ وهي أن ما تقدم من حكاية سوء مقابلتهم لنعم الله تعالى قد ~~جرت عليهم ضرب الذلة والمسكنة ورجوعهم بغضب من الله تعالى عليهم ، ولما كان ~~الإنحاء عليهم بذلك من شأنه أن يفزعهم إلى طلب الخلاص من غضب الله تعالى لم ~~يترك الله تعالى عادته مع خلقه من الرحمة بهم وإرادته صلاح حالهم فبين لهم ~~في هاته الآية أن باب الله مفتوح لهم وأن اللجأ إليه أمر هين عليهم وذلك ~~بأن يؤمنوا ويعملوا الصالحات ، ومن بديع البلاغة أن قرن معهم في ذلك ذكر ~~بقية من الأمم ليكون ذلك تأنيسا لوحشة اليهود من القوارع السابقة في الآيات ~~الماضية وإنصافا للصالحين منهم ، واعترافا بفضلهم ، وتبشيرا لصالحي الأمم ~~من اليهود وغيرهم الذين مضوا مثل الذين كانوا قبل عيسى وامتثلوا لأنبيائهم ~~، ومثل الحواريين ، والموجودين في زمن نزول الآية مثل عبد الله بن سلام ~~وصهيب ، فقد وفت الآية حق الفريقين من الترغيب والبشارة ، وراعت المناسبتين ~~للآيات المتقدمة ms0563 مناسبة اقتران الترغيب بالترهيب ، ومناسبة ذكر الضد بعد ~~الكلام على ضده . # فمجيء ( إن ) هنا لمجرد الاهتمام بالخبر وتحقيقه لدفع توهم أن ما سبق من ~~المذمات شامل لجميع اليهود ، فإن كثيرا من الناس يتوهم أن سلف الأمم التي ~~ضلت كانوا مثلهم في الضلال ، ولقد عجب بعض الأصحاب لما ذكرت لهم أني حين ~~حللت في رومة تبركت بزيارة PageV01P531 قبر القديس بطرس توهما منهم بكون ~~قبره في كنيسة رومة فبينت لهم أنه أحد الحواريين أصحاب المسيح عيسى عليه ~~السلام . # وابتدىء بذكر المؤمنين للاهتمام بشأنهم ليكونوا في مقدمة ذكر الفاضلين ~~فلا يذكر أهل الخير إلا ويذكرون معهم ، ومن مراعاة هذا المقصد قوله تعالى ~~في سورة النساء ( 162 ) { لكن الراسخون في العلم منهم أي الذين هادوا ~~والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك الآية ، ولأنهم القدوة لغيرهم كما قال ~~تعالى : فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا } ( البقرة : 137 ) فالمراد ~~من الذين آمنوا في هذه الآية هم المسلمون الذين صدقوا بالنبيء محمد صلى ~~الله عليه وسلم وهذا لقب للأمة الإسلامية في عرف القرآن . # و { الذين هادوا } هم بنو إسرائيل وقد مضى الكلام عليهم وإنما نذكر هنا ~~وجه وصفهم بالذين هادوا ، ومعنى ( هادوا ) كانوا يهودا أو دانوا بدين ~~اليهود . وأصل اسم يهود منقول في العربية من العبرانية وهو في العبرانية ~~بذال معجمة في آخره وهو علم أحد أسباط إسرائيل ، وهذا الاسم أطلق على بني ~~إسرائيل بعد موت سليمان سنة 975 قبل المسيح فإن مملكة إسرائيل انقسمت بعد ~~موته إلى مملكتين مملكة رحبعام بنن سليمان ولم يتبعه إلا سبط يهوذا وسبط ~~بنيامين وتلقب بمملكة يهوذا لأن معظم أتباعه من سبط يهوذا وجعل مقر مملكته ~~هو مقر أبيه ( أورشليم ) ، ومملكة ملكها يوربعام بن بناط غلام سليمان وكان ~~شجاعا نجيبا فملكته بقية الأسباط العشرة عليهم وجعل مقر مملكته السامرة ~~وتلقب بملكك إسرائيل إلا أنه وقومه أفسدوا الديانة الموسوية وعبدوا الأوثان ~~فلأجل ذلك انفصلوا عن الجامعة الإسرائيلية ولم يدم ملكهم في السامرة إلا ~~مائتين ونيفا وخمسين سنة ثم انقرض على يد ms0564 ملوك الآشوريين فاستأصلوا ~~الإسرائيليين الذين بالسامرة وخربوها ونقلوا بني إسرائيل إلى بلاد آشور ~~عبيدا لهم وأسكنوا بلاد السامرة فريقا من الآشوريين فمن يومئذ لم يبق لبني ~~إسرائيل ملك إلا ملك يهوذا بأورشليم يتداوله أبناء سليمان عليه السلام فمنذ ~~ذلك غلب على بني إسرائيل اسم يهود أي يهوذا ودام ملكهم هذا إلى حد سنة 120 ~~قبل المسيح مسيحية في زمن الأمبراطور أدريان الروماني الذي أجلى اليهود ~~الجلاء الأخير فتفرقوا في الأقطار باسم اليهود هم ومن التحق بهم من فلول ~~بقية الأسباط . ولعل هذا وجه اختيار لفظ { الذين هادوا } في الآية دون ~~اليهود للإشارة إلى أنهم PageV01P532 الذين انتسبوا إلى اليهود ولو لم ~~يكونوا من سبط يهوذا . ثم صار اسم اليهود مطلقا على المتدينين بدين التوراة ~~قال تعالى : { وقالت اليهود ليست النصارى على شيء } ( البقرة : 113 ) الآية ~~ويقال تهود إذا اتبع شريعة التوراة وفي الحديث : ( يولد الولد على الفطرة ~~ثم يكون أبواه هما اللذان يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ) . ويقال هاد إذا ~~دان باليهودية قال تعالى : { وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر } ( الأنعام ~~: 146 ) . وأما ما في سورة الأعراف ( 156 ) من قول موسى : { إنا هدنا إليك ~~فذلك بمعنى المتاب . # وأما النصارى فهو اسم جمع نصرى ( فتح فسكون ) أو ناصري نسبة إلى الناصرة ~~وهي قرية نشأت منها مريم أم المسيح عليهما السلام وقد خرجت مريم من الناصرة ~~قاصدة بيت المقدس فولدت المسيح في بيت لحم ولذلك كان بنو إسرائيل يدعونه ~~يشوع الناصري أو النصرى فهذا وجه تسمية أتباعه بالنصارى . # وأما قوله : والصابين } فقرأه الجمهور بهمزة بعد الموحدة على صيغة جمع ~~صابىء بهمزة في آخره ، وقرأه نافع وحده بياء ساكنة بعد الموحدة المكسورة ~~على أنه جمع صابب منقوصا فأما على قراءة الجمهور فالصابئون لعله جمع صابىء ~~وصابىء لعله اسم فاعل صبأ مهموزا أي ظهر وطلع ، يقال صبأ النجم أي طلع وليس ~~هو من صبا يصبو إذا مال لأن قراءة الهمز تدل على أن ترك تخفيف الهمز في ~~غيرها تخفيف لأن الأصل توافق القراءات في ms0565 المعنى . وزعم بعض علماء الأفرنج ~~أنهم سموا صابئة لأن دينهم أتى به قوم من سبأ . وأما على قراءة نافع ~~فجعلوها جمع صاب مثل رام على أنه اسم فاعل من صبا يصبو إذا مال قالوا : لأن ~~أهل هذا الدين مالوا عن كل دين إلى دين عبادة النجوم ( ولو قيل لأنهم مالوا ~~عن أديان كثيرة إذ اتخذوا منها دينهم كما ستعرفه لكان أحسن ) . وقيل إنما ~~خفف نافع همزة ( الصابين ) فجعلها ياء مثل قراءته { سال سائل } ( المعارج : ~~1 ) ، ومثل هذا التخفيف سماعي لأنه لا موجب لتخفيف الهمز المتحرك بعد حرف ~~متحرك . # والأظهر عندي أن أصل كلمة الصابي أو الصابئة أوما تفرع منها هو لفظ قديم ~~من لغة عربية أو سامية قديمة هي لغة عرب ما بين النهرين من العراق وفي ( ~~دائرة المعارف الإسلامية ) PageV01P533 أن اسم الصابئة مأخوذ من أصل عبري ~~هو ( ص ب ع ) أي غطس عرفت به طائفة ( المنديا ) وهي طائفة يهودية نصرانية ~~في العراق يقومون بالتعميد كالنصارى . # ويقال الصابئون بصيغة جمع صابىء والصابئة على أنه وصف لمقدر أي الأمة ~~الصابئة وهم المتدينون بدين الصابئة ولا يعرف لهذا الدين إلا اسم الصابئة ~~على تقدير مضاف أي دين الصابئة إضافة إلى وصف أتباعه ويقال دين الصابئة . ~~وهذا الدين دين قديم ظهر في بلاد الكلدان في العراق وانتشر معظم أتباعه ~~فيما بين الخابور ودجلة وفيما بين الخابور والفرات فكانوا في البطائح وكسكر ~~في سواد واسط وفي حران من بلاد الجزيرة . # وكان أهل هذا الدين نبطا في بلاد العراق فلما ظهر الفرس على إقليم العراق ~~أزالوا مملكة الصابئين ومنعوهم من عبادة الأصنام فلم يجسروا بعد على عبادة ~~أوثانهم . وكذلك منع الروم أهل الشام والجزيرة من الصابئين فلما تنصر ~~قسطنطين حملهم بالسيف على التنصر فبطلت عبادة الأوثان منهم من ذلك الوقت ~~وتظاهروا بالنصرانية فلما ظهر الإسلام على بلادهم اعتبروا في جملة النصارى ~~وقد كانت صابئة بلاد كسكر والبطائح معتبرين صنفا من النصارى ينتمون إلى ~~النبيء يحيى بن زكرياء ومع ذلك لهم كتب يزعمون أن الله أنزلها ms0566 على شيث بن ~~آدم ويسمونه ( أغاثاديمون ) ، والنصارى يسمونهم يوحناسية ( نسبة إلى يوحنا ~~وهو يحيى ) . # وجامع أصل هذا الدين هو عبادة الكواكب السيارة والقمر وبعض النجوم مثل ~~نجم القطب الشمالي وهم يؤمنون بخالق العالم وأنه واحد حكيم مقدس عن سمات ~~الحوادث غير أنهم قالوا : إن البشر عاجزون عن الوصول إلى جلال الخالق فلزم ~~التقرب إليه بواسطة مخلوقات مقربين لديه وهي الأرواح المجردات الطاهرة ~~المقدسة وزعموا أن هذه الأرواح ساكنة في الكواكب وأنها تنزل إلى النفوس ~~الإنسانية وتتصل بها بمقدار ما تقترب نفوس البشر من طبيعة الروحانيات ~~فعبدوا الكواكب بقصد الاتجاه إلى روحانياتها ولأجل نزول تلك الروحانيات على ~~النفوس البشرية يتعين تزكية النفس بتطهيرها من آثار القوى الشهوانية ~~والغضبية بقدر الإمكان والإقبال على العبادة بالتضرع إلى الأرواح وبتطهير ~~الجسم والصيام والصدقة والطيب وألزموا أنفسهم فضائل النفس الأربع الأصلية ( ~~وهي العفة والعدالة والحكمة والشجاعة ) والأخذ بالفضائل الجزئية ( المتشعبة ~~عن الفضائل الأربع وهي الأعمال الصالحة ) وتجنب الرذائل الجزئية ( وهي ~~أضداد الفضائل وهي الأعمال السيئة ) . PageV01P534 # ومن العلماء من يقول إنهم يقولون بعدم الحاجة إلى بعثة الرسل وأنهم ~~يعللون ذلك بأن مدعي الرسالة من البشر فلا يمكن لهم أن يكونوا واسطة بين ~~الناس والخالق . ومن العلماء من ينقل عنهم أنهم يدعون أنهم على دين نوح . ~~وهم يقولون إن المعلمين الأولين لدين الصابئة هما أغاثاد يمون وهرمس وهما ~~شيث بن آدم وإدريس ، وهم يأخذون من كلام الحكماء ما فيه عون على الكمال ~~فلذلك يكثر في كلامهم المماثلة لأقوال حكماء اليونان وخاصة سولون وأفلاطون ~~وأرسطاطاليس ، ولا يبعد عندي أن يكون أولئك الحكماء اقتبسوا بعض الآراء من ~~قدماء الصابئة في العراق فإن ثمة تشابها بينهم في عبادة الكواكب وجعلها ~~آلهة وفي إثبات إلاه الآلهة . # وقد بنوا هياكل للكواكب لتكون مهابط لأرواح الكواكب وحرصوا على تطهيرها ~~وتطييبها لكي تألفها الروحانيات وقد يجعلون للكواكب تماثيل من الصور يتوخون ~~فيها محاكاة صور الروحانيات بحسب ظنهم . # ومن دينهم صلوات ثلاث في كل يوم ، وقبلتهم نحو مهب ريح الشمال ويتطهرون ~~قبل الصلاة وقراآتهم ودعواتهم ms0567 تسمى الزمزمة بزايين كما ورد في ترجمة أبي ~~إسحاق الصابىء . ولهم صيام ثلاثين يوما في السنة ، موزعة على ثلاثة مواقيت ~~من العام . ويجب غسل الجنابة وغسل المرأة الحائض . وتحرم العزوبة ، ويجوز ~~للرجل تزوج ما شاء من النساء ولا يتزوج إلا امرأة صابئة على دينه فإذا تزوج ~~غير صابئة أو تزوجت الصابئة غير صابىء خرجا من الدين ولا تقبل منهما توبة . ~~ويغسلون موتاهم ويكفنونهم ويدفنونهم في الأرض . ولهم رئيس للدين يسمونه ~~الكمر بكاف وميم وراء . # وقد اشتهر هذا الدين في حران من بلاد الجزيرة ، ولذلك تعرف الصابئة في ~~كتب العقائد الإسلامية بالحرنانية ( بنونين نسبة إلى حران على غير قياس كما ~~في ( القاموس ) ) . قال ابن حزم في كتاب ( الفصل ) : كان الذي ينتحله ~~الصابئون أقدم الأديان على وجه الدهر والغالب على الدنيا إلى أن أحدثوا فيه ~~الحوادث فبعث الله إبراهيم عليه السلام بالحنيفية اه . PageV01P535 # ودين الصابئة كان معروفا للعرب في الجاهلية ، بسبب جوار بلاد الصابئة في ~~العراق والشام لمنازل بعض قبائل العرب مثل ديار بكر وبلاد الأنباط المجاورة ~~لبلاد تغلب وقضاعة . ألا ترى أنه لما بعث محمد صلى الله عليه وسلم وصفه ~~المشركون بالصابىء ، وربما دعوه بابن أبي كبشة الذي هو أحد أجداد آمنة ~~الزهرية أم النبيء صلى الله عليه وسلم كان أظهر عبادة الكواكب في قومه ~~فزعموا أن النبيء ورث ذلك منه وكذبوا . وفي حديث عمران بن حصين أنهم كانوا ~~في سفر مع النبيء صلى الله عليه وسلم ونفد دماؤهم فابتغوا الماء فلقوا ~~امرأة بين مزادتين على بعير فقالوا لها : انطلقي إلى رسول الله فقالت : ~~الذي يقال له الصابىء قالوا : هو الذين تعنين . وساق حديث تكثير الماء . # وكانوا يسمون المسلمين الصباة كما ورد في خبر سعد بن معاذ أنه كان صديقا ~~لأمية بن خلف وكان سعد إذا مر بمكة نزل على أمية فلما هاجر النبيء صلى الله ~~عليه وسلم إلى المدينة انطلق سعد ذات يوم معتمرا فنزل على أمية بمكة وقال ~~لأمية : انظر لي ساعة خلوة لعلي أطوف بالبيت فخرج به فلقيهما ms0568 أبو جهل فقال ~~لأمية يا أبا صفوان من هذا معك قال : سعد ، فقال له أبو جهل : ألا أراك ~~تطوف بمكة آمنا وقد أويتم الصباة . # وفي حديث غزوة خالد بن الوليد إلى جذيمة أنه عرض عليهم الإسلام أو السيف ~~فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا فقالوا : صبأنا ، الحديث . # وقد قيل إن قوما من تميم عبدوا نجم الدبران ، وأن قوما من لخم وخزاعة ~~عبدوا الشعرى العبور ، وهو من كواكب برج الجوزاء في دائرة السرطان ، وأن ~~قوما من كنانة عبدوا القمر فظن البعض أن هؤلاء كانوا صابئة وأحسب أنهم ~~تلقفوا عبادة هذه الكواكب عن سوء تحقيق في حقائق دين الصابئة ولم يجزم ~~الزمخشري بأن في العرب صابئة فإنه قال في ( الكشاف ) في تفسير سورة ( 37 ) ~~فصلت في قوله تعالى : { لا تسجدوا للشمس ولا للقمر قال : لعل ناسا منهم ~~كانوا يسجدون للشمس والقمر كالصابئين فنهوا عن ذلك . # وقد اختلف علماء الإسلام في إجراء الأحكام على الصابئة ، فعن مجاهد ~~والحسن أنهم طائفة بين اليهود والمجوس ، وقال البيضاوي : هم قوم بين ~~النصارى والمجوس فمن العلماء من ألحقهم بأهل الكتاب ، ومن العلماء من ~~ألحقهم بالمجوس ، وسبب هذا الاضطراب هو اشتباه PageV01P536 أحوالهم وتكتمهم ~~في دينهم ، وما دخل عليه من التخليط بسبب قهر الأمم التي تغلبت على بلادهم ~~، فالقسم الذي تغلب عليهم الفرس اختلط دينهم بالمجوسية ، والذين غلب عليهم ~~الروم اختل دينهم بالنصرانية . # قال ابن شاس في كتاب الجواهر الثمينة } : قال الشيخ أبو الطاهر ( يعني ~~ابن بشير التنوخي القيرواني ) منعوا ذبائح الصابئة لأنهم بين النصرانية ~~والمجوسية ( ولا شك أنه يعني صابئة العراق ، الذين كانوا قبل ظهور الإسلام ~~على بلادهم على دين المجوسية ) . # وفي ( التوضيح على مختصر ابن الحاجب الفرعي ) في باب الذبائح ( قال ~~الطرطوشي : لا تؤكل ذبيحة الصابيء وليست بحرام كذبيحة المجوسي ) وفيه في ~~باب الصيد ( قال مالك لا يؤكل صيد الصابيء ولا ذبيحته ) . # وفي ( شرح عبد الباقي على خليل ) : ( إن أخذ الصابىء بالنصرانية ليس بقوي ~~كما ذكره أبو إسحاق التونسي ، وعن مالك لا يتزوج المسلم المرأة الصائبة ) . # قال الجصاص ms0569 في تفسير سورة العقود وسورة براءة : روي عن أبي حنيفة أن ~~الصابئة أهل كتاب ، وقال أبو يوسف ومحمد ليسوا أهل كتاب . وكان أبوالحسن ~~الكرخي يقول الصابئة الذين هم بناحية حران يعبدون الكواكب ، فليسوا أهل ~~كتاب عندهم جميعا . قال الجصاص : الصابئة الذين يعرفون بهذا الاسم في هذا ~~الوقت ليس فيهم أهل كتاب وانتحالهم في الأصل واحد أعني الذين هم بناحية ~~حران ، والذين هم بناحية البطائح وكسكر في سواد واسط ، وإنما الخلاف بين ~~الذين بناحية حران والذين بناحية البطائح في شيء من شرائعهم وليس فيهم أهل ~~كتاب فالذي يغلب على ظني في قول أبي حنيفة أنه شاهد قوما منهم يظهرون أنهم ~~نصارى تقية ، وهم الذين كانوا بناحية البطائح وكسكر ويسميهم النصارى يوحنا ~~سية وهم ينتمون إلى يحيى بن زكرياء ، وينتحلون كتبا يزعمون أنها التي ~~أنزلها الله على شيث ويحيى . ومن كان اعتقاده من الصابئين على ما وصفنا وهم ~~الحرانيون الذين بناحية حران وهم عبدة أوثان لا ينتمون إلى أحد من الأنبياء ~~ولا ينتحلون شيئا من كتب الله فلا خلاف بين الفقهاء في أنهم ليسوا أهل كتاب ~~، وأنه لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم وأبو يوسف ومحمد قالا : إن ~~الصابئين ليسوا أهل كتاب ولم يفصلوا بين الفريقين وكذا قول الأوزاعي ومالك ~~بن أنس اه . كلامه . PageV01P537 # ووجه الاقتصار في الآية على ذكر هذه الأديان الثلاثة مع الإسلام دون ~~غيرها من نحو المجوسية والدهريين والزنادقة أن هذا مقام دعوتهم للدخول في ~~الإسلام والمتاب عن أديانهم التي أبطلت لأنهم أرجى لقبول الإسلام من المجوس ~~والدهريين لأنهم يثبتون الإلاه المتفرد بخلق العالم ويتبعون الفضائل على ~~تفاوت بينهم في ذلك ، فلذلك اقتصر عليهم تقريبا لهم من الدخول في الإسلام . ~~ألا ترى أنه ذكر المجوس معهم في قوله تعالى : { إن الذين آمنوا والذين ~~هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم ~~القيامة } ( الحج : 17 ) لأن ذلك مقام تثبيت للنبيء صلى الله عليه وسلم ~~والمسلمين . # وقوله تعالى : { من آمن } يجوز أن تكون ( من ) شرطا في موضع المبتدأ ms0570 ~~ويكون فلهم أجرهم جواب الشرط ، والشرط مع الجواب خبر { إن } ، فيكون المعنى ~~إن الذين آمنوا من يؤمن بالله منهم فله أجره وحذف الرابط بين الجملة وبين ~~اسم ( إن ) لأن ( من ) الشرطية عامة فكان الرابط العموم الذي شمل المبتدأ ~~أعني اسم ( إن ) ويكون معنى الكلام على الاستقبال لوقوع الفعل الماضي في ~~حيز الشرط أي من يؤمن منهم بالله ويعمل صالحا فله أجره ويكون المقصود منه ~~فتح باب الإنابة لهم بعد أن قرعوا بالقوارع السالفة وذكر معهم من الأمم من ~~لم يذكر عنهم كفر لمناسبة ما اقتضته العلة في قوله : { ذلك بأنهم كانوا ~~يكفرون } ( البقرة : 61 ) وتذكيرا لليهود بأنهم لا مزية لهم على غيرهم من ~~الأمم حتى لا يتكلوا على الأوهام أنهم أحباء الله وأن ذنوبهم مغفورة . وفي ~~ذلك أيضا إشارة إلى أن المؤمنين الخالصين من اليهود وغيرهم ممن سلف مثل ~~النقباء الذين كانوا في المناجاة مع موسى ومثل يوشع بن نوع كالب بن يفنه ~~لهم هذا الحكم وهو أن لهم أجرا عند ربهم لأن إناطة الجزاء بالشرط المشتق ~~مؤذن بالتعليل بل السابقون بفعل ذلك قبل التقييد بهذا الشرط أولى بالحكم ~~فقد قضت الآية حق الفريقين . # ويجوز أن تكون ( من ) موصولة بدلا من اسم ( إن ) والفعل الماضي حينئذ باق ~~على المضي لأنه ليس ثمة ما يخلصه للاستقبال ودخلت الفاء في { فلهم أجرهم } ~~إما على أنها تدخل في الخبر نحو قول الشاعر وهو من شواهد ( كتاب سيبويه ) . # وقائلة خولان فانكح فتاتهم # ونحو : { إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ~~} ( البروج : 10 ) عند غير سيبويه . وإما على أن الموصول عومل معاملة الشرط ~~للإيذان بالتعليل فأدخلت الفاء قرينة على ذلك . ويكون المفاد من الآية ~~حينئذ استثناء صالحي بني إسرائيل من الحكم ، بضرب الذلة PageV01P538 ~~والمسكنة والغضب من الله ويكون ذكر بقية صالحي الأمم معهم على هذا إشارة ~~إلى أن هذه سنة الله في معاملته خلقه ومجازاته كلا على فعله . # وقد استشكل ذكر { الذين آمنوا } في عداد هؤلاء ، وإجراء قوله : { من آمن ~~بالله ms0571 } عليهم مع أنهم مؤمنون فذكرهم تحصيل للحاصل ، فقيل أريد به خصوص ~~المؤمنين بألسنتهم فقط وهم المنافقون . وقيل أراد به الجميع وأراد بمن آمن ~~من دام بالنسبة للمخلصين ومن أخلص بالنسبة للمنافقين . وهما جوابان في غاية ~~البعد . وقيل : يرجع قوله : { من آمن بالله واليوم الآخر } لخصوص الذين ~~هادوا والنصارى والصابين دون المؤمنين بقرينة المقام لأنهم وصفوا بالذين ~~آمنوا وهو حسن . وعندي أنه لا حاجة إلى شيء من ذلك ، لأن الشرط والصلة ~~تركبت من شيئين الإيمان والعمل الصالح . والمخلصون وإن كان إيمانهم حاصلا ~~فقد بقي عليهم العمل الصالح فلما تركب الشرط أو الصلة من أمرين فقد علم كل ~~أناس مشربهم وترجع كل صفة لمن يفتقر إليها كلا أو بعضا . # ومعنى { من آمن بالله } . الإيمان الكامل وهو الإيمان برسالة محمد صلى ~~الله عليه وسلم بقرينة المقام وقرينة قوله : { وعمل صالحا } إذ شرط قبول ~~الأعمال الإيمان الشرعي لقوله تعالى : { ثم كان من الذين آمنوا } ( البلد : ~~17 ) . وقد عد عدم الإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم بمنزلة عدم ~~الإيمان بالله لأن مكابرة المعجزات ، القائمة مقام تصديق الله تعالى للرسول ~~المتحدي بها يؤول إلى تكذيب الله تعالى في ذلك التصديق فذلك المكابر غير ~~مؤمن بالله الإيمان الحق . وبهذا يعلم أن لا وجه لدعوى كون هذه الآية ~~منسوخة بقوله تعالى : { ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه } ( آل ~~عمران : 85 ) إذ لا استقامة في دعوى نسخ الخبر إلا أن يقال إن الله أخبر به ~~عن مؤمني أهل الكتاب والصابئين الذين آمنوا بما جاءت به رسل الله دون تحريف ~~ولا تبديل ولا عصيان وماتوا على ذلك قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم ~~فيكون معنى الآية كمعنى قوله صلى الله عليه وسلم فيما ذكر من يؤتى أجره ~~مرتين : ( ورجل من أهل الكتاب آمن برسوله ثم آمن بي فله أجران ) . # وأما القائلون بأنها منسوخة ، فأحسب أن تأويلها عندهم أن الله أمهلهم في ~~أول تلقي دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن ينظروا فلما عاندوا ~~نسخها ms0572 بقوله : { ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه } لئلا يفضي قولهم ~~إلى دعوى نسخ الخبر . PageV01P539 # وقوله تعالى : { فلهم أجرهم عند ربهم } أطلق الأجر على الثواب مجازا لأنه ~~في مقابلة العمل الصالح والمرادبه نعيم الآخرة ، وليس أجرا دنيويا بقرينة ~~المقام وقوله : { عند ربهم } عندية مجازية مستعملة في تحقيق الوعد كما ~~تستعمل في تحقيق الإقرار في قولهم لك عندي كذا . ووجه دلالة عند في نحو هذا ~~على التحقق أن عند دالة على المكان فإذا أطلقت في غير ما من شأنه أن يحل في ~~مكان كانت مستعملة في لازم المكان ، وهو وجود ما من شأنه أن يكون في مكان ~~على أن إضافة عند لاسم الرب تعالى مما يزيد الأجر تحققا لأن المضاف إليه ~~أكرم الكرماء فلا يفوت الأجر الكائن عنده . # وإنما جمع الضمير في قوله : { أجرهم عند ربهم } مراعاة لما صدق ( من ) ، ~~وأفرد شرطها أوصلتها مراعاة للفظها . ومما حسن ذلك هنا وجعله في الموقع ~~الأعلى من البلاغة أن هذين الوجهين الجائزين عربية في معاد الموصولات ~~وأسماء الشروط قد جمع بينهما على وجه أنبأ على قصد العموم في الموصول أو ~~الشرط فلذلك أتى بالضمير الذي في صلته أو فعله مناسبا للفظه لقصد العموم ثم ~~لما جيء بالضمير مع الخبر أو الجواب جمع ليكون عودا على بدء فيرتبط باسم ( ~~إن ) الذي جيء بالموصول أو الشرط بدلا منه أو خبرا عنه حتى يعلم أن هذا ~~الحكم العام مراد منه ذلك الخاص أولا ، كأنه قيل إن الذين آمنوا إلخ كل من ~~آمن بالله وعمل إلخ فلأولئك الذين آمنوا أجرهم فعلم أنهم مما شمله العموم ~~على نحوما يذكره المناطقة في طي بعض المقدمات للعلم به ، فهو من العام ~~الوارد على سبب خاص . # وقوله : { ولا خوف عليهم } قراءة الجميع بالرفع لأن المنفي خوف مخصوص وهو ~~خوف الآخرة . والتعبير في نفي الخوف بالخبر الاسمي وهو { لا خوف عليهم } ~~لإفادة نفي جنس الخوف نفيا قارا ، لدلالة الجملة الاسمية على الدوام ~~والثبات ، والتعبير في نفي خوف بالخبر الفعلي وهو PageV01P540 { يحزنون } ~~لإفاد ms0573 تخصيصهم بنفي الحزن في الآخرة أي بخلاف غير المؤمنين . ولما كان ~~الخوف والحزن متلازمين كانت خصوصية كل منهما سارية في الآخر . # واعلم أن قوله : { فلهم أجرهم } مقابل لقوله : { وباءوا بغضب من الله } ( ~~البقرة : 61 ) ولذلك قرن بعند الدالة على العناية والرضى . وقوله : { ولا ~~خوف عليهم } مقابل { وضربت عليهم الذلة } ( البقرة : 61 ) لأن الذلة ضد ~~العزة فالذليل خائف لأنه يخشى العدوان والقتل والغزو ، وأما العزيز فهو ~~شجاع لأنه لا يخشى ضرا ويعلم أن ما قدره له فهو كائن قال تعالى : { ولله ~~العزة ولرسوله للمؤمنين } ( المنافقون : 8 ) وقوله : { ولا هم يحزنون } ~~مقابل قوله : { والمسكنة } لأن المسكنة تقضي على صاحبها بالحزن وتمني حسن ~~العيش قال تعالى : { من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة ~~طيبة } ( النحل : 97 ) فالخوف المنفي هو الخوف الناشىء عن الذلة والحزن ~~المنفي هو الناشىء عن المسكنة . # # | 2 ( 63 ، 64 ) { وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا مآ ~~ءاتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون * ثم توليتم من بعد ذالك فلولا ~~فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين } . ) 2 # تذكير بقصة أخرى أرى الله تعالى أسلافهم فيها بطشه ورحمته فلم يرتدعوا ~~ولم يشكروا وهي أن أخذ الميثاق عليهم بواسطة موسى عليه السلام أن يعملوا ~~بالشريعة وذلك حينما تجلى الله لموسى عليه السلام في الطور تجليا خاصا ~~للجبل فتزعزع الجبل وتزلزل وارتجف وأحاط به دخان وضباب ورعود وبرق كما ورد ~~في صفة ذلك في الفصل التاسع عشر من سفر الخروج وفي الفصل الخامس من سفر ~~التثنية فلعل الجبل من شدة الزلازل وما ظهر حوله من الأسحبة والدخان ~~والرعود صار يلوح كأنه سحابة ، ولذلك وصف في آية الأعراف ( 171 ) بقوله : { ~~وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة } ( نتقه : زعزعه ونقضه ) حتى يخيل إليهم ~~أنه يهتز وهذا نظير قولهم استطاره إذا أزعجه فاضطرب فأعطوا العهد وامتثلوا ~~لجميع ما أمرهم الله تعالى وقالوا : ( كل ما تكلم الله به نفعله فقال الله ~~لموسى فليؤمنوا بك إلى الأبد ) وليس في كتب بني إسرائيل ولا ms0574 في الأحاديث ~~الصحيحة ما يدل على أن الله قلع الطور من موضعه ورفعه فوقهم وإنما ورد ذلك ~~في أخبار ضعاف فلذلك لم نعتمده في التفسير . # وضمائر الخطاب لتحميل الخلف تبعات السلف PageV01P541 كيلا يقعوا في مثلها ~~وليستغفروا لأسلافهم عنها . # والميثاق في هاته الآية كالعهد في الآيات المتقدمة مراد به الشريعة ~~ووعدهم بالعمل بها وقد سمته كتبهم عهدا كما قدمنا وهو إلى الآن كذلك في ~~كتبهم . وهذه معجزة علمية لرسولنا صلى الله عليه وسلم # والطور علم على جبل ببرية سينا ، ويقال إن الطور اسم جنس للجبال في لغة ~~الكنعانيين نقل إلى العربية وأنشدوا قول العجاج : # دانى جناحيه من الطور فمر # تقضي البازي إذا البازي كسر # فإذا صح ذلك فإطلاقه على هذا الجبل علم بالغلبة في العبرية لأنهم وجدوا ~~الكنعانيين يذكرونه فيقولون الطور يعنون الجبل كلمة لم يسبق لهم أن عرفوها ~~فحسبوها علما له فسموه الطور . # وقوله : { خذوا ما آتيناكم بقوة } مقول قول ، محذوف تقديره قائلين لهم ~~خذوا ، وذلك هو الذي أخذ الميثاق عليه . والأخذ مجاز عن التلقي والتفهم . ~~والقوة مجاز في الإيعاء وإتقان التلقي والعزيمة على العمل به كقوله تعالى : ~~{ يا يحيى خذ الكتاب بقوة } ( مريم : 12 ) . # ويجوز أن يكون الذكر مجازا عن الامتثال أي اذكروه عند عزمكم على الأعمال ~~حتى تكون أعمالكم جارية على وفق ما فيه ، أو المراد بالذكر التفهم بدليل ~~حرف ( في ) المؤذن بالظرفية المجازية أي استنباط الفروع من الأصول . # والمراد بما آتاهم ما أوحاه إلى موسى وهو الكلمات العشر التي هي قواعد ~~شريعة التوراة . # وجملة { لعلكم تتقون } علة للأمر بقوله : { خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ~~ما فيه } ولذلك فصلت بدون عطف . # والرجاء الذي يقتضيه حرف ( لعل ) مستعمل في معنى تقريب سبب التقوى بحضهم ~~على الأخذ بقوة ، وتعهد التذكر لما فيه ، فذلك التقريب والتبيين شبيه برجاء ~~الراجي . ويجوز أن يكون ( لعل ) قرينة استعارة تمثيل شأن الله حين هيأ لهم ~~أسباب الهداية بحال الراجي تقواهم وعلى هذا محمل موارد كلمة ( لعل ) في ~~الكلام المسند إلى الله تعالى . وتقدم عند قوله ms0575 تعالى : { يأيها الناس ~~اعبدوا ربكم } ( البقرة : 21 ) الآية . # وقوله : { ثم توليتم من بعد ذلك } إشارة إلى عبادتهم العجل في مدة مناجاة ~~موسى وأن الله تاب عليهم بفضله ولولا ذلك لكانوا من الخاسرين الهالكين في ~~الدنيا أو فيها وفي الآخرة . # ولا حاجة بنا إلى الخوض في مسألة التكليف الإلجائي ومنافاة الإلجاء ~~للتكليف PageV01P542 وهي مسألة تكليف الملجأ ، المذكورة في الأصول لأنها ~~بنيت هنا على أطلال الأخبار المروية في قلع الطور ورفعه فوقهم وقول موسى ~~لهم إما أن تؤمنوا أويقع عليكم الطور ، على أنه لو صحت تلك الأخبار لما كان ~~من الإلجاء في شيء إذ ليس نصب الآيات والمعجزات والتخويف من الإلجاء وإنما ~~هو دلالة وبرهان على صدق الرسول وصحة ما جاء به والممتنع في التكليف هو ~~التكليف في حالة الإلجاء لا التخويف لإتمام التكليف ، فلا تغفلوا . # # | 2 ( 65 ، 66 ) { ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم فى السبت فقلنا لهم ~~كونوا قردة خاسئين * فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة ~~للمتقين } . ) 2 # هذه من جملة الأخبار التي ذكرها الله تعالى تذكيرا لليهود بما أتاه سلفهم ~~من الاستخفاف بأوامر الله تعالى وبما عرض في خلال ذلك من الزواجر والرحمة ~~والتوبة ، وإنما خالف في حكاية هاته القصة أسلوب حكاية ما تقدمها وما تلاها ~~من ذكر { إذ } ( البقرة : 63 ) المؤذنة بزمن القصة والمشعرة بتحقق وقوعها ~~إلى قوله هنا : { ولقد علمتم } لمعنى بديع هو من وجوه إعجاز القرآن وذلك أن ~~هذه القصة المشار إليها بهذه الآية ليست من القصص التي تضمنتها كتب التوراة ~~مثل القصص الأخرى المأتي في حكايتها بكلمة ( إذ ) لأنها متواترة عندهم بل ~~هذه القصة وقعت في زمن داود عليه السلام ، فكانت غير مسطورة في الأسفار ~~القديمة وكانت معروفة لعلمائهم وأحبارهم فأطلع الله تعالى نبيه صلى الله ~~عليه وسلم عليها وتلك معجزة غيبية وأوحى إليه في لفظها ما يؤذن بأن العلم ~~بها أخفى من العلم بالقصص الأخرى فأسند الأمر فيها لعلمهم إذ قال : { ولقد ~~علمتم } . # والاعتداء وزنه افتعال من العدو وهو تجاوز حد السير والحد ms0576 والغاية . وغلب ~~إطلاق الاعتداء على مخالفة الحق وظلم الناس والمراد هنا اعتداء الأمر ~~الشرعي لأن الأمر الشرعي يشبه بالحد في أنه يؤخذ بما شمله ولا يؤخذ بما ~~وراءه والاعتداء الواقع منهم هو اعتداء أمر الله تعالى إياهم من عهد موسى ~~بأن يحافظوا على حكم السبت وعدم الاكتساب فيه ليتفرغوا فيه للعبادة بقلب ~~خالص من الشغل بالدنيا ، فكانت طائفة من سكان أيلة على البحر رأوا ~~PageV01P543 تكاثر الحيتان يوم السبت بالشاطىء لأنها إذا لم تر سفن ~~الصيادين وشباكهم أمنت فتقدمت إلى الشاطىء تفتح أفواهها في الماء لابتلاع ~~ما يكون على الشواطىء من آثار الطعام ومن صغير الحيتان وغيرها فقالوا لو ~~حفرنا لها حياضا وشرعنا إليها جداول يوم الجمعة فتمسك الحياض الحوت إلى يوم ~~الأحد فنصطادها وفعلوا ذلك فغضب الله تعالى عليهم لهذا الحرص على الرزق أو ~~لأنهم يشغلون بالهم يوم السبت بالفكر فيما تحصل لهم أو لأنهم تحيلوا على ~~اعتياض العمل في السبت ، وهذا الذي أحسبه لما اقترن به من الاستخفاف ~~واعتقادهم أنهم علموا ما لم تهتد إليه شريعتهم فعاقبهم الله تعالى بماذكره ~~هنا . # فقوله : { في السبت } يجوز أن تكون ( في ) للظرفية . والسبت مصدر سبت ~~اليهودي من باب ضرب ونصر بمعنى احترم السبت وعظمه . والمعنى اعتدوا في حال ~~تعظيم السبت أو في زمن تعظيم السبت . ويجوز أن تكون ( في ) للعلة أي اعتدوا ~~اعتداء لأجل ما أوجبه احترام السبت من قطع العمل . ولعل تحريم الصيد فيه ~~ليكون أمنا للدواب . # ويجوز أن تكون ( في ) ظرفية والسبت بمعنى اليوم وإنما جعل الاعتداء فيه ~~مع أن الحفر في يوم الجمعة لأن أثره الذي ترتب عليه العصيان وهو دخول ~~الحيتان للحياض يقع في يوم السبت . # وقوله : { فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين } كونوا أمر تكوين والقردة بكسر ~~القاف وفتح الراء جمع قرد وتكوينهم قردة يحتمل أن يكون بتصيير أجسامهم ~~أجسام قردة مع بقاء الإدراك الإنساني وهذا قول جمهور العلماء والمفسرين ، ~~ويحتمل أن يكون بتصيير عقولهم كعقول القردة مع بقاء الهيكل الإنساني ، وهذا ~~قول مجاهد والعبرة حاصلة على كلا ms0577 الاعتبارين والأول أظهر في العبرة لأن فيه ~~اعتبارهم بأنفسهم واعتبار الناس بهم بخلاف الثاني والثاني أقرب للتاريخ إذ ~~لم ينقل مسخ في كتب تاريخ العبرانيين ، والقدرة صالحة للأمرين والكل معجزة ~~للشريعة أو لداود ولذلك قال الفخر : ليس قول مجاهد ببعيد جدا لكنه خلاف ~~الظاهر من الآية وليس الآية صريحة في المسخ . # ومعنى كونهم قردة أنهم لما لم يتلقوا الشريعة بفهم مقاصدها ومعانيها ~~وأخذوا بصورة الألفاظ فقد أشبهوا العجماوات في وقوفها عند المحسوسات فلم ~~يتميزوا عن العجماوات إلا بالشكل الإنساني وهذه القردة تشاركهم في هذا ~~الشبه وهذا معنى قول مجاهد هو مسخ قلوب لا مسخ ذوات . PageV01P544 # ثم إن القائلين بوقوع المسخ في الأجسام اتفقوا أو كادوا على أن الممسوخ ~~لا يعيش أكثر من ثلاثة أيام وأنه لا يتناسل وروى ذلك ابن مسعود عن النبيء ~~صلى الله عليه وسلم في ( صحيح مسلم ) أنه قال : ( لم يهلك الله قوما أو ~~يعذب قوما فيجعل لهم نسلا ) وهو صريح في الباب ومن العلماء من جوز تناسل ~~الممسوخ وزعموا أن الفيل والقرد والضب والخنزير من الأمم الممسوخة وقد كانت ~~العرب تعتقد ذلك في الضب قال أحد بني سليم وقد جاء لزوجه بضب فأبت أن تأكله ~~: # قالت وكنت رجلا فطينا # هذا لعمر الله إسرائينا # حتى قال بعض الفقهاء بحرمة أكل الفيل ونحوه بناء على احتمال أن أصله نسل ~~آدمي قال ابن الحاجب ( وأما ما يذكر أنه ممسوخ كالفيل والقرد والضب ففي ~~المذهب الجواز لعموم الآية والتحريم لما يذكر ) أي لعموم آية المأكولات ، ~~وصحح صاحب ( التوضيح ) عن مالك الجواز وقد روى مسلم في أحاديث متفرقة من ~~آخر ( صحيحه ) عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( فقدت أمة ~~من بني إسرائيل لا يدرى ما فعلت ولا أراها إلا الفأر ، ألا ترونها إذا وضع ~~لها ألبان الإبل لم تشربه وإذا وضع لها ألبان الشاء شربته ) اه . وقد تأوله ~~ابن عطية وابن رشد في ( البيان ) وغير واحد من العلماء بأن هذا قاله النبيء ~~صلى الله عليه وسلم عن ms0578 اجتهاد قبل أن يوقفه الله على أن الممسوخ لا يعيش ~~أكثر من ثلاثة أيام ولا يتناسل كما هو صريح حديث ابن مسعود ، قلت : يؤيد ~~هذا أنه قال عن اجتهاد قوله : ( ولا أراها ) . ولا شك أن هاته الأنواع من ~~الحيوان موجودة قبل المسخ وأن المسخ إليها دليل على وجودها ومعرفة الناس ~~بها . # وهذا الأمر التكويني كان لأجل العقوبة على ما اجترأوا من الاستخفاف ~~بالأمر الإلاهي حتى تحيلوا عليه وفي ذلك دليل على أن الله تعالى لا يرضى ~~بالحيل على تجاوز أوامره ونواهيه فإن شرائع الله تعالى مشروعة لمصالح وحكم ~~فالتحيل على خرق تلك الحكم بإجراء الأفعال على صور مشروعة مع تحقق تعطيل ~~الحكمة منها جراءة ، على الله تعالى ، ولا حجة لمن ينتحل جواز الحيل بقوله ~~تعالى في قصة أيوب : { وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث } ( ص : 44 ) لأن ~~تلك فتوى من الله تعالى لنبيء لتجنب الحنث الذي قد يتفادى عنه بالكفارة ~~ولكن الله لم يرض أصل الحنث لنبيه لأنه خلاف الأولى فأفتاه بما قاله ، وذلك ~~مما يعين على حكمة اجتناب الحنث لأن فيه PageV01P545 محافظة على تعظيم اسم ~~الله تعالى فلا فوات للحكمة في ذلك ، ومسألة الحيل الشرعية لعلنا نتعرض لها ~~في سورة ص وفيها تمحيص . # وقوله : { فجعلناها نكالا } عاد فيه الضمير على العقوبة المستفادة من ~~قوله : { فقنا لهم كونوا قردة } . والنكال بفتح النون العقاب الشديد الذي ~~يردع المعاقب عن العود للجناية ويردع غيره عن ارتكاب مثلها ، وهو مشتق من ~~نكل إذا امتنع ويقال نكل به تنكيلا ونكالا معنى عاقبه بما يمنعه من العود . ~~والمراد بما بين يديها وما خلفها ما قارنها من معاصيهم وما سبق يعني أن تلك ~~الفعلة كانت آخر ما فعلوه فنزلت العقوبة عندها ولما بين يديها من الأمم ~~القريبة منها ولما خلفها من الأمم البعيدة . والموعظة ما به الوعظ وهو ~~الترهيب من الشر . # $ 2 ( 67 ) { وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالو & # 1764 ا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ms0579 } . ) 2 $ # تعرضت هذه الآية لقصة من قصص بني إسرائيل ظهر فيها من قلة التوقير لنبيهم ~~ومن الإعنات في المسألة والإلحاح فيها إما للتفصي من الامتثال وإما لبعد ~~أفهامهم عن مقصد الشارع ورومهم التوقيف على ما لاقصد إليه . قيل : إن أول ~~هذه القصة هو المذكور بقوله تعالى : { وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها } ( ~~البقرة : 72 ) الآية وإن قول موسى : { إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة } ~~ناشىء عن قتل النفس المذكورة ، وإن قول موسى قدم هنا لأن خطاب موسى عليه ~~السلام لهم قد نشأ عنه ضرب من مذامهم في تلقي التشريع وهو الاستخفاف بالأمر ~~حين ظنوه هزؤا والإعنات في المسألة فأريد من تقديم جزء القصة تعدد تقريعهم ~~، هكذا ذكر صاحب ( الكشاف ) والموجهون لكلامه ، ولا يخفى أن ما وجهوا به ~~تقديم جزء القصة لا يقتضي إلا تفكيك القصة إلى قصتين تعنون كل واحدة منهما ~~بقوله : { وإذ } مع بقاء الترتيب ، على أن المذام قد تعرف بحكايتها ~~والتنبيه عليها بنحو قوله : { أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين وقوله : وما ~~كادوا يفعلون } ( البقرة : 71 ) . # فالذي يظهر لي أنهما قصتان أشارت الأولى وهي المحكية هنا إلى أمر موسى ~~إياهم بذبح بقرة وهذه هي القصة التي أشارت إليها التوراة في السفر الرابع ~~وهو سفر التشريع الثاني ( تثنية ) في الإصحاج 21 أنه ( إذا وجد قتيل لا ~~يعلم قاتله فإن أقرب القرى إلى موقع القتيل PageV01P546 يخرج شيوخها ~~ويخرجون عجلة من البقر لم يحرث عليها ولم تنجر بالنير فيأتون بها إلى واد ~~دائم السيلان لم يحرث ولم يزرع ويقطعون عنقها هنالك ويتقدم الكهنة من بني ~~لاوى فيغسل شيوخ تلك القرية أيديهم على العجلة في الوادي ويقولون لم تسفك ~~أيدينا هذا الدم ولم تبصر أعيننا سافكه فيغفر لهم الدم ) اه . هكذا ذكرت ~~القصة بإجمال أضاع المقصود وأبهم الغرض من هذا الذبح أهو إضاعة ذلك الدم ~~باطلا أم هو عند تعذر معرفة المتهم بالقتل ؟ وكيفما كان فهذه بقرة مشروعة ~~عند كل قتل نفس جهل قاتلها وهي المشار إليها هنا ، ثم كان ما حدث من ms0580 قتل ~~القتيل الذي قتله أبناء عمه وجاءوا مظهرين المطالبة بدمه وكانت تلك النازلة ~~نزلت في يوم ذبح البقرة فأمرهم الله بأن يضربوا القتيل ببعض تلك البقرة ~~التي شأنها أن تذبح عند جهل قاتل نفس . 4 وبذلك يظهر وجه ذكرهما قصتين وقد ~~أجمل القرآن ذكر القصتين لأن موضع التذكير والعبرة منهما هو ما حدث في ~~خلالهما لا تفصيل الوقائع فكانت القصة الأولى تشريعا سيق ذكره لما قارنه من ~~تلقيهم الأمر بكثرة السؤال الدال على ضعف الفهم للشريعة وعلى تطلب أشياء لا ~~ينبغي أن يظن اهتمام التشريع بها ، وكانت القصة الثانية منة عليهم بآية من ~~آيات الله ومعجزة من معجزات رسولهم بينها الله لهم ليزدادوا إيمانا ولذلك ~~ختمت بقوله : { ويريكم آياته لعلكم تعقلون } ( البقرة : 73 ) وأتبعت بقوله ~~: { ثم قست قلوبكم من بعد ذلك } ( البقرة : 74 ) . # والتأكيد في قوله : { إن الله يأمركم } حكاية لما عبر به موسى من ~~الاهتمام بهذا الخبر الذي لو وقع في العربية لوقع مؤكدا بإن . # وقولهم : { تتخذنا هزؤا } استفهام حقيقي لظنهم أن الأمر بذبح بقرة ~~للاستبراء من دم قتيل كاللعب و { تتخذنا } بمعنى تجعلنا وسيأتي بيان أصل ~~فعل اتخذ عند قوله تعالى : { أتتخذ أصناما آلهة في سورة الأنعام ( 74 ) . # والهزؤ بضم الهمزة والزاي وبسكون الزاي مصدر هزأ به هزءا وهو هنا مصدر ~~بمعنى المفعول كالصيد والخلق . # وقرأ الجمهور ( هزؤا ) بضمتين وهمز بعد الزاي وصلا ووقفا ، وقرأ حمزة ~~بسكون الزاي وبالهمز وصلا ، ووقف عليه بتخفيف الهمز واوا وقد رسمت في ~~المصحف واوا ، وقرأ حفص بضم الزاي وتخفيف الهمز واوا في الوصل والوقف . ~~PageV01P547 # وقول موسى : أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين } تبرؤ وتنزه عن الهزء لأنه ~~لا يليق بالعقلاء الأفاضل فإنه أخص من المزح لأن في الهزؤ مزحا مع استخفاف ~~واحتقار للمزوح معه على أن المزح لا يليق في المجامع العامة والخطابة ، على ~~أنه لا يليق بمقام الرسول ولذا تبرأ منه موسى بأنه نفى أن يكون من الجاهلين ~~كناية عن نفي المزح بنفي ملزومه ، وبالغ في التنزه بقوله { أعوذ بالله } أي ms0581 ~~منه لأن العياذ بالله أبلغ كلمات النفي فإن المرء لا يعوذ بالله إلا إذا ~~أراد التغلب على أمر عظيم لا يغلبه إلا الله تعالى . وصيغة { أن أكون من ~~الجاهلين } أبلغ في انتفاء الجهالة من أن لو قال أعوذ بالله أن أجهل كما ~~سيأتي في سورة الأنعام ( 56 ) عند قوله : { وما أنا من المهتدين . # والجهل ضد العلم وضد الحلم وقد ورد لهما في كلام العرب ، فمن الأول قول ~~عمرو بن كلثوم : # ألا لا يجهلن أحد علينا # فنجهل فوق جهل الجاهلينا # ومن الثاني قول الحماسي : # فليس سواء عالم وجهول # وقول النابغة : # وليس جاهل شيء مثل من علما # # | 2 ( 68 ) قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هى قال إنه يقول إنها بقرة لا ~~فارض ولا بكر عوان بين ذالك فافعلوا ما تؤمرون } . ) 2 # جيء في مراجعتهم لنبيهم بالطريقة المألوفة في حكاية المحاورات ، وهي ~~طريقة حذف العاطف بين أفعال القول وقد بيناها لكم في قصة خلق آدم . # ومعنى { ادع لنا } يحتمل أن يراد منه الدعاء الذي هو طلب بخضوع وحرص على ~~إجابة المطلوب فيكون في الكلام رغبتهم في حصول البيان لتحصيل المنفعة ~~المرجوة من ذبح بقرة مستوفية للصفات المطلوبة في القرابين المختلفة المقاصد ~~، بنوه على ما ألفوه من الأمم عبدة الأوثان من اشتراط صفات وشروط في ~~القرابين المقربة تختلف باختلاف المقصود من الذبيحة ، ويحتمل أنهم أرادوا ~~مطلق السؤال فعبروا عنه بالدعاء لأنه طلب من الأدنى إلى الأعلى ، ويحتمل ~~أنهم أرادوا من الدعاء النداء الجهير بناء على وهمهم أن الله بعيد المكان ، ~~فسائله يجهر بصوته ، وقد نهي المسلمون عن الجهر بالدعاء في صدر الإسلام . # واللام في قوله { لنا } لام الأجل أي ادع PageV01P548 عنا ، وجزم { يبين ~~} في جواب { ادع } لتنزيل المسبب منزلة السبب ، أي إن تدعه يسمع فيبين وقد ~~تقدم . # وقوله : { ما هي } حكى سؤالهم بما يدل عليه بالسؤال ب ( ما ) في كلام ~~العرب وهو السؤال عن الصفة لأن ( ما ) يسأل بها عن الصفة ، كما يقول من ~~يسمع الناس يذكرون حاتما أو الأحنف وقد علم ms0582 أنهما رجلان ولم يعلم صفتيهما ~~ما حاتم ؟ أو ما الأحنف ؟ فيقال : كريم أو حليم . # وليس ( ما ) موضوعة للسؤال عن الجنس كما توهمه بعض الواقفين على كلام ( ~~الكشاف ) فتكلفوا لتوجيهه حيث إن جنس البقرة معلوم بأنهم نزلوا هاته البقرة ~~المأمور بذبحها منزلة فرد من جنس غير معلوم لغرابة حكمة الأمر بذبحها وظنوا ~~أن الموقع هنا للسؤال ب ( أي ) أو ( كيف ) وهو وهم نبه عليه التفتزاني في ( ~~شرح الكشاف ) واعتضد له بكلام ( المفتاح ) إذ جعل الجنس والصفة قسمين ~~للسؤال بما . # والحق أن المقام هنا للسؤال بما لأن أيا إنما يسأل بها عن مميز الشيء عن ~~أفراد من نوعه التبست به وعلامة ذلك ذكر المضاف إليه مع أي نحو : { أي ~~الفريقين خير } ( مريم : 73 ) وأي البقرتين أعجبتك وليس لنا هنا بقرات ~~معينات يراد تمييز إحداها . # وقوله : { قال إنه يقول إنها بقرة } أكد مقول موسى ومقول الله تعالى بإن ~~لمحاكاة ما اشتمل عليه كلام موسى من الاهتمام بحكاية قول الله تعالى فأكده ~~بإن ، وما اشتمل عليه مدلول كلام الله تعالى لموسى من تحقيق إرادته ذلك ~~تنزيلا لهم منزلة المنكرني لما بدا من تعنتهم وتنصلهم ، ويجوز أن يكون ~~التأكيد الذي في كلام موسى لتنزيلهم منزلة أن يكون الله قال لموسى ذلك جريا ~~على اتهامهم السابق في قولهم : { أتتخذنا هزؤا } ( البقرة : 67 ) جوابا عن ~~قوله : { إن الله يأمركم } . # ووقع قوله : { لا فارض ولا بكر } موقع الصفة لبقرة وأقحم فيه حرف ( لا ) ~~لكون الصفة بنفي وصف ثم بنفي آخر على معنى إثبات وصف واسطة بين الوصفين ~~المنفيين فلما جيء بحرف ( لا ) أجري الإعراب على ما بعده لأن ( لا ) ~~غيرعاملة شيئا فيعتبر ما قبل لا على عمله فيما بعدها سواء كان وصفا كما هنا ~~وقوله تعالى : { زيتونة لا شرقية ولا غربية } ( النور : 35 ) وقول جويرية ~~أو حويرثة بن بدر الرامي : # وقد أدركتني والحوادث جمة # أسنة قوم لا ضعاف ولا عزل PageV01P549 # أو حالا كقول الشاعر وهومن شواهد النحو : # قهرت العدا لا مستعينا بعصبة # ولكن بأنواع الخدائع والمكر # أو مضافا ms0583 كقول النابغة : # وشيمة لاوان لا واهن القوى # وجد إذا خاب المفيدون صاعد # أو خبر مبتدأ كما وقع في حديث أم زرع قول الأولى : ( لا سهل فيرتقى ، ولا ~~سمين فينتقل ) على رواية الرفع أي هو أي الزوج لا سهل ولا سمين . وجمهور ~~النحاة أن لا هذه يجب تكريرها في الخبر والنعت والحال أي بأن يكون الخبر ~~ونحوه شيئين فأكثر فإن لم يكن كذلك لم يجز إدخال ( لا ) في الخبر ونحوه ~~وجعلوا بيت جويرية أو حويرثة ضرورة وخالف فيه المبرد . وليست ( لا ) في مثل ~~هذا بعاملة عمل ليس ولا عمل إن ، وذكر النحاة لهذا الاستعمال في أحد هذين ~~البابين لمجرد المناسبة . # واعلم أن نفي وصفين بحرف ( لا ) قد يستعمل في إفادة إثبات وصف ثالث هو ~~وسط بين حالي ذينك الوصفين مثل ما في هذه الآية بدليل قوله : { عوان بين ~~ذلك } ومثل قوله تعالى : { مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء } ( ~~النساء : 143 ) وقد يستعمل في إرادة مجرد نفي ذينك الوصفين لأنهما مما يطلب ~~في الغرض الواردين فيه ولا يقصد إثبات وصف آخر وسط بينهما وهو الغالب كقوله ~~تعالى : { في سموم وحميم وظل من يحموم لا بارد ولا كريم } ( الواقعة : 42 ~~44 ) . # والفارض المسنة لأنها فرضت سنها أي قطعتها ، والفرض القطع ويقال للقديم ~~فارض . والبكر الفتية مشتقة من البكرة بالضم وهي أول النهار لأن البكر في ~~أول السنوات عمرها والعوان هي المتوسطة السن . # وإنما اختيرت لهم العوان لأنها أنفس وأقوى ولذلك جعلت العوان مثلا للشدة ~~في قول النابغة : # ومن يتربص الحدثان تنزل # بمولاه عوان غير بكر # أي مصيبة عوان أي عظيمة . ووصفوا الحرب الشديدة فقالوا : حرب عوان . # وقوله : { بين ذلك } أي بين هذين السنين ، فالإشارة للمذكور المتعدد . ~~PageV01P550 ولهذا صحت إضافة بين لاسم الإشارة كما تضاف للضمير الدال على ~~متعدد وإن كان كلمة واحدة في نحو بينها . وإفراد اسم الإشارة على التأويل ~~بالمذكور كما تقدم قريبا عند قوله تعالى : { ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات ~~الله } ( البقرة : 61 ) . # وجاء في جوابهم بهذا الإطناب ms0584 دون أن يقول من أول الجواب إنها عوان تعريضا ~~بغباوتهم واحتياجهم إلى تكثير التوصيف حتى لا يترك لهم مجالا لإعادة السؤال ~~. # فإن قلت : هم سألوا عن صفة غيرمعينة فمن أين علم موسى أنهم سألوا عن السن ~~؟ ومن أين علم من سؤالهم الآتي ب { ما هي } أيضا أنهم سألوا عن تدربها على ~~الخدمة ؟ # قلت : يحتمل أن يكون { ما هي } اختصارا لسؤالهم المشتمل على البيان وهذا ~~الاختصار من إبداع القرآن اكتفاء بما يدل عليه الجواب ، ويحتمل أن يكون ما ~~حكى في القرآن مرادف سؤالهم فيكون جواب موسى عليه السلام بذلك لعلمه بأن ~~أول ما تتعلق به أغراض الناس في معرفة أحوال الدواب هو السن فهو أهم صفات ~~الدابة ولما سألوه عن اللون ثم سألوا السؤال الثاني المبهم علم أنه لم يبق ~~من الصفات التي تختلف فيها مقاصد الناس من الدواب غير حالة الكرامة أي عدم ~~الخدمة لأن ذلك أمر ضعيف إذ قد تخدم الدابة النفيسة ثم يكرمها من يكتسبها ~~بعد ذلك فتزول آثار الخدمة وشعثها . # وقوله : { فافعلوا ما تؤمرون } الفاء للفصيحة وموقعها هنا موقع قطع العذر ~~مع الحث على الامتثال كما هي في قول عباس بن الأحنف : # قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا # ثم القفول فقد جئنا خراسانا # أي فقد حصل ما تعللتم به من طول السفر . والمعنى فبادروا إلى ما أمرتم به ~~وهو ذبح البقرة ، و ( ما ) موصولة والعائد محذوف بعد حذف جاره على طريقة ~~التوسع لأنهم يقولون أمرتك الخير ، فتوسلوا بحذف الجار إلى حذف الضمير . # وفي حث موسى إياهم على المبادرة بذبح البقرة بعدما كلفوا به من اختيارها ~~عوانا دليل على أنهم مأمورون بذبح بقرة ما غير مراد منها صفة مقيدة لأنه ~~لما أمرهم بالمبادرة بالذبح حينئذ علمنا وعلموا أن ما كلفوا به بعد ذلك من ~~طلب أن تكون صفراء فاقعة وأن تكون PageV01P551 سالمة من آثار الخدمة ليس ~~مما أراده الله تعالى عند تكليفهم أول الأمر وهو الحق ، إذ كيف تكون تلك ~~الأوصاف مرادة مع أنها أوصاف طردية لا أثر ms0585 لها في حكمة الأمر بالذبح لأنه ~~سواء كان أمرا بذبحها للصدقة أو للقربان أو للرش على النجس أو للقسامة فليس ~~لشيء من هاته الصفات مناسبة للحكم ، وبذلك يعلم أن أمرهم بهاته الصفات كلها ~~هو تشريع طارىء قصد منه تأديبهم على سؤالهم فإن كان سؤالهم للمطل والتنصل ~~فطلب تلك الصفات المشقة عليهم تأديب على سوء الخلق والتذرع للعصيان ، وإن ~~كان سؤالا ناشئا عن ظنهم أن الاهتمام بهاته البقرة يقتضي أن يراد منها صفات ~~نادرة كما هو ظاهر قولهم بعد : { وإنا إن شاء الله لمهتدون } ( البقرة : 70 ~~) فتكليفهم بهاته الصفات العسير وجودها مجتمعة تأديب علمي على سوء فهمهم في ~~التشريع كما يؤدب طالب العلم إذا سأل سؤالا لايليق برتبته في العلم . وقد ~~قال عمر لأبي عبيدة في واقعة الفرار من الطاعون ( لو غيرك قالها يا أبا ~~عبيدة ) . ومن ضروب التأديب الحمل على عمل شاق ، وقد أدب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عمه عباسا رضي الله عنه على الحرص حين حمل من خمس مال ~~المغنم أكثر من حاجته فلم يستطع أن يقله فقال له : مر أحدا رفعه لي فقال : ~~لا آمر أحدا فقال له : ارفعه أنت لي فقال : لا ، حتى جعل العباس يحثو من ~~المال ويرجعه لصبرته إلى أن استطاع أن يحمل ما بقي فذهب والنبيء صلى الله ~~عليه وسلم يتبعه بصره تعجبا من حرصه كما في ( صحيح البخاري ) . # ومما يدل على أنه تكليف لقصد التأديب أن الآية سيقت مساق الذم لهم ، وعدت ~~القصة في عداد قصص مساويهم وسوء تلقيهم للشريعة بأصناف من التقصير عملا ~~وشكرا وفهما بدليل قوله تعالى آخر الآيات : { وما كادوا يفعلون } ( البقرة ~~: 71 ) مع ما روي عن ابن عباس أنه قال : لو ذبحوا أي بقرة أجزأتهم ولكن ~~شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم . # وبهذا تعلمون أن ليس في الآية دليل على تأخير البيان عن وقت الخطاب ولا ~~على وقوع النسخ قبل التمكن لأن ما طرأ تكليف خاص للإعنات ، على أن الزيادة ~~على النص ليست بنسخ عند المحققين ، وتسميتها ms0586 بالنسخ اصطلاح القدماء . # PageV01P552 # | 2 ( 69 ) { قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها ~~بقرة صفرآء فاقع لونها تسر الناظرين } . ) 2 # سألوا ب ( ما ) عن ماهية اللون وجنسه لأنه ثاني شيء تتعلق به أغراض ~~الراغبين في الحيوان . والقول في جزم : { يبين } وفي تأكيد { إنه يقول إنها ~~بقرة } كالقول في الذي تقدم . # وقوله : { صفراء فاقع لونها } احتيج إلى تأكيد الصفرة بالفقوع وهو شدة ~~الصفرة لأن صفرة البقر تقرب من الحمرة غالبا فأكده بفاقع والفقوع خاص ~~بالصفرة ، كما اختص الأحمر بقان والأسود بحالك ، والأبيض بيقق ، والأخضر ~~بمدهام ، والأورق بخطباني ( نسبة إلى الخطبان بضم الخاء وهو نبت كالهليون ) ~~، والأرمك وهو الذي لونه لون الرماد برداني ( براء في أوله ) والردان ~~الزعفران كذا في الطيبي ( ووقع في ( الكشاف ) و ( الطيبي ) بألف بعد الدال ~~ووقع في ( القاموس ) أنه بوزن صاحب ) وضبط الراء في نسخة من ( الكشاف ) ~~ونسخة من ( حاشية القطب ) عليه ونسخة من ( حاشية الهمداني ) عليه بشكل ضمة ~~على الراء وهو مخالف لما في ( القاموس ) . # والنصوع يعم جميع الألوان ، وهوخلوص اللون من أن يخالطه لون آخر . # ولونها إما فاعل بفاقع أو مبتدأ مؤخر وإضافته لضمير البقرة دلت على أنه ~~اللون الأصفر فكان وصفه بفاقع وصفا حقيقيا ولكن عدل عن أن يقال صفراء فاقعة ~~إلى { صفراء فاقع لونها } ليحصل وصفها بالفقوع مرتين إذ وصف اللون بالفقوع ~~، ثم لما كان اللون مضافا لضمير الصفراء كان ما يجري عليه من الأوصاف جاريا ~~على سببيه ( على نحوما قاله صاحب ( المفتاح ) في كون المسند فعلا من أن ~~الفعل يستند إلى الضمير ابتداء ثم بواسطة عود ذلك الضمير إلى المبتدأ يستند ~~إلى المبتدأ في الدرجة الثانية ) وقد ظن الطيبي في ( شرح الكشاف ) أن كلام ~~صاحب ( الكشاف ) مشير إلى أن إسناد ( فاقع ) للونها مجاز عقلي وهو وهم إذ ~~ليس من المجاز العقلي في شيء . وأما تمثيل صاحب ( الكشاف ) بقوله جد جده ~~فهو تنظير في مجرد إفادة التأكيد . # وقوله : { تسر الناظرين } أي تدخل رؤيتها عليهم مسرة في نفوسهم ، والمسرة ~~لذة نفسية ms0587 تنشأ عن الإحساس بالملائم أو عن اعتقاد حصوله ومما يوجبها التعجب ~~من الشيء والإعجاب به . وهذا اللون من أحسن ألوان البقر فلذلك أسند فعل { ~~تسر } إلى ضمير البقرة لا إلى ضمير اللون فلا يقتضي أن لون الأصفر مما يسر ~~الناظرين مطلقا . والتعبير بالناظرين دون الناس ونحوه PageV01P553 للإشارة ~~إلى أن المسرة تدخل عليهم عند النظر إليها من باب استفادة التعليل من ~~التعليق بالمشتق . # # | 2 ( 70 ، 71 ) { لله قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هى إن البقر تشابه ~~علينا وإنآ إن شآء الله لمهتدون * قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير ~~الارض ولا تسقى الحرث مسلمة لا شية فيها قالوا الئان جئت بالحق فذبحوها وما ~~كادوا يفعلون } . ) 2 # { قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هى إن البقر تشابه علينا وإنآ إن شآء ~~الله لمهتدون } { قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الارض ولا تسقى ~~الحرث مسلمة لا شية فيها قالوا الئان جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون } ~~. # القول في { ما هي } كالقول في نظيره ، فإن كان الله تعالى حكى مرادف ~~كلامهم بلغة العرب فالجواب لهم ب { أنها بقرة لا ذلول } لما علم من أنه لم ~~يبق من الصفات التي تتعلق الأغراض بها إلا الكرامة والنفاسة ، وإن كان ~~المحكي في القرآن اختصارا لكلامهم فالأمر ظاهر . على أن الله قد علم مرادهم ~~فأنبأهم به . # وجملة { إن البقرة تشابه علينا } مستأنفة استئنافا بيانيا لأنهم علموا أن ~~إعادتهم السؤال توقع في نفس موسى تساؤلا عن سبب هذا التكرير في السؤال ، ~~وقولهم { إن البقرة تشابه علينا } اعتذار عن إعادة السؤال ، وإنما لم ~~يعتذروا في المرتين الأوليين واعتذروا الآن لأن للثالثة في التكرير وقعا في ~~النفس في التأكيد والسآمة وغير ذلك ولذلك كثر في أحوال البشر وشرائعهم ~~التوقيت بالثلاثة . # وقد جيء بحرف التأكيد في خبر لا يشك موسى في صدقه فتعين أن يكون الإتيان ~~بحرف التأكيد لمجرد الاهتمام ثم يتوسل بالاهتمام إلى إفادة معنى التفريع ~~والتعليل فتفيد ( إن ) مفاد فاء التفريع والتسبب وهو ما ms0588 اعتنى الشيخ عبد ~~القاهر بالتنبيه عليه في ( دلائل الإعجاز ) ومثله بقول بشار : # بكرا صاحبي قبل الهجير # إن ذاك النجاح في التبكير # تقدم ذكرها عند قوله تعالى : { إنك أنت العليم الحكيم } ( البقرة : 32 ) ~~في هذه السورة وذكر فيه قصة . # وقولهم : { وإنا إن شاء الله لمهتدون تنشيط لموسى ووعد له بالامتثال ~~لينشط إلى دعاء ربه بالبيان ولتندفع عنه سآمة مراجعتهم التي ظهرت بوارقها ~~في قوله : فافعلوا ما تؤمرون } ( البقرة : 68 ) ولإظهار حسن المقصد من كثرة ~~السؤال وأن ليس قصدهم الإعنات . تفاديا من غضب موسى عليهم . # والتعليق ب { إن شاء الله } للتأدب مع الله في رد الأمر إليه في طلب حصول ~~الخير . # والقول في وجه التأكيد في { إنه يقول إنها بقرة } كالقول في نظيره الأول ~~. PageV01P554 # والذلول بفتح الذال فعول من ذل ذلا بكسر الذال في المصدر بمعنى لان وسهل ~~. وأما الذل بضم الذال فهو ضد العز وهما مصدران لفعل واحد خص الاستعمال أحد ~~المصدرين بأحد المعنيين . والمعنى إنها لم تبلغ سن أن يحرث عليها وأن يسقى ~~بجرها أي هي عجلة قاربت هذا السن وهو الموافق لما حدد به سنها في التوراة . # و { لا ذلول } صفة لبقرة . وجملة { تثير الأرض } حال من { ذلول } . # وإثارة الأرض حرثها وقلب داخل ترابها ظاهرا وظاهره باطنا ، أطلق على ~~الحرث فعل الإثارة تشبيها لانقلال أجزاء الأرض بثورة الشيء من مكانه إلى ~~مكان آخر كما قال تعالى : { فتثير سحابا } ( الروم : 48 ) أي تبعثه وتنقله ~~ونظير هذا الاستعمال قوله في سورة الروم ( 9 ) : { وأثاروا الأرض ولا تسقي ~~الحرث } في محل نصب على الحال . # وإقحام ( لا ) بعد حرف العطف في قوله : { ولا تسقي الحرث } مع أن حرف ~~العطف على المنفي بها يغني عن إعادتها إنما هو لمراعاة الاستعمال الفصيح في ~~كل وصف أو ما في معناه أدخل فيه حرف لا كما تقدم في قوله تعالى : { لا فارض ~~ولا بكر } ( البقرة : 68 ) فإنه لما قيدت صفة ذلول بجملة تسقى الحرث صار ~~تقدير الكلام أنها بقرة لا تثير الأرض ولا تسقي الحرث فجرت الآية ms0589 على ~~الاستعمال الفصيح من إعادة ( لا ) وبذلك لم تكن في هذه الآية حجة للمبرد ~~كما يظهر بالتأمل . # واختير الفعل المضارع في ( تثير ) و ( تسقي ) لأنه الأنسب بذلول إذ الوصف ~~شبيه بالمضارع ولأن المضارع دال على الحال . # و ( مسلمة ) أي سليمة من عيوب نوعها فهو اسم مفعول من سلمت المبني ~~للمفعول وكثيرا ما تذكر الصفات التي تعرض في أصل الخلقة بصيغة البناء ~~للمجهول في الفعل والوصف إذ لا يخطر على باب المتكلم تعيين فاعل ذلك ، ومن ~~هذا معظم الأفعال التي التزم فيها البناء للمجهول . # وقوله : { لا شية فيها } صفة أخرى تميز هذه البقرة عن غيرها . والشية ~~العلامة وهي بزنة فعلة من وشى الثوب إذا نسجه ألوانا وأصل شية وشية ويقول ~~العرب ثوب موشى وثوب وشي ، ويقولون : ثور موشى الأكارع لأن في أكارع ثور ~~الوحش سواد يخالط صفرته فهو ثور أشية ونظائره قولهم فرس أبلق ، وكبش أدرع ، ~~وتيس أزرق وغراب أبقع ، بمعنى مختلط لونين . # وقوله : { قالوا الآن جئت بالحق } أرادوا بالحق الأمر الثابت الذي لا ~~احتمال فيه كما تقول جاء بالأمر على وجهه ، ولم يريدوا من الحق ضد الباطل ~~لأنهم ما كانوا يكذبون نبيهم . PageV01P555 # فإن قلت : لماذا ذكر هنا بلفظ الحق ؟ وهلا قيل قالوا : الآن جئت بالبيان ~~أو بالثبت ؟ # قلت : لعل الآية حكت معنى ما عبر عنه اليهود لموسى بلفظ هو في لغتهم ~~محتمل للوجهين فحكى بما يرادفه من العربية تنبيها على قلة اهتمامهم بانتقاء ~~الألفاظ النزيهة في مخاطبة أنبيائهم وكبرائهم كما كانوا يقولون للنبيء صلى ~~الله عليه وسلم { راعنا } ، فنهينا نحن عن أن نقوله بقوله تعالى : { يا ~~أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا } ( البقرة : 104 ) وهم ~~لقلة جدارتهم بفهم الشرائع قد توهموا أن في الأمر بذبح بقرة دون بيان ~~صفاتها تقصيرا كأنهم ظنوا الأمر بالذبح كالأمر بالشراء فجعلوا يستوصفونها ~~بجميع الصفات واستكملوا موسى لما بين لهم الصفات التي تختلف بها أغراض ~~الناس في الكسب للبقر ظنا منهم أن في علم النبيء بهذه الأغراض الدنيوية ~~كمالا فيه ، فلذا مدحوه بعد ms0590 البيان بقولهم { الآن جئت بالحق } كما يقول ~~الممتحن للتلميذ بعد جمع صور السؤال : الآن أصبت الجواب ، ولعلهم كانوا لا ~~يفرقون بين الوصف الطردي وغيره في التشريع ، فليحذر المسلمون أن يقعوا في ~~فهم الدين على شيء مما وقع فيه أولئك وذموا لأجله . # # | 2 ( { فذبحوها وما كادوا يفعلون } . ) 2 # عطفت الفاء جملة { فذبحوها } على مقدر معلوم وهو فوجدوها أو فظفروا بها ~~أو نحو ذلك وهذا من إيجاز الحذف الاقتصاري ، ولما ناب المعطوف في الموقع عن ~~المعطوف عليه صح أن نقول الفاء فيه للفصيحة لأنها وقعت موقع جملة محذوفة ~~فيها فاء للفصيحة ولك أن تقول إن فاء الفصيحة ما أفصحت عن مقدر مطلقا كما ~~تقدم . # وقوله : { وما كادوا يفعلون } تعريض بهم بذكر حال من سوء تلقيهم الشريعة ~~، تارة بالإعراض والتفريط ، وتارة بكثرة التوقف والإفراط ، وفيه تعليم ~~للمسلمين بأصول التفقه في الشريعة ، والأخذ بالأوصاف المؤثرة في معنى ~~التشريع دون الأوصاف الطردية ، ولذلك قال ابن عباس : لو ذبحوا أية بقرة ~~لأجزأتهم ولكن شددوا فشدد الله عليهم . وروى ابن مردويه والبزار وابن أبي ~~حاتم بسندهم إلى الحسن البصري عن رافع عن أبي هريرة أن النبيء صلى الله ~~عليه وسلم قال : ( لو اعترضوا أدنى بقرة فدبحوها لكفتهم ولكن شددوا فشدد ~~الله عليهم ) وفي سنده عبادة بن منصور وهوضعيف ، وكان النبيء صلى الله عليه ~~وسلم ينهى أصحابه عن كثرة السؤال وقال : ( فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة ~~مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم ) وبين للذي سأله عن اللقطة ما يفعله في ~~شأنها فقال PageV01P556 السائل : فضالة الغنم قال : ( هي لك أو لأخيك أو ~~للذئب ، قال السائل فضالة الإبل فغضب رسول الله وقال مالك ولها ، معها ~~حذاؤها وسقاؤها تشرب الماء وترعى الشجر حتى يأتيها ربها ) . # وجملة : { وما كادوا يفعلون } تحتمل الحال والاستئناف ، والأول أظهر لأنه ~~أشد ربطا للجملة وذلك أصل الجمل أي ذبحوها في حال تقرب من حال من لا يفعل ، ~~والمعنى أنهم ذبحوها مكرهين أو كالمكرهين لما أظهروا من المماطلة وبذلك ~~يكون وقت الذبح ووقت الاتصاف بمقاربة انتفائه وقتا متحدا اتحادا ms0591 عرفيا بحسب ~~المقامات الخطابية للإشارة إلى أن مماطلتهم قارنت أول أزمنة الذبح . وعلى ~~الاستئناف يصح اختلاف الزمنين أي فذبحوها عند ذلك أي عند إتمام الصفات ، ~~وكان شأنهم قبل ذلك شأن من لم يقارب أن يفعل . # ثم إن { ما كادوا يفعلون } يقتضي بحسب الوضع نفي مدلول كاد فإن مدلولها ~~المقاربة ونفي مقاربة الفعل يقتضي عدم وقوعه بالأولى فيقال أنى يجتمع ذلك ~~مع وقوع ذبحها بقوله : { فذبحوها } ؟ فأما على وجه الاستئناف فيمكن الجواب ~~بأن نفي مقاربة الفعل كان قبل الذبح حين كرروا السؤال وأظهروا المطال ثم ~~وقع الذبح بعد ذلك ، وقد أجاب بمثل هذا جماعة يعنون كأن الفعل وقع فجأة بعد ~~أن كانوا بمعزل عنه على أنه مبني على جعل الواو استئنافا وقد علمتم بعده . # فالوجه القالع للإشكال هو أن أئمة العربية قد اختلفوا في مفاد كاد ~~المنفية في نحو ما كاد يفعل فذهب قوم منهم الزجاجي إلى أن نفيها يدل على ~~نفي مقاربة الفعل وهو دليل على انتفاء وقوع الفعل بالأولى فيكون إثبات كاد ~~نفيا لوقوع الخبر الذي في قولك كاد يقوم أي قارب فإنه لا يقال إلا إذا قارب ~~ولم يفعل ونفيها نفيا للفعل بطريق فحوى الخطاب فهو كالمنطوق وأن ما وردمما ~~يوهم خلاف ذلك مؤول بأنه باعتبار وقتين فيكون بمنزلة كلامين ومنه قوله ~~تعالى : { وما كادوا يفعلون } في هذه الآية أي فذبحوها الآن وما كادوا ~~يفعلون قبل ذلك ، ولعلهم يجعلون الجمع بين خبرين متنافيين في الصورة قرينة ~~على قصد زمانين ، وإلى هذا ذهب ابن مالك في ( الكافية ) إذ قال : # وبثبوت كاد ينفى الخبر # وحين ينفى كاد ذاك أجدر # وغير ذا على كلامين يرد # كولدت هند ولم تكد تلد PageV01P557 # وهذا المذهب وقوف مع قياس الوضع . # وذهب قوم إلى أن إثبات كاد يستلزم نفي الخبر على الوجه الذي قررناه في ~~تقرير المذهب الأول وأن نفيها يصير إثباتا على خلاف القياس وقد اشتهر هذا ~~بين أهل الأعراب حتى ألغز فيه أبو العلاء المعري بقوله : # أنحوي هذا العصر ما هي لفظة # أنت في ms0592 لساني جرهم وثمود # إذا استعملت في صورة الجحد أثبتت # وإن أثبتت قامت مقام جحود # وقد احتجوا لذلك بقوله تعالى : { فذبحوها وما كادوا يفعلون } وهذا من ~~غرائب الاستعمال الجاري على خلاف الوضع اللغوي . # وقد جرت في هذا نادرة أدبية ذكرها الشيخ عبد القاهر في ( دلائل الإعجاز ) ~~وهي أن عنبسة العنسي الشاعر قال : قدم ذو الرمة الكوفة فوقف على ناقته ~~بالكناسة ينشد قصيدته الحائية التي أولها : # أمنزلتي مي سلام عليكم # على النأي والنائي يود وينصح # حتى بلغ قوله فيها : # إذا غير النأي المحبين لم يكد # رسيس الهوى من حب مية يبرح # وكان في الحاضرين ابن شبرمة فناداه ابن شبرمة يا غيلان أراه قد برح قال : ~~فشنق ناقته وجعل يتأخر بها ويتفكر ثم قال : ( لم أجد ) عوض ( لم يكد ) قال ~~عنبسة : فلما انصرفت حدثت أبي فقال لي : أخطأ ابن شبرمة حين أنكر على ذي ~~الرمة ، وأخطأ ذو الرمة حين غير شعره لقول ابن شبرمة : إنما هذا كقول الله ~~تعالى : { ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها } ( النور : 40 ) ~~وإنما هو لم يرها ولم يكد . # وذهب قوم منهم أبو الفتح بن جني وعبد القاهر وابن مالك في ( التسهيل ) ~~إلى أن أصل كاد أن يكون نفيها لنفي الفعل بالأولى كما قال الجمهور إلا أنها ~~قد يستعمل نفيها للدلالة على وقوع الفعل بعد بطء وجهد وبعد أن كان بعيدا في ~~الظن أن يقع وأشار عبد القاهر إلى أن ذلك استعمال جرى في العرف وهو يريد ~~بذلك أنها مجاز تمثيلي بأن تشبه حالة من فعل الأمر بعد عناء بحالة من بعد ~~عن الفعل فاستعمل المركب الدال على حالة المشبه به في حالة المشبه ، ولعلهم ~~يجعلون نحو قوله { فذبحوها } قرينة على هذا القصد . قال في ( التسهيل ) : ( ~~وتنفي كاد إعلاما PageV01P558 بوقوع الفعل عسيرا أو بعدمه وعدم مقاربته ) ~~واعتذر في { شرحه للتسهيل } عن ذي الرمة في تغييره بيته بأنه غيره لدفع ~~احتمال هذا الاستعمال . # وذهب قوم إلى أن كاد إن نفيت بصيغة المضارع فهي لنفي المقاربة وإن ms0593 نفيت ~~بصيغة الماضي فهي للإثبات وشبهته أن جاءت كذلك في الآيتين { لم يكد يراها } ~~( النور : 40 ) { وما كادوا يفعلون وأن نفي الفعل الماضي لا يستلزم ~~الاستمرار إلى زمن الحال بخلاف نفي المضارع . وزعم بعضهم أن قولهم ما كاد ~~يفعل وهم يريدون أنه كاد ما يفعل إن ذلك من قبيل القلب الشائع . # وعندي أن الحق هو المذهب الثاني وهو أن نفيها في معنى الإثبات وذلك لأنهم ~~لما وجدوها في حالة الإثبات مفيدة معنى النفي جعلوا نفيها بالعكس كما فعلوا ~~في لو ولولا ويشهد لذلك مواضع استعمال نفيها فإنك تجد جميعها بمعنى مقاربة ~~النفي لا نفي المقاربة ولعل ذلك من قبيل القلب المطرد فيكون قولهم ما كاد ~~يفعل ولم يكد يفعل بمعنى كاد ما يفعل ، ولا يبعد أن يكون هذا الاستعمال من ~~بقايا لغة قديمة من العربية تجعل حرف النفي الذي حقه التأخير مقدما ولعل ~~هذا الذي أشار إليه المعري بقوله : جرت في لساني جرهم وثمود ويشهد لكون ذلك ~~هو المراد تغيير ذي الرمة بيته وهو من أهل اللسان وأصحاب الذوق ، فإنه وإن ~~كان من عصر المولدين إلا أنه لانقطاعه إلى سكنى باديته كان في مرتبة شعراء ~~العرب حتى عد فيمن يحتج بشعره ، وما كان مثله ليغير شعره بعد التفكر لو كان ~~لصحته وجه فما اعتذر به عنه ابن مالك في شرح التسهيل } ضعيف . وأما دعوى ~~المجاز فيه فيضعفها اطراد هذا الاستعمال حتى في آية { لم يكد يراها } فإن ~~الواقف في الظلام إذا مد يده يراها بعناء وقال تأبط شرا ( فأبت إلى فهم وما ~~كدت آيبا ) وقال تعالى : { ولا يكاد يبين } ( الزخرف : 52 ) . وإنما قال : ~~{ وما كادوا يفعلون ولم يقل يذبحون كراهية إعادة اللفظ تفننا في البيان . # # | 2 ( 72 ، 73 ) وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون ~~* فقلنا اضربوه ببعضها كذالك يحى الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون } ~~. ) 2 # تصديره بإذ على طريقة حكاية ما سبق من تعداد النعم والألطاف ومقابلتهم ~~إياها بالكفران والاستخفاف يومىء إلى أن هذه قصة ms0594 غير قصة الذبح ولكنها حدثت ~~عقب الأمر بالذبح PageV01P559 لإظهار شيء من حكمة ذلك الأمر الذي أظهروا ~~استنكاره عند سماعه إذ قالوا { أتتخذنا هزؤا } ( البقرة : 67 ) وفي ذلك ~~إظهار معجزة لموسى . وقد قيل إن ما حكى في هذه الآية هو أول القصة وإن ما ~~تقدم هو آخرها ، وذكروا للتقديم نكتة تقدم القول في بيانها وتوهينها . # وليس فيما رأيت من كتب اليهودما يشير إلى هذه القصة فلعلها مما أدمج في ~~قصة البقرة المتقدمة لم تتعرض السورة لذكرها لأنها كانت معجزة لموسى عليه ~~السلام ولم تكن تشريعا بعده . # وأشار قوله : { قتلتم } إلى وقوع قتل فيهم وهي طريقة القرآن في إسناد ~~أفعال البعض إلى الجميع جريا على طريقة العرب في قولهم : قتلت بنو فلان ~~فلانا ، قال النابغة يذكر بني حن : # وهم قتلوا الطائي بالجو عنوة # أباجابر واستنكحوا أم جابر # وذلك أن نفرا من اليهود قتلوا ابن عمهم الوحيد ليرثوا عمهم وطرحوه في ~~محلة قوم وجاءوا موسى يطالبون بدم ابن عمهم بهتانا وأنكر المتهمون فأمره ~~الله بأن يضرب القتيل ببعض تلك البقرة فينطق ويخبر بقاتله ، والنفس الواحد ~~من الناس لأنه صاحب نفس أي روح وتنفس وهي مأخوذة من التنفس وفي الحديث ( ما ~~من نفس منفوسة ) ولإشعارها بمعنى التنفس اختلف في جواز إطلاق النفس على ~~الله وإضافتها إلى الله فقيل يجوز لقوله تعالى حكاية عن كلام عيسى : { تعلم ~~ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك } ( المائدة : 116 ) ولقوله في الحديث ~~القدسي : ( وإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ) وقيل : لا يجوز إلا للمشاكلة ~~كما في الآية والحديث القدسي والظاهر الجواز ولا عبرة بأصل مأخذ الكلمة من ~~التنفس فالنفس الذات قال تعالى : { يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها } ( ~~النحل : 111 ) . وتطلق النفس على روح الإنسان وإدراكه ومنه قوله تعالى : { ~~تعلم ما في نفسي } وقول العرب قلت في نفسي أي في تفكري دون قول لفظي ، ومنه ~~إطلاق العلماء الكلام النفسي على المعاني التي في عقل المتكلم التي يعبر ~~عنها باللفظ . # و ( ادارأتم ) افتعال ، وادارأتم أصله تدارأتم ms0595 تفاعل من الدرء وهو الدفع ~~لأن كل فريق يدفع الجناية عن نفسه فلما أريد إدغام التاء في الدال على ~~قاعدة تاء الافتعال مع الدال والذال جلبت همزة الوصل لتيسير التسكين ~~للإدغام . # وقوله : { والله مخرج } جملة حالية من { ادارأتم } أي تدارأتم في حال أن ~~الله سيخرج ما كتمتموه فاسم الفاعل فيه للمستقبل باعتبار عامله وهو { ~~ادارأتم } . PageV01P560 # والخطاب هنا على نحو الخطاب في الآيات السابقة المبني على تنزيل ~~المخاطبين منزلة أسلافهم لحمل تبعتهم عليهم بناء على ما تقرر من أن خلق ~~السلف يسري إلى الخلف كما بيناه فيما مضى وسنبينه إن شاء الله تعالى عند ~~قوله : { أفتطمعون أن يؤمنوا لكم } ( البقرة : 75 ) . # وإنما تعلقت إرادة الله تعالى بكشف حال قاتلي هذا القتيل مع أن دمه ليس ~~بأول دم طل في الأمم إكراما لموسى عليه السلام أن يضيع دم في قومه وهو بين ~~أظهرهم وبمرأى منه ومسمع لا سيما وقد قصد القاتلون استغفال موسى ودبروا ~~المكيدة في إظهارهم المطالبة بدمه فلو لم يظهر الله تعالى هذا الدم في أمة ~~لضعف يقينها برسولها ولكان ذلك مما يزيدهم شكا في صدقه فينقلبوا كافرين ~~فكان إظهار هذا الدم كرامة لموسى ورحمة بالأمة لئلا تضل فلا يشكل عليكم أنه ~~قد ضاع دم في زمن نبينا صلى الله عليه وسلم كما في حديث حويصة ومحيصة الآتي ~~لظهور الفرق بين الحالين بانتفاء تدبير المكيدة وانتفاء شك الأمة في رسولها ~~وهي خير أمة أخرجت للناس . # وقوله : { كذلك يحي الله الموتى } الإشارة إلى محذوف للإيجاز أي فضربوه ~~فحيي فأخبر بمن قتله أي كذلك الإحياء يحي الله الموتى فالتشبيه في التحقق ~~وإن كانت كيفية المشبه أقوى وأعظم لأنها حياة عن عدم بخلاف هاته فالمقصد من ~~التشبيه بيان إمكان المشبه كقول المتنبي : # فإن تفق الأنام وأنت منهم # فإن المسك بعض دم الغزال # وقوله : { كذلك يحي الله الموتى } من بقية المقول لبني إسرائيل فيتعين أن ~~يقدر وقلنا لهم كذلك يحي الله الموتى لأن الإشارة لشيء مشاهد لهم وليس هو ~~اعتراضا أريد به مخاطبة الأمة ms0596 الإسلامية لأنهم لم يشاهدوا ذلك الإحياء حتى ~~يشبه به إحياء الله الموتى . # وقوله : { لعلكم تعقلون } رجاء لأن يعقلوا فلم يبلغ الظن بهم مبلغ القطع ~~مع هذه الدلائل كلها . # وقد جرت عادة فقهائنا أن يحتجوا بهذه الآية على مشروعية اعتبار قول ~~المقتول : دمي عند فلان موجبا للقسامة ويجعلون الاحتجاج بها لذلك متفرعا ~~على الاحتجاج بشرع من قبلنا ، وفي ذلك تنبيه على أن محل الاستدلال بهذه ~~الآية على مشروعية ذلك هو أن إحياء الميت لم يقصد منه إلا سماع قوله فدل ~~على أن قول المقتول كان معتبرا في أمر الدماء . والتوراة قد أجملت أمر ~~الدماء إجمالا شديدا في قصة ذبح البقرة التي قدمناها ، نعم إن الآية لا تدل ~~على PageV01P561 وقوع القسامة مع قول المقتول ولكنها تدل على اعتبار قول ~~المقتول سببا من أسباب القصاص ، ولما كان الظن بتلك الشريعة أن لا يقتل أحد ~~بمجرد الدعوى من المطعون تعين أن هنالك شيئا تقوى به الدعوى وهو القسامة . # وقد أورد على احتجاج المالكية بها أن هذا من خوارق العادات وهي لا تفيد ~~أحكاما وأجاب ابن العربي بأن المعجزة في إحياء الميت فلما حيي صار كلامه ~~ككلام سائر الأحياء ، وهو جواب لطيف لكنه غير قاطع . # والخلاف في القضاء بالقسامة إثباتا ونفيا وفي مقدار القضاء بها مبسوط في ~~كتب الفقه وقد تقصاه القرطبي وليس من أغراض الآية . # # | 2 ( 74 ) { ثم قست قلوبكم من بعد ذالك فهى كالحجارة أو أشد قسوة وإن من ~~الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه المآء وإن منها ~~لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما تعملون } . ) 2 # ( ثم ) هنا للترتيب الرتبي الذي تتهيأ له ( ثم ) إذا عطفت الجمل ، أي ومع ~~ذلك كله لم تلن قلوبكم ولم تنفعكم الآيات { فقست قلوبكم } وكان من البعيد ~~قسوتها . # وقوله : { من بعد ذلك } زيادة تعجيب من طرق القساوة للقلب بعد تكرر جميع ~~الآيات السابقة المشار إلى مجموعها بذلك على حد قول القطامي : # أكفرابعد رد الموتت عني # وبعد عطائك المائة الرتاعا # أي ms0597 كيف أكفر نعمتك أي لا أكفرها مع إنجائك لي من الموت إلخ . ووجه ~~استعمال ( بعد ) في هذا المعنى أنها مجاز في معنى ( مع ) لأن شأن المسبب ، ~~أن يتأخر عن السبب ولما لم يكن المقصد التنبيه على تأخره للعلم بذلك وأريد ~~التنبيه على أنه معه إثباتا أو نفيا عبر ببعد عن معنى ( مع ) مع الإشارة ~~إلى التأخر الرتبي . # والقسوة والقساوة توصف بها الأجسام وتوصف بها النفوس المعبر عنها بالقلوب ~~فالمعنى الجامع للوصفين هو عدم قبول التحول عن الحالة الموجودة إلى حالة ~~تخالفها . وسواء كانت القساوة موضوعة للقدر المشترك بين هذين المعنيين ~~الحسي والقلبي وهو احتمال ضعيف أم كانت موضوعة للأجسام حقيقة واستعملت في ~~القلوب مجازا وهو الصحيح ، فقد شاع هذا PageV01P562 المجاز حتى ساوى ~~الحقيقة وصار غير محتاج إلى القرينة فآل اللفظ إلى الدلالة على القدر ~~المشترك بالاستعمال لا بأصل الوضع وقد دل على ذلك العطف في قوله : { أو أشد ~~قسوة } كما سيأتي . # وقوله : { فهي حجارة } تشبيه فرع بالفاء لإرادة ظهور التشبيه بعدحكاية ~~الحالة المعبر عنها بقست لأن القسوة هي وجه الشبه ولأن أشهر الأشياء في هذا ~~الوصف هو الحجر فإذا ذكرت القسوة فقد تهيأ التشبيه بالحجر ولذا عطف بالفاء ~~أي إذا علمت أنها قاسية فشبهها بالحجارة كقول النابغة يصف الحجيج : # عليهن شعث عامدون لربهم # فهن كأطراف الحني خواشع # وقد كانت صلابة الحجر أعرف للناس وأشهر لأنها محسوسة فلذلك شبه بها ، ~~وهذا الأسلوب يسمى عندي تهيئة التشبيه وهو من محاسنه ، وإذا تتبعت أساليب ~~التشبيه في كلامهم تجدها على ضربين ضرب لا يهيأ فيه التشبيه وهو الغالب ~~وضرب يهيأ فيه كما هنا والعطف بالفاء في مثله حسن جدا وأما أن يأتي المتكلم ~~بما لا يناسب التشبيه فذلك عندي يعد مذموما . وقد رأيت بيتا جمع تهيئة ~~التشبيه والبعد عنه وهو قول ابن نباتة : # في الريق سكر وفي الأصداغ تجعيد # هذا المدام وهاتيك العناقيد # فإنه لما ذكر السكر تهيأ التشبيه بالخمر ولكن قوله : تجعيد لا يناسب ~~العناقيد . # فإن قلت لم عددته مذموما وما هو إلا ms0598 كتجريد الاستعارة ؟ # قلت : لا لأن التجريد يجيء بعد تكرر الاستعارة وعلم بها فيكون تفننا ~~لطيفا بخلاف ما يجيء قبل العلم بالتشبيه . # وقوله : { أو أشد قسوة } مرفوع على أنه خبر مبتدأ دل عليه قوله : { فهي ~~كالحجارة } و ( أو ) بمعنى بل الانتقالية لتوفر شرطها وهوكون معطوفها جملة ~~. وهذا المعنى متولدمن معنى التخيير الموضوعة له ( أو ) لأن الانتقال ينشأ ~~عن التخيير فإن القلوب بعد أن شبهت بالحجارة وكان الشأن يكون المشبه أضعف ~~في الوصف من المشبه به يبنى على ذلك ابتداء التشبيه بما هو أشهر ثم عقب ~~التشبيه بالترقي إلى التفضيل في وجه الشبه على حد قول ذي الرمة : ~~PageV01P563 # بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى # وصورتها أو أنتت في العين أملح # فليست ( أو ) للتخيير في التشبيه أي ليست عاطفة على قوله الحجارة ~~المجرورة بالكاف لأن تلك لها موقع ما إذا كرر المشبه به كما قدمناه عند ~~قوله تعالى : { أو كصيب من السماء } ( البقرة : 19 ) . ويجوز أن تكون ~~للتخيير في الأخبار عطفا على الخبر الذي هو { كالحجارة } أي فهي مثل ~~الحجارة أو هي أقوى من الحجارة والمقصود من التخيير أن المتكلم يشير إلى ~~أنه لا يرمي بكلامه جزافا ولا يذمهم تحاملا بل هومتثبت متحر في شأنهم فلا ~~يثبت لهم إلا ما تبين له بالاستقراء والتقصي فإنه ساواهم بالحجارة في وصف ~~ثم تقصى فرأى أنهم فيه أقوى فكأنه يقول للمخاطب إن شئت فسوهم بالحجارة في ~~القسوة ولك أن تقول هم أشد منها وذلك يفيد مفاد الانتقال الذي تدل عليه بل ~~وهو إنما يحسن في مقام الذم لأن فيه تلطفا وأما في مقام المدح فالأحسن هو ~~التعبير ببل كقول الفرزدق : # فقالت لنا أهلا وسهلا وزودت # جنى النحل بل ما زودت منه أطيب # ووجه تفضيل تلك القلوب على الحجارة في القساوة أن القساوة التي اتصفت بها ~~القلوب مع كونها نوعا مغايرا لنوع قساوة الحجارة قد اشتركا في جنس القساوة ~~الراجعة إلى معنى عدم قبول التحول كما تقدم فهذه القلوب قساوتها عند ~~التمحيص أشد من قساوة الحجارة ms0599 لأن الحجارة قد يعتريها التحول عن صلابتها ~~وشدتها بالتفرق والتشقق وهذه القلوب لم تجد فيها محاولة . # وقوله : { وإن من الحجارة لما يتفجر } إلخ تعليل لوجه التفضيل إذ من شأنه ~~أن يستغرب ، وموقع هذه الواو الأولى في قوله : { وإن من الحجارة } عسير ~~فقيل : هي للحال من الحجارة المقدرة بعد ( أشد ) أي أشد من الحجارة قسوة ، ~~أي تفضيل القلوب على الحجارة في القسوة يظهر في هذه الأحوال التي وصفت بها ~~الحجارة ومعنى التقييد أن التفضيل أظهر في هذه الأحوال ، وقيل هي ~~الواوللعطف على قوله : { فهي كالحجارة أو أشد قسوة } قاله التفتزاني ، ~~وكأنه يجعل مضمون هذه المعطوفات غير راجع إلى معنى تشبيه القلوب بالحجارة ~~في القساوة بل يجعلها إخباراعن مزايا فضلت بها الحجارة على قلوب هؤلاء بما ~~يحصل عن هذه الحجارة من منافع في حين تعطل قلوب هؤلاء من صدور النفع بها ، ~~وقيل : الواو استئنافية وهو تذييل للجملة السابقة وفيه بعدكما صرح به ابن ~~عرفة ، والظاهر أنها الواو PageV01P564 الاعتراضية وأن جملة { وإن من ~~الحجارة وما عطف عليها معترضات بين قوله : ثم قست قلوبكم } وبين جملة الحال ~~منها وهي قوله : { وما الله بغافر عما تعملون } . # والتوكيد بإن للاهتمام بالخبر وهذا الاهتمام يؤذن بالتعليل ووجود حرف ~~العطف قبلها لا يناكد ذلك كما تقدم عند قوله تعالى : { فإن لكم ما سألتم } ~~( البقرة : 61 ) . # ومن بديع التخلص تأخر قوله تعالى : { وإن منها لما يهبط من خشية الله } ~~والتعبير عن التسخر لأمر التكوين بالخشية ليتم ظهور تفضيل الحجارة على ~~قلوبهم في أحوالها التي نهايتها الامتثال للأمر التكليفي مع تعاصي قلوبهم ~~عن الامتثال للأمر التلكيفي ليتأتى الانتقال إلى قوله : { وما الله بغافل ~~عما تعملون } وقوله : { أفتطعمون أن يؤمنوا لكم } ( البقرة : 75 ) . # وقد أشارت الآية إلى أن انفجار الماء من الأرض من الصخور منحصر في هذين ~~الحالين وذلك هو ما تقرر في علم الجغرافيا الطبيعية أن الماء النازل على ~~الأرض يخرق الأرض بالتدريج لأن طبع الماء النزول إلى الأسفل جريا على قاعدة ~~الجاذبية فإذا أضغط عليه بثقل نفسه من تكاثره ms0600 أو بضاغط آخرمن أهوية الأرض ~~تطلب الخروج حتى إذا بلغ طبقة صخرية أو صلصالية طفا هناك فالحجر الرملي ~~يشرب الماء والصخور والصلصال لا يخرقها الماء إلا إذا كانت الصخور مركبة من ~~مواد كلسية وكان الماء قد حمل في جريته أجزاء من معدن الحامض الفحمي فإن له ~~قوة على تحليل الكلس فيحدث ثقبا في الصخور الكلسية حتى يخرقها فيخرج منها ~~نابعا كالعيون . وإذا اجتمعت العيون في موضع نشأت عنها الأنهار كالنيل ~~النابع من جبال القمر ، وأما الصخور غير الكلسية فلا يفتتها الماء ولكن قد ~~يعرض لها انشقاق بالزلازل أو بفلق الآلات فيخرج منها الماء إما إلى ظاهر ~~الأرض كما نرى في الآبار وقد يخرج منها الماء إلى طبقة تحتها فيختزن تحتها ~~حتى يخرج بحالة من الأحوال السابقة . وقد يجد الماء في سيره قبل الدخول تحت ~~الصخر أو بعده منفذا إلى أرض ترابية فيخرج طافيا من سطح الصخور التي جرى ~~فوقها . وقد يجد الماء في سيره منخفضات في داخل الأرض فيستقر فيها ثم إذا ~~انضمت إليه كميات أخرى تطلب الخروج بطريق من الطرق المتقدمة ولذلك يكثر أن ~~تنفجر الأنهار عقب الزلازل . # والخشية في الحقيقة الخوف الباعث على تقوى الخائف غيره . وهي حقيقة شرعية ~~في امتثال الأمر التكليفي لأنها الباعث على الامتثال . وجعلت هنا مجازا عن ~~قبول الأمر التكويني PageV01P565 إما مرسلا بالإطلاق والتقييد ، وإما ~~تمثيلا للهيئة عند التكوين بهيئة المكلف إذ ليست للحجارة خشية إذ لا عقل ~~لها . وقد قيل إن إسناد ( يهبط ) للحجر مجاز عقلي والمراد هبوط القلوب أي ~~قلوب الناظرين إلى الصخور والجبال أي خضوعها فأسند الهبوط إليها لأنها سببه ~~كما قالوا ناقة تاجرة أي تبعث من يراها على المساومة فيها . # وقوله : { وما الله بغافل عما تعملون } تذييل في محل الحال أي فعلتم ما ~~فعلتم وما الله بغافل عن كل صنعكم . # وقد قرأه الجمهور بالتاء الفوقية تكملة خطاب بني إسرائيل ، وقرأ ابن كثير ~~ويعقوب وخلف ( يعملون ) بالياء التحتية وهو انتقال من خطابهم إلى خطاب ~~المسلمين فلذلك غير أسلوبه إلى الغيبة وليس ms0601 ذلك من الالتفات لاختلاف مرجع ~~الضميرين لأن تفريع قوله : { أفتطمعون أن يؤمنوا لكم } ( البقرة : 75 ) ~~عليه دل على أن الكلام نقل من خطاب بني إسرائيل إلى خطاب المسلمين . وهو ~~خبر مرادبه التهديد والوعيد لهم مباشرة أو تعريضا . # # | 2 ( 75 ) { أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ~~ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون } . ) 2 # هذا اعتراض استطرادي بين القصة الماضية والقصة التي أولها : { وإذ أخذنا ~~ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون } ( البقرة : 83 ) فجميع الجمل من قوله تعالى ~~: { أفتطمعون إلى قوله : وإذ أخذنا } داخلة في هذا الاستطراد . # والفاء لتفريع الاستفهام الإنكاري أو التعجيبي على جملة { ثم قست } ( ~~البقرة : 74 ) أو على مجموع الجمل السابقة لأن جميعها مما يقتضي اليأس من ~~إيمانهم بما جاء به النبيء صلى الله عليه وسلم فكأنه قيل : فلا تطمعوا أن ~~يؤمنوا لكم أو فاعجبوا من طمعكم ، وسيأتي تحقيق موقع الاستفهام مع حرف ~~العطف في مثله عند قوله تعالى : { أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم ~~استكبرتم } ( البقرة : 87 ) . # والطمع ترقب حصول شيء محبوب وهو يرادف الرجاء وهو ضد اليأس ، والطمع ~~يتعدى بفي حذفت هنا قبل ( أن ) . PageV01P566 # فإن قلت ، كيف ينهى عن الطمع في إيمانهم أو يعجب به والنبيء والمسلمون ~~مأمورون بدعوة أولئك إلى الإيمان دائما ؟ وهل لمعنى هذه الآية ارتباط ~~بمسألة التكليف بالمحال الذي استحالته لتعلق علم الله بعدم وقوعه ؟ # قلت : إنما نهينا عن الطمع في إيمانهم لا عن دعائهم للإيمان لأننا ندعوهم ~~للإيمان وإن كنا آيسين منه لإقامة الحجة عليهم في الدنيا عند إجراء أحكام ~~الكفر عليهم وفي الآخرة أيضا ، ولأن الدعوة إلى الحق قد تصادف نفسا نيرة ~~فتنفعها ، فإن استبعاد إيمانه حكم على غالبهم وجمهرتهم أما الدعوة فإنها ~~تقع على كل فرد منهم والمسألة أخص من تلك المسألة لأن مسألة التكليف ~~بالمحال لتعلق العلم بعدم وقوعه مفروضة فيما علم الله عدم وقوعه وتلك قد ~~كنا أجبنا لكم فيها جوابا واضحا وهو أن الله تعالى وإن علم عدم إيمان مثل ~~أبي ms0602 جهل إلا أنه لم يطلعنا على ما علمه فيه والأوامر الشرعية لم تجيء ~~بتخصيص أحد بدعوة حتى يقال كيف أمر مع علم الله بأنه لا يؤمن ، وأما هذه ~~الآية فقد أظهرت نفي الطماعية في إيمان من كان دأبهم هذه الأحوال فالجواب ~~عنها يرجع إلى الجواب الأعم وهوأن الدعاء لأجل إقامة الحجة وهو الجواب ~~الأعم لأصحابنا في مسألة التكليف بما علم الله عدم وقوعه ، على أن بعض ~~أحوالهم قد تتغير فيكون للطماعية بعد ذلك حظ . # واللام في قوله : { لكم } لتضمين { يؤمنوا } معنى يقروا وكأن فيه تلميحا ~~إلى أن إيمانهم بصدق الرسول حاصل ولكنهم يكابرون ويجحدون على نحو قوله ~~تعالى : { الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم } ( البقرة : ~~146 ) الآية فما أبدع نسج القرآن . ويجوز حمل اللام على التعليل وجعل { ~~يؤمنوا } منزلا منزلة اللازم تعريضا بهم بأنهم لم يؤمنوا بالحق الذي جاءهم ~~على ألسنة أنبيائهم وهم أخص الناس بهم أفتطمعون أن يعترفوا به لأجلكم . # وقوله : { وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله } جملة حالية هي قيد إنكار ~~الطمع في إيمانهم فيكون قد علل هذا الإنكار بعلتين إحداهما بالتفريع على ما ~~علمناه ، والثانية بالتقييد بما علمناه . # وقوله : { فريق منهم } يحتمل أن يريد من قومهم الأقدمين أومن الحاضرين في ~~زمن PageV01P567 نزول الآية . # وسماعهم كلام الله على التقديرين هو سماع الوحي بواسطة الرسول إن كان ~~الفريق من الذين كانوا زمن موسى أو بواسطة النقل إن كان من الذين جاءوا من ~~بعده . أما سماع كلام الله مباشرة فلم يقع إلا لموسى عليه السلام . وأيا ما ~~كان فالمقصود بهذا الفريق جمع من علمائهم دون عامتهم . # والتحريف أصله مصدر حرف الشيء إذا مال به إلى الحرف وهو يقتضي الخروج عن ~~جادة الطريق ، ولما شاع تشبيه الحق والصواب والرشد والمكارم بالجادة ~~وبالصراط المستقيم شاع في عكسه تشبيه ما خالف ذلك بالانحراف وببنيات الطريق ~~. قال الأشتر : # بقيت وفرى وانحرفت عن العلا # ولقيت أضيافي بوجه عبوس # ومن فروع هذا التشبيه قولهم : زاغ ، وحاد ومرق ، وألحد وقوله تعالى : { ~~ومن الناس من يعبد ms0603 الله على حرف } ( الحج : 11 ) . فالمراد بالتحريف إخراج ~~الوحي والشريعة عما جاءت به ، إما بتبديل وهو قليل وإما بكتمان بعض وتناسيه ~~وإما بالتأويل البعيد وهو أكثر أنواع التحريف . # وقوله : { وهم يعلمون } حال من { فريق } وهو قيد في القيد يعني يسمعونه ~~ثم يعقلونه ثم يحرفونه وهم يعلمون أنهم يحرفون ، وأن قوما توارثوا هذه ~~الصفة لا يطمع في إيمانهم لأن الذين فعلوا هذا إما أن يكونوا آباءهم أو ~~أبناءهم أو إخوانهم أو بني عمهم فالغالب أن يكون خلقهم واحدا وطباعهم ~~متقاربة كما قال نوح عليه السلام : { ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا } ( نوح : ~~27 ) وللعرب والحكماء في هذا المعنى أقوال كثيرة مرجعها إلى أن الطباع تورث ~~، ولذلك كانوا يصفون القبيلة بصفات جمهورها ، أو أراد بالفريق علماءهم ~~وأحبارهم ، فالمراد لا طمع لكم في إيمان قوم هذه صفات خاصتهم وعلمائهم فكيف ~~ظنكم بصفات دهمائمهم لأن الخاصة في كل أمة هم مظهر محامدها وكمالاتها فإذا ~~بلغت الخاصة في الانحطاط مبلغا شنيعا فاعلم أن العامة أفظع وأشنع ، وأراد ~~بالعامة الموجودين منهم زمن القرآن لأنهم وإن كان فيهم علماء إلا أنهم ~~كالعامة في سوء النظر ووهن الوازع . # PageV01P568 $ 2 ( 76 ، 77 ) { وإذا لقوا الذين ءامنوا قالو & # 1764 ا ءامنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالو & # 1764 ا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحآجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون * ~~أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون * ومنهم } . ) 2 $ # الأظهر أن الضمير في { لقوا } عائد على بني إسرائيل على نسق الضمائر ~~السابقة في قوله : { أفتطمعون أن يؤمنوا } ( البقرة : 75 ) وما بعده ، وأن ~~الضمير المرفوع بقالوا عائد عليهم باعتبار فريق منهم وهم الذين أظهروا ~~الإيمان نفاق أو تفاديا من مر المقارعة والمحاجة بقرينة قوله : { آمنا } ~~وذلك كثير في ضمائر الأمم والقبائل ونحوها نحو قوله تعالى : { وإذا طلقتم ~~النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن } ( البقرة : 232 ) لأن ضمير { طلقتم } ~~للمطلقين وضمير { تعضلوا } للأولياء لأن الجميع راجع إلى جهة واحدة وهي جهة ~~المخاطبين من المسلمين لاشتمالهم على الصنفين ، ومنه أن تقول لئن نزلت ms0604 ببني ~~فلان ليكرمنك وإنما يكرمك سادتهم وكرماؤهم ويكون الضمير في قوله : { بعضهم ~~} عائد إلى الجميع أي بعض الجميع إلى بعض آخر ومعلوم أن القائل من لم ينافق ~~لمن نافق ، ثم تلتئم الضمائر بعد ذلك في { يعلمون } و { يسرون } و { يعلنون ~~} بلا كلفة وإلى هذه الطريقة ذهب صاحب ( الكشاف ) ويرجحها عندي أن فيها ~~الاقتصار على تأويل ما به الحاجة والتأويل عند وجود دليله بجنبه وهو { آمنا ~~} . # وجملة { إذا لقوا } معطوفة على جملة { وقد كان فريق منهم } ( البقرة : 75 ~~) على أنهم حال مثلها من أحوال اليهود وقد قصد منها تقييد النهي أو التعجيب ~~من الطمع في إيمانهم فهو معطوف على الحال بتأويل وقد كان فريق منهم آخر إذا ~~لقوا . # وقوله : { وإذا خلا بعضهم } معطوف على { إذا لقوا } وهم المقصود من ~~الحالية أي والحال أنهم يحصل منهم مجموع هذا لأن مجرد قولهم { آمنا } لا ~~يكون سببا للتعجب من الطمع في إيمانهم فضمير { بعضهم } راجع إلى ما رجع ~~إليه { لقوا } وهم عموم اليهود . ونكتة التعبير ب { قالوا آمنا } مثلها في ~~نظيره السابق في أوائل السورة ( البقرة : 14 ) . # وقوله : { أتحدثونهم } استفهام للإنكار أو التقرير أو التوبيخ بقرينة أن ~~المقام دل على أنهم جرى بينهم حديث في ما ينزل من القرآن فاضحا لأحوال ~~أسلافهم ومثالب سيرتهم مع أنبيائهم وشريعتهم . والظاهر عندي أن معناه أنهم ~~لما سمعوا من القرآن ما فيه فضيحة أحوالهم وذكر PageV01P569 ما لا يعلمه ~~إلا خاصتهم ظنوا أن ذلك خلص للنبيء من بعض الذين أظهروا الإيمان من أتباعهم ~~وأن نفاقهم كان قد بلغ بهم إلى أن أخبروا المسلمين ببعض قصص قومهم سترا ~~لكفرهم الباطن فوبخوهم على ذلك توبيخ إنكار أي كيف يبلغ بكم النفاق إلى هذا ~~وأن في بعض إظهار المودة للمسلمين كفاية على حد قول المثل الذي حكاه بشار ~~بقوله : # واسعد بما قال في الحلم ابن ذي يزن # يلهو الكرام ولا ينسون أحسابا # فحكى الله ذلك عنهم حكاية لحيرتهم واضطراب أمرهم لأنهم كانوا يرسلون نفرا ~~من قومهم جواسيس على النبيء والمسلمين يظهرون الإسلام ms0605 ويبطنون اليهودية ثم ~~اتهموهم بخرق الرأي وسوء التدبير وأنهم دهبوا يتجسسون فكشفوا أحوال قومهم ، ~~ويدل لهذا عندي قوله تعالى بعد : { أو لا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما ~~يعلنون وأخبار مروية عن بعض التابعين بأسانيد لبيان المتحدث به ، فعن السدي ~~كان بعض اليهود يحدث المسلمين بما عذب به أسلافهم ، وعن أبي العالية قال ~~بعض المنافقين : إن النبيء مذكور في التوراة ، وعن ابن زيد كانوا يخبرون عن ~~بعض قصص التوراة . # والمراد بما فتح الله } إما ما قضى الله به من الأحوال والمصائب فإن ~~الفتح بمعنى القضاء وعليه قوله تعالى : { ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق ~~} ( الأعراف : 89 ) والفتاح القاضي بلغة اليمن ، وإما بمعنى البيان ~~والتعليم ، ومنه الفتح على الإمام في الصلاة بإظهار الآية له وهو كناية ~~مشهورة لأن القضاء يستلزم بيان الحق ، ومنه قوله تعالى : { وكانوا من قبل ~~يستفتحون على الذين كفروا } ( البقرة : 89 ) أي يسألونهم العلم بالأمور ~~التشريعية على أحد وجهين ، فالمعنى بما علمكم الله من الدين . # وقوله : { ليحاجوكم به عند ربكم } صيغة المفاعلة غير مقصود بها حصول ~~الفعل من جانبين بل هي لتأكيد الاحتجاج أي ليحتجوا عليكم به أي بما فتح ~~الله عليكم . # واللام في قوله تعالى : { ليحاجوكم } لام التعليل لكنها مستعملة في ~~التعقيب مجازا أو ترشيحا لاستعمال الاستفهام في الإنكار أو التقرير مجازا ~~فإنه لما كان الاستفهام الموضوع لطلب العلم استعمل هنا في الإنكار أو ~~التقرير مجازا لأن طلب العلم يستلزم الإقرار والمقرر عليه يقتضي الإنكار ~~لأن المقر به مما ينكر بداهة وكانت المحاجة به عند الله فرعا عن التحديث ~~بما فتح الله عليهم جعل فرع وقوع التحديث المنكر كأنه علة مسؤول عنها أي ~~لكان فعلكم هذا معللا بأن يحاجوكم ، وهو غاية في الإنكار إذ كيف يسعى أحد ~~في إيجاد شيء تقوم به عليه الحجة فالقرينة هي PageV01P570 كون المقام ~~للإنكار لا للاستفهام ولذلك كانت اللام ترشيحا متميزا به أيضا . # والأظهر أن قوله : { عند ربكم } ظرف على بابه مراد منه عندية التحاكم ~~المناسب لقوله : { يحاجوكم } وذلك يوم القيامة ms0606 لا محالة أي يجعلون ذلك حجة ~~عليكم أمام الله على صدق رسولهم وعلى تبعتكم في عدم الإيمان به وذلك جار ~~على حكاية حال عقيدة اليهود من تشبيههم الرب سبحانه وتعالى بحكام البشر في ~~تمشي الحيل عليه وفي أنه إنما يأخذ المسببات من أسبابها الظاهرية فلذلك ~~كانوا يرتكبون التحيل في شرعهم وتجد كتبهم ملأى بما يدل على أن الله ظهر له ~~كذا وعلم أن الأمر الفلاني كان على خلاف المظنون وكقولهم في سفر التكوين ( ~~وقال الرب هو ذا الإنسان قد صار كواحد منا يعرف الخير والشر ) وقال فيه : ( ~~ورأى الرب أن شر الإنسان قد كثر فحزن الرب أنه عمل الإنسان في الأرض وتأسف ~~في قلبه فقال : أمحو عن وجه الأرض الإنسان الذي خلقته ) وجاء في التكوين ~~أيضا ( لما شاخ إسحاق وكلت عيناه عن النظر دعا ابنه الأكبر عيسو وقال له : ~~إني شخت ولست أعرف يوم وفاتي فالآن خذ عدتك واخرج إلى البرية فتصيد لي صيدا ~~واصنع لي أطعمة حتى أباركك قبل أن أموت فسمعت ( رفقة ) أمهما ذلك فكلمت ~~ابنها يعقوب وقالت : اذهب إلى الغنم وخذ جديين جيدين من المعزى فاصنعهما ~~أطعمة لأبيك حتى يباركك قبل وفاته فقال : يعقوب لأمه إن عيسو أخي رجل أشعر ~~وأنا رجل أملس ربما يجسني أبي فأكون في عينيه كمتهاون وأجلب على نفسي لعنة ~~فقالت : اسمع لقولي فذهب وصنعت له أمه الطعام وأخذت ثياب ابنها الأكبر عيسو ~~وألبستها يعقوب وألبست يديه وملاسة عنقه جلود الجديين فدخل يعقوب إلى أبيه ~~وقال : يا أبي أنا ابنك الأكبر قد فعلت كما كلمتني فجسه إسحاق وقال الصوت ~~صوت يعقوب ولكن اليدين يدا عيسو فباركه ( أي جعله نبيئا ) وجاء عيسو وكلم ~~أباه وعلم الحيلة ثم قال لأبيه : باركني أنا فقال قد جاء أخوك بكرة وأخذ ~~بركتك ) إلخ فما ظنك بقوم هذه مبالغ عقائدهم أن لا يقولوا لا تعلموهم لئلا ~~يحاجوكم عند الله يوم القيامة وبهذا يندفع استبعاد البيضاوي وغيره أن يكون ~~المراد بعند ربكم يوم القيامة بأن إخفاء الحقائق يوم القيامة لا ms0607 يفيد من ~~يحاوله حتى سلكوا في تأويل معنى قوله { عند ربكم } مسالك في غاية التكلف ~~قياسا منهم لحال اليهود على حال عقائد PageV01P571 الإسلام ففسروا ( عند ) ~~بمعنى الكتاب أو على حذف مضاف أو حذف موصول ثم سلك متعقبوهم في إعرابه غاية ~~الإغراب . # وقوله : { أفلا تعقلون } من بقية مقولهم لقومهم ولا يصح جعله خطابا من ~~الله للمسلمين تذييلا لقوله : { أفتطمعون أن يؤمنوا لكم } ( البقرة : 75 ) ~~لأن المسلمين وفيهم الرسول صلى الله عليه وسلم ليسوا جديرين بمثل هذا ~~التوبيخ وحسبهم ما تضمنه الاستفهام من الاستغراب أو النهي . # فإن قلت : لم لم يذكر في الآية جواب المخاطبين بالتبرؤ من أن يكونوا ~~حدثوا المؤمنين بما فتح الله عليهم كما ذكر في قوله المتقدم : { وإذا خلوا ~~إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤن ؟ # قلت : ليس القرآن بصدد حكاية مجادلاتهم وأحوالهم فإنها أقل من ذلك وإنما ~~يحكي منها ما فيه شناعة حالهم وسوء سلوكهم ودوام إصرارهم وانحطاط أخلاقهم ~~فتبريهم مما نسب إليه كبراؤهم من التهمة معلوم ، للقطع بأنهم لم يحدثوا ~~المسلمين بشيء ولما دل عليه قوله الآتي أو لا يعلمون أن الله يعلم } إلخ . ~~وأما ما في الآية المتقدمة من تنصلهم بقولهم { إنا معكم } فلأن فيه التسجيل ~~عليهم في قولهم فيه : { إنما نحن مستهزئون . # وقوله : أو لا يعلمون } الآية ، الاستفهام فيه على غير حقيقته فهو إما ~~مجاز في التقرير أي ليسوا يعلمون ذلك والمراد التقرير بلازمه وهو أنه إن ~~كان الله يعلمه فقد علمه رسوله وهذا لزوم عرفي ادعائي في المقام الخطابي أو ~~مجاز في التوبيخ والمعنى هو هو ، أو مجاز في التحضيض أي هل كان وجود أسرار ~~دينهم في القرآن موجبا لعلمهم أن الله يعلم ما يسرون والمراد لازم ذلك أي ~~يعلمون أنه منزل عن الله أي هلا كان ذلك دليلا على صدق الرسول عوض عن أن ~~يكون موجبا لتهمة قومهم الذين تحققوا صدقهم في اليهودية ، وهذا الوجه هو ~~الظاهر لي ويرجحه التعبير بيعلمون بالمضارع دون علموا . # وموقع الاستفهام مع حرف العطف في قوله : { أفلا ms0608 تعقلون } وقوله : { أو لا ~~يعلمون } سيأتي على نظائره وخلاف علماء العربية فيه عند قوله تعالى : { ~~أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم } ( البقرة : 87 ) . # PageV01P572 # | 2 ( 78 ) { ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أمانى وإن هم إلا يظنون } ~~. ) 2 # معطوف على قوله : { وقد كان فريق منهم يسمعون } ( البقرة : 75 ) عطف ~~الحال على الحال و { منهم } خبر مقدم وتقديمه للتشويق إلى المسند إليه كما ~~تقدم في قوله تعالى : { ومن الناس من يقول } ( البقرة : 8 ) والمعنى كيف ~~تطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم محرفين وفريق جهلة وإذا انتفى ~~إيمان أهل العلم منهم المظنون بهم تطلب الحق المنجي والاهتداء إلى التفرقة ~~بينه وبين الباطل فكانوا يحرفون الدين ويكابرون فيما يسمعون من معجزة ~~القرآن في الإخبار عن أسرار دينهم فكيف تطمعون أيضا في إيمان الفريق ~~الأميين الذين هم أبعد عن معرفة الحق وألهى عن تطلبه وأضل في التفرقة بين ~~الحق والباطل وأجدر بالاقتداء بأئمتهم وعلمائهم فالفريق الأول هم الماضون . ~~وعلى هذا فجملة { ومنهم أميون } معطوفة على جملة { وقد كان فريق منهم } إلخ ~~باعتبار كونها معادلا لها من جهة ما تضمنته من كونها حالة فريق منهم وهذه ~~حالة فريق آخر . وأما قوله : { وإذا لقوا } ( البقرة : 76 ) وقوله : { وإذا ~~خلا } ( البقرة : 76 ) فتلك معطوفات على جملة { وقد كان فريق } عطف الحال ~~على الحال أيضا لكن باعتبار ما تضمنته الجملة الأولى من قوله : { يسمعون } ~~الذي هو حال من أحوال اليهود وبهذا لا يجيء في جملة { ومنهم أميون } ~~التخيير المبني على الخلاف في عطف الأشياء المتعددة بعضها على بعض هل يجعل ~~الأخير معطوفا على ما قبله من المعطوفات أو معطوفا على المعمول الأول لأن ~~ذلك إذا كان مرجع العطف جهة واحدة وهنا قد اختلفت الجهة . # والأمي من لا يعرف القراءة والكتابة والأظهر أنه منسوب إلى الأمة بمعنى ~~عامة الناس فهو يرادف العامي ، وقيل : منسوب إلى الأم وهي الوالدة أي إنه ~~بقي على الحالة التي كان عليها مدة حضانة أمه إياه فلم يكتسب علما جديدا ~~ولا يعكر عليه ms0609 أنه لو كان كذلك لكان الوجه في النسب أن يقولوا أمهى بناء ~~على أن النسب يرد الكلمات إلى أصولها وقد قالوا في جمع الأم : أمهات فردوا ~~المفرد إلى أصله فدلوا على أن أصل أم أمهة لأن الأسماء إذا نقلت من حالة ~~الاشتقاق إلى جعلها أعلاما قد يقع فيها تغيير لأصلها . # وقد اشتهر اليهود عند العرب بوصف أهل الكتاب فلذلك قيل هنا : { ومنهم ~~أميون } أي ليس جميعهم أهل كتاب . ولم تكن الأمية في العرب وصف ذم لكنها ~~عند اليهود وصف ذم كما أشار إليه قوله تعالى : { ذلك بأنهم PageV01P573 ~~قالوا ليس علينا في الأميين سبيلا } ( آل عمران : 75 ) وقال ابن صياد ~~للنبيء صلى الله عليه وسلم ( أشهد أنك رسول ) وذلك لما تقتضيه الأميين من ~~قلة المعرفة ومن أجل ذلك كانت الأمية معجزة للنبيء صلى الله عليه وسلم حيث ~~كان أعلم الناس مع كونه نشأ أميا قبل النبوءة وقد قال أبو الوليد الباجي : ~~إن الله علم نبيه القراءة والكتابة بعد تحقق معجزة الأمية بأن يطلعه على ما ~~يعرف به ذلك عند الحاجة استنادا لحديث البخاري في صلح الحديبية وأيده جماعة ~~من العلماء في هذا وأنكر عليه أكثرهم مما هو مبسوط في ترجمته في كتاب ( ~~المدارك ) لعياض وما أراد إلا إظهار رأيه . # والكتاب إما بمعنى التوراة اسم للمكتوب وإما مصدر كتب أي لا يعلمون ~~الكتابة ويبعده قوله بعده : { إلا أماني } فعلى الوجه الأول يكون قوله : { ~~لا يعلمون الكتاب } أثرا من آثار الأمية أي لا يعلمون التوراة إلا علما ~~مختلطا حاصلا مما يسمعونه ولا يتقنونه ، وعلى الوجه الثاني تكون الجملة ~~وصفا كاشفا لمعنى الأميين كقول أوس بن حجر : # الألمعي الذي يظن بك الظ # ن كأن قد رأى وقد سمعا # والأماني بالتشديد جمع أمنية على وزن أفاعيل وقد جاء بالتخفيف فهو جمع ~~على وزن أفاعل عند الأخفش كما جمع مفتاح على مفاتح ومفاتيح ، والأمنية ~~كأثفية وأضحية أفعولة كالأعجوبة والأضحوكة والأكذوبة والأغلوطة ، والأماني ~~كالأعاجيب والأضاحيك والأكاذيب والأغاليط ، مشتقة من منى كرمى بمعنى قدر ~~الأمر ولذلك قيل تمنى ms0610 بمعنى تكلف تقدير حصول شيء متعذر أو متعسر ، ومناه أي ~~جعله مانيا أي مقدرا كناية عن الوعد الكاذب لأنه ينقل الموعود من تقدير ~~حصول الشيء اليوم إلى تقدير حصوله غدا ، وهكذا كما قال كعب بن زهير : # فلا يغرنك ما منت وما وعدت # إن الأماني والأحلام تضليل # ولأن الكاذب ما كذب إلا لأنه يتمنى أن يكون ما في نفس الأمر موافقا لخبره ~~فمن أجل ذلك حدثت العلاقة بين الكذب والتمني فاستعملت الأمنية في الأكذوبة ~~، فالأماني هي التقادير النفسية أي الاعتقادات التي يحسبها صاحبها حقا ~~وليست بحق أو هي الفعال التي يحسبها العامة من الدين وليست منه بل ينسون ~~الدين ويحفظونها ، وهذا دأب الأمم الضالة عن شرعها أن تعتقد مالها من ~~العوائد والرسوم والمواسم شرعا ، أو هي التقادير التي PageV01P574 وضعها ~~الأحبار موضع الوحي الإلهي إما زيادة عليه حتى أنستهم الأصل وإما تضليلا ~~وهذا أظهر الوجوه . # وقيل : الأماني هنا الأكاذيب أي ما وضعه لهم الذين حرفوا الدين ، وقد قيل ~~الأماني القراءة أي لا يعلمون الكتاب إلا كلمات يحفظوها ويدرسونها لا ~~يفقهون منها معنى كما هو عادة الأمم الضالة إذ تقتصر من الكتب على السرد ~~دون فهم وأنشدوا على ذلك قول حسان في رثاء عثمان رضي الله عنه : # تمنى كتاب الله أول ليله # وآخره لاقى حمام المقادر # أي قرأ القرآن في أول الليل الذي قتل في آخره . # وعندي أن الأماني هنا التمنيات وذلك نهاية في وصفهم بالجهل المركب أي هم ~~يزعمون أنهم يعلمون الكتاب وهم أميون لا يعلمونه ولكنهم يدعون ذلك لأنهم ~~تمنوا أن يكونوا علماء فلما لم ينالوا العلم ادعوه باطلا فإن غي العالم إذا ~~اتهم بميسم العلماء دل ذلك على أنه يتمنى لو كان عالما ، وكيفما كان المراد ~~فالاستثناء منقطع لأن واحدا من هاته المعاني ليس من علم الكتاب . # # | 2 ( 79 ) { فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هاذا من عند ~~الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون ~~} . ) 2 # الفاء للترتيب والتسبب فيكون ما بعدها ms0611 مترتبا على ما قبلها والظاهر أن ما ~~بعدها مترتب على قوله : { وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه ~~من بعد ما عقلوه وهم يعلمون } ( البقرة : 75 ) الدال على وقوع تحريف منهم ~~عن عمد فرتب عليه الإخبار باستحقاقهم سوء الحالة ، أو رتب عليه إنشاء ~~استفظاع حالهم ، وأعيد في خلال ذلك ما أجمل في الكلام المعطوف عليه إعادة ~~تفصيل . # ومعنى : { يكتبون الكتاب بأيديهم } أنهم يكتبون شيئا لم يأتهم من رسلهم ~~بل يضعونه ويبتكرونه كما دل عليه قوله : { ثم يقولون هذا من عند الله } ~~المشعر بأن ذلك قولهم : بأفواههم ليس مطابقا لما في نفس الأمر . # و ( ثم ) للترتيب الرتبي لأن هذا القول أدخل في استحقاقهم الويل من كتابة ~~الكتاب PageV01P575 بأيديهم إذ هو المقصود . وليس هذا القول متراخيا عن ~~كتابتهم ما كتبوه في الزمان بل هما متقارنان . # والويل لفظ دال على الشر أو الهلاك ولم يسمع له فعل من لفظه فلذلك قيل هو ~~اسم مصدر ، وقال ابن جني : هو مصدر امتنع العرب من استعمال فعله لأنه لو ~~صرف لوجوب اعتلال فائه وعينه بأن يجتمع فيه إعلالان أي فيكون ثقيلا ، ~~والويلة : البلية . وهي مؤنث الويل قال تعالى : { قالوا يا ويلتنا } ( ~~الكهف : 49 ) وقال امرىء القيس : # فقالت لك الويلات إنك مرجلي # ويستعمل الويل بدون حرف نداء كما في الآية ويستعمل بحرف النداء كقوله ~~تعالى : { قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين } ( الأنبياء : 14 ) كما يقال يا ~~حسرتا . # فأما موقعه من الإعراب فإنه إذا لم يضف أعرب إعراب الأسماء المبتدإ بها ~~وأخبر عنه بلام الجر كما في هذه الآية وقوله : { ويل للمطففين } ( المطففين ~~: 1 ) قال الجوهري : وينصب فيقال : ويلا لزيد وجعل سيبويه ذلك قبيحا وأوجب ~~إذا ابتدىء به أن يكون مرفوعا ، وأما إذا أضيف فإنه يضاف إلى الضمير غالبا ~~كقوله تعالى : { ويلكم ثواب الله خير لمن آمن } ( القصص : 80 ) وقوله : { ~~ويلك آمن } ( الأحقاف : 17 ) فيكون منصوبا وقد يضاف إلى الاسم الظاهر فيعرب ~~إعراب غير المضاف كقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بصير : ( ويل أمه ~~مسعر ms0612 حرب ) . # ولما أشبه في إعرابه المصادر الآتية بدلا من أفعالها نصبا ورفعا مثل : ~~حمدا لله وصبر جميل كما تقدم عند قوله تعالى : { الحمد لله } ( الفاتحة : 2 ~~) قال أكثر أئمة العربية : إنه مصدر أميت فعله ، ومنهم من زعم أنه اسم وجعل ~~نصبه في حالة الإضافة نصبا على النداء بحذف حرف النداء لكثرة الاستعمال ~~فأصل ويله يا ويله بدليل ظهور حرف النداء معه في كلامهم . وربما جعلوه ~~كالمندوب فقالوا : ويلاه وقد أعربه الزجاج كذلك في سورة طه . ومنهم من زعم ~~أنه إذا نصب فعلى تقدير فعل ، قال الزجاج في قوله تعالى : { ويلكم لا ~~تفتروا على الله كذبا ( طه : 61 ) في طه يجوز أن يكون التقدير ألزمكم الله ~~ويلا . وقال الفراء إن ويل كلمة مركبة من وي بمعنى الحزن ومن مجرور باللام ~~المكسورة فلما كثر استعمال اللام مع وي صيروهما حرفا واحدا فاختاروا فتح ~~اللام كما قالوا يال ضبة ففتحوا اللام وهي في الأصل مكسورة . وهو يستعمل ~~دعاء وتعجبا وزجرا مثل قولهم : لا أب لك ، وثكلتك أمك . ومعنى : فويل للذين ~~يكتبون الكتاب } PageV01P576 دعاء مستعمل في إنشاء الغضب والزجر ، قال ~~سيبويه : لا ينبغي أن يقال { ويل للمطففين } دعاء لأنه قبيح في اللفظ ولكن ~~العباد كلموا بكلامهم وجاء القرآن على لغتهم على مقدار فهمهم أي هؤلاء ممن ~~وجب هذا القول لهم . وقد جاء على مثال ويل ألفاظ وهي ويح وويس وويب وويه ~~وويك . # وذكر { بأيديهم } تأكيد مثل نظرته بعيني ومثل : { يقولون بأفواههم } ( آل ~~عمران : 167 ) وقوله : { ولا طائر يطير بجناحيه } ( الأنعام : 38 ) والقصد ~~منه تحقيق وقوع الكتابة ورفع المجاز عنها وأنهم في ذلك عامدون قاصدون . # وقوله : { ليشتروا به ثمنا قليلا } هو كقوله : { ولا تشتروا بآياتي ثمنا ~~قليلا } ( البقرة : 41 ) والثمن المقصود هنا هو إرضاء العامة بأن غيروا لهم ~~أحكام الدين على ما يوافق أهواءهم أو انتحال العلم لأنفسهم مع أنهم جاهلون ~~فوضعوا كتبا تافهة من القصص والمعلومات البسيطة ليتفيهقوا بها في المجامع ~~لأنهم لما لم تصل عقولهم إلى العلم الصحيح وكانوا قد طمعوا في التصدر ms0613 ~~والرئاسة الكاذبة لفقوا نتفا سطحية وجمعوا موضوعات وفراغات لا تثبت على محك ~~العلم الصحيح ثم أشاعوها ونسبوها إلى الله ودينه وهذه شنشنة الجهلة ~~المتطلعين إلى الرئاسة عن غير أهلية ليظهروا في صور العلماء لدى أنظار ~~العامة ومن لا يميز بين الشحم والورم . # وقوله : { فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون } تفصيل لجنس ~~الويل إلى ويلين وهما ما يحصل لهم من الشر لأجل ما وضعوه وما يحصل لهم لأجل ~~ما اكتسبوه من جراء ذلك فهو جزاء بالشر على الوسيلة وعلى المقصد ، وليس في ~~الآية ثلاث ويلات كما قد توهم ذلك . # وكأن هذه الآية تشير إلى ما كان في بني إسرائيل من تلاشي التوراة بعد ~~تخريب بيت المقدس في زمن بختنصر ثم في زمن طيطس القائد الروماني وذلك أن ~~التوراة التي كتبها موسى عليه السلام قد أمر بوضعها في تابوت العهد حسبما ~~ذلك مذكور في سفر التثنية وكان هذا التابوت قد وضعه موسى في خيمة الاجتماع ~~ثم وضعه سليمان في الهيكل فلما غزاهم بختنصر سنة 588 قبل المسيح أحرق ~~الهيكل والمدينة كلها بالنار وأخذ معظم اليهود فباعهم عبيدا في بلده وترك ~~فئة قليلة بأورشليم قصرهم على الغراسة والزراعة ثم ثاروا على بختنصر وقتلوا ~~نائبه وهربوا إلى مصر ومعهم أرميا فخربت مملكة اليهود . ومن المعلوم أنهم ~~لم يكونوا PageV01P577 يومئذ يستطيعون إنقاذ التوراة وهم لم يكونوا من ~~حفظتها لأن شريعتهم جعلت التوراة أمانة بأيدي اللاويين كما تضمنه سفر ~~التثنية وأمر موسى القوم بنشر التوراة لهم بعد كل سبع سنين تمضي وقال موسى ~~ضعوا هذا الكتاب عند تابوت العهد ليكون هناك شاهدا عليكم لأني أعرف تمردكم ~~وقد صرتم تقاومون ربكم وأنا حي فأحرى أن تفعلوا ذلك بعد موتي ولا يخفى أن ~~اليهود قد نبذوا الديانة غير مرة وعبدوا الأصنام في عهد رحبعام بن سليمان ~~ملك يهوذا وفي عهد يوربعام غلام سليمان ملك إسرائيل قبل تخريب بيت المقدس ~~وذلك مؤذن بتناسي الدين ثم طرأ عليه التخريب المشهور ثم أعقبه التخريب ~~الروماني في زمن طيطس ms0614 سنة 40 للمسيح ثم في زمن أدريان الذي تم على يده ~~تخريب بلد أورشليم بحيث صيرها مزرعة وتفرق من أبقاه السيف من اليهود في ~~جهات العالم . ولهذا اتفق المحققون من العلماء الباحثين عن تاريخ الدين على ~~أن التوراة قد دخلها التحريف والزيادة والتلاشي وأنهم لما جمعوا أمرهم عقب ~~بعض مصائبهم الكبرى افتقدوا التوراة فأرادوا أن يجمعوها من متفرق أوراقهم ~~وبقايا مكاتبهم . وقد قال : ( لنجرك ) أحد اللاهوتيين من علماء الإفرنج إن ~~سفر التثنية كتبه يهودي كان مقيما بمصر في عهد الملك يوشيا ملك اليهود وقال ~~غيره : إن الكتب الخمسة التي هي مجموع التوراة قد دخل فيها تحريف كثير من ~~علم صموئيل أو عزير ( عزرا ) . ويذكر علماؤنا أن اليهود إنما قالوا عزير ~~ابن الله لأنه ادعى أنه ظفر بالتوراة . وكل ذلك يدل على أن التوراة قد ~~تلاشت وتمزقت والموجود في سفر الملوك الثاني من كتبهم في الإصحاح الحادي ~~والعشرين أنهم بينما كانوا بصدد ترميم بيت المقدس في زمن يوشيا ملك يهوذا ~~ادعى حلقيا الكاهن أنه وجد سفر الشريعة في بيت الرب وسلمه الكاهن لكاتب ~~الملك فلما قرأه الكاتب على الملك مزق ثيابه وتاب من ارتداده عن الشريعة ~~وأمر الكهنة بإقامة كلام الشريعة المكتوب في السفر الذي وجده حلقيا الكاهن ~~في بيت الرب اه . فهذا دليل قوي على أن التوراة كانت مجهولة عندهم منذ زمان ~~. # PageV01P578 $ 2 ( 80 82 ) { لله وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة ~~قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا ~~تعلمون * بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطي & # 1764 ئته فأول & # 1764 ائك أصحاب النار هم فيها خالدون * والذين ءامنوا وعملوا الصالحات ~~أولائك أصحاب الجنة هم فيها خالدون } . ) 2 $ # قيل : الواو لعطف الجملة على جملة : { وقد كان فريق منهم } ( البقرة : 75 ~~) فتكون حالا مثلها أي كيف تطمعون أن يؤمنوا لكم وهم يسمعون كلام الله ثم ~~يحرفونه ويقولون : { لن تمسنا النار } . والأظهر عندي أن الواو عطف على ~~قوله { يكتبون } ( البقرة : 79 ) إلخ أي ms0615 فعلوا ذلك وقالوا لن تمسنا النار . ~~ووجه المناسبة أن قولهم { لن تمسنا النار } دل على اعتقاد مقرر في نفوسهم ~~يشيعونه بين الناس بألسنتهم قد أنبأ بغرور عظيم من شأنه أن يقدمهم على تلك ~~الجريمة وغيرها إذ هم قد أمنوا من المؤاخذة إلا أياما معدودة تعادل أيام ~~عبادة العجل أو أياما عن كل ألف سنة من العالم يوم وإن ذلك عذاب مكتوب على ~~جميعهم فهم لا يتوقون الإقدام على المعاصي لأجل ذلك ، فبالعطف على أخبارهم ~~حصلت فائدة الإخبار عن عقيدة من ضلالاتهم . ولموقع هذا العطف حصلت فائدة ~~الاستئناف البياني إذ يعجب السامع من جرأتهم على هذا الإجرام . # وقوله : { وقالوا } أراد به أنهم قالوه عن اعتقاد لأن الأصل الصدق في ~~القول حتى تقوم القرينة على أنه قول على خلاف الإعتقاد كما في قوله { قالوا ~~آمنا } ( البقرة : 14 ) ولأجل أن أصل القول أن يكون على وفق الإعتقاد ساغ ~~استعمال القول في معنى الظن والاعتقاد في نحو قولهم : قال مالك ، وفي نحو ~~قول عمرو بن معد يكرب : # علام تقول الرمح يثقل عاتقي # والمس حقيقته اتصال اليد بجرم من الأجرام وكذلك اللمس قال تعالى : { ~~والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب } ( الأنعام : 49 ) . # وعبر عن نفيهم بحرف ( لن ) الدال على تأييد النفي تأكيدا لانتفاء العذاب ~~عنهم بعد تأكيد ، ولدلالة ( لن ) على استغراق الأزمان تأتى الاستثناء من ~~عموم الأزمنة بقوله : { إلا أياما معدودة } على وجه التفريع فهو منصوب على ~~الظرفية . # والوصف بمعدودة مؤذن بالقلة لأن المراد بالمعدود الذي يعده الناس إذا ~~رأوه أو تحدثوا عنه ، وقد شاع في العرف والعوائد PageV01P579 أن الناس لا ~~يعمدون إلى عد الأشياء الكثيرة دفعا للملل أو لأجل الشغل سواء عرفوا الحساب ~~أم لم يعرفوه لأن المراد العد بالعين واللسان لا العد بجمع الحسابات إذ ليس ~~مقصودا هنا . # وتأنيث ( معدودة ) وهو صفة ( أياما ) مراعى فيه تأويل الجمع بالجماعة وهي ~~طريقة عربية مشهورة ولذلك كثر في صفة الجمع إذا أنثوها أن يأتوا بها بصيغة ~~الإفراد إلا إذا أرادوا تأويل الجمع بالجماعات ، وسيأتي ذلك في قوله ms0616 تعالى ~~: { أياما معدودات } ( البقرة : 184 ) . # وقوله : { قل أتخذتم عند الله عهدا } جواب لكلامهم ولذلك فصل على طريقة ~~المحاورات كما قدمناه في قوله تعالى : { قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها } ( ~~البقرة : 30 ) والاستفهام غير حقيقي بدليل قوله بعده { بلى } فهو استفهام ~~تقريري للإلجاء إلى الاعتراف بأصدق الأمرين وليس إنكاري لوجود المعادل وهو ~~{ أم تقولون } لأن الاستفهام الإنكاري لا معادل له . # والمراد بالعهد الوعد المؤكد فهو استعارة ، لأن أصل العهد هو الوعد ~~المؤكد بقسم والتزام ، ووعد الذي لا يخلف الوعد كالعهد ، ويجوز أن يكون ~~العهد هنا حقيقة لأنه في مقام التقرير دال على انتفاء ذلك . # وذكر الاتخاذ دون أعاهدتم أو عاهدكم لما في الاتخاذ من توكيد العهد و ( ~~عند ) لزيادة التأكيد يقولون اتخذ يدا عند فلان . # وقوله : { فلن يخلف الله عهده } الفاء فصيحة دالة على شرط مقدر وجزائه ~~وما بعد الفاء هو علة الجزاء والتقدير فإن كان ذلك فلكم العذر في قولكم لأن ~~الله لا يخلف عهده وتقدم ذلك عند قوله تعالى : { فانفجرت منه اثنتا عشرة ~~عينا } ( البقرة : 60 ) . ولكون ما بعد فاء الفصيحة دليل شرط وجزائه لم ~~يلزم أن يكون ما بعدها مسببا عما قبلها ولا مترتبا عنه حتى يشكل عليه عدم ~~صحة ترتب الجزاء في الآية على الشرط المقدر لأن ( لن ) للاستقبال . # و ( أم ) في قوله : { أم تقولون على الله ما لا تعلمون } معادلة همزة ~~الاستفهام فهي متصلة وتقع بعدها الجملة كما صرح به ابن الحاجب في ( الإيضاح ~~) وهو التحقيق كما قال عبد الحكيم ، فما قاله صاحب ( المفتاح ) من أن علامة ~~أم المنقطعة كون ما بعدها جملة أمر أغلبي ولا معنى للانقطاع هنا لأنه يفسد ~~ما أفاده الاستفهام من الإلجاء والتقرير . # وقوله : { بلى } إبطال لقولهم : { لن تمسنا النار إلا أياما معدودة } ، ~~وكلمات الجواب تدخل على الكلام السابق لا على ما بعدها فمعنى بلى بل أنتم ~~تمسكم النار مدة طويلة . # وقوله : { من كسب سيئة } سند لما تضمنته ( بلى ) من إبطال قولهم ، أي ما ~~أنتم إلا ممن كسب سيئة إلخ ومن كسب ms0617 PageV01P580 سيئة وأحاطت به خطيئاته ~~فأولئك أصحاب النار فأنتم منهم لا محالة على حد قول لبيد : # تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما # وهل أنا إلا من ربيعة أو مضر # أي فلا أخلد كما لم يخلد بنو ربيعة ومضر ، فمن في قوله : { من كسب سيئة } ~~شرطية بدليل دخول الفاء في جوابها وهي في الشرط من صيغ العموم فلذلك كانت ~~مؤذنة بجملة محذوفة دل عليها تعقيب ( بلى ) بهذا العموم لأنه لو لم يرد به ~~أن المخاطبين من زمر هذا العموم لكان ذكر العموم بعدها كلاما متناثرا ففي ~~الكلام إيجاز الحذف ليكون المذكور كالقضية الكبرى لبرهان قوله : { بلى } . # والمراد بالسيئة هنا السيئة العظيمة وهي الكفر بدليل العطف عليها بقوله : ~~{ وأحاطبت به خطيئاته } . # وقوله : { وأحاطت به خطيئاته } الخطيئة اسم لما يقترفه الإنسان من ~~الجرائم وهي فعيلة بمعنى مفعولة من خطى إذا أساء ، والإحاطة مستعارة لعدم ~~الخلو عن الشيء لأن ما يحيط بالمرء لا يترك له منفذا للإقبال على غير ذلك ~~قال تعالى : { وظنوا أنهم أحيط بهم } ( يونس : 22 ) وإحاطة الخطيئات هي ~~حالة الكفر لأنها تجريء على جميع الخطايا ولا يعتبر مع الكفر عمل صالح كما ~~دل عليه قوله : { ثم كان من الذين آمنوا } ( البلد : 17 ) . فلذلك لم تكن ~~في هذه الآية حجة للزاعمين خلود أصحاب الكبائر من المسلمين في النار إذ لا ~~يكون المسلم محيطة به الخطيئات بل هو لا يخلو من عمل صالح وحسبك من ذلك ~~سلامة اعتقاده من الكفر وسلامة لسانه من النطق بكلمة الكفر الخبيثة . # والقصر المستفاد من التعريف في قوله : { فأولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون } قصر إضافي لقلب اعتقادهم . # وقوله : { والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها ~~خالدون } تذييل لتعقيب النذارة بالبشارة على عادة القرآن . # والمراد بالخلود هنا حقيقته . # PageV01P581 $ 2 ( 83 ) { وإذ أخذنا ميثاق بنى & # 1764 إسرءيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذى القربى واليتامى ~~والمساكين وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلواة وءاتوا الزكواة ثم توليتم إلا ~~قليلا منكم وأنتم معرضون } . ) 2 $ # أعيد ذكر أحوال بني إسرائيل بعد ذلك ms0618 الاستطراد المتفنن فيه ، فأعيد ~~الأسلوب القديم وهو العطف بإعادة لفظ ( إذ ) في أول القصص . وأظهر هنا لفظ ~~{ بني إسرائيل } وعدل عن الأسلوب السابق الواقع فيه التعبير بضمير الخطاب ~~المراد به سلف المخاطبين وخلفهم لوجهين : أحدهما أن هذا رجوع إلى مجادلة ~~بني إسرائيل وتوقيفهم على مساويهم فهو افتتاح ثان جرى على أسلوب الافتتاح ~~الواقع في قوله تعالى : { يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ~~وأوفوا بعهدي أوف بعدكم } ( البقرة : 40 ) الآية . ثانيهما : أن ما سيذكر ~~هنا لما كان من الأحوال التي اتصف بها السلف والخلف وكان المقصود الأول منه ~~إثبات سوء صنيع الموجودين في زمن القرآن تعين أن يعبر عن سلفهم باللفظ ~~الصريح ليتأتى توجيه الخطاب من بعد ذلك إلى المخاطبين حتى لا يظن أنه من ~~الخطاب الذي أريد به أسلافهم على وزان { وإذ نجيناكم من آل فرعون } ( ~~البقرة : 49 ) أو على وزان { ثم اتخذتم العجل من بعده } ( البقرة : 51 ) . # وقوله : { ميثاق بني إسرائيل } أريد به أسلافهم لأنهم الذين أعطوا ~~الميثاق لموسى على امتثال ما أنزل الله من التوراة كما قدمناه ، أو المراد ~~بلفظ ( بني إسرائيل ) المتقدمون والمتأخرون ، والمراد بالخطاب في { توليتم ~~} خصوص من بعدهم لأنهم الذين تولوا فليس في الكلام التفات ما ، وهو أولى من ~~جعل ما صدق { بني إسرائيل } هو ما صدق ضمير { توليتم } وأن الكلام التفات . # وقوله : { لا تعبدون إلا الله } خبر في معنى الأمر ومجيء الخبر للأمر ~~أبلغ من صيغة الأمر لأن الخبر مستعمل في غير معناه لعلاقة مشابهة الأمر ~~الموثوق بامتثاله بالشيء الحاصل حتى إنه يخبر عنه . وجملة { لا تعبدون } ~~مبدأ بيان للميثاق فلذلك فصلت وعطف ما بعدها عليها ليكون مشاركا لها في ~~معنى البيانية سواء قدرت أن أو لم تقدرها أو قدرت قولا محذوفا . # وقوله : { وبالوالدين إحسانا } هو مما أخذ عليهم الميثاق به وهو أمر مؤكد ~~لما دل عليه تقديم المتعلق على متعلقه وهما { بالوالدين إحسانا } وأصله ~~وإحسانا بالوالدين ، والمصدر بدل PageV01P582 من فعله والتقدير وأحسنوا ~~بالوالدين إحسانا . ولا يريبكم أنه معمول مصدر وهو لا ms0619 يتقدم على عامله على ~~مذهب البصريين لأن تلك دعوى واهية دعاهم إليها أن المصدر في معنى أن والفعل ~~فهو في قوة الصلة ومعمول الصلة لا يتقدم عليها مع أن أن والفعل هي التي ~~تكون في معنى المصدر لا العكس ، والعجب من ابن جني كيف تابعهم في ( شرحه ~~للحماسة ) على هذا عند قول الحماسي : # وبعض الحلم عند الجهل للذلة إذعان # وعلى طريقتهم تعلق قوله : { بالوالدين } بفعل محذوف تقديره وأحسنوا ، ~~وقوله : { إحسانا } مصدر ويرد عليهم أن حذف عامل المصدر المؤكد ممتنع لأنه ~~تبطل به فائدة التأكيد الحاصلة من التكرير فلا حاجة إلى جميع ذلك . ونجزم ~~بأن المجرور مقدم على المصدر ، على أن التوسع في المجرورات أمر شائع وأصل ~~مفروغ منه . 5 # واليتامى جمع يتيم كالندامى للنديم وهو قليل في جمع فعيل . # وجعل الإحسان لسائر الناس بالقول لأنه القدر الذي يمكن معاملة جميع الناس ~~به وذلك أن أصل القول أن يكون عن اعتقاد ، فهم إذا قالوا للناس حسنا فقد ~~أضمروا لهم خيرا وذلك أصل حسن المعاملة مع الخلق قال النبيء صلى الله عليه ~~وسلم ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) . وقد علمنا الله تعالى ~~ذلك بقوله : { ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا } ( الحشر : 10 ) على ~~أنه إذا عرض ما يوجب تكدر الخاطر فإن القول الحسن يزيل ما في نفس القائل من ~~الكدر ويرى للمقول له الصفاء فلا يعامله إلا بالصفاء قال المعري : # والخل كالماء يبدي لي ضمائره # مع الصفاء ويخيفها مع الكدر # على أن الله أمر بالإحسان الفعلي حيث يتعين ويدخل تحت قدرة المأمور وذلك ~~الإحسان للوالدين وذي القربى واليتامى والمساكين وإيتاء الزكاة ، وأمر ~~بالإحسان القولي إذا تعذر الفعلي على حد قول أبي الطيب : # فليسعد النطق إن لم تسعدالحال # وقوله : { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } أطلقت الزكاة فيه على الصدقة ~~مطلقا أو على الصدقة الواجبة على الأموال : وليس المراد الكناية عن شريعة ~~الإسلام لما علمت من أن هاته المعاطيق تابعة لبيان الميثاق وهو عهد موسى ~~عليه السلام . PageV01P583 # وقوله : { ثم توليتم ms0620 إلا قليلا منكم } خطاب للحاضرين وليس بالتفات كما ~~علمت آنفا . والمعنى أخذنا ميثاق الأمة الإسرائيلية على التوحيد وأصول ~~الإحسان فكنتم ممن تولى عن ذلك وعصيتم شرعا اتبعتموه . والتولي الإعراض ~~وإبطال ما التزموه ، وحذف متعلقه لدلالة ما تقدم عليه ، أي توليتم عن جميع ~~ما أخذ علكيم الميثاق به أي أشركتم بالله وعبدتم الأصنام وعققتم الوالدين ~~وأسأتم لذوي القربى واليتامى والمساكين وقلتم للناس أفحش القول وتركتم ~~الصلاة ومنعتم الزكاة . # ويجوز أن يكون المراد بالخطاب في { توليتم } المخاطبين زمن نزول الآية ، ~~وبعض من تقدمهم من متوسط عصور الإسرائيليين فيكون ضمير الخطاب تغليبا ، ~~نكتته إظهار براءة الذين أخذ عليهم العهد أولا من نكثه وهو من الإخبار ~~بالجمع والمراد التوزيع أي توليتم فمنكم من لم يحسن للوالدين وذي القربى ~~إلخ وهذا من صفات اليهود في عصر نزول الآية كما سيأتي في تفسير الآية التي ~~بعدها ، ومنكم من أشرك بالله وهذا لم ينقل عن يهود زمن النزول وإنما هومن ~~صفات من تقدمهم من بعد سليمان فقد كانت من ملوك إسرائيل عبدة أصنام وتكرر ~~ذلك فيهم مرارا كما هو مسطور في سفري الملوك الأول والثاني من التوراة . # و ( ثم ) للترتيبين الترتبي والخارجي . # وقوله : { إلا قليلا منكم } إنصاف لهم في توبيخهم ومذمتهم وإعلان بفضل من ~~حافظ على العهد . # وقوله : { وأنتم معرضون } جملة حالية ولكونها اسمية أفادت أن الإعراض وصف ~~ثابت لهم وعادة معروفة منهم كما أشار إليه في ( الكشاف ) وهو مبني على ~~اعتبار اسم الفاعل مشتقا من فعل منزل منزلة اللازم ولا يقدر له متعلق ويجوز ~~أن يقدر مشتقا من فعل حذف متعلقه تعويلا على القرينة أي وأنتم معرضون عن ~~الوصايا التي تضمنت ذلك الميثاق أي توليتم عن تعمد وجرأة وقلة اكتراث ~~بالوصايا وتركا للتدبر فيها والعمل بها . # PageV01P584 $ 2 ( 84 86 ) { وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دمآءكم ولا ~~تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون * ثم أنتم هاؤلا & # 1764 ء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم ~~والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم ms0621 عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض ~~الكتاب وتكفرون ببعض فما جزآء من يفعل ذالك منكم إلا خزى في الحيواة الدنيا ~~ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون * أولائك ~~الذين اشتروا الحيواة الدنيا بالاخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون } ~~. ) 2 $ # { وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دمآءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم ~~أقررتم وأنتم تشهدون * ثم } . # تفنن الخطاب هنا فجاء على نسق ما قبل الآية السابقة ، إذ عبر هنا عن جميع ~~بني إسرائيل بضمير الخطاب على طريق التغليب لأن المخاطبين حين نزول القرآن ~~هم المقصودون من هذه الموعظة أو على طريق تنزيل الخلف منزلة السلف كما تقدم ~~، لأن الداعي للإظهار عند الانتقال من الاستطراد إلى بقية المقصود في الآية ~~السابقة قد أخذ ما يقتضيه فعاد أسلوب الخطاب إلى ما كان عليه . # والقول في { لا تسفكون } كالقول في { لا تعبدون إلا الله } ( البقرة : 83 ~~) والسفك الصب . وإضافة الدماء إلى ضمير فاعل { تسفكون } اقتضت أن مفعول { ~~تسفكون } هو دماء السافكين وليس المراد النهي عن أن يسفك الإنسان دم نفسه ~~أو يخرج نفسه من داره لأن مثل هذا مما يزع المرء عنه وازعه الطبيعي فليس من ~~شأن الشريعة الاهتمام بالنهي عنه ، وإنما المراد أن لا يسفك أحد دم غيره ~~ولا يخرج غيره من داره على حد قوله تعالى : { فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على ~~أنفسكم } ( النور : 61 ) أي فليسلم بعضكم على بعض . # فوجه إضافة الدماء إلى ضمير السافكين أن هذه الأحكام المتعلقة بالأمة أو ~~القبيلة يكون مدلول الضمائر فيها مجموع الناس ، فإذا تعلقت أحكام بتلك ~~الضمائر من إسناد أومفعولية أو إضافة أرجع كل إلى ما يناسبه على طريقة ~~التوزيع وهذا كثير في استعمال القرآن ونكتته الإشارة إلى أن المغايرة في ~~حقوق أفراد الأمة مغايرة صورية وأنها راجعة إلى شيء واحد وهو المصلحة ~~الجامعة أو المفسدة الجامعة ، ومثله قوله تعالى : { لا تأكلوا أموالكم ~~بينكم بالباطل } ( البقرة : 188 ) ومن هذا القبيل قول الحماسي الحارث بن ~~وعلة الذهلي : # قومي هم قتلوا أميم أخي # فإذا ms0622 رميت يصيبني سهمي # فلئن عفوت لأعفون جللا # ولئن سطوت لأوهنن عظمي # يريد أن سهمه إذا أصاب قومه فقد أضر بنفسه وإلى هذا الوجه أشار ابن عطية ~~وسماه اللف في القول ، أي الإجمال المراد به التوزيع ، وذهب صاحب ( الكشاف ~~) إلى أنه من تشبيه الغير بالنفس لشدة اتصال الغير بالنفس في الأصل أو ~~الدين فإذا قتل المتصل به نسبا أو دينا PageV01P585 فكأنما قتل نفسه وهو ~~قريب من الأول ومبناه على المجاز في الضمير المضاف إليه في قوله : { دماءكم ~~} و { أنفسكم } . # وقيل : إن المعنى لا تسفكون دماءكم بالتسبب في قتل الغير فيقتص منكم ولا ~~تخرجون أنفسكم من دياركم بالجناية على الغير فتنفوا من دياركم ، وهذا مبني ~~على المجاز التبعي في { تفسكون } و { تخرجون } بعلاقة التسبب . # وأشارت هذه الآية إلى وصيتين من الوصايا الإلاهية الواقعة في العهد ~~المعروف بالكلمات العشر المنزلة على موسى عليه السلام من قوله : ( لا تقتل ~~، لا تشته بيت قريبك ) فإن النهي عن شهوة بيت القريب لقصد سد ذريعة السعي ~~في اغتصابه منه بفحوى الخطاب . وعليه فإضافة ( ميثاق ) إلى ضمير المخاطبين ~~مراعى فيها أنهم لما كانوا متدينين بشريعة التوراة فقد التزموا بجميع ما ~~تحتوي عليه . # وقوله : { ثم أقررتم وأنتم تشهدون } مرتب ترتيبا رتبيا أي أخذ عليكم ~~العهد وأقررتموه أي عملتم به وشهدتم عليه فالضميران في { أقررتم وأنتم ~~تشهدون } راجعان لما رجع له ضمير { ميثاقكم } وما بعده لتكون الضمائر على ~~سنن واحد في النظم . وجملة { وأنتم تشهدون } حالية أي لا تنكرون إقراركم ~~بذلك إذ قد تقلدتموه والتزمتم التدين به . # والعطف بثم في قوله : { ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم } للترتيب الرتبي أي ~~وقع ذلك كله وأنتم هؤلاء تقتلون ، والخطاب لليهود الحاضرين في وقت نزول ~~القرآن بقرينة قوله : { هؤلاء } لأن الإشارة لا تكون إلى غائب وذلك نحو ~~قولهم : ها أنا ذا وها أنتم أولاء ، فليست زيادة اسم الإشارة إلا لتعيين ~~مفاد الضمير وهذا استعمال عربي يختص غالبا بمقام التعجب من حال المخاطب ~~وذلك لأن أصل الإخبار أن يكون بين المخبر والمخبر عنه تخالف في ms0623 المفهوم ~~واتحاد في الصدق في الخارج وهوالمعروف عند المناطقة بحمل الاشتقاق نحو أنت ~~صادق ، ولذلك لزم اختلاف المسند والمسند إليه بالجمود والاشتقاق غالبا أو ~~الاتحاد في الاشتقاق ولا تجدهما جامدين إلا بتأويل . # ثم إن العرب قد تقصد من الإخبار معنى مصادفة المتكلم الشيء عين شيء يبحث ~~عنه في نفسه نحو ( أنت أبا جهل ) قاله له ابن مسعود يوم بدر إذ وجده مثخنا ~~بالجراح صريعا ومصادفة المخاطب ذلك في اعتقاد المتكلم نحو ( قال أنا يوسف ~~وهذا أخي ) فإذا أرادوا ذلك توسعوا في طريقة الإخبار فمن أجل ذلك صح أن ~~يقال : ( أنا ذلك ) إذا كانت الإشارة PageV01P586 إلى متقرر في ذهن السامع ~~وهو لا يعلم أنه عين المسند إليه كقول خفاف بن ندبة : # تأمل خفافا إنني أنا ذلكا # وقول طريف العنبري : # فتوسموني إنني أنا ذالكم # وأوسع منه عندهم نحو قول أبي النجم : # أنا أبو النجم وشعري شعري # ثم إذا أرادوا العناية بتحقيق هذا الاتحاد جاءوا ( بها التنبيه ) فقالوا ~~: ها أنا ذا يقوله المتكلم لمن قد يشك أنه هو نحو قول الشاعر : # إن الفتى من يقول ها أنا ذا # فإذا كان السبب الذي صحح الإخبار معلوما اقتصر المتكلم على ذلك وإلا أتبع ~~مثل ذلك التركيب بجملة تدل على الحال التي اقتضت ذلك الإخبار ولهم في ذلك ~~مراتب : الأولى { ثم أنتم هؤلاء تقتلون } ، الثانية : { ها أنتم أولاء ~~تحبونهم } ( آل عمران : 119 ) . ومنه ( ها أنا ذا لديكما ) قاله أمية بن ~~أبي الصلت . الثالثة { ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا } ( ~~النساء : 109 ) ويستفاد معنى التعجب في أكثر مواقعه من القرينة كما تقول ~~لمن وجدته حاضرا وكنت لا تترقب حضوره ها أنت ذا ، أو من الجملة المذكورة ~~بعده إذا كان مفادها عجيبا كما رأيت في الأمثلة . # والأظهر أن يكون الضمير واسم الإشارة مبتدأ وخبرا والجملة بعدهما حالا ، ~~وقيل : هي مستأنفة لبيان منشأ التعجب ، وقيل : الجملة هي الخبر واسم ~~الإشارة منادى معترض ومنعه سيبويه ، وقيل : اسم الإشارة منصوب على الاختصاص ~~وهذا ضعيف . # وعلى الخلاف في موقع الجملة ms0624 اختلف فيما لو أتى بعدها أنت ذا ونحوه بمفرد ~~فقيل يكون منصوبا على الحال وقيل : مرفوعا على الخبر ولم يسمع من العرب إلا ~~مثال أنشده النحاة وهو قوله : # أبا حكم ها أنت نجم مجالد # ولأجل ذلك جاء ابن مالك في خطبة ( التسهيل ) بقوله : وها أنا ساع فيما ~~انتدبت إليه ، وجاء PageV01P587 ابن هشام في خطبة ( المغني ) بقوله : وها ~~أنا مبيح بما أسررته . # واختلف النحاة أيضا في أن وقوع الضمير بعد ( ها ) التنبيه هل يتعين أن ~~يعقبه اسم الإشارة فقال في ( التسهيل ) هو غالب لا لازم وقال ابن هشام ~~هولازم صرح به في ( حواشي التسهيل ) بنقل الدماميني في ( الحواشي المصرية ) ~~في الخطبة وفي الهاء المفردة . وقال الرضى إن دخول ( ها ) التنبيه في ~~الحقيقة إنما هو على اسم الإشارة على ما هو المعروف في قولهم هذا وإنما ~~يفصل بينها وبين اسم الإشارة بفاصل فمنه الضمير المرفوع المنفصل كما رأيت ~~ومنه القسم نحو قول الشاعر من ( شواهد الرضي ) : # تعلمن ها لعمر الله ذا قسما # فاقدر بذرعك فانظر أين تنسلك # وشذ بغير ذلك نحو قول النابغة : # ها إن تاعذرة إن لا تكن نفعت # فإن صاحبها قد تاه في البلد # وقوله : { تقتلون } حال أو خبر . وعبر بالمضارع لقصد الدلالة على التجدد ~~وأن ذلك من شأنكم وكذلك قوله : { وتخرجون فريقا منكم } . # وجعل في ( الكشاف ) المقصود بالخطابات كلها في هذه الآية مرادا به أسلاف ~~الحاضرين وجعل قوله : { ثم أنتم هؤلاء تقتلون } مع إشعاره بمغايرة المشار ~~إليهم للذين وجه إليهم الخطاب مرادا منه مغايرة تنزيلية لتغير صفات المخاطب ~~الواحد وذلك تكلف ساقه إليه محبة جعل الخطابات في هذه الآية موافقة ~~للخطابات التي في الآي قبلها ، وقد علمت أنه غير لازم وأن المغايرة مقصودة ~~هنا وقد استقامت فلا داعي إلى التكلف . # وقد أشارت هذه الآية إلى ما حدث بين اليهود من التخاذل وإهمال ماأمرتهم ~~به شريعتهم والأظهر أن المقصود يهود قريظة والنضير وقينقاع . وأراد من ذلك ~~بخاصة ما حدث بينهم في حروب بعاث القائمة بين الأوس والخزرج وذلك أنه لما ms0625 ~~تقاتل الأوس PageV01P588 والخزرج اعتزل اليهود الفريقين زمنا طويلا والأوس ~~مغلوبون في سائر أيام القتال فدبر الأوس أن يخرجوا يسعون لمحالفة قريظة ~~والنضير فلما علم الخزرج توعدوا اليهود إن فعلوا ذلك فقالوا لهم : إنا لا ~~نحالف الأوس ولا نحالفكم فطلب الخزرج على اليهود رهائن أربعين غلاما من ~~غلمان قريظة والنضير فسلموهم لهم . ثم إن عمرو بن النعمان البياضي الخزرجي ~~أطمع قومه أن يتحولوا لقريظة والنضير لحسن أرضهم ونخلهم وأرسل إلى قريظة ~~والنضير يقول لهم : إما أن تخلوا لنا دياركم وإما أن نقتل الرهائن فخشي ~~القوم على رهائنهم واستشاروا كعب بن أسيد القرظي فقال لهم : ( يا قوم ~~امنعوا دياركم وخلوه يقتل الغلمان فما هي إلا ليلة يصيب أحدكم فيها امرأته ~~حتى يولد له مثل أحدهم ) فلما أجابت قريظة والنضير عمرا بأنهم يمنعون ~~ديارهم عدا عمرو على الغلمان فقتلهم فلذلك تحالفت قريظة والنضير مع الأوس ~~فسعى الخزرج في محالفة بني قينقاع من اليهود وبذلك نشأ قتال بين فرق اليهود ~~وكان بينهم يوم بعاث قبل الهجرة بخمس سنين فكانت اليهود تتقاتل وتجلي ~~المغلوبين من ديارهم وتأسرهم ، ثم لما ارتفعت الحرب جمعوا مالا وفدوا به ~~أسرى اليهود الواقعين في أسر أحلاف أحد الفريقين من الأوس أو الخزرج فعيرت ~~العرب اليهود بذلك وقالت : كيف تقاتلونهم ثم تفدونهم بأموالكم فقالوا : قد ~~حرم علينا قتالهم ولكنا نستحي أن نخذل حلفاءنا وقد أمرنا أن نفدي الأسرى ~~فذلك قوله تعالى : { وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم } . # { وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب ~~وتكفرون ببعض فما جزآء من يفعل ذالك منكم إلا خزى في الحيواة الدنيا ويوم ~~القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون } { أولائك الذين ~~اشتروا الحيواة الدنيا بالاخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون } . # الواو في قوله : { وإن يأتوكم أسارى } يجوز أن تكون للعطف فهو عطف على ~~قوله : { تقتلون أنفسكم وتخرجون } فهو من جملة ما وقع التوبيخ عليه مما نكث ~~فيه العهد وهو PageV01P589 وإن لم يتقدم في ذكر ms0626 ما أخذ عليهم العهد ما يدل ~~عليه إلا أنه لما رجع إلى إخراج الناس من ديارهم كان في جملة المنهيات . ~~ولك أن تجعل الواو للحال من قوله : { وتخرجون فريقا } أي تخرجونهم والحال ~~إن أسرتموهم تفدونهم . وكيفما قدرت فقوله : { وهو محرم عليكم إخراجهم } ~~جملة حالية من قوله : { يأتوكم } إما حال من معطوف وإما حال من حال إذ ليس ~~فداء الأسير بمذموم لذاته ولكن ذمه باعتبار ما قارنه من سبب الفداء فحمل ~~التوبيخ هو مجموع المفاداة مع كون الإخراج محرما وبعد أن قتلوهم وأخرجوهم ، ~~فجملة { وهو محرم عليكم إخراجهم } حالية من ضمير { تفادوهم } . وصدرت بضمير ~~الشأن للاهتمام بها وإظهار أن هذا التحريم أمر مقرر مشهور لديهم وليست ~~معطوفة على قوله : { وتخرجون فريقا منكم } وما بينهما اعتراض لقلة جدواه إذ ~~قد تحقق ذلك بقوله : { ولا تخرجون أنفسكم } . # وفي قوله : { وهو محرم عليكم إخراجهم } تشنيع وتبليد لهم إذ توهموا ~~القربة فيما هو من آثار المعصية أي كيف ترتكبون الجناية وتزعمون أنكم ~~تتقربون بالفداء وإنما الفداء المشروع هو فداء الأسرى من أيدي الأعداء لا ~~من أيديكم فهلا تركتم موجب الفداء ؟ . # وعندي أن في الآية دلالة على ترجيح قول إمام الحرمين في أن الخارج من ~~المغصوب ليس آتيا بواجب ولا بحرام ولكنه انقطع عنه تكليف النهي وأن القربة ~~لا تكون قربة إلا إذا كانت غير ناشئة عن معصية . # والأسارى بضم الهمزة جمع أسير حملا له على كسلان كما حملوا كسلان على ~~أسير فقالوا : كسلى هذا مذهب سيبويه لأن قياس جمعه أسرى كقتلى . وقيل : هو ~~جمع نادر وليس مبنيا على حمل ، كما قالوا قدامى جمع قديم . وقيل : هو جمع ~~جمعع فالأسير يجمع على أسرى ثم يجمع أسرى على أسارى وهو أظهر . والأسير ~~فعيل بمعنى مفعول من أسره إذا أوثقه وهو فعل مشتق من الاسم الجامد فإن ~~الإسار هو السير من الجلد الذي يوثق به المسجون والموثوق وكانوا يوثقون ~~المغولبين في الحرب بسيور من الجلد ، قال النابغة : # لم يبق غير طريد غير منفلت # أو موثقق في حباله القد ms0627 مسلوب # وقرأ الجمهور ( أسارى ) ، وقرأه حمزة ( أسرى ) . # وقرأ نافع والكسائي وعاصم ويعقوب { تفادوهم } بصيغة المفاعلة المستعملة ~~في المبالغة PageV01P590 في الفداء أي تفدوهم فداء حريصا ، فاستعمال فادى ~~هنا مسلوب المفاضلة مثل عافاه الله وقول امرىء القيس : # فعادى عداء بين ثور ونعجة # دراكا فلم ينضح بماء فيغسل # وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وحمزة وأبو جعفر وخلف { تفدوهم } بفتح ~~الفوقية وإسكان الفاء دون ألف بعد الفاء . # والمحرم الممنوع ومادة حرم في كلام العرب للمنع ، والحرام الممنوع منعا ~~شديدا أو الممنوع منعا من قبل الدين ، ولذلك قالوا : الأشهر الحرم وشهر ~~المحرم . # وقوله : { أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض } استفهام إنكاري توبيخي أي ~~كيف تعمدتم مخالفة التوراة في قتال إخوانكم واتبعتموها في فداء أسراهم ، ~~وسمي الاتباع والإعراض إيمانا وكفرا على طريقة الاستعارة لتشويه المشبه ~~وللإنذار بأن تعمد المخالفة للكتاب قد تفضي بصاحبها إلى الكفر به ، وإنما ~~وقع { تؤمنون } في حيز الإنكار تنبيها على أن الجمع بين الأمرين عجيب وهو ~~مؤذن بأنهم كادوا أن يجحدوا تحريم إخراجهم أو لعلهم جحدوا ذلك وجحد ما هو ~~قطعي من الدين مروق من الدين . # والفاء عاطفة على { تقتلون أنفسكم } ، وما عطف عليه ، عطفت الاستفهام أو ~~عطفت مقدرا دل عليه الاستفهام وسيأتي تحقيق ذلك قريبا عند قوله { أفكلما ~~جاءكم رسول } ( البقرة : 87 ) . # والفاء في قوله : { فما جزاء من يفعل ذلك منكم } فصيحة عاطفة على محذوف ~~دل عليه الاستفهام الإنكاري أو عاطفة على نفس الاستفهام لما فيه من التوبيخ ~~. وقال عبد الحكيم : إن الجملة معترضة والاعتراض بالفاء وهذا بعيد معنى ~~ولفظا ، وأما الأول فلأن الاعتراض في آخر الكلام المعبر عنه بالتذييل لا ~~يكون إلا مفيدا لحاصل ما تقدم وغير مفيد حكما جديدا وأما الثاني فلأن ~~اقتران الجملة المعترضة بحرف غير الواو غير معروف في كلامهم . # والخزي بالكسر ذل في النفس طارىء عليها فجأة لإهانة لحقتها أو معرة صدرت ~~منها أو حيلة وغلبة تمشت عليها وهواسم لما يحصل من ذلك وفعله من باب سمع ~~فمصدره بفتح الخاء ، والمراد بالخزي ما لحق باليهود ms0628 بعدتلك الحروب من ~~المذلة بإجلاء النضير عن ديارهم وقتل قريظة وفتح خيبر وما قدر لهم من الذل ~~بين الأمم . PageV01P591 # وقرأ الجمهور ( يردون ) و ( يعملون ) بياء الغيبة ، وقرأ عاصم في رواية ~~عنه ( تردون ) بتاء الخطاب نظرا إلى معنى ( من ) وإلى قوله ( منكم ) ، وقرأ ~~نافع وابن كثير ويعقوب : ( يعملون ) بياء الغيبة وقرأه الجمهور بتاء الخطاب ~~. # وقد دلت هذه الآية على أن الله يعاقب الحائدين عن الطريق بعقوبات في ~~الدنيا وعقوبات في الآخرة . # وقد وقع اسم الإشارة وهو قوله : { أولئك الذين اشتروا } موقع نظيره في ~~قوله : { أولئك على هدى من ربهم } ( البقرة : 5 ) . # والقول في { اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة } كالقول في : { أولئك الذين ~~اشتروا الضلالة بالهدي } ( البقرة : 16 ) . والقول في { فلا يخفف عنهم ~~العذاب ولا هم ينصرون } قريب من القول في { ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ ~~منها عدل ولا هم ينصرون } . # وموقع الفاء في قوله : { فلا يخفف عنهم العذاب } هو الترتب لأن المجرم ~~بمثل هذا الجرم العظيم يناسبه العذاب العظيم ولا يجد نصيرا يدفع عنه أو ~~يخفف . # # | 2 ( 87 ) { ولقد ءاتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وءاتينا ~~عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جآءكم رسول بما لا تهوى ~~أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون } . ) 2 # انتقال من الإنحاء على بني إسرائيل في فعالهم مع الرسول موسى عليه السلام ~~بما قابلوه به من العصيان والتبرم والتعلل في قبول الشريعة وبما خالفوا من ~~أحكام التوراة بعد موته إلى قرب مجيء الإسلام إلى الإنحاء عليهم بسوء ~~مقابلتهم للرسل الذين أتوا بعد موسى مثل يوشع وإلياس وأرمياء وداوود مؤيدين ~~لشريعته ومفسرين وباعثين للأمة على تجديد العمل بالشريعة مع تعدد هؤلاء ~~الرسل واختلاف مشاربهم في الدعوة لذلك المقصد من لين وشدة ، ومن رغبة ورهبة ~~، ثم جاء عيسى مؤيدا وناسخا ومبشرا فكانت مقابلتهم لأولئك كلهم بالإعراض ~~والاستكبار وسوء الصنيع وتلك أمارة على أنهم إنما يعرضون عن الحق لأجل ~~مخالفة الحق أهواءهم وإلا فكيف لم يجدوا في خلال هاته العصور ومن بين تلك ~~المشارب ما يوافق ms0629 الحق ويتمحض للنصح . وإن قوما هذا دأبهم يرثه الخلف عن ~~السلف لجديرون PageV01P592 بزيادة التوبيخ ليكون هذا حجة عليهم في أن ~~تكذيبهم للدعوة المحمدية مكابرة وحسد حتى تنقطع حجتهم إذ لو كانت معاندتهم ~~للإسلام هي أولى فعلاتهم لأوهموا الناس أنهم ما أعرضوا إلا لما تبين لهم من ~~بطلان فكان هذا مرتبطا بقوله : { وآمنوا بما أنزلت مصدقا } ( البقرة : 41 ) ~~ومقدمة للإنحاء عليهم في مقابلتهم للدعوة المحمدية الآتي ذكرها في قوله ~~تعالى : { وقالوا قلوبنا غلف } ( البقرة : 88 ) . # فقوله تعالى : { ولقد آتينا موسى الكتاب } تمهيد للمعطوف وهو قوله : { ~~وقفينا من بعده بالرسل } الذي هو المبني عليه التعجب في قوله : { أفكلما ~~جاءكم رسول } فقوله : { ولقد آتينا موسى الكتاب } تمهيد التمهيد وإلا فهو ~~قدعلم من الآيات السابقة فلا مقتضى للإعلام به استقلالا هنا ولكنه ذكر ~~ليبنى عليه ما بعده فكأنه تحصيل لما تقدم أي ولقد كان ما كان مما تقدم وهو ~~إيتاء موسى الكتاب وقفينا أيضا بعده بالرسل فهو كالعلاوة أو كقول القائل ~~هذا وقد كان كذا . # و ( قفى ) مضاعف قفا تقول قفوت فلانا إذا جئت في إثره لأنك حينئذ كأنك ~~تقصد جهة قفاه فهومن الأفعال المشتقة من الجوامد مثل جبهه ، فصار المضاعف ~~قفاه بفلان تقفية وذلك أنك جعلته مأمورا بأن يقفو بجعل منك لا من تلقاء ~~نفسه أي جعلته يقفوه غيره ولكون المفعول واحدا جعلوا المفعول الثاني عند ~~التضعيف متعلقا بالفعل بباء التعدية لئلا يلتبس التابع بالمتبوع فقالوا : ~~قفى زيدا بعمرو عوض أن يقولوا : قفى زيدا عمرا . # فمعنى { قفينا من بعه بالرسل } أرسلنا رسلا وقد حذف مفعول { قفينا } ~~للعلم به وهو ضمير موسى . وقوله : { من بعده } أي من بعد ذهابه أي موته ، ~~وفيه إيماء إلى التسجيل على اليهود بأن مجيء الرسل بعد موسى ليس ببدع . # والجمع في الرسل للعدد والتعريف للجنس وهو مراد به التكثير قاله صاحب ( ~~الكشاف ) أي لأن شأن لفظ الجنس المعرف إذا لم يكن عهد أن يدل على الاستغراق ~~فلما كان الاستغراق هنا متعذرا دل على التكثير مجازا لمشابهة الكثير بجميع ~~أفراد ms0630 الجنس كقولك لم يبق أحد في البلد لم يشهد الهلال إذا شهده جماعات ~~كثيرة وهو قريب من معنى الاستغراق العرفي . # وسمي أنبياء بني إسرائيل الذين من بعد موسى رسلا مع أنهم لم يأتوا بشرع ~~جديد اعتبارا PageV01P593 بأن الله لما أمرهم بإقامة التوراة وتفسيرها ~~والتفريع منها فقد جعل لهم تصرفا شرعيا وبذلك كانوا زائدين على مطلق النبوة ~~التي لا تعلق لها بالتشريع لا تأصيلا ولا تفريعا . وقال الباقلاني فيما ~~نقله عنه الفخر : لا بد أن يكون هؤلاء الرسل جاءوا بشرع جديد ولو مع ~~المحافظة على الشرع الأول أو تجديد ما اندرس منه وهو قريب مما قلناه قال ~~تعالى : { وإن إلياس لمن المرسلين } ( الصافات : 123 ) وقال : { وإن يونس ~~لمن المرسلين } ( الصافات : 139 ) وما كان عيسى عليه السلام إلا مثلهم في ~~أنه ما أتى بأحكام جديدة إلا شيئا قليلا وخص عيسى بالذكر من بين سائر ~~الأنبياء الذين جاءوا بعد موسى زيادة في التنكيل على اليهود لأنهم يكفرون ~~به ويكذبونه ولذلك أيضا خصه بقوله : { وأيدناه بروح القدس } ولأن من جاء ~~بعد موسى من الرسل لم يخبروا أن جبريل جاءهم بوحي وعيسى كان أوسع منهم في ~~الرسالة . # وعيسى اسم معرب من يشوع أو يسوع وهو اسم عيسى ابن مريم قلبوه في تعريبه ~~قلبا مكانيا ليجري على وزن خفيف كراهية اجتماع ثقل العجمة وثقل ترتيب حروف ~~الكلمة فإن حرفي علة في الكلمة وشينا والختم بحرف حلق لا يجري هذا التنظيم ~~على طبيعة ترتيب الحروف مع التنفس عند النطق بها فقدموا العين لأنها حلقية ~~فهي مبدأ النطق ثم حركوا حروفه بحركات متناسبة وجعلوا شينه المعجمة الثقيلة ~~سينا مهملة فلله فصاحة العربية . ومعنى يشوع بالعبرانية السيد أو المبارك . # ومريم هي أم عيسى وهذا اسمها بالعبرانية نقل للعربية على حاله لخفته ولا ~~معنى لمريم في العربية غير العلمية إلا أن العرب المتنصرة عاملوه معاملة ~~الصفة في معنى المرأة المتباعدة عن مشاهدة النساء لأن هاته الصفة اشتهرت ~~بها مريم إذ هي أول امرأة عبرانية خدمت بيت المقدس فلذلك يقولون امرأة ms0631 مريم ~~أي معرضة عن صفات النساء كما يقولون رجل حاتم بمعنى جواد وذلك معلوم منهم ~~في الأعلام المشتهرة بالأوصاف ولذلك قال رؤبة : # قلت لزير لم تزره مريمه # فليس هو مشتقا من رام يريم كما قد يتوهم . وينبغي أن يكون وزنها فعيل ~~بفتح الفاء وإن كان نادرا . PageV01P594 # وعيسى عليه السلام هوابن مريم كونه الله في بطنها بدون مس رجل ، وأمه ~~مريم ابنة عمران من سبط يهوذا . # ولد عيسى في مدة سلطنة أغسطس ملك رومية وفي مدة حكم هيرودس على القدس من ~~جهة سلطان الرومان وذلك في سنة 430 عشرين وستمائة قبل الهجرية المحمدية ، ~~وكانت ولادته بقرية تعرف ببيت لحم اليهودية ، ولما بلغ ثلاثين سنة بعث ~~رسولا إلى بني إسرائيل وبقي في الدنيا إلى أن بلغ سنه ثلاثا وثلاثين سنة . # وأما مريم أمه فهي مريم ابنة عمران بن ماثان من سبط يهوذا ولدت عيسى وهي ~~ابنة ثلاث عشرة سنة فتكون ولادتها في سنة ثلاث عشرة قبل ميلاد عيسى وتوفيت ~~بعد أن شاخت ولا تعرف سنة وفاتها ، وكان أبوها مات قبل ولادتها فكفلها ~~زكرياء من بني أبيا وهو زوج اليصابات خالة مريم وكان كاهنا من أحبار اليهود ~~كما سيأتي في سورة آل عمران . # والبينات صفة لمحذوف أي الآيات والمعجزات الواضحات ، { وأيدناه } قويناه ~~وشددنا عضده ونصرناه وهو مشتق من اسم جامد وهو اليد فأيد بمعنى جعله ذا يد ~~واليد مجاز في القوة والقدرة فوزن أيد أفعل ، ولك أن تجعله مشتقا من الأيد ~~وهو القوة فوزنه فعل . # والتأييد التقوية والإقدار على العمل النفسي وهو مشتق من الأيد وهو القوة ~~قال تعالى : { واذكر عبدنا داود ذا الأيد } ( ص : 17 ) والأيد مشتق من اليد ~~لأنها آلة القدرة والأحسن أن يكون مشتقا من اليد أي جعله ذا يد أي قوة ، ~~والمراد هنا قوة معنوية وهي قوة الرسالة وقوة الصبر على أذى قومه وسيأتي في ~~الأنفال ( 62 ) قوله ؛ { وهو الذي أيدك بنصره } . # والروح جوهر نوراني لطيف أي غير مدرك بالحواس فيطلق على النفس الإنساني ~~الذي به حياة الإنس ، ولا ms0632 يطلق على ما به حياة العجماوات إلا لفظ نفس ، قال ~~تعالى : { ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي } ( الإسراء : 85 ) ويطلق ~~على قوة من لدن الله تعالى يكون بها عمل عجيب ومنه قوله : { فنفخنا فيها من ~~روحنا } ( التحريم : 12 ) ، ويطلق على جبريل كما في قوله : { نزل به الروح ~~الأمين على قلبك لتكون من المنذرين } ( الشعراء : 193 ، 194 ) وهو المراد ~~في قوله تعالى : { تنزل الملائكة والروح فيها } ( القدر : 4 ) وقوله : { ~~يوم يقوم الروح والملائكة } ( النبأ : 38 ) . # والقدس بضمتين وبضم فسكون مصدر أو اسم مصدر بمعنى النزاهة والطهارة . ~~والمقدس المطهر وتقدم في قوله تعالى : { ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك } ( ~~البقرة : 30 ) . PageV01P595 # وروح القدس روح مضاف إلى النزاهة فيجوز أن يكون المراد به الروح الذي نفخ ~~الله في بطن مريم فتكون منه عيسى وإنما كان ذلك تأييدا له لأن تكوينه في ~~ذلك الروح اللدني المطهر هو الذي هيأه لأن يأتي بالمعجزات العظيمة ، ويجوز ~~أن يكون المراد به جبريل والتأييد به ظاهر لأنه الذي يأتيه بالوحي وينطق ~~على لسانه في المهد وحين الدعوة إلى الدين وهذا الإطلاق أظهر هنا ، وفي ~~الحديث الصحيح ( إن روح القدس نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستوفي ~~أجلها ) . وعلى كلا الوجهين فإضافة ( روح ) إلى ( القدس ) إما من إضافة ما ~~حقه أن يكون موصوفا إلى ما حقه أن تشتق منه الصفة ولكن اعتبر طريق الإضافة ~~إلى ما منه اشتقاق الصفة لأن الإضافة أدل على الاختصاص بالجنس المضاف إليه ~~لاقتضاء الإضافة ملابسة المضاف بالمضاف إليه وتلك الملابسة هنا تؤول إلى ~~التوصيف وإلى هذا قال التفتزاني في ( شرح الكشاف ) وأنكر أن يكون المضاف ~~إليه في مثله صفة حقيقة حتى يكون في الوصف بالمصدر . # وقوله تعالى : { أفكلما جاءكم رسول } هو المقصود من الكلام السابق ، وما ~~قبله من قوله : { ولقد آتينا } تمهيد له كما تقدم ، فالفاء للسببية ~~والاستفهام للتعجيب من طغيانهم ومقابلتهم جميع الرسل في جميع الأزمان ~~بمقابلة واحدة ساوى فيها الخلف السلف مما دل على أن ذلك سجية في الجميع ms0633 . # وتقديم همزة الاستفهام على حرف العطف المفيد للتشريك في الحكم استعمال ~~متبع في كلام العرب وظاهره غريب لأنه يقتضي أن يكون الاستفهام متسلطا على ~~العاطف والمعطوف وتسلط الاستفهام على حرف العطف غريب فلذلك صرفه علماء ~~النحو عن ظاهره ولهم في ذلك طريقتان : إحداهما طريقة الجمهور قالوا : همزة ~~الاستفهام مقدمة من تأخير وقد كان موقعها بعد حرف العطف فقدمت عليه ~~لاستحقاق الاستفهام التصدير في جملته ، وإنما خصوا التقديم بالهمزة دون ~~غيرها من كلمات الاستفهام لأن الهمزة متأصلة في الاستفهام إذ هي الحرف ~~الموضوع للاستفهام الأكثر استعمالا فيه ، وأما غيرها فكلمات أشربت معنى ~~الاستفهام منها ما هو اسم مثل ( أين ) ، ومنها حرف تحقيق وهو ( هل ) فإنه ~~بمعنى قد فلما كثر دخول همزة الاستفهام عليه حذفوا الهمزة لكثرة الاستعمال ~~فأصل هل فعلت أهل فعلت فالتقدير فأكلما جاءكم رسول فقلب ، وقيل : أفكلما ~~جاءكم رسول فعلى هذه الطريقة يكون الاستفهام PageV01P596 معطوفا وتكون ~~الجملة معطوفة على التي قبلها أو معطوفة على محذوف بحسب ما يسمح به المقام ~~. # الطريقة الثانية طريقة صاحب ( الكشاف ) وفي ( مغني اللبيب ) أن الزمخشري ~~أول القائلين بها وادعى الدماميني أن الزمخشري مسبوق في هذا ولم يعين من ~~سبقه فإنه قد جوز طريقة الجمهور وجوز أن تكون همزة الاستفهام هي مبدأ ~~الجملة وأن المستفهم عنه محذوف دل عليه ما عطف عليه بحرف العطف والتقدير في ~~مثله أتكذبونهم فكلما جاءكم رسول إلخ . وعلى هذه الطريقة تكون الجملة ~~استفهامية مستأنفة محذوفا بقيتها ثم عطف عليها ما عطف ، ولا أثر لهذا إلا ~~في اختلاف الاعتبار والتقدير فأما معنى الكلام فلا يتغير على كلا ~~الاعتبارين لأن العطف والاستفهام كليهما متوجهان إلى الجملة الواقعة بعدهما ~~. # والظاهر من كلام صاحب ( الكشاف ) في هذه الآية وفي قوله تعالى في سورة آل ~~عمران ( 165 ) : { أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها أن الطريقتين ~~جائزتان في جميع مواقع الاستفهام مع حرف العطف وهو الحق وأما عدم تعرضه ~~لذلك عند آيات أفتطمعون أن يؤمنوا لكم } ( البقرة : 75 ) { أفلا تعقلون } ( ~~البقرة : 44 ) . { أفتؤمنون ببعض الكتاب } ( البقرة ms0634 : 85 ) فيما مضى من هذه ~~السورة فذلك ذهول منه وقد تداركه هنا . # وعندي جواز طريقة ثالثة وهي أن يكون الاستفهام عن العطف والمعنى أتزيدون ~~على مخالفاتكم استكباركم كلما جاءكم رسول إلخ وهذا متأت في حروف التشريك ~~الثلاثة كما تقدم من أمثلة الواو والفاء وكقوله تعالى : { أثم إذا ما وقع ~~آمنتم به في سورة يونس ( 51 ) وقوله النابغة : # أثم تعذران إلى منها # فإني قد سمعت وقد رأيت # وقد استقريت هذا الاستعمال فوجدت مواقعه خاصة بالاستفهام غير الحقيقي كما ~~رأيت من الأمثلة . # ومعنى الفاء هنا تسبب الاستفهام التعجيبي الإنكاري على ما تقرر عندهم من ~~تقفية موسى بالرسل أي قفينا موسى بالرسل فمن عجيب أمركم أن كل رسول جاءكم ~~استكبرتم وجوز صاحب الكشاف } كون العطف على مقدر أي آتينا موسى الكتاب إلخ ~~ففعلتم ثم وبخهم بقوله : { أفكلما } ، فالهمزة للتوبيخ والفاء حينئذ عاطفة ~~مقدرا معطوفا على المقدر المؤهل للتوبيخ ، وهو وجه بعيد ، ومرمى الوجهين ~~إلى أن جملة { آتينا موسى الكتاب } إلخ غير مراد منها الإخبار بمدلولها . # وانتصب ( كلما ) بالنيابة عن الظرف لأنه أضيف إلى ما الظرفية المصدرية ~~والعامل فيه قوله : { استكبرتم } ، وقدم الظرف ليكون مواليا للاستفهام ~~المراد منه التعجيب ليظهر أن محل العجب هو استمرار ذلك منهم الدال على أنه ~~سجية لهم وليس ذلك لعارض عرض في PageV01P597 بعض الرسل وفي بعض الأزمنة ، ~~والتقدير أفاستكبرتم كلما جاءكم رسول فقدم الظرف للاهتمام لأنه محل العجب ، ~~وقد دل العموم الذي في ( كلما ) على شمول التكذيب أو القتل لجميع الرسل ~~المرسلين إليهم لأن عموم الأزمان يستلزم عموم الأفراد المظروفة فيها . # و { تهوى } مضارع هوي بكسر الواو إذا أحب والمراد به ما تميل إليه أنفسهم ~~من الانخلاع عن القيود الشرعية والانغماس في أنواع الملذات والتصميم على ~~العقائد الضالة . # والاستكبار الاتصاف بالكبر وهو هنا الترفع عن اتباع الرسل وإعجاب ~~المتكبرين بأنفسهم واعتقاد أنهم أعلى من أن يطيعوا الرسل ويكونوا أتباعا ~~لهم ، فالسين والتاء في { استكبرتكم } للمبالغة كما تقدم في قوله تعالى : { ~~إلا إبليس أبى واستكبر } ( البقرة : 34 ) وقوله : { ففريقا كذبتم ms0635 وفريقا ~~تقتلون } مسبب عن الاستكبار فالفاء للسببية فإنهم لما استكبروا بلغ بهم ~~العصيان إلى حد أن كذبوا فريقا أي صرحوا بتكذيبهم أو عاملوهم معاملة الكاذب ~~وقتلوا فريقا وهذا كقوله تعالى عن أهل مدين : { قالوا يا شعيب ما نفقه ~~كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك } ( هود : 9 ) . # وتقديم المفعول هنا لما فيه من الدلالة على التفصيل فناسب أن يقدم ليدل ~~على ذلك كما في قوله تعالى : { فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة } ( ~~الأعراف : 30 ) . وهذا استعمال عربي كثير في لفظ فريق وما في معناه نحو ~~طائفة إذا وقع معمولا لفعل في مقام التقسيم نحو { يغشى طائفة منكم وطائفة ~~قد أهمتهم أنفسهم } ( آل عمران : 159 ) . # والتفصيل راجع إلى ما في قوله : { رسول } من الإجمال لأن ( كلما جاءكم ~~رسول ) أفاد عموم الرسول وشمل هذا موسى عليه السلام فإنهم وإن لم يكذبوه ~~بصريح اللفظ لكنهم عاملوه معاملة المكذبين به إذ شكوا غير مرة فيما يخبرهم ~~عن الله تعالى وأساءوا الظن به مرارا في أوامره الاجتهادية وحملوه على قصد ~~التغرير بهم والسعي لإهلاكهم كما قالوا حين بلغوا البحر الأحمر وحين أمرهم ~~بالحضور لسماع كلام الله تعالى ، وحين أمرهم بدخول أريحا ، وغير ذلك ، وأما ~~بقية الرسل فكذبوهم بصريح القول مثل عيسى وقتلوا بعض الرسل مثل أشعياء ~~وزكرياء ويحيى ابنه وأرمياء . # وجاء في { تقتلون } بالمضارع عوضا عن الماضي لاستحضار الحالة الفظيعة وهي ~~حالة قتلهم رسلهم كقوله : { الله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه } ( ~~الروم : 48 ) مع ما في صيغة { تقتلون } من مراعاة الفواصل فاكتمل بذلك ~~بلاغة المعنى وحسن النظم . # PageV01P598 # | 2 ( 88 ) { وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون } ~~. ) 2 # إما عطف على قوله : { استكبرتم } ( البقرة : 87 ) أو على { كذبتم } ( ~~البقرة : 87 ) فيكون على الوجه الثاني تفسيرا للاستكبار أي يكون على تقدير ~~عطفه على { كذبتم } من جملة تفصيل الاستكبار بأن أشير إلى أن استكبارهم ~~أنواع : تكذيب وتقتيل وإعراض . وعلى الوجهين ففيه التفات من الخطاب إلى ~~الغيبة وإبعاد لهم عن مقام الحضور ms0636 فهومن الالتفات الذي نكتته أن ما أجري ~~على المخاطب من صفات النقص والفظاعة قد أوجب إبعاده عن البال وإعراض البال ~~عنه فيشار إلى هذا الإبعاد بخطابه بخطاب البعد فهو كناية . # وقد حسن الالتفات أنه مؤذن بانتقال الكلام إلى سوء مقابلتهم للدعوة ~~المحمدية وهو غرض جديد فإنهم لما تحدث عنهم بما هو من شؤونهم مع أنبيائهم ~~وجه الخطاب إليهم ، ولما أريد الحديث عنهم في إعراضهم عن النبيء صلى الله ~~عليه وسلم صار الخطاب جاريا مع المؤمنين وأجرى على اليهود ضمير الغيبة . ~~على أنه يحتمل أن قولهم { قلوبنا غلف } لم يصرحوا به علنا ويدل لذلك أن ~~أسلوب الخطاب جرى على الغيبة من مبدأ هذه الآية إلى قوله تعالى : { ولقد ~~جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل } ( البقرة : 92 ) . والقلوب مستعملة ~~في معنى الأذهان على طريقة كلام العرب في إطلاق القلب على العقل . # والغلف بضم فسكون جمع أغلف وهو الشديد الغلاف مشتق من غلفه إذا جعل له ~~غلافا وهو الوعاء الحافظ للشيء والساتر له من وصول ما يكره له . # وهذا كلام كانوا يقولونه للنبيء صلى الله عليه وسلم حين يدعوهم للإسلام ~~قصدوا به التهكم وقطع طمعه في إسلامهم وهو كقول المشركين : { قلوبنا في ~~أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب } ( فصلت : 5 ) ~~. وفي الكلام توجيه لأن أصل الأغلف أن يكون محجوبا عما لا يلائمه فإن ذلك ~~معنى الغلاف فهم يخيلون أن قلوبهم مستورة عن الفهم ويريدون أنها محفوظة من ~~فهم الضلالات ولذلك قال المفسرون : إنه مؤذن بمعنى PageV01P599 أنها لا تعي ~~ما تقول ولو كان حقا لوعته ، وهذان المعنيان اللذان تضمنهما لتوجيه ~~يلاقيهما الرد بقوله تعالى : { بل لعنهم الله بكفرهم } أي ليس عدم إيمانهم ~~لقصور في أفهامهم ولا لربوها عن قبول مثل ما دعوا إليه ولكن لأنهم كفروا ~~فلعنهم الله بكفرهم وأبعدهم عن الخير وأسبابه . وبهذا حصل المعنيان ~~المرادان لهم من غير حاجة إلى فرض احتمال أن يكون ( غلف ) جمع غلاف لما فيه ~~من التكلف في حذف المضاف إليه حتى يقدر ms0637 أنها أوعية للعلم والحق فلا يتسرب ~~إليها الباطل . # وقوله : { بل لعنهم الله بكفرهم } تسجيل عليهم وفضح لهم بأنهم صمموا على ~~الكفر والتمسك بدينهم من غير التفات لحجة النبيء صلى الله عليه وسلم فلما ~~صمموا على ذلك عاقبهم الله باللعن والإبعاد عن الرحمة والخير فحرمهم ~~التوفيق والتبصر في دلائل صدق الرسول ، فاللعنة حصلت لهم عقابا على التصميم ~~على الكفر وعلى الإعراض عن الحق وفي ذلك رد لما أوهموه من أن قلوبهم خلقت ~~بعيدة عن الفهم لأن الله خلقهم كسائر العقلاء مستطيعين لإدراك الحق لو ~~توجهوا إليه بالنظر وترك المكابرة وهذا معتقد أهل الحق من المؤمنين عدا ~~الجبرية . # وقوله : { فقليلا ما يؤمنون } تفريع على { لعنهم } و { قليلا } صفة ~~لمحذوف دل عليه الفعل والتقدير فإيمانا قليلا وما زائدة للمبالغة في ~~التقليل والضمير لمجموع بني إسرائيل ويجوز أن يكون ( قليلا ) صفة للزمان ~~الذي يستلزمه الفعل أي فحينا قليلا يؤمنون . وقيل يجوز أن يكون باقيا على ~~حقيقته مشارا به إلى إيمانهم ببعض الكتاب أو إلى إيمانهم ببعض ما يدعو له ~~النبيء صلى الله عليه وسلم مما يوافق دينهم القديم كالتوحيد ونبوءة موسى أو ~~إلى إيمان أفراد منهم في بعض الأيام فإن إيمان أفراد قليلة منهم يستلزم ~~صدور إيمان من مجموع بني إسرائيل في أزمنة قليلة أو حصول إيمانات قليلة . ~~ويجوز أن يكون ( قليلا ) هنا مستعملا في معنى العدم فإن القلة تستعمل في ~~العدم في كلام العرب قال أبو كبير الهذلي : # قليل التشكي للمهم يصيبه # كثير الهوى شتى النوى والمسالك # أراد أنه لا يتشكى ، وقال عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود في أرض ~~نصيبين ( كثيرة العقارب قليلة الأقارب ) أراد عديمة الأقارب ويقولون : فلان ~~قليل الحياء وذلك كله إما مجاز لأن القليل شبه بالعدم وإما كناية وهو أظهر ~~لأن الشيء إذا قل آل إلى الاضمحلال PageV01P600 فكان الانعدام لازما عرفيا ~~للقلة ادعائيا فتكون ( ما ) مصدرية والوجهان أشار إليهما في ( الكشاف ) ~~باختصار واقتصر على الوجه الثاني منهما في تفسيره قوله تعالى : { ءإلاه مع ~~الله قليلا ما تذكرون ms0638 في سورة النمل ( 62 ) فقال : والمعنى نفي التذكير ~~والقلة تستعمل في معنى النفي وكأن وجه ذلك أن التذكر من شأنه تحصيل العلم ~~فلو تذكر المشركون المخاطبون بالآية لحصل لهم العلم بأن الله واحد لا شريك ~~له ، كيف وخطابهم بقوله : ءإلاه مع الله } المقصود منه الإنكار بناء على ~~أنهم غير معتقدين ذلك . # # | 2 ( 89 ) { ولما جآءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل ~~يستفتحون على الذين كفروا فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على ~~الكافرين } . ) 2 # معطوف على قوله : { وقالوا قلوبنا غلف } ( البقرة : 88 ) لقصد الزيادة في ~~الإنحاء عليهم بالتوبيخ فإنهم لو أعرضوا عن الدعوة المحمدية إعراضا مجردا ~~عن الأدلة لكان في إعراضهم معذرة ما ولكنهم أعرضوا وكفروا بالكتاب الذي جاء ~~مصدقا لما معهم والذي كانوا من قبل يستفتحون به على المشركين . فقوله : { ~~من عند الله } متعلق بجاءهم وليس صفة لأنه ليس أمرا مشاهدا معلوما حتى يوصف ~~به . وقوله : { مصدق لما معهم } وصف شأن لقصد زيادة التسجيل عليهم بالمذمة ~~في هذا الكفر والقول في تفسيره قد مضى عند قوله تعالى : { وآمنوا بما أنزلت ~~مصدقا لما معكم } ( البقرة : 41 ) . # والاستفتاح ظاهره طلب الفتح أي النصر قال تعالى : { إن تستفتحوا فقد ~~جاءكم الفتح } ( الأنفال : 19 ) وقد فسروه بأن اليهود كانوا إذا قاتلوا ~~المشركين أي من أهل المدينة استنصروا عليهم بسؤال الله أن يبعث إليهم ~~الرسول الموعود به في التوراة . وجوز أن يكون { يستفتحون } بمعنى يفتحون أي ~~يعلمون ويخبرون كما يقال فتح على القارىء أي علمه الآية التي ينساها فالسين ~~والتاء لمجرد التأكيد مثل زيادتهما في استعصم واستصرخ واستعجب والمراد ~~كانوا يخبرون المشركين بأن رسولا سيبعث فيؤيد المؤمنين ويعاقب المشركين . 5 ~~وقوله : { فلما جاءهم ما عرفوا } أي ما كانوا يستفتحون به أي لما جاء ~~الكتاب الذي عرفوه كفروا به وقد عدل عن أن يقال فلما جاءهم الكتاب ليكون ~~اللفظ أشمل فيشمل الكتاب والرسول الذي جاء PageV01P601 به فإنه لا يجيء ~~كتاب إلا مع رسول . ووقع التعبير بما الموصولة دون من ms0639 لأجل هذا الشمول ولأن ~~الإبهام يناسبه الموصول الذي هو أعم فإن الحق أن ما تجيء لما هو أعم من ~~العاقل . # والمراد بما عرفوا القرآن أي أنهم عرفوه بالصفة المتحققة في الخارج وإن ~~جهلوا انطباقها على القرآن لضلالهم لأن الظاهر أن بني إسرائيل لم يكن ~~أكثرهم يعتقد صدق القرآن وصدق الرسول وبعضهم كان يعتقد ذلك ولكنه يتناسى ~~ويتغافل حسدا قال تعالى : { حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق } ~~( البقرة : 109 ) ويصير معنى الآية : ( وما جاءهم كتاب من عند الله مصدق ~~لما معهم ) وعرفوا أنه الذي كانوا يستفتحون به على المشركين . # وجملة : { وكانوا من قبل يستفتحون } في موضع الحال وفائدتها هنا استحضار ~~حالتهم العجيبة وهي أنهم كذبوا بالكتاب والرسول في حال ترقبهم لمجيئه ~~وانتظار النصر به وهذا منتهى الخذلان والبهتان . # وقوله : { فلما جاءهم ما عرفوا } بالفاء عطف على جملة { كانوا يستفتحون } ~~. و ( لما ) الثانية تتنازع مع ( لما ) الأولى الجواب وهو قوله : { كفروا ~~به } فكان موقع جملة ( وكانوا ) إلخ بالنسبة إلى كون الكتاب مصدقا موقع ~~الحال لأن الاستنصار به أو التبشير به يناسب اعتقاد كونه ( مصدقا لما معهم ~~) وموقعها بالنسبة إلى كون الكتاب والرسول معروفين لهم بالأمارات والدلائل ~~موقع المنشإ من المتفرع عنه مع أن مفاد جملة { لما جاءهم كتاب من عند الله ~~} إلخ وجملة { لما جاءهم ما عرفوا } إلخ واحد وإعادة ( لما ) في الجملة ~~الثانية دون أن يقول : وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فجاءهم ما ~~عرفوا إلخ قصد إظهار اتحاد مفاد الجملتين المفتتحتين بلما وزيادة الربط بين ~~المعنيين حيث انفصل بالجملة الحالية فحصل بذلك نظم عجيب وإيجاز بديع ، ~~وطريقة تكرير العامل مع كون المعمول واحدا طريقة عربية فصحى ، قال تعالى : ~~{ لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا ~~تحسبنهم بمفازة من العذاب } ( آل عمران : 188 ) وقال : { أيعدكم أنكم إذا ~~متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون } ( المؤمنون : 35 ) فأعاد ( أنكم ) ~~قبل خبر الأولى وقد عدلنا في هذا البيان عن طريقة الزجاج وطريقة المبرد ms0640 ~~وطريقة الفراء المذكورات في { حاشية الخفاجي وعبد الحكيم } وصغناه من محاسن ~~تلك الطرائق كلها لما في كل طريقة منها من مخالفة للظاهر . # وقوله : { فلعنة الله على الكافرين } جملة دعاء عليهم وعلى أمثالهم ~~والدعاء من الله تعالى PageV01P602 تقدير وقضاء لأنه تعالى لا يعجزه شيء ~~وليس غيره مطلوبا بالأدعية وهذا كقوله : { وقالت اليهود الله مغلولة غلت ~~أيديهم } ( المائدة : 64 ) وقوله : { قاتلهم الله أنى يؤفكون } ( التوبة : ~~30 ) وسيأتي بيانه عند قوله تعالى : { عليهم دائرة السوء } في سورة براءة ( ~~98 ) . # والفاء للسببية والمراد التسبب الذكري بمعنى أن ما قبلها وهو المعطوف ~~عليه يسبب أن ينطق المتكلم بما بعدها كقول قيس بن الخطيم : # وكنت امرءا لا أسمع الدهر سبة # أسب بها إلا كشفت غطاءها # فإني في الحرب الضروس موكل # بإقدام نفس ما أريد بقاءها # فعطف قوله : ( فإني ) على قوله كشفت غطاءها لأن هذا الحكم يوجب بيان أنه ~~في الحرب مقدام . # واللام في ( الكافرين ) للاستغراق بقرينة مقام الدعاء يشمل المتحدث عنهم ~~لأنهم من جملة أفراد هذا العموم بل هم أول أفراده سبقا للذهن لأن سبب ورود ~~العام قطعي الدخول ابتداء في العموم . وهذه طريقة عربية فصيحة في إسناد ~~الحكم إلى العموم والمراد ابتداء بعض أفراده لأن دخول المراد حينئذ يكون ~~بطريقة برهانية كما تدخل النتيجة في القياس قال بشامة بن حزن النهشلي : # إنا محيوك يا سلمى فحيينا # وإن سقيتت كرام الناس فاسقينا # أراد الكناية عن كرمهم بأنهم يسقون حين يسقى كرام الناس . # # | 2 ( 90 ) { بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بمآ أنزل الله بغيا أن ~~ينزل الله من فضله على من يشآء من عباده فبآءو بغضب على غضب وللكافرين عذاب ~~مهين } . ) 2 # استئناف لذمهم وتسفيه رأيهم إذ رضوا لأنفسهم الكفر بالقرآن وبمحمد صلى ~~الله عليه وسلم وأعرضوا عن النظر فيما اشتملت عليه كتبهم من الوعد بمجيء ~~رسول بعد موسى ، إرضاء لداعية الحسد وهم يحسبون أنهم مع ذلك قد استبقوا ~~أنفسهم على الحق إذ كفروا بالقرآن ، فهذا إيقاظ لهم نحومعرفة داعيهم إلى ~~الكفر وإشهار لما ينطوي عليه ms0641 عند المسلمين . # و { بئسما } مركب من ( بئس ) و ( ما ) الزائدة . وفي بئس وضدها نعم خلاف ~~في كونهما فعلين أو اسمين والأصح أنهما فعلان . وفي ( ما ) المتصلة بهما ~~مذاهب أحدها أنها معرفة تامة أي تفسر باسم معرف PageV01P603 بلام التعريف ~~وغير محتاجة إلى صلة احترازا عن ( ما ) الموصولة فقوله : { بئسما } يفسر ~~ببئس الشيء قاله سيبويه والكسائي . والآخر أنها موصولة قاله الفراء ~~والفارسي وهذان هما أوضح الوجوه فإذا وقعت بعدها ( ما ) وحدها كانت ( ما ) ~~معرفة تامة نحو قوله تعالى : { إن تبدوا الصدقات فنعما هي } ( البقرة : 271 ~~) أي نعم الشيء هي وإن وقعت بعد ما جملة تصلح لأن تكون صلة كانت ( ما ) ~~معرفة ناقصة أي موصولة نحو قوله هنا : { بئسما اشتروا به أنفسهم } و ( ما ) ~~فاعل ( بئس ) . # وقد يذكر بعد بئس ونعم اسم يفيد تعيين المقصود بالذم أو المدح ، ويسمى في ~~علم العربية المخصوص وقد لا يذكر لظهوره من المقام أو لتقدم ما يدل عليه ~~فقوله : { أن يكفروا } هو المخصوص بالذم والتقدير كفرهم بآيات الله ، ولك ~~أن تجعله مبتدأ محذوف الخبر أو خبرا محذوف المبتدأ أو بدلا أوبيانا من ( ما ~~) وعليه فقوله تعالى : { اشتروا } إما صفة للمعرفة أو صلة للموصولة و { أن ~~يكفروا } هو المخصوص بالذم خبر مبتدأ محذوف وذلك على وزان قولك نعم الرجل ~~فلان . # والاشتراء الابتياع وقد تقدم في قوله تعالى : { أولئك الذين اشتروا ~~الضلالة بالهدى } ( البقرة : 16 ) فقوله تعالى هنا : { بئسما اشتروا به ~~أنفسهم } مجاز أطلق فيه الاشتراء على استبقاء الشيء المرغوب فيه تشبيها ~~لاستبقائه بابتياع شيء مرغوب فيه فهم قد آثروا أنفسهم في الدنيا فأبقوا ~~عليها بأن كفروا بالقرآن حسدا ، فإن كانوا يعتقدون أنهم محقون في إعراضهم ~~عن دعوة محمد صلى الله عليه وسلم لتمسكهم بالتوراة وأن قوله فيما تقدم { ~~فلما جاءهم ما عرفوا } ( البقرة : 89 ) بمعنى جاءهم ما عرفوا صفته وإن ~~فرطوا في تطبيقها على الموصوف ، فمعنى اشتراء أنفسهم جار على اعتقادهم ~~لأنهم نجوها من العذاب في اعتقادهم فقوله : { بئسما اشتروا به أنفسهم } أي ~~بئسما هو في الواقع وأما ms0642 كونه اشتراء فبحسب اعتقادهم وقوله : { أن يكفروا ~~بما أنزل الله } هو أيضا بحسب الواقع ، وفيه تنبيه لهم على حقيقة حالهم وهي ~~أنهم كفروا برسول مرسل إليهم للدوام على شريعة نسخت . وإن كانوا معتقدين ~~صدق الرسول وكان إعراضهم لمجرد المكابرة كما يدل عليه قوله قبله : { فلما ~~جاءهم ما عرفوا } على أحد الاحتمالين المتقدمين ، فالاشتراء بمعنى ~~الاستبقاء الدنيوي أي بئس العوض بذلهم الكفر ورضاهم به لبقاء الرئاسة ~~والسمعة وعدم الاعتراف برسالة الصادق بالآية على نحو قوله تعالى : { أولئك ~~الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة } ( البقرة : 86 ) . PageV01P604 # وقيل : إن { اشتروا } بمعنى باعوا أي بذلوا أنفسهم والمراد بذلها للعذاب ~~في مقابلة إرضاء مكابرتهم وحسدهم وهذا الوجه منظور فيه إلى قوله قبله : { ~~فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به } وهو بعيد من اللفظ لأن استعمال الاشتراء ~~بمعنى البيع مجاز بعيد إذ هو يفضي إلى إدخال الغلط على السامع وإفساد ما ~~أحكمته اللغة من التفرقة وإنما دعا إليه قصد قائله إلى بيان حاصل المعنى ، ~~على أنك قد علمت إمكان الجمع بين مقتضى قوله : { ما عرفوا } وقوله هنا : { ~~اشتروا به أنفسهم } فأنت في غنى عن التكلف . وعلى كلا التفسيرين يكون { ~~اشتروا } مع ما تفرع عنه من قوله : { فباءوا بغضب على غضب } تمثيلا لحالهم ~~بحال من حاول تجارة ليربح فأصابه خسران ، وهو تمثيل يقبل بعض أجزائه أن ~~يكون استعارة وذلك من محاسن التمثيلية . # وجيء بصيغة المضارع في قوله : { أن يكفروا } ولم يؤت به على ما يناسب ~~المبين وهو { ما اشتروا } المقتضي أن الاشتراء قد مضى للدلالة على أنهم ~~صرحوا بالكفر بالقرآن من قبل نزول الآية فقد تبين أن اشتراء أنفسهم بالكفر ~~عمل استقر ومضى ، ثم لما أريد بيان ما اشتروا به أنفسهم نبه على أنهم لم ~~يزالوا يكفرون ويعلم أنهم كفروا فيما مضى أيضا إذ كان المبين بأن يكفروا ~~معبرا عنه بالماضي بقوله : { ما اشتروا } . # وقوله : { بغيا } مفعول لأجله علة لقوله : { أن يكفروا } لأنه الأقرب ~~إليه ، ويجوز كونه علة لاشتروا لأن الاشتراء هنا صادق على الكفر فإنه ~~المخصوص بحكم الذم ms0643 وهو عين المذموم ، والبغي هنا مصدر بغى يبغي إذا ظلم ~~وأراد به هنا ظلما خاصا وهو الحسد وإنما جعل الحسد ظلما لأن الظلم هو ~~المعاملة بغير حق والحسد تمني زوال النعمة عن المحسود ولا حق للحاسد في ذلك ~~لأنه لا يناله من زوالها نفع ، ولا من بقائها ضر ، ولقد أجاد أبو الطيب إذ ~~أخذ المعنى في قوله : # وأظلم خلق الله من بات حاسدا # لمن بات في نعمائه يتقلب # وقوله : { أن ينزل الله } متعلق بقوله : { بغيا } بحذف حرف الجر وهو حرف ~~الاستعلاء لتأويل { بغيا } بمعنى حسدا . # فاليهود كفروا حسدا على خروج النبوءة منهم إلى العرب وهو المشار إليه ~~بقوله تعالى : { على من يشاء من عباده } وقوله : { فباءوا بغضب على غضب } ~~أي فرجعوا من تلك الصفقة وهي اشتراء أنفسهم بالخسران المبين وهو تمثيل ~~لحالهم بحال الخارج بسلعته لتجارة فأصابته خسارة فرجع PageV01P605 إلى ~~منزله خاسرا . شبه مصيرهم إلى الخسران برجوع التاجر الخاسر بعد ضميمة قوله ~~: { بئس ما اشتروا به أنفسهم } . # والظاهر أن المراد بغضب على غضب الغضب الشديد على حد قوله تعالى : { نور ~~على نور } ( النور : 35 ) أي نور عظيم وقوله : { ظلمات بعضها فوق بعض } ( ~~النور : 40 ) وقول أبي الطيب : # أرق على أرق ومثلى يأرق # وهذا من استعمال التكرير باختلاف صيغه في معنى القوة والشدة كقول الحطيئة ~~: # أنت آل شماس بن لأي وإنما # أتاهم بها الإحكم والحسب العد # أي الكثير العدد أي العظيم وقال المعري : # بني الحسب الوضاح والمفخر الجم # أي العظيم قال القرطبي قال بعضهم : المراد به شدة الحال لا أنه أراد ~~غضبين وهما غضب الله عليهم للكفر وللحسد أو للكفر بمحمد وعيسى عليهما ~~السلام . # وقوله : { وللكافرين عذاب مهين } هو كقوله : { فلعنة الله على الكافرين } ~~( البقرة : 89 ) أي ولهم عذاب مهين لأنهم من الكافرين ، والمهين المذل أي ~~فيه كيفية احتقارهم . # # | 2 ( 91 ) { وإذا قيل لهم ءامنوا بمآ أنزل الله قالوا نؤمن بمآ أنزل ~~علينا ويكفرون بما ورآءه وهو الحق مصدقا لما معهم قل فلم تقتلون أنبيآء ~~الله من قبل إن كنتم مؤمنين ms0644 } . ) 2 # معطوف على قوله : { ولما جاءهم كتاب من عند الله } ( البقرة : 89 ) ~~المعطوف على قوله : { وقالوا قلوبنا غلف } ( البقرة : 88 ) وبهذا الاعتبار ~~يصح اعتباره معطوفا على { وقالوا قلوبنا غلف } على المعروف في اعتبار العطف ~~على ما هو معطوف وهذا كله من عطف حكايات أحوالهم في معاذيرهم عن الإعراض عن ~~الدعوة الإسلامية فإذا دعوا قالوا : قلوبنا غلف وإذا سمعوا الكتاب أعرضوا ~~عنه بعد أن كانوا منتظريه حسدا أن نزل على رجل من غيرهم ، وإذا وعظوا ~~وأنذروا ودعوا إلى الإيمان بالقرآن وبأنه أنزله الله وأن ينظروا في دلائل ~~كونه منزلا من عند الله أعرضوا وقالوا : نؤمن بما أنزل علينا أي بما أنزله ~~الله على رسولنا موسى ، وهذا هو مجمع ضلالاتهم ومنبع عنادهم فلذلك تصدى ~~القرآن لتطويل المحاجة فيه بما هنا وما بعده تمهيدا لقوله الآتي : { ما ~~ننسخ من آية } ( البقرة : 106 ) الآيات . PageV01P606 # وقولهم : { نؤمن بما أنزل علينا } أرادوا به الاعتذار وتعلة أنفسهم لأنهم ~~لما قيل لهم { آمنوا بما أنزل الله } علموا أنهم إن امتنعوا امتناعا مجردا ~~عدت عليهم شناعة الامتناع من الإيمان بما يدعى أنه أنزله الله فقالوا في ~~معذرتهم ولإرضاء أنفسهم { نؤمن بما أنزل علينا } أي أن فضيلة الانتساب ~~للإيمان بما أنزل الله قد حصلت لهم أي فنحن نكتفي بما أنزل علينا وزادوا إذ ~~تمسكوا بذلك ولم يرفضوه . وهذا وجه التعبير في الحكاية عنهم بلفظ المضارع { ~~نؤمن } أي ندوم على الإيمان بما أنزل علينا وقد عرضوا بأنهم لا يؤمنون ~~بغيره لأن التعبير بنؤمن بما أنزل علينا في جواب من قال لهم { آمنوا بما ~~أنزل الله } وقد علم أن مراد القائل الإيمان بالقرآن مشعر بأنهم يؤمنون بما ~~أنزل عليهم فقط لأنهم يرون الإيمان بغيره مقتضيا الكفر به فههنا مستفاد من ~~مجموع جملتي { آمنوا بما أنزل الله } وجوابها بقولهم { نؤمن بما أنزل علينا ~~} . # وقوله تعالى : { ويكفرون بما وراءه } جيء بالمضارع محاكاة لقولهم { نؤمن ~~بما أنزل علينا } وتصريح بما لوحوا إليه ورد عليهم أي يدومون على الإيمان ~~بما أنزل عليهم ويكفرون كذلك بما وراءه ms0645 فهم يرون أن الإيمان به مقتض للكفر ~~بغيره على أن للمضارع تأثيرا في معنى التعجب والغرابة . وفي قرنه بواو ~~الحال إشعار بالرد عليهم وزاد ذلك بقوله { وهو الحق مصدقا لما معهم } . # والوراء في الأصل اسم مكان للجهة التي خلف الشيء وهو عريق في الظرفية ~~وليس أصله مصدرا . جعل الوراء مجازا أو كناية عن الغائب لأنه لا يبصره ~~الشخص واستعمل أيضا مجازا عن المجاوز لأن الشيء إذا كان أمام السائر فهو ~~صائر إليه فإذا صاروا وراءه فقد تجاوزه وتباعد عنه قال النابغة : # وليس وراء الله للمرء مطلب # واستعمل أيضا بمعنى الطلب والتعقب تقول ورائي فلان بمعنى يتعقبني ويطلبني ~~ومنه قول الله تعالى : { وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا } ( الكهف : ~~79 ) وقول لبيد : # أليس ورائي أن تراخت منيتي # لزوم العصا تحني عليها الأصابع # فمن ثم زعم بعضهم أن الوراء يطلق على الخلف والأمام إطلاق اسم الضدين ~~واحتج ببيت لبيد وبقرآن وكان أمامهم ملك وقد علمت أنه لا حجة فيه ولذلك ~~أنكر الآمدي في ( الموازنة ) كونه ضدا . # فالمراد بما وراءه في الآية بما عداه وتجاوزه أي بغيره والمقصود بهذا ~~الغير هنا خصوص PageV01P607 القرآن بقرينة السياق لتقدم قوله : { وإذا قيل ~~لهم آمنوا بما أنزل الله } ولتعقيبه بقوله : { وهو الحق مصدقا } . # وجملة { وهو الحق } حالية واللام في ( الحق ) للجنس والمقصود اشتهار ~~المسند إليه بهذا الجنس أي وهو المشتهر بالحقية المسلم ذلك له على حد قول ~~حسان : # وإن سنام المجد من آل هشام # بنو بنت مخزوم ووالدك العبد # لم يرد حسان انحصار العبودية في الوالد وإنما أراد أنه المعروف بذلك ~~المشتهر به فليست اللام هنا مفيدة للحصر لأن تعريف المسند باللام لا تطرد ~~إفادته الحصر على ما في ( دلائل الإعجاز ) . وقيل يفيد الحصر باعتبار القيد ~~أعني قوله { مصدقا } أي هو المنحصر في كونه حقا مع كونه مصدقا فإن غيره من ~~الكتب السماوية حق لكنه ليس مصدقا لما معهم ولعل صاحب هذا التفسير يعتبر ~~الإنجيل غير متعرض لتصديق التوراة بل مقتصرا على تحليل بعض المحرمات وذلك ms0646 ~~يشبه عدم التصديق . ففي الآية صد لبني إسرائيل عن مقابلة القرآن بمثل ما ~~قابلوا به الإنجيل وزيادة في توبيخهم . # وقوله : { مصدقا } حال مؤكدة لقوله : { وهو الحق } وهذه الآية علم في ~~التمثيل للحال المؤكدة وعندي أنها حال مؤسسة لأن قوله { مصدقا لما معهم } ~~مشعر بوصف زائد على مضمون { وهو الحق } إذ قد يكون الكتاب حقا ولا يصدق ~~كتابا آخر ولا يكذبه وفي مجيء الحال من الحال زيادة في استحضار شؤونهم ~~وهيئاتهم . # وقوله : { قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين } فصله عما ~~قبله لأنه اعتراض في أثناء ذكر أحوالهم قصد به الرد عليهم في معذرتهم هذه ~~لإظهار أن معاداة الأنبئاء دأب لهم وأن قولهم : { نؤمن بما أنزل علينا } ~~كذب إذ لو كان حقا لما قتل أسلافهم الأنبئاء الذين هم من قومهم ودعوهم إلى ~~تأييد التوراة والأمر بالعمل بها ولكنهم يعرضون عن كل ما لا يوافق أهواءهم ~~. وهذا إلزام للحاضرين بما فعله أسلافهم لأنهم يرونهم على حق فيما فعلوا من ~~قتل الأنبئاء . # والإتيان بالمضارع في قوله : { تقتلون } مع أن القتل قد مضى لقصد استحضار ~~الحالة الفظيعة وقرينة ذلك قوله : { من قبل } فذلك كما جاء الحطيئة بالماضي ~~مرادا به الاستقبال في قوله : # شهد الحطيئة يوم يلقى ربه # أن الوليد أحق بالعذر # بقرينة قوله يوم يلقى ربه . # والمراد بأنبئاء الله الذين ذكرناهم عند قوله تعالى : { ويقتلون النبيئين ~~بغير الحق } ( البقرة : 61 ) . # PageV01P608 # | 2 ( 92 ، 93 ) { ولقد جآءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده ~~وأنتم ظالمون * وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا مآ ءاتيناكم ~~بقوة واسمعوا قالوا سمعنا وعصينا وأشربوا فى قلوبهم العجل بكفرهم قل بئسما ~~يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين } . ) 2 # عطف على قوله : { فلم تقتلون أنبياء الله } ( البقرة : 91 ) والقصد منه ~~تعليم الانتقال في المجادلة معهم إلى ما يزيد إبطال دعواهم الإيمان بما ~~أنزل إليهم خاصة ، وذلك أنه بعد أن أكذبهم في ذلك بقوله : { فلم تقتلون ~~أنبياء الله من قبل } كما بينا ، ترقى إلى ذكر أحوالهم في مقابلتهم دعوة ms0647 ~~موسى الذي يزعمون أنهم لا يؤمنون إلا بما جاءهم به فإنهم مع ذلك قد قابلوا ~~دعوته بالعصيان قولا وفعلا فإذا كانوا أعرضوا عن الدعوة المحمدية بمعذرة ~~أنهم لا يؤمنون إلا بما أنزل عليهم فلماذا قابلوا دعوة أنبيائهم بعد موسى ~~بالقتل ؟ ولماذا قابلوا ؟ دعوة موسى بما قابلوا . فهذا وجه ذكر هذه الآيات ~~هنا وإن كان قد تقدم نظائرها فيما مضى ، فإن ذكرها هنا في محاجة أخرى وغرض ~~جديد ، وقد بينت أن القرآن ليس مثل تأليف في علم يحال فيه على ما تقدم بل ~~هو جامع مواعظ وتذكيرات وقوارع ومجادلات نزلت في أوقات كثيرة وأحوال مختلفة ~~فلذلك تتكرر فيه الأغراض لاقتضاء المقام ذكرها حينئذ عند سبب نزول تلك ~~الآيات . # وفي ( الكشاف ) أن تكرير حديث رفع الطور هنا لما نيط به من الزيادة على ~~ما في الآية السابقة معنى في قوله : { قالوا سمعنا وعصينا } الآية وهي نكتة ~~في الدرجة الثانية . # وقال البيضاوي إن تكرير القصة للتنبيه على أن طريقتهم مع محمد صلى الله ~~عليه وسلم طريقة أسلافهم مع موسى وهي نكتة في الدرجة الأولى وهذا إلزام لهم ~~بعمل أسلافهم بناء على أن الفرع يتبع أصله والولد نسخة من أبيه ، وهو ~~احتجاج خطابي . # والقول في هاته الآيات كالقول في سابقتها ( البقرة : 63 ) وكذلك القول في ~~( البينات ) . إلا أن قوله : { واسمعوا } مراد به الامتثال فهو كناية كما ~~تقول فلان لا يسمع كلامي أي لا يمتثل أمري إذ ليس الأمر هنا بالسماع بمعنى ~~الإصغاء إلى التوراة فإن قوله : { خذوا ما آتيناكم بقوة } يتضمنه ابتداء ~~لأن المراد من الأخذ بالقوة الاهتمام به وأول الاهتمام بالكلام هو سماعه ~~PageV01P609 والظاهر أن قوله : { خذوا ما آتيناكم بقوة } لا يشمل الامتثال ~~فيكون قوله : { واسمعوا } دالا على معنى جديد وليس تأكيدا ، ولك أن تجعله ~~تأكيدا لمدلول { خذوا ما آتيناكم بقوة } بأن يكون الأخذ بقوة شاملا لنية ~~الامتثال وتكون نكتة التأكيد حينئذ هي الإشعار بأنهم مظنة الإهمال والإخلال ~~حتى أكد عليهم ذلك قبل تبين عدم امتثالهم فيما يأتي ففي هذه الآية زيادة ~~بيان ms0648 لقوله في الآية الأولى : { واذكروا ما فيه } ( البقرة : 63 ) . # واعلم أن من دلائل النبوة والمعجزات العلمية إشارات القرآن إلى العبارات ~~الني نطق بها موسى في بني إسرائيل وكتبت في التوراة فإن الأمر بالسماع تكرر ~~في مواضع مخاطباتت موسى لملإ بني إسرائيل بقوله : اسمع يا إسرائيل ، فهذا ~~من نكت اختيار هذا اللفظ للدلالة على الامتثال دون غيره مما هو أوضح منه ~~وهذا مثل ما ذكرنا في التعبير بالعهد . # وقوله : { قالوا سمعنا وعصينا } يحتمل أنهم قالوه في وقت واحد جوابا ~~لقوله : { واسمعوا } وإنما أجابوه بأمرين لأن قوله : { اسمعوا } تضمن ~~معنيين معنى صريحا ومعنى كنائيا فأجابوا بامتثال الأمر الصريح وأما الأمر ~~الكنائي فقد رفضوه وذلك يتضمن جواب قوله : { خذوا ما آتيناكم بقوة } أيضا ~~لأنه يتضمن ما تضمنه { واسمعوا } وفي هذا الوجه بعد ظاهر إذ لم يعهد منهم ~~أنهم شافهوا نبيهم بالعزم على المعصية وقيل : إن قوله : { سمعنا } جواب ~~لقوله : { خذوا ما آتيناكم } أي سمعنا هذا الكلام ، وقوله : { وعصينا } ~~جواب لقوله : { واسمعوا } لأنه بمعنى امتثلوا ليكون كل كلام قد أجيب عنه ~~ويبعده أن الإتيان في جوابهم بكلمة { سمعنا } مشير إلى كونه جوابا لقوله : ~~{ اسمعوا } لأن شأن الجواب أن يشتمل على عبارة الكلام المجاب به وقوله : ~~ليكون كل كلام قد أجيب عنه قد علمت أن جعل { سمعنا وعصينا } جوابا لقوله : ~~{ واسمعوا } يغني عن تطلب جواب لقوله : { خذوا } ففيه إيجاز ، فالوجه في ~~معنى هذه الآية هوما نقله الفخر عن أبي مسلم أن قولهم : { عصينا } كان ~~بلسان الحال يعني فيكون { قالوا } مستعملا في حقيقته ومجازه أي قالوا : ~~سمعنا وعصوا فكأن لسانهم يقول عصينا . ويحتمل أن قولهم { عصينا } وقع في ~~زمن متأخر عن وقت نزول التوراة بأن قالوا عصينا في حثهم على بعض الأوامر ~~مثل قولهم لموسى حين قال لهم : ادخلوا القرية { لن ندخلها أبدا } ( المائدة ~~: 24 ) وهذان الوجهان أقرب من الوجه الأول . وفي هذا بيان لقوله في الآية ~~الأولى : { ثم توليتم من بعد ذلك } ( البقرة : 64 ) . PageV01P610 # والإشراب هو جعل الشيء شاربا ، واستعير لجعل الشيء متصلا بشيء وداخلا ms0649 فيه ~~ووجه الشبه هو شدة الاتصال والسريان لأن الماء أسرى الأجسام في غيره ولذا ~~يقول الأطباء الماء مطية الأغذية والأدوية ومركبها الذي تسافر به إلى أقطار ~~البدن فلذلك استعاروا الإشراب لشدة التداخل استعارة تبعية قال بعض الشعراء ~~: # تغلغل حب عثمة في فؤادي # فباديه مع الخافي يسير # تغلغل حيث لم يبلغ شراب # ولا حزن ولم يبلغ سرور # ومنه قولهم أشرب الثوب الصبغ ، قال الراغب : من عادتهم إذا أرادوا مخامرة ~~حب وبغض أن يستعيروا لذلك اسم الشراب اه . وقد اشتهر المعنى المجازي فهجر ~~استعمال الإشراب بمعنى السقي وذكر القلوب قرينة على أن إشراب العجل على ~~تقدير مضاف من شأن القلب مثل عبادة العجل أو تأليه العجل . وإنما جعل حبهم ~~العجل إشرابا لهم للإشارة إلى أنه بلغ حبهم العجل مبلغ الأمر الذي لا ~~اختيار لهم فيه كأن غيرهم أشربهم إياه كقولهم أولع بكذا وشغف . # والعجل مفعول { أشربوا } على حذف مضاف مشهور في أمثاله من تعليق الأحكام ~~وإسنادها إلى الذوات مثل { حرمت عليكم الميتة } ( المائدة : 3 ) أي أكل ~~لحمها . وإنما شغفوا به استحسانا واعتقادا أنه إلاههم وأن فيه نفعهم لأنهم ~~لما رأوه من ذهب قدسوه من فرط حبهم الذهب . وقد قوي ذلك الإعجاب به بفرط ~~اعتقادهم ألوهيته ولذلك قال تعالى : { بكفرهم } فإن الإعتقاد يزيد المعتقد ~~توغلا في حب معتقده . # وإسناد الإشراب إلى ضمير ذواتهم ثم توضيحه بقوله : { في قلوبهم } مبالغة ~~وذلك مثل ما يقع في بدل البعض والاشتمال وما يقع في تمييز النسبة . وقريب ~~منه قوله تعالى : { إنما يأكلون في بطونهم نارا } ( النساء : 10 ) وليس هو ~~مثل ما هنا لأن الأكل متمحض لكونه منحصرا في البطن بخلاف الإشراب فلا ~~اختصاص له بالقلوب . # وقوله : { قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين } تذييل واعتراض ~~ناشىء عن قولهم { سمعنا وعصينا } هو خلاصة لإبطال قولهم : { نؤمن بما أنزل ~~علينا } ( البقرة : 91 ) بعد أن أبطل ذلك PageV01P611 بشواهد التاريخ وهي ~~قوله : { قل فلم تقتلون أنبئاء الله } ( البقرة : 91 ) وقوله : { ولقد ~~جاءكم موسى بالبينات } وقوله : { قالوا سمعنا وعصينا } ولذلك فصله ms0650 عن قوله ~~: { قل فلم تقتلون أنبئاء الله } لأنه يجري من الأول مجرى التقرير والبيان ~~لحاصله ، والمعنى قل لهم إن كنتم مؤمنين بما أنزل عليكم كما زعمتم يعني ~~التوراة فبئسما أمركم به هذا الإيمان إذ فعلتم ما فعلتم من الشنائع من قتل ~~الأنبياء ومن الإشراك بالله في حين قيام التوراة فيكم فكيف وأنتم اليوم لا ~~تعرفون من الشريعة إلا قليلا ، وخاصة إذا كان هذا الإيمان بزعمهم يصدهم عن ~~الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم فالجملة الشرطية كلها مقول { قل } والأمر ~~هنا مستعمل مجازا في التسبب . # وإنما جعل هذا مما أمرهم به إيمانهم مع أنهم لم يدعوا ذلك لأنهم لما ~~فعلوه وهم يزعمون أنهم متصلبون في التمسك بما أنزل إليهم حتى أنهم لا ~~يخالفونه قيد فتر ولا يستمعون لكتاب جاء من بعده فلا شك أن لسان حالهم ~~ينادي بأنهم لا يفعلون فعلا إلا وهو مأذون فيه من كتابهم ، هذا وجه ~~الملازمة وأما كون هذه الأفعال مذمومة شنيعة فذلك معلوم بالبداهة فأنتج ذلك ~~أن إيمانهم بالتوراة يأمرهم بارتكاب الفظائع وهذا ظاهر الكلام والمقصود منه ~~القدح في دعواهم الإيمان بالتوراة وإبطال ذلك بطريق يستنزل طائرهم ويرمي ~~بهم في مهواة الاستسلام للحجة فأظهر إيمانهم المقطوع بعدمه في مظهر الممكن ~~المفروض ليتوصل من ذلك إلى تبكيتهم وإفحامهم نحو : { قل إن كان للرحمان من ~~ولد فأنا أول العابدين } ( الزخرف : 81 ) ولهذا أضيف الإيمان إلى ضميرهم ~~لإظهار أن الإيمان المذموم هو إيمانهم أي الذي دخله التحريف والاضطراب لما ~~هو معلوم من أن الإيمان بالكتب والرسل إنما هو لصلاح الناس والخروج بهم من ~~الظلمات إلى النور فلا جرم أن يكون مرتكبو هاته الشنائع ليسوا من الإيمان ~~بالكتاب الذي فيه هدى ونور في شيء فبطل بذلك كونهم { مؤمنين } وهو المقصود ~~فقوله : { بئسما يأمركم } جواب الشرط مقدم عليه أو { قل } دليل الجواب ~~ولأجل هذا جيء في هذا الشرط بإن التي من شأن شرطها أن يكون مشكوك الحصول ~~وينتقل من الشك في حصوله إلى كونه مفروضا كما يفرض المحال وهو المراد هنا ms0651 ؛ ~~لأن المتكلم عالم بانتفاء الشرط ولأن المخاطبين يعتقدون وقوع الشرط فكان ~~مقتضى ظاهر حال المتكلم أن لا يؤتى بالشرط المتضمن لكونهم { مؤمنين } إلا ~~منفيا ومقتضى ظاهر حال المخاطب أن لا يؤتى به إلا مع إذا ولكن المتكلم مع ~~علمه بانتفاء الشرط فرضه كما يفرض المحال استنزالا لطائرهم . وفي الإتيان ~~بإن إشعار بهذا PageV01P612 الفرض حتى يقعوا في الشك في حالهم وينتقلوا من ~~الشك إلى اليقين بأنهم غير مؤمنين حين مجيء الجواب وهو { بئسما يأمركم } ~~وإلى هذا أشار صاحب ( الكشاف ) كما قاله التفتزاني وهو لا ينافي كون القصد ~~التبكيت لأنها معان متعاقبة يفضي بعضها إلى بعض فمن الفرض يتولد التشكيك ~~ومن التشكيك يظهر التبكيت . # ولا معنى لجعل { إن كنتم مؤمنين } ابتداء كلام وجوابه محذوفا تقديره ~~فإيمانكم لا يأمركم بقتل الأنبياء وعبادة العجل إلخ لأنه قطع لأواصر الكلام ~~وتقدير بلا داع مع أن قوله : { قل بئسما يأمركم به إيمانكم } إلخ يتطلبه ~~مزيد تطلب ونظائره في آيات القرآن كثيرة . على أن معنى ذلك التقدير لا ~~يلاقي الكلام المتقدم المثبت أن إيمانهم أمرهم بهذا المذام فكيف ينفي بعد ~~ذلك أن يكون إميانهم يأمرهم ؟ # و { بئسما } هنا نظير بئسما المتقدم في قوله : { بئسما اشتروا به أنفسهم ~~} ( البقرة : 90 ) سوى أن هذا لم يؤت له باسمم مخصوص بالذم لدلالة قوله : { ~~وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم } والتقدير بئسما يأمركم به إيمانكم عبادة ~~العجل . # # | 2 ( 94 ، 95 ) { قل إن كانت لكم الدار الاخرة عند الله خالصة من دون ~~الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين * ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم ~~والله عليم بالظالمين } . ) 2 # إبطال لدعوى قارة في نفوسهم اقتضاها قولهم : { نؤمن بما أنزل علينا } ( ~~البقرة : 91 ) الذي أرادوا به الاعتذار عن إعراضهم عن دعوة محمد صلى الله ~~عليه وسلم بعذر أنهم متصلبون في التمسك بالتوراة لا يعدونها وأنهم بذلك ~~استحقوا محبة الله إياهم وتكون الآخرة لهم فلما أبطلت دعوى إيمانهم بما ~~أنزل عليهم بإلزامهم الكذب في دعواهم بسند ما أتاه سلفهم وهم جدودهم من ~~الفظائع مع أنبيائهم والخروج ms0652 عن أوامر التوراة بالإشراك بالله تعالى بعبادة ~~العجل ، عقب ذلك بإبطال ما في عقائدهم من أنهم أهل الانفراد برحمة الله ما ~~داموا متمسكين بالتوراة وأن من خالفها لا يكون له حظ في الآخرة ، وارتكب في ~~إبطال اعتقادهم هذا طريقة الإحالة على ما عقدوا عليه اعتقادهم من الثقة ~~بحسن المصير أو على شكهم في ذلك فإذا ثبت لديهم شكهم في ذلك علموا أن ~~إيمانهم PageV01P613 بالتوراة غير ثابت على حقه وذلك أشد ما يفت في أعضادهم ~~ويسقط في أيديهم لأن ترقب الحظ الأخروي أهم ما يتعلق به المعتقد المتدين ~~فإن تلك هي الحياة الدائمة والنعيم المقيم . # وقد قيل : إن هذه الآية رد لدعوى أخرى صدرت من اليهود تدل على أنهم ~~يجعلون الجنة خاصة بهم مثل قولهم نحن { أبناء الله وأحباؤه } ( المائدة : ~~18 ) وقولهم { لن يدخل الجنة إلا من كان هودا } ( البقرة : 111 ) ، وإلى ~~هذا مال القرطبي والبيضاوي ، وعليه فيكون ذكر الرد عليهم بينا لمجرد ~~المناسبة في رد معتقد لهم باطل أيضا لا في خصوص الغرض المسوق فيه الآيات ~~المتقدمة بناء على أن الآيات لا يلزم أن تكون متناسبة تمام المناسبة ، ونحن ~~لا نساعد على ذلك فعلى هذا الوجه تكون هاته الآية هنا نزلت مع سوابقها للرد ~~على أقوالهم المتفرقة المحكية في آيات أخرى وإنما اتصلت مع الآيات الراجعة ~~إلى رد دعواهم الإيمان بما أنزل عليهم للمناسبة بجمع رد جميع دعاويهم ولكن ~~فيما ذكرناه غنية . وأيا ما كان فهذه الآية تحدت اليهود كما تحدى القرآن ~~مشركي العرب بقوله : { فأتوا بسورة من مثله } ( البقرة : 23 ) . وإنما فصلت ~~هاته الجملة عما قبلها لاختلاف السياق لأن هذه الآية إلقاء حجة عليهم ~~والآيات السابقة تفظيع لأحوالهم وإن كان في كل من ذلك احتجاج لكن الانتقال ~~من أسلوب إلى أسلوب كان محسنا للفصل دون العطف لا سيما مع افتتاح الاحتجاج ~~بقل . # والكلام في { لكم } مشعر بأن المراد من الدار الآخرة نعيمها و { لكم } ~~خبر { كانت } قدم للحصر بناء على اعتقادهم كتقديمه في قول الكميت يمدح ~~هشاما بن عبد ms0653 الملك حين عفا عنه من قصيدة : # لكم مسجدا الله المزوران والحصى # لكم قبضة من بين أثري وأقترا # و { عند الله } ظرف متعلق بكانت والعندية عندية تشريف وادخار أي مدخرة ~~لكم عند الله وفي ذلك إيذان بأن الدار الآخرة مراد بها الجنة . وانتصب { ~~خالصة } على الحال من اسم ( كان ) ولا وجه لتوقف بعض النحاة في مجيء الحال ~~من اسم ( كان ) . ومعنى الخالصة السالمة من مشاركة غيركم لكم فيها فهو يؤول ~~إلى معنى خاصة بكم . # وقوله : { من دون الناس } دون في الأصل ظرف للمكان الأقرب من مكان آخر ~~غير متصرف وهو مجاز في المفارقة فلذلك تدل على تخالف الأوصاف أو الأحوال ، ~~تقول هذا لك دون زيد أي لاحق لزيد فيه فقوله : { من دون الناس } توكيد ~~لمعنى الاختصاص المستفاد من تقديم الخبر ومن PageV01P614 قوله : { خالصة } ~~لدفع احتمال أن يكون المراد من الخلوص الصفاء من المشارك في درجاتهم مع ~~كونه له حظ من النعيم . والمراد من الناس جميع الناس فاللام فيه للاستغراق ~~لأنهم قالوا : { لن يدخل الجنة إلا من كان هودا } ( البقرة : 111 ) . # وقوله : { فتمنوا الموت } جواب الشرط ووجه الملازمة بين الشرط وهو أن ~~الدار الآخرة لهم وجزائه وهو تمني الموت أن الدار الآخرة لا يخلص أحد إليها ~~إلا بالروح حين تفارق جسده ومفارقة الروح الجسد هو الموت فإذا كان الموت هو ~~سبب مصيرهم إلى الخيرات كان الشأن أن يتمنوا حلوله كما كان شأن أصحاب ~~النبيء صلى الله عليه وسلم كما قال عمير بن الحمام رضي الله عنه : # جريا إلى الله بغير زاد # إلا التقى وعمل المعاد # وارتجز جعفر بن أبي طالب يوم غزوة مؤتة حين اقتحم على المشركين بقوله : # يا حبذا الجنة واقترابها # طيبة وبارد شرابها # وقال عبد الله بن رواحة عند خروجه إلى غزوة مؤتة ودعا المسلمون له ولمن ~~معه أن يردهم الله سالمين : # لكني أسأل الرحمن مغفرة # وضربة ذات فرغ تقذف الزبدا # أو طعنة من يدي حران مجهزة # بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا # حتى يقولوا إذا مروا على جدثي # أرشدك الله من ms0654 غاز وقد رشدا # وجملة { ولن يتمنوه أبدا } إلى آخره معترضة بين جملة { قل إن كانت لكم ~~الدار الآخرة } وبين جملة { قل من كان عدوا لجبريل } ( البقرة : 97 ) ~~والكلام موجه إلى النبيء صلى الله عليه وسلم والمؤمنين إعلاما لهم ليزدادوا ~~يقينا وليحصل منه تحد لليهود إذ يسمعونه ويودون أن يخالفوه لئلا ينهض حجة ~~على صدق المخبر به فيلزمهم أن الدار الآخرة ليست لهم . # وقوله : { بما قدمت أيديهم } يشير إلى أنهم قد صاروا في عقيدة مختلطة ~~متناقضة كشأن عقائد الجهلة المغرورين فهم يعتقدون أن الدار الآخرة لهم بما ~~دل عليه قولهم : { نؤمن بما أنزل علينا } ( البقرة : 91 ) وقولهم : { نحن ~~أبناء الله وأحباؤه } ( المائدة : 18 ) ثم يعترفون بأنهم اجترأوا على الله ~~واكتسبوا السيئات حسبما PageV01P615 سطر ذلك عليهم في التوراة وفي كتب ~~أنبيائهم فيعتذرون بأن النار تمسهم أياما معدودة ولذلك يخافون الموت فرارا ~~من العذاب . # والمراد بما قدمت أيديهم ما أتوه من المعاصي سواء كان باليد أم بغيرها ~~بقرينة المقام ، فقيل عبر باليد هنا عن الذات مجازا كما في قوله : { ولا ~~تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } ( البقرة : 195 ) وكما عبر عن الذات بالعين في ~~باب التوكيد لأن اليد أهم آلات العمل . وقيل : أريد بها الأيدي حقيقة لأن ~~غالب جنايات الناس بها وهو كناية عن جميع الأعمال قاله الواحدي ولعل التكني ~~بها دون غيرها لأن أجمع معاصيها وأفظعها كان باليد فالأجمع هو تحريف ~~التوراة والأفظع هو قتل الأنبياء لأنهم بذلك حرموا الناس من هدي عظيم . # وإسناد التقديم للأيدي على الوجه الأول حقيقة وعلى الوجه الثاني مجاز ~~عقلي . # وقوله : { والله عليم بالظالمين } خبر مستعمل في التهديد لأن القدير إذا ~~علم بظلم الظالم لم يتأخر عن معاقبته فهذا كقول زهير : # فمهما يكتم الله يعلم # وقد عدت هذه الآية في دلائل نبوة النبيء صلى الله عليه وسلم لأنها نفت ~~صدور تمني الموت مع حرصهم على أن يظهروا تكذيب هذه الآية . ولا يقال لعلهم ~~تمنوا الموت بقلوبهم لأن التمني بالقلب لو وقع لنطقوا به بألسنتهم لقصد ~~الإعلان بإبطال هذه الوصمة ms0655 فسكوتهم يدل على عدم وقوعه وإن كان التمني موضعه ~~القلب لأنه طلب قلبي إذ هو محبة حصول الشيء وتقدم في قوله : { إلا أماني } ~~( البقرة : 78 ) أن الأمنية ما يقدر في القلب . وهذا بالنسبة إلى اليهود ~~المخاطبين زمن النزول ظاهر إذ لم ينقل عن أحد منهم أنه تمنى الموت كما ~~أخبرت الآية . وهي أيضا من أعظم الدلائل عند أولئك اليهود على صدق الرسول ~~صلى الله عليه وسلم فإنهم قد أيقن كل واحد منهم أنه لا يتمنى الموت وأيقن ~~أن بقية قومه لا يتمنونه لأنه لو تمناه أحد لأعلن بذلك لعلمهم بحرص كل واحد ~~منهم على إبطال حكم هذه الآية ، ويفيد بذلك إعجازا عاما على تعاقب الأجيال ~~كما أفاد عجز العرب عن المعارضة علم جميع الباحثين بأن القرآن معجز وأنه من ~~عند الله . على أن الظاهر أن الآية تشمل اليهود الذين يأتون بعد يهود عصر ~~النزول إذ لا يعرف أن يهوديا تمنى الموت إلى اليوم فهذا ارتقاء في دلائل ~~النبوة . وجملة { والله عليم بالظالمين } في موضع الحال من ضمير الرفع في { ~~يتمنوه } أي علم الله ما في نفوسهم فأخبر رسوله بأن يتحداهم وهذا زيادة في ~~تسجيل امتناعهم من تمني الموت ، والمراد بالظالمين اليهود فهو من وضع ~~الظاهر موضع الضمير ليصفهم بالظلم . # PageV01P616 # | 2 ( 96 98 ) { ولتجدنهم أحرص الناس على حيواة ومن الذين أشركوا يود ~~أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر والله بصير بما ~~يعملون * قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما ~~بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين * من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل ~~وميكال فإن الله عدو للكافرين } . ) 2 # معطوف على قوله : { ولن يتمنوه أبدا } ( البقرة : 95 ) للإشارة إلى أن ~~عدم تمنيهم الموت ليس على الوجه المعتاد عند البشر من كراهة الموت ما دام ~~المرء بعافية بل هم تجاوزوا ذلك إلى كونهم أحرص من سائر البشر على الحياة ~~حتى المشركين الذين لا يرجون بعثا ولا نشورا ولا نعيما فنعيمهم عندهم هو ms0656 ~~نعيم الدنيا وإلى أن تمنوا أن يعمروا أقصى أمد التعمير مع ما يعتري صاحب ~~هذا العمر من سوء الحالة ورذالة العيش . فلما في هذه الجمل المعطوفة من ~~التأكيد لمضمون الجملة المعطوف عليها أخرت عنها ، ولما فيها من الزيادة في ~~وصفهم بالأحرصية المتجاوزة الحد عطف عليه ولم يفصل لأنه لوكان لمجرد ~~التأكيد لفصل كما يفصل التأكيد عن المؤكد . # وقوله : { لتجدنهم } من الوجدان القلبي المتعدي إلى مفعولين . والمراد من ~~الناس في الظاهر جميع الناس أي جميع البشر فهم أحرصهم على الحياة فإن الحرص ~~على الحياة غريزية في الناس إلا أن الناس فيه متفاوتون قوة وكيفية وأسبابا ~~قال أبو الطيب : # أرى كلنا يهوى الحياة بسعيه # حريصا عليها مستهاما بها صبا # فحب الجبانن النفس أوده التقى # وحب الشجاعع النفس أورده الحربا # ونكر ( الحياة ) قصدا للتنويع أي كيفما كانت تلك الحياة وتقول يهود تونس ~~ما معناه ( الحياة وكفى ) . # وقوله : { ومن الذين أشركوا } عطف على ( الناس ) لأن المضاف إليه أفعل ~~التفضيل تقدر معه من التفضيلية لا محالة فإذا عطف عليه جاز إظهارها ويتعين ~~الإظهار إذا كان المفضل من غير نوع المفضل عليه لأن الإضافة حينئذ تمتنع ~~كما هنا فإن اليهود من الناس وليسوا من الذين أشركوا . وعند سيبويه أن ~~إضافته على تقدير اللام فيكون قوله : { ومن الذين أشركوا } على قوله عطفا ~~بالحمل على المعنى أو بتقدير معطوف محذوف تقديره أحرص هو متعلق من { الذين ~~أشركوا } وإليه مال في ( الكشاف ) . PageV01P617 # وقوله : { يود أحدهم } بيان لأحرصيتهم على الحياة وتحقيق لعموم النوعية ~~في الحياة المنكرة لدفع توهم أن الحرص لا يبلغ بهم مبلغ الطمع في الحياة ~~البالغة لمدة ألف سنة فإنها مع تعذرها لو تمت لهم كانت حياة خسف وأرذل عيش ~~يظن بهم أن لا يبلغ حبهم الحياة إلى تمنيها ، وقد قال الحريري : # والموت خير للفتى # من عيشه عيش البهيمة # فجيء بهاته الجملة لتحقيق أن ذلك الحرص يشمل حتى هاته الحياة الذميمة ~~ولما في هاته الجملة من البيان لمضمون الجملة قبلها فصلت عنها . # والود المحبة و ( لو ) للتمني وهو ms0657 حكاية للفظ الذي يودون به والمجيء فيه ~~بلفظ الغائب مراعاة للمعنى ويجوز أن تكون ( لو ) مصدرية والتقدير يود أحدهم ~~تعمير ألفف سنة . # وقوله : { لو يعمر ألف سنة } بيان ليود أي يود ودا بيانه لو يعمر ألف سنة ~~، وأصل ( لو ) أنه حرف شرط للماضي أو للمستقبل فكان أصل موقعه مع فعل يود ~~ونحوه أنه جملة مبينة لجملة { يود } على طريقة الإيجاز والتقدير في مثل هذا ~~يود أحدهم لو يعمر ألف سنة لما سئم أو لما كره فلما كان مضمون شرط ( لو ) ~~ومضمون مفعول { يود } واحدا استغنوا بفعل الشرط عن مفعول الفعل فحذفوا ~~المفعول ونزل حرف الشرط مع فعله منزلة المفعول فلذلك صار الحرف مع جملة ~~الشرط في قوة المفعول فاكتسب الاسمية في المعنى فصار فعل الشرط مؤولا ~~بالمصدر المأخوذ منه ولذلك صار حرف ( لو ) بمنزلة أن المصدرية نظرا لكون ~~الفعل الذي بعدها صار مؤولا بمصدر فصارت جملة الشرط مستعملة في معنى المصدر ~~استعمالا غلب على ( لو ) الواقعة بعد فعل { يود } وقد يلحق به ما كان في ~~معناه من الأفعال الدالة على المحبة والرغبة . # هذا تحقيق استعمال لو في مثل هذا الجاري على قول المحققين من النحاة ~~ولغلبة هذا الاستعمال وشيوع هذا الحذف ذهب بعض النحاة إلى أن ( لو ) تستعمل ~~حرفا مصدريا وأثبتوا لها من مواقع ذلك موقعها بعد { يود } ونحوه وهو قول ~~الفراء وأبي علي الفارسي والتبريزي والعكبري وابن مالك فيقولون : لا حذف ~~ويجعلون ( لو ) حرفا لمجرد السبك بمنزلة أن المصدرية والفعل مسبوكا بمصدر ~~والتقدير يود أحدهم التعمير وهذا القول أضعف تحقيقا وأسهل تقديرا . # وقوله : { وما هو بمزحزحه } يجوز أن يكون الضمير لأحدهم ويجوز أن يكون ~~ضميرا مبهما يفسره المصدر بعده على حد قول زهير : PageV01P618 # وما الحرب إلا ما علمتم وذتم # وما هو عنها بالحديث المرجم # ولم يجعل ضمير شأن لدخول النفي عليه كالذي في البيت لكنه قريب من ضمير ~~الشأن لأن المقصود منه الاهتمام بالخبر ولأن ما بعده في صورة الجملة ، وقيل ~~: هو عائد على التعمير المستفاد من { لو يعمر ms0658 ألف سنة } . وقوله : { أن ~~يعمر } بدل منه وهو بعيد . والمزحزح المبعد . # وقوله : { والله بصير بما يعلمون } البصير هنا بمعنى العليم كما في قول ~~علقمة الفحل : # فإن تسألوني بالنساء فإنني # بصير بأدواء النساء طبيب # وهو خبر مستعمل في التهديد والتوبيخ لأن القدير إذا علم بما يجترحه الذي ~~يعصيه وأعلمه بأنه علم منه ذلك علم أن العقاب نازل به لا محال ومنه قول ~~زهير : # فلا تكتمن الله ما في نفوسكم # ليخفى فمهما يكتم الله يعلم # يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر # ليوم الحساب أو يعجل فينقم # فجعل قوله : يعلم بمعنى العلم الراجع للتهديد بدليل إبداله منه قوله يؤخر ~~، البيت وقريب من هذا قول النابغة في النعمان : # علمتك ترعاني بعين بصيرة # وتبعث حراسا علي وناظرا # موقع هاته الجملة موقع الجمل قبلها من قوله : { قل فلم تقتلون أنبياء ~~الله } ( البقرة : 91 ) . وقوله : { قل بئسما يأمركم } ( البقرة : 93 ) . ~~وقوله : { قل إن كانت لكم الدار الآخرة } ( البقرة : 94 ) . فإن الجميع ~~للرد على ما تضمنه قولهم { نؤمن بما أنزل علينا } ( البقرة : 91 ) لأنهم ~~أظهروا به عذرا عن الإعراض عن الدعوة المحمدية وهو عذر كاذب ستروا به السبب ~~في الواقع وهو الحسد على نزول القرآن على رجل من غيرهم فجاءت هاته ~~المجادلات المصدرة بقل لإبطال معذرتهم وفضح مقصدهم . فأبطل أولا ما تضمنه ~~قولهم : { نؤمن بما أنزل علينا } من أنهم إنما يقبلون ما أنزل على رسلهم ~~بأنهم قد قابلوا رسلهم أيضا بالتكذيب والأذى والمعصية وذلك بقوله : { قل ~~فلم تقتلون } وقوله : { قل بئسما } إلخ . PageV01P619 وأبطل ثانيا ما تضمنه ~~من أنهم شديدو التمسك بما أنزل عليهم حريصون على العمل به متباعدون عن ~~البعد عنه لقصد النجاة في الآخرة بقوله : { قل إن كانت لكم الدار الآخرة } ~~. وأبطل ثالثا أن يكون ذلك العذر هو الصارف لهم عن الإيمان مع إثبات أن ~~الصارف لهم هو الحسد بقوله هنا : { قل من كان عدوا لجبريل } إلخ . ويؤيد ~~هذا الارتباط وقوع الضمير في قوله نزله عائدا على { ما أنزل الله } في ~~الآية المجابة بهاته الإبطالات ، ولذلك فصلت هذه ms0659 كما فصلت أخواتها ولأنها ~~لا علاقة لها بالجمل القريبة منها فتعطف عليها فجاءت لذلك متسأنفة . # والعدو المبغض وهو مشتق من عدا عليه يعدو بمعنى وثب ، لأن المبغض يثب على ~~المبغوض لينتقم منه ووزنه فعول . # وجبريل اسم عبراني للملك المرسل من الله تعالى بالوحي لرسله مركب من ~~كلمتين . وفيه لغات أشهرها جبريل كقطمير وهي لغة أهل الحجاز وبها قرأ ~~الجمهور . وجبريل بفتح الجيم وكسر الراء وقع في قراءة ابن كثير وهذا وزن ~~فعليل لا يوجد له مثال في كلام العرب قاله الفراء والنحاس ، وجبرئيل بفتح ~~الجيم أيضا وفتح الراء وبين الراء والياء همزة مكسورة وهي لغة تميم وقيس ~~وبعضض أهل نجد وقرأ بها حمزة والكسائي . وجبرئل بفتح الجيم والراء بينها ~~وبين اللام همزة مكسورة قرأ بها أبو بكر عن عاصم وفيه لغات أخرى قرىء بها ~~في الشواذ . # وهو اسم مركب من كلمتين كلمة جبر وكلمة إيل . فأما كلمة جبر فمعناه عند ~~الجمهور نقلا عن العبرانية أنها بمعنى عبد والتحقيق أنها في العبرانية ~~بمعنى القوة . وأما كلمة إيل فهي عند الجمهور اسم من أسماء الله تعالى . ~~وذهب أبو علي الفارسي إلى عكس قول الجمهور فزعم أن جبر اسم الله تعالى وإيل ~~العبد وهو مخالف لما في اللغة العبرانية عند العارفين بها . وقد قفا ~~أبوالعلاء المعري رأي أبي علي الفارسي في صدر رسالته التي خاطب بها علي بن ~~منصور الحلبي المعروف بابن القارح وهي المعروفة ( برسالة الغفران ) فقال : ~~( قد علم الجبر الذي نسب إليه جبريل وهو في كل الخيرات سبيل أن في مسكني ~~حماطة ) إلخ . أي قد علم الله الذي نسب جبريل إلى اسمه أي اسمه جبر يريد ~~بذلك القسم وهذا إغراب منه وتنبيه على تباصره باللغة . # وعدواة اليهود لجبريل نشأت من وقت نزوله بالقرآن على محمد صلى الله عليه ~~وسلم PageV01P620 وقيل : لأنه ينزل على الأمم التي كذبت رسلها بالعذاب ~~والوعيد ، نقله القرطبي عن حديث خرجه الترمذي . # وقوله : { من كان عدوا لجبريل } شرط عام مراد به خاص وهم اليهود . قصد ~~الإتيان بالشمول ليعلموا ms0660 أن الله لا يعبأ بهم ولا بغيرهم ممن يعادي جبريل ~~إن كان له معاد آخر . # وقد عرف اليهود في المدينة بأنهم أعداء جبريل ففي البخاري عن أنس بن مالك ~~قال : ( سمع عبد الله بن سلام بقدوم رسول الله وهو في أرض يخترف فأتى ~~النبيء فقال : إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبيء ( فما أول أشراط ~~الساعة ، وما أول طعام أهل الجنة ، وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه ؟ ~~قال رسول الله أخبرني بهن جبريل آنفا قال : ذاك عدو اليهود من الملائكة ~~فإنهم أبغضوه لأنه يجيء بما فيه شدة وبالأمر بالقتال ) الحديث وفي سفر ~~دانيال من كتبهم في الإصحاحين الثامن والتاسع ذكروا أن جبريل عبر لدانيال ~~رؤيا رآها وأنذره بخراب أورشليم . وذكر المفسرون أسبابا أخرى لبغضهم جبريل ~~. ومن عجيب تهافت اعتقادهم أنهم يثبتون أنه ملك مرسل من الله ويبغضونه وهذا ~~من أحط دركات الانحطاط في العقل والعقيدة ولا شك أن اضطراب العقيدة من أكبر ~~مظاهر انحطاط الأمة لأنه ينبىء عن تظاهر آرائهم على الخطأ والأوهام . # وقوله : { فإنه نزله على قلبك بإذن الله . الضمير المنصوب ب ( نزله ) ~~عائد للقرآن إما لأنه تقدم في قوله : وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله } ( ~~البقرة : 91 ) وإما لأن الفعل لا يصلح إلا له هنا على حد { حتى توارت ~~بالحجاب } ( ص : 32 ) { فلولا إذا بلغت الحلقوم } ( الواقعة : 83 ) . وهذه ~~الجملة قائمة مقام جواب الشرط لظهور أن المراد أن لا موجب لعداوته لأنه ~~واسطة أذنه الله بالنزول بالقرآن فهم بمعاداته إنما يعادون الله تعالى ~~فالتقدير من كان عدوا لجبريل فلا يعاده وليعاد الله تعالى . وهذا الوجه ~~أحسن مما ذكروه وأسعد بقوله تعالى { بإذن الله } وأظهر ارتباطا بقوله بعد { ~~من كان عدوا لله وملائكته } كما ستعرفونه ويجوز أن يكون التقدير فإنه ~~قدنزله عليك سواء أحبوه أم عادوه فيكون في معنى الإغاظة من باب { قل موتوا ~~بغيظكم } ( آل عمران : 119 ) ، كقول الربيع بن زياد : # من كان مسرورا بمقتل مالك # فليأتت ساحتنا بوجه نهار # يجد النساء حواسرا يندبنه ms0661 # بالليل قبل تبلج الإسفار # أي فلا يسر بمقتله فإنا قد قتلنا قاتله قبل طلوع الصباح فإن قاتله من ~~أولياء من كان PageV01P621 مسرورا بمقتله . ويجوز أن يكون المراد فإنه نزل ~~به من عند الله مصدقا لكتابهم وفيه هدى وبشرى ، وهذه حالة تقتضي محبة من ~~جاء به فمن حمقهم ومكابرتهم عداوتهم لمن جاء به فالتقدير فقد خلع ربقة ~~العقل أو حلية الإنصاف . والإتيان بحرف التوكيد في قوله : { فإنه نزله } ~~لأنهم منكرون ذلك . # والقلب هنا بمعنى النفس وما به الحفظ والفهم ، والعرب تطلق القلب على هذا ~~الأمر المعنوي نحو : { إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب } ( ق : 37 ) كما ~~يطلقونه أيضا على العضو الباطني الصنوبري كما قال : # كأن قلوب الطير رطبا ويابسا # و { مصدقا } حال من الضمير المنصوب في { أنزله } أي القرآن الذي هو سبب ~~عداوة اليهود لجبريل أي أنزله مقارنا لحالة لا توجب عداوتهم إياه لأنه ~~أنزله مصدقا لما بين يديه من الكتب وذلك التوراة والإنجيل . والمصدق المخبر ~~بصدق أحد . وأدخلت لام التقوية على مفعول { مصدقا } للدلالة على تقوية ذلك ~~التصديق أي هو تصديق ثابت محقق لا يشوبه شيء من التكذيب ولا التخطئة فإن ~~القرآن نوه بالتوراة والإنجيل ووصف كلا بأنه هدى ونور كما في سورة المائدة ~~. # وتصديق الرسل السالفين من أول دلائل صدق المصدق لأن الدجاجلة المدعين ~~النبوات يأتون بتكذيب من قبلهم لأن ما جاءوا به من الهدى يخالف ضلالات ~~الدجالين فلا يسعهم تصديقهم ولذا حذر الأنبياء السابقون من المتنبئين ~~الكذبة كما جاء في مواضع من التوراة والأناجيل . # والمراد بما بين يديه ما سبقه وهو كناية عن السبق لأن السابق يجيء قبل ~~المسبوق ولما كان كناية عن السبق لم يناف طول المدة بين الكتب السابقة ~~والقرآن ولأن اتصال العمل بها بين أممها إلى مجيء القرآن فجعل سبقهما ~~مستمرا إلى وقت مجيء القرآن فكان سبقهما متصلا . # والهدى وصف للقرآن بالمصدر لقصد المبالغة في حصول الهدى به . والبشرى ~~الإخبار بحصول أمر سار أو بترقب حصوله فالقرآن بشر المؤمنين بأنهم على هدى ~~وكمال ms0662 ورضى من الله تعالى وبشرهم بأن الله سيؤتيهم خير الدنيا وخير الآخرة ~~. # فقد حصل من الأوصاف الخمسة للقرآن وهي أنه منزل من عند الله بإذن الله ، ~~وأنه منزل على قلب الرسول ، وأنه مصدق لما سبقه من الكتب ، وأنه هاد أبلغ ~~هدى ، وأنه بشرى PageV01P622 للمؤمنين ، الثناء على القرآن بكرم الأصل وكرم ~~المقر وكرم الفئة ومفيض الخير على أتباعه الأخيار خيرا عاجلا وواعد لهم ~~بعاقبة الخير . # وهذه خصال الرجل الكريم محتده وبيته وقومه ، السخي بالبذل الواعد به وهي ~~خصال نظر إليها بيت زياد الأعجم : # إن المساحة والمروءة والندى # في قبة ضربت على ابن الحشرج # وقوله : { من كان عدوا لله } إلخ قد ظهر حسن موقعه بما علمتموه من وجه ~~معنى { فإنه نزله على قلبك بإذن الله } أي لما كانت عداوتهم جبريل لأجل ~~عداوتهم الرسول ورجعت بالأخرة إلى إلزامهم بعدواتهم الله المرسل ، لأن سبب ~~العداوة هو مجيئه بالرسالة تسنى أن سجل عليهم أنهم أعداء الله لأنه المرسل ~~، وأعداء رسله لأنهم عادوا الرسول ، وأعداء الملائكة لذلك ، فقد صارت ~~عداوتهم جبريل كالحد الوسط في القياس لا يلتفت إليه وإنما يلتفت للمقدمتين ~~بالصغرى والكبرى فعداوتهم الله بمنزلة المقدمة الكبرى لأنها العلة في ~~المعنى عند التأمل . وعداوتهم الرسول بمنزلة المقدمة الصغرى لأنها السبب ~~الجزئي المثبت له فلا يرد أنه لا وجه لذكر عداوة الله تعالى هنا حتى يجاب ~~بأن عداوة الملائكة والرسل عداوة لله على حد { من يطع الرسول فقد أطاع الله ~~} ( النساء : 80 ) فإن ذلك بعيد . # وقد أثبت لهم عدواة الملائكة والرسل مع أنهم إنما عادوا جبريل ومحمدا ~~لأنهم لما عادوهما عادوا جبريل لأجل قيامه بما هو من خصائص جنسه الملكي وهو ~~تبليغ أمر الله التكليفي فإن ذلك خصيصتهم قال تعالى : { وهم بأمره يعملون } ~~( الأنبياء : 27 ) كانت عداوتهم إياه لأجل ذلك آيلة إلى عداوة جنس الملائكة ~~إذ تلك طريق ليس جبريل فيها بأوحد وكذلك لما عادوا محمدا لأجل مجيئه ~~بالرسالة لسبب خاص بذاته ، كانت عداوتهم إياه آيلة إلى عداوة الوصف الذي هو ~~قوام جنس الرسول فمن عادى ms0663 واحدا كان حقيقا بأن يعاديهم كلهم وإلا كان فعله ~~تحكما لا عذر له فيه . وخص جبريل بالذكر هنا لزيادة الاهتمام بعقاب معاديه ~~وليذكر معه ميكائيل ولعلهم عادوهما معا أو لأنهم زعموا أن جبريل رسول الخسف ~~والعذاب وأن ميكائيل رسول الخصب والسلام وقالوا : نحن نحب ميكائيل فلما ~~أريد إنذارهم بأن عداوتهم الملائكة تجر إليهم عداوة الله وأعيد ذكر جبريل ~~للتنويه به وعطف عليه ميكائيل لئلا يتوهموا أن محبتهم ميكائيل تكسب ~~المؤمنين عداوته . # وفي ميكائيل لغات إحداها ميكائيل بهمزة بعد الألف وياء بعد الهمزة وبها ~~قرأ الجمهور . PageV01P623 الثانية ميكائيل بهمزة بعد الألف وبلا ياء بعد ~~الهمزة وبها قرأ نافع . الثالثة ميكال بدون همز ولا ياء وبها قرأ أبو عمرو ~~وحفص وهي لغة أهل الحجاز . # وقوله : { فإن الله عدو للكافرين } جواب الشرط . والعدو مستعمل في معناه ~~المجازي وهو ما يستلزمه من الانتقام والهلاك وأنه لا يفلته كما قال النابغة ~~: # فإنك كالليل الذي هو مدركي # البيت . # وقوله تعالى : { ووجد الله عنده فوفاه حسابه } ( النور : 39 ) وما ظنك ~~بمن عاداه الله . ولهذا ذكر اسم الجلالة بلفظه الظاهر ولم يقل فإني عدو أو ~~فإنه عدو لما يشعر به الظاهر هنا من القدرة العظيمة على حد قول الخليفة : ( ~~أمير المؤمنين يأمر بكذا ) حثا على الامتثال . # والمراد بالكافرين جميع الكافرين وجيء بالعام ليكون دخولهم فيه كإثبات ~~الحكم بالدليل ، وليدل على أن الله عاداهم لكفرهم ، وأن تلك العداوة كفر ، ~~ولتكون الجملة تذييلا لما قبلها . # # | 2 ( 99 101 ) { ولقد أنزلنآ إليك ءايات بينات وما يكفر بهآ إلا ~~الفاسقون * أوكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون * ولما ~~جآءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب ~~الله ورآء ظهورهم كأنهم لا يعلمون } . ) 2 # عطف على قوله : { قل من كان عدوا لجبريل } ( البقرة : 97 ) عطف القصة على ~~القصة لذكر كفرهم بالقرآن فهومن أحوالهم . وهاته الجملة جواب لقسم محذوف ~~فعطفها على { قل من كان عدوا } من عطف الإنشاء على الإنشاء وفيه زيادة ~~إبطال لقولهم ms0664 : { نؤمن بما أنزل علينا } ( البقرة : 91 ) . # وفي الانتقال إلى خطاب النبيء صلى الله عليه وسلم إقبال عليه وتسلية له ~~عما لقي منهم وأن ما أنزل إليه لا يكذب به إلا من لا يؤبه بتكذيبه لكون هذا ~~المنزل دلائل واضحة لا تقصر عن إقناعهم بأحقيتها ولكنهم يظهرون أنفسهم أنهم ~~لم يوقنوا بحقيتها . # واللام موطئة لقسم محذوف فهنا جملة قسم وجوابه حذف القسم لدلالة اللام ~~عليه . # وقوله : { وما يكفر بها إلا الفاسقون } عطف على { لقد أنزلنا } فهو جواب ~~للقسم أيضا . PageV01P624 # والفاسق هو الخارج عن شيء من فسقت التمرة كما تقدم في قوله تعالى : { وما ~~يضل به إلا الفاسقين } ( البقرة : 26 ) وقد شاع إطلاقه على الخارج عن طريق ~~الخير لأن ذلك الوصف في التمرة وصف مذموم وقد شاع في القرآن وصف اليهود به ~~، والمعنى ما يكفر بهاته الآيات إلا من كان الفسق شأنه ودأبه لأن ذلك بهيئه ~~للكفر بمثل هذه الآيات ، فالمراد بالفاسقين المتجاوزون الحد في الكفر ~~المتمردون فيه . والإخبار وقع بالمضارع الدال على التجدد . والتوصيف وقع ~~باسم الفاعل المعروف باللام . # وقوله : { أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم } استفهام مستعمل في ~~التوبيخ معطوف على جملة القسم لا على خصوص الجواب وقدمت الهمزة محافظة على ~~صدارتها كما هو شأنها مع حروف العطف . والقول بأن الهمزة للاستفهام عن مقدر ~~محذوف والواوعاطفة ما بعدها على المحذوف علمتم إبطاله عند قوله تعالى : { ~~أفكلما جاءكم رسول } . وتقديم ( كلما ) تبع لتقديم حرف الاستفهام وقد تقدم ~~توجيهه عند قوله تعالى : { أفكلما جاءكم رسول بمالا تهوى أنفسكم استكبرتم } ~~( البقرة : 87 ) . # والنبذ إلقاء الشيء من اليد وهو هنا استعارة لنقض العهد شبه إبطال العهد ~~وعدم الوفاء به بطرح شيء كان ممسوكا باليد كما سموا المحافظة على العهد ~~والوفاء به تمسكا قال كعب : # ولا تمسك بالوعد الذي وعدت # والمراد بالعهد عهد التوراة أي ما اشتملت عليه من أخذ العهد على بني ~~إسرائيل بالعمل بما أمروا به أخذا مكررا حتى سميت التوراة بالعهد ، وقد ~~تكرر منهم نقض العهد مع أنبيائهم . ومن جملة العهد ms0665 الذي أخذ عليهم أن يؤموا ~~بالرسول المصدق للتوراة . وأسند النبذ إلى فريق إما باعتبار العصور التي ~~نقضوا فيها العهودكما تؤذن به ( كلما ) أو احتراسا من شمول الذم للذين ~~آمنوا منهم . وليس المراد أن ذلك الفريق قليل منهم فنبه على أنه أكثرهم ~~بقوله : { بل أكثرهم لا يؤمنون } وهذا من أفانين البلاغة وهو أن يظهر ~~المتكلم أنه يوفي حق خصمه في الجدال فلا ينسب له المذمة إلا بتدرج وتدبر ~~قبل الإبطال . ولك أن تجعلها للانتقال من شيء إلى ما هو أقوى منه في ذلك ~~الغرض لأن النبذ قد يكون بمعنى عدم العمل دون الكفر والأول أظهر . # وقوله : { ولما جاءهم رسول } إلخ معطوف على قوله : { أو كلما } عطف القصة ~~على القصة لغرابة هاته الشؤون . والرسول هو محمد صلى الله عليه وسلم لقوله ~~: { مصدق لما معهم } . والنبذ طرح الشيء من اليد فهو يقتضي سبق الأخذ . ~~وكتاب الله ظاهر في أنه المراد به القرآن PageV01P625 لأنه الأتم في نسبته ~~إلى الله . فالنبذ على هذا مراد به تركه بعد سماعه فنزل السماع منزلة الأخذ ~~ونزل الكفر به بعد سماعه منزلة النبذ . وقيل : المراد بكتاب الله التوراة ~~وأشار في ( الكشاف ) إلى ترجيحه بالتقديم لأن النبذ يقتضي سابقة أخذ ~~المنبوذ وهم لم يتمسكوا بالقرآن ، والأصل في إطلاق اللفظ المفرد أنه حقيقة ~~لفظا ومعنى وقيل المعرفة إذا أعيدت معرفة كانت عين الأولى وفيه نظر لأن ذلك ~~في إعادة الاسم المعرف باللام ، أو تجعل النبذ تمثيلا لحال قلة اكتراث ~~المعرض بالشيء فليس مرادا به معناه . # وقوله : { وراء ظهورهم } تمثيل للإعراض لأن من أعرض عن شيء تجاوزه فخلفه ~~وراء ظهره وإضافة الوراء إلى الظهر لتأكيد بعد المتروك بحيث لا يلقاه بعد ~~ذلك فجعل للظهر وراء وإن كان هو هنا بمعنى الوراء . فالإضافة كالبيانية ~~وبهذا يجاب عما نقله ابن عرفة عن الفقيه أبي العباس أحمد بن عبلون أنه كان ~~يقول : مقتضى هذا أنهم طرحوا كتاب الله أمامهم لأن الذي وراء الظهر هو ~~الوجه وكما أن الظهر خلف للوجه كذلك الوجه وراء للظهر قال ms0666 ابن عرفة : وأجيب ~~بأن المراد أي بذكر الظهر تأكيد لمعنى وراء كقولهم من وراء وراء . # وقوله : { كأنهم لا يعلمون } تسجيل عليهم بأنهم عالمون بأن القرآن كتاب ~~الله أو كأنهم لا يعلمون التوراة وما فيها من البشارة ببعثة الرسول من ولد ~~إسماعيل . # # | 2 ( 102 ) { واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ~~ولاكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ومآ أنزل على الملكين ببابل هاروت ~~وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ~~ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضآرين به من أحد إلا بإذن الله ~~ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له فى الاخرة من ~~خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون } . ) 2 # { واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولاكن ~~الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ومآ أنزل على الملكين ببابل هاروت ~~وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ~~ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضآرين به من أحد إلا بإذن الله ~~ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له فى الاخرة من ~~خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون } . # قوله : { واتبعوا } عطف على جملة الشرط وجوابه في قوله : { ولما جاءهم ~~رسول من عند الله } ( البقرة : 101 ) الآية بذكر خصلة لهم عجيبة وهي أخذهم ~~بالأباطيل بعد ذكر خصلة أخرى وهي نبذهم للكتاب الحق ، فذلك هو مناسبة عطف ~~هذا الخبر على الذي قبله . فإن كان المراد بكتاب الله في قوله : { كتاب ~~الله وراء ظهورهم } ( البقرة : 101 ) القرآن فالمعنى أنهم لما جاءهم رسول ~~الله مصدقا لما معهم نبذوا كتابه بعلة أنهم متمسكون بالتوراة فلا يتبعون ما ~~خالف أحكامها وقد اتبعواما تتلو الشياطين على ملك سليمان وهو مخالف للتوراة ~~لأنها تنهى عن السحر والشرك فكما قيل لهم فيما مضى { أفتؤمنون ببعض الكتاب ~~} ( البقرة : 85 ) يقال لهم أفتؤمنون بالكتاب تارة وتكفرون به ms0667 تارة أخرى . ~~PageV01P626 وإن كان المراد بكتاب الله التوراة فالمعنى لما جاءهم رسول ~~الله نبذوا ما في التوراة من دلائل صدق هذا الرسول وهم مع ذلك قد نبذوها من ~~قبل حين { واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان } مع أن ذلك مخالف ~~لأحكام التوراة . # قال القرطبي : قال ابن إسحاق لما ذكر النبيء صلى الله عليه وسلم سليمان ~~في الأنبياء قالت اليهود : إن محمدا يزعم أن سليمان نبيء وما هو بنبيء ~~ولكنه ساحر فنزلت هذه الآية . # و { الشياطين } يحتمل أن يكونوا شياطين من الجن وهو الإطلاق المشهور ، ~~ويحتمل أن يراد به ناس تمردوا وكفروا وأتوا بالفظائع الخفية فأطلق عليهم ~~الشياطين على وجه التشبيه كما في قوله تعالى : { وكذلك جعلنا لكل نبيء عدوا ~~شياطين الإنس والجن } ( الأنعام : 112 ) وقرينة ذلك قوله : { يعلمون الناس ~~السحر } فإنه ظاهر في أنهم يدرسونه للناس وكذلك قوله بعده : { ولكن ~~الشياطين كفروا } إذ هذا الاستدراك في الإخبار يدل على أنهم من الإنس لأن ~~كفر الشياطين من الجن أمر مقرر لا يحتاج للإخبار عنه . # وعن ابن إسحاق أيضا أنه لما مات سليمان عليه السلام عمدت الشياطين فكتبوا ~~أصنافا من السحر وقالوا : من أحب أن يبلغ كذا وكذا فليفعل كذا لأصناف من ~~السحر وختموه بخاتم يشبه نقش خاتم سليمان ونسبوه إليه ودفنوه وزعموا أن ~~سليمان دفنه وأنهم يعلمون مدفنه ودلوا الناس على ذلك الموضع فأخرجوه فقالت ~~اليهود : ما كان سليمان إلا ساحرا وما تم له الملك إلا بهذا . # وقيل كان آصف ابن برخيا كاتب سليمان يكتب الحكمة بأمر سليمان ويدفن كتبه ~~تحت كرسي سليمان لتجدها الأجيال فلما مات سليمان أغرت الشياطين الناس على ~~إخراج تلك الكتب وزادوا في خلال سطورها سحرا وكفرا ونسبوا الجميع لسليمان ~~فقالت اليهود : كفر سليمان . # والمراد من الآية مع سبب نزولها إن نزلت عن سبب أن سليمان عليه السلام ~~لما مات انقسمت مملكة إسرائيل بعده بقليل إلى مملكتين إحداهما مملكة يهوذا ~~وملكها رحبعام ابن سليمان جعلوه ملكا بعد أبيه وكانت بنو إسرائيل قد سئمت ~~ملك سليمان لحمله ms0668 إياهم على PageV01P627 ما يخالف هواهم فجاءت أعيانهم وفي ~~مقدمتهم يربعام بن نباط مولى سليمان ليكلموا رحبعام قائلين : إن أباك قاس ~~علينا وأما أنت فخفف عنا من عبودية أبيك لنطيعك فأجابهم اذهبوا ثم ارجعوا ~~إلي بعد ثلاثة أيام واستشار رحبعام أصحاب أبيه ووزراءه فأشاروا عليه ~~بملاينة الأمة لتطيعه . واستشار أصحابه من الفتيان فأشاروا عليه أن يقول ~~للأمة إن خنصري أغلظ من متن أبي فإذا كان أبي قد أدبكم بالسياط فأنا أؤدبكم ~~بالعقارب فلما رجع إليه شيوخ بني إسرائيل في اليوم الثالث وأجابهم بما أشار ~~به الأحداث خلعت بنو إسرائيل طاعته وملكوا عليهم يربعام ولم يبق على طاعة ~~رحبعام إلا سبطا يهوذا وبنيامن واعتصم رحبعام بأورشليم وكل أمته لا تزيد ~~على مائة وثمانين ألف محارب يعني رجالا قادرين على حمل السلاح وانقسمت ~~المملكة من يومئذ إلى مملكتين مملكة يهوذا وقاعدتها أورشليم ، ومملكة ~~إسرائيل ومقرها السامرة ، وذلك سنة 975 قبل المسيح كما قدمناه عند الكلام ~~على قوله تعالى : { إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابين } ( ~~البقرة : 62 ) الآية ولا يخفى ما تكون عليه حالة أمة في هذا الانتقال فإن ~~خصوم رحبعام لما سلبوا منه القوة المادية لم يغفلوا عما يعتضد به من القوة ~~الأدبية وهي كونه ابن سليمان بن داود من بيت الملك والنبوءة والسمعة الحسنة ~~فلم يأل أعداؤه جهدهم من إسقاط هاته القوة الأدبية وذلك بأن اجتمع مدبرو ~~الأمر على أن يضعوا أكاذيب عن سليمان يبثونها في العامة ليقضوا بها وطرين ~~أحدهما نسبة سليمان إلى السحر والكفر لتنقيص سمعة ابنه رحبعام كما صنع دعاة ~~الدولة العباسية فيما وضعوه من الأخبار عن بني أمية والثاني تشجيع العامة ~~الذين كانوا يستعظمون ملك سليمان وابنه على الخروج عن طاعة ابنه بأن سليمان ~~ما تم له الملك إلا بتلك الأسحار والطلاسم وأنهم لما ظفروا بها فإنهم ~~يستطيعون أن يؤسسوا ملكا يماثل ملك سليمان كما صنع دعاة انقلاب الدول في ~~تاريخ الإسلام من وضع أحاديث انتظار المهدي وكما يفعلونه من بث أخبار عن ~~الصالحين تؤذن بقرب زوال ms0669 الدولة . ولا يخفى ما تثيره هذه الأوهام في نفوس ~~العامة من الجزم بنجاح السعي وجعلهم في مأمن من خيبة أعمالهم ولحاق التنكيل ~~بهم فإذا قضى الوطر بذلك الخبر التصق أثره في الناس فيبقى ضر ضلاله بعد ~~اجتناء ثماره . # والاتباع في الأصل هوالمشي وراء الغير ويكون مجازا في العمل بقول الغير ~~وبرأيه وفي الإعتقاد باعتقاد الغير تقول اتبع مذهب مالك واتبع عقيدة ~~الأشعري ، والاتباع هنا مجاز PageV01P628 لا محالة لوقوع مفعوله مما لا يصح ~~اتباعه حقيقة . # والتلاوة قراءة المكتوب والكتاب وعرض المحفوظ عن ظهر قلب وفعلها يتعدى ~~بنفسه { يتلون عليكم آيات } ( الزمر : 71 ) فتعديته بحرف الاستعلاء يدل على ~~تضمنه معنى تكذب أي تتلو تلاوة كذب على ملك سليمان كما يقال تقول على فلان ~~أي قال عليه ما لم يقله ، وإنما فهم ذلك من حرف ( على ) . # والمراد بالملك هنا مدة الملك أو سبب الملك بقرينة أن التلاوة لا تتعلق ~~بنفس الملك وحذف المضاف مع ما يدل على تعيين الوقت شائع في كلام العرب ~~كقولهم وقع هذا في حياة رسول الله أو في خلافة عمر بن الخطاب وقول حميد بن ~~ثور : # وما هي إلا في إزار وعلقة # مغار ابن همام على حي خثعما # يريد أزمان مغار ابن همام . وكذلك حذف المضاف إذا أريد به الحوادث أو ~~الأسباب كما تقول تكلم فلان على خلافة عمر أو هذا كتاب في ملك العباسيين ~~وذلك أن الاسم إذا اشتهر بصفة أو قصة صح إطلاقه وإرادة تلك الصفة أو القصة ~~بحيث لو ظهرت لكانت مضافة إلى الاسم ، قال النابغة : # وليلل أقاسيه بطىء الكواكب # أراد متاعب ليل لأن الليل قد اشتهر عند أهل الغرام بأنه وقت الشوق والأرق ~~. # والشياطين قيل أريد بها شياطين الإنس أي المضللون وهو الظاهر . وقيل : ~~أريدت شياطين الجن . وأل للجنس على الوجهين . وعندي أن المراد بالشياطين ~~أهل الحيل والسحرة كما يقولون فلان من شياطين العرب وقد عد من أولئك ناشب ~~الأعور أحد رجال يوم الوقيط . # وقوله : { تتلوا } جاء بصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية على ما قاله ms0670 ~~الجماعة ، أو هو مضارع على بابه على ما اخترناه من أن الشياطين هم أحبارهم ~~فإنهم لم يزالوا يتلون ذلك فيكون المعنى أنهم اتبعوا اعتقدوا ما تلته ~~الشياطين ولم تزل تتلوه . # وسليمان هو النبيء سليمان بن داود بن يسي من سبط يهوذا ولد سنة 1032 ~~اثنتين وثلاثين وألف قبل المسيح وتوفي في أورشليم سنة 975 خمس وسبعين ~~وتسعمائة قبل المسيح وولي PageV01P629 ملك إسرائيل سنة 1014 أربع عشرة وألف ~~قبل المسيح بعد وفاة أبيه داود النبيء ملك إسرائيل ، وعظم ملك بني إسرائيل ~~في مدته وهو الذي أمر ببناء مسجد بيت المقدس وكان نبيئا حكيما شاعرا وجعل ~~لمملكته أسطولا بحريا عظيما كانت تمخر سفنه البحار إلى جهات قاصية مثل شرق ~~إفريقيا . # وقوله : { وما كفر سليمان } جملة معترضة أثار اعتراضها ما أشعر به قوله : ~~{ ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان } من معنى أنهم كذبوا على سليمان ~~ونسبوه إلى الكفر فهي معترضة بين جملة { واتبعوا } وبين قوله : { وما أنزل ~~على الملكين } إن كان { وما أنزل } معطوفا على { ما تتلوا } وبين { اتبعوا ~~} وبين { ولقد علموا لمن اشتراه } إلخ إن كان { وما أنزل } معطوفا على ~~السحر ، ولك أن تجعله معطوفا على { واتبعوا } إذا كان المراد من الشياطين ~~أحبار اليهود لأن هذا الحكم حينئذ من جملة أحوال اليهود لأن مآله واتبعوا ~~وكفروا وما كفر سليمان ولكنه قدم نفي كفر سليمان لأنه الأهم تعجيلا بإثبات ~~نزاهته وعصمته ولأن اعتقاد كفره كان سبب ضلال للذين اتبعوا ما كتبته ~~الشياطين فلا شك أن حكم الأتباع وحكم المتبوعين واحد فكان خبرا عن اليهود ~~كذلك . # وقد كان اليهود يعتقدون كفر سليمان في كتبهم فقد جاء في سفر الملوك الأول ~~أن سليمان في زمن شيخوخته أمالت نساؤه المصريات والصيدونيات والعمونيات ~~قلبه إلى آلهتهن مثل ( عشتروت ) إلاه الصيدونيين ( ومولوك ) إلاه العمونيين ~~( الفينيقيين ) وبنى لهاته الآلهة هياكل فغضب الله عليه لأن قلبه مال عن ~~إلاه إسرائيل الذي أوصاه أن لا يتبع آلهة أخرى . # وقوله : { يعلمون الناس السحر } حال من ضمير { كفروا } والمقصد منه تشنيع ~~حال كفرهم ms0671 إذ كان مصحوبا بتعليم السحر على حد قوله : كفر دون كفر فهي حال ~~مؤسسة . # والسحر الشعوذة وهي تمويه الحيل بإخفائها تحت حركات وأحوال يظن الرائي ~~أنها هي المؤثرة مع أن المؤثر خفي قال تعالى : { ولو فتحنا عليهم بابا من ~~السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون } ( ~~الحجر : 14 ، 15 ) ولذلك أطلق السحر على الخديعة تقول : سحرت الصبي إذا ~~عللته بشيء ، قال لبيد : # فإن تسألينا فيم نحن فإننا # عصافير من هذا الأنامم المسحر # ثم أطلق على ما علم ظاهره وخفي سببه وهو التمويه والتلبيس وتخييل غير ~~الواقع واقعا PageV01P630 وترويج المحال ، تقول العرب : عنز مسحورة إذا عظم ~~ضرعها وقل لبنها وأرض مسحورة لا تنبت ، قال أبو عطاء : # فوالله ما أدري وإني لصادق # أداء عراني من حبابك أم سحر # أي شيء لا يعرف سببه . والعرب تزعم أن الغيلان سحرة الجن لما تتشكل به من ~~الأشكال وتعرضها للإنسان . # والسحر من المعارف القديمة التي ظهرت في منبع المدنية الأولى أعني ببلاد ~~المشرق فإنه ظهر في بلاد الكلدان والبابلين وفي مصر في عصر واحد وذلك في ~~القرن الأربعين قبل المسيح مما يدل على أنها كانت في تينك الأمتين من ~~تعاليم قوم نشأوا قبلهما فقد وجدت آثار مصرية سحرية في عصر العائلة الخامسة ~~من الفراعنة والعائلة السادسة ( 3951 3703 ) ق . م . # وللعرب في السحر خيال واسع وهو أنهم يزعمون أن السحر يقلب الأعيان ويقلب ~~القلوب ويطوع المسحور للساحر ولذلك كانوا يقولون إن الغول ساحرة الجن ولذلك ~~تتشكل للرائي بأشكال مختلفة . وقالت قريش : لما رأوا معجزات رسول الله : ~~إنه ساحر ، قال الله تعالى : { وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر } ( ~~القمر : 2 ) وقال الله تعالى : { ولوفتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه ~~يعرجون لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون } ( الحجر : 14 ، 15 ) ~~. وفي حديث البخاري عن عمران بن حصين أن القوم عطشوا في سفر مع رسول الله ~~فطلبوا الماء فوجدوا امرأة على بعير لها مزاداتان من ماء فأتيا بها رسول ~~الله ms0672 فسقى رسول الله جميع الجيش ثم رد إليها مزادتيها كاملتين فقالت لقومها ~~: فوالله إنه لأسحر من بين هذه وهذه ، تعني السماء والأرض . وفي الحديث : ( ~~إن من البيان لسحرا ) . ولم أر ما يدل على أن العرب كانوا يتعاطون السحر ~~فإن السحر مستمد من خصائص الأمور الطبيعية والتركيب ولم يكن للعرب ضلاعة في ~~الأمور اليدوية بل كانت ضلاعتهم فكرية محضة ، وكان العرب يزعمون أن أعلم ~~الناس بالسحر اليهود والصابئة وهم أهل بابل ، ومساق الآية يدل على شهرة ~~هؤلاء بالسحر عند العرب . وقد اعتقد المسلمون أن اليهود في يثرب سحروهم فلا ~~يولد لهم فلذلك استبشروا لما ولد عبدالله بن الزبير وهو أول مولود ~~للمهاجرين بالمدينة كما في ( صحيح البخاري ) ، ولذلك لم يكثر ذكر السحر بين ~~PageV01P631 العرب المسلمين إلا بعد أن هاجروا إلى المدينة إذ قد كان فيها ~~اليهود وكانوا يوهمون بأنهم يسحرون الناس . # ويداوى من السحر العراف ودواء السحر السلوة وهي خرزات معروفة تحك في ~~الماء ويشرب ماؤها . # وورد في التوراة النهي عن السحر فهو معدود من خصال الشرك وقد وصفت ~~التوراة به أهل الأصنام فقد جاء في سفر التثنية في الإصحاح 18 ( إذا دخلت ~~الأرض التي يعطيك الرب إلاهك لا تتعلم أن تفعل مثل رجس أولئك الأمم لا يوجد ~~فيك من يزج ابنه أو ابنته في النار ولا من يعرف عرافة ولا عائف ولا متفائل ~~ولا ساحر ولا من يرقي رقية ولا من يسأل جانا أو تابعة ولا من يستشير الموتى ~~لأن كل من يفعل ذلك مكروه عند الرب ) . # وفي سفر اللاويين الإصحاح 20 ( ( 6 ) والنفس التي تلتفت إلى الجان وإلى ~~التوابع لتزني وراءهم أجعل وجهي ضد تلك النفس وأقطعها من شعبها ( 27 ) وإذا ~~كان في رجل أو امرأة جان أو تابعة فإنه يقتل بالحجارة يرجمونه دمه عليه ) . # وكانوا يجعلونه أصلا دينيا لمخاطبة أرواح الموتى وتسخير الشياطين وشفاء ~~الأمراض وقد استفحل أمره في بلد الكلدان وخلطوه بعلوم النجوم وعلم الطب . # وأرجع المصريون المعارف السحرية إلى جملة العلوم الرياضية التي أفاضها ~~عليهم ( طوط ms0673 ) الذي يزعمون أنه إدريس وهو هرمس عند اليونان . وقد استخدم ~~الكلدان والمصريون فيه أسرارا من العلوم الطبيعية والفلسفية والروحية قصدا ~~لإخراج الأشياء في أبهر مظاهرها حتى تكون فاتنة أو خادعة وظاهرة ، كخوارق ~~عادات ، إلا أنه شاع عند عامتهم وبعد ضلالهم عن المقصد العلمي منه فصار ~~عبارة عن التمويه والتضليل وإخراج الباطل في صورة الحق ، أو القبيح في صورة ~~حسنة أو المضر في صورة النافع . # وقد صار عند الكلدان والمصريين خاصية في يد الكهنة وهم يومئذ أهل العلم ~~من القوم الذين يجمعون في ذواتهم الرئاسة الدينية والعلمية فاتخذوا قواعد ~~العلوم الرياضية والفلسفية والأخلاقية لتسخير العامة إليهم وإخضاعهم بما ~~يظهرونه من المقدرة على علاج الأمراض والاطلاع على الضمائر بواسطة الفراسة ~~والتأثير بالعين وبالمكائد . # وقد نقلته الأمم عن هاتين الأمتين وأكثر ما نقلوه عن الكلدانيين فاقتبسه ~~منهم السريان ( الأشوريون ) واليهود والعرب وسائر الأمم المتدينة والفرس ~~واليونان والرومان . PageV01P632 # وأصول السحر ثلاثة : # الأول : زجر النفوس بمقدمات توهيمية وإرهابية بما يعتاده الساحر من ~~التأثير النفساني في نفسه ومن الضعف في نفس المسحور ومن سوابق شاهدها ~~المسحور واعتقدها فإذا توجه إليه الساحر سخر له وإلى هذا الأصل الإشارة ~~بقوله تعالى في ذكر سحرة فرعون { سحروا أعين الناسس واسترهبوهم } ( الأعراف ~~: 116 ) . # الثاني : استخدام مؤثرات من خصائص الأجسام من الحيوان والمعدن وهذا يرجع ~~إلى خصائص طبيعية كخاصية الزئبق ومن ذلك العقاقير المؤثرة في العقول صلاحا ~~أو فسادا والمفترة للعزائم والمخدرات والمرقدات على تفاوت تأثيرها ، وإلى ~~هذا الإشارة بقوله تعالى في سحرة فرعون : { إنما صنعوا كيد ساحر } ( طه : ~~69 ) . # الثالث : الشعوذة واستخدام خفايا الحركة والسرعة والتموج حتى يخيل الجماد ~~متحركا وإليه الإشارة بقوله تعالى : { يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى } ( طه ~~: 66 ) . # هذه أصول السحر بالاستقراء وقد قسمها الفخر في ( التفسير ) إلى ثمانية ~~أقسام لا تعدو هذه الأصول الثلاثة وفي بعضها تداخل . ولعلماء الأفرنج تقسيم ~~آخر ليس فيه كبير جدوى . # وهذه الأصول الثلاثة كلها أعمال مباشرة للمسحور ومتصلة به ولها تأثير ~~عليه بمقدار قابلية نفسه الضعيفة وهو لا يتفطن لها ms0674 ، ومجموعها هو الذي ~~أشارت إليه الآية ، وهو الذي لا خلاف في إثباته على الجملة دون تفصيل ، وما ~~عداها من الأوهام والمزاعم هو شيء لا أثر له وذلك كل عمل لا مباشرة له بذات ~~من يراد سحره ويكون غائبا عنه فيدعي أنه يؤثر فيه ، وهذا مثل رسم أشكال ~~يعبر عنها بالطلاسم ، أو عقد خيوط والنفث عليها برقيات معينة تتضمن ~~الاستنجاد بالكواكب أو بأسماء الشياطين والجن وآلهة الأقدمين ، وكذا كتابة ~~اسم المسحور في أشكال ، أو وضع صورته أو بعض ثيابه وعلائقه وتوجيه كلام ~~إليها بزعم أنه يؤثر ذلك في حقيقة ذات المسحور ، أو يستعملون إشارات خاصة ~~نحو جهته أونحو بلده وهوما يسمونه بالأرصاد وذكر أبو بكر ابن العربي في ( ~~القبس ) أن قريشا لما أشار النبيء صلى الله عليه وسلم بأصبعه في التشهد ~~قالوا : هذا محمد يسحر الناس ، أو جمع أجزاء معينة وضم بعضها إلى بعض مع ~~نية أن ذلك الرسم أو الجمع لتأثير شخص معين بضر أو خير أو محبة أو بغضة ~~PageV01P633 أو مرض أو سلامة ، ولا سيما إذا قرن باسم المسحور وصورته أو ~~بطالع ميلاده ، فذلك كله من التوهمات وليس على تأثيرها دليل من العقل ولامن ~~الطبع ولا ما يثبته من الشرع ، وقد انحصرت أدلة إثبات الحقائق في هذه ~~الأدلة ، ومن العجائب أن الفخر في ( التفسير ) حاول إثباته بما ليس بمقنع . # وقد تمسك جماعة لإثبات تأثير هذا النوع من السحر بما روي في ( الصحيحين ) ~~عن قول عائشة أن لبيد بن الأعصم سحر النبيء صلى الله عليه وسلم ورؤيا ~~النبيء صلى الله عليه وسلم أن ملكين أخبراه بذلك السحر ، وفي النسائي عن ~~زيد بن أرقم مثله مختصرا ، وينبغي التثبت في عباراته ثم في تأويله ، ولا شك ~~أن لبيدا حاول أن يسحر النبيء صلى الله عليه وسلم فقد كان اليهود سحرة في ~~المدينة وأن الله أطلع رسوله على ما فعله لبيد لتكون معجزة للنبيء صلى الله ~~عليه وسلم في إبطال سحر لبيد وليعلم اليهود أنه نبيء لا تلحقه أضرارهم وكما ~~لم يؤثر سحر ms0675 السحرة على موسى كذلك لم يؤثر سحر لبيد على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وإنما عرض للنبيء صلى الله عليه وسلم عارض جسدي شفاه الله منه ~~فصادف أن كان مقارنا لما عمله لبيد بن الأعصم من محاولة سحره وكانت رؤيا ~~النبيء صلى الله عليه وسلم إنباء من الله له بما صنع لبيد ، والعبارة عن ~~صورة تلك الرؤيا كانت مجملة فإن الرأي رموز ولم يرد في الخبر تعبير ما ~~اشتملت عليه فلا تكون أصلا لتفصيل القصة . # ثم إن لتأثير هاته الأسباب أو الأصول الثلاثة شروطا وأحوالا بعضها في ذات ~~الساحر وبعضها في ذات المسحور ، فيلزم في الساحر أن يكون مفرط الذكاء ~~منقطعا لتجديد المحاولات السحرية جسورا قوى الإرادة كتوما للسر قليل ~~الاضطراب للحوادث سالم البنية مرتاض الفكر خفي الكيد والحيلة ، ولذلك كان ~~غالب السحرة رجالا ولكن كان الحبشة يجعلون السواحر نساء وكذلك كان الغالب ~~في الفرس والعرب قال تعالى : { ومن شر النفاثات في العقد } ( الفلق : 4 ) ~~فجاء بجمع الإناث وكانت الجاهلية تقول إن الغيلان عجائز من الجن ساحرات ~~فلذلك تستطيع التشكل بأشكال مختلفة ، وكان معلمو السحر يمتحنون صلاحية ~~تلامذتهم لهذا العلم بتعريضهم للمخاوف وأمرهم بارتكاب المشاق تجربة لمقدار ~~عزائمهم وطاعتهم . # وأما ما يلزم في المسحور فخور العقل ، وضعف العزيمة ، ولطاقة البنية ، ~~وجهالة العقل ، PageV01P634 ولذلك كان أكثر الناس قابلية له النساء ~~والصبيان والعامة ومن يتعجب في كل شيء . ولذلك كان من أصول السحر إلقاء ~~أقوال كاذبة على المسحور لاختبار مقدار عقله في التصديق بالأشياء الواهية ~~والثقة بالساحر ، قال تعالى : { ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن ~~الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين } ( هود : 7 ) فجعلوا ذلك القول الغريب ~~سحرا . # ثم تحف بالسحر أعمال ، القصد منها التمويه وهذه الأعمال أنواع : # نوع : الغرض منه تقوية اعتقاد الساحر في نجاح عمله لتقوى عزيمته فيشتد ~~تأثيره على النفوس وهذا مثل تلقين معلمي هذا الفن تلامذتهم عبادة كواكب ~~ومناجاتها لاستخدام أرواحها والاستنجاد بتلك الأرواح على استخدام الجن ~~والقوى المتعاصية ليعتقد المتعلم أن ذلك سبب ms0676 نجاح عمله فيقدم عليه بعزم ، ~~وفي ذلك تأثير نفساني عجيب ولذلك يسمون تلك الأقوال والمناجاة عزائم جمع ~~عزيمة ويقولون فلان يعزم إذا كان يسحر ، ثم هو إذا استكمل المعرفة قد يتفطن ~~لقلة جدوى تلك العزائم وقد لا يتفطن وعلى كلتا الحالتين فمعلموه لا يتعرضون ~~له في نهاية التعليم بالتنبيه على فساد ذلك لئلا يدخلوا عليه الشكوك في ~~مقدرته ، فلذلك بقيت تلك الأوهام يتلقاها الأخلاف عن أسلافهم ، ومن هذا ~~النوع ضروب هي في الأصل تجارب لمقدار طاعة المتعلم لمعلمه بقيت متلقاة ~~عندهم عن غير بصيرة مثل ارتكاب الخبائث وإهانة الصالحات والأمور المقدسة ~~إيهاما بأنها تبلغ إلى مرضاة الشياطين وتسخيرها ، وذلك في الواقع اختبار ~~لمقدار خضوع المتعلم ، لأن أكبر شيء على النفس نبذ أعز الأشياء وهو الدين ، ~~ولأن السحرة ليسوا من المليين فهم يبلغون بمريديهم إلى مبالغهم السافلة ، ~~وقد سمعنا أن كثيرا ممن يتعاطون السحر في المسلمين يزعمون أنهم لا يتأتى ~~لهم نجاح إلا بعد أن يلطخوا أيديهم بالنجاسات أونحو من هذا الضلال . # ونوع : الغرض منه إخفاء الأسباب الحقيقية لتمويهاتهم حتى لا يطلع الناس ~~على كنهها ، فيستندون في تعليل أعمالهم إلى أسباب كاذبة كندائهم بأسماء ~~سموها لا مسميات لها ووضعهم أشكالا على الورق أو في الجدران يزعمون أن لها ~~خصائص التأثير ، واستنادهم لطوالع كواكب في أوقات معينة لا سيما القمر ، ~~ومن هذا تظاهرهم للناس بمظهر الزهد والهمة . # ونوع : يستعان به على نفوذ السحر وهو التجسس والتطلع على خفايا الأشياء ~~وأسرار الناس بواسطة السعي بالنميمة وإلقاء العداوات بين الأقارب والأصحاب ~~والأزواج PageV01P635 حتى يفشي كل منهم سر الآخر فيتخذ الساحر تلك الأسرار ~~وسيلة يلقى بها الرعب في قلوب أصحابها بإظهار أنه يعلم الغيب والضمائر ، ثم ~~هو يأمر أولئك الذين أرهبهم ويستخدمهم بما يشاء فيطيعونه فيأمر المرأة ~~بمغاضبة زوجها وطلب فراقه ويأمر الزوج بطلاق زوجته وهكذا ، وفي هذا القسم ~~تظهر مقدرة الساحر الفكرية وبه تكثر أضراره وأخطاره على الناس وجرأته على ~~ارتكاب المرعبات والمطوعات باستئصال الأموال بالسرقة يسرقها من لا يتهمه ~~المسروق ، ومنه أنه يفعل ms0677 ذلك من خاصته وأبنائه وزوجه الذين يستهويهم السحرة ~~ويسخرونهم للإخلاص لهم ، وينتهي فعل السحرة في هذا إلى حد إزهاق النفوس ~~التي يشعرون بأنها تفطنت لخديعتهم أو التي تعاصت عن امتثال أوامرهم يغرون ~~بها من هي آمن الناس منه ، ثم استطلاع ضمائر الناس بتقريرات خفية وأسئلة ~~تدريجية يوهمه بها أنه يسأله عنها ليعلمه بمستقبله . # ونوع : يجعل اختبارا لمقدار مراتب أذهان الناس في قابلية سحره وذلك بوضع ~~أشياء في الأطعمة خيفة الظهور ليرى هل يتفطن لها من وضعها ، وبإبراز خيالات ~~أو أشباح يوهم بها الناظر أنها جن أو شياطين أو أرواح ، وماهي إلا أشكال ~~مموهة أو أعوان من أعوانه متنكرة ، لينظر هل يقتنع رائيها بما أخبره الساحر ~~عنها أم يتطلب كشف حقيقتها أو استقصاء أثرها . # فكان السحر قرين خباثة نفس ، وفساد دين ، وشر عمل ، وإرعابب وتهويلل على ~~الناس ، من أجل ذلك ما فتئت الأديان الحقة تحذر الناس منه وتعد الاشتغال به ~~مروقا عن طاعة الله تعالى لأنه مبني على اعتقاد تأثير الآلهة والجن ~~المنسوبين إلى الآلهة في عقائد الأقدمين ، وقد حذر موسى قومه من السحر ~~وأهله ففي سفر التثنية الإصحاح 18 أن مما خاطب به موسى عليه السلام قومه : ~~( متى دخلت الأرض التي يعطيك الرب إلاهك لا تتعلم أن تفعل مثل رجس أولئك ~~الأمم لا يوجد فيك من يجيز ابنه أو ابنته في النار ولا من يعرف عرافة ولا ~~عائف ولا متفائل ولا ساحر ولا من يرقى رقية ولا من يسأل جانا أو تابعة ولا ~~من يستثير الموتى ) . وجعلت التوراة جزاء السحرة القتل ففي سفر اللاويين ~~الإصحاحين 20 27 ( وإذا كان في رجل أو امرأة جان أو تابعة فإنه يقتل ) . ~~PageV01P636 وذكروا عن مالك أنه قال : الأسماء التي يكتبها السحرة في ~~التمائم أسماء أصنام . # وقد حذر الإسلام من عمل السحر وذمه في مواضع وليس ذلك بمقتضى إثبات حقيقة ~~وجودية للسحر على الإطلاق ولكنه تحذير من فساد العقائد وخلع قيود الديانة ~~ومن سخيف الأخلاق . # وقد اختلف علماء الإسلام في إثبات حقيقة السحر وإنكارها وهو ms0678 اختلاف في ~~الأحوال فيما أراه فكل فريق نظر إلى صنف من أصناف ما يدعى بالسحر . وحكى ~~عياض في ( إكمال المعلم ) أن جمهور أهل السنة ذهبوا إلى إثبات حقيقته . قلت ~~وليس في كلامهم وصف كيفية السحر الذي أثبتوا حقيقته فإنما أثبتوه على ~~الجملة . وذهب عامة المعتزلة إلى أن السحر لا حقيقة له وإنما هو تمويه ~~وتخييل وأنه ضرب من الخفة والشعوذة ووافقهم على ذلك بعض أهل السنة كما ~~اقتضته حكاية عياض في ( الإكمال ) ، قلت وممن سمي منهم أبو إسحاق ~~الاسترابادي من الشافعية . والمسألة بحذافرها من مسائل الفروع الفقهية تدخل ~~في عقاب المرتدين والقاتلين والمتحيلين على الأموال ، ولا تدخل في أصول ~~الدين . وهو وإن أنكره الملاحدة لا يقتضى أن يكون إنكاره إلحادا . وهذه ~~الآية غير صريحة . وأما الحديث فقد علمته آنفا . # وشدد الفقهاء العقوبة في تعاطيه . قال مالك : يقتل الساحر ولا يستتاب إن ~~كان مسلما وإن كان ذميا لا يقتل بل يؤدب إلا إذا أدخل بسحره أضرارا على ~~مسلم فإنه يقتل لأنه يكون ناقضا للعهد لأن من جملة العهد أن لا يتعرضوا ~~للمسلمين بالأذى قال الباجي في ( المنتقي ) رأى مالك أن السحر كفر وشرك ~~ودليل عليه وأنه لما كان يستتر صاحبه بفعله فهو كالزندقة لأجل إظهار ~~الإسلام وإبطان الكفر ولذلك قال ابن عبد الحكم وابن المواز وأصبغ هو ~~كالزنديق إن أسر السحر لا يستتاب وإن أظهره استتيب وهو تفسير لقول مالك لا ~~خلاف له قال الباجي فلا يقتل حتى يثبت أن ما يفعله من السحر هو الذي وصفه ~~الله بأنه كفر قال أصبغ يكشف ذلك من يعرف حقيقته ويثبت ذلك عند الإمام . # وفي ( الكافي ) لابن عبد البر إذا عمل السحر لأجل القتل وقتل به قتل وإن ~~لم يكن كفرا ، وقد أدخل مالك في ( الموطأ ) السحر في باب الغيلة ، فقال ابن ~~العربي في ( القبس ) وجه ذلك أن المسحور لا يعلم بعمل السحر حتى يقع فيه ، ~~قلت لا شك أن السحر الذي جعل جزاؤه القتل هو ما كان كفرا صريحا مع الاستتار ~~به أو ms0679 حصل به إهلاك النفوس وذلك أن الساحر كان يعد من يأتيه للسحر بأن ~~فلانا يموت الليلة أو غدا أو يصيبه جنون ثم يتحيل في إيصال PageV01P637 ~~سموم خفية من العقاقير إلى المسحور تلقى له في الطعام بواسطة أناس من أهل ~~المسحور فيصبح المسحور ميتا أو مختل العقل فهذا هو مراد مالك بأن جزاءه ~~القتل أي إن قتل ولذلك قال : لا تقبل توبته وبدون هذا التأويل لا يصح فقه ~~هذه المسألة ، فقول مالك في السحر ليس استنادا لدليل معين في خصوص السحر ~~ولكنه من باب تحقيق المناط بتطبيق قواعد التعزير والإضرار ، ولبعض فقهاء ~~المذهب في حكاية هذه المسألة إطلاقات عجيب صدورها من أمثالهم ، على أن ~~السحر أكثر ما يتطلب لأجل تسخير المحبين محبوبيهم فهو وسيلة في الغالب ~~للزنا أو للانتقام من المحبوب أو الزوج . سئل مالك عمن يعقد الرجال عن ~~النساء وعن الجارية تطعم رجلا شيئا فيذهب عقله فقال : لا يقتلان فأما الذي ~~يعقد فيؤدب وأما الجارية فقد أتت أمرا عظيما قيل أفتقتل فقال : لا قال ابن ~~رشد في ( البيان ) رأى أن فعلها ليس من السحر اه . # وقال أبو حنيفة : يقتل الرجل الساحر ولا يستتاب وأما المرأة فتحبس حتى ~~تتركه فجعل حكمه حكم المرتد ووجه أبو يوسف بأنه جمع مع كفره السعي في الأرض ~~بالفساد . وعن الشيخ أبي منصور أن القول بأن السحر كفر على الإطلاق خطأ بل ~~يجب البحث عن حقيقته فإن كان في ذلك رد ما لزم من شرط الإيمان فهو كفر وإلا ~~فلا ، وما ليس بكفر وفيه إهلاك النفس ففيه حكم قطاع الطريق ويستوي فيه ~~الذكور والإناث وتقبل توبته إذا تاب ومن قال : لا تقبل فقد خلط فإن سحرة ~~فرعون قبلت توبتهم اه . وهذا استدلال بشرع من قبلنا . # وقال الشافعي يسأل الساحر عن سحره فإن ظهر منه ما هو كفر فهو كالمرتد ~~يستتاب فإن أصر قتل وإن ظهر منه تجويز تغيير الأشكال لأسباب قراءة تلك ~~الأساطير أو تدخين الأدوية وعلم أنه يفعل محرما فحكمه حكم الجناية فإن ~~اعترف بسحر ms0680 إنسان وأن سحره يقتل غالبا قتل قودا ( يعني إذا ثبت أنه مات ~~بسببه ) وإن قال : إن سحري قد يقتل وقد لا يقتل فهو شبه عمد ، وإن كان سحره ~~لغير القتل فمات منه فهو قتل خطأ تجب الدية فيه مخففة في ماله . # ويجب أن يستخلص من اختلافهم ومن متفرق أقوالهم ما يكون فيه بصيرة لإجراء ~~أعمال ما يسمى بالسحر وصاحبه بالساحر مجرى جنايات أمثاله ومقدار ما أثره من ~~PageV01P638 الاعتداء دون مبالغة ولا أوهام ، وقد يطلق اسم الساحر اليوم ~~على اللاعب بالشعوذة في الأسمار وذلك من أصناف اللهو فلا ينبغي عد ذلك ~~جناية . # { ومآ أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا ~~إنما نحن فتنة فلا تكفر } . # يتعين أن ( ما ) موصولة وهو معطوف على قوله : { ملكك سليمان } أي وما ~~تتلوا الشياطين على ما أنزل على الملكين ، والمراد بما أنزل ضرب من السحر ~~لكنه سحر يشتمل على كفر عظيم وتعلم الخضوع لغير الله مع الاستخفاف بالدين ~~ومع الإضرار بالناس كما بيناه آنفا فيكون عطفا على { ما تتلوا } الذي هو ~~صادق على السحر فعطف ( ما أنزل ) عليه لأنه نوع منه أشد مما تتلوه الشياطين ~~الذين كانوا يعلمونه الناس مع السحر الموضوع منهم ، فالعطف لتغاير الاعتبار ~~أو للتنبيه على أن أصل السحر مقتبس مما ظهر ببابل في زمن هذين المعلمين ~~وعطف شيء على نفسه باعتبار تغاير المفهوم والاعتبار وارد في كلامهم كقول ~~الشاعر : ( وهو من شواهد النحو ) : # إلى الملك القرم وابنن الهما # م وليثث الكتيبة في المزدحم # وقيل : أريد من السحر أخف مما وضعته الشياطين على عهد سليمان لأن غاية ما ~~وصف به هذا الذي ظهر ببابل في زمن هذين المعلمين أنه يفرق بين المرء وزوجه ~~وذلك ليس بكفر وفيه ضعف . # والقراءة المتواترة ( الملكين ) بفتح لام الملكين وقرأه ابن عباس والضحاك ~~والحسن وابن أبزى بكسر اللام . # وكل هاته الوجوه تقتضي ثبوت نزول شيء على الملكين ببابل وذلك هو الذي ~~يعنيه سياق الآية إذا فصلت كيفية تعليم هذين المعلمين علم السحر . # فالوجه ms0681 أن قوله : { وما أنزل } عطف على { ملك سليمان } فهو معمول لتتلوا ~~الذي هو بمعنى تكذب فيكون المراد عدم صحة هذا الخبر أي ما تكذبه الشياطين ~~على ما أنزل على الملكين ببابل ، أي ينسبون بعض السحر إلى ما أنزل ببابل . ~~قال الفخر وهو اختيار أبي PageV01P639 مسلم وأنكر أبو مسلم أن يكون السحر ~~نازلا على الملكين إذ لا يجوز أمر الله به وكيف يتولى الملائكة تعليمه مع ~~أنه كفر أو فسق . # وقيل : ( ما ) نافية معطوفة على ( ما كفر سليمان ) أي وما كفر سليمان ~~بوضع السحر كما يزعم الذين وضعوه ، ولا أنزل السحر على الملكين ببابل . ~~وتعريف الملكين تعريف الجنس أوهو تعريف العهد بأن يكون الملكان معهودين لدى ~~العارفين بقصة ظهور السحر ، وقد قيل إن ( هاروت وماروت ) بدل من ( الشياطين ~~) وإن المراد بالشياطين شيطانان وضعا السحر للناس هما هاروت وماروت ، على ~~أنه من إطلاق الجمع على المثنى كقوله : { قلوبكما } ( التحريم : 4 ) وهذا ~~تأويل خطأ إذ يصير قوله : { على الملكين } كلاما حشوا . # وعلى ظاهر هذه الآية إشكال من أربعة وجوه : أحدها كون السحر منزلا إن حمل ~~الإنزال على المعروف منه وهو الإنزال من الله ، الثاني كون المباشر لذلك ~~ملكين من الملائكة على القراءة المتواترة ، الثالث كيف يجمع الملكان بين ~~قولهما { نحن فتنة } وقولهما { فلا تكفر } فكيف يجتمع قصد الفتنة مع ~~التحذير من الوقوع فيها الرابع كيف حصرا حالهما في الاتصاف بأنهما فتنة فما ~~هي الحكمة في تصديهما لذلك لأنهما إن كانا ملكين فالإشكال ظاهر وإن كانا ~~ملكين بكسر اللام فهما قد علما مضرة الكفر بدليل نهيهما عنه وعلما معنى ~~الفتنة بدليل قولهما { إنما نحن فتنة } فلماذا تورطا في هذه الحالة ؟ # ودفع هذا الإشكال برمته أن الإنزال هو الإيصال وهو إذا تعدى بعلى دل على ~~إيصال من علو واشتهر ذلك في إيصال العلم من وحي أو إلهام أونحوهما ، ~~فالإنزال هنا بمعنى الإلهام وبمعنى الإيداع في العقل أو في الخلقة بأن يكون ~~الملكان قد برعا في هذا السحر وابتكرا منه أساليب لم يسبق لهما تلقيها من ms0682 ~~معلم شأن العلامة المتصرف في علمه المبتكر لوجوه المسائل وعللها وتصاريفها ~~وفروعها . # والظاهر عندي أن ليس المراد بالإنزال إنزال السحر إذ السحر أمر موجود من ~~قبل ولكنه إنزال الأمر للملكين أو إنزال الوحي أو الإلهام للملكين بأن ~~يتصديا لبث خفايا السحر بين المتعلمين ليبطل انفراد شرمذة بعلمه فيندفع ~~الوجهان الأول والثاني . # ثم إن الحكمة من تعميم تعليمه أن السحرة في بابل كانوا اتخذوا السحر ~~وسيلة لتسخير العامة لهم في أبدانهم وعقولهم وأموالهم ثم تطلعوا منه إلى ~~تأسيس عبادة الأصنام والكواكب وزعموا أنهم أي السحرة مترجمون عنهم وناطقون ~~بإرادة الآلهة فحدث فساد عظيم وعمت الضلالة فأراد الله على معتاد حكمته ~~إنقاذ الخلق من ذلك فأرسل PageV01P640 أو أوحى أو ألهم هاروت وماروت أن ~~يكشفا دقائق هذا الفن للناس حتى يشترك الناس كلهم في ذلك فيعلموا أن السحرة ~~ليسوا على ذلك ويرجع الناس إلى صلاح الحال فاندفع الوجه الثالث . وأما ~~الوجه الرابع فستعرف دفعه عند تفسير قوله : { وما يعلمان من أحد } الآية . # وفي قراءة ابن عباس والحسن ( الملكين ) بكسر اللام وهي قراءة صحيحة ~~المعنى فمعنى ذلك أن ملكين كانا يملكان ببابل قد علما علم السحر ، وعلى ~~قراءة فتح اللام فالأظهر في تأويله أنه استعارة وأنهما رجلان صالحان كان ~~حكما مدينة بابل وكانا قد اطلعا على أسرار السحر التي كانت تأتيها السحرة ~~ببابل أو هما وضعا أصله ولم يكن فيه كفر فأدخل عليه الناس الكفر بعد ذلك . ~~وقيل هما ملكان أنزلهما الله تعالى تشكلا للناس يعلمانهم السحر لكشف أسرار ~~السحرة لأن السحرة كانوا يزعمون أنهم آلهة أو رسل فكانوا يسخرون العامة لهم ~~فأراد الله تكذيبهم ذبا عن مقام النبوءة فأنزل ملكين لذلك . # وقد أجيب بأن تعلم السحر في زمن هاروت وماروت جائز على جهة الابتلاء من ~~الله لخلقه فالطائع لا يتعلمه والعاصي يبادر إليه وهو فاسد لمنافاته عموم ~~قوله : { يعلمون الناس } قالوا : كما امتحن الله قوم طالوت بالنهر إلخ ولا ~~يخفى فساد التنظير . # وبابل بلد قديم من مدن العالم وأصل الاسم باللغة الكلدانية باب ms0683 إيلو أي ~~باب الله ويرادفه بالعبرانية باب إيل وهو بلد كائن على ضفتي الفرات بحيث ~~يخترقه الفرات يقرب موضعه من موقع بلد الحلة الآن على بعد أميال من ملتقى ~~الفرات والدجلة . كانت من أعظم مدن العالم القديم بناها أولا أبناء نوح بعد ~~الطوفان فيما يقال ثم توالى عليها اعتناء أصحاب الحضارة بمواطن العراق في ~~زمن الملك النمروذ في الجيل الثالث من أبناء نوح ولكن ابتداء عظمة بابل كان ~~في حدود سنة 3755 ثلاثة آلاف وسبعمائة وخمس وخمسين قبل المسيح فكانت إحدى ~~عواصم أربعة لمملكة الكلدانيين وهي أعظمها وأشهرها ولم تزل همم ملوك ~~الدولتين الكلدانية والأشورية منصرفة إلى تعمير هذا البلد وتنميقه فكان بلد ~~العجائب من الأبنية والبساتين ومنبع المعارف الأسيوية والعجائب السحرية وقد ~~نسبوا إليها قديما الخمر المعتقة والسحر قال أبو الطيب : PageV01P641 # سقى الله أيام الصبا ما يسرها # ويفعل فعل البابلي المعتق # ولاشتهار بابل عند الأمم القديمة بمعارف السحر كما قدمنا في تعريف السحر ~~صح جعل صلة الموصول قوله : { أنزل على الملكين ببابل } إشارة إلى قصة ~~يعلمونها . # و ( هاروت وماروت ) بدل من ( الملكين ) وهما اسمان كلدانيان دخلهما تغيير ~~التعريف لإجرائهما على خفة الأوزان العربية ، والظاهر أن هاروت معرب ( ~~هاروكا ) وهو اسم القمر عند الكلدانيين وأن ماروت معرب ( ما روداخ ) وهو ~~اسم المشتري عندهم وكانوا يعدون الكواكب السيارة من المعبودات المقدسة التي ~~هي دون الآلهة لا سيما القمر فإنه أشد الكواكب تأثيرا عندهم في هذا العالم ~~وهو رمز الأنثى ، وكذلك المشتري فهو أشرف الكواكب السبعة عندهم ولعله كان ~~رمز الذكر عندهم كما كان بعل عند الكنعانيين الفنيقيين . ومن المعلوم أن ~~إسناد هذا التقديس للكواكب ناشىء عن اعتقادهم أنهم كانوا من الصالحين ~~المقدسين وأنهم بعد موتهم رفعوا للسماء في صورة الكواكب فيكون ( هاروكا ) و ~~( ماروداخ ) قد كانا من قدماء علمائهم وصالحيهم والحاكمين في البلاد وهما ~~اللذان وضعا السحر ولعل هذا وجه التعبير عنهما في القصة بالملكين بفتح ~~اللام . # ولأهل القصص هنا قصة خرافية من موضوعات اليهود في خرافاتهم الحديثة اعتاد ~~بعض المفسرين ms0684 ذكرها منهم ابن عطية والبيضاوي وأشار المحققون مثل البيضاوي ~~والفخر وابن كثير والقرطبي وابن عرفة إلى كذبها وأنها من مرويات كعب ~~الأحبار وقد وهم فيها بعض المتساهلين في الحديث فنسبوا روايتها عن النبيء ~~صلى الله عليه وسلم أو عن بعض الصحابة بأسانيد واهية والعجب للإمام أحمد بن ~~حنبل رحمه الله تعالى كيف أخرجها مسندة للنبيء صلى الله عليه وسلم ولعلها ~~مدسوسة على الإمام أحمد أو أنه غره فيها ظاهر حال رواتها مع أن فيهم موسى ~~بن جبير وهو متكلم فيه واعتذر عبد الحكيم بأن الرواية صحيحة إلا أن المروي ~~راجع إلى أخبار اليهود فهو باطل PageV01P642 في نفسه ورواته صادقون فيما ~~رووا وهذا عذر قبيح لأن الرواية أسندت إلى النبيء صلى الله عليه وسلم قال ~~ابن عرفة في ( تفسيره ) وقدكان الشيوخ يخطئون ابن عطية في هذا الموضع لأجل ~~ذكره القصة ونقل بعضهم عن القرافي أن مالكا رحمه الله أنكر ذلك في حق هاروت ~~وماروت . # وقوله : { ويما يعلمان من أحد } جملة حالية من ( هاروت وماروت ) و ( ما ) ~~نافية والتعبير بالمضارع لحكاية الحال إشارة إلى أن قولهما لمتعلمي السحر { ~~إنما نحن فتنة } قول مقارن لوقت التعليم لا متأخر عنه . وقد علم من هذا ~~أنهما كانا معلمين وطوى ذلك للاستغناء عنه بمضمون هاته الجملة فهو من إيجاز ~~الحذف أو هو من لحن الخطاب مفهوم للغاية . # وقوله : { إنما نحن فتنة } الفتنة لفظ يجمع معنى مرج واضطراب أحوال أحد ~~وتشتت باله بالخوف والخطر على الأنفس والأموال على غير عدل ولا نظام وقد ~~تخصص وتعمم بحسب ما تضاف إليه أو بحسب المقام يقال فتنة المال وفتنة الدين ~~. # ولما كانت هذه الحالة يختلف ثبات الناس فيها بحسب اختلاف رجاحة عقولهم ~~وصبرهم ومقدرتهم على حسن المخارج منها كان من لوازمها الابتلاء والاختبار ~~فكان ذلك من المعاني التي يكنى بالفتنة عنهاكثيرا ولذلك تسامح بعض علماء ~~اللغة ففسر الفتنة بالابتلاء وجرأه على ذلك قول الناس فتنت الذهب أو الفضة ~~إذا أذابهما بالنار لتمييز الردىء من الجيد وهذا الإطلاق إن لم يكن ms0685 مولدا ~~فإن معنى الاختبار غير منظور إليه في لفظ الفتنة وإنما المنظور إليه ما في ~~الإذابة من الاضطراب والمرج وقد سمى القرآن هاروت وماروت فتنة وقال : { إن ~~الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات } ( البروج : 10 ) وقال : { لا يفتننكم ~~الشيطان } ( الأعراف : 27 ) . والإخبار عن أنفسهم بأنهم فتنة إخبار بالمصدر ~~للمبالغة وقد أكدت المبالغة بالحصر الإضافي والمقصد من ذلك أنهما كانا ~~يصرحان أن ليس في علمهما شيء من الخير الإلاهي وأنه فتنة محضة ابتلاء من ~~الله لعباده في مقدار تمسكهم بدينهم وإنما كانا فتنة لأن كل من تعلم منهما ~~عمل به . فلا تكفر كما كفر السحرة حين نسبوا التأثيرات للآلهة وقد علمت ~~سرها . وفي هذا ما يضعف أن يكون المقصد من تعليمهما الناس السحر إظهار كذب ~~السحرة الذين نسبوا أنفسهم للألوهية أو النبوءة . # والذي يظهر في تفسير هذه الجملة أن قولهما : { إنما نحن فتنة } قصر ~~ادعائي للمبالغة فجعلا كثرة افتتان الناس بالسحر الذي تصديا لتعليمه بمنزلة ~~انحصار أوصافهما في الفتنة ووجه PageV01P643 ابتدائهما لمن يعلمانه بهذه ~~الجملة أن يبينا له أن هذا العلم في مبادئه يظهر كأنه فتنة وشر فيوشك أن ~~يكفر متعلمه عند مفاجأة تلك التعاليم إياه إذا كانت نفسه قد توطنت على ~~اعتقاد أن ظهور خوارق العادات علامة على ألوهية من يظهرها ، وقولهما : { ~~فلا تكفر } أي لا تعجل باعتقاد ذلك فينا فإنك إذا توغلت في معارف السحر ~~علمت أنها معلولة لعلل من خصائص النفوس أو خصائص الأشياء فالفتنة تحصل لمن ~~يتعلم السحر حين يرى ظواهره وعجائبه على أيدي السحرة ولمن كان في مبدأ ~~التعليم فإذا تحقق في علمه اندفعت الفتنة فذلك معنى قولهما { فلا تكفر } ~~فالكفر هو الفتنة وقولهما { فلا تكفر } بمنزلة فلا تفتتن وقد اندفع الإشكال ~~الرابع المتقدم . # { فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضآرين به من أحد ~~إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم } . # تفريع عما دل عليه قوله : { وما يعلمان من أحد حتى يقولا } المقتضي أن ~~التعليم حاصل فيتعلمون ، والضمير في { فيتعلمون } راجع لأحد ، الواقع ms0686 في ~~حيز النفي مدخولا لمن الاستغراقية في قوله تعالى : { وما يعلمان من أحد } ~~فإنه بمعنى كل أحد فصار مدلوله جمعا . # قوله : { ما يفرقون به بين المرء وزوجه } إشارة إلى جزئي من جزئيات السحر ~~وهو أقصى تأثيراته إذ فيه التفرقة بين طرفي آصرة متينة إذ هي آصرة مودة ~~ورحمة قال تعالى : { ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها ~~وجعل بينكم مودة ورحمة } ( الروم : 21 ) فإن المودة وحدها آصرة عظيمة وهي ~~آصرة الصداقة والأخوة وتفاريعهما ، والرحمة وحدها آصرة منها الأبوة والبنوة ~~، فما ظنكم بآصرة جمعت الأمرين وكانت بجعل الله تعالى وما هو بجعل الله فهو ~~في أقصى درجات الإتقان وقد كان يشير إلى هذا المعنى شيخنا الجليل سالم أبو ~~حاجب في قوله تعالى : { وجعل بينكم مودة ورحمة } . وهذا التفريق يكون إما ~~باستعمال مفسدات لعقل أحد الزوجين حتى يبغض زوجه وإما بإلقاء الحيل ~~والتمويهات والنميمة حتى يفرق بينهما . # وقوله : { وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله } جملة معترضة . وضمير ~~{ هم } عائد إلى ( أحد ) من قوله : { وما يعلمان من أحد } لوقوعه في سياق ~~النفي فيعم كل أحد من المتعلمين أي وما المتعلمون بضارين بالسحر أحدا . ~~وهذا تنبيه على أن السحر لا تأثير له بذاته وإنما يختلف PageV01P644 تأثير ~~حيله باختلاف قابلية المسحور ، وتلك القابلية متفاوتة ولها أحوال كثيرة ~~أجملتها الآية بالاستثناء منقوله : { إلا بإذن الله } أي يجعل الله أسباب ~~القابلية لأثر السحر في بعض النفوس فهذا إجمال حسن مناسب لحال المسلمين ~~الموجه إليهم الكلام لأنهم تخلقوا بتعظيم الله تعالى وقدرته وليس المقام ~~مقام تفصيل الأسباب والمؤثرات ولكن المقصود إبطال أن تكون للسحر حالة ذاتة ~~وقواعد غير مموهة ، فالباء في قوله : { بإذن الله } للملابسة . # وأصل الإذن في اللغة هو إباحة الفعل ، واستأذن طلب الإذن في الفعل أو في ~~الدخول للبيت وقد استعمله القرآن مجازا في معنى التمكين إما بخلق أسباب ~~الفعل الخارقة للعادة نحو قوله : { وتبرىء الأكمه والأبرص بإذني } ( ~~المائدة : 110 ) وإما باستمرار الأسباب المودعة في الأشياء والقوى كقوله ~~تعالى : { وما ms0687 أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله } ( آل عمران : 166 ) ~~فقوله : { وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله } أي إلا بما أعد الله في ~~قابل السحر من استعداد لأن يضر به فإن هذا الاستعداد وإمكان التأثر مخلوق ~~في صاحبه فهو بإذن الله ومشيئته كذا قرره الراغب وهو يرجع إلى استعمال مما ~~تستعمل فيه كلمة إذن ( ومن هذا القبيل ونظيره لفظة الأمر في قوله تعالى : { ~~له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله } ( الرعد : 11 ) أي ~~مما خلق الله من الأشياء التي تلحق أضرارها للناس وقد اشتهر هذا الاستعمال ~~في لسان الشرع حتى صار حقيقة عرفية في معنى المشيئة والإرادة فينبغي أن ~~يلحق بالألفاظ التي فرق المتكلمون بين مدلولاتها وهي الرضا والمحبة والأمر ~~والمشيئة والإرادة ) . فليس المعنى أن السحر قد يضر وقد لا يضر بل المعنى ~~أنه لا يضر منه إلا ما كان إيصال أشياء ضار بطبعها وقوله : { ويتعلمون ما ~~يضرهم ولا ينفعهم } يعني ما يضر الناس ضرا آخر غير التفرقة بين المرء وزوجه ~~فضمير ( يضرهم ) عائد على غيرما عاد عليه ضمير ( يتعلمون ) والمعنى أن أمور ~~السحر لا يأتي منها إلا الضر أي في الدنيا فالساحر لا يستطيع سحر أحد ليصير ~~ذكيا بعد أن كان بليدا أو ليصير غنيا بعد الفقر وهذا زيادة تنبيه على سخافة ~~عقول المشتغلين به وهو مقصد الآية وبهذا التفسير يكون عطف قوله : { ولا ~~ينفعهم } تأسيسا لا تأكيدا والملاحظ في هذا الضر والنفع هو ما يحصل في ~~الدنيا وأما حالهم في الآخرة فسيفيده قوله : { ولقد علموا لمن اشتراه ماله ~~في الآخرة من خلاق } وقد أفادت الآية بجمعها بين إثبات الضر ونفي النفع ~~الذي هو ضده مفاد الحصر كأنه قيل ويتعلمون ما ليس إلا ضرا كقول السموءل ~~وعبد الملك بن عبد الرحيم الحارثي : PageV01P645 # تسيل على حد الظبات نفوسنا # وليس على غير الظبات تسيل # وعدل عن صيغة القصر لتلك النكتة المتقدمة وهي التنبيه على أنه ضر . ~~وإعادة فعل { يتعلمون } مع حرف العطف لأجل ما وقع ms0688 من الفصل بالجملة ~~المعترضة . # { ولقد علموا لمن اشتراه ما له فى الاخرة من خلاق ولبئس ما شروا به ~~أنفسهم لو كانوا يعلمون } . # عطف على قوله : { واتبعوا ما تتلوا الشياطين } أي اتبعوا ذلك كله وهم قد ~~علموا إلخ والضمير لليهود تبعا لضمير { واتبعوا } ، أو الواو للحال أي في ~~حال أنهم تحقق علمهم . واللام في { لقد علموا } يجوز أن تكون لام القسم وهي ~~اللام التي من شأنها أن تدخل على جواب القسم لربطه بالقسم ثم يحذفون القسم ~~كثيرا استغناء لدلالة الجواب عليه دلالة التزامية لأنه لا ينتظم جواب بدون ~~مجاب . ويجوز أن تكون لام الابتداء ، وهي لام تفيد تأكيد القسم ويكثر ~~دخولها في صدر الكلام فلذلك قيل لها لام الابتداء والاحتمالان حاصلان في كل ~~كلام صالح للقسم وليس فيه قسم فإن حذف لفظ القسم مشعر في المقام الخطابي ~~بأن المتكلم غير حريص على مزيد التأكيد كما كان ذكر إن وحدها في تأكيد ~~الجملة الاسمية أضعف تأكيدا من الجمع بينها وبين لام الابتداء لأنهما أداتا ~~تأكيد . قال الرضى إن مواقع لام القسم في نظر الجمهور هي كلها لامات ~~الابتداء . والكوفيون لا يثبتون لام الابتداء ويحملون مواقعها على معنى ~~القسم المحذوف والخلاف في هذا متقارب . # واللام في قوله : { لمن اشتراه } يجوز كونها لام قسم أيضا تأكيدا للمعلوم ~~أي علموا تحقيق أنه لا خلاق لمشتري السحر ويجوز كونها لام ابتداء والاشتراء ~~هو اكتساب شيء ببذل غيره فالمعنى أنهم اكتسبوه ببذل إيمانهم المعبر عنه ~~فيما يأتي بقوله أنفسهم . # والخلاق الحظ من الخير خاصة . ففي الحديث : ( إنما يلبس هذا من لا خلاق ~~له ) وقال البعيث بن حريث : # ولست وإن قربت يوما ببائع # خلاقي ولا ديني ابتغاء التحبب # ونفي الخلاق وهو نكرة مع تأكيد النفي بمن الاستغراقية دليل على أن تعاطي ~~هذا السحر جرم كفر أو دونه فلذلك لم يكن لمتعاطيه حظ من الخير في الآخرة ~~وإذا انتفى كل PageV01P646 حظ من الخير ثبت الشر كله لأن الراحة من الشر ~~خير وهي حالة الكفاف وقد تمناها الفضلاء أو دونه ms0689 خشية من الله تعالى . # قوله : { ولبئس ما شروا به أنفسهم } عطف على { ولقد علموا } عطف الإنشاء ~~على الخبر و { شروا } بمعنى باعوا بمعنى بذلوا وهو مقابل قوله : { لمن ~~اشتراه } ومعنى بذل النفس هو التسبب لها في الخسار والبوار . # وقوله : { لو كانوا يعلمون } مقتض لنفي العلم بطريق لو الامتناعية والعلم ~~المنفي عنهم هنا هو غير العلم المثبت لهم في قوله : { ولقد علموا } إلا أن ~~الذي علموه هو أن مكتسب السحر ماله خلاق في الآخرة والذي جهلوه هنا هو أن ~~السحر شيء مذموم وفيه تجهيل لهم حيث علموا أن صاحبه لا خلاق له ولم يهتدوا ~~إلى أن نفي الخلاق يستلزم الخسران إذ ما بعد الحق إلا الضلال وهذا هو الوجه ~~لأن { لو كانوا يعلمون } ذيل به قوله : { ولبئس ما شروا به أنفسهم } فدل ~~على أنه دليل مفعوله وبذلك يندفع الإشكال عن إثبات العلم ونفيه في معلوم ~~واحد بناء على أن العلم بأنه لا خلاق لصاحب السحر عين معنى كون السحر مذوما ~~فكيف يعدون غير عالمين بذمه وقد علمت وجهه وهذا هو الذي تحمل عليه الآية . # ولهم في الجواب عن دفع الإشكال وجوه أخرى أحدها ما ذهب إليه صاحب ( ~~الكشاف ) وتبعه صاحب ( المفتاح ) من أن المراد من نفي العلم هو أنهم لما ~~كانوا في علمهم كمن لا يعلم بعدم عملهم به نفي العلم عنهم لعدم الاعتداد به ~~أي فيكون ذلك على سبيل التهكم بهم . الثاني أن المراد بالعلم المنفي هو علم ~~كون ما يتعاطونه من جملة السحر المنهي عنه فكأنهم علموا مذمة السحر علما ~~كليا ولم يتفطنوا لكون صنيعهم منه كما قالوا إن الفقيه يعلم كبرى القياس ~~والقاضي والمفتي يعلمان صغراه وأن الفقيه كالصيدلاني والقاضي والمفتي ~~كالطبيب وهذا الوجه الذي اخترناه . الثالث أن المراد لو كانوا يعلمون ما ~~يتبعه من العذاب في الآخرة أي فهم ظنوا أن عدم الخلاف لا يستلزم العذاب ~~وهذا قريب من الذي ذكرناه . الرابع أن المراد من العلم المنفي التفكر ومن ~~المثبت العلم الغريزي وهذا وجه بعيد جدا إذ ms0690 لايمكن أن يكون علمهم بأن من ~~اكتسب السحر لا خلاق له علما غريزيا فلو قيل العلم التصوري والعلم التصديقي ~~. وفي الجمع بين { لقد علموا } و { لو كانوا يعلمون } طباق عجيب . ~~PageV01P647 # وهنالك جواب آخر مبني على اختلاف معاد ضمير { علموا } وضمير { لو كانوا ~~يعلمون } فضمير { لقد علموا } راجع إلى الجن الذين يعلمون السحر وضميرا { ~~لو كانوا يعلمون } راجعان إلى الإنس الذين تعلموا السحر وشروا به أنفسهم ، ~~قاله فطرب والأخفش وبذلك صار الذين أثبت لهم العلم غير المنفي عنهم . # # | 2 ( 103 ) { ولو أنهم ءامنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا ~~يعلمون } . ) 2 # أي لو آمنوا بمحمد واتقوا الله فلم يقدموا على إنكار ما بشرت به كتبهم ~~لكانت لهم مثوبة من عند الله ، ومثوبة الله خير من كل نفع حملهم على ~~المكابرة . # و ( لو ) شرطية امتناعية اقترن شرطها بأن مع التزام الفعل الماضي في ~~جملته على حد قول امرىء القيس : # ولو أن ما أسعى لأدنى معيشة # كفاني ولم أطلب قليل من المال # و ( أن ) مع صلتها في محل مبتدأ عند جمهور البصريين وما في جمل الصلة من ~~المسند والمسند إليه أكمل الفائدة فأغنى عن الخبر . وقيل خبرها محذوف ~~تقديره ثابت أي ولو إيمانهم ثابت . # وقوله : { لمثوبة } يترجح أن يكون جواب ( لو ) فإنه مقترن باللام التي ~~يكثر اقتران جواب ( لو ) المثبت بها والجواب هنا جملة اسمية وهي لا تقع ~~جوابا للو في الغالب وكان هذا الجواب غير ظاهر الترتب والتعليق على جملة ~~الشرط لأن مثوبة الله خير سواء آمن اليهود واتقوا أم لم يفعلوا . قال بعض ~~النحاة الجواب محذوف أي لأثيبوا ومثوبة من عند الله خير . وعدل عنه صاحب ( ~~الكشاف ) فقال : أوثرت الجملة الاسمية في جواب ( لو ) على الفعلية لما في ~~ذلك من الدلالة على ثبات المثوبة واستقرارها كما عدل عن النصب إلى الرفع في ~~{ سلام عليكم } ( الزمر : 73 ) لذلك اه . ومراده أن تقدير الجواب لأثيبوا ~~مثوبة من الله خيرا لهم مما شروا به أنفسهم ، أو لمثوبة بالنصب على أنه ~~مصدر بدل ms0691 من فعله ، وكيفما كان فالفعل أو بدله يدلان على الحدوث فلا دلالة ~~له على الدوام والثبات . ولما كان المقام يقتضي حصول المثوبة وثباتها وثبات ~~الخيرية لها ليحصل مجموع معان عدل عن النصب المؤذن بالفعل إلى الرفع لأن ~~الجملة الاسمية لا تفيد الحدوث بل الثبوت ، PageV01P648 وينتقل من إفادتها ~~الثبوت إلى إفادة الدوام والثبات فدلالة الآية على ثبات المثوبة بالعدول عن ~~نصب المصدر إلى رفعه كما في { سلام عليكم } و { الحمد لله } ( الفاتحة : 2 ~~) ودلالتها على ثبات نسبة الخيرية للمثوبة من كون النسبة مستفادة من جملة ~~اسمية فصارت الجملة بمنزلة جملتين لأن أصل المصدر الآتي بدلا من فعله أن ~~يدل على نسبة لفاعله فلو قيل ( لمثوبة ) بالنصب لكان تقديره لأثيبوا مثوبة ~~فإذا حولت إلى المصدر المرفوع لزم أن تعتبر ما كان فيه من النسبة قبل الرفع ~~، ولما كان المصدر المرفوع لا نسبة فيه علم السامع أن التقدير لمثوبة لهم ~~كما أنك إذا قلت سلاما وحمدا علم السامع أنك تريد سلمت سلاما وحمدت حمدا ، ~~فإذا قلت سلام وحمد كان التقدير سلام مني وحمد مني ، وهذا وجه تنظير ( ~~الكشاف ) وقرينة كون هذا المصدر في الأصل منصوبا وقوعه جوابا للو المتأصل ~~في الفعلية ، ثم إذا سمع قوله ( خير ) علم السامع أنه خبر عن المثوبة بعد ~~تحويلها فاستفاد ثبات الخيرية ولهذا لم يتعرض صاحب ( الكشاف ) لبيان إفادة ~~الجملة ثبات الخيرية للمثوبة لأنه لصراحته لا يحتاج للبيان فإن كل جملة ~~اسمية تدل على ثبات خبرها لمبتدئها . وبهذا ظهر الترتب لأن المقصود من ~~الإخبار عن المثوبة بأنها خير أنها تثبت لهم لو آمنوا . # وعندي وجه آخر وهو أن يقال إن قوله : { لمثوبة من عند الله خير } دليل ~~الجواب بطريقة التعريض فإنه لما جعل معلقا على قوله : { ولو أنهم آمنوا ~~واتقوا } علم أن في هذا الخبر شيئا يهمهم . ولما كانت ( لو ) امتناعية ووقع ~~في موضع جوابها جملة خبرية تامة علم السامع أن هذا الخبر ممتنع ثبوته لمن ~~امتنع منه شرط لو فيكون تنكيلا عليهم وتمليحا بهم . وقد قيل : إن ms0692 ( لو ) ~~للتمني على حد { لو أن لناكرة } ( الشعراء : 102 ) . والتحقيق أن لو التي ~~للتمني هي لو الشرطية أشربت معنى التمني لأن الممتنع يتمنى إن كان محبوبا : # وأحب شيء إلى الإنسان ما منعا # واستدل على هذا بأنها إذا جاءت للتمني أجيبت جوابين جوابا منصوبا كجواب ~~ليت وجوابا مقترنا باللام كجواب الامتناعية كقول المهلهل : # فلو نبش المقابر عن كليب # فيخبر بالذنائب أي زير # ويوم الشعثمين لقر عينا # وكيف لقاء من تحت القبور # فأجيب بقوله : فيخبر وقوله : لقر عينا . والتمني على تقديره مجاز من الله ~~تعالى عن الدعاء للإيمان والطاعة أو تمثيل لحال الداعي لذلك بحال المتمني ~~فاستعمل له المركب الموضوع PageV01P649 للتمني أو هو ما لو نطق به العربي ~~في هذا المقام لنطق بالتمني على نحو ما قيل في قوله تعالى : { لعكم تتقون } ~~( البقرة : 21 ) ونحوه . وعلى هذا الوجه يكون قوله { لمثوبة } مستأنفا ~~واللام للقسم . # والمثوبة اسم مصدر أثاب إذا أعطى الثواب والثواب الجزاء الذي يعطى لخير ~~المعطي ، ويقال ثوب وأثوب بمعنى أثاب فالمثوبة على وزن المفعولة كالمصدوقة ~~والمشورة والمكروهة . # وقوله : { لو كانوا يعلمون } شرط ثان محذوف الجواب لدلالة ما تقدم عليه ~~وحذف مفعول { يعلمون } لدلالة المثوبة من الله خير ، أي لوكانوا يعلمون ~~مثوبة الله لما اشتروا السحر . # وليس تكرير اللفظة أو الجملة في فواصل القرآن بإيطاء لأن الإيطاء إنما ~~يعاب في الشعر دون النثر لأن النثر إنما يعتد فيه بمطابقة مقتضى الحال ~~وفائدة هذا التكرير التسجيل عليهم بأنهم لا يعلمون ما هو النفع الحق . # # | 2 ( 104 ) { ياأيها الذين ءامنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا ~~واسمعوا وللكافرين عذاب أليم } . ) 2 # يتعين في مثل هذه الآية تطلب سبب نزولها ليظهر موقعها ووجه معناها ، فإن ~~النهي عن أن يقول المؤمنون كلمة لا ذم فيها ولا سخف لا بد أن يكون لسبب ، ~~وقد ذكروا في سبب نزولها أن المسلمين كانوا إذا ألقى عليهم النبيء صلى الله ~~عليه وسلم الشريعة والقرآن يتطلبون منه الإعادة والتأني في إلقائه حتى ~~يفهموه ويعوه فكانوا يقولون له راعنا يا رسول الله ms0693 أي لا تتحرج منا وارفق ~~وكان المنافقون من اليهود يشتمون النبيء صلى الله عليه وسلم في خلواتهم سرا ~~وكانت لهم كلمة بالعبرانية تشبه كلمة راعنا بالعربية ومعناها في العبرانية ~~سب ، وقيل معناها لا سمعت ، دعاء فقال بعضهم لبعض : كنا نسب محمدا سرا ~~فأعلنوا به الآن أو قالوا هذا وأرادوا به اسم فاعل من رعن إذا اتصف ~~بالرعونة وسيأتي ، فكانوا يقولون هاته الكلمة مع المسلمين ناوين بها السب ~~فكشفهم الله وأبطل عملهم بنهي المسلمين عن قول هاته الكلمة حتى ينتهي ~~المنافقون عنها ويعلموا أن الله أطلع نبيه على سرهم . PageV01P650 # ومناسبة نزول هاته الآية عقب الآيات المتقدمة في السحر وما نشأ عن ذمه ، ~~أن السحر كما قدمنا راجع إلى التمويه ، وأن من ضروب السحر ما هو تمويه ~~ألفاظ وما مبناه على اعتقاد تأثير الألفاظ في المسحور بحسب نية الساحر ~~وتوجهه النفسي إلى المسحور ، وقد تأصل هذا عند اليهود واقتنعوا به في ~~مقاومة أعدائهم . ولما كان أذى الشخص بقول أو فعل لا يعلم مغزاهما كخطابه ~~بلفظ يفيد معنى ومقصود المتكلم منه أذى ، أو كإهانة صورته أو الوطء على ظله ~~، كل ذلك راجعا إلى الاكتفاء بالنية والتوجه في حصول الأذى ، كان هذا شبيها ~~ببعض ضروب السحر ولذلك كان من شعار من استهواهم السحر واشتروه ناسب ذكر ~~هاته الحالة من أحوالهم عقب الكلام على افتتانهم بالسحر وحبه دون بقية ما ~~تقدم من أحوالهم وهاته المناسبة هي موجب التعقيب في الذكر . # وإنما فصلت هذه الآية عما قبلها لاختلاف الغرضين لأن هذه في تأديب ~~المؤمنين ثم يحصل منه التعريض باليهود في نفاقهم وأذاهم والإشعار لهم بأن ~~كيدهم قد أطلع الله عليه نبيه . وقد كانوا يعدون تفطن المسحور للسحر يبطل ~~أثره فأشبهه التفطن للنوايا الخبيثة وصريح الآيات قبلها في أحوالهم الدينية ~~المنافية لأصول دينهم ولأن الكلام المفتتح بالنداء والتنبيه ونحوه نحو { يا ~~أيها الناس } ويا زيد وألا ونحوها لا يناسب عطفه على ما قبله وينبغي أن ~~يعتبر افتتاح كلام بحيث لا يعطف إلا بالفاء إذا كان مترتبا عما ms0694 قبله لأن ~~العطف بالفاء بعيد عن العطف بالواو وأوسع من جهة التناسب . # و { راعنا } أمر من راعاه يراعيه وهو مبالغة في رعاه يرعاه إذا حرسه ~~بنظره من الهلاك والتلف وراعى مثل رعى قال طرفة : # خذول تراعى ربربا بخميلة # وأطلق مجازا على حفظ مصلحة الشخص والرفق به ومراقبة نفعه وشاع هذا المجاز ~~حتى صار حقيقة عرفية ومنه رعاك الله ورعى ذمامه ، فقول المسلمين للنبيء صلى ~~الله عليه وسلم ( راعنا ) هو فعل طلب من الرعي بالمعنى المجازي أي الرفق ~~والمراقبة أي لا تتحرج من طلبنا وارفق بنا . # وقوله : { وقولوا انظرنا } أبدلهم بقولهم : { راعنا } كلمة تساويها في ~~الحقيقة والمجاز وعدد الحروف والمقصود من غير أن يتذرع بها الكفار لأذى ~~النبيء صلى الله عليه وسلم وهذا من أبدع البلاغة فإن نظر في الحقيقة بمعنى ~~حرس وصار مجازا على تدبير المصالح ، ومنه قول الفقهاء هذا من النظر ، ~~والمقصود منه الرفق والمراقبة في التيسير فيتعين أن قوله : { انظرنا } بضم ~~همزة الوصل وضم الظاء وأنه من النظر لا من الانتظار . PageV01P651 # وقد دلت هذه الآية على مشروعية أصل من أصول الفقه وهو من أصول المذهب ~~المالكي يلقب بسد الذرائع وهي الوسائل التي يتوسل بها إلى أمر محظور . # وقوله تعالى : { واسمعوا } أريد به سماع خاص وهو الوعي ومزيد التلقي حتى ~~لا يحتاجوا إلى طلب المراعاة أوالنظر وقيل : أراد من ( اسمعوا ) امتثلوا ~~لأوامر الرسول قاله ابن عطية وهو أظهر . # وقوله : { وللكافرين عذاب أليم } التعريف للعهد . والمراد بالكافرين ~~اليهود خاصة أي تأدبوا أنتم مع الرسول ولا تتأسوا باليهود في أقوالهم : ~~فلهم عذاب أليم ، والتعبير بالكافرين دون اليهود زيادة في ذمهم . وليس هنا ~~من التذييل لأن الكلام السابق مع المؤمنين فلا يصلح ما بعده من تعميم حكم ~~الكافرين لتذييل ما قبله . # # | 2 ( 105 ) { ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل ~~عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشآء والله ذو الفضل العظيم } . ~~) 2 # فصله عما قبله لاختلاف الغرضين ، لأن الآية قبله في تأديب المؤمنين مع ~~التعريض ms0695 باليهود وهذه الآية لبيان حسد اليهود وغيرهم للمسلمين . ووجه ~~المناسبة بين الآيتين ظاهر لاتحاد المآل ولأن الداعي للسب والأذى هو الحسد ~~. # وهذه الآية رجوع إلى كشف السبب الذي دعا لامتناع اليهود من الإيمان ~~بالقرآن لما قيل لهم { آمنوا بما أنزل الله } فقالوا : { نؤمن بما أنزل ~~علينا } ( البقرة : 91 ) أي ليس الصارف لهم تمسكهم بما أنزل إليهم بل هو ~~الحسد على ما أنزل على النبيء والمسلمين من خير ، فبين أدلة نفي كون الصارف ~~لهم هو التصلب والتمسك بدينهم بقوله : { قل فلم تقتلون أنبئاء الله } ( ~~البقرة : 91 ) وما تخلل ذلك ونشأ عنه من المجادلات وبيان إعراضهم عن أوامر ~~دينهم واتباعهم السحر وبين الآن حقيقة الصارف عن الإيمان بالقرآن والموجب ~~للشتم وقول البهتان ليتخلص من ذلك إلى بيان النسخ . # و ( الود ) بضم الواو المحبة ومن أحب شيئا تمناه فليس الود هو خصوص ~~التمني ولا المحبة PageV01P652 المفرطة كما حققه الراغب . # وذكر ( الذين كفروا ) هنا دون اليهود لقصد شمول هذا الحكم اليهود ~~والنصارى معا تمهيدا لما يأتي من ذكر حكمة النسخ ومن قوله : { وقالوا لن ~~يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى } ( البقرة : 111 ) الآيات . ونبه ~~بقوله : { الذين كفروا من أهل الكتاب } دون ما يود أهل الكتاب على أنهم لم ~~يتبعوا كتابهم لأن كتبهم تأمرهم باتباع الحق حيثما وجدوه وبالإيمان بالنبيء ~~المقفي على آثارهم وفي التوراة والإنجيل مواضع كثيرة فيها أخذ الميثاق على ~~ذلك فلما حسدوا النبيء صلى الله عليه وسلم على النبوءة وحسدوا المسلمين فقد ~~كفروا بما أمرت به كتبهم وبهذا تخلص الكلام إلى الجمع بين موعظة النصارى مع ~~موعظة اليهود . # ولما كان ما اقتضاه الحال من التعبير بقوله : { الذين كفروا من أهل ~~الكتاب } قد يوهم كون البيان قيدا وأن الكافرين من غير أهل الكتاب لا ~~يحسدون المسلمين عطف عليه قوله : { ولا المشركين } كالاحتراس وليكون جمعا ~~للحكم بين الجميع فيكون له حظ في التمهيد لقوله فيما يأتي : { ومن أظلم ممن ~~منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه } ( البقرة : 114 ) وقرأ الجمهور ( أن ~~ينزل ms0696 ) بتشديد الزاي مفتوحة . والتعبير بالتنزيل دون الإنزال لحكاية الواقع ~~إذ القرآن نزل منجما لتسهيل حفظه وفهمه وكتابته وللتيسير على المكلفين في ~~شرع الأحكام تدريجا . وقرأه ابن كثير وابن عمرو بتخفيف الزاي مفتوحة أيضا ~~وذلك على أن نفي ودادتهم متعلق بمطلق إنزال القرآن سواء كان دفعة أو منجما ~~. # والخير النعمة والفضل ، قال النابغة : # فلست على خير أتاك بحاسد # وأراد به هنا النبوءة وما أيدها من الوحي والقرآن والنصر وهو المعبر عنه ~~بالرحمة في قوله : { والله يختص برحمته } . # وقوله : { والله يختص برحمته من يشاء } عطف على { ما يود } لتضمنه أن ~~الله أراد ذلك وإن كانوا هم لا يريدونه . # والرحمة هنا مثل الخير المنزل عليهم وذلك إدماج للامتنان عليهم بأن ما ~~نزل عليهم هو رحمة بهم ومعنى الاختصاص جعلها لأحد دون غيره لأن أصل ~~الاختصاص والتخصيص راجع إلى هذا المعنى أعني جعل الحكم خاصا غير عام سواء ~~خص واحدا أو أكثر . ومفعول المشيئة محذوف كما هو الشأن فيه إذا تقدم عليه ~~كلام أو تأخر عنه أي من يشاء اختصاصه بالرحمة . # والمشيئة هي الإرادة ولما كانت إرادة الله تتعلق بالمراد على وفق علمه ~~تعالى PageV01P653 كانت مشيئته أي إرادته جارية على وفق حكمته التي هي من ~~كيفيات علم الله تعالى فهي من تعلقات العلم الإلاهي بإبراز الحوادث على ما ~~ينبغي وقد تقدم الكلام عليها عند قوله تعالى : { إنك أنت العليم الحكيم } ( ~~البقرة : 32 ) فالله يختص برحمته من علم أنه حقيق بها لا سيما الرحمة ~~المراد منها النبوءة فإن الله يختص بها من خلقه قابلا لها فهو يخلقه على ~~صفاء سريرة وسلامة فطرة صالحة لتلقي الوحي شيئا فشيئا قال تعالى : { ولما ~~بلغ أشده واستوى آتيناه حكماوعلما } ( يوسف : 22 ) وقال : { الله حيث يجعل ~~رسالاته } ( الأنعام : 124 ) ولذلك لم تكن النبوءة حاصلة بالاكتساب لأن ~~الله يخلق للنبوءة من أراده لها لخطر أمرها بخلاف غيرها من الفضائل فهو ~~ممكن الاكتساب كالصلاح والعلم وغيرهما فرب فاسق صلحت حاله ورب جاهل مطبق ~~صار عالما بالسعي والاكتساب ومع هذا فلا بد لصاحبها ms0697 من استعداد في الجملة ~~ثم وراء ذلك التوفيق وعناية الله تعالى بعبده . ولما كانت الاستعدادات ~~لمراتب الرحمة من النبوءة فما دونها غير بادية للناس طوى بساط تفصيلها ~~لتعذره ووكل إلى مشيئة الله التي لا تتعلق إلا بما علمه واقتضته حكمته ~~سبحانه رفقا بأفهام المخاطبين . # وقوله : { والله ذو الفضل العظيم } تذييل لأن الفضل يشمل إعطاء الخير ~~والمعاملة بالرحمة ، وتنبيه على أن واجب مريد الخير التعرض لفضل الله تعالى ~~والرغبة إليه في أن يتجلى عليه بصفة الفضل والرحمة فيتخلى عن المعاصي ~~والخبائث ويتحلى بالفضائل والطاعات عسى أن يحبه ربه وفي الحديث الصحيح ( ~~تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة ) . # # | 2 ( 106 ) { ما ننسخ من ءاية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم ~~أن الله على كل شيء قدير } . ) 2 # { ما ننسخ من ءاية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على ~~كل شيء قدير } . # مناسبة هذه الآية للآيات قبلها أن اليهود اعتذروا عن إعراضهم عن الإيمان ~~بالنبيء صلى الله عليه وسلم بقولهم : { نؤمن بما أنزل علينا } ( البقرة : ~~91 ) وأرادوا به أنهم يكفرون بغيره ، وهم في عذرهم ذلك يدعون أن شريعتهم لا ~~تنسخ ويقولون إن محمدا وصف التوراة بأنها حق وأنه جاء مصدقا لها فكيف يكون ~~شرعه مبطلا للتوراة ويموهون على الناس بما سموه البداء وهو لزوم أن يكون ~~الله تعالى غير عالم بما يحسن تشريعه وأنه يبدو له الأمر ثم يعرض عنه ويبذل ~~شريعة بشريعة . # وقد قدمنا أن الله تعالى رد عليهم عذرهم وفضحهم بأنهم ليسوا متمسكين ~~بشرعهم حتى يتصلبوا فيه وذلك من قوله : { قل فلم يقتلون أنبئاء الله من قبل ~~} ( البقرة : 91 ) وقوله : { قل PageV01P654 إن كانت لكم الدار الآخرة } ( ~~البقرة : 94 ) إلخ وبأنهم لا داعي لهم غير الحسد بقوله : { ما يود الذين ~~كفروا من أهل الكتاب } إلى قوله : { ذو الفضل العظيم } ( البقرة : 105 ) ~~المنبىء أن العلة هي الحسد ، فلما بين الرد عليهم في ذلك كله أراد نقض تلك ~~السفسطة أو الشبهة التي راموا ترويجها ms0698 على الناس بمنع النسخ . والمقصد ~~الأصلي من هذا هو تعليم المسلمين أصلا من أصول الشرائع وهو أصل النسخ الذي ~~يطرأ على شريعة بشريعة بعدها ويطرأ على بعض أحكام شريعة بأحكام تبطلها من ~~تلك الشريعة . ولكون هذا هو المقصد الأصلي عدل عن مخاطبة اليهود بالرد ~~عليهم . ووجه الخطاب إلى المسلمين كما دل عليه قوله : { ألم تعلم } وعطفه ~~عليه بقوله : { أم تريدون أن تسألوا رسولكم } ( البقرة : 108 ) ولقوله : { ~~ما ننسخ من ءاية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل ~~شيء قدير } ولم يقل من شريعة . وفي هذا إعراض عن مخاطبة اليهود لأن تعليم ~~المسلمين أهم وذلك يستتبع الرد عى اليهود بطريق المساواة لأنه إذا ظهرت ~~حكمة تغيير بعض الأحكام لمصلحة تظهر حكمة تغيير بعض الشرائع . # وقد ذكر بعض المفسرين لهاته الآية سبب نزول ، ففي ( الكشاف ) و ( المعالم ~~) : نزلت لما قال اليهود : ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم ~~عنه ، وفي ( تفسير القرطبي ) أن اليهود طعنوا في تغيير القبلة وقالوا إن ~~محمدا يأمر أصحابه بشيء وينهاهم عنه فما كان هذا القرآن إلا من جهته ولذلك ~~يخالف بعضه بعضا . # وقرأ الجمهور ( ننسخ ) بفتح النون الأولى وفتح السين وهو أصل مضارع نسخ ، ~~وقرأه ابن عامر بضم النون الأولى وكسر السين على أنه مضارع أنسخ مهموزا ~~بهمزة التعدية أي نأمر بنسخ آية . # و ( ما ) شرطية وأصلها الموصولة أشربت معنى الشرط فلذلك كانت اسما للشرط ~~يستحق إعراب المفاعيل وتبين بما يفسر إبهامها وهي أيضا توجب إبهاما في ~~أزمان الربط لأن الربط وهو التعليق لما نيط بمبهم صار مبهما فلا تدل على ~~زمن معين من أزمان تعليق الجواب على الشرط وربطه به . # و ( من آية ) بيان لما . والآية في الأصل الدليل والشاهد على أمر . قال ~~الحرث بن حلزة : # من لنا عنده من الخير آيا # ت ثلاث في كلهن القضاء PageV01P655 # ووزنها فعلة بتحريك العين عند الخليل وعينها ياء أو واو قلبت ألفا ~~لتحركها وانفتاح ما قبلها والنسبة إليها آيي أو آوي ms0699 . ثم أطلقت الآية على ~~المعجزة لأنها دليل صدق الرسول قال تعالى : { وما نرسل بالآيات إلا تخويفا ~~} ( الإسراء : 59 ) . وتطلق الآية على القطعة من القرآن المشتملة على حكم ~~شرعي أو موعظة أو نحو ذلك وهو إطلاق قرآني قال تعالى : { وإذا بدلنا آية ~~مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون } ( ~~النحل : 101 ) ويؤيد هذا أن من معاني الآية في كلام العرب الأمارة التي ~~يعطيها المرسل للرسول ليصدقه المرسل إليه وكانوا إذا أرسلوا وصاية أو خبرا ~~مع رسول أرفقوه بأمارة يسمونها آية لا سيما الأسير إذا أرسل إلى قومه ~~برسالة كما فعل ناشب الأعور حين كان أسيرا في بني سعد بن مالك وأرسل إلى ~~قومه بلعنبر رسالة وأراد تحذيرهم بما يبيته لهم أعداؤهم الذين أسروه فقال ~~للرسول : قل لهم كذا بآية ما أكلت معكم حيسا . وقال سحيم العبد : # ألكني إليها عمرك الله يا فتى # بآية ما جاءت إلينا تهاديا # ولذا أيضا سموا الرسالة آية تسمية للشيء باسم مجاوره عرفا . # والمراد بالآية هنا حكم الآية سواء أزيل لفظها أم أبقى لفظها لأن المقصود ~~بيان حكمة إبطال الأحكام لا إزالة ألفاظ القرآن . # والنسخ إزالة الشي بشيء آخر قاله الراغب ، فهو عبارة عن إزالة صورة أو ~~ذات وإثبات غيرها عوضها تقول نسخت الشمس الظل لأن شعاعها أزال الظل وخلفه ~~في موضعه ونسخ الظل الشمس كذلك لأن خيال الجسم الذي حال بين الجسم المستنير ~~وبين شعاع الشمس الذي أناره قد خلف الشعاع في موضعه ويقال نسخت ما في ~~الخلية من النحل والعسل إلى خلية أخرى ، وقد يطلق على الإزالة فقط دون ~~تعويض كقولهم نسخت الريح الأثر وعلى الإثبات لكن على إثبات خاص وهو إثبات ~~المزيل ، وأما أن يطلق على مجرد الإثبات فلا أحسبه صحيحا في اللغة وإن ~~أوهمه ظاهر كلام الراغب وجعل منه قولهم نسخت الكتاب إذا خططت أمثال حروفه ~~في صحيفتك إذ وجدوه إثباتا محضا لكن هذا توهم لأن إطلاق النسخ على محاكاة ~~حروف الكتاب إطلاق مجازي بالصورة أو ms0700 تمثيلية بتشبيه الحالة بحالة من يزيل ~~الحروف من الكتاب الأصلي إلى الكتاب المنتسخ ثم جاءت من ذلك النسخة قال ~~تعالى : { إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون } ( الجاثية : 29 ) وقال : { وفي ~~نسختها هدى ورحمة } ( الأعراف : 154 ) وأما قولهم PageV01P656 الولد نسخة ~~من أبيه فمجاز على مجاز . ولا يطلق النسخ على الزوال بدون إزالة فلا تقول ~~نسخ الليل النهار لأن الليل ليس بأمر وجودي بل هو الظلمة الأصلية الحاصلة ~~من انعدام الجرم المنير . # والمراد من النسخ هنا الإزالة وإثبات العوض بدليل قوله : { نأت بخير منها ~~أو مثلها } وهو المعروف عند الأصولين بأنه رفع الحكم الشرعي بخطاب فخرج ~~التشريع المستأنف إذ ليس برفع ، وخرج بقولنا الحكم الشرعي رفع البراءة ~~الأصلية بالشرع المستأنف . إذ البراءة الأصلية ليست حكما شرعيا بل هي ~~البقاء على عدم التكليف الذي كان الناس عليه قبل مجيء الشرع بحيث إن ~~الشريعة لا تتعرض للتنصيص على إباحة المباحات إلا في مظنة اعتقاد تحريمها ~~أو في موضع حصر المحرمات أو الواجبات . # فالأول نحو قوله : { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم } ( البقرة : ~~198 ) في التجارة في الحج حيث ظن المسلمون تحريم التجارة في عشر ذي الحجة ~~كما كانت عليه الجاهلية بعد الانصراف من ذي المجاز كما سيأتي . # ومثال الثاني قوله تعالى : { وأحل لكم ما وراء ذلكم } ( النساء : 24 ) ~~بعد ذكر النساء المحرمات وقوله : { أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم } ~~( البقرة : 187 ) لحصر وجوب الإمساك في خصوص زمن النهار . # وفهم من قولهم في التعريف رفع الحكم أن ذلك الحكم كان ثابتا لولا رفعه ~~وقد صرح به بعضهم ولذلك اخترنا زيادة قيد في التعريف وهو رفع الحكم الشرعي ~~المعلوم دوامه بخطاب يرفعه ليخرج عن تعريف النسخ رفع الحكم الشرعي المغيى ~~بغاية عند انتهاء غايته ورفع الحكم المستفاد من أمر لا دليل فيه على ~~التكرار . # وحيث تبينت حكمة نسخ الآيات علم منه حكمة نسخ الشرائع بعضها ببعض وهو ~~الذي أنكروه وأنكروا كون الإسلام قد نسخ التوراة وزعموا أن دوام التوراة ~~مانع من الإيمان بالإسلام ms0701 كما قالوا { نؤمن بما أنزل علينا } ( البقرة : 91 ~~) وهو أحوال : الأول مجيء شريعة لقوم مجيئا مؤقتا لمدة حياة الرسول المرسل ~~بها PageV01P657 فإذا توفي ارتفعت الشريعة كشريعة نوح وإبراهيم وشريعة يوسف ~~وشريعة شعيب قال تعالى : { ولقد جاءكم يوسف } إلى قوله : { إذا هلك قلتم لن ~~يبعث الله من بعده رسولا } ( غافر : 34 ) وبقي الناس في فترة وكان لكل أحد ~~يريد الاهتداء أن يتبع تلك الشريعة أو بعضها كما كانوا يتبعون شريعة ~~إبراهيم فإذا جاءت شريعة بعدها فليست الثانية بناسخة للأولى في الحقيقة ~~ولكنها نسخ يخير الناس في متابعتها الذي كان لهم في زمن الفترة كما إذا ~~كانت عبس مثلا يجوز لها اتباع شريعة إبراهيم فلما جاءهم خالد بن سنان ~~بشريعته تعين عليهم اتباعه . # الثاني أن تجيء شريعة لقوم مأمورين بالدوام عليها كشرع موسى ثم تجيء ~~بعدها شريعة ليست رافعة لتلك الشريعة بأسرها ولكنها ترفع بعض أحكامها وتثبت ~~بعضا كشريعة عيسى فهذه شريعة ناسخة في الجملة لأنها تنسخ بعضا وتفسر بعضا ، ~~فالمسيح رسول نسخ بعض التوراة وهو ما نص على نسخه وأما غيره فباق على أحكام ~~التوراة فهو في معظمها مبين ومذكر ومفسر كمن سبقه من أنبياء بني إسرائيل ~~مثل أشعياء وأرمياء وزكرياء الأول ودانيال وأضرابهم ولا يخالف هذا النوع ~~نسخ أحكام شريعة واحدة إلا بكونه بواسطة رسول ثان . # الثالث مجيء شريعة بعد أخرى بحيث تبطل الثانية الأولى إبطالا عاما بحيث ~~تعد تلك الشريعة باطلة سواء في ذلك الأحكام التي نصت الشريعة الثانية فيها ~~بشيء يخالف ما في الأولى أم فيما سكتت الشريعة الثانية عنه وهذا هو الإسلام ~~بالنسبة لما تقدمه من الشرائع فإنه رفع الشرائع كلها بحيث لا يجوز لأحد من ~~المسلمين أن يتلقى شيئا من الشرائع السالفة فيما لم يتكلم الإسلارم فيه ~~بشيء بل يأخذ أحكام ذلك بالاستنباط والقياس وغير ذلك من طرق أصول الإسلام ، ~~وقد اختلف في أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ناسخ ، لكن ذلك الخلاف ~~ناظر إلى دليل آخر وهو قوله تعالى : { فبهداهم اقتده } ( الأنعام ms0702 : 90 ) . # وقوله : { أو ننسها } قرأه نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي ويعقوب ~~وأبو جعفر وخلف ( ننسها ) بنون مضمومة في أوله وبسين مكسورة ثم هاء . وقرأه ~~ابن كثير وأبو عمرو ( ننسأها ) بنون مفتوحة في أوله وبسين مفتوحة وبعدها ~~همزة ساكنة ثم هاء فعلى قراءة ترك الهمز فهو من النسيان والهمزة للتعدية ~~ومفعوله محذوف للعموم أي ننس الناس إياها وذلك بأمر النبيء صلى الله عليه ~~وسلم بترك قراءتها حتى ينساها المسلمون ، وعلى قراءة الهمز فالمعنى أو ~~نؤخرها أي نؤخر تلاوتها أو نؤخر العمل بها والمراد إبطال العمل بقراءتها أو ~~بحكمها PageV01P658 فكنى عنه بالنسء وهو قسم آخر مقابل للنسخ وهو أن لا ~~يذكر الرسول الناس بالعمل بحكم مشروع ولا يأمر من يتركه بقضائه حتى ينسى ~~الناس العمل به فيكون ذلك إبطالا للحكم لأنه لو كان قائما لما سكت الرسول ~~عن إعادة الأمر به ولما أقر تاركه عند موجب العمل به ولم أجد لهذا مثالا في ~~القرآن ونظيره في السنة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا يمنع أحدكم ~~جاره أن يضع خشبة في جداره ) عند من يقول إن النهي فيه للتحريم وهو قول أبي ~~هريرة ولذلك كان يذكر هذا الحديث ويقول مالي أراكم عنها معرضين والله ~~لأرمين بها بين أظهركم . ومعنى النسء مشعر بتأخير يعقبه إبرام وحينئذ ~~فالمعنى بقاء الحكم مدة غير منسوخ أو بقاء الآية من القرآن مدة غير منسوخة ~~. أو يكون المراد إنساء الآية بمعنى تأخير مجيئها مع إرادة الله تعالى وقوع ~~ذلك بعد حين والاحتمالات المفروضة في نسخ حكم من الشريعة تتأتى في نسخ ~~شريعة بشريعة وإنسائها أو نسئها . # وقوله : { نأت بخير منها أو مثلها } جواب الشرط وجعله جوابا مشعر بأن ~~هذين الحالين وهما النسخ والإنساء أو النسء لا يفارقان حالين وهما الإتيان ~~في وقت النسخ ووقت الإنساء بشيء هو خير من المنسوخ أو مثله أو خير من ~~المنسي أو المنسوء أو مثله فالمأتي به مع النسخ هو الناسخ من شريعة أو حكم ~~والمأتي به مع الإنساء من النسيان ms0703 هو الناسخ أيضا من شريعة أو حكم أو هو ما ~~يجيء من الأحكام غير ناسخ ولكنه حكم مخالف ينزل بعد الآخر والمأتي به مع ~~النسء أي التأخير هو ما يقارن الحكم الباقي من الأحكام النازلة في مدة عدم ~~النسخ . # وقد أجملت جهة الخيرية والمثلية لتذهب نفس السامع كل مذهب ممكن فتجده ~~مرادا إذ الخيرية تكون من حيث الاشتمال على ما يناسب مصلحة الناس ، أوما ~~يدفع عنهم مضرة ، أو ما فيه جلب عواقب حميدة ، أو ما فيه ثواب جزيل ، أوما ~~فيه رفق بالمكلفين ورحمة بهم في مواضع الشدة وإن كان حملهم على الشدة قد ~~يكون أكثر مصلحة . وليس المراد أن كل صورة من الصور المفروضة في حالات ~~النسخ والإنساء أو النسء هي مشتملة على الخير والمثل معا وإنما المراد أن ~~كل صورة منهما لا تخلو من الاشتمال على الخير منها أو المثل لها فلذلك جيء ~~بأو في قوله : { بخير منها أو مثلها } فهي مفيدة لأحد الشيئين مع جواز ~~الجمع . PageV01P659 # وتحقيق هاته الصور بأيديكم ، ولنضرب لذلك أمثالا ترشد إلى المقصود وتغني ~~عن البقية مع عدم التزام الدرج على القول الأصح فنقول : # ( 1 ) نسخ شريعة مع الإتيان بخير منها كنسخ التوراة والإنجيل بالإسلام . # ( 2 ) نسخ شريعة مع الإتيان بمثلها كنسخ شريعة هود بشريعة صالح فإن لكل ~~فائدة مماثلة للأخرى في تحديد أحوال أمتين متقاربتي العوائد والأخلاق فهود ~~نهاهم أن يبنوا بكل ريع آية يعبثون وصالح لم ينه عن ذلك ونهى عن التعرض ~~للناقة بسوء . # ( 3 ) نسخ حكم في شريعة بخير منه مثل نسخ كراهة الخمر الثابتة بقوله : { ~~قل فيهما إثم كبير ومنافع } ( البقرة : 219 ) بتحريمها بتاتا فهذه الناسخة ~~خير من جهة المصلحة دون الرفق وقد يكون الناسخ خيرا في الرفق كنسخ تحريم ~~الأكل والشرب وقربان النساء في ليل رمضان بعد وقت الإفطار عند الغروب إذا ~~نام الصائم قبل أن يتعشى بقوله تعالى : { أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى ~~نسائكم إلى قوله : من الفجر } ( البقرة : 187 ) قال في الحديث في ( صحيح ~~البخاري ) ففرح المسلمون ms0704 بنزولها . # ( 4 ) نسخ حكم في الشريعة بحكم مثله كنسخ الوصية للوالدين والأقربين ~~بتعيين الفرائض والكل نافع للكل في إعطائه مالا ، وكنسخ فرض خمسين صلاة ~~بخمس صلوات مع جعل ثواب الخمسين للخمس فقد تماثلتا من جهة الثواب ، وكنسخ ~~آية { وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مساكين } ( البقرة : 184 ) بقوله تعالى ~~: { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } ( البقرة : 185 ) إلى قوله : { وأن تصوموا ~~خير لكم } ( البقرة : 184 ) فأثبت كون الصوم خيرا من الفدية . # ( 5 ) إنساء بمعنى التأخير لشريعة مع مجيء خير منها ، تأخير ظهور دين ~~الإسلام في حين الإتيان بشرائع سبقته كل واحدة منها هي خير بالنسبة للأمة ~~التي شرعت لها والعصر الذي شرعت فيه فإن الشرائع تأتي للناس بما يناسب ~~أحوالهم حتى يتهيأ البشر كلهم لقبول الشريعة الخاتمة التي هي الدين عند ~~الله فالخيرية هنا ببعض معانيها وهي نسبية . # ( 6 ) إنساء شريعة بمعنى تأخير مجيئها مع إرادة الله تعالى وقوعه بعد حين ~~ومع الإتيان بمثلها كتأخير شريعة عيسى في وقت الإتيان بشريعة موسى وهي خير ~~منها من حيث الاشتمال على معظم المصالح وما تحتاج إليه الأمة . # ( 7 ) إنساء بمعنى تأخير الحكم المراد مع الإتيان بخير منه كتأخير تحريم ~~الخمر وهو مراد مع الإتيان بكراهته أو تحريمه في أوقات الصلوات فقط فإن ~~المأتي به خير من التحريم من حيث الرفق بالناس في حملهم على مفارقة شيء ~~افتتنوا بمحبته . # ( 8 ) إنساء شريعة بمعنى بقائها غير منسوخة إلى أمد معلوم مع الإتيان ~~بخير منها أي أوسع وأعم مصلحة وأكثر PageV01P660 ثوابا لكن في أمة أخرى أو ~~بمثلها كذلك . # ( 9 ) إنساء آية من القرآن بمعنى بقائها غير منسوخة إلى أمد معلوم مع ~~الإتيان بخير منها في باب آخر أي أعم مصلحة أو بمثلها في باب آخر أي مثلها ~~مصلحة أو ثوابا مثل تحريم الخمر في وقت الصلوات وينزل في تلك المدة تحريم ~~البيع في وقت صلاة الجمعة . # ( 10 ) نسيان شريعة بمعنى اضمحلالها كشريعة آدم ونوح مع مجيء شريعة موسى ~~وهي أفضل وأوسع وشريعة إدريس مثلا وهي مثل شريعة ms0705 نوح . # ( 11 ) نسيان حكم شريعة مع مجيء خير منه أو مثله ، كان فيما نزل عشر ~~رضعات معلومات يحرمن فنسخن بخمس معلومات ثم نسيا معا وجاءت آية { وأخواتكم ~~من الرضاعة } ( النساء : 23 ) على الإطلاق والكل متماثل في إثبات الرضاعة ~~ولا مشقة على المكلفين في رضعة أوعشر لقرب المقدار . # وقيل : المراد من النسيان الترك وهو حينئذ يرجع معناه وصوره إلى معنى ~~وصور الإنساء بمعنى التأخير . # والمقصد من قوله تعالى : { نأت بخير منها أو مثلها } إظهار منتهى الحكمة ~~والرد عليهم بأنهم لا يهمهم أن تنسخ شريعة بشريعة أو حكم في شريعة بحكم آخر ~~ولا يقدح ذلك في علم الله تعالى ولا في حكمته ولا ربوبيته لأنه ما نسخ شرعا ~~أو حكما ولا تركه إلا وهو قد عوض الناس ما هو أنفع لهم منه حينئذ أو ما هو ~~مثله من حيث الوقت والحال ، وما أخر حكما في زمن ثم أظهره بعد ذلك إلا وقد ~~عوض الناس في إبان تأخيره ما يسد مسده بحسب أحوالهم ، وذلك مظهر الربوبية ~~فإنه يرب الخلق ويحملهم على مصالحهم مع الرفق بهم والرحمة ، ومراد الله ~~تعالى في تلك الأزمنة والأحوال كلها واحد وهو حفظ نظام العالم وضبط تصرف ~~الناس فيه على وجه يعصم أحوالهم من الاختلال بحسب العصور والأمم والأحوال ~~إلى أن جاء بالشريعة الخاتمة وهي مراد الله تعالى من الناس ولذلك قال : { ~~إن الدين عند الله الإسلام } ( آل عمران : 19 ) وقال أيضا : { شرع لكم من ~~الدين ما وصى به نوحا } ( الشورى : 13 ) الآية . # والظاهر أن الإتيان بخير أو بمثل راجع إلى كل من النسخ والإنساء فيكون ~~الإتيان بخير من المنسوخة أو المنساة أو بمثلها وليس الكلام من اللف والنشر ~~. فقوله تعالى : { نأت بخير منها أو مثلها } هو إما إتيان تعويض أو إتيان ~~تعزيز . وتوزيع هذا PageV01P661 الضابط على الصور المتقدمة غير عزيز . ~~والمعنى أنا لم نترك الخلق في وقت سدى ، وأن ليس في النسخ ما يتوهم منه ~~البداء . # وفي الآية إيجاز بديع في التقسيم قد جمع هاته الصور التي سمعتموها ms0706 وصورا ~~تنشق منها لا أسألكموها لأنه ما فرضت منها صورة بعد هذا إلا عرفتموها . # ومما يقف منه الشعر ولا ينبغي أن يوجه إليه النظر ما قاله بعض المفسرين ~~في قوله تعالى : { ننسها } أنه إنساء الله تعالى المسلمين للآية أو للسورة ~~، أي إذهابها عن قلوبهم أو إنساؤه النبيء صلى الله عليه وسلم إياها فيكون ~~نسيان الناس كلهم لها في وقت واحد دليلا على النسخ واستدلوا لذلك بحديث ~~أخرجه الطبراني بسنده إلى ابن عمر قال ( قرأ رجلان سورة أقرأهما إياها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقاما ذات ليلة يصليان فلم يقدرا منها على حرف ~~فغديا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرا ذلك له فقال لهما : ( إنها ~~مما نسخ وأنسي فالهوا عنها ) . قال ابن كثير هذا الحديث في سنده سليمان بن ~~أرقم وهو ضعيف وقال ابن عطية هذا حديث منكر أغرب به الطبراني وكيف خفي مثله ~~على أئمة الحديث . والصحيح أن نسيان النبيء ما أراد الله نسخه ولم يرد أن ~~يثبته قرآنا جائز ، أي لكنه لم يقع فأما النسيان الذي هو آفة في البشر ~~فالنبيء معصوم عنه قبل التبليغ ، وأما بعد التبليغ وحفظ المسلمين له فجائز ~~وقد روي أنه أسقط آية من سورة في الصلاة فلما فرغ قال لأبي لم لم تذكرني ~~قال حسبت أنها رفعت قال : لا ولكني نسيتها اه . # والحق عندي أن النسيان العارض الذي يتذكر بعده جائز ولا تحمل عليه الآية ~~لمنافاته لظاهر قوله : { نأت بخير منها أو مثلها } وأما النسيان المستمر ~~للقرآن فأحسب أنه لا يجوز . وقوله تعالى : { سنقرئك فلا تنسى } ( الأعلى : ~~6 ) دليل عليه وقوله : { إلا ما شاء الله } ( الأعلى : 7 ) هو من باب ~~التوسعة في الوعد وسيأتي بيان ذلك في سورة الأعلى . وأما ما ورد في ( صحيح ~~مسلم ) عن أنس قال : كنا نقرأ سورة نشبهها في الطول ببراءة فانسيتها غير ~~أني حفظت منها لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى لهما ثالثا وما يملأ ~~جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من ms0707 تاب اه . فهو غريب وتأويله أن ~~هنالك سورة نسخت قراءتها وأحكامها ، ونسيان المسلمين لما نسخ لفظه من ~~القرآن غير عجيب على أنه حديث غريب اه . # وقد دلت هذه الآية على أن النسخ واقع ، وقد اتفق علماء الإسلام على جواز ~~النسخ ووقوعه ولم يخالف في ذلك إلا أبو مسلم الأصفهاني محمد بن بحر فقيل : ~~إن خلافه لفظي وتفصيل PageV01P662 الأدلة في كتب أصول الفقه . # وقد قسموا نسخ أدلة الأحكام ومدلولاتها إلى أقسام : نسخ التلاوة والحكم ~~معا وهو الأصل ومثلوه بما روى عن أبي بكر كان فيما أنزل لا ترغبوا عن ~~آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم ، ونسخ الحكم وبقاء التلاوة وهذا ~~واقع لأن إبقاء التلاوة يقصد منه بقاء الإعجاز ببلاغة الآية ومثاله آية : { ~~إن يكن منكم عشرون صابرون } ( الأنفال : 65 ) إلى آخر الآيات . ونسخ ~~التلاوة وبقاء الحكم ومثلوه بما روي عن عمر : كان فيما يتلى الشيخ والشيخة ~~إذا زنيا فارجموهما وعندي أنه لا فائدة في نسخ التلاوة وبقاء الحكم وقد ~~تأولوا قول عمر كان فيما يتلى أنه كان يتلى بين الناس تشهيرا بحكمه . وقد ~~كان كثير من الصحابة يرى أن الآية إذا نسخ حكمها لا تبقى كتابتها في المصحف ~~ففي البخاري في التفسير قال ابن الزبير قلت لعثمان : { والذين يتوفون منكم ~~ويذرون أزواجا } ( البقرة : 234 ) نسختها الآية الأخرى فلم تكتبها قال : يا ~~ابن أخي لا أغير شيئا منه من مكانه . # # | 2 ( 107 ) { ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض وما لكم من دون ~~الله من ولي ولا نصير } . ) 2 # مسوق لبيان حكمة النسخ والإتيان بالخير والمثل بيانا غير مفصل على طريقة ~~الأسلوب الحكيم ، وذلك أنه بعد أن فرغ من التنبيه على أن النسخ الذي ~~استبعدوه وتذرعوا به لتكذيب الرسول هو غير مفارق لتعويض المنسوخ بخير منه ~~أو مثله أو تعزيز المبقى بمثله أريد أن ينتقل من ذلك إلى كشف ما بقي من ~~الشبهة وهي أن يقول المنكر وما هي الفائدة في النسخ حتى يحتاج للتعويض ؟ ~~وكان مقتضى الظاهر أن ms0708 يتصدى لبيان اختلاف المصالح ومناسبتها للأحوال ~~والأعصار ولبيان تفاصيل الخيرية والمثلية في كل ناسخ ومنسوخ . ولما كان ~~التصدي لذلك أمرا لم تتهيأ له عقول السامعين لعسر إدراكهم مراتب المصالح ~~وتفاوتها ، لأن ذلك مما يحتاج إلى تأصيل قواعد من أصول شرعية وسياسية ، عدل ~~بهم عن بيان ذلك وأجملت لهم المصلحة بالحوالة على قدرة الله تعالى التي لا ~~يشذ عنها ممكن مراد ، وعلى سعة ملكه المشعر بعظيم علمه ، وعلى حاجة ~~المخلوقات إليه إذ ليس لهم رب سواه ولا ولي دونه وكفى بذلك دليلا على أنه ~~يحملهم PageV01P663 على مصالحهم في سائر الأحوال . ومما يزيد هذا العدول ~~توجيها أن التصدي للبيان يفتح باب الجدال في إثبات المصلحة وتفاوت ذلك بحسب ~~اختلاف القرائح والفهوم . # ولأن أسباب التشريع والنسخ أقسام ، منه ما ظهر وجهه بالنص فيمكن إفهامهم ~~إياه نحو قوله : { إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العدواة والبغضاء في ~~الخمر والميسر } ( المائدة : 91 ) الآية بعد قوله : { لا تقربوا الصلاة ~~وأنتم سكارى } ( النساء : 43 ) الآية ونحو { وعلم أن فيكم ضعفا } ( الأنفال ~~: 66 ) الآية . ومنها ما يعسر إفهامهم إياه لأنه يحتاج إلى علم وتفصيل من ~~شأن المشرعين وعلماء الأصول كالأشياء التي عرفت بالقياس وأصول التشريع . ~~ومنها ما لم يطلع على حكمته في ذلك الزمان أو فيما يليه ، ولما كان معظم ~~هاته التفاصيل يعسر أو يتعذر إفهامهم إياه وقع العدول المذكور . ولكون هاته ~~الجملة تتنزل منزلة البيان للأولى فصلت عنها . # والخطاب في { تعلم } ليس مرادا منه ظاهره الواحد وهو النبيء صلى الله ~~عليه وسلم بل هو إما خطاب لغير معين خارج على طريقة المجاز بتشبيه من ليس ~~حاضرا للخطاب وهو الغائب منزلة المخاطب في كونه بحيث يصير مخاطبا لشهرة هذا ~~الأمر والمقصد من ذلك ليعم كل مخاطب صالح له وهو كل من يظن به أو يتوهم منه ~~أنه لا يعلم أن الله على كل شيء قدير ولو بعدم جريانه على موجب علمه ، وإلى ~~هذه الطريقة مال القطب والطيبي من شراح ( الكشاف ) وعليها يشمل هذا الخطاب ~~ابتداء اليهود والمشركين ومن ms0709 عسى أن يشتبه عليه الأمر وتروج عليه الشبهة من ~~ضعفاء المسلمين ، أما غيرهم فغني عن التقرير في الظاهر وإنما أدخل فيه ~~ليسمع غيره . # وإما مراد به ظاهره وهو الواحد فيكون المخاطب هوالنبيء صلى الله عليه ~~وسلم لكن المقصود منه المسلمون فينتقل من خطاب النبيء إلى مخاطبة أمته ~~انتقالا كنائيا لأن علم الأمة من لوازم علم الرسول من حيث إنه رسول لزوما ~~عرفيا فكل حكم تعلق به بعنوان الرسالة فالمراد منه أمته لأن ما يثبت له من ~~المعلومات في باب العقائد والتشريع فهو حاصل لهم فتارة يراد من الخطاب توجه ~~مضمون الخطاب إليه ولأمته وتارة يقصد منه توجه المضمون لأمته فقط على قاعدة ~~الكناية في جواز إرادة المعنى الأصلي مع الكنائي ، وههنا لا يصلح توجه ~~المضمون للرسول لأنه لا يقرر على الاعتراف بأن الله على كل شيء قدير فضلا ~~عن أن ينكر عنه وإنما التقرير للأمة ، والمقصد من تلك الكناية التعريض ~~باليهود . وإنما سلك هذا الطريق PageV01P664 دون أن يؤتى بضمير الجماعة ~~المخاطبين لما في سلوك طريق الكناية من البلاغة والمبالغة مع الإيجاز في ~~لفظ الضمير . # والاستفهام تقريري على الوجهين وهو شأن الاستفهام الداخل على النفي كما ~~تقدم عند قوله : { ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض } ( البقرة : ~~33 ) أي إنكم تعلمون أن الله قدير وتعلمون أنه مالك السماوات والأرض بما ~~يجري فيهما من الأحوال ، فهو ملكه أيضا فهو يصرف الخلق كيف يشاء . وقد أشار ~~في ( الكشاف ) إلى أنه تقريري وصرح به القطب في ( شرحه ) ولم يسمع في كلام ~~العرب استفهام دخل على النفي إلا وهو مراد به التقرير . # وقوله : { ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض } قال البيضاوي : هو ~~متنزل من الجملة التي قبله منزلة الدليل لأن الذي يكون له ملك السماوات ~~والأرض لا جرم أن يكون قديرا على كل شيء ولذا فصلت هذه الجملة عن التي ~~قبلها . وعندي أن موجب الفصل هو أن هاته الجملة بمنزلة التكرير للأولى لأن ~~مقام التقرير ومقام التوبيخ كلاهما مقام تكرير لما به ms0710 التقرير والإنكار ~~تعديدا على المخاطب . # # | 2 ( 108 ) { أم تريدون أن تسئلوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن يتبدل ~~الكفر بالإيمان فقد ضل سوآء السبيل } . ) 2 # ( أم ) حرف عطف مختص بالاستفهام وما في معناه وهو التسوية فإذا عطفت أحد ~~مفردينن مستفهما عن تعيين أحدهما استفهاما حقيقيا أو مسوى بينهما في احتمال ~~الحصول فهي بمعنى ( أو ) العاطفة ويسميها النحاة متصلة ، وإذا وقعت عاطفة ~~جملة دلت على انتقال من الكلام السابق إلى استفهام فتكون بمعنى بل ~~الانتقالية ويسميها النحاة منقطعة والاستفهام ملازم لما بعدها في الحالين . ~~وهي هنا منقطعة لا محالة لأن الاستفهامين اللذين قبلها في معنى الخبر ~~لأنهما للتقرير كما تقدم إلا أن وقوعهما في صورة الاستفهام ولو للتقرير ~~يحسن موقع ( أم ) بعدهما كما هو الغالب والاستفهام الذي بعدهما هنا إنكار ~~وتحذير ، والمناسبة في هذا الانتقال تامة فإن التقرير PageV01P665 الذي ~~قبلها مراد منه التحذير من الغلط وأن يكونوا كمن لا يعلم والاستفهام الذي ~~بعدها مراد منه التحذير كذلك والمحذر منه في الجميع مشترك في كونه من أحوال ~~اليهود المذمومة ولا يصح كون ( أم ) هنا متصلة لأن الاستفهامين اللذين ~~قبلها ليسا على حقيقتهما لا محالة كما تقدم . # وقد جوز القزويني في ( الكشف على الكشاف ) كون ( أم ) هنا متصلة بوجه ~~مرجوح وتبعه البيضاوي وتكلفا لذلك مما لايساعد استعمال الكلام العربي ، ~~وأفرط عبد الحكيم في ( حاشية البيضاوي ) فزعم أن حملها على المتصلة أرجح ~~لأنه الأصل لا سيما مع اتحاد فاعل الفعلين المتعاطفين بأم ولدلالته على ~~أنهم إذا سألوا سؤال قوم موسى فقد علموا أن الله على كل شيء قدير وإنما ~~قصدوا التعنت وكان الجميع في غفلة عن عدم صلوحية الاستفهامين السابقين ~~للحمل على حقيقة الاستفهام . # وقوله : { تريدون } خطاب للمسلمين لا محالة بقرينة قوله : { رسولكم } ~~وليس كونه كذلك بمرجح كون الخطابين اللذين قبله متوجهين إلى المسلمين لأن ~~انتقال الكلام بعد ( أم ) المنقطعة يسمح بانتقال الخطاب . # وقوله : { تريدون } يؤذن بأن السؤال لم يقع ولكنه ربما جاش في نفوس بعضهم ~~أو ربما أثارته في نفوسهم شبه اليهود ms0711 في إنكارهم النسخ وإلقائهم شبهة ~~البداء ونحو ذلك مما قد يبعث بعض المسلمين على سؤال النبيء صلى الله عليه ~~وسلم # وقوله : { كما سئل موسى } تشبيه وجهه أن في أسئلة بني إسرائيل موسى كثيرا ~~من الأسئلة التي تفضي بهم إلى الكفر كقولهم : { اجعل لنا إلاها كما لهم ~~آلهة } ( الأعراف : 138 ) أو من العجرفة كقولهم : { لن نؤمن لك حتى نرى ~~الله جهرة } ( البقرة : 55 ) فيكون التحذير من تسلسل الأسئلة المفضي إلى ~~مثل ذلك . ويجوز كونه راجعا إلى أسئلة بني إسرائيل عما لا يعنيهم وعما يجر ~~لهم المشقة كقولهم { ما لونها } ( البقرة : 69 ) و { ماهي } ( البقرة : 7 ) ~~. # قال الفخر : إن المسلمين كانوا يسألون النبيء صلى الله عليه وسلم عن أمور ~~لا خير لهم في البحث عنها ليعلموها كما سأل اليهود موسى اه . وقد ذكر غيره ~~أسبابا أخرى للنزول ، منها : أن المسلمين سألوا النبيء صلى الله عليه وسلم ~~في غزوة خيبر لما مروا بذات الأنواط التي كانت للمشركين أن يجعل لهم مثلها ~~ونحو هذا مما هو مبني على أخبار ضعيفة ، وكل ذلك تكلف لما لا حاجة إليه فإن ~~الآية مسوقة مساق الإنكار التحذيري بدليل قوله : { تريدون } قصدا للوصاية ~~بالثقة بالله ورسوله والوصاية والتحذير لا يقتضيان PageV01P666 وقوع الفعل ~~بل يقتضيان عدمه . والمقصود التحذير من تطرق الشك في صلاحية الأحكام ~~المنسوخة قبل نسخها لا في صلاحية الأحكام الناسخة عند وقوعها . # وقوله : { ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل } تذييل للتحذير ~~الماضي للدلالة على أن المحذر منه كفر أو يفضي إلى الكفر لأنه ينافي حرمة ~~الرسول والثقة به وبحكم الله تعالى ، ويحتمل أن المراد بالكفر أحوال أهل ~~الكفر أي لا تتبدلوا بآدابكم تقلد عوائد أهل الكفر في سؤالهم كما قال صلى ~~الله عليه وسلم في حديث ( الصحيحين ) : ( فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة ~~مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم ) وإطلاق الكفر على أحوال أهله وإن لم تكن ~~كفرا شائع في ألفاظ الشريعة وألفاظ السلف كما قالت جميلة بنت عبد الله بن ~~أبي زوجة ثابت بن قيس : ( إني أكره ms0712 الكفر ) تريد الزنا ، فإذن ذكر جملة بعد ~~جملة يؤذن بمناسبة بين الجملتين فإذا لم يكن مدلول الجملتين واضح التناسب ~~علم المخاطب أن هنالك مناسبة يرمز إليها البليغ فهنا تعلم أن الارتداد عن ~~الإيمان إلى الكفر معنى كلي عام يندرج تحته سؤالهم الرسول كما سأل بنو ~~إسرائيل موسى فتكون تلك القضية كفرا وهو المقصود من التذييل المعرف في باب ~~الإطناب بأنه تعقيب الجملة بجملة مشتملة على معناها تتنزل منزلة الحجة على ~~مضمون الجملة وبذلك يحصل تأكيد معنى الجملة الأولى وزيادة فالتذييل ضرب من ~~ضروب الإطناب من حيث يشتمل على تقرير معنى الجملة الأولى ويزيد عليه بفائدة ~~جديدة لها تعلق بفائدة الجملة الأولى . وأبدعه ما أخرج مخرج الأمثال لما ~~فيه من عموم الحكم ووجيز اللفظ مثل هاته الآية ، وقول النابغة : # ولست بمستبقق أخا لا تلمه # على شعث أي الرجال المهذب # والمؤكد بجملة : { ومن يتبدل الكفر بالإيمان } هو مفهوم جملة { أم تريدون ~~أن تسألوا رسولكم } مفهوم الجملة التي قبلها لا منطوقها فهي كالتذييل الذي ~~في بيت النابغة . والقول في تعدية فعل { يتبدل } مضى عند قوله تعالى : { ~~قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير } ( البقرة : 61 ) . # وقد جعل قوله : { فقد ضل } جوابا لمن الشرطية لأن المراد من الضلال أعظمه ~~وهو الحاصل عقب تبدل الكفر بالإيمان ولا شبهة في كون الجواب مترتبا على ~~الشرط ولا يريبك في ذلك وقوع جواب الشرط فعلا ماضيا مع أن الشرط إنما هو ~~تعليق على المستقبل ولا اقتران الماضي بقد الدالة على تحقق المضي لأن هذا ~~استعمال عربي جيد يأتون بالجزاء ماضيا لقصد PageV01P667 الدلالة على شدة ~~ترتب الجزاء على الشرط وتحقق وقوعه معه حتى إنه عند ما يحصل مضمون الشرط ~~يكون الجزاء قد حصل فكأنه حاصل من قبل الشرط نحو : { ومن يحلل عليه غضبي ~~فقد هوى } ( طه : 81 ) وعلى مثل هذا يحمل كل جزاء جاء ماضيا فإن القرينة ~~عليه أن مضمون الجواب لا يحصل إلا بعد حصول الشرط وهم يجعلون قد علامة على ~~هذا القصد ولهذا قلما خلا جواب ms0713 ماض لشرط مضارع إلا والجواب مقترن بقد حتى ~~قيل : إن غير ذلك ضرورة ولم يقع في القرآن كما نص عليه الرضي بخلافه مع قد ~~فكثير في القرآن . # وقد يجعلون الجزاء ماضيا مريدين أن حصول مضمون الشرط كاشف عن كون مضمون ~~الجزاء قد حصل أو قد تذكره الناس نحو { إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل } ( ~~يوسف : 77 ) وعليه فيكون تحقيق الجزاء في مثله هو ما يتضمنه الجواب من معنى ~~الانكشاف أو السبق أو غيرهما بحسب المقامات قبل أن يقدر فلا تعجب إذ قد سرق ~~أخ له ويمكن تخريج هذه الآية على ذلك بأن يقدر ومن يتبدل الكفر بالإيمان ~~فالسبب فيه أنه قد كان ضل سواء السبيل حتى وقع في الارتداد كما تقول من وقع ~~في المهواة فقد خبط خبط عشواء إن أريد بالماضي أنه حصل وأريد بالضلال ما حف ~~بالمرتد من الشبهات والخذلان الذي أوصله إلى الارتداد وهو بعيد من غرض ~~الآية . # والسواء الوسط من كل شيء قال بلعاء بن قيس : # غشيته وهو في جأواء باسلة # عضبا أصاب سواء الرأس فانفلقا # ووسط الطريق هو الطريق الجادة الواضحة لأنه يكون بين بنيات الطريق التي ~~لا تنتهي إلى الغاية . # PageV01P668 # | 2 ( 109 ، 110 ) { لله ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد ~~إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا ~~حتى يأتى الله بأمره إن الله على كل شىء قدير * وأقيموا الصلواة وءاتوا ~~الزكواة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله إن الله بما تعملون بصير ~~} . ) 2 # مناسبته لما قبله أن ما تقدم إخبار عن حسد أهل الكتاب وخاصة اليهود منهم ~~، وآخرتها شبهة النسخ ، فجيء في هذه الآية بتصريح بمفهوم قوله : { ما يود ~~الذين كفروا من أهل الكتاب } ( البقرة : 105 ) الآية لأنهم إذا لم يودوا ~~مجيء هذا الدين الذي اتبعه المسلمون فهم يودون بقاء من أسلم على كفره ~~ويودون أن يرجع بعد إسلامه إلى الكفر . وقد استطرد بينه وبين الآية السابقة ~~بقوله : { ما ننسخ ms0714 } ( البقرة : 106 ) الآيات للوجوه المتقدمة ، فلأجل ذلك ~~فصلت هاته الجملة لكونها من الجملة التي قبلها بمنزلة البيان إذ هي بيان ~~لمنطوقها ولمفهومها . وفي ( تفسير ابن عطية ) و ( الكشاف ) و ( أسباب ~~النزول ) للواحدي أن حذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر أتيا بيت المدراس وفيه ~~فنحاص بن عازوراء وزيد بن قيس وغيرهما من اليهود فقالوا لحذيفة وعمار : ( ~~ألم تروا ما أصابكم يوم أحد ولو كنتم على الحق ما هزمتم فارجعوا إلى ديننا ~~فهو خير ونحن أهدى منكم ) فردا عليهم وثبتا على الإسلام . # والود تقدم في الآية السالفة . # وإنما أسند هذا الحكم أي الكثير منهم وقد أسند قوله : { ما يود الذين ~~كفروا من أهل الكتاب } ( البقرة : 105 ) إلى جميعهم لأن تمنيهم أن لا ينزل ~~دين إلى المسلمين يستلزم تمنيهم أن يتبع المشركون دين اليهود أو النصارى ~~حتى يعم ذلك الدين جميع بلاد العرب فلما جاء الإسلام شرقت لذلك صدورهم ~~جميعا فأما علماؤهم وأحبارهم فخابوا وعلموا أن ما صار إليه المسلمون خير ~~مما كانوا عليه من الإشراك لأنهم صاروا إلى توحيد الله والإيمان بأنبيائه ~~ورسله وكتبه وفي ذلك إيمان بموسى وعيسى وإن لم يتبعوا ديننا ، فهم لا يودون ~~رجوع المسلمين إلى الشرك القديم لأن في مودة ذلك تمني الكفر وهو رضي به . ~~وأما عامة اليهود وجهلتهم فقد بلغ بهم الحسد والغيظ PageV01P669 إلى مودة ~~أن يرجع المسلمون إلى الشرك ولا يبقوا على هذه الحالة الحسنة الموافقة لدين ~~موسى في معظمه نكاية بالمسلمين وبالنبيء صلى الله عليه وسلم قال تعالى : { ~~ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون ~~للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا } ( النساء : 51 ) وفي هذا ~~المعنى المكتنز ما يدلكم على وجه التعبير ب { يردونكم } دون لو كفرتم ليشار ~~إلى أن ودادتهم أن يرجع المسلمون إلى الشرك لأن الرد إنما يكون إلى أمر ~~سابق ولو قيل لو كفرتم لكان فيه بعض العذر لأهل الكتاب لاحتماله أنهم يودون ~~مصير المسلمين إلى اليهودية . وبه يظهر وجه مجيء { كفارا } معمولا لمعمول ms0715 { ~~ود كثير } ليشار إلى أنهم ودوا أن يرجع المسلمون كفارا بالله أي كفارا كفرا ~~متفقا عليه حتى عند أهل الكتاب وهو الإشراك فليس ذلك من التعبير عن ما صدق ~~ما ودوه بل هو من التعبير عن مفهوم ما ودوه ، وبه يظهر أيضا وجه قوله تعالى ~~: { من بعد ما تبين لهم الحق } فإنه تبين أن ما عليه المسلمون حق من جهة ~~التوحيد والإيمان بالرسل بخلاف الشرك ، أو من بعد ما تبين لهم صدق رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عندهم إذا كان المراد بالكثير منهم خاصة علمائهم ~~والله مطلع عليهم . # و { لو } هنا بمعنى أن المصدرية ولذلك يؤول ما بعدها بمصدر . # و { حسدا } حال من ضمير { ود } أي إن هذا الود لا سبب له إلا الحسد لا ~~الرغبة في الكفر . # وقوله : { من عند أنفسهم } جيء فيه بمن الابتدائية للإشارة إلى تأصل هذا ~~الحسد فيهم وصدوره عن نفوسهم . وأكد ذلك بكلمة ( عند ) الدالة على ~~الاستقرار ليزداد بيان تمكنه وهو متعلق بحسدا لا بقوله : { ود } . # وإنما أمر المسلمون بالعفو والصفح عنهم في هذا الموضع خاصة لأن ما حكى عن ~~أهل الكتاب هنا مما يثير غضب المسلمين لشدة كراهيتهم للكفر قال تعالى : { ~~وكره إليكم الكفر } ( الحجرات : 7 ) فلا جرم أن كان من يود لهم ذلك يعدونه ~~أكبر أعدائهم فلما كان هذا الخبر مثيرا للغضب خيف أن يفتكوا باليهود وذلك ~~ما لا يريده الله منهم لأن الله أراد منهم أن يكونوا مستودع عفو وحلم حتى ~~يكونوا قدوة في الفضائل . PageV01P670 # والعفو ترك عقوبة المذنب . والصفح بفتح الصاد مصدر صفح صفحا إذا أعرض لأن ~~الإنسان إذا أعرض عن شيء ولاه من صفحة وجهه ، وصفح وجهه أي جانبه وعرضه وهو ~~مجاز في عدم مواجهته بذكر ذلك الذنب أي عدم لومه وتثريبه عليه وهو أبلغ من ~~العفو كما نقل عن الراغب ولذلك عطف الأمر به على الأمر بالعفو لأن الأمر ~~بالعفو لا يستلزمه ولم يستغن باصفحوا لقصد التدريج في أمرهم بما قد يخالف ~~ما تميل إليه أنفسهم من الانتقام ms0716 تلطفا من الله مع المسلمين في حملهم على ~~مكارم الأخلاق . # وقوله : { حتى يأتي الله بأمره } أي حتى يجيء ما فيه شفاء غليلكم قيل هو ~~إجلاء بني النضير وقتل قريظة ، وقيل الأمر بقتال الكتابيين أو ضرب الجزية . # والظاهر أنه غاية مبهمة للعفو والصفح تطمينا لخواطر المأمورين حتى لا ~~ييأسوا من ذهاب أذى المجرمين لهم بطلا وهذا أسلوب مسلوك في حمل الشخص على ~~شيء لا يلائمه كقول الناس حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا فإذا جاء أمر الله ~~بترك العفو انتهت الغاية ، ومن ذلك إجلاء بني النضير . # ولعل في قوله : { إن الله على كل شيء قدير } تعليما للمسلمين فضيلة العفو ~~أي فإن الله قدير على كل شيء وهو يعفو ويصفح وفي الحديث الصحيح ( لا أحد ~~أصبر على أذى يسمعه من الله عز وجل يدعون له ندا وهو يرزقهم ) ، أو أراد ~~أنه على كل شيء قدير فلو شاء لأهلكهم الآن ولكنه لحكمته أمركم بالعفو عنهم ~~وكل ذلك يرجع إلى الائتساء بصنع الله تعالى وقد قيل : إن الحكمة كلها هي ~~التشبه بالخالق بقدر الطاقة البشرية . فجملة { إن الله على كل شيء قدير } ~~تذييل مسوق مساق التعليل ، وجملة { فاعفوا واصفحوا } إلى قوله : { وقالوا ~~لن يدخل } ( البقرة : 111 ) تفريع مع اعتراض فإن الجملة المعترضة هي ~~الواقعة بين جملتين شديدتي الاتصال من حيث الغرض المسوق له الكلام ~~والاعتراض هو مجيء ما لم يسق غرض الكلام له ولكن للكلام والغرض به علاقة ~~وتكميلا وقد جاء التفريع بالفاء هنا في معنى تفريع الكلام على الكلام لا ~~تفريع معنى المدلول على المدلول لأن معنى العفو لا يتفرع عن ود أهل الكتاب ~~ولكن الأمر به تفرع عن ذكر هذا الود الذي هو أذى وتجيء الجملة المعترضة ~~بالواو وبالفاء بأن يكون المعطوف اعتراضا . وقد جوزه صاحب ( الكشاف ) عند ~~قوله تعالى : { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } في سورة النحل ( 43 ~~) ، وجوزه ابن هشام في ( مغني اللبيب ) واحتج له PageV01P671 بقوله تعالى : ~~{ فالله أولى بهما } ( النساء : 135 ) على قول ونقل بعض تلامذة الزمخشري ms0717 ~~أنه سئل عن قوله تعالى في سورة عبس ( 11 13 ) { إنها تذكرة فمن شاء ذكره في ~~صحف مكرمة } أنه قال لا يصح أن تكون جملة { فمن شاء ذكره } اعتراضا لأن ~~الاعتراض لا يكون مع الفاء ورده صاحب ( الكشاف ) بأنه لا يصح عنه لمنافاته ~~كلامه في آية سورة النحل . # وقوله تعالى : { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } أريد به الأمر بالثبات ~~على الإسلام فإن الصلاة والزكاة ركناه فالأمر بهما يستلزم الأمر بالدوام ~~على ما أنتم عليه على طريق الكناية . # وقوله : { وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله } مناسب للأمر ~~بالثبات على الإسلام وللأمر بالعفو والصفح . وفيه تعريض باليهود بأنهم لا ~~يقدرون قدر عفوكم وصفحكم ولكنه لا يضيع عند الله ولذلك اقتصر على قوله : { ~~عند الله } قال الحطيئة : # من يفعل الخير لا يعدم جوائزه # لا يذهب العرف بين الله والناس # وقوله تعالى : { إن الله بما تعملون بصير } تذييل لما قبله . والبصير ~~العليم كما تقدم ، وهو كناية عن عدم إضاعة جزاء المحسن والمسيء لأن العليم ~~القدير إذا علم شيئا فهو يرتب عليه ما يناسبه إذ لا يذهله جهل ولا يعوزه ~~عجز ، وفي هذا وعد لهم يتضمن وعيدا لغيرهم لأنه إذا كان بصيرا بما يعمل ~~المسلمون كان بصيرا بما يعمل غيرهم . # # | 2 ( 111 ، 112 ) { وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك ~~أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين * بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن ~~فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } . ) 2 # عطف على { ود كثير } ( البقرة : 109 ) وما بينهما من قوله : { فاعفوا ~~واصفحوا } ( البقرة : 109 ) الآية اعتراض كما تقدم . # والضمير لأهل الكتاب كلهم من اليهود والنصارى بقرينة قوله بعده : { إلا ~~من كان هودا أو نصارى } . ومقول القول مختلف باختلاف القائل فاليهود قالت ~~لن يدخل الجنة إلا من كان هودا ، والنصارى قالت لن يدخل الجنة إلا من كان ~~نصارى ، جمع القرآن بين قوليهما على طريقة الإيجاز بجمع ما اشتركا فيه وهو ~~نفي دخول الجنة عن المستثنى منه ms0718 المحذوف لأجل تفريع الاستثناء ، ثم جاء ~~بعده تفريق ما اختص به كل فريق وهو قوله : { هودا أو نصارى } PageV01P672 ~~فكلمة ( أو ) من كلام الحاكي في حكايته وليست من الكلام المحكي فأوهنا ~~لتقسيم القولين ليرجع السامع كل قول إلى قائله ، والقرينة على أن ( أو ) ~~ليست من مقولهم المحكي أنه لو كان من مقولهم لاقتضى أن كلا الفريقين لا ثقة ~~له بالنجاة وأنه يعتقد إمكان نجاة مخالفه والمعلوم من حال أهل كل دين خلاف ~~ذلك فإن كلا من اليهود والنصارى لا يشك في نجاة نفسه ولا يشك في ضلال ~~مخالفه وهي أيضا قرينة على تعيين كل من خبري { كان } لبقية الجملة المشتركة ~~التي قالها كل فريق بإرجاع هودا إلى مقول اليهود وإرجاع نصارى إلى مقول ~~النصارى . فأو ههنا للتوزيع وهوضرب من التقسيم الذي هو من فروع كونها لأحد ~~الشيئين وذلك أنه إيجاز مركب من إيجاز الحذف لحذف المستثنى منه ولجمع ~~القولين في فعل واحد وهو { قالوا } ومن إيجاز القصر لأن هذا الحذف لما لم ~~يعتمد فيه على مجرد القرينة المحوجة لتقدير وإنما دل على المحذوف من ~~القولين بجلب حرف أو كانت ( أو ) تعبيرا عن المحذوف بأقل عبارة فينبغي أن ~~يعد قسما ثالثا من أقسام الإيجاز وهو إيجاز حذف وقصر معا . # وقد جعل القزويني في ( تلخيص المفتاح ) هاته الآية من قبيل اللف والنشر ~~الإجمالي أخذا من كلام ( الكشاف ) لقول صاحب ( الكشاف ) ( فلف بين القولين ~~ثقة بأن السامع يرد إلى كل فريق قوله وأمنا من الإلباس لما علم من التعادي ~~بين الفريقين ) فقوله : فلف بين القولين أراد به اللف الذي هو لقب للمحسن ~~البديعي المسمى اللف والنشر ولذلك تطلبوا لهذا اللف نشرا وتصويرا للف في ~~الآية من قوله { قالوا } : مع ما بينه وهو لف إجمالي يبينه نشره الآتي بعده ~~ولذلك لقبوه اللف الإجمالي . ثم وقع نشر هذا اللف بقوله : { إلا من كان ~~هودا أو نصارى } فعلم من حرف ( أو ) توزيع النشر إلى ما يليق بكل فريق من ~~الفريقين . وقال التفتزاني في { شرح المفتاح } جرى الاستعمال ms0719 في النفي ~~الإجمالي أن يذكر نشره بكلمة ( أو ) . # والهود جمع هائد أي متبع اليهودية وقد تقدم عند قوله تعالى : { إن الذين ~~آمنوا والذين هادوا } ( البقرة : 62 ) الآية وجمع فاعل على فعل غير كثير ~~وهو سماعي منه قولهم عوذ جمع عائذ وهي الحديثة النتاج من الظباء والخيل ~~والإبل ومنه أيضا عائط وعوط للمرأة التي بقيت سنين لم تلد ، وحائل وحول ، ~~وبازل وبزل ، وفاره وفره ، وإنما جاء هودا جمعا مع أنه خبر عن ضميره ( كان ~~) وهو مفرد لأن ( من ) مفردا لفظا ومراد به الجماعة فجرى ضميره على مراعاة ~~لفظه وجرى خبرا وضميرا على مراعاة المعنى . # والإشارة ب { تلك } إلى القولة الصادرة منهم { لن يدخل الجنة إلا من كان ~~PageV01P673 هودا أو نصارى } كما هوالظاهر فالإخبار عنها بصيغة الجمع إما ~~لأنها لما كانت أمنية كل واحد منهم صارت إلى أماني كثيرة وإما إرادة أن كل ~~أمانيهم كهذه ومعتادهم فيها فيكون من التشبيه البليغ . # والأماني تقدمت في قوله : { لا يعلمون الكتاب إلا أماني } ( البقرة : 78 ~~) وجملة { تلك أمانيهم } معترضة . # وقوله : { قل هاتوا برهانكم } أمر بأن يجابوا بهذا ولذلك فصله لأنه في ~~سياق المحاورة كما تقدم عند قوله : { قالوا أتجعل فيها } ( البقرة : 30 ) ~~الآية وأتى بإن المفيدة للشك في صدقهم مع القطع بعدم الصدق لاستدراجهم حتى ~~يعلموا أنهم غير صادقين حين يعجزون عن البرهان لأن كل اعتقاد لا يقيم ~~معتقده دليل اعتقاده فهو اعتقاد كاذب لأنه لو كان له دليل لاستطاع التعبير ~~عنه ومن باب أولى لا يكون صادقا عند من يريد أن يروج عليه اعتقاده . # و ( بلى ) إبطال لدعواهما . و ( بلي ) كلمة يجاب بها المنفي لإثبات نقيض ~~النفي وهو الإثبات سواء وقعت بعد استفهام عن نفي وهو الغالب أو بعد خبر ~~منفي نحو { أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه بلى } ( القيامة : 3 ، 4 ) ، ~~وقول أبي حية النميري : # يخبرك الواشون أن لن أحبكم # بلى وستور الله ذات المحارم # وقوله : { من أسلم } جملة مستأنفة عن ( بلى ) لجواب سؤال من يتطلب كيف ~~نقض نفي دخول الجنة عن غير ms0720 هذين الفريقين أريد بها بيان أن الجنة ليست حكرة ~~لأحد ولكن إنما يستحقها من أسلم إلخ لأن قوله : { فله أجره } هو في معنى له ~~دخول الجنة وهو جواب الشرط لأن ( من ) شرطية لا محالة . ومن قدر هنا فعلا ~~بعد ( بلى ) أي يدخلها من أسلم فإنما أراد تقدير معنى لا تقدير إعراب إذ لا ~~حاجة للتقدير هنا . # وإسلام الوجه لله هو تسليم الذات لأوامر الله تعالى أي شدة الامتثال لأن ~~أسلم بمعنى ألقى السلاح وترك المقاومة قال تعالى : { فإن حاجوك فقل أسلمت ~~وجهي لله ومن اتبعني } ( آل عمران : 20 ) . والوجه هنا الذات عبر عن الذات ~~بالوجه لأنه البعض الأشرف من الذات كما قال الشنفرى : # إذا قطعوا رأسي وفي الرأس أكثري PageV01P674 # ومن إطلاق الوجه على الذات قوله تعالى : { ويبقى وجه ربك ذو الجلال ~~والإكرام } ( الرحمن : 27 ) . وأطلق الوجه على الحقيقة تقول جاء بالأمر على ~~وجهه أي على حقيقته قال الأعشى : # وأول الحكم على وجهه # ليس قضاء بالهوى الجائر # ووجوه الناس أشرافهم ويجوز أن يكون ( أسلم ) بمعنى أخلص مشتقا من السلامة ~~أي جعله سالما ومنه { ورجلا سلما لرجل } ( الزمر : 29 ) . # وقوله : { وهو محسن } جيء به جملة حالية لإظهار أنه لا يغني إسلام القلب ~~وحده ولا العمل بدون إخلاص بل لا نجاة إلا بهما ورحمة الله فوق ذلك إذ لا ~~يخلو امرؤ عن تقصير . # وجمع الضمير في قوله : { ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } اعتبارا بعموم ( ~~من ) كما أفرد الضمير في قوله : { وجهه لله وهو محسن } اعتبارا بإفراد ~~اللفظ وهذا من تفنن العربية لدفع سآمة التكرار . # # | 2 ( 113 ) { وقالت اليهود ليست النصارى على شىء وقالت النصارى ليست ~~اليهود على شىء وهم يتلون الكتاب كذالك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم ~~فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون } . ) 2 # معطوف على قوله : { وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى } ( ~~البقرة : 111 ) لزيارة بيان أن المجازفة دأبهم وأن رمي المخالف لهم بأنه ~~ضال شنشنة قديمة فيهم فهم يرمون المخالفين بالضلال لمجرد ms0721 المخالفة ، فقديما ~~ما رمت اليهود النصارى بالضلال ورمت النصارى اليهود بمثله فلا تعجبوا من ~~حكم كل فريق منهم بأن المسلمين لا يدخلون الجنة ، وفي ذلك إنحاء على أهل ~~الكتاب وتطمين لخواطر المسلمين ودفع الشبهة عن المشركين بأنهم يتخذون من ~~طعن أهل الكتاب في الإسلام حجة لأنفسهم على مناوأته وثباتا على شركهم . # والمراد من القول التصريح بالكلام الدال فهم قد قالوا هذا بالصراحة حين ~~جاء وفد نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيهم أعيان دينهم من ~~النصارى فلما بلغ مقدمهم PageV01P675 اليهود أتوهم وهم عند النبيء صلى الله ~~عليه وسلم فناظروهم في الدين وجادلوهم حتى تسابوا فكفر اليهود بعيسى ~~وبالإنجيل وقالوا للنصارى ما أنتم على شيء فكفر وفد نجران بموسى وبالتوراة ~~وقالوا لليهود لستم على شيء . # وقولهم { على شيء } نكرة في سياق النفي والشيء الموجود هنا مبالغة أي ~~ليسوا على أمر يعتد به . فالشيء المنفي هو العرفي أو باعتبار صفة محذوفة ~~على حد قول عباس بن مرداس : # وقد كنت في الحرب ذا تدرا # فلم أعط شيئا ولم أمنع # أي لم أعط شيئا نافعا مغنيا بدليل قوله ولم أمنع ، وسئل رسول الله عن ~~الكهان فقال : ( ليسوا بشيء ) ، فالصيغة صيغة عموم والمراد بها في مجاري ~~الكلام نفي شيء يعتد به في الغرض الجاري فيه الكلام بحسب المقامات فهي ~~مستعملة مجازا كالعام المراد به الخصوص أي ليسوا على حظ من الحق فالمراد ~~هنا ليست على شيء من الحق وذلك كناية عن عدم صحة ما بين أيديهم من الكتاب ~~الشرعي فكل فريق من الفريقين رمى الآخر بأن ما عنده من الكتاب لاحظ فيه من ~~الخير كما دل عليه قوله بعده : { وهم يتلون الكتاب } فإن قوله : { وهم ~~يتلون الكتاب } جملة حالية جيء بها لمزيد التعجب من شأنهم أن يقولوا ذلك ~~وكل فريق منهم يتلون الكتاب وكل كتاب يتلونه مشتمل على الحق لو اتبعه أهله ~~حق اتباعه ، ولا يخلو أهل كتاب حق من أن يتبعوا بعض ما في كتابهم أو جل ما ~~فيه فلا يصدق قول ms0722 غيرهم أنهم ليسوا على شيء . # وجيء بالجملة الحالية لأن دلالتها على الهيئة أقوى من دلالة الحال ~~المفردة لأن الجملة الحالية بسبب اشتمالها على نسبة خبرية تفيد أن ما كان ~~حقه أن يكون خبرا عدل به عن الخبر لادعاء أنه معلوم اتصاف المخبر عنه به ~~فيؤتى به في موقع الحال المفردة على اعتبار التذكير به ولفت الذهن إليه ~~فصار حالا له . # وضمير قوله : { هم } عائد إلى الفريقين وقيل عائد إلى النصارى لأنهم أقرب ~~مذكور . # والتعريف في ( الكتاب ) جعله صاحب ( الكشاف ) تعريف الجنس وهو يرمي بذلك ~~إلى أن المقصود أنهم أهل علم كما يقال لهم أهل الكتاب في مقابلة الأميين ، ~~وحداه إلى ذلك قوله عقبه { كذلك قال الذين لا يعلمون } فالمعنى أنهم ~~تراجموا بالنسبة PageV01P676 إلى نهاية الضلال وهم من أهل العلم الذين لا ~~يليق بهم المجازفة ومن حقهم الإنصاف بأن يبينوا مواقع الخطأ عند مخالفيهم . # وجعل ابن عطية التعريف للعهد وجعل المعهود التوراة أي لأنها الكتاب الذي ~~يقرأه الفريقان . ووجه التعجيب على هذا الوجه أن التوراة هي أصل للنصرانية ~~والإنجيل ناطق بحقيتها فكيف يسوغ للنصارى ادعاء أنها ليست بشيء كما فعلت ~~نصارى نجران ، وأن التوراة ناطقة بمجيء رسل بعد موسى فكيف ساغ لليهود تكذيب ~~رسول النصارى . # وإذا جعل الضمير عائدا للنصارى خاصة يحتمل أن يكون المعهود التوراة كما ~~ذكرنا أو الإنجيل الناطق بأحقية التوراة وفي { يتلون } دلالة على هذا لأنه ~~يصير التعجب مشربا بضرب من الاعتذار أعني أنهم يقرأون دون تدبر وهدا من ~~التهكم وإلا لقال وهم يعلمون الكتاب وبهذا يتبين أن ليست هذه الآية واردة ~~للانتصار لأحد الفريقين أو كليهما . # وقوله : { كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم } أي يشبه هذا القول قول ~~فريق آخر غير الفريقين وهؤلاء الذين لا يعلمون هم مقابل الذين يتلون الكتاب ~~وأريد بهم مشركو العرب وهم لا يعلمون لأنهم أميون وإطلاق { الذين لا يعلمون ~~} على المشركين وارد في القرآن من ذلك قوله الآتي : { وقال الذين لا يعلمون ~~لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية } ( البقرة : 118 ) بدليل ms0723 قوله : { كذلك ~~قال الذين من قبلهم مثل قولهم } ( البقرة : 118 ) يعني كذلك قال اليهود ~~والنصارى ، والمعنى هنا أن المشركين كذبوا الأديان كلها اليهودية ~~والنصرانية والإسلام والمقصود من التشبيه تشويه المشبه به بأنه مشابه لقول ~~أهل الضلال البحت . # وهذا استطراد للإنحاء على المشركين فيما قابلوا به الدعوة الإسلامية ، أي ~~قالوا للمسلمين مثل مقالة أهل الكتابين بعضهم لبعض وقد حكى القرآن مقالتهم ~~في قوله : { إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء } ( الأنعام : 91 ) . # والتشبيه المستفاد من الكاف في { كذلك } تشبيه في الادعاء على أنهم ليسوا ~~على شيء والتقدير مثل ذلك القول الذي قالته اليهود والنصارى قال الذين لا ~~يعلمون ، ولهذا يكون لفظ { مثل قولهم } تأكيدا لما أفاده كاف التشبيه وهو ~~تأكيد يشير إلى أن المشابهة بين قول { الذين لا يعلمون } وبين قول اليهود ~~والنصارى مشابهة تامة لأنهم لما قالوا { ما أنزل الله على بشر من شيء } قد ~~كذبوا اليهود والنصارى والمسلمين . PageV01P677 # وتقديم الجار والمجرور على متعلقه وهو { قال } إما لمجرد الاهتمام ببيان ~~الماثلة وإما ليغني عن حرف العطف في الانتقال من كلام إلى كلام إيجازا ~~بديعا لأن مفاد حرف العطف التشريك ومفاد كاف التشبيه التشريك إذ التشبيه ~~تشريك في الصفة . ولأجل الاهتمام أو لزيادته أكد قوله { كذلك } بقوله { مثل ~~قولهم } فهو صفة أيضا لمعمول قالوا المحذوف أي قالوا مقولا مثل قولهم . ولك ~~أن تجعل { كذلك } تأكيدا لمثل قولهم وتعتبر تقديمه من تأخير ، والأول أظهر ~~. # وجوز صاحب ( الكشف ) وجماعة أن لا يكون قوله : { مثل قولهم } أو قوله : { ~~كذلك } تأكيدا للآخر وأن مرجع التشبيه إلى كيفية القول ومنهجه في صدوره عن ~~هوى ، ومرجع المماثلة إلى المماثلة في اللفظ فيكون على كلامه تكريرا في ~~التشبيه من جهتين للدلالة على قوة التشابه . # وقوله : { فالله يحكم بينهم } الآية ، جاء بالفاء لأن التوعد بالحكم ~~بينهم يوم القيامة وإظهار ما أكنته ضمائرهم من الهوى والحسد متفرع عن هذه ~~المقالات ومسبب عنها وهو خبر مراد به التوبيخ والوعيد والضمير المجرور ~~بإضافة ( بين ) راجع إلى الفرق الثلاث و ( ما ms0724 كانوا فيه يختلفون ) يعم ما ~~ذكر وغيره . والجملة تذييل . # # | 2 ( 114 ) { ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى فى ~~خرابهآ أولائك ما كان لهم أن يدخلوهآ إلا خآئفين لهم فى الدنيا خزى ولهم فى ~~الاخرة عذاب عظيم } . ) 2 # عطف على { وقالت اليهود ليست النصارى على شيء } ( البقرة : 113 ) باعتبار ~~ما سبق ذلك من الآيات الدالة على أفانين أهل الكتاب في الجراءة وسوء ~~المقالة أي إن قولهم هذا وما تقدمه ظلم ولا كظلم من منع مساجد الله وهذا ~~استطراد واقع معترضا بين ذكر أحوال اليهود والنصارى لذكر مساوىء المشركين ~~في سوء تلقيهم دعوة الإسلام الذي جاء لهديهم ونجاتهم . # والآية نازلة في مشركي العرب كما في رواية عطاء عن ابن عباس وهو الذي ~~يقتضيه قوله : { أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين } الآية كما سيأتي ~~وهي تشير إلى منع أهل مكة النبيء صلى الله عليه وسلم والمسلمين من الدخول ~~لمكة كما جاء في حديث سعد بن معاذ PageV01P678 حين دخل مكة خفية وقال له ~~أبو جهل : ألا أراك تطوف بالبيت آمنا وقد أويتم الصباء ، وتكرر ذلك في عام ~~الحديبية . # وقيل نزلت في بختنصر ملك أشور وغزوه بيت المقدس ثلاث غزوات أولاها في سنة ~~606 قبل المسيح زمن الملك يهوياقيم ملك اليهود سبى فيها جمعا من شعب ~~إسرائيل . والثانية بعد ثمان سنين سبى فيها رؤساء المملكة والملك يهواكين ~~بن يهوياقيم ونهب المسجد المقدس من جميع نفائسه وكنوزه . والثالثة بعد عشر ~~سنين في زمن الملك صدقيا فأسر الملك وسمل عينيه وأحرق المسجد الأقصى وجميع ~~المدينة وسبى جميع بني إسرائيل وانقرضت بذلك مملكة يهوذا وذلك سنة 578 قبل ~~المسيح وتسمى هذه الواقعة بالسبي الثالث فهو في كل ذلك قد منع مسجد بيت ~~المقدس من أن يذكر فيه اسم الله وتسبب في خرابه . # وقيل : نزلت في غزو طيطس الروماني لأورشليم سنة 79 قبل المسيح فخرب بيت ~~المقدس وأحرق التوراة وترك بيت المقدس خرابا إلى أن بناه المسلمون بعد فتح ~~البلاد الشامية . وعلى ms0725 هاتين الروايتين الأخيرتين لا تظهر مناسبة لذكرها ~~عقب ما تقدم فلا ينبغي بناء التفسير عليهما . والوجه هو التعويل على ~~الرواية الأولى وهي المأثورة عن ابن عباس فالمناسبة أنه بعد أن وفي أهل ~~الكتاب حقهم من فضح نواياهم في دين الإسلام وأهله وبيان أن تلك شنشنة ~~متأصلة فيهم مع كل من جاءهم بما يخالف هواهم وكان قد أشار إلى أن المشركين ~~شابهوهم في ذلك عند قوله : { ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا ~~المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم } ( البقرة : 105 ) عطف الكلام إلى ~~بيان ما تفرع عن عدم ودادة المشركين نزول القرآن فبين أن ظلمهم في ذلك لم ~~يبلغه أحد ممن قبلهم إذ منعوا مساجد الله وسدوا طريق الهدى وحالوا بين ~~الناس وبين زيارة المسجد الحرام الذي هو فخرهم وسبب مكانتهم وليس هذا شأن ~~طالب صلاح الخلق بل هذا شأن الحاسد المغتاظ . # والاستفهام بمن إنكاري ولما كان أصل من أنها نكرة موصوفة أشربت معنى ~~الاستفهام وكان الاستفهام الإنكاري في معنى النفي صار الكلام من وقوع ~~النكرة في سياق النفي فلذلك فسروه بمعنى لا أحد أظلم . PageV01P679 # والظلم الاعتداء على حق الغير بالتصرف فيه بما لا يرضى به ويطلق على وضع ~~الشيء في غير ما يستحق أن يوضع فيه والمعنيان صالحان هنا . # وإنما كانوا أظلم الناس لأنهم أتوا بظلم عجيب فقد ظلموا المسلمين من ~~المسجد الحرام وهم أحق الناس به وظلموا أنفسهم بسوء السمعة بين الأمم . # وجمع المساجد وإن كان المشركون منعوا الكعبة فقط إما للتعظيم فإن الجمع ~~يجيء للتعظيم كقوله تعالى : { وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم } ( ~~الفرقان : 37 ) ، وإما لما فيه من أماكن العبادة وهي البيت والمسجد الحرام ~~ومقام إبراهيم والحطيم ، وإما لما يتصل به أيضا من الخيف ومنى والمشعر ~~الحرام وكلها مساجد والإضافة على هذه الوجوه على معنى لام التعريف العهدي ، ~~وإما لقصد دخول جميع مساجد الله لأنه جمع تعرف بالإضافة ووقع في سياق منع ~~الذي هو في معنى النفي ليشمل الوعيد كل مخرب لمسجد أو ms0726 مانع من العبادة ~~بتعطيله عن إقامة العبادات ويدخل المشركون في ذلك دخولا أوليا على حكم ورود ~~العام على سبب خاص والإضافة على هذا الوجه على معنى لام الاستغراق ولعل ~~ضمير الجمع المنصوب في قوله : { أن يدخلوها } يؤيد أن المراد من المساجد ~~مساجد معلومة لأن هذا الوعيد لا يتعدى لكل من منع مسجدا إذ هو عقاب دنيوي ~~لا يلزم اطراده في أمثال المعاقب . والمراد من المنع منع العبادة في ~~أوقاتها الخاصة بها كالطواف والجماعة إذا قصد بالمنع حرمان فريق من ~~المتأهلين لها منها . وليس منه غلق المساجد في غير أوقات الجماعة لأن صلاة ~~الفذ لا تفضل في المسجد على غيره ، وكذلك غلقها من دخول الصبيان والمسافرين ~~للنوم ، وقد سئل ابن عرفة في درس التفسير عن هذا فقال : غلق باب المسجد في ~~غير أوقات الصلاة حفظ وصيانة اه . وكذلك منع غير المتأهل لدخوله وقد منع ~~رسول الله المشركين الطواف والحج ومنع مالك الكافر من دخول المسجد ومعلوم ~~منع الجنب والحائض . # والسعي أصله المشي ثم صار مجازا مشهورا في التسبب المقصود كالحقيقة ~~العرفية نحو { ثم أدبر يسعى } ( النازعات : 22 ) ويعدى بفي الدالة على ~~التعليل نحو : سعيت في حاجتك فالمنع هنا حقيقة على الرواية الأولى المتقدمة ~~في سبب النزول والسعي مجاز في التسبب غير المقصود فهو مجاز على مجاز . وأما ~~على الروايتين الأخريين فالمنع مجاز والسعي حقيقة لأن بختنصر وطيطس لم ~~يمنعا أحدا من الذكر ولكنهما تسببا في الخراب بالأمر بالتخريب فأفضى ذلك ~~إلى المنع وآل إليه . PageV01P680 # وقوله : { أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين } جملة مستأنفة تغني ~~عن سؤال ناشىء عن قوله : { من أظلم } أو عن قوله : { سعى } لأن السامع إذا ~~علم أن فاعل هذا أظلم الناس أو سمع هذه الجرأة وهي السعي في الخراب تطلب ~~بيان جزاء من اتصف بذلك أو فعل هذا . ويجوز كونها اعتراضا بين { من أظلم } ~~وقوله : { لهم في الدنيا خزي } . # والإشارة بأولئك بعد إجراء الأوصاف الثلاثة عليهم للتنبيه على أنهم ~~استحضروا بتلك الأوصاف ليخبر عنهم بعد تلك ms0727 الإشارة بخبرهم جديرون بمضمونه ~~على حد ما تقدم في { أولئك على هدى من ربهم } ( البقرة : 5 ) وهذا يدل على ~~أن المقصود من هذه الجمل ليس هو بيان جزاء فعلهم أو التحذير منه بل المقصود ~~بيان هاته الحالة العجيبة من أحوال المشركين بعد بيان عجائب أهل الكتاب ثم ~~يرتب العقاب على ذلك حتى تعلم جدارتهم به وقد ذكر لهم عقوبتين دنيوية وهي ~~الخوف والخزي وأخروية وهي العذاب العظيم . # ومعنى { ما كان لهم أن يدخلوها إلا خافين } أنهم لا يكون لهم بعد هذه ~~الفعلة أن يدخلوا تلك المساجد التي منعوها إلا وهم خائفون فإن ما كان إذا ~~وقع أن والمضارع في خبرها تدل على نفي المستقبل وإن كان لفظ ( كان ) لفظ ~~الماضي وأن هذه هي التي تستتر عند مجيء اللام نحو { ما كان الله ليعذبهم } ~~فلا إشعار لهذه الجملة بمضى . # واللام في قوله : { لهم } للاستحقاق أي ما كان يحق لهم الدخول في حالة ~~إلا في حالة الخوف فهم حقيقيون بها وأحرياء في علم الله تعالى وهذا وعيد ~~بأنهم قدر الله عليهم أن ترفع أيديهم من التصرف في المسجد الحرام وشعائر ~~الله هناك وتصير للمسلمين فيكونوا بعد ذلك لا يدخلون المسجد الحرام إلا ~~خائفين ، ووعد للمؤمنين وقد صدق الله وعده فكانوا يوم فتح مكة خائفين وجلين ~~حتى نادى منادي النبيء صلى الله عليه وسلم ( من دخل المسجد الحرام فهو آمن ~~) فدخله الكثير منهم مذعورين أن يؤخذوا بالسيف قبل دخولهم . # وعلى تفسير { مساجد الله } بالعموم يكون قوله : { ما كان لهم أن يدخلوها ~~} أي منعوا مساجد الله في حال أنهم كان ينبغي لهم أن يدخلوها خاشعين من ~~الله فيفسر الخوف بالخشعية من الله فلذلك كانوا ظالمين بوضع الجبروت في ~~موضع الخضوع فاللام على هذا في قوله { ما كان لهم } للاختصاص وهذا الوجه ~~وإن فرضه كثير من المفسرين إلا أن مكان اسم الإشارة المؤذن بأن ما بعده ~~ترتب عما قبله ينافيه لأن هذا الابتغاء متقرر وسابق على المنع والسعي في ~~الخراب . PageV01P681 # وقوله : { لهم في الدنيا خزي ms0728 } استئناف ثان ولم يعطف على ما قبله ليكون ~~مقصودا الاستئناف اهتماما به لأن المعطوف لكونه تابعا لا يهتم به السامعون ~~كمال الاهتمام ولأنه يجري من الاستئناف الذي قبله مجرى البيان من المبين ~~فإن الخزي خوف والخزي الذل والهوان وذلك ما نال صناديد المشركين يوم بدر من ~~القتل الشنيع والأسر ، وما نالهم يوم فتح مكة من خزي الانهزام . # وقوله : { ولهم في الآخرة عذاب عظيم } عطفت على ما قبلها لأنها تتميم لها ~~إذ المقصود من مجموعهما أن لهم عذابين عذابا في الدنيا وعذابا في الآخرة . # وعندي أن نزول هذه الآية مؤذن بالاحتجاج على المشركين من سبب انصراف ~~النبيء عن استقبال الكعبة بعد هجرته فإن منعهم المسلمين من المسجد الحرام ~~أشد من استقبال غير الكعبة في الصلاة على حد قوله تعالى : { يسألونك عن ~~الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد ~~الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله } ( البقرة : 217 ) . # # | 2 ( 115 ) { ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله ~~واسع عليم } . ) 2 # لما جاء بوعيدهم ووعد المؤمنين عطف على ذلك تسلية المؤمنين على خروجهم من ~~مكة ونكاية المشركين بفسخ ابتهاجهم بخروج المؤمنين منها وانفرادهم هم بمزية ~~جوار الكعبة فبين أن الأرض كلها لله تعالى وأنها ما تفاضلت جهاتها إلا ~~بكونها مظنة للتقرب إليه تعالى وتذكر نعمه وآياته العظيمة فإذا كانت وجهة ~~الإنسان نحو مرضاة الله تعالى فأينما تولى فقد صادف رضى الله تعالى كانت ~~وجهته الكفر والغرور والظلم فما يغني عنه العياذ بالمواضع المقدسة بل هو ~~فيها دخيل لا يلبث أن يقلع منها قال تعالى : { وما كانوا أولياءه إن ~~أولياؤه إلا المتقون } ( الأنفال : 34 ) وقال صلى الله عليه وسلم في بني ~~إسرائيل : ( نحن أحق بموسى منهم ) . # فالمراد من { المشرق والمغرب } في الآية تعميم جهات الأرض لأنها تنقسم ~~بالنسبة إلى مسير الشمس قسمين قسم يبتدىء من حيث تطلع الشمس وقسم ينتهي في ~~حيث تغرب وهو تقسيم اعتباري كان مشهورا عند المتقدمين لأنه المبني على ms0729 ~~المشاهدة مناسب لجميع الناس والتقسيم الذاتي للأرض هو تقسيمها إلى شمالي ~~وجنوبي لأنه تقسيم ينبني على اختلاف آثار الحركة الأرضية . PageV01P682 # وقد قيل إن هذه الآية إذن للرسول صلى الله عليه وسلم بأن يتوجه في الصلاة ~~إلى أية جهة شاء ، ولعل مراد هذا القائل أن الآية تشير إلى تلك المشروعية ~~لأن الظاهر أن الآية نزلت قبيل نسخ استقبال بيت المقدس إذ الشأن توالى نزول ~~الآيات وآية نسخ القبلة قريبة الموقع من هذه ، والوجه أن يكون مقصد الآية ~~عاما كما هو الشأن فتشمل الهجرة من مكة والانصراف عن استقبال الكعبة . # وتقديم الظرف للاختصاص أي إن الأرض لله تعالى فقط لا لهم ، فليس لهم حق ~~في منع شيء منها عن عباد الله المخلصين . # و { وجه الله } بمعنى الذات وهو حقيقة لغوية تقول : لوجه زيد أي ذاته كما ~~تقدم عند قوله : { من أسلم وجهه لله } ( البقرة : 112 ) وهو هنا كناية عن ~~عمله فحيث أمرهم باستقبال بيت المقدس فرضاه منوط بالامتثال لذلك ، وهو أيضا ~~كناية رمزية عن رضاه بهجرة المؤمنين في سبيل الدين لبلاد الحبشة ثم للمدينة ~~ويؤيد كون الوجه بهذا المعنى قوله في التذييل : { إن الله واسع عليم } ~~فقوله : { واسع } تذييل لمدلول { ولله المشرق والمغرب } والمراد سعة ملكه ~~أو سعة تيسيره والمقصود عظمة الله ، أنه لا جهة له وإنما الجهات التي يقصد ~~منها رضى الله تفضل غيرها وهو عليم بمن يتوجه لقصد مرضاته ، وقد فسرت هذه ~~الآية بأنها المراد بها القبلة في الصلاة . # # | 2 ( 116 ) { وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السماوات والارض ~~كل له قانتون } . ) 2 # الضمير المرفوع بقالوا عائد إلى جميع الفرق الثلاث وهي اليهود والنصارى ~~والذين لا يعلمون إشارة إلى ضلال آخر اتفق فيه الفرق الثلاث . # وقد قرىء بالواو ( وقالوا ) على أنه معطوف على قوله { وقالت اليهود } ( ~~البقرة : 113 ) وهي قراءة الجمهور . وقرأه ابن عامر بدون واو عطف وكذلك ~~ثبتت الآية في المصحف الإمام الموجه إلى الشام فتكون استئنافا كأن السامع ~~بعد أن سمع ما مر من عجائب ms0730 هؤلاء الفرق الثلاث جمعا وتفريقا تسنى له أن ~~يقول لقد أسمعتنا من مساويهم عجبا فهل انتهت مساويهم أم لهم مساو أخرى لأن ~~ما سمعناه مؤذن بأنها مساو لا تصدر إلا عن فطر خبيثة . PageV01P683 # وقد اجتمع على هذه الضلالة الفرق الثلاث كما اتفقوا على ما قبلها ، فقالت ~~اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله وقال المشركون ~~الملائكة بنات الله فتكون هاته الآية رجوعا إلى جمعهم في قرن إتماما لجمع ~~أحوالهم الواقع في قوله : { ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين ~~} ( البقرة : 105 ) وفي قوله : { كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم } ( ~~البقرة : 113 ) . وقد ختمت هذه الآية بآية جمعت الفريق الثالث في مقالة ~~أخرى وذلك قوله تعالى : { وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله } ( ~~البقرة : 118 ) إلى قوله : { كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت ~~قلوبهم } ( البقرة : 118 ) . # والقول هنا على حقيقته وهو الكلام اللساني ولذلك نصب الجملة وأريد أنهم ~~اعتقدوا ذلك أيضا لأن الغالب في الكلام أن يكون على وفق الاعتقاد . # وقوله : { اتخذ الله ولدا } جاء بلفظ ( اتخذ ) تعريضا بالاستهزاء بهم بأن ~~كلامهم لا يلتئم لأنهم أثبتوا ولدا لله ويقولون اتخذه الله . # والاتخاذ الاكتساب وهو ينافي الولدية إذ الولدية تولد بدون صنع فإذا جاء ~~الصنع جاءت العبودية لا محالة وهذا التخالف هو ما يعبر عنه في علم الجدل ~~بفساد الوضع وهو أن يستنتج وجود الشيء من وجود ضده كما يقول قائل : القتل ~~جناية عظيمة فلا تكفر مثل الردة . # وأصل هذه المقالة بالنسبة للمشركين ناشىء عن جهالة وبالنسبة لأهل ~~الكتابين ناشىء عن توغلهما في سوء فهم الدين حتى توهموا التشبيهات ~~والمجازات حقائق فقد ورد وصف الصالحين بأنهم أبناء الله على طريقة التشبيه ~~وورد في كتاب النصارى وصف الله تعالى بأنه أبو عيسى وأبو الأمة فتلقفته ~~عقول لا تعرف التأويل ولا تؤيد اعتقادها بواضح الدليل فظنته على حقيقته . # جاء في التوراة في الإصحاح 14 من سفر التثنية ( أنتم أولاد للرب إلهكم لا ~~تخمشوا أجسامكم ) وفي إنجيل متى ms0731 الإصحاح 5 ( طوبى لصانعي السلام لأنهم ~~أبناء الله يدعون ) وفيه ( وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم لكي ~~تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات ) وفي الإصحاح 6 ( انظروا إلى طيور ~~السماء إنها لا تزرع ولا تحصد ولا تجمع إلى مخازن وأبوكم السماوي يقوتها ) ~~وتكرر ذلك في الأناجيل غير مرة ففهموها بسوء الفهم على ظاهر عبارتها ولم ~~يراعوا أصول الديانة التي توجب تأويلها ألا ترى أن المسلمين لما جاءتهم ~~أمثال هاته العبارات أحسنوا تأويلها وتبينوا دليلها كما في الحديث : ( ~~الخلق عيال الله ) . PageV01P684 # وقوله : { سبحانه } تنزيه لله عن شنيع هذا القول . وفيه إشارة إلى أن ~~الولدية نقص بالنسبة إلى الله تعالى وإن كانت كمالا في الشاهد لأنها إنما ~~كانت كمالا في الشاهد من حيث إنها تسد بعض نقائصه عند العجز والفقر وتسد ~~مكانه عند الاضمحلال والله منزه عن جميع ذلك فلو كان له ولد لآذن بالحدوث ~~وبالحاجة إليه . # وقوله : { بل له ما في السماوات والأرض } إضراب عن قولهم لإبطاله ، وأقام ~~الدليل على الإبطال بقوله : { له ما في السماوات والأرض } فالجملة استئناف ~~ابتدائي واللام للملك و ( ما في السماوات والأرض ) أي ما هو موجود فإن ~~السماوات والأرض هي مجموع العوالم العلوية والسفلية . # و ( ما ) من صيغ العموم تقع على العاقل وغيره وعلى المجموع وهذا هو الأصح ~~الذي ذهب إليه في ( المفصل ) واختاره الرضي . وقيل : ( ما ) تغلب أو تختص ~~بغير العقلاء ومن تختص بالعقلاء وربما استعمل كل منهما في الآخر وهذا هو ~~المشتهر بين النحاة وإن كان ضعيفا وعليه فهم يجيبون على نحو هاته الآية ~~بأنها من قبيل التغليب تنزيلا للعقلاء في كونهم من صنع الله بمنزلة مساوية ~~لغيره من بقية الموجودات تصغيرا لشأن كل موجود . # والقنوت الخضوع والانقياد مع خوف وإنما جاء { قانتون } بجمع المذكر ~~السالم المختص بالعقلاء تغليبا لأنهم أهل القنوت عن إرادة وبصيرة . # والمضاف إليه المحذوف بعد ( كل ) دل عليه قوله : { ما في السماوات والأرض ~~} أي كل ما في السماوات والأرض أي العقلاء له قانتون وتنوين ( كل ) تنوين ~~عوض عن المضاف إليه ms0732 وسيأتي بيانه عند قوله تعالى : { ولكل وجهة هو موليها } ~~( البقرة : 148 ) في هذه السورة . # وفي قوله : { له قانتون } حجة ثالثة على انتفاء الولد لأن الخضوع من شعار ~~العبيد أما الولد فله إدلال على الوالد وإنما يبر به ولا يقنت ، فكان إثبات ~~القنوت كناية عن انتفاء الولدية بانتفاء لازمها لثبوت مساوي نقيضه ومساوي ~~النقيض نقيض وإثبات النقيض يستلزم نفي ما هو نقيض له . # وفصل جملة { كل له قانتون } لقصد استقلالها بالاستدلال حتى لا يظن السامع ~~أنها مكملة للدليل المسوق له قوله : { له ما في السماوات والأرض } . # وقد استدل بها بعض الفقهاء على أن من ملك ولده أعتق عليه لأن الله تعالى ~~جعل نفي الولدية بإثبات العبودية فدل ذلك على تنافي الماهيتين وهو استرواح ~~حسن . # PageV01P685 # | 2 ( 117 ) { بديع السماوات والارض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن ~~فيكون } . ) 2 # هو بالرفع خبر لمحذوف على طريقة حذف المسند إليه لاتباع الاستعمال كما ~~تقدم في قوله تعالى : { صم بكم } ( البقرة : 18 ) وذلك من جنس ما يسمونه ~~بالنعت المقطوع . # والبديع مشتق من الإبداع وهو الإنشاء على غير مثال فهو عبارة عن إنشاء ~~المنشآت على غير مثال سابق وذلك هو خلق أصول الأنواع وما يتولد من ~~متولداتها ، فخلق السماوات إبداع وخلق الأرض إبداع وخلق آدم إبداع وخلق ~~نظام التناسل إبداع . وهو فعيل بمعنى فاعل فقيل هو مشتق من بدع المجرد مثل ~~قدر إذا صح وورد بدع بمعنى قدر بقلة أو هو مشتق من أبدع ومجيء فعيل من أفعل ~~قليل ، ومنه قول عمرو بن معديكرب : # أمن ريحانة الداعي السميع # يؤرقني وأصحابي هجوع # يريد المسمع ، ومنه أيضا قول كعب بن زهير : # سقاك بها المأمون كأسا روية # فانهلك المأمون منها وعلك # أي كأسا مروية . فيكون هنا مما جاء قليلا وقد قدمنا الكلام عليه في قوله ~~تعالى : { إنك أنت العليم الحكيم } ( البقرة : 32 ) ويأتي في قوله : { ~~بشيرا ونذيرا } ( البقرة : 119 ) . وقد قيل في البيت تأويلات متكلفة والحق ~~أنه استعمال قليل حفظ في ألفاظ من الفصيح غير قليلة مثل النذير والبشير ms0733 إلا ~~أن قلته لا تخرجه عن الفصاحة لأن شهرته تمنع من جعله غريبا . وأما كونه ~~مخالفا للقياس فلا يمنع من استعماله إلا بالنسبة إلى المولد إذا أراد أن ~~يقيس عليه في مادة أخرى . PageV01P686 # وذهب صاحب ( الكشاف ) إلى أن بديع هنا صفة مشبهة مأخوذ من بدع بضم الدال ~~أي كانت البداعة صفة ذاتية له بتأويل بداعة السماوات والأرض التي هي من ~~مخلوقاته فأضيفت إلى فاعلها الحقيقي على جعله مشبها بالمفعول به وأجريت ~~الصفة على اسم الجلالة ليكون ضميره فاعلالها لفظا على نحو زيد حسن الوجه ~~كما يقال فلان بديع الشعر ، أي بديعة سماواته . # وأما بيت عمرو فإنما عينوه للتنظير ولم يجوزوا فيه احتمال أن يكون السميع ~~بمعنى المسموع لوجوه أحدها أنه لم يرد سميع بمعنى مسموع مع أن فعيلا بمعنى ~~مفعول غير مطرد . الثاني أن سميع وقع وصفا للذات وهو الداعي وحكم سمع إذا ~~دخلت على ما لا يسمع أن تصير من أخوات ظن فيلزم مجيء مفعول ثان بعد النائب ~~المستتر وهو مفقود الثالث أن المعنى ليس على وصف الداعي بأنه مسموع بل على ~~وصفه بأنه مسمع أي الداعي القاصد للإسماع المعلن لصوته وذلك مؤذن بأنه داع ~~في أمر مهم . # ووصف الله تعالى ببديع السماوات والأرض مراد به أنه بديع ما في السماوات ~~والأرض من المخلوقات وفي هذا الوصف استدلال على نفي بنوة من جعلوه ابنا لله ~~تعالى لأنه تعالى لما كان خالق السماوات والأرض وما فيهما ، فلا شيء من تلك ~~الموجودات أهل لأن يكون ولدا له بل جميع ما بينهما عبيد لله تعالى كما تقدم ~~في قوله : { بل له ما في السماوات والأرض } ( البقرة : 116 ) ولهذا رتب نفي ~~الولد على كونه بديع السماوات والأرض في سورة الأنعام ( 10 ) بقوله : { ~~بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة خلق كل شيء } . # وقوله : { وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } إلخ كشف لشبهة النصارى ~~واستدلال على أنه لا يتخذ ولدا بل يكون الكائنات كلها بتكوين واحد وكلها ~~خاضعة ms0734 لتكوينه وذلك أن النصارى توهموا أن مجيء المسيح من غير أب دليل على ~~أنه ابن الله فبين الله تعالى أن تكوين أحوال الموجودات من لا شيء أعجب من ~~ذلك وأن كل ذلك راجع إلى التكوين والتقدير سواء في ذلك ما وجد بواسطة تامة ~~أو ناقصة أو بلا واسطة قال تعالى : { إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه ~~من تراب ثم قال له كن فيكون } ( آل عمران : 59 ) فليس تخلق عيسى من أم دون ~~أب بموجب كونه ابن الله تعالى . # و ( كان ) في الآية تامة لا تطلب خبرا أي يقول له : إيجد فيوجد . والظاهر ~~أن القول والمقول والمسبب هنا تمثيل لسرعة وجود الكائنات عند تعلق الإرادة ~~والقدرة بهما بأن شبه فعل الله PageV01P687 تعالى بتكوين شيء وحصول المكون ~~عقب ذلك بدون مهلة بتوجه الآمر للمأمور بكلمة الأمر وحصول امتثاله عقب ذلك ~~لأن تلك أقرب الحالات المتعارفة التي يمكن التقريب بها في الأمور التي لا ~~تتسع اللغة للتعبير عنها وإلى نحو هذا مال صاحب ( الكشاف ) ونظره بقول أبي ~~النجم : # إذ قالتت الأنساع للبطن ألحق # قدما فآضت كالفنيق المحنق # والذي يعين كون هذا تمثيلا أنه لا يتصور خطاب من ليس بموجود بأن يكون ~~موجودا فليس هذا التقرير الصادر من الزمخشري مبنيا على منع المعتزلة قيام ~~صفة الكلام بذاته تعالى إذ ليس في الآية ما يلجئهم إلى اعتبار قيام صفة ~~الكلام إذ كان يمكنهم تأويله بما تأولوا به آيات كثيرة ولذلك سكت عنه ابن ~~المنير خلافا لما يوهمه كلام ابن عطية . # # | 2 ( 118 ) { وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينآ ءاية ~~كذالك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم قد بينا الآيات لقوم ~~يوقنون } . ) 2 # عطف على قوله : { وقالوا اتخذ الله ولدا } ( البقرة : 116 ) المعطوف على ~~قوله : { وقالت اليهود ليست النصارى } ( البقرة : 113 ) . لمناسبة اشتراك ~~المشركين واليهود والنصارى في الأقوال والعقائد الضالة إلا أنه قدم قول أهل ~~الكتاب في الآية الماضية وهي { وقالت اليهود } لأنهم الذين ابتدأوا بذلك ~~أيام مجادلتهم في ms0735 تفاضل أديانهم ويومئذ لم يكن للمشركين ما يوجب الاشتغال ~~بذلك إلى أن جاء الإسلام فقالوا مثل قول أهل الكتاب . # وجمع الكل في { وقالوا اتخذ الله ولدا } إلا أنه لم يكن فريق من الثلاثة ~~فيه مقتبسا من الآخر بل جميعه ناشىء من الغلو في تقديس الموجودات الفاضلة ~~ومنشؤه سوء الفهم في العقيدة سواء كانت مأخوذة من كتاب كما تقدم في منشأ ~~قول PageV01P688 أهل الكتابين { اتخذ الله ولدا } أم مأخوذة من أقوال ~~قادتهم كما قالت العرب : الملائكة بنات الله . # وقدم قول المشركين هنا لأن هذا القول أعلق بالمشركين إذ هو جديد فيهم ~~وفاشش بينهم ، فلما كانوا مخترعي هذا القول نسب إليهم ، ثم نظر بهم الذين ~~من قبلهم وهم اليهود والنصارى ، إذ قالوا مثل ذلك لرسلهم . # و { لولا } هنا حرف تحضيض قصد منه التعجيز والاعتذار عن عدم الإصغاء ~~للرسول استكبارا بأن عدوا أنفسهم أحرياء بالرسالة وسماع كلام الله تعالى ~~وهذا مبالغة في الجهالة لا يقولها أهل الكتاب الذين أثبتوا الرسالة والحاجة ~~إلى الرسل . # وقوله : { أو تأتينا آية } أرادوا مطلق آية فالتنكير للنوعية وحينئذ فهو ~~مكابرة وجحود لما جاءهم من الآيات وحسبك بأعظمها وهو القرآن وهذا هو الظاهر ~~من التنكير وقد سألوا آيات مقترحات { وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من ~~الأرض ينبوعا } ( الإسراء : 90 ) الآيات وهم يحسبون أن الآيات هي عجائب ~~الحوادث أو المخلوقات وما دروا أن الآية العلمية العقلية أوضح المعجزات ~~لعمومها ودوامها وقد تحداهم الرسول بالقرآن فعجزوا عن معارضته وكفاهم بذلك ~~آية لو كانوا أهل إنصاف . # وقوله : { كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم } أي كمثل مقالتهم هذه قال ~~الذين من قبلهم من الأمم مثل قولهم . والمراد بالذين من قبلهم اليهود ~~والنصارى فقد قال اليهود لموسى : { لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة } ( ~~البقرة : 55 ) وسأل النصارى عيسى { هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من ~~السماء } ( المائدة : 112 ) . # وفي هذا الكلام تسلية للنبيء صلى الله عليه وسلم بأن ما لقيه من قومه مثل ~~ما لاقاه الرسل قبله ولذلك أردفت ms0736 هذه الآية بقوله : { إنا أرسلناك بالحق } ~~( البقرة : 119 ) الآية . ثم يجوز أن تكون جملة { كذلك قال الذين من قبلهم ~~مثل قولهم } واقعة موقع الجواب لمقالة الذين لا يعلمون وهو جواب إجمالي ~~اقتصر فيه على تنظير حالهم بحال من قبلهم فيكون ذلك التنظير كناية عن ~~الإعراض عن جواب مقالهم وأنه لا يستأهل أن يجاب لأنهم ليسوا بمرتبة من ~~يكلمهم الله وليست أفهامهم بأهل لإدراك ما في نزول القرآن من أعظم آية ~~وتكون جملة { تشابهت قلوبهم } تقريرا أي تشابهت عقولهم في الأفن وسوء النظر ~~، وتكون جملة { قد بينا الآيات لقوم يوقنون } تعليلا للإعراض عن جوابهم ~~بأنهم غير أهل للجواب لأن أهل الجواب هم القوم الذين PageV01P689 يوقنون ~~وقد بينت لهم آيات القرآن بما اشتملت عليه من الدلائل ، وأما هؤلاء فليسوا ~~أهلا للجواب لأنهم ليسوا بقوم يوقنون بل ديدنهم المكابرة . # ويجوز أن تكون جملة { كذلك } ( قال ) إلى آخرها معترضة بين جملة { وقال ~~الذين لا يعلمون } وبين جملة { قد بينا الآيات } وتجعل جملة { قد بينا ~~الآيات } هي الجواب عن مقالتهم . والمعنى لقد أتتكم الآية وهي آيات القرآن ~~ولكن لا يعقلها إلا الذين يوقنون أي دونكم فيكون على وزان قوله تعالى : { ~~أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم } ( العنكبوت : 51 ) . ووقع ~~الإعراض عن جواب قولهم { لولا يكلمنا الله } لأنه بديهي البطلان كما قال ~~تعالى : { وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ~~ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتو عتوا كبيرا } ( الفرقان : 21 ) . # والقول في مرجع التشبيه والمماثلة من قوله { كذلك قال الذين من قبلهم مثل ~~قولهم } على نحو القول في الآية الماضية { كذلك قال الذين لا يعلمون مثل ~~قولهم } ( البقرة : 113 ) . # وقوله : { تشابهت قلوبهم } تقرير لمعنى { قال الذين من قبلهم مثل قولهم } ~~، أي كانت عقولهم متشابهة في الأفن وسوء النظر فلذا اتحدوا في المقالة . ~~فالقلوب هنا بمعنى العقول كما هو المتعارف في اللغة العربية . # وقوله { تشابهت } صيغة من صيغ التشبيه وهي أقوى فيه من حروفه وأقرب ~~بالتشبيه البليغ ، ومن محاسن ما ms0737 جاء في ذلك قول الصابىء : # تشابه دمعي إذ جرى ومدامتي # فمن مثل ما في الكأس عيني تسكب # وفي هذه الآية جعلت اليهود والنصارى مماثلين للمشركين في هذه المقالة لأن ~~المشركين أعرق فيها إذ هم أشركوا مع الله غيره فليس ادعاؤهم ولدا لله بأكثر ~~من ادعائهم شركة الأصنام مع الله في الإلاهية فكان اليهود والنصارى ملحقين ~~بهم لأن دعوى الابن لله طرأت عليهم ولم تكن من أصل ملتهم وبهذا الأسلوب ~~تأتى الرجوع إلى بيان أحوال أهل الكتابين الخاصة بهم وذلك من رد العجز على ~~الصدر . # وجيء بالفعل المضارع في { يوقنون } لدلالته على التجدد والاستمرار كناية ~~عن كون الإيمان خلقا لهم فأما الذين دأبهم الإعراض عن النظر والمكابرة بعد ~~ظهور الحق فإن الإعراض يحول دون حصول اليقين والمكابرة تحول عن الانتفاع به ~~فكأنه لم يحصل فأصحاب هذين الخلقين ليسوا من الموقنين . PageV01P690 # وتبيين الآيات هو ما جاء من القرآن المعجز للبشر الذي تحدى به جميعهم فلم ~~يستطيعوا الإتيان بمثله كما تقدم ، وفي الحديث : ( ما من الأنبياء نبيء إلا ~~أوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحى ~~الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة ) فالمعنى قد بينا الآيات ~~لقوم من شأنهم أن يوقنوا ولا يشككوا أنفسهم أو يعرضوا حتى يحول ذلك بينهم ~~وبين الإيقان أو يكون المعنى قد بينا الآيات لقوم يظهرون اليقين ويعترفون ~~بالحق لا لقوم مثلكم من المكابرين . # # | 2 ( 119 ) { إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تسئل عن أصحاب الجحيم ~~} . ) 2 # جملة معترضة بين حكايات أحوال المشركين وأهل الكتاب ، القصد منها تأنيس ~~الرسول عليه الصلاة والسلام من أسفه على ما لقيه من أهل الكتاب مما يماثل ~~ما لقيه من المشركين وقد كان يود أن يؤمن به أهل الكتاب فيتأيد بهم الإسلام ~~على المشركين فإذا هو يلقى منهم ما لقي من المشركين أو أشد وقد قال ( لو ~~آمن بي عشرة من اليهود لآمن بي اليهود كلهم ) فكان لتذكير الله إياه بأنه ~~أرسله تهدئة لخاطره الشريف ms0738 وعذر له إذ أبلغ الرسالة وتطمين لنفسه بأنه غير ~~مسؤول عن قوم رضوا لأنفسهم بالجحيم . وفيه تمهيد للتأييس من إيمان اليهود ~~والنصارى . # وجيء بالتأكيد وإن كان النبي لا يتردد في ذلك لمزيد الاهتمام بهذا الخبر ~~وبيان أنه ينوه به لما تضمنه من تنويه شأن الرسول . # وجيء بالمسند إليه ضمير الجلالة تشريفا للنبيء صلى الله عليه وسلم بعز ~~الحضور لمقام التكلم مع الخالق تعالى وتقدس كأن الله يشافهه بهذا الكلام ~~بدون واسطة فلذا لم يقل له إن الله أرسلك . # وقوله : { بالحق } متعلق بأرسلناك . والحق هو الهدى والإسلام والقرآن ~~وغير ذلك من وجوه الحق المعجزات وهي كلها ملابسة للنبيء صلى الله عليه وسلم ~~في رسالته بعضها بملابسة التبليغ وبعضها بملابسة التأييد . فالمعنى إنك ~~رسول الله وإن القرآن حق منزل من الله . # وقوله : { بشيرا ونذيرا } حالان وهما بزنة فعيل بمعنى فاعل مأخوذان من ~~بشر المضاعف وأنذر المزيد فمجيئهما من الرباعي على خلاف القياس كالقول في { ~~بديع السماوات والأرض } ( البقرة : 117 ) المتقدم آنفا ، وقيل : البشير ~~مشتق من بشر المخفف الشين من باب نصر ولا داعي إليه . PageV01P691 # وقوله : { ولا تسأل عن أصحاب الجحيم } الواو للعطف وهو إما على جملة { ~~إنا أرسلناك } أو على الحال في قوله : { بشيرا ونذيرا } ويجوز كون الواو ~~للحال . # قرأ نافع ويعقوب بفتح الفوقية وسكون اللام على أن ( لا ) حرف نهي جازم ~~للمضارع وهو عطف إنشاء على خبر والسؤال هنا مستعمل في الاهتمام والتطلع إلى ~~معرفة الحال مجازا مرسلا بعلاقة اللزوم لأن المعني بالشيء المتطلع لمعرفة ~~أحواله يكثر من السؤال عنه ، أو هو كناية عن فظاعة أحوال المشركين ~~والكافرين حتى إن المتفكر في مصير حالهم ينهى عن الاشتغال بذلك لأنها أحوال ~~لا يحيط بها الوصف ولا يبلغ إلى كنهها العقل في فظاعتها وشناعتها ، وذلك أن ~~النهي عن السؤال يرد لمعنى تعظيم أمر المسؤول عنه نحو قول عائشة : ( يصلي ~~أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ) ولهذا شاع عند أهل العلم إلقاء المسائل ~~الصعبة بطريقة السؤال نحو ( فإن قلت ) للاهتمام . # وقرأه جمهور العشرة بضم ms0739 الفوقية ورفع اللام على أن ( لا ) نافية أي لا ~~يسألك الله عن أصحاب الجحيم وهو تقرير لمضمون { إنا أرسلناك بالحق } ~~والسؤال كناية عن المؤاخذة واللوم مثل قوله صلى الله عليه وسلم ( وكلكم ~~مسؤول عن رعيته ) أي لست مؤاخذا ببقاء الكافرين على كفرهم بعد أن بلغت لهم ~~الدعوة . # وما قيل إن الآية نزلت في نهيه صلى الله عليه وسلم عن السؤال عن حال ~~أبويه في الآخرة فهو استناد لرواية واهية ولوصحت لكان حمل الآية على ذلك ~~مجافيا للبلاغة إذ قد علمت أن قوله : { إنا أرسلناك } تأنيس وتسكين ~~فالإتيان معه بما يذكر المكدرات خروج عن الغرض وهو مما يعبر عنه بفساد ~~الوضع . # # | 2 ( 120 ) { ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى ~~الله هو الهدى ولئن اتبعت أهوآءهم بعد الذي جآءك من العلم ما لك من الله من ~~ولي ولا نصير } . ) 2 # عطف على قوله : { ولا تسأل عن أصحاب الجحيم } ( البقرة : 119 ) أو على { ~~إنا أرسلناك } ( البقرة : 119 ) وقد جاء هذا الكلام المؤيس من إيمانهم بعد ~~أن قدم قبله التأنيس والتسلية على نحو مجيء العتاب بعد تقديم العفو في قوله ~~تعالى : { عفا الله عنك لم أذنت لهم } ( التوبة : 43 ) وهذا من كرامة الله ~~تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم PageV01P692 # والنفي بلن مبالغة في التأييس لأنها لنفي المستقبل وتأبيده . # والملة بكسر الميم الدين والشريعة وهي مجموع عقائد وأعمال يلتزمها طائفة ~~من الناس يتفقون عليها وتكون جامعة لهم كطريقة يتبعونها ، ويحتمل أنها ~~مشتقة من أمل الكتاب فسميت الشريعة ملة لأن الرسول أو واضع الدين يعلمها ~~للناس ويمللها عليهم كما سميت دينا باعتبار قبول الأمة لها وطاعتهم ~~وانقيادهم . # ومعنى الغاية في { حتى تتبع ملتهم } الكناية عن اليأس من اتباع اليهود ~~والنصارى لشريعة الإسلام يومئذ لأنهم إذا كانوا لا يرضون إلا باتباعه ملتهم ~~فهم لا يتبعون ملته ، ولما كان اتباع النبيء ملتهم مستحيلا كان رضاهم عنه ~~كذلك على حد { حتى يلج الجمل في سم الخياط } ( الأعراف : 40 ) وقوله : { لا ~~أعبد ما تعبدون ms0740 ولا أنتم عابدون ما أعبد } ( الكافرون : 2 ، 3 ) والتصريح ~~بلا النافية بعد حرف العطف في قوله : { ولا النصارى } للتنصيص على ~~استقلالهم بالنفي وعدم الاقتناع باتباع حرف العطف لأنهم كانوا يظن بهم خلاف ~~ذلك لإظهارهم شيئا من المودة للمسلمين كما في قوله تعالى : { ولتجدن أقربهم ~~مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى } ( المائدة : 82 ) وقد تضمنت هذه ~~الآية أنهم لا يؤمنون بالنبيء لأنه غير متبع ملتهم وأنهم لا يصدقون القرآن ~~لأنه جاء بنسخ كتابيهم . # وقوله : { قل إن هدي الله هو الهدى } أمر بالجواب عما تضمنه قوله : { ولن ~~ترضى } من خلاصة أقوال لهم يقتضي مضمونها أنهم لا يرضيهم شيء مما يدعوهم ~~النبيء إليه إلا أن يتبع ملتهم وأنهم يقولون إن ملتهم هدى فلا ضير عليه إن ~~اتبعها مثل قولهم : { لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى } ( البقرة : ~~111 ) وغير ذلك من التلون في الإعراض عن الدعوة ولذلك جيء في جوابهم بما هو ~~الأسلوب في المجاوبة من فعل القول بدون حرف العطف . # ويجوز أن يكونوا قد قالوا ما تضمنته الآية من قوله : { حتى تتبع ملتهم } ~~. و { هدي الله } ما يقدره للشخص من التوفيق أي قل لهم لا أملك لكم هدى إلا ~~أن يهديكم الله ، فالقصر حقيقي . # ويجوز أن يكون المراد بهدى الله الذي أنزله إلي هو الهدى يعني أن القرآن ~~هو الهدى إبطالا لغرورهم بأن ما هم عليه من الملة هو الهدى وأن ما خالفه ~~ضلال . والمعنى أن القرآن هو الهدى وما أنتم عليه ليس من الهدى لأن أكثره ~~من الباطل . فإضافة الهدى إلى الله تشريف ، والقصر إضافي . وفيه تعريض بأن ~~ما هم عليه يومئذ شيء حرفوه ووضعوه ، فيكون القصر إما حقيقيا ادعائيا بأن ~~يراد هو الهدى الكامل في الهداية فهدى غيره من الكتب السماوية PageV01P693 ~~بالنسبة إلى هدى القرآن كلا هدى لأن هدى القرآن أعم وأكمل فلا ينافي إثبات ~~الهداية لكتابهم كما في قوله تعالى : { إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور } ~~( المائدة : 44 ) وقوله : { وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما ms0741 بين ~~يديه من التوراة } ( المائدة : 46 ) وإما قصرا إضافيا أي هو الهدى دون ما ~~أنتم عليه من ملة مبدلة مشوبة بضلالات وبذلك أيضا لا ينتفي الهدى عن كثير ~~من التعاليم والنصايح الصالحة الصادرة عن الحكماء وأهل العقول الراجحة ~~والتجربة لكنه هدى ناقص . # وقوله : { هو الهدى } الضمير ضمير فصل . والتعريف في الهدى تعريف الجنس ~~الدال على الاستغراق ففيه طريقان من طرق الحصر هما ضمير الفصل وتعريف ~~الجزأين وفي الجمع بينهما إفادة تحقيق معنى القصر وتأكيده للعناية به ~~فأيهما اعتبرته طريق قصر كان الآخر تأكيدا للقصر وللخبر أيضا . # والتوكيد بإن لتحقيق الخبر وتحقيق نسبته وإبطال تردد المتردد لأن القصر ~~الإضافي لما كان المقصود منه رد اعتقاد المخاطب قد لا يتفطن المخاطب إلى ما ~~يقتضيه من التأكيد فزيد هنا مؤكد آخر وهو حرف ( إن ) اهتماما بتأكيد هذا ~~الحكم . فقد اجتمع في هذه الجملة عدة مؤكدات هي : حرف إن والقصر ، إذ القصر ~~تأكيد على تأكيد ما في ( المفتاح ) فهو في قوة مؤكدين ، مع تأكيد القصر ~~بضمير الفصل وهي تنحل إلى أربعة مؤكدات لأن القصر بمنزلة تأكيدين وقد انضم ~~إليهما تأكيد القصر بضمير الفصل وتأكيد الجملة بحرف ( إن ) . # ولعل الآية تشير إلى أن استقبال النبيء صلى الله عليه وسلم في الصلاة إلى ~~القبلة التي يستقبلها اليهود لقطع معذرة اليهود كما سيأتي في قوله تعالى : ~~{ وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على ~~عقبيه } ( البقرة : 143 ) ، فأعلم رسوله بقوله : { ولن ترضى عنك اليهود ولا ~~النصارى } بأن ذلك لا يلين من تصلب اليهود في عنادهم فتكون إيماء إلى تمهيد ~~نسخ استقبال بيت المقدس . # وقوله : { ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم } . اللام موطئة ~~للقسم وذلك توكيد للخبر وتحقيق له . وعبر عن طريقتهم هنالك بالملة نظرا ~~لاعتقادهم وشهرة ذلك عند العرب ، وعبر عنها هنا بالأهواء بعد أن مهد له ~~بقوله : { إن هدى الله هو الهدى } فإن الهوى PageV01P694 رأي ناشىء عن شهوة ~~لا عن دليل ، ولهذا لم يؤت بالضمير الراجع للملة وعبر ms0742 عنها بالاسم الظاهر ~~فشملت أهواؤهم التكذيب بالنبيء وبالقرآن واعتقادهم أن ملتهم لا ينقضها شرع ~~آخر . # وقوله : { مالك من الله من ولي ولا نصير } تحذير لكل من تلقى الإسلام أن ~~لا يتبع بعد الإسلام أهواء الأمم الأخرى ، جاء على طريقة تحذير النبيء صلى ~~الله عليه وسلم مثل : { لئن أشركت ليحبطن عملك } ( الزمر : 65 ) وهو جواب ~~القسم ودليل جواب الشرط لأن اللام موطئة للقسم فالجواب لها . وجيء بإن ~~اشرطية التي تأتي في مواقع عدم القطع بوقوع شرطها لأن هذا فرض ضعيف في شأن ~~النبيء والمسلمين . # والولي القريب والحليف . والنصير كل من يعين أحدا على من يريد به ضرا ~~وكلاهما فعيل بمعنى فاعل . # و ( من ) في قوله { من الله } متعلقة بولي لتضمينه معنى مانع من عقابه ~~ويقدر مثله بعد { ولا نصير } أي نصير من الله . # و ( من ) في قوله : { من ولي } مؤكدة للنفي . وعطف النصير على الولي ~~احتراس لأن نفي الولي لا يقتضي نفي كل نصير إذ لا يكون لأحد ولي لكونه ~~دخيلا في قبيلة ويكون أنصاره من جيرته . وكان القصد من نفي الولاية التعريض ~~بهم في اعتقادهم أنهم أبناء الله وأحباؤه فنفى ذلك عنهم حيث لم يتبعوا دعوة ~~الإسلام ثم نفى الأعم منه وهذه نكتة عدم الاقتصار على نفي الأعم . # وقد اشتملت جملة { ولئن اتبعت أهواءهم } إلى آخرها على تحذير من الطمع في ~~استدناء اليهود أو النصارى بشيء من استرضائهم طمعا في إسلامهم بتألف قلوبهم ~~فأكد ذلك التحذير بعشرة مؤكدات وهي القسم المدلول عليه باللام الموطئة ~~للقسم . وتأكيد جملة الجزاء بإن وبلام الابتداء في خبرها . واسمية جملة ~~الجزاء وهي { مالك من الله من ولي ولا نصير } . وتأكيد النفي بمن في قوله { ~~من ولي } . والاجمال ثم التفصيل بذكر اسم الموصول وتبيينه بقوله { من العلم ~~} . وجعل الذي جاء ( أي أنزل إليه ) هو العلم كله لعدم الاعتداد بغيره ~~لنقصانه . وتأكيد { من ولي } بعطف { ولا نصير } الذي هو آيل إلى معناه وإن ~~اختلف مفهومه ، فهو كالتأكيد بالمرادف . # PageV01P695 # | 2 ( 121 ) { الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولائك ms0743 يؤمنون به ~~ومن يكفر به فأولائك هم الخاسرون } . ) 2 # استئناف ناشىء عن قوله : { ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى } ( البقرة : ~~120 ) مع قوله : { إن هدى الله هو الهدى } ( البقرة : 120 ) لتضمنه أن ~~اليهود والنصارى ليسوا يومئذ على شيء من الهدى ؟ كأن سائلا سأل : كيف وهم ~~متمسكون بشريعة ؟ ومن الذي هو على هدى ممن اتبع هاتين الشريعتين ؟ فأجيب ~~بأن الذين أوتوا الكتاب وتلوه حق تلاوته هم الذين يؤمنون به . # ويجوز أن يكون اعتراضا في آخر الكلام لبيان حال المؤمنين الصادقين من أهل ~~الكتاب لقصد إبطال اعتقادهم أنهم على التمسك بالإيمان بالكتاب ، وهو ينظر ~~إلى قوله تعالى : { وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل ~~علينا ويكفرون بما وراءه } ( البقرة : 91 ) إلخ . وهو صدر هاته المحاورات ~~وما تخللها من الأمثال والعبر والبيان . فقوله : { الذين آتيناهم الكتاب } ~~فذلكة لما تقدم وجواب قاطع لمعذرتهم المتقدمة ، وهو من باب رد العجز على ~~الصدر . ولأحد هذين الوجهين فصلت الجملة ولم تعطف لأنها في معنى الجواب ، ~~ولأن المحكي بها مباين لما يقابله المتضمن له قوله : { قالوا نؤمن بما أنزل ~~علينا } ولما انتقل منه إليه وهو قوله : { وقالوا اتخذ الله ولدا } ( ~~البقرة : 116 ) وقوله : { وقال الذين لا يعلمون } ( البقرة : 118 ) . وقوله ~~: { يتلونه حق تلاوته } حال من الذين أوتوا الكتاب إذ هم الآن يتلونه حق ~~تلاوته . وانتصب { حق تلاوته على المفعول المطلق وإضافته إلى المصدر من ~~إضافة الصفة إلى الموصوف أي تلاوة حقا . # و ( الحق ) هنا ضد الباطل أي تلاوة مستوفية قوام نوعها لا ينقصها شيء مما ~~يعتبر في التلاوة وتلك هي التلاوة بفهم مقاصد الكلام المتلو فإن الكلام ~~يراد منه إفهام السامع فإذا تلاه القارىء ولم يفهم جميع ما أراده قائله ~~كانت تلاوته غامضة ، فحق التلاوة هو العلم بما في المتلو . # وقوله : أولئك يؤمنون به } جملة هي خبر المبتدأ وهو اسم الموصول ، وجيء ~~باسم الإشارة في تعريفهم دون الضمير وغيره للتنبيه على أن الأوصاف المتقدمة ~~التي استحضروا PageV01P696 بواسطتها حتى أشير إليهم باتصافهم بها هي ~~الموجبة ms0744 لجدارتهم بالحكم المسند لاسم الإشارة على حد { أولئك على هدى من ~~ربهم } ( البقرة : 5 ) فلا شك أن تلاوتهم الكتاب حق تلاوته تثبت لهم ~~أوحديتهم بالإيمان بذلك الكتاب لأن إيمان غيرهم به كالعدم . فالقصر ادعائي ~~. فضمير { به } راجع إلى ( الكتاب ) من قوله : { الذين آتيناهم الكتاب } . ~~وإذا كانوا هم المؤمنين به كانوا مؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم لانطباق ~~الصفات التي في كتبهم عليه ولأنهم مأخوذ عليهم العهد أن يؤمنوا بالرسول ~~المقفى وأن يجتهدوا في التمييز بين الصادق من الأنبياء والكذبة حتى ~~يستيقنوا انطباق الصفات على النبيء الموعود به فمن هنا قال بعض المفسرين إن ~~ضمير { به } عائد إلى النبيء صلى الله عليه وسلم مع أنه لم يتقدم له معاد . # ويجوز أن يعود الضمير من قوله : { يؤمنون به } إلى الهدي في قوله : { قل ~~إن الهدى هدى الله } ( البقرة : 120 ) أي يؤمنون بالقرآن أنه منزل من الله ~~فالضمير المجرور بالباء راجع للكتاب في قوله : { آتيناهم الكتاب } والمراد ~~به التوراة والإنجيل واللام للجنس ، أو التوراة فقط لأنها معظم الدينين ~~والإنجيل تكملة فاللام للعهد . ومن هؤلاء عبد الله بن سلام من اليهود وعدي ~~بن حاتم وتميم الداري من النصارى . # والقول في قوله : { ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون } كالقول في { أولئك ~~يؤمنون به } وهو تصريح بحكم مفهوم { أولئك يؤمنون به } وفيه اكتفاء عن ~~التصريح بحكم المنطوق وهو أن المؤمنين به هم الرابحون ففي الآية إيجاز بديع ~~لدلالتها على أن الذين أوتوا الكتاب يتلونه حق تلاوته هم المؤمنون دون ~~غيرهم فهم كافرون فالمؤمنون به هم الفائزون والكافرون هم الخاسرون . # $ 2 ( 122 ، 123 ) { يابنى & # 1764 إسراءيل اذكروا نعمتى التى & # 1764 أنعمت عليكم وأنى فضلتكم على العالمين * واتقوا يوما لا تجزى نفس عن ~~نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون } . ) 2 $ # أعيد نداء بني إسرائيل نداء التنبيه والإنذار والتذكير على طريقة التكرير ~~في الغرض الذي سيق الكلام الماضي لأجله ، فإنه ابتدأ نداءهم أولا بمثل هاته ~~الموعظة في ابتداء التذكير PageV01P697 بأحوالهم الكثيرة خيرها وشرها ms0745 عقب ~~قوله : { وأنهم إليه راجعون } ( البقرة : 46 ) فذكر مثل هاته الجملة هناك ~~كذكر المطلوب في صناعة المنطق قبل إقامة البرهان وذكرها هنا كذكر النتيجة ~~في المنطق عقب البرهان تأييدا لما تقدم وفذلكة له وهو من ضروب رد العجز على ~~الصدر . # وقد أعيدت هذه الآية بالألفاظ التي ذكرت بها هنالك للتنبيه على نكتة ~~التكرير للتذكير ولم يخالف بين الآيتين إلا من الترتيب بين العدل والشفاعة ~~فهنالك قدمولا يقبل منها شفاعة ( البقرة : 48 ) وأخر { ولا يؤخذ منها عدل } ~~( البقرة : 48 ) وهنا قدم { ولا يقبل منها عدل } وأخر لفظ الشفاعة مسندا ~~إليه { تنفعها } وهو تفنن والتفنن في الكلام تنتفي به سآمة الإعادة مع حصول ~~المقصود من التكرير . وقد حصل مع التفنن نكتة لطيفة إذ جاءت الشفاعة في ~~الآية السابقة مسندا إليها المقبولية فقدمت على العدل بسبب نفي قبولها ونفي ~~قبول الشفاعة لا يقتضي نفي أخذ الفداء فعطف نفي أخذ الفداء للاحتراس ، وأما ~~في هذه الآية فقدم الفداء لأنه أسند إليه المقبولية ونفي قبول الفداء لا ~~يقتضي نفي نفع الشفاعة فعطف نفي نفع الشفاعة على نفي قبول الفداء للاحتراس ~~أيضا . # والحاصل أن الذي نفي عنه أن يكون مقبولا قد جعل في الآيتين أولا وذكر ~~الآخر بعده . وأما نفي القبول مرة عن الشفاعة ومرة عن العدل فلأن أحوال ~~الأقوام في طلب الفكاك عن الجناة تختلف ، فمرة يقدمون الفداء فإذا لم يقبل ~~قدموا الشفعاء ، ومرة يقدمون الشفعاء فإذا لم تقبل شفاعتهم عرضوا الفداء . # وقوله : { ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة } مراد منه أنه لا عدل ~~فيقبل ولا شفاعة شفيع يجدونه فتقبل شفاعته لأن دفع الفداء متعذر وتوسط ~~الشفيع لمثلهم ممنوع إذ لا يشفع الشفيع إلا لمن أذن الله له . قال ابن عرفة ~~فيكون نفي نفع الشفاعة هنا من باب قوله : # على لا حب لا يهتدى بمناره # يريد أنها كناية عن نفي الموصوف بنفي صفته الملازمة PageV01P698 له ~~كقولهم : # ولا ترى الضب بها ينجحر # وهو ما يعبر عنه المناطقة بأن السالبة تصدق مع نفي الموضوع وإنما يكون ms0746 ~~ذلك بطريق الكناية وأما أن يكون استعمالا في أصل العربية فلا والمناطقة ~~تبعوا فيه أساليب اليونان . # والقول في بقية الآيات مستغنى عنه بما تقدم في نظيرتها . # وهنا ختم الحجاج مع أهل الكتاب في هذه السورة وذلك من براعة المقطع . # # | 2 ( 124 ) { وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إنى جاعلك للناس ~~إماما قال ومن ذريتى قال لا ينال عهدي الظالمين } . ) 2 # لما كملت الحجج نهوضا على أهل الكتابين ومشركي العرب في عميق ضلالهم ~~بإعراضهم عن الإسلام ، وتبين سوء نواياهم التي حالت دون الاهتداء بهديه ~~والانتفاع بفضله ، وسجل ذلك على زعماء المعاندين أعني اليهود ابتداء بقوله ~~: { يا بني إسرائيل } ( البقرة : 40 ) مرتين ، وأدمج معهم النصارى استطرادا ~~مقصودا ، ثم أنصف المنصفون منهم الذين يتلون الكتاب حق تلاوته ، انتقل إلى ~~توجيه التوبيخ والتذكير إلى العرب الذين يزعمون أنهم أفضل ذرية إبراهيم ~~وأنهم يتعلقون بملته ، وأنهم زرع إسماعيل وسدنة البيت الذي بناه ، وكانوا ~~قد وخزوا بجانب من التعريض في خلال المحاورات التي جرت مع أهل الكتاب للصفة ~~التي جمعتهم وإياهم من حسد النبيء والمسلمين على ما أنزل عليهم من خير ، ~~ومن قولهم ليس المسلمون على شيء ، ومن قولهم { اتخذ الله ولدا } ( البقرة : ~~116 ) ، ومن قولهم { لولا يكلمنا الله } ( البقرة : 118 ) . فلما أخذ ~~اليهود والنصارى حظهم من الإنذار والموعظة كاملا فيما PageV01P699 اختصوا ~~به ، وأخذوا مع المشركين حظهم من ذلك فيما اشتركوا فيه تهيأ المقام للتوجه ~~إلى مشركي العرب لإعطائهم حظهم من الموعظة كاملا فيما اختصوا به ، فمناسبة ~~ذكر فضائل إبراهيم ومنزلته عند ربه ودعوته لعقبه عقب ذكر أحوال بني إسرائيل ~~، هي الاتحاد في المقصد ، فإن المقصود من تذكير بني إسرائيل بالنعم ~~والتخويف ، تحريضهم على الإنصاف في تلقي الدعوة الإسلامية والتجرد من ~~المكابرة والحسد وترك الحظوظ الدنيوية لنيل السعادة الأخروية . والمقصود من ~~ذكر قصة إبراهيم موعظة المشركين ابتداء وبني إسرائيل تبعا له ، لأن العرب ~~أشد اختصاصا بإبراهيم من حيث إنهم يزيدون على نسبهم إليه بكونهم حفظة حرمه ~~، ومنتمين قديما للحنيفية ولم يطرأ عليهم دين يخالف الحنيفية ms0747 بخلاف أهل ~~الكتابين . # فحقيق أن نجعل قوله { وإذ ابتلى } عطفا على قوله تعالى : { وإذ قال ربك ~~للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة } ( البقرة : 30 ) كما دل عليه افتتاحه ~~بإذ على نحو افتتاح ذكر خلق آدم بقوله : { وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل ~~في الأرض خليفة } فإن الأول تذكير بنعمة الخلق الأول وقد وقع عقب التعجب من ~~كفر المشركين بالخالق في قوله : { كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم } ~~( البقرة : 28 ) ، عقبت تلك التذكرة بإنذار من كيفر بآيات اللهمن ذرية آدم ~~بقوله : { فإما يأتينكم مني هدى } ( البقرة : 38 ) الآية ، ثم خص من بين ~~ذرية آدم بنو إسرائيل الذين عهد إليهم على لسان موسى عهد الإيمان وتصديق ~~الرسول الذي يجيء مصدقا لما معهم ، لأنهم صاروا بمنزلة الشهداء على ذرية ~~آدم . فتهيأ المقام لتذكير الفريقين بأبيهم الأقرب وهو إبراهيم أي وجه يكون ~~المقصود بالخطاب فيه ابتداء العرب ، ويضم الفريق الآخر معهم في قرن ، ولذلك ~~كان معظم الثناء على إبراهيم بذكر بناء البيت الحرام وما تبعه إلى أن ذكرت ~~القبلة وسط ذلك ، ثم طوي بالانتقال إلى ذكر سلف بني إسرائيل بقوله : { أم ~~كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت } ( البقرة : 133 ) ليفضي إلى قوله : { ~~وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا } ( البقرة : 135 ) فيرجع إلى تفضيل ~~الحنيفية والإعلام بأنها أصل الإسلام وأن المشركين ليسوا في شيء منها وكذلك ~~اليهود والنصارى . وقد افتتح ذكر هذين الطورين بفضل ذكر فضل الأبوين آدم ~~وإبراهيم ، فجاء الخبران على أسلوب واحد على أبدع وجه وأحكم نظم . فتعين أن ~~تقدير الكلام واذكر إذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات . # ومن الناس من زعم أن قوله : { وإذ ابتلى } عطف على قوله { نعمتي } ( ~~البقرة : 122 ) أي اذكروا نعمتي وابتلائي PageV01P700 إبراهيم ، ويلزمه ~~تخصيص هاته الموعظة ببني إسرائيل ، وتخلل { واتقوا يوما } ( البقرة : 123 ) ~~بين المعطوفين وذلك يضيق شمول الآية ، وقد أدمج في ذلك قوله : { ومن ذريتي ~~} وقوله : { لا ينال عهدي الظالمين } . # وفي هذه الآية مقصد آخر وهو تمهيد الانتقال إلى فضائل البلد الحرام ~~والبيت الحرام ، لإقامة الحجة على الذين ms0748 عجبوا من نسخ استقبال بيت المقدس ~~وتذرعوا بذلك إلى الطعن في الإسلام بوقوع النسخ فيه ، وإلى تنفير عامة أهل ~~الكتاب من اتباعه لأنه غير قبلتهم ليظهر لهم أن الكعبة هي أجدر بالاستقبال ~~وأن الله استبقاها لهذه الأمة تنبيها على مزية هذا الدين . # والابتلاء افتعال من البلاء ، وصيغة الافتعال هنا للمبالغة والبلاء ~~الاختبار وتقدم في قوله : { وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم } ( البقرة : 49 ) ~~، وهو مجاز مشهور فيه لأن الذي يكلف غيره بشيء يكون تكليفه متضمنا انتظار ~~فعله أو تركه فيلزمه الاختبار فهو مجاز على مجاز ، والمراد هنا التكليف لأن ~~الله كلفه بأوامر ونواه إما من الفضائل والآداب وإما من الأحكام التكليفية ~~الخاصة به ، وليس في إسناد الابتلاء إلى الله تعالى إشكال بعد أن عرفت أنه ~~مجاز في التكليف ، ولك أن تجعله استعارة تمثيلية ، وكيفما كان فطريق ~~التكليف وحي لا محالة ، وهذا يدل على أن إبراهيم أوحى إليه بنبوءة لتتهيأ ~~نفسه لتلقي الشريعة فلما امتثل ما أمر به أوحى إليه بالرسالة وهي في قوله ~~تعالى : { إني جاعلك للناس إماما } فتكون جملة { إني جاعلك للناس إماما } ~~بدل بعض من جملة { وإذ ابتلى } ، ويجوز أن يكون الابتلاء هو الوحي بالرسالة ~~ويكون قوله : { إني جاعلك للناس إماما } تفسيرا لابتلى . # والإمام الرسول والقدوة . # و ( إبراهيم ) اسم الرسول العظيم الملقب بالخليل وهو إبراهيم بن تارح ( ~~وتسمي العرب تارح آزر ) بن ناحور بن سروج ، ابن رعو ، ابن فالح ، ابن عابر ~~ابن شالح ابن أرفكشاد ، ابن سام ابن نوح هكذا تقول التوراة . ومعنى إبراهيم ~~في لغة الكلدانيين أب رحيم أو أب راحم قاله السهيلي وابن عطية ، وفي ~~التوراة أن اسم إبراهيم إبرام وأن الله لما أوحى إليه وكلمه أمره أن يسمى ~~إبراهيم لأنه يجعله أبا لجمهور من الأمم ، فمعنى إبراهيم على هذا أبو أمم ~~كثيرة . # ولد في أور الكلدانيين سنة 1996 ست وتسعين وتسعمائة وألف قبل ميلاد ~~المسيح ، ثم انتقل به والده إلى أرض كنعان ( وهي أرض الفنيقيين ) فأقاموا ~~بحاران ( هي حوران ) PageV01P701 ثم خرج منها لقحط أصاب حاران ms0749 فدخل مصر ~~وزوجه سارة وهنالك رام ملك مصر افتكاك سارة فرأى آية صرفته عن مرامه ~~فأكرمها وأهداها جارية مصرية اسمها هاجر وهي أم ولده إسماعيل ، وسماه الله ~~بعد ذلك إبراهيم ، وأسكن ابنه إسماعيل وأمه هاجر بوادي مكة ثم لما شب ~~إسماعيل بنى إبراهيم البيت الحرام هنالك . # وتوفي إبراهيم سنة 1773 ثلاث وسبعين وسبعمائة وألف قبل ميلاد المسيح . # وفي اسمه لغات للعرب : إحداها إبراهيم وهي المشهورة وقرأ بها الجمهور ، ~~والثانية إبراهام وقعت في قراءة هشام عن ابن عامر حيثما وقع اسم إبراهيم ، ~~الثالثة إبراهم وقعت في رجز لزيد بن عمرو بن نفيل : # عذت بما عاذ به إبراهم # مستقبل الكعبة وهو قائم # وذكر أبو شامة في { شرح حرز الأماني } عن الفراء في إبراهيم ست لغات : # إبراهيم ، إبراهام ، إبراهوم ، إبراهم ، ( بكسر الهاء ) ، إبراهم ( بفتح ~~الهاء ) إبراهم ( بضم الهاء ) . # ولم يقرأ جمهور القراء العشرة إلا بالأولى وقرأ بعضهم بالثانية في ثلاثة ~~وثلاثين موضعا سيقع التنبيه عليها في مواضعها ، ومع اختلاف هذه القراءات ~~فهو لم يكتب في معظم المصاحف الأصلية إلا إبراهيم بإثبات الياء ، قال ~~أبوعمرو الداني لم أجد في مصاحف العراق والشام مكتوبا إبراهم بميم بعد ~~الهاء ولم يكتب في شيء من المصاحف إبراهام بالألف بعد الهاء على وفق قراءة ~~هشام ، قال أبو زرعة سمعت عبد الله بن ذكوان قال : سمعت أبا خليد القارىء ~~يقول في القرآن ستة وثلاثون موضعا إبراهام قال أبو خليد : فذكرت ذلك لمالك ~~بن أنس فقال عندنا مصحف قديم فنظر فيه ثم أعلمني أنه وجدها فيه كذلك ، وقال ~~أبو بكر ابن مهران روى عن مالك بن أنس أنه قيل له : إن أهل دمشق يقرأون ~~إبراهام ويدعون أنها قراءة عثمان رضي الله عنه فقال مالك ها مصحف عثمان ~~عندي ثم دعا به فإذا فيه كما قرأ أهل دمشق . # وتقديم المفعول وهو لفظ ( إبراهيم ) لأن المقصود تشريف إبراهيم بإضافة ~~اسم رب إلى اسمه مع مراعاة الإيجاز فلذلك لم يقل وإذ ابتلى الله إبراهيم . ~~PageV01P702 # والكلمات الكلام الذي أوحى الله به إلى إبراهيم إذ ms0750 الكلمة لفظ يدل على ~~معنى والمراد بها هنا الجمل كما في قوله تعالى : { كلا إنها كلمة هو قائلها ~~} ( المؤمنون : 100 ) ، وأجملها هنا إذ ليس الغرض تفصيل شريعة إبراهيم ولا ~~بسط القصة والحكاية وإنما الغرض بيان فضل إبراهيم ببيان ظهور عزمه وامتثاله ~~لتكاليف فأتى بها كاملة فجوزي بعظيم الجزاء ، وهذه عادة القرآن في إجمال ما ~~ليس بمحل الحاجة ، ولعل جمع الكلمات جمع السلامة يؤذن بأن المراد بها أصول ~~الحنيفية وهي قليلة العدد كثيرة الكلفة ، فلعل منها الأمر بذبح ولده ، ~~وأمره بالاختتان ، وبالمهاجرة بهاجر إلى شقة بعيدة وأعظم ذلك أمره بذبح ~~ولده إسماعيل بوحي من الله إليه في الرؤيا ، وقد سمي ذلك بلاء في قوله ~~تعالى : { إن هذا لهو البلاء المبين } ( الصافات : 106 ) . # وقوله : { فأتمهن } جيء فيه بالفاء للدلالة على الفور في الامتثال وذلك ~~من شدة العزم . والإتمام في الأصل الإتيان بنهاية الفعل أو إكمال آخر أجزاء ~~المصنوع . # وتعدية فعل أتم إلى ضمير ( كلمات ) مجاز عقلي ، وهو من تعليق الفعل بحاوي ~~المفعول لأنه كالمكان له وفي معنى الإتمام قوله تعالى : { وإبراهيم الذي ~~وفى } ( النجم : 37 ) ، وقوله : { قد صدقت الرؤيا } ( الصافات : 105 ) ، ~~فالإفعال هنا بمعنى إيقاع الفعل على الوجه الأتم وليس المراد بالهمز ~~التصيير أي صيرها تامة بعد أن كانت ناقصة إذ ليس المراد أنه فعل بعضها ثم ~~أتى بالبعض الآخر ، فدل قوله : { فأتمهن } مع إيجازه على الامتثال وإتقانه ~~والفور فيه . وهذه الجملة هي المقصود من جزء القصة فيكون عطفها للدلالة على ~~أنه ابتلى فامتثل كقولك دعوت فلانا فأجاب . # وجملة { قال إني جاعلك للناس إماما } مستأنفة استئنافا بيانيا ناشئا عما ~~اقتضاه قوله : { وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات } من تعظيم الخبر والتنويه ~~به ، لما يقتضيه ظرف ( إذ ) من الإشارة إلى قصة من الأخبار التاريخية ~~العظيمة فيترقب السامع ما يترتب على اقتصاصها ، ويجوز أن يكون الفصل على ~~طريقة المقاولة لأن هذا القول مجاوبة لما دل عليه قوله : { ابتلى } . # والإمام مشتق من الأم بفتح الهمزة وهو القصد وهو وزن فعال من صيغ الآلة ~~سماعا كالعماد والنقاب ms0751 والإزار والرداء ، فأصله ما يحصل به الأم أي القصد ~~ولما كان الدال على الطريق يقتدي به الساير دل الإمام على القدوة والهادي . # والمراد بالإمام هنا الرسول فإن الرسالة أكمل أنواع الإمامة والرسول أكمل ~~أفراد هذا النوع . وإنما عدل عن التعبير { برسولا } إلى { إماما } ليكون ~~ذلك دالا على أن رسالته تنفع PageV01P703 الأمة المرسل إليها بطريق التبليغ ~~، وتنفع غيرهم من الأمم بطريق الاقتداء ، فإن إبراهيم عليه السلام رحل إلى ~~آفاق كثيرة فتنقل من بلاد الكلدان إلى العراق وإلى الشام والحجاز ومصر ، ~~وكان في جميع منازله محل التبجيل ولا شك أن التبجيل يبعث على الاقتداء ، ~~وقد قيل إن دين برهما المتبع في الهند أصله منسوب إلى اسم إبراهم عليه ~~السلام مع تحريف أدخل على ذلك الدين كما أدخل التحريف على الحنيفية ، ~~وليتأتى الإيجاز في حكاية قول إبراهيم الآتي { ومن ذريتي } ، فيكون قد سأل ~~أن يكون في ذريته الإمامة بأنواعها من رسالة وملك وقدوة على حسب التهيؤ ~~فيهم ، وأقل أنواع الإمامة كون الرجل الكاملل قدوة لبنيه وأهل بيته ~~وتلاميذه . # وقوله : { قال ومن ذريتي } جواب صدر من إبراهيم فلذا حكي بقال دون عاطف ~~على طريق حكاية المحاورات كما تقدم عند قوله تعالى : { قالوا أتجعل فيها من ~~يفسد فيها } ( البقرة : 30 ) والمقول معطوف على خطاب الله تعالى إياه ~~يسمونه عطف التلقين وهو عطف المخاطب كلاما على ما وقع في كلام المتكلم ~~تنزيلا لنفسه في منزلة المتكلم يكمل له شيئا تركه المتكلم إما عن غفلة وإما ~~عن اقتصار فيلقنه السامع تداركه بحيث يلتئم من الكلامين كلام تام في اعتقاد ~~المخاطب . # وفي الحديث الصحيح قال جرير بن عبد الله ( بايعت النبيء على شهادة أن لا ~~إله إلا الله إلخ فشرط علي والنصحح لكل مسلم ) ، ومنه قول ابن الزبير للذي ~~سأله فلم يعطه فقال لعن الله ناقة حملتني إليك فقال ابن الزبير ( إن ~~وراكبها ) ، وقد لقبوه عطف التلقين كما في ( شرح التفتزاني على الكشاف ) ~~وذلك لأن أكثر وقوع مثله في موقع العطف ، والأولى أن تحذف كلمة عطف ونسمي ~~هذا ms0752 الصنف من الكلام باسم التلقين وهو تلقين السامع المتكلم ما يراه حقيقا ~~بأن يلحقه بكلامه ، فقد يكون بطريقة العطف وهو الغالب كما هنا ، وقد يكون ~~بطريقة الاستفهام الإنكاري والحال كقول تعالى : { قالوا بل نتبع ما ألفينا ~~عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا } ( البقرة : 170 ) فإن الواو ~~مع ( لو ) الوصلية واو الحال وليس واو العطف فهو إنكار على إلحاقهم ~~المستفهم عنه بقولهم ودعواهم ، وقد يكون بطريقة الاستثناء كقول العباس لما ~~قال النبيء صلى الله عليه وسلم في حرم مكة ( لا يعضد شجره ) فقال العباس ~~إلا الإذخر لبيوتنا وقيننا ، وللكلام المعطوف عطف التلقين من الحكم حكم ~~PageV01P704 الكلام المعطوف هو عليه خبرا وطلبا ، فإذا كان كما هنا على ~~طريق العرض علم إمضاء المتكلم له إياه ، بإقراره كما في الآية أو التصريح ~~به كما وقع في الحديث ( إلا الإذخر ) ، ثم هو في الإنشاء إذا عطف معمول ~~الإنشاء يتضمن أن المعطوف له حكم المعطوف عليه ، ولما كان المتكلم بالعطف ~~في الإنشاء هو المخاطب بالإنشاء لزم تأويل عطف التلقين فيه بأنه على إرادة ~~العطف على معمول لازم الإنشاء ففي الأمر إذا عطف المأمور مفعولا على مفعول ~~الآمر كان المعنى زدني من الأمر فأنا بصدد الامتثال وكذا في المنهي . ~~والمعطوف محذوف دل عليه المقام أي وبعض من ذريتي أو وجاعل بعضض من ذريتي . # والذرية نسل الرجل وما توالد منه ومن أبنائه وبناته ، وهي مشتقة إما من ~~الذر اسما وهو صغار النمل ، وإما من الذر مصدرا بمعنى التفريق ، وإما من ~~الذرى والذرو ( بالياء والواو ) وهو مصدر ذرتت الريح إذا سفت ، وإما من ~~الذرء بالهمز وهو الخلق ، فوزنها إما فعلية بوزن النسب إلى ذر وضم الذال في ~~النسب على غير قياس كما قالوا في النسب إلى دهر دهري بضم الدال ، وإما ~~فعيلة أو فعولة من الذرى أو الذرو أو الذرء بإدغام اليائين أو الياء مع ~~الواو أو الياء مع الهمزة بعد قلبها ياء وكل هذا تصريف لاشتقاق الواضع فليس ~~قياس التصريف . # وإنما قال إبراهيم : { ومن ذريتي ms0753 } ولم يقل وذريتي لأنه يعلم أن حكمة ~~الله من هذا العالم لم تجر بأن يكون جميع نسل أحد ممن يصلحون لأن يقتدى بهم ~~فلم يسأل ما هو مستحيل عادة لأن سؤال ذلك ليس من آداب الدعاء . # وإنما سأل لذريته ولم يقصر السؤال على عقبه كما هو المتعارف في عصبية ~~القائل لأبناء دينه على الفطرة التي لا تقتضي تفاوتا فيرى أبناء الابن ~~وأبناء البنت في القرب من الجد بل هما سواء في حكم القرابة ، وأما مبنى ~~القبلية فعلى اعتبارات عرفية ترجع إلى النصرة والاعتزاز فأما قول : # بنونا بنو أبنائنا وبناتنا # بنوهن أبناء الرجال الأباعد # فوهم جاهلي ، وإلا فإن بني الأبناء أيضا بنوهم أبناء النساء الأباعد ، ~~وهل يتكون نسل إلا من أب وأم . وكذا قول : PageV01P705 # وإنما أمهات الناس أوعية # فيها خلقن وللأبناء أبناء # فذلك سفسطة . وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للذي سأله عن الأحق ~~بالبر من أبويه ( أمك ثم أمك ثم أمك ثم أبوك ) وقال الله تعالى : { ووصينا ~~الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن } ( لقمان : 14 ) . # وقوله تعالى : { لا ينال عهدي الظالمين } استجابة مطوية بإيجاز وبيان ~~للفريق الذي تتحقق فيه دعوة إبراهيم والذي لا تتحقق فيه بالاقتصار على ~~أحدهما لأن حكم أحد الضدين يثبت نقيضه للآخر على طريقة الإيجاز ، وإنما لم ~~يذكر الصنف الذي تحقق فيه الدعوة لأن المقصد ذكر الصنف الآخر تعريضا بأن ~~الذين يزعمون يومئذ أنهم أولى الناس بإبراهيم وهم أهل الكتاب ومشركو العرب ~~هم الذين يحرمون من دعوته ، قال تعالى : { ما كان إبراهيم يهوديا ولا ~~نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين إن أولى الناس بإبراهيم ~~للذين اتبعوه } ( آل عمران : 67 ، 68 ) ولأن المربي يقصد التحذير من ~~المفاسد قبل الحث على المصالح ، فبيان الذين لا تتحقق فيهم الدعوة أولى من ~~بيان الآخرين . # و { ينال } مضارع نال نيلا بالياء إذا أصاب شيئا والتحق به أي لا يصيب ~~عهدي الظالمين أي لا يشملهم ، فالعهد هنا بمعنى الوعد المؤكد . وسمي وعد ~~الله عهدا لأن الله لا ms0754 يخلف وعده كما أخبر بذلك فصار وعده عهدا ولذلك سماه ~~النبيء عهدا في قوله ( أنشدك عهدك ووعدك ) ، أي لاينال وعدي بإجابة دعوتك ~~الظالمين منهم ، ولا يحسن أن يفسر العهد هنا بغير هذا وإن كان في مواقع من ~~القرآن أريد به غيره ، وسيأتي ذكر العهد في سورة الأعراف . # ومن دقة القرآن اختيار هذا اللفظ هنا لأن اليهود زعموا أن الله عهد ~~لإبراهيم عهدا بأنه مع ذريته ففي ذكر لفظ العهد تعريض بهم وإن كان صريح ~~الكلام لتوبيخ المشركين . والمراد بالظالمين ابتداء المشركون أي الذين ~~ظلموا أنفسهم إذ أشركوا بالله قال تعالى : { إن الشرك لظلم عظيم } ( لقمان ~~: 13 ) والظلم يشمل أيضا عمل المعاصي الكبائر كما وقع في قوله تعالى : { ~~ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين } ( الصافات : 113 ) وقد وصف القرآن ~~اليهود بوصف الظالمين في قوله : { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الظالمون } ( المائدة : 45 ) فالمراد بالظلم المعاصي الكبيرة وأعلاها الشرك ~~بالله تعالى . PageV01P706 # وفي الآية تنبيه على أن أهل الكتاب والمشركين يومئذ ليسوا جديرين ~~بالإمامة لاتصافهم بأنواع من الظلم كالشرك وتحريف الكتاب وتأويله على حسب ~~شهواتهم والانهماك في المعاصي حتى إذا عرضوا أنفسهم على هذا الوصف علموا ~~انطباقه عليهم . وإناطة الحكم بوصف الظالمين إيماء إلى علة نفي أن ينالهم ~~عهد الله فيفهم من العلة أنه إذا زال وصف الظلم نالهم العهد . # وفي الآية أن المتصف بالكبيرة ليس مستحقا لإسناد الإمامة إليه أعني سائر ~~ولايات المسلمين : الخلافة والإمارة والقضاء والفتوى ورواية العلم وإمامة ~~الصلاة ونحو ذلك . قال فخر الدين : قال الجمهور من الفقهاء والمتكلمين ~~الفاسق حال فسقه لا يجوز عقد الإمامة له . وفي ( تفسير ابن عرفة ) تسليم ~~ذلك . ونقل ابن عرفة عن المازري والقرطبي عن الجمهور إذا عقد للإمام على ~~وجه صحيح ثم فسق وجار فإن كان فسقه بكفر وجب خلعه وأما بغيره من المعاصي ~~فقال الخوارج والمعتزلة وبعض أهل السنة يخلع وقال جمهور أهل السنة لا يخلع ~~بالفسق والظلم وتعطيل الحدود ويجب وعظه وترك طاعته فيما لا تجب فيه طاعة ~~وهذا ms0755 مع القدرة على خلعه فإن لم يقدر عليه إلا بفتنة وحرب فاتفقوا على منع ~~القيام عليه وأن الصبر على جوره أولى من استبدال الأمن بالخوف وإراقة ~~الدماء انطلاق أيدي السفهاء والفساق في الأرض وهذا حكم كل ولاية في قول ~~علماء السنة ، وما نقل عن أبي حينفة من جواز كون الفاسق خليفة وعدم جواز ~~كونه قاضيا قال أبو بكر الرازي الجصاص هو خطأ في النقل . # وقرأ الجمهور من العشرة ( عهدي ) بفتح ياء المتكلم وهو وجه من الوجوه في ~~ياء المتكلم وقرأه حمزة وحفص بإسكان الياء . # # | 2 ( 125 ) { وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام ~~إبراهيم مصلى وعهدنآ إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتى للطآئفين والعاكفين ~~والركع السجود } . ) 2 # تدرج في ذكر منقبة إبراهيم إذ جعل الله بيته بهذه الفضيلة . و ( إذ ) ~~أضافها إلى جلالته فقال : ( بيتي ) ، واستهلال لفضيلة القبلة الإسلامية ، ~~فالواو عاطفة على { ابتلى } ( البقرة : 124 ) وأعيدت ( إذ ) للتنبيه على ~~PageV01P707 استقلال القصة وأنها جديرة بأن تعد بنية أخرى ، ولا التفات إلى ~~حصول مضمون هذه بعد حصول الأخرى أو قبله إذ لا غرض في ذلك في مقام ذكر ~~الفضائل ، ولأن الواو لا تفيد ترتيبا . # والبيت اسم جنس للمكان المتخذ مسكنا لواحد أو عدد من الناس في غرض من ~~الأغراض ، وهو مكان من الأرض يحيط به ما يميزه عن بقية بقعته من الأرض ~~ليكون الساكن مستقلا به لنفسه ولمن يتبعه فيكون مستقرا له وكنا يكنه من ~~البرد والحر وساترا يستتر فيه عن الناس ومحطا لأثاثه وشؤونه ، وقد يكون ~~خاصا وهو الغالب وقد يكون لجماعة مثل دار الندوة في العرب وخيمة الاجتماع ~~في بني إسرائيل ، وقد يكون محيط البيت من حجر وطين كالكعبة ودار الندوة ، ~~وقد يكون من أديم مثل القباب ، وقد يكون من نسيج صوف أو شعر قال تعالى : { ~~وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها } ( النحل : 80 ) ، ولا يكون ~~بيتا إلا إذا كان مستورا أعلاه عن الحر والقر وذلك بالسقف لبيوت الحجر ~~وبيوت الأديم والخيام . # والبيت علم بالغلبة على الكعبة ms0756 كما غلب النجم على الثريا . وأصل أل التي ~~في الأعلام بالغلبة هي أل العهدية وذلك إذا كثر عهد فرد من أفراد جنس بين ~~طائفة أو قوم صار اسم جنسه مع أل العهدية كالعلم له ثم قد يتعهدون مع ذلك ~~المعنى الأصلي كما في النجم للثريا والكتاب للقرآن والبيت للكعبة ، وقد ~~ينسى المعنى الأصلي إما بقلة الحاجة إليه كالصعق علم على خويلد بن نفيل ~~وإما بانحصار الجنس فيه كالشمس . # والكعبة بيت بناه إبراهيم عليه السلام لعبادة الله وحده دون شريك فيأوي ~~إليه من يدين بالتوحيد ويطوف به من يقصد تعظيم الله تعالى ولذلك أضافه إلى ~~الله تعالى باعتبار هذا المعنى كما قال : { أن طهرا بيتي للطائفين } وفي ~~قوله : { عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة } ( إبراهيم : 37 ) وقد عرفت ~~الكعبة باسم البيت من عهد الجاهلية قال زهير : # فأقسمت بالبيت الذي طاف حوله # رجال بنوه من قريش وجرهم # والمثابة مفعلة من ثاب يثوب إذا رجع ويقال مثابة ومثاب مثل مقامة ومقام ، ~~والمراد بالمثابة أنه يقصده الناس بالتعظيم ويلوذون به . # والمراد من الناس سكان مكة من ذرية إسماعيل وكل من يجاورهم ويدخل في ~~حلفهم ، فتعريف الناس للجنس المعهود ، وتعليق للناس بمثابة على التوزيع أي ~~يزوره ناس ويذهبون فيخلفهم ناس . PageV01P708 # ولما كان المقصود من هذا ذكر منقبة البيت والمنة على ساكنيه كان الغرض ~~التذكير بنعمة الله أن جعله لا ينصرف عنه قوم إلا ويخلفهم قوم آخرون ، فكان ~~الذين يخلفون الزائرين قائمين مقامهم بالنسبة للبيت وسكانه ، ويجوز حمل ~~تعريف الناس على العهد أي يثوب إليه الناس الذين ألفوه وهم كمل الزائرين ~~فهم يعودون إليه مرارا ، وكذلك كان الشأن عند العرب . # والأمن مصدر أخبر به عن البيت باعتبار أنه سبب أمن فجعل كأنه نفس الأمن ~~مبالغة . والأمن حفظ الناس من الأضرار فتشريد الدعار وحراسة البلاد وتمهيد ~~السبل وإنارة الطرق أمن ، والانتصاف من الجناة والضرب على أيدي الظلمة ~~وإرجاع الحقوق إلى أهلها أمن ، فالأمن يفسر في كل حال بما يناسبه ، ولما ~~كان الغالب على أحوال الجاهلية أخذ القوي ms0757 مال الضعيف ولم يكن بينهم تحاكم ~~ولا شريعة كان الأمن يومئذ هو الحيلولة بين القوي والضعيف ، فجعل الله لهم ~~البيت أمنا للناس يومئذ أي يصد القوي عن أن يتناول فيه الضعيف قال تعالى : ~~{ أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم } ( العنكبوت : 67 ~~) فهذه منة على أهل الجاهلية ، وأما في الإسلام فقد أغنى الله تعالى بما ~~شرعه من أحكامه وما أقامه من حكامه فكان ذلك أمنا كافيا . قال السهيلي ~~فقوله تعالى : { مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا } ( آل عمران : 97 ) إنما ~~هو إخبار عن تعظيم حرمته في الجاهلية نعمة منه تعالى على أهل مكة فكان في ~~ذلك مصلحة لذرية إسماعيل عليه السلام . # وقد اختلف الفقهاء في الاستدلال بهذه الآية وأضرابها على حكم إقامة ~~الحدود والعقوبات في الحرم وسيأتي تفصيلها عند قوله تعالى : { ولا تقاتلوهم ~~عند المسجد الحرام } ( البقرة : 191 ) الآية وليس من غرض هذه الآية . # والمراد من الجعل في الآية إما الجعل التكويني لأن ذلك قدره الله وأوجد ~~أسبابه فاستقر ذلك بين أهل الجاهلية ويسرهم إلى تعظيمه ، وإما الجعل أن أمر ~~الله إبراهيم بذلك فأبلغه إبراهيم ابنه إسماعيل وبثه في ذريته فتلقاه ~~أعقابهم تلقي الأمور المسلمة ، فدام ذلك الأمن في العصور والأجيال من عهد ~~إبراهيم عليه السلام إلى أن أغنى الله عنه بما شرع من أحكام الأمن في ~~الإسلام في كل مكان وتم مراد الله تعالى ، فلا يريبكم ما حدث في المسجد ~~الحرام من الخوف في حصار الحجاج في فتنة ابن الزبير ولا ما حدث فيه من ~~الرعب والقتل والنهب في زمن القرامطة حين غزاه الحسن ابن بهرام الجنابي ( ~~نسبة إلى بلدة يقال لها جنابة بتشديد PageV01P709 النون ) كبير القرامطة إذ ~~قتل بمكة آلافا من الناس وكان يقول لهم يا كلاب أليس قال لكم محمد المكي { ~~ومن دخله كان آمنا } ( آل عمران : 97 ) أي أمن هنا ؟ وهو جاهل غبي لأن الله ~~أراد الأمر بأن يجعل المسجد الحرام مأمنا في مدة الجاهلية إذ لم يكن للناس ~~وازع عن الظلم ms0758 ، أو هو خبر مراد به الأمر مثل { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ~~ثلاثة قروء } ( البقرة : 228 ) . # وقوله : { واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } قرأه نافع وابن عامر بصيغة ~~الماضي عطفا على { جعلنا } فيكون هذا الاتخاذ من آثار ذلك الجعل فالمعنى ~~ألهمنا الناس أن يتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ، أو أمرناهم بذلك على لسان ~~إبراهيم فامتثلوا واتخذوه ، فهو للدلالة على حصول الجعل بطريق دلالة ~~الاقتضاء فكأنه قيل جعلنا ذلك فاتخذوا ، وقرأه باقي العشرة بكسر الخاء ~~بصيغة الأمر على تقدير القول أي قلنا اتخذوا بقرينة الخطاب فيكون العامل ~~المعطوف محذوفا بالقرينة وبقي معموله كقول لبيد : # فعلا فروع الأيهقان وأطفلت # بالجلهتين ظباؤها ونعامها # أراد وباضت نعامها فإنه لا يقال لأفراخ الطير أطفال ، فمآل القراءتين إلى ~~مفاد واحد . # ومقام إبراهيم يطلق على الكعبة لأن إبراهيم كان يقوم عندها يعبد الله ~~تعالى ويدعو إلى توحيده ، قال زيد بن عمرو بن نفيل : # عذت بما عاذ به إبراهم # مستقبل الكعبة وهو قائم # وبهذا الإطلاق جاء في قوله تعالى : { مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا } ( ~~آل عمران : 97 ) إذ الدخول من علائق البيت ، ويطلق مقام إبراهيم على الحجر ~~الذي كان يقف عليه إبراهيم عليه السلام حين بنائه الكعبة ليرتفع لوضع ~~الحجارة في أعلى الجدار كما أخرجه البخاري ، وقد ثبتت آثار قدميه في الحجر ~~. قال أنس بن مالك رأيت في المقام أثر أصابعه وأخمص قدميه غير أنه أذهبه ~~مسح الناس بأيديهم ، وهذا الحجر يعرف إلى اليوم بالمقام ، وقد ركع النبيء ~~صلى الله عليه وسلم في موضعه ركعتين بعد طواف القدوم فكان الركوع عنده من ~~سنة الفراغ من الطواف . # والمصلى موضع الصلاة وصلاتهم يومئذ الدعاء والخضوع إلى الله تعالى ، وكان ~~إبراهيم PageV01P710 قد وضع المسجد الحرام حول الكعبة ووضع الحجر الذي كان ~~يرتفع عليه للبناء حولها فكان المصلى على الحجر المسمى بالمقام فذلك يكون ~~المصلى متخذا من مقام إبراهيم على كلا الإطلاقين . # والقراءتان تقتضيان أن اتخاذ مقام إبراهيم مصلى كان من عهد إبراهيم عليه ~~السلام ولم يكن الحجر الذي اعتلى عليه إبراهيم في البناء ms0759 مخصوصا بصلاة عنده ~~ولكنه مشمول للصلاة في المسجد الحرام ولما جاء الإسلام بقي الأمر على ذلك ~~إلى أن كان عام حجة الوداع أو عام الفتح دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~المسجد الحرام ومعه عمر بن الخطاب ثم سنت الصلاة عند المقام في طواف القدوم ~~. روى البخاري عن عمر بن الخطاب أنه قال : ( وافقت ربي في ثلاث : قلت يا ~~رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى فنزلت { واتخذوا من مقام إبراهيم ~~مصلى } ، وهذه الرواية تثير معنى آخر للآية وهي أن يكون الخطاب موجها ~~للمسلمين فتكون جملة { واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } معترضة بين جملة { ~~جعلنا البيت مثابة للناس } وجملة { وعهدنا إلى إبراهيم } اعتراضا استطراديا ~~، وللجمع بين الاحتمالات الثلاثة في الآية يكون تأويل قول عمر ( فنزلت ) ~~أنه نزل على النبيء صلى الله عليه وسلم شرع الصلاة عند حجر المقام بعد أن ~~لم يكن مشروعا لهم ليستقيم الجمع بين معنى القراءتين واتخذوا بصيغة الماضي ~~وبصيغة الأمر فإن صيغة الماضي لا تحتمل غير حكاية ما كان في زمن إبراهيم ~~وصيغة الأمر تحتمل ذلك وتحتمل أن يراد بها معنى التشريع للمسلمين ، إعمالا ~~للقرآن بكل ما تحتمله ألفاظه حسبما بيناه في المقدمة التاسعة . # وقوله : { وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل } ، العهد أصله الوعد المؤكد ~~وقوعه وقد تقدم آنفا عند قوله تعالى : { قال لا ينال عهدي الظالمين } ( ~~البقرة : 124 ) ، فإذا عدي بإلى كان بمعنى الوصية المؤكد على الموصى العمل ~~بها فعهد هنا بمعنى أرسل عهدا إليه أي أرسل إليه يأخذ منهم عهدا ، فالمعنى ~~وأوصينا إلى إبراهيم وإسماعيل . # وقوله : { أن طهرا } أن تفسيرية لأن الوصية فيها معنى القول دون حروفه ~~فالتفسير للقول الضمني والمفسر هو ما بعد ( أن ) فلا تقدير في الكلام ولولا ~~قصد حكاية القول لما جاء بعد ( أن ) بلفظ الأمر ، ولقال بتطهير بيتي إلخ . ~~PageV01P711 # والمراد من تطهير البيت ما يدل عليه لفظ التطهير من محسوس بأن يحفظ من ~~القاذورات والأوساخ ليكون المتعبد فيه مقبلا على العبادة دون تكدير ، ومن ~~تطهير معنوي وهو أن يبعد عنه ms0760 ما لا يليق بالقصد من بنائه من الأصنام ~~والأفعال المنافية للحق كالعدوان والفسوق ، والمنافية للمروءة كالطواف عريا ~~دون ثياب الرجال والنساء . # وفي هذا تعريض بأن المشركين ليسوا أهلا لعمارة المسجد الحرام لأنهم لم ~~يطهروه مما يجب تطهيره منه قال تعالى : { وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا ~~المتقون } ( الأنفال : 34 ) وقال : { أيا أيها الذين آمنوا إنما المشركون ~~نجس } ( لبتبة : 28 ) . # والطائفون والعاكفون والراكعون والساجدون أصناف المتعبدين في البيت من ~~طوافف واعتكاف وصلاة ، وهم أصناف المتلبسين بتلك الصفات سواء انفردت بعض ~~الطوائف ببعض هذه الصفات أو اجتمعت الصفات في طائفة أو طوائف ، وذلك كله في ~~الكعبة قبل وضع المسجد الحرام ، وهؤلاء هم إسماعيل وأبناؤه وأصهاره من جرهم ~~وكل من آمن بدين الحنيفية من جيرانهم . # وقد جمع الطائف والعاكف جمع سلامة ، وجمع الراكع والساجد جمع تكسير ، ~~تفننا في الكلام وبعدا عن تكرير الصيغة أكثر من مرة بخلاف نحو قوله : { ~~مسلمات مؤمنات قانتات تائبات } ( التحريم : 5 ) الآية ، وقوله : { إن ~~المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات } ( الأحزاب : 35 ) الآية ، وقال ~~ابن عرفة ( جمع الطائفين والعاكفين جمع سلامة لأنه أقرب إلى لفظ الفعل ~~بمنزلة يطوفون أي يجددون الطواف للإشعار بعلة تطهير البيت وهو قرب هذين من ~~البيت بخلاف الركوع والسجود فإنه لا يلزم أن يكونا في البيت ولا عنده فلذلك ~~لم يجمع جمع سلامة ) ، وهذا الكلام يؤذن بالفرق بين جمع السلامة وجمع ~~التكسير من حيث الإشعار بالحدوث والتجدد ، ويشهد له كلام أبي الفتح ابن جني ~~في ( شرح الحماسة ) عند قول الأحوص الأنصارى : # فإذا تزول تزول عن متخمط # تخشى بوادره على الأقران # قال أبو الفتح : ( جاز أن يتعلق على ببوادر ، وإنكان جمعا مكسرا والمصدر ~~إذا كسر بعد بتكسيره عن شبه الفعل ، وإذا جاز تعلق المفعول به بالمصدر ~~مكسرا نحو ( مواعيد عرقوب أخاه ) كان تعلق حرف الجر به أجوز ) . فصريح ~~كلامه أن التكسير يبعد ما هو بمعنى الفعل عن شبه الفعل . PageV01P712 # وخولف بين الركوع والسجود زيادة في التفنن وإلا فإن الساجد يجمع على سجد ~~إلا أن الأكثر فيهما إذا اقترنا ms0761 أن يخالف بين صيغتيهما قال كثير : # لو يسمعون كما سمعت كلامها # خروا لعزة ركعا وسجودا # وقد علمتم من النحو والصرف أن جمع فاعل على فعول سماعي فمنه شهود وهجوع ~~وهجود وسجود . # ولم يعطف السجود على ( الركع ) لأن الوصفين متلازمان ولو عطف لتوهم أنهما ~~وصفان مفترقان . # # | 2 ( 126 ) { وإذ قال إبراهيم رب اجعل هاذا بلدا آمنا وارزق أهله من ~~الثمرات من ءامن منهم بالله واليوم الاخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم ~~أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير } . ) 2 # عطف على { وإذ جعلنا البيت مثابة } ( البقرة : 125 ) لإفادة منقبة ثالثة ~~لإبراهيم عليه السلام في استجابة دعوته بفضل مكة والنعمة على ساكنيها إذا ~~شكروا ، وتنبيه ثالث لمشركي مكة يومئذ ليتذكروا دعوة أبيهم إبراهيم المشعرة ~~بحرصه على إيمانهم بالله واليوم الآخر حتى خص من ذريته بدعوته المؤمنين ~~فيعرض المشركون أنفسهم على الحال التي سألها أبوهم فيتضح لهم أنهم على غير ~~تلك الحالة ، وفي ذلك بعث لهم على الاتصاف بذلك لأن للناس رغبة في الاقتداء ~~بأسلافهم وحنينا إلى أحوالهم ، وفي ذلك كله تعريض بهم بأن ما يدلون به من ~~النسب لإبراهيم ومن عمارة المسجد الحرام ومن شعائر الحج لا يغني عنهم من ~~الإشراك بالله ، كما عرض بالآيات قبل ذلك باليهود والنصارى وذلك في قوله ~~هنا : { ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير } وبه تظهر مناسبة ذكر هذه ~~المنقبة عقب قوله تعالى : { وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا } ( البقرة ~~: 125 ) . # واسم الإشارة في قوله : { هذا بلدا } مراد به الموضع القائم به إبراهيم ~~حين دعائه وهو المكان الذي عليه امرأته وابنه وعزم على بناء الكعبة فيه إن ~~كان الدعاء قبل البناء ، أوا لذي بني فيه الكعبة إن كان الدعاء بعد البناء ~~، فإن الاستحضار بالذات مغن عن الإشارة الحسية PageV01P713 باليد لأن ~~تمييزه عند المخاطب مغن عن الإشارة إليه فإطلاق اسم الإشارة حينئذ واضح . # وأصل أسماء الإشارة أن يستغنى بها عن زيادة تبيين المشار إليه تبيينا ~~لفظيا لأن الإشارة بيان ، وقد يزيدون الإشارة بيانا فيذكرون بعد اسم ~~الإشارة ms0762 اسما يعرب عطف بيان أو بدلا من اسم الإشارة للدلالة على أن المشار ~~إليه قصد استحضاره من بعض أوصافه كقولك هذا الرجل يقول كذا ، ويتأكد ذلك إن ~~تركت الإشارة باليد اعتمادا على حضور المراد من اسم الإشارة . وقد عدل هنا ~~عن بيان المشار إليه اكتفاء عنه بما هو الواقع عند الدعاء ، فإن إبراهيم ~~دعا دعوته وهو في الموضع الذي بنى فيه الكعبة لأن الغرض ليس تفصيل حالة ~~الدعاء إنما هو بيان استجابة دعائه وفضيلة محل الدعوة وجعل مكة بلدا آمنا ~~ورزق أهله من الثمرات ، وتلك عادة القرآن في الإعراض عما لا تعلق به ~~بالمقصود ألا ترى أنه لما جعل البلد مفعولا ثانيا استغنى عن بيان اسم ~~الإشارة ، وفي سورة إبراهيم ( 35 ) لما جعل { آمنا } مفعولا ثانيا بين اسم ~~الإشارة بلفظ ( البلد ) ، فحصل من الآيتين أن إبراهيم دعا لبلد بأن يكون ~~آمنا . # والبلد المكان المتسع من الأرض المتحيز عامرا أو غامرا ، وهو أيضا الأرض ~~مطلقا ، قال صنان اليشكري : # لكنه حوض من أودى بإخوته # ريب المنونن فأضحى بيضة البلد # يريد بيضة النعام في أدحي النعام أي محل بيضه ، ويطلق البلد على القرية ~~المكونة من بيوت عدة لسكنى أهلها بها وهو إطلاق حقيقي هو أشهر من إطلاق ~~البلد على الأرض المتسعة والظاهر أن دعوة إبراهيم المحكية في هذه الآية ~~كانت قبل أن تتقرى مكة حيث لم يكن بها إلا بيت إسماعيل أو بيت أو بيتان ~~آخران لأن إبراهيم ابتدأ عمارته ببناء البيت من حجر ، ولأن إلهام الله إياه ~~لذلك لإرادته تعالى مصيرها مهيع الحضارة لتلك الجهة إرهاصا لنبوة سيدنا ~~محمد صلى الله عليه وسلم ويحتمل أن ذلك المكان كان مأهولا بسكان وقت مجيء ~~إبراهيم وامرأته وابنه ، والعرب يذكرون أنه كان في تلك الجهة عشائر من جرهم ~~وقطورا والعمالقة والكركر في جهات أجياد وعرفات . # والآمن اسم فاعل من أمن ضد خاف ، وهو عند الإطلاق عدم الخوف من عدو ومن ~~قتال وذلك ما ميز الله مكة به من بين سائر بلاد العرب ، وقد يطلق الأمن ms0763 على ~~عدم الخوف مطلقا فتعين ذكر PageV01P714 متعلقه ، وإنما يوصف بالأمن ما يصح ~~اتصافه بالخوف وهو ذو الإدراكية ، فالإخبار بآمنا عن البلد إما بجعل وزن ~~فاعل هنا للنسبة بمعنى ذا أمن كقول النابغة : # كليني لهم يا أميمة ناصب # أي ذي نصب ، وإما على إرادة آمنا أهله على طريقة المجاز العقلي لملابسة ~~المكان . ثم إن كان المشار إليه في وقت دعاء إبراهيم أرضا فيها بيت أو ~~بيتان . فالتقدير في الكلام اجعل هذا المكان بلدا آمنا أي قرية آمنة فيكون ~~دعاء بأن يصير قرية وأن تكون آمنة . # وإن كان المشار إليه في وقت دعائه قرية بنى أناس حولها ونزلوا حذوها وهو ~~الأظهر الذي يشعر به كلام ( الكشاف ) هنا وفي سورة إبراهيم كان دعاء للبلد ~~بحصول الأمن له وأما حكاية دعوته في سورة إبراهيم ( 35 ) بقوله : { اجعل ~~هذا البلد آمنا فتلك دعوة له بعد أن صار بلدا . # ولقد كانت دعوة إبراهيم هذه من جوامع كلم النبوءة فإن أمن البلاد والسبلل ~~يستتبع جميع خصال سعادة الحياة ويقتضي العدل والعزة والرخاء إذ لا أمن ~~بدونها ، وهو يستتبع التعمير والإقبال على ما ينفع والثروة فلا يختل الأمن ~~إلا إذا اختلت الثلاثة الأول وإذا اختل اختلت الثلاثة الأخيرة ، وإنما أراد ~~بذلك تيسير الإقامة فيه على سكانه لتوطيد وسائل ما أراده لذلك البلد من ~~كونه منبع الإسلام . # والثمرات جمع ثمرة وهي ما تحمل به الشجرة وتنتجه مما فيه غذاء للإنسان أو ~~فاكهة له ، وكأن اسمه منتسب من اسم التمر بالمثناة فإن أهل الحجاز يريدون ~~بالثمر بالمثلثة التمر الرطب وبالمثناة التمر اليابس . # وللثمرة جموع متعددة وهي ثمر بالتحريك وثمار ، وثمر ، بضمتين ، وأثمار ، ~~وأثامير ، قالوا : ولا نظير له في ذلك إلا أكمة جمعت على أكم وإكامم وأكم ~~وآكام وأكاميم . # والتعريف في الثمرات تعريف الاستغراق وهو استغراق عرفي أي من جميع ~~الثمرات المعروفة للناس ودليل كونه تعريف الاستغراق مجيء من التي للتبعيض ، ~~وفي هذا دعاء لهم بالرفاهية حتى لا تطمح نفوسهم للارتحال عنه . # وقوله : من آمن منهم بالله } بدل بعضض من قوله ms0764 { أهله } يفيد تخصيصه لأن ~~أهله عام إذ هو اسم جمع مضاف وبدل البعض مخصص . PageV01P715 # وخص إبراهيم المؤمنين بطلب الرزق لهم حرصا على شيوع الإيمان لساكنيه ~~لأنهم إذا علموا أن دعوة إبراهيم خصت المؤمنين تجنبوا ما يحيد بهم عن ~~الإيمان ، فجعل تيسير الرزق لهم على شرط إيمانهم باعثا لهم على الإيمان ، ~~أو أراد التأدب مع الله تعالى فسأله سؤالا أقرب إلى الإجابة ولعله استشعر ~~من رد الله عليه عموم دعائه السابق إذ قال : { ومن ذريتي } ( البقرة : 124 ~~) فقال : { لا ينال عهدي الظالمين } ( البقرة : 124 ) أن غير المؤمنين ~~ليسوا أهلا لإجراء رزق الله عليهم وقد أعقب الله دعوته بقوله : { ومن كفر ~~فأمتعه قليلا } . # ومقصد إبراهيم من دعوته هذه أن تتوفر لأهل مكة أسباب الإقامة فيها فلا ~~تضطرهم الحاجة إلى سكنى بلد آخر لأنه رجا أن يكونوا دعاة لما بنيت الكعبة ~~لأجله من إقامة التوحيد وخصال الحنيفية وهي خصال الكمال ، وهذا أول مظاهر ~~تكوين المدينة الفاضلة التي دعا أفلاطون لإيجادها بعد بضعة عشر قرنا . # وجملة ؛ { قال ومن كفر فأمتعه } جاءت على سنن حكاية الأقوال في المحاورات ~~والأجوبة مفصولة ، وضمير { قال } عائد إلى الله ، فمن جوز أن يكون الضمير ~~في { قال } لإبراهيم وأن إعادة القول لطول المقول الأول فقد غفل عن المعنى ~~وعن الاستعمال وعن الضمير في قوله : { فأمتعه } . # وقوله : { ومن كفر } الأظهر أنه عطف على جملة : { وارزق أهله } باعتبار ~~القيد وهو قوله : { من آمن } فيكون قوله : { ومن كفر } مبتدأ وضمن الموصول ~~معنى الشرط فلذلك قرن الخبر بالفاء على طريقة شائعة في مثله ، لما قدمناه ~~في قوله : { ومن ذريتي } ( البقرة : 124 ) أن عطف التلقين في الإنشاء إذا ~~كان صادرا من الذي خوطب بالإنشاء كان دليلا على حصول الغرض من الإنشاء ~~والزيادة عليه ، ولذلك آل المعنى هنا إلى أن الله تعالى أظهر فضله على ~~إبراهيم بأنه يرزق ذريته مؤمنهم وكافرهم ، أو أظهر سعة رحمته برزق سكان مكة ~~كلهم مؤمنهم وكافرهم . # ومعنى ( أمتعه ) أجعل الرزق له متاعا ، و { قليلا } صفة لمصدر محذوف لبعد ~~قوله : { فأمتعه } والمتاع ms0765 القليل متاع الدنيا كما دلت عليه المقابلة بقوله ~~: { ثم أضطره إلى عذاب النار } . # وفي هذه الآية دليل لقول الباقلاني والماتريدية والمعتزلة بأن الكفار ~~منعم عليهم بنعم الدنيا ، وقال الأشعري لم ينعم على الكافر لا في الدنيا ~~ولا في الآخرة وإنما أعطاهم الله PageV01P716 الدنيا ملاذ على وجه ~~الاستدراج ، والمسألة معدودة في مسائل الخلاف بين الأشعري والماتريدي ، ~~ويشبه أن يكون الخلاف بينهما لفظيا وإن عده السبكي في عداد الخلاف المعنوي ~~. # وقوله : { ثم أضطره إلى عذاب النار } احتراس من أن يغتر الكافر بأن ~~تخويله النعم في الدنيا يؤذن برضى الله فلذلك ذكر العذاب هنا . # و ( ثم ) للتراخي الرتبي كشأنها في عطف الجمل من غير التفات إلى كون ~~مصيره إلى العذاب متأخرا عن تمتيعه بالمتاع القليل . # والاضطرار في الأصل الالتجاء وهو بوزن افتعل مطاوع أضره إذا صيره ذا ~~ضرورة أي حاجة ، فالأصل أن يكون اضطر قاصرا لأن أصل المطاوعة عدم التعدي ~~ولكن الاستعمال جاء على تعديته إلى مفعول وهو استعمال فصيح غير جار على ~~قياسس يقال اضطره إلى كذا أي ألجأه إليه ، ونظير هذه الآية قوله تعالى في ~~سورة لقمان ( 24 ) : { نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ } . # وقوله : { وبئس المصير } تذييل والواو للاعتراض أو للحال والخبر محذوف هو ~~المخصوص بالذم وتقديره هي . # # | 2 ( 127 ) { وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منآ ~~إنك أنت السميع العليم } . ) 2 # هذه منقبة ثالثة لإبراهيم عليه السلام ، وتذكير بشرف الكعبة ، ووسيلة ~~ثالثة إلى التعريض بالمشركين بعد قوله : { ربنا واجعلنا مسلمينن لك ومن ~~ذريتنا أمة مسلمة } ( البقرة : 128 ) إلخ ، وتمهيد للرد على اليهود إنكارهم ~~استقبال الكعبة الذي يجيء عند قوله تعالى : { سيقول السفهاء } ( البقرة : ~~142 ) ولأجل استقلالها بهاته المقاصد الثلاثة التي تضمنتها الآيات قبلها ~~عطفت على سوابقها مع الاقتران بإذ تنبيها على الاستقلال . # وخولف الأسلوب الذي يقتضيه الظاهر في حكاية الماضي أن يكون بالفعل الماضي ~~بأن يقول وإذ رفع إلى كونه بالمضارع لاستحضار الحالة PageV01P717 وحكايتها ~~كأنها مشاهدة لأن المضارع دال على زمن الحال فاستعماله هنا استعارة ms0766 تبعية ، ~~شبه الماضي بالحال لشهرته ولتكرر الحديث عنه بينهم فإنهم لحبهم إبراهيم ~~وإجلالهم إياه لا يزالون يذكرون مناقبه وأعظمها بناء الكعبة فشبه الماضي ~~لذلك بالحال ولأن ما مضى من الآيات في ذكر إبراهيم من قوله : { وإذ ابتلى ~~إبراهيم ربه } ( البقرة : 124 ) إلى هنا مما يوجب امتلاء أذهان السامعين ~~بإبراهيم وشؤونه حتى كأنه حاضر بينهم وكأن أحواله حاضرة مشاهدة ، وكلمة ( ~~إذ ) قرينة على هذا التنزيل لأن غالب الاستعمال أن يكون للزمن الماضي وهذا ~~معنى قول النحاة أن إذ تخلص المضارع إلى الماضي . # والقواعد جمع قاعدة وهي أساس البناء الموالي للأرض الذي به ثبات البناء ~~أطلق عليها هذا اللفظ لأنها أشبهت القاعد في اللصوق بالأرض فأصل تسمية ~~القاعدة مجاز عن اللصوق بالأرض ثم عن إرادة الثبات في الأرض وهاء التأنيث ~~فيها للمبالغة مثل هاء علامة . # ورفع القواعد إبرازها من الأرض والاعتلاء بها لتصير جدارا لأن البناء ~~يتصل بعضه ببعض ويصير كالشيء الواحد فالجدار إذا اتصل بالأساس صار الأساس ~~مرتفعا ، ويجوز جعل القواعد بمعنى جدران البيت كما سموها بالأركان ورفعها ~~إطالتها ، وقد جعل ارتفاع جدران البيت تسعة أذرع . ويجوز أن يفاد من اختيار ~~مادة الرفع دون مادة الإطالة ونحوها معنى التشريف ، وفي إثبات ذلك للقواعد ~~كناية عن ثبوته للبيت ، وفي إسناد الرفع بهذا المعنى إلى إبراهيم مجاز عقلي ~~لأن إبراهيم سبب الرفع المذكور أي بدعائه المقارن له . وعطف إسماعيل على ~~إبراهيم تنويه به إذ كان معاونه ومناوله . # وللإشارة إلى التفاوت بين عمل إبراهيم وعمل إسماعيل أوقع العطف على ~~الفاعل بعد ذكر المفعول والمتعلقات ، وهذا من خصوصيات العربية في أسلوب ~~العطف فيما ظهر لي ولا يحضرني الآن مثله في كلام العرب ، وذلك أنك إذا أردت ~~أن تدل على التفاوت بين الفاعلين في صدور الفعل تجعل عطف أحدهما بعد انتهاء ~~ما يتعلق بالفاعل الأول ، وإذا أردت أن تجعل المعطوف والمعطوف عليه سواء في ~~صدور الفعل تجعل المعطوف مواليا للمعطوف عليه . # وإسماعيل اسم الابن البكر لإبراهيم عليه السلام وهو ولده من جاريته هاجر ~~القبطية ، PageV01P718 ولد في ms0767 أرض الكنعانيين بين قادش وبارد سنة 1910 عشر ~~وتسعمائة وألف قبل ميلاد المسيح . # ومعنى إسماعيل بالعبرية سمع الله أي إجابة الله لأن الله استجاب دعاء أمه ~~هاجر إذ خرجت حاملا بإسماعيل مفارقة الموضع الذي فيه سارة مولاتها حين حدث ~~لسارة من الغيرة من هاجر لما حملت هاجر ولم يكن لسارة أبناء يومئذ ، وقيل ~~هو معرب عن يشمعيل بالعبرانية ومعناه الذي يسمع له الله ، ولما كبر إسماعيل ~~رأى إبراهيم رؤيا وحي أن يذبحه فعزم على ذبحه ففداه الله ، وإسماعيل يومئذ ~~الابن الوحيد لإبراهيم قبل ولادة إسحاق ، وكان إسماعيل مقيما بمكة حول ~~الكعبة ، وتوفي بمكة سنة 1773 ثلاث وسبعين وسبعمائة وألف قبل ميلاد المسيح ~~تقريبا ، ودفن بالحجر الذي حول الكعبة . # وجملة { ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم } مقول قول محذوف يقدر حالا ~~من { يرفع إبراهيم } وهذا القول من كلام إبراهيم لأنه الذي يناسبه الدعاء ~~لذريته لأن إسماعيل كان حينئذ صغيرا . # والعدول عن ذكر القول إلى نطق المتكلم بما قاله المحكي عنه هو ضرب من ~~استحضار الحالة قد مهد له الإخبار بالفعل المضارع في قوله : { وإذ يرفع } ~~حتى كأن المتكلم هو صاحب القول وهذا ضرب من الإيغال . # وجملة { إنك أنت السميع العليم } تعليل لطلب التقبل منهما ، وتعريف جزءي ~~هذه الجملة والإتيان بضمير الفصل يفيد قصرين للمبالغة في كمال الوصفين له ~~تعالى بتنزيل سمع غيره وعلم غيره منزلة العدم . ويجوز أن يكون قصرا حقيقيا ~~باعتبار متعلق خاص أي السميع العليم لدعائنا لا يعلمه غيرك وهذا قصر حقيقي ~~مقيد وهو نوع مغاير للقصر الإضافي لم ينبه عليه علماء المعاني . # # | 2 ( 128 ) { ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنآ أمة مسلمة لك وأرنا ~~مناسكنا وتب علينآ إنك أنت التواب الرحيم } . ) 2 # فائدة تكرير النداء بقوله : { ربنا } إظهار الضراعة إلى الله تعالى ~~وإظهار أن كل دعوى من هاته الدعوات مقصودة بالذات ، ولذلك لم يكرر النداء ~~إلا عند الانتقال من دعوة إلى أخرى PageV01P719 فإن الدعوة الأولى لطلب ~~تقبل العمل والثانية لطلب الاهتداء فجملة النداء معترضة بين المعطوف هنا ms0768 ~~والمعطوف عليه في قوله الآتي : { ربنا وابعث فيهم رسولا } ( البقرة : 129 ) ~~. # والمراد بمسلمين لك المنقادان إلى الله تعالى إذ الإسلام الانقياد ، ولما ~~كان الانقياد للخالق بحق يشمل الإيمان بوجوده وأن لا يشرك في عبادته غيره ~~ومعرفة صفاته التي دل عليها فعله كانت حقيقة الإسلام ملازمة لحقيقة الإيمان ~~والتوحيد ، ووجه تسمية ذلك إسلاما سيأتي عند قوله : { فلا تموتن إلا وأنتم ~~مسلمون } ( البقرة : 132 ) ، وأما قوله تعالى : { قل لم تؤمنوا ولكن قولوا ~~أسلمنا } ( الحجرات : 14 ) فإنه فكك بينهما لأن إسلامهم كان عن خوف لا عن ~~اعتقاد ، فالإيمان والإسلام متغايران مفهوما وبينهما عموم وخصوص وجهي في ~~الماصدق ، فالتوحيد في زمن الفترة إيمان لا يترقب منه انقياد إذ الانقياد ~~إنما يحصل بالأعمال ، وانقياد المغلوب المكره إسلام لم ينشأ عن اعتقاد ~~إيمان ، إلا أن صورتي الانفراد في الإيمان والإسلام نادرتان . # ألهم الله إبراهيم اسم الإسلام ثم ادخره بعده للدين المحمدي فنسي هذا ~~الاسم بعد إبراهيم ولم يلقب به دين آخر لأن الله أراد أن يكون الدين ~~المحمدي إتماما للحنيفية دين إبراهيم وسيجيء بيان لهذا عند قوله تعالى : { ~~ما كان إبراهيم يهوديا } في سورة آل عمران ( 67 ) . # ومعنى طلب أن يجعلهما مسلمين هو طلب الزيادة في ما هما عليه من الإسلام ~~وطلب الدوام عليه ، لأن الله قد جعلهما مسلمين من قبل كما دل عليه قوله : { ~~إذ قال له ربه أسلم } ( البقرة : 131 ) الآية . # وقوله : { ومن ذريتنا أمة مسلمة لك } يتعين أن يكون { من ذريتنا } و { ~~مسلمة } معمولين لفعل { واجعلنا } بطريق العطف ، وهذا دعاء ببقاء دينهما في ~~ذريتهما ، و ( من ) في قوله : { ومن ذريتنا } للتبعيض ، وإنما سألا ذلك ~~لبعض الذرية جمعا بين الحرص على حصول الفضيلة للذرية وبين الأدب في الدعاء ~~لأن نبوءة إبراهيم تقتضي علمه بأنه ستكون ذريته أمما كثيرة وأن حكمة الله ~~في هذا العالم جرت على أنه لا يخلو من اشتماله على الأخيار والأشرار فدعا ~~الله بالممكن عادة ، وهذا من أدب الدعاء وقد تقدم نظيره في قوله تعالى : { ~~قال ومن ذريتي } ( البقرة : 124 ) . # ومن ms0769 هنا ابتدىء التعريض بالمشركين الذين أعرضوا عن التوحيد واتبعوا الشرك ~~، والتمهيد لشرف الدين المحمدي . PageV01P720 # والأمة اسم مشترك يطلق على معان كثيرة والمراد منها هنا الجماعة العظيمة ~~التي يجمعها جامع له بال من نسب أو دين أو زمان ، ويقال أمة محمد مثلا ~~للمسلمين لأنهم اجتمعوا على الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وهي ~~بزنة فعله وهذه الزنة تدل على المفعول مثل لقطة وضحكة وقدوة ، فالأمة بمعنى ~~مأمومة اشتقت من الأم بفتح الهمزة وهو القصد ، لأن الأمة تقصدها الفرق ~~العديدة التي تجمعها جامعة الأمة كلها ، مثل الأمة العربية لأنها ترجع إليا ~~قبائل العرب ، والأمة الإسلامية لأنها ترجع إليها المذاهب الإسلامية ، وأما ~~قوله تعالى : { وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم ~~أمثالكم } ( الأنعام : 38 ) فهو في معنى التشبيه البليغ أي كأمم إذا تدبرتم ~~في حكمة إتقان خلقهم ونظام أحوالهم وجدتموه كأمم أمثالكم لأن هذا الاعتبار ~~كان الناس في غفلة عنه . # وقد استجيبت دعوة إبراهيم في المسلمين من العرب الذين تلاحقوا بالإسلام ~~قبل الهجرة وبعدها حتى أسلم كل العرب إلا قبائل قليلة لا تنخرم بهم جامعة ~~الأمة ، وقد أشار إلى هذا المعنى قوله تعالى : { ربنا وابعث فيهم رسولا ~~منهم } ( البقرة : 129 ) ، وأما من أسلموا من بني إسرائيل مثل عبد الله بن ~~سلام فلم يلتئم منهم عدد أمة . # وقوله : { وأرنا مناسكنا } سؤال لإرشادهم لكيفية الحج الذي أمرا به من ~~قبل أمرا مجملا ، ففعل { أرنا } هو من رأى العرفانية وهو استعمال ثابت لفعل ~~الرؤية كما جزم به الراغب في ( المفردات ) والزمخشري في ( المفصل ) وتعدت ~~بالهمز إلى مفعولين . وحق رأى أن يتعدى إلى مفعول واحد لأن أصله هو الرؤية ~~البصرية ثم استعمل مجازا في العلم بجعل العلم اليقيني شبيها برؤية البصر ، ~~فإذا دخل عليه همز التعدية تعدى إلى مفعولين وأما تعدية أرى إلى ثلاثة ~~مفاعيل فهو خلاف الأصل وهو استعمال خاص وذلك إذا أراد المتكلم الإخبار عن ~~معرفة صفة من صفات ذات فيذكر اسم الذات أولا ويعلم أن ذلك لا يفيد مراده ms0770 ~~فيكمله بذكر حال لازمة إتماما للفائدة فيقول رأيت الهلال طالعا مثلا ثم ~~يقول : أراني فلان الهلال طالعا ، وكذلك فعل علم وأخواته من باب ظن كله ~~ومثله باب كان وأخواتها ، ألا ترى أنك لو عدلت عن المفعول الثاني في باب ظن ~~أو عن الخبر في باب كان إلى الإتيان بمصدر في موضع الاسم في أفعال هذين ~~البابين لاستغنيت عن الخبر والمفعول الثاني فتقول PageV01P721 كان حضور ~~فلان أي حصل وعلمت مجيء صاحبك وظننت طلوع الشمس وقد روي قول الفند الزماني ~~: # عسى أن يرجع الأيا # م قوما كالذي كانوا # وقال حطائط بن يعفر : # أريني جوادا مات هزلا لعلني # أرى ما ترين أو بخيلا مخلدا # فإن جملة مات هزلا ليست خبرا عن جوادا إذ المبتدأ لايكون نكرة ، وبهذا ~~يتبين أن الصواب أن يعد الخبر في باب كان والمفعول الثاني في باب ظن أحوالا ~~لازمة لتمام الفائدة وأن إطلاق اسم الخبر أو المفعول على ذلك المنصوب تسامح ~~وعبارة قديمة . # وقرأ ابن كثير ويعقوب { وأرنا } بسكون الراء للتخفيف وقرأه أبو عمرو ~~باختلاس كسرة الراء تخفيفا أيضا ، وجملة { إنك أنت التواب الرحيم } تعليل ~~لجمل الدعاء . # والمناسك جمع منسك وهو اسم مكان من نسك نسكا من باب نصر أي تعبد أو من ~~نسك بضم السين نساكة بمعنى ذبح تقربا ، والأظهر هو الأول لأنه الذي يحق طلب ~~التوفيق له وسيأتي في قوله تعالى : { فإذا قضيتم مناسككم } ( البقرة : 200 ~~) . # # | 2 ( 129 ) { ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم ~~الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم } . ) 2 # كرر النداء لأنه عطف غرض آخر في هذا الدعاء وهو غرض الدعاء بمجيء الرسالة ~~في ذريته لتشريفهم وحرصا على تمام هديهم . # وإنما قال : { فيهم } ولم يقل لهم لتكون الدعوة بمجيء رسول برسالة عامة ~~فلا يكون ذلك الرسول رسولا إليهم فقط ، ولذلك حذف متعلق { رسولا ليعم ، ~~فالنداء في قوله : ربنا وابعث } اعتراض بين جمل الدعوات المتعاطفة ، ومظهر ~~هذه الدعوة هو محمد صلى الله عليه وسلم فإنه الرسول الذي هو من ذرية ~~إبراهيم وإسماعيل ms0771 كليهما ، وأما غيره من رسل غير العرب فليسوا من ذرية ~~إسماعيل ، وشعيب من ذرية إبراهيم وليس من ذرية إسماعيل ، وهود وصالح هما من ~~العرب العاربة فليسا من ذرية إبراهيم ولا من ذرية إسماعيل . PageV01P722 # وجاء في التوراة ( في الإصحاح 17 من التكوين ) ( ظهر الرب لإبرام أي ~~إبراهيم ) وقال له : أنا الله القدير سر أمامي وكن كاملا فأجعل عهدي بيني ~~وبينك وأكثرك كثيرا جدا وفي فقرة 20 وأما إسماعيل فقد سمعت لك فيه ها أنا ~~أباركه وأثمره وأكثره كثيرا جدا ) . وذكر عبد الحق الإسلامي السبتي الذي ~~كان يهوديا فأسلم هو وأولاده وأهله في سبتة وكان موجودا بها سنة 736 ست ~~وثلاثين وسبعمائة في كتاب له سماه ( الحسام المحدود في الرد على اليهود ) : ~~أن كلمة كثيرا جدا أصلها في النص العبراني ( مادا مادا ) وأنها رمز في ~~التوراة لاسم محمد بحساب الجمل لأن عدد حروف ( مادا مادا ) بحساب الجمل عند ~~اليهود تجمع عدد اثنين وتسعين وهو عدد حروف محمد اه وتبعه على هذا البقاعي ~~في ( نظم الدرر ) . # ومعنى { يتلو عليهم آياتك } يقرؤها عليهم قراءة تذكير ، وفي هذا إيماء ~~إلى أنه يأتيهم بكتاب فيه شرع . فالآيات جمع آية وهي الجملة من جمل القرآن ~~، سميت آية لدلالتها على صدق الرسول بمجموع ما فيها من دلالة صدور مثلها من ~~أمي لا يقرأ ولا يكتب ، وما نسجت عليه من نظم أعجز الناس عن الإتيان بمثله ~~، ولما اشتملت عليه من الدلالة القاطعة على توحيد الله وكمال صفاته دلالة ~~لم تترك مسلكا للضلال في عقائد الأمة بحيث أمنت هذه الأمة من الإشراك ، قال ~~النبيء صلى الله عليه وسلم في خطبة حجة الوداع ( إن الشيطان قد يئس أن يعبد ~~في بلدكم هذا ) . # وجيء بالمضارع في قوله : { يتلو } للإشارة إلى أن هذا الكتاب تتكرر ~~تلاوته . # والحكمة العلم بالله ودقائق شرائعه وهي معاني الكتاب وتفصيل مقاصده ، وعن ~~مالك : الحكمة معرفة الفقه والدين والاتباع لذلك ، وعن الشافعي الحكمة سنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلاهما ناظر إلى أن عطف الحكمة على الكتاب ~~يقتضي ms0772 شيئا من المغايرة بزيادة معنى وسيجيء تفصيل معنى الحكمة عند قوله ~~تعالى : { يؤتي الحكمة من يشاء في هذه السورة ( 269 ) . # والتزكية التطهير من النقائص وأكبر النقائص الشرك بالله ، وفي هذا تعريض ~~بالذين أعرضوا عن متابعة القرآن وأبوا إلا البقاء على الشرك . # وقد جاء ترتيب هذه الجمل في الذكر على حسب ترتيب وجودها لأن أول تبليغ ~~الرسالة تلاوة القرآن ثم يكون تعليم معانيه قال تعالى : فإذا قرأناه فاتبع ~~قرآنه ثم إن علينا بيانه } ( القيامة : 18 ، 19 ) العلم تحصل به التزكية ~~وهي في العمل بإرشاد القرآن . PageV01P723 # وقوله : { إنك أنت العزيز الحكيم } تذييل لتقريب الإجابة أي لأنك لا ~~يغلبك أمر عظيم ولا يعزب عن علمك وحكمتك شيء . والحكيم بمعنى المحكم هو ~~فعيل بمعنى مفعل وقد تقدم نظيره في قوله تعالى : { ولهم عذاب أليم بما ~~كانوا يكذبون } ( البقرة : 10 ) وقوله : { قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما ~~علمتنا إنك أنت العليم الحكيم } ( البقرة : 32 ) . # # | 2 ( 130 ، 131 ) { لله ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد ~~اصطفيناه في الدنيا وإنه فى الاخرة لمن الصالحين * إذ قال له ربه أسلم قال ~~أسلمت لرب العالمين } . ) 2 # موقع هاته الآيات من سوابقها موقع النتيجة بعد الدليل ، فإنه لما بين ~~فضائل إبراهيم من قوله : { وإذ ابتلى } ( البقرة : 124 ) إلى هنا علم أن ~~صاحب هاته الفضائل لا يعدل عن دينه والاقتداء به إلا سفيه العقل أفن الرأي ~~، فمقتضى الظاهر أن تعطف على سوابقها بالفاء وإنما عدل من الفاء إلى الواو ~~ليكون مدلول هذه الجملة مستقلا بنفسه في تكميل التنويه بشأن إبراهيم وفي أن ~~هذا الحكم حقيق بملة إبراهيم من كل جهة لا من خصوص ما حكي عنه في الآيات ~~السالفة وفي التعريض بالذين حادوا عن الدين الذي جاء متضمنا لملة إبراهيم ، ~~والدلالة عن التفريع لا تفوت لأن وقوع الجملة بعد سوابقها متضمنة هذا ~~المعنى دليل على أنها نتيجة لما تقدم كما تقول أحسن فلان تدبير المهم وهو ~~رجل حكيم ولا تحتاج إلى أن تقول فهو رجل حكيم ms0773 . # والاستفهام للإنكار والاستبعاد ، واستعماله في الإنكار قد يكون مع جواز ~~إرادة قصد الاستفهام فيكون كناية ، وقد يكون مع عدم جواز إرادة معنى ~~الاستفهام فيكون مجازا في الإنكار ويكون معناه معنى النفي ، والأظهر أنه ~~هنا من قبيل الكناية فإن الإعراض عن ملة إبراهيم مع العلم بفضلها ووضوحها ~~أمر منكر مستبعد . ولما كان شأن المنكر المستبعد أن يسأل عن فاعله استعمل ~~الاستفهام في ملزومه وهو الإنكار والاستبعاد على وجه الكناية مع أنه لو سئل ~~عن هذا المعرض لكان السؤال وجيها ، والاستثناء قرينة عن إرادة النفي ~~واستعمال اللفظ في معنيين كنائيين ، أو ترشيح للمعنى الكنائي وهما الإنكار ~~. والاستفهام لا يجيء فيه ما قالوا في استعمال اللفظ المشترك في معنييه ~~واستعمال اللفظ PageV01P724 في حقيقته ومجازه أو في مجازيه لأن الدلالة على ~~المعنى الكنائي بطريق العقل بخلاف الدلالة على المعنيين الموضوع لهما ~~الحقيقي وعلى المعنى الحقيقي والمجازي إذ الذين رأوا ذلك منعوا بعلة أن قصد ~~الدلالة باللفظ على أحد المعنيين يقتضي عدم الدلالة به على الآخر لأنه لفظ ~~واحد فإذا دل على معنى تمت دلالته وأن الدلالة على المعنيين المجازيين ~~دلالة باللفظ على أحد المعنيين فتقضى أنه نقل من مدلوله الحقيقي إلى مدلول ~~مجازي وذلك يقتضي عدم الدلالة به على غيره لأنه لفظ واحد ، وقد أبطلنا ذلك ~~في المقدمة التاسعة ، أما المعنى الكنائي فالدلالة عليه عقلية سواء بقي ~~اللفظ دالا على معناه الحقيقي أم تعطلت دلالته عليه . ولك أن تجعل استعمال ~~الاستفهام في معنى الإنكار مجازا بعلاقة اللزوم كما تكرر في كل كناية لم ~~يرد فيها المعنى الأصلي وهو أظهر لأنه مجاز مشهور حتى صار حقيقة عرفية فقال ~~النحاة : الاستفهام الإنكاري نفي ولذا يجيء بعده الاستثناء ، والتحقيق أنه ~~لايطرد أن يكون بمعنى النفي ولكنه يكثر فيه ذلك لأن شأن الشيء المنكر بأن ~~يكون معدوما ولهذا فالاستثناء هنا يصح أن يكون استثناء من كلام دل عليه ~~الاستفهام كأن مجيبا أجاب السائل بقوله : ( لا يرغب عنها إلا من سفه نفسه . # والرغبة طلب أمر محبوب ، فحق فعلها أن ms0774 يتعدى بفي وقد يعدى بعن إذا ضمن ~~معنى العدول عن أمر وكثر هذا التضمين في الكلام حتى صار منسيا . # والملة الدين وتقدم بيانها عند قوله تعالى : { ولن ترضى عنك اليهود ولا ~~النصارى حتي تتبع ملتهم } ( البقرة : 120 ) . # وسفه بمعنى استخف لأن السفاهة خفة العقل واضطرابه يقال تسفهه استخفه قال ~~ذو الرمة : # مشين كما اهتزت رماح تسفهت # أعاليها مر الرياح النواسم # ومنه السفاهة في الفعل وهو ارتكاب أفعال لا يرضى بها أهل المروءة . ~~والسفه في المال وهو إضاعته وقلة المبالاة به وسوء تنميته . وسفهه بمعنى ~~استخفه وأهانه لأن الاستخفاف ينشأ عنه الإهانة وسفه صار سفيها وقد تضم ~~الفاء في هذا . # وانتصاب { نفسه } إما على المفعول به أي أهملها واستخفها ولم يبال ~~بإضاعتها دنيا وأخرى ويجوز انتصابه على التمييز المحول عن الفاعل وأصله ~~سفهت نفسه أي خفت وطاشت فحول الإسناد إلى صاحب النفس على طريقة المجاز ~~العقلي للملابسة قصدا للمبالغة وهي أن السفاهة PageV01P725 سرت من النفس ~~إلى صاحبها من شدة تمكنها بنفسه حتى صارت صفة لجثمانه ، ثم انتصب الفاعل ~~على التمييز تفسيرا لذلك الإبهام في الإسناد المجازي ، ولا يعكر عليه مجيء ~~التمييز معرفة بالإضافة لأن تنكير التمييز أغلبي . # والمقصود من قوله : { ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه } تسفيه ~~المشركين في إعراضهم عن دعوة الإسلام بعد أن بين لهم الرسول صلى الله عليه ~~وسلم أن الإسلام مقام على أساس الحنيفية وهي معروفة عندهم بأنها ملة ~~إبراهيم قال تعالى : { ثم أوحينا إليك أنن اتبع ملة إبراهيم حنيفا } ( ~~النحل : 123 ) وقال في الآية السابقة { ربنا واجعلنا مسلمينن لك ومن ذريتنا ~~أمة مسلمة لك } ( البقرة : 128 ) وقال : { وأوصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب } ~~( البقرة : 132 ) إلى قوله : { فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون } ( البقرة : ~~132 ) . # وجملة { ولقد اصطفيناه } معطوفة على الجمل التي قبلها الدالة على رفعة ~~درجة إبراهيم عند الله تعالى إذ جعله للناس إماما وضمن له النبوءة في ذريته ~~وأمره ببناء مسجد لتوحيده واستجاب له دعواته . # وقد دلت تلك الجمل على اختيار الله إياه ms0775 فلا جرم أعقبت بعطف هذه الجملة ~~عليها لأنها جامعة لفذلكتها وزائدة بذكر أنه سيكون في الآخرة من الصالحين . ~~واللام جواب قسم محذوف وفي ذلك اهتمام بتقرير اصطفائه وصلاحه في الآخرة . # ولأجل الاهتمام بهذا الخبر الأخير أكد بقوله : { وإنه في الآخرة لمن ~~الصالحين } فقوله : { وإنه في الآخرة إلى آخره اعتراض بين جملة اصطفيناه } ~~وبين الظرف وهو قوله : { إذ قال له ربه أسلم } ، إذ هو ظرف لاصطفيناه وما ~~عطف عليه ، قصد من هذه الظرفية التخلص إلى منقبة أخرى ، لأن ذلك الوقت هو ~~دليل اصطفائه حيث خاطبه الله بوحي وأمره بما تضمنه قوله { أسلم } من معانن ~~جماعها التوحيد والبراءة من الحول والقوة وإخلاص الطاعة ، وهو أيضا وقت ~~ظهور أن الله أراد إصلاح حاله في الآخرة إذ كل ميسر لما خلق له . # وقد فهم أن مفعول { أسلم } ومتعلقه محذوفان يعلمان من المقام أي أسلم ~~نفسك لي كما دل عليه الجواب بقوله : { أسلمت لرب العالمين وشاع الاستغناء ~~عن مفعول أسلم فنزل الفعل منزلة اللازم يقال أسلم أي دان بالإسلام كما أنبأ ~~به قوله تعالى : ولكن كان حنيفا مسلما } ( آل عمران : 67 ) . كما سيأتي ~~قريبا . # PageV01P726 وقوله : { قال أسلمت } فصلت الجملة على طريقة حكاية ~~المحاورات كما قدمناه في { وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة } ~~( البقرة : 30 ) . # وقوله : { قال أسلمت } مشعر بأنه بادر بالفور دون تريث كما اقتضاه وقوعه ~~جوابا ، قال ابن عرفة : إنما قال لرب العالمين دون أن يقول أسلمت لك ليكون ~~قد أتى بالإسلام وبدليله اه . يعني أن إبراهيم كان قد علم أن لهذا العالم ~~خالقا عالما حصل له بإلهام من الله فلما أوحى الله إليه بالإيمان صادف ذلك ~~عقلا رشدا . # # | 2 ( 132 ) { ووصى بهآ إبراهيم بنيه ويعقوب يابنى إن الله اصطفى لكم ~~الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون } . ) 2 # لما كان من شأن أهل الحق والحكمة أن يكونوا حريصين على صلاح أنفسهم وصلاح ~~أمتهم كان من مكملات ذلك أن يحرصوا على دوام الحق في الناس متبعا مشهورا ~~فكان من سننهم التوصية لمن ms0776 يظنونهم خلفا عنهم في الناس بأن لا يحيدوا عن ~~طريق الحق ولا يفرطوا فيما حصل لهم منه ، فإن حصوله بمجاهدة نفوس ومرور ~~أزمان فكان لذلك أمرا نفيسا يجدر أن يحتفظ به . # والإيصاء أمر أو نهي يتعلق بصلاح المخاطب خصوصا أو عموما ، وفي فوته ضر ، ~~فالوصية أبلغ من مطلق أمر ونهي فلا تطلق إلا في حيث يخاف الفوات إما ~~بالنسبة للموصى ولذلك كثر الإيصاء عند توقع الموت كما سيأتي عند قوله تعالى ~~: { أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي } ( ~~البقرة : 133 ) ، وفي حديث العرباض : ( وعظنا رسول الله موعظة وجلت منها ~~القلوب وذرفت منها العيون فقلنا : يا رسول الله كأنها موعظة مودعع فأوصنا ) ~~الحديث ، وإما بالنسبة إلى الموصى كالوصية عند السفر في حديث معاذ حين بعثه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لليمن : ( كان آخر ما أوصاني رسول الله حين ~~وضعت رجلي في الغرز أن قال حسن خلقك للناس ) ، وجاء رجل إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال له أوصني قال : ( لا تغضب ) . PageV01P727 # فوصية إبراهيم ويعقوب إما عند الموت كما تشعر به الآية الآتية : { إذ حضر ~~يعقوب الموت } ( البقرة : 133 ) وإما في مظان خشية الفوات . # والضمير المجرور بالباء عائد على الملة أو على الكلمة أي قوله : { أسلمت ~~لرب العالمين } ( البقرة : 131 ) فإن كان بالملة فالمعنى أنه أوصى أن ~~يلازموا ما كانوا عليه معه في حياته ، وإن كان الثاني فالمعنى أنه أوصى ~~بهذا الكلام الذي هو شعار جامع لمعاني ما في الملة . # وبنو إبراهيم ثمانية : إسماعيل وهو أكبر بنيه وأمه هاجر ، وإسحاق وأمه ~~سارة وهو ثاني بنيه ، ومديان ، ومدان ، وزمران ، ويقشان ، وبشباق ، وشوح ، ~~وهؤلاء أمهم قطورة التي تزوجها إبراهيم بعد موت سارة ، وليس لغير إسماعيل ~~وإسحاق خبر مفصل في التوراة سوى أن ظاهر التوراة أن مديان هو جد أمة مدين ~~أصحاب الأيكة وأن موسى عليه السلام لما خرج خائفا من مصر نزل أرض مديان وأن ~~يثرون أو رعوئيل ( هو شعيب ) كان كاهن أهل مدين . وأما يعقوب ms0777 فهو ابن إسحاق ~~من زوجه رفقة الأرامية تزوجها سنة ست وثلاثين وثمانمائة وألف قبل المسيح في ~~حياة جده إبراهيم فكان في زمن إبراهيم رجلا ولقب بإسرائيل وهو جد جميع بني ~~إسرائيل ومات يعقوب بأرض مصر سنة تسع وثمانين وتسعمائة وألف قبل المسيح ~~ودفن بمغارة المكفلية بأرض كنعان ( بلد الخليل ) حيث دفن جده وأبوه عليهم ~~السلام . # وعطف يعقوب على إبراهيم هنا إدماج مقصود به تذكير بني إسرائيل ( الذي هو ~~يعقوب ) بوصية جدهم فكما عرض بالمشركين في إعراضهم عن دين أوصى به أبوهم ~~عرض باليهود كذلك لأنهم لما انتسبوا إلى إسرائيل وهو يعقوب الذي هو جامع ~~نسبهم بعد إبراهيم لتقام الحجة عليهم بحق اتباعهم الإسلام . # وقوله : { يا بني } إلخ حكاية صيغة وصية إبراهيم وسيجيء ذكر وصية يعقوب . ~~ولماكان فعل ( أوصى ) متضمنا للقول صح مجيء جملة بعده من شأنها أن تصلح ~~لحكاية الوصية لتفسر جملة ( أوصى ) ، وإنما لم يؤت بأن التفسيرية التي كثر ~~مجيئها بعد جملة فيها معنى القول دون حروفه ، لأن أن التفسيرية تحتمل أن ~~يكون ما بعدها محكيا بلفظه أو بمعناه والأكثر أن يحكى بالمعنى ، فلما أريد ~~هنا التنصيص على أن هذه الجملة حكاية لقول إبراهيم بنصه ( ما عدا مخالفة ~~المفردات العربية ) عوملت معاملة فعل القول نفسه فإنه لا تجيء بعده أن ~~التفسيرية بحال ، ولهذا PageV01P728 يقول البصريون في هذه الآية إنه مقدر ~~قول محذوف خلافا للكوفيين القائلين بأن وصى ونحوه ناصب للجملة المقولة ، ~~ويشبه أن يكون الخلاف بينهم لفظيا . # و { اصطفى لكم } اختار لكم الدين أي الدين الكامل ، وفيه إشارة إلى أنه ~~اختاره لهم من بين الأديان وأنه فضلهم به لأن اصطفى لك يدل على أنه ادخره ~~لأجله ، وأراد به دين الحنيفية المسمى بالإسلام فلذلك قال : { فلا تموتن ~~إلا وأنتم مسلمون } . # ومعنى { فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون } النهي عن مفارقة الإسلام أعني ملة ~~إبراهيم في جميع أوقات حياتهم ، وذلك كناية عن ملازمته مدة الحياة لأن الحي ~~لا يدري متى يأتيه الموت فنهي أحد عن أن يموت غير مسلم أمر بالاتصاف ~~بالإسلام ms0778 في جميع أوقات الحياة فالمراد من مثل هذا النهي شدة الحرص على تلك ~~المنهي . # وللعرب في النهي المراد منه النهي عن لازمه طرق ثلاثة : الأول : أن ~~يجعلوا المنهي عنه مما لا قدرة للمخاطب على اجتنابه فيدلوا بذلك على أن ~~المراد نفي لازمه مثل قولهم لا تنس كذا أي لا ترتكب أسباب النسيان ، ومثل ~~قولهم : لا أعرفنك تفعل كذا أي لا تفعل فأعرفك لأن معرفة المتكلم لا ينهى ~~عنها المخاطب ، وفي الحديث : ( فلا يذادن أقوام عن حوضي ) ، الثاني : أن ~~يكون المنهي عنه مقدورا للمخاطب ولا يريد المتكلم النهي عنه ولكن عما يتصل ~~به أو يقارنه فيجعل النهي في اللفظ عن شيء ويقيده بمقارنه للعلم بأن المنهي ~~عنه مضطر لإيقاعه فإذا أوقعه اضطر لإيقاع مقارنه نحو قولك لا أراك بثياب ~~مشوهة ، ومنه قوله تعالى : { فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون } ، الثالث : أن ~~يكون المنهي عنه ممكن الحصول ويجعله مفيدا مع احتمال المقام لأن يكون النهي ~~عن الأمرين إذا اجتمعا ولو لم يفعل أحدهما نحو لا تجئني سائلا وأنت تريد أن ~~لا يسألك فإما أن يجيء ولا يسأل وإما أن لا يجيء بالمرة ، وفي الثانية ~~إثبات أن بني إبراهيم ويعقوب كانوا على ملة الإسلام وأن الإسلام جاء بما ~~كان عليه إبراهيم وبنوه حين لم يكن لأحد سلطان عليهم ، وفيه إيماء إلى أن ~~ما طرأ على بنيه بعد ذاك من الشرائع إنما اقتضته أحوال عرضت وهي دون الكمال ~~الذي كان عليه إبراهيم ولهذا قال تعالى : { إن الدين عند الله الإسلام } ( ~~آل عمران : 19 ) وقال : { وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم ~~هو سماكم المسلمين من قبل } ( الحج : 78 ) . # PageV01P729 # | 2 ( 133 ) { أم كنتم شهدآء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون ~~من بعدى قالوا نعبد إلاهك وإلاه آبآئك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلاها واحدا ~~ونحن له مسلمون } . ) 2 # تفصيل لوصية يعقوب بأنه أمر أبناءه أن يكونوا على ملة إبراهيم وإسماعيل ~~وإسحاق وهي نظير ما وصى به إبراهيم بنيه فأجمل هنا اعتمادا على ms0779 ما صرح به ~~في قوله سابقا : { يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم ~~مسلمون } ( البقرة : 132 ) وهذا تنويه بالحنيفية التي هي أساس الإسلام ، ~~وتمهيد لإبطال قولهم : { كونوا هودا أو نصارى تهتدوا } ( البقرة : 135 ) ~~وإبطال لزعمهم أن يعقوب كان على اليهودية وأنه أوصى بها بنيه فلزمت ذريته ~~فلا يحولون عنها . وقد ذكر أن اليهود قالوا ذلك قاله الواحدي والبغوي بدون ~~سند ، ويدل عليه قوله تعالى : { أم يقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ~~ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى } ( البقرة : 140 ) الآية فلذلك جيء ~~هنا بتفصيل وصية يعقوب إبطالا لدعاوى اليهود ونقضا لمعتقدهم الذي لا دليل ~~عليه كما أنبأ به الإنكار في قوله : { أم كنتم شهداء } إلخ . # و { أم } عاطفة جملة { كنتم شهداء } على جملة { وأوصى بها إبراهيم بنيه } ~~( البقرة : 132 ) فإن أم من حروف العطف كيفما وقعت ، وهي هنا منقطعة ~~للانتقال من الخبر عن إبراهيم ويعقوب إلى مجادلة من اعتقدوا خلاف ذلك الخبر ~~، ولما كانت أم يلازمها الاستفهام كما مضى عند قوله تعالى : { أم تريدون أن ~~تسألوا رسولكم } ( البقرة : 108 ) إلخ فالاستفهام هنا غير حقيقي لظهور أن ~~عدم شهودهم احتضار يعقوب محقق ، فتعين أن الاستفهام مجاز ، ومحمله على ~~الإنكار لأنه أشهر محامل الاستفهام المجازي ، ولأن مثل هذا المستفهم عنه ~~مألوف في الاستفهام الإنكاري . # ثم إن كون الاستفهام إنكاريا يمنع أن يكون الخطاب الواقع فيه خطابا ~~للمسلمين لأنهم ليسوا بمظنة حال من يدعي خلاف الواقع حتى ينكر عليهم ، ~~خلافا لمن جوز كون الخطاب للمسلمين من المفسرين ، توهموا أن الإنكار يساوي ~~النفي مساواة تامة وغفلوا عن الفرق بين الاستفهام الإنكاري وبين النفي ~~المجرد فإن الاستفهام الإنكاري مستعمل في الإنكار مجازا بدلالة المطابقة ~~وهو يستلزم النفي بدلالة الالتزام ، ومن العجيب وقوع الزمخشري في هذه ~~الغفلة ، فتعين أن المخاطب اليهود وأن الإنكار متوجه إلى اعتقاد اعتقدوه ~~يعلم من سياق الكلام PageV01P730 وسوابقه وهو ادعاؤهم أن يعقوب مات على ~~اليهودية وأوصى بها فلزمت ذريته ، فكان موقع الإنكار على اليهود واضحا وهو ~~أنهم ادعوا ما ms0780 لا قبل لهم بعلمه إذ لم يشهدوا كما سيأتي ، فالمعنى ما كنتم ~~شهداء احتضار يعقوب . ثم أكمل الله القصة تعليما وتفصيلا واستقصاء في الحجة ~~بأن ذكر ما قاله يعقوب حين اختصاره وما أجابه أبناؤه وليس ذلك بداخل في حيز ~~الإنكار ، فالإنكار ينتهي عند قوله : ( الموت ) والبقية تكملة للقصة ، ~~والقرينة على الأمرين ظاهرة اعتمادا على مألوف الاستعمال في مثله فإنه لا ~~يطال فيه المستفهم عنه بالإنكار ألا ترى إلى قوله تعالى : { أشهدوا خلقهم } ~~( الزخرف : 19 ) ، فلما قال هنا : { أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت } ، ~~علم السامع موقع الإنكار ، ثم يعلم أن قول أبناء يعقوب { نعبد إلاهك } لم ~~يكن من دعوى اليهود حتى يدخل في حيز الإنكار لأنهم لو ادعوا ذلك لم ينكر ~~عليهم إذ هو عين المقصود من الخبر ، وبذلك يستقر كلا الكلامين في قراره ، ~~ولم يكن داعع لجعل ( أم ) متصلة بتقدير محذوف قبلها تكون هي معادلة له ، ~~كأن يقدر أكنتم غائبين إذ حضر يعقوب الموت أم شهداء وأن الخطاب لليهود أو ~~للمسلمين والاستفهام للتقرير ، ولا لجعل الخطاب في قوله : { كنتم } ~~للمسلمين على معنى جعل الاستفهام للنفي المحض أي ما شهدتم احتضار يعقوب أي ~~على حد { وما كنت بجانب الغربي } ( القصص : 44 ) وحد { وما كنت لديهم إذ ~~يلقون أقلامهم } ( آل عمران : 44 ) كما حاوله الزمخشري ومتابعوه ، ~~وإنماحداه إلى ذلك قياسه على غالب مواقع استعمال أمثال هذا التركيب مع أن ~~موقعه هنا موقع غير معهود وهو من الإيجاز والإكمال إذ جمع الإنكار عليهم في ~~التقول على من لم يشهدوه ، وتعليمهم ما جهلوه ، ولأجل التنبيه على هذا ~~الجمع البديع أعيدت إذ في قوله : { إذ قال لبنيه } ليكون كالبدل من { إذ ~~حضر يعقوب الموت } فيكون مقصودا بالحكم أيضا . # والشهداء جمع شهيد بمعنى الشاهد أي الحاضر للأمر والشأن ، ووجه دلالة نفي ~~المشاهدة على نفي ما نسبوه إلى يعقوب هو أن تنبيههم إلى أنهم لم يشهدوا ذلك ~~يثير في نفوسهم الشك في معتقدهم . # وقوله تعالى : { قالوا نعبد إلهك } هو من بقية القصة المنفي شهود ~~المخاطبين ms0781 محضرها فهذا من مجيء القول في المحاورات كما قدمنا ، فقوله : { ~~قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها } ( البقرة : 30 ) فيكون الكلام نفيا ~~لشهودهم مع إفادة تلك الوصية ، أي ولو شاهدتم ما اعتقدتم خلافها ~~PageV01P731 فلما اعتقدوا اعتقادا كالضروري وبخهم وأنكر عليهم حتى يرجعوا ~~إلى النظر في الطرق التي استندوا إليها فيعلموا أنها طرق غير موصلة ، وبهذا ~~تعلمون وجهة الاقتصار على نفي الحضور مع أن نفي الحضور لا يدل على كذب ~~المدعى لأن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود ، فالمقصود هنا الاستدراج في ~~إبطال الدعوى بإدخال الشك على مدعيها . # وقوله تعالى : { إذ قال لبنيه } بدل من { إذ حضر يعقوب الموت } وفائدة ~~المجيء بالخبر على هذه الطريقة دون أن يقال أم كنتم شهداء إذ قال يعقوب ~~لبنيه عند الموت ، هي قصد استقلال الخبر وأهمية القصة وقصد حكايتها على ~~ترتيب حصولها ، وقصد الإجمال ثم التفصيل لأن حالة حضور الموت لا تخلو من ~~حدث هام سيحكى بعدها فيترقبه السامع . # وهذه الوصية جاءت عند الموت وهو وقت التعجيل بالحرص على إبلاغ النصيحة في ~~آخر ما يبقى من كلام الموصى فيكون له رسوخ في نفوس الموصين ، أخرج أبو ~~داوود والترمذي عن العرباض بن سارية قال : ( وعظنا رسول الله موعظة وجلت ~~منها القلوب وذرفت منها العيون فقلنا يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا ~~) الحديث . # وجاء يعقوب في وصيته بأسلوب الاستفهام لينظر مقدار ثباتهم على الدين حتى ~~يطلع على خالص طويتهم ليلقي إليهم ما سيوصيهم به من التذكير وجيء في السؤال ~~بما الاستفهامية دون من لأن ما هي الأصل عند قصد العموم لأنه سألهم عما ~~يمكن أن يعبده العابدون . # واقترن ظرف { بعدي } بحرف ( من ) لقصد التوكيد فإن ( من ) هذه في الأصل ~~ابتدائية فقولك : جئت من بعد الزوال يفيد أنك جئت في أول الأزمنة بعد ~~الزوال ثم عوملت معاملة حرف تأكيد . # وبنو يعقوب هم الأسباط أي أسباط إسحاق ومنهم تشعبت قبائل بني إسرائيل وهم ~~اثنا عشر ابنا : رأوبين ، وشمعون ، ولاوى ، ويهوذا ، ويساكر ، وزبولون ، ( ~~وهؤلاء أمهم ليئة ) ويوسف وبنيامين ( أمهما ms0782 راحيل ) ودان ونفتالي ( أمهما ~~بلهة ) وجاد وأشير ( أمهما زلفة ) . # وقد أخبر القرآن بأن جميعهم صاروا أنبياء وأن يوسف كان رسولا . # وواحد الأسباط سبط بكسر السين وسكون الباء وهو ابن الابن أي الحفيد ، وقد ~~PageV01P732 اختلف في اشتقاق سبط قال ابن عطية في تفسير قوله تعالى : { ~~وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما في سورة الأعراف ( 160 ) عن الزجاج : ~~الأظهر أن السبط عبراني عرب اه . قلت : وفي العبرانية سيبط بتحتية بعد ~~السين ساكنة . # وجملة : قالوا نعبد إلهك } جواب عن قوله : { ما تبعدون } جاءت على طريقة ~~المحاورات بدون واو وليست استئنافا لأن الاستئناف إنما يكون بعد تمام ~~الكلام ولا تمام له قبل حصول الجواب . # وجيء في قوله : { نعبد إلهك } معرفا بالإضافة دون الاسم العلم بأن يقول ~~نعبد الله لأن إضافة إله إلى ضمير يعقوب وإلى آبائه تفيد جميع الصفات التي ~~كان يعقوب وآباؤه يصفون الله بها فيما لقنه لأبنائه منذ نشأتهم ، ولأنهم ~~كانوا سكنوا أرض كنعان وفلسطين مختلطين ومصاهرين لأمم تعبد الأصنام من ~~كنعانيين وفلسطينيين وحثيين وأراميين ثم كان موت يعقوب في أرض الفراعنة ~~وكانوا يعبدون آلهة أخرى . وأيضا فمن فوائد تعريف الذي يعبدونه بطريق ~~الإضافة إلى ضمير أبيهم وإلى لفظ آبائه أن فيها إيماء إلى أنهم مقتدون ~~بسلفهم . # وفي الإتيان بعطف البيان من قولهم { إبراهيم وإسماعيل وإسحاق } ضرب من ~~محسن الاطراد تنويها بأسماء هؤلاء الأسلاف كقول ربيعة بن نصر بن قعين : # إن يقتلوك فقد ثللت عروشهم # بعتيبة بن الحارث بن شهاب # وإنما أعيد المضاف في قوله : { وإلهك آبائك } لأن إعادة المضاف مع ~~المعطوف على المضاف إليه أفصح في الكلام وليست بواجبة ، وإطلاق الآباء على ~~ما شمل إسماعيل وهو عم ليعقوب إطلاق من باب التغليب ولأن العم بمنزلة الأب ~~. # وقد مضى التعريف بإبراهيم وإسماعيل . # وأما إسحاق فهو ابن إبراهيم وهو أصغر من إسماعيل بأربع عشرة سنة وأمه ~~سارة . ولد سنة 1896 ست وتسعين وثمانمائة وألف قبل ميلاد المسيح وهو جد بني ~~إسرائيل وغيرهم من أمم تقرب لهم . # واليهود يقولون : إن الابن الذي أمر الله إبراهيم ms0783 بذبحه وفداه الله هو ~~إسحاق ، والحق أن الذي أمر بذبحه هو إسماعيل في صغره حين لم يكن لإبراهيم ~~ولد غيره ليظهر كمال الامتثال PageV01P733 ومن الغريب أن التوراة لما ذكرت ~~قصة الذبيح وصفته بالابن الوحيد لإبراهيم ولم يكن إسحاق وحيدا قط ، وتوفي ~~إسحاق سنة ثمان وسبعمائة وألف قبل الميلاد ودفن مع أبيه وأمه في مغارة ~~المكفيلة في حبرون ( بلد الخليل ) . # وقوله : { إلاها واحدا } توضيح لصفة الإله الذي يعبدونه فقوله : { إلها } ~~حال من { إلاهك } ووقوع ( إلاها ) حالا من ( إلاهك ) مع أنه مرادف له في ~~لفظه ومعناه إنما هو باعتبار إجراء الوصف عليه بواحدا فالحال في الحقيقة هو ~~ذلك الوصف ، وإنما أعيد لفظ إلاها ولم يقتصر على وصف واحدا لزيادة الإيضاح ~~لأن المقام مقام إطناب ففي الإعادة تنويه بالمعاد وتوكيد لما قبله ، وهذا ~~أسلوب من الفصاحة إذ يعاد اللفظ ليبنى عليه وصف أو متعلق ويحصل مع ذلك ~~توكيد اللفظ السابق تبعا ، وليس المقصود من ذلك مجرد التوكيد ومنه قوله ~~تعالى : { وإذا مروا باللغو مروا كراما } ( الفرقان : 72 ) وقوله : { إن ~~أحسنتم أحسنتم لأنفسكم } ( الإسراء : 7 ) وقوله : { واتقوا الذي أمدكم بما ~~تعلمون أمدكم بأنعام وبنين } ( الشعراء : 132 ، 133 ) إذ أعاد فعل أمدكم ~~وقول الأحوص الأنصاري : # فإذا تزول تزول عن متخمط # تخشى بوادره على الأقران # قال ابن جني في ( شرح الحماسة ) محال أن تقول : إذا قمت قمت لأنه ليس في ~~الثاني غير ما في الأول وإنما جاز أن يقول : فإذا تزول تزول لما اتصل ~~بالفعل الثاني من حرف الجر المفاد منه الفائدة ، ومثله قول الله تعالى : { ~~هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا } ( القصص : 63 ) وقد كان أبوعلي ~~امتنع في هذه الآية مما أخذناه غير أن الأمر فيها عندي على ما عرفتك . # وجوز صاحب ( الكشاف ) أن يكون قوله : { إلها واحدا } بدلا من { إلاهك } ~~بناء على جواز إبدال النكرة الموصوفة من المعرفة مثل { لنسفعن بالناصية ~~ناصية كاذبة } ( العلق : 63 ) ، أو أن يكون منصوبا على الاختصاص بتقدير ~~امدح فإن الاختصاص يجيء من الاسم الظاهر ومن ضمير الغائب . # وقوله : { ونحن ms0784 له مسلمون } جملة في موضع الحال من ضمير { نعبد } ، ~~أومعطوفة على جملة { نعبد } ، جيء بها اسمية لإفادة ثبات الوصف لهم ودوامه ~~بعد أن أفيد بالجملة الفعلية المعطوف عليها معنى التجدد والاستمرار . # PageV01P734 # | 2 ( 134 ) { تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما ~~كانوا يعملون } . ) 2 # عقبت الآيات المتقدمة من قوله : { وإذ ابتلى إبراهيم ربه } ( البقرة : ~~124 ) بهذه الآية لأن تلك الآيات تضمنت الثناء على إبراهيم وبنيه والتنويه ~~بشأنهم والتعريض بمن لم يقتف آثارهم من ذريتهم وكأن ذلك قد ينتحل منه ~~المغرورون عذرا لأنفسهم فيقولون نحن وإن قصرنا فإن لنا من فضل آبائنا مسلكا ~~لنجاتنا ، فذكرت هذه الآية لإفادة أن الجزاء بالأعمال لا بالاتكال . # والإشارة بتلك عائدة إلى إبراهيم وبنيه باعتبار أنهم جماعة وباعتبار ~~الإخبار عنهم باسم مؤنث لفظه وهو أمة . # والأمة تقدم بيانها آنفا عند قوله تعالى : { ومن ذريتنا أمة مسلمة لك } ( ~~البقرة : 128 ) . # وقوله : { قد خلت } صفة لأمة ومعنى خلت مضت ، وأصل الخلاء الفراغ فأصل ~~معنى خلت خلا منها المكان فأسند الخلو إلى أصحاب المكان على طريقة المجاز ~~العقلي لنكتة المبالغة ، والخبر هنا كناية عن عدم انتفاع غيرهم بأعمالهم ~~الصالحة وإلا فإن كونها خلت مما لا يحتاج إلى الإخبار به ، ولذا فقوله : { ~~لها ما كسبت } الآية بدل من جملة { قد خلت } بدل مفصل من مجمل . # والخطاب موجه إلى اليهود أي لا ينفعكم صلاح آبائكم إذا كنتم غير متبعين ~~طريقتهم ، فقوله : { لها ما كسبت } تمهيد لقوله : { ولكم ما كسبتم } إذ هو ~~المقصود من الكلام ، والمراد بما كسبت وبما كسبتم ثواب الأعمال بدليل ~~التعبير فيه بلها ولكم ، ولك أن تجعل الكلام من نوع الاحتباك والتقرير لها ~~ما كسبت وعليكم ما كسبتم أي إثمه . # ومن هذه الآية ونظائرها انتزع الأشعري التعبير عن فعل العبد بالكسب . # وتقديم المسندين على المسند إليهما في { لها ما كسبت ولكم ما كسبتم } ~~لقصر المسند إليه على المسند أي ما كسبت الأمة لا يتجاوزها إلى غيرها وما ~~كسبتم لا يتحاوزكم ، وهو قصر إضافي لقلب ms0785 اعتقاد المخاطبين فإنهم لغرورهم ~~يزعمون أن ما كان لأسلافهم من الفضائل يزيل ما ارتكبوه هم من المعاصي أو ~~يحمله عنهم أسلافهم . # وقوله : { ولا تسألون عما كانوا يعملون } معطوف على قوله : { لها ما كسبت ~~} وهو من تمام التفصيل PageV01P735 لمعنى خلت ، فإن جعلت { لها ما كسبت ~~ولكم ما كسبتم } خاصا بالأعمال الصالحة فقوله : { ولا تسألون } إلخ تكميل ~~للأقسام أي وعلى كل ما عمل من الإثم ولذا عبر هنالك بالكسب المتعارف في ~~الادخار والتنافس وعبر هنا بالعمل . وإنما نفى السؤال عن العمل لأنه أقل ~~أنواع المؤاخذة بالجريمة فإن المرء يؤخذ بجريمته فيسأل عنها ويعاقب وقد ~~يسأل المرء عن جريمة غيره ولا يعاقب كما يلام على القوم فعل بعضهم ما لا ~~يليق وهو شائع عند العرب قال زهير : # لعمري لنعم الحي جر عليهم # بما لا يواتيهم حصين بن ضمضم # فنفي أصل السؤال أبلغ وأشمل للأمرين ، وإن جعلت قوله : { ولكم ما كسبتم } ~~مرادا به الأعمال الذميمة المحيطة بهم كان قوله : { ولا تسألون } إلخ ~~احتراسا واستيفاء لتحقيق معنى الاختصاص أي كل فريق مختص به عمله أو تبعته ~~ولا يلحق الآخر من ذلك شيء ولا السؤال عنه ، أي لا تحاسبون بأعمال سلفكم ~~وإنما تحاسبون بأعمالكم . # # | 2 ( 135 ) { وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم ~~حنيفا وما كان من المشركين } . ) 2 # { وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من ~~المشركين } . # الظاهر أنه عطف على قوله : { ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه } ~~( البقرة : 130 ) ، فإنه بعد أن ذمهم بالعدول عن تلقي الإسلام الذي شمل ~~خصال الحنيفية بين كيفية إعراضهم ومقدار غرورهم بأنهم حصروا الهدى في ~~اليهودية والنصرانية أي كل فريق منهم حصر الهدى في دينه . # ووجه الحصر حاصل من جزم { تهتدوا } في جواب الأمر فإنه على تقدير شرط ~~فيفيد مفهوم الشرط أن من لم يكن يهوديا لا يراه اليهود مهتديا ومن لم يكن ~~نصرانيا لا يراه النصارى مهتديا أي نفوا الهدى عن متبع ملة إبراهيم وهذا ~~غاية ms0786 غرورهم . # والواو في قال عائدة لليهود والنصارى بقرينة مساق الخطاب في { أم كنتم ~~شهداء } ( البقرة : 133 ) وقوله : { ولكم ما كسبتم } ( البقرة : 134 ) . # و ( أو ) في قوله : { أو نصارى } تقسيم بعد الجمع لأن السامع يرد كلا إلى ~~من قاله ، وجزم { تهتدوا } في جواب الأمر للإيذان بمعنى الشرط ليفيد بمفهوم ~~الشرط أنكم إن كنتم على غير اليهودية والنصرانية فلستم بمهتدين . ~~PageV01P736 # { قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين } . # جردت جملة ( قل ) من العاطف لوقوعها في مقام الحوار مجاوبة لقولهم { ~~كونوا هودا أو نصارى تهتدوا } على نحو ما تقدم أي بل لا اهتداء إلا باتباع ~~ملة إبراهيم فإنها لما جاء بها الإسلام أبطل ما كان قبله من الأديان . # وانتصب ( ملة ) بإضمار تتبع لدلالة المقام لأن { كونوا هودا } بمعنى ~~اتبعوا اليهودية ، ويجوز أن ينصب عطفا على { هودا } والتقدير بل نكون ملة ~~إبراهيم أي أهل ملته كقول عدي بن حاتم لما وفد على النبيء صلى الله عليه ~~وسلم ليسلم : ( إني من دين أو من أهل دين ) يعني النصرانية . # والحنيف فعيل بمعنى فاعل مشتق من الحنف بالتحريك وهو الميل في الرجل قالت ~~أم الأحنف ابن قيس فيما ترقصه به : # والله لولا حنف برجله # ما كان في فتيانكم من مثله # والمراد الميل في المذهب أن الذي به حنف يميل في مشيه عن الطريق المعتاد ~~. وإنما كان هذا مدحا للملة لأن الناس يوم ظهور ملة إبراهيم كانوا في ضلالة ~~عمياء فجاء دين إبراهيم مائلا عنهم فلقب بالحنيف ثم صار الحنيف لقب مدح ~~بالغلبة . والوجه أن يجعل ( حنيفا ) حالا من ( إبراهيم ) وهذا من مواضع ~~الاتفاق على صحة مجيء الحال من المضاف إليه ولك أن تجعله حالا لملة إلا أن ~~فعيلا بمعنى فاعل يطابق موصوفه إلا أن تؤول ملة بدين على حد { إن رحمة الله ~~قريب من المحسنين } ( الأعراف : 56 ) أي إحسانه أو تشبيه فعيل إلخ بمعنى ~~فاعل بفعيل بمعنى مفعول . # وقد دلت هذه الآية على أن الدين الإسلامي من إسلام إبراهيم . # وقوله : { وما كان من المشركين } جملة هي ms0787 حالة ثانية من إبراهيم وهو ~~احتراس لئلا يغتر المشركون بقوله : { بل ملة إبراهيم } أي لا نكون هودا ولا ~~نصارى فيتوهم المشركون أنه لم يبق من الأديان إلا ما هم عليه لأنهم يزعمون ~~أنهم على ملة إبراهيم وإلا فليس ذلك من المدح له بعد ما تقدم من فضائله ~~وهذا على حد قوله تعالى : { وما صاحبكم بمجنون } غلط فيه صاحب ( الكشاف ) ~~غلطا فاحشا كما سيأتي . # PageV01P737 $ 2 ( 136 ) { قولو & # 1764 ا ءامنا بالله ومآ أنزل إلينا ومآ أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ~~ويعقوب والأسباط ومآ أوتى موسى وعيسى ومآ أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين ~~أحد منهم ونحن له مسلمون } . ) 2 $ # بدل من جملة { قل بل ملة } ( البقرة : 135 ) لتفصيل كيفية هاته الملة بعد ~~أن أجمل ذلك في قوله : { قل بل ملة إبراهيم حنيفا } . # والأمر بالقول أمر بما يتضمنه إذ لا اعتداد بالقول إلا لأنه يطابق ~~الإعتقاد ، إذ النسبة إنما وضعت للصدق لا للكذب ، والمقصود من الأمر بهذا ~~القول الإعلان به والدعوة إليه لما يشتمل عليه من الفضيلة الظاهرة بحصول ~~فضيلة سائر الأديان لأهل هاته الملة ولما فيه من الإنصاف وسلامة الطوية ، ~~ليرغب في ذلك الراغبون ويكمد عند سماعه المعاندون وليكون هذا كالاحتراس بعد ~~قوله : { قل بل ملة إبراهيم حنيفا } أي نحن لا نطعن في شريعة موسى وشريعة ~~عيسى وما أوتي النبيئون ولا نكذبهم ولكنا مسلمون لله بدين الإسلام الذي بقي ~~على أساس ملة إبراهيم وكان تفصيلا لها وكمالا لمراد الله منها حين أراد ~~الله إكمالها فكانت الشرائع التي جاءت بعد إبراهيم كمنعرجات الطريق سلك ~~بالأمم فيها لمصالح ناسبت أحوالهم وعصورهم بعد إبراهيم كما يسلك بمن أتعبه ~~المسير طريق منعرج ليهدأ من ركز السيارة في المحجة فيحط رحله وينام ثم يرجع ~~به بعد حين إلى الجادة ، ومن مناسبات هذا المعنى أن ابتدىء بقوله { وما ~~أنزل إلينا } ، واختتم بقوله { ونحن له مسلمون } ، ووسط ذكر ما أنزل على ~~النبيئين بين ذلك . # وجمع الضمير ليشمل النبيء صلى الله عليه وسلم والمسلمين فهم مأمورون بأن ~~يقولوا ms0788 ذلك . وجعله بدلا يدل على أن المراد من الأمر في قوله : { قل بل ملة ~~} النبيء وأمته . # وأفرد الضمير في الكلامين اللذين للنبيء فيهما مزيد اختصاص بمباشرة الرد ~~على اليهود والنصارى لأنه مبعوث لإرشادهم وزجرهم وذلك في قوله : { قل بل ~~ملة إبراهيم } إلخ وقوله الآتي : { قل أتحاجوننا في الله } ( البقرة : 139 ~~) وجمع الضمير في الكلام الذي للأمة فيه مزيد اختصاص بمضمون المأمور به في ~~سياق التعليم أعني قوله : { قولوا آمنا بالله } إلخ لأن النبيء صلى الله ~~عليه وسلم قد علم ذلك من قبل فيما تضمنته علوم الرسالة ، ولذلك لم يخل واحد ~~من هاته الكلامات ، عن الإيذان بشمول الأمة مع النبيء ، أما هنا فظاهر بجمع ~~الضمائر كلها ، وأما PageV01P738 في قوله : { قل بل ملة } إلخ فلكونه جوابا ~~مواليا لقولهم : { كونوا هودا } ( البقرة : 135 ) بضمير الجمع فعلم أنه رد ~~عليهم بلسان الجميع ، وأما في قوله الآتي : { قل أتحاجوننا } فلأنه بعد أن ~~أفرد قل جمع الضمائر في { أتحاجوننا } ، و { ربنا } ، و { لنا } ، و { ~~أعمالنا } ، و { نحن } ، و { مخلصون } ، فانظر بدائع النظم في هاته الآيات ~~ودلائل إعجازها . # وقدم الإيمان بالله لأنه لا يختلف باختلاف الشرائع الحق ، ثم عطف عليه ~~الإيمان بما أنزل من الشرائع . # والمراد بما أنزل إلينا القرآن ، وبما عطف عليه ما أنزل على الأنبياء ~~والرسل من وحي وما أوتوه من الكتب ، والمعنى أنا آمنا بأن الله أنزل تلك ~~الشرائع ، وهذا لا ينافي أن بعضها نسح بعضا ، وأن ما أنزل إلينا نسخ جميعها ~~فيما خالفها فيه ، ولذلك قدم { وما أنزل إلينا } للاهتمام به ، والتعبير في ~~جانب بعض هذه الشرائع بلفظ ( أنزل ) وفي بعضها بلفظ ( أوتي ) تفنن لتجنب ~~إعادة اللفظ الواحد مرارا ، وإنما لم يفرد أحد الفعلين ولم تعطف متعلقاته ~~بدون إعادة الأفعال تجنبا لتتابع المتعلقات فإنه كتتابع الإضافات في ما نرى ~~. # والأسباط تقدم ذكرهم آنفا . # وجملة { لا نفرق بين أحد منهم } حال أو استئناف كأنه قيل كيف تؤمنون ~~بجميعهم فإن الإيمان بحق بواحدمنهم ، وهذا السؤال المقدر ناشىء عن ضلالة ~~وتعصب حيث يعتقدون أن الإيمان برسول ms0789 لا يتم إلا مع الكفر بغيره وأن تزكية ~~أحد لا تتم إلا بالطعن في غيره ، وهذه زلة في الأديان والمذاهب والنحل ~~والأحزاب والأخلاق كانت شائعة في الأمم والتلامذة فاقتلعها الإسلام ، قال ~~أبو علي بن سينا في ( الإشارات ) ردا على من انتصر في الفلسفة لأرسطو وتنقص ~~أفلاطون ( والمعلم الأول وإن كان عظيم المقدار لا يخرجنا الثناء عليه إلى ~~الطعن في أساتيذه ) . # وهذا رد على اليهود والنصارى إذا آمنوا بأنبيائهم وكفروا بمن جاء بعدهم ، ~~فالمقصود عدم التفرقة بينهم في الإيمان ببعضهم ، وهذا لا ينافي اعتقاد أن ~~بعضهم أفضل من بعض . # وأحد أصله وحد بالواو ومعناه منفرد وهو لغة في واحد ومخفف منه وقيل هو ~~صفة مشبهة فأبدلت واوه همزة تخفيفا ثم صار بمعنى الفرد الواحد فتارة يكون ~~بمعنى ما ليس بمتعدد وذلك PageV01P739 حين يجري على مخبر عنه أو موصوف نحو ~~{ قل هو الله أحد } ( الإخلاص : 1 ) واستعماله كذلك قليل في الكلام ومنه ~~اسم العدد أحد عشر ، وتارة يكون بمعنى فرد من جنس وذلك حين يبين بشيء يدل ~~على جنس نحو خذ أحد الثوبين ويؤنث نحو قوله تعالى : { فتذكر إحداهما الأخرى ~~} ( البقرة : 282 ) وهذا استعمال كثير وهو قريب في المعنى من الاستعمال ~~الأول ، وتارة يكون بمعنى فرد من جنس لكنه لا يبين بل يعمم وتعميمه قد يكون ~~في الإثبات نحو قوله تعالى : { وإن أحد من المشركين استجارك فأجره } ( ~~التوبة : 6 ) ، وقد يكون تعميمه في النفي وهو أكثر أحوال استعماله نحو قوله ~~تعالى : { فما منكم من أحد عنه حاجزين } ( الحاقة : 47 ) وقول العرب : أحد ~~لا يقول ذلك ، وهذا الاستعمال يفيد العموم كشأن النكرات كلها في حالة النفي ~~. # وبهذا يظهر أن أحد لفظ معناه واحد في الأصل وتصريفه واحد ولكن اختلفت ~~مواقع استعماله المتفرعة على أصل وضعه حتى صارت بمنزلة معان متعددة وصار ~~أحد بمنزلة المترادف ، وهذا يجمع مشتت كلام طويل للعلماء في لفظ أحد وهو ما ~~احتفل به القرافي في كتابه ( العقد المنظوم في الخصوص والعموم ) . # وقد دلت كلمة { بين } على محذوف تقديره وآخر ms0790 لأن بين تقتضي شيئين فأكثر . # وقوله : { ونحن له مسلمون } القول فيه كالقول في نظيره المتقدم آنفا عند ~~قوله تعالى : { إلاها واحدا ونحن له مسلمون } ( البقرة : 133 ) . # # | 2 ( 137 ) { فإن ءامنوا بمثل مآ ءامنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما ~~هم فى شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم } . ) 2 # كلام معترض بين قوله : { قولوا آمنا بالله } ( البقرة : 136 ) وقوله : { ~~صبغة الله } ( البقرة : 138 ) والفاء للتفريع ودخول الفاء في الاعتراض وارد ~~في الكلام كثيرا وإن تردد فيه بعض النحاة والتفريع على قوله : { قولوا آمنا ~~بالله } والمراد من القول أن يكون إعلانا أي أعلنوا دينكم واجهروا بالدعوة ~~إليه فإن اتبعكم الذين قالوا : { كونوا هودا أو نصارى } ( البقرة : 135 ) ~~فإيمانهم اهتداء وليسوا قبل ذلك على هدى خلافا لزعمهم أنهم عليه من قولهم : ~~{ كونوا هودا أو نصارى تهتدوا } فدل مفهوم الشرط على أنهم ليسوا على هدى ما ~~داموا غير مؤمنين بالإسلام . PageV01P740 # وجاء الشرط هنا بحرف ( إن ) المفيدة للشك في حصول شرطها إيذانا بأن ~~إيمانهم غير مرجو . # والباء في قوله : { بمثل ما آمنتم به } للملابسة وليست للتعدية أي إيمانا ~~مماثلا لإيمانكم ، فالمماثلة بمعنى المساواة في العقيدة والمشابهة فيها ~~باعتبار أصحاب العقيدة وليست مشابهة معتبرا فيها تعدد الأديان لأن ذلك ينبو ~~عنه السياق ، وقيل لفظ مثل زائد ، وقيل الباء للآلة والاستعانة ، وقيل : ~~الباء زائدة ، وكلها وجوه متكلفة . # وقوله : { وإن تولوا فإنما هم في شقاق } أي فقد تبين أنهم ليسوا طالبي ~~هدى ولا حق إذ لا أبين من دعوتكم إياهم ولا إنصاف أظهر من هذه الحجة . # والشقاق شدة المخالفة ، مشتق من الشق بفتح الشين وهو الفلق وتفريق الجسم ~~، وجيء بفي للدلالة على تمكن الشقاق منهم حتى كأنه ظرف محيط بهم . والإتيان ~~بإن هنا مع أن توليهم هو المظنون بهم لمجرد المشاكلة لقوله : { فإن آمنوا } ~~. # وفرع قوله : { سيكفيكهم الله } على قوله : { فإنما هم في شقاق } تثبيتا ~~للنبيء صلى الله عليه وسلم لأن إعلامه بأن هؤلاء في شقاق مع ما هو معروف من ~~كثرتهم وقوة أنصارهم مما قد يتحرج له ms0791 السامع فوعده الله بأنه يكفيه شرهم ~~الحاصل من توليهم . # والسين حرف يمحض المضارع للاستقبال فهو مختص بالدخول على المضارع وهو ~~كحرف سوف والأصح أنه لا فرق بينهما في سوى زمان الاستقبال . وقيل إن سوف ~~أوسع مدى واشتهر هذا عند الجماهير فصاروا يقولون سوفه إذا ماطل الوفاء ~~بالآخر ، وأحسب أنه لا محيص من التفرقة بين السين وسوف في الاستقبال ليكون ~~لموقع أحدهما دون الآخر في الكلام البليغ خصوصية ثم إن كليهما إذا جاء في ~~سياق الوعد أفاد تخفيف الوعد ومنه قوله تعالى : { قال سأستغفر لك ربي } ( ~~مريم : 47 ) فالسين هنا لتحقيق وعد الله رسوله صلى الله عليه وسلم بأنه ~~يكفيه سوء شقاقهم . # ومعنى كفايتهم كفاية شرهم وشقاقهم فإنهم كانوا أهل تعصب لدينهم وكانوا ~~معتضدين بأتباع وأنصار وخاصة النصارى منهم ، وكفاية النبيء كفاية لأمته ~~لأنه ما جاء لشيء ينفع ذاته . PageV01P741 # { وهو السميع العليم } أي السميع لأذاهم بالقول العليم بضمائرهم أي اطمئن ~~بأن الله كافيك ما تتوجس من شرهم وأذاهم بكثرتهم ، وفي قوله : { فسيكفيكهم ~~الله وهو السميع العليم } وعد ووعيد . # # | 2 ( 138 ) { صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون } . ) 2 # هذا متصل بالقول المأمور به في { قولوا آمنا بالله } ( البقرة : 136 ) ~~وما بينها اعتراض كما علمت والمعنى آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل ~~الأنبياء من قبل إيمانا صبغة الله . # وصبغة بكسر الصاد أصلها صبغ بدون علامة تأنيث وهو الشيء الذي يصبغ به ~~بزنة فعل الدال على معنى المفعول مثل ذبح وقشر وكسر وفلق . واتصاله بعلامة ~~التأنيث لإرادة الوحدة مثل تأنيث قشرة وكسرة وفلقة ، فالصبغة الصبغ المعين ~~المحضر لأن يصبغ به . وانتصابه على أنه مفعول مطلق نائب عن عامله أي صبغنا ~~صبغة الله كما انتصب { وعد الله لا يخلف الله وعده } ( الروم : 6 ) بعد ~~قوله : { ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم } ( الروم : 5 ) بتقدير وعدهم ~~النصر . أو على أنه بدل من قوله : { ملة إبراهيم } ( البقرة : 135 ) أي ~~الملة التي جعلها الله شعارنا كالصبغة عند اليهود والنصارى ، أو منصوبا ~~وصفا لمصدر ms0792 محذوف دل عليه فعل { آمنا بالله } والتقدير آمنا إيمانا صبغة ~~الله ، وهذا هو الوجه الملائم لإطلاق صبغة على وجه المشاكلة ، وما ادعاه ~~صاحب ( الكشاف ) من أنه يفضي إلى تفكيك النظم تهويل لا يعبأ به في الكلام ~~البليغ لأن التئام المعاني والسياق يدفع التفكك ، وهل الاعتراض والمتعلقات ~~إلا من قبيل الفصل يتفكك بها الألفاظ ولا تؤثر تفككا في المعاني ، وجعله ~~صاحب ( الكشاف ) تبعا لسيبويه مصدرامبينا للحالة مثل الجلسة والمشية وجعلوا ~~نصبه على المفعول المطلق المؤكد لنفسه أي لشيء هو عينه أي إن مفهوم المؤكد ~~( بالفتح ) والتأكيد متحدان فيكون مؤكدا لآمنا لأن الإيمان والصبغة ~~متلازمان على حد انتصاب { وعد الله } من قوله تعالى : { وعد الله لا يخلف ~~الله وعده } توكيدا لمضمون الجملة التي قبله وهي قوله : { ويومئذ يفرح ~~المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء } ( الروم : 4 ، 5 ) وفيه تكلفنان لا ~~يخفيان . # والصبغة هنا اسم للماء الذي يغتسل به اليهود عنوانا على التوبة لمغفرة ~~الذنوب والأصل فيها عندهم الاغتسال الذي جاء فرضه في التوراة على الكاهن ~~إذا أراد تقديم قربان كفارة PageV01P742 عن الخطيئة عن نفسه أو عن أهل بيته ~~، والاغتسال الذي يغتسله الكاهن أيضا في عيد الكفارة عن خطايا بني إسرائيل ~~في كل عام ، وعند النصارى الصبغة أصلها التطهر في نهر الأردن وهو اغتسال ~~سنه النبيء يحيى بن زكرياء لمن يتوب من الذنوب فكان يحيى يعظ بعض الناس ~~بالتوبة فإذا تابوا أتوه فيأمرهم بأن يغتسلوا في نهر الأردن رمزا للتطهر ~~الروحاني وكانوا يسمون ذلك ( معموذيت ) بذال معجمة وبتاء فوقية في آخره ~~ويقولون أيضا معموذيتا بألف بعد التاء وهي كلمة من اللغة الأرامية معناها ~~الطهارة ، وقد عربه العرب فقالوا معمودية بالدال المهملة وهاء تأنيث في ~~آخره وياؤه التحتية مخففة . # وكان عيسى بن مريم حين تعمد بماء المعمودية أنزل الله عليه الوحي ~~بالرسالة ودعا اليهود إلى ما أوحى الله به إليه وحدث كفر اليهود بما جاء به ~~عيسى وقد آمن به يحيى فنشأ الشقاق بين اليهود وبين يحيى وعيسى فرفض اليهود ~~التعميد ، وكان عيسى قد ms0793 عمد الحواريين الذين آمنوا به ، فتقرر في سنة ~~النصارى تعميد من يدخل في دين النصرانية كبيرا ، وقد تعمد قسطنطين قيصر ~~الروم حين دخل في دين النصرانية ، أما من يولد للنصارى فيعمدونه في اليوم ~~السابع من ولادته . # وإطلاق اسم الصبغة على المعمودية يحتمل أن يكون من مبتكرات القرآن ويحتمل ~~أن يكون نصارى العرب سموا ذلك الغسل صبغة ، ولم أقف على ما يثبت ذلك من ~~كلامهم في الجاهلية ، وظاهر كلام الراغب أنه إطلاق قديم عند النصارى إذ قال ~~: ( وكانت النصارى إذا ولد لهم ولد غمسوه بعد السابع في ماء معمودية يزعمون ~~أن ذلك صبغة لهم ) . # أما وجه تسمية المعمودية ( صبغة ) فهو خفي إذ ليس لماء المعمودية لون ~~فيطلق على التلطخ به مادة ص ب غ وفي ( دائرة المعارف الإسلامية ) أن أصل ~~الكلمة من العبرية ص ب ع أي غطس ، فيقتضي أنه لما عرب أبدلوا العين المهملة ~~غينا معجمة لعله لندرة مادة صبع بالعين المهملة في المشتقات وأيا ما كان ~~فإطلاق الصبغة على ماء المعمودية أو على الاغتسال به استعارة مبنية على ~~تشبيه وجهه تخييلي إذ تخيلوا أن التعميد يكسب المعمد به صفة النصرانية ~~ويلونه بلونها كما يلون الصبغ ثوبا مصبوغا وقريب منه إطلاق الصبغ على عادة ~~القوم وخلقهم وأنشدوا لبعض ملوك همدان : PageV01P743 # وكل أناس لهم صبغة # وصبغة همدان خير الصبغ # صبغنا على ذلك أبناءنا # فأكرم بصبغتنا في الصبغ # وقد جعل النصارى في كنائسهم أحواضا صغيرة فيها ماء يزعمون أنه مخلوط ~~ببقايا الماء الذي أهرق على عيسى حين عمده يحيى وإنما تقاطر منه جمع وصب في ~~ماء كثير ومن ذلك الماء تؤخذ مقادير تعتبر مباركة لأنها لا تخلوعن جزء من ~~الماء الذي تقاطر من اغتسال عيسى حين تعميده كما ذلك في أوائل الأناجيل ~~الأربعة . # فقوله : { صبغة الله } رد على اليهود والنصارى معا أما اليهود فلأن ~~الصبغة نشأت فيهم وأما النصارى فلأنها سنة مستمرة فيهم ، ولما كانت ~~المعمودية مشروعة لهم لغلبة تأثير المحسوسات على عقائدهم رد عليهم بأن صبغة ~~الإسلام الإعتقاد والعمل المشار إليهما ms0794 بقوله : { قولوا آمنا بالله } ( ~~البقرة : 136 ) إلى قوله : { ونحن له مسلمون } ( البقرة : 136 ) أي إن كان ~~إيمانكم حاصلا بصبغة القسيس فإيماننا بصبغ الله وتلوينه أي تكييفه الإيمان ~~في الفطرة مع إرشاده إليه ، فإطلاق الصبغة على الإيمان استعارة علاقتها ~~المشابهة وهي مشابهة خفية حسنها قصد المشاكلة ، والمشاكلة من المحسنات ~~البديعية ومرجعها إلى الاستعارة وإنما قصد المشاكلة باعث على الاستعارة ، ~~وإنما سماها العلماء المشاكلة لخفاء وجه التشبيه فأغفلوا أن يسموها استعارة ~~وسموها المشاكلة ، وإنما هي الإتيان بالاستعارة لداعي مشاكلة لفظ للفظ وقع ~~معه . فإن كان اللفظ المقصود مشاكلته مذكورا فهي المشاكلة ، ولنا أن نصفها ~~بالمشاكلة التحقيقية كقول ابن الرقعمق : # قالوا اقترح شيئا نجد لك طبخه # قلت اطبخوا لي جبة وقميصا # استعار الطبخ للخياطة لمشاكلة قوله نجد لك طبخه ، وإن كان اللفظ غير ~~مذكور بل معلوما من السياق سميت مشاكلة تقديرية كقول أبي تمام : # من مبلغ أفناء يعرب كلها # أني بنيت الجار قبل المنزل # استعار البناء للاصطفاء والاختيار لأنه شاكل به بناء المنزل المقدر في ~~الكلام المعلوم PageV01P744 من قوله قبل المنزل ، وقوله تعالى : { صبغة ~~الله } من هذا القبيل والتقدير في الآية أدق من تقدير بيت أبي تمام وهو ~~مبني على ما هو معلوم من عادة النصارى واليهود بدلالة قوله : { كونوا هودا ~~أو نصارى } ( البقرة : 135 ) على ما يتضمنه من التعميد . # والاستفهام في قوله : { ومن أحسن من الله صبغة } إنكاري ومعناه لا أحسن ~~من الله في شأن صبغته ، فانتصب ( صبغة ) على التمييز ، تمييز نسبة محول عن ~~مبتدأ ثان يقدر بعد ( من ) في قوله : { ومن أحسن } والتقدير ومن صبغته أحسن ~~من الله أي من صبغة الله قال أبو حيان في ( البحر المحيط ) : وقل ما ذكر ~~النحاة في التمييز المحول عن المبتدأ . # وقد تأتي بهذا التحويل في التمييز إيجاز بديع إذ حذف كلمتان بدون لبس ~~فإنه لما أسندت الأحسنية إلى من جاز دخول من التفضيلية على اسم الجلالة ~~بتقدير مضاف لأن ذلك التحويل جعل ما أضيفت إليه صبغة هو المحكوم عليه ~~بانتفاء الأحسنية فعلم أن المفضل ms0795 عليه هو المضاف المقدر أي ومن أحسن من ~~صبغة الله . # وجملة { ونحن له عابدون } عطف على { آمنا } وفي تقديم الجار والمجرور على ~~عامله في قوله : { له عابدون } إفادة قصر إضافي على النصارى الذين اصطبغوا ~~بالمعمودية لكنهم عبدوا المسيح . # # | 2 ( 139 ) { قل أتحآجوننا فى الله وهو ربنا وربكم ولنآ أعمالنا ولكم ~~أعمالكم ونحن له مخلصون } . ) 2 # { قل أتحآجوننا فى الله وهو ربنا وربكم ولنآ أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن ~~له مخلصون } . # استئناف عن قوله { قولوا آمنا بالله } ( البقرة : 136 ) كما تقدم هنا لك ~~، و { تحاجوننا } خطاب لأهل الكتاب لأنه جواب كلامهم السابق ولدليل قوله ~~الآتي : { أم يقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويقعوب والأسباط كانوا ~~هودا أو نصارى } ( البقرة : 140 ) . # والاستفهام للتعجب والتوبيخ ، ومعنى المحاجة في الله الجدال في شؤونه ~~بدلالة الاقتضاء إذ لا محاجة في الذات بما هي ذات والمراد الشأن الذي حمل ~~أهل الكتاب على المحاجة مع المؤمنين فيه وهو ما تضمنته بعثة محمد صلى الله ~~عليه وسلم من أن الله نسخ شريعة اليهود والنصارى وأنه فضله وفضل أمته ، ~~ومحاجتهم راجعة إلى الحسد واعتقاد اختصاصهم بفضل الله تعالى وكرامته . ~~PageV01P745 فلذلك كان لقوله { وهو ربنا وربكم } موقع في تأييد الإنكار أي ~~بلغت بكم الوقاحة إلى أن تحاجونا في إبطال دعوة الإسلام بلا دليل سوى زعمكم ~~أن الله اختصكم بالفضيلة مع أن الله ربنا كما هو ربكم فلماذا لا يمن علينا ~~بما من به عليكم ؟ . # فجملة { وهو ربنا } حالية أي كيف تحاجوننا في هاته الحالة المعروفة التي ~~لا تقبل الشك ، وبهذه الجملة حصل بيان لموضوع المحاجة ، وكذلك جملة { ولنا ~~أعمالنا ولكم أعمالكم } وهي عطف على الحال ارتقاء في إبطال مجادلتهم بعد ~~بيان أن المربوبية تؤهل لإنعامه كما أهلتهم ، ارتقى فجعل مرجع رضى الله ~~تعالى على عباده أعمالهم فإذا كان قد أكرمكم لأجل الأعمال الصالحة فلعله ~~أكرمنا لأجل صالحات أعمالنا فتعالوا فانظروا أعمالكم وانظروا أعمالنا تجدوا ~~حالنا أقرب إلى الصلاح منكم . # قال البيضاوي : ( كأنه ألزمهم على كل مذهب ينتحونه إفحاما وتبكيتا فإن ~~كرامة النبوءة ms0796 إما تفضل من الله على من يشاء فالكل فيه سواء وإما إفاضة حق ~~على المستعدين لها بالمواظبة على الطاعة فكما أن لكم أعمالا ربما يعتبرها ~~الله في إعطائها فلنا أيضا أعمال ) . # وتقديم المجرور في { لنا أعمالنا } للاختصاص أي لنا أعمالنا لا أعمالكم ~~فلا تحاجونا في أنكم أفضل منا ، وعطف { ولكم أعمالكم } احتراس لدفع توهم أن ~~يكون المسلمون مشاركين للمخاطبين في أعمالهم وأن لنا أعمالنا يفيد اختصاص ~~المتكلمين بما عملوا مع الاشتراك في أعمال الآخرين وهو نظير عطف قوله تعالى ~~: { ولي دين على قوله : لكم دينكم } ( الكافرون : 6 ) . # وهذا كله من الكلام المصنف مثل قوله تعالى : { وإنا أو إياكم لعلى هدى أو ~~في ضلال مبين } ( سبأ : 24 ) . # وجملة { نحن له مخلصون } عطف آخر على جملة الحال وهي ارتقاء ثالث لإظهار ~~أن المسلمين أحق بإفاضة الخير فإنهم وإن اشتركوا مع الآخرين في المربوبية ~~وفي الصلاحية لصدور الأعمال الصالحة فالمسلمون قد أخلصوا دينهم لله ~~ومخالفوهم قد خلطوا عبادة الله بعبادة غيره ، أي فلماذا لا نكون نحن أقرب ~~إلى رضى الله منكم إليه ؟ . # والجملة الاسمية مفيدة الدوام على الإخلاص كما تقدم في قوله : { ونحن له ~~مسلمون } ( البقرة : 136 ) . # PageV01P746 # | 2 ( 140 ) { أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط ~~كانوا هودا أو نصارى قل ءأنتم أعلم أم الله ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من ~~الله وما الله بغافل عما تعملون } . ) 2 # أم منقطعة بمعنى بل وهي إضراب للانتقال من غرض إلى غرض وفيها تقدير ~~استفهام وهو استفهام للتوبيخ والإنكار وذلك لمبلغهم من الجهل بتاريخ ~~شرائعهم زعموا أن إبراهيم وأبناءه كانوا على اليهودية أو على النصرانية كما ~~دل عليه قوله تعالى : { قل أأنتم أعلم أم الله } ولدلالة آيات أخرى عليه ~~مثل : { ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا } ( آل عمران : 67 ) ومثل قوله ~~: { يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من ~~بعده أفلا تعقلون } ( آل عمران : 65 ) والأمة إذا انغمست في الجهالة وصارت ~~عقائدها غرورا ومن دون تدبر اعتقدت ما لا ms0797 ينتظم مع الدليل واجتمعت في ~~عقائدها المتناقضات ، وقد وجد النبيء صلى الله عليه وسلم يوم الفتح في ~~الكعبة صورة إبراهيم يستقسم بالأزلام في الكعبة فتلا قوله تعالى : { ما كان ~~إبراهيم } إلى قوله : { وما كان من المشركين } ( آل عمران : 67 ) وقال الله ~~: وإن استقسم بها قط ، وقال تعالى في شأن أهل الكتاب : { وما أنزلت التوراة ~~والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون } . فرماهم بفقد التعقل . # وقرأ الجمهور وأبو بكر عن عاصم ورويس عن يعقوب بياء الغائب وقرأه ابن ~~عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم بتاء الخطاب على أن أم متصلة معادلة ~~لقوله { أتحاجوننا في الله } ( البقرة : 139 ) فيكون قوله : { قل أأنتم ~~أعلم أم الله } أمرا ثانيا لاحقا لقوله : { قل أتحاجوننا } وليس هذا المحمل ~~بمتعين لأن في اعتبار الالتفات مناصا من ذلك . # ومعنى { قل أأنتم أعلم أم الله } التقدير ، وقد أعلمنا الله أن إبراهيم ~~لم يكن يهوديا ولا نصرانيا وهذا كقوله في سورة آل عمران ( 65 ) : { قل يا ~~أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده ~~أفلا تعقلون } . # وقد استفيد من التقرير في قوله : { قل أأنتم أعلم أم الله } أنه أعلمهم ~~بأمر جهلته عامتهم وكتمته خاصتهم ولذلك قال : { ومن أظلم ممن كتم شهادة ~~عنده من الله } يشير إلى خاصة الأحبار والرهبان الذين تركوا عامة أمتهم ~~مسترسلين على عقائد الخطأ والغرور والضلالة وهم ساكتون لا يغيرون عليهم ~~إرضاء لهم واستجلابا لمحبتهم وذلك أمر إذا طال على الأمة تعودته ~~PageV01P747 وظنت جهالتها علما فلم ينجع فيها إصلاح بعد ذلك لأنها ترى ~~المصلحين قد أتوا بما لم يأت به الأولون فقالوا : { إنا وجدنا آباءنا على ~~أمة وإنا على آثارهم مقتدون } ( الزخرف : 23 ) . # { ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل عما تعملون } . # هذا من جملة المقول المحكي بقوله : { قل ءأنتم أعلم أم الله } أمر النبيء ~~صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم ذلك تذكيرا لهم بالعهد الذي في كتبهم عسى ~~أن يراجعوا أنفسهم ويعيدوا النظر إن كانوا مترددين أو ms0798 أن يفيئوا إلى الحق ~~إن كانوا متعمدين المكابرة . # و ( من ) في قوله { من الله } ابتدائية أي شهادة عنده بلغت من جانب الله ~~على لسان رسله . والواو عاطفة جملة { ومن أظلم ممن كتم شهادة } على جملة { ~~ءأنتم أعلم أم الله } . # وهذا الاستفهام التقريري كناية عن عدم اغترار المسلمين بقولهم : إن ~~إبراهيم وأبناءه كانوا هودا أو نصارى وليس هذا احتجاجا عليهم . وقوله : { ~~وما الله بغافل عما تعملون } بقية مقول القول وهو تهديد لأن القادر إذا لم ~~يكن غافلا لم يكن له مانع من العمل بمقتضى علمه وقد تقدمت نظائر هذا في ~~مواضع . # # | 2 ( 141 ) { تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما ~~كانوا يعملون } . ) 2 # تكرير لنظيره الذي تقدم آنفا لزيادة رسوخ مدلوله في نفوس السامعين ~~اهتماما بما تضمنه لكونه معنى لم يسبق سماعه للمخاطبين فلم يقتنع فيه بمرة ~~واحدة ومثل هذا التكرير وارد في كلام العرب ، قال لبيد : # فتنازعا سبطا يطير ظلاله # كدخانن مشعلة يشب ضرامها # مشمولة غلثت بنابتت عرفج # كدخانن نار ساطعع أسنامها # فإنه لما شبه الغبار المتطاير بالنار المشبوبة واستطرد بوصف النار بأنها ~~هبت عليها ريح الشمال وزادتها دخانا وأوقدت بالعرفج الرطيب لكثرة دخانه ، ~~أعاد التشبيه ثانيا لأنه غريب مبتكر . # PageV01P748 # | 2 ( 142 ) { سيقول السفهآء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التى كانوا ~~عليها قل لله المشرق والمغرب يهدى من يشآء إلى صراط مستقيم } . ) 2 # قد خفي موقع هذه الآية من الآي التي بعدها لأن الظاهر منها أنها إخبار عن ~~أمر يقع في المستقبل وأن القبلة المذكورة فيها هي القبلة التي كانت في أول ~~الهجرة بالمدينة وهي استقبال بيت المقدس وأن التولي عنها هو نسخها باستقبال ~~الكعبة فكان الشأن أن يترقب طعن الطاعنين في هذا التحويل بعد وقوع النسخ أي ~~بعد الآيات الناسخة لاستقبال بيت المقدس لما هو معلوم من دأبهم من الترصد ~~للطعن في تصرفات المسلمين فإن السورة نزلت متتابعة ، والأصل موافقة التلاوة ~~للنزول في السورة الواحدة إلا ما ثبت أنه نزل متأخرا ويتلى ms0799 متقدما . # والظاهر أن المراد بالقبلة المحولة القبلة المنسوخة وهي استقبال بيت ~~المقدس أعني الشرق وهي قبلة اليهود ، ولم يشف أحد من المفسرين وأصحاب ( ~~أسباب النزول ) الغليل في هذا ، على أن المناسبة بينها وبين الآي الذي ~~قبلها غير واضحة فاحتاج بعض المفسرين إلى تكلف إبدائها . # والذي استقر عليه فهمي أن مناسبة وقوع هذه الآية هنا مناسبة بديعة وهي أن ~~الآيات التي قبلها تكرر فيها التنويه بإبراهيم وملته ، والكعبة وأن من يرغب ~~عنها قد سفه نفسه ، فكانت مثارا لأن يقول المشركون ، ما ولى محمدا وأتباعه ~~عن قبلتهم التي كانوا عليها بمكة أي استقبال الكعبة مع أنه يقول إنه على ~~ملة إبراهيم ويأبى عن إتباع اليهودية والنصرانية ، فكيف ترك قبلة إبراهيم ~~واستقبل بيت المقدس ؟ ولأنه قد تكررت الإشارة في الآيات السابقة إلى هذا ~~الغرض بقوله : { ولله المشرق والمغرب } ( البقرة : 115 ) . وقوله : { ولن ~~ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم } ( البقرة : 120 ) كما ذكرناه ~~هنالك ، وقد علم الله ذلك منهم فأنبأ رسوله بقولهم وأتى فيه بهذا الموقع ~~العجيب وهو أن جعله بعد الآيات المثيرة له وقبل الآيات التي PageV02P005 ~~أنزلت إليه في نسخ استقبال بيت المقدس والأمر بالتوجه في الصلاة إلى جهة ~~الكعبة ، لئلا يكون القرآن الذي فيه الأمر باستقبال الكعبة نازلا بعد مقالة ~~المشركين فيشمخوا بأنوفهم يقولون غير محمد قبلته من أجل اعتراضنا عليه فكان ~~لموضع هذه الآية هنا أفضل تمكن وأوثق ربط ، وبهذا يظهر وجه نزولها قبل آية ~~النسخ وهي قوله : { قد نرى تقلب وجهك في السماء } ( البقرة : 144 ) الآيات ~~، لأن مقالة المشركين أو توقعها حاصل قبل نسخ استقبال بيت المقدس وناشىء عن ~~التنويه بملة إبراهيم والكعبة . # فالمراد بالسفهاء المشركون ويدل لذلك تبيينه بقوله { من الناس ، } فقد ~~عرف في اصطلاح القرآن النازل بمكة أن لفظ الناس يراد به المشركون كما روي ~~ذلك عن ابن عباس ولا يظهر أن يكون المراد به اليهود أو أهل الكتاب لأنه لو ~~كان ذلك لناسب أن يقال سيقولون بالإضمار لأن ذكرهم لم يزل قريبا من الآي ~~السابقة ms0800 إلى قوله : { ولا تسألون } ( البقرة : 134 ، 141 ) الآية . ويعضدنا ~~في هذا ما ذكر الفخر عن ابن عباس والبراء بن عازب والحسن أن المراد ~~بالسفهاء المشركون وذكر القرطبي أنه قول الزجاج ، ويجوز أن يكون المراد بهم ~~المنافقين وقد سبق وصفهم بهذا في أول السورة فيكون المقصود المنافقين الذين ~~يبطنون الشرك ، والذي يبعثهم على هذا القول هو عين الذي يبعث المشركين عليه ~~وقد روي عن السدي أن السفهاء هنا هم المنافقون . # أما الذين فسروا { السفهاء } باليهود فقد وقعوا في حيرة من موقع هذه ~~الآية لظهور أن هذا القول ناشىء عن تغيير القبلة إلى بيت المقدس وذلك قد ~~وقع الإخبار به قبل سماع الآية الناسخة للقبلة لأن الأصل موافقة التلاوة ~~للنزول فكيف يقول السفهاء هذا القول قبل حدوث داع إليه لأنهم إنما يطعنون ~~في التحول عن استقبال بيت المقدس لأنه مسجدهم وهو قبلتهم في قول كثير من ~~العلماء ، ولذلك جزم أصحاب هذا القول بأن هذه الآية نزلت بعد نسخ استقبال ~~بيت المقدس ورووا ذلك عن مجاهد وروى البخاري في كتاب الصلاة من طريق عبد ~~الله بن رجاء عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء حديث تحويل القبلة ووقع ~~فيه ( فقال السفهاء وهم اليهود { ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل ~~لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم } ، وأخرجه في كتاب ~~الإيمان من طريق عمرو بن خالد عن زهير عن أبي إسحاق عن البراء بغير هذه ~~الزيادة ، ولكن قال عوضها : ( وكانت اليهود PageV02P006 قد أعجبهم إذ كان ~~يصلي قبل بيت المقدس وأهل الكتاب ، فلما ولى وجهه قبل البيت أنكروا ذلك ) ، ~~وأخرجه في كتاب التفسير من طريق أبي نعيم عن زهير بدون شيء من هاتين ~~الزيادتين ، والظاهر أن الزيادة الأولى مدرجة من إسرائيل عن أبي إسحاق ، ~~والزيادة الثانية مدرجة من عمرو بن خالد لأن مسلما والترمذي والنسائي قد ~~رووا حديث البراء عن أبي إسحاق من غير طريق إسرائيل ولم يكن فيه إحدى ~~الزيادتين ، فاحتاجوا إلى تأويل حرف الاستقبال من قوله { سيقول السفهاء } ~~بمعنى ms0801 التحقيق لا غير أي قد قال السفهاء ما ولاهم . # ووجه فصل هذه الآية عما قبلها بدون عطف ، اختلاف الغرض عن غرض الآيات ~~السابقة فهي استئناف محض ليس جوابا عن سؤال مقدر . # والأولى بقاء السين على معنى الاستقبال إذ لا داعي إلى صرفه إلى معنى ~~المضي وقد علمتم الداعي إلى الإخبار به قبل وقوعه منهم وقال في ( الكشاف ) ~~( فائدة الإخبار به قبل وقوعه أن العلم به قبل وقوعه أبعد من الاضطراب إذا ~~وقع وأن الجواب العتيد قبل الحاجة إليه أقطع للخصم وأرد لشغبه ) وذكر ابن ~~عطية عن ابن عباس أنه من وضع المستقبل موضع الماضي ليدل على استمرارهم فيه ~~وقال الفخر إنه مختار القفال . # وكأن الذي دعاهم إلى ذلك أنهم ينظرون إلى أن هذا القول وقع بعد نسخ ~~استقبال بيت المقدس وأن الآية نزلت بعد ذلك وهذا تكلف ينبغي عدم التعويل ~~عليه ، والإخبار عن أقوالهم المستقبلة ليس بعزيز في القرآن مثل قوله : { ~~فسيقولون من يعيدنا فسيتغضون إليك رؤوسهم } ( الإسراء : 51 ) وإذا كان الذي ~~دعاهم إلى ذلك ثبوت أنهم قالوا هذه المقالة قبل نزول هذه الآية وشيوع ذلك ~~كان لتأويل المستقبل بالماضي وجه وجيه ، وكان فيه تأييد لما أسلفناه في ~~تفسير قوله تعالى : { ولله المشرق والمغرب } ( البقرة : 115 ) وقوله : { ~~ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى } ( البقرة : 120 ) . # والسفهاء جمع سفيه الذي هو صفة مشبهة من سفه بضم الفاء إذا صار السفه له ~~سجية وتقدم القول في السفه عند قوله تعالى : { ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا ~~من سفه نفسه } ( البقرة : 130 ) وفائدة وصفهم بأنهم من الناس مع كونه ~~معلوما هو التنبيه على بلوغهم الحد الأقصى من السفاهة بحيث لا يوجد في ~~الناس سفهاء غير هؤلاء فإذا قسم نوع الإنسان أصنافا كان هؤلاء صنف السفهاء ~~فيفهم أنه لا سفيه غيرهم على وجه المبالغة ، والمعنى أن كل من صدر منه هذا ~~القول هو سفيه سواء كان القائل اليهود أو المشركين من أهل مكة . ~~PageV02P007 # وضمير الجمع في قوله : { ما ولاهم } عائد إلى معلوم من المقام ms0802 غير مذكور ~~في اللفظ حكاية لقول السفهاء ، وهم يريدون بالضمير أو بما يعبر عنه في ~~كلامهم أنه عائد على المسلمين . # وفعل ( ولاهم ) أصله مضاعف ولي إذا دنا وقرب ، فحقه أن يتعدى إلى مفعول ~~واحد بسبب التضعيف فيقال ولاه من كذا أي قربه منه وولاه عن كذا أي صرفه عنه ~~ومنه قوله تعالى هنا { ما ولاهم عن قبلتهم } ، وشاع استعماله في الكلام ~~فكثر أن يحذفوا حرف الجر الذي يعديه إلى متعلق ثان فبذلك عدوه إلى مفعول ~~ثان كثيرا على التوسع فقالوا ولى فلانا وجهه مثلا دون أن يقولوا ولى فلان ~~وجهه من فلان أو عن فلان فأشبه أفعال كسا وأعطى ولذلك لم يعبأوا بتقديم أحد ~~المفعولين على الآخر قال تعالى : { فلا تولوهم الأدبار } ( الأنفال : 15 ) ~~أصله فلا تولوا الأدبار منهم ، فالأدبار هو الفاعل في المعنى لأنه لو رفع ~~لقيل ولي دبره الكافرين ، ومنه قوله تعالى : { نوله ما تولى } ( النساء : ~~115 ) أي نجعله واليا مما تولى أي قريبا له أي ملازما له فهذا تحقيق تصرفات ~~هذا الفعل . # وجملة { ما ولهام } إلخ هي مقول القول فضمائر الجمع كلها عائدة على معاد ~~معلوم من المقام وهم المسلمون ولا يحتمل غير ذلك لئلا يلزم تشتيت الضمائر ~~ومخالفة الظاهر في أصل حكاية الأقوال . # والاستفهام في قوله : { ما ولهام } مستعمل في التعريض بالتخطئة واضطراب ~~العقل . # والمراد بالقبلة في قوله : { عن قبلتهم } الجهة التي يولون إليها وجوههم ~~عند الصلاة كما دل عليه السياق وأخبار سبب نزول هذه الآيات . # والقبلة في أصل الصيغة اسم على زنة فعلة بكسر الفاء وسكون العين ، وهي ~~زنة المصدر الدال على هيئة فعل الاستقبال أي التوجه اشتق على غير قياس بحذف ~~السين والتاء ثم أطلقت على الشي الذي يستقبله المستقبل مجازا وهو المراد ~~هنا لأن الانصراف لا يكون عن الهيئة قال حسان في رثاء أبي بكر رضي الله عنه ~~: # أليس أول من صلى لقبلتكم # والأظهر عندي أن تكون القبلة اسم مفعول على وزن فعل كالذبح والطحن ~~وتأنيثه باعتبار الجهة كما قالوا : ما له في ms0803 هذا الأمر قبلة ولا دبرة أي ~~وجهة . # وإضافة القبلة إلى ضمير المسلمين للدلالة على مزيد اختصاصها بهم إذ لم ~~يستقبلها غيرهم من الأمم لأن المشركين لم يكونوا من المصلين وأهل الكتاب لم ~~يكونوا يستقبلون في صلاتهم ، PageV02P008 وهذا مما يعضد حمل ( السفهآء ) ~~على المشركين إذ لو أريد بهم اليهود لقيل عن قبلتنا إذ لا يرضون أن يضيفوا ~~تلك القبلة إلى المسلمين ، ومن فسر ( السفهآء ) باليهود ونسب إليهم استقبال ~~بيت المقدس حمل الإضافة على أدنى ملابسة لأن المسلمين استقبلوا تلك القبلة ~~مدة سنة وأشهر فصارت قبلة لهم . # وضمير الجمع في قوله : { ما ولهام } عائد إلى معلوم من المقام غير مذكور ~~اللفظ حكاية لقول السفهاء وهم يريدون بالضمير أو بمساويه في كلامهم عوده ~~على المسلمين . # وقوله : { التي كانوا عليها } أي كانوا ملازمين لها فعلى هنا للتمكن ~~المجازي وهو شدة الملازمة مثل وقوله : { أولئك على هدى من ربهم } ( البقرة ~~: 5 ) ، وفيه زيادة توجيه للإنكار والاستغراب أي كيف عدلوا عنها بعد أن ~~لارموها ولم يكن استقبالهم إياها مجرد صدفة فإنهم استقبلوا الكعبة ثلاث ~~عشرة سنة قبل الهجرة . # واعلم أن اليهود يستقبلون بيت المقدس وليس هذا الاستقبال من أصل دينهم ~~لأن بيت المقدس إنما بني بعد موسى عليه السلام بناه سليمان عليه السلام ، ~~فلا تجد في أسفار ( التوراة ) الخمسة ذكرا لاستقبال جهة معينة في عبادة ~~الله تعالى والصلاة والدعاء ، ولكن سليمان عليه السلام هو الذي سن استقبال ~~بيت المقدس ففي سفر الملوك الأول أن سليمان لما أتم بناء بيت المقدس جمع ~~شيوخ إسرائيل وجمهورهم ووقف أمام المذبح في بيت المقدس وبسط يديه ودعا الله ~~دعاء جاء فيه : ( إذا انكسر شعب إسرائيل أمام العدو ثم رجعوا واعترفوا ~~وصلوا نحو هذا البيت فأرجعهم إلى الأرض التي أعطيت لآبائهم وإذا خرج الشعب ~~لمحاربة العدو وصلوا إلى الرب نحو المدينة التي اخترتها والبيتت الذي بنيته ~~لاسمك فاسمع صلاتهم وتضرعهم ) إلخ ، وذكر بعد ذلك أن الله تجلى لسليمان ~~وقال له ( قد سمعت صلاتك وتضرعك الذي تضرعت به أمامي ) ، وهذا لا يدل ms0804 على ~~أن استقبال بيت المقدس شرط في الصلاة في دين اليهود وقصاراه الدلالة على أن ~~التوجه نحو بيت المقدس بالصلاة والدعاء هيئة فاضلة ، فلعل بني إسرائيل ~~التزموه لا سيما بعد خروجهم من بيت المقدس أو أن أنبياءهم الموجودين بعد ~~خروجهم أمروهم بذلك بوحي من الله . # وقد قال ابن عباس ومجاهد : كان اليهود يظنون أن موافقة الرسول لهم في ~~القبلة ربما تدعوه إلى أن يصير موافقا لهم بالكلية ، وجرى كلام ابن العربي ~~في ( أحكام القرآن ) PageV02P009 على الجزم بأن اليهود كانوا يستقبلون بيت ~~المقدس بناء على كلام ابن عباس ومجاهد ، ولم يثبت هذا من دين اليهود ، كما ~~علمت ، وذكر الفخر عن أبي مسلم ما فيه أن اليهود كانوا يستقبلون جهة ~~المغربب وأن النصارى يستقبلون المشرق ، وقد علمت آنفا أن اليهود لم تكن لهم ~~في صلاتهم جهة معينة يستقبلونها وأنهم كانوا يتيمنون في دعائهم بالتوجه إلى ~~صوب بيت المقدس على اختلاف موقع جهته من البلاد التي هم بها فليس لهم جهة ~~معينة من جهات مطلع الشمس ومغربها وما بينهما فلما تقرر ذلك عادة عندهم ~~توهموه من الدين وتعجبوا من مخالفة المسلمين في ذلك . وأما النصارى فإنهم ~~لم يقع في إنجيلهم تغيير لما كان عليه اليهود في أمر الاستقبال في الصلاة ~~ولا تعيين جهة معينة ولكنهم لما وجدوا الروم يجعلون أبواب هياكلهم مستقبلة ~~لمشرق الشمس بحيث تدخل أشعة الشمس عند طلوعها من باب الهيكل وتقع على الصنم ~~صاحب الهيكل الموضوع في منتهى الهيكل عكسوا ذلك فجعلوا أبواب الكنائس إلى ~~الغرب وبذلك يكون المذبح إلى الغرب والمصلون مستقبلين الشرق ، وذكر الخفاجي ~~أن بولس هو الذي أمرهم بذلك ، فهذه حالة النصارى في وقت نزول الآية ثم إن ~~النصارى من العصور الوسطى إلى الآن توسعوا فتركوا استقبال جهة معينة فلذلك ~~تكون كنائسهم مختلفة الاتجاه وكذلك المذابح المتعددة في الكنيسة الواحدة . # وأما استقبال الكعبة في الحنيفية فالظاهر أن إبراهيم عليه السلام لما بنى ~~الكعبة استقبلها عند الدعاء وعند الصلاة وأنه بناها للصلاة حولها فإن ~~داخلها لا يسع الجماهير ms0805 من الناس وإذا كان بناؤها للصلاة حولها فهي أول ~~قبلة وضعت للمصلي تجاهها وبذلك اشتهرت عند العرب ويدل عليه قول زيد بن عمرو ~~بن نفيل : # عذت بما عاذ به إبراهم # مستقبل المعبة وهو قائم # أما توجهه إلى جهتها من بلد بعيد عنها فلا دليل على وقوعه فيكون الأمر ~~بالتزام الاستقبال في الصلاة من خصائص هذه الشريعة ومن جملة معاني إكمال ~~الدين بها كما سنبينه . # وقد دلت هذه الآية على أن المسلمين كانوا يستقبلون جهة ثم تحولوا عنها ~~إلى جهة أخرى وليست التي تحول إليها المسلمون إلا جهة الكعبة فدل على أنهم ~~كانوا يستقبلون بيت المقدس وبذلك جاءت الآثار . والأحاديث الصحيحة في هذا ~~ثلاثة ، أولها وأصحها حديث ( الموطأ ) عن ابن دينار عن ابن عمر ( بينما ~~الناس في صلاة الصبح بقباء إذ جاءهم آت فقال إن رسول الله PageV02P010 صلى ~~الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة ( قرآن ) وقد أمر أن يستقبل الكعبة ~~فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة ) ورواه أيضا ~~البخاري من طريق مالك ، ومسلم من طريق مالك ومن طريق عبد العزيز بن مسلم ~~وموسى بن عقبة ، وفيه أن نزول آية تحويل القبلة كان قبل صلاة الصبح وأنه لم ~~يكن في أثناء الصلاة وأنه صلى الصبح للكعبة وهذا الحديث هو أصل الباب وهو ~~فصل الخطاب . # ثانيها : حديث مسلم عن أنس بن مالك وفيه ( فمر رجل من بني سلمة وهم ركوع ~~في صلاة الفجر وقد صلوا ركعة فنادى ألا إن القبلة قد حولت فمالوا كما هم ~~نحو القبلة ) . # الثالث حديث البخاري ومسلم واللفظ للبخاري في كتاب التفسير عن البراء بن ~~عازب قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى نحو بيت المقدس ستة عشر ~~شهرا أو سبعة عشر شهرا ، وكان رسول الله يحب أن يوجه إلى الكعبة فأنزل الله ~~تعالى { قد نرى تقلب وجهك في السماء } ( البقرة : 144 ) فتوجه نحو الكعبة ~~ثم قال فصلى مع النبي رجل ثم خرج بعد ما صلى فمر على قوم من الأنصار في ~~صلاة العصر ms0806 يصلون نحو بيت المقدس فقال : هو يشهد أنه صلى مع رسول الله وأنه ~~توجه نحو الكعبة فتحرف القوم حتى توجهوا نحو الكعبة ) ، وحمل ذكر صلاة ~~الصبح في روايتي ابن عمر وأنس بن مالك وذكر صلاة العصر في رواية البراء كل ~~على أهل مكان مخصوص ، وهنالك آثار أخرى تخالف هذه لم يصح سندها ذكرها ~~القرطبي . فتحويل القبلة كان في رجب سنة اثنتين من الهجرة قبل بدر بشهرين ~~وقيل يوم الثلاثاء نصف شعبان منها . # واختلفوا في أن استقباله صلى الله عليه وسلم بيت المقدس هل كان قبل ~~الهجرة أو بعدها ؟ فالجمهور على أنه لما فرضت عليه الصلاة بمكة كان يستقبل ~~الكعبة فلما قدم المدينة استقبل بيت المقدس تألفا لليهود قاله بعضهم وهو ~~ضعيف ، وقيل كان يستقبل بيت المقدس وهو في مكان يجعل الكعبة أمامه من جهة ~~الشرق فيكون مستقبلا الكعبة وبيت المقدس معا ، ولم يصح هذا القول . # واختلفوا هل كان استقبال بيت المقدس بأمر من الله ؟ فقال ابن عباس ~~والجمهور أوجبه الله عليه بوحي ثم نسخه باستقبال الكعبة ودليلهم قوله تعالى ~~: { وما جعلنا القبلة التي كنت عليها } ( البقرة : 143 ) الآية ، وقال ~~الطبري كان مخيرا بين الكعبة وبيت المقدس واختار بيت المقدس استئلافا ~~لليهود ، وقال الحسن وعكرمة وأبو العالية : كان ذلك عن اجتهاد من النبي صلى ~~الله PageV02P011 عليه وسلم وعلى هذا القول يكون قوله تعالى : { فلنولينك ~~قبلة ترضاها } ( البقرة : 144 ) دالا على أنه اجتهد فرأى أن يتبع قبلة ~~الدينين اللذين قبله ومع ذلك كان يود أن يأمره الله باستقبال الكعبة ، فلما ~~غيرت القبلة قال السفهاء وهم اليهود أو المنافقون على اختلاف الروايات ~~المتقدمة وقيل كفار قريش قالوا اشتاق محمد إلى بلده وعن قريب يرجع إلى ~~دينكم ذكره الزجاج ونسب إلى البراء بن عازب وابن عباس والحسن ، وروى ~~القرطبي أن أول من صلى نحو الكعبة من المسلمين أبو سعيد بن المعلى وفي ~~الحديث ضعف . # وقوله : { قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم } جواب ~~قاطع معناه أن الجهات كلها سواء في أنها ms0807 مواقع لبعض المخلوقات المعظمة ~~فالجهات ملك لله تبعا للأشياء الواقعة فيها المملوكة له ، وليست مستحقة ~~للتوجه والاستقبال استحقاقا ذاتيا . وذكر المشرق والمغرب مراد به تعميم ~~الجهات كما تقدم عند قوله تعالى : { ولله المشرق والمغرب } ( البقرة : 115 ~~) ، ويجوز أن يكون المراد من المشرق والمغرب الكناية عن الأرض كلها لأن ~~اصطلاح الناس أنهم يقسمون الأرض إلى جهتين شرقية وغربية بحسب مطلع الشمس ~~ومغربها ، والمقصود أن ليس لبعض الجهات اختصاص بقرب من الله تعالى لأنه ~~منزه عن الجهة وإنما يكون أمره باستقبال بعض الجهات لحكمة يريدها كالتيمن ~~أو التذكر فلا بدع في التولي لجهة دون أخرى حسب ما يأمر به الله تعالى ، ~~فقوله تعالى : { قل لله المشرق والمغرب } ، إشارة إلى وجه صحة التولية إلى ~~الكعبة وقوله : { يهدي من يشاء } إشارة إلى وجه ترجيح التولية إلى الكعبة ~~على التولية إلى غيرها لأن قوله : { يهدي من يشاء } تعريض بأن الذي أمر ~~الله به المسلمين هو الهدى دون قبلة اليهود إلا أن هذا التعريض جيء به على ~~طريقة الكلام المنصف من حيث ما في قوله { من يشاء } من الإجمال الذي يبينه ~~المقام فإن المهدي من فريقين كانا في حالة واحدة هو الفريق الذي أمره من ~~بيده الهدى بالعدول عن الحالة التي شاركه فيها الفريق الآخر إلى حالة اختص ~~هو بها ، فهذه الآية بهذا المعنى فيها إشارة إلى ترجيح أحد المعنيين من ~~الكلام الموجه أقوى من آية : { وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين } ( ~~سبأ : 24 ) . # وقد سلك في هذا الجواب لهم طريق الإعراض والتبكيت لأن إنكارهم كان عن ~~عناد لا عن طلب الحق فأجيبوا بما لا يدفع عنهم الحيرة ولم تبين لهم حكمة ~~تحويل القبلة ولا أحقية الكعبة بالاستقبال وذلك ما يعلمه المؤمنون . ~~PageV02P012 # فأما إذا جرينا على قول الذين نسبوا إلى اليهود استقبال جهة المغرب وإلى ~~النصارى استقبال جهة المشرق من المفسرين فيأتي على تفسيرهم أن تقول إن ذكر ~~المشرق والمغرب إشارة إلى قبلة النصارى وقبلة اليهود ، فيكون الجواب جوابا ~~بالإعراض عن ترجيح قبلة ms0808 المسلمين لعدم جدواه هنا ، أو يكون قوله : { يهدي ~~من يشاء إلى صراط مستقيم } إيماء إلى قبلة الإسلام ، والمراد بالصراط ~~المستقيم هنا وسيلة الخير وما يوصل إليه كما تقدم في قوله تعالى : { اهدنا ~~الصراط المستقيم } ( الفاتحة : 6 ) فيشمل ذلك كل هدي إلى خير ومنه الهدى ~~إلى استقبال أفضل جهة . فجملة : { يهدي من يشاء } حال من اسم الجلالة ولا ~~يحسن جعلها بدل اشتمال من جملة : { لله المشرق والمغرب } لعدم وضوح اشتمال ~~جملة : قل لله المشرق والمغرب على معنى جملة : { يهدي من يشاء } إذ مفاد ~~الأولى أن الأرض جميعها لله أي فلا تتفاضل الجهات ومفاد الثانية أن الهدى ~~بيد الله . # واتفق علماء الإسلام على أن استقبال الكعبة أي التوجه إليها شرط من شروط ~~صحة الصلاة المفروضة والنافلة إلا لضرورة في الفريضة كالقتال والمريض لا ~~يجد من يوجهه إلى جهة القبلة أو لرخصة في النافلة للمسافر إذا كان راكبا ~~على دابة أو في سفينة لا يستقر بها . فأما الذي هو في المسجد الحرام ففرض ~~عليه استقبال عين الكعبة من أحد جوانبها ومن كان بمكة في موضع يعاين منه ~~الكعبة فعليه التوجه إلى جهة الكعبة التي يعاينها فإذا طال الصف من أحد ~~جوانب الكعبة وجب على من كان من أهل الصف غير مقابل لركن من أركان الكعبة ~~أن يستدير بحيث يصلون دائرين بالكعبة صفا وراء صف بالاستدارة ، وأما الذي ~~تغيب ذات الكعبة عن بصره فعليه الاجتهاد بأن يتوخى أن يستقبل جهتها فمن ~~العلماء من قال يتوخى المصلي جهة مصادفة عين الكعبة بحيث لو فرض خط بينه ~~وبين الكعبة لوجد وجهه قبالة جدارها ، وهذا شاق يعسر تحققه إلا بطريق أرصاد ~~علم الهيئة ويعبر عن هذا باستقبال العين وباستقبال السمت وهذا قول ابن ~~القصار واختاره أحد أشياخ أبي الطيب عبد المنعم الكندي ونقله المالكية عن ~~الشافعي ، ومن العلماء من قال يتوخى المصلى أن يستقبل جهة أقرب ما بينه ~~وبين الكعبة بحيث لو مشى باستقامة لوصل حول الكعبة ويعبر عن هذا باستقبال ~~الجهة أي جهة الكعبة وهذا قول ms0809 أكثر المالكية واختاره الأبهري والباجي وهو ~~قول أبي حنيفة وأحمد بن حنبل وهو من التيسير ورفع PageV02P013 الحرج ، ومن ~~كان بالمدينة يستدل بموضع صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في مسجده لأن الله ~~أذن لرسوله بالصلاة فيه ، وروى ابن القاسم عن مالك أن جبريل هو الذي أقام ~~للنبيء صلى الله عليه وسلم قبلة مسجده . # وبين المازري معنى المسامتة بأن يكون جزء من سطح وجه المصلي وجزء من سمت ~~الكعبة طرفي خط مستقيم وذلك ممكن بكون صف المصلين كالخط المستقيم الواصل ~~بين طرفي خطين متباعدين خرجا من المركز إلى المحيط في جهته لأن كل نقطة منه ~~ممر لخارج من المركز إلى المحيط ا ه ، واستبعد عز الدين بن عبد السلام هذا ~~الكلام بأن تكليف البعيد استقبال عين البيت لا يطاق ، وبإجماعهم على صحة ~~ذوي صف مائة ذراع وعرض البيت خمسة أذرع فبعض هذا الصف خارج عن سمت البيت ~~قطعا ووافقه القرافي ثم أجاب بأن البيت لمستقبليه كمركز دائرة لمحيطها ~~والخطوط الخارجة من مركز لمحيطه كلما قربت منه اتسعت ولا سيما في البعد . ~~فإذا طالت الصفوف فلا حرج عليهم لأنهم إنما يجب عليهم أن يكونوا متوجهين ~~نحو الجهة التي يعبرون عنها بأنها قبلة الصلاة . # ومن أخطأ القبلة أو نسي الاستقبال حتى فرغ من صلاته لا يجب عليه إعادة ~~صلاته عند مالك وأبي حنيفة وأحمد إلا أن مالكا استحب له أن يعيدها ما لم ~~يخرج الوقت ولم ير ذلك أبو حنيفة وأحمد وهذا بناء على أن فرض المكلف هو ~~الاجتهاد في استقبال الجهة وأما الشافعي فأوجب عليه الإعادة أبدا بناء على ~~أنه يرى أن فرض المكلف هو إصابة سمت الكعبة . # # | 2 ( 143 ) { وكذالك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدآء على الناس ويكون ~~الرسول عليكم شهيدا وما جعلنا القبلة التى كنت عليهآ إلا لنعلم من يتبع ~~الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما ~~كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرءوف رحيم } . ) 2 # هذه الجملة معترضة بين جملة : سيقول ms0810 السفهاء وكذالك جعلناكم أمة وسطا ~~لتكونوا شهدآء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا وما جعلنا القبلة التى ~~كنت عليهآ إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة ~~إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرءوف ~~رحيم } ( البقرة : 142 ) الخ وجملة : { وما جعلنا القبلة التي كنت عليها } ~~الخ ، والواو اعتراضية وهي من قبيل الواو الاستئنافية ، فالآية السابقة لما ~~أشارت إلى أن الذين هدوا إلى صراط مستقيم هم المسلمون وأن ذلك فضل لهم ناسب ~~أن يستطرد لذكر فضيلة أخرى لهم هي خير مما تقدم وهي فضيلة كون المسلمين ~~عدولا خيارا PageV02P014 ليشهدوا على الأمم لأن الآيات الواقعة بعدها هي في ~~ذكر أمر القبلة وهذه الآية لا تتعلق بأمر القبلة . # وقوله : { وكذلك } مركب من كاف التشبيه واسمم الإشارة فيتعين تعرف المشار ~~إليه وما هو المشبه به قال صاحب ( الكشاف ) : ( أي مثل ذلك الجعل العجيب ~~جعلناكم أمة وسطا ) فاختلف شارحوه في تقرير كلامه وتبين مراده ، فقال ~~البيضاوي : ( الإشارة إلى المفهوم أي ما فهم من قوله : { يهدي من يشاى إلى ~~صراط مستقيم } ( البقرة : 142 ) أي كما جعلناكم أمة وسطا أو كما جعلنا ~~قبلتكم أفضل قبلة جعلناكم أمة وسطا ) اه . أي إن قوله : { يهدي من يشاء } ~~يومىء إلى أن المهدي هم المسلمون وإلى أن المهدي إليه هو استقبال الكعبة ~~وقت قول السفهاء { ما ولاهم } ( البقرة : 142 ) على ما قدمناه وهذا يجعل ~~الكاف باقية على معنى التشبيه ولم يعرج على وصف ( الكشاف ) الجعل بالعجيب ~~كأنه رأى أن اسم الإشارة لا يتعين للحمل على أكثر من الإشارة وإن كان إشارة ~~البعيد فهو يستعمل غالبا من دون إرادة بعد وفيه نظر ، والمشار إليه على هذا ~~الوجه معنى تقدم في الكلام السابق فالإشارة حينئذ إلى مذكور متقرر في العلم ~~فهي جارية على سنن الإشارات . # وحمل شراح ( الكشاف ) الكاف على غير ظاهر التشبيه ، فأما الطيبي والقطب ~~فقالا الكاف فيه اسم بمعنى مثل منتصب على المفعولية المطلقة لجعلناكم أي ~~مثل الجعل العجيب جعلناكم ms0811 فليس تشبيها ولكنه تمثيل لحالة والمشار إليه ما ~~يفهم من مضمون قوله : { يهدي } وهو الأمر العجيب الشأن أي الهدى التام ، ~~ووجه الإتيان بإشارة البعيد التنبيه على تعظيم المشار إليه وهو الذي عناه ~~في ( الكشاف ) بالجعل العجيب ، فالتعظيم هنا لبداعة الأمر وعجابته ، ثم إن ~~القطب ساق كلاما نقض به صدر كلامه . # وأما القزويني صاحب ( الكشف ) والتفتزاني فبيناه بأن الكاف مقحمة ~~كالزائدة لا تدل على تمثيل ولا تشبيه فيصير اسم الإشارة على هذا نائبا مناب ~~مفعول مطلق لجعلناكم كأنه قيل ذلك الجعل جعلناكم أي فعدل عن المصدر إلى اسم ~~إشارته النائب عنه لإفادة عجابة هذا الجعل بما مع اسم الإشارة من علامة ~~البعد المتعين فيها لبعد المرتبة . والتشبيه على هذا الوجه مقصود منه ~~المبالغة بإيهام أنه لو أراد المشبه أن يشبه هذا في غرابته لما وجد له إلا ~~أن يشبهه بنفسه وهذا قريب من قوله النابغة : ( والسفاهة كاسمها ) ~~PageV02P015 فليست الكاف بزائدة ولا هي للتشبيه ولكنها قريبة من الزائدة ، ~~والإشارة حينئذ إلى ما سيذكر بعد اسم الإشارة . # وكلام ( الكشاف ) أظهر في هذا المحمل فيدل على ذلك تصريحه في نظائره إذ ~~قال في قوله تعالى : { كذلك وأورثناها بني إسرائيل } ( الشعراء : 59 ) ~~الكاف منصوبة على معنى مثل أي مثل ذلك الإخراج أخرجناهم وأورثناها . واعلم ~~أن الذي حدا صاحب ( الكشاف ) إلى هذا المحمل أن استعمال اسم الإشارة في هذا ~~وأمثاله لا يطرد فيه اعتبار مشار إليه مما سبق من الكلام ألا ترى أنه لا ~~يتجه اعتبار مشار إليه في هذه الآية وفي آية سورة الشعراء ولكن صاحب ( ~~الكشاف ) قد خالف ذلك في قوله تعالى في سورة الأنعام ( 112 ) { وكذلك جعلنا ~~لكل نبي عدوا فقال : كما خلينا بينك وبين أعدائك كذلك فعلنا بمن قبلك من ~~الأنبياء وأعدائهم اه وما قاله في هذه الآية منزع حسن ؛ لكنه لم يضرب ~~الناظرون فيه بعطن . # والتحقيق عندي أن أصل : كذلك } أن يدل على تشبيه شيء بشيء والمشبه به ~~ظاهر مشار إليه أو كالظاهر ادعاء ، فقد يكون المشبه به المشار إليه مذكورا ms0812 ~~مثل قوله تعالى : { وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة } ( هود : 102 ) ~~إشارة إلى قوله : { وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم ~~التي يدعون من دون الله } ( هود : 101 ) الآية . وكقول النابغة : # فألفيت الأمانة لم تخنها # كذلك كان نوح لا يخون # وقد يكون المشبه به المشار إليه مفهوما من السياق فيحتمل اعتبار التشبيه ~~ويحتمل اعتبار المفعولية المطلقة كقولل أبي تمام : # كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر # فليس لعين لم يفض دمعها عذر # قال التبريزي في ( شرحه ) الإشارة للتعظيم والتهويل وهو في صدر القصيدة ~~لم يسبق له ما يشبه به فقطع النظر فيه عن التشبيه واستعمل في لازم معنى ~~التشبيه اه ، يعني أن الشاعر أشار إلى الحادث العظيم وهو موت محمد بن حميد ~~الطوسي ، ومثله قول الأسدي من شعراء ( الحماسة ) يرثى أخاه ( ) : # فهكذا يذهب الزمان ويف # نى العلم فيه ويدرس الأثر PageV02P016 # وقوله تعالى : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } على ما فسر به البيضاوي من هذا ~~القبيل . # وقد يكون مرادا منه التنويه بالخبر فيجعل كأنه مما يروم المتكلم تشبيهه ~~ثم لا يجد إلا أن يشبهه بنفسه وفي هذا قطع للنظر عن التشبيه في الواقع ~~ومثله قول أحد شعراء فزارة في الأدب من ( الحماسة ) : # كذاك أدبت حتى صار من خلقي # أني رأيت ملاك الشيمة الأدبا # أي أدبت هذا الأدب الكامن العجيب ، ومنه قول زهير : # كذلك خيمهم ولكل قوم # إذا مستهم الضراء خيم # وقوله تعالى : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } من هذا القبيل عند شراح ( ~~الكشاف ) وهو الحق ، وأوضح منه في هذا المعنى قوله تعالى : { وكذلك فتنا ~~بعضهم ببعض } ( الأنعام : 53 ) فإنه لم يسبق ذكر شيء غير الذي سماه الله ~~تعالى فتنة أخذا من فعل { فتنا } . والإشارة على هذا المحمل المشار إليه ~~مأخوذ من كلام متأخر عن اسم الإشارة كما علمت آنفا لأنه الجعل المأخوذ من { ~~جعلناكم } ، وتأخير المشار إليه عن الإشارة استعمال بليغ في مقام التشويق ~~كقوله تعالى : { قال هذا فراق بيني وبينك } ( الكهف : 78 ) أو من كلام ~~متقدم عن اسم الإشارة كما ms0813 للبيضاوي إذ جعل المشار إليه هو الهدى المأخوذة ~~من قوله تعالى : { يهدي من يشاء } ( البقرة : 142 ) ولعله رأى لزوم تقدم ~~المشار إليه . # والوسط اسم للمكان الواقع بين أمكنة تحيط به أو للشيء الواقع بين أشياء ~~محيطة به ليس هو إلى بعضها أقرب منه إلى بعض عرفا ولما كان الوصول إليه لا ~~يقع إلا بعد اختراق ما يحيط به أخذ فيه معنى الصيانة والعزة طبعا كوسط ~~الوادي لا تصل إليه الرعاة والدواب إلا بعد أكل ما في الجوانب فيبقى كثير ~~العشب والكلأ ، ووضعا كوسط المملكة يجعل محل قاعدتها ووسط المدينة يجعل ~~موضع قصبتها لأن المكان الوسط لا يصل إليه العدو بسهولة ، وكواسطة العقد ~~لأنفس لؤلؤة فيه ، فمن أجل ذلك صار معنى النفاسة والعزة والخيار من لوازم ~~معنى الوسط عرفا فأطلقوه على الخيار النفيس كناية قال زهير : # هم وسط يرضى الأنام بحكمهم # إذا نزلت إحدى الليالي بمعضل # وقال تعالى : { قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون } ( القلم : 28 ) . # ويقال أوسط القبيلة لصميمها . # وأما إطلاق الوسط على الصفة الواقعة عدلا بين خلقين PageV02P017 ذميمين ~~فيهما إفراط وتفريط كالشجاعة بين الجبن والتهور ، والكرم بين الشح والسرف ~~والعدالة بين الرحمة والقساوة ، فذلك مجاز بتشبيه الشيء الموهوم بالشيء ~~المحسوس فلذلك روي حديث : ( خير الأمور أوساطها ) وسنده ضعيف وقد شاع هذان ~~الإطلاقان حتى صارا حقيقتين عرفيتين . # فالوسط في هذه الآية فسر بالخيار لقوله تعالى : { كنتم خير أمة أخرجت ~~للناس } ( آل عمران : 110 ) وفسر بالعدول والتفسير الثاني رواه الترمذي في ~~( سننه ) من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال حسن ~~صحيح ، والجمع في التفسيرين هو الوجه كما قدمناه في المقدمة التاسعة . # ووصفت الأمة بوسط بصيغة المذكر لأنه اسم جامد فهو لجموده يستوي فيه ~~التذكير والتأنيث مثل الوصف بالمصدر في الجمود والإشعار بالوصفية بخلاف نحو ~~رأيت الزيدين هذين فإنه وصف باسم مطابق لعدم دلالته على صفة بل هو إشارة ~~محضة لا تشعر بصفة في الذات . # وضمير المخاطبين هنا مراد به جميع المسلمين لترتبه على الاهتداء لاستقبال ms0814 ~~الكعبة فيعم كل من صلى لها ، ولأن قوله { لتكونوا شهداء } قد فسر في الحديث ~~الصحيح بأنها شهادة الأمة كلها على الأمم فلا يختص الضمير بالموجودين يوم ~~نزول الآية . # والآية ثناء على المسلمين بأن الله قد ادخر لهم الفضل وجعلهم وسطا بما ~~هيأ لهم من أسبابه في بيان الشريعة بيانا جعل أذهان أتباعها سالمة من أن ~~تروج عليهم الضلالات التي راجت على الأمم ، قال فخر الدين يجوز أن يكونوا ~~وسطا بمنعى أنهم متوسطون في الدين بين المفرط والمفرط والغالي والمقصر ~~لأنهم لم يغلوا كما غلت النصارى فجعلوا المسيح ابن الله ، ولم يقصروا كما ~~قصرت اليهود فبدلوا الكتب واستخفوا بالرسل . # واستدل أهل أصول الفقه بهذه الآية على أن إجماع علماء الأمة أي المجتهدين ~~حجة شرعية فيما أجمعوا عليه ، وفي بيان هذا الاستدلال طرق : # الأول قال الفخر إن الله أخبر عن عدالة الأمة وخيريتها فلو أقدموا على ~~محظور لما اتصفوا بالخيرية وإذا ثبت ذلك وجب كون قولهم حجة اه ، أي لأن ~~مجموع المجتهدين عدول بقطع النظر عن احتمال تخلف وصف العدالة في بعض ~~أفرادهم ، ويبطل هذا أن الخطأ لا ينافي العدالة ولا الخيرية فلا تدل الآية ~~على عصمتهم من الخطأ فيما أجمعوا عليه PageV02P018 وهذا رد متمكن ، وأجيب ~~عنه بأن العدالة الكاملة التي هي التوسط بين طرفي إفراط وتفريط تستلزم ~~العصمة من وقوع الجميع في الخطأ في الأقوال والأفعال والمعتقدات . # الطريق الثاني قال البيضاوي لو كان فيما اتفقوا عليه باطل لانثلمت ~~عدالتهم اه ، يعني أن الآية اقتضت العدالة الكاملة لاجتماع الأمة فلو كان ~~إجماعهم على أمر باطل لانثلمت عدالتهم أي كانت ناقصة وذلك لا يناسب الثناء ~~عليهم بما في هذه الآية ، وهذا يرجع إلى الطريق الأول . # الطريق الثالث قال جماعة الخطاب للصحابة وهم لا يجمعون على خطأ فالآية ~~حجة على الإجماع في الجملة ، ويرد عليه أن عدالة الصحابة لا تنافي الخطأ في ~~الاجتهاد وقد يكون إجماعهم عن اجتهاد أما إجماعهم على ما هو من طريق النقل ~~فيندرج فيما سنذكره . # والحق عندي أن الآية صريحة ms0815 في أن الوصف المذكور فيها مدح للأمة كلها لا ~~لخصوص علمائها فلا معنى للاحتجاج بها من هاته الجهة على حجية الإجماع الذي ~~هو من أحوال بعض الأمة لا من أحوال جميعها ، فالوجه أن الآية دالة على حجية ~~إجماع جميع الأمة فيما طريقه النقل للشريعة وهو المعبر عنه بالتواتر وبما ~~علم من الدين بالضرورة وهو اتفاق المسلمين على نسبة قول أو فعل أو صفة ~~للنبيء صلى الله عليه وسلم مما هو تشريع مؤصل أو بيان مجمل مثل أعداد ~~الصلوات والركعات وصفة الصلاة والحج ومثل نقل القرآن ، وهذا من أحوال إثبات ~~الشريعة ، به فسرت المجملات وأسست الشريعة ، وهذا هو الذي قالوا بكفر جاحد ~~المجمع عليه منه ، وهو الذي اعتبر فيه أبو بكر الباقلاني وفاق العوام ~~واعتبر فيه غيره عدد التواتر ، وهو الذي يصفه كثير من قدماء الأصوليين بأنه ~~مقدم على الأدلة كلها . # وأما كون الآية دليلا على حجية إجماع المجتهدين عن نظر واجتهاد فلا يؤخذ ~~من الآية إلا بأن يقال إن الآية يستأنس بها لذلك فإنها لما أخبرت أن الله ~~تعالى جعل هذه الأمة وسطا وعلمنا أن الوسط هو الخيار العدل الخارج من بين ~~طرفي إفراط وتفريط علمنا أن الله تعالى أكمل عقول هذه الأمة بما تنشأ عليه ~~عقولهم من الاعتياد بالعقائد الصحيحة ومجانبة الأوهام السخيفة التي ساخت ~~فيها عقول الأمم ، ومن الاعتياد بتلقي الشريعة من طرق العدول وإثبات ~~أحكامها بالاستدلال استنباطا بالنسبة للعلماء وفهما بالنسبة للعامة ، فإذا ~~كان كذلك لزم من معنى الآية أن عقول أفراد هاته الأمة عقول قيمة وهو معنى ~~كونها وسطا ، ثم هذه الاستقامة تختلف بما يناسب كل طبقة من الأمة وكل فرد ، ~~ولما كان الوصف الذي ذكر PageV02P019 أثبت لمجموع الأمة قلنا إن هذا ~~المجموع لا يقع في الضلال لا عمدا ولا خطأ ، أما التعمد فلأنه ينافي ~~العدالة وأما الخطأ فلأنه ينافي الخلقة على استقامة الرأي فإذا جاز الخطأ ~~على آحادهم لا يجوز توارد جميع علمائهم على الخطأ نظرا ، وقد وقع الأمران ~~للأمم الماضية فأجمعوا على الخطأ متابعة ms0816 لقول واحد منهم لأن شرائعهم لم ~~تحذرهم من ذلك أو لأنهم أساءوا تأويلها ، ثم إن العامة تأخذ نصيبا من هذه ~~العصمة فيما هو من خصائصها وهو الجزء النقلي فقط وبهذا ينتظم الاستدلال . # وقوله : { لتكونوا شهداء } علة لجعلهم وسطا فإن أفعال الله تعالى كلها ~~منوطة بحكم وغايات لعلمه تعالى وحكمته وذلك عن إرادة واختيار لا كصدور ~~المعلول عن العلة كما يقول بعض الفلاسفة ، ولا بوجوب وإلجاء كما توهمه ~~عبارات المعتزلة وإن كان مرادهم منها خيرا فإنهم أرادوا أن ذلك واجب لذاته ~~تعالى لكمال حكمته . # و ( الناس ) عام والمراد بهم الأمم الماضون والحاضرون وهذه الشهادة ~~دنيوية وأخروية . فأما الدنيوية فهي حكم هاته الأمة على الأمم الماضين ~~والحاضرين بتبرير المؤمنين منهم بالرسل المبعوثين في كل زمان وبتضليل ~~الكافرين منهم برسلهم والمكابرين في العكوف على مللهم بعد مجيء ناسخها ~~وظهور الحق ، وهذا حكم تاريخي ديني عليه إذا نشأت عليه الأمة نشأت على تعود ~~عرض الحوادث كلها على معيار النقد المصيب . # والشهادة الأخروية هي ما رواه البخاري والترمذي عن أبي سعيد الخدري قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ( يجاء بنوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ~~فيقول نعم يا رب فتسأل أمته هل بلغكم فيقولون ما جاءنا من نذير فيقول الله ~~من شهودك فيقول محمد وأمته فيجاء بكم فتشهدون ثم قرأ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } قال عدلا { لتكونوا شهداء على الناس ~~ويكون الرسول عليكم شهيدا اه . فقوله ثم قرأ يدل على أن هذه الشهادة من ~~جملة معنى الآية لا أنها عين معنى الآية ، والظاهر من التعليل هو الشهادة ~~الأولى لأنها المتفرعة عن جعلنا أمة وسطا ، وأما مجيء شهادة الآخرة على ~~طبقها فذلك لما عرفناه من أن أحوال الآخرة تكون على وفق أحوال الدنيا قال ~~تعالى : ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا زنجشره يوم القيامة أعمى ، قال ~~رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا 7 قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك ~~اليوم تنسى } ( طه : 124 126 ) . PageV02P020 # ومن ms0817 مكملات معنى الشهادة على الناس في الدنيا وجوب دعوتنا الأمم للإسلام ~~، ليقوم ذلك مقام دعوة الرسول إياهم حتى تتم الشهادة للمؤمنين منهم على ~~المعرضين . # والشهادة على الأمم تكون لهم وعليهم ، ولكنه اكتفى في الآية بتعديتها ~~بعلى إشارة إلى أن معظم شهادة هذه الأمة وأهمها شهادتهم على المعرضين لأن ~~المؤمنين قد شهد لهم إيمانهم فالاكتفاء بعلى تحذير للأمم من أن يكونوا بحيث ~~يشهد عليهم وتنويه بالمسلمين بحالة سلامتهم من وصمة أن يكونوا ممن يشهد ~~عليهم وبحالة تشريفهم بهاته المنقبة وهي إثقاف المخالفين لهم بموجب شهادتهم ~~. # وقوله : { ويكون الرسول عليكم شهيدا } معطوف على العلة وليس علة ثانية ~~لأنه ليس مقصودا بالذات بل هو تكميل للشهادة الأولى لأن جعلنا وسطا يناسبه ~~عدم الاحتياج إلى الشهادة لنا وانتفاء الشهادة علينا ، فأما الدنيوية ~~فشهادة الرسول علينا فيها هي شهادته بذاته على معاصريه وشهادة شرعه على ~~الذين أتوا بعده إنما بوفائهم ما أوجبه عليهم شرعه وإما بعكس ذلك ، وأما ~~الأخروية فهي ما روى في الحديث المتقدم من شهادة الرسول بصدق الأمة فيما ~~شهدت به ، وما روي في الحديث الآخر في ( الموطأ ) و ( الصحاح ) : ( فليذادن ~~أقوام عن حوضي فأقول يا رب أمتي فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك إنهم ~~بدلوا وغيروا فأقول سحقا سحقا لمن بدل بعدي ) . وتعدية شهادة الرسول على ~~الأمة بحرف على مشاكلة لقوله قبله { لتكونوا شهداء على الناس } وإلا فإنها ~~شهادة للأمة وقيل بل لتضمين { شهيدا } معنى رقيبا ومهيمنا في الموضعين كما ~~في ( الكشاف ) . # وقد دلت هذه الآية على التنويه بالشهادة وتشريفها حتى أظهر العليم بكل ~~شيء أنه لا يقضي إلا بعد حصطولها . ويؤخذ من الآية أن الشاهد شهيد بما حصل ~~له من العلم وإن لم يشهده المشهود عليه وأنه يشهد على العلم بالسماع ~~والأدلة القاطعة وإن لم ير بعينه أو يسمع بأذنيه ، وأن التزكية أصل عظيم في ~~الشهادة ، وأن المزكي يجب أن يكون أفضل وأعدل من المزكى ، وأن المزكي لا ~~يحتاج للتزكية ، وأن الأمة لا تشهد على النبي صلى الله عليه وسلم ms0818 ولهذا كان ~~يقول في حجة الوداع : ( ألا هل بلغت فيقولون نعم فيقول اللهم اشهد ) فجعل ~~الله هو الشاهد على تبليغه وهذا من أدق النكت . # وتقديم الجار والمجرور على عامله لا أراه إلا لمجرد الاهتمام PageV02P021 ~~بتشريف أمر هذه الأمة حتى أنها تشهد على الأمم والرسل وهي لا يشهد عليها ~~إلا رسولها ، وقد يكون تقديمه لتكون الكلمة التي تختم بها الآية في محل ~~الوقف كلمة ذات حرف مد قبل الحرف الأخير لأن المد أمكن للوقف وهذا من بدائع ~~فصاحة القرآن ، وقيل تقديم المجرور مفيد لقصر الفاعل على المفعول وهو تكلف ~~ومثله غير معهود في كلامهم . # { وما جعلنا القبلة التى كنت عليهآ إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب ~~على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله } . # الواو عاطفة على جملة : { سيقول السفهاء من الناس } ( البقرة : 142 ) وما ~~اتصل بها من الجواب بقوله : { قل لله المشرق والمغرب } قصد به بيان الحكمة ~~من شرع استقبال بيت المقدس ثم تحويل ذلك إلى شرع استقبال الكعبة ، وما بين ~~الجملتين من قوله : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } إلى آخرها اعتراض . # والجعل هنا جعل التشريع بدليل أن مفعوله من شؤون التعبد لا من شؤون الخلق ~~وهو لفظ القبلة ، ولذلك ففعل جعل هنا متعد إلى مفعول واحد لأنه بمعنى شرعنا ~~، فهذه الآيات نزلت بعد الأمر بالتوجه إلى الكعبة فيكون المراد بيت المقدس ~~، وعدل عن تعريف المسند باسمه إلى الموصول لمحاكاة كلام المردود عليهم حين ~~قالوا { ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها } ( البقرة : 142 ) مع ~~الإيماء إلى تعليل الحكمة المشار إليها بقوله تعالى : { إلا لنعلم } أي ما ~~جعلنا تلك قبلة مع إرادة نسخها فألزمناكها زمنا إلا لنعلم الخ . # والاستثناء في قوله : { إلا لنعلم } استثناء من علل وأحوال أي ما جعلنا ~~ذلك لسبب وفي حال إلا لنظهر من كان صادق الإيمان في الحالتين حالة تشريع ~~استقبال بيت المقدس وحالة تحويل الاستقبال إلى الكعبة . وذكر عبد الحكيم ~~أنه قد روي أن بعض العرب ارتدوا عن الإسلام لما استقبل رسول الله ms0819 بيت ~~المقدس حمية لقبلة العرب ، واليهود كانوا تأولوا لأنفسهم العذر في التظاهر ~~بالإسلام كما قررناه عند قوله تعالى : { وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا ~~} ( البقرة : 14 ) فنافقوا وهم يتأولون للصلاة معه بأنها عبادة لله تعالى ~~وزيادة على صلواتهم التي هم محافظون عليها إذا خلوا إلى شياطينهم مع أن ~~صلاتهم مع المسلمين لا تشتمل على ما ينافي تعظيم شعائرهم PageV02P022 إذ هم ~~مستقبلون بيت المقدس فلما حولت القبلة صارت صفة الصلاة منافية لتعظيم ~~شعائرهم لأنها استدبار لما يجب استقباله فلم تبق لهم سمة للتأويل فظهر من ~~دام على الإسلام وأعرض المنافقون عن الصلاة . # وجعل علم الله تعالى بمن يتبع الرسول ومن ينقلب على عقبيه علة هذين ~~التشريعين يقتضي أن يحصل في مستقبل الزمان من التشريع كما يقتضيه لام ~~التعليل وتقدير أن بعد اللام وأن حرف استقبال مع أن الله يعلم ذلك وهو ذاتي ~~له لا يحدث ولا يتجدد لكن المراد بالعلم هنا علم حصول ذلك وهو تعلق علمه ~~بوقوع الشيء الذي علم في الأزل أنه سيقع فهذا تعلق خاص وهو حادث لأنه ~~كالتعلق التنجيزي للإرادة والقدرة وإن أغفل المتكلمون عده في تعلقات العلم ~~( ) . # ولك أن تجعل قوله : { لنعلم من يتبع الرسول } كناية عن أن يعلم بذلك كل ~~من لم يعلم على طريق الكناية الرمزية فيذكر علمه وهو يريد علم الناس كما ~~قال إياس بن قبيصة الطائي : # وأقدمت والخطي يخطر بيننا # لأعلم من جباؤها من شجاعها # أراد ليظهر من جبانها من شجاعها فأعلمه أنا ويعلمه الناس فجاء القرآن في ~~هذه الآية ونظائرها على هذا الأسلوب ، ولك أن تجعله كناية عن الجزاء للمتبع ~~والمنقلب كل بما يناسبه ولك أن تجعل ( نعلم ) مجازا عن التحيز لنظهر للناس ~~بقرينة كلمة ( من ) المسماة بمن الفصلية كما سماها ابن مالك وابن هشام وهي ~~في الحقيقة من فروع معاني من الابتدائية كما استظهره صاحب ( المغني ) ، ~~وهذا لا يريبك إشكال يذكرونه ، كيف يكون الجعل الحادث علة لحصول العلم ~~القديم إذ تبين لك أنه راجع لمعنى كنائي . # والانقلاب الرجوع إلى المكان ms0820 الذي جاء منه ، يقال انقلب إلى الدار ، ~~وقوله : { على عقبيه } PageV02P023 زيادة تأكيد في الرجوع إلى ما كان وراءه ~~لأن العقبين هما خلف الساقين أي انقلب على طريق عقيبه وهو هنا استعارة ~~تمثيلية للارتداد عن الإسلام رجوعا إلى الكفر السابق . و ( من ) موصولة وهي ~~مفعول ( نعلم ) والعلم بمعنى المعرفة وفعله يتعدى إلى مفعول واحد . # وقوله : { وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله } عطف على جملة { وما ~~جعلنا القبلة التي كنت عليها } والمناسبة ظاهرة لأن جملة { وإن كانت } ~~بمنزلة العلة لجملة { نعلم من يتبع الرسول } فإنها مكا كانت دالة على ~~الاتباع والانقلاب إلا لأنها أمر عظيم لا تساهل فيه فيظهر به المؤمن الخالص ~~من المشوب والضمير المؤنث عائد للحادثة أو القبلة باعتبار تغيرها . # وإن مخففة من الثقيلة . # والكبيرة هنا بمعنى الشديدة المحرجة للنفوس ، تقول العرب كبر عليه كذا ~~إذا كان شديدا على نفسه كقوله تعالى : { وإن كان كبر عليك إعراضهم } ( ~~الأنعام : 35 ) . # { وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرءوف رحيم } . # الجملة في موضع الحال من ضمير { لنعلم أي لنظهر من يتبع الرسول ومن ينقلب ~~على عقيبه ونحن غير مضيعين إيمانكم . وذكر اسم الجلالة من الإظهار في مقام ~~الإضمار للتعظيم . # روى البخاري عن البراء بن عازب قال : ( و ) كان ( الذي ) ( 1 ) مات على ~~القبلة قبل أن تحول ( قبل البيت ) ( 1 ) رجال قتلوا لم ندر ما نقول فيهم ~~فأنزل الله تعالى : وما كان الله ليضيع إيمانكم } . وفي قوله : ( قتلوا ) ~~إشكال لأنه لم يكن قتال قبل تحويل القبلة وسنين ذلك ، وأخرج الترمذي عن ابن ~~عباس قال لما وجه النبي إلى الكعبة قالوا يا رسول الله كيف بإخواننا الذين ~~ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس فأنزل الله : { وما كان الله ليضيع إيمانكم ~~} الآية قال هذا حديث حسن صحيح . # والإضاعة إتلاف الشيء وإبطال آثاره وفسر الإيمان على ظاهره ، وفسر أيضا ~~بالصلاة نقله القرطبي عن مالك . وتعلق ( يضيع ) بالإيمان على تقدير مضاف ~~فإن فسر الإيمان على ظاهره كان التقدير ليضيع PageV02P024 حق إيمانكم حين ~~لم تزلزله ms0821 وساوس الشيطان عند الاستقبال إلى قبلة لا تودونها ، وإن فسر ~~الإيمان بالصلاة كان التقدير ما كان الله ليضيع فضل صلاتكم أو ثوابها ، وفي ~~إطلاق اسم الإيمان على الصلاة تنويه بالصلاة لأنها أعظم أركان الإيمان ، ~~وعن مالك : ( إني لأذكر بهذا قول المرجئة الصلاة ليست من الإيمان ) . # ومعنى حديث البخاري والترمذي أن المسلمين كانوا يظنون أن نسخ حكم ، يجعل ~~المنسوخ باطلا فلا تترتب عليه آثار العمل به فلذلك توجسوا خيفة على صلاة ~~إخوانهم اللذين ماتوا قبل نسخ استقبال بيت المقدس مثل أسعد بن زرارة ~~والبراء بن معرور وأبي أمامة ، وظن السائلون أنهم سيجب عليهم قضاء ما صلوه ~~قبل النسخ ولهذا أجيب سؤالهم بما يشملهم ويشمل من ماتوا قبل فقال { إيمانكم ~~} ، ولم يقل إيمانكم على حسب السؤال . # والتذييل بقوله : { إن الله بالناس لرءوف رحيم } تأكيد لعدم إضاعة ~~إيمانهم ومنة وتعليم بأن الحكم المنسوخ إنما يلغى العمل به في المستقبل لا ~~في ما مضى . والرءوف الرحيم صفتان مشبهتان مشتقة أولاهما من الرأفة ~~والثانية من الرحمة . والرأفة مفسرة بالرحمة في إطلاق كلام الجمهور من أهل ~~اللغة وعليه درج الزجاج وخص المحققون من أهل اللغة الرأفة بمعنى رحمة خاصة ~~، فقال أبو عمرو بن العلاء الرأفة أكثر من الرحمة أي أقوى أي هي رحمة قوية ~~، وهو معنى قول الجوهري الرأفة أشد الرحمة ، وقال في ( المجمل ) الرأفة أخص ~~من الرحمة ولا تكاد تقع في الكراهية والرحمة تقع في الكراهية للمصلحة ، ~~فاستخلص القفال من ذلك أن قال : الفرق بين الرأفة والرحمة أن الرأفة مبالغة ~~في رحمة خاصة وهي دفع المكروه وإزلة الضر كقوله تعالى : { ولا تأخذكم بهما ~~رأفة في دين الله } ( النور : 2 ) ، وأما الرحمة فاسم جامع يدخل فيه ذلك ~~المعنى ويدخل فيه الإفضال والإنعام اه . وهذا أحسن ما قيل فيها واختاره ~~الفخر وعبد الحكيم وربما كان مشيرا إلى أن بين الرأفة والرحمة عموما وخصوصا ~~مطلقا وأيا ما كان معنى الرأفة فالجمع بين رءوف ورحيم في الآية يفيد توكيد ~~مدلول أحدهما بمدلول الآخر بالمساواة أو بالزيادة . وأما على اعتبار ms0822 تفسير ~~المحققين لمعنى الرأفة والرحمة فالجمع بين الوصفين لإفادة أنه تعالى يرحم ~~الرحمة القوية لمستحقها ويرحم مطلق الرحمة من دون ذلك . PageV02P025 # وتقدم معنى الرحمة في سورة الفاتحة . # وتقديم ( رءوف ) ليقع لفظ رحيم فاصلة فيكون أنسب بفواصل هذه السورة ~~لانبناء فواصلها على حرف صحيح ممدود يعقبه حرف صحيح ساكن ووصف رءوف معتمد ~~ساكنه على الهمز والهمز شبيه بحروف العلة فالنطق به غير تام التمكن على ~~اللسان وحرف الفاء لكونه يخرج من بطن الشفة السفلى وأطراف الثنايا أشبه حرف ~~اللين فلا يتمكن عليه سكون الوقف . # وتقديم { بالناس } على متعلقه وهو { رءوف رحيم } للتنبيه على عنايته بهم ~~إيقاظا لهم ليشكروه مع الرعاية على الفاصلة . # وقرأ الجمهور ( لرءوف ) بواو ساكنة بعد الهمزة وقرأه أبو عمرو وحمزة ~~والكسائي ويعقوب وخلف بدون واو مع ضم الهمزة بوزن عضد وهو لغة على غير قياس ~~. # # | 2 ( 144 ) { قد نرى تقلب وجهك في السمآء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك ~~شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ~~ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون } . ) 2 # استئناف ابتدائي وإفضاء لشرع استقبال الكعبة ونسخخ استقبال بيت المقدس ~~فهذا هو المقصود من الكلام المفتتح بقوله : { سيقول السفهاء من الناس ما ~~ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها } ( البقرة : 142 ) بعد أن مهد الله بما ~~تقدم من أفانين التهيئة وإعداد الناس إلى ترقبه ابتداء من قوله : { ولله ~~المشرق والمغرب ثم قوله : ولن ترضى عنك اليهود } ( البقرة : 120 ) ثم قوله ~~: { وإذا جعلنا البيت } ( البقرة : 125 ) ثم قوله : { سيقول السفهاء } . # و ( قد ) في كلام العرب للتحقيق ألا ترى أهل المعاني نظروا هل في ~~الاستفهام بقد في الخبر فقالوا من أجل ذلك إن هل لطلب التصديق فحرف قد يفيد ~~تحقيق الفعل فهي مع الفعل بمنزلة إن مع الأسماء ولذلك قال الخليل إنها جواب ~~لقوم ينتظرون الخبر ولو أخبروهم لا ينتظرونه لم يقل قد فعل كذا اه . # ولما كان علم الله بذلك مما لا يشك فيه النبي صلى الله عليه ms0823 وسلم حتى ~~يحتاج لتحقيق الخبر به كان الخبر به مع تأكيده مستعملا في لازمه على وجه ~~الكناية لدفع الاستبطاء عنه PageV02P026 وأن يطمئنه لأن النبي كان حريصا ~~على حصوله ويلزم ذلك الوعد بحصوله فتحصل كنايتان مترتبان . # وجيء بالمضارع مع ( قد ) للدلالة على التجدد والمقصود تجدد لازمه ليكون ~~تأكيدا لذلك اللازم وهو الوعد ، فمن أجل ذلك غلب على قد الداخلة على ~~المضارع أن تكون للتكثير مثل ربما يفعل . قال عبيد بن الأبرص : # قد أترك القرن مصفرا أنامله # كأن أثوابه مبحت بفرصاد # وستجيء زيادة بيان لهذا عند قوله تعالى : { قد نعلم إنه ليحزنك الذي ~~يقولون } ( الأنعام : 33 ) في سورة الأنعام . # والتقلب مطاوع قلبه إذا حوله وهو مثل قلبه بالتخفيف ، فالمراد بتقليب ~~الوجه الالتفات به أي تحويله عن جهته الأصلية فهو هنا ترديده في السماء ، ~~وقد أخذوا من العدول إلى صيغة التفعيل الدلالة على معنى التكثير في هذا ~~التحويل ، وفيه نظر إذ قد يكون ذلك لما في هذا التحويل من الترقب والشدة ~~فالتفعيل لقوة الكيفية ، قالوا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقع في روعه ~~إلهاما أن الله سيحوله إلى مكة فكان يردد وجهه في السماء فقيل ينتظر نزول ~~جبريل بذلك ، وعندي أنه إذا كان كذلك لزم أن يكون تقليب وجهه عند تهيؤ نزول ~~الآية وإلا لما كان يترقب جبريل فدل ذلك على أنه لم يتكرر منه هذا التقليب ~~. # والفاء في { فلنولينك } فاء التعقيب لتأكيد الوعد بالصراحة بعد التمهيد ~~لها بالكناية في قوله : { قد نرى تقلب وجهك } ، والتولية تقدم الكلام عليها ~~عند قوله تعالى : { ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها } ( البقرة : 142 ~~) ، فمعنى { فلنولينك قبلة } لنوجهنك إلى قبلة ترضاها . فانتصب { قبلة } ~~على التوسع بمنزلة المفعول الثاني وأصله لنولينك من قبلة وكذلك قوله : { ~~فول وجهك شطر المسجد الحرام } . والمعنى أن تولية وجهه للكعبة سيحصل عقب ~~هذا الوعد . وهذا وعد اشتمل على أداتي تأكيد وأداة تعقيب وذلك غاية اللطف ~~والإحسان . # وعبر بترضاها للدلالة على أن ميله إلى الكعبة ميل لقصد الخير بناء على أن ~~الكعبة ms0824 أجدر بيوت الله بأن يدل على التوحيد كما تقدم فهو أجدر بالاستقبال ~~من بيت المقدس ، PageV02P027 ولأن في استقبالها إيماء إلى استقلال هذا ~~الدين عن دين أهل الكتاب . ولما كان الرضى مشعرا بالمحبة الناشئة عن تعقل ~~اختير في هذا المقام دون تحبها أو تهواها أو نحوهما فإن مقام النبي صلى ~~الله عليه وسلم يربو عن أن يتعلق ميله بما ليس بمصلحة راجحة بعد انتهاء ~~المصلحة العارضة لمشروعية استقبال بيت المقدس ، ألا ترى أنه لما جاء في ~~جانب قبلتهم بعد أن نسخت جاء بقوله : { ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك ~~من العلم } الآية . # وقوله : { فول وجهك } تفريع على الوعد وتعجيل به والمعنى فول وجهك في ~~حالة الصلاة وهو مستفاد من قرينة سياق الكلام على المجادلة مع السفهاء في ~~شأن قبلة الصلاة . # والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم والأمر متوجه إليه باعتبار ما فيه من ~~إرضاء رغبته ، وسيعقبه بتشريك الأمة معه في الأمر بقوله : { وحيث ما كنتم ~~فولوا وجوهكم شطره } . # والشطر بفتح الشين وسكون الطاء الجهة والناحية وفسره قتادة بتلقاء ، ~~وكذلك قرأه أبي بن كعب ، وفسر الجبائي وعبد الجبار الشطر هنا بأنه وسط ~~الشيء ، لأن الشطر يطلق على نصف الشيء فلما أضيف إلى المسجد والمسجد مكان ~~اقتضى أن نصفه عبارة عن نصف مقداره ومساحته وذلك وسطه ، وجعلا شطر المسجد ~~الحرام كناية عن الكعبة لأنها واقعة من المسجد الحرام في نصف مساحته من ~~جميع الجوانب ( أي تقريبا ) قال عبد الجبار ويدل على أن المراد ما ذكرنا ~~وجهان أحدهما أن المصلى لو وقف بحيث يكون متوجها إلى المسجد ولا يكون ~~متوجها إلى الكعبة لا تصح صلاته ، الثاني لو لم نفسر الشطر بما ذكرنا لم ~~يبق لذكر الشطر فائدة إذ يغني أن يقول : { فول وجهك المسجد الحرام } ولكان ~~الواجب التوجه إلى المسجد الحرام لا إلى خصوص الكعبة . # فإن قلت ما فائدة قوله : { فلنولينك قبلة ترضاها } قبل قوله : { فول وجهك ~~} وهلا قال : في السماء فول وجهك إلخ ، قلت فائدته إظهار الاهتمام برغبة ~~رسول الله صلى الله عليه ms0825 وسلم وأنها بحيث يعتنى بها كما دل عليه وصف القبلة ~~بجملة { ترضاها } . # ومعنى ( نولينك ) نوجهنك ، وفي التوجيه قرب معنوي لأن ولي المتعدي بنفسه ~~إذا لم يكن بمعنى القرب الحقيقي فهو بمعنى الارتباط به ، ومنه الولاء ~~والولي ، والظاهر أن تعديته إلى مفعول ثان من قبيل الحذف والتقدير ولى وجهه ~~إلى كذا ثم يعدونه إلى مفعول ثالث بحرف عن PageV02P028 فيقولون ولى عن كذا ~~وينزلونه منزلة اللازم بالنسبة للمفعولين الآخرين فيقدرون ولى وجهه إلى جهة ~~كذا منصرفا عن كذا أي الذي كان يليه من قبل ، وباختلاف هاته الاستعمالات ~~تختلف المعاني كما تقدم . # فالقبلة هنا اسم للمكان الذي يستقبله المصلى وهو إما مشتق من اسم الهيئة ~~وإما من اسم المفعول كما تقدم . # والمسجد الحرام المسجد المعهود عند المسلمين والحرام المجعول وصفا للمسجد ~~هو الممنوع . أي الممنوع منع تعظيم وحرمة فإن مادة التحريم تؤذن بتجنب ~~الشيء فيفهم التجنب في كل مقام بما يناسبه . وقد اشتهر عند العرب وصف مكة ~~بالبلد الحرام أي الممنوع عن الجبابرة والظلمة والمعتدين ووصف بالمحرم في ~~قوله تعالى حكاية عن إبراهيم : { عند بيتك الحرامز } ( إبراهيم : 37 ) ، أي ~~المعظم المحترم وسمي الحرم قال تعالى : { أولم نمكن لهم حرما أمنا } ( ~~القصص : 57 ) فوصف الكعبة بالبيت الحرام وحرم مكة بالحرم أوصاف قديمة شائعة ~~عند العرب فأما اسم المسجد الحرام فهو من الألقاب القرآنية جعل علما على ~~حريم الكعبة المحيط بها وهو محل الطواف والاعتكاف ولم يكن يعرف بالمسجد في ~~زمن الجاهلية إذ لم تكن لهم صلاة ذات سجود والمسجد مكان السجود فاسم المسجد ~~الحرام علم بالغلبة على المساحة المحصورة المحيطة بالكعبة ولها أبواب منها ~~باب الصفا وباب بني شيبة ولما أطلق هذا العلم على ما أحاط بالكعبة لم يتردد ~~الناس من المسلمين وغيرهم في المراد منه فالمسجد الحرام من الأسماء ~~الإسلامية قبل الهجرة وقد ورد ذكره في سورة الإسراء وهي مكية . # والجمهور على أن المراد بالمسجد الحرام هنا الكعبة لاستفاضة الأخبار ~~الصحيحة بأن القبلة صرفت إلى الكعبة وأن رسول الله أمر أن يستقبل الكعبة ms0826 ~~وأنه صلى إلى الكعبة يوم الفتح وقال هذه القبلة ، قال ابن العربي ( وذكر ~~المسجد الحرام والمراد به البيت لأن العرب تعبر عن البيت بما يجاوره أو بما ~~يشتمل عليه ) وعن ابن عباس البيت قبلة لأهل المسجد والمسجد قبلة لأهل الحرم ~~والحرم قبلة لأهل المشرق والمغرب . قال الفخر وهذا قول مالك ، وأقول لا ~~يعرف هذا عن مالك في كتب مذهبه . # وانتصب { شطر المسجد } على المفعول الثاني لول وليس منصوبا على الظرفية . ~~PageV02P029 # وقوله : { وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره } تنصيص على تعميم حكم استقبال ~~الكعبة لجميع المسلمين بعموم ضميري { كنتم } و { وجوهكم } لوقوعهما في سياق ~~عموم الشرط بحيثما وحينما لتعميم أقطار الأرض لئلا يظن أن قوله : { فول ~~وجهك شطر المسجد الحرام } خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم فإن قوله : { فول ~~وجهك شطر المسجد الحرام } خطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم اقتضى الحال ~~تخصيصه بالخطاب به لأنه تفريع على قوله : { قد نرى تقلب وجهك في السماء } ~~ليكون تبشيرا له ويعلم أن أمته مثله لأن الأصل في التشريعات الإسلامية أن ~~تعم الرسول وأمته إلا إذا دل دليل على تخصيص أحدهما ، ولما خيف إيهام أن ~~يكون هذا الحكم خاصا به أو أن تجزىء فيه المرة أو بعض الجهات كالمدينة ومكة ~~أريد التعميم في المكلفين وفي جميع البلاد ، ولذلك جيء بالعطف بالواو لكن ~~كان يكفي أن يقول وولوا وجوهكم شطره فزيد عليه ما يدل على تعميم الأمكنة ~~تصريحا وتأكيدا لدلالة العموم المستفاد من إضافة { شطر } إلى ضمير { المسجد ~~الحرام } لأن شطر نكرة أشبهت الجمع في الدلالة على أفراد كثيرة فكانت ~~إضافتها كإضافة الجموع ، وتأكيدا لدلالة الأمر التشريعي على التكرار تنويها ~~بشأن هذا الحكم فكأنه أفيد مرتين بالنسبة للمكلفين وأحوالهم أولاهما ~~إجمالية والثانية تفصيلية . # وهذه الآيات دليل على وجوب هذا الاستقبال وهو حكمة عظيمة ، ذلك أن ~~المقصود من الصلاة العبادة والخضوع لله تعالى وبمقدار استحضار المعبود يقوى ~~الخضوع له فتترتب عليه آثاره الطيبة في إخلاص العبد لربه وإقباله على ~~عبادته وذلك ملاك الامتثال والاجتناب . ولهذا جاء في ms0827 الحديث الصحيح : ( ~~الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) ، ولما تنزه ~~الله تعالى عن أن يحيط به الحس تعين لمحاول استحضار عظمته أن يجعل له مذكرا ~~به من شيء له انتساب خاص إليه ، قال فخر الدين : ( إن الله تعالى خلق في ~~الإنسان قوة عقلية مدركة للمجردات والمعقولات ، وقوة خيالية متصرفة في عالم ~~الأجسام ، وقلما تنفك القوة العقلية عن مقارنة القوة الخيالية ، فإذا أراد ~~الإنسان استحضار أمر عقلي مجرد وجب أن يضع له صورة خيالية يحسها حتى تكون ~~تلك الصورة الخيالية معينة على إدراك تلك المعاني العقلية ، ولما كان العبد ~~الضعيف إذا وصل إلى مجلس الملك العظيم لا بد من أن يستقبله بوجهه ويبالغ في ~~الثناء عليه بلسانه وفي الخدمة له ، فاستقبال القبلة في الصلاة يجري مجرى ~~كونه مستقبلا للملك ، والقرآن والتسبيحات تجري مجرى الثناء عليه ، والركوع ~~والسجود يجري مجرى الخدمة ) اه . PageV02P030 # فإذا تعذر استحضار الذات المطلوبة بالحس فاستحضارها يكون بشيء له انتساب ~~إليها مباشرة كالديار أو بواسطة كالبرق والنسيم ونحو ذلك أو بالشبه كالغزال ~~عند المحبين ، وقديما ما استهترت الشعراء بآثار الأحبة كالأطلال في قوله : # قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل # وأقوالهم في البرق والريح ، وقال مالك بن الريب : # دعاني الهوى من أهل ودي وجيرتي # بذي الطيسينن فالتفت ورائيا # والله تعالى منزه عن أن يحيط به الحس فوسيلة استحضار ذاته هي استحضار ما ~~فيه مزيد دلالة عليه تعالى . لا جرم أن أولى المخلوقاتت بأن يجعل وسيلة ~~لاستحضار الخالق في نفس عبده هي المخلوقات التي كان وجودها لأجل الدلالة ~~على توحيد الله وتنزيهه ووصفه بصفات الكمال مع تجردها عن كل ما يوهم أنها ~~المقصودة بالعبادة وتلك هي المساجد التي بناها إبراهيم عليه السلام وجردها ~~من أن يضع فيها شيئا يوهم أنه المقصود بالعبادة ، ولم يسمها باسم غير الله ~~تعالى فبنى الكعبة أول بيت ، وبنى مسجدا في مكان المسجد الأقصى ، وبنى ~~مساجد أخرى ورد ذكرها في التوراة بعنوان مذابح ، فقد بنت الصابئة وأهل ~~الشرك بعد نوح هياكل ms0828 لتمجيد الأوثان وتهويل شأنها في النفوس فأضافوها إلى ~~أسماء أناس مثل ود وسواع ، أو إلى أسماء الكواكب ، وذكر المسعودي في ( مروج ~~الذهب ) عدة من الهياكل التي أقيمت في الأمم الماضية لهذا الشأن ومنها هيكل ~~سندوساب ببلاد الهند وهيكل مصلينا في جهة الرقة بناه الصابئة قبل إبراهيم ~~وكان آزر أبو إبراهيم من سدنته ، وقيل إن عادا بنوا هياكل منها جلق هيكل ~~بلاد الشام . # فإذا استقبل المؤمن بالله شيئا من البيوت التي أقيمت لمناقضة أهل الشرك ~~وللدلالة على توحيد الله وتمجيده كان من استحضار الخالق بما هو أشد إضافة ~~إليه ، بيد أن هذه البيوت على كثرتها لا تتفاضل إلا بإخلاص النية من ~~إقامتها ، وبكون إقامتها لذلك وبأسبقية بعضها على بعض في هذا الغرض ، وإن ~~شئت جعلت كل هذه المعاني ثلاثة في معنى واحد وهو الأسبقية لأن السابق منها ~~قد امتاز على اللاحق بكونه هو الذي دل مؤسس ذلك اللاحق على تأسيسه قال ~~تعالى : { لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه } ( التوبة : ~~108 ) ، PageV02P031 وقال في ذكر مسجد الضرار : { لا تقم فيه أبدا } ، أي ~~لأنه أسس بنية التفريق بين المؤمنين ، وقال : { إن أول بيت وضع للناس للذي ~~ببكة مباركا وهدى للعالمين } ( آل عمران : 96 ) فجعله هدى للناس لأنه أول ~~بيت فالبيوت التي أقيمت بعده كبيت المقدس من آثار اهتداء اهتداه بانوها ~~بالبيت الأول . # وقد قال بعض العلماء إن الكعبة أول هيكل أقيم للعبادة وفيه نظر سيأتي عند ~~قوله تعالى : { إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة في سورة آل عمران ، ولا شك ~~أن أول هيكل أقيم لتوحيد الله وتنزيهه وإعلان ذلك وإبطال الإشراك هو الكعبة ~~التي بناها إبراهيم أول من حاج الوثنيين بالأدلة وأول من قاوم الوثنية بقوة ~~يده فجعل الأوثان جذاذا ، ثم أقام لتخليد ذكر الله وتوحيده ذلك الهيكل ~~العظيم ليعلم كل أحد يأتي أن سبب بنائه إبطال عبادة الأوثان ، وقد مضت على ~~هذا البيت العصور فصارت رؤيته مذكرة بالله تعالى ، ففيه مزية الأولية ، ثم ~~فيه مزية مباشرة إبراهيم ms0829 عليه السلام بناءه بيده ويد ابنه إسماعيل دون ~~معونة أحد ، فهو لهذا المعنى أعرق في الدلالة على التوحيد وعلى الرسالة معا ~~وهما قطبا إيمان المؤمنين وفي هذه الصفة لا يشاركه غيره . # ثم سن الحج إليه لتجديد هذه الذكرى ولتعميمها في الأمم الأخرى ، فلا جرم ~~أن يكون أولى الموجودات بالاستقبال لمن يريد استحضار جلال الربوبية الحقة ~~وما بنيت بيوت الله مثل المسجد الأقصى إلا بعده بقرون طويلة ، فكان هو قبلة ~~المسلمين . # قدمنا آنفا أن شرط استقبال جهة معينة لم يكن من أحكام الشرائع السالفة ~~وكيف يكون كذلك والمسجد الأقصى بني بعد موسى بما يزيد على أربعمائة سنة ~~وغاية ما كان من استقباله بعد دعوة سليمان أنه استقبال لأجل تحقق قبول ~~الدعاء والصلاة لا لكونه شرطا ، ثم إن اختيار ذلك الهيكل للاستقبال وإن كان ~~دعوة فهي دعوة نبيء لا تكون إلا عن إلهام إلاهي فلعل حكمة ذلك حينئذ أن ~~الله أراد تعمير البلد المقدس كما وعد إبراهيم ووعد موسى فأراد زيادة تغلغل ~~قلوب الإسرائيليين في التعلق به فبين لهم استقبال الهيكل الإيماني الذي ~~أقامه فيه نبيه سليمان ليكون ذلك المعبد مما يدعو نفوسهم إلى الحرص على ~~بقاء الأقطار بأيديهم . # ويجوز أن يكون قد شرع الله لهم الاستقبال بعد ذلك على ألسنة الأنبياء بعد ~~سليمان وفيه بعد لأن أنبياءهم لم يأتوا بزيادة على شريعة موسى وإنما أتوا ~~معززين فتشريع الله تعالى PageV02P032 استقبال المسلمين في صلاتهم لجهة ~~معينة تكميل لمعنى الخشوع في صلاة الإسلام فيكون من التكملات التي ادخرها ~~الله تعالى لهذه الشريعة لتكون تكملة الدين تشريفا لصاحبها ولأمته إن كان ~~الاحتمال الأول ، فإن كان الثاني فالأمر لنا بالاستقبال لئلا تكون صلاتنا ~~أضعف استحضارا لجلال الله تعالى من صلاة غيرنا . # ولذلك اتفق علماؤنا على أن الاستقبال لجهة معينة كان مقارنا لمشروعية ~~الصلاة في الإسلام فإن كان استقباله جهة الكعبة عن اجتهاد من النبي فعلته ~~أنه المسجد الذي عظمه أهل الكتابين والذي لم يداخله إشراك ولا نصبت فيه ~~أصنام فكان ذلك أقرب دليل لاستقبال جهته ms0830 ممن يريد استحضار وحدانية الله ~~تعالى ، وإن كان استقبال بيت المقدس بوحي من الله تعالى فلعل حكمته تأليف ~~قلوب أهل الكتابين وليظهر بعد ذلك للنبيء وللمسلمين من اتبعهم من أهل ~~الكتاب حقا ومن اتبعهم نفاقا لأن الأخيرين قد يتبعون الإسلام ظاهرا ~~ويستقبلون في صلاتهم قبلتهم القديمة فلا يرون حرجا على أنفسهم في ذلك فإذا ~~تغيرت القبلة خافوا من قصدهم لاستدبارها فأظهروا ما كانوا مستبطينه من ~~الكفر كما أشار له قوله تعالى : وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم ~~من يتبع الرسول } ( البقرة : 142 ) الآية . # ولعل العدول عن الأمر باستقبال الكعبة في صدر الإسلام كان لخضد شوكة ~~مكابرة قريش وطعنهم في الإسلام فإنه لو استقبل مكة لشمخوا بأنوفهم وقالوا ~~هذا بلدنا ونحن أهله واستقباله حنين إليه وندامة على الهجرة منه ، كما قد ~~يكون قوله تعالى : { ومن أظلم ممن منع مساجد الله } ( البقرة : 114 ) وقوله ~~: { ولله المشرق والمغرب } ( البقرة : 115 ) إيماء إليه كما قدمناه ، وعليه ~~ففي تحويل القبلة إلى الكعبة بعد ذلك بشارة للنبيء صلى الله عليه وسلم بأن ~~أمر قريش قد أشرف على الزوال وأن وقعة بدر ستكون الفيصل بين المسلمين ~~وبينهم ، ثم أمر الله بتحويل القبلة إلى البيت الذي هو أولى بذلك وإلى جهته ~~للبعيد عنه . # { وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما ~~يعملون } . # اعتراض بين جملة : { فول وجهك شطر المسجد الحرام } وجملة { ومن حيث خرجت ~~فول وجهك } ( البقرة : 149 ) الآية . PageV02P033 والأظهر أن المراد بالذين ~~أوتوا الكتاب أحبار اليهود وأحبار النصارى كما روى عن السدي كما يشعر به ~~التعبير عنهم بصلة : { أوتوا الكتاب } دون أن يقال وإن أهل الكتاب . ومعنى ~~كونهم يعلمون أنه الحق أن علمهم بصدق محمد صلى الله عليه وسلم حسب البشارة ~~به في كتبهم يتضمن أن ما جاء به حق . والأظهر أيضا أن المراد بالذين أوتوا ~~الكتاب هم الذين لم يزالوا على الكفر ليظهر موقع قوله : { وإن الذين أوتوا ~~الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم } فإن الإخبار عنهم بأنهم يعلمون ms0831 أنه الحق ~~مع تأكيده بمؤكدين ، يقتضي أن ظاهر حالهم إذ أنكروا استقبال الكعبة أنهم ~~أنكروه لاعتقادهم بطلانه وأن المسلمين يظنونهم معتقدين ذلك ، وليظهر موقع ~~قوله { وما الله بغافل عما يعلمون } الذي هو تهديد بالوعيد . # وقد دل التعريف في قوله : { أنه الحق } على القصر أي يعلمون أن الاستقبال ~~للكعبة هو الحق دون غيره تبعا للعلم بنسخ شريعتهم بشريعة الإسلام ، وقيل ~~إنهم كانوا يجدون في كتبهم أن قبلتهم ستبطل ولعل هذا مأخوذ من إنذارات ~~أنبيائهم مثل أرميا وأشعيا المنادية بخراب بيت المقدس فإن استقباله يصير ~~استقبال الشيء المعدوم . # وقوله : { وما الله بغافل عما يعملون } قرأه الجمهور بياء الغيبة والضمير ~~للذين أوتوا الكتاب أي عن عملهم بغير ما علموا فالمراد بما يعملون هذا ~~العمل ونحوه من المكابرة والعناد والسفه . وهذا الخبر كناية عن الوعيد ~~بجزائهم عن سوء صنعهم لأن قول القادر ما أنا بغافل عن المجرم تحقيق لعقابه ~~إذ لا يحول بين القادر وبين الجزاء إلا عدم العلم فلذلك كان وعيدا لهم ~~ووعيدهم يستلزم في المقام الخطابي وعدا للمسلمين لدلالته على عظيم منزلتهم ~~فإن الوعيد إنما ترتب على مخالفتهم للمؤمنين فلا جرم أن سيلزم جزاء ~~للمؤمنين على امتثال تغيير القبلة ، ولأن الذي لا يغفل عن عمل أولئك لا ~~يغفل عن عمل هؤلاء فيجازي كلا بما يستحق . # وقرأه ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو جعفر وروح عن يعقوب بتاء الخطاب فهو ~~كناية عن وعد للمسلمين على الامتثال لاستقبال الكعبة . PageV02P034 ويستلزم ~~وعيدا للكافرين على عكس ما تقتضيه القراءة السابقة ؛ وعلى القراءتين فهو ~~تذييل إجمالي ليأخذ كل حظه منه وهو اعتراض بين جملة : { وإن الذين أوتوا } ~~وجملة : { ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب } ( البقرة : 145 ) الآية . # وفي قوله : { ليعلمون } وقوله : { عما يعملون } ( البقرة : 96 ) الجناس ~~التام المحرف على قراءة الجمهور والجناس الناقص المضارع على قراءة ابن عامر ~~ومن وافقه . # # | 2 ( 145 ) { ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل ءاية ما تبعوا قبلتك ومآ ~~أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت أهوآءهم من بعد ما ~~جآءك من ms0832 العلم إنك إذا لمن الظالمين } . ) 2 # { ولئن أتيت } عطف على قوله : { وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون } ( ~~البقرة : 144 ) ، والمناسبة أنهم يعلمون ولا يعملون فلما أفيد أنهم يعلمون ~~أنه الحق على الوجه المتقدم في إفادته التعريض بأنهم مكابرون ناسبت أن يحقق ~~نفي الطمع في اتباعهم القبلة لدفع توهم أن يطمع السامع باتباعهم لأنهم ~~يعلمون أحقيتها ، فلذا أكدت الجملة الدالة على نفي اتباعهم بالقسم واللام ~~الموطئة ، وبالتعليق على أقصى ما يمكن عادة . # والمراد بالذين أوتوا الكتاب عين المراد من قوله : { وإن الذين أوتوا ~~الكتاب ليعلمون } على ما تقدم فإن ما يفعله أحبارهم يكون قدوة لعامتهم فإذا ~~لم يتبع أحبارهم قبلة الإسلام فأجدر بعامتهم أن لا يتبعوها . # ووجه الإظهار في مقام الإضمار هنا الإعلان بمذمتهم حتى تكون هذه الجملة ~~صريحة في تناولهم كما هو الشأن في الإظهار في موقع الإضمار أن يكون المقصود ~~منه زيادة العناية والتمكن في الذهن . # والمراد { بكل آية } آيات متكاثرة والمراد بالآية الحجة والدليل على أن ~~استقبال الكعبة هو قبلة الحنيفية . وإطلاق لفظ ( كل ) على الكثرة شائع في ~~كلام العرب قال امرؤ القيس : PageV02P035 # فيالك من ليلل كأن نجومه # بكل مغار الفتل شدت بيذبل # وأصله مجاز لجعل الكثير من أفراد شيء مشابها لمجموع عموم أفراده ، ثم كثر ~~ذلك حتى ساوى الحقيقة فصار معنى من معاني كل لا يحتاج استعماله إلى قرينة ~~ولا إلى اعتبار تشبيه العدد الكثير من أفراد الجنس بعموم جميع أفراده حتى ~~إنه يرد فيما لا يتصور فيه عموم أفراد ، مثل قوله هنا { بكل آية } فإن ~~الآيات لا يتصور لها عدد يحاط به ، ومثله قوله تعالى : { ثم كلي من كل ~~الثمرات } ( النحل : 69 ) وقوله : { إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون ~~} ( يونس : 96 ) وقال النابغة : # بها كل ذيالل وخنساء ترعوى # إلى كل رجافف من الرمل فارد # وتكرر هذا ثلاث مرات في قول عنترة : # جادت عليه كل بكر حرة # فتركن كل قرارة كالدرهم # سحا وتسكابا فكل عشية # يجري إليها الماء لم يتصرم # وصاحب ( القاموس ) قال في مادة كل ms0833 ( وقد جاء استعمال كل بمعنى بعضض ضد ) ~~فأثبت الخروج عن معنى الإحاطة ولكنه جازف في قوله ( بمعنى بعض ) وكان ~~الأصوب أن يقول بمعنى كثير . # والمعنى أن إنكارهم أحقية الكعبة بالاستقبال ليس عن شبهة حتى تزيله الحجة ~~ولكنه مكابرة وعناد فلا جدوى في إطناب الاحتجاج عليهم . # وإضافة قبلة إلى ضمير الرسول لأنها أخص به لكونها قبلة شرعه ، ولأنه ~~سألها بلسان الحال . # وإفراد القبلة في قوله : { وما أنت بتابع قبلتهم } مع كونهما قبلتين ، إن ~~كان لكل من أهل الكتاب قبلة معينة ، وأكثر من قبلة إن لم تكن لهم قبلة ~~معينة وكانوا مخيرين في استقبال الجهات ، فإفراد لفظ ( قبلتهم ) على معنى ~~التوزيع لأنه إذا اتبع قبلة إحدى الطائفتين كان غير متبع قبلة الطائفة ~~الأخرى . # والمقصود من قوله : { ما تبعوا قبلتك } إظهار مكابرتهم تأييسا من إيمانهم ~~، ومن قوله : { وما أنت بتابع قبلتهم } تنزيه النبي وتعريض لهم باليأس من ~~رجوع المؤمنين إلى PageV02P036 استقبال بيت المقدس ، وفي قوله : { وما ~~بعضهم بتابع قبلة بعض } تأنيس للنبيء بأن هذا دأبهم وشنشنتهم من الخلاف ~~فقديما خالف بعضهم بعضا في قبلتهم حتى خالفت النصارى قبلة اليهود مع أن ~~شريعة اليهود هي أصل النصرانية . # وجملة : { ولئن اتبعت أهواءهم } معطوفة على جملة : { وما أنت بتابع ~~قبلتهم } وما بينهما اعتراض . وفائدة هذا العطف بعد الإخبار بأنه لا يتبع ~~قبلتهم زيادة تأكيد الأمر باستقبال الكعبة ، والتحذير من التهاون في ذلك ~~بحيث يفرض على وجه الاحتمال أنه لو اتبع أهواء أهل الكتاب في ذلك لكان كذا ~~وكذا ، ولذلك كان الموقع لإن لأن لها مواقع الشك والفرض في وقوع الشرط . # وقوله : { من العلم } بيان لما جاءك أي من بعد الذي جاءك والذي هو العلم ~~فجعل ما أنزل إليه هو العلم كله على وجه المبالغة . # والأهواء جمع هوى وهو الحب البليغ بحيث يقتضي طلب حصول الشيء المحبوب ولو ~~بحصول ضر لمحصله ، فلذلك غلب إطلاق الهوى على حب لا يقتضيه الرشد ولا العقل ~~ومن ثم أطلق على العشق ، وشاع إطلاق الهوى في القرآن على عقيدة الضلال ومن ~~ثم ms0834 سمى علماء الإسلام أهل العقائد المنحرفة بأهل الأهواء . # وقد بولغ في هذا التحذير باشتمال مجموع الشرط والجزاء على عدة مؤكدات ~~أومأ إليها صاحب ( الكشاف ) وفصلها صاحب ( الكشف ) إلى عشرة وهي : القسم ~~المدلول عليه باللام ، واللام الموطئة للقسم لأنها تزيد القسم تأكيدا ، ~~وحرف التوكيد في جملة الجزاء ، ولام الابتداء في خبرها ، واسمية الجملة ، ~~وجعل حرفف الشرط الحرف الدال على الشك وهو ( إن ) المقتضي أن أقل جزء من ~~اتباع أهوائهم كافف في الظلم ، والإتيان بإذن الدالة على الجزائية فإنها ~~أكدت ربط الجزاء بالشرط ، والإجمال ثم التفصيل في قوله : { ما جاءك من ~~العلم } فإنه يدل على الاهتمام والاهتمام بالوازع يؤول إلى تحقيق العقاب ~~على الارتكاب لانقطاع العذر ، وجعل ما نزل عليه هو نفس العلم . # والتعريف في { الظالمين } الدال على أنه يكون من المعهودين بهذا الوصف ~~الذين هو لهم سجية . ولا يخفى أن كل ما يؤول إلى تحقيق الربط بين الجزاء ~~والشرط أو تحقيق سببه PageV02P037 أو تحقيق حصول الجزاء أو تهويل بعض ~~متعلقاته ، كل ذلك يؤكد المقصود من الغرض المسوق لأجله الشرط . # والتعبير بالعلم هنا عن الوحي واليقين الإلاهي إعلان بتنويه شأن العلم ~~ولفت لعقول هذه الأمة إليه لما يتكرر من لفظه على أسماعهم . # وقوله : { لمن الظالمين } أقوى دلالة على الانصاف بالظلم من إنك لظالم ~~كما تقدم عند قوله : { قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين } ( البقرة : 67 ~~) . # والمراد بالظالمين الظالمون أنفسهم وللظلم مراتب دخلت كلها تحت هذا الوصف ~~والسامع يعلم إرجاع كل ضرب من ضروب اتباع أهوائهم إلى ضرب من ضروب ظلم ~~النفس حتى ينتهي إلى عقائدهم الضالة فينتهي ظلمهم أنفسهم إلى الكفر الملقي ~~في خالد العذاب . # قد يقول قائل إن قريبا من هذه الجملة تقدم عند قوله تعالى : { قل إن هدى ~~الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ~~ولي ولا نصير } ( البقرة : 120 ) فعبر هنالك باسم الموصول ( الذي ) وعبر ~~هنا باسم الموصول ( ما ) ، وقال هنالك ( بعد ) وقال هنا ( من بعد ) ، وجعل ~~جزاء الشرط ms0835 هنالك انتفاء ولي ونصير ، وجعل الجزاء هنا أن يكون من الظالمين ~~، وقد أورد هذا السؤال صاحب ( درة التنزيل وغرة التأويل ) وحاول إبداء ~~خصوصيات تفرق بين ما اختلفت فيه الآيتان ولم يأت بما يشفي ، والذي يرشد ~~إليه كلامه أن نقول إن ( الذي ) و ( ما ) وإن كانا مشتركين في أنهما اسما ~~موصول إلا أنهما الأصل في الأسماء الموصولة ، ولما كان العلم الذي جاء ~~النبي صلى الله عليه وسلم في غرض الآية الأولى هو العلم المتعلق بأصل ملة ~~الإسلام وببطلان ملة اليهود وملة النصارى بعد النسخ ، وبإثبات عناد ~~الفريقين في صحة رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وذلك ابتداء من قوله تعالى ~~: { وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه } ( البقرة : 116 ) إلى قوله { قل إن هدى ~~الله هو الهدى } ( البقرة : 120 ) ، فلا جرم كان العلم الذي جاء في ذلك هو ~~أصرح العلم وأقدمه ، وكان حقيقا بأن يعبر عنه باسم الموصول الصريح في ~~التعريف . # وأما الآية الثانية التي نحن بصددها فهي متعلقة بإبطال قبلة اليهود ~~والنصارى ، لأنها مسبوقة ببيان ذلك ابتداء من قوله : { سيقول السفهاء من ~~الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها } ( البقرة : 142 ) وذلك تشريع ~~فرعي فالتحذير الواقع بعده تحذير من اتباع الفريقين في أمر PageV02P038 ~~القبلة وذلك ليس له أهمية مثل ما للتحذير من اتباع ملتهم بأسرها فلم يكن ~~للعلم الذي جاء النبي في أمر قبلتهم من الأهمية ما للعلم الذي جاءه في ~~بطلان أصول ملتهم ، فلذلك جيء في تعريفه باسم الموصول الملحق بالمعارف وهو ~~( ما ) لأنها في الأصل نكرة موصوفة نقلت للموصولية . # وإنما أدخلت ( من ) في هذه الآية الثانية على ( بعد ) بقوله : { من بعد ~~ما جاءك من العلم } لأن هذه الآية وقعت بعد الآية الأول في سورة واحدة وليس ~~بينهما بعيد فصلل فكان العلم الذي جاءه فيها من قوله : { ما تبعوا قبلتك } ~~هو جزئي من عموم العلم الذي جاء في إبطال جميع ملتهم ، فكان جديرا بأن يشار ~~إلى كونه جزئيا له بإيراد ( من ) الابتدائية . # # | 2 ( 146 ) { الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون ms0836 أبنآءهم وإن ~~فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون } . ) 2 # جملة معترضة بين جملة : { ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب } ( البقرة : 145 ~~) الخ ، وبين جملة : { ولكل وجهة } ( البقرة : 148 ) الخ اعتراض استطراد ~~بمناسبة ذكر مطاعن أهل الكتاب في القبلة الإسلامية ، فإن طعنهم كان عن ~~مكابرة مع علمهم بأن القبلة الإسلامية حق كما دل عليه قوله : { وإن الذين ~~أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم } ( البقرة : 144 ) ، فاستطرد بأن ~~طعنهم في القبلة الإسلامية ما هو إلا من مجموع طعنهم في الإسلام وفي النبي ~~صلى الله عليه وسلم والدليل على الاستطراد قوله بعده : { ولكل وجهة هو ~~موليها } ( البقرة : 148 ) ، فقد عاد الكلام إلى استقبال القبلة . # فالضمير المنصوب في { يعرفونه } لا يعود إلى تحويل القبلة لأنه لو كان ~~كذلك لصارت الجملة تكريرا لمضمون قوله : { وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون ~~أنه الحق من ربهم } ، بل هو عائد إما إلى الرسول وإن لم يسبق ذكر لمعاد ~~مناسبب لضمير الغيبة ، لكنه قد علم من الكلام السابق وتكرر خطابه فيه من ~~قوله : { وما جعلنا القبلة التي كنت عليها } ( البقرة : 143 ) ، وقوله : { ~~قد نرى تقلب وجهك } ( البقرة : 144 ) ، وقوله : { فلنولينك قبلة } ( البقرة ~~: 144 ) ، وقوله : { فول وجهك } ( البقرة : 144 ) فالإتيان بالضمير بطريق ~~الغيبة من الالتفات ، وهو على تقدير مضاف أي يعرفون صدقه ، وإما أن يعود ~~إلى { الحق في قوله السابق : ليكتمون الحق } فيشمل PageV02P039 رسالة ~~الرسول وجميع ما جاء به ، وإما إلى العلم في قوله : { من بعد ما جاءك من ~~العلم } ( البقرة : 145 ) . # والتشبيه في قوله : { كما يعرفون أبناءهم } تشبيه في جلاء المعرفة ~~وتحققها فإن معرفة المرء بعلائقه معرفة لا تقبل اللبس ، كما قال زهير : # فهن ووادي الرس كاليد للفم # تشبيها لشدة القرب البين . # وخص الأبناء لشدة تعلق الآباء بهم فيكون التملي من رؤيتهم كثيرا فتتمكن ~~معرفتهم فمعرفة هذا الحق ثابتة لجميع علمائهم . # وعدل عن أن يقال يعلمونه إلى { يعرفونه } لأن المعرفة تتعلق غالبا ~~بالذوات والأمور المحسوسة قال تعالى : { تعرف في وجوههم نضرة النعيم } ( ~~المطففين : 24 ) وقال زهير : # فلأيا عرفت الدار بعد ms0837 توهم # وتقول عرفت فلانا ولا تقول عرفت علم فلان ، إلا إذا أردت أن علمه صار ~~كالمشاهد عندك ، ولهذا لا يعدى فعل العرفان إلى مفعولين كما تعدى أفعال ~~الظن والعلم ، ولهذا يوصف الله تعالى بصفة العلم فيقال العليم ، ولا يوصف ~~بصفة المعرفة فلا يقال الله يعرف كذا ، فالمعنى يعرفون الصفات الرسول صلى ~~الله عليه وسلم وعلاماته المذكورة في كتبهم ، ويعرفون الحق كالشيء المشاهد ~~. # والمراد بقوله : { الذين أتيناهم الكتاب } أحبار اليهود والنصارى ولذلك ~~عرفوا بأنهم أوتوا الكتاب أي علموا علم التوراة وعلم الإنجيل . # وقوله : { وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون } تخصيص لبعض الذين ~~أوتوا الكتاب بالعناد في أمر القبلة وفي غيره مما جاء به النبي صلى الله ~~عليه وسلم وذم لهم بأنهم يكتموددن الحق وهم يعلمونه وهؤلاء معظم الذين ~~أوتوا الكتاب قبل ابن صوريا وكعب بن الأشرف فبقي فريق آخر يعلمون الحق ~~ويعلنون به وهم الذين آمنوا بالنبي عليه الصلاة والسلام من اليهود قبل عبد ~~الله بن سلام ، ومن النصارى مثل تميم الداري وصهيب . # أما الذين لا يعلمون الحق فضلا عن أن يكتموه فلا يعبأ بهم في هذا المقام ~~ولم يدخلوا في قوله : { الذين أتيناهم الكتاب } ولا يشملهم قوله : { ~~يعرفونه كما يعرفون أبناءهم } . # PageV02P040 # | 2 ( 147 ) { الحق من ربك فلا تكونن من الممترين } . ) 2 # تذييل لجملة : { وإن فريقا منهم ليكتمون الحق } ( البقرة : 146 ) ، على ~~أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره هذا الحق ، وحذف المسند إليه في مثل هذا مما ~~جرى على متابعة الاستعمال في حذف المسند إليه بعد جريان ما يدل عليه مثل ~~قولهم بعد ذكر الديار ( ربع قواء ) وبعد ذكر الممدوح ( فتى ) ونحو ذلك كما ~~نبه عليه صاحب ( المفتاح ) . وقوله : { فلا تكونن من الممترين } نهي عن أن ~~يكون من الشاكين في ذلك والمقصود من هذا . # والتعريف في { الحق } تعريف الجنس كما في قوله : { الحمد لله } ( الفاتحة ~~: 2 ) وقولهم الكرم في العرب هذا التعريف لجزئي الجملة الظاهر والمقدر يفيد ~~قصر الحقيقة على الذي يكتمونه وهو قصر قلب أي لا ما يظهرونه من التكذيب ms0838 ~~وإظهار أن ذلك مخالف للحق . # والامتراء افتعال من المراء وهو الشك ، والافتعال فيه ليس للمطاوعة ومصدر ~~المرية لا يعرف له فعل مجرد بل هو دائما بصيغة الافتعال . # والمقصود من خطاب النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : { ولئن اتبعت } ( ~~البقرة : 120 ) ، وقوله : { فلا تكونن من الممترين } تحذير الأمة وهذه عادة ~~القرآن في كل تحذير مهم ليكون خطاب النبي بمثل ذلك وهو أقرب الخلق إلى الله ~~تعالى وأولاهم بكرامته دليلا على أن من وقع في مثل ذلك من الأمة قد حقت ~~عليه كلمة العذاب ، وليس له من النجاة باب ، ويجوز أن يكون الخطاب في قوله ~~: { من ربك } وقوله : { فلا تكونن } خطابا لغير معين من كل من يصلح ها ~~الخطاب . # # | 2 ( 148 ) { ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أين ما تكونوا يأت ~~بكم الله جميعا إن الله على كل شىء قدير } . ) 2 # عطف على جملة : { الذين أتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم } ( ~~البقرة : 146 ) ، فهو من تمام الاعتراض ، أو عطف على جملة : { ولئن أتيت ~~الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك } ( البقرة : 145 ) مع اعتبار ~~ما استؤنف عنه من الجمل ، ذلك أنه بعد أن لقن الرسول عليه الصلاة والسلام ~~ما يجيب به عن قولهم { ما ولاهم عن قبلتهم } ، وبعد أن بين للمسلمين فضيلة ~~قبلتهم وأنهم على الحق وأيأسهم من ترقب اعتراف اليهود بصحة استقبال الكعبة ~~، ذيل ذلك PageV02P041 بهذا التذييل الجامع لمعان سامية ، طيا لبساط ~~المجادلة مع اليهود في أمر القبلة ، كما يقال في المخاطبات ( دع هذا ) أو ( ~~عد عن هذا ) ، والمعنى أن لكل فريق اتجاها من الفهم والخشية عند طلب الوصول ~~إلى الحق . وهذا الكلام موجه إلى المسلمين أي اتركوا مجادلة أهل الكتاب في ~~أمر القبلة ولا يهمنكم خلافهم فإن خلاف المخالف لا يناكد حق المحق . وفيه ~~صرف للمسلمين بأن يهتموا بالمقاصد ويعتنوا بإصلاح مجتمعهم ، وفي معناه قوله ~~تعالى : { ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن ~~بالله واليوم الآخر } ( البقرة : 177 ) الآية ، ولذلك أعقبه بقوله : { ~~فاستبقوا ms0839 الخيرات } ، فقوله : { أين ما تكونوا } في معنى التعليل للأمر ~~باستباق الخيرات . فهكذا ترتيب الآية على هذا الأسلوب كترتيب الخطب بذكر ~~مقدمة ومقصد وبيانن له وتعليل وتذييل . # و ( كل ) اسم دال على الإحاطة والشمول ، وهو مبهم يتعين بما يضاف هو إليه ~~فإذا حذف المضاف إليه عوض عنه تنوين كل وهو التنوين المسمى تنوين العوض ~~لأنه يدل على المضاف إليه فهو عوض عنه . # وحذف ما أضيف إليه ( كل ) هنا لدلالة المقام عليه وتقدير هذا المحذوف ( ~~أمة ) لأن الكلام كله في اختلاف الأمم في أمر القبلة ، وهذا المضاف إليه ~~المحذوف يقدر بما يدل عليه الكلام من لفظه كما في قوله تعالى : { أمن ~~الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل أمن بالله } ( البقرة : 285 ) أو ~~يقدر بما يدل عليه معنى الكلام المتقدم دون لفظ تقدمه كما في قوله تعالى : ~~{ ولكل جعلنا مولى } ( النساء : 33 ) في سورة النساء ، ومنه ما في هذه ~~الآية لأن الكلام على تخالف اليهود والنصارى والمسلمين في قبلة الصلاة ، ~~فالتقدير ولكل من المسلمين واليهود والنصارى وجهة ، وقد تقدم نظيره عند ~~قوله تعالى : { كل له قانتون } ( البقرة : 116 ) . # والوجهة حقيقتها البقعة التي يتوجه إليها فهي وزن فعلة مؤنث فعل الذي هو ~~بمعنى مفعول مثل ذبح ، ولكونها اسم مكان لم تحذف الواو التي هي فاء الكلمة ~~عند اقتران الاسم بهاء التأنيث لأن حذف الواو في مثله إنما يكون في فعلة ~~بمعنى المصدر . # وتستعار الوجهة لما يهتم به المرء من الأمور تشبيها بالمكان الموجه إليه ~~تشبيه معقول بمحسوس ، ولفظ { وجهة } في الآية صالح للمعنيين الحقيقي ~~والمجازي فالتعبير به كلام موجه وهو من المحاسن ، وقريب منه قوله : { لكل ~~جعلنا منكم شرعة ومنهاجا } ( المائدة : 48 ) . PageV02P042 # وضمير { هو } عائد للمضاف إليه ( كل ) المحذوف . # والمفعول الأول لموليها محذوف إذ التقدير هو موليها نفسه أو وجهه على نحو ~~ما بيناه في قوله تعالى : { ما ولاهم عن قبلتهم } ( البقرة : 142 ) والمعنى ~~هو مقبل عليها وملازم لها . # وقراءة الجمهور ( موليها ) بياء بعد اللام وقرأه ابن عامر ( هو مولاها ) ~~بألف بعد ms0840 اللام بصيغة ما لم يسم فاعله أي يوليه إياها مول وهو دينه ونظره ، ~~وذهب بعض المفسرين إلى أن المراد من الوجهة القبلة فاستبقوا أنتم إلى الخير ~~وهو استقبال الكعبة ، وقيل المراد لكل أمة قبلة فلا سبيل إلى اجتماعكم على ~~قبلة واحدة فالزموا قبلتكم التي هي قبلة إبراهيم فإنكم على الخيرات ، وقيل ~~المراد هيكل قبلة فلا سبيل إلى اجتماعكم على قبلة واحدة فالزموا قبلتكم ~~التي هي قبلة إبراهيم ، فإنكم على الخيرات ، وقيل المراد لكل قوم قبلة فلا ~~يضركم خلافهم واتركوهم واستبقوا إلى الخيرات إلى الكعبة ، وقيل المراد لكل ~~طائفة من المسلمين جهة من الكعبة سيستقبلونها . ومعاني القرآن تحمل على ~~أجمع الوجوه وأشملها . # وقوله : { فاستبقوا الخيرات } تفريع للأمر على ما تقدم أي لما تعددت ~~المقاصد . فالمنافسة تكون في مصادفة الحق . # والاستباق افتعال والمراد به السبق وحقه التعدية باللام إلا أنه توسع فيه ~~فعدي بنفسه كقوله تعالى : { واستبقا الباب } ( يوسف : 25 ) أو على تضمين ~~استبقوا معنى اغتنموا . فالمراد من الاستباق هنا المعنى المجازي وهو الحرص ~~على مصادفة الخير والإكثار منه والخيرات جمع خير على غير قياس كما قالوا ~~سرادقات وحمامات . والمراد عموم الخيرات كلها فإن المبادرة إلى الخير ~~محمودة ومن ذلك المبادرة بالتوبة خشية هاذم اللذات وفجأة الفوات قال تعالى ~~: { وسارعوا إلى مغفرة من ربكم } ( آل عمران : 133 ) ، { والسابقون ~~السابقون ، أولئك المقربون ، في جنات النعيم } ( الواقعة : 10 12 ) ومن ذلك ~~فضيلة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار قال تعالى : { لا يستوي منكم ~~من أنفق من قبل الفتح وقاتل أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا } ( ~~الحديد : 10 ) وقال موسى : { وعجلت إليك رب لترضى } ( طه : 84 ) . # وقوله : { أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا } جملة في معنى العلة للأمر ~~باستباق الخيرات ولذلك فصلت لأن العلة لا تعطف إذ هي بمنزلة المفعول لأجله ~~، والمعنى فاستبقوا إلى الخير لتكونوا مع الذين يأتي بهم الله للرفيق الحسن ~~لأن الله يأتي بالناس جميعا خيرهم وشرهم PageV02P043 و ( كان ) تامة أي في ~~أي موضع توجدون من مواقع الخير ومواقع السوء ms0841 . # والإتيان بالشيء جلبه وهو مجاز في لازم حقيقته فمن ذلك استعماله في القرب ~~والطاعة . قال حميد بن ثور يمدح عبد الملك بن مروان : # أتاك بي الله الذي نور الهدى # ونور وإسلام عليك دليل # أراد سخرني إليك ، وفي الحديث : ( اللهم اهد دوسا وأت بها ) أي اهدها ~~وقربها للإسلام ويستعمل في القدرة على الشيء وفي العلم به كما في قوله ~~تعالى : { إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في ~~الأرض يأت بها الله } ( لقمان : 16 ) . # وتجيء أقوال في تفطسير { أينما تكونوا } على حسب الأقوال في تفسير { ولكل ~~وجهة } بأن يكون المعنى تقبل الله أعمالكم في استباق الخيرات فإنه المهم ، ~~لا استقبال الجهات أو المعنى إنكم إنما تستقبلون ما يذكركم بالله فاسعوا في ~~مرضاته بالخيرات يعلم الله ذلك من كل مكان ، أو هو ترهيب أي في أية جهة ~~يأتت الله بكم فيثيت ويعاقب ، أو هو تحريض على المبادرة بالعمل الصالح أي ~~فأنتم صائرون إلى الله من كل مكان فبادروا بالطاعة قبل الفوت بالموت ، إلى ~~غير ذلك من الوجوه . # وقوله : { إن الله على كل شيء قدير } تذييل يناسب جميع المعاني المذكورة ~~. # # | 2 ( 149 ، 150 ) { ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق ~~من ربك وما الله بغافل عما تعملون * ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد ~~الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا ~~الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشونى ولاتم نعمتى عليكم ولعلكم تهتدون } . ~~) 2 # عطف قوله : { ومن حيث خرجت } على قوله : { فول وجهك شطر المسجد الحرام } ~~( البقرة : 144 ) عطف حكم على حكم من جنسه للإعلام بأن استقبال الكعبة في ~~الصلاة المفروضة لا تهاون في القيام به ولو في حالة العذر كالسفر ، فالمراد ~~من { حيث خرجت } من كل مكان خرجت PageV02P044 مسافرا لأن السفر مظنة المشقة ~~في الاهتداء لجهة الكعبة فربما يتوهم متوهم سقوط الاستقبال عنه ، وفي معظم ~~هاته الآية مع قوله : { وإنه للحق من ربك } زيادة اهتمام بأمر القبلة ms0842 يؤكد ~~قوله في الآية السابقة : { الحق من ربك } ( البقرة : 147 ) . # وقوله : { وما الله بغافل عما تعملون } زيادة تحذير من التساهل في أمر ~~القبلة . # وقوله بعده : { ومن حيث خرجت } عطف على الجملة التي قبله ، وأعيد لفظ ~~الجملة السالفة ليبنى عليه التعليل بقوله : { لئلا يكون للناس عليكم حجة } ~~. # وقوله : { وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره } عطف على قوله : { ومن حيث ~~خرجت } الآية . والمقصد التعميم في هذا الحكم في السفر للمسلمين لئلا يتوهم ~~تخصيصه بالنبي صلى الله عليه وسلم وحصل من تكرير معظم الكلمات تأكيد للحكم ~~ليترتب عليه قوله { لئلا يكون للناس عليكم حجة } . # وقد تكرر الأمر باستقبال النبي الكعبة ثلاث مرات ، وتكرر الأمر باستقبال ~~المسلمين الكعبة مرتين . وتكرر أنه الحق ثلاث مرات ، وتكرر تعميم الجهات ~~ثلاث مرات ، والقصد من ذلك كله التنويه بشأن استقبال الكعبة والتحذير من ~~تطرق التساهل في ذلك تقريرا للحق في نفوس المسلمين ، وزيادة في الرد على ~~المنكرين التأكيد ، من زيادة { ومن حيث خرجت } ، ومن جمل معترضة ، لزيادة ~~التنويه بحكم الاستقبال : وهي جملة { وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون ~~الآيات } ، وجملة : { وإنه للحق من ربك } وجملة : { لئلا يكون للناس عليكم ~~حجة } الآيات ، وفيه إظهار أحقية الكعبة بذلك لأن الذي يكون على الحق لا ~~يزيده إنكار المنكرين إلا تصميما ، والتصميم يستدعي إعادة الكلام الدال على ~~ما صمم عليه لأن الإعادة تدل على التحقق في معنى الكلام . # وقد ذكر في خلال ذلك من بيان فوائد هذا التحويل وما حف به ، ما يدفع قليل ~~السآمة العارضة لسماع التكرار ، فذكر قوله : { وإنه للحق من ربك وما الله ~~بغافل } الخ ، وذكر قوله : { لئلا يكون للناس } الخ . PageV02P045 # والضمير في { وإنه للحق من ربك } راجع إلى مضمون الجملة وهو حكم التحويل ~~فهو راجع إلى ما يؤخذ من المقام ، فالضمير هنا كالضمير في قوله : { الذين ~~آتيناهم الكتاب يعرفونه } ( البقرة : 146 ) . # وقرأ الجمهور { عما تعملون } بمثناة فوقية على الخطاب ، وقرآه أبو عمرو ~~بياء الغيبة . # وقوله : { لئلا يكون للناس عليكم حجة } علة لقوله : { فولوا } الدالل على ~~طلب الفعل وامتثاله ، أي ms0843 شرعت لكم ذلك لندحض حجة الأمم عليكم ، وشأن تعليل ~~صيغ الطلب أن يكون التعليل للطلب باعتبار الإتيان بالفعل المطلوب . فإن ~~مدلول صيغة الطلب هو إيجاد الفعل أو الترك لا الإعلام بكون الطالب طالبا ~~وإلا لما وجب الامتثال للآمر فيكتفى بحصول سماع الطلب لكن ذلك ليس مقصودا . # والتعريف في ( الناس ) للاستغراق يشمل مشركي مكة فإن من شبهتهم أن يقولوا ~~لا نتبع هذا الدين إذ ليس ملة إبراهيم لأنه استقبل قبلة اليهود والنصارى ، ~~وأهل الكتاب ، والحجة أن يقولوا إن محمدا اقتدى بنا واستقبل قبلتنا فكيف ~~يدعونا إلى اتباعه . ولجميع الناس ممن عداكم حجة عليكم ، أي ليكون هذا ~~الدين مخالفا في الاستقبال لكل دين سبقه فلا يدعي أهل دين من الأديان أن ~~الإسلام مقتبس منه . # ولا شك أن ظهور الاستقبال يكون في أمر مشاهد لكل أحد لأن إدراك المخالفة ~~في الأحكام والمقاصد الشرعية والكمالات النفسانية التي فضل بها الإسلام ~~غيره لا يدركه كل أحد بل لا يعلمه إلا الذين أوتوا العلم ، وعلى هذا يكون ~~قوله : { لئلا يكون للناس عليكم حجة } ناظرا إلى قوله : { وإن الذين أوتوا ~~الكتاب ليعلمون أنه الحق } ( البقرة : 144 ) ، وقوله : { الذين آتيناهم ~~الكتاب يعلافونه } ( البقرة : 146 ) . # وقد قيل في معنى حجة الناس معانن أخر أراها بعيدة . # والحجة في كلام العرب ما يقصد به إثبات المخالف ، بحيث لا يجد منه تفصيا ~~، ولذلك يقال للذي غلب مخالفه بحجته قد حجه ، وأما الاحتجاج فهو إتيان ~~المحتج بما يظنه حجة ولو مغالطة يقال احتج ويقال حاج إذا أتى بما يظنه حجة ~~قال تعالى : { ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه } ( البقرة : 258 ) ، ~~فالحجة لا تطلق حقيقة إلا على البرهان والدليل الناهض المبكت للمخالف ، ~~وأما إطلاقها على الشبهة فمجاز لأنها تورد في صورة الحجة ومنه قوله تعالى : ~~{ حجتهم PageV02P046 داحضة عند ربهم } ( الشورى : 16 ) ، وهذا هو فقه اللغة ~~كما أشار إليه ( الكشاف ) ، وأما ما خالفه من كلام بعض أهل اللغة فهو من ~~تخليط الإطلاق الحقيقي والمجازي ، وإنما أرادوا التفصي من ورود الاستثناء ~~وأشكل عليهم الاستثناء ms0844 لأن المستثنى محكوم عليه بنقيض حكم المستثنى منه عند ~~قاطبة أهل اللسان والعلماء ، إلا خلافا لا يلتفت إليه في علم الأصول ، فصار ~~هذا الاستثناء مقتضيا أن { الذين ظلموا } لهم عليكم حجة ، فأجاب صاحب ( ~~الكشاف ) بأنه إنما أطلق عليه حجة لمشابهته للحجة في سياقهم إياه مساق ~~البرهان أي فاستثناء { الذين ظلموا } يقتضي أنهم يأتون بحجة أي بما يشبه ~~الحجة ، فحرف { إلا } يقتضي تقدير لفظ حجة مستعملا في معناه المجازي ، ~~وإطلاق اللفظ في معنييه الحقيقي والمجازي ليس ببدع لاسيما مع الإتيان بلفظ ~~يخالف الأول على أنه قد يجعل الاستثناء منقطعا بمعنى لكن الذين ظلموا ~~يشغبون عليكم فلا تخشوهم . # وجملة { ولأتم نعمتي } تعليل ثان لقوله : { فولوا وجوهكم شطره } معطوف ~~على قوله : { لئلا يكون للناس عليكم حجة } بذلك الاعتبار الذي بيناه آنفا ~~وهو أنه تعليل الامتثال فالمعنى أمرتكم بذلك لأتم نعمتي عليكم باستيفاء ~~أسباب ذلك الإتمام ومنها أن تكون قبلتكم إلى أفضل بيت بني لله تعالى ، ~~ومعلوم أن تمام النعمة بامتثال ما أمرنا به وجماع ذلك الاستقامة وبها دخول ~~الجنة . وقد روى الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم ( إتمام النعمة دخول ~~الجنة ) ، أي غاية إتمام النعمة علينا دخول الجنة ولم يكن ذلك في تفسير هذه ~~الآية ولكنه من جملة معناها ( ) فالمراد بالإتمام هنا إعطاء الشيء وافرا من ~~أول الأمر لا إتمامه بعد أن كان ناقصا ، فهو قريب من قوله تعالى : { فأتمهن ~~} ( البقرة : 124 ) أي امتثلهن امتثالا تاما وليس المراد أنه فعل بعضها ثم ~~فعل بعضا آخر ، فمعنى الآية ولتكون نعمتي نعمة وافرة في كل حال . # وقوله : { ولعلكم تهتدون } عطف على { ولأتم } أي أمرتكم بذلك رجاء ~~امتثالكم فيحصل الاهتداء منكم إلى الحق . وحرف لعل في قوله : { ولعلكم ~~تهتدون } مجاز في لازم معنى الرجاء وهو قرب ذلك وتوقعه . ومعنى جعل ذلك ~~القرب علة أن استقبالهم الكعبة مؤذن بأنهم يكونون معتدين PageV02P047 في ~~سائر أمورهم لأن المبادىء تدل على الغايات فهو كقوله : { وكذلك جعلناكم أمة ~~وسطا } ( البقرة : 143 ) كما قدمناه وقال حبيب : # إن الهلال إذا رأيت نماءه ms0845 # أيقنت أن سيصير بدرا كاملا # # | 2 ( 151 ) { كمآ أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلوا عليكم آياتنا ويزكيكم ~~ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون } . ) 2 # تشبيهن للعلتين من قوله : { لأتم } ( البقرة : 150 ) وقوله : { ولعلكم ~~تهتدون } ( البقرة : 150 ) أي ذلك من نعمتي عليكم كنعمة إرسال محمد صلى ~~الله عليه وسلم وجعل الإرسال مشبها به لأنه أسبق وأظهر تحقيقا للمشبه أي إن ~~المبادىء دلت على الغايات وهذا كقوله في الحديث ( كما صليت على إبراهيم ) ~~ونكر ( رسول ) للتعظيم ولتجري عليه الصفات التي كل واحدة منها نعمة خاصة ، ~~فالخطاب في قوله : { فيكم } وما بعده للمؤمنين من المهاجرين والأنصار ~~تذكيرا لهم بنعمة الله عليهم بأن بعث إليهم رسولا بين ظهرانيهم ومن قومهم ~~لأن ذلك أقوى تيسيرا لهدايتهم ، وهذا على نحو دعوة إبراهيم : { ربنا وابعث ~~فيهم رسولا منهم } ( البقرة : 129 ) وقد امتن الله على عموم المؤمنين ~~منالعرب وغيرهم بقوله : { لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من ~~أنفسهم } ( آل عمران : 164 ) أي جنسهم الإنساني لأن ذلك آنس لهم مما لو كان ~~رسولهم من الملائكة قال تعالى : ولذلك علق بفعل { أرسلنا } حرف في ولم يعلق ~~به حرف إلى كما في قوله : { إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم } ( المزمل ~~: 15 ) ، لأن ذلك مقام احتجاج وهذا مقام امتنان فناسب أن يذكر ما به تمام ~~المنة وهي أن جعل رسولهم فيهم ومنهم ، أي هو موجود في قومهم وهو عربي مثلهم ~~، والمسلمون يومئذ هم العرب أي الذين يتكلمون باللغة العربية فالأمة ~~العربية يومئذ تتكلم بلسان واحد سواء في ذلك العدنانيون والقحطانيون ومن ~~تبعهم من الأحلاف والموالي مثل سلمان الفارسي وبلال الحبشي وعبد الله بن ~~سلام الإسرائيلي ، إذ نعمة الرسالة في الإبلاغ والإفهام ، فالرسول يكلمهم ~~بلسانهم فيفهمون جميع مقاصده ، ويدركون إعجاز القرآن ، ويفوزون بمزية ~~PageV02P048 نقل هذا الدين إلى الأمم ، وهذه المزية ينالها كل من تعلم ~~اللسان العربي كغالب الأمم الإسلامية ، وبذلك كان تبليغ الإسلام بواسطة أمة ~~كاملة فيكون نقله متواترا ، ويسهل انتشاره سريعا . # والرسول المرسل فهو فعول بمعنى المفعول مثل ms0846 ذلول ، وسيأتي الكلام عليه من ~~جهة مطابقة موصوفة عند قوله تعالى : { فقولا إنا رسول رب العالمين } ( ~~الشعراء : 16 ) في سورة الشعراء . # وقوله : { يتلوا عليكم أياتنا } أي يقرأ عليكم القرآن وسماه أولا آيات ~~باعتبار كون كل كلام منه معجزة ، وسماه ثانيا كتابا باعتبار كونه كتاب ~~شريعة ، وقد تقدم نظيره آنفا عند قوله تعالى : { ربنا وابعث فيهم رسولا ~~منهم يتلوا عليهم أياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة } ( البقرة : 129 ) . عبر ~~بيتلو لأن نزول القرآن مستمر وقراءة النبي له متوالية وفي كل قراءة يحصل ~~علم بالمعجزة للسامعين . # وقوله : { ويزكيكم } الخ التزكية تطهير النفس مشتقة من الزكاة وهي النماء ~~، وذلك لأن في أصل خلقة النفوس كمالاتت وطهاراتت تعترضها أرجاس ناشئة عن ~~ضلال أو تضليل ، فتهذيب النفوس وتقويمها يزيدها من ذلك الخير المودع فيها ، ~~قال تعالى : { لقد خلقنا الإنسان في أحسن تكوين ، ثم رددناه أسفل سافلين ، ~~إلا الذين أمنوا وعملوا الصالحات } ( التين : 4 6 ) ، وفي الحديث : ( بعثت ~~لأتمم حسن الأخلاق ) ، ففي الإرشاد إلى الصلاح والكمال نماء لما أودع الله ~~في النفوس من الخير في الفطرة . # وقوله : { ويعلمكم الكتاب والحكمة } أي يعلمكم الشريعة فالكاب هنا هو ~~القرآن باعتبار كونه كتاب تشريع لا باعتبار كونه معجزا ويعلمكم أصول ~~الفضائل ، فالحكمة هي التعاليم المانعة من الوقوع في الخطأ والفساد ، وتقدم ~~نظيره في دعوة إبراهيم وسيأتي أيضا عند قوله تعالى : { يؤتي الحكمة من يشاء ~~} ( البقرة : 269 ) في هذه السورة . # وقدمت جملة : { ويزكيكم على جملة : ويعلمكم الكتاب والحكمة هنا عكس ما في ~~الآية السابقة في حكاية قول إبراهيم : يتلوا عليهم أياتك ويعلمهم الكتاب ~~والحكمة ويزكيهم } ( البقرة : 129 ) ، لأن المقام هنا للامتنان على ~~المسلمين فقدم فيها ما يفيد معنى المنفعة الحاصلة من تلاوة الآيات عليهم ~~وهي منفعة تزكية نفوسهم اهتماما بها وبعثا لها بالحرص على تحصيل ~~PageV02P049 وسائلها وتعجيلا للبشارة بها . فأما في دعوة إبراهيم فقد رتبت ~~الجمل على حسب ترتيب حصول ما تضمنته في الخارج ، مع ما في ذلك التخالف من ~~التفنن . # وقوله : { ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون } تعميم لكل ما كان غير ms0847 شريعة ولا ~~حكمة من معرفة أحوال الأمم وأحوال سياسة الدول وأحوال الآخرة وغير ذلك . # وإنما أعاد قوله : { ويعلمكم } مع صحة الاستغناء عنه بالعطف تنصيصا على ~~المغايرة لئلا يظن أن : { ما لم تكونوا تعلمون } هو الكتاب والحكمة ، ~~وتنصيصا على أن : { ما لم تكونوا } مفعولا لا مبتدأ حتى لا يترقب السامع ~~خبرا له فيضل فهمه في ذلك الترقب ، واعلم أأن حرف العطف إذا جيء معه بإعادة ~~عامل كان عاطفه عاملا على مثله فصار من عطف الجمل لكن العاطف حينئذ أشبه ~~بالمؤكد لمدلول العامل . # $ 2 ( 152 ) { فاذكرونى & # 1764 أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون } . ) 2 $ # الفاء للتفريع عاطفة جملة الأمر بذكر الله وشكره على جمل النعم المتقدمة ~~أي إذ قد أنعمت عليكم بهاته النعم فأنا آمركم بذكري . # وقوله : { فاذكروني أذكركم } فعلان مشتقان من الذكر بكسر الذال ومن الذكر ~~بضمها والكل مأمور به لأننا مأمورون بتذكر الله تعالى عند الإقدام على ~~الأفعال لنذكر أوامره ونواهيه قال تعالى : { والذين إذا فعلوا فاحشة أو ~~ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم } ( آل عمران : 135 ) وعن عمر ~~بن الخطاب أفضل من ذكر الله باللسان ذكر الله عند أمره ونهيه ، ومأمورون ~~بذكر اسم الله تعالى بألسنتنا في جمل تدل على حمده وتقديسه والدعوة إلى ~~طاعته ونحو ذلك ، وفي الحديث القدسي : ( وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير ~~منه ) . # والذكر في قوله : { أذكركم } يجيء على المعنيين ، ولا بد من تقدير في ~~قوله : { فاذكروني } على الوجهين لأن الذكر لا يتعلق بذات الله تعالى ~~فالتقدير اذكروا عظمتي وصفاتي وثنائي وما ترتب عليها من الأمر والنهي ، أو ~~اذكروا نعمي ومحامدي ، وهو تقدير من دلالة الاقتضاء ، وأما { أذكركم } فهو ~~مجاز ، أي أعاملكم معاملة من ليس بمغفول عنه بزيادة النعم والنصر والعناية ~~في الدنيا ، وبالثواب ورفع الدرجات في الآخرة ، أو أخلق ما يفهم منه الناس ~~في الملأ الأعلى وفي الأرض فضلكم والرضى عنكم ، نحو قوله { كنتم خير أمة } ~~( آل عمران : 110 ) ، وحسن مصيركم في الآخرة ، لأن الذكر بمعنييه الحقيقيين ~~مستحيل على الله تعالى . ثم إن ms0848 تعديته للمفعول أيضا على طريق دلالة ~~PageV02P050 الاقتضاء إذ ليس المراد تذكر الذوات ولا ذكر أسمائها بل المراد ~~تذكر ما ينفعهم إذا وصل إليهم وذكر فضائلهم . # وقوله : { واشكروا لي } أمر بالشكر الأعم من الذكر من وجه أو مطلقا ، ~~وتعديته للمفعول باللام هو الأفصح وتسمى هذه اللام لام التبليغ ولام ~~التبيين كما قالوا نصح له ونصحه كقوله تعالى : { فتعسا لهم } ( محمد : 8 ) ~~وقول النابغة : # شكرت لك النعمى وأثنيت جاهدا # وعطلت أعراض العبيد بنن عامر # وقوله : { ولا تكفرون } نهي عن الكفران للنعمة ، والكفران مراتب أعلاها ~~جحد النعمة وإنكارها ثم قصد إخفائها ، ثم السكوت عن شكرها غفلة وهذا أضعف ~~المراتب وقد يعرض عن غير سوء قصد لكنه تقصير . # قال ابن عرقة : ( ليس عطف قوله : { ولا تكفرون } بدليل على أن الأمر ~~بالشيء ليس نهيا عن ضده وذلك لأن الأمر بالشكر مطلق ( أي لأن الأمر لا يدل ~~على التكرار فلا عموم له ) فيصدق بشكره يوما واحدا فلما قال { ولا تكفرون } ~~أفاد النهي عن الكفر دائما ) اه ، يريد لأن الفعل في سياق النهي يعم ، مثل ~~الفعل في سياق النفي لأن النهي أخو النفي . # # | 2 ( 153 ، 154 ) { ياأيها الذين ءامنوا استعينوا بالصبر والصلواة إن ~~الله مع الصابرين * ولا تقولوا لمن يقتل فى سبيل الله أموات بل أحياء ولكن ~~لا تشعرون } . ) 2 # هذه جمل معترضة بين قوله تعالى : { وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره } ( ~~البقرة : 150 ) وما اتصل به من تعليله بقوله : { لئلا يكون للناس عليكم حجة ~~} ( البقرة : 150 ) وما عطف عليه من قوله { ولأتم نعمتي عليكم } ( البقرة : ~~150 ) إلى قوله : { واشكروا لي ولا تكفرون } ( البقرة : 152 ) وبين قوله : ~~{ ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب } ( البقرة : 177 ) لأن ذلك ~~وقع تكملة لدفع المطاعن في شأن تحويل القبلة فله أشد اتصال بقوله : { لئلا ~~يكون للناس عليكم حجة } المتصل بقوله : { وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره } ~~( البقرة : 150 ) . # وهو اعتراض مطنب ابتدىء به إعداد المسلمين لما هم أهله من نصر دين الله ~~شكرا له على خولهم من النعم المعدودة في ms0849 الآيات السالفة من جعلهم أمة وسطا ~~وشهداء على PageV02P051 الناس ، وتفضيلهم بالتوجه إلى استقبال أفضل بقعة ، ~~وتأييدهم بأنهم على الحق في ذلك ، وأمرهم بالاستخفافف بالظالمين وأن لا ~~يخشوهم ، وتبشيرهم بأنه أتم نعمته عليهم وهداهم ، وامتن عليهم بأنه أرسل ~~فيهم رسولا منهم ، وهداهم إلى الامتثال للأحكام العظيمة كالشكر والذكر ، ~~فإن الشكر والذكر بهما تهيئة النفوس إلى عظيم الأعمال ، من أجل ذلك كله ~~أمرهم هنا بالصبر والصلاة ، ونبههم إلى أنهما عون للنفس على عظيم الأعمال ، ~~فناسب تعقيبها بها ، وأيضا فإن ما ذكر من قوله : { لئلا يكون للناس عليكم ~~حجة } مشعر بأن أناسا متصدون لشغبهم وتشكيكهم والكيد لهم ، فأمروا ~~بالاستعانة عليهم بالصبر والصلاة . وكلها متماسكة متناسبة الانتقال عدا آية ~~: { إن الصفا والمروة من شعائر الله } إلى قوله : { شاكر عليم } ( البقرة : ~~158 ) فسيأتي تبييننا لموقعها . # وافتتح الكلام بالنداء لأن فيه إشعارا بخبر مهم عظيم ، فإن شأن الأخبار ~~العظيمة التي تهول المخاطب أن يقدم قبلها ما يهيء النفس لقبولها لتستأنس ~~بها قبل أن تفجأها . # وفي افتتاح هذا الخطاب بالاستعانة بالصبر إيذان بأنه سيعقب بالندب إلى ~~عمل عظيم وبلوى شديدة ، وذلك تهيئة للجهاد ، ولعله إعداد لغزوة بدر الكبرى ~~، فإن ابتداء المغازي كان قبيل زمن تحويل القبلة إذ كان تحويل القبلة في ~~رجب أو شعبان من السنة الثانية للهجرة وكانت غزوة بواط والعشيرة وبدر ~~الأولى في ربيع وجمادى من السنة الثانية ولم يكن فيهما قتال ، وكانت بدر ~~الكبرى في رمضان من السنة الثانية فكانت بعد تحويل القبلة بنحو شهرين . # وقد تقدم في تفسير قوله تعالى : { وما كان الله ليضيع إيمانكم } ( البقرة ~~: 143 ) أن ما وقع في حديث البراء بن عازب من قول الراوي أن ناسا قتلوا قبل ~~تحويل القبلة ، أنه توهم من أحد الرواة عن البراء ، فإن أول قتل في سبيل ~~الله وقع في غزوة بدر وهي بعد تحويل القبلة بنحو شهرين ، والأصح ما في حديث ~~الترمذي عن ابن عباس قال ( لما وجه النبي إلى الكعبة قالوا يا رسول الله ~~كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت ms0850 المقدس ) الحديث فلم يقل : ( ~~الذين قتلوا ) . فالوجه في تفسير هذه الآية أنها تهيئة للمسلمين للصبر على ~~شدائد الحرب ، وتحبيب للشهادة إليهم . PageV02P052 ولذلك وقع التعبير ~~بالمضارع في قوله : { لمن يقتل في سبيل الله المشعر بأنه أمر مستقبل وهم ~~الذين قتلوا في وقعة بدر بعيد نزول هذه الآية . # وقد تقدم القول في نظير هذه الآية عند قوله تعالى : واستعينوا بالصبر ~~والصلوات وإنها لكبيرة } ( البقرة : 45 ) الآية إلا أنا نقول هنا إن الله ~~تعالى قال لبني إسرائيل : { إنها لكبيرة } علما منه بضعف عزائمهم عن عظائم ~~الأعمال وقال هنالك { إلا على الخاشعين } ولم يذكر مثل هذا هنا ، وفي هذا ~~إيماء إلى أن المسلمين قد يسر لهم ما يصعب على غيرهم ، وأنهم الخاشعون ~~الذين استثناهم الله هنالك ، وزاد هنا فقال : { إن الله مع الصابرين } ~~فبشرهم بأنهم ممن يمتثل هذا الأمر ويعد لذلك في زمرة الصابرين . # وقوله { إن الله مع الصابرين } تذييل في معنى التعليل أي اصبروا ليكون ~~الله معكم لأنه مع الصابرين . # وقوله : { ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء } عطف النهي ~~على الأمر قبله لمناسبة التعرض للغزو مما يتوقع معه القتل في سبيل الله ، ~~فلما أمروا بالصبر عرفوا أن الموت في سبيل الله أقوى ما يصبرون عليه ، ولكن ~~نبه مع ذلك على أن هذا الصبر ينقلب شكرا عندما يرى الشهيد كرامته بعد ~~الشهادة ، وعندما يوقن ذووه بمصيره من الحياة الأبدية ، فقوله : { ولا ~~تقولوا } نهي عن القول الناشىء عن اعتقاد ، ذلك لأن الإنسان لا يقول إلا ما ~~يعتقد فالمعنى ولا تعتقدوا ، والظاهر أن هذا تكميل لقوله : { وما كان الله ~~ليضيع إيمانكم } ( البقرة : 143 ) كما تقدم من حديث البراء فإنه قال : ( ~~قتل أناس قبل تحويل القبلة ) ، فأعقب قوله : { وما كان الله ليضيع إيمانكم ~~} بأن فضيلة شهادتهم غير منقوصة . # وارتفع { أموات } على أنه خبر لمبتدأ محذوف أي لا تقولوا هم أموات . # و { بل } للإضراب الإبطالي إبطالا لمضمون المنهي عن قوله ، والتقدير بل ~~هم أحياء ، وليس المعنى بل قولوا هم أحياء لأن المراد إخبار المخاطبين ms0851 هذا ~~الخبر العظيم ، فقوله : ( أحيآء ) هو خبر مبتدأ محذوف وهو كلام مستأنف بعد ~~{ بل } الإضرابية . # وإنما قال : { ولكن لا تشعرون } للإشارة إلى أنها حياة غير جسمية ولا ~~مادية PageV02P053 بل حياة روحية ، لكنها زائدة على مطلق حياة الأرواح ، ~~فإن للأرواح كلها حياة وهي عدم الاضمحلال وقبول التجسد في الحشر مع إحساس ~~ما بكونها آيلة إلى نعيم أو جحيم ، وأما حياة الذين قتلوا في سبيل الله فهي ~~حياة مشتملة على إدراكات التنعم بلذات الجنة والعوالم العلوية والانكشافات ~~الكاملة ، ولذلك ورد في الحديث ( إن أرواح الشهداء تجعل في حواصل طيور خضر ~~ترعى من ثمر الجنة وتشرب من مائها ) . والحكمة في ذلك أن اتصال اللذات ~~بالأرواح متوقف على توسط الحواس الجسمانية ، فلما انفصلت الروح عن الجسد ~~عوضت جسدا مناسبا للجنة ليكون وسيلة لنعميها . # $ 2 ( 155 ، 157 ) { ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الاموال ~~والانفس والثمرات وبشر الصابرين * الذين إذآ أصابتهم مصيبة قالو & # 1764 ا إنا لله وإنآ إليه راجعون * أولائك عليهم صلوات من ربهم ورحمة ~~وأولائك هم المهتدون } . ) 2 $ # عطف : ولنبلونكم ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الاموال والانفس ~~والثمرات وبشر الصابرين } على قوله : { استعينوا بالصبر والصلوات } ( ~~البقرة : 153 ) عطف المقصد على المقدمة كما أشرنا إليه قبل ، ولك أن تجعل ~~قوله : { ونبلونكم } عطفا على قوله : { ولأتم نعمتي عليكم } ( البقرة : 150 ~~) الآيات ليعلم المسلمين أن تمام النعمة ومنزلة الكرامة عند الله لا يحول ~~بينهم وبين لحاق المصائب الدنيوية المرتبطة بأسبابها ، وأن تلك المصائب ~~مظهر لثباتهم على الإيمان ومحبة الله تعالى والتسليم لقضائه فينالون بذلك ~~بهجة نفوسهم بما أصابهم في مرضاة الله ويزدادون به رفعة وزكاء ، ويزدادون ~~يقينا بأن اتباعهم لهذا الدين لم يكن لنوال حظوظ في الدنيا ، وينجر لهم من ~~ذلك ثواب ، ولذلك جاء بعده { وبشر الصابرين } وجعل قوله : { يأيها الذين ~~آمنوا استعينوا بالصبر والصلوات } ( البقرة : 153 ) الآية بين هذين ~~المتعاطفين ليكون نصيحة لعلاج الأمرين تمام النعمة والهدى والابتلاء ، ثم ~~أعيد عليه ما يصير الجميع خبرا بقوله : { وبشر الصابرين } . # وجيء بكلمة ( شيء ) تهوينا ms0852 للخبر المفجع ، وإشارة إلى الفرق بين هذا ~~الابتلاء وبين الجوع والخوف اللذين سلطهما الله على بعض الأمم عقوبة ، كما ~~في قوله : { فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون } ( النحل : ~~112 ) ولذلك جاء هنا بكلمة ( شيء ) وجاء هنالك بما يدل على الملابسة ~~والتمكن ، وهو أن استعار لها اللباس الملازم لللابس ، لأن كلمة ( شيء ) من ~~أسماء الأجناس PageV02P054 العالية العامة ، فإذا أضيفت إلى اسم جنس أو ~~بينت به علم أن المتكلم ما زاد كلمة ( شيء ) قبل اسم ذلك الجنس إلا لقصد ~~التقليل لأن الاقتصار على اسم الجنس الذي ذكره المتكلم بعدها لو شاء ~~المتكلم لأغنى غناءها ، فما ذكر كلمة شيء إلا والقصد أن يدل على أن تنكير ~~اسم الجنس ليس للتعظيم ولا للتنويع ، فبقي له الدلالة على التحقير وهذا ~~كقول السري مخاطبا لأبي إسحاق الصابي : # فشيئا من دمم العنقو # د أجعله مكان دمي ( ) # فقول الله تعالى : { ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع } عدول عن أن يقول ~~بخوف وجوع أما لو ذكر لفظ شيء مع غير اسمم جنسس كما إذا أتبع بوصف أو لم ~~يتبع أو أضيف لغير اسم جنس فهو حينئذ يدل على مطلق التنويع نحو قول قحيط ~~العجلي : # فلا تطمع أبيت اللعن فيها # ومنعكها بشيء يستطاع # فقد فسره المرزوقي وغيره بأن معنى بشيء بمعنى من المعاني من غلبة أو ~~معازة أو فداء أو نحو ذلك اه . # وقد يكون بيان هذه الكلمة محذوفا لدلالة المقام ، كقوله تعالى : { فمن ~~عفى له من أخيه شيء } ( البقرة : 178 ) فهو الدية على بعض التفاسير أو هو ~~العفو على تفسير آخر ، وقول عمر بن أبي ربيعة : # ومن ماليء عينيه من شيء غيره # إذا راح نحو الجمرة البيض كالدمى # أي من محاسن امرأة غير امرأته . # وقول أبي حية النميري : # إذا ما تقاضى المرء يوم وليلة # تقاضاه شيء لا يمل التقاضيا # أي شيء من الزمان ، ومن ذلك قوله تعالى : { لن تغني عنهم أموالهم ولا ~~أولادهم من الله شيئا } ( آل عمران : 10 ) أي من الغناء . PageV02P055 # وكأن مراعاة هذين الاستعمالين في كلمة ms0853 شيء هو الذي دعا الشيخ عبد القاهر ~~في ( دلائل الإعجاز ) إلى الحكم بحسن وقع كلمة شيء في بيت ابن أبي ربيعة ~~وبيتت أبي حية النميري ، وبقلتها وتضاؤلها في قول أبي الطيب : # لو الفلك الدوار أبغضت سعيه # لعوقه شيء عن الدوران # لأنها في بيت أبي الطيب لا يتعلق بها معنى التقليل كما هو ظاهر ولا ~~التنويع لقلة جدوى التنويع هنا إذ لا يجهل أحد أن معوق الفلك لا بد أن يكون ~~شيئا . # والمراد بالخوف والجوع وما عطف عليهما معانيها المتبادرة وهي ما أصاب ~~المسلمين من القلة وتألب المشركين عليهم بعد الهجرة ، كما وقع في يوم ~~الأحزاب إذ جاءوهم من فوقهم ومن أسفل منهم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب ~~الحناجر وأما الجوع فكما أصابهم من قلة الأزواد في بعض الغزوات ، ونقص ~~الأموال ما ينشأ عن قلة العناية بنخيلهم في خروجهم إلى الغزو ، ونقص الأنفس ~~يكون بقلة الولادة لبعدهم عن نسائهم كما قال النابغة : # شعب العلافيات بين فروجهم # والمحصنات عوازب الأطهار # وكما قال الأعشى يمدح هوذة بن علي صاحب اليمامة بكثرة غزواته : # أفى كل عام أنت حاشم غزوة # تشد لأقصاها عزيم عزائكا # مورثة مالا وفي المجد رفعة # لما ضاع فيها من قروء نسائك # وكذلك نقص الأنفس بالاستشهاد في سبيل الله ، وما يصيبهم في خلال ذلك ~~وفيما بعده من مصائب ترجع إلى هاته الأمور . # والكلام على الأموال يأتي عند قوله تعالى : { ولا تأكلوا أموالكم بينكم ~~بالباطل } ( البقرة : 188 ) في هذه السورة وعند قوله : { إن الذين كفروا لن ~~تغنى عنهم أموالهم } ( آل عمران : 10 ) في سورة آل عمران . # { وبشر الصابرين } # وجملة : { وبشر الصابرين } معطوفة على { ولنبلونكم } ، والخطاب للرسول ~~عليه السلام بمناسبة أنه ممن شمله قوله : { ولنبلونكم } وهو عطف إنشاء على ~~خبر ولا ضير فيه عند من تحقق أساليب العرب ورأى في كلامهم كثرة عطف الخبر ~~على الإنشاء وعكسه . PageV02P056 # وأفيد مضمون الجملة الذي هو حصول الصلوات والرحمة والهدى للصابرين بطريقة ~~التبشير على لسان الرسول تكريما لشأنه ، وزيادة في تعلق المؤمنين به بحيث ~~تحصل خيراتهم بواسطته ، فلذلك ms0854 كان من لطائف القرآن إسناد البلوى إلى الله ~~بدون واسطة الرسول ، وإسناد البشارة بالخير الآتي من قبل الله إلى الرسول . # والكلام على الصبر وفضائله تقدم في قوله تعالى : { واستعينوا بالصبر ~~والصلوات } ( البقرة : 45 ) . # ووصف الصابرين بأنهم : { الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا } الخ لإفادة أن ~~صبرهم أكمل الصبر إذ هو صبر مقترن ببصيرة في أمر الله تعالى إذ يعلمون عند ~~المصيبة أنهم ملك لله تعالى يتصرف فيهم كيف يشاء فلا يجزعون مما يأتيهم ، ~~ويعلمون أنهم صائرون إليه فيثيبهم على ذلك ، فالمراد من القول هنا القول ~~المطابق للاعتقاد إذ الكلام إنما وضع للصدق ، وإنما يكون ذلك القول معتبرا ~~إذا كان تعبيرا عما في الضمير فليس لمن قال هاته الكلمات بدون اعتقاد لها ~~فضل وإنما هو كالذي ينعق بما لا يسمع ، وقد علمهم الله هذه الكلمة الجامعة ~~لتكون شعارهم عند المصيبة ، لأن الإعتقاد يقوى بالتصريح لأن استحضار النفس ~~للمدركات المعنوية ضعيف يحتاج إلى التقوية بشيء من الحس ، ولأن في تصريحهم ~~بذلك إعلانا لهذا الإعتقاد وتعليما له للناس . والمصيبة يأتي الكلام عليها ~~عند قوله تعالى : { فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي } ( النساء : ~~72 ) في سورة النساء . # والتوكيد بإن في قولهم : { إنا لله } لأن المقام مقام اهتمام ، ولأنه ~~ينزل المصاب فيه منزلة المنكر كونه ملكا لله تعالى وعبدا له إذ تنسيه ~~المصيبة ذلك ويحول هولها بينه وبين رشده ، واللام فيه للملك . # والإتيان باسم الإشارة في قوله : { أولئك عليهم صلوات من ربهم } للتنبيه ~~على أن المشار إليه هو ذلك الموصوف بجميع الصفات السابقة على اسم الإشارة ، ~~وأن الحكم الذي يرد بعد اسم الإشارة مترتب على تلك الأوصاف مثل : { أولئك ~~على هدى من ربهم } ( البقرة : 5 ) وهذا بيان لجزاء صبرهم . # والصلوات هنا مجاز في التزكيات والمغفرات ولذلك عطفت عليها الرحمة التي ~~هي من معاني الصلاة مجازا في مثل قوله تعالى : { إن الله وملائكته يصلون ~~على النبي } ( الأحزاب : 56 ) . # وحقيقة الصلاة في كلام العرب أنها أقوال تنبىء عن محبة الخير لأحد ، ~~ولذلك كان PageV02P057 أشهر معانيها هو ms0855 الدعاء وقد تقدم ذلك في قوله تعالى ~~: { ويقيمون الصلاة } ( البقرة : 3 ) ولأجل ذلك كان إسناد هذا الفعل لمن لا ~~يطلب الخير إلا منه متعينا للمجاز في لازم المعنى وهو حصول الخير ، فكانت ~~الصلاة إذا أسندت إلى الله أو أضيفت إليه دالة على الرحمة وإيصال ما به ~~النفع من رحمة أو مغفرة أو تزكية . # وقوله : { وأولئك هم المهتدون } بيان لفضيلة صفتهم إذا اهتدوا لما هو حق ~~كل عبد عارف فلم تزعجهم المصائب ولم تكن لهم حاجبا عن التحقق في مقام الصبر ~~، لعلمهم أن الحياة لا تخلو من الأكدار ، وأما الذين لم يهتدوا فهم يجعلون ~~المصائب سببا في اعتراضهم على الله أو كفرهم به أو قول ما لا يليق أو شكهم ~~في صحة ما هم عليه من الإسلام ، يقولون لو كان هذا هو الدين المرضي لله لما ~~لحقنا عذاب ومصيبة ، وهذا شأن أهل الضلال الذين حذرنا الله أمرهم بقوله : { ~~وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه } ( الأعراف : 131 ) وقال في ~~المنافقين : { وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك } ( النساء : 78 ) ، ~~والقول الفصل أن جزاء الأعمال يظهر في الآخرة ، وأما مصائب الدنيا فمسببة ~~عن أسباب دنيوية ، تعرض لعروض سببها ، وقد يجعل الله سبب المصيبة عقوبة ~~لعبده في الدنيا على سوء أدب أو نحوه للتخفيف عنه من عذاب الآخرة ، وقد ~~تكون لرفع درجات النفس ، ولها أحوال ودقائق لا يعلمها إلا الله تعالى وقد ~~يطلع عليها العبد إذا راقب نفسه وحاسبها ، ولله تعالى في الحالين لطف ~~ونكاية يظهر أثر أحدهما للعارفين . # # | 2 ( 158 ) { إن الصفا والمروة من شعآئر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا ~~جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم } . ) 2 # هذا كلام وقع معترضا بين محاجة أهل الكتاب والمشركين في أمر القبلة ، نزل ~~هذا بسبب تردد واضطراب بين المسلمين في أمر السعي بين الصفا والمروة وذلك ~~عام حجة الوداع ، كما جاء في حديث عائشة الآتي ، فهذه الآية نزلت بعد ~~الآيات التي قبلها وبعد الآيات التي نقرؤها بعدها ms0856 ، لأن الحج لم يكن قد فرض ~~، وهي من الآيات التي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإلحاقها ببعض ~~السور التي نزلت قبل نزولها بمدة ، والمناسبة بينها وبين ما قبلها هو أن ~~العدول عن السعي بين الصفا والمروة يشبه فعل من عبر عنهم بالسفهاء من ~~القبلة وإنكار PageV02P058 العدول عن استقبال بيت المقدس ، فموقع هذه الآية ~~بعد إلحاقها بهذا المكان موقع الاعتراض في أثناء الاعتراض ، فقد كان السعي ~~بين الصفا والمروة من أعمال الحج من زمن إبراهيم عليه السلام تذكيرا بنعمة ~~الله على هاجر وابنها إسماعيل إذ أنقذه الله من العطش كما في حديث البخاري ~~في كتاب بدء الخلق عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أن هاجر أم ~~إسماعيل لما تركها إبراهيم بموضع مكة ومعها ابنها وهو رضيع وترك لها جرابا ~~من تمر وسقاء فيه ماء ، فلما نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر ~~إليه يتلوى فانطلقت كراهية أن تنظر إليه فوجدت الصفا أقرب جبل يليها فقامت ~~عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا فلم تر أحدا فهبطت من الصفا وأتت ~~المروة فقامت عليها فنظرت هل ترى أحدا فلم تر أحدا ففعلت ذلك سبع مرات ، ~~قال ابن عباس فقال النبي صلى الله عليه وسلم فلذلك سعى الناس بينهما ، ~~فسمعت صوتا فقالت في نفسها صه ثم تسمعت فسمعت أيضا فقالت قد أسمعت إن كان ~~عندك غواث ، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم فبحث بعقبه حتى ظهر الماء فشربت ~~وأرضعت ولدها ) ، فيحتمل أن إبراهيم سعى بين الصفا والمروة تذكرا لشكر ~~النعمة وأمر به إسماعيل ، ويحتمل أن إسماعيل ألحقه بأفعال الحج ، أو أن من ~~جاء من أبنائه فعل ذلك فتقرر في الشعائر عند قريش لا محالة . # وقد كان حوالي الكعبة في الجاهلية حجران كانا من جملة الأصنام التي جاء ~~بها عمرو ابن لحي إلى مكة فعبدها العرب إحداهما يسمى إسافا والآخر يسمى ~~نائلة ، كان أحدهما موضوعا قرب جدار الكعبة والآخر موضوعا قرب زمزم ، ثم ~~نقلوا الذي قرب الكعبة ms0857 إلى جهة زمزم ، وكان العرب يذبحون لهما ، فلما جدد ~~عبد المطلب احتفار زمزم بعد أن دثرتها جرهم حين خروجهم من مكة وبنى سقاية ~~زمزم نقل ذينك الصنمين فوضع إسافا على الصفا ونائلة على المروة ، وجعل ~~المشركون بعد ذلك أصناما صغيرة وتماثيل بين الجبلين في طريق المسعى ، فتوهم ~~العرب الذين جاءوا من بعد ذلك أن السعي بين الصفا والمروة طواف بالصنمين ، ~~وكانت الأوس والخزرج وغسان يعبدون مناة وهو صنم بالمشللل قرب قديد فكانوا ~~لا يسعون بين الصفا والمروة تحرجا من أن يطوفوا بغير صنمهم ، في البخاري ~~فيما علقه عن معمر إلى عائشة قالت ( كان رجال من الأنصار ممن كان يهل لمناة ~~قالوا يا نبيء الله كنا لا نطوف بين الصفا والمروة ( تعظيما لمناة ) . ~~PageV02P059 فلما فتحت مكة وأزيلت الأصنام وأبيح الطواف بالبيت وحج ~~المسلمون مع أبي بكر وسعت قريش بين الصفا والمروة تحرج الأنصار من السعي ~~بين الصفا والمروة وسأل جمع منهم النبي صلى الله عليه وسلم هل علينا من حرج ~~أن نطوف بين الصفا والمروة فأنزل الله هذه الآية . # وقد روى مالك رحمه الله في ( الموطأ ) عن هشام بن عروة عن أبيه عروة بن ~~الزبير قال قلت لعائشة وأنا يومئذ حديث السن أرأيتت قول الله تعالى : { إن ~~الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف ~~بهما } ، فما على الرجل شيء أن لا يطوف بهما فقالت عائشة كلا لو كان كما ~~تقول لكانت فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما ، إنما أنزلت هاته الآية في ~~الأنصار كانوا يهلون لمناة وكانت مناة حذو قديد وكانوا يتحرجون أن يطوفوا ~~بين الصفا والمروة فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله عن ذلك فأنزل الله : { ~~إن الصفا والمروة } ) الآية . # وفي البخاري عن أنس كنا نرى أنهما من أمر الجاهلية فلما جاء الإسلام ~~أمسكنا عنهما فأنزل الله { إن الصفا والمروة } ، وفيه كلام معمر المتقدم ~~أنهم كانوا في الجاهلية لا يطوفون بين الصفا والمروة تعظيما لمناة . # فتأكيد الجملة بإن لأن المخاطبين مترددون ms0858 في كونهما من شعائر الله وهم ~~أميل إلى اعتقاد أن السعي بينهما من أحوال الجاهلية ، وفي ( أسباب النزول ) ~~للواحدي أن سؤالهم كان عام حجة الوداع ، وبذلك كله يظهر أن هذه الآية نزلت ~~بعد نزول آية تحويل القبلة بسنين فوضعها في هذا الموضع لمراعاة المناسبة مع ~~الآيات الواردة في اضطراب الفرق في أمر القبلة والمناسك . # والصفا والمروة اسمان لجبيلين متقابلين فأما الصفا فهو رأس نهاية جبل أبي ~~قبيس ، وأما المروة فرأس هو منتهى جبل قعيقعان . وسمي الصفا لأن حجارته من ~~الصفا وهو الحجر الأملس الصلب ، وسميت المروة مروة لأن حجارها من المرو وهي ~~الحجارة البيضاء اللينة التي توري النار ويذبح بها لأن شذرها يخرج قطعا ~~محددة الأطراف وهي تضرب بحجارة من الصفا فتتشقق قال أبو ذؤيب : # حتى كأني للحوادث مروة # بصفا المشقر ( ) كل يوم تفرع PageV02P060 # وكأن الله تعالى لطف بأهل بمكة فجعل لهم جبلا من المروة للانتفاع به في ~~اقتداحهم وفي ذبائحهم ، وجعل قبالته الصفا للانتفاع به في بنائهم . # والصفا والمروة بقرب المسجد الحرام وبينهما مسافة سبعمائة وسبعين ذراعا ~~وطريق السعي بينهما يمر حذو جدار المسجد الحرام ، والصفا قريب من باب يسمى ~~باب الصفا من أبواب المسجد الحرام ويصعد الساعي إلى الصفا والمروة بمثل ~~المدرجة . # والشعائر جمع شعيرة بفتح الشين وشعارة بكسر الشين بمعنى العلامة مشتق من ~~شعر إذا علم وفطن ، وهي فعيلة بمعنى مفعولة أي معلم بها ومنه قولهم أشعر ~~البعير إذا جعل له سمة في سنامه بأنه معد للهدي . فالشعائر ما جعل علامة ~~على أداء عمل من عمل الحج والعمرة وهي المواضع المعظمة مثل المواقيت التي ~~يقع عندها الإحرام ، ومنها الكعبة والمسجد الحرام والمقام والصفا والمروة ~~وعرفة والمشعر الحرام بمزدلفة ومنى والجمار . # ومعنى وصف الصفا والمروة بأنهما من شعائر الله أن الله جعلهما علامتين ~~على مكان عبادة كتسمية مواقيت الحج مواقيت فوصفهما بذلك تصريح بأن السعي ~~بينهما عبادة إذ لا تتعلق بهما عبادة جعلا علامة عليها غير السعي بينهما ، ~~وإضافتهما إلى الله لأنهما علامتان على عبادته أو لأنه جعلهما ms0859 كذلك . # وقوله : { فمن حج البيت } تفريع على كونهما من شعائر الله ، وأن السعي ~~بينهما في الحج والعمرة من المناسك فلا يريبه ما حصل فيهما من صنع الجاهلية ~~لأن الشيء المقدس لا يزيل تقديسه ما يحف به من سيء العوارض ، ولذلك نبه ~~بقوله { فلا جناح } على نفي ما اختلج في نفوسهم بعد الإسلام كما في حديث ~~عروة عن عائشة رضي الله عنها . # والجناح بضم الجيم الإثم مشتق من جنح إذا مال لأن الإثم يميل به المرء عن ~~طريق الخير ، فاعتبروا فيه الميل عن الخير عكس اعتبارهم في حنف أنه ميل عن ~~الشر إلى الخير . # والحج اسم في اللغة للقصد وفي العرف غلب على قصد البيت الحرام الذي بمكة ~~لعبادة الله تعالى فيه بالطواف والوقوف بعرفة والإحرامم ولذلك صار بالإطلاق ~~حقيقة عرفية في هذا المعنى جنسا بالغلبة كالعلم بالغلبة ولذلك قال في ( ~~الكشاف ) ( وهما ( أي الحج والعمرة ) في المعاني كالنجم والبيت في الذوات ) ~~، فلا يحتاج إلى ذكر مضاف إليه إلا في مقام الاعتناء بالتنصيص ولذلك ورد في ~~القرآن مقطوعا عن الإضافة نحو { الحج أشهر معلومات } إلى قوله : ~~PageV02P061 { ولا جدال في الحج } ( البقرة : 197 ) ، وورد مضافا في قوله : ~~{ ولله على الناس حج البيت } ( آل عمران : 97 ) لأنه مقام ابتداء تشريع فهو ~~مقام بيان وإطناب . وفعل حج بمعنى قصد لم ينقطع عن الإطلاق على القصد في ~~كلام العرب فلذلك كان ذكر المفعول لزيادة البيان . وأما صحة قولك حج فلان ~~وقوله صلى الله عليه وسلم ( إن الله كتب عليكم الحج فحجوا ) بدون ذكر ~~المفعول فذلك حذف للتعويل على القرينة فغلبة إطلاق الفعل على قصد البيت أقل ~~من غلبة إطلاق اسم الحج على ذلك القصد . # والعمرة اسم لزيارة البيت الحرام في غير وقت الحج أو في وقته بدون حضور ~~عرفة فالعمرة بالنسبة إلى الحج مثل صلاة الفذ بالنسبة لصلاة الجماعة ، وهي ~~بصيغة الاسم علم الغلبة على زيارة الكعبة ، وفعلها غلب على تلك الزيارة ~~تبعا لغلبة الاسم فساواه فيها ولذلك لم يذكر المفعول هنا ولم يسمع . ~~والغلبة ms0860 على كل حال لا تمنع من الإطلاق الآخر نادرا . # ونفي الجناح عن الذي يطوف بين الصفا والمروة لا يدل على أكثر من كونه غير ~~منهي عنه فيصدق بالمباح والمندوب ، والواجب والركنن ، لأن المأذون فيه يصدق ~~بجميع المذكورات فيحتاج في إثبات حكمه إلى دليل آخر ولذلك قالت عائشة لعروة ~~( لو كان كما تقول لقال فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما ) ، قال ابن العربي ~~في ( أحكام القرآن ) إن قول القائل لا جناج عليك أن تفعل إباحة للفعل وقوله ~~لا جناح عليك أن لا تفعل إباحة لترك الفعل فلم يأت هذا اللفظ لإباحة ترك ~~الطواف ولا فيه دليل عليه وإنما جاء لإفادة إباحة الطواف لمن كان تحرج منه ~~في الجاهلية أو لمن كان يطوف به في الجاهلية قصدا للأصنام التي كانت فيه اه ~~. # ومراده أن لا جناح عليك أن تفعل نص في نفي الإثم عن الفاعل وهو صادق ~~بالإباحة والندب والوجوب فهو في واحد منها مجمل ، بخلاف لا جناح عليك أن لا ~~تفعل فهو نص في نفي الإثم التالي وهو صادق بحرمة الفعل وكراهيته فهو في ~~أحدهما مجمل ، نعم إن التصدي للإخبار بنفي الإثم عن فاعل شيء يبدو منه أن ~~ذلك الفعل مظنة لأن يكون ممنوعا هذا عرف استعمال الكلام فقولك لا جناح عليك ~~في فعل كذا ظاهر في الإباحة بمعنى استواء الوجهين دون الندب والوجوب إذ لا ~~يعمد أحد إلى واجب أو فرض أو مندوب PageV02P062 فيقول فيه إنه لا جناح ~~عليكم في فعله ، فمن أجل ذلك فهم عروة بن الزبير من الآية عدم فرضية السعي ~~، ولقد أصاب فهما من حيث استعمال اللغة لأنه من أهل اللسان ، غير أن هنا ~~سببا دعا للتعبير بنفي الإثم عن الساعي وهو ظن كثير من المسلمين أن في ذلك ~~إثما ، فصار الداعي لنفي الإثم عن الساعي هو مقابلة الظن بما يدل على نقيضه ~~مع العلم بانتفاء احتمال قصد الإباحة بمعنى استواء الطرفين بما هو معلوم من ~~أوامر الشريعة اللاحقة بنزول الآية أو السابقة لها ، ولهذا قال ms0861 عروة فيما ~~رواه ( وأنا يومئذ حديث السن ) يريد أنه لا علم له بالسنن وأسبابا النزول ، ~~وليس مراده من حداثة سنه جهله باللغة لأن اللغة يستوي في إدراك مفاداتها ~~الحديث والكبير ، ولهذا أيضا قالت له عائشة ( بئسما قلت يا ابن أختي ) تريد ~~ذم كلامه من جهة ما أداه إليه من سوء فهم مقصد القرآن لو دام على فهمه ذلك ~~، على عادتهم في الصراحة في قول الحق ، فصار ظاهر الآية بحسب المتعارف ~~مؤولا بمعرفة سبب التصدي لنفي الإثم عن الطائف بين الصفا والمروة . # فالجناح المنفي في الآية جناح عرض للسعي بين الصفا والمروة في وقت نصب ~~إساف ونائلة عليهما وليس لذات السعي ، فلما زال سببه زال الجناح كما في ~~قوله تعالى : { فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير } ( ~~النساء : 128 ) فنفى الجناح عن التصالح وأثبت له أنه خير فالجناح المنفي عن ~~الصلح ما عرض قبله من أسباب النشوز والإعراضض ، ومثله قوله : { فمن خاف من ~~موس جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه } ( البقرة : 182 ) مع أن ~~الإصلاح بينهم مرغب فيه وإنما المراد لا إثم عليه فيما نقص من حق أحد ~~الجانبين وهو إثم عارض . # والآية تدل على وجوب السعي بين الصفا والمروة بالإخبار عنهما بأنهما من ~~شعائر الله فلأجل هذا اختلفت المذاهب في حكم السعي فذهب مالك رحمه الله في ~~أشهر الروايتين عنه إلى أنه فرض من أركان الحج وهو قول الشافعي وأحمد ~~والجمهور ، ووجهه أنه من أفعال الحج وقد اهتم به النبي صلى الله عليه وسلم ~~وبادر إليه كما في حديث ( الصحيحين ) و ( الموطأ ) فلما تردد فعله بين ~~السنية والفرضية قال مالك بأنه فرض قضاء لحق الاحتياط ولأنه فعل بسائر ~~البدن من خصائص الحج ليس له مثيل مفروض فيقاس على الوقوف وطواف الإفاضة ~~والإحرامم ، بخلاف ركعتي الطواف فإنهما فعل ليس من خصائص الحج لأنه صلاة ، ~~وبخلاف ترك لبس المخيط فإنه ترك ، وبخلاف رمي الجمار فإنه فعل بعضو وهو ~~اليد . وقولي ليس له مثيل مفروض PageV02P063 لإخراج طواف القودم فإنه ms0862 وإن ~~كان فعلا بجميع البدن إلا أنه به مثيل مفروض وهو الإفاضة فأغنى عن جعله ~~فرضا ، ولقوله في الحديث : ( اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي ) ، والأمر ~~ظاهر في الوجوب ، والأصل أن الفرض والواجب مترادفان عندنا في الحج ، ~~فالواجب دون الفرض لكن الوجوب الذي هو مدلول الأمر مساو للفرض . # وذهب أبو حنيفة إلى أنه واجب ينجبر بالنسك واحتج الحنفية لذلك بأنه لم ~~يثبت بدليل قطعي في الدلالة فلا يكون فرضا بل واجبا لأن الآية قطعية المتن ~~فقط والحديث ظني فيهما ، والجواب أن مجموع الظواهر من القول والفعل يدل على ~~الفرضية وإلا فالوقوف بعرفة لا دليل على فرضيته وكذلك الإحرام فمتى يثبت ~~هذا النوع المسمى عندهم بالفرض ؟ وذهب جماعة من السلف إلى أنه سنة . # وقوله : { ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم } تذييل لما أفادته الآية من ~~الحث على السعي بين الصفا والمروة بمفاد قوله : { من شعائر الله } ، ~~والمقصد من هذا التذييل الإتيان بحكم كلي في أفعال الخيرات كلها من فرائض ~~ونوافل أو نوافل فقط فليس المقصود من { خيرا } خصوص السعي لأن خيرا نكرة في ~~سياق الشرط فهي عامة ولهذا عطفت الجملة بالواو دون الفاء لئلا يكون الخير ~~قاصرا على الطواف بين الصفا والمروة بخلاف قوله تعالى في آية الصيام في ~~قوله : { وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له } ( ~~البقرة : 184 ) لأنه أريد هنالك بيان أن الصوم مع وجود الرخصة في الفطر ~~أفضل من تركه أو أن الزيادة على إطعام مسكين أفضل من الاقتصار عليه كما ~~سيأتي . # وتطوع يطلق بمعنى فعل طاعة وتكلفها ، ويطلق مطاوع طوعه أي جعله مطيعا ~~فيدل على معنى التبرع غالبا لأن التبرع زائد في الطاعة . وعلى الوجهين ~~فانتصاب { خيرا } على نزع الخافض أي تطوع بخير أو بتضمين { تطوع } معنى فعل ~~أو أتى . ولما كانت الجملة تذييلا فليس فيها دلالة على أن السعي من التطوع ~~أي من المندوبات لأنها لإفادة حكم كلي بعد ذكر تشريع عظيم ، على أن { تطوع ~~} لا يتعين لكونه بمعنى تبرع ms0863 بل يحتمل معنى أتى بطاعة أو تكلف طاعة . ~~PageV02P064 # وقرأ الجمهور : { ومن تطوع } بصيغة الماضي ، وقرأه حمزة والكسائي ويعقوب ~~وخلف { يطوع } بصيغة المضارع وياء الغيبة وجزم العين . # و { من } هنا شرطية بدليل الفاء في جوابها . وقوله : { فإن الله شاكر ~~عليم } دليل الجواب إذ التقدير ومن تطوع خيرا جوزي به لأن الله شاكر أي لا ~~يضيع أجر محسن ، عليم لا يخفى عنه إحسانه ، وذكر الوصفين لأن ترك الثواب عن ~~الإحسان لا يكون إلا عن جحود للفضيلة أو جهل بها فلذلك نفيا بقوله : { شاكر ~~عليم } والأظهر عندي أن { شاكر } هنا استعارة تمثيلية شبه شأن الله في جزاء ~~العبد على الطاعة بحال الشاكر لمن أسدي إليه نعمة ، وفائدة هذا التشبيه ~~تمثيل تعجيل الثواب وتحقيقه لأن حال المحسن إليه أن يبادر بشكر المحسن . # # | 2 ( 159 ، 160 ) { إن الذين يكتمون مآ أنزلنا من البينات والهدى من بعد ~~ما بيناه للناس في الكتاب أولائك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون * إلا الذين ~~تابوا وأصلحوا وبينوا فأولائك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم } . ) 2 # عود بالكلام إلى مهيعه الذي فصل عنه بما اعترض من شرع السعي بين الصفا ~~والمروة كما علمته آنفا . # قال المفسرون إن هاته الآية نزلت في علماء اليهود في كتمهم دلائل صدق ~~النبي محمد صلى الله عليه وسلم وصفاته وصفات دينه الموجودة في التوراة وفي ~~كتمهم آية الرجم ، وهو يقتضي أن اسم الموصول للعهد فإن الموصول يأتي لما ~~يأتي له المعرف باللام وعليه فلا عموم هنا ، وأنا أرى أن يكون اسم الموصول ~~هنا للجنس فهو كالمعرف بلام الاستغراق فيعم ويكون من العام الوارد على سبب ~~خاص ولا يخصص بسببه ولكنه يتناول أفراد سببه تناولا أوليا أقوى من دلالته ~~على بقية الأفراد الصالح هو للدلالة عليها لأن دلالة العام على صورة السبب ~~قطعية ودلالته على غيرها مما يشمله مفهوم العام دلالة ظنية ، فمناسبة وقع ~~هاته الآية بعد التي قبلها أن ما قبلها كان من الأفانين القرآنية المتفننة ~~على ذكر ما قابل به اليهود دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ms0864 وتشبيههم فيها ~~بحال سلفهم في مقابلة دعوة أنبيائهم من قبل إلى مبلغ قوله تعالى : { ~~أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله } ( البقرة : ~~75 ) PageV02P065 إلى قوله : { ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم ~~نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب } ( البقرة : 101 ) الآية وما قابل به ~~أشباههم من النصارى ومن المشركين الدعوة الإسلامية ، ثم أفضى ذلك إلى ~~الإنحاء على المشركين قلة وفائهم بوصايا إبراهيم الذي يفتخرون بأنهم من ~~ذريته وأنهم سدنة بيته فقال : { ومن أظلم ممن منع مساجد الله } ( البقرة : ~~114 ) الآيات ، فنوه بإبراهيم وبالكعبة واستقبالها وشعائرها وتخلل ذلك رد ~~ما صدر عن اليهود من إنكار استقبال الكعبة إلى قوله : { وإن فريقا منهم ~~ايكتمون الحق وهم يعلمون } ( البقرة : 146 ) ( يريد علماءهم ) ثم عقب ذلك ~~بتكملة فضائل الكعبة وشعائرها ، فلما تم جميع ذلك عطف الكلام إلى تفصيل ما ~~رماهم به إجمالا في قوله تعالى : { إن فريقا منهم } فقال : { إن الذين ~~يكتمون ما أنزلنا } الخ ، وهذه طريقة في الخطابة هي إيفاء الغرض المقصود ~~حقه وتقصير الاستطراد والاعتراض الواقعين في أثنائه ثم الرجوع إلى ما يهم ~~الرجوع إليه من تفصيل استطراد أو اعتراض تخلل الغرض المقصود . # فجملة : { إن الذين يكتمون } الخ استئناف كلام يعرف منه السامع تفصيل ما ~~تقدم له إجماله ، والتوكيد بإن لمجرد الاهتمام بهذا الخبر . # والكتم والكتمان عدم الإخبار بما من شأنه أن يخبر به من حادثث مسموع أو ~~مرئي ومنه كتم السر وهو الخبر الذي تخبر به غيرك وتأمره بأن يكتمه فلا ~~يخبره غيره . # وعبر في : { يكتمون } بالفعل المضارع للدلالة على أنهم في الحال كاتمون ~~للبينات والهدى ، ولو وقع بلفظ الماضي لتوهم السامع أن المعني به قوم مضوا ~~مع أن المقصود إقامة الحجة على الحاضرين . ويعلم حكم الماضين والآتين ~~بدلالة لحن الخطاب لمساواتهم في ذلك . # والمراد بما أنزلنا ما اشتملت عليه التوراة من الدلائل والإرشاد ، ~~والمراد بالكتاب التوراة . # والبينات جمع بينة وهي الحجة وشمل ذلك ما هو من أصول الشريعة مما يكون ~~دليلا على أحكام كثيرة ms0865 ، ويشمل الأدلة المرشدة إلى الصفات الإلاهية وأحوال ~~الرسل وأخذ العهد عليهم في اتباع كل رسول جاء بدلائل صدق لا سيما الرسول ~~المبعوث في إخوة إسرائيل وهم العرب الذين ظهرت بعثته بينهم وانتشرت منهم ، ~~والهدى هو ما به الهدى أي الإرشاد إلى طريق الخير فيشمل آيات الأحكام التي ~~بها صلاح الناس في أنفسهم وصلاحهم في مجتمعهم . PageV02P066 # والكتمان يكون بإلغاء الحفظ والتدريس والتعليم ، ويكون بإزالته من الكتاب ~~أصلا وهو ظاهره قال تعالى : { وتخفون كثيرا } ( الأنعام : 91 ) ، يكون ~~بالتأويلات البعيدة عن مراد الشارع لأن إخفاء المعنى كتمان له ، وحذف متعلق ~~{ يكتمون } الدال على المكتوم عنه للتعميم أي يكتمون ذلك عن كل أحد ليتأتى ~~نسيانه وإضاعته . # وقوله : { من بعد } متعلق ب ( يكتمون ) وذكر هذا الظرف لزيادة التفظيع ~~لحال الكتمان وذلك أنهم كتموا البينات والهدى مع انتفاء العذر في ذلك لأنهم ~~لو كتموا ما لم يبين لهم لكان لهم بعض العذر أن يقولوا كتمناه لعدم اتضاح ~~معناه فكيف وهو قد بين ووضح في التوراة . # واللام في قوله : { للناس } لام التعليل أي بيناه في الكتاب لأجل الناس ~~أي أردنا إعلانه وإشاعته أي جعلناه بينا ، وفي هذا زيادة تشنيع عليهم فيما ~~أتوه من الكتمان وهو أنه مع كونه كتمانا للحق وحرمانا منه هو اعتداء على ~~مستحقه الذي جعل لأجله ففعلهم هذا تضليل وظلم . # والتعريف في ( الناس ) للاستغراق لأن الله أنزل الشرائع لهدي الناس كلهم ~~وهو استغراق عرفي أي الناس المشرع لهم . # وقوله : { أولئك } إشارة إلى { الذين يكتمون } وسط اسم الإشارة بين اسم { ~~إن } وخبرها للتنبيه على أن الحكم الوارد بعد ذلك قد صاروا أحرياء به لأجل ~~تلك الصفات التي ذكرت قبله بحيث إن تلك الصفات جعلتهم كالمشاهدين للسامع ~~فأشير إليهم وهو في الحقيقة إشارة إلى أوصافهم ، فمن أجل ذلك أفادت الإشارة ~~التنبيه على أن تلك الأوصاف هي سبب الحكم وهو إيماء للعلة على حد : { أولئك ~~على هدى من ربهم } ( البقرة : 5 ) . # واختير اسم إشارة البعيد ليكون أبعث للسامع على التأمل منهم والالتفات ~~إليهم أو لأن اسم الإشارة ms0866 بهذه الصيغة هو الأكثر استعمالا في كلامهم . # وقد اجتمع في الآية إيماآن إلى وجه ترتب اللعن على الكتمان وهما الإيماء ~~بالموصول إلى وجه بناء الخبر أي علته وسببه ، والإيماء باسم الإشارة ~~للتنبيه على أحرويتهم بذلك ، فكان تأكيد الإيماء إلى التعليل قائما مقام ~~التنصيص على العلة . PageV02P067 # واللعن الإبعاد عن الرحمة مع إذلال وغضب ، وأثره يظهر في الآخرة بالحرمان ~~من الجنة وبالعذاب في جهنم ، وأما لعن الناس إياهم فهو الدعاء منهم بأن ~~يبعدهم الله عن رحمته على الوجه المذكور ، واختير الفعل المضارع للدلالة ~~على التجدد مع العلم بأنه لعنهم أيضا فيما مضى إذ كل سامع يعلم أنه لا وجه ~~لتخصيص لعنهم بالزمن المستقبل . وكذلك القول في قوله : { ويلعنهم اللاعنون ~~} ، وكرر فعل { يلعنهم } مع إغناء حرف العطف عن تكريره لاختلاف معنى ~~اللعنين فإن اللعن من الله الإبعاد عن الرحمة واللعن من البشر الدعاء عليهم ~~عكس ما وقع في { إن الله وملائكته يصلون } ( الأحزاب : 56 ) لأن التحقيق أن ~~صلاة الله والملائكة واحدة وهي الذكر الحسن . # والتعريف في : { اللاعنون } للاستغراق وهو استغراق عرفي أي يلعنهم كل ~~لاعن ، والمراد باللاعنين المتدينون الذين ينكرون المنكر وأصحابه ويغضبون ~~لله تعالى ويطلعون على كتمان هؤلاء فهم يلعنونهم بالتعيين وإن لم يطلعوا ~~على تعيينهم فهم يلعنونهم بالعنوان العام أي حين يلعنون كل من كتم آيات ~~الكتاب حين يتلون التوراة . ولقد أخذ الله الميثاق على بني إسرائيل أن ~~يبينوا التوراة ولا يخفوها كما قال : { وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا ~~الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه } ( آل عمران : 187 ) . # وقد جاء ذكر اللعنة على إضاعة عهد الله في التوراة مرات وأشهرها العهد ~~الذي أخذه موسى على بني إسرائيل في ( حوريب ) حسبما جاء في سفر الخروج في ~~الإصحاح الرابع والعشرين ، والعهد الذي أخذه عليهم في ( مؤاب ) وهو الذي ~~فيه اللعنة على من تركه وهو في سفر التثنية في الإصحاح الثامن والعشرين ~~والإصحاح التاسع والعشرين ومنه : ( أنتم واقفون اليوم جميعكم أما الرب ~~إلاهكم . . . لكي تدخلوا في عهد الرب وقسمه لئلا يكون فيكم اليوم منصرف ms0867 عن ~~الرب . . . فيكون متى يسمع كلام هذه اللعنة يتبرك في قلبه . . . حينئذ يحل ~~غضب الرب وغيرته على ذلك الرجل فتحل عليه كل اللعنات المكتوبة في هذا ~~الكتاب ويمحو الرب اسمه من تحت السماء ويفرزه الرب للشر من جميع أسباط ~~إسرائيل حسب جميع لعنات العهد المكتوبة في كتاب الشريعة هذا . . . لنعمل ~~بجميع كلمات هذه الشريعة ) . وفي الإصحاح الثلاثين : ( ومتى أتت عليك هذه ~~الأمور البركة واللعنة جعلتهما قدامك ) PageV02P068 وفيه : ( أشهد عليكم ~~اليوم السماء والأرض قد جعلت قدامك الحياة والموت ، البركة واللعنة ) . # فقوله تعالى : { ويلعنهم اللاعنون } تذكير لهم باللعنة المسطورة في ~~التوراة فإن التوراة متلوة دائما بينهم فكلما قرأ القارئون هذا الكلام ~~تجددت لعنة المقصودين به ، والذين كتموا ما أنزل من البينات والهدى هم أيضا ~~يقرأون التوراة فإذا قرأوا لعنة الكاتمين فقد لعنوا أنفسهم بألسنتهم فأما ~~الذين يلعنون المجرمين والظالمين غير الكاتمين ما أنزل من البينات والهدى ~~فهم غير مشمولين في هذا العموم وبذلك كان الاستغراق المستفاد من تعريف ~~اللاعنون باللام استغراقا عرفيا . # واعلم أن لام الاستغراق العرفي واسطة بين لام الحقيقة ولام الاستغراق ~~الحقيقي . وإنما عدل إلى التعريف مع أنه كالنكرة مبالغة في تحققه حتى كأنه ~~صار معروفا لأن المنكر مجهول ، أو يكون التعريف للعهد أي يلعنهم الذين ~~لعنوهم من الأنبياء الذين أوصوا بإعلان العهد وأن لا يكتموه . # ولما كان في صلة { الذين يكتمون } إيماء كما قدمناه فكل من يفعل فعلا من ~~قبيل مضمون الصلة من غير أولئك يكون حقيقا بما تضمنه اسم الإشارة وخبره فإن ~~من مقاصد القرآن في ذكر القصص الماضية أن يعتبر بها المسلمون في الخير ~~والشر ، وعن ابن عباس أن كل ما ذم الله أهل الكتاب عليه فالمسلمون محذرون ~~من مثله ، ولذا قال أبو هريرة لما قال الناس أكثر أبو هريرة من الرواية عن ~~رسول الله فقال : لولا آية في كتاب الله ما حدثتكم حديثا بعد أن قال الناس ~~أكثر أبو هريرة : { إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى } الآية ~~وساق الحديث . # فالعالم يحرم عليه أن يكتم ms0868 من علمه ما فيه هدى للناس لأن كتم الهدى إيقاع ~~في الضلالة سواء في ذلك العلم الذي بلغ إليه بطريق الخبر كالقرآن والسنة ~~الصحيحة والعلم الذي يحصل عن نظر كالاجتهادات إذا بلغت مبلغ غلبة الظن بأن ~~فيها خيرا للمسلمين ، ويحرم عليه بطريق القياس الذي تومىء إليه العلة أن ~~يبث في الناس ما يوقعهم في أوهام بأن يلقنها وهو لا يحسن تنزيلها ولا ~~تأويلها ، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( حدثوا الناس بما يفهمون ~~أتحبون أن يكذب الله ورسوله ) وكذلك كل ما يعلم أن الناس لا يحسنون وضعه . ~~PageV02P069 وفي ( صحيح البخاري ) أن الحجاج قال لأنس بن مالك حدثني بأشد ~~عقوبة عاقبها النبي فذكر له أنس حديث العرنيين الذين قتلوا الراعي واستاقوا ~~الذود فقطع النبي صلى الله عليه وسلم أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وتركهم في ~~الحرة يستقون فلا يسقون حتى ماتوا ، فلما بلغ ذلك الحسن البصري قال وددت ~~أنه لم يحدثه ، أو يتلفقون من ظاهره ما يوافق هواهم فيجعلونه معذرة لهم ~~فيما يعاملون به الناس من الظلم ، قال ابن عرفة في ( التفسير ) : لا يحل ~~للعالم أن يذكر للظالم تأويلا أو رخصة يتمادى منها إلى المفسدة كمن يذكر ~~للظالم ما قال الغزالي في ( الإحياء ) من أن بيت المال إذا ضعف واضطر ~~السلطان إلى ما يجهز به جيوش المسلمين لدفع الضرر عنهم فلا بأس أن يوظف على ~~الناس العشر أو غيره لإقامة الجيش وسد الخلة ، قال ابن عرفة وذكر هذه ~~المظلمة مما يحدث ضررا فادحا في الناس . وقد سأل سلطان قرطبة عبد الرحمن بن ~~معاوية الداخل يحيى بن يحيى الليثي عن يوم أفطره في رمضان عامدا غلبته ~~الشهوة على قربان بعض جواريه فيه فأفتاه بأنه يصوم ستين يوما والفقهاء ~~حاضرون ما اجترأوا على مخالفة يحيى فلما خرجوا سألوه لم خصصته بأحد ~~المخيرات فقال لو فتحنا له هذا الباب لوطىء كل يوم وأعتق أو أطعم فحملته ~~على الأصعب لئلا يعود اه . # قلت فهو في كتمه عنه الكفارتين المخير فيهما قد أعمل دليل دفع ms0869 مفسدة ~~الجرأة على حرمة فريضة الصوم . # فالعالم إذا عين بشخصه لأن يبلغ علما أو يبين شرعا وجب عليه بيانه مثل ~~الذين بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لإبلاغ كتبه أو لدعوة قومهم ، ~~وإن لم يكن معينا بشخصه فهو لا يخلو إما أن يكون ما يعلمه قد احتاجت الأمة ~~إلى معرفته منه خاصة بحيث يتفرد بعلمه في صقع أو بلد حتى يتعذر على أناس ~~طلب ذلك من غيره أو يتعسر بحيث إن لم يعلمها إياه ضلت مثل التوحيد وأصول ~~الإعتقاد ، فهذا يجب عليه بيانه وجوبا متعينا عليه إن انفرد به في عصر أو ~~بلد ، أو كان هو أتقن للعلم فقد روى الترمذي وابن ماجه عن أبي سعيد أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال له : ( إن الناس لكم تبع وإن رجالا يأتونكم ~~يتفهمون أو يتعلمون فإذا جاءوكم فاستوصوا بهم خيرا ) . وإن شاركه فيه غيره ~~من أمثاله كان وجوبه على جميع الذين يعلمون ذلك على الكفاية ، وإما أن يكون ~~ما يعلمه من تفاصيل الأحكام وفوائدها التي تنفع الناس أو طائفة منهم ، ~~فإنما PageV02P070 يجب عليه عينا أو كفاية على الوجهين المتقدمين أن يبين ~~ما دعت الحاجة إلى بيانه ، ومما يعد قد دعت الحاجة إلى بيانه أن تعين له ~~طائفة من الناس ليعلمهم فحينئذ يجب عليه أن يعلمهم ما يرى أن في علمهم به ~~منفعة لهم وقدرة على فهمه وحسن وضعه ، ولذلك وجب على العالم إذا جلس إليه ~~الناس للتعلم أن يلقي إليهم من العلم ما لهم مقدرة على تلقيه وإدراكه ، ~~فظهر بهذا أن الكتمان مراتب كثيرة وأن أعلاها ما تضمنته هذه الآية ، وبقية ~~المراتب تؤخذ بالمقايسة ، وهذا يجيء أيضا في جواب العالم عما يلقى إليه من ~~المسائل فإن كان قد انفرد بذلك أو كان قد عين للجواب مثل من يعين للفتوى في ~~بعض الأقطار فعليه بيانه إذا علم احتياج السائل ويجيء في انفراده بالعلم أو ~~تعيينه للجواب وفي عدم انفراده الوجهان السابقان في الوجوب العيني والوجوب ~~الكفائي . وفي غير هذا فهو ms0870 في خيرة أو يجيب أو يترك . وبهذا يكون تأويل ~~الحديث الذي رواه أصحاب ( السنن الأربعة ) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~: ( من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة ) فخصص عمومه ~~في الأشخاص والأحوال بتخصيصات دلت عليها الأدلة قد أشرنا إلى جماعها . وذكر ~~القرطبي عن سحنون أن الحديث وارد في كتمان الشاهد بحق شهادته . # والعهدة في وضع العالم نفسه في المنزلة اللائقة به من هذه المنازل ~~المذكورة على ما يأنسه من نفسه في ذلك وما يستبرىء به لدينه وعرضه . # والعهدة في معرفة أحوال الطالبين والسائلين عليه ليجريها على ما يتعين ~~إجراؤها عليه من الصور على ما يتوسمه من أحوالهم والأحوال المحيطة بهم ، ~~فإن أشكل عليه الأمر في حال نفسه أو حال سائله فليستشر أهل العلم والرأي في ~~الدين . # ويجب أن لا يغفل عن حكمة العطف في قوله تعالى : { والهدى } حتى يكون ذلك ~~ضابطا لما يفضي إليه كتمان ما يكتم . # وقوله : { إلا الذين تابوا } استثناء من { الذين يكتمون } أي فهم لا ~~تلحقهم اللعنة ، وهو استثناء حقيقي منصوب على تمام الكلام من { الذين ~~يكتمون ما أنزلنا } الخ . # وشرط للتوبة أن يصلحوا ما كانوا أفسدوا وهو بإظهار ما كتموه وأن يبينوه ~~للناس PageV02P071 فلا يكفي اعترافهم وحدهم أو في خلواتهم ، فالتوبة هنا ~~الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم فإنه رجوع عن كتمانهم الشهادة له الواردة ~~في كتبهم وإطلاق التوبة على الإيمان بعد الكفر وارد كثيرا لأن الإيمان هو ~~توبة الكافر من كفره ، وإنما زاد بعده { وأصلحوا وبينوا } لأن شرط كل توبة ~~أن يتدارك التائب ما يمكن تداركه مما أضاعه بفعله الذي تاب عنه . ولعل عطف ~~{ وبينوا } على { أصلحوا } عطف تفسير . # وقوله : { فأولئك أتوب عليهم } جملة مستأنفة لغير بيان بل لفائدة جديدة ~~لأنه لما استثنى { الذين تابوا } فقد تم الكلام وعلم السامع أن من تابوا من ~~الكاتمين لا يلعنهم الله ولا يلعنهم اللاعنون ، وجيء باسم الإشارة مسند ~~إليه يمثل النكتة التي تقدمت . # وقرنت الجملة بالفاء للدلالة على شيء زائد على ms0871 مفاد الاستثناء وهو أن ~~توبتهم يعقبها رضى الله عنهم . # وفي ( صحيح البحاري ) عن ابن مسعود قال رسول الله : ( لله أفرح بتوبة ~~عبده من رجل نزل منزلا وبه مهلكة ومعه راحلته عليها طعامه وشرابه فوضع رأسه ~~فنام نومة فاستيقظ وقد ذهبت راحلته حتى اشتد عليه الحر والعطش أو ما شاء ~~الله ، قال أرجع إلى مكاني فرجع فنام نومة ثم رفع رأسه فإذا راحلته عنده ) ~~. # فجاء في الآية نظم بديع تقديره إلا الذين تابوا انقطعت عنهم اللعنة فأتوب ~~عليهم ، أي أرضى ، وزاد توسط اسم الإشارة للدلالة على التعليل وهو إيجاز ~~بديع . # # | 2 ( 161 ، 162 ) { إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولائك عليهم لعنة ~~الله والملائكة والناس أجمعين * خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ~~ينظرون } . ) 2 # استئناف كلام لإفادة حال فريق آخر مشارك للذي قبله في استحقاق لعنة الله ~~واللاعنين وهي لعنة أخرى . # وهذا الفريق هم المشركون فإن الكفر يطلق كثيرا في القرآن مرادا به الشرك ~~قال تعالى : { ولا تمسكوا بعصم الكوافر } ( الممتحنة : 10 ) ، وذلك أن ~~المشركين قد قرنوا سابقا مع أهل الكتاب PageV02P072 قال تعالى : { ما يود ~~الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين } ( البقرة : 105 ) الآية { وقال ~~الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية كذلك قال الذين من قبلهم ~~مثل قولهم تشابهت قلوبهم } ( البقرة : 118 ) فلما استؤنف الكلام ببيان لعنة ~~أهل الكتاب الذين يكتمون عقب ذلك ببيان عقوبة المشركين أيضا فالقول في ~~الاستئناف هنا كالقول في الاستئناف في قوله : { إن الذين يكتمون } ( البقرة ~~: 159 ) من كونه بيانيا أو مجردا . # وقال الفخر { الذين كفروا } عام وهو شامل للذين يكتمون وغيرهم والجملة ~~تذييل أي لما فيها من تعميم الحكم بعد إناطته ببعض الأفراد ، وجعل في ( ~~الكشاف ) المراد من { الذين كفروا } خصوص الذين يكتمون وماتوا على ذلك وأنه ~~ذكر لعنتهم أحياء ثم لعنتهم أمواتا ، وهو بعيد عن معنى الآية لأن إعادة ~~وكفروا لا نكتة لها للاستغناء بأن يقال والذين ماتوا وهم كفار ، على أنه ~~مستغنى عن ذلك أيضا بأنه مفاد الجملة ms0872 السابقة مع استثنائها ، واللعنة لا ~~يظهر أثرها إلا بعد الموت فلا معنى لجعلهما لعنتين ، ولأن تعقيبه بقوله : { ~~وإلاهكم إله واحد } ( البقرة : 163 ) يؤذن بأن المراد هنا المشركون لتظهر ~~مناسبة الانتقال . # وإنما قال هنا { والناس أجمعين } لأن المشركين يلعنهم أهل الكتاب وسائر ~~المتدينين الموحدين للخالق بخلاف الذين يكتمون ما أنزل من البينات فإنما ~~يلعنهم الله والصالحون من أهل دينهم كما تقدم وتلعنهم الملائكة ، وعموم ( ~~الناس ) عرفي أي الذين هم من أهل التوحيد . # وقوله : { خالدين فيها } تصريح بلازم اللعنة الدائمة فالضمير عائد لجهنم ~~لأنها معروفة من المقام مثل { حتى توارت بالحجاب } ( ص : 32 ) ، { كلا إذا ~~بلغت التراقي } ( القيامة : 26 ) ، ويجوز أن يعود إلى اللعنة ويراد أثرها ~~ولازمها . # وقوله : { لا يخفف عنهم العذاب } أي لأن كفرهم عظيم يصدهم عن خيرات كثيرة ~~بخلاف كفر أهل الكتاب . # والإنظار الإمهال ، نطره نظرة أمهله ، والظاهر أن المراد ولا هم يمهلون ~~في نزول العذاب بهم في الدنيا وهو عذاب القتل إذ لا يقبل منهم إلا الإسلام ~~دون الجزية بخلاف أهل الكتاب وهذا كقوله تعالى : { إنا كاشفوا العذاب قليلا ~~إنكم عائدون ، يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون } ( الدخان : 15 ، 16 ) ~~وهي بطشة يوم بدر . PageV02P073 وقيل : { ينظرون } هنا من نظر العين وهو ~~يتعدى بنفسه كما يتعدى بإلى أي لا ينظر الله إليهم يوم القيامة وهو كناية ~~عن الغضب والتحقير . # وجيء بالجملة الاسمية لدلالتها على الثبات والاستقرار بخلاف قوله : { ~~أولئك عليهم لعنة الله } فالمقصود التجدد ليكونوا غير آيسين من التوبة . # # | 2 ( 163 ) { وإلاهكم إلاه واحد لا إلاه إلا هو الرحمان الرحيم } . ) 2 # معطوف على جملة : { إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار } ( البقرة : 161 ) . ~~والمناسبة أنه لما ذكر ما ينالهم على الشرك من اللعنة والخلود في النار بين ~~أن الذي كفروا به وأشركوا هو إلاه واحد وفى هذا العطف زيادة ترجيح لما ~~انتميناه من كون المراد من { الذين كفروا } المشركين لأن أهل الكتاب يؤمنون ~~بإلاه واحد . # والخطاب بكاف الجمع لكل من يتأتى خطابه وقت نزول الآية أو بعده من كل ~~قارىء للقرآن ms0873 وسامع فالضمير عام ، والمقصود به ابتداء المشركون لأنهم جهلوا ~~أن الإلاه لا يكون إلا واحدا . # والإلاه في كلام العرب هو المعبود ولذلك تعددت الآلهة عندهم وأطلق لفظ ~~الإلاه على كل صنم عبدوه وهو إطلاق ناشىء عن الضلال في حقيقة الإلاه لأن ~~عبادة من لا يغني عن نفسه ولا عن عابده شيئا عبث وغلط ، فوصف الإلاه هنا ~~بالواحد لأنه في نفس الأمر هو المعبود بحق فليس إطلاق الإلاه على المعبود ~~بحق نقلا في لغة الإسلام ولكنه تحقيق للحق . # وما ورد في القرآن من إطلاق جمع الآلهة على أصنامهم فهو في مقام التغليط ~~لزعمهم نحو { فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة بل ضلوا ~~عنهم وذلك إفكهم وما كانوا يفترون } ( الأحقاف : 28 ) ، والقرينة هي الجمع ~~، ولذلك لم يطلق في القرآن الإلاه بالإفراد على المعبود بغير حق ، وبهذا ~~تستغنى عن إكداد عقلك في تكلفات تكلفها بعض المفسرين في معنى { وإلاهكم ~~إلاه واحد } . # والإخبار عن إلاهكم بإلاه تكرير ليجري عليه الوصف بواحد والمقصود وإلاهكم ~~واحد لكنه وسط لفظ { إلاه } بين المبتدأ والخبر لتقرير معنى الألوهية في ~~المخبر عنه كما تقول عالم المدينة عالم فائق وليجيء ما كان أصله مجيء النعت ~~فيفيد أنه وصف ثابت للموصوف لأنه صار نعتا PageV02P074 إذ أصل النعت أن ~~يكون وصفا ثابتا وأصل الخبر أن يكون وصفا حادثا ، وهذا استعمال متبع في ~~فصيح الكلام أن يعاد الاسم أو الفعل بعد ذكره ليبنى على وصف أو متعلق كقوله ~~{ إلاها واحدا } ( البقرة : 133 ) . وقوله : { وإذا باللغو مروا كراما } ( ~~الفرقان : 27 ) وقد تقدم عند قوله تعالى : . . . والتنكير في { إله } ~~للنوعية لأن المقصود منه تقرير معنى الألوهية ، وليس للإفراد لأن الإفراد ~~استفيد من قوله { واحد } خلافا لصاحب ( المفتاح ) في قوله تعالى : { إنما ~~هو إله واحد } ( الأنعام : 19 ) إذ جعل التنكير في { إلاه } للإفراد وجعل ~~تفسيره بالواحد بيانا للوحدة لأن المصير إلى الإفراد في القصد من التنكير ~~مصير لا يختاره البليغ ما وجد عنه مندوحة . # وقوله : { لا إلاه إلا هو } تأكيد لمعنى الوحدة وتنصيص ms0874 عليها لرفع احتمال ~~أن يكون المراد الكمال كقولهم في المبالغة هو نسيج وحده ، أو أن يكون ~~المراد إلاه المسلمين خاصة كما يتوهمه المشركون ألا ترى إلى قول أبي سفيان ~~: ( لنا العزى ولا عزى لكم ) . # وقد أفادت جملة { لا إلاه إلا هو } التوحيد لأنها نفت حقيقة الألوهية عن ~~غير الله تعالى . وخبر { لا } محذوف دل عليه ما في { لا } من معنى النفي ~~لأن كل سامع يعلم أن المراد نفي هذه الحقيقة فالتقدير لا إله موجود إلا هو ~~. وقد عرضت حيرة للنحاة في تقدير الخبر في هاته الكلمة لأن تقدير موجود ~~يوهم أنه قد يوجد إلاه ليس هو موجودا في وقت التكلم بهاته الجملة ، وأنا ~~أجيب بأن المقصود إبطال وجود إلاه غير الله ردا على الذين ادعوا آلهة ~~موجودة الآن وأما انتفاء وجود إلاه في المستقبل فمعلوم لأن الأجناس التي لم ~~توجد لا يترقب وجودها من بعد لأن مثبتي الآلهة يثبتون لها القدم فلا يتوهم ~~تزايدها ، ونسب إلى الزمخشري أنه لا تقدير لخبر هنا وأن أصل لا إلاه إلا هو ~~هو إلاه فقدم { إلاه } وأخر ( هو ) لأجل الحصر بإلا وذكروا أنه ألف في ذلك ~~( رسالة ) ، وهذا تكلف والحق عندي أن المقدرات لا مفاهيم لها فليس تقدير لا ~~إلاه موجود بمنزلة النطق بقولك لا إلاه موجود بل إن التقدير لإظهار معاني ~~الكلام وتقريب الفهم وإلا فإن لا النافية إذا نفت النكرة فقد دلت على نفي ~~الجنس أي نفي تحقق الحقيقة فمعنى { لا إلاه } انتفاء الألوهية { إلا الله } ~~أي إلا لله . # وقوله : { الرحمن الرحيم } وصفان للضمير ، أي المنعم بجلائل النعم ~~ودقائقها وهما وصفان للمدح وفيهما تلميح لدليل الألوهية والانفراد بها لأنه ~~منعم ، وغيره ليس بمنعم وليس في الصفتين دلالة على الحصر ولكنهما تعريض به ~~هنا لأن الكلام مسوق لإبطال ألوهية غيره PageV02P075 فكان ما يذكر من ~~الأوصاف المقتضية للألوهية هو في معنى قصرها عليه تعالى ، وفي الجمع بين ~~وصفي { الرحمن الرحيم } ما تقدم ذكره في سورة الفاتحة على أن في ذكر صفة ~~الرحمن إغاظة للمشركين ms0875 فإنهم أبوا وصف الله بالرحمان كما حكى الله عنهم ~~بقوله : { قالوا وما الرحمن } ( الفرقان : 60 ) . # واعلم أن قوله : { إلا هو } استثناء من الإلاه المنفي أي إن جنس الإلاه ~~منفي إلا هذا الفرد ، وخبر ( لا ) في مثل هاته المواضع يكثر حذفه لأن لا ~~التبرئة مفيدة لنفي الجنس فالفائدة حاصلة منها ولا تحتاج للخبر إلا إذا ~~أريد تقييد النفي بحالة نحو لا رجل في الدار غير أنهم لما كرهوا بقاء صورة ~~اسم وحرف بلا خبر ذكروا مع اسم لا خبرا ألا ترى أنهم إذا وجدوا شيئا يسد ~~مسد الخبر في الصورة حذفوا الخبر مع لا نحو الاستثناء في لا إلاه إلا الله ~~، ونحو التكرير في قوله لا نسب اليوم ولا خلة . ولأبي حيان هنا تكلفات . # # | 2 ( 164 ) { إن في خلق السماوات والارض واختلاف الليل والنهار والفلك ~~التى تجرى فى البحر بما ينفع الناس ومآ أنزل الله من السمآء من مآء فأحيا ~~به الارض بعد موتها وبث فيها من كل دآبة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين ~~السمآء والأرض لآيات لقوم يعقلون } . ) 2 # موقع هاته الآية عقب سابقتها موقع الحجة من الدعوى ، ذلك أن الله تعالى ~~أعلن أن الإله إله واحد لا إله غيره وهي قضية من شأنها أن تتلقى بالإنكار ~~من كثير من الناس فناسب إقامة الحجة لمن لا يقتنع فجاء بهذه الدلائل ~~الواضحة التي لا يسع الناظر إلا التسليم إليها . # فإن هنا لمجرد الاهتمام بالخبر للفت الأنظار إليه ، ويحتمل أنهم نزلوا ~~منزلة من ينكر أن يكون في ذلك آيات ( لقوم يعقلون ) لأنهم لم يجروا على ما ~~تدل عليه تلك الآيات . # وليست { إن } هنا بمؤذنة بتعليل للجملة التي قبلها لأن شرط ذلك أن يكون ~~مضمون الجملة التي بعدها صالحا لتعليل مضمون التي قبلها بحيث يكون الموقع ~~لفاء العطف فحينئذ يغني وقوع PageV02P076 ( إن ) عن الإتيان بفاء العطف كما ~~ذكره الشيخ عبد القاهر في ( دلائل الإعجاز ) وقد بسطنا فيه عند قوله تعالى ~~: { اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم } ( البقرة : 61 ) . # والمقصود من هاته الآية إثبات ms0876 دلائل وجود الله تعالى ووحدانيته ولذلك ~~ذكرت إثر ذكر الوحدانية لأنها إذا أثبتت بها الوحدانية ثبت الوجود بالضرورة ~~. فالآية صالحة للرد على كفار قريش دهريهم ومشركهم والمشركون هم المقصود ~~ابتداء ، وقد قرر الله في هاته الآية دلائل كلها واضحة من أصناف المخلوقات ~~وهي مع وضوحها تشتمل على أسرار يتفاوت الناس في دركها حتى يتناول كل صنف من ~~العقلاء مقدار الأدلة منها على قدر قرائحهم وعلومهم . # والخلق هنا بمعنى المصدر واختير هنا لأنه جامع لكل ما فيه عبرة من ~~مخلوقات السماوات والأرض ، وللعبرة أيضا في نفس الهيئة الاجتماعية من تكوين ~~السماوات والأرض والنظام الجامع بينها فكما كل مخلوق منها أو فيها هو آية ~~وعبرة فكذلك مجموع خلقها ، ولعل الآية تشير إلى ما يعبر عنه في علم الهيئة ~~بالنظام الشمسي وهو النظام المنضبط في أحوال الأرض مع الكواكب السيارة ~~المعبر عنها بالسماوات . # و { السموات } جمع سماء والسماء إذا أطلقت مفردة فالمراد بها الجو ~~المرتفع فوقنا الذي يبدو كأنه قبة زرقاء وهو الفضاء العظيم الذي تسبح فيه ~~الكواكب وذلك المراد في نحو قوله تعالى : { ولقد زينا السماء الدنيا ~~بمصابيح } ( الملك : 5 ) ، { إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب } ( ~~الصافات : 6 ) ، { وأنزل من السماء ماء } ( البقرة : 22 ) . وإذا جمعت ~~فالمراد بها أجرام عظيمة ذات نظام خاص مثل الأرض وهي السيارات العظيمة ~~المعروفة والتي عرفت من بعد والتي ستعرف : عطارد والزهرة والمريخ والشمس ~~والمشتري وزحل وأرانوس ونبتون . ولعلها هي السموات السبع والعرش العظيم ، ~~وهذا السر في جمع ( السموات ) هنا وإفراد ( الأرض ) لأن الأرض عالم واحد ~~وأما جمعها في بعض الآيات فهو على معنى طبقاتها أو أقسام سطحها . # والمعنى إن في خلق مجموع السموات مع الأرض آيات ، فلذلك أفرد الخلق وجعلت ~~الأرض معطوفا على السموات ليتسلط المضاف عليهما . # والآية في هذا الخلق { لقوم يعقلون } آية عظيمة لمن عرف أسرار هذا النظام ~~وقواعد PageV02P077 الجاذبية التي أودعها الله تعالى في سير مجموع هاته ~~السيارات على وجه لا يعتريه خلل ولا خرق { لا الشمس ينبغي لها أن تدرك ~~القمر ولا ms0877 الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون } ( يس : 40 ) ، وأعظم تلك ~~الأسرار تكوينها على هيئة كرية قال الفخر كان عمر بن الحسام يقرأ ( كتاب ~~المجسطي ) على عمر الأبهري فقال لهما بعض الفقهاء يوما ما الذي تقرءونه ~~فقال الأبهري أفسر قوله تعالى : { أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف ~~بنيناها } ( ق : 6 ) فأنا أفسر كيفية بنائها ولقد صدق الأبهري فيما قال فإن ~~كل من كان أكثر توغلا في بحار المخلوقات كان أكثر علما بجلال الله تعالى ~~وعظمته اه . # قلت ومن بديع هذا الخلق أن جعله الله تعالى يمد بعضه بعضا بما يحتاجه كل ~~فلا ينقص من الممد شيء ، لأنه يمده غيره يما يخلف له ما نقص ، وهكذا نجد ~~الموجودات متفاعلة ، فالبحر يمد الجو بالرطوبة فتكون منه المياه النازلة ثم ~~هو لا ينقص مع طول الآباد لأنه يمده كل نهر وواد . # وهي آية لمن كان في العقل دون هاته المرتبة فأدرك من مجموع هذا الخلق ~~مشهدا بديعا في طلوع الشمس وغروبها وظهور الكواكب في الجو وغروبها . # وأما الاعتبار بما فيها من المخلوقات وما يحف بها من الموجودات كالنجوم ~~الثوابت والشهب وما في الأرض من جبال وبحار وأنهار وحيوان فذلك من تفاريع ~~تلك الهيئة الاجتماعية . # وقوله : { واختلاف الليل والنهار } تذكير بآية أخرى عظيمة لا تخفى على ~~أحد من العقلاء وهي اختلاف الليل والنهار أعني اختلاف حالتي الأرض في ضياء ~~وظلمة ، وما في الضياء من الفوائد للناس وما في الظلمة من الفوائد لهم ~~لحصول سكونهم واسترجاع قواهم المنهوكة بالعمل . # وفي ذلك آية لخاصة العقلاء إذ يعلمون أسباب اختلاف الليل والنهار على ~~الأرض وأنه من آثار دوران الأرض حول الشمس في كل يوم ولهذا جعلت الآية في ~~اختلافهما وذلك يقتضي أن كلا منهما آية . # والاختلاف افتعال من الخلف وهو أن يجيىء شيء عوضا عن شيء آخر يخلفه في ~~مكانه والخلفة بكسر الخاء الخلف قال زهير : # ( بها العين والآرام يمشين خلفة ) PageV02P078 # وقد أضيف الاختلاف لكل من الليل والنهار لأن كل واحد منهما يخلف الآخر ~~فتحصل منه فوائد ms0878 تعاكس فوائد الآخر بحيث لو دام أحدهما لانقلب النفع ضررا { ~~قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إلاه غير الله ~~يأتيكم بضياء أفلا تسمعون ( ) قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا ~~إلى يوم القيامة من إلاه غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون } ( ~~القصص : 71 ، 72 ) . # وللاختلاف معنى آخر هو مراد أيضا وهو تفاوتهما في الطول والقصر فمرة ~~يعتدلان ومرة يزيد أحدهما على الآخر وذلك بحسب أزمنة الفصول وبحسب أمكنة ~~الأرض في أطوال البلاد وأعراضها كما هو مقرر في علم الهيئة ، وهذا أيضا من ~~مواضع العبرة لأنه آثار الصنع البديع في شكل الأرض ومساحتها للشمس قربا ~~وبعدا . ففي اختيار التعبير بالاختلاف هنا سر بديع لتكون العبارة صالحة ~~للعبرتين . # والليل اسم لعرض الظلمة والسواد الذي يعم مقدار نصف من كرة الأرض الذي ~~يكون غير مقابل للشمس فإذا حجب قرص الشمس عن مقدار نصف الكرة الأرضية بسبب ~~التقابل الكروي تقلص شعاع الشمس عن ذلك المقدار من الكرة الأرضية فأخذ ~~النور في الضعف وعادت إليه الظلمة الأصلية التي ما أزالها إلا شعاع الشمس ~~ويكون تقلص النور مدرجا من وقت مغيب قرص الشمس عن مقابلة الأفق ابتداء من ~~وقت الغروب ثم وقت الشفق الأحمر ثم الشفق الأبيض إلى أن يحلك السواد في وقت ~~العشاء حين بعد قرص الشمس عن الأفق الذي ابتدأ منه المغيب ، وكلما اقترب ~~قرص الشمس من الأفق الآخر أكسبه ضياء من شعاعها ابتداء من وقت الفجر إلى ~~الإسفار إلى الشروق إلى الضحى ، حيث يتم نور أشعة الشمس المتجهة إلى نصف ~~الكرة تدريجا . وذلك الضياء هو المسمى بالنهار وهو النور التام المنتظم على ~~سطح الكرة الأرضية وإن كان قد يستنير سطح الكرة بالقمر في معظم لياليه ~~استنارة غير تامة ، وبضوء بعض النجوم استنارة ضعيفة لا تكاد تعتبر . # فهذا هو المراد باختلاف الليل والنهار أي تعاقبهما وخلف أحدهما الآخر ، ~~ومن بلاغة علم القرآن أن سمى ذلك اختلافا تسمية مناسبة لتعاقب الأعراض على ~~الجوهر لأنه شيء غير ms0879 PageV02P079 ذاتي فإن ما بالذات لا يختلف فأومأ إلى أن ~~الليل والنهار ليسا ذاتين ولكنهما عرضان خلاف معتقد الأمم الجاهلة أن الليل ~~جسم أسود كما صوره المصريون القدماء على بعض الهياكل وكما قال امرؤ القيس ~~في الليل : # فقلت له لما تمطى بصلبه # وأردف أعجازا وناء بكلكل # وقال تعالى في سورة الشمس : { والنهار إذا جلاها ، والليل إذا يغشاها } ( ~~الشمس : 3 4 ) . # وقوله : { والفلك } عطف على { خلق } و { اختلاف } فهو معمول لفي أي وفي ~~الفلك ، ووصفها بالتي تجري الموصول لتعليل العطف أي إن عطفها على خلق ~~السماوات والأرض في كونها آية من حيث إنها تجري في البحر ، وفي كونها نعمة ~~من حيث إنها تجري بما ينفع الناس ، فأما جريها في البحر فهو يتضمن آيتين ، ~~إحداهما آية خلق البحر الذي تجري فيه الفلك خلقا عجيبا عظيما إذ كان ماء ~~غامرا لأكثر الكرة الأرضية وما فيه من مخلوقات وما ركب في مائه من الأملاح ~~والعقاقير الكيمياوية ليكون غير متعفن بل بالعكس يخرج للهواء أجزاء نافعة ~~للأحياء على الأرض ، والثانية آية سير السفن فيه وهو ماء من شأنه أن يتعذر ~~المشي عليه فجري السفن آية من آيات إلهام الله تعالى الإنسان للتفطن لهذا ~~التسخير العجيب الذي استطاع به أن يسلك البحر كما يمشي في الأرض ، وصنع ~~الفلك من أقدم مخترعات البشر ألهمه الله تعالى نوحا عليه السلام في أقدم ~~عصور البشر . # ثم إن الله تعالى سخر للفلك الرياح الدورية وهي رياح تهب في الصباح إلى ~~جهة وفي المساء إلى جهة في السواحل تنشأ عن إحياء أشعة الشمس في رابعة ~~النهار الهواء الذي في البر حتى يخف الهواء فيأتي هواء من جهة البحر ليخلف ~~ذلك الهواء البري الذي تصاعد فتحدث ريح رخاء من جهة البحر ويقع عكس ذلك بعد ~~الغروب فتأتي ريح من جهة البر إلى البحر ، وهذه الريح ينتفع بها الصيادون ~~والتجار وهي تكون أكثر انتظاما في مواقع منها في مواقع أخرى . # وسخر للفلك رياحا موسمية وهي تهب إلى جهة واحدة في أشهر من السنة وإلى ms0880 ~~عكسها في أشهر أخرى تحدث من اتجاه حرارة أشعة الشمس على الأماكن الواقعة ~~بين مدار السرطان ومدار الجدي ، من الكرة الأرضية عند انتقال الشمس من خط ~~الاستواء إلى جهة مدار الشرطان وإلى جهة مدار الجدي ، فتحدث هاته الريح ~~مرتين في السنة وهي كثيرة في شطوط اليمن وحضرموت والبحر الهندي وتسمى الريح ~~التجارية . PageV02P080 # وأما كونها نعمة فلأن في هذا التسخير نفعا للتجارة والزيارة والغزو وغير ~~ذلك ولذلك قال بما ينفع الناس لقصد التعميم مع الاختصار . # والفلك هنا جمع لا محالة لأن العبرة في كثرتها ، وهو ومفرده سواء في ~~الوزن فالتكسير فيه اعتباري وذلك أن أصل مفرده فلك بضمتين كعنق وكسر على ~~فلك مثل عرب وعجم وأسد وخفف المفرد بتسكين عينه لأن ساكن العين في مضموم ~~الفاء فرع مضموم العين ما قصد منه التخفيف على مت بينه الرضي فاستوى في ~~اللفظ المفرد والجمع ، وقيل المفرد بفتح الفاء وسكون اللام والجمع بضم ~~الفاء وضم اللام قيل أسد وأسد وخشب وخشب ثم سكنت اللام تخفيفا ، والاستعمال ~~الفصيح في المفرد والجمع ضم الفاء وسكون اللام قال تعالى : { واصنع الفلك } ~~( هود : 37 ) . و { الفلك المشحون } ( الشعراء : 119 ) وقال { والفلك التي ~~تجري في البحر } وقال { والفلك تجري في البحر بأمره } ( إبراهيم : 32 ) ، { ~~حتى إذا كنتم في الفلك وجرين } ( يونس : 22 ) ، ثم إن أصل مفرده التذكير ~~قال تعالى : { والفلك المشحون } ويجوز تأنيثه على تأويله بمعنى السفينة قال ~~تعالى : { وقال اركبوا فيها } ( هود : 41 ) { وهي تجري بهم } ( هود : 42 ) ~~كل ذلك بعد قوله : { ويصنع الفلك } ( هود : 38 ) . # وكأن هذا هو الذي اعتمده ابن الحاجب إذ عد لفظ الفلك مما أنث بدون تاء ~~ولا ألف فقال في قصيدته ( والفلك تجري وهي في القرآن ) لأن العبرة ~~باستعماله مؤنثا وإن كان تأنيثه بتأويل ، وقد قيل إنه يجوز في مفرده فقط ضم ~~اللام مع ضم الفاء وقرىء به شاذا والقول به ضعيف ، وقال الكواشي هو بضم ~~اللام أيضا للمفرد والجمع وهو مردود إذ لم ينص عليه أهل اللغة ولا داعي ~~إليه وكأنه قاله ms0881 بالقياس على الساكن . # وفي امتنان الله تعالى بجريان الفلك في البحر دليل على جواز ركوب البحر ~~من غير ضرورة مثل ركوبه للغزو والحج والتجارة ، وقد أخرج مالك في ( الموطأ ~~) وتبعه أهل ( الصحيح ) حديث أم حرام بنت ملحان في باب الترغيب في الجهاد ~~الثاني من ( الموطأ ) عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال ( كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إذا ذهب إلى قباء يدخل على أم حرام بنت ملحان فتطعمه وكانت ~~تحت عبادة بن الصامت فدخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم . . فنام ~~يوما ثم استيقظ وهو يضحك قالت فقلت ما يضحكك قال ناس من أمتي عرضوا علي ~~غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر ملوكا على الأسرة قالت فقلت ادع ~~الله أن يجعلني منهم فدعا لها ) الحديث . PageV02P081 وفي حديث أبي هريرة ( ~~جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إنا نركب البحر ونحمل معنا ~~القليل من الماء ) الحديث . # وعليه فما روي عن عمر بن الخطاب أنه كتب إلى عمرو بن العاص أن لا يحمل ~~جيش المسلمين في البحر مؤول على الاحتياط وترك التغرير وأنا أحسبه قد قصد ~~منه خشية تأخر نجدات المسلمين في غزواتهم لأن السفن قد يتأخر وصولها إذا لم ~~تساعفها الرياح التي تجري بما لا تشتهي السفن ولأن ركوب العدد الكثير في ~~سفن ذلك العصر مظنة وقوع الغرق ، ولأن عدد المسلمين يومئذ قليل بالنسبة ~~للعدو فلا ينبغي تعريضه للخطر فذلك من النظر في المصلحة العامة في أحوال ~~معينة فلا يحتج به في أحكام خاصة للناس . ولما مات عمر استأذن معاوية عثمان ~~فأذن له في ركوبه فركبه لغزو ( قبرص ) ثم لغزو القسطنطينية وفي غزوة ( قبرص ~~) ظهر تأويل رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أم حرام ، وقد قيل إن ~~عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة نهى عن ركوبه ثم ركبه الناس بعده . # وروي عن مالك كراهة سفر المرأة في البحر للحج والجهاد ، قال ابن عبد البر ~~وحديث أم حرام يرد هذه ms0882 الرواية ولكن تأولها أصحابه بأنه كره ذلك لخشية ~~اطلاعهن على عورات الرجال لعسر الاحتراز من ذلك فخصه أصحابه بسفن أهل ~~الحجاز لصغرها وضيقها وتزاحم الناس فيها مع كون الطريق من المدينة إلى مكة ~~من البر ممكنا سهلا وأما السفن الكبار كسفن أهل البصرة التي يمكن فيها ~~الاستتار وقلة التزاحم فليس بالسفر فيها للمرأة بأس عند مالك . # { وما أنزل الله من السماء من ماء } معطوف على الأسماء التي قبله جيء به ~~اسم موصول ليأتي عطف صلة على صلة فتبقى الجملة بمقصد العبرة والنعمة ، ~~فالصلة الأولى وهي { أنزل الله من السماء من ماء } تذكير بالعبرة لأن في ~~الصلة من استحضار الحالة ما ليس في نحو كلمة المطر والغيث ، وإسناد الإنزال ~~إلى الله لأنه الذي أوجد أسباب نزول الماء بتكوينه الأشياء عند خلق هذا ~~العالم على نظام محكم . # والسماء المفرد هو الجو والهواء المحيط بالأرض كما تقدم آنفا ، وهو الذي ~~يشاهده جميع السامعين . PageV02P082 # ووجه العبرة فيه أن شأن الماء الذي يسقي الأرض أن ينبع منها فجعل الماء ~~نازلا عليها من ضدها وهو السماء عبرة عجيبة . # وفي الآية عبرة علمية لمن يجيء من أهل العلم الطبيعي وذلك أن جعل الماء ~~نازلا من السماء يشير إلى أن بخار الماء يصير ماء في الكرة الهوائية عند ما ~~يلامس الطبقة الزمهريرية وهذه الطبقة تصير زمهريرا عندما تقل حرارة أشعة ~~الشمس ، ولعل في بعض الأجرام العلوية وخاصة القمر أهوية باردة يحصل بها ~~الزمهرير في ارتفاع الجو فيكون لها أثر في تكوين البرودة في أعلى الجو ~~فأسند إليها بإنزال الماء مجازا عقليا وربما يستروح لهذا بحديث مروي وهو أن ~~المطر ينزل من بحر تحت العرش أي إن عنصر المائية يتكون هنالك ويصل ~~بالمجاورة حتى يبلغ إلى جونا قليل منه فإذا صادفته الأرض تكون من ازدواجهما ~~الماء وقد قال تعالى : { وينزل من السماء من جبال فيها من برد } ( النور : ~~43 ) ، ولعلها جبال كرة القمر وقد ثبت في الهيئة أن نهار القمر يكون خمسة ~~عشر يوما ، وليله كذلك ، فيحصل فيه تغيير ms0883 عظيم من شدة الحر إلى شدة البرد ~~فإذا كانت مدة شدة البرد هي مدة استقباله الأرض أحدث في جو الأرض عنصر ~~البرودة . # وقوله : { فأحيا به الأرض } معطوف على الصلة بالفاء لسرعة حياة الأرض إثر ~~نزول الماء وكلا الأمرين الفعل والفاء موضع عبرة وموضع منة . وأطلقت الحياة ~~على تحرك القوى النامية من الأرض وهي قوة النبات استعارة لأن الحياة حقيقة ~~هي ظهور القوى النامية في الحيوان فشبهت الأرض به . وإذا جعلنا الحياة ~~حقيقة في ظهور قوى النماء وجعلنا النبات يوصف بالحياة حقيقة وبالموت فقوله ~~: { فأحيا به الأرض } مجاز عقلي والمراد إحياء ما تراد له الأرض وهو النبات ~~. # وفي الجمع بين السماء والأرض وبين أحيا وموت طباقان . # وقوله : { وبث فيها من كل دابة } عطف إما على { أنزل } فيكون صلة ثانية ~~وباعتبار ما عطف قبله على الصلة صلة ثالثة ، وإما عطف على { أحيا } فيكون ~~معطوفا ثانيا على الصلة ، وأيا ما كان فهو آية ومنة مستقلة ، فإن جعلته ~~عطفا على الصلة فمن في قوله : { من كل دابة } بيانية وهي في موضع الحال ظرف ~~مستقر ، وإن جعلته عطفا على المعطوف على الصلة وهو { أحيا } فمن ~~PageV02P083 في قوله : { من كل دابة } تبعيضية وهي ظرف لغو ، أي أكثر فيها ~~عددا من كل نوع من أنواع الدواب بمعنى أن كل نوع من أنواع الدواب ينبث بعض ~~كثير من كل أنواعه ، فالتنكير في دابة للتنويع أي أكثر الله من كل الأنواع ~~لا يختص ذلك بنوع دون آخر . # والبث في الأصل نشر ما كان خفيا ومنه بث الشكوى وبث السر أي أظهره . قالت ~~الأعرابية ( لقد أبثثتك مكتومي وأطعمتك مأدومي ) وفي حديث أم زرع قالت ~~السادسة ( ولا يولج الكف ليعلم البث ) أي لا يبحث عن سر زوحته لتفشوه له ، ~~فمثلت البحث بإدخال الكف لإخراج المخبوء ، ثم استعمل البث مجازا في انتشار ~~الشيء بعد أن كان كامنا كما في هاته الآية واستعمل أيضا في مطلق الانتشار ، ~~قال الحماسي : # وهلا أعدوني لمثلي تفاقدوا # وفي الأرض مثبوت شجاع وعقرب # وبث الدواب على وجه عطفه ms0884 على فعل { أنزل } هو خلق أنواع الدواب على الأرض ~~فعبر عنه بالبث لتصوير ذلك الخلق العجيب المتكاثر فالمعنى وخلق فبث فيها من ~~كل دابة . # وعلى وجه عطف { وبث } على { فأحيا } فبث الدواب انتشارها في المراعي بعد ~~أن كانت هازلة جاثمة وانتشار نسلها بالولادة وكل ذلك انتشار وبث وصفه لبيد ~~بقوله : # رزقت مرابيع النجوم وصابها # ودق الرواعد جودها فرهامها # فعلا فروع الأيهقان وأطفلت # بالجلهتينن ظباؤها ونعامها # والآية أوجز من بيتي لبيد وأوفر معنى فإن قوله تعالى : { وما أنزل الله ~~من السماء من ماء } أوجز من البيت الأول ، وقوله : { فأحيا به الأرض بعد ~~موتها } أوجز من قوله فعلا فروع الأيهقان وأعم وأبرع بما فيه من استعارة ~~الحياة ، وقوله : { وبث فيها من كل دابة } أوجز من قوله وأطفلت البيت مع ~~كونه أعم لعدم اقتصاره على الظباء والنعام . # والدابة ما دب على وجه الأرض وقد أذنت كلمة { كل } بأن المراد جميع ~~الأنواع فانتفى احتمال أن يراد من الدابة خصوص ذوات الأربع . # وقد جمع قوله تعالى : { فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة } ~~أصول علم التاريخ الطبيعي وهو المواليد الثلاثة المعدن والنبات والحيوان ، ~~زيادة على ما في بقية الآية سابقا ولاحقا من الإشارات العلمية الراجعة لعلم ~~الهيئة وعلم الطبيعة وعلم الجغرافيا الطبيعية وعلم حوادث الجو . ~~PageV02P084 # وقوله : { وتصريف الرياح } عطف على مدخول { في } وهو من آيات وجود الخالق ~~وعظيم قدرته لأن هبوب الريح وركودها آية ، واختلاف مهابها آية ، فلولا ~~الصانع الحكيم الذي أودع أسرار الكائنات لما هبت الريح أو لما ركدت ، ولما ~~اختلفت مهابها بل دامت من جهة واحدة وهذا موضع العبرة ، ومن تصريف الرياح ~~أيضا موضع نعمة وهو أن هبوبها قد يحتاج إليه أهل موضع للتنفيس من الحرارة ~~أو لجلب الأسحبة أو لطرد حشراتت كالجراد ونحوه أو لجلب منافع مثل الطير . # وقد يحتاج أهل مكان إلى اختلاف مهابها لتجيء ريح باردة بعد ريح حارة أو ~~ريح رطبة بعد ريح يابسة ، أو لتهب إلى جهة الساحل فيرجع أهل السفن من ~~الأسفار أو من ms0885 الصيد ، فكل هذا موضع نعمة ، وهذا هو المشاهد للناس كلهم ، ~~ولأهل العلم في ذلك أيضا موضع عبرة أعجب وموضع نعمة ، وذلك أن سبب تصريف ~~الرياح أن الله أحاط الكرة الأرضية بهواء خلقه معها ، به يتنفس الحيوان وهو ~~محيط بجميع الكرة بحرها وبرها متصل بسطحها ويشغل من فوق سطحها ارتفاعا لا ~~يعيش الحيوان لو صعد إلى أعلاه ، وقد خلقه الله تعالى مؤلفا من غازين هما ( ~~النيتروجين والأكسجين ) وفيه جزء آخر عارض فيه وهو جانب من البخار المائي ~~المتصاعد له من تبخر البحار ورطوبة الأرض بأشعة الشمس وهذا البخار هو غاز ~~دقيق لا يشاهد ، وهذا الهواء قابل للحرارة والبرودة بسبب مجاورة حار أو ~~بارد ، وحرارته تأتي من أشعة الشمس ومن صعود حرارة الأرض حين تسخنها الشمس ~~وبرودته تجيء من قلة حرارة الشمس ومن برودة الثلوج الصاعدة من الأرض ومن ~~الزمهرير الذي يتزايد بارتفاع الجو كما تقدم . # ولما كانت الحرارة من طبعها أن تمدد أجزاء الأشياء فتتلطف بذلك التمدد ~~كما تقرر في الكيمياء ، والبرودة بالعكس ، كان هواء في جهة حارة كالصحراء ~~وهواء في جهة باردة كالمنجمد وقع اختلاف بين الهواءين في الكثافة فصعد ~~الخفيف وهو الحار إلى الأعلى وانحدر الكثيف إلى الأسفل وبصعود الخفيف يترك ~~فراغا يخلفه فيه الكثيف طلبا للموازنة فتحدث حركة تسمى ريحا ، فإذا كانت ~~الحركة خفيفة لقرب التفاوت بين الهواءين سميت الحركة نسيما وإذا اشتدت ~~الحركة وأسرعت فهي الزوبعة . PageV02P085 فالريح جنس لهاته الحركة والنسيم ~~والزوبعة والزعزع أنواع له . # ومن فوائد هاته الرياح الإعانة على تكوين السحاب ونقله من موضع إلى موضع ~~وتنقية الكرة الهوائية مما يحل بها من الجراثيم المضرة ، وهذان الأمران ~~موضع عبرة ونعمة لأهل العلم . # وقد اختير التعبير بلفظ التصريف هنا دون نحو لفظ التبديل أو الاختلاف ~~لأنه اللفظ الذي يصلح معناه لحكاية ما في نفس الأمر من حال الرياح لأن ~~التصريف تفعيل من الصرف للمبالغة وقد علمت أن منشأ الريح هو صرف بعض الهواء ~~إلى مكان وصرف غيره إلى مكانه الذي كان فيه فيجوز أن تقدر : وتصريف ms0886 الله ~~تعالى الرياح ، وجعل التصريف للريح مع أن الريح تكونت بذلك التصريف لأنها ~~تحصل مع التصريف فهو من إطلاق الاسم على الحاصل في وقت الإطلاق كما في قوله ~~تعالى : { ويلعنهم اللاعنون } ( البقرة : 159 ) وهو ضرب من مجاز الأول ، ~~وأن تجعل التصريف بمعنى التغيير أي تبديل ريح من جهة إلى جهة فتبقى الحقيقة ~~ويفوت الإعجاز العلمي ويكون اختيار لفظ التصريف دون التغيير لأنه أخف . # وجمع الرياح هنا لأن التصريف اقتضى العدد لأنها كلما تغير مهبها فقد صارت ~~ريحا غير التي سبقت . وقرأه الجمهور ( الرياح ) بالجمع وقرأه حمزة والكسائي ~~( الريح ) بالإفراد على إرادة الجنس ، واستفادة العموم من اسم الجنس المعرف ~~سواء كان مفردا أو جمعا سواء ، وقد قيل إن الرياح بصيغة الجمع يكثر ~~استعماله في ريح الخير وإن الريح بالإفراد يكثر استعماله في ريح الشر ~~واعتضدوا في ذلك بما رووه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول إذا ~~رأى الريح : ( اللهم اجعلها رياحا لا ريحا ) ، وهي تفرقة أغلبية وإلا فقد ~~غير بالإفراد في موضع الجمع ، والعكس في قراءة كثير من القراء . والحديث لم ~~يصح ، وعلى القول بالتفرقة فأحسن ما يعلل به أن الريح النافعة للناس تجيء ~~خفيفة وتتخلل موجاتها فجوات فلا تحصل منها مضرة فباعتبار تخلل الفجوات ~~لهبوبها جمعت ، وأما الريح العاصف فإنه لا يترك للناس فجوة فلذلك جعل ريحا ~~واحدة وهذا مأخوذ من كلام القرطبي . # والرياح جمع ريح والريح بوزن فعل بكسر الفاء وعينها واو انقلبت ياء لأجل ~~الكسرة بدليل قولهم في الجمع أرواح وأما قولهم في الجمع رياح فانقلاب الواو ~~فيه ياء كانقلابها في المفرد لسبب الكسرة كما قالوا ديمة وديم وحيلة وحيل ~~وهما من الواوي . PageV02P086 # وقوله : { والسحاب المسخر } عطف على { وتصريف الرياح } أو على { الرياح } ~~ويكون التقدير : وتصريف السحاب المسخر أي نقله من موضع إلى موضع . وهو عبرة ~~ومنة أما العبرة ففي تكوينه بعد أن لم يكن وتسخيره وكونه في الفضاء ، وأما ~~المنة ففي جميع ذلك فتكوينه منة وتسخيره من موضع إلى موضع منة وكونه بين ~~السماء ms0887 والأرض منة لأنه ينزل منه المطر على الأرض من ارتفاع فيفيد اختراق ~~الماء في الأرض ، ولأنه لو كان على سطح الأرض لاختنق الناس فهذا ما يبدو ~~لكل أحد ، وفي ذلك أيضا عبرة ومنة لأهل العلم فتكوينه عبرة لهم وذلك أنه ~~يتكون من تصاعد أبخرة البحار ورطوبة الأرض التي تبخرها أشعة الشمس ولذا لم ~~يخل الهواء من بخار الماء كما قدمناه إلا أن بخار الماء شفاف غازي فإذا ~~جاور سطحا باردا ثقل وتكاثف فصار ضبابا أو ندى أو سحابا ، وإنما تكاثف لأن ~~أجزاء البخار تجتمع فتقل قدرة الهواء على حمله ، ثم إذا تكامل اجتماعه نزل ~~مطرا ، ولكون البخار الصاعد إلى الجو أكثر بخار البحر ؛ لأن البحر أكثر سطح ~~الكرة الأرضية كانت السحب أكثر ما تتكون من جهة البحار ، وكانوا يظنون أن ~~المطر كله من ماء البحر وأن خراطيم السحاب تتدلى إلى أمواج البحر فتمتص منه ~~الماء ثم ينزل مطرا . قال أبو ذؤيب الهذلي : # سقى أم عمرو كل آخر ليلة # حناتم سود ماؤهن ثجيج # شربن بماء البحر ثم ترفعت # متى لججج خضر لهن نئيج # وقال البديع الإصطرلابي ( ) : # أهدي لمجلسك الشريف وإنما # أهدي له ما حزت من نعمائه # كالبحر يمطره السحاب وماله # فضل عليه لأنه من مائه # فلولا الرياح تسخره من موضع إلى موضع لكان المطر لا ينزل إلا في البحار . ~~وموضع المنة في هذا في تكوينه حتى يحمل الماء ليحيى الأرض ، وفي تسخيره ~~لينتقل ، وفي كونه بين السماء والأرض فهو مسخر بين السماء والأرض حتى ~~يتكامل ما في الجو من الماء فيثقل السحاب فينزل ماء إذا لم تبق في الهواء ~~مقدرة على حمله قال تعالى : { وينشيء السحاب الثقال } ( الرعد : 12 ) وقوله ~~تعالى : { لأيات لقوم يعقلون } أي دلائل وقد تقدم الكلام على الآية والآيات ~~، PageV02P087 وجمع الآيات لأن في كل ما ذكر من خلق السماوات والأرض وما ~~عطف عليه آيات . # فإن أريد الاستدلال بها على وجود الله تعالى فقد كانت دلائل واضحة وكان ~~ردا على الدهريين من العرب وكان ذكرهم بعد الذين كفروا وماتوا ms0888 وهم كفار ~~المراد بهم المشركون تكميلا لأهل النحل في العرب ، ويكون قوله بعد ذلك : { ~~ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا } ( البقرة : 165 ) رجوعا إلى ~~المشركين وهذا الوجه يرجع إلى الاستدلال بالعالم على الصانع وهو دليل مشهور ~~في كتب الكلام . # وإن أريد الاستدلال بهاته الدلائل على وحدانية الله تعالى المستلزمة ~~لوجوده وهو الظاهر من قوله : { لقوم يعقلون } ، لأن الاستدلال بهاته ~~الدلائل وأمثالها على وجود الصانع لا يدل على كمال عقل بخلاف الاحتجاج بها ~~على الوحدانية ، ولأنه ذكره بعد قوله : { وإلاهاكم إلاه واحد لا إلاه إلا ~~هو } ، ولأن دهماء العرب كانوا من المشركين لا من المعطلين الدهريين . ~~وكفاية هذه الدلائل في الرد على المشركين من حيث إنهم لم يكونوا يدعون ~~للأصنام قدرة على الخلق كما أشار إليه قوله تعالى : { أفمن يخلق كمن لا ~~يخلق أفلا تذكرون } ( النحل : 17 ) . # وإن أريد الاستدلال بهذه الآثار لوحدانية الله على الأمم التي تثبت ~~الاشتراك للآلهة في الإيجاد مثل مجوس الفرس ومشركي اليونان . فوجه دلالة ~~هاته الآيات على الوحدانية أن هذا النظام البديع في الأشياء المذكورة وذلك ~~التدبير في تكوينها وتفاعلها وذهابها وعودها ومواقيتها كل ذلك دليل على أن ~~لها صانعا حكيما متصفا بتمام العلم والقدرة والحكمة وهي الصفات التي ~~تقتضيها الألهانية ، ولا جرم أن يكون الإلاه الموصوف بهاته الصفات واحدا ~~لاعتراف المشركين بأن نواميس الخلق وتسيير العالم من فعل الله تعالى ، إذا ~~لم يدعوا لشركائهم الخلق ولذلك قال تعالى : { أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا ~~تذكرون } ( النحل : 17 ) ، وذكر في سورة النمل الاستدلال ببعض ما هنا على ~~أن لا إلاه مع الله ، فالمقصود التذكير بانتفاء حقيقة الإلاهية عن شركائهم ~~، وأما طريقة الاستدلال العلمية فهي بالبرهان الملقب في علم الكلام ببرهان ~~التمانع وسيأتي عند قوله : { لو كان فيهما إلهة إلا الله لفسدتا } ( ~~الأنبياء : 22 ) في سورة الأنبياء . # والقوم : الجماعة من الرجال ويطلق على قبيلة الرجل كما قال عمرو بن معدي ~~كرب : # فلو أن قومي أنقطتني رماحهم PageV02P088 # ويطلق على الأمة . # وذكر لفظ { لقوم يعقلون } دون أن ms0889 يقال للذين يعقلون أو للعاقلين لأن ~~إجراء الوصف على لفظ قوم يومىء إلى أن ذلك الوصف سجية فيهم ، ومن مكملات ~~قوميتهم ، فإن للقبائل والأمم خصائص تميزها وتشتهر بها كما قال تعالى : { ~~وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون } ( التوبة : 56 ) ، وقد تكرر هذا في مواضع ~~كثيرة من القرآن ومن كلام العرب ، فالمعنى إن في ذلك آيات للذين سجيتهم ~~العقل ، وهو تعريض بأن الذين لم ينتفعوا بآيات ذلك ليست عقولهم براسخة ولا ~~هي ملكات لهم وقد تكرر هذا في سورة يونس . # $ 2 ( 165 ) { ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله ~~والذين ءامنوا أشد حبا لله ولو يرى الذين ظلمو & # 1764 ا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب } . ) 2 ~~$ # عطف على إن في خلق السموات والأرض الخ لأن تلك الجملة تضمنت أن قوما ~~يعقلون استدلوا بخلق السموات والأرض وما عطف عليه على أن الله واحد فوحدوه ~~، فناسب أن يعطف عليه شأن الذين لم يهتدوا لذلك فاتخذوا لأنفسهم شركاء مع ~~قيام تلك الدلائل الواضحة ، فهؤلاء الذين اتخذوا من دون الله هم المتحدث ~~عنهم آنفا بقوله تعالى : { إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار } ( البقرة : ~~161 ) الآيات . # وقوله : { ومن الناس } خبر مقدم وقد ذكرنا وجه الإخبار به وفائدة تقديمه ~~عند قوله تعالى : { ومن الناس من يقول أمنا بالله وباليوم الآخر وما هم ~~بمؤمنين } ( البقرة : 8 ) وعطفه على ذكر دلائل الوحدانية وتقديم الخبر وكون ~~الخبر { من الناس } مؤذن بأنه تعجب من شأنهم . # و { من } في قوله : { من يتخذ } ما صدقها فريق لا فرد بدليل عود الضمير ~~في قوله : { يحبونهم كحب الله } . # والمراد بالأنداد الأمثال في الألوهية والعبادة ، وقد مضى الكلام على ~~الند بكسر النون عند قوله تعالى : { فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون } ~~( البقرة : 22 ) . # وقوله : { من دون الله } معناه مع الله لأن كلمة دون تؤذن بالحيلولة ~~لأنها بمعنى وراء فإذا قالوا اتخذه دون الله فالمعنى أنه أفرده وأعرض عن ~~الله وإذا قالوا اتخذه من دون الله فالمعنى ms0890 أنه جعله بعض حائل عن الله أي ~~أشركه مع الله لأن الإشراك يستلزم الإعراض عن الله في أوقات الشغل بعبادة ~~ذلك الشريك . PageV02P089 # وقوله : { من دون الله } خال من ضمير { يتخذ } ، وقوله : { يحبونهم } بدل ~~من { يتخذ } بدل اشتمال ، لأن الاتخاذ يشتمل على المحبة والعبادة ، ويجوز ~~كونه صفة لمن ، وجوز أن يكون صفة لأندادا لكنه ضعيف لأن فيه إيهام الضمائر ~~لاحتمال أن يفهم أن المحب هم الأنداد يحبون الذين اتخذوهم ، والأظهر أن ~~يكون حالا من ( من ) تفظيعا لحالهم في هذا الاتخاذ وهو اتخاذ أنداد سووها ~~بالله تعالى في محبتها والاعتقاد فيها . # والمراد بالأنداد هنا وفي مواقعه من القرآن ، الأصنام لا الرؤساء كما قيل ~~، وعاد عليهم ضمير جماعة العقلاء المنصوب في قوله : { يحبونهم } لأن ~~الأصنام لما اعتقدوا ألوهيتها فقد صارت جديرة بضمير العقلاء على أن ذلك ~~مستعمل في العربية ولو بدون هذا التأويل ، والمحبة هنا مستعملة في معناها ~~الحقيقي وهو ميل النفس إلى الحسن عندها بمعاينة أو سماع أو حصول نفع محقق ~~أو موهوم لعدم انحصار المحبة في ميل النفس إلى المرئيات خلافا لبعض أهل ~~اللغة فإن الميل إلى الخلق ( بضم الخاء ) الحسن وإلى الفعل الحسن والكمال ، ~~محبة أشد من محبة محاسن الذات فتشترك هذه المعاني في إطلاق اسم المحبة ~~عليها باعتبار الحاصل في النفس وقطع النظر عن سبب حصوله . # فالتحقيق أن الحب يتعلق بذكر المرء وحصول النفعع منه وحسن السمعة وإن لم ~~يره فنحن نحب الله لما نعلمه من صفات كماله ولما يصلنا من نعمته وفضله ~~ورحمته ، ونحب رسوله لما نعلم من كماله ولما وصل إلينا على يديه ولما نعلم ~~من حرصه على هدينا ونجاتنا ، ونحب أجدادنا ، ونحب أسلافنا من علماء الإسلام ~~، ونحب الحكماء والمصلحين من الأولين والآخرين ، ولله در أبي مدين في هذا ~~المعنى : # وكم من محب قد أحب وما رأى # وعشق الفتى بالسمع مرتبة أخرى # وبضد ذلك كله تكون الكراهية . # ومن الناس من زعم أن تعلق المحبة بالله مجاز مرسل في الطاعة والتعظيم ~~بعلاقة اللزوم لأن طاعة المحب للمحبوب لازم ms0891 عرفي لها قال الجعدي : # لو كان حبك صادقا لأطعته # إن المحب لمن يحب مطيع # أو مجاز بالحذف ، والتقدير : يحبون ثواب الله أو نعمته لأن المحبة لا ~~تتعلق بذات الله ، إما لأنها من أنواع الإرادة ، والإرادة لا تتعلق إلا ~~بالجائزات وهو رأى بعض المتكلمين ، وإما لأنها طلب الملائم . PageV02P090 ~~واللذة لا تحصل بغير المحسوسات وكلا الدليلين ظاهر الوهن كما بينه الفخر ، ~~وعلى هذا التفصيل بين إطلاقي المحبة هنا يكون التشبيه راجعا إلى التسوية في ~~القوة # ومنهم من جعل محبة الله تعالى مجازا وجعلها في قوله : { يحبونهم } أيضا ~~مجازا وعلى ذلك درج في ( الكشاف ) وكان وجهه أن الأصل في تشبيه اسم بمثله ~~أن يكون تشبيه فرد من الحقيقة بآخر منها . وقد علمت أنه غير متعين . وقوله ~~: { كحب الله } مفيد لمساواة الحبين ؛ لأن أصل التشبيه المساواة وإضافة حب ~~إلى اسم الجلالة من الإضافة إلى المفعول فهو بمنزلة الفعل المبني إلى ~~المجهول . فالفاعل المحذوف حذف هنا لقصد التعميم أي كيفما قدرت حب محب لله ~~فحب هؤلاء أندادهم مساو لذلك الحب ، ووجه هذا التعميم أن أحوال المشركين ~~مختلفة ، فمنهم من يعبد الأنداد من الأصنام أو الجن أو الكواكب ويعترف ~~بوجود الله ويسوي بين الأنداد وبينه ، ويسميهم شركاء أو أبناء لله تعالى ، ~~ومنهم من يجعل لله تعالى الإلاهية الكبرى ويجعل الأنداد شفعاء إليه ، ومنهم ~~من يقتصر على عبادة الأنداد وينسى الله تعالى قال تعالى : { نسوا فأنساهم ~~أنفسهم } ( الحشر : 19 ) ، ومن هؤلاء صابئة العرب الذين عبدوا الكواكب ، ~~ولله تعالى محبون من غير هؤلاء ومن بعض هؤلاء ، فمحبة هؤلاء أندادهم مساوية ~~لمحبة محبي الله إياه أي مساوية في التفكير في نفوس المحبين من الفريقين ~~فيصح أن تقدر يحبونهم كما يحب أن يحب الله أو يحبونهم كحب الموحدين لله ~~إياه أو يحبونهم كحبهم الله ، وقد سلك كل صورة من هذه التقادير طائفة من ~~المفسرين ، والتحقيق أن المقدر هو القدر المشترك وهو ما قدرناه في أول ~~الكلام . # واعلم أن المراد إنكار محبتهم الأنداد من أصلها لا إنكار تسويتها بحب ~~الله تعالى ms0892 وإنما قيدت بمماثلة محبة الله لتشويهها وللنداء على انحطاط عقول ~~أصحابها وفيه إيقاظ لعيون معظم المشركين وهم الذين زعموا أن الأصنام شفعاء ~~لهم كما كثرت حكاية ذلك عنهم في القرآن فنبهوا إلى أنهم سووا بين محبة ~~التابع ومحبة المتبوع ومحبة المخلوق ومحبة الخالق لعلهم يستفيقون فإذا ~~ذهبوا يبحثون عما تستحقه الأصنام من المحبة وتطلبوا أسباب المحبة وجدوها ~~مفقودة كما قال إبراهيم عليه السلام : { بأبتت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ~~ولا يغني عنك شيئا } ( مريم : 42 ) مع ما في هذه الحال من زيادة موجب ~~الإنكار . PageV02P091 # وقوله : { والذين أمنوا أشد حبا لله } أي أشد حبا لله من محبة أصحاب ~~الأنداد أندادهم ، على ما بلغوا من التصلب فيها ، ومن محبة بعضهم لله ممن ~~يعترف بالله مع الأنداد ، لأن محبة جميع هؤلاء المحبين وإن بلغوا ما بلغوا ~~من التصلب في محبوبيهم لما كانت محبة مجردة عن الحجة لا تبلغ مبلغ أصحاب ~~الإعتقاد الصميم المعضود بالبرهان ، ولأن إيمانهم بهم لأغراض عاجلة كقضاء ~~الحاجات ودفع الملمات بخلاف حب المؤمنين لله فإنه حب لذاته وكونه أهلا للحب ~~ثم يتبع ذلك أغراض أعظمها الأغراض الآجلة لرفع الدرجات وتزكية النفس . # والمقصود تنقيص المشركين حتى في إيمانهم بآلهتهم فكثيرا ما كانوا يعرضون ~~عنها إذا لم يجدوا منها ما أملوه . فمورد التسوية بين المحبتين التي دل ~~عليها التشبيه مخالف لمورد التفضيل الذي دل عليه اسم التفضيل هنا ، لأن ~~التسوية ناظرة إلى فرط المحبة وقت خطورها ، والتفضيل ناظر إلى رسوخ المحبة ~~وعدم تزلزلها ، وهذا مأخوذ من كلام ( الكشاف ) ومصرح به في كلام البيضاوي ~~مع زيادة تحريره ، وهذا يغنيك عن احتمالات وتمحلات عرضت هنا لبعض المفسرين ~~وبعض شراح ( الكشاف ) . # روي أن امرأ القيس لما أراد قتال بني أسد حين قتلوا أباه حجرا ملكهم مر ~~على ذي الخلصة الصنم الذي كان بتبالة بين مكة واليمنن فاستقسم بالأزلام ~~التي كانت عند الصنم فخرج له القدح الناهي ثلاث مرات ( ) فكسر تلك القداح ~~ورمى بها وجه الصنم وشتمه وأنشد : # لو كنت ياذا الخلص الموتورا # مثلي ms0893 وكان شيخك المقبورا # لم تنه عن قتل العداة زورا # ثم قصد بني أسد فظفر بهم . # وروي أن رجلا من بني ملكان جاء إلى سعد الصنم بساحل جدة وكان معه إبل ~~فنفرت إبله لما رأت الصنم ( ) فغضب الملكاني على الصنم ورماه بحجر وقال : # أتينا إلى سعد ليجمع شملنا # فشتتنا سعد فما نحن من سعد # وهل سعد إلا صخرة بتنوفة # من الأرض لا تدعو لغي ولا رشد PageV02P092 # وإنما جيء بأفعل التفضيل بواسطة كلمة { أشد } قال التفتزاني : آثر { أشد ~~حبا } على أحب لأن أحب شاع في تفضيل المحبوب على محبوب آخر تقول : هو أحب ~~إلي ، وفي القرآن : { قل إن كان أباءكم وأبناءكم وإخوانكم وأزواجكم ~~وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم ~~من الله ورسوله } ( التوبة : 24 ) الخ . يعني أن فعل أحب هو الشائع وفعل حب ~~قليل فلذلك خصوا في الاستعمال كلا بمواقع نفيا للبس فقالوا : أحب وهو محب ~~وأشد حبا وقالوا حبيب من حب وأحب إلى من حب أيضا . # { ولو يرى الذين ظلمو & # 1764 ا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب } . # عطف على قوله : { ومن الناس من يتخذ } وذلك أن قوله ذلك لما كان شرحا ~~لحال ضلالهم الفظيع في الدنيا من اتخاذ الأنداد لله مع ظهور أدلة وحدانيته ~~حتى كان قوله : { ومن الناس } مؤذنا بالتعجيب من حالهم كما قدمنا ، وزيد في ~~شناعته أنهم اتخذوا لله أندادا وأحبوها كحبه ، ناسب أن ينتقل من ذلك أي ذكر ~~عاقبتهم من هذا الصنيع ووصف فظاعة حالهم في الآخرة كما فظع حالهم في الدنيا ~~. # قرأ نافع وابن عامر ويعقوب { ولو يرى } بتاء فوقية وهو خطاب لغير معين ~~يعم كل من يسمع هذا الخطاب ، وذلك لتناهي حالهم في الفظاعة والسوء ، حتى لو ~~حضرها الناس لظهرت لجميعهم ويجوز أن يكون الخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم ~~( فالذين ظلموا ) مفعول ( ترى ) على المعنيين ، و ( إذ ) ظرف زمان ، ~~والرؤية بصرية في الأول والثاني لتعلقها في الموضعين بالمرئيات ، ولأن ذلك ~~مورد المعنى ، إلا أن وقت ms0894 الرؤيتين مختلف ، إذ المعنى لو تراهم الآن حين ~~يرون العذاب يوم القيامة ، أي لو ترى الآن حالهم ، وقرأه الجمهور { يرى ~~الذين ظلموا بالتحتية فيكون الذين ظلموا } فاعل { يرى } والمعنى أيضا لو ~~يرون الآن ، وحذف مفعول { يرى } لدلالة المقام ، تقديره لو يرون عذابهم أو ~~لو يرون أنفسهم أو يكون ( إذ ) اسما غير ظرف أي لو ينظرون الآن ذلك الوقت ~~فيكون بدل اشتمال من { الذين ظلموا } . # و { الذين ظلموا } هم الذين اتخذوا من دون الله أندادا فهو من الإظهار في ~~مقام الإضمار ليكون PageV02P093 شاملا لهؤلاء المشركين وغيرهم ، وجعل ~~اتخاذهم الأنداد ظلما لأنه اعتداء على عدة حقوق فقد اعتدوا على حق الله ~~تعالى من وجوب توحيده ، واعتدوا على من جعلوهم أندادا لله على العقلاء منهم ~~مثل الملائكة وعيسى ، ومثل ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر ، فقد ورد في ( ~~الصحيح ) عن ابن عباس أنهم كانوا رجالا صالحين من قوم نوح فلما ماتوا اتخذ ~~قومهم لهم تماثيل ثم عبدوها ، ومثل ( اللات ) يزعم العرب أنه رجل كان يلت ~~السويق للحجيج وأن أصله اللات بتشديد التاء ، فبذلك ظلموهم إذ كانوا سببا ~~لهول يحصل لهم من السؤال يوم القيامة كما قال الله تعالى : { وإذ قال الله ~~يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلاهين من دون الله } ( ~~المائدة : 116 ) وقال : { ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهوؤلاء ~~إياكم كانوا يعبدون } ( سبأ : 40 ) الآية وقال : { ويوم يحشرهم وما يعبدون ~~من دون الله فيقول أأنتم أضللتم عبادي هئلاء أم هم ضلوا السبيل } ( الفرقان ~~: 17 ) الآية ، وظلموا أنفسهم في ذلك بتعريضها للسخرية في الدنيا وللعذاب ~~في الآخرة وظلموا أعقابهم وقومهم الذين يتبعونهم في هذا الضلال فتمضي عليه ~~العصور والأجيال ، ولذلك حذف مفعول { ظلموا } لقصد التعميم ، ولك أن تجعل { ~~ظلموا } بمعنى أشركوا كما هو الشائع في القرآن قال تعالى عن لقمان : { إن ~~الشرك لظلم عظيم } ( لقمان : 13 ) وعليه فالفعل منزل منزلة اللازم لأنه صار ~~كاللقب . # وجملة : { والذين أمنوا أشد حبا لله } معترضة والغرض منها التنويه بشأن ~~الذين آمنوا بأن حبهم لله ms0895 صار أشد من حبهم الأنداد التي كانوا يعبدونها ~~وهذا كقول عمر بن الخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم ( لأنت أحب إلي من نفسي ~~التي بين جنبي ) . # وتركيب { لو ترى } وما أشبهه نحو لو رأيت من التراكيب التي جرت مجرى ~~المثل فبنيت على الاختصار وقد تكرر وقوعها في القرآن . # وجواب { لو } محذوف لقصد التفخيم وتهويل الأمر لتذهب النفس في تصويره كل ~~مذهب ممكن ونظيره { ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت } ( الأنعام : 93 ) ~~{ ولو ترى إذ وقفوا على النار } ( الأنعام : 27 ) { ولو أن قرءانا سيرت به ~~الجبال } ( الرعد : 31 ) ، قال المرزوقي عند قول الشميذر الحارثي : # وقد ساءني ما جرتت الحرب بيننا # بني عمنا لو كان أمرا مدانيا # ( حذف الجواب في مثل هاته المواضع أبلغ وأدل على المراد بدليل أن السيد ~~إذا قال لعبده لئن قمت إليك ثم سكت تزاحم على العبد من الظنون المعترضة ~~للتوعد ما لا يتزاحم PageV02P094 لو نص على ضربب من العذاب ) ، والتقدير ~~على قراءة نافع وابن عامر لرأيت أمراعظيما وعلى قراءة الجمهور لرأوا أمرا ~~عظيما . # وقوله : { أن القوة } قرأه الجمهور بفتح همزة أن وهو بدل اشتمال من { ~~العذاب } أو من { الذين ظلموا } فإن ذلك العذاب من أحوالهم ، ولا يضر الفصل ~~بين المبدل منه والبدل لطول البدل ، ويجوز أن يكون على حذف لام التعليل ~~والتقدير لأن القوة لله جميعا والتعليل بمضمون الجواب المقدر أي لرأيت ما ~~هو هائل لأنه عذاب الله ولله القوة جميعا . # { وجميعا } استعمل في الكثرة والشدة فقوة غيره كالعدم وهذا كاستعمال ~~ألفاظ الكثرة في معنى القوة وألفاظ القلة في معنى الوهن كما في قول تأبط ~~شرا : # قليل التشكي للملم يصيبه # كثير الهوى شتى النوى والمسالك # أراد شديد الغرام . # وقرأه أبو جعفر ويعقوب { إن القوة } بكسر الهمزة على الاستئناف البياني ~~كأن سائلا قال : ماذا أرى وما هذا التهويل ؟ فقيل : إن القوة ولا يصح كونها ~~حينئذ للتعليل التي تغني غناء الفاء كما هي في قول بشار : # إن ذاك النجاح في التبكير # لأن ذلك يكون في مواقع احتياج ما ms0896 قبلها للتعليل حتى تكون صريحة فيه . # وقرأ ابن عامر وحده { إذ يرون العذاب } بضم الياء أي إذ يريهم الله ~~العذاب في معنى قوله : { كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات } ( البقرة : 167 ) ~~. # وانتصب ( جميعا ) على التوكيد لقوله ( القوة ) أي جميع جنس القوة ثابت ~~لله ، وهو مبالغة لعدم الاعتداد بقوة غيره فمفاد جميع هنا مفاد لام ~~الاستغراق في قوله { الحمد لله } ( الفاتحة : 2 ) . # وقد جاء ( لو ) في مثل هذا التركيب بشرط مضارع ووقع في كلام الجمهور من ~~النحاة أن لو للشرط في الماضي وأن المضارع إذا وقع شرطا لها يصرف إلى معنى ~~الماضي إذا أريد استحضار حالة ماضية وأما إذا كان المضارع بعدها متعينا ~~للمستقبل فأوله الجمهور بالماضي في جميع مواقعه وتكلفوا في كثير منها كما ~~وقع لصاحب ( المفتاح ) ، وذهب المبرد وبعض الكوفيين إلى أن لو حرف بالمعنى ~~إن لمجرد التعليق لا للامتناع ، وذهب ابن مالك في ( التسهيل ) و ( الخلاصة ~~) إلى أن ذلك جائز لكنه قليل وهو يريد القلة النسبية بالنسبة لوقوع الماضي ~~وإلا فهو وارد في القرآن وفصيح العربية . PageV02P095 # والتحقيق أن الامتناع الذي تفيده ( لو ) متفاوت المعنى ومرجعه إلى أن ~~شرطها وجوابها مفروضان فرضا وغير مقصود حصول الشرط فقد يكون ممكن الحصول ~~وقد يكون متعذرا ولذلك كان الأولى أن يعبر بالانتفاء دون الامتناع لأن ~~الامتناع يوهم أنه غير ممكن الحصول فأما الانتفاء فأعم ، وأن كون الفعل ~~بعدها ماضيا أو مضارعا ليس لمراعاة مقدار الامتناع ولكن ذلك لمقاصد أخرى ~~مختلفة بالاختلاف مفاد الفعلين في مواقعها في الشروط وغيرها ، إذ كثيرا ما ~~يراد تعليق الشرط بلو في المستقبل نحو قول توبة : # ولو تلتقي أصداؤنا بعد موتنا # ومن بين رمسينا من الأرض سبسب # لظل صدى صوتي وإن كنت رمة # لصوت صدى ليلى يهش ويطرب # فإنه صريح في المستقبل ومثله هذه الآية . # # | 2 ( 166 ، 167 ) { إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب ~~وتقطعت بهم الاسباب * وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما ~~تبرءوا منا كذالك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما ms0897 هم بخارجين من النار ~~} . ) 2 # إذ ظرف وقع بدل اشتمال من ظرف { إذ يرون العذاب } ( البقرة : 165 ) أي لو ~~تراهم في هذين الحالين حال رؤيتهم العذاب وهي حالة فظيعة وتشتمل على حال ~~اتخاذ لهم وتبرىء بعضهم من بعض وهي حالة شنيعة وهما حاصلان في زمن واحد . # وجيء بالفعل بعد ( إذ ) هنا ماضيا مع أنه مستقبل في المعنى لأنه إنما ~~يحصل في الآخرة تنبيها على تحقق وقوعه فإن درجت على أن إذ لا تخرج عن كونها ~~ظرفا للماضي على رأي جمهور النحاة فهي واقعة موقع التحقيق مثل الفعل الماضي ~~الذي معها فتكون ترشيحا للتبعية ، وإن درجت على أنها ترد ظرفا للمستقبل وهو ~~الأصح ونسبه في ( التسهيل ) إلى بعض النحاة ، وله شواهد كثيرة في القرآن ~~قال تعالى : { ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه } ( آل عمران : 152 ) ~~على أن يكون { إذ تحسونهم } هو الموعود به وقال : { فسوف يعلمون إذ الأغلال ~~في أعناقهم } ( غافر : 71 ) فيكون المجاز في فعل { تبرأ } خاصة . ~~PageV02P096 # والتبرؤ تكلف البراءة وهي التباعد من الأمر الذي من شأن قربه أن يكون ~~مضرا ولذلك يقال تبارآ إذا أبعد كل الآخر من تبعة محققة أو متوقعة . # و { الذين اتبعوا } بالبناء إلى المجهول هم الذين ضللوا المشركين ونصبوا ~~لهم الأنصاب مثل عمرو بن لحي ، فقد أشعر قوله { اتبعوا } أنهم كانوا يدعون ~~إلى متابعتهم ، وأيد ذلك قوله بعده { فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا } أي ~~نجازيهم على إخلافهم . # ومعنى براءتهم منهم تنصلهم من مواعيد نفعهم في الآخرة الذي وعدوهم في ~~الدنيا والشفاعة فيهم ، وصرفهم عن الالتحاق بهم حين هرعوا إليهم . # وجملة { ورأوا العذاب } حالية أي تبرءوا في حال رؤيتهم العذاب ، ومعنى ~~رؤيتهم إياه أنهم رأوا أسبابه وعلموا أنه أعد لمن أضل الناس فجعلوا ~~يتباعدون من أتباعهم لئلا يحق عليهم عذاب المضللين ، ويجوز أن تكون رؤية ~~العذاب مجازا في إحساس التعذيب كالمجاز في قوله : { يمسهم العذاب } ( ~~الأنعام : 49 ) فموقع الحال هنا حسن جدا وهي مغنية عن الاستئناف الذي ~~يقتضيه المقام لأن السامع يتساءل عن موجب هذا ms0898 التبرؤ فإنه غريب فيقال رأوا ~~العذاب فلما أريد تصويرالحال وتهويل الاستفظاع عدل عن الاستئناف إلى الحال ~~قضاء لحق التهويل واكتفاء بالحال عن الاستئناف لأن موقعهما متقارب ، ولا ~~تكون معطوفة على جملة { تبرأ } لأن معناها حينئذ يصير إعادة لمعنى جملة : { ~~ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب } فتصير مجرد تأكيد لها ويفوت ما ~~ذكرناه من الخصوصيات . # وضمير { رأوا } ضمير مبهم عائد إلى فريقي الذين اتبعوا والذين اتبعوا . # وجملة { وتقطعت بهم الأسباب } معطوفة على جملة { تبرأ } أي وإذ تقطعت بهم ~~الأسباب ، والضمير المجرور عائد إلى كلا الفريقين . # والتقطع الانقطاع الشديد لأن أصله مطاوع قطعه بالتشديد مضاعف قطع ~~بالتخفيف . # والأسباب جمع سبب وهو الحبل الذي يمد ليرتقى عليه في النخلة أو السطح ، ~~وقوله { وتقطعت بهم الأسباب } تمثيلية شبهت هيئتهم عند خيبة أملهم حين لم ~~يجدوا النعيم الذي تعبوا لأجله مدة حياتهم وقد جاء إبانه في ظنهم فوجدوا ~~عوضه العذاب ، بحال المرتقى إلى النخلة ليجتنى الثمر الذي كد لأجله طول ~~السنة فتقطع به السبب عند ارتقائه فسقط هالكا ، فكذلك هؤلاء قد علم كلهم ~~حينئذ أن لا نجاة لهم فحالهم كحال الساقط من علو لا ترجى له PageV02P097 ~~سلامة ، وهي تمثيلية بديعة لأنها الهيئة المشبهة تشتمل على سبعة أشياء كل ~~واحد منها يصلح لأن يكون مشبها بواحد من الأشياء التي تشتمل عليها الهيئة ~~المشبه بها وهي : تشبيه المشرك في عبادته الأصنام واتباع دينها بالمرتقى ~~بجامع السعي ، وتشبيه العبادة وقبول الآلهة منه بالحبل الموصل ، وتشبيه ~~النعيم والثواب بالثمرة في أعلى النخلة لأنها لا يصل لها المرء إلا بعد طول ~~وهو مدة العمر ، وتشبيه العمر بالنخلة في الطول ، وتشبيه الحرمان من ~~الموصول للنعيم بتقطع الحبل ، وتشبيه الخيبة بالبعد عن الثمرة ، وتشبيه ~~الوقوع في العذاب بالسقوط المهلك . وقلما تأتي في التمثيلية صلوحية أجزاء ~~التشبيه المركب فيها لأن تكون تشبيهات مستقلة ، والوارد في ذلك يكون في ~~أشياء قليلة كقول بشار الذي يعد مثالا في الحسن : # كأن مثار النقع فوق رؤسنا # وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه # فليس في البيت أكثر من تشبيهات ms0899 ثلاثة . # فالباء في ( بهم ) للملابسة أي تقطعت الأسباب ملتبسة بهم أي فسقطوا ، ~~وهذا المعنى هو محل التشبيه لأن الحبل لو تقطع غير ملابس للمرتقى عليه لما ~~كان في ذلك ضر إذ يمسك بالنخلة ويتطلب سببا آخر ينزل فيه ، ولذلك لم يقل ~~وتقطعت أسبابهم أو نحوه ، فمن قال إن الباء بمعنى عن أو للسببية أو التعدية ~~فقد بعد عن البلاغة ، وبهذه الباء تقوم معنى التمثيلية بالصاعد إلى النخلة ~~بحبل وهذا المعنى فائت في قول امرىء القيس : # تقطع أسباب اللبانة والهوى # عشية جاوزنا حماة وشيزرا # وقوله : { وقال الذين اتبعوا } أظهر في مقام الإضمار لأن ضميري الغيبة ~~اللذين قبله عائدان إلى مجموع الفريقين ، على أن في صلة { الذين اتبعوا } ~~تنبيها على إغاظة المتبوعين وإثارة حسرتهم وذلك عذاب نفساني يضاعف العذاب ~~الجثماني وقد نبه عليه قوله : { كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم } . # و ( لو ) في قوله : { لو أن لنا كرة } مستعملة في التمني وهو استعمال ~~كثير لحرف ( لو ) وأصلها الشرطية حذف شرطها وجوابها واستعيرت للتمني بعلاقة ~~اللزوم لأن الشيء العسير المنال يكثر تمنيه ، وسد المصدر مسد الشرط والجواب ~~، وتقدير الكلام لو ثبتت لنا كرة لتبرأنا منهم وانتصب ما كان جوابا على أنه ~~جواب التمني وشاع هذا الاستعمال حتى صار من معاني لو وهو استعمال شائع ~~وأصله مجاز مرسل مركب وهو في الآية مرشح بنصب الجواب . PageV02P098 # والكرة الرجعة إلى محل كان فيه الراجع وهي مرة من الكر ولذلك تطلق في ~~القرآن على الرجوع إلى الدنيا لأنه رجوع لمكان سابق ، وحذف متعلق ( الكرة ) ~~هنا لظهوره . # والكاف في كما تبرءوا للتشبيه استعملت في المجازاة لأن شأن الجزاء أن ~~يماثل الفعل المجازي قال تعالى : { وجزاؤا سيئة سيئة مثلها } ( الشورى : 40 ~~) ، وهذه الكاف قريبة من كاف التعليل أو هي أصلها وأحسن ما يظهر فيه معنى ~~المجازاة في غير القرآن قول أبي كبير الهذلي : # أهز به في ندوة الحي عطفه # كما هز عطفي بالهجان الأوارك # ويمكن الفرق بين هذه الكاف وبين كاف التعليل أن المذكور بعدها إن كان من ~~نوع ms0900 المشبه كما في الآية وبيت أبي كبير جعلت للمجازاة ، وإن كان من غير ~~نوعه وما بعد الكاف باعث على المشبه كانت للتعليل كما في قوله تعالى : { ~~واذكروه كما هداكم } ( البقرة : 198 ) . # والمعنى أنهم تمنوا أن يعودوا إلى الدنيا بعدما علموا الحقيقة وانكشف لهم ~~سوء صنيعهم فيدعوهم الرؤساء إلى دينهم فلا يجيبونهم ليشفوا غيظهم من ~~رؤسائهم الذين خذلوهم ولتحصل للرؤساء خيبة وانكسار كما خيبوهم في الآخرة . # فإن قلت هم إذا رجعوا رجعوا جميعا عالمين بالحق فلا يدعوهم الرؤساء إلى ~~عبادة الأوثان حتى يمتنعوا من إجابتهم ، قلت باب التمني واسع فالأتباع ~~تمنوا أن يعودوا إلى الدنيا عالمين بالحق ويعود المتبوعون في ضلالهم السابق ~~وقد يقال اتهم الأتباع متبوعيهم بأنهم أضلوهم على بصيرة لعلمهم غالبا ~~والأتباع مغرورون لجهلهم فهم إذا رجعوا جميعا إلى الدنيا رجع المتبوعون على ~~ما كانوا عليه من التضليل على علم بناء على أن ما رأوه يوم القيامة لم ~~يزعهم لأنهم كانوا من قبل موقنين بالمصير إليه ورجع الأتباع عالمين بمكر ~~المتبوعين فلا يطيعونهم . # وجملة { كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم } تذييل وفذلكة لقصة تبري ~~المتبوعين من أتباعهم . # والإشارة في قوله : { كذلك يريهم الله } للإراءة المأخوذة من { يريهم } ~~على أسلوب { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } ( البقرة : 143 ) . PageV02P099 # والمعنى أن الله يريهم عواقب أعمالهم إراء مثل هذا الإراء إذ لا يكون ~~إراء لأعمالهم أوقع منه فهو تشبيه الشيء بنفسه باختلاف الاعتبار كأنه يرام ~~أن يريهم أعمالهم في كيفية شنيعة فلم يوجد أشنع من هذه الحالة ، وهذا مثل ~~الإخبار عن المبتدأ بلفظه في نحو شعري شعرى ، أو بمرادفه نحو والسفاهة ~~كاسمها ، وقد تقدم تفصيله عند قوله تعالى : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } . # والإراءة هنا بصرية ولذلك فقوله : { حسرات عليهم } حال من { أعمالهم } ~~ومعنى { يريهم الله أعمالهم } يريهم ما هو عواقب أعمالهم لأن الأعمال لا ~~تدرك بالبصر لأنها انقضت فلا يحسون بها . # والحسرة حزن في ندامة وتلهف وفعله كفرح واشتقاقها من الحسر وهو الكشف لأن ~~الكشف عن الواقع هو سبب الندامة على ما فات من ms0901 عدم الحيطة له . # وقوله : { وما هم بخارجين نت النار } حال أو اعتراض في آخر الكلام لقصد ~~التذييل لمضمون { كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم } لأنهم إذا كانوا ~~لا يخرجون من النار تعين أن تمنيهم الرجوع إلى الدنيا وحدوث الخيبة لهم من ~~صنع رؤسائهم لا فائدة فيه إلا إدخال ألم الحسرات عليهم وإلا فهم باقون في ~~النار على كل حال . # وعدل عن الجملة الفعلية بأن يقال ( وما يخرجون ) إلى الاسمية للدلالة على ~~أن هذا الحكم ثابت أنه من صفاتهم ، وليس لتقديم المسند إليه هنا نكتة ، إلا ~~أنه الأصل في التعبير بالجملة الإسمية في مثل هذا إذ لا تتأتى بسوى هذا ~~التقديم ، فليس في التقديم دلالة على اختصاص لما علمت ولأن التقديم على ~~المسند المشتق لا يفيد الاختصاص عند جمهور أئمة المعاني ، بل الاختصاص ~~مفروض في تقديمه على المسند الفعلي خاصة ، ولأجل ذلك صرح صاحب ( الكشاف ) ~~تبعا للشيخ عبد القاهر بأن موقع الضمير هنا كموقعه في قول المعذل البكري : # هم يفرشون اللبد كل طمرة # وأجرد سباقق يبذ المغاليا # في دلالته على قوة أمرهم فيما أسند إليهم لا على الاختصاص اه . # وادعى صاحب ( المفتاح ) أن تقديم المستند إليه على المسند المشتق قد يفيد ~~الاختصاص PageV02P100 كقوله تعالى : { وما أنت علينا بعزيز } ( هود : 91 ) ~~{ وما أنا بطارد الذين أمنوا } ( هود : 29 ) { وما أنت عليهم بوكيل } ( ~~الأنعام : 107 ) فالوجه أن تقديم المسند إليه على المسند المشتق لا يفيد ~~بذاته التخصيص وقد يستفاد من بعض مواقعه معنى التخصيص بالقرائن ، وليس في ~~قوله تعالى : { وما هم بخارجين من النار } . ما يفيد التخصيص ولا يدعو إليه ~~. # $ 2 ( 168 ، 169 ) { ياأيها الناس كلوا مما فى الارض حلالا طيبا ولا ~~تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين * إنما يأمركم بالسو & # 1764 ء والفحشآء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } . ) 2 $ # استئناف ابتدائي هو كالخاتمة لتشويه أحوال أهل الشرك من أصول دينهم ~~وفروعه التي ابتدأ الكلام فيها من قوله تعالى : { إن الذين كفروا وماتوا ~~وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة ms0902 } ( البقرة : 161 ) الآية ، إذ ~~ذكر كفرهم إجمالا ثم أبطله بقوله : { وإلاهكم إلاه واحد } ( البقرة : 163 ) ~~واستدل على إبطاله بقوله : { إن في خلق السموات والأرض } ( البقرة : 164 ) ~~الآيات ثم وصف كفرهم بقوله : { ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا ~~يحبونهم كحب الله } ( البقرة : 165 ) ، ووصف حالهم وحسرتهم يوم القيامة ، ~~فوصف هنا بعض مساوىء دين أهل الشرك فيما حرموا على أنفسهم مما أخرج الله ~~لهم من الأرض ، وناسب ذكره هنا أنه وقع بعد ما تضمنه الاستدلال على وحدانية ~~الله والامتنان عليهم بنعمته بقوله : { إن في خلق السموات والأرض إلى قوله ~~: وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل ~~دابة } ( البقرة : 164 ) الآية ، وهو تمهيد وتلخيص لما يعقبه من ذكر شرائع ~~الإسلام في الأطعمة وغيرها التي ستأتي من قوله تعالى : { يأيها الذين آمنوا ~~كلوا من طيبات ما رزقناكم } ( البقرة : 172 ) . # فالخطاب بيأيها الناس موجه إلى المشركين كما هو شأن خطاب القرآن بيأيها ~~الناس . والأمر في قوله : { كلوا مما في الأرض } مستعمل في التوبيخ على ترك ~~ذلك وليس للوجوب ولا للإباحة ، إذ ليس الكفار بأهل للخطاب بفروع الشريعة ~~فقوله : { كلوا } تمهيد لقوله بعده { ولا تتبعوا خطوات الشيطان } . ~~PageV02P101 # وقوله : { حلالا طيبا } تعريض بتحميقهم فيما أعنتوا به أنفسهم فحرموها من ~~نعم طيبة افتراء على الله ، وفيه إيماء إلى علة إباحته في الإسلام وتعليم ~~للمسلمين بأوصاف الأفعال التي هي مناط الحل والتحريم . # والمقصود إبطال ما اختلقوه من منع أكل البحيرة ، والسائبة ، والوصيلة ، ~~والحامي ، وما حكي الله عنهم في سورة الأنعام من قوله : { وقالوا هذه أنعام ~~وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم } ( الأنعام : 138 ) الآيات . قيل ~~نزلت في ثقيف وبني عامر بن صعصعة وخزاعة وبني مدلج حرموا على أنفسهم من ~~الأنعام أي مما ذكر في سورة الأنعام . # ومن في قوله : { مما في الأرض } للتبعيض ، فالتبعيض راجع إلى كون المأكول ~~بعضا من كل نوع وليس راجعا إلى كون المأكول أنواعا دون أنواع ، لأنه يفوت ~~غرض الآية ، فما في ms0903 الأرض عام خصصه الوصف بقوله : { حلالا طيبا } فخرجت ~~المحرمات الثابت تحريمها بالكتاب أو السنة . # وقوله : { حلالا طيبا } حالان من ( ما ) الموصولة ، أولهما لبيان الحكم ~~الشرعي والثاني لبيان علته لأن الطيب من شأنه أن تقصده النفوس للانتفاع به ~~فإذا ثبت الطيب ثبتت الحلية لأن الله رفيق بعباده لم يمنعهم مما فيه نفعهم ~~الخالص أو الراجح . # والمراد بالطيب هنا ما تستطيبه النفوس بالإدراك المستقيم السليم من ~~الشذوذ وهي النفوس التي تشتهي الملائم الكامل أو الراجح بحيث لا يعود ~~تناوله بضر جثماني أو روحاني وسيأتي معنى الطيب لغة عند قوله تعالى : { قل ~~أحل لكم الطيبات } ( المائدة : 4 ) في سورة المائدة . # وفي هذا الوصف معنى عظيم من الإيماء إلى قاعدة الحلال والحرام فلذلك قال ~~علماؤنا : إن حكم الأشياء التي لم ينص الشرع فيها بشيء أن أصل المضار منها ~~التحريم وأصل المنافع الحل ، وهذا بالنظر إلى ذات الشيء بقطع النظر عن ~~عوارضه كتعلق حق الغير به الموجب تحريمه ، إذ التحريم حينئذ حكم للعارض لا ~~للمعروض . # وقد فسر الطيب هنا بما يبيحه الطشرع وهو بعيد لأنه يفضي إلى التكرار ، ~~ولأنه يقتضي استعمال لفظ في معنى غير متعارف عندهم . # وقوله : { ولا تتبعوا خطوات الشيطان } الضمير للناس لا محالة وهم ~~المشركون المتلبسون بالمنهي عنه دوما ، وأما المؤمنون فحظهم منه التحذير ~~والموعظة . PageV02P102 واتباع الخطوات تمثيلية ، أصلها أن السائر إذا رأى ~~آثار خطوات السائرين تبع ذلك المسلك علما منه بأنه ما سار فيه السائر قبله ~~إلا لأنه موصل للمطلوب ، فشبه المقتدي الذي لا دليل له سوى المقتدي به وهو ~~يظن مسلكه موصلا ، بالذي يتبع خطوات السائرين وشاعت هاته التمثيلية حتى ~~صاروا يقولون هو يتبع خطا فلان بمعنى يقتدي به ويمتثل له . # والخطوات بضم فسكون جمع خطوة مثل الغرفة والقبضة بضم أولهما بمعنى المخطو ~~والمغروف والمقبوض ، فهي بمعنى مخطوة اسم لمسافة ما بين القدمين عند مشي ~~الماشي فهو يخطوها ، وأما الخطوة بفتح الخاء فهي المرة من مصدر الخطو وتطلق ~~على المخطو من إطلاق المصدر على المفعول . # وقرأ الجمهور ( خطوات ) بضم فسكون ms0904 على أصل جمع السلامة ، وقرأه ابن عامر ~~وقنبل عن ابن كثير وحفص عن عاصم بضم الخاء والطاء على الإتباع ، والإتباع ~~يساوي السكون في الخفة على اللسان . # والاقتداء بالشيطان إرسال النفس على العمل بما يوسوسه لها من الخواطر ~~الشرية ، فإن الشياطين موجودات مدركة لها اتصال بالنفوس البشرية لعله ~~كاتصال الجاذبية بالأفلاك والمغناطيس بالحديد ، فإذا حصل التوجه من أحدهما ~~إلى الآخر بأسباب غير معلومة حدثت في النفس خواطر سيئة ، فإن أرسل المكلف ~~نفسه لاتباعها ولم يردعها بما له من الإرادة والعزيمة حققها في فاعله ، وإن ~~كبحها وصدها عن ذلك غلبها . ولذلك أودع الله فينا العقل والإرادة والقدرة ~~وكمل لنا ذلك بالهدى الديني عونا وعصمة عن تلبيتها لئلا تضلنا الخواطر ~~الشيطانية حتى نرى حسنا ما ليس بالحسن ، ولهذا جاء في الحديث ( من هم بسيئة ~~فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة ) لأنه لما هم بها فذلك حين تسلطت ~~عليه القوة الشيطانية ولما عدل عنها فذلك حين غلب الإرادة الخيرية عليها ، ~~ومثل هذا يقال في الخواطر الخيرية وهي الناشئة عن التوجهات الملكية ، فإذا ~~تنازع الداعيان في نفوسنا احتجنا في التغلب إلى الاستعانة بعقولنا وآرائنا ~~وقدرتنا ، وهدى الله تعالى إيانا وذلك هو المعبر عنه عند الأشعري بالكسب ، ~~وعنه يترتب الثواب والعقاب . # واللام في { الشيطان } للجنس ، ويجوز أن تكون للعهد ، ويكون المراد إبليس ~~وهو أصل الشياطين وآمرهم فكل ما ينشأ من وسوسة الشياطين فهو راجع إليه لأنه ~~الذي خطا الخطوات الأولى . PageV02P103 # وقوله : { إنه لكم عدو مبين } ، ( إن ) لمجرد الاهتمام بالخبر لأن ~~العداوة بين الشيطان والناس معلومة متقررة عند المؤمنين والمشركين وقد ~~كانوا في الحج يرمون الجمار ويعتقدون أنهم يرجمون الشيطان ، أو تجعل ( إن ) ~~للتأكيد بتنزيل غير المتردد في الحكم منزلة المتردد أو المنكر لأنهم ~~لاتباعهم الإشارات الشيطانية بمنزلة من ينكر عداوته كما قال عبدة : # إن الذين ترونهم إخوانكم # يشفى غليل صدورهم أن تصرعوا # وأيا ما كان فإن تفيد معنى التعليل والربط في مثل هذا وتغني غناء الفاء ~~وهو شأنها بعد الأمر والنهي على ما في ( دلائل ms0905 الإعجاز ) ومثله قول بشار : # بكرا صاحبي قبل الهجير # إن ذاك النجاح في التبكير # وقد تقدم ذلك . # وإنما كان عدوا لأن عنصر خلقته مخالف لعنصر خلقة الإنسان فاتصاله ~~بالإنسان يؤثر خلاف ما يلائمه ، وقد كثر في القرآن تمثيل الشيطان في صورة ~~العدو المتربص بنا الدوائر لإثارة داعية مخالفته في نفوسنا كي لا نغتر حين ~~نجد الخواطر الشريرة في أنفسنا فنظنها ما نشأت فينا إلا وهي نافعة لنا ~~لأنها تولدت من نفوسنا ، ولأجل هذا أيضا صورت لنا النفس في صورة العدو في ~~مثل هاته الأحوال . # ومعنى المبين الظاهر العداوة من أبان الذي هو بمعنى بان وليس من أبان ~~الذي همزته للتعدية بمعنى أظهر لأن الشيطان لا يظهر لنا العداوة بل يلبس ~~لنا وسوسته في لباس النصيحة أو جلب الملائم ، ولذلك سماه الله وليا فقال : ~~{ ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا } ( النساء : ~~119 ) ، إلا أن الله فضحه فلم يبق مسلم تروج عليه تلبيساته حتى في حال ~~اتباعه لخطواته فهو يعلم أنها وساوسه المضرة إلا أنه تغلبه شهوته وضعف ~~عزيمته ورقة ديانته . # وقوله : { إنما يأمركم بالسوء والفحشاء } استئناف بياني لقوله : { إنه ~~لكم عدو مبين } فيئول إلى كونه علة للعلة إذ يسأل السامع عن ثبوت العداوة ~~مع عدم سبق المعرفة ومع بعد ما بيننا وبينه فقيل { إنما يأمركم } أي لأنه ~~لا يأمركم إلا بالسوء الخ أي يحسن لكم ما فيه مضرتكم لأن عداوته أمر خفي ~~عرفناه من آثار أفعاله . # والأمر في الآية مجاز عن الوسوسة والتزيين إذ لا يسمع أحد صيغ أمر من ~~الشيطان . ولك أن تجعل جملة : { إنما يأمركم } تمثيلية بتشبيه حاله وحالهم ~~في التسويل والوسوسة وفي تلقيهم PageV02P104 ما يوسوس لهم بحال الآمر ~~والمأمور ويكون لفظ يأمر مستعملا في حقيقته مفيدا مع ذلك الرمز إلى أنهم لا ~~إرادة لهم ولا يملكون أمر أنفسهم وفي هذا زيادة تشنيع لحالهم وإثارة ~~للعداوة بين الشيطان وبينهم . # والسوء الضر من ساءه سوءا ، فالمصدر بفتح السين وأما السوء بضم السين ~~فاسم للمصدر . # والفحشاء اسم ms0906 مشتق من فحش إذا تجاوز الحد المعروف في فعله أو قوله واختص ~~في كلام العرب بما تجاوز حد الآداب وعظم إنكاره ، لأن وساوس النفس تئول إلى ~~مضرة كشرب الخمر والقتل المفضي للثأر أو إلى سوأة وعار كالزنا والكذب ، ~~فالعطف هنا عطف لمتغايرين بالمفهوم والذات لا محالة بشهادة اللغة وإن كانا ~~متحدين في الحكم الشرعي لدخول كليهما تحت وصف الحرام أو الكبيرة وأما ~~تصادقهما معا في بعض الذنوب كالسرقة فلا التفات إليه كسائر الكليات ~~المتصادقة . # وقوله : { وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } يشير إلى ما اختلقه ~~المشركون وأهل الضلال من رسوم العبادات ونسبة أشياء لدين الله ما أمر الله ~~بها . وخصه بالعطف مع أنه بعض السوء والفحشاء لاشتماله على أكبر الكبائر ~~وهو الشرك والافتراء على الله . # ومفعول { تعلمون } محذوف وهو ضمير عائد إلى ( ما ) وهو رابط الصلة ، ~~ومعنى { ما لا تعلمون } لا تعلمون أنه من عند الله بقرينة قوله : { على ~~الله } أي لا تعلمون أنه يرضيه ويأمر به ، وطريق معرفة رضا الله وأمره هو ~~الرجوع إلى الوحي وإلى ما يتفرع عنه من القياس وأدلة الشريعة المستقراة من ~~أدلتها ، ولذلك قال الأصوليون : يجوز للمجتهد أن يقول فيما أداه إليه ~~اجتهاده بطريق القياس : إنه دين الله ولا يجوز أن يقول قاله الله ، لأن ~~المجتهد قد حصلت له مقدمة قطعية مستقراة من الشريعة انعقد الإجماع عليها ~~وهي وجوب عمله بما أداه إليه اجتهاده بأن يعمل به في الفتوى والقضاء وخاصة ~~نفسه فهو إذا أفتى به وأخبر فقد قال على الله ما يعلم أنه يرضي الله تعالى ~~بحسب ما كلف به من الظن . # PageV02P105 # | 2 ( 170 ) { وإذا قيل لهم اتبعوا مآ أنزل الله قالوا بل نتبع مآ ألفينا ~~عليه ءابآءنآ أولو كان ءاباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون } . ) 2 # الأحسن عندي أن يكون عطفا على قوله : { ولا تتبعوا خطوات الشيطان } ( ~~البقرة : 168 ) ، فإن المقصود بالخطاب في ذلك هم المشركون فإنهم الذين ~~ائتمروا لأمره بالسوء والفحشاء ، وخاصة بأن يقولوا على الله ما لا يعلمون ، ~~والمسلمون محاشون ms0907 عن مجموع ذلك . # وفي هذه الآية المعطوفة زيادة تفظيع لحال أهل الشرك ، فبعد أن أثبت لهم ~~اتباعهم خطوات الشيطان فيما حرموا على أنفسهم من الطيبات ، أعقب ذلك بذكر ~~إعراضهم عمن يدعوهم إلى اتباع ما أنزل الله ، وتشبثوا بعدم مخالفتهم ما ~~ألفوا عليه آباءهم ، وأعرضوا عن الدعوة إلى غير ذلك دون تأمل ولا تدبر . # { بل } إضراب إبطال ، أي أضربوا عن قول الرسول ، { اتبعوا ما أنزل الله } ~~، إضراب إعراض بدون حجة إلا بأنه مخالف لما ألفوا عليه آباءهم . # وفي ضمير لهم التفات من الخطاب الذي في قوله : { ولا تتبعوا خطوات ~~الشيطان } ( البقرة : 168 ) . # والمراد بما ألفوا عليه ءاباءهم ، ما وجدوهم عليه من أمور الشرك كما ~~قالوا : { إنا وجدنا أباءنا على أمة وإنا على أثارهم مقتدون } ( الزخرف : ~~23 ) والأمة : الملة وأعظم ذلك عبادة الأصنام . # وقوله : { أولو كان أباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون } كلام من جانب آخر ~~للرد على قولهم { نتبع ما ألفينا عليه آباءنا } ، فإن المتكلم لما حكاه ~~عنهم رد قولهم هذا باستفهام يقصد منه الرد ثم التعجيب ، فالهمزة مستعملة في ~~الإنكار كناية وفي التعجيب إيماء ، والمراد بالإنكار الرد والتخطئة لا ~~الإنكار بمعنى النفي . # و ( لو ) للشرط وجوابها محذوف دل عليه الكلام السابق ، تقديره : لاتبعوهم ~~، والمستفهم عنه هو الارتباط الذي بين الشرط وجوابه ، وإنما صارت الهمزة ~~للرد لأجل العلم بأن المستفهم عنه يجاب عنه بالإثبات بقرائن حال المخبر عنه ~~والمستفهم . ومثل هذا التركيب من بديع التراكيب العربية وأعلاها إيجازا و ( ~~لو ) في مثله تسمى وصلية وكذلك ( إن ) إذا وقعت في موقع ( لو ) . # وللعلماء في معنى الواو وأداة الشرط في مثله ثلاثة أقوال : PageV02P106 # القول الأول إنها للحال وإليه ذهب ابن جني والمرزوقي وصاحب ( الكشاف ) ~~قال ابن جني في ( شرح الحماسة ) عند قول عمرو بن معديكرب : # ليس الجمال بمئزر # فاعلم وإن رديت بردا # ونحو منه بيت ( الكتاب ) : # عاود هراة وإن معمورها خربا ( ) # وذلك أن الواو وما بعدها منصوبة الموضع بعاود كما أنها وما بعدها في قوله ~~وإن رديت بردا منصوبة الموضع بما قبلها وقريب ms0908 من هذا : أزورك راغبا في ~~وأحسن إليك شاكرا إلي ، فراغبا وشاكرا منصوبان على الحال بما قبلهما وهما ~~في معنى الشرط وما قبلهما نائب عن الجواب المقدر لهما ألا ترى أن معناه إن ~~رغبت في زرتك وإن شكرتني أحسنت إليك ، وسألت مرة أبا علي عن قوله : # عاود هراة وإن معمورها خربا # كيف موقع الواو هنا وأومأت في ذلك له إلى ما نحن بصدده فرأيته كالمصانع ~~في الجواب لا قصورا بحمد الله عنه ولكن فتورا عن تكلفه فأجممته ، وقال ~~المرزوقي هنالك : قوله : ( وإن رديت بردا ) في موضع الحال كأنه قال ليس ~~جمالك بمئزر مردى معه برد والحال قد يكون فيه معنى الشرط كما أن الشرط فيه ~~معنى الحال فالأول كقولك لأفعلنه كائنا ما كان أي إن كان هذا أو إن كان ذاك ~~، والثاني كبيت ( الكتاب ) : # عاود هراة وإن معمورا خربا # لأن الواو منه في موضع الحال كما هو في بيت عمرو وفيه لفظ الشرط ومعناه ~~وما قبله نائب عن الجواب ، وتقديره : إن معمورها خربا فعاودها وإن رديت ~~بردا على مئزر فليس الجمال بذلك ) اه . # وقال صاحب ( الكشاف ) : في هذه الآية وفي نظيرتها في سورة المائدة : ( ~~الواو PageV02P107 للحال ) ، ثم ظاهر كلام ابن جني والمرزوقي أن الحال في ~~مثله من الجملة المذكورة قبل الواو وهو الذي نحاه البيضاوي هنا ورجحه عبد ~~الحكيم ، وذهب صاحب ( الكشاف ) إلى أن الحال من جملة محذوفة تقديرها ~~أيتبعونهم ولو كان آباؤهم ، وعلى اعتبار الواو واو الحال فهمزة الاستفهام ~~في قوله : { أولو كان أباؤهم } ليست مقدمة من تأخير كما هو شأنها مع واو ~~العطف والفاء وثم بل الهمزة داخلة على الجملة الحالية ، لأن محل الإنكار هو ~~تلك الحالة ولذلك قال في ( الكشاف ) في سورة المائدة : ( الواو واو الحال ~~قد دخلت عليها همزة الإنكار ) وقدر هنا وفي المائدة محذوفا هو مدخول الهمزة ~~في التقدير يدل عليه ما قبله فقدره هنا أيتبعون آباءهم وقدره في سورة ~~المائدة أحسبهم ذلك ، وهذا اختلاف في رأيه ، فمن لا يقدر محذوفا يجعل ~~الهمزة داخلة على جملة ms0909 الحال . # القول الثاني أن الواو للعطف قيل على الجملة المتقدمة وإليه ذهب البيضاوي ~~ولا أعلم له سلفا فيه وهو وجيه جدا أي قالوا بل نتبع ولو كان آباؤهم ، ~~وعليه فالجملة المعطوفة تارة تكون من كلام الحاكي كما في الآية أي يقولونه ~~في كل حال ولو كان آباؤهم الخ فهو من مجيء المتعاطفين من كلامي متكلمين عطف ~~التلقين كما تقدم في قوله تعالى : { قال ومن ذريتي } ( البقرة : 124 ) ، ~~وتارة تكون من كلام صاحب الكلام الأول كما في بيت ( الحماسة ) وبيت ( ~~الكتاب ) وتارة تكون من كلام الحاكي تلقينا للمحكي عنه وتقديرا له من كلامه ~~كقول رؤبة : # قالت بنات العم يا سلمى وإن # كان فقيرا معدما قالت وإن # وقيل العطف على جملة محذوفة ونسبه الرضي للجرمي وقدروا الجملة بشرطية ~~مخالفة للشرط المذكور ، والتقدير : يتبعونهم إن كانوا يعقلون ويهتدون ولو ~~كانوا لا يعقلون ولا يهتدون وكذلك التقدير في نظائره من الشواهد وهذا هو ~~الجاري على ألسنة المعربين عندنا في نظائره لخفة مؤنته . # القول الثالث : مختار الرضي أن الواو في مثله للاعتراض إما في آخر الكلام ~~كما هنا وإما في وسطه ، وليس الاعتراض معنى من معاني الواو ولكنه استعمال ~~يرجع إلى واو الحال . فأما الشرط المقترن بهذه الواو فلكونه وقع موقع الحال ~~أو المعطوف أو الاعتراض من كلام سابق غير شرط ، كان معنى الشرطية فيه ضعيفا ~~، لذلك اختلف النحاة في أنه باق على معنى الشرط أو انسلخ عنه إلى معنى جديد ~~فظاهر كلام ابن جني والمرزوقي أن الشرطية باقية ولذلك جعلا يقربان معنى ~~الشرط من معنى الحال يومئان إلى وجه الجمع بين كون الجملة PageV02P108 ~~حالية وكونها شرطية ، وإليه مال البيضاوي هنا وحسنه عبد الحكيم وهو الحق ، ~~ووجه معنى الشرطية فيه أن الكلام الذي قبله إذا ذكر فيه حكم وذكر معه ما ~~يدل على وجود سبب لذلك الحكم وكان لذلك السبب أفراد أو أحوال متعددة منها ~~ما هو مظنة لأن تتخلف السببية عنده لوجود ما ينافيها معه فإنهم يأتون بجملة ~~شرطية مقترنة بإن أو لو دلالة ms0910 على الربط والتعليق بين الحالة المظنون فيها ~~تخلف التسبب وبين الفعل المسبب عن تلك الحالة ، لأن جملة الشرط تدل على ~~السبب وجملة الجزاء تدل على المسبب ويستغنون حينئذ عن ذكر الجزاء لأنه يعلم ~~من أصل الكلام الذي عقب بجملة الشرط . # وإنما خص هذا النوع بحرفي ( إن ولو ) في كلام العرب لدلالتهما على ندرة ~~حصول الشرط أو امتناعه ، إلا أنه إذا كان ذلك الشرط نادر الحصول جاءوا معه ~~بإن كبيت عمرو ، وإذا كان ممتنع الحصول في نفس الأمر جاءوا معه بلو كما في ~~هذه الآية ، وربما أتوا بلو لشرط شديد الندرة ، للدلالة على أنه قريب من ~~الممتنع ، فيكون استعمال لو معه مجازا مرسلا تبعيا . # وذهب جماعة إلى أن ( إن ولو ) في مثل هذا التركيب خرجتا عن الشرطية إلى ~~معنى جديد ، وظاهر كلام صاحب ( الكشاف ) في قوله تعالى : { ولا أن تبدل بهن ~~من أزواج ولو أعجبك حسنهن } ( الأحزاب : 52 ) أن لو فيه للفرض ؛ إذ فسره ~~بقوله : مفروضا إعجابك حسنهن ، وقال صاحب ( الكشاف ) هنا إن الشرط في مثله ~~لمجرد التسوية وهي لا تقتضي جوابا على الصحيح لخروجها عن معنى الشرطية ~~وإنما يقدرون الجواب توضيحا للمعنى وتصويرا له اه . وسمى المتأخرون من ~~النحاة ( إن ولو ) هاتين وصليتين ، وفسره التفتازاني في ( المطول ) بأنهما ~~لمجرد الوصل والربط في مقام التأكيد . # وإذ قد تحققت معنى هذا الشرط فقد حان أن نبين لك وجه الحق في الواو ~~المقارنة له المختلف فيها ذلك الاختلاف الذي سمعته ، فإن كان ما بعد الواو ~~معتبرا من جملة الكلام الذي قبلها فلا شبهة في أن الواو للحال وأنه المعنى ~~المراد وهو الغالب ، وإن كان ما بعدها من كلام آخر فهي واو العطف لا محالة ~~عطفت ما بعدها على مضمون الكلام الأول على معنى التلقين ، وذلك كما في قوله ~~تعالى : { قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون } ( الزمر : 43 ) وكذلك ~~الآية التي نحن بصدد تفسيرها ، فإن مجيء همزة الاستفهام دليل على أنه كلام ~~آخر ، وكذلك PageV02P109 بيت : ( قالت بنات العم ) المتقدم ، وإن كان ما ms0911 ~~بعدها من جملة الكلام الأول لكنه منظور فيه إلى جواب سؤال يخطر ببال السامع ~~فالواو للاستئناف البياني الذي عبر عنه الرضي بالاعتراض مثل قول كعب بن ~~زهير : # لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم # أذنب وإن كثرت في الأقاويل # فإن موقع الشرط فيه ليس موقع الحال بل موقع رد سؤال سائل يقول : أتنفي عن ~~نفسك الذنب . وقد كثر القول في إثباته . # وقوله : { لا يعقلون شيئا } أي لا يدركون شيئا من المدركات ، وهذا مبالغة ~~في إلزامهم بالخطأ في اتباع آبائهم من غير تبصر ولا تأمل ، وتقدم القول في ~~كلمة شيء . # ومتعلق { ولا يهتدون } محذوف أي إلى شيء ، وهذه الحالة ممتنعة في نفس ~~الأمر ؛ لأن لآبائهم عقولا تدرك الأشياء ، وفيهم بعض الاهتداء مثل اهتدائهم ~~إلى إثبات وجود الله تعالى وإلى بعض ما عليه أمورهم من الخير كإغاثة ~~الملهوف وقرى الضيف وحفظ العهد ونحو ذلك ، ولهذا صح وقوع ( لو ) الشرطية ~~هنا . وقد أشبعت الكلام على ( لو ) هذه ؛ لأن الكلام عليها لا يوجد مفصلا ~~في كتب النحو ، وقد أجحف فيه صاحب ( المغني ) . # وليس لهذه الآية تعلق بأحكام الاجتهاد والتقليد ؛ لأنها ذم للذين أبوا أن ~~يتبعوا ما أنزل الله ، فأما التقليد فهو تقليد للمتبعين ما أنزل الله . # # | 2 ( 171 ) { ومثل الذين كفروا كمثل الذى ينعق بما لا يسمع إلا دعآء ~~وندآء صم بكم عمى فهم لا يعقلون } . ) 2 # لما ذكر تلقيهم الدعوة إلى اتباع الدين بالإعراض إلى أن بلغ قوله : { ~~وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه أباءنا } ( ~~البقرة : 170 ) ، وذكر فساد عقيدتهم إلى أن بلغ قوله : { ومن الناس من يتخذ ~~من دون الله أندادا } ( البقرة : 165 ) الآية ، فالمراد بالذين كفروا ~~المضروب لهم المثل هنا هو عين المراد من { الناس } في قوله : { ومن الناس ~~من يتخذ من دون الله أندادا } وعين المراد من { الذين ظلموا } في قوله : { ~~ولو يرى الذين ظلموا } ( البقرة : 165 ) ، وعين الناس في قوله : { يأيها ~~الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا } ( البقرة : 168 ) ، وعين المراد من ~~ضمير ms0912 الغائب في قوله : PageV02P110 { وإذا قيل لهم } ( البقرة : 170 ) ، ~~عقب ذلك كله بتمثيلل فظيع حالهم إبلاغا في البيان واستحضارا لهم بالمثال ، ~~وفائدة التمثيل تقدمت عند قوله تعالى : { مثلهم كمثل الذي استوقد نارا } ( ~~البقرة : 17 ) . وإنما عطفه بالواو هنا ولم يفصله كما فصل قوله : { مثلهم ~~كمثل الذي استوقد نارا } لأنه أريد هنا جعل هذه صفة مستقلة لهم في تلقي ~~دعوة الإسلام ولو لم يعطفه لما صح ذلك . # والمثل هنا لما أضيف إلى { الذين كفروا } كان ظاهرا في تشبيه حالهم عند ~~سماع دعوة النبي صلى الله عليه وسلم إياهم إلى الإسلام بحال الأنعام عند ~~سماع دعوة من ينعق بها في أنهم لا يفهمون إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~يدعوهم إلى متابعته من غير تبصر في دلائل صدقه وصحة دينه ، فكل من الحالة ~~المشبهة والحالة المشبه بها يشتمل على أشياء : داعع ومدعو ودعوة ، وفهم ~~وإعراض وتصميم ، وكل من هاته الأشياء التي هي أجزاء التشبيه المركب صالح ~~لأن يكون مشبها بجزء من أجزاء المشبه به ، وهذا من أبدع التمثيل وقد أوجزته ~~الآية إيجازا بديعا ، والمقصود ابتداء هو تشبيه حال الكفار لا محالة ، ~~ويستتبع ذلك تشبيه حال النبي وحال دعوته ، وللكفار هنا حالتان : إحداهما ~~حالة الإعراض عن داعي الإسلام ، والثانية حالة الإقبال على عبادة الأصنام ، ~~وقد تضمنت الحالتين الآية السابقة وهي قوله : { وإذا قيل لهم اتبعوا ما ~~أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه أباءنا } ( البقرة : 170 ) وأعظمه ~~عبادة الأصنام ، فجاء هذا المثل بيانا لما طوي في الآية السابقة . # فإن قلت : مقتضى الظاهر أن يقال : ومثل الذين كفروا كمثل غنم الذي ينعق ؛ ~~لأن الكفار هم المشبهون والذي ينعق يشبهه داعي الكفار فلماذا عدل عن ذلك ؟ ~~وهل هذا الأسلوب يدل على أن المقصود تشبيه النبي صلى الله عليه وسلم في ~~دعائه لهم بالذي ينعق ؟ قلت : كلا الأمرين منتف ؛ فإن قوله : { ومثل الذين ~~} ، صريح في أنه تشبيه هيئة بهيئة كما تقدم في قوله تعالى : { مثلهم كمثل ~~الذي استوقد } ( البقرة : 17 ) ، وإذا كان كذلك كانت أجزاء ms0913 المركبين غير ~~منظور إليها استقلالا وأيها ذكرت في جانب المركب المشبه والمربه المشبه به ~~أجزأك ، وإنما كان الغالب أن يبدءوا الجملة الدالة على المركب المشبه به ~~بما يقابل المذكور في المركب المشبه نحو : { مثلهم كمثل الذي استوقد نارا } ~~وقد لا يلتزمون ذلك ، فقد قال الله تعالى : { مثل ما ينفقون في هذه الحياة ~~الدنيا كمثل ريح فيها صر } ( آل عمران : 117 ) الآية . والذي يقابل { ما ~~ينفقون } في جانب المشبه به هو قوله : { حرث قوم } ( آل عمران : 117 ) وقال ~~: { مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع PageV02P111 ~~سنابل } ( البقرة : 261 ) وإنما الذي يقابل { الذين ينفقون } في جانب ~~المشبه به هو زارع الحبة وهو غير مذكور في اللفظ أصلا وقال تعالى : { كالذي ~~ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه ~~تراب } ( البقرة : 264 ) الآية ، والذي يقابل الصفوان في جانب المشبه هو ~~المال المنفق لا الذي ينفق ، وفي الحديث الصحيح ( مثل المسلمين واليهود ~~والنصارى كمثل رجل استأجر أجراء ) الخ ، والذي يقابل الرجل الذي استأجر في ~~جانب المشبه هو الله تعالى في ثوابه للمسلمين وغيرهم ممن آمن قبلنا ، وهو ~~غير مذكور في جانب المشبه أصلا ، وهو استعمال كثير جدا ، وعليه فالتقديرات ~~الواقعة للمفسرين هنا تقادير لبيان المعنى ، والآية تحتمل أن يكون المراد ~~تشبيه حال المشركين في إعراضهم عن الإسلام بحال الذي ينعق بالغنم ، أو ~~تشبيه حال المشركين في إقبالهم على الأصنام بحال الداعي للغنم ، وأيا ما ~~كان فالغنم تسمع صوت الدعاء والنداء ولا تفهم ما يتكلم به الناعق ، ~~والمشركون لم يهتدوا بالأدلة التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم فيكون ~~قوله : { إلا دعاء ونداء } من تكملة أوصاف بعض أجزاء المركب التمثيلي في ~~جانب المشبه به ، وذلك صالح لأن يكون مجرد إتمام للتشبيه إن كان المراد ~~تشبيه المشركين بقلة الإدراك ، ولأن يكون احتراسا في التشبيه إن كان المراد ~~تشبيه الأصنام حين يدعوها المشركون بالغنم حين ينعق بها رعاتها فهي لا تسمع ~~إلا دعاء ونداء ، ومعلوم أن الأصنام ms0914 لا تسمع لا دعاء ولا نداء فيكون حينئذ ~~مثل قوله تعالى : { فهي كالحجارة أو أشد قسوة } ( البقرة : 74 ) ثم قال : { ~~وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار } ( البقرة : 74 ) . # وقد جوز المفسرون أن يكون التمثيل على إحدى الطريقتين ، وعندي أن الجمع ~~بينهما ممكن ولعله من مراد الله تعالى ؛ فقد قدمنا أن التشبيه التمثيلي ~~يحتمل كل ما حملته من الهيئة كلها ، وهيئة المشركين في تلقي الدعوة مشتملة ~~على إعراض عنها وإقبال على دينهم كما هو مدلول قوله تعالى : { وإذا قيل لهم ~~اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع } ( البقرة : 170 ) الآية ، فهذه الحالة ~~كلها تشبه حال الناعق بما لا يسمع ، فالنبي يدعوهم كناعقق بغنم لا تفقه ~~دليلا ، وهم يدعون أصنامهم كناعق بغنم لا تفقه شيئا . ومن بلاغة القرآن ~~صلوحية آياته لمعان كثيرة يفرضها السامع . # والنعق نداء الغنم وفعله كضرب ومنع ولم يقرأ إلا بكسر العين فلعل وزن ضرب ~~فيه أفصح وإن كان وزن منع أقيس ، وقد أخذ الأخطل معنى هذه الآية في قوله ~~يصف جريرا PageV02P112 بأن لا طائل في هجائه الأخطل : # فانعق بضأنك يا جرير فإنما # منتك نفسك في الظلام ضلالا # والدعاء والنداء قيل بمعنى واحد ، فهو تأكيد ولا يصح ، وقيل الدعاء ~~للقريب والنداء للبعيد ، وقيل الدعاء ما يسمع والنداء قد يسمع وقد لا يسمع ~~ولا يصح . # والظاهر أن المراد بهما نوعان من الأصوات التي تفهمها الغنم ، فالدعاء ما ~~يخاطب به الغنم من الأصوات الدالة على الزجر وهي أسماء الأصوات ، والنداء ~~رفع الصوت عليها لتجتمع إلى رعاتها ، ولا يجوز أن يكونا بمعنى واحد مع وجود ~~العطف ؛ لأن التوكيد اللفظي لا يعطف فإن حقيقة النداء رفع الصوت لإسماع ~~الكلام ، أو المراد به هنا نداء الرعاء بعضهم بعضا للتعاون على ذود الغنم ، ~~وسيأتي معنى النداء عند قوله تعالى : { ونودوا أن تلكم الجنة } ( الأعراف : ~~43 ) في سورة الأعراف . # وقوله : { صم بكم عمى } أخبار لمحذوف على طريقة الحذف المعبر عنه في علم ~~المعاني بمتابعة الاستعمال بعد أن أجرى عليهم التمثيل ، والأوصاف إن رجعت ~~للمشركين فهي ms0915 تشبيه بليغ وهو الظاهر وإن رجعت إلى الأصنام المفهومة من ينعق ~~على أحد الاحتمالين المتقدمين فهي حقيقة وتكون شاهدا على صحة الوصف بالعدم ~~لمن لا يصح اتصافه بالملكة كقولك للحائط : هو أعمى ، إلا أن يجاب بأن ~~الأصنام لما فرضها المشركون عقلاء آلهة وأريد إثبات انعدام الإحساس منهم ~~عبر عنها بهذه الأوصاف تهكما بالمشركين فقيل : صم بكم عمي كقول إبراهيم : { ~~يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر } ( مريم : 42 ) . # وقوله : { فهم لا يعقلون } تقريع كمجيء النتيجة بعد البرهان ، فإن كان ~~ذلك راجعا للمشركين فالاستنتاج عقب الاستدلال ظاهر لخفاء النتيجة في بادىء ~~الرأي ، أي إن تأملتم وجدتموهم لا يعقلون ؛ لأنهم كالأنعام والصم والبكمم ~~الخ ، وإن كان راجعا للأصنام فالاستنتاج للتنبيه على غباوة المشركين الذين ~~عبدوها . ومجيء الضمير لهم بضمير العقلاء تهكم بالمشركين لأنهم جعلوا ~~الأصنام في أعلى مراتب العقلاء كما تقدم . # PageV02P113 # | 2 ( 172 ) { ياأيها الذين ءامنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله ~~إن كنتم إياه تعبدون } . ) 2 # اعتراض بخطاب المسلمين بالامتنان عليهم بإباحة ما في الأرض من الطيبات ، ~~جرت إليه مناسبة الانتقال ، فقد انتقل من توبيخ أهل الشرك على أن حرموا ما ~~خلقه الله من الطيبات إلى تحذير المسلمين من مثل ذلك مع بيان ما حرم عليهم ~~من المطعومات ، وقد أعيد مضمون الجملة المتقدمة جملة { يأيها الناس كلوا ~~مما في الأرض } ( البقرة : 168 ) بمضمون جملة { يأيها الذين آمنوا كلوا من ~~طيبات ما رزقناكم } ليكون خطاب المسلمين مستقلا بنفسه ، ولهذا كان الخطاب ~~هنا بيأيها الذين آمنوا ، والكلام على الطيبات تقدم قريبا . # وقوله : { واشكروا لله } معطوف على الأمر بأكل الطيبات الدال على الإباحة ~~والامتنان ، والأمر في { اشكروا } للوجوب لأن شكر المنعم واجب . وتقدم وجه ~~تعدية فعل الشكر بحرف اللام عند قوله تعالى : { واشكروا لي } ( البقرة : ~~152 ) . # والعدول عن الضمير إلى الاسم الظاهر لأن في الاسم الظاهر إشعارا ~~بالإلاهية فكأنه يومىء إلى ألا تشكر الأصنام ؛ لأنها لم تخلق شيئا مما على ~~الأرض باعتراف المشركين أنفسهم فلا تستحق شكرا . وهذا من جعل اللقب ms0916 ذا ~~مفهوم بالقرينة ؛ إذ الضمير لا يصلح لذلك إلا في مواضع . ولذلك جاء بالشرط ~~فقال : { إن كنتم إياه تعبدون } أي اشكروه على ما رزقكم إن كنتم ممن يتصف ~~بأنه لا يعبد إلا الله أي إن كنتم هذا الفريق وهذه سجيتكم ، ومن شأن كان ~~إذا جاءت وخبرها جملة مضارعية أن تدل على الاتصاف بالعنوان لا على الوقوع ~~بالفعل مثل قوله : { إن كنتم للرؤيا تعبرون } ( يوسف : 43 ) أي إن كان هذا ~~العلم من صفاتكم ، والمعنى إن كنتم لا تشركون معه في العبادة غيره فاشكروه ~~وحده . فالمراد بالعبادة هنا الإعتقاد بالإلاهية والخضوع والاعتراف وليس ~~المراد بها الطاعات الشرعية . وجواب الشرط محذوف أغني عنه ما تقدم من قوله ~~{ واشكروا } . # PageV02P114 $ 2 ( 173 ) { إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ومآ ~~أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا & # 1764 إثم عليه إن الله غفور رحيم } . ) 2 $ # استئناف بياني ، ذلك أن الإذن بأكلل الطيبات يثير سؤال من يسأل ما هي ~~الطيبات فجاء هذا الاستئناف مبينا المحرماتت وهي أضداد الطيبات ، لتعرف ~~الطيبات بطريق المضادة المستفادة من صيغة الحصر ، وإنما سلك طريق بيان ضد ~~الطيبات للاختصار ؛ فإن المحرمات قليلة ، ولأن في هذا الحصر تعريضا ~~بالمشركين الذين حرموا على أنفسهم كثيرا من الطيبات وأحلوا الميتة والدم ، ~~ولما كان القصر هنا حقيقيا لأن المخاطب به هم المؤمنون وهم لا يعتقدون خلاف ~~ما يشرع لهم ، لم يكن في هذا القصر قلب اعتقاد أحد وإنما حصل الرد به على ~~المشركين بطريقة التعريض . # و { إنما } بمعنى ما وإلا أي ما حرم عليكم إلا الميتة وما عطف عليها ، ~~ومعلوم من المقام أن المقصود ما حرم من المأكولات . # والحرام : الممنوع منعا شديدا . # والميتة بالتخفيف هي في أصل اللغة الذات التي أصابها الموت فمخففها ~~ومشددها سواء كالميتت والميت ، ثم خص المخفف مع التأنيث بالدابة التي تقصد ~~ذكاتها إذا ماتت بدون ذكاة ، فقيل : إن هذا من نقل الشرع وقيل : هو حقيقة ~~عرفية قبل الشرع وهو الظاهر بدليل إطلاقها في القرآن على هذا المعنى . # وقرأ ms0917 الجمهور ( الميتة ) بتخفيف الياء وقرأه أبو جعفر بتشديد الياء . # وإضافة التحريم إلى ذات الميتة وما عطف عليها هو من المسألة الملقبة في ~~أصول الفقه بإضافة التحليل والتحريم إلى الأعيان ، ومحمله على تحريم ما ~~يقصد من تلك العين باعتبار نوعها نحو { حرمت عليكم الميتة } ( المائدة : 3 ~~) أو باعتبار المقام نحو { حرمت عليكم أمهاتكم } ( النساء : 23 ) فيقدر في ~~جميع ذلك مضاف يدل عليه السياق ، أو يقال : أقيم اسم الذات مقام الفعل ~~المقصود منها للمبالغة ، فإذا تعين ما تقصد له قصر التحريم والتحليل على ~~ذلك ، وإلا عمم احتياطا ، فنحو { حرمت عليكم أمهاتكم } متعين لحرمة تزوجهن ~~وما هو من توابع ذلك كمات اقتضاه السياق ، فلا يخطر بالبال أن يحرم تقبيلهن ~~أو محادثتهن ، ونحو : { فاجتنبوه } ( المائدة : 90 ) بالنسبة إلى الميسر ~~PageV02P115 والأزلام متعين لاجتناب اللعب بها دون نجاسة ذواتها . # والميتة هنا عام ؛ لأنه معرف بلام الجنس ، فتحريم أكل الميتة هو نص الآية ~~وصريحها لوقوع فعل { حرم } بعد قوله : { كلوا من طيبات ما رزقناكم } ( ~~البقرة : 172 ) وهذا القدر متفق عليه بين علماء الإسلام ، واختلفوا فيما ~~عدا الأكل من الانتفاع بأجزاء الميتة كالانتفاع بصوفها وما لا يتصل بلحمها ~~مما كان ينتزع منها في وقت حياتها فقال مالك : يجوز الانتفاع بذلك ، ولا ~~ينتفع بقرنها وأظلافها وريشها وأنيابها لأن فيها حياة إلا ناب الفيل المسمى ~~العاج ، وليس دليله على هذا التحريم منتزعا من هذه الآية ولكنه أخذ بدلالة ~~الإشارة ؛ لأن تحريم أكل الميتة أشار إلى خباثة لحمها وما في معناها ، وقال ~~الشافعي : يحرم الانتفاع بكل أجزاء الميتة ، ولا دليل له من فعل { حرم } ؛ ~~لأن الفعل في حيز الإثبات لا عموم له ، ولأن لفظ { الميتة } كل وليس كليا ~~فليس من صيغ العموم ، فيرجع الاستدلال به إلى مسألة الخلاف في الأخذ بأوائل ~~الأسماء أو أواخرها وهي مسألة ترجع إلى إعمال دليل الاحتياط وفيه مراتب ~~وعليه قرائن ولا أحسبها متوافرة هنا ، وقال أبو حنيفة لا يجوز الانتفاع ~~بالميتة بوجه ولا يطعمها الكلاب ولا الجوارح ، لأن ذلك ضرب من الانتفاع بها ~~وقد حرمها الله ms0918 تحريما مطلقا معلقا بعينها مؤكدا به حكم الحظر ، فقوله ~~موافق لقول مالك فيما عدا استدلاله . # وأما جلد الميتة فله شبه من جهة ظاهره كشبه الشعر والصوف ، ومن جهة باطنه ~~كشبه اللحم ، ولتعارض هذين الشبهين اختلف الفقهاء في الانتفاع بجلد الميتة ~~إذا دبغ فقال أحمد ابن حنبل : لا يطهر جلد الميتة بالدبغ ، وقال أبو حنيفة ~~والشافعي : يطهر بالدبغ ما عدا جلد الخنزير لأنه محرم العين ، ونسب هذا إلى ~~الزهري ، وألحق الشافعي جلد الكلب بجلد الخنزير ، وقال مالك يطهر ظاهر ~~الجلد بالدبغ لأنه يصير صلبا لا يداخله ما يجاوره ، وأما باطنه فلا يطهر ~~بالدبغ ولذلك قال : يجوز استعمال جلد الميتة المدبوغ في غير وضع الماء فيه ~~، ومنع أن يصلي به أو عليه ، وقول أبي حنيفة أرجح للحديث الصحيح أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم رأى شاة ميتة كانت لميمونة أم المؤمنين فقال ( هلا ~~أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به ) ، ولما جاء في الحديث الآخر من قوله : ~~( أيما إهابب دبغ فقد طهر ) ( ) ، ويظهر أن هذين الخبرين لم يبلغا مبلغ ~~الصحة عند مالك ولكن صحتهما ثبتت عند غيره ، والقياس يقتضي طهارة الجلد ~~المدبوغ PageV02P116 لأن الدبغ يزيل ما في الجلد من توقع العفونة العارضة ~~للحيوان غير المذكى فهو مزيل لمعنى القذارة والخباثة العارضتين للميتة . # ويستثنى من عموم الميتة ميتة الحوت ونحوه من دواب البحر التي لا تعيش في ~~البر وسيأتي الكلام عليها عند قوله تعالى : { أحل لكم صيد البحر وطعامه } ( ~~المائدة : 96 ) في سورة العقود . # واعلم أن حكمة تحريم الميتة فيما أرى هي أن الحيوان لا يموت غالبا إلا ~~وقد أصيب بعلة والعلل مختلفة وهي تترك في لحم الحيوان أجزاء منها فإذا ~~أكلها الإنسان قد يخالط جزءا من دمه جراثيم الأمراض ، مع أن الدم الذي في ~~الحيوان إذا وقفت دورته غلبت فيه الأجزاء الضارة على الأجزاء النافعة ، ~~ولذلك شرعت الذكاة لأن المذكى مات من غير علة غالبا ولأن إراقة الدم الذي ~~فيه تجعل لحمه نقيا مما يخشى منه أضرار . # ومن أجل هذا قال مالك في الجنين ms0919 : إن ذكاته ذكاة أمه ؛ لأنه لاتصاله ~~بأجزاء أمه صار استفراغ دم أمه استفراغا لدمه ولذلك يموت بموتها فسلم من ~~عاهة الميتة وهو مدلول الحديث الصحيح ( ذكاة الجنين ذكاة أمه ) وبه أخذ ~~الشافعي ، وقال أبو حنيفة لا يؤكل الجنين إذا خرج ميتا فاعتبر أنه ميتة لم ~~يذك ، وتناول الحديث بما هو معلوم في الأصول ، ولكن القياس الذي ذكرناه في ~~تأييد مذهب مالك لا يقبل تأويلا . # وقد ألحق بعض الفقهاء بالحوت الجراد تؤكل ميتته لأنه تتعذر ذكاته وهو قول ~~ابن نافع وابن عبد الحكم من المالكية تمسكا بما في ( صحيح مسلم من حديث عبد ~~الله بن أبي أوفى ( غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات كنا ~~نأكل الجراد معه ) اه . # وسواء كان معه ظرفا لغوا متعلقا بنأكل أم كان ظرفا مستقرا حالا من ضمير ( ~~كنا ) فهو يقتضي الإباحة إما بأكله صلى الله عليه وسلم إياه وإما بتقريره ~~ذلك فتخص به الآية لأنه حديث صحيح ، وأما حديث ( أحلت لنا ميتتان السمك ~~والجراد ) فلا يصلح للتخصيص لأنه ضعيف كما قال ابن العربي في ( الأحكام ) ، ~~ومنعه مالك وجمهور أصحابه إلا أن يذكى ذكاة أمثاله كالطرح في الماء السخن ~~أو قطع ما لا يعيش بقطعه . # ولعل مالك رحمه الله استضعف الحديث الذي في مسلم أو حمله على الاضطرار في ~~السفر أو حمله على أنهم كانوا يصنعون به ما يقوم مقام الذكاة قال ابن وهب : ~~إن ضم الجراد في غرائر PageV02P117 فضمه ذلك ذكاة له ، وقد ذكر في ( الموطأ ~~) حديث عمر وقول كعب الأحبار في الجراد إنه من الحوت وبينت توهم كعب ~~الأحبار في كتابي المسمى ( كشف المغطى على الموطأ ) . # وأما الدم فإنما نص الله على تحريمه لأن العرب كانت تأكل الدم ، كانوا ~~يأخذون المباعر فيملأونها دما ثم يشوونها بالنار ويأكلونها ، وحكمة تحريم ~~الدم أن شربه يورث ضراوة في الإنسان فتغلظ طباعه ويصير كالحيوان المفترس ، ~~وهذا مناف لمقصد الشريعة ، لأنها جاءت لإتمام مكارم الأخلاق وإبعاد الإنسان ~~عن التهور والهمجية ، ولذلك قيد في بعض الآيات بالمسفوح ms0920 أي المهراق ، لأنه ~~كثير لو تناوله الإنسان اعتاده ولو اعتاده أورثه ضراوة ، ولذا عفت الشريعة ~~عما يبقى في العروق بعد خروج الدم المسفوح بالذبح أو النحر ، وقاس كثير من ~~الفقهاء نجاسة الدم على تحريم أكله وهو مذهب مالك ، ومداركهم في ذلك ضعيفة ~~، ولعلهم رأوا مع ذلك أن فيه قذارة . # والدم معروف مدلوله في اللغة وهو إفراز من المفرزات الناشئة عن الغذاء ~~وبه الحياة وأصل خلقته في الجسد آتت من انقلاب دم الحيض في رحم الحامل إلى ~~جسد الجنين بواسطة المصران المتصل بين الرحم وجسد الجنين وهو الذي يقطع حين ~~الولادة ، وتجدده في جسد الحيوان بعد بروزه من بطن أمه يكون من الأغذية ~~بواسطة هضم الكبد للغذاء المنحدر إليها من المعدة بعد هضمه في المعدة ويخرج ~~من الكبد مع عرق فيها فيصعد إلى القلب الذي يدفعه إلى الشرايين وهي العروق ~~الغليظة وإلى العروق الرقيقة بقوة حركة القلب بالفتح والإغلاق حركة ماكينية ~~هوائية ، ثم يدور الدم في العروق منتقلا من بعضها إلى بعض بواسطة حركات ~~القلب وتنفس الرئة وبذلك الدوران يسلم من التعفن فلذلك إذا تعطلت دورته حصة ~~طويلة مات الحيوان . # ولحم الخنزير هو لحم الحيوان المعروف بهذا الاسم . وقد قال بعض المفسرين ~~: إن العرب كانوا يأكلون الخنزير الوحشي دون الإنسي ، أي لأنهم لم يعتادوا ~~تربية الخنازير وإذا كان التحريم واردا على الخنزير الوحشي فالخنزير الإنسي ~~أولى بالتحريم أو مساو للوحشي . # وذكر اللحم هنا لأنه المقصود للأكل فلا دلالة في ذكره على إباحة شيء آخر ~~منه ولا على عدمها ، فإنه قد يعبر ببعض الجسم على جميعه كقوله تعالى عن ~~زكرياء { رب إني وهن العظم مني } ( مريم : 4 ) ، وأما نجاسته ونجاسة شعره ~~أو إباحتها فذلك غرض آخر ليس هو المراد من الآية . PageV02P118 # وقد قيل في وجه ذكر اللحم هنا وتركه في قوله : { إنما حرم عليكم الميتة } ~~وجوه قال ابن عطية : إن المقصد الدلالة على تحريم عينه ذكي أم لم يذك اه . ~~ومراده بهذا ألا يتوهم متوهم أنه إنما يحرم إذا كان ميتة وفيه ms0921 بعد ، وقال ~~الألوسي خصه لإظهار حرمته ، لأنهم فضلوه على سائر اللحوم فربما استعظموا ~~وقوع تحريمه اه . يريد أن ذكره لزيادة التغليظ أي ذلك اللحم الذي تذكرونه ~~بشراهة ، ولا أحسب ذلك ، لأن الذين استجادوا لحم الخنزير هم الروم دون ~~العرب ، وعندي أن إقحام لفظ اللحم هنا إما مجرد تفنن في الفصاحة وإما ~~للإيماء إلى طهارة ذاته كسائر الحيوان ، وإنما المحرم أكله لئلا يفضي ~~تحريمه بالناس إلى قتله أو تعذيبه ، فيكون فيه حجة لمذهب مالك بطهارة عين ~~الخنزير كسائر الحيوان الحي ، وإما للترخيص في الانتفاع بشعره لأنهم كانوا ~~يغرزون به الجلد . # وحكمة تحريم لحم الخنزير أنه يتناول القاذورات بإفراط فتنشأ في لحمه دودة ~~مما يقتاته لا تهضمها معدته فإذا أصيب بها آكله قتلته . # ومن عجيب ما يتعرض له المفسرون والفقهاء البحث في حرمة خنزير الماء وهي ~~مسألة فارغة إذ أسماء أنواع الحوت روعيت فيها المشابهة كما سموا بعض الحوت ~~فرس البحر وبعضه حمام البحر وكلب البحر ، فكيف يقول أحد بتأثير الأسماء ~~والألقاب في الأحكام الشرعية وفي ( المدونة ) توقف مالك أن يجيب في خنزير ~~الماء وقال : أنتم تقولون خنزير . قال ابن شأس : رأى غير واحد أن توقف مالك ~~حقيقة لعموم { أحل لكم صيد البحر } ( المائدة : 96 ) وعموم قوله تعالى : { ~~ولحم الخنزير } ورأى بعضهم أنه غير متوقف فيه حقيقة ، وإنما امتنع من ~~الجواب إنكارا عليهم تسميتهم إياه خنزيرا ولذلك قال أنتم تسمونه خنزيرا ~~يعني أن العرب لم يكونوا يسمونه خنزيرا وأنه لا ينبغي تسميته خنزيرا ثم ~~السؤال عن أكله حتى يقول قائلون أكلوا لحم الخنزير ، أي فيرجع كلام مالك ~~إلى صون ألفاظ الشريعة ألا يتلاعب بها ، وعن أبي حنيفة أنه منع أكل خنزير ~~البحر غير متردد أخذا بأنه سمي خنزيرا ، وهذا عجيب منه وهو المعروف بصاحب ~~الرأي ، ومن أين لنا ألا يكون لذلك الحوت اسم آخر في لغة بعض العرب فيكون ~~أكله محرما على فريق ومباحا لفريق . # وقوله تعالى : { وما أهل به لغير الله } أي ما أعلن به أو نودي عليه بغير ~~اسم الله ms0922 تعالى ، وهو مأخوذ من أهل إذا رفع صوته بالكلام ومثله استهل ~~ويقولون : استهل الصبي صارخا إذا رفع PageV02P119 صوته بالبكاء ، وأهل ~~بالحج أو العمرة إذا رفع صوته بالتلبية عند الشروع فيهما ، والأقرب أنه ~~مشتق من قول الرجل : هلا لقصد التنبيه المستلزم لرفع الصوت وهلا أيضا اسم ~~صوت لزجر الخيل ، وقيل مشتق من الهلال ، لأنهم كانوا إذا رأوا الهلال نادى ~~بعضهم بعضا وهو عندي من تلفيقات اللغويين وأهل الاشتقاق ، ولعل اسم الهلال ~~إن كان مشتقا وكانوا يصيحون عند رؤيته وهو الذي اشتق من هل وأهل بمعنى رفع ~~صوته ، لأن تصاريف أهل أكثر ، ولأنهم سموا الهلال شهرا من الشهرة كما سيأتي ~~. # وكانت العرب في الجاهلية إذا ذبحت أو نحرت للصنم صاحوا باسم الصنم عند ~~الذبح فقالوا باسم اللات أو باسم العزى أو نحوهما ، وكذلك كان عند الأمم ~~التي تعبد آلهة إذا قربت لها القرابين ، وكان نداء المعبود ودعاؤه عند ~~الذبح إليه عادة عند اليونان كما جاء في ( الإلياذة ) لهوميروس . # فأهل في الآية مبني للمجهول أي ما أهل عليه المهل غير اسم الله ، وضمن ( ~~أهل ) معنى تقرب فعدي لمتعلقه بالباء وباللام مثل تقرب ، فالضمير المجرور ~~بالباء عائد إلى { ما أهل } ، وفائدة هذا التضمين تحريم ما تقرب به لغير ~~الله تعالى سواء نودي عليه باسم المتقرب إليه أم لا ، والمراد بغير الله ~~الأصنام ونحوها . # وأما ما يذبحه سودان بلدنا بنية أن الجن تشرب دمه ولا يذكرون اسم الله ~~عليه زعما بأن الجن تفر من نورانية اسم الله فالظاهر أنه لا يجوز أكله وإن ~~كان الذين يفعلونه مسلمين ولا يخرجهم ذلك عن الإسلام . وقال ابن عرفة في ( ~~تفسيره ) : الأظهر جواز أكله لأنه لم يهل به لغير الله . # وقوله : ( فمن اضطر ) الخ الفاء فيه لتفريع الإخبار لا لتفريع المعنى ، ~~فإن معنى رفع الحرج عن المضطر لا ينشأ عن التحريم ، والمضطر هو الذي ألجأته ~~الضرورة أي الحاجة أي اضطر إلى أكل شيء من هذه المحرمات فلا إثم عليه ، ~~وقوله : { غير باغ ولا عاد } حال ، والبغي الظلم ، والعدوان المحاربة ms0923 ~~والقتال ، ومجيء هذه الحال هنا للتنويه بشأن المضطر في حال إباحة هاته ~~المحرمات له بأنه بأكلها يكون غير باغ ولا عاد ، لأن الضرورة تلجىء إلى ~~البغي والاعتداء فالآية إيماء إلى علة الرخصة وهي رفع البغي والعدوان بين ~~الأمة ، وهي أيضا إيماء إلى حد الضرورة وهي الحاجة التي يشعر عندها من لم ~~يكن دأبه البغي والعدوان بأنه سيبغي ويعتدي PageV02P120 وهذا تحديد منضبط ، ~~فإن الناس متفاوتون في تحمل الجوع ولتفاوت الأمزجة في مقاومته ، ومن ~~الفقهاء من يحدد الضرورة بخشية الهلاك ومرادهم الإفضاء إلى الموت والمرض ~~وإلا فإن حالة الإشراف على الموت لا ينفع عندها الأكل ، فعلم أن نفي الإثم ~~عن المضطر فيما يتناوله من هذه المحرمات منوط بحالة الاضطرار ، فإذا تناول ~~ما أزال به الضرورة فقد عاد التحريم كما كان ، فالجائع يأكل من هاته ~~المحرمات إن لم يجد غيرها أكلا يغنيه عن الجوع وإذا خاف أن تستمر به الحاجة ~~كمن توسط فلاة في سفر أن يتزود من بعض هاته الأشياء حتى إن استغنى عنها ~~طرحها ، لأنه لا يدري هل يتفق له وجدانها مرة أخرى . # ومن عجب الخلاف بين الفقهاء أن ينسب إلى أبي حنيفة والشافعي أن المضطر لا ~~يشبع ولا يتزود خلافا لمالك في ذلك والظاهر أنه خلاف لفظي والله تعالى يقول ~~: { إن الله غفور رحيم } في معرض الامتنان فكيف يأمر الجائع بالبقاء على ~~بعض جوعه ويأمر السائر بالإلقاء بنفسه إلى التهلكة إن لم يتزود ، وقد فسر ~~قوله { غير باغ ولا عاد } بتفاسير أخرى فعن الشافعي أنه غير الباغي والعادي ~~على الإمام لا عاص بسفره فلا رخصة له فلا يجوز له أكل ذلك عند الاضطرار ~~فأجاب المالكية : بأن عصيانه بالسفر لا يقتضي أن يؤمر بمعصية أكبر وهي ~~إتلاف نفسه بترك أكل ما ذكر وهو إلجاء مكين . # ومما اختلفوا في قياسه على ضرورة الجوع ضرورة التداوي ، فقيل لا يتداوى ~~بهاته المحرمات ولا بشيء مما حرم الله كالخمر وهذا قول مالك والجمهور ، ولم ~~يزل الناس يستشكلونه لاتحاد العلة وهي حفظ الحياة ، وعندي أن وجهه ms0924 أن تحقق ~~العلة فيه منتف إذ لم يبلغ العلم بخصائص الأدوية ظن نفعها كلها إلا ما جرب ~~منها ، وكم من أغلاط كانت للمتطببين في خصائص الدواء ، ونقل الفخر عن بعضهم ~~إباحة تناول المحرمات في الأدوية ، وعندي أنه إذا وقع قوة ظن الأطباء ~~الثقات بنفع الدواء المحرم من مرض عظيم وتعينه أو غلب ذلك في التجربة ~~فالجواز قياسا على أكل المضطر وإلا فلا . # وقرأ بو جعفر : { فمن اضطر } بكسر الطاء ، لأن أصله اضطرر براءين أولاهما ~~مكسورة فلما أريد إدغام الراء الأولى في الثانية نقلت حركتها إلى الطاء بعد ~~طرح حركة الطاء . # وقوله : { إن الله غفور رحيم } تذييل قصد به الامتنان ، أي إن الله موصوف ~~بهذين الوصفين فلا جرم أن يغفر للمضطر أكل الميتة لأنه رحيم بالناس ، ~~فالمغفرة هنا بمعنى التجاوز PageV02P121 عما تمكن المؤاخذة عليه لا بمعنى ~~تجاوز الذنب ، ونحوه قوله صلى الله عليه وسلم في رؤيا القليب ( وفي نزعه ~~ضعف والله يغفر له ) . ومعنى الآية : أن رفع الإثم عن المضطر حكم يناسب من ~~اتصف بالمغفرة والرحمة . # # | 2 ( 174 ) { إن الذين يكتمون مآ أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا ~~قليلا أولائك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ~~ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم } . ) 2 # عود إلى محاجة أهل الكتاب لاحق بقوله تعالى : { إن الذين يكتمون ما ~~أنزلنا من البينات والهدى } ( البقرة : 159 ) بمناسبة قوله : { إنما حرم ~~عليكم الميتة والدم } ( البقرة : 173 ) تحذيرا للمسلمين مما أحدثه اليهود ~~في دينهم من تحريم بعض ما أحل الله لهم وتحليل بعض ما حرم الله عليهم ؛ ~~لأنهم كانوا إذا أرادوا التوسيع والتضييق تركوا أن يقرؤا من كتابهم ما ~~غيروا العمل بأحكامه كما قال تعالى : { تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون ~~كثيرا } ( الأنعام : 91 ) كما فعلوا في ترك قراءة حكم رجم الزاني في ~~التوراة حين دعا النبي صلى الله عليه وسلم أحد اليهود ليقرأ ذلك الحكم من ~~التوراة فوضع اليهودي يده على الكلام الوارد في ذلك كما أخرجه البخاري في ~~كتاب الحدود ، ولجريانه على مناسبة ms0925 إباحة ما أبيح من المأكولات جاء قوله ~~هنا { أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار } لقصد المشاكلة . # وفي هذا تهيئة للتخلص إلى ابتداء شرائع الإسلام ؛ فإن هذا الكلام فيه ~~إبطال لما شرعه أهل الكتاب في دينهم فكون التخلص ملونا بلوني الغرض السابق ~~والغرض اللاحق . # وعدل عن تعريفهم بغير الموصول إلى الموصول لما في الصلة من الإيماء إلى ~~سبب الخبر وعلته نحو قوله تعالى : { إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون ~~جهنم داخرين } ( غافر : 60 ) . # والقول في الكتمان تقدم عند قوله تعالى : { إن الذين يكتمون ما أنزلنا من ~~البينات والهدى } ( البقرة : 159 ) والكتاب المذكور هنا هو الكتاب المعهود ~~من السياق وهو كتاب { الذين يكتمون } ، فيشبه أن تكون ( أل ) عوضا عن ~~المضاف إليه ، والذين يكتمونه هم اليهود والنصارى أي يكتمون البشارة بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم ويكتمون بعض الأحكام التي بدلوها . PageV02P122 # وقوله : { ويشترون به ثمنا قليلا } تقدم تفسيره عند قوله تعالى : { ولا ~~تشتروا بآياتي ثمنا قليلا } ( البقرة : 41 ) وهو المال الذي يأخذونه من ~~الناس جزاء على إفتائهم بما يلائم هواهم مخالفا لشرعهم أو على الحكم بذلك ، ~~فالثمن يطلق على الرشوة لأنها ثمن يدفع عوضا عن جور الحاكم وتحريف المفتي . # وقوله : { أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار } جيء باسم الإشارة ~~لإشهارهم لئلا يخفى أمرهم على الناس وللتنبيه على أن ما يخبر به عن اسم ~~الإشارة استحقوه بسبب ما ذكر قبل اسم الإشارة ، كما تقدم في قوله تعالى : { ~~أولئك هلى هدى من ربهم } ( البقرة : 5 ) ، وهو تأكيد للسببية المدلول عليها ~~بالموصول ، وفعل { يأكلون } مستعار لأخذ الرشا المعبر عنهابالثمن والظاهر ~~أنه مستعمل في زمان الحال ، أي ما يأكلون وقت كتمانهم واشترائهم إلا النار ~~لأنه الأصل في المضارع . # والأكل مستعار للانتفاع مع الإخفاء ، لأن الأكل انتفاع بالطعام وتغييب له ~~فهو خفي لا يظهر كحال الرشوة ، ولما لم يكن لآكل الرشوة على كتمان الأحكام ~~أكل نار تعين أن في الكلام مجازا ، فقيل هو مجاز عقلي في تعلق الأكل بالنار ~~وليست هي له وإنما له سببها أعني الرشوة ms0926 ، قال التفتازاني : وهو الذي يوهمه ~~ظاهر كلام ( الكشاف ) لكنه صرح أخيرا بغيره ، وقيل هو مجاز في الطرف بأن ~~أطلق لفظ النار على الرشوة إطلاقا للاسم على سببه قال التفتازاني : وهو ~~الذي صرح به في ( الكشاف ) ونظره بقول الأعرابي يوبخ امرأته وكان يقلاها : # أكلت دما إن لم أرعكك بضرة # بعيدة مهوى القرط طيبة النشر # أراد الحلف بطريقة الدعاء على نفسه أن يأكل دما أي دية دمم فقد تضمن ~~الدعاء على نفسه بقتل أحد أقاربه وبذهاب مروءته ، لأنهم كانوا يتعيرون بأخذ ~~الدية عن القتيل ولا يرضون إلا بالقود . # واختار عبد الحكيم أنه استعارة تمثيلية شبهت الهيئة الحاصلة من أكلهم ~~الرشا بالهيئة المنتزعة من أكلهم النار وأطلق المركب الدال على الهيئة ~~المشبه بها على الهيئة المشبهة . # قلت : ولا يضر كون الهيئة المشبه بها غير محسوسة لأنها هيئة متخيلة كقوله ~~: ( أعلام ياقوت نشرن على رماحح من زبرجد ) فالمركب الذي من شأنه أن يدل ~~على الهيئة المشبهة PageV02P123 أن يقال : أولئك ما يأخذون إلا أخذا فظيعا ~~مهلكا فإن تناولها كتناول النار للأكل فإنه كله هلاك من وقت تناولها باليد ~~إلى حصولها في البطن ، ووجه كون الرشوة مهلكة أن فيها اضمحلال أمر الأمة ~~وذهاب حرمة العلماء والدين فتكون هذه الاستعارة بمنزلة قوله تعالى : { ~~وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها } ( آل عمران : 103 ) أي على وشك ~~الهلاك والاضمحلال . # والذي يدعو إلى المصير للتمثيلية هو قوله تعالى : { في بطونهم } فإن ~~الرشوة لا تؤكل في البطن فيتعين أن يكون المركب كله استعارة ، ولو جعلت ~~الاستعارة في خصوص لفظ النار لكان قوله : { يأكلون في بطونهم } مستعملا في ~~المركب الحقيقي ، وهو لا يصح ، ولولا قوله { في بطونهم } لأمكن أن يقال : ~~إن { يأكلون } هنا مستعمل حقيقة عرفية في غصب الحق ونحو ذلك . # وجوزوا أن يكون قوله : { يأكلون } مستقبلا ، أي ما سيأكلون إلا النار على ~~أنه تهديد ووعيد بعذاب الآخرة ، وهو وجيه ، ونكتة استعارة الأكل هنا إلى ~~اصطلائهم بنار جهنم هي مشاكلة تقديرية لقوله : { يشترون به ثمنا قليلا } ~~فإن المراد بالثمن هنا ms0927 الرشوة ، وقد شاع تسمية أخذ الرشوة أكلا . # وقوله : { ولا يكلمهم الله } نفي للكلام والمراد به لازم معناه وهو ~~الكناية عن الغضب ، فالمراد نفي كلام التكريم ، فلا ينافي قوله تعالى : { ~~فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون } ( الحجر : 93 ) . # وقوله : { ولا يزكيهم } أي لا يثني عليهم في ذلك المجمع ، وذلك إشعار لهم ~~بأنهم صائرون إلى العذاب ؛ لأنه إذا نفيت التزكية أعقبها الذم والتوبيخ ، ~~فهو كناية عن ذمهم في ذلك الجمع إذ ليس يومئذ سكوت . # # | 2 ( 175 ) { أولائك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فمآ ~~أصبرهم على النار } . ) 2 # إن جعلت { أولئك } مبتدأ ثانيا لجملة هي خبر ثان عن المبتدأ الأول وهو ~~اسم { إن } في قوله : { إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب } ( البقرة ~~: 174 ) فالقول فيه كالقول في نظيره وهو { أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا ~~النار } ( البقرة : 174 ) ونكتة تكريره أنه للتنبيه على أن المشار إليه ~~جدير بأحكام أخرى PageV02P124 غير الحكم السابق وأن تلك الأحكام لأهميتها ~~ينبغي ألا تجعل معطوفة تابعة للحكم الأول بل تفرد بالحكمية . # وإن جعلته مبتدأ مستقلا مع جملته فالجملة مستأنفة استئنافا بيانيا لبيان ~~سبب انغماسهم في عذاب النار ؛ لأنه وعيد عظيم جدا يستوجب أن يسأل عنه ~~السائل فيبين بأنهم أخذوا الضلال ونبذوا الهدى واختاروا العذاب ونبذوا ~~المغفرة ، ومجيء المسند إليه حينئذ اسم إشارة لتفظيع حالهم ؛ لأنه يشير لهم ~~بوصفهم السابق وهو كتمان ما أنزل الله من الكتاب . # ومعنى اشتراء الضلالة بالهدى في كتمان الكتاب أن كل آية أخفوها أو ~~أفسدوها بالتأويل فقد ارتفع مدلولها المقصود منها وإذا ارتفع مدلولها نسي ~~العمل بها فأقدم الناس على ما حذرتهم منه ، ففي كتمانهم حق رفع وباطل وضع . # ومعنى اشتراء العذاب بالمغفرة أنهم فعلوا ذلك الكتمان عن عمد وعلم بسوء ~~عاقبته ، فهم قد رضوا بالعذاب وإضاعة المغفرة فكأنهم استبدلوا بالمغفرة ~~العذاب . والقول في معنى { اشتروا } تقدم عند قوله تعالى : { ولا تشتروا ~~بآياتي ثمنا قليلا } ( البقرة : 41 ) . # وقوله : { فما أصبرهم على النار } تعجيب من شدة صبرهم على عذاب النار ، ~~ولما كان ms0928 شأن التعجيب أن يكون ناشئا عن مشاهدة صبرهم على العذاب وهذا الصبر ~~غير حاصل في وقت نزول هاته الآية بني التعجيب على تنزيل غير الواقع منزلة ~~الواقع لشدة استحضار السامع إياه بما وصف به من الصفات الماضية ، وهذا من ~~طرق جعل المحقق الحصول في المستقبل بمنزلة الحاصل ، ومنه التعبير عن ~~المستقبل بلفظ الماضي وتنزيل المتخيل منزلة المشاهد كقول زهير : # تبصر خليلي هل ترى من ظعائن # تحملن بالعلياء من فوقق جرثم # بعد أن ذكر أنه وقف بالدار بعد عشرين حجة ، وقول مالك بن الريب : # دعاني الهوى من أهل ودي وجيرتي # بذي الطيسين فالتفت ورائيا # وقريب منه قوله تعالى : { كلا لو تعلمون علم اليقين ، لترون الجحيم } ( ~~التكاثر : 5 6 ) على جعل { لترون } جواب { لو } . # PageV02P125 # | 2 ( 176 ) { ذالك بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا فى ~~الكتاب لفى شقاق بعيد } . ) 2 # جيء باسم الإشارة لربط الكلام اللاحق بالسابق على طريقة العرب في أمثاله ~~إذا طال الفصل بين الشيء وما ارتبط به من حكم أو علة أو نحوهما كقول ~~النابغة : # وذلك من تلقاء مثلك رائع # بعد قوله : # أتاني أبيت اللعن أنك لمتني # والكلام السابق الأظهر أنه قوله : { فما أصبرهم على النار } ( البقرة : ~~175 ) والمعنى أنهم استحقوا العذاب على كتمانهم بسبب أن الله أنزل الكتاب ~~بالحق فكتمانهم شيئا من الكتاب كتمان للحق وذلك فساد وتغيير لمراد الله ؛ ~~لأن ما يكتم من الحق يخلفه الباطل كما بيناه آنفا فحق عليهم العذاب لكتمانه ~~، لأنه مخالف مراد الله من تنزيله ، وعليه فالكتاب في قوله : { بأن الله ~~نزل الكتاب } هو عين الكتاب المذكور في قوله : { إن الذين يكتمون ما أنزل ~~الله من الكتاب } ( البقرة : 174 ) وهو كتابهم التوراة والإنجيل ليكون ~~الموضوع في العلة والحكم المعلل واحدا ، وعليه فالجملة فصلت من الجملة التي ~~قبلها لجريانها منها مجرى العلة . # ويجوز أن يكون المشار إليه السابق هو الكتمان المأخوذ من { يكتمون } ( ~~البقرة : 174 ) ، أي إنما كتموا ما كتموا بسبب أن الله نزل الكتاب بالحق ~~فعلموا أنه على النعت الذي بشر الله ms0929 به على لسان التوراة . والمعنى أنهم ~~كتموا دلائل صدق النبي حسدا وعنادا ؛ لأن الله أنزل القرآن على محمد ، ~~فالكتاب هنا غير الكتاب في قوله : { إن الذين يكتمون ما أنزل الله من ~~الكتاب } ( البقرة : 174 ) . # والجملة على هذا الوجه استئناف بياني لاستغراب تعمدهم كتمان ما أنزل الله ~~من الكتاب وإن هذا الصنع الشنيع لا يكون إلا عن سبب عظيم ، فبين بقوله ~~تعالى : { ذك بأن الله نزل الكتاب بالحق } . # وقوله : { وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد } تذييل ولكنه عطف ~~بالواو لأنه يتضمن تكملة وصف الذين اشتروا الضلالة بالهدى ووعيدهم ، ~~والمراد بالذين اختلفوا عين المراد من قوله : { الذين يكتمون } ( البقرة : ~~174 ) ، و { الذين اشتروا } ( البقرة : 175 ) ، فالموصولات كلها على نسق ~~واحد . PageV02P126 # والمراد من الكتاب المجرور بفي يحتمل أنه المراد من الكتاب في قوله : { ~~نزل الكتاب } فهو القرآن فيكون من الإظهار في مقام الإضمار ليناسب استقلال ~~جملة التذييل بذاتها ويكون المراد باختلفوا على هذا الوجه أنهم اختلفوا مع ~~الذين آمنوا منهم أو اختلفوا فيما يصفون به القرآن من تكذيب به كله أو ~~تكذيبب ما لا يوافق هواهم وتصديقق ما يؤيد كتبهم ، ويحتمل أن المراد من ~~الكتاب المجرور بفي هو المراد من المنصوب في قوله : { ما أنزل الله من ~~الكتاب } ( البقرة : 174 ) يعني التوراة والإنجيل أي اختلفوا في الذي ~~يقرونه والذي يغيرونه وفي الإيمان بالإنجيل والإيمان بالتوراة ، ومن ~~المحتمل أن يكون المراد بالذين اختلفوا في الكتاب ما يشمل المشركين وأن ~~يكون الاختلاف هو اختلاف معاذيرهم عن القرآن إذ قالوا : سحر أو شعر أو ~~كهانة أو أساطير الأولين . لكنه خروج عن سياق الكلام على أهل الكتاب ، ومن ~~المحتمل أيضا أن يكون المراد بالكتاب الجنس أي الذين اختلفوا في كتب الله ~~فآمنوا ببعضها وكفروا بالقرآن . # وفائدة الإظهار في مقام الإضمار في قوله : { الكتاب } أن يكون التذييل ~~مستقلا بنفسه لجريانه مجرى المثل ، وللمفسرين وجوه كثيرة في قوله : { وإن ~~الذين اختلفوا في الكتاب } متفاوتة البعد . # ووصف الشقاق بالبعيد مجاز عقلي أي بعيد صاحبه عن الوفاق كقوله تعالى ms0930 : { ~~ولا يزالون مختلفين } ( هود : 118 ) . # # | 2 ( 177 ) { ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولاكن البر ~~من ءامن بالله واليوم الاخر والملائكة والكتاب والنبيين وءاتى المال على ~~حبه ذوى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسآئلين وفي الرقاب وأقام ~~الصلواة وءاتى الزكواة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين فى البأسآء ~~والضراء وحين البأس أولائك الذين صدقوا وأولائك هم المتقون } . ) 2 # PageV02P127 # قدمنا عند قوله تعالى : { يأيها الذين آمنوا اتسعينوا بالصبر والصلوات } ~~( البقرة : 153 ) أن قوله : { ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ~~} متصل بقوله تعالى : { سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي ~~كانوا عليها } ( البقرة : 142 ) ، وأنه ختام للمحاجة في شأن تحويل القبلة ، ~~وأن ما بين هذا وذلك كله اعتراض أطنب فيه وأطيل لأخذ معانيه بعضها بحجز ~~بعضض . # فهذا إقبال على خطاب المؤمنين بمناسبة ذكر أحوال أهل الكتاب وحسدهم ~~المؤمنين على اتباع الإسلام مراد منه تلقين المسلمين الحجة على أهل الكتاب ~~في تهويلهم على المسلمين إبطال القبلة التي كانوا يصلون إليها ففي ذلك ~~تعريض بأهل الكتاب . فأهل الكتاب رأوا أن المسلمين كانوا على شيء من البر ~~باستقبالهم قبلتهم فلما تحولوا عنها لمزوهم بأنهم أضاعوا أمرا من أمور البر ~~، يقول عد عن هذا وأعرضوا عن تهويل الواهنين وهبوا أن قبلة الصلاة تغيرت أو ~~كانت الصلاة بلا قبلة أصلا فهل ذلك أمر له أثر في تزكية النفوس واتصافها ~~بالبر ، فذكر المشرق والمغرب اقتصار على أشهر الجهات أو هو للإشارة إلى ~~قبلة اليهود وقبلة النصارى لإبطال تهويل الفريقين على المسلمين حين ~~استقبلوا الكعبة ، ومنهم من جعله لكل من يسمع الخطاب . # والبر سعة الإحسان وشدة المرضاة والخير الكامل الشامل ولذلك توصف به ~~الأفعال القوية الإحسان فيقال : بر الوالدين وبر الحج وقال تعالى : { لن ~~تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } ( آل عمران : 92 ) ، والمراد به هنا بر ~~العبد ربه بحسن المعاملة في تلقي شرائعه وأوامره . # ونفي البر عن استقبال الجهات مع أن منها ما هو مشروع كاستقبال الكعبة : ~~إما لأنه من الوسائل لا من ms0931 المقاصد فلا ينبغي أن يكون الاشتغال به قصارى ~~همة المؤمنين ولذلك أسقطه الله عن الناس في حال العجز والنسيان وصلوات ~~النوافل على الدابة في السفر ، ولذلك قال : { ولكن البر من آمن } إلخ فإن ~~ذلك كله من أهم مقاصد الشريعة وفيه جماع صلاح النفس والجماعة ، ونظير هذا ~~قوله تعالى : { أجعلتم سقاية الحاج } ( التوبة : 19 ) الآيات فيكون النفي ~~على معنى نفي الكمال ، وإما لأن المنفي عنه البر هو استقبال قبلتي اليهود ~~والنصارى فقد تقدم لنا أن ذلك الاستقبال غير مشروع في أصل دينهم ولكنه شيء ~~استحسنه أنبياؤهم ورهبانهم ولذلك نفي البر عن تولية المشرق والمغرب تنبيها ~~على ذلك . # وقرأ الجمهور { ليس البر } برفع { البر } على أنه اسم { ليس } والخبر هو ~~{ أن تولوا } وقرأه حمزة PageV02P128 وحفص عن عاصم بنصب { البر } على أن ~~قوله : { أن تولوا } اسم { ليس } مؤخر ، ويكثر في كلام العرب تقديم الخبر ~~على الاسم في باب كان وأخواتها إذا كان أحد معمولي هذا الباب مركبا من أن ~~المصدرية وفعلها كان المتكلم بالخيار في المعمول الآخر بين أن يرفعه وأن ~~ينصبه وشأن اسم { ليس } أن يكون هو الجدير بكونه مبتدأ به ، فوجه قراءة رفع ~~{ البر } أن البر أمر مشهور معروف لأهل الأديان مرغوب للجميع فإذا جعل ~~مبتدأ في حالة النفي أصغت الأسماع إلى الخبر ، وأما توجيه قراءة النصب فلأن ~~أمر استقبال القبلة هو الشغل الشاغل لهم فإذا ذكر خبره قبله ترقب السامع ~~المبتدأ فإذا سمعه تقرر في علمه . # وقوله : { ولكن البر من آمن } إخبار عن المصدر باسم الذات للمبالغة كعكسه ~~في قولها : ( فإنما هي إقبال وإدبار ) وذلك كثير في الكلام ومنه قوله تعالى ~~: { إن أصبح ماؤكم غورا } ( الملك : 30 ) وقول النابغة : # وقد خفت ما تزيد مخافتي # على وعلل في ذي المطارة عاقل # أي وعل هو مخافة أي خائف ، ومن قدر في مثله مضافا أي بر من آمن أو ولكن ~~ذو البر فإنما عنى بيان المعنى لا أن هنالك مقدارا ؛ لأنه يخرج الكلام عن ~~البلاغة إلى كلام مغول كما قال التفتازاني ، وعن المبرد ms0932 : لو كنت ممن يقرأ ~~لقرأت ولكن البر بفتح الباء ، وكأنه أراد الاستغناء عن التقدير في الإخبار ~~عن البر بجملة : { من آمن } لأن من آمن هو البار لا نفس البر وكيف يقرأ ~~كذلك و { البر } معطوف بلكن في مقابلة البر المثبت فهل يكون إلا عينه ولذا ~~لم يقرأ أحد إلا البر بكسر الباء ، على أن القراءات مروية وليست اختيارا ~~ولعل هذا لا يصح عن المبرد . # وقرأ نافع وابن عامر ( ولكن البر ) بتخفيف النون من لكن ورفع البر على ~~الابتداء وقرأه بقية العشرة بتشديد نون ( لكن ) ونصب ( البر ) والمعنى واحد ~~. # وتعريف { والكتاب } تعريف الجنس المفيد للاستغراق أي آمن بكتب الله مثل ~~التوراة والإنجيل والقرآن ، ووجه التعبير بصيغة المفرد أنها أخف مع عدم ~~التباس التعريف بأن يكون للعهد ؛ لأن عطف ( النبيين ) على ( الكتاب ) قرينة ~~على أن اللام في ( الكتاب ) للاستغراق فأوثرت صيغة المفرد طلبا لخفة اللفظ ~~. وما يظن من أن استغراق المفرد المعرف باللام أشمل من استغراق الجمع ~~المعرف بها ليس جاريا على الاستعمال وإنما توهمه السكاكي في ( المفتاح ) في ~~قوله تعالى : { قال رب إني وهن العظم مني } ( مريم : 4 ) PageV02P129 من ~~كلام وقع في ( الكشاف ) وما نقل عن ابن عباس أنه قرأ قوله تعالى : { كل ~~ءامن با لله وملائكته وكتابه } ( البقرة : 285 ) ، وقال الكتاب أكثر من ~~الكتب فلو صح عنه لم يكن مريدا به توجيه قراءته ( وكتابه ) المعرف بالإضافة ~~بل عنى به الأسماء المنفية بلا التبرئة تفرقة بين نحو لا رجل في الدار ونحو ~~لا رجال في الدار في تطرق احتمال نفي جنس الجموع لا جنس الأفراد على ما فيه ~~من البحث فلا ينبغي التعلق بتلك الكلمة ولا يصح التعلق بما ذكره صاحب ( ~~المفتاح ) . # والذي ينبغي اعتماده أن استغراق المفرد والجمع في المعرف باللام وفي ~~المنفي بلا التبرئة سواء وإنما يختلف تعبير أهل اللسان مرة بصيغة الإفراد ~~ومرة بصيغة الجمع تبعا لحكاية الصورة المستحضرة في ذهن المتكلم والمناسبة ~~لمقام الكلام ، فأما في المنفي بلا النافية للجنس فلك أن تقول لا رجل في ~~الدار ms0933 ولا رجال في الدار على السواء إلا إذا رجح أحد التعبيرين مرجح لفظي ، ~~وأما في المعرف باللام أو الإضافة فكذلك في صحة التعبير بالمفرد والجمع سوى ~~أنه قد يتوهم احتمال إرادة العهد وذلك يعرض للمفرد والجمع ويندفع بالقرائن ~~. # وعلى في قوله : { على حبه } مجاز في التمكن من حب المال مثل { أولئك على ~~هدى } ( البقرة : 5 ) وهي في مثل هذا المقام للتنبيه على أبعد الأحوال من ~~مظنة الوصف فلذلك تفيد مفاد كلمة مع وتدل على معنى الاحتراس كما هي في قوله ~~تعالى : { ويطعمون الطعام على حبه مسكينا } ( الإنسان : 8 ) وقول زهير : # من يلق يوما على علاته هرما # يلق السماحة فيه والندى خلقا # قال الأعلم في ( شرحه ) أي فكيف به وهو على غير تلك الحالة اه . # وليس هذا معنى مستقلا من معاني على بل هو استعلاء مجازي أريد به تحقق ~~ثبوت مدلول مدخولها لمعمول متعلقها ، لأنه لبعد وقوعه يحتاج إلى التحقيق ، ~~والضمير للمال لا محالة والمراد أنه يعطي المال مع حبه للمال وعدم زهادته ~~فيه فيدل على أنه إنما يعطيه مرضاة لله تعالى ولذلك كان فعله هذا برا . # وذكر أصنافا ممن يؤتون المال لأن إتيانهم المال ينجم عنه خيرات ومصالح . # فذكر ذوي القربى أي أصحاب قرابة المعطي فاللام في ( القربى ) عوض عن ~~المضاف إليه ، أمر المرء بالإحسان إليهم لأن مواساتهم تكسبهم محبتهم إياه ~~والتئامهم وهذا التئام القبائل الذي PageV02P130 أراده الله بقوله : { ~~لتعارفوا } ( الحجرات : 13 ) فليس مقيدا بوصف فقرهم كما فسر به بعض ~~المفسرين بل ذلك شامل للهدية لأغنيائهم وشامل للتوسعة على المتضائقين ~~وترفيه عيشتهم ، إذ المقصود هو التحابب . # ثم ذكر اليتامى وهم مظنة الضعف لظهور أن المراد اليتيم المحتاج حاجة دون ~~الفقر وإنما هو فاقد ما كان ينيله أبوه من رفاهية عيشش ، فإيتاؤهم المال ~~يجبر صدع حياتهم . وذكر السائلين وهم الفقراء . والمسكنة : الذل مشتقة من ~~السكون ووزن مسكني مفعيل للمبالغة مثل منطيق . والمسكين الفقير الذي أذله ~~الفقر وقد أتفق أئمة اللغة أن المسكين غير الفقير هو أقل فقرا من الفقير ~~وقيل هو ms0934 أشد فقرا وهذا قول الجمهور وقد يطلق أحدهما في موضع الآخر إذا لم ~~يجتمعا وقد اجتمع في قوله تعالى : { إنما الصدقات للفقراء والمساكين } ( ~~التوبة : 60 ) ونظيرها في ذكر هؤلاء الأربعة قوله تعالى : { يسألونك ماذا ~~ينفعون قل ما أنفقتم من خير فللو الدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن ~~السبيل } ( البقرة : 215 ) . # وذكر السائلين وهم الفقراء كنى عنهم بالسائلين لأن شأن المرء أن تمنع ~~نفسه من أن يسأل الناس لغير حاجة غالبا . فالسؤال علامة الحاجة غالبا ، ولو ~~أدخل الشك في العلامات الاعتيادية لارتفعت الأحكام فلو تحقق غنى السائل لما ~~شرع إعطاؤه لمجرد سؤاله ، ورووا : ( للسائل حق ولو جاء راكبا على فرس ) وهو ~~ضعيف . # وذكر ابن السبيل وهو الغريب أعني الضيف في البوادي ؛ إذ لم يكن في ~~القبائل نزل أو خانات أو فنادق ولم يكن السائر يستصحب معه المال وإنما يحمل ~~زاد يومه ولذلك كان حق الضيافة فرضا على المسلمين أي في البوادي ونحوها . ~~وذكر الرقاب والمراد فداء الأسرى وعتق العبيد . ثم ذكر الزكاة وهي حق المال ~~لأجل الغنى ومصارفها مذكورة في آياتها . # وذكر الوفاء بالعهد لما فيه من الثقة بالمعاهد ومن كرم النفس وكون الجد ~~والحق لها دربة وسجية ، وإنما قيد بالظرف وهو إذا عاهدوا أي وقت حصول العهد ~~فلا يتأخر وفاؤهم طرفة عين ، وفيه تنبيه على وجوب الاحتياط عند بذل العهد ~~بحيث لا يعاهد حتى يتحقق أنه يستطيع الوفاء كأنه يقول : فإن علموا ألا يفوا ~~فلا يعاهدوا . وعطف { والموفون } على { من ءامن بالله } وغير أسلوب الوصف ~~فلم يقل ومن أوفى بعهده للدلالة على مغايرة الوصفين بأن الأول من علائق حق ~~الله تعالى وأصول الدين والثاني من حقوق العباد . # وذكر الصابرين في البأساء لما في الصبر من الخصائص التي ذكرناها عند قوله ~~تعالى : PageV02P131 { واستعينوا بالصبر والصلواة } ( البقرة : 45 ) ثم ذكر ~~مواقعه التي لا يعدوها وهي حالة الشدة ، وحالة الضر ، وحالة القتال ، ~~فالبأساء والضراء اسمان على وزن فعلاء وليسا وصفين إذ لم يسمع لهما أفعل ~~مذكرا ، والبأساء مشتقة من البؤس وهو سوء الحالة من ms0935 فقر ونحوه من المكروه ، ~~قال الراغب : وقد غلب في الفقر ومنه البئيس الفقير ، فالبأساء الشدة في ~~المال ، والضراء شدة الحال على الإنسان مشتقة من الضر ويقابلها السراء وهي ~~ما يسر الإنسان من أحواله ، والبأس النكاية والشدة في الحرب ونحوها ~~كالخصومة { قالوا نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد } ( النمل : 33 ) { بأسهم ~~بينهم شديد } ( الحشر : 14 ) والشر أيضا بأس والمراد به هنا الحرب . # فلله هذا الاستقراء البديع الذي يعجز عنه كل خطيب وحكيم غير العلام ~~الحكيم . وقد جمعت هذه الخصال جماع الفضائل الفردية والاجتماعية الناشىء ~~عنها صلاح أفراد المجتمع من أصول العقيدة وصالحات الأعمال . # فالإيمان وإقام الصلاة هما منبع الفضائل الفردية ، لأنهما ينبثق عنهما ~~سائر التحليات المأمور بها ، والزكاة وإيتاء المال أصل نظام الجماعة صغيرها ~~وكبيرها ، والمواساة تقوى عنها الأخوة والاتحاد وتسدد مصالح للأمة كثيرة ~~ويبذل المال في الرقاب يتعزز جانب الحرية المطلوبة للشارع حتى يصير الناس ~~كلهم أحرارا . والوفاء بالعهد فيه فضيلة فردية وهي عنوان كمال النفس ، ~~وفضيلة اجتماعية وهي ثقة الناس بعضهم ببعض . # والصبر فيه جماع الفضائل وشجاعة الأمة ولذلك قال تعالى هنا : { أولئك ~~الذين صدقوا وأولئك هم المتقون } فحصر فيهم الصدق والتقوى حصرا ادعائيا ~~للمبالغة ، ودلت على أن المسلمين قد تحقق فيهم معنى البر ، وفيه تعريض بأن ~~أهل الكتاب لم يتحقق فيهم ، لأنهم لم يؤمنوا ببعض الملائكة وبعض النبيئين ، ~~ولأنهم حرموا كثيرا من الناس حقوقهم ، ولم يفوا بالعهد ، ولم يصبروا . ~~وفيها أيضا تعريض بالمشركين إذ لم يؤمنوا باليوم الآخر ، والنبيئين ، ~~والكتب وسلبوا اليتامى أموالهم ، ولم يقيموا الصلاة ، ولم يؤتوا الزكاة . # ونصب ( الصابرين ) وهو معطوف على مرفوعات نصب على الاختصاص على ما هو ~~المتعارف في كلام العرب في عطف النعوت من تخيير المتكلم بين الاتباع في ~~الإعراب للمعطوف عليه وبين القطع قاله الرضي ، والقطع يكون بنصب ما حقه أن ~~يكون مرفوعا أو مجرورا وبرفع ما هو بعكسه ليظهر قصد المتكلم القطع حين ~~يختلف الإعراب ؛ إذ لا يعرف أن المتكلم قصد PageV02P132 القطع إلا بمخالفة ~~الإعراب ، فأما النصب فبتقدير فعل مدح أو ms0936 ذم بحسب المقام ، والأظهر تقدير ~~فعل أخص لأنه يفيد المدح بين الممدوحين والذم بين المذمومين . # وقد حصل بنصب ( الصابرين ) هنا فائدتان : إحداهما عامة في كل قطع من ~~النعوت ، فقد نقل عن أبي علي الفارسي أنه إذا ذكرت الصفات الكثيرة في معرض ~~المدح أو الذم فالأحسن أن يخالف إعرابها ولا تجعل كلها جارية على موصوفها ~~لأن هذا من مواضع الإطناب فإذا خولف إعراب الأوصاف كان المقصود أكمل لأن ~~الكلام عند اختلاف الإعراب يصير كأنه أنواع من الكلام وضروب من البيان . # قال في ( الكشاف ) ( نصب على المدح وهو باب واسع كسره سيبويه على أمثلة ~~وشواهد ) اه . قلت : قال سيبويه في باب ما ينتصب على التعظيم والمدح ( وإن ~~شئت جعلته صفة فجري على الأولل ، وإن شئت قطعته فابتدأته ، مثل ذلك قوله ~~تعالى : { ولكن البر من ءامن بالله واليوم الآخر } إلى قوله { والصابرين } ~~ولو رفع الصابرين على أول الكلام كان جيدا ، ولو ابتدأته فرفعته على ~~الابتداء كان جيدا ، ونظير هذا النصب قول الخرنق : # لا يبعدن قومي الذين همو # سم العداة وآفة الجزر # النازلين بكل معترك # والطيبون معاقد الأزر # بنصب النازلين ، ثم قال : وزعم الخليل أن نصب هذا على أنك لم ترد أن تحدث ~~الناس ولا من تخاطب بأمر جهلوه ولكنهم قد علموا من ذلك ما قد علمت فجعلته ~~ثناء وتعظيما ونصبه على الفعل كأنه قال أذكر أهل ذلك وأذكر المقيمين ولكنه ~~فعل لا يستعمل إظهاره ) اه قلت : يؤيد هذا الوجه أنه تكرر مثله في نظائر ~~هذه الآية في سورة النساء { والمقيمين الصلواة } ( النساء : 162 ) عطفا على ~~{ لكن الراسخون في العلم } ( النساء : 162 ) ، وفي سورة العقود { والصابئون ~~} ( المائدة : 69 ) عطفا على { إن الذين آمنوا والذين هادوا } ( المائدة : ~~69 ) . # الفائدة الثانية أن في نصب { الصابرين } بتقدير أخص أو أمدح تنبيها على ~~خصيصية الصابرين ومزية صفتهم التي هي الصبر . # قال في ( الكشاف ) : ( ولا يلتفت إلى ما زعموا من وقوعه لحنا في خط ~~المصحف ، وربما التفت إليه من لم ينظر في الكتابب ولم يعرف مذاهب العرب ~~ومالهم في ms0937 النصب على PageV02P133 الاختصاص من الافتتان اه ) وأقول : إن ~~تكرره كما ذكرنا وتقارب الكلمات يربأ به على أن يكون خطأ أو سهوا وهو بين ~~كلمتين مخالفتين إعرابه . # وعن الكسائي أن نصبه عطف على مفاعيل { آتى } أي وآتى المال الصابرين أي ~~الفقراء المتعففين عن المسألة حين تصيبهم البأساء والضراء والصابرين حين ~~البأس وهم الذين لا يجدون ما ينفقون للغزو ويحبون أن يغزوا ، لأن فيهم غناء ~~عن المسلمين قال تعالى : { ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ~~ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون } ( ~~التوبة : 92 ) . # وعن بعض المتأولين أن نصب { والصابرين } وقع خطأ من كتاب المصاحف وأنه ~~مما أراده عثمان رضي الله عنه فيما نقل عنه أنه قال بعد أن قرأ المصحف الذي ~~كتبوه : ( إني أجد به لحنا ستقيمه العرب بألسنتها ) وهذا متقول على عثمان ~~ولو صح لكان يريد باللحن ما في رسم المصاحف من إشارات مثل كتابة الألف في ~~صورة الياء إشارة إلى الإمالة ولم يكن اللحن يطلق على الخطأ . # وقرأ يعقوب { والصابرون } بالرفع عطفا على { والموفوف } . # # | 2 ( 178 ) { ياأيها الذين ءامنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر ~~بالحر والعبد بالعبد والانثى بالانثى فمن عفى له من أخيه شىء فاتباع ~~بالمعروف وأدآء إليه بإحسان ذالك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذالك ~~فله عذاب أليم } . ) 2 # أعيد الخطاب بيأيها الذين آمنوا لأن هذا صنف من التشريع لأحكام ذات بال ~~في صلاح المجتمع الإسلامي واستتباب نظامه وأمنه حين صار المسلمون بعد ~~الهجرة جماعة ذات استقلال بنفسها ومدينتها ، فإن هاته الآيات كانت من أول ~~ما أنزل بالمدينة عام الهجرة كما ذكره المفسرون في سبب نزولها في تفسير ~~قوله تعالى بعد هذا : { وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم } ( البقرة : ~~190 ) الآية . # تلك أحكام متتابعة من إصلاح أحوال الأفراد وأحوال المجتمع ، وابتدىء ~~بأحكام القصاص ، لأن أعظم شيء من اختلال الأحوال اختلال حفظ نفوس الأمة ، ~~وقد أفرط العرب في إضاعة هذا الأصل ، يعلم ذلك من له ms0938 إلمام بتاريخهم ~~وآدابهم وأحوالهم ، فقد بلغ بهم تطرفهم في ذلك إلى وشك الفناء لو طال ذلك ~~فلم يتداركهم الله فيه بنعمة الإسلام ، PageV02P134 فكانوا يغير بعضهم على ~~بعض لغنيمة أنعامه وعبيده ونسائه فيدافع المغار عليه وتتلف نفوس بين ~~الفريقين ثم ينشأ عن ذلك طلب الثارات فيسعى كل من قتل له قتيل في قتل قاتل ~~وليه وإن أعوزه ذلك قتل به غيره من واحد كفء له ، أو عدد يراهم لا يوازونه ~~ويسمون ذلك بالتكايل في الدم أي كأن دم الشريف يكال بدماء كثيرة فربما ~~قدروه باثنين أو بعشرة أو بمائة ، وهكذا يدور الأمر ويتزايد تزايدا فاحشا ~~حتى يصير تفانيا قال زهير : # تداركتما عبسا وذبيان بعدما # تفانوا ودقوا بينهم عطر منشم # وينتقل الأمر من قبيلة إلى قبيلة بالولاء والنسب والحلف والنصرة ، حتى ~~صارت الإحن فاشية فتخاذلوا بينهم واستنصر بعض القبائل على بعض فوجد الفرس ~~والروم مدخلا إلى التفرقة بينهم فحكموهم وأرهبوهم ، وإلى هذا الإشارة والله ~~أعلم بقوله تعالى : { واذكروا نعمة الله عليكم . . . حتى فأنقذكم منها } ( ~~البقرة : 231 ) أي كنتم أعداء بأسباب الغارات والحروب فألف بينكم بكلمة ~~الإسلام ، وكنتم على وشك الهلاك فأنقذكم منه فضرب مثلا للهلاك العاجل الذي ~~لا يبقي شيئا بحفرة النار فالقائم على حافتها ليس بينه وبين الهلاك إلا أقل ~~حركة . # فمعنى { كتب عليكم } أنه حق لازم للأمة لا محيد عن الأخذ به فضمير { ~~عليكم } لمجموع الأمة على الجملة لمن توجه له حق القصاص وليس المراد على كل ~~فرد فرد القصاص ، لأن ولي الدم له العفو عن دم وليه كما قال تعالى : { فمن ~~عفى له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف } وأصل الكتابة نقش الحروف في حجر أو ~~رق أو ثوب ولما كان ذلك النقش يراد به التوثق بما نقش به دوام تذكره أطلق ~~كتب على معنى حق وثبت أي حق لأهل القتيل . # والقصاص اسم لتعويض حق جناية أو حق غرم على أحد بمثل ذلك من عند المحقوق ~~إنصافا وعدلا ، فالقصاص يطلق على عقوبة الجاني بمثل ما جنى ، وعلى محاسبة ~~رب الدين ms0939 بما عليه للمدين من دين يفي بدينه ، فإطلاقاته كلها تدل على ~~التعادل والتناصف في الحقوق والتبعات المعروضة للغمص . # وهو بوزن فعال وهو وزن مصدر فاعل من القص وهو القطع ومنه قولهم : طائر ~~مقصوص الجناح ومنه سمي المقص لآلة القص أي القطع وقصة الشعر بضم القاف ما ~~يقص منه لأنه يجري في حقين متبادلين بين جانبين يقال قاص فلان فلانا إذا ~~طرح من دين في ذمته مقدارا PageV02P135 بدين له في ذمة الآخر فشبه التناصف ~~بالقطع لأنه يقطع النزاع الناشب قبله ، فلذلك سمي القود وهو تمكين ولي ~~المقتول من قتل قاتل مولاه قصاصا قال تعالى : { ولكم في القصاص حياة } ( ~~البقرة : 179 ) ، وسميت عقوبة من يجرح أحدا جرحا عمدا عدوانا بأن يجرح ذلك ~~الجارح مثل ما جرح غيره قصاصا قال تعالى : { والجروح قصاص } ( المائدة : 45 ~~) وسموا معاملة المعتدي بمثل جرمه قصاصا { والحرمت قصاص } ( البقرة : 194 ) ~~، فماهية القصاص تتضمن ماهية التعويض والتماثل . # فقوله تعالى : { كتب عليكم القصاص في القتلى } يتحمل معنى الجزاء على ~~القتل بالقتل للقاتل وتتحمل معنى التعادل والتماثل في ذلك الجزاء بما هو ~~كالعوض له والمثل ، وتتحمل معنى أنه لا يقتل غير القاتل ممن لا شركة له في ~~قتل القتيل فأفاد قوله : { كتب عليكم } حق المؤاخذة بين المؤمنين في قتل ~~القتلى فلا يذهب حق قتيل باطلا ولا يقتل غير القاتل باطلا ، وذلك إبطال لما ~~كانوا عليه في الجاهلية من إهمال دم الوضيع إذا قتله الشريف وإهمال حق ~~الضعيف إذا قتله القوي الذي يخشى قومه ، ومن تحكمهم بطلب قتل غير القاتل ~~إذا قتل أحد رجلا شريفا يطلبون قتل رجل شريف مثله بحيث لا يقتلون القاتل ~~إلا إذا كان بواء للمقتول أي كفءا له في الشرف والمجد ويعتبرون قيمة الدماء ~~متفاوتة بحسب تفاوت السودد والشرف ويسمون ذلك التفاوت تكايلا من الكيل ، ~~قالت ابنة بهدل بن قرقة الطائي تستثير رهطها على قتل رجل قتل أباها وتذكر ~~أنها ما كانت تقنع بقتله به لولا أن الإسلام أبطل تكايل الدماء : # أما في بني حصنن من ابنن كريهة ms0940 # من القوم طلابب التراتت غشمشم # فيقتل جبرا بامرىء لم يكن له # بواء ولكن لا تكايل بالدم ( ) # قال النبي صلى الله عليه وسلم ( المسلمون تتكافأ دماؤهم ) . # وقد ثبت بهذه الآية شرع القصاص في قتل العمد ، وحكمة ذلك ردع أهل العدوان ~~عند الإقدام على قتل الأنفس إذا علموا أن جزاءهم القتل ، فإن الحياة أعز ~~شيء على الإنسان في الجبلة فلا تعادل عقوبة القتل في الردع والانزجار ، ومن ~~حكمة ذلك تطمين أولياء القتلى بأن القضاء ينتقم لهم ممن اعتدى على قتيلهم ~~قال تعالى : { ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل ~~إنه كان منصورا } ( الإسراء : 33 ) أي لئلا يتصدى أولياء القتيل للانتقام ~~من قاتل مولاهم PageV02P136 بأنفسهم ؛ لأن ذلك يفضي إلى صورة الحرب بين ~~رهطين فيكثر فيه إتلاف الأنفس كما تقدم في الكلام على صدر الآية ، ويأتي ~~عند قوله تعالى : { ولكم في القصاص حيواة } ( البقرة : 179 ) . # وأول دم أقيد به في الإسلام دم رجل من هذيل قتله رجل من بني ليث فأقاد ~~منه النبي صلى الله عليه وسلم وهو سائر إلى فتح الطائف بموضع يقال له : ~~بحرة الرغاء في طريق الطائف وذلك سنة ثمان من الهجرة . # و { في } من قوله : { في القتلى } ، للظرفية المجازية والقصاص لا يكون في ~~ذوات القتلى ، فتعين تقدير مضاف وحذفه هنا ليشمل القصاص سائر شؤون القتلى ~~وسائر معاني القصاص فهو إيجاز وتعميم . # وجمع { القتلى } باعتبار جمع المخاطبين أي في قتلاكم ، والتعريف في ~~القتلى تعريف الجنس ، والقتيل هو من يقتله غيره من الناس والقتل فعل ~~الإنسان إماتة إنسان آخر فليس الميت بدون فعل فاعل قتيلا . # وجملة { الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى } بيان وتفصيل لجملة { ~~كتب عليكم القصاص في القتلى } فالباء في قوله : { بالحر } وما بعده ، ~~متعلقة بمحذوف دل عليه معنى القصاص والتقدير الحر يقتص أو يقتل بالحر الخ ~~ومفهوم القيد مع ما في الحر والعبد والأنثى من معنى الوصفية يقتضي أن الحر ~~يقتل بالحر لا بغيره والعبد يقتل بالعبد لا بغيره ، والأنثى تقتل بالأنثى ~~لا بغيرها . # وقد ms0941 اتفق علماء الإسلام على أن هذا المفهوم غير معمول به باطراد ، لكنهم ~~اختلفوا في المقدار المعمول به منه بحسب اختلاف الأدلة الثابتة من الكتاب ~~والسنة وفي المراد من هذه الآية ومحمل معناها ، ففي ( الموطأ ) ( قال مالك ~~أحسن ما سمعت في هذه الآية أن قوله تعالى : { الحر بالحر والعبد بالعبد } ~~فهؤلاء الذكور وقوله : { والأنثى بالأنثى } أن القصاص يكون بين الإناث كما ~~يكون بين الذكور والمرأة الحرة تقتل بالمرأة الحرة كما يقتل الحر بالحر ~~والأمة تقتل بالأمة كما يقتل العبد بالعبد والقصاص يكون بين النساء كما ~~يكون يبن الرجال . والقصاص أيضا يكون بين الرجال والنساء ) . أي وخصت ~~الأنثى بالذكر مع أنها مشمولة لعموم الحر بالحر والعبد لئلا يتوهم أن صيغة ~~التذكير في قوله : { الحر } وقوله : { العبد } مراد بها خصوص الذكور . # قال القرطبي عن طائفة أن الآية جاءت مبينة لحكم النوع إذا قتل نوعه فبينت ~~حكم الحر PageV02P137 إذا قتل حرا والعبد إذا قتل عبدا والأنثى إذا قتلت ~~أنثى ولم يتعرض لأحد النوعين إذا قتل الآخر ، فالآية محكمة وفيها إجمال ~~يبينه قوله تعالى : { وكتبنا عليهم فيها أن النفس } ( المائدة : 45 ) الآية ~~اه . وعلى هذا الوجه فالتقييد لبيان عدم التفاضل في أفراد النوع ، ولا ~~مفهوم له فيما عدا ذلك من تفاضل الأنواع إثباتا ولا نفيا ، وقال الشعبي : ~~نزلت في قوم قالوا : لنقتلن الحر بالعبد والذكر بالأنثى ، وذلك وقع في قتال ~~بين حيين من الأنصار ، ولم يثبت هذا الذي رواه وهو لا يغني في إقامة محمل ~~الآية . # وعلى هذين التأويلين لا اعتبار بعموم مفهوم القيد ؛ لأن شرط اعتباره ألا ~~يظهر لذكر القيد سبب إلا الاحتراز عن نقيضه ، فإذا ظهر سبب غير الاحتراز ~~بطل الاحتجاج بالمفهوم ، وحينئذ فلا دلالة في الآية على ألا يقتل حر بعبد ~~ولا أنثى بذكر ولا على عكس ذلك ، وأن دليل المساواة بين الأنثى والذكر وعدم ~~المساواة بين العبد والحر عند من نفى المساواة مستنبط من أدلة أخرى . # الثالث : نقل عن ابن عباس أن هذا كان حكما في صدر الإسلام ثم نسخ بآية ms0942 ~~المائدة { أن النفس بالنفس } ( المائدة : 45 ) ونقله في ( الكشاف ) عن سعيد ~~بن المسيب والنخعي والثوري وأبي حنيفة ، ورده ابن عطية والقرطبي بأن آية ~~المائدة حكاية عن بني إسرائيل فكيف تصلح نسخا لحكم ثبت في شريعة الإسلام ، ~~أي حتى على القول بأن شرع من قبلنا شرع لنا فمحله ما لم يأتي في شرعنا ~~خلافه . # وقال ابن العربي في ( الأحكام ) عن الحنفية : إن قوله تعالى : { في ~~القتلى } هو نهاية الكلام وقوله : { الحر بالحر } جاء بعد ذلك وقد ثبت عموم ~~المساواة بقوله : { كتب عليكم القصاص في القتلى } لأن القتلى عام وخصوص آخر ~~الآية لا يبطل عموم أولها ، ولذلك قالوا يقتل الحر بالعبد ، قلت : يرد على ~~هذا أنه لا فائدة في التفصيل لو لم يكن مقصودا وإن الكلام بأواخره فالخاص ~~يخصص العام لا محالة ، وإنه لا محيص من اعتبار كونه تفصيلا إلا أن يقولوا ~~إن ذلك كالتمثيل ، والمنقول عن الحنفية في ( الكشاف ) هو ما ذكرناه آنفا . # ويبقى بعد هاته التأويلات سؤال قائم عن وجه تخصيص الأنثى بعد قوله تعالى ~~: { الحر بالحر والعبد بالعبد } وهل تخرج الأنثى عن كونها حرة أو أمة بعد ~~ما تبين أن المراد بالحر والعبد الجنسان ؛ إذ ليس صيغة الذكور فيها ~~للاحتراز عن النساء منهم ؛ فإن ( ال ) PageV02P138 لما صيرته اسم جنس صار ~~الحكم على الجنس وبطل ما فيه من صيغة تأنيث كما يبطل ما فيه من صيغة جمع إن ~~كانت فيه . # ولأجل هذا الإشكال سألت العلامة الجد الوزير رحمه الله عن وجه مجيء هذه ~~المقابلة المشعرة بألا يقتص من صنف إلا لقتل مماثله في الصفة فترك لي ورقة ~~بخطه فيها ما يأتي : الظاهر والله تعالى أعلم أن الآية ( يعني آية سورة ~~المائدة ) نزلت إعلاما بالحكم في بني إسرائيل تأنيسا وتمهيدا لحكم الشريعة ~~الإسلامية ، ولذلك تضمنت إناطة الحكم بلفظ النفس المتناول للذكر والأنثى ~~الحر والعبد الصغير والكبير ، ولم تتضمن حكما للعبيد ولا للإناث ، وصدرت ~~بقوله { وكتبنا عليهم فيها } ( المائدة : 45 ) ، والآية الثانية ( يعني آية ~~سورة البقرة ) صدرت بقوله : { كتب عليكم } وناط الحكم ms0943 فيها بالحرية ~~المتناولة للأصناف كلها ثم ذكر حكم العبيد والأناث ردا على من يزعم أنه لا ~~يقتص لهم ، وخصص الأنثى بالأنثى للدلالة على أن عدمها معصوم ، وذلك لأنه ~~إذا اقتص لها من الأنثى ولم يقتص لها من الذكر صار الدم معصوما تارة لذاته ~~غير معصوم أخرى وهذا من لطف التبليغ حيث كان الحكم متضمنا لدليله ، فقوله : # كتب القتل والقتال علينا # وعلى الغانيات جر الذيول # حكم جاهلي اه . # يعني أن الآية لم يقصد منها إلا إبطال ما كان عليه أمر الجاهلية من ترك ~~القصاص لشرف أو لقلة اكتراث ، فقصدت التسوية بقوله { الحر بالحر والعبد ~~بالعبد } أي لا فضل لحر شريف على حر ضعيف ولا لعبيد السادة على عبيد العامة ~~وقصدت من ذكر الأنثى إبطال ما كان عليه الجاهلية من عدم الاعتداد بجناية ~~الأنثى واعتبارها غير مؤاخذة بجناياتها ، وأراد بقوله : حكم جاهلي أنه ليس ~~جاريا على أحكام الإسلام ؛ لأن البيت لعمر ابن أبي ربيعة وهو شاعر إسلامي ~~من صدر الدولة الأموية . # فإن قلت : كان الوجه ألا يقول : { بالأنثى } المشعر بأن الأنثى لا تقتل ~~بالرجل مع إجماع المسلمين على أن المرأة يقتص منها للرجل . قلت : الظاهر أن ~~القيد خرج مخرج الغالب ، فإن الجاري في العرف أن الأنثى لا تقتل إلا أنثى ، ~~إذ لا يتثاور الرجال والنساء فذكر { بالأنثى } خارج على اعتبار الغالب ~~كمخرج وصف السائمة في قول النبي صلى الله عليه وسلم ( في الغنم السائمة ~~الزكاة ) والخلاصة أن الآية لا يلتئم منها معنى سليم من الإشكال إلا معنى ~~إرادة التسوية بين الأصناف لقصد إبطال عوائد الجاهلية . PageV02P139 # وإذا تقرر أن الآية لا دلالة لها على نفي القصاص بين الأصناف المختلفة ~~ولا على إثباته من جهة ما ورد على كل تأويل غير ذلك من انتقاض بجهة أخرى ، ~~فتعين أن قوله : { الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى } محمله الذي ~~لا شك فيه هو مساواة أفراد كل صنف بعضها مع بعض دون تفاضل بين الأفراد ، ثم ~~أدلة العلماء في تسوية القصاص بين بعض الأصناف مع بعض الذكور ms0944 بالإناث وفي ~~عدمها كعدم تسوية الأحرار بالعبيد عند الذين لا يسوون بين صنفيهما خلافا ~~لأبي حنيفة والثوري وابن أبي ليلى وداود أدلة أخرى غير هذا القيد الذي في ~~ظاهر الآية ، فأما أبو حنيفة فأخذ بعموم قوله : { القتلى } ولم يثبت له ~~مخصصا ولم يستثن منه إلا القصاص بين المسلم والكافر الحربي واستثناؤه لا ~~خلاف فيه ، ووجهه أن الحربي غير معصوم الدم ، وأما المعاهد ففي حكم قتل ~~المسلم إياه مذاهب ، وأما الشافعي وأحمد فنفيا القصاص من المسلم للذمي ~~والمعاهد وأخذا بحديث ( لا يقتل مسلم بكافر ) ، ومالك والليث قالا لا قصاص ~~من المسلم إذا قتل الذمي والمعاهد قتل عدوان وأثبتا القصاص منه إذا قتل ~~غيلة . # وأما القصاص بين الحر والعبد في قطع الأطراف فليس من متعلقات هذه الآية ~~وسيأتي عند قوله تعالى : { والجروح قصاص } ( المائدة : 45 ) في سورة العقود ~~. ونفي مالك والشافعي وأحمد القصاص من الحر للعبد استنادا لعمل الخلفاء ~~الراشدين وسكوت الصحابة ، واستنادا لآثار مروية ، وقياسا على انتفاء القصاص ~~من الحر في إصابة أطراف العبد فالنفس أولى بالحفظ . والقصاص من العبد لقتله ~~الحر ثابت عندهما بالفحوى ، والقصاص من الذكر لقتل الأنثى ثابت بلحن الخطاب ~~. # { فمن عفى له من أخيه شىء فاتباع بالمعروف وأدآء إليه بإحسان ذالك تخفيف ~~من ربكم ورحمة } . # الفاء لتفريع الإخبار أي لمجرد الترتيب اللفظي لا لتفريع حصول ما تضمنته ~~الجملة المعطوفة بها على حصول ما تضمنته ما قبلها ، والمقصود بيان أن أخذ ~~الولي بالقصاص المستفاد من صور { كتب عليكم القصاص في القتلى } ليس واجبا ~~عليه ولكنه حق له فقط لئلا يتوهم من قوله : { كتب عليكم } أن الأخذ به واجب ~~على ولي القتيل ، والتصدي لتفريع ذكر هذا بعد ذكر حق القصاص للإيماء إلى أن ~~الأولى بالناس قبول الصلح استبقاء لأواصر أخوة PageV02P140 الإسلام . # قال الأزهري : ( هذه آية مشكلة وقد فسروها تفسيرا قربوه على قدر أفهام ~~أهل عصرهم ) ثم أخذ الأزهري في تفسيرها بما لم يكشف معنى وما أزال إشكالا ، ~~وللمفسرين مناح كثيرة في تفسير ألفاظها ذكر القرطبي خمسة منها ، وذكر في ms0945 ( ~~الكشاف ) تأويلا آخر ، وذكر الطيبي تأويلين راجعين إلى تأويل ( الكشاف ) ، ~~واتفق جميعهم على أن المقصد منها الترغيب في المصالحة عن الدماء ، وينبغي ~~ألا نذهب بأفهام الناظر طرائق قددا ، فالقول الفصل أن نقول : إن ما صدق من ~~في قوله : { فمن عفى له } هو ولي المقتول وإن المراد بأخيه هو القاتل وصفا ~~بأنه أخ تذكيرا بأخوة الإسلام وترقيقا لنفس ولي المقتول ؛ لأنه إذا اعتبر ~~القاتل أخا له كان من المروءة ألا يرضى بالقود منه ؛ لأنه كمن رضي بقتل ~~أخيه ، ولقد قال بعض العرب : قتل أخوه ابنا له عمدا فقدم إليه ليقتاد منه ~~فألقى السيف وقال : # أقول للنفس تأساء وتعزية # إحدى يدي أصابتني ولم ترد # كلاهما خلف من فقد صاحبه # هذا أخي حين أدعوه وذا ولدي # وما صدق { شيء } هو عرض الصلح ، ولفظ شيء اسم متوغل في التنكير دال على ~~نوع ما يصلح له سياق الكلام ، وقد تقدم حسن موقع كلمة شيء عند قوله تعالى : ~~{ ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع } ( البقرة : 155 ) . # ومعنى { عفى له من أخيه } أنه أعطى العفو أي الميسور على القاتل من عوض ~~الصلح . ومن معاني العفو أنه الميسور من المال الذي لا يجحف بباذله وقد فسر ~~به العفو من قوله تعالى : { خذ العفو } ( الأعراف : 199 ) ، وإيثار هذا ~~الفعل لأنه يؤذن بمراعاة التيسير والسماحة وهي من خلق الإسلام فهذا تأكيد ~~للترغيب الذي دل عليه قوله : { من أخيه } ، والتعيبر عن عوض الدم بشيء لأن ~~العوض يختلف فقد يعرض على ولي الدم مال من ذهب أو فضة وقد يعرض عليه إبل أو ~~عروض أو مقاصة دماء بين الحيين ؛ إذ ليس العوض في قتل العمد معينا كما هو ~~في دية قتل الخطأ . # ( واتباع ) و ( أداء ) مصدران وقعا عوضا عن فعلين والتقدير : فليتبع ~~اتباعا وليؤد أداء فعدل عن أن ينصب على المفعولية المطلقة إلى الرفع لإفادة ~~معنى الثبات والتحقيق الحاصل بالجملة الاسمية كما عدل إلى الرفع في قوله ~~تعالى : { قال سلام } ( هود : 69 ) بعد قوله : { قالوا سلاما } ( هود : 69 ~~) ، وقد تقدم تطور المصدر الذي ms0946 أصله مفعول مطلق إلى مصيره مرفوعا عند قوله ~~تعالى : { الحمد لله } ( الفاتحة : 2 ) ، فنظم الكلام : فاتباع حاصل ممن ~~عفي له من أخيه شيء وأداء PageV02P141 حاصل من أخيه إليه ، وفي هذا تحريض ~~لمن عفي له على أن يقبل ما عفي له وتحريض لأخيه على أداء ما بذله بإحسان . ~~والاتباع مستعمل في القبول والرضا ، أي فليرض بما عفي له كقول النبي صلى ~~الله عليه وسلم ( وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع ) . # والضمير المقدر في ( اتباع ) عائد إلى { من عفي له } والضمير المقدر في ~~أداء عائد إلى ( أخيه ) ، والمعنى : فليرضى بما بذل له من الصلح المتيسر ، ~~وليؤد باذل الصلح ما بذله دون مماطلة ولا نقص ، والضمير المجرور باللام ~~والضمير المجرور بإلى عائدانن على { فمن عفى له } . # ومقصد الآية الترغيب في الرضا بأخذ العوض عن دم القتيل بدلا من القصاص ~~لتغيير ما كان أهل الجاهلية يتعيرون به من أخذ الصلح في قتل العمد ويعدونه ~~بيعا لدم مولاهم كما قال مرة الفقعسي : # فلا تأخذوا عقلا من القوم إنني # أرى العار يبقى والمعاقل تذهب # وقال غيره يذكر قوما لم يقبلوا منه صلحا عن قتيل : # فلو أن حيا يقبل المال فدية # لسقنا لهم سببا من المال مفعما # ولكن أبى قوم أصيب أخوهم # رضا العار فاختاروا على اللبن الدما # وهذا كله في العفو على قتل العمد وأما قتل الخطأ فإن شأنه الدية عن عاقلة ~~القاتل وسيأتي في سورة النساء . # وإطلاق وصف الأخ على المماثل في دين الإسلام تأسيس أصل جاء به القرآن جعل ~~به التوافق في العقيدة كالتوافق في نسب الإخوة ، وحقا فإن التوافق في الدين ~~آصرة نفسانية والتوافق في النسب آصرة جسدية والروح أشرف من الجسد . # واحتج ابن عباس بهذه الآية على الخوارج في أن المعصية لا تزيل الإيمان ، ~~لأن الله سمى القاتل أخا لولي الدم وتلك أخوة الإسلام مع كون القاتل عاصيا ~~. # وقوله : { بالمعروف } المعروف هو الذي تألفه النفوس وتستحسنه فهو مما تسر ~~به النفوس ولا تشمئز منه ولا تنكره ، ويقال لضده منكر وسيأتي عند قوله ms0947 ~~تعالى : { كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر } ( ~~آل عمران : 110 ) في سورة آل عمران . PageV02P142 # والباء في قوله : { بالمعروف } للملابسة أي فاتباع مصاحب للمعروف أي رضا ~~وقبول ، وحسن اقتضاء إن وقع مطل ، وقبول التنجيم إن سأله القاتل . # والأداء : الدفع وإبلاغ الحق والمراد به إعطاء مال الصلح ، وذكر متعلقه ~~وهو قوله { إليه } المؤذن بالوصول إليه والانتهاء إليه للإشارة إلى إبلاغ ~~مال الصلح إلى ولي المقتول بأن يذهب به إليه ولا يكلفه الحضور بنفسه لقبضه ~~أو إرسال من يقبضه ، وفيه إشارة إلى أنه لا يمطله ، وزاد ذلك تقريرا بقوله ~~: { بإحسان } أي دون غضب ولا كلام كريه أو جفاء معاملة . # وقوله : { ذلك تخفيف من ربكم } إشارة إلى الحكم المذكور وهو قبول العفو ~~وإحسان الأداء والعدول عن القصاص ، تخفيف من الله على الناس فهو رحمة منه ~~أي أثر رحمته ، إذ التخفيف في الحكم أثر الرحمة ، فالأخذ بالقصاص عدل ~~والأخذ بالعفو رحمة . # ولما كانت مشروعية القصاص كافية في تحقيق مقصد الشريعة في شرع القصاص من ~~ازدجار الناس عن قتل النفوس وتحقيق حفظ حق المقتول بكون الخيرة للولي كان ~~الإذن في العفو إن تراضيا عليه رحمة من الله بالجانبين ، فالعدل مقدم ~~والرحمة تأتي بعده . # قيل : إن الآية أشارت إلى ما كان في الشريعة الإسرائيلية من تعيين القصاص ~~من قاتل العمد دون العفو ودون الدية كما ذكره كثير من المفسرين وهو في ( ~~صحيح البخاري ) عن ابن عباس ، وهو ظاهر ما في سفر الخروج الإصحاح الثالث : ~~( من ضرب إنسانا فمات يقتل قتلا ولكن الذي لم يتعمد بل أوقع الله في يده ~~فأنا أجعل لك مكانا يهرب إليه وإذا بغى إنسان على صاحبه ليقتله بغدر فمن ~~عند مذبحي تأخذه للموت ) ، وقال القرطبي : إن حكم الإنجيل العفو مطلقا ~~والظاهر أن هذا غير ثابت في شريعة عيسى ، لأنه ما حكى الله عنه إلا أنه قال ~~: { ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم } ( آل عمران : 50 ) ، فلعله مما أخذه ~~علماء المسيحية من أمره بالعفو والتسامح لكنه حكم تنزه شرائع الله ms0948 عنه ~~لإفضائه إلى انخرام نظام العالم ، وشتان بين حال الجاني بالقتل في الإسلام ~~يتوقع القصاص ويضع حياته في يد ولي دم المقتول فلا يدري أيقبل الصلح أم لا ~~يقبل ، وبين ما لو كان واثقا بأنه لا قصاص عليه فإن ذلك يجرئه على قتل عدوه ~~وخصمه . PageV02P143 # { فمن اعتدى بعد ذالك فله عذاب أليم } . # تفريع عن حكم العفو لأن العفو يقتضي شكر الله على أن أنجاه بشرع جواز ~~العفو وبأن سخر الولي للعفو ، ومن الشكر ألا يعود إلى الجناية مرة أخرى ، ~~فإن عاد فله عذاب أليم ، وقد فسر الجمهور العذاب الأليم بعذاب الآخرة ~~والمراد تشديد العذاب عليه كقوله تعالى : { ومن عاد فينتقم الله منه } ( ~~المائدة : 95 ) ، ثم له من حكم العفو والدية ما للقاتل ابتداء عندهم ، ~~وفسره بعضهم بعذاب الدنيا أعني القتل فقالوا : إن عاد المعفو عنه إلى القتل ~~مرة أخرى فلا بد من قتله ولا يمكن الحاكم الولي من العفو ونقلوا ذلك عن ~~قتادة وعكرمة والسدي ورواه أبو داود عن سمرة بن جندب عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه موكول إلى اجتهاد الإمام . # والذي يستخلص من أقوالهم هنا سواء كان العذاب عذاب الآخرة أو عذاب الدنيا ~~أن تكرر الجناية يوجب التغليظ وهو ظاهر من مقاصد الشارع ؛ لأن الجناية قد ~~تصير له دربة فعوده إلى قتل النفس يؤذن باستخفافه بالأنفس فيجب أن يراح منه ~~الناس ، وإلى هذا نظر قتادة ومن معه ، غير أن هذا لا يمنع حكم العفو إن رضي ~~به الولي ؛ لأن الحق حقه ، وما أحسن قول عمر بن عبد العزيز بتفويضه إلى ~~الإمام لينظر هل صار هذا القاتل مزهق أنفس ، وينبغي إن عفي عنه أن تشدد ~~عليه العقوبة أكثر من ضرب مائة وحبس عام وإن لم يقولوه ؛ لأن ذكر الله هذا ~~الحكم بعد ذكر الرحمة دليل على أن هذا الجاني غير جدير في هاته المرة بمزيد ~~الرحمة ، وهذا موضع نظر من الفقه دقيق ، قد كان الرجل في الجاهلية يقتل ثم ~~يدفع الدية ثم ms0949 يغدره ولي الدم فيقتله وقريب من هذا قصة حصين بن ضمضم التي ~~أشار إليها زهير بقوله : # لعمري لنعم الحي جر عليهم # بما لا يواتيهم حصين بن ضمضم # # | 2 ( 179 ) { ولكم في القصاص حيواة ياأولي الألباب لعلكم تتقون } . ) 2 # تذييل لهاته الأحكام الكبرى طمأن به نفوس الفريقين أولياء الدم والقاتلين ~~في قبول أحكام القصاص فبين أن في القصاص حياة ، والتنكير في { حيواة } ~~للتعظيم بقرينة المقام ، أي في القصاص حياة لكم أي لنفوسكم ؛ فإن فيه ~~ارتداع الناس عن قتل النفوس ، فلو أهمل PageV02P144 حكم القصاص لما ارتدع ~~الناس ؛ لأن أشد ما تتوقاه نفوس البشر من الحوادث هو الموت ، فلو علم ~~القاتل أنه يسلم من الموت لأقدم على القتل مستخفا بالعقوبات كما قال سعد بن ~~ناشب لما أصاب دما وهرب فعاقبه أمير البصرة بهدم داره بها : # سأغسل عني العار بالسيف جالبا # علي قضاء الله ما كان جالبا # وأذهل عن داري وأجعل هدمها # لعرضي من باقي المذمة حاجبا # ويصغر في عيني تلادي إذا انثنت # يميني بإدراكك الذي كنت طالبا # ولو ترك الأمر للأخذ بالثأر كما كان عليه في الجاهلية لأفرطوا في القتل ~~وتسلسل الأمر كما تقدم ، فكان في مشروعية القصاص حياة عظيمة من الجانبين ، ~~وليس الترغيب في أخذ مال الصلح والعفو بناقض لحكمة القصاص ؛ لأن الازدجار ~~يحصل بتخيير الولي في قبول الدية فلا يطمئن مضمر القتل إلى عفو الولي إلا ~~نادرا وكفى بهذا في الازدجار . # وفي قوله تعالى : { يا أولي الألباب } تنبيه بحرف النداء على التأمل في ~~حكمة القصاص ولذلك جيء في التعريف بطريق الإضافة الدالة على أنهم من أهل ~~العقول الكاملة ؛ لأن حكمة القصاص لا يدركها إلا أهل النظر الصحيح ؛ إذ هو ~~في بادىء الرأي كأنه عقوبة بمثل الجناية ؛ لأن في القصاص رزية ثانية لكنه ~~عند التأمل هو حياة لا رزية للوجهين المتقدمين . # وقال : { لعلكم تتقون } إكمالا للعلة أي تقريبا لأن تتقوا فلا تتجاوزوا ~~في أخذ الثأر حد العدل والإنصاف . ولعل للرجاء وهي هنا تمثيل أو استعارة ~~تبعية كما تقدم عند قوله تعالى : { يا ms0950 أيها الناس اعبدوا ربكم إلى قوله ~~لعلكم تتقون } ( البقرة : 21 ) في أول السورة . # وقوله : { في القصاص حيواة } من جوامع الكلم فاق ما كان سائرا مسرى المثل ~~عند العرب وهو قولهم ( القتل أنفى للقتل ) وقد بينه السكاكي في ( مفتاح ~~العلوم ) و ( ذيله ) من جاء بعده من علماء المعاني ، ونزيد عليهم : أن لفظ ~~القصاص قد دل على إبطال التكايل بالدماء وعلى إبطال قتل واحد من قبيلة ~~القاتل إذا لم يظفروا بالقاتل وهذا لا تفيده كلمتهم الجامعة . # PageV02P145 # | 2 ( 180 ) { كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية ~~للوالدين والاقربين بالمعروف حقا على المتقين } . ) 2 # استئناف ابتدائي لبيان حكم المال بعد موت صاحبه ، فإنه لم يسبق له تشريع ~~ولم يفتتح ب { يا أيها الذين آمنوا } لأن الوصية كانت معروفة قبل الإسلام ~~فلم يكن شرعها إحداث شيء غير معروف ، لذلك لا يحتاج فيها إلى مزيد تنبيه ~~لتلقي الحكم ، ومناسبة ذكره أنه تغيير لما كانوا عليه في أول الإسلام من ~~بقايا عوائد الجاهلية في أموال الأموات فإنهم كانوا كثيرا ما يمنعون القريب ~~من الإرث بتوهم أنه يتمنى موت قريبه ليرثه ، وربما فضلوا بعض الأقارب على ~~بعض ، ولما كان هذا مما يفضي بهم إلى الإحن وبها تختل الحالة الاجتماعية ~~بإلقاء العداوة بين الأقارب كما قال طرفة : # وظلم ذوي القربى أشد مضاضة # على المرء من وقع الحسامم المهند # كان تغييرها إلى حال العدل فيها من أهم مقاصد الإسلام كما بينا تفصيله ~~فيما تقدم في آية : { كتب عليكم القصاص في القتلى } ( البقرة : 178 ) . أما ~~مناسبة ذكره عقب حكم القصاص فهو جريان ذكر موت القتيل وموت القاتل قصاصا . # والقول في { كتب } تقدم في الآية السابقة وهو ظاهر في الوجوب قريب من ~~النص فيه . وتجريده من علامة التأنيث مع كون مرفوعه مؤنثا لفظا لاجتماع ~~مسوغين للتجريد وهما كون التأنيث غير حقيقي وللفصل بينه وبين الفعل بفاصل ، ~~وقد زعم الشيخ الرضي أن اجتماع هذين المسوغين يرجح تجريد الفعل عن علامة ~~التأنيث والدرك عليه . # ومعنى حضور الموت حضور أسبابه وعلاماته الدالة ms0951 على أن الموت المتخيل ~~للناس قد حضر عند المريض ونحوه ليصيره ميتا قال تأبط شرا : # والموت خزيان ينظر # فإن حضور الشيء حلوله ونزوله وهو ضد الغيبة ، فليس إطلاق حضر هنا من قبيل ~~إطلاق الفعل على مقاربة الفعل نحو قد قامت الصلاة ولا على معنى إرادة الفعل ~~كما في { إذا قمتم إلى الصلواة } ( المائدة : 6 ) ، { فإذا قرأت القرآن ~~فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم } ( المائدة : 98 ) ، ولكنه PageV02P146 ~~إسناد مجازي إلى الموت لأنه حضور أسبابه ، وأما الحضور فمستعار للعرو ~~والظهور ، ثم إن إطلاق الموت على أسبابه شائع قال رويشد بن كثير الطائي : # وقل لهم بادروا بالعفو والتمسوا # قولا يبرؤكم إني أنا الموت # والخير المال وقيل الكثير منه ، والجمهور على أن الوصية مشروعة في المال ~~قليله وكثيره ، وروي عن علي وعائشة وابن عباس أن الوصية لا تجب إلا في ~~المال الكثير . # كانت عادة العرب في الجاهلية أن الميت إذا كان له ولد أو أولاد ذكور ~~استأثروا بماله كله ، وإن لم يكن له ولد ذكر استأثر بماله أقرب الذكور له ~~من أب أو عم أو ابن عم الأدنين فالأدنين ، وكان صاحب المال ربما أوصى ببعض ~~ماله أو بجميعه لبعض أولاده أو قرابته أو أصدقائه ، فلما استقر المسلمون ~~بدار الهجرة واختصوا بجماعتهم شرع الله لهم تشريك بعض القرابة في أموالهم ~~ممن كانوا قد يهملون توريثه من البنات والأخوات والوالدين في حال وجود ~~البنين ولذلك لم يذكر الأبناء في هذه الآية . # وعبر بفعل ( ترك ) وهو ماض عن معنى المستقبل أي إن يترك ، للتنبيه على ~~اقتراب المستقبل من المضي إذا أوشك أن يصير ماضيا ، والمعنى : إن أوحشك أن ~~يترك خيرا أو شارف أن يترك خيرا ، كما قدروه في قوله تعالى : { وليخش الذين ~~لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم } ( النساء : 9 ) في سورة النساء ~~وقوله تعالى : { إن الذين حقت عليههم كلمات ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل ~~آية حتى يروا العذاب الأليم } ( يونس : 96 ) في سورة يونس أي حتى يقاربوا ~~رؤية العذاب . # والوصية فعيلة من وصى فهو ms0952 الموصى بها فوقع الحذف والإيصال ليتأتى بناء ~~فعيلة بمعنى مفعولة ؛ لأن زنة فعيلة لا تبنى من القاصر . والوصية الأمر ~~بفعل شيء أو تركه مما فيه نفع للمأمور أو للآمر في مغيب الآمر في حياته أو ~~فيما بعد موته ، وشاع إطلاقها على أمر بشيء يصلح بعد موت الموصي وفي حديث ~~العرباض بن سارية قال : ( وعظنا رسول الله موعظة وجلت منها القلوب وذرفت ~~منها العيون فقلنا يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا إلخ ) . # والتعريف في الوصية تعريف الجنس أي كتب عليكم ما هو معروف عندكم بالوصية ~~للوالدين والأقربين ، فقوله : { للوالدين } متعلق بالوصية معمول له ؛ لأن ~~اسم المصدر يعمل عمل المصدر ولا يحتاج إلى تأويله بأن والفعلل ، والوصية ~~مرفوع نائب عن الفاعل لفعل { كتب } ، و { إذا } ظرف . PageV02P147 # و { المعروف } الفعل الذي تألفه العقول ولا تنكره النفوس فهو الشيء ~~المحبوب المرضي سمي معروفا لأنه لكثرة تداوله والتأنس به صار معروفا بين ~~الناس ، وضده يسمى المنكر وسيأتي عند قوله تعالى : { تأمرون بالمعروف ~~وتنهون عن المنكر } ( آل عمران : 110 ) في سورة آل عمران . # والمراد بالمعروف هنا العدل الذي لا مضارة فيه ولا يحدث منه تحاسد بين ~~الأقارب بأن ينظر الموصي في ترجيح من هو الأولى بأن يوصي إليه لقوة قرابة ~~أو شدة حاجة ، فإنه إن توخي ذلك استحسن فعله الناس ولم يلوموه ، ومن ~~المعروف في الوصية ألا تكون للأضرار يوارث أو زوج أو قريب وسيجيء عند قوله ~~تعالى : { فمن خاف من موص جنفا أو إثما } ( البقرة : 182 ) . # والباء في ( بالمعروف ) للملابسة ، والجار والمجرور في موضع الحال من ~~الوصية . # وقد شمل قوله { بالمعروف } تقدير ما يوصي به وتمييز من يوصي له ووكل ذلك ~~إلى نظر الموصي فهو مؤتمن على ترجيح من هو أهل للترجيح في العطاء كما أشار ~~إليه قوله تعالى : { على المتقين } . # وقوله { حقا } مصدر مؤكد ل { كتب } لأنه بمعناه و { على المتقين } صفة أي ~~حقا كائنا على المتقين ، ولك أن تجعله معمول { حقا } ولا مانع من أن يعمل ~~المصدر المؤكد في شيء ولا يخرجه ms0953 ذلك عن كونه مؤكدا بما زاده على معنى فعله ~~؛ لأن التأكيد حاصل بإعادة مدلول الفعل ، نعم إذا أوجب ذلك المعمول له ~~تقييدا يجعله نوعا أو عددا فحينئذ يخرج عن التأكيد . # وخص هذا الحق بالمتقين ترغيبا في الرضى به ؛ لأن ما كان من شأن المتقي ~~فهو أمر نفيس فليس في الآية دليل على أن هذا الوجوب على المتقين دون غيرهم ~~من العصاة ، بل معناه أن هذا الحكم هو من التقوى وأن غيره معصية ، وقال ابن ~~عطية : خص المتقون بالذكر تشريفا للرتبة ليتبارى الناس إليها . # وخص الوالدين والأقربين لأنهم مظنة النسيان من الموصي ، لأنهم كانوا ~~يورثون الأولاد أو يوصون لسادة القبيلة . # وقدم الوالدين للدلالة على أنهما أرجح في التبدية بالوصية ، وكانوا قد ~~يوصون بإيثار بعض أولادهم على بعض أو يوصون بكيفية توزيع أموالهم على ~~أولادهم ، ومن أشهر الوصايا في ذلك وصية نزار بن معد بن عدنان إذ أوصى ~~لابنه مضر بالحمراء ، ولابنه ربيعة بالفرس ، PageV02P148 ولابنه أنمار ~~بالحمار ، ولابنه إياد بالخادم ، وجعل القسمة في ذلك للأفعى الجرهمي ، وقد ~~قيل إن العرب كانوا يوصون للأباعد طلبا للفخر ويتركون الأقربين في الفقر ~~وقد يكون ذلك لأجل العداوة والشنآن . # وهذه الآية صريحة في إيجاب الوصية ، لأن قوله : { كتب عليكم } صريح في ~~ذلك وجمهور العلماء على أنها ثبت بها حكم وجوب الإيصاء للوالدين والأقربين ~~، وقد وقت الوجوب بوقت حضور الموت ويلحق به وقت توقع الموت ، ولم يعين ~~المقدار الموصى به وقد حرضت السنة على إعداد الوصية من وقت الصحة بقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم ( ما حق امرىء له مال يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ~~ووصيته مكتوبة عنده ) أي لأنه قد يفجأه الموت . # والآية تشعر بتفويض تعيين المقدار الموصى به إلى ما يراه الموصي ، وأمره ~~بالعدل بقوله { بالمعروف } فتقرر حكم الإيصاء في صدر الإسلام لغير الأبناء ~~من القرابة زيادة على ما يأخذه الأبناء ، ثم إن آية المواريت التي في سورة ~~النساء نسخت هذه الآية نسخا مجملا فبينت ميراث كل قريب معين فلم يبق حقه ~~موقوفا على إيصاء ms0954 الميت له بل صار حقه ثابتا معينا رضي الميت أم كره ، ~~فيكون تقرر حكم الوصية في أول الأمر استئناسا لمشروعية فرائض الميراث ، ~~ولذلك صدر الله تعالى آية الفرائض بقوله : { يوصيكم الله في أولادكم } ( ~~النساء : 11 ) فجعلها وصية نفسه سبحانه إبطالا للمنة التي كانت للموصي . # وبالفرائض نسخ وجوب الوصية الذي اقتضته هذه الآية وبقيت الوصية مندوبة ~~بناء على أن الوجوب إذا نسخ بقي الندب وإلى هذا ذهب جمهور أهل النظر من ~~العلماء ، الحسن وقتادة والنخعي والشعبي ومالك وأبو حنيفة والأوزاعي ~~والشافعي وأحمد وجابر بن زيد ، ففي البخاري في تفسير سورة النساء عن جابر ~~بن عبد الله قال : عادني النبي وأبو بكر في بني سلمة ماشيين فوجدني النبي ~~لا أعقل فدعا بماء فتوضأ منه ثم رش علي فأفقت فقلت : ما تأمرني أن أصنع في ~~مالي يا رسول الله فنزلت : { يوصيكم الله في أولادكم } ( النساء : 11 ) ~~الآية اه . فدل على أن آخر عهد بمشروعية الوصايا سؤال جابر بن عبد الله ، ~~وفي البخاري عن ابن عباس كان المال وكانت الوصية للوالدين فنسخ الله من ذلك ~~ما أحب الخ . # وقيل نسخت مشروعية الوصية فصارت ممنوعة قاله إبراهيم بن خثيم وهو شذوذ ~~PageV02P149 وخلاف لما اشتهر في السنة إلا أن يريد بأنها صارت ممنوعة ~~للوارث . # وقيل : الآية محكمة لم تنسخ والمقصود بها من أول الأمر الوصية لغير ~~الوارث من الوالدين والأقربين مثل الأبوين الكافرين والعبدين والأقارب ~~الذين لا ميراث لهم وبهذا قال الضحاك والحسن في رواية وطاووس واختاره ~~الطبري ، والأصح هو الأول . # ثم القائلون ببقاء حكم الوصية بعد النسخ منهم من قال : إنها بقيت مفروضة ~~للأقربين الذين لا يرثون وهذا قول الحسن وطاووس والضحاك والطبري لأنهم ~~قالوا : هي غير منسوخة ، وقال به ممن قال إنها منسوخة ابن عباس ومسروق ~~ومسلم بن يسار والعلاء بن زياد ، ومنهم من قال : بقيت مندوبة للأقربين ~~وغيرهم وهذا قول الجمهور إلا أنه إذا كان أقاربه في حاجة ولم يوص لهم فبئس ~~ما صنع ولا تبطل الوصية ، وقيل تختص بالقرابة فلو أوصى لغيرهم ms0955 بطلت وترد ~~على أقاربه قاله جابر بن زيد والشعبي وإسحاق بن راهويه والحسن البصري ، ~~والذي عليه قول من تعتمد أقوالهم أن الوصية لغير الوارث إذا لم يخش بتركها ~~ضياع حق أحد عند الموصي مطلوبة ، وأنها مترددة بين الوجوب والسنة المؤكدة ~~لحديث ( لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر له مال يوصي فيه يبيت ليلتين ~~إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه ) ، إذا كان هذا الحديث قد قاله النبي صلى الله ~~عليه وسلم بعد مشروعية الفرائض فإن كان قبل ذلك كان بيانا لآية الوصية ~~وتحريضا عليها ، ولم يزل المسلمون يرون الوصية في المال حقا شرعيا ، وفي ( ~~صحيح البخاري ) عن طلحة بن مصرف قال : سألت عبد الله بن أبي أوفى هل كان ~~النبي أوصى فقال : لا ، فقلت : كيف كتبت على الناس الوصية ولم يوص ؟ قال : ~~أوصى بكتاب الله اه ، يريد أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان لا يورث ~~فكذلك لا يوصي بماله ولكنه أوصى بما يعود على المسلمين بالتمسك بكتاب ~~الإسلام ، وقد كان من عادة المسلمين أن يقولوا للمريض إذا خيف عليه الموت ~~أن يقولوا له أوصص . # وقد اتفق علماء الإسلام على أن الوصية لا تكون لوارث لما رواه أصحاب ( ~~السنن ) عن عمر بن خارجة وما رواه أبو داود والترمذي عن أبي أمامة كلاهما ~~يقول سمعت النبي قال : ( إن الله أعطى كل ذي حق حقه ألا لا وصية لوارث ) ~~وذلك في حجة الوداع ، فخص بذلك عموم الوالدين وعموم الأقربين وهذا التخصيص ~~نسخ ، لأنه وقع بعد العمل بالعام وهو وإن كان خبر آحاد فقد اعتبر من قبيل ~~المتواتر ، لأنه سمعه الكافة وتلقاه علماء الأمة بالقبول . PageV02P150 # والجمهور على أن الوصية بأكثر من الثلث باطلة للحديث المشهور عن سعد بن ~~أبي وقاص أنه مرض فعاده النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنه في أن يوصي ~~بجميع ماله فمنعه إلى أن قال له ( الثلث والثلث كثير إنك أن تدع ورثتك ~~أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس ) ، وقال أبو حنيفة : إن لم يكن ~~للموصي ورثة ولو ms0956 عصبة دون بيت المال جاز للموصي أن يوصي بجميع ماله ومضى ~~ذلك أخذا بالإيماء إلى العلة في قوله ( إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير ) الخ ~~. وقال : إن بيت المال جامع لا عاصب وروي أيضا عن علي وابن عباس ومسروق ~~وإسحاق بن راهويه ، واختلف في إمضائها للوارث إذا أجازها بقية الورثة ومذهب ~~العلماء من أهل الأمصار أنها إذا أجازها الوارث مضت . # هذا وقد اتفق المسلمون على أن الله تعالى عين كيفية قسمة تركة الميت بآية ~~المواريث ، وأن آية الوصية المذكورة هنا صارت بعد ذلك غير مراد منها ظاهرها ~~، فالقائلون بأنها محكمة قالوا : بقيت الوصية لغير الوارث والوصية للوارث ~~بما زاد على نصيبه من الميراث فلا نسخ بين الآيتين . # والقائلون بالنسخ يقول منهم من يرون الوصية لم تزل مفروضة لغير الوارث : ~~إن آية المواريث نسخت الاختيار في الموصى له والإطلاق في المقدار الموصى به ~~، ومن يرى منهم الوصية قد نسخ وجوبها وصارت مندوبة يقولون : إن آية ~~المواريث نسخت هذه الآية كلها فأصبحت الوصية المشروعة بهذه الآية منسوخة ~~بآية المواريث للإجماع على أن آية المواريث نسخت عموم الوالدين والأقربين ~~الوارثين ، ونسخت الإطلاق الذي في لفظ ( الوصية ) والتخصيص بعد العمل ~~بالعام ، والتقييد بعد العمل بالمطلق كلاهما نسخ ، وإن كان لفظ آية ~~المواريث لا يدل على ما يناقض آية الوصية ، لاحتمالها أن يكون الميراث بعد ~~إعطاء الوصايا أو عند عدم الوصية بل ظاهرها ذلك لقوله : { من بعد وصية } ( ~~النساء : 11 ) ، وإن كان الحديثان الواردان في ذلك آحادا لا يصلحان لنسخ ~~القرآن عند من لا يرون نسخ القرآن بخبر الآحاد ، فقد ثبت حكم جديد للوصية ~~وهو الندب أو الوجوب على الخلاف في غير الوارث وفي الثلث بدليل الإجماع ~~المستند للأحاديث وفعل الصحابة ، ولما ثبت حكم جديد للوصية فهو حكم غير ~~مأخوذ من الآية المنسوخة بل هو حكم مستند للإجماع ، هذا تقرير أصل استنباط ~~العلماء في هذه المسألة وفيه ما يدفع عن الناظر إشكالات كثيرة للمفسرين ~~والفقهاء في تقرير كيفية النسخ . # PageV02P151 # | 2 ( 181 ) { فمن بدله بعدما سمعه ms0957 فإنمآ إثمه على الذين يبدلونه إن الله ~~سميع عليم } . ) 2 # الضمائر البارزة في ( بدله وسمعه وإثمه ويبدلونه ) عائدة إلى القول أو ~~الكلام الذي يقوله الموصي ودل عليه لفظ { الوصية } ( البقرة : 180 ) ، وقد ~~أكد ذلك بما دل عليه قوله { سمعه } إذ إنما تسمع الأقوال وقيل هي عائدة إلى ~~الإيصاء المفهوم من قوله : { الوصية } أي كما يعود الضمير على المصدر ~~المأخوذ من الفعل نحو قوله تعالى : { اعدلوا هو أقرب للتقوى } ( المائدة : ~~8 ) ، ولك أن تجعل الضمير عائدا إلى { المعروف } ( البقرة : 180 ) ، ~~والمعنى فمن بدل الوصية الواقعة بالمعروف ، لأن الإثم في تبديل المعروف ، ~~بدليل قوله الآتي : { فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم ~~عليه } ( البقرة : 182 ) . # والمراد من التبديل هنا الإبطال أو النقص ؛ وما صدق ( من بدله ) هو الذي ~~بيده تنفيذ الوصية من خاصة الورثة كالأبناء ومن الشهود عليها بإشهاد من ~~الموصي أو بحضور موطن الوصية كما في الوصية في السفر المذكورة في سورة ~~المائدة : { لانشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذا ~~لمن الأثمين } ( المائدة : 106 ) فالتبديل مستعمل في معناه المجازي لأن ~~حقيقة التبديل جعل شيء في مكان شيء آخر والنقض يستلزم الإتيان بضد المنقوض ~~وتقييد التبديل بظرف { بعدما سمعه } تعليل للوعيد أي لأنه بدل ما سمعه ~~وتحققه وإلا فإن التبديل لا يتصور إلا في معلوم مسموع ؛ إذ لا تتوجه النفوس ~~إلى المجهول . # والقصر في قوله : { فإنما إثمه } إضافي ، لنفي الإثم عن الموصي وإلا فإن ~~إثمه أيضا يكون على الذي يأخذ ما يجعله له الموصي مع علمه إذا حاباه منفذ ~~الوصية أو الحاكم فإن الحكم لا يحل حراما ، وقد قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم ( فمن قضيت له بحق أخيه فإنما أقتطع له قطعة من نار ) ، وإنما انتفى ~~الإثم عن الموصي لأنه استبرأ لنفسه حين أوصى بالمعروف فلا وزر عليه في ~~مخالفة الناس بعده لما أوصى به ، إذ { ألا تزر وازرة وزر أخرى ، وأن ليس ~~للإنسان إلا ما سعى } ( النجم : 38 39 ) . # والمقصود ms0958 من هذا القصر إبطال تعلل بعض الناس بترك الوصية بعلة خيفة ألا ~~ينفذها الموكول إليهم تنفيذها ، أي فعليكم بالإيصاء ووجوب التنفيذ متعين ~~على ناظر الوصية فإن بدله فعليه إثمه ، وقد دل قوله : { فإنما إثمه على ~~الذين يبدلونه } أي هذا التبديل يمنعه الشرع ويضرب ولاة الأمور على يد من ~~يحاول هذا التبديل ؛ لأن الإثم لا يقرر شرعا . PageV02P152 # وقوله : { إن الله سميع عليم } وعيد للمبدل ، لأن الله لا يخفى عليه شيء ~~وإن تحيل الناس لإبطال الحقوق بوجوه الحيل وجاروا بأنواع الجور فالله سميع ~~وصية الموصي ويعلم فعل المبدل ، وإذا كان سميعا عليما وهو قادر فلا حائل ~~بينه وبين مجازاة المبدل . والتأكيد بإن ناظر إلى حالة المبدل الحكمية في ~~قوله : { فمن بدله } لأنه في إقدامه على التبديل يكون كمن ينكر أن الله ~~عالم فلذلك أكد له الحكم تنزيلا له منزلة المنكر . # # | 2 ( 182 ) { فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه إن ~~الله غفور رحيم } . ) 2 # تفريع على الحكم الذي تقدمه وهو تحريم التبديل ، فكما تفرع عن الأمر ~~بالعدل في الوصية وعيد المبدل لها ، وتفرع عن وعيد المبدل الإذن في تبديلل ~~هو من المعروف وهو تبديل الوصية التي فيها جور وحيف بطريقة الإصلاح بين ~~الموصي لهم وبين من ناله الحيف من تلك الوصية بأن كان جديرا بالإيصاء إليه ~~فتركه الموصي أو كان جديرا بمقدار فأجحف به الموصي ؛ لأن آية الوصية حضرت ~~قسمة تركة الميت في اتباع وصيته وجعلت ذلك موكولا إلى أمانته بالمعروف ، ~~فإذا حاف حيفا واضحا وجنف عن المعروف أمر ولاة الأمور بالصلح . # ومعنى خاف هنا الظن والتوقع ؛ لأن ظن المكروه خوف فأطلق الخوف على لازمه ~~وهو الظن والتوقع إشارة إلى أن ما توقعه المتوقع من قبيل المكروه ، ~~والقرينة هي أن الجنف والإثم لا يخيفان أحدا ولا سيما من ليس من أهل الوصية ~~وهو المصلح بين أهلها ، ومن إطلاق الخوف في مثل هذا قول أبي محجن الثقفي : # أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها # أي أظن وأعلم شيئا ms0959 مكروها ولذا قال قبله : # تروي عظامي بعد موتي عروقها # والجنف الحيف والميل والجور وفعله كفرح . والإثم المعصية ، فالمراد من ~~الجنف هنا تفضيل من لا يستحق التفضيل على غيره من القرابة المساوي له أو ~~الأحق ، فيشمل ما كان من ذلك عن غير قصد ولكنه في الواقع حيف في الحق ، ~~والمراد بالإثم ما كان قصد الموصي به حرمان من يستحق أو تفضيل غيره عليه . ~~PageV02P153 # والإصلاح جعل الشيء صالحا يقال : أصلحه أي جعله صالحا ، ولذلك يطلق على ~~الدخول بين الخصمين بالمراضاة ؛ لأنه يجعلهم صالحين بعد أن فسدوا ، ويقال : ~~أصلح بينهم لتضمينه معنى دخل ، والضمير المجرور ببين في الآية عائد إلى ~~الموصي والموصى لهم المفهومين من قوله { موص } إذ يقتضي موصى لهم ، ومعنى { ~~فلا إثم عليه } ( البقرة : 173 ) أنه لا يلحقه حرج من تغيير الوصية ؛ لأنه ~~تغيير إلى ما فيه خير . # والمعنى : أن من وجد في وصية الموصي إضرارا ببعض أقربائه ، بأن حرمه من ~~وصيته أو قدم عليه من هو أبعد نسبا ، أو أوصى إلى غني من أقربائه وترك ~~فقيرهم فسعى في إصلاح ذلك وطلب من الموصي تبديل وصيته ، فلا إثم عليه في ~~ذلك ؛ لأنه سعى في إصلاح بينهم ، أو حدث شقاق بين الأقربين بعد موت الموصي ~~لأنه آثر بعضهم ، ولذلك عقبه بقوله : { إن الله غفور رحيم } وفيه تنويه ~~بالمحافظة على تنفيذ وصايا الموصين حتى جعل تغيير جورهم محتاجا للإذن من ~~الله تعالى والتنصيص على أنه مغفور . # وقرأ الجمهور : ( موص ) على أنه اسم فاعل أو أوصى وقرأه أبو بكر عن عاصم ~~وحمزة ، والكسائي ، ويعقوب ، وخلف ( موص ) بفتح الواو وتشديد الصاد على أنه ~~اسم فاعل وصى المضاعف . # # | 2 ( 183 ، 184 ) { ياأيها الذين ءامنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على ~~الذين من قبلكم لعلكم تتقون * أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر ~~فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو ~~خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون } . ) 2 # حكم الصيام حكم عظيم من الأحكام التي شرعها ms0960 الله تعالى للأمة ، وهو من ~~العبادات الرامية إلى تزكية النفس ورياضتها ، وفي ذلك صلاح حال الأفراد ~~فردا فردا ؛ إذ منها يتكون المجتمع . وفصلت الجملة عن سابقتها للانتقال إلى ~~غرض آخر ، وافتتحت بيأيها الذين آمنوا لما في النداء من إظهار العناية بما ~~سيقال بعده . # والقول في معنى كتب عليكم ياأيها الذين ءامنوا كتب عليكم الصيام كما كتب ~~على الذين من قبلكم لعلكم تتقون * أياما } ودلالته على الوجوب تقدم آنفا ~~عند قوله تعالى : { كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية } ( ~~البقرة : 180 ) الآية . # والصيام ويقال الصوم هو في اصطلاح الشرع : اسم لترك جميع الأكل وجميع ~~الشرب وقربان النساء مدة مقدرة بالشرع بنية الامتثال لأمر الله أو لقصد ~~التقرب بنذر للتقرب إلى الله . PageV02P154 # والصيام اسم منقول من مصدر فعال وعينه واو قلبت ياء لأجل كسرة فاء الكلمة ~~، وقياس المصدر الصوم ، وقد ورد المصدران في القرآن ، فلا يطلق الصيام ~~حقيقة في اللغة إلا على ترك كل طعام وشراب ، وألحق به في الإسلام ترك قربان ~~كل النساء ، فلو ترك أحد بعض أصناف المأكول أو بعض النساء لم يكن صياما كما ~~قال العرجي : # فإن شئتت حرمت النساء سواكم # وإن شئتت لم أطعم نقاخا ولا بردا # وللصيام إطلاقات أخرى مجازية كإطلاقه على إمساك الخيل عن الجري في قول ~~النابغة : # خيل صيام وخيل غير صائمة # تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما # وأطلق على ترك شرب حمار الوحش الماء ، وقال لبيد يصف حمار الوحش وأتانه ~~في إثر فصل الشتاء حيث لا تشرب الحمر ماء لاجتزائها بالمرعى الرطب : # حتى إذا سلخا جمادى ستة # جزءا فطال صيامه وصيامها # والظاهر أن اسم الصوم في اللغة حقيقة في ترك الأكل والشرب بقصد القربة ~~فقد عرف العرب الصوم في الجاهلية من اليهود في صومهم يوم عاشوراء كما ~~سنذكره . وقول الفقهاء : إن الصوم في اللغة مطلق الإمساك ، وإن إطلاقه على ~~الإمساك عن الشهوتين اصطلاح شرعي ، لا يصح ، لأنه مخالف لأقوال أهل اللغة ~~كما في ( الأساس ) وغيره ، وأما إطلاق الصوم على ترك الكلام في ms0961 قوله تعالى ~~حكاية عن قول عيسى : { فقولي إني نذرت للرحمان صوما فلن أكلم اليوم إنسيا } ~~( مريم : 26 ) فليس إطلاقا للصوم على ترك الكلام ولكن المراد أن الصوم كان ~~يتبعه ترك الكلام على وجه الكمال والفضل . # فالتعريف في الصيام في الآية تعريف العهد الذهني ، أي كتب عليكم جنس ~~الصيام المعروف . وقد كان العرب يعرفون الصوم ، فقد جاء في ( الصحيحين ) عن ~~عائشة قالت : ( كان يوم عاشوراء يوما تصومه قريش في الجاهلية ) وفي بعض ~~الروايات قولها : ( وكان رسول الله يصومه ) وعن ابن عباس ( لما هاجر رسول ~~الله إلى المدينة وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء ، فقال ما هذا ، فقالوا : ~~هذا يوم نجى الله فيه موسى ، فنحن نصومه فقال رسول الله : نحن أحق بموسى ~~منكم فصام وأمر بصومه ) فمعنى سؤاله هو السؤال عن مقصد اليهود من صومه لا ~~تعرف أصل صومه ، وفي حديث عائشة ( فلما نزل رمضان كان رمضان الفريضة وقال ~~رسول الله من شاء صام يوم عاشوراء ومن شاء لم يصمه فوجب صوم يوم عاشوراء ~~بالسنة ثم نسخ ذلك بالقرآن PageV02P155 فالمأمور به صوم معروف زيدت في ~~كيفيته المعتبرة شرعا قيود تحديد أحواله وأوقاته بقوله تعالى : { فالئن ~~باشروهن إلى قوله حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر } ( ~~البقرة : 187 ) وقوله { شهر رمضان } ( البقرة : 185 ) الآية ، { ومن كان ~~مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر } ( البقرة : 185 ) وبهذا يتبين أن في ~~قوله : { كتب عليكم الصيام } إجمالا وقع تفصيله في الآيات بعده . # فحصل في صيام الإسلام ما يخالف صيام اليهود والنصارى في قيود ماهية ~~الصيام وكيفيتها ، ولم يكن صيامنا مماثلا لصيامهم تمام المماثلة . فقوله : ~~{ كما كتب على الذين من قبلكم } تشبيه في أصل فرض ماهية الصوم لا في ~~الكيفيات ، والتشبيه يكتفى فيه ببعض وجوه المشابهة وهو وجه الشبه المراد في ~~القصد ، وليس المقصود من هذا التشبيه الحوالة في صفة الصوم على ما كان عليه ~~عند الأمم السابقة ، ولكن فيهم أغراضا ثلاثة تضمنها التشبيه : # أحدها الاهتمام بهذه العبادة ، والتنويه بها لأنها شرعها الله قبل ms0962 ~~الإسلام لمن كانوا قبل المسلمين ، وشرعها للمسلمين ، وذلك يقتضي اطراد ~~صلاحها ووفرة ثوابها . وإنهاض همم المسلمين لتلقي هذه العبادة كي لا يتميز ~~بها من كان قبلهم . إن المسلمين كانوا يتنافسون في العبادات كما ورد في ~~الحديث ( أن ناسا من أصحاب رسول الله قالوا يا رسول الله ذهب أهل الدثور ~~بالأجور يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم ) الحديث ~~ويحبون التفضيل على أهل الكتاب وقطع تفاخر أهل الكتاب عليهم بأنهم أهل ~~شريعة قال تعالى : { أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن ~~كنا عن دراستهم لغافلين أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم ~~فقد جاء بينة من ربكم وهدى ورحمة } ( الأنعام : 156 ، 157 ) . فلا شك أنهم ~~يغتبطون أمر الصوم وقد كان صومهم الذي صاموه وهو يوم عاشوراء إنما اقتدوا ~~فيه باليهود ، فهم في ترقب إلى تخصيصهم من الله بصوم أنفف ، فهذه فائدة ~~التشبيه لأهل الهمم من المسلمين إذا ألحقهم الله بصالح الأمم في الشرائع ~~العائدة بخير الدنيا والآخرة قال تعالى : { وفي ذلك فليتنافس المتنافسون } ~~( المطففين : 26 ) . # والغرض الثاني أن في التشبيه بالسابقين تهوينا على المكلفين بهذه العبادة ~~أن يستثقلوا PageV02P156 هذا الصوم ؛ فإن في الاقتداء بالغير أسوة في ~~المصاعب ، فهذه فائدة لمن قد يستعظم الصوم من المشركين فيمنعه وجوده في ~~الإسلام من الإيمان ولمن يستثقله من قريبى العهد بالإسلام ، وقد أكد هذا ~~المعنى الضمني قوله بعده : { أياما معدودات } . # والغرض الثالث إثارة العزائم للقيام بهذه الفريضة حتى لا يكونوا مقصرين ~~في قبول هذا الفرض بل ليأخذوه بقوة تفوق ما أدى به الأمم السابقة . # ووقع وبي بكر بن العربي في ( العارضة ) قوله : ( كان من قول مالكك في ~~كيفية صيامنا أنه كان مثل صيام من قبلنا وذلك معنى قوله : { كما كتب على ~~الذين من قبلكم } ، وفيه بحث سنتعرض له عند تفسير قوله تعالى : { علم الله ~~أنكم كنتم تختانون أنفسكم } ( البقرة : 187 ) . # فهذه الآية شرعت وجوب صيام رمضان ، لأن فعل { كتب } يدل على الوجوب ، ~~وابتداء نزول سورة البقرة كان ms0963 في أول الهجرة كما تقدم فيكون صوم عاشوراء ~~تقدم عاما ثم فرض رمضان في العام الذي يليه وفي ( الصحيح ) أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم صام تسع رمضانات فلا شك أنه صام أول رمضان في العام الثاني ~~من الهجرة ويكون صوم عاشوراء قد فرض عاما فقط وهو أول العام الثاني من ~~الهجرة . # والمراد بالذين من قبلكم من كان قيل المسلمين من أهل الشرائع وهم أهل ~~الكتاب أعني اليهود ؛ لأنهم الذين يعرفهم المخاطبون ويعرفون ظاهر شؤونهم ~~وكانوا على اختلاط بهم في المدينة وكان لليهود صوم فرضه الله عليهم وهو صوم ~~اليوم العاشر من الشهر السابع من سنتهم وهو الشهر المسمى عندهم ( تسري ) ~~يبتدىء الصوم من غروب اليوم التاسع إلى غروب اليوم العاشر وهو يوم كفارة ~~الخطايا ويسمونه ( كبور ) ثم إن أحبارهم شرعوا صوم أربعة أيام أخرى وهي ~~الأيام الأول من الأشهر الرابعع والخامس والسابعع والعاشر من سنتهم تذكارا ~~لوقائع بيت المقدس وصوم يوم ( بوريم ) تذكارا لنجاتهم من غصب ملك الأعاجم ( ~~أحشويروش ) في واقعة ( استير ) ، وعندهم صوم التطوع ، وفي الحديث : ( أحب ~~الصيام إلى الله صيام داود كان يصوم يوما ويفطر يوما ) ، أما النصارى فليس ~~في شريعتهم نص على تشريع صوم زائد على ما في التوراة فكانوا يتبعون صوم ~~اليهود وفي ( صحيح مسلم ) عن ابن عباس : ( قالوا يا رسول الله إن يوم ~~عاشوراء تعظمه اليهود والنصارى ) ، ثم إن رهبانهم شرعوا صوم أربعين يوما ~~اقتداء بالمسيح ؛ إذ صام أربعين يوما قبل بعثته ، PageV02P157 ويشرع عندهم ~~نذر الصوم عند التوبة وغيرها ، إلا أنهم يتوسعون في صفة الصوم ، فهو عندهم ~~ترك الأقوات القوية والمشروبات ، أو هو تناول طعام واحد في اليوم يجوز أن ~~تلحقه أكلة خفيفة . # وقوله : { لعلكم تتقون } بيان لحكمة الصيام وما لأجله شرع ، فهو في قوة ~~المفعول لأجله لكتب . و ( لعل ) إما مستعارة لمعنى كي استعارة تبعية ، وإما ~~تمثيلية بتشبيه شأن الله ؛ في إرادته من تشريع الصوم التقوى بحال المترجي ~~من غيره فعلا ما ، والتقوى الشرعية هي اتقاء المعاصي ، وإنما كان الصيام ~~موجبا لاتقاء المعاصي ms0964 ، لأن المعاصي قسمان ، قسم ينجع في تركه التفكر ~~كالخمر والميسر والسرقة والغصب فتركه يحصل بالوعد على تركه والوعيد على ~~فعله والموعظة بأحوال الغير ، وقسم ينشأ من دواع طبيعية كالأمور الناشئة عن ~~الغضب وعن الشهوة الطبيعية التي قد يصعب تركها بمجرد التفكر ، فجعل الصيام ~~وسيلة لاتقائها ، لأنه يعدل القوى الطبيعية التي هي داعية تلك المعاصي ، ~~ليرتقي المسلم به عن حضيض الانغماس في المادة إلى أوج العالم الروحاني ، ~~فهو وسيلة للارتياض بالصفات الملكية والانتفاض من غبار الكدرات الحيوانية . ~~وفي الحديث الصحيح ( الصوم جنة ) أي وقاية ولما ترك ذكر متعلق جنة تعين ~~حمله على ما يصلح له من أصناف الوقاية المرغوبة ، ففي الصوم وقاية من ~~الوقوع في المآثم ووقاية من الوقوع في عذاب الآخرة ، ووقاية من العلل ~~والأدواء الناشئة عن الإفراط في تناول اللذات . # وقوله تعالى : { أياما معدودات } ظرف للصيام مثل قولك الخروج يوم الجمعة ~~، ولا يضر وقوع الفصل بين { الصيام } وبين { أياما } وهو قوله : { كما كتب ~~} إلى { تتقون } لأن الفصل لم يكن بأجنبي عند التحقيق ، إذ الحال والمفعول ~~لأجله المستفاد من ( لعل ) كل ذلك من تمام عامل المفعول فيه وهو قوله صيام ~~، ومن تمام العاملل في ذلك العامل وهو { كتب } فإن عامل العامل في الشيء ~~عامل في ذلك الشيء ولجواز الفصل بالأجنبي إذا كان المعمول ظرفا ، لاتساعهم ~~في الظروف وهذا مختار الزجاج والزمخشري والرضي ، ومرجع هذه المسألة إلى ~~تجنب تشتيت الكلام باختلال نظامه المعروف ، تجنبا للتعقيد المخل بالفصاحة . # والغالب على أحوال الأمم في جاهليتها وبخاصة العرب هو الاستكثار من تناول ~~اللذات من المآكل والخمور ولهو النساء والدعة ، وكل ذلك يوفر القوى ~~الجسمانية والدموية PageV02P158 في الأجساد ، فتقوى الطبائع الحيوانية التي ~~في الإنسان من القوة الشهوية والقوة الغضبية . وتطغيان على القوة العاقلة ، ~~فجاءت الشرائع بشرع الصيام ، لأنه يفي بتهذيب تلك القوى ، إذ هو يمسك ~~الإنسان عن الاستكثار من مثيرات إفراطها ، فتكون نتيجته تعديلها في أوقات ~~معينة هي مظنة الاكتفاء بها إلى أوقات أخرى . # والصوم بمعنى إقلال تناول الطعام عن المقدار الذي يبلغ حد الشبع ms0965 أو تركك ~~بعض المأكل : أصل قديم من أصول التقوى لدى المليين ولدى الحكماء الإشراقيين ~~، والحكمة الإشراقية مبناها على تزكية النفس بإزالة كدرات البهيمية عنها ~~بقدر الإمكان ، بناء على أن للإنسان قوتين : إحداهما روحانية منبثة في ~~قرارتها من الحواس الباطنية ، والأخرى حيوانية منبثة في قرارتها من الأعضاء ~~الجسمانية كلها ، وإذ كان الغذاء يخلف للجسد ما يضيعه من قوته الحيوانية ~~إضاعة تنشأ عن العمل الطبيعي للأعضاء الرئيسية وغيرها ، فلا جرم كانت زيادة ~~الغذاء على القدر المحتاج إليه توفر للجسم من القوة الحيوانية فوق ما ~~يحتاجه وكان نقصانه يقتر عليه منها إلى أن يبلغ إلى المقدار الذي لا يمكن ~~حفظ الحياة بدونه ، وكان تغلب مظهر إحدى القوتين بمقدار تضاؤل مظهر القوة ~~الأخرى ، فلذلك وجدوا أن ضعف القوة الحيوانية يقلل معمولها فتتغلب القوة ~~الروحانية على الجسد ويتدرج به الأمر حتى يصير صاحب هذه الحال أقرب إلى ~~الأرواح والمجردات منه إلى الحيوان ، بحيث يصير لا حظ له في الحيوانية إلا ~~حياة الجسم الحافظة لبقاء الروح فيه ، ولذلك لزم تعديل مقدار هذا التناقص ~~بكيفية لا تفضي إلى اضمحلال الحياة ، لأن ذلك يضيع المقصود من تزكية النفس ~~وإعدادها للعوالم الأخروية ، فهذا التعادل والترجيح بين القوتين هو أصل ~~مشروعية الصيام في الملل ووضعيته في حكمة الإشراق ، وفي كيفيته تختلف ~~الشرائع اختلافا مناسبا للأحوال المختصة هي بها بحيث لا يفيت المقصد من ~~الحياتين ، ولا شك أن أفضل الكيفيات لتحصيل هذا الغرض من الصيام هو الكيفية ~~التي جاء بها الإسلام . # قيل في ( هياكل النور ) ( النفوس الناطقة من جوهر الملكوت إنما شغلها عن ~~عالمها القوى البدنية ومشاغلتها ، فإذا قويت النفس بالفضائل الروحانية وضعف ~~سلطان القوى البدنية بتقليل الطعام وتكثير السهر تتخلص أحيانا إلى عالم ~~القدس وتتصل بأبيها المقدس وتتلقى منه المعارف ) ، فمن الصوم ترك البراهمة ~~أكل لحوم الحيوان والاقتصار على النبات PageV02P159 أو الألبان ، وكان ~~حكماء اليونان يرتاضون على إقلال الطعام بالتدريج حتى يعتادوا تركه أياما ~~متوالية ، واصطلحوا على أن التدريج في إقلال الطعام تدريجا لا يخشى منه ~~انخرام صحة البدن أن ms0966 يزن الحكيم شبعه من الطعام بأعواد من شجر التين رطبة ~~ثم لا يجددها فيزن بها كل يوم طعامه لا يزيد على زنتها وهكذا يستمر حتى ~~تبلغ من اليبس إلى حد لا يبس بعده فتكون هي زنة طعام كل يوم . # وفي ( حكمة الإشراق ) للسهروردي ( وقبل الشروع في قراءة هذا الكتاب يرتاض ~~أربعين يوما تاركا للحوم الحيوانات مقللا للطعام منقطعا إلى التأمل لنور ~~الله اه ) . # وإذ قد كان من المتعذر على الهيكل البشري بما هو مستودع حياة حيوانية أن ~~يتجرد عن حيوانيته ، فمن المتعذر عليه الانقطاع البات عن إمداد حيوانيته ~~بمطلوباتها فكان من اللازم لتطلب ارتقاء نفسه أن يتدرج به في الدرجات ~~الممكنة من تهذيب حيوانيته وتخليصه من التوغل فيها بقدر الإمكان ، لذلك كان ~~الصوم أهم مقدمات هذا الغرض ، لأن فيه خصلتين عظيمتين ؛ هما الاقتصاد في ~~إمداد القوى الحيوانية وتعود الصبر بردها عن دواعيها ، وإذ قد كان البلوغ ~~إلى الحد الأتم من ذلك متعذرا كما علمت ، حاول أساطين الحكمة النفسانية ~~الإقلال منه ، فمنهم من عالج الإقلال بنقص الكميات وهذا صوم الحكماء ، ~~ومنهم من حاوله من جانب نقص أوقات التمتع بها وهذا صوم الأديان وهو أبلغ ~~إلى القصد وأظهر في ملكة الصبر ، وبذلك يحصل للإنسان دربة على ترك شهواته ، ~~فيتأهل للتخلق بالكمال فإن الحائل بينه وبين الكمالات والفضائل هو ضعف ~~التحمل للانصراف عن هواه وشهواته : # إذا المرء لم يترك طعاما يحبه # ولم ينه قلبا غاويا حيث يمما # فيوشك أن تلقى له الدهر سبة # إذا ذكرت أمثالها تملأ الفما # فإن قلت : إذا كان المقصد الشرعي من الصوم ارتياض النفس على ترك الشهوات ~~وإثارة الشعور بما يلاقيه أهل الخصاصة من ألم الجوع ، واستشعار المساواة ~~بين أهل الجدة والرفاهية وأهلل الشظف في أصول الملذات بني الفريقين من ~~الطعام والشراب واللهو ، فلماذا اختلفت الأديان الإلاهية في كيفية الصيام ~~ولماذا التزمت الديانة الإسلامية في كيفيته صورة واحدة ، ولم تكل ذلك إلى ~~المسلم يتخذ لإراضة نفسه ما يراه لائقا به في تحصيل المقاصد المرادة ؟ . ~~PageV02P160 # قلت : شأن التعليم الصالح أن ms0967 يضبط للمتعلم قواعد وأساليب تبلغ به إلى ~~الثمرة المطلوبة من المعارف التي يزاولها فإن معلم الرياضة البدنية يضبط ~~للتعلم كيفيات من الحركات بأعضائه وتطور قامته انتصابا وركوعا وقرفصاء ، ~~بعض ذلك يثمر قوة عضلاته وبعضها يثمر اعتدال الدورة الدموية وبعضها يثمر ~~وظائف شرايينه ، وهي كيفيات حددها أهل تلك المعرفة وأدنوا بها حصول الثمرة ~~المطلوبة ، ولو وكل ذلك للطالبين لذهبت أوقات طويلة في التجارب وتعددت ~~الكيفيات بتعدد أفهام الطالبين واختيارهم وهذا يدخل تحت قوله تعالى : { ~~يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } ( البقرة : 185 ) . # والمراد بالأيام من قوله : { أياما معدودات } شهر رمضان عند جمهور ~~المفسرين ، وإنما عبر عن رمضان بأيام وهي جمع قلة ووصف بمعدودات وهي جمع ~~قلة أيضا ؛ تهوينا لأمره على المكلفين ، والمعدودات كناية عن القلة ؛ لأن ~~الشيء القليل يعد عدا ؛ ولذلك يقولون : الكثير لا يعد ، ولأجل هذا اختير في ~~وصف الجمع مجيئه في التأنيث على طريقة الجمع بألف وتاء وإن كان مجيئه على ~~طريقة الجمع المكسر الذي فيه هاء تأنيث أكثر . # قال أبو حيان عند قوله تعالى الآتي بعده : { من أيام أخر } ( البقرة : ~~185 ) صفة الجمع الذي لا يعقل تارة تعامل معاملة الواحدة المؤنثة ، نحو ~~قوله تعالى : { إلا أياما معدودة } ( البقرة : 80 ) وتارة تعامل معاملة جمع ~~المؤنث نحو : { أياما معدودات } فمعدودات جمع لمعدودة ، وأنت لا تقول يوم ~~معدودة وكلا الاستعمالين فصيح ، ويظهر أنه ترك فيه تحقيقا وذلك أن الوجه في ~~الوصف الجاري على جمع مذكر إذا أنثوه أن يكون مؤنثا مفردا ، لأن الجمع قد ~~أول بالجماعة والجماعة كلمة مفردة وهذا هو الغالب ، غير أنهم إذا أرادوا ~~التنبيه على كثرة ذلك الجمع أجروا وصفه على صيغة جمع المؤنث ليكون في معنى ~~الجماعات وأن الجمع ينحل إلى جماعات كثيرة ، ولذلك فأنا أرى أن معدودات ~~أكثر من معدودة ولأجل هذا قال تعالى : { وقالوا لن تمسسنا النار إلا أياما ~~معدودة } ( البقرة : 80 ) لأنهم يقللونها غرورا أو تغريرا ، وقال هنا { ~~معدودات } لأنها ثلاثون يوما ، وقال في الآية الآتية : { الحج أشهر معلومات ~~} ( البقرة : 197 ) وهذا ms0968 مثل قوله في جمع جمل { جمالات } ( المرسلات : 33 ) ~~على أحد التفسيرين وهو أكثر من جمال ، وعن المازني أن الجمع لما لا يعقل ~~يجيء الكثير منه بصيغة الواحدة المؤنثة تقول : الجذوع انكسرت والقليل منه ~~يجيء بصيغة الجمع تقول : الأجذاع انكسرن اه وهو غير ظاهر . # وقيل المراد بالأيام غير رمضان بل هي أيام وجب صومها على المسلمين عندما ~~فرض PageV02P161 الصيام بقوله : { أياما معدودات } ثم نسخ صومها بصوم رمضان ~~وهي يوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر وهي أيام البيض الثالث عشر والرابع ~~عشر والخامس عشر وإليه ذهب معاذ وقتادة وعطاء ولم يثبت من الصوم المشروع ~~للمسلمين قبل رمضان إلا صوم يوم عاشوراء كما في ( الصحيح ) وهو مفروض ~~بالسنة ، وإنما ذكر أن صوم عاشوراء والأيام البيض كان فرضا على النبي صلى ~~الله عليه وسلم ولم يثبت رواية ، فلا يصح كونها المراد من الآية لا لفظا ~~ولا أثرا ، على أنه قد نسخ ذلك كله بصوم رمضان كما دل عليه حديث السائل ~~الذي قال : ( لا أزيد على هذا ولا أنقص منه فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أفلح إن صدق ) . # تعقيب لحكم العزيمة بحكم الرخصة ، فالفاء لتعقيب الأخبار لا للتفريع ، ~~وتقديمه هنا قبل ذكر بقية تقدير الصوم تعجيل بتطمين نفوس السامعين لئلا ~~يظنوا وجوب الصوم عليهم في كل حال . # والمريض من قام به المرض وهو انحراف المزاج عن حد الاعتدال الطبيعي بحيث ~~تثور في الجسد حمى أو وجع أو فشل . # وقد اختلف الفقهاء في تحديد المرض الموجب للفطر ، فأما المرض الغالب الذي ~~لا يستطيع المريض معه الصوم بحال بحيث يخشى الهلاك أو مقاربته فلا خلاف ~~بينهم في أنه مبيح للفطر بل يوجب الفطر ، وأما المرض الذي دون ذلك فقد ~~اختلفوا في مقداره فذهب محققو الفقهاء إلى أنه المرض الذي تحصل به مع ~~الصيام مشقة زائدة على مشقة الصوم للصحيح من الجوع والعطش المعتادين ، بحيث ~~يسبب له أوجاعا أو ضعفا منهكا أو تعاوده به أمراض ساكنة أو يزيد في انحرافه ~~إلى حد المرض أو يخاف ms0969 تمادي المرض بسببه . وهذا قول مالك وأبي حنيفة ~~والشافعي على تفاوت بينهم في التعبير ، وأعدل العبارات ما نقل عن مالك ؛ ~~لأن الله أطلق المرض ولم يقيده ، وقد علمنا أنه ما أباح للمريض الفطر إلا ~~لأن لذلك المرض تأثيرا في الصائم ، ويكشف ضابط ذلك قول القرافي في الفرق ~~الرابع عشر إذ قال : ( إن المشاق قسمان : قسم ضعيف لا تنفك عنه تلك العبادة ~~كالوضوء والغسل في زمن البرد وكالصوم ، وكالمخاطرة بالنفس في الجهاد ، وقسم ~~هو ما تنفك عنه العبادة وهذا أنواع : نوع لا تأثير له في العبادة ~~PageV02P162 كوجع أصبع ، فإن الصوم لا يزيد وجع الأصبع وهذا لا التفات إليه ~~، ونوع له تأثير شديد مع العبادة كالخوف على النفس والأعضاء والمنافع وهذا ~~يوجب سقوط تلك العبادة ، ونوع يقرب من هذا فيوجب ما يوجبه ) . # وذهب ابن سيرين وعطاء والبخاري إلى أن المرض وهو الوجع والاعتلال يسوغ ~~الفطر ولو لم يكن الصوم مؤثرا فيه شدة أو زيادة ؛ لأن الله تعالى جعل المرض ~~سبب الفطر كما جعل السفر سبب الفطر من غير أن تدعو إلى الفطر ضرورة كما في ~~السفر ، يريدون أن العلة هي مظنة المشقة الزائدة غالبا ، قيل دخل بعضهم على ~~ابن سيرين في نهار رمضان وهو يأكل فلما فرغ قال : إنه وجعتني أصبعي هذه ~~فأفطرت ، وعن البخاري قال : اعتللت بنيسابور علة خفيفة في رمضان فعادني ~~إسحاق بن راهويه في نفر من أصحابه فقال لي : أفطرت يا أبا عبد الله قلت : ~~نعم أخبرنا عبدان عن ابن المبارك عن ابن جريج قال : قلت لعطاء : من أي ~~المرض أفطر ؟ قال : من أي مرض كان كما قال الله تعالى : { فمن كان منكم ~~مريضا } وقيل : إذا لم يقدر المريض على الصلاة قائما أفطر ، وإنما هذه حالة ~~خاصة تصلح مثالا ولا تكون شرطا ، وعزي إلى الحسن والنخعي ولا يخفى ضعفه ؛ ~~إذ أين القيام في الصلاة من الإفطار في الصيام ، وفي هذا الخلاف مجال للنظر ~~في تحديد مدى الانحراف والمرض المسوغين إفطار الصائم ، فعلى الفقيه الإحاطة ~~بكل ذلك ونقربه من المشقة ms0970 الحاصلة للمسافر وللمرأة الحائض . # وقوله : { أو على سفر } أي أو كان بحالة السفر وأصل ( على ) الدلالة على ~~الاستعلاء ثم استعملت مجازا في التمكن كما تقدم في قوله تعالى : { على هدى ~~من ربهم } ( البقرة : 5 ) ثم شاع في كلام العرب أن يقولوا فلان على سفر أي ~~مسافر ليكون نصا في التلبس ، لأن اسم الفاعل يحتمل الاستقبال فلا يقولون ~~على سفر للعازم عليه وأما قول . . . # ماذا على البدر المحجبب لو سفر # إن المعذب في هواه على سفر # أراد أنه على وشك الممات فخطأ من أخطاء المولدين في العربية ، فنبه الله ~~تعالى بهذا اللفظ المستعمل في التلبس بالفعل ، على أن المسافر لا يفطر حتى ~~يأخذ في السير في السفر دون مجرد النية ، والمسألة مختلف فيها فعن أنس بن ~~مالك أنه أراد السفر في رمضان فرحلت دابته ولبس ثياب السفر وقد تقارب غروب ~~الشمس فدعا بطعام فأكل منه ثم ركب وقال : هذه السنة ، رواه الدارقطني ، وهو ~~قول الحسن البصري ، وقال جماعة : إذا أصبح مقيما ثم سافر PageV02P163 بعد ~~ذلك فلا يفطر يومه ذلك وهو قول الزهري ، ومالك والشافعي والأوزاعي وأبي ~~حنيفة وأبي ثور ، فإن أفطر فعليه القضاء دون الكفارة ، وبالغ بعض المالكية ~~فقال : عليه الكفارة وهو قول ابن كنانة والمخزومي ، ومن العجب اختيار ابن ~~العربي إياه ، وقال أبو عمر بن عبد البر : ليس هذا بشيء لأن الله أباح له ~~الفطر بنص الكتاب ، ولقد أجاد أبو عمر ، وقال أحمد وإسحاق والشعبي : يفطر ~~إذا سافر بعد الصبح ورووه عن ابن عمر وهو الصحيح الذي يشهد له حديث ابن ~~عباس في ( صحيحي البخاري ومسلم ) ( خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~المدينة إلى مكة ، فصام حتى بلغ عسفان ثم دعا بماء فرفعه إلى يديه ليريه ~~فأفطر حتى قدم مكة ) ، قال القرطبي : وهذا نص في الباب فسقط ما يخالفه . # وإنما قال تعالى : { فعدة من أيام أخر } ولم يقل : فصيام أيام أخر ، ~~تنصيصا على وجوب صوم أيام بعدد أيام الفطر في المرض والسفر ؛ إذ العدد لا ~~يكون إلا على ms0971 مقدار مماثل . فمن للتبعيض إن اعتبر أيام أعم من أيام العدة ~~أي من أيام الدهر أو السنة ، أو تكون من تمييز عدة أي عدة هي أيام مثل قوله ~~: { بخمسة ألف من الملائكة } ( آل عمران : 125 ) . # ووصف الأيام بأخر وهو جمع الأخرى اعتبارا بتأنيث الجمع ؛ إذ كل جمع مؤنث ~~، وقد تقدم ذلك في قوله تعالى آنفا { أياما معدودات } قال أبو حيان : ~~واختير في الوصف صيغة الجمع دون أن يقال أخرى لئلا يظن أنه وصف لعدة ، وفيه ~~نظر ؛ لأن هذا الظن لا يوقع في لبس ؛ لأن عدة الأيام هي أيام فلا يعتني ~~بدفع مثل هذا الظن ، فالظاهر أن العدول عن أخرى لمراعاة صيغة الجمع في ~~الموصوف مع طلب خفة اللفظ . # ولفظ ( أخر ) ممنوع من الصرف في كلام العرب . وعلل جمهور النحويين منعه ~~من الصرف على أصولهم بأن فيه الوصفية والعدل ، أما الوصفية ظاهرة وأما ~~العدل فقالوا : لما كان جمع آخر ومفرده بصيغة اسم التفضيل وكان غير معرف ~~باللام كان حقه أن يلزم الإفراد والتذكير جريا على سنن أصله وهو اسم ~~التفضيل إذا جرد من التعريف باللام ومن الإضافة إلى المعرفة أنه يلزم ~~الإفراد والتذكير فلما نطق به العرب مطابقا لموصوفه في التثنية والجمع ~~علمنا أنهم عدلوا به عن أصله ( والعدول عن الأصل يوجب الثقل على اللسان ؛ ~~لأنه غير معتاد الاستعمال ) فخففوه لمنعه من الصرف وكأنهم لم يفعلوا ذلك في ~~تثنيته وجمعه بالألف والنون لقلة وقوعهما ، وفيه ما فيه . PageV02P164 # ولم تبين الآية صفة قضاء صوم رمضان ، فأطلقت ( عدة من أيام أخر ) ، فلم ~~تبين أتكون متتابعة أم يجوز تفريقها ؟ ولا وجوب المبادرة بها أو جواز ~~تأخيرها ، ولا وجوب الكفارة على الفطر متعمدا في بعض أيام القضاء ، ويتجاذب ~~النظر في هذه الثلاثة دليل التمسك بالإطلاق لعدم وجود ما يقيده كما يتمسك ~~بالعام إذا لم يظهر المخصص ، ودليل أن الأصل في قضاء العبادة أن يكون على ~~صفة العبادة المقضية . # فأما حكم تتابع أيام القضاء ، فروى الدارقطني بسند صحيح قالت عائشة نزلت ~~{ فعدة من أيام أخر متتابعات ms0972 } متتابعات فسقطت متتابعات ، تريد نسخت وهو ~~قول الأئمة الأربعة وبه قال من الصحابة أبو هريرة ، وأبو عبيدة ، ومعاذ بن ~~جبل ، وابن عباس ، وتلك رخصة من الله ، ولأجل التنبيه عليها أطلق قوله : { ~~من أيام أخر } ولم يقيد بالتتابع كما قال في كفارة الظهار وفي كفارة قتل ~~الخطأ . فلذلك ألغى الجمهور إعمال قاعدة جريان قضاء العبادة على صفة المقضي ~~ولم يقيدوا مطلق آية قضاء الصوم بما قيدت به آية كفارة الظهار وكفارة قتل ~~الخطأ . وفي ( الموطأ ) عن ابن عمر أنه يقول : يصوم قضاء رمضان متتابعا من ~~أفطره من مرض أو سفر ، قال الباجي في ( المنتقى ) : يحتمل أن يريد به ~~الوجوب وأن يريد الاستحباب . # وأما المبادرة بالقضاء ، فليس في الكتاب ولا في السنة ما يقتضيها ، وقوله ~~هنا : { فعدة من أيام أخر } مراد به الأمر بالقضاء ، وأصل الأمر لا يقتضي ~~الفور ، ومضت السنة على أن قضاء رمضان لا يجب فيه الفور بل هو موسع إلى شهر ~~شعبان من السنة الموالية للشهر الذي أفطر فيه ، وفي ( الصحيح ) عن عائشة ~~قالت : يكون علي الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان . وهذا ~~واضح الدلالة على عدم وجوب الفور ، وبذلك قال جمهور العلماء وشذ داود ~~الظاهري فقال : يشرع في قضاء رمضان ثاني يوم من شوال المعاقب له . # وأما من أفطر متعمدا في يوم من أيام قضاء رمضان فالجمهور على أنه لا ~~كفارة عليه ؛ لأن الكفارة شرعت حفظا لحرمة شهر رمضان وليس لأيام القضاء ~~حرمة وقال قتادة : تجب عليه الكفارة بناء على أن قضاء العبادة يساوي أصله . ~~PageV02P165 ( سقط : { وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مساكين } ) # عطف على قوله : { عليكم الصيام } والمعطوف بعض المعطوف عليه فهو في ~~المعنى كبدل البعض أي وكتب على الذين يطيقونه فدية ؛ فإن الذين يطيقونه بعض ~~المخاطبين بقوله : { كتب عليكم الصيام } . # والمطيق هو الذي أطاق الفعل أي كان في طوقه أن يفعله ، والطاقة أقرب ~~درجات القدرة إلى مرتبة العجز ، ولذلك يقولون فيما فوق الطاقة : هذا ما لا ~~يطاق ، وفسرها الفراء بالجهد بفتح الجيم وهو ms0973 المشقة ، وفي بعض روايات ( ~~صحيح البخاري ) عن ابن عباس قرأ : ( وعلى الذين يطوقونه فلا يطيقونه ) . ~~وهي تفسير فيما أحسب ، وقد صدر منه نظائر من هذه القراءة ، وقيل الطاقة ~~القدرة مطلقا . # فعلى تفسير الإطاقة بالجهد فالآية مراد منها الرخصة على من تشتد به مشقة ~~الصوم في الإفطار والفدية . # وقد سموا من هؤلاء الشيخ الهرم والمرأة المرضع والحامل فهؤلاء يفطرون ~~ويطعمون عن كل يوم يفطرونه وهذا قول ابن عباس وأنس بن مالك والحسن البصري ~~وإبراهيم النخعي وهو مذهب مالك والشافعي ، ثم من استطاع منهم القضاء قضى ~~ومن لم يستطعه لم يقض مثل الهرم ، ووافق أبو حنيفة في الفطر ؛ إلا أنه لم ~~ير الفدية إلا على الهرم لأنه لا يقضي بخلاف الحامل والمرضع ، ومرجع ~~الاختلاف إلى أن قوله تعالى : { وعلى الذين يطيقونه فدية } هل هي لأجل ~~الفطر أم لأجل سقوط القضاء ؟ والآية تحتملهما إلا أنها في الأول أظهر ، ~~ويؤيد ذلك فعل السلف ، فقد كان أنس بن مالك حين هرم وبلغ عشرا بعد المائة ~~يفطر ويطعم لكل يوم مسكينا خبزا ولحما . # وعلى تفسير الطاقة بالقدرة فالآية تدل على أن الذي يقدر على الصوم له أن ~~يعوضه بالإطعام ، ولما كان هذا الحكم غير مستمر بالإجماع قالوا في حمل ~~الآية عليه : إنها حينئذ تضمنت حكما كان فيه توسعة ورخصة ثم انعقد الإجماع ~~على نسخه ، وذكر أهل الناسخ والمنسوخ أن ذلك فرض في أول الإسلام لما شق ~~عليهم الصوم ثم نسخ بقوله تعالى : { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } ( البقرة ~~: 185 ) ونقل ذلك عن ابن عباس وفي البخاري عن ابن عمر وسلمة بن الأكوع ~~PageV02P166 نسختها آية { شهر رمضان } ( البقرة : 185 ) ثم أخرج عن ابن أبي ~~ليلى قال : حدثنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم نزل رمضان فشق عليهم فكان ~~من أطعم كل يوم مسكينا ترك الصوم من يطيقه ورخص لهم في ذلك فنسختها : { وأن ~~تصوموا خير لكم } ، ورويت في ذلك آثار كثيرة عن التابعين وهو الأقرب من ~~عادة الشارع في تدرج تشريع التكاليف التي فيها مشقة على الناس ms0974 من تغيير ~~معتادهم كما تدرج في تشريع منع الخمر . # ونلحق بالهرم والمرضع والحامل كل من تلحقه مشقة أو توقع ضر مثلهم وذلك ~~يختلف باختلاف الأمزجة واختلاف أزمان الصوم من اعتدال أو شدة برد أو حر ، ~~وباختلاف أعمال الصائم التي يعملها لاكتسابه من الصنائع كالصائغ والحداد ~~والحمامي وخدمة الأرض وسير البريد وحمل الأمتعة وتعبيد الطرقات والظئر . # وقد فسرت الفدية بالإطعام إما بإضافة المبين إلى بيانه كما قرأ نافع وابن ~~ذكوان عن ابن عامر وأبو جعفر : ( فدية طعام مساكين ) ، بإضافة فدية إلى ~~طعام ، وقرأه الباقون بتنوين ( فدية ) وإبدال ( طعام ) من ( فدية ) . # وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر ( مساكين ) بصيغة الجمع جمع مسكين ، وقرأه ~~الباقون بصيغة المفرد ، والإجماع على أن الواجب إطعام مسكين ، فقراءة الجمع ~~مبنية على اعتبار جمع الذين يطيقونه من مقابلة الجمع بالجمع مثل ركب الناس ~~دوابهم ، وقراءة الإفراد اعتبار بالواجب على آحاد المفطرين . # والإطعام هو ما يشبع عادة من الطعام المتغذى به في البلد ، وقدره فقهاء ~~المدينة مدا بمد النبي صلى الله عليه وسلم من بر أو شعير أو تمر . # تفريع على قوله : { وعلى الذين يطيقونه فدية } الخ ، والتطوع : السعي في ~~أن يكون طائعا غير مكره أي طاع طوعا من تلقاء نفسه . والخير مصدر خار إذا ~~حسن وشرف وهو منصوب لتضمين { تطوع } معنى أتى ، أو يكون { خيرا } صفة لمصدر ~~محذوف أي تطوعا خيرا . ولا شك أن الخير هنا متطوع به فهو الزيادة من الأمر ~~الذي الكلام بصدده وهو الإطعام لا محالة ، وذلك إطعام غير واجب فيحتمل أن ~~يكون المراد : فمن زاد على إطعام PageV02P167 مسكين واحد فهو خير ، وهذا ~~قول ابن عباس ، أو أن يكون : من أراد الإطعام مع الصيام ، قاله ابن شهاب ، ~~وعن مجاهد : من زاد في الإطعام على المد وهو بعيد ؛ إذ ليس المد مصرحا به ~~في الآية ، وقد أطعم أنس بن مالك خبزا ولحما عن كل يوم أفطره حين شاخ . # و { خير } الثاني في قوله : { فهو خير له } يجوز أن يكون مصدرا كالأول ~~ويكون المراد به خيرا آخر ms0975 أي خير الآخرة . ويجوز أن يكون خير الثاني تفضيلا ~~أي فالتطوع بالزيادة أفضل من تركها وحذف المفضل عليه لظهوره . # الظاهر رجوعه لقوله : { وعلى الذين يطيقونه فدية } فإن كان قوله ذلك ~~نازلا في إباحة الفطر للقادر فقوله : { وأن تصوموا } ترغيب في الصوم وتأنيس ~~به ، وإن كان نازلا في إباحته لصاحب المشقة كالهرم فكذلك ، ويحتمل أن يرجع ~~إلى قوله : { ومن كان مريضا } وما بعده ، فيكون تفضيلا للصوم على الفطر إلا ~~أن هذا في السفر مختلف فيه بين الأئمة ، ومذهب مالك رحمه الله أن الصوم ~~أفضل من الفطر وأما في المرض ففيه تفصيل بحسب شدة المرض . # وقوله : { إن كنتم تعلمون } تذييل أي تعلمون فوائد الصوم على رجوعه لقوله ~~: { وعلى الذين يطيقونه } إن كان المراد بهم القادرين أي إن كنتم تعلمون ~~فوائد الصوم دنيا وثوابه أخرى ، أو إن كنتم تعلمون ثوابه على الاحتمالات ~~الأخر . وجيء في الشرط بكلمة ( إن ) لأن علمهم بالأمرين من شأنه ألا يكون ~~محققا ؛ لخفاء الفائدتين . # $ 2 ( 185 ) { شهر رمضان الذى & # 1764 أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم ~~الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم ~~اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ~~ولعلكم تشكرون } . ) 2 $ # قد علمت أن هذه الآيات تكملة للآيات السابقة وأن لا نسخ في خلال هاته ~~الآيات ، فقوله : { شهر رمضان } خبر مبتدأ محذوف تقديره هي أي الأيام ~~المعدودات شهر رمضان ، والجملة PageV02P168 مستأنفة بيانيا ، لأن قوله : { ~~أياما معدودات } ( البقرة : 184 ) يثير سؤال السامع عن تعيين هذه الأيام ، ~~ويؤيد ذلك قراءة مجاهد { شهرا } بالنصب على البدلية من { أياما } : بدل ~~تفصيل . # وحذف المسند إليه جار على طريقة الاستعمال في المسند إليه إذا تقدم من ~~الكلام ما فيه تفصيل وتبيين لأحوال المسند إليه فهم يحذفون ضميره ، وإذا ~~جوزت أن يكون هذا الكلام نسخا لصدر الآية لم يصح أن يكون التقدير هي شهر ~~رمضان فيتعين أن يكون شهر رمضان مبتدأ خبرهم قوله : { فمن شهد ms0976 منكم الشهر ~~فليصمه } ، واقتران الخبر بالفاء حينئذ مراعاة لوصف المبتدأ بالموصول الذي ~~هو شبيه بالشرط ومثله كثير في القرآن وفي كلام العرب ، أو على زيادة الفاء ~~في الخبر كقوله : # وقائلة خولان فانكح فتاتهم ( ) # أنشده سيبويه ، وكلا هذين الوجهين ضعيف . # والشهر جزء من اثني عشر جزءا من تقسيم السنة قال تعالى : { إن عدة الشهور ~~عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض } ( التوبة : ~~36 ) والشهر يبتدىء من ظهور الهلال إلى المحاق ثم ظهور الهلال مرة أخرى ، ~~وهو مشتق من الشهرة لأن الهلال يظهر لهم فيشهرونه ليراه الناس فيثبت الشهر ~~عندهم . # ورمضان علم وليس منقولا ؛ إذ لم يسمع مصدر على وزن الفعلان من رمض بكسر ~~الميم إذا احترق ؛ لأن الفعلان ، يدل على الاضطراب ولا معنى له هنا ، وقيل ~~هو منقول عن المصدر . ورمضان علم على الشهر التاسع من أشهر السنة العربية ~~القمرية المفتتحة بالمحرم ؛ فقد كان العرب يفتتحون أشهر العام بالمحرم ؛ ~~لأن نهاية العام عندهم هي انقضاء الحج ومدة الرجوع إلى آفاقهم ، ألا ترى أن ~~لبيدا جعل جمادى الثانية وهو نهاية فصل الشتاء شهرا سادسا إذ قال : # حتى إذا سلخا جمادى ستة # جزءا فطال صيامه وصيامها # ورمضان ممنوع من الصرف للعلمية وزيادة الألف والنون ؛ لأنه مشتق من ~~الرمضاء وهي الحرارة لأن رمضان أول أشهر الحرارة بناء على ما كان من النسيء ~~في السنة عند العرب إذ كانت PageV02P169 السنة تنقسم إلى ستة فصول كل فصل ~~منها شهران : الفصل الأول الخريف وشهراه محرم وصفر ، الثاني ربيع الأول وهو ~~وقت نضج الثمار وظهور الرطب والتمر وشهراه شهر ربيع الأول وشهر ربيع الثاني ~~على أن الأول والثاني وصف لشهر ، ألا ترى أن العرب يقولون ( الرطب شهري ~~ربيع ) ، الثالث الشتاء وشهراه جمادى الأولى وجمادى الثانية قال حاتم : # في ليلة من جمادى ذاتت أندية # لا يبصر الكلب من ظلمائها الظنبا # لا ينبح الكلب فيها غير واحدة # حتى يلف على خيشومه الذنبا # الرابع الربيع الثاني والثاني وصف للربيع وهذا هو وقت ظهور النور والكمأة ~~وشهراه ms0977 رجب وشعبان ، وهو فصل الدر والمطر قال النابغة يذكر غزوات النعمان ~~ابن الحارث : # وكانت لهم ربعية يحذرونها # إذا خضخضت ماء السماء القبائل # وسموه الثاني لأنه يجيء بعد الربيعع الأول في حساب السنة ، قال النابغة : # فإن يهلك أبو قابوس يهلك # ربيع الثانن والبلد الحرام # في رواية وراوي ( ربيع الناس ) ، وسموا كلا منهما ربيعا لأنه وقت خصب ، ~~الفصل الخامس ، الصيف وهو مبدأ الحر وشهراه رمضان وشوال ، لأن النوق تشول ~~أذنابها فيه تطرد الذباب . السادس القيظ وشهراه ذو القعدة وذو الحجة . # وبعض القبائل تقسم السنة إلى أربعة ، كل فصل له ثلاثة أشهر ؛ وهي الربيع ~~وشهوره رجب وشعبان ورمضان ، والصيف وشهوره شوال وذو القعدة وذو الحجة ، ~~والخريف وشهوره محرم وصفر والربيع الأول ، والشتاء وشهوره شهر ربيع الثاني ~~على أن الأول والثاني وصفان لشهر لا لربيع وجمادى الأولى وجمادى الثانية . # ولما كانت أشهر العرب قمرية وكانت السنة القمرية أقل من أيام السنة ~~الشمسية التي تجيء بها الفصول تنقص أحد عشر يوما وكسرا ، وراموا أن يكون ~~الحج في وقت الفراغ من الزروع والثمار ووقت السلامة من البرد وشدة الحر ~~جعلوا للأشهر كبسا بزيادة شهر في السنة بعد ثلاث سنين وهو المعبر عنه ~~بالنسيء . PageV02P170 # وأسماء الشهور كلها أعلام لها عدا شهر ربيع الأول وشهر ربيع الثاني فلذلك ~~وجب ذكر لفظ الشهر معهما ثم وصفه بالأول والثاني ؛ لأن معناه الشهر الأول ~~من فصل الربيع أعني الأول ، فالأول والثاني صفتان لشهر ، أما الأشهر الأخرى ~~فيجوز فيها ذكر لفظ الشهر بالإضافة من إضافة اسم النوع إلى واحده مثل شجر ~~الأراك ومدينة بغداد ، وبهذا يشعر كلام سيبويه والمحققين فمن قال : إنه لا ~~يقال رمضان إلا بإضافة شهر إليه بناء على أن رمضان مصدر ، حتى تكلف لمنعه ~~من الصرف بأنه صار بإضافة شهر إليه علما فمنع جزء العلم من الصرف كما منع ~~هريرة في أبي هريرة فقد تكلف شططا وخالف ما روي من قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم ( من صام ر مضان إيمانا واحتسابا ) بنصب رمضان وإنما انجر إليهم هذا ~~الوهم ms0978 من اصطلاح كتاب الديوان كما في ( أدب الكاتب ) . # وإنما أضيف لفظ الشهر إلى رمضان في هذه الآية مع أن الإيجاز المطلوب لهم ~~يتقضي عدم ذكره إما لأنه الأشهر في فصيح كلامهم وإما للدلالة على استيعاب ~~جميع أيامه بالصوم ؛ لأنه لو قال رمضان لكان ظاهرا لا نصا ، لا سيما مع ~~تقدم قوله { أياما } ( البقرة : 184 ) فيتوهم السامعون أنها أيام من رمضان ~~. # فالمعنى أن الجزء المعروف بشهر رمضان من السنة العربية القمرية هو الذي ~~جعل ظرفا لأداء فريضة الصيام المكتوبة في الدين فكلما حل الوقت المعين من ~~السنة المسمى بشهر رمضان فقد وجب على المسلمين أداء فريضة الصوم فيه ، ولما ~~كانم ذلك حلوله مكررا في كل عام كان وجوب الصوم مكررا في كل سنة إذ لم ينط ~~الصيام بشهر واحد مخصوص ولأن ما أجري على الشهر من الصفات يحقق أن المراد ~~منه جميع الأزمنة المسماة به طول الدهر . # وظاهر قوله : { الذي أنزل فيه القرآن } أن المخاطبين يعلمون أن نزول ~~القرآن وقع في شهر رمضان ، لأن الغالب في صلة الموصول أن يكون السامع عالما ~~باختصاصها بمن أجرى عليه الموصول ، ولأن مثل هذا الحدث الديني من شأنه ألا ~~يخفى عليهم ، فيكون الكلام تذكيرا بهذا الفضل العظيم ، ويجوز أيضا أن يكون ~~إعلاما بهذا الفضل وأجري الكلام على طريقة الوصف بالموصول للتنبيه على أن ~~الموصوف مختص بمضمون هذه الصلة بحيث تجعل طريقا لمعرفته ، ولا نسلم لزوم ~~علم المخاطب باتصاف ذي الصلة بمضمونها في التعريف بالموصولية بل ذلك غرض ~~أغلبي كما يشهد به تتبع كلامهم ، وليس المقصود الإخبار عن PageV02P171 شهر ~~رمضان بأنه أنزل فيه القرآن ، لأن تركيب الكلام لا يسمح باعتباره خبرا لأن ~~لفظ { شهر رمضان } خبر وليس هو مبتدأ ، والمراد بإنزال القرآن ابتداء ~~إنزاله على النبي صلى الله عليه وسلم فإن فيه ابتداء النزول من عام واحد ~~وأربعين من الفيل فعبر عن إنزال أوله باسم جميعه ؛ لأن ذلك القدر المنزل ~~مقدر إلحاق تكملته به كما جاء في كثير من الآيات مثل قوله : { وهذا كتاب ~~أنزلناه مبارك ms0979 } ( الأنعام : 92 ) وذلك قبل إكمال نزوله فيشمل كل ما يلحق ~~به من بعد ، وقد تقدم عند قوله : { والذين يؤمنون بما أنزل إليك } ومعنى { ~~الذي أنزل فيه } أنزل في مثله ؛ لأن الشهر الذي أنزل فيه القرآن قد انقضى ~~قبل نزول آية الصوم بعدة سنين ، فإن صيام رمضان فرض من السنة الثانية ~~للهجرة فبين فرض الصيام والشهر الذي أنزل فيه القرآن حقيقة عدة سنين فيتعين ~~بالقرينة أن المراد أنزل في مثله أي في نظيره من عام آخر . # فقد جعل الله للمواقيت المحدودة اعتبارا يشبه اعتبار الشيء الواحد ~~المتجدد ، وإنما هذا اعتبار للتذكير بالأيام العظيمة المقدار كما قال تعالى ~~: { وذكرهم بأيام الله } ( إبراهيم : 5 ) ، فخلع الله على المواقيت التي ~~قارنها شيء عظيم في الفضل أن جعل لتلك المواقيت فضلا مستمرا تنويها بكونها ~~تذكرة لأمر عظيم ، ولعل هذا هو الذي جعل الله لأجله سنة الهدي في الحج ، ~~لأن في مثل ذلك الوقت ابتلى الله إبراهيم بذبح ولده إسماعيل وأظهر عزم ~~إبراهيم وطاعته ربه ومنه أخذ العلماء تعظيم اليوم الموافق ليوم ولادة النبي ~~صلى الله عليه وسلم ويجيء من هذا إكرام ذرية رسول الله وأبناء الصالحين ~~وتعظيم ولاة الأمور الشرعية القائمين مقام النبي صلى الله عليه وسلم في ~~أعمالهم من الأمراء والقضاة والأئمة . # وهذا يدل على أن مراد الله تعالى من الأمة صوم ثلاثين يوما متتابعة ~~مضبوطة المبدأ والنهاية متحدة لجميع المسلمين . ولما كان ذلك هو المراد وقت ~~بشهر معين وجعل قمريا لسهولة ضبط بدئه ونهايته برؤية الهلال والتقدير ، ~~واختير شهر رمضان من بين الأشهر لأنه قد شرف بنزول القرآن فيه ، فإن نزول ~~القرآن لما كان لقصد تنزيه الأمة وهداها ناسب أن يكون ما به تطهير النفوس ~~والتقرب من الحالة الملكية واقعا فيه ، والأغلب على ظني أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان يصوم أيام تحنثه في غار حراء قبل أن ينزل عليه الوحي إلهاما ~~من الله تعالى وتلقينا لبقية PageV02P172 من الملة الحنيفية فلما أنزل عليه ~~الوحي في شهر رمضان أمر الله الأمة الإسلامية بالصوم ms0980 في ذلك الشهر ، روى ~~ابن إسحاق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( جاورت بحراء شهر رمضان ~~) ، وقال ابن سعد : جاءه الوحي وهو في غار حراء يوم الاثنين لسبع عشرة حلت ~~من رمضان . # وقوله : { هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان } حالان من ( القرآن ) ~~إشارة بهما إلى وجه تفضيل الشهر بسبب ما نزل فيه من الهدى والفرقان . # والمراد بالهدى الأول : ما في القرآن من الإرشاد إلى المصالح العامة ~~والخاصة التي لا تنافي العامة ، وبالبينات من الهدى : ما في القرآن من ~~الاستدلال على الهدى الخفي الذي ينكره كثير من الناس مثل أدلة التوحيد وصدق ~~الرسول وغير ذلك من الحجج القرآنية . والفرقان مصدر فرق وقد شاع في الفرق ~~بين الحق والباطل أي إعلان التفرقة بين الحق الذي جاءهم من الله وبين ~~الباطل الذي كانوا عليه قبل الإسلام ، فالمراد بالهدى الأول : ضرب من الهدى ~~غير المراد من الهدى الثاني ، فلا تكرار . # تفريع على قوله : { شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن } الذي هو بيان لقوله ~~{ كتب عليكم الصيام } ( البقرة : 183 ) كما تقدم فهو رجوع إلى التبيين بعد ~~الفصل بما عقب به قوله : { كتب عليكم الصيام } من استيناسس وتنويه بفضل ~~الصيام وما يرجى من عوده على نفوس الصائمين بالتقوى وما حف الله به فرضه ~~على الأمة من تيسير عند حصول مشقة من الصيام . # وضمير { منكم } عائد إلى { الذين أمنوا } ( البقرة : 183 ) مثل الضمائر ~~التي قبله ، أي كل من حضر الشهر فليصمه ، و { شهد } يجوز أن يكون بمعنى حضر ~~كما يقال : إن فلانا شهد بدرا وشهد أحدا وشهد العقبة أو شهد المشاهد كلها ~~مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أي حضرها فنصب الشهر على أنه مفعول فيه ~~لفعل { شهد } أي حضر في الشهر أي لم يكن مسافرا ، وهو المناسب لقوله بعده : ~~{ ومن كان مريضا أو على سفر } . الخ . PageV02P173 أي فمن حضر في الشهر ~~فليصمه كله ويفهم أن من حضر بعضه يصوم أيام حضوره . # ويجوز أن يكون { شهد } بمعنى علم كقوله تعالى : { شهد الله أنه لا ms0981 إلاه ~~إلا هو } ( آل عمران : 18 ) فيكون انتصاب الشهر على المفعول به بتقدير مضاف ~~أي علم بحلول الشهر ، وليس شهد بمعنى رأى ؛ لأنه لا يقال : شهد بمعنى رأى ، ~~وإنما يقال شاهد ، ولا الشهر هنا بمعنى هلاله بناء على أن الشهر يطلق على ~~الهلال كما حكوه عن الزجاج وأنشد في ( الأساس ) قول ذي الرمة : # فأصبح أجلى الطرفف ما يستزيده # يرى الشهر قبل الناس وهو نحيل # أي يرى هلال الشهر ؛ لأن الهلال لا يصح أن يتعدى إليه فعل { شهد } بمعنى ~~حضر ومن يفهم الآية على ذلك فقد أخطأ خطأ بينا وهو يفضي إلى أن كل فرد من ~~الأمة معلق وجوب صومه على مشاهدته هلال رمضان فمن لم ير الهلال لا يجب عليه ~~الصوم وهذا باطل ، ولهذا فليس في الآية تصريح على طريق ثبوت الشهر وإنما ~~بينته السنة بحديث ( لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غم ~~عليكم فاقدروا له ) وفي معنى الإقدار له محامل ليست من تفسير الآية . # وقرأ الجمهور : ( القرءان ) بهمزة مفتوحة بعد الراء الساكنة وبعد الهمزة ~~ألف ، وقرأه ابن كثير براء مفتوحة بعدها ألف على نقل حركة الهمزة إلى الراء ~~الساكنة لقصد التخفيف . # وقوله : { ومن كان مريضا أو على سفر فعدة } قالوا في وجه إعادته مع تقدم ~~نظيره في قوله : { فمن كان منكم مريضا } ( البقرة : 184 ) أنه لما كان صوم ~~رمضان واجبا على التخيير بينه وبين الفدية بالإطعام بالآية الأولى وهي { ~~كتب عليكم الصيام } ( البقرة : 183 ) الخ وقد سقط الوجوب عن المريض ~~والمسافر بنصها فلما نسخ حكم تلك الآية بقوله { شهر رمضان } الآية وصار ~~الصوم واجبا على التعيين خيف أن يظن الناس أن جميع ما كان في الآية الأولى ~~من الرخصة قد نسخ فوجب الصوم أيضا حتى على المريض والمسافر فأعيد ذلك في ~~هذه الآية الناسخة تصريحا ببقاء تلك الرخصة ، ونسخت رخصة الإطعام مع القدرة ~~والحضر والصحة لا غير ، وهو بناء على كون هاته الآية ناسخة للتي قبلها ، ~~فإن درجنا على أنهما نزلتا في وقت واحد كان ms0982 الوجه في إعادة هذا الحكم هو ~~هذا الموضع الجدير بقوله : { ومن كان مريضا } لأنه جاء بعد تعيين أيام ~~الصوم ، وأما ما تقدم في الآية الأولى فهو تعجيل بالإعلام بالرخصة رفقا ~~بالسامعين ، أو أن إعادته لدفع توهم أن الأول منسوخ بقوله : { فمن شهد منكم ~~الشهر فليصمه } إذا كان PageV02P174 شهد بمعنى تحقق وعلم ، مع زيادة في ~~تأكيد حكم الرخصة ولزيادة بيان معنى قوله : { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } ~~. # { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } . # استئناف بياني كالعلة لقوله : { ومن كان مريضا } الخ بين به حكمة الرخصة ~~أي شرع لكم القضاء لأنه يريد بكم اليسر عند المشقة . # وقوله : { ولا يريد بكم العسر } نفي لضد اليسر ، وقد كان يقوم مقام هاتين ~~الجملتين جملة قصر نحو أن يقول : ما يريد بكم إلا اليسر ، لكنه عدل عن جملة ~~القصر إلى جملتي إثبات ونفي لأن المقصود ابتداء هو جملة الإثبات لتكون ~~تعليلا للرخصة ، وجاءت بعدها جملة النفي تأكيدا لها ، ويجوز أن يكون قوله : ~~{ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } تعليلا لجميع ما تقدم من قوله ~~: { كتب عليكم الصيام } ( البقرة : 183 ) إلى هنا فيكون إيماء إلى أن ~~مشروعية الصيام وإن كانت تلوح في صورة المشقة والعسر فإن في طيها من ~~المصالح ما يدل على أن الله أراد بها اليسر أي تيسير تحصيل رياضة النفس ~~بطريقة سليمة من إرهاق أصحاب بعض الأديان الأخرى أنفسهم . # وقرأ الجمهور : ( اليسر ) و ( العسر ) بسكون السين فيهما ، وقرأه أبو ~~جعفر بضم السين ضمة إتباع . # عطف على جملة : { يريد الله بكم اليسر } الخ ؛ إذ هي في موقع العلة كما ~~علمت ؛ فإن مجموع هذه الجمل الأربع تعليل لما قبلها من قوله : { فمن شهد ~~منكم الشهر } إلى قوله : { فعدة من أيام أخر } . # واللام في قوله : { ولتكبروا } تسمى شبه الزائدة وهي اللام التي يكثر ~~وقوعها بعد فعل الإرادة وفعل الأمر أي مادة أمر اللذين مفعولهما أن ~~المصدرية مع فعلها ، فحق ذلك PageV02P175 المفعول أن يتعدى إليه فعل ~~الإرادة وفعل مادة الأمر بنفسه دون حرف الجر ms0983 ولكن كثر في الكلام تعديته ~~باللام نحو قوله تعالى : { يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم } ( الصف : 8 ~~) قال في ( الكشاف ) : أصله يريدون أن يطفئوا ، ومنه قوله تعالى : { وأمرت ~~لأن أكون أول المسلمين } ( الزمر : 12 ) والفعل الذي بعد اللام منصوب بأن ~~ظاهرة أو مقدرة . # والمعنى : يريد الله أن تكملوا العدة وأن تكبروا الله ، وإكمال العدة ~~يحصل بقضاء الأيام التي أفطرها من وجب عليه الصوم ليأتي بعدة أيام شهر ~~رمضان كاملة ، فإن في تلك العدة حكمة تجب المحافظة عليها ، فبالقضاء حصلت ~~حكمة التشريع وبرخصة الإفطار لصاحب العذر حصلت رحمة التخفيف . # وقرأ الجمهور : ( ولتكملوا ) بسكون الكاف وتخفيف الميم مضارع أكمل وقرأه ~~أبو بكر عن عاصم ويعقوب بفتح الكاف وتشديد الميم مضارع كمل . # وقوله : { ولتكبروا الله على ما هداكم } عطف على قوله : { ولتكملوا العدة ~~} ، وهذا يتضمن تعليلا وهو في معنى علة غير متضمنة لحكمة ولكنها متضمنة ~~لمقصد إرادة الله تعالى وهو أن يكبروه . # والتكبير تفعيل مراد به النسبة والتوصيف أي أن تنسبوا الله إلى الكبر ~~والنسبة هنا نسبة بالقول اللساني ، والكبر هنا كبر معنوي لا جسمي فهو ~~العظمة والجلال والتنزيه عن النقائص كلها ، أي لتصفوا الله بالعظمة ، وذلك ~~بأن تقولوا : الله أكبر ، فالتفعيل هنا مأخوذ من فعل المنحوتت من قولل ~~يقوله ، مثل قولهم : بسمل وحمدل وهلل وقد تقدم عند الكلام على البسملة ، أي ~~لتقولوا : الله أكبر ، وهي جملة تدل على أن الله أعظم من كل عظيم في الواقع ~~كالحكماء والملوك والسادة والقادة ، ومن كل عظيم في الإعتقاد كالآلهة ~~الباطلة ، وإثبات الأعظمية لله في كلمة ( الله أكبر ) كناية عن وحدانيته ~~بالإلهية ، لأن التفضيل يستلزم نقصان من عداه والناقص غير مستحق للإلهية ، ~~لأن حقيقتها لا تلاقي شيئا من النقص ، ولذلك شرع التكبير في الصلاة لإبطال ~~السجود لغير الله ، وشرع التكبير عند نحر البدن في الحج لإبطال ما كانوا ~~يتقربون به إلى أصنامهم ، وكذلك شرع التكبير عند انتهاء الصيام بهذه الآية ~~، فمن أجل ذلك مضت السنة بأن يكبر المسلمون عند الخروج إلى صلاة العيد ~~ويكبر الإمام في خطبة ms0984 العيد . PageV02P176 # وفي لفظ التكبير عند انتهاء الصيام خصوصية جليلة وهي أن المشركين كانوا ~~يتزلفون إلى آلهتهم بالأكل والتلطيخ بالدماء ، فكان لقول المسلم : الله ~~أكبر ، إشارة إلى أن الله يعبد بالصوم وأنه متنزه عن ضراوة الأصنام . # وقوله : { ولعلكم تشكرون } تعليل آخر وهو أعم من مضمون جملة { ولتكبروا ~~الله على ما هداكم } فإن التكبير تعظيم يتضمن شكرا والشكر أعم ، لأنه يكون ~~بالأقوال التي فيها تعظيم لله تعالى ويكون بفعل القرب من الصدقات في أيام ~~الصيام وأيام الفطر ، ومن مظاهر الشكر لبس أحسن الثياب يوم الفطر . # وقد دلت الآية على الأمر بالتكبير ؛ إذ جعلته مما يريده الله ، وهو غير ~~مفصل في لفظ التكبير ، ومجمل في وقت التكبير ؛ وعدده ، وقد بينت السنة ~~القولية والفعلية ذلك على اختلاف بين الفقهاء في الأحوال . # فأما لفظ التكبير فظاهر الآية أنه كل قول فيه لفظ الله أكبر ، والمشهور ~~في السنة أنه يكرر الله أكبر ثلاثا ، وبهذا أخذ مالك وأبو حنيفة والشافعي ، ~~وقال مالك والشافعي : إذا شاء المرء زاد على التكبير تهليلا وتحميدا فهو ~~حسن ولا يترك الله أكبر ، فإذا أراد الزيادة على التكبير كبر مرتين ثم قال ~~: لا إلاه إلا الله والله أكبر ولله الحمد وهو قول ابن عمر وابن عباس ، ~~وقال أحمد : هو واسع ، وقال أبو حنيفة : لا يجزىء غير ثلاث تكبيرات . # وأما وقته : فتكبير الفطر يبتدىء من وقت خروج المصلي من بيته إلى محل ~~الصلاة ، وكذلك الإمام ومن خرج معه ، فإذا بلغ محل الصلاة قطع التكبير ، ~~ويسن في أول كل ركعة من ركعتي صلاة العيد افتتاح الأولى بسبع تكبيرات ~~والثانية بست ، هذا هو الأصح مما ثبت في الأخبار وعمل به أهل المدينة من ~~عهد النبي عليه الصلاة والسلام فما بعده وتلقاه جمهور علماء الأمصار ، وفيه ~~خلاف كثير لا فائدة في التطويل بذكره والأمر واسع ، ثم يكبر الإمام في خطبة ~~صلاة العيد بعد الصلاة ويكبر معه المصلون حين تكبيره وينصتون للخطبة فيما ~~سوى التكبير . # وقال ابن عباس وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والشافعي : يكبر الناس من ms0985 ~~وقت استهلال هلال الفطر إلى انقضاء صلاة العيد ثم ينقطع التكبير ، هذا كله ~~في الفطر فهو مورد الآية التي نحن بصدد تفسيرها . PageV02P177 # فأما في الأضحى فيزاد على ما يذكر في الفطر التكبير عقب الصلوات المفروضة ~~من صلاة الظهر من يوم الأضحى إلى صلاة الصبح من اليوم الرابع منه ، ويأتي ~~تفصيله في تفسير قوله تعالى : { واذكروا الله في أيامم معدودات } ( البقرة ~~: 203 ) . # # | 2 ( 186 ) { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان ~~فليستجيبوا لى وليؤمنوا بى لعلهم يرشدون } . ) 2 # الجملة معطوفة على الجمل السابقة المتعاطفة أي { لتكملوا العدة ولتكبروا ~~. . . ولعلكم تشكرون } ( البقرة : 185 ) ، ثم التفت إلى خطاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم وحده لأنه في مقام تبليغ فقال : { وإذا سألك عبادي عني } ، ~~أي العباد الذين كان الحديث معهم ، ومقتضى الظاهر أن يقال { ولعلكم تشكرون ~~وتدعون فأستجيب لكم إلا أنه عدل عنه ليحصل في خلال ذلك تعظيم شأن النبي ~~بأنه يسأله المسلمون عن أمر الله تعالى ، والإشارة إلى جواب من عسى أن ~~يكونوا سألوا النبي عن كيفية الدعاء هل يكون جهرا أو سرا ، وليكون نظم ~~الآية مؤذنا بأن الله تعالى بعد أن أمرهم بما يجب له عليهم أكرمهم فقال : ~~وإذا سألوا عن حقهم علي فإني قريب منهم أجيب دعوتهم ، وجعل هذا الخير مرتبا ~~على تقدير سؤالهم إشارة إلى أنهم يهجس هذا في نفوسهم بعد أن يسمعوا الأمر ~~بالإكمال والتكبير والشكر أن يقولوا : هل لنا جزاء على ذلك ؟ وأنهم قد ~~يحجمون عن سؤال النبي عن ذلك أدبا مع الله تعالى فلذلك قال تعالى : وإذا ~~سألك } الصريح بأن هذا سيقع في المستقبل . واستعمال مثل هذا الشرط مع مادة ~~السؤال لقصد الاهتمام بما سيذكر بعده استعمال معروف عند البلغاء قال علقمة ~~: # فإن تسألوني بالنساء فإنني # خبير بأدواء النساء طبيب # والعلماء يفتتحون المسائل المهمة في كتبهم بكلمة ( فإن قلت ) وهو اصطلاح ~~( الكشاف ) . ويؤيد هذا تجريد الجواب من كلمة قل التي ذكرت في مواقع السؤال ~~من القرآن نحو { يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت ms0986 } ( البقرة : 189 ) ، { ~~ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير } ( البقرة : 220 ) ، مع ما في هذا ~~النظم العجيب من زيادة إخراج الكلام في صورة الحكم الكلي إذ جاء بحكم عام ~~PageV02P178 في سياق الشرط فقال { سألك عبادي } وقال : { أجيب دعوة الداع } ~~ولو قيل وليدعوني فأستجيب لهم لكان حكما جزئيا خاصا بهم ، فقد ظهر وجه ~~اتصال الآية بالآيات قبلها ومناسبتها لهن وارتباطها بهن من غير أن يكون ~~هنالك اعتراض جملة . # وقيل إنها جملة معترضة اقترنت بالواو بين أحكام الصيام للدلالة على أن ~~الله تعالى مجازيهم على أعمالهم وأنه خبير بأحوالهم ، قيل إنه ذكر الدعاء ~~هنا بعد ذكر الشكر للدلالة على أن الدعاء يجب أن يسبقه الثناء . # والعباد الذين أضيفوا إلى ضمير الجلالة هم المؤمنون لأن الآيات كلها في ~~بيان أحكام الصوم ولوازمه وجزائه وهو من شعار المسلمين ، وكذلك اصطلاح ~~القرآن غالبا في ذكر العباد مضافا لضمير الجلالة ، وأما قوله تعالى : { ~~ءأنتم أضللتم عبادي هؤلاء } ( الفرقان : 17 ) بمعنى المشركين فاقتضاه أنه ~~في مقام تنديمهم على استعبادهم للأصنام . # وإنما قال تعالى : { فإني قريب } ولم يقل : فقل لهم إني قريب إيجازا ~~لظهوره من قوله : { وإذا سألك عبادي عني } ، وتنبيها على أن السؤال مفروض ~~غير واقع منهم بالفعل ، وفيه لطيفة قرآنية وهي إيهام أن الله تعالى تولى ~~جوابهم عن سؤالهم بنفسه إذ حذف في اللفظ ما يدل على وساطة النبي صلى الله ~~عليه وسلم تنبيها على شدة قرب العبد من ربه في مقام الدعاء . واحتيج ~~للتأكيد بإن ، لأن الخبر غريب وهو أن يكون تعالى قريبا مع كونهم لا يرونه . ~~و { أجيب } خبر ثان لإن وهو المقصود من الإخبار الذي قبله تمهيدا له لتسهيل ~~قبوله . # وحذفت ياء المتكلم من قوله ( دعان ) في قراءة نافع وأبي عمرو وحمزة ~~والكسائي ؛ لأن حذفها في الوقف لغة جمهور العرب عدا أهل الحجاز ، ولا تحذف ~~عندهم في الوصل لأن الأصل عدمه ولأن الرسم يبنى على حال الوقف ، وأثبت ~~الياء ابن كثير وهشام ويعقوب في الوصل والوقف ، وقرأ ابن ذكوان وعاصم بحذف ~~الياء في ms0987 الوصل والوقف وهي لغة هذيل ، وقد تقدم أن الكلمة لو وقعت فاصلة ~~لكان الحذف متفقا عليه في قوله تعالى : { وإياي فارهبون } ( البقرة : 40 ) ~~في هذه السورة . # وفي هذه الآية إيماء إلى أن الصائم مرجو الإجابة ، وإلى أن شهر رمضان ~~مرجوة دعواته ، وإلى مشروعية الدعاء عند انتهاء كل يوم من رمضان . ~~PageV02P179 # والآية دلت على أن إجابة دعاء الداعي تفضل من الله على عباده غير أن ذلك ~~لا يقتضي التزام إجابة الدعوة من كل أحد وفي كل زمان ، لأن الخبر لا يقتضي ~~العموم ، ولا يقال : إنه وقع في حيز الشرط فيفيد التلازم ، لأن الشرط هنا ~~ربط الجواب بالسؤال وليس ربط للدعاء بالإجابة ، لأنه لم يقل : إن دعوني ~~أجبتهم . # وقوله : { فليستجيبوا لي } تفريع على { أجيب } أي إذا كنت أجيب دعوة ~~الداعي فليجيبوا أوامري ، واستجاب وأجاب بمعنى واحد . وأصل أجاب واستجاب ~~أنه الإقبال على المنادي بالقدوم ، أو قول يدل على الاستعداد للحضور نحو ( ~~لبيك ) ، ثم أطلق مجازا مشهورا على تحقيق ما يطلبه الطالب ، لأنه لما كان ~~بتحقيقه يقطع مسألته فكأنه أجاب نداءه . # فيجوز أن يكون المراد بالاستجابة امتثال أمر الله فيكون { وليؤمنوا بي } ~~عطفا مغايرا والمقصود من الأمر الأول الفعل ومن الأمر الثاني الدوام ، ~~ويجوز أن يراد بالاستجابة ما يشمل استجابة دعوة الإيمان ، فذكر { وليؤمنوا ~~} عطف خاص على عام للاهتمام به . # وقوله : { لعلهم يرشدون } تقدم القول في مثله . والرشد إصابة الحق وفعله ~~كنصر وفرح وضرب ، والأشهر الأول . # # | 2 ( 187 ) { أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسآئكم هن لباس لكم وأنتم ~~لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالن ~~باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض ~~من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى اليل ولا تباشروهن وأنتم ~~عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها كذالك يبين الله آياته للناس ~~لعلهم يتقون } . ) 2 # انتقال في أحكام الصيام إلى بيان أعمال في بعض أزمنة رمضان قد يظن أنها ~~تنافي عبادة الصيام ، ولأجل هذا ms0988 الانتقال فصلت الجملة عن الجمل السابقة . # وذكروا لسبب نزول هذه الآية كلاما مضطربا غير مبين فروى أبو داود عن معاذ ~~بن جبل كان المسلمون إذا نام أحدهم إذا صلى العشاء وسهر بعدها لم يأكل ولم ~~يباشر أهله بعد ذلك فجاء عمر يريد امرأته فقالت : إني قد نمت فظن أنها تعتل ~~فباشرها ، وروى البخاري عن البراء PageV02P180 بن عازب أن قيس بن صرمة جاء ~~إلى منزله بعد الغروب يريد طعامه فقالت له امرأته : حتى نسخن لك شيئا فنام ~~فجاءت امرأته فوجدته نائما فقالت : خيبة لم فبقي كذلك فلما انتصف النهار ~~أغمي عليه من الجوع ، وفي كتاب التفسير من صحيح البخاري أحل لكم ليلة ~~الصيام الرفث إلى نسآئكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم ~~تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم ~~وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم ~~أتموا الصيام إلى اليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله ~~فلا تقربوها كذالك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون } عن حديث البراء بن ~~عاوب قال : لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله وكان رجال ~~يخونون أنفسهم فأنزل الله تعالى : { علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم } ~~الآية ، ووقع لكعب بن مالك مثل ما وقع لعمر ، فنزلت هذه الآية بسبب تلك ~~الأحداث ، فقيل : كان ترك الأكل ومباشرة النساء من بعد النوم أو من بعد ~~صلاة العشاء حكما مشروعا بالسنة ثم نسخ ، وهذا قول جمهور المفسرين ، وأنكر ~~أبو مسلم الأصفهاني أن يكون هذا نسخا لشيء تقرر في شرعنا وقال : هو نسخ لما ~~كان في شريعة النصارى . # وما شرع الصوم إلا إمساكا في النهار دون الليل فلا أحسب أن الآية إنشاء ~~للإباحة ولكنها إخبار عن الإباحة المتقررة في أصل توقيت الصيام بالنهار ، ~~والمقصود منها إبطال شيء توهمه بعض المسلمين وهو أن الأكل بين الليل لا ~~يتجاوز وقتين وقت الإفطار ووقت السحور وجعلوا وقت الإفطار هو ما بين ms0989 المغرب ~~إلى العشاء ، لأنهم كانوا ينامون إثر صلاة العشاء وقيامها فإذا صلوا العشاء ~~لم يأكلوا إلا أكلة السحور وأنهم كانوا في أمر الجماع كشأنهم في أمر الطعام ~~وأنهم لما اعتادوا جعل النوم مبدأ وقت الإمساك الليلي ظنوا أن النوم إن حصل ~~في غير إبانة المعتاد يكون أيضا مانعا من الأكل والجماعع إلى وقت السحور ~~وإن وقت السحور لا يباح فيه إلا الأكل دون الجماع ؛ إذ كانوا يتأثمون من ~~الإصباح في رمضان على جنابة ، وقد جاء في ( صحيح مسلم ) أن أبا هريرة كان ~~يرى ذلك يعني بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم لعل هذا قد سرى إليهم ~~من أهل الكتاب كما يقتضيه ما رواه محمد بن جرير من طريق السدي ، ولعلهم ~~التزموا ذلك ولم يسألوا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولعل ذلك لم ~~يتجاوز بعض شهر رمضان من السنة التي شرع لهم فيها صيام رمضان فحدثت هذه ~~الحوادث المختلفة المتقاربة ، وذكر ابن العربي في ( العارضة ) عن ابن ~~القاسم عن مالك كان في أول الإسلام من رقد قبل أن يطعم لم يطعم من الليل ~~شيئا فأنزل الله : { فالئن باشروهن } فأكلوا بعد ذلك فقوله تعالى : { علم ~~الله } دليل على أن القرآن نزل بهذا الحكم PageV02P181 لزيادة البيان ؛ إذ ~~علم الله ما ضيق به بعض المسلمين على أنفسهم وأوحى به إلى رسوله صلى الله ~~عليه وسلم وهذا يشير إلى أن المسلمين لم يفشوا ذلك ولا أخبروا به رسول الله ~~ولذلك لا نجد في روايات البخاري والنسائي أن الناس ذكروا ذلك لرسول الله ~~إلا في حديث قيس بن صرمة عند أبي داود ولعله من زيادات الراوي . فأما أن ~~يكون ذلك قد شرع ثم نسخ فلا أحسبه ، إذ ليس من شأن الدين الذي شرع الصوم ~~أول مرة يوما في السنة ثم درجه فشرع الصوم شهرا على التخيير بينه وبين ~~الإطعام تخفيفا على المسلمين أن يفرضه بعد ذلك ليلا ونهارا فلا يبيح الفطر ~~إلا ساعات قليلة من الليل . # وليلة الصيام الليلة التي يعقبها صيام ms0990 اليوم الموالي لها جريا على ~~استعمال العرب في إضافة الليلة لليوم الموالي لها إلا ليلة عرفة فإن المراد ~~بها الليلة التي بعد يوم عرفة . # والرفث في ( الأساس ) و ( اللسان ) أن حقيقته الكلام مع النساء في شؤون ~~الالتذاذ بهن ثم أطلق على الجماع كناية ، وقيل هو حقيقة فيهما وهو الظاهر ، ~~وتعديته بإلى ليتعين المعنى المقصود وهو الإفضاء . # وقول : { هن لباس لكم } جملة مستأنفة كالعلة لما قبلها أي أحل لعسر ~~الاحتراز عن ذلك ، ذلك أن الصوم لو فرض على الناس في الليل وهو وقت ~~الاضطجاع لكان الإمساك عن قربان النساء في ذلك الوقت عنتا ومشقة شديدة ليست ~~موجودة في الإمساك عن قربانهن في النهار ؛ لإمكان الاستعانة عليه في النهار ~~بالبعد عن المرأة ، فقوله تعالى : { هن لباس لكم } استعارة بجامع شدة ~~الاتصال حينئذ وهي استعارة أحياها القرآن ، لأن العرب كانت اعتبرتها في ~~قوله : لابس الشيء الشيء ، إذا اتصل به لكنهم صيروها في خصوص زنة المفاعلة ~~حقيقة عرفية فجاء القرآن فأحياها وصيرها استعارة أصلية جديدة بعد أن كانت ~~تبعية منسية وقريب منها قول امرىء القيس : # فسلي ثيابي من ثيابكك تنسلل # و { تختانون } قال الراغب : ( الاختيان مراودة الخيانة ) بمعنى أنه ~~افتعال من الخون وأصله تختونون فصارت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ~~، وخيانة الأنفس تمثيل لتكليفها ما لم تكلف به كأن ذلك تعزير بها ؛ إذ ~~يوهمها أن المشقة مشروعة عليها وهي ليست بمشروعة ، وهو تمثيل لمغالطتها في ~~الترخص بفعل ما ترونه محرما عليكم فتقدمون تارة PageV02P182 وتحجمون أخرى ~~كمن يحاول خيانة فيكون كالتمثيل في قوله تعالى : { يخادعون } ( البقرة : 9 ~~) . # والمعنى هنا أنكم تلجئونها للخيانة أو تنسبونها لها ، وقيل : الاختيان ~~أشد من الخيانة كالاكتساب والكسب كما في ( الكشاف ) قلت : وهو استعمال كما ~~قال تعالى : { ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم } ( النساء : 107 ) . # وقوله تعالى : { فالئن باشروهن } الأمر للإباحة ، وليس معنى قوله { فالئن ~~} إشارة إلى تشريع المباشرة حينئذ بل معناه فاللآن اتضح الحكم فباشروهن ولا ~~تختانوا أنفسكم . والابتغاء الطلب ، وما كتبه الله : ما أباحه من مباشرة ~~النساء في ms0991 غير وقت الصيام أو اطلبوا ما قدر الله لكم من الولد تحريضا للناس ~~على مباشرة النساء عسى أن يتكون النسل من ذلك وذلك لتكثير الأمة وبقاء ~~النوع في الأرض . # عطف على { باشروهن } ، والخيط سلك الكتان أو الصوف أو غيرهما يلفق به بين ~~الثياب بشدة بإبرة أو مخيط ، يقال خاط الثوب وخيطه . وفي خبر قبور بني أمية ~~أنهم وجدوا معاوية رضي الله عنه في قبره كالخيط ، والخيط هنا يراد به ~~الشعاع الممتد في الظلام والسواد الممتد بجانبه قال أبو دؤاد من شعراء ~~الجاهلية : # فلما أضاءت لنا سدفة ( ) # ولاح من الصبح خيط أنارا # وقوله : { من الفجر } من ابتدائية أي الشعاع الناشىء عن الفجر ، وقيل ~~بيانية وقيل تبعيضية وكذلك قول أبي دؤاد ( من الصبح ) لأن الخيط شائع في ~~السلك الذي يخاط به فهو قرينة إحدى المعنيين للمشترك ، وجعله في ( الكشاف ) ~~تشبيها بليغا ، فلعله لم يثبت عنده اشتهار إطلاقه على هذا المعنى في غير ~~بعض الكلام ، كالآية وبيت أبي دؤاد ، وعندي أن القرآن ما أطلقه إلا لكونه ~~كالنص في المعنى المراد في اللغة الفصحى دون إرادة التشبيه لأنه ليس بتشبيه ~~واضح . PageV02P183 # وقد جيء في الغاية بحتى وبالتبين للدلالة على أن الإمساك يكون عند اتضاح ~~الفجر للناظر وهو الفجر الصادق ، ثم قوله تعالى : { حتى يتبين } تحديد ~~لنهاية وقت الإفطار بصريح المنطوق ؛ وقد علم منه لا محالة أنه ابتداء زمن ~~الصوم ، إذ ليس في زمان رمضان إلا صوم وفطر وانتهاء أحدهما مبدأ الآخر فكان ~~قوله : { أتموا الصيام إلى الليل } بيانا لنهاية وقت الصيام ولذلك قال ~~تعالى : { ثم أتموا } ولم يقل ثم صوموا لأنهم صائمون من قبل . # و { إلى الليل } غاية اختير لها ( إلى ) للدلالة على تعجيل الفطر عند ~~غروب الشمس لأن إلى لا تمتد معها الغاية بخلاف حتى ، فالمراد هنا مقارنة ~~إتمام الصيام بالليل . # واعلم أن ثم في عطف الجمل للتراخي الرتبي وهو اهتمام بتعيين وقت الإفطار ~~، لأن ذلك كالبشارة لهم ، ولا التفات إلى ما ذهب إليه أبو جعفر الخباز ~~السمرقندي من قدماء الحنفية من الاستدلال ms0992 بثم في هاته الآية على صحة تأخير ~~النية عن الفجر احتجاجا لمذهب أبي حنيفة من جواز تأخير النية إلى الصحوة ~~الكبرى . بناء على أن ثم للتراخي وأن إتمام الصيام يستلزم ابتداءه ، فكأنه ~~قال ثم بعد تبيين الخيطين من الفجر صوموا أو أتموا الصيام إلى الليل فينتج ~~معنى صوموا بعد تراخ عن وقت الفجر وهو على ما فيه من التكلف والمصير إلى ~~دلالة الإشارة الخفيفة غفلة عن معنى التراخي في عطف ( ثم ) للجمل . # هذا ، وقد رويت قصة في فهم بعض الصحابة لهذه الآية وفي نزولها مفرقة ، ~~فروى البخاري ومسلم عن عدي بن حاتم قال : ( لما نزلت { حتى يتبين لكم الخيط ~~الأبيض من الخيط الأسود } عمدت إلى عقال أسود وإلى عقال أبيض فجعلتهما تحت ~~وسادتي فجعلت أنظر في الليل فلا يستبين لي الأبيض من الأسود فغدوت على رسول ~~الله فذكرت له ذلك فقال رسول الله : إن وسادك لعريض ، وفي رواية : إنك ~~لعريض القفا ، إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار ) . # ورويا عن سهل بن سعد قال نزلت : { وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط ~~الأبيض من الخيط الأسود } ولم ينزل { من الفجر } فكان رجال إذا أرادوا ~~الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود ولم يزل يأكل حتى ~~تتبين له رؤيتهما فأنزل الله بعد { من الفجر } ، فيظهر من حديث سهل بن سعد ~~أن مثل ما عمله عدي بن حاتم قد كان عمله غيره من قبله بمدة طويلة ، فإن ~~عديا أسلم سنة تسع أو سنة عشر ، وصيام رمضان فرض PageV02P184 سنة اثنتين ~~ولا يعقل أن يبقى المسلمون سبع أو ثماني سنين في مثل هذا الخطأ ، فمحل حديث ~~سهل بن سعد على أن يكون ما فيه وقع في أول مدة شرع الصيام ، ومحمل حديث عدي ~~بن حاتم أن عديا وقع في مثل الخطأ الذي وقع فيه من تقدموه ، فإن الذي عند ~~مسلم عن عبد الله بن إدريس عن حصين عن الشعبي عن عدي أنه قال لما نزلت : { ~~حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من ms0993 الفجر } الخ فهو قد ذكر ~~الآية مستكملة ، فيتعين أن يكون محمل حديث سهل بن سعد على أن ذلك قد عمله ~~بعض الناس في الصوم المفروض قبل فرض رمضان أي صومم عاشوراء أو صومم النذر ~~وفي صوم التطوع ، فلما نزلت آية فرض رمضان وفيها { من الفجر } علموا أن ما ~~كانوا يعملونه خطأ ، ثم حدث مثل ذلك لعدي بن حاتم . # وحديث سهل لا شبهة في صحة سنده إلا أنه يحتمل أن يكون قوله فيه ولم ينزل ~~{ من الفجر } وقوله فأنزل الله بعد ذلك { من الفجر } مرويا بالمعنى فجاء ~~راويه بعبارات قلقة غير واضحة ، لأنه لم يقع في ( الصحيحين ) إلا من رواية ~~سعيد بن أبي مريم عن أبي غسان عن أبي حازم عن سهل بن سعد فقال الراوي : ( ~~فأنزل بعد أو بعد ذلك من الفجر ) وكان الأوضح أن يقول فأنزل الله بعد : { ~~وكلوا واشربوا } إلى قوله { من الفجر } . # وأيا ما كان فليس في هذا شيء من تأخير البيان ، لأن معنى الخيط في الآية ~~ظاهر للعرب ، فالتعبير به من قبيل الظاهر لا من قبيل المجمل ، وعدم فهم ~~بعضهم المراد منه لا يقدح في ظهور الظاهر ، فالذين اشتبه عليهم معنى الخيط ~~الأبيض والخيط الأسود ، فهموا أشهر معاني الخيط وظنوا أن قوله : { من الفجر ~~} متعلق بفعل { يتبين } على أن تكون ( من ) تعليلية أي يكون تبينه بسبب ضوء ~~الفجر ، فصنعوا ما صنعوا ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم ~~( إن وسادك لعريض أو إنك لعريض القفا ) كناية عن قلة الفطنة وهي كناية ~~موجهة من جوامع كلمه عليه السلام . # وقوله تعالى : { ولا تباشروهن وأنتم عاكفون } عطف على قوله { باشروهن } ~~لقصد أن يكون المعتكف صالحا . وأجمعوا على أنه لا يكون إلا في المسجد لهاته ~~الآية ، واختلفوا في صفة المسجد فقيل لا بد من المسجد الجامع وقيل مطلق ~~مسجد وهو التحقيق وهو مذهب PageV02P185 مالك وأبي حنيفة والشافعي رحمهم ~~الله ، وأحكامه في كتب الفقه وليست من غرض هذا المفسر . # تذييل بالتحذير من مخالفة ما شرع إليه من أحكام ms0994 الصيام . فالإشارة إلى ما ~~تقدم ، والإخبار عنها بالحدود عين أن المشار إليه هو التحديدات المشتمل ~~عليها الكلام السابق وهي قوله : { حتى يتبين لكم الخيط } وقوله : { إلى ~~الليل } { وأنتم عاكفون } من كل ما فيه تحديد يفضي تجاوزه إلى معصية ، فلا ~~يخطر بالبال دخول أحكام الإباحة في الإشارة مثل : { أحل لكم } ومثل { فالئن ~~باشروهن } . # والحدود الحواجز ونهايات الأشياء التي إذا تجاوزها المرء دخل في شيء آخر ~~، وشبهت الأحكام بالحدود لأن تجاوزها يخرج من حل إلى منع وفي الحديث ( وحد ~~حدودا فلا تعتدوها ) ، وستأتي زيادة بيان له في قوله تعالى : { تلك حدود ~~الله فلا تقربوها } . # وقوله : { فلا تقربوها } نهى عن مقاربتها الموقعة في الخروج منها على ~~طريق الكناية لأن القرب من الحد يستلزم قصد الخروج غالبا كما قال تعالى : { ~~ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن } ( الأنعام : 152 ) ، ولهذا قال ~~تعالى في آيات أخرى : { تلك حدود الله فلا تعتدوها } ( البقرة : 229 ) . ~~كما سيأتي هنالك وفي معنى الآية حديث ( من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه ) ~~. # والقول في : { كذلك يبين الله آياته للناس } تقدم نظيره في قوله : { ~~وكذلك جعلناكم أمة وسطا } ( البقرة : 143 ) أي كما بين الله أحكام الصيام ~~يبين آياته للناس أي جميع رياته لجميع الناس ، والمقصد أن هذا شأن الله في ~~إيضاح أحكامه لئلا يلتبس شيء منها على الناس ، وقوله : { لعلهم يتقون } ، ~~أي إرادة لاتقائهم الوقوع في المخالفة ، لأنه لو لم يبين لهم الأحكام لما ~~اهتدوا لطريق الامتثال ، أو لعلهم يلتبسون بغاية الامتثال والإتيان ~~بالمأمورات على وجهها فتحصل لهم صفة التقوى الشرعية ، إذ لو لم يبين الله ~~لهم لأتوا بعبادات غير مستكملة لما أراد الله منها ؛ وهم وإن كانوا معذورين ~~عند عدم البيان وغير مؤاخذيم بإثم التقصير PageV02P186 إلا أنهم لا يبلغون ~~صفة التقوى أي كمال مصادفة مراد الله تعالى ، فلعل يتقون على هذا منزل ~~منزلة اللازم لا يقدر له مفعول مثل { هل يستوى الذين يعلمون } ( الزمر : 9 ~~) ، وهو على الوجه الأول محذوف المفعول للقرينة . # $ 2 ( 188 ) { ولا تأكلو & # 1764 ا ms0995 أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بهآ إلى الحكام لتأكلوا فريقا من ~~أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون } . ) 2 $ # عطف جملة على جملة ، والمناسبة أن قوله : { تلك حدود الله فلا تقربوها } ~~( البقرة : 187 ) تحذير من الجرأة على مخالفة حكم الصيام بالإفطار غير ~~المأذون فيه وهو ضرب من الأكل الحرام فعطف عليه أكل آخر محرم وهو أكل المال ~~بالباطل ، والمشاكلة زادت المناسبة قوة ، وهذا من جملة عداد الأحكام ~~المشروعة لإصلاح ما اختل من أحوالهم في الجاهلية ، ولذلك عطف على نظائره ~~وهو مع ذلك أصل تشريع عظيم للأموال في الإسلام . # كان أكل المال بالباطل شنشنة معروفة لأهل الجاهلية بل كان أكثر أحوالهم ~~المالية فإن اكتسابهم كان من الإغارة ومن الميسر ، ومن غصب القوي مال ~~الضعيف ، ومن أكل الأولياء أموال الأيتام واليتامى ، ومن الغرر والمقامرة ، ~~ومن المراباة ونحو ذلك ، وكل ذلك من الباطل الذي ليس عن طيب نفس . # والأكل حقيقته إدخال الطعام إلى المعدة من الفم وهو هنا استعارة للأخذ ~~بقصد الانتفاع دون إرجاع ؛ لأن ذلك الأخذ يشبه الأكل من جميع جهاته ، ولذلك ~~لا يطلق على إحراق مال الغير اسم الأكل ولا يطلق على القرض والوديعة اسم ~~الأكل ، وليس الأكل هنا استعارة تمثيلية ؛ إذ لا مناسبة بين هيئة آخذ مال ~~غيره لنفسه بقصد عدم إرجاعه وهيئة الأكل كما لا يخفى . # والأموال جمع مال ونعرفه بأنه ( ما بقدره يكون قدر إقامة نظام معاش أفراد ~~الناس في تناول الضروريات والحاجيات والتحسينيات بحسب مبلغ حضارتهم حاصلا ~~بكدح ) ، فلا يعد الهواء مالا ، ولا ماء المطر والأودية والبحار مالا ، ولا ~~التراب مالا ، ولا كهوف الجبال وظلال الأشجار مالا ، ويعد الماء المحتفر ~~بالآبار مالا ، وتراب المقاطع مالا ، والحشيش والحطب مالا ، وما ينحته ~~المرء لنفسه في جبل مالا . PageV02P187 # والمال ثلاثة أنواع : النوع الأول ما تحصل تلك الإقامة بذاته دون توقف ~~على شيء وهو الأطعمة كالحبوب ، والثمار ، والحيوان لأكله وللانتفاع بصوفه ~~وشعره ولبنه وجلوده ولركوبه قال تعالى : { وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا ~~تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ~~ومتاعا ms0996 إلى حين } ( النحل : 80 ) وقال : { لتركبوا منها ومنها تأكلون } ( ~~غافر : 79 ) وقد سمت العرب الإبل مالا قال زهير : # صحيحاتت مالل طالعاتت بمخرم # وقال عمر : ( لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت عليهم من ~~بلادهم شبرا ) ، وهذا النوع هو أعلى أنواع الأموال وأثبتها ، لأن المنفعة ~~حاصلة به من غير توقف على أحوال المتعاملين ولا على اصطلاحات المنظمين ، ~~فصاحبه ينتفع به زمن السلم وزمن الحرب وفي وقت الثقة ووقت الخوف وعند رضا ~~الناس عليه وعدمه وعند احتياج الناس وعدمه ، وفي الحديث ( يقول ابن آدم ~~مالي مالي وإنما مالك ما أكلت فأمريت أو أعطيت فأغنيت ) فالحصر هنا للكمال ~~في الاعتبار من حيث النفع المادي والنفع العرضي . # النوع الثاني : ما تحصل تلك الإقامة به وبما يكمله مما يتوقف نفعه عليه ~~كالأرض للزرع وللبناء عليها ، والنار للطبخ والإذابة ، والماء لسقي الأشجار ~~، وآلات الصناعات لصنع الأشياء من الحطب والصوف ونحو ذلك ، وهذا النوع دون ~~النوع الثاني لتوقفه على أشياء ربما كانت في أيدي الناس فضنت بها وربما ~~حالت دون نوالها موانع من حرب أو خوف أو وعورة طريق . # النوع الثالث : ما تحصل الإقامة بعوضه مما اصطلح البشر على جعله عوضا لما ~~يراد تحصيله من الأشياء ، وهذا هو المعبر عنه بالنقد أو بالعملة ، وأكثر ~~اصطلاح البشر في هذا النوع على معدني الذهب والفضة وما اصطلح عليه بعض ~~البشر من التعامل بالنحاس والودع والخرزات وما اصطلح عليه المتأخرون من ~~التعامل بالحديد الأبيض وبالأوراق المالية وهي أوراق المصارف المالية ~~المعروفة وهي حجج التزام من المصرف بدفع مقدار ما بالورقة الصادرة منه ، ~~وهذا لا يتم اعتباره إلا في أزمنة السلم والأمن وهو مع ذلك متقارب الأفراد ~~، والأوراق التي تروجها الحكومات بمقادير مالية يتعامل بها رعايا تلك ~~الحكومات . # وقولي في التعريف : حاصلا بكدح ، أردت به أن شأنه أن يكون حاصلا بسعي فيه ~~كلفة PageV02P188 ولذلك عبرت عنه بالكدح وذلك للإشارة إلى أن المال يشترط ~~فيه أن يكون مكتسبا والاكتساب له ثلاثة طرق : # الطريق الأول : طريق التناول من الأرض قال ms0997 تعالى : { هو الذي خلق لكم ما ~~في الأرض جميعا } ( البقرة : 29 ) وقال : { هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا ~~فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه } ( الملك : 15 ) وهذا كالحطب والحشيش ~~والصيد البري والبحري وثمر شجر البادية والعسل ، وهذا قد يكون بلا مزاحمة ~~وقد يكون بمزاحمة فيكون تحصيله بالسبق كسكنى الجبال والتقاط الكمأة . # الطريق الثاني : الاستنتاج وذلك بالولادة والزرع والغرس والحلب ، ~~وبالصنعة كصنع الحديد والأواني واللباس والسلاح . # الطريق الثالث : التناول من يد الغير فيما لا حاجة له به إما بتعامل بأن ~~يعطي المرء ما زاد على حاجته مما يحتاج إليه غيره ويأخذ من الغير ما زاد ~~على حاجته مما يحتاج إليه هو ، أو بإعطاء ما جعله الناس علامة على أن مالكه ~~جدير بأن يأخذ به ما قدر بمقداره كدينار ودرهم في شيء مقوم بهما ، وإما ~~بقوة وغلبة كالقتال على الأراضي وعلى المياه . # والباطل اسم فاعل من بطل إذا ذهب ضياعا وخسرا أي بدون وجه ، ولا شك أن ~~الوجه هو ما يرضي صاحب المال أعني العوض في البيوعات وحب المحمدة في ~~التبرعات . # والضمائر في مثل : { ولا تأكلوا أموالكم } إلى آخر الآية عامة لجميع ~~المسلمين ، وفعل : { ولا تأكلوا } وقع في حيز النهي فهو عام ، فأفاد ذلك ~~نهيا لجميع المسلمين عن كل أكل وفي جميع الأموال ، قلنا هنا جمعان جمع ~~الآكلين وجمع الأموال المأكولة ، وإذا تقابل جمعان في كلام العرب احتمل أن ~~يكون من مقابلة كل فرد من أفراد الجمع بكل فرد من أفراد الجمع الآخر على ~~التوزيع نحو ركب القوم دوابهم وقوله تعالى : { وخذوا حذركم } ( النساء : ~~102 ) { قوا أنفسكم } ( التحريم : 6 ) ، واحتمل أن يكون كذلك لكن على معنى ~~أن كل فرد يقابل بفرد غيره لا بفرد نفسه نحو قوله : { ولا تلمزوا أنفسكم } ~~( الحجرات : 11 ) وقوله { فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم } ( النور : ~~61 ) ، واحتمل أن يكون من مقابلة كل فرد بجميع الأفراد نحو قوله : { وقهم ~~السيئات } ( غافر : 9 ) ، والتعويل في ذلك على القرائن . # وقد علم أن هذين الجمعين هنا من النوع الثاني أي لا ms0998 يأكل بعضهم مال بعض ~~آخر PageV02P189 بالباطل ؛ بقرينة قوله : { بينكم } ؛ لأن بين تقتضي توسطا ~~خلال طرفين ، فعلم أن الطرفين آكل ومأكول منه والمال بينهما ، فلزم أن يكون ~~الآكل غير المأكول وإلا لما كانت فائدة لقوله : { بينكم } . # ومعنى أكلها بالباطل أكلها بدون وجه ، وهذا الأكل مراتب : # المرتبة الأولى : ما علمه جميع السامعين مما هو صريح في كونه باطلا ~~كالغصب والسرقة والحيلة . # المرتبة الثانية : ما ألحقه الشرع بالباطل فبين أنه من الباطل وقد كان ~~خفيا عنهم وهذا مثل الربا ؛ فإنهم قالوا : { إنما البيع مثل الربا } ( ~~البقرة : 275 ) ، ومثل رشوة الحكام ، ومثل بيع الثمرة قبل بدو صلاحها ؛ ففي ~~الحديث : ( أرأيت إن منع الله الثمرة بم يأخذ أحدكم مال أخيه ) ، والأحاديث ~~في ذلك كثيرة قال ابن العربي : هي خمسون حديثا . # المرتبة الثالثة : ما استنبطه العلماء من ذلك ، فما يتحقق فيه وصف الباطل ~~بالنظر وهذا مجال للاجتهاد في تحقيق معنى الباطل ، والعلماء فيه بين موسع ~~ومضيق مثل ابن القاسم وأشهب من المالكية وتفصيله في الفقه . # وقد قيل : إن هذه الآية نزلت في قضية عبدان الحضرمي وامرىء القيس الكندي ~~اختصما لرسول الله صلى الله عليه وسلم في أرض فنزلت هذه الآية والقصة ~~مذكورة في ( صحيح مسلم ) ولم يذكر فيها أن هذه الآية نزلت فيهما وإنما ذكر ~~ذلك ابن أبي حاتم . # وقوله تعالى : { وتدلوا بها إلى الحكام } عطف على { تأكلوا } أي لا تدلوا ~~بها إلى الحكام لتتوسلوا بذلك إلى أكل المال بالباطل . وخص هذه الصورة ~~بالنهي بعد ذكر ما يشملها وهو أكل الأموال بالباطل ؛ لأن هذه شديدة الشناعة ~~جامعة لمحرمات كثيرة ، وللدلالة على أن معطي الرشوة آثم مع أنه لم يأكل ~~مالا بل آكل غيره ، وجوز أن تكون الواو للمعية و { تدلوا } منصوبا بأن ~~مضمرة بعدها في جواب النهي فيكون النهي عن مجموع الأمرين أي لا تأكلوها ~~بينكم مدلين بها إلى الحكام لتأكلوا وهو يفضي إلى أن المنهي عنه في هذه ~~الآية هو الرشوة خاصة فيكون المراد الاعتناء بالنهي عن هذا النوع من أكل ~~الأموال بالباطل . # والإدلاء في ms0999 الأصل إرسال الدلو في البئر وهو هنا مجاز في التوسل والدفع . ~~PageV02P190 # فالمعنى على الاحتمال الأول ، لا تدفعوا أموالكم للحكام لتأكلوا بها ~~فريقا من أموال الناس بالإثم ؛ فالإدلاء بها هو دفعها لإرشاء الحكام ليقضوا ~~للدافع بمال غيره فهي تحريم للرشوة وللقضاء بغير الحق ، ولأكل المقضي له ~~مالا بالباطل بسبب القضاء بالباطل . # والمعنى على الاحتمال الثاني لا تأكلوا أموالكم بالباطل في حال انتشاب ~~الخصومات بالأموال لدى الحكام لتتوسلوا بقضاء الحكام ، إلى أكل الأموال ~~بالباطل حين لا تستطيعون أكلها بالغلب ، وكأن الذي دعاهم إلى فرض هذا ~~الاحتمال هو مراعاة القصة التي ذكرت في سبب النزول ، ولا يخفى أن التقيد ~~بتلك القصة لا وجه له في تفسير الآية ، لأنه لو صح سندها لكان حمل الآية ~~على تحريم الرشوة لأجل أكل المال دليلا على تحريم أكل المال بدون رشوة ~~بدلالة تنقيح المناط . # وعلى ما اخترناه فالآية دلت على تحريم أكل الأموال بالباطل ، وعلى تحريم ~~إرشاء الحكام لأكل الأموال بالباطل ، وعلى أن قضاء القاضي لا يغير صفة أكل ~~المال بالباطل ، وعلى تحريم الجور في الحكم بالباطل ولو بدون إرشاء ، لأن ~~تحريم الرشوة إنما كان لما فيه من تغيير الحق ، ولا جرم أن هاته الأشياء من ~~أهم ما تصدى الإسلام لتأسيسه تغييرا لما كانوا عليه في الجاهلية فإنهم ~~كانوا يستحلون أموال الذين لم يستطيعوا منع أموالهم من الأكل فكانوا يأكلون ~~أموال الضعفاء قال صنان اليشكري : # لو كان حوض حمار ما شربت به # إلا بإذن حمار آخر الأبد # لكنه حوض من أودى بإخوته # ريب المنونن فأمسى بيضة البلد # وأما إرشاء الحكام فقد كان أهل الجاهلية يبذلون الرشا للحكام ، ولما ~~تنافر عامر بن الطفيل وعلقمة بن علاثة إلى هرم بن قطبة الفزاري بذل كل واحد ~~منهما مائة من الإبل إن حكم له بالتفضيل على الآخر فلم يقض لواحد منهما بل ~~قضى بينهما بأنهما كركبتي البعير الأدرم الفحل تستويان في الوقوع على الأرض ~~فقال الأعشى في ذلك من أبيات : # حكمتموه فقضى بينكم # أزهر مثل القمر الباهر # لا يقبل الرشوة في ms1000 حكمه # ولا يبالي غبن الخاسر # ويقال إن أول من ارتشى من حكام الجاهلية هو ضمرة بن ضمرة النهشلي بمائة ~~من الإبل دفعها إليه عباد بن أنف الكلب في منافرة بينه وبين معبد بن نضلة ~~الفقعسي لينفره PageV02P191 عليه ففعل ، ويقال إن أول من ارتشى في الإسلام ~~يرفأ غلام عمر بن الخطاب رشاه المغيرة بن شعبة ليقدمه في الإذن بالدخول إلى ~~عمر ؛ لأن يرفأ لما كان هو الواسطة في الإذن للناس وكان الحق في التقديم في ~~الإذن للأسبق ، إذ لم يكن مضطرا غيره إلى التقديم كان تقديم غير الأسبق ~~اعتداء على حق الأسبق فكان جورا وكان بذل المال لأجل تحصيله إرشاء ولا أحسب ~~هذا إلا من أكاذيب أصحاب الأهواء للغض من عدالة بعض الصحابة فإن صح ولا ~~إخاله : فالمغيرة لم ير في ذلك بأسا ؛ لأن الضر اللاحق بالغير غير معتد به ~~، أو لعله رآه إحسانا ولم يقصد التقديم ففعله يرفأ إكراما له لأجل نواله ، ~~أما يرفأ فلعله لم يهتد إلى دقيق هذا الحكم . # فالرشوة حرمها الله تعالى بنص هاته الآية ؛ لأنها إن كانت للقضاء بالجور ~~فهي لأكل مال بالباطل وليست هي أكل مال بالباطل فلذلك عطف على النهي الأول ~~؛ لأن الحاكم موكل المال لا آكل ، وإن كانت للقضاء بالحق فهي أكل مال ~~بالباطل ؛ لأن القضاء بالحق واجب ، ومثلها كل مال يأخذه الحاكم على القضاء ~~من الخصوم إلا إذا لم يجعل له شيء من بيت المال ولم يكن له مال فقد أباحوا ~~له أخذ شيء معين على القضاء سواء فيه كلا الخصمين . # ودلالة هذه الآية على أن قضاء القاضي لا يؤثر في تغيير حرمة أكل المال من ~~قوله : { وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم } ~~فجعل المال الذي يأكله أحد بواسطة الحكم إثما وهو صريح في أن القضاء لا يحل ~~حراما ولا ينفذ إلا ظاهرا ، وهذا مما لا شبهة فيه لولا خلاف وقع في المسألة ~~، فإن أبا حنيفة خالف جمهور الفقهاء فقال بأن قضاء القاضي يحل الحرام وينفذ ~~باطنا وظاهرا ms1001 إذا كان بحل أو حرمة وادعاه المحكوم له بسبب معين أي كان ~~القضاء بعقد أو فسخ وكان مستندا لشهادة شهود وكان المقضي به مما يصح أن ~~يبتدأ ، هذا الذي حكاه عنه غالب فقهاء مذهبه وبعضهم يخصه بالنكاح . # واحتج على ذلك بما روي أن رجلا خطب امرأة هودونها فأبت إجابته فادعى ~~عليها ، عند علي أنه تزوجها وأقام شاهدين زورا فقضى علي بشهادتهما فقالت ~~المرأة لما قضى عليها ، إن كان ولا بد فزوجني منه فقال لها علي شاهداك ~~زوجاك ، وهذا الدليل بعد تسليم صحة سنده لا يزيد على كونه مذهب صحابي وهو ~~لا يعارض الأحوال الشرعية ولا الأحاديث المروية نحو حديث ( فمن قضيت له بحق ~~أخيه PageV02P192 فلا يأخذه فإنما أقتطع له قطعة من نار ) ، على أن تأويله ~~ظاهر وهو أن عليا اتهمها بأنها تريد بإحداث العقد بعد الحكم إظهار الوهن في ~~الحكم والإعلان بتكذيب المحكوم له ولعلها إذا طلب منها العقد أن تمتنع ~~فيصبح الحكم معلقا . # والظاهر أن مراد أبي حنيفة أن القضاء فيما يقع صحيحا وفاسدا شرعا من كل ~~ما ليس فيه حق العبد أن قضاء القاضي بصحته يتنزل منزلة استكمال شروطه توسعة ~~على الناس ، فلا يخفى ضعف هذا ولذلك لم يتابعه عليه أحد من أصحابه . # وقوله : { وأنتم تعلمون } حال مؤكدة لأن المدلي بالأموال للحكام ليأكل ~~أموال الناس عالم لا محالة بصنعه ، فالمراد من هذه الحال تشنيع الأمر ~~وتفظيعه إعلانا بأن أكل المال بهذه الكيفية هو من الذين أكلوا أموال الناس ~~عن علم وعمد فجرمه أشد . # # | 2 ( 189 ) { يسئلونك عن الأهلة قل هى مواقيت للناس والحج وليس البر بأن ~~تأتوا البيوت من ظهورها ولاكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا ~~الله لعلكم تفلحون } . ) 2 # اعتراض بين شرائع الأحكام الراجعة إلى إصلاح النظام ، دعا إليه ما حدث من ~~السؤال ، فقد روى الواحدي أنها نزلت بسبب أن أحد اليهود سأل أنصاريا عن ~~الأهلة وأحوالها في الدقة إلى أن تصير بدرا ثم تتناقص حتى تختفي فسأل ~~الأنصاري رسول الله فنزلت هذه الآية ms1002 ، ويظهر أن نزولها متأخر عن نزول آيات ~~فرض الصيام ببضع سنين ؛ لأن آية : وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ~~يسئلونك عن الأهلة قل هى مواقيت للناس والحج وليس البر بأن تأتوا البيوت من ~~ظهورها ولاكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم ~~تفلحون } متصلة بها . وسيأتي أن تلك الآية نزلت في عام الحديبية أو عام ~~عمرة القضية . فمناسبة وضعها في هذا الموضع هي توقيت الصيام بحلول شهر ~~رمضان ، فكان من المناسبة ذكر المواقيت لإقامة نظام الجامعة الإسلامية على ~~أكمل وجه ، ومن كمال النظام ضبط الأوقات ، ويظهر أن هذه الآية أيضا نزلت ~~بعد أن شرع الحج أي بعد فتح مكة ، لقوله تعالى : { قل هي مواقيت للناس ~~والحج } . # وابتدئت الآية ب { يسألونك } لأن هنالك سؤالا واقعا عن أمر الأهلة . ~~وجميع الآيات التي افتتحت ب { يسألونك } هي متضمنة لأحكام وقع السؤال عنها ~~فيكون موقعها في القرآن مع آيات تناسبها نزلت في وقتها أو قرنت بها . وروي ~~أن الذي سأله عن ذلك معاذ بن جبل PageV02P193 وثعلبة بن غنمة الأنصاري ~~فقالا : ما بال الهلال يبدو دقيقا ثم يزيد حتى يمتلىء ثم لا يزال ينقص حتى ~~يعود كما بدأ ، قال العراقي لم أقف لهذا السبب على إسناد . # وجمع الضمير في قوله : { يسألونك } مع أن المروي أن الذي سأله رجلان نظرا ~~لأن المسؤول عنه يهم جميع السامعين أثناء تشريع الأحكام ؛ ولأن من تمام ضبط ~~النظام أن يكون المسؤول عنه قد شاع بين الناس واستشرف كثير منهم لمعرفته ~~سواء في ذلك من سأل بالقول ومن سأل في نفسه . # وذكر فوائد خلق الأهلة في هذا المقام للإيماء إلى أن الله جعل للحج وقتا ~~من الأشهر لا يقبل التبديل وذلك تمهيدا لإبطال ما كان في الجاهلية من ~~النسىء في أشهر الحج في بعض السنين . # والسؤال : طلب أحد من آخر بذل شيء أو إخبارا بخبر ، فإذا كان طلب بذل عدي ~~فعل السؤال بنفسه وإذا كان طلب إخبار عدي الفعل بحرف ( عن ) أو ما ينوب ~~منابه . # وقد تكررت ms1003 في هذه السورة آيات مفتتحة ب { يسألونك } وهي سبع آيات غير ~~بعيد بعضها عن بعض ، جاء بعضها غير معطوف بحرف العطف وهي أربع وبعضها ~~معطوفا به وهي الثلاث الأواخر منها ، وأما غير المفتتحة بحرف العطف فلا ~~حاجة إلى تبيين تجردها عن العاطف ؛ لأنها في استئناف أحكام لا مقارنة بينها ~~وبين مضمون الجمل التي قبلها فكانت جديرة بالفصل دون عطف ، ولا يتطلب لها ~~سوى المناسبة لمواقعها . وأما الجمل الثلاث الأواخر المفتتحة بالعاطف فكل ~~واحدة منها مشتملة على أحكام لها مزيد اتصال بمضمون ما قبلها فكان السؤال ~~المحكي فيها مما شأنه أن ينشأ عن التي قبلها فكانت حقيقة بالوصل بحرف العطف ~~كما سيتضح في مواقعها . # والسؤال عن الأهلة لا يتعلق بذواتها إذ الذوات لا يسأل إلا عن أحوالها ، ~~فيعلم هنا تقدير وحذف أي عن أحوال الأهلة ، فعلى تقدير كون السؤال واقعا ~~بها غير مفروض فهو يحتمل السؤال عن الحكمة ويحتمل السؤال عن السبب ، فإن ~~كان عن الحكمة فالجواب بقوله : { قل هي مواقيت للناس } جار على وفق السؤال ~~، وإلى هذا ذهب صاحب ( الكشاف ) ، ولعل المقصود من السؤال حينئذ استثبات ~~كون المراد الشرعي منها موافقا لما اصطلحوا عليه ؛ لأن كونها مواقيت ليس ~~مما يخفى حتى يسأل عنه ، فإنه متعارف لهم ، فيتعين كون المراد من سؤالهم إن ~~كان واقعا هو تحقق الموافقة للمقصد الشرعي . # وإن كان السؤال عن السبب فالجواب بقوله : { قل هي مواقيت } PageV02P194 ~~غير مطابق للسؤال ، فيكون إخراجا للكلام على خلاف مقتضى الظاهر بصرف السائل ~~إلى غير ما يتطلب ، تنبيها على أن ما صرف إليه هو المهم له ، لأنهم في مبدأ ~~تشريع جديد والمسؤول هو الرسول عليه الصلاة والسلام وكان المهم لهم أن ~~يسألوه عما ينفعهم في صلاح دنياهم وأخراهم ، وهو معرفة كون الأهلة ترتبت ~~عليها آجال المعاملات والعبادات كالحج والصيام والعدة ، ولذلك صرفهم عن ~~بيان مسؤولهم إلى بيان فائدة أخرى ، لا سيما والرسول لم يجيء مبينا لعلل ~~اختلاف أحوال الأجرام السماوية ، والسائلون ليس لهم من أصول معرفة الهيئة ~~ما يهيئهم إلى فهم ما ms1004 أرادوا علمه بمجرد البيان اللفظي بل ذلك يستدعى ~~تعليمهم مقدمات لذلك العلم ، على أنه لو تعرض صاحب الشريعة لبيانه لبين ~~أشياء من حقائق العلم لم تكن معروفة عندهم ولا تقبلها عقولهم يومئذ ، ولكان ~~ذلك ذريعة إلى طعن المشركين والمنافقين بتكذيبه ، فإنهم قد أسرعوا إلى ~~التكذيب فيما لم يطلعوا على ظواهره كقولهم : { هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا ~~مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد أفترى على الله كذبا أم به جنة } ( سبأ : ~~7 ، 8 ) وقولهم : { ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق } ( ص ~~: 7 ) وعليه فيكون هذا الجواب بقوله : { هي مواقيت للناس والحج } تخريجا ~~للكلام على خلاف مقتضى الظاهر كقول الشاعر . أنشده في ( المفتاح ) ولم ~~ينسبه ولم أقف على قائله ولم أره في غيره . # أتت تشتكي مني مزاولة القرى # وقد رأت الأضياف ينحون منزلي # فقلت لها لما سمعت كلامها # هم الضيف جدي في قراهم وعجلي # وإلى هذا نحا صاحب ( المفتاح ) وكأنه بناه على أنهم لا يظن بهم السؤال عن ~~الحكمة في خلق الأهلة لظهورها ، وعلى أن الوارد في قصة معاذ وثعلبة يشعر ~~بأنهما سألا عن السبب إذ قالا : ما بال الهلال يبدو دقيقا الخ . # والأهلة : جمع هلال وهو القمر في أول استقباله الشمس كل شهر قمري في ~~الليلة الأولى والثانية ، قيل والثالثة ، ومن قال إلى سبع فإنما أراد ~~المجاز ، لأنه يشبه الهلال ، ويطلق الهلال على القمر ليلة ست وعشرين وسبع ~~وعشرين لأنه في قدر الهلال في أول الشهر ، وإنما سمي الهلال هلالا لأن ~~الناس إذا رأوه رفعوا أصواتهم بالإخبار عنه ينادي بعضهم بعضا لذلك ، وإن هل ~~وأهل بمعنى رفع صوته كما تقدم في قوله تعالى : { وما أهل به لغير الله } ( ~~البقرة : 173 ) . PageV02P195 # وقوله : { مواقيت للناس } أي مواقيت لما يوقت من أعمالهم فاللام للعلة أي ~~لفائدة الناس وهو على تقدير مضاف أي لأعمال الناس ، ولم تذكر الأعمال ~~الموقتة بالأهلة ليشمل الكلام كل عمل محتاج إلى التوقيت ، وعطف الحج على ~~الناس مع اعتبار المضاف المحذوف من عطف الخاص على ms1005 العام للاهتمام به ~~واحتياج الحج للتوقيت ضروري ؛ إذ لو لم يوقت لجاء الناس للحج متخالفين فلم ~~يحصل المقصود من اجتماعهم ولم يجدوا ما يحتاجون إليه في أسفارهم وحلولهم ~~بمكة وأسواقها ؛ بخلاف الصلاة فليست موقتة بالأهلة ، وبخلاف الصوم فإن ~~توقيته بالهلال تكميلي له ؛ لأنه عبادة مقصورة على الذات فلو جاء بها ~~المنفرد لحصل المقصد الشرعي ولكن شرع فيه توحيد الوقت ليكون أخف على ~~المكلفين ، فإن الصعب يخف بالاجتماع وليكون حالهم في تلك المدة متماثلا فلا ~~يشق أحد على آخر في اختلاف أوقات الأكل والنوم ونحوهما . # والمواقيت جمع ميقات والميقات جاء بوزن اسم الآلة من وقت وسمى العرب به ~~الوقت ، وكذلك سمي الشهر شهرا مشتقا من الشهرة ، لأن الذي يرى هلال الشهر ~~يشهره لدى الناس . وسمى العرب الوقت المعين ميقاتا كأنه مبالغة وإلا فهو ~~الوقت عينه . وقيل : الميقات أخص من الوقت ، لأنه وقت قدر فيه عمل من ~~الأعمال ، قلت : فعليه يكون صوغه بصيغة اسم الآلة اعتبارا بأن ذلك العمل ~~المعين يكون وسيلة لتحديد الوقت فكأنه آلة للضبط والاقتصار على الحج دون ~~العمرة لأن العمرة لا وقت لها فلا تكون للأهلة فائدة في فعلها . # ومجيء ذكر الحج في هاته الآية ، وهي من أول ما نزل بالمدينة ، ولم يكن ~~المسلمون يستطيعون الحج حينئذ لأن المشركين يمنعونهم إشارة إلى أن وجوب ~~الحج ثابت ولكن المشركين حالوا دون المسلمين ودونه ( ) . وسيأتي عند قوله ~~تعالى : { ولله على الناس حج البيت } في ( سورة آل عمران : 97 ) وعند قوله ~~: { الحج أشهر معلومات } ( البقرة : 197 ) في هذه السورة . PageV02P196 ( ~~سقط : وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا ~~البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم تفلحون ) # معطوفة على { يسألونك } وليست معطوفة على جملة { هي مواقيت } لأنه لم يكن ~~مما سألوا عنه حتى يكون مقولا للمجيب . ومناسبة هذه الجملة للتي قبلها أن ~~سبب نزولها كان مواليا أو مقارنا لسبب نزول الآية التي قبلها وأن مضمون ~~كلتا الجملتين كان مثار تردد وإشكال عليهم من شأنه أن يسأل عنه ، فكانوا ~~إذا ms1006 أحرموا بالحج أو العمرة من بلادهم جعلوا من أحكام الإحرام ألا يدخل ~~المحرم بيته من بابه أو لا يدخل تحت سقف يحول بينه وبين السماء ، وكان ~~المحرمون إذا أرادوا أخذ شيء من بيوتهم تسنموا على ظهور البيوت أو اتخذوا ~~نقبا في ظهور البيوت إن كانوا من أهل المدر ، وإن كانوا من أهل الخيام ~~دخلوا من خلف الخيمة ، وكان الأنصار يدينون بذلك ، وأما الحمس فلم يكونوا ~~يفعلون هذا ، والحمس جمع أحمس والأحمس المتشدد بأمر الدين لا يخالفه ، وهم ~~قريش وكنانة وخزاعة وثقيف وجشم وبنو نصر ابن معاوية ومدلج وعدوان وعضل وبنو ~~الحارث بن عبد مناة ، وبنو عامر بن صعصعة وكلهم من سكان مكة وحرمها ما عدا ~~بني عامر بن صعصعة فإنهم تحمسوا لأن أمهم قرشية . # ومعنى نفي البر عن هذا نفي أن يكون مشروعا أو من الحنيفية ، وإنما لم يكن ~~مشروعا لأنه غلو في أفعال الحج ، فإن الحج وإن اشتمل على أفعال راجعة إلى ~~ترك الترفه عن البدن كترك المخيط وترك تغطية الرأس إلا أنه لم يكن المقصد ~~من تشريعه إعنات الناس بل إظهار التجرد وترك الترفه ، ولهذا لم يكن الحمس ~~يفعلون ، ذلك لأنهم أقرب إلى دين إبراهيم ، فالنفي في قوله : { وليس البر } ~~نفي جنس البر عن هذا الفعل بخلاف قوله المتقدم { ليس البر أن تولوا وجوهكم ~~} ( البقرة : 177 ) والقرينة هنا هي قوله : { وأتوا البيوت من أبوابها } ~~ولم يقل هنالك : واستقبلوا أية جهة شئتم ، والمقصود من الآيتين إظهار البر ~~العظيم وهو ما ذكر بعد حرف الاستدراك في الآيتين بقطع النظر عما نفي عنه ~~البر ، وهذا هو مناط الشبه والافتراق بين الآيتين . # روى الواحدي في ( أسباب النزول ) أن النبي صلى الله عليه وسلم أهل عام ~~الحديبية من المدينة وأنه دخل بيتا وأن أحدا من الأنصار ، قيل : اسمه قطبة ~~بن عامر وقيل : رفاعة بن تابوت . PageV02P197 كان دخل ذلك البيت من بابه ~~اقتداء برسول الله فقاله له النبي صلى الله عليه وسلم لم دخلت وأنت قد ~~أحرمت ؟ فقال له الأنصاري : دخلت أنت فدخلت بدخولك ms1007 فقال له النبي صلى الله ~~عليه وسلم إني أحمس فقال له الأنصاري : وأنا ديني دينك رضيت بهديك فنزلت ~~الآية ، فظاهر هذه الروايات أن الرسول نهى غير الحمس عن ترك ما كانوا ~~يفعلونه حتى نزلت الآية في إبطاله ، وفي ( تفسير ابن جرير وابن عطية ) عن ~~السدي ما يخالف ذلك وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل بابا وهو محرم ~~وكان معه رجل من أهل الحجاز فوقف الرجل وقال : إني أحمس فقال له الرسول ~~عليه الصلاة والسلام : وأنا أحمس فنزلت الآية ، فهذه الرواية تقتضي أن ~~النبي أعلن إبطال دخول البيوت من ظهورها . # وأن الحمس هم الذين كانوا يدخلون البيوت من ظهورها ، وأقول : الصحيح من ~~ذلك ما رواه البخاري ومسلم عن البراء بن عازب قال : كانت الأنصار إذا حجوا ~~فجاءوا لا يدخلون من أبواب بيوتهم ولكن من ظهورها فجاء رجل فدخل من بابه ~~فكأنه عبر بذلك هذه الآية ، ورواية السدي وهم ، وليس في الصحيح ما يقتضي أن ~~رسول الله أمر بذلك ولا يظن أن يكون ذلك منه ، وسياق الآية ينافيه . # وقوله : { ولكن البر من اتقىالقول فيه كالقول في قوله تعالى : ولكن البر ~~من ءامن بالله واليوم الآخر } ( البقرة : 177 ) . # و { اتقى } فعل منزل منزلة اللازم ؛ لأن المراد به من اتصف بالتقوى ~~الشرعية بامتثال المأمورات واجتناب المنهيات . # وجر { بأن تأتوا } بالباء الزائدة لتأكيد النفي بليس ، ومقتضى تأكيد ~~النفي أنهم كانوا يظنون أن هذا المنفي من البر ظنا قويا فلذلك كان مقتضى ~~حالهم أن يؤكد نفي هذا الظن . # وقوله : { وأتوا البيوت من أبوابها } معطوف على جملة { وليس البر } عطف ~~الإنشاء على الخبر الذي هو في معنى الإنشاء ؛ لأن قوله : { ليس البر } في ~~معنى النهي عن ذلك فكان كعطف أمر على نهي . # وهذه الآية يتعين أن تكون نزلت في سنة خمس حين أزمع النبي صلى الله عليه ~~وسلم الخروج إلى العمرة في ذي القعدة سنة خمس من الهجرة والظاهر أن رسول ~~الله نوى أن يحج PageV02P198 بالمسلمين إن لم يصده المشركون ، فيحتمل أنها ~~نزلت في ذي ms1008 القعدة أو قبله بقليل . # وقرأ الجمهور ( البيوت ) في الموضعين في الآية بكسر الباء على خلاف صيغة ~~جمع فعل على فعول فهي كسرة لمناسبة وقوع الياء التحتية بعد حركة الضم ~~للتخفيف كما قرأوا { عيون } ( الحجر : 45 ) . وقرأه أبو عمرو وورش عن نافع ~~وحفص عن عاصم وأبو جعفر بضم الباء على أصل صيغة الجمع مع عدم الاعتداد ببعض ~~الثقل ؛ لأنه لا يبلغ مبلغ الثقل الموجب لتغيير الحركة ، قال ابن العربي في ~~( العواصم ) : والذي أختاره لنفسي إذا قرأت أكسر الحروف المنسوبة إلى قالون ~~إلا الهمزة فإني أتركه أصلا إلا فيما يحيل المعنى أو يلبسه ولا أكسر باء ~~بيوت ولا عين عيون ، وأطال بما في بعضه نظر ، وهذا اختيار لنفسه بترجيح بعض ~~القراءات المشهورة على بعض . # وقد تقدم خلاف القراء في نصب { البر } من قوله : { ليس البر } ( البقرة : ~~177 ) وفي تشديد نون { لكن } من قوله : { ولكن البر . # وقوله واتقوا الله لعلكم تفلحون } أي تظفرون بمطلبكم من البر : فإن البر ~~في اتباع الشرع فلا تفعلوا شيئا إلا إذا كان فيه مرضاة الله ولا تتبعوا ~~خطوات المبتدعين الذين زادوا في الحج ما ليس من شرع إبراهيم . # وقد قيل في تفسير الآية وجوه واحتمالات أخرى كلها بعيدة : فقيل إن قوله { ~~وليس البر } مثل ضربه الله لما كانوا يأتونه من النسيء قاله أبو مسلم وفيه ~~بعد حقيقة ومجازا ومعنى ؛ لأن الآيات خطاب للمسلمين وهم الذين سألوا عن ~~الأهلة ، والنسيء من أحوال أهل الجاهلية ، ولأنه يئول إلى استعارة غير ~~رشيقة ، وقيل : مثل ضرب لسؤالهم عن الأهلة من لا يعلم وأمرهم بتفويض العلم ~~إلى الله وهو بعيد جدا لحصول الجواب من قبل ، وقيل : كانوا ينذرون إذا تعسر ~~عليهم مطلوبهم ألا يدخلوا بيوتهم من أبوابها فنهوا عن ذلك وهذا بعيد معنى ، ~~لأن الكلام مع المسلمين وهم لا يفعلون ذلك ، وسندا ، إذ لم يرو أحد أن هذا ~~سبب النزول . # $ 2 ( 190 ) { وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدو & # 1764 ا إن الله لا يحب المعتدين } . ) 2 $ # جملة { وقاتلوا } معطوفة على جملة ms1009 { وليس البر } ( البقرة : 189 ) الخ ، ~~وهو استطراد دعا إليه استعداد PageV02P199 النبي صلى الله عليه وسلم لعمرة ~~القضاء سنة ست وتوقع المسلمين غدر المشركين بالعهد ، وهو قتال متوقع لقصد ~~الدفاع لقوله : { الذين يقاتلونكم } ، وهذه الآية أول آية نزلت في القتال ~~وعن أبي بكر الصديق أول آية نزلت في الأمر بالقتال قوله تعالى : { أذن ~~للذين يقاتلون بأنهم ظلموا في ( سورة الحج : 39 ) ورجحه ابن العربي بأنها ~~مكية وآية سورة البقرة مدنية . وقد ثبت في الصحيح } أن رسول الله أرسل ~~عثمان بن عفان إلى أهل مكة فأرجف بأنهم قتلوه فبايع الناس والرسول على ~~الموت في قتال العدو ثم انكشف الأمر عن سلامة عثمان . # ونزول هذه الآيات عقب الآيات التي أشارت إلى الإحرام بالعمرة والتي نراها ~~نزلت في شأن الخروج إلى الحديبية ينبىء بأن المشركين كانوا قد أضمروا ضد ~~النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين ثم أعرضوا عن ذلك لما رأوا تهيؤ ~~المسلمين لقتالهم ، فقوله تعالى : { ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام } ( ~~البقرة : 191 ) إرشاد للمسلمين بما فيه صلاح لهم يومئذ ، ألا ترى أنه لما ~~انقضت الآيات المتكلمة عن القتال عاد الكلام إلى الغرض الذي فارقته وذلك ~~قوله : { وأتموا الحج والعمرة لله } ( البقرة : 196 ) ، الآيات على أنه قد ~~وقع في صلح الحديبية ضرب مدة بين المسلمين والمشركين لا يقاتل فريق منهم ~~الآخر فخاف المسلمون عام عمرة القضاء أن يغدر بهم المشركون إذا حلوا ببلدهم ~~وألا يفوا لهم فيصدوهم عن العمرة فأمروا بقتالهم إن هم فعلوا ذلك . # وهذا إذن في قتال الدفاع لدفع هجوم العدو ثم نزلت بعدها آية براءة : { ~~وقاتلوا المشركين كافة } ( التوبة : 36 ) ناسخة لمفهوم هذه الآية عند من ~~يرى نسخ المفهوم ولا يرى الزيادة على النص نسخا ، وهي أيضا ناسخة لها عند ~~من يرى الزيادة على النص نسخا ولا يرى نسخ المفهوم ، وهي وإن نزلت لسبب خاص ~~فهي عامة في كل حال يبادىء المشركون فيه المسلمين بالقتال ، لأن السبب لا ~~يخصص . # وعن ابن عباس وعمر بن عبد العزيز ومجاهد أن هاته الآية محكمة ms1010 لم تنسخ ، ~~لأن المراد بالذين يقاتلونكم الذين هم متهيئون لقتالكم أي لا تقاتلوا ~~الشيوخ والنساء والصبيان ، أي القيد لإخراج طائفة من المقاتلين لا لإخراج ~~المحاجزين ، وقيل : المراد الكفار كلهم ، فإنهم بصدد أن يقاتلوا . ذكره في ~~( الكشاف ) ، أي ففعل { يقاتلونكم } مستعمل في مقارنة الفعل والتهيؤ له كما ~~تقدم في قوله تعالى : { إن ترك خيرا } ( البقرة : 180 ) . # والمقاتلة مفاعلة وهي حصول الفعل من جانبين ، ولما كان فعلها وهو القتل ~~لا يمكن حصوله من جانبين ؛ لأن أحد الجانبين إذا قتل لم يستطع أن يقتل كانت ~~المفاعلة في هذه المادة PageV02P200 بمعنى مفاعلة أسباب القتل أي المحاربة ~~، فقوله { وقاتلوا } بمعنى وحاربوا والقتال الحرب بجميع أحوالها من هجوم ~~ومنع سبل وحصار وإغارة واستيلاء على بلاد أو حصون . # وإذا أسندت المفاعلة إلى أحد فاعليها فالمقصود أنه هو المبتدىء بالفعل ، ~~ولهذا قال تعالى : { وقاتلوا في سبيل الله } فجعل فاعل المفاعلة المسلمين ~~ثم قال : { الذين يقاتلونكم } فجعل فاعله ضمير عدوهم ، فلزم أن يكون المراد ~~دافعوا الذين يبتدئونكم . # والمراد بالمبادأة دلائل القصد للحرب بحيث يتبين المسلمون أن الأعداء ~~خرجوا لحربهم وليس المراد حتى يضربوا ويهجموا ؛ لأن تلك الحالة يفوت على ~~المسلمين تداركها ، وهذا الحكم عام في الأشخاص لا محالة ، وعموم الأشخاص ~~يستلزم عموم الأحوال والأمكنة والأزمنة على رأي المحققين ، أو هو مطلق في ~~الأحوال والأزمنة والبقاع ، ولهذا قال تعالى بعد ذلك : { ولا تقاتلوهم عند ~~المسجد الحرام حتى يقاتلونكم فيه } ( البقرة : 191 ) تخصيصا أو تقييدا ببعض ~~البقاع . # فقوله : { ولا تعتدوا أي لا تبتدئوا بالقتال وقوله : إن الله لا يحب ~~المعتدين } تحذير من الاعتداء ؛ وذلك مسالمة للعدو واستبقاء لهم وإمهال حتى ~~يجيئوا مؤمنين ، وقيل : أراد ولا تعتدوا في القتال إن قاتلتم ففسر الاعتداء ~~بوجوه كثيرة ترجع إلى تجاوز أحكام الحرب والاعتداء الابتداء بالظلم وتقدم ~~عند قوله تعالى : { فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم } آنفا . # # | 2 ( 191 ، 192 ) { واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم ~~والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن ~~قاتلوكم فاقتلوهم كذالك جزآء ms1011 الكافرين * فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم } . ~~) 2 # هذا أمر بقتل من يعثر عليه منهم وإن لم يكن في ساحة القتال ، فإنه بعد أن ~~أمرهم بقتال من يقاتلهم عمم المواقع والبقاع زيادة في أحوال القتل وتصريحا ~~بتعميم الأماكن فإن أهمية هذا الغرض تبعث على عدم الاكتفاء باقتضاء عموم ~~الأشخاص تعميم الأمكنة ليكون المسلمون مأذونين بذلك فكل مكان يحل فيه العدو ~~فهو موضع قتال ، فالمعنى واقتلوهم حيث ثقفتموهم إن قاتلوكم . # وعطفت الجملة على التي قبلها وإن كانت هي مكملة لها باعتبار أن ما تضمنته ~~قتل خاص غير قتال الوغى فحصلت المغايرة المقتضية العطف ، ولذلك قال هنا ~~واقتلوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من ~~القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم ~~فاقتلوهم كذالك جزآء الكافرين } ولم يقل : وقاتلوهم PageV02P201 مثل الآية ~~قبلها تنبيها على قتل المحارب ولو كان وقت العثور عليه غير مباشر للقتال ~~وأنه من خرج محاربا فهو قاتل وإن لم يقتل . # و { ثقفتموهم } بمعنى لقيتموهم لقاء حرب وفعله كفرح ، وفسره في ( الكشاف ~~) بأنه وجود على حالة قهر وغلبة . # وقوله : { وأخرجوهم من حيث أخرجوكم } أي يحل لكم حينئذ أن تخرجوهم من مكة ~~التي أخرجوكم منها ، وفي هذا تهديد للمشركين ووعد بفتح مكة ، فيكون هذا ~~اللقاء لهذه البشرى في نفوس المؤمنين ليسعوا إليه حتى يدركوه وقد أدركوه ~~بعد سنتين ، وفيه وعد من الله تعالى لهم بالنصر كما قال تعالى : { لقد صدق ~~الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام } ( الفتح : 27 ) الآية . # وقوله : { والفتنة أشد من القتل } تذييل وأل فيه للجنس تدل على الاستغراق ~~في المقام الخطابي ، وهو حجة للمسلمين ونفي للتبعة عنهم في القتال بمكة إن ~~اضطروا إليه . والفتنة إلقاء الخوف واختلال نظام العيشش وقد تقدمت عند قوله ~~تعالى : { حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر } ( البقرة : 102 ) ، إشارة ~~إلى ما لقيه المؤمنون في مكة من الأذى بالشتم والضرب والسخرية إلى أن كان ~~آخره الإخراج من الديار والأموال ، فالمشركون محقوقون من قبل فإذا خفروا ~~العهد ms1012 استحقوا المؤاخذة بما مضى فيما كان الصلح مانعا من مؤاخذتهم عليه ؛ ~~وإنما كانت الفتنة أشد من القتل لتكرر إضرارها بخلاف ألم القتل ، ويراد ~~منها أيضا الفتنة المتوقعة بناء على توقع أن يصدوهم عن البيت أو أن يغدروا ~~بهم إذا حلوا بمكة ، ولهذا اشترط المسلمون في صلح الحديبية أنهم يدخلون ~~العام القابل بالسيوف في قرابها ، والمقصد من هذا إعلان عذر المسلمين في ~~قتالهم المشركين وإلقاء بغض المشركين في قلوبهم حتى يكونوا على أهبة قتالهم ~~والانتقام منهم بصدور حرجة حنقة . وليس المراد من الفتنة خصوص الإخراج من ~~الديار ، لأن التذييل يجب أن يكون أعم من الكلام المذيل . PageV02P202 ( ~~سقط : ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم ~~فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم ) # الجملة معطوفة على جملة { واقتلوهم حيث ثقفتموهم } التي أفادت الأمر ~~بتتبع المقاتلين بالتقتيل حيثما حلوا سواء كانوا مشتبكين بقتال المسلمين أم ~~كانوا في حالة تنقل أو تطلع أو نحو ذلك لأن أحوال المحارب لا تنضبط وليست ~~في الوقت سعة للنظر في نواياه والتوسم في أغراضه ، إذ قد يبادره إلى اغتيال ~~عدوه في حال تردده وتفكره ، فخص المكان الذي عند المسجد الحرام من عموم ~~الأمكنة التي شملها قوله : { حيث ثقفتموهم } أي إن ثقفتموهم عند المسجد ~~الحرام غير مشتبكين في قتال معكم فلا تقتلوهم ، والمقصد من هذا حفظ حرمة ~~المسجد الحرام التي جعلها الله له بقوله : { مقام إبراهيم ومن دخله كان ~~ءامنا } ( آل عمران : 97 ) ، فاقتضت الآية منع المسلمين من قتال المشركين ~~عند المسجد الحرام ، وتدل على منعهم من أن يقتلوا أحدا من المشركين دون ~~قتال عند المسجد الحرام بدلالة لحن الخطاب أو فحوى الخطاب . # وجعلت غاية النهي بقوله : { حتى يقاتلونكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم } أي ~~فإن قاتلوكم عند المسجد فاقتلوهم عند المسجد الحرام ، لأنهم خرقوا حرمة ~~المسجد الحرام فلو تركت معاملتهم بالمثل لكان ذلك ذريعة إلى هزيمة المسلمين ~~. فإن قاتلوا المسلمين عند المسجد الحرام عاد أمر المسلمين بمقاتلتهم إلى ~~ما كان قبل هذا النهي فوجب ms1013 على المسلمين قتالهم عند المسجد الحرام وقتل من ~~ثقفوا منهم كذلك . # وفي قوله تعالى : { فاقتلوهم } تنبيه على الإذن بقتلهم حينئذ ولو في غير ~~اشتباك معهم بقتال ، لأنهم لا يؤمنون من أن يتخذوا حرمة المسجد الحرام ~~وسيلة لهزم المسلمين . # ولأجل ذلك جاء التعبير بقوله : { فاقتلوهم } لأنه يشمل القتل بدون قتال ~~والقتل بقتال . # فقوله تعالى : { فإن قاتلوكم } أي عند المسجد الحرام فاقتلوهم هنالك ، أي ~~فاقتلوا من ثقفتم منهم حين المحاربة ، ولا يصدكم المسجد الحرام عن تقصي ~~آثارهم لئلا يتخذوا المسجد الحرام ملجأ يلجؤون إليه إذا انهزموا . # وقد احتار كثير من المفسرين في انتظام هذه الآيات من قوله : { وقاتلوا في ~~سبيل الله } ( البقرة : 190 ) إلى قوله هنا { كذلك جزاء الكافرين } حتى لجأ ~~بعضهم إلى دعوى نسخ بعضها ببعض PageV02P203 فزعم أن آيات متقارنة بعضها نسخ ~~بعضا ؛ مع أن الأصل أن الآيات المتقارنة في السورة الواحدة نزلت كذلك ومع ~~ما في هاته الآيات من حروف العطف المانعة من دعوى كون بعضها قد نزل مستقلا ~~عن سابقه وليس هنا ما يلجىء إلى دعوى النسخ ، ومن المفسرين من اقتصر على ~~تفسير المفردات اللغوية والتراكيب البلاغية وأعرض عن بيان المعاني الحاصلة ~~من مجموع هاته الآيات . # وقد أذن الله للمسلمين بالقتال والقتل للمقاتل عند المسجد الحرام ولم ~~يعبأ بما جعله لهذا المسجد من الحرمة ؛ لأن حرمته حرمة نسبته إلى الله ~~تعالى فلما كان قتال الكفار عنده قتالا لمنع الناس منه ومناوأة لدينه فقد ~~صاروا غير محترمين له ولذلك أمرنا بقتالهم هنالك تأييدا لحرمة المسجد ~~الحرام . # وقرأ الجمهور : ( ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه ) ~~ثلاثتها بألف بعد القاف ، وقرأ حمزة والكسائي : ( ولا تقتلوهم حتى يقتلوكم ~~فإن قتلوكم ) بدون ألف بعد القاف ، فقال الأعمش لحمزة أرأيت قراءتك هذه كيف ~~يكون الرجل قاتلا بعد أن صار مقتولا ؟ فقال حمزة : إن العرب إذا قتل منهم ~~رجل قالوا قتلنا اه يريد أن الكلام على حذف مضاف من المفعول كقوله : # غضبت تميم أن تقتل عامر # يوم النسار فأعتبوا بالصيلم # والمعنى ولا تقتلوا أحدا ms1014 منهم حتى يقتلوا بعضكم فإن قتلوا بعضكم فاقتلوا ~~من تقدرون عليه منهم وكذلك إسناد ( قتلوا ) إلى ضمير جماعة المشركين فهو ~~بمعنى قتل بعضهم بعض المسلمين لأن العرب تسند فعل بعض القبيلة أو الملة أو ~~الفرقة لما يدل على جميعها من ضمير كما هنا أو اسم ظاهر نحو قتلتنا بنو أسد ~~. وهذه القراءة تقتضي أن المنهي عنه القتل فيشمل القتل باشتباك حرب والقتل ~~بدون ملحمة . # وقد دلت الآية بالنص على إباحة قتل المحارب إذا حارب في الحرم أو استولى ~~عليه لأن الاستيلاء مقاتلة ؛ فالإجماع على أنه لو استولى على مكة عدو وقال ~~: لا أقاتلكم وأمنعكم من الحج ولا أبرح من مكة لوجب قتاله وإن لم يبدأ ~~بالقتال ؛ نقله القرطبي عن ابن خويز منداد من مالكية العراق . قال ابن خويز ~~منداد : وأما قوله : { ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه } ~~فيجوز أن يكون منسوخا بقوله : { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة } ( البقرة : ~~193 ) . PageV02P204 # واختلفوا في دلالتها على جواز قتل الكافر المحارب إذا لجأ إلى الحرم بدون ~~أن يكون قتال وكذا الجاني إذا لجأ إلى الحرم فارا من القصاص والعقوبة فقال ~~مالك : بجواز ذلك واحتج على ذلك بأن قوله تعالى : { فإذا انسلخ الأشهر ~~الحرم } ( التوبة : 5 ) الآية قد نسخ هاته الآية وهو قول قتادة ومقاتل بناء ~~على تأخر نزولها عن وقت العمل بهذه الآية والعام المتأخر عن العمل ينسخ ~~الخاص اتفاقا . # وبالحديث الذي رواه في ( الموطأ ) عن أنس بن مالك ( أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر فلما نزعه جاء أبو برزة ~~فقال : ابن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~اقتلوه ) وابن خطل هذا هو عبد العزى بن خطل التيمي كان ممن أسلم ثم كفر بعد ~~إسلامه وجعل دأبه سب رسول الله صلى الله عليه وسلم والإسلام فأهدر النبي ~~صلى الله عليه وسلم يوم الفتح دمه فلما علم ذلك عاذ بأستار الكعبة فأمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم بقتله حينئذ ، فكان ms1015 قتل ابن خطل قتل حد لا قتل ~~حرب ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد وضع المغفر عن رأسه وقد انقضت ~~الساعة التي أحل الله له فيها مكة . # وبالقياس وهو أن حرمة المسجد الحرام متقررة في الشريعة فلما أذن الله ~~بقتل من قاتل في المسجد الحرام علمنا أن العلة هي أن القتال فيه تعريض ~~بحرمته للاستخفاف ، فكذلك عياذ الجاني به ، وبمثل قوله قال الشافعي ، لكن ~~قال الشافعي إذا التجأ المجرم المسلم إلى المسجد الحرام يضيق عليه حتى يخرج ~~فإن لم يخرج جاز قتله ، وقال أبو حنيفة : لا يقتل الكافر إذا التجأ إلى ~~الحرم إلا إذا قاتل فيه لنص هاته الآية وهي محكمة عنده غير منسوخة وهو قول ~~طاووس ومجاهد . # قال ابن العربي في ( الأحكام ) : حضرت في بيت المقدس بمدرسة أبي عقبة ~~الحنفي والقاضي الزنجاني يلقي علينا الدرس في يوم الجمعة فبينا نحن كذلك إذ ~~دخل رجل عليه أطمار فسلم سلام العلماء وتصدر في المجلس ، فقال القاضي ~~الزنجاني : من السيد ؟ فقال : رجل من طلبة العلم بصاغان سلبه الشطار أمس ، ~~ومقصدي هذا الحرم المقدس فقال القاضي الزنجاني : سلوه عن العادة في مبادرة ~~العلماء بمبادرة أسئلتهم ، ووقعت القرعة على مسألة الكافر إذا التجأ إلى ~~الحرم هل يقتل أم لا ؟ فأجاب بأنه لا يقتل ، فسئل عن الدليل فقال : قوله ~~تعالى : { ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قرىء ( ولا ~~تقتلوهم ) فالآية نص وإن قرىء ( ولا تقاتلوهم ) فهي تنبيه ، لأنه إذا نهى ~~عن القتال الذي هو سبب القتل كان دليلا بينا على النهي PageV02P205 عن ~~القتل فاعترض عليه الزنجاني منتصرا لمالك والشافعي وإن لم ير مذهبهما على ~~العادة ، فقال هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم } ( التوبة : 5 ) فقال الصاغاني هذا لا يليق بمنصب القاضي ، فإن ~~الآية التي اعترضت بها عامة في الأماكن والتي احتججت بها خاصة ولا يجوز ~~لأحد أن يقول : إن العام ينسخ الخاص فأبهت القاضي الزنجاني ، وهذا من بديع ~~الكلام اه . # وجواب هذا أن العام المتأخر عن العمل بالخاص ms1016 ناسخ وحديث ابن خطل دل على ~~أن الآية التي في براءة ناسخة لآية البقرة . وأما قول الحنفية وبعض ~~المالكية : إن قتل ابن خطل كان في اليوم الذي أحل الله له فيه مكة فيدفعه ~~أن تلك الساعة انتهت بالفتح وقد ثبت في ذلك الحديث أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قد نزع حينئذ المغفر وذلك أمارة انتهاء ساعة الحرب . # وقال ابن العربي في ( الأحكام ) : الكافر إذا لم يقاتل ولم يجن جناية ~~ولجأ إلى الحرم فإنه لا يقتل ، يريد أنه لا يقتل القتل الذي اقتضته آية { ~~واقتلوهم حيث ثقفتموهم } وهو مما شمله قوله تعالى : { 5 لا تقاتلوهم عند ~~المسجد الحرام } . # وقوله : { كذلك جزاء الكافرين } ، الإشارة إلى القتل المأخوذ من قوله : { ~~فاقتلوهم } أي كذلك القتل جزاؤهم على حد ما تقدم في قوله : { وكذلك جعلناكم ~~أمة وسطا } ( البقرة : البقرة : 143 ) ونكتة الإشارة تهويله أي لا يقل جزاء ~~المشركين عن القتل ولا مصلحة في الإبقاء عليهم ؛ وهذا تهديد لهم ، فقوله { ~~كذلك } خبر مقدم للاهتمام وليست الإشارة إلى { وقاتلوا في سبيل الله } ( ~~البقرة : 190 ) لأن المقاتلة ليست جزاء ؛ إذ لا انتقام فيها بل القتال سجال ~~يوما بيوم . # وقوله : { فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم } أي فإن انتهوا عن قتالكم فلا ~~تقتلوهم ؛ لأن الله غفور رحيم ، فينبعي أن يكون الغفران سنة المؤمنين ، ~~فقوله : { فإن الله غفور رحيم } جواب الشرط وهو إيجاز بديع ؛ إذ كل سامع ~~يعلم أن وصف الله بالمغفرة والرحمة لا يترتب على الانتهاء فيعلم أنه تنبيه ~~لوجوب المغفرة لهم إن انتهوا بموعظة وتأييد للمحذوف ، وهذا من إيجاز الحذف ~~. # والانتهاء : أصله مطاوع نهى يقال : نهاه فانتهى ثم توسع فيه فأطلق على ~~الكف عن عمل PageV02P206 أو عن عزم ؛ لأن النهي هو طلب ترك فعل سواء كان ~~الطلب بعد تلبس المطلوب بالفعل أو قبل تلبسه به قال النابغة : # لقد نهيت بني ذبيان عن أقر # وعن تربعهم في كل إصفار # أي عن الوقوع في ذلك . # # | 2 ( 193 ) { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا ms1017 ~~عدوان إلا على الظالمين } . ) 2 # عطف على جملة { وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم } ( البقرة : 190 ) ~~وكان مقتضى الظاهر ألا تعطف هذه الجملة ؛ لأنها مبينة لما أجمل من غاية ~~الأمر بقتال المشركين ولكنها عطفت لما وقع من الفصل بينها وبين الجملة ~~المبينة . # وقد تضمنت الجمل السابقة من قوله : { ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام } ( ~~البقرة : 191 ) إلى هنا تفصيلا لجملة { وقاتلوا في سبيل الله الذين ~~يقاتلونكم } ؛ لأن عموم { الذين يقاتلونكم } تنشأ عنه احتمالات في الأحوال ~~والأزمنة والبقاع وقد انقضى بيان أحوال البقاع وأفضت التوبة الآن إلى بيان ~~تحديد الأحوال بغاية ألا تكون فتنة . فإذا انتهت الفتنة فتلك غاية القتال ، ~~أي إن خاسوا بالعهد وخفروا الذمة في المدة التي بينكم على ترك القتال فقد ~~أصبحتم في حل من عهدهم فلكم أن تقاتلوهم حتى لا تكون فتنة أخرى من بعد ~~يفتنونكم بها وحتى يدخلوا في الإسلام ، فهذا كله معلق بالشرط المتقدم في ~~قوله : { فإن قاتلوكم فاقتلوهم } ( البقرة : 191 ) ، فإعادة فعل { وقاتلوهم ~~} لتبنى عليه الغاية بقوله : { حتى لا تكون فتنة } وبتلك الغاية حصلت ~~المغايرة بينه وبين { وقاتلوا في سبيل الله } وهي التي باعتبارها ساغ عطفه ~~على مثله . ف ( حتى ) في قوله : { حتى لا تكون } إما أن تجعل للغاية مرادفة ~~إلى ، وإما أن تجعل بمعنى كي التعليلية وهما متلازمان ؛ لأن القتال لما غيي ~~بذلك تعين أن الغاية هي المقصد ، ومتى كانت الغاية غير حسية نشأ عن ( حتى ) ~~معنى التعليل ، فإن العلة غاية اعتبارية كقوله تعالى : { ولا يزالون ~~يقاتلونكم حتى يردونكم عن دينكم } ( البقرة : 217 ) . وأيا ما كان فالمضارع ~~منصوب بعد ( حتى ) بأن مضمرة للدلالة على ترتب الغاية . PageV02P207 # والفتنة تقدمت قريبا . والمراد بها هنا كالمراد بها هنالك ، ولما وقعت ~~هنا في سياق النفي عمت جميع الفتن فلذلك ساوت المذكورة هنا المذكورة في ~~قوله تعالى : { والفتنة أشد من القتل } ( البقرة : 191 ) فإعادة الفتنة ~~منكرة هنا لا يدل على المغايرة كما هو الشائع بين المعربين في أن المعرفة ~~إذا أعيدت نكرة فهي غير الأولى ؛ لأن وقوعها في سياق ms1018 النفي أفاد العموم ~~فشمل جميع أفراد الفتنة مساويا للفتنة المعرفة بلام الاستغراق إلا أنه ~~استغراق عرفي بقرينة السياق فتقيد بثلاثة قيود بالقرينة أي حتى لا تكون ~~فتنة منهم للمسلمين في أمر الدين وإلا فقد وقعت فتن بين المسلمين أنفسهم ~~كما في حديث : ( ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته ) . # وانتفاء الفتنة يتحقق بأحد أمرين : إما بأن يدخل المشركون في الإسلام ~~فتنزل فتنتهم فيه ، وإما بأن يقتلوا جميعا فتزول الفتنة بفناء الفاتنين . ~~وقد يفرض انتفاء الفتنة بظهور المسلمين عليهم ومصير المشركين ضعفاء أمام ~~قوة المسلمين ، بحيث يخشون بأسهم ، إلا أن الفتنة لما كانت ناشئة عن التصلب ~~في دينهم وشركهم لم تكن بالتي تضمحل عند ضعفهم ، لأن الإقدام على إرضاء ~~العقيدة يصدر حتى من الضعيف كما صدر من اليهود غير مرة في المدينة في مثل ~~قصة الشاة المسمومة ، وقتلهم عبد الله بن سهل الحارثي في خيبر ، ولذلك فليس ~~المقصود هنا إلا أحد أمرين : إما دخولهم في الإسلام وإما إفناؤهم بالقتل ، ~~وقد حصل كلا الأمرين في المشركين ففريق أسلموا ، وفريق قتلوا يوم بدر وغيره ~~من الغزوات ، ومن ثم قال علماؤنا : لا تقبل من مشركين العرب الجزية ، ومن ~~ثم فسر بعض المفسرين الفتنة هنا بالشرك تفسيرا باعتبار المقصود من المعنى ~~لا باعتبار مدلول اللفظ . # وقوله : { ويكون الدين لله } عطف على { لا تكون فتنة } فهو معمول لأن ~~المضمرة بعد ( حتى ) أي وحتى يكون الدين لله ، أي حتى لا يكون دين هنالك ~~إلا لله أي وحده . # فالتعريف في الدين تعريف الجنس ، لأن الدين من أسماء المواهي التي لا ~~أفراد لها في الخارج فلا يحتمل تعريفه معنى الاستغراق . # واللام الداخلة على اسم الجلالة لام الاختصاص أي حتى يكون جنس الدين ~~مختصا بالله تعالى على نحو ما قرر في قوله : { الحمد لله } ( الفاتحة : 2 ) ~~، وذلك يئول إلى معنى الاستغراق ولكنه ليس عينه ، إذ لا نظر في مثل هذا ~~للأفراد ، والمعنى : ويكون دين الذين تقاتلونهم خالصا لله لاحظ للإشراك فيه ~~. PageV02P208 # والمقصود من هذا تخليص بلاد العرب من ms1019 دين الشرك وعموم الإسلام لها ؛ لأن ~~الله اختارها لأن تكون قلب الإسلام ومنبع معينه فلا يكون القلب صالحا إذا ~~كان مخلوط العناصر . # وقد أخرج البخاري عن عبد الله بن عمر أثرا جيدا قال : جاء رجلان إلى ابن ~~عمر أيام فتنة ابن الزبير فقالا : إن الناس صنعوا ما ترى وأنت ابن عمر ~~وصاحب النبي صلى الله عليه وسلم فما يمنعك أن تخرج ؟ فقال : يمنعني أن الله ~~حرم دم أخي ، فقالا : ألم يقل الله تعالى : { وقاتلوهم حتى لا تكزن فتنة ~~ويكون الدين لله } فقال ابن عمر : قاتلنا مع رسول الله حتى لم تكن فتنة ~~وكان الدين لله وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة ويكون الدين لغير ~~الله ، قال ابن عمر : كان الإسلام قليلا فكان الرجل يفتن في دينه إما قتلوه ~~وإما عذبوه حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة . وسيأتي بيان آخر في نظير هذه ~~الآية من سورة الآنفال . # وقوله : { فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين } ، أي فإن انتهوا عن ~~نقض الصلح أو فإن انتهوا عن الشرك بأن آمنوا فلا عدوان عليهم ، وهذا تصريح ~~بمفهوم قوله : { الذين يقاتلونكم } ( البقرة : 190 ) واحتيج إليه لبعد ~~الصفة بطول الكلام ولاقتضاء المقام التصريح بأهم الغايتين من القتال ؛ لئلا ~~يتوهم أن آخر الكلام نسخ أوله وأوجب قتال المشركين في كل حال . # وقوله : { فلا عدوان إلا على الظالمين } قائم مقام جواب الشرط لأنه علة ~~الجواب المحذوف ، والمعنى فإن انتهوا عن قتالكم ولم يقدموا عليه فلا ~~تأخذوهم بالظنة ولا تبدءوهم بالقتال ، لأنهم غير ظالمين ؛ وإذ لا عدوان إلا ~~على الظالمين ، وهو مجاز بديع . # والعدوان هنا إما مصدر عدا بمعنى وثب وقاتل أي فلا هجوم عليهم ، وإما ~~مصدر عدا بمعنى ظلم كاعتدى فتكون تسميته عدوانا مشاكلة لقوله : { على ~~الظالمين } كما سمي جزاء السيئة بالسوء سيئة . وهذه المشاكلة تقديرية . # PageV02P209 $ 2 ( 194 ) { الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن ~~اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلمو & # 1764 ا أن الله مع المتقين } . ) 2 $ # جملة مستأنفة فصلت عن ms1020 سوابقها لأنه استئناف بياني ؛ فإنه لما بين تعميم ~~الأمكنة وأخرج منها المسجد الحرام في حالة خاصة كان السامع بحيث يتساءل عما ~~يماثل البقاع الحرام وهو الأزمنة الحرام أعني الأشهر الحرم التي يتوقع حظر ~~القتال فيها . فإن كان هذا تشريعا نازلا على غير حادثة فهو استكمال ~~واستفصال لما تدعو الحاجة إلى بيانه في هذا المقام المهم ، وإن كان نازلا ~~على سبب كما قيل : إن المسلمين في عام القضية لما قصدوا مكة في ذي القعدة ~~سنة سبع معتمرين خشوا ألا يفي لهم المشركون بدخول مكة أو أن يغدروهم ~~ويتعرضوا لهم بالقتال قبل دخول مكة وهم في شهر حرام ، فإن دافعوا عن أنفسهم ~~انتهكوا حرمة الشهر فنزلت هذه الآية ، أو ما روي عن الحسن أن المشركين ~~قالوا للنبيء صلى الله عليه وسلم حين اعتمر عمرة القضية : أنهيت يا محمد عن ~~القتال في الشهر الحرام قال : نعم ، فأرادوا قتاله فنزلت هذه الآية أي إن ~~استحلوا قتالكم في الشهر الحرام فقاتلوهم أي أباح الله لهم قتال المدافعة ، ~~فإطلاق الشهر هنا على حذف مضاف واضح التقدير من المقام ومن وصفه بالحرام ، ~~والتقدير حرمة الشهر الحرام ، وتكرير لفظ الشهر على هذا الوجه غير مقصود ~~منه التعدد بل التكرير باعتبار اختلاف جهة إبطال حرمته أي انتهاكهم حرمته ~~تسوغ لكم انتهاك حرمته . # وقيل : معنى قوله : { الشهر الحرام بالشهر الحرام } ، أن قريشا صدتهم عن ~~البيت عام الحديبية سنة ست ويسر الله لهم الرجوع عام القضية سنة سبع فقال ~~لهم : هذا الشهر الذي دخلتم فيه بدل عن الذي صددتم فيه ، ونقل هذا عن ابن ~~عباس وقتادة والضحاك والسدي ، يعني أنه من قبيل قولهم : ( يوم بيوم والحرب ~~سجال ) . # والباء في قوله : { بالشهر الحرام } للتعويض كقولهم : صاعا بصاع وليس ثمة ~~شهران بل المراد انتهاك الحرمة منهم ومنكم وهما انتهاكان . PageV02P210 # والتعريف في الشهر هنا في الموضعين يجوز أن يكون تعريف الجنس وهو الأظهر ~~، لأنه يفيد حكما عاما ويشمل كل شهر خاص من الأشهر الحرم على فرض كون ~~المقصود شهر عمرة القضية ، ويجوز أن يكون ms1021 التعريف للعهد إن كان المراد شهر ~~عمرة القضية . # والأشهر الحرم أربعة : ثلاثة متتابعة هي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ، ~~وحرمتها لوقوع الحج فيها ذهابا ورجوعا وأداء ، وشهر واحد مفرد وهو رجب وكان ~~في الجاهلية شهر العمرة وقد حرمته مضر كلها ولذلك يقال له : رجب مضر ، وقد ~~أشير إليها في قوله تعالى : { منها أربعة حرم } ( التوبة : 36 ) . # وقوله : { والحرمات قصاص } تعميم للحكم ولذلك عطفه ليكون كالحجة لما قبله ~~من قوله : { ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلونكم فيه } ( البقرة ~~: 191 ) وقوله : { الشهر الحرام بالشهر الحرام } الخ ، فالجملة تذييل ~~والواو اعتراضية . ومعنى كونها قصاصا أي مماثلة في المجازاة والانتصاف ، ~~فمن انتهكها بجناية يعاقب فيها جزاء جنايته ، وذلك أن الله جعل الحرمة ~~للأشهر الحرم لقصد الأمن فإذا أراد أحد أن يتخذ ذلك ذريعة إلى غدر الأمن أو ~~الإضرار به فعلى الآخر الدفاع عن نفسه ، لأن حرمة الناس مقدمة على حرمة ~~الأزمنة ، ويشمل ذلك حرمة المكان كما تقدم في قوله تعالى : { ولا تقاتلوهم ~~عند المسجد الحرام حتى يقاتلونكم فيه } ( البقرة : 191 ) ، والإخبار عن ~~الحرمات بلفظ ( قصاص ) إخبار بالمصدر للمبالغة . # وقوله : { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه } تفريع عن قوله : { والحرمات ~~قصاص } ونتيجة له ، وهذا وجه قول ( الكشاف ) : إنه فذلكة ، وسمي جزاء ~~الاعتداء اعتداء مشاكلة على نحو ما تقدم آنفا في قوله : { فلا عدوان إلا ~~على الظالمين } ( البقرة : 193 ) . # وقوله : { بمثل ما اعتدى عليكم } يشمل المماثلة في المقدار وفي الأحوال ~~ككونه في الشهر الحرام أو البلد الحرام . # وقوله : { واتقوا الله } أمر بالاتقاء في الاعتداء أي بألا يتجاوز الحد ، ~~لأن شأن المنتقم أن يكون عن غضب فهو مظنة الإفراط . # وقوله : { واعلموا أن الله مع المتقين } افتتاح الكلام بكلمة اعلم إيذان ~~بالاهتمام بما سيقوله ، فإن قولك في الخطاب : اعلم إنباء بأهمية ما سيلقى ~~للمخاطب وسيأتي بسط الكلام PageV02P211 فيه عند قوله تعالى : { واعلموا أن ~~الله يحول بين المرء وقلبه } في سورة الأنفال ( 24 ) ، والمعية هنا مجاز في ~~الإعانة بالنصر والوقاية ، ويجوز أن يكون المعنى : واتقوا الله في حرماته ~~في ms1022 غير أحوال الاضطرار : واعلموا أن الله مع المتقين فهو يجعلهم بمحل ~~عنايته . # $ 2 ( 195 ) { وأنفقوا فى سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ~~وأحسنو & # 1764 ا إن الله يحب المحسنين } . ) 2 $ # هذه الجملة معطوفة على جملة { وقاتلوا في سبيل الله } ( البقرة : 190 ) ~~الخ فإنهم لما أمروا بقتال عدوهم وكان العدو أوفر منهم عدة حرب أيقظهم إلى ~~الاستعداد بإنفاق الأموال في سبيل الله ، فالمخاطبون بالأمر بالإنفاق جميع ~~المسلمين لا خصوص المقاتلين . # ووجه الحاجة إلى هذا الأمر . مع أن الاستعداد للحرب مركوز في الطباع ~~تنبيه المسلمين فإنهم قد يقصرون في الإتيان على منتهى الاستعداد لعدو قوي ، ~~لأنهم قد ملئت قلوبهم إيمانا بالله وثقة به ، وملئت أسماعهم بوعد الله ~~إياهم النصر وأخيرا بقوله : { واعلموا أن الله مع المتقين } نبهوا على أن ~~تعهد الله لهم بالتأييد والنصر لا يسقط عنهم أخذ العدة المعروفة فلا يحسبوا ~~أنهم غير مأمورين ببذل الوسع لوسائل النصر التي هي أسباب ناط الله تعالى ~~بها مسبباتها على حسب الحكمة التي اقتضاها النظام الذي سنه الله في الأسباب ~~ومسبباتها ، فتطلب المسببات دون أسبابها غلط وسوء أدب مع خالق الأسباب ~~ومسبباتها كي لا يكونوا كالذين قالوا لموسى { فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ~~هاهنا قاعدون } ( المائدة : 24 ) فالمسلمون إذا بذلوا وسعهم ، ولم يفرطوا ~~في شيء ثم ارتبكوا في أمر بعد ذلك فالله ناصرهم ، ومؤيدهم فيما لا قبل لهم ~~بتحصيله ولقد نصرهم الله ببدر هم أذلة ، إذ هم يؤمئذ جملة المسلمين وإذ لم ~~يقصروا في شيء ، فأما أقوام يتلفون أموال المسلمين في شهواتهم ، ويفيتون ~~الفرص وقت الأمن فلا يستعدون لشيء ثم يطلبون بعد ذلك من الله النصر والظفر ~~فأولئك قوم مغرورون ، ولذلك يسلط الله عليهم أعداءهم بتفريطهم ، ولعله ~~يتداركهم في خلال ذلك بلطفه فيما يرجع إلى استبقاء الدين . # والإنفاق تقدم في قوله تعالى : { ومما رزقناهم ينفقون } ( البقرة : 3 ) . ~~PageV02P212 # و ( سبيل الله ) طريقه ، والطريق إذا أضيف إلى شيء فإنما يضاف إلى ما ~~يوصل إليه ، ولما علم أن الله لا يصل إليه الناس تعين أن يكون ms1023 المراد من ~~الطريق العمل الموصل إلى مرضاة الله وثوابه ، فهو مجاز في اللفظ ومجاز في ~~الإسناد ، وقد غلب ( سبيل الله ) في اصطلاح الشرع في الجهاد . أي القتال ~~للذب عن دينه وإعلاء كلمته ، و ( في ) للظرفية لأن النفقة تكون بإعطاء ~~العتاد ، والخيل ، والزاد ، وكل ذلك مظروف للجهاد على وجه المجاز وليست ( ~~في ) هنا مستعملة للتعليل . # وقوله تعالى : { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } عطف غرض على غرض ، عقب ~~الأمر بالإنفاق في سبيل الله بالنهي عن الأعمال التي لها عواقب ضارة إبلاغا ~~للنصيحة والإرشاد لئلا يدفع بهم يقينهم بتأييد الله إياهم إلى التفريط في ~~وسائل الحذر من غلبة العدو ، فالنهي عن الإلقاء بالنفوس إلى التهلكة يجمع ~~معنى الأمر بالإنفاق وغيره من تصاريف الحرب وحفظ النفوس ، ولذلك فالجملة ~~فيها معنى التذييل وإنما عطفت ولم تفصل باعتبار أنها غرض آخر من أغراض ~~الإرشاد . # والإلقاء رمي الشيء من اليد وهو يتعدى إلى مفعول واحد بنفسه وإلى المرمى ~~إليه بإلى وإلى المرمى فيه بفي . # والظاهر أن الأيدي هي المفعول إذ لم يذكر غيره ، وأن الباء زائدة لتوكيد ~~اتصال الفعل بالمفعول كما قالوا للمنقاد ( أعطى بيده ) أي أعطى يده لأن ~~المستسلم في الحرب ونحوه يشد بيده ، فزيادة الباء كزيادتها في { وهزى إليك ~~بجذع النخلة } ( مريم : 25 ) وقول النابغة : # لك الخير إن وارت بك الأرض واحدا # والمعنى ولا تعطوا الهلاك أيديكم فيأخذكم أخذ الموثقق ، وجل التهلكة ~~كالآخذ والآسر استعارة بجامع الإحاطة بالملقى ، ويجوز أن تجعل اليد مع هذا ~~مجازا عن الذات بعلاقة البعضية لأن اليد أهم شيء في النفس في هذا المعنى ، ~~وهذا في الأمرين كقول لبيد : # حتى إذا ألقت يدا في كافر # أي ألقت الشمس نفسها . وقيل الباء سببية والأيدي مستعملة في معنى الذات ~~كناية PageV02P213 عن الاختيار والمفعول محذوف أي لا تلقوا أنفسكم إلى ~~التهلكة باختياركم . # والتهلكة بضم اللام اسم مصدر بمعنى الهلاك ، وإنما كان اسم مصدر لأنه لم ~~يعهد في المصادر وزن التفعلة بضم العين وإنما في المصادر التفعلة بكسر ~~العين لكنه مصدر مضاعفف العين المعتل اللام ms1024 كزكى وغطى ، أو المهموز اللام ~~كجزأ وهيأ ، وحكى سيبويه له نظيرين في المشتقات التضرة والتسرة بضم العين ~~من أضر وأسر بمعنى الضر والسرور ، وفي الأسماء الجامدة التنضبة والتتفلة ( ~~الأول اسم شجر ، والثاني ولد الثعلب ) . # وفي ( تاج العروس ) أن الخليل قرأها ( التهلكة ) بكسر اللام ولا أحسب ~~الخليل قرأ كذلك ؛ فإن هذا لم يرو عن أحد من القراء في المشهور ولا الشاذ ~~فإن صح هذا النقل فلعل الخليل نطق به على وجه المثال فلم يضبط من رواه عنه ~~حق الضبط ، فإن الخليل أجل من أن يقرأ القرآن بحرف غير مأثور . # ومعنى النهي عن الإلقاء باليد إلى التهلكة النهي عن التسبب في إتلاف ~~النفس أو القومم عن تحقق الهلاك بدون أن يجتنى منه المقصود . # وعطف على الأمر بالإنفاق للإشارة إلى علة مشروعية الإنفاق وإلى سبب الامر ~~به فإن ترك الإنفاق في سبيل الله والخروج بدون عدة إلقاء باليد للهلاك كما ~~قيل : # كساعع إلى الهيجا بغير سلاح # فلذلك وجب الإنفاق ، ولأن اعتقاد كفاية الإيمان بالله ونصر دينه في هزم ~~الأعداء اعتقاد غير صحيح ، لأنه كالذي يلقي بنفسه للهلاك ويقول سينجيني ~~الله تعالى ، فهذا النهي قد أفاد المعنيين جميعا وهذا من أبدع الإيجاز . # وفي البخاري عن ابن عباس وجماعة من التابعين في معنى { ولا تلقوا بأيديكم ~~إلى التهلكة } لا تتركوا النفقة في سبيل الله وتخافوا العيلة وإن لم إلا ~~يكز سهم أو مشقص فأتت به . # وقد قيل في تفسير { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } أقوال : # الأول أن { أنفقوا } أمر بالنفقة على العيال ، والتهلكة : الإسراف فيها ~~أو البخل الشديد رواه البخاري عن حذيفة ، ويبعده قوله { في سبيل الله } وأن ~~إطلاق التهلكة على السرف بعيد وعلى البخل أبعد . PageV02P214 # الثاني أنها النفقة على الفقراء أي الصدقة والتهلكة الإمساك وببعده عدم ~~مناسبة العطف وإطلاق التهلكة على الإمساك . # الثالث الإنفاق في الجهاد ، والإلقاء إلى التهلكة الخروج بغير زاد . # الرابع الإلقاء باليد إلى التهلكة : الاستسلام في الحرب أي لا تستسلموا ~~للأسر . # الخامس أنه الاشتغال عن الجهاد وعن الإنفاق فيه بإصلاح أموالهم ms1025 . # روى الترمذي عن أسلم أبي عمران قال : كنا بمدينة الروم ( القسطنطينية ) ~~فأخرجوا إلينا صفا عظيما من الروم فخرج إليهم من المسلمين مثلهم فحمل رجل ~~من المسلمين على صف للروم حتى دخل فيهم فصاح الناس وقالوا : سبحان الله ~~يلقي بيديه إلى التهلكة ، فقام أبو أيوب الأنصاري فقال : يا أيها الناس ~~إنكم تتأولون هذه الآية هذا التأويل وإنما أنزلت فينا معاشر الأنصار لما ~~أعز الله الإسلام وكثر ناصروه قال بعضنا لبعض سرا دون رسول الله : إن ~~أموالنا قد ضاعت وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه فلو أقمنا في أموالنا ~~فأصلحنا ما ضاع منها فأنزل الله على نبيه يرد علينا ما قلنا : { وأنفقوا في ~~سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } فكانت التهلكة الإقامة على ~~الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو اه ، والآية تتحمل جميع المعاني المقبولة . # ووقوع فعل { تلقوا } في سياق النهي يقتضي عموم كل إلقاء باليد للتهلكة أي ~~كل تسبب في الهلاك عن عمد فيكون منهيا عنه محرما ما لم يوجد مقتض لإزالة ~~ذلك التحريم وهو ما يكون حفظه مقدما على حفظ النفس مع تحقق حصول حفظه بسبب ~~الإلقاء بالنفس إلى الهلاك أو حفظ بعضه بسبب ذلك . فالتفريط في الاستعداد ~~للجهاد حرام لا محالة لأنه إلقاء باليد إلى التهلكة ، وإلقاء بالأمة والدين ~~إليها بإتلاف نفوس المسلمين . # وقد اختلف العلماء في مثل هذا الخبر الذي رواه الترمذي عن أبي أيوب وهو ~~اقتحام الرجل الواحد على صف العدو فقال القاسم بن محمد ( من التابعين ) ~~وعبد الملك بن الماجشون وابن خويز منداد ( من المالكية ) ومحمد بن الحسن ~~صاحب أبي حنيفة : لا بأس بذلك إذا كان فيه قوة وكان بنية خالصة لله تعالى ~~وطمع في نجاة أو في نكاية العدو أو قصد تجرئة المسلمين عليهم ، وقد وقع ذلك ~~من بعض المسلمين يوم أحد بمرأى النبي صلى الله عليه وسلم فإن لم يكن كذلك ~~كان من الإلقاء إلى التهلكة . PageV02P215 # وقوله تعالى : { وأحسنوا } الإحسان فعل النافع الملائم ، فإذا فعل فعلا ~~نافعا مؤلما لا يكون محسنا فلا تقول إذا ms1026 ضربت رجلا تأديبا : أحسنت إليه ولا ~~إذا جاريته في ملذات مضرة أحسنت إليه ، وكذا إذا فعل فعلا مضرا ملائما لا ~~يسمى محسنا . # وفي حذف متعلق { أحسنوا } تنبيه على أن الإحسان مطلوب في كل حال ويؤيده ~~قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : ( إن الله كتب الإحسان على كل ~~شيء ) . # وفي الأمر بالإحسان بعد ذكر الأمر بالاعتداء على المعتدي والإنفاق في ~~سبيل الله والنهي عن الإلقاء باليد إلى التهلكة إشارة إلى أن كل هاته ~~الأحوال يلابسها الإحسان ويحف بها ، ففي الاعتداء يكون الإحسان بالوقوف عند ~~الحدود والاقتصاد في الاعتداء والاقتناع بما يحصل به الصلاح المطلوب ، وفي ~~الجهاد في سبيل الله يكون الإحسان بالرفق بالأسير والمغلوب وبحفظ أموال ~~المغلوبين وديارهم من التخريب والتحريق ، والعرب تقول : ( ملكت فأسجح ) ، ~~والحذر من الإلقاء باليد إلى التهلكة إحسان . # وقوله : { إن الله يحب المحسنين } تذييل للترغيب في الإحسان ، لأن محبة ~~الله عبده غاية ما يطلبه الناس إذ محبة الله العبد سبب الصلاح والخير دنيا ~~وآخرة ، واللام للاستغراق العرفي والمراد المحسنون من المؤمنين . # $ 2 ( 196 ) { وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى ~~ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدى محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من ~~رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذآ أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج ~~فما استيسر من الهدى فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم ~~تلك عشرة كاملة ذالك لمن لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام واتقوا الله ~~واعلمو & # 1764 ا أن الله شديد العقاب } . ) 2 $ # هذا عود إلى الكلام على العمرة فهو عطف على قوله : وليس البر بأن تأتوا ~~البيوت من ظهورها وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى ~~ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدى محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من ~~رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذآ أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج ~~فما استيسر من الهدى فمن لم يجد فصيام ثلاثة ms1027 أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم ~~تلك عشرة كاملة ذالك لمن لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام واتقوا الله ~~واعلمو & # 1764 ا أن الله شديد العقاب } ( البقرة : 189 ) الخ وما بينهما استطراد ~~أو اعتراض ، على أن عطف الأحكام بعضها على بعض للمناسبة طريقة قرآنية فلك ~~أن تجعل هذه الجملة عطفا على التي قبلها عطف قصة على قصة . # ولا خلاف في أن هذه الآية نزلت في الحديبية سنة ست حين صد المشركون ~~المسلمين عن البيت كما سيأتي في حديث كعب بن عجرة ، وقد كانوا ناوين العمرة ~~وذلك قبل أن يفرض الحج ، PageV02P216 فالمقصود من الكلام هو العمرة ؛ وإنما ~~ذكر الحج على وجه الإدماج تبشيرا بأنهم سيتمكنون من الحج فيما بعد ، وهذا ~~من معجزات القرآن . # والإتمام إكمال الشيء والإتيان على بقايا ما بقي منه حتى يستوعب جميعه . # ومثل هذا الأمر المتعلق بوصف فعل يقع في كلامهم على وجهين : أحدهما وهو ~~الأكثر أن يكون المطلوب تحصيل وصف خاص للفعل المتعلق به الوصف كالإتمام في ~~قوله تعالى : { وأتموا الحج } أي كملوه إن شرعتم فيه ، وكذا قوله تعالى : { ~~ثم أتموا الصيام إلى الليل } ( البقرة : 187 ) على ما اخترناه وقوله تعالى ~~: { فأتموا إليهم عهدهم } ( التوبة : 4 ) ومثله أن تقول : أسرع السير للذي ~~يسير سيرا بطيئا ، وثانيهما أن يجيء الأمر بوصف الفعل مرادا به تحصيل الفعل ~~من أول وهلة على تلك الصفة نظير قوله تعالى : { ولأتم نعمتي عليكم } ( ~~البقرة : 150 ) ، وذلك كقولك : أسرع السير فادع لي فلانا تخاطب به مخاطبا ~~لم يشرع في السير بعد ، فأنت تأمره بإحداث سير سريع من أول وهلة ، ونظيره ~~قولهم : ( وسع فم الركية ، وقولهم : وسع كم الجبة وضيق جيبها ) أي أوجدها ~~كذلك من أول الأمر ، وهذا ضرب من ضروب التعبير ليس بكناية ولا مجاز ، ولكنه ~~أمر بمجموع شيئين وهو أقل ؛ لأن الشأن أن يكون المطلوب بصيغة الأمر ابتداء ~~هو الحدث الذي منه مادة تلك الصيغة . # والآية تحتمل الاستعمالين ، فإن كان الأول فهي أمر بإكمال الحج والعمرة ، ~~بمعنى ألا يكون حجا وعمرة مشوبين بشغب ms1028 وفتنة واضطراب أو هي أمر بإكمالهما ~~وعدم الرجوع عنهما بعد الإهلال بهما ولا يصدهم عنهما شنآن العدو ، وإن كان ~~الثاني فهي أمر بالإتيان بهما تامين أي مستكملين ما شرع فيهما . # والمعنى الأول أظهر وأنسب بالآيات التي قبلها ، وكأن هذا التحريض مشير ~~إلى أن المقصود الأهم من الحج والعمرة هنا هما الصرورة في الحج وكذا في ~~العمرة على القول بوجوبها . # واللام في ( الحج والعمرة ) لتعريف الجنس ، وهما عبادتان مشهورتان عند ~~المخاطبين متميزتان عن بقية الأجناس ، فالحج هو زيارة الكعبة في موسم معين ~~في وقت واحد ، للجماعة وفيه وقوف عرفة ، والعمرة زيارة الكعبة في غير موسم ~~معين وهي لكل فرد بخصوصه . # وأصل الحج في اللغة بفتح الحاء وكسرها تكرر القصد إلى الشيء أو كثرة ~~قاصديه . وعن PageV02P217 ابن السكيت : الحج كثرة الاختلاف والتردد يقال حج ~~بنو فلان فلانا أطالوا الاختلاف إليه وفي ( الأساس ) : فلان تحجه الرفاق أي ~~تقصده اه . فجعله مفيدا بقصد من جماعة كقول المخبل السعدي واسمه الربيع : # وأشهد من عوفف حلولا كثيرة # يحجون سب الزبرقانن المزعفرا # والحج من أشهر العبادات عند العرب وهو مما ورثوه عن شريعة إبراهيم عليه ~~السلام كما حكى الله ذلك بقوله : { وأذن في الناس بالحج } ( الحج : 27 ) ~~الآية حتى قيل : إن العرب هم أقدم أمة عرفت عندها عادة الحج ، وهم يعتقدون ~~أن زيارة الكعبة سعي لله تعالى قال النابغة يصف الحجيج ورواحلهم : # عليهن شعث عامدون لربهم # فهن كأطراف الحني خواشع # وكانوا يتجردون عند الإحرام من مخيط الثياب ولا يمسون الطيب ولا يقربون ~~النساء ولا يصطادون ، وكان الحج طوافا بالبيت وسعيا بين الصفا والمروة ~~ووقوفا بعرفة ونحرا بمنى . وربما كان بعض العرب لا يأكل مدة الحج أقطا ولا ~~سمنا أي لأنه أكل المترفهين ولا يستظل بسقف ، ومنهم من يحج متجردا من ~~الثياب ، ومنهم من لا يستظل من الشمس ، ومنهم من يحج صامتا لا يتكلم ، ولا ~~يشربون الخمر في أشهر الحج ، ولهم في الحج مناسك وأحكام ذكرناها في ( تاريخ ~~العرب ) . # وكان للأمم المعاصرة للعرب حجوج كثيرة ، وأشهر الأمم في ms1029 ذلك اليهود فقد ~~كانوا يحجون إلى الموضع الذي فيه تابوت العهد أي إلى هيكل ( أورشليم ) وهو ~~المسجد الأقصى ثلاث مرات في السنة ليذبحوا هناك فإن القرابين لا تصح إلا ~~هناك ومن هذه المرات مرة في عيد الفصح . # واتخذت النصارى زيارات كثيرة ، حجا ، أشهرها زياراتهم لمنازل ولادة عيسى ~~عليه السلام وزيارة ( أورشليم ) ، وكذا زيارة قبر ( ماربولس ) وقبر ( ~~ماربطرس ) برومة ، ومن حج النصارى الذي لا يعرفه كثير من الناس وهو أقدم ~~حجهم أنهم كانوا قبل الإسلام يحجون إلى مدينة ( عسقلان ) من بلاد السواحل ~~الشامية ، والمظنون أن الذين ابتدعوا حجها هم نصارى الشام من الغساسنة لقصد ~~صرف الناس عن زيارة الكعبة وقد ذكره سحيم عبد بني الحسحاس وهو من المخضرمين ~~في قوله يصف وحوشا جرفها السيل : # كأن الوحوش به عسقلا # ن صادفن في قرن حج ذيافا PageV02P218 # أي أصابهن سم فقتلهن وقد ذكر ذلك أئمة اللغة . # وقد كان للمصريين والكلدان حج إلى البلدان المقدسة عندهم ، ولليونان ~~زيارات كثيرة لمواقع مقدسة مثل أولمبيا وهيكل ( زفس ) وللهنود حجوج كثيرة . # والمقصود من هذه الآية إتمام العمرة التي خرجوا لقضائها ، وذكر الحج معها ~~إدماج ، لأن الحج لم يكن قد وجب يومئذ ، إذ كان الحج بيد المشركين ففي ذكره ~~بشارة بأنه يوشك أن يصير في قبضة المسلمين . # وأما العمرة فهي مشتقة من التعمير وهو شغل المكان ضد الإخلاء ولكنها بهذا ~~الوزن لا تطلق إلا على زيارة الكعبة في غير أشهر الحج ، وهي معروفة عند ~~العرب وكانوا يجعلون ميقاتها ما عدا أشهر ذي الحجة والمحرم وصفر ، فكانوا ~~يقولون ( إذا برىء الدبر ، وعفا الأثر ، وخرج صفر ، حلت العمرة لمن اعتمر ) ~~ولعلهم جعلوا ذلك لتكون العمرة بعد الرجوع من الحج وإراحة الرواحل . # واصطلح المضريون على جعل رجب هو شهر العمرة ولذلك حرمته مضر فلقب برجب ~~مضر ، وتبعهم بقية العرب ، ليكون المسافر للعمرة آمنا من عدوه ؛ ولذلك ~~لقبوا رجبا ( منصل الأسنة ) ويرون العمرة في أشهر الحج فجورا . # وقوله { لله } أي لأجل الله وعبادته والعرب من عهد الجاهلية لا ينوون ~~الحج إلا لله ولا ms1030 العمرة إلا له ، لأن الكعبة بيت الله وحرمه ، فالتقييد ~~هنا بقوله { لله } تلويح إلى أن الحج والعمرة ليسا لأجل المشركين وإن كان ~~لهم فيهما منفعة وكانوا هم سدنة الحرم ، وهم الذين منعوا المسلمين منه ، كي ~~لا يسأم المسلمون من الحج الذي لاقوا فيه أذى المشركين ، فقيل لهم إن ذلك ~~لا يصد عن الرغبة في الحج والعمرة لأنكم إنما تحجون لله لا لأجل المشركين ~~ولأن الشيء الصالح المرغوب فيه إذا حف به ما يكدره لا ينبغي أن يكون ذلك ~~صارفا عنه ، بل يجب إزالة ذلك العارض عنه ، ومن طرق إزالته القتال المشار ~~إليه بالآيات السابقة . # ويجوز أن يكون التقييد بقوله : { لله } لتجريد النية مما كان يخامر نوايا ~~الناس في الجاهلية من التقرب إلى الأصنام ، فإن المشركين لما وضعوا هبلا ~~على الكعبة ووضعوا إسافا ونائلة على الصفا والمروة قد أشركوا بطوافهم ~~وسعيهم الأصنام مع الله تعالى . وقد يكون القصد من هذا التقييد كلتا ~~الفائدتين . PageV02P219 # وليس في الآية حجة عند مالك وأبي حنيفة رحمهما الله على وجوب الحج ولا ~~العمرة ولكن دليل حكم الحج والعمرة عندهما غير هذه الآية ، وعليه فمجمل ~~الآية عندهما على وجوب هاتين العبادتين لمن أحرم لهما ، فأما مالك فقد ~~عدهما من العبادات التي تجب بالشروع فيها وهي سبع عبادات عندنا هي الصلاة ، ~~والصيام ، والاعتكاف ، والحج ، والعمرة ، والطواف ، والائتمام ، وأما أبو ~~حنيفة فقد أوجب النوافل كلها بالشروع . # ومن لم ير وجوب النوافل بالشروع ولم ير العمرة واجبة يجعل حكم إتمامها ~~كحكم أصل الشروع فيها ويكون الأمر بالإتمام في الآية مستعملا في القدر ~~المشترك من الطلب اعتمادا على القرائن ، ومن هؤلاء من قرأ ، ( والعمرة ) ~~بالرفع حتى لا تكون فيما شمله الأمر بالإتمام بناء على أن الأمر للوجوب ~~فيختص بالحج . # وجعلها الشافعية دليلا على وجوب العمرة كالحج ، ووجه الاستدلال له أن ~~الله أمر بإتمامها فإما أن يكون الأمر بالإتمام مرادا به الإتيان بهما ~~تامين أي مستجمعي الشرائط والأركان ، فالمراد بالإتمام المعنى الشرعي على ~~أحد الاستعمالين السابقين ، قالوا : إذ ليس هنا كلام على ms1031 الشروع حتى يؤمر ~~بالإتمام ، ولأنه معضود بقراءة ( وأقيموا الحج ) وإما أن يكون المراد ~~بالإتمام هنا الإتيان على آخر العبادة فهو يستلزم الأمر بالشروع ، لأن ~~الإتمام يتوقف على الشروع ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب فيكون الأمر ~~بالإتمام كناية عن الأمر بالفعل . # والحق أن حمل الأمر في ذلك بأصل الماهية لا بصفتها استعمال قليل كما عرفت ~~، وقراءة : ( وأقيموا ) لشذوذها لا تكون داعيا للتأويل ، ولا تتنزل منزلة ~~خبر الآحاد ، إذا لم يصح سندها إلى من نسبت إليه وأما على الاحتمال الأول ~~فلأن التكني بالإتمام عن إيجاب الفعل مصير إلى خلال الظاهر مع أن اللفظ ~~صالح للحمل على الظاهر ؛ بأن يدل على معنى : إذا شرعتم فأتموا الحج والعمرة ~~، فيكون من دلالة الاقتضاء ويكون حقيقة وإيجازا بديعا ، وهو الذي يؤذن به ~~السياق كما قدمنا ، لأنهم كانوا نووا العمرة ، على أن شأن إيجاب الوسيلة ~~بإيجاب المتوسل إليه أن يكون المنصوص على وجوبه هو المقصد فكيف يدعي ~~الشافعية أن { أتموا } هنا مراد منه إيجاب الشروع ، لأن ما لا يتم الواجب ~~إلا به فهو واجب كما أشار له العصام . PageV02P220 # فالحق أن الآية ليست دليلا لحكم العمرة . وقد اختلف العلماء في حكمها : ~~فذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنها سنة قال مالك : لا أعلم أحدا رخص في تركها ~~وهذا هو مذهب جابر ابن عبد الله وابن مسعود من الصحابة والنخعي من التابعين ~~. # وذهب الشافعي وأحمد وابن الجهم من المالكية إلى وجوبهما ، وبه قال عمر ~~وابن عمر وابن عباس من الصحابة وعطاء ، وطاووس ، ومجاهد ، والحسن ، وابن ~~سيرين ، والشعبي وسعيد بن جبير ، وأبو بردة ، ومسروق ، وإسحاق بن راهويه . # ودليلنا حديث جابر بن عبد الله ، ( قيل : يا رسول الله العمرة واجبة مثل ~~الحج فقال : لا ، وأن تعتمروا فهو أفضل ) أخرجه الترمذي ، لأن عبادة مثل ~~هذه لو كانت واجبة لأمر بها النبي صلى الله عليه وسلم ولا يثبت وجوبها ~~بتلفيقات ضعيفة ، وقد روي عن ابن مسعود أنه كان يقول : لولا التحرج وأني لم ~~أسمع من رسول الله في ذلك شيئا لقلت ms1032 : العمرة واجبة اه محل الاحتجاج قوله : ~~لم أسمع الخ ، ولأن الله تعالى قال : { ولله على الناس حج البيت } ( آل ~~عمران : 97 ) ولم يذكر العمرة ، ولأنه لا يكون عبادتان واجبتان هما من نوع ~~واحد . ولأن شأن العبادة الواجبة أن تكون مؤقتة . # واحتج أصحابنا أيضا بحديث : ( بني الإسلام على خمس ) وحديث جبريل في ~~الإيمان والإسلام ولم يذكر فيهما العمرة ، وحديث الأعرابي الذي قال : ( لا ~~أزيد ولا أنقص : فقال : أفلح إن صدق ) ولم يذكر العمرة ولم يحتج الشافعية ~~بأكثر من هذه الآية ، إذ قرنت فيها مع الحج ، وبقول بعض الصحابة وبالإحتياط ~~. # واحتج عمر بن الخطاب بهذه الآية على منع التمتع وهو الإحرام بعمرة ثم ~~الحل منها في مدة الحج ثم الحج في عامه ذلك قبل الرجوع إلى بلده ، ففي ~~البخاري أخرج حديث أبي موسى الأشعري قال : ( بعثني رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى قوم باليمن فجئت وهو بالبطحاء ( عام حجة الوداع ) فقال : بم أهللت ~~؟ فقلت : أهللت كإهلال النبي قال : أحسنت هل معك من هدى قلت : لا ، فأمرني ~~فطفت بالبيت وبالصفا والمروة ثم أمرني فأحللت فأتيت امرأة من قومي فمشطتني ~~أو غسلت رأسي ، ثم أهللت بالحج فكنت أفتي الناس به حتى خلافة عمر فذكرته له ~~فقال : أن نأخذ بكتاب الله ، فإنه يأمرنا بالتمام ، قال تعالى : { وأتموا ~~الحج والعمرة لله } وأن نأخذ بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لم ~~يحل حتى بلغ الهدي محله ، يريد عمر والله أعلم أن أبا موسى أهل بإهلال ~~كإهلال النبي صلى الله PageV02P221 عليه وسلم والنبي كان مهلا بحجة وعمرة ~~معا فهو قارن والقارن متلبس بحج ، فلا يجوز أن يحل في أثناء حجه وتمسك بفعل ~~الرسول عليه السلام أنه كان قارنا ولمن يحل ، وهذا مبني على عدم تخصيص ~~المتواتر بالآحاد كما هو قوله في حديث فاطمة ابنة قيس في النفقة . # وقوله : { فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى } عطف على { أتموا } ، والفاء ~~للتفريع الذكري فإنه لما أمر بإتمام الحج والعمرة ذكر حكم ما يمنع من ذلك ~~الإتمام . # ولا سيما ms1033 الحج ؛ لأن وقته يفوت غالبا بعد ارتفاع المانع ، بخلاف العمرة . ~~والإحصار في كلام العرب منع الذات من فعل ما ، يقال : أحصره منعه مانع قال ~~تعالى : { للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله } ( البقرة : 273 ) أي منعهم ~~الفقر من السفر للجهاد وقال ابن ميادة : # وما هجر ليلى أن تكون تباعدت # عليك ولا أن أحصرتك شغول # وهو فعل مهموز لم تكسبه همزته تعدية ، لأنه مرادف حصره ونظيرهما صده ~~وأصده . هذا قول المحققين من أئمة اللغة ، ولكن كثر استعمال أحصر المهموز ~~في المنع الحاصل من غير العدو ، وكثر استعمال حصر المجرد في المنع من العدو ~~، قال : { وخذوهم واحصروهم } ( التوبة : 5 ) فهو حقيقة في المعنيين ولكن ~~الاستعمال غلب أحدهما في أحدهما كما قال الزمخشري في ( الكشاف ) ، ومن ~~اللغويين من قال : أحصر حقيقة في منع غير العدو وحصر حقيقة في منع العدو ~~وهو قول الكسائي وأبي عبيدة والزجاج ، ومن اللغويين من عكس وهو ابن فارس ~~لكنه شاذ جدا . # وجاء الشرط بحرف ( إن ) لأن مضمون الشرط كريه لهم فألقى إليهم الكلام ~~إلقاء الخبر الذي يشك في وقوعه ، والمقصود إشعارهم بأن المشركين سيمنعونهم ~~من العمرة . # وقد اختلف الفقهاء في المراد من الإحصار في هذه الآية على نحو الاختلاف ~~في الوضع أو في الاستعمال والأظهر عندي أن الإحصار هنا أطلق على ما يعم ~~المنع من عدو أو من غيره بقرينة قوله تعالى عقبه : { فإذا أمنتم } فإنه ~~ظاهر قوي في أن المراد منه الأمن من خوف العدو ، وأن هذا التعميم فيه قضاء ~~حق الإيجاز في جمع أحكام الإحصار ثم تفريقها كما سأبينه عند قوله تعالى : { ~~فإذا أمنتم } ، وكأن هذا هو الذي يراه مالك رحمه الله ، ولذلك لم يحتج في ( ~~الموطأ ) على حكم الإحصار بغير عدو بهذه الآية ، وإنما احتج بالسنة . وقال ~~جمهور أصحابه أريد بها المنع الحاصل من مرض ونحوه دون منع العدو ، بناء على ~~أن إطلاق الإحصار على هذا المنع هو الأكثر في اللغة . ولأن هذه الآية جعلت ~~على المحصر هديا ولم ترد السنة بمشروعية الهدي فيمن حصره العدو ms1034 PageV02P222 ~~أي مشروعية الهدي لأجل الإحصار أما من ساق معه الهدي فعليه نسكه لا لأجل ~~الإحصار ، ولذلك قال مالك بوجوب الهدي على من أحصر بمرض أو نفاس أو كسر من ~~كل ما يمنعه أن يقف الموقف مع الناس مع وجوب الطواف والسعي عند زوال المانع ~~ووجوب القضاء من قابل لما في ( الموطأ ) من حديث معبد بن حزابة المخزومي ~~أنه صرع ببعض طريق مكة وهو محرم فسأل ابن عمر وابن الزبير ومروان بن الحكم ~~فكلهم أمره أن يتداوى ويفتدي ، فإذا أصح اعتمر ، فحل من إحرامه ثم عليه حج ~~قابل ، وأن عمر بن الخطاب أمر بذلك أبا أيوب وهبار بن الأسود حين فاتهما ~~وقوف عرفة ، بخلاف حصار العدو ، واحتج في ( الموطأ ) بأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لم يأمر أحدا من أصحابه ولا من كان معه أن يقضوا شيئا ولا أن ~~يعودوا لشيء ، ووجه أصحابنا ذلك بالتفرقة ؛ لأن المانع في المرض ونحوه من ~~ذات الحاج ؛ فلذلك كان مطالبا بالإتمام ، وأما في إحصار العدو فالمانع ~~خارجي ، والأظهر في الاستدلال أن الآية وإن صلحت لكل منع لكنها في منع غير ~~العدو أظهر وقد تأيدت أظهريتها بالسنة . # وقال الشافعي : لا قضاء فيهما وهو ظاهر الآية للاقتصار على الهدي وهو ~~اقتصار على مفهوم الآية ومخالفة ما ثبت بالسنة ، وقال أبو حنيفة : كل منع ~~من عدو أو مرض فيه وجوب القضاء والهدي ولا يجب عليه طواف ولا سعي بعد زوال ~~عذره بل إن نحر هديه حل والقضاء عليه . ولا يلزمه ما يقتضيه حديث الحديبية ~~؛ لأن الآية إن كانت نزلت بعده فعمومها نسخ خصوص الحديث ، وإن نزلت قبله ~~فهو آحاد لا يخصص القرآن عنده ، على أن حديث الحديبية متواتر ؛ لأن الذين ~~شهدوا النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ يزيدون على عدد التواتر ، ولم ينقل ~~عنهم ذلك مع أنه مما تتوافر الدواعي على نقله . # وقال الشافعي : المراد هنا منع العدو بقرينة قوله { فإذا أمنتم } ولأنها ~~نزلت في عام الحديبية وهو إحصار عدو ؛ ولذلك أوجب الهدي على المحصر أما ~~محصر العدو ms1035 فبنص الآية ، وأما غيره فبالقياس عليه . وعليه : إن زال عذره ~~فعليه الطواف بالبيت والسعي ، ولم يقل بوجوب القضاء عليه ؛ إذ ليس في الآية ~~ولا في الحديث . # وقوله : { فما استيسر من الهدى } جواب الشرط وهو مشتمل على أحد ركني ~~الإسناد PageV02P223 وهو المسند إليه دون المسند فلا بد من تقدير دل عليه ~~قوله : { من الهدي } وقدره في ( الكشاف ) فعليكم ، والأظهر أن يقدر فعل أمر ~~أي فاهدوا ما استيسر من الهدي ، وكلا التقديرين دال على وجوب الهدي . ~~ووجوبه في الحج ظاهر وفي العمرة كذلك ؛ بأنها مما يجب إتمامه بعد الإحرام ~~باتفاق الجمهور . # و ( استيسر ) هنا بمعنى يسر فالسين والتاء للتأكيد كاستعصب عليه بمعنى ~~صعب أي ما أمكن من الهدي بإمكان تحصيله وإمكان توجيهه ، فاستيسر هنا مراد ~~جميع وجوه التيسر . # والهدي اسم الحيوان المتقرب به لله في الحج فهو فعل من أهدى ، وقيل هو ~~جمع هدية كما جمعت جدية السرج على جدي ( ) ، فإن كان اسما فمن بيانية ، وإن ~~كان جمعا فمن تبعيضية ، وأقل ما هو معروف عندهم من الهدي الغنم ، ولذلك لم ~~يبينه الله تعالى هنا ، وهذا الهدي إن كان قد ساقه قاصد الحج والعمرة معه ~~ثم أحصر فالبعث به إن أمكن واجب ، وإن لم يكن ساقه معه فعليه توجيهه على ~~الخلاف في حكمه من وجوبه وعدمه ، والمقصود من هذا تحصيل بعض مصالح الحج ~~بقدر الإمكان ، فإذا فاتت المناسك لا يفوت ما ينفع فقراء مكة ومن حولها . # وقوله : { ولا تحلقوا رؤوسكم } الآية بيان لملازمة حالة الإحرام حتى ينحر ~~الهدي ، وإنما خص النهي عن الحلق دون غيره من منافيات الإحرام كالطيب ~~تمهيدا لقوله : { فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه } ويعلم استمرار ~~حكم الإحرام في البقية بدلالة القياس والسياق وهذا من مستتبعات التراكيب ~~وليس بكناية عن الإحلال لعدم وضوح الملازمة . والمقصود من هذا تحصيل بعض ما ~~أمكن من أحوال المناسك وهو استبقاء الشعث المقصود في المناسك . # والمحل بفتح الميم وكسر الحاء مكان الحلول أو زمانه يقال : حل بالمكان ~~يحل بكسر الحاء وهو مقام ms1036 الشيء والمراد به هنا مبلغه وهو ذبحه للفقراء ، ~~وقيل محله : هو محل ذبح الهدايا وهو منى والأول قول مالك . # وقوله : { فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه } الآية ، المراد مرض ~~يقتضي الحلق سواء كان المرض بالجسد أم بالرأس ، وقوله : { أو به أذى من ~~رأسه } كناية عن الوسخ الشديد والقمل ، لكراهية التصريح بالقمل . وكلمة ( ~~من ) للابتداء أي أذى ناشىء عن رأسه . PageV02P224 # وفي البخاري عن كعب بن عجرة قال : ( حملت إلى النبي والقمل يتناثر على ~~وجهي ، فقال ما كنت أرى الجهد قد بلغ بك هذا ، أما تجد شاة ؟ قلت : لا ، ~~قال : صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من طعام واحلق ~~رأسك ، فنزلت هذه الآية في خاصة وهي لكم عامة اه ) ومن لطائف القرآن ترك ~~التصريح بما هو مرذول من الألفاظ . # وقوله : { ففدية من صيام } محذوف المسند إليه لظهوره أي عليه ، والمعنى ~~فليحلق رأسه وعليه فدية ، وقرينة المحذوف قوله : { ولا تحلقوا رؤوسكم } وقد ~~أجمل الله الفدية ومقدارها وبينه حديث كعب بن عجرة . # والنسك بضمتين وبسكون السين مع تثليث النون العبادة ويطلق على الذبيحة ~~المقصود منها التعبد وهو المراد هنا مشتق من نسك كنصر وكرم إذا عبد وذبح ~~لله وسمي العابد ناسكا ، وأغلب إطلاقه على الذبيحة المتقرب بها إلى معبود ~~وفي الحديث : ( والآخر يوم تأكلون فيه من نسككم ) يعني الضحية . # الفاء للعطف على { أحصرتم } إن كان المراد من الأمن زوال الإحصار المتقدم ~~، ولعلها نزلت بعد أن فرض الحج ، لأن فيها ذكر التمتع وذكر صيام المتمتع إن ~~لم يجد هديا ثلاثة أيام في مدة الحج وسبعة إذا رجع إلى أفقه وذلك لا يكون ~~إلا بعد تمكنهم من فعل الحج . والفاء لمجرد التعقيب الذكري . # وجيء بإذا لأن فعل الشرط مرغوب فيه ، والأمن ضد الخوف ، وهو أيضا السلامة ~~من كل ما يخاف منه أمن كفرح أمنا ، أمانا ، وأمنا ، وآمنة وإمنا بكسر ~~الهمزة وهو قاصر بالنسبة إلى المأمون منه فيتعدى بمن تقول : أمنت من العدو ~~، ويتعدى إلى المأمون تقول : أمنت فلانا ms1037 إذا جعلته آمنا منك ، والأظهر أن ~~الأمن ضد الخوف من العدو ما لم يصرح بمتعلقه وفي القرآن { ثم أبلغه مأمنه } ~~( التوبة : 6 ) فإن لم يذكر له متعلق نزل منزلة اللازم فدل على عدم الخوف ~~من القتال وقد تقدم في قوله تعالى : { رب اجعل هذا بلدا آمنا } ( البقرة : ~~126 ) . PageV02P225 # وهذا دليل على أن المراد بالإحصار فيما تقدم ما يشمل منع العدو ولذلك قيل ~~( إذا أمنتم ) ويؤيده أن الآيات نزلت في شأن عمرة الحديبية كما تقدم فلا ~~مفهوم للشرط هنا ؛ لأنه خرج لأجل حادثة معينة ، فالآية دلت على حكم العمرة ~~، لأنها لا تكون إلا مع الأمن ، وذلك أن المسلمين جاءوا في عام عمرة القضاء ~~معتمرين وناوين إن مكنوا من الحج أن يحجوا ، ويعلم حكم المريض ونحوه إذا ~~زال عنه المانع بالقياس على حكم الخائف . # وقوله : { فمن تمنع } جواب ( إذا ) والتقدير فإذا أمنتم بعد الإحصار ~~وفاتكم وقت الحج وأمكنكم أن تعتمروا فاعتمروا وانتظروا الحج إلى عام قابل ، ~~واغتنموا خير العمرة فمن تمتع بالعمرة فعليه هدي عوضا عن هدي الحج ، ~~فالظاهر أن صدر الآية أريد به الإحصار الذي لا يتمكن معه المحصر من حج ولا ~~عمرة ، وأن قوله { فإذا آمنتم } أريد به حصول الأمن مع إمكان الإتيان بعمرة ~~وقد فات وقت الحج ، أي أنه فاته الوقت ولم يفته مكان الحج ، ويعلم أن من ~~أمن وقد بقي ما يسعه بأن يحج عليه أن يحج . # ومعنى { تمتع بالعمرة إلى الحج } انتفع بالعمرة عاجلا ، والانتفاع بها ~~إما بمعنى الانتفاع بثوابها ، أو بسقوط وجوبها إن قيل إنها واجبة مع إسقاط ~~السفر لها إذ هو قد أداها في سفر الحج ، وإما بمعنى الانتفاع بالحل منها ثم ~~إعادة الإحرام بالحج فانتفع بألا يبقى في كلفة الإحرام مدة طويلة ، وهذا ~~رخصة من الله تعالى ، إذ أباح العمرة في مدة الحج بعد أن كان ذلك محظورا في ~~عهد الجاهلية إذ كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أعظم الفجور . # فالباء في قوله : { بالعمرة } صلة فعل { تمتع } ، وقوله { إلى الحج } ~~متعلق بمحذوف دل ms1038 عليه معنى ( إلى ) تقديره متربصا إلى وقت الحج أو بالغا ~~إلى وقت الحج أي أيامه وهي عشر ذي الحجة وقد فهم من كلمة ( إلى ) أن بين ~~العمرة والحج زمنا لا يكون فيه المعتمر محرما وهو الإحلال الذي بين العمرة ~~والحج في التمتع والقران ، فعليه ما استيسر من الهدي لأجل الإحلال الذي بين ~~الإحرامين ، وهذا حيث لم يهد وقت الإحصار فيما أراه والله أعلم . # والآية جاءت بلفظ التمتع على المعنى اللغوي أي الانتفاع وأشارت إلى ما ~~سماه المسلمون بالتمتع وبالقران وهو من شرائع الإسلام التي أبطل بها شريعة ~~الجاهلية ، واسم التمتع يشملها لكنه خص التمتع بأن يحرم الحاج بعمرة في ~~أشهر الحج ثم يحل منها ثم يحج من عامه ذلك قبل الرجوع إلى أفقه ، وخص ~~القران بأن يقرن الحج والعمرة في إهلال واحد ويبدأ في فعله بالعمرة ثم يحل ~~منها ويجوز له أن يردف الحج PageV02P226 على العمرة كل ذلك شرعه الله رخصة ~~للناس ، وإبطالا لما كانت عليه الجاهلية من منع العمرة في أشهر الحج ، وفرض ~~الله عليه الهدي جبرا لما كان يتجشمه من مشقة الرجوع إلى مكة لأداء العمرة ~~كما كانوا في الجاهلية ولذلك سماه تمتعا . # وقد اختلف السلف في التمتع وفي صفته فالجمهور على جوازه ، وأنه يحل من ~~عمرته التي أحرم بها في أشهر الحج ثم يحرم بعد ذلك في حجة في عامه ذلك ، ~~وكان عثمان بن عفان لا يرى التمتع وينهى عنه في خلافته ، ولعله كان يتأول ~~هذه الآية بمثل ما تأولها ابن الزبير كما يأتي قريبا ، وخالفه علي وعمران ~~بن حصين ، وفي البخاري عن عمران بن حصين تمتعنا على عهد النبي ونزل القرآن ~~ثم قال رجل من برأيه ما شاء ( يريد عثمان ) ، وكان عمر بن الخطاب لا يرى ~~للقارن إذا أحرم بعمرة وبحجة معا وتمم السعي بين الصفا والمروة أن يحل من ~~إحرامه حتى يحل من إحرام حجه فقال له أبو موسى الأشعري إني جئت من اليمن ~~فوجدت رسول الله بمكة محرما ( أي عام الوداع ) فقال لي بم ms1039 أهللت ؟ قلت ~~أهللت بإهلال كإهلال النبي فقال لي هل معك هدي قلت لا فأمرني فطفت وسعيت ثم ~~أمرني فأحللت وغسلت رأسي ومشطتني امرأة من عبد القيس ، فلما حدث أبو موسى ~~عمر بهذا قال عمر : ( إن نأخذ بكتاب الله فهو يأمرنا بالإتمام وإن نأخذ ~~بسنة رسوله فإنه لم يحل حتى بلغ الهدي محله ) ، وجمهور الصحابة والفقهاء ~~يخالفون رأي عمر ويأخذون بخبر أبي موسى ؛ وبحديث علي أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال : ( لولا أن معي الهدي لأحللت ) ، وقد ينسب بعض الناس إلى ~~عمر أنه لا يرى جواز التمتع وهو وهم إنما رأى عمر لا يجوز الإحلال من ~~العمرة في التمتع إلى أن يحل من الحج وذلك معنى قوله فإنه لم يحل حتى بلغ ~~الهدي محله ، فلعله رأى الإحلال للمتلبس بنية الحج منافيا لنيته وهو ما عبر ~~عنه بالإتمام ولعله كان لا يرى الآحاد مخصصا للمتواتر من كتاب أو سنة لأن ~~فعل النبي صلى الله عليه وسلم هنا متواتر ، إذ قد شهده كثير من أصحابه ~~ونقلوا حجه وأنه أهل بهما جميعا . # نعم ، كان أبو بكر وعمر يريان إفراد الحج أفضل من التمتع والقران وبه أخذ ~~مالك روى عنه محمد بن الحسن أنه يرجح أحد الحديثين المتعارضين بعمل الشيخين ~~، وكان عبد الله بن الزبير رضي الله عنه يرى التمتع خاصا بالمحصر إذا تمكن ~~من الوصول إلى البيت بعد أن فاته وقوف PageV02P227 عرفة فيجعل حجته عمرة ~~ويحج في العام القابل ، وتأول قوله تعالى { إلى الحج } أي إلى وقت الحج ~~القابل والجمهور يقولون { إلى الحج } أي إلى أيام الحج . # وقوله : { فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام } الآية عطفت على { فمن تمتع } ، ~~لأن { فمن تمتع } مع جوابه وهو { فما استيسر } مقدر فيه معنى فمن تمتع ~~واجدا الهدي فعطف عليه { فمن لم يجد } . # وجعل الله الصيام بدلا عن الهدى زيادة في الرخصة والرحمة ولذلك شرع الصوم ~~مفرقا فجعله عشرة أيام ثلاثة منها في أيام الحج وسبعة بعد الرجوع من الحج . # فقوله : { في الحج } أي في أشهره ms1040 إن كان قد أمكنه الاعتمار قبل انقضاء ~~مدة الحج ، فإن لم يدرك الحج واعتمر فتلك صفة أخرى لا تعرض إليها في الآية ~~. # وقوله : { تلك عشرة كاملة } فذلكة الحساب أي جامعته فالحاسب إذا ذكر ~~عددين فصاعدا قال عند إرادة جمع الأعداد فذلك أي المعدود كذا فصيغت لهذا ~~القول صيغة نحت مثل بسمل إذا قال باسم الله وحوقل إذا قال لا حول ولا قوة ~~إلا بالله فحروف فذلكة متجمعة من حروف فذلك كما قال الأعشى : # ثلاث بالغداة فهن حسبي # وست حين يدركني العشاء # فذلك تسعة في اليوم ريي # وشرب المرء فوق الري داء # فلفظ فذلكة كلمة مولدة لم تسمع من كلام العرب غلب إطلاق اسم الفذلكة على ~~خلاصة جمع الأعداد ، وإن كان اللفظ المحكي جرى بغير كلمة ( ذلك ) كما نقول ~~في قوله : { تلك عشرة كاملة } إنها فذلكة مع كون الواقع في المحكي لفظ ( ~~تلك ) لا لفظ ذلك ومثله قول الفرزدق : # ثلاث واثنتان فتلك خمس # وسادسة تميل إلى الشمام # ( أي إلى الشم والتقبيل ) # وفي وجه الحاجة إلى الفذلكة في الآية وجوه ، فقيل هو مجرد توكيد كما تقول ~~كتبت بيدي يعني أنه جاء على طريقة ما وقع في شعر الأعشى أي أنه جاء على ~~أسلوب عربي ولا يفيد إلا تقرير الحكم في الذهن مرتين ولذلك قال صاحب ( ~~الكشاف ) لما ذكر مثله كقول العرب علمان خير من علم . وعن المبرد أنه تأكيد ~~لدفع توهم أن يكون بقي شيء مما يجب صومه . # وقال الزجاج قد يتوهم متوهم أن المراد التخيير بين صوم ثلاثة أيام في ~~الحج أو سبعة أيام إذا رجع إلى بلده بدلا PageV02P228 من الثلاثة أزيل ذلك ~~بجلية المراد بقوله : { تلك عشرة } وتبعه صاحب ( الكشاف ) فقال ( الواو قد ~~تجيء للإباحة في نحو قولك : جالس الحسن وابن سيرين ففذلكت نفيا لتوهم ~~الإباحة اه ) وهو يريد من الإباحة أنها للتخيير الذي يجوز معه الجمع ولا ~~يتعين . # وفي كلا الكلامين حاجة إلى بيان منشأ توهم معنى التخيير فأقول : إن هذا ~~المعنى وإن كان خلاف الأصل في الواو حتى ms1041 زعم ابن هشام أن الواو لا ترد له ، ~~وأن التخيير يستفاد من صيغة الأمر لا أنه قد يتوهم من حيث إن الله ذكر ~~عددين في حالتين مختلفتين وجعل أقل العددين لأشق الحالتين وأكثرهما لأخفهما ~~، فلا جرم طرأ توهم أن الله أوجب صوم ثلاثة أيام فقط وأن السبعة رخصة لمن ~~أراد التخيير ، فبين الله ما يدفع هذا التوهم ، بل الإشارة إلى أن مراد ~~الله تعالى إيجاب صوم عشرة أيام ، وإنما تفريقها رخصة ورحمة منه سبحانه ، ~~فحصلت فائدة التنبيه على الرحمة الإلهية . # ونظيره قوله تعالى : { وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ~~ميقات ربه أربعين ليلة } ( الأعراف : 142 ) إذ دل على أنه أراد من موسى ~~عليه السلام مناجاة أربعين ليلة ولكنه أبلغها إليه موزعة تيسيرا . # وقد سئلت عن حكمة كون الأيام عشرة فأجبت بأنه لعله نشأ من جمع سبعة ~~وثلاثة ؛ لأنهما عددان مباركان ، ولكن فائدة التوزيع ظاهرة ، وحكمة كون ~~التوزيع كان إلى عددين متفاوتين لا متساويين ظاهرة ؛ لاختلاف حالة الاشتغال ~~بالحج ففيها مشقة ، وحالة الاستقرار بالمنزل . وفائدة جعل بعض الصوم في مدة ~~الحج جعل بعض العبادة عند سببها ، وفائدة التوزيع إلى ثلاثة وسبعة أن ~~كليهما عدد مبارك ضبطت بمثله الأعمال دينية وقضائية . # وأما قوله : { كاملة } فيفيد التحريض على الإتيان بصيام الأيام كلها لا ~~ينقص منها شيء ، مع التنويه بذلك الصوم وأنه طريق كمال لصائمه ، فالكمال ~~مستعمل في حقيقته ومجازه . # وقوله : { ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام } إشارة إلى أقرب شيء ~~في الكلام ، وهو هدي التمتع أو بدله وهو الصيام ، والمعنى أن الهدي على ~~الغريب عن مكة كي لا يعيد السفر للعمرة فأما المكي فلم ينتفع بالاستغناء عن ~~إعادة السفر فلذا لم يكن عليه هدي ، وهذا PageV02P229 قول مالك والشافعي ~~والجمهور ، فلذلك لم يكن عندهما على أهل مكة هدي في التمتع والقران ، لأنهم ~~لا مشقة عليهم في إعادة العمرة ، وقال أبو حنيفة : الإشارة إلى جميع ما ~~يتضمنه الكلام السابق على اسم الإشارة وهو التمتع بالعمرة مع الحج ووجوب ~~الهدي ، فهو لا يرى ms1042 التمتع والقران لأهل مكة وهو وجه من النظر . # وحاضرو المسجد الحرام هم أهل بلدة مكة وما جاورها ، واختلف في تحديد ما ~~جاورها فقال مالك : ما اتصل بمكة ذلك من ذي طوى وهو على أميال قليلة من مكة ~~. وقال الشافعي : من كان من مكة على مسافة القصر ونسبه ابن حبيب إلى مالك ~~وغلطه شيوخ المذهب . وقال عطاء : حاضرو المسجد الحرام أهل مكة وأهل عرفة ، ~~ومر ، وعرنة ، وضجنان ، والرجيع ، وقال الزهري : أهل مكة ومن كان على مسافة ~~يوم أو نحوه ، وقال ابن زيد : أهل مكة ، وذي طوى ، وفج ، وما يلي ذلك . ~~وقال طاووس : حاضرو المسجد الحرام كل من كان داخل الحرم ، وقال أبو حنيفة : ~~هم من كانوا داخل المواقيت سواء كانوا مكيين أو غيرهم ساكني الحرم أو الحل ~~. # وصاية بالتقوى بعد بيان الأحكام التي لا تخلو عن مشقة للتحذير من التهاون ~~بها ، فالأمر بالتقوى عام ، وكون الحج من جملة ذلك هو من جملة العموم وهو ~~أجدر أفراد العموم ، لأن الكلام فيه . # وقوله : { واعلموا أن الله شديد العقاب } افتتح بقوله : { واعلموا } ~~اهتماما بالخبر فلم يقتصر بأن يقال : { واتقوا الله إن الله شديد العقاب } ~~فإنه لو اقتصر عليه لحصل العلم المطلوب ، لأن العلم يحصل من الخبر ، لكن ~~لما أريد تحقيق الخبر افتتح بالأمر بالعلم ، لأنه في معنى تحقيق الخبر ، ~~كأنه يقول : لا تشكوا في ذلك ، فأفاد مفاد إن ، وتقدم آنفا عند قوله تعالى ~~: { واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين } ( البقرة : 194 ) . # PageV02P230 # | 2 ( 197 ) { الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا ~~جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ~~واتقون ياأولي الألباب } . ) 2 # استئناف ابتدائي للإعلام بتفصيل مناسك الحج ، والذي أراه أن هذه الآيات ~~نزلت بعد نزول قوله تعالى : ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ~~في ( سورة آل عمران : 97 ) فإن تلك الآية نزلت بفرض الحج إجمالا ، وهذه ~~الآية فيها بيان أعماله ، وهو بيان مؤخر عن المبين ، وتأخير البيان إلى ms1043 وقت ~~الحاجة واقع غير مرة ، فيظهر أن هذه الآية نزلت في سنة تسع ، تهيئة لحج ~~المسلمين مع أبي بكر الصديق . # وبين نزول هذه الآية ونزول آية { وأتموا الحج والعمرة لله } ( البقرة : ~~196 ) نحو من ثلاث سنين فتكون فيما نرى من الآيات التي أمر الرسول عليه ~~السلام بوضعها في هذا الموضع من هذه السورة للجمع بين أعمال الحج وأعمال ~~العمرة . # وهي وصاية بفرائض الحج وسننه ومما يحق أن يراعى في أدائه ، وذكر ما أراد ~~الله الوصاية به من أركانه وشعائره . وقد ظهرت عناية الله تعالى بهذه ~~العبادة العظيمة ، إذ بسط تفاصيلها وأحوالها مع تغيير ما أدخله أهل ~~الجاهلية فيها . # ووصف الأشهر بمعلومات حوالة على ما هو معلوم للعرب من قبل ، فهي من ~~الموروثة عندهم عن شريعة إبراهيم ، وهي من مبدأ شوال إلى نهاية أيام النحر ~~، وبعضها بعض الأشهر الحرم ، لأنهم حرموا قبل يوم الحج شهرا وأياما وحرموا ~~بعده بقية ذي الحجة والحرام كله ، لتكون الأشهر الحرم مدة كافية لرجوع ~~الحجيج إلى آفاقهم ، وأما رجب فإنما حرمته مضر لأنه شهر العمرة . # فقوله : { الحج أشهر معلومات } أي في أشهر ، لقوله بعده : { فمن فرض فيهن ~~الحج } ولك أن تقدر : مدة الحج أشهر ، وهو كقول العرب ( الرطب شهرا ربيع ) ~~. # والمقصود من قوله : { الحج أشهر } يحتمل أن يكون تمهيدا لقوله : { فلا ~~رفث ولا فسوق } تهوينا لمدة تر ك الرفث والفسوق والجدال ، لصعوبة ترك ذلك ~~على الناس ، ولذلك قللت بجمع القلة ، فهو نظير ما روى مالك في ( الموطأ ) : ~~أن عائشة قالت لعروة بن الزبير يا ابن أختي إنما هي PageV02P231 عشر ليال ~~فإن تخلج في نفسك شيء فدعه ، تعني أكل لحم الصيد ، ويحتمل أن يكون تقريرا ~~لما كانوا عليه في الجاهلية من تعيين أشهر الحج فهو نظير قوله : { إن عدة ~~الشهور عند الله اثنا عشر شهرا } ( التوبة : 36 ) الآية ، وقيل : المقصود ~~بيان وقت الحج ولا أنثلج له . # والأشهر المقصودة هي شوال وذو القعدة وذو الحجة لا غير ، وإنما اختلفوا ~~في أن ذا الحجة كله شهر أو العشر الأوائل ms1044 منه أو التسع فقط ، أو ثلاثة عشر ~~يوما منه ، فقال بالأول ابن مسعود وابن عمر والزهري وعروة بن الزبير وهو ~~رواية ابن المنذر عن مالك ، وقال بالثاني ابن عباس والسدي وأبو حنيفة وهو ~~رواية ابن حبيب عن مالك . وقال بالثالث الشافعي ، والرابع قول في مذهب مالك ~~ذكره ابن الحاجب في ( المختصر ) غير معزو . # وإطلاق الأشهر على الشهرين وبعض الشهر عند أصحاب القولين الثالث والرابع ~~مخرج على إطلاق الجمع على الاثنين أو على اعتبار العرب الدخول في الشهر أو ~~السنة كاستكماله ، كما قالوا : ابن سنتين لمن دخل في الثانية ، وكثرة هذا ~~الخلاف تظهر فيمن أوقع بعض أعمال الحج مما يصح تأخيره كطواف الزيارة بعد ~~عاشر ذي الحجة ، فمن يراه أوقعه في أيام الحج لم ير عليه دما ومن يرى خلافه ~~يرى خلافه . # وقد اختلفوا في الإهلال بالحج قبل دخول أشهر الحج ، فقال مجاهد وعطاء ~~والأوزاعي والشافعي وأبو ثور : لا يجزىء ويكون له عمرة كمن أحرم للصلاة قبل ~~وقتها ، وعليه : يجب عليه إعادة الإحرام من الميقات عند ابتداء أشهر الحج ، ~~واحتج الشافعي بقوله تعالى : { الحج أشهر معلومات } ، وقال أحمد : يجزىء ~~ولكنه مكروه ، وقال مالك وأبو حنيفة والنخعي : يجوز الإحرام في جميع السنة ~~بالحج والعمرة إلا أن مالكا كره العمرة في بقية ذي الحجة ، لأن عمر بن ~~الخطاب كان ينهى عن ذلك ويضرب فاعله بالدرة ، ودليل مالك في هذا ما مضى من ~~السنة ، واحتج النخعي بقوله تعالى : { يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت ~~للناس والحج } ( البقرة : 189 ) إذ جعل جميع الأهلة مواقيت للحج ولم يفصل ، ~~وهذا احتجاج ضعيف ، إذ ليس في الآية تعميم جميع الأهلة لتوقيت الحج بل مساق ~~الآية أن جميع الأهلة صالحة للتوفيق إجمالا ، مع التوزيع في التفصيل فيوقت ~~كل عمل بما يقارنه من ظهور الأهلة على ما تبينه أدلة أخرى من الكتاب والسنة ~~. PageV02P232 ولاحتمال الآية عدة محامل في وجه ذكر أشهر الحج لا أرى ~~للأئمة حجة فيها لتوقيت الحج . # وقوله تعالى : { فمن فرض فيهن الحج } تفريع على هاته المقدمة لبيان ms1045 أن ~~الحج يقع فيها وبيان أهم أحكامه . # ومعنى فرض : نوى وعزم ، فنية الحج هي العزم عليه وهو الإحرام ، ويشترط في ~~النية عند مالك وأبي حنيفة مقارنتها لقول من أقوال الحج وهو التلبية ، أو ~~عمل من أعماله كسوق الهدي ، وعند الشافعي يدخل الحج بنية ولو لم يصاحب قولا ~~أو عملا وهو أرجح ؛ لأن النية في العبادات لم يشترط فيها مقارنتها لجزء من ~~أعمال العبادة ، ولا خلاف أن السنة مقارنة الإهلال للاغتسال والتلبية ~~واستواء الراحلة براكبها . # وضمير { فيهن } للأشهر ، لأنه جمع لغير عاقل فيجري على التأنيث . # وقوله : { فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج } جواب من الشرطية ، ~~والرابط بين جملة الشرط والجواب ما في معنى { لا رفث } من ضمير يعود على ( ~~من ) ؛ لأن التقدير فلا يرفث . # وقد نفى الرفث والفسوق والجدال نفي الجنس مبالغة في النهي عنها وإبعادها ~~عن الحاج ، حتى جعلت كأنها قد نهي الحاج عنها فانتهى فانتفت أجناسها ، ~~ونظير هذا كثير في القرآن كقوله تعالى : { والمطلقات يتربصن } ( البقرة : ~~228 ) وهو من قبيل التمثيل بأن شبهت حالة المأمور وقت الأمر بالحالة ~~الحاصلة بعد امتثاله فكأنه امتثل وفعل المأمور به فصار بحيث يخبر عنه بأنه ~~فعل كما قرره في ( الكشاف ) في قوله : { والمطلقات يتربصن } ، فأطلق المركب ~~الدال على الهيئة المشبه بها على الهيئة المشبهة . # وقرأ الجمهور بفتح أواخر الكلمات الثلاث المنفية بلا ، على اعتبار ( لا ) ~~نافية للجنس نصا ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو برفع ( رفث ) و ( فسوق ) على أن ~~( لا ) أخت ليس نافية للجنس غير نص وقرآ ( ولا جدال ) بفتح اللام على ~~اعتبار ( لا ) نافية للجنس نصا وعلى أنه عطف جملة على جملة فروي عن أبي ~~عمرو أنه قال : الرفع بمعنى لا يكون رفث ولا فسوق يعني أن خبر ( لا ) محذوف ~~وأن المصدرين نائبان عن فعليهما وأنهما رفعا لقصد الدلالة على الثبات مثل ~~رفع { الحمد لله } ( الفاتحة : 2 ) وانتهى الكلام ثم ابتدأ النفي فقال : { ~~ولا جدال في الحجعلى أن في الحج } خبر ( لا ) ، والكلام على القراءتين خبر ~~مستعمل في النهي . PageV02P233 # والرفث ms1046 اللغو من الكلام والفحش منه قاله أبو عبيدة واحتج بقول العجاج : # ورب أسرابب حجيجج كظم # عن اللغا ورفثث التكلم # وفعله كنصر وفرح وكرم والمراد به هنا الكناية عن قربان النساء . وأحسب أن ~~الكناية بهذا اللفظ دون غيره لقصد جمع المعنيين الصريح والكناية ، وكانوا ~~في الجاهلية يتوقون ذلك ، قال النابغة : # حياكك ربي فإنا لا يحل لنا # لهو النساء وإن الدين قد عزما # يريد من الدين الحج وقد فسروا قوله : لهو النساء بالغزل . # وهذا خبر مراد به مبالغة النهي اقتضى أن الجماع في الحج حرام ، وأنه مفسد ~~للحج وقد بينت السنة ذلك بصراحة ، فالدخول في الإحرام يمنع من الجماع إلى ~~الإحلال بطواف الإفاضة وذلك جميع وقت الإحرام ، فإن حصل نسيان فقال مالك هو ~~مفسد ويعيد حجه إذا لم يمض وقوف عرفة ، وإلا قضاه في القابل نظرا إلى أن ~~حصول الالتذاذ قد نافى تجرد الحج والزهد المطلوب فيه بقطع النظر عن تعمد أو ~~نسيان ، وقال الشافعي في أحد قوليه وداود الظاهري : لا يفسد الحج وعليه هدي ~~، وأما مغازلة النساء والحديث في شأن الجماع فذريعة ينبغي سدها ، لأنه يصرف ~~القلب عن الانقطاع إلى ذكر الله في الحج . # وليس من الرفث إنشاد الشعر القديم الذي فيه ذكر الغزل ؛ إذ ليس القصد منه ~~إنشاء الرفث ، وقد حدا ابن عباس راحلته وهو محرم ببيت فيه ذكر لفظ من الرفث ~~فقال له صاحبه حصين بن قيس : أترفث وأنت محرم ؟ فقال : إن الرفث ما كان عند ~~النساء أي الفعل الذي عند النساء أي الجماع . # والفسوق معروف وقد تقدم القول فيه غير مرة ، وقد قيل أراد به هنا النهي ~~عن الذبح للأصنام وهو تفسير مروي عن مالك ، وكأنه قاله لأنه يتعلق بإبطال ~~ما كانوا عليه في الجاهلية غير أن الظاهر شمول الفسوق لسائر الفسق وقد سكت ~~جميع المفسرين عن حكم الإتيان بالفسوق في مدة الإحرام . وقرن الفسوق بالرفث ~~الذي هو مفسد للحج يقتضي أن إتيان الفسوق في مدة الإحرام مفسد للحج كذلك ، ~~ولم أر لأحد من الفقهاء أن الفسوق مفسد ms1047 للحج ، ولا أنه غير مفسد سوى ابن ~~حزم فقال في ( المحلى ) : إن مذهب الظاهرية أن المعاصي كلها مفسدة للحج ، ~~والذي PageV02P234 يظهر أن غير الكبائر لا يفسد الحج وأن تعمد الكبائر مفسد ~~للحج وهو أحرى بإفساده من قربان النساء الذي هو التذاذ مباح والله أعلم . # والجدال مصدر جادله إذا خاصمه خصاما شديدا وقد بسطنا الكلام عليه عند ~~قوله تعالى : { ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم ( في سورة النساء : 107 ~~) ، إذ فاتنا بيانه هنا . # واختلف في المراد بالجدال هنا فقيل السباب والمغاضبة ، وقيل تجادل العرب ~~في اختلافهم في الموقف ؛ إذ كان بعضهم يقف في عرفة وبعضهم يقف في جمع وروي ~~هذا عن مالك . # واتفق العلماء على أن مدارسة العلم والمناظرة فيه ليست من الجدال المنهي ~~عنه ، وقد سمعت من شيخنا العلامة الوزير أن الزمخشري لما أتم تفسير الكشاف ~~} وضعه في الكعبة في مدة الحج بقصد أن يطالعه العلماء يحضرون الموسم وقال : ~~من بدا له أن يجادل في شيء فليفعل ، فزعموا أن بعض أهل العلم اعترض عليه ~~قائلا : بماذا فسرت قوله تعالى : { ولا جدال في الحج } وأنه وجم لها ، وأنا ~~أحسب إن صحت هذه الحكاية أن الزمخشري أعرض عن مجاوبته ، لأنه رآه لا يفرق ~~بين الجدال الممنوع في الحج وبين الجدال في العلم . # واتفقوا على أن المجادلة في إنكار المنكر وإقامة حدود الدين ليست من ~~المنهي عنه فالمنهي عنه هو ما يجر إلى المغاضبة والمشاتمة وينافي حرمة الحج ~~ولأجل ما في أحوال الجدال من التفصيل كانت الآية مجملة فيما يفسد الحج من ~~أنواع الجدال فيرجع في بيان ذلك إلى أدلة أخرى . # وقوله : { وما تفعلوا خير يعلمه الله } عقب به النهي عن المنهيات لقصد ~~الاتصاف بأضداد تلك المنهيات فكأنه قال : لا تفعلوا ما نهيتم عنه وافعلوا ~~الخير فما تفعلوا يعلمه الله ، وأطلق علم الله وأريد لازمه وهو المجازاة ~~على المعلوم بطريق الكناية فهو معطوف على قوله : { فلا رفث } الخ . # معطوف على جملة : { وما تفعلوا من خير يعلمه الله } باعتبار ما فيها من ~~الكناية عن ms1048 الترغيب في فعل الخير ، والمعنى وأكثروا من فعل الخير . # والتزود إعداد الزاد وهو الطعام الذي يحمله المسافر ، وهو تفعل مشتق من ~~اسم جامد وهو الزاد كما يقال تعمم وتقمص أي جعل ذلك معه . PageV02P235 # فالتزود مستعار للاستكثار من فعل الخير استعدادا ليوم الجزاء شبه بإعداد ~~المسافر الزاد لسفره بناء على إطلاق اسم السفر والرحيل على الموت . قال ~~الأعشى في قصيدته التي أنشأها لمدح النبي صلى الله عليه وسلم وذكر فيها بعض ~~ما يدعو النبي إليه أخذا من هذه الآية وغيرها : # إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى # ولاقيت بعد الموت من قد تزودا # ندمت أن لا تكون كمثله # وأنك لم ترصد بما كان أرصدا # فقوله : { فإن خير الزاد التقوى } بمنزلة التذييل أي التقوى أفضل من ~~التزود للسفر فكونوا عليها أحرص . # ويجوز أن يستعمل التزود مع ذلك في معناه الحقيقي على وجه استعمال اللفظ ~~في حقيقته ومجازه فيكون أمرا بإعداد الزاد لسفر الحج تعريضا بقوم من أهل ~~اليمن كانوا يجيئون إلى الحج دون أي زاد ويقولون نحن متوكلون على الله ( ) ~~فيكونون كلا على الناس بالإلحاف . # فقوله : { فإن خير الزاد } الخ إشارة إلى تأكيد الأمر بالتزود تنبيها ~~بالتفريع على أنه من التقوى لأن فيه صيانة ماء الوجه والعرض . # وقوله : { واتقون } بمنزلة التأكيد لقوله { فإن خير الزاد التقوى } ولم ~~يزد إلا قوله { يا أولى الألباب } المشير إلى أن التوقى مما يرغب فيه أهل ~~العقول . # والألباب : جمع لب وهو العقل ، واللب من كل شيء : الخالص منه ، وفعله لبب ~~يلب بضم اللام قالوا وليس في كلام العرب فعل يفعل بضم العين في الماضي ~~والمضارع من المضاعف إلا عذا الفعل حكاه سيبويه عن يونس وقال ثعلب ما أعرف ~~له نظيرا . # فقوله { فإن خير الزاد التقوى } بمنزلة التذييل أي التقوء أفضل من التزود ~~للسفر فكونوا عليها أحرص ، وموقع قوله : { واتقون يا أولي الألباب } على ~~احتمال أن يراد بالتزود معناه الحقيقي مع المجازي إفادة الأمر بالتقوى التي ~~هي زاد الآخرة بمناسبة الأمر بالتزود لحصول التقوى الدنيوية بصون العرض . ~~PageV02P236 # والتقوى ms1049 مصدر اتقى إذا حذر شيئا ، وأصلها تقيي قلبوا ياءها واوا للفرق ~~بين الاسم والصفة ، فالصفة بالياء كامرأة تقيى كخزبى وصديى ، وقد أطلقت ~~شرعا على الحذر من عقاب الله تعالى باتباع أوامره واجتناب نواهيه وقد تقدمت ~~عند قوله تعالى : { هدى للمتقين } ( البقرة : 2 ) . # # | 2 ( 198 ) { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم فإذآ أفضتم من ~~عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله ~~لمن الضآلين } . ) 2 # جملة معترضة بين المتعاطفين بمناسبة النهي عن أعمال في الحج تنافي المقصد ~~منه فنقل الكلام إلى إباحة ما كانوا يتحرجون منه في الحج وهو التجارة ببيان ~~أنها لا تنافي المقصد الشرعي إبطالا لما كان عليه المشركون ، إذ كانوا يرون ~~التجارة للمحرم بالحج حراما . فالفضل هنا هو المال ، وابتغاء الفضل التجارة ~~لأجل الربح كما هو في قوله تعالى : { وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل ~~الله } ( المزمل : 20 ) . وقد كان أهل الجاهلية إذا خرجوا من سوق ذي المجاز ~~إلى مكة حرم عندهم البيع والشراء قال النابغة : # كادت تساقطني رحلي وميثرتي # بذي المجاز ولم تحسس به نغما ( ) # من صوتت حرمية قالت وقد ظعنوا # هل في مخفيكم من يشتري أدما # قلت لها وهي تسعى تحت لبتها # لا تحطمنكك إن البيع قد زرما # أي انقطع البيع وحرم ، وعن ابن عباس : كانت عكاظ ومجنة ، وذو المجاز ~~أسواقا في الجاهلية فتأثموا أن يتجروا في المواسم فنزلت : ( ليس عليكم جناح ~~أن تبتغوا فضلا من ربكم في موسم الحج ) اه . أي قرأها ابن عباس بزيادة في ~~مواسم الحج . # وقد كانت سوق عكاظ تفتح مستهل ذي القعدة وتدوم عشرين يوما وفيها تباع ~~نفائس السلع وتتفاخر القبائل ويتبارى الشعراء ، فهي أعظم أسواق العرب وكان ~~موقعها بين نخلة والطائف ، ثم يخرجون من عكاظ إلى مجنة ثم إلى ذي المجاز ، ~~والمظنون أنهم يقضون بين هاتين السوقين بقية شهر ذي القعدة ؛ لأن النابغة ~~ذكر أنه أقام بذي المجاز أربع ليال وأنه خرج من ذي المجاز إلى مكة فقال ~~يذكر راحلته : PageV02P237 # باتت ثلاث ms1050 ليالل ثم واحدة # بذي المجاز تراعي منزلا زيما # ثم ذكر أنه خرج من هنالك حاجا فقال : # كادت تساقطني رحلي وميثرتي # الفاء عاطفة على قوله : { فلا رفث ولا فسوق } ( البقرة : 197 ) الآية ، ~~عطف الأمر على النهي ، وقوله : ( إذا أفضتم ) شرط للمقصود وهو : ( فاذكروا ~~الله ) . # والإفاضة هنا : الخروج بسرعة وأصلها من فاض الماء إذا كثر على ما يحويه ~~فبرز منه وسال ؛ ولذلك سموا إحالة القداح في الميسر إفاضة والمجيل مفيضا ، ~~لأنه يخرج القداح من الربابة بقوة وسرعة أي بدون تخير ولا جس لينظر القدح ~~الذي يخرج ، وسموا الخروج من عرفة إفاضة لأنهم يخرجون في وقت واحد وهم عدد ~~كثير فتكون لخروجهم شدة ، والإفاضة أطلقت في هاته الآية على الخروج من عرفة ~~والخروج من مزدلفة . # والعرب كانوا يسمون الخروج من عرفة الدفع ، ويسمون الخروج من مزدلفة ~~إفاضة ، وكلا الإطلاقين مجاز ؛ لأن الدفع هو إبعاد الجسم بقوة ، ومن بلاغة ~~القرآن إطلاق الإفاضة على الخروجين ؛ لما في أفاض من قرب المشابهة من حيث ~~معنى الكثرة دون الشدة . ولأن في تجنب دفعتم تجنبا لتوهم السامعين أن السير ~~مشتمل على دفعع بعض الناس بعضا ؛ لأنهم كانوا يجعلون في دفعهم ضوضاء وجلبة ~~وسرعة سير فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك في حجة الوداع وقال : ( ~~ليس البر بالإيضاع فإذا أفضتم فعليكم بالسكينة والوقار ) . # و ( عرفات ) اسم واد ويقال : بطن وهو مسيل متسع تنحدر إليه مياه جبال ~~تحيط به تعرف بجبال عرفة بالإفراد ، وقد جعل عرفات علما على ذلك الوادي ~~بصيغة الجمع بألفف وتاء ، ويقال له : عرفة بصيغة المفرد ، وقال الفراء : ~~قول الناس يوم عرفة مولد ليس بعربي محضض ، وخالفه أكثر أهل العلم فقالوا : ~~يقال عرفات وعرفة ، وقد جاء في عدة أحاديث ( يوم عرفة ) ، وقال بعض أهل ~~اللغة : لا يقال : يوم عرفات . # وفي وسط وادي عرفة جبيل يقف عليه ناس ممن يقفون بعرفة ويخطب عليه الخطيب ~~بالناس يوم تاسع ذي الحجة عند الظهر ، ووقف عليه PageV02P238 النبي صلى ~~الله عليه وسلم راكبا يوم عرفة ، وبني في أعلى ذلك الجبيل ms1051 علم في الموضع ~~الذي وقف فيه النبي عليه الصلاة والسلام فيقف الأئمة يوم عرفة عنده . # ولا يدرى وجه اشتقاقق في تسمية المكان عرفات أو عرفة ، ولا أنه علم منقول ~~أو مرتجل ، والذي اختاره الزمخشري وابن عطية أنه علم مرتجل ، والذي يظهر أن ~~أحد الاسمين أصل والآخر طارىء عليه وأن الأصل ( عرفات ) من العربية القديمة ~~وأن عرفة تخفيف جرى على الألسنة ، ويحتمل أن يكون الأصل ( عرفة ) وأن عرفات ~~إشباع من لغة بعض القبائل . # وذكر ( عرفات ) باسمه في القرآن يشير إلى أن الوقوف بعرفة ركن الحج وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم ( الحج عرفة ) . # سمي الموضع عرفات الذي هو على زنة الجمع بألفف وتاء فعاملوه معاملة الجمع ~~بألفف وتاء ولم يمنعوه الصرف مع وجود العلمية . وجمع المؤنث لا يمنع من ~~الصرف ؛ لأن الجمع يزيل ما في المفرد من العلمية ؛ إذ الجمع بتقدير مسميات ~~بكذا ، فما جمع إلا بعد قصد تنكيره ، فالتأنيث الذي يمنع الصرف مع العلمية ~~أو الوصفية هو التأنيث بالهاء . # وذكر الإفاضة من ( عرفات ) يقتضي سبق الوقوف به ؛ لأنه لا إفاضة إلا بعد ~~الحلول بها ، وذكر ( عرفات ) باسمه تنويه به يدل على أن الوقوف به ركن فلم ~~يذكر من المناسك باسمه غير عرفة والصفا والمروة ، وفي ذلك دلالة على أنهما ~~من الأركان ، خلافا لأبي حنيفة في الصفا والمروة ، ويؤخذ ركن الإحرام من ~~قوله : { فمن فرض فيهن الحج } ( البقرة : 197 ) ، وأما طواف الإفاضة فثبت ~~بالسنة وإجماع الفقهاء . # و ( من ) ابتدائية . # والمعنى فإذا أفضتم خارجين من عرفات إلى المزدلفة . # والتصريح باسم ( عرفات ) في هذه الآية للرد على قريش ؛ إذ كانوا في ~~الجاهلية يقفون في ( جمع ) وهو المزدلفة ؛ لأنهم حمس ، فيرون أن الوقوف لا ~~يكون خارج الحرم ، ولما كانت مزدلفة من الحرم كانوا يقفون بها ولا يرضون ~~بالوقوف بعرفة ، لأن عرفة من الحل كما سيأتي ، ولهذا لم يذكر الله تعالى ~~المزدلفة في الإفاضة الثانية باسمها وقال : { من حيث PageV02P239 أفاض ~~الناس } لأن المزدلفة هو المكان الذي يفيض منه الناس بعد إفاضة عرفات ، ~~فذلك حوالة على ms1052 ما يعلمونه . # و ( المشعر ) اسم مشتق من الشعور أي العلم ، أو من الشعار أي العلامة ، ~~لأنه أقيمت فيه علامة كالمنار من عهد الجاهلية ، ولعلهم فعلوا ذلك لأنهم ~~يدفعون من عرفات آخر المساء فيدركهم غبس ما بعد الغروب وهم جماعات كثيرة ~~فخشوا أن يضلوا الطريق فيضيق عليهم الوقت . # إوصف المشعر بوصف ( الحرام ) لأنه من أرض الحرم بخلاف عرفات . # والمشعر الحرام هو ( المزدلفة ) ، سميت مزدلفة لأنها ازدلفت من منى أي ~~اقتربت ؛ لأنهم يبيتون بها قاصدين التصبيح في منى . ويقال للمزدلفة أيضا ( ~~جمع ) لأن جميع الحجيج يجتمعون في الوقوف بها ، الحمس وغيرهم من عهد ~~الجاهلية ، قال أبو ذؤيب : # فبات بجمعع ثم راح إلى منى # فأصبح رادا يبتغي المزج بالسحل ( ) # فمن قال : إن تسميتها جمعا لأنها يجمع فيها بين المغرب والعشاء فقد غفل ~~عن كونه اسما من عهد ما قبل الإسلام . # وتسمى المزدلفة أيضا ( قزح ) بقاف مضمومة وزاي مفتوحة ممنوعا من الصرف ، ~~باسم قرن جبل بين جبالل من طرف مزدلفة ويقال له : الميقدة لأن العرب في ~~الجاهلية كانوا يوقدون عليه النيران ، وهو موقف قريش في الجاهلية ، وموقف ~~الإمام في المزدلفة على قزح . روى أبو داود والترمذي أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لما أصبح بجمع أتى قزح فوقف عليه وقال : هذا قزح وهو الموقف وجمع ~~كلها موقف . # ومذهب مالك أن المبيت سنة وأما النزول حصة فواجب . وذهب علقمة وجماعة من ~~التابعين والأوزاعي إلى أن الوقوف بمزدلفة ركن من الحج فمن فاته بطل حجه ~~تمسكا بظاهر الأمر في قوله { فاذكروا الله } . PageV02P240 # وقد كانت العرب في الجاهلية لا يفيضون من عرفة إلى المزدلفة حتى يجيزهم ~~أحد ( بني صوفة ) وهم بنو الغوث بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر ~~وكانت أمه جرهمية ، لقب الغوث بصوفة ؛ لأن أمه كانت لا تلد فنذرت إن هي ~~ولدت ذكرا أن تجعله لخدمة الكعبة فولدت الغوث وكانوا يجعلون صوفة يربطون ~~بها شعر رأس الصبي الذي ينذرونه لخدمة الكعبة وتسمى الربيط ، فكان الغوث ~~يلي أمر الكعبة مع أخواله من جرهم ms1053 فلما غلب قصي بن كلاب على الكعبة جعل ~~الإجازة للغوث ثم بقيت في بنيه حتى انقرضوا ، وقيل إن الذي جعل أبناء الغوث ~~لإجازة الحاج هم ملوك كندة ، فكان الذي يجيز بهم من عرفة يقول : # لا هم إني تابع تباعه # إن كان إثم فعلى قضاعه # لأن قضاعة كانت تحل الأشهر الحرم ، ولما انقرض أبناء صوفة صارت الإجازة ~~لبني سعد بن زيد مناءة بن تميم ورثوها بالقعدد فكانت في آل صفوان منهم وجاء ~~الإسلام وهي بيد كرب بن صفوان قال أوس بن مغراء : # لا يبرح الناس ما حجوا معرفهم # حتى يقال أجيزوا آل صفوانا # الواو عاطفة على قوله : { فاذكروا الله عند المشعر الحرام } والعطف يقتضي ~~أن الذكر المأمور به هنا غير الذكر المأمور به في قوله : { فاذكروا الله ~~عند المشعر الحرام } فيكون هذا أمرا بالذكر على العموم بعد الأمر بذكر خاص ~~فهو في معنى التذييل بعد الأمر بالذكر الخاص في المشعر الحرام . # ويجوز أن يكون المراد من هذه الجملة هو قوله : { كما هداكم } فموقعها ~~موقع التذييل . وكان مقتضى الظاهر ألا تعطف بل تفصل وعدل عن مقتضى الظاهر ~~فعطفت بالواو باعتبار مغايرتها للجملة التي قبلها بما فيها من تعليل الذكر ~~وبيانن سببه وهي مغايرة ضعيفة لكنها تصحح العطف كما في قول الحارث بن همام ~~الشيباني : # أيا ابن زيابة إن تلقني # لا تلقني في النعم العازب # وتلقني يشتد بي أجرد # مستقدم البركة كالراكب PageV02P241 # فإن جملة تلقني الثانية هي بمنزلة بدل الاشتمال من لا تلقني في النعم ~~العازب لأن معناه لا تلقني راعي إبل وذلك النفي يقتضي كونه فارسا ؛ إذ لا ~~يخلو الرجل عن إحدى الحالتين فكان الظاهر فصل جملة تلقني تشتد بي أجرد لكنه ~~وصلها لمغايرة ما . # وقوله : { كما هداكم } تشبيه للذكر بالهدى وما مصدرية . ومعنى التشبيه في ~~مثل هذا المشابهة في التساوي أي اذكروه ذكرا مساويا لهدايته إياكم فيفيد ~~معنى المجازاة والمكافأة فلذلك يقولون إن الكاف في مثله للتعليل وقد تقدم ~~الفرق بينها وبين كاف المجازاة عند قوله تعالى : { فنتبرأ منهم كما تبرؤوا ms1054 ~~منا } ( البقرة : 167 ) وكثر ذلك في الكاف التي اقترنت بها ( ما ) كيف كانت ~~، وقيل ذلك خاص بما الكافة والحق أنه وارد في الكاف المقترنة بما وفي غيرها ~~. # وضمير { من قبله } يرجع إلى الهدى المأخوذ من ما المصدرية و ( إن ) مخففة ~~. من إن الثقيلة . والمراد ضلالهم في الجاهلية بعبادة الأصنام وتغيير ~~المناسك وغير ذلك . # # | 2 ( 199 ) { ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور ~~رحيم } . ) 2 # الذي عليه جمهور المفسرين أن ثم للتراخي الإخباري للترقى في الخبر وأن ~~الإفاضة المأمور بها هنا هي عين الإفاضة المذكورة في قوله تعالى : { فإذا ~~أفضتم من عرفات } ( البقرة : 198 ) وأن العطف بثم للعودة إلى الكلام على ~~تلك الإفاضة . # فالمقصود من الأمر هو متعلق { أفيضوا } أي قوله : { من حيث أفاض الناس } ~~إشارة إلى عرفات فيكون متضمنا الأمر بالوقوف بعرفة لا بغيرها إبطالا لعمل ~~قريش الذين كانوا يقفون يوم الحج الأكبر على ( قزح ) المسمى بجمع وبالمشعر ~~الحرام فهو من المزدلفة وكان سائر العرب وغيرهم يقف بعرفات فيكون المراد ~~بالناس في جمهورهم من عدا قريشا . # عن عائشة أنها قالت : كانت قريش ومن دان دينها يقفون بيوم عرفة في ~~المزدلفة وكانوا يسمون الحمس وكان سائر العرب يقفون بعرفة فلما جاء الإسلام ~~أمر الله نبيه أن يأتي عرفات ثم يقف بها ثم يفيض منها فذلك قوله تعالى : { ~~ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس } اه PageV02P242 فالمخاطب بقوله : { أفيضوا } ~~جميع المسلمين والمراد بالناس عموم الناس يعني من عدا قريشا ومن كان من ~~الحمس الذين كانوا يفيضون من المزدلفة وهم قريش ومن ولدوا وكنانة وأحلافهم ~~. # روى الطبري عن ابن أبي نجيح قال : كانت قريش لا أدري قبل الفيل أم بعده ~~ابتدعت أمر الحمس رأيا قالوا : نحن ولاة البيت وقاطنو مكة فليس لأحد من ~~العرب مثل حقنا ولا مثل منزلنا فلا تعظموا شيئا من الحلل كما تعظمون الحرم ~~يعني لأن عرفة من الحل فإنكم إن فعلتم ذلك استخفت العرب بحرمكم وقالوا : قد ~~عظموا من الحل مثل ما عظموا من الحرم فلذلك ms1055 تركوا الوقوف بعرفة والإفاضة ~~منها وكانت كنانة وخزاعة قد دخلوا معهم في ذلك اه ، يعني فكانوا لا يفيضون ~~إلا إفاضة واحدة بأن ينتظروا الحجيج حتى يردوا من عرفة إلى مزدلفة فيجتمع ~~الناس كلهم في مزدلفة ولعل هذا وجه تسمية مزدلفة بجمع ، لأنها يجمع بها ~~الحمس وغيرهم في الإفاضة فتكون الآية قد ردت على قريش الاقتصار على الوقوف ~~بمزدلفة . # وقيل : المراد بقوله : { ثم أفيضوا } الإفاضة من مزدلفة إلى منى ، فتكون ~~( ثم ) للتراخي والترتيب في الزمن أي بعد أن تذكروا الله عند المشعر الحرام ~~وهي من السنة القديمة من عهد إبراهيم عليه السلام فيما يقال ، وكان عليها ~~العرب في الجاهلية وكانت الإجازة فيها بيد خزاعة ثم صارت بعدهم لبني عدوان ~~من قيس عيلان ، وكان آخر من تولى الإجازة منهم أبا سيارة عميلة بن الأعزل ~~أجاز بالناس أربعين سنة إلى أن فتحت مكة فأبطلت الإجازة وصار الناس يتبعون ~~أمير الحج ، وكانوا في الجاهلية يخرجون من مزدلفة يوم عاشر ذي الحجة بعد أن ~~تطلع الشمس على ثبير وهو أعلى جبلل قرب منى وكان الذي يجيز بهم يقف قبيل ~~طلوع الشمس مستقبل القبلة ويدعو بدعاء يقول فيه : ( اللهم بغض بين رعائنا ، ~~وحبب بين نسائنا ، واجعل المال في سمحائنا ، اللهم كن لنا جارا ممن نخافه ، ~~أوفوا بعهدكم ، وأكرموا جاركم ، واقروا ضيفكم ) ، فإن قرب طلوع الشمس قال : ~~( أشرق ثبير كيما نغير ) ويركب أبو سيارة حمارا أسود فإذا طلعت الشمس دفع ~~بهم وتبعه الناس وقد قال في ذلك راجزهم : # خلوا السبيل عن أبي سياره # وعن مواليه بني فزاره # حتى يجيز سالما حماره # مستقبل القبلة يدعو جاره # أي يدعو الله تعالى لقوله : ( اللهم كن لنا جارا ممن نخافه . PageV02P243 # فقوله : { من حيث أفاض الناس } أي من المكان الذي يفيض منه سائر الناس ~~وهو مزدلفة . وعبر عنه بذلك لأن العرب كلهم يجتمعون في مزدلفة ، ولولا ما ~~جاء من الحديث لكان هذا التفسير أظهر لتكون الآية ذكرت الإفاضتين بالصراحة ~~وليناسب قوله بعد : { فإذا قضيتم مناسككم } ( البقرة : 200 ) . # وقوله : { من ربكم } عطف على ms1056 { أفيضوا من حيث أفاض الناس } أمرهم ~~بالاستغفار كما أمرهم بذكر الله عند المشعر الحرام . وفيه تعريض بقريش فيما ~~كانوا عليه من ترك الوقوف بعرفة . # # | 2 ( 200 ، 202 ) { فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم ءابآءكم أو ~~أشد ذكرا فمن الناس من يقول ربنآ ءاتنا فى الدنيا وما له فى الاخرة من خلاق ~~* ومنهم من يقول ربنآ ءاتنا فى الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة وقنا عذاب ~~النار * أولائك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب } . ) 2 # تفريع على قوله : { ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس } ( البقرة : 199 ) لأن ~~تلك الإفاضة هي الدفع من مزدلفة إلى منى أو لأنها تستلزم ذلك ومنى هي محل ~~رمي الجمار ، وأشارت الآية إلى رمي جمرة العقبة يوم عاشر ذي الحجة فأمرت ~~بأن يذكروا الله عند الرمي ثم الهدي بعد ذلك وقد تم الحج عند ذلك ، وقضيت ~~مناسكه . # وقد أجمعوا على أن الحاج لا يرمي يوم النحر إلا جمرة العقبة من بعد طلوع ~~الشمس إلى الزوال ثم ينحر بعد ذلك ، ثم يأتي الكعبة فيطوف طواف الإفاضة وقد ~~تم الحج وحل للحاج كل شيء إلا قربان النساء . # والمناسك جمع منسك مشتق من نسك نسكا من باب نصر إذا تعبد وقد تقدم في ~~قوله تعالى : { وأرنا مناسكنا } ( البقرة : 128 ) فهو هنا مصدر ميمي أو هو ~~اسم مكان والأول هو المناسب لقوله : { قضيتم } ؛ لئلا نحتاج إلى تقدير مضاف ~~أي عبادات مناسككم . # وقرأ الجميع { مناسككم } بفك الكافين وقرأه السوسي عن أبي عمرو بإدغامهما ~~وهو الإدغام الكبير . PageV02P244 # وقوله : { فاذكروا الله } أعاد الأمر بالذكر بعد أن أمر به وبالاستغفار ~~تحضيضا عليه وإبطالا لما كانوا عليه في الجاهلية من الاشتغال بفضول القول ~~والتفاخر ، فإنه يجر إلى المراء والجدال ، والمقصد أن يكون الحاج منغمسا في ~~العبادة فعلا وقولا واعتقادا . # وقوله : { كذكركم أباءكم } بيان لصفة الذكر ، فالجار والمجرور نعت لمصدر ~~محذوف أي ذكرا كذكركم الخ إشارة إلى ما كانوا عليه من الاشتغال في أيام منى ~~بالتفاخر بالأنساب ومفاخر أيامهم ، فكانوا يقفون بين مسجد منى أي موضعه وهو ms1057 ~~مسجد الخيف وبين الجبل ( أي جبل منى الذي مبدؤه العقبة التي ترمى بها ~~الجمرة ) فيفعلون ذلك . # وفي ( تفسير ابن جرير ) عن السدي : كان الرجل يقوم فيقول : اللهم إن أبي ~~كان عظيم القبة عظيم الجفنة كثير المال فأعطني مثل ما أعطيته ، فلا يذكر ~~غير أبيه وذكر أقوالا نحوا من ذلك . # والمراد تشبيه ذكر الله بذكر آبائهم في الكثرة والتكرير وتعمير أوقات ~~الفراغ به وليس فيه ما يؤذن بالجمع بين ذكر الله وذكر الآباء . # وقوله : { أو أشد ذكرا } أضل أو أنها للتخيير ولما كان المعطوف بها في ~~مثل ما هنا أولى بمضمون الفعل العامل في المعطوف عليه أفادت ( أو ) معنى من ~~التدرج إلى أعلى ، فالمقصود أن يذكروا الله كثيرا ، وشبه أولا بذكر آبائهم ~~تعريضا بأنهم يشتغلون في ذلك المناسك بذكر لا ينفع وأن الأجدر بهم أن ~~يعوضوه بذكر الله فهذا تعريض بإبطال ذكر الآباء بالتفاخر . ولهذا قال أبو ~~علي الفارسي وابن جنى : إن ( أو ) في مثل هذا للإضراب الانتقالي ونفيا ~~اشتراط تقدم نفي أو شبهه واشتراط إعادة العامل . وعليه خرج قوله تعالى : { ~~وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون } ( الصافات : 147 ) ، وعلى هذا فالمراد ~~من التشبيه أولا إظهار أن الله حقيق بالذكر هنالك مثل آبائهم ثم بين بأن ~~ذكر الله يكون أشد لأنه أحق بالذكر . # و ( أشد ) لا يخلو عن أن يكون معطوفا على مصدر مقدر منصوب على أنه مفعول ~~مطلق بعد قوله { كذكركم آباءكم } تقديره : { كذكركم آباءكم } فتكون فتحة { ~~أشد } التي في آخره فتحة نصب ، فنصبه بالعطف على المصدر المحذوف الذي دل ~~عليه قوله { كذكركم } والتقدير : PageV02P245 ذكرا كذكركم آباءكم ، وعلى ~~هذا الوجه فنصب { ذكرا } يظهر أنه تمييز لأشد ، وإذ قد كان ( أشد ) وصفا ~~لذكر المقدر صار مآل التمييز إلى أنه تمييز الشيء بمرادفه وذلك ينافي القصد ~~من التمييز الذي هو لإزالة الإبهام ، إلا أن مثل ذلك يقع في الكلام الفصيح ~~وإن كان قليلا قلة لا تنافي الفصاحة اكتفاء باختلاف صورة اللفظين ~~المترادفين ، مع إفادة التمييز حينئذ توكيد المميز كما حكى سيبويه أنهم ms1058 ~~يقولون : هو أشح الناس رجلا ، وهما خير الناس اثنين ، وهذا ما درج عليه ~~الزجاج في ( تفسيره ) ، قلت : وقريب منه استعمال تمييز ( نعم ) توكيدا في ~~قوله جرير : # تزود مثل زاد أبيك فينا # فنعم الزاد زاد أبيك زادا # ويجوز أن يكون نصب { أشد } على الحال من ( ذكر ) الموالي له وأن أصل أشد ~~نعت له وكان نظم الكلام : أو ذكرا أشد ، فقدم النعت فصار حالا ، والداعي ~~إلى تقديم النعت حينئذ هو الاهتمام بوصف كونه أشد ، وليتأتى إشباع حرف ~~الفاصلة عند الوقف عليه ، وليباعد ما بين كلمات الذكر المتكررة ثلاث مرات ~~بقدر الإمكان . أو أن يكون ( أشد ) معطوفا على ( ذكر ) المجرور بالكاف من ~~قوله : { كذكركم } ولا يمنع من ذلك ما قيل من امتناع العطف على المجرور ~~بدون إعادة الجار لأن ذلك غير متفق عليه بين أئمة النحو ، فالكوفيون لا ~~يمنعونه ووافقهم بعض المتأخرين مثل ابن مالك وعليه قراءة حمزة { واتقوا ~~الله الذي تساءلون به والأرحام } ( النساء : 1 ) بجر الأرحام وقد أجاز ~~الزمخشري هنا وفي قوله تعالى : { كخشية الله أو أشد خشية في ( سورة النساء ~~: 77 ) أن يكون العطف على المجرور بالحرف بدون إعادة الجار ، وبعض النحويين ~~جوزه فيما إذا كان الجر بالإضافة لا بالحرف كما قاله ابن الحاجب في إيضاح ~~المفصل } ، وعليه ففتحة { أشد } نائبة عن الكسرة ، لأن أشد ممنوع من الصرف ~~وعلى هذا الوجه فانتصاب { ذكرا } على التمييز على نحو ما تقدم في الوجه ~~الأول عن سيبويه والزجاج . # ولصاحب ( الكشاف ) تخريجان آخران لإعراب { أو أشد ذكرا } فيهما تعسف دعاه ~~إليهما الفرار من ترادف التمييز والمميز ، ولابن جني تبعا لشيخه أبي علي ~~تخريج آخر ، دعاه إليه مثل الذي دعا الزمخشري وكان تخريجه أشد تعسفا ذكره ~~عنه ابن المنير في ( الانتصاف ) ، وسلكه الزمخشري في تفسير آية سورة النساء ~~. # وهذه الآية من غرائب الاستعمال العربي ، ونظيرتها آية سورة النساء ، قال ~~الشيخ ابن عرفة PageV02P246 في ( تفسيره ) ( وهذه مسألة طويلة عويصة ما ~~رأيت من يفهمها من الشيوخ إلا ابن عبد السلام وابن الحباب وما قصر الطيبي ~~فيها وهو ms1059 الذي كشف القناع عنها هنا وفي قوله تعالى في ( سورة النساء : 77 ) ~~{ يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وكلامه في تلك الآية هو الذي حمل ~~التونسيين على نسخه ؛ لأني كنت عند ابن عبد السلام لما قدم الواصل بكتاب ~~الطيبي فقلت له : ننظر ما قال : في أشد خشية } فنظرناه فوجدنا فيه زيادة ~~على ما قال الناس فحض الشيخ إذ ذاك على نسخها اه ) . # وقوله : { فمن الناس من يقول } الخ ، الفاء للتفصيل ؛ لأن ما بعدها تقسيم ~~لفريقين من الناس المخاطبين بقوله : { فاذكروا الله } الخ فقد علم السامعون ~~أن الذكر يشمل الدعاء ؛ لأنه من ذكر الله وخاصة في مظان الإجابة من الزمان ~~والمكان ، لأن القاصدين لتلك البقاع على اختلاف أحوالهم ما يقصدون إلا ~~تيمنا ورجاء فكان في الكلام تقدير كأنه قيل : فاذكروا الله كذكركم آباءكم ~~أو أشد ذكرا وادعوه ، ثم أريد تفصيل الداعين للتنبيه على تفاوت الذين ~~تجمعهم تلك المناسك ، وإنما لم يفعل الذكر الأعم من الدعاء ، لأن الذكر ~~الذي ليس بدعاء لا يقع إلا على وجه واحد وهو تمجيد الله والثناء عليه فلا ~~حاجة إلى تفصيله تفصيلا ينبه إلى ما ليس بمحمود ، والمقسم إلى الفريقين ~~جميع الناس من المسلمين والمشركين ؛ لأن الآية نزلت قبل تحجير الحج على ~~المشركين بآية براءة ، فيتعين أن المراد بمن ليس له في الآخرة من خلاق هم ~~المشركون ؛ لأن المسلمين لا يهملون الدعاء لخير الآخرة ما بلغت بهم الغفلة ~~، فالمقصود من الآية التعريض بذم حالة المشركين ، فإنهم لا يؤمنون بالحياة ~~الآخرة . # وقوله : { آتنا } ترك المفعول الثاني لتنزيل الفعل منزلة ما لا يتعدى إلى ~~المفعول الثاني لعدم تعلق الغرض ببيانه أي أعطنا عطاء في الدنيا ، أو يقدر ~~المفعول بأنه الإنعام أو الجائزة أو محذوف لقرينة قوله { حسنة } فيما بعد ، ~~أي { آتنا في الدنيا حسنة } . # و ( الخلاق ) بفتح الخاء الحظ من الخير والنفيس مشتق من الخلاقة وهي ~~الجدارة ، يقال خلق بالشيء بضم اللام إذا كان جديرا به ، ولما كان معنى ~~الجدارة مستلزما نفاسة ما به الجدارة دل ما اشتق ms1060 من مرادفها على النفاسة ~~سواء قيد بالمجرور كما هنا أم أطلق كما في قوله صلى الله عليه وسلم ( إنما ~~يلبس هذه من خلاق له ) أي من الخير وقول البعيث بن حريث : # ولست وإن قربت يوما ببائع # خلاقي ولا ديني ابتغاء التحبب PageV02P247 # وجملة { وما له في الآخرة من خلق } معطوفة على جملة { من يقول } فهي ~~ابتدائية مثلها ، والمقصود : إخبار الله تعالى عن هذا الفريق من الناس أنه ~~لا حظ له في الآخرة ، لأن المراد من هذا الفريق الكفار ، فقد قال ابن عطية ~~: كانت عادتهم في الجاهلية ألا يدعوا إلا بمصالح الدنيا إذ كانوا لا يعرفون ~~الآخرة . # ويجوز أن تكون الواو للحال ، والمعنى من يقول ذلك في حال كونه لا حظ له ~~في الآخرة ولعل الحال للتعجيب . # و { حسنة } أصلها صفة لفعلة أو خصلة ، فحذف الموصوف ونزل الوصف منزلة ~~الاسم مثل تنزيلهم الخير منزلة الاسم مع أن أصله شيء موصوف بالخيرية ، ومثل ~~تنزيل صالحة منزلة الاسم في قول الحطيئة : # كيف الهجاء وما تنفك صالحة # من آل لأمم بظهر الغيب تأتيني # ووقعت حسنة في سياق الدعاء فيفيد العموم ، لأن الدعاء يقصد به العموم ~~كقول الحريري : # يا أهل ذا المغنى وقيتم ضرا # وهو عموم عرفي بحسب ما يصلح له كل سائل من الحسنتين . # وإنما زاد في الدعاء { وقنا عذاب النار } لأن حصول الحسنة في الآخرة قد ~~يكون بعد عذاب ما فأريد التصريح في الدعاء بطلب الوقاية من النار . # وقوله : { أولئك لهم نصيب مما كسبوا } إشارة إلى الفريق الثاني ، والنصيب ~~: الحظ المعطى لأحد في خير أو شر قليلا كان أو كثيرا ووزنه على صيغة فعيل ، ~~ولم أدر أصل اشتقاقه فلعلهم كانوا إذا عينوا الحظ لأحد ينصب له ويظهر ويشخص ~~، وهذا ظاهر كلام الزمخشري في ( الأساس ) والراغب في ( مفردات القرآن ) أو ~~هو اسم جاء على هذه الصيغة ولم يقصد منه معنى فاعل ولا معنى مفعول ، وإطلاق ~~النصيب على الشقص المشاع في قولهم نصيب الشفيع مجاز بالأول . # واعلم أنه وقع في ( لسان العرب ) في مادة ( كفل ) أنه ms1061 لا يقال هذا نصيب ~~فلان حتى يكون قد أعد لغيره فإذا كان مفردا فلا يقال نصيب وهذا غريب لم أره ~~لغيره سوى أن الفخر نقل مثله عن ابن المظفر عند قوله تعالى : { يكن له كفل ~~منها في ( سورة النساء : 85 ) . ووقع في كلام PageV02P248 الزجاج وابن عطية ~~في تفسير قوله تعالى : وجعلوا لله مما ذرأ من الحرب والأنعام نصيبا } ( ~~الأنعام : 136 ) قال الزجاج تقدير الكلام جعلوا لله نصيبا ولشركائهم نصيبا ~~، وقال ابن عطية قولهم جعل من كذا وكذا نصيبا يتضمن بقاء نصيب آخر ليس ~~بداخل في حكم الأول اه . # وهذا وعد من الله تعالى بإجابة دعاء المسلمين الداعين في تلك المواقف ~~المباركة إلا أنه وعد بإجابة شيء مما دعوا به بحسب ما تقتضيه أحوالهم وحكمة ~~الله تعالى ، وبألا يجر إلى فساد عام لا يرضاه الله تعالى فلذلك نكر ( نصيب ~~) ليصدق بالقليل والكثير وأما إجابة الجميع إذا حصلت فهي أقوى وأحسن . ~~وكسبوا بمعنى طلبوا ، لأن كسب بمعنى طلب ما يرغب فيه . ويجوز أن يراد ~~بالكسب هنا العمل وبالنصيبب نصيب الثواب فتكون ( من ) ابتدائية . # واسم الإشارة مشير إلى الناس الذين يقولون : { ربنا آاتنا في الدنيا حسنة ~~وفي الآخرة حسنة } للتنبيه باسم الإشارة على أن اتصافهم بما بعد اسم ~~الإشارة شيء استحقوه بسبب الإخبار عنهم بما قبل اسم الإشارة ، أي إن الله ~~استجاب لهم لأجل إيمانهم بالآخرة فيفهم منه أن دعاء الكافرين في ضلال . # وقوله : { والله سريع الحساب } تذييل قصد به تحقيق الوعد بحصول الإجابة ، ~~وزيادة تبشير لأهل ذلك الموقف ، لأن إجابة الدعاء فيه سريعة الحصول ، فعلم ~~أن الحساب هنا أطلق على مراعاة العمل والجزاء عليه . # والحساب في الأصل العد ، ثم أطلق على عد الأشياء التي يراد الجزاء عليها ~~أو قضاؤها ، فصار الحساب يطلق على الوفاء بالحق يقال حاسبه أي كافأه أو دفع ~~إليه حقه ، ومنه سمي يوم القيامة يوم الحساب وقال تعالى : { إن حسابهم إلا ~~على ربي } ( الشعراء : 113 ) وقال { جزاء من ربك عطاء حسابا } ( النبأ : 36 ~~) أي وفاقا لأعمالهم ، وههنا أيضا أريد ms1062 به الوفاء بالوعد وإيصال الموعود به ~~، فاستفادة التبشير بسرعة حصول مطلوبهم بطريق العموم ؛ لأن إجابتهم من جملة ~~حساب الله تعالى عباده على ما وعدهم فيدخل في ذلك العموم . # والمعنى فإذا أتممتم أيها المسلمون مناسك حجكم فلا تنقطعوا عن أن تذكروا ~~الله بتعظيمه وحمده ، وبالالتجاء إليه بالدعاء لتحصيل خير الدنيا وخير ~~الآخرة ، ولا تشتغلوا بالتفاخر ، PageV02P249 فإن ذكر الله خير من ذكركم ~~آباءكم كما كنتم تذكرونهم بعد قضاء المناسك قبل الإسلام وكما يذكرهم ~~المشركون الآن . ولا تكونوا كالذين لا يدعون إلا بطلب خير الدنيا ولا ~~يتفكرون في الحياة الآخرة ، لأنهم ينكرون الحياة بعد الموت فإنكم إن ~~سألتموه أعطاكم نصيبا مما سألتم في الدنيا وفي الآخرة إن الله يعجل ~~باستجابة دعائكم . # PageV02P250 $ 2 ( 203 ) { واذكروا الله فى & # 1764 أيام معدودات فمن تعجل فى يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا & # 1764 إثم عليه لمن اتقى واتقوا الله واعلمو & # 1764 ا أنكم إليه تحشرون } . ) 2 $ # معطوف على { فاذكروا الله كذكركم آباءكم } ( البقرة : 200 ) وما بينهما ~~اعتراض ، وإعادة فعل { اذكروا } ليبنى عليه تعليق المجرور أي قوله : { في ~~أيام معدودات } لبعد متعلقه وهو { فاذكروا الله كذكركم آباءكم } ، لأنه ~~أريد تقييد الذكر بصفته ثم تقييده بزمانه ومكانه . فالذكر الثاني هو نفس ~~الذكر الأول وعطفه عليه منظور فيه إلى المغايرة بما علق به من زمانه . # والأيام المعدودات أيام منى ، وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر ، يقيم الناس ~~فيها بمنى وتسمى أيام التشريق ، لأن الناس يقددون فيها اللحم ، والتقديد ~~تشريق ، أو لأن الهدايا لا تنحر فيها حتى تشرق الشمس . وكانوا يعلمون أن ~~إقامتهم بمنى بعد يوم النحر بعد طواف الإفاضة ثلاثة أيام فيعلمون أنها ~~المراد هنا بالأيام المعدودات ، ولذلك قال جمهور الفقهاء الأيام المعدودات ~~أيام منى وهي بعد اليوم العاشر وهو قول ابن عمر ومجاهد وعطاء وقتادة والسدي ~~والضحاك وجابر بن زيد ومالك ، وهي غير المراد من الأيام المعلومات التي في ~~قوله تعالى : { ويذكروا اسم الله في أيام معلومات في ( سورة الحج : 28 ) . ~~فالأيام المعلومات أيام النحر الثلاثة ، وهي اليوم ms1063 العاشر ويومان بعده . ~~والمعدودات أيام منى بعد يوم النحر ، فاليوم العاشر من المعلومات لا من ~~المعدودات ، PageV02P261 واليومان بعده من المعلومات والمعدودات ، واليوم ~~الرابع من المعدودات فقط ، واحتجوا على ذلك بقوله تعالى : ويذكروا اسم الله ~~في إيام معلومات على رزقهم من بهيمة الأنعام } ( الحج : 28 ) لأن اليوم ~~الرابع لا نحر فيه ولا ذبح إجماعا ، وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن لا فرق ~~بين الأيام المعلومات والأيام المعدودات وهي يوم النحر ويومان بعده فليس ~~اليوم الرابع عندهما معلوما ولا معدودا ، وعن الشافعي الأيام المعلومات من ~~أول ذي الحجة حتى يوم النحر وما بعد ذلك معدودات ، وهو رواية عن أبي حنيفة ~~. # ودلت الآية على طلب ذكر الله تعالى في أيام رمي الجمار وهو الذكر عند ~~الرمي وعند نحر الهدايا . # وإنما أمروا بالذكر في هذه الأيام ، لأن أهل الجاهلية كانوا يشغلونها ~~بالتفاخر ومغازلة النساء ، قال العرجي : # ما نلتقي إلا ثلاث منى # حتى يفرق بيننا النفر # وقال عمر بن أبي ربيعة : # بدا لي منها معصم حين جمرت # وكف خصيب زينت ببنان # فوالله ما أدري وإن كنت داريا # بسبعع رميت الجمر أم بثمان # لأنهم كانوا يرون أن الحج قد انتهى بانتهاء العاشر ، بعد أن أمسكوا عن ~~ملاذهم مدة طويلة فكانوا يعودون إليها ، فأمرهم الله تعالى بذكر الله فيها ~~، وذكر الله فيها هو ذكره عند رمي الجمار . # والأيام المعدودات الثلاثة ترمى الجمار الثلاثة في كل يوم منها بعد ~~الزوال يبتدأ بالجمرة التي تلي مسجد منى بسبع حصيات ، ثم ترمى الجمرتان ~~الأخريان كل جمرة بمثل ذلك ويكبر مع كل حصاة ، وآخرها جمرة العقبة ، وفي ~~أحكام الرمي ووقته وعكس الابتداء فيه بجمرة مسجد منى والمبيت بغير منى ~~خلافات بين الفقهاء . # والآية تدل على أن الإقامة في منى في الأيام المعدودات واجبة فليس للحاج ~~أن يبيت في تلك الليالي إلا في منى ، ومن لم يبت في منى فقد أخل بواجب ~~فعليه هدي ، ولا يرخص في المبيت في غير منى إلا لأهل الأعمال التي تقتضي ~~المغيب عن منى فقد رخص النبي ms1064 صلى الله عليه وسلم PageV02P262 للعباس المبيت ~~بمكة لأجل أنه على سقاية زمزم ، ورخص لرعاء الإبل من أجل حاجتهم إلى رعي ~~الإبل في المراعي البعيدة عن منى وذلك كله بعد أن يرموا جمرة العقبة يوم ~~النحر ويرجعوا من الغد فيرمون ، ورخص للرعاء الرمي بليل ، ورخص الله في هذه ~~الآية لمن تعجل إلى وطنه أن يترك الإقامة بمنى اليومين الأخيرين من الأيام ~~المعدودات . # وقوله : { فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه } تفريع لفظي للإذن بالرخصة في ~~ترك حضور بعض أيام منى لمن أعجله الرجوع إلى وطنه ، وجيء بالفاء لتعقيب ذكر ~~الرخصة بعد ذكر العزيمة رحمة منه تعالى بعباده . # وفعلا { تعجل } و { تأخر } : مشعران بتعجل وتأخر في الإقامة بالمكان الذي ~~يشعر به اسم الأيام المعدودات ، فالمراد ، من التعجل عدم اللبث وهو النفر ~~عن منى ومن التأخر اللبث في منى إلى يوم نفر جميع الحجيج ، فيجوز أن تكون { ~~صيغة } تعجل و { تأخر } معناهما مطاوعة عجله وأخره فإن التفعل يأتي ~~للمطاوعة كأنه عجل نفسه فتعجل وأخرها فتأخر فيكون الفعلان قاصرين لا حاجة ~~إلى تقدير مفعول لهما ولكن المتعجل عنه والمتأخر إليه مفهومان من اسم ~~الأيام المعدودات ، أي تعجل النفر وتأخر النفر ، ويجوز أن تكون صيغة التفعل ~~في الفعلين لتكلف الفعل كأنه اضطر إلى العجلة أو إلى التأخر فيكون المفعول ~~محذوفا لظهوره أي فمن تعجل النفر ومن تأخره . # فقوله : { فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه } ظاهر المعنى في نفي الإثم ~~عنه ، وإنما قوله : { ومن تأخر فلا إثم عليه } يشكل بأن نفي الإثم يقتضي ~~توهم حصوله فيصير التأخر إلى اليوم الرابع رخصة مع أنه هو العزيمة ، ودفع ~~هذا التوهم بما روي أن أهل الجاهلية كانوا على فريقين ؛ فريق منهم يبيحون ~~التعجيل ، وفريق يبيحون التأخير إلى الرابع فوردت الآية للتوسعة في الأمرين ~~، أو تجعل معنى نفي الإثم فيهما كناية عن التخيير بين الأمرين ، والتأخير ~~أفضل ، ولا مانع في الكلام من التخيير بين أمرين وإن كان أحدهما أفضل كما ~~خير المسافر بين الصوم والإفطار وإن كان الصوم أفضل ms1065 . # وعندي أن وجه ذكر { ومن تأخر فلا إثم عليه } أن الله لما أمر بالذكر في ~~أيام منى وترك ما كانوا عليه في الجاهلية من الاشتغال فيها بالفضول كما ~~تقدم ، وقال بعد ذلك { فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه } خيف أن يتوهم أن ~~التعجيل بالنفر أولى تباعدا من مواقعة ما لا PageV02P263 يحسن من الكلام ، ~~فدفع ذلك بقوله : { ومن تأخر فلا إثم عليه } فإذا نفي هذا التوهم علم ~~السامع أنه قد ثبتت للمتأخر فضيلة الإقامة بتلك المنازل المباركة والمشاركة ~~فيها بذكر الله تعالى ، ولذلك عقبه بقوله : { لمن اتقى } أي لمن اتقى الله ~~في تأخره فلم يرفث ولم يفسق في أيام منى ، وإلا فالتأخر فيها لمن لم يتق ~~إثم فهو متعلق بما تدل عليه ( لا ) من معنى النفي ، أو هو خبر مبتدأ ، أي ~~ذلك وبدون هذا لا يظهر وجه لزيادة قوله { لمن اتقى } وإن تكلفوا في تفسيره ~~بما لا تميل النفس إلى تقريره . # وقوله : { واتقوا الله } وصاية بالتقوى وقعت في آخر بيان مهام أحكام الحج ~~، فهي معطوفة على { واذكروا الله } أو معترضة بين { ومن تأخر } وبين { من ~~الناس من يعجبك } ( البقرة : 204 ) الخ . # وقد استحضر حال المخاطبين بأحكام الحج في حال حجهم ؛ لأن فاتحة هاته ~~الآيات كانت بقوله : { فمن فرض فيهن الحج فلا رفث } ( البقرة : 197 ) الخ ~~ولما ختمت بقوله : { واذكروا الله في أيام معدودات } وهي آخر أيام الحج ~~وأشير في ذلك إلى التفرق والرجوع إلى الأوطان بقوله { فمن تعجل في يومين } ~~الخ ، عقب ذلك بقوله تعالى : { واتقوا الله } وصية جامعة للراجعين من الحج ~~أن يراقبوا تقوى الله في سائر أحوالهم وأماكنهم ولا يجعلوا تقواه خاصة بمدة ~~الحج كما كانت تفعله الجاهلية فإذا انقضى الحج رجعوا يتقاتلون ويغيرون ~~ويفسدون ، وكما يفعله كثير من عصاة المسلمين عند انقضاء رمضان . # وقوله : { واعلموا أنكم إليه تحشرون } تحريض على التقوى وتحذير من خلافها ~~؛ لأن من علم ذلك سعى لما يجلب رضا المرجوع إليه وتجنب سخطه . فالأمر في { ~~اعلموا } للتذكير ، لأن ذلك معلوم عندهم وقد تقدم آنفا ms1066 عند قوله : { ~~واعلموا أن الله شديد العقاب } ( البقرة : 196 ) . # والحشر : الجمع بعد التفرق فلذلك ناسب قوله : { تحشرون } حالتي تفرق ~~الحجيج بعد انقضاء الحج واجتماع أفراد كل فريق منهم إلى بلده بعد ذلك . # واختير لفظ ( تحشرون ) هنا دون تصيرون أو ترجعون ، لأن تحشرون أجمع لأنه ~~يدل على المصير وعلى الرجوع مع الدلالة على أنهم يصيرون مجتمعين كلهم كما ~~كانوا مجتمعين حين استحضار حالهم في هذا الخطاب وهو اجتماع الحج ، ولأن ~~الناس بعد الحج يحشرون إلى مواطنهم فذكرهم بالحشر العظيم ، فلفظ تحشرون ~~أنسب بالمقام من وجوه كثير ، والعرب PageV02P264 كانوا يتفرقون رابع أيام ~~منى فيرجعون إلى مكة لزيارة البيت لطواف الوداع ثم ينصرفون فيرجع كل فريق ~~إلى موطنه ، قال امرؤ القيس يذكر التفرق يوم رابع النحر وهو يوم المحصب في ~~منى : # فلله عينا من رأى من تفرق # أشت وأنأى من فراقق المحصب # غداة غدوا فسالك بطن نخلة # وآخر منهم جازع نجد كبكب # وقال كثير : # ولما قضينا من منى كل حاجة # ومسح بالأركان من هو ماسح # وشدت على دهم المهاري رحالنا # ولم ينظر الغادي الذي هو رائح # أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا # وسالت بأعناق المطي الأباطح # والمعنى ليكن ذكركم الله ودعاؤكم في أيام إقامتكم في منى ، وهي الأيام ~~المعدودات الثلاثة الموالية ليوم الأضحى ، وأقيموا في منى تلك الأيام فمن ~~دعته حاجاته إلى التعجيل بالرجوع إلى وطنه فلا إثم عليه أن يترك يومين من ~~أيام منى وهما الثاني عشر من ذي الحجة والثالث عشر منه . # # | 2 ( 204 206 ) { ومن الناس من يعجبك قوله فى الحيواة الدنيا ويشهد الله ~~على ما فى قلبه وهو ألد الخصام * وإذا تولى سعى فى الارض ليفسد فيها ويهلك ~~الحرث والنسل والله لا يحب الفساد * وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة ~~بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد } . ) 2 # عطف على جملة { فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا } ( البقرة : 200 ~~) الخ ، لأنه ذكر هنالك حال المشركين الصرحاء الذين لاحظ لهم في الآخرة ، ~~وقابل ذكرهم بذكر المؤمنين الذين لهم رغبة في الحسنة ms1067 في الدنيا والآخرة ، ~~فانتقل هنا إلى حال فريق آخرين ممن لاحظ لهم في الآخرة وهم متظاهرون بأنهم ~~راغبون فيها ، مع مقابلة حالهم بحال المؤمنين الخالصين الذين يؤثرون الآخرة ~~والحياة الأبدية على الحياة في الدنيا ، وهم المذكورون في قوله : { ومن ~~الناس من يشءي نفسه ابتغاء مرضات الله } ( البقرة : 207 ) . # و ( من ) بمعنى بعض كما في قوله تعالى : { ومن الناس من يقول آمنا بالله ~~} ( البقرة : 8 ) فهي صالحة PageV02P265 للصدق على فريق أو على شخص معين ( ~~ومن ) الموصولة كذلك صالحة لفريق وشخص . # والإعجاب إيجاد العجب في النفس والعجب : انفعال يعرض للنفس عند مشاهدة ~~أمر غير مألوف خفي سببه . ولما كان شأن ما يخفى سببه أن ترغب فيه النفس ، ~~صار العجب مستلزما للاستحسان فيقال أعجبني الشيء بمعنى أوجب لى استحسانه ، ~~قال الكواشي يقال في الاستحسان : أعجبني كذا ، وفي الإنكار : عجبت من كذا ، ~~فقوله : { يعجبك } أي يحسن عندك قوله . # والمراد من القول هنا ما فيه من دلالته على حاله في الإيمان والنصح ~~للمسلمين ، لأن ذلك هو الذي يهم الرسول ويعجبه ، وليس المراد صفة قوله في ~~فصاحة وبلاغة ؛ إذ لا غرض في ذلك هنا لأن المقصود ما يضاد قوله : وهو ألد ~~الخصام إلى آخره . # والخطاب إما للنبيء صلى الله عليه وسلم أي ومن الناس من يظهر لك ما يعجبك ~~من القول وهو الإيمان وحب الخير والإعراض عن الكفار ، فيكون المراد ب ( من ~~) المنافقين ومعظمهم من اليهود ، وفيهم من المشركين أهل يثرب وهذا هو ~~الأظهر عندي ، أو طائفة معينة من المنافقين ، وقيل : أريد به الأخنس بن ~~شريف الثقفي واسمه أبي وكان مولى لبني زهرة من قريش وهم أخوال النبي صلى ~~الله عليه وسلم وكان يظهر المودة للنبيء صلى الله عليه وسلم ولم ينضم إلى ~~المشركين في واقعة بدر بل خنس أي تأخر عن الخروج معهم إلى بدر وكان له ~~ثلاثمائة من بني زهرة أحلافه فصدهم عن الانضمام إلى المشركين فقيل : إنه ~~كان يظهر الإسلام وهو منافق ، وقال ابن عطية : لم يثبت أنه أسلم قط ، ولكن ~~كان يظهر ms1068 الود للرسول فلما انقضت وقعة بدر قيل : إنه حرق زرعا للمسلمين ~~وقتل حميرا لهم فنزلت فيه هاته الآية ونزلت فيه أيضا { ولا تطع كل حلاف ~~مهين هماز مشاء بنميم } ( القلم : 10 ، 11 ) ونزلت فيه { ويل لكل همزة لمزة ~~} ( الهمزة : 1 ) ، وقيل بل كانت بينه وبين قومه ثقيف عداوة فبيتهم ليلا ~~فأحرق زرعهم وقتل مواشيهم فنزلت فيه الآية وعلى هذا فتقريعه لأنه غدرهم ~~وأفسد . # ويجوز أن الخطاب لغير معين ليعم كل مخاطب تحذيرا للمسلمين من أن تروج ~~عليهم حيل المنافقين وتنبيه لهم إلى استطلاع أحوال الناس وذلك لا بد منه ~~والظرف من قوله { في الحياة الدنيا } يجوز أن يتعلق بيعجبك فيراد بهذا ~~الفريق من الناس المنافقون الذين يظهرون كلمة الإسلام والرغبة فيه على حد ~~قوله تعالى : { وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا } ( البقرة : 14 ) أي ~~إعجابك بقولهم لا يتجاوز الحصول في الحياة الدنيا فإنك في الآخرة ~~PageV02P266 تجدهم بحالة لا تعجبك فهو تمهيد لقوله في آخر الآية { فحسبه ~~جهنم } والظرفية المستفادة من ( في ) ظرفية حقيقية . # ويجوز أن يتعلق بكلمة { قوله } أي كلامه عن شؤون الدنيا من محامد الوفاء ~~في الحلف مع المسلمين والود للنبيء ولا يقول شيئا في أمور الدين ، فهذا ~~تنبيه على أنه لا يتظاهر بالإسلام فيراد بهذا الأخنس بن شريق . # وحرف ( في ) على هذا الوجه للظرفية المجازية بمعنى عن والتقدير قوله : عن ~~الحياة الدنيا . # ومعنى { يشهد الله على ما في قلبه } أنه يقرن حسن قوله وظاهر تودده ~~بإشهاد الله تعالى على أن ما في قلبه مطابق لما في لفظه ، ومعنى إشهاد الله ~~حلفه بأن الله يعلم إنه لصادق . # وإنما أفاد ما في قلبه معنى المطابقة لقوله لأنه لما أشهد الله حين قال ~~كلاما حلوا تعين أن يكون مدعيا أن قلبه كلسانه قال تعالى : { يحلفون بالله ~~لكم ليرضونكم } ( التوبة : 62 ) . # ومعنى { وهو ألد الخصام } أنه شديد الخصومة أي العداوة مشتق من لده يلده ~~بفتح اللام لأنه من فعل ، تقول : لددت يا زيد بكسر الدال إذا خاصم ، فهو ~~لاد ولدود فاللدد شدة ms1069 الخصومة والألد الشديد الخصومة قال الحماسي ربيعة بن ~~مقروم : # وألد ذي حنقق علي كأنما # تغلي حرارة صدره في مرجل # فألد صفة مشبهة وليس اسم تفضيل ، ألا ترى أن مؤنثه جاء على فعلاء فقالوا ~~: لداء وجمعه جاء على فعل قال تعالى : { وتنذر به قوما لدا } ( مريم : 97 ) ~~وحينئذ ففي إضافته للخصام إشكال ؛ لأنه يصير معناه شديد الخصام من جهة ~~الخصام فقال في ( الكشاف ) : إما أن تكون الإضافة على المبالغة فجعل الخصام ~~ألد أي نزل خصامه منزلة شخص له خصام فصارا شيئين فصحت الإضافة على طريقة ~~المجاز العقلي ، كأنه قيل : خصامه شديد الخصام كما قالوا : جن جنونه وقالوا ~~: جد جده ، أو الإضافة على معنى في أي وهو شديد الخصام في الخصام أي في حال ~~الخصام ، وقال بعضهم يقدر مبتدأ محذوف بعد { وهو } تقديره : وهو خصامه ألد ~~الخصام وهذا التقدير لا يصح لأن الخصام لا يوصف بالألد فتعين أن يؤول بأنه ~~جعل بمنزلة الخصم وحينئذ فالتأويل مع عدم التقدير أولى ، وقيل الخصام هنا ~~جمع خصم كصعب وصعاب وليس هو مصدرا وحينئذ تظهر الإضافة أي وهو ألد الناس ~~المخاصمين . PageV02P267 # وقوله تعالى : { وإذا تولى سعى في الأرض } إذا ظرف تضمن معنى الشرط . # و { تولى } إما مشتق من التولية وهي الإدبار والانصراف يقال ولى وتولى ~~وقد تقدم قوله تعالى : { ما ولاهم عن قبلتهم } ( البقرة : 142 ) أي وإذا ~~فارقك سعى في الأرض ليفسد . # ومتعلق { تولى } محذوف تقديره تولى عنك ، والخطاب المقدر يجري على ~~الوجهين المتقدمين وإما مشتق من الولاية : يقال ولي البلد وتولاه ، أي وإذا ~~صار واليا أي إذا تزعم ورأس الناس سعى في الأرض بالفساد ، وقد كان الأخنس ~~زعيم مواليه وهم بنو زهرة . # وقوله : { سعى في الأرض ليفسد فيها } السعي حقيقته المشي الحثيث قال ~~تعالى : { وجاء رجل من أقصا المدينة يسعى } ( القصص : 20 ) ويطلق السعي على ~~العمل والكسب ، قال تعالى : { ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها } ( الإسراء ~~: 19 ) وقال امرؤ القيس : # فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة # البيتين ويطلق على التوسط بين الناس لإصلاح ذات البين ms1070 أو لتخفيف الإضرار ~~قال عمرو بن كلثوم : # ومنا قبله الساعي كليب # فأي الفضل إلا قد ولينا # وقال لبيد : # وهم السعاة إذا العشيرة أفظعت # البيت . ويطلق على الحرص وبذل العزم لتحصيل شيء كما قال تعالى في شأن ~~فرعون { ثم أدبر يسعى } ( النازعات : 22 ) فيجوز أن يكون هنا بالمعنيين ~~الأول والرابع أي ذهب يسير في الأرض غازيا ومغيرا ليفسد فيها . فيكون إشارة ~~إلى ما فعله الأخنس بزرع بعض المسلمين ، لأن ذلك مؤذن بكفره وكذبه في مودة ~~النبي صلى الله عليه وسلم إذ لو كان وده صادقا لما آذى أتباعه . أو إلى ما ~~صنعه بزرع ثقيف على قول من قال من المفسرين إن الأخنس بيت ثقيفا وكانت بينه ~~وبينهم عداوة وهم قومه فأغار عليهم بمن معه من بني زهرة فأحرق زروعهم وقتل ~~مواشيهم . لأن صنيعه هذا بقوم وإن كانوا يومئذ كفارا لا يهم المسلمين ضرهم ~~، ولأنه لم يفعله انتصارا للإسلام ولم يكن في حالة حرب معهم فكان فعله ينم ~~عن خبث طوية لا تتطابق PageV02P268 مع ما يظهره من الخير ولين القول ؛ إذ ~~من شأن أخلاق المرء أن تتماثل وتتظاهر فالله لا يرضى بإضرار عبيده ولو ~~كفارا ضرا لا يجر إلى نفعهم ؛ لأنهم لم يغزهم حملا لهم على الإيمان بل ~~إفسادا وإتلافا ولذلك قال تعالى : { والله لا يحب الفساد } . # وقوله : { في الأرض } تأكيد لمدلول { سعى } لرفع توهم المجاز من أن يراد ~~بالسعي العمل والاكتساب فأريد التنصيص على أن هذا السعي هو السير في الأرض ~~للفساد وهو الغارة والتلصص لغير إعلاء كلمة الله ، ولذلك قال بعده { ليفسد ~~فيها } فاللام للتعليل ، لأن الإفساد مقصود لهذا الساعي . # ويجوز أن يكون { سعى } مجازا في الإرادة والتدبير أي دبر الكيد لأن ~~ابتكار الفساد وإعمال الحيلة لتحصيله مع إظهار النصح بالقول كيد ويكون ~~ليفسد مفعولا به لفعل { سعى } والتقدير أراد الفساد في الأرض ودبره ، وتكون ~~اللام لام التبليغ كما تقدم في قوله تعالى : { يريد الله بكم اليسر إلى ~~قوله ولتكملوا العدة } ( البقرة : 185 ) فاللام شبيه بالزائد وما بعد اللام ~~من ms1071 الفعل المقدرة معه ( أن ) مفعول به كما في قوله تعالى : { يريدون أن ~~يطفئوا نور الله بأفواههم } ( التوبة : 32 ) وقول جزء بنن كليبب الفقعسي : # تبغى ابن كوز والسفاهة كاسمها # ليستاد منا أن شتونا لياليا # إذ التقدير تبغى الاستياد منا ، قال المرزوقي : أتى بالفعل واللام لأن ~~تبغى مثل أراد فكما قال الله عز وجل : { يريدون أن يطفئوا نور الله بأفوههم ~~} ( التوبة : 32 ) والمعنى يريدون إطفاء نور الله كذلك قال تبغى ليستاد أي ~~تبغى الاستياد منا اه . # وأقول : إن هذا الاستعمال يتأتى في كل موضع يقع فيه مفعول الفعل علة ~~للفعل مع كونه مفعولا به ، فالبليغ يأتي به مقترنا بلام العلة اعتمادا على ~~أن كونه مفعولا به يعلم من تقدير ( أن ) المصدرية . # ويكون قوله : { في الأرض } متعلقا بسعى لإفادة أن سعيه في أمر من أمور ~~أهل أرضكم ، وبذلك تكون إعادة { فيها } من قوله : { ليفسد فيها } بيانا ~~لإجمال قوله : { في الأرض } مع إفادة التأكيد . # وقوله : { ويهلك الحرث والنسل } بضم الياء أي يتلفه . # والحرث هنا مراد منه الزرع ، والنسل أطفال الحيوان مشتق من نسل الصوف ~~نسولا PageV02P269 إذا سقط وانفصل ، وعندي أن إهلاك الحرث والنسل كناية عن ~~اختلال ما به قوام أحوال الناس ، وكانوا أهل حرث وماشية فليس المراد خصوص ~~هذين بل المراد ضياع ما به قوام الناس ، وهذا جار مجرى المثل ، وقيل الحرث ~~والنسل هنا إشارة إلى ما صنع الأخنس بن شريق ، وأيا ما كان فالآية دالة على ~~أن من ينتسب في مثل ذلك صريحا أو كناية مستحق للعقاب في الآخرة ولذلك عقب ~~بجملة التذييل وهي { والله لا يحب الفساد } تحذيرا وتوبيخا . # ومعنى نفي المحبة نفي الرضا بالفساد ، وإلا فالمحبة وهي انفعال النفس ~~وتوجه طبيعي يحصل نحو استحسان ناشىء مستحيلة على الله تعالى فلا يصح نفيها ~~فالمراد لازمها وهو الرضا عندنا وعند المعتزلة : الإرادة والمسألة مبنية ~~على مسألة خلق الأفعال . ولا شك أن القدير إذا لم يرض بشيء يعاقب فاعله ، ~~إذ لا يعوقه عن ذلك عائق وقد سمى الله ذلك فسادا وإن كان الزرع والحرث ms1072 ~~للمشركين : لأن إتلاف خيرات الأرض رزء على الناس كلهم وإنما يكون القتال ~~بإتلاف الأشياء التي هي آلات الإتلاف وأسباب الاعتداء . # والفساد ضد الصلاح ، ومعنى الفساد : إتلاف ما هو نافع للناس نفعا محضا أو ~~راجحا ، فإتلاف الألبان مثلا إتلاف نفع محض ، وإتلاف الحطب بعلة الخوف من ~~الاحتراق إتلاف نفع راجح والمراد بالرجحان رجحان استعماله عند الناسي لا ~~رجحان كمية النفع على كمية الضر ، فإتلاف الأدوية السامة فساد ، وإن كان ~~التداوي بها نادرا لكن الإهلاك بها كالمعدوم لما في عقول الناس من الوازع ~~عن الإهلاك بها فيتفادى عن ضرها بالاحتياط رواجها وبأمانة من تسلم إليه ، ~~وأما إتلاف المنافع المرجوحة فليس من الفساد كإتلاف الخمور بله إتلاف ما لا ~~نفع فيه بالمرة كإتلاف الحيات والعقارب والفيران والكلاب الكلبة ، وإنما ~~كان الفساد غير محبوب عند الله لأن في الفساد بالتفسير الذي ذكرناه تعطيلا ~~لما خلقه الله في هذا العالم لحكمة صلاح الناس فإن الحكيم لا يحب تعطيل ما ~~تقتضيه الحكمة ، فقتال العدو إتلاف للضر الراجح ولذلك يقتصر في القتال على ~~ما يحصل به إتلاف الضر بدون زيادة ، ومن أجل ذلك نهي عن إحراق الديار في ~~الحرب وعن قطع الأشجار إلا إذا رجح في نظر أمير الجيش أن بقاء شيء من ذلك ~~يزيد قوة العدو ويطيل مدة القتال ويخاف منه على جيش المسلمين أن ينقلب إلى ~~هزيمة وذلك يرجع إلى قاعدة : الضرورة تقدر بقدرها . PageV02P270 # وقوله : { وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم } أي وإذا وعظه واعظ ~~بما يقتضي تذكيره بتقوى الله تعالى غضب لذلك ، والأخذ أصله تناول الشيء ~~باليد ، واستعمل مجازا مشهورا في الاستيلاء قال تعالى : { وخذوهم واحصروهم ~~} ( التوبة : 5 ) وفي القهر نحو { فأخذناهم بالباساء } ( الأنعام : 42 ) . ~~وفي التلقي مثل { أخذ الله ميثاق النبيين } ( آل عمران : 81 ) ومنه أخذ ~~فلان بكلام فلان ، وفي الاحتواء والإحاطة يقال أخذته الحمى وأخذتهم الصيحة ~~، ومنه قوله هنا { أخذته العزة } أي احتوت عليه عزة الجاهلية . # والعزة صفة يرى صاحبها أنه لا يقدر عليه غيره ولا يعارض في كلامه لأجل ms1073 ~~مكانته في قومه واعتزازه بقوتهم قال السموأل : # وننكر إن شئنا على الناس قولهم # ولا ينكرون القول حين نقول # ومنه العزة بمعنى القوة والغلبة وإنما تكون غالبا في العرب بسبب كثرة ~~القبيلة ، وقد تغني الشجاعة عن الكثرة ومن أمثالهم : وإنما العزة للكاثر ، ~~وقالوا : لن نغلب من قلة وقال السموأل # وما ضرنا أنا قليل وجارنا # عزيز وجار الأكثرين ذليل # ومنها جاء الوصف بالعزيز كما سيأتي في قوله : { فاعلموا أن الله عزيز ~~حكيم } ( البقرة : 209 ) . # ف ( أل ) في ( العزة ) للعهد أي العزة المعروفة لأهل الجاهلية التي تمنع ~~صاحبها من قبول اللوم أو التغيير عليه ، لأن العزة تقتضي معنى المنعة فأخذ ~~العزة له كناية عن عدم إصغائه لنصح الناصحين . # وقوله : { بالإثم } الباء فيه للمصاحبة أي أخذته العزة الملابسة للإثم ~~والظلم وهو احتراس لأن من العزة ما هو محمود قال تعالى : { ولله العزة ~~ولرسوله وللمؤمنين } ( المنافقين : 8 ) أي فمنعته من قبول الموعظة وأبقته ~~حليف الإثم الذي اعتاده لا يرعوي عنه وهما قرينان . # وقوله { فحسبه جهنم } تفريع على هاته الحالة ، وأصل الحسب هو الكافي كما ~~سيجيء عند قوله تعالى { وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل في آل عمران ( 173 ) ~~. # ولما كان كافي الشيء من شأنه أن يكون على قدره ومما يرضيه كما قال أبو ~~الطيب : # على قدر أهل العزم تأتي العزائم # أطلق الحسب على الجزاء كما هنا . # وجهنم علم على دار العقاب الموقدة نارا ، وهو اسم ممنوع من الصرف قال بعض ~~النحاة للعلمية والتأنيث ، لأن العرب اعتبرته كأسماء الأماكن وقال بعضهم ~~للعلمية والعجمة وهو PageV02P271 قول الأكثر : جاء من لغة غير عربية ، ~~ولذلك لا حاجة إلى البحث عن اشتقاقه ، ومن جعله عربيا زعم أنه مشتق من ~~الجهم وهو الكراهية فزعم بعضهم أن وزنه فعنل بزيادة نونين أصله فعنل بنون ~~واحدة ضعفت وقيل وزنه فعلل بتكرير لامه الأولى وهي النون إلحاقا له ~~بالخماسي ومن قال : أصلها بالفارسية كهنام فعربت جهنم . # وقيل أصلها عبرانية كهنام بكسر الكاف وكسر الهاء فعربت وأن من قال إن وزن ~~فعنل لا وجود له لا ms1074 يلتفت لقوله لوجود دونك اسم واد بالعالية وحفنكى اسم ~~للضعيف وهو بحاء مهملة وفاء مفتوحتين ونون ساكنة وكاف وألف وهما نادران ، ~~فيكون جهنم نادرا ، وأما قول العرب ركية جهنم أي بعيدة القعر فلا حجة فيه ، ~~لأنه ناشىء عن تشبيه الركية بجهنم ، لأنهم يصفون جهنم أنها كالبئر العميقة ~~الممتلئة نارا قال ورقة بن نوفل أو أمية بن أبي الصلت يرثي زيدا بن عمرو بن ~~نفيل وكانا معا ممن ترك عبادة الأوثان في الجاهلية : # رشدت وأنعمت ابن عمرو وإنما # تجنبت تنورا من النار مظلما # وقد جاء وصف جهنم في الحديث بمثل ذلك وسماها الله في كتابه في مواضع ~~كثيرة نارا وجعل وقودها الناس والحجارة وقد تقدم القول في ذلك عند قوله ~~تعالى : فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة } ( البقرة : 24 ) . # وقوله : { ولبئس المهاد } أي جهنم ، والمهاد ما يمهد أي يهيأ لمن ينام ، ~~وإنما سمى جهنم مهادا تهكما ، لأن العصاة يلقون فيها فتصادف جنوبهم وظهورهم ~~. # # | 2 ( 207 ) { ومن الناس من يشرى نفسه ابتغآء مرضات الله والله رءوف ~~بالعباد } . ) 2 # هذا قسيم { ومن الناس من يعجبك قوله } ( البقرة : 204 ) وذكره هنا بمنزلة ~~الاستطراد استيعابا لقسمي الناس ، فهذا القسم هو الذي تمحض فعله للخير حتى ~~بلغ غاية ذلك وهو تعريض نفسه التي هي أنفس الأشياء عليه للهلاك لأجل تحصيل ~~ما يرضي الله تعالى وإنما رضا الله تعالى بفعل الناس للخير الذي أمرهم به . ~~PageV02P272 # و ( يشري ) معناه يبيع كما أن يشتري بمعنى يبتاع وقد تقدم ذلك في قوله ~~تعالى : { ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا } ( البقرة : 41 ) . واستعمل ( ~~يشري ) هنا في البذل مجازا ، والمعنى ومن الناس من يبذل نفسه للهلاك ابتغاء ~~مرضاة الله أي هلاكا في نصر الدين وهذا أعلى درجات الإيمان ، لأن النفس ~~أغلى ما عند الإنسان . # و { مرضاة الله رضاه فهو مصدر رضي على وزن المفعل زيدت فيه التاء سماعا ~~كالمدعاة والمسعاة ، في أسباب النزول قال سعيد بن المسيب نزلت في صهيب بن ~~سنان النمرى بن النمر بن قاسط الملقب بالرومي ؛ لأنه كان أسره الروم ms1075 في ~~الجاهلية في جهات الموصل واشتراه بنو كلب فكان مولاهم وأثرى في الجاهلية ~~بمكة وكان من المسلمين الأولين فلما هاجر النبي خرج صهيب مهاجرا فلحق به ~~نفر من قريش ليوثقوه فنزل عن راحلته وانتثل كنانته وكان راميا وقال لهم لقد ~~علمتم أني من أرماكم وأيم الله لا تصلون إلي حتى أرمي بما في كنانتي ثم ~~أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شيء فقالوا : لا نتركك تخرج من عندنا غنيا ~~وقد جئتنا صعلوكا ، ولكن دلنا على مالك وتخلي عنك وعاهدوه على ذلك فدلهم ~~على ماله ، فلما قدم على النبي قال له حين رآه ربح البيع أيا يحيى وتلا ~~عليه هذه الآية ، وقيل إن كفار مكة عذبوا صهيبا لإسلامه فافتدى منهم بماله ~~وخرج مهاجرا ، وقيل : غير ذلك ، والأظهر أنها عامة ، وأن صهيبا أو غيره ~~ملاحظ في أول من تشمله . # وقوله والله رؤوف بالعباد } تذييل أي رؤوف بالعباد الصالحين الذين منهم ~~من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله ، فالرأفة كناية عن لازمها وهو إيتاء ~~الخيرات كالرحمة . # والظاهر أن التعريف في قوله ( العباد ) تعريف استغراق ، لأن الله رؤوف ~~بجميع عباده وهم متفاوتون فيها فمنهم من تناله رأفة الله في الدنيا وفي ~~الآخرة على تفاوت فيهما يقتضيه علم الله وحكمته ، ومنهم من تناله رأفة الله ~~في الدنيا دون الآخرة وهم المشركون والكافرون ؛ فإن من رأفته بهم أنه ~~أعطاهم العافية والرزق ، ويجوز أن يكون التعريف تعريف العهد أي بالعباد ~~الذين من هذا القبيل أي قبيل الذي يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله . # ويجوز أن يكون ( أل ) عوضا عن المضاف إليه كقوله { فإن الجنة هي المأوى } ~~( النازعات : 41 ) ، والعباد إذا PageV02P273 أضيف إلى اسم الجلالة يراد به ~~عباد مقربون قال تعالى : { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان في ( سورة الحجر : ~~42 ) . # ومناسبة هذا التذييل للجملة أن المخبر عنهم قد بذلوا أنفسهم لله وجعلوا ~~أنفسهم عبيده فالله رءوف بهم كرأفة الإنسان بعبده فإن كان ما صدق ( من ) ~~عاما كما هو الظاهر في كل من بذل نفسه لله ، فالمعنى والله رءوف ms1076 بهم فعدل ~~عن الإضمار إلى الإظهار ليكون هذا التذييل بمنزلة المثل مستقلا بنفسه وهو ~~من لوازم التذييل ، وليدل على أن سبب الرأفة بهم أنهم جعلوا أنفسهم عبادا ~~له ، وإن كان ما صدق ( من ) صهيبا رضي الله عنه فالمعنى والله رءوف بالعباد ~~الذين صهيب منهم ، والجملة تذييل على كل حال ، والمناسبة أن صهيبا كان عبدا ~~للروم ثم لطائفة من قريش وهم بنو كلب وهم لم يرأفوا به ، لأنه عذب في الله ~~فلما صار عبد الله رأف به . # وفي هذه الآية وهي قوله : ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا } ( ~~البقرة : 204 ) إلى قوله { رؤوف بالعباد } معان من معاني أدب النفوس ~~ومراتبها وأخلاقها تعلم المؤمنين واجب التوسم في الحقائق ودواخل الأمور ~~وعدم الاغترار بالظواهر إلا بعد التجربة والامتحان ، فإن من الناس من يغر ~~بحسن ظاهره وهو منطو على باطن سوء ويعطي من لسانه حلاوة تعبير وهو يضمر ~~الشر والكيد قال المعري : # وقد يخلف الإنسان ظن عشيرة # وإن راق منه منظر ورواء # وقد شمل هذا الحال قول النبي صلى الله عليه وسلم ( إن من البيان لسحرا ) ~~بأحد معنييه المحتوي عليهما وهو من جوامع الكلم وتبلغ هلهلة دينه إلى حد أن ~~يشهد الله على أن ما يقوله صدق وهو بعكس ذلك يبيت في نفسه الخصام والكراهية ~~. # وعلامة الباطن تكون في تصرفات المرء فالذي يحب الفساد ويهلك الحرث والنسل ~~ولا يكون صاحب ضمير طيب ، وأن الذي لا يصغي إلى دعوة الحق إذا دعوته إليه ~~ويظهر عليه الاعتزاز بالظلم لا يرعوي عن غيه ولا يترك أخلاقه الذميمة ، ~~والذي لا يشح بنفسه في نصرة الحق ينبىء خلقه عن إيثار الحق والخير على ~~الباطل والفساد ومن لا يرأف فالله لا يرأف به . # PageV02P274 $ 2 ( 208 ، 209 ) { ياأيها الذين ءامنوا ادخلوا في السلم ~~كآفة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين * فإن زللتم من بعد ما ~~جآءتكم البينات فاعلمو & # 1764 ا أن الله عزيز حكيم } . ) 2 $ # استئناف على طريقة الاعتراض انتهازا للفرصة بالدعوة إلى الدخول في السلم ~~، ومناسبة ms1077 ذكره عقب ما قبله أن الآيات السابقة اشتملت على تقسيم الناس تجاه ~~الدين مراتب ، أعلاها { من يشرى نفسه ابتغاء مرضات الله } ( البقرة : 207 ) ~~لأن النفس أغلى ما يبذل ، وأقلها { من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد ~~الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام } ( البقرة : 204 ) أي يضمر الكيد ~~ويفسد على الناس ما فيه نفع الجميع وهو خيرات الأرض ، وذلك يشتمل على أنه ~~اعتدى على قوم مسالمين فناسب بعد ذلك أن يدعى الناس إلى الدخول فيما يطلق ~~عليه اسم السلم وهذه المناسبة تقوى وتضعف بحسب تعدد الاحتمالات في معنى طلب ~~الدخول في السلم . # والخطاب بيأيها الذين آمنوا خطاب للمسلمين على عادة القرآن في إطلاق هذا ~~العنوان ، ولأن شأن الموصول أن يكون بمنزلة المعرف بلام العهد . # و ( الدخول ) حقيقته نفوذ الجسم في جسم أو مكان محوط كالبيت والمسجد ، ~~ويطلق مجازا مشهورا على حلول المكان الواسع يقال دخل بلاد بني أسد وهو هنا ~~مستعار للاتباع والالتزام وشدة التلبس بالفعل . # و ( السلم ) بفتح السين وكسرها مع سكون اللام ، قرأ نافع وابن كثير ~~والكسائي وأبو جعفر بفتح السين وقرأ باقي العشرة بكسر السين ، ويقال سلم ~~بفتح السين واللام قال تعالى : { ولا تقولوا لمن ألقى إليم السلم لست مؤمنا ~~} ( النساء : 94 ) وحقيقة السلم الصلح وترك الحرب قال عباس بن مرداس : # السلم تأخذ منها ما رضيت به # والحرب تكفيك من أنفاسها جزع # وشواهد هذا كثيرة في كلامهم وقال زهير : # وقد قلتما إن ندرك السلم واسعا # بكسر السين واشتقاقه من السلامة وهي النجاة من ألم أو ضر أو عناد يقال ~~أسلم نفسه لفلان أي أعطاه إياها بدون مقاومة ، واستسلم طلب السلم أي ترك ~~المقاومة ، وتقول العرب : أسلم PageV02P275 أم حرب ، أي أأنت مسالم أم ~~محارب ، وكلها معان متولد بعضها من بعض فلذلك جزم أئمة اللغة بأن السلم ~~بكسر السين وفتحها وبالتحريك يستعمل كل واحد منها فيما يستعمل فيه الآخر . # قالوا ويطلق السلم بلغاته الثلاث على دين الإسلام ونسب إلى ابن عباس ~~ومجاهد وقتادة وأنشدوا قول امرىء القيس بن ms1078 عابس الكندي في قضية ردة قومه : # دعوت عشيرتي للسلم لما # رأيتهمو تولوا مدبرينا # فلست مبدلا بالله ربا # ولا مستبدلا بالسلم دينا # وهذا الإطلاق انفرد بذكره أصحاب التفسير ولم يذكره الراغب في ( مفردات ~~القرآن ) ولا الزمخشري في ( الأساس ) وصاحب ( لسان العرب ) وذكره في ( ~~القاموس ) تبعا للمفسرين وذكره الزمخشري في ( الكشاف ) حكاية قول في تفسير ~~السلم هنا فهو إطلاق غير موثوق بثبوته وبيت الكندي يحتمل معنى المسالمة أي ~~المسالمة للمسلمين ويكون قوله : ( دينا ) بمعنى العادة اللازمة كما قال ~~المثقب العبدي : # تقول وقد أدرت لها وضيني # أهذا دينه أبدا وديني # وعن أبي عمرو بن العلاء السلم بكسر السين هو الإسلام والسلم بفتح السين ~~المسالمة ، ولذلك قرأ { ادخلوا في السلم } في هذه السورة بكسر السين لا غير ~~وقرأ التي في سورة الآنفال والتي في سورة محمد صلى الله عليه وسلم بفتح ~~السين قال الطبري توجيها منه لمعناه هنا إلى أنه الإسلام دون الآيتين ~~الأخريين . وأنكر المبرد هذه التفرقة وقال : اللغة لا تؤخذ هكذا وإنما تؤخذ ~~بالسماع لا بالقياس ويحتاج من فرق إلى دليل . فكون السلم من أسماء الصلح لا ~~خلاف فيه بين أئمة اللغة فهو مراد من الآية لا محالة وكونه يطلق على ~~الإسلام إذا صح ذلك جاز أي يكون مرادا أيضا ويكون من استعمال المشترك في ~~معنييه . فعلى أن يكون المراد بالسلم المسالمة كما يقتضيه خطابهم بيأيها ~~الذين آمنوا الذي هو كاللقب للمسلمين كان المعنى أمرهم بالدخول في المسالمة ~~دون القتال ، وكما تقتضيه صيغة الأمر في ( ادخلوا ) من أن حقيقتها طلب ~~تحصيل فعل لم يكن حاصلا أو كان مفرطا في بعضه . # فالذي يبدو لي أن تكون مناسبة ذكر هذه الآية عقب ما تقدم هي أن قوله ~~تعالى : PageV02P276 { وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم } ( البقرة : ~~190 ) الآيات تهيئة لقتال المشركين لصدهم المسلمين عن البيت وإرجافهم بأنهم ~~أجمعوا أمرهم على قتالهم ، والإرجاف بقتل عثمان بن عفان بمكة حين أرسله ~~رسول الله إلى قريش ، فذكر ذلك واستطرد بعده ببيان أحكام الحج والعمرة فلما ~~قضى حق ذلك ms1079 كله وألحق به ما أمر الله بوضعه في موضعه بين في تلك الآيات ، ~~استؤنف هنا أمرهم بالرضا بالسلم والصلح الذي عقده رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مع أهل مكة عام الحديبية ، لأن كثيرا من المسلمين كانوا آسفين من ~~وقوعه ومنهم عمر بن الخطاب فقد قال : ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ~~فكيف نعطي الدنية في ديننا رواه أهل ( الصحيح ) فتكون مدة ما بين نزول ~~المسلمين بالحديبية وتردد الرسل بينهم وبين قريش وما بين وقوع الصلح هي مدة ~~نزول الآيات من قوله تعالى : { وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم } ( ~~البقرة : 190 ) إلى هنا . # واعلم أنه إذا كان الضمير في قوله تعالى : { هل ينظرون } ( البقرة : 210 ~~) راجعا إلى { من الناس من يعجبك } ( البقرة : 204 ) أو { من الناس من يشري ~~نفسه } ( البقرة : 207 ) كما سيأتي يكون قوله : { ياأيها الذين آمنوا ~~ادخلوا في السلم } اعتراضا بين الجملة ذات المعاد والجملة ذات الضمير . ~~فأما إذا فسر السلم بالإسلام أي دين الإسلام فإن الخطاب بيأيها الذين آمنوا ~~وأمر المؤمنين بالدخول في الإسلام يؤول بأنه أمر بزيادة التمكن منه ~~والتغلغل فيه لأنه يقال دخل الإيمان في قلبه إذا استقر وتمكن ، قال تعالى : ~~{ ولما يدخل الإيمان في قلوبكم } ( الحجرات : 14 ) . وقال النابغة : # أبى غفلتي أني إذا ما ذكرته # تحرك داء في فؤادي داخل # وهذا هو الظاهر ، فيراد بالأمر في ( ادخلوا ) الدوام على ذلك وقيل أريد ~~بالذين آمنوا الذين أظهروا الإيمان فتكون خطابا للمنافقين . فيؤول قوله : { ~~الذين آمنوا } بمعنى أظهروا الإيمان فيكون تهكما بهم على حد قوله : { ~~وقالوا يأيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون } ( الحجر : 6 ) فيكون خطابا ~~للمنافقين وهذا تأويل بعيد لأن الذين آمنوا صار كاللقب لمن اتبع الدين ~~اتباعا حقا ، ولأن الظاهر على هذا أن يثبت للمنافقين وصف الإسلام ويطلب ~~منهم الإيمان دون العكس ، بدليل قوله تعالى : { قالت الأعراب آمنا قل لم ~~تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا } ( الحجرات : 14 ) . # وقيل المراد بالذين آمنوا : الذين آمنوا من اليهود كعبد الله بن سلام ~~فيؤول { ادخلوا } بمعنى PageV02P277 شدة التلبس ms1080 أي بترك ما لم يجيء به ~~الدين ، لأنهم استمروا على تحريم السبت وترك شرب ألبان الإبل وبعض ما ~~اعتادوه من أحوالهم أيام تهودهم إذا صح ما رواه أهل ( أسباب النزول ) أن ~~طائفة من مؤمني اليهود فعلوا ذلك . # ويجوز أن يكون المراد من السلم هنا المعنى الحقيقي ويراد السلم بين ~~المسلمين يأمرهم الله تعالى بعد أن اتصفوا بالإيمان بألا يكون بعضهم حربا ~~لبعض كما كانوا عليه في الجاهلية ، وبتناسي ما كان بين قبائلهم من العداوات ~~، ومناسبة ذكر هذا عقب ما تقدم أنهم لما أمروا بذكر الله كذكرهم آباءهم ~~وكانوا يذكرون في موسم الحجج تراتهم ويفخرون فخرا قد يفضي إلى الحمية ، ~~أمروا عقب ذلك بالدخول في السلم ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~خطبة حجة الوداع ( لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ) فتكون الآية ~~تكملة للأحكام المتعلقة بإصلاح أحوال العرب التي كانوا عليها في الجاهلية ، ~~وبها تكون الآية أصلا في كون السلم أصلا للإسلام وهو رفع التهارج كما قال ~~الشاطبي أي التقاتل وما يفضي إليه ، وإما أن يكون المراد من السلم هنا ~~السلم مع الله تعالى مع معنى المجاز ، أي ادخلوا في مسالمة الله تعالى ~~باتباع أوامره واجتناب منهياته كما أطلق الحرب على المعصية مجازا في قوله ~~تعالى : { فأذنوا بحرب من الله ورسوله } ( البقرة : 279 ) وفي الحديث ~~القدسي الذي رواه الترمذي ( من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب ) . # و ( كافة ) اسم يفيد الإحاطة بأجزاء ما وصف به ، وهو في صورة صوغه كصوغ ~~اسم الفاعلة من كف ولكن ذلك مصادفة في صيغة الوضع ، وليس فيها معنى الكف ~~ولا حاجة إلى تكلف بيان المناسبة بين صورة لفظها وبني معناها المقصود في ~~الكلام لقلة جدوى ذلك ، وتفيد مفاد ألفاظ التوكيد الدالة على الشمول ~~والإحاطة . # والتاء المقترنة بها ملازمة لها في جميع الأحوال كيفما كان المؤكد بها ~~مؤنثا كان أو مذكرا مفردا أو جمعا ، نحو { وقاتلوا المشركين كافة } ( ~~التوبة : 36 ) ، وأكثر ما يستعمل ( كافة ) في الكلام أنه حال من اسم قبله ms1081 ~~كما هنا فقوله : ( كافة ) حال من ضمير { ادخلوا } أي حالة كونكم جميعا لا ~~يستثنى منكم أحد ، وقال ابن هشام في ( مغني اللبيب ) عند الكلام على الجهة ~~الخامسة من الباب الخامس في ذكر الحال من الفاعل ومن المفعول أن ( كافة ) ~~إذا استعملت في معنى الجملة والإحاطة لا تكون إلا حالا مما جرت عليه ، ولا ~~تكون إلا نكرة ولا PageV02P278 يكون موصوفها إلا مما يعقل ، ولكن الزجاج ~~والزمخشري جوزا جعل كافة حالا من السلم والسلم مؤنث ، وفي ( الحواشي ~~الهندية على المغني للدماميني ) أنه وقع كافة اسما لغير العاقل وغير حال بل ~~مضافا في كتاب عمر بن الخطاب لآل كاكلة ( قد جعلت لآل كاكلة على كافة بيتت ~~مال المسلمين لكل عام مائتي مثقال ذهبا إبريزا في كل عام ) . # واعلم أن تحجير ما لم يستعمله العرب إذا سوغته القواعد تضييق في اللغة ~~وإنما يكون اتباع العرب في استعمالهم أدخل في الفصاحة لا موجبا للوقوف عنده ~~دون تعدية فإذا ورد في القرآن فقد نهض . # وقوله : { ولا تتبعوا خطوات الشيطان } ، تحذير مما يصدهم عن الدخول في ~~السلم المأمور به بطريق النهي ، عن خلاف المأمور به ، وفائدته التنبيه على ~~أن ما يصدر عن الدخول في السلم هو من مسالك الشيطان المعروفف بأنه لا يشير ~~بالخير ، فهذا النهي إما أخص من المأمور به مع بيان علة الأمر إن كان ~~المراد بالسلم غير شعب الإسلام مثل أن يكون إشارة إلى ما خامر نفوس جمهورهم ~~من كراهية إعطاء الدنية للمشركين بصلح الحديبية كما قال عمر ( ألسنا على ~~الحق وعدونا على الباطل فلم نعطي الدنية في ديننا ) وكما قال سهل بن حنيف ~~يوم صفين ( أيها الناس اتهموا الرأي فلقد رأيتنا يوم أبي جندل ولو نستطيع ~~أن نرد على رسول الله فعله لفعلنا والله ورسوله أعلم ) بإعلامهم أن ما فعله ~~رسول الله لا يكون إلا خيرا ، كما قال أبو بكر لعمر إنه رسول الله ولن ~~يضيعه الله أبدا تنبيها لهم على أن ما خامر نفوسهم من كراهية الصلح هو من ~~وساوس الشيطان ، وإما ms1082 لمجرد بيان علة الأمر بالدخول في السلم إن كان المراد ~~بالسلم شعب الإسلام ، والكلام على معنى لا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم ~~عدو مبين ، وما فيه من الاستعارة تقدم عند قوله تعالى : { ياأيها الناس ~~كلوا مما في الأرض حلالا طيبا } ( البقرة : 168 ) الآية . # وقوله تعالى : { فإن زللتم من بعد ما جاءكم البينات فاعلموا أن الله عزيز ~~حكيم } تفريع على النهي أي فإن اتبعتم خطوات الشيطان فزللتم أو فإن زللتم ~~فاتبعتم خطوات الشيطان وأراد بالزلل المخالفة للنهي . # وأصل الزلل الزلق أي اضطراب القدم وتحركها في الموضع المقصود إثباتها به ~~، واستعمل الزلل هنا مجازا في الضر الناشىء عن اتباع الشيطان من بناء ~~التمثيل على التمثيل ؛ لأنه لما شبهت PageV02P279 هيئة من يعمل بوسوسة ~~الشيطان بهيئة الماشي على أثر غيره شبه ما يعتريه من الضر في ذلك المشي ~~بزلل الرجل في المشي في الطريق المزلقة ، وقد استفيد من ذلك أن ما يأمر به ~~الشيطان هو أيضا بمنزلة الطريق المزلقة على طريق المكنية وقوله : { زللتم } ~~تخييل وهو تمثيلية فهو من التخييل الذي كان مجازا والمجاز هنا في مركبه . # والبينات : الأدلة والمعجزات ومجيئها ظهورها وبيانها ، لأن المجيء ظهور ~~شخص الجائي بعد غيبته . # وجيء في الشرط بإن لندرة حصول هذا الزلل من الذين آمنوا أو لعدم رغبة ~~المتكلم في حصوله إن كان الخطاب لمن آمن بظاهره دون قلبه . وفيه إشارة إلى ~~أن ما خامر نفوسهم من كراهية الصلح هو زلة عظيمة . وقوله : { فاعلموا أن ~~الله عزيز حكيم } جواب الشرط ، و { أن الله عزيز حكيم } ، مفعول { اعلموا } ~~، والمقصود علم لازمه وهو العقاب . # والعزيز فعيل من عز إذا قوي ولم يغلب ، وأصله من العزة وقد مر الكلام ~~عليه عند قوله { أخذته العزة } ( البقرة : 206 ) وهو ضد ، فكان العلم بأنه ~~تعالى عزيز مستلزما تحققهم أنه معاقبهم لا يفلتهم ، لأن العزيز لا ينجو من ~~يناوئه . # والحكيم يجوز أن يكون اسم فاعل من حكم أي قوي الحكم ، ويحتمل أنه المحكم ~~للأمور فهو من مجيء فعيل بمعنى مفعل ، ومناسبته هنا أن المتقن للأمور ms1083 لا ~~يفلت مستحق العقوبة ، فالكلام وعيد وإلا فإن الناس كلهم يعلمون أن الله ~~عزيز حكيم . # ولك أن تجعل قوله : { فاعلموا } تنزيلا لعلمهم منزلة العدم لعدم جريهم ~~على ما يقتضيه من المبادرة إلى الدخول في الدين أو لمخالفة أحكام الدين أو ~~من الامتعاض بالصلح الذي عقده الرسول . # وإنما قال تعالى : { من بعد ما جاءتكم البينات } إعذار لهم ، وفيه إشارة ~~إلى أنهم يجب عليهم تفويض العلم إلى الله الذي أوحى إلى رسوله بإبرام الصلح ~~مع المشركين ، لأنه ما أوحاه الله إلا لمصلحة وليس ذلك بوهن للمسلمين ، لأن ~~الله عزيز لا يهن لأحد ، ولأنه حكيم يضع الأمور في مواضعها ، ويختار ~~للمسلمين ما فيه نصر دينه وقد رأيتم البينات الدالة على عناية الله برسوله ~~وأنه لا يخزيه ولا يضيع أمره ومن تلك البينات ما شاهدوه من النصر يوم بدر . ~~PageV02P280 # وإن كان المراد الدخول في الإسلام أو الدوام عليه فالمعني : ب ( فإن ~~زللتم ) : الاتصاف بما ينافي الأمر بالدخول في السلم ، والمراد بالبينات ~~المعجزات الدالة على صدق الرسول ، نقل الفخر عن ( تفسير القاضي عبد الجبار ~~) دلت الآية على أن المؤاخذة بالذنب لا تحصل إلا بعد البيان وأن المؤاخذة ~~تكون بعد حصول البينات لا بعد حصول اليقين من المكلف ، لأنه غير معذور في ~~عدم حصول اليقين إن كانت الأدلة كافية . # وفي ( الكشاف ) روي أن قارئا قرأ هذه الآية فإن الله غفور رحيم فسمعه ~~أعرابي فأنكره وقال لا يقول الحكيم كذا لا يذكر الغفران عند الزلل لأنه ~~إغراء عليه اه وفي القرطبي عن ( تفسير النقاش ) نسبة مثل هذه القصة إلى كعب ~~الأحبار ، وذكر الطيبي عن الأصمعي قال كنت أقرأ : والسارق والسارقة فاقطعوا ~~أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله غفور رحيم ، ويجنبي أعرابي فقال ~~كلام من هذا ؟ قلت كلام الله ، قال : ليس هذا كلام الله فانتبهت فقرأت { ~~والله عزيز حكيم } ( المائدة : 38 ) فقال أصبت هذا كلام الله فقلت أتقرأ ~~القرآن ؟ قال لا قلت من أين علمت ؟ قال يا هذا عز فحكم فقطع ولو غفر ورحم ~~لما قطع ms1084 . # # | 2 ( 210 ) { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة ~~وقضى الأمر وإلى الله ترجع الأمور } . ) 2 # إن كان الإضمار جاريا على مقتضى الظاهر فضمير { ينظرون } راجع إلى معاد ~~مذكور قبله ، وهو إما { من يعجبك قوله في الحياة الدنيا } ( البقرة : 204 ) ~~، وإما إلى { من يشرى نفسه ابتغاء مرضاة الله } ( البقرة : 207 ) ، أو إلى ~~كليهما لأن الفريقين ينتظرون يوم الجزاء ، فأحد الفريقين ينتظره شكا في ~~الوعيد بالعذاب ، والفريق الآخر ينتظره انتظار الراجي للثواب . ونظيره قوله ~~: { فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم قل فانتظروا إني معكم من ~~المنتظرين } ( يونس : 102 ) فانتظارهم أيام الذين خلوا انتظار توقع سوء ~~انتظار النبي معهم انتظار تصديقق وعيده . # وإن كان الإضمار جاريا على خلاف مقتضى الظاهر فهو راجع إلى المخاطبين ~~بقوله { ادخلوا في السلم } ( البقرة : 208 ) وما بعده ، أو إلى الذين زلوا ~~المستفاد من قوله : { فإن زللتم } ( البقرة : 209 ) ، وهو حينئذ التفات من ~~الخطاب إلى الغيبة ، إما لمجرد تجديد نشاط السامع إن كان راجعا إلى ~~المخاطبين بقوله { يا أيها PageV02P281 الذين آمنوا } ( البقرة : 208 ) ، ~~وإما لزيادة نكتة إبعاد المخاطبين بقوله { فإن زللتم } عن عز الحضور ، قال ~~القرطبي { هل ينتظرون } يعني التاركين الدخول في السلم ، وقال الفخر الضمير ~~لليهود بناء على أنهم المراد من قوله : { يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في ~~السلم } أي يا أيها الذين آمنوا بالله وبعض رسله وكتبه على أحد الوجوه ~~المتقدمة وعلى أن السلم أريد به الإسلام ، ونكتة الالتفات على هذا القول هي ~~هي . # فإن كان الضمير لمن يعجبك أو له ولمن يشري نفسه ، فالجملة استئناف بياني ~~، لأن هاتين الحالتين العجيبتين في الخير والشر تثيران سؤال من يسأل عن ~~جزاء كلا الفريقين فيكون قوله : { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله } جوابا ~~لذلك ، وإن كان الضمير راجعا إلى { الذين آمنوا } فجملة { هل ينظرون } ~~استئناف للتحريض على الدخول في الإسلام خشية يوم الجزاء أو طمعا في ثوابه ~~وإن كان الضمير للذين زلوا من قوله : { فإن زللتم } ( البقرة : 209 ) ~~فالجملة بدل اشتمال ms1085 من مضمون جملة { إن الله عزيز حكيم } ( البقرة : 209 ) ~~لأن معناه فإن زللتم فالله لا يفلتكم لأنه عزيز حكيم ، وعدم الإفلات يشتمل ~~على إتيان أمر الله والملائكة ، وإن كان الضمير عائدا إلى اليهود فهو توبيخ ~~لهم على مكابرتهم عن الاعتراف بحقية الإسلام . وعلى كل الاحتمالات التي لا ~~تتنافى فقد جاء نظم قوله { هل ينظرون } بضمير الجمع نظما جامعا للمحامل ~~كلها مما هو أثر من آثار إعجاز هذا الكلام المجيد الدال على علم الله تعالى ~~بكل شيء . # وحرف ( هل ) مفيد الاستفهام ومفيد التحقيق ويظهر أنه موضوع للاستفهام عن ~~أمر يراد تحقيقه ، فلذلك قال أئمة المعاني إن هل لطلب تحصيل نسبة حكمية ~~تحصل في علم المستفهم وقال الزمخشري في ( الكشاف ) : إن أصل هل أنها مرادفة ~~قد في الاستفهام خاصة ، يعني قد التي للتحقيق وإنما اكتسبت إفادة الاستفهام ~~من تقدير همزة الاستفهام معها كما دل عليه ظهور الهمزة في قول زيد الخيل : # سائل فوارس بربوع بشدتنا # أهل رأونا بسفحح القاع ذي الأكم # وقال في ( المفصل ) : وعن سيبويه أن هل بمعنى قد إلا أنهم تركوا الألف ~~قبلها ؛ لأنها لا تقع إلا في الاستفهام اه . يعني أن همزة الاستفهام التزم ~~حذفها للاستغناء عنها بملازمة هل للوقوع في الاستفهام ، إذ لم يقل أحد أن ~~هل ترد بمعنى قد مجردة عن الاستفهام فإن مواردها في كلام العرب وبالقرآن ~~يبطل ذلك ونسب ذلك إلى الكسائي والفراء والمبرد في قوله تعالى : { هل أتى ~~PageV02P282 على الإنسان حين من الدهر } ( الإنسان : 1 ) ولعلهم أرادوا ~~تفسير المعنى لا تفسير الإعراب ولا نعرف في كلام العرب اقتران هل بحرف ~~الاستفهام إلا في هذا البيت ولا ينهض احتجاجهم به لإمكان تخريجه على أنه ~~جمع بين حرفي استفهام على وجه التأكيد كما يؤكد الحرف في بعض الكلام كقول ~~مسلم بن معبد الوالبي : # فلا والله لا يلقى لما بي # ولا للما بهم أبدا دواء # فجمع بين لامي جر ، وأيا ما كان فإن هل تمحضت لإفادة الاستفهام في جميع ~~مواقعها ، وسيأتي هذا في تفسير قوله تعالى : { هل ms1086 أتى على الإنسان حين من ~~الدهر } في سورة الإنسان . # والاستفهام إنكاري لا محالة بدليل الاستثناء ، فالكلام خبر في صورة ~~الاستفهام . والنظر : الانتظار والترقب يقال نظره بمعنى ترقبه ، لأن الذي ~~يترقب أحدا يوجه نظره إلى صوبه ليرى شبحه عندما يبدو ، وليس المراد هنا نفي ~~النظر البصري أي لا ينظرون بأبصارهم في الآخرة إلا إتيان أمر الله ~~والملائكة ، لأن الواقع أن الأبصار تنظر غير ذلك ، إلا أن يراد أن رؤيتهم ~~غير ذلك كالعدم لشدة هول إتيان أمر الله ، فيكون قصرا ادعائيا ، أو تسلب ~~أبصارهم من النظر لغير ذلك . # وهذا المركب ليس مستعملا فيما وضع له من الإنكار بل مستعملا إما في ~~التهديد والوعيد وهو الظاهر الجاري على غالب الوجوه المتقدمة في الضمير ، ~~وإما في الوعد إن كان الضمير لمن يشري نفسه ، وإما في القدر المشترك وهو ~~العدة بظهور الجزاء إن كان الضمير راجعا للفريقين ، وإما في التهكم إن كان ~~المقصود من الضمير المنافقين اليهود أو المشركين ، فأما اليهود فإنهم كانوا ~~يقولون لموسى { لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة } ( البقرة : 55 ) . ويجوز ~~على هذا أن يكون خبرا عن اليهود : أي إنهم لا يؤمنون ويدخلون في السلم حتى ~~يروا الله تعالى في ظلل من الغمام على نحو قوله تعالى : { ولئن أتيت الذين ~~أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك } ( البقرة : 145 ) . # وأما المشركون فإنهم قد حكى الله عنهم : { وقالوا نؤمن لك حتى تفجر لنا ~~من الأرض ينبوعا إلى قوله أو تأتي بالله والملائكة قبيلا } ( الإسراء : 90 ~~، 92 ) ، وسيجيء القول مشبعا في موقع هذا التركيب ومعناه عند الكلام على ~~قوله تعالى : { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام في سورة ~~البقرة . PageV02P283 # و ( الظلل ) بضم ففتح اسم جمع ظلة ، والظلة تطلق على معان والذي تلخص لي ~~من حقيقتها في اللغة أنها اسم لشبه صفة مرتفعة في الهواء تتصل بجدار أو ~~ترتكز على أعمدة يجلس تحتها لتوقي شعاع الشمس ، فهي مشتقة من اسم الظل جعلت ~~على وزن فعلة بمعنى مفعولة أو مفعول بها ms1087 مثل القبضة بضم القاف لما يقبض ~~باليد . # والغرفة بضم الغين لما يغترف باليد كقوله تعالى : إلا من اغترف غرفة بيده ~~} ( البقرة : 249 ) في قراءة بعض العشرة بضم الغين . # وهي هنا مستعارة أو مشبه بها تشبيها بليغا : السحابات العظيمة التي تشبه ~~كل سحابة منها ظلة القصر . # و { من الغمام } بيان للمشبه وهو قرينة الاستعارة ونظيره قوله تعالى : { ~~لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل } ( الزمر : 16 ) . # والإتيان حضور الذات في موضع من موضع آخر سبق حصولها فيه وأسند الإتيان ~~إلى الله تعالى في هذه الآية على وجه الإثبات فاقتضى ظاهره اتصاف الله ~~تعالى به ، ولما كان الإتيان يستلزم التنقل أو التمدد ليكون حالا في مكان ~~بعد أن لم يكن به حتى يصح الإتيان وكان ذلك يستلزم التنقل الجسم والله منزه ~~عنه ، تعين صرف اللفظ عن ظاهره بالدليل العقلي ، فإن كان الكلام خبرا أو ~~تهكما فلا حاجة للتأويل ، لأن اعتقادهم ذلك مدفوع بالأدلة وإن كان الكلام ~~وعيدا من الله لزم التأويل ، لأن الله تعالى موجود في نفس الأمر لكنه لا ~~يتصف بما هو من صفات الحوادث كالتنقل والتمدد لما علمت ، فلا بد من تأويل ~~هذا عندنا على أصل الأشعري في تأويل المتشابه ، وهذا التأويل إما في معنى ~~الإتيان أو في إسناده إلى الله أو بتقدير محذوف من مضاف أو مفعول ، وإلى ~~هذه الاحتمالات ترجع الوجوه التي ذكرها المفسرون : # الوجه الأول ذهب سلف الأمة قبل حدوث تشكيكات الملاحدة إلى إقرار الصفات ~~المتشابهة دون تأويل فالإتيان ثابت لله تعالى ، لكن بلا كيف فهو من ~~المتشابه كالاستواء والنزول والرؤية أي هو إتيان لا كإتيان الحوادث . فأما ~~على طريقة الخلف من أئمة الأشعرية لدفع مطاعن الملاحدة فتجيء وجوه منها : # الوجه الثاني : أقول يجوز تأويل إتيان الله بأنه مجاز في التجلي ~~والاعتناء إذا كان الضمير راجعا لمن يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله ، أو بأنه ~~مجاز في تعلق القدرة التنجيزي بإظهار الجزاء PageV02P284 إن كان الضمير ~~راجعا للفريقين ، أو هو مجاز في الاستئصال يقال أتاهم الملك إذا ms1088 عاقبهم ~~قاله القرطبي ، قلت وذلك في كل إتيان مضاف إلى منتقم أو عدو أو فاتح كما ~~تقول : أتاهم السبع بمعنى أهلكهم وأتاهم الوباء ولذلك يقولون أتى عليه ~~بمعنى أهلكه واستأصله ، فلما شاع ذلك شاع إطلاق الإتيان على لازمه وهو ~~الإهلاك والاستئصال قال تعالى : { فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا } ( الحشر ~~: 2 ) وقال { فأتى الله بنيانهم من القواعد } ( النحل : 26 ) وليس قوله : { ~~في ظلل من الغمام } بمناف لهذا المعنى ، لأن ظهور أمر الله وحدوث تعلق ~~قدرته يكون محفوفا بذلك لتشعر به الملائكة وسيأتي بيان { في ظلل من الغمام ~~} قريبا . # الوجه الثالث : إسناد الإتيان إلى الله تعالى إسناد مجازي وإنما يأتيهم ~~عذاب الله يوم القيامة أو في الدنيا وكونه { في ظلل من الغمام } زيادة ~~تنويه بذلك المظهر ووقعه لدى الناظرين . # الوجه الرابع : يأتيهم كلام الله الدال على الأمر ويكون ذلك الكلام ~~مسموعا من قبل ظلل من الغمام تحفه الملائكة . # الوجه الخامس : أن هنالك مضافا مقدرا أي يأتيهم أمر الله أي قضاؤه بين ~~الخلق أو يأتيهم بأس الله بدليل نظائره في القرآنن أو يأتي أمر ربك وقوله : ~~{ فجاءها بأسنا بياتا } ( الأعراف : 4 ) ولا يخفى أن الإتيان في هذا يتعين ~~أن يكون مجازا في ظهور الأمر . # الوجه السادس : حذف مضاف تقديره ، آيات الله أو بيناته أي دلائل قدرته أو ~~دلائل صدق رسله ويبعده قوله : { في ظلل من الغمام } إلا أن يرجع إلى الوجه ~~الخامس أو إلى الوجه الثالث . # الوجه السابع : أن هنالك معمولا محذوفا دل عليه قوله : { فاعلموا أن الله ~~عزيز حكيم } ( البقرة : 209 ) والتقدير أن يأتيهم الله بالعذاب أو ببأسه . ~~والأحسن تقدير أمر عام يشمل الخير والشر لتكون الجملة وعدا ووعيدا . # وقد ذكرت في تفسير قوله تعالى : { منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر ~~متشابهات في ( سورة آل عمران : 6 ) ما يتحصل منه أن ما يجري على اسمه تعالى ~~من الصفات والأحكام وما يسند إليه من الأفعال في الكتاب والسنة أربعة أقسام ~~: قسم اتصف الله به على الحقيقة كالوجود والحياة لكن بما يخالف ms1089 المتعارف ~~فينا ، وقسم اتصف الله بلازم مدلوله وشاع ذلك حتى صار PageV02P285 المتبادر ~~من المعنى المناسب دون الملزومات مثل الرحمة والغضب والرضا والمحبة ، وقسم ~~هو متشابه وتأويله ظاهر ، وقسم متشابه شديد التشابه . # وقوله تعالى : في ظلل من الغمام } أشد إشكالا من إسناد الإتيان إلى الله ~~تعالى لاقتضائه الظرفية ، وهي مستحيلة على الله تعالى ، وتأويله إما بأن ( ~~في ) بمعنى الباء أي { يأتيهم بظلل من الغمام } وهي ظلل تحمل العذاب من ~~الصواعق أو الريح العاصفة أو نحو ذلك إن كان العذاب دنيويا ، أو في ظلل من ~~الغمام تشتمل على ما يدل على أمر الله تعالى أو عذابه { وإن يروا كسفا من ~~السماء ساقطا يقولوا سحاب مركرم } ( الطور : 44 ) وكان رسول الله إذا رأى ~~السحاب رئي في وجهه الخوف من أن يكون فيه عذاب ، أو على كلامه تعالى ، أو ~~الحاجبة لأنوار يجعلها الله علامة للناس يوم القيامة على ابتداء فصل الحساب ~~يدرك دلالتها أهل الموقف وبالانكشاف الوجداني ، وفي ( تفسير القرطبي والفخر ~~) قيل : إن في الآية تقديما وتأخيرا ، وأصل الكلام أن يأتيهم الله ~~والملائكة في ظلل من الغمام ، فالغمام ظرف لإتيان الملائكة ، وروي أن ابن ~~مسعود قرأها كذلك ، وهذه الوجوه كلها مبنية على أن هذا إخبار بأمر مستقبل ، ~~فأما على جعل ضمير { ينظرون } مقصودا به المنافقون من المشركين أو اليهود ~~بأن يكون الكلام تهكما أي ماذا ينتظرون في التباطؤ عن الدخول في الإسلام ، ~~ما ينتظرون إلا أن يأتيهم الله في أحوال اعتقدوها فيكلمهم ليدخلوا في الدين ~~، فإنهم قالوا لموسى : { لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة } ( البقرة : 55 ) ~~واعتقدوا أن الله في الغمام ، أو يكون المراد تعريضا بالمشركين ، وبعض ~~التأويلات تقدمت مع تأويل الإتيان . # وقرأه الجمهور ( والملائكة ) بالرفع عطفا على اسم الجلالة ، وإسناد ~~الإتيان إلى الملائكة لأنهم الذين يأتون بأمر الله أو عذابه وهم الموكل ~~إليهم تنفيذ قضائه ، فإسناد الإتيان إليهم حقيقة فإن كان الإتيان المسند ~~إلى الله تعالى مستعملا في معنى مجازي فهو مستعمل بالنسبة للملائكة في ~~معناه الحقيقي فهو من استعمال اللفظ في ms1090 حقيقته ومجازه ، وإن كان إسناد ~~الإتيان إلى الله تعالى مجازا في الإسناد فإسناده إلى الملائكة بطريق العطف ~~حقيقة في الإسناد ولا مانع من ذلك ؛ لأن المجاز الإسنادي عبارة عن قصد ~~المتكلم مع القرينة ، قال حميد بن ثور يمدح عبد الملك : # أتاك بي الله الذي نور الهدى # ونور وإسلام عليك دليل # فأسند الإتيان به إلى الله وهو إسناد حقيقي ثم أسنده بالعطف للنور ~~والإسلام ، وإسناد PageV02P286 الإتيان به إليهما مجازي لأنهما سبب الإتيان ~~به ألا ترى أنه قال ( عليك دليل ) . # وقرأ أبو جعفر ( والملائكة ) بجر ( الملائكة ) عطف على ( ظلل ) . # وقوله : { وقضي الأمر } إما عطف على جملة { هل ينظرون } إن كانت خبرا عن ~~المخبر عنهم والفعل الماضي هنا مراد منه المستقبل ، ولكنه أتى فيه بالماضي ~~تنبيها على تحقيق وقوعه أو قرب وقوعه ، والمعنى ما ينتظرون إلا أن يأتيهم ~~الله وسوف يقضى الأمر ، وإما عطف على جملة { ينظرون } إن كانت جملة { هل ~~ينظرون } وعيدا أو وعدا والفعل كذلك للاستقبال ، والمعنى ما يترقبون إلا ~~مجيء أمر الله وقضاء الأمر . # وإما جملة حالية والماضي على أصله وحذفت قد ، سواء كانت جملة { هل ينظرون ~~} خبرا أو وعدا ووعيدا أي وحينئذ قد قضي الأمر ، وإما تنبيه على أنهم إذا ~~كانوا ينتظرون لتصديق محمد أن يأتيهم الله والملائكة فإن ذلك إن وقع يكون ~~قد قضي الأمر أي حق عليهم الهلاك كقوله : { وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو ~~أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون } ( الأنعام : 8 ) . # والقضاء : الفراغ والإتمام . # والتعريف في ( الأمر ) إما للجنس مرادا منه الاستغراق أي قضيت الأمور ~~كلها ، وإما للعهد أي أمر هؤلاء أي عقابهم أو الأمر المعهود للناس كلهم وهو ~~الجزاء . # وقوله : { وإلى الله ترجع الأمور } تذييل جامع لمعنى : { وقضى الأمر } ~~والرجوع في الأصل : المآب إلى الموضع الذي خرج منه الراجع ، ويستعمل مجازا ~~في نهاية الشيء وغايته وظهور أثره ، فمنه { ألا إلى الله تصير الأمور } ( ~~الشورى : 53 ) . # ويجيء فعل رجع متعديا ، تقول رجعت زيدا إلى بلده ومصدره الرجع ، ويستعمل ~~رجع قاصرا تقول : رجع زيد إلى ms1091 بلده ومصدره الرجوع . # وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم وأبو جعفر ويعقوب ( ترجع ) بضم ~~التاء وفتح الجيم على أنه مضارع أرجعه أو مضارع رجعه مبنيا للمفعول أي يرجع ~~الأمور راجعها إلى الله ، وحذف الفاعل على هذا العدم تعين فاعل عرفي لهذا ~~الرجع ، أو حذف لدفع ما يبدو من التنافي بين كون اسم الجلالة فاعلا للرجوع ~~ومفعولا له بحرف إلى ، وقرأه باقي العشرة بالبناء للفاعل من رجع الذي مصدره ~~الرجوع فالأمور فاعل ترجع . # PageV02P287 $ 2 ( 211 ) { سل بنى & # 1764 إسراءيل كم آتيناهم من آية بينة ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جآءته ~~فإن الله شديد العقاب } . ) 2 $ # تتنزل هاته الآية من التي قبلها منزلة البرهان على معنى الجملة السابقة ، ~~فإن قوله : { هل ينظرون } ( البقرة : 210 ) سواء كان خبرا أو وعيدا أو وعدا ~~أم تهكما ، وأيا ما كان معاد الضمير فيه على الأوجه السابقة قد دل بكل ~~احتمال على تعريض بفرقق ذوي غرور وتماد في الكفر وقلة انتفاع بالآيات ~~البينات ، فناسب أن يعقب ذلك بإلفاتهم إلى ما بلغهم من قلة انتفاع بني ~~إسرائيل بما أوتوه من آيات الاهتداء مع قلة غناء الآيات لديهم على كثرتها ، ~~فإنهم عاندوا رسولهم ثم آمنوا به إيمانا ضعيفا ثم بدلوا الدين بعد ذلك ~~تبديلا . # وعلى احتمال أن يكون الضمير في { ينظرون } ( البقرة : 210 ) لأهل الكتاب ~~: أي بني إسرائيل فالعدول عن الإضمار هنا إلى الإظهار بقوله : { بني ~~إسرائيل } لزيادة النداء على فضيحة حالهم ويكون الاستدلال عليهم حينئذ أشد ~~، أي هم قد رأوا آيات كثيرة فكان المناسب لهم أن يبادوا بالإيمان بالرسول ~~محمد صلى الله عليه وسلم لأنهم أعلم الناس بأحوال الرسل ، وعلى كل فهذه ~~الآية وما بعدها معترضات بين أغراض التشريع المتتابعة في هذه السورة . # و { سل } أمر من سأل يسأل أصله اسأل فحذفت الهمزة تخفيفا بعد نقل حركتها ~~إلى الساكن قبلها إلحاقا لها بنقل حركة حرف العلة لشبه الهمزة بحرف العلة ~~فلما تحرك أول المضارع استغنى عن اجتلاب همزة الوصل ، وقيل : سل أمر من سأل ~~الذي ms1092 جعلت همزته ألفا مثل الأمر من خاف يخاف خف ، والعرب يكثرون من هذا ~~التخفيف في سأل ماضيا وأمرا ؛ إلا أن الأمر إذا وقع بعد الواو والفاء تركوا ~~هذا التخفيف غالبا . # والمأمور بالسؤال هو الرسول ؛ لأنه الذي يترقب أن يجيبه بنو إسرائيل عن ~~سؤاله ؛ إذ لا يعبأون بسؤال غيره ؛ لأن المراد بالسؤال سؤال التقرير ~~للتقريع ، ولفظ السؤال يجيء لما تجيء له أدوات الاستفهام . والمقصود من ~~التقرير إظهار إقرارهم لمخالفتهم لمقتضى الآيات فيجيء من هذا التقرير ~~التقريع فليس المقصود تصريحهم بالإقرار ؛ بل مجرد كونهم لا يسعهم الإنكار . ~~PageV02P288 # والمراد ب ( بني إسرائيل ) الحاضرون من اليهود . والضمير في { آتيناهم } ~~لهم ، والمقصود إيتاء سلفهم ؛ لأن الخصال الثابتة لأسلاف القبائل والأمم ، ~~يصح إثباتها للخلف لترتب الآثار للجميع كما هو شائع في مصطلح الأمم الماضية ~~من العرب وغيرهم . ويجوز أن يكون معنى إيتائهم الآيات أنهم لما تناقلوا ~~آياتت رسلهم في كتبهم وأيقنوا بها فكأنهم أوتوها مباشرة . # و ( كم ) اسم للعدد المبهم فيكون للاستفهام ويكون للإخبار ، وإذا كانت ~~للإخبار دلت على عدد كثير مبهم ؛ ولذلك تحتاج إلى مميز في الاستفهام وفي ~~الإخبار ، وهي هنا استفهامية كما يدل عليه وقوعها في حيز السؤال ، فالمسؤول ~~عنه هو عدد الآيات . # وحق سأل أن يتعدى إلى مفعولين من باب كسا أي ليس أصل مفعوليه مبتدأ وخبرا ~~، وجملة { كم آتيناهم } لا تكون مفعوله الثاني ؛ إذ ليس الاستفهام مطلوبا ~~بل هو عين الطلب ، ففعل { سل } معلق عن المفعول الثاني لأجل الاستفهام ، ~~وجملة { كم آتيناهم } في موقع المفعول الثاني سادة مسده . # والتعليق يكثر في الكلام في أفعال العلم والظن إذا جاء بعد الأفعال ~~استفهام أو نفي أو لام ابتداء أو لام قسم ، وألحق بأفعال العلم والظن ما ~~قارب معناها من الأفعال ، قال في ( التسهيل ) ( ويشاركهن فيه ( أي في ~~التعليق ) مع الاستفهام ، نظر وتفكر وأبصر وسأل ) ، وذلك كقوله تعالى : { ~~يسألون أيان يوم الدين } ( الذاريات : 12 ) ولما أخذ سأل هنا مفعوله الأول ~~فقد علق عن المفعول الثاني ، فإن سبب التعليق هو أن مضمون الكلام الواقع ~~بعد الحرف ms1093 الموجب للتعليق ليس حالة من حالات المفعول الأول فلا يصلح لأن ~~يكون مفعولا ثانيا للفعل الطالب مفعولين ، قال سيبويه ( لأنه كلام قد عمل ~~بعضه في بعض فلا يكون إلا مبتدأ لا يعمل فيه شيء قبله ) اه وذلك سبب لفظي ~~مانع من تسلط العامل على معموله لفظا ، وإن كان لم يزل عاملا فيه معنى ~~وتقديرا ، فكانت الجملة باقية في محل المعمول ، وأداة الاستفهام من بين ~~بقية موجبات التعليق أقوى في إبعادها معنى ما بعدها عن العامل الذي يطلبه ، ~~لأن الكلام معها استفهام ليس من الخبر في شيء ، إلا أن ما تحدثه أداة ~~الاستفهام من معنى الاستعلام هو معنى طارىء في الكلام غير مقصود بالذات بل ~~هو قد ضعف بوقوعه بعد عامل خبري فصار الاستفهام صوريا ، فلذلك لم يبطل عمل ~~العامل إلا لفظا ، فقولك : علمت هل قام زيد قد دل علم على أن ما بعده محقق ~~فصار الاستفهام صوريا PageV02P289 وصار التعليق دليلا على ذلك ، ولو كان ~~الاستفهام باقيا على أصله لما صح كون جملته معمولة للعامل المعلق . # قال الرضي : ( إن أداة الاستفهام بعد العلم ليست مفيدة لاستفهام المتكلم ~~بها للزوم التناقض بين علمت وأزيد قائم بل هي لمجرد الاستفهام والمعنى علمت ~~الذي يستفهم الناس عنه ) اه ، فيجيء من كلامه أن قولك علمت أزيد قائم يقوله ~~: من علم شيئا يجهله الناس أو يعتنون بعلمه ، بخلاف قولك علمت زيدا قائما ، ~~وقد يكون الاستفهام الوارد بعد السؤال حكاية للفظ السؤال فتكون جملة ~~الاستفهام بيانا لجملة السؤال قال صدر الأفاضل في قول الحريري ( سألناه أنى ~~اهتديت إلينا ) أي سألناه هذا السؤال اه . وهو يتأتى في هذه الآية . # ويجوز أن يضمن سل معنى القول ، أي فيكون مفعوله الثاني كلاما فقد أعطي سل ~~مفعولين : أحدهما مناسب لمعنى لفظه والآخر مناسب لمعنى المضمن . # وجوز التفتازاني في ( شرح الكشاف ) أن جملة { كم آتيناهم } بيان للمقصود ~~من السؤال ، أي سلهم جواب هذا السؤال ، قال السلكوتي في ( حاشية المطول ) : ~~فتكون الجملة واقعة موقع المفعول ، أي ولا تعليق في الفعل . # وجوز صاحب ( الكشاف ms1094 ) أن تكون ( كم ) خبرية ، أي فتكون ابتداء كلام وقد ~~قطع فعل السؤال عن متعلقه اختصارا لما دل عليه ما بعده ، أي سلهم عن حالهم ~~في شكر نعمة الله ، فبذلك حصل التقريع . ويكون { كم آتيناهم } تدرجا في ~~التقريع بقرينة { ومن يبدل نعمة الله } ، ولبعد كونها خبرية أنكره أبو حيان ~~على صاحب ( الكشاف ) وقال إنه يفضي إلى اقتطاع الجملة التي فيها { كم } عن ~~جملة السؤال مع أن المقصود السؤال عن النعم . # و { من ءاية بينة } تمييز ( كم ) دخلت عليه من التي ينتصب تمييز كم ~~الاستفهامية على معناها والتي يجر تمييز كم الخبرية بتقديرها ظهرت في بعض ~~المواضع تصريحا بالمقدر ، لأن كل حرف ينصب مضمرا يجوز ظهوره إلا في مواضع ~~مثل إضمار أن بعد حتى ، قال الرضي : إذا فصل بين كم الخبرية والاستفهامية ~~وبين مميزهما بفعل متعد وجب جر التمييز بمن ( أي ظاهرة ) لئلا يلتبس ~~التمييز بالمفعول نحو قوله تعالى : { كم تركوا من جنات وعيون } ( الدخان : ~~25 ) و { وكم أهلكنا من قرية } ( القصص : 58 ) اه أي لئلا يلتبس بمفعول ذلك ~~الفعل الفاصل ، أو هو للتنبيه من أول الأمر على أنه تمييز لا مفعول إغاثة ~~لفهم السامع وذلك من بلاغة العرب ، وعندي أن موجب ظهور من في حالة الفصل هو ~~بعد المميز عن المميز لا غير ، وقيل : ظهور ( من ) PageV02P290 واجب مع ~~الفصل بالفعل المتعدي ، وجائز مع الفصل بغيره ، كما تقل عبد الحكيم عن ~~اليمني والتفتازاني في ( شرحي الكشاف ) . # وفي ( الكافية ) أن ظهور ( من ) في مميز ( كم ) الخبرية والاستفهامية ~~جائز هكذا أطلقه ابن الحاجب ، لكن الرضي قال إنه لم يعثر على شاهد عليه في ~~( كم ) الاستفهامية إلا مع الفصل بالفعل وأما في كم الخبرية فظهور ( من ) ~~موجود بكثرة بدون الفصل ، والظاهر أن ابن الحاجب لم يعبأ بخصوص الأمثلة ~~التي ذكرها الرضي ، وإنما اعتد بظهور ( من ) في المميز وهو الظاهر . # و ( الآية ) هنا المعجزة ودليل صدق الرسل ، أو الكلمات الدالة على مجيء ~~محمد صلى الله عليه وسلم فإنها آية لموسى ؛ إذ أخبر بها قبل قرون ، وآية ms1095 ~~لمحمد عليه الصلاة والسلام ، إذ كان التبشير به قبل وجوده بقرون ، ووصفها ~~بالبينة على الاحتمالين مبالغة في الصفة من فعل بان أي ظهر ، فيكون الظهور ~~ظهور العيان على الوجه الأول ، وظهور الدلالة على الوجه الثاني ، وفي هذا ~~السؤال وصيغته حذف دل عليه قوله : { ومن يبدل نعمة الله } تقديره فبدلوها ~~ولم يعملوا بها . # وقوله : { ومن يبدل نعمة الله } تذييل لجملة { سل بني إسرائيل كم آتيناهم ~~} الخ ، أفاد أأن المقصود أولا من هذا الوعيد هم بنو إسرائيل المتحدث عنهم ~~بقوله : { سل بني إسرائيل } ، وأفاد أن بني إسرائيل قد بدلوا نعمة الله ~~تعالى فدل ذلك على أن الآيات التي أوتيها بنو إسرائيل هي نعم عليهم وإلا ~~لما كان لتذييل خبرهم بحكم من يبدل نعم الله مناسبة وهذا مما يقصده البلغاء ~~، فيغني مثله في الكلام عن ذكر جمل كثيرة إيجازا بديعا من إيجاز الحذف ~~وإيجاز القصر معا ؛ لأنه يفيد مفاد أن يقال كم آتيناهم من آية بينة هي نعمة ~~عليهم فلم يقدروها حق قدرها ، فبدلوا نعمة الله بضدها بعد ظهورها فاستحقوا ~~العقاب ، لأن من يبدل نعمة الله فالله معاقبه ، ولأنه يفيد بهذا العموم ~~حكما جامعا يشمل المقصودين وغيرهم ممن يشبههم ولذلك يكون ذكر مثل هذا ~~الكلام الجامع بعد حكم جزئي تقدمه في الأصل تعريضا يشبه التصريح ، ونظيره ~~أن يحدثك أحد بحديث فتقول فعل الله بالكاذبين كذا وكذا تريد أنه قد كذب ~~فيما حدثك وإلا لما كان لذلك الدعاء عند سماع ذلك الحديث موقع . # وإنما أثبت للآيات أنها نعم لأنها إن كانت دلائل صدق الرسول فكونها نعما ~~لأن PageV02P291 دلائل الصدق هي التي تهدي الناس إلى قبول دعوة الرسول عن ~~بصيرة لمن لم يكن اتبعه ، وتزيد اللذين اتبعوه رسوخ إيمان قال تعالى : { ~~فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا } ( التوبة : 124 ) وبذلك التصديق يحصل ~~تلقى الشرع الذي فيه صلاح الدنيا والآخرة وتلك نعمة عاجلة وآجلة ، وإن كانت ~~الآيات الكلام الدال على البشارة بالرسول فهي نعمة عليهم ، لأنها قصد بها ~~تنوير سبيل الهداية لهم عند بعثة الرسول لئلا يترددوا ms1096 في صدقه بعد انطباق ~~العلامات التي ائتمنوا على حفظها . # والتبديل على الوجه الأول تبديل الوصف بأن أعرضوا عن تلك الآيات فتبدل ~~المقصود منها ، إذ صارت بالإعراض سبب شقاوتهم في الدنيا والآخرة ، لأنها لو ~~لم تؤت لهم لكان خيرا لهم في الدنيا ؛ إذ يكونون على سذاجة هم بها أقرب إلى ~~فعل الخير منهم بعد قصد المكابرة والإعراض ؛ لأنهما يزيدانهم تعمدا لارتكاب ~~الشرور ، وفي الآخرة أيضا لأن العقاب على الكفر يتوقف على الدعوة وظهور ~~المعجزة ، وقد أشبههم في هذا التبديل المشركون بإعراضهم عن القرآن والتدبر ~~في هديه أو التبديل بأن استعملوا تلك الآيات في غير المراد منها بأن جعلوها ~~أسباب غرور فإن الله ما آتى رسولهم تلك الآيات إلا لتفضيل أمته فتوكأوا على ~~ذلك وتهاونوا على الدين فقالوا { نحن أبناء الله وأحباؤه } ( المائدة : 18 ~~) { وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة } ( البقرة : 80 ) . # والتبديل جعل شيء بدلا عن آخر ، أي تعويضه به فيكون تعويض ذات بذات ~~وتعويض وصف بوصف كقول أبي الشيص : # بدلت من برد الشباب ملاءة # خلقا وبئس مثوبة المقتاض # فإنه أراد تبدل حالة الشباب بحالة الشيب ، وكقول النابغة : # عهدت بها حيا كراما فبدلت # حناظيل آجالل النعاج الجوافل # وليس قوله : { نعمة الله } من قبيل وضع الظاهر موضع الضمير بأن يكون ~~الأصل ومن يبدلها أي الآيات فإن الله شديد العقاب لظهور أن في لفظ ( نعمة ~~الله ) معنى جامعا للآيات وغيرها من النعم . # وقوله : { من بعد ما جاءته } المجيء فيه كناية عن الوضوح والمشاهدة ~~والتمكن ، لأنها من لوازم المجيء عرفا . # وإنما جعل العقاب مترتبا على التبديل الواقع بعد هذا التمكن للدلالة على ~~أنه تبديل عن بصيرة PageV02P292 لا عن جهل أو غلط كقوله تعالى فيما تقدم : ~~{ ثم يحرقونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون } ( البقرة : 75 ) . وحذف ما بدل ~~به النعمة ليشمل جميع أحوال التبديل من كتم بعضها والإعراض عن بعض وسوء ~~التأويل . والعقاب ناشىء عن تبديل تلك النعم في أوصافها أو في ذواتها ، ولا ~~يكون تبديلها إلا لقصد مخالفتها ، وإلا لكان غير تبديل ms1097 بل تأييدا وتأويلا ، ~~بخلاف قوله تعالى : { ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا } ( إبراهيم : ~~28 ) لأن تلك الآية لم يتقدم فيها ما يؤذن بأن النعمة ما هي ولا تؤذن ~~بالمستبدل به هنالك فتعين التصريح بالمستبدل به ، والمبدلون في تلك الآية ~~غير المراد من المبدلين في هذه ، لأن تلك في كفار قريش بدليل قوله بعدها : ~~{ وجعلوا لله أندادا } ( إبراهيم : 30 ) . # وقوله : { فإن الله شديد العقاب } دليل جواب الشرط وهو علته ، لأن جعل ~~هذا الحكم العام جوابا للشرط يعلم منه أن من ثبت له فعل الشرط يدخل في عموم ~~هذا الجواب ، فكون الله شديد العقاب أمر محقق معلوم فذكره لم يقصد منه ~~الفائدة لأنها معلومة بل التهديد ، فعلم أن المقصود تهديد المبدل فدل على ~~معنى : فالله يعاقبه ، لأن الله شديد العقاب ، ومعنى شدة عقابه : أنه لا ~~يفلت الجاني وذلك لأنه القادر على العقاب ، وقد جوز أن يكون فإن الله شديد ~~العقاب نفس جواب الشرط بجعل أل في العقاب عوضا عن الضمير المضاف إليه أي ~~شديد معاقبته . # وإظهار اسم الجلالة هنا مع أن مقتضى الظاهر أن يقال : فإنه شديد العقاب ، ~~لإدخال الروع في ضمير السامع وتربية المهابة ، ولتكون هذه الجملة كالكلام ~~الجامع مستقلا بنفسه ، لأنها بمنزلة المثل أمر قد علمه الناس من قبل ، ~~والعقاب هو الجزاء المؤلم عن جناية وجرم ، سمي عقابا لأنه يعقب الجناية . # # | 2 ( 212 ) { زين للذين كفروا الحيواة الدنيا ويسخرون من الذين ءامنوا ~~والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة والله يرزق من يشآء بغير حساب } . ) 2 # استئناف بالرجوع إلى أحوال كفار العرب المعنيين من الآيات السابقة قصدا ~~وتعريضا من قوله : { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام } ( ~~البقرة : 210 ) ، والمحتج عليهم بقوله : PageV02P293 { سل بني إسرائيل } ( ~~البقرة : 211 ) استئنافا لبيان خلقهم العجيب المفضي بهم إلى قلة الاكتراث ~~بالإيمان وأهله إلى الاستمرار على الكفر وشعبه التي سبق الحديث عنها ، فعن ~~ابن عباس المراد : رؤساء قريش ، فهذا الاستئناف في معنى التعليل للأحوال ~~الماضية ، ولأجل ذلك قطع عن الجمل السابقة لا ms1098 سيما وقد حال بينه وبينها ~~الاستطراد بقوله : { سل بني إسرائيل } ( البقرة : 211 ) الآية ، وليس ~~المراد بالذين كفروا أهل الكتاب من معلن ومنافق كما روي عن مقاتل ، لأنه ~~ليس من اصطلاح القرآن التعبير عنهم بالذين كفروا ، ولأنهم لو كانوا هم ~~المراد لقيل زين لهم الحياة الدنيا ، لأنهم من بني إسرائيل ، ولأن قوله : { ~~ويسخرون من الذين آمنوا } يناسب حال المشركين لا حال أهل الكتاب كما سيأتي ~~. # والتزيين : جعل الشيء زينا أو الاحتجاج لكونه زينا ، لأن التفعيل يأتي ~~للجعل ويأتي للنسبة كالتعليم وكالتفسيق والتزكية ، والزين شدة الحسن . # والحياة الدنيا مراد بها ما تشتمل عليه الحياة من اللذات والملائمات ~~والذوات الحسنة ، وهذا إطلاق مشهور للحياة وما يرادفها ؛ ففي الحديث : ( من ~~كانت هجرته إلى دنيا يصيبها ) أي إلى منافع دنيا ، وهو على حذف مضاف اشتهر ~~حذفه . # ومعنى تزيين الحياة لهم ، إما أن ما خلق زينا في الدنيا قد تمكن من ~~نفوسهم واشتد توغلهم في استحسانه ، لأن الأشياء الزينة هي حسنة في أعين ~~جميع الناس فلا يختص الذين كفروا بجعلها لهم زينة كما هو مقتضى قوله : { ~~للذين كفروا } ؛ فإن اللام تشعر بالاختصاص ، وإما ترويج تزيينها في نفوسهم ~~بدعوة شيطانية تحسن ما ليس بالحسن كالأقيسة الشعرية والخواطر الشهوية . # والمزين على المعنى الأول هو الله تعالى إلا أنهم أفرطوا في الإقبال على ~~الزينة ، والمزين على المعنى الثاني هو الشيطان ودعاته . # وحذف فاعل التزيين لأن المزين لهم أمور كثيرة : منها خلق بعض الأشياء ~~حسنة بديعة كمحاسن الذوات والمناظر ، ومنها إلقاء حسن بعض الأشياء في ~~نفوسهم وهي غير حسنة كقتل النفس ، ومنها إعراضهم عمن يدعوهم إلى الإقبال ~~على الأمور النافعة حتى انحصرت هممهم في التوغل من المحاسن الظاهرة التي ~~تحتها العار لو كان باديا ، ومنها ارتياضهم على الانكباب على اللذات دون ~~الفكر في المصالح ، إلى غير ذلك من أمور يصلح كل منها أن يعد فاعلا للتزيين ~~حقيقة أو عرفا ، فلأجل ذلك طوي ذكر هذا الفاعل تجنبا للإطالة . PageV02P294 # ويجوز أن يكون حذف الفاعل لدقته ، إذ المزين لهم الدنيا أمر خفي فيحتاج ms1099 ~~في تفصيله إلى شرح في أخلاقهم وهو ما اكتسبته نفوسهم من التعلق باللذات ~~وبغيرها من كل ما حملهم على التعلق به التنافس أو التقليد حتى عموا عما في ~~ذلك من الأضرار المخالطة للذات أو من الأضرار المختصة المغشاة بتحسين ~~العادات الذميمة ، وحملهم على الدوام عليه ضعف العزائم الناشىء عن اعتياد ~~الاسترسال في جلب الملائمات دون كبح لأزمة الشهوات ، ولأجل اختصاصهم بهذه ~~الحالة دون المؤمنين ودون بعض أهل الكتاب الذين ربت الأديان فيهم عزيمة ~~مقاومة دعوة النفوس الذميمة بتعريفهم ما تشتمل عليه تلك اللذات من المذمات ~~وبأمرهم بالإقلاع عن كل ما فيه ضر عاجل أو آجل حتى يجردوها عنها إن أرادوا ~~تناولها وينبذوا ما هو ذميمة محضة ، وراضتهم على ذلك بالبشائر والزواجر حتى ~~صارت لهم ملكة ، فلذلك لم تزين الدنيا لهم ، لأن زينتها عندهم ومعرضة للحكم ~~عليها بالإثبات تارة وبالنفي أخرى ، فإن من عرف ما في الأمر الزين ظاهره من ~~الإضرار والقبائح انقلب زينه عنده شينا ، خص التزيين بهم ، إذ المراد من ~~قوله : { زين للذين كفروا } ذمهم والتحذير من خلقهم ، ولهذا لزم حمل ~~التزيين على تزييين يعد ذما ، فلزم أن يكون المراد منه تزيينا مشوبا بما ~~يجعل تلك الزينة مذمة ، وإلا فإن أصل تزيين الحياة الدنيا المقتضي للرغبة ~~فيما هو زين أمر ليس بمذموم إذا روعى فيه ما أوصى الله برعيه قال تعالى : { ~~قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق } ( الأعراف : 32 ~~) . # وقد استقريت مواقع التزيين المذموم فحصرتها في ثلاثة أنواع : الأول ما ~~ليس بزين أصلا لا ذاتا ولا صفة ، لأن جميعه ذم وأذى ولكنه زين للناس بأوهام ~~وخواطر شيطانية وتخييلات شعرية كالخمر . الثاني ما هو زين حقيقة لكن له ~~عواقب تجعله ضرا وأذى كالزنا . الثالث ما هو زين لكنه يحف به ما يصيره ~~ذميما كنجدة الظالم وقد حضر لي التمثيل لثلاثتها بقول طرفة : # ولولا ثلاث هن من عيشة الفتى # وجدك لم أحفل متى قام عودي # فمنهن سبقي العاذلات بشربة # كميتت متى ما تعل بالماء تزبد # وتقصير ms1100 يوم الدجنن والدجن معجب # ببهكنة تحت الخباء المعمد 2 # وكري إذا نادى المضاف مجنبا # كسيد الغضا نبهته المتورد PageV02P295 # وقوله : ويسخرون من الذين آمنوا عطف على جملة { زين للذين كفروا } إلخ ، ~~وهذه حالة أعجب من التي قبلها وهي حالة التناهي في الغرور ؛ إذ لم يقتصروا ~~على افتتانهم بزهرة الحياة الدنيا حتى سخروا بمن لم ينسج على منوالهم من ~~المؤمنين الذين تركوا كثيرا من زهرة الحياة الدنيا لما هداهم الدين إلى ~~وجوب ترك ذلك في أحوال وأنواع تنطوي على خبائث . # والسخر بفتحتين : كالفرح وقد تسكن الخاء تخفيفا وفعله كفرح والسخرية ~~الاسم ، وهو تعجب مشوب باحتقار الحال المتعجب منها ، وفعله قاصر لدلالته ~~على وصف نفسي مثل عجب ، ويتعدى بمن جارة لصاحب الحال المتعجب منها فهي ~~ابتدائية ابتداء معنويا ، وفي لغة تعديته بالباء وهي ضعيفة . # ووجه سخريتهم بالمؤمنين أنهم احتقروا رأيهم في إعراضهم عن اللذات لامتثال ~~أمر الرسول وأفنوهم في ذلك ورأوهم قد أضاعوا حظوظهم وراء أوهام باطلة ، لأن ~~الكفار اعتقدوا أن ما مضى من حياتهم في غير نعمة قد ضاع عليهم إذ لا خلود ~~في الدنيا ولا حياة بعدها كما قال الشاعر ( أنشده شمر ) : # وأحمق ممن يلعق الماء قال لي # دع الخمر واشرب من نقاخ مبرد # فالسخرية ناشئة عن تزيين الحياة عندهم ولذلك يصح جعل الواو للحال ليفيد ~~تقييد حالة التزيين بحالة السخرية ، فتتلازم الحالان ويقدر للجملة مبتدأ ، ~~أي وهم يسخرون ، وقد قيل إن من جملة من كان الكفار يسخرون منهم بلالا ~~وعمارا وصهيبا يقولون : هؤلاء المساكين تركوا الدنيا وطيباتها وتحملوا ~~المشاق لطلب ما يسمونه بالآخرة وهي شيء باطل ، وممن كان يسخر بهم عبد الله ~~بن أبي والمنافقون . # وجيء في فعل التزيين بصيغة الماضي وفي فعل السخرية بصيغة المضارع قضاء ~~لحقي الدلالة على أن معنيين فعل التزيين أمر مستقر فيهم ؛ لأن الماضي يدل ~~على التحقق ، وأن معنى { يسخرون } متكرر متجدد منهم ؛ لأن المضارع يفيد ~~التجدد ويعلم السامع أن ما هو محقق بين الفعلين هو أيضا مستمر ؛ لأن الشيء ~~الراسخ في النفس لا تفتر ms1101 عن تكريره ، ويعلم أن ما كان مستمرا هو أيضا محقق ~~؛ لأن الفعل لا يستمر إلا وقد تمكن من نفس فاعله وسكنت إليه ، فيكون المعنى ~~في الآية : زين للذين كفروا وتزين الحياة الدنيا وسخروا ويسخرون من الذين ~~آمنوا ، وعلى هذا فإنما اختير لفعل التزيين خصوص المضي PageV02P296 ولفعل ~~السخرية خصوص المضارعة إيثارا لكل من الصفتين بالفعل التي هي به أجدر ؛ لأن ~~التزيين لما كان هو الأسبق في الوجود وهو منشأ السخرية أوثر بما يدل على ~~التحقق ، ليدل على ملكة واعتمد في دلالته على الاستمرار بالاستتباع ، ~~والسخرية لما كانت مترتبة على التزيين وكان تكررها يزيد في الذم ، إذ لا ~~يليق بذي المروءة السخرية بغيره ، أوثرت بما يدل على الاستمرار واعتمد في ~~دلالتها على التحقق دلالة الالتزام ، لأن الشيء المستمر لا يكون إلا متحققا ~~. # وقوله : { والذين اتقوا فوقهم } أريد من الذين اتقوا المؤمنون الذين سخر ~~منهم الذين كفروا ؛ لأن أولئك المؤمنين كانوا متقين ، وكان مقتضى الظاهر أن ~~يقال وهم فوقهم لكن عدل عن الإضمار إلى اسم ظاهر لدفع إيهام أن يغتر ~~الكافرون بأن الضمير عائد إليهم ويضموا إليه كذبا وتلفيقا كما فعلوا حين ~~سمعوا قوله تعالى : { أفرءيتم اللات والعزى } ( النجم : 19 ) إذ سجد ~~المشركون وزعموا أن محمدا أثنى على آلهتهم . فعدل لذلك عن الإضمار إلى ~~الإظهار ولكنه لم يكن بالاسم الذي سبق أعني ( الذين ءامنوا ) لقصد التنبيه ~~على مزية التقوى وكونها سببا عظيما في هذه الفوقية ، على عادة القرآن في ~~انتهاز فرص الهدى والإرشاد ليفيد فضل المؤمنين على الذين كفروا ، وينبه ~~المؤمنين على وجوب التقوى لتكون سبب تفوقهم على الذين كفروا يوم القيامة ، ~~وأما المؤمنون غير المتقين فليس من غرض القرآن أن يعبأ بذكر حالهم ليكونوا ~~دوما بين شدة الخوف وقليل الرجاء ، وهذه عادة القرآن في مثل هذا المقام . # والفوقية هنا فوقية تشريف وهي مجاز في تناهي الفضل والسيادة كما استعير ~~التحت لحالة المفضول والمسخر والمملوك . وقيدت بيوم القيامة تنصيصا على ~~دوامها ، لأن ذلك اليوم هو مبدأ الحياة الأبدية . # فإن قلت : كيفما كان حظ ms1102 المؤمنين من كثرة التقوى وقلتها إنهم فوق الذين ~~كفروا يوم القيامة بالإيمان والمقام مقام التنويه بفضل المؤمنين فكان الأحق ~~بالذكر هنا وصف ( الذين ءامنوا ) قلت : وأما بيان مزية التقوى الذي ذكرته ~~فله مناسبات أخرى . قلت في الآية تعريض بأن غير المتقين لا تظخر مزيتهم يوم ~~القيامة وإنما تظهر بعد ذلك ، لأن يوم القيامة هو مبدأ أيام الجزاء فغير ~~المتقين لا تظهر لهم التفوق يومئذ ، ولا يدركه الكفار بالحس PageV02P297 ~~قال تعالى : { فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين } ( ~~البقرة : 24 ) نعم تظهر مزيتهم بعد انقضاء ما قدر لهم من العذاب على الذنوب ~~. # روي عن ابن عباس أن الآية نزلت في سادة قريش بمكة سخروا من فقراء ~~المؤمنين وضعفائهم فأعلمهم الله أن فقراء المؤمنين خير منهم عند الله ، ~~ووعد الله الفقراء بالرزق وفي قوله : { من يشاء } تعريض بتهديد المشركين ~~بقطع الرزق عنهم وزوال حظوتهم . # وقوله : { والله يرزق من يشاء } إلخ تذييل قصد منه تعظيم تشريف المؤمنين ~~يوم القيامة ، لأن التذييل لا بد أن يكون مرتبطا بما قبله فالسامع يعلم من ~~هذا التذييل معنى محذوفا تقديره والذين اتقوا فوقهم فوقية عظيمة لا يحيط ~~بها الوصف ، لأنها فوقية منحوها من فضل الله وفضل الله لا نهاية له ، ولأن ~~من سخرية الذين كفروا بالذين آمنوا أنهم سخروا بفقراء المؤمنين لإقلالهم . # والحساب هنا حصر المقدار فنفي الحساب نفي لعلم مقدار الرزق ، وقد شاعت ~~هذه الكنابة في كلام العرب كما شاع عندهم أن يقولوا يعدون بالأصابع ويحيط ~~بها العد كناية عن القلة ومنه قولهم شيء لا يحصى ولذلك صح أن ينفى الحساب ~~هنا عن أمر لا يعقل حسابه وهو الفوقية وقال قيس بن الخطيم : # ما تمنعي يقظي فقد تؤتينه # في النوم غير مصرد محسوب # # | 2 ( 213 ) { كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ~~وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه ~~إلا الذين أوتوه من بعد ما جآءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين ~~ءامنوا لما اختلفوا فيه من ms1103 الحق بإذنه والله يهدى من يشآء إلى صراط مستقيم ~~} . ) 2 # استئناف لبيان أن اختلاف الأديان أمر كان في البشر لحكمة اقتضته وأنه قد ~~ارتفع ذلك ورجع الله بالناس إلى وحدة الدين بالإسلام . # والمناسبة بينها وبين ما تقدمها تحتمل وجوها : # الأول : قال فخر الدين : إن الله تعالى لما بين في قوله : { زين للذين ~~كفروا الحياة الدنيا } ( البقرة : 212 ) أن سبب إصرار الكفار على كفرهم هو ~~استبدالهم الدنيا بالآخرة بين في هذه الآية أن هذه الحالة غير مختصة بالذين ~~كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم بل كانت حاصلة في الأزمنة المتقادمة ~~PageV02P298 لأن الناس كانوا أمة واحدة قائمة على الحق وما كان اختلافهم ~~لسبب البغي والتحاسد في طلب الدنيا اه ، فتكون الجملة مستأنفة استئنافا ~~بيانيا لتنظير ما لقيه المسلمون بما كان في الأمم الغابرة . # الثاني : يؤخذ من كلام الطيبي عند قوله تعالى : { أم حسبتم أن تدخلوا ~~الجنة } ( البقرة : 214 ) أخذ من كلام ( الكشاف ) أن المقصود من قوله : { ~~كان الناس أمة واحدة } تشجيع الرسول عليه السلام والمؤمنين على الثبات ~~والصبر على أذى المشركين بذكر ما قابلت به الأمم السالفة أنبياءها وما لقوا ~~فيها من الشدائد اه فالمناسبة على هذا في مدلولل قوله تعالى : { زين للذين ~~كفروا الحياة الدنيا ويسخرون } ( البقرة : 212 ) إلخ ، وتكون الجملة ~~مستأنفة استئنافا ابتدائيا للمناسبة . # والظاهر عندي أن موقع هذه الآية هنا جامع لموقع تذييل لما قبلها ومقدمة ~~لما بعدها . # فأما الأول فلأنها أفادت بيان حالة الأمم الماضية كيف نشأ الخلاف بينهم ~~في الحق مما لأجله تداركهم الله ببعثات الرسل في العصور والأجيال التي ~~اقتضتها حكمة الله ولطفه مما يماثل الحالة التي نشأت فيها البعثة المحمدية ~~وما لقيه الرسول والمسلمون من المشركين . # وأما الثاني فلأنها مقدمة لما يرد بعدها من ذكر اختصاص الإسلام بالهداية ~~إلى الحق الذي اختلفت فيه الأمم وهو مضمون قوله تعالى : { فهدى الله الذين ~~آمنوا لما اختلفوا فيه } إلى قوله : { إلى صراط المستقيم } وذلك من خصائص ~~كون الإسلام مهيمنا على ما سبقه من الشرائع الإلاهية وتفضيله على جميع ms1104 ~~الأديان وأن هذه المزية العظمى يجب الاعتراف بها وألا تكون مثار حسد للنبيء ~~وأمته ، ردا على حسد المشركين ، إذ يسخرون من الذين آمنوا وعلى حسد أهل ~~الكتاب الذي سبق التنبيه عليه في قوله تعالى : { سيقول السفهاء من الناس ما ~~ولاهم عن قبلتهم } إلى قوله { يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم } ( البقرة : ~~142 ) . # وحصل من عموم ذلك تعليم المسلمين تاريخ أطوار الدين بين عصور البشر ~~بكلمات جامعة ختمت بقوله : { فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من ~~الحق بإذنه } فإن كان المراد من كونهم أمة واحدة الوحدة في الخير والحق وهو ~~المختار كما سيأتي فقد نبه الله أن الناس اختلفوا فبعث لهم أنبياء متفرقين ~~لقصد تهيئة الناس للدخول في دين واحد عام ، فالمناسبة حاصلة مع جملة { ~~ادخلوا في السلم كافة } ( البقرة : 208 ) بناء على أنها خطاب لأهل الكتاب ~~أي ادخلوا في دين الإسلام الذي هدى الله به المسلمين . PageV02P299 وإن كان ~~المراد من كون الناس أمة واحدة الوحدة في الضلال والكفر يكون الله قد نبههم ~~أن بعثة الرسل تقع لأجل إزالة الكفر والضلال الذي يحدث في قرون الجهالة ، ~~فكذلك انتهت تلك القرون إلى القرن الذي أعقبته بعثة محمد صلى الله عليه ~~وسلم فتكون الآية تثبيتا للمؤمنين فالمناسبة حاصلة مع قوله : { زين للذين ~~كفروا الحياة الدنيا } ( البقرة : 212 ) . فالمعنى أن الإسلام هدى إلى ~~شريعة تجمع الناس كلهم تبيينا لفضيلة هذا الدين واهتداء أهله إلى ما لم ~~يهتد إليه غيرهم ، مع الإشارة إلى أن ما تقدمه من الشرائع تمهيد له وتأنيس ~~به كما سنبينه عند قوله : { فهدى الله الذين آمنوا } . # والناس اسم جمع ليس له مفرد من لفظه ، و ( أل ) فيه للاستغراق لا محالة ~~وهو هنا للعموم أي البشر كلهم ، إذ ليس ثمة فريق معهود ولكنه عموم عرفي ~~مبني على مراعاة الغالب الأغلب وعدم الاعتداد بالنادر لظهور أنه لا يخلو ~~زمن غلب فيه الخير عن أن يكون بعض الناس فيه شريرا مثل عصر النبوة ولا يخلو ~~زمن غلب فيه الشر من أن يكون بعض ms1105 الناس فيه خيرا مثل نوح { وما آمن معه إلا ~~قليل } ( هود : 4 ) . # والأمة بضمة الهمزة : اسم للجماعة الذين أمرهم واحد ، مشتقة من الأم بفتح ~~الهمزة وهو القصد أي يؤمون غاية واحدة ، وإنما تكون الجماعة أمة إذا اتفقوا ~~في الموطن أو الدين أو اللغة أو في جميعها . # والوصف ب ( واحدة ) في الآية لتأكيد الإفراد في قوله ( أمة ) لدفع توهم ~~أن يكون المراد من الأمة القبيلة ، فيظن أن المراد كان الناس أهل نسب واحد ~~، لأن الأمة قد تطلق على من يجمعهم نسب متحد . # والوحدة هنا : مراد بها الاتحاد والتماثل في الدين بقرينة تفريع { فبعث ~~الله النبيئين } الخ ، فيحتمل أن يكون المراد كانوا أمة واحدة في الحق ~~والهدى أي كان الناس على ملة واحدة من الحق والتوحيد ، وبهذا المعنى روى ~~الطبري تفسيرها عن أبي بن كعب وابن عباس ومجاهد وقتادة وجابر بن زيد وهو ~~مختار الزمخشري قال الفخر : وهو مختار أكثر المحققين قال القفال : بدليل ~~قوله تعالى بعده { فبعث الله النبيين } إلى قوله { فيما اختلفوا فيه } ، ~~لأن تفريع الخبر ببعثة النبيين على الجملة السابقة وتعليل البعث بقوله { ~~ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه } انتظم من ذلك كلام من بليغ الإيجاز وهو ~~أن الناس كانوا أمة واحدة فجاءتهم الرسل PageV02P300 بالترغيب والترهيب ~~والوعد والوعيد ليدوموا على الحق خشية انصرافهم عنه إذا ابتدأ الاختلاف ~~يظهر وأيدهم الله بالكتب ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ، فلا جرم أن ~~يكون مجيء الرسل لأجل إبطال اختلاف حدث ، وأن الاختلاف الذي يحتاج إلى بعثة ~~الرسل هو الاختلاف الناشىء بعد الاتفاق على الحق كما يقتضيه التفريع على ~~جملة { كان الناس أمة واحدة } بالفاء في قوله : { فبعث الله النبيين } وعلى ~~صريح قوله : { ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه } . # ولأجل هذه القرينة يتعين تقدير فاختلفوا بعد قوله { أمة واحدة } ، لأن ~~البعثة ترتبت على الاختلاف لا على الكون أمة واحدة ، وعلى هذا الفهم قرأ ~~ابن مسعود ( كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث الله ) الخ ، ولو كان ~~المراد أنهم كانوا أمة واحدة في الضلال لصح ms1106 تفريع البعثة على نفس هذا الكون ~~بلا تقدير ولولا أن القرينة صرفت عن هذا لكان هو المتبادر ، ولهذا قال ابن ~~عطية كل من قدر الناس في الآية كانوا مؤمنين قدر في الكلام فاختلفوا وكل من ~~قدرهم كفارا كانت بعثة الرسل إليهم اه . ويؤيد هذا التقدير قوله في آية ~~سورة يونس ( 19 ) { وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا لأن الظاهر اتحاد ~~غرض الآيتين ، ولأنه لما أخبر هنا عن الناس بأنهم كانوا أمة واحدة ونحن نرى ~~اختلافهم علمنا أنهم لم يدوموا على تلك الحالة . # والمقصود من الآية على هذا الوجه التنبيه على أن التوحيد والهدى والصلاح ~~هي الفطرة التي فطر الله الناس عليها حين خلقهم كما دلت عليه آية ألست ~~بربكم } ( الأعراف : 172 ) ، وأنها ما غشاها إلا تلقين الضلال وترويج ~~الباطل وأن الله بعث النبيئين لإصلاح الفطرة إصلاحا جزئيا فكان هديهم مختلف ~~الأساليب على حسب اختلاف المصالح والأهلية وشدة الشكائم ، فكان من الأنبياء ~~الميسر ومنهم المغلظ وأنه بعث محمدا لإكمال ذلك الإصلاح ، وإعادة الناس إلى ~~الوحدة على الخير والهدى وذلك معنى قوله : { فهدى الله الذين آمنوا } الخ . # وعن عطاء والحسن أن المعنى كان الناس أمة واحدة متفقين على الضلال والشر ~~وهو يروى عن ابن عباس أيضا وعليه فعطف قوله { فبعث الله النبيئين } عطف على ~~اللفظ الظاهر لا تقدير معه أي كانوا كذلك فبعث الله النبيئين فيعلم أن ~~المراد ليرشدوا الناس إلى الحق بالتبشير والنذارة . فالمقصود من الآية على ~~هذا التأويل إظهار أن ما بعث الله به النبيئين قد وقع فيه التغيير ~~والاختلاف فيما بعثوا به وأن الله بعث محمدا بالقرآن لإرشادهم إلى ما ~~اختلفوا فيه فيكون PageV02P301 المقصود بيان مزية دين الإسلام وفضله على ~~سائر الأديان بما كان معه من البيان والبرهان . # وأيا ما كان المراد فإن فعل كان هنا مستعمل في أصل معناه وهو اتصاف اسمها ~~المخبر عنه بمضمون خبرها في الزمن الماضي وأن ذلك قد انقطع ، إذ صار الناس ~~منقسمين إلى فئتين فئة على الحق وفئة على الباطل . # فإن كان ms1107 المراد الوحدة في الحق فقد حصل ذلك في زمن كان الغالب فيه على ~~الناس الرشد والاستقامة والصلاح والإصلاح فلم يكونوا بحاجة إلى بعثة الرسل ~~إلى أن اختلفت أحوالهم فظهر فيهم الفساد ، فقيل كان ذلك فيما بين آدم ونوح ~~ونقل هذا عن ابن عباس وقتادة ومجاهد ، وقال ابن عطية قال قوم كان ذلك زمن ~~نوح كفر رجل قومه فهلكوا بالطوفان إلا من نجاه الله مع نوح فكان أولئك ~~النفر الناجون أمة واحدة قائمة على الحق ، وقيل إنما كان الناس على الحق ~~حين خلق الله الأرواح التي ستودع في بني آدم ففطرها على الإسلام فأقروا له ~~بالوحدانية والعبودية وهو ما في قوله تعالى في سورة الأعراف ( 172 ، 173 ) ~~: { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست ~~بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو ~~تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم على أحد تفاسير تلك ~~الآية وروي هذا عن أبي بن كعب وجابر بن زيد والربيع بن سليمان . # وفي تفسير الفخر } عن القاضي عبد الجبار وأبي مسلم الأصفهاني أن معنى ~~الآية : كان الناس أمة واحدة في التمسك بالشرائع العقلية على وجود الخالق ~~وصفاته واحتناب الظلم والكذب وحجتهما على ذلك أن قوله : { النبيئين جمع ~~يفيد العموم ( أي لأنه معرف باللام ) فيقتضي أن بعثة كل النبيئين كانت بعد ~~أن كان الناس أمة واحدة بدليل الفاء ، والشرائع إنما تلقيت من الأنبياء ، ~~فتعين أن كون الناس أمة واحدة شيء سابق على شرائع الأنبياء ولا يكون إلا ~~مستفادا من العقل ، وهما يعنيان أن الله فطر الإنسان في أول نشأته على ~~سلامة الفطرة من الخطأ والضلال ، قال تعالى : لقد خلقنا الإنسان في أحسن ~~تقويم } ( التين : 4 ) وقيل : أريد بالناس آدم وحواء . نقله ابن عطية عن ~~مجاهد وقوم ، والذي نجزم به أن هذا كان في زمن من أزمان وجود الناس على ~~الأرض يعلمه الله تعالى لقوله : { وقرونا بين ذلك كثيرا } ( الفرقان : 38 ) ~~والأظهر أنه من ms1108 زمن وجود آدم إلى أن أشرك قوم نوح . # وإن كان المراد الوحدة على الباطل فقد حصل ذلك في زمن نوح في أول ما قص ~~الله علينا مع ما ورد في الصحيح أن نوحا أول الرسل إلى أهل الأرض ، فيظهر ~~أن الضلال PageV02P302 حدث في أهل الأرض وعمهم عاجلا فبعث الله نوحا إليهم ~~ثم أهلك الكافرين منهم بالطوفان ونجى نوحا ونفرا معه فأصبح جميع الناس ~~صالحين ، ثم اختلفوا بعد ذلك فبعث الله النبيين . فيجدر بنا أن ننظر الآن ~~فيما تضمنته هذه الآية من المعنى في تاريخ ظهور الشرائع وفي أسباب ذلك . # الناس أبناء أب واحد وأم واحدة فلا جرم أن كانوا في أول أمرهم أمة واحدة ~~لأن أبويهم لما ولدا الأبناء الكثيرين وتوالد أبناؤهما تألفت منهم في أمد ~~قصير عائلة واحدة خلقت من مزاج نقي فكانت لها أمزجة متماثلة ونشأوا على ~~سيرة واحدة في أحوال الحياة كلها وما كانت لتختلف إلا اختلافا قليلا ليس له ~~أثر يؤبه به ولا يحدث في العائلة تنافرا ولا تغالبا . # ثم إن الله تعالى لما خلق نوع الإنسان أراده ليكون أفضل الموجودات في هذا ~~العالم الأرضي فلا جرم أن يكون خلقه على حالة صالحة للكمال والخير قال ~~تعالى : { لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم } ( التين : 4 ) . فآدم خلق في ~~أحسن تقويم يليق بالذكر جسما وعقلا وألهمه معرفة الخير واتباعه ومعرفة الشر ~~وتجنبه فكانت آراؤه مستقيمة تتوجه ابتداء لما فيه النفع وتهتدي إلى ما ~~يحتاج للاهتداء إليه ، وتتعقل ما يشار به عليه فتميز النافع من غيره ~~ويساعده على العمل بما يهتدي إليه فكره جسد سليم قوي متين وحواء خلقت في ~~أحسن تقويم يليق بالأنثى خلقا مشابها لخلق آدم ، إذ إنها خلقت كما خلق آدم ~~، قال تعالى : { خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها } ( النساء : 1 ) ~~فكانت في انسياق عقلها واهتدائها وتعقلها ومساعدة جسدها على ذلك على نحو ما ~~كان عليه آدم . ولا شك أن أقوى عنصر في تقويم البشر عند الخلقة هو العقل ~~المستقيم فبالعقل تأتى للبشر أن ms1109 يتصرف في خصائصه ، وأن يضعها في مواضع ~~الحاجة إليها . # هكذا كان شأن الذكر والأنثى فما ولدا من الأولاد نشأ مثل نشأتهما في ~~الأحوال كلها ، ألم تر كيف اهتدى أحد بني آدم إلى دفن أخيه من مشاهدة فعل ~~الغراب الباحث في الأرض فكانت الاستنباط الفكري والتقليد به أس الحضارة ~~البشرية . فالصلاح هو الأصل الذي خلق عليه البشر ودام عليه دهرا ليس ~~بالقصير ، ثم أخذ يرتد إلى أسفل سافلين ، ذلك أن ارتداد الإنسان إلى أسفل ~~سافلين إنما عرض له بعوارض كانت في مبدأ الخليقة قليلة الطرو أو معدومته ، ~~لأن أسباب الانحراف عن الفطرة السليمة لا تعدو أربعة أسباب : PageV02P303 # الأول : خلل يعرض عند تكوين الفرد في عقله أو في جسده فينشأ منحرفا عن ~~الفضيلة لتلك العاهة . # الثاني : اكتساب رذائل من الأخلاق من مخترعات قواه الشهوية والغضبية ومن ~~تقليد غيره بداعية استحسان ما في غيره من مفاسد يخترعها ويدعو إليها . # الثالث : خواطر خيالية تحدث في النفس مخالفة لما عليه الناس كالشهوات ~~والإفراط في حب الذات أو في كراهية الغير مما توسوس به النفس فيفكر صاحبها ~~في تحقيقها . # الرابع : صدور أفعال تصدر من الفرد بدواع حاجية أو تكميلية ويجدها ملائمة ~~له أو لذيذة عنده فيلازمها حتى تصير له عادة وتشتبه عنده بعد طول المدة ~~بالطبيعة ، لأن العادة إذا صادفت سذاجة من العقل غير بصيرة بالنواهي رسخت ~~فصارت طبعا . # فهذه أربعة أسباب للانحطاط عن الفطرة الطيبة ، والأول كان نادر الحدوث في ~~البشر ، لأن سلامة الأبدان وشباب واعتدال الطبيعة وبساطة العيش ونظام ~~البيئة كل تلك كانت موانع من طرو الخلل التكويني ، ألا ترى أن نوع كل ~~حيوانن يلازم حال فطرته فلا ينحرف عنها باتباع غيره . # والثاني كان غير موجود ، لأن البشر يومئذ كانوا عائلة واحدة في موطن واحد ~~يسير على نظام واحد وتربية واحدة وإحساس واحد فمن أين يجيئه الاختلاف ؟ # والثالث ممكن الوجود لكن المحبة الناشئة عن حسن المعاشرة وعن الإلف ، ~~والشفقة الناشئة عن الأخوة والمواعظ الصادرة عن الأبوين كانت حجبا لما يهجس ~~من هذا الإحساس . # والرابع ms1110 لم يكن بالذي يكثر في الوقت الأول من وجود البشر ، لأن الحاجات ~~كانت جارية على وفق الطباع الأصلية ولأن التحسينات كانت مفقودة ، وإنما هذا ~~السبب الرابع من موجبات الرقي والانحطاط في أحوال الجمعيات البشرية الطارئة ~~. # أما حادثة قتل ابن آدم أخاه فما هي إلا فلتة نشأت عن السبب الثالث عن ~~إحساس وجداني هو الحسد مع الجهل بمغبة ما ينشأ عن القتل ؛ لأن البشر لم ~~يعرف الموت إلا يومئذ ولذلك أسرعت إليه الندامة ، فتبين أن الصلاح هو حال ~~الأمة يومئذ أو هو الغالب عليها . PageV02P304 # وينشأ عن هذا الصلاح والاستقامة في الآباء دوام الاستقامة في النسل ، لأن ~~النسل منسل من ذوات الأصول فهو ينقل ما فيها من الأحوال الخلقية والخلقية ، ~~ولما كان النسل منسلا من الذكر والأنثى كان بحكم الطبع محصلا على مجموع من ~~الحالتين فإن استوت الحالتان أو تقاربتا جاء النسل على أحوال مساوية ~~المظاهر لأحوال سلفه ، قال نوح عليه السلام في عكسه { ولا يلدوا إلا فاجرا ~~كفارا } ( نوح : 27 ) ، ومما يدل على أن حال البشر في أول أمره صلاح ما ~~نقله في ( الكشاف ) عن ابن عباس أنه كان بين آدم ونوح عشرة قرون على شريعة ~~من الحق . # ثم كثرت العائلة البشرية وتكونت منها القبيلة فتكاثرت ونشأ فيها مع ~~الزمان قليلا قليلا خواطر مختلفة ودبت فيها أسباب الاختلاف في الأحوال تبعا ~~لاختلاف بين حالي الأب والأم ، فجاء النسل على أحوال مركبة مخالفة لكل من ~~مفرد حالتي الأب والأم ، وبذلك حدثت أمزجة جديدة وطرأت عليها حينئذ أسباب ~~الانحطاط الأربعة ، وصارت ملازمة لطوائف من البشر بحكم التناسل والتلقي ، ~~هنالك جاءت الحاجة إلى هدي البشر ببعثة الرسل ، والتاريخ الديني دلنا على ~~أن نوحا أول الرسل الذين دعوا إلى الله تعالى قال تعالى : { شرع لكم من ~~الدين ما وصى به نوحا } ( الشورى : 13 ) الآية ، ولما ذكر الرسل في آيات ~~القرآن ابتدأهم في جميع تلك الآيات بنوح ولم يذكر آدم وفي حديث الشفاعة في ~~الصحيح تصريح بذلك أن آدم يقول للذين يستشفعون به إني لست هناكم ms1111 ، ويذكر ~~خطيئته ايتوا نوحا أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض ، وبهذا يتعين أن ~~خطيئة قابيل ليست مخالفة شرع مشروع ، وأن آدم لم يكن رسولا وأنه نبيء صالح ~~أوحي إليه بما يهذب ابناءه ويعلمهم بالجزاء . # فقوله تعالى : { فبعث الله النبيئين } هو على الوجه الأول مفرع على ما ~~يؤذن به قوله : { كان الناس أمة واحدة } مع تحقق وجود الخلاف بينهم ~~بالمشاهدة من إرادة أن كونهم { } مة واحدة دام مدة ثم انقضى ، فيكون مفرعا ~~على جملة مقدرة تقديرها فاختلفوا فبعث الله النبيئين ، وعلى الوجه الآخر ~~مفرعا على الكون أمة واحدة في الباطل فعلى الأول يكون أول النبيين ~~المبعوثين نوحا ، لأنه أول الرسل لإصلاح الخلق . وعلى الثاني : يكون أولهم ~~آدم بعث لبنيه لما قتل أحدهم أخاه ؛ فإن الظاهر أن آدم لم يبعث بشريعة لعدم ~~الدواعي إلى ذلك ، وإنما كان مرشدا كما يرشد المربي عائلته . # والمراد بالنبيين هنا الرسل بقرينة قوله : { وأنزل معهم الكتاب بالحق } ~~والإرسال بالشرائع متوغل في القدم وقبله ظهور الشرط وهو أصل ظهور الفواحش ~~لأن الإعتقاد الفاسد أصل PageV02P305 ذميم الفعال ، وقد عبد قوم نوح ~~الأصنام ، عبدوا ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا وهم يومئذ لم يزالوا في ~~مواطن آدم وبنيه في ( جبال نوذ ) من بلاد الهند كما قيل ، وفي البخاري عن ~~ابن عباس أن ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا كانوا من صالحي قوم نوح ، فلما ~~هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون ~~أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد ، حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم ~~عبدت اه ، وقيل كانوا من صالحي قوم آدم ، وقيل إن سواعا هو ابن شيث وأن ~~يغوث ابن سواع ويعوق ابن سغوث ونسر بن يعوق ، وقيل إنهم من صالحي عصر آدم ~~ماتوا فنحت قابيل بن آدم لهم صورا ثم عبدوهم بعد ثلاثة أجيال ، وهذا كله ~~زمن متوغل في القدم قبل التاريخ فلا يؤخذ إلا بمزيد الاحتراز ، وأقدم شريعة ~~أثبتها التاريخ شريعة برهمان في الهند فإنها تبتدىء من قبل القرن الثلاثين ~~قبل الهجرة . وفي هذا ms1112 العهد كانت في العراق شريعة عظيمة ببابل وضعها ملك ~~بابل المدعو ( حمورابي ) ويظن المؤرخون أنه كان معاصرا لإبراهيم عليه ~~السلام وأنه المذكور في ( سفر التكوين ) باسم ( ملكي صادق ) الذي لقي ~~إبراهيم في شاليم وبارك إبراهيم ودعا له . # والبعث : الإرسال والإنهاض للمشي ومنه بعث البعير إذا أنهضه بعد أن برك ~~والبعث هنا مجاز مستعمل في أمر الله النبي بتبليغ الشريعة للأمة . # و ( النبيئين ) جمع نبيء وهو فعيل بمعنى مفعول مشتق من النبأ وهو الخبر ~~المهم ، لأن الله أخبره بالوحي وعلم ما فيه صلاح نفسه وصلاح من ينتسب إليه ~~، فإن أمره بتبليغ شريعة الأمة فهو رسول فكل رسول نبيء ، والقرآن يذكر في ~~الغالب النبي مرادا به الرسول ، وقد ورد أن عدد الأنبياء مائة ألف وأربعة ~~وعشرون ألفا لا يعلم تفصيلهم وأزمانهم إلا الله تعالى قال تعالى : { وقرونا ~~بين ذلك كثيرا } ( الفرقان : 38 ) وقال : { وكم أهلكنا من القرون من بعد ~~نوح } ( الإسراء : 17 ) . وعدد الرسل ثلاثمائة وثلاثة عشر . # والمراد بالنبيين هنا خصوص الرسل منهم بقرينة قوله { بعث } وبقرينة الحال ~~في قوله : { مبشرين ومنذرين } ، لأن البشارة والإنذار من خصائص الرسالة ~~والدعوة وبقرينة ما يأتي من قوله : { وأنزل معهم الكتاب بالحق } الآية . ~~PageV02P306 فالتعريف في ( النبيين ) للاستغراق وهو الاستغراق الملقب ~~بالعرفي في اصطلاح أهل المعاني . # والبشارة : الإعلام بخير حصل أو سيحصل ، والنذارة بكسر النون الإعلام بشر ~~وضر حصل أو سيحصل ، وذلك هو الوعد والوعيد الذي تشتمل عليه الشرائع . # فالرسل هم الذين جاءوا بالوعد والوعيد ، وأما الأنبياء غير الرسل فإن ~~وظيفتهم هي ظهور صلاحهم بين قومهم حتى يكونوا قدوة لهم ، وإرشاد أهلهم ~~وذويهم ومريديهم للاستقامة من دون دعوة حتى يكون بين قومهم رجال صالحون ، ~~وإرشاد من يسترشدهم من قومهم ، وتعليم من يرونه أهلا لعلم الخير من الأمة . # ثم هم قد يجيئون مؤيدين لشريعة مضت كمجيء إسحاق ويعقوب والأسباط لتأييد ~~شريعة إبراهيم عليه السلام ، ومجيء أنبياء بني إسرائيل بعد موسى لتأييد ~~التوراة ، وقد لا يكون لهم تعلق بشرع من قبلهم كمجيء خالد بن سنان العبسي ~~نبيئا في عبس ms1113 من العرب . # وقوله : { وأنزل معهم الكتاب } ، الإنزال : حقيقته تدلية الجسم من علو ~~إلى أسفل ، وهو هنا مجاز في وصول الشيء من الأعلى مرتبة إلى من هو دونه ، ~~وذلك أن الوحي جاء من قبل الله تعالى ودال على مراده من الخلق فهو وارد ~~للرسل في جانب له علو منزلة . # وأضاف مع إلى ضمير النبيئين إضافة مجملة واختير لفظ مع دون عليهم ليصلح ~~لمن أنزل عليه كتاب منهم مثل إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد ، ولمن جاء مؤيدا ~~لمن قبله مثل أنبياء بني إسرائيل بين موسى وعيسى . # والكتاب هو المكتوب ، وأطلق في اصطلاح الشرع على الشريعة لأن الله يأمر ~~الناس بكتابتها لدوام حفظها والتمكن من مدارستها ، وإطلاق الكتاب عليها قد ~~يكون حقيقة إن كانت الشريعة في وقت الإطلاق قد كتبت أو كتب بعضها كقوله ~~تعالى : { الم ذلك الكتاب } ( البقرة : 1 2 ) على أحد الوجهين المتقدمين ~~هنالك ، وقد يكون مجازا على الوجه الآخر ، وما هنا يحمل على الحقيقة لأن ~~الشرائع قد نزلت وكتبت وكتب بعض الشريعة المحمدية . # والمعية معية اعتبارية مجازية أريد بها مقارنة الزمان ، لأن حقيقة المعية ~~هي المقارنة في المكان وهي المصاحبة ، ولعل اختيار المعية هنا لما تؤذن به ~~من التأييد والنصر قال تعالى : { إنني معكما أسمع وأرى } ( طه : 20 ) وفي ~~الحديث ( ومعك روح القدس ) . # والتعريف في الكتاب للاستغراق ، أي وأنزل مع النبيئين الكتب التي نزلت ~~كلها PageV02P307 وهو من مقابلة الجمع بالجمع على معنى التوزيع ، فالمعنى ~~أنزل مع كل نبي كتابه وقرينة التوزيع موكولة لعلم السامعين لاشتهار ذلك . # وإنما أفرد الكتاب ولم يقل الكتب ، لأن المفرد والجمع في مقام الاستغراق ~~سواء ، وقد تقدم مع ما في الإفراد من الإيجاز ودفع احتمال العهد إذ لا يجوز ~~أن ينزل كتاب واحد مع جمع النبيئين ؛ فتعين أن يكون المراد الاستغراق لا ~~العهد ، وجوز صاحب ( الكشاف ) كون اللام للعهد والمعنى أنزل مع كل واحد ~~كتابه . # والضمير في { ليحكم } راجع إلى الكتاب فإسناد الحكم إلى الكتاب مجاز عقلي ~~، لأنه مبين ما به الحكم ، أو فعل يحكم مجاز في ms1114 البيان . ويجوز رجوع الضمير ~~إلى اسم الجلالة أي أنزل الله الكتاب ليحكم بينهم إسناد الحكم مجاز عقلي ، ~~لأنه المسبب له والأمر بالقضاء به ، وتعدية ( يحكم ) ببين لأنه لم يعين فيه ~~محكوم له أو عليه . # وحكم الكتاب بين الناس بيان الحق والرشد والاستدلال عليه ، وكونه فيما ~~اختلفوا فيه كناية عن إظهاره الحق ، لأن الحق واحد لا يختلف فيه إلا عن ~~ضلال أو خطأ ، ولهذا قال جمهور علمائنا إن المصيب في الاجتهاديات واحد . # عطف على جملة { أنزل معهم الكتاب بالحق } لبيان حقيقة أخرى من أحوال ~~اختلاف الأمم وهو الاختلاف بين أهل الكتاب بعضهم مع بعض وبين أهل الكتاب ~~الواحد مع تلقيهم دينا واحدا ، والمعنى وأنزل معهم الكتاب بالحق فاختلف فيه ~~كما قال تعالى : { ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه } ( هود : 110 ) . ~~والمعنى وما اختلف فيه إلا أقوامهم الذين أوتوا كتبهم فاستغنى بجملة القصر ~~عن الجملة الأخرى لتضمن جملة القصر إثباتا ونفيا . PageV02P308 فالله بعث ~~الرسل لإبطال الضلال الحاصل من جهل البشر بصلاحهم فجاءت الرسل بالهدى ، ~~اتبعهم من اتبعهم فاهتدى وأعرض عنهم من أعرض فبقي في ضلالة ، فإرسال الرسل ~~لإبطال الاختلاف بين الحق والباطل ، ثم أحدث اتباع الرسل بعدهم اختلافا آخر ~~وهو اختلاف كل قوم في نفس شريعتهم . والمقصود من هذا بيان عجيب حال البشر ~~في تسرعهم إلى الضلال ، وهي حقيقة تاريخية من تاريخ الشرائع ، وتحذير ~~المسلمين من الوقوع في مثل ذلك . # والتعريض بأهل الكتاب وهم أشهر أهل الشرائع يومئذ فيما صنعوا بكتبهم من ~~الاختلاف فيها ، وهذا من بديع استطراد القرآن في توبيخ أهل الكتاب وخاصة ~~اليهود وهي طريقة عربية بليغة قال زهير : # إن البخيل ملوم حين كان # ولكن الجواد على علاته هرم # وقال الفرزدق يمدح الخليفة ويستطرد بهجاء جرير : # إلى ملك ما أمه من محارب # أبوه ولا كانت كليب تصاهره # والضمير من قوله : { فيه } يجوز أن يعود إلى الكتاب وأن يعود إلى الحق ~~الذي تضمنه الكتاب ، والمعنى على التقديرين واحد ، لأن الكتاب أنزل ملابسا ~~للحق ومصاحبا له فإذا اختلف في الكتاب اختلف في ms1115 الحق الذي فيه وبالعكس على ~~طريقة قياس المساواة في المنطق . # والاختلاف في الكتاب ذهاب كل فريق في تحريف المراد منه مذهبا يخالف مذهب ~~الآخر في أصول الشرع لا في الفروع ، فإن الاختلاف في أصوله يعطل المقصود ~~منه . # وجيء بالموصول دون غيره من المعرفات لما في الصلة من الأمر العجيب وهو أن ~~يكون المختلفون في مقصد الكتاب هم الذين أعطوا الكتاب ليزيلوا به الخلاف ~~بين الناس فأصبحوا هم سبب خلاف فيه ، ولا شك أن ذلك يبطل المراد منه . # والمعنى تشنيع حال الذين أوتوه بأن كانوا أسوأ حالا من المختلفين في الحق ~~قبل مجيء الشرائع ، لأن أولئك لهم بعض العذر بخلاف الذين اختلفوا بعد كون ~~الكتاب بأيديهم . # وقوله : { من بعد ما جاءتهم البينات } متعلق باختلف ، والبينات جمع بينة ~~وهي الحجة والدليل . PageV02P309 والمراد بالبينات هنا الدلائل التي من ~~شأنها الصد عن الاختلاف في مقاصد الشريعة ، وهي النصوص التي لا تحتمل غير ~~مدلولاتها أعني قواطع الشريعة ، والظواهر المتعاضدة التي التحقت بالقواطع . ~~والظواهر التي لم يدع داع إلى تأويلها ولا عارضها معارض . والظواهر ~~المتعارضة التي دل تعارضها على أن محمل كل منها على حالة لا تعارض حالة ~~محمل الآخر وهو المعبر عنه في الأصول بالجمع بين الأدلة وتواريخ التشريع ~~الدالة على نسخ حكم حكما آخر ، أو ما يقوم مقام التاريخ من نحو هذا ناسخ ، ~~أو كان الحكم كذا فصار كذا ، فهذه بينات مانعة من الاختلاف لو كان غرض ~~الأمم اتباع الحق ومجىء البينات بلوغ ما يدل عليها وظهور المراد منها . # والبعدية هنا : بعدية اعتبار لم يقصد منها تأخر زمان الاختلاف عن مجيء ~~البينات ، وإن كان هو كذلك في نفس الأمر ، أي إن الخلاف كان في حالة تقررت ~~فيها دلائل الحق في نفوس المختلفين . # وقوله : { بغيا بينهم } مفعول لأجله لاختلفوا ، والبغي : الظلم وأصل ~~البغي في كلام العرب الطلب ، ثم شاع في طلب ما للغير بدون حق فصار بمعنى ~~الظلم معنى ثانيا وأطلق هنا على الحسد لأن الحسد ظلم . # والمعنى أن داعي الاختلاف هو التحاسد وقصد كل ms1116 فريق تغليط الآخر فيحمل ~~الشريعة غير محاملها ليفسد ما حملها عليه الآخر فيفسد كل فريق صواب غيره ~~وأما خطؤه فأمره أظهر . # وقوله : { بينهم } متعلق بقوله : { بغيا } للتنصيص على أن البغي بمعنى ~~الحسد ، وأنه ظلم في نفس الأمة وليس ظلما على عدوها . # واعلم أن تعلق كل من المجرور وهو { من بعد ما جاءتهم } وتعلق المفعول ~~لأجله وهو { بغيا } بقوله : { اختلف } الذي هو محصور بالاستثناء المفرغ ، ~~ويستلزم أن يكون كلاهما محصورا في فاعل الفعل الذي تعلقا به ، فلا يتأتى ~~فيه الخلاف الذي ذكره الرضي بين النحاة في جواز استثناء شيئين بعد أداة ~~استثناء واحدة ، لأن التحقيق أن ما هنا ليس استثناء أشياء بل استثناء شيء ~~واحد وهم الذين أوتوه ، لكنه مقيد بقيدين هما { من بعد ما جاءتهم البينات } ~~و { بغيا } PageV02P310 إذ المقصود أن الخلاف لم يكن بين أهل الدين ~~ومعانديه ، ولا كان بين أهل الدين قبل ظهور الدلائل الصارفة عن الخلاف ، ~~ولا كان ذلك الخلاف عن مقصد حسن بل كان بين أهل الدين الواحد ، مع قيام ~~الدلائل وبدافع البغي والحسد . # والآية تقتضي تحذير المسلمين من الوقوع فيما وقعت فيه الأمم السابقة من ~~الاختلاف في الدين أي في أصول الإسلام ، فالخلاف الحاصل بين علماء الإسلام ~~ليس اختلافا في أصول الشريعة ، فإنها إجماعية ، وقد أجمعوا على أنهم يريدون ~~تحقيقها ، ولذلك اتفقت أصولهم في البحث عن مراد الله تعالى وعن سنة رسوله ~~للاستدلال عن مقصد الشارع وتصرفاته ، واتفقوا في أكثر الفروع ، وإنما ~~اختلفوا في تعيين كيفية الوصول إلى مقصد الشارع ، وقد استبرءوا للدين ~~فأعلنوا جميعا أن لله تعالى حكما في كل مسألة ، وأنه حكم واحد ، وأنه كلف ~~المجتهدين بإصابته وأن المصيب واحد ، وأن مخطئه أقل ثوابا من مصيبه ، وأن ~~التقصير في طلبه إثم . فالاختلاف الحاصل بين علمائنا اختلاف جليل المقدار ~~موسع للأنظار . # أما لو جاء أتباعهم فانتصروا لآرائهم مع تحقق ضعف المدرك أو خطئه لقصد ~~ترويج المذهب وإسقاط رأي الغير فذلك يشبه الاختلاف الذي شنعه الله تعالى ~~وحذرنا منه فكونوا من مثله على حذر ولا ms1117 تكونوا كمثل قول المعري : # فمجادل وصل الجدال وقد درى # أن الحقيقة فيه ليس كما زعم # علم الفتى النظار أن بصائرا # عميت فكم يخفى اليقين وكم يعم # وقوله : { فهدى الله الذين آمنوا } هذا العطف يحتمل أن الفاء عاطفة على { ~~اختلف فيه } الذي تضمنته جملة القصر ، قال ابن عرفة : عطف بالفاء إشارة إلى ~~سرعة هدايته المؤمنين بعقب الاختلاف اه ، يريد أنه تعقيب بحسب ما يناسب ~~سرعة مثله وإلا فهدى المسلمين وقع بعد أزمان مضت ، حتى تفاقم اختلاف اليهود ~~واختلاف النصارى ، وفيه بعد لا يخفى ، فالظاهر عندي أن الفاء فصيحة لما علم ~~من أن المقصود من الكلام السابق التحذير من الوقوع في الاختلاف ضرورة أن ~~القرآن إنما نزل لهدي المسلمين للحق في كل ما اختلف فيه أهل الكتب السالفة ~~فكأن السامع ترقب العلم بعاقبة هذا الاختلاف فقيل : دام هذا الاختلاف إلى ~~مجيء الإسلام فهدى الله الذين آمنوا إلخ ، فقد أفصحت عن كلام مقدر وهو ~~المعطوف عليه المحذوف كقوله تعالى : { اضرب بعصاك الحجر فانفجرت } ( البقرة ~~: 60 ) . PageV02P311 # والمراد من الذين آمنوا المسلمون لا محالة ، والضمير في { اختلفوا } عائد ~~للمختلفين كلهم ، سواء الذين اختلفوا في الحق قبل مجيء الرسل والذين ~~اختلفوا في الشرائع بعد مجيء الرسل والبينات ولذلك بينه بقوله : { من الحق ~~} وهو الحق الذي تقدم ذكره في قوله : { وأنزل معهم الكتاب بالحق } اختلاف ~~الفريقين راجع إلى الاختلاف في تعيين الحق إما عن جهل أو عن حسد وبغي . # والإذن : الخطاب بإباحة فعل وأصله مشتق من فعل أذن إذا أصغى أذنه إلى ~~كلام من يكلمه ، ثم أطلق على الخطاب بإباحة فعل على طريقة المجاز بعلاقة ~~اللزوم لأن الإصغاء إلى كلام المتكلم يستلزم الإقبال عليه وإجابة مطلبه ، ~~وشاع ذلك حتى صار الإذن أشيع في معنى الخطاب بإباحة الفعل ، وبذلك صار لفظ ~~الإذن قابلا لأن يستعمل مجازا في معان من مشابهات الخطاب بالإباحة ، فأطلق ~~في هذه الآية على التمكين من الاهتداء وتيسيره بما في الشرائع من بيان ~~الهدى والإرشاد إلى وسائل الاهتداء على وجه الاستعارة ، لأن من ييسر لك ms1118 ~~شيئا فكأنه أباح لك تناوله . # وفي هذا إيماء إلى أن الله بعث بالإسلام لإرجاع الناس إلى الحق وإلى ~~التوحيد الذي كانوا عليه ، أو لإرجاعهم إلى الحق الذي جاءت الرسل لتحصيله ، ~~فاختلف أتباعهم فيه بدلا من أن يحققوا بأفهامهم مقاصد ما جاءت به رسلهم ، ~~فحصل بما في الإسلام من بيان القرآنن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا ~~من خلفه وضوح الحق والإرشاد إلى كيفية أخذه ، فحصل بمجيء الإسلام إتمام ~~مراد الله مما أنزل من الشرائع السالفة . # وقوله : { والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم } تذييل لبيان أن فضل الله ~~يعطيه من يشاء ، وهذا إجمال ، وتفصيله أن حكمة الله اقتضت أن يتأخر تمام ~~الهدى إلى وقت مجىء شريعة الإسلام لما تهيأ البشر بمجيء الشرائع السابقة ~~لقبول هذه الشريعة الجامعة ، فكانت الشرائع السابقة تمهيدا وتهيئة لقبول ~~دين الإسلام ، ولذلك صدرت هذه الآية بقوله : { كان الناس أمة واحدة } ، ~~فكما كان البشر في أول أمره أمة واحدة على هدى بسيط ثم عرضت له الضلالات ~~عند تحرك الأفكار البشرية ، رجع البشر إلى دين واحد في حالة ارتقاء الأفكار ~~، وهذا اتحاد عجيب ، لأنه جاء بعد تشتت الآراء والمذاهب ، ولذا قال تعالى : ~~{ إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما ~~جاءهم العلم بغيا بينهم } ، PageV02P312 وفي الحديث : ( مثل المسلمين ~~واليهود والنصارى كمثلل رجلل استأجر قوما يعملون له عملا يوما إلى الليل ~~على أجر معلوم فعملوا له إلى نصف النهار فقالوا لا حاجة لنا إلى أجرك الذي ~~شرطت لنا وما عملنا باطل فقال لهم لا تفعلوا أكملوا بقية عملكم وخذوا أجركم ~~كاملا فأبوا وتركوا ، واستأجر آخرين بعدهم فقال لهم : أكملوا بقية يومكم ~~هذا ولكم الذي شرطت لهم من الأجر فعملوا حتى إذا كان حين صلاة العصر قالوا ~~: لك ما عملنا باطل ولك الأجر الذي جعلت لنا فيه ، فقال لهم أكملوا بقية ~~عملكم فإنما بقي من النهار شيء يسير فأبوا ، واستأجر قوما أن يعملوا له ~~بقية يومهم فعملوا بقية يومهم حتى غابت الشمس ms1119 واستكملوا أجر الفريقين ~~كليهما ، فذلك مثلهم ومثل ما قبلوا من هذا النور ، فقالت اليهود والنصارى ~~ما لنا أكثر عملا وأقل عطاء ، قال هل ظلمتكم من حقكم شيئا ؟ قالوا : لا ، ~~قال : فذلك فضلي أوتيه من أشاء ) . # $ 2 ( 214 ) { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من ~~قبلكم مستهم البأسآء والضرآء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين ءامنوا معه ~~متى نصر الله ألا & # 1764 إن نصر الله قريب } ) 2 $ # إضراب انتقالي عن الكلام السابق فاحتاج إلى وجه مناسبة به ، فقال الطيبي ~~أخذا من كلام ( الكشاف ) : إن قوله تعالى : { كان الناس أمة واحدة } ( ~~البقرة : 213 ) كلام ذكرت فيه الأمم السالفة وذكر من بعث إليهم من الأنبياء ~~وما لقوا منهم من الشدائد ، ومدمج لتشجيع الرسول والمؤمنين على الثبات ~~والصبر على أذى المشركين كما قال : { وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت ~~به فؤادك } ( هود : 120 ) فمن هذا الوجه كان الرسول وأصحابه مرادين من ذلك ~~الكلام ، يدل عليه قوله : { فهدى الله الذين آمنوا } ( البقرة : 213 ) وهو ~~المضرب عنه ببل التي تضمنها أم أي دع ذلك ، أحسبوا أن يدخلوا الجنة اه . # وبيانه أن القصد من ذكر الأمم السالفة حيثما وقع في القرآن هو العبرة ~~والموعظة والتحذير من الوقوع فيما وقعوا فيه بسوء عملهم والاقتداء في ~~المحامد ، فكان في قوله تعالى : { كان الناس أمة واحدة } الآية إجمال لذلك ~~وقد ختم بقوله { فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه } ، ~~ولما كان هذا الختام منقبة PageV02P313 للمسلمين أوقظوا أن لا يزهوا بهذا ~~الثناء فيحسبوا أنهم قضوا حق شكر النعمة فعقب بأن عليهم أن يصبروا لما عسى ~~أن يعترضهم في طريق إيمانهم من البأساء والضراء اقتداء بصالحي الأمم ~~السالفة ، فكما حذرهم الله من الوقوع فيما وقع فيه الضالون من أولئك الأمم ~~حرضهم هنا على الاقتداء بهدي المهتدين منهم على عادة القرآن في تعقيب ~~البشارة بالنذارة وعكس ذلك ، فيكون قوله : { أم حسبتم } إضرابا عن قوله : { ~~فهدى الله الذين آمنوا } وليكون ذلك تصبيرا لهم على ما نالهم ms1120 يوم الحديبية ~~من تطاول المشركين عليهم بمنعهم من العمرة وما اشترطوا عليهم للعام القابل ~~، ويكون أيضا تمهيدا لقوله : { كتب عليكم القتال } ( البقرة : 216 ) الآية ~~، وقد روي عن أكثر المفسرين الأولين أن هذه الآية نزلت في غزوة الخندق حين ~~أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد والشدائد فتكون تلك الحادثة زيادة في ~~المناسبة . # و { أم في الإضراب كبل إلا أن أم تؤذن بالاستفهام وهو هنا تقرير بذلك ~~وإنكاره إن كان حاصلا أي بل أحسبتم أن تدخلوا دون بلوى وهو حسبان باطل لا ~~ينبغي اعتقاده . # وحسب بكسر السين في الماضي : فعل من أفعال القلوب أخواتت ظن ، وفي مضارعه ~~وجهان كسر السين وهو أجود وفتحها وهو أقيس وقد قرىء بهما في المشهور ، ~~ومصدره الحسبان بكسر الحاء وأصله من الحساب بمعنى العد فاستعمل في الظن ~~تشبيها لجولان النفس في استخراج علم ما يقع بجولان اليد في الأشياء لتعيين ~~عددها ومثله في ذلك فعل عد بمعنى ظن . # والخطاب للمسلمين وهو إقبال عليهم بالخطاب بعد أن كان الكلام على غيرهم ~~فليس فيه التفات ، وجعل صاحب الكشاف } التفاتا بناء على تقدم قوله { فهدى ~~الله الذي آمنوا لما اختلفوا فيه } ( البقرة : 213 ) وأنه يقتضي أن يقال أم ~~حسبوا أي الذين آمنوا ، والأظهر أنه لما وقع الانتقال من غرض إلى غرض ~~بالإضراب الانتقالي الحاصل بأم ، صار الكلام افتتاحا محضا وبذلك يتأكد ~~اعتبار الانتقال من أسلوب إلى أسلوب ، فالالتفات هنا غير منظور إليه على ~~التحقيق . # ودخول الجنة هنا دخولها بدون سبق عناء وبلوى ، وهو دخول الذين استوفوا كل ~~ما وجب عليهم ولم يقصروا في شيء منه ، وإلا فإن دخول الجنة محسوب لكل مؤمن ~~ولو لم تأته البأساء والضراء أو أتته ولم يصبر عليها ، بمعنى أن الصبر على ~~ذلك وعدم الضجر PageV02P314 منه موجب لغفران الذنوب ، أو المراد من ذلك أن ~~تنالهم البأساء فيصبروا ولا يرتدوا عن الدين ، لذلك فيكون دخول الجنة ~~متوقفا على الصبر على البأساء والضراء بهذا المعنى ، وتطرق هاته الحالة سنة ~~من سنن الله تعالى في أتباع الرسل في أول ms1121 ظهور الدين وذلك من أسباب مزيد ~~فضائل اتباع الرسل ، فلذلك هيء المسلمون لتلقيه من قبل وقوعه لطفا بهم ~~ليكون حصوله أهون عليهم . # وقد لقي المسلمون في صدر الإسلام من أذى المشركين البأساء والضراء ~~وأخرجوا من ديارهم وتحملوا مضض الغربة ، فلما وردوا المدينة لقوا من أذى ~~اليهود في أنفسهم وأذى المشركين في قرابتهم وأموالهم بمكة ما كدر عليهم صفو ~~حفاوة الأنصار بهم ، كما أن الأنصار لقوا من ذلك شدة المضايقة في ديارهم بل ~~وفي أموالهم فقد كان الأنصار يعرضون على المهاجرين أن يتنازلوا لهم عن حظ ~~من أموالهم . # و { لما أخت لم في الدلالة على نفي الفعل ولكنها مركبة من لم وما النافية ~~فأفادت توكيد النفي ، لأنها ركبت من حرفي نفي ، ومن هذا كان النفي بها ~~مشعرا بأن السامع كان يترقب حصول الفعل المنفي بها فيكون النفي بها نفيا ~~لحصول قريب ، وهو يشعر بأن حصول المنفي بها يكون بعد مدة ، وهذا استعمال دل ~~عليه الاستقراء واحتجوا له بقول النابغة : # أزف الترحل غير أن ركابنا # لما تزل برحالنا وكأن قد # فنفى بلما ثم قال : وكأن قد ، أي وكأنه قد زالت . # والواو للحال أي أحسبتم دخول الجنة في حالة انتفاء ما يترقب حصوله لكم من ~~مس البأساء والضراء فإنكم لا تدخلون الجنة ذلك الدخول السالم من المحنة إلا ~~إذا تحملتم ما هو من ذلك القبيل . # والإتيان مجاز في الحصول ، لأن الشيء الحاصل بعد العدم يجعل كأنه أتى من ~~مكان بعيد . # والمثل : المشابه في الهيئة والحالة كما تقدم في قوله تعالى : مثلهم كمثل ~~الذين استوقد نارا } ( البقرة : 17 ) . # و { الذين خلوا } هم الأمم الذين مضوا وانقرضوا وأصل { خلوا } خلا منهم ~~المكان فبولغ في إسناد الفعل فأسند إليهم ما هو من صفات مكانهم . ~~PageV02P315 # و { من قبلكم } متعلق بخلوا لمجرد البيان وقصد إظهار الملابسة بين ~~الفريقين . # والمس حقيقته : اتصال الجسم بجسم آخر وهو مجاز في إصابة الشيء وحلوله ، ~~فمنه مس الشيطان أي حلول ضر الجنة بالعقل ، ومس سقر : ما يصيب من نارها ، ~~ومسه الفقر والضر : إذا ms1122 حل به ، وأكثر ما يطلق في إصابة الشر قال تعالى : { ~~وإذا مس الإنسان ضر دعا } ( الزمر : 8 ) { وإذا مس الإنسان الضر دعانا } ( ~~يونس : 12 ) { وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض } ( فصلت : 51 ) { ولا تمسوها ~~بسوء } ( الأعراف : 73 ) فالمعنى هنا : حلت بهم البأساء والضراء . وقد تقدم ~~القول في البأساء والضراء عند قوله تعالى : { والصابرين في البأساء والضراء ~~} ( البقرة : 177 ) . # وقوله : { وزلزلوا } أي أزعجوا أو اضطربوا ، وإنما الذي اضطرب نظام ~~معيشتهم ، قال تعالى : { هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا } ( ~~الأحزاب : 11 ) ، والزلزلة تحرك الجسم من مكانه بشدة ، ومنه زلزال الأرض ، ~~فوزن زلزل فعفل ، والتضعيف فيه دال على تكرر الفعل كما قال تعالى : { ~~فكبكبوا فيها } ( الشعراء : 94 ) وقالوا لملم بالمكان إذا نزل به نزول ~~إقامة . # و { حتى } غاية للمس والزلزالل ، أي بلغ بهم الأمر إلى غاية يقول عندها ~~الرسول والذين معه متى نصر الله . # ولما كانت الآية مخبرة عن مس حل بمن تقدم من الأمم ومنذرة بحلول مثله ~~بالمخاطبين وقت نزول الآية ، جاز في فعل يقول أن يعتبر قول رسول أمة سابقة ~~أي زلزلوا حتى يقول رسول المزلزلين ف { آل للعهد ، أو حتى يقول كل رسول ~~لأمة سبقت فتكون أل للاستغراق ، فيكون الفعل محكيا به تلك الحالة العجيبة ~~فيرفع بعد حتى ؛ لأن الفعل المراد به الحال يكون مرفوعا ، وبرفعع الفعل قرأ ~~نافع وأبو جعفر ، وجاز فيه أن يعتبر قول رسول المخاطبين عليه السلام فأل ~~فيه للعهد والمعنى : وزلزلوا وتزلزلون مثلهم حتى يقول الرسول فيكون الفعل ~~منصوبا ؛ لأن القول لما يقع وقتئذ ، وبذلك قرأ بقية العشرة ، فقراءة الرفع ~~أنسب بظاهر السياق وقراءة النصب أنسب بالغرض المسوق له الكلام ، وبكلتا ~~القراءتين يحصل كلا الغرضين . # ومتى استفهام مستعمل في استبطاء زمان النصر . # وقوله : ألا إن نصر الله قريب } كلام مستأنف بقرينة افتتاحه بألا ، وهو ~~بشارة من الله تعالى للمسلمين بقرب النصر بعد أن حصل لهم من قوارع صدر ~~الآية ما ملأ القلوب PageV02P316 رعبا ، والقصد منه إكرام هذه الأمة بأنها ~~لا يبلغ ما يمسها مبلغ ما مس ms1123 من قبلها ، وإكرام للرسول صلى الله عليه وسلم ~~بألا يحتاج إلى قول ما قالته الرسل قبله من استبطاء نصر الله بأن يجيء نصر ~~الله لهاته الأمة قبل استبطائه ، وهذا يشير إلى فتح مكة . # # | 2 ( 215 ) { يسئلونك ماذا ينفقون قل مآ أنفقتم من خير فللوالدين ~~والاقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فإن الله به ~~عليم } ) 2 # استئناف ابتدائي لابتداء جواب عن سؤال سأله بعض المسلمين النبي صلى الله ~~عليه وسلم روى الواحدي عن ابن عباس أن السائل عمرو بن الجموح الأنصاري ، ~~وكان ذا مال فقال يا رسول الله : بماذا يتصدق وعلى من ينفق ؟ وقال ابن عطية ~~: السائلون هم المؤمنون يعني أنه تكرر السؤال عن تفصيل الإنفاق الذي أمروا ~~به غير مرة على الإجمال ، فطلبوا بيان من ينفق عليهم وموقع هذه الآية في ~~هذا الموضع إما لأن نزولها وقع عقب نزول التي قبلها وإما لأمر بوضعها في ~~هذا الموضع جمعا لطائفة من الأحكام المفتتحة بجملة { يسألونك } وهي ستة ~~أحكام . # ثم قد قيل إنها نزلت بعد فرض الزكاة ، فالسؤال حينئذ عن الإنفاق المتطوع ~~به وهي محكمة وقيل نزلت قبل فرض الزكاة فتكون بيانا لمصارف الزكاة ثم نسخت ~~بآية { إنما الصدقات للفقراء والمساكين الآية في ( سورة براءة : 60 ) ، فهو ~~بتخصيص لإخراج الوالدين والأقربين واليتامى ، وإن كانوا من غير الأصناف ~~الثمانية المذكورة في آية براءة . # وماذا } استفهام عن المنفق ( بفتح الفاء ) ومعنى الاستفهام عن المنفق ~~السؤال عن أحواله التي يقع بها موقع القبول عند الله ، فإن الإنفاق حقيقة ~~معروفة في البشر وقد عرفها السائلون في الجاهلية . فكانوا في الجاهلية ~~ينفقون على الأهل وعلى الندامى وينفقون في الميسر ، يقولون فلان يتمم ~~أيساره أي يدفع عن أيساره أقساطهم من مال المقامرة ويتفاخرون بإتلاف المال ~~. فسألوا في الإسلام عن المعتد به من ذلك دون غيره ، فلذلك طابق الجواب ~~السؤال إذ أجيب : { قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين } ، فجاء ~~ببيان مصارف الإنفاق الحق وعرف هذا الجنس بمعرفة أفراده ، فليس في هذا ~~الجواب ارتكاب الأسلوب الحكيم ms1124 كما قيل ، إذ لا يعقل PageV02P317 أن يسألوا ~~عن المال المنفق بمعنى السؤال عن النوع الذي ينفق من ذهب أم من ورق أم من ~~طعام ، لأن هذا لا تتعلق بالسؤال عنه أغراض العقلاء ، إذ هم يعلمون أن ~~المقصد من الإنفاق إيصال النفع للمنفق عليه ، فيتعين أن السؤال عن كيفيات ~~الإنفاق ومواقعه ، ولا يريبكم في هذا أن السؤال هنا وقع بما وهي يسأل بها ~~عن الجنس لا عن العوارض ، فإن ذلك اصطلاح منطقي لتقريب ما ترجموه من ~~تقسيمات مبنية على اللغة اليونانية وأخذ به السكاكي ، لأنه يحفل باصطلاح ~~أهل المنطق وذلك لا يشهد له الاستعمال العربي . # والخير : المال كما تقدم في قوله تعالى : { إن ترك خيرا } ( البقرة : 180 ~~) آية الوصية . # و { ما أنفقتم } شرط ، ففعل { أنفقتم } مراد به الاستقبال كما هو مقتضى ~~الشرط ، وعبر بالماضي لإظهار الرغبة في حصول الشرط فينزل كالحاصل المتقرر . # واللام في { للوالدين } للملك ، بمعنى الاستحقاق أي فالحقيق به الوالدين ~~أي إن تنفقوا فأنفقوا للوالدين أو أعطوا للوالدين ، وقد تقدم بيانهم في ~~قوله تعالى : { وآتى المال على حبه ذوي القربى } ( البقرة : 177 ) الآية . # والآية دالة على الأمر بالإنفاق على هؤلاء والترغيب فيه ، وهي في النفقة ~~التي ليست من حق المال أعني الزكاة ولا هي من حق الذات من حيث إنها ذات ~~كالزوجة ، بل هذه النفقة التي هي من حق المسلمين بعضهم على بعض لكفاية ~~الحاجة وللتوسعة وأولى المسلمين بأن يقوم بها أشدهم قرابة بالمعوزين منهم ، ~~فمنها واجبة كنفقة الأبوين الفقيرين والأولاد الصغار الذين لا مال لهم إلى ~~أن يقدروا على التكسب أو ينتقل حق الإنفاق إلى غير الأبوين ، وذلك كله بحسب ~~عادة أمثالهم ، وفي تحديد القربى الموجبة للإنفاق خلاف بين الفقهاء . فليست ~~هاته الآية بمنسوخة بآية الزكاة ، إذ لا تعارض بينهما حتى نحتاج للنسخ وليس ~~في لفظ هاته الآية ما يدل على الوجوب حتى يظن أنها نزلت في صدقة واجبة قبل ~~فرض الزكاة . # وابن السبيل هو الغريب عن الحي المار في سفره ، ينفق عليه ما يحتاج إليه ~~. # وقوله : { وما ms1125 تفعلوا من خير فإن الله به عليم } تذييل والمقصود من قوله ~~: { فإن الله به عليم } الكناية عن الجزاء عليه ، لأن العليم القدير إذا ~~امتثل أحد لأمره لا يحول بينه وبين جزائه عليه حائل . وشمل عموم { وما ~~تفعلوا من خير } الأفعال الواجبة والمتطوع بها فيعم النفقات وغيرها . # PageV02P318 # | 2 ( 216 ) { كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير ~~لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون } . ) 2 # المناسبة أن القتال من البأساء التي في قوله : { ولما يأتكم مثل الذين ~~خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء } ( البقرة : 214 ) فقد كلفت به الأمم ~~قبلنا ، فقد كلفت بنو إسرائيل بقتال الكنعانيين مع موسى عليه السلام ، ~~وكلفوا بالقتال مع طالوت وهو شاول مع داود ، وكلف ذو القرنين بتعذيب ~~الظالمين من القوم الذين كانوا في جهة المغرب من الأرض . # ولفظ { كتب عليكم } من صيغ الوجوب وقد تقدم في آية الوصية . وآل في ( ~~القتال ) للجنس ، ولا يكون القتال إلا للأعداء فهو عام عموما عرفيا أي كتب ~~عليكم قتال عدو الدين . # والخطاب للمسلمين ، وأعداؤهم يومئذ المشركون ، لأنهم خالفوهم في الدين ~~وآذوا الرسول والمؤمنين ، فالقتال المأمور به هو الجهاد لإعلاء كلمة الله ، ~~وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم غير مأذون في القتال في أول ظهور الإسلام ~~، ثم أذن له في ذلك بقوله تعالى : { أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا } ( ~~الحج : 39 ) ، ثم نزلت آية قتال المبادئين بقتال المسلمين في قوله تعالى : ~~{ وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم } ( البقرة : 190 ) كما تقدم آنفا ~~. # هذه الآية نزلت في واقعة سرية عبد الله بن جحش كما يأتي ، وذلك في الشهر ~~السابع عشر من الهجرة ، فالآية وردت في هذه السورة مع جملة التشريعات ~~والنظم التي حوتها كقوله : { كتب عليكم الصيام } ( البقرة : 183 ) ، { كتب ~~عليكم القصاص } ( البقرة : 178 ) ، { كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت } ( ~~البقرة : 180 ) . فعلى المختار يكون قوله : { كتب عليكم القتال } خبرا عن ~~حكم سبق لزيادة تقريره ولينتقل منه إلى قوله { وهو كره لكم ms1126 } الآية ، أو ~~إعادة لإنشاء وجوب القتال زيادة في تأكيده ، أو إنشاء أنفا لوجوب القتال إن ~~كانت هذه أول آية نزلت في هذا المعنى بناء على أن قوله تعالى : { أذن للذين ~~يقاتلون بأنهم ظلموا } إذن في القتال وإعداد له وليست بموجبة له . # وقوله : { وهو كره لكم } ، حال لازمة وهي يجوز اقترانها بالواو ، ولك أن ~~تجعلها جملة ثانية معطوفة على جملة : { كتب عليكم القتال } ، إلا أن الخبر ~~بهذا لما كان معلوما للمخاطبين PageV02P319 تعين أن يكون المراد من الإخبار ~~لازم الفائدة ، أعني كتبناه عليكم ونحن عالمون أنه شاق عليكم ، وربما رجح ~~هذا الوجه بقوله تعالى بعد هذا : { والله يعلم وأنتم لا تعلمون } . # والكره بضم الكاف : الكراهية ونفرة الطبع من الشيء ومثله الكره بالفتح ~~على الأصح ، وقيل : الكره بالضم المشقة ونفرة الطبع ، وبالفتح هو الإكراه ~~وما يأتي على الإنسان من جهة غيره من الجبر على فعل ما بأذى أو مشقة ، وحيث ~~قرىء بالوجهين هنا وفي قوله تعالى : { حملته أمه كرها ووضعته كرها } ( ~~الأحقاف : 15 ) ولم يكن هنا ولا هنا لك معنى للإكراه تعين أن يكون بمعنى ~~الكراهية وإباية الطبع كما قال الحماسي العقيلي : # بكره سراتنا يا آل عمرو # نغاديكم بمرهفة النصال # رووه بضم الكاف وبفتحها . # على أن قوله تعالى بعد ذلك { وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم } الوارد ~~مورد التذييل : دليل على أن ما قبله مصدر بمعنى الكراهية ليكون جزئيا من ~~جزئيات أن تكرهوا شيئا . # وقد تحمل صاحب ( الكشاف ) لحمل المفتوح في هذه الآية والآية الأخرى على ~~المجاز ، وقرره الطيبي والتفتازاني بما فيه تكلف ، وإذ هو مصدر فالإخبار به ~~مبالغة في تمكن الوصف من المخبر عنه كقول الخنساء : # فإنما هي إقبال وإدبار # أي تقبل وتدبر . # وقيل : الكره اسم للشيء المكروه كالخبز . فالقتال كريه للنفوس ، لأنه ~~يحول بين المقاتل وبين طمأنينته ولذاته ونومه وطعامه وأهله وبيته ، ويلجىء ~~الإنسان إلى عداوة من كان صاحبه ويعرضه لخطر الهلاك أو ألم الجراح ، ولكن ~~فيه دفع المذلة الحاصلة من غلبة الرجال واستضعافهم ، وفي الحديث ( لا تمنوا ~~لقاء العدو ms1127 فإذا لقيتم فاصبروا ) ، وهو إشارة إلى أن القتال من الضرورات ~~التي لا يحبها الناس إلا إذا كان تركها يفضي إلى ضر عظيم قال العقيلي : # ونبكي حين نقتلكم عليكم # ونقتلكم كأنا لا نبالي PageV02P320 # ومعلوم أن كراهية الطبع الفعل لا تنافي تلقي التكليف به برضا لأن أكثر ~~التكليف لا يخلو عن مشقة . # ثم إن كانت الآية خبرا عن تشريع مضى ، يحتمل أن تكون جملة { وهو كره } ~~حكاية لحالة مضت وتلك في أيام قلة المسلمين فكان إيجاب القتال ثقيلا عليهم ~~، وقد كان من أحكامه أن يثبت الواحد منهم لعشرة من المشركين أعدائهم ، وذلك ~~من موجبات كراهيتهم القتال ، وعليه فليس يلزم أن تكون تلك الكراهية باقية ~~إلى وقت نزول هذه الآية ، فيحتمل أن يكون نزلت في شأن صلح الحديبية وقد ~~كانوا كرهوا الصلح واستحبوا القتال ، لأنهم يومئذ جيش كثير فيكون تذكيرا ~~لهم بأن الله أعلم بمصالحهم ، فقد أوجب عليهم القتال حين كانوا يكرهونه ~~وأوجب عليهم الصلح في وقت أحبوا فيه القتال ، فحذف ذلك لقرينة المقام ، ~~والمقصود الإفضاء إلى قوله : { وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم } لتطمئن ~~أنفسهم بأن الصلح الذي كرهوه هو خير لهم ، كما تقدم في حوار عمر مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ومع أبي بكر ، ويكون في الآية احتباك ، إذ الكلام ~~على القتال ، فتقدير السياق كتب عليكم القتال وهو كره لكم ومنعتم منه وهو ~~حب لكم ، وعسى أن تكرهوا القتال وهو خير لكم وعسى أن تحبوه وهو شر لكم ، ~~وإن كانت الآية إنشاء تشريع فالكراهية موجودة حين نزول الآية فلا تكون ~~واردة في شأن صلح الحديبية ، وأول الوجهين أظهرهما عندي ليناسب قوله عقبه : ~~{ يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه } ( البقرة : 217 ) . # وقوله : { وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم } تذييل احتيج إليه لدفع ~~الاستغراب الناشيء عن قوله : { كتب عليكم القتال وهو كره لكم } ، لأنه إذا ~~كان مكروها فكان شأن رحمة الله بخلقه ألا يكتبه عليهم فذيل بهذا لدفع ذلك . # وجملة { وعسى } معطوفة على جملة { كتب عليكم القتال } ، وجملة { وهو ms1128 خير ~~لكم } : حالية من { شيئا } على الصحيح من مجيء الحال من النكرة ، وهذا ~~الكلام تلطف من الله تعالى لرسوله والمؤمنين ، وإن كان سبحانه غنيا عن ~~البيان والتعليل ، لأنه يأمر فيطاع ، ولكن في بيان الحكمة تخفيفا من مشقة ~~التكليف ، وفيه تعويد المسلمين بتلقي الشريعة معللة مذللة فأشار إلى أن ~~حكمة التكليف تعتمد المصالح ودرء المفاسد ، ولا تعتمد ملاءمة الطبع ~~ومنافرته ، إذ يكره الطبع شيئا وفيه نفعه وقد يحب شيئا وفيه هلاكه ، وذلك ~~باعتبار العواقب والغايات ، PageV02P321 فإن الشيء قد يكون لذيذا ملائما ~~ولكن ارتكابه يفضي إلى الهلاك ، وقد يكون كريها منافرا وفي ارتكابه صلاح . ~~وشأن جمهور الناس الغفلة عن العاقبة والغاية أو جهلهما ، فكانت الشرائع ~~وحملتها من العلماء والحكماء تحرض الناس على الأفعال والتروك باعتبار ~~الغايات والعواقب . # فإن قلت : ما الحكمة في جعل أشياء كثيرة نافعة مكروهة ، وأشياء كثيرة ~~ضارة محبوبة ، وهلا جعل الله تعالى النافع كله محبوبا والضار كله مكروها ~~فتنساق النفوس للنافع باختيارها وتجتنب الضار كذلك فنكفى كلفة مسألة الصلاح ~~والأصلح التي تناظر فيها الأشعري مع شيخه الجبائي وفارق الأشعري من أجلها ~~نحلة الاعتزال ؟ . # قلت : إن حكمة الله تعالى بنت نظام العالم على وجود النافع والضار والطيب ~~والخبيث من الذوات والصفات والأحداث ، وأوكل للإنسان سلطة هذا العالم بحكم ~~خلقه الإنسان صالحا للأمرين وأراه طريقي الخير والشر كما قدمناه عند قوله ~~تعالى : { كان الناس أمة واحدة } ( البقرة : 213 ) ، وقد اقتضت الحكمة أن ~~يكون النافع أكثر من الضار ولعل وجود الأشياء الضارة كونه الله لتكون آلة ~~لحمل ناس على اتباع النافع كما قال تعالى : { فيه بأس شديد ومنافع للناس } ~~( الحديد : 25 ) ، وقد أقام نظام هذا العالم على وجود المتضادات ، وجعل ~~الكمال الإنساني حاصلا عند حصول جميع الصفات النافعة فيه ، بحيث إذا اختلت ~~بعض الصفات النافعة منه انتقصت بقية الصفات النافعة منه أو اضمحلت ، وجعل ~~الله الكمال أقل من النقص لتظهر مراتب النفوس في هذا العالم ومبالغ العقول ~~البشرية فيه ، فاكتسب الناس وضيعوا وضروا ونفعوا فكثر الضار وقل النافع بما ~~كسب الناس وفعلوا ms1129 قال تعالى : { قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة ~~الخبيث } ( 100 ) . # وكما صارت الذوات الكاملة الفاضلة أقل من ضدها صارت صفات الكمال عزيزة ~~المنال ، وأحيطت عزتها ونفاستها بصعوبة منالها على البشر وبما يحف بها من ~~الخطر والمتاعب ، لأنها لو كانت مما تنساق لها النفوس بسهولة لاستوى فيها ~~الناس فلم تظهر مراتب الكمال ولم يقع التنافس بين الناس في تحصيل الفضائل ~~واقتحام المصاعب لتحصيلها قال أبو الطيب : # ولا فضل فيها للشجاعة والندى # وصبر الفتى لولا لقاء شعوب # فهذا سبب صعوبة الكمالات على النفوس . PageV02P322 # ثم إن الله تعالى جعل نظام الوجود في هذا العالم بتولد الشيء من بين ~~شيئين وهو المعبر عنه بالازدواج ، غير أن هذا التولد يحصل في الذوات بطريقة ~~التولد المعروفة قال تعالى : { ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين } ( ~~الرعد : 3 ) وأما حصوله في المعاني ، فإنما يكون بحصول الصفة من بين معنيي ~~صفتين أخريين متضادتين تتعادلان في نفس فينشأ عن تعادلهما صفة ثالثة . # والفضائل جعلت متولدة من النقائص ؛ فالشجاعة من التهور والجبنن ، والكرم ~~من السرف والشح ، ولا شك أن الشيء المتولد من شيئين يكون أقل مما تولد منه ~~، لأنه يكون أقل من الثلث ، إذ ليس كلما وجد الصفتان حصل منهما تولد صفة ~~ثالثة ، بل حتى يحصل التعادل والتكافؤ بين تينك الصفتين المتضادتين وذلك ~~عزيز الحصول ولا شك أن هاته الندرة قضت بقلة اعتياد النفوس هاته الصفات ، ~~فكانت صعبة عليها لقلة اعتيادها إياها . # ووراء ذلك فالله حدد للناس نظاما لاستعمال الأشياء النافعة والضارة فيما ~~خلقت لأجله ، فالتبعة في صورة استعمالها على الإنسان وهذا النظام كله تهيئة ~~لمراتب المخلوقات في العالم الأبدي عالم الخلود وهو الدار الآخرة كما يقال ~~: ( الدنيا مزرعة الآخرة ) وبهذا تكمل نظرية النقض الذي نقض به الشيخ ~~الأشعري على شيخه الجبائي أصلهم في وجوب الصلاح والأصلح فيكون بحث الأشعري ~~نقضا وكلامنا هذا سندا وانقلابا إلى استدلال . # وجملة { والله يعلم وأنتم لا تعلمون } تذييل للجميع ، ومفعولا { يعلم } و ~~{ تعلمون } محذوفان دل عليهما ما قبله أي والله يعلم الخير ms1130 والشر وأنتم لا ~~تعلمونهما ، لأن الله يعلم الأشياء على ما هي عليه والناس يشتبه عليهم ~~العلم فيظنون الملائم نافعا والمنافر ضارا . # والمقصود من هذا تعليم المسلمين تلقي أمر الله تعالى باعتقاد أنه الصلاح ~~والخير ، وأن ما لم تتبين لنا صفته من الأفعال المكلف بها نوقن بأن فيه صفة ~~مناسبة لحكم الشرع فيه فتطلبها بقدر الإمكان عسى أن ندركها ، لنفرع عليها ~~ونقيس ويدخل تحت هذا مسائل مسالك العلة ، لأن الله تعالى لا يجري أمره ~~ونهيه إلا على وفق علمه . # # | 2 ( 217 ) { يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن ~~سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة ~~أكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن ~~يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولائك حبطت أعمالهم في الدنيا والاخرة ~~وأولائك أصحاب النار هم فيها خالدون } . ) 2 # من أهم تفاصيل الأحوال في القتال الذي كتب على المسلمين في الآية قبل هذه ~~أن يعلموا ما إذا صادف القتال بينهم وبين المشركين الأشهر الحرم إذ كان ~~محجرا في العرب من عهد PageV02P323 قديم ، ولم يذكر الإسلام إبطال ذلك ~~الحجر ؛ لأنه من المصالح قال تعالى { جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما ~~للناس والشهر الحرام } ( المائدة : 97 ) فكان الحال يبعث على السؤال عن ~~استمرار حرمة الشهر الحرام في نظر الإسلام . # روى الواحدي في ( أسباب النزول ) عن الزهري مرسلا وروى الطبري عن عروة بن ~~الزبير مرسلا ومطولا ، أن هذه الآية نزلت في شأن سرية عبد الله بن جحش ، ~~فإن النبي صلى الله عليه وسلم أرسله في ثمانية من أصحابه يتلقى عيرا لقريش ~~ببطن نخلة في جمادى الآخرة في السنة الثانية من الهجرة ، فلقي المسلمون ~~العير فيها تجارة من الطائف وعلى العير عمرو بن الحضرمي ، فقتل رجل من ~~المسلمين عمرا وأسر اثنين من أصحابه وهما عثمان بن عبد الله بن المغيرة ~~والحكم بن كيسان وفر منهم نوفل بن عبد الله بن المغيرة وغنم المسلمون غنيمة ~~، وذلك ms1131 أول يوم من رجب وهم يظنونه من جمادى الآخرة ، فعظم ذلك على قريش ~~وقالوا : استحل محمد الشهر الحرام وشنعوا ذلك فنزلت هذه الآية . فقيل : إن ~~النبي صلى الله عليه وسلم رد عليهم الغنيمة والأسيرين ، وقيل : رد الأسيرين ~~وأخذ الغنيمة . # فإذا صح ذلك كان نزول هذه الآية قبل نزول آية { كتب عليكم القتال وهو كره ~~لكم } ( البقرة : 216 ) وآية { وقاتلوا في سبيل الله الذي يقاتلونكم } ( ~~البقرة : 190 ) بمدة طويلة فلما نزلت الآيتان بعد هذه ، كان وضعهما في ~~التلاوة قبلها بتوقيف خاص لتكون هذه الآية إكمالا لما اشتملت عليه الآيتان ~~الأخريان ، وهذا له نظائر في كثير من الآيات باعتبار النزول والتلاوة . ~~والأظهر عندي أن هذه الآية نزلت بعد الآية التي قبلها وأنها تكملة وتأكيد ~~لآية { الشهر الحرام بالشهر الحرام } ( البقرة : 194 ) . # والسؤال المذكور هنا هو سؤال المشركين النبي عليه الصلاة والسلام يوم ~~الحديبية ، هل يقاتل في الشهر الحرام كما تقدم عند قوله تعالى : { الشهر ~~الحرام بالشهر الحرام } . وهذا هو المناسب لقوله هنا { وصد عن سبيل الله } ~~إلخ وقيل : سؤال المشركين عن قتال سرية عبد الله بن جحش . فالجملة استئناف ~~ابتدائي ، وردت على سؤال الناس عن القتال في الشهر الحرام ومناسبة موقعها ~~عقب آية { كتب عليكم القتال } ( البقرة : 216 ) ظاهرة . # والتعريف في ( الشهر الحرام ) تعريف الجنس ، ولذلك أحسن إبدال النكرة منه ~~في قوله : PageV02P324 { قتال فيه } ، وهو بدل اشتمال فيجوز فيه إبدال ~~النكرة من المعرفة ، بخلاف بدل البعض على أن وصف النكرة هنا بقوله ( فيه ) ~~يجعلها في قوة المعرفة . فالمراد بيان أي شهر كان من الأشهر الحرم وأي قتال ~~، فإن كان السؤال إنكاريا من المشركين فكون المراد جنس هذه الأشهر ظاهر ، ~~وإن كان استفسارا من المسلمين فكذلك ، ومجرد كون الواقعة التي تسبب عليها ~~السؤال وقعت في شهر معين لا يقتضي تخصيص السؤال بذلك الشهر ، إذ لا يخطر ~~ببال السائل بل المقصود السؤال عن دوام هذا الحكم المتقرر عندهم قبل ~~الإسلام وهو لا يختص بشهر دون شهر . # وإنما اختير طريق الإبدال هنا وكان مقتضى الظاهر ms1132 أن يقال : يسألونك عن ~~القتال في الشهر الحرام لأجل الاهتمام بالشهر الحرام تنبيها على أن السؤال ~~لأجل الشهر أيقع فيه قتال ؟ لا لأجل القتال هل يقع في الشهر وهما متآيلان ، ~~لكن التنقديم لقضاء حق الاهتمام ، وهذه نكتة لإبدال عطفف البيان تنفع في ~~مواقع كثيرة ، على أن في طريق بدل الاشتمال تشويقا بارتكاب الإجمال ثم ~~التفصيل . # وتنكير ( قتال ) مراد به العموم ، إذ ليس المسؤول عنه قتالا معينا ولا في ~~شهر معين ، بل المراد هذا الجنس في هذا الجنس . و ( فيه ) ظرف صفة لقتال ~~مخصصة له . # وقوله : { قل قتال فيه كبير } إظهار لفظ القتال في مقام الإضمار ليكون ~~الجواب صريحا حتى لا يتوهم أن الشهر الحرام هو الكبير ، وليكون الجواب على ~~طبق السؤال في اللفظ ، وإنما لم يعرف لفظ القتال ثانيا باللام مع تقدم ذكره ~~في السؤال ، لأنه قد استغنى عن تعريفه باتحاد الوصفين في لفظ السؤال ولفظ ~~الجواب وهو ظرف ( فيه ) ، إذ ليس المقصود من تعريف النكرة باللام إذا أعيد ~~ذكرها إلا التنصيص على أن المراد بها تلك الأولى لا غيرها ، وقد حصل ذلك ~~بالوصف المتحد ، قال التفتازاني : فالمسؤول عنه هو المجاب عنه وليس غيره ~~كما توهم بناء على أن النكرة إذا أعيدت نكرة كانت غير الأولى ، لأن هذا ليس ~~بضربة لازم يريد أن ذلك يتبع القرائن . # والجواب تشريع إن كان السؤال من المسلمين ، واعتراف وإبكات إن كان السؤال ~~إنكارا من المشركين ، لأنهم توقعوا أن يجيبهم بإباحة القتال فيثوروا بذلك ~~العرب ومن في قلبه مرض . PageV02P325 # والكبير في الأصل هو عظيم الجثة من نوعه ، وهو مجاز في القوى والكثير ~~والمسن والفاحش ، وهو استعارة مبنية على تشبيه المعقول بالمحسوس ، شبه ~~القوي في نوعه بعظيم الجثة في الأفراد ، لأنه مألوف في أنه قوى ، وهو هنا ~~بمعنى العظيم في المآثم بقرينة المقام ، مثل تسمية الذنب كبيرة ، وقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم ( وما يعذبان في كبير وإنه لكبير ) الحديث . # والمعنى أن القتال في الأشهر الحرم إثم كبير ، فالنكرة هنا للعموم بقرينة ~~المقام ، إذ لا خصوصية ms1133 لقتال قوم دون آخرين ، ولا لقتل في شهر دون غيره ، ~~لا سيما ومطابقة الجواب للسؤال قد أكدت العموم ، لأن المسؤول عنه حكم هذا ~~الجنس وهو القتال في هذا الجنس وهو الشهر الحرام من غير تفصيل ، فإن أجدر ~~أفراد القتال بأن يكون مباحا هو قتالنا المشركين ومع ذلك فهو المسؤول عنه ~~وهو الذي وقع التحرج منه ، أما تقاتل المسلمين فلا يختص إثمه بوقوعه في ~~الشهر الحرام ، وأما قتال الأمم الآخرين فلا يخطر بالبال حينئذ . # والآية دليل على تحريم القتال في الأشهر الحرم وتقرير لما لتلك الأشهر من ~~الحرمة التي جعلها الله لها منذ زمن قديم ، لعله من عهد إبراهيم عليه ~~السلام فإن حرمة الزمان تقتضي ترك الإثم في مدته . # وهذه الأشهر هي زمن للحج ومقدماته وخواتمه وللعمرة كذلك فلو لم يحرم ~~القتال في خلالها لتعطل الحج والعمرة ، ولذلك أقرها الإسلام أيام كان في ~~بلاد العرب مشركون لفائدة المسلمين وفائدة الحج ، قال تعالى : { جعل الله ~~الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام } ( المائدة : 97 ) الآية . # وتحريم القتال في الشهر الحرام قد خصص بعد هذه الآية ثم نسخ ، فأما ~~تخصيصه فبقوله تعالى : { ولا تقاتلوهم عن ، المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه ~~إلى قوله : الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص } ( البقرة : 191 ، ~~194 ) . وأما نسخة فبقوله تعالى : { براءة من الله ورسوله إلى الذين عهدتم ~~من المشركين ، فسيحوا في الأرض أربعة أشهر إلى قوله فإذا انسلخ الأشهر ~~الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } ( التوبة : 1 ، 5 ) فإنها صرحت ~~بإبطال العهد الذي عاهد المسلمون المشركين على الهدنة ، وهو العهد الواقع ~~في صلح الحديبية ؛ لأنه لم يكن عهدا مؤقتا بزمن معين ولا بالأبد ، ولأن ~~المشركين نكثوا أيمانهم PageV02P326 كما في الآية الأخرى : { ألا تقاتلون ~~قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول } ( التوبة : 13 ) . ثم إن الله ~~تعالى أجلهم أجلا وهو انقضاء الأشهر الحرم من ذلك العام وهو تسعة من الهجرة ~~في حجة أبي بكر بالناس ، لأن تلك الآية نزلت في شهر شوال وقد خرج المشركون ~~للحج فقال لهم { فسيحوا في الأرض ms1134 أربعة أشهر } فأخرها آخر المحرم من عام ~~عشرة من الهجرة ، ثم قال : { فإذا انسلخ الأشهر الحرم } أي تلك الأشهر ~~الأربعة { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } فنسخ تحريم القتال في الأشهر ~~الحرم ، لأن المشركين جمع معرف بلام الجنس وهو من صيغ العموم وعموم الأشخاص ~~يستلزم عموم الأزمنة والأمكنة على التحقيق ، ولذلك قاتل النبي صلى الله ~~عليه وسلم ثقيفا في شهر ذي القعدة عقب فتح مكة كما في كتب الصحيح . وأغزى ~~أبا عامر إلى أوطاس في الشهر الحرام ، وقد أجمع المسلمون على مشروعية الغزو ~~في جميع أشهر السنة يغزون أهل الكتاب وهم أولى بالحرمة في الأشهر الحرم من ~~المشركين . # فإن قلت : إذا نسخ تحريم القتال في الأشهر الحرم فما معنى قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم في خطبة الوداع ( إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ~~كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ) فإن التشبيه يقتضي تقرير حرمة ~~الأشهر . قلت : إن تحريم القتال فيها تبع لتعظيمها وحرمتها وتنزيهها عن ~~وقوع الجرائم والمظالم فيها فالجريمة فيها تعد أعظم منها لو كانت في غيرها ~~. والقتال الظلم محرم في كل وقت ، والقتال لأجل الحق عبادة فنسخ تحريم ~~القتال فيها لذلك وبقيت حرمة الأشهر بالنسبة لبقية الجرائم . # وأحسن من هذا أن الآية قررت حرمة القتال في الأشهر الحرم لحكمة تأمين سبل ~~الحج والعمرة ، إذ العمرة أكثرها في رجب ولذلك قال : { قتال فيه كبير } ~~واستمر ذلك إلى أن أبطل النبي صلى الله عليه وسلم الحج على المشركين في عام ~~حجة أبي بكر بالناس ؛ إذ قد صارت مكة بيد المسلمين ودخل في الإسلام قريش ~~ومعظم قبائل العرب والبقية منعوا من زيارة مكة ، وأن ذلك كان يقتضي إبطال ~~تحريم القتال في الأشهر الحرم ؛ لأن تحريمه فيها لأجل تأمين سبيل الحج ~~والعمرة . وقد تعطل ذلك بالنسبة للمشركين ولم يبق الحج إلا للمسلمين وهم لا ~~قتال بينهم ، إذ قتال الظلم محرم في كل زمان وقتال الحق يقع في كل وقت ما ~~لم يشغل عنه شاغل مثل الحج ، فتسميته PageV02P327 نسخا تسامح ، وإنما ms1135 هو ~~انتهاء مورد الحكم ، ومثل هذا التسامح في الأسماء معروف في كلام المتقدمين ~~، ثم أسلم جميع المشركين قبل حجة الوداع وذكر النبي صلى الله عليه وسلم ~~حرمة الأشهر الحرم في خطبته ، وقد تعطل حينئذ العمل بحرمة القتال في الأشهر ~~الحرم ، إذ لم يبق مشرك يقصد الحج . فمعنى نسخ تحريم القتال في الأشهر ~~الحرم أن الحاجة إليه قد انقضت كما انتهى مصرف المؤلفة قلوبهم من مصارف ~~الزكاة بالإجماع لانقراضهم . # إنحاء على المشركين وإظهار لظلمهم بعد أن بكتهم بتقرير حرمة الأشهر الحرم ~~الدال على أن ما وقع من أهل السرية من قتل رجل فيه كان عن خطأ في الشهر أو ~~ظن سقوط الحرمة بالنسبة لقتال العدو ، فإن المشركين استعظموا فعلا ~~واستنكروه وهم يأتون ما هو أفظع منه ، ذلك أن تحريم القتال في الشهر الحرام ~~ليس لذات الأشهر ، لأن الزمان لا حرمة له في ذاته وإنما حرمته تحصل بجعل ~~الله إياه ذا حرمة ، فحرمته تبع لحوادث تحصل فيه ، وحرمة الأشهر الحرم ~~لمراعاة تأمين سبيل الحج والعمرة ومقدماتهما ولواحقهما فيها ، فلا جرم أن ~~الذين استعظموا حصول القتل في الشهر الحرام واستباحوا حرمات ذاتية بصد ~~المسلمين ، وكفروا بالله الذي جعل الكعبة حراما وحرم لأجل حجها الأشهر ~~الحرم ، وأخرجوا أهل الحرم منه ، وآذوهم ، لأحرياء بالتحميق والمذمة ، لأن ~~هاته الأشياء المذكورة كلها محرمة لذاتها لا تبعا لغيرها . وقد قال الحسن ~~البصري لرجل من أهل العراق جاء يسأله عن دم البعوض إذا أصاب الثوب هل ينجسه ~~، وكان ذلك عقب مقتل الحسين بن علي رضي الله عنهما ( عجبا لكم يا أهل ~~العراق تستحلون دم الحسين وتسألون عن دم البعوض ) . ويحق التمثل هنا بقول ~~الفرزدق : # أتغضب إن أذنا قتيبة حزتا # جهارا ولم تغضب لقتل ابن خازم PageV02P328 # والمعنى أن الصد وما عطف عليه من أفعال المشركين أكبر إثما عند الله من ~~إثم القتال في الشهر الحرام . # والعندية في قوله : { عند الله } عندية مجازية وهي عندية العلم والحكم . # والتفضيل في قوله : { أكبر } : تفضيل في الإثم أي كل واحد من تلك ~~المذكورات أعظم ms1136 إثما . # والمراد بالصد عن سبيل الله : منع من يريد الإسلام منه ونظيره قوله تعالى ~~: { توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به } ( الأعراف : 86 ) . # والكفر بالله : الإشراك به بالنسبة للمشركين وهم أكثر العرب ، وكذلك ~~إنكار وجوده بالنسبة للدهريين منهم ، وتقدم الكلام عن الكفر وضابطه عند ~~قوله تعالى : { إن الذين كفروا سواء عليهم } ( البقرة : 6 ) إلخ . # وقوله { به } الباء فيه لتعدية { كفر } وليست للظرفية والضمير المجرور ~~بالباء عائد إلى اسم الجلالة . # و { كفر } معطوف على { صد } أي صد عن سبيل الله وكفر بالله أكبر من قتال ~~الشهر الحرام وإن كان القتال كبيرا . # و ( المسجد الحرام ) معطوف على ( سبيل الله ) فهو متعلق ب ( صد ) تبعا ~~لتعلق متبوعه به . # وعلم أن مقتضى ظاهر ترتيب نظم الكلام أن يقال : وصد عن سبيل الله وكفر به ~~وصد عن المسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله ، فخولف مقتضى هذا ~~النظم إلى الصورة التي جاءت الآية عليها ، بأن قدم قوله ( وكفر به ) فجعل ~~معطوفا على ( صد ) قبل أن يستوفى صد ما تعلق به وهو ( والمسجد الحرام ) ~~فإنه معطوف على ( سبيل الله ) المتعلق ب ( صد ) إذ المعطوف على المتعلق ~~متعلق فهو أولى بالتقديم من المعطوف على الاسم المتعلق به ، لأن المعطوف ~~على المتعلق به أجنبي عن المعطوف عليه ، وأما المعطوف على المتعلق فهو من ~~صلة المعطوف عليه ، والداعي إلى هذا الترتيب هو أن يكون نظم الكلام على ~~أسلوب أدق من مقتضى الظاهر وهو الاهتمام بتقديم ما هو أفظع من جرائمهم ، ~~فإن الكفر بالله أفظع من الصد عن المسجد الحرام ، فكان ترتيب النظم على ~~تقديم الأهم فالأهم ، فإن الصد عن سبيل الإسلام يجمع مظالم كثيرة ؛ لأنه ~~اعتداء على الناس في ما يختارونه لأنفسهم ، وجحد لرسالة رسول الله ، ~~والباعث عليه انتصارهم لأصنامهم { أجعل الآلهة إلها واحدا PageV02P329 إن ~~هاذا لشيء عجاب } ( ص : 5 ) فليس الكفر بالله إلا ركنا من أركان الصد عن ~~الإسلام فلذلك قدم الصد عن سبيل الله ثم ثنى بالكفر بالله ليفاد بدلالة ~~المطابقة بعد أن دل عليه ms1137 الصد عن سبيل الله بدلالة التضمن ، ثم عد عليهم ~~الصد عن المسجد الحرام ثم إخراج أهله منه . ولا يصح أن يكون ( والمسجد ~~الحرام ) عطفا على الضمير في قوله ( به ) لأنه لا معنى للكفر بالمسجد ~~الحرام فإن الكفر يتعدى إلى ما يعبد وما هو دين وما يتضمن دينا ، على أنهم ~~يعظمون المسجد الحرام ولا يعتقدون فيه ما يسوغ أن يتكلف بإطلاق لفظ الكفر ~~عليه على وجه المجاز . # وقوله : { وإخراج أهله منه } أي إخراج المسلمين من مكة ؛ فإنهم كانوا حول ~~المسجد الحرام ؛ لأن في إخراجهم مظالم كثيرة فقد مرض المهاجرون في خروجهم ~~إلى المدينة ومنهم كثير من أصابته الحمى حتى رفعت من المدينة ببركة دعاء ~~الرسول صلى الله عليه وسلم على أن التفضيل إنما تعلق بوقوع القتال في ~~الأشهر الحرم لا بنفس القتل فإن له حكما يخصه . # والأهل : الفريق الذين لهم مزيد اختصاص بما يضاف إليه اللفظ ، فمنه أهل ~~الرجل عشيرته ، وأهل البلد المستوطنون به ، وأهل الكرم المتصفون به ، أراد ~~به هنا المستوطنين بمكة وهم المسلمون ، وفيه إيماء إلى أنهم أحق بالمسجد ~~الحرام ، لأنهم الذين اتبعوا ملة من بنى المسجد الحرام قال تعالى : { وما ~~كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون } ( الأنفال : 34 ) . # وقوله : { والفتنة أكبر من القتل } تذييل مسوق مساق التعليل ، لقوله : { ~~وإخراج أهله منه } ؛ وإذ قد كان إخراج أهل الحرم منه أكبر من القتل ؛ كان ~~ما ذكر قبله من الصد عن الدين والكفر بالله والصد عن المسجد الحرام أكبر ~~بدلالة الفحوى ، لأن تلك أعظم جرما من جريمة إخراج المسلمين من مكة . # والفتنة : التشغيب والإيقاع في الحيرة واضطراب العيش فهي اسم شامل لما ~~يعظم من الأذى الداخل على أحد أو جماعة من غيرهم ، وأريد بها هنا ما لقيه ~~المسلمون من المشركين من المصائب في الدين بالتعرض لهم بالأذى بالقول ~~والفعل ، ومنعهم من إظهار عبادتهم ، وقطيعتهم في المعاملة ، والسخرية بهم ~~والضرب المدمي والتمالىء على قتل الرسول صلى الله عليه وسلم والإخراج من ~~مكة ومنع من أموالهم ونسائهم وصدهم عن البيت ، ولا يخفى أن ms1138 مجموع ذلك أكبر ~~من قتل المسلمين واحدا من رجال المشركين وهو عمرو الحضرمي وأسرهم رجلين ~~منهم . PageV02P330 # و ( أكبر ) أي أشد كبرا أي قوة في المحارم ، أي أكبر من القتل الذي هو في ~~الشهر الحرام كبير . # جملة معترضة دعا إلى الاعتراض بها مناسبة قوله : { والفتنة أكبر من القتل ~~} لما تضمنته من صدور الفتنة من المشركين على المسلمين وما تتضمنه الفتنة ~~من المقاتلة التي تداولها المسلمون والمشركون . إذ القتال يشتمل على أنواع ~~الأذى وليس القتل إلا بعض أحوال القتال ألا ترى إلى قوله تعالى : { أذن ~~للذين يقاتلون بأنهم ظلموا } ( الحج : 39 ) فسمى فعل الكفار مع المسلمين ~~مقاتلة وسمى المسلمين مقاتلين بفتح التاء ، وفيه إعلام بأن المشركين مضمرون ~~غزو المسلمين ومستعدون له وإنما تأخروا عنه بعد الهجرة ، لأنهم كانوا ~~يقاسون آثار سني جدب فقوله { لا يزالون } وإن أشعر أن قتالهم موجود فالمراد ~~به أسباب القتال ، وهو الأذى وإضمار القتال كذلك ، وأنهم إن شرعوا فيه لا ~~ينقطعون عنه ، على أن صريح لا يزال الدلالة على أن هذا يدوم في المستقبل ، ~~و ( حتى ) للغاية وهي هنا غاية تعليلية . والمعنى : أن فتنتهم وقتالهم يدوم ~~إلى أن يحصل غرضهم وهو أن يردوكم عن دينكم . # وقوله : { إن استطعوا } تعريض بأنهم لا يستطيعون رد المسلمين عن دينهم ، ~~فموقع هذا الشرط موقع الاحتراس مما قد توهمه الغاية في قوله : { حتى يردوكم ~~عن دينكم } ولهذا جاء الشرط بحرف ( إن ) المشعر بأن شرطه مرجو عدم وقوعه . # والرد : الصرف عن شيء والإرجاع إلى ما كان قبل ذلك ، فهو يتعدى إلى ~~المفعول بنفسه وإلى ما زاد على المفعول بإلى وعن ، وقد حذف هنا أحد ~~المتعلقين وهو المتعلق بواسطة إلى لظهور أنهم يقاتلونهم ليردوهم عن الإسلام ~~إلى الشرك الذي كانوا عليه ، لأن أهل كل دين إذا اعتقدوا صحة دينهم حرصوا ~~على إدخال الناس فيه قال تعالى : { ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى ~~تتبع ملتهم } ( البقرة : 120 ) ، وقال : { ودوا لو تكفرون كما كفروا } ( ~~النساء : 89 ) . # وتعليق الشرط بإن للدلالة على أن استطاعتهم ذلك ولو في ms1139 آحاد المسلمين أمر ~~مستبعد الحصول لقوة إيمان المسلمين فتكون محاولة المشركين رد واحد من ~~المسلمين عناء باطلا . PageV02P331 ( سقط : ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت ~~وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم ~~فيها خالدون ) # اعتراض ثان ، أو عطف على الاعتراض الذي قبله ، والمقصد منه التحذير ، ~~لأنه لما ذكر حرص المشركين على رد المسلمين عن الإسلام وعقبه باستبعاد أن ~~يصدر ذلك من المسلمين ، أعقبه بالتحذير منه ، وجيء بصيغة { يرتدد } وهي ~~صيغة مطاوعة إشارة إلى أن رجوعهم عن الإسلام إن قدر حصوله لا يكون إلا عن ~~محاولة من المشركين فإن من ذاق حلاوة الإيمان لا يسهل عليه رجوعه عنه ومن ~~عرف الحق لا يرجع عنه إلا بعناء ، ولم يلاحظ المفعول الثاني هنا ؛ إذ لا ~~اعتبار بالدين المرجوع إليه وإنما نيط الحكم بالارتداد عن الإسلام إلى أي ~~دين ومن يومئذ صار اسم الردة لقبا شرعيا على الخروج من دين الإسلام وإن لم ~~يكن في هذا الخروج رجوع إلى دين كان عليه هذا الخارج . # وقوله ( فيمت ) معطوف على الشرط فهو كشرط ثان . # وفعل حبط من باب سمع ويتعدى بالهمزة ، قال اللغويون أصله من الحبط بفتح ~~الباء وهو انتفاخ في بطون الإبل من كثرة الأكل فتموت من ذلك ، فإطلاقه على ~~إبطال الأعمال تمثيل ؛ لأن الإبل تأكل الخضر شهوة للشبع فيئول عليها بالموت ~~، فشبه حال من عمل الأعمال الصالحة لنفعها في الآخرة فلم يجد لها أثرا ~~بالماشية التي أكلت حتى أصابها الحبط ، ولذلك لم تقيد الأعمال بالصالحات ~~لظهور ذلك التمثيل . # وحبط الأعمال : زوال آثارها المجعولة مرتبة عليها شرعا ، فيشمل آثارها في ~~الدنيا والثواب في الآخرة وهو سر قوله : { في الدنيا والآخرة } . # فالآثار التي في الدنيا هي ما يترتب على الإسلام من خصائص المسلمين ~~وأولها آثار كلمة الشهادة من حرمة الأنفس والأموال والأعراض والصلاة عليه ~~بعد الموت والدفن في مقابر المسلمين . # وآثار العبادات وفضائل المسلمين بالهجرة والأخوة التي بين المهاجرين ~~والأنصار وولاء الإسلام وآثار الحقوق مثل حق المسلمين في بيت المال والعطاء ~~وحقوق ms1140 التوارث والتزويج فالولايات والعدالة وما ضمنه الله للمسلمين مثل ~~قوله : { من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة } ( ~~النحل : 97 ) . PageV02P332 # وأما الآثار في الآخرة فهي النجاة من النار بسبب الإسلام وما يترتب على ~~الأعمال الصالحات من الثواب والنعيم . # والمراد بالأعمال : الأعمال التي يتقربون بها إلى الله تعالى ويرجون ~~ثوابها بقرينة أصل المادة ومقام التحذير ؛ لأنه لو بطلت الأعمال المذمومة ~~لصار الكلام تحريضا ، وما ذكرت الأعمال في القرآن مع حبطت إلا غير مقيدة ~~بالصالحات اكتفاء بالقرينة . # وقوله : { وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } عطف على جملة الجزاء على ~~الكفر ، إذ الأمور بخواتمها ، فقد ترتب على الكفر أمران : بطلان فضل ~~الأعمال السالفة ، والعقوبة بالخلود في النار ، ولكون الخلود عقوبة أخرى ~~أعيد اسم الإشارة في قوله : { وأولئك أصحاب النار } . # وفي الإتيان باسم الإشارة في الموضعين التنبيه على أنهم أحرياء بما ذكر ~~بعد اسم الإشارة من أجل ما ذكر قبل اسم الإشارة . # هذا وقد رتب حبط الأعمال على مجموع أمرين الارتداد والموت على الكفر ، ~~ولم يقيد الارتداد بالموت عليه في قوله تعالى : { ومن يكفر بالإيمان فقط ~~حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين } ( المائدة : 5 ) وقوله تعالى : { لئن ~~أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين } ( الزمر : 65 ) وقوله : { ولو ~~أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون } ( الأنعام : 88 ) . # وقد اختلف العلماء في المرتد عن الإسلام إذا تاب من ردته ورجع إلى ~~الإسلام ، فعند مالك وأبي حنيفة أن من ارتد من المسلمين ثم عاد إلى الإسلام ~~وتاب لم ترجع إليه أعماله التي عملها قبل الارتداد فإن كان عليه نذور أو ~~أيمان لم يكن عليه شيء منها بعد عودته إلى الإسلام ، وإن كان حج قبل أن ~~يرتد ثم عاد إلى الإسلام استأنف الحج ولا يؤخذ بما كان عليه زمن الارتداد ~~إلا ما لو فعله في الكفر أخذ به . وقال الشافعي إذا عاد المرتد إلى الإسلام ~~عادت إليه أعماله كلها ما له وما عليه . # فأما حجة مالك فقال ابن العربي قال علماؤنا إنما ذكر الله ms1141 الموافاة ( ) ~~شرطا ههنا ، لأنه علق الخلود في النار عليها فمن أوفى على الكفر خلده الله ~~في النار بهذه الآية ، ومن أشرك PageV02P333 حبط عمله بالآية الأخرى فهما ~~آيتان مفيدتان لمعنيين وحكمين متغايرين اه يريد أن بين الشرطين والجوابين ~~هنا توزيعا فقوله : { فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة } جواب لقوله ~~: { ومن يرتدد منكم عن دينه } . وقوله : { وأولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون } جواب لقوله : { فيمت وهو كافر } ، ولعل في إعادة { وأولئك } ~~إيذانا بأنه جواب ثان ، وفي إطلاق الآي الأخرى عن التقييد بالموت على الكفر ~~قرينة على قصد هذا المعنى من هذا القيد في هذه الآية . # وفي هذا الاستدلال إلغاء لقاعدة حمل المطلق على المقيد ، ولعل نظر مالك ~~في إلغاء ذلك أن هذه أحكام ترجع إلى أصول الدين ولا يكتفى فيها بالأدلة ~~الظنية ، فإذا كان الدليل المطلق يحمل على المقيد في فروع الشريعة فلأنه ~~دليل ظني ، وغالب أدلة الفروع ظنية ، فأما في أصول الإعتقاد فأخذ من كل آية ~~صريح حكمها ، وللنظر في هذا مجال ، لأن بعض ما ذكر من الأعمال راجع إلى ~~شرائع الإسلام وفروعه كالحج . # والحجة للشافعي إعمال حمل المطلق على المقيد كما ذكره الفخر وصوبه ابن ~~الفرس من المالكية . # فإن قلت فالعمل الصالح في الجاهلية يقرره الإسلام فقد قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لحكيم بن حزام ( أسلمت على ما أسلمت عليه من خير ) ، فهل ~~يكون المرتد عن الإسلام أقل حالا من أهل الجاهلية ؟ فالجواب أن حالة ~~الجاهلية قبل مجيء الإسلام حالة خلو عن الشريعة فكان من فضائل الإسلام ~~تقريرها . # وقد بني على هذا خلاف في بقاء حكم الصحبة للذين ارتدوا بعد النبي صلى ~~الله عليه وسلم ثم رجعوا إلى الإسلام مثل قرة بن هبيرة العامري ، وعلقمة بن ~~علاثة ، والأشعث بن قيس ، وعيينة بن حصن ، وعمرو بن معديكرب ، وفي ( شرح ~~القاضي زكريا على ألفية العراقي ) : وفي دخول من لقي النبي صلى الله عليه ~~وسلم مسلما ثم ارتد ثم أسلم بعد وفاة الرسول في الصحابة نظر كبير اه قال ~~حلولو في ms1142 ( شرح جمع الجوامع ) ولو ارتد الصحابي في حياة الرسول صلى الله ~~عليه وسلم ورجع إلى الإيمان بعد وفاته جرى ذلك على الخلاف في الردة ، هل ~~تحبط العمل بنفس وقوعها أو إنما تحبطه بشرط الوفاة عليها ، لأن صحبة الرسول ~~صلى الله عليه وسلم فضيلة عظيمة ، أما قبول روايته بعد عودته إلى الإسلام ~~ففيها نظر ، PageV02P334 أما من ارتد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ~~ورجع إلى الإسلام في حياته وصحبه ففضل الصحبة حاصل له مثل عبد الله بن سعد ~~بن أبي سرح . # فإن قلت : ما السر في اقتران هذين الشرطين في هذه الآية مع خلو بقية ~~نظائرها عن ثاني الشرطين ، قلت : تلك الآي الأخر جاءت لتهويل أمر الشرك على ~~فرض وقوعه من غير معين كما في آية { ومن يكفر بالإيمان } ( المائدة : 5 ) ~~أو وقوعه ممن يستحيل وقوعه منه كما في آية : { ولو أشركوا لحبط عنهم ما ~~كانوا يعملون } ( الأنعام : 88 ) وآية { لئن أشركت ليحبطن عملك } ( الزمر : ~~65 ) فاقتصر فيها على ما ينشأ عن الشرك بعد الإيمان من حبط الأعمال ، ومن ~~الخسارة بإجمال ، أما هذه الآية فقد وردت عقب ذكر محاولة المشركين ~~ومعالجتهم ارتداد المسلمين المخاطبين بالآية ، فكان فرض وقوع الشرك ~~والارتداد منهم أقرب ، لمحاولة المشركين ذلك بقتال المسلمين ، فذكر فيها ~~زيادة تهويل وهو الخلود في النار . # وكانت هذه الآية من دلائل النبوة ، إذا وقع في عام الردة ، أن من بقي في ~~قلبهم أثر الشرك حاولوا من المسلمين الارتداد وقاتلوهم على ذلك فارتد فريق ~~عظيم وقام لها الصديق رضي الله عنه بعزمه ويقينه فقاتلهم فرجع منهم من بقي ~~حيا ، فلولا هذه الآية لأيسوا من فائدة الرجوع إلى الإسلام وهي فائدة عدم ~~الخلود في النار . # وقد أشار العطف في قوله : { فيمت بالفاء المفيدة للتعقيب إلى أن الموت ~~يعقب الارتداد وقد علم كل أحد أن معظم المرتدين لا تحضر آجالهم عقب ~~الارتداد فيعلم السامع حينئذ أن المرتد يعاقب بالموت عقوبة شرعية ، فتكون ~~الآية بها دليلا على وجوب قتل المرتد . # وقد اختلف في ذلك علماء ms1143 الأمة فقال الجمهور يستتاب المرتد ثلاثة أيام ~~ويسجن لذلك فإن تاب قبلت توبته وإن لم يتب قتل كافرا وهذا قول عمر بن ~~الخطاب وعثمان بن عفان وبه قال مالك وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه سواء ~~كان رجلا أو امرأة ، وقال أبو حنيفة في الرجل مثل قولهم ، ولم ير قتل ~~المرتدة بل قال تسترق ، وقال أصحابه تحبس حتى تسلم ، وقال أبو موسى الأشعري ~~ومعاذ بن جبل وطاووس وعبيد الله بن عمرو وعبد العزيز بن الماجشون والشافعي ~~يقتل المرتد ولا يستتاب ، وقيل يستتاب شهرا . # وحجة الجميع حديث ابن عباس من بدل دينه فاقتلوه وفعل الصحابة فقد قاتل ~~أبوبكر المرتدين وأحرق علي السبائية الذين ادعوا ألوهية علي ، وأجمعوا على ~~أن المراد بالحديث من بدل دينه الذي هو الإسلام ، واتفق الجمهور على أن ( ~~من ) PageV02P335 شاملة للذكر والأنثى إلا من شذ منهم وهو أبو حنيفة وابن ~~شبرمة والثوري وعطاء والحسن القائلون لا تقتل المرأة المرتدة واحتجوا بنهي ~~رسول الله عن قتل النساء فخصوا به عموم من بدل دينه ، وهو احتجاج عجيب ، ~~لأن هذا النهي وارد في أحكام الجهاد ، والمرأة من شأنها ألا تقاتل ، فإنه ~~نهي أيضا عن قتل الرهبان والأحبار أفيقول هؤلاء : إن من ارتد من الرهبان ~~والأحبار بعد إسلامه لا يقتل ؟ # وقد شدد مالك وأبو حنيفة في المرتد بالزندقة أي إظهار الإسلام وإبطال ~~الكفر فقالا : يقتل ولا تقبل توبته إذا أخذ قبل أن يأتي تائبا . # ومن سب النبي قتل ولا تقبل توبته . # هذا ، واعلم أن الردة في الأصل هي الخروج من عقيدة الإسلام عند جمهور ~~المسلمين ؛ والخروج من العقيدة وترك أعمال الإسلام عند الخوارج وبعض ~~المعتزلة القائلين بكفر مرتكب الكبيرة ، ويدل على خروج المسلم من الإسلام ~~تصريحه به بإقراره نصا أو ضمنا فالنص ظاهر ، والضمن أن يأتي أحد بلفظ أو ~~فعل يتضمن ذلك لا يحتمل غيره بحيث يكون قد نص الله ورسوله أو أجمع المسلمون ~~على أنه لا يصدر إلا عن كافر مثل السجود للصنم ، والتردد إلى الكنائس بحالة ~~أصحاب دينها . وألحقوا بذلك ms1144 إنكار ما علم بالضرورة مجيء الرسول به ، أي ما ~~كان العلم به ضروريا قال ابن راشد في الفائق } ( في التكفير بإنكار المعلوم ~~ضرورة خلاف ) . وفي ضبط حقيقته أنظار للفقهاء محلها كتب الفقه والخلاف . # وحكمة تشريع قتل المرتد مع أن الكافر بالأصالة لا يقتل أن الارتداد خروج ~~فرد أو جماعة من الجامعة الإسلامية فهو بخروجه من الإسلام بعد الدخول فيه ~~ينادي على أنه لما خالط هذا الدين وجده غير صالح ووجد ما كان عليه قبل ذلك ~~أصلح فهذا تعريض بالدين واستخفاف به ، وفيه أيضا تمهيد طريق لمن يريد أن ~~ينسل من هذا الدين وذلك يفضي إلى انحلال الجامعة ، فلو لم يجعل لذلك زاجر ~~ما انزجر الناس ولا نجد شيئا زاجرا مثل توقع الموت ، فلذلك جعل الموت هو ~~العقوبة للمرتد حتى لا يدخل أحد في الدين إلا على بصيرة ، وحتى لا يخرج منه ~~أحد بعد الدخول فيه ، وليس هذا من الإكراه في الدين المنفي بقوله تعالى : ~~PageV02P336 { لا إكراه في الدين } ( البقرة : 256 ) على القول بأنها غير ~~منسوخة ، لأن الإكراه في الدين هو إكراه الناس على الخروج من أديانهم ~~والدخول في الإسلام وأما هذا فهو من الإكراه على البقاء في الإسلام . # # | 2 ( 218 ) { إن الذين ءامنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله ~~أولائك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم } . ) 2 # قال الفخر : في تعلق هذه الآية بما قبلها وجهان ، أحدهما : أن عبد الله ~~بن جحش قال : يا رسول الله هب أنه لا عقاب علينا فيما فعلنا ، فهل نطمع منه ~~أجرا أو ثوابا ؟ فنزلت هذه الآية ؛ لأن عبد الله كان مؤمنا ومهاجرا وكان ~~بسبب هذه المقاتلة مجاهدا ( يعني فتحققت فيه الأوصاف الثلاثة ) . الثاني : ~~أنه تعالى لما أوجب الجهاد بقوله : { كتب عليكم القتال } ( البقرة : 216 ) ~~أتبع ذلك بذكر من يقول به اه ، والذي يظهر لي أن تعقيب ما قبلها بها من باب ~~تعقيب الإنذار بالبشارة وتنزيه للمؤمنين من احتمال ارتدادهم فإن المهاجرين ~~لم يرتد منهم أحد . وهذه الجملة معترضة بين آيات التشريع . # و ( الذين هاجروا ms1145 ) هم الذين خرجوا من مكة إلى المدينة فرارا بدينهم ، ~~مشتق من الهجر وهو الفراق ، وإنما اشتق منه وزن المفاعلة للدلالة على أنه ~~هجر نشأ عن عداوة من الجانبين فكل من المنتقل والمنتقل عنه قد هجر الآخر ~~وطلب بعده ، أو المفاعلة للمبالغة كقولهم : عافاك الله فيدل على أنه هجر ~~قوما هجرا شديدا ، قال عبدة بن الطيب : # إن التي ضربت بيتا مهاجرة # بكوفة الجند غالت ودها غول # والمجاهدة مفاعلة مشتقة من الجهد وهو المشقة وهي القتال لما فيه من بذل ~~الجهد كالمفاعلة للمبالغة ، وقيل : لأنه يضم جهده إلى جهد آخر في نصر الدين ~~مثل المساعدة وهي ضم الرجل ساعده إلى ساعد آخر للإعانة والقوة ، فالمفاعلة ~~بمعنى الضم والتكرير ، وقيل : لأن المجاهد يبذل جهده في قتال من يبذل جهده ~~كذلك لقتاله فهي مفاعلة حقيقية . # و ( في ) للتعليل . # و ( سبيل الله ) ما يوصل إلى رضاه وإقامة دينه ، والجهاد والمجاهدة من ~~المصطلحات القرآنية الإسلامية . # وكرر الموصول لتعظيم الهجرة والجهاد كأنهما مستقلان في تحقيق الرجاء . ~~PageV02P337 وجيء باسم الإشارة للدلالة على أن رجاءهم رحمة الله لأجل ~~إيمانهم وهجرتهم وجهادهم ، فتأكد بذلك ما يدل عليه الموصول من الإيماء إلى ~~وجه بناء الخبر ، وإنما احتيج لتأكيده لأن الصلتين لما كانتا مما اشتهر ~~بهما المسلمون وطائفة منهم صارتا كاللقب ؛ إذ يطلق على المسلمين يومئذ في ~~لسان الشرع اسم الذين آمنوا كما يطلق على مسلمي قريش يومئذ اسم المهاجرين ~~فأكد قصد الدلالة على وجه بناء الخبر من الموصول . # والرجاء : ترقب الخير مع تغليب ظن حصوله ، فإن وعد الله وإن كان لا يخلف ~~فضلا منه وصدقا ، ولكن الخواتم مجهولة ومصادفة العمل لمراد الله قد تفوت ~~لموانع لا يدريها المكلف ولئلا يتكلوا في الاعتماد على العمل . # # | 2 ( 219 ، 220 ) { يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهمآ إثم كبير ومنافع ~~للناس وإثمهمآ أكبر من نفعهما ويسئلونك ماذا ينفقون قل العفو كذالك يبين ~~الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون * فى الدنيا والاخرة ويسئلونك عن اليتامى قل ~~إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ms1146 ولو شآء ~~الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم } . ) 2 # استئناف لإبطال عملين غالبين على الناس في الجاهلية وهما شرب الخمر ~~والميسر وهذا من عداد الأحكام التي بينها في هاته السورة مما يرجع إلى ~~إصلاح الأحوال التي كان عليها الناس في الجاهلية ، والمشروع في بيانها من ~~قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى } ( البقرة ~~: 178 ) إلى آخر السورة ، عدا ما تخلل ذلك من الآداب والزواجر والبشائر ~~والمواعظ والأمثال والقصص ؛ على عادة القرآن في تفنن أساليبه تنشيطا ~~للمخاطبين والسامعين والقارئين ومن بلغ ، وقد تناسقت في هذه الآية . # والسائلون هم المسلمون ؛ قال الواحدي : نزلت في عمر بن الخطاب ومعاذ بن ~~جبل ونفر من الأنصار أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول ~~الله أفتنا في الخمر فإنها مذهبة للعقل متلفة للمال ، فنزلت هذه الآية ، ~~قال في ( الكشاف ) : فلما نزلت هذه الآية ترك الخمر قوم وشربها آخرون ثم ~~نزلت بعدها آية المائدة ( 90 ) : { يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر ~~. # وشرب الخمر عمل متأصل في البشر قديما لم تحرمه شريعة من الشرائع لا القدر ~~المسكر بله ما دونه ، وأما ما يذكره علماء الإسلام أن الإسكار حرام في ~~الشرائع كلها فكلام لا شاهد لهم عليه بل الشواهد على ضده متوافرة ، وإنما ~~جرأهم على هذا القول ما قعدوه في PageV02P338 أصول الفقه من أن الكليات ~~التشريعية وهي حفظ الدين والنفس والعقل والنسب والمال والعرض هي مما اتفقت ~~عليه الشرائع ، وهذا القول وإن كنا نساعد عليه فإن معناه عندي أن الشرائع ~~كلها نظرت إلى حفظ هاته الأمور في تشريعاتها ، وأما أن تكون مراعاة باطراد ~~في غير شريعة الإسلام فلا أحسب ذلك يتم ، على أن مراعاتها درجات ، ولا حاجة ~~إلى البحث في هذا بيد أن كتب أهل الكتاب ليس فيها تحريم الخمر ولا التنزيه ~~عن شربها ، وفي التوراة التي بيد اليهود أن نوحا شرب الخمر حتى سكر ، وأن ~~لوطا شرب الخمر حتى سكر سكرا أفضى بزعمهم إلى أمر شنيع ، والأخير من ~~الأكاذيب ؛ لأن ms1147 النبوءة تستلزم العصمة ، والشرائع وإن اختلفت في إباحة ~~أشياء فهنالك ما يستحيل على الأنبياء مما يؤدي إلى نقصهم في أنظار العقلاء ~~، والذي يجب اعتقاده : أن شرب الخمر لا يأتيه الأنبياء ؛ لا يشربها شاربوها ~~إلا للطرب واللهو والسكر ، وكل ذلك مما يتنزه عنه الأنبياء ولأنها يشربونها ~~لقصد التقوى لقلة هذا القصد من شربها . # وفي سفر اللاويين من التوراة وكلم الله هارون قائلا : خمرا ومسكرا لا ~~تشرب أنت وبنوك معك عند دخولكم إلى خيمة الاجتماع لكي لا تموتوا . فرضا ~~دهريا في أجيالكم وللتمييز بين المقدس والمحلل وبين النجس والطاهر . # وشيوع شرب الخمر في الجاهلية معلوم لمن علم أدبهم وتاريخهم فقد كانت ~~الخمر قوام أود حياتهم ، وقصارى لذاتهم ومسرة زمانهم وملهى أوقاتهم ، قال ~~طرفة : # ولولا ثلاث هن من عيشة الفتى # وجدك لم أحفل متى قام عودي # فمنهن سبقي العاذلات بشربة # كميتت متى ما تعل بالماء تزبد # وعن أنس بن مالك : حرمت الخمر ولم يكن يومئذ للعرب عيش أعجب منها ، وما ~~حرم عليهم شيء أشد عليهم من الخمر . فلا جرم أن جاء الإسلام في تحريمها ~~بطريقة التدريج فأقر حقبة إباحة شربها وحسبكم في هذا الامتنان بذلك في قوله ~~تعالى : ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا } ( النحل : ~~67 ) على تفسير من فسر السكر بالخمر . وقيل السكر : هو النبيذ غير المسكر ، ~~والأظهر التفسير الأول . وآية سورة النحل نزلت بمكة ، واتفق أهل الأثر على ~~أن تحريم الخمر وقع في المدينة بعد غزوة الأحزاب بأيام ، أي في آخر سنة ~~أربع أو سنة خمس على الخلاف في عام غزوة الأحزاب . PageV02P339 والصحيح ~~الأول ، فقد امتن الله على الناس بأن اتخذوا سكرا من الثمرات التي خلقها ~~لهم ، ثم إن الله لم يهمل رحمته بالناس حتى في حملهم على مصالحهم فجاءهم في ~~ذلك بالتدريج ، فقيل : إن آية سورة البقرة هذه هي أول آية آذنت بما في ~~الخمر من علة التحريم ، وأن سبب نزولها ما تقدم ، فيكون وصفها بما فيها من ~~الإثم والمنفعة تنبيها لهم ، إذ كانوا لا يذكرون إلا ms1148 محاسنها فيكون تهيئة ~~لهم إلى ما سيرد من التحريم ، قال البغوي : إنه لما نزلت هذه الآية قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن الله تقدم في تحريم الخمر ) أي ابتدأ ~~يهيىء تحريمها يقال : تقدمت إليك في كذا أي عرضت عليك ، وفي ( تفسير ابن ~~كثير ) : أنها ممهدة لتحريم الخمر على البتات ولم تكن مصرحة بل معرضة أي ~~معرضة بالكف عن شربها تنزها . وجمهور المفسرين على أن هذه الآية نزلت قبل ~~آية سورة النساء وقبل آية سورة المائدة ، وهذا رأي عمر بن الخطاب كما روى ~~أبو داود ، وروى أيضا عن ابن عباس أنه رأى أن آية المائدة نسخت { يا أيها ~~الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } ( النساء : 43 ) ، ونسخت آية { ~~يسألونك عن الخمر والميسر } ، ونسب لابن عمر والشعبي ومجاهد وقتادة والربيع ~~بن أنس وعبد الرحمن بن زين بن أسلم . # وذهب بعض المفسرين إلى أن آية البقرة هذه ثبت بها تحريم الخمر فتكون هذه ~~الآية عندهم نازلة بعد آية سورة النساء { يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا ~~الصلاة وأنتم سكارى وإذ كانت سورة البقرة قد نزلت قبل سورة النساء وسورة ~~المائدة ، فيجيء على قول هؤلاء أن هذه الآية نزلت بعد نزول سورة البقرة ~~وأنها وضعت هنا إلحاقا بالقضايا التي حكى سؤالهم عنها . وأن معنى فيهما إثم ~~كبير } في تعاطيهما بشرب أحدهما واللعب بالآخر ذنب عظيم ، وهذا هو الأظهر ~~من الآية ؛ إذ وصف الإثم فيها بوصف كبير فلا تكون آية سورة العقود إلا ~~مؤكدة للتحريم ونصا عليه ؛ لأن ما في آيتنا هذه من ذكر المنافع ما قد ~~يتأوله المتأولون بالعذر في شربها ، وقد روي في بعض الآثار أن ناسا شربوا ~~الخمر بعد نزول هذه الآية فصلى رجلان فجعلا يهجران كلاما لا يدرى ما هو ، ~~وشربها رجل من المسلمين فجعل ينوح على قتلى بدر من المشركين ، فبلغ ذلك ~~النبي صلى الله عليه وسلم فجاءه فزعا ورفع شيئا كان PageV02P340 بيده ~~ليضربه فقال الرجل : أعوذ بالله من غضب الله ورسوله وآلى : لا أطعمها أبدا ~~، فأنزل ms1149 الله تحريمها بآية سورة المائدة . # والخمر اسم مشتق من مصدر خمر الشيء يخمره من باب نصر إذا ستره ، سمي به ~~عصير العنب إذا غلى واشتد وقذف بالزبد فصار مسكرا ؛ لأنه يستر العقل عن ~~تصرفه الخلقي تسمية مجازية وهي إما تسمية بالمصدر ، أو هو اسم جاء على زنة ~~المصدر وقيل : هو اسم لكل مشروب مسكر سواء كان عصير عنب أو عصير غيره أو ~~ماء نبذ فيه زبيب أو تمر أو غيرهما من الأنبذة وترك حتى يختمر ويزبد ، ~~واستظهره صاحب ( القاموس ) . والحق أن الخمر كل شراب مسكر إلا أنه غلب على ~~عصير العنب المسكر ؛ لأنهم كانوا يتنافسون فيه ، وأن غيره يطلق عليه خمر ~~ونبيذ وفضيخ ، وقد وردت أخبار صحيحة تدل على أن معظم شراب العرب يوم تحريم ~~الخمر من فضيخ التمر ، وأن أشربة أهل المدينة يومئذ خمسة غير عصير العنب ، ~~وهي من التمر والزبيب والعسل والذرة والشعير وبعضها يسمى الفضيخ ، والنقيع ~~، والسكركة ، والبتع . وما ورد في بعض الآثار عن ابن عمر : نزل تحريم الخمر ~~وبالمدينة خمسة أشربة ما فيها شراب العنب ، معناه ليس معدودا في الخمسة ~~شراب العنب لقلة وجوده وليسر المراد أن شراب العنب لا يوجد بالمدينة . وقد ~~كان شراب العنب يجلب إلى الحجاز ونجد من اليمن والطائف والشام قال عمرو ابن ~~كلثوم : # ولا تبقي خمور الأندرين # وأندرين بلد من بلاد الشام . # وقد انبنى على الخلاف في مسمى الخمر في كلام العرب خلاف في الأحكام ، فقد ~~أجمع العلماء كلهم على أن خمر العنب حرام كثيرها إجماعا وقليلها عند معظم ~~العلماء ويحد شارب الكثير منها عند الجمهور وفي القليل خلاف كما سيأتي في ~~سورة المائدة إن شاء الله تعالى ، ثم اختلفوا فيما عداها فقال الجمهور : كل ~~شراب أسكر كثيره فقليله حرام وحكمه كحكم الخمر في كل شيء أخذا بمسمى الخمر ~~عندهم ، وبالقياس الجلي الواضح أن حكمة التحريم هي الإسكار وهو ثابت ~~لجميعها وهذا هو الصواب . # وقال أبو حنيفة وأبو يوسف وسفيان الثوري : PageV02P341 يختص شراب العنب ~~بتلك الأحكام أما ما عداه فلا يحرم ms1150 منه إلا القدر المسكر ، هكذا ينقل ~~المخالفون عن أبي حنيفة ، وكان العلماء في القديم ينقلون ذلك مطلقا حتى ~~ربما أوهم نقلهم أنه لا يرى على من سكر بغير الخمر شيئا ، ويزيد ذلك إيهاما ~~قاعدة أن المأذون فيه شرعا لا يتقيد بالسلامة وربما عضدوا ذلك بمنقول قصص ~~وحوادث كقول أبي نواس : # أباح العراقي النبيذ وشربه # وقال حرامان المدامة والسكر # ولكن الذي استقر عليه الحنفية هو أن الأشربة المسكرة قسمان ، أحدهما محرم ~~شربه وهو أربعة : ( الخمر ) وهو النيء من عصير العنب إذا غلى واشتد وقذف ~~بالزبد ، ( والطلاء ) بكسر الطاء وبالمد وهو عصير العنب إذا طبخ حتى ذهب ~~أقل من ثلثيه ثم ترك حتى صار مسكرا ، ( والسكر ) بفتح السين والكاف وهو ~~النيء من ماء الرطب أي من الماء الحار المصبوب على الرطب ثم يصير مسكرا ، ( ~~والنقيع ) وهو النيء من نبيذ الزبيب ، وهذه الأربعة حرام قليلها وكثيرها ~~ونجسة العين لكن الخمر يكفر مستحلها ويحد شارب القليل والكثير منها ، وأما ~~الثلاثة الباقية فلا يكفر مستحلها ولا يحد شاربها إلا إذا سكر . # القسم الثاني الأشربة الحلال شربها وهي نبيذ التمر والزبيب إذا طبخ ولو ~~أدنى طبخة ، ونبيذ الخليطين منهما إذا طبخ أدنى طبخة ، ونبيذ العسل والتين ~~والبر والشعير والذرة طبخ أم لم يطبخ . والمثلث وهو ما طبخ من ماء العنب ~~حتى ذهب ثلثاه وبقي ثلثه ، فهذه الأربعة يحل شربها ؛ إذا لم يقصد به اللهو ~~والطرب بل التقوي على العبادة ( كذا ) أو إصلاح هضم الطعام أو التداوي وإلا ~~حرمت ولا يحد شاربها إلا إذا سكر . # وهذا التفصيل دليله القياس ، لأن هذه الأشربة لم يبق فيها الإسكار ~~المعتاد ، وأما الحد فلا وجه للتفصيل فيه لأنه إن كان على السكر فالجميع ~~سواء في الإسكار ، على أنه يلزم ألا يكون الحد إلا عند حصول السكر وليس في ~~الآثار ما يشهد لغير ذلك ، وإن كان الحد لسد الذريعة فلا أرى أن قاعدة سد ~~الذريعة تبلغ إلى حد مرتكب الذريعة قبل حصول المتذرع إليه . وتمسك الحنفية ~~لهذا التفصيل بأن الأنبذة شربها الصحابة ms1151 هو تمسك أوهى مما قبله ، إذ ~~الصحابة يحاشون عن شرب المسكرات وإنما شربوا الأنبذة قبل اختمارها ، واسم ~~النبيذ يطلق على الحلو والمختمر فصار اللفظ غير منضبط ، وقد خالف محمد بن ~~الحسن إمامه في ذلك فوافق الجمهور . PageV02P342 وربما ذكر بعضهم في ~~الاستدلال أن الخمر حقيقة في شراب العنب النيء مجاز في غيره من الأنبذة ~~والشراب المطبوخ ، وقد جاء في الآية لفظ الخمر فيحمل على حقيقته وإلحاق ~~غيره به إثبات اللغة بالقياس ، وهذا باطل ، لأن الخلاف في كون الخمر حقيقة ~~في شراب العنب أو في الأعم خلاف في التسمية اللغوية والإطلاق ، فبقطع النظر ~~عنه كيف يظن المجتهد بأن الله تعالى يحرم خصوص شراب العنب ويترك غيره مما ~~يساويه في سائر الصفات المؤثرة في الأحكام . # فإن قالوا : إن الصفة التي ذكرت في القرآن قد سوينا فيها جميع الأشربة ~~وذلك بتحريم القدر المسكر وبقيت للخمر أحكام ثبتت بالسنة كتحريم القليل ~~والحد عليه أو على السكر فتلك هي محل النظر ، قلنا : هذا مصادرة لأننا ~~استدللنا عليهم بأنه لا يظن بالشارع أن يفرق في الأحكام بين أشياء متماثلة ~~في الصفات ، على أنه قد ثبت في ( الصحيح ) ثبوتا لا يدع للشك في النفوس ~~مجالا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الخمر من العصير والزبيب ~~والتمر والحنطة والشعير والذرة ) رواه النعمان بن بشير وهو في ( سنن أبي ~~داود ) وقال : ( الخمر من هاتين الشجرتين النخلة والعنبة ) رواه أبو هريرة ~~وهو في ( سنن أبي داود ) ، وقال : ( كل مسكر خمر وكل مسكر حرام ) رواه ابن ~~عمر في ( سنن الترمذي ) ، وقال أنس : لقد حرمت الخمر وما نجد شراب العنب ~~إلا قليلا ، وعامة شرابنا فضيخ التمر . كما في ( سنن الترمذي ) . وأما ~~التوسع في الخمر بعد الطبخ ، فهو تشويه للفقه ولطخ ، وماذا يفيد الطبخ إن ~~كان الإسكار لم يزل موجودا . # وصف الله الخمر بأن فيها إثما كبيرا ومنافع . والإثم : معصية الله بفعل ~~ما فيه فساد ولا يرضى الله ، وأشار الراغب إلى أن في اشتقاق الإثم معنى ~~الإبطاء عن الخير ، وقال ابن العربي ms1152 في تفسير سورة الأعراف : الإثم عبارة ~~عن الذم الوارد في الفعل ، فكأنه يشير إلى أن الإثم ضد الثواب ، وظاهر ~~اصطلاح الشريعة أن الإثم هو الفعل المذموم في الشرع ، فهو ضد القربة فيكون ~~معنى { فيهما إثم كبير } أنهما يتسبب منهما ما هو إثم في حال العربدة وحال ~~الربح والخسارة من التشاجر . # وإطلاق الكبير على الإثم مجاز ، لأنه ليس من الأجسام ، فالمراد من الكبير ~~: الشديد في نوعه كما تقدم آنفا . # وجيء بفي الدالة على الظرفية لإفادة شدة تعلق الإثم والمنفعة بهما ؛ لأن ~~الظرفية PageV02P343 أشد أنواع التعلق ، وهي هنا ظرفية مجازية شائعة في ~~كلام العرب ، وجعلت الظرفية متعلقة بذات الخمر والميسر للمبالغة ، والمراد ~~في استعمالهما المعتاد . # واختير التعبير بالإثم للدلالة على أنه يعود على متعاطي شربها بالعقوبة ~~في الدنيا والآخرة . # وقرأ الجمهور { إثم كبير } بموحدة بعد الكاف وقرأه حمزة والكسائي ( كثير ~~) بالثاء المثلثة ، وهو مجازا استعير وصف الكثير للشديد تشبيها لقوة ~~الكيفية بوفرة العدد . # والمنافع : جمع منفعة ، وهي اسم على وزن مفعلة وأصله يحتمل أن يكون مصدرا ~~ميميا قصد منه قوة النفع ، لأن المصدر الميمي أبلغ من جهة زيادة المبنى . ~~ويحتمل أن يكون اسم مكان دالا على كثرة ما فيه كقولهم مسبعة ومقبرة أي يكثر ~~فيهما النفع من قبيل قولهم مصلحة ومفسدة ، فالمنفعة على كل حال أبلغ من ~~النفع . # والإثم الذي في الخمر نشأ عما يترتب على شربها تارة من الإفراط فيه ~~والعربدة من تشاجر يجر إلى البغضاء والصد عن سبيل الله وعن الصلاة ، وفيها ~~ذهاب العقل والتعرض للسخرية ، وفيها ذهاب المال في شربها ، وفي الإنفاق على ~~الندامى حتى كانوا ربما رهنوا ثيابهم عند الخمارين قال عمارة بن الوليد بن ~~المغيرة المخزومي : # ولسنا بشربب أم عمرو إذا انتشوا # ثياب الندامى عندهم كالمغانم # ولكننا يا أم عمرو نديمنا # بمنزلة الريان ليس بعائم # وقال عنترة : # وإذا سكرت فإنني مستهلك # مالي وعرضي وافر لم يكلم # وكانوا يشترون الخمر بأثمان غالية ويعدون المماكسة في ثمنها عيبا ، قال ~~لبيد : # أغلي السباء بكل أدكن عاتق # أو جونة قدحت وفض ms1153 ختامها # ومن آثامها ما قرره الأطباء المتأخرون أنها تورث المدمنين عليها أضرارا ~~في الكبد والرئتين والقلب وضعفا في النسل ، وقد انفرد الإسلام عن جميع ~~الشرائع بتحريمها ، لأجل ما فيها من المضار في المروءة حرمها بعض العرب على ~~أنفسهم في الجاهلية ، فممن حرمها على نفسه في الجاهلية قيس بن عاصم المنقري ~~بسبب أنه شرب يوما حتى سكر فجذب ابنته وتناول ثوبها ، ورأى القمر فتكلم معه ~~كلاما ، فلما أخبر بذلك حين صحا آلى لا يذوق خمرا ما عاش وقال : ~~PageV02P344 # رأيت الخمر صالحة وفيها # خصال تفسد الرجل الحليما # فلا والله أشربها صحيحا # ولا أشفى بها أبدا سقيما # ولا أعطي بها ثمنا حياتي # ولا أدعو لها أبدا نديما # فإن الخمر تفضح شاربيها # وتجنيهم بها الأمر العظيما # وفي ( أمالي القالي ) نسبة البيتين الأولين لصفوان بن أمية ، ومنهم عامر ~~بن الظرب العدواني ، ومنهم عفيف بن معد يكرب الكندي عم الأشعث بن قيس ، ~~وصفوان بن أمية الكناني ، وأسلوم البالي ، وسويد بن عدي الطائي ، ( وأدرك ~~الإسلام ) وأسد بن كرز القسري البجلي الذي كان يلقب في الجاهلية برب بجيلة ~~، وعثمان بن عفان ، وأبو بكر الصديق ، وعباس بن مرداس ، وعثمان بن مظعون ، ~~وأمية بن أبي الصلت ، وعبد الله بن جدعان . # وأما المنافع فمنها منافع بدنية وهي ما تكسبه من قوة بدن الضعيف في بعض ~~الأحوال وما فيها من منافع التجارة فقد كانت تجارة الطائف واليمن من الخمر ~~، وفيها منافع من اللذة والطرب ، قال طرفة : # ولولا ثلاث هن من عيشة الفتى # وجدك لم أحفل متى قام عودي # فمنهن سبقي العاذلات بشربة # كميتت متى ما تعل بالماء تزبد # وذهب بعض علمائنا إلى أن المنافع مالية فقط فرارا من الاعتراف بمنافع ~~بدنية للخمر وهو جحود للموجود ومن العجيب أن بعضهم زعم أن في الخمر منافع ~~بدنية ولكنها بالتحريم زالت . # وذكر في هذه الآية الميسر عطفا على الخمر ومخبرا عنهما بأخبار متحدة فما ~~قيل في مقتضى هذه الآية من تحريم الخمر أو من التنزيه عن شربها يقال مثله ~~في الميسر ، وقد بان أن الميسر ms1154 قرين الخمر في التمكن من نفوس العرب يومئذ ~~وهو أكبر لهو يلهون به ، وكثيرا ما يأتونه وقت الشراب إذا أعوزهم اللحم ~~للشواء عند شرب الخمر ، فهم يتوسلون لنحر الجزور ساعتئذ بوسائل قد تبلغ بهم ~~إلى الاعتداء على جزر الناس بالنحر كما في قصة حمزة ، إذ نحر شارفا لعلي بن ~~أبي طالب حين كان حمزة مع شرب فغنته قينته مغرية إياه بهذا الشارف : # ألا يا حمز للشرف النواء # وهن معقلات بالفناء # فقام إليها فشق بطنها وأخرج الكبد فشواه في قصة شهيرة ، وقال طرفة يذكر ~~PageV02P345 اعتداءه على ناقة من إبل أبيه في حال سكره : # فمرت كهاة ذات خيفف جلالة # عقيلة شيخخ كالوبيل يلندد # يقول وقد تر الوظيف وساقها # ألست ترى أن قد أتيت بمؤيد # وقال ألا ماذا ترون بشارب # شديد علينا بغيه متعمد # فلا جرم أن كان الميسر أيسر عليهم لاقتناء اللحم للشرب ولذلك كثر في ~~كلامهم قرنه بالشرب ، قال سبرة بن عمرو الفقعسي يذكر الإبل : # نحابي بها أكفاءنا ونهينها # ونشرب في أثمانها ونقامر # وذكر لبيد الخمر ثم ذكر الميسر في معلقته فقال : # أغلى السباء بكل أدكن عاتق # أو جونة قدحت وفض ختامها # ثم قال : # وجزور أيسار دعوت لحتفها # بمغالقق متشابه أجسامها # وذكرهما عنترة في بيت واحد فقال يذكر محاسن قرنه الذي صرعه في الحرب : # ربذ يداه بالقداحح إذا شتا # هتاكك غاياتت التجار ملوم # فلأجل هذا قرن في هذه الآية ذكر الخمر بذكر الميسر ، ولأجله اقترنا في ~~سؤال السائلين عنهما إن كان ثمة سؤال . # والميسر : اسم جنس على وزن مفعل مشتق من اليسر ، وهو ضد العسر والشدة ، ~~أو من اليسار وهو ضد الإعسار ، كأنهم صاغوه على هذا الوزن مراعاة لزنة اسم ~~المكان من يسر ييسر وهو مكان مجازي جعلوا ذلك التقامر بمنزلة الظرف الذي ~~فيه اليسار أو اليسر ، لأنه يفضي إلى رفاهة العيش وإزالة صعوبة زمن المحل ~~وكلب الشتاء ، وقال صاحب ( الكشاف ) : هو مصدر كالموعد ، وفيه أنه لو كان ~~مصدرا لكان مفتوح السين ؛ إذ المصدر الذي على وزن المفعل لا يكون إلا ms1155 مفتوح ~~العين ما عدا ما شذ ، ولم يذكروا الميسر في الشاذ ، إلا أن يجاب بأن العرب ~~وضعوا هذا الاسم على وزن المصدر الشاذ ليعلم أنه الآن ليس بمصدر . # والميسر : قمار كان للعرب في الجاهلية ، وهو من القمار القديم المتوغل في ~~القدم كان لعاد من قبل ، وأول من ورد ذكر لعب الميسر عنه في كلام العرب هو ~~لقمان بن عاد ويقال PageV02P346 لقمان العادي ، والظاهر أنه ولد عاد بن عوص ~~بن إرم بن سام ، وهو غير لقمان الحكيم ، والعرب تزعم أن لقمان كان أكثر ~~الناس لعبا بالميسر حتى قالوا في المثل ( أيسر من لقمان ) وزعموا أنه كان ~~له ثمانية أيسار لا يفارقونه هم من سادة عاد وأشرافهم ، ولذلك يشبهون أهل ~~الميسر إذا كانوا من أشراف القوم بأيسار لقمان قال طرفة بن العبد : # وهم أيسار لقمان إذا # أغلتت الشتوة أبداء الجزر # أراد التشبيه البليغ . # وصفة الميسر أنهم كانوا يجعلون عشرة قداح جمع قدح بكسر القاف وهو السهم ~~الذي هو أصغر من النبل ومن السهم فهو سهم صغير مثل السهام التي تلعب بها ~~الصبيان وليس في رأسه سنان وكانوا يسمونها الخطاء جمع حظوة وهي السهم ~~الصغير وكلها من قصب النبعع ، وهذه القداح هي : الفذ ، والتوأم ، والرقيب ، ~~والحلس ، والنافس ، والمسبل ، والمعلى ، والسفيح ، والمنيح ، والوغد ، وقيل ~~النافس هو الرابع والحلس خامس ، فالسبعة الأول لها حظوظ من واحد إلى سبعة ~~على ترتيبها ، والثلاثة الأخيرة لا حظوظ لها وتسمى أغفالا جمع غفل بضم ~~الغين وسكون الفاء وهو الذي أغفل من العلامة ، وهذه العلامات خطوط من واحد ~~إلى سبعة ( كأرقام الحساب الروماني إلى الأربعة ) ، وقد خطوا العلامات على ~~القداح ذات العلامات بالشلط في القصبة أو بالحرق بالنار فتسمى العلامة ~~حينئذ قرمة ، وهذه العلامات توضع في أسافل القداح . فإذا أرادوا التقامر ~~اشتروا جزورا بثمن مؤجل إلى ما بعد التقامر وقسموه أبداء أي أجزاء إلى ~~ثمانية وعشرين جزءا أو إلى عشرة أجزاء على اختلاف بين الأصمعي وأبي عبيدة ، ~~والظاهر أن للعرب في ذلك طريقتين فلذلك اختلف الأصمعي وأبو عبيدة ، ثم ~~يضعون ms1156 تلك القداح في خريطة من جلد تسمى الربابة بكسر الراء هي مثل كنانة ~~النبال وهي واسعة لها مخرج ضيق يضيق عن أن يخرج منه قدحان أو ثلاثة ، ~~ووكلوا بهذه الربابة رجلا يدعى عندهم الحرضة والضريب والمجيل ، وكانوا ~~يغشون عينيه بمغمضة ، ويجعلون على يديه خرقة بيضاء يسمونها المجول يعصبونها ~~على يديه أو جلدة رقيقة يسمونها السلفة بضم السين وسكون اللام ، ويلتحق هذا ~~الحرضة بثوب يخرج رأسه منه ثم يجثوا على ركبتيه PageV02P347 ويضع الربابة ~~بين يديه ، ويقوم وراءه رجل يسمى الرقيب أو الوكيل هو الأمين على الحرضة ~~وعلى الأيسار كي لا يحتال أحد على أحد وهو الذي يأمر الحرضة بابتداء الميسر ~~، يجلسون والأيسار حول الحرضة جثيا على ركبهم ، قال دريد بن الصمة : # دفعت إلى المجيل وقد تجاثوا # على الركبات مطلع كل شمس # ثم يقول الرقيب للحرضة جلجل القداح أي حركها فيخضخضها في الربابة كي ~~تختلط ثم يفيضها أي يدفعها إلى جهة مخرج القداح من الربابة دفعة واحدة على ~~اسم واحد من الأيسار فيخرج قدح فيتقدم الوكيل فيأخذه وينظره فإن كان من ~~ذوات الأنصباء دفعه إلى صاحبه وقال له قم فاعتزل فيقوم ويعتزل إلى جهة ثم ~~تعاد الجلجلة ، وقد اغتفروا إذا خرج أول القداح غفلا ألا يحسب في غرم ولا ~~في غنم بل يرد إلى الربابة وتعاد الإحالة وهكذا ومن خرجت لهم القداح ~~الأغفال يدفعون ثمن الجزور . # فأما على الوصف الذي وصف الأصمعي أن الجزور يقسم إلى ثمانية وعشرين جزءا ~~فظاهر أن لجميع أهل القدح القامرة شيئا من أبداء الجزور لأن مجموع ما على ~~القداح الرابحة من العلامات ثمانية وعشرون ، وعلى أهل القداح الخاسرة غرم ~~ثمنه . وأما على الوصف الذي وصف أبو عبيدة أن الجزور يقسم إلى عشرة أبداء ~~فذلك يقتضي أن ليس كل المتقامرين برابح ، لأن الربح يكون بمقدار عشرة سهام ~~مما رقمت به القداح وحينئذ إذا نفدت الأجزاء انقطعت الإفاضة وغرم أهل ~~السهام الأغفال ثمن الجزور ولم يكن لمن خرجت له سهام ذات حظوظ بعد الذين ~~استوفوا أبداء الجزور شيء إذ ms1157 ليس في الميسر أكثر من جزور واحد قال لبيد : # وجزور أيسار دعوت لحتفها # البيت # وإذ لا غنم في الميسر إلا من اللحم لا من الدراهم أو غيرها ، ولعل كلا من ~~وصفي الأصمعي وأبي عبيدة كان طريقة للعرب في الميسر بحسب ما يصطلح عليه أهل ~~الميسر ، وإذا لم يجمع العدد الكافي من المتياسرين أخذ بعض من حضر سهمين أو ~~ثلاثة فكثر بذلك ربحه أو غرمه وإنما يفعل هذا أهل الكرم واليسار لأنه معرض ~~لخسارة عظيمة ، إذ لم يفز قدحه ، ويقال في هذا الذي يأخذ أكثر من سهم متمم ~~الأيسار قال النابغة : # إني أتمم أيساري وأمنحهم # مثنى الأيادي وأكسو الجفنة الأدما PageV02P348 # ويسمون هذا الإتمام بمثنى الأيادي كما قال النابغة ، لأنه يقصد منه تكرير ~~المعروف عند الربح فالأيادي بمعنى النعم ، وكانوا يعطون أجر الرقيب والحرضة ~~والجزار من لحم الجزور فأما أجر الرقيب فيعطاه من أول القسمة وأفضل اللحم ~~ويسمونه بدءا ، وأما الحرضة فيعطى لحما دون ذلك وأما الجزار فيعطى مما يبقى ~~بعد القسم من عظم أو نصف عظم ويسمونه الريم . # ومن يحضر الميسر من غير المتياسرين يسمون الأعران جمع عرن بوزن كتف وهم ~~يحضرون طمعا في اللحم ، والذي لا يحب الميسر ولا يحضره لفقره سمي البرم ~~بالتحريك . # وأصل المقصد من الميسر هو المقصد من القمار كله وهو الربح واللهو يدل ~~لذلك تمدحهم وتفاخرهم بإعطاء ربح الميسر للفقراء ، لأنه لو كان هذا الإعطاء ~~مطردا لكل من يلعب الميسر لما كان تمدح به قال الأعشى : # المطعمو الضيفف إذا ما شتوا # والجاعلو القوتت على الياسر # ثم إن كرامهم أرادوا أن يظهروا الترفع عن الطمع في مال القمار فصاروا ~~يجعلون الربح للفقراء واليتامى ومن يلم بساحتهم من أضيافهم وجيرتهم ، قال ~~لبيد : # أدعو بهن لعاقر أو مطفل # بذلت لجيرانن الجميع لحامها # فالضيف والجار الجنيب كأنما # هبطا تبالة مخصبا أهضامها # فصار الميسر عندهم من شعار أهل الجود كما تقدم في أبيات لبيد ، وقال ~~عنترة كما تقدم : # ربذ يداه بالقداح إذا شتا # هتاكك غايات التجار ملوح # أي خفيف اليد في ms1158 الميسر لكثرة ما لعب الميسر في الشتاء لنفع الفقراء ، ~~وقال عمير ابن الجعد : # يسر إذا كان الشتاء ومطعم # للحم غير كبنة علفوف # الكبنة بضمتين المنقبض القليل المعروف والعلفوف كعصفور الجافي . # فالمنافع في الميسر خاصة وعامة وهي دنيوية كلها ، والإثم الذي فيه هو ما ~~يوقعه من العداوة والبغضاء ومن إضاعة الوقت والاعتياد بالكسل والبطالة ~~واللهو والصد عن ذكر الله وعن الصلاة وعن التفقه في الدين وعن التجارة ~~ونحوها مما به قوام المدنية وتلك آثام لها آثارها الضارة في الآخرة ، ولهذه ~~الاعتبارات ألحق الفقهاء بالميسر كل لعب فيه قمار كالنرد ، وعن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ( إياكم وهاتين الكعبتين فإنهما من ميسر العجم ) يريد ~~PageV02P349 النرد ، وعن علي : النرد والشطرنج من الميسر ، وعلى هذا جمهور ~~الفقهاء ومالك وأبو حنيفة وقال الشافعي : إذا خلا الشطرنج عن الرهان ~~واللسان عن الطغيان والصلاة عن النسيان لم يكن حراما وهو خارج عن الميسر ~~لأن الميسر ما يوجب دفع المال وأخذه وهذا ليس كذلك وهو وجيه والمسألة ~~مبسوطة في الفقه . # والناس مراد به العموم لاختلاف المنافع ، ولأنه لما وقع الإخبار بواسطة ( ~~في ) المفيدة الظرفية لم يكن في الكلام ما يقتضي أن كل فرد من أفراد الناس ~~ينتقع بالخمر والميسر ، بل الكلام يقتضي أن هاته المنافع موجودة في الخمر ~~والميسر لمن شاء أن ينتفع كقوله تعالى : { فيه شفاء للناس } ( النحل : 69 ) ~~. وليس المراد بالناس طائفة لعدم صلوحية أل هنا للعهد ولو أريد طائفة لما ~~صح إلا أن يقال ومنافع الشاربين والياسرين كما قال : { وأنهار من خمر لذة ~~للشاربين } ( محمد : 15 ) . # فإن قلت : ما الوجه في ذكر منافع الخمر والميسر مع أن سياق التحريم ~~والتمهيد إليه يقتضي تناسي المنافع ، قلت إن كانت الآية نازلة لتحريم الخمر ~~والميسر فالفائدة في ذكر المنافع هي بيان حكمة التشريع ليعتاد المسلمون ~~مراعاة علل الأشياء ، لأن الله جعل هذا الدين دينا دائما وأودعه أمة أراد ~~أن يكون منها مشرعون لمختلف ومتجدد الحوادث ، فلذلك أشار لعلل الأحكام في ~~غير موضع كقوله تعالى : { أيحب أحدكم أن يأكل ms1159 لحم أخيه ميتا } ( الحجرات : ~~12 ) ونحو ذلك ، وتخصيص التنصيص على العلل ببعض الأحكام في بعض الآيات إنما ~~هو في مواضع خفاء العلل ، فإن الخمر قد اشتهر بينهم نفعها ، والميسر قد ~~اتخذوه ذريعة لنفع الفقراء فوجب بيان ما فيهما من المفاسد إنباء بحكمة ~~التحريم ، وفائدة أخرى وهي تأنيس المكلفين فطامهم عن أكبر لذائذهم تذكيرا ~~لهم بأن ربهم لا يريد إلا صلاحهم دون نكايتهم كقوله : { كتب عليكم القتال ~~وهو كره لكم } ( البقرة : 216 ) وقوله : { كتب عليكم الصيام كما كتب على ~~الذين من قبلكم } ( البقرة : 183 ) . وهنالك أيضا فائدة أخرى وهي عذرهم عما ~~سلف منهم حتى لا يستكينوا لهذا التحريم والتنديد على المفاسد كقوله : { علم ~~الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم } ( البقرة : 187 ) . ~~PageV02P350 # { ويسئلونك ماذا ينفقون قل العفو كذالك يبين الله لكم الآيات لعلكم ~~تتفكرون } { فى الدنيا والاخرة ويسئلونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن ~~تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شآء الله لأعنتكم إن ~~الله عزيز حكيم } # كان سؤالهم عن الخمر والميسر حاصلا مع سؤالهم { ماذا ينفقون } ، فعطفت ~~الآية التي فيها جواب سؤالهم { ماذا ينفقون } على آية الجواب عن سؤال الخمر ~~والميسر ، ولذلك خولف الأسلوب الذي سلف في الآيات المختلفة بجمل { يسألونك ~~} بدون عطف فجيء بهذه معطوفة بالواو على التي قبلها . # ومناسبة التركيب أن النهي عن الخمر والميسر يتوقع منه تعطل إنفاق عظيم ~~كان ينتفع به المحاويج ، فبينت لهم الآية وجه الإنفاق الحق . # روى ابن أبي حاتم أن السائل عن هذا معاذ ابن جبل وثعلبة بن غنمة ، وقيل ~~هو رجوع إلى الجواب عن سؤال عمرو بن الجموح الذي قيل إنه المجاب عنه بقوله ~~تعالى : { يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين } ( البقرة : ~~215 ) إلخ ، وعليه فالجواب عن سؤاله موزع على الموضعين ليقع الجواب في كل ~~مكان بما يناسبه . # ولإظهار ما يدفع توقعهم تعطيل نفع المحاويج وصلت هذه الآية بالتي قبلها ~~بواو العطف . # والعفو : مصدر عفا يعفو إذا زاد ونمى قال تعالى : { ثم بدلنا مكان ms1160 السيئة ~~الحسنة حتى عفوا } ( الأعراف : 95 ) ، وهو هنا ما زاد على حاجة المرء من ~~المال أي فضل بعد نفقته ونفقة عياله بمعتاد أمثاله ، فالمعنى أن المرء ليس ~~مطالبا بارتكاب المآثم لينفق على المحاويج ، وإنما ينفق عليهم مما استفضله ~~من ماله وهذا أمر بإنفاق لا يشق عليهم وهذا أفضل الإنفاق ، لأن مقصد ~~الشريعة من الإنفاق إقامة مصالح ضعفاء المسلمين ولا يحصل منه مقدار له بال ~~إلا بتعميمه ودوامه لتستمر منه مقادير متماثلة في سائر الأوقات وإنما يحصل ~~التعميم والدوام بالإنفاق من الفاضل عن حاجات المنفقين فحينئذ لا يشق عليهم ~~فلا يتركه واحد منهم ولا يخلون به في وقت من أوقاتهم ، وهذه حكمة بالغة ~~وأصل اقتصادي عمراني ، وفي الحديث : ( خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى وابدأ ~~بمن تعول ) فإن البداءة بمن يعول ضرب من الإنفاق ، لأنه إن تركهم في خصاصة ~~احتاجوا إلى الأخذ من أموال الفقراء ، وفي الحديث : ( إنك أن تدع ورثتك ~~أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس ) أي يمدون أكفهم للسؤال ، ~~PageV02P351 فتبين أن المنفق بإنفاقه على من ينفق عليه يخفف عن الفقراء ~~بتقليل عدد الداخلين فيهم ، ولذلك جاء في الحديث : ( وإنك لا تنفق نفقة ~~تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى اللقمة تجعلها في في امرأتك ) . ~~ولهذا أمر في هذه الآية بإنفاق العفو ، لأنها لعموم المنفقين ، فلا تنافي ~~أن ينفق أحد من ماله المحتاج هو إليه أو جميع ماله إذا صبر على ذلك ولم يكن ~~له من تجب عليه هو نفقته . # وآل في العفو للجنس المعروف للسامعين ، والعفو مقول عليه بالتشكيك ؛ لأنه ~~يتبع تعيين ما يحتاجه المنفق والناس في ذلك متفاوتون ، وجعل الله العفو كله ~~منفقا ترغيبا في الإنفاق وهذا دليل على أن المراد من الإنفاق هنا الإنفاق ~~المتطوع به ، إذ قد تضافرت أدلة الشريعة وانعقد إجماع العلماء على أنه لا ~~يجب على المسلم إنفاق إلا النفقات الواجبة وإلا الزكوات وهي قد تكون من بعض ~~ما يفضل من أموال أهل الثروة إلا ما شذ به أبو ذر ms1161 ، إذ كان يرى كنز المال ~~حراما وينادي به في الشام فشكاه معاوية لعثمان فأمر عثمان بإرجاعه من الشام ~~إلى المدينة ثم إسكانه بالربذة بطلب منه ، وقد اجتهد عثمان ليسد باب فتنة ، ~~وعن قيس بن سعد أن هذه الآية في الزكاة المفروضة ، وعلى قوله يكون ( أل ) ~~في العفو للعهد الخارجي وهو نماء المال المقدر بالنصاب . # وقرأ الجمهور ( قل العفو ) بنصب العفو على تقدير كونه مفعولا لفعل دل ~~عليه { ماذا ينفقون } ، وهذه القراءة مبنية على اعتبار ذا بعد ( ما ) ~~الاستفهامية ملغاة فتكون ( ما ) الاستفهامية مفعولا مقدما لينفقون فناسب أن ~~يجيء مفسر ( ما ) في جواب السؤال منصوبا كمفسره . # وقرأ ابن كثير في إحدى روايتين عنه وأبو عمرو ويعقوب بالرفع على أنه خبر ~~مبتدأ تقديره هو العفو ، وهذه القراءة مبنية على جعل ذا بعد ما موصولة أي ~~يسألونك عن الذي ينفقونه ، لأنها إذا كانت موصولة كانت مبتدأ إذ لا تعمل ~~فيها صلتها وكانت ما الاستفهامية خبرا عن ما الموصولة ، وكان مفسرها في ~~الجواب وهو العفو فناسب أن يجاء به مرفوعا كمفسره ليطابق الجواب السؤال في ~~الاعتبارين وكلا الوجهين اعتبار عربي فصيح . # وقوله : { كذلك يبين الله لكم الآيات } ، أي كذلك البيان يبين الله لكم ~~الآيات ، فالكاف PageV02P352 للتشبيه واقعة موقع المفعول المطلق المبين ~~لنوع { يبين } ، وقد تقدم القول في وجوه هذه الإشارة في قوله تعالى : { ~~وكذلك جعلناكم أمة وسطا } ( البقرة : 143 ) . # أو الإشارة راجعة إلى البيان الواقع في قوله تعالى : { قل فيهما إثم كبير ~~} إلى قوله { العفو } ، وقرن اسم الإشارة بعلامة البعد تعظيما لشأن المشار ~~إليه لكماله في البيان ، إذ هو بيان للحكم مع بيان علته حتى تتلقاه الأمة ~~بطيب نفس ، وحتى يلحقوا به نظائره ، وبيان لقاعدة الإنفاق بما لا يشذ عن ~~أحد من المنفقين ، ولكون الكاف لم يقصد بها الخطاب بل مجرد البعد الاعتباري ~~للتعظيم لم يؤت بها على مقتضى الظاهر من خطاب الجماعة فلم يقل كذلكم على ~~نحو قوله : { يبين الله لكم } . # واللام في { لكم } للتعليل والأجل وهو امتنان وتشريف بهذه الفضيلة ~~لإشعاره بأن ms1162 البيان على هذا الأسلوب مما اختصت به هاته الأمة ليتلقوا ~~التكاليف على بصيرة بمنزلة الموعظة التي تلقى إلى كامل العقل موضحة ~~بالعواقب ، لأن الله أراد لهاته الأمة أن يكون علماؤها مشرعين . وبين فائدة ~~هذا البيان على هذا الأسلوب بقوله : { لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة } ~~أي ليحصل للأمة تفكر وعلم في أمور الدنيا وأمور الآخرة ، لأن التفكر مظروف ~~في الدنيا والآخرة ، فتقدير المضاف لازم بقرينة قوله { والآخرة } إذ لا ~~معنى لوقوع التفكر يوم القيامة فلو اقتصر على بيان الحظر والوجوب والثواب ~~والعقاب لكان بيانا للتفكر في أمور الآخرة خاصة ولو اقتصر على بيان المنافع ~~والمضار بأن قيل : قل فيهما نفع وضر لكان بيانا للتفكر في أمور الدنيا خاصة ~~، ولكن ذكر المصالح والمفاسد والثواب والعقاب تذكير بمصلحتي الدارين ، وفي ~~هذا تنويه بشأن إصلاح أمور الأمة في الدنيا ، ووقع في كلام لعلي بن أبي ~~طالب وقد ذم رجل الدنيا عنده فقال له : ( الدنيا دار صدق لمن صدقها ودار ~~نجاة لمن فهم عنها ودار غنى لمن تزود منها ومهبط وحي الله ومصلى ملائكته ~~ومسجد أنبيائه فمن ذا الذي يذمها وقد آذنت ببينها الخ ) . ولا يخفى أن الذي ~~يصلح للتفكر هو الحكم المنوط بالعلة وهو حكم الخمر والميسر ثم ما نشأ عنه ~~قوله : { ويسئلونك ماذا ينفقون قل العفو } . # ويجوز أن تكون الإشارة بقوله { كذلك لكون الإنفاق من العفو وهو ضعيف ، ~~لأن ذلك البيان لا يظهر فيه كمال الامتنان حتى يجعل نموذجا لجليل البيانات ~~الإلهية وحتى يكون PageV02P353 محل كمال الامتنان وحتى تكون غايته التفكر ~~في الدنيا والآخرة ، ولا يعجبكم كونه أقرب لاسم الإشارة ، لأن التعليق بمثل ~~هاته الأمور اللفظية في نكت الإعجاز إضاعة للألباب وتعلق بالقشور . # وقوله : لعلكم تتفكرون } غاية هذا البيان وحكمته ، والقول في لعل تقدم . ~~وقوله { في الدنيا والآخرة } يتعلق بتتفكرون لا بيبين ، لأن البيان واقع في ~~الدنيا فقط . والمعنى ليحصل لكم فكر أي علم في شؤون الدنيا والآخرة ، وما ~~سوى هذا تكلف . # { ويسئلونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله ms1163 ~~يعلم المفسد من المصلح ولو شآء الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم } # عطف تبيين معاملة اليتامى على تبيين الإنفاق لتعلق الأمرين بحكم تحريم ~~الميسر أو التنزيه عنه فإن الميسر كان بابا واسعا للإنفاق على المحاويج ~~وعلى اليتامى ، وقد ذكر لبيد إطعام اليتامى بعد ذكر إطعام لحوم جزور الميسر ~~فقال : # ويكللون إذا الرياح تناوحت # خلجا تمد شوارعا أيتامها # أي تمد أيديا كالرماح الشوارع في اليبس أي قلة اللحم على عظام الأيدي ~~فكان تحريم الميسر مما يثير سؤالا عن سد هذا الباب على اليتامى وفيه صلاح ~~عظيم لهم وكان ذلك السؤال مناسبة حسنة للتخلص إلى الوصاية باليتامى وذكر ~~مجمل أحوالهم في جملة إصلاح الأحوال التي كانوا عليها قبل الإسلام ، فكان ~~هذا وجه عطف هذه الجملة على التي قبلها بواو العطف لاتصال بعض هذه الأسئلة ~~ببعض كما تقدم في قوله : { ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو } . # وقد روي أن السائل عن اليتامى عبد الله بن رواحة ، وأخرج أبو داود عن ابن ~~عباس لما نزل قول الله عز وجل : { ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ~~} ( الإسراء : 34 ) { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما } ( النساء : 10 ~~) الآيات انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه ، ~~فجعل يفضل من طعامه فيحبس له حتى يأكله أو يفسد فاشتد ذلك عليهم فذكر ~~PageV02P354 ذلك لرسول الله فأنزل الله { ويسألونك عن اليتامى } الآية مع ~~أن سورة النساء نزلت بعد سورة البقرة ، فلعل ذكر آية النساء وهم من الراوي ~~وإنما أراد أنه لما نزلت الآيات المحذرة من مال اليتيم مثل آية سورة ~~الإسراء ( 34 ) { ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ففي تفسير ~~الطبري } بسنده إلى ابن عباس : لما نزلت : { ولا تقربوا مال اليتيم إلا ~~بالتي هي أحسن } عزلوا أموال اليتامى فذكروا ذلك لرسول الله فنزلت { وإن ~~تخالطوهم } أو أن مراد الراوي لما سمع الناس آية سورة النساء تجنبوا النظر ~~في اليتامى فذكروا بآية البقرة إن كان السائل عن آية البقرة غير المتجنب ~~حين نزول ms1164 آية النساء وأيا ما كان فقد ثبت أن النظر في مصالح الأيتام من أهم ~~مقاصد الشريعة في حفظ النظام فقد كان العرب في الجاهلية كسائر الأمم في حال ~~البساطة يكون المال بيد كبير العائلة فقلما تجد لصغير مالا ، وكان جمهور ~~أموالهم حاصلا من اكتسابهم لقلة أهل الثروة فيهم ، فكان جمهور العرب إما ~~زارعا أو غارسا أو مغيرا أو صائدا ، وكل هذه الأعمال تنقطع بموت مباشريها ، ~~فإذا مات كبير العائلة وترك أبناء صغارا لم يستطيعوا أن يكتسبوا كما اكتسب ~~آباؤهم إلا أبناء أهل الثروة ، والثروة عندهم هي الأنعام والحوائط إذ لم ~~يكن العرب أهل ذهب وفضة وإن الأنعام لا تصلح إلا بمن يرعاها فإنها عروض ~~زائلة وإن الغروس كذلك ولم يكن في ثروة العرب ملك الأرض إذ الأرض لم تكن ~~مفيدة إلا للعامل فيها ، على أن من يتولى أمر اليتيم يستضعفه ويستحل ماله ~~فينتفع به لنفسه ، وكرم العربي وسرفه وشربه وميسره لا تغادر له مالا وإن ~~كثر . وتغلب ذلك على ملاك شهوات أصحابه فلا يستطيعون تركه يدفعهم إلى تطلب ~~إرضاء نهمتهم بكل وسيلة فلا جرم أن يصبح اليتيم بينهم فقيرا مدحورا ، وزد ~~إلى ذلك أن أهل الجاهلية قد تأصل فيهم الكبر على الضعيف وتوقير القوى فلما ~~عدم اليتيم ناصره ومن يذب عند كان بحيث يعرض للمهانة والإضاعة ويتخذ كالعبد ~~لوليه ، من أجل ذلك كله صار وصف اليتيم عندهم ملازما لمعنى الخصاصة ~~والإهمال والذل ، وبه يظهر معنى امتنان الله تعالى على نبيه أن حفظه في حال ~~اليتم مما ينال اليتامى في قوله : { ألم يجدك يتيما فآوى } ( الضحى : 6 ) . ~~فلما جاء الإسلام أمرهم بإصلاح حال اليتامى في أموالهم وسائر أحوالهم حتى ~~قيل إن أولياء اليتامى تركوا التصرف في أموالهم واعتزلوا اليتامى ومخالطتهم ~~فنزلت هذه الآية . # والإصلاح جعل الشيء صالحا أي ذا صلاح والصلاح ضد الفساد ، وهو كون شيء ~~بحيث يحصل به منتهى ما يطلب لأجله ، فصلاح الرجل صدور الأفعال والأقوال ~~الحسنة منه ، PageV02P355 وصلاح الثمرة كونها بحيث ينتفع بأكلها دون ضر ، ~~وصلاح المال نماؤه ms1165 المقصود منه ، وصلاح الحال كونها بحيث تترتب عليها ~~الآثار الحسنة . # و { إصلاح لهم } مبتدأ ووصفه ، واللام للتعليل أو الاختصاص . ووصف ~~الإصلاح ب { لهم } دون الإضافة إذ لم يقل إصلاحهم لئلا يتوهم قصره على ~~إصلاح ذواتهم لأن أصل إضافة المصدر أن تكون لذات الفاعل أو ذات المفعول فلا ~~تكون على معنى الحرف ، ولأن الإضافة لما كانت من طرق التعريف كانت ظاهرة في ~~عهد المضاف فعدل عنها لئلا يتوهم أن المراد إصلاح معين كما عدل عنها في ~~قوله : { ايتوني بأخ لكم من أبيكم } ( يوسف : 59 ) ولم يقل بأخيكم ليوهمهم ~~أنه لم يرد أخا معهودا عنده ، والمقصود هنا جميع الإصلاح لا خصوص إصلاح ~~ذواتهم فيشمل إصلاح ذواتهم وهو في الدرجة الأولى ويتضمن ذلك إصلاح عقائدهم ~~وأخلاقهم بالتعليم الصحيح والآداب الإسلامية ومعرفة أحوال العالم ، ويتضمن ~~إصلاح أمزجتهم بالمحافظة عليهم من المهلكات والأخطار والأمراض وبمداواتهم ، ~~ودفع الأضرار عنهم بكفاية مؤنهم من الطعام واللباس والمسكن بحسب معتاد ~~أمثالهم دون تقتير ولا سرف ، ويشمل إصلاح أموالهم بتنميتها وتعهدها وحفظها ~~. ولقد أبدع هذا التعبير ، فإنه لو قيل إصلاحهم لتوهم قصره على ذواتهم ~~فيحتاج في دلالة الآية على إصلاح الأموال إلى القياس ولو قيل قل تدبيرهم ~~خير لتبادر إلى تدبير المال فاحتيج في دلالتها على إصلاح ذواتهم إلى فحوى ~~الخطاب . # و { خير في الآية يحتمل أن يكون أفعل تفضيل إن كان خطابا للذين حملهم ~~الخوف من أكل أموال اليتامى على اعتزال أمورهم وترك التصرف في أموالهم بعلة ~~الخوف من سوء التصرف فيها كما يقال : # إن السلامة من سلمى وجارتها # أن لا تحل على حالل بواديها # فالمعنى إصلاح أمورهم خير من إهمالهم أي أفضل ثوابا وأبعد عن العقاب ، أي ~~خير في حصول غرضكم المقصود من إهمالهم فإنه ينجر منه إثم الإضاعة ولا يحصل ~~فيه ثواب السعي والنصيحة ، ويحتمل أن يكون صفة مقابل الشر إن كان خطابا ~~لتغيير الأحوال التي كانوا عليها قبل الإسلام ، فالمعنى إصلاحهم في أموالهم ~~وأبدانهم وترك إضاعتهم في الأمرين كما تقدم خير ، وهو تعريض بأن ما كانوا ms1166 ~~عليه في معاملتهم ليس بخير بل هو شر ، فيكون مرادا من الآية PageV02P356 ~~على هذا : التشريع والتعريض إذ التعريض يجامع المعنى الأصلي ، لأنه من باب ~~الكناية والكناية تقع مع إرادة المعنى الأصلي . # وجملة وإن تخالطوهم فإخوانكم } عطف على جملة { إصلاح لهم خير } والمخالطة ~~مفاعلة من الخلط وهو جمع الأشياء جمعا يتعذر معه تمييز بعضها عن بعض فيما ~~تراد له ، فمنه خلط الماء بالماء والقمح والشعير وخلط الناس ومنه اختلط ~~الحابل بالنابل ، وهو هنا مجاز في شدة الملابسة والمصاحبة والمراد بذلك ما ~~زاد على إصلاح المال والتربية عن بعد فيشمل المصاحبة والمشاركة والكفالة ~~والمصاهرة إذ الكل من أنواع المخالطة . # وقوله { فإخوانكم } جواب الشرط ولذلك قرن بالفاء لأن الجملة الاسمية غير ~~صالحة لمباشرة أداة الشرط ولذلك ف ( إخوانكم ) خبر مبتدأ محذوف تقديره فهم ~~إخوانكم ، وهو على معنى التشبيه البليغ ، والمراد بالأخوة أخوة الإسلام ~~التي تقتضي المشاورة والرفق والنصح . ونقل الفخر عن الفراء ( لو نصبته كان ~~صوابا بتقدير فإخوانكم تخالطون ) وهو تقدير سمج ، ووجود الفاء في الجواب ~~ينادي على أن الجواب جملة اسمية محضة ، وبعد فمحمل كلام الفراء على إرادة ~~جواز تركيب مثله في الكلام العربي لا على أن يقرأ به ، ولعل الفراء كان ~~جريئا على إساغة قراءة القرآن بما يسوغ في الكلام العربي دون اشتراط صحة ~~الرواية . # والمقصود من هذه الجملة الحث على مخالطتهم لأنه لما جعلهم إخوانا كان من ~~المتأكد مخالطتهم والوصاية بهم في هاته المخالطة ، لأنهم لما كانوا إخوانا ~~وجب بذل النصح لهم كما يبذل للأخ وفي الحديث ( حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ~~) ، ويتضمن ذلك التعريض بإبطال ما كانوا عليه من احتقار اليتامى والترفع عن ~~مخالطتهم ومصاهرتهم . قال تعالى : { وترغبون أن تنكحوهن } ( النساء : 127 ) ~~أي عن أن تنكحوهن لأن الأخوة تتضمن معنى المساواة فيبطل الترفع . # وقوله : { والله يعلم المفسد من المصلح } وعد ووعيد ، لأن المقصود من ~~الأخبار بعلم الله الإخبار بترتب آثار العلم عليه ، وفي هذا إشارة إلى أن ~~ما فعله بعض المسلمين من تجنب التصرف في أموال اليتامى تنزه ms1167 لا طائل تحته ~~لأن الله يعلم المتصرف بصلاح والمتصرف بغير صلاح وفيه أيضا ترضية لولاة ~~الأيتام فيما ينالهم من كراهية بعض محاجيرهم وضربهم على أيديهم في التصرف ~~المالي وما يلاقون في ذلك من الخصاصة ، فإن المقصد الأعظم هو إرضاء الله ~~تعالى لا إرضاء المخلوقات ، وكان المسلمون يومئذ لا يهتمون إلا بمرضاة الله ~~تعالى وكانوا يحاسبون أنفسهم على PageV02P357 مقاصدهم ، وفي هذه إشارة إلى ~~أنه ليس من المصلحة أن يعرض الناس عن النظر في أموال اليتامى اتقاء لألسنة ~~السوء ، وتهمة الظن بالإثم فلو تمالأ الناس على ذلك وقاية لأعراضهم لضاعت ~~اليتامى ، وليس هذا من شأن المسلمين فإن على الصلاح والفساد دلائل ووراء ~~المتصرفين عدالة القضاة وولاة الأمور يجازون المصلح بالثناء والحمد العلن ~~ويجازون المفسد بالبعد بينه وبين اليتامى وبالتغريم بما أفاته بدون نظر . # و ( من ) في قوله : { من المصلح } تفيد معنى الفصل والتمييز وهو معنى ~~أثبته لها ابن مالك في ( التسهيل ) قائلا ( وللفصل ) وقال في ( الشرح ) : ( ~~وأشرت بذكر الفصل إلى دخولها على ثاني المتضادين نحو { والله يعلم المفسد ~~من المصلح } و { حتى يميز الخبيث من الطيب } ( آل عمران : 179 ) اه وهو ~~معنى رشيق لا غنى عن إثباته وقد أشار إليه في ( الكشاف ) عند قوله تعالى : ~~{ أتأتون الذكران من العالمين } في سورة الشعراء وجعله وجها ثانيا فقال : ( ~~أو أتأتون أنتم من بين من عداكم من العالمين الذكران يعني أنكم يا قوم لوط ~~وحدكم مختصون بهذه الفاحشة ) اه فجعل معنى ( من ) معنى من بين ، وهو لا ~~يتقوم إلا على إثبات معنى الفصل ، وهو معنى متوسط بين معنى من الابتلاء ~~ومعنى البدلية حين لا يصلح متعلق المجرور لمعنى الابتدائية المحض ولا لمعنى ~~البدلية المحض فحدث معنى وسط ، وبحث فيه ابن هشام في ( مغني اللبيب ) أن ~~الفصل حاصل من فعل { يميز } ومن فعل { يعلم } واستظهر أن من للابتداء أو ~~بمعنى عن . # وقوله : { ولو شاء الله لأعنتكم } تذييل لما دل عليه قوله : { قل إصلاح ~~لهم خير } على ما تقدم . والعنت : المشقة والصعوبة الشديدة أي ولو شاء الله ms1168 ~~لكلفكم ما فيه العنت وهو أن يحرم عليكم مخالطة اليتامى فتجدوا ذلك شاقا ~~عليكم وعنتا ، لأن تجنب المرء مخالطة أقاربه من إخوة وأبناء عم ورؤيته ~~إياهم مضيعة أمورهم لا يحفل بهم أحد يشق على الناس في الجبلة وهم وإن فعلوا ~~ذلك حذرا وتنزها فليس كل ما يبتدىء المرء فعله يستطيع الدوام عليه . # وحذف مفعول المشيئة لإغناء ما بعده عنه ، وهذا حذف شائع في مفعول المشيئة ~~فلا يكادون يذكرونه . وقد مضى القول فيه عند قوله تعالى : { ولو شاء الله ~~بذهب بسمعهم } ( البقرة : 20 ) . # وقوله : { أن الله عزيز حكيم } تذييل لما اقتضاه شرط ( لو ) من الإمكان ~~وامتناع الوقوع أي إن الله عزيز غالب قادر فلو شاء لكلفكم العنت ، لكنه ~~حكيم يضع الأشياء مواضعها فلذا لم يكلفكموه . PageV02P358 وفي جمع الصفتين ~~إشارة إلى أن تصرفات الله تعالى تجري على ما تقتضيه صفاته كلها وبذلك تندفع ~~إشكالات عظيمة فيما يعبر عنه بالقضاء والقدر . # $ 2 ( 221 ) { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ~~ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو ~~أعجبكم أولائك يدعون إلى النار والله يدعو & # 1764 ا إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون } . ) ~~2 $ # كان المسلمون أيام نزول هذه السورة ما زالوا مختلطين مع المشركين ~~بالمدينة وما هم ببعيد عن أقربائهم من أهل مكة فربما رغب بعضهم في تزوج ~~المشركات أو رغب بعض المشركين في تزوج نساء مسلمات فبين الله الحكم في هذه ~~الأحوال ، وقد أوقع هذا البيان بحكمته في أرشق موقعه وأسعده به وهو موقع ~~تعقيب حكم مخالطة اليتامى ، فإن للمسلمين يومئذ أقارب وموالي لم يزالوا ~~مشركين ومنهم يتامى فقدوا آباءهم في يوم بدر وما بعده فلما ذكر الله بيان ~~مخالطة اليتامى ، وكانت المصاهرة من أعظم أحوال المخالطة تطلعت النفوس إلى ~~حكم هاته المصاهرة بالنسبة للمشركات والمشركين ، فعطف حكم ذلك على حكم ~~اليتامى لهاته المناسبة . # روى الواحدي وغيره من المفسرين أن سبب نزول هذه الآية أن رسول الله صلى ~~الله عليه ms1169 وسلم بعث أبا مرثد الغنوي ويقال مرثدا بن أبي مرثد واسمه كناز بن ~~حصين وكان حليفا لبني هاشم فبعثه إلى مكة سرا ليخرج رجلا من المسلمين فسمعت ~~بقدومه امرأة يقال لها عناق وكانت خليلة له في الجاهلية فأتته فقالت : ويحك ~~يا مرثد ألا تخلو ؟ فقال : إن الإسلام حرم ما كان في الجاهلية فقالت : ~~فتزوجني قال : حتى أستأذن رسول الله فأتى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فاستأذنه فنهاه عن التزوج بها ، لأنها مشركة فنزلت هذه الآية بسببه . # والنكاح في كلام العرب حقيقة في العقد على المرأة ، ولذلك يقولون نكح ~~فلان فلانة ويقولون نكحت فلانة فلانا فهو حقيقة في العقد ، لأن الكثرة من ~~أمارات الحقيقة وأما استعماله في الوطء فكناية ، وقيل هو حقيقة في الوطء ~~مجاز في العقد . واختاره فقهاء الشافعية وهو قول ضعيف في اللغة ، وقيل ~~حقيقة فيهما فهو مشترك وهو PageV02P359 أضعف . قالوا ولم يرد في القرآن إلا ~~بمعنى العقد فقيل إلا في قوله تعالى : { فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى ~~تنكح زوجا غيره } ( البقرة : 230 ) ، لأنه لا يكفي العقد في تحليل المبتوتة ~~حتى يبني بها زوجها كما في حديث زوجة رفاعة ولكن الأصوب أن تلك الآية بمعنى ~~العقد وإنما بينت السنة أنه لا بد مع العقد من الوطء وهذا هو الظاهر ، ~~والمنع في هذه الآية متعلق بالعقد بالاتفاق . # والمشرك في لسان الشرع من يدين بتعدد آلهة مع الله سبحانه ، والمراد به ~~في مواضعه من القرآن مشركو العرب الذين عبدوا آلهة أخرى مع الله تعالى ~~ويقابلهم في تقسيم الكفار أهل الكتاب وهم الذين آمنوا بالله ورسله وكتبه ~~ولكنهم أنكروا رسالة محمد صلى الله عليه وسلم # ونص هذه الآية تحريم تزوج المسلم المرأة المشركة وتحريم تزويج المسلمة ~~الرجل المشرك فهي صريحة في ذلك ، وأما تزوج المسلم المرأة الكتابية وتزويج ~~المسلمة الرجل الكتابي فالآية ساكتة عنه ، لأن لفظ المشرك لقب لا مفهوم له ~~إلا إذا جرى على موصوف كما سنبينه عند قوله تعالى : { خير من مشرك } ، وقد ~~أذن القرآن بجواز تزوج ms1170 المسلم الكتابية في قوله : { والمحصنات من الذين ~~أوتوا الكتاب من قبلكم } ( المائدة : 5 ) في سورة العقود فلذلك قال جمهور ~~العلماء بجواز تزوج المسلم الكتابية دون المشركة والمجوسية وعلى هذا الأئمة ~~الأربعة والأوزاعي والثوري ، فبقي تزويج المسلمة من الكتابي لا نص عليه ~~ومنعه جميع المسلمين إما استنادا منهم إلى الاقتصار في مقام بيان التشريع ~~وإما إلى أدلة من السنة ومن القياس وسنشير إليه أو من الإجماع وهو أظهر . ~~وذهبت طوائف من أهل العلم إلى الاستدلال لفقه هذه المسألة بطريقة أخرى ~~فقالوا أهل الكتاب صاروا مشركين لقول اليهود عزير ابن الله ولقول النصارى ~~المسيح ابن الله وأبوة الإله تقتضي ألوهية الابن ، وإلى هذا المعنى جنح عبد ~~الله بن عمر ففي ( الموطأ ) عنه ( لا أعلم شركا أعظم من أن تقول المرأة ~~ربها عيسى ) ولكن هذا مسلك ضعيف جدا ، لأن إدخال أهل الكتاب في معنى ~~المشركين بعيد عن الاصطلاح الشرعي ، ونزلت هذه الآية وأمثالها وهو معلوم ~~فاش ، ولأنه إذا تم في النصارى باطراد فهو لا يتم في اليهود ، لأن الذين ~~قالوا عزير ابن الله إنما هم طائفة قليلة من اليهود وهم أتباع ( فنحاص ) ~~كما حكاه الفخر فإذا كانت هذه الآية تمنع أن يتزوج المسلم امرأة يهودية أو ~~نصرانية وأن يزوج أحد من اليهود والنصارى مسلمة فإن آية سورة العقود خصصت ~~عموم المنع بصريح قوله : { والمحصنات من PageV02P360 الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم } ( المائدة : 5 ) ، وقد علم الله قولهم المسيح ابن الله وقول ~~الآخرين عزير ابن الله فبقي تزويج المسلمة إياهم مشمولا لعموم آية البقرة ، ~~وهذا مسلك سلكه بعض الشافعية . # ومن علماء الإسلام من كره تزوج الكتابية وهو قول مالك في رواية ابن حبيب ~~وهو رواية عن عمر بن الخطاب أنه كتب إلى حذيفة بن اليمان وقد بلغه أنه تزوج ~~يهودية أو نصرانية أن خل سبيلها ، فكتب إليه حذيفة أتزعم أنها حرام ؟ فقال ~~عمر : لا ولكني أخاف أن تعاطوا المومسات منهن . # وقال شذوذ من العلماء بمنع تزوج المسلم الكتابية ، وزعموا أن آية سورة ~~العقود نسختها آية ms1171 سورة البقرة ، ونقل ذلك عن ابن عمر وابن عباس وفي رواية ~~ضعيفة عن عمر بن الخطاب أنه فرق بين طلحة بن عبيد الله ويهودية تزوجها وبين ~~حذيفة بن اليمان ونصرانية تزوجها ، فقالا له نطلق يا أمير المؤمنين ولا ~~تغضب فقال : لو جاز طلاقكما لجاز نكاحكما ، ولكن أفرق بينكما صغرة وقماءة ، ~~قال ابن عطية وهذا لا يسند جيدا والأثر الآخر عن عمر أسند منه ، وقال ~~الطبري هو مخالف لما أجمعت عليه الأمة وقد روي عن عمر بن الخطاب من القول ~~بخلاف ذلك ما هو أصح منه وإنما كره عمر لهما تزوجهما حذرا من أن يقتدي بهما ~~الناس فيزهدوا في المسلمات . # و { حتى يؤمن } غاية للنهي فإذا آمن زال النهي ولذلك إذا أسلم المشرك ولم ~~تسلم زوجته تبين منه إلا إذا أسلمت عقب إسلامه بدون تأخير . # وقوله : { ولأمة مؤمنة خير من مشركة } تنبيه على دناءة المشركات وتحذير ~~من تزوجهن ومن الاغترار بما يكون للمشركة من حسب أو جمال أو مال وهذه طرائق ~~الإعجاب في المرأة المبالغ عليه بقوله : { ولو أعجبكم } وأن من لم يستطع ~~تزوج حرة مؤمنة فليتزوج أمة مؤمنة خير له من أن يتزوج حرة مشركة ، فالأمة ~~هنا هي المملوكة ، والمشركة الحرة بقرينة المقابلة بقوله : { ولأمة مؤمنة } ~~فالكلام وارد مورد التناهي في تفضيل أقل أفراد هذا الصنف على أتم أفراد ~~الصنف الآخر ، فإذا كانت الأمة المؤمنة خيرا من كل مشركة فالحرة المؤمنة ~~خير من المشركة بدلالة فحوى الخطاب التي يقتضيها السياق ، ولظهور أنه لا ~~معنى لتفضيل الأمة المؤمنة على الأمة المشركة فإنه حاصل بدلالة فحوى الخطاب ~~لا يشك فيه المخاطبون المؤمنون ولقوله : { ولو أعجبكم } فإن الإعجاب ~~بالحرائر دون الإماء . PageV02P361 # والمقصود من التفضيل في قوله : { خير } التفضيل في المنافع الحاصلة من ~~المرأتين ؛ فإن في تزوج الأمة المؤمنة منافع دينية وفي الحرة المشركة منافع ~~دنيوية ومعاني الدين خير من أعراض الدنيا المنافية للدين فالمقصود منه بيان ~~حكمة التحريم استئناسا للمسلمين . # ووقع في ( الكشاف ) حمل الأمة على مطلق المرأة ، لأن الناس كلهم إماء ~~الله ms1172 وعبيده وأصله منقول عن القاضي أبي الحسن الجرجاني كما في القرطبي وهذا ~~باطل من جهة المعنى ومن جهة اللفظ ، أما المعنى فلأنه يصير تكرارا مع قوله ~~: { ولا تنكحوا المشركات } إذ قد علم الناس أن المشركة دون المؤمنة ، ويفيت ~~المقصود من التنبيه على شرفف أقل أفراد أحد الصنفين على أشرف أفراد الصنف ~~الآخر ، وأما من جهة اللفظ فلأنه لم يرد في كلام العرب إطلاق الأمة على ~~مطلق المرأة ، ولا إطلاق العبد على الرجل إلا مقيدين بالإضافة إلى اسم ~~الجلالة في قولهم يا عبد الله ويا أمة الله ، وكون الناس إماء الله وعبيده ~~إنما هو نظر للحقائق لا للاستعمال ، فكيف يخرج القرآن عليه . # وضمير { ولو أعجبتكم } يعود إلى المشركة ، و ( لو ) وصلية للتنبيه على ~~أقصى الأحوال التي هي مظنة تفضيل المشركة ، فالأمة المؤمنة أفضل منها حتى ~~في تلك الحالة وقد مضى القول في موقع لو الوصلية والواو التي قبلها والجملة ~~التي بعدها عند قوله تعالى : { أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون ~~} ( البقرة : 170 ) . # وقوله : { ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا } تحريم لتزويج المسلمة من ~~المشرك ، فإن كان المشرك محمولا على ظاهره في لسان الشرع فالآية لم تتعرض ~~لحكم تزويج المسلمة من الكافر الكتابي فيكون دليل تحريم ذلك الإجماع وهو ~~إما مستند إلى دليل تلقاه الصحابة من النبي صلى الله عليه وسلم وتواتر ~~بينهم ، وإما مستند إلى تضافر الأدلة الشرعية كقوله تعالى : { فلا ترجعوهن ~~إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن } ( الممتحنة : 10 ) فعلق النهي ~~بالكفر وهو أعم من الشرك وإن كان المراد حينئذ المشركين ، وكقوله تعالى هنا ~~: { أولئك يدعون إلى النار } كما سنبينه . # وقوله : { حتى يؤمنوا } غاية للنهي ، وأخذ منه أن الكافر إذا أسلمت زوجته ~~يفسخ النكاح بينهما ثم إذا أسلم هو كان أحق بها ما دامت في العدة . # وقوله : { ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم } هو كقوله : { ولأمة مؤمنة ~~خير PageV02P362 من مشركة } وأن المراد به المملوك وليس المراد الحر المشرك ~~وقد تقدم ذلك . # وقوله : { أولئك يدعون ms1173 إلى النار } الإشارة إلى المشركات والمشركين ، إذ ~~لا وجه لتخصيصه بالمشركين خاصة لصلوحيته للعود إلى الجميع ، والواو في { ~~يدعون } واو جماعة الرجال ووزنه يفعون ، وغلب فيه المذكر على المؤنث كما هو ~~الشائع ، والجملة مستأنفة استئنافا بيانيا لتعليل النهي عن نكاح المشركات ~~وإنكاح المشركين ، ومعنى الدعاء إلى النار الدعاء إلى أسبابها فإسناد ~~الدعاء إليهم حقيقة عقلية ، ولفظ النار مجاز مرسل أطلق على أسباب الدخول ~~إلى النار فإن ما هم عليه يجر إلى النار من غير علم ، ولما كانت رابطة ~~النكاح رابطة اتصال ومعاشرة نهي عن وقوعها مع من يدعون إلى النار خشية أن ~~تؤثر تلك الدعوة في النفس ، فإن بين الزوجين مودة وإلفا يبعثان على إرضاء ~~أحدهما الآخر ولما كانت هذه الدعوة من المشركين شديدة لأنهم لا يوحدون الله ~~ولا يؤمنون بالرسل ، كان البون بينهم وبين المسلمين في الدين بعيدا جدا لا ~~يجمعهم شيء يتفقون عليه ، فلم يبح الله مخالطتهم بالتزوج من كلا الجانبين . ~~أما أهل الكتاب فيجمع بينهم وبين المسلمين اعتقاد وجود الله وانفراده ~~بالخلق والإيمان بالأنبياء ويفرق بيننا وبين النصارى الإعتقاد ببنوة عيسى ~~والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ويفرق بيننا وبين اليهود الإيمان بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم وتصديق عيسى ، فأباح الله تعالى للمسلم أن يتزوج ~~الكتابية ولم يبح تزوج المسلمة من الكتابي اعتدادا بقوة تأثير الرجل على ~~امرأته ، فالمسلم يؤمن بأنبياء الكتابية وبصحة دينها قبل النسخ فيوشك أن ~~يكون ذلك جالبا إياها إلى الإسلام ، لأنها أضعف منه جانبا وأما الكافر فهو ~~لا يؤمن بدين المسلمة ولا برسولها فيوشك أن يجرها إلى دينه ، لذلك السبب ~~وهذا كان يجيب به شيخنا الأستاذ سالم أبو حاجب عن وجه إباحة تزوج الكتابية ~~ومنع تزوج الكتابي المسلمة . # وقوله : { والله يدعوا إلى الجنة } الآية أي إن الله يدعو بهذا الدين إلى ~~الجنة فلذلك كانت دعوة المشركين مضادة لدعوة الله تعالى ، والمقصود من هذا ~~تفظيع دعوتهم وأنها خلاف دعوة الله ، والدعاء إلى الجنة والمغفرة دعاء ~~لأسبابهما كما تقدم في قوله : { يدعون إلى النار } . والمغفرة ms1174 هنا مغفرة ما ~~كانوا عليه من الشرك . # وقوله : { بإذنه } الإذن فيه إما بمعنى الأمر كما هو الشائع فيكون بإذنه ~~ظرفا مستقرا حالا من ( الجنة ) والمغفرة أي حاصلتين بإذنه أي إرادته ~~وتقديره بما بين من طريقهما . PageV02P363 ومن المفسرين من حمل الإذن على ~~التيسير والقضاء والباء على أنها ظرف لغو فرأى هذا القيد غير جزيل الفائدة ~~فتأول قوله : { والله يدعوا } بمعنى وأولياء الله يدعون وهم المؤمنون . # وجملة { ويبين } معطوفة على { يدعو } يعني يدعو إلى الخير مع بيانه ~~وإيضاحه حتى تتلقاه النفوس بمزيد القبول وتمام البصيرة فهذا كقوله : { كذلك ~~يبين الله لكم الآيات } ( البقرة : 219 ) ففيها معنى التذييل وإن كانت ~~واردة بغير صيغته . ولعل مستعملة في مثله مجاز في الحصول القريب . # # | 2 ( 222 ) { ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النسآء في المحيض ~~ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب ~~التوابين ويحب المتطهرين } . ) 2 # عطف على جملة : { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن } ( البقرة : 221 ) ، ~~بمناسبة أن تحريم نكاح المشركات يؤذن بالتنزه عن أحوال المشركين وكان ~~المشركون لا يقربون نساءهم إذا كن حيضا وكانوا يفرطون في الابتعاد منهن مدة ~~الحيض فناسب تحديد ما يكثر وقوعه وهو من الأحوال التي يخالف فيها المشركون ~~غيرهم ، ويتساءل المسلمون عن أحق المناهج في شأنها . # روي أن السائل عن هذا هو أبو الدحداح ثابت بن الدحداح الأنصاري ، وروي أن ~~السائل أسيد بن حضير ، وروي أنه عباد بن بشر ، فالسؤال حصل في مدة نزول هذه ~~السورة فذكر فيها مع ما سيذكر من الأحكام . # والباعث على السؤال أن أهل يثرب قد امتزجوا باليهود واستنوا بسنتهم في ~~كثير من الأشياء ، وكان اليهود يتباعدون عن الحائض أشد التباعد بحكم ~~التوراة ففي الإصحاح الخامس عشر من سفر اللاويين ( إذا كانت امرأة لها سيل ~~دما في لحمها فسبعة أيام تكون في طمثها وكل من مسها يكون نجسا إلى المساء ~~وكل ما تضطجع عليه يكون نجسا وكل من مس فراشها يغسل ثيابه ويستحم بماء ~~ويكون نجسا إلى المساء وإن ms1175 اضطجع معها رجل فكان طمثها عليه يكون نجسا سبعة ~~أيام ) . وذكر القرطبي أن النصارى لا يمتنعون من ذلك ولا أحسب ذلك صحيحا ~~فليس في الإنجيل ما يدل عليه ، وإن من قبائل العرب من كانت الحائض عندهم ~~مبغوضة PageV02P364 فقد كان بنو سليح أهل بلد الحضر ، وهم من قضاعة نصارى ~~إن حاضت المرأة أخرجوها من المدينة إلى الربض حتى تطهر وفعلوا ذلك بنصرة ~~ابنة الضيزن ملك الحضر ، فكانت الحال مظنة حيرة المسلمين في هذا الأمر تبعث ~~على السؤال عنه . # والمحيض وهو اسم للدم الذي يسيل من رحم المرأة في أوقات منتظمة والمحيض ~~اسم على زنة مفعل منقول من أسماء المصادر شاذا عن قياسها لأن قياس المصدر ~~في مثله فتح العين قال الزجاج ( يقال حاضت حيضا ومحاضا ومحيضا والمصدر في ~~هذا الباب بابه المفعل ( بفتح العين ) لكن المفعل ( بكسر العين ) جيد ) ~~ووجه جودته مشابهته مضارعه لأن المضارع بكسر العين وهو مثل المجيء والمبيت ~~، وعندي أنه لما صار المحيض اسما للدم السائل من المرأة عدل به عن قياس ~~أصله من المصدر إلى زنة اسم المكان وجيء به على زنة المكان للدلالة على أنه ~~صار اسما فخالفوا فيه أوزان الأحداث إشعارا بالنقل فرقا بين المنقول منه ~~والمنقول إليه ، ويقال حيض وهو أصل المصدر : يقال حاضت المرأة إذا سال منها ~~؛ كما يقال حاض السيل إذا فاض ماؤه ومنه سمي الحوض حوضا لأنه يسيل ، أبدلوا ~~ياءه واوا وليس منقولا من اسم المكان ؛ إذ لا مناسبة للنقل منه ، وإنما ~~تكلفه من زعمه مدفوعا بالمحافظة على قياس اسم المكان معرضا عما في تصييره ~~اسما من التوسع في مخالطة قاعدة الاشتقاق . # والمراد من السؤال عن المحيض السؤال عن قربان النساء في المحيض بدلالة ~~الاقتضاء ، وقد علم السائلون ما سألوا عنه والجواب أدل شيء عليه . # والأذى : الضر الذي ليس بفاحش ؛ كما دل عليه الاستثناء في قوله تعالى : { ~~لن يضرونكم إلا أذى } ( آل عمران : 111 ) ، ابتدأ جوابهم عما يصنع الرجل ~~بامرأته الحائض فبين لهم أن الحيض أذى ليكون ما يأتي من النهي ms1176 عن قربان ~~المرأة الحائض نهيا معللا فتتلقاه النفوس على بصيرة وتتهيأ به الأمة ~~للتشريع في أمثاله ، وعبر عنه بأذى إشارة إلى إبطال ما كان من التغليط في ~~شأنه وشأن المرأة الحائض في شريعة التوراة ، وقد أثبت أنه أذى منكر ولم ~~يبين جهته فتعين أن الأذى في مخالطة الرجل للحائض وهو أذى للرجل وللمرأة ~~وللولد ، فأما أذى الرجل فأوله القذارة وأيضا فإن هذا الدم سائل من عضو ~~التناسل للمرأة وهو يشتمل على بييضات دقيقة يكون منها تخلق الأجنة بعد ~~انتهاء الحيض وبعد أن تختلط تلك البييضات بماء الرجل فإذا انغمس في الدم ~~عضو التناسل في الرجل يتسرب إلى قضيبه شيء من ذلك الدم بما فيه فربما احتبس ~~منه جزء في PageV02P365 قناة الذكر فاستحال إلى عفونة تحدث أمراضا معضلة ~~فتحدث بثورا وقروحا لأنه دم قد فسد ويرد أي فيه أجزاء حية تفسد في القضيب ~~فسادا مثل موت الحي فتؤول إلى تعفن . # وأما أذى المرأة فلأن عضو التناسل منها حينئذ بصدد التهيؤ إل إيجاد القوة ~~التناسلية فإذا أزعج كان إزعاجا في وقت اشتغاله بعمل فدخل عليه بذلك مرض ~~وضعف ، وأما الولد فإن النطفة إذا اختلطت بدم الحيض أخذت البييضات في ~~التخلق قبل إبان صلاحيتها للتخلق النافع الذي وقته بعد الجفاف ، وهذا قد ~~عرفه العرب بالتجربة قال أبو كبير الهذلي : # ومبرإ من كل غبر حيضة # وفساد مرضعة وداء معضل # ( غبر الحيضة جمع غبرة ويجمع على غبر وهي آخر الشيء ، يريد لم تحمل به ~~أمه في آخر مدة الحيض ) . والأطباء يقولون إن الجنين المتكون في وقت الحيض ~~قد يجىء مجذوما أو يصاب بالجذام من بعد . # وقوله : { فاعتزلوا النساء في المحيض } تفريع الحكم على العلة ، ~~والاعتزال التباعد بمعزل وهو هنا كناية عن ترك مجامعتهن ، والمجرور بفي : ~~وقت محذوف والتقدير : في زمن المحيض وقد كثرت إنابة المصدر عن ظرف الزمان ~~كما يقولون آتيك طلوع النجم ومقدم الحاج . # والنساء اسم جمع للمرأة لا واحد له من لفظه ، والمراد به هنا الأزواج كما ~~يقتضيه لفظ { اعتزلوا } المخاطب به الرجال ms1177 ، وإنما يعتزل من كان يخالط . # وإطلاق النساء على الأزواج شائع بالإضافة كثيرا نحو : { يا نساء النبي } ~~( الأحزاب : 30 ) ، وبدون إضافة مع القرينة كما هنا ، فالمراد اعتزلوا ~~نساءكم أي اعتزلوا ما هو أخص الأحوال بهن وهو المجامعة . # وقوله : { ولا تقربوهن حتى يطهرن } جاء النهي عن قربانهن تأكيدا للأمر ~~باعتزالهن وتبيينا للمراد من الاعتزال وإنه ليس التباعد عن الأزواج ~~بالأبدان كما كان عند اليهود بل هو عدم القربان ، فكان مقتضى الظاهر أن ~~تكون جملة { ولا تقربوهن } مفصولة بدون عطف ، لأنها مؤكدة لمضمون جملة { ~~فاعتزلوا النساء في المحيض } ومبينة للاعتزال وكلا الأمرين يقتضي الفصل ، ~~ولكن خولف مقتضى الظاهر اهتماما بهذا الحكم ليكون النهي عن القربان مقصودا ~~بالذات معطوفا على التشريعات . # ويكنى عن الجماع بالقربان بكسر القاف مصدر قرب بكسر الراء ولذلك جيء فيه ~~بالمضارع المفتوح العين الذي هو مضارع قرب كسمع متعديا إلى المفعول ؛ فإن ~~PageV02P366 الجماع لم يجىء إلا فيه دون قرب بالضم القاصر يقال قرب منه ~~بمعنى دنا وقربه كذلك واستعماله في المجامعة ، لأن فيها قربا ولكنهم غلبوا ~~قرب المكسور العين فيها دون قرب المضموم تفرقة في الاستعمال ، كما قالوا ~~بعد إذا تجافى مكانه وبعد كمعنى البعد المعنوي ولذلك يدعو بلا يبعد . # وقوله : { حتى يطهرن } غاية لاعتزلوا و { لا تقربوهن } ، والطهر بضم ~~الطاء مصدر معناه النقاء من الوسخ والقذر وفعله طهر بضم الهاء ، وحقيقة ~~الطهر نقاء الذات ، وأطلق في اصطلاح الشرع على النقاء المعنوي وهو طهر ~~الحدث الذي يقدر حصوله للمسلم بسبب ، ويقال تطهر إذا اكتسب الطهارة بفعله ~~حقيقة نحو { يحبون أن يتطهروا } ( التوبة : 108 ) أو مجازا نحو { إنهم أناس ~~يتطهرون } ( الأعراف : 82 ) ، ويقال اطهر بتشديد الطاء وتشديد الهاء وهي ~~صيغة تطهر وقع فيها إدغام التاء في الطاء قال تعالى : { وإن كنتم جنبا ~~فاطهروا } ( المائدة : 6 ) وصيغة التفعل في هذه المادة لمجرد المبالغة في ~~حصول معنى الفعل ولذلك كان إطلاق بعضها في موضع بعض استعمالا فصيحا . # قرأ الجمهور { حتى يطهرن } بصيغة الفعل المجرد ، وقرأ حمزة والكسائي وأبو ~~بكر عن عاصم وخلف { يطهرن ms1178 } بتشديد الطاء والهاء مفتوحتين . # ولما ذكر أن المحيض أذى علم السامع أن الطهر هنا هو النقاء من ذلك الأذى ~~فإن وصف حائض يقابل بطاهر وقد سميت الأقراء أطهارا ، وقد يراد بالتطهر ~~الغسل بالماء كقوله تعالى : { فيه رجال يحبون أن يتطهروا } ( التوبة : 108 ~~) فإن تفسيره الاستنجاء في الخلاء بالماء فإن كان الأول أفاد منع القربان ~~إلى حصول النقاء من دم الحيض بالجفوف وكان قوله تعالى { فإذا تطهرن } بعد ~~ذلك شرطا ثانيا دالا على لزوم تطهر آخر وهو غسل ذلك الأذى بالماء ، لأن ~~صيغة { تطهر } تدل على طهارة معملة ، وإن كان الثاني كان قوله فإذا تطهرن ~~تصريحا بمفهوم الغاية ليبنى عليه قوله { فأتوهن } ، وعلى الاحتمال الثاني ~~جاء قراءة { حتى يطهرن } بتشديد الطاء والهاء فيكون المراد الطهر المكتسب ~~وهو الطهر بالغسل ويتعين على هذه القراءة أن يكون مرادا منه مع معناه لازمه ~~أيضا وهو النقاء من الدم ليقع الغسل موقعه بدليل قوله قبله { فاعتزلوا ~~النساء في المحيض } وبذلك كان مآل القراءتين واحدا ، وقد رجح المبرد قراءة ~~حتى يطهرن بالتشديد قال لأن الوجه أن تكون الكلمتان بمعنى واحد يراد بهما ~~جميعا الغسل وهذا عجيب صدوره منه فإن اختلاف المعنيين إذا لم يحصل منه تضاد ~~أولى لتكون الكلمة الثانية مفيدة شيئا جديدا . PageV02P367 # ورجح الطبري قراءة التشديد قائلا : ( لإجماع الأمة على أنه حرام على ~~الرجل أن يقرب امرأته بعد انقطاع الدم عنها حتى تطهر ) وهو مردود بأن لا ~~حاجة إلى الاستدلال بدليل الإجماع ولا إلى ترجيح القراءة به ، لأن اللفظ ~~كاف في إفادة المنع من قربان الرجل امرأته حتى تطهر بدليل مفهوم الشرط في ~~قوله : { فإذا تطهرن } . # وقد دلت الآية على أن غاية اعتزال النساء في المحيض هي حصول الطهر فإن ~~حملنا الطهر على معناه اللغوي فهو النقاء من الدم ويتعين أن يحمل التطهر في ~~قوله : { فإذا تطهرن } على المعنى الشرعي ، فيحصل من الغاية والشرط اشتراط ~~النقاء والغسل وإلى هذا المعنى ذهب علماء المالكية ونظروه بقوله تعالى : { ~~وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم ms1179 رشدا فادفعوا إليهم ~~أموالهم } ( النساء : 6 ) وإن حمل الطهر في الموضعين على المعنى الشرعي لا ~~سيما على قراءة ( حتى يطهرن ) حصل من مفهوم الغاية ومن الشرط المؤكد له ~~اشتراط الغسل بالماء وهو يستلزم اشتراط النقاء عادة ، إذ لا فائدة في الغسل ~~قبل ذلك . # وأما اشتراط طهارة الحدث فاختلف فقهاء الإسلام في مجمل الطهر الشرعي هنا ~~فقال قوم هو غسل محل الأذى بالماء فذلك يحل قربانها وهذا الذي تدل عليه ~~الآية ، لأن الطهر الشرعي يطلق على إزالة النجاسة وعلى رفع الحدث ، والحائض ~~اتصفت بالأمرين ، والذي يمنع زوجها من قربانها هو الأذى ولا علاقة للقربان ~~بالحدث فوجب أن يكون المراد غسل ذلك الأذى ، وإن كان الطهران متلازمين ~~بالنسبة للمرأة المسلمة فهما غير متلازمين بالنسبة للكتابية . # وقال الجمهور منهم مالك والشافعي هو غسل الجنابة وكأنهم أخذوا بأكمل ~~أفراد هذا الاسم احتياطا ، أو رجعوا فيه إلى عمل المسلمات والمظنون ~~بالمسلمات يومئذ أنهن كن لا يتريثن في الغسل الذي يبيح لهن الصلاة فلا دليل ~~في فعلهن على عدم إجزاء ما دونه ، وذهب مجاهد وطاووس وعكرمة إلى أن الطهر ~~هو وضوء كوضوء الصلاة أي مع الاستنجاء بالماء وهذا شاذ . # وذهب أبو حنيفة وصاحباه إلى التفصيل فقالوا : إن انقطع الدم لأقصى أمد ~~الحيض وهو عشرة أيام عندهم جاز قربانها قبل الاغتسال أي مع غسل المحل خاصة ~~، وإن انقطع الدم لعادة المرأة دون أقصى الحيض لم يصح أن يقربها زوجها إلا ~~إذا اغتسلت أو مضى عليها وقت صلاة ، وإن انقطع لأقل من عادتها لم يحل ~~قربانها ولكنها تغتسل وتصلي احتياطا ولا يقربها زوجها PageV02P368 حتى تكمل ~~مدة عادتها ، وعللوا ذلك بأن انقطاعه لأكثر أمده انقطاع تام لا يخشى بعده ~~رجوعه بخلاف انقطاعه لأقل من ذلك فلزم أن يتقصى أثره بالماء أو بمضي وقت ~~صلاة ، ثم أرادوا أن يجعلوا من هذه الآية دليلا لهذا التفصيل فقال عبد ~~الحكيم السلكوتي ( حتى يطهرن ) قرىء بالتخفيف والتشديد فتنزل القراءتان ~~منزلة آيتين ، ولما كانت إحداهما معارضة الأخرى من حيث اقتضاء قراءة ~~التخفيف الطهر بمعنى ms1180 النقاء واقتضاء الأخرى كونه بمعنى الغسل جمع بين ~~القراءتين بإعمال كل في حالة مخصوصة اه ، وهذا مدرك ضعيف ، إذ لم يعهد عد ~~القراءتين بمنزلة آيتين حتى يثبت التعارض ، سلمنا لكنهما وردتا في وقت واحد ~~فيحمل مطلقهما على مقيدهما بأن نحمل الطهر بمعنى النقاء على أنه مشروط ~~بالغسل ، سلمنا العدول عن هذا التقييد فما هو الدليل الذي خص كل قراءة ~~بحالة من هاتين دون الأخرى أو دون حالات أخر ، فما هذا إلا صنع باليد ، فإن ~~قلت لم بنوا دليلهم على تنزيل القراءتين منزلة الآيتين ولم يبنوه مثلنا على ~~وجود ( يطهرن ) و ( يطهرن ) في موضعين من هذه الآية ، قلت كأن سببه أن ~~الواقعين في الآية هما جزءا آية فلا يمكن اعتبار التعارض بين جزئي آية بل ~~يحملان على أن أحدهما مفسر للآخر أو مقيد له . # وقوله : { فأتوهن } الأمر هنا للإباحة لا محالة لوقوعه عقب النهي مثل { ~~وإذا حللتم فاصطادوا } ( المائدة : 2 ) عبر بالإتيان هنا وهو شهير في ~~التكني به عن الوطء لبيان أن المراد بالقربان المنهي عنه هو الذي المعنى ~~الكنائي فقد عبر بالاعتزال ثم قفي بالقربان ثم قفي بالإتيان ومع كل تعبير ~~فائدة جديدة وحكم جديد وهذا من إبداع الإيجاز في الإطناب . # وقوله : { من حيث أمركم الله } حيث اسم مكان مبهم مبني على الضم ملازم ~~الإضافة إلى جملة تحدده لزوال إبهامها ، وقد أشكل المراد من هذا الظرف على ~~الذين تصدوا لتأويل القرآن وما أرى سبب إشكاله إلا أن المعنى قد اعتاد ~~العرب في التعبير عنه سلوك طريق الكناية والإغماض وكان فهمه موكولا إلى ~~فطنهم ومعتاد تعبيرهم . فقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والربيع أي إلا من حيث ~~أمركم الله بأن تعتزلوهن منه مدة الحيض يعني القبل قال القرطبي ( من ) ~~بمعنى في ونظره بقوله تعالى : { أروني ماذا خلقوا من الأرض } ( الأحقاف : 4 ~~) وقوله : { وإذا نودي للصلاة من يوم الجمعة } ( الجمعة : 9 ) ، وعن ابن ~~عباس وأبي رزين مسعود بن مالك والسدي وقتادة PageV02P369 أن المعنى : من ~~الصفة التي أمركم الله وهي الطهر ، فحيث مجاز في ms1181 الحال أو السبب و ( من ) ~~لابتداء الأسباب فهي بمعنى التعليل . # والذي أراه أن قوله : { من حيث أمركم الله } قد علم السامعون منه أنه أمر ~~من الله كان قد حصل فيما قبل ، وأما ( حيث ) فظرف مكان وقد تستعمل مجازا في ~~التعليل فيجوز أن المراد بأمر الله أمره الذي تضمنته الغاية ب ( حتى ) في ~~قوله : { ولا تقربوهن حتى يطهرن } لأن غاية النهي تنتهي إلى الإباحة فالأمر ~~هو الإذن ، و ( من ) للابتداء المجازي ، و ( حيث ) مستعملة في التعليل ~~مجازا تخييليا أي لأن الله أمركم بأن تأتوهن عند انتهاء غاية النهي بالتطهر ~~. أو المراد بأمر الله أمره الذي به أباح التمتع بالنساء وهو عقد النكاح ، ~~فحرف ( من ) للتعليل والسببية ، و ( حيث ) مستعار للمكان المجازي وهو حالة ~~الإباحة التي قبل النهي كأنهم كانوا محجوزين عن استعمال الإباحة أو حجر ~~عليهم الانتفاع بها ثم أذن لهم باستعمالها فشبهت حالتهم بحالة من حبس عند ~~مكان ثم أطلق سراحه فهو يأتي منه إلى حيث يريد . وعلى هذين المعنيين لا ~~يكون في الآية ما يؤذن بقصد تحديد الإتيان بأن يكون في مكان النسل ، ويعضد ~~هذين المعنيين تذييل الكلام بجملة : { إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ~~} وهو ارتفاق بالمخاطبين بأن ذلك المنع كان لمنفعتهم ليكونوا متطهرين ، ~~وأما ذكر التوابين فهو ادماج للتنويه بشأن التوبة عند ذكر ما يدل على ~~امتثال ما أمرهم الله به من اعتزال النساء في المحيض أي إن التوبة أعظم ~~شأنا من التطهر أي إن نية الامتثال أعظم من تحقق مصلحة التطهر لكم ، لأن ~~التوبة تطهر روحاني والتطهر جثماني . # ويجوز أن يكون قوله : { من حيث أمركم الله } على حقيقة ( من ) في ~~الابتداء وحقيقة ( حيث ) للمكان والمراد المكان الذي كان به أذى الحيض . # وقد قيل : إن جملة { أن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين } معترضة بين ~~جملة { فإذا تطهرن } وجملة { نساؤكم حرث لكم } ( البقرة : 223 ) # $ 2 ( 223 ) { نسآؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا لانفسكم ~~واتقوا الله واعلمو & # 1764 ا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين } . ) 2 $ # هذه الجملة تذييل ms1182 ثان لجملة : فأتوهن من حيث أمركم الله نسآؤكم حرث لكم ~~فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا لانفسكم واتقوا الله واعلمو & # 1764 ا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين } ( البقرة : 222 ) قصد به الارتفاق ~~بالمخاطبين والتأنس لهم لإشعارهم بأن منعهم من قربان النساء في مدة المحيض ~~منع مؤقت لفائدتهم وأن الله PageV02P370 يعلم أن نساءهم محل تعهدهم ~~وملابستهم ليس منعهم منهن في بعض الأحوال بأمر هين عليهم لولا إرادة حفظهم ~~من الأذى ، كقول عمر بن الخطاب لما حمي الحمى ( لولا المال الذي أحمل عليه ~~في سبيل الله ما حميت عليهم من بلادهم شبرا إنها لبلادهم ) وتعتبر جملة { ~~نساؤكم حرث } مقدمة لجملة { فأتوا حرثكم أنى شئتم } وفيها معنى التعليل ~~للإذن بإتيانهن أنى شاءوا ، والعلة قد تجعل مقدمة فلو أوثر معنى التعليل ~~لأخرت عن جملة { فأتوا حرثكم أنى شئتم } ولكن أوثر أن تكون مقدمة للتي ~~بعدها لأنه أحكم نسيج نظم ولتتأتى عقبه الفاء الفصيحة . # والحرث مصدر حرث الأرض إذا شقها بآلة تشق التراب ليزرع في شقوقه زريعة أو ~~تغرس أشجار . وهو هنا مطلق على معنى اسم المفعول . # وإطلاق الحرث على المحروث وأنواعه إطلاق متعدد فيطلق على الأرض المجعولة ~~للزرع أو الغرس كما قال تعالى : { وقالوا هذه أنعام وحرث حجر } ( الأنعام : ~~138 ) أي أرض زرع محجورة على الناس أن يزرعوها . # وقال : { والخيل المسومة والأنعام والحرث } ( آل عمران : 14 ) أي الجنات ~~والحوائط والحقول . # وقال : { كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته } ( ) ل ~~عمران : 117 ) أي فأهلكت زرعهم . # وقال : { فتنادوا مصبحين أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين } ( القلم : ~~22 ) يعنون به جنتهم أي صارمين عراجين التمر . # والحرث في هذه الآية مراد به المحروث بقرينة كونه مفعولا لفعل { فأتوا ~~حرثكم } وليس المراد به المصدر لأن المقام ينبو عنه ، وتشبيه النساء بالحرث ~~تشبيه لطيف كما شبه النسل بالزرع في قول أبي طالب في خطبته خديجة للنبيء ~~صلى الله عليه وسلم ( الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل ) ~~. # والفاء في { فأتوا حرثكم أنى شئتم } فاء فصيحة لابتناء ms1183 ما بعدها على تقرر ~~أن النساء حرث لهم ، لا سيما إذا كانوا قد سألوا عن ذلك بلسان المقال أو ~~بلسان الحال . # وكلمة ( أنى ) اسم لمكان مبهم تبينه جملة مضاف هو إليها ، وقد كثر ~~استعماله مجازا في معنى كيف بتشبيه حال الشيء بمكانه ، لأن كيف اسم للحال ~~المبهمة يبينها عاملها نحو { كيف PageV02P371 يشاء } ( آل عمران : 6 ) وقال ~~في ( لسان العرب ) : إن ( أنى ) تكون بمعنى ( متى ) ، وقد أضيف ( أنى ) في ~~هذه الآية إلى جملة ( شئتم ) والمشيئات شتى فتأوله كثير من المفسرين على ~~حمل ( أني ) على المعنى المجازي وفسره بكيف شئتم وهو تأويل الجمهور الذي ~~عضدوه بما رووه في سبب نزول الآية وفيها روايتان . إحداهما عن جابر بن عبد ~~الله والأخرى عن ابن عباس وتأوله الضحاك على معنى متى شئتم وتأوله جمع على ~~معناه الحقيقي من كونه اسم مكان مبهم ، فمنهم من جعلوه ظرفا لأنه الأصل في ~~أسماء المكان إذا لم يصرح فيها بما يصرف عن معنى الظرفية وفسروه بمعنى في ~~أي مكان من المرأة شئتم وهو المروي في ( صحيح البخاري ) تفسيرا من ابن عمر ~~، ومنهم من جعلوه اسم مكان غير ظرف وقدروا أنه مجرور ب ( من ) ففسروه من أي ~~مكان أو جهة شئتم وهو يئول إلى تفسيره بمعنى كيف ، ونسب القرطبي هذين ~~التأويلين إلى سيبويه . فالذي يتبادر من موقع الآية وتساعد عليه معاني ~~ألفاظها أنها تذييل وارد بعد النهي عن قربان النساء في حال الحيض . فتحمل ( ~~أني ) على معنى متى ويكون المعنى فأتوا نساءكم متى شئتم إذا تطهرن فوزانها ~~وزان قوله تعالى : { وإذا حللتم فاصطادوا بعد قوله : غير محلى الصيد وأنتم ~~حرم } ( المائدة : 2 ) . # ولا مناسبة تبعث لصرف الآية عن هذا المعنى إلا أن ما طار بين علماء السلف ~~ومن بعدهم من الخوض في محامل أخرى لهذه الآية ، وما رووه من آثار في أسباب ~~النزول يضطرنا إلى استفصال البيان في مختلف الأقوال والمحامل مقتنعين بذلك ~~، لما فيه من إشارة إلى اختلاف الفقهاء في معاني الآية ، وإنها لمسألة ~~جديرة بالاهتمام ، على ثقل في ms1184 جريانها ، على الألسنة والأقلام . # روى البخاري ومسلم في ( صحيحهما ) عن جابر بن عبد الله : أن اليهود قالوا ~~إذا أتى الرجل امرأته مجبية جاء الولد أحول ، فسأل المسلمون عن ذلك فنزلت { ~~نساؤكم حرث لكم } الآية وأخرج أبو داود عن ابن عباس قال : كان هذا الحي من ~~الأنصار وهم أهل وثن مع هذا الحي من اليهود وهم أهل كتاب وكانوا يرون لهم ~~فضلا عليهم في العلم فكانوا يقتدون بكثير من فعلهم ، وكان من أمر أهل ~~الكتاب ألا يأتوا النساء إلا على حرف وذلك أستر ما تكون المرأة ، فكان هذا ~~الحي من الأنصار قد أخذوا بذلك ، وكان هذا الحي من قريش PageV02P372 يشرحون ~~النساء شرحا ( أي يطأونهن وهن مستلقيات عن أقفيتهن ) ومقبلات ومدبرات ~~ومستلقيات ، فلما قدم المهاجرون المدينة تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار ~~فذهب يصنع بها ذلك فأنكرته عليه وقالت : إنما كنا نؤتى على حرف فاصنع ذلك ~~وإلا فاجتنبني حتى شري أمرهما ( أي تفاقم اللجاج ) فبلغ ذلك النبي فأنزل ~~الله : { فأتوا حرثكم أنى شئتم } أي مقبلات كن أو مدبرات أو مستلقيات يعني ~~بذلك في موضع الولد ، وروي مثله عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ~~في الترمذي ، وما أخرجه الترمذي عن ابن عباس قال : جاء عمر إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله هلكت قال وما أهلكك ؟ قال : حولت ~~رحلي الليلة ( يريد أنه أتى امرأته وهي مستدبرة ) فلم يرد عليه رسول الله ~~شيئا فأوحى الله إلى رسوله هذه الآية : { نساؤكم حرث لكم } الآية . # وروى البخاري عن نافع قال : كان ابن عمر إذا قرأ القرآن لم يتكلم حتى ~~يفرغ منه فأخذت عليه المصحف يوما فقرأ سورة البقرة حتى انتهى إلى { فأتوا ~~حرثكم أنى شئتم } قال : تدري فيم أنزلت ؟ قلت : لا قال : أنزلت في كذا وكذا ~~وفي رواية عن نافع في البخاري ( يأتيها في . . . . ) ولم يزد وهو يعني في ~~كلتا الروايتين عنه إتيان النساء في أدبارهن كما صرح بذلك في رواية الطبري ~~وإسحاق بن راهويه : أنزلت إتيان النساء في ms1185 أدبارهن ، وروى الدارقطني في ( ~~غرائب مالك ) والطبري عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رجلا أتى امرأته في ~~دبرها فوجد في نفسه من ذلك فأنزل الله { نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى ~~شئتم } وقد روى أن ذلك الرجل هو عبد الله بن عمر ، وعن عطاء بن يسار أن ~~رجلا أصاب امرأته في دبرها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنكر ~~الناس عليه وقالوا : أثفرها فأنزل الله تعالى { نساؤكم حرث لكم } فعلى ~~تأويل هؤلاء يكون قوله تعالى : { نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } ، ~~تشبيها للمرأة بالحرث أي بأرض الحرث وأطلق { فأتوا حرثكم } على معنى : ~~فاحرثوا في أي مكان شئتم . # أقول : قد أجمل كلام الله تعالى هنا ، وأبهم وبين المبهمات بمبهمات من ~~جهة أخرى لاحتمال { أمركم الله } معاني ليس معنى الإيجاب والتشريع منها ، ~~إذ لم يعهد سبق تشريع من الله في هذا كما قدمناه ، ثم أتبع بقوله : { يحب ~~التوابين } ( البقرة : 222 ) فربما أشعر بأن فعلا في هذا البيان كان يرتكب ~~والله يدعو إلى الانكفاف عنه وأتبع بقوله : { ويحب المتطهرين } فأشعر بأن ~~فعلا PageV02P373 في هذا الشأن قد يلتبس بغير التنزه والله يحب التنزه عنه ~~، مع احتمال المحبة عنه لمعنى التفضيل والتكرمة مثل { يحبون أن يتطهروا ~~والله يحب المتطهرين } ( التوبة : 108 ) ، واحتمالها لمعنى : ويبغض غير ذلك ~~، ثم جاء ما هو كالدليل وهو قوله : { نساؤكم حرث لكم } فجعلن حرثا على ~~احتمال وجوه في الشبه ؛ فقد يقال : إنه وكل للمعروف ، وقد يقال : إنه جعل ~~شائعا في المرأة ، فلذلك نيط الحكم بذات النساء كلها ، ثم قال : { فأتوا ~~حرثكم أنى شئتم } فجاء بأنى المحتملة للكيفيات وللأمكنة وهي أصل في الأمكنة ~~ووردت في الكيفيات ، وقد قيل : إنها ترد للأزمنة فاحتمل كونها أمكنة الوصول ~~من هذا الإتيان ، أو أمكنة الورود إلى مكان آخر مقصود فهي أمكنة ابتداء ~~الإتيان أو أمكنة الاستقرار فأجمل في هذا كله إجمال بديع وأثنى ثناء حسن . # واختلاف محامل الآية في أنظار المفسرين والفقهاء طوع علم المتأمل ، وفيها ~~أقوال كثيرة ومذاهب مختلفة لفقهاء ms1186 الأمصار في كتب أحكام القرآن وكتب السنة ~~، وفي دواوين الفقه ، وقد اقتصرنا على الآثار التي تمت إلى الآية بسبب نزول ~~، وتركنا ما عداه إلى أفهام العقول . # { وقدموا لانفسكم واتقوا الله واعلمو & # 1764 ا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين } # عطف على جملة { فأتوا حرثكم } أو على جملة { إن الله يحب التوابين ويحب ~~المتطهرين } . عطف الإنشاء على الخبر ، على أن الجملة المعطوف عليها وإن ~~كانت خبرا فالمقصود منها الأمر بالتوبة والتطهر ؛ فكرر ذلك اهتماما بالحرص ~~على الأعمال الصالحة بعد الكلام على اللذائذ العاجلة . # وحذف مفعول { وقدموا } اختصارا لظهوره ؛ لأن التقديم هنا إعداد الحسنات ~~فإنها بمنزلة الثقل الذي يقدمه المسافر . # وقوله : { لأنفسكم } متعلق ب { قدموا } ، واللام للعلة أي لأجل أنفسكم أي ~~لنفعها ، وقوله : { واتقوا الله } تحريض على امتثال الشرع بتجنب المخالفة ، ~~فيدخل تحته التخلي عن السيئات والتحلي بالواجبات والقربات ، فمضمونها أعم ~~من مضمون جملة { وقدموا لأنفسكم } فلذلك كانت هذه تذييلا . PageV02P374 # وقوله : { واعلموا أنكم ملاقوه } يجمع التحذير والترغيب ، أي فلاقوه بما ~~يرضى به عنكم كقوله : { ووجد الله عنده } ( النور : 39 ) وهو عطف على قوله ~~: { واتقوا الله } . # والملاقاة : مفاعلة من اللقاء وهو الحضور لدى الغير بقصد أو مصادفة . ~~وأصل مادة لقي تقتضي الوقوع بين شيئين فكانت مفيدة معنى المفاعلة بمجردها ، ~~فلذلك كان لقي ولاقى بمعنى واحد ، وإنما أمرهم الله بعلم أنهم ملاقوه مع أن ~~المسلمين يعلمون ذلك تنزيلا لعلمهم منزلة العدم في هذا الشأن ، ليزاد من ~~تعليمهم اهتماما بهذا المعلوم وتنافسا فيه على أننا رأينا أن في افتتاح ~~الجملة بكلمة : { اعلموا } اهتماما بالخبر واستنصاتا له وهي نقطة عظيمة ~~سيأتي الكلام عليها عند قوله تعالى : { واعلموا أن الله يحول بين المرء ~~وقلبه في سورة الأنفال ( 24 ) . # وقد رتبت الجمل الثلاث الأول على عكس ترتيب حصول مضامينها في الخارج ؛ ~~فإن الظاهر أن يكون الإعلام بملاقاة الله هو الحاصل أولا ثم يعقبه الأمر ~~بالتقوى ثم الأمر بأن يقدموا لأنفسهم ، فخولف الظاهر للمبادرة بالأمر ~~بالاستعداد ليوم الجزاء ، وأعقب بالأمر بالتقوى إشعارا بأنها هي الاستعداد ~~ثم ذكروا بأنهم ملاقو الله فجاء ms1187 ذلك بمنزلة التعليل . # وقوله : وبشر المؤمنين } تعقيب للتحذير بالبشارة ، والمراد : المؤمنون ~~الكاملون وهم الذين يسرون بلقاء الله كما جاء : ( من أحب لقاء الله أحب ~~الله لقاءه ) ، وذكر هذه البشارة عقب ما تقدم إشارة إلى أن امتثال الأحكام ~~المتقدمة من كمال الإيمان ، وجملة : { وبشر المؤمنين } ، معطوفة على جملة : ~~{ واعلموا أنكم ملاقوه } ، على الأظهر من جعل جملة : { نساؤكم حرث لكم } ، ~~استئنافا غير معمولة لقل هو أذى ، وإذا جعلت جملة { نساؤكم } من معمول ~~القول كانت جملة { قل هو أذى } ( البقرة : 222 ) معطوفة على جملة : { قل هو ~~أذى } ؛ إذ لا يصح وقوعها مقولا للقول كما اختاره التفتازاني . # # | 2 ( 224 ) { ولا تجعلوا الله عرضة لايمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا ~~بين الناس والله سميع عليم } ) 2 # جملة معطوفة على جملة { نساؤكم حرث لكم } ( البقرة : 223 ) عطف تشريع على ~~تشريع فالمناسبة بين الجملتين تعلق مضمونيهما بأحكام معاشرة الأزواج مع كون ~~مضمون الجملة الأولى منعا من PageV02P375 قربان الأزواج في حالة الحيض ، ~~وكون مضمون هذه الجملة تمهيدا لجملة { للذين يؤلون من نسائهم } ( البقرة : ~~226 ) ، فوقع هذا التمهيد موقع الاعتراض بين جملة { نساؤكم حرث لكم } ، ~~وجملة { للذين يؤلون من نسائهم } وسلك فيه طريق العطف لأنه نهي عطف على نهي ~~في قوله : { ولا تقربوهن حتى يطهرن } ( البقرة : 222 ) . # وقال التفتازاني : الأظهر أنه معطوف على مقدر أي امتثلوا ما أمرت به ولا ~~تجعلوا الله عرضة اه . وفيه تكلف وخلو عن إبداء المناسبة ، وجوز التفتازاني ~~أن يكون معطوفا على الأوامر السابقة وهي { وقدموا } ( البقرة : 223 ) { ~~واتقوا } ( البقرة : 223 ) { واعلموا أنكم ملاقاة } ( البقرة : 223 ) اه أي ~~فالمناسبة أنه لما أمرهم باستحضار يوم لقائه بين لهم شيئا من التقوى دقيق ~~المسلك شديد الخفاء وهو التقوى باحترام الاسم المعظم ؛ فإن التقوى من ~~الأحداث التي إذا تعلقت بالأسماء كان مفادها التعلق بمسمى الاسم لا بلفظه ، ~~لأن الأحكام اللفظية إنما تجري على المدلولات إلا إذا قام دليل على تعلقها ~~بالأسماء مثل سميته محمدا ، فجىء بهذه الآية لبيان ما يترتب على تعظيم اسم ~~الله واتقائه في حرمة أسمائه عند ms1188 الحنث مع بيان ما رخص فيه من الحنث ، أو ~~لبيان التحذير من تعريض اسمه تعالى للاستخفاف بكثرة الحلف حتى لا يضطر إلى ~~الحنث على الوجهين الآتيين ، وبعد هذا التوجيه كله فهو يمنع منه أن مجيء ~~قوله تعالى : { واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه } ( البقرة : 223 ) مجيء ~~التذييل للأحكام السابقة مانع من اعتبار أن يعطف عليه حكم معتد به ، لأنه ~~يطول به التذييل وشأن التذييل الإيجاز . # وقال عبد الحكيم : معطوف على جملة { قل } ( البقرة : 222 ) بتقدير قل أي ~~: وقل لا تجعلوا الله عرضة أو على قوله : { وقدموا } ( البقرة : 223 ) إن ~~جعل قوله : { وقدموا } من جملة مقول { قل } . # وذكر جمع من المفسرين عن ابن جريج أنها نزلت حين حلف أبو بكر الصديق ألا ~~ينفق على قريبه مسطح بن أثاثة لمشاركته الذين تكلموا بخبر الإفك عن عائشة ~~رضي الله عنها ، وقال الواحدي عن الكلبي : نزلت في عبد الله بن رواحة حلف ~~ألا يكلم ختنه على أخته بشير بن النعمان ولا يدخل بيته ولا يصلح بينه وبين ~~امرأته ، وأيا ما كان فواو العطف لا بد أن تربط هذه الجملة بشيء من الكلام ~~الذي قبلها . # وتعليق الجعل بالذات هنا هو على معنى التعليق بالاسم ، فالتقدير : ولا ~~تجعلوا اسم الله ، وحذف لكثرة الاستعمال في مثله عند قيام القرينة لظهور ~~عدم صحة تعلق الفعل بالمسمى كقول النابغة : # حلفت فلم أترك لنفسك ريبة # وليس وراء الله للمرء مذهب # أي وليس بعد اسم الله للمرء مذهب للحلف . PageV02P376 # والعرضة اسم على وزن الفعلة وهو وزن دال على المفعول كالقبضة والمسكة ~~والهزأة ، وهو مشتق من عرضه إذا وضعه على العرض أي الجانب ، ومعنى العرض ~~هنا جعل الشيء حاجزا من قولهم عرض العود على الإناء فنشأ عن ذلك إطلاق ~~العرضة على الحاجز المتعرض ، وهو إطلاق شائع يساوي المعنى الحقيقي ، وأطلقت ~~على ما يكثر جمع الناس حوله فكأنه يعترضهم عن الانصراف وأنشد في ( الكشاف ) ~~: # ولا تجعلوني عرضة للوائم # والآية تحتمل المعنيين . # واللام في قوله : { لأيمانكم } لام التعدية تتعلق بعرضة لما فيها من معنى ~~الفعل ms1189 : أي تجعلوا اسم الله معرضا لأيمانكم فتحلفوا به على الامتناع من ~~البر والتقوى والإصلاح ثم تقولوا سبقت منا يمين ، ويجوز أن تكون اللام ~~للتعليل : أي لا تجعلوا الله عرضة لأجل أيمانكم الصادرة على ألا تبروا . # والأيمان جمع يمين وهو الحلف سمي الحلف يمينا أخذا من اليمين التي هي ~~إحدى اليدين وهي اليد التي يفعل بها الإنسان معظم أفعاله ، وهي اشتقت من ~~اليمن وهو البركة ، لأن اليد اليمنى يتيسر بها الفعل أحسن من اليد الأخرى ، ~~وسمي الحلف يمينا لأن العرب كان من عادتهم إذا تحالفوا أن يمسك المتحالفان ~~أحدهما باليد اليمنى من الآخر قال تعالى : { إن الذين يبايعونك إنما ~~يبايعون الله يد الله فوق أيديهم } ( الفتح : 10 ) فكانوا يقولون أعطى ~~يمينه ، إذا أكد العهد . وشاع ذلك في كلامهم قال كعب بن زهير : # حتى وضعت يمينى لا أنازعه # في كف ذي يسرات قيله القيل # ثم اختصروا فقالوا صدرت منه يمين أو حلف يمينا ، فتسمية الحلف يمينا من ~~تسمية الشيء باسم مقارنه الملازم له ، أو من تسمية الشيء باسم مكانه ؛ كما ~~سموا الماء واديا وإنما المحل في هذه التسمية على هذا الوجه محل تخييلي . # ولما كان غالب أيمانهم في العهود والحلف ، وهو الذي يضع فيه المتعاهدون ~~أيديهم PageV02P377 بعضها في بعض ، شاع إطلاق اليمين على كل حلف ، جريا على ~~غالب الأحوال ؛ فأطلقت اليمين على قسم المرء في خاصة نفسه دون عهد ولا حلف ~~. # والقصد من الحلف يرجع إلى قصد أن يشهد الإنسان الله تعالى على صدقه في ~~خبر أو وعد أو تعليق ، ولذلك يقوله : { بالله } أي أخبر متلبسا بإشهاد الله ~~، أو أعد أو أعلق متلبسا بإشهاد الله على تحقيق ذلك ، فمن أجل ذلك تضمن ~~اليمين معنى قويا في الصدق ، لأن من أشهد بالله على باطل فقد اجترأ عليه ~~واستخف به ، ومما يدل على أن أصل اليمين إشهاد الله ، قوله تعالى : { ويشهد ~~الله على ما في قلبه } ( البقرة : 204 ) كما تقدم ، وقول العرب يعلم الله ~~في مقام الحلف المغلظ ، ولأجله كانت الباء هي أصل حروف ms1190 القسم لدلالتها على ~~الملابسة في أصل معانيها ، وكانت الواو والتاء لاحقتين بها في القسم ~~الإنشائي دون الاستعطافي . # ومعنى الآية إن كانت العرضة بمعنى الحاجز نهي المسلمين عن أن يجعلوا اسم ~~الله حائلا معنويا دون فعل ما حلفوا على تركه من البر والتقوى والإصلاحح ~~بين الناس فاللام للتعليل ، وهي متعلقة بتجعلوا ، و { أن تبروا } متعلق ~~بعرضة على حذف اللام الجارة ، المطرد حذفها مع أن ، أي ولا تجعلوا الله ~~لأجل أن حلفتم به عرضة حاجزا عن فعل البر والإصلاح والتقوى ، فالآية على ~~هذا الوجه نهي عن المحافظة على اليمين إذا كانت المحافظة عليها تمنع من فعل ~~خير شرعي ، وهو نهي تحريم أو تنزيه بحسب حكم الشيء المحلوف على تركه ، ومن ~~لوازمه التحرز حين الحلف وعدم التسرع للأيمان ، إذ لا ينبغي التعرض لكثرة ~~الترخص . # وقد كانت العرب في الجاهلية تغضب فتقسم بالله وبآلهتها وبآبائها ، على ~~الامتناع من شيء ، ليسدوا باليمين باب المراجعة أو الندامة . # وفي ( الكشاف ) ( كان الرجل يحلف على ترك الخير من صلة الرحم ، أو إصلاح ~~ذات البين ، أو إحسان ، ثم يقول أخاف أن أحنث في يميني ، فيترك فعل البر ~~فتكون الآية واردة لإصلاح خلل من أحوالهم . # وقد قيل إن سبب نزولها حلف أبي بكر ألا ينفق على ابن خالته مسطح بن أثاثة ~~لأنه ممن خاضوا في الإفك . ولا تظهر لهذا القول مناسبة بموقع الآية . وقيل ~~: نزلت في حلف عبد الله بن رواحة ألا يكلم ختنه بشير بن النعمان الأنصاري ، ~~PageV02P378 وكان قد طلق أخت عبد الله ثم أراد الرجوع والصلح ، فحلف عبد ~~الله ألا يصلح بينهما . وإما على تقدير أن تكون العرضة بمعنى الشيء المعرض ~~لفعل في غرض ، فالمعنى لا تجعلوا اسم الله معرضا لأن تحلفوا به في الامتناع ~~من البر ، والتقوى ، والإصلاح بين الناس ، فالأيمان على ظاهره ، وهي ~~الأقسام واللام متعلقة بعرضة ، و { أن تبروا } مفعول الأيمان ، بتقدير لا ~~محذوفة بعد ( أن ) والتقدير ألا تبروا ، نظير قوله تعالى : { يبين الله لكم ~~أن تضلوا } ( النساء : 176 ) وهو كثير فتكون الآية نهيا عن ms1191 الحلف بالله على ~~ترك الطاعات ؛ لأن تعظيم الله لا ينبغي أن يكون سببا في قطع ما أمر الله ~~بفعله ، وهذا النهي يسلتزم : أنه إن وقع الحلف على ترك البر والتقوى ~~والإصلاح ، أنه لا حرج في ذلك ، وأنه يكفر عن يمينه ويفعل الخير . أو معناه ~~: لا تجعلوا اسم الله معرضا للحلف ، كما قلنا ، ويكون قوله : { أن تبروا } ~~مفعولا لأجله وهو علة للنهي ؛ أي إنما نهيتكم لتكونوا أبرارا أتقياء مصلحين ~~، وفي قريب من هذا ، قال مالك ( بلغني أنه الحلف بالله في كل شيء ) وعليه ~~فتكون الآية نهيا عن الإسراع بالحلف لأن كثرة الحلف . تعرض الحالف للحنث . ~~وكانت كثرة الأيمان من عادات الجاهلية ، في جملة العوائد الناشئة عن الغضب ~~ونعر الحمق ، فنهى الإسلام عن ذلك ولذلك تمدحوا بقلة الأيمان قال كثير : # قليل الألايى حافظ ليمينه # وإن سبقت منه الألية برت # وفي معنى هذا أن يكون العرضة مستعارا لما يكثر الحلول حوله ، أي لا ~~تجعلوا اسم الله كالشيء المعرض للقاصدين . وليس في الآية على هذه الوجوه ما ~~يفهم الإذن في الحلف بغير الله ، لما تقرر من النهي عن الحلف بغير اسم الله ~~وصفاته . # وقوله : { والله سميع عليم } تذييل ، والمراد منه العلم بالأقوال والنيات ~~، والمقصود لازمه ، وهو الوعد على الامتثال ، على جميع التقادير ، والعذر ~~في الحنث على التقدير الأول ، والتحذير من الحلف على التقدير الثاني . # وقد دلت الآية على معنى عظيم وهو أن تعظيم الله لا ينبغي أن يجعل وسيلة ~~لتعطيل ما يحبه الله من الخير ، فإن المحافظة على البر في اليمين ترجع إلى ~~تعظيم اسم الله تعالى ، وتصديق الشهادة به على الفعل المحلوف عليه ، وهذا ~~وإن كان مقصدا جليلا يشكر عليه الحالف الطالب للبر ؛ لكن التوسل به لقطع ~~الخيرات مما لا يرضى به الله تعالى ، فقد تعارض أمران PageV02P379 مرضيان ~~لله تعالى إذا حصل أحدهما لم يحصل الآخر . والله يأمرنا أن نقدم أحد ~~الأمرين المرضيين له ، وهو ما فيه تعظيمه بطلب إرضائه ، مع نفع خلقه بالبر ~~والتقوى والإصلاح ، دون الأمر الذي فيه إرضاؤه بتعظيم اسمه ms1192 فقط ، إذ قد علم ~~الله تعالى أن تعظيم اسمه قد حصل عند تحرج الحالف من الحنث ، فبر اليمينن ~~أدب مع اسم الله تعالى ، والإتيان بالأعمال الصالحة مرضاة لله ؛ فأمر الله ~~بتقديم مرضاته على الأدب مع اسمه ، كما قيل : الامتثال مقدم على الأدب . ~~وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ( إني لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا ~~منها إلا كفرت عن يميني وفعلت الذي هو خير ) ، ولأجل ذلك لما أقسم أيوب أن ~~يضرب امرأته مائة جلدة ، أمره الله أن يأخذ ضغثا من مائة عصا فيضربها به ، ~~وقد علم الله أن هذا غير مقصد أيوب ؛ ولكن لما لم يرض الله من أيوب أن يضرب ~~امرأته نهاه عن ذلك ، وأمره بالتحلل محافظة على حرص أيوب على البر في يمينه ~~، وكراهته أن يتخلف منه معتاده في تعظيم اسم ربه ، فهذا وجه من التحلة ، ~~أفتى الله به نبيه . ولعل الكفارة لم تكن مشروعة فهي من يسر الإسلام ~~وسماحته ، فقد كفانا الله ذلك إذ شرع لنا تحلة اليمين بالكفارة ؛ ولذلك صار ~~لا يجزىء في الإسلام أن يفعل الحالف مثل ما فعل أيوب . # $ 2 ( 225 ) { لا يؤاخذكم الله باللغو فى & # 1764 أيمانكم ولاكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله غفور حليم } . ) 2 $ # استئناف بياني لأن الآية السابقة لما أفادت النهي عن التسرع بالحلف إفادة ~~صريحة أو التزامية ، كانت نفوس السامعين بحيث يهجس بها التفكر والتطلع إلى ~~حكم اليمين التي تجري على الألسن . ومناسبته لما قبله ظاهرة لا سيما إن ~~جعلت قوله : { ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم } ( البقرة : 224 ) نهيا عن ~~الحلف . # والمؤاخذة مفاعلة من الأخذ بمعنى العد والمحاسبة ، يقال أخذه بكذا أي عده ~~عليه ليعاتبه أو يعاقبه ، قال كعب بن زهير : # لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم # أذنب وإن كثرت في الأقاويل # فالمفاعلة هنا للمبالغة في الأخذ ؛ إذ ليس فيه حصول الفعل من الجانبين . ~~PageV02P380 والمؤاخذة باليمين هي الإلزام بالوفاء بها وعدم الحنث ؛ ويترتب ~~على ذلك أن يأثم إذا وقع الحنث ، إلا ما أذن الله في كفارته ، كما في ms1193 آية ~~سورة العقود . # واللغو مصدر لغا إذا قال كلاما خطئا ، يقال : لغا يلغو لغوا كسعا ، ولغا ~~يلغى لغيا كسعى . ولغة القرآن بالواو . وفي ( اللسان ) : ( أنه لا نظير له ~~إلا قولهم أسوته أسوا وأسى أصلحته ) وفي الكواشي : ( ولغا يلغو لغوا قال ~~باطلا ) ، ويطلق اللغو أيضا على الكلام الساقط ، الذي لا يعتد به ، وهو ~~الخطأ ، وهو إطلاق شائع . وقد اقتصر عليه الزمخشري في ( الأساس ) ولم يجعله ~~مجازا ؛ واقتصر على التفسير به في ( الكشاف ) وتبعه متابعوه . # و ( في ) للظرفية المجازية المراد بها الملابسة ، وهي ظرف مستقر ، صفة ~~اللغو أو حال منه ، وكذلك قدره الكواشي فيكون المعنى على جعل اللغو بمعنى ~~المصدر ، وهو الأظهر : لا يؤاخذكم الله بأن تلغوا لغوا ملابسا للأيمان ، أي ~~لا يؤاخذكم بالأيمان الصادرة صدور اللغو ، أي غير المقصود من القول . فإذا ~~جعلت اللغو اسما بمعنى الكلام الساقط الخاطىء ، لم تصح ظرفيته في الأيمان ، ~~لأنه من الأيمان ، فالظرفية متعلقة بيؤاخذكم ، والمعنى لا يؤاخذكم الله في ~~أيمانكم باللغو ، أي لا يؤاخذكم من بين أيمانكم باليمين اللغو . # والأيمان جمع يمين ، واليمين القسم والحلف ، وهو ذكر اسم الله تعالى ، أو ~~بعض صفاته ، أو بعض شؤونه العليا أو شعائره . فقد كانت العرب تحلف بالله ، ~~وبرب الكعبة ، وبالهدي ، وبمناسك الحج . والقسم عندهم بحرف من حروف القسم ~~الثلاثة : الواو والباء والتاء ، وربما ذكروا لفظ حلفت أو أقسمت ، وربما ~~حلفوا بدماء البدن ، وربما قالوا والدماء ، وقد يدخلون لاما على عمر الله ، ~~يقال : لعمر الله ، ويقولون : عمرك الله ، ولم أر أنهم كانوا يحلفون بأسماء ~~الأصنام . فهذا الحلف الذي يراد به التزام فعل ، أو براءة من حق . وقد ~~يحلفون بأشياء عزيزة عندهم لقصد تأكيد الخبر أو الالتزام ، كقولهم وأبيك ~~ولعمرك ولعمري ، ويحلفون بآبائهم ، ولما جاء الإسلام نهى عن الحلف بغير ~~الله . ومن عادة العرب في القسم أن بعض القسم يقسمون به على التزام فعل ~~يفعله المقسم ليلجىء نفسه إلى عمله ولا يندم عنه ، وهو من قبيل قسم النذر ، ~~فإذا أراد أحد أن يظهر عزمه على فعل لا محالة منه ، ولا ms1194 مطمع لأحد في صرفه ~~عنه ، أكده بالقسم ، قال بلعاء بن قيس : PageV02P381 # وفارسس في غمار الموت منغمس # إذا تألى على مكروهة صدقا # ( أي إذا حلف على أن يقاتل أو يقتل أو نحو ذلك من المصاعب والأضرار ومنه ~~سميت الحرب كريهة ) فصار نطقهم باليمين مؤذنا بالغرم ، وكثر ذلك في ألسنتهم ~~في أغراض التأكيد ونحوه ، حتى صار يجري ذلك على اللسان كما تجري الكلمات ~~الدالة على المعاني من غير إرادة الحلف ، وصارت كثرته في الكلام لا تنحصر ، ~~فكثر التحرج من ذلك في الإسلام قال كثير : # قليل الألايى حافظ ليمينه # وإن سبقت منه الألية برت # فأشبهه جريان الحلف على اللسان اللغو من الكلام . # وقد اختلف العلماء في المراد من لغو اليمين في هذه الآية ، فذهب الجمهور ~~إلى أن اللغو هو اليمين التي تجري على اللسان ، لم يقصد المتكلم بها الحلف ~~، ولكنها جرت مجرى التأكيد أو التنبيه ، كقول العرب : لا والله ، وبلى ~~والله . وقول القائل : والله لقد سمعت من فلان كلاما عجبا ، وغير هذا ليس ~~بلغو ، وهذا قول عائشة ، رواه عنها في ( الموطأ ) و ( الصحاح ) ، وإليه ذهب ~~الشعبي ، وأبو قلابة ، وعكرمة ، ومجاهد ، وأبو صالح ، وأخذ به الشافعي ، ~~والحجة له أن الله قد جعل اللغو قسيما للتي كسبها القلب في هذه الآية ، ~~وللتي عقد عليها الحالف اليمين في قوله : { ولكن يؤاخذكم بما } ( المائدة : ~~89 ) فما عقدتم الأيمان هو ما كسبته القلوب ؛ لأن ما كسبت قلوبكم مبين ، ~~فيحمل عليه مجمل { ما عقدتم } ، فتعين أن تكون اللغو هي التي لا قصد فيها ~~إلى الحلف ، وهي التي تجري على اللسان دون قصد ، وعليه فمعنى نفي المؤاخذة ~~نفي المؤاخذة بالإثم وبالكفارة ؛ لأن نفي الفعل يعم ، فاليمين التي لا قصد ~~فيها لا إثم ولا كفارة عليها ، وغيرها تلزم فيه الكفارة للخروج من الإثم ~~بدليل آية المائدة ؛ إذ فسر المؤاخذة فيها بقوله : { فكفارته إطعام عشرة ~~مساكين } ( المائدة : 89 ) فيكون في الغموس ، وفي يمين التعليق ، وفي ~~اليمين على الظن ، ثم يتبين خلافه ، الكفارة في جميع ذلك . # وقال مالك : ( لغو اليمين أن يحلف على ms1195 شيء يظنه كذلك ثم يتبين خلاف ظنه ) ~~قال في ( الموطأ ) : ( وهذا أحسن ما سمعت إلى في ذلك ) وهو مروي في غير ( ~~الموطأ ) ، عن أبي هريرة ومن قال به الحسن وإبراهيم وقتادة والسدي ومكحول ~~وابن أبي نجيح . ووجهه من الآية : أن الله تعالى جعل المؤاخذة على كسب ~~القلب في اليمين ، ولا تكون PageV02P382 المؤاخذة إلا على الحنث لا أصل ~~القسم ؛ إذ لا مؤاخذة لأجل مجرد الحلف لا سيما مع البر ، فتعين أن يكون ~~المراد من كسب القلب كسبه الحنث أي تعمده الحنث ، فهو الذي فيه المؤاخذة ، ~~والمؤاخذة أجملت في هاته الآية ، وبينت في آية المائدة بالكفارة ، فالحالف ~~على ظن يظهر بعد خلافه لا تعمد عنده للحنث ، فهو اللغو ، فلا مؤاخذة فيه ، ~~أي لا كفارة وأما قول الرجل : لا والله وبلى والله ، وهو كاذب ، فهو عند ~~مالك قسم ليس بلغو ، لأن اللغوية تتعلق بالحنث بعد اعتقاد الصدق ، والقائل ~~: ( لا والله ) كاذبا ، لم يتبين حنثه له بعد اليمين ، بل هو غافل عن كونه ~~حالفا ، فإذا انتبه للحلف وجبت عليه الكفارة ، لأنه حلفها حين حلفها وهو ~~حانث . # وإنما جعلنا تفسير ( ما كسبت قلوبكم ) كسب القلب للحنث ، لأن مساق الآية ~~في الحنث لأن قوله : { ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم } ( البقرة : 224 ) ، ~~إما إذن في الحنث ، أو نهي عن الحلف خشية الحنث ، على الوجهين الماضيين ، ~~وقوله : { لا يؤاخذكم الله بيان وتعليل لذلك ، وحكم البيان حكم المبين ، ~~لأنه عينه . # وقال جماعة : اللغو ما لم يقصد به الكذب ، فتشمل القسمين ، سواء كان بلا ~~قصد كالتي تجري على الألسن في لا والله وبلى والله كان بقصد مع اعتقاد ~~الصدق فتبين خلافه . وممن قال بهذا ابن عباس والشعبي وقال به أبو حنيفة ، ~~فقال : اللغو لا كفارة فيها ولا إثم . واحتج لذلك بأن الله تعالى جعل اللغو ~~هنا ، مقابلا لما كسبته القلوب ، ونفى المؤاخذة عن اللغو وأثبتها لما كسبه ~~القلب ، والمؤاخذة لا محالة على الحنث لا على أصل الحلف ، فاللغو هي التي ~~لا حنث فيها ؛ ولم ير بين آية البقرة وآية المائدة ms1196 تعارضا حتى يحمل إحداهما ~~على الأخرى بل قال : إن آية البقرة جعلت اللغو مقابلا لما كسبه القلب ، ~~وأثبت المؤاخذة لما كسبه القلب أي عزمت عليه النفس ، والمؤاخذة مطلقة تنصرف ~~إلى أكمل أفرادها ، وهي العقوبة الأخروية فيتعين أنه ما كسبته القلوب ، ~~أريد به الغموس ؛ وجعل في آية المائدة اللغو مقابلا للأيمان المعقودة . # والعقد في الأصل : الربط ، وهو معناه لغة ، وقد أضافه إلى الأيمان ، فدل ~~على أنها اليمين التي فيها تعليق ، وقد فسر المؤاخذة فيها بقوله : فكفارته ~~إطعام } ( المائدة : 89 ) الخ ، فظهر من الآيتين أن اللغو ما قابل الغموس ، ~~والمنعقدة ، وهو نوعان لا محالة ، وظهر حكم الغموس ، وهي الحلف بتعمد الكذب ~~، فهو الإثم ، وحكم المنعقدة أنه الكفارة ، فوافق مالكا في الغموس وخالفه ~~في أحد نوعي اللغو ، وهذا تحقيق مذهبه . PageV02P383 وفي اللغو غير هذه ~~المذاهب مذاهب أنهاها ابن عطية إلى عشرة ، لا نطيل بها . # وقوله : { والله غفور حليم } تذييل لحكم نفي المؤاخذة ، ومناسبة اقتران ~~وصف الغفور بالحليم هنا دون الرحيم ، لأن هذه مغفرة لذنب هو من قبيل ~~التقصير في الأدب مع الله تعالى ، فلذلك وصف الله نفسه بالحليم ، لأن ~~الحليم هو الذي لا يستفزه التقصير في جانبه ، ولا يغضب للغفلة ، ويقبل ~~المعذرة . # # | 2 ( 226 ، 227 ) { للذين يؤلون من نسآئهم تربص أربعة أشهر فإن فآءوا ~~فإن الله غفور رحيم * وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم } . ) 2 # استئناف ابتدائي للانتقال إلى تشريع في عمل كان يغلب على الرجال أن ~~يعملوه في الجاهلية ، والإسلام . كان من أشهر الأيمان الحائلة بين البر ~~والتقوى والإصلاح ، أيمان الرجال على مهاجرة نسائهم ، فإنها تجمع الثلاثة ؛ ~~لأن حسن المعاشرة من البر بين المتعاشرين ، وقد أمر الله به في قوله : { ~~وعاشروهن بالمعروف } ( النساء : 19 ) فامتثاله من التقوى ، ولأن دوامه من ~~دوام الإصلاح ، ويحدث بفقده الشقاق ، وهو مناف للتقوى . وقد كان الرجل في ~~الجاهلية يولي من امرأته السنة والسنتين ، ولا تنحل يمينه إلا بعد مضي تلك ~~المدة ، ولا كلام للمرأة في ذلك . # وعن سعيد بن المسيب : ( كان الرجل في الجاهلية لا يريد ms1197 المرأة ، ولا يحب ~~أن يطلقها ، لئلا يتزوجها غيره ، فكان يحلف ألا يقربها مضارة للمرأة ) أي ~~ويقسم على ذلك لكيلا يعود إليها إذا حصل له شيء من الندم . قال : ( ثم كان ~~أهل الإسلام يفعلون ذلك ، فأزال الله ذلك ، وأمهل للزوج مدة حتى يتروى ) ~~فكان هذا الحكم من أهم المقاصد في أحكام الأيمان ، التي مهد لها بقوله : { ~~ولا تجعلوا الله عرضة } ( البقرة : 224 ) . # والإيلاء : الحلف ، وظاهر كلام أهل اللغة أنه الحلف مطلقا يقال آلى يولي ~~إيلاء ، وتألى يتألى تأليا ، وائتلى يأتلي ائتلاء ، والاسم الألوة والألية ~~، كلاهما بالتشديد ، وهو واوي فالألوة فعولة والألية فعيلة . # وقال الراغب : ( الإيلاء حلف يقتضي التقصير في المحلوف عليه مشتق من ~~الألو وهو PageV02P384 التقصير قال تعالى : { لا يألونكم خبالا } ( آل ~~عمران : 118 ) { ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة } ( النور : 22 ) وصار ~~في الشرع الحلف المخصوص ) فيؤخذ من كلام الراغب أن الإيلاء حلف على ~~الامتناع والترك ؛ لأن التقصير لا يتحقق بغير معنى الترك ؛ وهو الذي يشهد ~~به أصل الاشتقاق من الألو ، وتشهد به موارد الاستعمال ، لأنا نجدهم لا ~~يذكرون حرف النفي بعد فعل آلى ونحوه كثيرا ، ويذكرونه كثيرا ، قال المتلمس ~~: # آليت حب العراقق الدهر أطعمه # وقال تعالى : { ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا } ( النور : ~~22 ) أي على أن يؤتوا وقال تعالى هنا : { للذين يؤلون من نسائهم } فعداه ~~بمن ، ولا حاجة إلى دعوى الحذف والتضمين . وأيا ما كان فالإيلاء بعد نزول ~~هذه الآية ، صار حقيقة شرعية في هذا الحلف على الوصف المخصوص . # ومجيء اللام في { للذين يؤلون } لبيان أن التربص جعل توسعة عليهم ، ~~فاللام للأجل مثل هذا لك ويعلم منه معنى التخيير فيه ، أي ليس التربص بواجب ~~، فللمولى أن يفىء في أقل من الأشهر الأربعة . وعدى فعل الإيلاء بمن ، مع ~~أن حقه أن يعدى بعلى ؛ لأنه ضمن هنا معنى البعد ، فعدي بالحرف المناسب لفعل ~~البعد ، كأنه قال : للذين يؤلون متباعدين من نسائهم ، فمن للابتداء المجازي ~~. # والنساء : الزوجات كما تقدم في قوله : { فاعتزلوا النساء في المحيض } ( ~~البقرة : 222 ) وتعليق الإيلاء ms1198 باسم النساء من باب إضافة التحليل والتحريم ~~ونحوهما إلى الأعيان ، مثل { حرمت عليكم أمهاتكم } ( النساء : 23 ) وقد ~~تقدم في قوله تعالى : { إنما حرم عليكم الميتة } ( البقرة : 173 ) . # والتربص : انتظار حصول شيء لغير المنتظر ، وسيأتي الكلام عليه عند قوله ~~تعالى : { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } ( البقرة : 228 ) ، ~~وإضافة تربص إلى أربعة أشهر إضافة على معنى ( في ) كقوله تعالى : { بل مكر ~~الليل } ( سبأ : 33 ) . # وتقديم { للذين يؤلون } على المبتدأ المسند إليه ، وهو تربص ، للاهتمام ~~بهذه التوسعة التي وسع الله على الأزواج ، وتشويق لذكر المسند إليه . و { ~~فاءوا } رجعوا أي رجعوا إلى قربان النساء ، وحذف متعلق { فاءوا } بالظهور ~~المقصود . والفيئة تكون بالتكفير عن اليمين المذكورة في سورة العقود . ~~PageV02P385 # وقوله : { فإن الله غفور رحيم } دليل الجواب ، أي فحنثهم في يمين الإيلاء ~~مغفور لهم ؛ لأن الله غفور رحيم . وفيه إيذان بأن الإيلاء حرام ، لأن شأن ~~إيلائهم الوارد فيه القرآن ، قصد الإضرار بالمرأة . وقد يكون الإيلاء مباحا ~~إذا لم يقصد به الإضرار ولم تطل مدته كالذي يكون لقصد التأديب ، أو لقصد ~~آخر معتبر شرعا ، غير قصد الإضرار المذموم شرعا . وقد آلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم من نسائه شهرا ، قيل : لمرض كان برجله ، وقيل : لأجل تأديبهن ؛ ~~لأنهن قد لقين من سعة حلمه ورفقه ما حدا ببعضهن إلى الإفراط في الإدلال ، ~~وحمل البقية على الاقتداء بالأخريات ، أو على استحسان ذلك . والله ورسوله ~~أعلم ببواطن الأمور . # وأما جواز الإيلاء للمصلحة كالخوف على الولد من الغيل ، وكالحمية من بعض ~~الأمراض في الرجل والمرأة ، فإباحته حاصلة من أدلة المصلحة ونفي المضرة ، ~~وإنما يحصل ذلك بالحلف عند بعض الناس ، لما فيهم من ضعف العزم واتهام ~~أنفسهم بالفلتة في الأمر ، إن لم يقيدوها بالحلف . # وعزم الطلاق : التصميم عليه ، واستقرار الرأي فيه بعد التأمل وهو شيء لا ~~يحصل لكل مولل من تلقاء نفسه ، وخاصة إذا كان غالب القصد من الإيلاء ~~المغاضبة والمضارة ، فقوله : { وإن عزموا الطلاق } دليل على شرط محذوف ، دل ~~عليه قوله : { فإن فاءو } فالتقدير : وإن لم يفيئوا فقد وجب عليهم الطلاق ms1199 ، ~~فهم بخير النظرين بين أن يفيئوا أو يطلقوا فإن عزموا الطلاق فقد وقع طلاقهم ~~. # وقوله { فإن الله سميع عليم } دليل الجواب ، أي فقد لزمهم وأمضى طلاقهم ، ~~فقد حد الله للرجال في الإيلاء أجلا محدودا ، لا يتجاوزونه ، فإما أن ~~يعودوا إلى مضاجعة أزواجهم ، وإما أن يطلقوا ، ولا نمدوحة لهم غير هذين . # وقد جعل الله للمولي أجلا وغاية ، أما الأجل فاتفق عليه علماء الإسلام ، ~~واختلفوا في الحالف على أقل من أربعة أشهر ، فالأئمة الأربعة على أنه ليس ~~بإيلاء ، وبعض العلماء : كإسحاق بن راهويه وحماد يقول : هو إيلاء ، ولا ~~ثمرة لهذا الخلاف فيما يظهر ، إلا ما يترتب على الحلف بقصد الضر من تأديب ~~القاضي إياه إذا رفعت زوجه أمرها إلى القاضي ومن أمره إياه بالفيئة . ~~PageV02P386 # وأما الغاية فاختلفوا أيضا في الحاصل بعد مضي الأجل ، فقال مالك والشافعي ~~: إن رفعته امرأته بعد ذلك يوقف لدى الحاكم ، فإما أن يفىء أو يطلق بنفسه ، ~~أو يطلق الحاكم عليه ، وروي ذلك عن اثنى عشر من أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم وقال أبو حنيفة : إن مضت المدة ولم يفيء فقد بانت منه ، واتفق الجميع ~~على أن غير القادر يكفي أن يفيء بالعزم ، والنية ، وبالتصريح لدى الحاكم ، ~~كالمريض والمسجون والمسافر . # واحتج المالكية بأن الله تعالى قال : { فإن الله سميع عليم } فدل على أن ~~هنالك مسموعا ؛ لأن وصف الله بالسميع معناه العليم بالمسموعات ، على قول ~~المحققين من المتكلمين ، لا سيما وقد قرن بعليم ، فلم يبق مجال لاحتمال قول ~~القائلين من المتكلمين بأن السميع مرادف للعليم وليس المسموع إلا لفظ ~~المولي ، أو لفظ الحاكم ، دون البينونة الاعتبارية . وقوله { عليم } يرجع ~~للنية والقصد . وقال الحنفية { سميع } لإيلائه ، الذي صار طلاقا بمضي أجله ~~، كأنهم يريدون أن صيغة الإيلاء جعلها الشرع سبب طلاق ، بشرط مضي الأمد { ~~عليم } بنية العازم على ترك الفيئة . وقول المالكية أصح ؛ لأن قوله : { فإن ~~الله سميع عليم } جعل مفرعا عن عزم الطلاق لا عن أصل الإيلاء ؛ ولأن تحديد ~~الآجال وتنهيتها موكول للحكام . # وقد خفي على الناس وجه التأجيل بأربعة ms1200 أشهر ، وهو أجل حدده الله تعالى ، ~~ولم نطلع على حكمته ، وتلك المدة ثلث العام ، فلعلها ترجع إلى أن مثلها ~~يعتبر زمنا طويلا ، فإن الثلث اعتبر معظم الشيء المقسوم ، مثل ثلث المال في ~~الوصية ، وأشار به النبي عليه الصلاة والسلام على عبد الله بن عمرو بن ~~العاص في صوم الدهر . وحاول بعض العلماء توجيهه بما وقع في قصة مأثورة عن ~~عمر بن الخطاب ، وعزا ابن كثير في ( تفسيره ) روايتها لمالك في ( الموطأ ) ~~عن عبد الله بن دينار . ولا يوجد هذا في الروايات الموجودة لدينا : وهي ~~رواية يحيى بن يحيى الليثي ، ولا رواية ابن القاسم والقعنبي وسويد بن سعيد ~~ومحمد بن الحسن الشيباني ، ولا رواية يحيى بن يحيى بن بكير التميمي التي ~~يرويها المهدي بن تومرت ، فهذه الروايات التي لدينا فلعلها مذكورة في رواية ~~أخرى لم نقف عليها . وقد ذكر هذه القصة أبو الوليد الباجي في شرحه على ~~الموطأ المسمى ( بالمنتقى ) ، ولم يعزها إلى شيء من روايات ( الموطأ ) : أن ~~عمر خرج ليلة يطوف بالمدينة يتعرف أحوال الناس فمر بدار سمع امرأة بها تنشد ~~: PageV02P387 # ألا طال هذا الليل واسود جانبه # وأرقني أن لا خليل ألاعبه # فلولا حذار الله لا شيء غيره # لزعزع من هذا السرير جوانبه # فاستدعاها من الغد فأخبرته أن زوجها أرسل في بعث العراق ، فاستدعى عمر ~~نساء فسألهن عن المدة التي تستطيع المرأة فيها الصبر على زوجها قلن شهران ~~ويقل صبرها في ثلاثة أشهر ، وينفد في أربعة أشهر وقيل إنه سأل ابنته حفصة ~~فأمر عمر قواد الأجناد ألا يمسكوا الرجل في الغزو أكثر من أربعة أشهر ، ~~فإذا مضت استرد الغازين ووجه قوما آخرين . # $ 2 ( 228 ) { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قرو & # 1764 ء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله فى & # 1764 أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الاخر وبعولتهن أحق بردهن في ذالك ~~إن أرادو & # 1764 ا إصلاحا ولهن مثل الذى عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله ~~عزيز حكيم } . ) 2 $ # عطف على الجملة قبلها لشدة المناسبة وللاتحاد في الحكم وهو ms1201 التربص ، إذ ~~كلاهما انتظار لأجل المراجعة ، ولذلك لم يقدم قوله : الطلاق مرتان ~~والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قرو & # 1764 ء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله فى & # 1764 أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الاخر وبعولتهن أحق بردهن في ذالك ~~إن أرادو & # 1764 ا إصلاحا ولهن مثل الذى عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله ~~عزيز حكيم } ( البقرة : 229 ) على قوله : { والمطلقات يتربصن } لأن هذه ~~الآي جاءت متناسقة منتظمة على حسب مناسبات الانتقال على عادة القرآن في ~~إبداع الأحكام وإلقائها بأسلوب سهل لا تسأم له النفس ، ولا يجيء على صورة ~~التعليم والدرس . # وسيأتي كلامنا على الطلاق عند قوله تعالى : { الطلاق مرتان } . # وجملة { والمطلقات يتربصن } خبرية مراد بها الأمر ، فالخبر مستعمل في ~~الإنشاء وهو مجاز فيجوز جعله مجازا مرسلا مركبا ، باستعمال الخبر في لازم ~~معناه ، وهو التقرر والحصول ، وهو الوجه الذي اختاره التفتازاني في قوله ~~تعالى : { أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار } ( الزمر : 19 ~~) بأن يكون الخبر مستعملا في المعنى المركب الإنشائي ، بعلاقة اللزوم بين ~~الأمر مثلا كما هنا وبين الامتثال ، حتى يقدر المأمور فاعلا فيخبر عنه ~~ويجوز جعله مجازا تمثيليا كما اختاره الزمخشري في هذه الآية إذ قال : ( ~~فكأنهن امتثلن الأمر بالتربص فهو يخبر عنه موجودا ، ونحوه قولهم في الدعاء ~~: رحمه الله ثقة بالاستجابة ) قال التفتازاني : فهو PageV02P388 تشبيه ما ~~هو مطلوب الوقوع بما هو محقق الوقوع في الماضي كما في قول الناس : رحمه ~~الله ، أو في المستقبل ، أو الحال ، كما في هذه الآية . قلت : وقد تقدم في ~~قوله تعالى : { فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج } ( البقرة : 197 ) وأنه ~~أطلق المركب الدال على الهيئة المشبه بها على الهيئة المشبهة . # والتعريف في ( المطلقات ) تعريف الجنس ، وهو مفيد للاستغراق ، إذ لا يصلح ~~لغيره هنا . وهو عام في المطلقات ذوات القروء بقرينة قوله : { يتربصن ~~بأنفسهن ثلاثة قروء } ، إذ لا يتصور ذلك في غيرهن ، فالآية عامة في ~~المطلقات ذوات القروء ، وليس هذا بعام مخصوص في هذه ، بمتصل ولا بمنفصل ms1202 ، ~~ولا مراد به الخصوص ، بل هو عام في الجنس الموصوف بالصفة المقدرة التي هي ~~من دلالة الاقتضاء ، فالآية عامة في المطلقات ذوات القروء ، وهي مخصصة ~~بالحرائر دون الإماء ، فأخرجت الإماء بما ثبت في السنة أن عدة الأمة حيضتان ~~، رواه أبو داود والترمذي ، فهي شاملة لجنس المطلقات ذوات القروء ، ولا ~~علاقة لها بغيرهن من المطلقات ، مثل المطلقات اللاتي لسن من ذوات القروء ، ~~وهن النساء اللاتي لم يبلغن سن المحيض ، والآيسات من المحيض ، والحوامل ، ~~وقد بين حكمهن في سورة الطلاق ، إلا أنها يخرج عن دلالتها المطلقات قبل ~~البناء من ذوات القروء ، فهن مخصوصات من هذا العموم بقوله تعالى : { يا ~~أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم ~~عليهن من عدة تعتدونها } ( الأحزاب : 49 ) فهي في ذلك عام مخصوص بمخصص ~~منفصل . # وقال المالكية والشافعية : إنها عام مخصوص منه الأصناف الأربعة بمخصصات ~~منفصلة ، وفيه نظر فيما عدا المطلقة قبل البناء ، وهي عند الحنفية عام أريد ~~به الخصوص بقرينة ، أي بقرينة دلالة الأحكام الثابتة لتلك الأصناف . وإنما ~~لجأوا إلى ذلك لأنهم يرون المخصص المنفصل ناسخا ، وشرط النسخ تقرر المنسوخ ~~، ولم يثبت وقوع الاعتداد في الإسلام بالأقراء لكل المطلقات . # والحق أن دعوى كون المخصص المنفصل ناسخا ، أصل غير جدير بالتأصيل ؛ لأن ~~تخصيص العام هو وروده مخرجا منه بعض الأفراد بدليلل ، فإن مجيء العمومات ~~بعد الخصوصات كثير ، ولا يمكن فيه القول بنسخ العام للخاص لظهور بطلانه ولا ~~بنسخ الخاص للعام لظهور سبقه ، والناسخ لا يسبق وبعد ، فمهما لم يقع عمل ~~بالعموم فالتخصيص ليس بنسخ . PageV02P389 # و { يتربصن بأنفسهن } أي يتلبثن وينتظرن مرور ثلاثة قروء ، وزيد { ~~بأنفسهن } تعريضا بهن ، بإظهار حالهن في مظهر المستعجلات ، الراميات ~~بأنفسهن إلى التزوج ، فلذلك أمرن أن يتربصن بأنفسهن ، أي يمسكنهن ولا ~~يرسلنهن إلى الرجال . قال في ( الكشاف ) : ( ففي ذكر الأنفس تهييج لهن على ~~التربص وزيادة بعث ؛ لأن فيه ما يستنكفن منه فيحملهن على أن يتربصن ) وقد ~~زعم بعض النحاة أن { بأنفسهن } تأكيد لضمير ( المطلقات ) ، وأن الباء زائدة ~~، ومن ms1203 هنالك قال بزيادة الباء في التوكيد المعنوي ، ذكره صاحب ( المغني ) ~~ورده من جهة اللفظ بأن حق توكيد الضمير المتصل أن يكون بعد ذكر الضمير ~~المنفصل أو بفاصل آخر ، إلا أن يقال : اكتفى بحرف الجر ؛ ومن جهة المعنى ~~بأن التوكيد لا داعي إليه إذ لا يذهب عقل السامع إلى أن المأمور غير ~~المطلقات الذي هو المبتدأ ، الذي تضمن الضمير خبره . # وانتصب { ثلاثة قروء } ، على النيابة عن المفعول فيه ؛ لأن الكلام على ~~تقدير مضاف ؛ أي مدة ثلاثة قروء ، فلما حذف المضاف خلفه المضاف إليه في ~~الإعراب . # والقروء جمع قرء بفتح القاف وضمها وهو مشترك للحيض والطهر . وقال أبو ~~عبيدة : إنه موضوع للانتقال من الطهر إلى الحيض ، أو من الحيض إلى الطهر ، ~~فلذلك إذا أطلق على الطهر أو على الحيض كان إطلاقا على أحد طرفيه ، وتبعه ~~الراغب ، ولعلهما أرادا بذلك وجه إطلاقه على الضدين . وأحسب أن أشهر معاني ~~القرء عند العرب هو الطهر ، ولذلك ورد في حديث عمر أن ابنه عبد الله لما ~~طلق امرأته في الحيض سأل عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، وما ~~سؤاله إلا من أجل أنهم كانوا لا يطلقون إلا في حال الطهر ليكون الطهر الذي ~~وقع فيه الطلاق مبدأ الاعتداد ، وكون الطهر الذي طلقت فيه هو مبدأ الاعتداد ~~هو قول جميع الفقهاء ما عدا ابن شهاب فإنه قال : يلغى الطهر الذي وقع فيه ~~الطلاق . # واختلف العلماء في المراد من القروء في هذه الآية ، والذي عليه فقهاء ~~المدينة وجمهور أهل الأثر أن القرء هو الطهر وهذا قول عائشة وزيد بن ثابت ~~وابن عمر وجماعة من الصحابة من فقهاء المدينة ومالك والشافعي في أوضح ~~كلاميه ، وابن حنبل . والمراد به الطهر الواقع بين دمين . وقال علي وعمر ~~وابن مسعود وأبو حنيفة والثوري وابن أبي ليلى وجماعة إنه الحيض . وعن ~~الشافعي في أحد قوليه أنه الطهر المنتقل منه إلى الحيض ، PageV02P390 وهو ~~وفاق لما فسر به أبو عبيدة ، وليس هو بمخالف لقول الجمهور : إن القرء الطهر ~~، فلا وجه لعده قولا ms1204 ثالثا . # ومرجع النظر عندي في هذا إلى الجمع بين مقصدي الشارع من العدة وذلك أن ~~العدة قصد منها تحقق براءة رحم المطلقة من حمل المطلق ، وانتطار الزوج لعله ~~أن يرجع . فبراءة الرحم تحصل بحيضة أو طهر واحد ، وما زاد عليه تمديد في ~~المدة انتظارا للرجعة . فالحيضة الواحدة قد جعلت علامة على براءة الرحم ، ~~في استبراء الأمة في انتقال الملك ، وفي السبايا ، وفي أحوال أخرى ، مختلفا ~~في بعضها بين الفقهاء ، فتعين أن ما زاد على حيض واحد ليس لتحقق عدم الحمل ~~، بل لأن في تلك المدة رفقا بالمطلق ، ومشقة على المطلقة ، فتعارض المقصدان ~~، وقد رجح حق المطلق في انتظاره أمدا بعد حصول الحيضة الأولى وانتهائها ، ~~وحصول الطهر بعدها ، فالذين جعلوا القروء أطهارا راعوا التخفيف عن المرأة ، ~~مع حصول الإمهال للزوج ، واعتضدوا بالأثر . والذين جعلوا القروء حيضات ~~زادوا للمطلق إمهالا ؛ لأن الطلاق لا يكون إلا في طهر عند الجميع ، كما ورد ~~في حديث عمر بن الخطاب في الصحيح ، واتفقوا على أن الطهر الذي وقع الطلاق ~~فيه معدود في الثلاثة القروء . # وقروء صيغة جمع الكثرة ، استعمل في الثلاثة ، وهي قلة توسعا ، على ~~عاداتهم في الجموع أنها تتناوب ، فأوثر في الآية الأخف مع أمن اللبس بوجود ~~صريح العدد . وبانتهاء القروء الثلاثة تنقضي مدة العدة ، وتبين المطلقة ~~الرجعية من مفارقها ، وذلك حين ينقضي الطهر الثالث وتدخل في الحيضة الرابعة ~~، قال الجمهور : إذا رأت أول نقطة الحيضة الثالثة خرجت من العدة ، بعد تحقق ~~أنه دم الحيض . # ومن أغرب الاستدلال لكون القرء الطهر الاستدلال بتأنيث اسم العدد في قوله ~~تعالى : { ثلاثة قروء } . قالوا : والطهر مذكر فلذلك ذكر معه لفظ ( ثلاثة ) ~~، ولو كان القرء الحيضة والحيض مؤنث لقال ثلاث قروء ، حكاه ابن العربي في ( ~~الأحكام ) ، عن علمائنا ، يعني المالكية ولم يتعقبه وهو استدلال غير ناهض ؛ ~~فإن المنظور إليه في التذكير والتأنيث إما المسمى إذا كان التذكير والتأنيث ~~حقيقيا ، وإلا فهو حال الاسم من الاقتران بعلامة التأنيث اللفظي ، أو إجراء ~~الاسم على اعتبار تأنيث مقدر مثل اسم البئر ، وأما ms1205 هذا الاستدلال فقد لبس ~~حكم اللفظ بحكم أحد مرادفيه . PageV02P391 # وقوله تعالى : { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن } إخبار عن ~~انتفاء إباحة الكتمان ، وذلك مقتضى الإعلام بأن كتمانهن منهي عنه محرم ، ~~فهو خبر عن التشريع ، فهو إعلام لهن بذلك ، وما خلق الله في أرحامهن هو ~~الدم ومعناه كتم الخبر عنه لا كتمان ذاته ، كقول النابغة : ( كتمتك ليلا ~~بالجمومين ساهرا ) أي كتمتك حال ليل . # و { ما خلق الله في أرحامهن } موصول ، فيجوز حمله على العهد ، أي ما خلاق ~~من الحيض بقرينة السياق . ويجوز حمله على معنى المعرف بلام الجنس فيعم ~~الحيض والحمل ، وهو الظاهر وهو من العام الوارد على سبب خاص ؛ لأن اللفظ ~~العام الوارد في القرآن عقب ذكر بعض أفراده ، قد ألحقوه بالعام الوارد على ~~سبب خاص ، فأما من يقصر لفظ العموم في مثله على خصوص ما ذكر قبله ، فيكون ~~إلحاق الحوامل بطريق القياس ، لأن الحكم نيط بكتمان ما خلق الله في أرحامهن ~~. وهذا محمل اختلاف المفسرين ، فقال عكرمة والزهري والنخعي : ( ما خلق الله ~~في أرحامهن ) الحيض ، وقال ابن عباس وعمر : الحمل ، وقال مجاهد : الحمل ~~والحيض ، وهو أظهر ، وقال قتادة : كانت عادة نساء الجاهلية أن يكتمن الحمل ~~ليلحق الولد بالزوج الجديد ( أي لئلا يبقى بين المطلقة ومطلقها صلة ولا ~~تنازع في الأولاد ) وفي ذلك نزلت ، وهذا يقتضي أن العدة لم تكن موجودة فيهم ~~، وأما مع مشروعية العدة فلا يتصور كتمان الحمل ؛ لأن الحمل لا يكون إلا مع ~~انقطاع الحيض ، وإذ مضت مدة الأقراء تبين أن الحمل من الزوج الجديد . # وقوله : { إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر } شرط أريد به التهديد دون ~~التقييد ، فهو مستعمل في معنى غير معنى التقييد ، على طريقة المجاز المرسل ~~التمثيلي ، كما يستعمل الخبر في التحسر والتهديد ، لأنه لا معنى لتقييد نفي ~~الحمل بكونهن مؤمنات ، وإن كان كذلك في نفس الأمر ، لأن الكوافر لا يمتثلن ~~لحكم الحلال والحرام الإسلامي ، وإنما المعنى أنهن إن كتمن فهن لا يؤمن ~~بالله واليوم الآخر ؛ إذ ليس من شأن ms1206 المؤمنات هذا الكتمان . # وجيء في هذا الشرط بإن ، لأنها أصل أدوات الشرط ، ما لم يكن هنالك مقصد ~~لتحقيق حصول الشرط فيؤتى بإذا ، فإذا كان الشرط مفروضا ، فرضا لا قصد ~~لتحقيقه ولا لعدمه جيء بإن . وليس لأن هنا ، شيء من معنى الشك في حصول ~~الشرط ، ولا تنزيل إيمانهن المحقق منزلة المشكوك ، لأنه لا يستقيم ، خلافا ~~لما قرره عبد الحكيم . PageV02P392 # والمراد بالإيمان بالله واليوم الآخر الإيمان الكامل ، وهو الإيمان بما ~~جاء به دين الإسلام ، فليس إيمان أهل الكتاب بالله واليوم الآخر بمراد هنا ~~؛ إذ لا معنى لربط نفي الحمل في الإسلام بثبوت إيمان أهل الكتاب . # وليس في الآية دليل على تصديق النساء في دعوى الحمل والحيض كما يجري على ~~ألسنة كثير من الفقهاء ، فلا بد من مراعاة أن يكون قولهن مشبها ، ومتى ~~ارتيب في صدقهن وجب المصير إلى ما هو المحقق ، وإلى قول الأطباء والعارفين ~~. ولذلك قال مالك : ( لو ادعت ذات القروء انقضاء عدتها في مدة شهر من يوم ~~الطلاق لم تصدق ، ولا تصدق في أقل من خمسة وأربعين يوما مع يمينها ) وقال ~~عبد الملك : خمسون يوما ، وقال ابن العربي : لا تصدق في أقل من ثلاثة أشهر ~~، لأنه الغالب في المدة التي تحصل فيها ثلاثة قروء ، وجرى به عمل تونس كما ~~نقله ابن ناجي ، وعمل فاس كما نقله السجلماسي . # وفي الآية دلالة على أن المطلقة الكتابية لا تصدق في قولها إنها انقضت ~~عدتها . # وقوله : { وبعولتهن } . البعولة جمع بعل ، والبعل اسم زوج المرأة . وأصل ~~البعل في كلامهم ، السيد . وهو كلمة سامية قديمة ، فقد سمى الكنعانيون ( ~~الفينقيون ) معبودهم بعلا قال تعالى : { أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين ~~} ( الصافات : 125 ) وسمي به الزوج لأنه ملك أمر عصمة زوجه ، ولأن الزوج ~~كان يعتبر مالكا للمرأة وسيدا لها ، فكان حقيقا بهذا الاسم ، ثم لما ارتقى ~~نظام العائلة من عهد إبراهيم عليه السلام فما بعده من الشرائع ، أخذ معنى ~~الملك في الزوجية يضعف ، فأطلق العرب لفظ الزوج على كل من الرجل والمرأة ، ~~اللذين بينهما عصمة نكاح ، وهو إطلاق عادل ms1207 ؛ لأن الزوج هو الذي يثنى الفرد ~~، فصارا سواء في الاسم ، وقد عبر القرآن بهذا الاسم في أغلب المواضع ، غير ~~التي حكى فيها أحوال الأمم الماضية كقوله : { وهاذا بعلي شيخا } ( هود : 72 ~~) ، وغير المواضع التي أشار فيها إلى التذكير بما للزوج من سيادة ، نحو ~~قوله تعالى : { وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا } ( النساء : 128 ~~) وهاته الآية كذلك ، لأنه لما جعل حق الرجعة للرجل جبرا على المرأة ، ذكر ~~المرأة بأنه بعلها قديما . # وقيل : البعل : الذكر ، وتسمية المعبود بعلا لأنه رمز إلى قوة الذكورة ، ~~ولذلك سمي الشجر الذي لا يسقى بعلا ، وجاء جمعه على وزن فعولة ، وأصله فعول ~~المطرد في جمع فعل ، لكنه زيدت فيه الهاء لتوهم معنى الجماعة فيه ، ونظيره ~~قولهم : فحولة وذكورة وكعوبة وسهولة ، جمع السهل PageV02P393 ضد الجبل ، ~~وزيادة الهاء على مثله سماعي ؛ لأنها لا تؤذن بمعنى ، غير تأكيد معنى ~~الجمعية بالدلالة على الجماعة . # وضمير { بعولتهن } ، عائد إلى ( المطلقات ) قبله ، وهن المطلقات الرجعيات ~~كما تقدم ، فقد سماهن الله تعالى مطلقات لأن أزواجهن أنشأوا طلاقهن ، وأطلق ~~اسم البعولة على المطلقين ، فاقتضى ظاهره أنهم أزواج للمطلقات ، إلا أن ~~صدور الطلاق منهم إنشاء لفك العصمة التي كانت بينهم ، وإنما جعل الله مدة ~~العدة توسعة على المطلقين ، عسى أن تحدث لهم ندامة ورغبة في مراجعة أزواجهم ~~؛ لقوله تعالى : { لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا } ( الطلاق : 1 ) ، ~~أي أمر المراجعة ، وذلك شبيه بما أجرته الشريعة في الإيلاء ، فللمطلقين ~~بحسب هذه الحالة حالة وسط بين حالة الأزواج وحالة الأجانب ، وعلى اعتبار ~~هذه الحالة الوسط أوقع عليهم اسم البعولة هنا ، وهو مجاز قرينته واضحة ، ~~وعلاقته اعتبار ما كان ، مثل إطلاق اليتامى في قوله تعالى : { وأتوا ~~اليتامى أموالهم } ( النساء : 2 ) . # وقد حمله الجمهور على المجاز ؛ فإنهم اعتبروا المطلقة طلاقا رجعيا امرأة ~~أجنبية عن المطلق بحسب الطلاق ، ولكن لما كان للمطلق حق المراجعة ، ما دامت ~~المرأة في العدة ، ولو بدون رضاها ، وجب إعمال مقتضى الحالتين ، وهذا قول ~~مالك والشافعي . قال مالك : ( لا يجوز للمطلق أن يستمتع ms1208 بمطلقته الرجعية ، ~~ولا أن يدخل عليها بدون إذن ، ولو وطئها بدون قصد مراجعة أثم ، ولكن لا حد ~~عليه للشبهة ، ووجب استبراؤها من الماء الفاسد ، ولو كانت رابعة لم يكن له ~~تزوج امرأة أخرى ، ما دامت تلك في العدة ) . # وإنما وجبت لها النفقة لأنها محبوسة لانتظار مراجعته ، ويشكل على قولهم ~~إن عثمان قضى لها بالميراث إذا مات مطلقها وهي في العدة ؛ قضى بذلك في ~~امرأة عبد الرحمن بن عوف ، بموافقة علي ، رواه في ( الموطأ ) ، فيدفع ~~الإشكال بأن انقضاء العدة شرط في إنفاذ الطلاق ، وإنفاذ الطلاق مانع من ~~الميراث ، فما لم تنقض العدة فالطلاق متردد بين الإعمال والإلغاء ، فصار ~~ذلك شكا في مانع الإرث ، والشك في المانع يبطل إعماله . # وحمل أبو حنيفة والليث بن سعد البعولة على الحقيقة ، فقالا ( الزوجية ~~مستمرة بين المطلق الرجعي ومطلقته ؛ لأن الله سماهم بعولة ) وسوغا دخول ~~الطلاق عليها ، ولو وطئها فذلك ارتجاع عند أبي حنيفة . وقال به الأوزاعي ~~والثوري وابن أبي ليلى ، ونسب إلى PageV02P394 سعيد بن المسيب والحسن ~~والزهري وابن سيرين وعطاء وبعض أصحاب مالك . وأحسب أن هؤلاء قائلون ببقاء ~~الزوجية بين المطلق ومطلقته الرجعية . # و ( أحق ) قيل : هو بمعنى اسم الفاعل مسلوب المفاضلة ، أتى به لإفادة قوة ~~حقهم ، وذلك مما يستعمل فيه صيغة أفعل ، كقوله تعالى : { ولذكر الله أكبر } ~~( العنكبوت : 45 ) لا سيما إن لم يذكر بعدها مفضل عليه بحرف من ، وقيل : هو ~~تفضيل على بابه ، والمفضل عليه محذوف ، أشار إليه في ( الكشاف ) ، وقرره ~~التفتازاني بما تحصيله وتبيينه : أن التفضيل بين صنفي حق مختلفين باختلاف ~~المتعلق : هما حق الزوج في الرجعة إن رغب فيها ، وحق المرأة في الامتناع من ~~المراجعة إن أبتها ، فصار المعنى : وبعولتهن أحق برد المطلقات ، من حق ~~المطلقات بالامتناع وقد نسج التركيب على طريقة الإيجاز . # وقوله : { في ذلك } الإشارة بقوله : { ذلك } إلى التربص بمعنى مدته ، أي ~~للبعولة حق الإرجاع في مدة القروء الثلاثة ، أي لا بعد ذلك كما هو مفهوم ~~القيد . هذا تقرير معنى الآية ، على أنها جاءت لتشريع حكم المراجعة في ~~الطلاق ms1209 ما دامت العدة ، وعندي أن هذا ليس مجرد تشريع للمراجعة بل الآية ~~جامعة لأمرين : حكم المراجعة ، وتحضيض المطلقين على مراجعة المطلقات ، وذلك ~~أن المتفارقين لا بد أن يكون لأحدهما أو لكليهما ، رغبة في الرجوع ، فالله ~~يعلم الرجال بأنهم أولى بأن يرغبوا في مراجعة النساء ، وأن يصفحوا عن ~~الأسباب التي أوجبت الطلاق لأن الرجل هو مظنة البصيرة والاحتمال ، والمرأة ~~أهل الغضب والإباء . # والرد تقدم الكلام عليه عند قوله تعالى : { حتى يرددكم عن دينكم } ( ~~البقرة : 217 ) والمراد به هنا الرجوع إلى المعاشرة وهو المراجعة ، وتسمية ~~المراجعة ردا يرجح أن الطلاق قد اعتبر في الشرع قطعا لعصمة النكاح ، فهو ~~إطلاق حقيقي على قول مالك ، وأما أبو حنيفة ومن وافقوه فتأولوا التعبير ~~بالرد بأن العصمة في مدة العدة سائرة في سبيل الزوال عند انقضاء العدة ، ~~فسميت المراجعة ردا عن هذا السبيل الذي أخذت في سلوكه وهو رد مجازي . # وقوله : { إن أرادوا إصلاحا } شرط قصد به الحث على إرادة الإصلاح ، وليس ~~هو للتقييد . PageV02P395 ( سقط : ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال ~~عليهن درجة والله عزيز حكيم ) # لا يجوز أن يكون ضمير { لهن } عائدا إلى أقرب مذكور وهو ( المطلقات ) ، ~~على نسق الضمائر قبله ؛ لأن المطلقات لم تبق بينهن وبين الرجال علقة حتى ~~يكون لهن حقوق وعليهن حقوق ، فتعين أن يكون ضمير { لهن } ضمير الأزواج ~~النساء اللائي اقتضاهن قوله { بردهن } بقرينة مقابلته بقوله { وللرجال ~~عليهن درجة } . فالمراد بالرجال في قوله : { وللرجال } الأزواج ، كأنه قيل ~~: ولرجالهن عليهن درجة . والرجل إذا أضيف إلى المرأة ، فقيل : رجل فلانة ، ~~كان بمعنى الزوج ، كما يقال للزوجة : امرأة فلان ، قال تعالى : { وامرأته ~~قائمة } ( هود : 71 ) { إلا امرأتك } ( هود : 81 ) . # ويجوز أن يعود الضمير إلى النساء في قوله تعالى { للذين يؤلون من نسائهم ~~} ( البقرة : 226 ) بمناسبة أن الإيلاء من النساء هضم لحقوقهن ، إذا لم يكن ~~له سبب ، فجاء هذا الحكم الكلي على ذلك السبب الخاص لمناسبة ؛ فإن الكلام ~~تدرج من ذكر النساء اللائي في العصمة ، حين ذكر طلاقهن بقوله { وإن عزموا ~~الطلاق } ( البقرة : 227 ) ، إلى ms1210 ذكر المطلقات بتلك المناسبة ، ولما اختتم ~~حكم الطلاق بقوله : { وبعولتهن أحق بردهن في ذلك } صار أولئك النساء ~~المطلقات زوجات ، فعاد الضمير إليهن باعتبار هذا الوصف الجديد ، الذي هو ~~الوصف المبتدأ به في الحكم ، فكان في الآية ضرب من رد العجز على الصدر ، ~~فعادت إلى أحكام الزوجات بأسلوب عجيب والمناسبة أن في الإيلاء من النساء ~~تطاولا عليهن ، وتظاهرا بما جعل الله للزوج من حق التصرف في العصمة ، فناسب ~~أن يذكروا بأن للنساء من الحق مثل ما للرجال . # وفي الآية احتباك ، فالتقدير : ولهن على الرجال مثل الذي للرجال عليهن ، ~~فحذف من الأول لدلالة الآخر ، وبالعكس . وكان الاعتناء بذكر ما للنساء من ~~الحقوق على الرجال ، وتشبيهه بما للرجال على النساء ؛ لأن حقوق الرجال على ~~النساء مشهورة ، مسلمة من أقدم عصور البشر ، فأما حقوق النساء فلم تكن مما ~~يلتفت إليه أو كانت متهاونا بها ، وموكولة إلى مقدار حظوة المرأة عند زوجها ~~، حتى جاء الإسلام فأقامها . وأعظم ما أسست به هو ما جمعته هذه الآية . ~~PageV02P396 # وتقديم الظرف للاهتمام بالخبر ؛ لأنه من الأخبار التي لا يتوقعها ~~السامعون ، فقدم ليصغى السامعون إلى المسند إليه ، بخلاف ما لو أخر فقيل : ~~ومثل الذي عليهن لهن بالمعروف ، وفي هذا إعلان لحقوق النساء ، وإصداع بها ~~وإشادة بذكرها ، ومثل ذلك من شأنه أن يتلقى بالاستغراب ، فلذلك كان محل ~~الاهتمام . ذلك أن حال المرأة إزاء الرجل في الجاهلية ، كانت زوجة أم غيرها ~~، هي حالة كانت مختلطة بين مظهر كرامة وتنافس عند الرغبة ، ومظهر استخفاف ~~وقلة إنصاف ، عند الغضب ، فأما الأول فناشىء عما جبل عليه العربي من الميل ~~إلى المرأة وصدق المحبة ، فكانت المرأة مطمح نظر الرجل ، ومحل تنافسه ، ~~رغبة في الحصول عليها بوجه من وجوه المعاشرة المعروفة عندهم ، وكانت الزوجة ~~مرموقة من الزوج بعين الاعتبار والكرامة قال شاعرهم وهو مرة بن محكان ~~السعدي : # يا ربة البيتت قومي غير صاغرة # ضمي إليكك رحال القوم والقربا # فسماها ربة البيت وخاطبها خطاب المتلطف حين أمرها فأعقب الأمر بقوله غير ~~صاغرة . # وأما الثاني فالرجل مع ذلك يرى ms1211 الزوجة مجعولة لخدمته فكان إذا غاضبها أو ~~ناشزته ، ربما أشتد معها في خشونة المعاملة ، وإذا تخالف رأياهما أرغمها ~~على متابعته ، بحق أو بدونه ، وكان شأن العرب في هذين المظهرين متفاوتا ~~بحسب تفاوتهم في الحضارة والبداوة ، وتفاوت أفرادهم في الكياسة والجلافه ، ~~وتفاوت حال نسائهم في الاستسلام والإباء والشرف وخلافه . # روى البخاري عن عمر بن الخطاب أنه قال : ( كنا معشر قريش نغلب النساء ~~فلما قدمنا على الأنصار إذا قوم تغلبهم نساؤهم فطفق نساؤنا يأخذن من أدب ~~الأنصار فصخبت على امرأتي فراجعتني فأنكرت أن تراجعني قالت : ولم تنكر أن ~~أراجعك فوالله إن أزواج النبيى ليراجعنه وإن إحداهن لتهجره اليوم حتى الليل ~~فراعني ذلك وقلت : قد خابت من فعلت ذلك منهن ثم جمعت علي ثيابي فنزلت فدخلت ~~على حفصة فقلت لها : أي حفصة أتغاضب إحداكن النبي اليوم حتى الليل ؟ قالت : ~~نعم فقلت : قد خبتت وخسرت ) الحديث . # وفي رواية عن ابن عباس عنه ( كنا في الجاهلية لا نعد النساء شيئا فلما ~~جاء الإسلام ، وذكرهن الله رأينا لهن بذلك علينا حقا من غير أن ندخلهن في ~~شيء من أمورنا ) ويتعين أن يكون هذا الكلام صدرا لما في الرواية الأخرى وهو ~~قوله : ( كنا PageV02P397 معشر قريش نغلب النساء ) إلى آخره ، فدل على أن ~~أهل مكة كانوا أشد من أهل المدينة في معاملة النساء . وأحسب أن سبب ذلك أن ~~أهل المدينة كانوا من أزد اليمن ، واليمن أقدم بلاد العرب حضارة ، فكانت ~~فيهم رقة زائدة . وفي الحديث ( جاءكم أهل اليمن هم أرق أفئدة وألين قلوبا ، ~~الإيمان يمانن والحكمة يمانية ) وقد سمى عمر بن الخطاب ذلك أدبا فقال : ~~فطفق نساؤنا يأخذن من أدب الأنصار . # وكانوا في الجاهلية إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته ، إن شاء ~~بعضهم تزوجها إذا حلت له ، وإن شاءوا ، زوجوها بمن شاؤا وإن شاءوا لم ~~يزوجوها فبقيت بينهم ، فهم أحق بذلك فنزلت آية : { يا أيها الذين آمنوا لا ~~يحل لكم أن ترثوا النساء كرها } ( النساء : 19 ) . # وفي حديث الهجرة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم ms1212 المدينة مع أصحابه ~~، وآخى بين المهاجرين والأنصار ، آخى بين عبد الرحمن بن عوف وبين سعد بن ~~الربيع الأنصاري ، فعرض سعد بن الربيع على عبد الرحمن أن يناصفه ماله وقال ~~له ( انظر أي زوجتي شئت أنزل لك عنها ) فقال عبد الرحمن ( بارك الله لك في ~~أهلك ومالك ) الحديث . فلما جاء الإسلام بالإصلاح ، كان من جملة ما أصلحه ~~من أحوال البشر كافة ، ضبط حقوق الزوجين بوجه لم يبق معه مدخل للهضيمة حتى ~~الأشياء التي قد يخفى أمرها قد جعل لها التحكيم قال تعالى : { وإن خفتم ~~شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق ~~الله بينهما } ( النساء : 35 ) وهذا لم يكن للشرائع عهد بمثله . # وأول إعلام هذا العدل بين الزوجين في الحقوق ، كان بهاته الآية العظيمة ، ~~فكانت هذه الآية من أول ما أنزل في الإسلام . # والمثل أصله النظير والمشابه ، كالشبه والمثل ، وقد تقدم ذلك في قوله ~~تعالى : { مثلهم كمثل الذي استوقد نارا } ( البقرة : 17 ) ، وقد يكون الشيء ~~مثلا لشيء في جميع صفاته وقد يكون مثلا له في بعض صفاته . وهي وجه الشبه . ~~فقد يكون وجه المماثلة ظاهرا فلا يحتاج إلى بيانه ، وقد يكون خفيا فيحتاج ~~إلى بيانه ، وقد ظهر هنا أنه لا يستقيم معنى المماثلة في سائر الأحوال ~~والحقوق : أجناسا أو أنواعا أو أشخاصا ؛ لأن مقتضى الخلقة ، ومقتضى المقصد ~~من المرأة والرجل ، ومقتضى الشريعة ، التخالف بين كثير من أحوال الرجال ~~والنساء في نظام العمران والمعاشرة . فلا جرم يعلم كل السامعين أن ليست ~~المماثلة في كل الأحوال ، وتعين صرفها إلى معنى المماثلة في أنواع الحقوق ~~على إجمال تبينه تفاصيل الشريعة ، فلا يتوهم أنه إذا PageV02P398 وجب على ~~المرأة أن تقم بيت زوجها ، وأن تجهز طعامه ، أنه يجب عليه مثل ذلك ، كما لا ~~يتوهم أنه كما يجب عليه الإنفاق على امرأته أنه يجب على المرأة الإنفاق على ~~زوجها بل كما تقم بيته وتجهز طعامه يجب عليه هو أن يحرس البيت وأن يحضر لها ~~المعجنة والغربال ، وكما تحضن ولده يجب عليه أن ms1213 يكفيها مؤنة الارتزاق كي لا ~~تهمل ولده ، وأن يتعهده بتعليمه وتأديبه ، وكما لا تتزوج عليه بزوج في مدة ~~عصمته ، يجب عليه هو أن يعدل بينها وبين زوجة أخرى حتى لا تحس بهضيمة فتكون ~~بمنزلة من لم يتزوج عليها ، وعلى هذا القياس فإذا تأتت المماثلة الكاملة ~~فتشرع ، فعلى المرأة أن تحسن معاشرة زوجها ، بدليل ما رتب على حكم النشوز ، ~~قال تعالى : { والتي تخافون نشوزهن } ( النساء : 34 ) وعلى الرجل مثل ذلك ~~قال تعالى : { وعاشروهن بالمعروف } ( النساء : 19 ) وعليها حفظ نفسها عن ~~غيره ممن ليس بزوج ، وعليه مثل ذلك عمن ليست بزوجة { } ( النور : 30 ) ثم ~~قال : { وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن } ( النور : 30 ) ~~الآية { والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم } ( المؤمنون : 5 6 ) ~~إلا إذا كانت له زوجة أخرى فلذلك حكم آخر ، يدخل تحت قوله تعالى : { ~~وللرجال عليهن درجة والمماثلة في بعث الحكمين ، والمماثلة في الرعاية ، ففي ~~الحديث : الرجل راع على أهله والمرأة راعية في بيت زوجها ، والمماثلة في ~~التشاور في الرضاع ، قال تعالى : فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور } ( ~~البقرة : 233 ) { وأتمروا بينكم بمعروف } ( الطلاق : 6 ) . # وتفاصيل هاته المماثلة ، بالعين أو بالغاية ، تؤخذ من تفاصيل أحكام ~~الشريعة ، ومرجعها إلى نفي الإضرار ، وإلى حفظ مقاصد الشريعة من الأمة ، ~~وقد أومأ إليها قوله تعالى : { بالمعروف } أي لهن حق متلبسا بالمعروف ، غير ~~المنكر ، من مقتضى الفطرة ، والآداب ، والمصالح ، ونفي الإضرار ، ومتابعة ~~الشرع . وكلها مجال أنظار المجتهدين . ولم أر في كتب فروع المذاهب تبويبا ~~لأبواب تجمع حقوق الزوجين . وفي ( سنن أبي داود ) ، و ( سنن ابن ماجه ) ، ~~بابان أحدهما لحقوق الزوج على المرأة ، والآخر لحقوق الزوج على الرجل ، ~~باختصار كانوا في الجاهلية يعدون الرجل مولى للمرأة فهي ولية كما يقولون ، ~~وكانوا لا يدخرونها تربية ، وإقامة وشفقة ، وإحسانا ، واختيار مصير ، عند ~~إرادة تزويجها ، لما كانوا حريصين عليه من طلب الأكفاء ، بيد أنهم كانوا مع ~~ذلك لا يرون لها حقا في مطالبة بميراث ولا بمشاركة في اختيار مصيرها ، ولا ~~بطلب ما لها منهم ، وقد أشار ms1214 الله تعالى إلى بعض أحوالهم هذه في قوله : { ~~وما يتلى عليكم PageV02P399 في الكتاب في يتامى النساء التي لا تؤتونهن ما ~~كتب لهن } ( النساء : 127 ) وقال : { فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن } ( ~~البقرة : 232 ) فحدد الله لمعاملات النساء حدودا ، وشرع لهن أحكاما ، قد ~~أعلنتها على الإجمال هذه الآية العظيمة ، ثم فصلتها الشريعة تفصيلا ، ومن ~~لطائف القرآن في التنبيه إلى هذا عطف المؤمنات على المؤمنين عند ذكر كثير ~~من الأحكام أو الفضائل ، وعطف النساء على الرجال . # وقوله : { بالمعروف } الباء للملابسة ، والمراد به ما تعرفه العقول ~~السالمة ، المجردة من الانحياز إلى الأهواء ، أو العادات أو التعاليم ~~الضالة ، وذلك هو الحسن وهو ما جاء به الشرع نصا أو قياسا ، أو اقتضته ~~المقاصد الشرعية أو المصلحة العامة ، التي ليس في الشرع ما يعارضها . ~~والعرب تطلق المعروف على ما قابل المنكر أي وللنساء من الحقوق مثل الذي ~~عليهن ملابسا ذلك دائما للوجه غير المنكر شرعا وعقلا ، وتحت هذا تفاصيل ~~كبيرة تؤخذ من الشريعة ، وهي مجال لأنظار المجتهدين . في مختلف العصور ~~والأقطار . فقول من يرى أن البنت البكر يجبرها أبوها على النكاح ، قد سلبها ~~حق المماثلة للابن ، فدخل ذلك تحت الدرجة ، وقول من منع جبرها وقال لا تزوج ~~إلا برضاها قد أثبت لها حق المماثلة للذكر ، وقول من منع المرأة من التبرع ~~بما زاد على ثلاثها ألا بإذن زوجها قد سلبها حق المماثلة للرجل ، وقول من ~~جعلها كالرجل في تبرعها بما لها قد أثبت لها حق المماثلة للرجل ، وقول من ~~جعل للمرأة حق الخيار في فراق زوجها إذا كانت به عاهة قد جعل لها جق ~~المماثلة وقول من لم يجعل لها ذلك قد سلبها هذا الحق . وكل ينظر إلى أن ذلك ~~من المعروف أو من المنكر . وهذا الشأن في كل ما أجمع عليه المسلمون من حقوق ~~الصنفين ، وما اختلفوا فيه من تسوية بين الرجل والمرأة ، أو من تفرقة ، كل ~~ذلك منظور فيه إلى تحقيق قوله تعالى : { بالمعروف } قطعا أو ظنا فكونوا من ~~ذلك بمحل التيقظ ، وخذوا بالمعنى دون ms1215 التلفظ . # ودين الإسلام حري بالعناية بإصلاح شأن المرأة ، وكيف لا وهي نصف النوع ~~الإنساني ، والمربية الأولى ، التي تفيض التربية السالكة إلى النفوس قبل ~~غيرها ، والتي تصادف عقولا لم تمسها وسائل الشر ، وقلوبا لم تنفذ إليها ~~خراطيم الشيطان . فإذا كانت تلك التربية خيرا ، وصدقا ، وصوابا ، وحقا ، ~~كانت أول ما ينتقش في تلك الجواهر الكريمة ، وأسبق ما يمتزج بتلك الفطر ~~السليمة ، فهيأت لأمثالها ، من خواطر الخير ، منزلا رحبا ، ولم تغادر ~~لأغيارها من الشرور كرامة ولا حبا . PageV02P400 ودين الإسلام دين تشريع ~~ونظام ، فلذلك جاء بإصلاح حال المرأة ، ورفع شأنها لتتهيأ الأمة الداخلة ~~تحت حكم الإسلام ، إلى الارتقاء وسيادة العالم . # وقوله : { وللرجال عليهن درجة } إثبات لتفضيل الأزواج في حقوق كثيرة على ~~نسائهم لكيلا يظن أن المساواة المشروعة بقوله : { ولهن مثل الذي عليهن ~~بالمعروف } مطردة ، ولزيادة بيان المراد من قوله { بالمعروف } ، وهذا ~~التفضيل ثابت على الإجمال لكل رجل ، ويظهر أثر هذا التفضيل عند نزول ~~المقتضيات الشرعية والعادية . # وقوله : { للرجال } خبر عن ( درجة ) ، قدم للاهتمام بما تفيده اللام من ~~معنى استحقاقهم تلك الدرجة ، كما أشير إلى ذلك الاستحقاق في قوله تعالى : { ~~الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض } ( النساء : 34 ) ~~وفي هذا الاهتمام مقصدان أحدهما دفع توهم المساواة بين الرجال والنساء في ~~كل الحقوق ، توهما من قوله آنفا : { ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف } ~~وثانيهما تحديد إيثار الرجال على النساء بمقدار مخصوص ، لإبطال إيثارهم ~~المطلق ، الذي كان متبعا في الجاهلية . # والرجال جمع رجل ، وهو الذكر البالغ من الآدميين خاصة ، وأما قولهم : ~~امرأة رجلة الرأي ، فهو على التشبيه أي تشبه الرجل . # والدرجة ما يرتقى عليه في سلم أو نحوه ، وصيغت بوزن فعلة من درج إذا ~~انتقل على بطء ومهل ، يقال : درج الصبي ، إذا ابتدأ في المشي ، وهي هنا ~~استعارة للرفعة المكنى بها عن الزيادة في الفضيلة الحقوقية ، وذلك أنه تقرر ~~تشبيه المزية في الفضل بالعلو والارتفاع ، فتبع ذلك تشبيه الأفضلية بزيادة ~~الدرجات في سير الصاعد ، لأن بزيادتها زيادة الارتفاع ، ويسمون الدرجة إذا ~~نزل منها النازل ms1216 : دركة ، لأنه يدرك بها المكان النازل إليه . والعبرة ~~بالمقصد الأول ، فإن كان المقصد من الدرجة الارتفاع كدرجة السلم والعلو فهي ~~درجة وإن كان القصد النزول كدرك الداموس فهي دركة ، ولا عبرة بنزول الصاعد ~~وصعود النازل . # وهذه الدرجة اقتضاها ما أودعه الله في صنف الرجال من زيادة القوة العقلية ~~والبدنية ، فإن الذكورة في الحيوان تمام في الخلقة ، ولذلك نجد صنف الذكر ~~في كل أنواع الحيوان أذكى من الأنثى ، وأقوى جسما وعزما ، وعن إرادته يكون ~~الصدر ، ما لم يعرض للخلقة عارض يوجب انحطاط بعض أفراد الصنف ، وتفوق بعض ~~أفراد الآخر نادرا ، فلذلك كانت الأحكام التشريعية الإسلامية جارية على وفق ~~النظم التكوينية ، لأن واضع الأمرين واحد . PageV02P401 # وهذه الدرجة هي ما فضل به الأزواج على زوجاتهم : من الإذن بتعدد الزوجة ~~للرجل ، دون أن يؤذن بمثل ذلك للأنثى ، وذلك اقتضاه التزيد في القوة ~~الجسمية ، ووفرة عدد الإناث في مواليد البشر ، ومن جعل الطلاق بيد الرجل ~~دون المرأة ، والمراجعة في العدة كذلك ، وذلك اقتضاه التزيد في القوة ~~العقلية وصدق التأمل ، وكذلك جعل المرجع في اختلاف الزوجين إلى رأي الزوج ~~في شؤون المنزل ، لأن كل اجتماع يتوقع حصول تعارض المصالح فيه ، يتعين أن ~~يجعل له قاعدة في الانفصال والصدر عن رأي واحد معين من ذلك الجمع ، ولما ~~كانت الزوجية اجتماع ذاتين لزم جعل إحداهما مرجعا عند الخلاف ، ورجح جانب ~~الرجل لأن به تأسست العائلة ، ولأنه مظنة الصواب غالبا ، ولذلك إذا لم يمكن ~~التراجع ، واشتد بين الزوجين النزاع ، لزم تدخل القضاء في شأنهما ، وترتب ~~على ذلك بعث الحكمين كما في آية { وإن خفتم شقاق بينهما } ( النساء : 35 ) ~~. # ويؤخذ من الآية حكم حقوق الرجال غير الأزواج بلحن الخطاب ، لمساواتهم ~~للأزواج في صفة الرجولة التي كانت هي العلة في ابتزازهم حقوق النساء في ~~الجاهلية فلما أسست الآية حكم المساواة والتفضيل ، بين الرجال والنساء ~~الأزواج إبطالا لعمل الجاهلية ، أخذنا منها حكم ذلك بالنسبة للرجال غير ~~الأزواج على النساء ، كالجهاد وذلك مما اقتضته القوة الجسدية ، وكبعض ~~الولايات المختلف في صحة إسنادها إلى ms1217 المرأة ، والتفضيل في باب العدالة ، ~~وولاية النكاح والرعاية ، وذلك مما اقتضته القوة الفكرية ، وضعفها في ~~المرأة وسرعة تأثرها ، وكالتفضيل في الإرث وذلك مما اقتضته رئاسة العائلة ~~الموجبة لفرط الحاجة إلى المال ، وكالإيجاب على الرجل إنفاق زوجه ، وإنما ~~عدت هذه درجة ، مع أن للنساء أحكاما لا يشاركهن فيها الرجال كالحضانة ، تلك ~~الأحكام التي أشار إليها قوله تعالى : { للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء ~~نصيب مما اكتسبن } ( النساء : 32 ) لأن ما امتاز به الرجال كان من قبيل ~~الفضائل . # فأما تأديب الرجل المرأة إذا كانا زوجين ، فالظاهر أنه شرعت فيه تلك ~~المراتب رعيا لأحوال طبقات الناس ، مع احتمال أن يكون المراد من قوله : { ~~والتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن } ( النساء : 34 ~~) أن ذلك يجريه ولاة الأمور ، ولنا فيه نظر عند ما نصل إليه إن شاء الله ~~تعالى . PageV02P402 # وقوله : { والله عزيز حكيم } العزيز : القوى ، لأن العزة في كلام العرب ~~القوة { ليخرجن الأعز منها الأذل } ( المنافقون : 8 ) وقال شاعرهم : # وإنما العزة للكاثر # والحكيم : المتقن الأمور في وضعها ، من الحكمة كما تقدم . # والكلام تذييل وإقناع للمخاطبين ، وذلك أن الله تعالى لما شرع حقوق ~~النساء كان هذا التشريع مظنة المتلقى بفرط التحرج من الرجال ، الذين ما ~~اعتادوا أن يسمعوا أن للنساء معهم حظوظا ، غير حظوظ الرضا والفضل والسخاء ، ~~فأصبحت لهن حقوق يأخذنها من الرجال كرها ، إن أبوا ، فكان الرجال بحيث يرون ~~في هذا ثلما لعزتهم ، كما أنبأ عنه حديث عمر بن الخطاب المتقدم ، فبين الله ~~تعالى أن الله عزيز أي قوي لا يعجزه أحد ، ولا يتقي أحدا ، وأنه حكيم يعلم ~~صلاح الناس ، وأن عزته تؤيد حكمته فينفذ ما اقتضته الحكمة بالتشريع ، ~~والأمر الواجب امتثاله ، ويحمل الناس على ذلك وإن كرهوا . # # | 2 ( 229 ) { الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم ~~أن تأخذوا ممآ ءاتيتموهن شيئا إلا أن يخافآ ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ~~ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا ~~تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولائك ms1218 هم الظالمون } . ) 2 # استئناف لذكر غاية الطلاق الذي يملكه الزوج من امرأته ، نشأ عن قوله ~~تعالى : { وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا } ( البقرة : 228 ) ~~وعن بعض ما يشير إليه قوله تعالى : { وللرجال عليهن درجة } ( البقرة : 228 ~~) فإن الله تعالى أعلن أن للنساء حقا كحق الرجال ، وجعل للرجال درجة زائدة ~~: منها أن لهم حق الطلاق ، ولهم حق الرجعة لقوله : { وبعولتهن أحق بردهن في ~~ذلك } ( البقرة : 228 ) ولما كان أمر العرب في الجاهلية جاريا على عدم ~~تحديد نهاية الطلاق ، كما سيأتي قريبا ، ناسب أن يذكر عقب ذلك كله حكم ~~تحديد الطلاق ، إفادة للتشريع في هذا الباب ودفعا لما قد يعلق أو علق ~~بالأوهام في شأنه . # روى مالك في جامع الطلاق من ( الموطأ ) : ( عن هشام بن عروة عن أبيه أنه ~~قال : كان الرجل إذا طلق امرأته ثم ارتجعها قبل أن تنقضي عدتها كان له ذلك ~~وإن طلقها ألف مرة فعمد رجل إلى امرأته فطلقها حتى إذا شارفت انقضاء عدتها ~~راجعها ثم طلقها ثم قال والله لا آويك ولا تحلين أبدا فأنزل الله تعالى : { ~~الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } فاستقبل الناس الطلاق جديدا ~~من يومئذ من كان طلق منهم أو لم يطلق ) . PageV02P403 # وروى أبو داود والنسائي عن ابن عباس قريبا منه . ورواه الحاكم في ( ~~مستدركه ) إلى عروة بن الزبير عن عائشة قالت : لم يكن للطلاق وقت يطلق ~~الرجل امرأته ثم يراجعها ما لم تنقض العدة وكان بين رجل من الأنصار وبين ~~أهله بعض ما يكون بين الناس فقال : والله لا تركتك لا أيما ولا ذات زوج ~~فجعل يطلقها حتى إذا كادت العدة أن تنقضي راجعها ففعل ذلك مرارا فأنزل الله ~~تعالى : { الطلاق مرتان } ، وفي ذلك روايات كثيرة تقارب هذه ، وفي ( سنن ~~أبي داود ) : باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث وأخرج حديث ابن عباس ~~أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثا فنسخ ذلك ~~ونزل { الطلاق مرتان } ، فالآية على هذا إبطال لما كان عليه أهل الجاهلية ، ~~وتحديد ms1219 لحقوق البعولة في المراجعة . # والتعريف في قوله ( الطلاق ) تعريف الجنس على ما هو المتبادر في تعريف ~~المصادر وفي مساق التشريع ، فإن التشريع يقصد بيان الحقائق الشرعية ، نحو ~~قوله : { وأحل الله البيع } ( البقرة : 275 ) وقوله : { وإن عزموا الطلاق } ~~( البقرة : 227 ) وهذا التعريف هو الذي أشار صاحب ( الكشاف ) إلى اختياره ، ~~فالمقصود هنا الطلاق الرجعي الذي سبق الكلام عليه آنفا في قوله : { ~~وبعولتهن أحق بردهن في ذلك } ( البقرة : 228 ) فإنه الطلاق الأصلي ، وليس ~~في أصل الشريعة طلاق بائن غير قابل للمراجعة لذاته ، إلا الطلقة الواقعة ~~ثالثة ، بعد سبق طلقتين قبلها فإنها مبينة بعد وأما ما عداها من الطلاق ~~البائن الثابت بالسنة ، فبينونته لحق عارض كحق الزوجة فيما تعطيه من مالها ~~في الخلع ، ومثل الحق الشرعي في تطليق اللعان ، لمظنة انتفاء حسن المعاشرة ~~بعد أن تلاعنا ، ومثل حق المرأة في حكم الحاكم لها بالطلاق للإضرار بها ، ~~وحذف وصف الطلاق ، لأن السياق دال عليه ، فصار التقدير : الطلاق الرجعي ~~مرتان . وقد أخبر عن الطلاق بأنه مرتان ، فعلم أن التقدير : حق الزوج في ~~إيقاع التطليق الرجعي مرتان ، فأما الطلقة الثالثة فليست برجعية . وقد دل ~~على هذا قوله تعالى بعد ذكر المرتين : { فإمساك بمعروف } وقوله بعده : { ~~فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره } ( البقرة : 230 ) الآية ~~وقد روي مثل هذا التفسير عن النبي صلى الله عليه وسلم روي أبو بكر بن أبي ~~شيبة : ( أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أرأيت قول الله ~~تعالى : { الطلاق مرتان } فأين الثالثة فقال رسول الله عليه السلام : إمساك ~~بمعروف أو تسريح بإحسان ) وسؤال الرجل PageV02P404 عن الثالثة ، يقتضي أن ~~نهاية الثلاث كانت حكما معروفا إما من السنة وإما من بقية الآية ، وإنما ~~سأل عن وجه قوله ( مرتان ) ولما كان المراد بيان حكم جنس الطلاق ، باعتبار ~~حصوله من فاعله ، وهو إنما يحصل من الأزواج كان لفظ الطلاق آيلا إلى معنى ~~التطليق ، كما يؤول السلام إلى معنى التسليم . # وقوله { مرتان } ، تثنية مرة ، والمرة في كلامهم الفعلة الواحدة من ms1220 ~~موصوفها أو مضافها ، فهي لا تقع إلا جارية على حدث ، بوصف ونحوه ، أو ~~بإضافة ونحوها ، وتقع مفردة ، ومثناة ، ومجموعة ، فتدل على عدم تكرر الفعل ~~، أو تكرر فعله تكررا واحدا ، أو تكرره تكررا متعددا ، قال تعالى : { ~~سنعذبهم مرتين } ( التوبة : 101 ) وتقول العرب ( نهيتك غير مرة فلم تنته ) ~~أي مرارا ، وليس لفظ المرة بمعنى الواحدة من الأشياء الأعيان ، ألا ترى أنك ~~تقول : أعطيتك درهما مرتين ، إذا أعطيته درهما ثم درهما ، فلا يفهم أنك ~~أعطيته درهمين مقترنين ، بخلاف قولك أعطيتك درهمين . # فقوله تعالى : { الطلاق مرتان } يفيد أن الطلاق الرجعي شرع فيه حق ~~التكرير إلى حد مرتين ، مرة عقب مرة أخرى لا غير ، فلا يتوهم منه في فهم ~~أهل اللسان أن المراد : الطلاق لا يقع إلا طلقتين مقترنتين لا أكثر ولا أقل ~~، ومن توهم ذلك فاحتاج إلى تأويل لدفعه فقد أبعد عن مجاري الاستعمال العربي ~~، ولقد أكثر جماعة من متعاطي التفسير الاحتمالات في هذه الآية والتفريع ~~عليها ، مدفوعين بأفهام مولدة ، ثم طبقوها على طرائق جدلية في الاحتجاج ~~لاختلاف المذاهب في إثبات الطلاق البدعي أو نفيه ، وهم في إرخائهم طول ~~القول ناكبون عن معاني الاستعمال ، ومن المحققين من لم يفته المعنى ولم تف ~~به عبارته كما وقع في ( الكشاف ) . # ويجوز أن يكون تعريف الطلاق تعريف العهد ، والمعهود هو ما يستفاد من قوله ~~تعالى : { والمطلقات يتربصن إلى قوله وبعولتهن أحق بردهن } ( البقرة : 228 ~~) فيكون كالعهد في تعريف الذكر في قوله تعالى : { وليس الذكر كالأنثى } ( ~~آل عمران : 36 ) فإنه معهود مما استفيد من قوله : { إني نذرت لك ما في بطني ~~} ( آل عمران : 35 ) . # وقوله : { فإمساك بمعروف } جملة مفرعة على جملة { الطلاق مرتان } فيكون ~~الفاء للتعقيب في مجرد الذكر ، لا في وجود الحكم . و ( إمساك ) خبر مبتدأ ~~محذوف تقديره PageV02P405 فالشأن أو فالأمر إمساك بمعروف أو تسريح على ~~طريقة { فصبر جميل } ( يوسف : 18 ) وإذ قد كان الإمساك والتسريح ممكنين عند ~~كل مرة من مرتي الطلاق ، كان المعنى فإمساك أو تسريح في كل مرة من المرتين ~~، أي شأن الطلاق أن ms1221 تكون كل مرة منه معقبة بإرجاع بمعروف أو ترك بإحسان ، ~~أي دون ضرار في كلتا الحالتين . وعليه فإمساك وتسريح مصدران ، مراد منهما ~~الحقيقة والاسم ، دون إرادة نيابة عن الفعل ، والمعنى أن المطلق على رأس ~~أمره فإن كان راغبا في امرأته فشأنه إمساكها أي مراجعتها ، وإن لم يكن ~~راغبا فيها فشأنه ترك مراجعتها فتسرح ، والمقصود من هذه الجملة إدماج ~~الوصاية بالإحسان في حال المراجعة ، وفي حال تركها ، فإن الله كتب الإحسان ~~على كل شيء ، إبطالا لأفعال أهل الجاهلية ؛ إذ كانوا قد يراجعون المرأة بعد ~~الطلاق ثم يطلقونها دواليك ، لتبقى زمنا طويلا في حالة ترك إضرارا بها ، إذ ~~لم يكن الطلاق عندهم منتهيا إلى عدد لا يملك بعده المراجعة ، وفي هذا تمهيد ~~لما يرد بعده من قوله : { ولا يحل لكم أن تأخذوا مما أتيتموهن شيئا الآية . # ويجوز أن يكون إمساك وتسريح مصدرين جعلا بدلين من فعليهما ، على طريقة ~~المفعول المطلق الآتي بدلا من فعله ، وأصلهما النصب ، ثم عدل عن النصب إلى ~~الرفع لإفادة معنى الدوام ، كما عدل عن النصب إلى الرفع في قوله تعالى : ~~قال سلام } ( هود : 69 ) وقد مضى أول سورة الفاتحة ، فيكون مفيدا معنى ~~الأمر بالنيابة عن فعله ، ومفيدا الدوام بإيراد المصدرين مرفوعين ، ~~والتقدير فأمسكوا أو سرحوا . فتبين أن الطلاق حدد بمرتين ، قابلة كل منهما ~~للإمساك بعدها ، والتسريح بإحسان توسعة على الناس ليرتأوا بعد الطلاق ما ~~يليق بحالهم وحال نسائهم ، فلعلهم تعرض لهم ندامة بعد ذوق الفراق ويحسوا ما ~~قد يغفلون عن عواقبه حين إنشاء الطلاق ، عن غضب أو عن ملالة ، كما قال ~~تعالى : { لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا } ( الطلاق : 1 ) وقوله : { ~~ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا آيات الله ~~هزوا } ( البقرة : 231 ) وليس ذلك ليتخذوه ذريعة للإضرار بالنساء كما كانوا ~~يفعلون قبل الإسلام . # وقد ظهر من هذا أن المقصود من الجملة هو الإمساك أو التسريح المطلقين ~~وأما تقييد الإمساك بالمعروف والتسريح بالإحسان ، فهو إدماج لوصية أخرى في ~~كلتا الحالتين ، إدماجا ms1222 للإرشاد في أثناء التشريع . PageV02P406 # وقدم الإمساك على التسريح إيماء إلى أنه الأهم ، المرغب فيه في نظر الشرع ~~. والإمساك حقيقته قبض اليد على شيء مخافة أن يسقط أو يتفلت ، وهو هنا ~~استعارة لدوام المعاشرة . # والتسريح ضد الإمساك في معنييه الحقيقي والمجازي ، وهو مستعار هنا لإبطال ~~سبب المعاشرة بعد الطلاق ، وهو سبب الرجعة ثم استعارة ذلك الإبطال للمفارقة ~~فهو مجاز بمرتبتين . # والمعروف هنا هو ما عرفه الناس في معاملاتهم من الحقوق التي قررها ~~الإسلام أو قررتها العادات التي لا تنافي أحكام الإسلام . وهو يناسب ~~الإمساك لأنه يشتمل على أحكام العصمة كلها من إحسان معاشرة ، وغير ذلك ، ~~فهو أعم من الإحسان . وأما التسريح فهو فراق ومعروفه منحصر في الإحسان إلى ~~المفارقة بالقول الحسن والبذل بالمتعة ، كما قال تعالى : { فمتعوهن وسرحوهن ~~سراحا جميلا } ( الأحزاب : 49 ) وقد كان الأزواج يظلمون المطلقات ويمنعونهن ~~من حليهن ورياشهن ، ويكثرون الطعن فيهن قال ابن عرفة في ( تفسيره ) : ( فإن ~~قلت هلا قيل فإمساك بإحسان أو تسريح بمعروف قلت عادتهم يجيبون بأن المعروف ~~أخف من الإحسان إذ المعروف حسن العشرة وإعطاء حقوق الزوجية ، والإحسان ألا ~~يظلمها من حقها فيقتضي الإعطاء وبذل المال أشق على النفوس من حسن المعاشرة ~~فجعل المعروف مع الإمساك المقتضي دوام العصمة ، إذ لا يضر تكرره وجعل ~~الإحسان الشاق مع التسريح الذي لا يتكرر ) . # وقد أخذ قوم من الآية منع الجمع بين الطلاق الثلاث في كلمة ، بناء على أن ~~المقصود من قوله { مرتان } التفريق وسنذكر ذلك عند قوله تعالى : { فإن ~~طلقها فلا تحل له من بعد } ( البقرة : 230 ) الآية . # { ولا يحل لكم أن تأخذوا ممآ ءاتيتموهن شيئا إلا أن يخافآ ألا يقيما حدود ~~الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به } . # يجوز أن تكون الواو اعتراضية ، فهو اعتراض بين المتعاطفين ، وهما قوله : ~~{ فإمساك } PageV02P407 وقوله { فإن طلقها } ويجوز أن تكون معطوفة على { أو ~~تسريح بإحسان } لأن من إحسان التسريح ألا يأخذ المسرح وهو المطلق عوضا عن ~~الطلاق ، وهذه مناسبة مجىء هذا الاعتراض ، وهو تفنن ms1223 بديع في جمع التشريعات ~~والخطاب للأمة ، ليأخذ منه كل أفرادها ما يختص به ، فالزوج يقف عن أخذ ~~المال ، وولي الأمر يحكم بعدم لزومه ، وولي الزوجة أو كبير قبيلة الزوج ~~يسعى ويأمر وينهى ( وقد كان شأن العرب أن يلي هذه الأمور ذوو الرأي من ~~قرابة الجانبين ) وبقية الأمة تأمر بالامتثال لذلك ، وهذا شأن خطابات ~~القرآن في التشريع كقوله : { ولا تؤتوا السفهاء أموالكم إلى قوله : ~~وارزقوهم فيها } ( النساء : 5 ) وإليه أشار صاحب ( الكشاف ) . # وقال ابن عطية والقرطبي وصاحب ( الكشاف ) : الخطاب في قوله : { ولا يحل ~~لكم } للأزواج بقرينة قوله { أن تأخذوا } وقوله : { أتيتموهن } والخطاب في ~~قوله : { فإن خفتم ألا تقيما حدود الله } للحكام ، لأنه لو كان للأزواج ~~لقيل : فإن خفتم ألا تقيموا أو ألا تقيما ، قال في ( الكشاف ) : ( ونحو ذلك ~~غير عزيز في القرآن ) اه يعني لظهور مرجع كل ضمير من قرائن المقام ونظره في ~~( الكشاف ) بقوله تعالى في سورة الصف ( 13 ) { وبشر المؤمنين على رأي صاحب ~~الكشاف } ، إذ جعله معطوفا على { تؤمنون بالله ورسوله } إلخ لأنه في معنى ~~آمنوا وجاهدوا أي فيكون معطوفا على الخطابات العامة للأمة ، وإن كان ~~التبشير خاصا به الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه لا يتأتى إلا منه . وأظهر ~~من تنظير صاحب ( الكشاف ) أن تنظره بقوله تعالى فيما يأتي : { وإذا طلقتم ~~النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن } ( البقرة : 232 ) إذ خوطب فيه المطلق ~~والعاضل ، وهما متغايران . # والضمير المؤنث في { أتيتموهن } راجع إلى { المطلقات } ، المفهوم من قوله ~~: { الطلاق مرتان } لأن الجنس يقتضي عددا من المطلقين والمطلقات ، وجوز في ~~( الكشاف ) أن يكون الخطاب كله للحكام وتأول قوله : { أن تأخذوا } . وقوله ~~: { مما أتيتموهن } بأن إسناد الأخذ والإتيان للحكام ، لأنهم الذين يأمرون ~~بالأخذ والإعطاء ، ورجحه البيضاوي بسلامته من تشويش الضمائر بدون نكتة ~~التفات ووهنه صاحب ( الكشاف ) وغيره بأن الخلع قد يقع بدون ترافع ، فما ~~آتاه الأزواج لأزواجهم من المهور لم يكن أخذه على يد الحكام فبطل هذا الوجه ~~، ومعنى لا يحل لا يجوز ولا يسمح به ، واستعمال الحل والحرمة في هذا المعنى ~~وضده ms1224 قديم في العربية ، قال عنترة : # يا شاة ما قنص لمن حلت له # حرمت على وليتها لم تحرم PageV02P408 # وقال كعب : # إذا يساور قرنا لا يحل له # أن يترك القرن إلا وهو مجدول # وجيء بقوله : { شيئا } لأنه من النكرات المتوغلة في الإبهام ، تحذيرا من ~~أخذ أقل قليل بخلاف ما لو قال مالا أو نحوه ، وهذا الموقع من محاسن مواقع ~~كلمة شيء التي أشار إليها الشيخ في ( دلائل الإعجاز ) . وقد تقدم بسط ذلك ~~عند قوله تعالى : { ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع } ( البقرة : 155 ) . # وقوله : { إلا أن يخافا } قرأه الجمهور بفتح ياء الغيبة ، فالفعل مسند ~~للفاعل ، والضمير عائد إلى المتخالعين المفهومين من قوله : { أن تأخذوا مما ~~أتيتموهن شيئا } وكذلك ضمير { يخافا ألا يقيما } وضمير { فلا جناح عليهما } ~~، وأسند هذا الفعل لهما دون بقية الأمة لأنهما اللذان يعلمان شأنهما . وقرأ ~~حمزة وأبو جعفر ويعقوب بضم ياء الغائب والفعل مبني للنائب والضمير ~~للمتخالعين ؛ والفاعل محذوف هو ضمير المخاطبين ؛ والتقدير : إلا أن ~~تخافوهما ألا يقيما حدود الله . # والخوف توقع حصول ما تكرهه النفس وهو ضد الأمن . ويطلق على أثره وهو ~~السعي في مرضاة المخوف منه ، وامتثال أوامره كقوله : { فلا تخافوهم وخافون ~~إن كنتم مؤمنين } ( آل عمران : 175 ) وترادفه الخشية ، لأن عدم إقامة حدود ~~الله مما يخافه المؤمن ، والخوف يتعدى إلى مفعول واحد ، قال تعالى : { فلا ~~تخافوهم . وقال الشاعر يهجو رجلا من فقعس أكل كلبه واسمه حبتر : # يا حبتر لم أكلته لمه # لو خافك الله عليه حرمه # وخرج ابن جني في شرح الحماسة } ، عليه قول الأحوص فيها على أحد تأويلين : # فإذا تزول تزول على متخمط # تخشى بوادره على الأقران # وحذفت على في الآية لدخولها على أن المصدرية . # وقد قال بعض المفسرين : إن الخوف هنا بمعنى الظن ، يريد ظن المكروه ؛ إذ ~~الخوف لا يطلق إلا على حصول ظن المكروه وهو خوف بمعناه الأصلي . # وإقامة حدود الله فسرها مالك رحمه الله بأنها حقوق الزوج وطاعته والبر به ~~، فإذا أضاعت المرأة تلك فقد خالفت حدود الله . PageV02P409 # وقوله : { فلا جناح عليهما فيما ms1225 أفتدت به } رفع الإثم عليهما ، ويدل على ~~أن باذل الحرام لآخذه مشارك له في الإثم ، وفي حديث ربا الفضل ( الآخذ ~~والمعطي في ذلك سواء ) ، وضمير { أفتدت به } لجنس المخالعة ، وقد تمحض ~~المقام لأن يعاد الضمير إليها خاصة ؛ لأن دفع المال منها فقط . وظاهر عموم ~~قوله : { فيما أفتدت به } أنه يجوز حينئذ الخلع بما زاد على المهر وسيأتي ~~الخلاف فيه . # ولم يختلف علماء الأمة أن المراد بالآية أخذ العوض على الفراق ، وإنما ~~اختلفوا في هذا الفراق هل هو طلاق أو فسخ ؟ فذهب الجمهور إلى أنه طلاق ولا ~~يكون إلا بائنا ؛ إذ لو لم يكن بائنا لما ظهرت الفائدة في بذل العوض ، وبه ~~قال عثمان وعلي وابن مسعود والحسن وعطاء وابن المسيب والزهري ومالك وأبو ~~حنيفة والثوري والأوزاعي والشعبي والنخعي ومجاهد ومكحول . # وذهب فريق إلى أنه فسخ ، وعليه ابن عباس وطاووس وعكرمة وإسحاق وأبو ثور ~~وأحمد بن حنبل . # وكل من قال : إن الخلع لا يكون إلا بحكم الحاكم . واختلف قول الشافعي في ~~ذلك ، فقال مرة هو طلاق ؛ وقال مرة ليس بطلاق ، وبعضهم يحكي عن الشافعي أن ~~الخلع ليس بطلاق إلا أن ينوي بالمخالفة الطلاق والصواب أنه طلاق لتقرر عصمة ~~صحيحة ، فإن أرادوا بالفسخ ما فيه من إبطال العصمة الأولى فما الطلاق كله ~~إلا راجعا إلى الفسوخ ، وتظهر فائدة هذا الخلاف في الخلع الواقع بينهما بعد ~~أن طلق الرجل طلقتين ، فعند الجمهور طلقة الخلع ثالثة فلا تحل لمخالعها إلا ~~بعد زوج ، وعند ابن عباس وأحمد بن حنبل وإسحاق ومن وافقهم : لا تعد طلقة ، ~~ولهما أن يعقدا نكاحا مستأنفا . # وقد تمسك بهذه الآية سعيد بن جبير والحسن وابن سيرين وزياد بن أبي سفيان ~~، فقالوا : لا يكون الخلع إلا بحكم الحاكم لقوله تعالى : { فإن خفتم ألا ~~يقيما حدود الله } . # والجمهور على جواز إجراء الخلع بدون تخاصم ، لأن الخطاب ليس صريحا للحكام ~~وقد صح من عمر وعثمان وابن عمر أنهم رأوا جوازه بدون حكم حاكم . # والجمهور أيضا على جواز أخذ العوض على الطلاق إن طابت به ms1226 نفس المرأة ، ~~ولم يكن عن إضرار بها . وأجمعوا على أنه إن كان عن إضرار بهن فهو حرام عليه ~~، فقال مالك إذا ثبت الإضرار يمضي الطلاق ، ويرد عليها مالها . وقال أبو ~~حنيفة : هو ماض ولكنه يأثم PageV02P410 بناء على أصله في النهي ، إذا كان ~~لخارج عن ماهية المنهي عنه . وقال الزهري والنخعي وداود : لا يجوز إلا عند ~~النشوز والشقاق . والحق أن الآية صريحة في تحريم أخذ العوض عن الطلاق إلا ~~إذا خيف فساد المعاشرة بألا تحب المرأة زوجها ، فإن الله أكد هذا الحكم إذ ~~قال : { إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله } لأن مفهوم الاستثناء قريب من ~~الصريح في أنهما إن لم يخافا ذلك لا يحل الخلع ، وأكده بقوله : { فإن خفتم ~~ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما أفتدت به } فإن مفهومه أنهما إن ~~لم يخافا ذلك ثبت الجناح ، ثم أكد ذلك كله بالنهي بقوله : تلك حدود الله ~~فلا تعتدوها ثم بالوعيد بقوله : { ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون } ~~وقد بين ذلك كله قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بين جميلة بنت أو أخت ~~عبد الله بن أبي بن سلول ، وبين زوجها ثابت بن قيس بن شماس ؛ إذ قالت له يا ~~رسول الله لا أنا ولا ثابت ، أو لا يجمع رأسي ورأس ثابت شيء ، والله ما ~~أعتب عليه في دين ولا خلق ولكني أكره الكفر في الإسلام لا أطيقه بغضا فقال ~~لها النبي صلى الله عليه وسلم ( أتردين عليه حديقته التي أصدقك ) قالت ( ~~نعم وأزيده ) زاد في رواية قال : ( أما الزائد فلا ) وأجاب الجمهور بأن ~~الآية لم تذكر قوله : { إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله } على وجه الشرط ~~بل لأنه الغالب من أحوال الخلع ، ألا يرى قوله تعالى : { فإن طبن لكم عن ~~شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا } ( النساء : 4 ) هكذا أجاب المالكية كما ~~في ( أحكام ابن العربي ) ، و ( تفسير القرطبي ) . وعندي أنه جواب باطل ، ~~ومتمسك بلا طائل ، أما إنكار كون الوارد في هاته الآية شرطا ، فهو تعسف ms1227 ~~وصرف للكلام عن وجهه ، كيف وقد دل بثلاثة منطوقات وبمفهومين وذلك قوله : { ~~ولا يحل لكم أن تأخذوا مما أتيتموهن شيئا } فهذا نكرة في سياق النفي ، أي ~~لا يحل أخذ أقل شيء ، وقوله : { إلا أن يخافا } ففيه منطوق ومفهوم ، وقوله ~~: { فإن خفتم } ففيه كذلك ، ثم إن المفهوم الذي يجيء مجيء الغالب هو مفهوم ~~القيود التوابع كالصفة والحال والغاية ، دون ما لا يقع في الكلام إلا لقصد ~~الاحتراز ، كالاستثناء والشرط . وأما الاحتجاج للجواز بقوله : { فإن طبن ~~لكم عن شيء منه نفسا } ، فمورده في عفو المرأة عن بعض الصداق ، فإن ضمير { ~~منه } عائد إلى الصدقات ، لأن أول الآية { وأتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن ~~طبن لكم } ( النساء : 4 ) الآية فهو إرشاد لما يعرض في حال العصمة مما يزيد ~~الألفة ، فلا تعارض بين الآيتين ولو سلمنا التعارض لكان يجب على الناظر ~~سلوك الجمع بين الآيتين أو الترجيح . PageV02P411 # واختلفوا في جواز أخذ الزائد على ما أصدقها المفارق ، فقال طاووس وعطاء ~~والأوزاعي وإسحاق وأحمد : لا يجوز أخذ الزائد ، لأن الله تعالى خصه هنا ~~بقوله : { مما أتيتموهن } واحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجميلة ~~لما قالت له : أرد عليه حديقته وأزيده ( أما الزائد فلا ) أخرجه الدارقطني ~~عن ابن جريج . وقال الجمهور : يجوز أخذ الزائد لعموم قوله تعالى : { فلا ~~جناح عليهما فيما أفتدت به } واحتجوا بما رواه الدارقطني عن أبي سعيد ~~الخدري أن أخته كانت تحت رجل من الأنصار تزوجها على حديقة ، فوقع بينهما ~~كلام فترافعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها ( أتردين عليه ~~حديقته ويطلقك ) قالت : نعم وأزيده ، فقال لها ( ردي عليه حديقته وزيديه ) ~~وبأن جميلة لما قالت له : وأزيده لم ينكر عليها . # وقال مالك : ليس من مكارم الأخلاق ولم أر أحدا من أهل العلم يكره ذلك أي ~~يحرمه ، ولم يصح عنده ما روي ( أما الزائد فلا ) والحق أن الآية ظاهرة في ~~تعظيم أمر أخذ العوض على الطلاق ، وإنما رخصه الله تعالى إذا كانت الكراهية ~~والنفرة من المرأة من مبدأ المعاشرة ، دفعا للأضرار ms1228 عن الزوج في خسارة ما ~~دفعه من الصداق الذي لم ينتفع منه بمنفعة ؛ لأن الغالب أن الكراهية تقع في ~~مبدأ المعاشرة لا بعد التعاشر . # فقوله : { مما أتيتموهن } ظاهر في أن ذلك هو محل الرخصة ، لكن الجمهور ~~تأولوه بأنه هو الغالب فيما يجحف بالأزواج ، وأنه لا يبطل عموم قوله : { ~~فيما أفتدت } وقد أشار مالك بقوله : ليس من مكارم الأخلاق إلى أنه لا يراه ~~موجبا للفساد والنهي ؛ لأنه ليس مما يختل به ضروري أو حاجي ، بل هو آيل إلى ~~التحسينات ، وقد مضى عمل المسلمين على جوازه . # واختلفوا في هذه الآية هل هي محكمة أم منسوخة ؟ فالجمهور على أنها محكمة ~~، وقال فريق : منسوخة بقوله تعالى في سورة النساء ( 20 ) { وإن أردتم ~~استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا ونسبه ~~القرطبي لبكر بن عبد الله المزني ، وهو قول شاذ ، ومورد آية النساء في ~~الرجل يريد فراق امرأته ، فيحرم عليه أن يفارقها ، ثم يزيد فيأخذ منها مالا ~~، بخلاف آية البقرة فهي في إرادة المرأة فراق زوجها عن كراهية . ~~PageV02P412 # تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولائك هم الظالمون } . # جملة { تلك حدود الله فلا تعتدوها } معترضة بين جملة { ولا يحل لكم أن ~~تأخذوا مما أتيتموهن شيئا } وما اتصل بها ، وبين الجملة المفرعة عليها وهي ~~{ فإن طلقها فلا تحل له من بعد } الآية . ومناسبة الاعتراض ما جرى في ~~الكلام الذي قبلها من منع أخذ العوض عن الطلاق ، إلا في حالة الخوف من ألا ~~يقيما حدود الله ، وكانت حدود الله مبينة في الكتاب والسنة ، فجيء بهذه ~~الجملة المعترضة تبيينا ؛ لأن منع أخذ العوض على الطلاق هو من حدود الله . # وحدود الله استعارة للأوامر والنواهي الشرعية بقرينة الإشارة ، شبهت ~~بالحدود التي هي الفواصل المجعولة بين أملاك الناس ، لأن الأحكام الشرعية ، ~~تفصل بين الحلال والحرام ، والحق والباطل وتفصل بين ما كان عليه الناس قبل ~~الإسلام ، وما هم عليه بعده . # والإقامة في الحقيقة الإظهار والإيجاد ، يقال : أقام حدا لأرضه ، وهي هنا ~~استعارة للعمل بالشرع تبعا ms1229 لاستعارة الحدود للأحكام الشرعية ، وكذلك إطلاق ~~الاعتداء الذي هو تجاوز الحد على مخالفة حكم الشرع ، هو استعارة تابعة ~~لتشبيه الحكم بالحد . # وجملة : { ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون } تذييل وأفادت جملة { ~~فأولئك هم الظالمون } حصرا وهو حصر حقيقي ، إذ ما من ظالم إلا وهو متعد ~~لحدود الله ، فظهر حصر حال المتعدي حدود الله في أنه ظالم . # واسم الإشارة من قوله : { فأولئك هم الظالمون } مقصود منه تمييز المشار ~~إليه ، أكمل تمييز ، وهو من يتعدى حدود الله ، اهتماما بإيقاع وصف الظالمين ~~عليهم . # وأطلق فعل { يتعد } على معنى يخالف حكم الله ترشيحا لاستعارة الحدود ~~لأحكام الله ، وهو مع كونه ترشيحا مستعار لمخالفة أحكام الله ؛ لأن مخالفة ~~الأمر والنهي تشبه مجاوزة الحد في الاعتداء على صاحب الشيء المحدود . وفي ~~الحديث : ( ألا وإن لكل ملك حمى ، ألا وإن حمى الله محارمه ) . # PageV02P413 # | 2 ( 230 ) { فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها ~~فلا جناح عليهمآ أن يتراجعآ إن ظنآ أن يقيما حدود الله وتلك حدود الله ~~يبينها لقوم يعلمون } . ) 2 # تفريع مرتب على قوله : { الطلاق مرتان } ( البقرة : 229 ) وما بينهما ~~بمنزلة الاعتراض ، على أن تقديمه يكسبه تأثيرا في تفريع هذا على جميع ما ~~تقدم ؛ لأنه قد علم من مجموع ذلك أن بعد المرتين تخييرا بني المراجعة ~~وعدمها ، فرتب على تقدير المراجعة المعبر عنها بالإمساك { فإن طلقها } وهو ~~يدل بطريق الاقتضاء على مقدر أي فإن راجعها فطلقها لبيان حكم الطلقة ~~الثالثة . وقد تهيأ السامع لتلقي هذا الحكم من قوله : { الطلاق مرتان } ( ~~البقرة : 229 ) إذ علم أن ذلك بيان لآخر عدد في الرجعي وأن ما بعده بتات ، ~~فذكر قوله : { فإن طلقها } زيادة في البيان ، وتمهيد لقوله : { فلا تحل له ~~من بعد } إلخ فالفاء إما عاطفة لجملة { فإن طلقها } على جملة { فإمساك } ( ~~البقرة : 229 ) باعتبار ما فيها من قوله { فإمساك } ، إن كان المراد من ~~الإمساك المراجعة ومن التسريح عدمها ، أي فإن أمسك المطلق أي راجع ثم طلقها ~~، فلا تحل له من بعد ، وهذا ms1230 هو الظاهر ، وإما فصيحة لبيان قوله : { أو ~~تسريح بإحسان } ( البقرة : 229 ) ، إن كان المراد من التسريح إحداث الطلاق ~~، أي فإن ازداد بعد المراجعة فسرح فلا تحل له من بعد ، وإعادة هذا على هذا ~~الوجه ليرتب عليه تحريم المراجعة إلا بعد زوج ، تصريحا بما فهم من قوله : { ~~الطلاق مرتان } ويكون التعبير بالطلاق هنا دون التسريح للبيان وللتفنن على ~~الوجهين المتقدمين ، ولا يعوزك توزيعه عليهما ، والضمير المستتر راجع ~~للمطلق المستفاد من قوله : { الطلاق مرتان } والضمير المنصوب راجع للمطلقة ~~المستفادة من الطلاق أيضا ، كما تقدم في قوله : { إلا أن يخافا ألا يقيما ~~حدود الله } ( البقرة : 229 ) . # والآية بيان لنهاية حق المراجعة صراحة ، وهي إما إبطال لما كانوا عليه في ~~الجاهلية وتشريع إسلامي جديد ، وإما نسخ لما تقرر أول الإسلام إذا صح ما ~~رواه أبو داود في ( سننه ) ، في باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث ، ~~عن ابن عباس ( أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها وإن طلقها ~~ثلاثا فنسخ ذلك ونزل { الطلاق مرتان } . # ولا يصح بحال عطف قوله : { فإن طلقها } على جملة { ولا يحل لكم أن تأخذوا ~~} ( البقرة : 229 ) ، ولا صدق الضميرين على ما صدقت عليه ضمائر { إلا أن ~~يخافا ألا يقيما } ، و { فلا جناح عليهما } لعدم صحة تعلق حكم قوله تعالى : ~~{ فإن طلقها فلا تحل له من بعد } بما تعلق به حكم قوله : { ولا يحل ~~PageV02P414 لكم أن تأخذوا } ( البقرة : 229 ) إلخ إذ لا يصح تفريع الطلاق ~~الذي لا تحل بعده المرأة على وقوع الخلع ، إذ ليس ذلك من أحكام الإسلام في ~~قول أحد ، فمن العجيب ما وقع في ( شرح الخطابي على سنن أبي داود ) : أن ابن ~~عباس احتج لكون الخلع فسخا بأن الله ذكر الخلع ثم أعقبه بقوله : { فإن ~~طلقها فلا تحل له من بعد } الآية قال : ( فلو كان الخلع طلاقا لكان الطلاق ~~أربعا ) ولا أحسب هذا يصح عن ابن عباس لعدم جريه على معاني الاستعمال ~~العربي . # وقوله : { فلا تحل له } أي تحرم عليه وذكر قوله : { من بعد } أي من بعد ms1231 ~~ثلاث تطليقات تسجيلا على المطلق ، وإيماء إلى علة التحريم ، وهي تهاون ~~المطلق بشأن امرأته ، واستخفافه بحق المعاشرة ، حتى جعلها لعبة تقلبها ~~عواصف غضبه وحماقته ، فلما ذكر لهم قوله { من بعد } علم المطلقون أنهم لم ~~يكونوا محقين في أحوالهم التي كانوا عليها في الجاهلية . # والمراد من قوله : { تنكح زوجا غيره } أن تعقد على زوج آخر ، لأن لفظ ~~النكاح في كلام العرب لا معنى له إلا العقد بين الزوجين ، ولم أر لهم ~~إطلاقا آخر فيه لا حقيقة ولا مجازا ، وأيا ما كان إطلاقه في الكلام فالمراد ~~في هاته الآية العقد بدليل إسناده إلى المرأة ، فإن المعنى الذي ادعى ~~المدعون أنه من معاني النكاح بالاشتراك والمجاز أعني المسيس ، لا يسند في ~~كلام العرب للمرأة أصلا ، وهذه نكتة غفلوا عنها في المقام . # وحكمة هذا التشريع العظيم ردع الأزواج عن الاستخفاف بحقوق أزواجهم ، ~~وجعلهن لعبا في بيوتهم ، فجعل للزوج الطلقة الأولى هفوة ، والثانية تجربة ، ~~والثالثة فراقا ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث موسى ~~والخضر : ( فكانت الأولى من موسى نسيانا والثانية شرطا والثالثة عمدا فلذلك ~~قال له الخضر في الثالث { هذا فراق بيني وبينك } ( الكهف : 78 ) . # وقد رتب الله على الطلقة الثالثة حكمين وهما سلب الزوج حق الرجعة ، بمجرد ~~الطلاق ، وسلب المرأة حق الرضا بالرجوع إليه إلا بعد زوج ، واشتراط التزوج ~~بزوج ثان بعد ذلك لقصد تحذير الأزواج من المسارعة بالطلقة الثالثة ، إلا ~~بعد التأمل والتريث ، الذي لا يبقى بعده رجاء في حسن المعاشرة ، للعلم ~~بحرمة العود إلا بعد زوج ، فهو عقاب للأزواج المستخفين بحقوق المرأة ، إذا ~~تكرر منهم ذلك ثلاثا ، بعقوبة ترجع إلى إيلام الوجدان ، لما ارتكز ~~PageV02P415 في النفوس من شدة النفرة من اقتران امرأته برجل آخر ، وينشده ~~حال المرأة قول ابن الزبير : # وفي الناس إن رثت حبالك واصل # وفي الأرض عن دار القلى متحول # وفي الطيبي قال الزجاج : ( إنما جعل الله ذلك لعلمه بصعوبة تزوج المرأة ~~على الرجل فحرم عليهما التزوج بعد الثلاث لئلا يعجلوا وأن يثبتوا ) وقد علم ~~السامعون ms1232 أن اشتراط نكاح زوج آخر هو تربية للمطلقين ، فلم يخطر ببال أحد ~~إلا أن يكون المراد من النكاح في الآية حقيقته وهي العقد ، إلا أن العقد ~~لما كان وسيلة لما يقصد له في غالب الأحوال من البناء وما بعده ، كان العقد ~~الذي لا يعقبه وطء العاقد لزوجه غير معتد به فيما قصد منه ، ولا يعبأ ~~المطلق الموقع الثلاث بمجرد عقد زوج آخر لم يمس فيه المرأة ، ولذلك لما طلق ~~رفاعة بن سموأل القرظي زوجه تميمة ابنة وهب طلقة صادفت أخرى الثلاث ، ~~وتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير القرظي ، جاءت النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقالت له : ( يا رسول الله إن رفاعة طلقني فبت طلاقي ، وإن عبد الرحمن بن ~~الزبير تزوجني وإنما معه مثل هدبة هذا الثوب ) وأشارت إلى هدب ثوب لها فقال ~~لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة ) قالت ( ~~نعم ) قال ( لا ، حتى تذوقي عسيلته ) الحديث ، فدل سؤالها على أنها تتوقع ~~عدم الاعتداد بنكاح ابن الزبير في تحليل من بتها ، لعدم حصول المقصود من ~~النكاية والتربية بالمطلق ، فاتفق علماء الإسلام على أن النكاح الذي يحل ~~المبتوتة هو دخول الزوج الثاني بالمرأة ومسيسه لها ، ولا أحسب دليلهم في ~~ذلك إلا الرجوع إلى مقصد الشريعة ، الذي علمه سائر من فهم هذا الكلام ~~العربي الفصيح ، فلا حاجة بنا إلى متح دلاء الاستدلال بأن هذا من لفظ ~~النكاح المراد به في خصوص هذه الآية المسيس أو هو من حديث رفاعة ، حتى يكون ~~من تقييد الكتاب بخبر الواحد ، أو هو من الزيادة على النص حتى يجىء فيه ~~الخلاف في أنها نسخ أم لا ، وفي أن نسخ الكتاب بخبر الواحد يجوز أم لا ، كل ~~ذلك دخول فيما لا طائل تحت تطويل تقريره بل حسبنا إجماع الصحابة وأهل ~~اللسان على فهم هذا المقصد من لفظ القرآن ، ولم يشذ عن ذلك PageV02P416 إلا ~~سعيد بن المسيب فإنه قال : يحل المبتوتة مجرد العقد على زوج ثان ، وهو شذوذ ~~ينافي المقصود ؛ إذ أية فائدة تحصل ms1233 من العقد ، إن هو إلا تعب للعاقدين ، ~~والولي ، والشهود إلا أن يجعل الحكم منوطا بالعقد ، باعتبار ما يحصل بعده ~~غالبا ، فإذا تخلف ما يحصل بعده اغتفر ، من باب التعليل بالمظنة ، ولم ~~يتابعه عليه أحد معروف ، ونسبه النحاس لسعيد بن جبير ، وأحسب ذلك سهوا منه ~~واشتباها ، وقد أمر الله بهذا الحكم ، مرتبا على حصول الطلاق الثالث بعد ~~طلقتين تقدمتاه فوجب امتثاله وعلمت حكمته فلا شك في أن يقتصر به على مورده ~~، ولا يتعدى حكمه ذلك إلى كل طلاق عبر فيه المطلق بلفظ الثلاث تغليظا ، أو ~~تأكيدا ، أو كذبا لأن ذلك ليس طلاقا بعد طلاقين ، ولا تتحقق فيه حكمة ~~التأديب على سوء الصنيع ، وما المتلفظ بالثلاث في طلاقه الأول إلا كغير ~~المتلفظ بها في كون طلقته الأولى ، لا تصير ثانية ، وغاية ما اكتسبه مقاله ~~أنه عد في الحمقى أو الكذابين ، فلا يعاقب على ذلك بالتفريق بينه وبين زوجه ~~، وعلى هذا الحكم استمر العمل في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي ~~بكر ، وصدر من خلافة عمر ، كما ورد في كتب الصحيح : ( الموطأ ) وما بعده ، ~~عن ابن عباس رضي الله عنه ، وقد ورد في بعض الآثار رواية حديث ابن عمر حين ~~طلق امرأته في الحيض أنه طلقها ثلاثا في كلمة ، وورد حديث ركانة بن عبد ~~يزيد المطلبي ، أنه طلق امرأته ثلاثا في كلمة واحدة فسأل النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال له : إنما ملكك الله واحدة فأمره أن يراجعها . # ثم إن عمر بن الخطاب في السنة الثالثة من خلافته حدثت حوادث من الطلاق ~~بلفظ الثلاث في كلمة واحدة فقال : أرى الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت ~~لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم . # وقد اختلف علماء الإسلام فيما يلزم من تلفظ بطلاق الثلاث في طلقة ليست ~~ثالثة ، فقال الجمهور : يلزمه الثلاث أخذا بما قضى به عمر بن الخطاب وتأيد ~~قضاؤه بسكوت الصحابة لم يغيروا عليه فهو إجماع سكوتي ، وبناء على تشبيه ~~الطلاق بالنذور والأيمان ، يلزم المكلف فيها ما التزمه ، ولا ms1234 خلاف في أن ~~عمر بن الخطاب قضى بذلك ولم ينكر عليه أحد ، ولكنه قضى بذلك عن اجتهاد فهو ~~مذهب له ، ومذهب الصحابي لا يقوم حجة على غيره ، وما أيدوه به من سكوت ~~الصحابة لا دليل فيه ؛ لأن الإجماع السكوتي ليس بحجة عند النحارير من ~~الأئمة مثل الشافعي والباقلاني والغزالي والإمام الرازي ، وخاصة أنه صدر من ~~عمر بن الخطاب PageV02P417 مصدر القضاء والزجر ، فهو قضاء في مجال الاجتهاد ~~لا يجب على أحد تغييره ، ولكن القضاء جزئي لا يلزم اطراد العمل به ، وتصرف ~~الإمام بتحجير المباح لمصلحة مجال للنظر ، فهذا ليس من الإجماع الذي لا ~~تجوز مخالفته . # وقال علي بن أبي طالب وابن مسعود وعبد الرحمن ابن عوف والزبير بن العوام ~~ومحمد بن إسحاق وحجاج بن أرطاة وطاووس والظاهرية وجماعة من مالكية الأندلس ~~: منهم محمد بن زنباع ، ومحمد بن بقي بن مخلد ، ومحمد بن عبد السلام الخشني ~~، فقيه عصره بقرطبة ، وأصبغ بن الحباب من فقهاء قرطبة ، وأحمد بن مغيث ~~الطليطلي الفقيه الجليل ، وقال ابن تيمية من الحنابلة : إن طلاق الثلاث في ~~كلمة واحدة لا يقع إلا طلقة واحدة وهو الأرجح من جهة النظر والأثر . # واحتجوا بحجج كثيرة أولاها وأعظمها هذه الآية فإن الله تعالى جعل الطلاق ~~مرتين ثم ثالثة ، ورتب حرمة العود على حصول الثالثة بالفعل لا بالقول ، ~~فإذا قال الرجل لامرأته : هي طالق طلاقا ولم تكن تلك الطلقة ثالثة بالفعل ~~والتكرر كذب في وصفها بأنها ثلاث ، وإنما هي واحدة أو ثانية فكيف يقدم على ~~تحريم عودها إليه والله تعالى لم يحرم عليه ذلك ، قال ابن عباس : ( وهل هو ~~إلا كمن قال : قرأت سورة البقرة ثلاث مرات وقد قرأها واحدة فإن قوله ثلاث ~~مرات يكون كاذبا ) . # الثانية أن الله تعالى قصد من تعدد الطلاق التوسعة على الناس ؛ لأن ~~المعاشر لا يدري تأثير مفارقة عشيره إياه ، فإذا طلق الزوج امرأته يظهر له ~~الندم وعدم الصبر على مفارقتها ، فيختار الرجوع فلو جعل الطلقة الواحدة ~~مانعة بمجرد اللفظ من الرجعة ، تعطل المقصد الشرعي من إثبات حق ms1235 الرجعة ، ~~قال ابن رشد الحفيد في ( البداية ) ( وكأن الجمهور غلبوا حكم التغليظ في ~~الطلاق سدا للذريعة ولكن تبطل بذلك الرخصة الشرعية والرفق المقصود من قوله ~~تعالى : { لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا } ( الطلاق : 1 ) . # الثالثة قال ابن مغيث : إن الله تعالى يقول : { أو تسريح بإحسان } وموقع ~~الثلاث غير محسن ، لأن فيها ترك توسعة الله تعالى ، وقد يخرج هذا بقياس على ~~غير مسألة في ( المدونة ) : من ذلك قول الإنسان : { مالي صدقة في المساكين ~~} قال مالك يجزئه الثلث . # الرابعة احتجوا بحديث ابن عباس في ( الصحيحين ) ( كان طلاق الثلاث في زمن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدر من خلافة عمر طلقة واحدة ) . # وأجاب عنه الجمهور بأن راويه طاووس وقد روى بقية أصحاب ابن عباس عنه أنه ~~قال PageV02P418 من طلق امرأته ثلاثا فقد عصى ربه وبانت منه زوجه ، وهذا ~~يوهن رواية طاووس ، فإن ابن عباس لا يخالف الصحابة إلى رأي نفسه ، حتى قال ~~ابن عبد البر رواية طاووس وهم وغلط ، وعلى فرض صحتها ، فالمراد أن الناس ~~كانوا يوقعون طلقة واحدة بدل إيقاع الناس ثلاث تطليقات وهو معنى قول عمر ( ~~إن الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة ) فلو كان ذلك واقعا في ~~زمن الرسول وأبي بكر لما قال عمر إنهم استعجلوا ولا عابه عليهم ، وهذا جواب ~~ضعيف ، قال أبو الوليد الباجي : الرواية عن طاووس بذلك صحيحة . وأقول : أما ~~مخالفة ابن عباس لما رواه فلا يوهن الرواية كما تقرر في الأصول ، ونحن نأخذ ~~بروايته وليس علينا أن نأخذ برأيه ، وأما ما تأولوه من أن المراد من الحديث ~~أن الناس كانوا يوقعون طلقة واحدة بدل إيقاع الثلاث فهو تأويل غير صحيح ~~ومناف لألفاظ الرواية ولقول عمر ( فلو أمضيناه عليهم ) فإن كان إمضاؤه ~~عليهم سابقا من عهد الرسول لم يبق معنى لقوله : ( فلو أمضيناه عليهم ) وإن ~~لم يكن إمضاؤه سابقا بل كان غير ماض حصل المقصود من الاستدلال . # الخامسة ما رواه الدارقطني أن ركانة بن عبد يزيد المطلبي طلق زوجه ثلاثا ms1236 ~~في كلمة واحدة فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له : إنما هي واحدة ~~أو إنما تلك واحدة فارتجعها . وأجاب عنه أنصار الجمهور بأنه حديث مضطرب ؛ ~~لأنه روي أن ركانة طلق ، وفي رواية أن يزيد بن ركانة طلق وفي رواية طلق ~~زوجه ثلاثا وزاد في بعض الروايات أنه طلقها ثلاثا وقال : أردت واحدة ~~فاستحلفه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك . وهو جواب واه لأنه سواء صحت ~~الزيادة أم لم تصح فقد قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالواحدة فيما فيه لفظ ~~الثلاث ، ولا قائل من الجمهور بالتوهية فالحديث حجة عليهم لا محالة إلا أن ~~روايته ليست في مرتبة معتبرة من الصحة . # السادسة ما رواه الدارقطني في حديث تطليق ابن عمر زوجه حين أمره النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن يراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر فإنه زاد فيه أنه ~~طلقها ثلاثا ولا شك أن معناه ثلاثا في كلمة ، لأنها لو كانت طلقة صادفت آخر ~~الثلاث لما جاز إرجاعها إليه ، ووجه الدليل أنه لما أمره أن يردها فقد عدها ~~عليه واحدة فقط ، وهذا دليل ضعيف جدا لضعف الرواية ولكون مثل هذه الزيادة ~~مما لا يغفل عنها رواة الحديث في كتب الصحيح ك ( الموطأ ) و ( صحيح البخاري ~~) و ( مسلم ) . والحق أنه لا يقع إلا طلقة واحدة ولا يعتد بقول المطلق ~~ثلاثا . # وذهب مقاتل وداود الظاهري في رواية عنه أن طلاق الثلاث في كلمة واحدة لا ~~يقع PageV02P419 طلاقا بالمرة ، واحتج بأن القرآن ذكر الطلاق المفرق ولم ~~يذكر المجموع فلا يلزم لأنه غير مذكور في القرآن . ولو احتج لهما بأنه منهي ~~عنه والمنهي عنه فاسد لكان قريبا ، لولا أن الفساد لا يعتري الفسوخ ، وهذا ~~مذهب شاذ وباطل ، وقد أجمع المسلمون على عدم العمل به ، وكيف لا يقع طلاقا ~~وفيه لفظ الطلاق . # وذهب ابن جبير وعطاء وابن دينار وجابر بن زيد إلى أن طلاق البكر ثلاثا في ~~كلمة يقع طلقة واحدة ، لأنه قبل البناء بخلاف طلاق بالمبني بها وكأن وجه ~~قولهم فيه ms1237 : وأن معنى الثلاث فيه كناية عن البينونة والمطلقة قبل البناء ~~تبينها الواحدة . # ووصف { زوجا غيره } تحذير للأزواج من الطلقة الثالثة ، لأنه بذكر ~~المغايرة يتذكر أن زوجته ستصير لغيره كحديث الواعظ الذي اتعظ بقول الشاعر : # اليوم عندك دلها وحديثها # وغدا لغيرك زندها والمعصم # وأسند الرجعة إلى المتفارقين بصيغة المفاعلة لتوقفها على رضا الزوجة بعد ~~البينونة ثم علق ذلك بقوله : { إن ظنا أن يقيما حدود الله } أي أن يسيرا في ~~المستقبل على حسن المعاشرة وإلا فلا فائدة في إعادة الخصومات . # و { حدود الله } هي أحكامه وشرائعه ، شبهت بالحدود لأن المكلف لا ~~يتجاوزها فكأنه يقف عندها . وحقيقة الحدود هي الفواصل بين الأرضين ونحوها ~~وقد تقدم في قوله : { إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله } ( البقرة : 229 ) ~~والإقامة استعارة لحفظ الأحكام تبعا لاستعارة الحدود إلى الأحكام كقولهم : ~~نقض فلان غزله ، وأما قوله : { وتلك حدود الله يبينها } فالبيان صالح ~~لمناسبة المعنى الحقيقي والمجازي ؛ لأن إقامة الحد الفاصل فيه بيان ~~للناظرين . # والمراد { بقوم يعلمون } ، الذين يفهمون الأحكام فهما يهيئهم للعمل بها ، ~~وبإدراك مصالحها ، ولا يتحيلون في فهمها . # { وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون } # الواو اعتراضية ، والجملة معترضة بين الجملتين المعطوفة إحداهما على ~~الأخرى ، وموقع هذه الجملة كموقع جملة { تلك حدود الله فلا تعتدوها } ( ~~البقرة : 229 ) المتقدمة آنفا . PageV02P420 # و { وتلك حدود الله } تقدم الكلام عليها قريبا . # وتبيين الحدود ذكرها للناس موضحة مفصلة معللة ، ويتعلق قوله { لقوم ~~يعلمون } بفعل { يبينها } ، ووصف القوم بأنهم يعلمون صريح في التنويه ~~بالذين يدركون ما في أحكام الله من المصالح ، وهو تعريض بالمشركين الذين ~~يعرضون عن اتباع الإسلام . # وإقحام كلمة ( لقوم ) للإيذان بأن صفة العلم سجيتهم وملكة فيهم ، كما ~~تقدم بيانه عند قوله تعالى : { إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل ~~والنهار إلى قوله لأيات لقوم يعقلون } ( البقرة : 164 ) . # $ 2 ( 231 ) { وإذا طلقتم النسآء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن ~~بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذالك فقد ظلم نفسه ولا تتخذو & # 1764 ا آيات الله هزوا واذكروا نعمت الله عليكم ومآ ms1238 أنزل عليكم من الكتاب ~~والحكمة يعظكم به واتقوا الله واعلمو & # 1764 ا أن الله بكل شىء عليم } . ) 2 $ # عطف على جملة : { فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا } ( البقرة : 230 ~~) الآية عطف حكم على حكم ، وتشريع على تشريع ، لقصد زيادة الوصاة بحسن ~~المعاملة في الاجتماع والفرقة ، وما تبع ذلك من التحذير الذي سيأتي بيانه . # وقوله : { فبلغهن أجلهن } مؤذن بأن المراد : وإذا طلقتم النساء طلاقا فيه ~~أجل . والأجل هنا لما أضيف إلى ضمير النساء المطلقات علم أنه أجل معهود ~~بالمضاف إليه ، أعني أجل الانتظار وهو العدة ، وهو التربص في الآية السابقة ~~. # وبلوغ الأجل : الوصول إليه ، والمراد به هنا مشارفة الوصول إليه بإجماع ~~العلماء ؛ لأن الأجل إذا انقضى زال التخيير بين الإمساك والتسريح ، وقد ~~يطلق البلوغ على مشارفة الوصول ومقاربته ، توسعا أي مجازا بالأول . وفي ~~القاعدة الخامسة من الباب الثامن من ( مغني اللبيب ) أن العرب يعبرون ~~بالفعل عن أمور : أحدها ، وهو الكثير المتعارف عن حصول الفعل وهو الأصل . ~~الثاني : عن مشارفته نحو { وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن والذين يتوفون ~~منكم ويذرون أزواجا } ( البقرة : 240 ) أي يقاربون الوفاة ، لأنه حين ~~الوصية . PageV02P421 الثالث : إرادته نحو { إذا قمتم إلى الصلوات فاغسلوا ~~} ( المائدة : 6 ) . الرابع : القدرة عليه نحو { وعدا علينا إنا كنا فاعلين ~~} ( الأنبياء : 104 ) أي قادرين . # والأجل في كلام العرب يطلق على المدة التي يمهل إليها الشخص في حدوث حادث ~~معين ، ومنه قولهم : ضرب له أجلا { أيما الأجلين قضيت } ( القصص : 28 ) . # والمراد بالأجل هنا آخر المدة ، لأن قوله : { فبلغن } مؤذن بأنه وصول بعد ~~مسير إليه ، وأسند ( بلغن ) إلى النساء لأنهن اللاتي ينتظرن انقضاء الأجل ، ~~ليخرجن من حبس العدة ، وإن كان الأجل للرجال والنساء معا ، للأولين توسعة ~~للمراجعة ، وللأخيرات تحديدا للحل للتزوج . وأضيف الأجل إلى ضمير النساء ~~لهاته النكتة . # والقول في الإمساك والتسريح مضى قريبا . وفي هذا الوجه تكرير الحكم ~~المفاد بقوله تعالى : { فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } ( البقرة : 229 ) ~~فأجيب عن هذا بما قاله الفخر : إن الآية السابقة أفادت التخيير بين الإمساك ~~والتسريح في مدة ms1239 العدة ، وهذه أفادت ذلك التخيير في آخر أوقات العدة ، ~~تذكيرا بالإمساك وتحريضا على تحصيله ، ويستتبع هذا التذكير الإشارة إلى ~~الترغيب في الإمساك ، من جهة إعادة التخيير بعد تقدم ذكره ، وذكر التسريح ~~هنا مع الإمساك ، ليظهر معنى التخيير بين أمرين وليتوسل بذلك إلى الإشارة ~~إلى رغبة الشريعة في الأمساك وذلك بتقديمه في الذكر ؛ إذ لو يذكر الأمران ~~لما تأتى التقديم المؤذن بالترغيب وعندي أنه على هذا الوجه أعيد الحكم ، ~~وليبني عليه ما قصد من النهي عن الضرار وما تلا ذلك من التحذير والموعظة ~~وذلك كله مما أبعد عن تذكره الجمل السابقة التي اقتضى الحال الاعتراض بها . # وقوله : { أو سرحوهن بمعروف } قيد التسريح هنا بالمعروف ، وقيد في قوله ~~السالف { أو تسريح بإحسان } ، بالإحسان للإشارة إلى أن الإحسان المذكور ~~هنالك ، هو عين المعروف الذي يعرض للتسريح ، فلما تقدم ذكره لم يحتج هنا ~~إلى الفرق بين قيده وقيد الإمساك . أو لأن إعادة أحوال الإمساك والتسريح ~~هنا ليبنى عليه النهي عن المضارة ، والذي تخاف مضارته بمنزلة بعيدة عن أن ~~يطلب منه الإحسان ، فطلب منه الحق ، وهو المعروف الذي عدم المضارة من فروعه ~~، سواء في الإمساك أو في التسريح ، ومضارة كل بما يناسبه . # وقال ابن عرفة : ( تقدم أن المعروف أخف من الإحسان فلما وقع الأمر في ~~الآية الأخرى PageV02P422 بتسريحهن مقارنا للإحسان ، خيف أن يتوهم أن الأمر ~~بالإحسان عند تسريحهن للوجوب فعقبه بهذا تنبيها على أن الأمر للندب لا ~~للوجوب ) . # وقوله : { ولا تمسكوهن ضرارا } تصريح بمفهوم { فأمسكوهن بمعروف } إذ ~~الضرار ضد المعروف ، وكأن وجه عطفه مع استفادته من الأمر بضده التشويه بذكر ~~هذا الضد لأنه أكثر أضداد المعروف يقصده الأزواج المخالفون لحكم الإمساك ~~بالمعروف ، مع ما فيه من التأكيد ، ونكتته تقرير المعنى المراد في الذهن ~~بطريقتين غايتهما واحدة وقال الفخر : نكتة عطف النهي على الأمر بالضد في ~~الآية هي أن الأمر لا يقتضي التكرار بخلاف النهي ، وهذه التفرقة بين الأمر ~~والنهي غير مسلمة ، وفيها نزاع في علم الأصول ، ولكنه بناها على أن الفرق ~~بين الأمر والنهي هو ms1240 مقتضى اللغة . على أن هذا العطف إن قلنا : إن المعروف ~~في الإمساك حيثما تحقق انتفى الضرار ، وحيثما انتفى المعروف تحقق الضرار ، ~~فيصير الضرار مساويا لنقيض المعروف ، فلنا أن نجعل نكتة العطف حينئذ لتأكيد ~~حكم الإمساك بالمعروف : بطريقي إثبات ونفي ، كأنه قيل : ( ولا تمسكوهن إلا ~~بالمعروف ) ، كما في قول السموأل : # تسيل على حد الظباتت نفوسنا # وليست على غير الظبات تسيل # والضرار مصدر ضار ، وأصل هذه الصيغة أن تدل على وقوع الفعل من الجانبين ، ~~مثل خاصم ، وقد تستعمل في الدلالة على قوة الفعل مثل : عافاك الله ، ~~والظاهر أنها هنا مستعملة للمبالغة في الضر ، تشنيعا على من يقصده بأنه ~~مفحش فيه . # ونصب { ضرارا } على الحال أو المفعولية لأجله . # وقوله : { لتعتدوا } جر باللام ولم يعطف بالفاء ؛ لأن الجر باللام هو أصل ~~التعليل ، وحذف مفعول ( تعتدوا ) ليشمل الاعتداء عليهن وعلى أحكام الله ~~تعالى ، فتكون اللام مستعملة في التعليل والعاقبة . والاعتداء على أحكام ~~الله لا يكون علة للمسلمين ، فنزل منزلة العلة مجازا في الحصول ، تشنيعا ~~على المخالفين ، فحرف اللام مستعمل في حقيقته ومجازه . # وقوله { فقد ظلم نفسه } جعل ظلمهم نساءهم ظلما لأنفسهم ، لأنه يؤدي إلى ~~اختلال المعاشرة واضطراب حال البيت وفوات المصالح بشغب الأذهان في ~~المخاصمات . وظلم نفسه أيضا بتعريضها لعقاب الله في الآخرة . PageV02P423 # { ولا تتخذو & # 1764 ا آيات الله هزوا واذكروا نعمت الله عليكم ومآ أنزل عليكم من الكتاب ~~والحكمة يعظكم به واتقوا الله واعلمو & # 1764 ا أن الله بكل شىء عليم } . # عطف هذا النهي على النهي في قوله : { ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا } لزيادة ~~التحذير من صنيعهم في تطويل العدة ، لقصد المضارة ، بأن في ذلك استهزاء ~~بأحكام الله التي شرع فيها حق المراجعة ، مريدا رحمة الناس ، فيجب الحذر من ~~أن يجعلوها هزءا . # وآيات الله هي ما في القرآن من شرائع المراجعة نحو قوله : { والمطلقات ~~يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } ( البقرة : 228 ) إلى قوله { وتلك حدود الله ~~يبينها لقوم يعلمون } ( البقرة : 230 ) . # والهزء بضمتين مصدر هزأ به إذا سخر ولعب ، وهو هنا مصدر بمعنى اسم ~~المفعول ، أي ms1241 لا تتخذوها مستهزأ به ، ولما كان المخاطب بهذا المؤمنين ، وقد ~~علم أنهم لم يكونوا بالذين يستهزئون بالآيات ، تعين أن الهزء مراد به مجازه ~~وهو الاستخفاف وعدم الرعاية ، لأن المستخف بالشيء المهم يعد لاستخفافه به ، ~~مع العلم بأهميته ، كالساخر واللاعب . وهو تحذير للناس من التوصل بأحكام ~~الشريعة إلى ما يخالف مراد الله ، ومقاصد شرعه ، ومن هذا التوصل المنهي عنه ~~، ما يسمى بالحيل الشرعية بمعنى أنها جارية على صور صحيحة الظاهر ، بمقتضى ~~حكم الشرع ، كمن يهب ماله لزوجه ليلة الحول ليتخلص من وجوب زكاته ، ومن ~~أبعد الأوصاف عنها الوصف بالشرعية . # فالمخاطبون بهذه الآيات محذرون أن يجعلوا حكم الله في العدة ، الذي قصد ~~منه انتظار الندامة وتذكر حسن المعاشرة ، لعلهما يحملان المطلق على إمساك ~~زوجته حرصا على بقاء المودة والرحمة ، فيغيروا ذلك ويجعلوه وسيلة إلى زيادة ~~النكاية ، وتفاقم الشر والعداوة . وفي ( الموطأ ) أن رجلا قال لابن عباس : ~~إني طلقت امرأتي مائة طلقة فقال له ابن عباس ( بانت منك بثلاث ، وسبع ~~وتسعون اتخذت بها آيات الله هزءا ) يريد أنه عمد إلى ما شرعه الله من عدد ~~الطلاق ، بحكمة توقع الندامة مرة أولى وثانية ، فجعله سبب نكاية وتغليظ ، ~~حتى اعتقد أنه يضيق على نفسه المراجعة إذ جعله مائة . # ثم إن الله تعالى بعد أن حذرهم دعاهم بالرغبة فقال : PageV02P424 { ~~واذكروا نعمت الله عليكم } فذكرهم بما أنعم عليهم بعد الجاهلية بالإسلام ، ~~الذي سماه نعمة كما سماه بذلك في قوله : { واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم ~~أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا } ( آل عمران : 103 ) فكما ~~أنعم عليكم بالإنسلاخ عن تلك الضلالة ، فلا ترجعوا إليها بالتعاهد بعد ~~الإسلام . # وقوله : { وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة } معطوف على ( نعمة ) ، ~~وجملة { يعظكم به } حال ويجوز جعله مبتدأ ؛ وجملة { يعظكم } خبرا ، والكتاب ~~: القرآن . والحكمة : العلم المستفاد من الشريعة ، وهو العبرة بأحوال الأمم ~~الماضية وإدراك مصالح الدين ، وأسرار الشريعة ، كما قال تعالى ، بعد أن بين ~~حكم الخمر والميسر { كذلك يبين الله لكم الأيات لعلكم تتفكرون في الدنيا ~~والآخرة } ( البقرة : 219 ، 220 ms1242 ) ومعنى إنزال الحكمة أنها كانت حاصلة من ~~آيات القرآن كما ذكرنا ، ومن الإيماء إلى العلل ، ومما يحصل أثناء ممارسة ~~الدين ، وكل ذلك منزل من الله تعالى بالوحي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ~~ومن فسر الحكمة بالسنة فقد فسرها ببعض دلائلها . والموعظة والوعظ : النصح ~~والتذكير بما يلين القلوب ، ويحذر الموعوظ . # وقوله : { واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم } تذكير بالتقوى ~~وبمراعاة علمهم بأن الله عليم بكل شيء تنزيلا لهم في حين مخالفتهم بأفعالهم ~~لمقاصد الشريعة ، منزلة من يجهل أن الله عليم ، فإن العليم لا يخفى عليه ~~شيء ، وهو إذا علم مخالفتهم لا يحول بين عقابه وبينهم شيء ، لأن هذا العليم ~~قدير . # # | 2 ( 232 ) { وإذا طلقتم النسآء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن ~~أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف ذالك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله ~~واليوم الاخر ذالكم أزكى لكم وأطهر والله يعلم وأنتم لا تعلمون } . ) 2 # المراد من هذه الآية مخاطبة أولياء النساء بألا يمنعوهن من مراجعة ~~أزواجهن بعد أن أمر المفارقين بإمساكهن بمعروف ورغبهم في ذلك ، إذ قد علم ~~أن المرأة إذا رأت الرغبة من الرجل الذي كانت تألفه وتعاشره لم تلبث أن ~~تقرن رغبته برغبتها ، فإن المرأة سريعة PageV02P425 الانفعال قريبة القلب ، ~~فإذا جاء منع فإنما يجيء من قبل الأولياء ولذلك لم يذكر الله ترغيب النساء ~~في الرضا بمراجعة أزواجهن ونهى الأولياء عن منعهن من ذلك . # وقد عرف من شأن الأولياء في الجاهلية وما قاربها ، الأنفة من أصهارهم ، ~~عند حدوث الشقاق بينهم وبين ولاياهم ، وربما رأوا الطلاق استخفافا بأولياء ~~المرأة وقلة اكتراث بهم ، فحملتهم الحمية على قصد الانتقام منهم عند ما ~~يرون منهم ندامة ، ورغبة في المراجعة وقد روى في ( الصحيح ) أن البداح بن ~~عاصم الأنصاري طلق زوجه جميلا بالتصغير وقيل جملا وقيل جميلة ابنة معقل بن ~~يسار فلما انقضت عدتها ، أراد مراجعتها ، فقال له أبوها معقل بن يسار : ( ~~إنك طلقتها طلاقا له الرجعة ، ثم تركتها حتى انقضت عدتها ، فلما خطبت إلي ~~أتيتني تخطبها مع الخطاب ، والله ms1243 لا أنكحتكها أبدا ) فنزلت هذه الآية ، قال ~~معقل ( فكفرت عن يميني وأرجعتها إليه ) وقال الواحدي : نزلت في جابر بن عبد ~~الله كانت له ابنة عم طلقها زوجها وانقضت عدتها ، ثم جاء يريد مراجعتها ، ~~وكانت راغبة فيه ، فمنعه جابر من ذلك فنزلت . # والمراد من أجلهن هو العدة ، وهو يعضد أن ذلك هو المراد من نظيره في ~~الآية السابقة ، وعن الشافعي ( دل سياق الكلامين على افتراق البلوغين ) ~~فجعل البلوغ في الآية الأولى ، بمعنى مشارفة بلوغ الأجل ، وجعله هنا بمعنى ~~انتهاء الأجل . فجملة { وإذا طلقتم النساء } عطف على { وإذا طلقتم النساء ~~فبلغت أجلهن فأمسكوهن بمعروف } ( البقرة : 231 ) الآية . # والخطاب الواقع في قوله { طلقتم } و { تعضلوهن } ينبغي أن يحمل على أنه ~~موجه إلى جهة واحدة دون اختلاف التوجه ، فيكون موجها إلى جميع المسلمين ، ~~لأن كل واحد صالح لأن يقع منه الطلاق إن كان زوجا ، ويقع منه العضل إن كان ~~وليا ، والقرينة ظاهرة على مثله فلا يكاد يخفى في استعمالهم ، ولما كان ~~المسند إليه أحد الفعلين ، غير المسند إليه الفعل الآخر ، إذ لا يكون ~~الطلاق ممن يكون منه العضل ولا العكس ، كان كل فريق يأخذ من الخطاب ما هو ~~به جدير ، فالمراد بقوله : { طلقتم } أوقعتم الطلاق ، فهم الأزواج ، وبقوله ~~{ فلا تعضلوهن } النهي عن صدور العضل ، وهم أولياء النساء . # وجعل في ( الكشاف ) الخطاب للناس عامة أي إذا وجد فيكم الطلاق وبلغ ~~المطلقات أجلهن ، فلا يقع منكم العضل PageV02P426 ووجه تفسيره هذا بقوله : ~~( لأنه إذا وجد العضل بينهم وهم راضون كانوا في حكم العاضلين ) . # والعضل : المنع والحبس وعدم الانتقال ، فمنه عضلت المرأة بالتشديد إذا ~~عسرت ولادتها وعضلت الدجاجة إذا نشب بيضها فلم يخرج ، والمعاضلة في الكلام ~~: احتباس المعنى حتى لا يبدو من الألفاظ ، وهو التعقيد ، وشاع في كلام ~~العرب في منع الولي مولاته من النكاح . وفي الشرع هو المنع بدون وجه صلاح ، ~~فالأب لا يعد عاضلا برد كفء أو اثنين ، وغير الأب يعد عاضلا برد كفء واحد . # وإسناد النكاح إلى النساء هنا لأنه هو المعضول عنه ، والمراد بأزواجهن ms1244 ~~طالبو المراجعة بعد انقضاء العدة ، وسماهن أزواجا مجازا باعتبار ما كان ، ~~لقرب تلك الحالة ، وللإشارة إلى أن المنع ظلم ؛ فإنهم كانوا أزواجا لهن من ~~قبل ، فهم أحق بأن يرجعن إليهم . # وقوله : { إذا تراضوا بينهم بالمعروف } شرط للنهي ، لأن الولي إذا علم ~~عدم التراضي بين الزوجين ، ورأى أن المراجعة ستعود إلى دخل وفساد فله أن ~~يمنع مولاته نصحا لها ، وفي هذا الشرط إيماء إلى علة النهي : وهي أن الولي ~~لا يحق له منعها مع تراضي الزوجين بعود المعاشرة ، إذ لا يكون الولي أدرى ~~بميلها منها ، على حد قولهم في المثل المشهور ( رضي الخصمان ولم يرض القاضي ~~) . # وفي الآية إشارة إلى اعتبار الولاية للمرأة في النكاح بناء على غالب ~~الأحوال يومئذ ؛ لأن جانب المرأة جانب ضعيف مطموع فيه ، معصوم عن الامتهان ~~، فلا يليق تركها تتولى مثل هذا الأمر بنفسها ؛ لأنه ينافي نفاستها وضعفها ~~، فقد يستخف بحقوقها الرجال ، حرصا على منافعهم وهي تضعف عن المعارضة . # ووجه الإشارة : أن الله أشار إلى حقين : حق الولي بالنهي عن العضل ؛ إذ ~~لو لم يكن الأمر بيده لما نهي عن منعه ، ولا يقال : نهي عن استعمال ما ليس ~~بحق له لأنه لو كان كذلك لكان النهي عن البغي والعدوان كافيا ، ولجيء بصيغة ~~: ما يكون لكم ونحوها وحق المرأة في الرضا ولأجله أسند الله النكاح إلى ~~ضمير النساء ، ولم يقل : أن تنكحوهن أزواجهن ، وهذا مذهب مالك والشافعي ~~وجمهور فقهاء الإسلام ، وشذ أبو حنيفة في المشهور عنه فلم يشترط الولاية في ~~النكاح ، واحتج له الجصاص بأن الله أسند النكاح هنا للنساء وهو استدلال ~~بعيد استعمال العرب في قولهم : نكحت المرأة ، فإنه بمعنى تزوجت PageV02P427 ~~دون تفصيل بكيفية هذا التزوج لأنه لا خلاف في أن رضا المرأة بالزوج هو ~~العقد المسمى بالنكاح ، وإنما الخلاف في اشتراط مباشرة الولي لذلك دون جبر ~~، وهذا لا ينافيه إسناد النكاح إليهن ، أما ولاية الإجبار فليست من غرض هذه ~~الآية ؛ لأنها واردة في شأن الأيامى ولا جبر على أيم باتفاق العلماء . # وقوله : { ذلك يوعظ به } إشارة ms1245 إلى حكم النهي عن العضل ، وإفراد الكاف مع ~~اسم الإشارة مع أن المخاطب جماعة ، رعيا لتناسي أصل وضعها من الخطاب إلى ما ~~استعملت فيه من معنى بعد المشار إليه فقط ، فإفرادها في أسماء الإشارة هو ~~الأصل ، وأما جمعها في قوله { ذلكم أزكى لكم } فتجديد لأصل وضعها . # ومعنى أزكى وأطهر أنه أوفر للعرض وأقرب للخير ، فأزكى دال على النماء ~~والوفر ، وذلك أنهم كانوا يعضلونهن حمية وحفاظا على المروءة من لحاق ما فيه ~~شائبة الحطيطة ، فأعلمهم الله أن عدم العضل أوفر للعرض ؛ لأن فيه سعيا إلى ~~استبقاء الود بين العائلات التي تقاربت بالصهر والنسب ؛ فإذا كان العضل ~~إباية للضيم ، فالإذن لهن بالمراجعة حلم وعفو ورفاء للحال وذلك أنفع من ~~إباية الضيم . # وأما قوله : { وأطهر } فهو معنى أنزه ، أي إنه أقطع لأسباب العداوات ~~والإحن والأحقاد بخلاف العضل الذي قصدتم منه قطع العود إلى الخصومة ، وماذا ~~تضر الخصومة في وقت قليل يعقبها رضا ما تضر الإحن الباقية والعداوات ~~المتأصلة ، والقلوب المحرقة . # ولك أن تجعل { أزكى } بالمعنى الأول ، ناظرا لأحوال الدنيا ، وأطهر بمعنى ~~فيه السلامة من الذنوب في الآخرة ، فيكون أطهر مسلوب المفاضلة ، جاء على ~~صيغة التفضيل للمزاوجة مع قوله { أزكى } . # وقوله : { والله يعلم وأنتم لا تعلمون } تذييل وإزالة لاستغرابهم حين ~~تلقى هذا الحكم ، لمخالفته لعاداتهم القديمة ، وما اعتقدوا نفعا وصلاحا ~~وإباء على أعراضهم ، فعلمهم الله أن ما أمرهم به ونهاهم عنه هو الحق ، لأن ~~الله يعلم النافع ، وهم لا يعلمون إلا ظاهرا ، فمفعول { يعلم } محذوف أي ~~والله يعلم ما فيه كمال زكاتكم وطهارتكم ؛ وأنتم لا تعلمون ذلك . # PageV02P428 $ 2 ( 233 ) { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن ~~أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس ~~إلا وسعها لا تضآر والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذالك ~~فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن أردتم أن ~~تسترضعو & # 1764 ا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم مآ ءاتيتم بالمعروف واتقوا الله ~~واعلمو & # 1764 ا أن الله ms1246 بما تعملون بصير } . ) 2 $ # انتقال من أحكام الطلاق والبينونة ؛ فإنه لما نهى عن العضل ، وكانت بعض ~~المطلقات لهن أولاد في الرضاعة ويتعذر عليهن التزوج وهن مرضعات ؛ لأن ذلك ~~قد يضر بالأولاد ، ويقلل رغبة الأزواج فيهن ، كانت تلك الحالة مثار خلاف ~~بين الآباء والأمهات ، فلذلك ناسب التعرض لوجه الفصل بينهم في ذلك ، فإن ~~أمر الإرضاع مهم ، لأن به حياة النسل ، ولأن تنظيم أمره من أهم شؤون أحكام ~~العائلة . # وأعلم أن استخلاص معاني هذه الآية من أعقد ما عرض للمفسرين . فجملة { ~~والوالدات يرضعن } معطوفة على جملة { وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا ~~تعضلوهن } ( البقرة : 232 ) والمناسبة غير خفية . # والوالدت عام لأنه جمع معرف باللام ، وهو هنا مراد به خصوص الوالدات من ~~المطلقات بقرينة سياق الآي التي قبلها من قوله : { والمطلقات يتربصن ~~بأنفسهن ثلاثة قروء } ( البقرة : 228 ) ولذلك وصلت هذه الجملة بالعطف ~~للدلالة على اتحاد السياق ، فقوله : { والوالدات } معناه : والوالدات منهن ~~، أي من المطلقات المتقدم الإخبار عنهن في الآي الماضية ، أي المطلقات ~~اللائي لهن أولاد في سن الرضاعة ، ودليل التخصيص أن الخلاف في مدة الإرضاع ~~لا يقع بين الأب والأم إلا بعد الفراق ، ولا يقع في حالة العصمة ؛ إذ من ~~العادة المعروفة عند العرب ومعظم الأمم أن الأمهات يرضعن أولادهن في مدة ~~العصمة ، وأنهن لا تمتنع منه من تمتنع إلا لسبب طلب التزوج بزوج جديد بعد ~~فراق والد الرضيع ؛ فإن المرأة المرضع لا يرغب الأزواج منها ؛ لأنها تشتغل ~~برضيعها عن زوجها في أحوال كثيرة . PageV02P429 # وجملة { يرضعن } خبر مراد به التشريع ، وإثبات حق الاستحقاق ، وليس بمعنى ~~الأمر للوالدات والإيجاب عليهن ؛ لأنه قد ذكر بعد أحكام المطلقات ، ولأنه ~~عقب بقوله { وإن أردتم أن تسترضعوا } فإن الضمير شامل للآباء والأمهات على ~~وجه التغليب كما يأتي ، فلا دلالة في الآية على إيجاب إرضاع الولد على أمه ~~، ولكن تدل على أن ذلك حق لها ، وقد صرح بذلك في سورة الطلاق بقوله { وإن ~~تعاسرتم فسترضع له أخرى } ( الطلاق : 6 ) ولأنه عقب بقوله : { وعلى المولود ~~له رزقهن وكسوتهن بالمعروف } وذلك ms1247 أجر الرضاعة ، والزوجة في العصمة ليس لها ~~نفقة وكسوة لأجل الرضاعة ، بل لأجل العصمة . # وقوله : { أولادهن } صرح بالمفعول مع كونه معلوما ، إيماء إلى أحقية ~~الوالدات بذلك وإلى ترغيبهن فيه ؛ لأن في قوله : { أولادهن } تذكيرا لهن ~~بداعي الحنان والشفقة ، فعلى هذا التفسير وهو الظاهر من الآية والذي عليه ~~جمهور السلف ليست الآية واردة إلا لبيان إرضاع المطلقات أولادهن ، فإذا ~~رامت المطلقة إرضاع ولدها فهي أولى به ، سواء كانت بغير أجر أم طلبت أجر ~~مثلها ، ولذلك كان المشهور عن مالك : أن الأب إذا وجد من ترضع له غير الأم ~~بدون أجر وبأقل من أجر المثل ، لم يجب إلى ذلك ، كما سنبينه . # ومن العلماء من تأول الوالدات على العموم ، سواء كن في العصمة أو بعد ~~الطلاق كما في القرطبي والبيضاوي ، ويظهر من كلام ابن الفرس في ( أحكام ~~القرآن ) أن هذا قول مالك . وقال ابن رشد في ( البيان والتحصيل ) : إن قوله ~~تعالى : { والوالدات يرضعن أولادهن } ومحمول على عمومه في ذات الزوج وفي ~~المطلقة مع عسر الأب ، ولم ينسبه إلى مالك ، ولذلك قال ابن عطية : قوله : { ~~يرضعن } خبر معناه الأمر على الوجوب لبعض الوالدات ، والأمر على الندب ~~والتخيير لبعضهن وتبعه البيضاوي ، وفي هذا استعمال صيغة الأمر في القدر ~~المشترك وهو مطلق الطلب ولا داعي إليه . والظاهر أن حكم إرضاع الأم ولدها ~~في العصمة يستدل له بغير هذه الآية ، ومما يدل على أنه ليس المراد الوالدات ~~اللائي في العصمة قوله تعالى : { وعلى المولود له رزقهن } الآية ، فإن ~~اللائي في العصمة لهن النفقة والكسوة بالأصالة . # والحول في كلام العرب : العام ، وهو مشتق من تحول دورة القمر أو الشمس في ~~فلكه من مبدأ مصطلح عليه ، إلى أن يرجع إلى السمت الذي ابتدأ منه ، فتلك ~~المدة التي ما بين المبدأ والمرجع تسمى حولا . PageV02P430 # وحول العرب قمري وكذلك أقره الإسلام . # ووصف الحولين بكاملين تأكيد لرفع توهم أن يكون المراد حولا وبعض الثاني ؛ ~~لأن إطلاق التثنية والجمع في الأزمان والأسنان ، على بعض المدلول ، إطلاق ~~شائع عند العرب ، فيقولون : هو ابن سنتين ms1248 ويريدون سنة وبعض الثانية ، كما ~~مر في قوله : { الحج أشهر معلومات } ( البقرة : 197 ) . # وقوله : { لمن أراد أن يتم الرضاعة } ، قال في ( الكشاف ) : ( بيان لمن ~~توجه إليه الحكم كقوله : { هيت لك } ( يوسف : 23 ) ، فلك بيان للمهيت له أي ~~هذا الحكم لمن أراد أن يتم الإرضاع ) أي فهو خبر مبتدأ محذوف ، كما أشار ~~إليه ، بتقدير هذا الحكم لمن أراد . قال التفتازاني : ( وقد يصرح بهذا ~~المبتدأ في بعض التراكيب كقوله تعالى : { ذلك لمن خشى العنت منكم } ( ~~النساء : 25 ) وما صدق ( من ) هنا من يهمه ذلك : وهو الأب والأم ومن يقوم ~~مقامهما من ولي الرضيع وحاضنه . والمعنى : أن هذا الحكم يستحقه من أراد ~~إتمام الرضاعة ، وأباه الآخر ، فإن أرادا معا عدم إتمام الرضاعة فذلك معلوم ~~من قوله : { فإن أرادا فصالا } الآية . # وقد جعل الله الرضاع حولين رعيا لكونهما أقصى مدة يحتاج فيها الطفل ~~للرضاع إذا عرض له ما اقتضى زيادة إرضاعه ، فأما بعد الحولين فليس في نمائه ~~ما يصلح له الرضاع بعد ، ولما كان خلاف الأبوين في مدة الرضاع لا ينشأ إلا ~~عن اختلاف النظر في حاجة مزاج الطفل إلى زيادة الرضاع ، جعل الله القول لمن ~~دعا إلى الزيادة ، احتياطا لحفظ الطفل . وقد كانت الأمم في عصور قلة ~~التجربة وانعدام الأطباء ، لا يهتدون إلى ما يقوم للطفل مقام الرضاع ؛ ~~لأنهم كانوا إذا فطموه أعطوه الطعام ، فكانت أمزجة بعض الأطفال بحاجة إلى ~~تطويل الرضاع ، لعدم القدرة على هضم الطعام وهذه عوارض تختلف . وفي عصرنا ~~أصبح الأطباء يعتاضون لبعض الصبيان بالإرضاع الصناعي ، وهم مع ذلك مجمعون ~~على أنه لا أصلح للصبي من لبن أمه ، ما لم تكن بها عاهة أو كان اللبن غير ~~مستوف الأجزاء التي بها تمام تغذية أجزاء بدن الطفل ، ولأن الإرضاع الصناعي ~~يحتاج إلى فرط حذر في سلامة اللبن من العفونة : في قوامه وإنائه . وبلاد ~~العرب شديدة الحرارة في غالب السنة ؛ ولم يكونوا يحسنون حفظ أطعمتهم من ~~التعفن بالمكث ، فربما كان فطام الأبناء في العام أو ما يقرب منه يجر مضار ~~للرضعاء ، PageV02P431 وللأمزجة ms1249 في ذلك تأثير أيضا . # وعن ابن عباس أن التقدير بالحولين للولد الذي يمكث في بطن أمه ستة أشهر ، ~~فإن مكث سبعة أشهر ، فرضاعه ثلاثة وعشرون شهرا ، وهكذا بزيادة كل شهر في ~~البطن ينقص شهر من مدة الرضاعة حتى يكون لمدة الحمل والرضاع ثلاثون شهرا ؛ ~~لقوله تعالى : { وحمله وفصله ثلاثون شهرا } ( الأحقاف : 15 ) ، وفي هذا ~~القول منزع إلى تحكيم أحوال الأمزجة ؛ لأنه بمقدار ما تنقص مدة مكثه في ~~البطن ، تنقص مدة نضج مزاجه . والجمهور على خلاف هذا وأن الحولين غاية ~~لإرضاع كل مولود . وأخذوا من الآية أن الرضاع المعتبر هو ما كان في الحولين ~~، وأن ما بعدهما لا حاجة إليه ، فلذلك لا يجاب إليه طالبه . # وعبر عن الوالد بالمولود له ، إيماء إلى أنه الحقيق بهذا الحكم ؛ لأن ~~منافع الولد منجرة إليه ، وهو لاحق به ومعتز به في القبيلة حسب مصطلح الأمم ~~، فهو الأجدر بإعاشته ، وتقويم وسائلها . # والرزق : النفقة ، والكسوة : اللباس ، والمعروف : ما تعارفه أمثالهم وما ~~لا يجحف بالأب . والمراد بالرزق والكسوة هنا ما تأخذه المرضع أجرا عن ~~إرضاعها ، من طعام ولباس لأنهم كانوا يجعلون للمراضع كسوة ونفقة ، وكذلك ~~غالب إجاراتهم ؛ إذ لم يكن أكثر قبائل العرب أهل ذهب وفضة ، بل كانوا ~~يتعاملون بالأشياء ، وكان الأجراء لا يرغبون في الدرهم والدينار ، وإنما ~~يطلبون كفاية ضروراتهم ، وهي الطعام والكسوة ، ولذلك أحال الله تقديرهما ~~على المعروف عندهم من مراتب الناس وسعتهم ، وعقبه بقوله : { لا تكلف نفس ~~إلا وسعها } . # وجمل : { لا تكلف نفس إلا وسعها } إلى قول : { ولا مولود له بولده } ~~معترضات بين جملة { وعلى المولود } وجملة { وعلى الوارث } فموقع جملة لا ~~تكلف نفس إلا وسعها تعليل لقوله { بالمعروف } ، وموقع جملة { لا تضار والدة ~~} إلى آخرها موقع التعليل أيضا ، وهو اعتراض يفيد أصولا عظيمة للتشريع ~~ونظام الاجتماع . # والتكليف تفعيل بمعنى جعله ذا كلفة ، والكلفة : المشقة ، والتكلف : ~~التعرض لما فيه مشقة ، ويطلق التكليف على الأمر بفعل فيه كلفة ، وهو اصطلاح ~~شرعي جديد . # والوسع ، بتثليث الواو : الطاقة ، وأصله من وسع الإناء الشيء إذا حواه ~~ولم يبق منه ms1250 شيء ، وهو ضد ضاق عنه ، والوسع هو ما يسعه الشيء فهو بمعنى ~~المفعول ، وأصله استعارة ؛ PageV02P432 لأن الزمخشري في ( الأساس ) ذكر هذا ~~المعنى في المجاز ، فكأنهم شبهوا تحمل النفس عملا ذا مشقة باتساع الظرف ~~للمحوي ، لأنهم ما احتاجوا لإفادة ذلك إلا عند ما يتوهم الناظر أنه لا يسعه ~~، فمن هنا استعير للشاق البالغ حد الطاقة . فالوسع إن كان بكسر الواو فهو ~~فعل بمعنى مفعول كذبح ، وإن كان بضمها فهو مصدر كالصلح والبرء صار بمعنى ~~المفعول ، وإن كان بفتحها فهو مصدر كذلك بمعنى المفعول كالخلق والدرس ~~والتكليف بما فوق الطاقة منفي في الشريعة . وبني فعل تكلف للنائب ليحذف ~~الفاعل ، فيفيد حذفه عموم الفاعلين ، كما يفيد وقوع نفس ، وهو نكرة في سياق ~~النفس ، عموم المفعول الأول لفعل تكلف : وهو الأنفس المكلفة ، وكما يفيد ~~حذف المستثنى في قوله : { إلا وسعها } عموم المفعول الثاني لفعل تكلف ، وهو ~~الأحكام المكلف بها ، أي لا يكلف أحد نفسا إلا وسعها ، وذلك تشريع من الله ~~للأمة بأن ليس لأحد أن يكلف أحدا إلا بما يستطيعه ، وذلك أيضا وعد من الله ~~بأنه لا يكلف في التشريع الإسلامي إلا بما يستطاع : في العامة والخاصة ، ~~فقد قال في آيات ختام هذه السورة { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } ( البقرة ~~: 286 ) . # والآية تدل على عدم وقوع التكليف بما لا يطاق في شريعة الإسلام ، وسيأتي ~~تفصيل هذه المسألة عند قوله تعالى : { لا يكلفو الله نفسا إلا وسعها } في ~~آخر السورة . # وجملة { لا تضار والدة بولدها } اعتراض ثان ، ولم تعطف على التي قبلها ~~تنبيها على أنها مقصودة لذاتها ، فإنها تشريع مستقل ، وليس فيها معنى ~~التعليل الذي في الجملة قبلها بل هي كالتفريع على جملة { لا تكلف نفس إلا ~~وسعها } ؛ لأن إدخال الضر على أحد بسبب ما هو بضعة منه ، يكاد يخرج عن طاقة ~~الإنسان ؛ لأن الضرار تضيق عنه الطاقة ، وكونه بسبب من يترقب منه أن يكون ~~سبب نفع أشد ألما على النفس ، فكان ضره أشد . ولذلك اختير لفظ الوالدة هنا ~~دون الأم كما تقدم في ms1251 قوله : { يرضعن أولادهن } وكذلك القول في { ولا مولود ~~له بولده } وهذا الحكم عام في جميع الأحوال من فراق أو دوام عصمة ، فهو ~~كالتذييل ، وهو نهي لهما عن أن يكلف أحدهما الآخر ما هو فوق طاقته ، ويستغل ~~ما يعلمه من شفقة الآخر على ولده فيفترص ذلك لإحراجه ، والإشفاق عليه . ~~PageV02P433 # وفي ( المدونة ) : عن ابن وهب عن الليث عن خالد بن يزيد عن زيد بن أسلم ~~في قوله تعالى : { لا تضار والدة بولدها } الآية ( يقول ليس لها أن تلقي ~~ولدها عليه ولا يجد من يرضعه ، وليس له أن ينتزع منها ولدها ، وهي تحب أن ~~ترضعه ) وهو يؤيد ما ذكرناه . # وقيل : الباء في قوله : { بولدها وبولده } باء الإلصاق وهي لتعدية { تضار ~~} فيكون مدخول الباء مفعولا في المعنى لفعل { تضار } وهو مسلوب المفاعلة ~~مراد منه أصل الضر ، فيصير المعنى : لا تضر الوالدة ولدها ولا المولود له ~~ولده أي لا يكن أحد الأبويين بتعنته وتحريجه سببا في إلحاق الضر بولده أي ~~سببا في إلجاء الآخر إلى الامتناع مما يعين على إرضاع الأم ولدها فيكون في ~~استرضاع غير الأم تعريض المولود إلى الضر ونحو هذا من أنواع التفريط . # وقرأ الجمهور : ( لا تضار ) بفتح الراء مشددة على أن ( لا ) حرف نهي و ( ~~تضار ) مجزوم بلا الناهية والفتحة للتخلص من التقاء الساكنين الذي نشأ عن ~~تسكين الراء الأولى ليتأتى الإدغام وتسكين الراء الثانية للجزم وحرك ~~بالفتحة لأنها أخف الحركات . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو برفع الراء على أن ( ~~لا ) حرف نفي والكلام خبر في معنى النهي ، وكلتا القراءتين يجوز أن تكون ~~على نية بناء الفعل للفاعل بتقدير : لا ( تضارر ) بكسر الراء الأولى وبنائه ~~للنائب بتقدير فتح الراء الأولى ، وقرأه أبو جعفر بسكون الراء مخففة مع ~~إشباع المد كذا نقل عنه في كتاب ( القراءات ) والظاهر أنه جعله من ضار يضير ~~لا من ضار المضاعف . ووقع في ( الكشاف ) أنه قرأ بالسكون مع التشديد على ~~نية الوقف أي إجراء للوصل مجرى الوقف ولذلك اغتفر التقاء الساكنين . # وقوله : { وعلى الوارث مثل ذلك } معطوف ms1252 على قوله : { وعلى المولود له ~~رزقهن } وليس معطوفا على جملة { لا تضار والدة } لأن جملة { لا تضار } ~~معترضة ، فإنها جاءت على الأسلوب الذي جاءت عليه جملة { لا تكلف نفس إلا ~~وسعها } التي هي معترضة بين الأحكام لا محالة لوقوعها موقع الاستئناف من ~~قوله { بالمعروف } ، ولما جاءت جملة { لا تضار } بدون عطف علمنا أنها ~~استئناف ثان مما قبله ثم وقع الرجوع إلى بيان الأحكام بطريق العطف ، ولو ~~كان المراد العطف على المستأنفات المعترضات لجيء بالجملة الثالثة بطريق ~~الاستئناف . # وحقيقة الوارث هو من يصير إليه مال الميت بعد الموت بحق الإرث . والإشارة ~~بقوله { ذلك } إلى الحكم المتقدم وهو الرزق والكسوة بقرينة دخول على عليه ~~الدالة على أنه عديل لقوله : { وعلى المولود له رزقهن } وجوز أن يكون { ذلك ~~} إشارة إلى النهي عن الإضرار المستفاد PageV02P434 من قوله : { لا تضار ~~والدة بولدها } كما سيأتي ، وهو بعيد عن الاستعمال ؛ لأنه لما كان الفاعل ~~محذوفا وحكم الفعل في سياق النهي كما هو في سياق النفي علم أن جميع الإضرار ~~منهي عنه أيا ما كان فاعله ، على أن الإضرار منهي عنه فلا يحسن التعبير عنه ~~بلفظ على الذي هو من صيغ الإلزام والإيجاب ، على أن ظاهر المثل إنما ينصرف ~~لمماثلة الذوات وهي النفقة والكسوة لا لمماثلة الحكم وهو التحريم . # وقد علم من تسمية المفروض عليه الإنفاق والكسوة وارثا أن الذي كان ذلك ~~عليه مات ، وهذا إيجاز . والمعنى : فإن مات المولود له فعلى وارثه مثل ما ~~كان عليه فإن على الواقعة بعد حرف العطف هنا ظاهرة في أنها مثل على التي في ~~المعطوف عليه . # فالظاهر أن المراد وارث الأب وتكون أل عوضا عن المضاف إليه كما هو الشأن ~~في دخول أل على اسم غير معهود ولا مقصود جنسه وكان ذلك الاسم مذكورا بعد ~~اسم يصلح لأن يضاف إليه كما قال تعالى : { لئن لم ينته لنسفعا بالناصية } ( ~~العلق : 15 ) وكما قال : { وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن ~~الجنة هي المأوى } ( النازعات : 40 41 ) أي نهى نفسه ms1253 ؛ فإن الجنة هي مأواه ~~، وقول إحدى نساء حديث أم زرع : ( زوجي المس مس أرنب والريح ريح زرنب ) وما ~~سماه الله تعالى وارثا إلا لأنه وارث بالفعل لا من يصلح لأن يكون وارثا على ~~تقدير موت غيره ؛ لأن اسم الفاعل إنما يطلق على الحال ما لم تقم قرينة على ~~خلافه فما قال : { وعلى الوارث } إلا لأن الكلام على الحق تعليق بهذا الشخص ~~في تركة الميت وإلا لقال : وعلى الأقارب أو الأولياء مثل ذلك على أنه يكون ~~كلاما تأكيدا حينئذ ؛ لأن تحريم الإضرار المذكور قبله لم يذكر له متعلق خاص ~~؛ فإن فاعل { تضار } محذوف . والنهي دال على منع كل إضرار يحصل للوالدة فما ~~فائدة إعادة تحريم ذلك على الوارث كما قدمناه آنفا . # واتفق علماء الإسلام على أن ظاهر الآية غير مراد ؛ إذ لا قائل بوجوب نفقة ~~المرضع على وارث الأب ، سواء كان إيجابها على الوارث في المال الموروث بأن ~~تكون مبدأة على المواريث للإجماع على أنه لا يبدأ إلا بالتجهيز ثم الدين ثم ~~الوصية ، ولأن الرضيع له حظه في المال المرورث وهو إذا صار ذا مال لم تجب ~~نفقته على غيره أم كان إيجابها على الوارث لو لم يسعها المال الموروث فيكمل ~~من يده ، ولذلك طرقوا في هذا باب التأويل إما تأويل معنى الوارث وإما تأويل ~~مرجع الإشارة وإما كليهما . # فقال الجمهور : المراد وارث الطفل أي من لو مات PageV02P435 الطفل لورثه ~~هو ، روي عن عمر بن الخطاب وقتادة والسدي والحسن ومجاهد وعطاء وإسحاق وابن ~~أبي ليلى وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل فيتقرر بالآية ، أن النفقة واجبة على ~~قرابة الرضيع وهم بالضرورة قرابة أبيه أي إذا مات أبوه ولم يترك مالا : تجب ~~نفقة الرضيع على الأقارب . على حسب قربهم في الإرث ويجري ذلك على الخلاف في ~~توريث ذي الرحم المحرم فهؤلاء يرون حقا على القرابة إنفاق العاجز في مالهم ~~كما أنهم يرثونه إذا ترك مالا فهو من المواساة الواجبة مثل الدية . # وقال الضحاك وقبيصة بن ذؤيب وبشير بن نصر قاضي عمر بن عبد ms1254 العزيز : ~~المراد وارث الأب وأريد به نفس الرضيع . فالمعنى : أنه إذا مات أبوه وترك ~~مالا فنفقته من إرثه . ويتجه على هذا أن يقال : ما وجه العدول عن التعبير ~~بالولد إلى التعبير بالوارث ؟ فتجيب بأنه للإيماء إلى أن الأب إنما وجبت ~~عليه نفقة الرضيع لعدم مال للرضيع ، فلهذا لما اكتسب مالا وجب عليه في ماله ~~؛ لأن غالب أحوال الصغار ألا تكون لهم أموال مكتسبة سوى الميراث ، وهذا ~~تأويل بعيد ؛ لأن الآية تكون قد تركت حكم من لا مال له . # وقيل : أريد بالوارث المعنى المجازي وهو الذي يبقى بعد انعدام غيره كما ~~في قوله تعالى : { ونحن الوارثون } ( الحجر : 23 ) يعني به أم الرضيع قاله ~~سفيان فتكون النفقة على الأم قال التفتازاني في ( شرح الكشاف ) ( وهذا قلق ~~في هذا المقام إذ ليس لقولنا : فالنفقة على الأب وعلى من بقي من الأب والأم ~~معنى يعتد به ) يعني أن إرادة الباقي تشمل صورة ما إذا كان الباقي الأب ولا ~~معنى لعطفه على نفسه بهذا الاعتبار . وفي ( المدونة ) عن زيد بن أسلم ~~وربيعة أن الوارث هو ولي الرضيع عليه مثل ما على الأب من عدم المضارة . # هذا كله على أن الآية محكمة لا منسوخة وأن المشار إليه بقوله : { مثل ذلك ~~} هو الرزق والكسوة . وقال جماعة : الإشارة بقوله : { مثل ذلك } راجعة إلى ~~النهي عن المشارة . قال ابن عطية : وهو لمالك وجميع أصحابه والشعبي والزهري ~~والضحاك اه . # وفي ( المدونة ) في ترجمة ما جاء فيمن تلزم النفقة من كتاب إرخاء الستور ~~عن ابن القاسم قال مالك { وعلى الوارث مثل ذلك } أي ألا يضار . واختاره ابن ~~العربي بأنه الأصل فقال القرطبي : يعني في الرجوع إلى أقرب مذكور ، ورجحه ~~ابن عطية بأن الأمة أجمعت على ألا يضار الوارث . واختلفوا : هل عليه رزق ~~وكسوة اه يعني مورد الآية بما هو مجمع على حكمه ويترك ما فيه الخلاف . # وهنالك تأويل بأنها منسوخة ، رواه أسد بن الفرات عن ابن القاسم ~~PageV02P436 عن مالك قال : ( وقول الله عز وجل : { وعلى الوارث مثل ذلك } ~~هو منسوخ فقال ms1255 النحاس : ( ما علمت أحدا من أصحاب مالك بين ما الناسخ ، ~~والذي يبينه أن يكون الناسخ لها عند مالك أنه لما أوجب الله للمتوفى عنها ~~زوجها نفقة حول ، والسكنى من مال المتوفى ، ثم نسخ ذلك نسخ أيضا عن الوارث ~~) يريد أن الله لما نسخ وجوب ذلك في تركة الميت نسخ كل حق في التركة بعد ~~الميراث ، فيكون الناسخ هو الميراث ، فإنه نسخ كل حق في المال على أولياء ~~الميت . # وعندي أن التأويل الذي في ( مدونة سحنون ) بعيد لما تقدم آنفا ، وأن ما ~~نحاه مالك في رواية أسد بن الفرات عن ابن القاسم هو التأويل الصحيح ، وأن ~~النسخ على ظاهر المراد منه ، والناسخ لهذا الحكم هو إجماع الأمة على أنه ~~لاحق في مال الميت ، بعد جهازه وقضاء دينه ، وتنفيذ وصيته ، إلا الميراث ~~فنسخ بذلك كل ما كان مأمورا به أن يدفع من مال الميت مثل الوصية في قوله ~~تعالى : { كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين } ( ~~البقرة : 180 ) الآية ، ومثل الوصية بسكنى الزوجة وإنفاقها في قوله تعالى : ~~{ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم يتربصن بأنفسهن } ( ~~البقرة : 240 ) ونسخ منه حكم هذه الآية وذلك أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال : ( إن الله أعطى كل ذي حق حقه ألا لا وصية لوارث ) هذا إذا حمل ~~الوارث في الآية على وارث الميت أي إن ذلك حق على جميع الورثة أيا كانوا ~~بمعنى أنه مبدأ المواريث . وإذا حمل الوارث على من هو بحيث يرث الميت لو ~~ترك الميت مالا ، أعني قريبه ، بمعنى أن عليه إنفاق ابن قريبه ، فذلك منسوخ ~~بوضع بيت المال وذلك أن هذه الآية شرعت هذا الحكم في وقت ضعف المسلمين ، ~~لإقامة أود نظامهم بتربية أطفال فقرائهم ، وكان أولى المسلمين بذلك أقربهم ~~من الطفل فكما كان يرث قريبه ، لو ترك مالا ولم يترك ولدا فكذلك عليه أن ~~يقام ببينة ، كما كان حكم القبيلة في الجاهلية في ضم أيتامهم ودفع دياتهم ، ~~فلما اعتز الإسلام صار لجامعة المسلمين مال ms1256 ، كان حقا على جماعة المسلمين ~~القيام بتربية أبناء فقرائهم ، وفي الحديث الصحيح ( من ترك كلا ، أو ضياعا ~~، فعلي ، ومن ترك مالا فلوارثه ) ولا فرق بين إطعام الفقير وبين إرضاعه ، ~~وما هو إلا نفقة ، ولمثله وضع بيت المال . # وقوله : { فإنأراد فصالا } عطف على قوله { يرضعن أولادهن حولين كاملين ~~لمن أراد أن يتم الرضاعة } لأنه متفرع عنه ، والضمير عائد على الوالدة ~~والمولود له الواقعين في الجمل قبل هذه . PageV02P437 # والفصال : الفطام عن الإرضاع ، لأنه فصل عن ثدي مرضعه . وعن في قوله : { ~~عن تراض } متعلقة بأرادا أي إرادة ناشئة عن التراضي ، إذ قد تكون إرادتهما ~~صورية أو يكون أحدهما في نفس الأمر مرغما على الإرادة ، بخوف أو اضطرار . # وقوله : { وتشاور } هو مصدر شاور إذا طلب المشورة . والمشورة قيل مشتقة ~~من الإشارة لأن كل واحد من المتشاورين يشير بما يراه نافعا فلذلك يقول ~~المستشير لمن يستشيره : بماذا تشير علي كأن أصله أنه يشير للأمر الذي فيه ~~النفع ، مشتق من الإشارة باليد ، لأن الناصح المدبر كالذي يشير إلى الصواب ~~ويعينه له من لم يهتد إليه ، ثم عدي بعلى لما ضمن معنى التدبير ، وقال ~~الراغب : إنها مشتقة من شار العسل إذا استخرجه ، وأيا ما كان اشتقاقها ~~فمعناها إبداء الرأي في عمل يريد أن يعمله من يشاور وقد تقدم الكلام عليها ~~عند قوله تعالى : { وإذ قال ربك للملائكة إنى جاعل في الأرض خليفة } ( ~~البقرة : 30 ) وسيجيء الكلام عليها عند قوله تعالى : { وشاورهم في الأمر في ~~سورة آل عمران ( 159 ) ، وعطف التشاور على التراضي تعليما للزوجين شؤون ~~تدبير العائلة ، فإن التشاور يظهر الصواب ويحصل به التراضي . # وأفاد بقوله : فلا جناح عليهما } أن ذلك مباح ، وأن حق إرضاع الحولين ~~مراعى فيه حق الأبوين وحق الرضيع ، ولما كان ذلك يختلف باختلاف أمزجة ~~الرضعاء جعل اختلاف الأبوين دليلا على توقع حاجة الطفل إلى زيادة الرضاع ، ~~فأعمل قول طالب الزيادة منهما ، كما تقدم ، فإذا تشاور الأبوان وتراضيا بعد ~~ذلك على الفصال كان تراضيهما دليلا على أنهما رأيا من حال الرضيع ما يغنيه ~~عن ms1257 الزيادة ، إذ لا يظن بهما التمالؤ على ضر الولد ، ولا يظن إخفاء المصلحة ~~عليهما بعد تشاورهما ، إذ لا يخفى عليهما حال ولدهما . # وقوله : { وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم } انتقال إلى ~~حالة إرضاع الطفل غير والدته إذا تعذر على الوالدة إرضاعه ، لمرضها ، أو ~~تزوجها أو إن أبت ذلك حيث يجوز لها الإباء ، كما تقدم في الآية السابقة ، ~~أي إن أردتم أن تطلبوا الإرضاع لأولادكم فلا إثم في ذلك . # والمخاطب بأردتم : الأبوان باعتبار تعدد الأبوين في الأمة وليس المخاطب ~~خصوص الرجال ، لقوله تعالى فيما سبق { والوالدات يرضعن أولادهن } فعلم ~~السامع أن هذا الحكم خاص بحالة تراضي الأبوين على ذلك لعذر الأم ، وبحالة ~~فقد الأم . وقد علم من قوله : { فلا جناح عليكم } أن حالة التراضي هي ~~المقصودة أولا ، لأن نفي الجناح مؤذن بتوقعه ، PageV02P438 وإنما يتوقع ذلك ~~إذا كانت الأم موجودة وأريد صرف الابن عنها إلى مرضع أخرى ، لسبب مصطلح ~~عليه ، وهما لا يريدان ذلك إلا حيث يتحقق عدم الضر للابن ، فلو علم ضر ~~الولد لم يجز ، وقد كانت العرب تسترضع لأولادها ، لا سيما أهل الشرف . وفي ~~الحديث ( واسترضعت في بني سعد ) . # والاسترضاع أصله طلب إرضاع الطفل ، أي طلب أن ترضع الطفل غير أمه ، ~~فالسين والتاء في ( تسترضعوا ) للطلب ومفعوله محذوف ، وأصله أن تسترضعوا ~~مراضع لأولادكم ، لأن الفعل يعدى بالسين والتاء الدالين على الطلب إلى ~~المفعول المطلوب منه الفعل فلا يتعدى إلا إلى مفعول واحد ، وما بعده يعدى ~~إليه بالحرف وقد يحذف الحرف لكثرة الاستعمال ، كما حذف في استرضع واستنجح ، ~~فعدي الفعل إلى المجرور على الحذف والإيصال ، وفي الحديث ( واسترضعت في بني ~~سعد ) ووقع في ( الكشاف ) ما يقتضي أن السين والتاء دخلتا على الفعل ~~المهموز المتعدي إلى واحد فزادتاه تعدية لثان ، وأصله أرضعت المرأة الولد ، ~~فإذا قلت : استرضعتها صار متعديا إلى مفعولين ، وكأن وجهه أننا ننظر إلى ~~الحدث المراد طلبه ، فإن كان حدثا قاصرا ، فدخلت عليه السين والتاء ، عدي ~~إلى مفعول واحد ، نحو استنهضته فنهض ، وإن كان متعديا فدخلت عليه السين ms1258 ~~والتاء عدي إلى مفعولين ، نحو استرضعتها فأرضعت ، والتعويل على القرينة ، ~~إذ لا يطلب أصل الرضاع لا من الولد ولا من الأم ، وكذا : استنجحت الله سعيي ~~، إذ لا يطلب من الله إلا إنجاح السعي ، ولا معنى لطلب نجاح الله ، فبقطع ~~النظر عن كون الفعل تعدى إلى مفعولين ، أو إلى الثاني بحذف الحرف ، نرى أنه ~~لا معنى لتسلط الطلب على الفعل هنا أصلا ، على أنه لولا هذا الاعتبار ، ~~لتعذر طلب وقوع الفعل المتعدي بالسين والتاء ، وهو قد يطلب حصوله فما ~~أوردوه على ( الكشاف ) : من أن حروف الزيادة إنما تدخل على المجرد لا ~~المزيد مدفوع بأن حروف الزيادة إذا تكررت ، وكانت لمعان مختلفة جاز اعتبار ~~بعضها داخلا بعد بعض ، وإن كان مدخولها كلها هو الفعل المجرد . # وقد دل قوله : { وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم } على أنه ~~ليس المراد بقوله { يرضعن } تشريع وجوب الإرضاع على الأمهات ، بل المقصود ~~تحديد مدة الإرضاع وواجبات المرضع على الأب ، وأما إرضاع الأمهات فموكول ~~إلى ما تعارفه الناس ، فالمرأة التي في العصمة ، إذا كان مثلها يرضع ، ~~يعتبر إرضاعها أولادها من حقوق الزوج عليها في العصمة ، PageV02P439 إذ ~~العرف كالشرط ، والمرأة المطلقة لا حق لزوجها عليها ، فلا ترضع له إلا ~~باختيارها . ما لم يعرض في الحالين مانع أو موجب ، مثل عجز المرأة في ~~العصمة عن الإرضاع لمرض ، ومثل امتناع الصبي من رضاع غيرها ، إذا كانت ~~مطلقة بحيث يخشى عليه ، والمرأة التي لا يرضع مثلها وهي ذات القدر ، قد علم ~~الزوج حينما تزوجها أن مثلها لا يرضع ، فلم يكن له عليها حق الإرضاع . هذا ~~قول مالك ، إذ العرف كالشرط ، وقد كان ذلك عرفا من قبل الإسلام وتقرر في ~~الإسلام ، وقد جرى في كلام المالكية في كتب الأصول : أن مالكا خصص عموم ~~الوالدات بغير ذوات القدر ، وأن المخصص هو العرف ، وكنا نتابعهم على ذلك ~~ولكني الآن لا أرى ذلك متجها ولا أرى مالكا عمد إلى التخصيص أصلا ، لأن ~~الآية غير مسوقة لإيجاب الإرضاع ، كما تقدم . # وقوله : { إذا سلمتم ما آتيتم ms1259 بالمعروف } أي إذا سلمتم إلى المراضع ~~أجورهن . فالمراد بما آتيتم : الأجر ، ومعنى آتى في الأصل دفع ؛ لأنه معدى ~~أتى بمعنى وصل ، ولما كان أصل إذا أن يكون ظرفا للمستقبل مضمنا معنى الشرط ~~، لم يلتئم أن يكون مع فعل { آتيتم } الماضي . # وتأول في ( الكشاف ) { آتيتم } بمعنى : أردتم إيتاءه ، كقوله تعالى : { ~~إذا قمتم إلى الصلاة } ( المائدة : 6 ) تبعا لقوله : { وإن أردتم أن ~~تسترضعوا أولادكم } ، والمعنى : إذا سلمتم أجور المراضع بالمعروف ، دون ~~إجحاف ولا مطل . # وقرأ ابن كثير { أتيتم } بترك همزة التعدية . فالمعنى عليه : إذا سلمتم ~~ما جئتم ، أي ما قصدتم ، فالإتيان حينئذ مجاز عن القصد ، كقوله تعالى : { ~~إذ جاء ربه بقلب سليم } ( الصافات : 84 ) وقال زهير : # وما كان من خير أتوه فإنما # توارثه آباء آبائهم قبل # وقوله : { واتقوا الله } تذييل للتخويف ، والحث على مراقبة ما شرع الله ، ~~من غير محاولة ولا مكابدة ، وقوله : { واعلموا أن الله } تذكير لهم بذلك ، ~~وإلا فقد علموه . وقد تقدم نظيره آنفا . # PageV02P440 $ 2 ( 234 ) { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن ~~بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن فى & # 1764 أنفسهن بالمعروف والله بما تعملون خبير } . ) 2 $ # انتقال إلى بيان عدة الوفاة بعد الكلام عن عدة طلاق وما اتصل بذلك من ~~أحكام الإرضاع عقب الطلاق ، تقصيا لما به إصلاح أحوال العائلات ، فهو عطف ~~قصة على قصة . # ويتوفون مبني للمجهول ، وهو من الأفعال التي التزمت العرب فيها البناء ~~للمجهول مثل عني واضطر ، وذلك في كل فعل قد عرف فاعله ما هو ، أو لم يعرفوا ~~له فاعلا معينا . وهو من توفاه الله أو توفاه الموت فاستعمال التوفي منه ~~مجاز ، تنزيلا لعمر الحي منزلة حق للموت ، أو لخالق الموت ، فقالوا : توفى ~~فلان كما يقال : توفى الحق ونظيره قبض فلان ، وقبض الحق فصار المراد من ~~توفى : مات ، كما صار المراد من قبض وشاع هذا المجاز حتى صار حقيقة عرفية ~~وجاء الإسلام فقال الله تعالى : { الله يتقى الأنفس } ( الزمر : 42 ) وقال ~~: { حتى يتوفاهن الموت } ( النساء : 15 ) وقال : { قل يتوفاكم ms1260 ملك الموت } ~~( السجدة : 11 ) فظهر الفاعل المجهول عندهم في مقام التعليم أو الموعظة ، ~~وأبقي استعمال الفعل مبنيا للمجهول فيما عدا ذلك إيجازا وتبعا للاستعمال . # وقوله : { يتربصن بأنفسهن } خبر ( الذين ) وقد حصل الربط بين المبتدأ ~~والخبر بضمير { يتربصن } ، العائد إلى الأزواج ، الذي هو مفعول الفعل ~~المعطوف على الصلة ، فهن أزواج المتوفين ؛ لأن الضمير قائم مقام الظاهر ، ~~وهذا الظاهر قائم مقام المضاف إلى ضمير المبتدأ ، بناء على مذهب الأخفش ~~والكسائي من الاكتفاء في الربط بعود الضمير على اسم مضاف إلى مثل العائد ، ~~وخالف الجمهور في ذلك ، كما في ( التسهيل ) و ( شرحه ) ، ولذلك قدروا هنا : ~~( ويذرون أزواجا يتربصن ) بعدهم كما قالوا : ( السمن منوانن بدرهم ) أي منه ~~، وقيل : التقدير : وأزواج الذين يتوفون منكم إلخ يتربصن ، بناء على أنه ~~حذف لمضاف ، وبذلك قدر في ( الكشاف ) داعي إليه كما قال التفتازاني ، وقيل ~~التقدير : ومما يتلى عليكم حكم الذين يتوفون منكم ، ونقل ذلك عن سيبويه ، ~~فيكون { يتربصن } : استئنافا ، وكلها تقديرات لا فائدة فيها بعد استقامة ~~المعنى . PageV02P441 # وقوله : { يتربصن بأنفسهن } تقدم بيانه عند قوله تعالى : { والمطلقات ~~يتربصن بأنفسهن } ( البقرة : 228 ) . # وتأنيث اسم العدد في قوله : { وعشرا } لمراعاة الليالي ، والمراد : ~~الليالي بأيامها ؛ إذ لا تكون ليلة بلا يوم ولا يوم بلا ليلة ، والعرب ~~تعتبر الليالي في التاريخ والتأجيل ، يقولون : كتب لسبع خلون في شهر كذا ، ~~وربما اعتبروا الأيام كما قال تعالى : { فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة ~~إذا رجعتم } ( البقرة : 196 ) وقال : { أياما معدودات } ( البقرة : 184 ) ~~لأن عمل الصيام إنما يظهر في اليوم لا في الليلة . # قال في ( الكشاف ) : والعرب تجري أحكام التأنيث والتذكير في أسماء الأيام ~~إذا لم تجر على لفظ مذكور ، بالوجهين قال تعالى : { يتخافتون بينهم إن ~~لبثتم إلا عشرا نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا ~~يوما } ( طه : 103 104 ) فأراد بالعشر : الأيام ومع ذلك جردها من علامة ~~تذكير العدد ، لأن اليوم يعتبر مع ليلته . # وقد جعل الله عدة الوفاة منوطة بالأمد الذي يتحرك في مثله الجنين تحركا ~~بينا ، محافظة على أنساب ms1261 الأموات ؛ فإنه جعل عدة الطلاق ما يدل على براءة ~~الرحم دلالة ظنية وهو الأقراء على ما تقدم ؛ لأن المطلق يعلم حال مطلقته من ~~طهر وعدمه ، ومن قربانه إياها قبل الطلاق وعدمه ، وكذلك العلوق لا يخفى فلو ~~أنها ادعت عليه نسبا وهو يوقن بانتفائه ، كان له في اللعان مندوحة ، أما ~~الميت فلا يدافع عن نفسه ، فجعلت عدته أمدا مقطوعا بانتفاء الحمل في مثله ~~وهو الأربعة الأشهر والعشرة ، فإن الحمل يكون نطفة أربعين يوما ، ثم علقة ~~أربعين يوما ، ثم مضغة أربعين يوما ، ثم ينفخ فيه الروح ، فما بين استقرار ~~النطفة في الرحم إلى نفخ الروح في الجنين أربعة أشهر ، وإذ قد كان الجنين ~~عقب نفخ الروح فيه يقوى تدريجا ، جعلت العشر الليالي الزائدة على الأربعة ~~الأشهر ، لتحقق تحرك الجنين تحركا بينا ، فإذا مضت هذه المدة حصل اليقين ~~بانتفاء الحمل ؛ إذ لو كان ثمة حمل لتحرك لا محالة ، وهو يتحرك لأربعة أشهر ~~، وزيدت عليها العشر احتياطا لاختلاف حركات الأجنة قوة وضعفا ، باختلاف قوى ~~الأمزجة . # وعموم { الذين } في صلته وما يتعلق بها من الأزواج ، يقتضي عموم هذا ~~الحكم في المتوفى عنهن ، سواء كن حرائر أم أماء ، وسواء كن حوامل أم غير ~~حوامل ، وسواء كن مدخولا بهن أم غير مدخول بهن ، فأما الإماء فقال جمهور ~~العلماء : إن عدتهن على نصف عدة الحرائر قياسا على تنصيف الحد ، والطلاق ، ~~وعلى تنصيف عدة الطلاق ، ولم يقل بمساواتهن للحرائر ، في عدة الوفاة إلا ~~الأصم ، وفي رواية عن ابن PageV02P442 سيرين إلا أمهات الأولاد فقالت طائفة ~~: عدتهن مثل الحرائر ، وهو قول سعيد والزهري والحسن والأوزاعي وإسحاق وروي ~~عن عمرو بن العاص ، وقالت طوائف غير ذلك . وإن إجماع فقهاء الأسلام على ~~تنصيف عدة الوفاة في الأمة المتوفى زوجها لمن معضلات المسائل الفقهية ، ~~فبنا أن ننظر إلى حكمة مشروعية عدة الوفاة ، وإلى حكمة مشروعية التنصيف لذي ~~الرق ، فيما نصف له فيه حكم شرعي ، فنرى بمسلك السبر والتقسيم أن عدة ~~الوفاة إما أن تكون لحكمة تحقق النسب أو عدمه ، وإما أن تكون لقصد الإحداد ms1262 ~~على الزوج ، لما نسخ الإسلام ما كان عليه أهل الجاهلية من الإحداد حولا ~~كاملا ، أبقى لهن ثلث الحول ، كما أبقى للميت حق الوصية بثلث ماله ، وليس ~~لها حكمة غير هذين ؛ إذ ليس فيها ما في عدة الطلاق من حكمة انتظار ندامة ~~المطلق ، وليس هذا الوجه الثاني بصالح للتعليل ، لأنه لا يظن بالشريعة أن ~~تقرر أوهام أهل الجاهلية ، فتبقي منه تراثا سيئا ، ولأنه قد عهد من تصرف ~~الإسلام إبطال تهويل أمر الموت والجزع له ، الذي كان عند الجاهلية عرف ذلك ~~في غير ما موضع من تصرفات الشريعة ، ولأن الفقهاء اتفقوا على أن عدة الحامل ~~من الوفاة وضع حملها ، فلو كانت عدة غير الحامل لقصد استبقاء الحزن لاستوتا ~~في العدة ، فتعين أن حكمة عدة الوفاة هي تحقق الحمل أو عدمه ، فلننقل النظر ~~إلى الأمة نجد فيها وصفين : الإنسانية والرق ، فإذا سلكنا إليهما طريق ~~تخريج المناط ، وجدنا الوصف المناسب لتعليل الاعتداد الذي حكمته تحقق النسب ~~هو وصف الإنسانية ؛ إذ الحمل لا يختلف حاله باختلاف أصناف النساء وأحوالهن ~~الاصطلاحية أما الرق فليس وصفا صالحا للتأثير في هذا الحكم ، وإنما نصفت ~~للعبد أحكام ترجع إلى المناسب التحسيني : كتنصيف الحد لضعف مروءته ، ولتفشي ~~السرقة في العبيد ، فطرد حكم التنصيف لهم في غيره . وتنصيف عدة الأمة في ~~الطلاق الوارد في الحديث ، لعلة الرغبة في مراجعة أمثالها ، فإذا جاء راغب ~~فيها بعد قرأين تزوجت ، ويطرد باب التنصيف أيضا . فالوجه أن تكون عدة ~~الوفاة للأمة كمثل الحرة ، وليس في تنصيفها أثر ، ومستند الإجماع قياس مع ~~وجود الفارق . # وأما الحوامل فالخلاف فيهن قوي ؛ فذهب الجمهور إلى أن عدتهن من الوفاة ~~وضع حملهن ، وهو قول مالك ، عمر وابنه وأبي سلمة بن عبد الرحمن وأبي هريرة ~~، وهو قول عمر : ( لو وضعت حملها وزوجها على سريره لم يدفن لحلت للأزواج ) ~~وحجتهم PageV02P443 حديث سبيعة الأسلمية زوج سعد بن خولة ، توفي عنها بمكة ~~عام حجة الوداع وهي حامل فوضعت حملها بعد نصف شهر كما في ( الموطأ ) ، أو ~~بعد أربعين ليلة ، فذكرت ذلك لرسول الله صلى ms1263 الله عليه وسلم فقال لها : ( ~~قد حللت فانكحي إن بدا لك ) واحتجوا أيضا بقوله تعالى في آية سورة الطلاق ( ~~4 ) { وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن وعموم ( أولات الأحمال ) ، مع ~~تأخر نزول تلك السورة عن سورة البقرة يقضي بالمصير إلى اعتبار تخصيص عموم ~~ما في سورة البقرة ، وإلى هذا أشار قول ابن مسعود من شاء باهلته ، لنزلت ~~سورة النساء القصرى يعني سورة يا أيها النبي إذا طلقتم } ( الطلاق : 1 ) ~~بعد الطولى ) أي السورة الطولى أي البقرة وليس المراد سورة النساء الطولى . ~~وعندي أن الحجة للجمهور ، ترجع إلى ما قدمناه من أن حكمة عدة الوفاة هي ~~تيقن حفظ النسب ، فلما كان وضع الحمل أدل شيء على براءة الرحم كان مغنيا عن ~~غيره ، وكان ابن مسعود يقول : ( أتجعلون عليها التغليظ ولا تجعلون عليها ~~الرخصة ) يريد أنها لو طال أمد حملها لما حلت . # وعن علي وابن مسعود أن عدة الحامل في الوفاة أقصى الأجلين ، واختاره ~~سحنون من المالكية فقال بعض المفسرين : إن في هذا القول جمعا بين مقتضى ~~الآيتين ، وقال بعضهم : في هذا القول احتياط ، وهذه العبارة أحسن ؛ إذ ليس ~~في الأخذ بأقصى الأجلين جمع بين الآيتين بالمعنى الأصولي ؛ لأن الجمع بين ~~المتعارضين معناه أن يعمل بكل منهما : في حالة أو زمن أو أفراد ، غير ما ~~أعمل فيه بالآخر ، بحيث يتحقق في صورة الجمع عمل بمقتضى المتعارضين معا ، ~~ولذلك يسمون الجمع بإعمال النصين ، والمقصود من الاعتداد تحديد أمد التربص ~~والانتظار ، فإذا نحن أخذنا بأقصى الأجلين ، أبطلنا مقتضى إحدى الآيتين لا ~~محالة ؛ لأننا نلزم المتوفى عنها بتجاوز ما حددته لها إحدى الآيتين ، ولا ~~نجد حالة نحقق فيها مقتضاهما ، كما هو بين ، فأحسن العبارتين أن نعبر ~~بالاحتياط وهو أن الآيتين تعارضتا بعموم وخصوص وجهي ، فعمدنا إلى صورة ~~التعارض وأعملنا فيها مرة مقتضى هذه الآية ، ومرة مقتضى الأخرى ، ترجيحا ~~لأحد المقتضيين في كل موضع بمرجح الاحتياط فهو ترجيح لا جمع لكن ~~PageV02P444 حديث سبيعة في الصحيح أبطل هذا المسلك للترجيح كما أن ابتداء ~~سورة الطلاق ( 4 ) بقوله ms1264 تعالى : { وإذا طلقتم النساء } ينادي على تخصيص ~~عموم قوله : { وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } ( الطلاق : 4 ) هنالك ~~بالحوامل المطلقات ، وقد قيل : إن ابن عباس رجع إلى قول الجمهور وهو ظاهر ~~حديث ( الموطأ ) في اختلافه وأبي سلمة في ذلك ، وإرسالهما من سأل أم سلمة ~~رضي الله عنها ، فأخبرتهما بحديث سبيعة . # فإن قلت : كيف لا تلتفت الشريعة على هذا إلى ما في طباع النساء من الحزن ~~على وفاة أزواجهن ؟ وكيف لا تبقى بعد نسخ حزن الحول الكامل مدة ما يظهر ~~فيها حال المرأة ؟ وكيف تحل الحامل للأزواج لو وضعت حملها وزوجها لما يوضع ~~عن سريره كما وقع في قول عمر ؟ قلت : كان أهل الجاهلية يجعلون إحداد الحول ~~فرضا على كل متوفى عنها ، والأزواج في هذا الحزن متفاوتات ، وكذلك هن ~~متفاوتات في المقدرة على البقاء في الانتظار لقلة ذات اليد في غالب النساء ~~، فكن يصبرن على انتظار الحول راضيات أو كارهات ، فلما أبطل الشرع ذلك فيما ~~أبطل من أوهام الجاهلية ، لم يكترث بأن يشرع للنساء حكما في هذا الشأن ، ~~ووكله إلى ما يحدث في نفوسهن وجدتهن ، كما يوكل جميع الجبليات والطبيعيات ~~إلى الوجدان ؛ فإنه لم يعين للناس مقدار الأكلات والأسفار والحديث ونحو هذا ~~، وإنما اهتم بالمقصد الشرعي وهو حفظ الأنساب ، فإذا قضى حقه فقد بقي ~~للنساء أن يفعلن في أنفسهن ما يشأن من المعروف ، كما قال : { فلا جناح ~~عليكم فيما فعلن } فإذا شاءت المرأة بعد انقضاء العدة أن تحبس نفسها فلتفعل ~~. # أما الأزواج غير المدخول بهن فعليهن عدة الوفاة دون عدة الطلاق لعموم هذه ~~الآية ، ولأن لهن الميراث ، فالعصمة تقررت بوجه معتبر ، حتى كانت سبب إرث ، ~~وعدم الدخول بالزوجة لا ينفي احتمال أن يكون الزوج قد قاربها خفية ، إذ هي ~~حلال له ، فأوجب عليها الاعتداد احتياطا لحفظ النسب ، ولذلك قال مالك ، وإن ~~كان للنظر فيه مجال ، فقد تقاس المتوفى عنها زوجها الذي لم يدخل بها على ~~التي طلقها زوجها قبل أن يمسها ، التي قال الله تعالى فيها : { يا أيها ~~الذين آمنوا إذا ms1265 نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم ~~عليهن من عدة تعتدونها } ( الأحزاب : 49 ) . # وقد ذكروا حديث بروع بنت واشق الأشجعية ، رواه الترمذي عن معقل بن سنان ~~الأشجعي : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في بروع بنت واشق وقد مات ~~زوجها ، PageV02P445 ولم يفرض لها صداقا ، ولم يدخل بها أن لها مثل صداق ~~نسائها ، وعليها العدة ولها الميراث ولم يخالف أحد في وجوب الاعتداد عليها ~~، وإنما اختلفوا في وجوب مهر المثل لها . # وقوله : { فإذا بلغن أجلهن } أي إذا انتهت المدة المعينة بالتربص ، أي ~~إذا بلغن بتربصهن تلك المدة ، وجعل امتداد التربص بلوغا ، على وجه الإطلاق ~~الشائع في قولهم بلغ الأمد ، وأصله اسم البلوغ وهو الوصول ، استعير لإكمال ~~المدة تشبيها للزمان بالطريق الموصلة إلى المقصود . والأجل مدة من الزمن ~~جعلت ظرفا لإيقاع فعل في نهايتها أو في أثنائها تارة . # وضمير { أجلهن } للأزواج اللائي توفي عنهن أزواجهن ، وعرف الأجل بالإضافة ~~إلى ضميرهن دون غير الإضافة من طرق التعريف لما يؤذن به إضافة أجل من كونهن ~~قضين ما عليهن ، فلا تضايقوهن بالزيادة عليه . # وأسند البلوغ إليهن وأضيف الأجل إليهن ، تنبيها على أن مشقة هذا الأجل ~~عليهن . ومعنى الجناح هنا : الحرج ، لإزالة ما عسى أن يكون قد بقي في نفوس ~~الناس من استفظاع تسرع النساء إلى التزوج بعد عدة الوفاة وقبل الحول ، فإن ~~أهل الزوج المتوفى قد يتحرجون من ذلك ، فنفى الله هذا الحرج ، وقال : { ~~فيما فعلن في أنفسهن } تغليظا لمن يتحرج من فعل غيره ، كأنه يقول لو كانت ~~المرأة ذات تعلق شديد بعهد زوجها المتوفى ، لكان داعي زيادة تربصها من ~~نفسها ، فإذا لم يكن لها ذلك الداعي ، فلماذا التحرج مما تفعله في نفسها . ~~ثم بين الله ذلك وقيده بأن يكون من المعروف نهيا للمرأة أن تفعل ما ليس من ~~المعروف شرعا وعادة ، كالإفراط في الحزن المنكر شرعا وعادة ، أو التظاهر ~~بترك التزوج بعد زوجها ، وتغليظا للذين ينكرون على النساء تسرعهن للتزوج ~~بعد العدة ، أو بعد وضع الحمل ، كما فعلت سبيعة ms1266 أي فإن ذلك من المعروف . # وقد دل مفهوم الشرط في قوله : { فإذا بلغن أجلهن } على أنهن في مدة الأجل ~~منهيات عن أفعال في أنفسهن كالتزوج وما يتقدمه من الخطبة والتزين ، فأما ~~التزوج في العدة فقد اتفق المسلمون على منعه ، وسيأتي تفصيل القول فيه عند ~~قوله تعالى : { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء } ( البقرة : ~~235 ) . وأما ما عداه ، فالخلاف مفروض في أمرين : في الإحداد ، وفي ملازمة ~~البيت . # فأما الإحداد فهو مصدر أحدت المرأة إذا حزنت ولبست ثياب الحزن وتركت ~~PageV02P446 الزينة ، ويقال حداد ، والمراد به في الإسلام ترك المعتدة من ~~الوفاة الزينة والطيب ومصبوغ الثياب إلا الأبيض ، وترك الحلي ، وهو واجب ~~بالسنة ففي الصحيح ( لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت ~~فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا ) ولم يخالف في هذا إلا الحسن ~~البصري ، فجعل الإحداد ثلاثة أيام لا غير وهو ضعيف . # والحكمة من الإحداد سد ذريعة كل ما يوسوس إلى الرجال من رؤية محاسن ~~المرأة المعتدة ، حتى يبتعدوا عن الرغبة في التعجل بما لا يليق ، ولذلك ~~اختلف العلماء في الإحداد على المطلقة ، فقال مالك والشافعي وربيعة وعطاء : ~~لا إحداد على مطلقة ، أخذا بصريح الحديث ، وبأن المطلقة يرقبها مطلقها ~~ويحول بينها وبين ما عسى أن تتساهل فيه ، بخلاف المتوفى عنها كما قدمناه . # وقال أبو حنيفة والثوري وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار ، وابن سيرين : ~~تحد المطلقة طلاق الثلاث كالمتوفى عنها ، لأنهما جميعا في عدة يحفظ فيها ~~النسب ، والزوجة الكتابية كالمسلمة في ذلك عند مالك ، تجبر عليه وبه قال ~~الشافعي ، والليث ، وأبو ثور ، لاتحاد العلة ، وقال أبو حنيفة وأشهب وابن ~~نافع وابن كنانة من المالكية : لا إحداد عليها ، وقوفا عند قوله صلى الله ~~عليه وسلم ( لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر ) فوصفها بالإيمان ، ~~وهو متمسك ضئيل ، لأن مورد الوصف ليس مورد التقييد ، بل مورد التحريض على ~~امتثال أمر الشريعة . # وقد شدد النبي صلى الله عليه وسلم في أمر الإحداد ، ففي ( الموطأ ) : ( ~~أن امرأة ms1267 جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : إن ابنتي توفي ~~عنها زوجها وقد اشتكت عينيها ، أفتكحلهما فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ( لا لا ) مرتين أو ثلاثا ( إنما هي أربعة أشهر وعشرا وقد كانت إحداكن ~~في الجاهلية ترمى بالبعرة على رأس الحول ) . وقد أباح النبي صلى الله عليه ~~وسلم لأم سلمة في مدة إحدادها على أبي سلمة أن تجعل الصبر في عينيها ~~PageV02P447 بالليل وتمسحه بالنهار ، وبمثل ذلك أفتت أم سلمة امرأة حادا ~~اشتكت عينيها أن تكتحل بكحل الجلاء بالليل وتمسحه بالنهار ، روي ذلك كله في ~~( الموطأ ) ، قال مالك : ( وإن كانت الضرورة فإن دين الله يسر ) : ولذلك ~~حملوا نهي النبي صلى الله عليه وسلم المرأة التي استفتته أمها أن تكتحل على ~~أنه علم من المعتدة أنها أرادت الترخص ، فقيضت أمها لتسأل لها . # وأما ملازمة معتدة الوفاة بيت زوجها فليست مأخوذة من هذه الآية ؛ لأن ~~التربص تربص بالزمان لا يدل على ملازمة المكان ، والظاهر عندي أن الجمهور ~~أخذوا ذلك من قوله تعالى : { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية ~~لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج } ( البقرة : 240 ) فإن ذلك الحكم لم ~~يقصد به إلا حفظ المعتدة ، فلما نسخ عند الجمهور بهذه الآية ، كان النسخ ~~واردا على المدة وهي الحول ، لا على بقية الحكم ، على أن المعتدة من الوفاة ~~أولى بالسكنى من معتدة الطلاق التي جاء فيها { لا تخرجوهن من بيوتهن } ( ~~الطلاق : 1 ) وجاء فيها { أسكنوهن من حيث سكنتم } ( الطلاق : 6 ) وقال ~~المفسرون والفقهاء : ثبت وجوب ملازمة البيت بالسنة ، ففي ( الموطأ ) و ( ~~الصحاح ) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للفريعة ابنة مالك بن سنان ~~الخدري ، أخت أبي سعيد الخدري لما توفي عنها زوجها : ( امكثي في بيتك حتى ~~يبلغ الكتاب أجله ) وهو حديث مشهور ، وقضى به عثمان بن عفان وفي ( الموطأ ) ~~أن عمر بن الخطاب كان يرد المتوفى عنهن أزواجهن من البيداء يمنعهن الحج ، ~~وبذلك قال ابن عمر ، وبه أخذ جمهور فقهاء المدينة والحجاز والعراق والشام ~~ومصر ، ولم يخالف في ذلك ms1268 إلا علي وابن عباس وعائشة وعطاء والحسن وجابر بن ~~زيد وأبو حنيفة وداود الظاهري ، وقد أخرجت عائشة رضي الله عنها أختها أم ~~كلثوم حين توفي زوجها طلحة بن عبيد الله إلى مكة في عمرة ، وكانت تفتي ~~بالخروج ، فأنكر كثير من الصحابة ذلك عليها ، قال الزهري : فأخذ المترخصون ~~بقول عائشة ، وأخذ أهل العزم والورع بقول ابن عمر . # واتفق الكل على أن المرأة المعتدة تخرج للضرورة ، وتخرج نهارا لحوائجها ، ~~من وقت انتشار الناس إلى وقت هدوئهم بعد العتمة ، ولا تبيت إلا في المنزل ، ~~وشروط ذلك وأحكامه ، ووجود المحل للزوج ، أو في كرائه ، وانتظار الورثة بيع ~~المنزل إلى ما بعد العدة ، وحكم ما لو ارتابت في الحمل فطالت العدة ، ~~PageV02P448 مبسوطة في كتب الفقه والخلاف ، فلا حاجة بنا إليها هنا . # ومن القراءات الشاذة في هذه الآية ما ذكره في ( الكشاف ) أن عليا قرأ { ~~والذين يتوفون } بفتح التحتية على أنه مضارع توفى ، مبنيا للفاعل بمعنى مات ~~بتأويل إنه توفى أجله أي استوفاه . وأنا ، وإن كنت التزمت ألا أتعرض ~~للقراءات الشاذة ، فإنما ذكرت هذه القراءة لقصة طريفة فيها نكتة عربية ، ~~أشار إليها في ( الكشاف ) وفصلها السكاكي في ( المفتاح ) ، وهي أن عليا كان ~~يشيع جنازة ، فقال له قائل من المتوفي ؟ بلفظ اسم الفاعل ( أي بكسر الفاء ~~سائلا عن المتوفى بفتح الفاء فلم يقل : فلان بل قال ( الله ) مخطئا إياه ، ~~منبها له بذلك على أنه يحق أن يقول : من المتوفى بلفظ اسم المفعول ، وما ~~فعل ذلك إلا لأنه عرف من السائل أنه ما أورد لفظ المتوفي على الوجه الذي ~~يكسوه جزالة وفخامة ، وهو وجه القراءة المنسوبة إليه أي إلى علي ( والذين ~~يتوفون منكم ) بلفظ بناء الفاعل على إرادة معنى : والذين يستوفون مدة ~~أعمارهم . # وفي ( الكشاف ) أن القصة وقعت مع أبي الأسود الدؤلي ، وأن عليا لما بلغته ~~أمر أبا الأسود أن يضع كتابا في النحو ، وقال : إن الحكاية تناقضها القراءة ~~المنسوبة إلى علي ، فجعل القراءة مسلمة وتردد في صحة الحكاية ، وعن ابن جني ~~: أن الحكاية رواها أبو عبد الرحمن ms1269 السلمي عن علي ، قال ابن جني ( وهذا ~~عندي مستقيم لأنه على حذف المفعول أي والذين يتوفون أعمارهم أو آجالهم ، ~~وحذف المفعول كثير في القرآن وفصيح الكلام ) . # وقال التفتازاني ( ليس المراد أن للمتوفي معنيين : أحدهما الإماتة ~~وثانيهما الاستيفاء وأخذ الحق ، بل معناه الاستيفاء وأخذ الحق لا غير ، لكن ~~عند الاستعمال قد يقدر مفعوله النفس فيكون الفاعل هو الله تعالى أو الملك ، ~~وهذا الاستعمال الشائع ، وقد يقدر مدة العمر فيكون الفاعل هو الميت لأنه ~~الذي استوفى مدة عمره ، وهذا من المعاني الدقيقة التي لا يتنبه لها إلا ~~البلغاء ، فحين عرف علي من السائل عدم تنبهه لذلك لم يحمل كلامه عليه ) . # PageV02P449 $ 2 ( 235 ) { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النسآء ~~أو أكننتم فى & # 1764 أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن ولاكن لا تواعدوهن سرا إلا أن ~~تقولوا قولا معروفا ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله واعلمو & # 1764 ا أن الله يعلم ما فى & # 1764 أنفسكم فاحذروه واعلمو & # 1764 ا أن الله غفور حليم } . ) 2 $ # عطف على الجملة التي قبلها ، فهذا من الأحكام المتعلقة بالعدة ، وقد ~~تضمنت الآيات التي قبلها أحكام عدة الطلاق وعدة الوفاة ، وأن أمد العدة ~~محترم ، وأن المطلقات إذا بلغن أجلهن جاز أن يفعلن في أنفسهن ما أردن من ~~المعروف ، فعلم من ذلك أنهن إذا لم يبلغنه لا يجوز ذلك فالتزوج في مدة ~~الأجل حرام ، ولما كان التحدث في التزوج إنما يقصد منه المتحدث حصول الزواج ~~، وكان من عادتهم أن يتسابقوا إلى خطبة المعتدة ومواعدتها ، حرصا على ~~الاستئثار بها بعد انقضاء العدة فبينت الشريعة لهم تحريم ذلك ، ورخصت في ~~شيء منه ولذلك عطف هذا الكلام على سابقه . # والجناح الإثم وقد تقدم في قوله تعالى : فلا جناح عليه أن يطوف بهما ولا ~~جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النسآء أو أكننتم فى & # 1764 أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن ولاكن لا تواعدوهن سرا إلا أن ~~تقولوا قولا معروفا ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله واعلمو & # 1764 ا ms1270 أن الله يعلم ما فى & # 1764 أنفسكم فاحذروه واعلمو & # 1764 ا أن الله غفور حليم } ( البقرة : 158 ) . # وقوله : { ما عرضتم به } ما موصولة ، وما صدقها كلام ، أي كلام عرضتم به ~~، لأن التعريض يطلق على ضرب من ضروب المعاني المستفادة من الكلام ، وقد ~~بينه بقوله : { من خطبة النساء } فدل على أن المراد كلام . # ومادة فعل فيه دالة على الجعل مثل صور ، مشتقة من العرض بضم العين وهو ~~الجانب أي جعل كلامه بجانب ، والجانب هو الطرف ، فكأن المتكلم يحيد بكلامه ~~من جادة المعنى إلى جانب . ونظير هذا قولهم جنبه ، أي جعله في جانب . ~~فالتعريض أن يريد المتكلم من كلامه شيئا ، غير المدلول عليه بالتركيب وضعا ~~، لمناسبة بين مدلول الكلام وبين الشيء المقصود ، مع قرينة على إرادة ~~المعنى التعريضي ، فعلم ألا بد من مناسبة بين مدلول الكلام وبين الشيء ~~المقصود ، وتلك المناسبة : إما ملازمة أو مماثلة ، وذلك كما يقول العافى ~~لرجل كريم : جئت لأسلم عليك ولأنظر وجهك ، وقد عبر عن إرادتهم مثل هذا أمية ~~بن أبي الصلت في قوله : # إذا أثنى عليك المرء يوما # كفاه عن تعرضه الثناء PageV02P450 # وجعل الطيبي منه قوله تعالى : { وإذا قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت ~~للناس اتخذوني وأمي إلاهين من دون الله } ( المائدة : 116 ) . فالمعنى ~~التعريضي في مثل هذا حاصل من الملازمة ، وكقول القائل ( المسلم من سلم ~~المسلمون من لسانه ) في حضرة من عرف بأذى الناس ، فالمعنى التعريضي حاصل من ~~علم الناس بمماثلة حال الشخص المقصود للحالة التي ورد فيها معنى الكلام ، ~~ولما كانت المماثلة شبيهة بالملازمة لأن حضور المماثل في الذهن يقارن حضور ~~مثيله صح أن نقول إن المعنى التعريضي بالنسبة إلى المركبات شبيه بالمعنى ~~الكنائي بالنسبة إلى دلالة الألفاظ المفردة ، وإن شئت قلت : المعنى ~~التعريضي من قبيل الكناية بالمركب فخص باسم التعريض كما أن المعنى الكنائي ~~من قبيل الكناية باللفظ المفرد ، وعلى هذا فالتعريض من مستتبعات التراكيب ، ~~وهذا هو الملاقى لما درج عليه صاحب ( الكشاف ) في هذا المقام ، فالتعريض ~~عنده مغاير للكناية من هذه ms1271 الجهة وإن كان شبيها بها ، ولذلك احتاج إلى ~~الإشارة إلى الفرق بينهما ، فالنسبة بينهما عنده التباين . وأما السكاكي ~~فقد جعل بعض التعريض من الكناية وهو الأصوب ، فصارت النسبة بينهما العموم ~~والخصوص الوجهي ، وقد حمل الطيبي والتفتازاني كلام ( الكشاف ) على هذا ، ~~ولا إخاله يتحمله . # وإذ قد تبين لك معنى التعريض ، وعلمت حد الفرق بينه وبين الصريح فأمثلة ~~التعريض والتصريح لا تخفى ، ولكن فيما أثر من بعض تلك الألفاظ إشكال لا ~~ينبغي الإغضاء عنه في تفسير هذه الآية . # إن المعرض بالخطبة تعريضه قد يريده لنفسه وقد يريده لغيره بوساطته ، وبين ~~الحالتين فرق ينبغي أن يكون الحكم في المتشابه من التعريض ، فقد روي أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة ابنة قيس ، وهي في عدتها من طلاق ~~زوجها عمرو بن حفص آخر الثلاث ( كوني عند أم شريك ولا تسبقيني بنفسك ) أي ~~لا تستبدي بالتزوج قبل استئذاني وفي رواية ( فإذا حللت فآذنيين ) وبعد ~~انقضاء عدتها خطبها لأسامة بن زيد ، فهذا قول لا خطبة فيه وإرادة المشورة ~~فيه واضحة . # ووقع في ( الموطأ ) : أن القاسم بن محمد كان يقول في قوله تعالى : { ولا ~~جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء } أن يقول الرجل للمرأة وهي في ~~عدتها من وفاة زوجها : ( إنك علي لكريمة وإني فيك لراغب ) . PageV02P451 # فأما إنك علي لكريمة فقريب من صريح إرادة التزوج بها وما هو بصريح ، فإذا ~~لم تعقبه مواعدة من أحدهما فأمره محتمل ، وأما قوله إني فيك لراغب فهو ~~بمنزلة صريح الخطبة وأمره مشكل ، وقد أشار ابن الحاجب إلى إشكاله بقوله : ( ~~قالوا ومثل إني فيك لراغب أكثر هذه الكلمات تصريحا فينبغي ترك مثله ) ويذكر ~~عن محمد الباقر أن النبي صلى الله عليه وسلم عرض لأم سلمة في عدتها من وفاة ~~أبي سلمة ، ولا أحسب ما روي عنه صحيحا . # وفي ( تفسير ابن عرفة ) : ( قيل إن شيخنا محمد بن أحمد بن حيدرة كان يقول ~~: ( إذا كان التعريض من أحد الجانبين فقط وأما إذا وقع التعريض منهما فظاهر ~~المذهب أنه كصريح المواعدة ) . # ولفظ ms1272 النساء عام لكن خص منه ذوات الأزواج ، بدليل العقل ويخص منه ~~المطلقات الرجعيات بدليل القياس ودليل الإجماع ، لأن الرجعية لها حكم ~~الزوجة بإلغاء الفارق ، وحكى القرطبي الإجماع على منع خطبة المطلقة الرجعية ~~في عدتها ، وحكى ابن عبد السلام عن مذهب مالك جواز التعريض لكل معتدة : من ~~وفاة أو طلاق ، وهو يخالف كلام القرطبي ، والمسألة محتملة لأن للطلاق ~~الرجعي شائبتين ، وأجاز الشافعي التعريض في المعتدة بعد وفاة ومنعه في عدة ~~الطلاق ، وهو ظاهر ما حكاه في ( الموطأ ) عن القاسم بن محمد . # وقوله : { أو أكننتم في أنفسكم } الإكنان الإخفاء . وفائدة عطف الإكنان ~~على التعريض في نفي الجناح ، مع ظهور أن التعريض لا يكون إلا عن عزم في ~~النفس ، فنفي الجناح عن عزم النفس المجرد ضروري من نفي الجناح عن التعريض ، ~~أن المراد التنبيه على أن العزم أمر لا يمكن دفعه ولا النهي عنه ، فلما كان ~~كذلك ، وكان تكلم العازم بما عزم عليه جبلة في البشر ، لضعف الصبر على ~~الكتمان ، بين الله موضع الرخصة أنه الرحمة بالناس ، مع الإبقاء على احترام ~~حالة العدة ، مع بيان علة هذا الترخيص ، وأنه يرجع إلى نفي الحرج ، ففيه ~~حكمة هذا التشريع الذي لم يبين لهم من قبل . # وأخر الإكنان في الذكر للتنبيه على أنه أفضل وأبقى على ما للعدة من حرمة ~~، مع التنبيه على أنه نادر وقوعه ، لأنه لو قدمه لكان الانتقال من ذكر ~~الإكنان إلى ذكر التعريض جاريا على مقتضى ظاهر نظم الكلام في أن يكون ~~اللاحق زائد المعنى على ما يشمله الكلام السابق ، فلم يتفطن السامع لهذه ~~النكتة ، فلما خولف مقتضى الظاهر علم السامع أن هذه PageV02P452 المخالفة ~~ترمي إلى غرض ، كما هو شأن البليغ في مخالفة مقتضى الظاهر ، وقد زاد ذلك ~~إيضاحا بقوله عقبه : { علم الله أنكم ستذكرونهن } أي علم أنكم لا تستطيعون ~~كتمان ما في أنفسكم ، فأباح لكم التعريض تيسيرا عليكم ، فحصل بتأخير ذكر { ~~أو أكنتم } فائدة أخرى وهي التمهيد لقوله : { علم الله أنكم ستذكرونهن } ~~وجاء النظم بديعا معجزا ، ولقد أهمل معظم المفسرين التعرض ms1273 لفائدة هذا العطف ~~، وحاول الفخر توجيهه بما لا ينثلج له الصدر ووجهه ابن عرفة بما هو أقرب من ~~توجيه الفخر ، ولكنه لا تطمئن له نفس البليغ . # فقوله : { ولكن لا تواعدوهن سرا } استدراك دل عليه الكلام ، أي علم الله ~~أنكم ستذكرونهن صراحة وتعريضا ؛ إذ لا يخلو ذو عزم من ذكر ما عزم عليه بأحد ~~الطريقين ، ولما كان ذكر العلم في مثل هذا الموضع كناية عن الإذن كما تقول ~~: علمت أنك تفعل كذا تريد : إني لا أؤاخذك لأنك لو كنت تؤاخذه ، وقد علمت ~~فعله ، لآخذته كما قال : { علم الله أنكم كنت تختانون أنفسكم فتاب عليكم ~~وعفا عنكم } ( البقرة : 187 ) هذا أظهر ما فسر به هذا الاستدراك وقيل : هذا ~~استدراك على كلام محذوف أي فاذكروهن ولكن لا تواعدوهن ، أي لا تصرحوا ~~وتواعدوهن ، أي تعدوهن ويعدنكم بالتزوج . # والسر أصله ما قابل الجهر ، وكنى به عن قربان المرأة قال الأعشى : # ولا تقربن جارة إن سرها # عليك حرام فانكحن أو تأبدوا # وقال امرؤ القيس : # ألا زعمت بسباسة الحي أنني # كبرت وأن لا يحسن السر أمثالي # والظاهر أن المراد به في هاته الآية حقيقته ، فيكون { سرا } منصوبا على ~~الوصف لمفعول مطلق أي وعدا صريحا سرا ، أي لا تكتموا المواعدة ، وهذا ~~مبالغة في تجنب مواعدة صريح الخطبة في العدة . # وقوله : { إلا أن تقولوا قولا معروفا } استثناء من المفعول المطلق أي إلا ~~وعدا معروفا ، وهو التعريض الذي سبق في قوله : { فيما عرضتم به } فإن القول ~~المعروف من أنواع PageV02P453 الوعد إلا أنه غير صريح ، وإذا كان النهي عن ~~المواعدة سرا ، علم النهي عن لمواعدة جهرا بالأولى ، والاستثناء على هذا في ~~قوله : { إلا أن تقولوا قولا معروفا } متصل ، والقول المعروف هو المأذون ~~فيه ، وهو التعريض ، فهو تأكيد لقوله : { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به } ~~الآية . # وقيل : المراد بالسر هنا كناية ، أي لا تواعدوهن قربانا ، وكنى به عن ~~النكاح أي الوعد الصريح بالنكاح ، فيكون { سرا } مفعولا به لتواعدوهن ، ~~ويكون الاستثناء منقطعا ، لأن القول ليس من أنواع النكاح ، إذ النكاح عقد ~~بإيجاب وقبول ms1274 ، والقول خطبة : صراحة أو تعريضا وهذا بعيد : لأن فيه كناية ~~على كناية ، وقيل غير ذلك مما لا ينبغي التعريج عليه ، فإن قلتم حظر : صريح ~~الخطبة والمواعدة ، وإباحة التعريض بذلك يلوح بصور التعارض ، فإن مآل ~~التصريح والتعريض واحد ، فإذا كان قد حصل بين الخاطب والمعتدة العلم بأنه ~~يخطبها وبأنها توافقه ، فما فائدة تعلق التحريم والتحليل بالألفاظ ~~والأساليب ، إن كان المفاد واحدا قلت : قصد الشارع من هذا حماية أن يكون ~~التعجل ذريعة إلى الوقوع فيما يعطل حكمة العدة ، إذ لعل الخوض في ذلك يتخطى ~~إلى باعث تعجل الراغب إلى عقد النكاح على المعتدة بالبناء بها ؛ فإن دبيب ~~الرغبة يوقع في الشهوة ، والمكاشفة تزيل ساتر الحياء فإن من الوازع الطبيعي ~~الحياء الموجود في الرجل ، حينما يقصد مكاشفة المرأة بشيء من رغبته فيها ، ~~والحياء في المرأة أشد حينما يواجهها بذلك الرجل ، وحينما تقصد إجابته لما ~~يطلب منها ، فالتعريض أسلوب من أساليب الكلام يؤذن بما لصاحبه من وقار ~~الحياء فهو يقبض عن التدرج إلى ما نهي عنه ، وإيذانه بهذا الاستحياء يزيد ~~ما طبعت عليه المرأة من الحياء فتنقبض نفسها عن صريح الإجابة ، بله ~~المواعدة فيبقى حجاب الحياء مسدولا بينهما وبرقع المروءة غير منضى وذلك من ~~توفير شأن العدة فلذلك رخص في التعريض تيسيرا على الناس ، ومنع التصريح ~~إبقاء على حرمات العدة . # وقوله : { ولا تعزموا عقدة النكاح } العزم هنا عقد النكاح لا التصميم على ~~العقد ، ولهذا فعقدة النكاح منصوب على المفعول به ، والمعنى : لا تعقدوا ~~عقدة النكاح ، أخذ من العزم بمعنى القطع والبت ، قاله النحاس وغيره ، ولك ~~أن تجعله بمعناه المشهور أي لا تصمموا على عقدة النكاح ، ونهي عن التصميم ~~لأنه إذا وقع وقع ما صمم عليه . PageV02P454 وقيل : نهى عن العزم مبالغة ، ~~والمراد النهي عن المعزوم عليه ، مثل النهي من الاقتراب في قوله : { تلك ~~حدود الله فلا تقربوها } ( البقرة : 187 ) وعلى هذين الوجهين فعقدة النكاح ~~منصوب على نزع الخافض ، كقولهم ضربة الظهر والبطن ، وقيل ضمن عزم معنى أبرم ~~قاله صاحب ( المغني ) في الباب الثامن . # والكتاب هنا ms1275 بمعنى المكتوب أي المفروض من الله وهو العدة المذكورة ~~بالتعريف للعهد . # والأجل المدة المعينة لعمل ما ، والمراد به هنا مدة العدة المعينة بتمام ~~، كما أشار إليه قوله : { فإذا بلغن أجلهن } ( البقرة : 234 ) آنفا . # والآية صريحة في النهي عن النكاح في العدة وفي تحريم الخطبة في العدة وفي ~~إباحة التعريض . # فأما النكاح أي عقده في العدة ، فهو إذا وقع ولم يقع بناء بها في العدة ~~فالنكاح مفسوخ اتفاقا ، وإنما اختلفوا هل يتأبد به تحريم المرأة على العاقد ~~أو لا ؟ فالجمهور على أنه لا يتأبد ، وهو قول عمر بن الخطاب ، ورواية ابن ~~القاسم عن مالك في ( المدونة ) ، وحكى ابن الجلاب عن مالك رواية أنه يتأبد ~~، ولا يعرف مثله عن غير مالك . # وأما الدخول في العدة ففيه الفسخ اتفاقا ، واختلف في تأبيد تحريمها عليه ~~فقال عمر بن الخطاب ومالك والليث والأوزاعي وأحمد بن حنبل بتأبد تحريمها ~~عليه ، ولا دليل لهم على ذلك إلا أنهم بنوه على أصل المعاملة بنقيض المقصود ~~الفاسد ، وهو أصل ضعيف ، وقال علي وابن مسعود وأبو حنيفة والثوري والشافعي ~~: بفسخ النكاح ولا يتأبد التحريم ، وهو بعد العدة خاطب من الخطاب ، وقد قيل ~~: إن عمر رجع إليه وهو الأصح ، وعلى الزوج مهرها بما استحل منها ، وقد تزوج ~~رويشد الثقفي طليحة الأسدية في عدتها ففرق عمر بينهما وجعل مهرها على بيت ~~المال ، فبلغ ذلك عليا فقال : ( يرحم الله أمير المؤمنين ما بال الصداق ~~وبيت المال ، إنما جهلا فينبغي للإمام أن يردهما للسنة ) قيل له : ( فما ~~تقول أنت ) ؟ قال : ( لها الصداق بما استحل منها ويفرق بينهما ولا جلد ~~عليهما ) واستحسن المتأخرون من فقهاء المالكية للقاضي إذا حكم بفسخ نكاح ~~الناكح في العدة ألا يتعرض في حكمه للحكم بتأبيد تحريمها ، لأنه لم يقع ~~التنازع في شأنه لديه ، فينبغي له أن يترك التعريج عليه ، لعلهما أن يأخذا ~~بقول من لا يرون تأبيد التحريم . PageV02P455 # وأما الخطبة في العدة والمواعدة فحرام مواجهة المرأة بها ، وكذلك مواجهة ~~الأب في ابنته البكر ، وأما مواجهة ولي غير مجبر فالكراهة ، فإذا ms1276 لم يقع ~~البناء في العدة بل بعدها ، فقال مالك : يفرق بينهما بطلقة ولا يتأبد ~~تحريمها ، وروى عنه ابن وهب : فراقها أحب إلي ، وقال الشافعي : الخطبة حرام ~~، والنكاح الواقع بعد العدة صحيح . # { واعلمو & # 1764 ا أن الله يعلم ما فى & # 1764 أنفسكم فاحذروه واعلمو & # 1764 ا أن الله غفور حليم } # عطف على الكلام السابق في قوله : { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة ~~النساء } إلى قوله : { حتى يبلغ الكتاب أجله } وابتدىء الخطاب باعلموا لما ~~أريد قطع هواجس التساهل والتأول ، في هذا الشأن ، ليأتي الناس ما شرع الله ~~لهم عن صفاء سريرة من كل دخل وحيلة ، وقدم تقدم نظيره في قوله : { واعلموا ~~أنكم ملاقوه } ( البقرة : 223 ) . # وقوله : { واعلموا أن الله غفور حليم } تذييل ، أي فكما يؤاخذكم على ما ~~تضمرون من المخالفة يغفر لكم ما وعد بالمغفرة عنه كالتعريض لأنه حليم بكم ، ~~وهذا دليل على أن إباحة التعريض رخصة كما قدمنا ، وأن الذريعة تقتضي تحريمه ~~، لولا أن الله علم مشقة تحريمه على الناس للوجوه التي قدمناها ، فلعل ~~المراد من المغفرة هنا التجاوز لا مغفرة الذنب ؛ لأن التعريض ليس بإثم ، أو ~~يراد به المعنى الأعم الشامل لمغفرة الذنب والتجاوز عن المشاق ، وشأن ~~التذييل التعميم . # $ 2 ( 236 ، 237 ) { لا جناح عليكم إن طلقتم النسآء ما لم تمسوهن أو ~~تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف ~~حقا على المحسنين * وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة ~~فنصف ما فرضتم إلا & # 1764 أن يعفون أو يعفوا الذى بيده عقدة النكاح وأن تعفو & # 1764 ا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير } . ) ~~2 $ PageV02P456 # استئناف تشريع لبيان حكم ما يترتب على الطلاق من دفع المهر ، كله أو بعضه ~~، وسقوطه وحكم المتعة مع إفادة إباحة الطلاق قبل المسيس . فالجملة مستأنفة ~~استئنافا ابتدائيا ، ومناسبة موقعها لا تخفى ، فإنه لما جرى الكلام في ~~الآيات السابقة على الطلاق الذي تجب فيه العدة ، وهو طلاق المدخول بهن ، ~~عرج هنا على الطلاق ms1277 الواقع قبل الدخول ، وهو الذي في قوله تعالى : { يأيها ~~الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن الآية ، في ~~سورة الأحزاب ( 49 ) ، وذكر مع ذلك هنا تنصيف المهر والعفو عنه . # وحقيقة الجناح الإثم كما تقدم في قوله : فلا جناح عليه أن يطوف بهما } ( ~~البقرة : 158 ) . ولا يعرف إطلاق الجناح على غير معنى الإثم ، ولذلك حمله ~~جمهور المفسرين هنا على نفي الإثم في الطلاق ، ووقع في ( الكشاف ) تفسير ~~الجناح بالتبعة فقال : { لا جناح عليكم لا تبعة عليكم من إيجاب المهر } ثم ~~قال : والدليل على أن الجناح تبعة المهر ، قوله : { وإن طلقتموهن } إلى ~~قوله : { فنصف ما فرضتم } فقوله : { فنصف ما فرضتم } إثبات للجناح المنفي ~~ثمة ) وقال ابن عطية وقال قوم : لا جناح عليكم معناه لا طلب بجميع المهر ~~فعلمنا أن صاحب ( الكشاف ) مسبوق بهذا التأويل ، وهو لم يذكر في ( الأساس ) ~~هذا المعنى للجناح حقيقة ولا مجازا ، فإنما تأوله من تأوله تفسيرا لمعنى ~~الكلام كله لا لكلمة { جناح } وفيه بعد ، ومحمله على أن الجناح كناية بعيدة ~~عن التبعة بدفع المهر . والوجه ما حمل عليه الجمهور لفظ الجناح ، وهو معناه ~~المتعارف ، وفي ( تفسير ابن عطية ) عن مكي بن أبي طالب ( لا جناح عليكم في ~~الطلاق قبل البناء ؛ لأنه قد يقع الجناح على المطلق بعد أن كان قاصدا للذوق ~~، وذلك مأمون قبل المسيس ) وقريب منه في الطيبي عن الراغب أي في ( تفسيره ) ~~. # فالمقصود من الآية تفصيل أحوال دفع المهر أو بعضه أو سقوطه ، وكأن قوله : ~~{ لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن } إلى آخره تمهيد لذلك ~~وإدماج لإباحة الطلاق قبل المسيس لأنه بعيد عن قصد التذوق ، وأبعد من ~~الطلاق بعد المسيس عن إثارة البغضاء بين الرجل والمرأة ، فكان أولى أنواع ~~الطلاق بحكم الإباحة الطلاق قبل البناء . # قال ابن عطية وغيره : إنه لكثرة ما حض الرسول عليه الصلاة والسلام ~~المؤمنين على أن يقصدوا من التزوج دوام المعاشرة ، وكان ينهى عن فعل ~~الذواقين PageV02P457 الذين يكثرون تزوج النساء وتبديلهن ، ويكثر النهي عن ~~الطلاق ms1278 حتى قد يظن محرما ، فأبانت الآية إباحته بنفي الجناح بمعنى الوزر . # والنساء : الأزواج ، والتعريف فيه تعريف الجنس ، فهو في سياق النفي ~~للعموم ، أي لا جناح في تطليقكم الأزواج ، و ( ما ) ظرفية مصدرية ، والمسيس ~~هنا كناية عن قربان المرأة . # و ( أو ) في قوله : { أو تفرضوا لهن فريضة } عاطفة على { تمسوهن } المنفي ~~، و ( أو ) إذا وقعت في سياق النفي تفيد مفاد واو العطف فتدل على انتفاء ~~المعطوف والمعطوق عليه معا ، ولا تفيد المفاد الذي تفيده في الإثبات ، وهو ~~كون الحكم لأحد المتعاطفين ، نبه على ذلك الشيخ ابن الحاجب في ( أماليه ) ~~وصرح به التفتازاني في ( شرح الكشاف ) ، وقال الطيبي : إنه يؤخذ من كلام ~~الراغب ، وهو التحقيق ؛ لأن مفاد ( أو ) في الإثبات نظير مفاد النكرة وهو ~~الفرد المبهم ، فإذا دخل النفي استلزم نفي الأمرين جميعا ، ولهذا كان ~~المراد في قوله تعالى : { ولا تطع منهم آثما أو كفورا } ( الإنسان : 24 ) ~~النهي عن طاعة كليهما ، لا عن طاعة أحدهما دون الآخر ، وعلى هذا انبنت ~~المسألة الأصولية وهي : هل وقع في اللغة ما يدل على تحريم واحد لا بعينه ، ~~بناء على أن ذلك لا يكون إلا بحرف أو ، وأن أو إذا وقعت في سياق النهي كانت ~~كالتي تقع في سياق النفي . # وجعل صاحب ( الكشاف ) ( أو ) في قوله : { أو تفرضوا لهن فريضة } بمعنى ~~إلا أو حتى ، وهي التي ينتصب المضارع بعدها بأن واجبة الإضمار ، بناء على ~~إمكانه هنا وعلى أنه أبعد عن الخفاء في دلالة أو العاطفة في سياق النفي ، ~~على انتفاء كلا المتعاطفين ؛ إذ قد يتوهم أنها لنفي أحدهما كشأنها في ~~الإثبات ، وبناء على أنه أنسب بقوله تعالى بعد ذلك { وأن طلقتموهن من قبل ~~أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة } حيث اقتصر في التفصيل على أحد الأمرين : ~~وهو الطلاق قبل المسيس مع فرض الصداق ، ولم يذكر حكم الطلاق قبل المسيس أو ~~بعده ، وقبل فرض الصداق ، فدل بذلك على أن الصورة لم تدخل في التقسيم ~~السابق ، وذلك أنسب بأن تكون للاستثناء أو الغاية ، لا للعطف ، ولا يتوهم ~~أن ms1279 صاحب الكشاف أهمل تقدير العطف لعدم استقامته ، بل لأن غيره هنا أوضح ~~وأنسب ، يعني والمراد قد ظهر من الآية ظهورا لا يدع لتوهم قصد نفي أحد ~~الأمرين خطورا بالأذهان ، ولهذا استدركه البيضاوي فجوز تقديرها عاطفة في ~~هذه الآية . PageV02P458 # وقد أفادت الآية حكما بمنطوقها وهو أن المطلقة قبل البناء إذا لم يسم لها ~~مهر لا تستحق شيئا من المال ، وهذا مجمع عليه فيما حكاه ابن العربي ، وحكى ~~القرطبي عن حماد بن سليمان أن لها نصف صداق أمثالها ، والجمهور على خلافه ~~وأن ليس لها إلا المتعة ، ثم اختلفوا في وجوبها كما سيأتي . وهذا الحكم ~~دلنا على أن الشريعة قد اعتبرت النكاح عقدا لازما بالقول ، واعتبرت المهر ~~الذي هو من متمماته غير لازم بمجرد صيغة النكاح ، بل يلزم بواحد من أمرين ~~إما بصيغة تخصه ، وهي تعيين مقداره بالقول ، وهي المعبر عنها في الفقه ~~بنكاح التسمية ، وإما بالفعل وهو الشروع في اجتناء المنفعة المقصودة ابتداء ~~من النكاح وهي المسيس ، فالمهر إذن من توابع العقود التي لا تثبت بمجرد ~~ثبوت متبوعها ، بل تحتاج إلى موجب آخر كالحوز في عقود التبرعات ، وفيه نظر ~~، والنفس لقول حماد بن سليمان أميل . # والآية دلت على مشروعية أصل الطلاق ، لما أشعرت بنفي الجناح عن الطلاق ~~قبل المسيس وحيث أشعرت بإباحة بعض أنواعه : بالتصدي لبيان أحكامها ، ولما ~~لم يتقدم لنا موضع هو أنسب بذكر مشروعية الطلاق من هذه الآية ، فنحن نبسط ~~القول في ذلك : # إن القانون العام لانتظام المعاشرة هو الوفاق في الطبائع والأخلاق ~~والأهواء والأميال ، وقد وجدنا المعاشرة نوعين : أولهما معاشرة حاصلة بحكم ~~الضرورة ، وهي معاشرة النسب ، المختلفة في القوة والضعف ، بحسب شدة قرب ~~النسب وبعده كمعاشرة الآباء مع الأبناء ، والإخوة بعضهم مع بعض ، وأبناء ~~العم والعشيرة ، واختلافها في القوة والضعف يستتبع اختلافها في استغراق ~~الأزمان ، فنجد في قصر زمن المعاشرة ، عند ضعف الآصرة ، ما فيه دافع للسآمة ~~والتخالف الناشئين عما يتطرق إلى المتعاشرين من تنافر في الأهواء والأميال ~~، وقد جعل الله في مقدار قرب النسب تأثيرا في مقدار الملاءمة ms1280 ؛ لأنه بمقدار ~~قرب النسيب ، يكون التئام الذات مع الأخرى أقوى وأتم ، وتكون المحاكة ~~والممارسة والتقارب أطول ، فنشأ من السببين الجبلي ، والاصطحابي ، ما يقوي ~~اتحاد النفوس في الأهواء والأميال بحكم الجبلة ، وحكم التعود والإلف ، ~~وهكذا يذهب ذلك السببان يتباعدان بمقدار ما يتباعد النسيب . # النوع الثاني : معاشرة بحكم الاختيار وهي معاشرة الصحبة والخلة والحاجة ~~والمعاونة ، وما هي إلا معاشرة مؤقتة تطول أو تقصر ، وتستمر أو تغب ، بحسب ~~قوة الداعي PageV02P459 وضعفه ، وبحسب استطاعة الوفاء بحقوق تلك المعاشرة ، ~~والتقصير في ذلك ، والتخلص من هذا النوع ممكن إذا لم تتحد الطباع . ومعاشرة ~~الزوجين في التنويع ، هي من النوع الثاني ، وفي الآثار محتاجة إلى آثار ~~النوع الأول ، وينقصها من النوع الأول سببه الجبلي لأن الزوجين يكثر ألا ~~يكونا قريبين وسببه الاصطحابي ، في أول عقد التزوج حتى تطول المعاشرة ~~ويكتسب كل من الآخر خلقه ، إلا أن الله تعالى جعل في رغبة الرجل في المرأة ~~إلى حد أن خطبها ، وفي ميله إلى التي يراها ، مذ انتسبت به واقترنت ، وفي ~~نيته معاشرتها معاشرة طيبة ، وفي مقابلة المرأة الرجل بمثل ذلك ما يغرز في ~~نفس الزوجين نوايا وخواطر شريفة وثقة بالخير ، تقوم مقام السبب الجبلي ، ثم ~~تعقبها معاشرة وإلف تكمل ما يقوم مقام السبب الاصطحابي ، وقد أشار الله ~~تعالى إلى هذا السر النفساني الجليل ، بقوله : { ومن آياته أن خلق لكم من ~~أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة } ( الروم : 21 ) . # وقد يعرض من تنافر الأخلاق وتجافيها ما لا يطمع معه في تكوين هذين ~~السببين أو أحدهما ، فاحتيج إلى وضع قانون للتخلص من هذه الصحبة ، لئلا ~~تنقلب سبب شقاق وعداوة فالتخلص قد يكون مرغوبا لكلا الزوجين ، وهذا لا ~~إشكال فيه ، وقد يكون مرغوبا لأحدهما ويمتنع منه الآخر ، فلزم ترجيح أحد ~~الجانبين وهو جانب الزوج لأن رغبته في المرأة أشد ، كيف وهو الذي سعى إليها ~~ورغب في الاقتران بها ؛ ولأن العقل في نوعه أشد ، والنظر منه في العواقب ~~أسد ، ولا أشد احتمالا لأذى وصبرا على سوء خلق من المرأة ، فجعل الشرع ms1281 ~~التخلص من هذه الورطة بيد الزوج ، وهذا التخلص هو المسمى : بالطلاق ، فقد ~~يعمد إليه الرجل بعد لأي ، وقد تسأله المرأة من الرجل ، وكان العرب في ~~الجاهلية تسأل المرأة الرجل الطلاق فيطلقها ، قال سعيد بن زيد بن عمرو بن ~~نفيل يذكر زوجتيه : # تلك عرساي تنطقان على عم # د إلى اليوم قول زور وهتر # سالتاني الطلاق أن رأتاما # لي قليلا قد جئتماني بنكر # وقال عبيد بن الأبرص : # تلك عرسي غضبى تريد زيالي # ألبين تريد أم لدلال # إن يكن طبكك الفراق فلا أح # فل أن تعطفي صدور الجمال PageV02P460 # وجعل الشرع للحاكم إذا أبى الزوج الفراق ولحق الزوجة الضر من عشرته ، بعد ~~ثبوت موجباته ، أن يطلقها عليه . فالطلاق فسخ لعقدة النكاح بمنزلة الإقالة ~~في البيع ، إلا أنه فسخ لم يشترط فيه رضا كلا المتعاقدين بل اكتفي برضا ~~واحد : وهو الزوج ، تسهيلا للفراق عند الاضطرار إليه ، ومقتضى هذا الحكم أن ~~يكون الطلاق قبل البناء بالمرأة ممنوعا ؛ إذ لم تقع تجربة الأخلاق ، لكن ~~لما كان الداعي إلى الطلاق قبل البناء لا يكون إلا لسبب عظيم لأن أفعال ~~العقلاء تصان عن العبث ، كيف يعمد راغب في امرأة ، باذل لها ماله ونفسه إلى ~~طلاقها قبل التعرف بها ، لولا أن قد علم من شأنها ما أزال رجاءه في ~~معاشرتها ، فكان التخلص وقتئذ قبل التعارف ، أسهل منه بعد التعارف . # وقرأ الجمهور ( ما لم تمسوهن ) بفتح المثناة الفوقية مضارع مس المجرد ، ~~وقرأ حمزة والكسائي وخلف ، ( تماسوهن ) بضم المثناة الفوقية وبألف بعد ~~الميم مضارع ماس ؛ لأن كلا الزوجين يمس الآخر . # وقوله : { ومتعوهن على الموسع قدره } الآية عطف على قوله : { لا جناح ~~عليكم } عطف التشريع على التشريع ، على أن الاتحاد بالإنشائية والخبرية غير ~~شرط عند المحققين ، والضمير عائد إلى النساء المعمول للفعل المقيد بالظرف ~~وهو : { ما لم تمسوهن أو تفرضوا } ، كما هو الظاهر ، أي متعوا المطلقات قبل ~~المسيس ، وقبل الفرض ، ولا أحسب أحدا يجعل معاد الضمير على غير ما ذكرنا ، ~~وأما ما يوجد من الخلاف بين العلماء في حكم المتعة للمطلقة المدخول بها ms1282 ، ~~فذلك لأدلة أخرى غير هذه الآية . # والأمر في قوله : { ومتعوهن } ظاهره الوجوب وهو قول علي وابن عمر والحسن ~~والزهري وابن جبير وقتادة والضحاك وإسحاق بن راهويه ، وقاله أبو حنيفة ~~والشافعي وأحمد ؛ لأن أصل الصيغة للوجوب مع قرينة قوله تعالى : { حقا على ~~المحسنين } وقوله بعد ذلك ، في الآية الآتية : { حقا على المتقين } لأن ~~كلمة { حقا } تؤكد الوجوب ، والمراد بالمحسنين عند هؤلاء المؤمنون ، ~~فالمحسن بمعنى المحسن إلى نفسه بإبعادها عن الكفر ، وهؤلاء جعلوا المتعة ~~للمطلقة غير المدخول بها وغير المسمى لها مهر واجبة ، وهو الأرجح لئلا يكون ~~عقد نكاحها خليا عن عوض المهر . PageV02P461 # وجعل جماعة الأمر هنا للندب لقوله بعد : { حقا على المحسنين } فإنه قرينة ~~على صرف الأمر إلى أحد ما يقتضيه ، وهو ندب خاص مؤكد للندب العام في معنى ~~الإحسان ، وهو قول مالك وشريح ، فجعلها حقا على المحسنين ، ولو كانت واجبة ~~لجعلها حقا على جميع الناس ، ومفهوم جعلها حقا على المحسنين أنها ليست حقا ~~على جميع الناس ، وكذلك قوله { المتقين } في الآية الآتية ، لأن المتقي هو ~~كثير الامتثال ، على أننا لو حملنا المتقين على كل مؤمن لكان بين الآيتين ~~تعارض المفهوم والعموم ، فإن المفهوم الخاص يخصص العموم . # وفي ( تفسير الأبي ) عن ابن عرفة : ( قال محمد بن مسلمة من أصحاب مالك : ~~المتعة واجبة يقضى بها إذ لا يأبى أن يكون من المحسنين ولا من المتقين إلا ~~رجل سوء ، ثم ذكر ابن عرفة عن ابن عبد السلام عن ابن حبيب أنه قال بتقديم ~~العموم على المفهوم عند التعارض ، وأنه الأصح عند الأصوليين ، قلت : فيه ~~نظر ، فإن القائل بالمفهوم لا بد أن يخصص بخصوصه عموم العام إذا تعارضا ، ~~على أن لمذهبب مالك أن المتعة عطية ومؤاساة ، والمؤاساة في مرتبة التحسيني ~~، فلا تبلغ مبلغ الوجوب ، ولأنها مال بذل في غير عوض ، فيرجع إلى التبرعات ~~، والتبرعات مندوبة لا واجبة ، وقرينة ذلك قوله تعالى : { حقا على المحسنين ~~} فإن فيه إيماء إلى أن ذلك من الإحسان لا من الحقوق ، على أنه قد نفى الله ~~الجناح عن المطلق ثم ms1283 أثبت المتعة ، فلو كانت المتعة واجبة لانتقض نفي ~~الجناح ، إلا أن يقال : إن الجناح نفي لأن المهر شيء معين ، قد يجحف ~~بالمطلق بخلاف المتعة ، فإنها على حسب وسعه ولذلك نفى مالك ندب المتعة للتي ~~طلقت قبل البناء وقد سمى لها مهرا ، قال : فحسبها ما فرض لها أي لأن الله ~~قصرها على ذلك ، رفقا بالمطلق ، أي فلا تندب لها ندب خاصا ، بأمر القرآن . ~~وقد قال مالك : بأن المطلقة المدخول بها يستحب تمتيعها ، أي بقاعدة الإحسان ~~الأعم ولما مضى من عمل السلف . # وقوله : { على الموسع قدره وعلى المقتر قدره } الموسع من أوسع إذا صار ذا ~~سعة ، والمقتر من أقتر إذا صار ذا قتر وهو ضيق العيش ، والقدر بسكون الدال ~~وبفتحها ما به تعيين ذات الشيء أو حاله ، فيطلق على ما يساوي الشيء من ~~الأجرام ، ويطلق على ما يساويه في القيمة ، والمراد به هنا الحال التي يقدر ~~بها المرء في مراتب الناس في الثروة ، وهو PageV02P462 الطبقة من القوم ، ~~والطاقة من المال ، وقرأه الجمهور بسكون الدال ، وقرأه ابن ذكوان عن ابن ~~عامر ، وحمزة ، والكسائي ، وحفص عن عاصم ، وأبو جعفر بفتح الدال . # وقوله : { فنصف ما فرضتم } مبتدأ محذوف الخبر إيجازا لظهور المعنى ، أي ~~فنصف ما فرضتم لهن بدليل قوله : { وقد فرضتم لهن } لا يحسن فيها إلا هذا ~~الوجه . والاقتصار على قوله : { فنصف ما فرضتم } يدل على أنها حينئذ لا ~~متعة لها . # وقوله : { إلا أن يعفون أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح } استثناء من ~~عموم الأحوال أي إلا في حالة عفوهن أي النساء بأن يسقطن هذا النصف ، وتسمية ~~هذا الإسقاط عفوا ظاهرة ، لأن نصف المهر حق وجب على المطلق للمطلقة قبل ~~البناء بما استخف بها ، أو بما أوحشها ، فهو حق وجب لغرم ضر ، فإسقاطه عفو ~~لا محالة ، أو عند عفو الذي بيده عقدة النكاح . # وأل في النكاح للجنس ، وهو متبادر في عقد نكاح المرأة لا في قبول الزوج ، ~~وإن كان كلاهما سمي عقدا ، فهو غير النساء لا محالة لقوله : { الذي بيده ~~عقدة النكاح } فهو ذكر ، وهو ms1284 غير المطلق أيضا ، لأنه لو كان المطلق ، لقال ~~: أو تعفو بالخطاب ، لأن قبله { وإن طلقتموهن } ولا داعي إلى خلاف مقتضى ~~الظاهر . # وقيل : جيء بالموصول تحريضا على عفو المطلق ، لأنه كانت بيده عقدة النكاح ~~فأفاتها بالطلاق ، فكان جديرا بأن يعفو عن إمساك النصف ، ويترك لها جميع ~~صداقها ، وهو مردود بأنه لو أريد هذا المعنى ، لقال أو يعفو الذي كان بيده ~~عقدة النكاح ، فتعين أن يكون أريد به ولي المرأة لأن بيده عقدة نكاحها ؛ إذ ~~لا ينعقد نكاحها إلا به ، فإن كان المراد به الولي المجبر وهو الأب في ~~ابنته البكر ، والسيد في أمته ، فكونه بيده عقدة النكاح ظاهر ، إلا أنه جعل ~~ذلك من صفته باعتبار ما كان ، إذ لا يحتمل غير ذلك ، وإن كان المراد مطلق ~~الولي ، فكونه بيده عقدة النكاح ، من حيث توقف عقد المرأة على حضوره ، وكان ~~شأنهم أن يخطبوا الأولياء في ولاياهم فالعفو في الموضعين حقيقة ، والاتصاف ~~بالصلة مجاز ، وهذا قول مالك ؛ إذ جعل في ( الموطأ ) : الذي بيده عقدة ~~النكاح هو الأب في ابنته البكر والسيد في أمته ، وهو قول الشافعي في القديم ~~، فتكون الآية ذكرت عفو الرشيدة والمولى عليها ، ونسب ما يقرب من هذا القول ~~إلى جماعة من السلف ، منهم ابن عباس وعلقمة والحسن وقتادة ، وقيل : الذي ~~بيده عقدة النكاح هو المطلق لأن بيده عقد نفسه وهو القبول ، ونسب هذا إلى ~~علي وشريح وطاووس ومجاهد ، وهو قول أبي حنيفة والشافعي في الجديد ، ومعنى { ~~بيده PageV02P463 عقدة النكاح } أن بيده التصرف فيها بالإبقاء ، والفسخ ~~بالطلاق ، ومعنى عفوه : تكميله الصداق ، أي إعطاؤه كاملا . # وهذا قول بعيد من وجهين : أحدهما أن فعل المطلق حينئذ لا يسمى عفوا بل ~~تكميلا وسماحة ؛ لأن معناه أن يدفع الصداق كاملا ، قال في ( الكشاف ) : ( ~~وتسمية الزيادة على الحق عفوا فيه نظر ) إلا أن يقال : كان الغالب عليهم أن ~~يسوق إليها المهر عند التزوج ، فإذا طلقها استحق أن يطالبها بنصف الصداق ، ~~فإذا ترك ذلك فقد عفا ، أو سماه عفوا على طريق المشاكلة . # الثاني أن دفع المطلق المهر ms1285 كاملا للمطلقة إحسان لا يحتاج إلى تشريع ~~مخصوص ، بخلاف عفو المرأة أو وليها ، فقد يظن أحد أن المهر لما كان ركنا من ~~العقد لا يصح إسقاط شيء منه . # وقوله : { وأن تعفوا أقرب للتقوى } تذييل أي العفو من حيث هو ، ولذلك حذف ~~المفعول ، والخطاب لجميع الأمة ، وجيء بجمع المذكر للتغليب ، وليس خطابا ~~للمطلقين ، وإلا لما شمل عفو النساء مع أنه كله مرغوب فيه ، ومن الناس من ~~استظهر بهذه الآية على أن المراد بالذي بيده عقدة النكاح المطلق ، لأنه عبر ~~عنه بعد بقوله : { وأن تعفوا } وهو ظاهر في المذكر ، وقد غفل عن مواقع ~~التذييل في آي القرآن كقوله : { أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير } ( ~~النساء : 128 ) . # ومعنى كون العفو أقرب للتقوى : أن العفو أقرب إلى صفة التقوى من التمسك ~~بالحق ؛ لأن التمسك بالحق لا ينافي التقوى لكنه يؤذن بتصلب صاحبه وشدته ، ~~والعفو يؤذن بسماحة صاحبه ورحمته ، والقلب المطبوع على السماحة والرحمة ~~أقرب إلى التقوى من القلب الصلب الشديد ، لأن التقوى تقرب بمقدار قوة ~~الوازع ، والوازع شرعي وطبيعي ، وفي القلب المفطور على الرأفة والسماحة لين ~~يزعه عن المظالم والقساوة ، فتكون التقوى أقرب إليه ، لكثرة أسبابها فيه . # وقوله : { ولا تنسوا الفضل بينكم } تذييل ثان ، معطوف على التذييل الذي ~~قبله ، لزيادة الترغيب في العفو بما فيه من التفضل الدنيوي ، وفي الطباع ~~السليمة حب الفضل . PageV02P464 فأمروا في هاته الآية بأن يتعاهدوا الفضل ~~ولا ينسوه ؛ لأن نسيانه يباعد بينهم وبينه ، فيضمحل منهم ، وموشك أن يحتاج ~~إلى عفو غيره عنه في واقعة أخرى ، ففي تعاهده عون كبير على الإلف والتحابب ~~، وذلك سبيل واضحة إلى الاتحاد والمؤاخاة والانتفاع بهذا الوصف عند حلول ~~التجربة . # والنسيان هنا مستعار للإهمال وقلة الاعتناء كما في قوله تعالى : { فذوقوا ~~بما نسيتم لقاء يومكم هذا } ( السجدة : 14 ) وهو كثير في القرآن ، وفي كلمة ~~{ بينكم ، } إشارة إلى هذا العفو ، إذا لم ينس تعامل الناس به بعضهم مع بعض ~~. # وقوله : { إن الله بما تعملون بصير } تعليل للترغيب في عدم إهمال الفضل ~~وتعريض بأن في العفو مرضاة الله ms1286 تعالى ، فهو يرى ذلك منا فيجازي عليه ، ~~ونظيره قوله : { فإنك بأعيننا } ( السطور : 48 ) . # # | 2 ( 238 ) { حافظوا على الصلوات والصلواة الوسطى وقوموا لله قانتين } . ~~) 2 # الانتقال من غرض إلى غرض في آي القرآن لا تلزم له قوة ارتباط ، لأن ~~القرآن ليس كتاب تدريس يرتب بالتبويب وتفريع المسائل بعضها على بعض ، ولكنه ~~كتاب تذكير وموعظة فهو مجموع ما نزل من الوحي في هدى الأمة وتشريعها ~~وموعظتها وتعليمها ، فقد يجمع به الشيء للشيء من غير لزوم ارتباط وتفرع ~~مناسبة ، وربما كفى في ذلك نزول الغرض الثاني عقب الغرض الأول ، أو تكون ~~الآية مأمورا بإلحاقها بموضع معين من إحدى سور القرآن كما تقدم في المقدمة ~~الثامنة ، ولا يخلو ذلك من مناسبة في المعاني ، أو في انسجام نظم الكلام ، ~~فلعل آية { حافظوا على الصلوات } نزلت عقب آيات تشريع العدة والطلاق لسبب ~~اقتضى ذلك من غفلة عن الصلاة الوسطى ، أو استشعار مشقة في المحافظة عليها ، ~~فموقع هذه الآية موقع الجملة المعترضة بين أحكام الطلاق والعدد . # وإذا أبيت ألا تطلب الارتباط فالظاهر أنه لما طال تبيان أحكام كثيرة ~~متوالية : ابتداء من قوله : { يسألونك ماذا ينفقون } ( البقرة : 215 ) ، ~~جاءت هذه الآية مرتبطة بالتذييل الذي ذيلت به الآية السابقة وهو قوله : { ~~وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم } ( البقرة : 237 ) فإن الله ~~دعانا إلى خلق حميد ، وهو العفو عن الحقوق ، ولما كان ذلك الخلق قد يعسر ~~على النفس ، لما فيه من ترك ما تحبه من الملائم ، من مال وغيره كالانتقام ~~من الظالم ، وكان في طباع الأنفس الشح ، علمنا الله تعالى دواء PageV02P465 ~~هذا الداء بدواءين ، أحدهما دنيوي عقلي ، وهو قوله : { ولا تنسوا الفضل ~~بينكم } ، المذكر بأن العفو يقرب إليك البعيد ، ويصير العدو صديقا وأنك إن ~~عفوت فيوشك أن تقترف ذنبا فيعفى عنك ، إذا تعارف الناس الفضل بينهم ، بخلاف ~~ما إذا أصبحوا لا يتنازلون عن الحق . # الدواء الثاني أخروي روحاني : وهو الصلاة التي وصفها الله تعالى في آية ~~أخرى بأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر ، فلما كانت معينة على التقوى ومكارم ms1287 ~~الأخلاق ، حث الله على المحافظة عليها . # ولك أن تقول : لما طال تعاقب الآيات المبينة تشريعات تغلب فيها الحظوظ ~~الدنيوية للمكلفين ، عقبت تلك التشريعات بتشريع تغلب فيه الحظوظ الأخروية ، ~~لكي لا يشتغل الناس بدراسة أحد الصنفين من التشريع عن دراسة الصنف الآخر ، ~~قال البيضاوي : ( أمر بالمحافظة عليها في تضاعيف أحكام الأولاد والأزواج ، ~~لئلا يلهيهم الاشتغال بشأنهم عنها ) . # وقال بعضهم : ( لما ذكر حقوق الناس دلهم على المحافظة على حقوق الله ) ~~وهو في الجملة مع الإشارة إلى أن في العناية بالصلوات أداء حق الشكر لله ~~تعالى على ما وجه إلينا من عنايته بأمورنا التي بها قوام نظامنا وقد أومأ ~~إلى ذلك قوله في آخر الآية { كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون } ( البقرة : ~~239 ) أي من قوانين المعاملات النظامية . # وعلى هذين الوجهين الآخرين تكون جملة { حافظوا على الصلوات } معترضة ~~وموقعها ومعناها مثل موقع قوله : { واستعينوا بالصبر والصلاة } ( البقرة : ~~45 ) بين جملة { يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا ~~بعهدي } ( البقرة : 40 ) . وبين جملة { يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي ~~أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين } ( البقرة : 122 ) وكموقع جملة { ~~يأيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين } ( البقرة ~~: 153 ) بين جملة { فلا تخشوهم واخشوني } ( البقرة : 150 ) الآية وبين جملة ~~: { ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات } ( البقرة : 154 ) الآية . # و { حافظوا } صيغة مفاعلة استعملت هنا للمبالغة على غير حقيقتها ، ~~والمحافظة عليها هي المحافظة على أوقاتها من أن تؤخر عنها والمحافظة تؤذن ~~بأن المتعلق بها حق عظيم يخشى التفريط فيه . PageV02P466 والمراد : الصلوات ~~المفروضة . ( وأل ) في الصلوات للعهد ، وهي الصلوات الخمس المتكررة ؛ لأنها ~~التي تطلب المحافظة عليها . # { والصلاة الوسطى } لا شك أنها صلاة من جملة الصلوات المفروضة لأن الأمر ~~بالمحافظة عليها يدل على أنها من الفرائض ، وقد ذكرها الله تعالى في هذه ~~الآية معرفة بلام التعريف وموصوفة بأنها وسطى ، فسمعها المسلمون وقرأوها ، ~~فإما عرفوا المقصود منها في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ثم طرأ عليهم ~~الاحتمال بعده فاختلفوا ، وإما شغلتهم ms1288 العناية بالسؤال عن مهمات الدين في ~~حياة الرسول عن السؤال عن تعيينها لأنهم كانوا عازمين على المحافظة على ~~الجميع ، فلما تذاكروها بعد وفاته صلى الله عليه وسلم اختلفوا في ذلك فنبع ~~من ذلك خلاف شديد أنهيت الأقوال فيه إلى نيف وعشرين قولا ، بالتفريق والجمع ~~، وقد سلكوا للكشف عنها مسالك ؛ مرجعها إلى أخذ ذلك من الوصف بالوسطى ، أو ~~من الوصاية بالمحافظة عليها . # فأما الذين تعلقوا بالاستدلال بوصف الوسطى : فمنهم من حاول جعل الوصف من ~~الوسط بمعنى الخيار والفضل ، فرجع إلى تتبع ما ورد في تفضيل بعض الصلوات ~~على بعض ، مثل قوله تعالى : { إن قرآن الفجر كان مشهودا } ( الإسراء : 78 ) ~~وحديث عائشة : ( أفضل الصلوات عند الله صلاة المغرب ) . # ومنهم من حاول جعل الوصف من الوسط : وهو الواقع بين جانبين متساويين من ~~العدد فذهب يتطلب الصلاة التي هي بين صلاتين من كل جانب ، ولما كانت كل ~~واحدة من الصلوات الخمس صالحة لأن تعتبر واقعة بين صلاتين ، لأن ابتداء ~~الأوقات اعتباري ، ذهبوا يعينون المبدأ فمنهم من جعل المبدأ ابتداء النهار ~~، فجعل مبدأ الصلوات الخمس صلاة الصبح فقضى بأن الوسطى العصر ، ومنهم من ~~جعل المبدأ الظهر ، لأنها أول صلاة فرضت ؛ كما في حديث جبريل في ( الموطأ ) ~~، فجعل الوسطى : المغرب . # وأما الذين تعلقوا بدليل الوصاية على المحافظة ، فذهبوا يتطلبون أشق صلاة ~~على الناس تكثر المثبطات عنها ، فقال قوم : هي الظهر لأنها أشق صلاة عليهم ~~بالمدينة ، كانوا أهل شغل ، وكانت تأتيهم الظهر وهم قد أتعبتهم أعمالهم ، ~~وربما كانوا في إكمال أعمالهم ، وقال قوم : هي العشاء ؛ لما ورد أنها أثقل ~~صلاة على المنافقين ، وقال بعضهم : هي العصر لأنها وقت شغل وعمل ؛ وقال قوم ~~: هي الصبح لأنها وقت نوم في الصيف ، ووقت تطلب الدفء في الشتاء . ~~PageV02P467 # وأصح ما في هذا الخلاف : ما جاء من جهة الأثر وذلك قولان : # أحدهما أنها الصبح ، هذا قول جمهور فقهاء المدينة وهو قول عمر وابنه عبد ~~الله وعلي وابن عباس وعائشة وحفصة وجابر بن عبد الله ، وبه قال مالك ، وهو ~~عن الشافعي أيضا ، لأن ms1289 الشائع عندهم أنها الصبح ، وهم أعلم الناس بما يروى ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو قرينة حال . # القول الثاني : أنها العصر ، وهذا قول جمهور من أهل الحديث ، وهو قول عبد ~~الله بن مسعود ، وروي عن علي أيضا ، وهو الأصح عن ابن عباس أيضا وأبي هريرة ~~وأبي سعيد الخدري ، ونسب إلى عائشة وحفصة والحسن ، وبه قال أبو حنيفة ~~والشافعي في رواية ، ومال إليه ابن حبيب من المالكية ، وحجتهم ما روي أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الخندق حين نسي أن يصلي العصر من شدة ~~الشغل في حفر الخندق ، حتى غربت الشمس فقال : ( شغلونا أي المشركون عن ~~الصلاة الوسطى ، أضرم الله قبورهم نارا ) . # والأصح من هذين القولين أولهما لما في ( الموطأ ) و ( الصحيحين ) أن ~~عائشة وحفصة أمرتا كاتبي مصحفيهما أن يكتبا قوله تعالى : { حافظوا على ~~الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين } وأسندت عائشة ذلك ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم تسنده حفصة ، فإذا بطل أن تكون ~~الوسطى هي العصر ، بحكم عطفها على الوسطى تعين كونها الصبح ، هذا من جهة ~~الأثر . # وأما من جهة مسالك الأدلة المتقدمة ، فأفضلية الصبح ثابتة بالقرآن ، قال ~~تعالى مخصصا لها بالذكر { وقرإن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا } ( ~~الإسراء : 78 ) وفي الصحيح أن ملائكة الليل وملائكة النهار يجتمعون عند ~~صلاة الصبح ، وتوسطها بالمعنى الحقيقي ظاهر ، لأن وقتها بين الليل والنهار ~~، فالظهر والعصر نهاريتان ، والمغرب والعشاء ليليتان ، والصبح وقت متردد ~~بين الوقتين ، حتى إن الشرع عامل نافلته معاملة نوافل النهار فشرع فيها ~~الإسرار ، وفريضته معاملة فرائض الليل فشرع فيها الجهر . # ومن جهة الوصاية بالمحافظة عليها ، هي أجدر الصلوات بذلك لأنها الصلاة ~~التي تكثر المثبطات عنها ، باختلاف الأقاليم والعصور والأمم ، بخلاف غيرها ~~فقد تشق إحدى الصلوات الأخرى على طائفة دون أخرى ، بحسب الأحوال والأقاليم ~~والفصول . PageV02P468 # ومن الناس من ذهب إلى أن الصلاة الوسطى قصد إخفاؤها ليحافظ الناس على ~~جميع الصلوات ، وهذا قول باطل ؛ لأن الله تعالى عرفها باللام ms1290 ووصفها فكيف ~~يكون مجموع هذين المعرفين غير مفهوم وأما قياس ذلك على ساعة الجمعة وليلة ~~القدر ففاسد ، لأن كليهما قد ذكر بطريق الإبهام وصحت الآثار بأنها غير ~~معينة . هذا خلاصة ما يعرض هنا في تفسير الآية . # وقوله تعالى : { وقوموا لله قانتين } أمر بالقيام في الصلاة بخضوع ، ~~فالقيام الوقوف ، وهو ركن في الصلاة فلا يترك إلا لعذر ، وأما القنوت : فهو ~~الخضوع والخشوع قال تعالى : { وكانت من القانتين } ( التحريم : 12 ) وقال : ~~{ إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا } ( النحل : 120 ) وسمي به الدعاء ~~المخصوص الذي يدعى به في صلاة الصبح أو في صلاة المغرب ، على خلاف بينهم ، ~~وهو هنا محمول على الخضوع والخشوع ، وفي الصحيح عن ابن مسعود ( كنا نسلم ~~على رسول الله وهو يصلي فيرد علينا فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه ~~فلم يرد علينا وقال : إن في الصلاة لشغلا ) وعن زيد بن أرقم : كان الرجل ~~يكلم الرجل إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت { وقوموا لله قانتين } فأمرنا ~~بالسكوت . فليس { قانتين } هنا بمعنى قارئين دعاء القنوت ، لأن ذلك الدعاء ~~إنما سمي قنوتا استرواحا من هذه الآية عند الذين فسروا الوسطى بصلاة الصبح ~~كما في حديث أنس ( دعا النبي على رعل وذكوان في صلاة الغداة شهرا وذلك بدء ~~القنوت وما كنا نقنت ) . # # | 2 ( 239 ) { فإن خفتم فرجالا أو ركبانا فإذآ أمنتم فاذكروا الله كما ~~علمكم ما لم تكونوا تعلمون } . ) 2 # تفريع على قوله : { وقوموا لله قانتين } ( البقرة : 238 ) للتنبيه على أن ~~حالة الخوف لا تكون عذرا في ترك المحافظة على الصلوات ، ولكنها عذر في ترك ~~القيام لله قانتين ، فأفاد هذا التفريع غرضين : أحدهما بصريح لفظه ، والآخر ~~بلازم معناه . # والخوف هنا خوف العدو ، وبذلك سميت صلاة الخوف ، والعرب تسمي الحرب ~~بأسماء الخوف فيقولون الروع ويقولون الفزع ، قال عمرو بن كلثوم : # وتحملنا غداة الروع جرد # البيت . PageV02P469 وقال سبرة بن عمر الفقعسي : # ونسوتكم في الروع باد وجوهها # يخلن إماء والإماء حرائر # وفي الحديث : ( إنكم لتكثرون عند الفزع وتقلون عند الطمع ) ولا يعرف ~~إطلاق الخوف ms1291 على الحرب قبل القرآن قال تعالى : { ولنبلونكم بشيء من الخوف ~~والجوع } ( البقرة : 155 ) . والمعنى : فإن حاربتم أو كنتم في حرب ، ومنه ~~سمى الفقهاء صلاة الخوف الصلاة التي يؤديها المسلمون وهم يصافون العدو في ~~ساحة الحرب وإيثار كلمة الخوف في هذه الآية لتشمل خوف العدو وخوف السباع ~~وقطاع الطريق ، وغيرها . # و { رجالا } جمع راجل كالصحاب و { ركبانا } جمع راكب وهما حالان من محذوف ~~أي فصلوا رجالا أو ركبانا وهذا في معنى الاستثناء من قوله : { وقوموا لله ~~قانتين } ( البقرة : 238 ) لأن هاته الحالة تخالف القنوت في حالة الترجل ، ~~وتخالفهما معا في حالة الركوب . والآية إشارة إلى أن صلاة الخوف لا يشترط ~~فيها الخشوع ، لأنها تكون مع الاشتغال بالقتال ولا يشترط فيها القيام . # وهذا الخوف يسقط ما ذكر من شروط الصلاة ، وهو هنا صلاة الناس فرادى ، ~~وذلك عند مالك إذا اشتد الخوف وأظلهم العدو ولم يكن حصن بحيث تتعذر الصلاة ~~جماعة مع الإمام ، وليست هذه الآية لبيان صلاة الجيش في الحرب جماعة ~~المذكورة في سورة النساء ، والظاهر أن الله شرع للناس في أول الأمر صلاة ~~الخوف فرادى على الحال التي يتمكنون معها من مواجهة العدو ، ثم شرع لهم ~~صلاة الخوف جماعة في سورة النساء ، وأيضا شملت هذه الآية كل خوف من سباع أو ~~قطاع طريق أو من سيل الماء ، قال مالك : وتستحب إعادة الصلاة ، وقال أبو ~~حنيفة : يصلون كما وصف الله ويعيدون ، لأن القتال في الصلاة مفسد عنده . # وقوله : { فإذا أمنتم فاذكروا الله } أراد الصلاة أي ارجعوا إلى الذكر ~~المعروف . وجاء في الأمن بإذا وفي الخوف بإن بشارة للمسلمين بأنهم سيكون ~~لهم النصر والأمن . # وقوله : { كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون } الكاف للتشبيه أي اذكروه ذكرا ~~يشابه ما من به عليكم من علم الشريعة في تفاصيل هذه الآيات المتقدمة ، ~~والمقصود من المشابهة PageV02P470 المشابهة في التقدير الاعتباري ، أي أن ~~يكون الذكر بنية الشكر على تلك النعمة والجزاء ، فإن الشيء المجازى به شيء ~~آخر يعتبر كالمشابه له ، ولذلك يطلق عليه اسم المقدار ، وقد يسمون هذه ms1292 ~~الكاف كاف التعليل ، والتعليل مستفاد من التشبيه ، لأن العلة على قدر ~~المعلول . # $ 2 ( 240 ) { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لازواجهم متاعا إلى ~~الحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم فى ما فعلن في & # 1764 أنفسهن من معروف والله عزيز حكيم } . ) 2 $ # موقع هذه الآية هنا بعد قوله : { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا ~~يتربصن } ( البقرة : 243 ) إلى آخرها في غاية الإشكال فإن حكمها يخالف في ~~الظاهر حكم نظيرتها التي تقدمت ، وعلى قول الجمهور هاته الآية سابقة في ~~النزول على آية { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن } يزداد موقعها ~~غرابة إذ هي سابقة في النزول متأخرة في الوضع . # والجمهور على أن هذه الآية شرعت حكم تربص المتوفى عنها حولا في بيت زوجها ~~وذلك في أول الإسلام ، ثم نسخ ذلك بعدة الوفاة وبالميراث ، روي هذا عن ابن ~~عباس ، وقتادة والربيع وجابر بن زيد . وفي البخاري في كتاب التفسير عن عبد ~~الله بن الزبير قال : ( قلت لعثمان هذه الآية ، { والذين يتوفون منكم ~~ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم } قد نسختها الآية الآخرى فلم تكتبها ، قال : ~~لا أغير شيئا منه عن مكانه بابن أخي ) فاقتضى أن هذا هو موضع هذه الآية ، ~~وأن الآية التي قبلها ناسخة لها ، وعليه فيكون وضعها هنا بتوقيف من النبي ~~صلى الله عليه وسلم لقول عثمان ( لا أغير شيئا منه عن مكانه ) ويحتمل أن ~~ابن الزبير أراد بالآية الأخرى آية سورة النساء في الميراث . # وفي البخاري قال مجاهد ( شرع الله العدة أربعة أشهر وعشرا تعتد عند أهل ~~زوجها واجبا ، ثم نزلت { وصية لأزواجهم } فجعل الله لها تمام السنة وصية ، ~~إن شاءت سكنت في وصيتها وإن شاءت خرجت ، ولم يكن لها يومئذ ميراث معين ، ~~فكان ذلك حقها في تركة زوجها ، ثم نسخ ذلك بالميراث ) فلا تعرض في هذه ~~الآية للعدة ولكنها في بيان حكم آخر وهو إيجاب الوصية لها بالسكنى حولا : ~~إن شاءت أن تحتبس عن التزوج حولا مراعاة لما PageV02P471 كانوا عليه ، ~~ويكون الحول تكميلا لمدة السكنى لا للعدة ، وهذا الذي قاله ms1293 مجاهد أصرح ما ~~في هذا الباب ، وهو المقبول . # واعلموا أن العرب في الجاهلية كان من عادتهم المتبعة أن المرأة إذا توفي ~~عنها زوجها تمكث في شر بيت لها حولا ، محدة لابسة شر ثيابها متجنبة الزينة ~~والطيب ، كما تقدم في حاشية تفسير قوله تعالى : { فلا جناح عليكم فيما فعلن ~~في أنفسهن بالمعروف } ( البقرة : 234 ) عن ( الموطأ ) ، فلما جاء الإسلام ~~أبطل ذلك الغلو في سوء الحالة ، وشرع عدة الوفاة والإحداد ، فلما ثقل ذلك ~~على الناس ، في مبدأ أمر تغيير العادة ، أمر الأزواج بالوصية لأزواجهم ~~بسكنى الحول بمنزل الزوج والإنفاق عليها من ماله ، إن شاءت السكنى بمنزل ~~الزوج ، فإن خرجت وأبت السكنى هنالك لم ينفق عليها ، فصار الخيار للمرأة في ~~ذلك بعد أن كان حقا عليها لا تستطيع تركه ، ثم نسخ الإنفاق والوصية ~~بالميراث ، فالله لما أراد نسخ عدة الجاهلية ، وراعى لطفه بالناس في قطعهم ~~عن معتادهم ، أقر الاعتداد بالحول ، وأقر ما معه من المكث في البيت مدة ~~العدة ، لكنه أوقفه على وصية الزوج عند وفاته لزوجه بالسكنى ، وعلى قبول ~~الزوجة ذلك ، فإن لم يوص لها أو لم تقبل ، فليس عليها السكنى ، ولها الخروج ~~، وتعتد حيث شاءت ، ونسخ { وصية } السكنى حولا بالمواريث ، وبقي لها السكنى ~~في محل زوجها مدة العدة مشروعا بحديث الفريعة . # وقوله : { وصية لأزواجهم } قرأه نافع وابن كثير والكسائي وأبو بكر عن ~~عاصم ، وأبو جعفر ويعقوب وخلف : برفع ( وصية ) على الابتداء ، محولا عن ~~المفعول المطلق ، وأصله وصية بالنصب بدلا من فعله ، فحول إلى الرفع لقصد ~~الدوام كقولهم : حمد وشكر ، و { صبر جميل } ( يوسف : 18 ) كما تقدم في ~~تفسير { الحمد لله } ( الفاتحة : 18 ) وقوله : { فإمساك بمعروف أو تسريح ~~بإحسان } ( البقرة : 229 ) ولما كان المصدر في المفعول المطلق ، في مثل هذا ~~، دالا على النوعية ، جاز عند وقوعه مبتدأ أن يبقى منكرا ، إذ ليس المقصود ~~فردا غير معين حتى ينافي الابتداء ، بل المقصود النوع ، وعليه فقوله : { ~~لأزواجهم } خبر ، وقرأه أبو عمرو ، وابن عامر ، وحمزة ، وحفص عن عاصم : { ~~وصية } بالنصب فيكون قوله : { لأزواجهم } متعلقا به ms1294 على أصل المفعول المطلق ~~الآتي بدلا من فعله لإفادة الأمر . # وظاهر الآية أن الوصية وصية المتوفين ، فتكون من الوصية التي أمر بها من ~~تحضره الوفاة مثل الوصية التي في قوله تعالى : { كتب عليكم إذا حضر أحدكم ~~الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين } ( البقرة : 180 ) فعلى هذا ~~الاعتبار إذا لم يوص المتوفى لزوجه بالسكنى PageV02P472 فلا سكنى لها وقد ~~تقدم أن الزوجة مع الوصية مخيرة بين أن تقبل الوصية ، وبين أن تخرج . وقال ~~ابن عطية : قالت فرقة منهم ابن عباس والضحاك وعطاء والربيع : أن قوله { ~~وصية لأزواجهم } هي وصية من الله تعالى للأزواج بلزوم البيوت حولا ، وعلى ~~هذا القول فهو كقوله تعالى : { يوصيكم الله في أولادكم } ( النساء : 11 ) ~~وقوله : { وصية من الله } ( النساء : 12 ) فذلك لا يتوقف على إيصاء ~~المتوفين ولا على قبول الزوجات ، بل هو حكم من الله يجب تنفيذه ، وعليه ~~يتعين أن يكون { لأزواجهم } متعلقا بوصية ، وتعلقه به هو الذي سوغ الابتداء ~~به ، والخبر محذوف دل عليه المقام لعدم تأتي ما قرر في الوجه الأول . # وقوله : { متاعا إلى الحول } : تقدم معنى المتاع في قوله : { متاعا ~~بالمعروف حقا على المحسنين } ( البقرة : 236 ) والمتاع هنا هو السكنى ، وهو ~~منصوب على حذف فعله أي ليمتعوهن متاعا ، وانتصب متاعا على نزع الخافض ، فهو ~~متعلق بوصية والتقدير وصية لأزواجهم بمتاع . و ( إلى ) مؤذنة بشيء جعلت ~~غايته الحول ، وتقديره متاعا بسكنى إلى الحول ، كما دل عليه قوله : { غير ~~إخراج } . # والتعريف في الحول تعريف العهد ، وهو الحول المعروف عند العرب من عهد ~~الجاهلية الذي تعتد به المرأة المتوفى عنها ، فهو كتعريفه في قول لبيد : # إلى الحول ثم اسم السلام عليكما # ومن يبكك حولا كاملا فقد اعتذر # وقوله : { غير إخراج } حال من { متاعا } مؤكدة ، أو بدل من { متاعا } ~~بدلا مطابقا ، والعرب تؤكد الشيء بنفي ضده ، ومنه قول أبي العباس الأعمى ~~يمدح بني أمية : # خباء على المنابر فرسا # ن عليها وقالة غير خرس # وقوله : { فإن خرجن فلا جناح عليكم } هو على قول فرقة معناه : فإن أبين ~~قبول الوصية ms1295 فخرجن ، فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن من الخروج وغيره ~~من المعروف عدا الخطبة والتزوج ، والتزين في العدة ، فذلك ليس من المعروف . ~~PageV02P473 وعلى قول الفرقة الأخرى التي جعلت الوصية من الله ، يجب أن ~~يكون قوله : { فإن خرجن } عطفا على مقدر للإيجاز ، مثل : { أن اضرب بعصاك ~~البحر فانفلق } ( الشعراء : 63 ) أي فإن تم الحول فخرجن فلا جناح عليكم ~~فيما فعلن في أنفسهن أي من تزوج وغيره من المعروف عدا المنكر كالزنا وغيره ~~، والحاصل أن المعروف يفسر بغير ما حرم عليها في الحالة التي وقع فيها ~~الخروج وكل ذلك فعل في نفسها . # قال ابن عرفة في ( تفسيره ) ( وتنكير معروف هنا وتعريفه في الآية ~~المتقدمة ، لأن هذه الآية نزلت قبل الأخرى ، فصار هنالك معهودا ) . وأحسب ~~هذا غير مستقيم ، وأن التعريف تعريف الجنس ، وهو والنكرة سواء ، وقد تقدم ~~الكلام عن القراءة المنسوبة إلى علي بفتح ياء { يتوفون } وما فيها من نكتة ~~عربية عند قوله تعالى : { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن ~~} ( البقرة : 234 ) الآية . # # | 2 ( 241 ) { وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين } . ) 2 # عطف على جملة : { والذين يتوفون منكم } ( البقرة : 240 ) جعل استيفاء ~~لأحكام المتعة للمطلقات ، بعد أن تقدم حكم متعة المطلقات قبل المسيس وقبل ~~الفرض ، فعمم بهذه الآية طلب المتعة للمطلقات كلهن ، فاللام في قوله : { ~~وللمطلقات متاع } لام الاستحقاق . # والتعريف في المطلقات يفيد الاستغراق ، فكانت هذه الآية قد زادت أحكاما ~~على الآية التي سبقتها . وعن جابر بن زيد قال : لما نزل قوله تعالى : { ~~ومتعوهن على الموسع قدره إلى قوله : حقا على المحسنين } ( البقرة : 236 ) ~~قال رجل : إن أحسنت فعلت وإن لم أرد ذلك لم أفعل ، فنزل قوله تعالى : { ~~وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين } فجعلها بيانا للآية السابقة ، ~~إذ عوض وصف المحسنين بوصف المتقين . # والوجه أن اختلاف الوصفين في الآيتين لا يقتضي اختلاف جنس الحكم باختلاف ~~أحوال المطلقات ، وأن جميع المتعة من شأن المحسنين والمتقين ، وأن دلالة ~~صيغة الطلب في الآيتين سواء إن كان استحبابا أو كان إيجابا . فالذين حملوا ~~الطلب ms1296 في الآية السابقة على الاستحباب ، حملوه في هذه الآية على الاستحباب ~~بالأولى ، ومعولهم في محمل الطلب في كلتا الآيتين ليس إلا على استنباط علة ~~مشروعية المتعة وهي جبر خاطر المطلقة استبقاء للمودة ، ولذلك لم يستثن مالك ~~من مشمولات هذه الآية إلا PageV02P474 المختلعة ؛ لأنها هي التي دعت إلى ~~الفرقة دون المطلق . # والذين حملوا الطلب في الآية المتقدمة على الوجوب ، اختلفوا في محمل ~~الطلب في هذه الآية فمنهم من طرد قوله بوجوب المتعة لجميع المطلقات ، ومن ~~هؤلاء عطاء وجابر بن زيد وسعيد ابن جبير وابن شهاب والقاسم بن محمد وأبو ~~ثور ، ومنهم من حمل الطلب في هذه الآية على الاستحباب وهو قول الشافعي ، ~~ومرجعه إلى تأويل ظاهر قوله : { وللمطلقات } بما دل عليه مفهوم قوله في ~~الآية الأخرى { ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة } ( البقرة : 236 ) . # # | 2 ( 242 ) { كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون } . ) 2 # أي كهذا البيان الواضح يبين الله آياته ، فالآيات هنا دلائل الشريعة . ~~وقد تقدم القول في نظيره في قوله تعالى : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } ( ~~البقرة : 143 ) . # $ 2 ( 243 ، 244 ) { ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر ~~الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس ولاكن أكثر ~~الناس لا يشكرون * وقاتلوا في سبيل الله واعلمو & # 1764 ا أن الله سميع عليم } . ) 2 $ # استئناف ابتدائي للتحريض على الجهاد والتذكير بأن الحذر لا يؤخر الأجل ، ~~وأن الجبان قد يلقى حتفه في مظنة النجاة . وقد تقدم أن هذه السورة نزلت في ~~مدة صلح الحديبية وأنها تمهيد لفتح مكة ، فالقتال من أهم أغراضها ، ~~والمقصود من هذا الكلام هو قوله : { وقاتلوا في سبيل الله } الآية . ~~فالكلام رجوع إلى قوله : { كتب عليكم القتال وهو كره لكم } ( البقرة : 216 ~~) وفصلت بين الكلامين الآيات النازلة خلالهما المفتتحة ب { يسألونك } ( ~~البقرة : 217 ، 219 ، 220 ، 222 ) . # وموقع { ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم } قبل قوله : { وقاتلوا في ~~سبيل الله } موقع ذكر الدليل قبل المقصود ، وهذا طريق من طرق الخطابة ms1297 أن ~~يقدم الدليل قبل المستدل عليه لمقاصد كقول علي رضي الله عنه في بعض خطبه ~~لما بلغه استيلاء جند الشام على أكثر البلاد ، إذ افتتح الخطبة فقال : ( ما ~~هي إلا الكوفة أقبضها وأبسطها أنبئت بسرا هو ابن أبي أرطأة من قادة جنود ~~الشام قد اطلع اليمن ، وإني والله لأظن أن هؤلاء القوم سيدالون منكم ~~PageV02P475 باجتماعهم على باطلهم ، وتفرقكم عن حقكم ) فقوله : ( ما هي إلا ~~الكوفة ) موقعه موقع الدليل على قوله : ( لأظن هؤلاء القوم إلخ ) وقال عيسى ~~بن طلحة لما دخل على عروة بن الزبير حين قطعت رجل ( ما كنا نعدك للصراع ، ~~والحمد لله الذي أبقى لنا أكثرك : أبقى لنا سمعك ، وبصرك ، ولسانك ، وعقلك ~~، وإحدى رجليك ) فقدم قوله : ما كنا نعدك للصراع ، والمقصود من مثل ذلك ~~الاهتمام والعناية بالحجة قبل ذكر الدعوى تشويقا للدعوى ، أو حملا على ~~التعجيل بالامتثال . # واعلم أن تركيب ( ألم تر إلى كذا ) إذا جاء فعل الرؤية فيه متعديا إلى ما ~~ليس من شأن السامع أن يكون رآه ، كان كلاما مقصودا منه التحريض على علم ما ~~عدي إليه فعل الرؤية ، وهذا مما اتفق عليه المفسرون ولذلك تكون همزة ~~الاستفهام مستعملة في غير معنى الاستفهام بل في معنى مجازي أو كنائي ، من ~~معاني الاستفهام غير الحقيقي ، وكان الخطاب به غالبا موجها إلى غير معين ، ~~وربما كان المخاطب مفروضا متخيلا . # ولنا في بيان وجه إفادة هذا التحريض من ذلك التركيب وجوه ثلاثة : # الوجه الأول : أن يكون الاستفهام مستعملا في التعجب أو التعجيب ، من عدم ~~علم المخاطب بمفعول فعل الرؤية ، ويكون فعل الرؤية علميا من أخوات ظن ، على ~~مذهب الفراء وهو صواب ؛ لأن إلى ولام الجر يتعاقبان في الكلام كثيرا ، ومنه ~~قوله تعالى : { والأمر إليك } ( النمل : 33 ) أي لك وقالوا : { أحمد الله ~~إليك } كما يقال : { أحمد لك الله } والمجرور بإلى في محل المفعول الأول ، ~~لأن حرف الجر الزائد لا يطلب متعلقا ، وجملة { وهم ألوف } في موضع الحال ، ~~سادة مسد المفعول الثاني ، لأن أصل المفعول الثاني لأفعال القلوب أنه حال ، ~~على تقدير ms1298 : ما كان من حقهم الخروج ، وتفرع على قوله : { وهم ألوف } قوله : ~~{ فقال لهم الله موتوا } فهو من تمام معنى المفعول الثاني أو تجعل ( إلى ) ~~تجريدا لاستعارة فعل الرؤية لمعنى العلم ، أو قرينة عليها ، أو لتضمين فعل ~~الرؤية معنى النظر ، ليحصل الادعاء أن هذا الأمر المدرك بالعقل كأنه مدرك ~~بالنظر ، لكونه بين PageV02P476 الصدق لمن علمه ، فيكون قولهم : { ألم تر ~~إلى كذا } في قوله : جملتين : ألم تعلم كذا وتنظر إليه . # الوجه الثاني : أن يكون الاستفهام تقريريا فإنه كثر مجيء الاستفهام ~~التقريري في الأفعال المنفية ، مثل : { ألم نشرح لك صدرك } ( الشرح : 1 ) { ~~ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير } ( البقرة : 106 ) . والقول في فعل ~~الرؤية وفي تعدية حرف ( إلى ) نظير القول فيه في الوجه الأول . # الوجه الثالث : أن تجعل الاستفهام إنكاريا ، إنكارا لعدم علم المخاطب ~~بمفعول فعل الرؤية والرؤية علمية ، والقول في حرف ( إلى ) نظير القول فيه ~~على الوجه الأول ، أو أن تكون الرؤية بصرية ضمن الفعل معنى تنظر على أن ~~أصله أن يخاطب به من غفل عن النظر إلى شيء مبصر ويكون الاستفهام إنكاريا : ~~حقيقة أو تنزيلا ، ثم نقل المركب إلى استعماله في غير الأمور المبصرة فصار ~~كالمثل ، وقريب منه قول الأعشى : # ترى الجود يجري ظاهرا فوق وجهه # واستفادة التحريض ، على الوجوه الثلاثة إنما هي من طريق الكناية بلازم ~~معنى الاستفهام لأن شأن الأمر المتعجب منه أو المقرر به أو المنكور علمه ، ~~أن يكون شأنه أن تتوافر الدواعي على علمه ، وذلك مما يحرض على علمه . # واعلم أن هذا التركيب جرى مجرى المثل في ملازمته لهذا الأسلوب ، سوى أنهم ~~غيروه باختلاف أدوات الخطاب التي يشتمل عليها من تذكير وضده ، وإفراد وضده ~~، نحو ألم تري في خطاب المرأة وألم تريا وألم تروا وألم ترين ، في التثنية ~~والجمع هذا إذا خوطب بهذا المركب في أمر ليس من شأنه أن يكون مبصرا للمخطاب ~~أو مطلقا . # وقد اختلف في المراد من هؤلاء الذين خرجوا من ديارهم ، والأظهر أنهم قوم ~~خرجوا خائفين من أعدائهم فتركوا ديارهم جبنا ms1299 ، وقرينة ذلك عندي قوله تعالى ~~: { وهم ألوف } فإنه جملة حال وهي محل التعجيب ، وإنما تكون كثرة العدد ~~محلا للتعجيب إذا كان المقصود الخوف من العدو ، فإن شأن القوم الكثيرين ألا ~~يتركوا ديارهم خوفا وهلعا PageV02P477 والعرب تقول للجيش إذا بلغ الألوف { ~~لا يغلب من قلة . } فقيل هم من نبي إسرائيل خالفوا على نبي لهم في دعوته ~~إياهم للجهاد ، ففارقوا وطنهم فرارا من الجهاد ، وهذا الأظهر ، فتكون القصة ~~تمثيلا لحال أهل الجبن في القتال ، بحال الذين خرجوا من ديارهم ، بجامع ~~الجبن وكانت الحالة الشبه بها أظهر في صفة الجبن وأفظع ، مثل تمثيل حال ~~المتردد في شيء بحال من يقدم رجلا ويؤخر أخرى ، فلا يقال إن ذلك يرجع إلى ~~تشبيه الشيء بمثله ، وهذا أرجح الوجوه لأن أكثر أمثال القرآن أن تكون ~~بأحوال الأمم الشهيرة وبخاصة بني إسرائيل . # وقيل هم من قوم من بني إسرائيل من أهل داوردان قرب واسط وقع طاعون ببلدهم ~~فخرجوا إلى واد أفيح فرماهم الله بداء موت ثمانية أيام ، حتى انتفخوا ونتنت ~~أجسامهم ثم أحياها . وقيل هم من أهل أذرعات ، بجهات الشام . واتفقت ~~الروايات كلها على أن الله أحياهم بدعوة النبي حزقيال بن بوزى فتكون القصة ~~استعارة شبه الذين يجبنون عن القتال بالذين يجبنون من الطاعون ، بجامع خوف ~~الموت ، والمشبهون يحتمل أنهم قوم من المسلمين خامرهم الجبن لما دعوا إلى ~~الجهاد في بعض الغزوات ، ويحتمل أنهم فريق مفروض وقوعه قبل أن يقع ، لقطع ~~الخواطر التي قد تخطر في قلوبهم . # وفي ( تفسير ابن كثير ) عن ابن جريج عن عطاء أن هذا مثل لا قصة واقعة ، ~~وهذا بعيد يبعده التعبير عنهم بالموصول وقوله : { فقال لهم الله } . وانتصب ~~{ حذر الموت } على المفعول لأجله ، وعامله { خرجوا } . # والأظهر أنهم قوم فروا من عدوهم ، مع كثرتهم ، وأخلوا له الديار ، فوقعت ~~لهم في طريقهم مصائب أشرفوا بها على الهلاك ، ثم نجوا ، أو أوبئة وأمراض ، ~~كانت أعراضها تشبه أعراض الموت ، مثل داء السكت ثم برئوا منها فهم في حالهم ~~تلك مثل قول الراجز : PageV02P478 # وخارجج أخرجه حب الطمع # فر ms1300 من الموت وفي الموت وقع # ويؤيد أنها إشارة إلى حادثة وليست مثلا قوله : { إن الله لذو فضل على ~~الناس } الآية ويؤيد أن المتحدث عنهم ليسوا من بني إسرائيل قوله تعالى بعد ~~هذه { ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى } ( القرة : 246 ) ~~والآية تشير إلى معنى قوله تعالى : { أينما تكونوا يدرككم الموت } ( النساء ~~: 78 ) وقوله { قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى ~~مضاجعهم } ( آل عمران : 154 ) . # فأما الذين قالوا إنهم قوم من بني إسرائيل أحياهم الله بدعوة حزقيال ، ~~والذين قالوا إنما هذا مثل لا قصة واقعة ، فالظاهر أنهم أرادوا الرؤيا التي ~~ذكرت في كتاب حزقيال في الإصحاح 37 منه إذ قال : ( أخرجني روح الرب وأنزلني ~~في وسط بقعة ملآنة عظاما ومر بي من حولها وإذا هي كثيرة ويابسة فقال لي ~~يابن آدم أتحيا هذه العظام ؟ فقلت يا سيدي أنت تعلم ، فقال لي تنبأ على هذه ~~العظام وقل لها أيتها العظام اليابسة اسمعي كلمة الرب ، فتقاربت العظام ، ~~وإذا بالعصب واللحم كساها وبسط الجلد عليها من فوق وليس فيها روح فقال لي ~~تنبأ للروح وقل قال الرب هلم يا روح من الرياح الأربعع وهب على هؤلاء ~~القتلى فتنبأت كما أمرني فدخل فيهم الروح فحيوا وقاموا على أقدامهم جيش ~~عظيم جدا جدا ) وهذا مثل ضربه النبي لاستماتة قومه ، واستسلامهم لأعدائهم ، ~~لأنه قال بعده ( هذه العظام وهي كل بيوت إسرائيل هم يقولون يبست عظامنا ~~وهلك رجاؤنا قد انقطعنا فتنبأ وقل لهم قال السيد الرب هأنذا أفتح قبوركم ~~وأصعدكم منها يا شعبي وآتي بكم إلى أرض إسرائيل وأجعل روحي فيكم فتحيون ) ~~فلعل هذا المثل مع الموضع الذي كانت فيه مرائي هذا النبي ، وهو الخابور ، ~~وهو قرب واسط ، هو الذي حدا بعض أهل القصص إلى دعوى أن هؤلاء القوم من أهل ~~داوردان : إذ لعل داوردان كانت بجهات الخابور الذي رأى عنده النبي حزقيال ~~ما رأى . # وقوله تعالى : { فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم } القول فيه إما مجاز في ~~التكوين والموت ms1301 حقيقة أي جعل فيهم حالة الموت ، وهي وقوف القلب وذهاب ~~الإدراك والإحساس ، استعيرت حالة تلقي المكون لأثر الإرادة بتلقي المأمور ~~للأمر ، فأطلق على الحالة المشبهة المركب الدال على الحالة المشبه بها على ~~طريقة التمثيل ، ثم أحياهم بزوال ذلك العارض فعلموا أنهم أصيبوا بما لو دام ~~لكان موتا مستمرا ، وقد يكون هذا من الأدواء النادرة المشبهة داء ~~PageV02P479 السكت وإما أن يكون القول مجازا عن الإنذار بالموت ، والموت ~~حقيقة ، أي أراهم الله مهالك شموا منها رائحة الموت ، ثم فرج الله عنهم ~~فأحياهم . وإما أن يكون كلاما حقيقيا بوحي الله ، لبعض الأنبياء ، والموت ~~موت مجازي ، وهو أمر للتحقير شتما لهم ، ورماهم بالذل والصغار ، ثم أحياهم ~~، وثبت فيهم روح الشجاعة . # والمقصود من هذا موعظة المسلمين بترك الجبن ، وأن الخوف من الموت لا يدفع ~~الموت ، فهؤلاء الذين ضرب بهم هذا المثل خرجوا من ديارهم خائفين من الموت ، ~~فلم يغن خوفهم عنهم شيئا ، وأراهم الله الموت ثم أحياهم ، ليصير خلق ~~الشجاعة لهم حاصلا بإدراك الحس . ومحل العبرة من القصة هو أنهم ذاقوا الموت ~~الذي فروا منه ، ليعلموا أن الفرار لا يغني عنهم شيئا ، وأنهم ذاقوا الحياة ~~بعد الموت ، ليعلموا أن الموت والحياة بيد الله ، كما قال تعالى : { قل لن ~~ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل } ( الأحزاب : 16 ) . # وجملة : { وقاتلوا في سبيل الله } الآية هي المقصود الأول ، فإن ما قبلها ~~تمهيد لها كما علمت ، وقد جعلت في النظم معطوفة على جملة { ألم تر إلى ~~الذين خرجوا من ديارهم } عطفا على الاستئناف ، فيكون لها حكم جملة مستأنفة ~~استئنافا ابتدائيا ، ولولا طول الفصل بينها وبين جملة { كتب عليكم القتال ~~وهو كره لكم } ( البقرة : 216 ) ، لقلنا : إنها معطوفة عليها على أن اتصال ~~الغرضين يلحقها بها بدون عطف . # وجملة { واعلموا أن الله سميع عليم } حث على القتال وتحذير من تركه ~~بتذكيرهم بإحاطة علم الله تعالى بجميع المعلومات : ظاهرها وباطنها . وقدم ~~وصف سميع ، وهو أخص من عليم ، اهتماما به هنا ؛ لأن معظم أحوال القتال في ~~سبيل الله من الأمور المسموعة ms1302 ، مثل جلبة الجيش وقعقعة السلاح وصهيل الخيل ~~. ثم ذكر وصف عليم لأنه يعم العلم بجميع المعلومات ، وفيها ما هو من حديث ~~النفس مثل خلق الخوف ، وتسويل النفس القعود عن القتال ، وفي هذا تعريض ~~بالوعد والوعيد . PageV02P480 وافتتاح الجملة بقوله : { واعلموا } للتنبيه ~~على ما تحتوي عليه من معنى صريح وتعريض ، وقد تقدم قريبا عند قوله تعالى : ~~{ واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه } ( البقرة : 223 ) . # # | 2 ( 245 ) { من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة ~~والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون } . ) 2 # اعتراض بين جملة : { ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم } ( البقرة : 243 ~~) إلى آخرها ، وجملة { ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل } ( البقرة : 246 ) ~~الآية ، قصد به الاستطراد للحث على الإنفاق لوجه الله في طرق البر ، ~~لمناسبة الحث على القتال ، فإن القتال يستدعي إنفاق المقاتل على نفسه في ~~العدة والمؤونة مع الحث على إنفاق الواجد فضلا في سبيل الله بإعطاء العدة ~~لمن لا عدة له ، والإنفاق على المعسرين من الجيش ، وفيها تبيين لمضمون جملة ~~: { واعلموا أن الله سميع عليم } ( البقرة : 244 ) فكانت ذات ثلاثة أغراض . # و { القرض } إسلاف المال ونحوه بنية إرجاع مثله ، ويطلق مجازا على البذل ~~لأجل الجزاء ، فيشمل بهذا المعنى بذل النفس والجسم رجاء الثواب ، ففعل ( ~~يقرض ) مستعمل في حقيقته ومجازه . # والاستفهام في قوله : { من ذا يقرض الله } مستعمل في التحضيض والتهييج ~~على الاتصاف بالخير كأن المستفهم لا يدري من هو أهل هذا الخير والجدير به ، ~~قال طرفة : # إذا القوم قالوا من فتى خلت أنني # عنيت فلم أكسل ولم أتبلد # و ( ذا ) بعد أسماء الاستفهام قد يكون مستعملا في معناه كما تقول وقد ~~رأيت شخصا لا تعرفه : ( من ذا ) فإذا لم يكن في مقام الكلام شيء يصلح لأن ~~يشار إليه بالاستفهام كان استعمال ( ذا ) بعد اسم الاستفهام للإشارة ~~المجازية بأن يتصور المتكلم في ذهنه شخصا موهوما مجهولا صدر منه فعل فهو ~~يسأل عن تعيينه ، وإنما يكون ذلك للاهتمام بالفعل الواقع وتطلب معرفة فاعله ~~ولكون هذا الاستعمال يلازم ذكر ms1303 فعلل بعد اسم الإشارة ، قال النحاة كلهم ~~بصريهم وكوفيهم : بأن ( ذا ) مع الاستفهام تتحول إلى اسم موصول مبهم غير ~~معهود ، فعدوه اسم موصول ، وبوب سيبويه في ( كتابه ) فقال : ( باب إجرائهم ~~ذا وحده بمنزلة الذي PageV02P481 وليس يكون كالذي إلا مع ( ما ) و ( من ) ~~في الاستفهام فيكون ( ذا ) بمنزلة الذي ويكون ما أي أو من حرف الاستفهام ~~وإجراؤهم إياه مع ما أي أو من بمنزلة اسم واحد ) ومثله بقوله تعالى : { ~~ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا } ( النحل : 30 ) وبقية أسماء الإشارة مثل اسم ( ~~ذا ) عند الكوفيين ، وأما البصريون فقصروا هذا الاستعمال على ( ذا ) وليس ~~مرادهم أن ذا مع الاستفهام يصير اسم موصول فإنه يكثر في الكلام أن يقع بعده ~~اسم موصول ، كما في هذه الآية ، ولا معنى لوقوع اسمى موصول صلتهما واحدة ، ~~ولكنهم أرادوا أنه يفيد مفاد اسم الموصول ، فيكون ما بعده من فعل أو وصف في ~~معنى صلة الموصول ، وإنما دونوا ذلك لأنهم تناسوا ما في استعمال ذا في ~~الاستفهام من المجاز ، فكان تدوينها قليل الجدوى . # والوجه أن ( ذا ) في الاستفهام لا يخرج عن كونه للإشارة وإنما هي إشارة ~~مجازية ، والفعل الذي يجيء بعده يكون في موضع الحال ، فوزان قوله تعالى : { ~~ماذا أنزل ربكم } ( النحل : 24 ) وزان قول يزيد بن ربيعة بن مفرغ يخاطب ~~بغلته : # نجوتت وهاذا تحملين طليق # والإقراض : فعل القرض . والقرض : السلف ، وهو بذل شيء ليرد مثله أو ~~مساويه ، واستعمل هنا مجازا في البذل الذي يرجى الجزاء عليه تأكيدا في ~~تحقيق حصول التعويض والجزاء . ووصف القرض بالحسن لأنه لا يرضى الله به إلا ~~إذا كان مبرأ عن شوائب الرياء والأذى ، كما قال النابغة : # ليست بذات عقارب # وقيل : القرض هنا على حقيقته وهو السلف ، ولعله علق باسم الجلالة لأن ~~الذي يقرض الناس طمعا في الثواب كأنه أقرض الله تعالى ؛ لأن القرض من ~~الإحسان الذي أمر الله به وفي معنى هذا ما جاء في الحديث القدسي ( أن الله ~~عز وجل يقول يوم القيامة : يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني قال يا رب ms1304 وكيف ~~أطعمك وأنت رب العالمين قال أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه ) ~~الحديث . وقد رووا أن ثواب الصدقة عشر أمثالها وثواب القرض ثمانية عشر من ~~أمثاله . # وقرأ الجمهور ( فيضاعفه ) بألف بعد الضاد ، وقرأه ابن كثير ، وابن عامر ~~وأبو جعفر ويعقوب بدون ألف بعد الضاد وبتشديد العين . ورفع ( فيضاعفه ) في ~~قراءة الجمهور ، على العطف على { يقرض } ، ليدخل في حيز PageV02P482 ~~التحضيض معاقبا للإقراض في الحصول ، وقرأه ابن عامر وعاصم ويعقوب بنصب ~~الفاء على جواب التحضيض ، والمعنى على كلتا القراءتين واحد . # وقوله : { والله يقبض ويبصط } أصل القبض الشد والتماسك ، وأصل البسط : ضد ~~القبض وهو الإطلاق والإرسال ، وقد تفرعت عن هذا المعنى معان : منها القبض ~~بمعنى الأخذ { فرهان مقبوضة } ( البقرة : 283 ) وبمعنى الشح { ويقبضون ~~أيديهم } ( التوبة : 67 ) ومنها البسط بمعنى البذل { الله يبسط الرزق لمن ~~يشاء } ( الرعد : 26 ) وبمعنى السخاء { بل يداه مبسوطتان } ( المائدة : 64 ~~) ومن أسمائه تعالى القابض الباسط بمعنى المانع المعطي . # وقرأ الجمهور : ( ويبسط ) بالسين ، وقرأه نافع والبزي عن ابن كثير وأبو ~~بكر عن عاصم والكسائي وأبو جعفر وزوج عن يعقوب بالصاد وهو لغة . # يحتمل أن المراد هنا : يقبض العطايا والصدقات ويبسط الجزاء والثواب ، ~~ويحتمل أن المراد يقبض نفوسا عن الخير ويبسط نفوسا للخير ، وفيه تعريض ~~بالوعد بالتوسعة على المنفق في سبيل الله ، والتقتير على البخيل . وفي ~~الحديث ( اللهم أعط منفقا خلفا وممسكا تلفا ) وفي ابن عطية عن الحلواني عن ~~قالون عن نافع ( أنه لا يبالي كيف قرأ يبسط وبسطه بالسين أو بالصاد ) أي ~~لأنهما لغتان مثل الصراط والسراط ، والأصل هو السين ، ولكنها قلبت صادا في ~~بصطه ويبصط لوجود الطاء بعدها ، ومخرجها بعيد عن مخرج السين ؛ لأن الانتقال ~~من السين إلى الطاء ثقيل بخلاف الصاد . # وقوله : { وإليه ترجعون } خبر مستعمل في التنبيه والتذكير بأن ما أعد لهم ~~في الآخرة من الجزاء على الإنفاق في سبيل الله أعظم مما وعدوا به من الخير ~~في الدنيا ، وفيه تعريض بأن الممسك البخيل عن الإنفاق في سبيل الله محروم ~~من خير كثير . # روي أنه ms1305 لما نزلت الآية جاء أبو الدحداح إلى رسول الله عليه الصلاة ~~والسلام فقال : ( أو أن الله يريد منا القرض ؟ قال : نعم يا أبا الدحداح ، ~~قال : أرني يدك ) فناوله يده فقال : ( فإني أقرضت الله حائطا فيه ستمائة ~~نخلة ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( كم من عذق رداح ودار فساح في ~~الجنة لأبي الدحداح ) . # PageV02P483 $ 2 ( 246 ) { ألم تر إلى الملإ من بنى & # 1764 إسرءيل من بعد موسى & # 1764 ا إذ قالوا لنبى لهم ابعث لنا ملكا نقاتل فى سبيل الله قال هل عسيتم ~~إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا قالوا وما لنآ ألا نقاتل فى سبيل الله وقد ~~أخرجنا من ديارنا وأبنآئنا فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم ~~والله عليم بالظالمين } . ) 2 $ # جملة : { ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل } استئناف ثان من جملة { ألم ~~تر إلى الذين خرجوا من ديارهم } ( البقرة : 243 ) سيق مساق الاستدلال لجملة ~~{ وقاتلوا في سبيل الله } ( البقرة : 190 ) وفيها زيادة تأكيد لفظاعة حال ~~التقاعس عن القتال بعد التهيؤ له في سبيل الله ، والتكرير في مثله يفيد ~~مزيد تحذير وتعريض بالتوبيخ ؛ فإن المأمورين بالجهاد في قوله : { وقاتلوا ~~في سبيل الله } لا يخلون من نفر تعتريهم هواجس تثبطهم عن القتال ، حبا ~~للحياة ومن نفر تعترضهم خواطر تهون عليهم الموت عند مشاهدة أكدار الحياة ، ~~ومصائب المذلة ، فضرب الله لهذين الحالين مثلين : أحدهما ما تقدم في قوله : ~~{ ألم تر إلى الذين أخرجوا من ديارهم } والثاني قوله : { ألم تر إلى الملأ ~~من بني إسرائيل } وقد قدم أحدهما وأخر الآخر ليقع التحريض على القتال ~~بينهما . # ومناسبة تقديم الأولى أنها تشنع حال الذين استسلموا واستضعفوا أنفسهم ، ~~فخرجوا من ديارهم مع كثرتهم ، وهذه الحالة أنسب بأن تقدم بين يدي الأمر ~~بالقتال والدفاع عن البيضة ؛ لأن الأمر بذلك بعدها يقع موقع القبول من ~~السامعين لا محالة ، ومناسبة تأخير الثانية أنها تمثيل حال الذين عرفوا ~~فائدة القتال في سبيل الله لقولهم : { وما لنا ألا نقاتل } إلخ . فسألوه ~~دون أن يفرض عليهم فلما عين ms1306 لهم القتال نكصوا على أعقابهم ، وموضع العبرة ~~هو التحذير من الوقوع في مثل حالهم بعد الشروع في القتال أو بعد كتبه عليهم ~~، فلله بلاغة هذا الكلام ، وبراعة هذا الأسلوب تقديما وتأخيرا . وتقدم ~~القول على { ألم تر } ( البقرة : 243 ) في الآية قبل هذه . # والملأ : الجماعة الذين أمرهم واحد ، وهو اسم جمع كالقوم والرهط ، وكأنه ~~مشتق من الملء وهو تعمير الوعاء بالماء ونحوه ، وأنه مؤذن بالتشاور لقولهم ~~: تمالأ القوم إذا اتفقوا على شيء والكل مأخوذ من ملء الماء ؛ فإنهم كانوا ~~يملأون قربهم وأوعيتهم كل مساء عند الورد ، فإذا ملأ PageV02P484 أحد لآخر ~~فقد كفاه شيئا مهما ؛ لأن الماء قوام الحياة ، فضربوا ذلك مثلا للتعاون على ~~الأمر النافع الذي به قوام الحياة والتمثيل بأحوال الماء في مثل هذا منه ~~قول علي ( اللهم عليك بقريش فإنهم قد قطعوا رحمي وأكفأوا إنائي ) تمثيلا ~~لإضاعتهم حقه . # وقوله : { من بعد موسى } إعلام بأن أصحاب هذه القصة كانوا مع نبيء بعد ~~موسى ، فإن زمان موسى لم يكن فيه نصب ملوك على بني إسرائيل وكأنه إشارة إلى ~~أنهم أضاعوا الانتفاع بالزمن الذي كان فيه رسولهم بين ظهرانيهم ، فكانوا ~~يقولون : اذهب أنت وربك فقاتلا ، وكان النصر لهم معه أرجى لهم ببركة رسولهم ~~، والمقصود التعريض بتحذير المسلمين من الاختلاف على رسولهم . # وتنكير نبيء لهم للإشارة إلى أن محل العبرة ليس هو شخص النبي فلا حاجة ~~إلى تعيينه ، وإنما المقصود حال القوم وهذا دأب القرآن في قصصه ، وهذا ~~النبي هو صمويل وهو بالعربية شمويل بالشين المعجمة ولذلك لم يقل : إذ قالوا ~~لنبيهم ، إذ لم يكن هذا النبي معهودا عند السامعين حتى يعرف لهم بالإضافة . # وفي قوله : { لنبيء لهم } تأييد لقول علماء النحو إن أصل الإضافة أن تكون ~~على تقدير لام الجر ، ومعنى { ابعث لنا ملكا } عين لنا ملكا ؛ وذلك أنه لما ~~لم يكن فيهم ملك في حالة الحاجة إلى ملك فكأن الملك غائب عنهم ، وكأن حالهم ~~يستدعي حضوره فإذا عين لهم شخص ملكا فكأنه كان غائبا عنهم فبعث أي أرسل ~~إليهم ، أو هو ms1307 مستعار من بعث البعير أي إنهاضه للمشي . # وقوله : { هل عسيتم إن كتب عليكم القتال } الآية ، استفهام تقريري وتحذير ~~، فقوله : { ألا تقاتلوا } مستفهم عنه بهل وخبر لعسى متوقع ، ودليل على ~~جواب الشرط { إن كتب عليكم القتال } وهذا من أبدع الإيجاز فقد حكى جملا ~~كثيرة وقعت في كلام بينهم ، وذلك أنه قررهم على إضمارهم نية عدم القتال ~~اختبارا وسبرا لمقدار عزمهم عليه ، ولذلك جاء في الاستفهام بالنفي فقال ما ~~يؤدي معنى ( هل لا تقاتلون ) ولم يقل : هل تقاتلون ؛ لأن المستفهم عنه هو ~~الطرف الراجح عند المستفهم ، وإن كان الطرف الآخر مقدرا ، وإذا خرج ~~الاستفهام إلى معانيه المجازية كانت حاجة المتكلم إلى اختيار الطرف الراجح ~~متأكدة . وتوقع منهم عدم القتال وحذرهم من عدم القتال إن فرض عليهم ، فجملة ~~: { ألا تقاتلوا } يتنازع معناها كل من هل وعسى وإن ، وأعطيت لعسى ، فلذلك ~~قرنت بإن ، وهي دليل للبقية فيقدر لكل عامل ما يقتضيه . والمقصود من هذا ~~الكلام التحريض لأن ذا الهمة يأنف PageV02P485 من نسبته إلى التقصير ، فإذا ~~سجل ذلك عليه قبل وجود دواعيه كان على حذر من وقوعه في المستقبل ، كما يقول ~~من يوصي غيره : افعل كذا وكذا وما أظنك تفعل . # وقرأ نافع وحده عسيتم بكسر السين على غير قياس ، وقرأه الجمهور بفتح ~~السين وهما لغتان في عسى إذا اتصل بها ضمير المتكلم أو المخاطب ، وكأنهم ~~قصدوا من كسر السين التخفيف بإماتة سكون الياء . # وقوله : { قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله } جاءت واو العطف في ~~حكاية قولهم ؛ إذ كان في كلامهم ما يفيد إرادة أن يكون جوابهم عن كلامه ~~معطوفا على قولهم : { ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله } ما يؤدى مثله ~~بواو العطف فأرادوا تأكيد رغبتهم ، في تعيين ملك يدبر أمور القتال ، بأنهم ~~ينكرون كل خاطر يخطر في نفوسهم من التثبيط عن القتال ، فجعلوا كلام نبيئهم ~~بمنزلة كلام معترض في أثناء كلامهم الذي كملوه ، فما يحصل به جوابهم عن شك ~~نبيهم في ثباتهم ، فكان نظم كلامهم على طريقة قوله تعالى حكاية عن الرسل ms1308 : ~~{ وعلى الله فليتوكل المؤمنون } ( آل عمران : 122 ) ، { وما لنا ألا نتوكل ~~على الله وقد هدانا سبلنا } ( إبراهيم : 12 ) . # و ( ما ) اسم استفهام بمعنى أي شيء واللام للاختصاص والاستفهام إنكاري ~~وتعجبي من قول نبيهم : { هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا } لأن ~~شأن المتعجب منه أن يسأل عن سببه . واسم الاستفهام في موضع الابتداء ، و { ~~لنا } خبره ، ومعناه ما حصل لنا أو ما استقر لنا ، فاللام في قوله : { لنا ~~} لام الاختصاص و ( أن ) حرف مصدر واستقبال ، و { نقاتل } منصوب بأن ، ولما ~~كان حرف المصدر يقتضي أن يكون الفعل بعده في تأويل المصدر ، فالمصدر ~~المنسبك من أن وفعلها إما أن يجعل مجرورا بحرف جر مقدر قبل أن مناسب لتعلق ~~( لا نقاتل ) بالخبر ما لنا في ألا نقاتل أي انتفاء قتالنا أو ما لنا ~~لألانقاتل أي لأجل انتفاء قتالنا ، فيكون معنى الكلام إنكارهم أن يثبت لهم ~~سبب يحملهم على تركهم القتال ، أو سبب لأجل تركهم القتال ، أي لا يكون لهم ~~ذلك . وإما أن يجعل المصدر المنسبك بدلا من ضمير { لنا } : بدل اشتمال ، ~~والتقدير : ما لنا لتركنا القتال . # ومثل هذا النظم يجيء بأشكال خمسة : مثل { مالك لا تأمنا على يوسف } ( ~~يوسف : 11 ) { ومالي لا أعبد الذي فطرني } ( يس : 22 ) { ما لكم كيف تحكمون ~~} ( النساء : 88 ) فمالك والتلدد حول نجد { فما لكم في المنافقين فئتين } ( ~~الصافات : 154 ) ، والأكثر أن يكون ما بعد الاستفهام في موضع حال ، ولكن ~~الإعراب يختلف ومآل المعنى متحد . PageV02P486 # و ( ما ) مبتدأ و ( لنا ) خبره ، والمعنى : أي شيء كان لنا . وجملة ( ألا ~~نقاتل ) حال وهي قيد للاستفهام الإنكاري ، أي لا يثبت لنا شيء في حالة ~~تركنا القتال . وهذا كنظائره في قولك : مالي لا أفعل أو مالي أفعل ، فإن ~~مصدرية مجرورة بحرف جر محذوف يقدر بفي أو لام الجر ، متعلق بما تعلق به { ~~لنا } . # وجملة { وقد أخرجنا } حال معللة لوجه الإنكار ، أي إنهم في هذه الحال ~~أبعد الناس عن ترك القتال ؛ لأن أسباب حب الحياة تضعف في حالة الضر والكدر ~~بالإخراج من ms1309 الديار والأبناء . # وعطف الأبناء على الديار لأن الإخراج يطلق على إبعاد الشيء من حيزه ، ~~وعلى إبعاده من بين ما يصاحبه ، ولا حاجة إلى دعوى جعل الواو عاطفة عاملا ~~محذوفا تقديره وأبعدنا عن أبنائنا . # وقوله : { فلما كتب عليهم القتال تولوا } الخ . جملة معترضة ، وهي محل ~~العبرة والموعظة لتحذير المسلمين من حال هؤلاء أن يتولوا عن القتال بعد أن ~~أخرجهم المشركون من ديارهم وأبنائهم ، وبعد أن تمنوا قتال أعدائهم وفرضه ~~الله عليهم والإشارة إلى ما حكاه الله عنهم بعد بقوله : { فلما جاوزه هو ~~والذين آمنوا معه } ( البقرة : 249 ) إلخ . # وقوله : { والله عليم بالظالمين } تذييل ، لأن فعلهم هذا من الظلم ؛ ~~لأنهم لما طلبوا القتال خيلوا أنهم محبون له ثم نكصوا عنه . ومن أحسن ~~التأديب قول الراجز : # من قال لا في حاجة # مسؤولة فما ظلم # وإنما الظالم من # يقول لا بعد نعم # وهذه الآية أشارت إلى قصة عظيمة من تاريخ بني إسرائيل ، لما فيها من ~~العلم والعبرة ، فإن القرآن يأتي بذكر الحوادث التاريخية تعليما للأمة ~~بفوائد ما في التاريخ ، ويختار لذلك ما هو من تاريخ أهل الشرائع ، لأنه ~~أقرب للغرض الذي جاء لأجله القرآن . هذه القصة هي حادث انتقال نظام حكومة ~~بني إسرائيل من الصبغة الشورية ، المعبر عنها عندهم بعصر القضاة إلى الصبغة ~~الملكية ، المعبر عنها بعصر الملوك وذلك أنه لما توفي موسى عليه السلام في ~~حدود سنة 1380 قبل الميلاد المسيحي ، خلفه في الأمة الإسرائيلية يوشع بن ~~نون ، الذي عهد له موسى في آخر حياته بأن يخلفه فلما صار أمر بني إسرائيل ~~إلى يوشع جعل PageV02P487 لأسباط بني إسرائيل حكاما يسوسونهم ويقضون بينهم ~~، وسماهم القضاة فكانوا في مدن متعددة ، وكان من أولئك الحكام أنبياء ، ~~وكان هنالك أنبياء غير حكام ، وكان كل سبط من بني إسرائيل يسيرون على ما ~~يظهر لهم ، وكان من قضاتهم وأنبيائهم صمويل بن القانة ، من سبط أفرايم ، ~~قاضيا لجميع بني إسرائيل ، وكان محبوبا عندهم ، فلما شاخ وكبر وقعت حروب ~~بين بني إسرائيل والفلسطينيين وكانت سجالا بينهم ، ثم كان الانتصار ~~للفلسطينيين ، فأخذوا ms1310 بعض قرى بني إسرائيل حتى إن تابوت العهد ، الذي سيأتي ~~الكلام عليه ، أسره الفلسطينيون ، وذهبوا به إلى ( أشدود ) بلادهم وبقي ~~بأيديهم عدة أشهر ، فلما رأت بنو إسرائيل ما حل بهم من الهزيمة ، ظنوا أن ~~سبب ذلك هو ضعف صمويل عن تدبير أمورهم ، وظنوا أن انتظام أمر الفلسطينيين ، ~~لم يكن إلا بسبب النظام الملكي ، وكانوا يومئذ يتوقعون هجوم ناحاش : ملك ~~العمونيين عليهم أيضا ، فاجتمعت إسرائيل وأرسلوا عرفاءهم من كل مدينة ، ~~وطلبوا من صمويل أن يقيم لهم ملكا يقاتل بهم في سبيل الله ، فاستاء صمويل ~~من ذلك ، وحذرهم عواقب حكم الملوك ( إن الملك يأخذ بينكم لخدمته وخدمة خيله ~~ويتخذ منكم من يركض أمام مراكبه ، ويسخر منكم حراثين لحرثه ، وعملة لعدد ~~حربه ، وأدوات مراكبه ، ويجعل بناتكم عطارات وطباخات وخبازات ، ويصطفي من ~~حقولكم ، وكرومكم ، وزياتينكم ، أجودها فيعطيها لعبيده ، ويتخذكم عبيدا ، ~~فإذا صرختم بعد ذلك في وجه ملككم لا يستجيب الله لكم ، فقالوا : لا بد لنا ~~من ملك لنكون مثل سائر الأمم ، وقال لهم : هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ~~ألا تقاتلوا قالوا { وما لنا ألا نقاتل } الخ . وكان ذلك في أوائل القرن ~~الحادي عشر قبل المسيح . # وقوله : { وقد أخرجنا من ديارنا وأبناءنا } يقتضي أن الفلسطينيين أخذوا ~~بعض مدن بني إسرائيل ، وقد صرح بذلك إجمالا في الإصحاح السابع من سفر صمويل ~~الأول ، وأنهم أسروا أبناءهم ، وأطلقوا كهولهم وشيوخهم ، وفي ذكر الإخراج ~~من الديار والأبناء تلهيب للمهاجرين من المسلمين على مقاتلة المشركين الذين ~~أخرجوهم من مكة ، وفرقوا بينهم وبين نسائهم ، وبينهم وبين أبنائهم ، كما ~~قال تعالى : { وما للكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال ~~والنساء والولدان } ( النساء : 75 ) . # PageV02P488 $ 2 ( 247 ) { وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا ~~قالو & # 1764 ا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من ~~المال قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتى ~~ملكه من يشآء والله واسع عليم } . ) 2 $ # أعاد الفعل في قوله : { وقال لهم نبيهم } للدلالة ms1311 على أن كلامه هذا ليس ~~من بقية كلامه الأول ، بل هو حديث آخر متأخر عنه وذلك أنه بعد أن حذرهم ~~عواقب الحكومة الملكية وحذرهم التولي عن القتال ، تكلم معهم كلاما آخر في ~~وقت آخر . # وتأكيد الخبر بإن إيذان بأن من شأن هذا الخبر أن يتلقى بالاستغراب والشك ~~، كما أنبأ عنه قولهم : { أنى يكون له الملك علينا } . # ووقع في سفر صمويل في الإصحاح التاسع أنه لما صمم بنو إسرائيل في سؤالهم ~~أن يعين لهم ملكا ، صلى لله تعالى فأوحى الله إليه أن أجبهم إلى كل ما ~~طلبوه ، فأجابهم وقال لهم : اذهبوا إلى مدنكم ، ثم أوحى الله إليه صفة ~~الملك الذي سيعينه لهم ، وأنه لقيه رجل من بنيامين اسمه شاول بن قيس ، فوجد ~~فيه الصفة وهي أنه أطول القوم ، ومسحه صمويل ملكا على إسرائيل ، إذ صب على ~~رأسه زيتا ، وقبله وجمع بني إسرائيل بعد أيام في بلد المصفاة وأحضره وعينه ~~لهم ملكا ، وذلك سنة 1095 قبل المسيح . # وهذا الملك هو الذي سمي في الآية طالوت وهو شاول وطالوت لقبه ، وهو وزن ~~اسم مصدر من الطول ، على وزن فعلوت مثل جبروت وملكوت ورهبوت ورغبوت ورحموت ~~، ومنه طاغوت أصله طغيوت فوقع فيه قلب مكاني ، وطالوت وصف به للمبالغة في ~~طول قامته ، ولعله جعل لقبا له في القرآن للإشارة إلى الصفة التي عرف بها ~~لصمويل في الوحي الذي أوحى الله إليه كما تقدم ، ولمراعاة التنظير بينه ~~وبين جالوت غريمه في الحرب ، أو كان ذلك لقبا له في قومه قبل أن يؤتى الملك ~~، وإنما يلقب بأمثال هذا اللقب من كان من العموم . ووزن فعلوت وزن نادر في ~~العربية ولعله من بقايا العربية القديمة السامية ، وهذا هو الذي يؤذن به ~~منعه من الصرف ، فإن منعه من الصرف لا علة PageV02P489 له إلا العلمية ~~والعجمة ، وجزم الراغب بأنه اسم عجمي ولم يذكر في كتب اللغة لذلك ولعله ~~عومل معاملة الاسم العجمي لما جعل علما على هذا العجمي في العربية ، فعجمته ~~عارضة وليس هو عجميا بالأصالة ، لأنه لم يعرف هذا ms1312 الاسم في لغة العبرانيين ~~كداوود وشاوول ، ويجوز أن يكون منعه من الصرف لمصيره بالإبدال إلى شبه وزن ~~فاعول ، ووزن فاعول في الأعلام عجمي ، مثل هاروت وماروت وشاوول وداوود ، ~~ولذلك منعوا قابوس من الصرف ، ولم يعتدوا باشتقاقه من القبس ، وكأن عدول ~~القرآن عن ذكره باسمه شاول لثقل هذا اللفظ وخفة طالوت . # وأنى في قوله : { أنى يكون له الملك علينا } بمعنى كيف ، وهو استفهام ~~مستعمل في التعجب ، تعجبوا من جعل مثله ملكا ، وكان رجلا فلاحا من بيت حقير ~~، إلا أنه كان شجاعا ، وكان أطول القوم ، ولما اختاره صمويل لذلك ، فتح ~~الله عليه بالحكمة ، وتنبأ نبوءات كثيرة ، ورضيت به بعض إسرائيل ، وأباه ~~بعضهم ، ففي سفر صمويل أن الذين لم يرضوا به هم بنو بليعال والقرآن ذكر أن ~~بني إسرائيل قالوا : أنى يكون له الملك علينا وهو الحق ؛ لأنهم لا بد أن ~~يكونوا قد ظنوا أن ملكهم سيكون من كبرائهم وقوادهم . والسر في اختيار ~~نبيئهم لهم هذا الملك أنه أراد أن تبقى لهم حالتهم الشورية بقدر الإمكان ، ~~فجعل ملكهم من عامتهم لا من سادتهم ، لتكون قدمه في الملك غير راسخة ، فلا ~~يخشى منه أن يشتد في استعباد أمته ، لأن الملوك في ابتداء تأسيس الدول ~~يكونون أقرب إلى الخير لأنهم لم يعتادوا عظمة الملك ولم ينسوا مساواتهم ~~لأمثالهم ، وما يزالون يتوقعون الخلع ، ولهذا كانت الخلافة سنة الإسلام ، ~~وكانت الوراثة مبدأ الملك في الإسلام ، إذ عهد معاوية ابن أبي سفيان لابنه ~~يزيد بالخلافة بعده ، والظن به أنه لم يكن يسعه يومئذ إلا ذلك ؛ لأن شيعة ~~بني أمية راغبون فيه ، ثم كانت قاعدة الوراثة للملك في دول الإسلام وهي من ~~تقاليد الدول من أقدم عصور التاريخ ، وهي سنة سيئة ولهذا تجد مؤسسي الدول ~~أفضل ملوك عائلاتهم ، وقواد بني إسرائيل لم يتفطنوا لهذه الحكمة لقصر ~~أنظارهم ، وإنما نظروا إلى قلة جدته ، فتوهموا ذلك مانعا من تمليكه عليهم ، ~~ولم يعلموا أن الاعتبار بالخلال النفسانية ، وأن الغنى غنى النفس لا وفرة ~~المال وماذا تجدي وفرته إذا لم يكن ينفقه في ms1313 المصالح ، وقد قال الراجز : # قدني من نصر الخبيبين قدي # ليس الإمام بالشحيح الملحد PageV02P490 # فقولهم : { ونحن أحق بالملك } جملة حالية ، والضمير من المتكلمين ، وهم ~~قادة بني إسرائيل وجعلوا الجملة حالا للدلالة على أنهم لما ذكروا أحقيتهم ~~بالملك لم يحتاجوا إلى الاستدلال على ذلك ؛ لأن هذا الأمر عندهم مسلم معروف ~~، إذ هم قادة وعرفاء ، وشاوول رجل من السوقة ، فهذا تسجيل منهم بأرجحيتهم ~~عليه ، وقوله : { ولم يؤت سعة من المال } معطوفة على جملة الحال فهي حال ~~ثانية . وهذا إبداء مانع فيه من ولايته الملك في نظرهم ، وهو أنه فقير ، ~~وشأن الملك أن يكون ذا مال ليكفي نوائب الأمة فينفق المال في العدد والعطاء ~~وإغاثة الملهوف ، فكيف يستطيع من ليس بذي مال أن يكون ملكا ، وإنما قالوا ~~هذا لقصورهم في معرفة سياسة الأمم ونظام الملك ؛ فإنهم رأوا الملوك ~~المجاورين لهم في بذخة وسعة ، فظنوا ذلك من شروط الملك . ولذا أجابهم ~~نبيئهم بقوله : { إن الله اصطفاه عليكم } رادا على قولهم : { ونحن أحق ~~بالملك منه } فإنهم استندوا إلى اصطفاء الجمهور إياهم فأجابهم بأنه أرجح ~~منهم لأن الله اصطفاه ، وبقوله : { وزاده بسطة في العلم والجسم } رادا ~~عليهم قولهم : { ولم يؤت سعة من المال } أي زاده عليكم بسطة في العلم ~~والجسم ، فأعلمهم نبيئهم أن الصفات المحتاج إليها في سياسة أمر الأمة ترجع ~~إلى أصالة الرأي وقوة البدن ؛ لأنه بالرأي يهتدي لمصالح الأمة ، لا سيما في ~~وقت المضائق ، وعند تعذر الاستشارة أو عند خلاف أهل الشورى وبالقوة يستطيع ~~الثبات في مواقع القتال فيكون بثباته ثبات نفوس الجيش . # وقدم النبي في كلامه العلم على القوة لأن وقعه أعظم ، قال أبو الطيب : # الرأي قبل شجاعة الشجعان # هو أول وهي المحل الثاني # فالعلم المراد هنا ، هو علم تدبير الحرب وسياسة الأمة ، وقيل : هو علم ~~النبوءة ، ولا يصح ذلك لأن طالوت لم يكن معدودا من أنبيائهم . # ولم يجبهم نبيئهم عن قوله : { ولم يؤت سعة من المال } اكتفاء بدلالة ~~اقتصاره على قوله : { وزاده بسطة في العلم والجسم } فإنه ببسطة العلم ~~وبالنصر يتوافر له المال ms1314 ؛ لأن ( المال تجلبه الرعية ) كما قال أرسططاليس ، ~~ولأن الملك ولو كان ذا ثروة ، فثروته لا تكفي لإقامة أمور المملكة ولهذا لم ~~يكن من شرط ولاة الأمور من الخليفة فما دونه أن يكون ذا سعة ، وقد ولي على ~~الأمة أبو بكر وعمر وعلي ولم يكونوا ذوي يسار ، وغنى الأمة في بيت مالها ~~ومنه تقوم مصالحها ، وأرزاق ولاة أمورها . PageV02P491 # والبسطة اسم من البسط وهو السعة والانتشار ، فالبسطة الوفرة والقوة من ~~الشيء ، وسيجيء كلام عليها عند قوله تعالى : { وزادكم في الخلق في الأعراف ~~( 69 ) . # وقوله : والله يؤتي ملكه من يشاء } يحتمل أن يكون من كلام النبي ، فيكون ~~قد رجع بهم إلى التسليم إلى أمر الله ، بعد أن بين لهم شيئا من حكمة الله ~~في ذلك . ويحتمل أن يكون تذييلا للقصة من كلام الله تعالى ، وكذلك قوله : { ~~والله واسع عليم } . # $ 2 ( 248 ) { وقال لهم نبيهم إن ءاية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة ~~من ربكم وبقية مما ترك ءال موسى وءال هارون تحمله المل & # 1764 ائكة إن في ذالك لأية لكم إن كنتم مؤمنين } . ) 2 $ # أراد نبيئهم أن يتحداهم بمعجزة تدل على أن الله تعالى اختار لهم شاوول ~~ملكا ، فجعل لهم آية تدل على ذلك وهي أن يأتيهم التابوت ، أي تابوت العهد ، ~~بعد أن كان في يد الفلسطينيين كما تقدم ، وهذا إشارة إلى قصة تيسير الله ~~تعالى إرجاع التابوت إلى بني إسرائيل بدون قتال ، وذلك أن الفلسطينيين ~~أرجعوا التابوت إلى بني إسرائيل في قصة ذكرت في سفر صمويل ، حاصلها أن ~~التابوت بقي سبعة أشهر في بلاد فلسطين موضوعا في بيت صنمهم داجون ورأى ~~الفلسطينيون آيات من سقوط صنمهم على وجهه ، وانكسار يديه ورأسه ، وإصابتهم ~~بالبواسير في أشدود وتخومها ، وسلطت عليهم الجرذان تفسد الزروع ، فلما رأوا ~~ذلك استشاروا الكهنة ، فأشاروا عليهم بإلهام من الله بإرجاعه إلى إسرائيل ~~لأن إلاه إسرائيل قد غضب لتابوته وأن يرجعوه مصحوبا بهدية : صورة خمس ~~بواسير من ذهب ، وصورة خمس فيران من ذهب ، على عدد مدن الفلسطينيين العظيمة ~~: أشدود ، وغزة ، واشقلون ms1315 ، وجت ، وعفرون . ويوضع التابوت على عجلة جديدة ~~تجرها بقرتان ومعه صندوق به التماثيل الذهبية ، ويطلقون البقرتين تذهبان ~~بإلهام إلى أرض إسرائيل ، ففعلوا واهتدت البقرتان إلى أن بلغ التابوت ~~والصندوق إلى يد اللاويين في تخم بيت شمس ، هكذا وقع في سفر صمويل غير أن ~~ظاهر سياقه أن رجوع التابوت إليهم كان قبل تمليك شاوول ، وصريح القرآن ~~يخالف ذلك ، ويمكن تأويل كلام السفر بما يوافق هذا بأن تحمل الحوادث على ~~غير ترتيبها في الذكر ، وهو كثير في كتابهم . والذي يظهر لي PageV02P492 أن ~~الفلسطينيين لما علموا اتحاد الإسرائيليين تحت ملك علموا أنهم ما أجمعوا ~~أمرهم إلا لقصد أخذ الثأر من أعدائهم وتخليص تابوت العهد من أيديهم ، ~~فدبروا أن يظهروا إرجاع التابوت بسبب آيات شاهدوها ، ظنا منهم أن حدة بني ~~إسرائيل تفل إذا أرجع إليهم التابوت بالكيفية المذكورة آنفا ، ولا يمكن أن ~~يكون هذا الرعب حصل لهم قبل تمليك شاول ، وابتداء ظهور الانتصار به . # والتابوت اسم عجمي معرب فوزنه فاعول ، وهذا الوزن قليل في الأسماء ~~العربية ، فيدل على أن ما كان على وزنه إنما هو معرب مثل ناقوس وناموس ، ~~واستظهر الزمخشري أن وزنه فعلول بتحريك العين لقلة الأسماء التي فاؤها ~~ولامها حرفان متحدان : مثل سلس وقلق ، ومن أجل هذا أثبته الجوهري في مادة ~~توب لا في تبت . # والتابوت بمعنى الصندوق المستطيل : وهو صندوق أمر موسى عليه السلام بصنعه ~~صنعه بصلئيل الملهم في صناعة الذهب والفضة والنحاس ونجارة الخشب ، فصنعه من ~~خشب السنط وهو شجرة من صنف القرظ وجعل طوله ذراعين ونصفا وعرضه ذراعا ونصفا ~~وارتفاعه ذراعا ونصفا ، وغشاه بذهب من داخل ومن خارج ، وصنع له إكليلا من ~~ذهب ، وسبك له أربع حلق من ذهب على قوائمه الأربع ، وجعل له عصوين من خشب ~~مغشاتين بذهب لتدخل في الحلقات لحمل التابوت ، وجعل غطاءه من ذهب ، وجعل ~~على طريق الغطاء صورة تخيل بها اثنين من الملائكة من ذهب باسطين أجنحتهما ~~فوق الغطاء ، وأمر الله موسى أن يضع في هذا التابوت لوحي الشهادة اللذين ~~أعطاه الله إياهما وهي ms1316 الألواح التي ذكرها الله في قوله : { ولما سكت عن ~~موسى الغضب أخذ الألواح } ( الأعراف : 154 ) . # والسكينة فعيلة بمعنى الاطمئنان والهدوء ، وفي حديث السعي إلى الصلاة ( ~~عليكم بالسكينة ) وذلك أن من بركة التابوت أنه إذا كان بينهم في حرب أو سلم ~~كانت نفوسهم واثقة بحسن المنقلب ، وفيه أيضا كتب موسى عليه السلام ، وهي ~~مما تسكن لرؤيتها نفوس الأمة وتطمئن لأحكامها ، فالظرفية على الأول مجازية ~~، وعلى الثاني حقيقية ، وورد في حديث أسيد بن حضير إطلاق السكينة على شيء ~~شبه الغمام ينزل من السماء عند قراءة القرآن ، فلعلها ملائكة يسمون ~~بالسكينة . # والبقية في الأصل ما يفضل من شيء بعد انقضاء معظمه ، وقد بينت هنا بأنها ~~مما ترك آل موسى وآل هارون ، وهي بقايا من آثار الألواح ، ومن الثياب التي ~~ألبسها موسى أخاه PageV02P493 هارون ، حين جعله الكاهن لبني إسرائيل ، ~~والحافظ لأمور الدين ، وشعائر العبادة قيل : ومن ذلك عصا موسى . ويجوز أن ~~تكون البقية مجازا عن النفيس من الأشياء ؛ لأن الناس إنما يحافظون ، على ~~النفائس فتبقى كما قال النابغة : # بقية قدر من قدور توورثت # لآل الجلاح كابرا بعد كابر # وقد فسر بهذا المعنى قول رويشد الطائي : # إن تذنبوا ثم تأتيني بقيتكم # فما علي بذنب منكم فوت # أي تأتيني الجماعة الذين ترجعون إليهم في مهامكم ، وقريب منه إطلاق ~~التليد على القديم من المال الموروث . # والمراد من آل موسى وآل هارون أهل بيتهما من أبناء هارون ؛ فإنهم عصبة ~~موسى ؛ لأن موسى لم يترك أولادا ، أو ما تركه آلهما هو آثارهما ، فيئول إلى ~~معنى ما ترك موسى وهارون وآلهما ، أو أراد مما ترك موسى وهارون فلفظ آل ~~مقحم كما في قوله { ادخلوا آل فرعون أشد العذاب } ( غافر : 46 ) . # وهارون هو أخو موسى عليهما السلام وهو هارون بن عمران من سبط لاوي ولد ~~قبل أن يأمر فرعون بقتل أطفال بني إسرائيل وهو أكبر من موسى ، ولما كلم ~~الله موسى بالرسالة أعلمه بأنه سيشرك معه أخاه هارون فيكون كالوزير له ، ~~وأوحى إلى هارون أيضا ، وكان موسى هو الرسول الأعظم ، وكان ms1317 معظم وحي الله ~~إلى هارون على لسان موسى ، وقد جعل الله هارون أول كاهن لبني إسرائيل لما ~~أقام لهم خدمة خيمة العبادة ، وجعل الكهانة في نسله ، فهم يختصون بأحكام لا ~~تشاركهم فيها بقية الأمة ، منها تحريم الخمر على الكاهن ، ومات هارون سنة ~~ثمان أو سبع وخمسين وأربعمائة وألف قبل المسيح ، في جبل هور على تخوم أرض ~~أدوم في مدة التيه في السنة الثالثة من الخروج من مصر . # وقوله : { تحمله الملائكة } حال من ( التابوت ) ، والحمل هنا هو الترحيل ~~كما في قوله تعالى : { قلت لا أجد ما أحملكم عليه } ( التوبة : 92 ) لأن ~~الراحلة تحمل راكبها ؛ ولذلك تسمى حمولة وفي حديث غزوة خيبر : ( وكانت ~~الحمر حمولتهم ) وقال النابغة : PageV02P494 # يخال به راعي الحمولة طائرا # فمعنى حمل الملائكة التابوت هو تسييرهم بإذن الله البقرتين السائرتين ~~بالعجلة التي عليها التابوت إلى محلة بني إسرائيل ، من غير أن يسبق لهما ~~إلف بالسير إلى تلك الجهة ، هذا هو الملاقى لما في كتب بني إسرائيل . # وقوله : { إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين } الإشارة إلى جميع الحالة ~~أي في رجوع التابوت من يد أعدائكم إليكم ، بدون قتال ، وفيما يشتمل عليه ~~التابوت من آثار موسى عليه السلام ، وفي مجيئه من غير سائق ولا إلف سابق . # $ 2 ( 249 251 ) { فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن ~~شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه منى & # 1764 إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم فلما جاوزه هو ~~والذين ءامنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون ~~أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع ~~الصابرين * ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنآ أفرغ علينا صبرا وثبت ~~أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين * فهزموهم بإذن الله وقتل داوود جالوت ~~وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشآء ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض ~~لفسدت الأرض ولاكن الله ذو فضل على العالمين } . ) 2 $ # { . # عطفت الفاء جملة : ( لما فصل ) ، على جملة ms1318 وقال لهم نبيهم فلما فصل طالوت ~~بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه ~~منى & # 1764 إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم فلما جاوزه هو ~~والذين ءامنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون ~~أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع ~~الصابرين * ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنآ أفرغ علينا صبرا وثبت ~~أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين * فهزموهم } ( البقرة : 248 ) { إن ~~الله قد بعث لكم } ( البقرة : 247 ) لأن بعث الملك لأجل القتال ، يترتب ~~عليه الخروج للقتال الذي سألوا لأجله بعث النبي ، وقد حذف بين الجملتين ~~كلام كثير مقدر : وهو الرضا بالملك ، ومجيء التابوت ، وتجنيد الجنود ؛ لأن ~~ذلك مما يدل عليه جملة فصل طالوت بالجنود . # ومعنى فصل بالجنود : قطع وابتعد بهم ، أي تجاوزوا مساكنهم وقراهم التي ~~خرجوا منها وهو فعل متعد لأن أصله فصل الشيء عن الشيء ثم عدوه إلى الفاعل ~~فقالوا فصل نفسه حتى صار بمعنى انفصل ، فحذفوا مفعوله لكثرة الاستعمال ، ~~ولذلك تجد مصدره الفصل بوزن مصدر PageV02P495 المتعدي ، ولكنهم ربما قالوا ~~فصل فصولا نظرا لحالة قصوره ، كما قالوا صده صدا ، ثم قالوا صد هو صدا ، ثم ~~قالوا صد صدودا . ونظيره في حديث صفة الوحي ( أحيانا يأتيني مثل صلصلة ~~الجرس فيفصم عني وقد وعيت ما قال ) أي فيفصل نفسه عني ، والمعنى فينفصل عني ~~. # وضمير { قال } راجع إلى ( طالوت ) ، ولا يصح رجوعه إلى نبيئهم لأنه لم ~~يخرج معهم ، وإنما أخبر طالوت عن الله تعالى بأنه مبتليهم ، مع أنه لم يكن ~~نبيئا ، يوحى إليه : إما إستنادا لإخبار تلقاه من صمويل ، وإما لأنه اجتهد ~~أن يختبرهم بالشرب من النهر لمصلحة رآها في ذلك ، فأخبر عن اجتهاده ، إذ هو ~~حكم الله في شرعهم فأسنده إلى الله ، وهذا من معنى قول علماء أصول الفقه إن ~~المجتهد يصح له أن يقول فيما ظهر له باجتهاده إنه دين الله أو لأنه في ~~شرعهم أن الله أوجب ms1319 على الجيش طاعة أميرهم فيما يأمرهم به ، وطاعة الملك ~~فيما يراه من مصالحهم ، وكان طالوت قد رأى أن يختبر طاعتهم ومقدار صبرهم ~~بهذه البلوى فجعل البلوى من الله ؛ إذ قد أمرهم بطاعته بها . وعلى كل ~~فتسمية هذا التكليف ابتلاء تقريب للمعنى إلى عقولهم لأن المقصود إظهار ~~الاعتناء بهذا الحكم ، وأن فيه مرضاة الله تعالى على الممتثل ، وغضبه على ~~العاصي ، وأمثال هذه التقريبات في مخاطبات العموم شائعة ، وأكثر كلام كتب ~~بني إسرائيل من هذا القبيل . # والظاهر أن الملك لما علم أنه سائر بهم إلى عدو كثير العدد ، وقوي العهد ~~أراد أن يختبر قوة يقينهم في نصرة الدين ، ومخاطرتهم بأنفسهم وتحملهم ~~المتاعب وعزيمة معاكستهم نفوسهم فقال لهم إنكم ستمرون على نهر ، وهو نهر ~~الأردن ، فلا تشربوا منه فمن شرب منه فليس مني ، ورخص لهم في غرفة يغترفها ~~الواحد بيده يبل بها ريقه ، وهذا غاية ما يختبر به طاعة الجيش ، فإن السير ~~في الحرب يعطش الجيش ، فإذا وردوا الماء توافرت دواعيهم إلى الشرب منه عطشا ~~وشهوة ، ويحتمل أنه أراد إبقاء نشاطهم : لأن المحارب إذا شرب ماء كثيرا بعد ~~التعب ، انحلت عراه ومال إلى الراحة ، وأثقله الماء . والعرب تعرف ذلك قال ~~طفيل يذكر خيلهم : # فلما شارفت أعلام طي # وطي في المغار وفي الشعاب # سقيناهن من سهل الأداوى # فمصطبح على عجل وآبي # يريد أن الذي مارس الحرب مرارا لم يشرب ؛ لأنه لا يسأم من الركض والجهد ، ~~فإذا كان حاجزا كان أخف له وأسرع ، والغر منهم يشرب لجهله لما يراد منه ، ~~ولأجل هذا رخص لهم في اغتراف غرفة واحدة . PageV02P496 # والنهر بتحريك الهاء وبسكونها للتخفيف ، ونظيره في ذلك شعر وبحر وحجر ~~فالسكون ثابت لجميعها . # وقوله : { فليس مني } أي فليس متصلا بي ولا علقة بيني وبينه ، وأصل ( من ~~) في مثل هذا التركيب للتبعيض ، وهو تبعيض مجازي في الاتصال ، وقال تعالى : ~~{ ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء } ( آل عمران : 28 ) وقال النابغة : # إذا حاولت في أسد فجورا # فإني لست منك ولست مني # وسمى بعض النحاة ( من ) هذه ms1320 بالاتصالية . ومعنى قول طالوت ( ليس مني ) ~~يحتمل أنه أراد الغضب عليه والبعد المعنوي ، ويحتمل أنه أراد أنه يفصله عن ~~الجيش ، فلا يكمل الجهاد معه ، والظاهر الأول لقوله { ومن لم يطعمه فإنه ~~مني } لأنه أراد به إظهار مكانة من ترك الشرب من النهر وولائه وقربه ، ولو ~~لم يكن هذا مراده لكان في قوله : { فمن شرب منه فليس مني } غنية عن قوله : ~~ومن لم يطعمه فإنه مني ؛ لأنه إذا كان الشارب مبعدا من الجيش فقد علم أن من ~~لم يشرب هو باقي الجيش . # والاستثناء في قوله : { إلا من اغترف غرفة بيده } من قوله : { فمن شرب ~~منه } لأنه من الشاربين ، وإنما أخره عن هذه الجملة ، وأتى به بعد جملة { ~~ومن لم يطعمه } ليقع بعد الجملة التي فيها المستثنى منه مع الجملة المؤكدة ~~لها ؛ لأن التأكيد شديد الاتصال بالمؤكد ، وقد علم أن الاستثناء راجع إلى ~~منطوق الأولى ومفهوم الثانية ، فإن مفهوم ( من لم يطعمه فإنه مني ) أن من ~~طعمه ليس منه ، ليعلم السامعون أن المغترف غرفة بيده هو كمن لم يشرب منه ~~شيئا ، وأنه ليس دون من لم يشرب في الولاء والقرب ، وليس هو قسما واسطة . ~~والمقصود من هذا الاستثناء الرخصة للمضطر في بلال ريقه ، ولم تذكر كتب ~~اليهود هذا الأمر بترك شرب الماء من النهر حين مرور الجيش في قصة شاول ، ~~وإنما ذكرت قريبا منه إذ قال في سفر صمويل لما ذكر أشد وقعة بين اليهود ~~وأهل فلسطين : ( وضنك رجال إسرائيل في ذلك اليوم ؛ لأن شاول حلف القوم ~~قائلا ملعون من يأكل خبزا إلى المساء حتى أنتقم من أعدائي ) وذكر في سفر ~~القضاة في الإصحاح السابع مثل واقعة النهر ، في حرب جدعون قاضي إسرائيل ~~للمديانيين ، والظاهر أن الواقعة تكررت لأن مثلها يتكرر فأهملتها كتبهم في ~~أخبار شاول . # وقوله : { لم يطعمه } بمعنى لم يذقه ، فهو من الطعم بفتح الطاء ، وهو ~~الذوق أي اختبار المطعوم ، PageV02P497 وكان أصله اختبار طعم الطعام أي ~~ملوحته أو ضدها ، أو حلاوته أو ضدها ، ثم توسع فيه فأطلق على اختبار ~~المشروب ms1321 ، ويعرف ذلك بالقرينة ، قال الحارث بن خالد المخزومي وقيل العرجي : # فإن شئتت حرمت النساء سواكم # وإن شئتت لم أطعم نقاخا ولا بردا # فالمعنى لم أذق . فأما أن يطلق الطعم على الشرب أي ابتلاع الماء فلا ، ~~لأن الطعم الأكل ولذلك جاء في الآية والبيت منفيا ، لأن المراد أنه لم يحصل ~~أقل ما يطلق عليه اسم الذوق ، ومن أجل هذا عيروا خالد بن عبد الله القسري ~~لما أخبر وهو على المنبر بخروج المغيرة بن سعيد عليه فقال ( أطعموني ماء ) ~~إذ لم يعرف في كلام العرب الأمر من الإطعام إلا بمعنى الأكل ، وأما من يطلب ~~الشراب فإنما يقول اسقوني لأنه لا يقال طعم بمعنى شرب ، وإنما هو بمعنى أكل ~~. # والغرفة بفتح الغين في قراءة نافع وابن كثير وابن عامر وأبي جعفر ، المرة ~~من الغرف وهو أخذ الماء باليد ، وقرأه حمزة وعاصم والكسائي ويعقوب وخلف ، ~~بضم الغين ، وهو المقدار المغروف من الماء . # ووجه تقييده بقوله : { بيده } مع أن الغرف لا يكون إلا باليد لدفع توهم ~~أن يكون المراد تقدير مقدار الماء المشروب ، فيتناوله بعضهم كرها ، فربما ~~زاد على المقدار فجعلت الرخصة الأخذ باليد . # وقد دل قوله : { فشربوا منه } على قلة صبرهم ، وأنهم ليسوا بأهل لمزاولة ~~الحروب ، ولذلك لم يلبثوا أن صرحوا بعد مجاوزة النهر فقالوا : { لا طاقة ~~لنا اليوم بجالوت وجنوده } فيحتمل أن ذلك قالوه لما رأوا جنود الأعداء ، ~~ويحتمل أنهم كانوا يعلمون قوة العدو ، وكانوا يسرون الخوف ، فلما اقترب ~~الجيشان ، لم يستطيعوا كتمان ما بهم . # وفي الآية انتقال بديع إلى ذكر جند جالوت والتصريح باسمه ، وهو قائد من ~~قواد الفلسطينيين اسمه في كتب اليهود جليات كان طوله ستة أذرع وشبرا ، وكان ~~مسلحا مدرعا ، وكان لا يستطيع أن يبارزه أحد من بني إسرائيل ، فكان إذا خرج ~~للصف عرض عليهم مبارزته وعيرهم بجبنهم . PageV02P498 # وقوله : { قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله } الآية ، أي الذين لا يحبون ~~الحياة ويرجون الشهادة في سبيل الله ، فلقاء الله هنا كناية عن الموت في ~~مرضاة الله شهادة وفي الحديث ( من أحب ms1322 لقاء اللهأحب الله لقاءه ) فالظن على ~~بابه . وفي قوله : { كم من فئة } خبرية لا محالة إذ لا موقع للاستفهام ~~فإنهم قصدوا بقولهم هذا تثبيت أنفسهم وأنفس رفقائهم ، ولذلك دعوا إلى ما به ~~النصر وهو الصبر والتوكل فقالوا { والله مع الصابرين } . # والفئة : الجماعة من الناس مشتقة من الفيء وهو الرجوع ، لأن بعضهم يرجع ~~إلى بعض ، ومنه سميت مؤخرة الجيش فئة ، لأن الجيش يفىء إليها . # وقوله : { ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا } هذا ~~دعاؤهم حين اللقاء بطلب الصبر من الله ، وعبروا عن إلهامهم إلى الصبر ~~بالإفراغ استعارة لقوة الصبر فإن القوة والكثرة يتعاوران الألفاظ الدالة ~~عليهما ، كقول أبي كبير الهذلي : # كثير الهوى شتى النوى والمسالك # وقد تقدم نظيره ، فاستعير الإفراغ هنا للكثرة مع التعميم والإحاطة وتثبيت ~~الأقدام استعارة لعدم الفرار شبه الفرار والخوف بزلق القدم ، فشبه عدمه ~~بثبات القدم في المأزق . # وقد أشارت الآية في قوله : { فهزموهم } إلخ إلى انتصار بني إسرائيل على ~~الفلسطينيين وهو انتصار عظيم كان به نجاح بني إسرائيل في فلسطين وبلاد ~~العمالقة ، مع قلة عددهم فقد قال مؤرخوهم إن طالوت لما خرج لحرب ~~الفلسطينيين جمع جيشا فيه ثلاثة آلاف رجل ، فلما رأوا كثرة الفلسطينيين حصل ~~لهم ضنك شديد واختبأ معظم الجيش في جبل افرايم في المغارات والغياض والآبار ~~، ولم يعبروا الأردن ، ووجم طالوت واستخار صمويل ، وخرج للقتال فلما اجتاز ~~نهر الأردن عد الجيش الذي معه فلم يجد إلا نحو ستمائة رجل ، ثم وقعت ~~مقاتلات كان النصر فيها لبني إسرائيل ، وتشجع الذين جبنوا واختبأوا في ~~المغارات وغيرها فخرجوا وراء الفلسطينيين وغنموا غنيمة كثيرة ، وفي تلك ~~الأيام من غير بيان في كتب اليهود لمقدار المدد بين الحوادث ولا تنصيص على ~~المتقدم منها والمتأخر ومع انتقالات في القصص غير متناسبة ، ظهر داود بن ~~يسى اليهودي إذ أوحى الله إلى صمويل أن يذهب إلى بيت يسى في بيت لحم ويمسح ~~أصغر أبناء يسى ليكون ملكا على إسرائيل بعد حين ، وساق الله داود إلى شاول ~~( طالوت ) بتقدير عجيب فحظى عند ms1323 شاول ، وكان داود من قبل راعي غنم أبيه ، ~~وكان ذا شجاعة ونشاط PageV02P499 وحسن سمت ، وله نبوغ في رمي المقلاع ، ~~فكان ذات يوم التقى الفلسطينيون مع جيش طالوت وخرج زعيم من زعماء فلسطين ~~اسمه جليات كما تقدم ، فلم يستطع أحد مبارزته فانبرى له داود ورماه ~~بالمقلاع فأصاب الحجر جبهته وأسقطه إلى الأرض واعتلاه داود واخترط سيفه ~~وقطع رأسه ، فذهب به إلى شاول وانهزم الفلسطينيون ، وزوج شاول ابنته ~~المسماة ميكال من داود ، وصار داود بعد حين ملكا عوض شاول ، ثم آتاه الله ~~النبوءة فصار ملكا نبيئا ، وعلمه مما يشاء . ويأتي ذكر داود عند قوله تعالى ~~: { وتلك حجتنا أتيناها إبراهيم على قومه في سورة الأنعام ( 83 ) . # ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولاكن الله ذو فضل على ~~العالمين } . # ذيلت هذه الآية العظيمة كل الوقائع العجيبة التي أشارت بها الآيات ~~السالفة لتدفع عن السامع المتبصر ما يخامره من تطلب الحكمة في حدثان هذه ~~الوقائع وأمثالها في هذا العالم ولكون مضمون هذه الآية عبرة من عبر الأكوان ~~وحكمة من حكم التاريخ ، ونظم العمران التي لم يهتد إليها أحد قبل نزول هذه ~~الآية ، وقبل إدراك ما في مطاويها ، عطفت على العبر الماضية كما عطف قوله : ~~{ وقال لهم نبيهم } ( البقرة : 247 ) وما بعده من رؤوس الآي . وعدل عن ~~المتعارف في أمثالها من ترك العطف ، وسلوك سبيل الاستئناف . # وقرأ نافع وأبو جعفر ويعقوب ( ولولا دفاع الله الناس ) بصيغة المفاعلة ، ~~وقرأه الجمهور ( دفع ) بصيغة المجرد . # والدفاع مصدر دافع الذي هو مبالغة في دفع لا للمفاعلة ، كقول موسى بن ~~جابر الحنفي : # لا أشتهي يا قوم إلا كارها # باب الأمير ولا دفاع الحاجب # وإضافته إلى الله مجاز عقلي كما هو في قوله : { إن الله يدفع عن الذين ~~آمنوا } ( الحج : 38 ) أي يدفع لأن الذي يدفع حقيقة هو الذي يباشر الدفع في ~~متعارف الناس وإنما أسند إلى الله لأنه الذي قدره وقدر أسبابه ، ولذلك قال ~~: { بعضهم ببعض } فجعل سبب الدفاع بعضهم وهو من باب { وما رميت إذ رميت ~~ولكن الله ms1324 رمى } ( الأنفال : 17 ) وأصل معنى الدفع الضرب باليد للإقصاء عن ~~المرام . قال : # فدفعتها فتدافعت # وهو ذب عن مصلحة الدافع . ومعنى الآية : أنه لولا وقوع دفع بعض الناس ~~بعضا آخر بتكوين الله وإيداعه قوة الدفع وبواعثه في الدافع لفسدت الأرض ، ~~أي من على الأرض ، واختل PageV02P500 نظام ما عليها ، ذلك أن الله تعالى ~~لما خلق الموجودات التي على الأرض من أجناس وأنواع وأصناف ، خلقها قابلة ~~للاضمحلال ، وأودع في أفرادها سننا دلت على أن مراد الله بقاؤها إلى أمد ~~أراده ، ولذلك نجد قانون الخلفية منبثا في جميع أنواع الموجودات فما من نوع ~~إلا وفي أفراده قوة إيجاد أمثالها لتكون تلك الأمثال أخلافا عن الأفراد عند ~~اضمحلالها ، وهذه القوة هي المعبر عنها بالتناسل في الحيوان ، والبذر في ~~النبت ، والنضح في المعادن ، والتولد في العناصر الكيماوية . ووجود هذه ~~القوة في جميع الموجودات أول دليل على أن موجدها قد أراد بقاء الأنواع ، ~~كما أراد اضمحلال الأفراد عند آجال معينة ، لاختلال أو انعدام صلاحيتها ، ~~ونعلم من هذا أن الله خالق هذه الأكوان لا يحب فسادها ، وقد تقدم لنا تفسير ~~قوله : { وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا ~~يحب الفساد } ( البقرة : 205 ) . # ثم إن الله تعالى كما أودع في الأفراد قوة بها بقاء الأنواع ، أودع في ~~الأفراد أيضا قوى بها بقاء تلك الأفراد بقدر الطاقة ، وهي قوى تطلب الملائم ~~ودفع المنافي ، أو تطلب البقاء وكراهية الهلاك ، ولذلك أودع في جميع ~~الكائنات إدراكات تنساق بها ، بدون تأمل أو بتأمل ، إلى ما فيه صلاحها ~~وبقاؤها ، كانسياق الوليد لالتهام الثدي ، وأطفال الحيوان إلى الأثداء ~~والمراعي ، ثم تتوسع هذه الإدراكات ، فيتفرع عنها كل ما فيه جلب النافع ~~الملائم عن بصيرة واعتياد ، ويسمى ذلك بالقوة الشاهية . وأودع أيضا في جميع ~~الكائنات إدراكات تندفع بها إلى الذب عن أنفسها ، ودفع العوادي عنها ، عن ~~غير بصيرة ، كتعريض اليد بين الهاجم وبين الوجه ، وتعريض البقرة رأسها ~~بمجرد الشعور بما يهجم عليها من غير تأمل في تفوق قوة الهاجم على قوة ~~المدافع ms1325 ، ثم تتوسع هاته الإدراكات فتتفرع إلى كل ما فيه دفع المنافر من ~~ابتداء بإهلاك من يتوقع منه الضر ، ومن طلب الكن ، واتخاذ السلاح ، ومقاومة ~~العدو عند توقع الهلاك ، ولو بآخر ما في القوة وهو القوة الغاضبة ولهذا ~~تزيد قوة المدافعة اشتدادا عند زيادة توقع الأخطار حتى في الحيوان . وما ~~جعله الله في كل أنواع الموجودات من أسباب الأذى لمريد السوء به أدل دليل ~~على أن الله خلقها لإرادة بقائها ، وقد عوض الإنسان عما وهبه إلى الحيوان ~~العقل والفكرة في التحيل على النجاة ممن يريد به ضررا ، وعلى إيقاع الضر ~~بمن يريده به قبل أن يقصده به ، وهو المعبر عنه بالاستعداد . # ثم إنه تعالى جعل لكل نوع من الأنواع ، أو فرد من الأفراد خصائص فيها ~~منافع لغيره ولنفسه ليحرص كل على إبقاء الآخر ، فهذا ناموس عام ، وجعل ~~PageV02P501 الإنسان بما أودعه من العقل هو المهيمن على بقية الأنواع . ~~وجعل له العلم بما في الأنواع من الخصائص ، وبما في أفراد نوعه من الفوائد ~~. فخلق الله تعالى أسباب الدفاع بمنزلة دفع من الله يدفع مريد الضر بوسائل ~~يستعملها المراد إضراره ، ولولا هذه الوسائل التي خولها الله تعالى أفراد ~~الأنواع ، لاشتد طمع القوي في إهلاك الضعيف ، ولاشتدت جراءة من يجلب النفع ~~إلى نفسه على منافع يجدها في غيره ، فابتزها منه ، ولأفرطت أفراد كل نوع في ~~جلب النافع الملائم إلى أنفسها بسلب النافع الملائم لغيرها ، مما هو له ، ~~ولتناسى صاحب الحاجة حين الاحتياج ما في بقاء غيره من المنفعة له أيضا . ~~وهكذا يتسلط كل ذي شهوة على غيره ، وكل قوي على ضعيفه ، فيهلك القوي الضعيف ~~، ويهلك الأقوى القوي ، وتذهب الأفراد تباعا ، والأنواع كذلك حتى لا يبقى ~~إلا أقوى الأفراد من أقوى الأنواع ، وذلك شيء قليل ، حتى إذا بقي أعوزته ~~حاجات كثيرة لا يجدها في نفسه ، وكان يجدها في غيره من أفراد نوعه ، كحاجة ~~أفراد البشر بعضهم إلى بعض ، أو من أنواع أخر ، كحاجة الإنسان إلى البقرة ، ~~فيذهب هدرا . # ولما كان نوع الإنسان هو المهيمن على بقية ms1326 موجودات الأرض وهو الذي تظهر ~~في أفراده جميع التطورات والمساعي ، خصته الآية بالكلام فقالت : { ولولا ~~دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض } إذ جعل الله في الإنسان القوة ~~الشاهية لبقائه وبقاء نوعه ، وجعل فيه القوة الغاضبة لرد المفرط في طلب ~~النافع لنفسه ، وفي ذلك استبقاء بقية الأنواع ؛ لأن الإنسان يذب عنها لما ~~في بقائها من منافع له . وبهذا الدفاع حصلت سلامة القوي ، وهو ظاهر ، ~~وسلامة الضعيف أيضا لأن القوي إذا وجد التعب والمكدرات في جلب النافع سئم ~~ذلك ، واقتصر على ما تدعو إليه الضرورة . وإنما كان الحاصل هو الفساد ، ~~لولا الدفاع ، دون الصلاح ، لأن الفساد كثيرا ما تندفع إليه القوة الشاهية ~~بما يوجد في أكثر المفاسد من اللذات العاجلة القصيرة الزمن ، ولأن في كثير ~~من النفوس أو أكثرها الميل إلى مفاسد كثيرة ، لأن طبع النفوس الشريرة ألا ~~تراعي مضرة غيرها ، بخلاف النفوس الصالحة ، فالنفوس الشريرة أعمد إلى ~~انتهاك حرمات غيرها ، ولأن الأعمال الفاسدة أسرع في حصول آثارها وانتشارها ~~، فالقليل منها يأتي على الكثير من الصالحات ، فلا جرم لولا دفاع الناس بأن ~~يدافع صالحهم المفسدين ، لأسرع ذلك في فساد حالهم ، ولعم الفساد أمورهم في ~~أسرع وقت . PageV02P502 # وأعظم مظاهر هذا الدفاع هو الحروب ؛ فبالحرب الجائرة يطلب المحارب غصب ~~منافع غيره ، وبالحرب العادلة ينتصف المحق من المبطل ، ولأجلها تتألف ~~العصبيات والدعوات إلى الحق ، والإنحاء على الظالمين ، وهزم الكافرين . # ثم إن دفاع الناس بعضهم بعضا يصد المفسد عن محاولة الفساد ، ونفس شعور ~~المفسد بتأهب غيره لدفاعه يصده عن اقتحام مفاسد جمة . # ومعنى فساد الأرض : إما فساد الجامعة البشرية كما دل عليه تعليق الدفاع ~~بالناس ، أي لفسد أهل الأرض ، وإما فساد جميع ما يقبل الفساد فيكون في ~~الآية احتباك ، والتقدير : ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض وبقية ~~الموجودات بعضها ببعض لفسدت الأرض أي من على الأرض ولفسد الناس . # والآية مسوقة مساق الامتنان ، فلذلك قال تعالى : { لفسدت الأرض } لأنا لا ~~نحب فساد الأرض ، إذ في فسادها بمعنى فساد ما عليها اختلال نظامنا وذهاب ~~أسباب سعادتنا ، ولذلك ms1327 عقبه بقوله : { ولكن الله ذو فضل على العالمين } فهو ~~استدراك مما تضمنته ( لولا ) من تقدير انتفاء الدفاع ؛ لأن أصل لولا لو مع ~~لا النافية ، أي لو كان انتفاء الدفاع موجودا لفسدت الأرض وهذا الاستدراك ~~في هذه الآية أدل دليل على تركيب ( لولا ) من ( لو ) و ( لا ) ، إذ لا يتم ~~الاستدراك على قوله : { لفسدت الأرض } لأن فساد الأرض غير واقع بعد فرض ~~وجود الدفاع ، إن قلنا ( لولا ) حرف امتناع لوجود . # وعلق الفضل بالعالمين كلهم لأن هذه المنة لا تختص . # # | 2 ( 252 ) { تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين } . ) ~~2 # الإشارة إلى ما تضمنته القصص الماضية وما فيها من العبر ، ولكن الحكم ~~العالية في قوله : { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض } ( البقرة : 251 ) ، ~~وقد نزلها منزلة المشاهد لوضوحها وبيانها وجعلت آيات لأنها دلائل على عظم ~~تصرف الله تعالى وعلى سعة علمه . # وقوله : { وإنك لمن المرسلين } خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم تنويها ~~بشأنه وتثبيتا لقلبه ، وتعريضا بالمنكرين رسالته . وتأكيد الجملة بإن ~~للاهتمام بهذا الخبر ، وجيء بقوله ( من المرسلين ) دون أن يقول : وإنك ~~لرسول الله ، للرد على المنكرين بتذكيرهم أنه ما كان بدعا من الرسل ، وأنه ~~أرسله كما أرسل من قبله ، وليس في حاله ما ينقص عن أحوالهم . # PageV02P503 # | 2 ( 253 ) { تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع ~~بعضهم درجات وءاتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شآء ~~الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جآءتهم البينات ولاكن اختلفوا ~~فمنهم من ءامن ومنهم من كفر ولو شآء الله ما اقتتلوا ولاكن الله يفعل ما ~~يريد } . ) 2 # موقع هذه الآية موقع الفذلكة لما قبلها والمقدمة لما بعدها . فأما الأول ~~فإن الله تعالى لما أنبأ باختبار الرسل إبراهيم وموسى وعيسى وما عرض لهم مع ~~أقوامهم وختم ذلك بقوله : تلك ءايت الله نتلوها عليك بالحق تلك الرسل فضلنا ~~بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وءاتينا عيسى ابن مريم ~~البينات وأيدناه بروح القدس ولو ms1328 شآء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ~~ما جآءتهم البينات ولاكن اختلفوا فمنهم من ءامن ومنهم من كفر ولو شآء الله ~~ما اقتتلوا ولاكن الله يفعل ما يريد } ( البقرة : 252 ) . جمع ذلك كله في ~~قوله : { تلك الرسل } لفتا إلى العبر التي في خلال ذلك كله . ولما أنهى ذلك ~~كله عقبه بقوله : { وإنك لمن المرسلين } ( البقرة : 252 ) تذكيرا بأن ~~إعلامه بأخبار الأمم والرسل آية على صدق رسالته . إذ ما كان لمثله قبل بعلم ~~ذلك لولا وحي الله إليه . وفي هذا كله حجة على المشركين وعلى أهل الكتاب ~~الذين جحدوا رسالة محمد صلى الله عليه وسلم فموقع اسم الإشارة مثل موقعه في ~~قول النابغة : # بني عمه دنيا وعمرو بن عامر # أولئك قوم بأسهم غير كاذب # والإشارة إلى جماعة المرسلين في قوله : { وإنك لمن المرسلين } . وجيء ~~بالإشارة لما فيها من الدلالة على الاستحضار حتى كأن جماعة الرسل حاضرة ~~للسامع بعد ما مر من ذكر عجيب أحوال بعضهم وما أعقبه من ذكرهم على سبيل ~~الإجمال . # وأما الثاني فلأنه لما أفيض القول في القتال وفي الحث على الجهاد ~~والاعتبار بقتال الأمم الماضية عقب ذلك بأنه لو شاء الله ما اختلف الناس في ~~أمر الدين من بعد ما جاءتهم البينات ولكنهم أساؤوا الفهم فجحدوا البينات ~~فأفضى بهم سود فهمهم إلى اشتطاط الخلاف بينهم حتى أفضى إلى الاقتتال . ~~فموقع اسم الإشارة على هذا الاعتبار كموقع ضمير الشأن ، أي هي قصة الرسل ~~وأممهم ، فضلنا بعض الرسل على بعض فحسدت بعض الأمم أتباع بعض الرسل فكذب ~~اليهود عيسى ومحمدا عليهما الصلاة والسلام وكذب النصارى محمدا صلى الله ~~عليه وسلم # وقرن اسم الإشارة بكاف البعد تنويها بمراتبهم كقوله : { ذالك الكتاب } ( ~~البقرة : 2 ) . PageV03P005 # واسم الإشارة مبتدأ والرسل خبر ، وليس الرسل بدلا لأن الإخبار عن الجماعة ~~بأنها الرسل أوقع في استحضار الجماعة العجيب شأنهم الباهر خبرهم ، وجملة ( ~~فضلنا ) حال . # والمقصود من هذه الآية تمجيد سمعة الرسل عليهم السلام ، وتعليم المسلمين ~~أن هاته الفئة الطيبة مع عظيم شأنها قد فضل الله ms1329 بعضها على بعض ، وأسباب ~~التفضيل لا يعلمها إلا الله تعالى ، غير أنها ترجع إلى ما جرى على أيديهم ~~من الخيرات المصلحة للبشر ومن نصر الحق ، وما لقوه من الأذى في سبيل ذلك ، ~~وما أيدوا به من الشرائع العظيمة المتفاوتة في هدى البشر ، وفي عموم ذلك ~~الهدي ودوامه ، وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول : ( لأن يهدي الله ~~بك رجلا خير لك مما طلعت عليه الشمس ) ، فما بالك بمن هدى الله بهم أمما في ~~أزمان متعاقبة ، ومن أجل ذلك كان محمد صلى الله عليه وسلم أفضل الرسل . ~~ويتضمن الكلام ثناء عليهم وتسلية للرسول عليه السلام فيما لقي من قومه . # وقد خص الله من جملة الرسل بعضا بصفات يتعين بها المقصود منهم ، أو بذكر ~~اسمه ، فذكر ثلاثة إذ قال : منهم من كلم الله ، وهذا موسى عليه السلام ~~لاشتهاره بهذه الخصلة العظيمة في القرآن ، وذكر عيسى عليه السلام ، ووسط ~~بينهما الإيماء إلى محمد صلى الله عليه وسلم بوصفه ، بقوله : { ورفع بعضهم ~~درجات } . # وقوله : { ورفع بعضهم درجات } يتعين أن يكون المراد من البعض هنا واحدا ~~من الرسل معينا لا طائفة ، وتكون الدرجات مراتب من الفضيلة ثابتة لذلك ~~الواحد : لأنه لو كان المراد من البعض جماعة من الرسل مجملا ، ومن الدرجات ~~درجات بينهم لصار الكلام تكرارا مع قوله فضلنا بعضهم على بعض ، ولأنه لو ~~أريد بعض فضل على بعض لقال ، ورفع بعضهم فوق بعض درجات كما قال في الآية ~~الأخرى : { ورفع بعضكم فوق بعض درجات } ( الأنعام : 165 ) . # وعليه فالعدول من التصريح بالاسم أو بالوصف المشهور به لقصد دفع الاحتشام ~~عن المبلغ الذي هو المقصود من هذا الوصف وهو محمد صلى الله عليه وسلم ~~والعرب تعبر بالبعض عن النفس كما في قول لبيد : # تراك أمكنة إذا لم أرضها # أو يعتلق بعض النفوسس حمامها PageV03P006 # أراد نفسه ، وعن المخاطب كقولي أبي الطيب : # إذا كان بعض الناس سيفا لدولة # ففي الناسس بوقات لها وطبول # والذي يعين المراد في هذا كله هو القرينة كانطباق الخبر أو الوصف على ~~واحد ms1330 كقول طرفة : # إذا القوم قالوا من فتى خلت أنني # عنيت فلم أكسل ولم أتبلد # وقد جاء على نحو هذه الآية قوله تعالى : { وما أرسلناك عليهم وكيلا وربك ~~أعلم بمن في السماوات والأرض ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض } ( الإسراء : ~~54 ، 55 ) عقب قوله : { وإذا قرآت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة حجابا مستورا إلى أن قال وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إلى قوله ~~ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض } ( الإسراء : 45 ، 55 ) . # وهذا إعلام بأن بعض الرسل أفضل من بعض على وجه الإجمال وعدمم تعيين ~~الفاضل من المفضول : ذلك أن كل فريق اشتركوا في صفة خير لا يخلون من أن ~~يكون بعضهم أفضل من بعض بما للبعض من صفات كمال زائدة على الصفة المشتركة ~~بينهم ، وفي تمييز صفات التفاضل غموض ، وتطرق لتوقع الخطإ وعروض ، وليس ذلك ~~بسهلل على العقول المعرضة للغفلة والخطإ . فإذا كان التفضيل قد أنبأ به رب ~~الجميع ، ومن إليه التفضيل ، فليس من قدر الناس أن يتصدوا لوضع الرسل في ~~مراتبهم ، وحسبهم الوقوف عندما ينبئهم الله في كتابه أو على لسان رسوله . # وهذا مورد الحديث الصحيح ( لا تفضلوا بين الأنبياء ) يعني به النهى عن ~~التفضيل التفصيلي ، بخلاف التفضيل على سبيل الإجمال ، كما نقول : الرسل ~~أفضل من الأنبياء الذين ليسوا رسلا . وقد ثبت أن محمدا صلى الله عليه وسلم ~~أفضل الرسل لما تظاهر من آيات تفضيله وتفضيل الدين الذي جاء به وتفضيل ~~الكتاب الذي أنزل عليه . وهي متقارنة الدلالة تنصيصا وظهورا . إلا أن ~~كثرتها تحصل اليقين بمجموع معانيها عملا بقاعدة كثرة الظواهر تفيد القطع . ~~وأعظمها آية { وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيناكم من كتاب وحكمة ثم ~~جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه } ( آل عمران : 81 ) الآية . ~~PageV03P007 # وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم ( لا يقولن أحدكم أنا خير من يونس بن ~~متى ) يعني بقوله : ( أنا ) نفسه على أرجح الاحتمالين ، وقوله : ( لا ~~تفضلوني على موسى ) ، فذلك صدر قبل أن ينبئه الله بأنه أفضل الخلق ms1331 عنده . # وهذه الدرجات كثيرة عرفنا منها : عموم الرسالة لكافة الناس ، ودوامها طول ~~الدهر ، وختمها للرسالات ، والتأييد بالمعجزة العظيمة التي لا تلتبس بالسحر ~~والشعوذة ، وبدوام تلك المعجزة ، وإمكان أن يشاهدها كل من يؤهل نفسه لإدراك ~~الإعجاز ، وبابتناء شريعته على رعي المصالح ودرء المفاسد والبلوغ بالنفوس ~~إلى أوج الكمال ، وبتيسير إدانة معانديه له ، وتمليكه أرضهم وديارهم ~~وأموالهم في زمن قصير ، وبجعل نقل معجزته متواترا لا يجهلها إلا مكابر ، ~~وبمشاهدة أمته لقبره الشريف ، وإمكان اقترابهم منه وائتناسهم به صلى الله ~~عليه وسلم # وقد عطف ما دل على نبيئنا على ما دل على موسى عليهما السلام لشدة الشبه ~~بين شريعتيهما ، لأن شريعة موسى عليه السلام أوسع الشرائع ، مما قبلها ، ~~بخلاف شريعة عيسى عليه السلام . # وتكليم الله موسى هو ما أوحاه إليه بدون واسطة جبريل ، بأن أسمعه كلاما ~~أيقن أنه صادر بتكوين الله ، بأن خلق الله أصواتا من لغة موسى تضمنت أصول ~~الشريعة ، وسيجيء بيان ذلك عند قوله تعالى : { وكلم الله موسى تكليما } ( ~~النساء : 164 ) في سورة النساء . # وقوله : { وأتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس } البينات هي ~~المعجزات الظاهرة البينة ، وروح القدس هو جبريل ، فإن الروح هنا بمعنى ~~الملك الخاص كقوله : { تنزل الملائكة والروح فيها } ( القدر : 4 ) . # والقدس بضم القاف وبضم الدال عند أهل الحجاز وسكونها عند بني تميم بمعنى ~~الخلوص والنزاهة ، فإضافة روح إلى القدس من إضافة الموصوف إلى الصفة ، ~~ولذلك يقال الروح القدس ، وقيل القدس اسم الله كالقدوس فإضافة روح إليه ~~إضافة أصلية ، أي روح من ملائكة الله . PageV03P008 # وروح القدس هو جبريل قال تعالى : { قل نزله روح القدس من ربك بالحق } ( ~~النحل : 102 ) ، وفي الحديث : ( إن روح القدس نفث في روعي أن نفسا لن تموت ~~حتى تستكمل أجلها ) وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لحسان : ( ~~اهجهم ومعك روح القدس ) . # وإنما وصف عيسى بهذين مع أن سائر الرسل أيدوا بالبينات وبروح القدس ، ~~للرد على اليهود الذين أنكروا رسالته ومعجزاته ، وللرد على النصارى الذين ~~غلوا فزعموا ألوهيته ، ولأجل هذا ذكر ms1332 معه اسم أمه مهما ذكر للتنبيه على أن ~~ابن الإنسان لا يكون إلها ، وعلى أن مريم أمة الله تعالى لا صاحبة لأن ~~العرب لا تذكر أسماء نسائها وإنما تكنى ، فيقولون ربة البيت ، والأهل ، ~~ونحو ذلك ولا يذكرون أسماء النساء إلا في الغزل ، أو أسماء الإماء . # { ولو شآء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جآءتهم البينات ولاكن ~~اختلفوا فمنهم من ءامن ومنهم من كفر ولو شآء الله ما اقتتلوا ولاكن الله ~~يفعل ما يريد } . # اعتراض بين الفذلكة المستفادة من جملة تلك الرسل إلى آخرها وبين الجملة { ~~يأيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم } ( البقرة : 254 ) ، فالواو ~~اعتراضية : فإن ما جرى من الأمر بالقتال ومن الأمثال التي بينت خصال ~~الشجاعة والجبن وآثارهما ، المقصود منه تشريعا وتمثيلا قتال أهلل الإيمان ~~لأهلل الكفر لإعلاء كلمة الله ونصر الحق على الباطل وبث الهدى وإزهاق ~~الضلال . بين الله بهذا الاعتراض حجة الذين يقاتلون في سبيل الله على الذين ~~كفروا : بأن الكافرين هم الظالمون إذ اختلفوا على ما جاءتهم به الرسل ، ولو ~~اتبعوا الحق لسلموا وسالموا . # ثم يجوز أن يكون الضمير المضاف إليه في قوله : { من بعدهم } مرادا به ~~جملة الرسل أي ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعد أولئك الرسل من الأمم ~~المختلفة في العقائد PageV03P009 مثل اقتتال اليهود والنصارى في اليمن في ~~قصة أصحاب الأخدود ، ومقاتلة الفلسطينيين لبني إسرائيل انتصارا لأصنامهم ، ~~ومقاتلة الحبشة لمشركي العرب انتصارا لبيعة القليس التي بناها الحبشة في ~~اليمن ، والأمم الذين كانوا في زمن الإسلام وناووه وقاتلوا المسلمين أهله ، ~~وهم المشركون الذين يزعمون أنهم على ملة إبراهيم واليهود والنصارى ، ويكون ~~المراد بالبينات دلائلل صدق محمد صلى الله عليه وسلم فتكون الآية بإنحاء ~~على الذين عاندوا النبي وناووا المسلمين وقاتلوهم ، وتكون الآية على هذا ~~ظاهرة التفرع على قوله : { وقاتلوا في سبيل الله واعلموا } ( البقرة : 244 ~~) إلخ . # ويجوز أن يكون ضمير ( من بعدهم ) ضمير الرسل على إرادة التوزيع ، أي ~~الذين من بعد كل رسول من الرسل ، فيكون مفيدا أن أمة كل ms1333 رسول من الرسل ~~اختلفوا واقتتلوا اختلافا واقتتالا نشآ من تكفير بعضهم بعضا كما وقع لبني ~~إسرائيل في عصور كثيرة بلغت فيها طوائف منهم في الخروج من الدين إلى حد ~~عبادة الأوثان ، وكما وقع للنصارى في عصور بلغ فيها اختلافهم إلى حد أن كفر ~~بعضهم بعضا ، فتقاتلت اليهود غير مرة قتالا جرى بين مملكة يهوذا ومملكة ~~إسرائيل ، وتقاتلت النصارى كذلك من جراء الخلاف بين اليعاقبة والملكية قبل ~~الإسلام ، وأشهر مقاتلات النصارى الحروب العظيمة التي نشأت في القرن السادس ~~عشر من التاريخ المسيحي بين أشياع الكاثوليك وبين أشياع مذهب لوثير الراهب ~~الجرماني الذي دعا الناس إلى إصلاح المسيحية واعتبار أتباع الكنيسة ~~الكاثوليكية كفارا لادعائهم ألوهية المسيح ، فعظمت بذلك حروب بين فرانسا ~~وأسبانيا وجرمانيا وإنكلترا وغيرها من دول أوروبا . # والمقصود تحذير المسلمين من الوقوع في مثل ما وقع فيه أولئك ، وقد حذر ~~النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك تحذيرا متواترا بقوله في خطبة حجة الوداع ~~: ( فلا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ) ، يحذرهم ما يقع من حروب ~~الردة وحروب الخوارج بدعوى التكفير ، وهذه الوصية من دلائلل النبوءة ~~العظيمة . # وورد في ( الصحيح ) قوله : ( إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل ~~والمقتول في النار ) ، قيل يا رسول الله هذا القاتل ، فما بال المقتول ، ~~قال : ( أما إنه كان حريصا على قتل أخيه ) ، وذلك يفسر بعضه بعضا أنه ~~القتال على اختلاف العقيدة . PageV03P010 # والمراد بالبينات على هذا الاحتمال أدلة الشريعة الواضحة التي تفرق بين ~~متبع الشريعة ومعاندها والتي لا تقبل خطأ الفهم والتأويل لو لم يكن دأبهم ~~المكابرة ودحض الدين لأجل عرض الدنيا ، والمعنى أن الله شاء اقتتالهم ~~فاقتتلوا ، وشاء اختلافهم فاختلفوا ، والمشيئة هنا مشيئة تكوين وتقدير لا ~~مشيئة الرضا لأن الكلام مسوق مساق التمني للجواب والتحسير على امتناعه ~~وانتفائه المفاد بلو كقول طرفة : # فلو شاء ربي كنت قيس بن خالد # ولو شاء ربي كنت عمرو بن مرثد # وقوله : { ولمن اختلفوا } استدراك على ما تضمنه جواب لو شاء الله : وهو ~~ما اقتتل ، لكن ذكر في الاستدراك لازم الضد ms1334 لجواب لو وهو الاختلاف لأنهم ~~لما اختلفوا اقتتلوا ولو لم يختلفوا لما اقتتلوا . وإنما جيء بلازم الضد في ~~الاستدراك للإيماء إلى سبب الاقتتال ليظهر أن معنى نفي مشيئة الله تركهم ~~الاقتتال ، هو أنه خلق داعية الاختلاف فيهم ، فبتلك الداعية اختلفوا ، ~~فجرهم الخلاف إلى أقصاه وهو الخلاف في العقيدة ، فمنهم من آمن ومنهم من كفر ~~، فاقتتلوا لأن لزوم الاقتتال لهذه الحالة أمر عرفي شائع ، فإن كان المراد ~~اختلاف أمة الرسول الواحد فالإيمان والكفر في الآية عبارة عن خطإ أهل الدين ~~فيه إلى الحد الذي يفضي ببعضهم إلى الكفر به ، وإن كان المراد اختلاف أممم ~~الرسل كلل للأخرى كما في قوله : { وقالت اليهود ليست النصارى على شيء } ( ~~البقرة : 113 ) ، فالإيمان والكفر في الآية ظاهر ، أي فمنهم من آمن بالرسول ~~الخاتم فاتبعه ومنهم من كفر به فعاداه ، فاقتتل الفريقان . # وأياما كان المراد من الوجهين فإن قوله : { فمنهم من آمن ومنهم من كفر } ~~ينادي على أن الاختلاف الذي لا يبلغ بالمختلفين إلى كفر بعضهم بما آمن به ~~الآخر لا يبلغ بالمختلفين إلى التقاتل ، لأن فيما أقام الله لهم من بينات ~~الشرع ما فيه كفاية الفصل بين المختلفين في اختلافهم إذا لم تغلب عليهم ~~المكابرة والهوى أو لم يعمهم سوء الفهم وقلة الهدى . # لا جرم أن الله تعالى جعل في خلقة العقول اختلاف الميول والأفهام ، وجعل ~~في تفاوت الذكاء وأصالة الرأي أسبابا لاختلاف قواعد العلوم والمذاهب ، ~~فأسباب الاختلاف إذن مركوزة في الطباع ، ولهذا قال تعالى : { ولو شاء الله ~~ما اقتتل الذين من بعدهم } PageV03P011 ثم قال : { ولكن اختلفوا } فصار ~~المعنى لو شاء الله ما اختلفوا ، لكن الخلاف مركوز في الجبلة . بيد أن الله ~~تعالى قد جعل أيضا في العقول أصولا ضرورية قطعية أو ظنية ظنا قريبا من ~~القطع به تستطيع العقول أن تعين الحق من مختلف الآراء ، فما صرف الناس عن ~~اتباعه إلا التأويلات البعيدة التي تحمل عليها المكابرة أو كراهية ظهور ~~المغلوبية ، أو حب المدحة من الأشياع وأهلل الأغراض ، أو السعي إلى عرض ~~عاجل من ms1335 الدنيا ، ولو شاء الله ما غرز في خلقة النفوس دواعي الميل إلى هاته ~~الخواطر السيئة فما اختلفوا خلافا يدوم ، ولكن اختلفوا هذا الخلاف فمنهم من ~~آمن ، ومنهم من كفر ، فلا عذر في القتال إلا لفريقين : مؤمن ، وكافر بما ~~آمن به الآخر ، لأن الغضب والحمية الناشئين عن الاختلاف في الدين قد كانا ~~سبب قتال منذ قديم ، أما الخلاف الناشيء بين أهل دين واحد لم يبلغ إلى ~~التكفير فلا ينبغي أن يكون سبب قتال . # ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ( من قال لأخيه يا كافر فقد باء هو ~~بها ) لأنه إذا نسب أخاه في الدين إلى الكفر فقد أخذ في أسباب التفريق بين ~~المسلمين وتوليد سبب التقاتل ، فرجع هو بإثم الكفر لأنه المتسبب فيما يتسبب ~~على الكفر ، ولأنه إذا كان يرى بعض أحوال الإيمان كفرا ، فقد صار هو كافرا ~~لأنه جعل الإيمان كفرا . وقال عليه الصلاة والسلام : ( فلا ترجعوا بعدي ~~كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ) ، فجعل القتال شعار التكفير . وقد صم المسلمون ~~عن هذه النصيحة الجليلة فاختلفوا خلافا بلغ بهم إلى التكفير والقتال ، ~~وأوله خلاف الردة في زمن أبي بكر ، ثم خلاف الحرورية في زمن علي وقد كفروا ~~عليا في قبوله تحكيم الحكمي ، ثم خلاف أتباع المقنع بخراسان الذي ادعى ~~الإلاهية واتخذ وجها من ذهب ، وظهر سنة 159 وهلك سنة 163 ، ثم خلاف ~~القرامطة مع بقية المسلمين وفيه شائبة من الخلاف المذهبي لأنهم في الأصل من ~~الشيعة ثم تطرفوا فكفروا وادعوا الحلول أي حلول الرب في المخلوقات واقتلعوا ~~الحجر الأسود من الكعبة وذهبوا به إلى بلدهم في البحرين ، وذلك من سنة 293 ~~. واختلف المسلمون أيضا خلافا كثيرا في المذاهب جر بهم تارات إلى مقاتلات ~~عظيمة ، وأكثرها حروب الخوارج غير المكفرين لبقية الأمة في المشرق ، ~~ومقاتلات أبي يزيد النكارى الخارجي بالقيروان وغيرها سنة 333 ، ومقاتلة ~~الشيعة وأهل السنة بالقيروان سنة 407 ، ومقاتلة الشافعية والحنابلة ~~PageV03P012 ببغداد سنة 475 ، ومقاتلة الشيعة وأهل السنة بها سنة 445 ، ~~وأعقبتها حوادث شر بينهم متكررة إلى أن اصطلحوا ms1336 في سنة 502 وزال الشر بينهم ~~، وقتال الباطنية المعروفين بالإسماعيلية لأهل السنة في ساوة وغيرها من سنة ~~494 إلى سنة 523 . ثم انقلبت إلى مقاتلات سياسية . ثم انقلبوا أنصارا ~~للإسلام في الحروب الصليبية ، وغير ذلك من المقاتلات الناشئة عن التكفير ~~والتضليل . لا نذكر غيرها من مقاتلات الدول والأحزاب التي نخرت عظم الإسلام ~~. وتطرقت كل جهة منه حتى البلد الحرام . # فالآية تنادي على التعجيب والتحذير من فعل الأمم في التقاتل للتخالف حيث ~~لم يبلغوا في أصاله العقول أو في سلامة الطوايا إلى الوسائلل التي يتفادون ~~بها عن التقاتل ، فهم ملومون من هذه الجهة ، ومشيرة إلى أن الله تعالى لو ~~شاء لخلقهم من قبل على صفة أكمل مما هم عليه حتى يستعدوا بها إلى الاهتداء ~~إلى الحق وإلى التبصر في العواقب قبل ذلك الإبان ، فانتفاء المشيئة راجع ~~إلى حكمة الخلقة ، واللوم والحسرة راجعان إلى التقصير في امتثال الشريعة ، ~~ولذلك قال : { ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد } فأعاد { ~~ولو شاء الله ما اقتتلوا } تأكيدا للأول وتمهيدا لقوله : { ولكن الله يفعل ~~ما يريد } ليعلم الواقف على كلام الله تعالى أن في هدى الله تعالى مقنعا ~~لهم لو أرادوا الاهتداء ، وأن في سعة قدرته تعالى عصمة لهم لو خلقهم على ~~أكمل من هذا الخلق كما خلق الملائكة . فالله يخلق ما يشاء ولكنه يكمل حال ~~الخلق بالإرشاد والهدى ، وهم يفرطون في ذلك . # $ 2 ( 254 ) { ياأيها الذين ءامنو & # 1764 ا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتى يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا ~~شفاعة والكافرون هم الظالمون } . ) 2 $ # موقع هذه الآية مثل موقع { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا } ( البقرة : ~~245 ) الآية لأنه لما دعاهم إلى بذل نفوسهم للقتال في سبيل الله فقال : { ~~وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم } ( البقرة : 244 ) شفعه ~~بالدعوة إلى بذل المال في الجهاد بقوله : { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا ~~فيضاعفه له أضعافا كثيرة } ( البقرة : 245 ) على طريقة قوله : { وجاهدوا ~~بأموالكم وأنفسكم ms1337 في سبيل الله } ( الأنفال : 72 ) ، وكانت هذه الآية في ~~قوة التذييل لآية { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا } لأن صيغة هذه الآية ~~PageV03P013 أظهر في إرادة عموم الإنفاق المطلوب في الإسلام ، فالمراد ~~بالإنفاق هنا ما هو أعم من الإنفاق في سبيل الله ، ولذلك حذف المفعول ~~والمتعلق لقصد الانتقال إلى الأمر بالصدقات الواجبة وغيرها ، وستجيء آيات ~~في تفصيل ذلك . # وقوله : { مما رزقناكم } حث على الإنفاق واستحقاق فيه . # وقوله : { من قبل أن يأتي يوم } حث آخر لأنه يذكر بأن هنالك وقتا تنتهي ~~الأعمال إليه ويتعذر الاستدراك فيه ، واليوم هو يوم القيامة ، وانتفاء ~~البيع والخلة والشفاعة كناية عن تعذر التدارك للفائت ، لأن المرء يحصل ما ~~يعوزه بطرق هي المعاوضة المعبر عنها بالبيع ، والارتفاق من الغير وذلك بسبب ~~الخلة ، أو بسبب توسط الواسطة إلى من ليس بخليل . # والخلة بضم الخاء المودة والصحبة ، ويجوز كسر الخاء ولم يقرأ به أحد ، ~~وتطلق الخلة بالضم على الصديق تسمية بالمصدر فيستوي فيه الواحد وغيره ~~والمذكر وغيره قال الحماسي : # ألا أبلغا خلتي راشدا # وصنوي قديما إذا ما اتصل # وقال كعب : أكرم بها خلة ، البيت . # فيجوز أن يراد هنا بالخلة المودة ، ونفي المودة في ذلك لحصول أثرها وهو ~~الدفع عن الخليل كقوله تعالى : { واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا ~~مولود هو جاز عن والده شيئا } ( لقمان : 33 ) ، ويجوز أن يكون نفي الخليل ~~كناية عن نفي لازمه وهو النفع كقوله : { يوم لا ينفع مال ولا بنون } ( ~~الشعراء : 88 ) ، قال كعب بن زهير : # وقال كل خليل كنت آمله # لا ألهينك إني عنك مشغول # وقرأ الجمهور { لا بيع فيه } وما بعده بالرفع لأن المراد بالبيع والخلة ~~والشفاعة الأجناس لا محالة ، إذ هي من أسماء المعاني التي لا آحاد لها في ~~الخارج فهي أسماء أجناس لا نكرات ، ولذلك لا يحتمل نفيها إرادة نفي الواحد ~~حتى يحتاج عند قصد PageV03P014 التنصيص على إرادة نفي الجنس إلى بناء الاسم ~~على الفتح ، بخلاف نحو لا رجل في الدار ولا إله إلا الله ، ولهذا جاءت ~~الرواية في ms1338 قول إحدى صواحب أم زرع ( زوجي كليلل تهامه لا حر ولا قر ولا ~~مخافة ولا سآمه ) بالرفع لا غير ، لأنها أسماء أجناس كما في هذه الآية . ~~وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب بالفتح لنفي الجنس نصا فالقراءتان ~~متساويتان معنى ، ومن التكلف هنا قول البيضاوي إن وجه قراءة الرفع وقوع ~~النفي في تقدير جواب لسؤال قائل هل بيع فيه أو خلة أو شفاعة . # والشفاعة الوساطة في طلب النافع ، والسعي إلى من يراد استحقاق رضاه على ~~مغضوب منه عليه أو إزالة وحشة أو بغضاء بينهما ، فهي مشتقة من الشفع ضد ~~الوتر ، يقال شفع كمنع إذا صير الشيء شفعا ، وشفع أيضا كمنع إذا سعى في ~~الإرضاء ونحوه لأن المغضوب عليه والمحروم يبعد عن واصله فيصير وترا فإذا ~~سعى الشفيع بجلب المنفعة والرضا فقد أعادهما شفعا ، فالشفاعة تقتضي مشفوعا ~~إليه ومشفوعا فيه ، وهي في عرفهم لا يتصدى لها إلا من يتحقق قبول شفاعته ، ~~ويقال شفع فلان عند فلان في فلان فشفعه فيه أي فقبل شفاعته ، وفي الحديث : ~~( قالوا هذا جدير إن خطب بأن ينكح وإن شفع بأن يشفع ) . # وبهذا يظهر أن الشفاعة تكون في دفع المضرة وتكون في جلب المنفعة قال : # فذاك فتى إن تأته في صنيعة # إلى ماله لا تأته بشفيع # ومما جاء في منشور الخليفة القادر بالله للسلطان محمود بن سبكتكين ~~الغزنوي ( وليناك كورة خراسان ولقبناك يمين الدولة ، بشفاعة أبي حامد ~~الإسفرائيني ) ، أي بواسطته ورغبته . # فالشفاعة في العرف تقتضي إدلال الشفيع عند المشفوع لديه ، ولهذا نفاها ~~الله تعالى هنا بمعنى نفي استحقاق أحد من المخلوقات أن يكون شفيعا عند الله ~~بإدلال ، وأثبتها في آيات أخرى كقوله قريبا { من ذا الذي يشفع عنده إلا ~~بإذنه } ( البقرة : 255 ) وقوله : PageV03P015 { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ~~} ( الأنبياء : 28 ) ، وثبتت للرسول عليه السلام في أحاديث كثيرة وأشير ~~إليها بقوله تعالى : { عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا } ( الإسراء : 79 ) ~~وفسرت الآية بذلك في الحديث الصحيح ، ولذلك كان من أصول اعتقادنا إثبات ~~الشفاعة للنبيء صلى الله عليه وسلم وأنكرها ms1339 المعتزلة وهم مخطئون في إنكارها ~~وملبسون في استدلالهم ، والمسألة مبسوطة في كتب الكلام . # والشفاعة المنفية هنا مراد بها الشفاعة التي لا يسع المشفوع إليه ردها ، ~~فلا يعارض ما ورد من شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة ~~لأن تلك كرامة أكرمه الله تعالى بها وأذن له فيها إذ يقول : ( اشفع تشفع ) ~~فهي ترجع إلى قوله تعالى : { من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه } ( البقرة : ~~255 ) وقوله : { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى } ( الأنبياء : 28 ) وقوله : { ~~ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له } ( سبأ : 23 ) . # وقوله : { والكافرون هم الظالمون } صيغة قصر نشأت عن قوله : { لا بيع فيه ~~ولا خلة ولا شفاعة } فدلت على أن ذلك النفي تعريض وتهديد للمشركين فعقب ~~بزيادة التغليظ عليهم والتنديد بأن ذلك التهديد والمهدد به قد جلبوه ~~لأنفسهم بمكابرتهم فما ظلمهم الله ، وهذا أشد وقعا على المعاقب لأن المظلوم ~~يجد لنفسه سلوا بأنه معتدى عليه ، فالقصر قصر قلب ، بتنزيلهم منزلة من ~~يعتقد أنهم مظلومون . ولك أن تجعله قصرا حقيقيا ادعائيا لأن ظلمهم لما كان ~~أشد الظلم جعلوا كمن انحصر الظلم فيهم . # والمراد بالكافرين ظاهرا المشركون ، وهذا من بدائع بلاغة القرآن ، فإن ~~هذه الجملة صالحة أيضا لتذييل الأمر بالإنفاق في سبيل الله ، لأن ذلك ~~الإنفاق لقتال المشركين الذين بدأوا الدين بالمناوأة ، فهم الظالمون لا ~~المؤمنون الذين يقاتلونهم لحماية الدين والذب عن حوزته . وذكر الكافرين في ~~مقام التسجيل فيه تنزيه للمؤمنين عن أن يتركوا الإنفاق إذ لا يظن بهم ذلك ، ~~فتركه والكفر متلازمان ، فالكافرون يظلمون أنفسهم ، والمؤمنون لا يظلمونها ~~، وهذا كقوله تعالى : { وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة } ( فصلت : 6 ~~، 7 ) ، وذلك أن القرآن يصور المؤمنين في أكمل مراتب الإيمان ويقابل حالهم ~~بحال الكفار تغليظا وتنزيها ، ومن هذه الآية وأمثالها اعتقد بعض فرق ~~الإسلام أن المعاصي تبطل الإيمان كما قدمناه . # PageV03P016 # | 2 ( 255 ) { الله لا إلاه إلا هو الحى القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ~~ما في السماوات وما في الارض من ذا الذى يشفع عنده إلا ms1340 بإذنه يعلم ما بين ~~أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شآء وسع كرسيه السماوات ~~والارض ولا يؤوده حفظهما وهو العلى العظيم } . ) 2 # لما ذكر هول يوم القيامة وذكر حال الكافرين استأنف بذكر تمجيد الله تعلى ~~وذكر صفاته إبطالا لكفر الكافرين وقطعا لرجائهم ، لأن فيها { من الذي يشفع ~~عنده إلا بإذنه } ، وجعلت هذه الآية ابتداء لآيات تقرير الوحدانية والبعث ، ~~وأودعت هذه الآية العظيمة هنا لأنها كالبرزخ بين الأغراض السابقة واللاحقة ~~. # وجيء باسم الذات هنا لأنه طريق في الدلالة على المسمى المنفرد بهذا الاسم ~~، فإن العلم أعرف المعارف لعدم احتياجه في الدلالة على مسماه إلى قرينة أو ~~معونة لولا احتمال تعدد التسمية ، فلما انتفى هذا الاحتمال في اسم الجلالة ~~كان أعرف المعارف لا محالة لاستغنائه عن القرائن والمعونات ، فالقرائن ~~كالتكلم والخطاب ، والمعونات كالمعاد والإشارة باليد والصلة وسبقق العهد ~~والإضافة . # وجملة ( لا إله إلا هو ) خبر أول عن اسم الجلالة ، والمقصود من هذه ~~الجملة إثبات الوحدانية وقد تقدم الكلام على دلالة لا إله إلا هو على ~~التوحيد ونفي الآلهة عند قوله تعالى : { وإلهكم إله واحد إلا هو } ( البقرة ~~: 163 ) . # وقوله : { الحي } خبر لمبتدأ محذوف ، و { القيوم } خبر ثان لذلك ~~المبتدإالمحذوف ، والمقصود إثبات الحياة وإبطال استحقاق آلهة المشركين وصف ~~الإلهية لانتفاء الحياة ، عنهم كما قال إبراهيم عليه السلام { يا أبت لم ~~تعبد ما لا يسمع ولا يبصر } ( مريم : 42 ) وفصلت هذه الجملة عن التي قبلها ~~للدلالة على استقلالها لأنها لو عطفت لكانت كالتبع ، وظاهر كلام الكشاف أن ~~هذه الجملة مبينة لما تضمنته جملة { الله لا إله إلا هو } من أنه القائم ~~PageV03P017 بتدبير الخلق ، أي لأن اختصاصه بالإلاهية يقتضي أن لا مدبر ~~غيره ، فلذلك فصلت خلافا لما قرر به التفتازاني كلامه فإنه غير ملائم ~~لعبارته . # والحي في كلام العرب من قامت به الحياة ، وهي صفة بها الإدراك والتصرف ، ~~أعني كمال الوجود المتعارف ، فهي في المخلوقات بانبثاث الروح واستقامة ~~جريان الدم في الشرايين ، وبالنسبة إلى الخالق ما يقارب أثر صفة الحياة ~~فينا ms1341 ، أعني انتفاء الجمادية مع التنزيه عن عوارض المخلوقات . وفسرها ~~المتكلمون بأنها ( صفة تصحح لمن قامت به الإدراك والفعل ) . # وفسر صاحب ( الكشاف ) الحي بالباقي ، أي الدائم الحياة بحيث لا يعتريه ~~العدم ، فيكون مستعملا كناية في لازم معناه لأن إثبات الحياة لله تعالى ~~بغير هذا المعنى لا يكون إلا مجازا أو كناية . وقال الفخر : ( الذي عندي أن ~~الحي في أصل اللغة ليس عبارة عن صحة العلم والقدرة . بل عبار عن كمال الشيء ~~في جنسه ، قال تعالى : { فأحيا به الأرض بعد موتها } ( الجاثية : 5 ) ، ~~وحياة الأشجار إيراقها . فالصفة المسماة في عرف المتكلمين بالحياة سميت ~~بذلك لأن كمال حال الجسم أن يكون موصوفا بها ، فالمفهوم الأصلي من لفظ الحي ~~كونه واقعا على أكمل أحواله وصفاته ) . # والمقصود بوصف الله هنا بالحي إبطال عقيدة المشركين إلاهية أصنامهم التي ~~هي جمادات ، وكيف يكون مدبر أمور الخلق جمادا . # والحي صفة مشبهة من حيي ، أصله حيي كحذر أدغمت الياءان ، وهو يائي باتفاق ~~أئمة اللغة ، وأما كتابة السلف في المصحف كلمة حيوة بواو بعد الياء فمخالفة ~~للقياس ، وقيل كتبوها على لغة أهل اليمن لأنهم يقولون حيوة أي حياة ، وقيل ~~كتبوها على لغة تفخيم الفتحة . # والقيوم فيعول من قام يقوم وهو وزن مبالغة ، وأصله قيووم فاجتمعت الواو ~~والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمتا ، والمراد به ~~المبالغة في القيام المستعملل مجازا مشهورا في تدبير شؤون الناس ، قال ~~تعالى : { أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت } ( الرعد : 33 ) . والمقصود ~~إثبات عموم العلم له وكمالل الحياة وإبطال إلاهية PageV03P018 أصنام ~~المشركين ، لأن المشركين كانوا يعترفون بأن مدبر الكون هو الله تعالى ، ~~وإنما جعلوا آلهتهم شفعاء وشركاء ومقتسمين أمور القبائل . والمشركون من ~~اليونان كانوا قد جعلوا لكل إله من آلهتهم أنواعا من المخلوقات يتصرف فيها ~~وأمما من البشر تنتمي إليه ويحنأ عليها . # وجملة { لا تأخذه سنة ولا نوم } مقررة لمضمون جملة ( الله الحي القيوم ) ~~ولرفع احتمال المبالغة فيها ، فالجملة منزلة منزلة البيان لمعنى الحي ~~القيوم ولذلك فصلت عن التي قبلها . # والسنة فعلة من ms1342 الوسن ، وهوأول النوم ، والظاهر أن أصلها اسم هيأة كسائر ~~ما جاء على وزن فعله من الواوي لفاء ، وقد قالوا وسنة بفتح الواو على صيغة ~~المرة . والسنة أول النوم ، قال عدي بن الرقاع : # وسنان أقصده النعاس فرنقت # في عينه سنة وليس بنائم # والنوم معروف وهو فتور يعتري أعصاب الدماغ من تعب أعمال الأعصاب من تصاعد ~~الأبخرة البدنية الناشئة عن الهضم والعملل العصبي ، فيشتد عند مغيب الشمس ~~ومجيء الظلمة فيطلب الدماغ والجهاز العصبي الذي يدبره الدماغ استراحة ~~طبيعية فيغيب الحس شيئا فشيئا وتثقل حركة الأعضاء ، ثم يغيب الحس إلى أن ~~تسترجع الأعصاب نشاطها فتكون اليقظة . # ونفي استيلاء السنة والنوم على الله تعالى تحقيق لكمال الحياة ودوام ~~التدبير ، وإثبات لكمال العلم ؛ فإن السنة والنوم يشبهان الموت ، فحياة ~~النائم في حالهما حياة ضعيفة ، وهما يعوقان عن التدبير وعن العلم بما يحصل ~~في وقت استيلائهما على الإحساس . # ونفي السنة عن الله تعالى لا يغني عن نفي النوم عنه لأن من الأحياء من لا ~~تعتريه السنة فإذا نام نام عميقا ، ومن الناس من تأخذه السنة في غير وقت ~~النوم غلبة ، وقد تمادحت العرب بالقدرة على السهر ، قال أبو كبير : # فأتت به حوش الفؤاد مبطنا # سهدا إذا ما نام ليل الهوجل PageV03P019 # والمقصود أن الله لا يحجب علمه شيء حجبا ضعيفا ولا طويلا ولا غلبة ولا ~~اكتسابا ، فلا حاجة إلى ما تطلبه الفخر والبيضاوي من أن تقديم السنة على ~~النوم مراعى فيه ترتيب الوجود ، وأن ذكر النوم من قبيل الاحتراس . وقد أخذ ~~هذا المعنى بشار وصاغه بما يناسب صناعة الشعر فقال : # وليلل دجوجي تنام بناته # وأبناؤه من طوله وربائبه # فإنه أراد من بنات الليل وأبنائه الساهرات والساهرين بمواظبة ، وأراد ~~بربائب الليل من هم أضعف منهم سهرا لليلل لأن الربيب أضعف نسبة من الولد ~~والبنت . # وجملة { له ما في السماوات وما في الأرض } تقرير لانفراده بالإلهية إذ ~~جميع الموجودات مخلوقاته ، وتعليل لاتصافه بالقيومية لأن من كانت جميع ~~الموجودات ملكا له فهو حقيق بأن يكون قيومها وألا يهملها ولذلك فصلت ms1343 الجملة ~~عن التي قبلها . # واللام للملك . والمراد بالسماوات والأرض استغراق أمكنة الموجودات ، فقد ~~دلت الجملة على عموم الموجودات بالموصول وصلته ، وإذا ثبت ملكه للعموم ثبت ~~أنه لا يشذ عن ملكه موجود فحصل معنى الحصر ، ولكنه زاده تأكيدا بتقديم ~~المسند أي لا لغيره لإفادة الرد على أصناف المشركين ، من الصابئة عبدة ~~الكواكب كالسريان واليونان ومن مشركي العرب لأن مجرد حصول معنى الحصر ~~بالعموم لا يكفي في الدلالة على إبطال العقائد الضالة . فهذه الجملة أفادت ~~تعليم التوحيد بعمومها ، وأفادت إبطال عقائد أهل الشرك بخصوصية القصر ، ~~وهذا بلاغة معجزة . # وجملة { من ذا الذي يشفع عنده ألا بإذنه } مقررة لمضمون جملة { له ما في ~~السماوات وما في الأرض } لما أفاده لام الملك من شمول ملكه تعالى لجميع ما ~~في السماوات وما في الأرض ، وما تضمنه تقديم المجرور من قصر ذلك الملك عليه ~~تعالى قصر قلب ، فبطل وصف الإلهية عن غيره تعالى ، بالمطابقة . وبطل حق ~~الإدلال عليه والشفاعة عنده التي لا ترد بالالتزام ، لأن الإدلال من شأن ~~المساوي والمقارب ، والشفاعة إدلال . وهذا إبطال لمعتقد معظم مشركي العرب ~~لأنهم لم يثبتوا لإلهتهم وطواغيتهم PageV03P020 ألوهية تامة ، بل قالوا : { ~~هؤلاء شفعاؤنا عند الله } ( يونس : 18 ) وقالوا : { ما نعبدهم إلا ليقربونا ~~إلى الله زلفى } ( الزمر : 3 ) ، فأكد هذا المدلول بالصريح ، ولذلك فصلت ~~هذه الجملة عما قبلها . # و { ذا } مزيدة للتأكيد إذ ليس ثم مشار إليه معين ، والعرب تزيد ( ذا ) ~~لما تدل عليه الإشارة من وجود شخص معين يتعلق به حكم الاستفهام ، حتى إذا ~~أظهر عدم وجوده كان ذلك أدل على أن ليس ثمة متطلع ينصب نفسه لادعاء هذا ~~الحكم ، وتقدم القول في ( من ذا ) عند قوله تعالى : { من ذا الذي يقرض الله ~~قرضا حسنا } ( البقرة : 245 ) . والاستفهام في قوله : # { من ذا الذي يشفع عنده } مستعمل في الإنكار والنفي بقرينة الاستثناء منه ~~بقوله { إلا بإذنه } . # والشفاعة تقدم الكلام عليها عند قوله تعالى : { لا بيع فيه ولا خلة ولا ~~شفاعة } ( البقرة : 54 ) . # والمعنى أنه لا يشفع عنده أحد بحق وإدلال لأن ms1344 المخلوقات كلها ملكه ، ولكن ~~يشفع عنده من أراد هو أن يظهر كرامته عنده فيأذنه بأن يشفع فيمن أراد هو ~~العفو عنه ، كما يسند إلى الكبراء مناولة المكرمات إلى نبغاء التلامذة في ~~مواكب الامتحان ، ولذلك جاء في حديث الشفاعة : أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يأتيه الناس ليكلم ربه فيخفف عنهم هول موقف الحساب ، فيأتي حتى يسجد ~~تحت العرش ويتكلم بكلمات يعلمه الله تعالى إياها ، فيقال يا محمد ارفع رأسك ~~، سل تعطه ، واشفع تشفع ، فسجوده استيذان في الكلام ، ولا يشفع حتى يقال ~~اشفع ، وتعليمه الكلمات مقدمة للإذن . # وجملة { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه } تقرير ~~وتكميل لما تضمنه مجموع جملتي { الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم } ولما ~~تضمنته جملة { من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه } ، فإن جملتي { الحي القيوم ~~لا تأخذه سنة ولا نوم } دلتا على عموم علمه بما حدث ووجد من الأكوان ولم ~~تدلا على علمه بما سيكون فأكد وكمل بقوله يعلم الآية ، وهي أيضا تعليل ~~لجملة من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه إذ قد يتجه سؤال لماذا حرموا الشفاعة ~~إلا بعد الإذن فقيل لأنهم لا يعلمون من يستحق PageV03P021 الشفاعة وربما ~~غرتهم الظواهر ، والله يعمل من يستحقها فهو يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ~~ولأجل هذين المعنيين فصلت الجملة عما قبلها . # والمراد بما بين أيديهم وما خلفهم ما هو ملاحظ لهم من المعلومات وما خفي ~~عنهم أو ذهلوا عنه منها ، أو ما هو واقع بعدهم وما وقع قبلهم . وأما علمه ~~بما في زمانهم فأحرى . وقيل المستقبل هو ما بين الأيدي والماضي هوالخلف ، ~~وقيل عكس ذلك ، وهما استعمالان مبنيان على اختلاف الاعتبار في تمثيل ما بين ~~الأيدي والخلف ، لأن ما بين أيدي المرء هو أمامه ، فهو يستقبله ويشاهده ~~ويسعى للوصول إليه ، وما خلفه هو ما وراء ظهره ، فهو قد تخلف عنه وانقطع ~~ولا يشاهده ، وقد تجاوزه ولا يتصل به بعد وقيل أمور الدنيا وأمور الآخرة ، ~~وهوفرع من الماضي والمستقبل ، وقيل المحسوسات والمعقولات ms1345 . وأياما كان ~~فاللفظ مجاز ، والمقصود عموم العلم بسائر الكائنات . # وضمير { أيديهم } و { خلفهم } عائد إلى { ما في السماوات وما في الأرض } ~~بتغليب العقلاء من المخلوقات لأن المراد بما بين أيديهم وما خلفهم ما يشمل ~~أحوال غير العقلاء ، أو هو عائد على خصوص العقلاء من عموم ما في السموات ~~وما في الأرض فيكون المراد ما يختص بأحوال البشر وهو البعض ، لضمير ولا ~~يحيطون لأن العلم من أحوال العقلاء . # وعطفت جملة { ولا يحيطون بشيء من علمه على جملة يعلم ما بين أيديهم لأنها ~~تكملة لمعناها كقوله : والله يعلم وأنتم لا تعلمون } ( البقرة : 216 ) . # ومعنى يحيطون يعلمون علما تاما ، وهومجاز حقيقته أن الإحاطة بالشيء تقتضي ~~الاحتواء على جميع أطرافه بحيث لا يشذ منه شيء من أوله ولا آخره ، فالمعنى ~~لا يعلمون علم اليقين شيئا من معلوماته ، وأما ما يدعونه فهو رجم بالغيب . ~~فالعلم في قوله : { من علمه } بمعنى المعلوم ، كالخلق بمعنى المخلوق ، ~~وإضافته إلى ضمير اسم الجلالة تخصيص له بالعلوم اللدنية التي استأثر الله ~~بها ولم ينصب الله تعالى عليها دلائل عقلية أو عادية . ولذلك فقوله : { إلا ~~بما شاء } تنبيه على أنه سبحانه قد يطلع بعض أصفيائه على ما هو من خواص ~~علمه كقوله : { عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول } ~~( الجن : 26 ، 27 ) . PageV03P022 # وقوله : { وسع كرسيه السموات والأرض } تقرير لما تضمنته الجمل كلها من ~~عظمة الله تعالى وكبريائه وعلمه وقدرته وبيان عظمة مخلوقاته المستلزمة عظمة ~~شأنه ، أو لبيان سعة ملكه كذلك كما سنبينه ، وقد وقعت هذه الجمل مترتبة ~~متفرعة . # والكرسي شيء يجلس عليه متركب من أعواد أو غيرها موضوعة كالأعمدة متساوية ~~، عليها سطح من خشب أو غيره بمقدار ما يسع شخصا واحدا في جلوسه ، فإن زاد ~~على مجلس واحد وكان مرتفعا فهو العرش . وليس المراد في الآية حقيقة الكرسي ~~إذ لا يليق بالله تعالى لاقتضائه التحيز ، فتعين أن يكون مرادا به غير ~~حقيقته . # والجمهور قالوا : إن الكرسي مخلوق عظيم ، ويضاف إلى الله تعالى لعظمته ، ~~فقيل هو العرش ms1346 ، وهو قول الحسن . وهذا هو الظاهر لأن الكرسي لم يذكر في ~~القرآن إلا في هذه الآية وتكرر ذكر العرش ، ولم يرد ذكرهما مقترنين ، فلو ~~كان الكرسي غير العرش لذكر معه كما ذكرت السماوات مع العرش في قوله تعالى : ~~{ قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم } ( المؤمنون : 86 ) ، وقيل ~~الكرسي غير العرش ، فقال ابن زيد هو دون العرش وروى في ذلك عن أبي ذر أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ~~ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض ) وهو حديث لم يصح . وقال أبو موسى الأشعري ~~والسدى والضحاك : الكرسي موضع القدمين من العرش ، أي لأن الجالس على عرش ~~يكون مرتفعا عن الأرض فيوضع له كرسي لئلا تكون رجلاه في الفضاء إذا لم ~~يتربع ، وروي هذا عن ابن عباس . وقيل الكرسي مثل لعلم الله ، وروي عن ابن ~~عباس لأن العالم يجلس على كرسي ليعلم الناس . وقيل مثل لملك الله تعالى كما ~~يقولون فلان صاحب كرسي العراق أي ملك العراق ، قال البيضاوي : ( ولعله ~~الفلك المسمى عندهم بفلك البروج ) . قلت أثبت القرآن سبع سماوات ولم يبين ~~مسماها في قوله ( سورة نوح ) : { ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا ~~وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا } ( نوح : 15 ، 16 ) ، فيجوز أن ~~تكون السماوات طبقات من الأجواء مختلفة الخصائص متمايزة بما يملاها من ~~العناصر ، وهي مسبح الكواكب ، ولقد قال تعالى ( سورة الملك ) : { ولقد زينا ~~السماء الدنيا بمصابيح } ( الملك : 5 ) ، ويجوز أن تكون السماوات هي ~~الكواكب العظيمة المرتبطة بالنظام PageV03P023 الشمسي وهي : فلكان ، وعطارد ~~، والزهرة ، وهذه تحت الشمس إلى الأرض ، والمريخ ، والمشتري ، وزحل ، ~~وأورانوس ، ونبتون ، وهذه فوق الشمس على هذا الترتيب في البعد ، إلا أنها ~~في عظم الحجم يكون أعظمها المشتري ، ثم زحل ، ثم نبتون ، ثم أورانوس ، ثم ~~المريخ ، فإذا كان العرش أكبرها فهو المشتري ، والكرسي دونه فهو زحل ، ~~والسبع الباقية هي المذكورة ، ويضم إليها القمر ، وإن كان الكرسي هو العرش ~~فلا حاجة إلى عد القمر ، وهذا هو الظاهر ms1347 ، والشمس من جملة الكواكب ، وقوله ~~تعالى : { وجعل الشمس سراجا } ( نوح : 16 ) تخصيص لها بالذكر للامتنان على ~~الناس بأنها نور للأرض ، إلا أن الشمس أكبر من جميعها على كل تقدير . وإذا ~~كانت السماوات أفلاكا سبعة لشموس غير هذه الشمس ولكل فلك نظامه كما لهذه ~~الشمس نظامها فذلك جائز وسبحان من لا تحيط بعظمة قدرته الأفهام فيكون ~~المعنى على هذا أن الله تعالى نبهنا إلى عظيم قدرته وسعة ملكوته بما يدل ~~على ذلك مع موافقته لما في نفس الأمر ، ولكنه لم يفصل لنا ذلك لأن تفصيله ~~ليس من غرض لاستدلال على عظمته ، ولأن العقول لا تصل إلى فهمه لتوقفه على ~~علوم واستكمالات فيها لم تتم إلى الآن ، ولتعلمن نبأه بعد حين . # وجملة { ولا يؤوده حفظهما } عطفت على جملة { وسع كرسيه } لأنها من ~~تكملتها وفيها ضمير معاده في التي قبلها ، أي إن الذي أوجد هاته العوالم لا ~~يعجز عن حفظها . # وآده جعله ذا أود . والأود بالتحريك العوج ، ومعنى آده أثقله لأن المثقل ~~ينحني فيصير ذا أود . # وعطف عليه { وهو العلي العظيم } لأنه من تمامه ، والعلو والعظمة مستعاران ~~لشرف القدر وجلال القدرة . # ولهذه الآية فضل كبير لما اشتملت عليه من أصول معرفة صفات الله تعالى ، ~~كما اشتملت سورة الإخلاص على ذلك وكما اشتملت كلمة الشهادة . في ( الصحيحين ~~) عن أبي هريرة ( أن آتيا أتاه في الليل فأخذ من طعام زكاة الفطر فلما ~~أمسكه قال له إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي لن يزال معك من الله ~~حافظ ولا يقربك شيطان PageV03P024 حتى تصبح ) فقال له النبي صلى الله عليه ~~وسلم ( صدقك وذلك شيطان ) ، وأخرج مسلم عن أبي ابن كعب أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال له : ( يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك ~~أعظم قلت الله لا إله إلا هو الحي القيلأم ، فضرب في صدري وقال : والله ~~ليهنك العلم أبا المنذر ) . وروى النسائي : ( من قرأ آية الكرسي في دبر كل ~~صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت ) ، وفيها ms1348 فضائل كثيرة مجربة ~~للتأمين على النفس والبيت . # # | 2 ( 256 ) { لا إكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر ~~بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع ~~عليم } . ) 2 # استئناف بياني ناشىء عن الأمر بالقتال في سبيل الله في قوله : { وقاتلوا ~~في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم } ( البقرة : 244 ) إذ يبدو للسامع ~~أن القتال لأجل دخول العدو في الإسلام فبين في هذه الآية أنه لا إكراه على ~~الدخول في الإسلام وسيأتي الكلام على أنها محكمة أو منسوخة . # وتعقيب آية الكرسي بهاته الآية بمناسبة أن ما اشتملت عليه الآية السابقة ~~من دلائل الوحدانية وعظمة الخالق وتنزيهه عن شوائب ما كفرت به الأمم ، من ~~شأنه أن يسوق ذوي العقول إلى قبول هذا الدين الواضحح العقيدة ، المستقيم ~~الشريعة ، باختيارهم دون جبر ولا إكراه ، ومن شأنه أن يجعل دوامهم على ~~الشرك بمحل السؤال : أيتركون عليه أم يكرهون على الإسلام ، فكانت الجملة ~~استئنافا بيانيا . # والإكراه الحمل على فعل مكروه ، فالهمزة فيه للجعل ، أي جعله ذا كراهية ، ~~ولا يكون ذلك إلا بتخويف وقوع ما هو أشد كراهية من الفعل المدعو إليه . # والدين تقدم بيانه عند قوله : { مالك يوم الدين } ( الفاتحة : 3 ) ، وهو ~~هنا مراد به الشرع . # والتعريف في الدين للعهد ، أي دين الإسلام . PageV03P025 # ونفي الإكراه خير في معنى النهي ، والمراد نفي أسباب الإكراه في حكم ~~الإسلام ، أي لا تكرهوا أحدا على أتباع الإسلام قسرا ، وجيء بنفي الجنس ~~لقصد العموم نصا . وهي دليل واضح على إبطال الإكراه على الدين بسائر أنواعه ~~، لأن أمر الإيمان يجري على الاستدلال ، والتمكين من النظر ، وبالاختيار . ~~وقد تقرر في صدر الإسلام قتال المشركين على الإسلام ، وفي الحديث : ( أمرت ~~أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم ~~وأموالهم إلا بحقها ) . ولا جائز أن تكون هذه الآية قد نزلت قبل ابتداء ~~القتال كله ، فالظاهر أن هذه الآية نزلت بعد فتح مكة واستخلاص بلاد العرب ، ~~إذ يمكن أن يدوم نزول السورة سنين ms1349 كما قدمناه في صدر تفسير سورة الفاتحة لا ~~سيما وقد قيل بأن آخر آية نزلت هي في سورة النساء ( 176 ) { يبين الله لكم ~~أن تضلوا الآية ، فنسخت حكم القتال على قبول الكافرين الإسلام ودلت على ~~الاقتناع منهم بالدخول تحت سلطان الإسلام وهو المعبر عنه بالذمة ، ووضحه ~~عمل النبي وذلك حين خلصت بلاد العرب من الشرك بعد فتح مكة وبعد دخول الناس ~~في الدين أفواجا حين جاءت وفود العرب بعد الفتح ، فلما تم مراد الله من ~~إنقاذ العرب من الشرك والرجوع بهم إلى ملة إبراهيم ، ومن تخليص الكعبة من ~~أرجاس المشركين ، ومن تهيئة طائفة عظيمة لحمل هذا الدين وحماية بيضته ، ~~وتبين هدى الإسلام وزال ما كان يحول دون أتباعه من المكابرة ، وحقق الله ~~سلامه بلاد العرب من الشرك كما وقع في خطبة حجة الوداع إن الشيطان قد يئس ~~من أن يعبد في بلدكم هذا لما تم ذلك كله أبطل الله القتال على الدين وأبقى ~~القتال على توسيع سلطانه ، ولذلك قال ( سورة التوبة 29 ) قاتلوا الذين لا ~~يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون ~~دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ، وعلى ~~هذا تكون الآية ناسخة لما تقدم من آيات القتال مثل قوله قبلها يا أيها ~~النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلط عليهم } ( التوبة : 73 ) على أن الآيات ~~النازلة قبلها أو بعدها أنواع ثلاثة : # أحدها : آيات أمرت بقتال الدفاع كقوله تعالى : { وقاتلوا المشركين كافة ~~كما يقاتلونكم كافة } ( التوبة : 36 ) ، وقوله : { الشهر الحرام بالشهر ~~الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى PageV03P026 عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما ~~اعتدى عليكم واتقوا الله } ( البقرة : 194 ) ، وهذا قتال ليس للإكراه على ~~الإسلام بل هو لدفع غائلة المشركين . # النوع الثاني : آيات أمرت بقتال المشركين والكفار ولم تغي بغاية ، فيجوز ~~أن يكون إطلاقها مقيدا بغاية آية { حتى يعطوا الجزية } ( التوبة : 29 ) ~~وحينئذ فلا تعارضه آيتنا هذه { لا إكراه في الدين } . # النوع الثالث : ما غيي بغاية كقوله تعالى : { وقاتلوهم حتى لا ms1350 تكون فتنة ~~ويكون الدين لله } ( البقرة : 193 ) ، فيتعين أن يكون منسوخا بهاته الآية ~~وآية { حتى يعطوا الجزية } ( التوبة : 29 ) كما نسخ حديث ( أمرت أن أقاتل ~~الناس ) ، هذا ما يظهر لنا في معنى الآية ، والله أعلم . # ولأهل العلم قبلنا فيها قولان : الأول قال ابن مسعود وسليمان بن موسى : ~~هي منسوخة بقوله { يأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين } ( التوبة : 73 ) ، ~~فإن النبي صلى الله عليه وسلم أكره العرب على الإسلام وقاتلهم ولم يرض منهم ~~إلا به . ولعلهما يريدان من النسخ معنى التخصيص . والاستدلال على نسخها ~~بقتال النبي صلى الله عليه وسلم العرب على الإسلام ، يعارضه أنه عليه ~~السلام أخذ الجزية من جميع الكفار ، فوجه الجمع هو التنصيص . القول الثاني ~~أنها محكمة ولكنها خاصة ، فقال الشعبي وقتادة والحسن والضحاك هي خاصة بأهل ~~الكتاب فإنهم لا يكرهون على الإسلام إذا أدوا الجزية وإنما يجبر على ~~الإسلام أهل الأوثان ، وإلى هذا مال الشافعي فقال : إن الجزية لا تؤخذ إلا ~~من أهل الكتاب والمجوسس . قال ابن العربي في الأحكام ( وعلى هذا فكل من رأى ~~قبول الجزية من جنسس يحمل الآية عليه ) ، يعني مع بقاء طائفة يتحقق فيها ~~الإكراه . وقال ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد : نزلت هذه الآية في الأنصار ~~كانوا في الجاهلية إذا كانت المرأة منهم مقلاتا أي لا يعيش لها ولد تنذر إن ~~عاش لها ولد أن تهوده ، فلما جاء الإسلام وأسلموا كان كثير من أبناء ~~الأنصار يهودا فقالوا : لا ندع أبناءنا بل نكرههم على الإسلام ، فأنزل الله ~~تعالى : { لا إكراه في الدين } . PageV03P027 # وقال السدي : نزلت في قصة رجل من الأنصار يقال له أبو حصين من بني سلمة ~~بن عوف وله ابنان جاء تجار من نصارى الشام إلى المدينة فدعوهما إلى ~~النصرانية ، فتنصرا وخرجا معهم ، فجاء أبوهما فشكا للنبيء صلى الله عليه ~~وسلم وطلب أن يبعث من يردهما مكرهين فنزلت { لا إكراه في الدين } ، ولم ~~يؤمر يومئذ بالقتال ثم نسخ ذلك بآيات القتال . وقيل : إن المراد بنفي ~~الإكراه نفي تأثيره في إسلام من أسلم كرها ms1351 فرارا من السيف ، على معنى قوله ~~تعالى : { ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة ~~الدنيا } ( النساء : 94 ) . وهذا القول تأويل في معنى الإكراه وحمل للنفي ~~على الإخبار دون الأمر . # وقيل : إن المراد بالدين التوحيد ودين له كتاب سماوي وإن نفي الإكراه نهي ~~، والمعنى لا تكرهوا السبايا من أهل الكتاب لأنهن أهل دين وأكرهوا المجوس ~~منهم والمشركات . # وقوله : { قد تبين الرشد من الغي } واقع موقع العلة لقوله : { لا إكراه ~~في الدين } ولذلك فصلت الجملة . # والرشد بضم فسكون ، وبفتح ففتح الهدى وسداد الرأي ، ويقابله الغي والسفه ~~، والغي الضلال ، وأصله مصدر غوى المتعدي فأصله غوي قلبت الواو ياء ثم ~~أدغمتا . وضمن تبين معنى تميز فلذلك عدي بمن ، وإنما تبين ذلك بدعوة ~~الإسلام وظهوره في بلد مستقل بعد الهجرة . # وقوله : { فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى } ~~تفريع على قوله : { قد تبين الرشد من الغي } إذ لم يبق بعد التبيين إلا ~~الكفر بالطاغوت ، وفيه بيان لنفي الإكراه في الدين ؛ إذ قد تفرع عن تميز ~~الرشد من الغي ظهور أن متبع الإسلام مستمسك بالعروة الوثقى فهو ينساق إليه ~~اختيارا . # والطاغوت الأوثان والأصنام ، والمسلمون يسمون الصنم الطاغية ، وفي الحديث ~~: ( كانوا يهلون لمناة الطاغية ) ، ويجمعون الطاغوت على طواغيت ، ولا أحسبه ~~ألا من مصطلحات القرآن وهو مشتق من الطغيان وهو الارتفاع والغلو في الكبر ~~وهو مذموم ومكروه . ووزن طاغوت على التحقيق طغيوت فعلوت من أوزان المصادر ~~PageV03P028 مثل ملكوت ورهبوت ورحموت فوقع فيه قلب مكاني بين عينه ولامه ~~فصير إلى فلعوت طيغوت ليتأتى قلب اللام ألفا فصار طاغوت ، ثم أزيل عنه معنى ~~المصدر وصار اسما لطائفة مما فيه هذا المصدر فصار مثل ملكوت في أنه اسم ~~طائفة مما فيه معنى المصدر لا مثل رحموت ورهبوت في أنهما مصدران فتاؤه ~~زائدة ، وجعل علما على الكفر وعلى الأصنام ، وأصله صفة بالمصدر ويطلق على ~~الواحد والجمع والمذكر والمؤنث كشأن المصادر . # وعطف { ويؤمن بالله } على الشرط لأن نبذ عبادة الأصنام لا مزية فيه إن لم ~~يكن عوضها ms1352 بعبادة الله تعالى . # ومعنى استمسك تمسك ، فالسين والتاء للتأكيد كقوله : { فاستمسك بالذي أوحي ~~إليك } ( الزخرف : 43 ) وقوله : { فاستجاب لهم ربهم } ( آل عمران : 195 ) ~~وقول النابغة : ( فاستنكحوا أم جابر ) إذ لا معنى لطلب التمسك بالعروة ~~الوثقى بعد الإيمان ، بل الإيمان التمسك نفسه . والعروة بضم العين ما يجعل ~~كالحلقة في طرف شيء ليقبض على الشيء منه ، فللدلو عروة وللكوز عروة ، وقد ~~تكون العروة في حبل بأن يشد طرفه إلى بعضه ويعقد فيصير مثل الحلقة فيه ، ~~فلذلك قال في ( الكشاف ) : العروة الوثقى من الحبل الوثيق . # و { الوثقى } المحكمة الشد . { ولا انفصام لها } أي لا انقطاع ، والفصم ~~القطع بتفريق الاتصال دون تجزئة بخلاف القصم بالقاف فهو قطع مع إبانة ~~وتجزئة . # والاستمساك بالعروة الوثقى تمثيلي ، شبهت هيأة المؤمن في ثباته على ~~الإيمان بهيأة من أمسك بعروة وثقى من حبل وهو راكب على صعب أو في سفينة في ~~هول البحر ، وهي هيأة معقولة شبهت بهيأة محسوسة ، ولذلك قال في ( الكشاف ) ~~( وهذا تمثيل للمعلوم بالنظر ، بالمشاهد ) وقد أفصح عنه في تفسير سورة ~~لقمان إذ قال ( مثلت حال المتوكل بحال من أراد أن يتدلى من شاهق فاحتاط ~~لنفسه بأن استمسك بأوثق عروة من حبل متين مأمون انقطاعه ) ، فالمعنى أن ~~المؤمن ثابت اليقين سالم من اضطراب القلب في الدنيا وهو ناج من مهاوي ~~السقوط في الآخرة كحال من تمسك بعروة حبل متين لا ينفصم . PageV03P029 # وقد أشارت الآية إلى أن هذه فائدة المؤمن تنفعه في دنياه بأن يكون على ~~الحق والبصيرة وذلك مما تطلبه النفوس ، وأشارت إلى فائدة ذلك في الآخرة ~~بقوله : { والله سميع عليم } الذي هو تعريض بالوعد والثواب . # $ 2 ( 257 ) { الله ولي الذين ءامنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين ~~كفرو & # 1764 ا أوليآؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولائك أصحاب ~~النار هم فيها خالدون } . ) 2 $ # وقع قوله : { الله ولي الذين آمنوا } الآية موقع التعليل لقوله : { لا ~~انفصام لها } ( البقرة : 256 ) لأن الذين كفروا بالطاغوت وآمنوا بالله قد ~~تولوا الله فصار وليهم ، فهو يقدر لهم ما فيه ms1353 نفعهم وهو ذب الشبهات عنهم ، ~~فبذلك يستمر تمسكهم بالعروة الوثقى ويأمنون انفصامها ، أي فإذا اختار أحد ~~أن يكون مسلما فإن الله يزيده هدى . # والولي الحليف فهو ينصر مولاه . فالمراد بالنور نور البرهان والحق ، ~~وبالظلمات ظلمات الشبهات والشك ، فالله يزيد الذين اهتدوا هدى لأن اتباعهم ~~الإسلام تيسير لطرق اليقين فهم يزدادون توغلا فيها يوما فيوما ، وبعكسهم ~~الذين اختاروا الكفر على الإسلام فإن اختيارهم ذلك دل على ختم ضرب على ~~عقولهم فلم يهتدوا ، فهم يزدادون في الضلال يوما فيوما . ولأجل هذا ~~الازدياد المتجدد في الأمرين وقع التعبير بالمضارع في يخرجهم ويخرجونهم ~~وبهذا يتضح وجه تعقيب هذه الآيات بآية { ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم } ( ~~البقرة : 258 ) ثم بآية { أو كالذي مر على قرية } ( البقرة : 259 ) ثم بآية ~~{ وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى } فإن جميعها جاء لبيان وجوه ~~انجلاء الشك والشبهات عن أولياء الله تعالى الذين صدق إيمانهم ، ولا داعي ~~إلى ما في ( الكشاف ) وغيره من تأويل الذين آمنوا والذين كفروا بالذين ~~أرادوا ذلك ، وجعل النور والظلمات تشبيها للإيمان والكفر ، لما علمت من ~~ظهور المعنى بما يدفع الحاجة إلى التأويل بذلك ، ولا يحسن وقعه بعد قوله : ~~{ فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله } ، ولقوله { والذين كفروا أولياؤهم ~~الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات } فإنه متعين للحمل على زيادة تضليل ~~الكافر في كفره بمزيد الشك كما PageV03P030 في قوله : { فما أغنت عنهم ~~آلهتهم التي يدعون من دون الله إلى قوله وما زادوهم غير تتبيب } ( هود : ~~101 ) ، ولأن الطاغوت كانوا أولياء للذين آمنوا قبل الإيمان فإن الجميع ~~كانوا مشركين ، وكذلك ما أطال به فخر الدين من وجود الاستدلال على المعتزلة ~~واستدلالهم علينا . وجملة يخرجهم خبر ثانن عن اسم الجلالة . وجملة يخرجونهم ~~حال من الطاغوت . وأعيد الضمير إلى الطاغوت بصيغة جمع العقلاء لأنه أسند ~~إليهم ما هو من فعل العقلاء وإن كانوا في الحقيقة سبب الخروج لا مخرجين . ~~وتقدم الكلام على الطاغوت عند قوله تعالى : { فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن ~~بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى } ( البقرة : 256 ms1354 ) . # # | 2 ( 258 ) { ألم تر إلى الذى حآج إبراهيم فى ربه أن آتاه الله الملك إذ ~~قال إبراهيم ربي الذى يحى ويميت قال أنا أحى وأميت قال إبراهيم فإن الله ~~يأتى بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذى كفر والله لا يهدى ~~القوم الظالمين } . ) 2 # جرى هذا الكلام مجرى الحجة على مضمون الجملة الماضية أو المثالل لها ؛ ~~فإنه لما ذكر أن الله يخرج الذين آمنوا من الظلمات إلى النور وأن الطاغوت ~~يخرجون الذين كفروا من النور إلى الظلمات ، ساق ثلاثة شواهد على ذلك هذا ~~أولها وأجمعها لأنه اشتمل على ضلال الكافر وهدى المؤمن ، فكان هذا في قوة ~~المثال . # والمقصود من هذا تمثيل حال المشركين في مجادلتهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم في البعث بحال الذي حاج إبراهيم في ربه ، ويدل لذلك ما يرد من التخيير ~~في التشبيه في قوله : { و كالذي مر على قرية } ( البقرة : 259 ) الآية . # وقد مضى الكلام على تركيب ألم تر . والاستفهام في { ألم تر } مجازي متضمن ~~معنى التعجيب ، وقد تقدم تفصيل معناه وأصله عند قوله تعالى : { ألم تر إلى ~~الذين خرجوا من ديارهم } ( البقرة : 243 ) . وهذا استدلال مسوق لإثبات ~~الوحدانية لله تعالى وإبطال إلاهية غيره لانفراده بالإحياء والإماتة ، ~~وانفراده بخلق العوالم المشهودة للناس . ومعنى { حاج } خاصم ، وهو ~~PageV03P031 فعل جاء على زنة المفاعلة ، ولا يعرف لحاج في الاستعمال فعل ~~مجرد دال على وقوع الخصام ولا تعرف المادة التي اشتق منها . ومن العجيب أن ~~الحجة في كلام العرب البرهان المصدق للدعوى مع أن حاج لا يستعمل غالبا إلا ~~في معنى المخاصمة ؛ قال تعالى : { وإذ يتحاجون في النار } ( غافر : 47 ) مع ~~قوله : { إن ذلك لحق تخاصم أهل النار } ( ص : 64 ) ، وأن الأغلب أنه يفيد ~~الخصام بباطل ، قال تعالى : { وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان } ~~( الأنعام : 80 ) وقال : { فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله } ( آل عمران : 20 ~~) والآيات في ذلك كثيرة . فمعنى { الذي حاج إبراهيم } أنه خاصمه خصاما ~~باطلا في شأن صفات الله رب إبراهيم . # والذي حاج ms1355 إبرهيم كافر لا محالة لقوله : { فبهت الذي كفر } ، وقد قيل : ~~إنه نمرود بن فالخ بن عابر بن شالح بن أرفخشد بن سام بن كوش بن حام بن نوح ~~، فيكون أخا ( رعو ) جد إبراهيم . والذي يعتمد أنه ملك جبار ، كان ملكا في ~~بابل ، وأنه الذي بنى مدينة بابل ، وبنى الصرح الذي في بابل ، واسمه نمرود ~~بالدال المهملة في آخره ويقال بالذال المعجمة ، ولم تتعرض كتب اليهود لهذه ~~القصة وهي في المرويات . # والضمير المضاف إليه رب عائد إلى إبراهيم ، والإضافة لتشريف المضاف إليه ~~، ويجوز عوده إلى الذي ، والإضافة لإظهار غلطه كقول ابن زيابة : # نبئت عمرا غارزا رأسه # في سنة يوعد أخوا له # أي ما كان من شأن المروءة أن يظهر شرا لأهلل رحمه . # وقوله : { أن أتاه الله الملك } تعليل حذفت منه لام التعليل ، وهو تعليل ~~لما يتضمنه حاج من الإقدام على هذا الغلط العظيم الذي سهله عنده ازدهاؤه ~~وإعجابه بنفسه ، فهو تعليل محض وليس علة غائية مقصودة للمحاج من حجاجه . ~~وجوز صاحب ( الكشاف ) أن يكون تعليلا غائيا أي حاج لأجل أن الله آتاه الملك ~~، فاللام استعارة تبعية لمعنى يؤدى بحرف غير اللام ، والداعي لهاته ~~الاستعارة التهكم ، أي أنه وضع الكفر موضع الشكر كما في أحد الوجهين في ~~قوله تعالى : { وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون } ( الواقعة : 82 ) ، أي جزاء ~~رزقكم . وإيتاء الملك مجاز في التفضل عليه بتقدير أن جعله ملكا وخوله ذلك ، ~~ويجيء تفصيل هذا الفعل عند قوله تعالى : { وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم في ~~سورة الأنعام ( 83 ) . قيل : كان نمرود أول ملك في الأرض وأول من وضع التاج ~~على رأسه . PageV03P032 وإذ قال } ظرف لحاج . وقد دل هذا على أن إبراهيم هو ~~الذي بدأ بالدعوة إلى التوحيد واحتج بحجة واضحة يدركها كل عاقل وهي أن الرب ~~الحق هو الذي يحيي ويميت ؛ فإن كل أحد يعلم بالضرورة أنه لا يستطيع إحياء ~~ميت فلذلك ابتدأ إبراهيم الحجة بدلالة عجز الناس عن إحياء الأموات ، وأراد ~~بأن الله يحيي أنه يخلق الأجسام الحية من الإنسان والحيوان وهذا معلوم ~~بالضرورة ms1356 . وفي تقديم الاستدلال بخلق الحياة إدماج لإثبات البعث لأن الذي ~~حاج إبراهيم كان من عبدة الأصنام ، وهم ينكرون البعث . وذلك موضع العبرة من ~~سياق الآية في القرآن على مسامع أهل الشرك ، ثم أعقبه بدلالة الأمانة ، ~~فإنه لا يستطيع تنهية حياة الحي ، ففي الإحياء والأمانة دلالة على أنهما من ~~فعل فاعل غير البشر ، فالله هو الذي يحيي ويميت . فالله هو الباقي دون غيره ~~الذين لا حياة لهم أصلا كالأصنام إذ لا يعطون الحياة غيرهم وهم فاقدوها ، ~~ودون من لا يدفع الموت على نفسه مثل هذا الذي حاج إبراهيم . # وجملة { قال أنا أحيي } بيان لحاج والتقدير حاج إبراهيم قال أنا أحيي ~~وأميت حين قال له إبراهيم { ربي الذي يحيي ويميت } . وقد جاء بمغالطة عن ~~جهل أو غرور في الإحياء والإماتة إذ زعم أنه يعمد إلى من حكم عليه بالموت ~~فيعفو عنه ، وإلى بريء فيقتله ، كذا نقلوه . ويجوز أن يكون مراده أن ~~الإحياء والإماتة من فعله هو لأن أمرهما خفي لا يقوم عليه برهان محسوس . # وقرأ الجمهور ألف ضمير ( أنا ) بقصر الألف بحيث يكون كفتحة غير مشبعة ~~وذلك استعمال خاص بألف ( أنا ) في العربية . وقرأه نافع وأبو جعفر مثلهم ~~إلا إذا وقع بعد الألفف همزة قطع مضمومة أو مفتوحة كما هنا ، وكما في قوله ~~تعالى : { وأنا أول المسلمين } ( الأنعام : 163 ) فيقرأه بألف ممدودة . وفي ~~همزة القطع المكسورة روايتان لقالون عن نافع نحو قوله تعالى : { إن أنا إلا ~~نذير } ( الأعراف : 188 ) وهذه لغة فصيحة . # وقوله : { قال إبراهيم } مجاوبة فقطعت عن العطف جريا على طريقة حكاية ~~المحاورات ، وقد عدل إبراهيم عن الاعتراض بأن هذا ليس من الإحياء المحتج به ~~ولا من الإماتة المحتج بها ، فأعرض عنه لما علم من مكابرة خصمه وانتقل إلى ~~ما لا يستطيع الخصم انتحاله ، ولذلك بهت ، أي عجز لم يجد معارضة . ~~PageV03P033 # وبهت فعل مبني للمجهول يقال بهته فبهت بمعنى أعجزه عن الجواب فعجز أو ~~فاجأه بما لم يعرف دفعه قال تعالى : { بل تأتيهم بغتة فتبهتهم } ( الأنبياء ~~: 40 ) وقال عروة العذري : # فما ms1357 هو إلا أن أراها فجاءة # فأبهت حتى ما أكاد أجيب # ومنه البهتان وهو الكذب الفظيع الذي يبهت سامعه . # وقوله : { والله لا يهدي القوم الظالمين } تذييل هو حوصلة الحجة على قوله ~~{ الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور } ، وإنما انتفى هدي ~~الله لقوم الظالمين لأن الظلم حائل بين صاحبه وبين التنازل إلى التأمل من ~~الحجج وإعمال النظر فيما فيه النفع ؛ إذ الذهن في شاغل عن ذلك بزهوه وغروره ~~. # والآية دليل على جواز المجادلة والمناظرة في إثبات العقائد ، والقرآن ~~مملوء بذلك ، وأما ما نهي عنه من الجدل فهو جدال المكابرة والتعصب وترويج ~~الباطل والخطإ . # # | 2 ( 259 ) { أو كالذى مر على قرية وهى خاوية على عروشها قال أنى يحى ~~هاذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت ~~يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه ~~وانظر إلى حمارك ولنجعلك ءاية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها ~~لحما فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير } . ) 2 # تخيير في التشبيه على طريقة التشبيه ، وقد تقدم بيانها عند قوله تعالى : ~~{ أو كصيب من السماء } ( البقرة : 19 ) لأن قوله : { ألم تر إلى الذي حاج ~~إبرهيم } ( البقرة : 258 ) في معنى التمثيل والتشبيه كما تقدم ، وهو مراد ~~صاحب ( الكشاف ) بقوله : ( ويجوز أن يحمل على المعنى دون اللفظ كأنه قيل : ~~أرأيت كالذي حاج أو كالذي مر ) وإذ قد قرر بالآية قبلها ثبوت انفراد الله ~~بالإلااهية ، وذلك أصل الإسلام ، أعقب بإثبات البعث الذي إنكاره أصل أهل ~~الإشراك . PageV03P034 # واعلم أن العرب تستعمل الصيغتين في التعجب : يقولون ألم تر إلى كذا ، ~~ويقولون أرأيت مثل كذا أو ككذا ، وقد يقال ألم تر ككذا لأنهم يقولون لم أر ~~كاليوم في الخير أو في الشر ، وفي الحديث ( فلم أره كاليوم منظرا قط ) ، ~~وإذا كان ذلك يقال في الخير جاز أن يدخل عليه الاستفهام فتقول : ألم تر ~~كاليوم في الخير والشر ، وحيث حذف الفعل المستفهم ms1358 عنه فلك أن تقدره على ~~الوجهين ، ومال صاحب ( الكشاف ) إلى تقديره : أرأيت كالذي لأنه الغالب في ~~التعجب مع كاف التشبيه . # والذي مر على قرية قيل هو أرميا بن حلقيا ، وقيل هو عزير بن شرخيا ( عزرا ~~بن سريا ) . والقرية بيت المقدس في أكثر الأقوال ، والذي يظهر لي أنه ~~حزقيال ابن بوزي نبيء إسرائيل كان معاصرا لأرميا ودانيال وكان من جملة ~~الذين أسرهم بختنصر إلى بابل في أوائل القرن السادس قبل المسيح ، وذلك أنه ~~لما رأى عزم بختنصر على استئصال اليهود وجمعه آثار الهيكل ليأتي بها إلى ~~بابل ، جمع كتب شريعة موسى وتابوت العهد وعصا موسى ورماها في بئر في ~~أورشليم خشية أن يحرقها بختنصر ، ولعله اتخذ علامة يعرفها بها وجعلها سرا ~~بينه وبين أنبياء زمانه وورثتهم من الأنبياء . فلما أخرج إلى بابل بقي ~~هنالك وكتب كتابا في مراء رآها وحيا تدل على مصائب اليهود وما يرجى لهم من ~~الخلاص ، وكان آخر ما كتبه في السنة الخامسة والعشرين بعد سبي اليهود ، ولم ~~يعرف له خبر بعد كما ورد في تاريخهم ، ويظن أنه مات أو قتل . ومن جملة ما ~~كتبه ( أخرجني روح الرب وأنزلني في وسط البقعة وهي ملآنة عظاما كثيرة ~~وأمرني عليها وإذا تلك البقعة يابسة فقال لي : أتحيى هذه العظام ؟ فقلت : ~~يا سيدي الرب أنت تعلم . فقال لي : تنبأ على هذه العظام وقل لها : أيتها ~~العظام اليابسة اسمعي كلمة الرب قال ها أنا ذا أدخل فيكم الروح وأضع عليكم ~~عصبا وأكسوكم لحما وجلدا . فتنبأت ، كما أمرني فتقاربت العظام كل عظم إلى ~~عطمه ، ونظرت وإذا باللحم والعصب كساها وبسط الجلد عليها من فوق ودخل فيهم ~~الروح فحيوا وقاموا على أقدامهم جيش عظيم جدا ) . ولما كانت رؤيا الأنبياء ~~وحيا فلا شك أن الله لما أعاد عمران أورشليم في عهد عزرا النبي في حدود سنة ~~450 قبل المسيح أحيا النبي حزقيال عليه السلام ليرى مصداق نبوته ، وأراه ~~إحياء العظام ، وأراه آية في طعامه وشرابه وحماره وهذه مخاطبة بين الخالق ~~وبعض أصفيائه على طريق المعجزة ms1359 وجعل خبره آية للناس من أهل الإيمان ~~PageV03P035 الذين يوقنون بما أخبرهم الله تعالى ، أو لقوم أطلعهم الله على ~~ذلك من أصفيائه ، أو لأهل القرية التي كان فيها وفقد من بينهم فجاءهم بعد ~~مائة سنة وتحققه من يعرفه بصفاته ، فيكون قوله تعالى : { مر على قرية } ~~إشارة إلى قوله : ( أخرجني روح الرب وأمرني عليها ) . فقوله : { قال أنى ~~يحيي هذه الله } إشارة إلى قوله أتحيي هذه العظام فقلت يا سيدي أنت تعلم ~~لأن كلامه هذا ينبىء باستبعاد إحيائها ، ويكون قوله تعالى : { فأماته الله ~~مائة عام } إلخ مما زاده القرآن من البيان على ما في كتب اليهود لأنهم ~~كتبوها بعد مرور أزمنة ، ويظن من هنا أنه مات في حدود سنة 560 قبل المسيح ، ~~وكان تجديد أورشليم في حدود 458 فتلك مائة سنة تقريبا ، ويكون قوله : { ~~وانظر إلى العظام كيف ننشرها ثم نكسوها لحما } تذكرة له بتلك النبوءة وهي ~~تجديد مدينة إسرائيل . # وقوله : { وهي خاوية على عروشها } الخاوية : الفارغة من السكان والبناء . ~~والعروش جمع عرش وهو السقف . والظرف مستقر في موضع الحال ، والمعنى أنها ~~خاوية ساقطة على سقفها وذلك أشد الخراب لأن أول ما يسقط من البناء السقف ثم ~~تسقط الجدران على تلك السقف . والقرية هي بيت المقدس رآها في نومه كذلك أو ~~رآها حين خربها رسل بختنصر ، والظاهر الأول لأنه كان ممن سبي مع ( يهويا ~~قيم ) ملكك إسرائيل وهو لم يقع التخريب في زمنه بل وقع رفي زمن ( صدقيا ) ~~أخيه بعد إحدى عشرة سنة . # وقوله : { أنى يحيي هذه الله بعد موتها } استفهام إنكار واستبعاد ، وقوله ~~: { فأماته الله } التعقيب فيه بحسب المعقب فلا يلزم أن يكون أماته في وقت ~~قوله : { أنى يحيي هذه الله } . وقد قيل : إنه نام فأماته الله في نومه . # وقوله : { ثم بعثه } أي أحياه وهي حياة خاصة ردت بها روحه إلى جسده ؛ لأن ~~جسده لم يبل كسائر الأنبياء ، وهذا بعث خارق للعادة وهو غير بعث الحشر . # وقوله : { لبثت يوما أو بعض يوم } اعتقد ذلك بعلم أودعه الله فيه أو لأنه ~~تذكر أنه ms1360 نام في أول النهار ووجد الوقت الذي أفاق فيه آخر نهار . # وقوله : { فانظر إلى طعامك } تفريع على قوله : { لبثت مائة عام } . ~~والأمر بالنظر أمر للاعتبار أي فانظره في حال أنه لم يتسنه ، والظاهر أن ~~الطعام والشراب كانا معه حين أميت أو كانا موضوعين في قبره إذا كان من أمة ~~أو في بلد يضعون الطعام للموتى المكرمين كما يفعل المصريون القدماء ، أو ~~كان معه طعام حين خرج فأماته الله في نومه كما قيل ذلك . PageV03P036 # ومعنى { لم يتسنه } لم يتغير ، وأصله مشتق من السنة لأن مر السنين يوجب ~~التغير وهو مثل تحجر الطين ، والهاء أصلية لا هاء سكت ، وربما عاملوا هاء ~~سنة معاملة التاء في الاشتقاق فقالوا أسنت فلان إذا أصابته سنة أي مجاعة ، ~~قال مطرود الخزاعي ، أو ابن الزبعري : # عمرو الذي هشم الثريد لقومه # قومم بمكة مسنتين عجاف # وقوله : { وانظر إلى حمارك } قيل : كان حماره قد بلي فلم تبق إلا عظامه ~~فأحياه الله أمامه . ولم يؤت مع قوله : { وانظر إلى حمارك } بذكر الحالة ~~التي هي محل الاعتبار لأن مجرد النظر إليه كاف ، فءه رآه عظاما ثم رآه حيا ~~، ولعله هلك فبقي بتلك الساحة التي كان فيها حزقيال بعيدا عن العمران ، وقد ~~جمع الله له أنواع الإحياء إذ أحيى جسده بنفخ الروح عن غير إعادة وأحيى ~~طعامه بحفظه من التغير وأحيى حماره بالإعادة فكان آية عظيمة للناس الموقنين ~~بذلك ، ولعل الله أطلع على ذلك الإحياء بعض الأحياء من أصفيائه . # فقوله : { ولنجعلك آية } معطوف على مقدر دل عليه قوله { فانظر إلى طعامك ~~} وانظر إلى حمارك ؛ فإن الأمر فيه للاعتبار لأنه ناظر إلى ذلك لا محالة ، ~~والمقصود اعتباره في استبعاده أن يحيي الله القرية بعد موتها ، فكان من قوة ~~الكلام انظر إلى ما ذكر جعلناه آية لك على البعث وجعلناك آية للناس لأنهم ~~لم يروا طعامه وشرابه وحماره ، ولكن رأوا ذاته وتحققوه بصفاته . ثم قال له ~~: وانظر إلى العظام كيف ننشرها ، والظاهر أن المراد عظام بعض الآدميين ~~الذين هلكوا ، أو أراد عظام الحمار فتكون ms1361 ( أل ) عوضا عن المضاف إليه فيكون ~~قوله إلى العظام في قوة البدل من حمارك إلا أنه برز فيه العامل المنوي ~~تكريره . # وقرأ جمهور العشرة { ننشرها } بالراء مضارع أنشر الرباعي بمعنى الإحياء . ~~وقرأه ابن عامر وحمزة وعاصم والكسائي وخلف : { ننشزها } بالزاي مضارع أنشزه ~~إذا رفعه ، والنشز الارتفاع ، والمراد ارتفاعها حين تغلظ بإحاطة العصب ~~واللحم والدم بها فحصل من القراءتين معنيان لكملة واحدة ، وفي كتاب ( ~~حزقيال ) ( فتقاربت العظام كل عظم إلى عظمه ، ونظرت وإذا بالعصب واللحم ~~كساها وبسط الجلد عليها ) . PageV03P037 # وقوله : { قال أعلم أن الله على كل شيء قدير } قرأ الجمهور أعلم بهمزة ~~قطع على أنه مضارع علم فيكون جواب الذي مر على قرية عن قول الله له { فانظر ~~إلى طعامك } الآية ، وجاء بالمضارع ليدل على ما في كلام هذا النبي من ~~الدلالة على تجدد علمه بذلك لأنه علمه في قبل وتجدد علمه إياه . وقرأه حمزة ~~والكسائي بهمزة وصل على أنه من كلام الله تعالى ، وكان الظاهر أن يكون ~~معطوفا على { فانظر إلى طعامك } لكنه ترك عطفه لأنه جعل كالنتيجة للاستدلال ~~بقوله : { فانظر إلى طعامك وشرابك } الآية . # # | 2 ( 260 ) { وإذ قال إبراهيم رب أرنى كيف تحى الموتى قال أولم تؤمن قال ~~بلى ولاكن ليطمئن قلبى قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل ~~جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم } . ) 2 # معطوف على قوله : { أو كالذي مر على قرية } ( البقرة : 259 ) ، فهو مثال ~~ثالث لقضية قوله : { الله ولي الذين آمنوا } ( البقرة : 257 ) الآية ومثال ~~ثان لقضية { أو كالذي مر على قرية } فالتقدير : أو هو كإبراهيم إذ قال رب ~~أرني إلخ . فإن إبراهيم لفرط محبته الوصول إلى مرتبة المعاينة في دليل ~~البعث رام الانتقال من العلم النظري البرهاني ، إلى العلم الضروري ، فسأل ~~الله أن يريه إحياء الموتى بالمحسوس . # وانتصب { كيف } هنا على الحال مجردة عن الاستفهام ، كانتصابها في قوله ~~تعالى : { هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء } ( آل عمران : 6 ) . # وقوله : { أولم تؤمن } الواو فيه ms1362 واو الحال ، والهمزة استفهام تقريري على ~~هذه الحالة ، وعامل الحال فعل مقدر دل عليه قوله : { أرني } والتقدير : ~~أأريك في حال أنك لم تؤمن ، وهو تقرير مجازي مراد به لفت عقله إلى دفع ~~هواجس الشك ، فقوله : { بلى ولكن ليطمئن قلبي } كلام صدر عن اختباره يقينه ~~وإلفائه سالما من الشك . PageV03P038 # وقوله : { ليطمئن قلبي } معناه لينبت ويتحقق علمي وينتقل من معالجة الفكر ~~والنظر إلى بساطة الضرورة بيقين المشاهدة وانكشاف المعلوم انكشافا لا يحتاج ~~إلى معاودة الاستدلال ودفع الشبه عن العقل ، وذلك أن حقيقة يطمئن يسكن ، ~~ومصدره الاطمئنان ، واسم المصدر الطمأنينة ، فهو حقيقة في سكون الأجسام ، . ~~وإطلاقه على استقرار العلم في النفس وانتفاء معالجة الاستدلال أصله مجاز ~~بتشبيه التردد وعلاج الاستدلال بالاضطراب والحركة ، وشاع ذلك المجاز حتى ~~صار مساويا للحقيقة ، يقال اطمأن باله واطمأن قلبه . # والأظهر أن اطمأن وزنه افعلل وأنه لا قلب فيه ، فالهمزة فيه هي لام ~~الكلمة والميم عين الكلمة ، وهذا قول أبي عمرو وهو البين إذ لا داعي إلى ~~القلب ، فإن وقوع الهمزة لا ما أكثر وأخف من وقوعها عينا ، وذهب سيبويه إلى ~~أن اطأمن مقلوب وأصله اطمأن وقد سمع طمأنته وطأمنته وأكثر الاستعمال على ~~تقديم الميم على الهمزة ، والذي أوجب الخلاف عدم سماع المجرد منه إذ لم ~~يسمع طمن . # والقلب مراد به العلم إذ القلب لا يضطرب عند الشك ولا يتحرك عند إقامة ~~الدليل وإنما ذلك للفكر ، وأراد بالاطمئنان العلم المحسوس وانشراح النفس به ~~وقد دله الله على طريقة يرى بها إحياء الموتى رأي العين . # وقوله : { فخذ أربعة من الطير } اعلم أن الطير يطلق على الواحد مرادفا ~~لطائر ؛ فإنه من التسمية بالمصدر وأصلها وصف فأصلها الوحدة ، ولا شك في هذا ~~الإطلاق ، وهو قول أبي عبيدة والأزهري وقطرب ولا وجه للتردد فيه ، ويطلق ~~على وجمعه أيضا وهو اسم جمع طائر كصحب وصاحب ، وذلك أن أصله المصدر والمصدر ~~يجري على الواحد وعلى الجمع . # وجيء بمن للتبعيض لدلالة على أن الأربعة مختلفة الأنواع ، والظاهر أن ~~حكمة التعدد والاختلاف زيادة في تحقق أن الإحياء ms1363 لم يكن أهون في بعض ~~الأنواع دون بعض ، فلذلك عددت الأنواع ، ولعل جعلها أربعة ليكون وضعها على ~~الجهات الأربع : المشرق والمغرب والجنوب والشمال لئلا يظن لبعض الجهات مزيد ~~اختصاص بتأتي الإحياء ، ويجوز أن المراد بالأربعة أربعة أجزاء من طير واحد ~~فتكون اللام للعهد إشارة إلى طير PageV03P039 حاضر ، أي خذ أربعة من أجزائه ~~ثم ادعهن ، والسعي من أنواع المشي لا من أنواع الطيران ، فجعل ذلك آية على ~~أنهن أعيدت إليهن حياة مخالفة للحياة السابقة ، لئلا يظن أنهن لم يمتن ~~تماما . # وذكر كل جبل يدل على أنه أمر بجعل كل جزء من أجزاء الطير على جبل لأن ~~وضعها على الجبال تقوية لتفرق تلك الأجزاء ؛ فإنها فرقت بالفصل من أجسادها ~~وبوضعها في أمكنة متباعدة وعسرة التناول . # والجبل قطعة عظيمة من الأرض ذات حجارة وتراب ناتئة تلك القطعة من الأرض ~~المستوية ، وفي الأرض جبال كثيرة متفاوتة الارتفاع ، وفي بعضها مساكن للبشر ~~مثل جبال طيء ، وبعضها تعتصم به الناس من العدو كما قال السموأل : # لنا جبل يحتله من نجيره # منيع يرد الطرف وهو كليل # ومعنى { صرهن } أدنهن أو أيلهن يقال صاره يصوره ويصيره بمعنى وهو لفظ ~~عربي على الأصح وقيل معرب ، فعن عكرمة أنه نبطي ، وعن قتادة هو حبشي ، وعن ~~وهب هو رومي ، وفائدة الأمر بإدنائها أن يتأمل أحوالها حتى يعلم بعد ~~إحيائها أنها لم ينتقل جزء منها عن موضعه . # وقوله : { ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا } عطف على محذوف دل عليه قوله { ~~جزءا } لأن تجزئتهن إنما تقع بعد الذبح . فالتقدير فاذبحهن ثم اجعل إلخ . # وقرأ الجمهور { فصرهن } بضم الصاد وسكون الراء من صاره يصوره ، وقرأ حمزة ~~وأبو جعفر وخلف ورويس عن يعقوب { فصرهن } بكسر الصاد من صار يصير لغة في ~~هذا الفعل . # وقرأ الجمهور { جزءا } بسكون الزاي وقرأه أبو بكر عن عاصم بضم الزاي ، ~~وهما لغتان . # PageV03P040 # | 2 ( 261 ، 262 ) { مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة ~~أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشآء والله واسع ~~عليم ms1364 * الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله ثم لا يتبعون مآ أنفقوا منا ولا ~~أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } . ) 2 # عود إلى التحريض على الإنفاق في سبيل الله ، فهذا المثل راجع إلى قوله : ~~{ يأيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم } ( البقرة : 254 ) . وهو استئناف ~~بياني لأن قوله : { من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه } ( البقرة : 254 ) ~~الآية يثير في نفوس السامعين الاستشراف لما يلقاه المنفق في سبيل الله ~~يومئذ بعد أن أعقب بدلائل ومواعظ وعبر وقد تهيأت نفوس السامعين إلى التمحض ~~لهذا المقصود فأطيل الكلام فيه إطالة تناسب أهميته . # وقوله : { مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله } تشبيه حال جزائهم ~~وبركتهم ، والصلة مؤذنة بأن المراد خصوص حال إنفاقهم بتقدير مثل نفقة الدين ~~. وقد شبه حال إعطاء النفقة ومصادفتها موقعها وما أعطي من الثواب لهم بحال ~~حبة أنبتت سبع سنابل إلخ ، أي زرعت في أرض نقية وتراب طيب وأصابها الغيث ~~فأنبتت سبع سنابل . وحذف ذلك كله إيجازا لظهور أن الحبة لا تنبت ذلك إلا ~~كذلك ، فهو من تشبيه المعقول بالمحسوس والمشبه به هيأة معلومة ، وجعل أصل ~~التمثيل في التضعيف حبة لأن تضعيفها من ذاتها لا بشيء يزاد عليها ، وقد شاع ~~تشبيه المعروف بالزرع وتشبيه الساعي بالزارع ، وفي المثل ( رب ساع لقاعد ~~وزارع غير حاصد ) . ولما كانت المضاعفة تنسب إلى أصل وحدة ، فأصل الوحدة ~~هنا هي ما يثيب الله به على الحسنات الصغيرة ، أي ما يقع ثوابا على أقل ~~الحسنات كمن هم بحسنة فلم يعملها ، فإنه في حسنة الإنفاق في سبيل الله يكون ~~سبعمائة ضعف . ` # قال الواحدي في أسباب النزول وغيره : إن هذه الآية نزلت في عثمان بن عفان ~~وعبد الرحمن بن عوف ؛ ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراد ~~PageV03P041 الخروج إلى غزوة تبوك حث الناس على الإنفاق في سبيل الله . ~~وكان الجيش يومئذ بحاجة إلى الجهاز وهو جيش العسرة فجاءه عبد الرحمن بن عوف ~~بأربعة آلاف ، وقال عثمان بن عفان : ( علي جهاز من ms1365 لا جهاز له ) فجهز الجيش ~~بألف بعير بأقتابها وأحلاسها وقيل جاء بألف دينار ذهبا فصبها في حجر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # ومعنى قوله : { والله يضعاف لمن يشاء } أن المضاعفة درجات كثيرة لا ~~يعلمها إلا الله تعالى ؛ لأنها تترتب على أحوال المتصدق وأحوال المتصدق ~~عليه وأوقات ذلك وأماكنه . وللإخلاص وقصد الامتثال ومحبة الخير للناس ~~والإيثار على النفس وغير ذلك مما يحف بالصدقة والإنفاق ، تأثير في تضعيف ~~الأجر ، والله واسع عليم . # وأعاد قوله : { الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله } إظهارا للاهتمام ~~بهذه الصلة . وقوله : { ثم لا يتبعون } جاء في عطفه بشم مع أن الظاهر أن ~~يعطف بالواو ، قال في ( الكشاف ) : ( لإظهار التفاوت بين الإنفاق وترك المن ~~والأذى ، وإن تركهما خير من نفس الإنفاق ) ؛ يعني أن ثم للترتيب الرتبي لا ~~للمهلة الزمنية ترفيعا لرتبة ترك المن والأذى على رتبة الصدقة ؛ لأن العطاء ~~قد يصدر عن كرم النفس وحب المحمدة فللنفوس حظ فيه مع حظ المعطى ، بخلاف ترك ~~المن والأذى فلا حظ فيه لنفس المعطي ؛ فإن الأكثر يميلون إلى التبجح ~~والتطاول على المعطى ، فالمهلة في ( ثم ) هنا مجازية ؛ إذ شبه حصول الشيء ~~المهم في عزة حصوله بحصول الشيء المتأخر زمنه ، وكأن الذي دعا الزمخشري إلى ~~هذا أنه رأى معنى المهلة هنا غير مراد لأن المراد حصول الإنفاق وترك المن ~~معا . # والمن أصله الإنعام والفضل ، يقال من عليه منا ، ثم أطلق على عد الإنعام ~~على المنعم عليه ، ومنه قوله تعالى : { ولا تمنن تستكثر } ( المدثر : 6 ) ، ~~وهو إذا ذكر بعد الصدقة والعطاء تعين للمعنى الثاني . # وإنما يكون المن في الإنفاق في سبيل الله بالتطاول على المسلمين والرياء ~~بالإنفاق ، وبالتطاول على المجاهدين الذين يجهزهم أو يحملهم ، وليس من المن ~~التمدح بمواقف المجاهد في الجهاد أو بمواقف قومه ، فقد قال الحريش بن هلال ~~القريعي يذكر خيله في غزوة فتح مكة ويوم حنين : PageV03P042 # شهدن مع النبي مسومات # حنينا وهي دامية الحوامي # ووقعة خالد شهدت وحكت # سنابكها على البلد الحرام # وقال عباس بن مرداس يتمدح بمواقع قومه في ms1366 غزوة حنين : # حتى إذا قال النبيء محمد # أبني سليمم قد وفيتم فأرجعوا # عدنا ولولا نحن أحدق جمعهم # بالمسلمين وأحرزوا ما جمعوا # والأذى هو أن يؤذي المنفق من أنفق عليه بإساءة في القول أو في الفعل قال ~~النابغة : # علي لعمرو نعمة بعد نعمة # لوالده ليست بذات عقارب # فالمقصد الشرعي أن يكون إنفاق المنفق في سبيل الله مرادا به نصر الدين ~~ولا حظ للنفس فيه ، فذلك هو أعلى درجات الإنفاق وهو الموعود عليه بهذا ~~الأجر الجزيل ، ودون ذلك مراتب كثيرة تتفاوت أحوالها . # # | 2 ( 263 ، 264 ) { قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعهآ أذى والله غنى ~~حليم * ياأيها الذين ءامنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والاذى كالذى ينفق ~~ماله رئآء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الاخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب ~~فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شىء مما كسبوا والله لا يهدي القوم ~~الكافرين } . ) 2 # تخلص من غرض التنويه بالإنفاق في سبيل الله إلى التنويه بضرب آخر من ~~الإنفاق وهو الإنفاق على المحاويج من الناس ، وهو الصدقات . ولم يتقدم ذكر ~~للصدقة إلا أنها تخطر بالبال عند ذكر الإنفاق في سبيل الله ، فلما وصف ~~الإنفاق في سبيل الله بصفة الإخلاص لله فيه بقوله : { الذين ينفقون أموالهم ~~في سبيل الله ثم لا يتبعون ما انفقوا } ( البقرة : 262 ) الآية انتقل ~~بمناسبة ذلك إلى طرد ذلك الوصف في الإنفاق على المحتاجين ؛ PageV03P043 فإن ~~المن والأذى في الصدقة أكثر حصولا لكون الصدقة متعلقة بأشخاص معينين ، ~~بخلاف الإنفاق في سبيل الله فإن أكثر من تنالهم النفقة لا يعلمهم المنفق . # فالمن على المتصدق عليه هو تذكيره بالنعمة كما تقدم آنفا . # ومن فقرات الزمخشري في ( الكلم النوابغ ) : ( طعم الآلاء أحلى من المن . ~~وهو أمر من الآلاء عند المن ) الآلاء الأول النعم والآلاء الثاني شجر مر ~~الورق ، والمن الأول شيء شبه العسل يقع كالندى على بعض شجر بادية سينا وهو ~~الذي في قوله تعالى : { وأنزلنا عليكم المن والسلوى } ( البقرة : 57 ) ، ~~والمن الثاني تذكير المنعم عليه بالنعمة . # والأذى الإساءة والضر القليل للمنعم عليه ms1367 قال تعالى : { لن يضروكم إلا ~~أذى } ( آل عمران : 111 ) ، والمراد به الأذى الصريح من المنعم للمنعم عليه ~~كالتطاول عليه بأنه أعطاه ، أو أن يتكبر عليه لأجل العطاء ، بله تعييره ~~بالفقر ، وهو غير الأذى الذي يحصل عند المن . وأشار أبو حامد الغزالي في ~~كتاب الزكاة من ( الإحياء ) إلى أن المن له أصل ومغرس وهو من أحوال القلب ~~وصفاته ، ثم تتفرع عليه أحوال ظاهرة على اللسان والجوارح . ومنبع الأذى ~~أمران : كراهية المعطي إعطاء ماله وشدة ذلك على نفسه ورؤيته أنه خير من ~~الفقير ، وكلاهما منشؤه الجهل ؛ فإن كراهية تسليم المال حمق لأن من بذل ~~المال لطلب رضا الله والثواب فقد علم أن ما حصل له من بذل المال أشرف مما ~~بذله ، وظنه أنه خير من الفقير جهل بخطر الغنى ، أي أن مراتب الناس بما ~~تتفاوت به نفوسهم من التزكية لا بعوارض الغنى والفقر التي لا تنشأ عن درجات ~~الكمال النفساني . # ولما حذر الله المتصدق من أن يؤذي المتصدق عليه علم أن التحذير من ~~الإضرار به كشتمه وضربه حاصل بفحوى الخطاب لأنه أولى بالنهي . # أوسع الله تعالى هذا المقام بيانا وترغيبا وزجرا بأساليب مختلفة وتفننات ~~بديعة فنبهنا بذلك إلى شدة عناية الإسلام بالإنفاق في وجوه البر والمعونة . # وكيف لا تكون كذلك وقوام الأمة دوران أموالها بينها ، وإن من أكبر مقاصد ~~الشريعة الانتفاع بالثروة العامة بين أفراد الأمة على وجوه جامعة بين رعي ~~المنفعة العامة ورعي الوجدان الخاص ، وذلك بمراعاة العدل مع الذي كد لجمع ~~المال وكسبه ، PageV03P044 ومراعاة الإحسان للذي بطأ به جهده ، وهذا المقصد ~~من أشرف المقاصد التشريعية . ولقد كان مقدار الإصابة والخطإ فيه هو ميزان ~~ارتقاء الأمم وتدهورها ، ولا تجد شريعة ظهرت ولا دعاة خير دعوا إلا وهم ~~يجعلون لتنويل أفراد الأمة حظا من الأموال التي بين أيدي أهل الثروة وموضعا ~~عظيما من تشريعهم أو دعوتهم ، إلا أنهم في ذلك متفاوتون بين مقارب ومقصر أو ~~آمل ومدبر ، غير أنك لا تجد شريعة سددت السهم لهذا الغرض . وعرفت كيف تفرق ~~بين المستحب فيه ms1368 والمفترض . ومثل هذه الشريعة المباركة ، فإنها قد تصرفت في ~~نظام الثروة العامة تصرفا عجيبا أقامته على قاعدة توزيع الثروة بين أفراد ~~الأمة ، وذلك بكفاية المحتاج من الأمة مؤونة حاجته ، على وجوه لا تحرم ~~المكتسب للمال فائدة اكتسابه وانتفاعه به قبل كل أحد . # فأول ما ابتدأت به تأمين ثقة المكتسب بالأمن على ماله من أن ينتزعه منه ~~منتزع إذ قال تعالى : { يأيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ~~} ( النساء : 29 ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة حجة الوداع : ( ~~إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ~~) ، سمع ذلك منه مائة ألف نفس أو يزيدون وتناقلوه في آفاق الإسلام حتى بلغ ~~مبلغ التواتر ، فكان من قواعد التشريع العامة قاعدة حفظ الأموال لا يستطيع ~~مسلم إبطالها . # وقد أتبعت إعلان هذه الثقة بحفظ الأموال بتفاريع الأحكام المتعلقة ~~بالمعاملات والتوثيقات ، كمشروعية الرهن في السلف والتوثق بالإشهاد كما ~~تصرح به الآيات الآتية وما سوى ذلك من نصوص الشريعة تنصيصا واستنباطا . # ثم أشارت إلى أن من مقاصدها ألا تبقى الأموال متنقلة في جهة واحدة أو ~~عائلة أو قبيلة من الأمة بل المقصد دورانها بقوله تعالى في آية الفيء : { ~~ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم } ( الحشر : 7 ) ، ~~فضمير يكون عائد إلى ما أفاء الله باعتبار كونه مالا أي كيلا يكون المال ~~دولة . والدولة ما يتداوله الناس من المال ، أي شرعنا صرفه لمن سميناهم دون ~~أن يكون لأهل الجيش حق فيه ، لينال الفقراء منه حظوظهم فيصبحوا أغنياء فلا ~~يكون PageV03P045 مدالا بين طائفة الأغنياء كما كانوا في الجاهلية يأخذ ~~قادتهم المرباع ويأخذ الغزاة ثلاثة الأرباع فيبقى المال كله لطائفة خاصة . # ثم عمدت إلى الانتزاع من هذا المال انتزاعا منظما فجعلت منه انتزاعا ~~جبريا بعضه في حياة صاحب المال وبعضه بعد موته . فأما الذي في حياته فهو ~~الصدقات الواجبة ، ومنها الزكاة ، وهي في غالب الأحوال عشر ms1369 المملوكات أو ~~نصف عشرها أو ربع عشرها . وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم وجه تشريعها ~~بقوله لمعاذ بن جبل حين أرسله إلى اليمن ( إن الله فرض عليهم زكاة تؤخذ من ~~أغنيائهم فترد على فقرائهم ) ، وجعل توزيع ما يتحصل من هذا المال لإقامة ~~مصالح الناس وكفاية مؤن الضعفاء منهم ، فصاروا بذلك ذوي حق في أموال ~~الأغنياء ، غير مهينين ولا مهددين بالمنع والقساوة . والتفت إلى الأغنياء ~~فوعدهم على هذا العطاء بأفضل ما وعد به المحسنون ، من تسميته قرضا لله ~~تعالى ، ومن توفير ثوابه ، كما جاءت به الآيات التي نحن بصدد تفسيرها . # ويلحق بهذا النوع أخذ الخمس من الغنيمة مع أنها حق المحاربين ، فانتزع ~~منهم ذلك وقال لهم : { واعلموا أن ما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ~~إلى قوله إن كنتم آمنتم بالله } ( الأنفال : 41 ) فحرضهم على الرضا بذلك ، ~~ولا شك أنه انتزعه من أيدي الذين اكتسبوه بسيوفهم ورماحهم . وكذلك يلحق به ~~النفقات الواجبة غير نفقة الزوجة لأنها غير منظور فيها إلى الانتزاع إذ هي ~~في مقابلة تألف العائلة ، ولا نفقة الأولاد كذلك لأن الداعي إليها جبلي . ~~أما نفقة غير البنين عند من يوجب نفقة القرابة فهي من قسم الانتزاع الواجب ~~، ومن الانتزاع الواجب الكفارات في حنث اليمين ، وفطر رمضان ، والظهار ، ~~والإيلاء ، وجزاء الصيد . فهذا توزيع بعض مال الحي في حياته . # وأما توزيع المال بعد وفاة صاحبه فذلك ببيان فرائض الإرث على وجه لا يقبل ~~الزيادة والنقصان . وقد كان العرب يعطون أموالهم لمن يحبون من أجنبي أو ~~قريب كما قدمنا بيانه في قوله : { كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت } ( 180 ) ~~، وكان بعض الأمم يجعل الإرث للأكبر . # وجعل توزيع هذه الفرائض على وجه الرحمة بالناس أصحاب الأموال ، فلم تعط ~~أموالهم إلا لأقرب الناس إليهم ، وكان توزيعه بحسب القرب كما هو معروف في ~~PageV03P046 مسائل الحجب من الفرائض ، وبحسب الأحوجية إلى المال ، كتفضيل ~~الذكر على الأنثى لأنه يعول غيره والأنثى يعولها غيرها . والتفت في هذا ~~الباب إلى أصحاب الأموال فترك لهم حق التصرف في ms1370 ثلث أموالهم يعينون من ~~يأخذه بعد موتهم على شرط ألا يكون وارثا ، حتى لا يتوسلوا بذلك إلى تنفيل ~~وارث على غيره . # وجعلت الشريعة من الانتزاع انتزاعا مندوبا إليه غير واجب ، وذلك أنواع ~~المواساة بالصدقات والعطايا والهدايا والوصايا وإسلاف المعسر بدون مراباة ~~وليس في الشريعة انتزاع أعيان المملوكات من الأصول فالانتزاع لا يعدو ~~انتزاع الفوائد بالعدالة والمساواة . # وجملة { قول معروف } إلى آخرها مستأنفة استئنافا بيانيا . وتنكير { قول ~~معروف } للتقليل ، أي أقل قول معروف خير من صدقة يتبعها أذى . والمعروف هو ~~الذي يعرفه الناس ، أي لا ينكرونه . فالمراد به القول الحسن وهو ضد الأذى . # والمغفرة هنا يراد بها التجاوز عن الإساءة أي تجاوز المتصدق عن الملح أو ~~الجافي في سؤاله إلحاحه أو جفاءه مثل الذي يسأل فيقول : أعطني حق الله الذي ~~عندك أو نحو ذلك ، ويراد بها أيضا تجاوز الله تعالى عن الذنوب بسبب تلك ~~الصدقة إذا كان معها قول معروف ، وفي هذا تعريض بأن الأذى يوشك أن يبطل ~~ثواب الصدقة . # وقوله : { والله غني حليم } تذييل للتذكير بصفتين من صفات الله تعالى ~~ليتخلق بهما المؤمنون وهما : الغنى الراجع إليه الترفع عن مقابلة العطية ~~بما يبرد غليل شح نفس المعطي ، والحلم الراجع إليه العفو والصفح عن رعونة ~~بعض العفاة . # والإبطال جعل الشيء باطلا أي زائلا غير نافع لما أريد منه . فمعنى بطلان ~~العمل عدم ترتب أثره الشرعي عليه سواء كان العمل واجبا أم كان متطوعا به ، ~~فإن كان العمل واجبا فبطلانه عدم إجزائه بحيث لا تبرأ ذمة المكلف من تكليفه ~~بذلك العمل وذلك إذا اختل ركن أو شرط من العمل . وإن كان العمل متطوعا به ~~رجع البطلان إلى عدم الثواب على العمل لمانع شرعي من اعتبار ثوابه وهو ~~المراد هنا جمعا بين أدلة الشريعة . PageV03P047 # وقوله : { كالذي ينفق ماله رئاء الناس } الكاف ظرف مستقر هو حال من ضمير ~~تبطلوا ، أي لا تكونوا في إتباع صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء ~~الناس وهو كافر لا يؤمن بالله واليوم الآخر ، وإنما يعطي ليراه الناس وذلك ms1371 ~~عطاء أهل الجاهلية . # فالموصول من قوله : { كالذي ينفق ماله } مراد به جنس وليس مراد به جنس ~~وليس مراد به معينا ولا واحدا ، والغرض من هذا التشبيه تفظيع المشبه به ~~وليس المراد المماثلة في الحكم الشرعي ، جمعا بين الأدلة الشرعية . # والرئاء بهمزتين فعال من رأى ، وهو أن يكثر من إظهار أعماله الحسنة للناس ~~، فصيغة الفعال فيه للمبالغة والكثرة ، وأولى الهمزتين أصلية والأخيرة ~~مبدلة عن الياء بعد الألف الزائدة ، ويقال رياء بياء بعد الراء على إبدال ~~الهمزة ياء بعد الكسرة . # والمعنى تشبيه بعض المتصدقين المسلمين الذين يتصدقون طلبا للثواب ويعقبون ~~صدقاتهم بالمن والأذى ، بالمنفقين الكافرين الذين ينفقون أموالهم لا يطلبون ~~من إنفاقها إلا الرئاء والمدحة إذ هم لا يتطلبون أجر الآخرة . # ووجه الشبه عدم الانتفاع مما أعطوا بأزيد من شفاء ما في صدورهم من حب ~~التطاول على الضعفاء وشفاء خلق الأذى المتطبعين عليه دون نفع في الآخرة . # ومثل حال الذي ينفق ماله رئاء الناس المشبه به تمثيلا يسري إلى الذين ~~يتبعون صدقاتهم بالمن والأذى بقوله : { فمثله كمثل صفوان } إلخ وضمير مثله ~~عائد إلى الذي ينفق ماله رئاء للناس ، لأنه لما كان تمثيلا لحال المشبه به ~~كان لا محالة تمثيلا لحال المشبه ، ففي الكلام ثلاثة تشبيهات . # مثل حال الكافر الذي ينفق ماله رئاء الناس بحال صفوان عليه تراب يغشيه ، ~~يعني يخاله الناظر تربة كريمة صالحة للبذر ، فتقدير الكلام عليه تراب صالح ~~للزرع فحذفت صفة التراب إيجازا اعتمادا على أن التراب الذي يرقب الناس أن ~~يصيبه الوابل هو التراب الذي يبذرون فيه ، فإذا زرعه الزارع وأصابه وابل ~~وطمع الزارع في زكاء زرعه ، جرفه الماء من وجه الصفوان فلم يترك منه شيئا ~~وبقي مكانه صلدا أملس فخاب أمل زارعه . PageV03P048 # وهذا أحسن وأدق من أن نجعل المعنى تمثيل إنفاق الكافر بحال تراب على ~~صفوان أصابه وابل فجرفه ، وأن وجه الشبه هو سرعة الزوال وعدم القرار كقوله ~~تعالى : { مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف ~~} ( إبراهيم : 18 ) فإن مورد تلك الآية مقام ms1372 آخر . # ولك أن تجعل كاف التشبيه في قوله تعالى : { كالذي ينفق ماله } صفة لمصدر ~~محذوف دل عليه ما في لفظ صدقاتهم من معنى الإنفاق وحذف مضاف بين الكاف وبين ~~اسم الموصول ، والتقدير إنفاقا كإنفاق الذي ينفق ماله رئاء الناس . # وقد روعي في هذا التمثيل عكس التمثيل لمن ينفق ماله في سبيل الله بحبة ~~أغلت سبعمائة حبة . # فالتشبيه تشبيه مركب معقول بمركب محسوس . ووجه الشبه الأمل في حالة تغر ~~بالنفع ثم لا تلبث ألا تأتي لآملها بما أمله فخاب أمله . ذلك أن المؤمنين ~~لا يخلون من رجاء حصول الثواب لهم من صدقاتهم ، ويكثر أن تعرض الغفلة ~~للمتصدق فيتبع صدقته بالمن والأذى اندفاعا مع خواطر خبيثة . # وقوله : { لا يقدرون على شيء مما كسبوا } أوقع موقعا بديعا من نظم الكلام ~~تنهال به معانن كثيرة فهو بموقعه كان صالحا لأن يكون حالا من الذي ينفق ~~ماله رئاء الناس فيكون مندرجا في الحالة المشبهة ، وإجراء ضمير كسبوا ضمير ~~جمع لتأويل الذي ينفق بالجماعة ، وصالحا لأن يكون حالا من مثل صفوان ~~باعتبار أنه مثل على نحو ما جوز في قوله تعالى : { أوكصيب من السماء } ( ~~البقرة : 19 ) إذ تقديره فيه كمثل ذوي صيب فلذلك جاء ضميره بصيغة الجمع ~~رعيا للمعنى وإن كان لفظ المعاد مفردا ، وصالحا لأن يجعل استينافا بيانيا ~~لأن الكلام الذي قبله يثير سؤال سائل عن مغبة أمر المشبه ، وصالحا لأن يجعل ~~تذييلا وفذلكة لضرب المثل فهو عود عن بدء قوله : { لا تبطلوا صدقاتكم بالمن ~~والأذى } ( البقرة : 264 ) إلى آخر الكلام . PageV03P049 # وصالحا لأن يجعل حالا من صفوان أي لا يقدرون على شيء مما كسبوا منه وحذف ~~عائد الصلة لأنه ضمير مجرور بما جر به اسم الموصول . ومعنى { لا يقدرون } ~~لا يستطيعون أن يسترجعوه ولا انتفعوا بثوابه فلم يبق لهم منه شيء . # ويجوز أن يكون المعنى لا يحسنون وضع شيء مما كسبوا موضعه ، فهم يبذلون ما ~~لهم لغير فائدة تعود عليهم في آجلهم ، بدليل قوله : { الله لا يهدي القوم ~~الكافرين } . # والمعنى فتركه صلدا لا يحصدون منه ms1373 زرعا كما في قوله : { فأصبح يقلب كفيه ~~على ما أنفق فيها } ( الكهف : 42 ) . # وجملة { والله لا يهدي القوم الكافرين } تذييل والواو اعتراضية وهذا ~~التذييل مسوق لتحذير المؤمنين من تسرب أحوال الكافرين إلى أعمالهم فإن من ~~أحوالهم المن على من ينفقون وأذاه . # # | 2 ( 265 ) { ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغآء مرضات الله وتثبيتا من ~~أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فأتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل ~~والله بما تعملون بصير } . ) 2 # عطف مثل الذين ينفقون أموالهم في مرضاة الله على مثل الذي ينفق ماله رئاء ~~الناس ، لزيادة بيان ما بين المرتبتين من البون وتأكيدا للثناء على ~~المنفقين بإخلاص ، وتفننا في التمثيل . فإنه قد مثله فيما سلف بحبة أنبتت ~~سبع سنابل ، ومثله فيما سلف تمثيلا غير كثير التركيب لتحصل السرعة بتخيل ~~مضاعفة الثواب ، فلما مثل حال المنفق رئاء بالتمثيل الذي مضى أعيد تمثيل ~~حال المنفق ابتغاء مرضاة الله بما هو أعجب في حسن التخيل ؛ فإن الأمثال ~~تبهج السامع كلما كانت أكثر تركيبا وضمنت الهيأة المشبه بها أحوالا حسنة ~~تكسبها حسنا ليسري ذلك التحسين إلى المشبه ، وهذا من جملة مقاصد التشبيه . ~~PageV03P050 # وانتصب { ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا } على الحال بتأويل المصدر بالوصف ، ~~أي مبتغين مرضاة الله ومثبتين من أنفسهم . ولا يحسن نصبهما على المفعول له ~~، أما قوله ( ابتغاء ) فلأن مفاد الابتغاء هو مفاد اللام التي ينتصب ~~المفعول لأجله بإضمارها ، لأن يؤول إلى معنى لأجل طلبهم مرضاة الله ، وأما ~~قوله ( وتثبيتا ) فلأن حكمه حكم ما عطف هو عليه . # والتثبيت تحقيق الشيء وترسيخه ، وهو تمثيل يجوز أن يكون لكبح النفس عن ~~التشكك والتردد ، أي أنهم يمنعون أنفسهم من التردد في الإنفاق في وجوه البر ~~ولا يتركون مجالا لخواطر الشح ، وهذا من قولهم ثبت قدمه أي لم يتردد ولم ~~ينكص ، فإن إراضة النفس على فعل ما يشق عليها لها أثر في رسوخ الأعمال حتى ~~تعتاد الفضائل وتصير لها ديدنا . # وإنفاق المال من أعظم ما ترسخ به الطاعة في النفس لأن المال ليس أمرا ~~هينا على النفس ms1374 ، وتكون ( من ) على هذا الوجه للتبعيض ، لكنه تبعيض مجازي ~~باعتبار الأحوال ، أي تثبيتا لبعض أحوال النفس . # وموقع ( من ) هذه في الكلام يدل على الاستنزال والاقتصاد في تعلق الفعل ، ~~بحيث لا يطلب تسلط الفعل على جميع ذات المفعول بل يكتفى ببعض المفعول ، ~~والمقصود الترغيب في تحصيل الفعل والاستدراج إلى تحصيله ، وظاهر كلام ( ~~الكشاف ) يقتضي أنه جعل التبعيض فيها حقيقيا . # ويجوز أن يكون تثبيتا تمثيلا للتصديق أي تصديقا لوعد الله وإخلاصا في ~~الدين ليخالف حال المنافقين ؛ فإن امتثال الأحكام الشاقة لا يكون إلا عن ~~تصديق للآمر بها ، أي يدلون على تثبيت من أنفسهم . # و ( من ) على هذا الوجه ابتدائية ، أي تصديقا صادرا من أنفسهم . # ويجيء على الوجه الأول في تفسير التثبيت معنى أخلاقي جليل أشار إليه ~~الفخر ، وهو ما تقرر في الحكمة الخلقية أن تكرر الأفعال هو الذي يوجب حصول ~~الملكة الفاضلة في النفس ، بحيث تنساق عقب حصولها إلى الكمالات باختيارها ، ~~وبلا كلفة ولا PageV03P051 ضجر . فالإيمان يأمر بالصدقة وأفعال البر ، ~~والذي يأتي تلك المأمورات يثبت نفسه بأخلاق الإيمان ، وعلى هذا الوجه تصير ~~الآية تحريضا على تكرير الإنفاق . # ومثل هذا الإنفاق بجنة بربوة إلخ ، ووجه الشبه هو الهيأة الحاصلة من ~~مجموع أشياء تكامل بها تضعيف المنفعة ، فالهيأة المشبهة هي النفقة التي حف ~~بها طلب رضي الله والتصديق بوعده فضوعفت أضعافا كثيرة أو دونها في الكثرة ، ~~والهيأة المشبهة بها هي هيأة الجنة الطيبة المكان التي جاءها التهتان فزكا ~~ثمرها وتزايد فأكملت الثمرة ، أو أصابها طل فكانت دون ذلك . # والجنة مكان من الأرض ذو شجر كثير بحيث يجن أي يستر الكائن فيه فاسمها ~~مشتق من جن إذا ستر ، وأكثر ما تطلق الجنة في كلامهم على ذات الشجر المثمر ~~المختلف الأصناف ، فأما ما كان مغروسا نخيلا بحتا فإنما يسمى حائطا . ~~والمشتهر في بلاد العرب من الشجر المثمر غير النخيل هو الكرم وثمره العنب ~~أشهر الثمار في بلادهم بعد التمر ، فقد كان الغالب على بلاد اليمن والطائف ~~. ومن ثمارهم الرمان ، فإن كان النخل معها قيل لها جنة ms1375 أيضا كما في الآية ~~التي بعد هذه . ومما يدل على أن الجنة لا يراد بها حائط النخل قوله تعالى ~~في ( سورة الأنعام : 141 ) { وهو الذي أنشأ جناتت معروشات وغير معروشات ~~والنخل والزرع . فعطف النخل على الجنات ، وذكر العريش وهو مما يجعل للكرم ، ~~هذا ما يستخلص من كلام علماء اللغة . # وقد حصل من تمثيل حال الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله بحبة ثم بجنة ~~جناس مصحف . # والربوة بضم الراء وفتحها مكان من الأرض مرتفع دون الجبيل . وقرأ جمهور ~~العشرة بربوة بضم الراء وقرأه ابن عامر وعاصم بفتح الراء . وتخصيص الجنة ~~بأنها في ربوة لأن أشجار الربى تكون أحسن منظرا وأزكى ثمرا فكان لهذا القيد ~~فائدتان إحداهما قوة وجه الشبه كما أفاده قول ضعفين } ، والثانية تحسين ~~المشبه به الراجع إلى تحسين المشبه في تخيل السامع . PageV03P052 # والأكل بضم الهمزة وسكون الكاف وبضم الكاف أيضا ، وقد قيل إن كل فعل في ~~كلام العرب فهو مخفف فعل كعنق وفلك وحمق ، وهو في الأصل ما يؤكل وشاع في ~~ثمار الشجر قال تعالى : { بجناتهم جنتين ذواتى } ( سبإ : 16 ) وقال : { ~~تؤتى & # 1764 أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون } ( ~~إبراهيم : 25 ) ، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب ( أكلها ~~) بسكون الكاف ، وقرأه ابن عامر وحمزة وعاصم والكسائي وخلف بضم الكاف . # وقوله : ( ضعفين ) التثنية فيه لمجرد التكرير مثل لبيك أي آتت أكلها ~~مضاعفا على تفاوتها . # وقوله : { فإن لم يصبها وابل فطل } ، أي فإن لم يصبها مطر غزير كفاها مطر ~~قليل فآتت أكلها دون الضعفين . والمعنى أن الإنفاق لابتغاء مرضاة الله له ~~ثواب عظيم ، وهو مع ذلك متفاوت على تفاوت مقدار الإخلاص في الابتغاء ~~والتثبيت كما تتفاوت أحوال الجنات الزكية في مقدار زكائها ولكنها لا تخيب ~~صاحبها . # # | 2 ( 266 ) { أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجرى من تحتها ~~الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفآء فأصابهآ إعصار ~~فيه نار فاحترقت كذالك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون ms1376 } . ) 2 # استئناف بياني أثاره ضرب المثل العجيب للمنفق في سبيل الله بمثل حبة ~~أنبتت سبع سنابل ، ومثل جنة بربوة إلى آخر ما وصف من المثلين . ولما أتبع ~~بما يفيد أن ذلك إنما هو للمنفقين في سبيل الله الذين لا يتبعون ما أنفقوا ~~منا ولا أذى ، ثم أتبع بالنهي عن أن يتبعوا صدقاتهم بالمن والأذى ، استشرفت ~~نفس السامع لتلقي مثل لهم يوضح حالهم الذميمة كما ضرب المثل لمن كانوا بضد ~~حالهم في حالة محمودة . # ضرب الله هذا مثلا لمقابل مثل النفقة لمرضاة الله والتصديق وهو نفقة ~~الرئاء ، ووجه الشبه هو حصول خيبة ويأس في وقت تمام الرجاء وإشراف الإنتاج ~~، فهذا مقابل قوله : PageV03P053 { ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات ~~الله } ( البقرة : 265 ) الآية . وقد وصف الجنة بأعظم ما يحسن به أحوال ~~الجنات وما يرجى منه توفر ريعها ، ثم وصف صاحبها بأقصى صفات الحاجة إلى ~~فائدة جنته ، بأنه ذو عيال فهو في حاجة إلى نفعهم وأنهم ضعفاء أي صغار إذ ~~الضعيف في ( لسان العرب ) هو القاصر ، ويطلق الضعيف على الفقير أيضا ، قال ~~تعالى : { فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا } ( البقرة : 282 ) ، ~~وقال أبو خالد العتابي : # لقد زاد الحياة إلي حبا # بناتي إنهن من الضعاف # وقد أصابه الكبر فلا قدرة له على الكسب غير تلك الجنة ، فهذه أشد الأحوال ~~الحرص كقول الأعشى : # كجابية الشيخخ العراقي تفهق # فحصل من تفصيل هذه الحالة أعظم الترقب لثمرة هذه الجنة كما كان المعطي ~~صدقته في ترقب لثوابها . # فأصابها إعصار ، أي ريح شديدة تقلع الشجر والنبات ، فيها نار أي شدة ~~حرارة وهي المسماة بريح السموم ، فإطلاق لفظ نار على شدة الحر تشبيه بليغ ، ~~فأحرقت الجنة أي أشجارها أي صارت أعوادها يابسة ، فهذا مفاجأة الخيبة في ~~حين رجاء المنفعة . # والاستفهام في قوله : { أيود } استفهام إنكار وتحذير كما في قوله : { ~~أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا } ( الحجرات : 12 ) . والهيأة المشبهة ~~محذوفة وهي هيأة المنفق نفقة متبعة بالمن والأذى . # روى البخاري أن عمر بن الخطاب سأل يوما أصحاب رسول ms1377 الله صلى الله عليه ~~وسلم فيم ترون هذه الآية نزلت : { أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل ~~وأعناب } الآية ، فقال بعضهم : ( الله أعلم ) ، فغضب عمر وقال : ( قولوا ~~نعلم أو لا نعلم ) ، فقال ابن عباس : ( في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين ~~) ، فقال عمر : يا ابن أخي قل ولا تحقر نفسك ) ، قال ابن عباس : ( ضربت ~~مثلا لعمل ) ، قال عمر : ( أي عمل ) ، قال ابن عباس : ( لعمل ) ، قال : ~~صدقت ، لرجل غني يعمل بطاعة الله ، ثم بعث الله عز وجل إليه الشيطان لما ~~فني عمره فعمل في المعاصي حتى أحرق عمله . PageV03P054 # وقوله : { كذلك يبين الله لكم الآيات } تذييل ، أي كهذا البيان الذي فيه ~~تقريب المعقول بالمحسوس بين الله نصحا لكم ، رجاء تفكركم في العواقب حتى لا ~~تكونوا على غفلة . والتشبيه في قوله : { كذلك يبين الله لكم الآيات } نحو ~~ما في قوله تعالى : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } ( البقرة : 143 ) . # $ 2 ( 267 ) { ياأيها الذين ءامنو & # 1764 ا أنفقوا من طيبات ما كسبتم وممآ أخرجنا لكم من الارض ولا تيمموا ~~الخبيث منه تنفقون ولستم بأخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلمو & # 1764 ا أن الله غني حميد } . ) 2 $ # إفضاء إلى المقصود وهو الأمر بالصدقات بعد أن قدم بين يديه مواعظ وترغيب ~~وتحذير . وهي طريقة بلاغية في الخطابة والخطاب . فربما قدموا المطلوب ثم ~~جاؤوا بما يكسبه قبولا عند السامعين ، وربما قدموا ما يكسب القبول قبل ~~المقصود كما هنا . وهذا من ارتكاب خلاف مقتضى الظاهر في ترتيب الجمل ، ~~ونكتة ذلك أنه قد شاع بين الناس الترغيب في الصدقة وتكرر ذلك في نزول ~~القرآن فصار غرضا دينيا مشهورا ، وكان الاهتمام بإيضاحه والترغيب في أحواله ~~والتنفير من نقائصه أجدر بالبيان . ونظير هذا قول علي في خطبته التي خطبها ~~حين دخل سفيان الغامدي أحد قواد أهل الشام بلد الأنبار وهي من البلاد ~~المطيعة للخليفة علي وقتلوا عاملها حسان بن حسان البكري : ( أما بعد فإن من ~~ترك الجهاد رغبة عنه ألبسه الله ثوب الذل ، وشمله البلاء ، وديث بالصغار ، ~~وضرب على قلبه ، وسيم الخسف ms1378 ، ومنع النصف . ألا وإني قد دعوتكم إلى قتال ~~هؤلاء القوم ليلا ونهارا وقلت لكم اغزوهم قبل أن يغزوكم ، فوالله ما غزي ~~قوم في عقر دارهم إلا ذلوا ، فتواكلتم . هذا أخو غامد قد وردت خيله الأنباء ~~) إلخ . وانظر كلمة ( الجهاد ) في هذه الخطبة فلعل أصلها القتال كما يدل ~~عليه قوله بعده إلى قتال هؤلاء فحرفها قاصد أو غافل ولا إخالها تصدر عن علي ~~رضي الله عنه . PageV03P055 # والأمر يجوز أن يكون للوجوب فتكون الآية في الأمر بالزكاة ، أو للندب وهي ~~في صدقة التطوع ، أو هو للقدر المشترك في الطلب فتشمل الزكاة وصدقة التطوع ~~، والأدلة الأخرى تبين حكم كل . والقيد بالطيبات يناسب تعميم النفقات . # والمراد بالطيبات خيار الأموال ، فيطلق الطيب على الأحسن في صنفه . ~~والكسب ما يناله المرء بسعيه كالتجارة والإجارة والغنيمة والصيد . ويطلق ~~الطيب على المال المكتسب بوجه حلال لا يخالطه ظلم ولا غش ، وهو الطيب عند ~~الله كقول النبي صلى الله عليه وسلم ( من تصدق بصدقة من كسب طيب ولا يقبل ~~الله إلا طيبا تلقاها الرحمن بيمينه ) الحديث ، وفي الحديث الآخر : ( إن ~~الله طيب لا يقبل إلا طيبا ) . ولم يذكر الطيبات مع قوله : { ومما أخرجنا ~~لكم من الأرض } اكتفاء عنه بتقدم ذكره في قسيمه ، ويظهر أن ذلك لم يقيد ~~بالطيبات لأن قوله : { أخرجنا لكم } أشعر بأنه مما اكتسبه المرء بعمله ~~بالحرث والغرس ونحو ذلك ، لأن الأموال الخبيثة تحصل غالبا من ظلم الناس أو ~~التحيل عليهم وغشهم وذلك لا يتأتى في الثمرات المستخرجة من الأرض غالبا . # والمراد بما أخرج من الأرض الزروع والثمار ، فمنه ما يخرج بنفسه ، ومنه ~~ما يعالج بأسبابه كالسقي للشجر والزرع ، ثم يخرجه الله بما أوجد من الأسباب ~~العادية . وبعض المفسرين عد المعادن داخلة في { ما أخرجنا لكم من الأرض } . ~~وتجب على المعدن الزكاة عند مالك إذا بلغ مقدار النصاب ، وفيه ربع العشر . ~~وهو من الأموال المفروضة وليس بزكاة عند أبي حنيفة ، ولذلك قال فيه الخمس . ~~وبعضهم عد الركاز داخلا فيما أخرج من الأرض ولكنه يخمس ، والحق في الحكم ms1379 ~~بالغنيمة عند المالكية . ولعل المراد بما كسبتم الأموال المزكاة من العين ~~والماشية ، وبالمخرج من الأرض الحبوب والثمار المزكاة . # وقوله : { ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون } أصل تيمموا تتيمموا ، حذفت تاء ~~المضارعة في المضارع وتيمم بمعنى قصد وعمد . # والخبيث الشديد سوءا في صنفه فلذلك يطلق على الحرام وعلى المستقذر قال ~~تعالى : { ويحرم عليهم الخبايث } ( الأعراف : 157 ) وهو الضد الأقصى للطيب ~~فلا يطلق على الرديء إلا على وجه المبالغة ، ووقوع لفظه في سياق النهي يفيد ~~عموم ما يصدق عليه اللفظ . PageV03P056 # وجملة { منه تنفقون } حال ، والجار والمجرور معمولان للحال قدما عليه ~~للدلالة على الاختصاص ، أي لا تقصدوا الخبيث في حال إلا تنفقوا إلا منه ، ~~لأن محل النهي أن يخرج الرجل صدقته من خصوص رديء ماله . أما إخراجه من ~~الجيد ومن الرديء فليس بمنهي لا سيما في الزكاة الواجبة لأنه يخرج عن كل ما ~~هو عنده من نوعه . وفي حديث ( الموطأ ) في البيوع ( أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أرسل عاملا على صدقات خيبر فأتاه بتمر جنيب فقال له : أكل تمر خيبر ~~هكذا قال : لا ، ولكني أبيع الصاعين من الجمع بصاع من جنيب . فقال له : بع ~~الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبا ) ، فدل على أن الصدقة تؤخذ من كل ~~نصاب من نوعه ، ولكن المنهي عنه أن يخص الصدقة بالأصناف الرديئة . وأما في ~~الحيوان فيؤخذ الوسط لتعذر التنويع غالبا إلا إذا أكثر عدده فلا إشكال في ~~تقدير الظرف هنا . # وقرأ الجمهور { تيمموا } بتاء واحدة خفيفة وصلا وابتداء ، أصله تتيمموا ، ~~وقرأه البزي عن ابن كثير بتشديد التاء في الوصل على اعتبار الإدغام . # وقوله : { ولستم بأخذيه إلا أن تغمضوا فيه } جملة حالية من ضمير تنفقون ~~ويجوز أن يكون الكلام على ظاهره من الإخبار فتكون جملة الحال تعليلا لنهيهم ~~عن الإنفاق من المال الخبيث شرعا بقياس الإنفاق منه على اكتسابه قياس ~~مساواة أي كما تكرهون كسبه كذلك ينبغي أن تكرهوا إعطاءه . وكأن كراهية كسبه ~~كانت معلومة لديهم متقررة في نفوسهم ، ولذلك وقع القياس عليها . # ويجوز أن يكون الكلام مستعملا ms1380 في النهي عن أخذ المال الخبيث ، فيكون ~~الكلام منصرفا إلى غرض ثانن وهو النهي عن أخذ المال الخبيث والمعنى لا ~~تأخذوه ، وعلى كلا الوجهين هو مقتضض تحريم أخذ المال المعلومة حرمته على من ~~هو بيده ولا يحله انتقاله إلى غيره . # والإغماض إطباق الجفن ويطلق مجازا على لازم ذلك ، فيطلق تارة على الهناء ~~والاستراحة لأن من لوازم الإغماض راحة النائم قال الأعشى : # عليكك مثل الذي صليتت فاغتمضي # جفنا فإن لجنبب المرء مضطجعا PageV03P057 # أراد فاهنئي . ويطلق تارة على لازمه من عدم الرؤية فيدل على التسامح في ~~الأمر المكروه كقول الطرماح : # لم يفتنا بالوتر قوم وللض # يمم رجال يرضون بالإغماض # فإذا أرادوا المبالغة في التغافل عن المكروه الشديد قالوا أغمض عينه على ~~قذى ؛ وذلك لأن إغماض الجفن مع وجود القذى في العين . لقصد الراحة من تحرك ~~القذى ، قال عبد العزيز بن زرارة الكلائي : # وأغمضت الجفون على قذاها # ولم أسمع إلى قالل وقيل # والاستثناء في قوله : { إلا أن تغمضوا فيه } على الوجه الأول من جعل ~~الكلام إخبارا ، هو تقييد للنفي . وأما على الوجه الثاني من جعل النفي ~~بمعنى النهي فهو من تأكيد الشيء بما يشبه ضده أما لا تأخذوه إلا إذا ~~تغاضيتم عن النهي وتجاهلتموه . # وقوله : { واعلموا أن الله غني حميد } تذييل ، أي غني عن صدقاتكم التي لا ~~تنفع الفقراء ، أو التي فيها استساغة الحرام . حميد ، أي شاكر لمن تصدق ~~صدقة طيبة . وافتتحه باعلموا للاهتمام بالخبر كما تقدم عند قوله تعالى : { ~~واتقوا الله واعلوا أنكم ملاقوه } ( البقرة : 223 ) ، أو نزل المخاطبون ~~الذين نهوا عن الإنفاق من الخبيث منزلة من لا يعلم أن الله غني فأعطوا ~~لوجهه ما يقبله المحتاج بكل حال ولم يعلموا أنه يحمد من يعطي لوجهه من طيب ~~الكسب . # والغني الذي لا يحتاج إلى ما تكثر حاجة غالب الناس إليه ، ولله الغنى ~~المطلق فلا يعطى لأجله ولامتثال أمره إلا خير ما يعطيه أحد للغني عن المال ~~. # والحميد من أمثلة المبالغة ، أي شديد الحمد ؛ لأنه يثني على فاعلي ~~الخيرات . ويجوز أن يكون المراد ms1381 أنه محمود ، فيكون حميد بمعنى مفعول ، أي ~~فتخلقوا بذلك لأن صفات الله تعالى كمالات ، فكونوا أغنياء القلوب عن الشح ~~محمودين على صدقاتكم ، ولا تعطوا صدقات تؤذن بالشح ولا تشكرون عليها . # PageV03P058 # | 2 ( 268 ) { الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشآء والله يعدكم مغفرة ~~منه وفضلا والله واسع عليم } . ) 2 # استئناف عن قوله : أنفقوا من طيبات ما كسبتم الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم ~~بالفحشآء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم } ( البقرة : 267 ) ~~لأن الشيطان يصد الناس عن إعطاء خيار أموالهم ، ويغريهم بالشح أو بإعطاء ~~الرديء والخبيث ، ويخوفهم من الفقر إن أعطوا بعض مالهم . # وقدم اسم الشيطان مسندا إليه لأن تقديمه مؤذن بذم الحكم الذي سيق له ~~الكلام وشؤمه لتحذير المسلمين من هذا الحكم ، كما يقال في مثال علم المعاني ~~( السفاح في دار صديقك ) ، ولأن في تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي ~~تقوي الحكم وتحقيقه . # ومعنى { يعدكم } يسول لكم وقوعه في المستقبل إذا أنفقتم خيار أموالكم ، ~~وذلك بما يلقيه في قلوب الذين تخلقوا بالأخلاق الشيطانية . وسمي الإخبار ~~بحصول أمر في المستقبل وعدا مجازا لأن الوعد إخبار بحصول شيء في المستقبل ~~من جهة المخبر ، ولذلك يقال : أنجز فلان وعده أو أخلف وعده ، ولا يقولون ~~أنجز خبره ، ويقولون صدق خبره وصدق وعده ، فالوعد أخص من الخبر ، وبذلك ~~يؤذن كلام أئمة اللغة . فشبه إلقاء الشيطان في نفوسهم توقع الفقر بوعد منه ~~بحصوله لا محالة ، ووجه الشبه ما في الوعد من معنى التحقق ، وحسن هذا ~~المجاز هنا مشاكلته لقوله : { والله يعدكم مغفرة } فإنه وعد حقيقي . # ثم إن كان الوعد يطلق على التعهد بالخير والشر كما هو كلام ( القاموس ) ~~تبعا لفصيح ثعلب ففي قوله يعدكم الفقر مجاز واحد ، وإن كان خاصا بالخير كما ~~هو قول الزمخشري في الأساس ، ففي قوله : { يعدكم الفقر } مجازان . # والفقر شدة الحاجة إلى لوازم الحياة لقلة أو فقد ما يعاوض به ، وهو مشتق ~~من فقار الظهر ، فأصله مصدر فقره إذا كسر ظهره ، جعلوا العاجز بمنزلة من لا ~~يستطيع أدنى حركة لأن الظهر هو مجمع الحركات ms1382 ، ومن هذا تسميتهم المصيبة ~~فاقرة ، وقاصمة الظهر ، ويقال فقر وفقر وفقر وفقر بفتح فسكون ، وبفتحتين ، ~~وبضم فسكون ، وبضمتين ، ويقال رجل فقير ، ويقال رجل فقر وصفا بالمصدر . ~~PageV03P059 # والفحشاء اسم لفعل أو قول شديد السوء واستحقاقق الذم عرفا أو شرعا . مشتق ~~من الفحش بضم الفاء وسكون الحاء تجاوز الحد . وخصه الاستعمال بالتجاوز في ~~القبيح ، أي يأمركم بفعل قبيح . وهذا ارتقاء في التحذير من الخواطر ~~الشيطانية التي تدعو إلى الأفعال الذميمة ، وليس المراد بالفحشاء البخل لأن ~~لفظ الفحشاء لا يطلق على البخل وإن كان البخيل يسمى فاحشا . وإطلاق الأمر ~~على وسوسة الشيطان وتأثير قوته في النفوس مجاز لأن الأمر في الحقيقة من ~~أقسام الكلام . والتعريف في الفحشاء تعريف الجنس . # { والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم } . # عطف على جملة { الشيطان يعدكم الفقر } لإظهار الفرق بين ما تدعو إليه ~~وساوس الشيطان وما تدعو إليه أوامر الله تعالى ، والوعد فيه حقيقة لا محالة ~~. والقول في تقديم اسم الجلالة على الخبر الفعلي في قوله : { والله يعدكم } ~~على طريقة القول في تقديم اسم الشيطان في قوله : { الشيطان يعدكم الفقر } . # ومعنى ( واسع ) أنه واسع الفضل ، والوصف بالواسع مشتق من وسع المتعدي إذا ~~عم بالعطاء ونحوه قال الله تعالى : { ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما } ( غافر ~~: 7 ) ، وتقول العرب : ( لا يسعني أن أفعل كذا ) ، أي لا أجد فيه سعة ، وفي ~~حديث علي في وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم ( قد وسع الناس بشره وخلقه ) ~~. فالمعنى هنا أنه وسع الناس والعالمين بعطائه . # # | 2 ( 269 ) { يؤتى الحكمة من يشآء ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا ~~وما يذكر إلا أولوا الألباب } ) 2 # هذه الجملة اعتراض وتذييل لما تضمنته آيات الإنفاق من المواعظ والآداب ~~وتلقين الأخلاق الكريمة ، مما يكسب العاملين به رجاحة العقل واستقامة العمل ~~. PageV03P060 # فالمقصود التنبيه إلى نفاسة ما وعظهم الله به ، وتنبيههم إلى أنهم قد ~~أصبحوا به حكماء بعد أن كانوا في جاهلية جهلاء . فالمعنى : هذا من الحكمة ~~التي آتاكم الله ، فهو يؤتى الحكمة من يشاء ، وهذا كقوله ms1383 : { وما أنزل ~~عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به } ( البقرة : 231 ) . # قال الفخر : ( نبه على أن الأمر الذي لأجله وجب ترجيح وعد الرحمن على وعد ~~الشيطان هو أن وعد الرحمن ترجحه الحكمة والعقل ، ووعد الشيطان ترجحه الشهوة ~~والحس من حيث إنهما يأمران بتحصيل اللذة الحاضرة ، ولا شك أن حكم الحكمة هو ~~الحكم الصادق المبرأ عن الزيغ ، وحكم الحس والشهوة يوقع في البلاء والمحنة ~~. فتعقيب قوله : { والله يعدكم مغفرة } ( البقرة : 268 ) ، بقوله : { يؤتي ~~الحكمة } إشارة إلى أن ما وعد به تعالى من المغفرة والفضل من الحكمة ، وأن ~~الحكمة كلها من عطاء الله تعالى ، وأن الله تعالى يعطيها من يشاء . # والحكمة إتقان العلم وإجراء الفعل على وفق ذلك العلم ، فلذلك قيل : نزلت ~~الحكمة على ألسنة العرب ، وعقول اليونان ، وأيدي الصينيين . وهي مشتقة من ~~الحكم وهو المنع لأنها تمنع صاحبها من الوقوع في الغلط والضلال ، قال تعالى ~~: { كتاب أحكمت آياته } ( هود : 1 ) ، ومنه سميت الحديدة التي في اللجام ~~وتجعل في فم الفرس ، حكمة . # ومن يشاء الله تعالى إيتاءه الحكمة هو الذي يخلقه مستعدا إلى ذلك ، من ~~سلامة عقله واعتدال قواه ، حتى يكون قابلا لفهم الحقائق منقادا إلى الحق ~~إذا لاح له ، لا يصده عن ذلك هوى ولا عصبية ولا مكابرة ولا أنفة ، ثم ييسر ~~له أسباب ذلك من حضور الدعاة وسلامة البقعة من العتاة ، فإذا انضم إلى ذلك ~~توجهه إلى الله بأن يزيد أسبابه تيسيرا ويمنع عنه ما يحجب الفهم فقد كمل له ~~التيسير . وفسرت الحكمة بأنها معرفة حقائق الأشياء على ما هي عليه بما ~~تبلغه الطاقة ، أي بحيث لا تلتبس الحقائق المتشابهة بعضها مع بعض ولا يغلط ~~في العلل والأسباب . # والحكمة قسمت أقساما مختلفة الموضوع اختلافا باختلاف العصور والأقاليم . ~~ومبدأ ظهور علم الحكمة في الشرق عند الهنود البراهمة والبوذيين ، وعند أهل ~~الصين PageV03P061 البوذيين ، وفي بلاد فارس في حكمة زرادشت ، وعند القبط ~~في حكمة الكهنة . ثم انتقلت حكمة هؤلاء الأمم الشرقية إلى اليونان وهذبت ~~وصححت وفرعت وقسمت عندهم إلى قسمين : حكمة عملية ، وحكمة نظرية ms1384 . # فأما الحكمة العملية فهي المتعلقة بما يصدر من أعمال الناس ، وهي تنحصر ~~في تهذيب النفس ، وتهذيب العائلة ، وتهذيب الأمة . # والأول علم الأخلاق ، وهو التخلق بصفات العلو الإلهي بحسب الطاقة البشرية ~~، فيما يصدر عنه كمال في الإنسان . # والثاني علم تدبير المنزل . # والثالث علم السياسة المدنية والشرعية . # وأما الحكمة النظرية في الباحثة عن الأمور التي تعلم وليست من الأعمال ، ~~وإنما تعلم لتمام استقامة الأفهام والأعمال ، وهي ثلاثة علوم : # علم يلقب بالأسفل وهو الطبيعي ، وعلم يلقب بالأوسط وهو الرياضي ، وعلم ~~يلقب بالأعلى وهو الإلهي . # فالطبيعي يبحث عن الأمور العامة للتكوين والخواص والكون والفساد ، ويندرج ~~تحته حوادث الجو وطبقات الأرض والنبات والحيوان والإنسان ، ويندرج فيه الطب ~~والكيمياء والنجوم . # والرياضي الحساب والهندسة والهيأة والموسيقى ، ويندرج تحته الجبر ~~والمساحة والحيل المتحركة ( الماكينية ) وجر الأثقال . # وأما الإلهي فهو خمسة أقسام : معاني الموجودات ، وأصول ومبادىء وهي ~~المنطق ومناقضة الآراء الفاسدة ، وإثبات واجب الوجود وصفاته ، وإثبات ~~الأرواح والمجردات ، وإثبات الوحي والرسالة ، وقد بين ذلك أبو نصر الفارابي ~~وأبو علي ابن سينا . # فأما المتأخرون من حكماء الغرب فقد قصروا الحكمة في الفلسفة على ما وراء ~~الطبيعة وهو ما يسمى عند اليونان بالإلهيات . PageV03P062 # والمهم من الحكمة في نظر الدين أربعة فصول : # أحدها معرفة الله حق معرفته وهو علم الإعتقاد الحق ، ويسمى عند اليونان ~~العلم الإلهي أو ما وراء الطبيعة . # الثاني ما يصدر عن العلم به كمال نفسية الإنسان ، وهو علم الأخلاق . # الثالث تهذيب العائلة ، وهو المسمى عند اليونان علم تدبير المنزل . # الرابع تقويم الأمة وإصلاح شؤونها وهو المسمى علم السياسة المدنية ، وهو ~~مندرج في أحكام الإمامة والأحكام السلطانية . ودعوة الإسلام في أصوله ~~وفروعه لا تخلو عن شعبة من شعب هذه الحكمة . # وقد ذكر الله الحكمة في مواضع كثيرة من كتابه مرادا بها ما فيه صلاح ~~النفوس ، من النبوءة والهدى والإرشاد . وقد كانت الحكمة تطلق عند العرب على ~~الأقوال التي فيها إيقاظ للنفس ووصاية بالخير ، وإخبار بتجارب السعادة ~~والشقاوة ، وكليات جامعة لجماع الآداب . . وذكر الله تعالى في كتابه حكمة ~~لقمان ووصاياه في ms1385 قوله تعالى : { ولقد آتينا لقمان الحكمة } ( لقمان : 12 ) ~~الآيات . وقد كانت لشعراء العرب عناية بإبداع الحكمة في شعرهم وهي إرسال ~~الأمثال ، كما فعل زهير في الأبيات التي أولها ( رأيت المنايا خبط عشواء ) ~~والتي افتتحها بمن ومن في معلقته . وقد كانت بيد بعض الأحبار صحائف فيها ~~آداب ومواعظ مثل شيء من جامعة سليمان عليه السلام وأمثاله ، فكان العرب ~~ينقلون منها أقوالا . وفي ( صحيح البخاري ) في باب الحياء من كتاب الأدب أن ~~عمران بن حصين قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الخياء لا يأتي ~~إلا بخير ، فقال بشير بن كعب العدوي : مكتوب في الحكمة إن من الحياء وقارا ~~وإن من الحياء سكينة ، فقال له عمران : أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وتحدثني عن صحيفتك ) . # والحكيم هو النابغ في هاته العلوم أو بعضها فبحكمته يعتصم من الوقوع في ~~الغلط والضلال بمقدار مبلغ حكمته ، وفي الغرض الذي تتعلق به حكمته . # وعلوم الحكمة هي مجموع ما أرشد إليه هدي الهداة من أهل الوحي الإلهي الذي ~~هو أصل إصلاح عقول البشر ، فكان مبدأ ظهور الحكمة في الأديان ، ثم ألحق بها ~~ما PageV03P063 أنتجه ذكاء أهل العقول من أنظارهم المتفرعة على أصول الهدى ~~الأول . وقد مهد قدماء الحكماء طرائق من الحكمة فنبعت ينابيع الحكمة في ~~عصور متقاربة كانت فيها مخلوطة بالأوهام والتخيلات والضلالات . بين ~~الكلدانيين والمصريين والهنود والصين ، ثم درسها حكماء اليونان فهذبوا ~~وأبدعوا ، وميزوا علم الحكمة عن غيره ، وتوخوا الحق ما استطاعوا فأزالوا ~~أوهاما عظيمة وأبقوا كثيرا . وانحصرت هذه العلوم في طريقتي سقراط وهي نفسية ~~، وفيثاغورس وهي رياضية عقلية . والأولى يونانية والثانية لإيطاليا ~~اليونانية . وعنهما أخذ أفلاطون ، واشتهر أصحابه بالإشراقيين ، ثم أخذ عنه ~~أفضل تلامذته وهو أرسططاليس وهذب طريقته ووسع العلوم ، وسميت أتباعه ~~بالمشائين ، ولم تزل الحكمة من وقت ظهوره معولة على أصوله إلى يومنا هذا . # { ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا } وهو الذي شاء الله إيتاءه الحكمة ~~. والخير الكثير منجر إليه من سداد الرأي والهدي الإلهي ، ومن تفاريع قواعد ~~الحكمة التي ms1386 تعصم من الوقوع في الغلط والضلال بمقدار التوغل في فهمها ~~واستحضار مهمها ؛ لأننا إذا تتبعنا ما يحل بالناس من المصائب نجد معظمها من ~~جراء الجهالة والضلالة وأفن الرأي . وبعكس ذلك نجد ما يجتنيه الناس من ~~المنافع والملائمات منجرا من المعارف والعلم بالحقائق ، ولو أننا علمنا ~~الحقائق كلها لاجتنبنا كل ما نراه موقعا في البؤس والشقاء . # وقرأ الجمهور { ومن يؤت } بفتح المثناة الفوقية بصيغة المبني للنائب ، ~~على أن ضمير يؤت نائب فاعل عائد على من الموصولة وهو رابط الصلة بالموصول . ~~وقرأ يعقوب ومن يؤتت الحكمة بكسر المثناة الفوقية بصيغة البناء للفاعل . ~~فيكون الضمير الذي في فعل يؤت عائدا إلى الله تعالى ، وحينئذ فالعائد ضمير ~~نصب محذوف والتقدير : ومن يؤته الله . # وقوله : { وما يذكر إلا أولوا الألباب } تذييل للتنبيه على أن من شاء ~~الله إيتاء الحكمة هو ذو اللب . وأن تذكر الحكمة واستصحاب إرشادها بمقدار ~~استحضار اللب وقوته واللب في الأصل خلاصة الشيء وقلبه ، وأطلق هنا على عقل ~~الإنسان لأنه أنفع شيء فيه . # PageV03P064 # | 2 ( 270 ) { ومآ أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه وما ~~للظالمين من أنصار } . ) 2 # تذييل للكلام السابق المسوقق للأمر بالإنفاق وصفاته المقبولة والتحذير من ~~المثبطات عنه ابتداء من قوله : يأيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ~~ومآ أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه وما للظالمين من أنصار ~~} ( البقرة : 267 ) . # والمقصود من هذا التذييل التذكير بأن الله لا يخفى عليه شيء من النفقات ~~وصفاتها ، وأدمج النذر مع الإنفاق فكان الكلام جديرا بأن يكون تذييلا . # والنذر التزام قربة أو صدقة بصيغة الإيجاب على النفس كقوله علي صدقة وعلي ~~تجهيز غاز أو نحو ذلك ، ويكون مطلقا ومعلقا على شيء . وقد عرفت العرب النذر ~~من الجاهلية ، فقد نذر عبد المطلب أنه إن رزق عشرة أولاد ليذبحن عاشرهم ~~قربانا للكعبة ، وكان ابنه العاشر هو عبد الله ثاني الذبيحين ، وأكرم بها ~~مزية ، ونذرت نتيلة زوج عبد المطلب لما افتقدت ابنها العباس وهو صغير أنها ~~إن وجدته ms1387 لتكسون الكعبة الديباج ففعلت . وهي أول من كسا الكعبة الديباج . ~~وفي حديث البخاري أن عمر بن الخطاب قال : ( يا رسول الله إني نذرت في ~~الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام ، فقال أوفف بنذرك ) . # وفي الأمم السالفة كان النذر ، وقد حكى الله عن امرأة عمران { إني نذرت ~~لك ما في بطني محررا } ( آل عمران : 35 ) . والآية دلت على مشروعيته في ~~الإسلام ورجاء ثوابه ، لعطفه على ما هو من فعل الخير سواء كان النذر مطلقا ~~أم معلقا ، لأن الآية أطلقت ، ولأن قوله : { فإن الله يعلمه } مراد به ~~الوعد بالثواب . وفي الحديث الصحيح عن عمر وابنه عبد الله وأبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ( أن النذر لا يقدم شيئا ولا يؤخر ، ولا يرد شيئا ~~ولا يأتي ابن آدم بشيء لم يكن قدر له ، ولكنه يستخرج به من البخيل ) . ~~ومساقه الترغيب في النذر غير المعلق لا إبطال فائدة النذر . وقد مدح الله ~~عباده فقال : { يوفون بالنذر } ( الإنسان : 7 ) . وفي ( الموطأ ) عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم ( من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا ~~يعصه ) . # و ( من ) في قوله : { من نفقة } و { من نذر } بيان لما أنفقتم ونذرتم ، ~~ولما كان شأن البيان أن يفيد معنى زائدا على معنى المبين ، وكان معنى ~~البيان هنا عين معنى المبين ، تعين PageV03P065 أن يكون المقصود منه بيان ~~المنفق والمنذور بما في تنكير مجروري ( من ) من إرادة أنواع النفقات ~~والمنذورات فأكد بذلك العمومم ما أفادته ما الشرطية من العموم من خير أو شر ~~في سبيل الله أو في سبيل الطاغوت ، قال التفتازاني : ( مثل هذا البيان يكون ~~لتأكيد العموم ومنع الخصوص ) . # وقوله : { فإن الله يعلمه } كناية عن الجزاء عليه لأن علم الله بالكائنات ~~لا يشك فيه السامعون ، فأريد لازم معناه ، وإنما كان لازما له لأن القادر ~~لا يصده عن الجزاء إلا عدم العلم بما يفعله المحسن أو المسيء . # { وما للظالمين من أنصار } . # هذا وعيد قوبل به الوعد الذي كني عنه بقوله : { فإن الله يعلمه ms1388 } ، ~~والمراد بالظالمين المشركون علنا والمنافقون ، لأنهم إن منعوا الصدقات ~~الواجبة فقد ظلموا مصارفها في حقهم في المال وظلموا أنفسهم بإلقائها في ~~تبعات المنع ، وإن منعوا صدقة التطوع فقد ظلموا أنفسهم بحرمانها من فضائل ~~الصدقات وثوابها في الآخرة . # والأنصار جمع نصير ، ونفي الأنصار كناية عن نفي النصر والغوث في الآخرة ~~وهو ظاهر ، وفي الدنيا لأنهم لما بخلوا بنصرهم الفقير بأموالهم فإن الله ~~يعدمهم النصير في المضائق ، ويقسي عليهم قلوب عباده ، ويلقي عليهم الكراهية ~~من الناس . # # | 2 ( 271 ) { إن تبدوا الصدقات فنعما هى وإن تخفوها وتؤتوها الفقرآء فهو ~~خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير } . ) 2 # استئناف بياني ناشىء عن قوله : { وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن ~~الله يعلمه } ( البقرة : 270 ) ، إذ أشعر تعميم ( من نفقة ) بحال الصدقات ~~الخفية فيتساءل السامع في نفسه هل إبداء الصدقات يعد رياء وقد سمع قبل ذلك ~~قوله : { كالذي ينفق ماله رئاء الناس } ( البقرة : 264 ) ، PageV03P066 ~~ولأن قوله : { فإن الله يعلمه } ( البقرة : 270 ) قد كان قولا فصلا في ~~اعتبار نيات المتصدقين وأحوال ما يظهرونه منها وما يخفونه من صدقاتهم . ~~فهذا الاستئناف يدفع توهما من شأنه تعطيل الصدقات والنفقات ، وهو أن يمسك ~~المرء عنها إذا لم يجد بدا من ظهورها فيخشى أن يصيبه الرياء . # والتعريف في قوله : { الصدقات } تعريف الجنس ، ومحمله على العموم فيشمل ~~كل الصدقات فرضها ونفلها ، وهو المناسب لموقع هذه الآية عقب ذكر أنواع ~~النفقاتت . # وجاء الشرط بإن في الصدقتين لأنها أصل أدوات الشرط ، ولا مقتضى للعدول عن ~~الأصل ، إذ كلتا الصدقتين مرض لله تعالى ، وتفضيل صدقة السر قد وفى به صريح ~~قوله : { فهو خير لكم } . # وقوله : { فنعما } أصله فنعم ما ، فأدغم المثلان وكسرت عين نعم لأجل ~~التقاء الساكنين ، وما في مثله نكرة تامة أي متوغلة في الإبهام لا يقصد ~~وصفها بما يخصصها ، فتمامها من حيث عدم إتباعها بوصف لا من حيث إنها واضحة ~~المعنى ، ولذلك تفسر بشيء . ولما كانت كذلك تعين أن تكون في موضع التمييز ~~لضمير نعم المرفوع المستتر ms1389 ، فالقصد منه التنبيه على القصد إلى عدم التمييز ~~حتى إن المتكلم إذا ميز لا يميز إلا بمثلل المميز . # وقوله { هي } مخصوص بالمدح ، أي الصدقات ، وقد علم السامع أنها الصدقات ~~المبدأة ، بقرينة فعل الشرط ، فلذلك كان تفسير المعنى فنعما إبداؤهما . # وقرأ ورش عن نافع وابن كثير وحفص ويعقوب فنعما بكسر العين وتشديد الميم ~~من نعم مع ميم ما . وقرأه ابن عامر وحمزة والكسائي بفتح النون وكسر العين . ~~وقرأه قالون عن نافع وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم بكسر النون واختلاس حركة ~~العين بين الكسر والسكون . وقرأه أبو جعفر بكسر النون وسكون العين مع بقاء ~~تشديد الميم ، ورويت هذه أيضا عن قالون وأبي عمرو وأبي بكر . # وقوله : { وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم } تفضيل لصدقة السر ~~لأن فيها إبقاء على ماء وجه الفقير ، حيث لم يطلع عليه غير المعطي . وفي ~~الحديث الصحيح ، عد من السبعة الذين يظلهم الله بظله ( . . . ورجل تصدق ~~بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم PageV03P067 شماله ما أنفقت يمينه ) ، ( يعني مع ~~شدة القرب بين اليمين والشمال ؛ لأن حساب الدراهم ومناولة الأشياء ~~بتعاونهما ، فلو كانت الشمال من ذوات العلم لما اطلعت على ما أنفقته اليمين ~~) . # وقد فضل الله في هذه الآية صدقة السر على صدقة العلانية على الإطلاق ، ~~فإن حملت الصدقات على العموم كما هو الظاهر إجراء للفظ الصدقات مجرى لفظ ~~الإنفاق في الآي السابقة واللاحقة كان إخفاء صدقة الفرض والنفل أفضل ، وهو ~~قول جمهور العلماء ، وعن الكيا الطبري أن هذا أحد قول الشافعي . وعن ~~المهدوي : كان الإخفاء أفضل فيهما في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ~~ساءت ظنون الناس بالناس فاستحسن العلماء إظهار صدقة الفرض ، قال ابن عطية : ~~وهذا مخالف للآثار أن إخفاء الصدقة أفضل . فيكون عموم الصدقات في الآية ~~مخصوصا بصدقة التطوع ، ومخصص العموم الإجماع ، وحكى ابن العربي الإجماع ~~عليه . وإن أريد بالصدقات في الآية غير الزكاة كان المراد بها أخص من ~~الإنفاق المذكور في الآي قبلها وبعدها ، وكان تفضيل الإخفاء مختصا بالصدقات ~~المندوبة . وقال ابن عباس ms1390 والحسن : إظهار الزكاة أفضل ، وإخفاء صدقة التطوع ~~أفضل من إظهارها وهو قول الشافعي . # وقوله : { وتؤتوها الفقراء } ، توقف المفسرون في حكمة ذكره ، مع العلم ~~بأن الصدقة لا تكون إلا للفقراء ، وأن الصدقة المبداة أيضا تعطي للفقراء . # فقال العصام : ( كأن نكتة ذكره هنا أن الإبداء لا ينفك عن إيتاء الفقراء ~~؛ لأن الفقير يظهر فيه ويمتاز عن غيره إذ يعلمه الناس بحاله ، بخلاف ~~الإخفاء ، فاشترط معه إيتاؤها للفقير حثا على الفحص عن حال من يعطيه الصدقة ~~) ( أي لأن الحريصين من غير الفقراء يستحيون أن يتعرضوا للصدقات الظاهرة ~~ولا يصدهم شيء عن التعرض للصدقات الخفية ) . # وقال الخفاجي : ( لم يذكر الفقراء مع المبداة لأنه أريد بها الزكاة ~~ومصارفها الفقراء وغيرهم ، وأما الصدقة المخفاة فهي صدقة التطوع ومصارفها ~~الفقراء فقط ) . وهو ضعيف لوجهين : أحدهما أنه لا وجه لقصر الصدقة المبداة ~~على الفريضة ولا قائل به بل الخلاف في أن تفضيل الإخفاء هل يعم الفريضة ~~أولا ، الثاني أن الصدقة المتطوع بها لا يمتنع صرفها لغير الفقراء كتجهيز ~~الجيوش . PageV03P068 # وقال الشيخ ابن عاشور جدي في تعليق له على حديث فضل إخفاء الصدقة من ( ~~صحيح مسلم ) : ( عطف إيتاء الفقراء على الإخفاء المجعول شرطا للخيرية في ~~الآية مع العلم بأن الصدقة للفقراء يؤذن بأن الخيرية لإخفاء حال الفقير ~~وعدم إظهار اليد العليا عليه ) ، أي فهو إيماء إلى العلة وأنها الإبقاء على ~~ماء وجه الفقير ، وهو القول الفصل لانتفاء شائبة الرياء . # وقوله : { ويكفر عنكم من سيئاتكم } قرأه نافع والكسائي وأبو بكر وأبو ~~جعفر وخلف بنون العظمة ، وبجزم الراء عطفاء على موضع جملة الجواب وهي جملة ~~فهو خير لكم ، فيكون التكفير معلقا على الإخفاء . وقرأه ابن كثير وأبو عمرو ~~بالنون أيضا وبرفع الراء على أنه وعد على إعطاء الصدقات ظاهرة أو خفية ~~وقرأه ابن عامر وحفص بالتحتية على أن ضميره عائد إلى الله وبالرفع . # # | 2 ( 272 ) { ليس عليك هداهم ولاكن الله يهدى من يشآء وما تنفقوا من خير ~~فلانفسكم وما تنفقون إلا ابتغآء وجه الله وما تنفقوا من خير يوف إليكم ~~وأنتم ms1391 لا تظلمون } . ) 2 # استئناف معترض به بين قوله { إن تبدوا الصدقات } ( البقرة : 271 ) وبين ~~قوله : { وما تنفقوا من خير فلأنفسكم } ، ومناسبته هنا أن الآيات المتقدمة ~~يلوح من خلالها أصناف من الناس : منهم الذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا ~~يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ، ومنهم الذين يبطلون صدقاتهم بالمن والأذى ~~، ومنهم الذين يتيممون الخبيث منه ينفقون ، ومنهم من يعدهم الشيطان الفقر ~~ويأمرهم بالفحشاء . وكان وجود هذه الفرق مما يثقل على النبي صلى الله عليه ~~وسلم فعقب الله ذلك بتسكين نفس رسوله والتهوين عليه بأن ليس عليه هداهم ~~ولكن عليه البلاغ . فالهدى هنا بمعنى الإلجاء لحصول الهدي في قلوبهم ، وأما ~~الهدى بمعنى التبليغ والإرشاد فهو على النبيء ، ونظائر هذا في القرآن كثيرة ~~. فالضمير راجع إلى جميع من بقي فيهم شيء من عدم الهدى وأشدهم المشركون ~~والمنافقون ، وقيل الضمير راجع إلى ناس معروفين ، روي أنه كان لأسماء ابنة ~~أبي بكر أم كافرة وجد كافر فأرادت أسماء عام عمرة القضية أن تواسيهما بمال ~~، وأنه أراد بعض الأنصار الصدقة على قرابتهم وأصهارهم في بني النضير وقريظة ~~، فنهى PageV03P069 النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين عن الصدقة على ~~الكفار ، إلجاء لأولئك الكفار على الدخول في الإسلام ، فأنزل الله تعالى : ~~{ ليس عليك هداهم } الآيات ، أي هدى الكفار إلى الإسلام ، أي فرخص للمسلمين ~~الصدقة على أولئك الكفرة . # فالضمير عائد إلى معلوم للمخاطب . فيكون نزول الآية لذلك السبب ناشئا عن ~~نزول آيات الأمر بالإنفاق والصدقة ، فتكون الآيات المتقدمة سبب السبب لنزول ~~هذه الآية . # والمعنى أن ليس عليك أن تهديهم بأكثر من الدعوة والإرشاد ، دون هداهم ~~بالفعل أو الإلجاء ؛ إذ لا هادي لمن يضلل الله ، وليس مثل هذا بميسر للهدى ~~. # والخطاب في { ليس عليك هداهم } ظاهره أنه خطاب للرسول على الوجه الأول ~~الذي ذكرناه في معاد ضمير هداهم . ويجوز أن يكون خطابا لمن يسمع على الوجه ~~الآتي في الضمير إذا اعتبرنا ما ذكروه في سبب النزول ، أي ليس عليك أيها ~~المتردد في إعطاء قريبك . # و ( على ) في قوله { عليك } للاستعلاء المجازي ms1392 ، أي طلب فعل على وجه ~~الوجوب . والمعنى ليس ذلك بواجب على الرسول ، فلا يحزن على عدم حصول هداهم ~~لأنه أدى واجب التبليغ ، أو المعنى ليس ذلك بواجب عليكم أيها المعالجين ~~لإسلامهم بالحرمان من الإنفاق حتى تسعوا إلى هداهم بطرق الإلجاء . # وتقديم الظرف وهو { عليك } على المسند إليه وهو { هداهم } إذا أجرى على ~~ما تقرر في علم المعاني من أن تقديم المسند الذي حقه التأخير يفيد قصر ~~المسند إليه إلى المسند ، وكان ذلك في الإثبات بينا لا غبار عليه نحو { لكم ~~دينكم ولي ديني } ( الكافرون : 6 ) وقوله : { لها ما كسبت عليها ما اكتسبت ~~} ( البقرة : 286 ) ، فهو إذا وقع في سياق النفي غير بين لأنه إذا كان ~~التقديم في صورة الإثبات مفيدا للحصر اقتضى أنه إذا نفي فقد نفي ذلك ~~الانحصار ؛ لأن الجملة المكيفة بالقصر في حالة الإثبات هي جملة مقيدة ~~نسبتها بقيد الانحصار أي بقيد انحصار موضوعها في معنى محمولها . فإذا دخل ~~عليها النفي كان مقتضيا نفي النسبة المقيدة ، أي نفي ذلك الانحصار ، لأن ~~شأن النفي إذا توجه إلى كلام مقيد أن ينصب على ذلك القيد . PageV03P070 لكن ~~أئمة الفن حين ذكروا أمثلة تقديم المسند على المسند إليه سووا فيها بين ~~الإثبات كما ذكرنا وبين النفي نحو { لا فيها غول } ( الصافات : 47 ) ، فقد ~~مثل به في ( الكشاف ) عند قوله تعالى : { لا ريب فيه } ( البقرة : 2 ) فقال ~~: ( قصد تفضيل خمر الجنة على خمور الدنيا ) ، وقال السيد في شرحه هنالك ( ~~عد قصرا للموصوف على الصفة ، أي الغول مقصور على عدم الحصول في خمور الجنة ~~لا يتعداه إلى عدم الحصول فيما يقابلها ، أو عدم الغول مقصور على الحصول ~~فيها لا يتجاوزه إلى الحصول في هذه الخمور ) . وقد أحلت عند قوله تعالى : { ~~لا ريب فيه } ( البقرة : 2 ) على هذه الآية هنا ، فبنا أن نبين طريقة القصر ~~بالتقديم في النفي ، وهي أن القصر لما كان كيفية عارضة للتركيب ولم يكن ~~قيدا لفظيا بحيث يتوجه النفي إليه كانت تلك الكيفية مستصحبة مع النفي ، ~~فنحو { لا فيها غول } يفيد ms1393 قصر الغول على الانتفاء عن خمور الدنيا ولا يفيد ~~نفي قصر الغول على الكون في خمور الجنة . وإلى هذا أشار السيد في شرح ( ~~الكشاف ) عند قوله { لا ريب فيه } إذ قال ( وبالجملة يجعل حرف النفي جزءا ~~أو حرفا من حروف المسند أو المسند إليه ) : / / وعلى هذا بنى صاحب ( الكشاف ~~) فجعل وجه أن لم يقدم الظرف في قوله : { لا ريب فيه } كما قدم الظرف في ~~قوله : { لا فيها غول } لأنه لو أول لقصد أن كتابا آخر فيه الريب ، لا في ~~القرآن ، وليس ذلك بمراد . # فإذا تقرر هذا فقوله : { ليس عليك هداهم } إذا أجرى على هذا المنوال كان ~~مفاده هداهم مقصور على انتفاء كونه عليك ، فيلزم منه استفادة إبطال انتفاء ~~كونه على غير المخاطب ، أي إبطال انتفاء كونه على الله ، وكلا المفادين غير ~~مراد إذ لا يعتقد الأول ولا الثاني . فالوجه : إما أن يكون التقديم هنا ~~لمجرد الاهتمام كتقديم يوم الندى في قول الحريري : # ما فيه من عيب سوى أنه # يوم الندى قسمته ضيزى # بنفي كون هداهم حقا على الرسول تهوينا للأمر عليه ، فأما الدلالة على كون ~~ذلك مفوضا إلى الله فمن قوله : { ولكن الله يهدي من يشاء } . وإما أن يكون ~~جرى على خلاف مقتضى الظاهر بتنزيل السامعين منزلة من يعتقد أن إيجاد ~~الإيمان في الكفار يكون بتكوين الله وبالإلجاء من المخلوق ، فقصر هداهم على ~~عدم الكون في إلجاء المخلوقين إياهم لا على عدم الكون في أنه على الله ، ~~فيلزم من ذلك أنه على الله ، أي مفوض إليه . PageV03P071 # وقوله : { ولكن الله يهدي من يشاء } جيء فيه بحرف الاستدراك لما في ~~الكلام المنفي من توهم إمكان هديهم بالحرص أو بالإلجاء ، فمصب الاستدراك هو ~~الصلة ، أعني { من يشاء } ؛ أي فلا فائدة في إلجاء من لم يشأ الله هديه . ~~والتقدير : ولكن هداهم بيد الله ، وهو يهدي من يشاء ، فإذا شاء أن يهديهم ~~هداهم . # { وما تنفقوا من خير فلانفسكم وما تنفقون إلا ابتغآء وجه الله وما تنفقوا ~~من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون } . # عطف على ms1394 جملة { إن تبدوا الصدقات } ( البقرة : 271 ) ؛ وموقعها زيادة ~~بيان فضل الصدقات كلها ، وأنها لما كانت منفعتها لنفس المتصدق فليختر لنفسه ~~ما هو خير ، وعليه أن يكثر منها بنبذ كل ما يدعو لترك بعضها . # وقوله : { وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله } جملة حالية ، وهو خبر مستعمل ~~في معنى الأمر ، أي إنما تكون منفعة الصدقات لأنفسكم إن كنتم ما تنفقون إلا ~~ابتغاء وجه الله لا للرياء ولا لمراعاة حال مسلمم وكافر ، وهذا المعنى صالح ~~لكلا المعنيين المحتملين في الآية التي قبلها . ويجوز كونها معطوفة عليها ~~إذا كان الخبر بمعنى النهي ، أي لا تنفقوا إلا ابتغاء وجه الله . وهذا ~~الكلام خبر مستعمل في الطلب لقصد التحقيق والتأكيد ، ولذلك خولف فيه أسلوب ~~ما حف به من جملة { وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وجملة وما تنفقوا من خير ~~يوف إليكم } . # وقوله : { وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون } عطف على التي ~~قبلها لبيان أن جزاء النفقات بمقدارها وأن من نقص له من الأجر فهو الساعي ~~في نقصه . وكرر فعل تنفقون ثلاث مرات في الآية لمزيد الاهتمام بمدلوله وجيء ~~به مرتين بصيغة الشرط عند قصد بيان الملازمة بين الإنفاق والثواب ، وجيء به ~~مرة في صيغة النفي والاستثناء لأنه قصد الخبر بمعنى الإنشاء ، أي النهي عن ~~أن ينفقوا إلا لابتغاء وجه الله . PageV03P072 # وتقديم { وأنتم } على الخبر الفعلي لمجرد التقوي وزيادة التنبيه على أنهم ~~لا يظلمون ، وإنما يظلمون أنفسهم . # وإنما جعلت هاته الأحكام جملا مستقلا بعضها عن بعض ولم تجعل جملة واحدة ~~مقيدة فائدتها بقيود جميع الجمل وأعيد لفظ الإنفاق في جميعها بصيغ مختلفة ~~تكريرا للاهتمام بشأنه ، لتكون كل جملة مستقلة بمعناها قصيرة الألفاظ كثيرة ~~المعاني ، فتجري مجرى الأمثال ، وتتناقلها الأجيال . # وقد أخذ من الآيات الأخيرة على أحد التفسيرين جواز الصدقة على الكفار ، ~~والمراد الكفار الذي يختلطون بالمسلمين غير مؤذين لهم وهم أهل العهد وأهل ~~الذمة والجيران . واتفق فقهاء الإسلام على جواز إعطاء صدقة التطوع للكافرين ~~، وحكمة ذلك أن الصدقة من إغاثة الملهوف والكافر من عباد ms1395 الله ، ونحن قد ~~أمرنا بالإحسان إلى الحيوان ، ففي الحديث الصحيح : قالوا يا رسول الله وإن ~~لنا في البهائم لأجرا . فقال : ( في كل ذي كبد رطبة أجر ) . # واتفق الفقهاء على أن الصدقة المفروضة أعني الزكاة لا تعطى للكفار ، ~~وحكمة ذلك أنها إنما فرضت لإقامة أود المسلمين ومواساتهم ، فهي مال الجامعة ~~الإسلامية يؤخذ بمقادير معينة ، ففيه غنى المسلمين ، بخلاف ما يعطيه المرء ~~عن طيب نفس لأجل الرأفة والشفقة . واختلفوا في صدقة الفطر ، فالجمهور ~~ألحقوها بالصدقات المفروضة ، وأبو حنيفة ألحقها بصدقة التطوع فأجاز إعطاءها ~~إلى الكافر . ولو قيل ذلك في غير زكاة الفطر كان أشبه ، فإن العيد عيد ~~المسلمين ، ولعله رآها صدقة شكر على القدرة على الصيام ، فكان المنظور فيها ~~حال المتصدق لا حال المتصدق عليه . وقوله الجمهور أصح لأن مشروعيتها لكفاية ~~فقراء المسلمين عن المسألة في يوم عيدهم وليكونوا في ذلك اليوم أوسع حالا ~~منهم في سائر المدة ، وهذا القدر لا تظهر حكمته في فقراء الكافرين . # PageV03P073 # | 2 ( 273 ) { للفقرآء الذين أحصروا فى سبيل الله لا يستطيعون ضربا فى ~~الارض يحسبهم الجاهل أغنيآء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسئلون الناس ~~إلحافا وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم } . ) 2 # { للفقراء } متعلق بتنفقون الأخير ، وتعلقه به يؤذن بتعلق معناه بنظائره ~~المقدمة ، فما من نفقة ذكرت آنفا إلا وهي للفقراء لأن الجمل قد عضد بعضها ~~بعضا . # و { الذين أحصروا } أي حبسوا وأرصدوا . ويحتمل أن المراد بسبيل الله هنا ~~الجهاد ؛ فإن كان نزولها في قوم جرحوا في سبيل الله فصاروا زمنى ففي ~~للسبيبة والضرب في الأرض المشي للجهاد بقرينة قوله : { في سبيل الله } ، ~~والمعنى أنهم أحقاء بأن ينفق عليهم لعجزهم الحاصل بالجهاد ؛ وإن كانوا قوما ~~بصدد القتال يحتاجون للمعونة ، ففي للظرفية المجازية ؛ وإن كان المراد بهم ~~أهل الصفة ، وهم فقراء المهاجرين الذين خرجوا من ديارهم وأموالهم بمكة ~~وجاؤوا دار الهجرة لا يستطيعون زراعة ولا تجارة ، فمعنى أحصروا في سبيل ~~الله عيقوا عن أعمالهم لأجل سبيل الله وهو الهجرة ، ففي للتعليل . وقد قيل ~~: إن أهل الصفة ms1396 كانوا يخرجون في كل سرية يبعثها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وعليه فسبيل الله هو الجهاد . ومعنى ( أحصروا ) على هذا الوجه أرصدوا ~~. و ( في ) باقية على التعليل . # والظاهر من قوله : { لا يستطيعون ضربا } أنهم عاجزون عن التجارة لقلة ذات ~~اليد ، والضرب في الأرض كناية عن التجر لأن شأن التاجر أن يسافر ليبتاع ~~ويبيع فهو يضرب الأرض برجليه أو دابته . PageV03P074 # وجملة { لا يستطيعون ضربا } يجوز أن تكون حالا ، وأن تكون بيانا لجملة ~~أحصروا . # وقوله : { يحسبهم الجاهل أغنياء } حال من الفقراء ، أي الجاهل بحالهم من ~~الفقر يظنهم أغنياء ، ومن للابتداء لأن التعفف مبدأ هذا الحسبان . # والتعفف تكلف العفاف وهو النزاهة عما يليق . وفي ( البخاري ) باب ~~الاستعفاف عن المسألة ، أخرج فيه حديث أبي سعيد : أن الأنصار سألوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فأعطاهم ، ثم سألوه فأعطاهم ، حتى نفد ما عنده ~~فقال : ( ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم ، ومن يستعفف يعفه الله ، ومن ~~يستغنن يغنه الله ، ومن يتصبر يصبره الله ) . # وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو والكسائي وخلف ويعقوب يحسبهم بكسر السين ~~وقرأه الباقون بفتح السين ، وهما لغتان . # ومعنى { تعرفهم بسماهم } أي بعلامة الحاجة والخطاب لغير معين ليعم كل ~~مخاطب ، وليس للرسول لأنه أعلم بحالهم . والمخاطب بتعرفهم هو الذي تصدى ~~لتطلع أحوال الفقراء ، فهو المقابل للجاهل في قوله : { يحسبهم الجاهل ~~أغنياء } . # والجملة بيان لجملة { يحسبهم الجاهل أغنياء } ، كأنه قيل : فبماذا تصل ~~إليهم صدقات المسلمين إذا كان فقرهم خفيا ، وكيف يطلع عليهم فأحيل ذلك على ~~مظنة المتأمل كقوله : { إن في ذلك لآيات للمتوسمين } ( الحجر : 75 ) . # والسيما العلامة ، مشتقة من سام الذي هو مقلوب وسم ، فأصلها وسمى ، ~~فوزنها عفلى ، وهي في الصورة فعلى ، يدل لذلك قولهم سمة ؛ فإن أصلها وسمة . ~~ويقولون سيمى بالقصر وسيماء بالمد وسيمياء بزيادة ياء بعد الميم وبالمد ، ~~ويقولون سوم إذا جعل سمة . وكأنهم إنما قلبوا حروف الكلمة لقصد التوصل إلى ~~التخفيف بهذه الأوزان لأن قلب عين الكلمة متأت بخلاف قلب فائها . ولم يسمع ~~من كلامهم فعل مجرد من ms1397 سوم المقلوب ، وإنما سمع منه فعل مضاعف في قولهم سوم ~~فرسه . PageV03P075 # وقوله : { لا يسألون الناس إلحافا } بيان لقوله يحسبهم الجاهل أغنياء ~~بيانا ثانيا ، لكيفية حسبانهم أغنياء في أنهم لا يسألون الناس . وكان مقتضى ~~الظاهر تقديمه على الذي قبله إلا أنه أخر للاهتمام بما سبقه من الحق على ~~توسم احتياجهم بأنهم محصرون لا يستطيعون ضربا في الأرض لأنه المقصود من ~~سياق الكلام . # فأنت ترى كيف لم يغادر القرآن شيئا من الحث على إبلاغ الصدقات إلى أيدي ~~الفقراء إلا وقد جاء به ، وأظهر به مزيد الاعتناء . # والإلحاف الإلحاح في المسألة . ونصب على أنه مفعول مطلق مبين للنوع ، ~~ويجوز أن يكون حالا من ضمير يسألون بتأويل ملحفين . وأيا ما كان فقد نفي ~~عنهم السؤال المقيد بالإلحاف أو المقيدون فيه بأنهم ملحفون وذلك لا يفيد ~~نفي صدور المسألة منهم مع أن قوله : { يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف } ~~يدل على أنهم لا يسألون أصلا ، وقد تأوله الزجاج والزمخشري بأن المقصود نفي ~~السؤال ونفي الإلحاف معا كقول امرىء القيس : # على لاحبب لا يهتدى بمناره # يريد نفي المنار والاهتداء ، وقرينة هذا المقصود أنهم وصفوا بأنهم يحسبون ~~أغنياء من التعفف ، ونظيره قوله تعالى : { ما للظالمين من حميم ولا شفيعع ~~يطاع } ( غافر : 18 ) أي لا شفيع أصلا ، ثم حيث لا شفيع فلا إطاعة ، فأنتج ~~لا شفيع يطاع ، فهو مبالغة في نفي الشفيع لأنه كنفيه بنفي لازمه وجعلوه ~~نوعا من أنواع الكناية ، وقال التفتازاني : ( إنما تحسن هذه الطريقة إذا ~~كان القيد الواقع بعد النفي بمنزلة اللازم للنفي لأن شأن اللاحب أن يكون له ~~منار ، وشأن الشفيع أن يطاع ، فيكون نفي اللازم نفيا للملزوم بطريق برهاني ~~، وليس الإلحاف بالنسبة إلى السؤال كذلك ، بل لا يبعد أن يكون ضد الإلحاف ~~وهو الرفق والتلطف أشبه باللازم ) ( أي أن يكون المنفي مطرد اللزوم للمنفي ~~عنه ) . وجوز صاحب ( الكشاف ) أن يكون المعنى أنهم إن سألوا سألوا بتلطف ~~خفيف دون إلحاف ، أي إن شأنهم أن يتعففوا ، فإذا سألوا سألوا بغير إلحاف ، ~~وهو بعيد لأن فصل الجملة ms1398 عن التي قبلها دليل على أنها كالبيان لها ، ~~والأظهر الوجه الأول الذي جعل في ( الكشاف ) ثانيا وأجاب الفخر بأنه تعالى ~~وصفهم بالتعفف فأغنى عن ذكر أنهم لا PageV03P076 يسألون ، وتعين أن قوله : ~~{ لا يسألون الناس إلحافا } تعريض بالملحفين في السؤال ، أي زيادة فائدة في ~~عدم السؤال . # { وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم } . # أعيد التحريض على الإنفاق فذكر مرة رابعة ، وقوله : { فإن الله به عليم } ~~كناية عن الجزاء عليه لأن العلم يكنى به عن أثره كثيرا ، فلما كان الإنفاق ~~مرغبا فيه من الله ، وكان علم الله بذلك معروفا للمسلمين ، تعين أن يكون ~~الإخبار بأنه عليم به أنه عليم بامتثال المنفق ، أي فهو لا يضيع أجره إذ لا ~~يمنعه منه مانع بعد كونه عليما به ، لأنه قدير عليه . وقد حصل بمجموع هذه ~~المرات الأربع من التحريض ما أفاد شدة فضل الإنفاق بأنه نفع للمنفق ، وصلة ~~بينه وبين ربه ، ونوال الجزاء من الله ، وأنه ثابت له في علم الله . # # | 2 ( 274 ) { الذين ينفقون أموالهم باليل والنهار سرا وعلانية فلهم ~~أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } . ) 2 # جملة مستأنفة تفيد تعميم أحوال فضائل الإنفاق بعد أن خصص الكلام بالإنفاق ~~للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله ، فاسم الموصول مبتدأ ، وجملة { فلهم ~~أجرهم } خبر المبتدأ . # وأدخل الفاء في خبر الموصول للتنبيه على تسبب استحقاق الأجر على الإنفاق ~~لأن المبتدأ لما كان مشتملا على صلة مقصود منها التعميم ، والتعليل ، ~~والإيماء إلى علة بناء الخبر على المبتدأ وهي ينفقون صح إدخال الفاء في ~~خبره كما تدخل في جواب الشرط ؛ لأن أصل الفاء الدلالة على التسبب وما أدخلت ~~في جواب الشرط إلا لذلك . والسر : الخفاء . والعلانية : الجهر والظهور . ~~وذكر عند ربهم لتعظيم شأن الأجر . PageV03P077 # وقوله : { ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } مقابل قوله : { وما للظالمين من ~~أنصار } ( البقرة : 270 ) إذ هو تهديد لمانعي الصدقات بإسلام الناس إياهم ~~عند حلول المصائب بهم ، وهذا بشارة للمنفقين بطيب العيش في الدنيا فلا ~~يخافون اعتداء المعتدين لأن الله أكسبهم ms1399 محبة الناس إياهم ، ولا تحل بهم ~~المصائب المحزنة إلا ما لا يسلم منه أحد مما هو معتاد في إبانه . # أما انتفاء الخوف والحزن عنهم في الآخرة فقد علم من قوله : { فلهم أجرهم ~~عند ربهم } . # ورفع خوف في نفي الجنس إذ لا يتوهم نفي الفرد لأن الخوف من المعاني التي ~~هي أجناس محضة لا أفراد لها كما تقدم في قوله تعالى : { لا بيع فيه ولا خلة ~~} ( البقرة : 254 ) ، ومنه ما في حديث أم زرع : ( لا حر ولا قر ولا مخافة ~~ولا سآمة ) . # $ 2 ( 275 ) { الذين يأكلون الربواا لا يقومون إلا كما يقوم الذى يتخبطه ~~الشيطان من المس ذلك بأنهم قالو & # 1764 ا إنما البيع مثل الربواا وأحل الله البيع وحرم الربواا فمن جآءه ~~موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولائك أصحاب ~~النار هم فيها خالدون } . ) 2 $ # نظم القرآن أهم أصول حفظ مال الأمة في سلك هاته الآيات . فبعد أن ابتدأ ~~بأعظم تلك الأصول وهو تأسيس مال للأمة به قوام أمرها ، يؤخذ من أهل الأموال ~~أخذا عدلا مما كان فضلا عن الغنى فقرضه على الناس ، يؤخذ من أغنيائهم فيرد ~~على فقرائهم ، سواء في ذلك ما كان مفروضا وهو الزكاة أو تطوعا وهو الصدقة ، ~~فأطنب في الحث عليه ، والترغيب في ثوابه ، والتحذير من إمساكه ، ما كان فيه ~~موعظة لمن اتعظ ، عطف الكلام إلى إبطال وسيلة كانت من أسباب ابتزاز ~~الأغنياء أموال المحتاجين إليهم ، PageV03P078 وهي المعاملة بالربا الذي ~~لقبه النبي صلى الله عليه وسلم ربا الجاهلية ، وهو أن يعطي المدين مالا ~~لدائنه زائدا على قدر الدين لأجل الانتظار ، فإذا حل الأجل ولم يدفع زاد في ~~الدين ، يقولون : إما أن تقضي وإما أن تربي . وقد كان ذلك شائعا في ~~الجاهلية كذا قال الفقهاء . والظاهر أنهم كانوا يأخذون الربا على المدين من ~~وقت إسلافه وكلما طلب النظرة أعطى ربا آخر ، وربما تسامح بعضهم في ذلك . ~~وكان العباس بن عبد المطلب مشتهرا بالمراباة في الجاهلية ، وجاء في خطبة ~~حجة الوداع ( ألا ms1400 وإن ربا الجاهلية موضوع وإن أول ربا أبدأ به ربا عمي عباس ~~بن عبد المطلب ) . # وجملة { الذين يأكلون الربوا } استئناف ، وجيء بالموصول للدلالة على علة ~~بناء الخبر وهو قوله : { لا يقومون } إلى آخره . # والأكل في الحقيقة ابتلاع الطعام ، ثم أطلق على الانتفاع بالشيء وأخذه ~~بحرص ، وأصله تمثيل ، ثم صار حقيقة عرفية فقالوا : أكل مال الناس { إن ~~الذين يأكلون أموال اليتامى } ( النساء : 10 ) { ألا تأكلوا أموالكم } ( ~~الصافات : 91 ، 92 ) ، ولا يختص بأخذ الباطل ففي القرآن { فإن طبن لكم عن ~~شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا } ( النساء : 4 ) . # والربا : اسم على وزن فعل بكسر الفاء وفتح العين لعلهم خففوه من الرباء ~~بالمد فصيروه اسم مصدر ، لفعل ربا الشيء يربو ربوا بسكون الباء على القياس ~~كما في ( الصحاح ) وبضم الراء والباء كعلو ورباء بكسر الراء وبالمد مثل ~~الرماء إذا زاد قال تعالى : { فلا يربو عند الله } ( الروم : 39 ) ، وقال : ~~{ اهتزت وربت } ( الحج : 5 ) ، ولكونه من ذوات الواو ثني على ربوانن . وكتب ~~بالألف ، وكتبه بعض الكوفيين بالياء نظرا لجواز الإمالة فيه لمكان كسرة ~~الراء ثم ثنوه بالياء لأجل الكسرة أيضا قال الزجاج : ما رأيت خطأ أشنع من ~~هذا ، ألا يكفيهم الخطأ في الخط حتى أخطؤوا في التثنية كيف وهم يقرؤون { ~~وما آتيتم من ربا لتربو } ( الروم : 39 ) بفتحة على الواو { في أموال الناس ~~} ( الروم : 39 ) يشير إلى قراءة عاصم والأعمش ، وهما كوفيان ، وبقراءتهما ~~يقرأ أهل الكوفة . PageV03P079 # وكتب الربا في المصحف حيثما وقع بواو بعدها ألف ، والشأن أن يكتب ألفا ، ~~فقال صاحب ( الكشاف ) : كتبت كذلك على لغة من يفخم أي ينحو بالألف منحى ~~الواو ، والتفخيم عكس الإمالة ، وهذا بعيد ؛ إذ ليس التفخيم لغة قريش حتى ~~يكتب بها المصحف . وقال المبرد : كتب كذلك للفرق بين الربا والزنا ، وهو ~~أبعد لأن سياق الكلام لا يترك اشتباها بينهما من جهة المعنى إلا في قوله ~~تعالى : { ولا تقربوا الزنا } ( الإسراء : 32 ) . وقال الفراء : إن العرب ~~تعلموا الخط من أهل الحيرة وهم نبط يقولون في الربا : ربو بواو ساكنة فكتبت ms1401 ~~كذلك ، وهذا أبعد من الجميع . # والذي عندي أن الصحابة كتبوه بالواو ليشيروا إلى أصله كما كتبوا الألفات ~~المنقلبة عن الياء في أواسط الكلمات بياءات عليها ألفات ، وكأنهم أرادوا في ~~ابتداء الأمر أن يجعلوا الرسم مشيرا إلى أصول الكلمات ثم استعجلوا فلم يطرد ~~في رسمهم ، ولذلك كتبوا الزكاة بالواو ، وكتبوا الصلاة بالواو تنبيها على ~~أن أصلها هو الركوع من تحريك الصلوين لا من الاصطلاء . وقال صاحب ( الكشاف ~~) : وكتبوا بعدها ألفا تشبيها بواو الجمع . وعندي أن هذا لا معنى للتعليل ~~به ، بل إنما كتبوا الألف بعدها عوضا عن أن يضعوا الألف فوق الواو ، كما ~~وضعوا المنقلب عن ياء ألفا فوق الياء لئلا يقرأها الناس الربو . # وأريد بالذين يأكلون الربا هنا من كان على دين الجاهلية ؛ لأن هذا الوعيد ~~والتشنيع لا يناسب إلا التوجه إليهم لأن ذلك من جملة أحوال كفرهم وهم لا ~~يرعوون عنها ما داموا على كفرهم . أما المسلمون فسبق لهم تشريع بتحريم ~~الربا بقوله تعالى : { يأيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة في ~~سورة آل عمران ( 130 ) ، وهم لا يقولون إنما البيع مثل الربا ، فجعل الله ~~هذا الوعيد من جملة أصناف العذاب خاصا للكافرين لأجل ما تفرع عن كفرهم من ~~وضع الربا . # وتقدم ذلك كله إنكار القرآن على أهل الجاهلية إعطاءهم الربا ، وهو من أول ~~ما نعاه القرآن عليهم في مكة ، فقد جاء في سورة الروم ( 39 ) : وما آتيتم ~~من ربا لتربوا في أموال الناس فلا يربو عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون ~~وجه الله فأولئك هم المضعفون PageV03P080 وهو خطاب للمشركين لأن السورة ~~مكية ولأن بعد الآية قوله : الله خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من ~~شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء } . # ومن عادات القرآن أن يذكر أحوال الكفار إغلاظا عليهم ، وتعريضا بتخويف ~~المسلمين ، ليكره إياهم لأحوال أهل الكفر . وقد قال ابن عباس : كل ما جاء ~~في القرآن من ذم أحوال الكفار فمراد منه أيضا تحذير المسلمين من مثله في ~~الإسلام ، ولذلك قال الله تعالى ms1402 : { ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون } ( البقرة : 275 ) وقال تعالى : { والله لا يحب كل كفار أثيم } ( ~~البقرة : 276 ) . # ثم عطف إلى خطاب المسلمين فقال : { يأيها الذين آمنوا اتقوا الله } ( ~~البقرة : 278 ) الآيات ، ولعل بعض المسلمين لم ينكف عن تعاطي الربا أو لعل ~~بعضهم فتن بقول الكفار : إنما البيع مثل الربا . فكانت آية سورة آل عمران ~~مبدأ التحريم ، وكانت هذه الآية إغلاق باب المعذرة في أكل الربا وبيانا ~~لكيفية تدارك ما سلف منه . # والربا يقع على وجهين : أحدهما السلف بزيادة على ما يعطيه المسلف ، ~~والثاني السلف بدون زيادة إلى أجل ، يعني فإذا لم يوف المستسلف أداء الدين ~~عند الأجل كان عليه أن يزيد فيه زيادة يتفقان عليها عند حلول كل أجل . # وقوله : { لا يقومون } حقيقة القيام النهوض والاستقلال ، ويطلق مجازا على ~~تحسن الحال ، وعلى القوة ، من ذلك قامت السوق ، وقامت الحرب . فإن كان ~~القيام المنفي هنا القيام الحقيقي فالمعنى : لا يقومون يوم يقوم الناس لرب ~~العالمين إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان ، أي إلا قياما كقيام الذي ~~يتخبطه الشيطان ، وإن كان القيام المجازي فالمعنى إما على أن حرصهم ونشاطهم ~~في معاملات الربا كقيام المجنون تشنيعا لجشعهم ، قاله ابن عطية ، ويجوز على ~~هذا أن يكون المعنى تشبيه ما يعجب الناس من استقامة حالهم ، ووفرة مالهم ، ~~وقوة تجارتهم ، بما يظهر من حال الذي يتخبطه الشيطان حتى تخاله قويا سريع ~~الحركة ، مع أنه لا يملك لنفسه شيئا . فالآية على المعنى الحقيقي وعيد لهم ~~بابتداء تعذيبهم من وقت القيام للحساب إلى أن يدخلوا النار ، وهذا هو ~~الظاهر وهو المناسب لقوله : { ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربوا } ، ~~وهي على المعنى المجازي PageV03P081 تشنيع ، أو توعد بسوء الحال في الدنيا ~~ولقي المتاعب ومرارة الحياة تحت صورة يخالها الرائي مستقيمة . # والتخبط مطاوع خبطه إذا ضربه ضربا شديدا فاضطرب له ، أي تحرك تحركا شديدا ~~، ولما كان من لازم هذا التحرك عدم الاتساق ، أطلق التخبط على اضطراب ~~الإنسان من غير اتساق . ثم إنهم يعمدون إلى فعل المطاوعة فيجعلونه ms1403 متعديا ~~إلى مفعول إذا أرادوا الاختصار ، فعوضا عن أن يقولوا خبطه فتخبط يقولون ~~تخبطه كما قالوا : اضطره إلى كذا . فتخبط الشيطان المرء جعله إياه متخبطا ، ~~أي متحركا على غير اتساق . # والذي يتخبطه الشيطان هو المجنون الذي أصابه الصرع . فيضطرب به اضطرابات ~~، ويسقط على الأرض إذا أراد القيام ، فلما شبهت الهيأة بالهيأة جيء في لفظ ~~الهيأة المشبه بها بالألفاظ الموضوعة للدلالة عليها في كلامهم وإلا لما ~~فهمت الهيأة المشبه بها ، وقد عرف ذلك عندهم . قال الأعشى يصف ناقته ~~بالنشاط وسرعة السير ، بعد أن سارت ليلا كاملا : # وتصبح عن غب السري وكأنها # ألم بها من طائف الجن أولق # والمس في الأصل هو اللمس باليد كقولها : ( المس مس أرنب ) ، وهو إذا أطلق ~~معرفا بدون عهد مس معروف دل عندهم على مس الجن ، فيقولون : رجل ممسوس أي ~~مجنون ، وإنما احتيج إلى زيادة قوله من المس ليظهر المراد من تخبط الشيطان ~~فلا يظن أنه تخبط مجازي بمعنى الوسوسة . و ( من ) ابتدائية متعلقة بيتخبطه ~~لا محالة . # وهذا عند المعتزلة جار على ما عهده العربي مثل قوله : ( طلعها كأنه رؤوس ~~الشياطين ) ، وقول امرىء القيس : # ومسنونة زرق كأنيابب أغوال # إلا أن هذا أثره مشاهد وعلته متخيلة والآخران متخيلان لأنهم ينكرون تأثير ~~الشياطين بغير الوسوسة . وعندنا هو أيضا مبني على تخييلهم والصرع إنما يكون ~~من علل PageV03P082 تعتري الجسم مثل فيضان المرة عند الأطباء المتقدمين ~~وتشنج المجموع العصبي عند المتأخرين ، إلا أنه يجوز عندنا أن تكون هاته ~~العلل كلها تنشأ في الأصل من توجهات شيطانية ، فإن عوالم المجردات كالأرواح ~~لم تنكشف أسرارها لنا حتى الآن ولعل لها ارتباطات شعاعية هي مصادر الكون ~~والفساد . # وقوله : { ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا } الإشارة إلى { كما ~~يقوم } لأن ما مصدرية ، والباء سببية . # والمحكي عنهم بقوله : { قالوا إنما البيع مثل الربوا } ، إن كان قولا ~~لسانيا فالمراد به قول بعضهم أو قول دعاتهم وهم المنافقون بالمدينة ، ظنوا ~~بسوء فهمهم أن تحريم الربا اضطراب في حينن تحليل البيع ، لقصد أن يفتنوا ~~المسلمين في صحة أحكام ms1404 شريعتهم ؛ إذ يتعذر أن يكون كل من أكل الربا قال هذا ~~الكلام ، وإن كان قولا حاليا بحيث يقوله كل من يأكل الربا لو سأله سائل عن ~~وجه تعاطيه الربا ، فهو استعارة . ويجوز أن يكون { قالوا } مجازا لأن ~~اعتقادهم مساواة البيع للربا يستلزم أن يقوله قائل ، فأطلق القول وأريد ~~لازمه ، وهو الإعتقاد به . # وقولهم : { إنما البيع مثل الربوا } قصر إضافي للرد على من زعم تخالف ~~حكمهما فحرم الربا وأحل البيع ، ولما صرح فيه بلفظ مثل ساغ أن يقال البيع ~~مثل الربا كما يسوغ أن يقال الربا مثل البيع ، ولا يقال : إن الظاهر أن ~~يقولوا إنما الربا مثل البيع لأنه هو الذي قصد إلحاقه به ، كما في سؤال ~~الكشاف وبنى عليه جعل الكلام من قبيل المبالغة ؛ لأنا نقول : ليسوا هم بصدد ~~إلحاق الفروع بالأصول على طريقة القياس بل هم كانوا يتعاطون الربا والبيع ، ~~فهما في الخطور بأذهانهم سواء ، غير أنهم لما سمعوا بتحريم الربا وبقاء ~~البيع على الإباحة سبق البيع حينئذ إلى أذهانهم فأحضروه ليثبتوا به إباحة ~~الربا ، أو أنهم جعلوا البيع هو الأصل تعريضا بالإسلام في تحريمه الربا على ~~الطريقة المسماة في الأصول بقياس العكس ؛ لأن قياس العكس إنما يلتجأ إليه ~~عند كفاح المناظرة ؛ لا في وقت استنباط المجتهد في خاصة نفسه . PageV03P083 # وأرادوا بالبيع هنا بيع التجارة لا بيع المحتاج سلعته برأس ماله . # وقوله : { وأحل الله البيع وحرم الربوا } من كلام الله تعالى جواب لهم ~~وللمسلمين ، فهو إعراض عن مجادلتهم إذ لا جدوى فيها لأنهم قالوا ذلك كفرا ~~ونفاقا فليسوا ممن تشملهم أحكام الإسلام . وهو إقناع للمسلمين بأن ما قاله ~~الكفار هو شبهة محضة ، وأن الله العليم قد حرم هذا وأباح ذاك ، وما ذلك إلا ~~لحكمة وفروق معتبرة لو تدبرها أهل التدبر لأدركوا الفرق بين البيع والربا ، ~~وليس في هذا الجواب كشف للشبهة فهو مما وكله الله تعالى لمعرفة أهل العلم ~~من المؤمنين ، مع أن ذكر تحريم الربا عقب التحريض على الصدقات يومىء إلى ~~كشف الشبهة . # واعلم أن مبنى شبهة القائلين ms1405 { إنما البيع مثل الربوا } أن التجارة فيها ~~زيادة على ثمن المبيعات لقصد انتفاع التاجر في مقابلة جلب السلع وإرصادها ~~للطالبين في البيع الناض ، ثم لأجل انتظار الثمن في البيع المؤجل ، فكذلك ~~إذا أسلف عشرة دراهم مثلا على أنه يرجعها له أحد عشر درهما ، فهو قد أعطاه ~~هذا الدرهم الزائد لأجل إعداد ماله لمن يستسلفه ؛ لأن المقرض تصدى لإقراضه ~~وأعد ماله لأجله ، ثم لأجل انتظار ذلك بعد محل أجله . # وكشف هاته الشبهة قد تصدى له القفال فقال : ( من باع ثوبا يساوي عشرة ~~بعشرين فقد جعل ذات الثوب مقابلا بالعشرين ، فلما حصل التراضي على هذا ~~التقابل صارت العشرون عوضا للثوب في المالية فلم يأخذ البائع من المشتري ~~شيئا بدون عوض ، أما إذا أقرضه عشرة بعشرين فقد أخذ المقرض العشرة الزائدة ~~من غير عوض . ولا يقال إن الزائد عوض الإمهال لأن الإمهال ليس مالا أو شيئا ~~يشار إليه حتى يجعله عوضا عن العشرة الزائدة ) . ومرجع هذه التفرقة إلى ~~أنها مجرد اصطلاح اعتباري فهي تفرقة قاصرة . # وأشار الفخر في أثناء تقرير حكمة تحريم الربا إلى تفرقة أخرى زادها ~~البيضاوي تحريرا ، حاصلها أن الذي يبيع الشيء المساوي عشرة بأحد عشر يكون ~~قد مكن المشتري من الانتفاع بالمبيع إما بذاته وإما بالتجارة به ، فذلك ~~الزائد لأجل تلك المنفعة وهي مسيس الحاجة أو توقع الرواج والربح ، وأما ~~الذي دفع درهما لأجل السلف فإنه لم يحصل PageV03P084 منفعة أكثر من مقدار ~~المال الذي أخذه ، ولا يقال : إنه يستطيع أن يتجر به فيربح لأن هذه منفعة ~~موهومة غير محققة الحصول ، مع أن أخذ الزائد أمر محقق على كل تقدير . # وهذه التفرقة أقرب من تفرقة القفال ، لكنها يرد عليها أن انتفاع المقترض ~~بالمال فيه سد حاجاته فهو كانتفاع المشتري بالسلعة ، وأما تصديه للمتاجرة ~~بمال القرض أو بالسلعة المشتراة فأمر نادر فيها . # فالوجه عندي في التفرقة بين البيع والربا أن مرجعها إلى التعليل بالمظنة ~~مراعاة للفرق بين حالي المقترض والمشتري ، فقد كان الاقتراض لدفع حاجة ~~المقترض للإنفاق على نفسه وأهله لأنهم كانوا ms1406 يعدون التداين هما وكربا ، وقد ~~استعاذ منه النبي صلى الله عليه وسلم وحال التاجر حال التفضل . وكذلك ~~اختلاف حالي المسلف والبائع ، فحال باذل ماله للمحتاجين لينتفع بما يدفعونه ~~من الربا فيزيدهم ضيقا ؛ لأن المتسلف مظنة الحاجة ، ألا تراه ليس بيده مال ~~، وحال بائع السلعة تجارة حال من تجشم مشقة لجلب ما يحتاجه المتفضلون ~~وإعداده لهم عند دعاء حاجتهم إليه مع بذلهم له ما بيدهم من المال . ~~فالتجارة معاملة بين غنيين : ألا ترى أن كليهما باذل لما لا يحتاج إليه ~~وآخذ ما يحتاج إليه ، فالمتسلف مظنة الفقر ، والمشتري مظنة الغنى ، فلذلك ~~حرم الربا لأنه استغلال لحاجة الفقير وأحل البيع لأنه إعانة لطالب الحاجات ~~. فتبين أن الإقراض من نوع المواساة والمعروف ، وأنها مؤكدة التعين على ~~المواسي وجوبا أو ندبا ، وأيا ما كان فلا يحل للمقرض أن يأخذ أجرا على عمل ~~المعروف . فأما الذي يستقرض مالا ليتجر به أو ليوسع تجارته فليس مظنة ~~الحاجة ، فلم يكن من أهل استحقاق مواساة المسلمين ، فلذلك لا يجب على الغني ~~إقراضه بحال فإذا قرضه فقد تطوع بمعروف . وكفى بهذا تفرقة بين الحالين . # وقد ذكر الفخر لحكمة تحريم الربا أسبابا أربعة : # أولها أن فيه أخذ مال الغير بغير عوض ، وأورد عليه ما تقدم في الفرق بينه ~~وبين البيع ، وهو فرق غير وجيه . PageV03P085 # الثاني أن في تعاطي الربا ما يمنع الناس من اقتحام مشاق الاشتغال في ~~الاكتساب ؛ لأنه إذا تعود صاحب المال أخذ الربا خف عنه اكتساب المعيشة ، ~~فإذا فشا في الناس أفضى إلى انقطاع منافع الخلق لأن مصلحة العالم لا تنتظم ~~إلا بالتجارة والصناعة والعمارة . # الثالث أنه يفضي إلى انقطاع المعروف بين الناس بالقرض . # الرابع أن الغالب في المقرض أن يكون غنيا ، وفي المستقرض أن يكون فقيرا ، ~~فلو أبيح الربا لتمكن الغني من أخذ مال الضعيف . # وقد أشرنا فيما مر في الفرق بين الربا والبيع إلى علة تحريمه وسنبسط ذلك ~~عند قوله تعالى : { يأيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة من ~~سورة آل عمران ( 130 ) . # هذا وقد ms1407 تعرضت الآية إلى حكم هو تحليل البيع وتحريم الربا ؛ لأنها من قول ~~الله تعالى لإعلان هذا التشريع بعد تقديم الموعظة بين يديه . # و ( أل ) في كل من البيع والربا لتعريف الجنس ، فثبت بها حكم أصلين ~~عظيمين في معاملات الناس محتاج إليهما فيها : أحدهما يسمى بيعا والآخر يسمى ~~ربا . أولهما مباح معتبر كونه حاجيا للأمة ، وثانيهما محرم ألغيت حاجيته ~~لما عارضها من المفسدة . وظاهر تعريف الجنس أن الله أحل البيع بجنسه فيشمل ~~التحليل سائر أفراده ، وأنه حرم الربا بجنسه كذلك . ولما كان معنى أحل الله ~~البيع } ( البقرة : 275 ) أذن فيه كان في قوة قضية موجبة ، فلم يقتض ~~استغراق الجنس بالصيغة ، ولم تقم قرينة على قصد الاستغراق قيامها في نحو ~~الحمد لله ، فبقي محتملا شمول الحل لسائر أفراد البيع . ولما كان البيع قد ~~تعتريه أسباب توجب فساده وحرمته تتبعت الشريعة أسباب تحريمه ، فتعطل احتمال ~~الاستغراق في شأنه في هذه الآية . # أما معنى قوله : { وحرم الربوا } فهو في حكم المنفي لأن حرم في معنى منع ~~، فكان مقتضيا استغراق جنس الربا بالصيغة ؛ إذ لا يطرأ عليه ما يصيره حلالا ~~. # ثم اختلف علماء الإسلام في أن لفظ الربا في الآية باق على معناه المعروف ~~في اللغة ، أو هو منقول إلى معنى جديد في اصطلاح الشرع . PageV03P086 # فذهب ابن عباس وابن عمر ومعاوية إلى أنه باق على معناه المعروف وهو ربا ~~الجاهلية ، أعني الزيادة لأجل التأخير ، وتمسك ابن عباس بحديث أسامة ( إنما ~~الربا في النسيئة ) ولم يأخذ بما ورد في إثبات ربا الفضل بدون نسيئة ، قال ~~الفخر : ( ولعله لا يرى تخصيص القرآن بخبر الآحاد ) ، يعني أنه حمل { أحل ~~الله البيع } على عمومه . # وأما جمهور العلماء فذهبوا إلى أن الربا منقول في عرف الشرع إلى معنى ~~جديد كما دلت عليه أحاديث كثيرة ، وإلى هذا نحا عمر بن الخطاب وعائشة وأبو ~~سعيد الخدري وعبادة بن الصامت بل رأى عمر أن لفظ الربا نقل إلى معنى جديد ~~ولم يبين جميع المراد منه فكأنه عنده مما يشبه المجمل ، فقد حكى عنه ms1408 ابن ~~رشد في المقدمات أنه قال : ( كان من أخر ما أنزل الله على رسوله آية الربا ~~فتوفي رسول الله ولم يفسرها ، وإنكم تزعمون أنا نعلم أبواب الربا ، ولأن ~~أكون أعلمها أحب إلي من أن يكون لي مثل مصر وكورها ) قال ابن رشد : ولم يرد ~~عمر بذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفسر آية الربا ، وإنما أراد ~~والله أعلم أنه لم يعم وجوه الربا بالنص عليها . وقال ابن العربي : بين ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم معنى الربا في ستة وخمسين حديثا . # والوجه عندي أن ليس مراد عمر أن لفظ الربا مجمل لأنه قابله بالبيان ~~وبالتفسير ، بل أراد أن تحقيق حكمه في صور البيوع الكثيرة خفي لم يعمه ~~النبي صلى الله عليه وسلم بالتنصيص ؛ لأن المتقدمين لا يتوخون في عباراتهم ~~ما يساوي المعاني الاصطلاحية ، فهؤلاء الحنفية سموا المخصصات بيان تغيير . ~~وذكر ابن العربي في العواصم أن أهل الحديث يتوسعون في معنى البيان . وفي ~~تفسير الفخر عن الشافعي أن قوله تعالى : { وأحل الله البيع وحرم الربوا } ~~من المجملات التي لا يجوز التمسك بها ، أي بعموميها : عموم البيعع وعمومم ~~الربا ؛ لأنه إن كان المراد جنس البيع وجنس الزيادة لزم بيان أي بيع وأي ~~زيادة ، وإن كان المراد كل بيع وكل زيادة فما من بيع إلا وفيه زيادة ، فأول ~~الآية أباح جميع البيوع وآخرها حرم الجميع ، فوجب الرجوع إلى بيان الرسول ~~عليه السلام . والذي حمل الجمهور على اعتبار لفظ الربا مستعملا في معنى ~~جديد أحاديث وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل دلت على تفسير ~~الربا بما هو أعم من ربا الجاهلية المعروف عندهم قبل الإسلام ، وأصولها ستة ~~أحاديث : PageV03P087 # الحديث الأول حديث أبي سعيد الخدري : ( الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر ~~بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثلل يدا بيد ، ~~فمن زاد وازداد فقد أربى ، الآخذ والمعطي في ذلك سواء ) . # الثاني حديث عبادة بن الصامت : ( الذهب بالذهب تبرها وعينها والفضة ~~بالفضة تبرها وعينها والبر بالبر مدا ms1409 بمد والشعير بالشعير مدا بمد والتمر ~~بالتمر مدا بمد والملح بالملح مدا بمد ، فمن زاد واستزاد فقد أربى ، ولا ~~بأس ببيع الذهب بالفضة والفضة بالذهب أكثرهما يدا بيد ، وأما النسيئة فلا ) ~~رواه أبو داود ، فسماه في هذين الحديثين ربا . # الثالث حديث أبي سعيد : أن بلالا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بتمر ~~برني ، فقال له : من أين هذا فقال بلال : تمر كان عندنا رديء فبعت منه ~~صاعين بصاع لطعم النبي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أوه عين ~~الربا ، لا تفعل ، ولكن إذا أردت أن تشتري التمر فبعه ثم اشتر من هذا ) ~~فسمى التفاضل ربا . # الرابع حديث ( الموطأ ) و ( البخاري ) عن ابن سعيد وأبي هريرة أن سواد بن ~~غزية جاء في خيبر بتمر جنيب فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ( أكل تمر ~~خيبر هكذا ) فقال : ( يا رسول الله إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين ~~والثلاثة ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا تفعل ، بع الجمع ~~بالدراهم ، ثم ابتع بالدراهم جنيبا ) . # الخامس حديث عائشة في ( صحيح البخاري ) : قالت ( لما نزلت الآيات من آخر ~~البقرة في الربا قرأها النبي ثم حرم التجارة في الخمر ) فظاهره أن تحريم ~~التجارة في الخمر كان عملا بآية النهي عن الربا وليس في تجارة الخمر معنى ~~من معنى الربا المعروف عندهم وإنما هو بيع فاسد . # السادس حديث الدارقطني ورواه ابن وهب عن مالك أن العالية بنت أينع وفدت ~~إلى المدينة من الكوفة ، فلقيت عائشة فأخبرتها أنها باعت من زيد بن أرقم في ~~الكوفة جارية بثمانمائة درهم إلى العطاء ، ثم إن زيدا باع الجارية فاشترتها ~~العالية منه بستمائة نقدا ، فقالت لها عائشة : ( بئسما شريتت وما اشتريتت ، ~~أبلغي زيدا أنه PageV03P088 قد أبطل جهاده مع رسول الله إلا أن يتوب ) ، ~~قالت : فقلت لها : ( أرأيتت إن لم آخذ إلا رأس مالي ) قالت : ( فمن جاءه ~~موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف ) فجعلته عائشة من الربا ولذلك تلت الآية . # فلأجل هذه الأحاديث الستة أثبت الفقهاء ثلاثة أنواع للربا ms1410 في اصطلاح ~~الشرع : # الأول ربا الجاهلية وهو زيادة على الدين لأجل التأخير . # الثاني ربا الفضل وهو زيادة في أحد العوضين في بيع الصنف بصنفه من ~~الأصناف المذكورة في حديث أبي سعيد وعبادة بن الصامت . # الثالث ربا النسيئة وهو بيع شيء من تلك الأصناف بمثله مؤخرا . وزاد ~~المالكية نوعا رابعا : وهو ما يؤول إلى واحد من الأصناف بتهمة التحيل على ~~الربا ، وترجمه في المدونة ببيوع الآجال ، ودليل مالك فيه حديث العالية . ~~ومن العلماء من زعم أن لفظ الربا يشمل كل بيع فاسد أخذا من حديث في تحريم ~~تجارة الخمر ، وإليه مال ابن العربي . # وعندي أن أظهر المذاهب في هذا مذهب ابن عباس ، وأن أحاديث ربا الفضل تحمل ~~على حديث أسامة ( إنما الربا في النسيئة ) ليجمع بين الحديثين ، وتسمية ~~التفاضل بالربا في حديثي أبي سعيد وعبادة بن الصامت دليل على ما قلناه ، ~~وأن ما راعاه مالك من إبطال ما يفضي إلى تعامل الربا إن صدر من مواقع ~~التهمة رعي حسن ، وما عداه إغراق في الاحتياط ، وقد يؤخذ من بعض أقوال مالك ~~في ( الموطأ ) وغيره أن انتفاء التهمة لا يبطل العقد . # ولا متمسك في نحو حديث عائشة في زيد بن أرقم لأن المسلمين في أمرهم الأول ~~كانوا قريبي عهد بربا الجاهلية ، فكان حالهم مقتضيا لسد الذرائع . # وفي ( تفسير القرطبي ) : كان معاوية بن أبي سفيان يذهب إلى أن النهي عن ~~بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة متفاضلا إنما ورد في الدينار المضروب ~~والدرهم المضروب لا في التبر ولا في المصوغ ، فروى مسلم عن عبادة بن الصامت ~~قال : غزونا وعلى الناس معاوية فغنمنا غنائم كثيرة ، فكان فيما غنمنا آنية ~~من ذهب ، فأمر معاوية رجالا ببيعها في أعطياتت الناس ، فتنازع الناس في ذلك ~~، فبلغ ذلك عبادة بن الصامت فقام فقال : PageV03P089 ( سمعت رسول الله ينهى ~~عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة إلا سواء بسواء عينا بعين ، من زاد ~~وازداد فقد أربى ) فبلغ ذلك معاوية فقام خطيبا فقال : ( ألا ما بال أقوام ~~يتحدثون عن رسول الله أحاديث قد كنا ms1411 نشهده ونصحبه فلم نسمعها منه ) فقال ~~عبادة بن الصامت : ( لنحدثن بما سمعنا من رسول الله وإن كره معاوية ) . # والظاهر أن الآية لم يقصد منها إلا ربا الجاهلية ، وأن ما عداه من ~~المعاملات الباطلة التي فيها أكل مال بالباطل مندرجة في أدلة أخرى . # وقوله : { فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى } الآية تفريع على الوعيد في ~~قوله : { الذين يأكلون الربوا } . # والمجيء بمعنى العلم والبلاغ ، أي من علم هذا الوعيد ، وهذا عذر لمن ~~استرسل على معاملة الربا قبل بلوغ التحريم إليه ، فالمراد بالموعظة هذه ~~الآية وآية آل عمران . # والانتهاء مطاوع نهاه إذا صده عما لا يليق ، وكأنه مشتق من النهى بضم ~~النون وهو العقل . ومعنى ( فله ما سلف ) ، أي ما سلف قبضه من مال الربا لا ~~ما سلف عقده ولم يقبض ، بقرينة قوله الآتي { وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم } ~~( البقرة : 279 ) . # وقوله : { وأمره إلى الله } فرضوا فيه احتمالات يرجع بعضها إلى رجوع ~~الضمير إلى ( من جاءه ) وبعضها إلى رجوعه إلى ما سلف ، والأظهر أنه راجع ~~إلى من جاءه لأنه المقصود ، وأن معنى { وأمره إلى الله } أن أمر جزائه على ~~الانتهاء موكول إلى الله تعالى ، وهذا من الإيهام المقصود منه التفخيم . ~~فالمقصود الوعد بقرينة مقابلته بالوعيد في قوله : { ومن عاد فأولئك أصحاب ~~النار هم فيها خالدون } . # وجعل العائد خالدا في النار إما لأن المراد العود إلى قوله : { إنما ~~البيع مثل الربوا } ، أي عاد إلى استحلال الربا وذلك نفاق ؛ فإن كثيرا منهم ~~قد شق عليهم ترك التعامل بالربا ، فعلم الله منهم ذلك وجعل عدم إقلاعهم عنه ~~أمارة على كذب إيمانهم ، فالخلود على حقيقته . وإما لأن المراد العود إلى ~~المعاملة بالربا ، وهو الظاهر من مقابلته بقوله : { فمن جاءه موعظة من ربه ~~فانتهى } والخلود طول المكث كقول لبيد : # فوقفت أسألها وكيف سؤالنا # صما خوالد ما يبين كلامها # ومنه : خلد الله ملك فلان . PageV03P090 # وتمسك بظاهر هاته الآية ونحوها الخوارج القائلون بتكفير مرتكب الكبيرة ~~كما تمسكوا بنظائرها . وغفلوا عن تغليظ وعيد الله تعالى في وقت نزول القرآن ~~؛ إذ الناس ms1412 يومئذ قريب عهدهم بكفر . ولا بد من الجمع بين أدلة الكتاب ~~والسنة . # # | 2 ( 276 ) { يمحق الله الربواا ويربى الصدقات والله لا يحب كل كفار ~~أثيم } . ) 2 # استئناف لبيان سوء عاقبة الربا في الدنيا بعد أن بينت عاقبته في الآخرة ، ~~فهو استئناف بياني لتوقع سؤالل من يسأل عن حال هؤلاء الذين لا ينتهون ~~بموعظة الله . وقوله : { ويربى الصدقات } استطراد لبيان عاقبة الصدقة في ~~الدنيا أيضا ببيان أن المتصدق يفوز بالخير في الدارين كما باء المرابي ~~بالشر فيهما ، فهذا وعد ووعيد دنيويان . # والمحق هو كالمحو : بمعنى إزالة الشيء ، ومنه محاق القمر ذهاب نوره ليلة ~~السرار . ومعنى { يمحق الله الربا } أنه يتلف ما حصل منه في الدنيا ، { ~~ويربي الصدقات } أي يضاعف ثوابها لأن الصدقة لا تقبل الزيادة إلا بمعنى ~~زيادة ثوابها ، وقد جاء نظيره في قوله في الحديث : ( من تصدق بصدقة من كسب ~~طيب ولا يقبل الله إلا طيبا تلقاها الرحمن بيمينه وكلتا يديه يمين فيربيها ~~له كما يربي أحدكم فلوه ) . ولما جعل المحق بالربا وجعل الإرباء بالصدقات ~~كانت المقابلة مؤذنة بحذف مقابلين آخرين ، والمعنى : يمحق الله الربا ~~ويعاقب عليه ، ويربي الصدقات ويبارك لصاحبها ، على طريقة الاحتباك . # وجملة : { والله لا يحب كل كفار أثيم } معترضة بين أحكام الربا . ولما ~~كان شأن الاعتراض ألا يخلو من مناسبة بينه وبين سياق الكلام ، كان الإخبار ~~بأن الله لا يحب جميع الكافرين مؤذنا بأن الربا من شعار أهل الكفر ، وأنهم ~~الذين استباحوه فقالوا إنما البيع مثل الربا ، فكان هذا تعريضا بأن المرابي ~~متسم بخلال أهل الشرك . # ومفاد التركيب أن الله لا يحب أحدا من الكافرين الآثمين لأن ( كل ) من ~~صيغ العموم ، فهي موضوعة لاستغراق أفراد ما تضاف إليه وليست موضوعة للدلالة ~~على PageV03P091 صبرة مجموعة ، ولذلك يقولون هي موضوعة للكل الجميعي ، وأما ~~الكل المجموعي فلا تستعمل فيه كل إلا مجازا . فإذا أضيفت ( كل ) إلى اسم ~~استغرقت جميع أفراده ، سواء ذلك في الإثبات وفي النفي ، فإذا دخل النفي على ~~( كل ) كان المعنى عموم النفي لسائر الأفراد ؛ لأن النفي كيفية ms1413 تعرض للجملة ~~فالأصل فيه أن يبقى مدلول الجملة كما هو ، إلا أنه يتكيف بالسلب عوضا عن ~~تكيفه بالإيجاب ، فإذا قلت كل الديار ما دخلته ، أو لم أدخل كل دار ، أو كل ~~دار لم أدخل ، أفاد ذلك نفي دخولك أية دار من الديار ، كما أن مفاده في ~~حالة الإثبات ثبوت دخولك كل دار ، ولذلك كان الرفع والنصب للفظ كل سواء في ~~المعنى في قول أبي النجم : # قد أصبحت أم الخيار تدعي # علي ذنبا كله لم أصنع # كما قال سيبويه : إنه لو نصب لكان أولى ؛ لأن النصب لا يفسد معنى ولا يخل ~~بميزان . ولا تخرج ( كل ) عن إفادة العموم إلا إذا استعملها المتكلم في خبر ~~يريد به إبطال خبر وقعت فيه ( كل ) صريحا أو تقديرا ، كأن يقول أحد : كل ~~الفقهاء يحرم أكل لحوم السباع ، فتقول له : ما كل العلماء يحرم لحوم السباع ~~، فأنت تريد إبطال الكلية فيبقى البعض ، وكذلك في رد الاعتقادات المخطئة ~~كقول المثل : ( ما كل بيضاء شحمة ) ، فإنه لرد اعتقاد ذلك كما قال زفر بن ~~الحارث الكلابي : # وكنا حسبنا كل بيضاء شحمة # وقد نظر الشيخ عبد القادر الجرجاني إلى هذا الاستعمال الأخير فطرده في ~~استعمال ( كل ) إذا وقعت في حيز النفي بعد أداة النفي وأطال في بيان ذلك في ~~كتابه دلائل الإعجاز ، وزعم أن رجز أبي النجم يتغير معناه باختلاف رفع ( كل ~~) ونصبه في قوله ( كله لم أصنع ) . وقد تعقبه العلامة التفتازاني تعقبا ~~مجملا بأن ما قاله أغلبي ، وأنه قد تخلف في مواضع . وقفيت أنا على أثر ~~التفتازاني فبينت في تعليقي ( الإيجاز على دلائل الإعجاز ) أن الغالب هو ~~العكس وحاصله ما ذكرت هنا . # PageV03P092 # | 2 ( 277 ) { إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلواة وآتوا ~~الزكواة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } . ) 2 # جملة معترضة لمقابلة الذم بالمدح ، وقد تقدم تفسير نظيرتها قريبا . ~~والمقصود التعريض بأن الصفات المقابلة لهاته الصفات صفت غير المؤمنين . ~~والمناسبة تزداد ظهورا لقوله : { وأتوا الزكاة } . # # | 2 ( 278 ، 279 ) { ياأيها الذين ءامنوا اتقوا الله وذروا ms1414 ما بقى من ~~الربواا إن كنتم مؤمنين * فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن ~~تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون } . ) 2 # قوله : { يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربوا } إفضاء ~~إلى التشريع بعد أن قدم أمامه من الموعظة ما هيأ النفوس إليه . فإن كان ~~قوله : { وأحل الله البيع وحرم الربوا } ( البقرة : 275 ) من كلام الذين ~~قالوا : { إنما البيع مثل الربوا } ( البقرة : 275 ) فظاهر ، وإن كان من ~~كلام الله تعالى فهو تشريع وقع في سياق الرد ، فلم يكتف بتشريع غير مقصود ~~ولذا احتيج إلى هذا التشريع الصريح المقصود ، وما تقدم كله وصف لحال أهل ~~الجاهلية وما بقي منه في صدر الإسلام قبل التحريم . # وأمروا بتقوى الله قبل الأمر بترك الربا لأن تقوى الله هي أصل الامتثال ~~والاجتناب ؛ ولأن ترك الربا من جملتها . فهو كالأمر بطريق برهاني . # ومعنى { وذروا ما بقي من الربوا } الآية اتركوا ما بقي في ذمم الذين ~~عاملتموهم بالربا ، فهذا مقابل قوله : ( فله ما سلف ) ، فكان الذي سلف قبضه ~~قبل نزول الآية معفوا عنه وما لم يقبض مأمورا بتركه . PageV03P093 # قيل نزلت هذه الآية خطابا لثقيف أهل الطائف إذ دخلوا في الإسلام بعد فتح ~~مكة وبعد حصار الطائف على صلح وقع بينهم وبين عتاب بن أسيد الذي أولاه ~~النبي صلى الله عليه وسلم مكة بعد الفتح بسبب أنهم كانت لهم معاملات بالربا ~~مع قريش ، فاشترطت ثقيف قبل النزول على الإسلام أن كل ربا لهم على الناس ~~يأخذونه ، وكل ربا عليهم فهو موضوع ، وقبل منه رسول الله شرطهم ، ثم أنزل ~~الله تعالى هذه الآية خطابا لهم وكانوا حديثي عهد بإسلام فقالوا : لا يدي ~~لنا بحرب الله ورسوله . # فقوله : { إن كنتم مؤمنين } معناه إن كنتم مؤمنين حقا ، فلا ينافي قوله : ~~{ يأيها الذين آمنوا } إذ معناه يأيها الذين دخلوا في الإيمان ، واندفعت ~~أشكالات عرضت . # وقوله : { فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله } يعني إن تمسكتم ~~بالشرط فقد انتقض الصلح بيننا ، فاعلموا أن الحرب عادت جذعة ms1415 ، فهذا كقوله : ~~( وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء ) . وتنكير حرب لقصد تعظيم ~~أمرها ؛ ولأجل هذا المقصد عدل عن إضافة الحرب إلى الله وجيء عوضا عنها بمن ~~ونسبت إلى الله ؛ لأنها بإذنه على سبيل مجاز الإسناد ، وإلى رسوله لأنه ~~المبلغ والمباشر ، وهذا هو الظاهر . فإذا صح ما ذكر في سبب نزولها فهو من ~~تجويز الاجتهاد للنبيء صلى الله عليه وسلم في الأحكام إذ قبل من ثقيف ~~النزول على اقتضاء ما لهم من الربا عند أهل مكة ، وذلك قبل أن ينزل قوله ~~تعالى : { وذروا ما بقى من الربوا } ؛ فيحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~رأى الصلح مع ثقيف على دخولهم في الإسلام مع تمكينهم مما لهم قبل قريش من ~~أموال الربا الثابتة في ذممهم قبل التحريم مصلحة ، إذ الشأن أن ما سبق ~~التشريع لا ينقض كتقرير أنكحة المشركين ، فلم يقره الله على ذلك وأمر ~~بالانكفاف عن قبض مال الربا بعد التحريم ولو كان العقد قبل التحريم ، ولذلك ~~جعلهم على خيرة من أمرهم في الصلح الذي عقدوه . PageV03P094 # ودلت الآية على أن مجرد العقد الفاسد لا يوجب فوات التدارك إلا بعد القبض ~~، ولذلك جاء قبلها ( فله ما سلف ) وجاء هنا { وذروا ما بقي من الربوا } إلى ~~قوله { وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم } . # وهذه الآية أصل عظيم في البيوع الفاسدة تقتضي نقضها ، وانتقال الضمان ~~بالقبض ، والفوات بانتقال الملك ، والرجوع بها إلى رؤوس الأموال أو إلى ~~القيم إن فاتت ، لأن القيمة بدل من رأس المال . # ورؤوس الأموال أصولها ، فهو من إطلاق الرأس على الأصل ، وفي الحديث ( رأس ~~الأمر الإسلام ) . # ومعنى { لا تظلمون ولا تظلمون } لا تأخذون مال الغير ولا يأخذ غيركم ~~أموالكم . # وقرأ الجمهور { فاذنوا } بهمزة وصل وفتح الذالل أمرا من أذن ، وقرأه حمزة ~~وأبو بكر وخلف { فآذنوا } بهمزة قطع بعدها ألف وبذال مكسورة أمرا من آذن ~~بكذا إذا أعلم به أي فآذنوا أنفسكم ومن حولكم . # # | 2 ( 280 ) { وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن ~~كنتم تعلمون ms1416 } . ) 2 # عطف على قوله : { فلكم رؤوس أموالكم } لأن ظاهر الجواب أنهم يسترجعونها ~~معجلة ، إذ العقود قد فسخت . فعطف عليه حالة أخرى ، والمعطوف عليه حالة ~~مقدرة مفهومة لأن الجزاء يدل على التسبب ، والأصل حصول المشروط عند الشرط . ~~والمعنى وإن حصل ذو عسرة ، أي غريم معسر . # وفي الآية حجة على أن ( ذو ) تضاف لغير ما يفيد شيئا شريفا . # والنظرة بكسر الظاء الانتظار . PageV03P095 # والميسرة بضم السين في قراءة نافع وبفتحها في قراءة الباقين اسم لليسر ~~وهو ضد العسر بضم العين وهي مفعلة كمشرقة ومشربة ومألكة ومقدرة ، قال أبو ~~علي ومفعلة بالفتح أكثر في كلامهم . # وجملة فنظرة جواب الشرط ، والخبر محذوف ، أي فنظرة له . # والصيغة طلب ، وهي محتملة للوجوب والندب . فإن أريد بالعسرة العدم أي ~~نفاد ماله كله فالطلب للوجوب ، والمقصود به إبطال حكم بيع المعسر واسترقاقه ~~في الدين إذا لم يكن له وفاء . وقد قيل : إن ذلك كان حكما في الجاهلية وهو ~~حكم قديم في الأمم كان من حكم المصريين ، ففي القرآن الإشارة إلى ذلك بقوله ~~تعالى : { ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك } ( يوسف : 76 ) . وكان في شريعة ~~الرومان استرقاق المدين ، وأحسب أن في شريعة التوراة قريبا من هذا ، وروي ~~أنه كان في صدر الإسلام ، ولم يثبت . وإن أريد بالعسرة ضيق الحال وإضرار ~~المدين بتعجيل القضاء فالطلب يحتمل الوجوب ، وقد قال به بعض الفقهاء ، ~~ويحتمل الندب ، وهو قول مالك والجمهور ، فمن لم يشأ لم ينظره ولو ببيع جميع ~~ماله لأن هذا حق يمكن استيفاؤه ، والإنظار معروف والمعروف لا يجب . غير أن ~~المتأخرين بقرطبة كانوا لا يقضون عليه بتعجيل الدفع ، ويؤجلونه بالاجتهاد ~~لئلا يدخل عليه مضرة بتعجيل بيع ما به الخلاص . # ومورد الآية على ديون معاملات الربا ، لكن الجمهور عمموها في جميع ~~المعاملات ولم يعتبروا خصوص السبب لأنه لما أبطل حكم الربا صار رأس المال ~~دينا بحتا ، فما عين له من طلب الإنظار في الآية حكم ثابت للدين كله . ~~وخالف شريح فخص الآية بالديون التي كانت على ربا ثم أبطل رباها . # وقوله : { وأن ms1417 تصدقوا خير لكم } أي أن إسقاط الدين عن المعسر والتنفيس ~~عليه بإغنائه أفضل ، وجعله الله صدقة لأن فيه تفريج الكرب وإغاثة الملهوف . # وقرأ الجمهور من العشرة { تصدقوا } بتشديد الصاد على أن أصله تتصدقوا ~~فقلبت التاء الثانية صادا لتقاربهما وأدغمت في الصاد ، وقرأه عاصم بتخفيف ~~الصاد على حذف إحدى التاءين للتخفيف . # PageV03P096 # | 2 ( 281 ) { واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت ~~وهم لا يظلمون } . ) 2 # جيء بقوله : { واتقوا يوما } تذييلا لهاته الأحكام لأنه صالح للترهيب من ~~ارتكاب ما نهي عنه والترغيب في فعل ما أمر به أو ندب إليه ، لأن في ترك ~~المنهيات سلامة من آثامها ، وفي فعل المطلوبات استكثارا من ثوابها ، والكل ~~يرجع إلى اتقاء ذلك اليوم الذي تطلب فيه السلامة وكثرة أسباب النجاح . # وفي ( البخاري ) عن ابن عباس أن هذه آخر آية نزلت . وعن ابن عباس هي آخر ~~ما نزل فقال جبريل : ( يا محمد ضعها على رأس ثمانين ومائتين من البقرة ) . ~~وهذا الذي عليه الجمهور ، قاله ابن عباس والسدي والضحاك وابن جريج وابن ~~جبير ومقاتل . وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاش بعد نزولها واحدا ~~وعشرين يوما ، وقيل واحدا وثمانين ، وقيل سبعة أيام ، وقيل تسعة ، وقيل ~~ثلاث ساعات . وقد قيل : إن آخر آية هي آية الكلالة ، وقيل غير ذلك ، وقد ~~استقصى الأقوال صاحب الإتقان . # وقرأه الجمهور ترجعون بضم التاء وفتح الجيم ، وقرأ يعقوب بفتح التاء وكسر ~~الجيم . # $ 2 ( 282 ) { ياأيها الذين ءامنو & # 1764 ا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ~~ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذى عليه الحق وليتق ~~الله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان الذى عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا ~~يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم ~~يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهدآء أن تضل إحداهما فتذكر ~~إحداهما الاخرى ولا يأب الشهدآء إذا ما دعوا ولا تسئمو & # 1764 ا أن ms1418 تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذالكم أقسط عند الله وأقوم ~~للشهادة وأدنى ألا ترتابو & # 1764 ا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا ~~تكتبوها وأشهدو & # 1764 ا إذا تبايعتم ولا يضآر كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم ~~واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم } . ) 2 $ # لما اهتم القرآن بنظام أحوال المسلمين في أموالهم فابتدأ بما به قوام ~~عامتهم من مواساة الفقير وإغاثة الملهوف ، ووضح ذلك بما فيه عبرة للمعتبر ، ~~ثم عطف عليه PageV03P097 التحذير من مضايقة المحتاجين إلى المواساة مضايقة ~~الربا مع ما في تلك المعاملات من المفاسد ، ثلث ببيان التوثقات المالية من ~~الإشهاد ، وما يقوم مقامه وهو الرهن والائتمان . وإن تحديد التوثق في ~~المعاملات من أعظم وسائل بث الثقة بين المتعاملين ، وذلك من شأنه تكثير ~~عقود المعاملات ودوران دولاب التمول . # والجملة استئناف ابتدائي ، والمناسبة في الانتقال ظاهرة عقب الكلام على ~~غرماء أهل الربا . # والتداين من أعظم أسباب رواج المعاملات لأن المقتدر على تنمية المال قد ~~يعوزه المال فيضطر إلى التداين ليظهر مواهبه في التجارة أو الصناعة أو ~~الزراعة ، ولأن المترفه قد ينضب المال من بين يديه وله قبل به بعد حين ، ~~فإذا لم يتداين اختل نظام ماله ، فشرع الله تعالى للناس بقاء التداين ~~المتعارف بينهم كيلا يظنوا أن تحريم الربا والرجوع بالمتعاملين إلى رؤوس ~~أموالهم إبطال للتداين كله . وأفاد ذلك التشريع بوضعه في تشريع آخر مكمل له ~~وهو التوثق له بالكتابة والإشهاد . # والخطاب موجه للمؤمنين أي لمجموعهم ، والمقصود منه خصوص المتداينين ، ~~والأخص بالخطاب هو المدين لأن من حق عليه أن يجعل دائنه مطمئن البال على ~~ماله . فعلى المستقرض أن يطلب الكتابة وإن لم يسألها الدائن ، ويؤخذ هذا ~~مما حكاه الله في سورة القصص عن موسى وشعيب ، إذ استأجر شعيب موسى . فلما ~~تراوضا على الإجارة وتعيين أجلها قال موسى : ( والله على ما نقول وكيل ) ، ~~فذلك إشهاد على نفسه لمؤاجره دون أن يسأله شعيب ذلك . # والتداين تفاعل ، وأطلق هنا مع أن الفعل صادر من ms1419 جهة واحدة وهي جهة ~~المسلف لأنك تقول ادان منه فدانه ، فالمفاعلة منظور فيها إلى المخاطبين هم ~~مجموع الأمة ؛ لأن في المجموع دائنا ومدينا ، فصار المجموع مشتملا على ~~جانبين . ولك أن تجعل المفاعلة على غير بابها كما تقول تداينت من زيد . # وزيادة قيد { بدين } إما لمجرد الإطناب ، كما يقولون رأيته بعيني ولمسته ~~بيدي ، وإما ليكون معادا للضمير في قوله فاكتبوه ، ولولا ذكره لقال فاكتبوا ~~الدين فلم يكن النظم بذلك الحسن ، ولأنه أبين لتنويع الدين إلى مؤجل وحال ، ~~قاله في ( الكشاف ) . PageV03P098 # وقال الطيبي عن صاحب الفرائد : يمكن أن يظن استعمال التداين مجازا في ~~الوعد كقول رؤبة : # داينت أروى والديون تقضى # فمطلت بعضا وأدت بعضا # فذكر قوله ( بدين ) دفعا لتوهم المجاز . والدين في كلام العرب العوض ~~المؤخر قال شاعرهم : # وعدتنا بدرهمينا طلاء # وشواء معجلا غير دين # وقوله : { إلى أجل مسمى } طلب تعيين الآجال للديون لئلا يقعوا في ~~الخصومات والتداعي في المرادات ، فأدمج تشريع التأجيل في أثناء تشريع ~~التسجيل . # والأجل مدة من الزمان محدودة النهاية مجعولة ظرفا لعمل غير مطلوب فيه ~~المبادرة ، لرغبة تمام ذلك العمل عند انتهاء تلك المدة أو في أثنائها . # والأجل اسم وليس بمصدر ، والمصدر التأجيل ، وهو إعطاء الأجل . ولما فيه ~~من معنى التوسعة في العمل أطلق الأجل على التأخير ، وقد تقدم في قوله تعالى ~~: { فإذا بلغن أجلهن } ( البقرة : 234 ) وقوله : { حتى يبلغ الكتاب أجله } ~~( البقرة : 235 ) . # والمسمى حقيقته المميز باسم يميزه عما يشابهه في جنسه أو نوعه ، فمنه ~~أسماء الأعلام وأسماء الأجناس ، والمسمى هنا مستعار للمعين المحدود ، وإنما ~~يقصد تحديده بنهاية من الأزمان المعلومة عند الناس ، فشبه ذلك بالتحديد ~~بوضع الاسم بجامع التعيين ؛ إذ لا يمكن تمييزه عن أمثاله إلا بذلك ، فأطق ~~عليه لفظ التسمية ، ومنه قول الفقهاء المهر المسمى . فالمعنى أجل معين ~~بنهايته . والدين لا يكون إلا إلى أجل ، فالمقصود من وصف الدين بهذا الوصف ~~، هو وصف أجلل بمسمى إدماجا للأمر بتعيين الأجل . # وقوله : { بدين إلى أجل مسمى } يعم كل دين : من قرض أو من بيع أو غير ذلك ms1420 ~~. وعن ابن عباس أنها نزلت في السلم يعني بيع الثمار ونحوها من المثليات في ~~ذمة البائع إذا كان ذا ذمة إلى أجلل وكان السلم من معاملات أهل المدينة . ~~ومعنى كلامه أن بيع السلم سبب نزول الآية ، ومن المقرر في الأصول أن السبب ~~الخاص لا يخصص العموم . PageV03P099 # والأمر في ( فاكتبوه ) قيل للاستحباب ، وهو قول الجمهور ومالكك وأبي ~~حنيفة والشافعي وأحمد ، وعليه فيكون قوله : { فإن أمن بعضكم بعضا } ( ~~البقرة : 283 ) تكميلا لمعنى الاستحباب . وقيل الأمر للوجوب ، قاله ابن ~~جريج والشعبي وعطاء والنخعي ، وروي عن أبي سعيد الخدري ، وهو قول داوود ، ~~واختاره الطبري . ولعل القائلين بوجوب الإشهاد الآتي عند قوله تعالى : { ~~واستشهدوا شهيدين من رجالكم } قائلون بوجوب الكتابة ، وعليه فقوله : { فإن ~~أمن بعضكم بعضا } ( البقرة : 283 ) تخصيص لعموم أزمنة الوجوب لأن الأمر ~~للتكرار ، لا سيما مع التعليق بالشرط ، وسماه الأقدمون في عباراتهم نسخا . # والقصد من الأمر بالكتابة التوثق للحقوق وقطع أسباب الخصومات ، وتنظيم ~~معاملات الأمة ، وإمكان الاطلاع على العقود الفاسدة . والأرجح أن الأمر ~~للوجوب فإنه الأصل في الأمر ، وقد تأكد بهذه المؤكدات ، وأن قوله : { فإن ~~أمن بعضكم بعضا } الآية رخصة خاصة بحالة الائتمان بين المتعاقدين كما سيأتي ~~فإن حالة الائتمان حالة سالمة من تطرق التناكر والخصام لأن الله تعالى أراد ~~من الأمة قطع أسباب التهارج والفوضى فأوجب عليهم التوثق في مقامات المشاحنة ~~، لئلا يتساهلوا ابتداء ثم يفضوا إلى المنازعة في العاقبة ، ويظهر لي أن في ~~الوجوب نفيا للحرج عن الدائن إذا طلب من مدينه الكتب حتى لا يعد المدين ذلك ~~من سوء الظن به ، فإن في القوانين معذرة للمتعاملين . # وقال ابن عطية : ( الصحيح عدم الوجوب لأن للمرء أن يهب هذا الحق ويتركه ~~بإجماع ، فكيف يجب عليه أن يكتبه ، وإنما هو ندب للاحتياط ) . وهذا كلام قد ~~يروج في بادىء الرأي ولكنه مردود بأن مقام التوثق غير مقام التبرع . # ومقصد الشريعة تنبيه أصحاب الحقوق حتى لا يتساهلوا ثم يندموا وليس ~~المقصود إبطال ائتمان بعضهم بعضا ، كما أن من مقاصدها دفع موجدة الغريم من ~~توثق دائنه ms1421 إذا علم أنه بأمر من الله ومن مقاصدها قطع أسباب الخصام . # وقوله : { فاكتبوه } يشمل حالتين : # الأولى حالة كتابة المتداينين بخطيهما أو خط أحدهما ويسلمه للآخر إذا ~~كانا يحسنانن الكتابة معا ، لأن جهل أحدهما بها ينفي ثقته بكتابة الآخر . ~~PageV03P100 # والثانية حالة كتابة ثالث يتوسط بينهما . فيكتب ما تعاقدا عليه ويشهد ~~عليه شاهدان ويسلمه بيد صاحب الحق إذا كانا لا يحسنان الكتابة أو أحدهما ، ~~وهذه غالب أحوال العرب عند نزول الآية . فكانت الأمية بينهم فاشية ، وإنما ~~كانت الكتابة في الأنبار والحيرة وبعض جهات اليمن وفيمن يتعلمها قليلا من ~~مكة والمدينة . # وقوله : { وليكتب بينكم كاتب بالعدل } أمر للمتداينين بأن يوسطوا كاتبا ~~يكتب بينهم لأن غالب حالهم جهل الكتابة . # فعل الأمر به إلى الكاتب مبالغة في أمر المتعاقدين بالاستكتاب . والعرب ~~تعمد إلى المقصود فتنزله منزلة الوسيلة مبالغة في حصوله كقولهم في الأمر ~~ليكن ولدك مهذبا ، وفي النهي لا تنس ما أوصيتك ، ولا أعرفنك تفعل كذا . # فمتعلق فعل الطلب هو ظرف بينكم وليس هذا أمرا للكاتب ، وأما أمر الكاتب ~~فهو قوله : { ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب } . # وقوله : { بالعدل } أي بالحق ، وليس العدل هنا بمعنى العدالة التي يوصف ~~بها الشاهد فيقال رجل عدل لأن وجود الباء يصرف عن ذلك ، ونظيره قوله الآتي ~~: { فليملل وليه بالعدل } . # ولذلك قصر المفسرون قوله : { فاكتبوه } على أن يكتبه كاتب غير المتداينين ~~لأنه الغالب ، ولتعقيبه بقوله : وليكتب بينكم كاتب بالعدل ، فإنه كالبيان ~~لكيفية فاكتبوه ، على أن كتابة المتعاقدين إن كانا يحسنانها تؤخذ بلحن ~~الخطاب أو فحواه . # ولذلك كانت الآية حجة عند جمهور العلماء لصحة الاحتجاج بالخط ، فإن ~~استكتاب الكاتب إنما ينفع بقراءة خطه . # وقوله : { ولا يأب كاتب أن يكتب } نهي لمن تطلب منه الكتابة بين ~~المتداينين عن الامتناع منها إذا دعي إليها ، فهذا حكم آخر وليس تأكيدا ~~لقوله : { وليكتب بينكم كاتب بالعدل } لما علمت آنفا من كون ذلك حكما موجها ~~للمتداينين . وهذا النهي قد اختلف في مقتضاه فقيل نهي تحريم ، فالذي يدعي ~~لأن يكتب بين المتداينين يحرم عليه ms1422 الامتناع . وعليه فالإجابة للكتابة فرض ~~عين ، وهو قول الربيع ومجاهد وعطاء PageV03P101 والطبري ، وهو الذي لا ~~ينبغي أن يعدل عنه . وقيل : إنما تجب الإجابة وجوبا عينيا إذا لم يكن في ~~الموضع إلا كاتب واحد ، فإن كان غيره فهو واجب على الكفاية وهو قول الحسن ، ~~ومعناه أنه موكول إلى ديانتهم لأنهم إذا تمالؤوا على الامتناع أثموا جميعا ~~، ولو قيل : إنه واجب على الكفاية على من يعرف الكتابة من أهل مكان ~~المتداينين ، وإنه يتعين بتعيين طالب التوثق أحدهم لكان وجيها ، والأحق ~~بطلب التوثق هو المستقرض كما تقدم آنفا . # وقيل : إنما يجب على الكاتب في حال فراغه ، قاله السدي . وقيل : هو منسوخ ~~بقوله : { ولا يضار كاتب ولا شهيد } وهو قول الضحاك ، وروي عن عطاء ، وفي ~~هذا نظر لأن الحضور للكتابة بين المتداينين ليس من الإضرار إلا في أحوال ~~نادرة كبعد مكان المتداينين من مكان الكاتب . وعن الشعبي وابن جريج وابن ~~زيد أنه منسوخ بقوله تعالى بعد هذا { فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي ائتمن ~~أمانته } ( البقرة : 283 ) وسيأتي لنا إبطال ذلك . # وعلى هذا الخلاف يختلف في جواز الأجر على الكتابة بين المتداينين ، لأنها ~~إن كانت واجبة فلا أجر عليها ، وإلا فالأجر جائز . # ويلحق بالتداين جميع المعاملات التي يطلب فيها التوثق بالكتابة والإشهاد ~~، وسيأتي الكلام على حكم أداء الشهادة عند قوله تعالى : { ولا يضار كاتب ~~ولا شهيد } . # وقوله : { كما علمه الله } أي كتابة تشابه الذي علمه الله أن يكتبها ، ~~والمراد بالمشابهة المطابقة لا المقاربة ، فهي مثل قوله : { فإن آمنوا بمثل ~~ما آمنتم به } ( البقرة : 137 ) ، فالكاف في موضع المفعول المطلق لأنها صفة ~~لمصدر محذوف . و ( ما ) موصولة . # ومعنى ما علمه الله أنه يكتب ما يعتقده ولا يجحف أو يوارب ، لأن الله ما ~~علم إلا الحق وهو المستقر في فطرة الإنسان ، وإنما ينصرف الناس عنه بالهوى ~~فيبدلون ويغيرون وليس ذلك التبديل بالذي علمهم الله تعالى ، وهذا يشير إليه ~~قوله النبي صلى الله عليه وسلم ( واستفتت نفسك وإن أفتاك الناس ) . # ويجوز أن تكون الكاف لمقابلة الشيء بمكافئه ms1423 والعوضض بمعوضه ، أي أن يكتب ~~كتابة تكافىء تعليم الله إياه الكتابة ، بأن ينفع الناس بها شكرا على تيسير ~~الله له PageV03P102 أسباب علمها ، وإنما يحصل هذا الشكر بأن يكتب ما فيه ~~حفظ الحق ولا يقصر ولا يدلس ، وينشأ عن هذا المعنى من التشبيه معنى التعليل ~~كما في قوله تعالى : { وأحسن كما أحسن الله إليك } ( القصص : 77 ) وقوله : ~~{ واذكروه كما هداكم } ( البقرة : 198 ) . # والكاف على هذا إما نائبة عن المفعول المطلق أو صفة لمفعول به محذوف على ~~تأويل مصدر فعل أن يكتب بالمكتوب ، و ( ما ) على هذا الوجه مصدرية ، وعلى ~~كلا الوجهين فهو متعلق بقوله : { أن يكتب } ، وجوز صاحب ( الكشاف ) تعليقه ~~بقوله فليكتب فهو وجه في تفسير الآية . # وقوله : { فليكتب } تفريع على قوله : { ولا يأب كاتب } ، وهو تصريح ~~بمقتضى النهي وتكرير للأمر في قوله : { فاكتبوه } ، فهو يفيد تأكيد الأمر ~~وتأكيد النهي أيضا ، وإنما أعيد ليرتب عليه قوله : { وليملل الذي عليه الحق ~~} لبعد الأمر الأول بما وليه ، ومثله قوله تعالى : { اتخذوه } ( الأعراف : ~~148 ) بعد قوله : { واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا } ( الأعراف ~~: 148 ) الآية . # وقوله : { وليملل الذي عليه الحق } أمل وأملى لغتان : فالأولى لغة أهل ~~الحجاز وبني أسد ، والثانية لغة تميم ، وقد جاء القرآن بهما قال تعالى : { ~~وليملل الذي عليه الحق } وقال : { فهي تملي عليه بكرة وأصيلا } ( الفرقان : ~~5 ) ، قالوا والأصل هو أملل ثم أبدلت اللام ياء لأنها أخف ؛ أي عكس ما ~~فعلوا في قولهم تقضي البازي إذ أصله تقضض . # ومعنى اللفظين أن يلقي كلاما على سامعه ليكتبه عنه ، هكذا فسره في ( ~~اللسان ) و ( القاموس ) . وهو مقصور في التفسير أحسب أنه نشأ عن حصر نظرهم ~~في هذه الآية الواردة في غرض الكتابة ، وإلا فإن قوله تعالى في سورة ~~الفرقان ( 5 ) : { فهي تملى عليه بكرة وأصيلا تشهد بأن الإملاء والإملال ~~يكونان لغرض الكتابة ولغرض الرواية والنقل كما في آية الفرقان ، ولغرض ~~الحفظ كما يقال مل المؤدب على الصبي للحفظ ، وهي طريقة تحفيظ العميان . ~~فتحرير العبارة أن يفسر هذان اللفظان بإلقاء كلامم ms1424 ليكتب عنه أو ليروى أو ~~ليحفظ ، والحق هنا ما حق أي ثبت للدائن . # وفي هذا الأمر عبرة للشهود فإن منهم من يكتبون في شروط الحبس ونحوه ما لم ~~يملله عليهم المشهود عليه إلا إذا كان قد فوض إلى الشاهد الإحاطة بما فيه ~~توثقه لحقه أو أوقفه عليه قبل عقده على السدارة . PageV03P103 # والضميران في قوله : وليتق } ، وقوله : { ولا يبخس منه } يحتمل أن يعودا ~~إلى الذي عليه الحق لأنه أقرب مذكور من الضميرين ، أي لا ينقص رب الدين ~~شيئا حين الإملاء ، قاله سعيد بن جبير ، وهو على هذا أمر للمدين بأن يقر ~~بجميع الدين ولا يغبن الدائن . وعندي أن هذا بعيد إذ لا فائدة بهذه الوصاية ~~؛ فلو أخفى المدين شيئا أو غبن لأنكر عليه رب الدين لأن الكتابة يحضرها ~~كلاهما لقوله تعالى : { وليكتب بينكم } . ويحتمل أن يعود الضميران إلى { ~~كاتب } بقرينة أن هذا النهي أشد تعلقا بالكاتب ؛ فإنه الذي قد يغفل عن بعض ~~ما وقع إملاؤه عليه . # والضمير في قوله : { منه } عائد إلى الحق وهو حق لكلا المتداينين ، فإذا ~~بخس منه شيئا أضر بأحدهما لا محالة ، وهذا إيجاز بديع . # والبخس فسره أهل اللغة بالنقص ويظهر أنه أخص من النقص ، فهو نقص بإخفاء . ~~وأقرب الألفاظ إلى معناه الغبن ، قال ابن العربي في الأحكام في سورة ~~الأعراف : ( البخس في لسان العرب هو النقص بالتعييب والتزهيد ، أو المخادعة ~~عن القيمة ، أو الاحتيال في التزيد في الكيل أو النقصان منه ) أي عن غفلة ~~من صاحب الحق ، وهذا هو المناسب في معنى الآية لأن المراد النهي عن النقص ~~من الحق عن غفلة من صاحبه ، ولذلك نهي الشاهد أو المدين أو الدائن ، وسيجيء ~~في سورة الأعراف عند قوله تعالى : { ولا تبخسوا الناس أشياءهم } ( الأعراف ~~: 85 ) . # وقوله : { فإن كان عليه الحق سفيها أو ضعيفا } السفيه هو مختل العقل ، ~~وتقدم بيانه عند قوله تعالى : { سيقول السفهاء من الناس } ( البقرة : 142 ) ~~. # والضعيف الصغير ، وقد تقدم عند قوله تعالى : { وله ذرية ضعفاء } ( البقرة ~~: 266 ) . # والذي لا يستطيع أن يمل هو العاجز كمن ms1425 به بكم وعمى وصمم جميعا . # ووجه تأكيد الضمير المستتر في فعل يمل بالضمير البارز هو التمهيد لقوله : ~~{ فليملل } لئلا يتوهم الناس أن عجزه يسقط عنه واجب الإشهاد عليه بما ~~يستدينه ، وكان الأولياء قبل الإسلام وفي صدره كبراء القرابة . والولي من ~~له ولاية على السفيه والضعيف ومن لا يستطيع أن يمل كالأب والوصي وعرفاء ~~القبيلة ، وفي حديث PageV03P104 وفد هوازن : قال لهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ( ليرفع إلي عرفاؤكم أمركم ) ، وكان ذلك في صدر الإسلام وفي ~~الحقوق القبلية . # ومعنى { بالعدل } أي بالحق . وهذا دليل على أن إقرار الوصي والمقدم في حق ~~المولى عليه ماضض إذا ظهر سببه ، وإنما لم يعمل به المتأخرون من الفقهاء ~~سدا للذريعة خشية التواطؤ على إضاعة أموال الضعفاء . # { واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ~~ترضون من الشهدآء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الاخرى } . # عطف على { فاكتبوه } ، وهو غيره وليس بيانا له إذ لو كان بيانا لما اقترن ~~بالواو . فالمأمور به المتداينون شيآن : الكتابة ، والإشهاد عليها . ~~والمقصود من الكتابة ضبط صيغة التعاقد وشروطه وتذكر ذلك خشية النسيان . ومن ~~أجل ذلك سماها الفقهاء ذكر الحق ، وتسمى عقدا قال الحارث بن حلزة : # حذر الجور والتطاخي وهل ين # قض ما في المهارق الأهواء # قال تعالى : { وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة } ( البقرة ~~: 283 ) ، فلم يجعل بين فقدان الكاتب وبين الرهن درجة وهي الشهادة بلا ~~كتابة لأن قوله : { ولم تجدوا كاتبا } ( البقرة : 283 ) صار في معنى ولم ~~تجدوا شهادة ، ولأجل هذا يجوز أن يكون الكاتب أحد الشاهدين . وإنما جعل ~~القرآن كاتبا وشاهدين لندرة الجمع بين معرفة الكتابة وأهلية الشهادة . # { واستشهدوا } بمعنى أشهدوا ، فالسين والتاء فيه لمجرد التأكيد ، ولك أن ~~تجعلهما للطلب أي اطلبوا شهادة شاهدين ، فيكون تكليفا بالسعي للإشهاد وهو ~~التكليف المتعلق بصاحب الحق . ويكون قوله : { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ~~} تكليفا لمن يطلب منه صاحب الحق أن يشهد عليهما ألا يمتنع . PageV03P105 # والشهادة حقيقتها الحضور والمشاهدة ، والمراد بها هنا حضور خاص وهو ms1426 حضور ~~لأجل الاطلاع على التداين ، وهذا إطلاق معروف للشهادة على حضور لمشاهدة ~~تعاقد بين متعاقدين أو لسماعع عقد من عاقد واحد مثل الطلاق والحبس . وتطلق ~~الشهادة أيضا على الخبر الذي يخبر به صاحبه عن أمر حصل لقصد الاحتجاج به ~~لمن يزعمه ، والاحتجاج به على من ينكره ، وهذا هو الوارد في قوله : { ثم لم ~~يأتوا بأربعة شهداء } ( النور : 4 ) . # وجعل المأمور به طلب الإشهاد لأنه الذي في قدرة المكلف وقد فهم السامع أن ~~الغرض من طلب الإشهاد حصوله . ولهذا أمر المستشهد بفتح الهاء بعد ذلك ~~بالامتثال فقال : { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } . # والأمر في قوله : { واستشهدوا شهيدين من رجالكم } قيل للوجوب ، وهو قول ~~جمهور السلف ، وقيل للندب ، وهو قول جمهور الفقهاء المتأخرين : مالك وأبي ~~حنيفة والشافعي وأحمد وسيأتي عند قوله تعالى : { وأشهدوا إذا تبايعتم } . # وقوله : { من رجالكم } أي من رجال المسلمين ، فحصل به شرطان : أنهم رجال ~~، وأنهم ممن يشملهم الضمير . # وضمير جماعة المخاطبين مراد به المسلمون لقوله في طالعة هذه الأحكام ~~يأيها الذين آمنوا . # وأما الصبي فلم يعتبره الشرع لضعف عقله عن الإحاطة بمواقع الإشهاد ومداخل ~~التهم . # والرجل في أصل اللغة يفيد وصف الذكورة فخرجت الإناث ، ويفيد البلوغ فخرج ~~الصبيان ، والضمير المضاف إليه أفاد وصف الإسلام . فأما الأنثى فيذكر حكمها ~~بعد هذا ، وأما الكافر فلأن اختلاف الدين يوجب التباعد في الأحوال ~~والمعاشرات والآداب فلا تمكن الإحاطة بأحوال العدول والمرتابين من الفريقين ~~، كيف وقد اشترط في تزكية المسلمين شدة المخالطة ، ولأنه قد عرف من غالب ~~أهل الملل استخفاف المخالف في الدين بحقوق مخالفه ، وذلك من تخليط الحقوق ~~والجهل بواجبات الدين الإسلامي . فإن الأديان السالفة لم تتعرض لاحترام ~~حقوق المخالفين ، فتوهم أتباعهم دحضها . وقد حكى الله PageV03P106 عنهم ~~أنهم قالوا : ( ليس علينا في الأميين سبيل ) . وهذه نصوص التوراة في مواضع ~~كثيرة تنهى عن أشياء أو تأمر بأشياء وتخصها ببني إسرائيل ، وتسوغ مخالفة ~~ذلك مع الغريب ، ولم نر في دين من الأديان التصريح بالتسوية في الحقوق سوى ~~دين الإسلام ، فكيف نعتد بشهادة هؤلاء الذين ms1427 يرون المسلمين مارقين عن دين ~~الحق مناوئين لهم ، ويرمون بذلك نبيئهم فمن دونه ، فماذا يرجى من هؤلاء أن ~~يقولوا الحق لهم أو عليهم والنصرانية تابعة لأحكام التوراة . على أن تجافي ~~أهل الأديان أمر كان كالجبلي فهذا الإسلام مع أمره المسلمين بالعدل مع أهل ~~الذمة لا نرى منهم امتثالا فيما يأمرهم به في شأنهم . # وفي القرآن إيماء إلى هذه العلة ( ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين ~~سبيل ) . وفي ( البخاري ) ، في حديث أبي قلابة في مجلس عمر بن عبد العزيز . ~~وما روي عن سهل بن أبي حثمة الأنصاري : أن نفرا من قومه ذهبوا إلى خيبر ~~فتفرقوا بها ، فوجدوا أحدهم قتيلا ، فقالوا للذين وجد فيهم القتيل أنتم ~~قتلتم صاحبنا ، قالوا ما قتلنا ، فانطلقوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فشكوا إليه ، فقال لهم : ( تأتون بالبينة على من قتله ) ، قالوا : ( ما لنا ~~بينة ) ، قال : ( فتحلف لكم يهود خمسين يمينا ) ، قالوا : ( ما يبالون أن ~~يقتلونا أجمعين ثم يحلفون ) ، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبطل ~~دمه ووداه من مال الصدقة . فقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم قول الأنصار ~~في اليهود : إنهم ما يبالون أن يقتلوا كل القوم ثم يحلفون . # فإن قلت : كيف اعتدت الشريعة بيمين المدعى عليه من الكفار ، قلت : اعتدت ~~بها لأنها أقصى ما يمكن في دفع الدعوى ، فرأتها الشريعة خيرا من إهمال ~~الدعوى من أصلها . # ولأجل هذا اتفق علماء الإسلام على عدم قبول شهادة أهل الكتاب بين ~~المسلمين في غير الوصية في السفر ، واختلفوا في الإشهاد على الوصية في ~~السفر ، فقال ابن عباس ومجاهد وأبو موسى الأشعري وشريح بقبول شهادة غير ~~المسلمين في الوصية في السفر ، وقضى به أبو موسى الأشعري مدة قضائه في ~~الكوفة ، وهو قول أحمد وسفيان الثوري وجماعة من العلماء ، وقال الجمهور : ~~لا تجوز شهادة غير المسلمين على المسلمين ورأوا أن ما في آية الوصية منسوخ ~~، وهو قول زيد بن أسلم ومالك وأبي حنيفة والشافعي ، واختلفوا في شهادة ~~بعضهم على بعض عند قاضي المسلمين فأجازها أبو ms1428 حنيفة ناظرا في ذلك ~~PageV03P107 إلى انتفاء تهمة تساهلهم بحقوق المسلمين ، وخالفه الجمهور ، ~~والوجه أنه يتعذر لقاضي المسلمين معرفة أمانة بعضهم مع بعض وصدق أخبارهم ~~كما قدمناه آنفا . # وظاهر الآية قبول شهادة العبد العدل وهو قول شريح وعثمان البتي وأحمد ~~وإسحاق وأبي ثور ، وعن مجاهد : المراد الأحرار ، وهو قول مالك وأبي حنيفة ~~والشافعي ، والذي يظهر لي أن تخصيص العبيد من عموم الآية بالعرف وبالقياس ، ~~أما العرف فلأن غالب استعمال لفظ الرجل والرجال ألا يرد مطلقا إلا مرادا به ~~الأحرار ، يقولون : رجال القبيلة ورجال الحي ، قال محكان التميمي : # يا ربة البيتت قومي غير صاغرة # ضمي إليكك رجال الحي والغربا # وأما القياس فلعدم الاعتداد بهم في المجتمع لأن حالة الرق تقطعهم عن غير ~~شؤون مالكيهم فلا يضبطون أحوال المعاملات غالبا ؛ ولأنهم ينشؤون على عدم ~~العناية بالمروءة ، فترك اعتبار شهادة العبد معلول للمظنة وفي النفس عدم ~~انثلاج لهذا التعليل . # واشترط العدد في الشاهد ولم يكتف بشهادة عدل واحد لأن الشهادة لما تعلقت ~~بحق معين لمعين اتهم الشاهد باحتمال أن يتوسل إليه الظالم الطالب لحق مزعوم ~~فيحمله على تحريف الشهادة ، فاحتيج إلى حيطة تدفع التهمة فاشترط فيه ~~الإسلام وكفى به وازعا ، والعدالة لأنها تزع من حيث الدين والمروءة ، وزيد ~~انضمام ثانن إليه لاستبعاد أن يتواطأ كلا الشاهدين على الزور . فثبت بهذه ~~الآية أن التعدد شرط في الشهادة من حيث هي ، بخلاف الرواية لانتفاء التهمة ~~فيها إذ لا تتعلق بحق معين ، ولهذا لو روى راو حديثا هو حجة في قضية للراوي ~~فيها حق لما قبلت روايته ، وقد كلف عمر أبا موسى الأشعري أن يأتي بشاهد معه ~~على أن رسول الله قال : ( إذا استأذن أحدكم ثلاثا ولم يؤذن له فليرجع ) إذ ~~كان ذلك في ادعاء أبي موسى أنه لما لم يأذن له عمر في الثالثة رجع ، فشهد ~~له أبو سعيد الخدري في ملإ من الأنصار . # والعدد هو اثنان في المعاملات المالية كما هنا . # وقوله : { فإن لم يكونا رجلين } أي لم يكن الشاهدانن رجلين ، أي بحيث لم ~~يحضر ms1429 المعاملة رجلان بل حضر رجل واحد ، فرجل وامرأتان يشهدان . فقوله : { ~~فرجل وامرأتان } PageV03P108 جواب الشرط ، وهو جزء جملة حذف خبرها لأن ~~المقدر أنسب بالخبرية ودليل المحذوف قوله : { واستشهدوا } وقد فهم المحذوف ~~فكيفما قدرته ساغ لك . # وجيء في الآية بكان الناقصة مع التمكن من أن يقال فإن لم يكن رجلان لئلا ~~يتوهم منه أن شهادة المرأتين لا تقبل إلا عند تعذر الرجلين كما توهمه قوم ، ~~وهو خلاف قول الجمهور لأن مقصود الشارع التوسعة على المتعاملين . وفيه مرمى ~~آخر وهو تعويدهم بإدخال المرأة في شؤون الحياة إذ كانت في الجاهلية لا ~~تشترك في هذه الشؤون ، فجعل الله المرأتين مقام الرجل الواحد وعلل ذلك ~~بقوله : { أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى } ، وهذه حيطة أخرى من ~~تحريف الشهادة وهي خشية الاشتباه والنسيانن لأن المرأة أضعف من الرجل بأصل ~~الجبلة بحسب الغالب ، والضلال هنا بمعنى النسيان . # وقوله : { أن تضل } قرأه الجمهور بفتح همزة أن على أنه محذوف منه لام ~~التعليل كما هو الغالب في الكلام العربي مع أن ، والتعليل في هذا الكلام ~~ينصرف إلى ما يحتاج فيه إلى أن يعلل لقصد إقناع المكلفين ، إذ لا نجد في ~~هذه الجملة حكما قد لا تطمئن إليه النفوس إلا جعل عوضض الرجل الواحد ~~بامرأتين اثنتين فصرح بتعليله . واللام المقدرة قبل أن متعلقة بالخبر ~~المحذوف في جملة جواب الشرط إذ التقدير فرجل وامرأتان يشهدان أو فليشهد رجل ~~وامرأتان ، وقرأوه بنصب { فتذكر } عطفا على { أن تضل } ، وقرأه حمزة بكسر ~~الهمزة على اعتبار إن شرطية وتضل فعل الشرط ، وبرفع تذكر على أنه خبر مبتدأ ~~محذوف بعد الفاء لأن الفاء تؤذن بأن ما بعدها غير مجزوم والتقدير فهي ~~تذكرها الأخرى على نحو قوله تعالى : { ومن عاد فينتقم الله منه } ( المائدة ~~: 95 ) . # ولما كان ( أن تضل ) في معنى لضلال إحداهما صارت العلة في الظاهر هي ~~الضلال ، وليس كذلك بل العلة هي ما يترتب على الضلال من إضاعة المشهود به ، ~~فتفرع عليه قوله : { فتذكر إحداهما الأخرى } لأن فتذكر معطوف على تضل بفاء ~~التعقيب فهو من ms1430 تكملته ، والعبرة بآخر الكلام كما قدمناه في قوله تعالى : { ~~أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب } ( البقرة : 266 ) ، ونظيره كما ~~في ( الكشاف ) أن تقول : أعددت الخشبة أن يميل الحائط فأدعمه ، وأعددت ~~السلاح أن يجيء عدو فأدفعه . وفي هذا الاستعمال عدول عن الظاهر وهو أن يقال ~~: أن تذكر إحداهما الأخرى عند نسيانها . ووجهه صاحب PageV03P109 ( الكشاف ) ~~بأن فيه دلالة على الاهتمام بشأن التذكير حتى صار المتكلم يعلل بأسبابه ~~المفضية إليه لأجل تحصيله . وادعى ابن الحاجب في أماليه على هذه الآية ~~بالقاهرة سنة ست عشرة وستمائة : أن من شأن لغة العرب إذا ذكروا علة وكان ~~للعلة علة قدموا ذكر علة العلة وجعلوا العلة معطوفة عليها بالفاء لتحصل ~~الدلالتان معا بعبارة واحدة . ومثله بالمثال الذي مثل به ( الكشاف ) ، ~~وظاهر كلامه أن ذلك ملتزم ولم أره لغيره . # والذي أراه أن سبب العدول في مثله أن العلة تارة تكون بسيطة كقولك : فعلت ~~كذا إكراما لك ، وتارة تكون مركبة من دفع ضر وجلب نفع بدفعه . فهنالك يأتي ~~المتكلم في تعليله بما يدل على الأمرين في صورة علة واحدة إيجازا في الكلام ~~كما في الآية والمثالين . لأن المقصود من التعدد خشية حصول النسيان للمرأة ~~المنفردة ، فلذا أخذ بقولها حق المشهود عليه وقصد تذكير المرأة الثانية ~~إياها ، وهذا أحسن مما ذكره صاحب ( الكشاف ) . # وفي قوله : { فتذكر إحداهما الأخرى } إظهار في مقام الإضمار لأن مقتضى ~~الظاهر أن يقول فتذكرها الأخرى ، وذلك أن الإحدى والأخرى وصفان مبهمان لا ~~يتعين شخص المقصود بهما ، فكيفما وضعتهما في موضعي الفاعل والمفعول كان ~~المعنى واحدا ، فلو أضمر للإحدى ضمير المفعول لكان المعاد واضحا سواء كان ~~قوله أحداهما المظهر فاعلا أو مفعولا به ، فلا يظن أن كون لفظ إحداهما ~~المظهر في الآية فاعلا ينافي كونه إظهارا في مقام الإضمار لأنه لو أضمر ~~لكان الضمير مفعولا ، والمفعول غير الفاعل كما قد ظنه التفتازاني لأن ~~المنظور إليه في اعتبار الإظهار في مقام الإضمار هو تأتي الإضمار مع اتحاد ~~المعنى . وهو موجود في الآية كما لا يخفى ms1431 . # ثم نكتة الإظهار هنا قد تحيرت فيها أفكار المفسرين ولم يتعرض لها ~~المتقدمون ، قال التفتازاني في ( شرح الكشاف ) : ( ومما ينبغي أن يتعرض له ~~وجه تكرير لفظ إحداهما ، ولا خفاء في أنه ليس من وضع المظهر موضع المضمر إذ ~~ليست المذكرة هي الناسية إلا أن يجعل إحداهما الثانية في موقع المفعول ، ~~ولا يجوز ذلك لتقديم المفعول في موضع الإلباس ، ويصح أن يقال : فتذكرها ~~الأخرى ، فلا بد للعدول من نكتة ) . وقال العصام في ( حاشية البيضاوي ) ( ~~نكتة التكرير أنه كان فصل التركيب أن تذكر إحداهما الأخرى PageV03P110 إن ~~ضلت ، فلما قدم إن ضلت وأبرز في معرض العلة لم يصح الإضمار ( أي لعدم تقدم ~~إمعاد ) ولم يصح أن تضل الأخرى لأنه لا يحسن قبل ذكر إحداهما ( أي لأن ~~الأخرى لا يكون وصفا إلا في مقابلة وصف مقابل مذكور ) فأبدل بإحداهما ( أي ~~أبدل موقع لفظ لأخرى بلفظ إحداهما ) ولم يغير ما هو أصل العلة عن هيأته ~~لأنه كأن لم يقدم عليه ، { أن تضل إحداهما } يعني فهذا وجه الإظهار . # وقال الخفاجي في ( حاشية التفسير ) ( قالوا : إن النكتة الإبهام لأن كل ~~واحدة من المرأتين يجوز عليها ما يجوز على صاحبتها من الضلال والتذكير ، ~~فدخل الكلام في معنى العموم ) يعني أنه أظهر لئلا يتوهم أن إحدى المرأتين ~~لا تكون إلا مذكرة الأخرى ، فلا تكون شاهدة بالأصالة . وأصل هذا الجواب ~~لشهاب الدين الغزنوي عصري الخفاجي عن سؤال وجهه إليه الخفاجي ، وهذا السؤال ~~: # يا رأس أهل العلوم السادة البرره # ومن نداه على كل الورى نشره # ما سر تكرار إحدى دون تذكرها # في آية لذوي الأشهاد في البقره # وظاهر الحال إيجاز الضمير على # تكرار إحداهما لو أنه ذكره # وحمل الإحدى على نفس الشهادة في # أولاهما ليس مرضيا لدى المهره # فغص بفكرك لاستخراج جوهره # من بحر علمك ثم ابعث لنا درره # فأجاب الغزنوي : # يا من فوائده بالعلم منتشره # ومن فضائله في الكون مشتهره # تضل إحداهما فالقول محتمل # كليهما فهي للإظهار مفتقره # ولو أتى بضمير كان مقتضيا # تعيين واحدة للحكم معتبره # ومن رددتم عليه ms1432 الحل فهو كما # أشرتم ليس مرضيا لمن سبره # هذا الذي سمح الذهن الكليل به # والله أعلم في الفحوى بما ذكره # وقد أشار السؤال والجواب إلى رد على جواب لأبي القاسم المغربي في تفسيره ~~؛ إذ جعل إحداهما الأول مرادا به إحدى الشهادتين ، وجعل تضل بمعنى تتلف ~~بالنسيان ، PageV03P111 وجعل إحداهما الثاني مرادا به إحدى المرأتين . ولما ~~اختلف المدلول لم يبق إظهار في مقام الإضمار ، وهو تكلف وتشتيت للضمائر لا ~~دليل عليه ، فينزه تخريج كلام الله عليه ، وهو الذي عناه الغزنوي بقوله : ( ~~ومن رددتم عليه الحل إلخ ) . # والذي أراه أن هذا الإظهار في مقام الإضمار لنكتة هي قصد استقلال الجملة ~~بمدلولها كيلا تحتاج إلى كلام آخر فيه معاد الضمير لو أضمر ، وذلك يرشح ~~الجملة لأن تجري مجرى المثل . وكأن المراد هنا الإيماء إلى أن كلتا ~~الجملتين علة لمشروعية تعدد المرأة في الشهادة ، فالمرأة معرضة لتطرق ~~النسيان إليها وقلة ضبط ما يهم ضبطه ، والتعدد مظنة لاختلاف مواد النقص ~~والخلل ، فعسى ألا تنسى إحداهما ما نسيته الأخرى . فقوله أن تضل تعليل لعدم ~~الاكتفاء بالواحدة ، وقوله : { فتذكر إحداهما الأخرى } تعليل لإشهاد امرأة ~~ثانية حتى لا تبطل شهادة الأولى من أصلها . # { ولا يأب الشهدآء إذا ما دعوا } . # عطف { ولا يأب } على { واستشهدوا شهيدين } لأنه لما أمر المتعاقدين ~~باستشهاد شاهدين نهى من يطلب إشهاده عن أن يأبى ، ليتم المطلوب وهو الإشهاد ~~. # وإنما جيء في خطاب المتعاقدين بصيغة الأمر وجيء في خطاب الشهداء بصيغة ~~النهي اهتماما بما فيه التفريط . فإن المتعاقدين يظن بهما إهمال الإشهاد ~~فأمرا به ، والشهود يظن بهم الامتناع فنهوا عنه ، وكل يستلزم ضده . # وتسمية المدعوين شهداء باعتبار الأول القريبب ، وهو المشارفة ، وكأن في ~~ذلك نكتة عظيمة : وهي الإيماء إلى أنهم بمجرد دعوتهم إلى الإشهاد ، قد ~~تعينت عليهم الإجابة ، فصاروا شهداء . # وحذف معمول دعوا إما لظهوره من قوله قبله { واستشهدوا شهيدين } أي إذا ما ~~دعوا إلى الشهادة أي التحمل ، وهذا قول قتادة ، والربيع بن سليمان ، ونقل ~~عن ابن عباس ، فالنهي عن الإباية عند الدعاء إلى الشهادة حاصل ms1433 بالأولى ، ~~ويجوز أن يكون PageV03P112 حذف المعمول لقصد العموم ، أي إذا ما دعوا ~~للتحمل والأداء معا ؛ قاله الحسن ، وابن عباس ، وقال مجاهد : إذا ما دعوا ~~إلى الأداء خاصة ، ولعل الذي حمله على ذلك هو قوله : { الشهداء } لأنهم لا ~~يكونون شهداء حقيقة إلا بعد التحمل ، ويبعده أن الله تعالى قال بعد هذا { ~~ولا تكتموا الشهادة } ( البقرة : 283 ) وذلك نهي عن الإباية عند الدعوة ~~للأداء . # والذي يظهر أن حذف المتعلق بفعل { دعوا } لإفادة شمول ما يدعون لأجله في ~~التعاقد : من تحمل ، عند قصد الإشهاد ، ومن أداء ، عند الاحتياج إلى البينة ~~. قال ابن الحاجب : ( والتحمل حيث يفتقر إليه فرض كفاية والأداء من نحو ~~البريدين إن كانا اثنين فرض عين ، ولا تحل إحالته على اليمين ) . # والقول في مقتضى النهي هنا كالقول في قوله : { ولا يأب كاتب } ويظهر أن ~~التحمل يتعين بالتعيين من الإمام ، أو بما يعينه ، وكان الشأن أن يكون فرض ~~عين إلا لضرورة فينتقل المتعاقدان لآخر ، وأما الأداء ففرض عين إن كان لا ~~مضرة فيه على الشاهد في بدنه ، أو ماله ، وعند أبي حنيفة الأداء فرض كفاية ~~إلا إذا تعين عليه : بأن لا يوجد بدله ، وإنما يجب بشرط عدالة القاضي ، ~~وقرب المكان : بأن يرجع الشاهد إلى منزله في يومه ، وعلمه بأنه تقبل شهادته ~~، وطلب المدعي . وفي هذه التعليقات رد بالشهادة إلى مختلف اجتهادات الشهود ~~، وذلك باب من التأويلات لا ينبغي فتحه . # قال القرطبي : ( يؤخذ من هذه الآية أنه يجوز للإمام أن يقيم للناس شهودا ~~، ويجعل لهم كفايتهم من بيت المال ، فلا يكون لهم شغل إلا تحمل حقوق الناس ~~حفظا لها ) . قلت : وقد أحسن . قضاة تونس المتقدمون ، وأمراؤها ، في تعيين ~~شهود منتصبين للشهادة بين الناس ، يؤخذون ممن يقبلهم القضاة ويعرفونهم ~~بالعدالة ، وكذلك كان الأمر في الأندلس ، وذلك من حسن النظر للأمة ، ولم ~~يكن ذلك متبعا في بلاد المشرق ، بل كانوا يكتفون بشهرة عدالة بعض الفقهاء ~~وضبطهم للشروط وكتب الوثائق فيعتمدهم القضاة ، ويكلون إليهم ما يجري في ~~النوازل من كتابة الدعوى والأحكام ، وكان مما يعد في ms1434 ترجمة بعض العلماء أن ~~يقال : كان مقبولا عند القاضي فلان . PageV03P113 # { ولا تسئمو & # 1764 ا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله } . # تعميم في أكوان أو أحوال الديون المأمور بكتابتها ، فالصغير والكبير هنا ~~مجازان في الحقير والجليل . والمعاملات الصغيرة أكثر من الكبيرة ، فلذلك ~~نهوا عن السآمة هنا . والسآمة : الملل من تكرير فعلل ما . # والخطاب للمتداينين أصالة ، ويستتبع ذلك خطاب الكاتب : لأن المتداينين ~~إذا دعواه للكتابة وجب عليه أن يكتب . # والنهي عنها نهي عن أثرها ، وهو ترك الكتابة ، لأن السآمة تحصل للنفس من ~~غير اختيار ، فلا ينهى عنها في ذاتها ، وقيل السآمة هنا كناية عن الكسل ~~والتهاون . وانتصب صغيرا أو كبيرا على الحال من الضمير المنصوب بتكتبوه ، ~~أو على حذف كان مع اسمها . وتقديم الصغير على الكبير هنا ، مع أن مقتضى ~~الظاهر العكس ، كتقديم السنة على النوم في قوله تعالى : { لا تأخذه سنة ولا ~~نوم } ( البقرة : 255 ) لأنه قصد هنا إلى التنصيص على العموم لدفع ما يطرأ ~~من التوهمات في قلة الاعتناء بالصغير ، وهو أكثر ، أو اعتقاد عدم وجوب ~~كتابة الكبير ، لو اقتصر في اللفظ على الصغير . # وجملة { إلى أجله } حال من الضمير المنصوب بتكتبوه ، أي مغيى الدين إلى ~~أجله الذي تعاقدا عليه ، والمراد التغيية في الكتابة . # { ذالكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابو & # 1764 ا } . # تصريح بالعلة لتشريع الأمر بالكتابة : بأن الكتابة فيها زيادة التوثق ، ~~وهو أقسط أي أشد قسطا ، أي عدلا ، لأنه أحفظ للحق ، وأقوم للشهادة ، أي ~~أعون على إقامتها ، وأقرب إلى نفي الريبة والشك ، فهذه ثلاث علل ، ويستخرج ~~منها أن المقصد الشرعي أن تكون الشهادة في الحقوق بينة ، واضحة ، بعيدة عن ~~الاحتمالات ، والتوهمات . واسم الإشارة عائد إلى جميع ما تقدم باعتبار أنه ~~مذكور ، فلذلك أشير إليه باسم إشارة الواحد . PageV03P114 # وفي الآية حجة لجواز تعليل الحكم الشرعي بعلل متعددة وهذا لا ينبغي ~~الاختلاف فيه . # واشتقاق { أقسط } من أقسط بمعنى عدل ، وهو رباعي ، وليس من قسط لأنه ~~بمعنى جار ، وكذا اشتقاق { أقوم } من أقام الشهادة إذا أظهرها جار على ms1435 قول ~~سيبويه بجواز صوغ التفضيل والتعجب من الرباعي المهموز ، سواء كانت الهمزة ~~للتعدية نحو أعطى أم لغير التعدية نحو أفرط . وجوز صاحب ( الكشاف ) أن يكون ~~أقسط مشتقا من قاسط بمعنى ذي قسط أي صيغة نسب وهو مشكل ، إذ ليس لهذه الزنة ~~فعل . واستشكل أيضا بأن صوغه من الجامد أشد من صوغه من الرباعي . والجواب ~~عندي أن النسب هنا لما كان إلى المصدر شابه المشتق : إذ المصدر أصل ~~الاشتقاق ، وأن يكون أقوم مشتقا من قام الذي هو محول إلى وزن فعل بضم العين ~~الدال على السجية ، الذي يجيء منه قويم صفة مشبهة . # { إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها } ~~. # استثناء من عموم الأحوال أو الأكوان في قوله : { صغيرا أو كبيرا } . وهو ~~استثناء ؛ قيل منقطع ، لأن التجارة الحاضرة ليست من الدين في شيء ، ~~والتقدير : إلا كون تجارة حاضرة . # والحاضرة الناجزة ، التي لا تأخير فيها ، إذ الحاضر ، والعاجل ، والناجز ~~: مترادفة . والدين ، والأجل ، والنسيئة : مترادفة . # وقوله : { تديرونها بينكم } بيان لجملة { أن تكون تجارة حاضرة } بل ~~البيان في مثل هذا ، أقرب منه في قول الشاعر مما أنشده ابن الأعرابي في ~~نوادره ، وقال العيني : ينسب إلى الفرزدق : # إلى الله أشكو بالمدينة حاجة # وبالشام أخرى كيف يلتقيان PageV03P115 # إذ جعل صاحب ( الكشاف ) كيف يلتقيان بيانا لحاجة وأخرى ، أو تجعل { ~~تديرونها } صفة ثانية لتجارة في معنى البيان ، ولعل فائدة ذكره الإيماء إلى ~~تعليل الرخصة في ترك الكتابة ، لأن إدارتها أغنت عن الكتابة . وقيل : ~~الاستثناء متصل ، والمراد بالتجارة الحاضرة المؤجلة إلى أجل قريب ، فهي من ~~جملة الديون ، رخص فيها ترك الكتابة بها ، وهذا بعيد . # وقوله : { فليس عليكم جناح ألا تكتبوها } تصريح بمفهوم الاستثناء ، مع ما ~~في زيادة قوله : { جناح } من الإشارة إلى أن هذا الحكم رخصة ، لأن رفع ~~الجناح مؤذن بأن الكتابة أولى وأحسن . # وقرأ الجمهور تجارة بالرفع : على أن تكون تامة ، وقرأه عاصم بالنصب : على ~~أن تكون ناقصة ، وأن في فعل تكون ضميرا مستترا عائدا على ما يفيده خبر كان ~~، أي إلا أن تكون ms1436 التجارة تجارة حاضرة ، كما في قول عمرو بن شاس أنشده ~~سيبويه : # بني أسد هل تعلمون بلاءنا # إذا كان يوما ذا كواكب أشنعا # تقديره إذا كان اليوم يوما ذا كواكب ، وقوله : { ألا } أصله أن لا فرسم ~~مدغما . # { وأشهدو & # 1764 ا إذا تبايعتم } . # تشريع للإشهاد عند البيع ولو بغير دين إذا كان البيع غير تجارة حاضرة ، ~~وهذا إكمال لصور المعاملة : فإنها إما تداين ، أو آيل إليه كالبيع بدين ، ~~وإما تناجز في تجارة ، وإما تناجز في غير تجارة كبيع العقار والعروض في غير ~~التجر . وقيل : المراد بتبايعتم التجارة ، فتكون الرخصة في ترك الكتابة مع ~~بقاء الإشهاد بدون كتابة ، وهذا بعيد جدا ، لأن الكتابة ما شرعت إلا لأجل ~~الإشهاد والتوثق . # وقوله تعالى : { وأشهدوا } أمر : قيل هو للوجوب ، وهذا قول أبي موسى ~~الأشعري ، وابن عمر ، وأبي سعيد الخدري ، وسعيد بن المسيب ، ومجاهد ، ~~والضحاك ، PageV03P116 وعطاء ، وابن جريج ، والنخعي ، وجابر بن زيد ، ~~وداوود الظاهري ، والطبري . وقد أشهد النبي صلى الله عليه وسلم على بيع عبد ~~باعه للعداء بن خالد بن هوذة ، وكتب في ذلك ( باسم الله الرحمن الرحيم ، ~~هذا ما اشترى العداء بن خالد بن هوذة من محمد رسول الله اشترى منه عبدا لا ~~داء ولا غائلة ولا خبثة بيع المسلم للمسلم ) وقيل : هو للندب وذهب إليه من ~~السلف الحسن ، والشعبي ، وهو قول مالك ، وأبي حنيفة ، والشافعي ، وأحمد ، ~~وتمسكوا بالسنة : أن النبي صلى الله عليه وسلم باع ولم يشهد ، قاله ابن ~~العربي ، وجوابه : أن ذلك في مواضع الائتمان ، وسيجيء قوله تعالى : { فإن ~~أمن بعضكم بعضا } ( البقرة : 283 ) الآية وقد تقدم ما لابن عطية في توجيه ~~عدم الوجوب وردنا له عند قوله تعالى : { فاكتبوه } . # { ولا يضآر كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم } . # نهي عن المضارة وهي تحتمل أن يكون الكاتب والشهيد مصدرا للإضرار ، أو أن ~~يكون المكتوب له والمشهود له مصدرا للإضرار : لأن يضار يحتمل البناء ~~للمعلوم وللمجهول ، ولعل اختيار هذه المادة هنا مقصود ، لاحتمالها حكمين ، ~~ليكون الكلام موجها فيحمل على كلا معنييه لعدم تنافيهما ، وهذا ms1437 من وجه ~~الإعجاز . # والمضارة : إدخال الضر بأن يوقع المتعاقدان الشاهدين والكاتب في الحرج ~~والخسارة ، أو ما يجر إلى العقوبة ، وأن يوقع الشاهدان أحد المتعاقدين في ~~إضاعة حق أو تعب في الإجابة إلى الشهادة . وقد أخذ فقهاؤنا من هاته الآية ~~أحكاما كثيرة تتفرع عن الإضرار : منها ركوب الشاهد من المسافة البعيدة ، ~~ومنها ترك استفساره بعد المدة الطويلة التي هي مظنة النسيان ، ومنها ~~استفساره استفسارا يوقعه في الاضطراب ، ويؤخذ منها أنه ينبغي لولاة الأمور ~~جعل جانب من مال بيت المال لدفع مصاريف انتقال الشهود وإقامتهم في غير ~~بلدهم وتعويض ما سينالهم من ذلك الانتقالل من الخسائر المالية في إضاعة ~~عائلاتهم ، إعانة على إقامة العدل بقدر الطاقة والسعة . PageV03P117 # وقوله تعالى : { وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم } حذف مفعول تفعلوا وهو معلوم ~~، لأنه الإضرار المستفاد من لا يضار مثل ( اعدلوا هو أقرب ) والفسوق : ~~الإثم العظيم ، قال تعالى : { بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان } ( الحجرات : ~~11 ) . # { واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم } . # أمر بالتقوى لأنها ملاك الخير ، وبها يكون ترك الفسوق . وقوله : { ~~ويعلمكم الله } تذكير بنعمة الإسلام ، الذي أخرجهم من الجهالة إلى العلم ~~بالشريعة ، ونظام العالم ، وهو أكبر العلوم وأنفعها ، ووعد بدوام ذلك لأنه ~~جيء فيه بالمضارع ، وفي عطفه على الأمر بالتقوى إيماء إلى أن التقوى سبب ~~إفاضة العلوم ، حتى قيل : إن الواو فيه للتعليل أي ليعلمكم . وجعله بعضهم ~~من معاني الواو ، وليس بصحيح . # وإظهار اسم الجلالة في الجمل الثلاث : لقصد التنويه بكل جملة منها حتى ~~تكون مستقلة الدلالة ، غير محتاجة إلى غيرها المشتمل على معاد ضميرها ، حتى ~~إذا سمع السامع كل واحدة منها حصل له علم مستقل ، وقد لا يسمع إحداها فلا ~~يضره ذلك في فهم أخراها ، ونظير هذا الإظهار قول الحماسي : # اللؤم أكرم من وبر ووالده # واللؤم أكرم من وبر وما ولدا # واللؤم داء لوبر يقتلون به # لا يقتلون بداء غيره أبدا # فإنه لما قصد التشنيع بالقبيلة ومن ولدها ، وما ولدته ، أظهر اللؤم في ~~الجمل الثلاث ولما كانت الجملة الرابعة كالتأكيد للثالثة لم ms1438 يظهر اسم اللؤم ~~بها . هذا ، ولإظهار اسم الجلالة نكتة أخرى وهي التهويل . وللتكرير مواقع ~~يحسن فيها ، ومواقع لا يحسن فيها ، قال الشيخ في ( دلائل الإعجاز ) ، في ~~الخاتمة التي ذكر فيها أن الذوق قد يدرك أشياء لا يهتدى لأسبابها ، وأن ~~ببعض الأئمة قد يعرض له الخطأ في التأويل : ( ومن ذلك PageV03P118 ما حكي ~~عن الصاحب أنه قال : كان الأستاذ ابن العميد يختار من شعر ابن الرومي وينقط ~~على ما يختاره ، قال الصاحب فدفع إلي القصيدة التي أولها : # أتحت ضلوعي جمرة تتوقد # على ما مضى أم حسرة تتجدد # وقال لي : تأملها ، فتأملتها فوجدته قد ترك خير بيت فيها لم ينقط عليه ~~وهو قوله : # بجهلل كجهل السيفف والسيف منتضى # وحلمم كحلم السيف والسيف مغمد # فقلت : لم ترك الأستاذ هذا البيت ؟ فقال : لعل القلم تجاوزه ، ثم رآني من ~~بعد فاعتذر بعذر كان شرا من تركه ؛ فقال : إنما تركته لأنه أعاد السيف أربع ~~مرات ، قال الصاحب : لو لم يعده لفسد البيت ، قال الشيخ عبد القاهر : ~~والأمر كما قال الصاحب ثم قال قاله أبو يعقوب : إن الكناية والتعريض لا ~~يعملان في العقول عمل الإفصاح والتكشيف لأجل ذلك كان لإعادة اللفظ في قوله ~~تعالى : { وبالحق أنزلته وبالحق نزل } ( الإسراء : 105 ) وقوله : { قل هو ~~الله أحد ، الله الصمد } ( الصمد : 1 ، 2 ) عمل لولاه لم يكن . # وقال الراغب : قد استكرهوا التكرير في قوله : # فما للنوى جذ النوى قطع النوى # حتى قيل : لو سلط بعير على هذا البيت لرعى ما فيه من النوى ، ثم قال : إن ~~التكرير المستحسن هو تكرير يقع على طريق التعظيم ، أو التحقير ، في جمل ~~متواليات كل جملة منها مستقلة بنفسها ، والمستقبح هو أن يكون التكرير في ~~جملة واحدة أو في جمل في معنى ، ولم يكن فيه معنى التعظيم والتحقير ، ~~فالراغب موافق للأستاذ ابن العميد ، وعبد القاهر موافق للصاحب بن عباد ، ~~قال المرزوقي في شرح الحماسة عند قول يحيى بن زياد : # لما رأيت الشيب لاح بياضه # بمفرقق رأسي قلت للشيب مرحبا # ( كان الواجب أن يقول : قلت له مرحبا ms1439 ، لكنهم يكررون الأعلام وأسماء ~~الأجناس كثيرا والقصد بالتكرير التفخيم ) . PageV03P119 # واعلم أنه ليس التكرير بمقصور على التعظيم بل مقامه كل مقام يراد منه ~~تسجيل انتساب الفعل إلى صاحب الاسم المكرر ، كما تقدم في بيتي الحماسة : ( ~~اللؤم أكرم من وبر ) إلخ . # وقد وقع التكرير متعاقبا في قوله تعالى في سورة آل عمران ( 78 ) : { وإن ~~منهم لفريقا يلون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ~~ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم ~~يعلمون . # # | 2 ( 283 ) وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة فإن أمن ~~بعضكم بعضا فليؤد الذى اؤتمن أمانته وليتق الله ربه ولا تكتموا الشهادة ومن ~~يكتمها فإنه ءاثم قلبه والله بما تعملون عليم } . ) 2 # هذا معطوف على قوله : إذا تداينتم بدين وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا ~~فرهان مقبوضة فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذى اؤتمن أمانته وليتق الله ربه ~~ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه ءاثم قلبه والله بما تعملون عليم } ( ~~البقرة : 282 ) الآية ، فجميع ما تقدم حكم في الحضر والمكنة ، فإن كانوا ~~على سفر ولم يتمكنوا من الكتابة لعدم وجود من يكتب ويشهد فقد شرع لهم حكم ~~آخر وهو الرهن ، وهذا آخر الأقسام المتوقعة في صور المعاملة ، وهي حالة ~~السفر غالبا ، ويلحق بها ما يماثل السفر في هاته الحالة . # والرهان جمع رهن ويجمع أيضا على رهن بضم الراء وضم الهاء وقد قرأه جمهور ~~العشرة : بكسر الراء وفتح الهاء ، وقرأه ابن كثير ، وأبو عمرو : بضم الراء ~~وضم الهاء ، وجمعه باعتبار تعدد المخاطبين بهذا الحكم . # والرهن هنا اسم للشيء المرهون تسمية للمفعول بالمصدر كالخلق . ومعنى ~~الرهن أن يجعل شيء من متاع المدين بيد الدائن توثقة له في دينه . وأصل ~~الرهن في كلام العرب يدل على الحبس قال تعالى : { كل نفس ما كسبت رهينة } ( ~~المدثر : 38 ) فالمرهون محبوس بيد الدائن إلى أن يستوفي دينه قال زهير : # وفارقتك برهن لا فكاك له # يوم الوداعع فأمسى الرهن قد غلقا # والرهن شائع ms1440 عند العرب : فقد كانوا يرهنون في الحمالات والديات إلى أن ~~يقع دفعها ، فربما رهنوا أبناءهم ، وربما رهنوا واحدا من صناديدهم ، قال ~~الأعشى يذكر أن كسرى رام أخذ رهائن من أبنائهم : # آليت لا أعطيه من أبنائنا # رهنا فنفسدهم كمن قد أفسدا PageV03P120 # وقال عبد الله بن همام السلولي : # فلما خشيت أظافيرهم # نجوت وأرهنتهم مالكا # ومن حديث كعب بن الأشرفف أنه قال لعبد الرحمن بن عوف : ارهنوني أبناءكم . # ومعنى فرهان : أي فرهان تعوض بها الكتابة . ووصفها بمقبوضة إما لمجرد ~~الكشف ، لأن الرهان لا تكون إلا مقبوضة ، وإما للاحتراز عن الرهن للتوثقة ~~في الديون في الحضر فيؤخذ من الإذن في الرهن أنه مباح فلذلك إذا سأله رب ~~الدين أجيب إليه فدلت الآية على أن الرهن توثقة في الدين . # والآية دالة على مشروعية الرهن في السفر بصريحها . وأما مشروعية الرهن في ~~الحضر فلأن تعليقه هنا على حال السفر ليس تعليقا بمعنى التقييد بل هو تعليق ~~بمعنى الفرض والتقدير ، إذا لم يوجد الشاهد في السفر ، فلا مفهوم للشرط ~~لوروده مورد بيان حالة خاصة لا للاحتراز ، ولا تعتبر مفاهيم القيود إلا إذا ~~سيقت مساق الاحتراز ، ولذا لم يعتدوا بها إذا خرجت مخرج الغالب . ولا مفهوم ~~له في الانتقال عن الشهادة أيضا ؛ إذ قد علم من الآية أن الرهن معاملة لهم ~~، فلذلك أحيلوا عليها عند الضرورة على معنى الإرشاد والتنبيه . # وقد أخذ مجاهد ، والضحاك ، وداود الظاهري ، بظاهر الآية من تقييد الرهن ~~بحال السفر ، مع أن السنة أثبتت وقوع الرهن من الرسول صلى الله عليه وسلم ~~ومن أصحابه في الحضر . # والآية دليل على أن القبض من متممات الرهن شرعا ، ولم يختلف العلماء في ~~ذلك ، وإنما اختلفوا في الأحكام الناشئة عن ترك القبض ، فقال الشافعي : ~~القبض شرط في صحة الرهن ، لظاهر الآية ، فلو لم يقارن عقدة الرهن قبض فسدت ~~العقدة عنده ، وقال محمد بن الحسن ، صاحب أبي حنيفة : لا يجوز الرهن بدون ~~قبض ، وتردد المتأخرون من الحنفية في مفاد هذه العبارة ؛ فقال جماعة : هو ~~عنده شرط في الصحة كقول PageV03P121 الشافعي ms1441 ، وقال جماعة : هو شرط في ~~اللزوم قريبا من قول مالك ، واتفق الجميع على أن للراهن أن يرجع بعد عقد ~~الرهن إذا لم يقع الحوز ، وذهب مالك إلى أن القبض شرط في اللزوم ، لأن ~~الرهن عقد يثبت بالصيغة كالبيع ، والقبض من لوازمه ، فلذلك يجبر الراهن على ~~تحويز المرتهن إلا أنه إذا مات الراهن أو أفلس قبل التحويز كان المرتهن ~~أسوة الغرماء ؛ إذ ليس له ما يؤثره على بقية الغرماء ، والآية تشهد لهذا ~~لأن الله جعل القبض وصفا للرهن ، فعلم أن ماهية الرهن قد تحققت بدون القبض ~~. وأهل تونس يكتفون في رهن الرباع والعقار برهن رسوم التملك ، ويعدون ذلك ~~في رهن الدين حوزا . وفي الآية دليل واضح على بطلان الانتفاع ؛ لأن الله ~~تعالى جعل الرهن عوضا عن الشهادة في التوثق فلا وجه للانتفاع ، واشتراط ~~الانتفاع بالرهن يخرجه عن كونه توثقا إلى ماهية البيع . # { فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذى اؤتمن أمانته وليتق الله ربه } . # متفرع على جميع ما تقدم من أحكام الدين : أي إن أمن كل من المتداينين ~~الآخر أي وثق بعضكم بأمانة بعض فلم يطالبه بإشهاد ولا رهن ، فالبعض المرفوع ~~هو الدائن ، والبعض المنصوب هو المدين وهو الذي ائتمن . # والأمانة مصدر آمنه إذا جعله آمنا . والأمن اطمئنان النفس وسلامتها مما ~~تخافه ، وأطلقت الأمانة على الشيء المؤمن عليه ، من إطلاق المصدر على ~~المفعول . وإضافة أمانته تشبه إضافة المصدر إلى مفعوله . وسيجيء ذكر ~~الأمانة بمعنى صفة الأمين عند قوله تعالى : { وأنا لكم ناصح أمين في سورة ~~الأعراف ( 68 ) . # وقد أطلق هنا اسم الأمانة على الدين في الذمة وعلى الرهن لتعظيم ذلك الحق ~~لأن اسم الأمانات له مهابة في النفوس ، فذلك تحذير من عدم الوفاء به ؛ لأنه ~~لما سمي أمانة فعدم أدائه ينعكس خيانة ؛ لأنها ضدها ، وفي الحديث : أد ~~الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك . PageV03P122 # والأداء : الدفع والتوفية ، ورد الشيء أو رد مثله فيما لا تقصد أعيانه ، ~~ومنه أداء الأمانة وأداء الدين أي عدم جحده قال تعالى : إن الله يأمركم أن ~~تؤدوا ms1442 الأمانات إلى أهلها } ( النساء : 58 ) . # والمعنى : إذا ظننتم أنكم في غنية عن التوثق في ديونكم بأنكم أمناء عند ~~بعضكم ، فأعطوا الأمانة حقها . # وقد علمت مما تقدم عند قوله تعالى : { فاكتبوه } أن آية { فإن أمن بعضكم ~~بعضا فليود الذي أؤتمن أمانته } تعتبر تكميلا لطلب الكتابة والإشهاد طلب ~~ندب واستحباب عند الذين حملوا الأمر في قوله تعالى : { فاكتبوه } على معنى ~~الندب والاستحباب ، وهم الجمهور . ومعنى كونها تكميلا لذلك الطلب أنها بينت ~~أن الكتابة والإشهاد بين المتداينين ، مقصود بهما حسن التعامل بينهما ، فإن ~~بدا لهما أن يأخذا بهما فنعما ، وإن اكتفيا بما يعلمانه من أمانن بينهما ~~فلهما تركهما . # وأتبع هذا البيان بوصاية كلا المتعاملين بأن يؤديا الأمانة ويتقيا الله . # وتقدم أيضا أن الذين قالوا بأن الكتابة والإشهاد على الديون كان واجبا ثم ~~نسخ وجوبه ، ادعوا أن ناسخه هو قوله تعالى : { فإن أمن بعضكم بعضا } الآية ~~، وهو قول الشعبي ، وابن جريج ، وجابر بن زيد ، والربيع بن سليمان ، ونسب ~~إلى أبي سعيد الخدري . # ومحمل قولهم وقولل أبي سعيد إن صح ذلك عنه أنهم عنوا بالنسخ تخصيص عموم ~~الأحوال والأزمنة . وتسمية مثل ذلك نسخا تسمية قديمة . # أما الذين يرون وجوب الكتابة والإشهاد بالديون حكما محكما ، ومنهم الطبري ~~، فقصروا آية { فإن أمن بعضكم بعضا } الآية على كونها تكملة لصورة الرهن في ~~السفر خاصة ، كما صرح به الطبري ولم يأت بكلام واضح في ذلك ولكنه جمجم ~~الكلام وطواه . # ولو أنهم قالوا : إن هذه الآية تعني حالة تعذر وجود الرهن في حالة السفر ~~، أي فلم يبق إلا أن يأمن بعضكم فالتقدير : فإن لم تجدوا رهنا وأمن بعضكم ~~بعضا إلى PageV03P123 آخره لكان له وجه ، ويفهم منه أنه إن لم يأمنه لا ~~يداينه ، ولكن طوى هذا ترغيبا للناس في المواساة والاتسام بالأمانة . ~~وهؤلاء الفرق الثلاثة كلهم يجعلون هذه الآية مقصورة على بيان حالة ترك ~~التوثق في الديون . # وأظهر مما قالوه عندي : أن هذه الآية تشريع مستقل يعم جميع الأحوال ~~المتعلقة بالديون : من إشهاد ، ورهنن ، ووفاء بالدين ، والمتعلقة بالتبايع ~~، ولهذه النكتة أبهم ms1443 المؤتمنون بكلمة { بعض } ليشمل الائتمان من كلا ~~الجانبين : الذي من قبل رب الدين ، والذي من قبل المدين . # فرب الدين يأتمن المدين إذا لم ير حاجة إلى الإشهاد عليه ، ولم يطالبه ~~بإعطاء الرهن في السفر ولا في الحضر . # والمدين يأتمن الدائن إذا سلم له رهنا أغلى ثمنا بكثير من قيمة الدين ~~المرتهن فيه ، والغالب أن الرهان تكون أوفر قيمة من الديون التي أرهنت ~~لأجلها ، فأمر كل جانب مؤتمنن أن يؤدي أمانته ، فأداء المدين أمانته بدفع ~~الدين ، دون مطل ، ولا جحود ، وأداء الدائن أمانته إذا أعطي رهنا متجاوز ~~القيمة على الدين أن يرد الرهن ولا يجحده غير مكترث بالدين ؛ لأن الرهن ~~أوفر منه ، ولا ينقص شيئا من الرهن . # ولفظ الأمانة مستعمل في معنيين : معنى الصفة التي يتصف بها الأمين ، ~~ومعنى الشيء المؤمن . # فيؤخذ من هذا التفسير إبطال غلق الرهن : وهو أن يصير الشيء المرهون ملكا ~~لرب الدين ، إذا لم يدفع الدين عند الأجل ، قال النبي صلى الله عليه وسلم ( ~~لا يغلق الرهن ) وقد كان غلق الرهن من أعمال أهل الجاهلية ، قال زهير : # وفارقتك برهنن لا فكاك له # عند الوداع فأمسى الرهن قد غلقا # ومعنى { أمن بعضكم بعضا } أن يقول كلا المتعاملين للآخر : لا حاجة لنا ~~بالإشهاد ونحن يأمن بعضنا بعضا ، وذلك كي لا ينتقض المقصد الذي أشرنا إليه ~~فيما مضى من دفع مظنة اتهام أحد المتداينين الآخر . PageV03P124 # وزيد في التحذير بقوله : { وليتق الله ربه } ، وذكر اسم الجلالة فيه مع ~~إمكان الاستغناء بقوله : ( وليتق ربه ) لإدخال الروع في ضمير السامع وتربية ~~المهابة . # وقوله : { الذي أؤتمن } وقع فيه ياء هي المدة في آخر ( الذي ) ووقع بعده ~~همزتان أولاهما وصلية وهي همزة الافتعال ، والثانية قطعية أصلية ، فقرأه ~~الجمهور بكسر ذال الذي وبهمزة ساكنة بعد كسرة الذال ؛ لأن همزة الوصل سقطت ~~في الدرج فبقيت الهمزة على سكونها ؛ إذ الداعي لقلب الهمزة الثانية مدا قد ~~زال ، وهو الهمزة الأولى ، ففي هذه القراءة تصحيح للهمزة ؛ إذ لا داعي ~~للإعلال . # وقرأه ورش عن نافع ، وأبو عمرو ، وأبو جعفر : الذيتمن ms1444 بياء بعد ذال الذي ~~، ثم فوقية مضمومة : اعتبارا بأن الهمزة الأصلية قد انقلبت واوا بعد همزة ~~الافتعال الوصلية ؛ لأن الشأن ضم همزة الوصل مجانسة لحركة تاء الافتعال عند ~~البناء للمجهول ، فلما حذفت همزة الوصل في الدرج بقيت الهمزة الثانية واوا ~~بعد كسرة ذال ( الذي ) فقلبت الواو ياء ففي هذه القراءة قلبان . # وقرأه أبو بكر عن عاصم : الذي اوتمن بقلب الهمزة واوا تبعا للضمة مشيرا ~~بها إلى الهمزة . # وهذا الاختلاف راجع إلى وجه الأداء فلا مخالفة فيه لرسم المصحف . # { ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه ءاثم قلبه والله بما تعملون عليم } ~~. # وصاية ثانية للشهداء تجمع الشهادات في جميع الأحوال ؛ فإنه أمر أن يكتب ~~الشاهد بالعدل ، ثم نهي عن الامتناع من الكتابة بين المتداينين ، وأعقب ذلك ~~بالنهي عن كتمان الشهادة كلها . فكان هذا النهي بعمومه بمنزلة التذييل ~~لأحكام الشهادة في الدين . PageV03P125 # واعلم أن قوله تعالى : { ولا تكتموا الشهادة } نهي ، وأن مقتضى النهي ~~إفادة التكرار عند جمهور علماء الأصول : أي تكرار الانكفاف عن فعل المنهي ~~في أوقات عروضض فعله ، ولولا إفادته التكرار لما تحققت معصية ، وأن التكرار ~~الذي يقتضيه النهي تكرار يستغرق الأزمنة التي يعرض فيها داعع لفعل المنهي ~~عنه ، فلذلك كان حقا على من تحمل شهادة بحق ألا يكتمه عند عروض إعلانه : ~~بأن يبلغه إلى من ينتفع به ، أو يقضي به ، كلما ظهر الداعي إلى الاستظهار ~~به ، أو قبل ذلك إذا خشي الشاهد تلاشي ما في علمه : بغيبة أو طرو نسيان ، ~~أو عروض موت ، بحسب ما يتوقع الشاهد أنه حافظ للحق الذي في علمه ، على ~~مقدار طاقته واجتهاده . # وإذ قد علمت آنفا أن الله أنبأنا بأن مراده إقامة الشهادة على وجهها ~~بقوله : { وأقوم للشهادة } ( البقرة : 282 ) ، وأنه حرض الشاهد على الحضور ~~للإشهاد إذا طلب بقوله : { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } ( البقرة : 282 ) ~~فعلم من ذلك كله الاهتمام بإظهار الشهادة إظهارا للحق . ويؤيد هذا المعنى ~~ويزيده بيانا : قول النبي صلى الله عليه وسلم ( ألا أخبركم بخير الشهداء ~~الذي يأتي بشهادته قبل أن ms1445 يسألها ) رواه مالك في ( الموطأ ) ، ورواه عنه ~~مسلم والأربعة . # فهذا وجه تفسير الآية تظاهر فيه الأثر والنظر . ولكن روى في ( الصحيح ) ~~عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( خير أمتي القرن ~~الذي بعثت فيهم ثم الذين يلونهم قالها ثانية وشك أبو هريرة في الثالثة ثم ~~يخلف قوم يشهدون قبل أن يستشهدوا ) الحديث . # وهو مسوق مساق ذم من وصفهم بأنهم يشهدون قبل أن يستشهدوا ، وأن ذمهم من ~~أجل تلك الصفة . وقد اختلف العلماء في محمله ؛ قال عياض : حمله قوم على ~~ظاهره من ذم من يشهد قبل أن تطلب منه الشهادة ، والجمهور على خلافه وأن ذلك ~~غير قادح ، وحملوا ما في الحديث على ما إذا شهد كاذبا ، وإلا فقد جاء في ( ~~الصحيح ) : ( خير الشهود الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها ) . وأقول : روى ~~مسلم عن عمران بن حصين : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن خيركم ~~قرني ثم الذين يلونهم قالها مرتين أو ثلاثا ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا ~~يستشهدون ) الحديث . PageV03P126 # والظاهر أن ما رواه أبو هريرة وما رواه عمران بن حصين حديث واحد ، سمعه ~~كلاهما ، واختلفت عبارتهما في حكايته فيكون لفظ عمران بن حصين مبينا لفظ ~~أبي هريرة أن معنى قوله : قبل أن يستشهدوا دون أن يستشهدوا ، أي دون أن ~~يستشهدهم مشهد ، أي أن يحملوا شهادة أي يشهدون بما لا يعلمون ، وهو الذي ~~عناه المازري بقوله : وحملوا ما في الحديث أي حديث أبي هريرة على ما إذا ~~شهد كاذبا . فهذا طريق للجمع بين الروايتين ، وهي ترجع إلى حمل المجمل على ~~المبين . # وقال النووي : تأوله بعض العلماء بأن ذم الشهادة قبل أن يسألها الشاهد هو ~~في الشهادة بحقوق الناس بخلاف ما فيه حق الله قال النووي : ( وهذا الجمع هو ~~مذهب أصحابنا ) وهذه طريقة ترجع إلى إعمال كل من الحديثين في باب ، بتأويل ~~كل من الحديثين على غير ظاهره ؛ لئلا يلغى أحدهما . # قلت : وبنى عليه الشافعية فرعا برد الشهادة التي يؤديها الشاهد قبل أن ~~يسألها ، ذكره الغزالي ms1446 في ( الوجيز ) ، والذي نقل ابن مرزوق في ( شرح مختصر ~~خليل عن الوجيز ) ( الحرص على الشهادة بالمبادرة قبل الدعوى لا تقبل ، وبعد ~~الدعوى وقبل الاستشهاد وجهان فإن لم تقبل فهل يصير مجروحا وجهان ) . # فأما المالكية فقد اختلف كلامهم . # فالذي ذهب إليه عياض وابن مرزوق أن أداء الشاهد شهادته قبل أن يسألها ~~مقبول لحديث ( الموطأ ) ( خير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها ) ~~ونقل الباجي عن مالك : ( أن معنى الحديث أن يكون عند الشاهد شهادة لرجل لا ~~يعلم بها ، فيخبره بها ، ويؤديها له عند الحاكم ) فإن مالكا ذكره في ( ~~الموطأ ) ولم يذيله بما يقتضي أنه لا عمل عليه وتبع الباجي ابن مرزوق في ( ~~شرحه لمختصر خليل ) ، وادعى أنه لا يعرف في المذهب ما يخالفه والذي ذهب ~~إليه ابن الحاجب ، وخليل ، وشارحو مختصريهما : أن أداء الشهادة قبل أن يطلب ~~من الشاهد أداؤها مانع من قبولها : قال ابن الحاجب ( وفي الأداء يبدأ به ~~دون طلب فيما تمحض من حق الآدمي قادحة ) وقال خليل عاطفا على موانع قبول ~~الشهادة : ( أو رفع قبل الطلب في محض حق الآدمي ) . PageV03P127 وكذلك ابن ~~راشد القفصي في كتابه ( الفائق في الأحكام والوثائق ) ونسبه النووي في ( ~~شرحه على صحيح مسلم لمالك ) ، وحمله على أن المستند متحد وهو إعمال حديث ~~أبي هريرة ولعله أخذ نسبة ذلك لمالك من كلام ابن الحاجب المتقدم . # وادعى ابن مرزوق أن ابن الحاجب تبع ابن شاس إذ قال : ( فإن بادر بها من ~~غير طلب لم يقبل ) وأن ابن شاس أخذه من كلام الغزالي قال : ( والذي تقتضيه ~~نصوص المذهب أنه إن رفعها قبل الطلب لم يقدح ذلك فيها بل إن لم يكن فعله ~~مندوبا فلا أقل من أن لا ترد ) واعتضد بكلام الباجي في شرح حديث : خير ~~الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها . # وقد سلكوا في تعليل المسألة مسلكين : مسلك يرجع إلى الجمع بين الحديثين ، ~~وهو مسلك الشافعية ، ومسلك إعمال قاعدة رد الشهادة بتهمة الحرص على العمل ~~بشهادته وأنه ريبة . # وقوله : { ومن يكتمها فإنه آثم قلبه } زيادة ms1447 في التحذير . والإثم : الذنب ~~والفجور . # والقلب اسم للإدراك والانفعالات النفسية والنوايا . وأسد الإثم إلى القلب ~~وإنما الآثم الكاتم لأن القلب أي حركات العقل يسبب ارتكاب الإثم : فإن ~~كتمان الشهادة إصرار قلبي على معصية ، ومثله قوله تعالى : { ( الأعراف : ~~116 ) وإنما سحروا الناس بواسطة مرئيات وتخيلات وقول الأعشى : # كذلك فافعل ما حييت إذا شتوا # وأقدم إذا ما أعين الناسس تفرق # لأن الفرق ينشأ عن رؤية الأهوال . # وقوله : والله بما تعملون عليم } تهديد ، كناية عن المجازاة بمثل الصنيع ~~؛ لأن القادر لا يحول بينه وبين المؤاخذة إلا الجهل فإذا كان عليما أقام ~~قسطاس الجزاء . # PageV03P128 $ 2 ( 284 ) { لله ما في السماوات وما فى الارض وإن تبدوا ما ~~في & # 1764 أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشآء ويعذب من يشآء ~~والله على كل شيء قدير } . ) 2 $ # تعليل واستدلال على مضمون جملةوالله بما تعملون عليم لله ما في السماوات ~~وما فى الارض وإن تبدوا ما في & # 1764 أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشآء ويعذب من يشآء ~~والله على كل شيء قدير } وعلى ما تقدم آنفا من نحو : { الله بكل شيء عليم } ~~( آل عمران : 176 ) { والله بما تعملون عليم والله بما تعملون بصير } ( ~~الممتحنة : 30 ) { والله بما تعملون خبير } ( البقرة : 234 ) فإذا كان ذلك ~~تعريضا بالوعد والوعيد ، فقد جاء هذا الكلام تصريحا واستدلالا عليه ، فجملة ~~{ وإن تبدوا ما في أنفسكم } إلى آخرها هي محط التصريح ، وهي المقصود ~~بالكلام ، وهي معطوفة على جملة { ولا تكتموا الشهادة إلى والله بما تعملون ~~عليم } ( البقرة : 283 ) وجملة { لله ما في السموات وما في الأرض } هي موقع ~~الاستدلال ، وهي اعتراض بين الجملتين المتعاطفتين ، أو علة لجملة { والله ~~بما تعملون عليم } باعتبار إرادة الوعيد والوعد ، فالمعنى : إنكم عبيد ه ~~فلا يفوته عملكم والجزاء عليه . وعلى هذا الوجه تكون جملة ( وإن تبدوا ما ~~في أنفسكم ) معطوفة على جملة { لله ما في السموات وما في الأرض } عطف جملة ~~على جملة ، والمعنى : إنكم عبيده ، وهو محاسبكم ، ونظيرها في المعنى قوله ~~تعالى : { وأسروا ms1448 قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور ألا يعلم من خلق ~~} ( الملك : 13 ، 14 ) ولا يخالف بينهما إلا أسلوب نظم الكلام . # ومعنى الاستدلال هنا : إن الناس قد علموا أن الله رب السموات والأرض ، ~~وخالق الخلق ، فإذا كان في السموات والأرض لله ، مخلوقا له ، لزم أن يكون ~~جميع ذلك معلوما له لأنه مكون ضمائرهم وخواطرهم ، وعموم علمه تعالى بأحوال ~~مخلوقاته من تمام معنى الخالقية والربوبية ؛ لأنه لو خفي عليه شيء لكان ~~العبد في حالة اختفاء حاله عن علم الله مستقلا عن خالقه . ومالكية الله ~~تعالى أتم أنواع الملك على الحقيقة كسائر الصفات الثابتة لله تعالى ، فهي ~~الصفات على الحقيقة من الوجود الواجب إلى ما اقتضاه وجوب الوجود من صفات ~~الكمال . فقوله : { لله ما في السموات وما في الأرض } تمهيد لقوله : { وإن ~~تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه } الآية . PageV03P129 # وعطف قوله : { وإن تبدوا ما في أنفسكم } بالواو دون الفاء للدلالة على أن ~~الحكم الذي تضمنه مقصود بالذات ، وأن ما قبله كالتمهيد له . ويجوز أن يكون ~~قوله : { وإن تبدوا } عطفا على قوله : { والله بما تعملون عليم } ( البقرة ~~: 283 ) ويكون قوله : { لله ما في السموات وما في الأرض } اعتراضا بينهما . # وإبداء ما في النفس : إظهاره ، وهو إعلانه بالقول ، فيما سبيله القول ، ~~وبالعمل فيما يترتب عليه عمل ؛ وإخفاؤه بخلاف ذلك ، وعطف { أو تخفوه } ~~للترقي في الحساب عليه ، فقد جاء على مقتضى الظاهر في عطف الأقوى على ~~الأضعف ، وفي الغرض المسوق له الكلام في سياق الإثبات . وما في النفي يعم ~~الخير والشر . # والمحاسبة مشتقة من الحسبان وهو العد ، فمعنى يحاسبكم في أصل اللغة : ~~يعده عليكم ، إلا أنه شاع إطلاقه على لازم المعنى وهو المؤاخذة والمجازاة ~~كما حكى الله تعالى : { } ( الشعراء : 113 ) وشاع هذا في اصطلاح الشرع ، ~~ويوضحه هنا قوله : { فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء } . # وقد أجمل الله تعالى هنا الأحوال المغفورة وغير المغفورة : ليكون ~~المؤمنون بين الخوف والرجاء ، فلا يقصروا في اتباع الخيرات النفيسة ~~والعملية ، إلا أنه أثبت غفرانا وتعذيبا بوجه الإجمال على كل ms1449 مما نبديه وما ~~نخفيه . وللعلماء في معنى هذه الآية ، والجمع بينها وبين قوله صلى الله ~~عليه وسلم ( من هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة ) . وقوله : ( إن الله ~~تجاوز لأمتي عما حدثتها به أنفسها ) وأحسن كلام فيه ما يأتلف من كلامي ~~المازري وعياض ، في شرحيهما ( لصحيح مسلم ) : وهو مع زيادة بيان أن ما يخطر ~~في النفس إن كان مجرد خاطر وتردد من غير عزم فلا خلاف في عدم المؤاخذة به ، ~~إذ لا طاقة للمكلف بصرفه عنه ، وهو مورد حديث التجاوز للأمة عما حدثت به ~~أنفسها ، وإن كان قد جاش في النفس عزم ، فإما أن يكون من الخواطر التي ~~تترتب عليها أفعال بدنية أو لا ، فإن كان من الخواطر التي لا تترتب عليها ~~أفعال : مثل الإيمان ، والكفر ، والحسد ، فلا خلاف في المؤاخذة به ؛ لأن ~~مما يدخل في طوق المكلف أن يصرفه عن نفسه ، وإن كان من الخواطر التي تترتب ~~عليها آثار في الخارج ، فإن حصلت الآثار فقد خرج من أحوال الخواطر إلى ~~الأفعال كمن يعزم على السرقة PageV03P130 فيسرق ، وإن عزم عليه ورجع عن ~~فعله اختيارا لغير مانع منعه ، فلا خلاف في عدم المؤاخذة به وهو مورد حديث ~~( من هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة ) وإن رجع لمانعع قهره على الرجوع ~~ففي المؤاخذة به قولان . أي إن قوله تعالى : { يحاسبكم به الله } محمول على ~~معنى يجازيكم وأنه مجمل تبينه موارد الثواب والعقاب في أدلة شرعية كثيرة ، ~~وإن من سمى ذلك نسخا من السلف فإنما جرى على تسمية سبقت ضبط المصطلحات ~~الأصولية فأطلق النسخ على معنى البيان وذلك كثير في عبارات المتقدمين وهذه ~~الأحاديث ، وما دلت عليه دلائل قواعد الشريعة ، هي البيان لمن يشاء في قوله ~~تعالى : { فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء } . # وفي ( صحيح البخاري ) عن ابن عباس ( أن هذه الآية نسخت بالتي بعدها ) أي ~~بقوله : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } ( البقرة : 286 ) كما سيأتي هنالك ~~. # وقد تبين بهذا أن المشيئة هنا مترتبة على أحوال المبدى والمحفى ، كما هو ~~بين ms1450 . # وقرأ الجمهور : فيغفر ويعذب بالجزم ، عطفا على يحاسبكم ، وقرأه ابن عامر ~~، وعاصم ، وأبو جعفر ، ويعقوب : بالرفع على الاستئناف بتقدير فهو يغفر ، ~~وهم وجهان فصيحان ، ويجوز النصب ولم يقرأ به إلا في الشاذ . # وقوله : { والله على كل شيء قدير } تذييل لما دل على عموم العلم ، بما ~~يدل على عموم القدرة . # # | 2 ( 285 ) { ءامن الرسول بمآ أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل ءامن بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ~~ربنا وإليك المصير } . ) 2 # قال الزجاج : ( لما ذكر الله في هذه السورة أحكاما كثيرة ، وقصصا ، ختمها ~~بقوله : { آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه } تعظيما لنبيه صلى الله عليه ~~وسلم وأتباعه ، وتأكيدا وفذلكة لجميع ذلك المذكور من قبل ) . يعني : أن هذا ~~انتقال من المواعظ ، والإرشاد ، PageV03P131 والتشريع ، وما تخلل ذلك : مما ~~هو عون على تلك المقاصد ، إلى الثناء على رسوله والمؤمنين في إيمانهم بجميع ~~ذلك إيمانا خالصا يتفرع عليه العمل ؛ لأن الإيمان بالرسول والكتاب ، يقتضي ~~الامتثال لما جاء به من عمل . فالجملة استئناف ابتدائي وضعت في هذا الموقع ~~لمناسبة ما تقدم ، وهو انتقال مؤذن بانتهاء السورة لأنه لما انتقل من أغراض ~~متناسبة إلى غرض آخر : هو كالحاصل والفذلكة ، فقد أشعر بأنه استوفى تلك ~~الأغراض . وورد في أسباب النزول أن قوله : { آمن الرسول } يرتبط بقوله : { ~~وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه } ( البقرة : 284 ) كما تقدم آنفا . # وأل في الرسول للعد . وهو علم بالغلبة على محمد صلى الله عليه وسلم في ~~وقت النزول قال تعالى : { وهموا بإخراج الرسول } ( التوبة : 13 ) . و { ~~المؤمنون } معطوف على { الرسول } ، والوقف عليه . # والمؤمنون هنا لقب للذين استجابوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلذلك ~~كان في جعله فاعلا لقوله : { آمن } فائدة ، مع أنه لا فائدة في قولك : قام ~~القائمون . # وقوله : { كل آمن بالله } جمع بعد التفصيل ، وكذلك شأن ( كل ) إذا جاءت ~~بعد ذكر متعدد في حكم ، ثم إرادة جمعه في ذلك ، كقول الفضل بن عباس اللهبي ~~، بعد أبيات : # كل له نية في ms1451 بغض صاحبه # بنعمة الله نقليكم وتقلونا # وإذ كانت ( كل ) من الأسماء الملازمة الإضافة فإذا حذف المضاف إليه نونت ~~تنوين عوض عن مفرد كما نبه عليه ابن مالك في ( التسهيل ) . ولا يعكر عليه ~~أن ( كل ) اسم معرب لأن التنوين قد يفيد الغرضين فهو من استعمال الشيء في ~~معنييه . فمن جوز أن يكون عطف { المؤمنون } عطف جملة وجعل { المؤمنون } ~~مبتدأ وجعل { كل } مبتدأ ثانيا { وآمن } خبره ، فقد شذ عن الذوق العربي . # وقرأ الجمهور { وكتبه } بصيغة جمع كتاب ، وقرأه حمزة ، والكسائي : وكتابه ~~، بصيغة المفرد على أن المراد القرآن أو جنس الكتاب . فيكون مساويا لقوله : ~~{ وكتبه } ، إذ المراد الجنس ، والحق أن المفرد والجمع سواء في إرادة الجنس ~~، ألا تراهم يقولون : PageV03P132 إن الجمع في مدخول أل الجنسية صوري ، ~~ولذلك يقال : إذا دخلت أل الجنسية على جمع أبطلت منه معنى الجمعية ، فكذلك ~~كل ما أريد به الجنس كالمضاف في هاتين القراءتين ، والإضافة تأتي لما تأتي ~~له اللام ، وعن ابن عباس أنه قال ، لما سئل عن هذه القراءة : ( كتابه أكثر ~~من كتبه أو الكتاب أكثر من الكتب ) فقيل أراد أن تناول المفرد المراد به ~~الجنس أكثر من تناول الجمع حين يراد به الجنس ، لاحتمال إرادة جنس الجموع ، ~~فلا يسري الحكم لما دون عدد الجمع من أفراد الجنس ، ولهذا قال صاحب ( ~~المفتاح ) ( استغراق المفرد أشمل من استغراق الجمع ) . والحق أن هذا لا ~~يقصده العرب في نفي الجنس ولا في استغراقه في الإثبات . وأن كلام ابن عباس ~~إن صح نقله عنه فتأويله أنه أكثر لمساواته له معنى ، مع كونه أخصر لفظا ، ~~فلعله أراد بالأكثر معنى الأرجح والأقوى . # وقوله : { لا نفرق بين أحد من رسله } قرأه الجمهور بنون المتكلم المشارك ~~، وهو يحتمل الالتفات : بأن يكون من مقول قول محذوفف دل عليه السياق وعطف { ~~وقالوا } عليه . أو النون فيه للجلالة أي آمنوا في حال أننا أمرناهم بذلك ، ~~لأننا لا نفرق فالجملة معترضة . وقيل : هو مقول لقول محذوف دل عليه آمن ؛ ~~لأن الإيمان اعتقاد وقول . وقرأه يعقوب بالياء : على أن الضمير عائد ms1452 على { ~~كل آمن بالله } . # والتفريق هنا أريد به التفريق في الإيمان به والتصديق : بأن يؤمن ببعض ~~ويكفر ببعض . # وقوله : { لا نفرق بين أحد من رسله } تقدم الكلام على نظيره عند قوله ~~تعالى : { لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون } ( البقرة : 136 ) . # { وقالوا سمعنا وأطعنا } عطف على { آمن الرسول } والسمع هنا كناية عن ~~الرضا ، والقبول ، والامتثال ، وعكسه لا يسمعون أي لا يطيعون وقال النابغة ~~: # تناذرها الراقون من سوء سمعها PageV03P133 # أي عدم امتثالها للرقيا . والمعنى : إنهم آمنوا ، واطمأنوا وامتثلوا ، ~~وإنما جيء بلفظ الماضي ، دون المضارع ، ليدلوا على رسوخ ذلك ؛ لأنهم أرادوا ~~إنشاء القبول والرضا ، وصيغ العقود ونحوها تقع بلفظ الماضي نحو بعت . # وغفرانك نصب على المفعول المطلق : أي اغفر غفرانك ، فهو بدل من فعله . ~~والمصير يحتمل أن يكون حقيقة فيكون اعترافا بالبعث ، وجعل منتهيا إلى الله ~~لأنه منته إلى يوم ، أو عالم ، تظهر فيه قدرة الله بالضرورة . ويحتمل أنه ~~مجاز عن تمام الامتثال والإيمان . كأنهم كانوا قبل الإسلام آبقين ، ثم ~~صاروا إلى الله ، وهذا كقوله تعالى : { ففروا إلى الله } ( الذاريات : 50 ) ~~. وجعل المصير إلى الله تمثيلا للمصير إلى أمره ونهيه : كقوله : { ووجد ~~الله عنده فوفاه حسابه } ( النور : 39 ) وتقديم المجرور لإفادة الحصر : أي ~~المصير إليك لا إلى غيرك ، وهو قصر حقيقي قصدوا به لازم فائدته ، وهو أنهم ~~عالمون بأنهم صائرون إليه ، ولا يصيرون إلى غيره ممن يعبدهم أهل الضلال . # # | 2 ( 286 ) { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ~~ربنا لا تؤاخذنآ إن نسينآ أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينآ إصرا كما حملته ~~على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا ~~وارحمنآ أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين } . ) 2 # الأظهر أنه من كلام الله تعالى ، لا من حكاية كلام الرسول والمؤمنين ، ~~فيكون اعتراضا ين الجمل المحكية بالقول ، وفائدته إظهار ثمرة الإيمان ، ~~والتسليم ، والطاعة ، فأعلمهم الله بأنه لم يجعل عليهم في هذا الدين ~~التكليف بما فيه مشقة ، وهو مع ذلك ms1453 تبشير باستجابة دعوتهم الملقنة ، أو ~~التي ألهموها : وهي ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ~~لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنآ إن نسينآ أو أخطأنا ربنا ولا ~~تحمل علينآ إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة ~~لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنآ أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين ~~} إلى قوله { ما لا طاقة لنا به } قبل أن يحكي دعواتهم تلك . # ويجوز أن يكون من كلام الرسول والمؤمنين ، كأنه تعليل لقولهم سمعنا ~~وأطعنا أي علمنا تأويل قول ربنا : { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه } ( ~~البقرة : 284 ) بأنه يدخلها المؤاخذة بما في الوسع ، مما أبدى وما أخفى ، ~~وهو ما يظهر له أثر في الخارج اختيارا ، أو يعقد عليه القلب ، ويطمئن به ، ~~إلا أن قوله : { لها ما كسبت } إلخ يبعد هذا ؛ إذ لا قبل لهم بإثبات ذلك . ~~PageV03P134 # فعلى أنه من كلام الله فهو نسخ لقوله : { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو ~~تخفوه } وهذا مروي في ( صحيح مسلم ) عن أبي هريرة وابن عباس أنه قال : لما ~~نزلت { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } ( البقرة : 284 ~~) اشتد ذلك على أصحاب رسول الله فأتوه وقالوا : لا نطيقها ، فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم قولوا : ( سمعنا وأطعنا وسلمنا ) فألقى الله الإيمان في ~~قلوبهم ، فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى فأنزل : { لا يكلف الله نفسا إلا ~~وسعها } ، وإطلاق النسخ على هذا اصطلاح للمتقدمين ، والمراد البيان ~~والتخصيص لأن الذي تطمئن له النفس : أن هذه الآيات متتابعة النظم ، ومع ذلك ~~يجوز أن تكون نزلت منجمة ، فحدث بين فترة نزولها ما ظنه بعض المسلمين حرجا ~~. # والوسع في القراءة بضم الواو ، في كلام العرب مثلث الواو وهو الطاقة ~~والاستطاعة ، والمراد به هنا ما يطاق ويستطاع ، فهو من إطلاق المصدر وإرادة ~~المفعول . والمستطاع هو ما اعتاد الناس قدرتهم على أن يفعلوه إن توجهت ~~إرادتهم لفعله مع السلامة وانتفاء الموانع . # وهذا دليل على عدم وقوع ms1454 التكليف بما فوق الطاقة في أديان الله تعالى ~~لعموم ( نفسا ) في سياق النفي ، لأن الله تعالى ما شرع التكليف إلا للعمل ~~واستقامة أحوال الخلق ، فلا يكلفهم ما لا يطيقون فعله ، وما ورد من ذلك فهو ~~في سياق العقوبات ، هذا حكم عام في الشرائع كلها . # وامتازت شريعة الإسلام باليسر والرفق ، بشهادة قوله تعالى : { وما جعل ~~عليكم في الدين من حرج } ( الحج : 78 ) وقوله : { يريد الله بكم اليسر ولا ~~يريد بكم العسر } ، ولذلك كان من قواعد الفقه العامة ( المشقة تجلب التيسير ~~) . وكانت المشقة مظنة الرخصة ، وضبط المشاق المسقطة للعبادة مذكور في ~~الأصول ، وقد أشبعت القول فيه في كتابي المسمى ( مقاصد الشريعة ) وما ورد ~~من التكاليف الشاقة فأمر نادر ، في أوقات الضرورة ، كتكليف الواحد من ~~المسلمين بالثباتت للعشرة من المشركين ، في أول الإسلام ، وقلة المسلمين . # وهذه المسألة هي المعنونة في كتب الأصلين بمسألة التكليف بالمحال ، ~~والتكليف بما لا يطاق ، وهي مسألة أرنت بها كتب الأشاعرة والمعتزلة ، ~~واختلفوا فيها اختلافا PageV03P135 شهيرا ، دعا إليه التزام الفريقين ~~للوازم أصولهم وقواعدهم فقالت الأشاعرة : يجوز على الله تكليف ما لا يطاق ~~بناء على قاعدتهم في نفي وجوب الصلاح على الله ، وأن ما يصدر منه تعالى كله ~~عدل لأنه مالك العباد ، وقاعدتهم في أنه تعالى يخلق ما يشاء ، وعلى قاعدتهم ~~في أن ثمرة التكليف لا تختص بقصد الامتثال بل قد تكون لقصد التعجيز ~~والابتلاء وجعل الامتثال علامة على السعادة ، وانتفائه علامة على الشقاوة ، ~~وترتب الإثم لأن لله تعالى إثابة العاصي ، وتعذيب المطيع ، فبالأولى تعذيب ~~من يأمره بفعل مستحيل ، أو متعذر ، واستدلوا على ذلك بحديث تكليف المصور ~~بنفخ الروحح في الصورة وما هو بنافخ ، وتكليف الكاذب في الرؤيا بالعقد بين ~~شعيرتين وما هو بفاعل . ولا دليل فيه لأن هذا في أمور الآخرة ، ولأنهما ~~خبرا آحاد لا تثبت بمثلها أصول الدين . وقالت المعتزلة : يمتنع التكليف بما ~~لا يطاق بناء على قاعدتهم في أنه يجب الله فعل الصلاح ونفي الظلم عنه ، ~~وقاعدتهم في أنه تعالى لا يخلق المنكرات من الأفعال ، وقاعدتهم في ms1455 أن ثمرة ~~التكليف هو الامتثال وإلا لصار عبثا وهو مستحيل على الله ، وأن الله يستحيل ~~عليه تعذيب المطيع وإثابة العاصي . # واستدلوا بهذه الآية ، وبالآيات الدالة على أصولها : مثل { ولا يظلم ربك ~~أحدا } ( الكهف : 49 ) { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } ( الإسراء : 15 ) ~~{ قل إن الله لا يأمر بالفحشاء } ( الأعراف : 28 ) إلخ . # والتحقيق أن الذي جر إلى الخوض في المسألة هو المناظرة في خلق أفعال ~~العباد ، ؛ فإن الأشعري لما نفى قدرة العبد ، وقال بالكسب ، وفسره بمقارنة ~~قدرة العبد لحصول المقدور دون أن تكون قدرته مؤثرة فيه ، ألزمهم المعتزلة ~~القول بأن الله كلف العباد بما ليس في مقدورهم ، وذلك تكليف بما لا يطاق ، ~~فالتزم الأشعري ذلك ، وخالف إمام الحرمين والغزالي الأشعري في جواز تكليف ~~ما لا يطاق والآية لا تنهض حجة على كلا الفريقين في حكم إمكان ذلك . # ثم اختلف المجوزون : هل هو واقع ، وقد حكى القرطبي الإجماع على عدم ~~الوقوع وهو الصواب في الحكاية ، وقال إمام الحرمين في ( البرهان ) : ( ~~والتكاليف كلها عند الأشعري من التكليف بما لا يطاق ، لأن المأمورات كلها ~~متعلقة بأفعال هي عند الأشعري غير مقدورة للمكلف ، فهو مأمور بالصلاة وهو ~~لا يقدر عليها ، وإنما PageV03P136 يقدره الله تعالى عند إرادة الفعل مع ~~سلامة الأسباب والآلات ) وما ألزمه إمام الحرمين الأشعري إلزام باطل ؛ لأن ~~المراد بما لا يطاق ما لا تتعلق به قدرة العبد الظاهرة ، المعبر عنها ~~بالكسب ، للفرق البين بين الأحوال الظاهرة ، وبين الحقائق المستورة في نفس ~~الأمر ، وكذلك لا معنى لإدخال ما علم الله عدم وقوعه ، كأمر أبي جهل ~~بالإيمان مع علم الله بأنه لا يؤمن ، في مسألة التكليف بما لا يطاق ، أو ~~بالمحال ؛ لأن علم الله ذلك لم يطلع عليه أحد . وأورد عليه أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم دعا أبا لهب إلى الإسلام وقد علم الله أنه لا يسلم لقوله ~~تعالى : { تبت يدا أبي لهب وتب إلى قوله سيصلى نارا ذات لهب } ( المسد : 1 ~~، 3 ) فقد يقال : إنه بعد نزول هذه الآية لم يخاطب بطلب الإيمان ms1456 وإنما خوطب ~~قبل ذلك ، وبذلك نسلم من أن نقول : إنه خارج عن الدعوة ، ومن أن نقول : إنه ~~مخاطب بعد نزول الآية . # وهذه الآية تقتضي عدم وقوع التكليف بما لا يطاق في الشريعة ، بحسب ~~المتعارف في إرادة البشر وقدرهم ، دون ما هو بحسب سر القدر ، والبحث عن ~~حقيقة القدرة الحادثة ، نعم يؤخذ منها الرد على الجبرية . # وقوله : { لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } حال من ( نفسا ) لبيان كيفية ~~الوسع الذي كلفت به النفس : وهو أنه إن جاءت بخير كان نفعه لها وإن جاءت ~~بشر كان ضره عليها . وهذا التقسيم حاصل من التعليق بواسطة ( اللام ) مرة ~~وبواسطة ( على ) أخرى . وأما كسبت واكتسبت فبمعنى واحد في كلام العرب ؛ لأن ~~المطاوعة في اكتسب ليست على بابها ، وإنما عبر هنا مرة بكسبت وأخرى باكتسبت ~~تفننا وكراهية إعادة الكلمة بعينها ، كما فعل ذو الرمة في قوله : # ومطعمم الصيد هبال لبغيته # ألفى أباه بذاك الكسب مكتسبا # وقول النابغة : # فحملت برة واحتملت فجار # وابتدىء أولا بالمشهور الكثير ، ثم أعيد بمطاوعه ، وقد تكون ، في اختيار ~~الفعل الذي أصله دال على المطاوعة ، إشارة إلى أن الشرور يأمر بها الشيطان ~~، فتأتمر PageV03P137 النفس وتطاوعه وذلك تبغيض من الله للناس في الذنوب . ~~واختير الفعل الدال على اختيار النفس للحسنات ، إشارة إلى أن الله يسوق ~~إليها الناس بالفطرة ، ووقع في ( الكشاف ) أن فعل المطاوعة لدلالته على ~~الاعتمال ، وكان الشر مشتهى للنفس ، فهي تجد تحصيله ، فعبر عن فعلها ذلك ~~بالاكتساب . # والمراد بما اكتسبت الشرور ، فمن أجل ذلك ظن بعض المفسرين أن الكسب هو ~~اجتناء الخير ، والاكتساب هو اجتناء الشر ، وهو خلاف التحقيق ؛ ففي القرآن ~~{ ولا تكسب كل نفس إلا عليها } ( الأنعام : 164 ) ثم قيل للذين ظلموا { ~~ذوقوا عذاب الخلد هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون } ( يونس : 52 ) وقد قيل : ~~إن اكتسب إذا اجتمع مع كسب خص بالعمل الذي فيه تكلف . لكن لم يرد التعبير ~~باكتسبت في جانب فعل الخير . # وفي هذه الآية مأخذ حسن لأبي الحسن الأشعري في تسميته استطاعة العبد كسبا ~~واكتسابا ؛ فإن الله ms1457 وصف نفسه بالقدرة . ولم يصف العباد بالقدرة ، ولا أسند ~~إليهم فعل قدر وإنما أسند إليهم الكسب ، وهو قول يجمع بين المتعارضات ويفي ~~بتحقيق إضافة الأفعال إلى العباد ، مع الأدب في عدم إثبات صفة القدرة ~~للعباد ، وقد قيل : إن أول من استعمل كلمة الكسب هو الحسين بن محمد النجار ~~، رأس الفرقة النجارية من الجبرية ، كان معاصرا للنظام في القرن الثالث ، ~~ولكن اشتهر بها أبو الحسن الأشعري حتى قال الطلبة في وصف الأمر الخفي : ( ~~أدق من كسب الأشعري ) . # وتعريف الكسب ، عند الأشعري : هو حالة للعبد يقارنها خلق الله فعلا ~~متعلقا بها . وعرفه الإمام الرازي بأنه صفة تحصل بقدرة العبد لفعله الحاصل ~~بقدرة الله . وللكسب تعاريف أخر . # وحاصل معنى الكسب ، وما دعا إلى إثباته : هو أنه لما تقرر أن الله قادر ~~على جميع الكائنات الخارجة عن اختيار العبد ، وجب أن يقرر عموم قدرته على ~~كل شيء لئلا تكون قدرة الله غير متسلطة على بعض الكائنات ، إعمالا للأدلة ~~الدالة على أن الله على كل شيء قدير ، وأنه خالق كل شيء ، وليس لعموم هذه ~~الأدلة دليل يخصصه ، فوجب إعمال هذا العموم . ثم إنه لما لم يجز أن يدعى ~~كون العبد مجبورا على أفعاله ، للفرق الضروري بين الأفعال الاضطرارية ، ~~كحركة المرتعش ، والأفعالل الاختيارية ، PageV03P138 كحركة الماشي والقاتل ~~، ورعيا لحقية التكاليف الشرعية للعباد لئلا يكون التكليف عبثا ، ولحقية ~~الوعد والوعيد لئلا يكون باطلا ، تعين أن تكون للعبد حالة تمكنه من فعل ما ~~يريد فعله ، وتركك ما يريد تركه ، وهي ميله إلى الفعل أو الترك ، فهذه ~~الحالة سماها الأشعري الاستطاعة ، وسماها كسبا . وقال : إنها تتعلق بالفعل ~~فإذا تعلقت به خلق الله الفعل الذي مال إليه على الصورة التي استحضرها ومال ~~إليها . # وتقديم المجرورين في الآية : لقصد الاختصاص ، أي لا يلحق غيرها شيء ولا ~~يلحقها شيء من فعل غيرها ، وكأن هذا إبطال لما كانوا عليه في الجاهلية : من ~~اعتقاد شفاعة الآلهة لهم عند الله . # وتمسك بهذه الآية من رأى أن الأعمال لا تقبل النيابة في الثواب والعقاب ، ~~إلا إذا كان ms1458 للفاعل أثر في عمل غيره ؛ ففي الحديث : ( إذا مات ابن آدم ~~انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية وعلم بثه في صدور الرجال ، وولد صالح ~~يدعو له ) وفي الحديث : ( ما من نفس تقتل ظلما إلا كان على ابن آدم الأول ~~كفل من دمها ذلك لأنه أول من سن القتل ) وفي الحديث : ( من سن سنة حسنة فله ~~أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر ~~من عمل بها إلى يوم القيامة ) . # { ربنا لا تؤاخذنآ إن نسينآ أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينآ إصرا كما ~~حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا ~~واغفر لنا وارحمنآ أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين } . # يجوز أن يكون هذا الدعاء محكيا من قول المؤمنين : الذين قالوا : { سمعنا ~~وأطعنا } ( البقرة : 285 ) ، بأن اتبعوا القبول والرضا ، فتوجهوا إلى طلب ~~الجزاء ومناجاة الله تعالى . واختيار حكاية هذا عنهم في آخر السورة تكملة ~~للإيذان بانتهائها . ويجوز أن يكون تلقينا من جانب الله تعالى إياهم : بأن ~~يقولوا هذا الدعاء ، مثل ما لقنوا التحميد في سورة الفاتحة فيكون ~~PageV03P139 التقدير ، قولوا : { ربنا لا تؤاخذنا } إلى آخر السورة ؛ إن ~~الله بعد أن قرر لهم أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها ، لقنهم مناجاة بدعوات هي ~~من آثار انتفاء التكليف بما ليس في الوسع . والمراد من الدعاء به طلب ~~الدوام على ذلك لئلا ينسخ ذلك من جراء غضب الله كما غضب على الذين قال فيهم ~~: { فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم } ( النساء : 160 ) . # والمؤاخذة مشتقة من الأخذ بمعنى العقوبة ، كقوله : { وكذلك أخذ ربك إذا ~~أخذ القرى وهي ظالمة } ( هود : 102 ) والمفاعلة فيه للمبالغة أي لا تأخذنا ~~بالنسيان والخطأ . # والمراد ما يترتب على النسيان والخطأ من فعل أو ترك لا يرضيان الله تعالى ~~. # فهذه دعوة من المؤمنين دعوها قبل أن يعلموا أن الله رفع عنهم ذلك بقوله : ~~{ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } وقول رسول الله صلى الله عليه ms1459 وسلم ( رفع ~~عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ) وفي رواية : ( وضع ) رواه ابن ~~ماجه وتكلم العلماء في صحته ، وقد حسنه النووي ، وأنكره أحمد ، ومعناه صحيح ~~في غير ما يرجع إلى الخطاب الوضع . فالمعنى رفع الله عنهم المؤاخذة فبقيت ~~المؤاخذة بالإتلاف والغرامات ولذلك جاء في هذه الدعوة ( لا تؤاخذنا ) أي لا ~~تؤاخذنا بالعقاب على فعل : نسيانن أو خطأ ، فلا يرد إشكال الدعاء بما علم ~~حصوله ، حتى نحتاج إلى تأويل الآية بأن المراد بالنسيان والخطأ سببهما وهو ~~التفريط والإغفال كما في ( الكشاف ) . # وقوله : { ربنا ولا تحمل علينا إصرا } إلخ فصل بين الجملتين المتعاطفتين ~~، بإعادة النداء ، مع أنه مستغنى عنه : لأن مخاطبة المنادى مغنية عن إعادة ~~النداء لكن قصد من إعادته إظهار التذلل . والحمل مجاز في التكليف بأمر شديد ~~يثقل على النفس ، وهو مناسب لاستعارة الإصر . # وأصل معنى الإصر ما يؤصر به أي يربط ، وتعقد به الأشياء ، ويقال له : ~~الإصار بكسر الهمزة ثم استعمل مجازا في العهد والميثاق المؤكد فيما يصعب ~~الوفاء به ، ومنه قوله في آل عمران ( 81 ) : { قال آقررتم وأخذتم على ذلكم ~~إصري وأطلق أيضا على ما يثقل عمله ، والامتثال فيه ، وبذلك فسره الزجاج ~~والزمخشري هنا وفي قوله ، في PageV03P140 سورة الأعراف ( 157 ) : ويضع عنهم ~~إصرهم وهو المقصود هنا ، ومن ثم حسنت استعارة الحمل للتكليف ، لأن الحمل ~~يناسب الثقل فيكون قوله : ولا تحمل } ترشيحا مستعارا لملائم المشبه به وعن ~~ابن عباس : { ولا تحمل علينا إصرا } عهدا لا نفي به ، ونعذب بتركه ونقضه ) ~~. # وقوله : { كما حملته على الذين من قبلنا } صفة ل { إصرا } أي عهدا من ~~الدين ، كالعهد الذي كلف به من قبلنا في المشقة ، مثل ما كلف به بعض الأمم ~~الماضية من الأحكام الشاقة مثل أمر بني إسرائيل بتيه أربعين سنة ، وبصفات ~~في البقرة التي أمروا بذبحها نادرة ونحو ذلك ، وكل ذلك تأديب لهم على ~~مخالفات ، وعلى قلة اهتبال بأوامر الله ورسوله إليهم ، قال تعالى في صفة ~~محمد صلى الله عليه وسلم ( ويضع عنهم إصرهم ) . # وقوله : { ربنا ولا تحملنا ما لا ms1460 طاقة لنا به } أي ما لا نستطيع حمله من ~~العقوبات . والتضعيف فيه للتعدية . وقيل : هذا دعاء بمعافاتهم من التكاليف ~~الشديدة ، والذي قبله دعاء بمعافاتهم من العقوبات التي عوقبت بها الأمم . ~~والطاقة في الأصل الإطاقة خففت بحذف الهمزة كما قالوا : جابة وإجابة وطاعة ~~وإطاعة . # والقول في هذين الدعاءين كالقول في قوله : { ربنا لا تؤاخذنا } . # وقوله : { واعف عنا واغفر لنا } لم يؤت مع هذه الدعوات بقوله ربنا ، إما ~~لأنه تكرر ثلاث مرات ، والعرب تكره تكرير اللفظ أكثر من ثلاث مرات إلا في ~~مقام التهويل ، وإما لأن تلك الدعوات المقترنة بقوله : { ربنا } فروع لهذه ~~الدعوات الثلاث ، فإذا استجيب تلك حصلت إجابة هذه بالأولى ؛ فإن العفو أصل ~~لعدم المؤاخذة ، والمغفرة أصل لرفع المشقة والرحمة أصل لعدم العقوبة ~~الدنيوية والأخروية ، فلما كان تعميما بعد تخصيص ، كان كأنه دعاء واحد . # وقوله : { أنت مولانا } فصله لأنه كالعلة للدعوات الماضية : أي دعوناك ~~ورجونا منك ذلك لأنك مولانا ، ومن شأن المولى الرفق بالمملوك ، وليكون هذا ~~أيضا كالمقدمة للدعوة الآتية . PageV03P141 # وقوله : { فانصرنا على القوم الكافرين } جيء فيه بالفاء للتفريع عن كونه ~~مولى ، لأن شأن المولى أن ينصر مولاه ، ومن هنا يظهر موقع التعجيب والتحسير ~~في قول مرة بن عداء الفقعسي : # رأيت موالي الألى يخذلونني # على حدثانن الدهر إذ يتقلب # وفي التفريع بالفاء إيذان بتأكيد طلب إجابة الدعاء بالنصر ، لأنهم جعلوه ~~مرتبا على وصف محقق ، وهو ولاية الله تعالى المؤمنين ، قال تعالى : { الله ~~ولي الذين آمنوا } ( البقرة : 257 ) وفي حديث يوم أحد لما قال أبو سفيان : ~~( لنا العزى ولا عزى لكم ) قال النبي صلى الله عليه وسلم أجيبوه ( الله ~~مولانا ولا مولى لكم ) . ووجه الاهتمام بهذه الدعوة أنها جامعة لخيري ~~الدنيا والآخرة ؛ لأنهم إذا نصروا على العدو ، فقد طاب عيشهم وظهر دينهم ، ~~وسلموا من الفتنة ، ودخل الناس فيه أفواجا . # وفي ( الصحيح ) ، عن أبي مسعود الأنصاري البدري : أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال : ( من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة ، في ليلة ، كفتاه ) ~~وهما من قوله تعالى : { آمن الرسول بما ms1461 أنزل إليه من ربه } إلى آخر السورة ~~. قيل معناه كفتاه عن قيام الليل ، فيكون معنى من قرأ من صلى بهما ، وقيل ~~معناه كفتاه بركة وتعوذا من الشياطين والمضار ، ولعل كلا الاحتمالين مراد . # PageV03P142 # | 1 ( سورة آل عمران ) 1 # سميت هذه السورة في كلام النبي صلى الله عليه وسلم وكلام الصحابة : سورة ~~آل عمران ، ففي ( صحيح مسلم ) ، عن أبي أمامة : قال سمعت رسول الله يقول : ~~( اقرأوا الزهراوين : البقرة وآل عمران ) وفيه عن النواس بن سمعان : قال ~~سمعت النبي يقول : ( يؤتى بالقرآن يوم القيامة تقدمه سورة البقرة وآل عمران ~~) وروى الدارمي في ( مسنده ) : أن عثمان بن عفان قال : ( من قرأ سورة آل ~~عمران في ليلة كتب له قيام ليلة ) وسماها ابن عباس . في حديثه في ( الصحيح ~~) . قال : ( بت في بيت رسول الله فنام رسول الله حتى إذا كان نصف الليل أو ~~قبله بقليل أو بعده بقليل استيقظ رسول الله فقرأ الآيات من آخر سورة آل ~~عمران ) . ووجه تسميتها بسورة آل عمران أنها ذكرت فيها فضائل آل عمران وهو ~~عمران بن ماتان أبو مريم وءاله هم زوجه حنة وأختها زوجة زكرياء النبي . ~~وزكرياء كافل مريم إذ كان أبوها عمران توفي وتركها حملا فكفلها زوج خالتها ~~. # ووصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالزهراء في حديث أبي أمامة المتقدم ~~. # وذكر الألوسي أنها تسمى : الأمان ، والكنز ، والمجادلة ، وسورة الاستغفار ~~. ولم أره لغيره ، ولعله اقتبس ذلك من أوصاف وصفت بها هذه السورة مما ساقه ~~القرطبي ، في المسألة الثالثة والرابعة ، من تفسير أول السورة . # وهذه السورة نزلت بالمدينة بالاتفاق ، بعد سورة البقرة ، فقيل : إنها ~~ثانية لسورة البقرة على أن البقرة أول سورة نزلت بالمدينة ، وقيل : نزلت ~~بالمدينة سورة المطففين أولا ، ثم البقرة ، ثم نزلت سورة آل عمران ، ثم ~~نزلت الأنفال في وقعة بدر ، وهذا يقتضي : أن سورة آل عمران نزلت قبل وقعة ~~بدر ، للاتفاق على أن الأنفال نزلت في PageV03P143 وقعة بدر ، ويبعد ذلك أن ~~سورة آل عمران اشتملت على التذكير بنصر المسلمين يوم بدر ، وأن فيها ذكر ~~يوم ms1462 أحد ، ويجوز أن يكون بعضها نزل متأخرا . وذكر الواحدي في أسباب النزول ~~، عن المفسرين : أن أول هذه السورة إلى قوله : { ونحن له مسلمون } ( آل ~~عمران : 84 ) نزل بسبب وقد نجران ، هو وفد السيد والعاقب ، أي سنة اثنتين ~~من الهجرة ، ومن العلماء من قالوا : نزلت سورة آل عمران بعد سورة الأنفال ، ~~وكان نزولها في وقعة أحد ، أي شوال سنة ثلاث ، وهذا وأقرب ، فقد اتفق ~~المفسرون على أن قوله تعالى : { وإذ غدوت من أهلك تبوىء المؤمنون مقاعد ~~للقتال } ( آل عمران : 121 ) أنه قتال يوم أحد . وكذلك قوله : { وما محمد ~~إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم } ( آل ~~عمران : 144 ) فإنه مشير إلى الإرجاف يوم أحد بقتل النبي صلى الله عليه ~~وسلم # ويجوز أن يكون أولها نزل بعد البقرة إلى نهاية ما يشير إلى حديث وفد ~~نجران ، وذلك مقدار ثمانين آية من أولها إلى قوله : { وإذ غدوت من أهلك } ( ~~آل عمران : 121 ) قاله القرطبي في أول السورة ، وفي تفسير قوله : { ما كان ~~لبشر أن يؤتيه الله الكتاب } ( آل عمران : 79 ) الآية . وقد تقدم القول في ~~صدر سورة الفاتحة : إننا بينا إمكان تقارن نزول سور عدة في مدة واحدة ، ~~فليس معنى قولهم : نزلت سورة كذا بعد سورة كذا ، مرادا منه أن المعدودة ~~نازلة بعد أخرى أنها ابتدىء نزولها بعد انتهاء الأخرى ، بل المراد أنها ~~ابتدىء نزولها بعد ابتداء نزول التي سبقتها . # وقد عدت هذه السورة الثامنة والأربعين في عداد نزول سور القرآن . # وعدد آيها مائتان في عد الجمهور وعددها عند أهل العدد بالشام مائة وتسع ~~وتسعون . # واشتملت هذه السورة ، من الأغراض : على الابتداء بالتنويه بالقرآن ، ~~ومحمد صلى الله عليه وسلم وتقسيم آيات القرآن ، ومراتب الأفهام في تلقيها ، ~~والتنويه بفضيلة الإسلام وأنه لا يعدله دين ، وأنه لا يقبل دين عند الله ، ~~بعد ظهور الإسلام ، غير الإسلام ، والتنويه بالتوراة والإنجيل ، والإيماء ~~إلى أنهما أنزلا قبل القرآن ، تمهيدا لهذا الدين فلا يحق للناس ، أن يكفروا ~~به ، وعلى التعريف بدلائل إلاهية ms1463 الله تعالى ، وانفراده ، وإبطال ضلالة ~~الذين اتخذوا آلهة من دون الله : من جعلوا له PageV03P144 شركاء ، أو ~~اتخذوا له أبناء ، وتهديد المشركين بأن أمرهم إلى زوال ، وألا يغرهم ما هم ~~فيه من البذخ ، وأن ما أعد للمؤمنين خير من ذلك ، وتهديدهم بزوال سلطانهم ، ~~ثم الثناء على عيسى عليه السلام وآل بيته ، وذكر معجزة ظهوره ، وأنه مخلوق ~~لله ، وذكر الذين آمنوا به حقا . وإبطال إلاهية عيسى ، ومن ثم أفضى إلى ~~قضية وفد نجران ولجاجتهم ، ثم محاجة أهل الكتابين في حقيقة الحنيفية وأنهم ~~بعداء عنها ، وما أخذ الله من العهد على الرسل كلهم : أن يؤمنوا بالرسول ~~الخاتم ، وأن الله جعل الكعبة أول بيت وضع للناس ، وقد أعاد إليه الدين ~~الحنيف كما ابتدأه فيه ، وأوجب حجه على المؤمنين ، وأظهر ضلالات اليهود ، ~~وسوء مقالتهم ، وافترائهم في دينهم وكتمانهم ما أنزل إليهم . وذكر المسلمين ~~بنعمته عليهم بدين الإسلام ، وأمرهم بالاتحاد والوفاق ، وذكرهم بسابق سوء ~~حالهم في الجاهلية ، وهون عليهم تظاهر معانديهم من أهل الكتاب والمشركين ، ~~وذكرهم بالحذر من كيدهم وكيد الذين أظهروا الإسلام ثم عادوا إلى الكفر ~~فكانوا مثلا لتمييز الخبيث من الطيب ، وأمرهم بالاعتزاز بأنفسهم ، والصبر ~~على تلقي الشدائد ، والبلاء ، وأذى العدو ، ووعدهم على ذلك بالنصر والتأييد ~~وإلقاء الرعب منهم في نفوس عدوهم ، ثم ذكرهم بيوم أحد ، ويوم بدر ، وضرب ~~لهم الأمثال بما حصل فيهما ، ونوه ، بشأن الشهداء من المسلمين ، وأمر ~~المسلمين بفضائل الأعمال : من بذل المال في مواساة الأمة ، والإحسان ، ~~وفضائل الأعمال ، وترك البخل ، ومذمة الربا وختمت السورة بآيات التفكير في ~~ملكوت الله . # وقد عملت أن سبب نزول هذه السورة قضية وفد نجران من بلاد اليمن . ووفد ~~نجران هم قوم من نجران بلغهم مبعث النبي صلى الله عليه وسلم وكان أهل نجران ~~متدينين بالنصرانية ، وهم من أصدق العرب تمسكا بدين المسيح ، وفيهم رهبان ~~مشاهير ، وقد أقاموا للمسيحية كعبة ببلادهم هي التي أشار إليها الأعشى حين ~~مدحهم بقوله : # فكعبة نجران حتم عليكك حتى تناخي بأبوابها # فاجتمع وفد منهم يرأسه العاقب فيه ستون رجلا واسمه عبد ms1464 المسيح ، وهو أمير ~~الوفد ، ومعه السيد واسمه الأيهم ، وهو ثمال القومم وولي تدبير الوفد ، ~~ومشيره وذو PageV03P145 الرأي فيه ، وفيهم أبو حارثة بن علقمة البكري ، وهو ~~أسقفهم وصاحب مدراسهم وولي دينهم ، وفيهم أخو أبي حارثة ، ولم يكن من أهل ~~نجران ، ولكنه كان ذا رتبة : شرفه ملوك الروم ومولوه . فلقوا النبي صلى ~~الله عليه وسلم وجادلهم في دينهم ، وفي شأن ألوهية المسيح ، فلما قامت ~~الحجة عليهم أصروا على كفرهم وكابروا ، فدعاهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~إلى المباهلة ، فأجابوا ثم استعظموا ذلك ، وتخلصوا منه ، ورجعوا إلى ~~أوطانهم ، ونزلت بضع وثمانون آية من أول هذه السورة في شأنهم كما في ( سيرة ~~ابن هشام ) عن ابن إسحاق . وذكر ذلك الواحدي والفخر ، فمن ظن من أهل السير ~~أن وفد نجران وفدوا في سنة تسع فقد وهم وهما انجر إليه من اشتهار سنة تسع ~~بأنها سنة الوفود . والإجماع على أن سورة آل عمران من أوائل المدنيات ، ~~وترجيح أنها نزلت في وفد نجران يعينان أن وفد نجران كان قبل سنة الوفود . # $ 2 ( 1 ) { ال & # 1764 م & # 1764 } . ) 2 $ # لما كان أول أغراض هذه السورة ، الذي نزلت فيه ، هو قضية مجادلة نصارى ~~نجران حين وفدوا إلى المدينة ، وبيان فضل الإسلام على النصرانية ، لا جرم ~~افتتحت بحروف التهجي ، المرموز بها إلى تحدي المكذبين بهذا الكتاب ، وكان ~~الحظ الأوفر من التكذيب بالقرآن للمشركين منهم ، ثم للنصارى من العرب ؛ لأن ~~اليهود الذين سكنوا بلاد العرب فتكلموا بلسانهم لم يكونوا معدودين من أهل ~~اللسان ، ويندر فيهم البلغاء بالعربية مثل السموأل ، وهذا وما بعده إلى ~~قوله : { إن الله اصطفى ءادم ونوحا } ( آل عمران : 33 ) تمهيد لما نزلت ~~السورة بسببه وبراعة استهلال لذلك . # وتقدم القول في معاني { آلم } أول البقرة . # PageV03P146 $ 2 ( 2 4 ) { الله لا & # 1764 إلاه إلا هو الحى القيوم * نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين ~~يديه وأنزل التوراة والإنجيل * من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان إن الذين ~~كفروا بأيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام } . ) 2 $ # ابتدىء الكلام بمسند ms1465 إليه خبره فعلي : لإفادة تقوية الخبر اهتماما به . # وجيء بالاسم العلم : لتربية المهابة عند سماعه ، ثم أردف بجملة { لا إله ~~إلا هو } ، جملة معترضة أو حالية ، ردا على المشركين ، وعلى النصارى خاصة . ~~وأتبع بالوصفين { الحي القيوم } لنفي اللبس عن مسمى هذا الاسم ، والإيماء ~~إلى وجه انفراده بالإلاهية ، وأن غيره لا يستأهلها ؛ لأنه غير حي أو غير ~~قيوم ، فالأصنام لا حياة لها ، وعيسى في اعتقاد النصارى قد أميت ، فما هو ~~الآن بقيوم ولا هو في حال حياته بقيوم على تدبير العالم ، وكيف وقد أوذي في ~~الله ، وكذب ، واختفى من أعدائه . وقد مضى القول في معنى { الحي القيوم } ~~في تفسير آية الكرسي . # وقوله : { نزل عليك الكتاب } خبر عن اسم الجلالة . والخبر هنا مستعمل في ~~الامتنان ، أو هو تعريض ونكاية بأهل الكتاب : الذين أنكروا ذلك . وجيء ~~بالمسند فعلا لإفادة تقوية الخبر ، أو للدلالة مع ذلك على الاختصاص : أي ~~الله لا غيره نزل عليك الكتاب إبطالا لقول المشركين : إن القرآن من كلام ~~الشيطان ، أو من طرائق الكهانة ، أو يعلمه بشر . # والتضعيف في { نزل } للتعدية فهو يساوي الهمز في أنزل ، وإنما التضعيف ~~يؤذن بقوة الفعل في كيفيته أو كميته ، في الفعل المتعدي بغير التضعيف ، من ~~أجل أنهم قد أنوا ببعض الأفعال المتعدية ، للدلالة على ذلك ، كقولهم : فسر ~~وفسر ، وفرق وفرق ، وكسر وكسر ، كما أتوا بأفعال قاصرة بصيغة المضاعفة ، ~~دون تعدية للدلالة على قوة الفعل ، كما قالوا : مات وموت وصاح وصيح . فأما ~~إذا صار التضعيف للتعدية فلا أوقن بأنه يدل على تقوية الفعل ، إلا أن يقال ~~: إن العدول عن التعدية بالهمز ، إلى التعدية بالتضعيف ، لقصد ما عهد في ~~التضعيف من تقوية معنى الفعل ، فيكون قوله : PageV03P147 { نزل عليك الكتاب ~~} أهم من قوله : { وأنزل التوراة } للدلالة على عظم شأن نزول القرآن . وقد ~~بينت ذلك مستوفى في المقدمة الأولى من هذا التفسير ، ووقع في ( الكشاف ) ، ~~هنا وفي مواضع متعددة ، أن قال : إن نزل يدل على التنجيم وإن أنزل يدل على ~~أن الكتابين أنزلا جملة واحدة وهذا لا علاقة له ms1466 بمعنى التقوية المدعى للفعل ~~المضاعف ، إلا أن يعني أن نزل مستعمل في لازم التكثير ، وهو التوزيع ورده ~~أبو حيان بقوله تعالى : { وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة ~~واحدة } ( الفرقان : 32 ) فجمع بين التضعيف وقوله : { جملة واحدة . وأزيد ~~أن التوراة والإنجيل نزلا مفرقين كشأن كل ما ينزل على الرسل في مدة الرسالة ~~، وهو الحق : إذ لا يعرف أن كتابا نزل على رسول دفعة واحدة . والكتاب : ~~القرآن . والباء في قوله : بالحق } للملابسة ، ومعنى ملابسته للحق اشتماله ~~عليه في جميع ما يشتمل عليه من المعاني قال تعالى : { وبالحق أنزلناه ~~وبالحق نزل } ( الإسراء : 105 ) . # ومعنى { مصدقا لما بين يديه } أنه مصدق للكتب السابقة له ، وجعل السابق ~~بين يديه : لأنه يجيء قبله ، فكأنه يمشي أمامه . # والتوراة اسم للكتاب المنزل على موسى عليه السلام ، وهو اسم عبراني أصله ~~طورا بمعنى الهدي ، والظاهر أنه اسم للألواح التي فيها الكلمات العشر التي ~~نزلت على موسى عليه السلام في جبل الطور ؛ لأنها أصل الشريعة التي جاءت في ~~كتب موسى ، فأطق ذلك الاسم على جميع كتب موسى ، واليهود يقولون ( سفر طورا ~~) فلما دخل هذا الاسم إلى العربية أدخلوا عليه لام التعريف التي تدخل على ~~الأوصافف والنكرات لتصير أعلاما بالغلبة : مثل العقبة ، ومن أهل اللغة ~~والتفسير من حاولوا توجيها لاشتقاقه اشتقاقا عربيا ، فقالوا : إن مشتق من ~~الوري وهو الوقد ، بوزن تفعلة أو فوعلة ، وربما أقدمهم على ذلك أمران : ~~أحدهما دخول التعريف عليه ، وهو لا يدخل على الأسماء العجمية ، وأجيب بأن ~~لا مانع من دخولها على المعرب كما قالوا : الاسكندرية ، وهذا جواب غير صحيح ~~؛ لأن الإسكندرية وزن عربي ؛ إذ هو نسب إلى إسكندر ، فالوجه في الجواب أنه ~~إنما ألزم التعريف لأنه معرب عن اسم بمعنى الوصف اسمم علم فلما عربوه ~~ألزموه اللام لذلك . PageV03P148 # الثاني أنها كتبت في المصحف بالياء ، وهذا لم يذكروه في توجيه كونه عربيا ~~، وسبب كتابته كذلك الإشارة إلى لغة إمالته . # وأما الإنجيل فاسم للوحي الذي أوحي به إلى عيسى عليه السلام فجمعه أصحابه ~~. # وهو اسم معرب قيل ms1467 من الرومية وأصله ( إثانجيليوم ) أي الخبر الطيب ، ~~فمدلوله مدلول اسم الجنس ، ولذلك أدخلوا عليه كلمة التعريف في اللغة ~~الرومية ، فلما عربه العرب أدخلوا عليه حرف التعريف ، وذكر القرطبي عن ~~الثعلبي أن الإنجيل في السريانية وهي الآرامية ( أنكليون ) ولعل الثعلبي ~~اشتبه عليه الرومية بالسريانية ، لأن هذه الكلمة ليست سريانية وإنما لما ~~نطق بها نصارى العراق ظنها سريانية ، أو لعل في العبارة تحريفا وصوابها ~~اليونانية وهو في اليونانية ( أووانيليون ) أي اللفظ الفصيح . وقد حاول بعض ~~أهل اللغة والتفسير جعله مشتقا من النجل وهو الماء الذي يخرج من الأرض ، ~~وذلك تعسف أيضا . وهمزة الإنجيل مكسورة في الأشهر ليجري على وزن الأسماء ~~العربية ؛ لأن إفعيلا موجود بقلة مثل إبزيمم ، وربما نطق به بفتح الهمزة ، ~~وذلك لا نظير له في العربية . # و { من قبل } يتعلق { بأنزل } ، والأحسن أن يكون حالا أولى من التوراة ~~والإنجيل ، و ( هدى ) حال ثانية . والمضاف إليه قبل محذوف منوي معنى ، كما ~~اقتضاه بناء قبل على الضم ، والتقدير من قبل هذا الزمان ، وهو زمان نزول ~~القرآن . # وتقديم { من قبل } على { هدى للناس } للاهتمام به . وأما ذكر هذا القيد ~~فلكي لا يتوهم أن هدى التوراة والإنجيلل مستمر بعد نزول القرآن . وفيه ~~إشارة إلى أنها كالمقدمات لنزول القرآن ، الذي هو تمام مراد الله من البشر ~~{ إن الدين عند الله الإسلام } ( آل عمران : 19 ) فالهدى الذي سبقه غير تام ~~. # و { للناس } تعريفه إما للعهد : وهم الناس الذي خوطبوا بالكتابين ، وإما ~~للاستغراق العرفي : فإنهما وإن خوطب بهما ناس معروفون ، فإن ما اشتملا عليه ~~يهتدي به كل من أراد أن يهتدي ، وقد تهود وتنصر كثير ممن لم تشملهم دعوة ~~موسى وعيسى عليهما السلام ، ولا يدخل في العموم الناس الذين دعاهم محمد صلى ~~الله عليه وسلم لأن القرآن PageV03P149 أبطل أحكام الكتابين ، وأما كون شرع ~~من قبلنا شرعا لنا عند معظم أهل الأصول ، فذلك فيما حكاه عنهم القرآن لا ما ~~يوجد في الكتابين ، فلا يستقيم اعتبار الاستغراق بهذا الاعتبار بل بما ~~ذكرناه . # والفرقان في الأصل مصدر فرق كالشكران والكفران ms1468 والبهتان ، ثم أطلق على ما ~~يفرق به بين الحق والباطل قال تعالى : { وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان ~~} ( الأنفال : 41 ) وهو يوم بدر . وسمي به القرآن قال تعالى : { تبارك الذي ~~نزل الفرقان على عبده } ( الفرقان : 1 ) والمرادبالفرقان هنا القرآن ؛ لأنه ~~يفرق بين الحق والباطل ، وفي وصفه بذلك تفضيل لهديه على هدى التوراة ~~والإنجيل ؛ لأن التفرقة بين الحق والباطل أعظم أحوال الهدي ، لما فيها من ~~البرهان ، وإزالة الشبهة . وإعادة قوله : { وأنزل الفرقان } بعد قوله : { ~~نزل عليك الكتاب بالحق } للاهتمام ، وليوصل الكلام به في قوله : { إن الذين ~~كفروا بآيات الله } ( آل عمران : 4 ) الآية أي بآياته في القرآن . # { إن الذين كفروا بأيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام } . # استئناف بياني ممهد إليه بقوله : { نزل عليك الكتاب بالحق } لأن نفس ~~السامع تتطلع إلى معرفة عاقبة الذين أنكروا هذا التنزيل . # وشمل قوله : { الذين كفروا بآيات الله } المشركين واليهود والنصارى في ~~مرتبة واحدة ، لأن جميعهم اشتركوا في الكفر بالقرآن ، وهو المراد بآيات ~~الله هنا لأنه الكتاب الوحيد الذي يصح أن يوصف بأنه آية من آيات الله ؛ ~~لأنه معجزة . وعبر عنهم بالموصول إيجازا ؛ لأن الصلة تجمعهم ، والإيماء إلى ~~وجه بناء الخبر وهو قوله : { لهم عذاب شديد } . # وعطف قوله : { والله عزيز ذو انتقام } على قوله : { إن الذين كفروا بآيات ~~الله } لأنه من تكملة هذا الاستئناف : لمجيئه مجيء التبيين لشدة عذابهم ؛ ~~إذ هو عذاب عزيز منتقم كقوله : { فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر } ( القمر : 42 ) ~~. PageV03P150 # والعزيز تقدم عند قوله تعالى في سورة البقرة ( 209 ) : { فاعلموا أن الله ~~عزيز حكيم . # والانتقام : العقاب على الاعتداء بغضب ، ولذلك قيل للكاره : ناقم . وجيء ~~في هذا الوصف بكلمة ( ذو ) الدالة على الملك للإشارة إلى أنه انتقام عن ~~اختيار لإقامة مصالح العباد وليس هو تعالى مندفعا للانتقام بدافع الطبع أو ~~الحنق . # # | 2 ( 5 ) { إن الله لا يخفى عليه شىء في الارض ولا فى السمآء } . ) 2 # استئناف يتنزل منزلة البيان لوصف الحي لأن عموم العلم يبين كمال الحياة . ~~وجيء ب ( شيء ) هنا لأنه من الأسماء ms1469 العامة . # وقوله : { في الأرض ولا في السماء } قصد منه عموم أمكنة الأشياء ، ~~فالمراد من الأرض الكرة الأرضية : بما فيها من بحار ، والمراد بالسماء جنس ~~السماوات : وهي العوالم المتباعدة عن الأرض . وابتدىء في الذكر بالأرض ~~ليتسنى التدرج في العطف إلى الأبعد في الحكم ؛ لأن أشياء الأرض يعلم كثيرا ~~منها كثير من الناس ، أما أشياءالسماء فلا يعلم أحد بعضها فضلا عن علم ~~جميعها . # # | 2 ( 6 ) { هو الذي يصوركم في الارحام كيف يشآء لا إلاه إلا هو العزيز ~~الحكيم } . ) 2 # استئناف ثان يبين شيئا من معنى القيومية ، فهو كبدل البعض من الكل ، وخص ~~من بين شؤون القيومية تصوير البشر لأنه من أعجب مظاهر القدرة ؛ ولأن فيه ~~تعريضا بالرد على النصارى في اعتقادهم إلاهية عيسى من أجل أن الله صوره ~~بكيفية غير معتادة فبين لهم أن الكيفيات العارضة للموجودات كلها من صنع ~~الله وتصويره : سواء المعتاد ، وغير المعتاد . # { وكيف } هنا ليس فيها معنى الاستفهام ، بل هي دالة على مجد معنى الكيفية ~~؛ أي الحالة ، فهي هنا مستعملة في أصلها الموضوعة له في اللغة ؛ إذ لا ريب ~~في أن PageV03P151 ( كيف ) مشتملة على حروف مادة الكيفية ، والتكيف ، وهو ~~الحالة والهيئة ، وإن كان الأكثر في الاستعمال أن تكون اسم استفهام ، وليست ~~( كيف ) فعلا ؛ لأنها لا دلالة فيها على الزمان ، ولا حرفا لاشتمالها على ~~مادة اشتقاق . وقد تجيء ( كيف ) اسم شرط إذا اتصلت بها ما الزائدة وفي كل ~~ذلك لا تفارقها الدلالة على الحالة ، ولا يفارقها إيلاء الجملة الفعلية ~~إياها إلا ما شذ من قولهم : كيف أنت . فإذا كانت استفهاما فالجملة بعدها هي ~~المستفهم عنه فتكون معمولة للفعل الذي بعدها ، ملتزما تقديمها عليه ؛ لأن ~~للاستفهام الصدارة ، وإذا جردت عن الاستفهام كان موقعها من الإعراب على حسب ~~ما يطلبه الكلام الواقعة هي فيه من العوامل كسائر الأسماء . # وأما الجملة التي بعدها حينئذ فالأظهر أن تعتبر مضافا إليها اسم كيف ~~ويعتبر كيف من الأسماء الملازمة للإضافة . وجرى في كلام بعض أهل العربية أن ~~فتحة ( كيف ) فتحة بناء . # والأظهر عندي أن فتحة ms1470 كيف فتحة نصب لزمتها لأنها دائما متصلة بالفعل فهي ~~معمولة له على الحالية أو نحوها ، فلملازمة ذلك الفتح إياها أشبهت فتحة ~~البناء . # فكيف في قوله هنا { كيف يشاء } يعرب مفعولا مطلقا ( ليصوركم ) ، إذ ~~التقدير : حال تصوير يشاؤها كما قاله ابن هشام في قوله تعالى : { كيف فعل ~~ربك } ( الفجر : 6 ) . # وجوز صاحب ( المغني ) أن تكون شرطية ، والجواب محذوف لدلالة قوله : { ~~يصوركم } عليه وهو بعيد ؛ لأنها لا تأتي في الشرط إلا مقترنة بما . وأما ~~قول الناس : كيف شاء فعل فلحن . وكذلك جزم الفعل بعدها قد عد لحنا عند ~~جمهور أئمة العربية . # وذل تعريف الجزأين على قصر صفة التصوير عليه تعالى وهو قصر حقيقي لأنه ~~كذلك في الواقع ؛ إذ هو مكون أسباب ذلك التصوير وهذا إيماء إلى كشف شبة ~~النصارى إذ توهموا أن تخلق عيسى بدون ماء أب دليل على أنه غير بشر وأنه إله ~~وجهلوا أن التصوير في الأرحام وإن اختلفت كيفياته لا يخرج عن كونه خلقا لما ~~كان معدوما فكيف يكون ذلك المخلوق المصور في الرحم إلها . PageV03P152 # { لا إلاه إلا هو العزيز الحكيم } . # تذييل لتقرير الأحكام المتقدمة . وتقدم معنى العزيز الحكيم في قوله تعالى ~~: { فاعلموا أن الله عزيز حكيم } وفي افتتاح السورة بهذه الآيات براعة ~~استهلال لنزولها في مجادلة نصارى نجران ، ولذلك تكرر في هذا الطالع قصر ~~الإلهية على الله تعالى في قوله : { الله لا لا إلاه إلا هو } وقوله : { هو ~~الذي صوركم } وقوله : لا إلاه إلا هو . # $ 2 ( 7 ) { هو الذى & # 1764 أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما ~~الذين فى قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغآء الفتنة وابتغآء تأويله ~~وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون ءامنا به كل من عند ~~ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب } . ) 2 $ # استئناف ثالث بإخبار عن شأن من شؤون الله تعالى ، متعلق بالغرض المسوق له ~~الكلام : وهو تحقيق إنزاله القرآن والكتابينن من قبله ، فهذا الاستئناف ~~مؤكد لمضمون قوله : نزل عليك الكتاب بالحق هو الذى & # 1764 ms1471 أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما ~~الذين فى قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغآء الفتنة وابتغآء تأويله ~~وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون ءامنا به كل من عند ~~ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب } ( آل عمران : 3 ) وتمهيد لقوله : { منه ~~آيات محكمات } لأن الآيات نزلت في مجادلة وفد نجران ، وصدرت بإبطال عقيدتهم ~~في إلاهية المسيح : تالإشارة إلى أوصاف الإله الحقة ، توجه الكلام هنا إلى ~~إزالة شبهتهم في شأن زعمهم اعتراف نصوص القرآن بإلهية المسيح ؛ إذ وصف فيها ~~بأنه روح الله ؛ وأنه يحي الموتى وأنه كلمة الله ، وغير ذلك فنودي عليهم ~~بأن ما تعلقوا به تعلق اشتباه وسوء بأويل . # وفي قوله : { هو الذي أنزل الكتاب } قصر صفة إنزال القرآن على الله تعالى ~~: لتكون الجملة ، مع كونها تأكيدا وتمهيدا ، إبطالا أيضا لقول المشركين : { ~~إنما يعلمه بشر } ( النحل : 103 ) وقولهم : { أساطير الأولين اكتتبها فهي ~~تملى عليه بكرة وأصيلا } ( الفرقان : 5 ) . وكقوله : { وما تنزلت به ~~الشياطين وما ينبغي لهم وما يستطيعون إنهم عن السمع لمعزولون } ( الشعراء : ~~210 212 ) ذلك أنهم قالوا : هو قول كاهن ، وقول شاعر ، واعتقدوا أن أقوال ~~الكهان وأقوال الشعراء من إملاء الأرئياء ( جمع رئي ) . PageV03P153 # ومن بدائع البلاغة أن ذكر في القصر فعل أنزل ، الذي هو مختص بالله تعالى ~~ولو بدون صيغة القصر ، إذ الإنزال يرادف الوحي ولا يكون إلا من الله بخلاف ~~ما لو قال هو الذي آتاك الكتاب . # وضمير { منه } عائد إلى القرآن . و ( منه ) خبر مقدم و { آيات محكمات } ~~مبتدأ . # والإحكام في الأصل المنع ، قال جرير : # أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم # إني أخاف عليكم أن أغضبا # واستعمل الإحكام في الإتقان والتوثيق ؛ لأن ذلك يمنع تطرق ما يضاد ~~المقصود ، ولذا سميت الحكمة حكمة ، وهو حقيقة أو مجاز مشهور . # أطلق المحكم في هذه الآية على واضح الدلالة على سبيل الاستعارة لأن في ~~وضوح الدلالة ، منعا لتطرق الاحتمالات الموجبة للتردد في المراد . # وأطلق التشابه هنا على خفاء الدلالة على المعنى ، على طريقة الاستعارة ms1472 ~~لأن تطرق الاحتمال في معاني الكلام يفضي إلى عدم تعين أحد الاحتمالات ، ~~وذلك مثل تشابه الذوات في عدم تمييز بعضها عن بعض . # وقوله : { أم الكتاب } أم الشيء أصله وما ينضم إليه كثيره وتتفرع عنه ~~فروعه ، ومنه سميت خريطة الرأس ، الجامعة له : أم الرأس وهي الدماغ ، وسميت ~~الراية الأم لأن الجيش ينضوي إليها ، وسميت المدينة العظيمة أم القرى ، ~~وأصل ذلك أن الأم حقيقة في الوالدة ، وهي أصل للمولود وجامع للأولاد في ~~الحضانة ، فباعتبار هذين المعنيين ، أطلق اسم الأم على ما ذكرنا ، على وجه ~~التشبيه البليغ . ثم شاع ذلك الإطلاق حتى ساوى الحقيقة ، وتقدم ذلك في ~~تسمية الفاتحة أم القرآن . # والكتاب : القرآن لا محالة ؛ لأنه المتحدث عنه بقوله : { هو الذي أنزل ~~عليك الكتاب } فليس قوله : { أم الكتاب } هنا بمثلل قوله : { وعنده أم ~~الكتاب } ( الرعد : 39 ) . # وقوله : { وأخر متشابهات } المتشابهات المتماثلات ، والتماثل يكون في ~~صفات كثيرة فيبين بما يدل على وجه التماثل ، وقد يترك بيانه إذا كان وجه ~~التماثل ظاهرا ، كما في قوله تعالى : { إن البقر تشابه علينا } ( البقرة : ~~70 ) ولم يذكر في هذه الآية جهة التشابه . PageV03P154 # وقد أشارت الآية : إلى أن آيات القرآن صنفان : محكمات وأضدادها ، التي ~~سميت متشابهات ، ثم بين أن المحكمات هي أم الكتاب ، فعلمنا أن المتشابهات ~~هي أضداد المحكمات ، ثم أعقب ذلك بقوله : { فأما الذين في قلوبهم زيغ ~~فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله } ( آل عمران : 7 ) أي ~~تأويله الذي لا قبل لأمثالهم به فعلمنا أن المتشابهات هي التي لم يتضح ~~المقصود من معانيها ، فعلمنا أن صفة المحكمات ، والمتشابهات ، راجعة إلى ~~ألفاظ الآيات . # ووصف المحكمات بأنها أم الكتاب فاحتمل أن يكون المراد من الأم الأصل ، أو ~~المرجع ، وهما متقاربان : أي هن أصل القرآن أو مرجعه ، وليس يناسب هذين ~~المعنيين إلا دلالة القرآن ؛ إذ القرآن أنزل للإرشاد والهدي ، فالمحكمات هي ~~أصول الإعتقاد والتشريع والآداب والمواعظ ، وكانت أصولا لذلك : باتضاح ~~دلالتها ، بحيث تدل على معانن لا تحتمل غيرها أو تحتمله احتمالا ضعيفا غير ~~معتد به ، وذلك كقوله : { ليس كمثله ms1473 شي } ( الشورة : 11 ) { لا يسأل عما ~~يفعل } ( الأنبياء : 23 ) { يريد الله بكم اليسر } ( البقرة : 185 ) { ~~والله لا يحب الفساد } ( البقرة : 205 ) { وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس ~~عن الهوى فإن الجنة هي المأوى } ( النازعات : 40 ) . وباتضاح معانيها بحيث ~~تتناولها أفهام معظم المخاطبين بها وتتأهل لفهمها فهي أصل القرآن المرجوع ~~إليه في حمل معاني غيرها عليها للبيان أو التفريع . # والمتشابهات مقابل المحكمات ، فهي التي دلت على معانن تشابهت في أن يكون ~~كل منها هو المراد . ومعنى تشابهها : أنها تشابهت في صحة القصد إليها ، أي ~~لم يكن بعضها أرجح من بعض . أو يكون معناها صادقا بصور كثيرة متناقضة أو ~~غير مناسبة لأن تكون مرادا ، فلا يتبين الغرض منها ، فهذا وجه تفسير الآية ~~فيما أرى . # وقد اختلف علماء الإسلام في تعيين المقصود من المحكمات والمتشابهات على ~~أقوال : مرجعها إلى تعيين مقدار الوضوح والخفاء ، فعن ابن عباس : أن المحكم ~~ما لا تختلف فيه الشرائع كتوحيد الله تعالى ، وتحريم الفواحش ، وذلك ما ~~تضمنته الآيات الثلاث من أواخر سورة الأنعام ( 151 ) : { قل تعالوا أتل ما ~~حرم ربكم عليكم والآيات من سورة الإسراء ( 23 ) : وقضى ربك ألا تعبدوا إلا ~~إياه ، وأن المتشابه المجملات التي لم تبين كحروف أوائل السور . ~~PageV03P155 # وعن ابن مسعود ، وابن عباس أيضا : أن المحكم ما لم ينسخ والمتشابه ~~المنسوخ وهذا بعيد عن أن يكون مرادا هنا لعدم مناسبته للوصفين ولا لبقية ~~الآية . # وعن الأصم : المحكم ما اتضح دليله ، والمتشابه ما يحتاج إلى التدبر ، ~~وذلك كقوله تعالى : والذي نزل من السماء ما ء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا ~~كذلك تخرجون } ( الزخرف : 11 ) فأولها محكم وآخرها متشابه . # وللجمهور مذهبان : أولهما أن المحكم ما اتضحت دلالته ، والمتشابه ما ~~استأثر الله بعلمه ، ونسب هذا القول لمالك ، في رواية أشهب ، من جامع ~~العتبية ، ونسبه الخفاجي إلى الحنفية وإليه مال الشاطبي في الموافقات . # وثانيهما أن المحكم الواضح الدلالة ، والمتشابه الخفيها ، وإليه مال ~~الفخر : فالنص والظاهر هنا المحكم ، لاتضاح دلالتهما ، وإن كان أحدهما أي ~~الظاهر يتطرقه احتمال ضعيف ، والمجمل والمؤول ms1474 هما المتشابه ، لاشتراكهما في ~~خفاء الدلالة وإن كان أحدهما : أي المؤول دالا على معنى مرجوح ، يقابله ~~معنى راجح ، والمجمل دالا على معنى مرجوح يقابله مرجوح آخر ، ونسبت هذه ~~الطريقة إلى الشافعية . # قال الشاطبي : فالتشابه : حقيقي ، وإضافي ، فالحقيقي : ما لا سبيل إلى ~~فهم معناه ، وهو المراد من الآية ، والإضافي : ما اشتبه معناه ، لاحتياجه ~~إلى مراعاة دليل آخر . فإذا تقصى المجتهد أدلة الشريعة وجد فيها ما يبين ~~معناه ، والتشابه بالمعنى الحقيقي قليل جدا في الشريعة وبالمعنى الإضافي ~~كثير . # وقد دل هذه الآية على أن من القرآن محكما ومتشابها ، ودلت آيات أخر على ~~أن القرآن كله محكم ، قال تعالى : { كتاب أحكمت آياته } ( هود : 1 ) وقال : ~~{ تلك آيات الكتاب الحكيم } ( يونس : 1 ) والمراد أنه أحكم وأتقن في بلاغته ~~، كما دلت آيات على أن القرآن كله متشابه ، قال تعالى : { الله نزل أحسن ~~الحديث كتابا متشابها } ( الزمر : 23 ) والمعنى أنه تشابه في الحسن ~~والبلاغة والحقية ، وهو معنى : ( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه ~~اختلافا كثيرا ) فلا تعارض بين هذه الآيات : لاختلاف المراد بالإحكام ~~والتشابه في مواضعها ، بحسب ما تقتضيه المقامات . PageV03P156 # وسبب وقوع المتشابهات في القرآن : هو كونه دعوة ، وموعظة ، وتعليما ، ~~وتشريعا باقيا ، ومعجزة ، وخوطب به قوم لم يسبق لهم عهد بالتعليم والتشريع ~~، فجاء على أسلوب مناسب لجمع هذه الأمور ، بحسب حال المخاطبين الذين لم ~~يعتادوا الأساليب التدريسية ، أو الأمالي العلمية ، وإنما كانت هجيراهم ~~الخطابة والمقاولة ، فأسلوب المواعظ والدعوة قريب من أسلوب الخطابة ، وهو ~~لذلك لا يأتي على أساليب الكتب المؤلفة للعلم ، أو القوانين الموضوعة ~~للتشريع ، فأودعت العلوم المقصود منه في تضاعيف الموعظة والدعوة ، وكذلك ~~أودع فيه التشريع ، فلا تجد أحكام نوع من المعاملات ، كالبيع ، متصلا بعضها ~~ببعض ، بل تلفيه موزعا على حسب ما اقتضته مقامات الموعظة والدعوة ، ليخف ~~تلقيه على السامعين ، ويعتادوا علم ما لم يألفوه في أسلوب قد ألفوه فكانت ~~متفرقة يضم بعضها إلى بعض بالتدبر . ثم إن إلقاء تلك الأحكام كان في زمان ~~طويل ، يزيد على عشرين سنة ، ألقي إليهم فيها من ms1475 الأحكام بمقدار ما دعت ~~إليه حاجتهم ، وتحملته مقدرتهم ، على أن بعض تشريعه أصول لا تتغير ، وبعضه ~~فروع تختلف باختلاف أحوالهم ، فلذلك تجد بعضها عاما ، أو مطلقا ، أو مجملا ~~، وبعضها خاصا ، أو مقيدا ، أو مبينا ، فإذا كان بعض المجتهدين يرى تخصيص ~~عموم بعض عموماته بخصوص بعض الخصوصات مثلا ، فلعل بعضا منهم لا يتمسك إلا ~~بعمومه ، حينئذ ، كالذي يرى الخاص الوارد بعد العام ناسخا ، فيحتاج إلى ~~تعيين التاريخ ، ثم إن العلوم التي تعرض لها القرآن هي من العلوم العليا : ~~وهي علوم فيما بعد الطبيعة ، وعلوم مراتب النفوس ، وعلوم النظام العمراني ، ~~والحكمة ، وعلوم الحقوق . وفي ضيق اللغة الموضوعة عن الإيفاء بغايات ~~المرادات في هاته العلوم ، وقصور حالة استعداد أفهام عموم المخاطبين لها ، ~~ما أوجب تشابها في مدلولات الآيات الدالة عليها . وإعجاز القرآن : منه ~~إعجاز نظمي ومنه إعجاز علمي ، وهو فن جليل من الإعجاز بينته في المقدمة ~~العاشرة من مقدمات هذا التفسير . فلما تعرض القرآن إلى بعض دلائل الأكوان ~~وخصائصها ، فيما تعرض إليه ، جاء به محكيا بعبارة تصلح لحكاية حالته على ما ~~هو في نفس الأمر ، وربما كان إدراك كنه حالته في نفس الأمر مجهولا لأقوام ، ~~فيعدون تلك الآي الدالة عليه من المتشابه فإذا جاء من بعدهم علموا أن ما ~~عده الذين قبلهم متشابها ما هو إلا محكم . PageV03P157 # على أن من مقاصد القرآن أمرين آخرين : # أحدهما كونه شريعة دائمة ، وذلك يقتضي فتح أبواب عباراته لمختلف استنباط ~~المستنبطين ، حتى تؤخذ منه أحكام الأولين والآخرين ، وثانيهما تعويد حملة ~~هذه الشريعة ، وعلماء هذه الأمة ، بالتنقيب ، والبحث ، واستخراج المقاصد من ~~عويصات الأدلة ، حتى تكون طبقات علماء الأمة صالحة في كل زمان لفهم تشريع ~~الشارع ومقصده من التشريع ، فيكونوا قادرين على استنباط الأحكام التشريعية ~~، ولو صيغ لهم التشريع في أسلوب سهل التناول لاعتادوا العكوف على ما بين ~~أنظارهم في المطالعة الواحدة . من أجل هذا كانت صلوحية عباراته لاختلاف ~~منازع المجتهدين ، قائمة مقام تلاحق المؤلفين في تدوين كتب العلوم ، تبعا ~~لاختلاف مراتب العصور . # فإذا علمت هذا علمت أصل السبب في ms1476 وجود ما يسمى بالمتشابه في القرآن . ~~وبقي أن نذكر لك مراتب التشابه وتفاوت أسبابها . وأنها فيما انتهى إليه ~~استقراؤنا الآن عشر مراتب : # أولاها : معانن قصد إيداعها في القرآن ، وقصد إجمالها : إما لعدم قابلية ~~البشر لفهمها ، ولو في الجملة ، إن قلنا بوجود المجمل ، الذي استأثر الله ~~بعلمه ، على ما سيأتي ، ونحن لا نختاره . وإما لعدم قابليتهم لكنه فهمها ، ~~فألقيت إليهم على وجه الجملة أو لعدم قابلية بعضهم في عصر ، أو جهة ، ~~لفهمها بالكنة ومن هذا أحوال القيامة ، وبعض شؤون الربوبية كالإتيان في ظلل ~~من الغمام ، والرؤية ، والكلامم ، ونحو ذلك . # وثانيتها : معانن قصد إشعار المسلمين بها ، وتعين إجمالها ، مع إمكان ~~حملها على معانن معلومة لكن بتأويلات : كحروف أوائل السور ، ونحو { الرحمان ~~على العرش استوى } ( طه : 5 ) { ثم استوى إلى السماء } ( البقرة : 29 ) . # ثالثتها : معانن عالية ضاقت عن إيفاء كنهها اللغة الموضوعة لأقصى ما هو ~~متعارف أهلها ، فعبر عن تلك المعاني بأقصى ما يقرب معانيها إلى الأفهام ، ~~وهذا مثل أكثر صفات الله نحو الرحمن ، الرؤوف ، المتكبر ، نور السماوات ~~والأرض . PageV03P158 # رابعتها : معانن قصرت عنها الأفهام في بعض أحوال العصور ، وأودعت في ~~القرآن ليكون وجودها معجزة قرآنية عند أهل العلم في عصور قد يضعف فيها ~~إدراك الإعجاز النظمي ، نحو قوله : { والشمس تجري لمستقر لها } ( يس : 38 ) ~~{ وأرسلنا الرياح لواقح } ( الحجر : 22 ) { يكور الليل على النهار } ( ~~الزمر : 5 ) { وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب } ( النمل : 88 ~~) { تنبت بالدهن } ( المؤمنون : 20 ) { زيتونة لا شرقية ولا غربية } ( ~~النور : 35 ) { وكان عرشه على الماء } ( هود : 7 ) { ثم استوى إلى السماء ~~وهي دخان } ( فصلت : 11 ) وذكر سد يأجوج ومأجوج . # خامستها : مجازات وكنايات مستعملة في لغة العرب ، إلا أن ظاهرها أوهم ~~معاني لا يليق الحمل عليها في جانب الله تعالى : لإشعارها بصفات تخالف كمال ~~الإلهية ، وتوقف فريق في محملها تنزيها ، نحو : { فإنك بأعيننا } ( الطور : ~~48 ) { والسماء بنيناها بأيد } ( الذاريات : 47 ) { ويبقى وجه ربك } ( ~~الرحمن : 27 ) . # وسادستها : ألفاظ من لغات العرب لم تعرف لدى الذين نزل القرآن بينهم : ~~قريش والأنصار ms1477 مثل : { وفاكهة وأبا } ( عبس : 31 ) ومثل { أو يأخذهم على ~~تخوف } ( النحل : 47 ) { إن إبراهيم لأواه حليم } ( التوبة : 114 ) { ولا ~~طعام إلا من غسلين } ( الحاقة : 36 ) . # سابعتها : مصطلحات شرعية لم يكن للعرب علم بخصوصها ، فما اشتهر منها بين ~~المسلمين معناه ، صار حقيقة عرفية : كالتيمم ، والزكاة ، وما لم يشتهر بقي ~~فيه إجمال : كالربا قال عمر : ( نزلت آيات الربا في آخر ما أنزل فتوفي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ولم يبينها ) وقد تقدم في سورة البقرة . # ثامنتها : أساليب عربية خفيت على أقوام فظنوا الكلام بها متشابها ، وهذا ~~مثل زيادة الكاف في قوله تعالى : { ليس كمثله شيء } ( الشورى : 11 ) ومثل ~~المشاكلة في قوله : { يخادعون الله PageV03P159 وهو خادعهم } ( النساء : ~~142 ) فيعلم السامع أن إسناد خادع إلى ضمير الجلالة إسناد بمعنى مجازي ~~اقتضته المشاكلة . # وتاسعتها : آيات جاءت على عادات العرب ، ففهمها المخاطبون ، وجاء من ~~بعدهم فلم يفهموها ، فظنوها من المتشابه ، مثل قوله : { فمن حج البيت أو ~~اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما } ( البقرة : 158 ) ، في ( الموطأ ) قال ~~ابن الزبير : ( قلت لعائشة وكنت يومئذ حدثا لم أتفقه لا أرى بأسا على أحد ~~ألا يطوف بالصفا والمروة ) فقالت له : ( ليس كما قلت إنما كان الأنصار ~~يهلون لمناة الطاغية ) إلخ . ومنه : { علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم ~~فتاب عليكم } ( البقرة : 187 ) { ليس على الذين ءامنوا وعملوا الصالحات ~~جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وءامنوا } ( المائدة : 93 ) الآية فإن المراد ~~فيما شربوا من الخمر قبل تحريمها . # عاشرتها : أفهام ضعيفة عدت كثيرا من المتشابه وما هو منه ، وذلك أفهام ~~الباطنية ، وأفهام المشبهة ، كقوله تعالى : { يوم يكشف عن شاق } ( القلم : ~~42 ) . # وليس من المتشابه ما صرح فيه بأنا لا نصل إلى علمه كقوله : { قل الروح من ~~أمر ربي } ( الإسراء : 85 ) ولا ما صرح فيه بجهل وقته كقوله : { لا تأتيكم ~~إلا بغتة } ( الأعراف : 187 ) . # وليس من المتشابه ما دل على معنى يعارض الحمل عليه دليل آخر ، منفصل عنه ~~؛ لأن ذلك يرجع إلى قاعدة الجمع بين الدليلين المتعارضين ، أو ترجيح أحدهما ~~على ms1478 الآخر ، مثل قوله تعالى خطابا لإبليس : { واستفزز من استطعت منهم بصوتك ~~الآية في سورة الإسراء ( 64 ) مع ما في الآيات المقتضية فإن الله غني عنكم ~~ولا يرضى لعباده الكفر } ( الزمر : 7 ) إنه لا يحب الفساد . # وقد علمتم من هذا أن ملاك التشابه هو عدم التواطؤ بين المعاني واللغة : ~~إما لضيقها عن المعاني ، وإما لضيق الأفهام عن استعمال اللغة في المعنى ، ~~وإما لتناسي بعض اللغة ، فيتبين لك أن الإحكام والتشابه : صفتان للألفاظ ، ~~باعتبار فهم المعاني . # وإنما أخبر عن ضمير آياتت محكمات ، وهو ضمير جمع ، باسم مفرد ليس دالا ~~على أجزاء وهو { أم } ، لأن المراد أن صنف الآيات المحكمات يتنزل من ~~الكتابب منزلة أمه أي أصله ومرجعه الذي يرجع إليه في فهم الكتاب ومقاصده . ~~والمعنى : هن PageV03P160 كأم للكتاب . ويعلم منه أن كل آية من المحكمات أم ~~للكتاب في ما تتضمنه من المعنى . وهذا كقول النابغة يذكر بني أسد : # فهم درعي التي استلأمت فيها # أي مجموعهم كالدرع لي ، ويعلم منه أن كل أحد من بني أسد بمنزلة حلقة من ~~حلق الدرع . ومن هذا المعنى قوله تعالى : { واجعلنا للمتقين إماما } ( ~~الفرقان : 74 ) . # والكلام على ( أخر ) تقدم عند قوله تعالى : { فعدة من أيام أخر } ( ~~البقرة : 184 ) . # { فأما الذين فى قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغآء الفتنة وابتغآء ~~تأويله } . # تفصيل لإجمال اقتضاه الكلام السابق ؛ لأنه لما قسم الكتاب إلى محكم ~~ومتشابه ، وكان ذلك التقسيم باعتبار دلالة الألفاظ على المعاني ، تشوفت ~~النفس إلى معرفة تلقي الناس للمتشابه . أما المحكم فتلقي الناس له على ~~طريقة واحدة ، فلا حاجة إلى تفصيل فيه ، واقتصر في التفصيل على ذكر قسم من ~~أقسامه : وهو حال الذين في قلوبهم زيغ كيف تلقيهم للمتشابهات ؛ لأن بيان ~~هذا هو الأهم في الغرض المسوق له الكلام ، وهو كشف شبهة الذين غرتهم ~~المتشابهات ولم يهتدوا إلى حق تأويلها ، ويعرف حال قسيمهم وهم الذين لا زيغ ~~في قلوبهم بطريق المقابلة ثم سيصرح بإجمال حال المهتدين في تلقي ومتشبهات ~~القرآن . # والقلوب محال الإدراك ، وهي العقول ، وتقدم ذلك عند ms1479 قوله تعالى : { ومن ~~يكتمها فإنه آثم قلبه في سورة البقرة ( 283 ) . # والزيغ : الميل والانحراف عن المقصود : ما زاغ البصر } ( النجم : 17 ) ~~ويقال : زاغت الشمس . فالزيغ أخص من الميل ؛ لأنه ميل عن الصواب والمقصود . # والاتباع هنا مجاز عن الملازمة والمعاودة ، أي يعكفون على الخوض في ~~المتشابه ، يحصونه ، شبهت تلك الملازمة بملازمة التابع متبوعه . ~~PageV03P161 # وقد ذكر علة الاتباع ، وهو طلب الفتنة ، وطلب أن يؤولوه ، وليس طلب ~~تأويله في ذاته بمذمة ، بدليل قوله : { وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون ~~في العلم } كما سنبينه وإنما محل الذم أنهم يطلبون تأويلا ليسوا أهلا له ~~فيؤولونه بما يوافق أهواءهم . وهذا ديدن الملاحدة وأهلل الأهواء : الذين ~~يتعمدون حمل الناس على متابعتهم تكثيرا لسوادهم . # ولما وصف أصحاب هذا المقصد بالزيغ في قلوبهم ، علمنا أنه ذمهم بذلك لهذا ~~المقصد ، ولا شك أن كل اشتغال بالمتشابه إذا كان مفضيا إلى هذا المقصد ~~يناله شيء من هذا الذم . فالذين اتبعوا المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء ~~تأويله المنافقون ، والزنادقة ، والمشركون مثال تأويل المشركين : قصة ~~العاصي بن وائل من المشركين إذ جاءه خباب بن الأرت من المسلمين يتقاضاه ~~أجرا ، فقال العاصي متهكما به ( وإني لمبعوث بعد الموت أي حسب اعتقادكم ~~فسوف أقضيك إذا رجعت إلى مال وولد ) فالعاصي توهم ، أو أراد الإيهام ، أن ~~البعث بعد الموت رجوع إلى الدنيا ، أو أراد أن يوهم دهماء المشركين ذلك ~~ليكون أدعى إلى تكذيب الخبر بالبعث ، بمشاهدة عدم رجوع أحد من الأموات ، ~~ولذلك كانوا يقولون : { فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين } ( الدخان : 36 ) . # ومثال تأويل الزنادقة : ما حكاه محمد بن علي بن رزام الطائي الكوفي قال : ~~كنت بمكة حين كان الجنابي زعيم القرامطة بمكة ، وهم يقتلون الحجاج ، ~~ويقولون : أليس قد قال لكم محمد المكي ( ومن دخله كان آمنا فأي أمن هنا ؟ ) ~~قال : فقلت له : هذا خرج في صورة الخبر ، والمراد به الأمر أي ومن دخله ~~فأمنوه ، كقوله : { والمطلقات يتربصن } ( البقرة : 228 ) . والذين شابهوهم ~~في ذلك كل قوم يجعلون البحث في المتشابه ديدنهم ، ويفضون بذلك إلى خلافات ~~وتعصبات . وكل من ms1480 يتأول المتشابه على هواه ، بغير دليل على تأويله مستند ~~إلى دليل واستعمال عربي . # وقد فهم أن المراد : التأويل بحسب الهوى ، أو التأويل الملقي في الفتنة ، ~~بقرينة قوله تعالى : { وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون ~~ءامنا به } الآية ، كما فهم من قوله : { فيتبعون } أنهم يهتمون بذلك ، ~~ويستهترون به ، وهذا ملاك التفرقة بين حال من يتيع المتشابه للإيقاع في ~~الشك والإلحاد ، وبين حال من يفسر المتشابه ويؤوله PageV03P162 إذا دعاه ~~داع إلى ذلك . وفي ( البخاري ) عن سعيد بن جبير أن رجلا قال لابن عباس : ( ~~إني أجد في القرآن أشياء تختلف علي ) قال : ما هو قال : ( فلا أنساب بينهم ~~يومئذ ولا يتساءلون ) وقال ( وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ) وقال : ( ولا ~~يكتمون الله حديثا ) وقال : ( قالوا والله ربنا ما كنا مشركين ) قال ابن ~~عباس : ( فلا أنساب بينهم في النفخة الأولى ثم النفخة الثانية أقبل بعضهم ~~على بعض يتساءلون ، فأما قوله : { والله ربنا ما كنا مشركين } ( الأنعام : ~~23 ) فإن الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم فيقول المشركون : تعالوا نقل : ( ~~ما كنا مشركين ، فيختم الله على أفواههم فتنطق جوارحهم بأعمالهم فعند ذلك ~~لا يكتمون الله حديثا ) . وأخرج البخاري ، عن عائشة : قالت ( تلا رسول الله ~~هذه الآية إلى قوله : { أولوا الألباب } ( البقرة : 269 ) قالت قال رسول ~~الله : فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سماهم الله ~~فاحذروهم ) . # ويقصد من قوله تعالى : { فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ~~} التعريض بنصارى نجران ، إذ ألزموا المسلمين بأن القرآن يشهد لكون الله ~~ثالث ثلاثة بما يقع في القرآن من ضمير المتكلم ومعه غيره من نحو خلقنا ~~وأمرنا وقضينا ، وزعموا أن ذلك الضمير له وعيسى ومريم ولا شك أن هذا إن صح ~~عنهم هو تمويه ؛ إذ من المعروف أن في ذلك الضمير طريقتين مشهورتين إما ~~إرادة التشريك أو إرادة التعظيم فما أرادوا من استدلالهم هذا إلا التمويه ~~على عامة الناس . # { وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون ءامنا به كل من ~~عند ربنا وما ms1481 يذكر إلا أولوا الألباب } . # جملة حال أي وهم لا قبل لهم بتأويله ؛ إذ ليس تأويله لأمثالهم ، كما قيل ~~في المثل : ( ليس بعشك فادرجي ) . # ومن هنا أمسك السلف عن تأويل المتشابهات ، غير الراجعة إلى التشريع ، ~~فقال أبو بكر رضي الله عنه : ( أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إن قلت في كتاب ~~الله PageV03P163 بما لا أعلم ) . وجاء في زمن عمر رضي الله عنه رجل إلى ~~المدينة من البصرة ، يقال له صبيغ بن شريك أو ابن عسل التميمي فجعل يسأل ~~الناس عن متشابه القرآن ، وعن أشياء فأحضره عمر ، وضربه ضربا موجعا ، وكرر ~~ذلك أياما ، فقال : ( حسبك يا أمير المؤمنين فقد ذهب ما كنت أجد في رأسي ) ~~ثم أرجعه إلى البصرة وكتب إلى أبي موسى الأشعري أن يمنع الناس من مخالطته . ~~ومن السلف من تأول عند عروض الشبهة لبعض الناس ، كما فعل ابن عباس فيما ~~ذكرناه آنفا . # قال ابن العربي في ( العواصم من القواصم ) ( من الكائدين للإسلام ~~الباطنية والظاهرية ) . قلت : أما الباطنية فقد جعلوا معظم القرآن متشابها ~~، وتأولوه بحسب أهوائهم ، وأما الظاهريون فقد أكثروا في متشابهه ، واعتقدوا ~~سبب التشابه واقعا ، فالأولون دخلوا في قوله : { وابتغاء تأويله } ، ~~والأخيرون خرجوا من قوله : { وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم ~~} أو وما يعلم تأويله إلا الله ، فخالفوا الخلف والسلف . قال ابن العربي ( ~~في العواصم ) ( وأصل الظاهريين الخوارج الذين قالوا : لا حكم إلا لله ) ~~يعني أنهم أخذوا بظاهر قوله تعالى : { إنن الحكم إلا لله } ولم يتأولوه بما ~~هو المراد من الحكم . # والمراد بالراسخين في العلم : الذين تمكنوا في علم الكتاب ، ومعرفة ~~محامله ، وقام عندهم من الأدلة ما أرشدهم إلى مراد الله تعالى ، بحيث لا ~~تروج عليهم الشبه . والرسوخ في كلام العرب : الثبات والتمكن في المكان ، ~~يقال : رسخت القدم ترسخ رسوخا إذا ثبتت عند المشي ولم تتزلزل ، واستعير ~~الرسوخ لكمال العقل والعلم بحيث لا تضلله الشبه ، ولا تتطرقه الأخطاء غالبا ~~، وشاعت هذه الاستعارة حتى صارت كالحقيقة . فالراسخون في العلم : الثابتون ~~فيه العارفون بدقائقه ، فهم يحسنون مواقع التأويل ، ويعلمونه ms1482 . # ولذا فقوله : { والراسخون } معطوف على اسم الجلالة ، وفي هذا العطف تشريف ~~عظيم : كقوله : { شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم } ( ~~آل عمران : 18 ) وإلى هذا التفسير مال ابن عباس ، ومجاهد ، والربيع بن ~~سليمان ، والقاسم بن محمد ، والشافعية ، وابن فورك ، والشيخ أحمد القرطبي ، ~~وابن عطية ، وعلى هذا فليس في القرآن آية استأثر PageV03P164 الله بعلمها . ~~ويؤيد هذا أن الله أثبت للراسخين في العلم فضيلة . ووصفهم بالرسوخ ، فآذن ~~بأن لهم مزية في فهم المتشابه : لأن المحكم يستوي في علمه جميع من يفهم ~~الكلام ، ففي أي شيء رسوخهم ، وحكى إمام الحرمين ، عن ابن عباس : أنه قال ~~في هاته الآية : ( أنا ممن يعلم تأويله ) . # وقيل : الوقف على قوله : { إلا الله } وإن جملة { والراسخون في العلم } ~~مستأنفة ، وهذا مروي عن جمهور السلف ، وهو قول ابن عمر ، وعائشة ، وابن ~~مسعود ، وأبي ، ورواه أشهب عن مالك في جامع العتبية ، وقاله عروة بن الزبير ~~، والكسائي ، والأخفش والفراء ، والحنفية ، وإليه مال فخر الدين . # ويؤيد الأول وصفهم بالرسوخ في العلم ؛ فإنه دليل بين على أن الحكم الذي ~~أثبت لهذا الفريق ، هو حكم من معنى العلم والفهم في المعضلات ، وهو تأويل ~~المتشابه ، على أن أصل العطف هو عطف المفردات دون عطف الجمل ، فيكون ~~الراسخون معطوفا على اسم الجلالة فيدخلون في أنهم يعلمون تأويله . ولو كان ~~الراسخون مبتدأ وجملة : ( يقولون ءامنا به ) خبرا ، لكان حاصل هذا الخبر ~~مما يستوي فيه سائر المسلمين الذين لا زيغ في قلوبهم ، فلا يكون لتخصيص ~~الراسخين فائدة . قال ابن عطية : ( تسميتهم راسخين تقتضي أنهم يعلمون أكثر ~~من المحكم الذي يستوي في علمه جميع من يفهم كلام العرب ، وفي أي شيء هو ~~رسوخهم إذا لم يعلموا إلا ما يعلمه الجميع وما الرسوخ إلا المعرفة بتصاريف ~~الكلام بقريحة معدة ) وما ذكرناه وذكره ابن عطية لا يعد وأن يكون ترجيحا ~~لأحد التفسيرين ، وليس إبطالا لمقابله إذ قد يوصف بالرسوخ من يفرق بين ما ~~يستقيم تأويله ، وما لا مطمع في تأويله . # وفي قوله : { وما يذكر إلا أولوا الألباب } إشعار ms1483 بأن الراسخين يعلمون ~~تأويل المتشابه . # واحتج أصحاب الرأي الثاني ، وهو رأي الوقف على اسم الجلالة : بأن الظاهر ~~أن يكون جملة ( والراسخون ) مستأنفة لتكون معادلا لجملة : { فأما الذين في ~~قلوبهم زيغ } ، والتقدير : وأما الراسخون في العلم . وأجاب التفتازاني بأن ~~المعادل لا يلزم أن يكون مذكورا ، بل قد يحذف لدلالة الكلام عليه . واحتجوا ~~أيضا بقوله تعالى : PageV03P165 { يقولون آمنا به كل من عند ربنا } قال ~~الفخر : لو كانوا عالمين بتأويله لم يكن لهذا الكلام فائدة ؛ إذ الإيمان ~~بما ظهر معناه أمر غير غريب وسنجيب عن هذا عند الكلام على هذه الجملة . ~~وذكر الفخر حججا أخر غير مستقيمة . # ولا يخفى أن أهل القول الأول لا يثبتون متشابها غير ما خفي المراد منه ، ~~وأن خفاء المراد متفاوت ، وأن أهل القول الثاني يثبتون متشابها استأثر الله ~~بعلمه ، وهو أيضا متفاوت ؛ لأن منه ما يقبل تأويلات قريبة ، وهو مما ينبغي ~~ألا يعد من المتشابه في اصطلاحهم ، لكن صنيعهم في الإمساك عن تأويل آيات ~~كثيرة سهلل تأويلها مثل { فإنك بأعيننا } ( الطور : 48 ) دل على أنهم يسدون ~~باب التأويل في المتشابه ، قال الشيخ ابن عطية ( إن تأويل ما يمكن تأويله ~~لا يعلم تأويله على الاستيفاء إلا الله تعالى فمن قال ، من العلماء الحذاق ~~: بأن الراسخين لا يعلمون تأويل المتشابه ، فإنما أراد هذا النوع ، وخافوا ~~أن يظن أحد أن الله وصف الراسخين بعلم التأويل على الكمال ) . # وعلى الاختلاف في محمل العطف في قوله تعالى : { والراسخون في العلم } ~~انبنى اختلاف بين علماء الأمة في تأويل ما كان متشابها : من آيات القرآن ، ~~ومن صحاح الأخبار ، عن النبي صلى الله عليه وسلم # فكان رأي فريق منهم الإيمان بها ، على إبهامها وإجمالها ، وتفويض العلم ~~بكنه المراد منها إلى الله تعالى ، وهذه طريقة سلف علمائنا ، قبل ظهور شكوك ~~الملحدين أو المتعلمين ، وذلك في عصر الصحابة والتابعين وبعض عصر تابعيهم ، ~~ويعبر عنها بطريقة السلف ، ويقولون : طريقة السلف أسلم ، أي أشد سلامة لهم ~~من أن يتأولوا تأويلات لا يدرى مدى ما تفضي إليه من أمور لا تليق ms1484 بجلال ~~الله تعالى ولا تتسق مع ما شرعه للناس من الشرائع ، مع ما رأوا من اقتناع ~~أهل عصرهم بطريقتهم ، وانصرافهم عن التعمق في طلب التأويل . # وكان رأي جمهور من جاء بعد عصر السلف تأويلها بمعانن من طرائق استعمال ~~الكلام العربي البليغ من مجاز ، واستعارة ، وتمثيل ، مع وجود الداعي إلى ~~التأويل ، وهو تعطش العلماء الذين اعتادوا التفكر والنظر وفهم الجمع بين ~~أدلة القرآن والسنة ، ويعبر عن هذه الطريقة بطريقة الخلف ، ويقولون : طريقة ~~الخلف أعم ، أي أنسب بقواعد PageV03P166 العلم وأقوى في تحصيل العلم القاطع ~~لجدال الملحدين ، والمقنع لمن يتطلبون الحقائق من المتعلمين ، وقد يصفونها ~~بأنها أحكم أي أشد إحكاما ؛ لأنها تقنع أصحاب الأغراض كلهم . وقد وقع هذان ~~الوصفان في كلام المفسرين وعلماء الأصول ، ولم أقف على تعيين أولل من صدرا ~~عنه ، وقد تعرض الشيخ ابن تيمية في ( العقيدة الحموية ) إلى رد هذين ~~الوصفين ولم ينسبهما إلى قائل . والموصوف بأسلم وبأعلم الطريقة لا أهلها ؛ ~~فإن أهل الطريقتين من أئمة العلم ، وممن سلموا في دينهم من الفتن . # وليس في وصف هذه الطريقة ، بأنها أعلم أو أحكم ، غضاضة من الطريقة الأولى ~~؛ لأن العصور الذين درجوا على الطريقة الأولى ، فيهم من لا تخفى عليهم ~~محاملها بسبب ذوقهم العربي ، وهديهم النبوي ، وفيهم من لا يعير البحث عنها ~~جانبا من همته ، مثل سائر العامة . فلا جرم كان طي البحث عن تفصيلها أسلم ~~للعموم ، وكان تفصيلها بعد ذلك أعلم لمن جاء بعدهم ، بحيث لو لم يؤولوها به ~~لأوسعوا ، للمتطلعين إلى بيانها ، مجالا للشك أو الإلحاد ، أو ضيقق الصدر ~~في الإعتقاد . # واعلم أن التأويل منه ما هو واضح بين ، فصرف اللفظ المتشابه عن ظاهره إلى ~~ذلك التأويل يعادل حمل اللفظ على أحد معنييه المشهورين لأجل كثرة استعمال ~~اللفظ في المعنى غير الظاهر منه . فهذا القسم من التأويل حقيق بألا يسمى ~~تأويلا وليس أحد محمليه بأقوى من الآخر إلا أن أحدهما أسبق في الوضع من ~~الآخر ، والمحملان متساويان في الاستعمال وليس سبق إطلاق اللفظ على أحد ~~المعنيين بمقتضض ترجيح ذلك المعنى ms1485 ، فكم من إطلاق مجازي للفظ هو أسبق إلى ~~الأفهام من إطلاقه الحقيقي . وليس قولهم في علم الأصول بأن الحقيقة أرجح من ~~المجاز بمقبول على عمومه . # وتسمية هذا النوع بالمتشابه ليست مرادة في الآية . وعده من المتشابه جمود ~~. # ومن التأويل ما ظاهر معنى اللفظ فيه أشهر من معنى تأويله ولكن القرائن أو ~~الأدلة أوجبت صرف اللفظ عن ظاهر معناه فهذا حقيق بأن يعد من المتشابه . # ثم إن تأويل اللفظ في مثله قد يتيسر بمعنى مستقيم يغلب على الظن أنه ~~المراد إذا جرى حمل اللفظ على ما هو من مستعملاته في الكلام البليغ مثل ~~الأيدي والأعين في PageV03P167 قوله : { بنيناها بأيد } ( الذاريات : 47 ) ~~وقوله : { فإنك بأعيننا } ( الطور : 48 ) فمن أخذوا من مثله أن لله أعينا ~~لا يعرف كنهها ، أو له يدا ليست كأيدينا ، فقد زادوا في قوة الاشتباه . # ومنه ما يعتبر تأويله احتمالا وتجويزا بأن يكون الصرف عن الظاهر متعينا ~~وأما حمله على ما أولوه به فعلى وجه الاحتمال والمثالل ، وهذا مثل قوله ~~تعالى : { الرحمن على العرش استوى } ( طه : 5 ) وقوله : { هل ينظرون إلا أن ~~يأتيهم الله في ظلل من الغمام } ( البقرة : 210 ) فمثل ذلك مقطوع بوجوب ~~تأويله ولا يدعي أحد ، أن ما أوله به هو المراد منه ولكنه وجه تابع لإمكان ~~التأويل ، وهذا النوع أشد مواقع التشابه والتأويل . # وقد استبان لك من هذه التأويلات : أن نظم الآية جاء على أبلغ ما يعبر به ~~في مقام يسع طائفتين من علماء الإسلام في مختلف العصور . # وقوله : { يقولون آمنا به } حال من ( الراسخون ) أي يعلمون تأويله في هذه ~~الحالة والمعنى عليه : يحتمل أن يكون المراد من القول الكناية عن الإعتقاد ~~؛ لأن شأن المعتقد أن يقول معتقده ، أي يعلمون تأويله ولا يهجس في نفوسهم ~~شك من جهة وقوع المتشابه حتى يقولوا : لماذا لم يجىء الكلام كله واضحا ، ~~ويتطرقهم من ذلك إلى الريبة في كونه من عند الله ، فلذلك يقولون : { كل من ~~عند ربنا } . ويحتمل أن المراد يقولون لغيرهم : أي من لم يبلغ مرتبة الرسوخ ~~من عامة ms1486 المسلمين ، الذين لا قبل لهم بإدراك تأويله ، ليعلموهم الوقوف عند ~~حدود الإيمان ، وعدم التطلع إلى ما ليس في الإمكان ، وهذا يقرب مما قاله ~~أهل الأصول : إن المجتهد لا يلزمه بيان مدركه للعامي ، إذا سأله عن مأخذ ~~الحكم ، إذا كان المدرك خفيا . وبهذا يحصل الجواب عن احتجاج الفخر بهذه ~~الجملة لترجيح الوقفف على اسم الجلالة . # وعلى قول المتقدمين يكون قوله : { يقولون } خبرا ، وقولهم : { آمنا به } ~~آمنا بكونه من عند الله ، وإن لم نفهم معناه . # وقوله : { كل من عند ربنا } أي كل من المحكم والمتشابه . وهو على الوجهين ~~بيان لمعنى قولهم : { آمنا به } ، فلذلك قطعت الجملة . أي كل من المحكم ~~والمتشابه ، منزل من الله . PageV03P168 # وزيدت كلمة ( عند ) للدلالة على أن من هنا للابتداء الحقيقي دون المجازي ~~، أي هو منزل من وحي الله تعالى وكلامه ، وليس كقوله : { ما أصابك من حسنة ~~فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك } ( النساء : 197 ) . # وجملة { وما يذكر إلا أولوا الألباب } تذييل ، ليس من كلام الراسخين ، ~~مسوق مساق الثناء عليهم في اهتدائهم إلى صحيح الفهم . # والألباب : العقول . وتقدم عند قوله تعالى : { واتقون يا أولي الألباب في ~~سورة البقرة ( 197 ) . # # | 2 ( 8 ، 9 ) ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة ~~إنك أنت الوهاب * ربنآ إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف ~~الميعاد } . ) 2 # دعاء علمه النبي صلى الله عليه وسلم تعليما للأمة : لأن الموقع المحكي ~~موقع عبرة ومثار لهواجس الخوف من سوء المصير إلى حال الذين في قلوبهم زيغ ~~فما هم إلا من عقلاء البشر ، لا تفاوت بينهم وبين الراسخين في الإنسانية ، ~~ولا في سلامة العقول والمشاعر ، فما كان ضلالهم إلا عن حرمانهم التوفيق ، ~~واللطف ، ووسائل الاهتداء . # وقد علم من تعقيب قوله : { هو الذي أنزل عليك الكتاب } ( آل عمران : 7 ) ~~الآيات بقوله : { ربنا لا تزغ قلوبنا } أن من جملة ما قصد بوصف الكتاب بأن ~~منه محكما ومنه متشابها ، إيقاظ الأمة إلى ذلك لتكون على بصيرة في تدبر ~~كتابها : تحذيرا ms1487 لها من الوقوع في الضلال ، الذي أوقع الأمم في كثير منه ~~وجود المتشابهات في كتبها ، وتحذيرا للمسلمين من اتباع البوارق الباطلة مثل ~~ما وقع فيه بعض العرب من الردة والعصيان ، بعد وفاة الرسول صلى الله عليه ~~وسلم لتوهم أن التدين بالدين إنما كان لأجل وجود الرسول بينهم ، ولذلك كان ~~أبو بكر يدعو بهذه الآية في صلاته مدة ارتداد من ارتد من العرب ، ففي ( ~~الموطأ ) ، عن الصنابحي : أنه قال : ( قدمت المدينة في خلافة أبي بكر ~~الصديق فصليت PageV03P169 وراءه المغرب فقام في الثالثة فدنوت منه حتى إن ~~ثيابي لتكاد تمس ثيابه فسمعته يقرأ بأم القرآن وهذه الآية : { ربنا لا تزغ ~~قلوبنا } الآية . # فزيغ القلب يتسبب عن عوارض تعرض للعقل : من خلل في ذاته ، أو دواعع من ~~الخلطة أو الشهوة ، أو ضعف الإرادة ، تحول بالنفس عن الفضائل المتحلية بها ~~إلى رذائل كانت تهجس بالنفس فتذودها النفس عنها بما استقر في النفس من ~~تعاليم الخير المسماة بالهدى ، ولا يدري المؤمن ، ولا العاقل ، ولا الحكيم ~~، ولا المهذب : أية ساعة تحل فيها به أسباب الشقاء ، وكذلك لا يدري الشقي ، ~~ولا المنهمك ، الأفن : أية ساعة تحف فيها به أسباب الإقلاع عما هو متلبس به ~~من تغير خلق ، أو خلق ، أو تبدل خليط ، قال تعالى : { ونقلب أفئدتهم ~~وأبصارهم } ( الأنعام : 110 ) ولذا كان دأب القرآن قرن الثناء بالتحذير ، ~~والبشارة بالإنذار . # وقوله : { بعد إذ هديتنا } تحقيق للدعوة على سبيل التلطف ؛ إذ أسندوا ~~الهدي إلى الله تعالى ، فكان ذلك كرما منه ، ولا يرجع الكريم في عطيته ، ~~وقد استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من السلب بعد العطاء . # وإذ اسم للزمن الماضي متصرف ، وهي هنا متصرفة تصرفا قليلا ؛ لأنها لما ~~أضيف إليها الظرف ، كانت في معنى الظروف ، ولما كانت غير منصوبة كانت فيها ~~شائبة تصرفف ، كما هي في يومئذ وحينئذ ، أي بعد زمن هدايتك إيانا . # وقوله : { وهب لنا من لدنك رحمة } طلبوا أثر الدوام على الهدى وهو الرحمة ~~، في الدنيا والآخرة ، ومنع دواعي الزيغ والشر . وجعلت الرحمة من عند الله ~~لأن تيسير ms1488 أسبابها ، وتكوين مهيئاتها ، بتقدير الله ؛ إذ لو شاء لكان ~~الإنسان معرضا لنزول المصائب والشرور في كل لمحة ؛ فإنه محفوف بموجودات ~~كثيرة ، حية وغير حية ، هو تلقاءها في غاية الضعف ، لولا لطف الله به ~~بإيقاظ عقله لاتقاء الحوادث ، وبإرشاده لاجتناب أفعال الشرور المهلكة ، ~~وبإلهامه إلى ما فيه نفعه ، وبجعل تلك القوى الغالبة له قوى عمياء لا تهتدي ~~سبيلا إلى قصده ، ولا تصادفه إلا على سبيل الندور ولهذا قال تعالى : { الله ~~لطيف بعباده } ( الشورى : 19 ) ومن أجلى مظاهر اللطف أحوال الاضطرار ~~والالتجاء وقد كنت قلت كلمة ( اللطف عند الاضطرار ) . PageV03P170 # والقصر في قوله : { إنك أنت الوهاب } للمبالغة ، لأجل كمال الصفة فيه ~~تعالى ؛ لأن هبات الناس بالنسبة لما أفاض الله من الخيرات شيء لا يعبأ به . ~~وفي هذه الجملة تأكيد بإن ، وبالجملة الاسمية ، وبطريق القصر . # وقوله : { ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه } استحضروا عند طلب ~~الرحمة أحوج ما يكونون إليها ، وهو يوم تكون الرحمة سببا للفوز الأبدي ، ~~فأعقبوا بذكر هذا اليوم دعاءهم على سبيل الإيجاز ، كأنهم قالوا : وهب لنا ~~من لدنك رحمة ، وخاصة يوم تجمع الناس كقول إبراهيم : { ربنا اغفر لي ~~ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب } ( إبراهيم : 41 ) على ما في تذكر يوم ~~الجمع من المناسبة بعد ذكر أحوال الغواة والمهتدين ، والعلماء الراسخين . # ومعنى { لا ريب فيه } لا ريب فيه جديرا بالوقوع ، فالمراد نفي الريب في ~~وقوعه . ونفوه على طريقه نفي الجنس لعدم الاعتداد بارتياب المرتابين ، هذا ~~إذا جعلت ( فيه ) خبرا ، ولك أن تجعله صفة لريب وتجعل الخبر محذوفا على ~~طريقة لا النافية للجنس ، فيكون التقدير : عندنا ، أو لنا . # وجملة { إن الله لا يخلف الميعاد } تعليل لنفي الريب أي لأن الله وعد ~~بجمع الناس له ، فلا يخلف ذلك ، والمعنى : إن الله لا يخلف خبره ، والميعاد ~~هنا اسم مكان . # # | 2 ( 10 ، 11 ) { لله إن الذين كفروا لن تغنى عنهم أموالهم ولا أولادهم ~~من الله شيئا وأولائك هم وقود النار * كدأب ءال فرعون والذين من قبلهم ~~كذبوا بأياتنا فأخذهم الله بذنوبهم والله شديد العقاب ms1489 } . ) 2 # استئناف كلام ناشيء عن حكاية ما دعا به المؤمنون : من دوام الهداية ، ~~وسؤال الرحمة ، وانتظار الفوز يوم القيامة ، بذكر حال الكافرين في ذلك ~~اليوم ، على عادة القرآن في إرداف البشارة بالنذارة . وتعقيب دعاء المؤمنين ~~، بذكر حال المشركين ، PageV03P171 إيماء إلى أن دعوتهم استجيبت . والمراد ~~بالذين كفروا : المشركون ، وهذا وصف غالب عليهم في اصطلاح القرآن وقيل : ~~الذين كفروا بنبوءة محمد صلى الله عليه وسلم أريد هنا قريظة والنضير وأهل ~~نجران ؛ ويرجح هذا بأنهم ذكروا بحال فرعون دون حال عاد وثمود فإن ~~اليهودوالنصارى أعلق بأخبار فرعون . كما أن العرب أعلق بأخبار عاد وثمود ، ~~وأن الرد على النصارى من أهم أغراض هذه السورة . ويجوز أن يكون المراد جميع ~~الكافرين : من المشركين ، وأهل الكتابين ، ويكون التذكير بفرعون لأن وعيد ~~اليهود في هذه الآية أهم . # ومعنى ( تغني ) تجزي وتكفي وتدفع ، وهو فعل قاصر يتعدى إلى المفعول بعن ~~نحو : ( ما أغني ماليه ) . # ولدلالة هذا الفعل على الإجزاء والدفع ، كان مؤذنا بأن هنالك شيئا يدفع ~~ضره ، وتكفى كلفته ، فلذلك قد يذكرون مع هذا الفعل متعلقا ثانيا ويعدون ~~الفعل إليه بحرف ( من ) كما في هذه الآية . فتكون ( من ) للبدل والعوض على ~~ما ذهب إليه في ( الكشاف ) ، وجعل ابن عطية ( من ) للابتداء . # وقوله : { من الله } أي من أمر يضاف إلى الله ؛ لأن تعليق هذا الفعل ، ~~تعليقا ثانيا ، باسم ذات لايقصد منه إلا أخص حال اشتهرت به ، أو في الغرض ~~المسوق له الكلام فيقدر معنى اسم مضاف إلى اسم الجلالة . والتقدير هنا من ~~رحمة الله ، أو من طاعته ، إذا كانت ( من ) للبدل وكذا قدره في ( الكشاف ) ~~، ونظره بقوله تعالى : { وإن الظن لا يغني من الحق شيئا } ( النجم : 28 ) . ~~وعلى جعل ( من ) للابتداء كما قال ابن عطية تقدر من غضب الله ، أو من عذابه ~~، أي غناء مبتدئا من ذلك : على حد قولهم : نجاه من كذا أي فصله منه ، ولا ~~يلزم أن تكون ( من ) مع هذا الفعل ، إذا عدي بعن ، مماثلة لمن الواقعة بعد ~~هذا الفعل الذي يعد بعن ، لإمكان اختلاف معنى ms1490 التعلق باختلاف مساق الكلام . ~~والغالب أن يأتوا بعد فعل أغنى بلفظ ( شيء ) مع ذكر المتعلقين كما في الآية ~~، وبدون ذكر متعلقين ، كما في قول أبي سفيان ، يوم أسلم : ( لقد علمت أن لو ~~كان معه إله غيره لقد أغنى عني شيئا ) . PageV03P172 # وانتصب قوله : { شيئا } على النيابة عن المفعول المطلق أي شيئا من الغناء ~~. وتنكيره للتحقير أي غناء ضعيفا ، بله الغناء المهم ، ولا يجوز أن يكون ~~مفعولا به لعدم استقامة معنى الفعل في التعدي . # وقد ظهر بهذا كيفية تصرف هذا الفعل التصرف العجيب في كلامهم ، وانفتح لك ~~ما انغلق من عبارة الكشاف ، وما دونها ، في معنى هذا التركيب . # وقد مر الكلام على وقوع لفظ شيء عند قوله : { ولنبلونكم بشيء من الخوف } ~~( البقرة : 155 ) . وإنما خص الأموال والأولاد من بين أعلاق الذين كفروا ؛ ~~لأن الغناء يكون بالفداء بالمال ، كدفع الديات والغرامات ، ويكون بالنصر ~~والقتال ، وأولى من يدافع عن الرجل ، من عشيرته ، أبناؤه ، وعن القبيلة ~~أبناؤها . قال قيس بن الخطيم : # ثأرت عديا والخطيم ولم أضع # ولاية أشياخخ جعلت إزاءها # والأموال المكاسب التي تقتات وتدخر ويتعاوض بها ، وهي جمع مال ، وغلب اسم ~~المال في كلام جل العرب على الإبل قال زهير : # صحيحاتت مالل طالعات بمخرم # وغلب في كلام أهل الزرع والحرث على الجنات والحوائط وفي الحديث ( كان أبو ~~طلحة أكثر أنصاري بالمدينة مالا وكان أحب أمواله إليه بئر حاء ، ويطلق ~~المال غالبا على الدراهم والدنانير كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم ~~للعباس ( أين المال الذي عند أم الفضل ) . # والظاهر أن هذا وعيد بعذاب الدنيا ؛ لأنه شبه بأنه { كدأب ءال فرعون } ~~إلى قوله { فأخذهم الله بذنوبهم } وشأن المشبه به أن يكون معلوما ؛ ولأنه ~~عطف عليه عذاب الآخرة في قوله : { وأولئك هم وقود النار } . # وجيء بالإشارة في قوله : { وأولئك } لاستحضارهم كأنهم بحيث يشار إليهم ، ~~وللتنبيه على أنهم أحرياء بما سيأتي من الخبر وهو قوله : { هم وقود النار } ~~. وعطفت هذه الجملة ، ولم تفصل ، لأن المراد من التي قبلهالا وعيد في ~~الدنيا وهذه في وعيد الآخرة بقرينة ms1491 قوله ، في الآية التي بعد هذه : { ~~ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد } ( آل عمران : 12 ) . PageV03P173 ~~والوقود بفتح الواو ما يوقد به كالوضوء ، وقد تقدم نظيره في قوله : { التي ~~وقودها الناس والحجارة } في سورة البقرة . # وقوله : { كدأب ءال فرعون } موقع كاف التشبيه موقع خبر لمبتدأ محذوف يدل ~~عليه المشبه به ، والتقدير : دأبهم في ذلك كدأب آل فرعون ، أي عادتهم ~~وشأنهم كشأن آل فرعون . # والدأب : أصله الكدح في العمل وتكريره ، وكأن أصل فعله متعد ، ولذلك جاء ~~مصدره على فعل ، ثم أطلق على العادة لأنها تأتي من كثرة العمل ، فصار حقيقة ~~شائعة قال النابغة : # كدأبك في قومم أراك اصطنعتهم # أي عادتك ، ثم استعمل بمعنى الشأن كقول امرىء القيس : # كدأبك من أم الحويرث قبلها # وهو المراد هنا ، في قوله : { كدأب ءال فرعون } ، والمعنى : شأنهم في ذلك ~~كشأن آل فرعون ؛ إذ ليس في ذلك عادة متكررة ، وقد ضرب الله لهم هذا المثل ~~عبرة وموعظة ؛ لأنهم إذا استقروا الأمم التي أصابها العذاب ، وجدوا جميعهم ~~قد تماثلوا في الكفر : بالله ، وبرسله ، وبآياته ، وكفى بهذا الاستقراء ~~موعظة لأمثال مشركي العرب ، وقد تعين أن يكون المشبه به هو وعيد الاستئصال ~~والعذاب في الدنيا ؛ إذ الأصل أن حال المشبه ، أظهر من حال المشبه به عند ~~السامع . # وعليه فالأخذ في قوله : { فأخذهم الله بذنوبهم } هو أخذ الانتقام في ~~الدنيا كقوله : { أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون فقطع دابر القوم الذي ظلموا ~~} ( الأنعام : 44 ، 45 ) . # وأريد بآل فرعون فرعون وآله ؛ لأن الآل يطلق على أشد الناس اختصاصا ~~بالمضاف إليه ، والاختصاص هنا اختصاص في المتابعة والتواطؤ على الكفر ، ~~كقوله : { أدخلوا ءال فرعون أشد العذاب } ( غافر : 46 ) فلذكر الآل هنا من ~~الخصوصية ما ليس لذكر القوم ؛ إذ قوم الرجل قد يخالفون ، فلا يدل الحكم ~~المتعلق بهم على أنه مساو لهم في PageV03P174 الحكم ، قال تعالى : { ألا ~~بعدا لعاد قوم هود } ( هود : 60 ) في كثير من الآيات نظائرها ، وقال : { أن ~~ائتت القوم الظالمين قوم فرعون } ( الشعراء : 10 ، 11 ) . # وقوله : ( كذبوا ) بيان لدأبهم ، استئناف بياني . وتخصيص آل فرعون ms1492 بالذكر ~~من بين بقية الأمم لأن هلكهم معلوم عند أهل الكتاب ، بخلاف هلك عاد وثمود ~~فهو عند العرب أشهر ؛ ولأن تحدي موسى إياهم كان بآيات عظيمة فما أغنتهم ~~شيئا تجاه ضلالهم ؛ ولأنهم كانوا أقرب الأمم عهدا بزمان النبي صلى الله ~~عليه وسلم فهو كقول شعيب : { وما قوم لوط منكم ببعيد } ( هود : 89 ) وكقول ~~الله تعالى للمشركين : { وإنها لبسبيل مقيم } ( الحجر : 76 ) وقوله : { ~~وإنهما لبإمام مبين } ( الحجر : 79 ) وقوله : { وإنكم لتمرون عليهم مصبحين ~~وبالليلل أفلا تعقلون } ( الصافات : 137 ، 138 ) . # # | 2 ( 12 ، 13 ) { قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد ~~* قد كان لكم ءاية في فئتين التقتا فئة تقاتل فى سبيل الله وأخرى كافرة ~~يرونهم مثليهم رأى العين والله يؤيد بنصره من يشآء إن فى ذالك لعبرة لاولى ~~الابصار } . ) 2 # استئناف ابتدائي ، للانتقال من النذارة إلى التهديد ، ومن ضرب المثل لهم ~~بأحوال سلفهم في الكفر ، إلى ضرب المثل لهم بسابق أحوالهم المؤذنة بأن ~~أمرهم صائر إلى زوال ، وأن أمر الإسلام ستندك له صم الجبال . وجيء في هذا ~~التهديد بأطنب عبارة وأبلغها ؛ لأن المقام مقام إطناب لمزيد الموعظة ، ~~والتذكير بوصف يوم كان عليهم ، يعلمونه . { والذين كفروا } ( البقرة : 39 ) ~~يحتمل أن المراد بهم المذكورون في قوله : { إن الذين كفروا لن تغني عنهم } ~~( آل عمران : 116 ) فيجيء فيه ما تقدم والعدول عن ضمير ( هم ) إلى الاسم ~~الظاهر لاستقلال هذه النذارة . # والظاهر أن المراد بهم المشركون خاصة ، ولذلك أعيد الاسم الظاهر ، ولم ~~يؤت بالضمير بقرينة قوله بعده : { قد كان لكم آية } إلى قوله { يرونهم ~~مثليهم رأى العين } وذلك مما شاهده المشركون يوم بدر . PageV03P175 # وقد قيل : أريد بالذين كفروا خصوص اليهود ، وذكروا لذلك سببا رواه ~~الواحدي ، في أسباب النزول : أن يهود يثرب كانوا عاهدوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى مدة فلما أصاب المسلمين يوم أحد ما أصابهم من النكبة . نقضوا ~~العهد وانطلق كعب بن الأشرف في ستين راكبا إلى أبي سفيان بمكة وقالوا لهم : ~~لتكونن كلمتنا واحدة ، فلما رجعوا إلى المدينة أنزلت هذه ms1493 الآية . # وروى محمد بن إسحاق : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما غلب قريشا ~~ببدر ، ورجع إلى المدينة ، جمع اليهود وقال لهم : ( يا معشر اليهود احذروا ~~من الله مثل ما نزل بقريش وأسلموا فقد عرفتم ، أني نبيء مرسل ) فقالوا : ( ~~يا محمد لا يغرنك أنك لقيت قوما أغمارا لا معرفة لهم بالحرب فأصبت فيهم ~~فرصة أما والله لو قاتلناك لعرفت أنا نحن الناس ) فأنزل الله هذه الآية . ~~وعلى هاتين الروايتين فالغلب الذي أنذروا به هو فتح قريظة والنضير وخيبر ، ~~وأيضا فالتهديد والوعيد شامل للفريقين في جميع الأحوال . # وعطف { بئس المهاد } على { ستغلبون } عطف الإنشاء على الخبر . # وقرأ الجمهور { ستغلبون وتحشرون } كلتيهما بتاء الخطاب وقرأه حمزة ، ~~والكسائي ، وخلف : بياء الغيبة ، وهما وجهان فيما يحكى بالقول لمخاطب ، ~~والخطاب أكثر : كقوله تعالى : { ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا ~~الله ربي وربكم } ( المائدة : 117 ) ولم يقل ربك وربهم . # والخطاب في قوله : { قد كان لكم آية } خطاب للذين كفروا ، كما هو الظاهر ~~؛ لأن المقام للمحاجة ، فأعقب الإنذار والوعيد بإقامة الحجة . فيكون من ~~جملة المقول ، ويجوز أن يكون الخطاب للمسلمين ، فيكون استئنافا ناشئا عن ~~قوله ستغلبون ؛ إذ لعل كثرة المخاطبين من المشركين ، أو اليهود ، أو كليهما ~~، يثير تعجب السامعين من غلبهم فذكرهم الله بما كان يوم بدر . # والفئتان هما المسلمون والمشركون يوم بدر . # والالتقاء : اللقاء ، وصيغة الافتعال فيه للمبالغة ، واللقاء مصادفة ~~الشخصص شخصا في مكان واحد ، ويطلق اللقاء على البروز للقتال كما في قوله ~~تعالى : { يأيها الذين ءامنوا إذا PageV03P176 لقيتم الذين كفروا زحفا فلا ~~تولوهم الأدبار } ( الأنفال : 15 ) وسيأتي . والالتقاء يطلق كذلك كقول أنيف ~~بن زبان : # فلما التقينا بين السيف بيننا # لسائلة عنا حفي سؤالها # وهذه الآية تحتمل المعنيين . # وقوله : { فئة تقاتل } تفصيل للفئتين ، وهو مرفوع على أنه صدر جملة ~~للاستئناف في التفصيل والتقسيمم ، الوارد بعد الإجمال والجمع . # والفئة : الجماعة من الناس ؛ وقد تقدم الكلام عليها في قوله تعالى : { كم ~~من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله في سورة البقرة ( 249 ) . # والخطاب ms1494 في : يرونهم } كالخطاب في قوله : { قد كان لكم } . # والرؤية هنا بصرية لقوله : { رأى العين } . والظاهر أن الكفار رأوا ~~المسلمين يوم بدر عند اللقاء والتلاحم مثلي عددهم ، فوقع الرعب في قلوبهم ~~فانهزموا . فهذه الرؤية جعلت آية لمن رأوها وتحققوا بعد الهزيمة أنهم كانوا ~~واهمين فيما رأوه ليكون ذلك أشد حسرة لهم ، وتكون هذه الرؤية غير الرؤية ~~المذكورة في الأنفال ( 44 ) بقوله : { ويقللكم في أعينهم فإن تلك يناسب أن ~~تكون وقعت قبل التلاحم ، حتى يستخف المشركون بالمسلمين ، فلا يأخذوا أهبتهم ~~للقائهم ، فلما لاقوهم رأوهم مثلي عددهم فدخلهم الرعب والهزيمة ، وتحققوا ~~قلة المسلمين بعد انكشاف الملحمة فقد كانت إرادة القلة وإرادة الكثرة سببي ~~نصر للمسلمين بعجيب صنع الله تعالى . وجوز أن يكون المسلمون رأوا المشركين ~~مثلي عدد المؤمنين ، وكان المشركون ثلاثة أمثالهم ، فقللهم الله في أعين ~~أنهم ثلاثة أضعافهم لخافوا الهزيمة ، وتكون هذه الإراءة هي الإراءة ~~المذكورة في سورة الأنفال ( 44 ) : وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم ~~قليلا ويكون ضمير الغيبة في قوله : ( مقليهم ) راجعا للمسلمين على طريقة ~~الالتفات ، وأصله ترونهم مثليكم على أنه من المقول . PageV03P177 # وقرأ نافع وأبو جعفر ويعقوب : ترونهم بتاء الخطاب وقرأه الباقون بياء ~~الغيبة : على أنه حال من وأخرى كافرة } ، أو من { فئة تقاتل في سبيل الله } ~~أي مثلي عدد المرئين . إن كان الراءون هم المشركين ، أو مثلي عدد الرائين ، ~~إن كان الراءون هم المسلمين ؛ لأن كليهما جرى ضميره على الغيبة وكلتا ~~الرؤيتين قد وقعت يوم بدر . وكل فئة علمت رؤيتها وتحديت بهاته الآية . وعلى ~~هذه القراءة يكون العدول عن التعبير بفئتكم وفئتهم إلى قوله : { فئة تقاتل ~~في سبيل الله وأخرى كافرة } ، لقصد صلوحية ضمير الغيبة لكلتا الفئتين ، ~~فيفيد اللفظ آيتين على التوزيع ، بطريقة التوجيه . # و ( رأي العين ) مصدر مبين لنوع الرؤية : إذ كان ( فعل رأى ) يحتمل البصر ~~والقلب ، وإضافته إلى العين دليل على أنه يستعمل مصدرا لرأى القلبية ، كيف ~~والرأي اسم للعقل ، وتشاركها فيها رأي البصرية ، بخلاف الرؤية فخاصة ~~بالبصرية . # وجملة { والله يؤيد بنصره من يشاء } تذييل ؛ لأن ms1495 تلك الرؤية كيفما فسرت ~~تأييد للمسلمين ، قال تعالى : { وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ~~ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا } ( الأنفال : 44 ) . # # | 2 ( 14 ) { زين للناس حب الشهوات من النسآء والبنين والقناطير المقنطرة ~~من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذالك متاع الحيواة الدنيا ~~والله عنده حسن المأب } . ) 2 # { زين للناس حب الشهوات من النسآء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب ~~والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذالك متاع الحيواة الدنيا والله ~~عنده حسن المأب } . # استئناف نشأ عن قوله : { لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم } ( آل عمران ~~: 10 ) إذ كانت إضافة أموالل وأولاد إلى ضمير ( هم ) دالة على أنها معلومة ~~للمسلمين . قصد منه عظة المسلمين ألا يغتروا بحال الذين كفروا فتعجبهم زينة ~~الدنيا ، وتلهيهم عن التهمم بما به الفوز في الآخرة ؛ فإن التحذير من ~~الغايات يستدعي التحذير من البدايات . وقد صدر هذا الوعظ والتأديب ببيان ~~مدخل هذه الحالة إلى النفوس ، حتى يكونوا على أشد الحذر منها ؛ لأن ما ~~قرارته النفس ينساب إليها مع الأنفاس . PageV03P178 # والتزيين تصيير الشيء زينا أي حسنا ، فهو تحسين الشيء المحتاج إلى ~~التحسين ، وإزالة ما يعتريه من القبح أو التشويه ، ولذلك سمي الحلاق مزينا ~~. # وقال امرؤ القيس : # الحرب أول ما تكون فتية # تسعى بزينتها لكل جهول # فالزينة هي ما في الشيء من المحاسن : التي ترغب الناظرين في اقتنائه ، ~~قال تعالى : { تريد زينة الحياة الدنيا } ( الكهف : 28 ) . وكلمة زين قليلة ~~الدوران في كلام العرب مع حسنها وخفتها قال عمر بن أبي ربيعة : # أزمعت خلتي مع الفجر بينا # جلل الله ذلك الوجه زينا # وفي حديث ( سنن أبي داود ) : أن أبا برزة الأسلمي دخل على عبيد الله بن ~~زياد وقد أرسل إليه ليسأله عن حديث الحوض فلما دخل أبو برزة قال عبيد الله ~~لجلسائه : إن محمديكم هذا الدحداح . قال أبو برزة : ( ما كنت أحسب أني أبقى ~~في قوم يعيرونني بصحبة محمد ) . فقال عبيد الله : ( إن صحبة محمد لك زين ~~غير شين ) . # والشهوات جمع شهوة ، وأصل الشهوة مصدر شهي كرضي ms1496 ، والشهوة بزنة المرة ، ~~وأكثر استعمال مصدر شهي أن يكون بزنة المرة . وأطلقت الشهوات هنا على ~~الأشياء المشتهاة على وجه المبالغة في قوة الوصف . وتعليق التزيين بالحب ~~جرى على خلاف مقتضى الظاهر ؛ لأن المزين للناس هو الشهوات ، أي المشتهيات ~~نفسها ، لا حبها ، فإذا زينت لهم أحبوها ؛ فإن الحب ينشأ عن الاستحسان ، ~~وليس الحب بمزين ، وهذا إيجاز يغني عن أن يقال زينت للناس الشهوات فأحبوها ~~، وقد سكت المفسرون عن وجه نظم الكلام بهذا التعليق . # والوجه عندي إما أن يجعل { حب الشهوات } مصدرا نائبا عن مفعول مطلق ، ~~مبينا لنوع التزيين : أي زين لهم تزيين حب ، وهو أشد التزيين ، وجعل ~~المفعول المطلق نائبا عن الفاعل ، وأصل الكلام : زين للناس الشهوات حبا ، ~~فحول وأضيف إلى النائب عن الفاعل ، وجعل نائبا عن الفاعل ، كما جعل مفعولا ~~في قوله تعالى : { فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي } ( ص : 32 ) . وإما ~~أن يجعل حب مصدرا بمعنى المفعول ، أي PageV03P179 محبوب الشهوات أي الشهوات ~~المحبوبة . وإما أن يجعل زين كناية مرادا به لازم التزيين وهو إقبال النفس ~~على ما في المزين من المستحسنات مع ستر ما فيه من الأضرار ، فعبر عن ذلك ~~بالتزيين ، أي تحسين ما ليس بخالص الحسن فإن مشتهيات الناس تشتمل على أمور ~~ملائمة مقبولة ، وقد تكون في كثير منها مضار ، أشدها أنها تشغل عن كمالات ~~كثيرة فلذلك كانت كالشيء المزين تغطى نقائصه بالمزينات ، وبذلك لم يبق في ~~تعليق زين بحب إشكال . # وحذف فاعل التزيين لخفائه عن إدراك عموم المخاطبين ، لأن ما يدل على ~~الغرائز والسجايا ، لما جهل فاعله في متعارف العموم ، كان الشأن إسناد ~~أفعاله للمجهول : كقولهم عني بكذا ، واضطر إلى كذا ، لا سيما إذا كان ~~المراد الكناية عن لازم التزيين ، وهو الإغضاء عما في المزين من المساوي ؛ ~~لأن الفاعل لم يبق مقصودا بحال ، والمزين في نفس الأمر هو إدراك الإنسان ~~الذي أحب الشهواتت ، وذلك أمر جبلي جعله الله في نظام الخلقة قال تعالى : { ~~وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون } ( يس : 72 ) . # ولما رجع التزيين إلى ms1497 انفعال في الجبلة ، كان فاعله على الحقيقة هو خالق ~~هذه الجبلات ، فالمزين هو الله بخلقه لا بدعوته ، وروى مثل هذا عن عمر بن ~~الخطاب ، وإذا التفتنا إلى الأسباب القريبة المباشرة . كان المزين هو ميل ~~النفس إلى المشتهى ، أو ترغيب الداعين إلى تناول الشهوات : من الخلان ~~والقرناء ، وعن الحسن : المزين هو الشيطان ، وكأنه ذهب إلى أن التزيين ~~بمعنى التسويل والترغيب بالوسوسة للشهوات الذميمة والفساد ، وقصره على هذا ~~وهو بعيد لأن تزيين هذه الشهوات في ذاته قد يوافق وجه الإباحة والطاعة ، ~~فليس يلازمها تسويل الشيطان إلا إذا جعلها وسائل للحرام ، وفي الحديث : ( ~~قالوا : يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته وله فيها أجر فقال : أرأيتم لو ~~وضعها في حرام أكان عليه وزر ، فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر ) ~~وسياق الآية تفضيل معالي الأمور وصالح الأعمال على المشتهيات المخلوطة ~~أنواعها بحلال منها وحرام ، والمعرضة للزوال ، فإن الكمال بتزكية النفس ~~لتبلغ الدرجات القدسية ، وتنال النعيم الأبدي العظيم ؛ كما أشار إليه قوله ~~: { ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المئاب } . PageV03P180 # وبيان الشهوات بالنساء والبنين وما بعدهما ، بيان بأصول الشهوات البشرية ~~: التي تجمع مشتهيات كثيرة ، والتي لا تختلف باختلاف الأمم والعصور ~~والأقطار ، فالميل إلى النساء مركوز في الطبع ، وضعه الله تعالى لحكمة بقاء ~~النوع بداعي طلب التناسل ؛ إذ المرأة هي موضع التناسل ، فجعل ميل الرجل ~~إليها في الطبع حتى لا يحتاج بقاء النوع إلى تكلف ربما تعقبه سآمة ، وفي ~~الحديث : ( ما تركت بعدي فتنة أشد على الرجال من فتنة النساء ) ولم يذكر ~~الرجال لأن ميل النساء إلى الرجال أضعف في الطبع ، وإنما تحصل المحبة منهن ~~للرجال بالإلف والإحسن . # ومحبة الأبناء أيضا في الطبع : إذ جعل الله في الوالدين ، من الرجال ~~والنساء ، شعورا وجدانيا يشعر بأن الولد قطعة منهما ، ليكون ذلك مدعاة إلى ~~المحافظة على الولد الذي هو الجيل المستقبل ، وببقائه بقاء النوع ، فهذا ~~بقاء النوع بحفظه من الاضمحلال المكتوب عليه ، وفي الولد أيضا حفظ للنوع من ~~الاضمحلال العارض بالاعتداء على الضعيف من النوع ؛ لأن الإنسان ms1498 يعرض له ~~الضعف ، بعد القوة ، فيكون ولده دافعا عنه عداء من يعتدي عليه ، فكما دفع ~~الوالد عن ابنه في حال ضعفه ، يدفع الولد عن الوالد في حال ضعفه . # والذهب والفضة شهوتان بحسن منظرهما وما يتخذ منهما من حلي للرجال والنساء ~~، والنقدان منهما : الدنانير والدراهم ، شهوة لما أودع الله في النفوس منذ ~~العصور المتوغلة في القدم من حب النقود التي بها دفع أعواض الأشياء المحتاج ~~إليها . # { والقناطير } جمع قنطار وهو ما يزن مائة رطل ، وأصله معرب قيل عن ~~الرومية اللاتينية الشرقية ، كما نقله النقاش عن الكلبي ، وهو الصحيح ؛ فإن ~~أصله في اللاتينية ( كينتال ) وهو مائة رطل . وقال ابن سيده : هو معرب عن ~~السريانية . فما في ( الكشاف ) في سورة النساء أن القنطار مأخوذ من قتطرت ~~الشيء إذا رفعته ، تكلف . وقد كان القنطار عند العرب ، وزنا ومقدارا ، من ~~الثروة ، يبلغه بعض المثرين : وهو أن يبلغ ماله مائة رطل فضة ، ويقولون : ~~قنطر الرجل إذا بلغ ماله قنطارا وهو اثنا عشر ألف دينار أي ما يساوي قنطارا ~~من الفضة ، وقد يقال : هو مقدار مائة ألف دينار من الذهب . PageV03P181 # و { المقنطرة } أريد بها هنا المضاعفة المتكاثرة ، لأن اشتقاق الوصف من ~~اسم الشيء الموصوفف ، إذا اشتهر صاحب الاسم بصفة ، يؤذن ذلك الاشتقاق ~~بمبالغة في الحاصل به كقولهم : ليل أليل ، وظل ظليل ، وداهية دهياء ، وشعر ~~شاعر ، وإبل مؤبلة ، وآلاف مؤلفة . # { والخيل } محبوبة مرغوبة ، في العصور الماضية وفيما بعدها ، لم ينسها ما ~~تفنن فيه البشر من صنوف المراكب برا وبحرا وجوا ، فالأمم المتحضرة اليوم مع ~~ما لديم من القطارات التي تجري بالبخار وبالكهرباء على السكك الحديدية ، ~~ومن سفائن البحر العظيمة التي تسيرها آلات البخار ، ومن السيارات الصغيرة ~~المسيرة باللوالب تحركها حرارة النفظ المصفى ، ومن الطيارات في الهواء مما ~~لم يبلغ إليه البشر في عصر مضى ، كل ذلك لم يغن الناس عن ركوب ظهور الخيل ، ~~وجر العربات بمطهمات الأفراس ، والعناية بالمسابقة بين الأفراس . # وذكر الخيل لتواطؤ نفوس أهل البذخ على محبة ركوبها ، قال امرؤ القيس : # كأني لم أركب جوادا للذة ms1499 # و { المسومة } الأظهر فيه ما قيل : إنه الراعية ، فو مشتق من السوم وهو ~~الرعي ، يقال : أسام الماشية إذا رعى بها في المرعى ، فتكون مادة فعل ~~للتكثير أي التي تترك في المراعي مددا طويلة وإنما يكون ذلك لسعة أصحابها ~~وكثرة مراعيهم ، فتكون خيلهم مكرمة في المروج والرياض وفي الحديث في ذكر ~~الخيل ( فأطال لها في مرج أو روضة ) . # وقيل : المسومة من السومة بضم السين وهي السمة أي العلامة من صوف أو نحوه ~~، وإنما يجعلون لها ذلك تنويها بكرمها وحسن بلائها في الحرب ، قال العتابي ~~: # ولولاهن قد سومت مهري # وفي الرحمن للضعفاء كاف # يريد جعلت له سومة أفراسس الجهاد أي علامتها وقد تقدم اشتقاق السمة ~~والسومة عند قوله تعالى : { تعرفهم بسيماهم في سورة البقرة ( 273 ) . # و الأنعام } زينة لأهل الوبر قال تعالى : { ولكم فيها جمال حين تريحون ~~وحين تسرحون } ( النحل : 6 ) . وفيها منافع عظيمة أشار إليها قوله تعالى : ~~{ والأنعام خلقها لكم فيها دفء PageV03P182 الآيات في سورة النحل ( 5 ) ، ~~وقد لا تتعلق شهوات أهل المدن بشدة الإقبال على الأنعام لكنهم يحبون ~~مشاهدها ، ويعنون بالارتياح إليها إجمالا . # والحرث } أصله مصدر حرث الأرض إذا شقها بآلة ليزرع فيها أو يغرس ، وأطلق ~~هذا المصدر على المحروث فصار يطلق على الجنات والحوائط وحقول الزرع ، وتقدم ~~عند قوله تعالى : { نساؤكم حرث لكم في سورة البقرة ( 223 ) وعند قوله : ولا ~~تسقي الحرث } ( البقرة : 71 ) فيها . # والإشارة بقوله : { ذلك متاع الحياة الدنيا } إلى جميع ما تقدم ذكره ، ~~وأفرد كاف الخطاب لأن الخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم أو لغير معين ، على ~~أن علامة المخاطب الواحد هي الغالب في الاقتران بأسماء الإشارة لإرادة ~~البعد ، والبعد هنا بعد مجازي بمعنى الرفعة والنفاسة . # والمتاع مؤذن بالقلة وهو ما يستمتع به مدة . # ومعنى { والله عنده حسن مئاب } أن ثواب الله خير من ذلك . والمآب : ~~المرجع ، وهو هنا مصدر ، مفعل من آب يؤوب ، وأصله مأوب نقلت حركة الواو إلى ~~الهمزة ، وقلبت الواو ألفا ، والمراد به العاقبة في الدنيا والآخرة . # # | 2 ( 15 17 ) { قل أؤنبئكم بخير ms1500 من ذالكم للذين اتقوا عند ربهم جنات ~~تجرى من تحتها الانهار خاالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله ~~بصير بالعباد * الذين يقولون ربنآ إننآ ءامنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب ~~النار * الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالاسحار } . ~~) 2 # استئناف بياني ، فإنه نشأ عن قوله : { زين للناس } ( آل عمران : 14 ) ~~المقتضي أن الكلام مسوق مساق الغض من هذه الشهوات . وافتتح الاستئناف بكلمة ~~{ قل } للاهتمام بالمقول ، والمخاطب بقل PageV03P183 النبي صلى الله عليه ~~وسلم والاستفهام للعرض تشويقا من نفوس المخاطبين إلى تلقي ما سيقص عليهم ~~كقوله تعالى : { هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم } ( الصف : 10 ) ~~الآية . # وقرأ نافع ، وابن كثير ، وأبو عمر ، وأبو جعفر ، ورويس عن يعقوب : { ~~أونبئكم } بتسهيل الهمزة الثانية واوا . وقرأه ابن عامر ، وحمزة ، وعاصم ، ~~والكسائي ، وروح عن يعقوب ، وخلف : بتخفيف الهمزتين . # وجملة { للذين اتقوا عند ربهم جنات } مستأنفة وهي المنبأ به . ويجوز أن ~~يكون { للذين اتقوا } متعلقا بقوله : ( خير ) و ( جنات ) مبتدأ محذوف الخبر ~~: أي لهم ، أو خبرا لمبتدأ محذوف . وقد ألغي ما يقابل شهوات الدنيا في ذكر ~~نعيم الآخرة ؛ لأن لذة البنين ولذة المال هنالك مفقودة ، للاستغناء عنها ، ~~وكذلك لذة الخيل والأنعام ؛ إذ لا دواب في الجنة ، فبقي ما يقابل النساء ~~والحرث ، وهو الجنات والأزواج ، لأن بهما تمام النعيم والتأنس ، وزيد ~~عليهما رضوان الله الذي حرمه من جعل حظه لذات الدنيا وأعرض عن الآخرة . ~~ومعنى المطهرة المنزهة مما يعتري نساء البشر مما تشمئز منه النفوس ، ~~فالطهارة هنا حسية لا معنوية . # وعطف { رضوان من الله } على ما أعد للذين اتقوا عند الله : لأن رضوانه ~~أعظم من ذلك النعيم المادي ؛ لأن رضوان الله تقريب روحاني قال تعالى : { ~~ورضوان من الله أكبر } ( التوبة : 72 ) . # وقرأ الجمهور : { رضوان } بكسر الراء وقرأه أبو بكر عن عاصم : بضم الراء ~~وهما لغتان . # وأظهر اسم الجلالة في قوله : { ورضوان من الله } ، دون أن يقول ورضوان ~~منه أي من ربهم : لما في اسم الجلالة من الإيماء إلى عظمة ذلك الرضوان . # وجملة { والله بصير بالعباد } اعتراض ms1501 لبيان الوعد أي أنه عليم بالذين ~~اتقوا ومراتبب تقواهم ، فهو يجازيهم ، ولتضمن بصير معنى عليم عدي بالباء . ~~وإظهار اسم الجلالة في قوله : { والله بصير بالعباد } لقصد استقلال الجملة ~~لتكون كالمثل . # وقوله : { الذين يقولون } عطف بيان { للذين اتقوا } وصفهم بالتقوى ~~وبالتوجه إلى الله تعالى بطلب المغفرة . ومعنى القول هنا الكلام المطابق ~~للواقع في الخبر ، والجاري على PageV03P184 فرط الرغبة في الدعاء ، في ~~قولهم : { فاغفر لنا ذنوبنا } إلخ ، وإنما يجري كذلك إذا سعى الداعي في ~~وسائل الإجابة وترقبها بأسبابها التي ترشد إليها التقوى ، فلا يجازى هذا ~~الجزاء من قال ذلك بفمه ولم يعمل له . # وقوله : { الصابرين والصادقين } الآية صفات للذين اتقوا ، أو صفات للذين ~~يقولون ، والظاهر الأول . وذكر هنا أصول فضائل صفات المتدينين : وهي الصبر ~~الذي هو ملاك فعل الطاعات وترك المعاصي . والصدق الذي هو ملاك الاستقامة ~~وبث الثقة بين أفراد الأمة . والقنوت ، وهو ملازمة العبادات في أوقاتها ~~وإتقانها وهو عبادة نفسية جسدية . والإنفاق وهو أصل إقامة أود الأمة بكفاية ~~حاج المحتاجين ، وهو قربة مالية والمال شقيق النفس . وزاد الاستغفار ~~بالأسحار وهو الدعاء والصلاة المشتملة عليه في أواخر الليل ، والسحر سدس ~~الليل الأخير ؛ لأن العبادة فيه أشد إخلاصا ، لما في ذلك الوقت من هدوء ~~النفوس ، ولدلالته على اهتمام صاحبه بأمر آخرته ، فاختار له هؤلاء الصادقون ~~آخر الليل لأنه وقت صفاء السرائر ، والتجرد عن الشواغل . # وعطف في قوله : { الصابرين } ، وما بعده : سواء كان قوله : { الصابرين } ~~صفة ثانية ، بعد قوله : { الذين يقولون } ، أمم كان ابتداء الصفات بعد ~~البيان طريقة ثانية من طريقتي تعداد الصفات في الذكر في كلامهم ، فيكون ، ~~بالعطف وبدونه ، مثل تعدد الأخبار والأحوال ؛ إذ ليست حروف العطف بمقصورة ~~على تشريك الذوات . وفي ( الكشاف ) ؛ أن في عطف الصفات نكتة زائدة على ~~ذكرها بدون العطف وهي الإشارة إلى كمال الموصوف في كل صفة منها ، وأحال ~~تفصيله على ما تقدم له في قوله تعالى : { والذين يؤمنون بما أنزل إليك } ( ~~البقرة : 4 ) مع أنه لم يبين هنالك شيئا من هذا ، وسكت الكاتبون عن بيان ~~ذلك هنا وهناك ms1502 ، وكلامه يقتضي أن الأصل عنده في تعدد الصفات والأخبار ترك ~~العطف فلذلك يكون عطفها مؤذنا بمعنى خصوصي ، يقصده البليغ ، ولعل وجهه أن ~~شأن حرف العطف أن يستغنى به عن تكرير العامل فيناسب المعمولات ، وليس كذلك ~~الصفات ، فإذا عطفت فقد نزلت كل صفة منزلة ذات مستقلة ، وما ذلك إلا لقوة ~~الموصوف في تلك الصفة ، حتى كأن الواحد صار عددا ، كقولهم واحد كألف ، ولا ~~أحسب لهذا الكلام تسليما . وقد تقدم عطف الصفات عند قوله تعالى : { والذين ~~يؤمنون بما أنزل إليك } في سورة البقرة . # PageV03P185 # | 2 ( 18 ) { شهد الله أنه لا إلاه إلا هو والملائكة وأولوا العلم قآئما ~~بالقسط لا إلاه إلا هو العزيز الحكيم } . ) 2 # استئناف وتمهيد لقوله : { إن الدين عند الله الإسلام } ( آل عمران : 19 ) ~~ذلك أن أساس الإسلام هو توحيد الله ، وإعلان هذا التوحيد ، وتخليصه من ~~شوائب الإشراك ، وفيه تعريض بالمشركين وبالنصارى واليهود ، وإن تفاوتوا في ~~مراتب الإشراك ، وفيه ضرب من رد العجز على الصدر : لأنه يؤكد ما افتتحت به ~~السورة من قوله : { الله لا إلاه إلا هو الحي القيوم ، نزل عليك الكتاب ~~بالحق } ( آل عمران : 2 ، 3 ) . # والشهادة حقيقتها خبر يصدق به خبر مخبر وقد يكذب به خبر آخر كما تقدم عند ~~قوله تعالى : { واستشهدوا شهيدين من رجالكم في سورة البقرة ( 282 ) . وإذ ~~قد كان شأنه أن يكون للتصديق والتكذيب في الحقوق ، كان مظنة اهتمام المخبر ~~به والتثبتت فيه ، فلذلك أطلق مجازا على الخبر الذي لا ينبغي أن يشك فيه ~~قال تعالى : والله يشهد إن المنافقين لكاذبون } ( المنافقون : 1 ) وذلك على ~~سبيل المجاز المرسل بعلاقة التلازم ، فشهادة الله تحقيقه وحدانيته بالدلائل ~~التي نصبها على ذلك ، وشهادة الملائكة تحقيقهم ذلك فيما بينهم ، وتبليغ ~~بعضهم ذلك إلى الرسل ، وشهادة أولي العلم تحقيقهم ذلك بالحجج والأدلة . # فإطلاق الشهادة على هذه الأخبار مجاز بعلاقة اللزوم ، أو تشبيه الإخبار ~~بالإخبار أو المخبر بالمخبر ، ولك أن تجعل ( شهد ) بمعنى بين وأقام الأدلة ~~، شبه إقامة الأدلة على وحدانيته : من إيجاد المخلوقات ونصب الأدلة العقلية ~~، بشهادة الشاهد بتصديق ms1503 الدعوى في البيان والكشف على طريق الاستعارة ~~التبعية ، وبين ذلك الملائكة بما نزلوا به من الوحي على الرسل ، وما نطقوا ~~به من محامد ، وبين ذلك أولو العلم بما أقاموا من الحجج على الملاحدة ، ولك ~~أن تجعل شهادة الله بمعنى الدلالة ونصب الأدلة ، وشهادة الملائكة وأولي ~~العلم بمعنى آخر وهو الإقرار أو بمعنيين : إقرار الملائكة ، واحتجاج أولي ~~العلم ، ثم تبنيه على استعمال شهد في معانن مجازية ، مثل : { إن الله ~~وملائكته يصلون } ( الأحزاب : 56 ) ، أو على استعمال شهد في مجاز أعم ، وهو ~~الإظهار ، حتى يكون نصب الأدلة والإقرار والاحتجاج من أفراد ذلك العام ، ~~بناء على عموم المجاز . PageV03P186 # وانتصب { قائما بالقسط } على الحال من الضمير في قوله : { إلا هو } أي ~~شهد بوحدانيته وقيامه بالعدل ، ويجوز أن يكون حالا من اسم الجلالة من قوله ~~: { شهد الله } فيكون حالا مؤكدة لمضمون شهد ؛ لأن الشهادة هذه قيام بالقسط ~~، فالشاهد بها قائم بالقسط ، قال تعالى : { كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ~~} ( المائدة : 8 ) . وزعم ابن هشام في الباب الرابع : أن كونه حالا مؤكدة ~~وهم ، وعلله بما هو وهم . وقد ذكر الشيخ محمد الرصاع جريان بحث في إعراب ~~مثل هذه الحال من سورة الصف في درس شيخه محمد ابن عقاب . # والقيام هنا بمعنى المواظبة كقوله : { أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ~~} ( الرعد : 33 ) وقوله : { ليقوم الناس بالقسط } ( الحديد : 25 ) وتقول : ~~الأمير قائم بمصالح الأمة ، كما تقول : ساهر عليها ، ومنه ( إقام الصلاة ) ~~وقول أيمن بن خريم الأنصاري : # أقامت غزالة سوق الضراب # لأهل العراقينن حولا قميطا # وهو في الجميع تمثيل . # والقسط : العدل وهو مختصر من القسطاس بضم القاف روى البخاري عن مجاهد أنه ~~قال : القسطاس : العدل بالرومية وهذه الكلمة ثابتة في اللغات الرومية وهي ~~من اللاطينية ، ويطلق القسط والقسطاس على الميزان ، لأنه آلة للعدل قال ~~تعالى : { وزنوا بالقسطاس المستقيم } ( الإسراء : 35 ) وقال : { ونضع ~~الموازين القسط ليوم القيامة } ( الأنبياء : 47 ) . وقد أقام الله القسط في ~~تكوين العوالم على نظمها ، وفي تقدير بقاء الأنواع ، وإيداع أسباب المدافعة ~~في نفوس الموجودات ، وفيما ms1504 شرع للبشر من الشرائع في الإعتقاد والعمل : لدفع ~~ظلم بعضهم بعضا ، وظلمهم أنفسهم ، فهو القائم بالعدل سبحانه ، وعدل الناس ~~مقتبس من محاكاة عدله . # وقوله : { لا إلاه إلا هو } تمجيد وتصديق ، نشأ عن شهادة الموجودات كلها ~~له بذلك فهو تلقين الإقرار له بذلك على نحو قوله تعالى : { إن الله ~~وملائكته يصلون على النبي يأيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما } ( ~~الأحزاب : 56 ) أي اقتداء بالله وملائكته ، على أنه يفيد مع ذلك تأكيد ~~الجملة السابقة ، ويمهد لوصفه تعالى بالعزيز الحكيم . # PageV03P187 # | 2 ( 19 ) { إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب ~~إلا من بعد ما جآءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع ~~الحساب } . ) 2 # قرأ جمهور القراء إن الدين إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين ~~أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جآءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله ~~فإن الله سريع الحساب } بكسر همزة إن فهو استئناف ابتدائي لبيان فضيلة هذا ~~الدين بأجمع عبارة وأوجزها . # وهذا شروع في أول غرض أنزلت فيه هذه السورة : غرض محاجة نصارى نجران ، ~~فهذا الاستئناف من مناسبات افتتاح السورة بذكر تنزيل القرآن والتوراة ~~والإنجيل ، ثم بتخصيص القرآن بالذكر وتفضيله بأن هديه يفوق هدي ما قبله من ~~الكتب ، إذ هو الفرقان ، فإن ذلك أس الدين القويم ، ولما كان الكلام ~~المتقدم مشتملا على تعريض باليهود والنصارى الذين كذبوا بالقرآن ، وإبطالل ~~لقول وفد نجران لما طلب منهم الرسول صلى الله عليه وسلم الإسلام ( أسلمنا ~~قبلك ) فقال لهم : ( كذبتم ) روى الواحدي ، ومحمد بن إسحاق : أن وفد نجران ~~لما دخلوا المسجد النبوي تكلم السيد والعاقب فقال لهما رسول الله : ( أسلما ~~) قالا : ( قد أسلمنا قبلك ) قال : ( كذبتما ، يمنعكما من الإسلام دعاؤكما ~~لله ولدا ، وعبادتكما الصليب ) ، ناسب أن ينوه بعد ذلك بالإسلام الذي جاء ~~به القرآن ، ولذلك عطف على هذه الجملة قوله : { وما اختلف الذين أوتوا ~~الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم . # واعلم أن جمل الكلام البليغ لا يخلو انتظامها عن المناسبة ، وإن كان ~~بعضها ms1505 استئنافا ، وإنما لا تطلب المناسبة في المحادثات والاقتضابات . # وتوكيد الكلام بأن } تحقيق لما تضمنه من حصر حقيقة الدين عند الله في ~~الإسلام : أي الدين الكامل . # وقرأ الكسائي { أن الدين } بفتح همزة أن على أنه بدل من { أنه لا إله إلا ~~هو } ( آل عمران : 18 ) أي شهد الله بأن الدين عند الله الإسلام . # والدين : حقيقته في الأصل الجزاء ، ثم صار حقيقة عرفية يطلق على : مجموع ~~عقائد ، وأعمال يلقنها رسول من عند الله ويعد العاملين بها بالنعيم ~~والمعرضين عنها بالعقاب . ثم أطلق على ما يشبه ذلك مما يضعه بعض زعماء ~~الناس من تلقاء عقله فتلتزمه طائفة من الناس . وسمي الدين دينا لأنه يترقب ~~منه متبعه الجزاء عاجلا PageV03P188 أو آجلا ، فما من أهل دين إلا وهم ~~يترقبون جزاء من رب ذلك الدين ، فالمشركون يطمعون في إعانة الآلهة ووساطتهم ~~ورضاهم عنهم ، ويقولون : هؤلاء شفعاؤنا عند الله ، وقال أبو سفيان يوم أحد ~~: أعل هبل . وقال يوم فتح مكة لما قال له العباس : أما آن لك أن تشهد أن لا ~~إله إلا الله : ( لقد علمت أن لو كان معه إله غيره لقد أغنى عني شيئا ) . ~~وأهل الأديان الإلهية يترقبون الجزاء الأوفى في الدنيا والآخرة ، فأول دين ~~إلهي كان حقا وبه كان اهتداء الإنسان ، ثم طرأت الأديان المكذوبة ، وتشبهت ~~بالأديان الصحيحة ، قال الله تعالى تعليما لرسوله { لكم دينكم ولي ديني } ( ~~الكافرون : 6 ) وقال : { ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك } ( يوسف : 76 ) . # وقد عرف العلماء الدين الصحيح بأنه ( وضع إلهي سائق لذوي العقول ~~باختيارهم المحمود إلى الخير باطنا وظاهرا ) . # والإسلام علم بالغلبة على مجموع الدين الذي جاء به محمد صلى الله عليه ~~وسلم كما أطلق على ذلك الإيمان أيضا ، ولذلك لقب أتباع هذا الدين بالمسلمين ~~وبالمؤمنين ، وهو الإطلاق المراد هنا ، وهو تسمية بمصدر أسلم إذا أذعن ولم ~~يعاند إذعانا عن اعتراف بحق لا عن عجز ، وهذا اللقب أولى بالإطلاق على هذا ~~الدين من لقب الإيمان ؛ لأن الإسلام هو المظهر البين لمتابعة الرسول فيما ~~جاء به من الحق ms1506 ، واطراح كل حائل يحول دون ذلك ، بخلاف الإيمان فإنه اعتقاد ~~قلبي ، ولذلك قال الله تعالى : { هو سماكم المسلمين } ( الحج : 78 ) وقال : ~~{ فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعني } ( آل عمران : 20 ) ولأن الإسلام لا يكون ~~إلا عن اعتقاد لأن الفعل أثر الإدراك ، بخلاف العكس فقد يكون الإعتقاد مع ~~المكابرة . # وربما أطلق الإسلام على خصوص الأعمال ؛ والإيمان على الإعتقاد ، وهو ~~إطلاق مناسب لحالتي التفكيك بين الأمرين في الواقع ، كما في قوله تعالى ، ~~خطابا لقوم أسلموا مترددين { قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل ~~الإيمان في قلوبكم } ( الحجرات : 14 ) ، أو التفكيك في تصوير الماهية عند ~~التعليم لحقائق المعاني الشرعية أو اللغوية كما وقع في حديث جبريل : من ذكر ~~معنى الإيمان ، والإسلام ، والإحسان . # والتعريف في الدين تعريف الجنس ؛ إذ لا يستقيم معنى العهد الخارجي هنا ~~وتعريف الإسلام تعريف العلم بالغلبة : لأن الإسلام صار علما بالغلبة على ~~الدين المحمدي . PageV03P189 # فقوله : { إن الدين عند الله الإسلام } صيغة حصر ، وهي تقتضي في اللسان ~~حصر المسند إليه ، وهو الدين ، في المسند ، وهو الإسلام ، على قاعدة الحصر ~~بتعريف جزئي الجملة ، أي لا دين إلا الإسلام ، وقد أكد هذا الانحصار بحرف ~~التوكيد . # وقوله : { عند الإسلام } وصف للدين ، والعندية عندية الاعتبار والاعتناء ~~وليست عندية علم : فأفاد ، أن الدين الصحيح هو الإسلام ، فيكون قصرا للمسند ~~، إليه باعتبار قيد فيه ، لا في جميع اعتباراته : نظير قول الخنساء : # إذا قبح البكاء على قتيل # رأيت بكاءك الحسن الجميلا # فحصرت الحسن في بكائه بقاعدة أن المقصور هو الحسن لأنه هو المعرف باللام ~~، وهذا الحصر باعتبار التقييد بوقتت حج البكاء على القتلى وهو قصر حسن ~~بكائها على ذلك الوقت ، ليكون لبكائها على صخر مزية زائدة على بكاء القتلى ~~المتعارف وإن أبى اعتبار القصر في البيت أصلا صاحب المطول . # وإذ قد جاءت أديان صحيحة أمر الله بها فالحصر مؤول : إما باعتبار أن ~~الدين الصحيح عند الله ، حين الإخبار ، وهو الإسلام ، لأن الخبر ينظر فيه ~~إلى وقت الإخبار ؛ إذ الأخبار كلها حقائق في الحال ، ولا شك أن وقت ms1507 الإخبار ~~ليس فيه دين صحيح غير الإسلام ؛ إذ قد عرض لبقية الأديان الإلاهية ، من خلط ~~الفاسد بالصحيح ، ما أختل لأجله مجموع الدين ، وإما باعتبار الكمال عند ~~الله فيكون القصر باعتبار سائر الأزمان والعصور ؛ إذ لا أكمل من هذا الدين ~~، وما تقدمه من الأديان لم يكن بالغا غاية المراد من البشر في صلاح شؤونهم ~~، بل كان كل دين مضى مقتصرا على مقدار الحاجة من أمة معينة في زمن معين ، ~~وهذا المعنى أولي محملي الآية ، لأن مفاده أعم ، وتعبيره عن حاصل صفة دين ~~الإسلام تجاه بقية الأديان الإلهية أتم . # ذلك أن مراد الله تعالى من توجيه الشرائع وإرسال الرسل ، ليس مجرد قرع ~~الأسماع بعبارات التشريع أو التذوق لدقائق تراكيبه ، بل مراد الله تعالى ~~مما شرع للناس هو عملهم بتعاليم رسله وكتبه ، ولما كان المراد من ذلك هو ~~العمل ، جعل الله الشرائع مناسبة لقابليات المخاطبين بها ، وجارية على قدر ~~قبول عقولهم ومقدرتهم ، ليتمكنوا من العمل بها بدوامم وانتظام ، فلذلك كان ~~المقصود من التدين أن يكون ذلك التعليم الديني PageV03P190 دأبا وعادة ~~لمنتحليه ، وحيث النفوس لا تستطيع الانصياع إلى ما لا يتفق مع مدركاتها ، ~~لا جرم تعين مراعاة حال المخاطبين في سائر الأديان . ليمكن للأمم العمل ~~بتعاليم شرائعها بانتظام ومواظبة . # وقد كانت أحوال الجماعات البشرية ، في أول عهود الحضارة ، حالاتت عكوف ~~على عوائد وتقاليد بسيطة ، ائتلفت رويدا رويدا على حسب دواعي الحاجات ، وما ~~تلك الدواعي ، التي تسببت في ائتلاف تلك العوائد ، إلا دواع غير منتشرة ؛ ~~لأنها تنحصر فيما يعود على الفرد بحفظ حياته ، ودفع الآلام عنه ، ثم بحفظ ~~حياة من يرى له مزيد اتصال به ، وتحسينن حاله ، فبذلك ائتلف نظام الفرد ، ~~ثم نظام العائلة ، ثم نظام العشيرة ، وهاته النظم المتقابسة هي نظم متساوية ~~الأشكال ؛ إذ كلها لا يعدو حفظ الحياة ، بالغذاء والدفاعع عن النفس ، ودفع ~~الآلام بالكساء والمسكن والزواج ، والانتصار للعائلة وللقبيلة ؛ لأن بها ~~الاعتزاز ، ثم ما نشأ عن ذلك من تعاون الآحاد على ذلك ، بإعداد المعدات : ~~وهو التعاوض والتعامل ، فلم تكن فكرة الناس تعدو ms1508 هذه الحالة ، وبذلك لم يكن ~~لإحدى الجماعات شعور بما يجري لدى جماعة أخرى ، فضلا عن التفكير في اقتباس ~~إحداها مما يجري لدى غيرها ، وتلك حالة قناعة العيش ، وقصور الهمة ، ~~وانعدام الدواعي فإذا حصلت الأسباب الآنفة عد الناس أنفسهم في منتهى ~~السعادة . # وكان التباعد بين الجماعات في المواطن مع مشقة التواصل ، وما يعرض في ذلك ~~من الأخطار والمتاعب ، حائلا عن أن يصادفهم ما يوجب اقتباس الأمم بعضها عن ~~بعض وشعور بعضها بأخلاق بعض ، فصار الصارف عن التعاون في الحضارة الفكرية ~~مجموع حائلين : عدم الداعي ، وانسداد وسائل الصدفة ، اللهم إلا ما يعرض من ~~وفادة وافد ، أو اختلاط في نجعة أو موسم ، على أن ذلك إن حصل فسرعان ما ~~يطرأ عليه النسيان ، فيصبح في خبر كان . # فكيف يرجى من أقوام ، هذه حالهم ، أن يدعوهم الداعي إلى صلاح في أوسع من ~~دوائر مدركاتهم ، ومتقارب تصور عقولهم ، أليسوا إذا جاءهم مصلح كذلك لبسوا ~~له جلد النمر ، فأحس من سوء الطاعة حرق الجمر ، لذلك لم تتعلق حكمة الله ~~تعالى ، PageV03P191 في قديم العصور ، بتشريع شريعة جامعة صالحة لجميع ~~البشر ، بل كانت الشرائع تأتي إلى أقوام معينين ؛ وفي حديث مسلم ، في صفة ~~عرض الأمم للحساب أن رسول الله قال : ( فيجيء النبي ومعه الرهط ، والنبي ~~ومعه الرجل والرجلان ، والنبي وليس معه أحد ) وفي رواية البخاري : ( فجعل ~~النبي والنبيئان يمرون معهم الرهط ) الحديث . وبقي الحق في خلال ذلك مشاعا ~~بين الأمم ، ففي كل أمة تجد سدادا وأفنا ، وبعض الحق لم يزل مخبوءا لم يسفر ~~عنه البيان . # ثم أخذ البشر يتعارفون بسبب الفتوح والهجرة ، وتقاتلت الأمم المتقاربة ~~المنازل ، فحصل للأمم حظ من الحضارة ، وتقاربت العوائد ، وتوسعت معلوماتهم ~~، وحضارتهم ، فكانت من الشرائع الإلهية : شريعة إبراهيم عليه السلام ، ومن ~~غيرها شريعة ( حمورابي ) في العراق ، وشريعة البراهمة ، وشريعة المصريين ~~التي ذكرها الله تعالى في قوله : { ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك } ( ~~يوسف : 76 ) . # ثم أعقبتها شريعة إلهية كبرى وهي شريعة موسى عليه السلام التي اختلط ~~أهلها بأمم كثيرة في مسيرهم في التيه وما ms1509 بعده ، وجاورتها أو أعقبتها شرائع ~~مثل شريعة ( زرادشت ) في الفرس ، وشريعة ( كنفشيوس ) في الصين ، وشريعة ( ~~سولون ) في اليونان . # وفي هذه العصور كلها لم تكن إحدى الشرائع عامة الدعوة ، وهذه أكبر ~~الشرائع وهي الموسوية لم تدع غير بين إسرائيل ولم تدع الأمم الأخرى التي ~~مرت عليها ، وامتزجت بها ، وصاهرتها ، وكذلك جاءت المسيحية مقصورة على دعوة ~~بني إسرائيل حتى دعا الناس إليها القديس بولس بعد المسيح بنحو ثلاثين سنة . # إلى أن كان في القرن الرابع بعد المسيح حصول تقابس وتمازج بين أصناف ~~البشر في الأخلاق والعوائد ، بسببين : اضطراري ، واختياري . أما الاضطراري ~~فذلك أنه قد ترامت الأمم بعضها على بعض ، واتجه أهل الشرق إلى الغرب ، وأهل ~~الغرب إلى الشرق ، بالفتوح العظيمة الواقعة بين الفرس والروم ، وهما يومئذ ~~قطبا العالم ، بما يتبع كل واحدة من أمم تنتمي إلى سلطانها ، فكانت الحرب ~~سجالا بين الفريقين ، وتوالت أزمانا طويلة . PageV03P192 # وأما الاختياري فهو ما أبقاه ذلك التمازج من مشاهدة أخلاق وعوائد ، حسنت ~~في أعين رائيها ، فاقتبسوها ، وأشياء قبحت في أعينهم ، فحذروها ، وفي كلتا ~~الحالتين نشأت يقظة جديدة ، وتأسست مدنيات متفننة ، وتهيأت الأفكار إلى ~~قبول التغييرات القوية ، فتهيأت جميع الأمم إلى قبول التعاليم الغريبة عن ~~عوائدها وأحوالها ، وتساوت الأمم وتقاربت في هذا المقدار ، وإن تفاوتت في ~~الحضارة والعلوم تفاوتا ربما كان منه ما زاد بعضها تهيئوا لقبول التعاليم ~~الصحيحة ، وقهقر بعضا عن ذلك بما داخلها من الإعجاب بمبلغ علمها ، أو ~~العكوف والإلف على حضارتها . # فبلغ الأجل المراد والمعين لمجيء الشريعة الحق الخاتمة العامة . # فأظهر الله دين الإسلام في وقت مناسب لظهوره ، واختار أن يكون ظهوره بين ~~ظهراني أمة لم تسبق لها سابقة سلطان ، ولا كانت ذات سيادة يومئذ على شيء من ~~جهات الأرض ، ولكنها أمة سلمها الله من معظم رعونات الجماعات البشرية ، ~~لتكون أقرب إلى قبول الحق ، وأظهر هذا الدين بواسطة رجل منها ، لم يكن من ~~أهل العلم . ولا من أهل الدولة ، ولا من ذرية ملوك ، ولا اكتسب خبرة سابقة ~~بهجرة أو مخالطة ، ليكون ظهور هذا تحت الصريح ms1510 ، والعلم الصحيح ، من مثله ~~آية على أن ذلك وحي من الله نفح به عباده . # ثم جعل أسس هذا الدين متباعدة عن ذميم العوائد في الأمم ، حتى الأمة التي ~~ظهر بينها ، وموافقة للحق ولو كان قد سبق إليه أعداؤها ، وكانت أصوله مبنية ~~على الفطرة بمعنى ألا تكون ناظرة إلا إلى ما فيه الصلاح في حكم العقل ~~السليم ، غير ماسور للعوائد ولا للمذاهب ، قال تعالى : { فأقم وجهك للدين ~~حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون } ( الروم : 30 ) ، قال الشيخ أبو علي ابن سينا ~~: ( الفطرة أن يتوهم الإنسان نفسه حصل في الدنيا دفعة وهو عاقل ، لم يسمع ~~رأيا ، ولم يعتقد مذهبا ، ولم يعاشر أمة ، لكنه شاهد المحسوسات ، ثم يعرض ~~على ذهنه الأشياء شيئا فشيئا فإن أمكنه الشك في شيء فالفطرة لا تشهد به ، ~~وإن لم يمكنه الشك فيه فالفطرة توجبه ، وليس كل ما توجبه الفطرة بصادق ، بل ~~الصادق منه ما تشهد به فطرة القوة التي تسمى عقلا ، قبل أن يعترضه الوهم ) ~~. PageV03P193 # ويدخل في الفطرة الآداب العتيقة التي اصطلح عليها كافة عقلاء البشر ، ~~وارتاضت نفوسهم بها ، إذا كانت تفيدهم كمالا ، ولا تفضي إلى فساد ، وذلك ~~أصول قواعد حفظ النسب والعرض خاصة . فبهذا الأصل : أصلل الفطرة كان الإسلام ~~دينا صالحا لجميع الأمم في جميع الأعصر . # ثم ظهر هذا الأصل في تسعة مظاهر خادمة له ومهيئة جميع الناس لقبوله . # المظهر الأول : إصلاح العقيدة بحمل الذهن على اعتقاد لا يشوبه تردد ولا ~~تمويه ولا أوهام ولا خرافات ، ثم بكون عقيدته مبنية على الخضوع لواحد عظيم ~~، وعلى الاعتراف باتصاف هذا الواحد بصفات الكمال التامة التي تجعل الخضوع ~~إليه اختياريا ، ثم لتصير تلك الكمالات مطمح أنظار المعتقد في التخلق بها ~~ثم بحمل جميع الناس على تطهير عقائدهم حتى يتحد مبدأ التخلق فيهم { قل يأهل ~~الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به ~~شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله ms1511 } ( آل عمران : 64 ) . # وكان إصلاح الإعتقاد أهم ما ابتدأ به الإسلام ، وأكثر ما تعرض له ؛ وذلك ~~لأن إصلاح الفكرة هو مبدأ كل إصلاح ؛ ولأنه لا يرجى صح لقوم تلطخت عقولهم ~~بالعقائد الضالة ، وخسئت نفوسهم بآثار تلك العقائد المثيرة : خوفا من لا ~~شيء ، وطمعا في غير شيء ، وإذا صلح الإعتقاد أمكن صلاح الباقي ؛ لأن المرء ~~إنسان بروحه لا بجسمه . # ثم نشأ عن هذا الإعتقاد الإسلامي : عزة النفس ، وأصلة الرأي ، وحرية ~~العقل ، ومساواة الناس فيما عدا الفضائل . # وقد أكثر الإسلام شرح العقائد إكثارا لا يشبهه فيه دين آخر ؛ بل إنك تنظر ~~إلى كثير من الأديان الصحيحة ، فلا ترى فيها من شرح صفات الخالق إلا قليلا ~~. # المظهر الثاني : جمعه بين إصلاح النفوس ، بالتزكية ، وبين إصلاح نظام ~~الحياة ، بالتشريع ، في حين كان معظم الأديان لا يتطرق إلى نظام الحياة ~~بشيء ، وبعضها وإن تطرق إليه إلا أنه لم يوفه حقه ، بل كان معظم اهتمامها ~~منصرفا إلى المواعظ والعبادات ، PageV03P194 وقد قرن القرآن المصلحتين في ~~غير ما آية قال تعالى : { من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه ~~حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون } ( النحل : 97 ) . # المظهر الثالث : اختصاصه بإقامة الحجة ، ومجادلة المخاطبين بصنوف ~~المجادلات وتعليل أحكامه ، بالترغيب وبالترهيب ، وذلك رعي لمراتب نفوس ~~المخاطبين ، فمنهم العالم الحكيم الذي لا يقتنع إلا بالحجة والدليل ، ومنهم ~~المكابر الذي لا يرعوي إلا بالجدل والخطابة ، ومنهم المترهب الذي اعتاد ~~الرغبة فيما عند الله ، ومنهم المكابر المعاند ، الذي لا يقلعه عن شغبه إلا ~~القوارع والزواجر . # المظهر الرابع : أنه جاء بعموم الدعوة لسائر البشر ، وهذا شيء لم يسبق في ~~دين قبله قط ، وفي القرآن : { قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا } ~~( الأعراف : 158 ) ، وفي الحديث الصحيح : ( أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي ~~فذكر وكان الرسول يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة ) وقد ذكر الله ~~تعالى الرسل كلهم فذكر أنه أرسلهم إلى أقوامهم . # والاختلاف في كون نوح رسولا إلى جميع أهل الأرض ، إنما هو مبني : على أنه ms1512 ~~بعد الطوفان انحصر أهل الأرض في أتباع نوح ، عند القائلين بعموم الطوفان ~~سائرالارض ، ألا ترى قوله تعالى : { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه } ( الأعراف ~~: 59 ) وأياما كان احتمال كون سكان الأرض في عصر نوح هم من ضمهم وطن نوح ، ~~فإن عموم دعوتة حاصل غير مقصود . # المظهر الرابع : الدوام ولم يدعع رسول من الرسل أن شريعته دائمة ، بل ما ~~من رسول ، ولا كتاب ، إلا تجد فيه بشارة برسول يأتي من بعده . # المظهر الخامس : الإقلال من التفريع في الأحكام بل تأتي بأصولها ويترك ~~التفريع لاستنباط المجتهدين وقد بين ذلك أبو إسحاق الشاطبي في تفسير قوله ~~تعالى : { ما فرطنا في الكتاب من شيء } ( الأنعام : 38 ) لتكون الأحكام ~~صالحة لكل زمان . # المظهر السادس : أن المقصود من وصايا الأديان إمكان العمل بها ، وفي أصول ~~الأخلاق أن التربية الصحيحة هي التي تأتي إلى النفوس بالحيلولة بينها وبين ~~خواطر الشرور ؛ لأن PageV03P195 الشرور ، إذا تسربت إلى النفوس ، تعذر أو ~~عسر اقتلاعها منها ، وكانت الشرائع تحمل الناس على متابعة وصاياها ~~بالمباشرة ، فجاء الإسلام يحمل الناس على الخير بطريقتين : طريقة مباشرة ، ~~وطريقة سد الذرائع الموصلة إلى الفساد ، وغالب أحكام الإسلام من هذا القبيل ~~وأحسبها أنها من جملة ما أريد بالمشتبهات في حديث : ( إن الحلال بين وإن ~~الحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس ) . # المظهر السابع : الرأفة بالناس حتى في حملهم على مصالحهم بالاقتصار في ~~التشريع على موضع المصلحة ، مع تطلب إبراز ذلك التشريع في صورة لينة ، وفي ~~القرآن { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } ( البقرة : 185 ) وفي ~~الحديث : ( بعثت بالحنيفية السمحة ولن يشاد هذا الدين أحد إلا غلبه ) وكانت ~~الشرائع السابقة تحمل على المتابعة بالشدة ، فلذلك لم تكن صالحة للبقاء ؛ ~~لأنها روعي فيها حال قساوة أمم في عصور خاصة ، ولم تكن بالتي يناسبها ما ~~قدر مصير البشر إليه من رقة الطباع وارتقاء الأفهام . # المظهر الثامن : امتزاج الشريعة بالسلطان في الإسلام ، وذلك من خصائصه ؛ ~~إذ لا معنى للتشريع إلا تأسيس قانون للأمة ، وما قيمة قانون لا تحميه ms1513 القوة ~~والحكومة . وبامتزاج الحكومة مع الشريعة أمكن تعميم الشريعة ، واتحاد الأمة ~~في العمل والنظام . # المظهر التاسع : صراحة أصول الدين ، بحيث يتكرر في القرآن ما تستقرى منه ~~قواطع الشريعة ، حتى تكون الشريعة معصومة من التأويلات الباطلة ، ~~والتحريفات التي طرأت على أهل الكتب السابقة ، ويزداد هذا بيانا عند تفسير ~~قوله تعالى : { فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعني } ( آل عمران : 20 ) . # { وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جآءهم العلم بغيا بينهم ~~ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب } . # عطف { وما اختلف الذين أوتوا الكتاب } على قوله : { إن الذين عند الله ~~الإسلام } للإخبار عن حال أهل الكتاب من سوء تلقيهم لدين الإسلام ، ومن سوء ~~فهمهم في دينهم . PageV03P196 # وجيء في هذا الإخبار بطريقة مؤذنة بورود سؤال ؛ إذ قد جيء بصيغة الحصر : ~~لبيان سبب اختلافهم ، وكأن اختلافهم أمر معلوم للسامع . وهذا أسلوب عجيب في ~~الإخبار عن حالهم إخبارا يتضمن بيان سببه ، وإبطال ما يتراءى من الأسباب ~~غير ذلك ، مع إظهار المقابلة بين حال الدينن الذي هم عليه يومئذ من ~~الاختلاف ، وبين سلامة الإسلام من ذلك . # وذلك أن قوله : { إن الدين عند الله الإسلام } قد آذن بأن غيره من الأدين ~~لم يبلغ مرتبة الكمال والصلاحية للعموم ، والدوام ، قبل التغيير ، بله ما ~~طرأ عليها من التغيير ، وسوء التأويل ، إلى يوم مجيء الإسلام ، ليعلم ~~السامعون أن ما عليه أهل الكتاب لم يصل إلى أكمل مراد الله من الخلق على ~~أنه وقع فيه التغيير والاختلاف ، وأن سبب ذلك الاختلاف هو البغي بعدما ~~جاءهم العلم ، مع التنبيه على أن سبب بطلان ما هم عليه يومئذ هو اختلافهم ~~وتغييرهم ، ومن جملة ما بدلوه الآيات الدالة على بعثة محمد صلى الله عليه ~~وسلم وفيه تنبيه على أن الإسلام بعيد عن مثل ما وقعوا فيه من التحريف ، كما ~~تقدم في المظهر التاسع ، ومن ثم ذم علماؤنا التأويلات البعيدة ، والتي لم ~~يدع إليها داعع صريح . # وقد جاءت الآية على نظم عجيب يشتمل على معان : منها التحذير من الاختلاف ~~في الدين ، أي ms1514 في أصوله ، ووجوب تطلب المعاني التي لا تناقض مقصد الدين ، ~~عبرة بما طرأ على أهل الكتاب من الاختلاف . # ومنها التنبيه على أن اختلاف أهل الكتاب حصل مع قيام أسباب العلم بالحق ، ~~فهو تعريض بأنهم أساءوا فهم الدين . # ومنها الإشارة إلى أن الاختلاف الحاصل في أهل الكتاب نوعان : أحدهما ~~اختلاف كل أمة مع الأخرى في صحة دينها كما قال تعالى : { وقالت اليهود ليست ~~النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب } ( ~~البقرة : 113 ) ، وثانيهما اختلاف كل أمة منهما فيما بينها وافتراقها فرقا ~~متباينة المنازع . كما جاء في الحديث : ( اختلفت اليهود على اثنتين وسبعين ~~فرقة ) يحذر المسلمين مما صنعوا . # ومنها أن اختلافهم ناشيء عن بغي بعضهم على بعض . PageV03P197 # ومنها أنهم أجمعوا على مخالفة الإسلام والإعراضض عنه بغيا منهم وحسدا ، ~~مع ظهور أحقيته عند علمائهم وأحبارهم كما قال تعالى : { الذين ءاتيناهم ~~الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون ~~الحق من ربك فلا تكونن من الممترين } ( البقرة : 146 ، 147 ) ، وقال تعالى ~~: { ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند ~~أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق } ( البقرة : 109 ) أي أعرضوا عن الإسلام ، ~~وصمموا على البقاء على دينهم ، وودوا لو يردونكم إلى الشرك أو إلى متابعة ~~دينهم حسدا على ما جاءكم من الهدى بعد أن تبين لهم أنه الحق . # ولأجل أن يسمح نظم الآية بهذه المعاني ، حذف متعلق الاختلاف في قوله : { ~~اختلف الذين أوتوا الكتاب } ليشمل كل اختلاف منهم : من مخالفة بعضهم بعضا ~~في الدين الواحد ، ومخالفة أهل كل دين لأهل الدين الآخر ، ومخالفة جميعهم ~~للمسلمين في صحة الدين . # وحذف متعلق العلم في قوله : { من بعد ما جاءهم العلم } لذلك . # وجعل ( بغيا ) عقب قوله : ( من بعد ما جاءهم العلم ) ليتنازعه كل من فعل ~~( اختلف ) ومن لفظ ( العلم ) . # وأخر بينهم عن جميع ما يصلح للتعليق به : ليتنازعه كل من فعل ( اختلف ) ~~وفعل ( جاءهم ) ولفظ ( العلم ) ولفظ ( بغيا ) . # وبذلك تعلم أن معنى ms1515 هذه الآية أوسع معاني من معاني قوله تعالى : { وما ~~اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم للبينات بغيا بينهم في سورة ~~البقرة ( 213 ) وقوله : وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم ~~البينة في سورة البينة ( 4 ) كما ذكرناه في ذينك الموضعين لاختلاف المقامين ~~. # فاختلاف الذين أوتوا الكتاب يشمل اختلافهم فيما بينهم : أي اختلاف أهل كل ~~ملة في أمور دينها ، وهذا هو الذي تشعر بها صيغة اختلف كاختلاف اليهود بعد ~~موسى غير مرة ، واختلافهم بعد سليمان إلى مملكتين : مملكة إسرائيل ، ومملكة ~~يهوذا ، وكيف صار لكل مملكة من المملكتين تدين يخالف تدين الأخرى ، وكذلك ~~اختلاف PageV03P198 النصارى في شأن المسيح ، وفي رسوم الدين ، ويكون قوله : ~~بينهم حالا لبغيا : أي بغيا متفشيا بينهم ، بأن بغى كل فريق على الآخر . # ويشمل أيضا الاختلاف بينهم في أمر الإسلام ؛ إذ قال قائل منهم : هو حق ، ~~وقال فريق : هو مرسل إلى الأميين ، وكفر فريق ، ونافق فريق . وهذا الوجه ~~أوفى مناسبة بقوله تعالى : إن الدين عند الله الإسلام } ، ويكون قوله : { ~~بينهم } على هذا وصفا لبغيا : أي بغيا واقعا بينهم . # ومجيء العلم هو الوحي الذي جاءت به رسلهم وأنبياؤهم ، لأن كلمة جاء مؤذنه ~~بعلم متلقى من الله تعالى ، يعني أن العلم الذي جاءهم كان من شأنه أن يصدهم ~~عن الاختلاف في المراد ، إلا أنهم أساءوا فكانوا على خلاف مراد الله من ~~إرسال الهدى . # وانتصب { بغيا } على أنه مفعول لأجله ، وعامل المفعول لأجله : هو الفعل ~~الذي تفرغ للعمل فيما بعد حرف الاستثناء ، فالاستثناء كان من أزمان وعلل ~~محذوفة والتقدير : ما اختلفوا إلا في زمن بعدما جاءهم العلم وما كان إلا ~~بغيا بينهم . ولك أن تجعل بغيا منصوبا على الحال من الذين أوتوا الكتاب ، ~~وهو وإن كان العامل فيه فعلا منفيا في اللفظ إلا أن الاستثناء المفرغ جعله ~~في قوه المثبت ، فجاء الحال منه عقب ذلك ، أي حال كون المختلفين باغين ، ~~فالمصدر مؤول بالمشتق . ويجوز أن تجعله مفعولا لأجله من ( اختلف ) باعتبار ~~كونه صار مثبتا كما قررنا ms1516 . # وقد لمحت الآية إلى أن هذا الاختلاف ، والبغي كفر ، لأنه أفضى بهم إلى ~~نقض قواعد أديانهم ، وإلى نكران دين الإسلام ، ولذلك ذيله بقوله : { ومن ~~يكفر بآيات الله } إلخ . # وقوله : { فإن الله سريع الحساب } تعريض بالتهديد ، لأن سريع الحساب إنما ~~يبتدىء بحساب من يكفر بآياته ، والحساب هنا كناية عن الجزاء كقوله : { إن ~~حسابهم إلا على ربي } ( الشعراء : 113 ) . # وفي ذكر هذه الأحوال الذميمة من أحوال أهل الكتاب تحذير للمسلمين أن ~~يقعوا في مثل ما وقع فيه أولئك ، والمسلمون وإن اختلفوا في أشياء كثيرة لم ~~يكن اختلافهم إلا PageV03P199 اختلافا علميا فرعيا ، ولم يختلفوا اختلافا ~~ينقض أصول دينهم بل غاية الكل الوصول إلى الحق من الدين ، وخدمة مقاصد ~~الشريعة ، فبنو إسرائيل عبدوا العجل والرسول بين ظهرانيهم ، وعبدوا آلهة ~~الأمم غير مرة ، والنصارى عبدوا مريم والمسيح ، ونقضوا أصول التوحيد ، ~~وادعوا حلول الخالق في المخلوق . فأما المسلمون لما قال أحد أهل التصوف ~~منهم كلاما يوهم الحلول حكم علماؤهم بقتله . # # | 2 ( 20 ) { فإن حآجوك فقل أسلمت وجهى لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا ~~الكتاب والاميين ءأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك ~~البلاغ والله بصير بالعباد } . ) 2 # تفريع على قوله : { إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا ~~الكتاب } ( آل عمران : 19 ) الآية فإن الإسلام دين قد أنكروه ، واختلافهم ~~في أديانهم يفضي بهم إلى محاجة الرسول في تبرير ما هم عليه من الدين ، ~~وأنهم ليسوا على أقل مما جاء به دين الإسلام . # والمحاجة مفاعلة ولم يجىء فعلها إلا بصيغة المفاعلة . ومعنى المحاجة ~~المخاصمة ، وأكثر استعمال فعل حاج في معنى المخاطمة بالباطل : كما في قوله ~~تعالى : { وحاجه قومه } ( الأنعام : 80 ) وتقدم عنذ قوله تعالى : { ألم تر ~~إلى الذي حاج إبراهيم في ربه في سورة البقرة ( 258 ) . # فالمعنى : فإن خاصموك خاصم مكابرة فقل أسلمت وجهي لله . # وضمير الجمع في قوله : فإن حاجوك } عائد إلى غير مذكور في الكلام ، بل ~~معلوم من المقام ، وهو مقام نزول السورة ، أعني قضية وفد نجران ؛ فإنهم ~~الذين اهتموا بالمحاجة حينئذ ms1517 . فأما المشركون فقد تباعد ما بينهم وبين ~~النبي صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة ، فانقطعت محاجتهم ، وأما اليهود فقد ~~تظاهروا بمسالمة المسلمين في المدينة . # وقد لقن الله رسوله أن يجيب مجادلتهم بقوله : { أسلمت وجهي لله } والوجه ~~أطلق على النفس كما في قوله تعالى : { كل شيء هالك إلا وجهه } ( القصص : 88 ~~) أي ذاته . PageV03P200 # وللمفسرين في المراد من هذا القول طرايق ثلاث : إحداها أنه متاركة وإعراض ~~عن المجادلة أي اعترفت بأن لا قدرة لي على أن أزيدكم بيانا ، أي أني أتيت ~~بمنتهى المقدور من الحجة فلم تقتنعوا ، فإذ لم يقنعكم ذلك فلا فائدة في ~~الزيادة من الأدلة النظرية ، فليست محاجتكم إياي إلا مكابرة وإنكارا ~~للبديهيات والضروريات ، ومباهته ، فالأجدر أن أكف عن الازدياد . قال الفخر ~~: فإن المحق إذا ابتلي بالمبطل اللجوج يقول : أما أنا فمنقاد إلى الحق . ~~وإلى هذا التفسير مال القرطبي . # وعلى هذا الوجه تكون إفادة قطع المجادلة بجملة : { أسلمت وجهي لله ومن ~~اتبعن } وقوله : { أأسلمتم } دون أن يقال : فأعرض عنهم وقل سلام ، ضربا من ~~الإدماج ؛ إذ أدمج في قطع المجادلة إعادة الدعوة إلى الإسلام ، بإظهار ~~الفرق بين الدينين . # والقصد من ذلك الحرص على اهتدائهم ، والإعذار إليهم ، وعلى هذا الوجه فإن ~~قوله : { وقل للذين أوتوا الكتاب والأمين أأسلمتم } خارج عن الحاجة ، وإنما ~~هو تكرر للدعوة ، أي اترك محاجتهم ولا تترك دعوتهم . # وليس المراد بالحجاج الذي حاجهم به خصوص ما تقدم في الآيات السابقة ، ~~وإنما المراد ما دار بين الرسول وبين وفد نجران من الحجاج الذي علموه فمنه ~~ما أشير إليه في الآيات السابقة ، ومنه ما طوي ذكره . # الطريقة الثانية أن قوله : { فقل أسلمت وجهي } تلخيص للحجة ، واستدراج ~~لتسليمهم إياها ، وفي تقريره وجوه مآلها إلى أن هذا استدلال على كون ~~الإسلام حقا ، وأحسنها ما قال أبو مسلم الأصفهاني : إن اليهود والنصارى ~~والمشركين كانوا متفقين على أحقية دين إبراهيم عليه السلام إلا زيادات ~~زادتها شرائعهم ، فكما أمر الله رسوله أن يتبع ملة إبراهيم في قوله : { ثم ~~أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا } ( النحل ms1518 : 123 ) أمره هنا أن ~~يجادل الناس بمثل قوله إبراهيم : فإبراهيم قال : { إني وجهت وجهي للذي فطر ~~السماوات والأرض } ( الأنعام : 79 ) ومحمد عليه الصلاة والسلام قال : ( ~~أسلمت وجهي لله ) أي فقد قلت ما قاله الله ، وأنتم معترفون بحقيقة ذلك ، ~~فكيف تنكرون أني عتلى الحق ، قال : وهذا من باب التمسك بالإلزامات وداخل ~~تحت قوله : { وجادلهم بالتي هي أحسن } ( النحل : 125 ) . PageV03P201 # الطريقة الثالثة ما قاله الفخر وحاصله مع بيانه أن يكون هذا مرتبط بقوله ~~: { إن الذين عند الله الإسلام } ( آل عمران : 19 ) أي فإن حاجوك في أن ~~الدين عند الله الإسلام ، فقل : إني بالإسلام أسلمت وجهي لله فلا ألتفت إلى ~~عبادة غيره مثلكم ، فديني الذي أرسلت به هو الدين عند الله ( أي هو الدين ~~الحق وما أنتم عليه ليس دينا عند الله ) . # وعلى الطريقتين الأوليين في كلام المفسرين جعلوا قوله : { وقل للذين ~~أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم } خارجا عن الحجة ؛ إذ لا علاقة بينه وبين ~~كون الإسلام هو ملة إبراهيم ، ويكون مرادا منه الدعوة إلى الإسلام مرة أخرى ~~بطريقة الاستفهام المستعمل في التحضيض كقوله : { فهل أنتم منتهون } ( ~~المائدة : 91 ) أي قل لأولئك : أتسلمون . # وعندي أن التعليق بالشرط لما اقتضى أنه للمستقبل فالمراد بفعل : ( حاجوك ~~) الاستمرار على المحاجة : أي فإن استمر وفد نجران على محاجتهم فقل لهم ~~قولا فصلا جامعا للفرق بين دينك الذي أرسلت به وبين ما هم متدينون به . ~~فمعنى { أسلمت وجهي لله } أخلصت عبوديتي له لا أوجه وجهي إلى غيره ، ~~فالمراد أن هذا كنه دين الإسلام ، وتبين أنه الدين الخالص ، وأنهم لا يلفون ~~تدينهم على هذا الوصفف . # وقوله : { وقل للذين أوتوا الكتاب والأمين أأسلمتم } معطوف على جملة ~~الشرط المفرعة على ما قبلها ، فيدخل المعطوف في التفريع ، فيكون تقدير ~~النظم : ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب فقل للذين كفروا بآيات ~~الله الذين أوتوا الكتاب والأميين : أأسلمتم ، أي فكرر دعوتهم إلى الإسلام ~~. # والاستفهام مستعمل في الاستبطاء والتحضيض كما في قوله تعالى : { فهل أنتم ~~منتهون } ( المائدة : 91 ) . وجيء بصيغة الماضي في قوله : { أأسلمتم ms1519 } دون ~~أن يقول أتسلمون على خلاف مقتضى الظاهر ، للتنبيه على أنه يرجو تحقق ~~إسلامهم ، حتى يكون كالحاصل في الماضي . # اعلم أن قوله : { أسلمت وجهي لله } كلمة جامعة لمعاني كنه الإسلام وأصوله ~~ألقيت إلى الناس ليتدبروا مطاويها فيهتدي الضالون ، ويزداد المسلمون يقينا ~~بدينهم ؛ إذ قد علمنا أن مجيء قوله : { أسلمت وجهي لله } عقب قوله : { إن ~~الدين عند الله الإسلام } ( آل عمران : 19 ) وقوله : { فإن حاجوك } وتعقيبه ~~بقوله : { أأسلمتم } أن المقصود منه بيان جامع معاني الإسلام حتى ~~PageV03P202 تسهل المجادلة ، وتختصر المقاولة ، ويسهل عرض المتشككين أنفسهم ~~على هذه الحقيقة ، ليعلموا ما هم عليه من الديانة . وبينت هذه الكلمة أن ~~هذا الدين يترجم عن حقيقة اسمه ؛ فإن اسمه الإسلام ، وهو مفيد معنى معروفا ~~في لغتهم يرجع إلى الإلقاء والتسليم ، وقد حذف مفعوله ونزل الفعل منزلة ~~الفعل اللازم فعلم أن المفعول حذف لدلالة معنى الفاعل عليه ، فكأنه يقول : ~~أسلمتني أي أسلمت نفسي ، فبين هنا هذا المفعول المحذوف من اسم الإسلام لئلا ~~يقع فيه التباس أو تأويل لما لا يطابق المراد ، فعبر عنه بقوله : ( وجهي ) ~~أي نفسي : لظهور ألا يحسن محمل الوجه هنا على الجزء المعروف من الجسد ، ولا ~~يفيد حمله عليه ما هو المقصود ، بل المعنى البين هو أن يراد بالوجه كامل ~~الذات ، كقوله تعالى : { كل شيء هالك إلا وجهه } ( القصص : 88 ) . # وإسلام النفس لله معناه إسلامها لأجله وصيرورتها ملكا له ، بحيث يكون ~~جميع أعمال النفس في مرضاة الله ، وتحت هذا معانن جمة هي جماع الإسلام : ~~نحصرها في عشرة : # المعنى الأول : تمام العبودية لله تعالى ، وذلك بألا يعبد غير الله ، ~~وهذا إبطال للشرك لأن المشرك بالله غير الله لم يسلم نفسه لله بل أسلم ~~بعضها . # المعنى الثاني : إخلاص العمل لله تعالى فلا يلحظ في عمله غير الله تعالى ~~، فلا يرائي ولا يصانع فيما لا يرضي الله ولا يقدم مرضاة غير الله تعالى ~~على مرضاة الله . # الثالث : إخلاص القول لله تعالى فلا يقول ما لا يرضى به الله ، ولا يصدر ~~عنه قول إلا فيما أذن الله ms1520 فيه أن يقال ، وفي هذا المعنى تجيء الصراحة ، ~~والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، على حسب المقدرة والعلمم ، والتصدي ~~للحجة لتأييد مراد الله تعالى ، وهي صفة امتاز بها الإسلام ، ويندفع بهذا ~~المعنى النفاق ، والملق ، قال تعالى في ذكر رسوله : { وما أنا من المتكلفين ~~} ( يس : 86 ) . # الرابع : أن يكون ساعيا لتعرف مراد الله تعالى من الناس ، ليجري أعماله ~~على وفقه ، وذلك بالإصغاء إلى دعوة الرسل المخبرين بأنهم مرسلون من الله ، ~~وتلقيها بالتأمل في وجود صدقها ، والتمييز بينها وبين الدعاوي الباطلة ، ~~بدون تحفز للتكذيب ، ولا PageV03P203 مكابرة في تلقي الدعوة ، ولا إعراضض ~~عنها بداعي الهوى وهو الإفحام ، بحيث يكون علمه بمراد الله من الخلق هو ~~ضالته المنشودة . # الخامس : امتثال ما أمر الله به ، واجتناب ما نهى عنه ، على لسان الرسل ~~الصادقين ، والمحافظة على اتباع ذلك بدون تغيير ولا تحريف ، وأن يذود عنه ~~من يريد تغييره . # السادس : ألا يجعل لنفسه حكما مع الله فيما حكم به ، فلا يتصدى للتحكم في ~~قبول بعض ما أمر الله به ونبذ البعض . كما حكى الله تعالى : { وإذا دعوا ~~إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون وإن يكن لهم الحق يأتوا ~~إليه مذعنين } ( النور : 48 ، 49 ) ، وقد وصف الله المسلمين بقوله : { وما ~~كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ~~} ( الأحزاب : 36 ) ، فقد أعرض الكفار عن الإيمان بالبعث ؛ لأنهم لم ~~يشاهدوا ميتا بعث . # السابع : أن يكون متطلبا لمراد الله مما أشكل عليه فيه ، واحتاج إلى جريه ~~فيه على مراد الله : بتطلبه من إلحاقه بنظائره التامة التنظير بما علم أنه ~~مراد الله ، كما قال الله تعالى : { ولو ردون إلى الرسول وإلى أولي الأمر ~~منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم } ( النساء : 83 ) ولهذا أدخل علماء ~~الإسلام حكم التفقه في الدين والاجتهاد ، تحت التقوى المأمور بها في قوله ~~تعالى : { فاتقوا الله ما استطعتم } ( التغبن : 16 ) . # الثامن : الإعراض عن الهوى المذموم في الدين ، وعن القولل فيه بغير سلطان ~~: { ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من ms1521 الله } ( القصص : 50 ) . # التاسع : أن تكون معاملة أفراد الأمة بعضها بعضا ، وجماعاتها ، ومعاملتها ~~الأمم كذلك ، جارية على مراد الله تعالى من تلك المعاملات . # العاشر : التصديق بما غيب عنا ، مما أنبأنا الله به : من صفاته ، ومن ~~القضاء والقدر ، وأن الله هو المتصرف المطلق . # وقوله : { وقل للذين أوتوا الكتاب والأمين أأسلمتم } إبطال لكونهم حاصلين ~~على هذا المعنى ، فأما المشركون فبعدهم عنه أشد البعد ظاهر ، وأما النصارى ~~فقد ألهوا عيسى ، وجعلوا مريم صاحبة لله تعالى فهذا أصل لبطلان أن يكونوا ~~أسلموا وجوههم PageV03P204 لله ؛ لأنهم عبدوا مع الله غيره ، وصانعوا الأمم ~~الحاكمة والملوك ، فأسسوا الدين على حسب ما يلذ لهم ويكسبهم الحظوة عندهم . # وأما اليهود فإنهم وإن لم يشركوا بالله قد نقضوا أصول التقوى ، فسفهوا ~~الأنبياء وقتلوا بعضهم ، واستهزءوا بدعوة الخير إلى الله ، وغيروا الأحكام ~~اتباعا للهوى ، وكذبوا الرسل ، وقتلوا الأحبار ، فأنى يكون هؤلاء قد أسلموا ~~لله ، وأكبر مبطل لذلك هو تكذيبهم محمدا صلى الله عليه وسلم دون النظر في ~~دلائل صدقه . # ثم إن قوله : { فإن أسلموا فقد اهتدوا } معناه : فإن التزموا النزول إلى ~~التحقق بمعنى أسلمت وجهي لله فقد اهتدوا ، ولم يبق إلا أن يتبعوك لتلقي ما ~~تبلغهم عن الله ؛ لأن ذلك أول معاني إسلام الوجه لله ، وإن تولوا وأعرضوا ~~عن قولك لهم : آسلمتم فليس عليك من إعراضهم تبعة ، فإنما عليك البلاغ ، ~~فقوله : { فإنما عليك البللاغ } وقع موقع جواب الشرط ، وهو في المعنى علة ~~الجواب ، فوقوعه موقع الجواب إيجاز بديع ، أي لا تحزن ، ولا تظنن أن عدم ~~اهتدائهم ، وخيبتك في تحصيل إسلامهم ، كان لتقصير منك ؛ إذ لم تبعث إلا ~~للتبليغ ، لا لتحصيل اهتداء المبلغ إليهم . # وقوله : { والله بصير بالعباد } أي مطلع عليهم أتم الأطلاع ، فهو الذي ~~يتولى جزاءهم وهو يعلم أنك بلغت ما أمرت به . # وقرأ نافع ، وأبو عمرو ، وحمزة والكسائي ، وأبو جعفر ، وخلف ( اتبعني ) ~~بإثبات ياء المتكلم في الوصل دون الوقف . وقرأه الباقون بإثبات الياء في ~~الوصل والوقف . # # | 2 ( 21 ، 22 ) { إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ~~ويقتلون الذين ms1522 يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم * أولائك الذين ~~حبطت أعمالهم في الدنيا والاخرة وما لهم من ناصرين } . ) 2 # استئناف لبيان بعض أحوال اليهود ، المنافية إسلام الوجه لله ، فالمراد ~~بأصحاب هذه الصلات خصوص اليهود ، وهم قد عرفوا بمضمون هذه الصلات في مواضع ~~كثيرة PageV03P205 من القرآن . والمناسبة : جريان الجدال مع النصارى وأن ~~جعلوا جميعا في قرن قوله : { وقل للذين أوتوا الكتاب والأمين أأسلمتم } ( ~~آل عمران : 20 ) . # وجيء في هاته الصلات بالأفعال المضارعة لتدل على استحضار الحالة الفظية ، ~~وليس المراد إفادة التجدد ؛ لأن ذلك وإن تأتى في قوله : { يكفرون } لا ~~يتأتى في قوله : { ويقتلون } لأنهم قتلوا الأنبياء والذين يأمرون بالقسط في ~~زمنن مضى . والمراد من أصحاب هذه الصلات يهود العصر النبوي : لأنهم الذين ~~توعدهم بعذاب أليم ، وإنما حمل هؤلاء تبعة أسلافهم لأنهم معتقدون سداد ما ~~فعله أسلافهم ، الذين قتلوا زكرياء لأنه حاول تخليص ابنه يحيى من القتل ، ~~وقتلوا يحيى لإيمانه بعيسى ، وقتلوا النبي إرمياء بمصر ، وقتلوا حزقيال ~~النبي لأجل توبيخه لهم على سوء أفعالهم ، وزعموا أنهم قتلوا عيسى عليه ~~السلام ، فهو معدود عليهم بإقرارهم وإن كانوا كاذبين فيه ، وقتل منشا ابن ~~حزقيال ، ملك إسرائيل ، النبي أشعياء : نشره بالمنشار لأنه نهاه عن المنكر ~~، بمرأى ومسمع من بني إسرائيل ، ولم يحموه ، فكان هذا القتل معدودا عليهم ، ~~وكم قتلوا ممن يأمرون بالقسط ، وكل تلك الجرائم معدودة عليهم ؛ لأنهم رضوا ~~بها ، وألحوا في وقوعها . # وقوله : { بغير حق } ظرف مستقر في موضع الحال المؤكدة لمضمون جملة { ~~يقتلون النبيئين } إذ لا يكون قتل النبيئين إلا بغير حق ، وليس له مفهوم ~~لظهور عدم إرادة التقييد والاحتراز ؛ فإنه لا يقتل نبيء بحق ، فذكر القيد ~~في مثله لا إشكال عليه ، وإنما يجيء الإشكال في القيد الواقع في حيز النفي ~~، إذا لم يكن المقصود تسلط النفي عليه مثل قوله تعالى : { لا يسألون الناس ~~إلحافا } ( البقرة : 273 ) وقوله : { ولا تكونوا أول كافر به ولا تشتروا ~~بآياتي ثمنا قليلا وقد تقدم في سورة البقرة ( 41 ) . # والمقصود من هذه الحال زيادة تشويه فعلهم . # ولما كان ms1523 قوله : ويقتلون الذين يأمرون بالقسط } مومئا إلى وجه بناء الخبر ~~: وهو أنهم إنما قتلوهم لأنهم يأمرون بالقسط أي بالحق ، فقد اكتفي بها في ~~الدلالة على الشناعة ، فلم تحتج إلى زيادة التشنيع . PageV03P206 # وقرأ الجمهور من العشرة { يقتلون } الثاني مثل الأول بسكون القاف وقرأه ~~حمزة وحده ( ويقاتلون ) بفتح القاف بعدها بصيغة المفاعلة وهي مبالغة في ~~القتل . # والفاء في { فبشرهم } فاء الجواب المستعملة في الشرط ، دخلت على خبر إن ~~لأن اسم إن وهو موصول تضمن معنى الشرط ، إشارة إلى أنه ليس المقصود ، قوما ~~معينين ، بل كل من يتصف بالصلة فجزاؤه أن يعلم أن له عذابا أليما . واستعمل ~~بشرهم في معنى أنذرهم تهكما . # وحقيقة التبشير : الإخبار بما يظهر سرور المخبر ( بفتح الباء ) وهو هنا ~~مستعمل في ضد حقيقته ، إذ أريد به الإخبار بحصول العذاب ، وهو موجب لحزن ~~المخبرين ، فهذا الاستعمال في الضد معدود عند علماء البيان من الاستعارة ، ~~ويسمونها تهكمية لأن تشبيه الضد بضده لا يروج في عقل أحد إلا على معنى ~~التهكم ، أو التمليح ، كما أطلق عمرو ابن كلثوم . اسم الأضياف على الأعداء ~~، وأطلق القرى على قتل الأعداء ، في قوله : # نزلتم منزل الأضيافف منا # فعجلنا القرى أن تشتمونا # قزيناكم فعجلنا قراكم # قبيل الصبح مرداة طحونا # قال السكاكي : وذلك بواسطة انتزاع شبه التضاد وإلحافه بشبه التناسب . # وجيء باسم الإشارة في قوله : { أولئك الذين حبطت أعمالهم } لأنهم تميزوا ~~بهذه الأفعال التي دلت عليها صلات الموصول أكمل تمييز ، وللتنبيه على أنهم ~~أحقاء بما سيخبر به عنهم بعد اسم الإشارة . # واسم الإشارة مبتدأ ، وخبره { الذين حبطت أعمالهم } ، وقيل هو خبر ( إن ) ~~وجملة { فبشرهم بعذاب أليم } وهو الجاري على مذهب سيبويه لأنه يمنع دخول ~~الفاء في الخبر مطلقا . # وحبط الأعمالل إزالة آثارها النافعة من ثوابب ونعيم في الآخرة ، وحياة ~~طيبة في الدنيا ، وإطلاق الحبط على ذلك تمثيل بحال الإبل التي يصيبها الحبط ~~وهو انتفاخ في بطونها من كثرة الأكل ، يكون سبب موتها ، في حين أكلت ما ~~أكلت للالتذاذ به . PageV03P207 # وتقدم عند قوله تعالى : { ومن يرتدد منكم عن دينه ms1524 فيمت وهو كافر فأولئك ~~حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة في سورة البقرة ( 217 ) . # والمعنى هنا أن اليهود لما كانوا متدينين يرجون من أعمالهم الصالحة النفع ~~بها في الآخرة بالنجاة من العقاب ، والنفع في الدنيا بآثار رضا الله على ~~عباده الصالحين ، فلما كفروا بآيات الله ، وجحدوا نبوءة محمد ، وصوبوا ~~الذين قتلوا الأنبياء والذين يأمرون بالقسط ، فقد ارتدوا عن دينهم فاستحقوا ~~العذاب الأليم ، ولذلك ابتدىء به بقوله : فبشرهم بعذاب أليم } . فلا جرم ~~تحبط أعمالهم فلا ينتفعون بثوابها في الآخرة ، ولا بآثارها الطيبة في ~~الدنيا ، ومعنى { وما لهم من ناصرين } ما لهم من ينقذهم من العذاب الذي ~~أنذروا به . # وجيء بمن الدالة على تنصيص العموم لئلا يترك لهم مدخل إلى التأويل . # # | 2 ( 23 25 ) { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب ~~الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون * ذالك بأنهم قالوا لن ~~تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم فى دينهم ما كانوا يفترون * فكيف إذا ~~جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون } . ) 2 # استئناف ابتدائي : للتعجيب من حالة اليهود في شدة ضلالهم . فالاستفهام في ~~قوله : { ألم تر } للتقرير والتعجيب ، وقد جاء الاستعمال في مثله أن يكون ~~الاستفهام داخلا على نفي الفعل والمراد حصول الإقرار بالفعل ليكون التقرير ~~على نفيه محرضا للمخاطب على الاعتراف به بناء على أنه لا يرضى أن يكون ممن ~~يجهله ، وقد تقدم عند قوله تعالى : { ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه } ~~في سورة البقرة ( 258 ) . PageV03P208 # والرؤية بصرية بدليل تعديتها بحرف إلى : الذي يتعدى به فعل النظر ، وجوز ~~صاحب الكشاف في قوله تعالى : { ألم تر إلى الذي أوتوا نصيبا من الكتاب ~~يشترون الضلالة في سورة النساء ( 44 ) : أن تكون الرؤية قلبية ، وتكون ( ~~إلى ) داخلة على المفعول الأول لتأكيد اتصال العلم بالمعلوم وانتهائه ~~المجازي إليه ، فتكون مثل قوله : ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم } ( البقرة : ~~258 ) . # وعرف المتحدث عنهم بطريق الموصولية دون لقبهم ، أعني اليهود : لأن في ~~الصلة ms1525 ما يزيد التعجيب من حالهم ؛ لأن كونهم على علم من الكتاب قليلل أو ~~كثير من شأنه أن يصدهم عما أخبر به عنهم . على ما في هذه الصلة أيضا من ~~توهين علمهم المزعوم . # والكتاب : التوراة فالتعريف للعهد ، وهو الظاهر ، وقيل : هو للجنس . # والمراد بالذين أوتوه هم اليهود ، وقيل : أريد النصارى ، أي أهل نجران . # والنصيب : القسط والحظ وتقدم عند قوله تعالى : { أولئك لهم نصيب مما ~~كسبوا في سورة البقرة ( 202 ) . # وتنكير نصيبا } للنوعية ، وليس للتعظيم ؛ لأن المقام مقام تهاون بهم ، ~~ويحتمل أن يكون التنوين للتقليل . # و { من } للتبعيض ، كما هو الظاهر من لفظ النصيب ، فالمراد بالكتاب جنس ~~الكتب ، والنصيب هو كتابهم ، والمراد : أوتوا بعض كتابهم ، تعريضا بأنهم لا ~~يعلمون من كتابهم إلا حظا يسيرا ، ويجوز كون من للبيان . والمعنى : أوتوا ~~حظا من حظوظ الكمال ، هو الكتاب الذي أوتوه . # وجملة { يدعون إلى كتاب الله } في موضوع الحال لأنها محل التعجيب ، وذلك ~~باعتبار ضميمة ما عطف عليها ، وهو ، قوله : { ثم يتولى فريق منهم } لأن ذلك ~~هو العجيب لا أصل دعوتهم إلى كتاب الله ، وإذا جعلت ( تر ) قلبية فجملة ~~يدعون في موضع المفعول الثاني وقد علمت بعده . # و { كتاب الله } : القرآن كما في قوله : { نبذ فريق من الذين أوتوا ~~الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم } ( البقرة : 101 ) . فهو غير الكتاب المراد ~~في قوله : { من الكتاب } كما ينبىء به تغيير PageV03P209 الأسلوب . والمعنى ~~: يدعون إلى اتباع القرآن والنظر في معانيه ليحكم بينهم فيأبون . ويجوز أن ~~يكون كتاب الله عين المراد من الكتاب ، وإنما غير اللفظ تفننا وتنويها ~~بالمدعو إليه ، أي يدعون إلى كتابهم ليتأملوا منه ، فيعلموا تبشيره برسول ~~يأتي من بعد ، وتلميحه إلى صفاته . # روي ، في سبب نزول هذه الآية : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل ~~مدراس اليهود فدعاهم إلى الإسلام ، فقال له نعيم بن عمرو ، والحارث بن زيد ~~: على أي دين أنت قال : على ملة إبراهيم قالا : فإن إبراهيم كان يهوديا . ~~فقال لهما : إن بيننا وبينكم التوراة فهلموا إليها ، فأبيا ، # وقوله : { ثم يتولى فريق منهم ms1526 } ( ثم ) عاطفة جملة { يتولى فريق منهم } ~~على جملة { يدعون } فالمعطوفة هنا في حكم المفرد فدلت ( ثم ) على أن توليهم ~~مستمر في أزمان كثيرة تبعد عن زمان الدعوة ، أي أنهم لا يرعوون فهم يتولون ~~ثم يتولون ؛ لأن المرء قد يعرض غضبا ، أو لعظم المفاجأة بالأمر غير المترقب ~~، ثم يثوب إليه رشده ، ويراجع نفسه ، فيرجع ، وقد علم أن توليهم إثر الدعوة ~~دون تراخخ حاصل بفحوى الخطاب . # فدخول { ثم } للدلالة على التراخي الرتبي ؛ لأنهم قد يتولون إثر الدعوة ، ~~ولكن أريد التعجيب من حالهم كيف يتولون بعد أن أوتوا الكتاب ونقلوه ، فإذا ~~دعوا إلى كتابهم تولوا . والإتيان بالمضارع في قوله : { يتولون } للدلالة ~~على التجدد كقول جعفر ابن علبة الحارثي : # ولا يكشف الغماء إلا ابن حرة # يرى غمراتت الموتت ثم يزورها # والتولي مجاز عن النفور والإباء ، وأصله الإعراض والانصراف عن المكان . # وجملة { وهم معرضون } حال مؤكدة لجملة { يتولى فريق } إذ التولي هو ~~الإعراض ، ولما كانت حالا لم تكن فيها دلالة على الدوام والثبات فكانت دالة ~~على تجدد الإعراض ، منهم المفاد أيضا من المضارع في قوله : { ثم يتولى فريق ~~منهم } . # وقوله : { ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار } الإشارة إلى توليهم وإعراضهم ~~، والباء للسببية : أي إنهم فعلوا ما فعلوا بسبب زعمهم أنهم في أمان من ~~العذاب إلا أياما قليلة ، PageV03P210 فانعدم اكتراثهم باتباع الحق ؛ لأن ~~اعتقادهم النجاة من عذاب الله على كل حالل جرأهم على ارتكاب مثل هذا ~~الإعراض . وهذا الإعتقاد مع بطلانه مؤذن أيضا بسفالة همتهم الدينية ، ~~فكانوا لا ينافسون في تزكية الأنفس . وعبر عن الإعتقاد بالقول دلالة على أن ~~هذا الإعتقاد لا دليل عليه وأنه قول مفتري مدلس ، وهذه العقيدة عقيدة ~~اليهود ، كما تقدم في البقرة . # وقوله : { وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون } أي ما تقولوه على الدين ~~وأدخلوه فيه ، فلذلك أتي بفي الدالة على الظرفية المجازية . ومن جملة ما ~~كانوا يفترونه قولهم : { لن تمسنا النار إلا أياما معدودة } ( البقرة : 80 ~~) ، وكانوا أيضا يزعمون أن الله وعد يعقوب ألا يعذب أبناءه . # وقد أخبر الله تعالى عن ms1527 مفاسد هذا الغرور والافتراء بإيقاعها في الضلال ~~الدائم ، لأن المخالفة إذا لم تكن عن غرور فالإقلاع عنها مرجو ، أما ~~المغرور فلا يترقب منه إقلاع . وقد ابتلي المسلمون بغرور كثير في تفاريع ~~دينهم وافتراءات من الموضوعات عادت على مقاصد الدين وقواعد الشريعة ~~بالإبطال ، وتفصيل ذلك في غير هذا المجال . # وقوله : { فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه } تفريع عن قوله : { وغرهم ~~في دينهم } أي إذا كان ذلك غرورا فكيف حالهم أو جزاؤهم إذا جمعناهم ~~ووفيناهم جزاءهم والاستفهام هنا مستعمل في التعجيب والتفظيع مجازا . # ( وكيف ) هنا خبر لمحذوف دل على نوعه السياق ، و { إذا } ظرف منتصب بالذي ~~عمل في مظروفه : وهو ما في كيف من معنى الاستفهام التفظيعي كقولك : كيف أنت ~~إذا لقيت العدو ، وسيجيء زيادة بيان لمثل هذا التركيب عند قوله تعالى : { ~~فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد في سورة النساء ( 41 ) . # PageV03P211 # | 2 ( 26 ، 27 ) قل اللهم مالك الملك تؤتى الملك من تشآء وتنزع الملك ممن ~~تشآء وتعز من تشآء وتذل من تشآء بيدك الخير إنك على كل شىء قدير * تولج ~~اليل فى النهار وتولج النهار فى اليل وتخرج الحى من الميت وتخرج الميت من ~~الحى وترزق من تشآء بغير حساب } . ) 2 # استئناف ابتدائي المقصود منه التعريض بأهل الكتاب بأن إعراضهم إنما هو ~~حسد على زوال النبوءة منهم ، وانقراض الملك منهم ، بتهديدهم وبإقامة الحجة ~~عليهم في أنه لا عجب أن تنتقل النبوءة من بني إسرائيل إلى العرب ، مع ~~الإيماء إلى أن الشريعة الإسلامية شريعة مقارنة للسلطان والملك . # و { اللهم } في كلام العرب خاص بنداء الله تعالى في الدعاء ، ومعناه يا ~~الله . ولما كثر حذف حرف النداء معه قال النحاة : إن الميم عوض من حرف ~~النداء يريدون أن لحاق الميم باسم الله في هذه الكلمة لما لم يقع إلا عند ~~إرادة الدعاء صار غنيا عن جلب حرف النداء اختصارا ، وليس المراد أن الميم ~~تفيد النداء . والظاهر أن الميم علامة تنوين في اللغة المنقول منها كلمة ( ~~اللهم ) من عبرانية أو قحطانية وأن ms1528 أصلها لا هم مرداف إله . # ويدل على هذا أن العرب نطقوا به هكذا في غير النداء كقول الأعشى : # كدعوة من أبي رباح # يسمعها اللهم الكبير # وأنهم نطقوا به كذلك مع النداء كقولل أبي خراش الهذلي : # إني إذا ما حدت ألما # أقول يا اللهم يا اللهما # وأنهم يقولون يا الله كثيرا . وقال جمهور النحاة : إن الميم عوض عن حرف ~~النداء المحذوف وإنه تعويض غير قياسي : وإن ما وقع على خلاف ذلك شذوذ . ~~وزعم الفراء أن اللهم مختزل من اسم الجلالة وجملة أصلها ( يا الله أم ) أي ~~أقبل علينا بخير ، وكل ذلك تكلف لا دليل عليه . PageV03P212 # والمالك هو المختص بالتصرف في شيء بجميع ما يتصرف في أمثاله مما يقصد له ~~من ذواتها ، ومنافعها ، وثمراتها ، بما يشاء فقد يكون ذلك بالانفراد ، وهو ~~الأكثر ، وقد يكون بمشاركة : واسعة ، أو ضيقة . # والملك بضم الميم وسكون اللام نوع من الملك بكسر الميم فالملك بالكسر جنس ~~والملك بالضم نوع منه وهو أعلى أنواعه ، ومعناه التصرف في جماعة عظيمة ، أو ~~أمة عديدة تصرف التدبير للشؤون ، وإقامة الحقوق ، ورعاية المصالح ، ودفع ~~العدوان عنها ، وتوجيهها إلى ما فيه خيرها ، بالرغبة والرهبة . وانظر قوله ~~تعالى : { قالوا أنى يكون له الملك علينا في سورة البقرة ( 247 ) وقد تقدم ~~شيء من هذا عند قوله تعالى : مالك يوم الدين } ( الفاتحة : 4 ) ، فمعنى ~~مالك الملك أنه المتصرف في نوع الملك ( بالضم ) بما يشاء ، بأن يراد بالملك ~~هذا النوع . والتعريف في الملك الأول لاستغراق الجنس : أي كل ملك هو في ~~الدنيا . ولما كان الملك ماهية من المواهي ، كان معنى كون الله مالك الملك ~~أنه المالك لتصريف الملك ، أي لإعطائه ، وتوزيعه ، وتوسيعه ، وتضييقه ، فهو ~~على تقدير مضاف في المعنى . # والتعريف في الملك الثاني والثالث للجنس ، دون استغراق أي طائفة وحصة من ~~جنس الملك ، والتعويل في الفرق بين مقدار الجنس على القرائن . ولذلك بينت ~~صفة مالك الملك بقوله : { تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء } ( آل ~~عمران : 26 ) فإن إيتاءه ونزعه مقول عليه بالتشكيك : إيجابا ، وسلبا ، ~~وكثرة ms1529 وقلة . # والنزع : حقيقة إزالة الجرم من مكانه : كنزع الثوب ، ونزع الماء من البئر ~~، ويستعار لإزالة الصفات والمعاني كما قال تعالى : { ونزعنا ما في صدورهم ~~من غل } ( الأعراف : 43 ) بتشبيه المعنى المتمكن بالذات المتصلة بالمكان ، ~~وتشبيه إزالته بالنزع ، ومنه قوله هنا : { تنزع الملك } أي تزيل وصف الملك ~~ممن تشاء . # وقوله : { بيدك الخير } تمثيل للتصرف في الأمر ؛ لأن المتصرف يكون أقوى ~~تصرفه بوضع شيء بيده ، ولو كان لا يوضع في اليد ، قال عنترة بن الأخرس ~~المعني الطائي : # فما بيديك خير أرتجيه # وغير صدودك الخطب الكبير # وهذا يعد من المتشابه لأن فيه إضافة اليد إلى ضمير الجلالة ، ولا تشابه ~~فيه : لظهور PageV03P213 المراد من استعماله في الكلام العربي . والاقتصار ~~على الخير في تصرف الله تعالى اكتفاء كقوله تعالى : { سرابيل تقيكم الحر } ~~( النحل : 81 ) أي والبرد . # وكان الخير مقتضى بالذات أصالة والشر مقتضى بالعرض قال الجلال الدواني في ~~شرح ديباجة هياكل النور : # ( وخص الخير هنا لأن المقام مقام ترجي المسلمين الخيرمن الله ، وقد علم ~~أن خيرهم شر لضدهم كما قيل : # مصائب قوم عند يوم فوائد # أي ( الخير مقتضى الذات والشر مقتضي بالعرض وصادر بالتبع لما أن بعض ما ~~يتضمن خيرات كثيرة هو مستلزم لشر قليل ، فلو تركت تلك الخيرات الكثيرة لذلك ~~الشر القليل ، لصار تركها شرا كثيرا ، فلما صدر ذلك الخير لزمه حصول ذلك ~~الشر ) . # وحقيقة ( تولج ) تدخل وهو هنا استعارة لتعاقب ضوء النهار وظلمة الليل ، ~~فكأن أحدهما يدخل في الآخر ، ولازدياد مدة النهار على مدة الليل وعكسه في ~~الأيام والفصول عدا أيام الاعتدال وهي في الحقيقة لحظات قليلة ثم يزيد ~~أحدهما لكن الزيادة لا تدرك في أولها فلا يعرفها إلا العلماء ، وفي الظاهر ~~هي يومان في كل نصف سنة شمسية قال ابن عرفة : ( كان بعضهم يقول : القرآن ~~يشتمل على ألفاظ يفهمها العوام وألفاظ يفهمها الخواص وما يفهمه الفريقات ~~ومنه هذه الآية ؛ فإن الإيلاج يشمل الأيام التي لا يفهمها إلا الخواص ~~والفصول التي يدركها سائر العوام ) . # وفي هذا رمز إلى ما حدث في العالم من ms1530 ظلمات الجهالة والإشراك ، بعد أن ~~كان الناس على دين صحيح كدين موسى ، وإلى ما حدث بظهور الإسلام من إبطال ~~الضلالات ، ولذلك ابتدىء بقوله : { تولج الليل في النهار } ، ليكون ~~الانتهاء بقوله : { وتولج النهار في الليل } ، فهو نظير التعريض الذي بينته ~~في قوله : { تؤتي الملك من تشاء } الآية . والذي دل على هذا الرمز افتتاح ~~الكلام بقوله : { اللهم مالك الملك } إلخ . # وإخراج الحي من الميت كخروج الحيوان من المضغة ، ومن مح البيضة . وإخراج ~~الميت من الحي في عكس ذلك كله ، وسيجيء زيادة بيان لهذا عند قوله : { ومن ~~يخرج PageV03P214 الحي من الميت في سورة يونس ( 31 ) . وهذا رمز إلى ظهور ~~الهدى والملك في أمة أمية ، وظهور ضلال الكفر في أهل الكتابين ، وزوال ~~الملك من خلفهم يعد أن كان شعار أسلافهم ، بقرينة افتتاح الكلام بقوله : ~~اللهم مالك الملك } إلخ . # وقرأ نافع ، وحمزة ، والكسائي ، وحفص عن عاصم ، وأبو جعفر ، وخلف : ( ~~الميت ) بتشديد التحتية . وقرأه ابن كثير ، وابن عامر ، وأبو عمرو ، وأبو ~~بكر عن عاصم ، ويعقوب : بسكون التحتية وهما وجهان في لفظ الميت . # وقوله : { وترزق من تشاء بغير حساب } هو كالتذييل لذلك كله . # والرزق ما ينتفع به الإنسان فيطلق على الطعام والثمار كقوله : { وجد ~~عندها رزقا } ( آل عمران : 37 ) وقوله : { فليأتكم برزق منه } ( الكهف : 19 ~~) ، ويطلق على أعم من ذلك مما ينتفع به كما في قوله تعالى : { يدعون فيها ~~بفاكهة كثيرة وشراب . وعندهم قاصرات الطرف أتراب ثم قال إن لهذا لرزقنا ~~ماله من نفاد } ( ص : 51 54 ) وقوله : { قل من يرزقكم من السماوات والأرض ~~قل الله } ومن ثم سميت الدراهم والدنانير رزقا : لأن بها يعوض ما هو رزق ، ~~وفي هذا إيماء إلى بشارة للمسلمين بما أخبىء لهم من كنوز الممالك الفارسية ~~والقيصرية وغيرها . # # | 2 ( 28 ) { لا يتخذ المؤمنون الكافرين أوليآء من دون المؤمنين ومن يفعل ~~ذالك فليس من الله في شىء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى ~~الله المصير } . ) 2 # استئناف عقب به الآي المتقدمة ، المتضمنة عداء المشركين للإسلام وأهله ، ~~وحسد اليهود لهم ، وتوليهم ms1531 عنه : من قوله : { إن الذين كفروا لن تغني عنهم ~~} ( آل عمران : 116 ) إلى هنا . # فالمناسبة أن هذه كالنتيجة لما تقدمها : # نهى الله المؤمنين بعد ما بين لهم بغي المخالفين وإعراضهم أن يتخذوا ~~الكفار أولياء من دون المؤمنين ؛ لأن اتخاذهم أولياء بعد أن سفه الآخرون ~~دينهم وسفهوا أحلامهم في اتباعه يعد ضعفا في الدين وتصويبا للمعتدين . ~~PageV03P215 # وشاع في اصطلاح القرآن إطلاق وصف الكفر على الشرك ، والكافرين والذين ~~كفروا على المشركين ، ولعل تعليق النهي عن الاتخاذ بالكافرين بهذا المعنى ~~هنا لأن المشركين هم الذين كان بينهم وبين المهاجرين صلات ، وأنساب ، ~~ومودات ، ومخالطات مالية ، فكانوا بمظنة الموالاة مع بعضهم . وقد علم كل ~~سامع أن من يشابه المشركين في موقفه تجاه الإسلام يكون تولي المؤمنين إياه ~~كتوليهم المشركين . وقد يكون المراد بالكافرين جميع المخالفين في الدين : ~~مثل المراد من قوله : { ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب } ( آل ~~عمران : 19 ) ، فلذلك كله قيل : إن الآية نزلت في ( حاطب بن أبي بلتعه ) ~~وكان كان من أفاضل المهاجرين وخلص المؤمنين ، إلا أنه تأول فكتب كتابا إلى ~~قريش يعلمهم بتجهيز النبي صلى الله عليه وسلم لفتح مكة ، وقيل : نزلت في ~~أسماء ابنة أبي بكر لما استفتت رسول الله صلى الله عليه وسلم في بر والدتها ~~وصلتها ، أي قبل أن تجيء أمها إلى المدينة راغبة ؛ فإنه ثبت في ( الصحيح ) ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها : صلي أمكك . وقيل : نزلت في فريق من ~~الأنصار كانوا متولين لكعب بن الأشرف ، وأبي رافع ابن أبي الحقيق ، وهما ~~يهوديان بيثرب . وقيل : نزلت في المنافقين وهم ممن يتولى اليهود ؛ إذ هم ~~كفار جهتهم ، وقيل : نزلت في عبادة بن الصامت وكان له حلف مع اليهود ، فلما ~~كان يوم الأحزاب ، قال عبادة للنبيء صلى الله عليه وسلم إن معي خمسمائة رجل ~~من اليهود ، وقد رأيت أن يخرجوا معي فأستظهر بهم على العدو . وقيل : نزلت ~~في عمار بن ياسر لما أخذه المشركون فعذبوه عذابا شديدا ، فقال ما أرادوه ~~منه ، فكفوا عنه ، فشكا ذلك ms1532 إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له : ( كيف ~~تجد قلبك ) قال : ( مطمئنا بالإيمان ) فقال : فإن عادوا فعد . # وقوله : { من دون المؤمنين } ( من ) لتأكيد الظرفية . # والمعنى : مباعدين المؤمنين أي في الولاية ، وهو تقييد للنهي بحسب الظاهر ~~، فيكون المنهي عنه اتخاذ الكافرين أولياء دون المؤمنين ، أي ولاية المؤمن ~~الكفار التي تنافي ولايته المؤمنين ، وذلك عندما يكون في تولي الكافرين ~~إضرار بالمؤمنين ، وأصل القيود أن تكون للاحتراز ، ويدل لذلك قوله بعده : ( ~~ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء ) لأنه نفي لوصلة من يفعل ذلك بجانب الله ~~تعالى في جميع الأحوال ، والعرب تقول : ( أنت PageV03P216 مني وأنا منك ) ~~في معنى شدة الاتصال حتى كأن أحدهما جزء من الآخر ، أو مبتدأ منه ، ويقولون ~~في الانفصال والقطيعة : لست مني ولست منك ؛ قال النابغة : # فإني لست منك ولست مني # فقوله : { في شيء } تصريح بعموم النفي في جميع الأحوال لرفع احتمال تأويل ~~نفي الاتصال بأغلب الأحوال فالمعنى أن فاعل ذلك مقطوع عن الانتماء إلى الله ~~، وهذا ينادي على أن المنهي عنه هنا ضرب من ضروب الكفر ، وهو الحال التي ~~كان عليها المنافقون ، وكانوا يظنون ترويجها على المؤمنين ، ففضحهم الله ~~تعالى ، ولذلك قيل : إن هذه الآية نزلت في المنافقين ، ومما يدل على ذلك ~~أنها نظير الآية الأخرى : { يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء ~~من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا إن المنافقين في ~~الدرك الأسفل من النار } ( النساء : 144 ، 145 ) . # وقيل : لا مفهوم لقوله : { من دون المؤمنين } لأن آيات كثيرة دلت على ~~النهي عن ولاية الكافرين مطلقا : كقوله : { يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا ~~اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض } ( المائدة : 51 ) وقوله { يأيها ~~الذين ءامنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزؤا ولعبا من الذين أوتوا ~~الكتاب من قبلكم والكفار أولياء } ( المائدة : 57 ) وإلى هذا الوجه مال ~~الفخر . # واسم الإشارة في قوله : { ذلك } بمعنى ذلك المذكور ، وهو مضمون قوله : { ~~أولياء من دون المؤمنين } . # والآية نهي عن موالاة الكافرين دون المؤمنين باعتبار القيد أو مطلقا ، ~~والموالاة ms1533 تكون بالظاهر والباطن وبالظاهر فقط ، وتعتورها أحوال تتبعها ~~أحكام ، وقد استخلصت من ذلك ثمانية أحوال . # الحالة الأولى : أن يتخذ المسلم جماعة الكفر ، أو طائفته ، أولياء له في ~~باطن أمره ، ميلا إلى كفرهم ، ونواء لأهل الإسلام ، وهذه الحالة كفر ، وهي ~~حال المنافقين ، وفي حديث عتبان بن مالك : أن قائلا قال في مجلس رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ( أين مالك بن الدخشن ) ، فقال آخر : ( ذلك منافق لا ~~يحب الله ورسوله ) فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( لا تقل ذلك أما سمعته ~~يقول لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله ) فقال القائل : PageV03P217 ( ~~الله ورسوله أعلم فإنا نرى وجهه ونصيحته إلى المنافقين ) . فجعل هذا الرجل ~~الانحياز إلى المنافقين علامة على النفاق لولا شهادة الرسول لمالك بالإيمان ~~أي في قلبه مع إظهاره بشهادة لا إله إلا الله . # الحالة الثانية : الركون إلى طوائف الكفر ومظاهرتهم لأجل قرابة ومحبة دون ~~الميل إلى دينهم ، في وقت يكون فيه الكفار متجاهرين بعداوة المسلمين ، ~~والاستهزاء بهم ، وإذاهم كما كان معظم أحوال الكفار ، عند ظهور الإسلام مع ~~عدم الانقطاع عن مودة المسلمين ، وهذه حالة لا توجب كفر صاحبها ، إلا أن ~~ارتكبها إثم عظيم ، لأن صاحبها يوشك أن يواليهم على مضرة الإسلام ، على أنه ~~من الواجب إظهار الحمية للإسلام ، والغيرة عليه ، كما قل العتابي : # تود عدوي ثم تزعم أنني # صديقك إن الرأي عنك لعازب # وفي مثلها نزل قوله تعالى : { يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا ~~دينكم هزؤا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء } ( ~~المائدة : 9 ) قال ابن عطية : كانت كفار قريش من المستهزئين ) وفي مثل ذلك ~~ورد قوله تعالى : { إنما ينهاكم اللهعن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من ~~دياركم } ( الممتحنة : 9 ) الآية وقوله تعالى : { يأيها الذين آمنوا لا ~~تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا } ( آل عمران : 118 ) الآية نزلت ~~في قوم كان ، بينهم وبين اليهود ، جوار وحلف في الجاهلية ، فداوموا عليه في ~~الإسلام فكانوا يأنسون بهم ويستنيمون إليهم ، ومنهم أصحاب كعب بن الأشرف ، ~~وأبي رافع ms1534 ابن أبي الحقيق ، وكانا يؤذيان رسول الله صلى الله عليه وسلم # الحالة الثالثة : كذلك ، بدون أن يكون طوائف الكفار متجاهرين ببغض ~~المسلمين ولا بأذاهم ، كما كان نصارى العرب عند ظهور الإسلام قال تعالى : { ~~ولتجدن أقربهم مودة للذين ءامنوا ، الذين قالوا إنا نصارى } ( المائدة : 82 ~~) وكذلك كان حال الحبشة فإنهم حموا المؤمنين ، وآووهم ، قال الفخر : وهذه ~~واسطة ، وهي لا توجب الكفر ، إلا أنه منهي عنه ، إذ قد يجر إلى استحسان ما ~~هم عليه وانطلاء مكائدهم على المسلمين . # الحالة الرابعة : موالاة طائفة من الكفار لأجل الإضرار بطائفة معينة من ~~المسلمين مثل الانتصار بالكفار على جماعة من المسلمين ، وهذه الحالة ~~أحكامها متفاوتة ، فقد قال PageV03P218 مالك ، في الجاسوس يتجسس للكفار على ~~المسلمين : إنه يوكل إلى اجتهاد الإمام ، وهو الصواب لأن التجسس يختلف ~~المقصد منه إذ قد يفعله المسلم غرورا ، ويفعله طمعا ، وقد يكون على سبيل ~~الفلتة ، وقد يكون له دأبا وعادة ، وقال ابن القاسم : ذلك زندقة لا توبة ~~فيه ، أي لا يستتاب ويقتل كالزنديق ، وهو الذي يظهر الإسلام ويسر الكفار ، ~~إذا اطلع عليه ، وقال ابن وهب ردة ويستتاب ، وهما قولان ضعيفان من جهة ~~النظر . # وقد استعان المعتمد ابن عباد صاحب أشبيلية بالجلالقة على المرابطين ~~اللمتونيين ، فيقال : إن فقهاء الأندلس أفتوا أمير المسلمين عليا بن يوسف ~~بنن تاشفين ، بكفر ابن عباد ، فكانت سبب اعتقاله ولم يقتله ولم ينقل أنه ~~استتابه . # الحالة الخامسة : أن يتخذ المؤمنون طائفة من الكفار أولياء لنصر المسلمين ~~على أعدائهم ، في حين إظهار أولئك الكفار محبة المسلمين وعرضهم النصرة لهم ~~، وهذه قد اختلف العلماء في حكمها : ففي المدونة قال ابن القاسم : لا ~~يستعان بالمشركين في القتال لقوله عليه السلام لكافر تبعه يوم خروجه إلى ~~بدر : ( ارجع فلن أستعين بمشرك ) وروى أبو الفرج ، وعبد الملك بن حبيب : أن ~~مالكا قال : لا بأس بالاستعانة بهم عند الحاجة ، قال ابن عبد البر : وحديث ~~( لن أستعين بمشرك ) مختلف في سنده ، وقال جماعة : هو منسوخ ، قال عياض : ~~حمله بعض علمائنا على أنه كان في وقت خاص واحتج ms1535 هؤلاء بغزو صفوان بن أمية ~~مع النبي صلى الله عليه وسلم في حنين ، وفي غزوة الطائف ، وهو يومئذ غير ~~مسلم ، واحتجوا أيضا بأن النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغه أن أبا سفيان ~~يجمع الجموع ليوم أحد قال لبني النضير من اليهود : ( إنا وأنتم أهل كتاب ~~وإن لأهل الكتاب على أهل الكتاب النصر فإما قاتلتم معنا وإلا أعرتمونا ~~السلاح ) وإلى هذا ذهب أبو حنيفة ، والشافعي ، والليث ، والأوزاعي ، ومن ~~أصحابنا من قال : لا نطلب منهم المعونة ، وإذا استأذنونا لا نأذن لهم : لأن ~~الإذن كالطلب ، ولكن إذا أخرجوا معنا من تلقاء أنفسهم لم نمنعهم ، ورام ~~بهذا الوجه التوفيق بين قول ابن القاسم ورواية أبي الفرج ، قاله ابن رشد في ~~البيان من كتاب الجهاد ، ونقل ابن رشد عن الطحاوي عن أبي حنيفة : أنه أجاز ~~الاستعانة بأهل الكتاب دون المشركين ، قال ابن رشد : وهذا لا وجه له ، وعن ~~أصبغ المنع مطلقا بلا تأويل . PageV03P219 # الحالة السادسة : أن يتخذ واحد من المسلمين واحدا من الكافرين بعينه وليا ~~له ، في حسن المعاشرة أو لقرابة ، لكمال فيه أو نحو ذلك ، من غير أن يكون ~~في ذلك إضرار بالمسلمين ، وذلك غير ممنوع ، فقد قال تعالى في الأبوين : { ~~وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا ~~معروفا } ( لقمان : 15 ) واستأذنت أسماء النبي صلى الله عليه وسلم في بر ~~والدتها وصلتها ، وهي كافرة ، فقال لها : ( صلي أمك ) وفي هذا المعنى نزل ~~قوله تعالى : { لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم ~~من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم } ( الممتجنة : 8 ) قيل نزلت في والدة ~~أسماء ، وقيل في طوائف من مشركي مكة : وهم كنانة ، وخزاعة ، ومزينة ، وبنو ~~الحرث ابن كعب ، كانوا يودون انتصار المسلمين على أهل مكة . وعن مالك تجوز ~~تعزية الكافر بمن يموت له . وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرتاح للأخنس بن ~~شريق الثقفي ، لما يبديه من محبة النبي ، والتردد عليه ، وقد نفعهم يوم ~~الطائف إذ صرف بني زهرة ، وكانوا ms1536 ثلاثمائة فارس ، عن قتال المسلمين ، وخنس ~~بهم كما تقدم في قوله تعالى : { ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ~~الآية . # الحالة السابعة : حالة المعاملات الدنيوية : كالتجارات ، والعهود ، ~~والمصالحات ، أحكامها مختلفة باختلاف الأحوال وتفاصيلها في الفقه . # الحالة الثامنة : حالة إظهار الموالاة لهم لاتقاء الضر وهذه هي المشار ~~إليها بقوله تعالى : إلا أن تتقوا منهم تقاة } . # والاستثناء في { إلا أن تتقوا } منقطع ناشىء عن جملة { فليس من الله في ~~شيء } لأن الاتقاء ليس مما تضمنه اسم الإشارة ، ولكنه أشبه الولاية في ~~المعاملة . # والاتقاء : تجنب المكروه ، وتعديته بحرف ( من ) إما لأن الاتقاء تستر ~~فعدي بمن كما يعدى فعل تستر ، وإما لتضمينه معنى تخافوا . # و { تقاة } قرأه الجمهور : بضم المثناة الفوقية وفتح القاف بعدها ألف ، ~~وهو اسم مصدر الاتقاء ، وأصله وقية فحذفت الواو التي هي فاء الكلمة تبعا ~~لفعل اتقى إذ قلبت واوه تاء ليتأتى إدغامها في تاء الافتعال ، ثم أتبعوا ~~ذلك باسم مصدره كالتجاة PageV03P220 والتكلة والتوءدة والتخمة إذ لا وجه ~~لإبدال الفاء تاء في مثل تقاة إلا هذا . وشذ تراث . يدل لهذا المقصد قول ~~الجوهري : ( وقولهم تجاهك بني على قولهم اتجه لهم رأي ) . وفي ( اللسان ) ~~في تخمة ، ( لأنهم توهموا التاء أصلية لكثرة الاستعمال ) . ويدل لذلك أيضا ~~قرن هذه الأسماء مع أفعالها في نحو هذه الآية ، ونحو قوله : { يأيها الذين ~~ءامنوا اتقوا الله حق تقاته } ( آل عمران : 102 ) وقرأه يعقوب بفتح الفوقية ~~وكسر القاف وفتح التحتية مشددة بوزن فعيلة . # وفائدة التأكيد بالمفعول المطلق هنا : الإشارة إلى تحقق كون الحالة حالة ~~تقية ، وهذه التقية مثل الحال التي كان عليها المستضعفون من المؤمنين الذين ~~لم يجدوا سبيلا للهجرة ، قال تعالى : { إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان } ~~( النحل : 106 ) ومثل الحالة التي لقيها مسلمو الأندلس حين أكرههم النصارى ~~على الكفر فتظاهروا به إلى أن تمكنت طوائف منهم من الفرار ، وطوائف من ~~استئذان الكفار في الهجرة إلى بلاد الإسلام فأذن لهم العدو ، وكذلك يجب أن ~~تكون التقاة غير دائمة لأنها إذا طالت دخل الكفر في الذراري . # وقوله ms1537 : { ويحذركم الله نفسه } تحذير من المخالفة ومن التساهل في دعوى ~~التقية واستمرارها أو طول زمانها . # وانتصاب { نفسه } على نزع الخافض وأصله ويحذركم الله من نفسه ، وهذا ~~النزع هو أصل انتصاب الاسمين في باب التحذير في قولهم إياك الأسد ، وأصله ~~أحذرك من الأسد . وقد جعل التحذير هنا من نفس الله أي ذاته ليكون أعم في ~~الأحوال ، لأنه لو قيل يحذركم الله غضبه لتوهم أن لله رضا لا يضر معه ، ~~تعمد مخالفة أوامره ، والعرب إذا أرادت تعميم أحوال الذات علقت الحكم ~~بالذات : كقولهم لولا فلان لهلك فلان ، وقوله تعالى : { ولولا رجال مؤمنون ~~إلى قوله لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما } ( الفتح : 25 ) ومن هذا ~~القبيل تعليق شرط لولا على الوجود المطلق الذي سوغ حذف الخبر بعد لولا . # وسيجيء الكلام على صحة إطلاق النفس مضافا إلى الله تعالى في سورة العقود ~~عند قوله تعالى : { تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك } ( المائدة : 116 ~~) . # وهذا إعذار وموعظة وتهديد بالعقاب على مخالفة ما نهاهم الله عنه . ~~PageV03P221 # و { المصير } : هو الرجوع ، وأريد به البعث بعد الموت وقد علم مثبتو ~~البعث لا يكون إلا إلى الله ، فالتقديم في قوله : { وإلى الله } لمجرد ~~الاهتمام ، وهذا تعريض بالوعيد أكد به صريح التهديد الذي قبله . # # | 2 ( 29 ) { قل إن تخفوا ما فى صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما فى ~~السماوات وما فى الارض والله على كل شىء قدير } . ) 2 # انتقال من التحذير المجمل إلى ضرب من ضروب تفصيله ، وهو إشعار المحذر ~~باطلاع الله على ما يخفونه من الأمر . # وذكر الصدور هنا والمراد البواطن والضمائر : جريا على معروف اللغة من ~~إضافة الخواطر النفسية إلى الصدر والقلب ، لأن الانفعالات النفسانية ~~وترددات التفكر ونوايا النفوس كلها يشعر لها بحركات في الصدور . # وزاد أو تبدوه فأفاد تعميم العلم تعليما لهم بسعة علم الله تعالى لأن ~~مقام إثبات صفات الله تعالى يقتضي الإيضاح . # وجملة { ويعلم ما في السماوات وما في الأرض } معطوفة على جملة الشرط فهي ~~معمولة لفعل قل ، وليست معطوفة على ms1538 جواب الشرط : لأن علم الله بما في ~~السماوات وما في الأرض ثابت مطلقا غير معلق على إخفاء ما في نفوسهم وإبدائه ~~وما في الجملة من التعميم يجعلها في قوة التذييل . # وقوله : { والله على كل شيء قدير } إعلام بأنه مع العلم ذو قدرة على كل ~~شيء ، وهذا من التهديد ؛ إذ المهدد لا يحول بينه وبين تحقيق وعيده إلا أحد ~~أمرين : الجهل بجريمة المجرم ، أو العجز عنه ، فلما أعلمهم بعموم علمه ، ~~وعموم قدرته ، علموا أن الله لا يفلتهم من عقابه . # وإظهار اسم الله دون ضميره فلم يقل وهو على كل شيء قدير : لتكون الجملة ~~مستقلة فتجري مجرى المثل ، والجملة لها معنى التذييل . والخطاب للمؤمنين ~~تبعا لقوله : { لا يتخذ المؤمنون الكافرين } ( آل عمران : 28 ) الآية . # PageV03P222 $ 2 ( 30 ) { يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت ~~من سو & # 1764 ء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رءوف ~~بالعباد } . ) 2 $ # جملة مستأنفة ، أصل نظم الكلام فيها : تود كل نفس لو أن بينها وبين ما ~~عملت من سوء أمدا بعيدا يوم تجد ما عملت من خير محضرا . فقدم ظرفها على ~~عامله على طريقة عربية مشهورة الاستعمال في أسماء الزمان ، إذا كانت هي ~~المقصود من الكلام ، قضاء لحق الإيجاز بنسج بديع . ذلك أنه إذا كان اسم ~~الزمان هو الأهم في الغرض المسوق له الكلام ، وكان مع ذلك ظرفا لشيء من ~~علائقه ، جيء به منصوبا على الظرفية ، وجعل معنى بعضض ما يحصل منه مصوغا في ~~صيغة فعلل عامل في ذلك الظرف . أو أصل الكلام : يحضر لكل نفس في يوم ~~الإحضار ما عملت من خير وما عملت من سوء ، فتود في ذلك اليوم لو أن بينها ~~وبين ما عملت من سوء أمدا بعيدا ، أي زمانا متأخرا ، وأنه لم يحضر ذلك ~~اليوم . فالضمير في قوله وبينه على هذا يعود إلى ما عملت من سوء ، فحول ~~التركيب ، وجعل ( تود ) هو الناصب ليوم ، ليستغنى بكونه ظرفا عن كونه فاعلا ~~. أو يكون أصل الكلام : يوم ms1539 تجد كل نفس ما عملت من خير ومن شر محضرا ، تود ~~لو أن بينها وبين ذلك اليوم أمدا بعيدا ؛ ليكون ضمير بينه عائدا إلى يوم أي ~~تود أنه تأخر ولم يحضر كقوله : { رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق } ( ~~المنافقون : 10 ) وهذا التحويل من قبيل قول امرىء القيس . # ويوما على ظهر الكثيب تعذرت # علي وآلت حلفة لم تحلل # فإن مقصده ما حصل في اليوم ، ولكنه جعل الاهتمام بنفس اليوم ، لأنه ظرفه ~~. ومنه ما يجيء في القرآن غير مرة ، ويكثر مثل هذا في الجمل المفصول بعضها ~~عن بعض بدون عطف لأن الظرف والمجرور يشبهان الروابط ، فالجملة المفصولة إذا ~~صدرت بواحد منها أكسبها ذلك نوع ارتباط بما قبلها : كما في هذه الآية ، ~~وقوله تعالى : { وإذ قالت امرأة عمران } ( آل عمران : 35 ) ونحوهما ، وهذا ~~أحسن الوجوه في نظم هذه الآية وأومأ إليه في ( الكشاف ) . PageV03P223 # وقيل منصوب باذكر ، وقيل متعلق بقوله : { المصير } وفيه بعد لطول الفصل ، ~~وقيل بقوله : ( ويحذركم ) وهو بعيد ، لأن التحذير حاصل من وقت نزول الآية ، ~~ولا يحسن أن يجعل عامل الظرف في الآية التي قبل هذه لعدم التئام الكلام حق ~~الالتئام . # فعلى الوجه الأول قوله تود هو مبدأ الاستئناف ، وعلى الوجوه الأخرى هو ~~جملة حالية من قوله وما عملت من سوء . # وقوله : { ويحذركم الله نفسه } يجوز أن كون تكريرا للتحذير الأول لزيادة ~~التأكيد كقول لبيد : # فتنازعا سبطا يطير ظلاله # كدخان مشعلة يشب ضرامها # مشمولة غلثت بنابت عرنج # كدخانن نار ساطعع أسنامها # ويجوز أن يكون الأول تحذيرا من موالاة الكافرين ، والثاني تحذيرا من أن ~~يجدوا يوم القيامة ما عملوا من سوء محضرا . # والخطاب للمؤمنين ولذلك سمى الموعظة تحذيرا : لأن المحذر لا يكون متلبسا ~~بالوقوع في الخطر ، فإن التحذير تبعيد من الوقوع وليس انتشالا بعد الوقوع ~~وذيله هنا بقوله : { والله رؤوف بالعباد } للتذكير بأن هذا التحذير لمصلحة ~~المحذرين . # والتعريف في العباد للاستغراق : لأن رأفة الله شاملة لكل الناس مسلمهم ~~وكافرهم : { ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة } ( ~~فاطر ms1540 : 45 ) { الله لطيف بعباده } ( الشورى : 19 ) وما وعيدهم إلا لجلب ~~صلاحهم ، وما تنفيذه بعد فوات المقصود منه إلا لصدق كلماته ، وانتظامم ~~حكمته سبحانه . ولك أن تجعل ( أل ) عوضا عن المضاف إليه أي بعباده فيكون ~~بشارة للمؤمنين . # # | 2 ( 31 ) { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ويغفر لكم ~~ذنوبكم والله غفور رحيم } . ) 2 # انتقال إلى الترغيب بعد الترهيب على عادة القرآن . والمناسبة أن الترهيب ~~المتقدم ختم بقوله : { والله رؤف بالعباد } ( آل عمران : 30 ) والرأفة ~~تستلزم محبة المرؤف به الرؤف ، فجعل PageV03P224 محبة الله فعلا للشرط في ~~مقام تعليق الأمر باتباعع الرسول عليه مبني على كون الرأفة تستلزم المحبة ، ~~أو هو مبني على أن محبة الله أمر مقطوع به من جانب المخاطبين ، فالتعليق ~~عليه تعليق شرط محقق ، ثم رتب على الجزاء مشروط آخر وهو قوله : { يحببكم ~~الله } لكونه أيضا مقطوع الرغبة من المخاطبين ، لأن الخطاب للمؤمنين ، ~~والمؤمن غاية قصده تحصيل رضا الله عنه ومحبته إياه . # والمحبة : انفعال نفساني ينشأ عند الشعور بحسن شيء : من صفات ذاتية . أو ~~إحسان ، أو اعتقاد أنه يحب المستحسن ويجر إليه الخير . فإذا حصل ذلك ~~الانفعال عقبه ميل وانجذاب إلى الشيء المشعور بمحاسنه ، فيكون المنفعل محبا ~~، ويكون المشعور بمحاسنه محبوبا ، وتعد الصفات التي أوجبت هذا الانفعال ~~جمالا عند المحب ، فإذا قوي هذا الانفعال صار تهيجا نفسانيا ، فسمي عشقا ~~للذوات ، وافتنانا بغيرها . # والشعور بالحسن الموجب للمحبة يستمد من الحواس في إدراك المحاسن الذاتية ~~المعروفة بالجمال ، ويستمد أيضا من التفكر في الكمالات المستدل عليها ~~بالعقل وهي المدعوة بالفضيلة ، ولذلك يحب المؤمنون الله تعالى ، ويحبون ~~النبي صلى الله عليه وسلم تعظيما للكمالات ، واعتقادا بأنهما يدعوانهم إلى ~~الخير ، ويحب الناس أهل الفضل الأولين كالأنبياء والحكماء والفاضلين ، ~~ويحبون سعاة الخير من الحاضرين وهم لم يلقوهم ولا رأوهم . # ويرجع الجمالل والفضيلة إلى إدراك النفس ما يلائمها : من الأشكال ، ~~والأنغام ، والمحسوسات ، والخلال . وهذه الملاءمة تكون حسية لأجل مناسبة ~~الطبع كملاءمة البرودة في الصيف ، والحر في الشتاء ، وملاءمة اللين لسليم ~~الجلد ، والخشن لمن به داعي حكة ms1541 ، أو إلى حصول منافع كملاءمة الإحسان ~~والإغاثة . وتكون فكرية لأجل غايات نافعة كملاءمة الدواء للمريض ، والتعب ~~لجاني الثمرة ، والسهر للمتفكر في العلم ، وتكون لأجل الإلف ، وتكون لأجل ~~الإعتقاد المحض ، كتلقي الناس أن العلم فضيلة ، ويدخل في هذين محبة الأقوام ~~عوائدهم من غير تأمل في صلاحها ، وقد تكون مجهولة السبب كملاءمة الأشكال ~~المنتظمة للنفوس وملاءمة الألوان اللطيفة . PageV03P225 # وفي جميع ذلك تستطيع أن تزيد اتضاحا بأضدادها كالأشكال الفاسدة ، ~~والأصوات المنكرة ، والألوان الكريهة ، دائما أو في بعض الأحوال ، كاللون ~~الأحمر يراه المحموم . # ولم يستطع الفلاسفة توضيح علة ملاءمة بعض ما يعبر عنه بالجمال للنفوس : ~~ككون الذات جميلة أو قبيحة الشكل ، وكون المربع أو الدائرة حسنا لدى النفس ~~، والشكلل المختل قبيحا ، ومع الاعتراف باختلاف الناس في بعض ما يعبر عنه ~~بالجمال والقبح كما قال أبو الطيب : # ضروب الناس عشاق ضروبا # وأن بعض الناس يستجيد من الملابس ما لا يرضى به الآخر ويستحسن من الألوان ~~ما يستقبحه الآخر ، ومع ذلك كله فالمشاهد أن معظم الأحوال لا يختلف فيها ~~الناس السالمو الأذواق . # فأما المتقدمون فقال سقراط : سبب الجمال حب النفع ، وقال أفلاطون : ( ~~الجمال أمر إلا هي أزلي موجود في عالم العقل غير قابل للتغير قد تمتعت ~~الأرواح به قبل هبوطها إلى الأجسام فلما نزلت إلى الأجسام صارت مهما رأت ~~شيئا على مثال ما عهدته في العوالم العقلية وهي عالم المثال مالت إليه لأنه ~~مألوفها من قبل هبوطها ) . وذهب الطبائعيون : إلى أن الجمال شيء ينشأ عندنا ~~عن الإحساسس بالحواس . ورأيت في كتاب ( جامع أسرار الطب ) للحكيم عبد الملك ~~ابن زهر القرطبي ( العشق الحسي إنما هو ميل النفس إلى الشيء الذي تستحسنه ~~وتستلذه ، وذلك أن الروح النفساني الذي مسكنه الدماغ قريب من النور البصري ~~الذي يحيط بالعين ومتصل بمؤخر الدماغ وهو الذكر فإذا نظرت العين إلى الشيء ~~المستحسن انضم النوري البصري وارتعد فبذلك الانضمام والارتعاد يتصل بالروح ~~النفساني فيقبله قبولا حسنا ثم يودعه الذكر فيوجب ذلك المحبة . ويشترك أيضا ~~بالروح الحيواني الذي مسكنه القلب لاتصاله بأفعاله في الجسد ms1542 كله فحينئذ ~~تكون الفكرة والهم والسهر ) . PageV03P226 # والحق أن منشأ الشعور بالجمال قد يكون عن الملائم ، وعن التأثر العصبي ، ~~وهو يرجع إلى الملائم أيضا كتأثر المحموم باللون الأحمر ، وعن الإلف ~~والعادة بكثرة الممارسة ، وهو يرجع إلى الملائم كما قال ابن الرومي : # وحبب أوطان الرجالل إليهم # مآرب قضاها الشباب هنالك # إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم # عهود الصبا فيها فحنوا لذلك # وعن ترقب الخير والمنفعة وهو يرجع إلى الملائم ، وعن اعتقاد الكمال ~~والفضيلة وهو يرجع إلى المألوف الراجع إلى الممارسة بسبب ترقب الخير من ~~صاحب الكمال والفضيلة . # ووراء ذلك كله شيء من الجمال ومن المحبة لا يمكن تعليله وهو استحسان ~~الذوات الحسنة واستقباح الأشياء الموحشة فنرى الطفل الذي لا إلف له بشيء ~~ينفر من الأشياء التي نراها وحشة . # وقد اختلف المتقدمون في أن المحبة والجمال هل يقصران على المحسوسات : ~~فالذين قصروهما على المحسوسات لم يثبتوا غير المحبة المادية ، والذين لم ~~يقصروهما عليها أثبتوا المحبة الرمزية ، أعني المتعلقة بالأكوان غير ~~المحسوسة كمحبة العبد لله تعالى ، وهذا هو الحق ، وقال به من المتقدمين ~~أفلاطون ، ومن المسلمين الغزالي وفخر الدين وقد أضيفت هذه المحبة إلى ~~أفلاطون ، فقيل محبة أفلاطونية : لأنه بحث عنها وعللها فإننا نسمع بصفات ~~مشاهير الرجال مثل الرسل وأهل الخير والذين نفعوا الناس ، والذين اتصفوا ~~بمحامد الصفات كالعلم والكرم والعدل ، فنجد من أنفسنا ميلا إلى ذكرهم ثم ~~يقوى ذلك الميل حتى يصير محبة منا إياهم مع أننا ما عرفناهم ، ألا ترى أن ~~مزاولة كتب الحديث والسيرة مما يقوي محبة المزاول في الرسول صلى الله عليه ~~وسلم وكذلك صفات الخالق تعالى ، لما كانت كلها كمالات وإحسانا إلينا ~~وإصلاحا لفاسدنا ، أكسبنا اعتقادها إجلالا لموصوفها ، ثم يذهب ذلك الإجلال ~~يقوى إلى أن يصير محبة وفي الحديث : ( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان : ~~أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله ~~، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار ) فكانت هذه ~~الثلاثة من قبيل المحبة ولذلك جعل ms1543 عندها وجدان حلاوة الإيمان أي وجدانه ~~جميلا عند معتقده . PageV03P227 # فأصحاب الرأي الأول يرون تعليق المحبة بذات الله في هذه الآية ونحوها ~~مجازا بتشبيه الرغبة في مرضاته بالمحبة ، وأصحاب الرأي الثاني يرونه حقيقة ~~وهو الصحيح . # ومن آثار المحبة تطلب القرب من المحبوب والاتصالل به واجتناب فراقه . ومن ~~آثارها محبة ما يسره ويرضيه ، واجتناب ما يغضبه ، فتعليق لزوم اتباع الرسول ~~على محبة الله تعالى لأن الرسول دعا إلى ما يأمر الله به وإلى إفراد الوجهة ~~إليه ، وذلك كمال المحبة . # وأما إطلاق المحبة في قوله : { يحببكم الله } فهو مجاز لا محالة أريد به ~~لازم المحبة وهو الرضى وسوق المنفعة ونحو ذلك من تجليات لله يعلمها سبحانه ~~. وهما المعبر عنهما بقوله : { يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم } فإن ذلك ~~دليل المحبة وفي القرآن : { وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه ~~قل فلم يعذبكم بذنوبكم } ( المائدة : 18 ) . # وتعليق محبة الله إياهم على { فاتبعون } المعلق على قوله : { إن كنتم ~~تحبون الله } ينتظم منه قياس شرطي اقتراني . ويدل على الحب المزعوم إذا لم ~~يكن معه اتباع الرسول فهو حب كاذب ، لأن المحب لمن يحب مطيع ، ولأن ارتكاب ~~ما يكرهه المحبوب إغاضة له وتلبس بعدوه وقد قال أبو الطيب : # أأحبه وأحب فيه ملامة # إن الملامة فيه من أعدائه # فعلم أن حب العدو لا يجامع الحب وقد قال العتابي : # تود عدوي ثم تزعم أنني # صديقك ليس النوك عنك بعازب # وجملة { والله غفور رحيم } في قوة التذييل مثل جملة { والله على كل شيء ~~قدير } ( البقرة : 284 ) المتقدمة . ولم يذكر متعلق للصفتين ليكون الناس ~~ساعين في تحصيل أسباب المغفرة والرحمة . # # | 2 ( 32 ) { قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين ~~} . ) 2 # عودة إلى الموعظة بطريق الإجمال البحت : فذلكة للكلام ، وحرصا على ~~الإجابة ، فابتدأ الموعظة أولا بمقدمة وهي قوله : { إن الذين كفروا لن تغني ~~عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا } ( آل عمران : 10 ) ثم شرع في ~~الموعظة بقوله : { قل للذين كفروا ستغلبون } ( آل عمران : 12 ) الآية . ~~PageV03P228 وهو ترهيب ثم ms1544 بذكر مقابله في الترغيب بقوله : { قل أؤنبئكم ~~بخير من ذلكم } ( آل عمران : 15 ) الآية ثم بتأييد ما عليه المسلمون بقوله ~~: { شهد الله أنه لا إله إلا هو } ( آل عمران : 18 ) الآية وفي ذلك تفصيل ~~كثير . ثم جاء بطريق المجادلة بقوله : { فإن حاجوك } ( آل عمران : 20 ) ~~الآية ثم بترهيب بغير استدلال صريح ولكن بالإيماء إلى الدليل وذلك قوله : { ~~إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق } ( آل عمران : 21 ) ~~ثم بطريق التهديد والإنذار التعريضي بقوله : { قل اللهم مالك الملك } ( آل ~~عمران : 26 ) الآيات . ثم أمر بالقطيعة في قوله : { لا يتخذ المؤمنون ~~الكافرين أولياء } ( آل عمران : 28 ) . وختم بذكر عدم محبة الكافرين ردا ~~للعجز على الصدر المتقدم في قوله : { إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ~~} ( آل عمران : 10 ) الآية ليكون نفي المحبة عن جميع الكافرين ، نفيا عن ~~هؤلاء الكافرين المعينين . # # | 2 ( 33 ، 34 ) { إن الله اصطفى آدم ونوحا وءال إبراهيم وءال عمران على ~~العالمين * ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم } . ) 2 # انتقال من تمهيدات سبب السورة إلى واسطة بين التمهيد والمقصد ، كطريقة ~~التخلص ، فهذا تخلص لمحاجة وفد نجران وقد ذكرناه في أول السورة ، فابتدىء ~~هنا بذكر آدم ونوح وهما أبوا البشر أو أحدهما وذكر إبراهيم وهو أبو ~~المقصودين بالتفضيل وبالخطاب . فأما آدم فهو أبو البشر باتفاق الأمم كلها ~~إلا شذوذا من أصحاب النزعات الإلحادية الذين ظهروا في أوروبا واخترعوا ~~نظرية تسلسل أنواع الحيوان بعضها من بعض وهي نظرية فائلة . # وآدم اسم أبي البشر عند جميع أهل الأديان ، وهو علم عليه وضعه لنفسه ~~بإلهام من الله تعالى كما وضع مبدأ اللغة ، ولا شك أن من أول ما يحتاج إليه ~~هو وزوجه أن يعبر أحدهما للآخر ، وظاهر القرآن أن الله أسماه بهذا الاسم من ~~قبل خروجه من جنة عدن ولا يجوز أن يكون اسمه مشتقا من الأدمة ، وهي اللون ~~المخصوص لأن تسمية ذلك اللون بالأدمة خاص بكلام العرب فلعل العرب وضعوا اسم ~~ذلك اللون أخذا من وصف لون آدم أبي البشر ms1545 . PageV03P229 # وقد جاء في سفر التكوين من كتاب العهد عند اليهود ما يقتضى : أن آدم وجد ~~على الأرض في وقت يوافق سنة 3942 اثنتين وأربعين وتسعمائة وثلاثة آلاف قبل ~~ميلاد عيسى وأنه عاش تسعمائة وثلاثين سنة فتكون وفاته في سنة 3012 اثنتي ~~عشرة وثلاثة آلاف قبل ميلاد عيسى هذا ما تقبله المؤرخون المتبعون لضبط ~~السنين . والمظنون عند المحققين الناظرين في شواهد حضارة البشرية أن هذا ~~الضبط لا يعتمد ، وأن وجود آدم متقادم في أزمنة مترامية البعد هي أكثر ~~بكثير مما حدده سفر التكوين . # وأما نوح فتقول التوراة : إنه ابن لامك وسمي عند العرب لمك بن متوشالخ بن ~~أخنوخ ( وهو إدريس عند العرب ) ابن يارد بتحتية في أوله بن مهلئيل بميم ~~مفتوحة فهاء ساكنة فلام مفتوحة بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم . وعلى ~~تقديرها وتقدير سني أعمارهم يكون قد ولد سنة ست وثمانين وثمانمائة وألفين ~~قبل ميلاد عيسى وتوفي سنة ست وثلاثين وتسعمائة وألف قبل ميلاد عيسى والقول ~~فيه كما تقدم في ضبط تاريخ وجود ءادم . # وفي زمن نوح وقع الطوفان على جميع الأرض ونجاه الله وأولاده وأزواجهم في ~~الفلك فيكون أبا ثانيا للبشر . ومن الناس من يدعى أن الطوفان لم يعم الأرض ~~وعلى هذا الرأي ذهب مؤرخو الصين وزعموا أن الطوفان لم يشمل قطرهم فلا يكون ~~نوح عندهم أبا ثانيا للبشر . وعلى رأي الجمهور فالبشر كلهم يرجعون إلى ~~أبناء نوح الثلاثة سام ، حام ، ويافث ، وهو أول رسول بعثه الله إلى الناس ~~حسب الحديث الصحيح ، وعمر نوح تسعماية وخمسين سنة على ما في التوراة فهو ~~ظاهر قوله تعالى : { فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما } ( العنكبوت : 14 ) ~~وفي التوراة : أن الطوفان حدث وعمر نوح ستمائة سنة وأن نوحا صار بعد ~~الطوفان فلاحا وغرس الكرم واتخذ الخمر . وذكر الألوسي صفته بدون سند فقال : ~~كان نوح دقيق الوجه في رأسه طول عظيم العينين غليظ العضدين كثير لحم ~~الفخذين ضخم السرة طويل القامة جسيما طويل اللحية ، قيل : إن مدفنه بالعراق ~~في نواحي الكوفة ms1546 ، وقيل في ذيل جبل لبنان ، وقيل بمدينة الكرك ، وسيأتي ذكر ~~الطوفان : في سورة الأعراف ، وفي سورة العنكبوت ، وذكر شريعته في سورة ~~الشورى ، وفي سورة نوح . PageV03P230 # والآل : الرهط ، وآل إبراهيم : أبناؤه وحفيده وأسباطه ، والمقصود تفضيل ~~فريق منهم . وشمل آل إبراهيم الأنبياء من عقبه كموسى ، ومن قبله ومن بعده ، ~~وكمحمد عليه الصلاة والسلام ، وإسماعيل ، وحنظلة بن صفوان ، وخالد بن سنان ~~. # وأما آل عمران : فهم مريم ، وعيسى ، فمريم بنت عمران بن ماتان كذا سماه ~~المفسرون ، وكان من أحبار اليهود ، وصالحيهم ، وأصله بالعبرانية عمرام بميم ~~في آخره فهو أبو مريم ، قال المفسرون : هو من نسل سليمان بن داود ، وهو خطأ ~~، والحق أنه من نسل هارون أخي موسى ، كما سيأتي قريبا . وفي كتب النصارى : ~~أن اسمه يوهاقيم ، فلعله كان له اسمان ومثله كثير . وليس المراد هنا عمران ~~والد موسى وهارون ؛ إذ المقصود هنا التمهيد لذكر مريم وابنها عيسى بدليل ~~قوله : { إذ قالت امرأت عمران } . # وتقدم الكلام على احتمال معنى الآل عند قوله تعالى : { وإذ نجيناكم من آل ~~فرعون في سورة البقرة ( 49 ) ولكن الآل هنا متعين للحمل على رهط الرجل ~~وقرابته . # ومعنى اصطفاء هؤلاء على العالمين اصطفاء المجموع على غيرهم ، أو اصطفاء ~~كل فاضل منهم على أهل زمانه . # وقوله : ذرية بعضها من بعض } حال من آل إبراهيم وآلل عمران . والذرية ~~تقدم تفسيرها عند قوله تعالى : { قال من ذريتي في سورة البقرة ( 124 ) وقد ~~أجمل البعض هنا : لأن المقصود بيان شدة الاتصال بين هذه الذرية ، فمن ~~للاتصال لا للتبعيض أي بين هذه الذرية اتصال القرابة ، فكل بعض فيها هو ~~متصل بالبعض الآخر ، كما تقدم في قوله تعالى : فليس من الله في شيء } ( آل ~~عمران : 28 ) . # والغرض من ذكر هؤلاء تذكير اليهود والنصارى بشدة انتساب أنبيائهم إلى ~~النبي محمد صلى الله عليه وسلم فما كان ينبغي أن يجعلوا موجب القرابة موجب ~~عداوة وتفريق . ومن هنا ظهر موقع قوله : { والله سميع عليم } أي سميع ~~بأقوال بعضكم في بعضض هذه الذرية : كقول اليهود في عيسى وأمه ، وتكذيبهم ~~وتكذيب اليهود ms1547 والنصارى لمحمد صلى الله عليه وسلم # PageV03P231 # | 2 ( 35 ، 36 ) { إذ قالت امرأت عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا ~~فتقبل مني إنك أنت السميع العليم * فلما وضعتها قالت رب إنى وضعتهآ أنثى ~~والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالانثى وإنى سميتها مريم وإنى أعيذها بك ~~وذريتها من الشيطان الرجيم } . ) 2 # تقدم القول في موقع إذ في أمثال هذا المقام عند تفسير قوله تعالى : { وإذ ~~قال ربك للملائكة إلي جاعل في الأرض خليفة } ( البقرة : 30 ) . وموقعها هنا ~~أظهر في أنها غير متعلقة بعامل ، فهي لمجرد الاهتمام بالخبر ولذا قال أبو ~~عبيدة : إذ هنا زائدة ، ويجوز أن تتعلق باذكر محذوفا ، ولا يجوز تعلقها ~~باصطفى : لأن هذا خاص بفضل آل عمران ، ولا علاقة له بفضل آدم ونوح وآل ~~إبراهيم . # وامرأة عمران هي حنة بنت فاقوذا . قيل : مات زوجها وتركها حبلى فنذرت ~~حبلها ذلك محررا أي مخلصا لخدمة بيت المقدس ، وكانوا ينذرون ذلك إذا كان ~~المولود ذكرا . وإطلاق المحرر على هذا المعنى إطلاق تشريف لأنه لما خلص ~~لخدمة بيت المقدس فكأنه حرر من أسر الدنيا وقيودها إلى حرية عبادة الله ~~تعالى . قيل : إنها كانت تظنه ذكرا فصدر منها النذر مطلقا عن وصف الذكورة ~~وإنما كانوا يقولون : إذا جاء ذكرا فهو محرر . وأنث الضمير في قوله : { ~~فلما وضعتها } وهو عائد إلى { ما في بطني } باعتبار كونه انكشف ما صدقه على ~~أنثى . # وقولها : { إني وضعتها أنثى } خبر مستعمل في إنشاء التحذير لظهور كون ~~المخاطب عليما بكل شيء . # وتأكيد الخبر بإن مراعاة لأصل الخبرية ، تحقيقا لكون المولود أنثى ؛ إذ ~~هو بوقوعه على خلاف المترقب لها كان بحيث تشك في كونه أنثى وتخاطب نفسها ~~بنفسها بطريق التأكيد ، فلذا أكدته . ثم لما استعملت هذا الخبر في الإنشاء ~~استعملته برمته على طريقة المجاز المركب المرسل ، ومعلوم أن المركب يكون ~~مجازا بمجموعه لا PageV03P232 بأجزائه ومفرداته . وهذا التركيب بما اشتمل ~~عليه من الخصوصيات يحكي ما تضمنه كلامها في لغتها من المعاني : وهي الروعة ~~والكراهية لولادتها أنثى ، ومحاولتها مغالطة نفسها في ms1548 الإذعان لهذا الحكم ، ~~ثم تحقيقها ذلك لنفسها وتطمينها بها ، ثم التنقل إلى التحسير على ذلك ، ~~فلذلك أودع حكاية كلامها خصوصيات من العربية تعبر عن معانن كثيرة قصدتها في ~~مناجاتها بلغتها . # وأنث الضمير في { إني وضعتها أنثى } باعتبار ما دلت عليه الحال اللازمة ~~في قولها { أنثى } إذ بدون الحال لا يكون الكلام مفيدا فلذلك أنث الضمير ~~باعتبار تلك الحال . # وقوله : { والله أعلم بما وضعت } جملة معترضة ، وقرأ الجمهور : وضعت ~~بسكون التاء فيكون الضمير راجعا إلى امرأة عمران . وهو حينئذ من كلام الله ~~تعالى وليس من كلامها المحكي ، والمقصود منه : أن الله أعلم منها بنفاسة ما ~~وضعت ، وأنها خير من مطلق الذكر الذي سألته ، فالكلام إعلام لأهل القرآن ~~بتغليطها ، وتعليم بأن من فوض أمره إلى الله لا ينبغي أن يتعقب تدبيره . # وقرأ ابن عامر ، وأبو بكر عن عاصم ، ويعقوب : بضم التاء ، على أنها ضمير ~~المتكلمة امرأة عمران فتكون الجملة من كلامها المحكي ، وعليه فاسم الجلالة ~~التفات من الخطاب إلى الغيبة فيكون قرينة لفظية على أن الخبر مستعمل في ~~التحسر . # وجملة { وليس الذكر كالأنثى } خبر مستعمل في التحسر لفوات ما قصدته في أن ~~يكون المولود ذكرا ، فتحرره لخدمة بيت المقدس . # وتعريف الذكر تعريف الجنس لما هو مرتكز في نفوس الناس من الرغبة في ~~مواليد الذكور ، أي ليس جنس الذكر مساويا لجنس الأنثى . وقيل : التعريف في ~~{ وليس الذكر كالأنثى } تعريف العهد للمعهود في نفسها . وجملة { وليس الذكر ~~} تكملة للاعتراض المبدوء بقوله : { والله أعلم بما وضعت } والمعنى : وليس ~~الذكر الذي رغبت فيه بمساو للأنثى التي أعطيتها لو كانت تعلم علو شأن هاته ~~الأنثى وجعلوا نفي المشابهة على بابه من نفي مشابهة المفضول للفاضل وإلى ~~هذا مال صاحب ( الكشاف ) وتبعه صاحب ( المفتاح ) والأول أظهر . PageV03P233 # ونفي المشابهة بين الذكر والأنثى يقصد به معنى التفصيل في مثل هذا المقام ~~وذلك في قول العرب : ليس سواء كذا وكذا ، وليس كذا مثل كذا ، ولا هو مثل ~~كذا ، كقوله تعالى : { هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون } ( الزمر : ~~9 ) وقوله { يا ms1549 نساء النبي لستن كأحد من النساء } ( الإحزاب : 32 ) وقول ~~السموأل : # فليس سواء عالم وجهول # وقولهم : ( مرعى ولا كالسعدان ، وماء ولا كصدى ) . # ولذلك لا يتوخون أن يكون المشبه في مثله أضعف من المشبه به ؛ إذ لم يبق ~~للتشبيه أثر ، ولذلك قيل هنا : وليس الذكر كالأنثى ، ولو قيل : وليست ~~الأنثى كالذكر لفهم المقصود . ولكن قدم الذكر هنا لأنه هو المرجو المأمول ~~فهو أسبق إلى لفظ المتكلم . وقد يجيء النفي على معنى كون المشبه المنفي ~~أضعف من المشبه به كما قال الحريري في المقامة الرابعة : ( غدوت قبل ~~استقلال الركاب ، ولا اغتداء اغتداء الغراب ) وقال في الحادية عشرة : ( ~~وضحكتم وقت الدفن ، ولا ضحككم ساعة الزفن ) وفي الرابعة عشرة : ( وقمت ) ~~ولا كعمرو بن عبيد ) فجاء بها كلها على نسق ما في هذه الآية . # وقوله : { وإني سميتها مريم } الظاهر أنها أرادت تسميتها باسم أفضل نبيئة ~~في بني إسرائيل وهي مريم أخت موسى وهارون ، وخولها أن أباها سمي أبي مريم ~~أختت موسى . # وتكرر التأكيد في { وإني سميتها } { وإني أعيذها بك } للتأكيد : لأن حال ~~كراهيتها يؤذن بأنها ستعرض عنها فلا تشتغل بها ، وكأنها أكدت هذا الخبر ~~إظهارا للرضا بما قدر الله تعالى ، ولذلك انتقلت إلى الدعاء لها الدال على ~~الرضا والمحبة ، وأكدت جملة أعيذها مع أنها مستعملة في إنشاء الدعاء : لأن ~~الخبر مستعمل في الإنشاء برمته التي كان عليها وقت الخبرية ، كما قدمناه في ~~قوله تعالى : { إني وضعتها أنثى } وكقول أبي بكر : ( إني استخلفت عليكم عمر ~~بن الخطاب ) . # PageV03P234 # | 2 ( 37 ) { فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا ~~كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يامريم أنى لك هاذا قالت ~~هو من عند الله إن الله يرزق من يشآء بغير حساب } . ) 2 # تفريع على الدعاء مؤذن بسرعة الإجابة ، وضمائر النصب لمريم . ومعنى ~~تقبلها : تقبل تحريرها لخدمة بيت المقدس ، أي أقام الله مريم مقام منقطع ~~لله تعالى ، ولم يكن ذلك مشروعا من قبل . # وقوله : بقبول حسن فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها ~~زكريا كلما ms1550 دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يامريم أنى لك هاذا ~~قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشآء بغير حساب } الباء فيه للتأكيد ، ~~وأصل نظم الكلام : فتقبلها قبولا حسنا ، فأدخلت الباء على المفعول المطلق ~~ليصير كالآلة للتقبل فكأنه شيء ثانن ، وهذا إظهار للعناية بها في هذا ~~القبول ، وقد عرف هذا القبول بوحي من الله إلى زكرياء بذلك ، وأمره بأن ~~يكفلها زكرياء أعظم أحبارهم ، وأن يوحى إليه بإقامتها بعد ذلك لخدمة المسجد ~~، ولم يكن ذلك للنساء قبلها ، وكل هذا إرهاص بأنه سيكون منها رسول ناسخ ~~لأحكام كثيرة من التوراة ؛ لأن خدمة النساء للمسجد المقدس لم تكن مشروعة . # ومعنى : { وأنبتها نباتا حسنا } : أنشأها إنشاء صالحا ، وذلك في الخلق ~~ونزاهة الباطن ، فشبه إنشاؤها وشبابها بإنبات النبات الغض على طريق ~~الاستعارة ، ( ونبات ) مفعول مطلق لأنبت وهو مصدر نبت وإنما أجري على أنبت ~~للتخفيف . # { وكفلها زكريا } . # عد هذا في فضائل مريم ، لأنه من جملة ما يزيد فضلها لأن أبا التربية يكسب ~~خلقه وصلاحه مرباه . # وزكرياء كاهن إسرائيلي اسمه زكرياء من بني أبيا بن باكر بن بنيامين من ~~كهنة اليهود ، جاءته النبوءة في كبره وهو ثاني من اسمه زكرياء من أنبياء ~~بني إسرائيل وكان متزوجا امرأة من ذرية هارون اسمها ( اليصابات ) وكانت ~~امرأته نسيبة مريم كما في إنجيل لوقا قيل : كانت أختها والصحيح أنها كانت ~~خالتها ، أو من قرابة أمها ، ولما ولدت مريم كان أبوها قد مات فتنازع ~~كفالتها جماعة من أحبار بني إسرائيل حرصا . PageV03P235 على كفالة بنت ~~حبرهم الكبير ، واقترعوا على ذلك كما يأتي ، فطارت القرعة لزكرياء ، ~~والظاهر أن جعل كفالتها للأحبار لأنها محررة لخدمة المسجد فيلزم أن تربى ~~تربية صالحة لذلك . # وقرأ الجمهور : { وكفلها زكرياء } بتخفيف الفاء من كفلها أي تولى كفالتها ~~، وقرأ حمزة ، وعاصم ، والكسائي ، وخلف : وكفلها بتشديد الفاء أي أن الله ~~جعل زكرياء كافلا لها ، وقرأ الجمهور زكرياء بهمزة في آخره ، ممدودا وبرفع ~~الهمزة . وقرأه حمزة ، والكسائي وحفص عن عاصم ، وخلف : بالقصر ، وقرأه أبو ~~بكر عن عاصم : بالهمز ms1551 في آخره ونصب الهمزة . # { كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يامريم أنى لك هاذا ~~قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشآء بغير حساب } . # دل قوله : { كلما دخل عليها زكرياء المحراب وجد عندها رزقا } على كلام ~~محذوف ، أي فكانت مريم ملازمة لخدمة بيت المقدس ، وكانت تتعبد بمكان تتخذه ~~بها محرابا ، وكان زكرياء يتعهد تعبدها فيرى كرامة لها أن عندها ثمارا في ~~غير وقت وجود صنفها . # و { كلما } مركبة من ( كل ) الذي هو اسم لعموم ما يضاف هو إليه ، ومن ( ~~ما ) الظرفية وصلتها المقدرة بالمصدر ، والتقدير : كل وقتت دخولل زكرياء ~~عليها وجد عندها رزقا . # وانتصب كل على النيابة عن المفعول فيه ، وقد تقدم عند قوله تعالى : { ~~كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل في سورة البقرة ~~( 25 ) . # فجملة وجد عندها رزقا حال من زكرياء في قوله وكفلها زكرياء } ( آل عمران ~~: 36 ) . PageV03P236 # ولك أن تجعل جملة { وجد عندها رزقا } بدل اشتمال من جملة { وكفلها زكرياء ~~} . # والمحراب بناء يتخذه أحد ليخلو فيه بتعبده وصلاته ، وأكثر ما يتخذ في علو ~~يرتقي إليه بسلم أو درج ، وهو غير المسجد . وأطلق على غير ذلك إطلاقات ، ~~على وجه التشبيه أو التوسع كقول عمر بن أبي ربيعة : # دمية عند راهب قسيس # صوروها في مذبح المحراب # أراد في مذبح البيعة ، لأن المحراب لا يجعل فيه مذبح . وقد قيل : إن ~~المحراب مشتق من الحرب لأن المتعبد كأنه يحارب الشيطان فيه ، فكأنهم جعلوا ~~ذلك المكان آلة لمحرب الشيطان . # ثم أطلق المحراب عند المسلمين على موضع كشكل نصف قبة في طول قامة ونصف ~~يجعل بموضع القبلة ليقف فيه الإمام للصلاة . وهو إطلاق مولد وأول محراب في ~~الإسلام محراب مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم صنع في خلافة الوليد بن عبد ~~الملك ، مدة إمارة عمر بن عبد العزيز على المدينة . والتعريف في { المحراب ~~} تعريف الجنس ويعلم أن المراد محراب جعلته مريم للتعبد . # و ( أنى ) استفهام عن المكان ، أي من أين لك هذا ، فلذلك ms1552 كان جواب ~~استفهامه قوله : { من عند الله } . # واستفهام زكرياء مريم عن الرزق لأنه في غير إبانه ووقتت أمثاله . قيل : ~~كان عنبا في فصل الشتاء . والرزق تقدم آنفا عند قوله : { يرزق من يشاء بغير ~~حساب } . # وجملة { إن الله يرزق من يشاء } من كلام مريم المحكي . # والحساب في قوله : { بغير حساب } بمعنى الحصر لأن الحساب يقتضي حصر الشيء ~~المحسوب بحيث لا يزيد ولا ينقص ، فالمعنى إن الله يرزق من يريد رزقه بما لا ~~يعرف مقداره لأنه موكول إلى فضل الله . # PageV03P237 # | 2 ( 38 ) { هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لى من لدنك ذرية طيبة إنك ~~سميع الدعآء } . ) 2 # أي في المكان ، قبل أن يخرج ، وقد نبهه إلى الدعاء مشاهدة خوارق العادة ~~مع قول مريم : { إن الله يرزق من يشاء بغير حساب } ( آل عمران : 37 ) ~~والحكمة ضالة المؤمن ، وأهل النفوس الزكية يعتبرون بما يرون ويسمعون ، ~~فلذلك عمد إلى الدعاء بطلب الولد في غير إبانه ، وقد كان في حسرة من عدم ~~الولد كما حكى الله عنه في سورة مريم . وأيضا فقد كان حينئذ في مكان شهد ~~فيه فيضا إلاهيا . ولم يزل أهل الخير يتوخون الأمكنة بما حدث فيها من خير ، ~~والأزمنة الصالحة كذلك ، وما هي إلا كالذوات الصالحة في أنها محال تجليات ~~رضا الله . # وسأل الذرية الطيبة لأنها التي يرجى منها خير الدنيا والآخرة بحصول ~~الآثار الصالحة النافعة . ومشاهدة خوارق العادات خولت لزكرياء الدعاء بما ~~هو من الخوارق ، أو من المستبعدات ، لأنه رأى نفسه غير بعيد عن عناية الله ~~تعالى ، لا سيما في زمن الفيض أو مكانه ، فلا يعد دعاؤه بذلك تجاوزا لحدود ~~الأدب مع الله على نحو ما قرره القرافي في الفرق بين ما يجوز من الدعاء وما ~~لا يجوز . وسميع هنا معنى مجيب . # $ 2 ( 39 41 ) { فنادته الملائكة وهو قائم يصلى فى المحراب أن الله يبشرك ~~بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين * قال رب أنى ~~يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتى عاقر قال كذالك الله يفعل ما ms1553 يشآء * ~~قال رب اجعل لى & # 1764 ءاية قال ءايتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر ربك كثيرا ~~وسبح بالعشى والإبكار } . ) 2 $ # الفاء في قوله : { فنادته الملائكة } للتعقيب أي استجيبت دعوته للوقت . ~~PageV03P238 # وقوله : { وهو قائم } جملة حالية والمقصود من ذكرها بيان سرعة إجابته ؛ ~~لأن دعاءه كان في صلاته . # ومقتضى قوله تعالى : { هنالك } والتفريع عليه بقوله : فنادته أن المحراب ~~محراب مريم . # وقرأ الجمهور : فنادته بتاء تأنيث لكون الملائكة جمعا ، وإسناد الفعل ~~للجمع يجوز فيه التأنيث على تأويله بالجماعة أي نادته جماعة من الملائكة . ~~ويجوز أن يكون الذي ناداه ملكا واحدا وهو جبريل وقد ثبت التصريح بهذا في ~~إنجيل لوقا ، فيكون إسناد النداء إلى الملائكة من قبيل إسناد فعل الواحد ~~إلى قبيلته كقولهم : قتلت بكر كليبا . # وقرأه حمزة ، والكسائي ، وخلف : فناداه الملائكة على اعتبار المنادي ~~واحدا من الملائكة وهو جبريل . # وقرأ الجمهور : أن الله بفتح همزة أن على أنه في محل جر بباء محذوفة أي ~~نادته الملائكة بأن الله يبشرك بيحيى . # وقرأ ابن عامر وحمزة : إن بكسر الهمزة على الحكاية . وعلى كلتا القراءتين ~~فتأكيد الكلام بإن المفتوحة الهمزة والمكسورتها لتحقيق الخبر ؛ لأنه ~~لغرابته ينزل المخبر به منزلة المتردد الطالب . # ومعنى ( يبشرك بيحيى ) يبشرك بمولود يسمى يحيى فعلم أن يحيى اسم لا فعل ~~بقرينة دخول الباء عليه وذكر في سورة مريم ( 7 ) : { إنا نبشرك بغلام اسمه ~~يحيى . # ويحيى معرب يوحنا بالعبرانية فهو عجمي لا محالة نطق به العرب على زنة ~~المضارع من حيي وهو غير منصرف للعجمة أو لوزن الفعل . وقتل يحيى في كهولته ~~عليه السلام بأمر ( هيرودس ) قبل رفع المسيح بمدة قليلة . # وقد ضمت إلى بشارته بالابن بشارة بطيبه كما رجا زكرياء ، فقيل له مصدقا ~~بكلمة من الله ، فمصدقا حال من يحيى أي كامل التوفيق لا يتردد في كلمة تأتي ~~من عند الله . وقد أجمل هذا الخبر لزكرياء ليعلم أن حادثا عظيما سيقع يكون ~~ابنه فيه مصدقا برسول يجيء وهو عيسى عليهما السلام . PageV03P239 # ووصف عيسى كلمة من الله لأن خلق بمجرد ms1554 أمر التكوين الإلهي المعبر عنه ~~بكلمة كن أي كان تكوينه غير معتادو سيجيء عند قوله تعالى : إن الله يبشرك ~~بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم } ( آل عمران : 45 ) . والكلمة على ~~هذا إشارة إلى مجيء عيسى عليه السلام . ولا شك أن تصديق الرسول ، ومعرفة ~~كونه صادقا بدون تردد ، هدى عظيم من الله لدلالته على صدق التأمل السريع ~~لمعرفة الحق ، وقد فاز بهذا الوصف يحيى في الأولين ، وخديجة وأبو بكر في ~~الآخرين ، قال تعالى : { والذي جاء بالصدق وصدق به } ( الزمر : 33 ) ، وقيل ~~: الكلمة هنا التوراة ، وأطلق عليها الكلمة لأن الكلمة تطلق على الكلام ، ~~وأن الكلمة هي التوراة . # والسيد فيعل من ساد يسود إذا فاق قومه في محامد الخصال حتى قدموه على ~~أنفسهم ، واعترفوا له بالفضل . فالسؤدد عند العرب في الجاهلية يعتمد كفاية ~~مهمات القبيلة والبذل لها وإتعاب النفس لراحة الناس قال الهذلي : # وإن سيادة الأقوام فاعلم # لها صعداء مطلبها طويل # أترجو أن تسود ولن تعنى # وكيف يسود ذو الدعة البخيل # وكان السؤدد عندهم يعتمد خلال مرجعها إلى إرضاء الناس على أشرف الوجوه ، ~~وملاكه بذل الندى ، وكف الأذى ، واحتمال العظائم ، وأصالة الرأي ، وفصاحة ~~اللسان . # والسيد في اصطلاح الشرع من يقوم بإصلاح حال الناس في دنياهم وأخراهم معا ~~وفي الحديث ( أنا سيد ولد آدم ولا فخر ) وفيه ( إن ابني هذا سيد ) يعني ~~الحسن بن علي فقد كان الحسن جامعا خصال السؤدد الشرعي ، وحسبك من ذلك أنه ~~تنازل عن حق الخلافة لجمع كلمة الأمة ، ولإصلاح ذات البين ، وفي تفسير ابن ~~عطية عن عبد الله بن عمر : أنه قال : ( ما رأيت أحدا أسود من معاوية ابن ~~أبي سفيان فقيل له وأبو بكر وعمر قال : هما خير من معاوية ومعاوية أسود ~~منهما ) قال ابن عطية : ( أشار إلى أن أبا بكر وعمر كانا من الاستصلاح ~~وإقامة الحقوق بمنزلة هما فيها خير من معاوية ، ولكن مع تتبع الجادة ، وقلة ~~المبالاة برضا الناس ينخرم فيه كثير من خصال السؤدد PageV03P240 ومعاوية قد ~~برز في خصال السؤدد التي هي الاعتمال في ms1555 إرضاء الناس على أشرف الوجوه ولم ~~يواقع محذورا ) . # ووصف الله يحيى بالسيد لتحصيلة الرئاسة الدينية فيه من صباه ، فنشأ ~~محترما من جميع قومه قال تعالى : { وآياتيه الحكم صبيا وحنانا من لدنا ~~وزكاة } ( مريم : 12 ، 13 ) ، وقد قيل السيد هنا الحليم التقي معا : قاله ~~قتادة ، والضحاك ، وابن عباس ، وعكرمة . وقيل الحليم فقط : قاله ابن جبير . ~~وقيل السيد هنا الشريف : قاله جابر بن زيد ، وقيل السيد هنا العالم : قاله ~~ابن المسيب ، وقتادة أيضا . # وعطف سيدا على مصدقا ، وعطف حصورا وما بعده عليه ، يؤذن بأن المراد به ~~غير العليم ، ولا التقي ، وغير ذلك محتمل . والحصور فعول بمعنى مفعول مثل ~~رسول أي حصور عن قربان النساء . # وذكر هذه الصفة في أثناء صفات المدح إما أن يكون مدحا له ، لما تستلزمه ~~هذه الصفة من البعد عن الشهوات المحرمة ، بأصل الخلقة ، ولعل ذلك لمراعاة ~~براءته مما يلصقه أهل البهتان ببعض أهل الزهد من التهم ، وقد كان اليهود في ~~عصره في أشد البهتان والاختلاق ، وإما ألا يكون المقصود بذكر هذه الصفة ~~مدحا له لأن من هو أفضل من يحيى من الأنبياء والرسل كانوا مستكملين المقدرة ~~على قربان النساء فتعين أن يكون ذكر هذه الصفة ليحيى إعلاما لزكرياء بأن ~~الله وهبه ولدا إجابة لدعوته ، إذ قال : { فهب لي من لدنك وليا يرثني } ( ~~مريم : 5 ، 6 ) وأنه قد أتم مراده تعالى من انقطاع عقب زكرياء لحكمة علمها ~~، وذلك إظهار لكرامة زكرياء عند الله تعالى . # ووسطت هذه الصفة بين صفات الكمال تأنيسا لزكرياء وتخفيفا من وحشته ~~لانقطاع نسله بعد يحيى . # وقوله : { أنى يكون لي غلام } استفهام مراد منه التعجب ، قصد منه تعرف ~~إمكان الولد ، لأنه لما سأل الولد فقد تهيأ لحصول ذلك فلا يكون قوله أنى ~~يكون لي غلام إلا PageV03P241 تطلبا لمعرفة كيفية ذلك على وجه يحقق له ~~البشارة ، وليس من الشك في صدق الوعد ، وهو كقول إبراهيم : { ليطمئن قلبي } ~~( البقرة : 260 ) ، فأجيب بأن الممكنات داخلة تحت قدرة الله تعالى وإن عز ~~وقوعها في العادة . # و ( أنى ) فيه بمعنى كيف ms1556 ، أو بمعنى المكان ، لتعذر عمل المكانين اللذين ~~هما سبب التناسل وهما الكبر والعقرة . وهذا التعجب يستلزم الشكر على هذه ~~المنة فهو كناية عن الشكر . وفيه تعريض بأن يكون الولد من زوجه العاقر دون ~~أن يؤمر بتزوج امرأة أخرى وهذه كرامة لامرأة زكرياء . # وقوله : { وقد بلغني الكبر } جاء على طريق القلب ، وأصله وقد بلغت الكبر ~~، وفائدته إظهار تمكن الكبر منه كأنه يتطلبه حتى بلغه كقوله تعالى : { ~~أينما تكونوا يدرككم الموت } ( النساء : 78 ) # والعاقر المرأة التي لا تلد عقرت رحمها أي قطعته . ولأنه وصف خاص بالأنثى ~~لم يؤنث كقولهم حائض ونافس ومرضع ، ولكنه يؤنث في غير صيغة الفاعل فمنه ~~قولهم عقرى دعاء على المرأة ، وفي الحديث : ( عقرى حلقى ) وكذلك نفساء . # وقوله : { كذلك الله يفعل ما يشاء } أي كهذا الفعل العجيب وهو تقدير ~~الحمل من شيخ هرم لم يسبق له ولد وامرأة عاقر كذلك ، ولعل هذا التكوين حصل ~~بكون زكرياء كان قبل هرمه ذا قوة زائدة لا تستقر بسببها النطفة في الرحم ~~فلما هرم اعتدلت تلك القوة فصارت كالمتعارف ، أو كان ذلك من أحوال في رحم ~~امرأته ولذلك عبر عن هذا التكوين بجملة { يفعل ما يشاء } أي هو تكوين قدره ~~الله وأوجد أسبابه ومن أجل ذلك لم يقل هنا يخلق ما يشاء كما قاله في جانب ~~تكوين عيسى . # وقوله : { قال رب اجعل لي آية } أراد آية على وقت حصول ما بشر به ، وهل ~~هو قريب أو بعيد ، فالآية هي العلامة الدالة على ابتداء حمل زوجه . وعن ~~السدي والربيع : آية تحقق كون الخطاب الوارد عليه واردا من قبل الله تعالى ~~، وهو ما في إنجيل لوقا . وعندي في هذا نظر ، لأن الأنبياء لا يلتبس عليهم ~~الخطاب الوارد عليهم من الله ويعلمونه بعلم ضروري . PageV03P242 # وقوله : { آياتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا } جعل الله حبسة ~~لسانه عن الكلام آية على الوقت الذي تحمل فيه زوجته ، لأن الله صرف ما له ~~من القوة في أعصاب الكلام المتصلة بالدماغ إلى أعصاب التناسل بحكمة عجيبة ~~يقرب منها ما ms1557 يذكر من سقوط بعض الإحساس لمن يأكل البلاذر لقوة الفكر . أو ~~أمره بالامتناع من الكلام مع الناس إعانة على انصراف القوة من المنطق إلى ~~التناسل ، أي متى تمت ثلاثة الأيام كان ذلك أمارة ابتداء الحمل . قال ~~الربيع جعل الله ذلك له عقوبة لتردده في صحة ما أخبره به الملك ، وبذلك صرح ~~في إنجيل لوقا ، فيكون الجواب على هذا الوجه من قبيل أسلوب الحكيم لأنه سأل ~~آية فأعطي غيرها . # وقوله : { واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار } أمر بالشكر . والذكر ~~المراد به : الذكر بالقلب والصلاة إن كان قد سلب قوة النطق ، أو الذكر ~~اللساني إن كان قد نهي عنها فقط . والاستثناء في قوله إلا رمزا استثناء ~~منقطع . # # | 2 ( 42 44 ) { وإذ قالت الملائكة يامريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك ~~على نسآء العالمين * يامريم اقنتى لربك واسجدى واركعى مع الراكعين * ذالك ~~من أنبآء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم ~~وما كنت لديهم إذ يختصمون } . ) 2 # عطف على جملة { إذ قالت امرأة فرعون } . انتقال من ذكر أم مريم إلى ذكر ~~مريم . # ومريم علم عبراني ، وهو في العبرانية بكسر الميم ، وهو اسم قديم سميت به ~~أخت موسى عليه السلام ، وليس في كتب النصارى ذكر لاسم أبي مريم أم عيسى ولا ~~لمولدها ولكنها تبتدىء فجأة بأن عذراء في بلد الناصرة مخطوبة ليوسف النجار ~~، قد حملت من غير زوج . PageV03P243 # والعرب يطلقون اسم مريم على المرأة المترجلة التي تكثر مجالسة الرجال كما ~~قال رؤبة : قلت لزير لم تصله مريمه . # ( والزير بكسر الزاي الذي يكثر زيارة النساء ) وقال في ( الكشاف ) : مريم ~~في لغتهم أي لغة العبرانيين بمعنى العابدة . # وتكرر فعل { اصطفاك } لأن الاصطفاء الأول اصطفاء ذاتي ، وهو جعلها منزهة ~~زكية ، والثاني بمعنى التفضيل على الغير . فلذلك لم يعد الأول إلى متعلق . ~~وعدي الثاني . ونساء العالمين نساء زمانها ، أو نساء سائر الأزمنة . وتكليم ~~الملائكة والاصطفاء يدلان على نبوءتها والنبوءة تكون للنساء دون الرسالة . # وإعادة النداء في قول الملائكة : { يا مريم اقنتي } لقصد الإعجاب بحالها ms1558 ~~، لأن النداء الأول كفى في تحصيل المقصود من إقبالها لسماع كلام الملائكة ، ~~فكان النداء الثاني مستعملا في مجرد التنبيه الذي ينتقل منه إلى لازمه وهو ~~التنويه بهذه الحالة والإعجاب بها ، ونظيره قول امرىء القيس : # تقول وقد مال الغبيط بنامعا # عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزل # ( فهو مستعمل في التنبيه المنتقل منه إلى التوبيخ ) . # والقنوت ملازمة العبادة ، وتقدم عند قوله تعالى : { وقوموا لله قانتين في ~~سورة البقرة ( 238 ) . # وقدم السجود ، لأن أدخل في الشكر والمقام هنا مقام شكر . # وقوله : مع الراكعين } إذن لها بالصلاة مع الجماعة ، وهذه خصوصية لها من ~~بين نساء إسرائيل إظهارا لمعنى ارتفاعها عن بقية النساء ، ولذلك جيء في ~~الراكعين بعلامة جمع التذكير . # وهذا الخطاب مقدمة للخطاب الذي بعده وهو { يا مريم إن الله يبشرك بكلمة ~~منه } ( آل عمران : 45 ) لقصد تأنيسها بالخبر الموالي لأنه لما كان حاصله ~~يجلب لها حزنا وسوء قالة بين الناس ، مهد له بما يجلب إليها مسرة ، ويوقنها ~~بأنها بمحل عناية الله ، فلا جرم أن تعلم بأن الله جاعل لها مخرجا وأنه لا ~~يخزيها . PageV03P244 # وقوله : { وما كنت لديهم } إيماء إلى خلو كتبهم عن بعض ذلك ، وإلا لقال : ~~وما كنت تتلو كتبهم مثل : ( وما كنت تتلو من قبله من كتاب ) أي إنك تخبرهم ~~عن أحوالهم كأنك كنت لديهم . # وقوله : { إذ يلقون أقلامهم } وهي الأقلام التي يكتبون بها التوراة كانوا ~~يقترعون بها في المشكلات : بأن يكتبوا عليها أسماء المقترعين أو أسماء ~~الأشياء المقترع عليها ، والناس يصيرون إلى القرعة عند انعدام ما يرجح الحق ~~، فكان أهل الجاهلية يستقسمون بالأزلام وجعل اليهود الاقتراع بالأقلام التي ~~يكتبون بها التوراة في المدراس رجاء أن تكون بركتها مرشدة إلى ما هو الخير ~~. وليس هذا من شعار الإسلام وليس لإعمال القرعة في الإسلام إلا مواضع تمييز ~~الحقوق المتساوية من كل الجهات وتفصيله في الفقه . وأشارت الآية إلى أنهم ~~تنازعوا في كفالة مريم حين ولدتها أمها حنة ، إذ كانت يتيمة كما تقدم فحصل ~~من هذا الامتنان إعلام بأن كفالة زكرياء مريم كانت بعد ms1559 الاستقسام وفيه ~~تنبيه على تنافسهم في كفالتها . # # | 2 ( 45 ، 46 ) { إذ قالت الملائكة يامريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه ~~المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والاخرة ومن المقربين * ويكلم الناس ~~فى المهد وكهلا ومن الصالحين } . ) 2 # بدل اشتمال من جملة { وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك } ( آل ~~عمران : 42 ) قصد منه التكرير لتكميل المقول بعد الجمل المعترضة . ولكونه ~~بدلا لم يعطف على إذ قالت الأولل . وتقدم الكلام على يبشرك . # والكلمة مراد بها كلمة التكوين وهي تعلق القدرة التنجيزي كما في حديث خلق ~~الإنسان من قوله : ( ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله ) إلخ . # ووصف عيسى بكلمة مراد به كلمة خاصة مخالفة للمعتاد في تكوين الجنين أي ~~بدون الأسباب المعتادة . PageV03P245 # وقوله : { منه } من للابتداء المجازي أي بدون واسطة أسباب النسل المعتادة ~~وقد دل على ذلك قوله : { إذا قضى أمرا } ( البقرة : 117 ) . # وقوله : { اسمه المسيح عيسى ابن مريم } عبر عن العلم واللقب والوصفف ~~بالاسم . لأن لثلاثتها أثرا في تمييز المسمى . فأما اللقب والعلم فظاهر . ~~وأما الوصف المفيد للنسب فلأن السامعين تعارفوا ذكر اسم الأب في ذكر ~~الأعلام للتمييز وهو المتعارف ، وتذكر الأم في النسب إما للجهل بالأب كقول ~~بعضهم : زياد بن سمية قبل أن يلحق بأبي سفيان في زمنن معاوية بن أبي سفيان ~~، وإما لأن لأمه مفخرا عظيما كقولهم : عمرو ابن هند ، وهو عمرو بن المنذر ~~ملك العرب . # والمسيح كلمة عبرانية بمعنى الوصف . ونقلت إلى العربية علما بالغلبة على ~~عيسى وقد سمى متنصرة العرب بعض أبنائهم ( عبد المسيح ) وأصلها مسيح بميم ~~مفتوحة ثم سين مهملة مكسورة مشددة ثم ياء مثناة مكسورة مشددة ثم حاء مهملة ~~ساكنة ونطق به بعض العرب بوزن سكين . # ومعنى مسيح ممسوح بدهن المسحة وهو الزيت المعطر الذي أمر الله موسى أن ~~يتخذه ليسكبه على رأس أخيه هارون حينما جعله كاهنا لبني إسرائيل ، وصارت ~~كهنة بني إسرائيل يمسحون بمثله من يملكونهم عليهم من عهد شاول الملك ، فصار ~~المسيح عندهم بمعنى الملك : ففي أول سفر صمويل الثاني ms1560 من كتب العهد القديم ~~قال داود للذي أتاه بتاج شاول الملك المعروف عند العرب بطالوت ( كيف لم تخف ~~أن تمد يدك لتهلك مسيح الرب ) . # فيحتمل أن عيسى سمي بهذا الوصف كما يسمون بملك ويحتمل أنه لقب لقبه به ~~اليهود تهكما عليه إذ اتهموه بأنه يحاول أن يصير ملكا على إسرائيل ثم غلب ~~عليه إطلاق هذا الوصف بينهم واشتهر بعد ذلك ، فلذلك سمي به في القرآن . # والوجيه ذو الوجاهة وهي : التقدم على الأمثال ، والكرامة بين القوم ، وهي ~~وصف مشتق من الوجه للإنسان وهو أفضل أعضائه الظاهرة منه ، وأجمعها لوسائل ~~الإدراك وتصريف الأعمال ، فأطلق الوجه على أول الشيء على طريقة الاستعارة ~~PageV03P246 الشائعة فيقال : وجه النهار لأول النهار قال تعالى : { وقالت ~~طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا ~~آخره } ( آل عمران : 72 ) وقال الربيع بن زياد العبسي : # من كان مسرورا بمقتل مالك # فليأتت نسوتنا بوجه نهار # وقال الأعشى : # ولاح لهم وجه العشياتت سملق # ويقولون : هو وجه القوم أي سيدهم والمقدم بينهم . واشتق من هذا الاسم فعل ~~وجه بضم الجيم ككرم فجاء منه وجيه صفة مشبهة ، فوجيه الناس المكرم بينهم ، ~~ومقبول الكلمة فيهم ، قال تعالى في وصف موسى عليه السلام : { وكان عند الله ~~وجيها } . # والمهد شبه الصندوق من خشب لا غطاء له يمهد فيه مضجع للصبي مدة رضاعه ~~يوضع فيه لحفظه من السقوط . # وخص تكليمه بحالين : حالل كونه في المهد ، وحالل كونه كهلا ، مع أنه ~~يتكلم فيما بين ذلك لأن لذينك الحالين مزيد اختصاص بتشريف الله إياه فأما ~~تكليمه الناس في المهد فلأنه خارق عادة إرهاصا لنبوءته . وأما تكليمهم كهلا ~~فمراد به دعوته الناس إلى الشريعة . فالتكليم مستعمل في صريحه وفي كنايته ~~باعتبار القرينة المعينة للمعنيين وهي ما تعلق بالفعل من المجرورين . # وعطف عليه { ومن الصالحين } فالمجرور ظرف مستقر في موضع الحال . # والصالحون الذين صفتهم الصلاح لا تفارقهم ، والصلاح استقامة الأعمال ~~وطهارة النفس قال إبراهيم : { رب هب لي من الصالحين } ( الصافات : 100 ) . # والكهل من دخل في عشرة الأربعين ms1561 وهو الذي فارق عصر الشباب ، والمرأة شهلة ~~بالشين ، ولا يقال كهلة كما لا يقال شهل للرجل إلا أن العرب قديما سموا ~~شهلا مثل شهل بن شيبان الملقب الفند الزماني فدلنا ذلك على أن الوصف أميت . ~~وقد كان عيسى عليه السلام حيث بعث ابن نيف وثلاثين . PageV03P247 # وقوله : { وجيها } حال من { كلمة } باعتبار ما صدقها . { ومن المقربين } ~~عطف على الحال ، { ويكلم } جملة معطوفة على الحال المفردة : لأن الجملة ~~التي لها محل من الإعراب لها حكم المفرد . # وقوله : { في المهد } حال من ضمير ( يكلم ) . وكهلا عطف على محل الجار ~~والمجرور ، لأنهما في موضع الحال ، فعطف عليهما بالنصب ، { ومن الصالحين } ~~معطوف على { ومن المقربين } . # # | 2 ( 47 ) { قالت رب أنى يكون لى ولد ولم يمسسنى بشر قال كذالك الله ~~يخلق ما يشآء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } . ) 2 # قوله : { قالت رب } جملة معترضة ، من كلامها ، بين كلام الملائكة . # والنداء للتحسر وليس للخطاب : لأن الذي كلمها هو الملك ، وهي قد توجهت ~~إلى الله . # والاستفهام في قولها { أنى يكون لي ولد } للإنكار والتعجب ولذلك أجيب ~~جوابين أحدهما كذلك الله يخلق ما يشاء فهو لرفع إنكارها ، والثاني إذا قضى ~~أمرا إلخ لرفع تعجبها . # وجملة { قال كذلك الله يخلق } إلخ جواب استفهامها ولم تعطف لأنها جاءت ~~على طريقة المحاورات كما تقدم في قوله تعالى : { قالوا أتجعل فيها ومابعدها ~~في سورة البقرة ( 30 ) والقائل لها هو الله تعالى بطريق الوحي . # واسم الإشارة في قوله : كذلك } راجع إلى معنى المذكور في قوله : { إن ~~الله يبشرك بكلمة منه إلى قوله وكهلا } ( آل عمران : 45 ، 46 ) أي مثل ذلك ~~الخلق المذكور يخلق الله ما يشاء . وتقديم اسم الجلالة على الفعل في قوله : ~~{ الله يخلق } لإفادة تقوى الحكم وتحقيق الخبر . PageV03P248 # وعبر عن تكوين الله لعيسى بفعل يخلق : لأنه إيجاد كائن من غير الأسباب ~~المعتادة لإيجاد مثله ، فهو خلق أنف غير ناشىء عن أسباب إيجاد الناس ، فكان ~~لفعل يخلق هنا موقع متعين ، فإن الصانع إذا صنع شيئا من مواد معتادة وصنعة ~~معتادة ms1562 ، لا يقول خلقت وإنما يقول صنعت . # $ 2 ( 48 ، 49 ) { ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل * ورسولا إلى ~~بنى & # 1764 إسراءيل أنى قد جئتكم بآية من ربكم أنى & # 1764 أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله ~~وأبرىء الاكمه والابرص وأحى الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما ~~تدخرون فى بيوتكم إن في ذالك لأية لكم إن كنتم مؤمنين } . ) 2 $ # جملة { ويعلمه } معطوفة على جملة { ويكلم الناس في المهد } ( آل عمران : ~~46 ) بعد انتهاء الاعتراض . # وقرأ نافع ، وعاصم : ويعلمه بالتحتية أي يعلمه الله . وقرأه الباقون بنون ~~العظمة ، على الالتفات . # والكتاب مراد به الكتاب المعهود . وعطف التوراة تمهيد لعطف الإنجيل ويجوز ~~أن يكون الكتاب بمعنى الكتابة وتقدم الكلام على التوراة والإنجيل في أول ~~السورة . # { ورسولا } عطف على جملة ( يعلمه ) لأن جملة الحال ، لكونها ذات محل من ~~الإعراب ، هي في قوة المفرد فنصب رسولا على الحال ، وصاحب الحال هو قوله ~~بكلمة ، فهو من بقية كلام الملائكة . # وفتح همزة أن في قوله : { أنى قد جئتكم } لتقدير باء الجر بعد رسولا ، أي ~~رسولا بهذا المقال لما تضمنه وصف رسولا من كونه مبعوثا بكلام ، فهذا مبدأ ~~كلام بعد انتهاء كلام الملائكة . PageV03P249 # ومعنى { جئتكم } أرسلت إليكم من جانب الله ونظيرة قوله تعالى : { ولما ~~جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة } ( الزخرف : 63 ) . # وقوله : { بآية } حال من ضمير { جئتكم } لأن المقصود الإخبار بأنه رسول ~~لا بأنه جاء بآية . شبه أمر الله إياه بأن يبلغ رسالة بمجيء المرسل من قوم ~~إلى آخرين ولذلك سمي النبي رسولا . # والباء في قوله { بآية } للملابسة أى مقارنا للآيات الدالة على صدقي في ~~هذه الرسالة المعبر عنها بفعل المجيء . والمجرور متعلق بجئتكم على أنه ظرف ~~لغو ، ويجوز أن يكون ظرفا مستقرا في موضع الحال من { جئتكم } لأن معنى ~~جئتكم : أرسلت إليكم ، فلا يحتاج إلى ما يتعلق به . وقوله : { إني أخلق ~~بكسر الهمزة استئناف لبيان آية وهي قراءة نافع ، وأبي جعفر . وقرأه الباقون ~~بفتح همزة أني } على أنه بدل من { أني قد ms1563 جئتكم } . # والخلق : حقيقته تقدير شيء بقدر ، ومنه خلق الأديم تقديره بحسب ما يراد ~~من قطعه قبل قطع القطعة منه قال زهير : # ولأنت تفري ما خلقت وبعض القوم يخلق ثم لا يفري # يريد تقدير الأديم قبل قطعه والقطع هو الفري ، ويستعمل مجازا مشهورا أو ~~مشتركا في الإنشاء ، والإبداع على غير مثال ولا احتذاء ، وفي الإنشاء على ~~مثال يبدع ويقدر ، قال تعالى : { ولقد خلقناكم ثم صورناكم } ( الأعراف : 11 ~~) فهو إبداع الشيء وإبرازه للوجود والخلق هنا مستعمل في حقيقته أي : أقدر ~~لكم من الطين كهيئة الطير ، وليس المراد به خلق الحيوان ، بدليل قوله فأنفخ ~~فيه . # وتقدم الكلام على لفظ الطير في قوله تعالى : { فخذ أربعة من الطير في ~~سورة البقرة ( 360 ) . والكاف في قوله : كهيئة الطير } بمعنى مثل ، وهي صفة ~~لموصوف محذوف دل عليه أخلق ، أي شيئا مقدرا مثل هيئة الطير . وقرأ الجمهور ~~( الطير ) وهو اسم يقع على الجمع غالبا وقد يقع على الواحد . وقرأه أبو ~~جعفر ( الطائر ) . PageV03P250 # والضمير المجرور بفي من قوله : { فأنفخ فيه } عائد إلى ذلك الموصوف ~~المحذوف الذي دلت عليه الكاف . # وقرأ نافع وحده فيكون طائرا بالإفراد وقرأ الباقون فيكون طيرا بصيغة اسم ~~الجمع فقراءة نافع على مراعاة انفراد الضمير ، وقراءة الباقين على اعتبار ~~المعنى . جعل لنفسه التقدير ، وأسند لله تكوين الحياة فيه . # والهيئة : الصورة والكيفية أي أصور من الطين صورة كصورة الطير . وقرأ ~~الجميع كهيئة بتحتية ساكنة بعدها همزة مفتوحة . # وزاد قوله : { بإذن الله } لإظهار العبودية ، ونفي توهم المشاركة في خلق ~~الكائنات . والأكمه : الأعمى ، أو الذي ولد أعمى . # والأبرص : المصاب بداء البرص وهو داء جلدي له مظاهر متنوعة منها الخفيف ~~ومنها القوي وأعراضه بقع بيضاء شديدة البياض تظهر على الجلد فإن كانت غائرة ~~في الجلد فهو البرص وإن كانت مساوية لسطح الجلد فهو البهق ثم تنتشر على ~~الجلد فربما عمت الجلد كله حتى يصير أبيض ، وربما بقيت متميزة عن لون الجلد ~~. # وأسبابه مجهولة ، ويأتي بالوراثة ، وهو غير معد ، وشوهد أن الإصابة به ~~تكثر في الذين يقللون من النظافة أو ms1564 يسكنون الأماكن القذرة . والعرب ~~والعبرانيون واليونان يطلقون البرص على مرض آخر هو من مبادىء الجذام فكانوا ~~يتشاءمون بالبرص إذا بدت أعراضه على واحد منهم . فأما العرب فكان ملوكهم لا ~~يكلمون الأبرص إلا من وراء حجاب ، كما وقع في قصة الحارث بن حلزة الشاعر مع ~~الملك عمرو بن هند . وأما العبرانيون فهم أشد في ذلك . وقد اهتمت التوراة ~~بأحكام الأبرص ، وأطالت في بيانها ، وكررته مرارا ، ويظهر منها أنه مرض ~~ينزل في الهواء ويلتصق بجدران المنازل ، وقد وصفه الوحي لموسى ليعلمه ~~الكهنة من بني إسرائيل ويعلمهم طريقة علاجه ، ومن أحكامهم أن المصاب يعزل ~~عن القوم ويجعل في محل خاص وأحكامه مفصلة في سفر اللاويين . ولهذا كان ~~إعجاز المسيح بإبراء الأبرص أهم المعجزات فائدة عندهم دينا ودنيا . # وقد ذكر فقهاء الإسلام البرص في عيوب الزوجين الموجبة للخيار وفصلوا بين ~~أنواعه التي توجب الخيار والتي لا توجبه ولم يضبطوا أوصافه واقتصروا على ~~تحديد أجل برئه . PageV03P251 # وإحياء الموتى معجزة للمسيح أيضا ، كنفخ الروح في الطير المصور من الطين ~~، فكان إذا أحيا ميتا كلمة ثم رجع ميتا ، وورد في الأناجيل أنه أحيا بنتا ~~كانت ماتت فأحياها عقب موتها . ووقع في إنجيل متى في الإصحاح 17 أن عيسى ~~صعد الجبل ومعه بطرس ويعقوب ويوحنا أخوه وأظهر لهم موسى وإيلياء يتكلمان ~~معهم ، وكل ذلك بإذن الله له أن يفعل ذلك . # ومعنى قوله : { وأنبئكم بما تأكلون وما تدخون في بيوتكم } أنه يخبرهم عن ~~أحوالهم التي لا يطلع عليها أحد فيخبرهم بما أكلوه في بيوتهم ، وما عندهم ~~مدخر فيها ، لتكون هاته المتعاطفات كلها من قبيل المعجزات بقرينة قوله ~~أنبئكم لأن الإنباء يكون في الأمور الخفية . # وقوله : { إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين } جعل هذه الأشياء كلها ~~آيات تدعو إلى الإيمان به ، أي إن كنتم تريدون الإيمان ، بخلاف ما إذا كان ~~دأبكم المكابرة . والخطاب موجه منه إلى بني إسرائيل فإنهم بادروا دعوته ~~بالتكذيب والشتم . # وتعرض القرآن لذكر هذه المعجزات تعريض بالنصارى الذين جعلوا منها دليلا ~~على ألوهية عيسى ، بعلة ms1565 أن هذه الأعمال لا تدخل تحت مقدرة البشر ، فمن قدر ~~عليها فهو الإله ، وهذا دليل سفسطائي أشار الله إلى كشفه بقوله : { بآية من ~~ربكم } وقوله : { بإذن الله } مرتين . وقد روى أهل السير أن نصارى نجران ~~استدلوا بهذه الأعمال لدى النبي صلى الله عليه وسلم # # | 2 ( 50 ، 51 ) { لله ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولاحل لكم بعض الذي ~~حرم عليكم وجئتكم بأية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون * إن الله ربى وربكم ~~فاعبدوه هاذا صراط مستقيم } . ) 2 # عطف على بآية بناء على أن قوله : بآية ظرف مستقر في موضع الحال كما تقدم ~~أو عطف على جملة جئتكم ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولاحل لكم بعض الذي ~~حرم عليكم وجئتكم بأية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون } فيقدر فعل جئتكم بعد ~~واو العطف ، { ومصدقا } حال من ضمير المقدر معه ، وليس عطفا على قوله : { ~~ورسولا } ( آل عمران : 49 ) لأن رسولا من كلام الملائكة ، { ومصدقا } من ~~كلام عيسى بدليل قوله : { لما بين يدي } . PageV03P252 # والمصدق : المخبر بصدق غيره ، وأدخلت اللام على المفعول للتقوية ، ~~للدلالة على تصديقق مثبت محقق ، أي مصدقا تصديقا لا يشوبه شك ولا نسبة إلى ~~خطأ . وجعل التصديق متعديا إلى التوراة توطئة لقوله : { ولأحل لكم بعض الذي ~~حرم عليكم } . # ومعنى ما بين يدي ما تقدم قبلي ، لأن المتقدم السابق يمشي بين يدي الجائي ~~فهو هنا تمثيل لحالة السبق ، وإن كان بينه وبين نزول التوراة أزمنة طويلة ، ~~لأنها لما اتصل العمل بها إلى مجيئه ، فكأنها لم تسبقه بزمن طويل . ويستعمل ~~بين يدي كذا في معنى المشاهد الحاضر ، كما تقدم في قوله تعالى : { يعلم ما ~~بين أيديهم في سورة البقرة . # وعطف قوله ولأحل } على { رسولا } وما بعده من الأحوال : لأن الحال تشبه ~~العلة ؛ إذ هي قيد لعاملها ، فإذا كان التقييد على معنى التعليل شابه ~~المفعول لأجله ، وشابه الجرور بلام التعليل ، فصح أن يعطف عليها مجرور بلام ~~التعليل . ويجوز أن يكون عطفا على قوله : { بآية من ربكم } فيتعلق بفعلل ~~جئتكم . وعقب به قوله : { مصدقا لما بين ms1566 يدي } تنبيها على أن النسخ لا ~~ينافي التصديق ؛ لأن النسخ إعلام بتغير الحكم . وانحصرت شريعة عيسى في ~~إحياء أحكام التوراة وما تركوه فيها وهو في هذا كغيره من أنبياء بني ~~إسرائيل ، وفي تحليل بعض ما حرمه الله عليهم رعيا لحالهم في أزمنة مختلفة ، ~~وبهذا كان رسولا . قيل أحل لهم الشحوم ، ولحوم الإبل ، وبعض السمك ، وبعض ~~الطير : الذي كان محرما من قبل ، وأحل لهم السبت ، ولم أقف على شيء من ذلك ~~في الإنجيل . وظاهر هذا أنه لم يحرم عليهم ما حلل لهم ، فما قيل : إنه حرم ~~عليهم الطلاق فهو تقول عليه وإنما حذرهم منه وبين لهم سوء عواقبه ، وحرم ~~تزوج المرأة المطلقة وينضم إلى ذلك ما لا تخلو منه دعوة : من تذكير ، ~~ومواعظ ، وترغيبات . # { وجئتكم بأية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون } { إن الله ربى وربكم ~~فاعبدوه هاذا صراط مستقيم } . # وقوله : { وجئتكم بآية من ربكم } تأكيد لقوله الأول : { أنى قد جئتكم ~~بآية من ربكم } ( آل عمران : 49 ) . وإنما عطف بالواو لأنه أريد أن يكون من ~~جملة الأخبار المتقدمة ويحصل PageV03P253 التأكيد بمجرد تقدم مضمونه ، ~~فتكون لهذه الجملة اعتباران يجعلانها بمنزلة جملتين ، وليبنى عليه التفريع ~~بقوله : { فاتقوا الله وأطيعون } . # وقرأ الجمهور قوله : { وأطيعون } بحذف ياء المتكلم في الوصل والوقف ، ~~وقرأه يعقوب : بإثبات الياء فيهما . # وقوله : { إن الله ربي وربكم فاعبدوه } إن مكسورة الهمزة لا محالة ، وهي ~~واقعة موقع التعليل للأمر بالتقوى والطاعة كشأنها إذا وقعت لمجرد الاهتمام ~~كقول بشار . # بكرا صاحبي قبل الهجير # إن ذاك النجاح في التبكير # ولذلك قال : { ربي وربكم } فهو لكونه ربهم حقيق بالتقوى ، ولكونه رب عيسى ~~وأرسله تقتضي تقواه طاعة رسوله . # وقوله : فاعبدوه تفريع على الربوبية ، فقد جعل قوله إن الله ربي تعليلا ~~ثم أصلا للتفريع . # وقوله : { هذا صراط مستقيم } الإشارة إلى ما قاله كله أي أنه الحق الواضح ~~فشبهه بصراط مستقيم لا يضل سالكه ولا يتحير . # $ 2 ( 52 ، 53 ) { فلمآ أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصارى & # 1764 إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله ءامنا بالله واشهد بأنا ms1567 ~~مسلمون * ربنآ ءامنا بمآ أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين } . ) 2 ~~$ # آذن شرط لما بجمل محذوفة ، تقديرها : فولد عيسى ، وكلم الناس في المهد ~~بما أخبرت به الملائكة مريم ، وكلم الناس بالرسالة . وأراهم الآيات الموعود ~~بها ، ودعاهم إلى التصديق به وطاعته ، فكفروا به ، فلما أحس منهم الكفر قال ~~إلى آخره . أي أحس الكفر من جماعة من الذين خاطبهم بدعوته في قوله : { ~~وأطيعون } ( آل عمران : 50 ) أي PageV03P254 سمع تكذيبهم إياه وأخبر ~~بتمالئهم عليه . ( ومنهم ) متعلق بأحس . وضمير منهم عائد إلى معلوم من ~~المقام يفسره وصف الكفر . # وطلب النصر لإظهار الدعوة لله ، موقف من مواقف الرسل ، فقد أخبر الله عن ~~نوح ( فدعا ربه أني مغلوب فانتصر ) وقال موسى : { واجعل لي وزيرا من أهلي } ~~( طه : 29 ) وقد عرض النبي صلى الله عليه وسلم نفسه على قبائل العرب ~~لينصروه حتى يبلغ دعوة ربه . # وقوله : { قال من أنصاري إلى الله } لعله قاله في ملإ بني إسرائيل إبلاغا ~~للدعوة ، وقطعا للمعذرة . والنصر يشمل إعلان الدين والدعوة إليه . ووصل وصف ~~أنصاري بإلى إما على تضمين صفة أنصار معنى الضم أي من ضامون نصرهم إياي إلى ~~نصر الله إياي ، الذي وعدني به ؛ إذ لا بد لحصول النصر من تحصيل سببه كما ~~هي سنة الله : قال تعالى : { إن تنصروا الله ينصركم } ( محمد : 7 ) على نحو ~~قوله تعالى : { ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم } ( النساء : 2 ) أي ~~ضامينها فهو ظرف لغو ، وإما على جعله حالا من ياء المتكلم والمعنى في حال ~~ذهابي إلى الله ، أي إلى تبليغ شريعته ، فيكون المجرور ظرفا مستقرا . وعلى ~~كلا الوجهين فالكون الذي اقتضاه المجرور هو كون من أحوال عيسى عليه السلام ~~ولذلك لم يأت الحواريون بمثله في قولهم نحن أنصار الله . # والحواريون : لقب لأصحاب عيسى ، عليه السلام : الذين آمنوا به ولازموه ، ~~وهو اسم معرب من النبطية ومفرده حواري قاله في الإتقان عن ابن حاتم عن ~~الضحاك ولكنه ادعى أن معناه الغسال أى غسال الثياب . # وفسره علماء العربية بأنه من يكون من خاصة من يضاف هو إليه ومن ms1568 قرابته . # وغلب على أصحاب عيسى وفي الحديث قول النبي صلى الله عليه وسلم ( لكل نبيء ~~حواري وحواري الزبير بن العوام ) . # وقد أكثر المفسرون وأهل اللغة في احتمالات اشتقاقه واختلاف معناه وكل ذلك ~~إلصاق بالكلمات التي فيها حروف الحاء والواو والراء لا يصح منه شيء . ~~PageV03P255 # والحواريون اثنا عشر رجلا وهم : سمعان بطرس ، وأخوه أندراوس ، ويوحنا بن ~~زبدي ، وأخوه يعقوب وهؤلاء كلهم صيادو سمك ومتى العشار وتوما وفيليبس ، ~~وبرثو لماوس ، ويعقوب بن حلفي ، ولباوس ، وسمعان القانوى ، ويهوذا ~~الأسخريوطي . # وكان جواب الحواريين دالا على أنهم علموا أن نصر عيسى ليس لذاته بل هو ~~نصر لدين الله ، وليس في قولهم : { نحن أنصار الله } ما يفيد حصرا لأن ~~الإضافة اللفظية لا تفيد تعريفا ، فلم يحصل تعريف الجزأين ، ولكن الحواريين ~~بادروا إلى هذا الانتداب . # وقد آمن مع الحواريين أفراد متفرقون من اليهود ، مثل الذين شفى المسيح ~~مرضاهم ، وآمن به من النساء أمه عليها السلام ، ومريم المجدلية ، وأم يوحنا ~~، وحماة سمعان ، ويوثا امرأة حوزي وكيل هيرودس ، وسوسة ، ونساء أخر ولكن ~~النساء لا تطلب منهن نصره . # وقوله : { ربنا آمنا } من كلام الحواريين بقية قولهم ، وفرعوا على ذلك ~~الدعاء دعاء بأن يجعلهم الله مع الشاهدين أي مع الذين شهدوا لرسل الله ~~بالتبليغ ، وبالصدق ، وهذا مؤذن بأنهم تلقوا من عيسى فيما علمهم إياه فضائل ~~من يشهد للرسل بالصدق . # # | 2 ( 54 ) { ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين } . ) 2 # عطف على جملة { فلما أحس عيسى منهم الكفر } فإنه أحس منهم الكفر وأحس ~~منهم بالغدر والمكر . # وضمير مكروا عائد إلى ما عاد إليه ضمير منهم وهم اليهود وقد بين ذلك قوله ~~تعالى ، في سورة الصف ( 14 ) : { قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة ~~من بني إسرائيل وكفرت طائفة . والمكر فعل يقصد به ضر ضر أحد في هيئة تخفى ~~عليه ، أو تلبيس فعل الإضرار بصورة النفع ، والمراد هنا : تدبير اليهود ~~لأخذ المسيح ، وسعيهم لدى ولاة الأمور ليمكنوهم من قتله . ومكر الله بهم هو ~~تمثيل لإخفاق الله تعالى مساعيهم في حال ظنهم أن قد نجحت ms1569 مساعيهم ، وهو هنا ~~مشاكلة . وجاز إطلاق المكر على فعل PageV03P256 الله تعالى دون مشاكلة كما ~~في قوله : أفأمنوا مكر الله ( 99 ) في سورة الأعراف وبعض أساتذتنا يسمي مثل ~~ذلك مشاكلة تقديرية . # ومعنى : والله خير الماكرين } أي أقواهم عند إرادة مقابلة مكرهم بخذلانه ~~إياهم . # ويجوز أن يكون معنى خير الماكرين : أن الإملاء والاستدراج ، الذي يقدره ~~للفجار والجبابرة والمنافقين ، الشبيه بالمكر في أنه حسن الظاهر سيء ~~العاقبة ، هو خير محض لا يترتب عليه إلا الصلاح العام ، وإن كان يؤذي شخصا ~~أو أشخاصا ، فهو من هذه الجهة مجرد عما في المكر من القبح ، ولذلك كانت ~~أفعاله تعالى منزهة عن الوصف بالقبح أو الشناعة ، لأنها لا تقارنها الأحوال ~~التي بها تقبح بعض أفعال العباد ؛ من دلالة على سفاهة رأي ، أو سوء طوية ، ~~أو جبن ، أو ضعف ، أو طمع ، أو نحو ذلك . أي فإن كان في المكر قبح فمكر ~~الله خير محض ، ولك على هذا الوجه أن تجعل ( خير ) بمعنى التفضيل وبدونه . # $ 2 ( 55 ، 57 ) { إذ قال الله ياعيسى إني متوفيك ورافعك إلى ومطهرك من ~~الذين كفرو & # 1764 ا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفرو & # 1764 ا إلى يوم القيامة ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون ~~* فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والاخرة وما لهم من ~~ناصرين * وأما الذين ءامنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم والله لا يحب ~~الظالمين } . ) 2 $ # { . # استئناف ؛ و ( إذ ) ظرف غير متعلق بشيء ، أو متعلق بمحذوف ، أي اذكر إذ ~~قال الله : كما تقدم في قوله : وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض ~~خليفة إذ قال الله ياعيسى إني متوفيك ورافعك إلى ومطهرك من الذين كفرو & # 1764 ا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفرو & # 1764 ا إلى يوم القيامة ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون ~~* فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والاخرة وما لهم من ~~ناصرين } ( البقرة : 30 ) وهذا حكاية لأمر رفع المسيح وإخفائه عن أنظار ~~أعدائه . وقدم الله في خطابه إعلامه بذلك ms1570 استئناسا له ، إذ لم يتم ما يرغبه ~~من هداية قومه . مع العلم بأنه يحب لقاء الله ، PageV03P257 وتبشيرا له بأن ~~الله مظهر دينه ؛ لأن غاية هم الرسول هو الهدى ، وإبلاغ الشريعة ، فلذلك ~~قال له : { وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا } والنداء فيه للاستئناس ، ~~وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يقبض نبيء حتى يخير ~~) . # وقوله : { إني متوفيك } ظاهر معناه : إني مميتك ، هذا هو معنى هذا الفعل ~~في مواقع استعماله لأن أصل فعل توفى الشيء أنه قبضه تاما واستوفاه . فيقال ~~: توفاه الله أي قدر موته ، ويقال : توفاه ملك الموت أي أنفذ إرادة الله ~~بموته ، ويطلق التوفي على النوم مجازا بعلاقة المشابهة في نحو قوله تعالى : ~~{ وهو الذي يتوفاكم بالليل } ( الأنعام : 60 ) وقوله { الله يتوفى الأنفس ~~حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى ~~إلى أجل مسمى } ( الزمر : 42 ) . أي وأما التي لم تمت الموت المعروف ~~فيميتها في منامها موتا شبيها بالموت التام كقوله : { هو الذي يتوفاكم ~~بالليل ثم قال حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا فالكل إماتة في التحقيق ~~، وإنما فصل بينهما العرف والاستعمال ، ولذلك فرع بالبيان بقوله : فيمسك ~~التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى ، فالكلام منتظم غاية ~~الانتظام ، وقد اشتبه نظمه على بعض الأفهام . وأصرح من هذه الآية آية ~~المائدة : فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم لأنه دل على أنه قد توفى ~~الوفاة المعروفة التي تحول بين المرء وبين علم ما يقع في الأرض ، وحملها ~~على النوم بالنسبة لعيسى لا معنى له ؛ لأنه إذا أراد رفعه لم يلزم أن ينام ~~؛ ولأن النوم حينئذ وسيلة للرفع فلا ينبغي الاهتمام بذكره وترك ذكر المقصد ~~، فالقول بأنها بمعنى الرفع عن هذا العالم إيجاد معنى جديد للوفاة في اللغة ~~بدون حجة ، ولذلك قال ابن عباس ، ووهب بن منبه : إنها وفاة موت وهو ظاهر ~~قول مالك في جامع العتبية قال مالك : مات عيسى وهو ابن إحدى وثلاثين سنة ~~قال ابن رشد في ms1571 البيان والتحصيل } : ( يحتمل أن قوله : مات وهو ابن ثلاث ~~وثلاثين على الحقيقة لا على المجاز ) . # وقال الربيع : هي وفاة نوم رفعه الله في منامه ، وقال الحسن وجماعة : ~~معناه إني قابضك من الأرض ، ومخلصك في السماء ، وقيل : متوفيك متقبل عملك . ~~والذي دعاهم إلى تأويل معنى الوفاة ما ورد في الأحاديث الصحيحة : أن عيسى ~~ينزل في آخر مدة الدنيا ، فأفهم أن له حياة خاصة أخص من حياة أرواح بقية ~~الأنبياء ، التي هي حياة PageV03P258 أخص من حياة بقية الأرواح ؛ فإن حياة ~~الأرواح متفاوتة كما دل عليه حديث ( أرواح الشهداء في حواصل طيور خضر ) ~~ورووا أن تأويل المعنى في هذه الآية أولى من تأويل الحديث في معنى حياته ~~وفي نزوله ، فمنهم من تأول معنى الوفاة فجعله حيا بحياته الأولى ، ومنهم من ~~أبقى الوفاة على ظاهرها ، وجعل حياته بحياة ثانية ، فقال وهب بن منبه : ~~توفاه الله ثلاث ساعات ورفعه فيها ، ثم أحياه عنده في السماء . وقال بعضهم ~~: توفي سبع ساعات . وسكت ابن عباس ومالك عن تعيين كيفية ذلك ، ولقد وفقا ~~وسددا . ويجوز أن تكون حياته كحياة سائر الأنبياء ، وأن يكون نزوله إن حمل ~~على ظاهره بعثا له قبل إبان البعث على وجه الخصوصية ، وقد جاء التعبير عن ~~نزوله بلفظ ( يبعث الله عيسى فيقتل الدجال ) رواه مسلم عن عبد الله بن عمر ~~، ولا يموت بعد ذلك بل يخلص من هنالك إلى الآخرة . # وقد قيل في تأويله : إن عطف { ورافعك إلي } على التقديم والتأخير ؛ إذ ~~الواو لا تفيد ترتيب الزمان أي إني رافعك إلي ثم متوفيك بعد ذلك ، وليس في ~~الكلام دلالة على أنه يموت في آخر الدهر سوى أن في حديث أبي هريرة في كتاب ~~أبي داود : ( ويمكث ( أي عيسى ) أربعين سنة ثم يتوفى فيصلي عليه المسلمون ) ~~والوجه أن يحمل قوله تعالى : { إني متوفيك } على حقيقته ، وهو الظاهر ، وأن ~~تؤول الأخبار التي يفيد ظاهرها أنه حي على معنى حياة كرامة عند الله ، ~~كحياة الشهداء وأقوى ، وأنه إذا حمل نزوله على ظاهره دون تأويل ، أن ذلك ~~يقوم ms1572 مقام البعض ، وأن قوله في حديث أبي هريرة ثم يتوفى فيصلي عليه ~~المسلمون مدرج من أبي هريرة لأنه لم يروه غيره ممن رووا حديث نزول عيسى ، ~~وهم جمع من الصحابة ، والروايات مختلفة وغير صريحة . ولم يتعرض القرآن في ~~عد مزاياه إلى أنه ينزل في آخر الزمان . # والتطهير في قوله : { ومطهرك } مجازي بمعنى العصمة والتنزيه ؛ لأن طهارة ~~عيسى هي هي ، ولكن لو سلط عليه أعداؤه لكان ذلك إهانة له . # وحذف متعلق ( كفروا ) لظهوره أي الذين كفروا بك وهم اليهود ، لأن اليهود ~~ما كفروا بالله بل كفروا برسالة عيسى ، ولأن عيسى لم يبعث لغيرهم فتطهيره ~~لا يظن أنه تطهير من المشركين بقرينة السياق . PageV03P259 # والفوقية في قوله : { فوق الذين كفروا } بمعنى الظهور والانتصار ، وهي ~~فوقية دنيوية بدليل قوله : { إلى يوم القيامة } . # والمراد بالذين اتبعوه : الحواريون ومن اتبعه بعد ذلك ، إلى أن نسخت ~~شريعته بمجيء محمد صلى الله عليه وسلم # وجملة { ثم إلي مرجعكم } عطف على جملة { وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين ~~كفروا } إذ مضمون كلتا الجملتين من شأن جزاء الله متبعي عيسى والكافرين به ~~. وثم للتراخي الرتبي ؛ لأن الجزاء الحاصل عند مرجع الناس إلى الله يوم ~~القيامة ، مع ما يقارنه من الحكم بين الفريقين فيما اختلفوا فيه ، أعظم ~~درجة وأهم من جعل متبعي عيسى فوق الذين كفروا في الدنيا . # والظاهر أن هذه الجملة مما خاطب الله به عيسى ، وأن ضمير مرجعكم ، وما ~~معه من ضمائر المخاطبين ، عائد إلى عيسى والذين اتبعوه والذين كفروا به . # ويجوز أن يكون خطابا للنبيء صلى الله عليه وسلم والمسلمين ، فتكون ثم ~~للانتقال من غرض إلى غرض ، زيادة على التراخي الرتبي والتراخي الزمني . # والمرجعع مصدر ميمي معناه الرجوع . وحقيقة الرجوع غير مستقيمة هنا فتعين ~~أنه رجوع مجازي ، فيجوز أن يكون المراد به البعث للحساب بعد الموت ، ~~وإطلاقه على هذا المعنى كثير في القرآن بلفظه وبمرادفه نحو المصير ، ويجوز ~~أن يكون مرادا به انتهاء إمهال الله إياهم في أجلل أراده فينفذ فيهم مراده ~~في الدنيا . # ويجوز الجمع بين المعنيين باستعمال ms1573 اللفظ في مجازيه ، وهو المناسب لجمع ~~العذابين في قوله : { فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة } وعلى ~~الوجهين يجري تفسير حكم الله بينهم فيما هم فيه يختلفون . وقوله : { فإما ~~الذين كفروا فأعذبهم } إلى قوله { فنوفيهم أجورهم } تفصيل لما أجمل في قوله ~~{ فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون } . وقوله { فأعذبهم عذابا شديدا في ~~الدنيا والأخرة } المقصود من هذا الوعيد هو عذاب الآخرة لأنه وقع في حيز ~~تفصيل الضمائر من قوله : { فأحكم بينكم فيما كنتم فيه PageV03P260 تختلفون ~~} وإنما يكون ذلك في الآخرة ، فذكر عذاب الدنيا هنا إدماج . فإن كان هذا ~~مما خاطب الله به عيسى فهو مستعمل في صريح معناه ، وإن كان كلاما من الله ~~في القرآن خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون ، صح أن يكون مرادا ~~منه أيضا التعريض بالمشركين في ظلمهم محمدا صلى الله عليه وسلم عن مكابرة ~~منهم وحسد . وتقدم تفسير إسناد المحبة إلى الله عند قوله : قل إن كنتم ~~تحبون الله في هذه السورة . # وجملة { وما لهم من ناصرين } تذييل لجملة { أعذبهم عذابا شديدا في الدنيا ~~والآخرة } أي ولا يجدون ناصرين ينصرونهم علينا في تعذيبهم الذي قدره الله ~~تعالى . # واعلم أن قوله فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة قضية جزئية لا ~~تقتضي استمرار العذابين : # فأما عذاب الدنيا فهو يجري على نظام أحوال الدنيا : من شدة وضعف وعدم ~~استمرار ، فمعنى انتفاء الناصرين لهم منه انتفاء الناصرين في المدة التي ~~قدرها الله لتعذيبهم في الدنيا ، وهذا متفاوت ، وقد وجد اليهود ناصرين في ~~بعض الأزمان مثل قصة استير في الماضي وقضية فلسطين في هذا العصر . # وأما عذاب الآخرة : فهو مطلق هنا ، ومقيد في آيات كثيرة بالتأييد ، كما ~~قال : { وما هم بخارجين من النار } ( اللبقرة : 167 ) . # وجملة { والله لا يحب الظالمين } تذييل للتفصيل كله فهي تذييل ثانن لجملة ~~{ فأعذبهم عذابا شديدا } بصريح معناها ، أي أعذبهم لأنهم ظالمون والله لا ~~يحب الظالمين وتذييل لجملة { وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات } إلى آخرها ~~، بكناية معناها ؛ لأن انتفاء محبة الله الظالمين يستلزم أنه يحب الذين ms1574 ~~آمنوا وعملوا الصالحات فلذلك يعطيهم ثوابهم وافيا . # ومعنى كونهم ظالمين أنهم ظلموا أنفسهم بكفرهم وظلم النصارى الله بأن ~~نقصوه بإثبات ولد له وظلموا عيسى بأن نسبوه ابنا لله تعالى ، وظلمه اليهود ~~بتكذيبهم إياه وأذاهم . PageV03P261 # وعذاب الدنيا هو زوال الملك وضرب الذلة والمسكنة والجزية ، والتشريد في ~~الأقطار ، وكونهم يعيشون تبعا للناس ، وعذاب الآخرة هو جهنم . ومعنى { وما ~~لهم من ناصرين } أنهم لا يجدون ناصرا يدفع عنهم ذلك وإن حاوله لم يظفر به ~~وأسند { فنوفيهم } إلى نون العظمة تنبيها على عظمة مفعول هذا الفاعل ؛ إذ ~~العظيم يعطى عظيما . والتقدير { فيوفيهم أجورهم في الدنيا والآخرة } بدليل ~~مقابله في ضدهم من قوله : { فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة } ~~وتوفية الأجور في الدنيا تظهر في أمور كثيرة : منها رضا الله عنهم ، ~~وبركاته معهم ، والحياة الطيبة ، وحسن الذكر . وجملة { والله لا يحب ~~الظالمين } تذييل ، وفيها اكتفاء : أي ويحب الذين آمنوا وعملوا الصالحات . # وقرأ الجمهور : فنوفيهم بالنون وقرأه حفص عن عاصم ، ورويس عن يعقوب ، ~~فيوفيهم بياء الغائب على الالتفات . # # | 2 ( 58 ) { ذالك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم } . ) 2 # تذييل : فإن الآياتت والذكر أعم من الذي تلي هنا ، واسم الإشارة إلى ~~الكلام السابق من قوله تعالى : { إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك ~~بكلمة منه } ( آل عمران : 45 ) وتذكير اسم الإشارة لتأويل المشار إليه ~~بالكلام أو بالمذكور . وجملة نتلوه حال من اسم الإشارة على حد { وهذا بعلي ~~شيخا } ( هود : 72 ) وهو استعمال عربي فصيح وإن خالف في صحة مجيء الحال من ~~اسم الإشارة بعض النحاة . # وقوله : { من الآيات } خبر { ذلك } أي إن تلاوة ذلك عليك من آيات صدقك في ~~دعوى الرسالة ؛ فإنك لم تكن تعلم ذلك ، وهو ذكر وموعظة للناس ، وهذا أحسن ~~من جعل نتلوه خبرا عن المبتدأ ، ومن وجوه أخرى . والحكيم بمعنى المحكم ، أو ~~هو مجاز عقلي أي الحكيم عالمه أو تاليه . # PageV03P262 # | 2 ( 59 ، 60 ) { إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من تراب ثم قال ~~له كن فيكون * الحق من ربك فلا تكن ms1575 من الممترين } . ) 2 # استئناف بياني : بين به ما نشأ من الأوهام ، عند النصارى ، عن وصف عيسى ~~بأنه كلمة من الله ، فضلوا بتوهمهم أنه ليس خالص الناسوت . وهذا شروع في ~~إبطال عقيدة النصارى من تأليه عيسى ، ورد مطاعنهم في الإسلام وهو أقطع دليل ~~بطريق الإلزام ؛ لأنهم قالوا بإلاهية عيسى من أجل أنه خلق بكلمة من الله ~~وليس له أب ، فقالوا : هو ابن الله ، فأراهم الله أن آدم أولى بأن يدعى له ~~ذلك ، فإذا لم يكن آدم إلاها مع أنه خلق بدون أبوين فعيسى أولى بالمخلوقية ~~من آدم . # ومحل التمثيل كون كليهما خلق من دون أب ، ويزيد آدم بكونه من دون أم أيضا ~~، فلذلك احتيج إلى ذكر وجه الشبه بقوله : { خلقه من تراب } الآية أي خلقه ~~دون أب ولا أم بل بكلمة كن ، مع بيان كونه أقوى في المشبه به على ما هو ~~الغالب . وإنما قال عند الله أي نسبته إلى الله لا يزيد على آدم شيئا في ~~كونه خلقا غير معتاد ، لكم لأنهم جعلوا خلقه العجيب موجبا للمسيح نسبة خاصة ~~عند الله وهي البنوة . وقال ابن عطية : أراد بقوله : { عند الله } نفس ~~الأمر والواقع . # والضمير في خلقه لآدم لا لعيسى ؛ إذ قد علم الكل أن عيسى لم يخلق من تراب ~~، فمحل التشبيه قوله : { ثم قال له كن فيكون } . # وجملة { خلقه } وما عطف عليها مبينة لجملة كمثل آدم . # وثم للتراخي الرتبي فإن تكوينه بأمر { كن } أرفع رتبة من خلقه من تراب ، ~~وهو أسبق في الوجود والتكوين المشار إليه بكن : هو تكوينه على الصفة ~~المقصودة ، ولذلك لم يقل : كونه من تراب ولم يقل : قال له كن من تراب ثم ~~أحياه ، بل قال خلقه ثم قال له كن . وقول كن تعبير عن تعلق القدرة بتكوينه ~~حيا ذا روح ليعلم السامعون أن التكوين ليس بصنع يد ، ولا نحتت بآلة ، ولكنه ~~بإرادة وتعلقق قدرة وتسخير الكائنات التي لها أثر في تكوين المراد ، حتى ~~تلتئم وتندفع إلى إظهار المكون وكل ذلك PageV03P263 عن توجه الإرادة ~~بالتنجيز ، فبتلك الكلمة ms1576 كان آدم أيضا كلمة من الله ولكنه لم يوصف بذلك ~~لأنه لم يقع احتياج إلى ذلك لفوات زمانه . # وإنما قال : { فيكون } ولم يقل فكان لاستحضار صورة تكونه ، ولا يحمل ~~المضارع في مثل هذا إلا على هذا المعنى ، مثل قوله : { الله الذي أرسل ~~الرياح فتثير سحابا } ( فاطر : 9 ) وحمله على غير هذا هنا لا وجه له . # وقوله : { الحق من ربك } خبر مبتدأ محذوف : أي هذا الحق . ومن ربك حال من ~~الحق . والخطاب في { فلا تكن من الممترين } للنبيء صلى الله عليه وسلم ~~والمقصود التعريض بغيره ، والمعرض بهم هنا هم النصارى الممترون الذين ~~امتروا في الإلاهية بسبب تحقق أن لا أب لعيسى . # # | 2 ( 61 ) { فمن حآجك فيه من بعد ما جآءك من العلم فقل تعالوا ندع ~~أبنآءنا وأبنآءكم ونسآءنا ونسآءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت ~~الله على الكاذبين } . ) 2 # تفريع على قوله : { الحق من ربك فلا تكن من الممترين } لما فيه من إيماء ~~إلى أن وفد نجران ممترون في هذا الذي بين الله لهم في هذه الآيات : أي فإن ~~استمروا على محاجتهم إياك مكابرة في هذا الحق أو في شأن عيسى فادعهم إلى ~~المباهلة والملاعنة . ذلك أن تصميمهم على معتقدهم بعد هذا البيان مكابرة ~~محضة بعد ما جاءك من العلم وبينت لهم ، فلم يبق أوضح مما حاججتهم به فعلمت ~~أنهم إنما يحاجونك عن مكابرة ، وقلة يقين ، فادعهم إلى المباهلة بالملاعنة ~~الموصوفة هنا . # و { تعالوا } اسم فعل لطلب القدوم ، وهو في الأصل أمر من تعالى يتعالى ~~إذا قصد العلو ، فكأنهم أرادوا به في الأصل أمرا بالصعود إلى مكان عالل ~~تشريفا للمدعو ، ثم شاع PageV03P264 حتى صار لمطلق الأمر بالقدوم أو الحضور ~~، وأجريت عليه أحوال اسم الفعل فهو مبني على فتح آخره وأما قول أبي فراس ~~الحمداني : # أيا جارتا ما أنصف الدهر بيننا # تعالي أقاسمكك الهموم تعالي # فقد لحنوه فيه . # ومعنى { تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم } ائتوا وادعوا أبناءكم ونحن ندعو ~~أبناءنا إلى آخره ، والمقصود هو قوله : { ثم نبتهل } إلى آخره . # و ( ثم ) هنا للتراخي ms1577 الرتبي . # والابتهال مشتق من البهل وهو الدعاء باللعن ويطلق على الاجتهاد في الدعاء ~~مطلقا لأن الداعي باللعن يجتهد في دعائه والمراد في الآية المعنى الأول . # ومعنى { فنجعل لعنت الله } فندع بإيقاع اللعنة على الكاذبين . وهذا ~~الدعاء إلى المباهلة إلجاء لهم إلى أن يعترفوا بالحق أو يكفوا . روى ~~المفسرون وأهل السيرة أن وفد نجران لما دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى الملاعنة قال لهم العاقب : نلاعنه فوالله لئن كان نبيئا فلاعننا لا ~~نفلح أبدا ولا عقبنا من بعدنا فلم يجيبوا إلى المباهلة وعدلوا إلى المصالحة ~~كما سيأتي . # وهذه المباهلة لعلها من طرق التناصف عند النصارى فدعاهم إليها النبي صلى ~~الله عليه وسلم لإقامة الحجة عليهم . # وإنما جمع في الملاعنة الأبناء والنساء : لأنه لما ظهرت مكابرتهم في الحق ~~وحب الدنيا ، علم أن من هذه صفته يكون أهله ونساؤه أحب إليه من الحق كما ~~قال شعيب ( أرهطي أعز عليكم من الله ) وأنه يخشى سوء العيش ، وفقدان الأهل ~~، ولا يخشى عذاب الآخرة . # والظاهر أن المراد بضمير المتكلم المشارك أنه عائد إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم ومن معه من المسلمين ، والذين يحضرهم لذلك وأبناء أهل الوفد ~~ونساؤهم اللائي كن معهم . PageV03P265 # والنساء : الأزواج لا محالة ، وهو إطلاق معروف عند العرب إذا أضيف لفظ ~~النساء إلى واحد أو جماعة دون ما إذا ورد غير مضاف ، قال تعالى : { يا نساء ~~النبسي لستن كأحد من النساء } ( الأحزاب : 32 ) وقال : { ونساء المؤمنين } ~~وقال النابغة : # حذارا على أن لا تنال مقادتي # ولا نسوتي حتى يمتن حرائرا # والأنفس أنفس المتكلمين وأنفس المخاطبين أي وإيانا وإياكم ، وأما الأبناء ~~فيحتمل أن المراد شبانهم ، ويحتمل أنه يشمل الصبيان ، والمقصود أن تعود ~~عليهم آثار الملاعنة . # والابتهال افتعال من البهل ، وهو اللعن ، يقال : بهله الله بمعنى لعنه ~~واللعنة بهلة وبهلة بالضم والفتح ثم استعمل الابتهال مجازا مشهورا في مطلق ~~الدعاء قال الأعشى : لا تقعدن وقد أكلتها حطبا # تعوذ من شرها يوما وتبتهل # وهو المراد هنا بدليل أنه فرع عليه قوله : { فنجعل لعنت الله على ms1578 ~~الكاذبين } . # وهذه دعوة إنصاف لا يدعو لها إلا واثق بأنه على الحق . وهذه المباهلة لم ~~تقع لأن نصارى نجران لم يستجيبوا إليها . وقد روى أبو نعيم في الدلائل أن ~~النبي هيأ عليا وفاطمة وحسنا وحسينا ليصحبهم معه للمباهلة . ولم يذكروا فيه ~~إحضار نسائه ولا إحضار بعض المسلمين . # # | 2 ( 62 ، 63 ) { إن هاذا لهو القصص الحق وما من إلاه إلا الله وإن الله ~~لهو العزيز الحكيم * فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين } . ) 2 # جملة { إن هذا لهو القصص الحق } وما عطف عليها بالواو اعتراض لبيان ما ~~اقتضاه قوله : { الكاذبين } ( آل عمران : 61 ) لأنهم نفوا أن يكون عيسى عبد ~~الله ، وزعموا أنه غلب فإثبات أنه عبد هو الحق . # واسم الإشارة راجع إلى ما ذكر من نفي الإلاهية عن عيسى . PageV03P266 # والضمير في قوله لهو القصص ضمير فصل ، ودخلت عليه لام الابتداء لزيادة ~~التقوية التي أفادها ضمير الفصل ؛ لأن اللام وحدها مفيدة تقوية الخبر وضمير ~~الفصل يفيد القصر أي هذا القصص لا ما تقصه كتب النصارى وعقائدهم . # والقصص بفتح القاف والصاد اسم لما يقص ، يقال : قص الخبر قصا إذا أخبر به ~~، والقص أخص من الإخبار ؛ فإن القص إخبار بخبر فيه طول وتفصيل وتسمى ~~الحادثة التي من شأنها أن يخبر بها قصة بكسر القاف أي مقصوصة أي مما يقصها ~~القصاص ، ويقال للذي ينتصب لتحديث الناس بأخبار الماضين قصاص بفتح القاف . ~~فالقصص اسم لما يقص : قال تعالى : { نحن نقص عليك أحسن القصص وقيل : هو اسم ~~مصدر وليس هو مصدرا ، ومن جرى على لسانه من أهل اللغة أنه مصدر فذلك تسامح ~~من تسامح الأقدمين ، فالقص بالإدغام مصدر ، والقصص بالفك اسم للمصدر واسم ~~للخبر المقصوص . # وقوله : وما من إلاه إلا الله } تأكيد لحقية هذا القصص . ودخلت من ~~الزائدة بعد حرف نفي تنصيصا على قصد النفي الجنس لتدل الجملة على التوحيد ، ~~ونفي الشريك بالصراحة ، ودلالة المطابقة ، وأن ليس المراد نفي الوحدة عن ~~غير الله ، فيوهم أنه قد يكون إلا هان أو أكثر في شق آخر ، وإن كان هذا ~~يؤول ms1579 إلى نفي الشريك لكن بدلالة الالتزام . # وقوله : { وإن الله لهو العزيز الحكيم } فيه ما في قوله : { إن هذا لهو ~~القصص الحق } فأفاد تقوية الخبر عن الله تعالى بالعزة والحكم ، والمقصود ~~إبطال إلاهية المسيح على حسب اعتقاد المخاطبين من النصارى ، فإنهم زعموا ~~أنه قتله اليهود وذلك ذلة وعجز لا يلتئمان مع الإلاهية فكيف يكون إلاه وهو ~~غير عزيز وهو محكوم عليه ، وهو أيضا إبطال لإلاهيته على اعتقادنا ؛ لأنه ~~كان محتاجا لإنقاذه من أيدي الظالمين . # وجملة { فإن تولوا الله عليم بالمفسدين } عطف على قوله : { فقل تعالوا } ~~( آل عمران : 61 ) وهذا تسجيل عليهم إذ نكصوا عن المباهلة ، وقد علم بذلك ~~أنهم قصدوا المكابرة ولم يتطلبوا الحق ، روي أنهم لما أبوا المباهلة قال ~~لهم النبي صلى الله عليه وسلم ( فإن أبيتم فأسلموا ) فأبوا فقال : ( فإن ~~أبيتم فأعطوا الجزية عن يد ) فأبوا فقال لهم : ( فإني أنبذ إليكم على سواء ~~) PageV03P267 أي أترك لكم العهد الذي بيننا فقالوا : ( ما لنا طاقة بحرب ~~العرب ، ولكنا نصالحك على ألا تغزونا ولا تخيفنا ولا تردنا عن ديننا على أن ~~نؤدي إليك كل عام ألفي حلة حمراء ألفا في صفر وألفا في رجب وثلاثين درعا ~~عادية من حديد ) وطلبوا منه أن يبعث معهم رجلا أمينا يحكم بينهم فقال : ~~لأبعثن معكم أمينا حق أمينن فبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنه ، ~~ولم أقف على ما دعاهم إلى طلب أمين ولا على مقدار المدة التي مكث فيها أبو ~~عبيدة بينهم . # # | 2 ( 64 ) { قل ياأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سوآء بيننا وبينكم ألا ~~نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله ~~فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون } . ) 2 # رجوع إلى المجادلة ، بعد انقطاعها بالدعاء إلى المباهلة ، بعث عليه الحرص ~~على إيمانهم ، وإشارة إلى شيء من زيغ أهل الكتابين عن حقيقة إسلامم الوجه ~~لله كما تقدم بيانه . وقد جيء في هذه المجادلة بحجة لا يجدون عنها موئلا ~~وهو دعوتهم إلى تخصيص الله بالعبادة ونبذ عقيدة إشراك ms1580 غيره في الإلاهية . ~~فجملة { قل يا أهل الكتاب } بمنزلة التأكيد لجملة { فقل تعالوا ندع أبناءنا ~~} ( آل عمران : 61 ) لأن مدلول الأولى احتجاج عليهم بضعف ثقتهم بأحقية ~~اعتقادهم . ومدلول هذه احتجاج عليهم بصحة عقيدة الإسلام ، ولذلك لم تعطف ~~هذه الجملة . والمراد بأهل الكتاب هنا النصارى : لأنهم هم الذين اتخذوا ~~المخلوق ربا وعبدوه مع الله . # وتعالوا هنا مستعملة في طلب الاجتماع على كلمة سواء وهو تمثيل : جعلت ~~الكلمة المجتمع عليها بشبه المكان المراد الاجتماع عنده . وتقدم الكلام على ~~( تعالوا ) قريبا . # والكلمة هنا أطلقت على الكلام الوجيز كما في قوله تعالى : { كلا إنها ~~كلمة هو قائلها } ( المؤمنون : 100 ) . PageV03P268 # وسواء هنا اسم مصدر الاستواء ، قيل بمعنى العدل ، وقيل بمعنى قصد لا شطط ~~فيها ، وهذان يكونان من قولهم : مكان سواء وسوى وسوى بمعنى متوسط قال تعالى ~~: { فرءاه في سواء الجحيم } ( الصافات : 55 ) . وقال ابن عطية : بمعنى ما ~~يستوي فيه جميع الناس ، فإن اتخاذ بعضهم بعضا أربابا ، لا يكون على استواء ~~حال وهو قول حسن . وعلى كل معنى فالسواء غير مؤنث ، وصف به { كلمة } ، وهو ~~لفظ مؤنث ، لأن الوصف بالمصدر واسم المصدر لا مطابقة فيه . # و { ألا نعبد } بدل من { كلمة } ، وقال جماعة : هو بدل من سواء ، ورده ~~ابن هشام ، في النوع الثاني من الجهة السادسة من جهات قواعد الإعراب من ~~مغني اللبيب ، واعترضه الدمامييني وغيره . # والحق أنه مردود من جهة مراعاة الاصطلاح لا من جهة المعنى ؛ لأن سواء وصف ~~لكلمة وألا نعبد لو جعل بدلا من سواء ءال إلى كونه في قوة الوصف لكلمة ولا ~~يحسن وصف كلمة به . # وضمير بيننا عائد على معلوم من المقام : وهو النبي صلى الله عليه وسلم ~~والمسلمون ، ولذلك جاء بعده : { فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون } . # ويستفاد من قوله : { ألا نعبد إلا الله } إلى آخره ، التعريض بالذين ~~عبدوا المسيح كلهم . # وقوله : { فإن تولوا } جيء في هذا الشرط بحرف إن لأن التولي بعد نهوض هذه ~~الحجة وما قبلها من الأدلة غريب الوقوع ، فالمقام مشتمل على ما هو صالح ~~لاقتلاع حصول هذا الشرط ms1581 ، فصار فعل الشرط من شأنه أن يكون نادر الوقوع ~~مفروضا ، وذلك من مواقع ( إن ) الشرطية فإن كان ذلك منهم فقد صاروا بحيث ~~يؤيس من إسلامهم فأعرضوا عنهم ، وأمسكوا أنتم بإسلامكم ، وأشهدوهم أنكم على ~~إسلامكم . ومعنى هذا الإشهاد التسجيل عليهم لئلا يظهروا إعراض المسلمين عن ~~الاسترسال في محاجتهم في صورة العجز والتسليم بأحقية ما عليه أهل الكتاب ~~فهذا معنى الإشهاد عليهم بأنا مسلمون . # PageV03P269 $ 2 ( 65 ، 66 ) { ياأهل الكتاب لم تحآجون فى & # 1764 إبراهيم ومآ أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون * ~~هاأنتم هاؤلا & # 1764 ء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحآجون فيما ليس لكم به علم والله ~~يعلم وأنتم لا تعلمون } . ) 2 $ # استئناف ابتدائي للانتقال من دعائهم لكلمة الحق الجامعة لحق الدين ، إلى ~~الإنكار عليهم محاجتهم الباطلة للمسلمين في دين إبراهيم ، وزعم كل فريق ~~منهم أنهم على دينه توصلا إلى أن الذي خالف دينهم لا يكون على دين إبراهيم ~~كما يدعي النبي محمد صلى الله عليه وسلم فالمحاجة فرع عن المخالفة في ~~الدعوى . وهذه المحاجة على طريق قياس المساواة في النفي ، أو في محاجتهم ~~النبي في دعواه أنه على دين إبراهيم ، محاجة يقصدون منها إبطال مساواة دينه ~~لدين إبراهيم ، بطريقة قياس المساواة في النفي أيضا . # فيجوز أن تكون هذه الجملة من مقول القول المأمور به الرسول في قوله تعالى ~~: { قل يا أهل الكتاب تعالوا } أي قل لهم : يا أهل الكتاب لم تحاجون . ~~ويجوز أن يكون الاستئناف من كلام الله تعالى عقب أمره الرسول بأن يقول { ~~تعالوا } فيكون توجيه خطاب إلى أهل الكتاب مباشرة ، ويكون جعل الجملة ~~الأولى من مقول الرسول دون هذه لأن الأولى من شؤون الدعوة ، وهذه من طرق ~~المجاحة ، وإبطال قولهم ، وذلك في الدرجة الثانية من الدعوة . والكل في ~~النسبة إلى الله سواء . # ومناسبة الانتقال من الكلام السابق إلى هذا الكلام نشأت من قوله : { فإن ~~تولوا فقولوا أشهدوا بأنا مسلمون } ( آل عمران : 64 ) لأنه قد شاع فيما نزل ~~من القرآن في مكة ، وبعدها أن الإسلام الذي جاء ms1582 به محمد صلى الله عليه وسلم ~~يرجع إلى الحنيفية دين إبراهيم كما تقدم تقريره في سورة البقرة وكما في ~~سورة النحل ( ) : { ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وسيجيء أن ~~إبراهيم كان حنيفا مسلما ، وقد اشتهر هذا وأعلن بين المشركين في مكة ، وبني ~~اليهود في المدينة ، وبين النصارى في وفد نجران ، وقد علم أن المشركين بمكة ~~كانوا يدعون أنهم ورثة شريعة إبراهيم وسدنة بيته ، وكان أهل الكتاب قد ~~ادعوا أنهم PageV03P270 على دين إبراهيم ، ولم يتبين لي أكان ذلك منهم ~~ادعاء قديما أم كانوا قد تفطنوا إليه من دعوة محمد ، فاستيقظوا لتقليده في ~~ذلك ، أم كانوا قالوا ذلك على وجه الإفحام للرسول حين حاجهم بأن دينه هو ~~الحق ، وأن الدين عند الله الإسلام فألجؤوه إلى أحد أمرين : إما أن تكون ~~الزيادة على دين إبراهيم غير مخرجة عن اتباعه ، فهو مشترك الإلزام في دين ~~اليهودية والنصرانية ، وإما أن تكون مخرجة عن دين إبراهيم فلا يكون الإسلام ~~تابعا لدين إبراهيم . # وأحسب أن ادعاءهم أنهم على ملة إبراهيم إنما انتحلوه لبث كل من الفريقين ~~الدعوة إلى دينه بين العرب ، ولا سيما النصرانية ، فإن دعاتها كانوا ~~يحاولون انتشارها بين العرب فلا يجدون شيئا يروج عندهم سوى أن يقولوا : ~~إنها ملة إبراهيم ، ومن أجل ذلك اتبعت في بعض قبائل العرب ، وهنالك أخبار ~~في أسباب النزول تثير هذه الاحتمالات : فروى أن وفد نجران قالوا للنبيء حين ~~دعاهم إلى اتباع دينه : على أي دين أنت قال : على ملة إبراهيم قالوا : فقد ~~زدت فيه ما لم يكن فيه فعلى هذه الرواية يكون المخاطب بأهل الكتاب هنا خصوص ~~النصارى كالخطاب الذي قبله وروى : أنه تنازعت اليهود ونصارى نجران بالمدينة ~~، عند النبي ، فأدعي كل فريق أنه على دين إبراهيم دون الاخر ، فيكون الخطاب ~~لأهل الكتاب كلهم ، من يهود ونصارى . # ولعل اختلاف المخاطبين هو الداعي لتكرير الخطاب . # وقوله : وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده } يكون على حسب الرواية ~~الأولى منعا لقولهم : فقد زدت فيه ما ليس منه ، المقصود منه إبطال ms1583 أن يكون ~~الإسلام هو دين إبراهيم . وتفصيل هذا المنع : إنكم لا قبل لكم بمعرفة دين ~~إبراهيم ، فمن أين لكم أن الإسلام زاد فيما جاء به على دين إبراهيم ، فإنكم ~~لا مستند لكم في علمكم بأمور الدين إلا التوراة والإنجيل ، وهما قد نزلا من ~~بعد إبراهيم ، فمن أين يعلم ما كانت شريعة إبراهيم حتى يعلم المزيد عليها ، ~~وذكر التوراة على هذا لأنها أصل الإنجيل . ويكون على حسب الرواية الثانية ~~نفيا لدعوى كل فريق منهما أنه على دين إبراهيم ، بأن دين اليهود هو التوراة ~~، ودين النصارى هو الإنجيل ، وكلاهما نزل PageV03P271 بعد إبراهيم ، فكيف ~~يكون شريعة له . قال الفخر : يعني ولم يصرح في أحد هذين الكتابين بأنه ~~مطابق لشريعة إبراهيم ، فذكر التوراة والإنجيل على هذا نشر بعد اللف : لأن ~~أهل الكتاب شمل الفريقين ، فذكر التوراة لإبطال قول اليهود ، وذكر الإنجيل ~~لإبطالل قول النصارى ، وذكر التوراة والإنجيل هنا لقصد جمع الفريقين في ~~التخطئة ، وإن كان المقصود بادىء ذي بدء هم النصارى الذين مساق الكلام معهم ~~. # والأظهر عندي في تأليف المحاجة ينتظم من مجموع قوله : { وما أنزلت ~~التوراة والإنجيل إلا من بعده } وقوله : { فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم ~~} وقوله : { والله يعلم وأنتم لا تعلمون } فيبطل بذلك دعواهم أنهم على دين ~~إبراهيم ، ودعواهم أن الإسلام ليس على دين إبراهيم ، ويثبت عليهم أن ~~الإسلام على دين إبراهيم ، وذلك أن قوله : { وما أنزلت التوراة والإنجيل ~~إلا من بعده } يدل على أن علمهم في الدين منحصر فيهما ، وهما نزلا بعد ~~إبراهيم فلا جائز أن يكونا عين صحف إبراهيم . # وقوله : { فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم } يبطل قولهم : إن الإسلام زاد ~~على دين إبراهيم ، ولا يدل على أنهم على دين إبراهيم ؛ لأن التوراة ~~والإنجيل لم يرد فيهما التصريح بذلك ، وهذا هو الفارق بين انتساب الإسلام ~~إلى إبراهيم وانتساب اليهودية والنصرانية إليه ، فلا يقولون وكيف يدعى أن ~~الإسلام دين إبراهيم مع أن القرآن أنزل من بعد إبراهيم كما أنزلت التوراة ~~والإنجيل من بعده . # وقوله : { والله يعلم } يدل على ms1584 أن الله أنبأ في القرآن بأنه أرسل محمدا ~~بالإسلام دينن إبراهيم وهو أعلم منكم بذلك ، ولم يسبق أن امتن عليكم بمثل ~~ذلك في التوراة والإنجيل فأنتم لا تعلمون ذلك ، فلما جاء الإسلام وأنبأ ~~بذلك أردتم أن تنتحلوا هذه المزية ، واستيقظتم لذلك حسدا على هذه النعمة ، ~~فنهضت الحجة عليهم ، ولم يبق لهم معذرة في أن يقولوا : إن مجيء التوراة ~~والإنجيل من بعد إبراهيم مشترك الإلزام لنا ولكم ؛ فإن القرآن أنزل بعد ~~إبراهيم ، ولولا انتظام الدليل على الوجه الذي ذكرنا لكان مشترك الإلزام . # والاستفهام في قوله : { فلم تحاجون } مقصود منه التنبيه على الغلط . ~~PageV03P272 # وقد أعرض في هذا الاحتجاح عليهم عن إبطال المنافاة بين الزيادة الواقعة ~~في الدين الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم على الدين الذي جاء به ~~إبراهيم ، وبين وصف الإسلام بأنه ملة إبراهيم : لأنهم لم يكن لهم من صحة ~~النظر ما يفرقون به بين زيادة الفروع ، واتحاد الأصول ، وأن مساواة الدينين ~~منظور فيها إلى اتحاد أصولهما سنبينها عند تفسير قوله تعالى : { فإن حاجوك ~~فقل أسلمت وجهي لله } ( آل عمران : 20 ) وعند قوله : { ما كان إبراهيم ~~يهوديا ولا نصرانيا } فاكتفي في المحاجة بإبطال مستندهم في قولهم : ( فقد ~~زدت فيه ما ليس فيه على طريقة المنع ، ثم بقوله : { ما كان إبراهيم يهوديا ~~ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما } ( آل عمران : 67 ) على طريقة الدعوى ~~بناء على أن انقطاع المعترض كافف في اتجاه دعوى المستدل . # وقوله : { ها أنتم هؤلاء حاججتم } تقدم القول في نظيره عند قوله تعالى : ~~{ ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم في سورة البقرة ( 85 ) . # وقرأ الجمهور : ها أنتم بإثبات ألف ها وبتخفيف همزة أنتم ، وقرأه قالون ، ~~وأبو عمرو ، ويعقوب : بإثبات الألف وتسهيل همزة أنتم ، وقرأه ورش بحذف ألف ~~ها وبتسهيل همزة أنتم وبإبدالها ألفا أيضا مع المد ، وقرأه قنبل بتخفيف ~~الهمزة دون ألف . # ووقعت ما الاستفهامية بعد لام التعليل فيكون المسؤول عنه هو سبب المحاجة ~~فما صدق ( ما ) علة من العلل مجهولة أي سبب للمحاجة مجهول ؛ لأنه ليس من ms1585 ~~شأنه أن يعلم لأنه لا وجود له ، فلا يعلم ، فالاستفهام عنه كناية عن عدمه ، ~~وهذا قريب من معنى الاستفهام الإنكاري ، وليس عينيه . # وحذفت ألف ما الاستفهامية على ما هو الاستعمال فيها إذا وقعت مجرورة بحرف ~~نحو عم يتساءلون } ( النبأ : 1 ) وقول ابنن معد يكرب : # علام تقول الرمح يثقل عاتقي # والألفات التي تكتب في حروف الجر على صورة الياء . إذا جر بواحد من تلك ~~الحروف ( ما ) هذه يكتبون الألفات على صورة الألف : لأن ما صارت على حرف ~~واحد فأشبهت جزء الكلمة فصارت الألفات كالتي في أواسط الكلمات . ~~PageV03P273 # وقوله : { في إبراهيم } معناه في شيء من أحواله ، وظاهر أن المراد بذلك ~~هنا دينه ، فهذا من تعليق الحكم بالذات ، والمراد حال من أحوال الذات يتعين ~~من المقام كما تقدم في تفسير قوله تعالى : { إنما حرم عليكم الميتة في سورة ~~البقرة ( 173 ) . # و ( ها ) من قوله : ها أنتم } تنبيه ، وأصل الكلام أنتم حاججتم ، وإنما ~~يجيء مثل هذا التركيب في محل التعجب والنكير والتنبيه ونحو ذلك ، ولذلك ~~يؤكد غالبا باسم إشارة بعده فيقال ها أناذا ، وها أنتم أولاء أو هؤلاء . # و { حاججتم } خبر { أنتم } ، ولك أن تجعل جملة حاججتم حالا هي محل ~~التعجيب باعتبار ما عطف عليها من قوله : { فلم تحاجون } : لأن الاستفهام ~~فيه إنكاري ، فمعناه : فلا تحاجون . # وسيأتي بيان مثله في قوله تعالى : { هاأنتم أولاء تحبونهم } ( آل عمران : ~~119 ) . # وقوله : { والله يعلم وأنتم لا تعلمون } تكميل للحجة أي إن القرآن الذي ~~هومن عند الله أثبت أنه ملة إبراهيم ، وأنتم لم تهتدوا لذلك لأنكم لا ~~تعلمون ، وهذا كقوله في سورة البقرة ( 140 ) : { أم تقولون إن إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى قل أأنتم أعلم أم ~~الله . # # | 2 ( 67 ) ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما ~~كان من المشركين } . ) 2 # نتيجة للاستدلال إذ قد تحصحص من الحجة الماضية أن اليهودية والنصرانية ~~غير الحنيفية ، وأن موسى وعيسى ، عليهما السلام ، لم يخبرا بأنهما على ~~الحنيفية ، فأنتج أن إبراهيم لم يكن على حال ms1586 اليهودية أو النصرانية ؛ إذ لم ~~يؤثر ذلك عن موسى ولا عيسى ، عليهما السلام ، فهذا سنده خلو كتبهم عن ادعاء ~~ذلك . وكيف تكون اليهودية أو النصرانية من الحنيفية مع خلوها عن فريضة الحج ~~، وقد جاء الإسلام بذكر فرضه لمن تمكن منه ، ومما يؤيد هذا ما ذكره ابن ~~عطية في تفسير قوله تعالى في هذه السورة : { لا نفرق بين أحد منهم ونحن له ~~مسلمون } ( البقرة : 136 ) عن عكرمة قال : ( لما نزلت الآية قال أهل الملل ~~: ( قد أسلمنا قبلك ، ونحن المسلمون ) فقال الله له : فحجهم يا محمد وأنزل ~~PageV03P274 الله : { ولله على الناس حج البيت } ( آل عمران : 97 ) الآية ~~فحج المسلمون وقعد الكفار ) . ثم تمم الله ذلك بقوله : وما كان من المشركين ~~، فأبطلت دعاوى الفرق الثلاث . # والحنيف تقدم عند قوله تعالى : { قل بل ملة إبراهيم حنيفا في سورة البقرة ~~( 135 ) . # وقوله : ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين } أفاد الاستدراك بعد ~~نفي الضد حصرا لحال إبراهيم فيما يوافق أصول الإسلام ، ولذلك بين حنيفا ~~بقوله : { مسلما } لأنهم يعرفون معنى الحنيفية ولا يؤمنون بالإسلام ، ~~فأعلمهم أن الإسلام هو الحنيفية ، وقال : { وما كان من المشركين } فنفى عن ~~إبراهيم موافقة اليهودية ، . وموافقة النصرانية ، وموافقة المشركين ، وإنه ~~كان مسلما ، فثبتت موافقته الإسلام ، وقد تقدم في سورة البقرة ( 135 ) في ~~مواضع أن إبراهيم سأل أن يكون مسلما ، وأن الله أمره أن يكون مسلما ، وأنه ~~كان حنيفا ، وأن الإسلام الذي جاء به محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو ~~الذي كان جاء به إبراهيم { وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة ~~إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين } وكل ذلك لا يبقي شكا في أن الإسلام هو ~~إسلام إبراهيم . # وقد بينت آنفا عند قوله تعالى : { فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله } ( آل ~~عمران : 20 ) الأصول الداخلة تحت معنى { أسلمت وجهي لله } فلنفرضها في معنى ~~قول إبراهيم : { إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض } ( الأنعام : 79 ) ~~فقد جاء إبراهيم بالتوحيد ، وأعلنه إعلانا لم يترك للشرك مسلكا إلى نفوس ~~الغافلين ms1587 ، وأقام هيكلا وهو الكعبة ، أول بيت وضع للناس ، وفرض حجه على ~~الناس : ارتباطا بمغزاه ، وأعلن تمام العبودية لله تعالى بقوله : { ولا ~~أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا } ( الأنعام : 80 ) وأخلص القول ~~والعمل لله تعالى فقال : { وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم ~~بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا } ( الأنعام : 81 ) وتطلب الهدى بقوله : ~~{ ربنا واجعلنا مسلمينن لك } ( البقرة : 128 ) { وأرنا مناسكنا وتب علينا } ~~( البقرة : 128 ) وكسر الأصنام بيده { فجعلهم جذاذا } ( الأنبياء : 58 ) ، ~~وأظهر الانقطاع لله بقوله : { الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين ~~وإذا مرضت فهو يشفين والذي يميتني ثم يحيين } ( الشعراء : 78 81 ) ، وتصدى ~~للاحتجاج على الوحدانية وصفات الله { قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من ~~المشرق فأت بها من المغرب } ( البقرة : 258 ) { وتلك حجتنا ءاتيناها ~~إبراهيم على قومه } ( الأنعام : 83 ) { وحاجه قومه } ( الأنعام : 80 ) . ~~PageV03P275 # وعطف قوله : { وما كان من المشركين } لييأس مشركو العرب من أن يكونوا على ~~ملة إبراهيم ، وحتى لا يتوهم متوهم أن القصر المستفاد من قوله : ( ولكن ~~حنيفا مسلما ) قصر إضافي بالنسبة لليهودية والنصرانية ، حيث كان العرب ~~يزعمون أنهم على مللا إبراهيم لكنهم مشركون . # # | 2 ( 68 ) { إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهاذا النبى والذين ~~ءامنوا والله ولى المؤمنين } . ) 2 # استئناف ناشيء عن نفي اليهودية والنصرانية عن إبراهيم ، فليس اليهود ولا ~~النصارى ولا المشركون بأولى الناس به ، وهذا يدل على أنهم كانوا يقولون : ~~نحن أولى بدينكم . # و ( أولى ) اسم تفضيل أي أشد وليا أي قربا مشتق من ولي إذا صار وليا ، ~~وعدي بالباء لتضمنه معنى الاتصال أي أخص الناس بإبراهيم وأقربهم منه . ومن ~~المفسرين من جعل أولى هنا بمعنى أجدر فيضطر إلى تقدير مضاف قبل قوله : { ~~بإبراهيم } أي بدين إبراهيم . # والذين اتبعوا إبراهيم هم الذين اتبعوه في حياته : مثل لوط وإسماعيل ~~وإسحاق ، ولا اعتداد بمحاولة الذين حاولوا اتباع الحنيفية ولم يهتدوا إليها ~~، مثل زيد بن عمرو بن نفيل ، وأمية ابن أبي الصلت ، وأبيه أبي الصلت ، وأبي ~~قيس صرمة بن أبي ms1588 أنس من بني النجار ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم ( كاد ~~أمية بن أبي الصلت ، أن يسلم ) وهو لم يدرك الإسلام فالمعنى كاد أن يكون ~~حنيفا ، وفي ( صحيح البخاري ) : أن زيد بن عمرو بن نفيل خرج إلى الشام يسأل ~~عن الدين فلقي عالما من اليهود ، فسأله عن دينه فقال له : إني أريد أن أكون ~~على دينك ، فقال اليهودي : إنك لا تكون على ديننا حتى تأخذ نصيبك من غضب ~~الله ، قال زيد : أفر إلا من غضب الله ، ولا أحمل من غضب الله شيئا أبدا ~~وأنا أستطيع ، فهل تدلني على دين ليس فيه هذا ؟ قال : لا أعلمه إلا أن تكون ~~حنيفا ، قال : وما الحنيف ؟ قال : دين إبراهيم لم يكن يهوديا ولا ~~PageV03P276 نصرانيا وكان لا يعبد إلا الله ، فخرج من عنده فلقي عالما من ~~النصارى فقاوله مثل مقاولة اليهودي ، غير أن النصراني قال : أن تأخذ بنصيبك ~~من لعنة الله ، فخرج من عنده وقد اتفقا له على دين إبراهيم ، فلم يزل رافعا ~~يديه إلى السماء وقال : اللهم أشهد أني على دين إبراهيم وهذا أمنية منه لا ~~تصادف الواقع . وفي ( صحيح البخاري ) ، عن أسماء بنت أبي بكر : قالت : رأيت ~~زيد بن عمرو بن نفيل قبل الإسلام مسندا ظهره إلى الكعبة وهو يقول : ( يا ~~معشر قريش ليس منكم على دين إبراهيم غيري ) وفيه أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح قبل أن ينزل على النبي صلى الله ~~عليه وسلم الوحي فقدمت إلى النبي صلى الله عليه وسلم سفرة فأبى زيد بن عمرو ~~أن يأكل منها وقال : إني لست آكل مما تذبحون على أنصابكم ولا آكل إلا ما ~~ذكر اسم الله عليه وهذا توهم منه أن النبي صلى الله عليه وسلم يفعل كما ~~تفعل قريش . وإن زيدا كان يعيب على قريش ذبائحهم ويقول : الشاة خلقها الله ~~وأنزل لها من السماء الماء أنبت لها من الأرض ثم تذبحونها على غير اسم الله ~~. # واسم الإشارة في قوله : { وهذا النبي } مستعمل مجازا في ms1589 المشتهر بوصف بين ~~المخاطبين كقوله في الحديث : ( فجعل الفراش وهذه الدواب تقع في النار ) ~~فالإشارة استعملت في استحضار الدواب المعروفة بالتساقط على النار عند ~~وقودها ، والنبي ليس بمشاهد للمخاطبين بالآية ، حينئذ ، ولا قصدت الإشارة ~~إلى ذاته . ويجوز أن تكون الإشارة مستعملة في حضور التكلم باعتبار كون ~~النبي هو الناطق بهذا الكلام ، فهو كقول الشاعر : ( نجوتت وهذا تحملين طليق ~~) أي والمتكلم الذي تحملينه . والاسم الواقع بعد اسم الإشارة ، بدلا منه ، ~~هو الذي يعين جهة الإشارة ما هي . وعطف النبي على الذين اتبعوا إبراهيم ~~للاهتمام به وفيه إيماء إلى أن متابعته إبراهيم عليه السلام ليست متابعة ~~عامة فكون الإسلام من الحنيفية أنه موافق لها في أصولها . والمراد بالذين ~~آمنوا المسلمون . فالمقصود معناه اللقبي ، فإن وصف الذين آمنوا صار لقبا ~~لأمة محمد صلى الله عليه وسلم ولذلك كثر خطابهم في القرآن بيأيها الذين ~~آمنوا . # ووجه كون هذا النبي صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا أولى الناس بإبراهيم ~~، مثل الذين اتبعوه ، إنهم قد تخلقوا بأصول شرعه ، وعرفوا قدره ، وكانوا له ~~لسان صدق دائبا بذكره ، PageV03P277 فهؤلاء أحق به ممن انتسبوا إليه لكنهم ~~نقضوا أصول شرعه وهم المشركون ، ومن الذين انتسبوا إليه وأنسوا ذكر شرعه ، ~~وهم اليهود والنصارى ، ومن هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم لما ~~سأل عن صوم اليهود ، يوم عاشوراء فقالوا : هو يوم نجى الله فيه موسى فقال : ~~( نحن أحق بموسى منهم ) وصامه وأمر المسلمين بصومه . # وقوله : { والله ولي المؤمنين } تذييل أي هؤلاء هم أولى الناس بإبراهيم ، ~~والله ولي إبراهيم ، والذين اتبعوه ، وهذا النبي ، والذين آمنوا ؛ لأن ~~التذييل يشمل المذيل قطعا ، ثم يشمل غيره تكميلا كالعام على سبب خاص . وفي ~~قوله : { والله ولي المؤمنين } بعد قوله : { كان إبراهيم يهوديا } ( آل ~~عمران : 67 ) تعريض بأن الذين لم يكن إبراهيم منهم ليسوا بمؤمنين . # # | 2 ( 69 ) { ودت طآئفة من أهل الكتاب لو يضلونكم وما يضلون إلا أنفسهم ~~وما يشعرون } . ) 2 # استئناف مناسبته قوله : { فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون إلى قوله ~~إن أولى الناس بإبراهيم ms1590 } ( آل عمران : 64 68 ) إلخ . والمراد بأهل الكتاب ~~هنا اليهود خاصة ، ولذلك عبر عنهم بطائفة من أهل الكتاب لئلا يتوهم أنهم ~~أهل الكتاب الذين كانت المحاجة معهم في الآيات السابقة . # والمراد بالطائفة جماعة منهم من قريظة ، والنضير ، وقينقاع ، دعوا عمار ~~بن ياسر ، ومعاذ بن جبل ، وحذيفة بن اليمان ، إلى الرجوع إلى الشرك . # وجملة لو يضلونكم مبينة لمضمون جملة ودت ، على طريقة الإجمال والتفصيل . ~~فلو شرطية مستعملة في التمني مجازا لأن التمني من لوازم الشرط الامتناعي . ~~وجواب الشرط محذوف يدل عليه فعل ودت تقديره : لو يضلونكم لحصل مودودهم ، ~~والتحقيق أن التمني عارض من عوارض لو الامتناعية في بعض المقامات . وليس هو ~~معنى أصليا من معاني لو . وقد تقدم نظير هذا في قوله تعالى : { يود أحدهم ~~لو يعمر ألف سنة في سورة البقرة ( 96 ) . PageV03P278 # وقوله : لو يضلونكم } أي ودوا إضلالكم وهو يحتمل أنهم ودوا أن يجعلوهم ~~على غير هدى في نظر أهل الكتاب : أي يذبذبوهم ، ويحتمل أن المراد الإضلال ~~في نفس الأمر ، وإن كان ود أهل الكتاب أن يهودوهم . وعلى الوجهين يحتمل ~~قوله تعالى : { وما يضلون إلا أنفسهم } أن يكون معناه : إنهم إذا أضلوا ~~الناس فقد صاروا هم أيضا ضالين ؛ لأن الإضلال ضلال ، وأن يكون معناه : إنهم ~~كانوا من قبل ضالين برضاهم بالبقاء على دين منسوخ وقوله : { وما يشعرون } ~~يناسب الاحتمالين لأن العلم بالحالتين دقيق . # # | 2 ( 70 ، 71 ) { لله ياأهل الكتاب لم تكفرون بأيات الله وأنتم تشهدون * ~~ياأهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون } . ) 2 # التفات إلى خطاب اليهود . والاستفهام إنكاري . والآيات : المعجزات ، ~~ولذلك قال وأنتم تشهدون . وإعادة ندائهم بقوله : { يا أهل الكتاب } ثانية ~~لقصد التوبيخ وتسجيل باطلهم عليهم . ولبس الحق بالباطل تلبيس دينهم بما ~~أدخلوا فيه من الأكاذيب والخرافات والتأويلات الباطلة ، حتى ارتفعت الثقة ~~بجميعه . وكتمان الحق يحتمل أن يراد به كتمانهم تصديق محمد صلى الله عليه ~~وسلم ويحتمل أن يراد به كتمانهم ما في التوراة من الأحكام التي أماتوها ~~وعوضوها بأعمال أحبارهم وآثار تأويلاتهم ، وهم يعلمونها ولا ms1591 يعملون بها . # $ 2 ( 72 74 ) { وقالت طآئفة من أهل الكتاب ءامنوا بالذي & # 1764 أنزل على الذين ءامنوا وجه النهار واكفرو & # 1764 ا ءاخره لعلهم يرجعون * ولا تؤمنو & # 1764 ا إلا لمن تبع دينكم قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى & # 1764 ا أحد مثل مآ أوتيتم أو يحآجوكم عند ربكم قل إن الفضل بيد الله ~~يؤتيه من يشآء والله واسع عليم * يختص برحمته من يشآء والله ذو الفضل ~~العظيم } . ) 2 $ # { . # عطف على ودت طائفة وقالت طآئفة من أهل الكتاب ءامنوا بالذي & # 1764 أنزل على الذين ءامنوا وجه النهار واكفرو & # 1764 ا ءاخره لعلهم يرجعون * ولا } ( آل عمران : 69 ) . فالطائفة الأولى ~~حاولت الإضلال بالمجاهرة ، وهذه الطائفة حاولته بالمخادعة : قيل أشير إلى ~~طائفة من اليهود منهم كعب بن الأشرف ، PageV03P279 ومالك بن الصيف ، ~~وغيرهما من يهود خيبر ، أغواهم العجب بدينهم فتوهموا أنهم قدوة للناس فلما ~~أعيتهم المجاهرة بالمكابرة دبروا للكيد مكيدة أخرى ، فقالوا لطائفة من ~~أتباعهم : ( آمنوا بمحمد أول النهار مظهرين أنكم صدقتموه ثم اكفروا آخر ~~النهار ليظهر أنكم كفرتم به عن بصيرة وتجربة فيقول المسلمون ما صرف هؤلاء ~~عنا إلا ما انكشف لهم من حقيقة أمر هذا الدين ، وأنه ليس هو الدين المبشر ~~به في الكتب السالفة ) ففعلوا ذلك . # وقوله : { على الذين آمنوا } يحتمل أنه من لفظ الحكاية بأن يكون اليهود ~~قالوا آمنوا بالذي أنزل على أتباع محمد فحوله الله تعالى فقال على الذين ~~آمنوا تنويها بصدق إيمانهم . ويحتمل أنه من المحكي بأن يكون اليهود أطلقوا ~~هذه الصلة على أتباع محمد إذ صارت علما بالغلبة عليهم . ووجه النهار أوله ~~وتقدم آنفا عند قوله تعالى : { وجيها في الدنيا والآخرة } ( آل عمران : 45 ~~) . # وقوله : { ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم } من كلام الطائفة من أهل الكتاب ~~قصدوا به الاحتراس ألا يظنوا من قولهم آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا ~~وجه النهار أنه إيمان حق ، فالمعنى ولا تؤمنوا إيمانا حقا إلا لمن تبع ~~دينكم ، فأما محمد فلا تؤمنوا به لأنه لم يتبع دينكم فهذا تعليل ms1592 للنهي . # وهذا اعتذار عن إلزامهم بأن كتبهم بشرت بمجيء رسول مقف فتوهموا أنه لا ~~يجيء إلا بشريعة التوراة ، وضلوا عن عدم الفائدة في مجيئه بما في التوراة ~~لأنه من تحصيل الحاصل ، فينزه فعل الله عنه ، فالرسول الذي يجيء بعد موسى ~~لا يكون إلا ناسخا لبعض شريعة التوراة فجمعهم بين مقالة : { آمنوا بالذي ~~أنزل على الذين آمنوا } وبين مقالة : { ولا تؤمنوا } مثل { وما رميت إذ ~~رميت } ( الأنفال : 17 ) . # وقوله : { قل إن الهدى هدى الله } كلام معترض ، أمر النبي عليه الصلاة ~~والسلام أن يقوله لهم . كناية عن استبعاد حصول اهتدائهم ، وأن الله لم ~~يهدهم ، لأن هدى غيره أي محاولته هدى الناس لا يحصل منه المطلوب ، إذا لم ~~يقدره الله . فالقصر حقيقي : لأن ما لم يقدره الله فهو صورة الهدى وليس ~~بهدى وهو مقابل قولهم : PageV03P280 آمنوا بالذي أنزل ولا تؤمنوا إلا لمن ~~تبع دينكم ، إذ أرادوا صورة الإيمان ، وما هو بإيمان ، وفي هذا الجواب ~~إظهار الاستغناء عن متابعتهم . # { أن يؤتى & # 1764 ا أحد مثل مآ أوتيتم أو يحآجوكم عند ربكم } . # أشكل موقع هذه الآية بعد سابقتها وصف نظمها ، ومصرف معناها : إلى أي فريق ~~. وقال القرطبي : إنها أشكل آية في هذه السورة . وذكر ابن عطية وجوها ~~ثمانية . ترجع إلى احتمالين أصليين . # الاحتمال الأول أنها تكملة لمحاورة الطائفة من أهل الكتاب بعضهم بعضا ، ~~وأن جملة { قل إن الهدى هدى الله } معترضة في أثناء ذلك الحوار ، وعلى هذا ~~الاحتمال تأتي وجوه نقتصر منها على وجهين واضحين : # أحدهما : أنهم أرادوا تعليل قولهم : { ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم } ~~على أن سياق الكلام يقتضي إرادتهم استحالة نسخ شريعة التوراة ، واستحالة ~~بعثة رسول بعد موسى ، وأنه يقدر لام تعليل محذوف قبل ( أن ) المصدرية وهو ~~حذف شائع مثله . ثم إما أن يقدر حرف نفي بعد ( أن ) يدل عليه هذا السياق ~~ويقتضيه لفظ ( أحد ) المراد منه شمول كل أحد : لأن ذلك اللفظ لا يستعمل ~~مرادا منه الشمول إلا في سياق النفي ، وما في معني النفي مثلل استفهام ~~الإنكار ، فأما إذا استعمل ms1593 ( أحد ) في الكلام الموجب فإنه يكون بمعنى الوصف ~~بالوحدة ، وليس ذلك بمناسب في هذه الآية . # فتقدير الكلام لأن لا يوتى أحد مثل ما أوتيتم وحذف حرف النفي بعد لام ~~التعليل ، ظاهرة ومقدرة ، كثير في الكلام ، ومنه قوله تعالى : { يبين الله ~~لكم أن تضلوا } ( النساء : 176 ) ، أي لئلا تضلوا . # والمعنى : أن قصدهم من هذا الكلام تثبيت أنفسهم على ملازمة دين اليهودية ~~، لأن اليهود لا يجوزون نسخ أحكام الله ، ويتوهمون أن النسخ يقتضي البداء . ~~PageV03P281 # الوجه الثاني : أنهم أرادوا إنكار أن يوتى أحد النبوءة كما أوتيها أنبياء ~~بني إسرائيل فيكون الكلام استفهاما إنكاريا حذفت منه أداة الاستفهام لدلالة ~~السياق ؛ ويؤيده قراءة ابن كثير قوله : { أن يؤتى أحد } بهمزتين . # وأما قوله : أو يحاجوكم عند ربكم فحرف ( أو ) فيه للتقسيم مثل { ولا تطع ~~منهم آثما أو كفورا } ( الإنسان : 24 ) ( أو ) معطوف على النفي ، أو على ~~الاستفهام الإنكاري : على اختلاف التقديرين ، والمعنى : ولا يحاجوكم عند ~~ربكم أو وكيف يحاجونكم عند ربكم ، أي لا حجة لهم عليكم عند الله . # وواو الجمع في { يحاجوكم } ضمير عائد إلى ( أحد ) لدلالته على العموم في ~~سياق النفي أو الإنكار . # وفائدة الاعتراض في أثناء كلامهم المبادرة بما يفيد ضلالهم لأن الله ~~حرمهم التوفيق . # الاحتمال الثاني أن تكون الجملة مما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن ~~يقوله لهم بقية لقوله : ( إن الهدى هدى الله ) . # والكلام على هذا رد على قولهم : { آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه ~~النهار } وقولهم { ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم } على طريقة اللف والنشر ~~المعكوس ، فقوله : { أن يأتى أحد مثل ما أوتيتم } إبطال لقولهم : { ولا ~~تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم } أي قلتم ذلك حسدا من أن يؤتي أحد مثل ما أوتيتم ~~وقوله : { أو يحاجوكم } رد لقولهم : { آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا ~~وجه النهار واكفروا آخره } على طريقة التهكم ، أي مرادكم التنصل من أن ~~يحاجوكم أي الذين آمنوا عند الله يوم القيامة ، فجمعتم بين الإيمان بما آمن ~~به المسلمون ، حتى إذا كان لهم الفوز يوم القيامة لا ms1594 يحاجونكم عند الله ~~بأنكم كافرون ، وإذا كان الفوز لكم كنتم قد أخذتم بالحزم إذ لم تبطلوا دين ~~اليهودية ، وعلى هذا فواو الجماعة في قوله : { أو يحاجوكم } عائد إلى الذين ~~آمنوا . وهذا الاحتمال أنسب نظما بقوله تعالى : { قل إن الفضل بيد الله } ، ~~ليكون لكل كلام حكي عنهم تلقين جوابب عنه : فجواب قولهم : { آمنوا بالذي ~~أنزل على الذين آمنوا } الآية ، قوله : { قل إن الهدى هدى الله } . وجواب ~~قولهم : { ولا تؤمنوا } إلخ قوله : قل إن الفضل PageV03P282 بيد الله إلخ . ~~فهذا ملاك الوجوه ، ولا نطيل باستيعابها إذ ليس من غرضنا في هذا التفسير . # وكلمة { أحد } اسم نكرة غلب استعمالها في سياق النفي ومعناها شخص أو ~~إنسان وهو معدود من الأسماء التي لا تقع إلا في حيز النفي فيفيد العموم مثل ~~عريب وديار ونحوهما وندر وقوعه في حيز الإيجاب ، وهمزته مبدلة من الواو ~~وأصله وحد بمعنى واحد ويرد وصفا بمعنى واحد . [ # وقرأ الجمهور { أن يؤتى أحد } بهمزة واحدة هي جزء من حرف ( أن ) . وقرأه ~~ابن كثير بهمزتين مفتوحتين أولاهما همزة استفهام والثانية جزء من حرف ( أن ~~) وسهل الهمزة الثانية . # { قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشآء والله واسع عليم } { يختص برحمته ~~من يشآء والله ذو الفضل العظيم } . # زيادة تذكير لهم وإبطال لإحالتهم أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم رسولا ~~من الله ، وتذكير لهم على طرح الحسد على نعم الله تعالى أي كما أعطى الله ~~الرسالة موسى كذلك أعطاها محمدا ، وهذا كقوله تعالى : { أم يحسدون الناس ~~على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة } ( النساء ~~: 54 ) . # وتأكيد الكلام ب ( إن ) لتنزيلهم منزلة من ينكر أن الفضل بيد الله ومن ~~يحسب أن الفضل تبع لشهواتهم وجملة { والله واسع عليم } عطف على جملة أن ~~الفضل بيد الله إلخ أي أن الفضل بيد الله وهو لا يخفى عليه من هو أهل لنوال ~~فضله . # و { واسع } اسم فاعل الموصوف بالسعة . # وحقيقة السعة امتداد فضاء الحيز من مكانن أو ظرفف امتدادا يكفي لإيواء ما ~~يحويه ms1595 ذلك الحيز بدون تزاحم ولا تداخل بين أجزاء المحوي ، يقال أرض واسعة ~~وإناء PageV03P283 واسع وثوب واسع ، ويطلق الاتساع وما يشتق منه على وفاء ~~شيء بالعمل الذي يعمله نوعه دون مشقة يقال : فلان واسع البال ، وواسع الصدر ~~، وواسع العطاء . وواسعع الخلق ، فتدل على شدة أو كثرة ما يسند إليه أو ~~يوصف به أو يعلق به من أشياء ومعانن ، وشاع ذلك حتى صار معنى ثانيا . # و { واسع } من صفات الله وأسمائه الحسنى وهو بالمعنى المجازي لا محالة ~~لاستحالة المعنى الحقيقي في شأنه تعالى ، ومعنى هذا الاسم عدم تناهي ~~التعلقات لصفاته ذاتت التعلق فهو واسع العلم ، واسع الرحمة ، واسع العطاء ، ~~فسعة صفاته تعالى أنها لا حد لتعلقاتها ، فهو أحق الموجودات بوصف واسع ، ~~لأنه الواسع المطلق . # وإسناد وصف واسع إلى اسمه تعالى إسناد مجازي أيضا لأن الواسع صفاته ولذلك ~~يؤتى بعد هذا الوصف أو ما في معناه من فعل السعة بما يميز جهة السعة من ~~تمييز نحو : وسع كل شيء علما ، ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما . فوصفه في هذه ~~الآية بأنه واسع هو سعة الفضل لأنه وقع تذييلا لقوله : ذلك فضل الله يؤتيه ~~من يشاء . # وأحسب أن وصف الله بصفة واسع في العربية من مبتكرات القرآن . # وقوله : { عليم } صفة ثانية بقوة علمه أي كثرة متعلقات صفة علمه تعالى . # ووصفه بأنه عليم هنا لإفادة أنه عليم بمن يستأهل أن يؤتيه فضله ويدل على ~~علمه بذلك ما يظهر من آثار إرادته وقدرته الجارية على وفق علمه متى ظهر ~~للناس ما أودعه الله من فضائل في بعض خلقه ، قال تعالى : { الله أعلم حيث ~~يجعل رسالته } ( الأنعام : 124 ) . # وجملة { يختص برحمته من يشاء } بدل بعض من كل لجملة { إن الفضل بيد الله ~~يؤتيه من يشاء } فإن رحمته بعض مما هو فضله . # وجملة { والله ذو الفضل العظيم } تذييل وتقدم تفسير نظيره عند قوله تعالى ~~: { والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم في سورة البقرة ( 105 ~~) . # PageV03P284 # | 2 ( 75 ، 76 ) ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده ms1596 إليك ومنهم من ~~إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قآئما ذالك بأنهم قالوا ليس ~~علينا فى الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون * بلى من أوفى ~~بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين } . ) 2 # عطف على قوله : { وقالت طائفة من أهل الكتاب } ( آل عمران : 72 ) أو على ~~قوله : { ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم } ( آل عمران : 69 ) عطف ~~القصة على القصة والمناسبة بيان دخائل أحوال اليهود في معاملة المسلمين ~~الناشئة عن حسدهم وفي انحرافهم عن ملة إبراهيم مع ادعائهم أنهم أولى الناس ~~به ، فقد حكى في هذه الآية خيانة فريق منهم . # وقد ذكر الله هنا أن في أهل الكتاب فريقين : فريقا يؤدي الأمانة تعففا عن ~~الخيانة وفريقا لا يؤدي الأمانة متعللين لإباحة الخيانة في دينهم ، قيل : ~~ومن الفريق الأول عبد الله بن سلام ، ومن الفريق الثاني فنحاص بن عازوراء ~~وكلاهما من يهود يثرب والمقصود من الآية ذم الفريق الثاني إذ كان من دينهم ~~في زعمهم إباحة الخون قال : { ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأمين سبيل } ~~فلذلك كان المقصود هو قوله : { ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك } ~~إلخ ولذلك طول الكلام فيه . # وإنما قدم عليه قوله : { ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار } إنصافا لحق ~~هذا الفريق ، لأن الإنصاف مما اشتهر به الإسلام ، وإذ كان في زعمهم أن ~~دينهم يبيح لهم خيانة غيرهم ، فقد صار النعي عليهم ، والتعبير بهذا القول ~~لازما لجميعهم أمينهم وخائنهم ، لأن الأمين حينئذ لا مزية له إلا في أنه ~~ترك حقا يبيح له دينه أخذه ، فترفع عن ذلك كما يترفع المتغالي في المروءة ~~عن بعض المباحات . # وتقديم المسند في قوله : { ومن أهل الكتاب } في الموضعين للتعجيب من ~~مضمون صلة المسند إليهما : ففي الأول للتعجيب من قوة الأمانة ، مع إمكان ~~الخيانة ووجود العذر له في عادة أهل دينه ، وفي الثاني للتعجيب من أن يكون ~~الخون خلقا لمتبع كتاب من كتب الله ، ثم يزيد التعجيب عند قوله : { ذلك ~~بأنهم قالوا } فيكسب ms1597 المسند إليهما زيادة عجب حال . PageV03P285 # وعدي { تأمنه } بالباء مع أن مثله يتعدى بعلي كقوله : { هل آمنكم عليه } ~~( يوسف : 64 ) ، لتضمينه معنى تعامله بقنطار ليشمل الأمانة بالوديعة ، ~~والأمانة بالمعاملة على الاستيمان ، وقيل الباء فيه بمعنى على كقول أبي ذر ~~أو عباسس بن مرداس : # أرب يبول الثعلبان برأسه # وهو محمل بعيد ، لأن الباء في البيت للظرفية كقوله تعالى : { ببطن مكة } ~~( الفتح : 24 ) . # وقرأ الجمهور { يؤده } إليك بكسر الهاء من يؤده على الأصل في الضمائر . # وقرأه أبو عمرو ، وحمزة ، وأبو بكر عن عاصم ، وأبو جعفر : بإسكان هاء ~~الضمير في يؤده ، فقال الزجاج : هذا الإسكان الذي روي عن هؤلاء غلط بين لأن ~~الهاء لا ينبغي أن تجزم وإذا لم تجزم فلا يجوز أن تكسر في الوصل ( هكذا ~~نقله ابن عطية ومعناه أن جزم الجواب لا يظهر على هاء الضمير بل على آخر حرف ~~من الفعل ولا يجوز تسكينها في الوصل كما في أكثر الآيات التي سكنوا فيها ~~الهاء ) . وقيل هو إجراء للوصل مجرى الوقف وهو قليل ، قال الزجاج : وأما ~~أبو عمرو فأراه كان يختلس الكسر فغلط عليه من نقله وكلام الزجاج مردود لأنه ~~راعى فيه المشهور من الاستعمال المقيس ، واللغة أوسع من ذلك ، والقراءة حجة ~~. وقرأه هشام عن ابن عامر ، ويعقوب باختلاس الكسر . # وحكى القرطبي عن الفراء : أن مذهب بعض العرب يجزمون الهاء إذا تحرك ما ~~قبلها يقولون ضربته كما يسكنون ميم أنتم وقمتم وأصله الرفع وهذا كما قال ~~الراجز : # لما رأى ألا دعه ولا شبع # مال إلى أرطاة حقف فاضطجع # والقنطار تقدم آنفا في قوله تعالى : { والقناطير المقنطرة من الذهب ~~والفضة } ( آل عمران : 14 ) . # والدينار اسم للمسكوك من الذهب الذي وزنه اثنتان وسبعون حبة من الشعير ~~المتوسط وهو معرب دنار من الرومية . # وقد جعل القنطار والدينار مثلين للكثرة والقلة ، والمقصود ما يفيده ~~الفحوى من أداء الأمانة فيما هو دون القنطار ، ووقوع الخيانة فيما هو فوق ~~الدينار . PageV03P286 # وقوله : { إلا ما دمت عليه قائما } أطلق القيام هنا على الحرص والمواظبة ~~: كقوله : { قائما بالقسط } ( آل عمران ms1598 : 18 ) أي لا يفعل إلا العدل . # وعدي ( قائما ) بحرف ( على ) لأن القيام مجاز على الإلحاح والترداد ~~فتعديته بحرف الاستعلاء قرينة وتجريد للاستعارة . # و ( ما ) من قوله : { إلا ما دمت عليه قائما } حرف مصدري يصير الفعل بعده ~~في تأويل مصدر ، ويكثر أن يقدر معها اسم زمان ملتزم حذفه يدل عليه سياق ~~الكلام فحينئذ يقال ما ظرفية مصدرية . وليست الظرفية مدلولها بالأصالة ولا ~~هي نائبة عن الظرف ، ولكنها مستفادة من موقع ( ما ) في سياق كلام يؤذن ~~بالزمان ، ويكثر ذلك في دخول ( ما ) على الفعل المتصرف من مادة دام ~~ومرادفها . # و ( ما ) في هذه الآية كذلك فالمعنى : لا يؤده إليك إلا في مدة دوام ~~قيامك عليه أي إلحاحك عليه . والدوام حقيقته استمرار الفعل وهو هنا مجاز في ~~طول المدة ، لتعذر المعنى الحقيقي مع وجود أداة الاستثناء ، لأنه إذا انتهى ~~العمر لم يحصل الإلحاح بعد الموت . # والاستثناء من قوله : { إلا ما دمت عليه قائما } يجوز أن يكون استثناء ~~مفرغا من أوقات يدل عليها موقع ( ما ) والتقدير لا يؤده إليك في جميع ~~الأزمان إلا زمانا تدوم عليه فيه قائما فيكون ما بعد ( إلا ) نصبا على ~~الظرفف ، ويجوز أن يكون مفرغا من مصادر يدل عليها معنى ( ما ) المصدرية ، ~~فيكون ما بعده منصوبا على الحال لأن المصدر يقع حالا . # وقدم المجرور على متعلقه في قوله : { عليه قائما } للاهتمام بمعنى ~~المجرور ، ففي تقديمه معنى الإلحاح ، أي إذا لم يكن قيامك عليه لا يرجع لك ~~أمانتك . # والإشارة في قوله : { ذلك بأنهم قالوا } إلى الحكم المذكور وهو { إن ~~تأمنه بدينار لا يؤده إليك } وإنما أشير إليه لكمال العناية بتمييزه ~~لاختصاصه بهذا الشأن العجيب . # والباء للسبب أي ذلك مسبب عن أقوال اختلقوها ، وعبر عن ذلك بالقول ، لأن ~~القول يصدر عن الإعتقاد ، فلذا ناب منابه فأطلق على الظن في مواضع من كلام ~~العرب . # وأرادوا بالأميين من ليسوا من أهل الكتاب في القديم ، وقد تقدم بيان معنى ~~الأمي في سورة البقرة . PageV03P287 # وحرف ( في ) هنا للتعليل . وإذ قد كان التعليل لا يتعلق بالذوات ، تعين ms1599 ~~تقدير مضاف مجرور بحرف ( في ) والتقدير في معاملة الأميين . # ومعنى ليس علينا في الأميين سبيل ليس علينا في أكل حقوقهم حرج ولا إثم ، ~~فتعليق الحكم بالأميين أي ذواتهم مراد منه أعلق أحوالهم بالغرض الذي سبق له ~~الكلام . # فالسبيل هنا طريق المؤاخذة ، ثم أطلق السبيل في كلام العرب مجازا مشهورا ~~على المؤاخذة قال تعالى : { ما على المحسنين من سبيل } ( التوبة : 91 ) ~~وقال : { إنما السبيل على الذين يستأذنوك } ( التوبة : 93 ) وربما عبر عنه ~~العرب بالطريق قال حميد بن ثور : # وهل أنا إن عللت نفسي بسرحة # من السرح موجود علي طريق # وقصدهم بذلك أن يحقروا المسلمين ، ويتطاولوا بما أوتوه من معرفة القراءة ~~والكتابة من قبلهم . أو أرادوا الأميين بمعرفة التوراة ، أي الجاهلين : ~~كناية عن كونهم ليسوا من أتباع دين موسى عليه السلام . # وأياما كان فقد أنبأ هذا عن خلق عجيب فيهم ، وهو استخفافهم بحقوق ~~المخالفين لهم في الدين ، واستباحة ظلمهم مع اعتقادهم أن الجاهل أو الأمي ~~جدير بأن يدحض حقه . والظاهر أن الذي جرأهم على هذا سوء فهمهم في التوراة ، ~~فإن التوراة ذكرت أحكاما فرقت فيها بين الإسرائيلي وغيره في الحقوق ، غير ~~أن ذلك فيما يرجع إلى المؤاساة والمخالطة بين الأمة ، فقد جاء في سفر ~~التثنية الإصحاح الخامس عشر : ( في آخر سبع سنين تعمل إبراء يبرىء كل صاحب ~~دين يده مما أقرض صاحبه . الأجنبي تطالب ، وأما ما كان لك عند أخيك فتبرئة ~~) وجاء في ( الإصحاح ) 23 منه : ( لا تقرض أخاك بربا فضة أو ربا طعام ~~وللأجنبي تقرض بربا ) ولكن شتان بين الحقوق وبين المؤاساة فإن تحريم الربا ~~إنما كان لقصد المؤاساة ، والمؤاساة غير مفروضة مع غير أهل الملة الواحدة . ~~وعن ابن الكلبي قالت اليهود : الأموال كلها كانت لنا ، فما في أيدي العرب ~~منها فهو لنا ، وإنهم ظلمونا وغصبونا فلا إثم علينا في أخذ أموالنا منهم . ~~وهذا الخلقان الذميمان اللذان حكاهما الله عن اليهود قد اتصف بهما كثير من ~~المسلمين ، فاستحل بعضهم حقوق أهل الذمة ، وتأولوها بأنهم صاروا أهل حرب ، ~~في حين لا حرب ms1600 ولا ضرب . PageV03P288 # وقد كذبهم الله تعالى في هذا الزعم فقال : { ويقولون على الله الكذب } ~~قال المفسرون : إنهم ادعوا أنهم وجدوا ذلك في كتابهم . وروى عن سعيد بن ~~جبير أنه لما نزل قوله تعالى : { ومن أهل الكتاب من إن تأمنه } إلى قوله { ~~وهم يعلمون } قال النبي صلى الله عليه وسلم ( كذب أعداء الله ما من شيء كان ~~في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي هاتين إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البر ~~والفاجر . # وقوله وهم يعلمون حال أي يعتمدون الكذب : إما لأنهم علموا أن ما قاسوه ~~على ما في كتابهم ليس القياس فيه بصحيح ، وإما لأن التأويل الباطل بمنزلة ~~العلم بالكذب ، إذ الشبهة الضعيفة كالعهد . # و ( بلى ) حرف جواب وهو مختص بإبطال النفي فهو هنا لإبطال قولهم : { ليس ~~علينا في الأميين سبيل } ( آل عمران : 75 ) . # و ( بلى ) غير مختصة بجواب الاستفهام المنفي بل يجاب بها عند قصد الإبطال ~~، وأكثر مواقعها في جواب الاستفهام المنفي ، وجيء في الجواب بحكم عام ليشمل ~~المقصود وغيره : توفيرا للمعنى ، وقصدا في اللفظ ، فقال : { من أوفى بعهده ~~} أي لم يخن ، لأن الأمانة عهد ، { واتقى } ) ربه فلم يدحض حق غيره { إن ~~الله يحب المحسنين } ( المائدة : 13 ) أي الموصوفين بالتقوى ، والمقصود نفي ~~محبة الله عن ضد المذكور بقرينة المقام . # # | 2 ( 77 ) { إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولائك لا ~~خلاق لهم فى الاخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ~~ولهم عذاب أليم } . ) 2 # مناسبة هذه الآية لما قبلها أن في خيانة الأمانة إبطالا للعهد ، وللحلف ~~الذي بينهم ، وبين المسلمين ، وقريشش . والكلام استئناف قصد منه ذكر الخلق ~~الجامع لشتات مساوىء أهل الكتاب من اليهود ، دعا إليه قوله ودت طائفة من ~~أهل الكتاب وما بعده . # وقد جرت أمثال هذه الأوصاف على اليهود مفرقة في سورة البقرة ( 40 ) : { ~~أوفوا بعهدي ، ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا } ( البقرة : 41 ) . { ماله في ~~الآخرة من خلاق } ( البقرة : 102 ) . { ولا يكلمهم الله يوم PageV03P289 ~~القيامة ولا يزيكهم } ( البرة : 174 ) . فعلمنا أنهم المراد بذلك هنا ms1601 . وقد ~~بينا هنالك وجه تسمية دينهم بالعهد وبالميثاق ، في مواضع ، لأن موسى عاهدهم ~~على العمل به ، وبينا معاني هذه الأوصاف والأخبار . # ومعنى { ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة } غضبه عليهم إذ قد ~~شاع نفي الكلام في الكناية عن الغضب ، وشاع استعمال النظر في الإقبال ~~والعناية ، ونفي النظر في الغضب فالنظر المنفي هنا نظر خاص . وهاتان ~~الكنايتان يجوز معهما إرادة المعنى الحقيقي . # وقوله : { ولا يزكيهم } أي لا يطهرهم من الذنوب ولا يقلعون عن آثامهم ، ~~لأن من بلغ من رقة الديانة إلى حد أن يشتري بعهد الله وأيمانه ثمنا قليلا ، ~~فقد بلغ الغاية القصوى في الجرأة على الله ، فكيف يرجى له صلاح بعد ذلك ، ~~ويحتمل أن يكون المعنى ولا ينميهم أي لا يكثر حظوظهم في الخيرات . # وفي مجيء هذا الوعيد ، عقب الصلة ، وهي يشترون بعهد الله الآية ، إيذان ~~بأن من شابههم في هذه الصفات فهو لاحق بهم ، حتى ظن بعض السلف أن هذه الآية ~~نزلت فيمن حلف يمينا باطلة ، وكل يظن أنها نزلت فيما يعرفه من قصة يمين ~~فاجرة ، ففي ( البخاري ) ، عن أبي وائل ، عن عبد الله بن مسعود ، قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ( من حلف يمين صبر ليقتطع بها مال امرىء مسلم لقي ~~الله وهو عليه غضبان ) فأنزل الله تصديق ذلك : { إن الذين يشترون بعهد الله ~~وأيمانهم } الآية فدخل الأشعث بن قيس وقال : ( ما يحدثكم أبو عبد الرحمن ) ~~قلنا : كذا وكذا . قال : ( في أنزلت كانت لي بئر في أرض ابن عم لي ) فقال ~~لي رسول الله صلى الله عليه وسلم بينتك أو يمينه قلت : إذن يحلف فقال رسول ~~الله : من حلف على يمين صبر الحديث . # وفي ( البخاري ) ، عن عبد الله بن أبي أوفى : أن رجلا أقام سلعة في السوق ~~فحلف لقد أعطي بها ما لم يعطه ليوقع فيها رجلا من المسلمين فنزلت : { إن ~~الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا } الآية . # وفيه عن ابن عباس أنه قرأ هاته الآية في قصة وجبت فيها يمين لرد دعوى : # PageV03P290 # | 2 ms1602 ( 78 ) { وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب ~~وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على ~~الله الكذب وهم يعلمون } . ) 2 # أي من اليهود طائفة تخيل للمسلمين أشياء أنها مما جاء في التوراة ، وليست ~~كذلك ، إما في الاعتذار عن بعض أفعالهم الذميمة ، كقولهم : ليس علينا في ~~الأميين سبيل ، وإما للتخليط على المسلمين حتى يشككوهم فيما يخالف ذلك مما ~~ذكره القرآن ، أو لإدخال الشك عليهم في بعض ما نزل به القرآن ، فاللي مجمل ~~، ولكنه مبين بقوله : { لتحسبوه من الكتاب } وقوله : { ويقولون هو من عند ~~الله وما هو من عند الله } . # واللي في الأصل : الإراغة أي إدارة الجسم غير المتصلب إلى غير الصوب الذي ~~هو ممتد إليه : فمن ذلك لي الحبل ، ولي العنان للفرس لإدارته إلى جهة غير ~~صوب سيره ، ومنه لي العنق ، ولي الرأس بمعنى الالتفات الشزر والإعراض قال ~~تعالى : { لووا رؤوسهم } ( المنافقون : 5 ) . # واللي في هذه الآية يحتمل أن يكون حقيقة بمعنى تحريف اللسان عن طريق حرف ~~من حروف الهجاء إلى طريق حرف آخر يقاربه لتعطي الكلمة في أذن السامع جرس ~~كلمة أخرى ، وهذا مثل ما حكى الله عنهم في قولهم ( راعنا ) وفي الحديث من ~~قولهم في السلام على النبي : ( السام عليكم ) أي الموت أو ( السلام بكسر ~~السين عليك ) وهذا اللي يشابه الإشمام والاختلاس ومنه إمالة الألف إلى ~~الياء ، وقد تتغير الكلمات بالترقيق والتفخيم وباختلاف صفات الحروف . ~~والظاهر أن الكتاب هو التوراة فلعلهم كانوا إذا قرؤوا بعض التوراة بالعربية ~~نطقوا بحروف من كلماتها بين بين ليوهموا المسلمين معنى غير المعنى المراد ، ~~وقد كانت لهم مقدرة ومراس في هذا . # وقريب من هذا ما ذكره المبرد في الكامل أن بعض الأزارقة أعاد بيت عمر ابن ~~أبي ربيعة في مجلس ابن عباس . # رأت رجلا أما إذا الشمس عارضت # فيضحى وأما بالعشي فيخصر PageV03P291 # فجعل يضحى يحزى وجعل يخصر يخسر بالسين ليشوه المعنى لأنه غضب من إقبال ~~ابن عباس على سماع شعره . وفي الأحاجي والألغاز ms1603 كثير من هذا كقولهم : إن ~~للاهي إلها فوقه فيقولها أحد بحضرة ناس ولا يشبع كسرة اللاهي يخالها السامع ~~لله فيظنه كفر . أو لعلهم كانوا يقرؤون ما ليس من التوراة بالكيفيات أو ~~اللحون التي كانوا يقرؤون بها التوراة ليخيلوا للسامعين أنهم يقرؤون ~~التوراة . # ويحتمل أن يكون اللي هنا مجازا عن صرف المعنى إلى معنى آخر كقولهم لوى ~~الحجة أي ألقي بها على غير وجهها ، وهو تحريف الكلم عن مواضعه : بالتأويلات ~~الباطلة ، والأقيسة الفاسدة ، والموضوعات الكاذبة ، وينسبون ذلك إلى الله ، ~~وأياما كان فهذااللي يقصدون منه التمويه على المسلمين لغرض ، حكما فعل ابن ~~صوريا في إخفاء حكم رجم الزاني في التوراة وقوله : نحمم وجهه . # والمخاطب يتحسبوه المسلمون دون النبي صلى الله عليه وسلم أو هو والمسلمون ~~في ظن اليهود . # وجيء بالمضارع في هاته الأفعال : يلوون ، ويقولون ، للدلالة على تجدد ذلك ~~وأنه دأبهم . # وتكرير الكتاب في الآية مرتين ، واسم الجلالة أيضا مرتين ، لقصد الاهتمام ~~بالاسمين ، وذلك يجر إلى الاهتمام بالخبر المتعلق بهما ، والمتعلقين به ، ~~قال المرزوقي في شرح الحماسة في باب الأدب عند قول يحيى بن زياد : # لما رأيت الشيب لاح بياضه # بمفرق رأسي قلت للشيب مرحبا # كان الواجب أن يقول : ( قلت له مرحبا لكنهم يكررون الأعلام وأسماء ~~الأجناس كثيرا والقصد بالتكرير التفخيم ) قلت ومنه قول الشاعر : # لا أرى الموت يسبق الموت شيء # قهر الموت ذا الغنى والفقيرا # وقد تقدم تفصيل ذلك عند قوله تعالى في سورة البقرة ( 282 ) : { واتقوا ~~الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم . PageV03P292 # والقراءة المعروفة يلوون : بفتح التحتية وسكون اللام وتخفيف الواو مضارع ~~لوى ، وذكر ابن عطية أن أبا جعفر قرأه : يلوون بضم ففتح فواو مشددة مضارع ~~لوى بوزن فعل للمبالغة ولم أر نسبة هذه القراءة إلى أبي جعفر في كتب ~~القراءات . # # | 2 ( 79 ، 80 ) ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم ~~يقول للناس كونوا عبادا لى من دون الله ولاكن كونوا ربانيين بما كنتم ~~تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون * ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين ~~أربابا ms1604 أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون } . ) 2 # اعتراض واستطراد : فإنه لما ذكر لي اليهود ألسنتهم بالتوراة ، وهو ضرب من ~~التحريف ، استطرد بذكر التحريف الذي عند النصارى لمناسبة التشابه في ~~التحريف إذ تقول النصارى على المسيح أنه أمرهم بعبادته فالمراد بالبشر عيسى ~~عليه السلام ، والمقصود تنزيه عيسى عن أن يكون قال ذلك ، ردا على النصارى ، ~~فيكون رجوعا إلى الغرض الذي في قوله : { قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة ~~سواء إلى قوله بأنا مسلمون } ( آل عمران : 64 ) . # وفي ( الكشاف ) قيل نزلت لأن رجلا قال : يا رسول الله نسلم عليك كما يسلم ~~بعضنا على بعض أفلا نسجد لك . قال : ( لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله ، ~~ولكن أكرموا نبيئكم واعرفوا الحق لأهله ) . قلت : أخرجه عبد بن حميد عن ~~الحسن ، فعلى تقدير كونه حديثا مقبولا فمناسبة ذكر هذه الآية أنها قص منها ~~الرد على جميع هذه المعتقدات . ووقع في أسباب النزول للواحدي من رواية ~~الكلبي ، عن ابن عباس : أن أبا رافع اليهودي والسيد من نصارى نجران قالا يا ~~محمد : ( أتريد أن نعبدك ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( معاذ الله ~~أن يعبد غير الله ) ونزلت هذه الآية . # وقوله : { ما كان لبشر } نفي لاستحقاق أحد لذلك القول واللام فيه ~~للاستحقاق . وأصل هذا التركيب في الكلام ما كان فلان فاعلا كذا ، فلما ~~أريدت المبالغة في النفي PageV03P293 عدل عن نفي الفعل إلى نفي المصدر ~~الدال على الجنس ، وجعل نفي الجنس عن الشخص بواسطة نفي الاستحقاق إذ لا ~~طريقة لحمل اسم ذات على اسم ذات إلا بواسطة بعض الحروف ، فصار التركيب : ما ~~كان له أن يفعل ، ويقال أيضا : ليس له أن يفعل ، ومثل ذلك في الإثبات كقوله ~~تعالى : { إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى } ( طه : 118 ) . # فمعنى الآية : ليس قول { كونوا عبادا لي } حقا لبشر أي بشر كان . وهذه ~~اللام هي أصل لام الجحود التي في نحو { وما كان الله ليعذبهم } ( الأنفال : ~~33 ) ، فتراكيب لام الجحود كلها من قبيل قلب مثل هذا التركيب لقصد ms1605 المبالغة ~~في النفي ، بحيث ينفى أن يكون وجود المسند إليه مجعولا لأجل فعل كذا ، أي ~~فهو بريء منه بأصل الخلقة ولذلك سميت جحودا . # والمنفي في ظاهر هذه الآية إيتاء الحكم والنبوءة ، ولكن قد علم أن مصب ~~النفي هو المعطوف من قوله : { ثم يقول للناس كونوا عبادا لي } أي ما كان له ~~أن يقول كونوا عبادا لي إذا آتاه الله الكتاب إلخ . # والعباد جمع عبد كالعبيد ، وقال ابن عطية : ( الذي استقريت في لفظ العباد ~~أنه جمع عبد لا يقصد معه التحقير ، والعبيد يقصد منه ، ولذلك قال تعالى : ( ~~يا عبادي ) وسمت العرب طوائف من العرب سكنوا الحيرة ودخلوا تحت حكم كسرى ~~بالعباد ، وقيل لأنهم تنصروا فسموهم بالعباد ، بخلاف جمعه على عبيد كقولهم ~~: هم عبيد العصا ، وقال حمزة بن المطلب هل أنتم إلا عبيد لأبي ومنه قول ~~الله تعالى : { وما ربك بظلام للعبيد } ( فصلت : 46 ) ؛ لأنه مكان تشفيق ~~وإعلام بقلة مقدرتهم وأنه تعالى ليس بظلام لهم مع ذلك ، ولما كان لفظة ~~العباد تقتضي الطاعة لم تقع هنا ، ولذلك آنس بها في قوله تعالى : { قل ~~ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم } ( الزمر : 53 ) فهذا النوع من النظر ~~يسلك به سبل العجائب في ميزة فصاحة القرآن على الطريقة العربية السلبية ) . ~~اه . # وقوله : { من دون الله } قيد قصد منه تشنيع القول بأن يكونوا عبادا ~~للقائل بأن ذلك يقتضي أنهم انسلخوا عن العبودية لله تعالى إلى عبودية البشر ~~، لأن حقيقة العبودية لا تقبل التجزئة لمعبودين ، فإن النصارى لما جعلوا ~~عيسى ربا لهم ، وجعلوه ابنا لله ، قد لزمهم أنهم انخلعوا عن عبودية الله ~~فلا جدوى لقولهم : نحن عبد الله وعبيد عيسى ، فلذلك PageV03P294 جعلت ~~مقالتهم مقتضية أن عيسى أمرهم بأن يكونوا عبادا له دون الله ، والمعنى أن ~~لآمر بأن يكون الناس عبادا له هو آمر بانصرافهم عن عبادة الله . { ولكن ~~كونوا ربانيين } أي ولكن يقول كونوا ربانيين أي كونوا منسوبين للرب ، وهو ~~الله تعالى ، لأن النسب إلى الشيء إنما يكون لمزيد اختصاص المنسوب بالمنسوب ~~إليه . # ومعنى ذلك أن يكونوا مخلصين ms1606 لله دون غيره . # والرباني نسبة إلى الرب على غير قياس كما يقال اللحياني لعظيم اللحية ، ~~والشعراني لكثير الشعر . # وقوله : { بما كنتم تعلمون الكتاب } أي لأن علمكم الكتاب من شأنه أن ~~يصدكم عن إشراك العبادة ، فإن فائدة العلم العمل . # وقرأ الجمهور : بما كنتم تعلمون بفتح المثناة الفوقية وسكون العين وفتح ~~اللام مضارع علم . وقرأه ابن عامر ، وحمزة ، وعاصم ، والكسائي ، وخلف : بضم ~~ففتح فلامم مشددة مكسورة مضارع علم المضاعف . # { وتدرسون } معناه تقرؤون أي قراءة بإعادة وتكرير : لأن مادة درس في كلام ~~العرب تحوم حول معاني التأثر من تكرر عمل يعمل في أمثاله ، فمنه قولهم : ~~درست الريح رسم الدار إذا عفته وأبلته ، فهو دارس ، يقال منزل دارس ، ~~والطريق الدارس العافي الذي لا يتبين . وثوب دارس خلق ، وقالوا : درس ~~الكتاب إذا قرأه بتمهل لحفظه ، أو للتدبر ، وفي الحديث : ( ما اجتمع قوم في ~~بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة ~~إلخ ) رواه الترمذي فعطف التدارس على القراءة فعلم أن الدراسة أخص من ~~القراءة . وسموا بيت قراءة اليهود مدراسا كما في الحديث : إن النبي صلى ~~الله عليه وسلم خرج في طائفة من أصحابه حتى أتى مدراس اليهود فقرأ عليهم ~~القرآن ودعاهم إلخ . ومادة درس تستلزم التمكن من المفعول فلذلك صار درس ~~الكتاب مجازا في فهمه وإتقانه ولذلك عطف في هذه الآية { وبما كنتم تدرسون } ~~على { بما كنتم تعلمون الكتاب } . PageV03P295 # وفعله من باب نصر ، ومصدره في غالب معانيه الدرس ، ومصدر درس بمعنى قرأ ~~يجيء على الأصل درسا ومنه سمي تعليم العلم درسا . # ويجيء على وزن الفعالة دراسة وهي زنة تدل على معالجة الفعل ، مثل الكتابة ~~والقراءة ، إلحاقا لذلك بمصادر الصناعات كالتجارة والخياطة . # وفي قوله : { ولا يأمركم } التفات من الغيبة إلى الخطاب . # وقرأ الجمهور ( يأمركم ) بالرفع على ابتداء الكلام ، وهذا الأصل فيما إذا ~~أعيد حرف النفي ، فإنه لما وقع بعد فعل منفي ، ثم انتقض نفيه بلكن ، احتيج ~~إلى إعادة حرف النفي ، والمعنى على هذه القراءة واضح : أي ما كان لبشر أن ~~يقول ms1607 للناس كونوا إلخ ولا هو يأمرهم أن يتخذوا الملائكة أربابا . وقرأه ابن ~~عامر ، وحمزة ويعقوب ، وخلف : بالنصب عطفا على أن يقول ولا زائدة لتأكيد ~~النفي الذي في قوله : { ما كان لبشر } ، وليست معمولة لأن : لاقتضاء ذلك أن ~~يصير المعنى : لا ينبغي لبشر أوتي الكتاب ألا يأمركم أن تتخذوا ، والمقصود ~~عكس هذا المعنى ، إذ المقصود أنه لا ينبغي له أن يأمر ، فلذلك اضطر في ~~تخريج هذه القراءة إلى جعل لا زائدة لتأكيد النفي وليست لنفي جديد . وقرأه ~~الدوري عن أبي عمرو باختلاس الضمة إلى السكون . # ولعل المقصود من قوله : { ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا ~~} : أنهم لما بالغوا في تعظيم بعض الأنبياء والملائكة ، فصوروا صور ~~النبيئين ، مثل يحيى ومريم ، وعبدوهما ، وصوروا صور الملائكة ، واقتران ~~التصوير مع الغلو في تعظيم الصورة والتعبد عندها ضرب من الوثنية . # قال ابن عرفة : ( إن قيل نفي الأمر أعم من النهي فهلا قيل وينهاكم . ~~والجواب أن ذلك باعتبار دعواهم وتقولهم على الرسل ) . وأقول : لعل التعبير ~~بلا يأمركم مشاكلة لقوله : { ثم يقول للناس } لأنهم زعموا أن المسيح قال : ~~إنه ابن الله فلما نفي أنه يقول ذلك نفي ما هو مثله وهو أن يأمرهم باتخاذ ~~الملائكة أربابا ، أو لأنهم لما كانوا يدعون التمسك بالدين كان سائر ~~أحوالهم محمولة على أنهم تلقوها منه ، أو لأن المسيح لم ينههم عن ذلك في ~~نفس الأمر ، إذ هذا مما لا يخطر بالبال أن تتلبس به أمة متدينة فاقتصر ، في ~~الرد على الأمة ، على أن أنبياءهم لم يأمروهم به ولذلك عقب بالاستفهام ~~الإنكاري ، وبالظرف المفيد مزيد الإنكار على ارتكابهم هذه الحالة ، وهي ~~قوله : { أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون } . PageV03P296 # فهناك سببان لإنكار أن يكون ما هم عليه مرضيا أنبياءهم ؛ فإنه كفر ، وهم ~~لا يرضون بالكفر . فما كان من حق من يتبعونهم التلبس بالكفر بعد أن خرجوا ~~منه . # والخطاب في قوله : { ولا يأمركم } التفات من طريقة الغيبة في قوله : { ثم ~~يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله } فالمواجه بالخطاب هم الذين زعموا ~~أن ms1608 عيسى قال لهم : كونوا عبادا لي من دون الله . # فمعنى { أنتم مسلمون } يقتضي أنهم كانوا مسلمين والخطاب للنصارى وليس ~~دينهم يطلق عليه أنه إسلام . فقيل : أريد بالإسلام الإيمان أي غير مشركين ~~بقرينة قوله { بالكفر } . # وقيل الخطاب للمسلمين بناء على ظاهر قوله : { إذ أنتم مسلمون } لأن ~~اليهود والنصارى لم يوصفوا بأنهم مسلمون في القرآن ، فهذا الذي جرأ من ~~قالوا : إن الآية نزلت لقول رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم ( ألا نسجد ~~لك ) ، ولا أراه لو كان صحيحا أن تكون الآية قاصدة إياه ؛ لأنه لو أريد ذلك ~~لقيل : ثم يأمر الناس بالسجود إليه ، ولما عرج على الأمر بأن يكونوا عبادا ~~له من دون الله ولا بأن يتخذوا الملائكة والنبيين أربابا . # $ 2 ( 81 ، 82 ) { وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لمآ ءاتيتكم من كتاب وحكمة ~~ثم جآءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال ءأقررتم وأخذتم على ~~ذالكم إصرى قالو & # 1764 ا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين * فمن تولى بعد ذالك ~~فأولائك هم الفاسقون } . ) 2 $ # عطف { وإذ أخذ الله } على { ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة } ( آل عمران ~~: 80 ) أي ما أمركم الأنبياء بشيء مما تقولتم عليهم وقد أمروكم بغير ذلك ~~فأضعتموه حين أخذ الله ميثاقهم ليبلغوه إليكم ، فالمعطوف هو ظرف ( إذ ) وما ~~تعلق به . PageV03P297 # ويجوز أن يتعلق ( إذ ) بقوله : { أأقررتم } مقدما عليه . ويصح أن تجعل ( ~~إذ ) بمعنى زمان غير ظرف والتقدير : واذكر إذ أخذ الله ميثاق النبيين ، ~~فالمقصود الحكاية عن ذلك الزمان وما معه فيكون { قال أقررتم } معطوفا بحذف ~~العاطف . كما هو الشأن في جمل المحاورة وكذلك قوله : { قالوا أقررنا } . # ويصح أن تكون جملة { قال أأقررتم } وما بعدها بيانا لجملة { أخذ الله ~~ميثاق النبيين } باعتبار ما يقتضيه فعل أخذ الله ميثاق النبيين : من أن ~~النبيين أعطوا ميثاقا لله فقال : أأقررتم قالوا : أقررنا إلخ . ويكون قوله ~~: { لما آتينااكم } إلى قوله { ولتنصرنه } هو صيغة الميثاق . # وهذا الميثاق أخذه الله على جميع الأنبياء ، يؤذنهم فيه بأن رسولا يجيء ~~مصدقا لما معهم ، ويأمرهم بالإيمان ms1609 به وبنصره ، والمقصود من ذلك إعلام ~~أممهم بذلك ليكون هذا الميثاق محفوظا لدى سائر الأجيال ، بدليل قوله : { ~~فمن تولى بعد ذلك } إلخ إذ لا يجوز على الأنبياء التولي والفسق ولكن ~~المقصود أممهم كقوله : { لئن أشركت ليحبطن عملك } . وبدليل قوله قال : { ~~فاشهدوا } أي على أممكم . وإلى هذا يرجع ما ورد في القرآن من دعوة إبراهيم ~~عليه السلام : { ربنا وابعث فيهم رسولا منهم } ( البقرة : 129 ) ، وقد جاء ~~في سفر التثنية قول موسى عليه السلام : ( قال لي الرب أقيم لهم نبيئا من ~~وسط إخوتهم مثلك وأجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به ) . وإخوة بني ~~إسرائيل هم بنو إسماعيل ، ولو كان المراد نبيئا إسرائيليا لقال أقيم لهم ~~نبيئا منهم على ما في ترجمة التوراة من غموض ولعل النص الأصلي أصرح من هذا ~~المترجم . # والبشارات في كتب أنبياء بني إسرائيل وفي الأناجيل كثيرة ففي متى قول ~~المسيح ( وتقوم أنبياء كذبة كثيرون ويضلون كثيرين ولكن الذي يصبر أي يبقى ~~أخيرا إلى المنتهى فهذا يخلص ويكرز ببشارة الملكوت هذه في كل المسكونة ~~شهادة لجميع الأمم ثم يأتي المنتهى ) وفي إنجيل يوحنا قول المسيح ( وأنا ~~أطلب من الأب فيعطيكم معزيا آخر ليمكث معكم إلى الأبد وأما المعزي الروح ~~القدس الذي سيرسله الأب باسمي فهو يعلمكم كل شيء ويذكركم بكل ما قلته لكم ~~ومتى جاء المعزي روح الحق الذي من عند الأب ينبثق فهو يشهد لي ) إلى غير ~~ذلك . PageV03P298 # وفي أخذ العهد على الأنبياء زيادة تنويه برسالة محمد صلى الله عليه وسلم ~~وهذا المعنى هو ظاهر الآية ، وبه فسر محققو المفسرين من السلف والخلف منهم ~~علي بن أبي طالب ، وابن عباس ، وطاووس ، والسدي . # ومن العلماء من استبعد أن يكون أخذ العهد على الأنبياء حقيقة نظرا إلى ~~قوله : { فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون } ( توهموه متعينا لأن يكون ~~المراد بمن تولى من النبيين المخاطبين ، وستعلم أنه ليس كذلك ) فتأولوا ~~الآية بأن المراد أخذ العهد على أممهم ، وسلكوا مسالك مختلفة من التأويل ~~فمنهم من جعل إضافة الميثاق للنبيين ms1610 إضافة تشبه إضافة المصدر إلى فاعله أي ~~أخذ الله على الأمم ميثاق أنبيائهم منهم . ومنهم من قدر حذف المضاف أي أمم ~~النبيئين أو أولاد النبيئين وإليه مال قول مجاهد والربيع ، واحتجوا بقراءة ~~أبي ، وابن مسعود ، هذه الآية : وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لما ~~آتيناكم من كتاب ، ولم يقرأ ميثاق النبيئين ، وزاد مجاهد فقال : إن قراءة ~~أبي هي القرآن ، وإن لفظ النبيئين غلط من الكتاب ، ورده ابن عطية وغيره ~~بإجماع الصحابة والأمة على مصحف عثمان . # وقوله : { لما آتيناكم } قرأ الجمهور ( لما ) بفتح اللام وتخفيف الميم ~~فاللام موطئة للقسم ، لأن أخذ الميثاق في معنى اليمين وما موصوله مبتدأ { ~~وآتيناكم } صلته وحذف العائد المنصوب جرى على الغالب في مثله ومن كتاب بيان ~~للموصول وصلته ، وعطف { ثم جاءكم } على { آتيناكم } أي الذي آتيناكموه ~~وجاءكم بعده رسول . ولتؤمنن اللام فيه لام جواب القسم والجواب سد مسد خبر ~~المبتدأ كما هو المعروف وضمير به عائد على المذكور أي لتؤمنن بما آتيناكم ~~وبالرسول ، أو هو عائد على الرسول وحذف ما يعود على ما آتيناكم لظهوره . # وقرأه حمزة : بكسر لام لما فتكون اللام للتعليل متعلق بقوله : { لتؤمنن ~~به } أي شكرا على ما آتيتكم وعلى أن بعثت إليكم رسولا مصدقا لما كنتم عليه ~~من الدين ولا يضر عمل ما بعد لام القسم فيما قبلها فأخذ الميثاق عليهم ~~مطلقا ثم علل جواب القسم بأنه من شكر نعمة الإيتاء والتصديق ، ولا يصح من ~~جهة المعنى تعليق { لما آتيتكم } بفعل القسم المحذوف ، لأن الشكر علة ~~للجواب ، لا لأخذ العهد . # ولام { لتؤمنن } لام جواب القسم ، على الوجه الأول ، وموطئة للقسم على ~~الوجه الثاني . PageV03P299 # وقرأ نافع ، وأبو جعفر : آتيناكم بنون العظمة وقرأه الباقون { آتيتكم } ~~بتاء المتكلم . # وجملة قال : { أأقررتم } بدل اشتمال من جملة { أخذ الله ميثاق النبيين } ~~. # والإقرار هنا مستعمل في معنى التحقيق بالوفاء مما أخذ من الميثاق . # والإصر : بكسر الهمزة ، العهد المؤكد الموثق واشتقاقه من الإصار بكسر ~~الهمزة وهو ما يعقد ويسد به ، وقد تقدم الكلام على حقيقته ومجازه في قوله ms1611 ~~تعالى : { ربنا ولا تحمل علينا إصرا في سورة البقرة ( 286 ) . # وقوله : فاشهدوا } إن كان شهادة على أنفسهم فهي بمعنى التوثق والتحقيق ~~وكذلك قوله : { وأنا معكم من الشاهدين } كقوله : { شهد الله أنه لا إله إلا ~~هو } ( آل عمران : 18 ) وإن كانت شهادة على أممهم بتبليغ ذلك الميثاق ~~فالمعنى فاشهدوا على أممكم بذلك ، والله شاهد على الجميع كما شهد النبيئون ~~على الأمم . # وقوله : { فمن تولى بعد ذلك } أي من تولى ممن شهدتم عليهم ، وهم الأمم ، ~~ولذلك لم يقل فمن تولى بعد ذلك منكم كما قال في الآية التي خوطب فيها بنو ~~إسرائيل في سورة المائدة ( 12 ) : { فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء ~~السبيل . # ووجه الحصر في قوله : فأولئك هم الفاسقون } أنه للمبالغة لأن فسقهم في ~~هذه الحالة أشد فسق فجعل غيره من الفسق كالعدم . # # | 2 ( 83 ) { أفغير دين الله يبغون وله أسلم من فى السماوات والارض طوعا ~~وكرها وإليه يرجعون } . ) 2 # تفريع عن التذكير بما كان عليه الأنبياء . # والاستفهام للتوبيخ والتحذير . # وقرأه الجمهور { تبغون } بتاء الخطاب فهو خطاب لأهل الكتاب جار على طريقة ~~الخطاب في قوله آنفا : { ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة } ( آل عمران : 80 ~~) وقرأه أبو عمرو ، وحفص ، PageV03P300 ويعقوب : بياء الغيبة فهو التفات من ~~الخطاب إلى الغيبة ، إعراضا عن مخاطبتهم إلى مخاطبة المسلمين بالتعجيب من ~~أهل الكتاب . وكله تفريع ذكر أحوال خلف أولئك الأمم كيف اتبعوا غير ما أخذ ~~عليهم العهد به . والاستفهام حينئذ للتعجيب . # ودين الله هو الإسلام لقوله تعالى : { إن الدين عند الله الإسلام } ( آل ~~عمران : 19 ) وإضافته إلى الله لتشريفه على غيره من الأديان ، أو لأن غيره ~~يومئذ قد نسخ بما هو دين الله . # ومعنى { تبغون } وتطلبون يقال بغى الأمر يبغيه بغاء بضم الباء وبالمد ، ~~ويقصر والبغية بضم الباء وكسرها وهاء في آخره قيل مصدر ، وقيل اسم ، ويقال ~~ابتغى بمعنى بغى ، وهو موضوع للطلب ويتعدى إلى مفعول واحد . وقياس مصدره ~~البغي ، لكنه لم يسمع البغي إلا في معنى الاعتداء والجور ، وذلك فعله قاصر ~~، ولعلهم أرادوا التفرقة ms1612 بين الطلب وبين الاعتداء ، فأماتوا المصدر القياسي ~~لبغى بمعنى طلب وخصوه ببغى بمعنى اعتدى وظلم : قال تعالى : { إنما السبيل ~~على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق } ( الشورى : 42 ) ويقال ~~تبغى بمعنى ابتغى . # وجملة { وله أسلم } ) حال من اسم الجلالة وتقدم تفسير معنى الإسلام لله ~~عند قوله تعالى : { فقل أسلمت وجهي لله } ( آل عمران : 20 ) . # ومعنى { طوعا وكرها } أن من العقلاء من أسلم عن اختيار لظهور الحق له ، ~~ومنهم من أسلم بالجبلة والفطرة كالملائكة ، أو الإسلام كرها هو الإسلام بعد ~~الامتناع أي أكرهته الأدلة والآيات أو هو إسلام الكافرين عند الموت ورؤية ~~سوء العاقبة ، أو هو الإكراه على الإسلام قبل نزول آية لا إكراه في الدين . # والكره بفتح الكاف هو الإكراه ، والكره بضم الكاف المكروه . # ومعنى { وإليه ترجعون } أنه يرجعكم إليه ففعل رجع المتعدي أسند إلى ~~المجهول . لظهور فاعله ، أي يرجعكم الله بعد الموت ، وعند القيامة ، ~~ومناسبة ذكر هذا ، عقب التوبيخ والتحذير ، أن الرب الذي لا مفر من حكمه لا ~~يجوز للعاقل أن يعدل عن دينن أمره به ، وحقه أن يسلم إليه نفسه مختارا قبل ~~أن يسلمها اضطرارا . # وقد دل قوله : { وإليه ترجعون } على المراد من قوله : { وكرها } . # وقرأ الجمهور : وإليه ترجعون بتاء الخطاب ، وقرأه حفص بياء الغيبة . # PageV03P301 # | 2 ( 84 ) { قل ءامنا بالله ومآ أنزل علينا ومآ أنزل على إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والاسباط وما أوتى موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا ~~نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون } . ) 2 # المخاطب بفعل قل هو النبي صلى الله عليه وسلم ليقول ذلك بمسمع من الناس : ~~مسلمهم ، وكافرهم ، ولذلك جاء في هذه الآية قوله : { وما أنزل علينا } أي ~~أنزل علي لتبليغكم فجعل إنزاله على الرسول والأمة لاشتراكهم في وجوب العمل ~~بما أنزل ، وعدى فعل ( أنزل ) هنا بحرف ( على ) باعتبار أن الإنزال يقتضي ~~علوا فوصول الشيء المنزل وصول استعلاء وعدي في آية سورة البقرة بحرف ( إلى ~~) باعتبار أن الإنزال يتضمن الوصول وهو يتعدى بحرف ( إلى ) . والجملة ~~اعتراض . واستئناف : لتلقين النبي عليه السلام ms1613 والمسلمين كلاما جامعا لمعنى ~~الإسلام ليدوموا عليه ، ويعلن به للأمم ، نشأ عن قوله : { أفغير دين الله ~~يبغون } ( آل عمران : 83 ) . # ومعنى : { لا نفرق بين أحد منهم } أننا لا نعادي الأنبياء ، ولا يحملنا ~~حب نبيئنا على كراهتهم ، وهذا تعريض باليهود والنصارى ، وحذف المعطوف ~~وتقديره لا نفرق بين أحد وآخر ، وتقدم نظير هذه الآية في سورة البقرة . ~~وهذه الآية شعار الإسلام وقد قال الله تعالى : { وتؤمنون بالكتاب كله } ( ~~آل عمران : 119 ) . # وهنا انتهت المجادلة مع نصارى نجران . # # | 2 ( 85 ) { ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو فى الاخرة من ~~الخاسرين } . ) 2 # عطف على جملة { أفغير دين الله يبغون } وما بينهما اعتراض ، كما علمت ، ~~وهذا تأييس لأهل الكتاب من النجاة في الآخرة ، ورد لقولهم : نحن على ملة ~~إبراهيم ، فنحن PageV03P302 ناجون على كل حال . والمعنى من يبتغ غير ~~الإسلام بعد مجيء الإسلام . وقرأه الجميع بإظهار حرفي الغين من كلمة { من ~~يبتغ } وكلمة { غير } وروى السوسي عن أبي عمرو إدغام إحداهما في الأخرى وهو ~~الإدغام الكبير . # $ 2 ( 86 ) { كيف يهدى الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدو & # 1764 ا أن الرسول حق وجآءهم البينات والله لا يهدى القوم الظالمين } . ) ~~2 $ # استئناف ابتدائي يناسب ما سبقه من التنويه بشرف الإسلام . # ( وكيف ) استفهام إنكاري والمقصود إنكار أن تحصل لهم هداية خاصة وهي إما ~~الهداية الناشئة عن عناية الله بالعبد ولطفه به ، وإسنادها إلى الله ظاهر ؛ ~~وإما الهداية الناشئة عن إعمال الأدلة والاستنتاج منها ، وإسنادها إلى الله ~~لأنه موجد الأسباب ومسبباتها . ويجوز أن يكون الاستفهام مستعملا في ~~الاستبعاد ، فإنهم آمنوا وعلموا ما في كتب الله ، ثم كفروا بعد ذلك ~~بأنبيائهم ، إذ عبد اليهود الأصنام غير مرة ، وعبد النصارى المسيح ، وقد ~~شهدوا أن محمدا صادق لقيام دلائل الصدق ، ثم كابروا ، وشككوا الناس . ~~وجاءتهم الآيات فلم يتعظوا ، فلا مطمع في هديهم بعد هذه الأحوال ، وإنما ~~تسري الهداية لمن أنصف وتهيأ لإدراك الآيات دون القوم الذين ظلموا أنفسهم . ~~وقيل نزلت في اليهود خاصة . وقيل نزلت في جماعة من العرب أسلموا ms1614 ثم كفروا ~~ولحقوا بقريش ثم ندموا فراسلوا قومهم من المسلمين يسألونهم هل من توبة ~~فنزلت ، ومنهم الحارث بن سويد ، وأبو عامر الراهب ، وطعيمة بن أبيرق . # وقوله : { وشهدوا } عطف على { إيمانهم } أي وشهادتهم ، لأن الاسم الشبيه ~~بالفعل في الاشتقاق يحسن عطفه على الفعل وعطف الفعل عليه . # PageV03P303 # | 2 ( 87 ، 89 ) { أولائك جزآؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس ~~أجمعين * خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون } . ) 2 # الإشارة للتنبيه على أنهم أحرياء بما يرد بعد اسم الإشارة من الحكم عليهم ~~. وتقدم معنى { لعنة الله والملائكة إلى قوله أجمعين في سورة البقرة ( 161 ~~) . وتقدم أيضا معنى إلا الذين تابوا وأصلحوا في سورة البقرة ( 160 ) ، ~~ومعنى فإن الله غفور رحيم } الكناية عن المغفرة لهم . قيل نزلت في الحارث ~~بن سويد الأنصاري من بني عمرو بن عوف الذي ارتد ولحق بقريش وقيل بنصارى ~~الشام ، ثم كتب إلى قومه ليسألهم هل من توبة ، فسألوا رسول الله فنزلت هذه ~~الآية فأسلم ورجع إلى المدينة وقوله : { فإن الله غفور رحيم } علة لكلام ~~محذوف تقديره الله يغفر لهم لأنه غفور رحيم . # # | 2 ( 90 ) { إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم ~~وأولائك هم الضآلون } . ) 2 # قال قتادة ، وعطاء ، والحسن : نزلت هذه الآية في اليهود ، وعليه فالموصول ~~بمعنى لام العهد ، فاليهود بعد أن آمنوا بموسى كفروا بعيسى وازدادوا كفرا ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم # وقيل أريد به اليهود والنصارى : فاليهود كما علمت ، والنصارى آمنوا بعيسى ~~ثم كفروا فعبدوه وألهوه ثم ازدادوا كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم # وتأويل { لن تقبل توبتهم } إما أنه كناية عن أنهم لا يتوبون فتقبل توبتهم ~~كقوله تعالى : { ولا يقبل منها شفاعة } ( البقرة : 48 ) أي لا شفاعة لها ~~فتقبل وهذا كقول امرىء القيس . # على لا حب لا يهتدى بمناره # أي لا منار له ، إذ قد علم من الأدلة أن التوبة مقبولة ودليله الحصر ~~المقصود به المبالغة في قوله : { وأولئك هم الضالون } . وإما أن الله نهى ~~نبيه عن الاغترار بما يظهرونه PageV03P304 من ms1615 الإسلام نفاقا ، فالمراد بعدم ~~القبول عدم تصديقهم في إيمانهم ، وإما الإخبار بأن الكفر قد رسخ في قلوبهم ~~فصار لهم سجية لا يحولون عنها ، فإذا أظهروا التوبة فهم كاذبون ، فيكون عدم ~~القبول بمعنى عدم الاطمئنان لهم ، وأسرارهم موكولة إلى الله تعالى . وقد ~~أسلم بعض اليهود قبل نزول الآية : مثل عبد الله بن سلام ، فلا إشكال فيه ، ~~وأسلم بعضهم بعد نزول الآية . # وقيل المراد الذين ارتدوا من المسلمين وماتوا على الكفر ، فالمراد ~~بالازدياد الاستمرار وعدم الإقلاع . والقول في معنى لن تقبل توبتهم كما ~~تقدم . وعليه يكون قوله : { إن الذين كفروا وماتوا } توكيدا لفظيا بالمرادف ~~، وليبنى عليه التفريع بقوله : { فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا } ~~وأياما كان فتأويل الآية متعين : لأن ظاهرها تعارضه الأدلة القاطعة على أن ~~إسلام الكافر مقبول ، ولو تكرر منه الكفر ، وأن توبة العصاة مقبولة ، ولو ~~وقع نقضها على أصح الأقوال وسيجيء مثل هذه الآية في سورة النساء ( 137 ) ~~وهو قوله : { إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا ~~لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا . # # | 2 ( 91 ) إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الارض ~~ذهبا ولو افتدى به أولائك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين } . ) 2 # استئناف لبيان حال الكافرين الذين ماتوا على كفرهم ، نشأ عن حكم فريق من ~~الكفار تكرر منهم الكفر حتى رسخ فيهم وصار لهم ديدنا . وإن كان المراد في ~~الآية السابقة من الذين ازدادوا كفرا الذين ماتوا على الكفر ، كانت هذه ~~الآية كالتوكيد اللفظي للأولى أعيدت ليبنى عليها قوله : { فلن يقبل من ~~أحدهم ملء الأرض ذهبا } . وأيا ما كان فالمراد بالموصول هنا العموم مثل ~~المعرف بلام الاستغراق . # والفاء في قوله : { فلن يقبل } مؤذنة بمعاملة الموصول معاملة اسم الشرط ~~ليدل على أن الصلة هي علة عدم قبول التوبة ، ولذلك لم يقترن خبر الموصول ~~بالفاء في الجملة PageV03P305 التي قبلها : { إن الذين كفروا بعد إيمانهم ~~ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم } ( آل عمران : 90 ) لأنهم إذا ms1616 فعلوا ذلك ~~ولم يموتوا كافرين قبلت توبتهم ، بخلاف الذين يموتون على الكفر فسبب عدم ~~قبول التوبة منهم مصرح به ، وعليه فجملة فلن يقبل من أحدهم إلى آخرها في ~~موضع خبر ( إن ) وجملة { أولئك لهم عذاب أليم } مستأنفة استئنافا بيانيا ~~ناشئا عن الإخبار بأنه لن يقبل من أحدهم فدية ويجوز أن تكون جملة { فلن ~~يقبل من أحدهم } إلى آخرها معترضة بين اسم ( إن ) وخبرها مقترنة بالفاء ~~كالتي في قوله تعالى : { ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار } ( الأنفال ~~: 14 ) وتكون جملة { أولئك لهم عذاب أليم } خبر ( إن ) . # ومعنى { فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا } لن يقبل منهم بشيء يفتدون به ~~في الآخرة لظهور أن ليس المراد نفي قبول الافتداء في الدنيا ؛ ضرورة أنهم ~~وصفوا بأنهم ماتوا وهم كفار . والملء بكسر الميم ما يملأ وعاء ، وملء الأرض ~~في كلامهم كناية عن الكثرة المتعذرة ، لأن الأرض لا يملؤها شيء من ~~الموجودات المقدرة ، وهذا كقولهم عدد رمال الدهناء ، وعدد الحصى ، وميز هذا ~~المقدار بذهبا لعزة الذهب وتنافس الناس في اقتنائه وقبول حاجة من بذله قال ~~الحريري : # وقارنت نجح المساعي خطرته # وقوله : { ولو افتدى به } جملة في موقع الحال ، والواو واو الحال ، أي لا ~~يقبل منهم ولو في حال فرض الافتداء به ، وحرف ( لو ) للشرط وحذف جوابه ~~لدلالة ما قبله عليه ، ومثل هذا الاستعمال شائع في كلام العرب ، ولكثرته ~~قال كثير من النحاة : إن لو وإن الشرطيتين في مثله مجردتان عن معنى الشرط ~~لا يقصد بهما إلا المبالغة ، ولقبوهما بالوصليتين : أي أنهما لمجرد الوصل ~~والربط في مقام التأكيد . وترددوا أيضا في إعراب الجملة الواقعة هذا الموقع ~~، وفي الواو المقترنة بها ، والمحققون على أنها واو الحال وإليه مال ~~الزمخشري ، وابن جني ، والمرزوقي . ومن النحاة من جعل الواو عاطفة على شرط ~~محذوف هو ضد الشرط المذكور : كقوله تعالى : { كونوا قوامين بالقسط شهداء ~~لله ولو على أنفسكم } ( النساء : 135 ) . ومن النحاة من جعل الواو ~~للاستئناف ، ذكره الرضي رادا عليه ، وليس حقيقا بالرد : فإن للاستئناف ~~البياني موقعا مع هذه ms1617 الواو . PageV03P306 # هذا وإن مواقع هذه الواو تؤذن بأن الشرط الذي بعدها شرط مفروض هو غاية ما ~~يتوقع معه انتفاء الحكم الذي قبلها ، فيذكره المتكلم لقصد تحقق الحكم في ~~سائر الأحوال كقول عمرو بن معد يكرب : # ليس الجمال بمئزر # فاعلم وإن رديت بردا # ولذلك جرت عادة النحاة أن يقدروا قبلها شرطا هو نقيض الشرط الذي بعدها ~~فيقولون في مثل قوله : وإن رديت بردا إن لم ترد بردا بل وإن رديت بردا وكذا ~~قول النابغة : # سأكعم كلبي أن يريبك نبحه # ولو كنت أرعى مسحلانن فحامرا # ولأجل ذلك ، ورد إشكال على هذه الآية : لأن ما بعد { ولو } فيها هو عين ~~ما قبلها ، إذ الافتداء هو عين بذل ملء الأرض ذهبا ، فلا يستقيم تقدير إن ~~لم يفتد به بل ولو افتدى به ، ولذلك احتاج المفسرون إلى تأويلات في هذه ~~الآية : فقال الزجاج المعنى لن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ينفقه في ~~الدنيا ولو افتدى به في الآخرة ، أي لا يفديهم شيء من العذاب ، وهذا الوجه ~~بعيد ، إذ لا يقدر أن في الآخرة افتداء حتى يبالغ عليه ، وقال قوم : الواو ~~زائدة ، وقال في ( الكشاف ) : هو محمول على المعنى كأنه قيل : فلن تقبل من ~~أحدهم فدية ولو افتدى ملء الأرض ذهبا ، يريد أن كلمة بملء الأرض في قوة ~~كلمة فدية واختصر بعد ذلك بالضمير ، قال ويجوز أن يقدر كلمة ( مثل ) قبل ~~الضمير المجرور : أي ولو افتدى بمثله أي ولو زاد ضعفه كقوله : { ولو أن ~~للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به } ( الزمر : 47 ) . # وعندي أن موقع هذا الشرط في الآية جار على استعمال غفل أهل العربية عن ~~ذكره وهو أن يقع الشرط استئنافا بيانيا جوابا لسؤال ، محقق أو مقدر ، ~~يتوهمه المتكلم من المخاطب فيريد تقريره ، فلا يقتضي أن شرطها هو غاية ~~للحكم المذكور قبله ، بل قد يكون كذلك ، وقد يكون السؤال مجرد استغراب من ~~الحكم فيقع بإعادة ما تضمنه الحكم تثبيتا على المتكلم على حد قولهم : ( ادر ~~ما تقول ) فيجيب المتكلم بإعادة ms1618 السوال تقريرا له وإيذانا بأنه تكلم عن ~~بينة ، نعم إن الغالب أن يكون السؤال عن الغاية وذلك كقول رؤبة ، وهو من ~~شواهد هذا : # قالت بنات العم يا سلمى وإن # كان فقيرا معدما قالت وإن PageV03P307 # وقد يحذف السؤال ويبقى الجواب كقول كعب بن زهير : # لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم # أذنب وإن كثرت في الأقاويل # وقد يذكر السؤال ولا يذكر الجواب كقوله تعالى : { أم اتخذوا من دون الله ~~شفعاء قل أو لو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون } ( الزمر : 43 ) فلو ذكر ~~الجواب من قبل المشركين لأجابوا بتقرير ذلك . # فقوله : { ولو افتدى به } جواب سؤالل متعجبب من الحكم وهو قوله : { فلن ~~يقبل من أحدهم } فكأنه قال ولو افتدى به فأجيب بتقرير ذلك على حد بيت كعب . ~~فمفاد هذا الشرط حينئذ مجرد التأكيد . # ويجوز أن يكون الشرط عطفا على محذوف دل عليه افتدى : أي لن يقبل من أحدهم ~~ملء الأرض ذهبا يجعله رهينة . ولو بذله فدية ، لأن من عادة العرب أن ~~المطلوب بحق قد يعطي فيه رهنا إلى أن يقع الصلح أو العفو ، وكذلك في الديون ~~، وكانوا إذا تعاهدوا على صلح أعطت القبائل رهائن منهم كما قال الحارث : # واذكروا حلف ذي المجاز وما قد # م فيه العهود والكفلاء # ووقع في حديث أبي رافع اليهودي أن محمد بن مسلمة قال لأبي رافع : ( نرهنك ~~السلاح واللامة ) . # وجملة { أولئك لهم عذاب أليم } فذلكة للمراد من قوله : { إن الذين كفروا ~~بعد إيمانهم } ( آل عمران : 90 ) الآيتين . # وقوله : { وما لهم من ناصرين } تكميل لنفي أحوال الغناء عنهم وذلك أن ~~المأخوذ بشيء قد يعطي فدية من مال ، وقد يكفله من يوثق بكفالتهم ، أو يشفع ~~له من هو مسموع الكلمة ، وكل من الكفيل والشفيع ناصر . # PageV03P308 # | 2 ( ( 92 ) { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شىء ~~فإن الله به عليم } . ) 2 # استئناف وقع معترضا بين جملة { إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار } ( آل ~~عمران : 91 ) الآية ، وبين جملة { كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل } ( آل ~~عمران : 93 ) . # وافتتاح ms1619 الكلام ببيان بعض وسائل البر إيذان بأن شرائع الإسلام تدور على ~~محور البر ، وأن البر معنى نفساني عظيم لا يخرم حقيقته إلا ما يفضى إلى نقض ~~أصل من أصول الاستقامة النفسانية . فالمقصود من هذه الآية أمران : أولهما ~~التحريض على الإنفاق والتنويه بأنه من البر ، وثانيهما التنويه بالبر الذي ~~الإنفاق خصلة من خصاله . # ومناسبة موقع هذه الآية تلو سابقتها أن الآية السابقة لما بينت أن الذين ~~كفروا لن يقبل من أحدهم أعظم ما ينفقه ، بينت هذه الآية ما ينفع أهل ~~الإيمان من بذل المال ، وأنه يبلغ بصاحبه إلى مرتبة البر ، فبين الطرفين ~~مراتب كثيرة قد علمها الفطناء من هذه المقابلة . والخطاب للمؤمنين لأنهم ~~المقصود من كل خطاب لم يتقدم قبله ما يعين المقصود منه . # والبر كمال الخير وشموله في نوعه : إذ الخير قد يعظم بالكيفية ، وبالكمية ~~، وبهما معا ، فبذل النفس في نصر الدين يعظم بالكيفية في ملاقاة العدو ~~الكثير بالعدد القليل ، وكذلك إنقاذ الغريق في حالة هول البحر ، ولا يتصور ~~في مثل ذلك تعدد ، وإطعام الجائع يعظم بالتعدد ، والإنفاق يعظم بالأمرين ~~جميعا ، والجزاء على فعل الخير إذا بلغ كمال الجزاء وشموله كان برا أيضا . ~~PageV04P005 # وروى النواس بن سمعان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( البر حسن ~~الخلق والإثمم ما حاك في النفس وكرهت أن يطلع عليه الناس ) رواه مسلم . # ومقابلة البر بالإثم تدل على أن البر ضد الإثم . وتقدم عند قوله تعالى : ~~{ ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب } ( البقرة : 177 ) . # وقد جعل الإنفاق من نفس المال المحب غاية لانتفاء نوال البر ، ومقتضى ~~الغاية أن نوال البر لا يحصل بدونها ، وهو مشعر بأن قبل الإنفاق مسافاتت ~~معنوية في الطريق الموصلة إلى البر ، وتلك هي خصال البر كلها بقيت غير ~~مسلوكة ، وأن البر لا يحصل إلا بنهايتها وهو الإنفاق من المحبوب ، فظهر ل ( ~~حتى ) هنا موقع من البلاغة لا يخلفها فيه غيرها : لأنه لو قيل إلا أن ~~تنفقوا مما تحبون ، لتوهم السامع أن الإنفاق من المحب وحده يوجب نوال ms1620 البر ~~، وفاتت الدلالة على المسافات والدرجات التي أشعرت بها ( حتى ) الغائية . # و ( تنالوا ) مشتق من النوال وهو التحصيل على الشيء المعطي . # والتعريف في البر تعريف الجنس : لأن هذا الجنس مركب من أفعال كثيرة منها ~~الإنفاق المخصوص ، فبدونه لا تتحقق هذه الحقيقة . # والإنفاق : إعطاء المال والقوتت والكسوة . # وما صدق ( ما ) في قوله : { مما تحبون } المال : أي المال النفيس العزيز ~~على النفس ، وسوغ هذا الإبهام هنا وجود تنفقوا إذ الإنفاق لا يطلق على غير ~~بذل المال ف ( من ) للتبعيض لا غير ، ومن جوز أن تكون ( من ) للتبيين فقد ~~سها لأن التبيينية لا بد أن تسبق بلفظ مبهم . # والمال المحبوب يختلف باختلاف أحوال المتصدقين ، ورغباتهم ، وسعة ثرواتهم ~~، والإنفاق منه أي التصدق دليل على سخاء لوجه الله تعالى ، وفي ذلك تزكية ~~للنفس من بقية ما فيها من الشح ، قال تعالى : { ومن يوق شح نفسه فأولئك هم ~~المفلحون } ( الحشر : 9 ) وفي ذلك صلاح عظيم للأمة إذ تجود أغنياؤها على ~~فقرائها بما تطمح إليه نفوسهم من نفائس الأموال فتشتد بذلك أواصر الأخوة ، ~~ويهنأ عيش الجميع . PageV04P006 # روى مالك في ( الموطأ ) ، عن أنس بن مالك ، قال : كان أبو طلحة أكثر ~~أنصاري بالمدينة مالا ، وكان أحب أمواله بئر حاء ، وكانت مستقبلة المسجد ، ~~وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب ، فلما ~~نزل قوله تعالى { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } جاء أبو طلحة ، ~~فقال : ( يا رسول الله إن الله قال : { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما ~~تحبون } ، وإن أحب أموالي بئر حاء وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند ~~الله ، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~فبخ ذلك مال رابح ، ذلك مال رابح ، وقد سمعت ما قلت وإني أرى أن تجعلها في ~~الأقربين ، فقال : أفعل يا رسول الله . فجعلها لحسان بن ثابت ، وأبي بن كعب ~~. # وقد بين الله خصال البر في قوله : { ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر ~~والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ms1621 ذوي القربى واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة ~~والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس في ~~سورة البقرة ( 177 ) . # فالبر هو الوفاء بما جاء به الإسلام مما يعرض للمرء في أفعاله ، وقد جمع ~~الله بينه وبين التقوى في قوله : وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا ~~على الإثم والعدوان } ( المائدة : 2 ) فقابل البر بالإثم كما في قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم في حديث النواس بن سمعان المتقدم آنفا . # وقوله : { وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم } تذييل قصد به تعميم ~~أنواع الإنفاق ، وتبيين أن الله لا يخفى عليه شيء من مقاصد المنفقين ، وقد ~~يكون الشيء القليل نفيسا بحسب حال صاحبه كما قال تعالى : { والذين لا يجدون ~~إلا جهدهم } ( التوبة : 79 ) . PageV04P007 # وقوله : { فإن الله به عليم } مراد به صريحه أي يطلع على مقدار وقعه مما ~~رغب فيه ، ومراد به الكناية عن الجزاء عليه . # $ 2 ( 93 95 ) { كل الطعام كان حلا لبنى & # 1764 إسراءيل إلا ما حرم إسراءيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة قل ~~فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين * فمن افترى على الله الكذب من بعد ~~ذلك فأولائك هم الظالمون * قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا وما كان ~~من المشركين } . ) 2 $ # هذا يرتبط بالآي السابقة في قوله تعالى : { ما كان إبراهيم يهوديا ولا ~~نصرانيا } ( آل عمران : 67 ) وما بينهما اعتراضات وانتقالات في فنون الخطاب ~~. # وهذه حجة جزئية بعد الحجج الأصلية على أن دين اليهودية ليس من الحنيفية ~~في شيء ، فإن الحنيفية لم يكن ما حرم من الطعام بنص التوراة محرما فيها ، ~~ولذلك كان بنو إسرائيل قبل التوراة على شريعة إبراهيم ، فلم يكن محرما ~~عليهم ما حرم من الطعام إلا طعاما حرمه يعقوب على نفسه . والحجة ظاهرة ويدل ~~لهذا الارتباط قوله في آخرها : { قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا } ~~( آل عمران : 95 ) . # ويحتمل أن اليهود مع ذلك طعنوا في الإسلام ، وأنه لم يكن على شريعة ~~إبراهيم ، إذ أباح للمسلمين ms1622 أكل المحرمات على اليهود ، جهلا منهم بتاريخ ~~تشريعهم ، أو تضليلا من أحبارهم لعامتهم ، تنفيرا عن الإسلام ، لأن الأمم ~~في سذاجتهم إنما يتعلقون بالمألوفات ، فيعدونها كالحقائق ، ويقيمونها ~~ميزانا للقبول والنقد ، فبين لهم أن هذا مما لا يلتفت إليه عند النظر في ~~بقية الأديان ، وحسبكم أن دينا عظيما وهو دين إبراهيم ، وزمرة من الأنبياء ~~من بنيه وحفدته ، لم يكونوا يحرمون ذلك . PageV04P008 # وتعريف ( الطعام ) تعريف الجنس ، و ( كل ) للتنصيص على العموم . # وقد استدل القرآن عليهم بهذا الحكم لأنه أصرح ما في التوراة دلالة على ~~وقوع النسخ فإن التوراة ذكرت في سفر التكوين ما يدل على أن يعقوب حرم على ~~نفسه أكل عرق النسا الذي على الفخذ ، وقد قيل : إنه حرم على نفسه لحوم ~~الإبل وألبانها ، فقيل : إن ذلك على وجه النذر ، وقيل : إن الأطباء نهوه عن ~~أكل ما فيه عرق النسا لأنه كان مبتلى بوجع نساه ، وفي الحديث أن يعقوب كان ~~في البدو فلم تستقم عافيته بأكل اللحم الذي فيه النسا . وما حرمه يعقوب على ~~نفسه من الطعام : ظاهر الآية أنه لم يكن ذلك بوحي من الله إليه ، بل من ~~تلقاء نفسه ، فبعضه أراد به تقربا إلى الله بحرمان نفسه من بعض الطيبات ~~المشتهاة ، وهذا من جهاد النفس ، وهو من مقامات الزاهدين ، وكان تحريم ذلك ~~على نفسه بالنذر أو بالعزم . وليس في ذلك دليل على جواز الاجتهاد للأنبياء ~~في التشريع لأن هذا من تصرفه في نفسه فيما أبيح له ، ولم يدع إليه غيره ، ~~ولعل أبناء يعقوب تأسوا بأبيهم فيما حرمه على نفسه فاستمر ذلك فيهم . # وقوله : { من قبل أن تنزل التوراة } تصريح بمحل الحجة من الرد إذ المقصود ~~تنبيههم على ما تناسوه فنزلوا منزلة الجاهل بكون يعقوب كان قبل موسى ، وقال ~~العصام : يتعلق قوله : { من قبل أن تنزل التوراة } بقوله : { حلا } لئلا ~~يلزم خلوه عن الفائدة ، وهو غير مجد لأنه لما تأخر عن الاستثناء من قوله { ~~حلا } وتبين من الاستثناء أن الكلام على زمن يعقوب ، صار ذكر القيد لغوا ~~لولا تنزيلهم منزلة الجاهل ms1623 ، وقصد إعلان التسجيل بخطئهم والتعريض بغباوتهم ~~. # وقوله : { قل فأتوا بالتوراة فأتلوها إن كنتم صادقين } أي في زعمكم أن ~~الأمر ليس كما قلناه أو إن كنتم صادقين في جميع ما تقدم : من قولكم إن ~~إبراهيم كان على دين اليهودية ، وهو أمر للتعجيز ، إذ قد علم أنهم لا يأتون ~~بها إذا استدلوا على الصدق . # والفاء في قوله : { فأتوا } فاء التفريع . PageV04P009 # وقوله : { إن كنتم صادقين } شرط حذف جوابه لدلالة التفريع الذي قبله عليه ~~. والتقدير : إن كنتم صادقين فأتوا بالتوراة . # وقوله : { فمن أفترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون } ~~نهاية لتسجيل كذبهم أي من استمر على الكذب على الله ، أي فمن افترى منكم ~~بعد أن جعلنا التوراة فيصلا بيننا ، إذ لم يبق لهم ما يستطيعون أن يدعوه ~~شبهة لهم في الاختلاق ، وجعل الافتراء على الله لتعلقه بدين الله . والفاء ~~للتفريع على الأمر . # والافتراء : الكذب ، وهو مرادف الاختلاق . والافتراء مأخوذ من الفري ، ~~وهو قطع الجلد قطعا ليصلح به مثل أن يحذى النعل ويصنع النطع أو القربة . ~~وافترى افتعال من فرى لعله لإفادة المبالغة في الفري ، يقال : افترى الجلد ~~كأنه اشتد في تقطيعه أو قطعه تقطيع إفساد ، وهو أكثر إطلاق افترى . فأطلقوا ~~على الإخبار عن شيء بأنه وقع ولم يقع اسم الافتراء بمعنى الكذب ، كأن أصله ~~كناية عن الكذب وتلميح ، وشاع ذلك حتى صار مرادفا للكذب ، ونظيره إطلاق اسم ~~الاختلاق على الكذب ، فالافتراء مرادف للكذب ، وإردافه بقوله هنا : ( الكذب ~~) تأكيد للافتراء ، وتكررت نظائر هذا الإرداف في آيات كثيرة . # فانتصب ( الكذب ) على المفعول المطلق الموكد لفعله . واللام في الكذب ~~لتعريف الجنس فهو كقوله : { أفترى على الله كذبا أم به جنة } ( سبأ : 8 ) . # والكذب : الخبر المخالف لما هو حاصل في نفس الأمر من غير نظر إلى كون ~~الخبر موافقا لاعتقاد المخبر أو هو على خلاف ما يعتقده ، ولكنه إذا اجتمع ~~في الخبر المخالفة للواقع والمخالفة لاعتقاد المخبر كان ذلك مذموما ومسبة ؛ ~~وإن كان معتقدا وقوعه لشبهة أو سوء تأمل فهو مذموم ولكنه لا يحقر المخبر ms1624 به ~~، والأكثر في كلام العرب أن يعنى بالكذب ما هو مذموم . # ثم أعلن أن المتعين في جانبه الصدق هو خبر الله تعالى للجزم بأنهم لا ~~يأتون PageV04P010 بالتوراة ، وهذا كقوله : { ولن يتمنوه أبدا } ( البقرة : ~~95 ) وبعد أن فرغ من إعلان كذبهم بالحجة القاطعة قال : { قل صدق الله } وهو ~~تعريض بكذبهم لأن صدق أحد الخبرين المتنافيين يستلزم كذب الآخر ، فهو ~~مستعمل في معناه الأصلي والكنائي . # والتفريع في قوله : { فاتبعوا ملة إبراهيم جنيفا } تفريع على { صدق الله ~~} لأن اتباع الصادق فيما أمر به منجاة من الخطر . # # | 2 ( 96 ، 97 ) { إن أول بيت وضع للناس للذى ببكة مباركا وهدى للعالمين ~~* فيه ءايات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان ءامنا ولله على الناس حج ~~البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غنى عن العالمين } . ) 2 # { إن أول بيت وضع للناس للذى ببكة مباركا وهدى للعالمين } { فيه ءايات ~~بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان ءامنا ولله على الناس حج البيت من استطاع ~~إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غنى عن العالمين } . # هذا الكلام واقع موقع التعليل للأمر في قوله : { فاتبعوا ملة إبراهيم ~~حنيفا } ( آل عمران : 95 ) لأن هذا البيت المنوه بشأنه كان مقاما لإبراهيم ~~ففضائل هذا البيتت تحقق فضيلة شرع بانيه في متعارف الناس ، فهذا الاستدلال ~~خطابي ، وهو أيضا إخبار بفضيلة الكعبة ، وحرمتها فيما مضى من الزمان . # وقد آذن بكون الكلام تعليلا موقع ( إن ) في أوله فإن التأكيد بإن هنا ~~لمجرد الاهتمام وليس لرد إنكار منكر ، أو شك شاك . # ومن خصائص ( إن ) إذا وردت في الكلام لمجرد الاهتمام ، أن تغني غناء فاء ~~التفريع وتفيد التعليل والربط ، كما في دلائل الإعجاز . # ولما في هذه من إفادة الربط استغني عن العطف لكون ( إن ) مؤذنة بالربط . ~~وبيان وجه التعليل أن هذا البيت لما كان أول بيت وضع للهدى وإعلان توحيد ~~الله ليكون علما مشهودا بالحس على معنى الوحدانية ونفي الإشراك ، فقد كان ~~جامعا لدلائل الحنيفية ، فإذا ثبت له شرف الأولية ودوام الحرمة على ممر ~~العصور ، دون غيره ms1625 من الهياكل الدينية التي نشأت بعده ، وهو مائل ، كان ذلك ~~دلالة إلهية على أنه بمحل العناية من الله تعالى ، فدل على أن الدين الذي ~~PageV04P011 قارن إقامته هو الدين المراد لله ، وهذا يؤول إلى معنى قوله : ~~{ إن الدين عند الله الإسلام } ( آل عمران : 19 ) . # وهذا التعليل خطابي جار على طريقة اللزوم العرفي . # وقال الواحدي ، عن مجاهد : تفاخر المسلمون واليهود ، فقالت اليهود : بيت ~~المقدس أفضل وأعظم من الكعبة لأنه مهاجر الأنبياء وفي الأرض المقدسة وقال ~~المسلمون : بل الكعبة أفضل ، فأنزل الله هذه الآية . # و { أول } اسم للسابق في فعلل ما فإذا أضيف إلى اسم جنس فهو السابق من ~~جنس ذلك المضاف إليه في الشأن المتحدث عنه . # والبيت بناء يأوي واحدا أو جماعة ، فيكون بيت سكنى ، وبيت صلاة ، وبيت ~~ندوة ، ويكون مبنيا من حجر أو من أثوابب نسيج شعر أو صوف ، ويكون من أدم ~~فيسمى قبة قال تعالى : { وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا } ( النحل : 81 ) ~~. # ومعنى { وضع } أسس وأثبت ، ومنه سمي المكان موضعا . وأصل الوضع أنه الحط ~~ضد الرفع ، ولما كان الشيء المرفوع بعيدا عن التناول ، كان الموضوع هو قريب ~~التناول ، فأطلق الوضع لمعنى الإدناء للمتناول ، والتهيئة للانتفاع . # و ( الناس ) تقدم في قوله تعالى : { ومن الناس من يقول آمنا بالله في ~~سورة البقرة ( 8 ) . # وبكة } اسم مكة . وهو لغة بإبدال الميم باء في كلمات كثيرة عدت من ~~المترادف : مثل لازب في لازم ، وأربد وأرمد أي في لون الرماد ، وفي سماع ~~ابن القاسم من العتبية عن مالك : أن بكة بالباء اسم موضع البيت ، وأن مكة ~~بالميم اسم بقية الموضع ، فتكون باء الجر هنا لظرفية مكان البيت خاصة . لا ~~لسائر البلد الذي فيه البيت ، والظاهر عندي أن بكة اسم بمعنى البلدة وضعه ~~إبراهيم علما على المكان الذي عينه لسكنى ولده بنية أن يكون بلدا ، فيكون ~~أصله PageV04P012 من اللغة الكلدانية ، لغة إبراهيم ، ألا ترى أنهم سموا ~~مدينة ( بعلبك ) أي بلد بعل وهو معبود الكلدانيين ، ومن إعجاز القرآن ~~اختيار هذا اللفظ عند ذكر كونه أول بيت ms1626 ، فلاحظ أيضا الاسم الأول ، ويؤيد ~~ذلك قوله : { رب هذه البلدة } ( النمل : 91 ) وقوله : { رب اجعل هذا البلد ~~آمنا } ( إبراهيم : 35 ) . وقد قيل : إن بكة مشتق من البك وهو الازدحام ، ~~ولا أحسب قصد ذلك لواضع الاسم . # وعدل عن تعريف البيت باسمه العلم بالغلبة ، وهو الكعبة ، إلى تعريفه ~~بالموصولية بأنه ( الذي ببكة ) : لأن هذه الصلة صارت أشهر في تعينه عند ~~السامعين ، إذ ليس في مكة يومئذ بيت للعبادة غيره ، بخلاف اسم الكعبة : فقد ~~أطلق اسم الكعبة على القليس الذي بناه الحبشة في صنعاء لدين النصرانية ~~ولقبوه الكعبة اليمانية . # والمقصود إثبات سبق الكعبة في الوجود قبل بيوت أخر من نوعها . وظاهر ~~الآية أن الكعبة أول البيوت المبنية في الأرض ، فتمسك بهذا الظاهر مجاهد ، ~~وقتادة ، والسدي ، وجماعة ، فقالوا : هي أول بناء ، وقالوا : إنها كانت ~~مبنية من عهد آدم عليه السلام ثم درست ، فجددها إبراهيم ، قال ابن عطية : ~~ورويت في هذا أقاصيص أسانيدها ضعاف فلذلك تركتها ، وقد زعموا أنها كانت ~~تسمى الضراح بوزن غراب ولكن المحققين وجمهور أهل العلم لم يأخذوا بهذا ~~الظاهر ، وتأولوا الآية . قال علي رضي الله عنه : ( كان قبل البيت بيوت ~~كثيرة ) ولا شك أن الكعبة بناها إبراهيم وقد تعدد في القرآن ذكر ذلك ، ولو ~~كانت من بناء الأنبياء قبله لزيد ذكر ذلك زيادة في التنويه بشأنها ، وإذا ~~كان كذلك فلا يجوز أن يكون أول بناء وقع في الأرض كان في عهد إبراهيم ، لأن ~~قبل إبراهيم أمما وعصورا كان فيها البناء ، وأشهر ذلك برج بابل ، بني إثر ~~الطوفان ، وما بناه المصريون قبل عهد إبراهيم ، وما بناه الكلدان في بدل ~~إبراهيم قبل رحلته إلى مصر ، ومن ذلك بيت أصنامهم ، وذلك قبل أن تصير إليه ~~هاجر التي أهداها له ملك مصر ، وقد حكى القرآن عنهم { قالوا ابنوا له ~~بنيانا فألقوه في الجحيم } ( الثافات : 97 ) فتعين تأويل الآية بوجه ظاهر ، ~~وقد سلك العلماء مسالك فيه : وهي راجعة إلى تأويل الأول ، أو تأويل البيت ، ~~أو تأويل فعل وضع ، PageV04P013 أو تأويل الناس ، أو تأويل نظم الآية ، ~~والذي ms1627 أراه في التأويل أن القرآن كتاب دين وهدى ، فليس غرض الكلام فيه ضبط ~~أوائل التاريخ ، ولكن أوائل أسباب الهدى ، فالأولية في الآية على بابها ، ~~والبيت كذلك ، والمعنى أنه أول بيت عبادة حقة وضع لإعلان التوحيد ، بقرينة ~~المقام ، وبقرينة قوله : { وضع للناس } المقتضى أنه من وضعع واضعع لمصلحة ~~الناس ، لأنه لو كان بيت سكنى لقيل وضعه الناس ، وبقرينة مجيء الحالين بعد ~~؛ وهما قوله : { مباركا وهدى للعالمين } . وهذا تأويل في معنى بيت ، وإذا ~~كان أول بيتت عبادة حق ، كان أول معهد للهدى ، فكان كل هدى مقتبسا منه فلا ~~محيص لكل قوم كانوا على هدى من الاعتراف به وبفضله ، وذلك يوجب اتباع الملة ~~المبنية على أسس ملة بانيه ، وهذا المفاد من تفريع قوله : { فاتبعوا ملة ~~إبراهيم حنيفا } ( البقرة : 95 ) . وتأول الآية علي بن أبي طالب ، فروى عنه ~~أن رجلا سأله : أهو أول بيت ؟ قال : ( لا ، قد كان قبله بيوت ، ولكنه أول ~~بيت وضع للناس مباركا وهدى ) فجعل مباركا وهدى حالين من الضمير في { وضع } ~~لا من اسمم الموصول ، وهذا تأويل في النظم لا ينساق إليه الذهن إلا على ~~معنى أنه أول بيت من بيوت الهدى كما قلنا ، وليس مراده أن قوله : { وضع } ~~هو الخبر لتعين أن الخبر هو قوله : { للذي ببكة } بدليل دخول اللام عليه . # وعن مجاهد قالت اليهود : بيت المقدس أفضل من الكعبة لأنها مهاجر الأنبياء ~~، وقال المسلمون : الكعبة ، فأنزل الله هذه الآية ، وهذا تأويل { أول } ~~بأنه الأول من شيئين لا من جنس البيوت كلها . # وقيل : أراد بالأول الأشرف مجازا . # وعندي أنه يجوز أن يكون المراد من الناس المعهودين وهم أهل الكتب أعني ~~اليهود والنصارى والمسلمين ، وكلهم يعترف بأصالة دين إبراهيم عليه السلام ، ~~فأول معبد بإجماعهم هو الكعبة فيلزمهم الاعتراف بأنه أفضل مما سواه من بيوت ~~عبادتهم . PageV04P014 # وإنما كانت الأولية موجبة التفضيل لأن مواضع العبادة لا تتفاضل من جهة ~~العبادة ، إذ هي في ذلك سواء ، ولكنها تتفاضل بما يحف بذلك من طول أزمان ~~التعبد فيها ، وبنسبتها إلى بانيها ، وبحسن المقصد في ذلك ms1628 ، وقد قال تعالى ~~في مسجد قباء : { لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه } ( ~~التوبة : 108 ) . # وقد جمعت الكعبة جميع هذه المزايا فكانت أسبق بيوت العبادة الحق ، وهي ~~أسبق من بيت المقدس بتسعة قرون . فإن إبراهيم بنى الكعبة في حدود سنة 1900 ~~قبل المسيح وسليمان بنى بيت المقدس سنة 1000 قبل المسيح ، والكعبة بناها ~~إبراهيم بيده فهي مبنية بيد رسول . وأما بيت المقدس فبناها العملة لسليمان ~~بأمره . وروى في ( صحيح مسلم ) ، عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال : سألت ~~رسول الله : أي مسجد وضع أول ؟ قال : المسجد الحرام ، قلت : ثم أي ؟ قال : ~~المسجد الأقصى ، قلت : كم كان بينهما ؟ قال : أربعون سنة . فاستشكله ~~العلماء بأن بين إبراهيم وسليمان قرونا فكيف تكون أربعين سنة ، وأجاب بعضهم ~~بإمكان أن يكون إبراهيم بنى مسجدا في موضع بيت المقدس ثم درس فجدده سليمان ~~. # وأقول : لا شك أن بيت المقدس من بناء سليمان كما هو نص كتاب اليهود ، ~~وأشار إليه القرآن في قوله : { يعملون له ما يشاء من محاريب } ( سبأ : 13 ) ~~الآية ، فالظاهر أن إبراهيم لما مر ببلاد الشام ووعده الله أن يورث تلك ~~الأرض نسله عين الله له الوضع الذي سيكون به أكبر مسجد تبنيه ذريته ، فأقام ~~هنالك مسجدا صغيرا شكرا لله تعالى ، وجعله على الصخرة المجعولة مذبحا ~~للقربان . وهي الصخرة التي بنى سليمان عليها المسجد ، فلما كان أهل ذلك ~~البلد يومئذ مشركين دثر ذلك البناء حتى هدى الله سليمان إلى إقامة المسجد ~~الأقصى عليه ، وهذا من العلم الذي أهملته كتب اليهود ، وقد ثبت في سفر ~~التكوين أن إبراهيم بنى مذابح في جهات مر عليها من أرض الكنعانيين لأن الله ~~أخبره أنه يعطي تلك الأرض لنسله ، فالظاهر أنه بنى أيضا بموضع مسجد أرشليم ~~مذبحا . PageV04P015 # و { مباركا } اسم مفعول من بارك الشيء إذا جعل له بركة وهي زيادة في ~~الخير . أي جعلت البركة فيه بجعل الله تعالى ، إذ قدر أن يكون داخله مثابا ~~ومحصلا على خير يبلغه على مبلغ نيته ، وقدر لمجاوريه ms1629 وسكان بلده أن يكونوا ~~ببركة زيادة الثوابب ورفاهية الحال ، وأمر بجعل داخله آمنا ، وقدر ذلك بين ~~الناس فكان ذلك كله بركة . وسيأتي معنى البركة عند قوله تعالى : { وهذا ~~كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه في سورة الأنعام ( 92 ) . # ووصفه بالمصدر في قوله : وهدى } مبالغة لأنه سبب هدى . # وجعل هدى للعالمين كلهم : لأن شهرته وتسامع الناس به ، يحملهم على ~~التساؤل عن سبب وضعه ، وأنه لتوحيد الله ، وتطهير النفوس من خبث الشرك ~~فيهتدي بذلك المهتدي ، ويرعوي المتشكك . # ومن بركة ذاته أن حجارته وضعتها عند بنائه يد إبراهيم ، ويد إسماعيل ، ثم ~~يد محمد صلى الله عليه وسلم ولا سيما الحجر الأسود . وانتصب { مباركا وهدى ~~} على الحال من الخبر ، وهو اسم الموصول . # وجملة { فيه آيات بينات } استئناف ثناء على هذا البيت بما حف به من ~~المناقب والمزايا فغير الأسلوب للاهتمام ولذلك لم تجعل الجملة حالا ، فتعطف ~~على الحالين قبلها ، لأن مباركا وهدى وصفان ذاتيان له ، وحالان مقارنان ، ~~والآيات عوارض عرضت في أوقات متفاوتة ، أو هي حال ثالثة ولم تعطف بالواو ~~لأنها جملة وما قبلها مفردان ولئلا يتوهم أن الواو فيها واو الحال ، فتكون ~~في صورتها جارية على غير صورة الأفصح في مثلها من عدم الاقتران بالواو ، ~~على ما حققه الشيخ عبد القاهر ، فلو قرنت بواو العطف لالتبست بواو الحال ، ~~فكرهت في السمع ، فيكون هذا من القطع لدفع اللبس ، أو نقول هي حال ولم تعطف ~~على الأحوال الأخرى لأنها جملة ، فاستغنت بالضمير عن رابط العطف . # ووصف الآيات ببيناتت لظهورها في علم المخاطبين . وجماع هذه PageV04P016 ~~الآيات هي ما يسره الله لسكان الحرم وزائريه من طرق الخير ، وما دفع عنهم ~~من الأضرار ، على حالة اتفق عليها سائر العرب ، وقمعوا بها أنفسهم وشهواتهم ~~، مع تكالبهم على إرضاء نفوسهم . وأعظمها الأمن ، الذي وطن عليه نفوس جميع ~~العرب في الجاهلية مع عدم تدينهم ، فكان الرجل يلاقي قاتل أبيه في الحرم ~~فلا يناله بسوء ، وتواضع مثل هذا بين مختلف القبائل ، ذات اختلاف الأنساب ~~والعوائد والأديان ، آية على أن الله تعالى ms1630 وقر ذلك في نفوسهم . وكذلك ~~تأمين وحشه مع افتتان العرب بحب الصيد . ومنها ما شاع بين العرب من قصم كل ~~من رامه بسوء ، وما انصراف الأحباش عنه بعد امتلاكهم جميع اليمن وتهامة إلا ~~آية من آيات الله فيه . ومنها انبثاق الماء فيه لإسماعيل حين إشرافه على ~~الهلاك . وافتداء الله تعالى إياه بذبح عظيم حين أراد أبوه إبراهيم عليه ~~السلام قربانه . ومنها ما شاع بين العرب وتوارثوا خبره أبا عن جد من نزول ~~الحجر الأسود من السماء على أبي قبيس بمرأى إبراهيم ، ولعله حجر كوكبي . ~~ومنها تيسير الرزق لساكنيه مع قحولة أرضه ، وملوحة مائه . # وقوله : { مقام إبراهيم } أصل المقام أنه مفعل من القيام ، والقيام يطلق ~~على المعنى الشائع وهو ضد القعود ، ويطلق على خصوص القيام للصلاة والدعاء ، ~~فعلى الوجه الثاني فرفع مقام على أنه خبر لضمير محذوف يعود على { للذى ببكة ~~} ، أي هو مقام إبراهيم ، أي البيت الذى ببكة . وحذف المسند إليه هنا جاء ~~على الحذف الذي سماه علماء المعاني ، التابعين لاصطلاح السكاكي ، بالحذف ~~للاستعمال الجاري على تركه ، وذلك في الرفع على المدح ، أو الذم ، أو ~~الترحم ، بعد أن يجري على المسند إليه من الأوصاف قبل ذلك ما يبين المراد ~~منه كقول أبي الطمحان القيني : # فإن بني لأمم بن عمرو أرومة # سمت فوق صعب لا تنال مراقبه # نجوم سماء كلما انقض كوكب # بدا كوكب تأوي إليه كواكبه # هذا هو الوجه في موقع قوله تعالى : { مقام إبراهيم } . PageV04P017 # وقد عبر عن المسجد الحرام بأنه مقام إبراهيم أي محل قيامه للصلاة والطواف ~~قال تعالى : { واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } ( البقرة : 125 ) ويدل لذلك ~~قول زيد بن عمرو بن نفيل : # عذت بما عاذ به إبراهم # مستقبل الكعبة وهو قائم # وعلى الوجه الأول يكون المراد الحجر الذى فيه أثر قدمي إبراهيم عليه ~~السلام في الصخرة التي ارتقى عليها ليرفع جدران الكعبة ، وبذلك فسر الزجاج ~~وتبعه على ذلك الزمخشري ، وأجاب الزمخشري عما يعترض به من لزوم تبيين الجمع ~~بالمفرد بأن هذا المفرد في قوة جماعة من الآيات ms1631 لأن أثر القدم في الصخرة ~~آية ، وغوصه فيها إلى الكعبين آية وإلانة بعض الصخر دون بعض آية ، وأنا ~~أقول : إنه آيات لدلالته على نبوة إبراهيم بمعجزة له وعلى علمم الله وقدرته ~~، وإن بقاء ذلك الأثر مع تلاشي آثار كثيرة في طيلة القرون آية أيضا . # وقوله : { ومن دخله كان آمنا } عطف على مزايا البيت وفضائله من الأمن فيه ~~على العموم ، وامتنان بما تقرر في ماضي العصور ، فهو خبر لفظا مستعمل في ~~الامتنان ، فإن الأمن فيه قد تقرر واطرد ، وهذا الامتنان كما امتن الله على ~~الناس بأنه خلق لهم أسماعا وأبصارا فإن ذلك لا ينقض بمن ولد أكمه أو عرض له ~~ما أزال بعض ذلك . # قال ابن العربي : هذا خبر عما كان وليس فيه إثبات حكم وإنما هو تنبيه على ~~آيات ونعم متعددات ؛ أن الله سبحانه قد كان صرف القلوب عن القصد إلى ~~معارضته ، وصرف الأيدي عن إذايته . وروي هذا عن الحسن . وإذا كان ذلك خبرا ~~فهو خبر عما مضى قبل مجيء شريعة الإسلام حين لم يكن لهم في الجاهلية وازع ~~فلا ينتقض بما وقع فيه من اختلال الأمن في القتال بين الحجاج وابن الزبير ~~وفي فتنة القرامطة . وقد ذكرنا ذلك في تفسير قوله تعالى : { وأخر متشابهات ~~أول هذه السورة } ( آل عمران : 7 ) . PageV04P018 # ومن العلماء من حمل قوله تعالى : { ومن دخله كان آمنا } أنه خبر مستعمل ~~في الأمر بتأمين داخله من أن يصاب بأذى ، وروي عن ابن عباس ، وابن عمر ، ~~وسعيد بن جبير ، وعطاء ، وطاوس ، والشعبي . # وقد اختلف الصائرون إلى هذا المعنى في محمل العمل بهذا الأمر ؛ فقال ~~جماعة : هذا حكم نسخ يعنون نسخته الأدلة التي دلت على أن الحرم لا يعيذ ~~عاصيا . روى البخاري ، عن أبي شريح الكعبي ، أنه قال لعمرو بن سعيد وهو ~~يبعث البعوث إلى مكة أي لحرب ابن الزبير : ائذن لى أيها الأمير أحدثك قولا ~~قام به رسول الله الغد من يوم الفتح ، سمعته أذناي ووعاه قلبي وأبصرته ~~عيناي حين تكلم به : إنه حمد الله وأثنى عليه ثم ms1632 قال : ( إن مكة حرمها الله ~~ولم يحرمها الناس ؛ لا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما ~~، ولا يعضد بها شجرة . فإن أحد ترخص لقتال رسول الله فيها فقولوا له : إن ~~الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار وقد عادت ~~حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس وليبلغ الشاهد الغائب ) . قال : فقال لي عمرو ~~: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح إن الحرم لا يعيذ عاصيا ولا فارا بدم ولا ~~فارا بخربة ( الخربة بفتح الخاء وسكون الراء الجناية والبلية التي تكون على ~~الناس ) وبما ثبت أن النبيء صلى الله عليه وسلم أمر بأن يقتل ابن خطل وهو ~~متعلق بأستار الكعبة يوم الفتح . # وقد قال مالك ، والشافعى : إن من أصاب جناية في الحرم أو خارجه ثم عاذ ~~بالحرم يقام عليه الحد في الحرم ويقاد منه . # وقال أبو حنيفة ، وأصحابه الأربعة : لا يقتص في الحرم من اللاجىء إليه من ~~خارجه ما دام فيه ؛ ولكنه لا يبايع ولا يؤاكل ولا يجالس إلى أن يخرج من ~~الحرم . ويروون ذلك عن ابن عباس ، وابنن عمر ، ومن ذكرناه معهما آنفا . # وفي أحكام ابن الفرس أن عبد الله بن عمر قال : ( من كان خائفا من ~~الاحتيال عليه فليس بآمن ولا تجوز إذايته بالامتناع من مكالمته ) . ~~PageV04P019 # وقال فريق : هو حكم محكم غير منسوخ ، فقال فريق منهم : قوله : { ومن دخله ~~} يفهم منه أنه أتى ما يوجب العقوبة خارج الحرم فإذا جنى في الحرم أقيد منه ~~، وهذا قول الجمهور منهم ، ولعل مستندهم قوله تعالى : { والحرمات قصاص } ( ~~البقرة : 194 ) أو استندوا إلى أدلة من القياس ، وقال شذوذ : لا يقام الحد ~~في الحرم ، ولو كان الجاني جنى في الحرم وهؤلاء طردوا دليلهم . # وقد ألممنا بذلك عند قوله تعالى : { ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى ~~يقاتلوكم فيه } ( البقرة : 191 ) . # وقد جعل الزجاج جملة { ومن دخله كان آمنا } آية ثانية من الآيات البينات ~~فهى بيان ل ( آيات ) ، وتبعه الزمخشري ، وقال : يجوز أن يطلق لفظ الجمع على ~~المثنى كقوله تعالى ms1633 : { فقد صغت قلوبكما } ( التحريم : 4 ) . وإنما جاز ~~بيان المفرد بجملة لأن هذه الجملة في معنى المفرد إذ التقدير : مقام ~~إبراهيم وأمن من دخله . ولم ينظر ذلك بما استعمل من كلام العرب حتى يقرب ~~هذا الوجه . وعندي في نظيره قول الحرث بن حلزة : # من لنا عنده من الخير آيا # ت ثلاث في كلهن القضاء # آية شارق الشقيقة إذ جا # ءت معد لكل حي لواء # ثم قال : # ثم حجرا أعني ابن أم قطام # وله فارسية خضراء # ثم قال : # وفككنا غل امرىء القيس عنه # بعد ما طال حبسه والعناء # فجعل ( وفككنا ) هي الآية الرابعة باتفاق الشراح إذ التقدير : وفكنا غل ~~امرىء القيس . # وجوز الزمخشري أن يكون آيات باقيا على معنى الجمع وقد بين بآيتين وتركت ~~الثالثة كقول جرير : # كانت حنيفة أثلاثا فثلثهم # من العبيد وثلث من مواليها # أي ولم يذكر الثلث الثالث . PageV04P020 # وهو تنظير ضعيف لأن بيت جرير ظهر منه الثلث الثالث ، فهم الصميم ، بخلاف ~~الآية فإن بقية الآيات لم يعرف . ويجوز أن نجعل قوله تعالى : { ولله على ~~الناس حج البيت } إلخ متضمنا الثالثة من الآيات البينات . # { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غنى عن ~~العالمين } . # حكم أعقب به الامتنان : لما في هذا الحكم من التنويه بشأن البيت فلذلك ~~حسن عطفه . والتقدير : مباركا وهدى ، وواجبا حجه . فهو عطف على الأحوال . # والحج تقدم عند قوله تعالى : { الحج أشهر معلومات في سورة البقرة ( 197 ) ~~، وفيه لغتان فتح الحاء وكسرها ولم يقرأ في جميع مواقعه في القرآن بكسر ~~الحاء إلا في هذه الآية : قرأ حمزة ، والكسائي ، وحفص عن عاصم ، وأبو جعفر ~~بكسر الحاء . # ويتجه أن تكون هذه الآية هي التي فرض بها الحج على المسلمين ، وقد استدل ~~بها علماؤنا على فرضية الحج ، فما كان يقع من حج النبيء والمسلمين ، قبل ~~نزولها ، فإنما كان تقربا إلى الله ، واستصحابا للحنيفية . وقد ثبت أن ~~النبيء حج مرتين بمكة قبل الهجرة ووقف مع الناس . فأما إيجاب الحج في ~~الشريعة الإسلامية فلا دليل على ms1634 وقوعه إلا هذه الآية وقد تمالأ علماء ~~الإسلام على الاستدلال بها على وجوب الحج ، فلا يعد ما وقع من الحج قبل ~~نزولها ، وبعد البعثة إلا تحنثا وتقربا ، وقد صح أنها نزلت سنة ثلاث من ~~الهجرة ، عقب غزوة أحد ، فيكون الحج فرض يومئذ . وذكر القرطبي الاختلاف في ~~وقت فرضية الحج على ثلاثة أقوال : فقيل : سنة خمس ، وقيل : سنة سبع ، وقيل ~~: سنة تسع ، ولم يعز الأقوال إلى أصحابها ، سوى أنه ذكر عن ابن هشام ، عن ~~أبي عبيد الواقدي أنه فرض PageV04P021 عام الخندق ، بعد انصراف الأحزاب ، ~~وكان انصرافهم آخر سنة خمس . قال ابن إسحاق : وولى تلك الحجة المشركون . ~~وفي مقدمات ابن رشد ما يقتضي أن الشافعي يقول : إن الحج وجب سنة تسع ، ~~وأظهر من هذه الأقوال قول رابع تمالأ عليه الفقهاء وهو أن دليل وجوب الحج ~~قوله تعالى : ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا } . وقد استدل ~~الشافعي بها على أن وجوبه على التراخي ، فيكون وجوبه على المسلمين قد تقرر ~~سنة ثلاث ، وأصبح المسلمون منذ يومئذ محصرين عن أداء هذه الفريضة إلى أن ~~فتح الله مكة ووقعت حجة سنة تسع . # وفي هذه الآية من صيغ الوجوب صيغتان : لام الاستحقاق ، وحرف ( على ) ~~الدال على تقرر حق في ذمة المجرور بها . وقد تعسر أو تعذر قيام المسلمين ~~بأداء الحج عقب نزولها ، لأن المشركين كانوا لا يسمحون لهم بذلك ، فلعل ~~حكمة إيجاب الحج يومئذ أن يكون المسلمون على استعداد لأداء الحج مهما ~~تمكنوا من ذلك ، ولتقوم الحجة على المشركين بأنهم يمنعون هذه العبادة ، ~~ويصدون عن المسجد الحرام ، ويمنعون مساجد الله أن يذكر فيها اسمه . # وقوله : { من استطاع إليه سبيلا } بدل من الناس لتقييد حال الوجوب ، وجوز ~~الكسائي أن يكون فاعل حج ، ورد بأنه يصير الكلام : لله على سائر الناس أن ~~يحج المستطيع منهم ، ولا معنى لتكليف جميع الناس بفعل بعضهم ، والحق أن هذا ~~الرد لا يتجه لأن العرب تتفنن في الكلام لعلم السامع بأن فرض ذلك على الناس ~~فرض مجمل يبينه فاعل حج ، وليس ms1635 هو كقولك : استطاع الصوم ، أو استطاع حمل ~~الثقل ، ومعنى { استطاع سبيلا } وجد سبيلا وتمكن منه ، والكلام بأواخره . ~~والسبيل هنا مجاز فيما يتمكن به المكلف من الحج . # وللعلماء في تفسير السبيل أقوال اختلفت ألفاظها ، واتحدت أغراضها ، فلا ~~ينبغي بقاء الخلاف بينهم لأجلها مثبتا في كتب التفسير وغيرها ، فسبيل ~~القريب من البيت الحرام سهل جدا ، وسبيل البعيد الراحلة والزاد ، ولذلك قال ~~مالك : السبيل القدرة والناس على قدر طاقتهم وسيرهم وجلدهم . واختلف فيمن ~~PageV04P022 لا زاد له ويستطيع الاحتراف في طريقه : فقال مالك : إذا كان ~~ذلك لا يزري فليسافر ويكتسب في طريقه ، وقال بمثله ابن الزبير ، والشعبي ، ~~وعكرمة . وعن مالك كراهية السفر في البحر للحج إلا لمن لا يجد طريقا غيره ~~كأهل الأندلس ، واحتج بأن الله تعالى قال : { يأتوك رجالا وعلى كل ضامر } ( ~~الحج : 27 ) ولم أجد للبحر ذكرا . قال الشيخ ابن عطية : هذا تأنيس من مالك ~~وليست الآية بالتي تقتضي سقوط سفر البحر . وقد قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ( ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر ) ~~وهل الجهاد إلا عبادة كالحج ، وكره مالك للمرأة السفر في البحر لأنه كشفة ~~لها ، وكل هذا إذا كانت السلامة هي الغالب وإلا لم يجز الإلقاء إلى التهلكة ~~، وحال سفر البحر اليوم أسلم من سفر البر إلا في أحوال عارضة في الحروب إذا ~~شملت البحار . # وظاهر قوله تعالى : { من استاع إليه سبيلا } أن الخطاب بالحج والاستطاعة ~~للمرء في عمله لا في عمل غيره ، ولذلك قال مالك : لا تصح النيابة في الحج ~~في الحياة لعذر ، فالعاجز يسقط عنه الحج عنده ولم ير فيه إلا أن للرجل أن ~~يوصي بأن يحج عنه بعد موته حج التطوع ، وقال الشافعي ، وأحمد ، وإسحاق بن ~~راهويه : إذا كان له عذر مانع من الحج وكان له من يطيعه لو أمره بأن يحج ~~عنه ، أو كان له مال يستأجر به من يحج عنه ، صار قادرا في الجملة ، فيلزمه ~~الحج ، واحتج بحديث ابن عباس : أن امرأة من خثعم سألت ms1636 النبيء صلى الله عليه ~~وسلم يوم حجة الوداع فقالت : إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي ~~شيخا كبيرا لا يثبت على الراحلة أفيجزىء أن أحج عنه ؟ قال : نعم ، حجي عنه ~~أرأيتت لو كان على أبيكك دين أكنتت قاضيته ؟ قالت : نعم ، قال : فدين الله ~~أحق أن يقضى . وأجاب عنه المالكية بأن الحديث لم يدل على الوجوب بل أجابها ~~بما فيه حث على طاعة أبيها ، وطاعة ربها . # وقال علي بن أبي طالب ، وسفيان الثوري ، وأبو حنيفة ، وابن المبارك . لا ~~تجزىء إلا إنابة الأجرة دون إنابة الطاعة . PageV04P023 # وظاهر الآية أنه إذا تحققت الاستطاعة وجب الحج على المستطيع على الفور ، ~~وذلك يندرج تحت مسألة اقتضاء الأمر الفور أو عدمم اقتضائه إياه ، وقد اختلف ~~علماء الإسلام في أن الحج واجب على الفور أو على التراخي . فذهب إلى أنه ~~على الفور البغداديون من المالكية : ابن القصار ، وإسماعيل بن حماد ، ~~وغيرهما ، وتأولوه من قول مالك ، وهو الصحيح من مذهب أبي حنيفة ، وهو قول ~~أحمد بن حنبل ، وداوود الظاهري . وذهب جمهور العلماء إلى أنه على التراخي ~~وهو الصحيح من مذهب مالك ورواية ابن نافع وأشهب عنه وهو قول الشافعي وأبي ~~يوسف . واحتج الشافعي بأن الحج فرض قبل حج النبيء صلى الله عليه وسلم بسنين ~~، فلو كان على الفور لما أخره لعذر لبينه أي لأنه قدوة للناس . وقال جماعة ~~: إذا بلغ المرء الستين وجب عليه الفور بالحج إن كان مستطيعا خشية الموت ، ~~وحكاه ابن خويز منداد عن ابن القاسم . # ومعنى الفور أن يوقعه المكلف في الحجة التي يحين وقتها أولا عند استكمال ~~شرط الاستطاعة . # وقوله : { ومن كفر فإن الله غني عن العالمين } ظاهره أنه مقابل قوله { من ~~استطاع إليه سبيلا } فيكون المراد بمن كفر من لم يحج مع الاستطاعة ، ولذلك ~~قال جمع من المحققين : إن الإخبار عنه بالكفر هنا تغليظ لأمر ترك الحج . ~~والمراد كفر النعمة . ويجوز أيضا أن يراد تشويه صنعه بأنه كصنيع من لا يؤمن ~~بالله ورسله وفضيلة حرمه . وقال قوم : أراد ومن كفر بفرض ms1637 الحج ، وقال قوم ~~بظاهره : إن ترك الحج مع القدرة عليه كفر . ونسب للحسن . ولم يلتزم جماعة ~~من المفسرين أن يكون العطف للمقابلة وجعلوها جملة مستقلة . كالتذييل ، بين ~~بها عدم اكتراث الله بمن كفر به . # وعندي أنه يجوز أن يكون المراد بمن كفر من كفر بالإسلام ، وذلك تعريض ~~بالمشركين من أهل مكة بأنه لا اعتداد بحجهم عند الله وإنما يريد الله أن ~~يحج المؤمنون به والموحدون له . PageV04P024 # وفي قوله : { غني عن العالمين } رمز إلى نزعه ولاية الحرم من أيديهم : ~~لأنه لما فرض الحج وهم يصدون عنه ، وأعلمنا أنه غني عن الناس ، فهو لا ~~يعجزه من يصد الناس عن مراده تعالى . # # | 2 ( 98 ، 99 ) { قل ياأهل الكتاب لم تكفرون بئيات الله والله شهيد على ~~ما تعملون * قل ياأهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من ءامن تبغونها عوجا ~~وأنتم شهدآء وما الله بغافل عما تعملون } . ) 2 # ابتداء كرم رجع به إلى مجادلة أهل الكتاب وموعظتهم فهو مرتبط بقوله تعالى ~~: { قل صدق الله } الآية . # أمر الرسول عليه الصلاة والسلام بالصدع بالإنكار على أهل الكتاب . بعد أن ~~مهد بين يدي ذلك دلائل صحة هذا الدين ولذلك افتتح بفعل { قل } اهتماما ~~بالمقول ، وافتتح المقول بنداء أهل الكتاب تسجيلا عليهم . والمراد بآيات ~~الله : إما القرآن ، وإما دلائل صدق الرسول صلى الله عليه وسلم والكفر على ~~هذين الوجهين بمعناه الشرعي واضح ، وإما آيات فضيلة المسجد الحرام على غيره ~~، والكفر على هذا الوجه بمعناه اللغوي والاستفهام إنكار . # وجملة { والله شهيد على ما تعملون } في موضع الحال لأن أهل الكتاب يوقنون ~~بعموم علم الله تعالى ، وأنه لا يخفى عليه شيء فجحدهم لآياته مع ذلك اليقين ~~أشد إنكارا ، ولذلك لم يصح جعل { والله شهيد } مجرد خبر إلا إذا نزلوا ~~منزلة الجاهل . # وقوله : { قل يا أهل الكتاب لم تصدون } توبيخ ثان وإنكار على مجادلتهم ~~لإضلالهم المؤمنين بعد أن أنكر عليهم ضلالهم في نفوسهم ، وفصل بلا عطف ~~للدلالة على استقلاله بالقصد ، ولو عطف لصح العطف . PageV04P025 # والصد يستعمل قاصرا ومتعديا : يقال صده عن ms1638 كذا فصد عنه . وقاصره بمعنى ~~الإعراض . فمتعديه بمعنى جعل المصدود معرضا أي صرفه ، ويقال : أصده عن كذا ~~، وهو ظاهر . # وسبيل الله مجاز في الأقوال والأدلة الموصلة إلى الدين الحق . والمراد ~~بالصد عن سبيل الله إما محاولة إرجاع المؤمنين إلى الكفر بإلقاء التشكيك ~~عليهم . وهذا المعنى يلاقي معنى الكفر في قوله : { لم تكفرون بآيات الله } ~~على وجهيه الراجعين للمعنى الشرعي . وإما صد الناس عن الحج أي صد أتباعهم ~~عن حج الكعبة ، وترغيبهم في حج بيت المقدس ، بتفضيله على الكعبة ، وهذا ~~يلاقي الكفر بمعناه اللغوي المتقدم ، ويجوز أن يكون إشارة إلى إنكراهم ~~القبلة في قولهم { وما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها } ( البقرة : 142 ~~) لأن المقصود به صد المؤمنين عن استقبال الكعبة . # وقوله : { تبغونها عوجا } أي تبغون السبيل فأنث ضميره لأن السبيل يذكر ~~ويؤنث : قال تعالى : { قل هذه سبيلي } ( يوسف : 108 ) . والبغي الطلب أي ~~تطلبون . والعوج بكسر العين وفتح الواو ضد الاستقامة وهو اسم مصدر عوج كفرح ~~، ومصدره العوج كالفرح . وقد خص الاستعمال غالبا المصدر بالاعوجاج في ~~الأشياء المحسوسة ، ، كالحائط والقناة . وخص إطلاق اسم المصدر بالاعوجاج ~~الذي لا يشاهد كاعوجاج الأرض والسطح ، وبالمعنويات كالدين . # ومعنى { تبغونها عوجا } يجوز أن يكون عوجا باقيا على معنى المصدرية ، ~~فيكون { عوجا } مفعول { تبغونها } ، ويكون ضمير النصب في تبغونها على نزع ~~الخافض كما قالوا : شكرتك وبعتك كذا : أي شكرت لك وبعت لك ، والتقدير : ~~وتبغون لها عوجا ، أي تتطلبون نسبة العوج إليها ، وتصورونها باطلة زائغة . ~~ويجوز أن يكون عوجا ، وصفا للسبيل على طريقة الوصف بالمصدر للمبالغة ، أي ~~تبغونها عوجاء شديدة العوج فيكون ضمير النصب في { تبغونها } مفعول { تبغون ~~} ، ويكون عوجا حالا من ضمير النصب أي ترومونها معوجة أي تبغون سبيلا معوجة ~~وهي سبيل الشرك . PageV04P026 # والمعنى : تصدون عن السبيل المستقيم وتريدون السبيل المعوج ففي ضمير { ~~تبغونها } استخدام لأن سبيل الله المصدود عنها هي الإسلام ، والسبيل التي ~~يريدونها هي ما هم عليه من الدين بعد نسخه وتحريفه . # وقوله : { وأنتم شهداء } حال أيضا توازن الحال في قوله قبلها { والله ~~شهيد على ms1639 ما تعملون } ومعناه وأنتم عالمون أنها سبيل الله . وقد أحالهم في ~~هذا الكلام على ما في ضمائرهم مما لا يعلمه إلا الله لأن ذلك هو المقصود من ~~وخز قلوبهم ، وانثنائهم باللائمة على أنفسهم ، ولذلك عقبه بقوله : { وما ~~الله بغافل عما تعملون } وهو وعيد وتهديد وتذكير لأنهم يعلمون أن الله يعلم ~~ما تخفي الصدور وهو بمعنى قوله في موعظتهم السابقة { والله شهيد على ما ~~تعملون } إلا أن هذا أغلظ في التوبيخ لما فيه من إبطال اعتقاد غفلته سبحانه ~~، لأن حالهم كانت بمنزلة حال من يعتقد ذلك . # $ 2 ( 100 ، 101 ) { ياأيها الذين ءامنو & # 1764 ا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين ~~* وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم ءايات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله ~~فقد هدى إلى صراط مستقيم } . ) 2 $ # إقبال على خطاب المؤمنين لتحذيرهم من كيد أهل الكتاب وسوء دعائهم ~~المؤمنين ، وقد تفضل الله على المؤمنين بأن خاطبهم بغير واسطة خلاف خطابه ~~أهل الكتاب إذ قال : { قل يا أهل الكتاب } ( آل عمران : 98 ) ولم يقل : قل ~~يأيها الذين آمنوا . # والفريق : الجماعة من الناس ، وأشار به هنا إلى فريق من اليهود وهم شاس ~~بن قيس وأصحابه ، أو أراد شاسا وحده ، وجعله فريقا كما جعل أبا سفيان ناسا ~~قي قوله : ( إن الناس قد جمعوا لكم ) وسياق الآية مؤذن بأنها جرت ~~PageV04P027 على حادثة حدثت وأن لنزولها سببا . وسبب نزول هذه الآية : أن ~~الأوس والخزرج كانوا في الجاهلية قد تخاذلوا وتحاربوا حتى تفانوا ، وكانت ~~بينهم حروب وآخرها يوم بعاث التي انتهت قبل الهجرة بثلاث سنين ، فلما ~~اجتمعوا على الإسلام زالت تلك الأحقاد من بينهم وأصبحوا عدة للإسلام ، فساء ~~ذلك يهود يثرب فقام شاس بن قيس اليهودي ، وهو شيخ قديم منهم ، فجلس إلى ~~الأوس والخزرج ، أو أرسل إليهم من جلس إليهم يذكرهم حروب بعاث ، فكادوا أن ~~يقتتلوا ، ونادى كل فريق : يا للأوس ويا للخزرج وأخذوا السلاح ، فجاء النبي ~~صلى الله عليه وسلم فدخل بينهم وقال : أتدعون الجاهلية وأنا بين أظهركم ؟ ~~وفي رواية ms1640 : أبدعوى الجاهلية ؟ أي أتدعون بدعوى الجاهلية وقرأ هذه الآية ، ~~فما فرغ منها حتى ألقوا السلاح ، وعانق بعضهم بعضا ، قال جابر بن عبد الله ~~: ما كان طالع أكره إلينا من طلوع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أصلح ~~الله بيننا ما كان شخص أحب إلينا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فما رأيت ~~يوما أقبح ولا أوحش أولا وأحسن آخرا من ذلك اليوم . # وأصل الرد الصرف والإرجاع قال تعالى : { ومنكم من يرد إلى أرذل العمر } ( ~~الحج : 5 ) وهو هنا مستعار لتغير الحال بعد المخالطة فيفيد معنى التصيير ~~كقول الشاعر ، فيما أنشده أهل اللغة : # فرد شعورهن السود بيضا # ورد وجوههن البيض سودا # و { كافرين } مفعوله الثاني ، وقوله { بعد إيمانكم } تأكيد لما أفاده ~~قوله { يردوكم } والقصد من التصريح به توضيح فوات نعمة عظيمة كانوا فيها لو ~~يكفرون . # وقوله : { وكيف تكفرون } استفهام مستعمل في الاستبعاد استبعادا لكفرهم ~~ونفيا له ، كقول جرير : # كيف الهجاء وما تنفك صالحة # من آل لأمم بظهر الغيبب تأتيني PageV04P028 # وجملة { وأنتم تتلى عليكم آيات الله } حالية ، وهي محط الاستبعاد والنفي ~~لأن كلا من تلاوة آيات الله وإقامة الرسول عليه الصلاة والسلام فيهم وازع ~~لهم عن الكفر ، وأي وازع ، فالآيات هنا هي القرآن ومواعظه . # والظرفية في قوله : { وفيكم رسوله } حقيقية ومؤذنة بمنقبة عظيمة ، ومنة ~~جليلة ، وهي وجود هذا الرسول العظيم بينهم ، تلك المزية التي فاز بها ~~أصحابه المخاطبون . وبها يظهر معنى قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه ~~الترمذي عن أبي سعيد الخدري : ( لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن ~~أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه ) النصيف نصف مد . # وفي الآية دلالة على عظم قدر الصحابة وأن لهم وازعين عن مواقعة الضلال : ~~سماع القرآن ، ومشاهدة أنوار الرسول عليه السلام فإن وجوده عصمة من ضلالهم ~~. قال قتادة : أما الرسول فقد مضى إلى رحمة الله ، وأما الكتاب فباقق على ~~وجه الدهر . # وقوله : { ومن يعتصم بالله فقد هدى إلى صراط مستقيم } أي من يتمسك بالدين ~~فلا يخش ms1641 عليه الضلال . فالاعتصام هنا استعارة للتمسك . # وفي هذا إشارة إلى التمسك بكتاب الله ودينه لسائر المسلمين الذين لم ~~يشهدوا حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم # # | 2 ( 102 ، 103 ) { لله ياأيها الذين ءامنوا اتقوا الله حق تقاته ولا ~~تموتن إلا وأنتم مسلمون * واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا ~~نعمة الله عليكم إذ كنتم أعدآء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا ~~وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذالك يبين الله لكم ءاياته ~~لعلكم تهتدون } . ) 2 # PageV04P029 # انتقل من تحذير المخاطبين من الانخداع لوساوس بعض أهل الكتاب ، إلى ~~تحريضهم على تمام التقوى ، لأن في ذلك زيادة صلاح لهم ورسوخا لإيمانهم ، ~~وهو خطاب لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ويسري إلى جميع من يكون بعدهم . # وهذه الآية أصل عظيم من أصول الأخلاق الإسلامية . والتقوى تقدم تفسيرها ~~عند قوله تعالى : { هدى للمتقين } . وحاصلها امتثال الأمر ، واجتناب المنهي ~~عنه ، في الأعمال الظاهرة ، والنوايا الباطنة . وحق التقوى هو أن لا يكون ~~فيها تقصير ، وتظاهر بما ليس من عمله ، وذلك هو معنى قوله تعالى : { فاتقوا ~~الله ما استطعتم } ( التغابن : 16 ) لأن الاستطاعة هي القدرة ، والتقوى ~~مقدورة للناس . وبذلك لم يكن تعارض بين الآيتين ، ولا نسخ ، وقيل : هاته ~~منسوخة بقوله تعالى : { فاتقوا الله ما استطعتم } لأن هاته دلت على تقوى ~~كاملة كما فسرها ابن مسعود : أن يطاع فلا يعصى ، ويشكر فلا يكفر ، ويذكر ~~فلا ينسى ، ورووا أن هذه الآية لما نزلت قالوا : ( يا رسول الله من يقوى ~~لهذا ) فنزلت قوله تعالى : { فاتقوا الله ما استطعتم } فنسخ هذه بناء على ~~أن الأمر في الآيتين للوجوب ، وعلى اختلاف المراد من التقويين . والحق أن ~~هذا بيان لا نسخ ، كما حققه المحققون ، ولكن شا عند المتقدمين إطلاق النسخ ~~على ما يشمل البيان . # والتقاة اسم مصدر . اتقى وأصله وقية ثم وقاة ثم أبدلت الواو تاء تبعا ~~لإبدالها في الافتعال إبدالا قصدوا منه الإدغام . كما تقدم في قوله تعالى : ~~{ إلا أن تتقوا منهم تقاة } ( آل عمران : 28 ) . # وقوله : ولا تموتن إلا وأنتم ms1642 مسلمون نهي عن أن يموتوا على حالة في الدين ~~إلا على حالة الإسلام فمحط النهي هو القيد : أعني المستثنى منه المحذوف ~~والمستثنى وهو جملة الحال ، لأنها استثناء من أحوال ، وهذا المركب مستعمل ~~في غير معناه لأنه مستعمل في النهي عن مفارقة الدين بالإسلام PageV04P030 ~~مدة الحياة ، وهو مجاز تمثيلي علاقته اللزوم ، لما شاع بين الناس من أن ~~ساعة الموت أمر غير معلوم كما قال الصديق : # كل امرىء مصبح في أهله # والموت أدنى من شراك نعله # فالنهي عن الموت على غير الإسلام يستلزم النهي عن مفارقة الإسلام في سائر ~~أحيان الحياة ، ولو كان المراد به معناه الأصلي ، لكان ترخيصا في مفارقة ~~الإسلام إلا عند حضور الموت ، وهو معنى فاسد وقد تقدم ذلك في قوله تعالى : ~~{ ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون } . # وقوله : { واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا } ثنى أمرهم بما فيه صلاح ~~أنفسهم لأخراهم ، بأمرهم بما فيه صلاح حالهم في دنياهم ، وذلك بالاجتماع ~~على هذا الدين وعدم التفرق ليكتسبوا باتحادهم قوة ونماء . والاعتصام افتعال ~~من عصم وهو طلب ما يعصم أي يمنع . # والحبل : ما يشد به للارتقاء ، أو التدلي ، أو للنجاة من غرق ، أو نحوه ، ~~والكلام تمثيل لهيئة اجتماعهم والتفافهم على دين الله ووصاياه وعهوده بهيئة ~~استمساك جماعة بحبل ألقى إليهم من منقذ لهم من غرق أو سقوط ، وإضافة الحبل ~~إلى الله قرينة هذا التمثيل . وقوله : { جميعا } حال وهو الذي رجح إرادة ~~التمثيل ، إذ ليس المقصود الأمر باعتصام كل مسلم في حال انفراده اعتصاما ~~بهذا الدين ، بل المقصود الأمر باعتصام الأمة كلها ، ويحصل في ضمن ذلك أمر ~~كل واحد بالتمسك بهذا الدين ، فالكلام أمر لهم بأن يكونوا على هاته الهيئة ~~، وهذا هو الوجه المناسب لتمام البلاغة لكثرة ما فيه من المعاني ، ويجوز أن ~~يستعار الاعتصام للتوثيق بالدين وعهوده ، وعدم الانفصال عنه ، ويستعار ~~الحبل للدين والعهود كقوله : { إلا بحبل من الله وحبل من الناس } ( آل ~~عمران : 112 ) ويكون كل من الاستعارتين ترشيحا للأخرى ، لأن مبنى الترشيح ~~على اعتبار تقوية التشبيه في نفس السامع ms1643 ، وذلك يحصل له بمجرد سماع لفظ ما ~~هو من ملائمات المستعار ، بقطع النظر عن كون ذلك الملائم معتبرة فيه ~~استعارة أخرى ، إذ PageV04P031 لا يزيده ذلك الاعتبار إلا قوة . وليست ~~الاستعارة بوضع اللفظ في معنى جديد حتى يتوهم متوهم أن تلك الدلالة الجديدة ~~، الحاصلة في الاستعارة الثانية ، صارت غير ملائمة لمعنى المستعار في ~~الاستعارة الأخرى ، وإنما هي اعتبارات لطيفة تزيد كثرتها الكلام حسنا . ~~وقريب من هذا التورية ، فإن فيها حسنا بإيهام أحد المعنيين مع إرادة غيره ، ~~ولا شك أنه عند إرادة غيره لا يكون المعنى الآخر مقصودا ، وفي هذا الوجه لا ~~يكون الكلام صريحا في الأمر بالاجتماع على الدين بل ظاهره أنه أمر للمؤمنين ~~بالتمسك بالدين فيؤول إلى أمر كل واحد منهم بذلك على ما هو الأصل في معنى ~~مثل هذه الصيغة ويصير قوله : { جميعا } محتملا لتأكيد العموم المستفاد من ~~واو الجماعة . # وقوله : { ولا تفرقوا } تأكيد لمضمون اعتصموا جميعا كقولهم : ذممت ولم ~~تحمد . على الوجه الأول في تفسير { واعتصموا بحبل الله جميعا } . وأما على ~~الوجه الثاني فيكون قوله : { ولا تفرقوا } أمرا ثانيا للدلالة على طلب ~~الاتحاد في الدين ، وقد ذكرنا أن الشيء قد يؤكد بنفي ضده عند قوله تعالى : ~~{ قد ضلوا وما كانوا مهتدين في سورة الأنعام ( 140 ) وفي الآية دليل على أن ~~الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده . # وقوله : واذكروا نعمت الله عليكم } تصوير لحالهم التي كانوا عليها ليحصل ~~من استفظاعها انكشاف فائدة الحالة التي أمروا بأن يكونوا عليها وهي ~~الاعتصام جميعا بجامعة الإسلام الذي كان سبب نجاتهم من تلك الحالة ، وفي ~~ضمن ذلك تذكير بنعمة الله تعالى ، الذي اختار لهم هذا الدين ، وفي ذلك ~~تحريض على إجابة أمره تعالى إياهم بالاتفاق . والتذكير بنعمة الله تعالى ~~طريق من طرق مواعظ الرسل . قال تعالى حكاية عن هود : { واذكروا إذ جعلكم ~~خلفاء من بعد قوم نوح } ( الأعراف : 69 ) وقال عن شعيب : { واذكروا إذ كنتم ~~قليلا فكثركم } ( الأعراف : 86 ) وقال الله لموسى : { وذكرهم بأيام الله } ~~( إبراهيم : 5 ) . وهذا التذكير خاص بمن أسلم من ms1644 المسلمين بعد أن كان في ~~الجاهلية ، لأن الآية خطاب PageV04P032 للصحابة ولكن المنة به مستمرة على ~~سائر المسلمين ، لأن كل جيل يقدر أن لو لم يسبق إسلام الجيل الذي قبله ~~لكانوا هم أعداء وكانوا على شفا حفرة من النار . # والظرفية في قوله : { إذ كنتم أعداء } معتبر فيها التعقيب من قوله : { ~~فألف بين قلوبكم } إذ النعمة لم تكن عند العداوة ، ولكن عند حصول التأليف ~~عقب تلك العداوة . # والخطاب للمؤمنين وهم يومئذ المهاجرون والأنصار وأفراد قليلون من بعض ~~القبائل القريبة ، وكان جميعهم قبل الإسلام في عداوة وحروب ، فالأوس ~~والخزرج كانت بينهم حروب دامت مائة وعشرين سنة قبل الهجرة ، ومنها كان يوم ~~بعاث ، والعرب كانوا في حروب وغارات بل وسائر الأمم التي دعاها الإسلام ~~كانوا في تفرق وتخاذل فصار الذين دخلوا في الإسلام إخوانا وأولياء بعضهم ~~لبعض ، لا يصدهم عن ذلك اختلاف أنساب ، ولا تباعد مواطن ، ولقد حاولت ~~حكماؤهم وأولو الرأي منهم التأليف بينهم ، وإصلاح ذات بينهم ، بأفانين ~~الدعاية من خطابة وجاه وشعر فلم يصلوا إلى ما ابتغوا حتى ألف الله بين ~~قلوبهم بالإسلام فصاروا بذلك التأليف بمنزلة الإخوان . PageV04P033 # والإخوان جمع الأخ ، مثل الإخوة ، وقيل : يختص الإخوان بالأخ المجازي ~~والإخوة بالأخخ الحقيقي ، وليس بصحيح قال تعالى : { أو بيوت إخوانكم } ( ~~النور : 61 ) وقال : { إنما المؤمنون إخوة } ( الحجرات : 10 ) وليس يصح أن ~~يكون للمعنى المجازي صيغة خاصة في الجمع أو المفرد وإلا لبطل كون اللفظ ~~مجازا وصار مشتركا ، لكن للاستعمال أن يغلب إطلاق إحدى الصيغتين الموضوعتين ~~لمعنى واحد فيغلبها في المعنى المجازي والأخرى في الحقيقي . # وقد امتن الله عليهم بتغيير أحوالهم من أشنع حالة إلى أحسنها : فحالة ~~كانوا عليها هي حالة العداوة والتفاني والتقاتل ، وحالة أصبحوا عليها وهي ~~حالة الأخوة ولا يدرك الفرق بين الحالتين إلا من كانوا في السوأى فأصبحوا ~~في الحسنى ، والناس إذا كانوا في حالة بؤس وضنك واعتادوها صار الشقاء دأبهم ~~، وذلت له نفوسهم فلم يشعروا بما هم فيه ، ولا يتفطنوا لوخيم عواقبه ، حتى ~~إذا هيىء لهم الصلاح ، وأخذ يتطرق إليهم استفاقوا من ms1645 شقوتهم ، وعلموا سوء ~~حالتهم ، ولأجل هذا المعنى جمعت لهم هذه الآية في الامتنان بين ذكر ~~الحالتين وما بينهما فقالت : { إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم ~~بنعمته إخوانا } . # وقوله : { بنعمته } الباء فيه للملابسة بمعنى ( مع ) أي أصبحتم إخوانا ~~مصاحبين نعمة من الله وهي نعمة الأخوة ، كقول الفضل بن عباس بن عتبة اللهبي ~~: # كل له نية في بغض صاحبه # بنعمة الله نقليكم وتقلونا # وقوله : { وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها } عطف على { كنتم ~~أعداء } فهو نعمة أخرى وهي نعمة الإنقاذ من حالة أخرى بئيسة وهي حالة ~~الإشراف على المهلكات . # والشفا مثل الشفة هو حرف القليب وطرفه ، وألفه مبدلة من واو . وأما واو ~~شفة فقد حذفت وعوضت عنها الهاء مثل سنة وعزة إلا أنهم لم يجمعوه على شفوات ~~ولا على شفين بل قالوا شفاه كأنهم اعتدوا بالهاء كالأصل . PageV04P034 # فأرى أن شفا حفرة النار هنا تمثيل لحالهم في الجاهلية حين كانوا على وشك ~~الهلاك والتفاني الذي عبر عنه زهير بقوله : # تفانوا ودقوا بينهم عطر منشم # بحال قوم بلغ بهم المشي إلى شفا حفير من النار كالأخدود فليس بينهم وبين ~~الهلاك السريع التام إلا خطوة قصيرة ، واختيار الحالة المشبه بها هنا لأن ~~النار أشد المهلكات إهلاكا ، وأسرعها ، وهذا هو المناسب في حمل الآية ليكون ~~الامتنان بنعمتين محسوستين هما : نعمة الأخوة بعد العداوة ، ونعمة السلامة ~~بعد الخطر ، كما قال أبو الطيب : # نجاة من البأساء بعد وقوع # والإنقاذ من حالتين شنيعتين . وقال جمهور المفسرين : أراد نار جهنم . ~~وعلى قولهم هذا يكون قوله : { شفا حفرة } مستعارا للاقتراب استعارة المحسوس ~~للمعقول . والنار حقيقة ، ويبعد هذا المحمل قوله تعالى : { حفرة } إذ ليست ~~جهنم حفرة بل هي عالم عظيم للعذاب . وورد في الحديث ( فإذا هي مطوية كطي ~~البئر وإذا لها قرنان ) لكن ذلك رؤيا جاءت على وجه التمثيل وإلا فهي لا ~~يحيط بها النظر . ويكون الامتنان على هذا امتنانا عليهم بالإيمان بعد الكفر ~~وهم ليقينهم بدخول الكفرة النار علموا أنهم كانوا على شفاها . وقيل : أراد ~~نار الحرب وهو ms1646 بعيد جدا لأن نار الحرب لا توقد في حفرة بل توقد في العلياء ~~ليراها من كان بعيدا كما قال الحارث : # وبعينيك أوقدت هند النار # عشاء تلوي بها العلياء # فتنورت نارها من بعيد # بخزازى أيان منك الصلاء # ولأنهم كانوا ملابسين لها ولم يكونوا على مقاربتها . # والضمير في { منها } للنار على التقادير الثلاثة . ويجوز على التقدير ~~الأول أن يكون لشفا حفرة وعاد عليه بالتأنيث لاكتسابه التأنيث من المضاف ~~إليه كقول الأعشى : PageV04P035 # وتشرق بالقولل الذي قد أذعته # كما شرقت صدر القناة من الدم # وقوله : { كذلك يبين الله لكم آياته } نعمة أخرى وهي نعمة التعليم ~~والإرشاد ، وإيضاح الحقائق حتى تكمل عقولهم ، ويتبينوا ما فيه صلاحهم . ~~والبيان هنا بمعنى الإظهار والإيضاح . والآيات يجوز أن يكون المراد بها ~~النعم ، كقول الحرث بن حلزة : # من لنا عنده من الخير آيا # ت ثلاث في كلهن القضاء # ويجوز أن يراد بها دلائل عنايته تعالى بهم وتثقيف عقولهم وقلوبهم بأنوار ~~المعارف الإلهية . وأن يراد بها آيات القرآن فإنها غاية في الإفصاح عن ~~المقاصد وإبلاغ المعاني إلى الأذهان . # # | 2 ( 104 ، 105 ) { لله ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون ~~بالمعروف وينهون عن المنكر وأولائك هم المفلحون * ولا تكونوا كالذين تفرقوا ~~واختلفوا من بعد ما جآءهم البينات وأولائك لهم عذاب عظيم } . ) 2 # هذا مفرع عن الكلام السابق : لأنه لما أظهر لهم نعمة نقلهم من حالتي شقاء ~~وشناعة إلى حالتي نعيم وكمال ، وكانوا قد ذاقوا بين الحالتين الأمرين ثم ~~الأحلوين ، فحلبوا الدهر أشطريه ، كانوا أحرياء بأن يسعوا بكل عزمهم إلى ~~انتشال غيرهم من سوء ما هو فيه إلى حسنى ما هم عليه حتى يكون الناس أمة ~~واحدة خيرة . وفي غريزة البشر حب المشاركة في الخير لذلك تجد الصبي إذا رأى ~~شيئا أعجبه نادى من هو حوله ليراه معه . # ولذلك كان هذا الكلام حريا بأن يعطف بالفاء ، ولو عطف بها لكان أسلوبا ~~عربيا إلا أنه عدل عن العطف بالفاء تنبيها على أن مضمون هذا الكلام ~~PageV04P036 مقصود لذاته بحيث لو لم يسبقه الكلام السابق لكان ms1647 هو حريا بأن ~~يؤمر به ، فلا يكون مذكورا لأجل التفرع عن غيره والتبع . # وفيه من حسن المقابلة في التقسيم ضرب من ضروب الخطابة : وذلك أنه أنكر ~~على أهل الكتاب كفرهم وصدهم الناس عن الإيمان ، فقال : { قل يا أهل الكتاب ~~لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون قل يا أهل الكتاب لم تصدون ~~عن سبيل الله } ( آل عمران : 98 ، 99 ) الآية . # وقابل ذلك بأن أمر المؤمنين بالإيمان والدعاء إليه إذ قال : { يا أيها ~~الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته } ( آل عمران : 102 ) وقوله : { ولتكن ~~منكم أمة يدعون إلى الخير } الآية . # وصيغة { ولتكن منكم أمة } صيغة وجوب لأنها أصرح في الأمر من صيغة افعلوا ~~لأنها أصلها . فإذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غير معلوم بينهم ~~من قبل نزولل هذه الآية ، فالأمر لتشريع الوجوب ، وإذا كان ذلك حاصلا بينهم ~~من قبل كما يدل عليه قوله : { كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف ~~وتنهون عن المنكر } ( آل عمران : 110 ) فالأمر لتأكيد ما كانوا يفعلونه ~~ووجوبه ، وفيه زيادة الأمر بالدعوة إلى الخير وقد كان الوجوب مقررا من قبل ~~بآيات أخرى مثل : { وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر } ( العصر : 3 ) ، أو ~~بأوامر نبوية . فالأمر لتأكيد الوجوب أيضا للدلالة على الدوام والثبات عليه ~~، مثل { يأيها الذين آمنوا آمنوا بالله } ( النساء : 136 ) . # والأمة الجماعة والطائفة كقوله تعالى : { كلما دخلت أمة لعنت أختها } ( ~~الأعراف : 38 ) . # وأصل الأمة في كلام العرب الطائفة من الناس التي تؤم قصدا واحدا : من نسب ~~أو موطن أو دين ، أو مجموع ذلك ، ويتعين ما يجمعها بالإضافة أو الوصف ~~كقولهم : أمة العرب وأمة غسان وأمة النصارى . # والمخاطب بضمير ( منكم ) إن كان هم أصحاب رسول الله كما هو ظاهر ~~PageV04P037 الخطابات السابقة آنفا جاز أن تكون ( من ) بيانية وقدم البيان ~~على المبين ويكون ما صدق الأمة نفس الصحابة ، وهم أهل العصر الأول من ~~المسلمين فيكون المعنى : ولتكونوا أمة يدعون إلى الخير فهذه الأمة أصحاب ~~هذا الوصف قد أمروا بأن يكونوا من مجموعهم الأمة الموصوفة بأنهم يدعون إلى ms1648 ~~الخير ، والمقصود تكوين هذا الوصف ، لأن الواجب عليهم هو التخلق بهذا الخلق ~~فإذا تخلقوا به تكونت الأمة المطلوبة . وهي أفضل الأمم . وهي أهل المدينة ~~الفاضلة المنشود للحكماء من قبل ، فجاءت الآية بهذا الأمر على هذا الأسلوب ~~البليغ الموجز . # وفي هذا محسن التجريد : جردت من المخاطبين أمة أخرى للمبالغة في هذا ~~الحكم كما يقال : لفلان من بنيه أنصار . والمقصود : ولتكونوا آمرين ~~بالمعروف ناهين عن المنكر حتى تكونوا أمة هذه صفتها ، وهذا هو الأظهر فيكون ~~جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خوطبوا بأن يكونوا دعاة إلى ~~الخير ، ولا جرم فهم الذين تلقوا الشريعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مباشرة ، فهم أولى الناس بتبليغها . وأعلم بمشاهدها وأحوالها ، ويشهد لهذا ~~قوله صلى الله عليه وسلم في مواطن كثيرة : ( ليبلغ الشاهد الغائب ألا هل ~~بلغت ) وإلى هذا المحمل مال الزجاج وغير واحد من المفسرين ، كما قاله ابن ~~عطية . # ويجوز أيضا على اعتبار الضمير خطابا لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن ~~تكون ( من ) للتبعيض ، والمراد من الأمة الجماعة والفريق ، أي : وليكن ~~بعضكم فريقا يدعون إلى الخير فيكون الوجوب على جماعة من الصحابة فقد قال ~~ابن عطية : قال الضحاك ، والطبري : أمر المؤمنين أن تكون منهم جماعة بهذه ~~الصفة . فهم خاصة أصحاب الرسول وهم خاصة الرواة . # وأقول : على هذا يثبت حكم الوجوب على كل جيل بعدهم بطريق القياس لئلا ~~يتعطل الهدى . ومن الناس من لا يستطيع الدعوة إلى الخير ، والأمر بالمعروف ~~، PageV04P038 والنهي عن المنكر قال تعالى : { فلولا نفر من كل فرقة منهم ~~طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم } ( التوبة : 122 ) الآية . # وإن كان الخطاب بالضمير لجميع المؤمنين تبعا لكون المخاطب بيأيها الذين ~~آمنوا إياهم أيضا ، كانت ( من ) للتبعيض لا محالة ، وكان المراد بالأمة ~~الطائفة إذ لا يكون المؤمنون كلهم مأمورين بالدعاء إلى الخير ، والأمر ~~بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، بل يكون الواجب على الكفاية وإلى هذا المعنى ~~ذهب ابن عطية ، والطبري ، ومن تبعهم ، وعلى هذا فيكون المأمور جماعة غير ~~معينة وإنما المقصود حصول ms1649 هذا الفعل الذى فرض على الأمة وقوعه . # على أن هذا الاعتبار لا يمنع من أن تكون ( من ) بيانية بمعنى أن يكونوا ~~هم الأمة ويكون المراد بكونهم يدعون إلى الخير ، ويأمرون بالمعروف ، وينهون ~~عن المنكر ، إقامة ذلك فيهم وأن لا يخلوا عن ذلك على حسب الحاجة ومقدار ~~الكفاءة للقيام بذلك ، ويكون هذا جاريا على المعتاد عند العرب من وصف ~~القبيلة بالصفات الشائعة فيها الغالبة على أفرادها كقولهم : باهلة لئام ، ~~وعذرة عشاق . # وعلى هذه الاعتبارات تجري الاعتبارات في قوله : { ولا تكونوا كالذين ~~تفرقوا } كما سيأتي . # إن الدعوة إلى الخير تتفاوت : فمنها ما هو بين يقوم به كل مسلم ، ومنها ~~ما يحتاج إلى علم فيقوم به أهله ، وهذا هو المسمى بفرض الكفاية ، يعني إذا ~~قام به بعض الناس كفى عن قيام الباقين ، وتتعين الطائفة التي تقوم بها ~~بتوفر شروط القيام بمثل ذلك الفعل فيها . كالقوة على السلاح في الحرب ، ~~وكالسباحة في إنقاذ الغريق ، والعلم بأمور الدين في الأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر ، وكذلك تعين العدد الذي يكفي للقيام بذلك الفعل مثل كون الجيش ~~نصف عدد جيش العدو ، ولما كان الأمر يستلزم متعلقا فالمأمور في فرض الكفاية ~~الفريق الذين فيهم الشروط ، ومجموع أهل البلد ، أو القبيلة ، PageV04P039 ~~لتنفيذ ذلك ، فإذا قام به العدد الكافي ممن فيهم الشروط سقط التكليف عن ~~الباقين ، وإذا لم يقوموا به كان الإثم على البلد أو القبيلة ، لسكوت ~~جميعهم ، ولتقاعس الصالحين للقيام بذلك ، مع سكوتهم أيضا ثم إذا قام به ~~البعض فإنما يثاب البعض خاصة . # ومعنى الدعاء إلى الخير الدعاء إلى الإسلام ، وبث دعوة النبيء صلى الله ~~عليه وسلم فإن الخير اسم يجمع خصال الإسلام : ففي حديث حذيفة بن اليمان ( ~~قلت : يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد ~~هذا الخير من شر ) الحديث ، ولذلك يكون عطف الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر عليه من عطف الشيء على مغايره ، وهو أصل العطف . وقيل : أريد بالخير ~~ما يشمل جميع الخيرات ، ومنها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فيكون ms1650 ~~العطف من عطف الخاص على العام للاهتمام به . # وحذفت مفاعيل يدعون ويأمرون وينهون لقصد التعميم أي يدعون كل أحد كما في ~~قوله تعالى : { والله يدعو إلى دار السلام } ( يونس : 25 ) . # والمعروف هو ما يعرف وهو مجاز في المقبول المرضي به ، لأن الشيء إذا كان ~~معروفا كان مألوفا مقبولا مرضيا به ، وأريد به هنا ما يقبل عند أهل العقول ~~، وفي الشرائع ، وهو الحق والصلاح ، لأن ذلك مقبول عند انتفاء العوارض . # والمنكر مجاز في المكروه ، والكره لازم للإنكار لأن النكر في أصل اللسان ~~هو الجهل ومنه تسمية غير المألوف نكرة ، وأريد به هنا الباطل والفساد ، ~~لأنهما من المكروه في الجبلة عند انتفاء العوارض . # والتعريف في ( الخير والمعروف والمنكر ) تعريف الاستغراق ، فيفيد العموم ~~في المعاملات بحسب ما ينتهي إليه العلم والمقدرة فيشبه الاستغراق العرفي . # ومن المفسرين من عين جعل ( من ) في قوله تعالى : { ولتكن منكم أمة } ~~للبيان ، PageV04P040 وتأول الكلام بتقدير تقديمم البيان على المبين فيصير ~~المعنى : ولتكن أمة هي أنتم أي ولتكونوا أمة يدعون محاولة للتسوية بين ~~مضمون هذه الآية ، ومضمون قوله تعالى : { كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون ~~بالمعروف } ( آل عمران : 110 ) الآية . ومساواة معنيي الآيتين غير متعينة ~~لجواز أن يكون المراد من خير أمة هاته الأمة ، التي قامت بالأمر بالمعروف ، ~~على ما سنبينه هنالك . # والآية أوجبت أن تقوم طائفة من المسلمين بالأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر ، ولا شك أن الأمر والنهي من أقسام القول والكلام ، فالمكلف به هو ~~بيان المعروف ، والأمر به ، وبيان المنكر ، والنهي عنه ، وأما امتثال ~~المأمورين والمنهيين لذلك ، فموكول إليهم أو إلى ولاة الأمور الذين ~~يحملونهم على فعل ما أمروا به ، وأما ما وقع في الحديث : ( من رأى منكم ~~منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه ) فذلك ~~مرتبة التغيير ، والتغيير يكون باليد ، ويكون بالقلب ، أي تمنى التغيير ، ~~وأما الأمر والنهي فلا يكونان بهما . # والمعروف والمنكر إن كانا ضروريين كان لكل مسلم أن يأمر وينهى فيهما ، ~~وإن كانا نظريين ، فإنما يقوم بالأمر والنهي فيهما أهل ms1651 العلم . # وللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شروط مبينة في الفقه والآداب الشرعية ، ~~إلا أني أنبه إلى شرط ساء فهم بعض الناس فيه وهو قول بعض الفقهاء : يشترط ~~أن لا يجر النهي إلى منكر أعظم . وهذا شرط قد خرم مزية الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر ، واتخذه المسلمون ذريعة لترك هذا الواجب . ولقد ساء ~~فهمهم فيه إذا مراد مشترطه أن يتحقق الآمر أن أمره يجر إلى منكر أعظم لا أن ~~يخاف أو يتوهم إذ الوجوب قطعي لا يعارضه إلا ظن أقوى . # ولما كان تعيين الكفاءة للقيام بهذا الفرض ، في الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر ، لتوقفه على مراتب العلم بالمعروف والمنكر ، ومراتب القدرة على ~~التغيير ، وإفهام الناس ذلك ، رأى أيمة المسلمين تعيين ولاة للبحث عن ~~PageV04P041 المناكر وتعيين كيفية القيام بتغييرها ، وسموا تلك الولاية ~~بالحسبة ، وقد أولى عمر بن الخطاب في هاته الولاية أم الشفاء ، وأشهر من ~~وليها في الدولة العباسية ابن عائشة ، وكان رجلا صلبا في الحق ، وتسمى هذه ~~الولاية في المغرب ولاية السوق وقد وليها في قرطبة الإمام محمد بن خالد بن ~~مرتنيل القرطبي المعروف بالأشج من أصحاب ابن القاسم توفي سنة 220 . وكانت ~~في الدولة الحفصية ولاية الحسبة من الولايات النبيهة وربما ضمت إلى القضاء ~~كما كان الحال في تونس بعد الدولة الحفصية . # وجملة { وأولئك هم المفلحون } معطوفة على صفات أمة وهي التي تضمنتها جمل ~~{ يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر } والتقدير : وهم ~~مفلحون : لأن الفلاح لما كان مسببا على تلك الصفات الثلاث جعل بمنزلة صفة ~~لهم ، ويجوز جعل جملة { وأولئك هم المفلحون } حالا من أمة ، والواو للحال . # والمقصود بشارتهم بالفلاح الكامل إن فعلوا ذلك . وكان مقتضى الظاهر فصل ~~هذه الجملة عما قبلها بدون عطف ، مثل فصل جملة { أولئك على هدى من ربهم } ( ~~البقرة : 5 ) لكن هذه عطفت أو جاءت حالا لأن مضمونها جزاء عن الجمل التي ~~قبلها ، فهي أجدر بأن تلحق بها . # ومفاد هذه الجملة قصر صفة الفلاح عليهم ، فهو إما قصر إضافي بالنسبة لمن ~~لم يقم بذلك ms1652 مع المقدرة عليه وإما قصر أريد به المبالغة لعدم الاعتداد في ~~هذا المقام بفلاح غيرهم ، وهو معنى قصد الدلالة على معنى الكمال . # وقوله : { ولا تكونوا كالذين تفرقوا } معطوف على قوله : { ولتكن منكم أمة ~~} وهو يرجع إلى قوله قبل : { ولا تفرقوا } ( آل عمران : 103 ) لما فيه من ~~تمثيل حال التفرق في أبشع صوره المعروفة لديهم من مطالعة أحوال اليهود . ~~وفيه إشارة إلى أن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يفضي إلى التفرق ~~والاختلاف إذ تكثر النزعات والنزغات وتنشق الأمة بذلك انشقاقا شديدا . ~~PageV04P042 # والمخاطب به يجري على الاحتمالين المذكورين في المخاطب بقوله : { ولتكن ~~منكم أمة } مع أنه لا شك في أن حكم هذه الآية يعم سائر المسلمين : إما ~~بطريق اللفظ ، وإما بطريق لحن الخطاب ، لأن المنهي عنه هو الحالة الشبيهة ~~بحال الذين تفرقوا واختلفوا . # وأريد بالذين تفرقوا واختلفوا الذين اختلفوا في أصول الدين ، من اليهود ~~والنصارى ، من بعد ما جاءهم من الدلائل المانعة من الاختلاف والافتراق . ~~وقدم الافتراق على الاختلاف للإيذان بأن الاختلاف علة التفرق وهذا من ~~المفادات الحاصلة من ترتيب الكلام وذكر الأشياء مع مقارناتها ، وفي عكسه ~~قوله تعالى : { واتقوا الله ويعلمكم الله } ( البقرة : 282 ) . # وفيه إشارة إلى أن الاختلاف المذموم والذي يؤدي إلى الافتراق ، وهو ~~الاختلاف في أصول الديانة الذي يفضي إلى تكفير بعض الأمة بعضا ، أو تفسيقه ~~، دون الاختلاف في الفروع المبنية على اختلاف مصالح الأمة في الأقطار ~~والأعصار ، وهو المعبر عنه بالاجتهاد . ونحن إذا تقصينا تاريخ المذاهب ~~الإسلامية لا نجد افتراقا نشأ بين المسلمين إلا عن اختلاف في العقائد ~~والأصول ، دون الاختلاف في الاجتهاد في فروع الشريعة . # والبينات : الدلائل التي فيها عصمة من الوقوع في الاختلاف لو قيضت لها ~~أفهام . # وقوله : { وأولئك لهم عذاب عظيم } مقابل قوله في الفريق الآخر : { وأولئك ~~هم المفلحون } فالقول فيه كالقول في نظيره ، وهذا جزاء لهم على التفرق ~~والاختلاف وعلى تفريطهم في تجنب أسبابه . # # | 2 ( 106 ، 107 ) { لله يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت ~~وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما ms1653 كنتم تكفرون * وأما الذين ~~ابيضت وجوههم ففى رحمة الله هم فيها خالدون } . ) 2 # PageV04P043 # يجوز أن يكون { يوم تبيض وجوه } منصوبا على الظرف ، متعلقا بما في قوله { ~~لهم عذاب } من معنى كائنن أو مستقر : أي يكون عذاب لهم يوم تبيض وجوه وتسود ~~وجوه ، وهذا هو الجاري على أكثر الاستعمال في إضافة أسماء الزمان إلى الجمل ~~. ويجوز أن يكون منصوبا على المفعول به لفعل اذكر محذوفا ، وتكون جملة { ~~تبيض وجوه } صفة ل ( يوم ) على تقدير : تبيض فيه وجوه وتسود فيه وجوه . # وفي تعريف هذا اليوم بحصول بياض وجوه وسواد وجوه فيه ، تهويل لأمره ، ~~وتشويق لما يرد بعده من تفصيل أصحاب الوجوه المبيضة ، والوجوه المسودة : ~~ترهيبا لفريق وترغيبا لفريق آخر . والأظهر أن علم السامعين بوقوع تبييض ~~وجوه وتسويد وجوه في ذلك اليوم حاصل من قبل : في الآيات النازلة قبل هذه ~~الآية ، مثل قوله تعالى : { ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم ~~مسودة } ( الزمر : 60 ) وقوله : { وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة ووجوه ~~يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة } ( عبس : 38 41 ) . # والبياض والسواد بياض وسواد حقيقيان يوسم بهما المؤمن والكافر يوم ~~القيامة ، وهما بياض وسواد خاصان لأن هذا م أحوال الآخرة فلا داعي لصرفه عن ~~حقيقته . # وقوله تعالى : { فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم } تفصيل ~~للإجمال السابق ، سلك فيه طريق النشر المعكوس ، وفيه إيجاز لأن أصل الكلام ~~، فأما الذين اسودت وجوههم فهم الكافرون يقال لهم أكفرتم إلى آخر : وأما ~~الذين ابيضت وجوههم فهم المؤمنون وفي رحمة الله هم فيها خالدون . # قدم عند وصف اليوم ذكر البياض ، الذي هو شعار أهل النعيم ، تشريفا لذلك ~~اليوم بأنه يوم ظهور رحمة الله ونعمته ، ولأن رحمة الله سبقت غضبه ، ولأن ~~في ذكر سمة أهل النعيم ، عقب وعيد بالعذاب ، حسرة عليهم ، إذ PageV04P044 ~~يعلم السامع أن لهم عذابا عظيما في يوم فيه نعيم عظيم ، ثم قدم في التفصيل ~~ذكر سمة أهل العذاب تعجيلا بمساءتهم . # وقوله { أكفرتم } مقول قول محذوف يحذف مثله في الكلام لظهوره : لأن ~~الاستفهام لا يصدر إلا ms1654 من مستفهم ، وذلك القول هو جواب أما ، ولذلك لم تدحل ~~الفاء على { أكفرتم } ليظهر أن ليس هو الجواب وأن الجواب حذف برمته . # وقائل هذا القول مجهول ، إذ لم يتقدم ما يدل عليه ، فيحتمل أن ذلك يقوله ~~أهل المحشر لهم وهم الذين عرفوهم في الدنيا مؤمنين ، ثم رأوهم وعليهم سمة ~~الكفر ، كما ورد في حديث الحوض ( فليردن علي أقوام أعرفهم ثم يختلجون دوني ~~، فأقول : أصيحابي ، فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ) والمستفهم سلفهم ~~من قومهم أو رسولهم ، فالاستفهام على حقيقته مع كنايته عن معنى التعجب . # ويحتمل أنه يقوله تعالى لهم ، فالاستفهام مجاز عن الإنكار والتغليط . ثم ~~إن كان المراد بالذين اسودت وجوههم أهل الكتاب ، فمعنى كفرهم بعد إيمانهم ~~تغييرهم شريعة أنبيائهم وكتمانهم ما كتموه فيها ، أو كفرهم بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم بعد إيمانهم بموسى وعيسى ، كما تقدم في قوله { إن الذين كفروا ~~بعد إيمانهم } ( آل عمران : 90 ) وهذا هو المحمل البين ، وسياق الكلام ~~ولفظه يقتضيه ، فإنه مسوق لوعيد أولئك . ووقعت تأويلات من المسلمين وقعوا ~~بها فيما حذرهم منه القرآن ، فتفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات : ~~الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ( فلا ترجعوا بعدي كفارا يضرب ~~بعضكم رقاب بعض ) مثل أهل الردة الذين ماتوا على ذلك ، فمعنى الكفر بعد ~~الإيمان حينئذ ظاهر ، وعلى هذا المعنى تأول الآية مالك بن أنس فيما روى عنه ~~ابن القاسم وهو في ثالثة المسائل من سماعه من كتاب المرتدين والمحاربين من ~~العتبية قال : ( ما آية في كتاب الله أشد على أهل الاختلاف من أهل الأهواء ~~من هذه الآية ) يوم PageV04P045 تبيض وجوه وتسود وجوه ) قال مالك : إنما ~~هذه لأهل القبلة . يعني أنها ليست للذين تفرقوا واختلفوا من الأمم قبلنا ~~بدليل قوله { أكفرتم بعد إيمانكم } ورواه أبو غسان مالك الهروي عن مالك عن ~~ابن عمر ، وروي مثل هذا عن ابن عباس ، وعلى هذا الوجه فالمراد الذين أحدثوا ~~بعد إيمانهم كفرا بالردة أو بشنيع الأقوال التي تفضي إلى الكفر ونقض ~~الشريعة ، مثل الغرابية ms1655 من الشيعة الذين قالوا بأن النبوءة لعلي ، ومثل ~~غلاة الإسماعلية أتباع حمزة بن علي ، وأتباع الحاكم العبيدي ، بخلاف من لم ~~تبلغ به مقالته إلى الكفر تصريحا ولا لزوما بينا مثل الخوارج والقدرية كما ~~هو مفصل في كتب الفقه والكلام في حكم المتأولين ومن يؤول قولهم إلى لوازم ~~سيئة . # وذوق العذاب مجاز للإحساس وهو مجاز مشهور علاقته التقييد . # # | 2 ( 108 ، 109 ) { تلك ءايات الله نتلوها عليك بالحق وما الله يريد ~~ظلما للعالمين * ولله ما فى السماوات وما فى الارض وإلى الله ترجع الامور } ~~. ) 2 # تذييلات ، والإشارة في قوله { تلك } إلى ائفة من آيات القرآن السابقة من ~~هذه السورة كما اقتضاه قوله { نتلوها عليك بالحق } . # والتلاوة اسم لحكاية كلام لإرادة تبليغه بلفظه وهي كالقراءة إلا أن ~~القراءة تختص بحكاية كلام مكتوب فيتجه أن تكون الطائفة المقصودة بالإشارة ~~هي الآيات المبدوءة بقوله تعالى { إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم } ( آل ~~عمران : 59 ) إلى هنا لأن ما قبله ختم بتذييل قريب من هذا التذييل ، وهو ~~قوله { ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم } ( آل عمران : 58 ) فيكون ~~كل تذييل مستقلا بطائفة الجمل التي وقع هو عقبها . # وخصت هذه الطائفة من القرآن بالإشارة لما فيها من الدلائل المثبتة صحة ~~عقيدة الإسلام ، والمبطلة لدعازي الفرق الثلاث من اليهود والنصارى ~~PageV04P046 والمشركين ، مثل قوله { إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم } ( آل ~~عمران : 59 ) وقوله { وما من إله إلا إله واحد } ( المائدة : 74 ) الآية . ~~وقوله { فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم } ( آل عمران : 66 ) الآية . وقوله ~~{ إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه } ( آل عمران : 68 ) الآية . وقوله ~~{ ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوءة } ( آل عمران : 79 ) ~~الآية . وقوله { وإذ أخذ الله ميثاق النبيين } ( آل عمران : 81 ) الآية . ~~وقوله { فأتوا بالتوراة فاتلوها } ( آل عمران : 93 ) وقوله { إن أول بين ~~وضع للناس للذي ببكة مباركا } ( آل عمران : 96 ) ، وما تخلل ذلك من أمثال ~~ومواعظ وشواهد . # والباء في قوله { بالحق } للملابسة ، وهي ملابسة الإخبار للمخبر عنه ms1656 ، أي ~~لما في نفس الأمر والواقع ، فهذه الآيات بينت عقائد أهل الكتاب وفصلت ~~أحوالهم في الدنيا والآخرة . # ومن الحق استحقاق كلا الفريقين لما عومل به عدلا من الله ، ولذا قال { ~~وما الله يريد ظلما للعالمين } أي لا يريد أن يظلم الناس ولو شاء ذلك لفعله ~~، لكنه وعد بأن لا يظلم أحدا فحق وعده ، وليس في الآية دليل للمعتزلة على ~~استحالة إرادة الله تعالى الظلم إذ لا خلاف بيننا وبين المعتزلة في انتفاء ~~وقوعه ، وإنما الخلاف في جواز ذلك واستحالته . # وجيء بالمسند فعلا لإفادة تقوي الحكم ، وهو انتفاء إرادة ظلم العالمين عن ~~الله تعالى ، وتنكير ( ظلما ) في سياق النفي يدل على انتفاء جنس الظلم عن ~~أن تتعلق به إرادة الله ، فكل ما يعدظلما في مجال العقول السليمة منتف أن ~~يكون مراد الله تعالى . # وقوله { ولله ما في السماوات وما في الأرض } ( البقرة : 284 ) عطف على ~~التذييل : لأنه إذا كان له ما في السموات وما في الأرض فهو يريد صلاح حالهم ~~، ولا حاجة له بإضرارهم إلا للجزاء على أفعالهم . فلا يريد ظلمهم ، وإليه ~~ترجع الأشياء كلها فلا يفوته ثواب محسن ولا جزاء مسيء . # وتكرير اسم الجلالة ثلاث مرات في الجمل الثلاث التي بعد الأولى ~~PageV04P047 بدون إضمار للقصد إلى أن تكون كل جملة مستقلة الدلالة بنفسها ، ~~غير متوقفة على غيرها ، حتى تصلح لأن يتمثل بها ، وتستحضرها النفوس وتحفظها ~~الأسماع . # # | 2 ( 110 ) { كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن ~~المنكر وتؤمنون بالله ولو ءامن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون ~~وأكثرهم الفاسقون } . ) 2 # { كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون ~~بالله ولو ءامن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون } ~~. # يتنزل هذا منزلة التعليل لأمرهم بالدعوة إلى الخير ، وما بعده فإن قوله { ~~تأمرون بالمعروف } حال من ضمير كنتم ، فهو موذن بتعليل كونهم خير أمة ~~فيترتب عليه أن ما كان فيه خيريتهم يجدر أن يفرض عليهم ، إن لم يكن مفروضا ~~من قبل ، وأن يؤكد عليهم فرضه ms1657 ، إن كان قد فرض عليهم من قبل . # والخطاب في قوله { كنتم } إما لأصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم ونقل ذلك ~~عن عمر بن الخطاب ، وابن عباس . قال عمر : هذه لأولنا ولا تكون لآخرنا . ~~وإضافة خير إلى أمة من إضافة الصفة إلى الموصوف : أي كنتم أمة خير أمة ~~أخرجت للناس ، فالمراد بالأمة الجماعة ، وأهل العصر النبوي ، مثل القرن ، ~~وهو إطلاق مشهور ومنه قوله تعالى : { وادكر بعد أمة } ( يوسف : 45 ) أي بعد ~~مدة طويلة كمدة عصر كامل . ولا شك أن الصحابة كانوا أفضل القرون التي ظهرت ~~في العالم ، لأن رسولهم أفضل الرسل ، ولأن الهدى الذي كانوا عليه لا يماثله ~~هدى أصحاب الرسل الذين مضوا ، فإن أخذت الأمة باعتبار الرسول فيها فالصحابة ~~أفضل أمة من الأمم مع رسولها ، قال النبي صلى الله عليه وسلم ( خير القرون ~~قرني ) . والفضل ثابت للجموع على المجموع ، وإن أخذت الأمة من عدا الرسول ، ~~فكذلك الصحابة أفضل الأمم التي مضت بدون رسلها ، وهذا تفضيل للهدى الذي ~~اهتدوا به ، وهو هدى رسولهم محمد صلى الله عليه وسلم وشريعته . # وإما أن يكون الخطاب بضمير { كنتم } للمسلمين كلهم في كل جيل ظهروا ~~PageV04P048 فيه ، ومعنى تفضيلهم بالأمر بالمعروف مع كونه من فروض الكفايات ~~لا تقوم به جميع أفراد الأمة لا يخلو مسلم من القيام بما يستطيع القيام به ~~من هذا الأمر ، على حسب مبلغ العلم ومنتهى القدرة ، فمن التغيير على الأهل ~~والولد ، إلى التغيير على جميع أهل البلد ، أو لأن وجود طوائف القائمين ~~بهذا الأمر في مجموع الأمة أوجب فضيلة لجميع الأمة ، لكون هذه الطوائف منها ~~كما كانت القبيلة تفتخر بمحامد طوائقها ، وفي هذا ضمان من الله تعالى بأن ~~ذلك لا ينقطع من المسلمين إن شاء الله تعالى . # وفعل ( كان ) يدل على وجود ما يسند إليه في زمن مضى ، دون دلالة على ~~استمرار ، ولا على انقطاع ، قال تعالى { وكان الله غفورا رحيما } ( النساء ~~: 96 ) أي وما زال ، فمعنى { كنتم خير أمة } وجدتم على حالة الأخيرية على ~~جميع الأمم ، أي حصلت لكم هذه الأخيرية ms1658 بحصول أسبابها ووسائلها ، لأنهم ~~اتصفوا بالإيمان ، والدعوة للإسلام ، وإقامته على وجهه ، والذب عنه النقصان ~~والإضاعة لتحقق أنهم لما جعل ذلك من واجبهم ، وقد قام كل بما استطاع ، فقد ~~تحقق منهم القيام به ، أو قد ظهر منهم العزم على امتثاله ، كلما سنح سانح ~~يقتضيه ، فقد تحقق أنهم خير أمة على الإجمال فأخبر عنهم بذلك . هذا إذا ~~بنينا على كون الأمر في قوله آنفا { ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ~~ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر } ( آل عمران : 104 ) وما بعده من النهي ~~في قوله { ولا تكونوا كالذين تفرقوا } ( آل عمران : 105 ) الآية ، لم يكن ~~حاصلا عندهم من قبل . # ويجوز أن يكون المعنى : { كنتم خير أمة } موصوفين بتلك الصفات فيما مضى ~~تفعلونها إما من تلقاء أنفسكم ، حرصا على إقامة الدين واستحسانا وتوفيقا من ~~الله في مصادفتكم لمرضاته ومراده ، وإما بوجوب سابق حاصل من آيات أخرى مثل ~~قوله : { وتواصوا بالحق } ( العصر : 3 ) وحينئذ فلما أمرهم بذلك على سبيل ~~الجزم ، أثنى عليهم بأنهم لم يكونوا تاركيه من قبل ، وهذا إذا بنينا على أن ~~الأمر في قوله { ولتكن منكم أمة } ( آل عمران : 104 ) تأكيدا لما كانوا ~~يفعلونه ، وإعلام بأنه واجب ، أو بتأكيد وجوبه على الوجوه التي قدمتها عند ~~قوله { ولتكن منكم أمة } . PageV04P049 # ومن الحيرة التجاء جمع من المفسرين إلى جعل الإخبار عن المخاطبين بكونهم ~~فيما مضى من الزمان أمة بمعنى كونهم كذلك في علم الله تعالى وقدره أو ثبوت ~~هذا الكون في اللوح المحفوظ أو جعل كان بمعنى صار . # والمراد بأمة عموم الأمم كلها على ما هو المعروف في إضافة أفعل التفضيل ~~إلى النكرة أن تكون للجنس فتفيد الاستغراق . # وقوله { أخرجت للناس } الإخراج مجاز في الإيجاد والإظهار كقوله تعالء { ~~فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار } ( طه : 88 ) أي أظهر بصوغه عجلا جسدا . # والمعنى : كنتم خير الأمم التي وجدت في عالم الدنيا . وفاعل { أخرجت } ~~معلوم وهو الله موجد الأمم ، والسائق إليها ما به تفاضلها . والمراد بالناس ~~جميع البشر من أول الخليقة . # وجملة : { تأمرون بالمعروف } حال في معنى ms1659 التعليل إذ مدلولها ليس من ~~الكيفيات المحسوسة حتى تحكى الخيرية في حال مقارنتها لها ، بل هي من ~~الأعمال النفسية الصالحة للتعليل لا للتوصيف ، ويجوز أن يكون استئنافا ~~لبيان كونهم خير أمة . والمعروف والمنكر تقدم بيانهما قريبا . # وإنما قدم { تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر } على قوله { وتؤمنون ~~بالله } لأنهما الأهم في هذا المقام المسوق للتنويه بفضيلة الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر الحاصلة من قوله تعالى : { ولتكن منكم أمة يدعون إلى ~~الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر } ( آل عمران : 104 ) والاهتمام ~~الذي هو سبب التقديم يختلف باختلاف مقامات الكلام ولا ينظر فيه إلى ما في ~~نفس الأمر لأن إيمانهم ثابت محقق من قبل . # وإنما ذكر الإيمان بالله في عداد الأحوال التي استحقوا بها التفضيل على ~~الأمم ، لأن لكل من تلك الأحوال الموجبة للأفضلية أثرا في التفضيل على ~~PageV04P050 بعض الفرق ، فالإيمان قصد به التفضيل على المشركين الذين كانوا ~~يفتخروم بأنهم أهل حرم الله وسدنة بيته وقد رد الله ذلك صريحا في قوله : { ~~أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد ~~في سبيل الله لا يستوون عند الله } ( التوبة : 19 ) وذكر الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر ، قصد به التفضيل على أهل الكتاب ، الذين أضاعوا ذلك ~~بينهم ، وقد قال تعالى فيهم { كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه } ( المائدة ~~: 79 ) . # فإن قلت إذا كان وجه التفضيل على الأمم هو الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر والإيمان بالله ، فقد شاركنا في هذه الفضيلة بعض الجماعات من صالحي ~~الأمم الذين قبلنا ، لأنهم آمنوا بالله على حسب شرائعهم ، وأمروا بالمعروف ~~ونهوا عن المنكر ، لتعذر أن يترك الأمم بالمعروف لأن الغيرة على الدين أمر ~~مرتكز في نفوس الصادقين من أتباعه . قلت : لم يثبت أن صالحي الأمم كانوا ~~يلتزمون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إما لأنه لم يكن واجبا عليهم ، أو ~~لأنهم كانوا يتوسعون في حل التقية ، وهذا هارون في زمن موسى عبدت بنو ~~إسرائيل العجل بمرآى منه ومسمع فلم يغير عليهم ، وقد حكى الله محاورة موسى ~~معه ms1660 بقوله { قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعني أفعصيت أمري ~~قال يابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني ~~إسرائيل ولم ترقب قولي } ( طه : 92 94 ) وأما قوله تعالى { من أهل الكتاب ~~أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم ~~الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر } ( آل عمران : 113 ، 114 ) الآية ~~فتلك فئة قليلة من أهل الكتاب هم الذين دخلوا في الإسلام مثل عبد الله بن ~~سلام ، وقد كانوا فئة قليلة بين قومهم فلم يكونوا جمهرة الأمة . # وقد شاع عند العلماء الاستدلال بهذه الآية على حجية الإجماع وعصمته من ~~الخطأ بناء على أن التعريف في المعروف والمنكر للاستغراق ، فإذا أجمعت ~~الأمة على حكم ، لم يجز أن يكون ما أجمعوا عليه منكرا ، وتعين أن يكون ~~معروفا ، لأن الطائفة المأمورة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في ~~PageV04P051 ضمنهم ، ولا يجوز سكوتها منكر يقع ، ولا عن معروف يترك ، وهذا ~~الاستدلال إن كان على حجية الإجماع بمعنى الشرع المتواتر المعلوم من الدين ~~بالضرورة فهو استدلال صحيح لأن المعروف والمنكر في هذا النوع بديهي ضروري ، ~~وإن كان استدلالا على حجية الإجماعات المنعقدة عن اجتهاد ، وهو الذي يقصده ~~المستدلون بالآية ، فاستدلالهم بها عليه سفسطائي لأن المنكر لا يعتبر منكرا ~~إلا بعد إثبات حكمه شرعا ، وطريق إثبات حكمه الإجماع ، فلو أجمعوا على منكر ~~عند الله خطأ منهم لما كان منكرا حتى ينهي عنه طائفة منهم لأن اجتهادهم هو ~~غاية وسعهم . # { ولو ءامن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون } . # عطف على قوله { كنتم خير أمة أخرجت للناس } لأن ذلك التفضيل قد غمر أهل ~~الكتاب من اليهود وغيرهم فنبههم هذا العطف إلى إمكان تحصيلهم على هذا الفضل ~~، مع ما فيه من التعريض بهم بأنهم مترددون في اتباع الإسلام ، فقد كان ~~مخيريق مترددا زمانا ثم أسلم ، وكذلك وفد نجران ترددوا في أمر الإسلام . # وأهل الكتاب يشمل اليهود والنصارى ، لكن المقصود الأول هنا هم اليهود ، ~~لأنهم ms1661 كانوا مختلطين بالمسلمين في المدينة ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم ~~دعاهم إلى الإسلام ، وقصد بيت مدراسهم ، وصهم قد أسلم منهم نفر قليل وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم ( لو آمن بي عشرة من اليهود لآمن بي اليهود كلهم ~~) . # ولم يذكر متعلق ( آمن ) هنا لأن المراد لو اتصفوا بالإيمان الذي هو لقب ~~لدين الإسلام وهو الذي منه أطلقت صلة الذين PageV04P052 آمنوا على المسلمين ~~فصار كالعلم بالغلبة ، وهذا كقولهم أسلم ، وصبأ ، وأشرك ، وألحد ، دون ذكر ~~متعلقات لهاته الأفعال لأن المراد أنه اتصف بهذه الصفات التي صارت أعلاما ~~على أديان معروفة ، فالفعل نزل منزلة اللازم ، وأظهر منه : تهود ، وتنصر ، ~~وتزندق ، وتحنف ، والقرينة على هذا المعنى ظاهرة وهي جعل إيمان أهل الكتاب ~~في شرط الامتناع ، مع أن إيمانهم بالله معروف لا ينكره أحد . ووقع في ( ~~الكشاف ) أن المراد : لو آمنوا الإيمان الكامل ، وه تكلف ظاهر ، وليس ~~المقام مقامه . . وأجمل وجه كون الإيمان خيرا لهم لتذهب نفوسهم كل مذهب في ~~الرجاء والإشفاق . ولما أخبر عن أهل الكتاب بامتناع الإيمان منهم بمقتضى ~~جعل إيمانهم في حيز شرط ( لو ) الامتناعية ، تعين أن المراد من بقي بوصف ~~أهل الكتاب ، وهو وصف لا يبقى وصفهم به بعد أن يتدينوا بالإسلام ، وكان قد ~~يتوهم أن وصف أهل الكتاب يشمل من كان قبل ذلك منهم ولو دخل في الإسلام ، ~~وجيء بالاحتراس بقوله : { منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون } أي منهم من آمن ~~بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم فصدق عليه لقب المؤمن ، مثل عبد الله بن ~~سلام ، وكان اسمه حصينا وهو من بني قينقاع ، وأخيه ، وعمصته خالدة ، وسعية ~~أو سنعة بن غريض بن عاديا التيماوي ، وهو ابن أخي السموأل بن عاديا ، ~~وثعلبة بن سعية ، وأسد بن سعية القرظي ، وأسد بن عبيد القرظي ، ومخيريق من ~~بني النضير أو من بني قينقاع ، ومثل أصمحة النجاشي ، فإنه آمن بقلبه وعوض ~~عن إظهاره إعمال الإسلام نصره للمسلمين ، وحمايته لهم ببلده ، حتى ظهر دين ~~الله ، فقبل الله منه ذلك ، ولذلك أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ms1662 عنه ~~بأنه كان مؤمنا وصلى عليه حين أوحي إليه بموته . ويحتمل أن يكون المعنى من ~~أهل الكتاب فريق متق في دينه ، فهو قريب من الإيمان بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم وهؤلاء مثل من بقي مترددا في الإيمان من دون أن يتعرض لأذى المسلمين ، ~~مثل النصارى من نجران ونصارى الحبشة ، ومثل مخيريق اليهودي قبل أن يسلم ، ~~على الخلاف في إسلامه ، فإنه أوصى بماله لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فالمراد بإيمانهم PageV04P053 صدق الإيمان بالله وبدينهم . وفريق منهم فاسق ~~عن دينه ، محرف له ، مناو لأهل الخير ، كما قال تعالى : { ويقتلون الذين ~~يأمرون بالقسط من الناس } مثل الذين سموا الشاة لرسول الله يوم خيبر ، ~~والذين حاولوا أن يرموا عليه صخرة . # # | 2 ( 111 ) { لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الادبار ثم لا ~~ينصرون } . ) 2 # استئناف نشأ عن قوله { وأكثرهم الفاسقون } ( آل عمران : 110 ) لأن ~~الإخبار عن أكثرهم بأنهم غير مؤمنين يؤذن بمعاداتهم للمؤمنين ، وذلك من ~~شأنه أن يوقع في نفوس المسلمين خشية من بأسهم ، وهذا يختص باليهود ، فإنهم ~~كانوا منتشرين حيال المدينة في خيبر ، والنضير ، وقينقاع ، وقريظة ، وكانوا ~~أهل مكر ، وقوة ، ومال ، عدة ، والمسلمون يومئذ في قلة فطمأن الله المسلمين ~~بأنهم لا يخشون بأس أهل الكتاب ، ولا يخشون ضرهم ، لكن أذاهم . # أما النصارى فلا ملابسة بينهم وبين المسلمين حتى يخشوهم . والأذى هو ~~الألم الخفيف وهو لا يبلغ حد الضر الذي هو الألم ، وقد قيل : هو الضر ~~بالقول ، فيكون كقول إسحاق بن خلف : # أخشى فظاظة عم أو جفاء أخ # وكنت أبقى عليها من أذى الكلم # ومعنى { يولوكم الأدبار } يفرون منهزمين . # وقوله { ثم لا ينصرون } احتراس أي يولوكم الأدبار تولية منهزمين لا تولية ~~متحرفين لقتال أو متحيزين إلى فئة ، أو متأملين في الأمر . وفي العدول عن ~~جعله معطوفا على جملة الجواب إلى جعله معطوفا على جملتي الشرط وجزائه معا ، ~~إشارة إلى أن هذا ديدنهم وهجيراهم . لو قاتلوكم ، وكذلك في قتالهم غيركم . ~~PageV04P054 # وثم لترتيب الإخبار دالة على تراخي الرتبة . ومعنى تراخي الرتبة كون رتبة ~~معطوفها أعظم ms1663 من رتبة المعطوف عليه في الغرض المسوق له الكلام . وهو غير ~~التراخي المجازي ، لأن التراخي المجازي أن يشبه ما ليس بمتأخر عن المعطوف ~~بالمتأخر عنه . # وهذا كله وعيد لهم بأنهم سيقاتلون المسلمين ، وأنهم ينهزمون ، وإغراء ~~للمسلمين بقتالهم . # $ 2 ( 112 ) { ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفو & # 1764 ا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وبآءوا بغضب من الله وضربت عليهم ~~المسكنة ذالك بأنهم كانوا يكفرون بئايات الله ويقتلون الانبيآء بغير حق ~~ذالك بما عصوا وكانوا يعتدون } . ) 2 $ # { ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفو & # 1764 ا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وبآءوا بغضب من الله وضربت عليهم ~~المسكنة ذالك بأنهم كانوا يكفرون بئايات الله ويقتلون الانبيآء بغير حق ~~ذالك بما عصوا وكانوا يعتدون } . # يعود ضمير ( عليهم ) إلى { وأكثرهم الفاسقون } ( آل عمران : 110 ) وهو ~~خاص باليهود لا محالة ، وهو كالبيان لقوله { ثم لا ينصرون } . # والجملة بيانية لذكر حال شديد من شقائهم في الدنيا . # ومعنى ضرب الذلة اتصالها بهم وإحاطتها ، ففيه استعارة مكنية وتبعية شبهت ~~الذلة ، وهي أمر معقول ، بقية أو خيمة شملتهم وشبه اتصالها وثباتها بضرب ~~القبة وشد أطنابها ، وقد تقدم نظيره في البقرة . # و { ثقفوا } في الأصل أخذوا في الحرب { فإما تثقفنهم في الحرب } ( ~~الأنفال : 57 ) وهذه المادة تدل على تمكن من أخذ الشيء ، وتصرف فيه بشدة ، ~~ومنها سمي الأسر ثقافا ، والثقاف آلة كالكلوب تكسر به أنابيب قنا الرماح . ~~قال النابغة : # عض الثقافف على صم الأنابيب # والمعنى هنا : أينما عثر عليهم ، أو أينما وجدوا ، أي هم لا يوجدون إلا ~~محكومين ، شبه حال ملاقاتهم في غير الحرب بحال أخذ الأسير لشدة ذلهم . ~~PageV04P055 # وقوله { إلا بحبل من الله وحبل من الناس } الحبل مستعار للعهد ، وتقدم ما ~~يتعلق بذلك عند قوله تعالى { فقد استمسك بالعروة الوثقى في سورة البقرة ( ~~256 ) وعهد الله ذمته ، وعهد الناس حلفهم ، ونصرهم ، والاستثناء من عموم ~~الأحوال وهي أحوال دلت عليها الباء التي للمصاحبة . والتقدير : ضربت عليهم ~~الذلة متلبسين بكل حال إلا متلبسين بعهد من الله وعهد من ms1664 الناس ، فالتقدير ~~: فذهبوا بذلة إلا بحبل من الله . # والمعنى لا يسلمون من الذلة إلا إذا تلبسوا بعهد من الله ، أي ذمة ~~الإسلام ، أو إذا استنصروا بقبائل أولى بأس شديد ، وأما هم في أنفسهم فلا ~~نصر لهم . وهذا من دلائل النبوة فإن اليهود كانوا أعزة بيشرب وخيبر والنضير ~~وقريظة ، فأصبحوا أذلة ، وعمتهم المذلة في سائر أقطار الدنيا . # وباءوا بغضب من الله } أي رجعوا وهو مجاز لمعنى صاروا إذ لا رجوع هنا . # والمسكنة الفقر الشديد مشتقة من اسم المسكين وهو الفقير ، ولعل اشتقاقه ~~من السكون وهو سكون خيالي أطلق على قلة الحيلة في العيش . والمراد بضرب ~~المسكنة عليهم تقديرها لهم وهذا إخبار بمغيب لأن اليهود المخبر عنهم قد ~~أصابهم الفقر حين أخذت منازلهم في خيبر والنضير وقينقاع وقريظة ، ثم ~~بإجلائهم بعد ذلك في زمن عمر . # { من الناس وبآءوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذالك بأنهم كانوا ~~يكفرون بئايات الله ويقتلون الانبيآء بغير حق ذالك بما عصوا وكانوا يعتدون ~~} . # الإشارة إلى ضرب الذلة المأخوذ من { ضربت عليهم الذلة } . ومعنى { يكفرون ~~بآيات الله ويقتلون الأنبياء } تقدم عند قوله تعالى : { إن الذين يكفرون ~~بآيات الله } ( آل عمران : 21 ) أوائل هذه السورة . PageV04P056 # وقوله : { ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون } يحتمل أن يكون إشارة إلى كفرهم ~~وقتلهم الأنبياء بغير حق ، فالباء سبب السبب ، ويحتمل أن يكون إشارة ثانية ~~إلى ضرب الذلة والمسكنة فيكون سببا ثانيا . ( وما ) مصدرية أي بسبب عصيانهم ~~واعتدائهم ، وهذا نشر على ترتيب اللف فكفرهم بالآيات سببه العصيان ، وقتلهم ~~الأنبياء سببه الأعتداء . # # | 2 ( 113 ، 114 ) { ليسوا سوآء من أهل الكتاب أمة قآئمة يتلون ءايات ~~الله ءانآء اليل وهم يسجدون * يؤمنون بالله واليوم الاخر ويأمرون بالمعروف ~~وينهون عن المنكر ويسارعون فى الخيرات وأولائك من الصالحين } . ) 2 # استئناف قصد به إنصاف طائفة من أهل الكتاب ، بعد الحكم على معظمهم بصيغة ~~تعمهم ، تأكيدا لما أفاده قوله { منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون } ( آل ~~عمران : 110 ) فالضمير في قوله { ليسوا } لأهل الكتاب المتحدث عنهم آنفا ، ~~وهم اليهود ، وهذه الجملة تتنزل من ms1665 التي بعدها منزلة التمهيد . # و ( سواء ) اسم بمعنى المماثل وأصله مصدر مشتق من التسوية . # وجملة { من أهل الكتاب أمصة قائمة الخ . . . مبينة لإبهام ليسوا سواء } ~~والإظهار في مقام الإضمار للاهتمام بهؤلاء الأمة ، فلأمة هنا بمعنى الفريق ~~. # وإطلاق أهل الكتاب عليهم مجاز باعتبار ما كان كقوله تعالى : { وآتوا ~~اليتامى أموالهم } ( النساء : 2 ) لأنهم صاروا من المسلمين . # وعدل عن أن يقال : منهم أمة قائمة إلى قوله من أهل الكتاب : ليكون ذا ~~الثناء شاملا لصالحي اليهود ، وصالحي النصارى ، فلا يختص بصالحي اليهود ، ~~فإن صالحي اليهود قبل بعثة عيسى كانوا متمسكين بدينهم ، مستقيمين عليه ، ~~ومنهم الذين آمنوا بعيسى واتبعوه ، وكذلك صالحو النصارى قبل PageV04P057 ~~بعثة محمد صلى الله عليه وسلم كانوا مستقيمين على شريعة عيسى وكثير منهم ~~أهل تهجد في الأديرة والصوامع وقد صاروا مسلمين بعد البعثة المحمدية . # والأمة : الطائفة والجماعة . # ومعنى قائمة أنه تمثيل للعمل بدينها على الوجه الحق ، كما يقال : سوق ~~قائمة وشريعة قائمة . # والآناء أصله أأناء بهمزتين بوزن أفعال ، وهو جمع إنى بكسر الهمزة وفتح ~~النون مقصورا ويقال أنى بفتح الهمزة قال تعالى : { غير ناظرين إناه } ( ~~الأحزاب : 53 ) أي منتظرين وقته . # وجملة { وهم يسجدون } حال ، أي يتهجدون في الليل بتلاوة كتابهم ، فقيدت ~~تلاوتهم الكتاب بحالة سجودهم . وهذا الأسلوب أبلغ وأبين من أن يقال : ~~يتهجدون لأنه يدل على صورة فعلهم . # ومعنى { يسارعون في الخيرات } يسارعون إليها أي يرغبون في الاستكثار منها ~~. والمسارعة مستعارة للاستكثار من الفعل ، والمبادرة إليه ، تشبيها ~~للاستكثار والأعتنار بالسير السريع لبلوغ المطلوب . وفي للظرفية المجازية ، ~~وهي تخييلية تؤذن بتشبيه الخيرات بطريق يسير فيه السائرون ، ولهؤلاء مزية ~~السرعة في قطعه . ولك أن تجعل مجموع المركب من قوله { ويسارعون في الخيرات ~~} تمثيلا لحال مبادرتهم وحرصهم على فعل الخيرات بحال السائر الراغب في ~~البلوغ إلى قصده يسرع في سيره . وسيأتي نظيره عند قوله تعالى { لا يحزنك ~~الذين يسارعون في الكفر في سورة العقود ( 176 ) . # والإشارة بأولئك إلى الأمة القائمة الموصوفة بتلك الأوصاف . وموقع اسم ~~الإشارة التنبيه على أنهم استحقوا الوصف المذكور بعد اسم ms1666 الإشارة بسبب ما ~~سبق اسم الإشارة من الأوصاف . # # | 2 ( 115 ) وما يفعلوا من خير فلن يكفروه والله عليم بالمتقين } . ) 2 # PageV04P058 # تذييل للجمل المفتتحة بقوله تعالى : { من أهل الكتاب أمة قائمة } ( آل ~~عمران : 113 ) إلى قوله { من الصالحين } ( آل عمران : 114 ) وقرأ الجمهور : ~~تفعلوا بالفوقية فهو وعد للحاضرين ، ويعلم منه أن الصالحين السابقين مثلهم ~~، بقرينة مقام الامتنان ، ووقوعه عقب ذكرهم ، فكأنه قيل : وما تفعلوا من ~~خير ويفعلوا . ويجوز أن يكون إلتفاتا لخطاب أهل الكتاب . وقرأه حمزة ، ~~والكسائي ، وحفص ، وخلف بياء الغيبة عائدا إلى أمة قائمة . # والكفر : ضد الشكر أي هو إنكار وصول النعمة الواصلة . قال عنترة : # نبئت عمرا غير شاكر نعمتي # والكفر مخبثة لنفسس المنعم # وقال تعالى { واشكروا لي ولا تكفرون } وأصل الشكر والكفر أ يتعديا إلى ~~واحد ، ويكون مفعولهما النعمة كما في البيت . وقد يجعل مفعولهما المنعم على ~~التوسع في حذف حرف الجر ، لأن الأصل شكرت له وكفرت له . قال النابغة : # شكرت لك النعمي # وقد جمع بين الاستعمالين قوله تعالى { واشكروا لي ولا تكفرون } ( البقرة ~~: 152 ) وقد عدي { تكفروه } هنا إلى مفعولين : أحدهما نائب الفاعل ، لأن ~~الفعل ضمن معنى الحرمان . والضمير المنصوب عائد إلى خير بتأويل خير بجزاء ~~فعل الخير على طريقة الاستخدام وأطلق الكفر هنا على ترك جزاء فعل الخير ، ~~تشبيها لفعل الخير بالنعمة . كأن فاعل الخير أنعم على الله تعالى بنعمته ~~مثل قوله { إن تقرضوا الله قرضا حسنا } ( التغابن : 17 ) فحذف المشبه ورمز ~~إليه بما ه من لوازم العرفية . وهو الكفر ، على أن في القرينة استعارة ~~مصرحة مثل { ينقضون عهد الله } ( البقرة : 27 ) . وقد أمتن الله علينا إذ ~~جعل طاعتنا إياه كنعمة عليه تعالى ، وجعل ثوابها شكرا ، وترك ثوابها كفرا ~~فنفاه . وسمى نفسه الشكور . # وقد عدي الكفر أن هنا إلى النعمة على أصل تعديته . # PageV04P059 # | 2 ( 116 ) { إن الذين كفروا لن تغنى عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله ~~شيئا وأولائك أصحاب النار هم فيها خالدون } . ) 2 # استئناف ابتدائي للانتقال إلى ذكر وعيد المشركين بمناسبة ذكر وعد الذين ~~آمنوا من ms1667 أهل الكتاب . # وإنما عطف الأولاد هنا لأن الغناء في متعارف الناس يكون بالمال والولد ، ~~فالمال يدفع به المرء عن نفسه في فداء أو نحوه ، والولد يدافعون عن أبيهم ~~بالنصر ، وقد تقدم القول في مثله في طالعة هذه السورة . # وكرر حرف النفي مع المعطوف في قوله { ولا أولادهم } لتأكيد عدم غناء ~~أولادهم عنهم لدفع توهم ما هو متعارف من أن الأولاد لا يقعدون عن الذب عن ~~آبائهم . # ويتعلق { من الله } بفعل { لن تغني } على معنى ( من ) الابتدائية أي غناء ~~يصدر من جانب الله بالعفو عن كفرهم . # وانتصب ( شيئا ) على المفعول المطلق لفعل { لن تغني } أي شيئا من غناء . ~~وتنكير شيئا للتقليل . # وجملة { وأولئك أصحاب النار } عطف على جملة { لن تغني عنه أموالهم ولا ~~أولادهم } . وجيء بالجملة معطوفة ، على خلاف الغالب في أمثالها أن يكون ~~بدون عطف ، لقصد أن تكون الجملة منصبا عليها التأكيد بحرف ( إن ) فيكمل لها ~~من أدلة تحقيق مضمونها خمسة أدلة هي : التكيد ب { إن } ، وموقع اسم الإشارة ~~، والإخبار عنهم بأنهم أصحاب النار ، وضمير الفصل ، ووصف خالدون . # $ 2 ( 117 ) { مثل ما ينفقون فى هاذه الحيواة الدنيا كمثل ريح فيها ~~PageV04P060 صر أصابت حرث قوم ظلمو & # 1764 ا أنفسهم فأهلكته وما ظلمهم الله ولاكن أنفسهم يظلمون } . ) 2 $ # استئناف بياني لأن قوله : { لن تغني عنهم أموالهم . . . } الخ يثير سؤال ~~سائل عن إنفاقهم الأموال في الخير من إغاثة الملهوف وإعطاء الديات في الصلح ~~عن القتلى . # ضرب لأعمالهم المتعلقة بالأموال مثلا ، فشبه هيئة إنفاقهم المعجب ظاهرها ~~، المخيبب آخرها ، حين يحبطها الكفر ، بهيئة زرع أصابته ريح باردة فأهلكته ~~، تشبيه المعقول بالمحسوس . ولما كان التشبيه تمثيليا لم يتوخ فيه موالاة ~~ما شبه به إنفاقهم لأداة التمثيل ، فقيل : كمثل ريح ، ولم يقل : كمثل حرث ~~قوم . # والكلام على الريح تقدم عند قوله تعالى { إن في خلق السماوات والأرض ~~واختلاف الليل والنهار في سورة البقرة ( 164 ) . # والصر : البرد الشديد المميت لكل زرع أو ورق يهب عليه فيتركه كالمحترق ، ~~ولم يعرف في كلام العرب إطلاق الصر على الريح الشديد البرد ms1668 وإنما الصر اسم ~~البرد . وأما الصرصر فهو الرسح الشديدة وقد تكون باردة . ومعنى الآية غني ~~عن التأويل ، وجوز في الكشاف } أن يكون الصر هنا اسما للريح الباردة وجعله ~~مرادف الصرصر . وقد أقره الكاتبون عليه ولم يذكر هذا الاطلاق في الأساس ولا ~~ذكره الراغب . # وفي قوله { فيها صر } إفادة شدة برد هذه الريح ، حتى كأن جنس الصر مظروف ~~فيها ، وهي تحمله إلى الحرث . # والحرث هنا مصدر بمعنى المفعول : أي محروث قوم أي أرضا محروثة والمراد ~~أصابت زرع حرث . وتقدم الكلام على معاني الحرث عند قوله تعالى { والأنعام ~~والحرث } ( آل عمران : 14 ) في أول السورة . PageV04P061 # وقوله { ظلموا أنفسهم } إدماج في خلال التمثيل يكسب التمثيل تفظيعا ~~وتشويها وليس جزءا من الهيئة المشبه بها . وقد يذكر البلغاء مع المشبه به ~~صفات لا يقصدون منها غير التحسين أو التقبيح كقول كعب بن زهير : # شجت بذي شبم من ماء محنية # صافف بأبطح أضحى وهو مشمول # تنفي الرياح القذى عنه وأفرطه # من صوب سارية بيض يعاليل # فأجرى على الماء الذي هو جزء المشبه به صفات لا أثر لها في التشبيه . # والسامعون عالمون بأن عقاب الأقوام الذين ظلموا أنفسهم غاية في الشدة ، ~~فذكر وصفهم بظلم أنفسهم لتذكير السامعين بذلك على سبيل الموعظة ، وجيء ~~بقوله { مثل ما ينفقون } غير معطوف على ما قبله لأنه كالبيان لقوله { لن ~~تغني عنهم أموالهم } . # وقوله { وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون } الضمائر فيه عائدة على ~~الذين كفروا . والمعنى أن الله لم يظلمهم حين لم يتقبل نفقاتهم بل هم ~~تسببوا في ذلك ، إذ لم يؤمنوا لأن الإيمان جعله الله شرطا في قبول الأعمال ~~، فلما أعلمهم بذلك وأنذرهم لم يكن عقابه بعد ذلك ظلما لهم ، وفيه إيذان ~~بأن الله لا يخالف وعده من نفي الظلم عن نفسه . # # | 2 ( 118 ) { ياأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم ~~خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضآء من أفواههم وما تخفى صدورهم أكبر قد ~~بينا لكم الايات إن كنتم تعقلون } . ) 2 # الآن إذ كشف الله دخائل ms1669 من حول المسلمين من أهل الكتاب ، أتم كشف ، جاء ~~موقع التحذير من فريق منهم ، والتحذير من الاغترار بهم ، والنهي عن الإلقاء ~~إليهم بالمودة ، وهؤلاء هم المنافقون ، للإخبار عنهم PageV04P062 بقوله : { ~~وإذا لقوكم قالوا آمنا } ( آل عمران : 119 ) الخ . . . وأكثرهم من اليهود ، ~~دون الذين كانوا مشركين من الأوس والخزرج . وهذا موقع الاستنتاج في صناعة ~~الخطابة بعد ذكر التمهيدات والأزقناعات . وحقه الاستئناف الابتدائي كما هنا ~~. # والبطانة بكسر الباء في الأصل داخل الثوب ، وجمعها بطائن ، وفي القرآن { ~~بطائنها من استبرق } ( الرحمن : 54 ) وظاهر الثوب يسمى الظهارة بكسر الظاء ~~. والبطانة أيضا الثوب الذي يجعل تحت ثوب آخر ، ويسمى الشعار ، وما فوقه ~~الدثار ، وفي الحديث : ( الأنصار شعار والناس دثار ) ثم أطلقت الثياب في ~~شدة القرب من صاحبها . # ومعنى اتخاذهم بطانة أنهم كانوا يحالفونهم ويودونهم من قبل الإسلام فلما ~~أسلم من أسلم من الأنصار بقيت المودة بينهم وبين من كانوا أحلافهم من ~~اليهود ، ثم كان من اليهود من أظهروا الإسلام ، ومنهم من بقي على دينه . # وقوله : { من دونكم } يجوز أن تكون ( من ) فيه زائدة و ( دون ) اسم مكان ~~بمعنى حولكم ، وهو الاحتمال الأظهر كقوله تعالى في نظيره { ولم يتخذوا من ~~دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة } ( التوبة : 16 ) ويجوز أن تكون ( ~~من ) للتبعيض و ( دون ) بمعنى غير كقوله تعالى { ومنا دون ذلك } ( الفتح : ~~27 ) من غير أهل ملتكم ، وقد علم السامعون أن المنهي عن اتخاذهم بطانة هم ~~الذين كانوا يموهون على المؤمنين بأنهم منهم ، ودخائلهم تقتضي التحذير من ~~استبطانهم . # وجملة : { لا يألونكم خبالا } صفة لبطانة على الوجه الأول ، وهذا الوصف ~~ليس من الأوصاف الظاهرة التي تفيد تخصيص النكرة عما شاركها ، لكنه يظهر ~~بظهور آثاره للمتوسمين . فنهى الله المسلمين عن اتخاذ بطانة هذا شأنها ~~وسمتها ، ووكلهم إلى توسم الأحوال والأعمال ، ويكون قوله { ودوا ما عنتم } ~~وقوله { قد بدت البغضاء } جملتين في محل الوصف أيضا على طريقة ترك عطف ~~الصفات ، ويومىء إلى ذلك قوله : { قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون } ~~PageV04P063 أي : قد بينا لكم علامات عداوتهم بتلك ms1670 الصفات إن كنتم تعقلون ~~فتتوسمون تلك الصفات ، كما قال تعالى : { إن في ذلك لآيات للمتوسمين } وعلى ~~الاحتمال الثاني يجعل { من دونكم } وصفا ، وتكون الجمل بعده مستأنفات واقعة ~~موقع التعليل للنهي عن اتخاذ بطانة من غير أهل ملتنا ، وهذ الخلال ثابتة ~~لهم فهي صالحة للتوصيف ، ولتعليل النهي ، ذلك لأن العداوة الناشئة عن ~~اختلاف الدين عداوة متأصلة لا سيما عداوة قوم يرون هذا الدين قد أبطل دينهم ~~، وأزال حظوظهم . كما سنبينه . # ومعنى { لا يألونكم خبالا } لا يقصرون في حبالكم ، والألو التقصير والترك ~~، وفعله ألا يألو ، وقد يتوسعون في هذا الفعل فيعدى إلى مفعولين ، لأنهم ~~ضمنوه معنى المنع فيما يرغب فيه المفعول ، فقالوا لا آلوك جهدا ، كما قالوا ~~لا أدخرك نصحا ، فالظاهر أنه شاع ذلك الاستعمال حتى صار التضمين منسيا ، ~~فلذلك تعدى إلى ما يدل على الشر كما يعدى إلى ما يدل على الخير ، فقال هنا ~~: { لا يألونكم خبالا } أي لا يقصرون في خبالكم ، وليس المراد لا يمنعونكم ~~، لأن الخبال لا يرغب فيه ولا يسأل . # ويحتمل أنه استعمل في هذه الآية على سبيل التهكم بالبطانة ، لأن شأن ~~البطانة أن يسعوا إلى ما فيه خير من استبطنهم ، فلما كان هؤلاء بضد ذلك عبر ~~عن سعيهم بالضر ، بالفعل الذي من شأنه أن يستعمل في السعي بالخير . # والخبال اختلال الأمر وفساده ، ومنه سمي فساد العقل خبالا ، وفساد ~~الأعضاء . # وقوله { ودوا ما عنتم } الود : المحبة ، والعنت : التعب الشديد ، أي ~~رغبوا فيما يعنتكم و ( ما ) هنا مصدرية ، غير زمانية ، ففعل { عنتم } لما ~~صار بمعنى المصدر زالت دلالته على المضي . # ومعنى { قد بدت البغضاء من أفواههم } ظهرت من فلتات أقوالهم كما قال ~~تعالى : { ولتعرفنهم في لحن القول } فعبر بالبغضاء عن دلائلها . ~~PageV04P064 # وجملة { وما تخفي صدورهم أكبر } حالية . # ( والآيات ) في قوله : { قد بينا لكم الآيات } بمعنى دلائل سوء نوايا هذه ~~البطانة كما قال : { إن في ذلك لآيات للمتوسمين } ( الحجر : 75 ) ولم يزل ~~القرآن يربي هذه الأمة على إعمال الفكر ، والاستدلال ، وتعرف المسببات من ~~أسبابها في سائر أحوالها : في التشريع ، والمعاملة ms1671 لينشئها أمة علم وفطنة . ~~6 # ولكون هذه الآيات آياتت فراسة وتوسم ، قال : { إن كنتم تعقلون } ولم يقل ~~: إن كنتم تعلمون أو تفقهون ، لأن العقل أعم من العلم والفقه . # وجملة { قد بينا لكم الآيات } مستأنفة . # $ 2 ( 119 ) { هآأنتم أولا & # 1764 ء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالو & # 1764 ا ءامنا وإذا خلوا عضوا عليكم الانامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن ~~الله عليم بذات الصدور } . ) 2 $ # { هآأنتم أولا & # 1764 ء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالو & # 1764 ا ءامنا وإذا خلوا عضوا عليكم الانامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن ~~الله عليم بذات الصدور } . # استئناف ابتدائي ، قصد منه المقابلة بين خلق الفريقين ، فالمؤمنون يحبون ~~أهل الكتاب ، وأهل الكتاب يبغضونهم ، وكل إناء بما فيه يرشح ، والشأن أن ~~المحبة تجلب المحبة إلا إذا اختلفت المقاصد والأخلاق . # وتركيب ها أنتم أولاء ونظائره مثل هأنا تقدم في قوله تعالى في سورة ~~البقرة ( 85 ) : { ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم . ولما كان التعجيب في ~~الآية من مجموع الحالين قيل : هاأنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم } فالعجب ~~من محبة المؤمنين إياهم في حال بغضهم المؤمنين ، ولا يذكر بعد اسم الإشارة ~~جملة في هذا التركيب إلا والقصد التعجب من مضمون تلك الجملة . # وجملة { ولا يحبونكم } جملة حال من الضمير المرفوع في قوله : { تحبونهم } ~~لأن محل التعجيب هو مجموع الحالين . # وليس في هذا التعجيب شيء من التغليط ، ولكنه مجرد إيقاظ ، ولذلك عقبه ~~بقوله : { وتؤمنون بالكتاب كله } فإنه كالعذر للمؤمنين في استبطانهم ~~PageV04P065 أهل الكتاب بعد إيمان المؤمنين ، لأن المؤمنين لما آمنوا بجميع ~~رسل الله وكتبهم كانوا ينسبون أهل الكتاب إلى هدى ذهب زمانه ، وأدخلوا فيه ~~التحريف بخلاف أهل الكتاب إذ يرمقون المسلمين بعين الازدراء والضلالة ~~واتباع ما ليس بحق . وهذان النظران ، منا ومنهم ، هما أصل تسامح المسلمين ~~مع قوتهم ، وتصلب أهل الكتابين مع ضعفهم . # { وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالو & # 1764 ا ءامنا وإذا خلوا عضوا عليكم الانامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم } . # جملة { وتؤمنون } معطوفة ms1672 على { تحبونهم } كما أن جملة { وإذا لقوكم } ~~معطوفة على { ولا يحبونكم } وكلها أحوال موزعة على ضمائر الخطاب وضمائر ~~الغيبة . # والتعريف في { الكتاب } للجنس وأكد بصيغة المفرد مراعاة للفظه ، وأراد ~~بهذا جماعة من منافقي اليهود أشهرهم زيد بن الصتيتت القينقاعي . # والعض : شد الشيء بالأسنان . وعض الأنامل كناية عن شدة الغيظ والتحسر . ~~وإن لم يكن عض أنامل محسوسا ، ولكن كني به عن لازمه في المتعارف ، فإن ~~الإنسان إذا اضطرب باطنه من الانفعال صدرت عنه أفعال تناسب ذلك الانفعال ، ~~فقد تكون معينة على دفع انفعاله كقتل عدوه ، وفي ضده تقبيل من يحبه ، وقد ~~تكون قاصرة عليه يشفي بها بعض انفعاله ، كتخبط الصبي في الأرض إذا غضب ، ~~وضرب الرجل نفسه من الغضب ، وعضه أصابعه من الغيظ ، وقرعه سنه من الندم ، ~~وضرب الكف بالكف من التحسر ، ومن ذلك التأوه والصياح ونحوها ، وهي ضروب من ~~علامات الجزع ، وبعضها جبلي كالصياح ، وبعضها عادي يتعارفه الناس ويكثر ~~بينهم ، فيصيرون يفعلونه بدون تأمل ، وقال الحارث بن ظالم المري : ~~PageV04P066 # فأقبل أقوام لئام أذلة # يعضون من غيظ رؤوس الأباهم # وقوله : { عليكم } على فيه للتعليل ، والضمير المجرور ضمير المسلمين ، ~~وهو من تعليق الحكم بالذات بتقدير حالة معينة ، أي على التئامكم وزوال ~~البغضاء ، كما فعل شاس بن قيس اليهودي فنزل فيه قوله تعالى : { يأيها الذين ~~آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين } ~~( آل عمران : 100 ) ، ونظير هذا التعليق قول الشاعر : # لتقرعن على السن من ندم # إذا تذكرتت يوما بعض أخلاقي # و { من الغيظ } ( من ) للتعليل . والغيظ : غضب شديد يلازمه إرادة ~~الانتقام . # وقوله : { قل موتوا بغيظكم } كلام لم يقصد به مخاطبون معينون لأنه دعاء ~~على الذين يعضون الأنامل من الغيظ ، وهم يفعلون ذلك إذا خلوا ، فلا يتصور ~~مشافهتهم بالدعاء على التعيين ولكنه كلام قصد إسماعه لكل من يعلم من نفسه ~~الاتصاف بالغيظ على المسلمين وهو قريب من الخطاب الذي يقصد به عموم كل ~~مخاطب نحو : { ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم } ( السجدة : 12 ) . # والدعاء عليهم بالموت بالغيظ صريحه طلب ms1673 موتهم بسبب غيظهم ، وهو كناية عن ~~ملازمة الغيظ لهم طول حياتهم إن طالت أو قصرت ، وذلك كناية عن دوام سبب ~~غيظهم ، وهو حسن حال المسلمين ، وانتظام أمرهم ، وازدياد خيرهم ، وفي هذا ~~الدعاء عليهم بلزوم ألم الغيظ لهم ، وبتعجيل موتهم به ، وكل من المعنيين ~~المكني بهما مراد هنا ، والتكني بالغيظ وبالحسد عن كمال المغيظ منه المحسود ~~مشهور ، والعرب تقول : فلان محسد ، أي هو في حالة نعمة وكمال . # { إن الله عليم بذات الصدور } . # تذييل لقوله : { عضوا عليكم الأنامل من الغيظ } وما بينها كالاعتراض أي ~~أن الله مطلع عليهم وهو مطلعك على دخائلهم . # PageV04P067 # | 2 ( 120 ) { إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن ~~تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط } . ) 2 # { إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا ~~يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط } . # زاد الله كشفا لما في صدورهم بقوله : { إن تمسسكم حسنة نسؤهم } أي تصبكم ~~حسنة والمس الإصابة ، ولا يختص أحدهما بالخير والآخر بالشر ، فالتعبير ~~بأحدهما في جانب الحسنة ، وبالآخر في جانب السيئة ، تفنن ، وتقدم عند قوله ~~تعالى : { كالذي يتخبطه الشيطان من المس في سورة البقرة ( 275 ) . # والحسنة والسيئة هنا الحادثة أو الحالة التي تحسن عند صاحبها أو تسوء ~~وليس المراد بهما هنا الاصطلاح الشرعي . # وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط } . # أرشد الله المؤمنين إلى كيفية تلقي أذى العدو : بأن يتلقوه بالصبر والحذر ~~، وعبر عن الحذر بالاتقاء أي اتقاء كيدهم وخداعهم ، وقوله { لا يضركم كيدهم ~~شيئا } أي بذلك ينتفي الضر كله لأنه أثبت في أول الآيات أنهم لا يضرون ~~المؤمنين إلا أذى ، فالأذى ضر خفيف ، فلما انتفى الضر الأعظم الذي يحتاج في ~~دفعه إلى شديد مقاومة من القتال وحراسة وإنفاق ، كان انتفاء ما بقي من الضر ~~هينا ، وذلك بالصبر على الأذى ، وقلة الاكتراث به ، مع الحذر منهم أن ~~يتوسلوا بذلك الأذى إلى ما يوصل ضرا عظيما . وفي الحديث : ( لا أحد أصبر ms1674 ~~على أذى يسمعه من الله يدعون له ندا وهو يرزقهم ) . # وقرأ نافع ، وابن كثير ، وأبو عمرو ، ويعقوب : { لا يضركم } بكسر الضاد ~~وسكون الراء من ضاره يضيره بمعنى أضره . وقرأه ابن عامر ، وحمزة ، وعاصم ، ~~والكسائي ، وأبو جعفر ، وخلف بضم الضاد PageV04P068 وضم الراء مشددة من ضره ~~يضره ، والضمة ضمة إتباع لحركة العين عند الإدغام للتخلص من التقاء ~~الساكنين : سكون الجزم وسكونن الإدغام ، ويجوز في مثله من المضموم العين في ~~المضارع ثلاثة وجوه في العربية : الضم لإتباع حركة العين ، والفتح لخفته ، ~~والكسر لأنه الأصل في التخلص من التقاء الساكنين ، ولم يقرأ إلا بالضم في ~~المتواتر . # # | 2 ( 121 ، 122 ) { وإذ غدوت من أهلك تبوىء المؤمنين مقاعد للقتال والله ~~سميع عليم * إذ همت طآئفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل ~~المؤمنون } . ) 2 # وجود حرف العطف في قوله : { وإذ غدوت } مانع من تعليق الظرف ببعض الأفعال ~~المتقدمة مثل { ودوأ ما عنتم } ( آل عمران : 118 ) ومثل { يفرحوا بها } ( ~~آل عمران : 120 ) وعليه فهو آت كما أتت نظائره في أوائل الآي والقصص ~~القرآنية ، وهو من عطف جملة على جملة وقصة على وذلك انتقال اقتضابي ~~فالتقدير : واذكر إذ غدوت . ولا يأتي في هذا تعلق الظرف بفعل مما بعده لأن ~~قوله : { تبوىء } لا يستقيم أن يكون مبدأ الغرض ، وقوله : { همت } لا يصلح ~~لتعليق { إذ غدوت } لأنه مدخول ( إذ ) أخرى . # ومناسبة ذكر هذه الوقعة عقب ما تقدم أنها من أوضح مظاهر كيد المخالفين في ~~الدين ، المنافقين ، ولما كان شأن المنافقين من اليهود وأهل يثرب واحدا ، ~~ودخيلتهما سواء ، وكانوا يعملون على ما تدبره اليهود ، جمع الله مكائد ~~الفريقين بذكر غزوة أحد ، وكان نزول هذه السورة عقب غزوة أحد كما تقدم . ~~فهذه الآيات تشير إلى وقعة أحد الكائنة في شوال سنة ثلاث من الهجرة حين نزل ~~مشركو مكة ومن معهم من أحلافهم سفح جبل أحد ، حول المدينة ، لأخذ الثأر بما ~~نالهم يوم بدر من الهزيمة ، فاستشار PageV04P069 رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أصحابه فيما يفعلون وفيهم عبد الله بن أبي ابن ms1675 سلول رأس المنافقين ، ~~فأشار جمهورهم بالتحصن بالمدينة حتى إذا دخل عليهم المشركون المدينة ~~قاتلوهم في الديار والحصون فغلبوهم ، وإن رجعوا رجعوا خائبين ، وأشار فريق ~~بالخروج ورغبوا في الجهاد وألحوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ ~~النبي صلى الله عليه وسلم برأي المشيرين بالخروج ، ولبس لأمته ، ثم عرض ~~للمسلمين تردد في الخروج فراجعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( لا ~~ينبغي لنبيء أن يلبس لأمته فيضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه ) . وخرج ~~بالمسلمين إلى جبل أحد وكان الجبل وراءهم ، وصفهم للحرب ، وانكشفت الحرب عن ~~هزيمة خفيفة لحقت المسلمين بسبب مكيدة عبد الله بن أبي ابن سلول رأس ~~المنافقين ، إذا انخزل هو وثلث الجيش ، وكان عدد جيش المسلمين سبعمائة ، ~~وعدد جيش أهل مكة ثلاثة آلاف ، وهمت بنو سلمة وبنو حارثة من المسلمين ~~بالانخزال ، ثم عصمهم الله ، فذلك قوله تعالى : { إذ همت طائفتان منكم أن ~~تفشلا والله وليهما } أي ناصرهما على ذلك الهم الشيطاني ، الذي لو صار عزما ~~لكان سبب شقائهما ، فلعناية الله بهما برأهما الله من فعل ما همتا به ، وفي ~~( البخاري ) عن جابر بن عبد الله قال : ( نحن الطائفتان بنو حارثة وبنو ~~سلمة وفينا نزلت { إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا } وما يسرني أنها لم تنزل ~~والله يقول : { والله وليهما } وانكشفت الواقعة عن مرجوحية المسلمين إذ قتل ~~منهم سبعون ، وقتل من المشركين نيف وعشرون وقال أبو سفيان يومئذ : ( اعل ~~هبل يوم بيوم بدر والحرب سجال ) وقتل حمزة رضي الله عنه ومثلت به هند بنت ~~عتبة بن ربيعة ، زوج أبي سفيان ، إذ بقرت عن بطنه وقطعت قطعة من كبده ~~لتأكلها لإحنة كانت في قلبها عليه إذ قتل أباها عتبة يوم بدر ، ثم أسلمت ~~بعد وحسن إسلامها . وشج وجه النبيء صلى الله عليه وسلم يومئذ وكسرت رباعيته ~~. والغدو : الخروج في وقت الغداة . # و ( من ) في قوله : { من أهلك } ابتدائية . PageV04P070 # والأهل : الزوج . والكلام بتقدير مضاف يدل عليه فعل { غدوت } أي من بيت ~~أهلك وهو بيت عائشة رضي الله عنها . # و ms1676 { تبوىء } تجعل مباء أي مكان بوء . # والبوء : الرجوع ، وهو هنا المقر لأنه يبوء إليه صاحبه . وانتصب { ~~المؤمنين } على أنه مفعول أول ل ( تبوىء ) ، ومقاعد مفعول ثان إجراء لفعل ~~تبوىء مجرى تعطي . والمقاعد جمع مقعد . وهو مكان القعود أي الجلوس على ~~الأرض ، والقعود ضد الوقوف والقيام ، وإضافة مقاعد لاسم { القتال } قرينة ~~على أنه أطلق على المواضع اللائقة بالقتال التي يثبت فيها الجيش ولا ينتقل ~~عنها لأنها لائقة بحركاته ، فأطلق المقاعد هنا على مواضع القرار كناية ، أو ~~مجازا مرسلا بعلاقة الإطلاق ، وشاع ذلك في الكلام حتى ساوى المقر والمكان ، ~~ومنه قوله تعالى : { في مقعد صدق } ( القمر : 55 ) . # واعلم أن كلمة مقاعد جرى فيها على الشريف الرضي نقد إذ قال في رثاء أبي ~~إسحاق الصابيء : # أعزز علي بأن أراك وقد خلا # عن جانبيك مقاعد العواد # ذكر ابن الأثير في المثل السائر أن ابن سنان قال : إيراده هذه اللفظة في ~~هذا الموضع صحيح إلا أنه موافق لما يكره ذكره لا سيما وقد أضافه إلى من ~~تحتمل إضافته إليه وهم العواد ، ولو انفرد لكان الأمر سهلا . قال ابن ~~الأثير : قد جاءت هذه اللفظة في القرآن فجاءت مرضية وهي قوله تعالى : { وإذ ~~غدوت من أهلك تبوىء المؤمنين مقاعد للقتال } ألا ترى أنها في هذه الآية غير ~~مضافة إلى من تقبح إضافتها إليه . # $ 2 ( 123 125 ) { ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم ~~تشكرون * إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم PageV04P071 بثلاثة ~~ءالاف من الملائكة منزلين * بلى & # 1764 إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هاذا يمددكم ربكم بخمسة ءالا & # 1764 ف من الملائكة مسومين } . ) 2 $ # إذ قد كانت وقعة أحد لم تنكشف عن نصر المسلمين ، عقب الله ذكرها بأن ~~ذكرهم الله تعالى نصره إياهم النصر الذي قدره لهم يوم بدر ، وهو نصر عظيم ~~إذ كان نصر فئة قليلة على جيش كثير ، ذي عدد وافرة ، وكان قتلى المشركين ~~يومئذ سادة قريش ، وأيمة الشرك ، وحسبك بأبي جهل بن هشام ، ولذلك قال تعالى ~~: { وأنتم أذلة } أي ضعفاء ms1677 . والذل ضد العز فهو الوهن والضعف . وهذا تعريض ~~بأن انهزام يوم أحد لا يفل حدة المسلمين لأنهم صاروا أعزة . والحرب سجال . # وقوله : { فاتقوا الله لعلكم تشكرون } اعتراض بين جملة { ولقد نصركم الله ~~ببدر } ومتعلق فعلها أعني { إذ تقول للمؤمنين } . والفاء للتفريع والفاء ~~تقع في الجملة المعترضة على الأصح ، خلافا لمن منع ذلك من النحويين . . ~~فإنه لما ذكرهم بتلك المنة العظيمة ذكرهم بأنها سبب للشكر فأمرهم بالشكر ~~بملازمة التقوى تأدبا بنسبة قوله تعالى : { لئن شكرتم لأزيدنكم } ( إبراهيم ~~: 70 ) . # ومن الشكر على ذلك النصر أن يثبتوا في قتال العدو ، وامتثال أمر النبيء ~~صلى الله عليه وسلم وأن لا تفل حدتهم هزيمة يوم أحد . # وظرف { إذ تقول للمؤمنين } زماني وهو متعلق ( بنصركم ) لأن الوعد بنصرة ~~الملائكة والمؤمنين كان يوم بدر لا يوم أحد . هذا قول جمهور المفسرين . # وخص هذا الوقت بالذكر لأنه كان وقت ظهور هذه المعجزة ، وهذه النعمة ، ~~فكان جديرا بالتذكير والامتنان . # والمعنى : إذ تعد المؤمنين بإمداد الله بالملائكة ، فما كان قول النبيء ~~صلى الله عليه وسلم لهم تلك المقالة إلا بوعد أوحاه الله إليه أن يقوله . ~~PageV04P072 # والاستفهام في قوله : { ألن يكفيكم } تقريري ، والتقريري يكثر أن يورد ~~على النفي ، كما قدمنا بيانه عند قوله تعالى : { ألم تر إلى الذين خرجوا من ~~ديارهم في سورة البقرة ( 243 ) . # وإنما جيء في النفي بحرف لن الذي يفيد تأكيد النفي للإشعار بأنهم كانوا ~~يوم بدر لقلتهم ، وضعفهم ، مع كثرة عدوهم ، وشوكته ، كالآيسين من كفاية هذا ~~المدد من الملائكة ، فأوقع الاستفهام التقريري على ذلك ليكون تلقينا لمن ~~يخالج نفسه اليأس من كفاية ذلك العدد من الملائكة ، بأن يصرح بما في نفسه ، ~~والمقصود من ذلك لازمه ، وهذا إثبات أن ذلك العدد كاف . # ولأجل كون الاستفهام غير حقيقي كان جوابه من قبل السائل بقوله : بلى } ~~لأنه مما لا تسع المماراة فيه كما سيأتي في قوله تعالى : { قل أي شيء أكبر ~~شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم في سورة الأنعام ( 19 ) ، فكان ( بلى ) ~~إبطالا للنفي ، وإثباتا لكون ذلك العدد كافيا ms1678 ، وهو من تمام مقالة النبيء ~~للمؤمنين . # وقد جاء في سورة الأنفال ( 9 ) عند ذكره وقعة بدر أن الله وعدهم بمدد من ~~الملائكة عدده ألف بقوله : إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من ~~الملائكة مردفين } وذكر هنا أن الله وعدهم بثلاثة آلاف ثم صيرهم إلى خمسة ~~آلاف . ووجه الجمع بين الآيتين أن الله وعدهم بثلاثة آلاف ثم صيرهم إلى ~~خمسة آلاف . ووجه الجمع بين الآيتين أن الله وعدهم بألف من الملائكة ~~وأطمعهم بالزيادة بقوله : { مردفين } ( الأنفال : 9 ) أي مردفين بعدد آخر ، ~~ودل كلامه هنا على أنهم لم يزالوا وجلين من كثرة عدد العدو ، فقال لهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم ( ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من ~~الملائكة منزلين ) أراد الله بذلك زيادة تثبيتهم ثم زادهم ألفين إن صبروا ~~واتقوا . وبهذا الوجه فسر الجمهور ، وهو الذي يقتضيه السياق . وقد ثبت أن ~~الملائكة نزلوا يوم بدر لنصرة المؤمنين ، وشاهد بعض الصحابة طائفة منهم ، ~~وبعضهم شهد آثار قتلهم رجالا من المشركين . PageV04P073 # ووصف الملائكة بمنزلين للدلالة على أنهم ينزلون إلى الأرض في موقع القتال ~~عناية بالمسلمين قال تعالى : { ما تنزل الملائكة إلا بالحق } ( الحجر : 8 ) ~~. # وقرأ الجمهور : منزلين بسكون النون وتخفيف الزاي وقرأه ابن عامر بفتح ~~النون وتشديد الزاي . وأنزل ونزل بمعنى واحد . # فالضميران : المرفوع والمجرور ، في قوله : { ويأتوكم من فورهم } عائدان ~~إلى الملائكة الذين جرى الكلام عليهم ، كما هو الظاهر ، وعلى هذا حمله جمع ~~من المفسرين . # وعليه فموقع قوله : { ويأتوكم } موقع وعد ، فهو المعنى معطوف على { ~~يمددكم ربكم } وكان حقه أن يرد بعده ، ولكنه قدم على المعطوف عليه ، تعجيلا ~~للطمأنينة إلى نفوس المؤمنين ، فيكون تقديمه من تقديم المعطوف على المعطوف ~~عليه ، وإذا جاز ذلك التقديم في عطف المفردات كما في قول صنان بن عباد ~~اليشكري : # ثم اشتكيت لأشكاني وساكنه # قبر بسنجار أو قبر على قهد # قال ابن جني في شرح أبيات الحماسة : قدم المعطوف على المعطوف عليه ، ~~وحسنه شدة الاتصال بين الفعل ومرفوعه ( أي فالعامل وهو الفعل آخذ حظه من ms1679 ~~التقديم ولا التفات لكون المعطوفف عليه مؤخرا عن المعطوف ) ولو قلت : ضربت ~~وزيدا عمرا كان أضعف ، لأن اتصال المفعول بالفعل ليس في قوة اتصال الفاعل ~~به ، ولكن لو قلت : مررت وزيد بعمرو ، لم يجز من جهة أنك لم تقدم العامل ، ~~وهو الباء ، على حرف العطف . ومن تقديم المفعول به قول زيد : # جمعت وعيبا غيبة ونميمة # ثلاث خصال لست عنها بمرعوي # ومنه قول آخر : # لعن الإله وزوجها معها # هند الهنود طويلة الفعل PageV04P074 # ولا يجوز وعيبا جمعت غيبة ونميمة . وأما قوله : # عليكك ورحمة الله السلام # فمما قرب مأخذه عن سيبويه ، ولكن الجماعة لم تتلق هذا البيت إلا على ~~اعتقاد التقديم فيه ، ووافقه المرزوقي على ذلك ، وليس في كلامهما أن تقديم ~~المعطوف في مثل ما حسن تقديمه فيه خاص بالضرورة في الشعر ، فلذلك خرجنا ~~عليه هذا الوجه في الآية وهو من عطف الجمل ، على أن عطف الجمل أوسع من عطف ~~المفردات لأنه عطف صوري . # ووقع في ( مغني اللبيب ) في حرف الواو أن تقديم معطوفها على المعطوف عليه ~~ضرورة ، وسبقه إلى ذلك ابن السيد في شرح أبياتت الجمل ، والتفتزاني في شرح ~~المفتاح ، كما نقله عنه الدماميني في ( تحفة الغريب ) . # وجعل جمع من المفسرين ضميري الغيبة في قوله : { ويأتوكم من فورهم } ~~عائدين إلى طائفة من المشركين ، بلغ المسلمين أنهم سيمدون جيش العدو يوم ~~بدر ، وهم كرز بن جابر المحاربي ، ومن معه ، فشق ذلك على المسلمين وخافوا ، ~~فأنزل الله تعالى : { إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم } الآية ، وعليه درج ( ~~الكشاف ) ومتابعوه . فيكون معاد الضميرين غير مذكور في الكلام ، ولكنه ~~معلوم للناس الذين حضروا يوم بدر ، وحينئذ يكون { يأتوكم } معطوفا على ~~الشرط : أي إن صبرتم واتقيتم وأتاكم كرز وأصحابه يعاونون المشركين عليكم ~~يمددكم ربكم بأكثر من ألف ومن ثلاثة آلاف بخمسة آلاف ، قالوا فبلغت كرزا ~~وأصحابه هزيمة المشركين يوم بدر فعدل عن إمدادهم فلم يمدهم الله بالملائكة ~~، أي بالملائكة الزائدين على الألف . وقيل : لم يمدهم بملائكة أصلا ، ~~والآثار تشهد بخلاف ذلك . # وذهب بعض المفسرين الأولين : مثل مجاهد ، وعكرمة ms1680 ، والضحاك ، والزهري : ~~إلى أن القول المحكي في قوله تعالى : { إذ تقول للمؤمنين } قول صادر يوم ~~أحد ، قالوا وعدهم الله بالمدد من الملائكة على شرط أن يصبروا ، فلما لم ~~يصبروا PageV04P075 واستبقوا إلى طلب الغنيمة لم يمددهم الله ولا بملك واحد ~~، وعلى هذا التفسير يكون { إذ تقول المؤمنين } بدلا من { وإذ غدوت } وحينئذ ~~يتعين أن تكون جملة { ويأتوكم } مقدمة على المعطوفة هي عليها ، للوجه ~~المتقدم من تحقيق سرعة النصر ، ويكون القول في إعراب { ويأتوكم } على ما ~~ذكرناه آنفا من الوجهين . # ومعنى { من فورهم هذا } المبادرة السريعة ، فإن الفور المبادرة إلى الفعل ~~، وإضافة الفور إلى ضمير الآتين لإفادة شدة اختصاص الفور بهم ، أي شدة ~~اتصافهم به حتى صار يعرف بأنه فورهم ، ومن هذا القبيل قولهم خرج من فوره . ~~و ( من ) لابتداء الغاية . # والإشارة بقوله ( هذا ) إلى الفور تنزيلا له منزلة المشاهد القريب ، وتلك ~~كناية أو استعادة لكونه عاجلا . # { ومسومين } قرأه الجمهور بفتح الواو على صيغة اسم المفعول من سومه ، ~~وقرأه ابن كثير ، وأبو عمرو ، وعاصم ، ويعقوب بكسر الواو بصيغة اسم الفاعل ~~. وهو مشتق من السومة بضم السين وهي العلامة مقلوب سمة لأن أصل سمة وسمة . ~~وتطلق السومة على علامة يجعلها البطل لنفسه في الحرب من صوف أو ريش ملون ، ~~يجعلها على رأسه أو على رأس فرسه ، يرمز بها إلى أنه لا يتقي أن يعرفه ~~أعداؤه ، فيسددوا إليه سهامهم ، أو يحملون عليه بسيوفهم ، فهو يرمز بها إلى ~~أنه واثق بحمايته نفسه بشجاعته ، وصدقق لقائه ، وأنه لا يعبأ بغيره من ~~العدو . وتقدم الكلام عليها في تفسير قوله تعالى : { والخيل المسومة } ( آل ~~عمران : 14 ) في أول هذه السورة . وصيغة التفعيل والاستفعال تكثران في ~~اشتقاق الأفعال من الأسماء الجامدة . # ووصف الملائكة بذلك كناية على كونهم شدادا . # وأحسب أن الأعداد المذكورة هنا مناسبة لجيش العدو لأن جيش العدو يوم بدر ~~كان ألفا فوعدهم الله بمدد ألف من الملائكة فلما خشوا أن يلحق بالعدو مدد ~~من كرز المحاربي . وعدهم الله بثلاثة آلاف أي بجيش له قلب . PageV04P076 # وميمنة وميسرة كل ms1681 ركن منها ألف ، ولما لم تنقشع خشيتهم من إمداد المشركين ~~لأعدائهم وعدهم الله بخمسة آلاف ، وهو جيش عظيم له قلب وميمنة وميسرة ~~ومقدمة وساقة ، وذلك هو الخميس ، وهو أعظم تركيبا وجعل كل ركن منه مساويا ~~لجيش العدو كله . # $ 2 ( 126 128 ) { وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما ~~النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم * ليقطع طرفا من الذين كفرو & # 1764 ا أو يكبتهم فينقلبوا خآئبين * ليس لك من الامر شىء أو يتوب عليهم ~~أو يعذبهم فإنهم ظالمون } . ) 2 $ # يجوز أن تكون جملة { وما جعله الله إلا بشرى } في موضع الحال من اسم ~~الجلالة في قوله : { ولقد نصركم الله ببدر } ( البقرة : 123 ) والمعنى لقد ~~نصركم الله ببدر حين تقول للمؤمنين ما وعدك الله به في حال أن الله ما جعل ~~ذلك الوعد إلا بشرى لكم وإلا فإنه وعدكم النصر كما في قوله تعالى : { وإذ ~~يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم } ( الأنفال : 70 ) الآية . # ويجوز أن يكون الواو للعطف عطف الإخبار على التذكير والامتنان . وإظهار ~~اسم الجلالة في مقام الإضمار للتنويه بهذه العناية من الله بهم ، والخطاب ~~للنبيء صلى الله عليه وسلم والمسلمين . # وضمير النصب في قوله : { جعله } عائد إلى الإمداد المستفاد من { يمددكم } ~~( آل عمران : 125 ) أو إلى الوعد المستفاد من قوله : { إن تصبروا وتتقوا } ~~( آل عمران : 125 ) الآية . # والاستثناء مفرغ . و { بشرى } مفعول ثان ل ( جعله ) أي ما جعل الله ~~الإمداد والوعد به إلا أنه بشرى ، أي جعله بشرى ، ولم يجعله غير ذلك . # و ( لكم ) متعلق ب ( بشرى ) . وفائدة التصريح به مع ظهور أن البشرى إليهم ~~هي PageV04P077 الدلالة على تكرمة الله تعالى إياهم بأن بشرهم بشرى لأجلهم ~~كما في التصريح بذلك في قوله تعالى : { ألم نشرح لك صدرك } ( الشرح : 1 ) . # والبشرى اسم لمصدر بشر كالرجعى ، والبشرى خبر بحصول ما فيه نفع ومسرة ~~للمخبر به ، فإن الله لما وعدهم بالنصر أيقنوا به فكان في تبيين سببه وهو ~~الإمداد بالملائكة طمأنة لنفوسهم لأن النفوس تركن إلى الصور المألوفة ms1682 . # والطمأنة والطمأنينة : السكون وعدم الاضطراب ، واستعيرت هنا ليقين النفس ~~بحصول الأمر تشبيها للعلم الثابت بثبات النفس أي عدم اضطرابها ، وتقدمت عند ~~قوله تعالى : { ولكن ليطمئن قلبي في سورة البقرة ( 260 ) . # وعطف ولتطمئن } على { بشرى } فكان داخلا في حيز الاستثناء فيكون استثناء ~~من عللل ، أي ما جعله الله لأجل شيء إلا لأجل أن تطمئن قلوبكم به . # وجملة { وما النصر إلا من عند الله } تذييل أي كل نصر هو من الله لا من ~~الملائكة . وإجراء وصفي العزيز الحكيم هنا لأنهما أولى بالذكر في هذا ~~المقام ، لأن العزيز ينصر من يريد نصره ، والحكيم يعلم من يستحق نصره وكيف ~~يعطاه . # وقوله : { ليقطع طرفا } متعلق ب ( النصر ) باعتبار أنه علة لبعض أحوال ~~النصر ، أي ليقطع يوم بدر طرفا من المشركين . # والطرف بالتحريك يجوز أن يكون بمعنى الناحية ، ويخص بالناحية التي هي ~~منتهى المكان ، قال أبو تمام : # كانت هي الوسط المحمي فاتصلت # بها الحوادث حتى أصبحت طرفا # فيكون استعارة لطائفة من المشركين كقوله تعالى : { أو لم يروا أنا نأتي ~~الأرض ننقصها من أطرافها } ( الرعد : 41 ) ويجوز أن يكون بمعنى الجزء ~~المتطرف من الجسد PageV04P078 كاليدين والرجلين والرأس فيكون مستعارا هنا ~~لأشرافف المشركين ، أي ليقطع من جسم الشرك أهم أعضائه ، أي ليستأصل صناديد ~~الذين كفروا . وتنكير ( طرفا ) للتفخيم ، ويقال : هو من أطراف العرب ، أي ~~من أشرافها وأهل بيوتاتها . # ومعنى { أو يكبتهم } يصيبهم بغم وكمد ، وأصل كبت كبد بالدال إذا أصابه في ~~كبده . كقولهم : صدر إذا أصيب في صدره ، وكلي إذا أصيب في كليته ، ومتن إذا ~~أصيب في متنه ، ورئي إذا أصيب في رئته ، فأبدلت الدال تاء وقد تبدل التاء ~~دالا كقولهم : سبد رأسه وسبته أي حلقه . والعرب تتخيل الغم والحزن مقره ~~الكبد ، والغضب مقره الصدر وأعضاء التنفس . قال أبو الطيب يمدح سيف الدولة ~~حين سفره عن أنطاكية : # لأكبت حاسدا وأري عدوا # كأنهما وداعك والرحيل # وقد استقرى أحوال الهزيمة فإن فريقا قتلوا فقطع بهم طرف من الكافرين ، ~~وفريقا كبتوا وانقلبوا خائبين ، وفريقا من الله عليهم بالإسلام ، فأسلموا ، ~~وفريقا عذبوا ms1683 بالموت على الكفر بعد ذلك ، أو عذبوا في الدنيا بالذل ، ~~والصغار ، والأسر ، والمن عليهم يوم الفتح ، بعد أخذ بلدهم و ( أو ) بين ~~هذه الأفعال للتقسيم . # وهذا القطع والكبت قد مضيا يوم بدر قبل نزول هذه الآية بنحو سنتين ، ~~فالتعبير عنهما بصيغة المضارع لقصد استحضار الحالة العجيبة في ذلك النصر ~~المبين العزيز النظير . # وجملة { ليس لك من الأمر شيء } معترضة بين المتعاطفات ، والخطاب للنبيء ~~صلى الله عليه وسلم فيجوز أن تحمل على صريح لفظها ، فيكون المعنى نفي أن ~~يكون للنبيء ، أي لقتاله الكفار بجيشه من المسلمين ، تأثير في حصول النصر ~~يوم بدر ، فإن المسلمين كانوا في قلة من كل جانب من جوانب القتال ، أي ~~فالنصر حصل بمحض فضل الله على المسلمين ، وهذا من معنى قوله : { فلم ~~تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } ( الأنفال : 17 ~~) . PageV04P079 ولفظ ( الأمر ) من قوله : { ليس لك من الأمر شيء } معناه ~~الشأن ، و ( أل ) فيه للعهد ، أي من الشأن الذي عرفتموه وهو النصر . # ويجوز أن تحمل الجملة على أنها كناية عن صرف النبيء عليه الصلاة والسلام ~~عن الاشتغال بشأن ما صنع الله بالذين كفروا ، من قطع طرفهم ، وكبتهم أو ~~توبة عليهم ، أو تعذيب لهم : أي فذلك موكول إلينا نحققه متى أردنا ، ويتخلف ~~متى أردنا على حسب ما تقتضيه حكمتنا ، وذلك كالاعتذار عن تخلف نصر المسلمين ~~يوم أحد . # فلفظ ( الأمر ) بمعنى شأن المشركين . والتعريف فيه عوض عن المضاف إليه ، ~~أي ليس لك من أمرهم اهتمام . وهذا تذكير بما كان للنبيء صلى الله عليه وسلم ~~يوم بدر من تخوف ظهور المشركين عليه ، وإلحاحه في الدعاء بالنصر . ولعل ~~النبيء صلى الله عليه وسلم كان يود استيصال جميع المشركين يوم بدر حيث وجد ~~مقتضى ذلك وهو نزول الملائكة لإهلاكهم ، فذكره الله بذلك أنه لم يقدر ~~استيصالهم جميعا بل جعل الانتقام منهم ألوانا فانتقم من طائفة بقطع طرف ~~منهم ، ومن بقيتهم بالكبتت ، وهو الحزن على قتلاهم ، وذهاب رؤسائهم ، ~~واختلال أمورهم ، واستبقى طائفة ليتوب عليهم ويهديهم ، فيكونوا قوة ~~للمسلمين ms1684 فيؤمنوا بعد ذلك ، وهم من آمن من أهل مكة قبل الفتح ، ويوم الفتح ~~: مثل أبي سفيان ، والحارث بن هشام أخي أبي جهل ، وعكرمة بن أبي جهل ، ~~وصفوان بن أمية ، وخالد بن الوليد ، وعذب طائفة عذاب الدنيا بالأسر ، أو ~~بالقتل : مثل ابن خطل ، والنضر بن الحارث ، فلذلك قيل له : ( ليس لك من ~~الأمر شيء ) . ووضعت هذه الجملة بين المتعاطفات ليظهر أن المراد من الأمر ~~هو الأمر الدائر بين هذه الأحوال الأربعة من أحوال المشركين ، أي ليس لك من ~~أمر هذه الأحوال الأربعة شيء ولكنه موكول إلى الله ، هو أعلم بما سيصيرون ~~إليه وجعل هذه الجملة قبل قوله : { أو يتوب عليهم } استئناس للنبيء صلى ~~الله عليه وسلم إذ قدم ما يدل على الانتقام منهم لأجله ، ثم أردف ~~PageV04P080 بما يدل على العفو عنهم ، ثم أردف بما يدل على عقابهم ، ففي ~~بعض هذه الأحوال إرضاء له من جانب الانتصار له ، وفي بعضها إرضاء له من ~~جانب تطويعهم له . ولأجل هذا المقصد عاد الكلام إلى بقية عقوبات المشركين ~~بقوله تعالى : { أو يعذبهم } . # ولكون التذكير بيوم بدر وقع في خلال الإشارة إلى وقعة أحد ، كأن في هذا ~~التقسيم إيماء إلى ما يصلح بيانا لحكمة الهزيمة اللاحقة المسلمين يوم أحد ، ~~إذ كان في استبقاء كثير من المشركين ، لم يصبهم القتل يومئذ ، ادخار فريق ~~عظيم منهم للإسلام فيما بعد ، بعد أن حصل رعبهم من المسلمين بوقعة بدر ، ~~وإن حسبوا للمسلمين أي حساب بما شاهدوه من شجاعتهم يوم أحد ، وإن لم ~~ينتصروا . ولا يستقيم أن يكون قوله : { ليس لك من الأمر شيء } متعلقا ~~بأحوال يوم أحد : لأن سياق الكلام ينبو عنه ، وحال المشركين يوم أحد لا ~~يناسبه قوله : { ليقطع طرفا من الذين كفروا } إلى قوله : { خائبين } . # ووقع في ( صحيح مسلم ) ، عن أنس بن مالك : أن النبيء صلى الله عليه وسلم ~~شج وجهه ، وكسرت رباعيته يوم أحد ، وجاء المسلمون يمسحون الدم عن وجه نبيهم ~~، فقال النبيء عليه السلام : ( كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم ~~إلى ربهم ) أي في ms1685 حال أنه يدعوهم إلى الخير عند ربهم ، فنزلت الآية ، ~~ومعناه : لا تستبعد فلاحهم . ولا شك أن قوله فنزلت هذه الآية متأول على ~~إرادة : : فذكر النبيء صلى الله عليه وسلم بهذه الآية ، لظهور أن ما ذكروه ~~غير صالح لأن يكون سببا لأن النبيء تعجب من فلاحهم أو استبعده ، ولم يدع ~~لنفسه شيئا ، أو عملا ، حتى يقال : ( ليس لك من الأمر شيء ) . وروى الترمذي ~~: أن النبيء صلى الله عليه وسلم دعا على أربعة من المشركين ، وسمى أناسا ، ~~فنزلت هذه الآية لنهيه عن ذلك ، ثم أسلموا . وقيل : إنه هم بالدعاء ، أو ~~استأذن الله أن يدعو عليهم بالاستيصال ، فنهى . ويرد هذه الوجوه ما في ( ~~صحيح مسلم ) ، عن ابن مسعود ، قال : كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يحكي نبيئا من الأنبياء ضربه قومه ، وهو يمسح الدم عن وجهه ، وهو يقول ~~: رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون . PageV04P081 وورد أنه لما شج وجهه يوم ~~أحد قال له أصحابه : لو دعوت عليهم ، فقال : إني لم أبعث لعانا ، ولكني ~~بعثت داعيا ورحمة ، اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون . وما ثبت من خلقه صلى ~~الله عليه وسلم أنه كان لا ينتقم لنفسه . # وأغرب جماعة فقالوا نزل قوله : { ليس لك من الأمر شيء } نسخا لما كان ~~يدعو به النبيء صلى الله عليه وسلم في قنوته على رعل ، وذكوان ، وعصية ، ~~ولحيان ، الذين قتلوا أصحاب بئر معونة ، وسندهم في ذلك ما وقع في ( البخاري ~~) أن النبيء صلى الله عليه وسلم لم يزل يدعو عليهم ، حتى أنزل الله : { ليس ~~لك من الأمر شيء } . قال ابن عطية : وهذا كلام ضعيف كله وليس هذا من مواضع ~~الناسخ والمنسوخ . وكيف يصح أن تكون نزلت لنسخ ذلك وهي متوسطة بين علل ~~النصر الواقع يوم بدر . وتفسير ما وقع في ( صحيح البخاري ) من حديث أبي ~~هريرة : أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك الدعاء على المشركين بعد نزول هذه ~~الآية أخذا بكامل الأدب ، لأن الله لما أعلمه في هذا بما يدل على أن الله ~~أعلم بما ms1686 فيه نفع الإسلام ، ونقمة الكفر ، ترك الدعاء عليهم إذ لعلهم أن ~~يسلموا . وإذ جعلنا دعاءه صلى الله عليه وسلم على قبائل من المشركين في ~~القنوت شرعا تقرر بالاجتهاد في موضع الإباحة لأن أصل الدعاء على العدو مباح ~~، فتركه لذلك بعد نزول هذه الآية ، من قبيل النسخ بالقياس ، نسخت حكم ~~الإباحة التي هي استواء الفعل والترك بإثبات حكم أولوية الفعل . # ومنهم من أبعد المرمى ، وزعم أن قوله : { أو يتوب عليهم } منصوب بأن ~~مضمرة وجوبا ، وأن ( أو ) بمعنى حتى : أي ليس لك من أمر إيمانهم شيء حتى ~~يتوب الله عليهم ، أي لا يؤمنون إلا إذا تاب عليهم ، وهل يجهل هذا أحد حتى ~~يحتاج إلى بيانه ، على أن الجملة وقعت بين علل النصر ، فكيف يشتت الكلام ، ~~وتنتثر المتعاطفات . # ومنهم من جعل { أو يتوب عليهم } عطفا على قوله { الأمر } أو على قوله { ~~شيء } ، من عطف الفعل على اسم خالص بإضمار أن على سبيل الجواز ، أي ليس لك ~~من أمرهم أو توبتهم شيء ، أو ليس لك من الأمر شيء أو توبة عليهم . ~~PageV04P082 # فإن قلت : هلا جمع العقوبات متوالية : فقال ليقطع طرفا من الذين كفروا ، ~~أو يكبتهم فينقلبوا خائبين ، أو يتوب عليهم ، أو يعذبهم ، قلت : روعي قضاء ~~حق جمع النظير أولا ، وجمع الضدين ثانيا ، بجمع القطع والكبتت ، ثم جمع ~~التوبة والعذاب ، على نحو ما أجاب به أبو الطيب عن نقد من نقد قوله في سيف ~~الدولة : # وقفت وما في الموت شك لواقف # كأنك في جفن الردى وهو نائم # تمر بك الأبطال كلمى حزينة # ووجهك وضاح وثغرك باسم # إذ قدم من صفتيه تشبيهه بكونه في جفن الردى لمناسبة الموت ، وأخر الحال ~~وهي ووجهك وضاح لمضادة قوله كلمى حزينة ، في قصة مذكورة في كتب الأدب . # واللام الجارة لام الملك ، وكاف الخطاب لمعين ، وهو الرسول عليه الصلاة ~~والسلام . # وهذه الجملة تجري مجرى المثل إذ ركبت تركيبا وجيزا محذوفا منه بعض ~~الكلمات ، ولم أظفر ، فيما حفظت من غير القرآن ، بأنها كانت مستعملة عند ~~العرب ، فلعلها من مبتكرات القرآن ، وقريب منها ms1687 قوله : { وما أملك لك من ~~الله من شيء } ( الممتحنة : 4 ) وسيجيء قريب منها في قوله الآتي : { يقولون ~~هل لنا من الأمر من شيء } ( آل عمران : 154 ) و { يقولون لو كان لنا من ~~الأمر شيء ما قتلنا ههنا } ( آل عمران : 154 ) فإن كانت حكاية قولهم بلفظه ~~، فقد دل على أن هذه الكلمة مستعملة عند العرب ، وإن كان حكاية بالمعنى فلا ~~. # وقوله : { فإنهم ظالمون } إشارة إلى أنهم بالعقوبة أجدر ، وأن التوبة ~~عليهم إن وقعت فضل من الله تعالى . # # | 2 ( 129 ) { ولله ما فى السماوات وما فى الارض يغفر لمن يشآء ويعذب من ~~يشآء والله غفور رحيم } . ) 2 # PageV04P083 # تذييل لقوله : { أو يتوب عليهم أو يعذبهم } مشير إلى أن هذين الحالين على ~~التوزيع بين المشركين ، ولما كان مظنة التطلع لمعرفة تخصيص فريق دون فريق ، ~~أو تعميم العذاب ، ذيله بالحوالة على إجمال حضرة الإطلاق الإلهية ، لأن ~~أسرار تخصيص كل أحد بما يعين له ، أسرار خفية لا يعلمها إلا الله تعالى ، ~~وكل ميسر لما خلق له . # $ 2 ( 130 132 ) { ياأيها الذين ءامنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة ~~واتقوا الله لعلكم تفلحون * واتقوا النار التى & # 1764 أعدت للكافرين * وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون } . ) 2 $ # لولا أن الكلام على يوم أحد لم يكمل ، إذ هو سيعاد عند قوله تعالى : { قد ~~خلت من قبلكم سنن } إلى قوله : { يستبشرون بنعمة من الله . . . } ( آل ~~عمران : 171 ) الآية لقلنا إن قوله : { يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا ~~الربوا } اقتضاب تشريع ، ولكنه متعين لأن نعتبره استطرادا في خلال الحديث ~~عن يوم أحد ، ثم لم يظهر وجه المناسبة في وقوعه في هذا الأثناء . قال ابن ~~عطية : ولا أحفظ سببا في ذلك مرويا . وقال الفخر : من الناس من قال : لما ~~أرشد الله المؤمنين إلى الأصلح لهم في أمر الدين والجهاد أتبع ذلك بما يدخل ~~في الأمر والنهي فقال : { يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربوا } فلا تعلق ~~لها بما قبلها . # وقال القفال : لما أنفق المشركون على جيوشهم أموالا جمعوها من الربا ، ~~خيف أن يدعو ذلك ms1688 المسلمين إلى الإقدام على الربا . وهذه مناسبة مستبعدة . ~~وقال ابن عرفة : لما ذكر الله وعيد الكفار عقبه ببيان أن الوعيد لا يخصهم ~~بل يتناول العصاة ، وذكر أحد صور العصيان وهي أكل الربا . وهو في ضعف ما ~~قبله ، وعندي بادىء ذي بدء أن لا حاجة إلى اطراد المناسبة ، فإن مدة نزول ~~السورة قابلة ، لأن تحدث في خلالها حوادث ينزل فيها قرآن فيكون من جملة تلك ~~PageV04P084 السورة ، كما بيناه في المقدمة الثامنة ، فتكون هاته الآية ~~نزلت عقب ما نزل قبلها فكتبت هنا ولا تكون بينهما مناسبة إذ هو ملحق إلحاقا ~~بالكلام . # ويتجه أن يسأل سائل عن وجه إعادة النهي عن الربا في هذه السورة بعد ما ~~سبق من آيات سورة البقرة بما هو أوفى مما في هذه السورة ، فالجواب : أن ~~الظاهر أن هذه الآية نزلت قبل نزول آية سورة البقرة فكانت هذه تمهيدا لتلك ~~، ولم يكن النهي فيها بالغا ما في سورة البقرة وقد روي أن آية البقرة نزلت ~~بعد أن حرم الله الربا وأن ثقيفا قالوا : كيف ننهى عن الربا ، وهومثل البيع ~~، ويكون وصف الربا ب { أضعافا مضاعفة } نهيا عن الربا الفاحش وسكت عما دون ~~ذلك مما لا يبلغ مبلغ الأضعاف ، ثم نزلت الآية التي في سورة البقرة ويحتمل ~~أن يكون بعض المسلمين داين بعضا بالمراباة عقب غزوة أحد فنزل تحريم الربا ~~في مدة نزول قصة تلك الغزوة . وتقدم الكلام على معنى أكل الربا ، وعلى معنى ~~الربا ، ووجه تحريمه ، في سورة البقرة . # وقوله : { أضعافا مضاعفة } حال من { الربا } والأضعاف جمع ضعف بكسر الضاد ~~وهو معادل الشيء في المقدار إذا كان الشيء ومماثله متلازمين ، لا تقول : ~~عندي ضعف درهمك ، إذ ليس الأصل عندك ، بل يحسن أن تقول : عندي درهمان ، ~~وإنما تقول : عندي درهم وضعفه ، إذا كان أصل الدرهم عندك ، وتقول : لك درهم ~~وضعفه ، إذا فعلت كذا . # والضعف يطلق على الواحد إذا كان غير معرف بأل نحو ضعفه ، فإذا أريد الجمع ~~جيء به بصيغة الجمع كما هنا ، وإذا عرف الضعف بأل صح اعتبار ms1689 العهد ~~واعتبارالجنس ، كقوله تعالى : { فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا } ( سبأ : ~~37 ) فإن الجزاء أضعاف ، كما جاء في الحديث إلى سبعمائة ضعف . # وقوله : { مضاعفة } صفة للأضعاف أي هي أضعاف يدخلها التضعيف ، وذلك أنهم ~~كانوا إذا داينوا أحدا إلى أجل داينوه بزيادة ، ومتى أعسر عند الأجل أو رام ~~التأخير زاد مثل تلك الزيادة ، فيصير الضعف ضعفا ، ويزيد ، وهكذا ، فيصدق ~~PageV04P085 بصورة أن يجعلوا الدين مضاعفا بمثله إلى الأجل ، وإذا ازداد ~~أجلا ثانيا زاد مثل جميع ذلك ، فالأضعاف من أول التداين للأجل الأول ، ~~ومضاعفتها في الآجال الموالية ، ويصدق بأن يداينوا بمراباة دون مقدار الدين ~~ثم تزيد بزيادة الآجال ، حتى يصير الدين أضعافا ، وتصير الأضعاف أضعافا ، ~~فإن كان الأول فالحال واردة لحكاية الواقع فلا تفيد مفهوما : لأن شرط ~~استفادة المفهوم من القيود أن لا يكون القيد الملفوظ به جرى لحكاية الواقع ~~، وإن كان الثاني فالحال واردة لقصد التشنيع وإراءة هذه العاقبة الفاسدة . ~~وإذ قد كان غالب المدينين تستمر حاجتهم آجالا طويلة ، كان الوقوع في هذه ~~العاقبة مطردا ، وحينئذ فالحال لا تفيد مفهوما كذلك إذ ليس القصد منها ~~التقييد بل التشنيع ، فلا يقتصر التحريم بهذه الآية على الربا البالغ ~~أضعافا كثيرة ، حتى يقول قائل : إذا كان الربا أقل من ضعف رأس المال فليس ~~بمحرم . فليس هذا الحال هو مصب النهي عن أكل الربا حتى يتوهم متوهم أنه إن ~~كان دون الضعف لم يكن حراما . ويظهر أنها أول آية نزلت في تحريم الربا ، ~~وجاءت بعدها آية البقرة ، لأن صيغة هذه الآية تناسب ابتداء التشريع ، وصيغة ~~آية البقرة تدل على أن الحكم قد تقرر ، ولذلك ذكر في تلك الآية عذاب ~~المستمر على أكل الربا . وذكر غرور من ظن الربا مثل البيع ، وقيل فيها { ~~فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف } ( البقرة : 275 ) الآية ، كما ~~ذكرناه آنفا ، فمفهوم القيد معطل على كل حال . # وحكمة تحريم الربا هي قصد الشريعة حمل الأمة على مواساة غنيها محتاجها ~~احتياجا عارضا موقتا بالقرض ، فهو مرتبة دون الصدقة ، وهو ضرب من ms1690 المواساة ~~إلا أن المواساة منها فرض كالزكاة ، ومنها ندب كالصدقة والسلفف ، فإن انتدب ~~لها المكلف حرم عليه طلب عوض عنها ، وكذلك المعروف كله ، وذلك أن العادة ~~الماضية في الأمم ، وخاصة العرب ، أن المرء لا يتداين إلا لضرورة حياته ، ~~فلذلك كان حق الأمة مواساته . والمواساة يظهر أنها فرض كفاية على القادرين ~~عليها ، فهو غير الذي جاء يريد المعاملة للربح كالمتبايعين PageV04P086 ~~والمتقارضين : للفرق الواضح في العرف بين التعامل وبين التداين إلا أن ~~الشرع ميز هاته الواهي بعضها عن بعض بحقائقها الذاتية ، لا باختلاف أحوال ~~المتعاقدين ، فلذلك لم يسمح لصاحب المال في استثماره بطريقة الربا في السلف ~~، ولو كان المستسلف غير محتاج ، بل كان طالب سعة وإثراء بتحريك المال الذي ~~يتسلفه في وجوه الربح والتجارة ونحو ذلك ، وسمح لصاحب المال في استثماره ~~بطريقة الشركة والتجارة ودين السلم ، ولو كان الربح في ذلك أكثر من مقدار ~~الربا تفرقة بين المواهي الشرعية . # ويمكن أن يكون مقصد الشريعة من تحريم الربا البعد بالمسلمين عن الكسل في ~~استثمار المال ، وإلجاؤهم إلى التشارك والتعاون في شؤون الدنيا ، فيكون ~~تحريم الربا ، ولو كان قليلا ، مع تجويز الربح من التجارة والشركات ، ولو ~~كان كثيرا تحقيقا لهذا المقصد . # ولقد قضى المسلمون قرونا طويلة لم يروا أنفسهم فيها محتاجين إلى التعامل ~~بالربا ، ولم تكن ثروتهم أيامئذ قاصرة عن ثروة بقية الأمم في العالم ، ~~أزمان كانت سيادة العالم بيدهم ، أو أزمان كانوا مستقلين بإدارة شؤونهم ، ~~فلما صارت سيادة العالم بيد أمم غير إسلامية ، وارتبط المسلمون بغيرهم في ~~التجارة والمعاملة ، وانتظمت سوق الثروة العالمية على قواعد القوانين التي ~~لا تتحاشى المراباة في المعاملات ، ولا تعرف أساليب مواساة المسلمين ، دهش ~~المسلمون ، وهم اليوم يتساءلون ، وتحريم الربا في الآية صريح ، وليس لما ~~حرمه الله مبيح . ولا مخلص من هذا المضيق إلا أن تجعل الدول الإسلامية ~~قوانين مالية تبنى على أصول الشريعة في المصارف ، والبيوع ، وعقود ~~المعاملات المركبة من رؤوس الأموال وعمل العمال . وحوالات الديون ومقاصتها ~~وبيعها . وهذا يقضي بإعمال أنظار علماء الشريعة والتدارس بينهم في مجمع ms1691 ~~يحوي طائفة من كل فرقة كما أمر الله تعالى . # وقد تقدم ذكر الربا والبيوع الربوية عند تفسير قوله تعالى : { الذين ~~يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس الآيات ~~الخمس من سورة البقرة ( 275 ) . PageV04P087 # وقوله : واتقوا النار التي أعدت للكافرين } تحذير وتنفير من النار وما ~~يوقع فيها ، بأنها معدودة للكافرين وإعدادها للكافرين . عدل من الله تعالى ~~وحكمة لأن ترتب الأشياء على أمثالها من أكبر مظاهر الحكمة ، ومن أشركوا ~~بالله مخلوقاته ، فقد استحقوا الحرمان من رحماته ، والمسلمون لا يرضون ~~بمشاركة الكافرين لأن الإسلام الحق يوجب كراهية ما ينشأ عن الكفر . وذاك ~~تعريض واضح في الوعيد على أخذ الربا . # ومقابل هذا التنفير الترغيب الآتي في قوله : { وجنة عرضها السموات والأرض ~~أعدت للمتقين } ( آل عمران : 133 ) ، والتقوى أعلى درجات الإيمان . # وتعريف النار بهذه الصلة يشعر بأنه قد شاع بين المسلمين هذا الوصف للنار ~~بما في القرآن من نحو قوله تعالى : { يأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ~~نارا وقودها الناس والحجارة } ( التحريم : 6 ) ، وقوله : { وبرزت الجحيم ~~للغاوين } ( الشعراء : 91 ) الآية . # $ 2 ( 133 ، 134 ) { وسارعو & # 1764 ا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والارض أعدت للمتقين * ~~الذين ينفقون فى السرآء والضرآء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله ~~يحب المحسنين } . ) 2 $ # قرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر { سارعوا } دون واو عطف . # تتنزل جملة { سارعوا . . } منزلة البيان ، أو بدل الاشتمال ، لجملة { ~~وأطيعوا الله والرسول } لأن طاعة الله والرسول مسارعة إلى المغفرة والجنة ~~فلذلك فصلت . ولكون الأمر بالمسارعة إلى المغفرة والجنة يؤول إلى الأمر ~~بالأعمال الصالحة جاز عطف الجملة على الجملة الأمر بالطاعة ، فلذلك قرأ ~~بقية العشرة { وسارعوا } . بالعطف وفي هذه الآية ما ينبئنا بأنه يجوز الفصل ~~والوصل في بعض الجمل باعتبارين . # والسرعة المشتق منها سارعوا مجاز في الحرص والمنافسة والفور إلى عمل ~~الطاعات التي هي سبب المغفرة والجنة ، ويجوز أن تكون السرعة حقيقة ، وهي ~~سرعة الخروج إلى الجهاد عند النفير كقوله في الحديث : ( وإذا استنفرتم ~~فانفروا ) . PageV04P088 # والمسارعة ، على التقادير كلها تتعلق بأسباب ms1692 المغفرة وأسباب دخول الجنة ، ~~فتعليقها بذات المغفرة والجنة من تعليق الأحكام بالذوات على إرادة أحوالها ~~عند ظهور عدم الفائدة في التعلق بالذات . # وجيء بصيغة المفاعلة ، مجردة عن معنى حصول الفعل من جانبين ، قصد ~~المبالغة في طلب الإسراع ، والعرب تأتي بما يدل في الوضع على تكرر الفعل ~~وهم يريدون التأكيد والمبالغة دون التكرير ، ونظيره التثنية في قولهم : ~~لبيك وسعديك ، وقوله تعالى : { ثم ارجع البصر كرتين } ( الملك : 4 ) . # وتنكير ( مغفرة ) ووصلها بقوله : { من ربكم } مع تأتي الإضافة بأن يقال ~~إلى مغفرة ربكم ، لقصد الدلالة على التعظيم ، ووصف الجنة بأن عرضها ~~السماوات والأرض على طريقة التشبيه البليغ ، بدليل التصريح بحرف التشبيه في ~~نظيرتها في آية سورة الحديد . والعرض في كلام العرب يطلق على ما يقابل ~~الطول ، وليس هو المراد هنا ، ويطلق على الاتساع لأن الشيء العريض هو ~~الواسع في العرف بخلاف الطويل غير العريض فهو ضيق ، وهذا كقول العديل : # ودون يد الحجاج من أن تنالني # بساط بأيدي الناعجاتت عريض # وذكر السماوات والأرض جار على طريقة العرب في تمثيل شدة الاتساع . وليس ~~المراد حقيقة عرض السماوات والأرض ليوافق قول الجمهور من علمائنا بأن الجنة ~~مخلوقة الآن ، وأنها في السماء ، وقيل : هو عرضها حقيقة ، وهي مخلوقة الآن ~~لكنها أكبر من السماوات وهي فوق السماوات تحت العرش ، وقد روي : العرش سقف ~~الجنة . وأما من قال : إن الجنة لم تخلق الآن وستخلق يوم القيامة ، وهو قول ~~المعتزلة وبعض أهل السنة منهم منذر بن سعيد البلوطي الأندلسي الظاهري ، ~~فيجوز عندهم أن تكون كعرض السماوات والأرض بأن تخلق في سعة الفضاء الذي كان ~~يملؤه السماوات والأرض أو في سعة فضاء أعظم من ذلك . وأدلة الكتاب والسنة ~~ظاهرة في أن الجنة مخلوقة ، وفي حديث رؤيا رآها النبيء صلى الله عليه وسلم ~~وهو الحديث الطويل الذي PageV04P089 فيه قوله : ( إن جبريل وميكاييل قالا ~~له : ارفع رأسك ، فرفع فإذا فوقه مثل السحاب ، قالا : هذا منزلك ، قال : ~~فقلت : دعاني أدخل منزلي ، قالا : إنه بقي لك عمر لم تستكمله فلو استكملت ~~أتيت منزلك ) . # { أعدت للمتقين ms1693 } { الذين ينفقون فى السرآء والضرآء والكاظمين الغيظ ~~والعافين عن الناس والله يحب المحسنين } . # أعقب وصف الجنة بذكر أهلها لأن ذلك مما يزيد التنويه به ، ولم يزل ~~العقلاء يتخيرون حسن الجوار كما قال أبو تمام : # من مبلغ أفناء يعرب كلها # أني بنيت الجار قبل المنزل # وجملة { أعدت للمتقين } استئناف بياني لأن ذكر الجنة عقب ذكر النار ~~الموصوفة بأنها أعدت للكافرين يثير في نفوس السامعين أن يتعرفوا من الذين ~~أعدت لهم : فإن أريد بالمتقين أكمل ما يتحقق فيه التقوى ، فإعدادها لهم ~~لأنهم أهلها فضلا من الله تعالى الذين لا يلجون النار أصلا عدلا من الله ~~تعالى فيكون مقابل قوله : { واتقوا النار التي أعدت للكافرين } ( آل عمران ~~: 131 ) ، ويكون عصاة المؤمنين غير التائبين قد أخذوا بحظ من الدارين ، ~~لمشابهة حالهم حال الفريقين عدلا من الله وفضلا ، وبمقدار الاقتراب من ~~أحدهما يكون الأخذ بنصيب منه ، وأريد المتقون في الجملة فالإعداد لهم ~~باعتبار أنهم مقدرون من أهلها في العاقبة . # وقد أجرى على المتقين صفات ثناء وتنويه ، هي ليست جماع التقوى ، ولكن ~~اجتماعها في محلها مؤذن بأن ذلك المحل الموصوف بها قد استكمل ما به التقوى ~~، وتلك هي مقاومة الشح المطاع ، والهوى المتبع . # الصفة الأولى : الإنفاق في السراء والضراء . والإنفاق تقدم غير مرة وهو ~~الصدقة وإعطاء المال والسلاح والعدة في سبيل الله . والسراء فعلاء ، اسم ~~لمصدر PageV04P090 سره سرا وسرورا . والضراء كذلك من ضره ، أي في حالي ~~الاتصاف بالفرح والحزن ، وكأن الجمع بينهما هنا لأن السراء فيها ملهاة عن ~~الفكرة في شأن غيرهم ، والضراء فيها ملهاة وقلة موجدة . فملازمة الإنفاق في ~~هذين الحالين تدل على أن محبة نفع الغير بالمال ، الذي هو عزيز على النفس ، ~~قد صارت لهم خلقا لا يحجبهم عنه حاجب ولا ينشأ ذلك إلا عن نفس طاهرة . # الصفة الثانية : الكاظمين الغيظ . وكظم الغيظ إمساكه وإخفاؤه حتى لا يظهر ~~عليه ، وهو مأخوذ من كظم القربة إذا ملأها وأمسك فمها ، قال المبرد : فهو ~~تمثيل للإمساك مع الامتلاء ، ولا شك أن أقوى القوى تأثيرا على النفس القوة ms1694 ~~الغاضبة فتشتهي إظهار آثار الغضب ، فإذا استطاع إمساك مظاهرها ، مع ~~الامتلاء منها ، دل ذلك على عزيمة راسخة في النفس ، وقهر الإرادة للشهوة ، ~~وهذا من أكبر قوى الأخلاق الفاضلة . # الصفة الثالثة : العفو عن الناس فيما أساؤوا به إليهم . وهي تكملة لصفة ~~كظم الغيظ بمنزلة الاحتراس لأن كظم الغيظ قد تعترضه ندامة فيستعدي على من ~~غاظه بالحق ، فلما وصفوا بالعفو عمن أساء إليهم دل ذلك على أن كظم الغيظ ~~وصف متأصل فيهم ، مستمر معهم . وإذا اجتمعت هذه الصفات في نفسس سهل ما ~~دونها لديها . # وبجماعها يجتمع كمال الإحسان ولذلك ذيل الله تعالى ذكرها بقوله : { والله ~~يحب المحسنين } لأنه دال على تقدير أنهم بهذه الصفات محسنون والله يحب ~~المحسنين . # $ 2 ( 135 ) { والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلمو & # 1764 ا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ~~ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون } . ) 2 $ PageV04P091 # إن كان عطف فريقق آخر ، فهم غير المتقين الكاملين ، بل هم فريق من ~~المتقين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ، وإن كان عطف صفات ، فهو تفضيل آخر ~~لحال المتقين بأن ذكر أولا حال كمالهم ، وذكر بعده حال تداركهم نقائصهم . # والفاحشة الفعلة المتجاوزة الحد في الفساد ، ولذلك جمعت في قوله تعالى : ~~{ الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش } ( النجم : 32 ) واشتقاقها من فحش ~~بمعنى قال قولا ذميما ، كما في قول عائشة : ( لم يكن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فاحشا ولا متفحشا ) ، أو فعل فعلا ذميما ، ومنه { قل إن الله لا ~~يأمر بالفحشاء ( الأعراف : 28 ) . # ولا شك أن التعريف هنا تعريف الجنس ، أي فعلوا الفواحش ، وظلم النفس هو ~~الذنوب الكبائر ، وعطفها هنا على الفواحش كعطف الفواحش عليها في قوله : ~~الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش } ( النجم : 32 ) . فقيل : الفاحشة ~~المعصية الكبيرة ، وظلم النفس الكبيرة مطلقا ، وقيل : الفاحشة هي الكبيرة ~~المتعدية إلى الغير ، وظلم النفس الكبيرة القاصرة على النفس ، وقيل : ~~الفاحشة الزنا ، وهذا تفسير على معنى المثال . # والذكر في قوله : { ذكروا الله } ذكر القلب وهو ذكر ما يجب لله على عبده ~~، وما ms1695 أوصاه به ، وهو الذي يتفرع عنه طلب المغفرة ؛ وأما ذكر اللسان فلا ~~يترتب عليه ذلك . ومعنى ذكر الله هنا ذكر أمره ونهيه ووعده ووعيده . # والاستغفار : طلب الغفر أي الستر للذنوب ، وهو مجاز في عدم المؤاخذة على ~~الذنب ، ولذلك صار يعدي إلى الذنب باللام الدالة على التعليل كما هنا ، ~~وقوله تعالى : { واستغفر لذنبك } ( غافر : 55 ) . ولما كان طلب الصفح عن ~~المؤاخذة بالذنب لا يصدر إلا عن ندامة ، ونية إقلاع عن الذنب ، وعدم العودة ~~إليه ، كان الاستغفار في لسان الشارع بمعنى التوبة ، إذ كيف يطلب العفو عن ~~الذنب من هو مستمر عليه ، أو عازم على معاودته ، ولو طلب ذلك في تلك الحالة ~~لكان أكثر إساءة من PageV04P092 الذنب ، فلذلك عد الاستغفار هنا رتبة من ~~مراتب التقوى . وليس الاستغفار مجرد قول ( أستغفر الله ) باللسان والقائل ~~ملتبس بالذنوب . وعن رابعة العدوية أنها قالت : ( استغفارنا يحتاج إلى ~~الاستغفار ) وفي كلامها مبالغة فإن الاستغفار بالقول مأمور به في الدين ~~لأنه وسيلة لتذكر الذنب والحيلة للإقلاع عنه . # وجملة { ومن يغفر الذنوب إلا الله } معترضة بين جملة { فاستغفروا } وجملة ~~{ ولم يصروا على ما فعلوا } . # والاستفهام مستعمل في معنى النفي ، بقرينة الاستثناء منه ، والمقصود ~~تسديد مبادرتهم إلى استغفار الله عقب الذنب ، والتعريض بالمشركين الذين ~~اتخذوا أصنامهم شفعاء لهم عند الله ، وبالنصارى في زعمهم أن عيسى رفع ~~الخطايا عن بني آدم ببلية صلبه . # وقوله : { ولم يصروا } إتمام لركني التوبة لأن قوله : { فاستغفروا ~~لذنوبهم } يشير إلى الندم ، وقوله : { ولم يصروا } تصريح بنفي الإصرار ، ~~وهذان ركنا التوبة . وفي الحديث : ( الندم توبة ) ، وأما تدارك ما فرط فيه ~~بسبب الذنب فإنما يكون مع الإمكان ، وفيه تفصيل إذا تعذر أو تعسر ، وكيف ~~يؤخذ بأقصى ما يمكن من التدارك . # وقوله : { ولم يصروا على ما فعلوا } حال من الضمير المرفوع في ( ذكروا ) ~~أي : ذكروا الله في حال عدم الإصرار . والإصرار : المقام على الذنب ، ونفيه ~~هو معنى الإقلاع . وقوله : { وهم يعلمون } حال ثانية ، وحذف مفعول يعلمون ~~لظهوره من المقام أي يعلمون سوء فعلهم ، وعظم غضب الرب ، ووجوب التوبة إليه ms1696 ~~، وأنه تفضل بقبول التوبة فمحا بها الذنوب الواقعة . # وقد انتظم من قوله : { ذكروا الله فاستغفروا } وقوله : { ولم يصروا } ~~وقوله : { وهم يعلمون } الأركان الثلاثة التي ينتظم منها معنى التوبة في ~~كلام أبي حامد PageV04P093 الغزالي في كتاب التوبة من ( إحياء علوم الدين ) ~~إذ قال : ( وهي علم ، وحال ، وفعل . فالعلم هو معرفة ضر الذنوب ، وكونها ~~حجابا بين العبد وبين ربه ، فإذا علم ذلك بيقين ثار من هذه المعرفة تألم ~~للقلب بسبب فوات ما يحبه من القرب من ربه ، ورضاه عنه ، وذلك الألم يسمى ~~ندما ، فإذا غلب هذا الألم على القلب انبعثت منه في القلب حالة تسمى إرادة ~~وقصدا إلى فعل له تعلق بالحال والماضي والمستقبل ، فتعلقه بالحال هو ترك ~~الذنب ( الإقلاع ) ، وتعلقه بالمستقبل هو العزم على ترك الذنب في المستقبل ~~( نفي الإصرار ) ، وتعلقه بالماضي بتلافي ما فات ) . # فقوله تعالى : { ذكروا الله } إشارة إلى انفعال القلب . # وقوله : { ولم يصروا } إشارة إلى الفعل وهو الإقلاع ونفي العزم على ~~العودة . # وقوله : { وهم يعلمون } إشارة إلى العلم المثير للانفعال النفساني . وقد ~~رتبت هاته الأركان في الآية بحسب شدة تعلقها بالمقصود : لأن ذكر الله يحصل ~~بعد الذنب ، فيبعث على التوبة ، ولذلك رتب الاستغفار عليه بالفاء ، وأما ~~العلم بأنه ذنب ، فهو حاصل من قبل حصول المعصية ، ولولا حصوله لما كانت ~~الفعلة معصية . فلذلك جيء به بعد الذكر ونفي الإصرار ، على أن جملة الحال ~~لا تدل على ترتيب حصول مضمونها بعد حصول مضمون ما جيء به قبلها في الأخبار ~~والصفات . # ثم إن كان الإصرار ، وهو الاستمرار على الذنب ، كما فسر به كان نفيه ~~بمعنى الإقلاع لأجل خشية الله تعالى ، فلم يدل على أنه عازم على عدم العود ~~إليه ، ولكنه بحسب الظاهر لا يرجع إلى ذنب ندم على فعله ، وإن أريد ~~بالإصرار اعتقاد العود إلى الذنب فنفيه هو التوبة الخالصة ، وهو يستلزم ~~حصول الإقلاع معه إذ التلبس بالذنب لا يجتمع مع العزم على عدم العود إليه ، ~~فإنه متلبس به من الآن . # PageV04P094 # | 2 ( 136 ) { أولائك جزآؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجرى من ms1697 تحتها الانهار ~~خالدين فيها ونعم أجر العاملين } . ) 2 # استئناف للتنويه بسداد عملهم : من الاستغفار ، وقبول الله منهم . # وجيء باسم الإشارة لإفادة أن المشار إليهم صاروا أحرياء بالحكم الوارد ~~بعد اسم الإشارة ، لأجل تلك الأوصاف التي استوجبوا الإشارة لأجلها . # وهذا الجزاء وهو المغفرة وعد من الله تعالى ، تفضلا منه : بأن جعل ~~الإقلاع عن المعاصي سببا في غفران ما سلف منها . وأما الجنات فإنما خلصت ~~لهم لأجل المغفرة ، ولو أخذوا بسالف ذنوبهم لما استحقوا الجنات فالكل فضل ~~منه تعالى . # وقوله : { ويعم أجر العالمين } تذييل لإنشاء مدح الجزاء . والمخصوص ~~بالمدح محذوف تقديره هو . والواو للعطف على جملة { جزاؤهم مغفرة } فهو من ~~عطف الإنشاء على الإخبار ، وهو كثير في فصيح الكلام ، وسمي الجزاء أجرا ~~لأنه كان عن وعد للعامل بما عمل . والتعريف في ( العاملين ) للعهد أي : ~~ونعم أجر العاملين هذا الجزاء ، وهذا تفضيل له والعمل المجازي عليه أي إذا ~~كان لأصناف العاملين أجور ، كما هو المتعارف ، فهذا نعم الأجر لعامل . # # | 2 ( 137 ) { قد خلت من قبلكم سنن فسيروا فى الارض فانظروا كيف كان ~~عاقبة المكذبين } . ) 2 # استئناف ابتدائي : تمهيد لإعادة الكلام على ما كان يوم أحد ، وما بينهما ~~استطراد ، كما علمت آنفا ، وهذا مقدمة التسلية والبشارة الآيتين . ابتدئت ~~هاته المقدمة بحقيقة تاريخية : وهي الاعتبار بأحوال الأمم الماضية . ~~PageV04P095 # وجيء ب ( قد ) ، الدالة على تأكيد الخبر ، تنزيلا لهم منزلة من ينكر ذلك ~~لما ظهر عليهم من انكسار الخواطر من جراء الهزيمة الحاصلة لهم من المشركين ~~، مع أنهم يقاتلون لنصر دين الله ، وبعد أن ذاقوا حلاوة النصر يوم بدر ، ~~فبين الله لهم أن الله جعل سنة هذا العامل أن تكون الأحوال فيه سجالا ~~ومداولة ، وذكرهم بأحوال الأمم الماضية ، فقال : { قد خلت من قبلكم سنن } . ~~والله قادر على نصرهم ، ولكن الحكمة اقتضت ذلك لئلا يغتر من يأتي بعدهم من ~~المسلمين ، فيحسب أن النصر حليفهم . ومعنى خلت مضت وانقرضت . كقوله تعالى : ~~{ قد خلت من قبله الرسل } ( آل عمران : 137 ) . # والسنن جمع سنة وهي السيرة من العمل أو الخلق الذي ms1698 يلازم المرء صدور ~~العمل على مثالها قال لبيد : # من معشر سنت لهم آباؤهم # ولكل قوم سنة وإمامها # وقال خالد الهذلي يخاطب أبا ذؤيب الهذلي : # فلا تجزعن من سنة أنت سرتها # فأول راضض سنة من يسيرها # وقد تردد اعتبار أيمة اللغة إياها جامدا غير مشتق ، أو اسم مصدر سن ، إذ ~~لم يرد في كلام العرب السن بمعنى وضع السنة ، وفي ( الكشاف ) في قوله : { ~~سنة الله في الذين خلوا من قبل في سورة الأحزاب ( 38 ) : سنة الله اسم ~~موضوع موضع المصدر كقولهم تربا وجندلا ، ولعل مراده أنه اسم جامد أقيم مقام ~~المصدر كما أقيم تربا وجندلا مقام تبا وسحقا في النصب على المفعولية ~~المطلقة ، التي هي من شأن المصادر ، وأن المعنى تراب له وجندل له أي حصب ~~بتراب ورجم بجندل . ويظهر أنه مختار صاحب القاموس } لأنه لم يذكر في مادة ~~سن ما يقتضي أن السنة اسم مصدر ، ولا أتى بها عقب فعل سن ، ولا ذكر مصدرا ~~لفعل سن . وعلى هذا يكون فعل سن هو المشتق من السنة اشتقاق الأفعال من ~~الأسماء الجامدة ، وهو اشتقاق نادر . والجاري بكثرة على ألسنة المفسرين ~~والمعربين : أن السنة اسم مصدر سن ولم يذكروا لفعل سن مصدرا PageV04P096 ~~قياسيا . وفي القرآن إطلاق السنة على هذا المعنى كثيرا : { فلن تجد لسنة ~~الله تبديلا } ( فاطر : 43 ) وفسروا السنن هنا بسنن الله في الأمم الماضية ~~. # والمعنى : قد مضت من قبلكم أحوال للأمم ، جارية على طريقة واحدة ، هى ~~عادة الله في الخلق ، وهي أن قوة الظالمين وعتوهم على الضعفاء أمر زائل ، ~~والعاقبة للمتقين المحقين ، ولذلك قال : { فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان ~~عاقبة المكذبين } أي المكذبين برسل ربهم وأريد النظر في آثارهم ليحصل منه ~~تحقق ما بلغ من أخبارهم ، أو السؤال عن أسباب هلاكهم ، وكيف كانوا أولي قوة ~~، وكيف طغوا على المستضعفين ، فاستأصلهم الله أو لتطمئن نفوس المؤمنين ~~بمشاهدة المخبر عنهم مشاهدة عيان ، فإن للعيان بديع معنى لأن بلغتهم أخبار ~~المكذبين ، ومن المكذبين عاد وثمود وأصحاب الأيكة وأصحاب الرس ، وكلهم في ~~بلاد العرب ms1699 يستطيعون مشاهدة آثارهم ، وقد شهدها كثير منهم في أسفارهم . # وفي الآية دلالة على أهمية علم التاريخ لأن فيه فائدة السير في الأرض ، ~~وهي معرفة أخبار الأوائل ، وأسباب صلاح الأمم وفسادها . قال ابن عرفة : ( ~~السير في الأرض حسي ومعنوي ، والمعنوي هو النظر في كتب التاريخ بحيث يحصل ~~للناظر العلم بأحوال الأمم ، وما يقرب من العلم ، وقد يحصل به من العلم ما ~~لا يحصل بالسير في الأرض لعجز الإنسان وقصوره ) . # وإنما أمر الله بالسير في الأرض دون مطالعة الكتب لأن في المخاطبين من ~~كانوا أميين ، ولأن المشاهدة تفيد من لم يقرأ علما وتقوي علم من قرأ ~~التاريخ أو قص عليه . # # | 2 ( 138 ) { هاذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين } . ) 2 # تذييل يعم المخاطبين الحاضرين ومن يجيء بعدهم من الأجيال ، والإشارة إما ~~إلى ما تقدم بتأويل المذكور ، وإما إلى حاضر في الذهن عند تلاوة الآية وهو ~~القرآن . PageV04P097 # والبيان : الإيضاح وكشف الحقائق الواقعة . والهدى : الإرشاد إلى ما فيه ~~خير الناس في الحال والاستقبال . والموعظة : التحذير والتخويف . فإن جعلت ~~الإشارة إلى مضمون قوله : { قد خلت من قبلكم سنن } ( آل عمران : 137 ) ~~الآية فإنها بيان لما غفلوا عنه من عدم التلازم بين النصر وحسن العاقبة ، ~~ولا بين الهزيمة وسوء العاقبة ، وهي هدى لهم لينتزعوا المسببات من أسبابها ~~، فإن سبب النجاح حقا هو الصلاح والاستقامة ، وهي موعظة لهم ليحذروا الفساد ~~ولا يغتروا كما اغترت عاد إذ قالوا : ( من أشد منا قوة ) . # # | 2 ( 139 ) { ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الاعلون إن كنتم مؤمنين } . ) ~~2 # قوله : { ولا تهنوا ولا تحزنوا } نهي للمسلمين عن أسباب الفشل . والوهن : ~~الضعف ، وأصله ضعف الذات : كالجسم في قوله تعالى : { رب إني وهن العظم مني ~~} ( مريم : 4 ) ، والحبل في قول زهير : # فأصبح الحبل منها خلقا # وهو هنا مجاز في خور العزيمة وضعف الإرادة وانقلاب الرجاء يأسا ، ~~والشجاعة جبنا ، واليقين شكا ، ولذلك نهوا عنه . وأما الحزن فهو شدة الأسف ~~البالغة حد الكآبة والانكسار . والوهن والحزن حالتان للنفس تنشآن عن اعتقاد ~~الخيبة والرزء فيترتب عليهما الاستسلام وترك المقاومة ms1700 . فالنهي عن الوهن ~~والحزن في الحقيقة نهي عن سببهما وهو الإعتقاد ، كما ينهى عن النسيان ، ~~وكما ينهى أحد عن فعل غيره في نحو لا أرين فلانا في موضع كذا أي لا تتركه ~~يحل فيه ، ولذلك قدم على هذا النهي قوله : { قد خلت من قبلكم سنن } ( آل ~~عمران : 137 ) إلخ . . . وعقب بقوله : { وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين } . # وقوله : { وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين } ، الواو للعطف وهذه بشارة لهم ~~بالنصر المستقبل ، فالعلو هنا علو مجازي وهو علو المنزلة . PageV04P098 # والتعليق بالشرط في قوله : { إن كنتم مؤمنين } قصد به تهييج غيرتهم على ~~الإيمان إذ قد علم الله أنهم مؤمنون ولكنهم لما لاح عليهم الوهن والحزن من ~~الغلبة ، كانوا بمنزلة من ضعف يقينه فقيل لهم : إن علمتم من أنفسكم الإيمان ~~، وجيء بإن الشرطية التي من شأنها عدم تحقيق شرطها ، إتماما لهذا المقصد . # # | 2 ( 140 ، 141 ) { لله إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك ~~الايام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين ءامنوا ويتخذ منكم شهدآء والله ~~لا يحب الظالمين * وليمحص الله الذين ءامنوا ويمحق الكافرين } . ) 2 # { إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الايام نداولها بين الناس ~~وليعلم الله الذين ءامنوا ويتخذ منكم شهدآء والله لا يحب الظالمين } . # تسلية عما أصاب المسلمين يوم أحد من الهزيمة بأن ذلك غير عجيب في الحرب ، ~~إذ لا يخلو جيش من أن يغلب في بعض مواقع الحرب ، وقد سبق أن العدو غلب . ~~والمس هنا الإصابة كقوله في سورة البقرة ( 214 ) { مستهم البأساء والضراء . ~~والقرح بفتح القاف في لغة قريش الجرح ، وبضمها في لغة غيرهم ، وقرأه ~~الجمهور : بفتح القاف ، وقرأه حمزة والكسائي ، وأبو بكر عن عاصم ، وخلف : ~~بضم القاف ، وهو هنا مستعمل في غير حقيقته ، بل هو استعارة للهزيمة التي ~~أصابتهم ، فإن الهزيمة تشبه بالثلمة وبالانكسار ، فشبهت هنا بالقرح حين ~~يصيب الجسد ، ولا يصح أن يراد به الحقيقة لأن الجراح التي تصيب الجيش لا ~~يعبأ بها إذا كان معها النصر ، فلا شك أن التسلية وقعت عما أصابهم ms1701 من ~~الهزيمة . # والقوم هم مشركو مكة ومن معهم . # والمعنى إن هزمتم يوم أحد فقد هزم المشركون يوم بدر وكنتم كفافا . ولذلك ~~أعقبه بقوله : وتلك الأيام نداولها بين الناس } . والتعبير عما أصاب ~~المسلمين بصيغة المضارع في { يمسسكم } لقربه من زمن الحال ، وعما أصاب ~~المشركين بصيغة الماضي لبعده لأنه حصل يوم بدر . # فقوله : { فقد مس القوم قرح } ليس هو جواب الشرط في المعنى ولكنه دليل ~~عليه أغنى عنه على طريقة الإيجاز ، والمعنى : إن يمسكم قرح فلا تحزنوا أو ~~فلا تهنوا وهنا بالشك في وعد الله بنصر دينه إذ قد مس القوم قرح مثله ~~PageV04P099 فلم تكونوا مهزومين ولكنكم كنتم كفافا ، وذلك بالنسبة لقلة ~~المؤمنين نصر مبين . وهذه المقابلة بما أصاب العدو يوم بدر تعين أن يكون ~~الكلام تسلية وليس إعلاما بالعقوبة كما قاله جمع من المفسرين . وقد سأل ~~هرقل أبا سفيان : كيف كان قتالكم له قال ( الحرب بيننا سجال ينال منا وننال ~~منه ، فقال هرقل : وكذلك الرسل تبتلى وتكون لهم العاقبة ) . # وقوله : { وتلك الأيام نداولها بين الناس } الواو اعتراضية ، والإشارة ~~بتلك إلى ما سيذكر بعد ، فالإشارة هنا بمنزلة ضمير الشأن لقصد الاهتمام ~~بالخبر وهذا الخبر مكنى به عن تعليل للجواب المحذوف المدلول عليه بجملة : { ~~فقد مس القوم قرح مثله } . # و { الأيام } يجوز أن تكون جمع يوم مراد به يوم الحرب ، كقولهم : يوم بدر ~~ويوم بعاث ويوم الشعثمين ، ومنه أيام العرب ، ويجوز أن يكون أطلق على ~~الزمان كقول طرفة : # وما تنقصص الأيام والدهر ينفد # أي الأزمان . # والمداولة تصريفها غريب إذ هي مصدر داول فلان فلانا الشيء إذا جعله عنده ~~دولة ودولة عند الآخر أي يدوله كل منهما أي يلزمه حتى يشتهر به ، ومنه دال ~~يدول دولا اشتهر ، لأن الملازمة تقتضي الشهرة بالشيء ، فالتداول في الأصل ~~تفاعل من دال ، ويكون ذلك في الأشياء والكلام ، يقال : كلام مداول ، ثم ~~استعملوا داولت الشيء مجازا ، إذا جعلت غيرك يتداولونه ، وقرينة هذا ~~الاستعمال أن تقول : بينهم . فالفاعل في هذا الإطلاق لا حظ له من الفعل ، ~~ولكن له الحظ في ms1702 الجعل ، وقريب منه قولهم : اضطررته إلى كذا ، أي جعلته ~~مضطرا مع أن أصل اضطر أنه مطاوع ضره . # و { الناس } البشر كلهم لأن هذا من السنن الكونية ، فلا يختص بالقوم ~~المتحدث عنهم . PageV04P100 # { وليعلم الله الذين ءامنوا ويتخذ منكم شهدآء والله لا يحب الظالمين } { ~~وليمحص الله الذين ءامنوا ويمحق الكافرين } . # عطف على جملة { وتلك الأيام نداولها بين الناس } ، فمضمون هذه علة ثانية ~~لجواب الشرط المحذوف المدلول عليه بقوله : { فقد مس القوم قرح مثله } وعلم ~~الله بأنهم مؤمنون متحقق من قبل أن يمسهم القرح . # فإن كان المراد من { الذين آمنوا } هنا معنى الذين آمنوا إيمانا راسخا ~~كاملا فقد صار المعنى : أن علم الله برسوخ إيمانهم يحصل بعد مس القرح إياهم ~~، وهو معنى غير مستقيم ، فلذلك اختلف المفسرون في المراد من هذا التعليل ~~على اختلاف مذاهبهم في صفة العلم ، وقد تقرر في أصول الدين أن الفلاسفة ~~قالوا : إن الله عالم بالكليات بأسرها ، أي حقائق الأشياء على ما هي عليه ، ~~علما كالعلم المبحوث عنه في الفلسفة لأن ذلك العلم صفة كمال ، وأنه يعلم ~~الجزئيات من الجواهر والأعراض علما بوجه كلي . ومعنى ذلك أنه يعلمها من حيث ~~إنها غير متعلقة بزمان ، مثاله : أن يعلم أن القمر جسم يوجد في وقت تكوينه ~~، وأن صفته تكون كذا وكذا ، وأن عوارضه النورانية المكتسبة من الشمس ~~والخسوف والسير في أمد كذا . أما حصوله في زمانه عندما يقع تكوينه ، وكذلك ~~حصول عوارضه ، فغير معلوم لله تعالى ، قالوا : لأن الله لو علم الجزئيات ~~عند حصولها في أزمنتها للزم تغير علمه فيقتضي ذلك تغير القديم ، أو لزم جهل ~~العالم ، مثاله : أنه إذا علم أن القمر سيخسف ساعة كذا علما أزليا ، فإذا ~~خسف بالفعل فلا يخلو إما أن يزول ذلك العلم فيلزم تغير العلم السابق فيلزم ~~من ذلك تغير الذات الموصوفة به من صفة إلى صفة ، وهذا يستلزم الحدوث إذ ~~حدوث الصفة يستلزم حدوث الموصوف ، وإما أن لا يزول العلم الأول فينقلب ~~العلم جهلا ، لأن الله إنما علم أن القمر سيخسف في المستقبل والقمر ms1703 الآن قد ~~خسف بالفعل . ولأجل هذا قالوا : إن علم الله تعالى غير زماني . وقال ~~المسلمون كلهم : إن الله يعلم الكليات والجزئيات قبل حصولها ، وعند حصولها ~~. وأجابوا عن شبهة الفلاسفة بأن العلم صفة من PageV04P101 قبيل الإضافة أي ~~نسبة بين العالم والمعلوم ، والإضافات اعتباريات ، والاعتباريات عدميات ، ~~أو هو من قبيل الصفة ذات الإضافة : أي صفة وجودية لها تعلق ، أي نسبة بينها ~~وبين معلومها . فإن كان العلم إضافة فتغيرها لا يستلزم تغير موصوفها وهو ~~العالم ، ونظروا ذلك بالقديم يوصف بأنه قبل الحادث ومعه وبعده ، من غير ~~تغير في ذات القديم ، وإن كان العلم صفة ذات إضافة أي ذات تعلق ، فالتغير ~~يعتري تعلقها ولا تتغير الصفة فضلا عن تغير الموصوف ، فعلم الله بأن القمر ~~سيخسف ، وعلمه بأنه خاسف الآن ، وعلمه بأنه كان خاسفا بالأمس ، علم واحد لا ~~يتغير موصوفة ، وإن تغيرت الصفة ، أو تغير متعلقها على الوجهين ، إلا أن ~~سلف أهل السنة والمعتزلة أبوا التصريح بتغير التعلق ولذلك لم يقع في كلامهم ~~ذكر تعلقين للعلم الإلهي أحدهما قديم والآخر حادث ، كما ذكروا ذلك في ~~الإرادة والقدرة ، نظرا لكون صفة العلم لا تتجاوز غير ذات العالم تجاوزا ~~محسوسا . فلذلك قال سلفهم : إن الله يعلم في الأزل أن القمر سيخسف في سنتنا ~~هذه في بلد كذا ساعة كذا ، فعند خسوف القمر كذلك علم الله أنه خسف بذلك ~~العلم الأول لأن ذلك العلم مجموع من كون الفعل لم يحصل في الأزل ، ومن كونه ~~يحصل في وقته فيما لا يزال ، قالوا : ولا يقاس ذلك على علمنا حين نعلم أن ~~القمر سيخسف بمقتضى الحساب ثم عند خسوفه نعلم أنه تحقق خسوفه بعلم جديد ، ~~لأن احتياجنا لعلم متجدد إنما هو لطريان الغفلة عن الأول . وقال بعض ~~المعتزلة مثل جهم بن صفوان وهشام بن الحكم : إن الله عالم في الأزل ~~بالكليات والحقائق ، وأما علمه بالجزئيات والأشخاص والأحوال فحاصل بعد ~~حدوثها لأن هذا العلم من التصديقات ، ويلزمه عدم سبق العلم . # وقال أبو الحسين البصري من المعتزلة ، رادا على السلف : لا يجوز أن ms1704 يكون ~~علم الله بأن القمر سيخسف عين علمه بعد ذلك بأنه خسف لأمور ثلاثة : الأول ~~التغاير بينهما في الحقيقة لأن حقيقة كونه سيقع غير حقيقة كونه وقع ، ~~فالعلم بأحدهما يغاير العلم بالآخر ، لأن اختلاف المتعلقين يستدعي اختلاف ~~PageV04P102 العالم بهما . الثاني التغاير بينهما في الشرط فإن شرط العلم ~~بكون الشيء سيقع هو عدم الوقوع ، وشرط العلم بكونه وقع الوقوع ، فلو كان ~~العلمان شيئا واحدا لم يختلف شرطاهما . الثالث أنه يمكن العلم بأنه وقع ~~الجهل بأنه سيقع وبالعكس وغير المعلوم غير المعلوم ( هكذا عبر أبو الحسين ~~أي الأمر الغير المعلوم مغاير للمعلوم ) ولذلك قال أبو الحسين بالتزام وقوع ~~التغير في علم الله تعالى بالمتغيرات ، وأن ذاته تعالى تقتضي اتصافه بكونه ~~عالما بالمعلومات التي ستقع ، بشرط وقوعها ، فيحدث العلم بأنها وجدت عند ~~وجودها ، ويزول عند زوالها ، ويحصل علم آخر ، وهذا عين مذهب جهم وهشام . ~~ورد عليه بأنه يلزم أن لا يكون الله تعالى في الأزل عالما بأحوال الحوادث ، ~~وهذا تجهيل . وأجاب عنه عبد الحكيم في ( حاشية المواقف ) بأن أبا الحسين ~~ذهب إلى أنه تعالى يعلم في الأزل أن الحادث سيقع على الوصف الفلاني ، فلا ~~جهل فيه ، وأن عدم شهوده تعالى للحوادث قبل حدوثها ليس بجهل ، إذ هي معدومة ~~في الواقع ، بل لو علمها تعالى شهوديا حين عدمها لكان ذلك العلم هو الجهل ، ~~لأن شهود المعدوم مخالف للواقع ، فالعلم المتغير الحادث هو العلم الشهودي . # فالحاصل أن ثمة علمين : أحدهما قديم وهو العلم المشروط بالشروط ، والآخر ~~حادث وهو المعلوم الحاصلة عند حصول الشروط وليست بصفة مستقلة ، وإنما هي ~~تعلقات وإضافات ، ولذلك جرى في كلام المتأخرين ، من علمائنا وعلماء ~~المعتزلة ، إطلاق إثباتت تعلقق حادثث لعلم الله تعالى بالحوادث . وقد ذكر ~~ذلك الشيخ عبد الحكيم في ( الرسالة الخاقانية ) التي جعلها لتحقيق علم الله ~~تعالى غير منسوب لقائل ، بل عبر عنه بقيل ، وقد رأيت التفتزاني جرى على ذلك ~~في ( حاشية الكشاف ) في هذه الآية فلعل الشيخ عبد الحكيم نسي أن ينسبه . # وتأويل الآية على اختلاف المذاهب : فأما الذين ms1705 أبو إطلاق الحدوث على تعلق ~~العلم فقالوا في قوله : { وليعلم الله الذين آمنوا } أطلق العلم على لازمه ~~وهو ثبوت المعلوم أي تميزه على طريقة الكناية لأنها كإثبات الشيء بالبرهان ~~، PageV04P103 وهذا كقول إياس بن قبيصة الطائي . # وأقبلت والخطي يخطر بينا # لأعلم من جبانها من شجاعها # أي ليظهر الجبان والشجاع فأطلق العلم وأريد ملزومه . # ومنهم من جعل قوله : { وليعلم الله } تمثيلا أي فعل ذلك فعل من يريد أن ~~يعلم وإليه مال في ( الكشاف ) ، ومنهم من قال : العلة هي تعلق علم الله ~~بالحادث وهو تعلق حادث ، أي ليعلم الله الذين آمنوا موجودين . قاله ~~البيضاوي والتفتزاني في ( حاشية الكشاف ) . وإن كان المراد من قوله : { ~~الذين آمنوا } ظاهره أي ليعلم من اتصف بالإيمان ، تعين التأويل في هذه ~~الآية لا لأجل لزوم حدوث علم الله تعالى ، بل لأن علم الله بالمؤمنين من ~~أهل أحد حاصل من قبلل أن يمسهم القرح ، فقال الزجاج : أراد العلم الذي ~~يترتب عليه الجزاء وهو ثباتهم على الإيمان ، وعدم تزلزلهم في حال الشدة ، ~~وأشار التفتزاني إلى أن تأويل صاحب ( الكشاف ) ذلك بأنه وارد مورد التمثيل ~~، ناظر إلى كون العلم بالمؤمنين حاصلا من قبل ، لا لأجل التحرز عن لزوم ~~حدوث العلم . # وقوله : { ويتخذ منكم شهداء } عطف على العلة السابقة . وجعل القتل في ذلك ~~اليوم الذي هو سبب اتخاذ القتلى شهداء علة من علل الهزيمة ، لأن كثرة ~~القتلى هي التي أوقعت الهزيمة . # والشهداء هم الذين قتلوا يوم أحد ، وعبر عن تقدير الشهادة لهم بالاتخاذ ~~لأن الشهادة فضيلة من الله ، واقتراب من رضوانه ، ولذلك قوبل بقوله : { ~~والله لا يحب الظالمين } أي الكافرين فهو في جانب الكفار ، أي فقتلاكم في ~~الجنة ، وقتلاهم في النار ، فهو كقوله : { قل هل تربصون بنا إلا إحدى ~~الحسنيين } ( التوبة : 52 ) . # والتمحيص : التنقية والتخليص من العيوب . والمحق : الإهلاك . وقد جعل ~~الله تعالى مس القرح المؤمنين والكفار فاعلا فعلا واحدا : هو فضيلة في جانب ~~المؤمنين ، ورزية في جانب الكافرين ، فجعله للمؤمنين تمحيصا وزيادة في ~~PageV04P104 تزكية أنفسهم ، واعتبارا بمواعظ الله تعالى ، وجعله للكافرين ~~هلاكا ms1706 ، لأن ما أصابهم في بدر تناسوه ، وما انتصروه في أحد يزيدهم ثقة ~~بأنفسهم فيتواكلون ؛ يظنون المسلمين قد ذهب بأسهم ، على أن المؤمنين في ~~ازدياد ، فلا ينقصهم من قتل منهم ، والكفار في تناقض فمن ذهب منهم نفد . ~~وكذلك شأن المواعظ والنذر والعبر قد تكسب بعض النفوس كمالا وبعضها نقصا قال ~~أبو الطيب : # فحب الجبان العيش أورده التقى # وحب الشجاع العيش أورده الحربا # ويختلف القصدان والفعل واحد # إلى أن نرى إحسان هذا لنا ذنبا # وقال تعالى : { وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا ~~فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض ~~فزادتهم رجسا إلى رجسهم } ( التوبة : 124 ، 125 ) ، وقال : { وننزل من ~~القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا } ( الإسراء ~~: 82 ) وهذا من بديع تقدير الله تعالى . # # | 2 ( 142 ) { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا ~~منكم ويعلم الصابرين } . ) 2 # { أم } هنا منقطعة ، هي بمعنى ( بل ) الانتقالية ، لأن هذا الكلام انتقال ~~من غرض إلى آخر ، وهي إذا استعملت منقطعة تؤذن بأن ما بعدها استفهام ، ~~لملازمتها للاستفهام ، حتى قال الزمخشري والمحققون : إنها لا تفارق الدلالة ~~على الاستفهام بعدها ، وقال غيره : ذلك هو الغالب وقد تفارقه ، واستشهدوا ~~على مفارقتها للاستفهام بشواهد تقبل التأويل . # فقوله : { أم حسبتم } عطف على جملة { ولا تهنوا } ( آل عمران : 139 ) ~~وذلك أنهم لما مسهم القرح فحزنوا واعتراهم الوهن حيث لم يشاهدوا مثل النصر ~~الذي شاهدوه يوم بدر ، بين الله أن لا وجه للوهن للعلل التي تقدمت ، ثم بين ~~لهم هنا : أن دخول الجنة الذي هو مرغوبهم لا يحصل إذا لم يبذلوا نفوسهم في ~~نصر الدين فإذا حسبوا دخول الجنة يحصل دون ذلك ، فقد أخطأوا . PageV04P105 # والاستفهام المقدر بعد ( أم ) مستعمل في التغليط والنهي ، ولذلك جاء ب ( ~~أم ) للدلالة على التغليط : أي لا تحسبوا أن تدخلوا الجنة دون أن تجاهدوا ~~وتصبروا على عواقب الجهاد . # ومن المفسرين من قدر ل ( أم ) هنا معادلا محذوفا ، وجعلها متصلة ، فنقل ~~الفخر عن ms1707 أبي مسلم الأصفهاني أنه قال : عادة العرب يأتون بهذا الجنس من ~~الاستفهام توكيدا لأنه لما قال : { ولا تهنوا ولا تحزنوا } ( آل عمران : ~~139 ) كأنه قال : أفتعلمون أن ذلك كما تؤمرون أم حسبتم أن تدخلوا الجنة . # وجملة { ولما يعلم الله } إلخ في موضع الحال ، وهي مصب الإنكار ، أي لا ~~تحسبوا أن تدخلوا الجنة حين لا يعلم الله الذين جاهدوا . # و ( لما ) حرف نفي أخت ( لم ) إلا أنها أشد نفيا من ( لم ) ، لأن ( لم ) ~~لنفي قول القائل فعل فلان ، و ( لما ) لنفي قوله قد فعل فلان . قاله سيبويه ~~، كما قال : إن ( لا ) لنفي يفعل و ( لن ) لنفي سيفعل و ( ما ) لنفي لقد ~~فعل و ( لا ) لنفي هو يفعل . فتدل ( لما ) على اتصال النفي بها إلى زمن ~~التكلم ، بخلاف ( لم ) ، ومن هذه الدلالة استفيدت دلالة أخرى وهي أنها تؤذن ~~بأن المنفي بها مترقب الثبوت فيما يستقبل ، لأنها قائمة مقام قولك استمر ~~النفي إلى الآن ، وإلى هذا ذهب الزمخشري هنا فقال : و ( لما ) بمعنى ( لم ) ~~إلا أن فيها ضربا من التوقع وقال في قوله تعالى : { ولما يدخل الإيمان في ~~قلوبكم سورة الحجرات ( 14 ) : فيه دلالة على أن الأعراب آمنوا فيما بعد . # والقول في علم الله تقدم آنفا في الآية قبل هذه . # وأريد بحالة نفي علم الله بالذين جاهدوا والصابرين الكناية عن حالة نفي ~~الجهاد والصبر عنهم ، لأن الله إذا علم شيئا فذلك المعلوم محقق الوقوع فكما ~~كنى بعلم الله عن التحقق في قوله : وليعلم الله الذين آمنوا } ( آل عمران : ~~140 ) كنى بنفي العلم عن نفي الوقوع . وشرط الكناية هنا متوفر وهو جواز ~~إرادة المعنى الملزوم مع المعنى اللازم لجواز إرادة انتفاء علم الله ~~بجهادهم مع إرادة انتفاء PageV04P106 جهادهم . ولا يرد ما أورده التفتزاني ~~، وأجاب عنه بأن الكناية في النفي بنيت على الكناية في الإثبات ، وهو تكلف ~~، إذ شأن التراكيب استقلالها في مفادها ولوازمها . # وعقب هذا النفي بقوله : { ويعلم الصابرين } معطوفا بواو المعية فهو في ~~معنى المفعول معه ، لتنتظم القيود بعضها مع بعض ، فيصير المعنى ms1708 : أتحسبون ~~أن تدخلوا الجنة في حال انتفاء علم الله بجهادكم مع انتفاء علمه بصبركم ، ~~أي أحسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يجتمع العلمان . والجهاد يستدعي الصبر ، ~~لأن الصبر هو سبب النجاح في الجهاد ، وجالب الانتصار ، وقد سئل علي عن ~~الشجاعة ، فقال : صبر ساعة . وقال زفر بن الحارث الكلابي ، يعتذر عن انتصار ~~أعدائهم عليهم . # سقيناهم كأسا سقونا بمثلها # ولكنهم كانوا على الموتت أصبرا # وقد تسبب في هزيمة المسلمين يوم أحد ضعف صبر الرماة ، وخفتهم إلى الغنيمة ~~، وفي الجهاد يتطلب صبر المغلوب على الغلب حتى لا يهن ولا يستسلم . # # | 2 ( 143 ) { ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم ~~تنظرون } . ) 2 # كلام ألقي إليهم بإجمال بالغ غاية الإيجاز ، ليكون جامعا بين الموعظة ، ~~والمعذرة ، والملام ، والواو عاطفة أو حالية . # والخطاب للأحياء ، لا محالة ، الذين لم يذوقوا الموت ، ولم ينالوا ~~الشهادة ، والذين كان حظهم في ذلك اليوم هو الهزيمة ، فقوله : { كنتم تمنون ~~الموت } أريد به تمني لقاء العدو يوم أحد ، وعدم رضاهم بأن يتحصنوا ~~بالمدينة ، ويقفوا موقف الدفاع ، كما أشار به الرسول عليه الصلاة والسلام ~~ولكنهم أظهروا الشجاعة وحب اللقاء ، ولو كان فيه الموت ، نظرا لقوة العدو ~~وكثرته ، PageV04P107 فالتمني هو تمني اللقاء ونصر الدين بأقصى جهدهم ، ~~ولما كان ذلك يقتضي عدم اكتراث كل واحد منهم بتلف نفسه في الدفاع ، رجاء أن ~~يكون قبل هلاكه قد أبلى في العدو ، وهيأ النصر لمن بقي بعده ، جعل تمنيهم ~~اللقاء كأنه تمني الموت من أول الأمر ، تنزيلا لغاية التمني منزلة مبدئه . # وقوله : { من قبل أن تلقوه } تعريض بأنهم تمنوا أمرا مع الإغضاء عن شدته ~~عليهم ، فتمنيهم إياه كتمني شيء قد جهلوا ما فيه من المصائب . # وقوله : { فقد رأيتموه } أي رأيتم الموت ، ومعنى رؤيته مشاهدة أسبابه ~~المحققة ، التي رؤيتها كمشاهدة الموت ، فيجوز أن يكون قوله : { فقد رأيتموه ~~} تمثيلا ، ويجوز أن تطلق الرؤية على شدة التوقع ، كإطلاق الشم على ذلك في ~~قول الحارث بن هشام المخزومي : # وشممت ريح الموت من تلقائهم # في مأزق والخيل لم تتبدد # وكإطلاقه في ms1709 قول ابن معد يكرب يوم القادسية : فضمني ضمة وجدت منها ريح ~~الموت . # والفاء في قوله : { فقد رأيتموه } فاء الفصيحة عن قوله : { كنتم تمنون } ~~والتقدير : وأجبتم إلى ما تمنيتم فقد رأيتموه ، أو التقدير : فإن كان ~~تمنيكم حقا فقد رأيتموه ، والمعنى : فأين بلاء من يتمنى الموت ، كقول عباس ~~بن الأحنف : # قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا # ثم القفول فقد جئنا خراسانا # ومنه قوله تعالى : { فقد كذبوكم بما تقولون } ( الفرقان : 19 ) وقوله في ~~سورة الروم ( 56 ) : { فهذا يوم البعث . # وجملة وأنتم تنظرون } حال مؤكدة لمعنى { رأيتموه } ، أو هو تفريع أي : ~~رأيتم الموت وكان حظكم من ذلك النظر ، دون الغناء في وقت الخطر ، فأنتم ~~PageV04P108 مبهوتون . ومحل الموعظة من الآية : أن المرء لا يطلب أمرا حتى ~~يفكر في عواقبه ، ويسبر مقدار تحمله لمصائبه . ومحل المعذرة في قوله : { من ~~قبل أن تلقوه } وقوله : { فقد رأيتموه } ومحل الملام في قوله : { وأنتم ~~تنظرون } . # ويحتمل أن يكون قوله : { تمنون الموت } بمعنى تتمنون موت الشهادة في سبيل ~~الله فقد رأيتم مشارفة الموت إياكم ، وأنتم تنظرون من مات من إخوانكم ، أي ~~فكيف وجدتم أنفسكم حين رأيتم الموت ، وكأنه تعريض بهم بأنهم ليسوا بمقام من ~~يتمنى الشهادة . إذ قد جبنوا وقت الحاجة ، وخفوا إلى الغنيمة ، فالكلام ~~ملام محض على هذا ، وليس تمني الشهادة بملوم عليه ، ولكن اللوم على تمني ما ~~لا يستطيع كما قيل : ( إذا لم تستطع شيئا فدعه ) . كيف وقد قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ( ولوددت أني أقتل في سبيل الله ، ثم أحيا ثم أقتل ثم ~~أحيا ، ثم أقتل ) . وقال عمر : اللهم إني أسألك شهادة في سبيلك ) وقال ابن ~~رواحة : # لكنني أسأل الرحمان مغفرة # وضربة ذات فرغ تقذف الزبدا # حتى يقولوا إذا مروا على جدثي # أرشدك الله من غاز وقد رشدا # وعلى هذا الاحتمال فالضمير راجع إلى الموت ، بمعنى أسبابه ، تنزيلا لرؤية ~~أسبابه منزلة رؤيته ، وهو كالاستخدام ، وعندي أنه أقرب من الاستخدام لأنه ~~عاد إلى أسباب الموت باعتبار تنزيلها منزلة الموت . # # | 2 ( 144 ) { وما محمد إلا رسول قد خلت ms1710 من قبله الرسل أفإين مات أو قتل ~~انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزى الله ~~الشاكرين } . ) 2 # عطف الإنكار على الملام المتقدم في قوله تعالى : { أم حسبتم أن تدخلوا ~~الجنة } ( آل عمران : 142 ) وقوله : { ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن ~~تلقوه } ( آل عمران : 143 ) وكل هاته PageV04P109 الجمل ترجع إلى العتاب ~~والتقريع على أحوال كثيرة ، كانت سبب الهزيمة يوم أحد ، فيأخذ كل من حضر ~~الوقعة من هذا الملام بنصيبه المناسب لما يعلمه من حاله ظاهرا كان أم باطنا ~~. # والآية تشير إلى ما كان من المسلمين من الاضطراب حين أرجف بموت الرسول ~~صلى الله عليه وسلم فقال المنافقون : لو كان نبيا ما قتل ، فارجعوا إلى ~~دينكم القديم وإخوانكم من أهل مكة ونكلم عبد الله بن أبي يأخذ لنا أمانا من ~~أبي سفيان ، فهموا بترك القتال والانضمام للمشركين ، وثبت فريق من المسلمين ~~، منهم : أنس بن النضر الأنصاري ، فقال : إن كان قتل محمد فإن رب محمد حي ~~لا يموت ، وما تصنعون بالحياة بعده ، فقاتلوا على ما قاتل عليه . # ومحمد اسم رسول الله محمد بن عبد الله بن عبد المطلب صلى الله عليه وسلم ~~سماه به جده عبد المطلب وقيل له : لم سميته محمدا وليس من أسماء آبائك ؟ ~~فقال : رجوت أن يحمده الناس . وقد قيل : لم يسم أحد من العرب محمدا قبل ~~رسول الله . ذكر السهيلي في ( الروض ) أنه لم يسم به من العرب قبل ولادة ~~رسول الله إلا ثلاثة : محمد بن سفيان بن مجاشع ، جد جد الفرزدق ، ومحمد بن ~~أحيحة بن الجلاح الأوسي . ومحمد بن حمران من ربيعة . # وهذا الاسم منقول من اسم مفعول حمده تحميدا إذا أكثر من حمده ، والرسول ~~فعول بمعنى مفعول مثل قولهم : حلوب وركوب وجزور . # ومعنى { خلت } مضت وانقرضت كقوله : { قد خلت من قبلكم سنن } ( آل عمران : ~~137 ) وقول امرىء القيس : ( من كان في العصر الخالي ) وقصر محمدا على وصف ~~الرسالة قصر موصوف على الصفة . قصرا إضافيا ، لرد ما يخالف ذلك رد إنكار ، ~~سواء ms1711 كان قصر قلب أو قصر إفراد . # والظاهر أن جملة { قد خلت من قبله الرسل } صفة ( لرسول ) ، فتكون هي محط ~~القصر : أي ما هو إلا رسول موصوف بخلو الرسل قبله أي انقراضهم . ~~PageV04P110 وهذا الكلام مسوق لرد اعتقاد من يعتقد انتفاء خلو الرسلل من ~~قبله ، وهذا الإعتقاد وإن لم يكن حاصلا لأحد من المخاطبين ، إلا أنهم لما ~~صدر عنهم ما من شأنه أن يكون أثرا لهذا الإعتقاد ، وهو عزمهم على ترك نصرة ~~الدين والاستسلام للعدو كانوا أحرياء بأن ينزلوا منزلة من يعتقد انتفاء خلو ~~الرسل من قبله ، حيث يجدون أتباعهم ثابتين على مللهم حتى الآن فكان حال ~~المخاطبين حال من يتوهم التلازم بين بقاء الملة وبقاء رسولها ، فيستدل ~~بدوام الملة على دوام رسولها ، فإذا هلك رسول ملة ظنوا انتهاء شرعه وإبطال ~~اتباعه . # فالقصر على هذا الوجه قصر قلب ، وهو قلب اعتقادهم لوازم ضد الصفة المقصور ~~عليها ، وهي خلو الرسل قبله ، وتلك اللوازم هي الوهن والتردد في الاستمرار ~~على نشر دعوة الإسلام ، وبهذا يشعر كلام صاحب ( الكشاف ) . # وجعل السكاكي المقصور عليه هو وصف الرسالة فيكون محط القصر هو قوله : ( ~~رسول ) دون قوله : { قد خلت من قبله الرسل } ويكون القصر قصر إفراد بتنزيل ~~المخاطبين منزلة من اعتقد وصفه بالرسالة مع التنزه عن الهلاك ، حين رتبوا ~~على ظن موته ظنونا لا يفرضها إلا من يعتقد عصمته من الموت ، ويكون قوله : { ~~قد خلت من قبله الرسل } على هذا الوجه استئنافا لا صفة ، وهو بعيد ، لأن ~~المخاطبين لم يصدر منهم ما يقتضي استبعاد خبر موته ، بل هم ظنوه صدقا . # وعلى كلا الوجهين فقد نزل المخاطبون منزلة من يجهل قصر الموصوف على هذه ~~الصفة وينكره ، فلذلك خوطبوا بطريق النفي والاستثناء ، الذي كثر استعماله ~~في خطاب من يجهل الحكم المقصور عليه وينكره دون طريق ، إنما كما بينه صاحب ~~( المفتاح ) . # وقوله : { أفإين مات أو قتل اتقلبتم على أعقابكم } عطف على قوله : { وما ~~محمد إلا رسول } إلخ . . . والفاء لتعقيب مضمون الجملة المعطوف عليها ~~بمضمون الجملة المعطوفة ، ولما كان مضمون الجملة المعطوفة ms1712 إنشاء الاستفهام ~~الإنكاري على مضمونها ، وهو الشرط وجزاؤه ، لم يكن للتعقيب المفاد من فاء ~~العطف PageV04P111 معنى إلا ترتب مضمون المعطوفة على المعطوف عليها ، ترتب ~~المسبب على السبب ، فالفاء حينئذ للسببية ، وهمزة الاستفهام مقدمة من تأخير ~~، كشأنها مع حروف العطف ، والمعنى ترتب إنكار أن ينقبلوا على أعقابهم على ~~تحقق مضمون جملة القصر : لأنه إذا تحقق مضمون جملة القصر ، وهو قلب ~~الإعتقاد أو إفراد أحد الاعتقادين ، تسبب عليه أن يكون انقلابهم على ~~الأعقاب على تقدير أن يموت أو يقتل أمرا منكرا جديرا بعدم الحصول ، فكيف ~~يحصل منهم ، وهذا الحكم يؤكد ما اقتضته جملة القصر ، من التعريض بالإنكار ~~عليهم في اعتقادهم خلاف مضمون جملة القصر ، فقد حصل الإنكار عليهم مرتين : ~~إحداهما بالتعريض المستفاد ، من جملة القصر ، والأخرى بالتصريح الواقع في ~~هاته الجملة . # وقال صاحب ( الكشاف ) : الهمزة لإنكار تسبب الانقلاب على خلو الرسول ، ~~وهو التسبب المفاد من الفاء أي إنكار مجموع مدلول الفاء ومدلول مدخولها مثل ~~إنكار الترتب والمهلة في قوله تعالى : { أثم إذا ما وقع آمنتم به } ( يونس ~~: 51 ) وقول النابغة : # أثم تعذرانن إلي منها # فإني قد سمعت وقد رأيت # بأن أنكر عليهم جعلهم خلو الرسل قبله سببا لارتدادهم عند العلم بموته . ~~وعلى هذا فالهمزة غير مقدمة من تأخير لأنها دخلت على فاء السببية . ويرد ~~عليه أنه ليس علمهم بخلو الرسل من قبله مع بقاء أتباعهم متمسكين سببا ~~لانقلاب المخاطبين على أعقابهم ، وأجيب بأن المراد أنهم لما علموا خلو ~~الرسل من قبله مع بقاء مللهم ، ولم يجروا على موجب علمهم ، فكأنهم جعلوا ~~علمهم بذلك سببا في تحصيل نقيض أثره ، على نحو ما يعرض من فساد الوضع في ~~الاستدلال الجدلي ، وفي هذا الوجه تكلف وتدقيق كثير . # وذهب جماعة إلى أن الفاء لمجرد التعقيب الذكري ، أو الاستئناف ، وأنه عطف ~~إنكار تصريحي على إنكار تعريضي ، وهذا الوجه وإن كان سهلا غير أنه يفيت ~~خصوصية العطف بالفاء دون غيرها ، على أن شأن الفاء المفيدة PageV04P112 ~~للترتيب الذكري المحض أن يعطف بها الأوصاف نحو { والصافات صفا فالزاجرات ~~زجرا } ( الصافات ms1713 : 1 ، 2 ) أو أسماء الأماكن نحو قوله : # بين الدخول فحومل # فتوضح فالمقراة . . . إلخ # والانقلاب : الرجوع إلى المكان ، يقال : انقلب إلى منزله ، وهو هنا مجاز ~~في الرجوع إلى الحال التي كانوا عليها ، أي حال الكفر . و { على } ~~للاستعلاء المجازي لأن الرجوع في الأصل يكون مسببا على طريق . والأعقاب جمع ~~عقب وهو مؤخر الرجل ، وفي الحديث ( ويل للأعقاب من النار ) والمراد منه جهة ~~الأعقاب أي الوراء . # وقوله : { ومن ينقلب على عاقبيه فلن يضر الله شيئا } أي شيئا من الضر ، ~~ولو قليلا ، لأن الارتداد عن الدين إبطال لما فيه صلاح الناس ، فالمرتد يضر ~~بنفسه وبالناس ، ولا يضر الله شيئا ، ولكن الشاكر الثابت على الإيمان يجازي ~~بالشكر لأنه سعى في صلاح نفسه وصلاح الناس ، والله يحب الصلاح ولا يحب ~~الفساد . # والمقصود من الآية العتاب على ما وقع من الاضطراب ، والثناء على الذين ~~ثبتوا ووعظوا الناس ، والتحذير من وقوع الارتداد عند موت الرسول عليه ~~السلام ، وقد وقع ما حذرهم الله منه بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ~~إذا ارتد كثير من المسلمين ، وظنوا اتباع الرسول مقصورا على حياته ، ثم ~~هداهم الله بعد ذلك ، فالآية فيها إنباء بالمستقبل . # # | 2 ( 145 ) { وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ~~ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الاخرة نؤته منها وسنجزى الشاكرين } . ~~) 2 # { وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا ~~نؤته منها ومن يرد ثواب الاخرة نؤته منها وسنجزى الشاكرين } . # جملة معترضة ، والواو اعتراضية . # فإن كانت من تتمة الإنكار على هلعهم عند ظن موت الرسول ، فالمقصود عموم ~~الأنفس لا خصوص نفس الرسول عليه السلام ، وتكون الآية لوما للمسلمين على ~~ذهولهم عن حفظ الله رسوله من أن يسلط عليه أعداؤه ، ومن أن PageV04P113 ~~يخترم عمره قبل تبليغ الرسالة . وفي قوله : { والله يعصمك عن الناس } ( ~~المائدة : 67 ) عقب قوله : { بلغ ما أنزل إليك من ربك } ( المائدة : 67 ) ~~الدال على أن عصمته من الناس لأجل تبليغ الشلايعة . فقد ضمن الله ms1714 له الحياة ~~حتى يبلغ شرعه ، ويتم مراده ، فكيف يظنون قتله بيد أعدائه ، على أنه قبل ~~الإعلان بإتمام شرعه ، ألا ترى أنه لما أنزل قوله تعالى : { اليوم أكملت ~~لكم دينكم } ( المائدة : 3 ) الآية . بكى أبو بكر وعلم أن أجل النبيء صلى ~~الله عليه وسلم قد قرب ، وقال : ما كمل شيء إلا نقص . فالجملة ، على هذا ، ~~في موضع الحال ، والواو واو الحال . # وإن كان هذا إنكارا مستأنفا على الذين فزعوا عند الهزيمة وخافوا الموت ، ~~فالعموم في النفس مقصود أي ما كان ينبغي لكم الخوف وقد علمتم أن لكل نفس ~~أجلا . # وجيء في هذا الحكم بصيغة الجحود للمبالغة في انتفاء أن يكون موت قبل ~~الأجل ، فالجملة ، على هذا ، معترضة ، والواو اعتراضية ، ومثل هذه الحقائق ~~تلقى في المقامات التي يقصد فيها مداواة النفوس من عاهات ذميمة ، وإلا فإن ~~انتهاء الأجل منوط بعلم الله لا يعلم أحد وقته ، { وما تدري نفس بأي أرض ~~تموت } ( لقمان : 34 ) ، والمؤمن مأمور بحفظ حياته ، إلا في سبيل الله ، ~~فتعين عليه في وقت الجهاد أن يرجع إلى الحقيقة وهي أن الموت بالأجل ، ~~والمراد { بإذن الله } تقديره وقت الموت ، ووضعه العلامات الدالة على بلوغ ~~ذلك الوقت المقدر ، وهو ما عبر عنه مرة ب ( كن ) ، ومرة بقدر مقدور ، ومرة ~~بالقلم ، ومرة بالكتاب . # والكتاب في قوله : { كتابا مؤجلا } يجوز أن يكون اسما بمعنى الشيء ~~المكتوب ، فيكون حالا من الإذن ، أو من الموت ، كقوله : { لكل أجل كتاب } ( ~~الرعد : 38 ) و ( مؤجلا ) حالا ثانية ، ويجوز أن يكون { كتابا } مصدر كاتب ~~المستعمل في كتب للمبالغة ، وقوله : { مؤجلا } صفة له ، وهو بدل من فعله ~~المحذوف ، والتقدير : كتب كتابا مؤجلا أي مؤقتا . وجعله صاحب ( الكشاف ) ~~مصدرا مؤكدا أي لمضمون جملة { وما كان لنفس } الآية ، وهو يريد أنه مع صفته ~~وهي PageV04P114 { مؤجلا } يؤكد معنى { إلا بإذن الله } لأن قوله : { بإذن ~~الله } يفيد أن له وقتا قد يكون قريبا وقد يكون بعيدا فهو كقوله تعالى : { ~~كتاب الله عليكم } ( النساء : 24 ) بعد قوله : { حرمت عليكم أمهاتكم } ( ~~النساء : 23 ) الآية . # { ومن يرد ms1715 ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الاخرة نؤته منها وسنجزى ~~الشاكرين } . # عطف على الجملة المعترضة . # أي من يرد الدنيا دون الآخرة ، كالذي يفضل الحياة على الموت في سبيل الله ~~أو كالذين استعجلوا للغنيمة فتسببوا في الهزيمة ، وليس المراد أن من أراد ~~ثواب الدنيا وحظوظها يحرم من ثواب الآخرة وحظوظها ، فإن الأدلة الشرعية دلت ~~على أن إرادة خير الدنيا مقصد شرعي حسن ، وهل جاءت الشريعة إلا لإصلاح ~~الدنيا والإعداد لحياة الآخرة الأبدية الكاملة ، قال الله تعالى : { فآتاهم ~~الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة } ( آل عمران : 148 ) وقال تعالى : { قل ~~هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين } أي الغنيمة أو الشهادة ، وغير هذا من ~~الآيات والأحاديث كثير . وجملة { وسنجزي الشاكرين } تذييل يعم الشاكرين ممن ~~يريد ثواب الدنيا ومن يريد ثواب الآخرة . ويعم الجزاء كل بحسبه ، أي يجزي ~~الشاكرين جزاء الدنيا والآخرة أو جزاء الدنيا فقط . # $ 2 ( 146 148 ) { وكأين من نبى قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لمآ ~~أصابهم فى سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين * وما كان ~~قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا فى & # 1764 أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين * فئاتاهم الله ثواب ~~الدنيا وحسن ثواب الاخرة والله يحب المحسنين } . ) 2 $ PageV04P115 # عطف على قوله : { ومن ينقلب على عقبيه } ( آل عمران : 144 ) الآية وما ~~بينهما اعتراض ، وهو عطف العبرة على الموعظة فإن قوله : { ومن ينقلب عقبيه ~~} موعظة لمن يهم بالانقلاب ، وقوله : { وكأين من نبي قاتل } عبرة بما سلف ~~من صبر أتباع الرسل والأنبياء عند إصابة أنبيائهم أو قتلهم ، في حرب أو ~~غيره ، لمماثلة الحالين . فالكلام تعريض بتشبيه حال أصحاب أحد بحال أصحاب ~~الأنبياء السالفين لأن محل المثل ليس هو خصوص الانهزام في الحرب بل ذلك هو ~~الممثل . وأما التشبيه فهو بصير الأتباع عند حلول المصائب أو موت المتبوع . # ( وكأين ) كلمة بمعنى التكثير ، قيل : هي بسيطة موضوعة للتكثير ، وقيل : ~~هي مركبة من كاف التشبيه وأي الاستفهامية وهو قول الخليل وسيبويه ، وليست ( ~~أي ) هذه استفهاما حقيقيا ms1716 ، ولكن المراد منها تذكير المستفهم بالتكثير ، ~~فاستفهامها مجازي ، ونونها في الأصل تنوين ، فلما ركبت وصارت كلمة واحدة ~~جعل تنوينها نونا وبنيت . والأظهر أنها بسيطة وفيها لغات أربع ، أشهرها في ~~النثر كأين بوزن كعين ( هكذا جرت عادة اللغويين والنحاة إذا وزنوا الكلمات ~~المهموزة أن يعوضوا عن حرف الهمزة بحرف العين لئلا تلتبس الهمزة بالألف أو ~~الياء التي تكتب في صورة إحداهما ) ، وأشهرها في الشعر كائن بوزن اسم فاعل ~~كان ، وليست باسم فاعل خلافا للمبرد ، بل هي مخفف كأين . # ولهم في كيفية تخفيفها توجيهات أصلها قول الخليل لما كثر استعمالها تصرف ~~فيها العرب بالقلب والحذف في بعض الأحوال . قلت : وتفصيله يطول . وأنا أرى ~~أنهم لما راموا التخفيف جعلوا الهمزة ألفا ، ثم التقى ساكنان على غير حده ، ~~فحذفوا الياء الساكنة فبقيت الياء المكسورة فشابهت اسم فاعل ( كان ) ~~فجعلوها همزة كالياء التي تقع بعد ألف زائدة ، وأكثر ما وقع في كلام العرب ~~هو كاين لأنها أخف في النظم وأسعد بأكثر الموازين في أوائل الأبيات ~~وأواسطها بخلاف كائن ، قال الزجاج : اللغتان الجيدتان كاين وكائن . وحكى ~~الشيخ ابن عرفة في تفسيره عن شيخه ابن الحباب قال : أخبرنا شيخنا ~~PageV04P116 أحمد بن يوسف السلمي الكناني ، قال : قلت لشيخنا ابن عصفور : ~~لم أكثرت في شرحك للإيضاح من الشواهد على كائن ؟ فقال : لأني دخلت على ~~السلطان الأمير المستنصر ( يعني محمد المستنصر ابن أبي زكرياء الحفصي ~~والظاهر أنه حينئذ ولي العهد ) فوجدت ابن هشام ( يعني محمد بن يحيى بن هشام ~~الخضراوي نزيل تونس ودفينها المتوفى سنة 646 ) فأخبرني أنه سأله عما يحفظ ~~من الشواهد على قراءة كاين فلم يستحضر غير بيت الإيضاح : # وكائن بالأباطح من صديق # يراني لو أصبت هو المصابا # قال ابن عصفور : فلما سألني أنا قلت : أحفظ فيها خمسين بيتا فلما أنشدته ~~نحو عشرة قال : حسبك ، وأعطاني خمسين دينارا ، فخرجت فوجدت ابن هشام جالسا ~~بالباب فأعطيته نصفها . # وقرأ الجمهور { وكأين } بهمزة مفتوحة بعد الكاف وياء تحتية مشددة بعد ~~الهمزة ، على وزن كلمة { كصيب } وقرأه ابن كثير { كائن } بألف بعد ms1717 الكاف ~~وهمزة مكسورة بعد الألف بوزن كاهن . # والتكثير المستفاد من { كأين } واقع على تمييزها وهو لفظ ( نبيء ) فيحتمل ~~أن يكون تكثيرا بمعنى مطلق العدد ، فلا يتجاوز جمع القلة ، ويحتمل أن يكون ~~تكثيرا في معنى جمع الكثرة ، فمنهم من علمناه ومنهم من لم نعلمه ، كما قال ~~تعالى : { ومنهم من لم نقصص عليك } ، ويحضرني أسماء ستة ممن قتل من ~~الأنبياء : أرمياء قتلته بنو إسرائيل ، وحزقيال قتلوه أيضا لأنه وبخهم على ~~سوء أعمالهم ، وأشعياء قتله منسا بن حزقيال ملك إسرائيل لأنه وبخه ووعظه ~~على سوء فعله فنشره بمنشار ، وزكرياء ، ويحيى ، قتلتهما بنو إسرائيل ~~لإيمانهما بالمسيح ، وقتل أهل الرس من العرب نبيئهم حنظلة بن صفوان في مدة ~~عدنان ، والحواريون اعتقدوا أن المسيح قتل ولم يهنوا في إقامة دينه بعده ، ~~وليس مرادا هنا وإنما العبرة بثبات أتباعه على دينه مع مفارقته لهم إذ ~~العبرة في خلو الرسول وبقاء أتباعه ، سواء كان بقتل أو غيره . وليس في ~~هؤلاء رسول إلا حنظلة بن صفوان ، وليس فيهم أيضا من قتل في جهاد ، قال سعيد ~~بن جبير : ما سمعنا بنبيء قتل في القتال . PageV04P117 # وقرأ نافع ، وابن كثير ، وأبو عمرو ، ويعقوب ، وأبو بكر عن عاصم : ( قتل ~~) بصيغة المبنى للمجهول ، وقرأه ابن عامر ، وحمزة ، وعاصم ، والكسائي ، ~~وخلف ، وأبو جعفر : ( قاتل ) بصيغة المفاعلة فعلى قراءة ( قتل ) بالبناء ~~للمجهول فمرفوع الفعل هو ضمير نبيء ، وعلى كلتا القراءتين يجوز أن يكون ~~مرفوع الفعلين ضمير نبيء فيكون قوله : { معه ربيون } جملة حالية من ( نبيء ~~) ويجوز أن يكون مرفوع الفعلين لفظ ( ربيون ) فيكون قوله ( معه ) حالا من ( ~~ربيون ) مقدما . # وجاءت هذه الآية على هذا النظم البديع الصالح لحمل الكلام على تثبيت ~~المسلمين في حال الهزيمة وفي حال الإرجاف بقتل النبي صلى الله عليه وسلم ~~وعلى الوجهين في موقع جملة { ومعه ربيون } يختلف حسن الوقف على كلمة ( قتل ~~) أو على كلمة ( كثير ) . # و ( الربيون ) جمع ربي وهو المتبع لشريعة الرب مثل الرباني ، والمراد بهم ~~هنا أتباع الرسل وتلامذة الأنبياء . ويجوز في رائه الفتح ، على القياس ، ~~والكسر ، على ms1718 أنه من تغييرات النسب وهو الذي قرىء به في المتواتر . # ومحل العبرة هو ثبات الربانيين على الدين مع موت أنبيائهم ودعاتهم . # وقوله : { كثير } صفة { ربيون } وجيء به على صيغة الإفراد ، مع أن ~~الموصوف جمع ، لأن لفظ كثير وقليل يعامل موصوفهما معاملة لفظ شيء أو عدد ، ~~قال تعالى : { وبث منهما رجالا كثيرا ونساء } ( النساء : 1 ) وقال : { ود ~~كثير من أهل الكتاب } ( البقرة : 109 ) وقال : { اذكروا إذ أنتم قليل } ( ~~الأنفال : 26 ) وقال : { إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا } ~~( الأنفال : 43 ) . # وقوله : { فما وهنوا } أي الربيون إذ من المعلوم أن الأنبياء لا يهنون ~~فالقدوة المقصودة هنا ، هي الاقتداء بأتباع الأنبياء ، أي لا ينبغي أن يكون ~~أتباع من مضى من الأنبياء ، أجدر بالعزم من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم # وجمع بين الوهن والضعف ، وهما متقاربان تقاربا قريبا من الترادف ؛ فالوهن ~~قلة القدرة على العمل ، وعلى النهوض في الأمر ، وفعله كوعد وورث ~~PageV04P118 وكرم . والضعف بضم الضاد وفتحها ضد القوة في البدن ، وهما هنا ~~مجازان ، فالأول أقرب إلى خور العزيمة ، ودبيب اليأس في النفوس والفكر ، ~~والثاني أقرب إلى الاستسلام والفشل في المقاومة . وأما الاستكانة فهي ~~الخضوع والمذلة للعدو . ومن اللطائف ترتيبها في الذكر على حسب ترتيبها في ~~الحصول : فإنه إذا خارت العزيمة فشلت الأعضاء ، وجاء الاستسلام ، فتبعته ~~المذلة والخضوع للعدو . # واعلموا أنه إذا كان هذا شأن أتباع الأنبياء ، وكانت النبوءة هديا ~~وتعليما ، فلا بدع أن يكون هذا شأن أهل العلم ، وأتباع الحق ، أن لا يوهنهم ~~، ولا يضعفهم ، ولا يخضعهم ، مقاومة مقاوم ، ولا أذى حاسد ، أو جاهل ، وفي ~~الحديث الصحيح ، في ( البخاري ) : أن خبابا قال للنبيء صلى الله عليه وسلم ~~( لقد لقينا من المشركين شدة ألا تدعو الله ) فقعد وهو محمر وجهه فقال : ( ~~لقد كان من قبلكم ليمشط بمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب ، ما ~~يصرفه ذلك عن دينه ، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنين ما يصرفه ذلك ~~عن دينه ) الحديث . # وقوله تعالى : { وما كان قولهم إلا أن قالوا ms1719 ربنا اغفر لنا ذنوبنا } ~~الآية عطف على { فما وهنوا } لأنه لما وصفهم برباطة الجأش ، وثبات القلب ، ~~وصفهم بعد ذلك بما يدل على الثبات من أقوال اللسان التي تجري عليه عند ~~الاضطراب والجزع ، أي أن ما أصابهم لم يخالجهم بسببه تردد في صدق وعد الله ~~، ولا بدر منهم تذمر ، بل علموا أن ذلك لحكمة يعلمها سبحانه ، أو لعله كان ~~جزاء على تقصير منهم في القيام بواجب نصر دينه ، أو في الوفاء بأمانة ~~التكليف ، فلذلك ابتهلوا إليه عند نزول المصيبة بقولهم : { ربنا اغفر لنا ~~ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا } خشية أن يكون ما أصابهم جزاء على ما فرط منهم ، ~~ثم سألوه النصر وأسبابه ثانيا فقالوا : { وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم ~~الكافرين } فلم يصدهم ما لحقهم من الهزيمة عن رجاء النصر ، وفي ( الموطأ ) ~~، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( يستجاب لأحدكم ما لم يعجل يقول : دعوت ~~فلم يستجب لي ) فقصر قولهم في تلك الحالة التي يندر PageV04P119 فيها صدور ~~مثل هذا القول ، على قولهم : { ربنا اغفر لنا } إلى آخره ، فصيغة القصر في ~~قوله : { وما كان قولهم إلا أن قالوا } قصر إضافي لرد اعتقاد من قد يتوهم ~~أنهم قالوا أقوالا تنبىء عن الجزع ، أو الهلع ، أو الشك في النصر ، أو ~~الاستسلام للكفار . وفي هذا القصر تعريض بالذين جزعوا من ضعفاء المسلمين أو ~~المنافقين فقال قائلهم : لو كلمنا عبد الله بن أبي يأخذ لنا أمانا من أبي ~~سفيان . # وقدم خبر ( كان ) على اسمها في قوله : { وما كان قولهم إلا أن قالوا } ~~لأنه خبر عن مبتدأ محصور ، لأن المقصود حصر أقوالهم حينئذ في مقالة { ربنا ~~اغفر لنا ذنوبنا } فالقصر حقيقي لأنه قصر لقولهم الصادر منهم ، حين حصول ما ~~أصابهم في سبيل الله ، فذلك القيد ملاحظ من المقام ، نظير القصر في قوله ~~تعالى : { إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن ~~يقولوا سمعنا وأطعنا } ( النور : 51 ) فهو قصر حقيقي مقيد بزمان خاص ، ~~تقييدا منطوقا به ، وهذا أحسن من توجيه تقديم الخبر في الآية بأن ms1720 المصدر ~~المنسبك المؤول أعرف من المصدر الصريح لدلالة المؤول على النسبة وزمان ~~الحدث ، بخلاف إضافة المصدر الصريح ، وذلك جائز في باب ( كان ) في غير صيغ ~~القصر ، وأما في الحصر فمتعين تقديم المحصور . # والمراد من الذنوب جميعها ، وعطف عليه بعض الذنوب وهو المعبر عنه هنا ~~بالإسراف في الأمر ، والإسراف هو الإفراط وتجاوز الحد ، فلعله أريد به ~~الكبائر من الذنوب كما نقل عن ابن عباس وجماعة ، وعليه فالمراد بقوله : ~~أمرنا ، أي ديننا وتكليفنا ، فيكون عطف خاص للاهتمام بطلب غفرانه ، وتمحض ~~المعطوف عليه حينئذ لبقية الذنوب وهي الصغائر . ويجوز عندي أن يكون المراد ~~بالإسراف في الأمر التقصير في شأنهم ونظامهم فيما يرجع إلى أهبة القتال ، ~~والاستعداد له ، أو الحذر من العدو ، وهذا الظاهر من كلمة أمر ، بأن يكونوا ~~شكوا أن يكون ما أصابهم من هزيمتهم في الحرب مع عدوهم ناشئا عن سببين : ~~باطنن وظاهر ، فالباطن هو غضب الله عليهم من جهة الذنوب ، والظاهر هو ~~تقصيرهم في الاستعداد والحذر ، وهذا أولى من الوجه الأول . PageV04P120 # وقوله : { فأتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة } إعلام بتعجيل ~~إجابة دعوتهم لحصول خيري الدنيا والآخرة ، فثواب الدنيا هو الفتح والغنيمة ~~، وثواب الآخرة هو ما كتب لهم حينئذ من حسن عاقبة الآخرة ، ولذلك وصفه ~~بقوله : { وحسن ثواب الآخرة } لأنه خير وأبقى . وتقدم الكلام على الثواب ~~عند قوله تعالى في سورة البقرة ( 103 ) { لمثوبة من عند الله خير . # وجملة والله يحب المحسنين } تذييل أي يحب كل محسن ، وموقع التذييل يدل ~~على أن المتحدث عنهم هم من الذين أحسنوا ، فاللام للجنس المفيد معنى ~~الاستغراق ، وهذه من أكبر الأدلة على أن ( أل ) الجنسية إذا دخلت على جمع ~~أبطلت منه معنى الجمعية ، وأن الاستغراق المفاد من ( أل ) إذا كان مدخولها ~~مفردا وجملة سواء . # $ 2 ( 149 ، 150 ) { ياأيها الذين ءامنو & # 1764 ا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين * بل ~~الله مولاكم وهو خير الناصرين } ) 2 $ # استئناف ابتدائي للانتقال من التوبيخ واللوم والعتاب إلى التحذير ، ~~ليتوسل منه إلى معاودة التسلية ، على ما حصل ms1721 من الهزيمة ، وفي ضمن ذلك كله ~~، من الحقائق الحكمية والمواعظ الأخلاقية والعبر التاريخية ، ما لا يحصيه ~~مريد إحصائه . # والطاعة تطلق على امتثال أمر الآمر وهو معروف ، وعلى الدخول تحت حكم ~~الغالب ، فيقال طاعت قبيلة كذا وطوع الجيش بلاد كذا . # و { الذين كفروا } شائع في اصطلاح القرآن أن يراد به المشركون ، واللفظ ~~صالح بالوضع لكل كافر من مشرك وكتابي ، مظهر أو منافق . # والرد على الأعقاب : الارتداد ، والانقلاب : الرجوع ، وقد تقدم القول ~~فيهما عند قوله : { أفأين مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم } ( آل عمران : ~~144 ) فالظاهر أنه PageV04P121 أراد من هذا الكلام تحذير المؤمنين من أن ~~يخامرهم خاطر الدخول في صلح المشركين وأمانهم ، لأن في ذلك إظهار الضعف ~~أمامهم ، والحاجة إليهم ، فإذا مالوا إليهم استدرجوهم رويدا رويدا ، بإظهار ~~عدم كراهية دينهم المخالف لهم ، حتى يردوهم عن دينهم لأنهم لن يرضوا عنهم ~~حتى يرجعوا إلى ملتهم ، فالرد على الأعقاب على هذا يحصل بالإخارة والمآل ، ~~وقد وقعت هذه العبرة في طاعة مسلمي الأندلس لطاغية الجلالقة . وعلى هذا ~~الوجه تكون الآية مشيرة إلى تسفيه رأي من قال : ( لو كلمنا عبد الله بن أبي ~~يأخذ لنا أمانا من أبي سفيان ) كما يدل عليه قوله : { بل الله مولاكم } . # ويحتمل أن يراد من الطاعة طاعة القول والإشارة ، أي الامتثال ، وذلك قول ~~المنافقين لهم : لو كان محمد نبيئا ما قتل فارجعوا إلى إخوانكم وملتكم . ~~ومعنى الرد على الأعقاب في هذا الوجه أنه يحصل مباشرة في حال طاعتهم إياهم ~~. # وقوله : { بل الله مولاكم } إضراب لإبطال ما تضمنه ما قبله ، فعلى الوحه ~~الأول تظهر المناسبة غاية الظهور ، لأن الطاعة على ذلك الوجه هي من قبيل ~~الموالاة والحلف فناسب إبطالها بالتذكير بأن مولى المؤمنين هو الله تعالى ، ~~ولهذا التذكير موقع عظيم : وهو أن نقض الولاء والحلف أمر عظيم عند العرب ، ~~فإن للولاء عندهم شأنا كشأن النسب ، وهذا معنى قرره الإسلام في خطبة حجة ~~الوداع أو فتح مكة ( من انتسب إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه ~~لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ms1722 ) فكيف إذا كان الولاء ولاء سيد الموالي ~~كلهم . # وعلى الوجه الثاني في معنى { إن تطيعوا الذين كفروا } تكون المناسبة ~~باعتبار ما في طاعة المنافقين من موالاتهم وترك ولاء الله تعالى . # وقوله : { وهو خير الناصرين } يقوي مناسبة الوجه الأول ويزيد إرادته ~~ظهورا . و { خير الناصرين } هو أفضل الموصوفين بالوصف ، فيما يراد منه ، ~~وفي موقعه ، وفائدته ، فالنصر يقصد منه دفع الغلب عن المغلوب ، فمتى كان ~~الدفع أقطع للغالب كان النصر أفضل ، ويقصد منه دفع الظلم فمتى كان النصر ~~PageV04P122 قاطعا لظلم الظالم كان موقعه أفضل ، وفائدته أكمل ، فالنصر لا ~~يخلو من مدحة لأن فيه ظهور الشجاعة وإباء الضيم والنجدة . قال وداك بن ثميل ~~المازني : # إذا استنجدوا لم يسألوا من دعاهم # لأية حرب أم بأي مكان # ولكنه إذا كان تأييدا لظالم أو قاطع طريق ، كان فيه دخل ومذمة ، فإذا كان ~~إظهارا لحق المحق وإبطالل الباطل ، استكمل المحمدة ، ولذلك فسر النبيء صلى ~~الله عليه وسلم نصر الظالم بما يناسب خلق الإسلام لما قال : ( انصر أخاك ~~ظالما ومظلوما ) فقال بعض القوم : هذا أنصره إذا كان مظلوما فكيف أنصره إذا ~~كان ظالما ؟ فقال : ( أن تنصره على نفسه فتكفه عن ظلمه ) . # # | 2 ( 151 ) { سنلقى فى قلوب الذين كفروا الرعب بمآ أشركوا بالله ما لم ~~ينزل به سلطانا ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين } . ) 2 # رجوع إلى تسلية المؤمنين ، وتطمينهم ، ووعدهم بالنصر على العدو . ~~والإلقاء حقيقته رمي شيء على الأرض { فألقوا حبالهم وعصيهم } ( الشعراء : ~~44 ) ، أو في الماء { فألقيه في اليم } ( القصص : 7 ) ويطلق على الإفضاء ~~بالكلام { يلقون السمع } ( الشعراء : 223 ) وعلى حصول الشيء في النفس كأن ~~ملقيا ألقاه أي من غير سبق تهيؤ { وألقينا بينهم العداوة والبغضاء } ( ~~المائدة : 64 ) وهو هنا مجاز في الجعل والتكوين كقوله : { وقذف في قلوبهم ~~الرعب } ( الأحزاب : 26 ) . # والرعب : الفزع من شدة خوف ، وفيه لغتان الرعب بسكون العين والرعب بضم ~~العين وقرأه الجمهور بسكون العين وقرأه ابن عامر ، والكسائي بضم العين . # والباء في قوله : { بما أشركوا بالله } للعوض وتسمى باء المقابلة مثل ~~قولهم : هذه بتلك ms1723 ، وقوله تعالى : { جزاء بما كسبا } ( المائدة : 38 ) ، ~~وهذا جزاء دنيوي رتبه PageV04P123 الله تعالى على الإشراك به ، ومن حكمته ~~تعالى أن رتب على الأمور الخبيثة آثارا خبيثة ، فإن الشرك لما كان اعتقاد ~~تأثير من لا تأثير له ، وكان ذلك الإعتقاد يرتكز في نفوس معتقديه على غير ~~دليل ، كان من شأن معتقده أن يكون مضطرب النفس متحيرا في العاقبة في تغلب ~~بعض الآلهة على بعض ، فيكون لكل قوم صنم هم أخص به ، وهم في تلك الحالة ~~يعتقدون أن لغيره من الأصنام مثل ما له من القدرة والغيرة . فلا تزال ~~آلهتهم في مغالبة ومنافرة . كما لا يزال أتباعهم كذلك ، والذين حالهم كما ~~وصفنا لا يستقر لهم قرار في الثقة بالنصر في حروبهم ، إذ هم لا يدرون هل ~~الربح مع آلهتهم أم مع أضدادها ، وعليه فقوله : { ما لم ينزل به سلطانا } ~~صلة أجريت على المشرك به ليس القصد بها تعريف الشركاء ، ولكن قصد بها ~~الإيماء إلى أنه من أسبابب إلقاء الرعب في قلوبهم ، إذ هم على غير يقين ~~فيما أشركوا واعتقدوا ، فقلوبهم وجلة متزلزلة ، إذ قد علم كل أحد أن ~~الشركاء يستحيل أن ينزل بهم سلطان . فإن قلت : ما ذكرته يقتضي أن الشرك سبب ~~في إلقاء الرعب في قلوب أهله ، فيتعين أن يكون الرعب نازلا في قلوبهم من ~~قبل هذه الوقعة ، والله يقول { سنلقي } ) أي في المستقبل ، قلت : هو كذلك ~~إلا أن هذه الصفات تستكن في النفوس حتى يدعو داعي ظهورها ، فالرعب والشجاعة ~~صفتان لا تظهران إلا عند القتال ، وتقويان وتضعفان ، فالشجاع تزيد شجاعته ~~بتكرر الانتصار ، وقد ينزوي قليلا إذا انهزم ثم تعود له صفته سرعى . كما ~~وصفه عمرو بن الإطنابة في قوله : # وقولي كلما جشأت وجاشت # مكانكك تحمدي أو تستريحي # وقول الحصينن بن الحمام : # تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد # لنفسي حياة مثل أن أتقدما # وكذلك الرعب والجبن قد يضعف عند حصول بارقة انتصار ، فالمشركون لما ~~انهزموا بادىء الأمر يوم أحد ، فلت عزيمتهم ، ثم لما ابتلى الله المؤمنين ~~بالهزيمة راجعهم شيء من الشجاعة والازدهاء ms1724 ، ولكنهم بعد انصرافهم ~~PageV04P124 عاودتهم صفاتهم ، ( وتأبى الطباع على الناقل ) . فقوله : { ~~سنلقي } أي إلقاء إعادة الصفة إلى النفوس ، ولك أن تجعل السين فيه لمجرد ~~التأكيد أي ألقينا ونلقي ، ويندفع الإشكال . # وكثير من المفسرين ذكروا أن هذا الرعب كانت له مظاهر : منها أن المشركين ~~لما انتصروا على المسلمين كان في مكنتهم أن يوغلوا في استيصالهم إلا أن ~~الرعب صدهم عن ذلك ، لأنهم خافوا أن تعود عليهم الهزيمة ، وتدور عليهم ~~الدائرة ، ومنها أنهم لما انصرفوا قاصدين الرجوع إلى مكة عن لهم في الطريق ~~ندم ، وقالوا : لو رجعنا فاقتفينا آثار محمد وأصحابه ، فإنا قتلناهم ولم ~~يبق إلا الفل والطريد ، فلنرجع إليهم حتى نستأصلهم ، وبلغ ذلك النبيء صلى ~~الله عليه وسلم فندب المسلمين إلى لقائهم ، فانتدبوا ، وكانوا في غاية ~~الضعف ومثقلين بالجراحة ، حتى قيل : إن الواحد منهم كان يحمل الآخر ثم ينزل ~~المحمول فيحمل الذي كان حامله ، فقيض الله معبد بن أبي معبد الخزاعي وهو ~~كافر فجاء إلى رسول الله فقال : ( إن خزاعة قد ساءها ما أصابك ولوددنا أنك ~~لم ترزأ في أصحابك ) ثم لحق معبد بقريش فأدركهم بالروحاء قد أجمعوا الرجعة ~~إلى قتال المسلمين فقال له أبو سفيان : ما وراءك يا معبد ، قال : محمد ~~وأصحابه قد خرجوا يطلبونكم في جمع لم أر مثله قط ، يتحرقون عليكم ، قد ~~اجتمع معه من كان تخلف عنه ، فقال : ويلك ، ما تقول ؟ قال : ما أرى أنك ~~ترتحل حتى ترى نواصي الخيل ولقد حملني ما رأيت منه على أن قلت فيه : # كادت تهد من الأصوات راحلتي # إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل # تردي بأسد كرامم لا تنابلة # عند اللقاء ولا ميلل معازيل # فظلت أعدو وأظن الأرض مائلة # لما سموا برئيس غير مخذول # فوقع الرعب في قلوب المشركين وقال صفوان بن أمية : لا ترجعوا فإني أرى ~~أنه سيكون للقوم قتال غير الذي كان . PageV04P125 # وقوله : { ما لم ينزل به سلطانا } أي ما لاسلطان له . والسلطان : الحجة ~~والبرهان لأنه يتسلط على النفس ، ونفي تنزيله وأريد نفي وجوده ، لأنه لو ~~كان لنزل أي لأوحى الله ms1725 به إلى الناس ، لأن الله لم يكتم الناس الإرشاد إلى ~~ما يجب عليهم من اعتقاد على ألسنة الرسل ، فالتنزيل إما بمعنى الوحي ، وإما ~~بمعنى نصب الأدلة عليهم كقولهم : ( نزلت الحكمة على ألسنة العرب وعقول ~~الفرس وأيدي الصين ) ولما كان الحق لا يعدو هذين الحالين : لأنه إما أن ~~يعلم بالوحي ، أو بالأمارات ، كان نفي تنزيل السلطان على الإشراك كناية عن ~~نفي السلطان نفسه ، كقول الشاعر الذي لا يعرف اسمه : # لا تفزع الأرنب أهوالها # ولا ترى الضب بها ينجحر # وقوله : { ومأواهم النار } ذكر عقابهم في الآخرة . والمأوى مفعل من أوى ~~إلى كذا إذا ذهب إليه ، والمثوى مفعل من ثوى إذا أقام ؛ فالنار مصيرهم ~~ومقرهم والمراد المشركون . # # | 2 ( 152 ) { ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم ~~وتنازعتم فى الامر وعصيتم من بعد مآ أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ~~ومنكم من يريد الاخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل ~~على المؤمنين } . ) 2 # { ولقد صدقكم } عطف على قوله : { سنلقى في قلوب الذين كفروا الرعب } ( آل ~~عمران : 151 ) وهذا عود إلى التسلية على ما أصابهم ، وإظهار لاستمرار عناية ~~الله تعالى بالمؤمنين ، ورمز إلى الثقة بوعدهم بإلقاء الرعب في قلوب ~~المشركين ، وتبيين لسبب هزيمة المسلمين : تطمينا لهم بذكر نظيره ومماثله ~~السابقق ، فإن لذلك موقعا عظيما في الكلام على حد قولهم ( التاريخ يعيد ~~نفسه ) وليتوسل PageV04P126 بذلك إلى إلقاء تبعة الهزيمة عليهم ، وأن الله ~~لم يخلفهم وعده ، ولكن سوء صنيعهم أوقعهم في المصيبة كقوله : { وما أصابك ~~من سيئة فمن نفسك } ( النساء : 79 ) . # وصدق الوعد : تحقيقه والوفاء به ، لأن معنى الصدق مطابقة الخبر للواقع ، ~~وقد عدي صدق هنا إلى مفعولين ، وحقه أن لا يتعدى إلا إلى مفعول واحد . قال ~~الزمخشري في قوله تعالى في سورة الأحزاب ( 23 ) : { من المؤمنين رجال صدقوا ~~ما عاهدوا الله عليه يقال : صدقني أخوك وكذبني إذا قال لك الصدق والكذب ، ~~وأما المثل ( صدقني سن بكره ) فمعناه صدقني في سن بكره بطرح الجار وإيصال ~~الفعل . فنصب وعده } هنا ms1726 على الحذف والإيصال ، وأصل الكلام صدقكم في وعده ، ~~أو على تضمين صدق معنى أعطى . # والوعد هنا وعد النصر الواقع بمثل قوله : { يأيها الذين آمنوا إن تنصروا ~~الله ينصركم } ( محمد : 7 ) أو بخبر خاص في يوم أحد . # وإذن الله بمعنى التقدير وتيسير الأسباب . # و ( إذ ) في قوله : { إذ تحسونهم } نصب على الظرفية لقوله : { صدقكم } أي ~~: صدقكم الله الوعد حين كنتم تحسونهم بإذنه فإن ذلك الحس تحقيق لوعد الله ~~إياهم بالنصر ، و ( إذ ) فيه للمضي ، وأتى بعدها بالمضارع لإفادة التجدد أي ~~لحكاية تجدد الحس في الماضي . # والحس بفتح الحاء القتل أطلقه أكثر اللغويين ، وقيده في ( الكشاف ) ~~بالقتل الذريع ، وهو أصوب . # وقوله : { حتى إذا فشلتم } ( حتى ) حرف انتهاء وغاية ، يفيد أن مضمون ~~الجملة التي بعدها غاية لمضمون الجملة التي قبلها ، فالمعنى : إذ تقتلونهم ~~بتيسير الله ، واستمر قتلكم إياهم إلى حصول الفشل لكم والتنازع بينكم . # و ( حتى ) هنا جارة و ( إذا ) مجرور بها . PageV04P127 # و ( إذا ) اسم زمان ، وهو في الغالب للزمان المستقبل وقد يخرج عنه إلى ~~الزمان مطلقا كما هنا ، ولعل نكتة ذلك أنه أريد استحضار الحالة العجيبة ~~تبعا لقوله : { تحسونهم } . # و ( إذا ) هنا مجردة عن معنى الشرط لأنها إذا صارت للمضي انسلخت عن ~~الصلاحية للشرطية ، إذ الشرط لا يكون ماضيا إلا بتأويل لذلك فهي غير محتاجة ~~لجواب فلا فائدة في تكلف تقديره : انقسمتم ، ولا إلى جعل الكلام بعدها ~~دليلا عليه وهو قوله : { منكم من يريد الدنيا } إلى آخرها . # والفشل : الوهن والإعياء ، والتنازع : التخالف ، والمراد بالعصيان هنا ~~عصيان أمر الرسول ، وقد رتبت الأفعال الثلاثة في الآية على حسب ترتيبها في ~~الحصول ، إذ كان الفشل ، وهو ضجر بعض الرماة من ملازمة موقفهم للطمع في ~~الغنيمة ، قد حصل أولا فنشأ عنه التنازع بينهم في ملازمة الموقف وفي اللحاق ~~بالجيش للغنيمة ، ونشأ عن التنازع تصميم معظمهم على مفارقة الموقف الذي ~~أمرهم الرسول عليه الصلاة والسلام بملازمته وعدم الانصراف منه ، وهذا هو ~~الأصل في ترتيب الأخبار في صناعة الإنشاء ما لم يقتض الحال العدول عنه . # والتعريف في قوله ms1727 : { في الأمر } عوض عن المضاف إليه أي في أمركم أي ~~شأنكم . # ومعنى { من بعد ما أراكم ما تحبون } أراد به النصر إذ كانت الريح أول يوم ~~أحد للمسلمين ، فهزموا المشركين ، وولوا الأدبار ، حتى شوهدت نساؤهم مشمرات ~~عن سوقهن في أعلى الجبل هاربات من الأسر ، وفيهن هند بنت عتبة بن ربيعة ~~امرأة أبي سفيان ، فلما رأى الرماة الذين أمرهم الرسول أن يثبتوا لحماية ~~ظهور المسلمين ، الغنيمة ، التحقوا بالغزاة ، فرأى خالد بن الوليد ، وهو ~~قائد خيل المشركين يومئذ ، غرة من المسلمين فأتاهم من ورائهم فانكشفوا ~~واضطرب بعضهم في بعض وبادروا الفرار وانهزموا ، فذلك قوله تعالى : { من بعد ~~ما أراكم ما تحبون } فيكون المجرور متعلقا بفشلهم . والكلام على هذا تشديد ~~في الملام والتنديم . PageV04P128 # والأظهر عندي أن يكون معنى ما تحبون هو الغنيمة فإن المال محبوب ، فيكون ~~المجرور يتنازعه كل من ( فشلتم ، وتنازعتم ، وعصيتم ) ، وعدل عن ذكر ~~الغنيمة باسمها ، إلى الموصول تنبيها على أنهم عجلوا في طلب المال المحبوب ~~، والكلام على هذا تمهيد لبساط المعذرة إذ كان فشلهم وتنازعهم وعصيانهم عن ~~سبب من أغراض الحرب وهو المعبر عنه ب ( إحدى الحسنيين ) ولم يكن ذلك عن جبن ~~، ولا عن ضعف إيمان ، أو قصد خذلان المسلمين ، وكله تمهيد لما يأتي من قوله ~~: { ولقد عفا عنكم } . # وقوله : { منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الأخرة } تفصيل لتنازعتم ، ~~وتبيين ل ( عصيتم ) ، وتخصيص له بأن العاصين بعض المخاطبين المتنازعين ، إذ ~~الذين أرادوا الآخرة ليسوا بعاصين ، ولذلك أخرت هاته الجملة إلى بعد ~~الفعلين ، وكان مقتضى الظاهر أن يعقب بها قوله : { وتنازعتم في الأمر } وفي ~~هذا الموضع للجملة ما أغنى عن ذكر ثلاث جمل وهذا من أبدع وجوه الإعجاز ، ~~والقرينة واضحة . # والمراد بقوله : { منكم من يريد الدنيا } إرادة نعمة الدنيا وخيرها ، وهي ~~الغنيمة ، لأن من أراد الغنيمة لم يحرص على ثواب الامتثال لأمر الرسول بدون ~~تأويل ، وليس هو مفرطا في الآخرة مطلقا ، ولا حاسبا تحصيل خير الدنيا في ~~فعله ذلك مفيتا عليه ثواب الآخرة في غير ذلك الفعل ، فليس في هذا ms1728 الكلام ما ~~يدل على أن الفريق الذين أرادوا ثواب الدنيا قد ارتدوا عن الإيمان حينئذ ، ~~إذ ليس الحرص على تحصيل فائدة دنيوية من فعل من الأفعال ، مع عدم الحرص على ~~تحصيل ثواب الآخرة من ذلك الفعل بدال على استخفاف بالآخرة ، وإنكار لها ، ~~كما هو بين ، ولا حاجة إلى تقدير : منكم من يريد الدنيا ، فقط . وإنما سميت ~~مخالفة من خالف أمر الرسول عصيانا ، مع أن تلك المخالفة كانت عن اجتهاد لا ~~عن استخفاف ، إذ كانوا قالوا : إن رسول الله أمرنا بالثبات هنا لحماية ظهور ~~المسلمين ، فلما نصر الله المسلمين فما لنا وللوقوف هنا حتى تفوتنا الغنائم ~~، فكانوا متأولين ، فإنما سميت هنا PageV04P129 عصيانا لأن المقام ليس مقام ~~اجتهاد ، فإن شأن الحرب الطاعة للقائد من دون تأويل ، أو لأن التأويل كان ~~بعيدا فلم يعذروا فيه ، أو لأنه كان تأويلا لإرضاء حب المال ، فلم يكن ~~مكافئا لدليل وجوب طاعة الرسول . # وإنما قال : { ثم صرفكم عنهم ليبتليكم } ليدل على أن ذلك الصرف بإذن الله ~~وتقديره ، كما كان القتل بإذن الله وأن حكمته الابتلاء ، ليظهر للرسول ~~وللناس من ثبت على الإيمان من غيره ، ولأن في الابتلاء أسرارا عظيمة في ~~المحاسبة بين العبد وربه سبحانه وقد أجمل هذا الابتلاء هنا وسيبينه . # وعقب هذا الملام بقوله : { ولقد عفا عنكم } تسكينا لخواطرهم ، وفي ذلك ~~تلطف معهم على عادة القرآن في تقريع المؤمنين ، وأعظم من ذلك تقديم العفو ~~على الملام في ملام الرسول عليه السلام في قوله تعالى : { عفا الله عنك لم ~~أذنت لهم } ( التوبة : 43 ) ، فتلك رتبة أشرف من رتبة تعقيب الملام بذكر ~~العفو ، وفيه أيضا دلالة على صدق إيمانهم إذ عجل لهم الإعلام بالعفو لكيلا ~~تطير نفوسهم رهبة وخوفا من غضب الله تعالى . # وفي تذييله بقوله : { والله ذو فضل على المؤمنين } تأكيد ما اقتضاه قوله ~~: { ولقد عفا عنكموالظاهر أنه عفو لأجل التأويل ، فلا يحتاج إلى التوبة ، ~~ويجوز أن يكون عفوا بعدما ظهر منهم من الندم والتوبة ، ولأجل هذا الاحتمال ~~لم تكن الآية صالحة للاستدلال على الخوارج والمعتزلة القائلين ms1729 بأن المعصية ~~تسلب الإيمان . # $ 2 ( 153 ) إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم فى & # 1764 أخراكم فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا مآ أصابكم ~~والله خبير بما تعملون } . ) 2 $ PageV04P130 # { إذ تصعدون } متعلق بقوله : { ثم صرفكم عنهم } ( آل عمران : 152 ) أي ~~دفعكم عن المشركين حين أنتم مصعدون . # والإصعاد : الذهاب في الأرض لأن الأرض تسمى صعيدا ، قال جعفر بن علبة : # هواي مع الركب اليمانين مصعد # والإصعاد أيضا السير في الوادي ، قال قتادة والربيع : أصعدوا يوم أحد في ~~الوادي . والمعنى : تفرون مصعدين ، كأنه قيل : تذهبون في الأرض أي فرارا ، ~~ف إذ ) ظرف للزمان الذي عقب صرف الله إياهم وكان من آثاره . # { ولا تلون على أحد } أي في هذه الحالة . واللي مجاز بمعنى الرحمة والرفق ~~مثل العطف في حقيقته ومجازه ، فالمعنى ولا يلوي أحد عن أحد فأوجز بالحذف ، ~~والمراد على أحد منكم ، يعني : فررتم لا يرحم أحد أحدا ولا يرفق به ، وهذا ~~تمثيل للجد في الهروب حتى إن الواحد ليدوس الآخر لو تعرض في طريقه . # وجملة { والرسول يدعوكم في أخراكم } حال ، والأخرى آخر الجيش أي من ~~ورائكم . ودعاء الرسول دعاؤه إياهم للثبات والرجوع عن الهزيمة ، وهذا هو ~~دعاء الرسول الناس بقوله : ( إلي عباد الله من يكر فله الجنة ) . # وقوله : { فأثابكم غما } إن كان ضمير { فأثابكم } ضمير اسم الجلالة ، وهو ~~الأظهر والموافق لقوله بعده : { ثم أنزل عليكم من بعد الغم } ( آل عمران : ~~154 ) فهو عطف على { صرفكم } ( آل عمران : 152 ) أي ترتب على الصرف إثابتكم ~~. وأصل الإثابة إعطاء الثواب وهو شيء يكون جزاء على عطاء أو فعل . والغم ~~ليس بخير ، فيكون أثابكم إما استعارة تهكمية كقول عمرو بن كلثوم : # قريناكم فعجلنا قراكم # قبيل الصبح مرداة طحونا # أي جازاكم الله على ذلك الإصعاد المقارن للصرف أن أثابكم غما أي قلقا لكم ~~في نفوسكم ، والمراد أن عاقبكم بغم كقوله : { فبشرهم بعذاب أليم } ( آل ~~عمران : 21 ) PageV04P131 وفي هذا الوجه بعد : لأن المقام مقام ملام لا ~~توبيخ ، ومقام لا تنديم . وإما مشاكلة تقديرية لأنهم لما ms1730 خرجوا للحرب خرجوا ~~طالبين الثواب ، فسلكوا مسالك باءوا معها بعقاب فيكون كقول الفرزدق : # أخاف زيادا أن يكون عطاؤه # أداهم سودا أو محدرجة سمرا # وقول الآخر : # قلت : اطبخوا لي جبة قميصا . # ونكتة هذه المشاكلة أن يتوصل بها إلى الكلام على ما نشأ عن هذا الغم من ~~عبرة ، ومن توجه عناية الله تعالى إليهم بعده . # والباء في قوله : { بغم } للمصاحبة أي غما مع غم ، وهو جملة الغموم التي ~~دخلت عليهم من خيبة الأمل في النصر بعد ظهور بوارقه ، ومن الانهزام ، ومن ~~قتل من قتل ، وجرح من جرح ، ويجوز كون الباء للعوض ، أي : جازاكم الله غما ~~في نفوسكم عوضا عن الغم الذي نسبتم فيه للرسول وإن كان الضمير في قوله : { ~~فأثابكم } عائدا إلى الرسول في قوله : { والرسول يدعوكم } ، وفيه بعد ، ~~فالإثابة مجاز في مقابلة فعل الجميل بمثله أي جازاكم بغم . والباء في قوله ~~: { بغم } باء العوض . والغم الأول غم نفس الرسول ، والغم الثاني غم ~~المسلمين ، والمعنى أن الرسول اغتم وحزن لما أصابكم ، كما اغتممتم لما شاع ~~من قتله فكان غمه لأجلكم جزاءا على غمكم لأجله . # وقوله : { لكيلا تحزنوا على ما فاتكم } تعليل أول ل ( أثابكم ) أي ألهاكم ~~بذلك الغم لئلا تحزنوا على ما فاتكم من الغنيمة ، وما أصابكم من القتل ~~والجراح ، فهو أنساهم بمصيبة صغيرة مصيبة كبيرة ، وقيل : ( لا ) زائدة ~~والمعنى : لتحزنوا ، فيكون زيادة في التوبيخ والتنديم إن كان قوله : { ~~أثابكم } تهكما أو المعنى فأثابكم PageV04P132 الرسول غما لكيلا تحزنوا على ~~ما فاتكم : أي سكت عن تثريبكم ، ولم يظهر لكم إلا الاغتمام لأجلكم ، لكيلا ~~يذكركم بالتثريب حزنا على ما فاتكم ، فأعرض عن ذكره جبرا لخواطركم . وقيل : ~~المعنى أصابكم بالغم الذي نشأ عن الهزيمة لتعتادوا نزول المصائب ، فيذهب ~~عنكم الهلع والجزع عند النوائب . # وفي الجمع بين { ما فاتكم } و { ما أصابكم } طباق يؤذن بطباق آخر مقدر ، ~~لأن ما فات هو النافع وما أصاب هو من الضار . # $ 2 ( 154 ) { ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طآئفة منكم ~~وطآئفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله ms1731 غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا ~~من الامر من شىء قل إن الامر كله لله يخفون فى & # 1764 أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الامر شىء ما قتلنا ~~هاهنا قل لو كنتم فى بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم ~~وليبتلى الله ما فى صدوركم وليمحص ما فى قلوبكم والله عليم بذات الصدور } . ~~) 2 $ # { ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طآئفة منكم وطآئفة قد ~~أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الامر من ~~شىء قل إن الامر كله لله يخفون فى & # 1764 أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الامر شىء ما قتلنا ~~هاهنا قل لو كنتم فى بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم ~~وليبتلى الله ما فى صدوركم وليمحص ما فى قلوبكم والله عليم بذات الصدور } . # الضمير في قوله : { ثم أنزل } ضمير اسم الجلالة ، وهو يرجح كون الضمير { ~~أثابكم } مثله لئلا يكون هذا رجوعا إلى سياق الضمائر المتقدمة من قوله : { ~~ولقد صدقكم الله وعده } والمعنى ثم أغشاكم بالنعاس بعد الهزيمة . وسمي ~~الأغشاء إنزالا لأنه لما كان نعاسا مقدرا من الله لحكمة خاصة ، كان كالنازل ~~من العوالم المشرفة كما يقال : نزلت السكينة . # والأمنة بفتح الميم الأمن ، والنعاس : النوم الخفيف أو أول النوم ، وهو ~~يزيل التعب ولا يغيب صاحبه ، فلذلك كان أمنة إذ لو ناموا نوما ثقيلا لأخذوا ~~، قال أبو طلحة الأنصاري ، والزبير ، وأنس بن مالك : غشينا نعاس حتى أن ~~السيف ليسقط من يد أحدنا . وقد استجدوا بذلك نشاطهم ، ونسوا حزنهم ، لأن ~~الحزن تبتدىء خفته بعد أول نومة تعفيه ، كما هو مشاهد في أحزان الموت ~~وغيرها . و ( نعاسا ) بدل على ( أمنة ) بدل مطابق . # وكان مقتضى الظاهر أن يقدم النعاس ويؤخر أمنة : لأن أمنة بمنزلة الصفة أو ~~المفعول لأجله فحقه التقديم على المفعول كما جاء في آية الأنفال ( 11 ) : { ~~إذ يغشيكم النعاس أمنة منه ولكنه قدم الأمنة هنا تشريفا لشأنها لأنها جعلت ~~كالمنزل ms1732 من الله لنصرهم ، فهو كالسكينة ، فناسب أن يجعل هو مفعول أنزل ، ~~ويجعل النعاس بدلا منه . PageV04P133 # وقرأ الجمهور : يغشى بالتحتية على أن الضمير عائد إلى نعاس ، وقرأه حمزة ~~، والكسائي ، وخلف بالفوقية بإعادة الضمير إلى أمنة ، ولذلك وصفها بقوله : ~~منكم } . # { وطآئفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل ~~لنا من الامر من شىء قل إن الامر كله لله يخفون فى & # 1764 أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الامر شىء ما قتلنا ~~هاهنا } . # لما ذكر حال طائفة المؤمنين ، تخلص منه لذكر حال طائفة المنافقين ، كما ~~علم من المقابلة ، ومن قوله : { يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية } ، ومن ~~ترك وصفها بمنكم كما وصف الأولى . # { وطائفة } مبتدأ وصف بجملة { قد أهمتهم أنفسهم } . وخبره جملة { يظنون ~~بالله غير الحق } والجملة من قوله : { وطائفة قد أهمتهم } إلى قوله : { ~~والله عليم بذات الصدور } اعتراض بين جملة { ثم أنزل عليكم } الآية . وجملة ~~{ إن الذين تولوا منكم } ( آل عمران : 155 ) الآية . # ومعنى { أهمتهم أنفسهم } أي حدثتهم أنفسهم بما يدخل عليهم الهم وذلك بعدم ~~رضاهم بقدر الله ، وبشدة تلهفهم على ما أصابهم وتحسرهم على ما فاتهم مما ~~يظنونه منجيا لهم لو عملوه : أي من الندم على ما فات ، وإذ كانوا كذلك كانت ~~نفوسهم في اضطراب وتحرق يمنعهم من الاطمئنان ومن المنام ، وهذا كقوله الآتي ~~: { ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم } ( آل عمران : 156 ) . وقيل معنى { ~~أهمتهم } أدخلت عليهم الهم بالكفر والارتداد ، وكان رأس هذه الطائفة معتب ~~بن قشير . # وجملة { يظنون بالله غير الحق } إما استئناف بياني نشأ عن قوله : { قد ~~أهمتهم أنفسهم } وإما حال من ( طائفة ) . ومعنى { يظنون بالله غير الحق } ~~أنهم PageV04P134 ذهبت بهم هواجسهم إلى أن ظنوا بالله ظنونا باطلة من أوهام ~~الجاهلية . وفي هذا تعريض بأنهم لم يزالوا على جاهليتهم لم يخلصوا الدين ~~لله ، وقد بين بعض ما لهم الظن بقوله : { يقولون هل لنا من الأمر من شيء } ~~وهل للاستفهام الإنكاري بمعنى النفي ، بقرينة زيادة ( من ) قبل النكرة ، ~~وهي من خصائص ms1733 النفي ، وهو تبرئة لأنفسهم من أن يكونوا سببا في مقابلة العدو ~~. حتى نشأ عنه ما نشأ ، وتعريض بأن الخروج للقتال يوم أحد خطأ وغرور ، ~~ويظنون أن محمدا صلى الله عليه وسلم ليس برسول إذ لو كان لكان مؤيدا بالنصر ~~. # والقول في { هل لنا من الأمر من شيء } كالقول في { ليس لك من الأمر شيء } ~~( آل عمران : 128 ) المتقدم آنفا . والمراد بالأمر هنا شأن الخروج إلى ~~القتال ، والأمر بمعنى السيادة الذي منه الإمارة ، ومنه أولو الأمر . # وجملة { يقولون هل لنا من الأمر من شيء } بدل اشتمال من جملة { يظنون } ~~لأن ظن الجاهلية يشتمل على معنى هذا القول . ومعنى { لو كان لنا من الأمر ~~شيء } أي من شأن الخروج إلى القتال ، أو من أمر تدبير الناس شيء ، أي رأي ~~ما قتلنا ههنا ، أي ما قتل قومنا . وليس المراد انتفاء القتل مع الخروج إلى ~~القتال في أحد ، بل المراد انتفاء الخروج إلى أحد الذي كان سببا في قتل من ~~قتل ، كما تدل عليه قرينة الإشارة بقوله : ( ههنا ) ، فالكلام كناية . وهذا ~~القول قاله عبد الله بن أبي ابن سلول لما أخبروه بمن استشهد من الخزرج ~~يومئذ ، وهذا تنصل من أسباب الحرب وتعريض بالنبيء ومن أشار بالخروج من ~~المؤمنين الذين رغبوا في إحدى الحسنيين . # وإنما كان هذا الظن غير الحق لأنه تخليط في معرفة صفات الله وصفات رسوله ~~وما يجوز وما يستحيل ، فإن لله أمرا وهديا وله قدر وتيسير ، وكذلك لرسوله ~~الدعوة والتشريع وبذل الجهد في تأييد الدين وهو في ذلك معصوم ، وليس معصوما ~~من جريان الأسباب الدنيوية عليه ، ومن أن يكون الحرب بينه وبين عدوه سجالا ~~، قال أبو سفيان لهرقل وقد سأله : كيف كان قتالكم له ؟ PageV04P135 فقال ~~أبو سفيان : ينال منا وننال منه ، فقال هرقل : وكذلك الإيمان حتى يتم . ~~فظنهم ذلك ليس بحق . # وقد بين الله تعالى أنه ظن الجاهلية الذين لم يعرفوا الإيمان أصلا فهؤلاء ~~المتظاهرون بالإيمان لم يدخل الإيمان في قلوبهم فبقيت معارفهم كما هي من ~~عهد الجاهلية ، والجاهلية صفة جرت على ms1734 موصوف محذوف يقدر بالفئة أو الجماعة ~~، وربما أريد به حالة الجاهلية في قولهم أهل الجاهلية ، وقوله تعالى : { ~~تبرج الجاهلية الأولى } ، والظاهر أنه نسبة إلى الجاهل أي الذي لا يعلم ~~الدين والتوحيد ، فإن العرب أطلقت الجهل على ما قابل الحلم ، قال ابن ~~الرومي : # بجهل كجهل السيف والسيف منتضى # وحلم كحلم السيف والسيف مغمد # وأطلقت الجهل على عدم العلم قال السموأل . # فليس سواء عالم وجهول # وقال النابغة : # وليس جاهل شيء مثل من علما # وأحسب أن لفظ الجاهلية من مبتكرات القرآن ، وصف به أهل الشرك تنفيرا من ~~الجهل ، وترغيبا في العلم ، ولذلك يذكره القرآن في مقامات الذم في نحو قوله ~~: { أفحكم الجاهلية يبغون } ( المائدة : 50 ) { ولا تبرجن تبرج الجاهلية ~~الأولى } ( الأحزاب : 33 ) { إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية ~~الجاهلية } ( الفتح : 26 ) . وقال ابن عباس : سمعت أبي في الجاهلية يقول : ~~اسقنا كأسا دهاقا ، وفي حديث حكيم بن حزام : أنه سأل النبيء صلى الله عليه ~~وسلم عن أشياء كان يتحنث بها في الجاهلية من صدقة وعتاقة وصلة رحم . وقالوا ~~: شعر الجاهلية ، وأيام الجاهلية . ولم يسمع ذلك كله إلا بعد نزول القرآن ~~وفي كلام المسلمين . # وقوله : { غير الحق } منتصب على أنه مفعول { يظنون } كأنه قيل الباطل . ~~وانتصب قوله : { ظن الجاهلية } على المصدر المبين للنوع إذ كل أحد يعرف ~~عقائد الجاهلية إن كان متلبسا بها أو تاركا بها . PageV04P136 # وجملة { يخفون } حال من الضمير في { يقولون } أي يقولون ذلك في حال نيتهم ~~غير ظاهره ، ف { يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك } إعلان بنفاقهم ، وأن ~~قولهم : { هل لنا من الأمر من شيء } وقولهم : { لو كان من الأمر شيء ما ~~قتلنا ههنا } هو وإن كان ظاهره صورة العتاب عن ترك مشورتهم فنيتهم منه ~~تخطئة النبيء في خروجه بالمسلمين إلى أحد ، وأنهم أسد رأيا منه . # وجملة { يقولون لو كان لنا من الأمر شيء } بدل اشتمال من جملة { يخفون في ~~أنفسهم } إذ كانوا قد قالوا ذلك فيما بينهم ولم يظهروه ، أو هي بيان لجملة ~~{ يقولون هل لنا من الأمر ms1735 من شيء } إذا أظهروا قولهم للمسلمين ، فترجع ~~الجملة إلى معنى بدل الاشتمال من جملة { يظنون } لأنها لما بينت جملة هي ~~بدل فهي أيضا كالتي بينتها ، وهذا أظهر لأجل قوله بعده : { قل لو كنتم في ~~بيوتكم } فإنه يقتضي أن تلك القالة فشت وبلغت الرسول ، ولا يحسن كون جملة { ~~يقولون لو كان } إلى آخره مستأنفة خلافا لما في ( الكشاف ) . # وهذه المقالة صدرت من معتب بن قشير قال الزبير بن العوام : غشيني النعاس ~~فسمعت معتب بن قشير يقول : لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا . فحكى ~~القرآن مقالته كما قالها ، وأسندت إلى جميعهم لأنهم سمعوها ورضوا بها . # وجملة { قل إن الأمر كله لله } رد عليهم هذا العذر الباطل أي أن الله ~~ورسوله غير محتاجين إلى أمركم . والجملة معترضة . وقرأ الجمهور : كله ~~بالنصب تأكيدا لاسم إن ، وقرأه أبو عمرو ، ويعقوب بالرفع على نية الابتداء ~~. والجملة خبر إن . # { قل لو كنتم فى بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم } . ~~PageV04P137 # لقن الله رسوله الجواب عن قولهم : لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا ~~. والجواب إبطال لقولهم ، وتعليم للمؤمنين لدفع ما عسى أن يقع في نفوسهم من ~~الريب ، إذا سمعوا كلام المنافقين ، أو هو جواب للمنافقين ويحصل به علم ~~للمؤمنين . وفصلت الجملة جريا على حكاية المقاولة كما قررنا غير مرة . وهذا ~~الجواب جار على الحقيقة وهي جريان الأشياء على قدر من الله والتسليمم لذلك ~~بعد استفراغ الجهد في مصادفة المأمول ، فليس هذا الجواب ونظائره بمقتض ترك ~~الأسباب ، لأن قدر الله تعالى وقضاءه غير معلومين لنا إلا بعد الوقوع ، ~~فنحن مأمورون بالسعي فيما عساه أن يكون كاشفا عن مصادفة قدر الله لمأمولنا ~~، فإن استفرغنا جهودنا وحرمنا المأمول ، علمنا أن قدر الله جرى من قبل على ~~خلاف مرادنا . فأما ترك الأسباب فليس من شأننا ، وهو مخالف لما أراد الله ~~منا ، وإعراض عما أقامنا الله فيه في هذا العالم وهو تحريف لمعنى القدر . ~~والمعنى : لو لم تكونوا ههنا وكنتم في بيوتكم لخرج الذين كتب الله ms1736 عليهم أن ~~يموتوا مقتولين فقتلوا في مضاجعهم التي اضطجعوا فيها يوم أحد أي مصارعهم ~~فالمراد بقوله : { كتب } قدر ، ومعنى { برز } خرج إلى البراز وهو الأرض . # وقرأ الجمهور باء ( بيوتكم ) بالكسر . وقرأه أبو عمرو ، وورش عن نافع ، ~~وحفص ، وأبو جعفر بالضم . # والمضاجع جمع مضجع بفتح الميم وفتح الجيم وهو محل الضجوع ، والضجوع : وضع ~~الجنب بالأرض للراحة والنوم ، وفعله من باب منع ومصدره القياسي الضجع ، ~~وأما الضجوع فغير قياسي ، ثم غلب إطلاق المضجع على مكان النوم قال تعالى : ~~{ تتجافى جنوبهم عن المضاجع } ( السجدة : 16 ) وفي حديث أم زرع : ( مضجعه ~~كمسل شطبة ) . فحقيقة الضجوع هو وضع الجنب للنوم والراحة وأطلق هنا على ~~مصارع القتلى على سبيل الاستعارة ، وحسنها أن الشهداء أحياء ، فهو استعارة ~~أو مشاكلة تقديرية لأن قولهم ، ما قتلنا ههنا يتضمن معنى أن الشهداء كانوا ~~يبقون في بيوتهم متمتعين بفروشهم . PageV04P138 # { وليبتلى الله ما فى صدوركم وليمحص ما فى قلوبكم والله عليم بذات الصدور ~~} . # { وليبتلي الله ما في صدوركم } عطف على قوله : { لكيلا تحزنوا على ما ~~فاتكم } ( آل عمران : 153 ) وما بينهما جمل بعضها عطف على الجملة المعللة ، ~~وبعضها معترضة ، فهو خطاب للمؤمنين لا محالة ، وهو علة ثانية لقوله : { ~~فأثابكم عما بغم } ( آل عمران : 153 ) . # والصدور هنا بمعنى الضمائر ، والابتلاء : الاختبار ، وهو هنا كناية عن ~~أثره ، وهو إظهاره للناس والحجة على أصحاب تلك الضمائر بقرينة قوله : { ~~والله عليم بذات الصدور } كما تقدم في قوله تعالى : { وليعلم الله الذين ~~ءامنوا } ( آل عمران : 140 ) . # والتمحيص تخليص الشيء مما يخالطه مما فيه عيب له فهو كالتزكية . والقلوب ~~هنا بمعنى العقائد ، ومعنى تمحيص ما فيه قلوبهم تطهيرها مما يخامرها من ~~الريب حين سماع شبه المنافقين التي يبثونها بينهم . # وأطلق الصدور على الضمائر لأن الصدر في كلام العرب يطلق على الإحساس ~~الباطني ، وفي الحديث : ( الإثم ما حاك في الصدر ) وأطلق القلب على ~~الإعتقاد لأن القلب في لسان العرب هو ما به يحصل التفكر والاعتقاد . وعدي ~~إلى الصدور فعل الابتلاء لأنه اختبار الأخلاق والضمائر : ما فيها من خير ~~وشر ms1737 ، وليتميز ما في النفس . وعدي إلى القلوب فعل التمحيص لأن الظنون ~~والعقائد محتاجة إلى التمحيص لتكون مصدر كل خير . # # | 2 ( 155 ) { إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم ~~الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم } . ) 2 # استئناف لبيان سبب الهزيمة الخفي ، وهي استزلال الشيطان إياهم ، وأراد ب ~~{ يوم التقى الجمعان } يوم أحد ، و ( استزلهم ) بمعنى أزلهم أي جعلهم زالين ~~، والزلل PageV04P139 مستعار لفعل الخطيئة ، والسين والتاء فيه للتأكيد ، ~~مثل استفاد واستبشر واستنشق وقول النابغة : # وهم قتلوا الطائي بالجو عنوة # أبا جابر فاستنكحوا أم جابر # أي نكحوا . ومنه قوله تعالى : { واستغنى الله } ( التغابن : 6 ) وقوله : ~~{ أبى واستكبر } ( البقرة : 34 ) . ولا يحسن حمل السين والتاء على معنى ~~الطلب لأن المقصود لومهم على وقوعهم في معصية الرسول ، فهو زلل واقع . # والمراد بالزلل الانهزام ، وإطلاق الزلل عليه معلوم مشهور كإطلاق ثبات ~~القدم على ضده وهو النصر قال تعالى : { وثبت أقدامنا } ( آل عمران : ( 147 ~~) . # والباء في { ببعض ما كسبوا } للسببية وأريد { ببعض ما كسبوا } مفارقة ~~موقفهم ، وعصيان أمر الرسول ، والتنازع ، والتعجيل إلى الغنيمة ، والمعنى ~~أن ما أصابهم كان من آثار الشيطان ، رماهم فيه ببعض ما كسبوا من صنيعهم ، ~~والمقصد من هذا إلقاء تبعة ذلك الانهزام على عواتقهم ، وإبطال ما عرض به ~~المنافقون من رمى تبعته على أمر الرسول عليه الصلاة والسلام بالخروج ، ~~وتحريض الله المؤمنين على الجهاد . وذلك شأن ضعاف العقول أن يشتبه عليهم ~~مقارن الفعل بسببه ، ولأجل تخليص الأفكار من هذا الغلط الخفي وضع أهل ~~المنطق باب القضية اللزومية والقضية الاتفاقية . # ومناسبة ذكر هذه الآية عقب التي قبلها أنه تعالى بعد أن بين لهم مرتبة حق ~~اليقين بقوله : { قل لو كنتم في بيوتكم } انتقل بهم إلى مرتبة الأسباب ~~الظاهرة ، فبين لهم أنه إن كان للأسباب تأثير فسبب مصيبتهم هي أفعالهم التي ~~أملاها الشيطان عليهم وأضلهم ، فلم يتفطنوا إلى السبب ، والتبس عليهم ~~بالمقارن ، ومن شأن هذا الضلال أن يحول بين المخطىء وبين تدارك خطئه ولا ~~يخفى ما في الجمع ms1738 بين هذه الأغراض من العلم الصحيح ، وتزكية النفوس ، ~~وتحبيب الله ورسوله للمؤمنين ، وتعظيمه عندهم ، وتنفيرهم من الشيطان ، ~~والأفعالل الذميمة ، ومعصية الرسول ، وتسفيه أحلام المشركين والمنافقين . ~~وعلى هذا فالمراد من PageV04P140 الذين تولوا نفس المخاطبين بقوله : { ثم ~~صرفكم عنهم . . . } ( آل عمران : 152 ) الآيات . وضمير { منكم } راجع إلى ~~عامة جيش أحد فشمل الذين ثبتوا ولم يفروا . وعن السدي أن الذين تولوا جماعة ~~هربوا إلى المدينة . # وللمفسرين في قوله : { استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا } احتمالات ذكرها ~~صاحب ( الكشاف ) والفخر ، وهي بمعزل عن القصد . # وقوله : { ولقد عفا الله عنهم } أعيد الإخبار بالعفو تأنيسا لهم كقوله : ~~{ ولقد عفا عنكم } . # # | 2 ( 156 ) { ياأيها الذين ءامنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا ~~لإخوانهم إذا ضربوا فى الارض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما ~~قتلوا ليجعل الله ذالك حسرة فى قلوبهم والله يحيى ويميت والله بما تعملون ~~بصير } . ) 2 # تحذير من العود إلى مخالجة عقائد المشركين ، وبيان لسوء عاقبة تلك ~~العقائد في الدنيا أيضا . والكلام استئناف . والإقبال على المؤمنين بالخطاب ~~تلطف بهم جميعا بعد تقريع فريق منهم الذين تولوا يوم التقى الجمعان . ~~واللام في قولهم : { لإخوانهم } ليست لام تعدية فعل القول بل هي لام العلة ~~كقوله تعالى : { ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا } ~~لأن الإخوان ليسوا متكلما معهم بل هم الذين ماتوا وقتلوا ، والمراد ~~بالإخوان الأقارب في النسب ، أي من الخزرج المؤمنين ، لأن الشهداء من ~~المؤمنين . # و ( إذ ) هنا ظرف للماضي بدليل فعلي ( قالوا وضربوا ) ، وقد حذف فعل دل ~~عليه قوله : { ما ماتوا } تقديره : فماتوا في سفرهم أو قتلوا في الغزو . # والضرب في الأرض هو السفر ، فالضرب مستعمل في السير لأن أصل الضرب ~~PageV04P141 هو إيقاع جسم على جسم وقرعه به ، فالسير ضرب في الأرض بالأرجل ~~، فأطلق على السفر للتجارة في قوله تعالى : { وآخرون يضربون في الأرض ~~يبتغون من فضل الله } ( المزمل : 20 ) ، وعلى مطلق السفر كما هنا ، وعلى ~~السفر للغزو كما في قوله تعالى : { يأيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل ~~الله فتبينوا } ( النساء ms1739 : 94 ) وقوله : { وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم ~~جناح أن تقصروا من الصلاة } ( النساء : 101 ) والظاهر أن المراد هنا السفر ~~في مصالح المسلمين لأن ذلك هو الذي يلومهم عليه الكفار ، وقيل : أريد ~~بالضرب في الأرض التجارة . # وعليه يكون قرنه مع القتل في الغزو لكونهما كذلك في عقيدة الكفار . # و { غزى } جمع غاز . وفعل قليل في جمع فاعل الناقص . وهو مع ذلك فصيح . ~~ونظيره عفى في قول امرىء القيس : # لها قلب عفى الحياضض أجون # وقوله : { ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم } علة ل ( قالوا ) باعتبار ما ~~يتضمنه من اعتقاد ذلك مع الإعلان به توجيها للنهي عن التشبيه بهم أي فإنكم ~~إن اعتقدتم اعتقادهم لحقكم أثره كما لحقهم ، فالإشارة بقوله : ( ذلك ) إلى ~~القول الدال على الإعتقاد ، وعلى هذا الوجه فالتعليل خارج عن التشبيه . ~~وقيل : اللام لام العاقبة ، أي : لا تكونوا كالذين قالوا فترتب على قولهم ~~أن كان ذلك حسرة في قلوبهم ، فيكون قوله : { ليجعل } على هذا الوجه من صلة ~~( الذين ) ، ومن جملة الأحوال المشبه بها ، فيعلم أن النهي عن التشبه بهم ~~فيها لما فيها من الضر . # والحسرة : شدة الأسف أي الحزن ، وكان هذا حسرة عليهم لأنهم توهموا أن ~~مصابهم نشأ عن تضييعهم الحزم ، وأنهم لو كانوا سلكوا غير ما سلكوه لنجوا ~~فلا يزالون متلهفين على مافتهم . والمؤمن يبذل جهده فإذا خاب سلم لحكم ~~القدر . PageV04P142 # وقوله : { والله بما تعملون بصير } تحذير لهم من أن يضمروا العود إلى ما ~~نهوا عنه . # # | 2 ( 157 ، 158 ) { ولئن قتلتم فى سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ~~ورحمة خير مما يجمعون * ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون } . ) 2 # ذكر ترغيبا وترهيبا ، فجعل الموت في سبيل الله والموت في غير سبيل الله ، ~~إذا أعقبتهما المغفرة خيرا من الحياة وما يجمعون فيها ، وجعل الموت والقتل ~~في سبيل الله وسيلة للحشر والحساب فليعلم أحد بماذا يلاقي ربه . والواو ~~للعطف على قوله : { لا تكذبوا كالذين كفروا } وعلى قوله : { والله يحي ~~ويميت } ( آل عمران : 156 ) . # واللام في قوله : { ولئن قتلتم } موطئة ms1740 للقسم أي مؤذنة بأن قبلها قسما ~~مقدرا ، ورد بعده شرط فلذلك لا تقع إلا مع الشرط . واللام في قوله : { ~~لمغفرة } هي لام جواب القسم . والجواب هو قوله : { لمغفرة من الله ورحمة ~~خير } لظهور أن التقدير : لمغفرة ورحمة لكم . وقرأه نافع ، وحمزة ، ~~والكسائي ، وخلف : متم بكسر الميم على لغة الحجاز لأنهم جعلوا ماضيه مثل ~~خاف ، اعتبروه مكسور العين وجعلوا مضارعه من باب قام فقالوا : يموت ، ولم ~~يقولوا : يمات ، فهو من تداخل اللغتين . وأما سفلى مضر فقد جاءوا به في ~~الحالين من باب : قام فقرأوه : متم . وبها قرأ ابن كثير ، وابن عامر ، وأبو ~~عمرو ، وعاصم ، وأبو جعفر ، ويعقوب . وقرأ الجمهور ، { مما تجمعون } بتاء ~~الخطاب وقرأ حفص عن عاصم بياء الغائب على أن الضمير عائد إلى المشركين أي ~~خير لكم من غنائم المشركين التي جمعوها وطمعتم أنتم في غنمها . # وقدم القتل في الأولى والموت في الثانية اعتبارا بعطف ما يظن أنه أبعد عن ~~الحكم فإن كون القتل في سبيل الله سببا للمغفرة أمر قريب ، ولكن كون الموت ~~في غير السبيل مثل ذلك أمر خفي مستبعد ، وكذلك تقديم الموت في PageV04P143 ~~الثانية لأن القتل في سبيل الله قد يظن أنه بعيد عن أن يعقبه الحشر ، مع ما ~~فيه من التفنن ، ومن رد العجز على الصدر وجعل القتل مبدأ الكلام وعوده . # # | 2 ( 159 ) { فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا ~~من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم فى الامر فإذا عزمت فتوكل على الله ~~إن الله يحب المتوكلين } . ) 2 # الفاء للتفريع على ما اشتمل عليه الكلام السابق الذي حكي فيه مخالفة ~~طوائف لأمر الرسول من مؤمنين ومنافقين ، وما حكي من عفو الله عنهم فيما ~~صنعوا . ولأن في تلك الواقعة المحكية بالآيات السابقة مظاهر كثيرة من لين ~~النبيء صلى الله عليه وسلم للمسلمين ، حيث استشارهم في الخروج ، وحيث لم ~~يثربهم على ما صنعوا من مغادرة مراكزهم ، ولما كان عفو الله عنهم يعرف في ~~معاملة الرسول إياهم ، ألان الله لهم الرسول تحقيقا لرحمته ms1741 وعفوه ، فكان ~~المعنى : ولقد عفا الله عنهم برحمته فلان لهم الرسول بإذن الله وتكوينه ~~إياه راحما ، قال تعالى : { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } ( الأنبياء : ~~107 ) . # والباء للمصاحبة ، أي لنت مع رحمة الله : إذ كان لينه في ذلك كله لينا لا ~~تفريط معه لشيء من مصالحهم ، ولا مجاراة لهم في التساهل في أمر الدين ، ~~فلذلك كان حقيقا باسم الرحمة . # وتقديم المجرور مفيد للحصر الإضافي ، أي : برحمة من الله لا بغير ذلك من ~~أحوالهم ، وهذا القصر مفيد التعريض بأن أحوالهم كانت مستوجبة الغلظ عليهم ، ~~ولكن الله ألان خلق رسوله رحمة بهم ، لحكمة علمها الله في سياسة هذه الأمة ~~. # وزيدت ( ما ) بعد باء الجر لتأكيد الجملة بما فيه من القصر ، فتعين ~~بزيادتها كون التقديم للحصر ، لا لمجرد الاهتمام ، ونبه عليه في ( الكشاف ) ~~. PageV04P144 # واللين هنا مجاز في سعة الخلق مع أمة الدعوة والمسلمين ، وفي الصفح عن ~~جفاء المشركين ، وإقالة العثرات . ودل فعل المضي في قوله : { لنت } على أن ~~ذلك وصف تقرر وعرف من خلقه ، وأن فطرته على ذلك برحمة من الله إذ خلقه كذلك ~~{ والله أعلم حيث يجعل رسالاته } ( الأنعام : 124 ) ، فخلق الرسول مناسب ~~لتحقيق حصول مراد الله تعالى من إرساله ، لأن الرسول يجيء بشريعة يبلغها عن ~~الله تعالى ، فالتبليغ متعين لا مصانعة فيه ، ولا يتأثر بخلق الرسول ، وهو ~~أيضا مأمور بسياسة أمته بتلك الشريعة ، وتنفيذها فيهم ، وهذا عمل له ارتباط ~~قوي بمناسبة خلق الرسول لطباع أمته حتى يلائم خلقه الوسائل المتوسل بها ~~لحمل أمته على الشريعة الناجحة في البلوغ بهم إلى مراد الله تعالى منهم . # أرسل محمد صلى الله عليه وسلم مفطورا على الرحمة ، فكان لينه رحمة من ~~الله بالأمة في تنفيذ شريعته بدون تساهل وبرفق وإعانة على تحصيلها ، فلذلك ~~جعل لينه مصاحبا لرحمة من الله أودعها الله فيه ، إذ هو قد بعث للناس كافة ~~، ولكن اختار الله أن تكون دعوته بين العرب أول شيء لحكمة أرادها الله ~~تعالى في أن يكون العرب هم مبلغي الشريعة للعالم . # والعرب أمة عرفت بالأنفة ، وإباء الضيم ms1742 ، وسلامة الفطرة . وسرعة الفهم . ~~وهم المتلقون الأولون للدين فلم تكن تليق بهم الشدة والغلظة ، ولكنهم ~~محتاجون إلى استنزال طائرهم في تبليغ الشريعة لهم ، ليتجنبوا بذلك المكابرة ~~التي هي الحائل الوحيد بينهم وبين الإذعان إلى الحق . وورد أن صفح النبيء ~~صلى الله عليه وسلم وعفوه ورحمته كان سببا في دخول كثير في الإسلام ، كما ~~ذكر بعض ذلك عياض في كتاب الشفاء . # فضمير { لهم } عائد على جميع الأمة كما هو مقتضى مقام التشريع وسياسة ~~الأمة ، وليس عائدا على المسلمين الذين عصوا أمر الرسول يوم أحد ، لأنه لا ~~يناسب قوله بعده : { لانفضوا من حولك } إذ لا يظن ذلك بالمسلمين ، ولأنه لا ~~يناسب قوله بعده : { وشاورهم في الأمر } إذا كان المراد المشاورة ~~PageV04P145 للاستعانة بآرائهم ، بل المعنى : لو كنت فظا لنفرك كثير ممن ~~استجاب لك فهلكوا ، أو يكون الضمير عائدا على المنافقين المعبر عنهم بقوله ~~: { وطائفة قد أهمتهم أنفسهم } ( آل عمران : 154 ) فالمعنى : ولو كنت فظا ~~لأعلنوا الكفر وتفرقوا عنك ، وليس المراد أنك لنت لهم في وقعة أحد خاصة ، ~~لأن قوله بعده : { ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك } إلخ ينافي ذلك ~~المحمل . # والفظ : السيء الخلق ، الجافي الطبع . # والغليظ القلب : القاسيه ، إذ الغلظة مجاز عن القسوة وقلة التسامح ، كما ~~كان اللين مجازا في عكس ذلك ، وقالت جواري الأنصار لعمر حين انتهرهن ( أنت ~~أفظ وأغلظ من رسول الله ) يردن أنت فظ وغليظ دون رسول الله . # والانفضاض : التفرق . و { من حولك } أي من جهتك وإزائك ، يقال : حوله ~~وحوليه وحواليه وحواله وحياله وبحياله . والضمير للذين حول رسول الله ، أي ~~الذين دخلوا في الدين لأنهم لا يطيقون الشدة ، والكلام تمثيل : شبهت هيئة ~~النفور منه وكراهية الدخول في دينه بالانفضاض من حوله أي الفرار عنه ~~متفرقين ، وهو يؤذن بأنهم حوله متبعون له . # والتفريع في قوله : { فاعف عنهم } على قوله : { لنت لهم } الآية ، لأن ~~جميع الأفعال المأمور بها مناسب للين ، فأما العفول والاستغفار فأمرهما ~~ظاهر ، وأما عطف { وشاورهم } فلأن الخروج إلى أحد كان عن تشاور معهم ~~وإشارتهم ، ويشمل هذا الضمير ms1743 جميع الذين لان لهم صلى الله عليه وسلم وهم ~~أصحابه الذين حوله سواء من صدر منهم أمر يوم أحد وغيرهم . # والمشاورة مصدر شاور ، والاسم الشورى والمشورة بفتح الميم وضم الشين ~~أصلها مفعلة بضم العين ، فوقع فيها نقل حركة الواو إلى الساكن . قيل : ~~المشاورة مشتقة من شار الدابة إذا اختبر جريها عند العرض على المشتري ، ~~وفعل شار الدابة مشتق من المشوار وهو المكان الذي تركض فيه الدواب . وأصله ~~PageV04P146 معرب ( نشخوار ) بالفارسية وهو ما تبقيه الدابة من علفها . ~~وقيل : مشتقة من شار العسل أي جناه من الوقبة لأن بها يستخرج الحق والصواب ~~، وإنما تكون في الأمر المهم المشكل من شؤون المرء في نفسه أو شؤون القبيلة ~~أو شؤون الأمة . # و ( أل ) في الأمر للجنس ، والمراد بالأمر المهم الذي يؤتمر له ، ومنه ~~قولهم : أمر أمر ، وقال أبو سفيان لأصحابه في حديث هرقل : ( لقد أمر أمر ~~ابن أبي كبشة ، إنه يخافه ملك بني الأصفر ) . وقيل : أريد بالأمر أمر الحرب ~~فاللام للعهد . # وظاهر الأمر أن المراد المشاورة الحقيقية التي يقصد منها الاستعانة برأي ~~المستشارين بدليل قوله عقبه : { فإذا عزمت فتوكل على الله } فضمير الجميع ~~في قوله : { وشاورهم } عائد على المسلمين خاصة : أي شاور الذين أسلموا من ~~بين من لنت لهم ، أي لا يصدك خطل رأيهم فيما بدا منهم يوم أحد عن أن تستعين ~~برأيهم في مواقع أخرى ، فإنما كان ما حصل فلتة منهم ، وعشرة قد أقلتهم منها ~~. # ويحتمل أن يراد استشارة عبد الله بن أبي وأصحابه ، فالمراد الأخذ بظاهر ~~أحوالهم وتأليفهم ، لعلهم أن يخلصوا الإسلام أو لا يزيدوا نفاقا ، وقطعا ~~لأعذارهم فيما يستقبل . # وقد دلت الآية على أن الشورى مأمور بها الرسول صلى الله عليه وسلم فيما ~~عبر عنه ب ( الأمر ) وهو مهمات اللأمة ومصالحها في الحرب وغيره ، وذلك في ~~غير أمر التشريع لأن أمر التشريع إن كان فيه وحي فلا محيد عنه ، وإن لم يكن ~~فيه وحي وقلنا بجواز الاجتهاد للنبيء صلى الله عليه وسلم في التشريع فلا ~~تدخل فيه الشورى لأن شأن الاجتهاد ms1744 أن يستند إلى الأدلة لا للآراء ، ~~والمجتهد لا يستشير غيره إلا عند القضاء باجتهاده . كما فعل عمر وعثمان . # فتعين أن المشاورة المأمور بها هنا هي المشاورة في شؤون الأمة ومصالحها ، ~~وقد أمر الله بها هنا ومدحها في ذكر الأنصار في قوله تعالى : { وأمرهم ~~PageV04P147 شورى بينهم } ( الشورى : 38 ) واشترطها في أمر العائلة فقال : ~~{ فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما } ( البقرة : 233 ~~) . فشرع بهاته الآيات المشاورة في مراتب المصالح كلها : وهي مصالح العائلة ~~ومصالح القبيلة أو البلد ، ومصالح الأمة . # واختلف العلماء في مدلول قوله : { وشاورهم } هل هو للوجوب أو للندب ، وهل ~~هو خاص بالرسول عليه الصلاة السلام ، أو عام له ولولاة أمور الأمة كلهم . # فذهب المالكية إلى الوجوب والعموم ، قال ابن خويز منداد : واجب على ~~الولاة المشاورة ، فيشاورون العلماء فيما يشكل من أمور الدين ، ويشاورون ~~وجوه الجيش فيما يتعلق بالحرب ، ويشاورون وجوه الناس فيما يتعلق بمصالحهم ~~ويشاورون وجوه الكتاب والعمال والوزراء فيما يتعلق بمصالح البلاد وعمارتها ~~. وأشار ابن العربي إلى وجوبها بأنها سبب للصواب فقال : والشورى مسبار ~~العقل وسبب الصواب . يشير إلى أننا مأمورون بتحري الصواب في مصالح الأمة ، ~~وما يتوقف عليه الواجب فهو واجب . وقال ابن عطية : الشورى من قواعد الشريعة ~~وعزائم الأحكام ، ومن لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب ، وهذا ما لا ~~اختلاف فيه . واعتراض عليه ابن عرفة قوله : فعزله واجب ولم يعترض كونها ~~واجبة ، إلا أن ابن عطية ذكر ذلك جازما به وابن عرفة اعترضه بالقياس على ~~قول علماء الكلام بعدم عزل الأمير إذا ظهر فسقه ، يعني ولا يزيد ترك الشورى ~~على كونه ترك واجب فهو فسق . وقلت : من حفظ حجة على من لم يحفظ ، وإن ~~القياس فيه فارق معتبر فإن الفسق مضرته قاصرة على النفس وترك التشاور تعريض ~~بمصالح المسلمين للخطر والفوات ، ومحمل الأمر عند المالكية للوجوب والأصل ~~عندهم عدم الخصوصية في التشريع إلا لدليل . # وعن الشافعي أن هذا الأمر للاستحباب ، ولتقتدي به الأمة ، وهو عام للرسول ~~وغيره ، تطييبا لنفوس أصحابه ورفعا لأقدارهم ms1745 ، وروى مثله عن قتادة ، ~~والربيع ، وابن إسحاق . ورد هذا أبو بكر أحمد بن علي الرازي الحنفي المشهور ~~بالجصاص بقوله : لو كان معلوما عندهم أنهم إذا استفرغوا PageV04P148 جهدهم ~~في استنباط الصواب عما سئلوا عنه ، ثم لم يكن معمولا به ، لم يكن في ذلك ~~تطييب لنفوسهم ولا رفع لأقدارهم ، بل فيه إيحاشهم فالمشاورة لم تفد شيئا ~~فهذا تأويل ساقط . وقال النووي ، في صدر كتاب الصلاة من ( شرح مسلم ) : ~~الصحيح عندهم وجوبها وهو المختار . وقال الفخر : ظاهر الأمر أنه للوجوب . ~~ولم ينسب العلماء للحنفية قولا في هذا الأمر إلا أن الجصاص قال في كتابه ~~أحكام القرآن عند قوله تعالى : { وأمرهم شورى بينهم } ) : هذا يدل على ~~جلالة وقع المشورة لذكرها مع الإيمان وإقامة الصلاة ويدل على أننا مأمورون ~~بها . ومجموع كلامي الجصاص يدل أن مذهب أبي حنيفة وجوبها . # ومن السلف من ذهب إلى اختصاص الوجوب بالنبيء صلى الله عليه وسلم قاله ~~الحسن وسفيان ، قالا : وإنما أمر بها ليقتدى به غيره وتشيع في أمته وذلك ~~فيما لا وحي فيه . وقد استشار النبيء صلى الله عليه وسلم أصحابه في الخروج ~~لبدر ، وفي الخروج إلى أحد ، وفي شأن الأسرى يوم بدر ، واستشار عموم الجيش ~~في رد سبي هوازن . # والظاهر أنها لا تكون في الأحكام الشرعية لأن الأحكام إن كانت بوحي فظاهر ~~، وإن كانت اجتهادية ، بناء على جواز الاجتهاد للنبيء صلى الله عليه وسلم ~~في الأمور الشرعية ، فالاجتهاد إنما يستند للأدلة لا للآراء وإذا كان ~~المجتهد من أمته لا يستشير في اجتهاده ، فكيف تجب الاستشارة على النبيء صلى ~~الله عليه وسلم مع أنه لو اجتهد وقلنا بجواز الخطإ عليه فإنه لا يقر على ~~خطإ باتفاق العلماء . ولم يزل من سنة خلفاء العدل استشارة أهل الرأي في ~~مصالح المسلمين ، قال البخاري في كتاب الاعتصام من ( صحيحه ) : ( وكانت ~~الأئمة بعد النبيء صلى الله عليه وسلم يستشيرون الأمناء من أهل العلم ، ~~وكان القراء أصحاب مشورة عمر : كهولا كانوا أو شبانا ، وكان وقافا عند كتاب ~~الله ) . وأخرج الخطيب عن علي قال : ( قلت ms1746 : يا رسول الله الأمر ينزل بعدك ~~لم ينزل فيه قرآن ولم يسمع منك فيه شيء قال : اجمعوا له العابد من أمتي ~~واجعلوه بينكم شورى ولا تقضوه برأي واحد ) واستشار أبو PageV04P149 بكر في ~~قتال أهل الردة ، وتشاور الصحابة في أمر الخليفة بعد وفاة النبيء صلى الله ~~عليه وسلم وجعل عمر رضي الله عنه الأمر شورى بعده في ستة عينهم ، وجعل ~~مراقبة الشورى لخمسين من الأنصار ، وكان عمر يكتب لعماله يأمرهم بالتشاور ، ~~ويتمثل لهم في كتابه بقول الشاعر ( لم أقف على اسمه ) : # خليلي ليس الرأي في صدر واحد # أشيرا علي بالذي تريان # هذا والشورى مما جبل لله عليه الإنسان في فطرته السليمة أي فطره على محبة ~~الصلاح وتطلب النجاح في المساعي ، ولذلك قرن الله تعالى خلق أصل البشر ~~بالتشاور في شأنه إذ قال للملائكة : { إني جاعل في الأرض خليفة } ( البقرة ~~: 30 ) ، إذ قد غني الله عن إعانة المخلوقات في الرأي ولكنه عرض على ~~الملائكة مراده ليكون التشاور سنة في البشر ضرورة أنه مقترن بتكوينه ، فإن ~~مقارنة الشيء للشيء في أصل التكوين يوجب إلفه وتعارفه ، ولما كانت الشورى ~~معنى من المعاني لا ذات لها في الوجود جعل الله إلفها للبشر بطريقة ~~المقارنة في وقت التكوين . ولم تزل الشورى في أطوار التاريخ رائجة في البشر ~~فقد استشار فرعون في شأن موسى عليه السلام فيما حكى الله عنه بقوله : { ~~فماذا تأمرون } ( الأعراف : 110 ) . واستشارت بلقيس في شأن سليمان عليه ~~السلام فيما حكى الله عنها بقوله : { قالت يأيها الملأ أفتوني في أمري ما ~~كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون وإنما يلهي الناس عنها حب الاستبداد ، وكراهية ~~سماع ما يخالف الهوى ، وذلك من انحراف الطبائع وليس من أصل الفطرة ، ولذلك ~~يهرع المستبد إلى الشورى عند المضائق . قال ابن عبد البر في بهجة المجالس : ~~الشورى محمودة عند عامة العلماء ولا أعلم أحدا رضي الاستبداد إلا رجل مفتون ~~مخادع لمن يطلب عنده فائدة ، أو رجل فاتك يحاول حين الغفلة ، وكلا الرجلين ~~فاسق . ومثل أولهما قول عمر بن أبي ربيعة : # واستبدت ms1747 مرة واحدة # إنما العاجز من لا يستبد # ومثل ثانيهما قول سعد بن ناشب : PageV04P150 # إذا هم ألقى بين عينيه عزمه # ونكب عن ذكر العواقب جانبا # ولم يستشر في أمره غير نفسه # ولم يرض إلا قائم السيف صاحبا # ومن أحسن ما قيل في الشورى قول بشار بن برد : # إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن # بحزم نصيح أو نصيحة حازم # ولا تحسب الشورى عليك غضاضة # مكان الخوافي قوة للقوادم # وهي أبيات كثيرة مثبتة في كتب الأدب . # وقوله : فإذا عزمت فتوكل على الله } العزم هو تصميم الرأي على الفعل وحذف ~~متعلق ( عزمت ) لأنه دل عليه التفريع عن قوله : { وشاورهم في الأمر } ، ~~فالتقدير : فإذا عزمت على الأمر . وقد ظهر من التفريع أن المراد : فإذا ~~عزمت بعد الشورى أي تبين لك وجه السداد فيما يجب أن تسلكه فعزمت على تنفيذه ~~سواء كان على وفق بعض آراء أهل الشورى أم كان رأيا آخر لاح للرسول سداده ~~فقد يخرج من آراء أهل الشورى رأي ، وفي المثل : ( ما بين الرأيين رأي ) . # وقوله : { فتوكل على الله } التوكل حقيقته الاعتماد ، وهو هنا مجاز في ~~الشروع في الفعل مع رجاء السداد فيه من الله ، وهو شأن أهل الإيمان ، ~~فالتوكل انفعال قلبي عقلي يتوجه به الفاعل إلى الله راجيا الإعانة ومستعيذا ~~من الخيبة والعوائق ، وربما رافقه قول لساني وهو الدعاء بذلك . وبذلك يظهر ~~أن قوله : { فتوكل على الله } دليل على جواب إذا ، وفرع عنه ، والتقدير : ~~فإذا عزمت فبادر ولا تتأخر وتوكل على الله ، لأن للتأخر آفاتت ، والتردد ~~يضيع الأوقات ، ولو كان التوكل هو جواب إذا لما كان للشورى فائدة لأن ~~الشورى كما علمت لقصد استظهار أنفع الوسائل لحصول الفعل المرغوب على أحسن ~~وجه وأقربه ، فإن القصد منها العمل بما يتضح منها ، ولو كان المراد حصول ~~التوكل من أول خطور الخاطر ، لما كان للأمر بالشورى من فائدة . وهذه الآية ~~أوضح آية في الإرشاد إلى معنى التوكل الذي حرف القاصرون ومن كان على ~~شاكلتهم معناه ، فأفسدوا هذا الدين من مبناه . PageV04P151 # وقوله : { إن الله يحب المتوكلين } لأن ms1748 التوكل علامة صدق الإيمان ، وفيه ~~ملاحظة عظمة الله وقدرته ، واعتقاد الحاجة إليه ، وعدم الاستغناء عنه وهذا ~~، أدب عظيم مع الخالق يدل على محبة العبد ربه فلذلك أحبه الله . # # | 2 ( 160 ) { إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذى ~~ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون } . ) 2 # استئناف نشأ عن قوله : { ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم } ( آل عمران : ~~157 ) أو عن قوله : { لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم } ( آل عمران ~~: 156 ) الآية . # ولو حمل هذا الخبر على ظاهر الإخبار لكان إخبارا بأمر معلوم عند ~~المخاطبين إذ هم مؤمنون ، ولا يجهل مؤمن أن الله إذا قدر نصر أحد فلا راد ~~لنصره ، وأنه إذا قدر خذله فلا ملجأ له من الهزيمة ، فإن مثل هذا المعنى ~~محقق في جانب الله لا يجهله معترف بإلهيته ، مؤمن بوحدانيته ، وهل بعد ~~اعتقاد نفي الشريك عن الله في ملكه مجال لاعتقاد وجود ممانع له في إرادته ، ~~فيتعين أن يكون هذا الخبر مرادا به غير ظاهر الإخبار ، وأحسن ما يحمل عليه ~~أن يكون تقريرا لتسلية المؤمنين على ما أصابهم من الهزيمة ، حتى لا يحزنوا ~~على ما فات لأن رد الأمور إلى الله تعالى عند العجز عن تداركها مسلاة للنفس ~~، وعزاء على المصيبة ، وفي ضمن ذلك تنبيه إلى أن نصر الله قوما في بعض ~~الأيام ، وخذله إياهم في بعضها ، لا يكون إلا لحكم وأسباب ، فعليهم السعي ~~في أسباب الرضا الموجب للنصر ، وتجنب أسباب السخط الموجب للخذل كما أشار ~~إليه قوله : { يأيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم } ( محمد : 7 ) ~~وقوله : { فأثابكم غما بغم } ( آل عمران : 153 ) وقوله الآتي : { أو لما ~~أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا } ( آل عمران : 165 ) وعليهم ~~التطلب للأسباب التي قدر لهم النصر لأجلها في مثل يوم بدر ، وأضدادها التي ~~كان بها الخذل في يوم أحد ، وفي التفكير في ذلك مجال واسع لمكاشفات الحقائق ~~والعلل والأسباب والحكم والمنافع والمضار PageV04P152 على قدر سعة التفكير ~~الجائل في ذلك ، ففي هذا الخبر العظيم ms1749 إطلاق للأفكار من عقالها ، وزج بها ~~في مسارح العبر ، ومراكض العظات ، والسابقون الجياد ، فالخبر مستعمل في ~~لازم معناه وهو الحض على تحصيل ذلك . وعلى هذا الوجه تظهر مناسبة موقع هذا ~~الاستئناف عقب ما تقدمه : لأنه بعد أن خاطبهم بفنون الملام والمعذرة ~~والتسلية من قوله : { قد خلت من قبلكم سنن } ( آل عمران : 137 ) إلى هنا ، ~~جمع لهم كل ذلك في كلام جامع نافعع في تلقي الماضي ، وصالحح للعمل به في ~~المستقبل ، ويجوز أن يكون الإخبار مبنيا على تنزيل العالم منزلة الجاهل ، ~~حيث أظهروا من الحرص على الغنيمة ومن التأول في أمر الرسول لهم في الثبات ، ~~ومن التلهف على ما أصابهم من الهزيمة والقتل والجرح ، ما جعل حالهم كحال من ~~يجهل أن النصر والخذل بيد الله تعالى . فالخبر مستعمل في معناه على خلاف ~~مقتضى الظاهر . # والنصر : الإعانة على الخلاص من غلب العدو ومريد الإضرار . # والخذلان ضده : وهو إمساك الإعانة مع القدرة ، مأخوذ من خذلت الوحشية إذا ~~تخلفت عن القطيع لأجل عجز ولدها عن المشي . # ومعنى { إن ينصركم } { وإن يخذلكم } إن يرد هذا لكم ، وإلا لما استقام ~~جواب الشرط الأول ، وهو ( { فلا غالب لكم } إذ لا فائدة في ترتيب عدم الغلب ~~على حصول النصر بالفعل ، ولا سيما مع نفي الجنس في قوله : { فلا غالب لكم } ~~، لأنه يصير من الإخبار بالمعلوم ، كما تقول : إن قمت فأنت لست بقاعد . ~~وأما فعل الشرط الثاني وهو : { وإن يخذلكم } فيقدر كذلك حملا على نظيره ، ~~وإن كان يستقيم المعنى بدون تأويل فيه . وهذا من استعمال الفعل في معنى ~~إرادة الفعل كقوله تعالى : { إذا قمتم إلى الصلواة فاغسلوا وجوهكم } ( ~~المائدة : 6 ) الآية . # وجعل الجواب بقوله : { فلا غالب لكم } دون أن يقول : لا تغلبوا ، للتنصيص ~~على التعميم في الجواب ، لأن عموم ترتب الجزاء على الشرط أغلبي وقد يكون ~~جزئيا أي لا تغلبوا من بعض المغالبين ، فأريد بإفادة التعميم دفع التوهم . # والاستفهام في قوله : { فمن ذا الذي ينصركم من بعده } إنكاري أي فلا ~~ينصركم أحد غيره . PageV04P153 # وكلمة { من بعده } هنا مستعملة في ms1750 لازم معناها وهو المغايرة والمجاوزة : ~~أي فمن الذي ينصركم دونه أو غيره أي دون الله ، فالضمير ضمير اسم الجلالة ~~لا محالة ، واستعمال ( بعد ) في مثل هذا شائع في القرآن قال تعالى : { فمن ~~يهديه من بعد الله } ( الجاثية : 23 ) وأصل هذا الاستعمال أنه كالتمثيلية ~~المكنية : بأن مثلت الحالة الحاصلة من تقدير الانكسار بحالة من أسلم الذي ~~استنصر به وخذله فتركه وانصرف عنه لأن المقاتل معك إذا ولى عنك فقد خذللك ~~فحذف ما يدل على الحالة المشبه بها ورمز إليه بلازمه وهو لفظ { من بعده } . # وجملة { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } تذييل قصد به الأمر بالتوكل ~~المستند إلى ارتكاب أسباب نصر الله تعالى : من أسبابب عادية وهي الاستعداد ~~، وأسبابب نفسانية وهي تزكية النفس واتباع رضى الله تعالى . # # | 2 ( 161 ) { وما كان لنبى أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم ~~توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون } . ) 2 # الأظهر أنه عطف على مجموع الكلام عطف الغرض رعلى الغرض وموقعه عقب جملة : ~~{ إن ينصركم الله فلا غالب لكم } ( آل عمران : 160 ) . الآية لأنها أفادت ~~أن النصر بيد الله والخذل بيده ، وذلك يستلزم التحريض على طلب مرضاته ليكون ~~لطيفا بمن يرضونه . وإذ قد كانت هذه النصائح والمواعظ موجهة إليهم ليعملوا ~~بها فيما يستقبل من غزواتهم ، نبهوا إلى شيء يستخف به الجيش في الغزوات ، ~~وهو الغلول ليعلموا أن ذلك لا يرضي الله تعالى فيحذروه ويكونوا مما هو أدعى ~~لغضب الله أشد حذرا فهذه مناسبة التحذير من الغلول ويعضد ذلك أن سبب ~~هزيمتهم يوم أحد هو تعجلهم إلى أخذ الغنائم . والغلول : تعجل بأخذ شيء من ~~غال الغنيمة . # ولا تجد غير هذا يصلح لأن يكون مناسبا لتعقيب آية النصر بآية الغلول ، ~~فإن غزوة أحد التي أتت السورة على قصتها لم يقع فيها غلول ولا كائن ~~للمسلمين فيها غنيمة وما ذكره بعض المفسرين من قضية غلولل وقعت يوم بدر ~~PageV04P154 في قطيفة حمراء أو في سيف لا يستقيم هنا لبعد ما بين غزوة بدر ~~وغزوة أحد فضلا ms1751 على ما ذكره بعضهم من نزول هذه الآية في حرص الأعراب على ~~قسمة الغنائم يوم حنين الواقعع بعد غزوة أحد بخمس سنين . # وقرأ جمهور العشرة : يغل بضم التحتية وفتح الغين وقرأه ابن كثير ، وأبو ~~عمرو وعاصم بفتح التحتية وضم الغين . # والفعل مشتق من الغلول وهو أخذ شيء من الغنيمة بدون إذن أمير الجيش ، ~~والغلول مصدر غير قياسي ، ويطلق الغلول على الخيانة في المال مطلقا . # وصيغة { وما كان لنبي أن يغل } صيغة جحود تفيد مبالغة النفي . وقد تقدم ~~القول فيها عند قوله تعالى : { ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم ~~والنبوة } ( آل عمران : 79 ) في هذه السورة فإذا استعملت في الإنشاء كما ~~هنا أفادت المبالغة في النهي . والمعنى على قراءة الجمهور نهي جيش النبيء ~~عن أن يغلو لأن الغلول في غنائم النبيء صلى الله عليه وسلم غلول للنبيء ، ~~إذ قسمة الغنائم إليه ، وأما على قراءة ابن كثير وأبي عمرو وعاصم فمعنى أن ~~النبيء لا يغل أنه لا يقع الغلول في جيشه فإسناد الغلول إلى النبيء مجاز ~~عقلي لملابسة جيش النبيء نبيئهم ولك أن تجعله على تقدير مضاف . والتقدير : ~~ما كان لجيش نبيء أن يغل . # ولبعض المفسرين من المتقدمين ومن بعدهم تأويلات للمعنى على هذه القراءة ~~فيها سماجة . # ومعنى و { من يغلل يأت بما غل يوم القيامة } أنه يأتي به مشهرا مفضوحا ~~بالسرقة . # ومن اللطائف ما في البيان والتبيين للجاحظ : أن مزيدا رجلا من الأعراب ~~سرق نافجة مسك فقيل له : كيف تسرقها وقد قال الله تعالى : { ومن يغلل يأت ~~بما غل يوم القيامة } ؟ فقال : إذن أحملها طيبة الريح خفيفة المحمل . وهذا ~~تلميح وتلقي المخاطب بغير ما يترقب . وقريب منه ما حكي عن عبد الله بن ~~مسعود والدرك على من حكاه قالوا : لما بعث إليه عثمان ليسلم PageV04P155 ~~مصحفه ليحرقه بعد أن اتفق المسلمون على المصحف الذي كتب في عهد أبي بكر قال ~~ابن مسعود : إن الله قال : { ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة } وإني غال ~~مصحفي فمن استطاع منكم أن يغل ms1752 مصحفه فليفعل . ولا أثق بصحة هذا الخبر لأن ~~ابن مسعود يعلم أن هذا ليس من الغلول . # وقوله : { ثم توفى كل نفس ما كسبت } تنبيه على العقوبة بعد التفضيح ، إذ ~~قد علم أن الكلام السابق مسوق مساق النهي ، وجيء ب ( ثم ) للدلالة على طول ~~مهلة التفضيح ، ومن جملة النفوس التي توفى ما كسبت نفس من يغلل ، فقد دخل ~~في العموم . # وجملة { وهم لا يظلمون } حال مؤكدة لمضمون الجملة قبلها وهي { توفى كل ~~نفس ما كسبت } . # والآية دلت على تحريم الغلول وهو أخذ شيء من المغنم بغير إذن أمير الجيش ~~، وهو من الكبائر لأنه مثل السرقة ، وأصح ما في الغلول حديث ( الموطأ ) : ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رجع من خيبر قاصدا وادي القرى وكان له ~~عبد أسود يدعى مدعما ، فبينما هو يحط رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ ~~جاءه سهم عائر فقتله ، فقال الناس : هنيئا له الجنة ، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ( كلا والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من ~~الغنائم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا ) . # ومن غل في المغنم يؤخذ منه ما غله ويؤدب بالاجتهاد ، ولا قطع فيه باتفاق ~~، هذا قول الجمهور ، وقال الأوزاعي ، وإسحاق ، وأحمد بن حنبل ، وجماعة : ~~يحرق متاع الغال كله عدا سلاحه وسرجه ، ويرد ما غله إلى بيت المال ، ~~واستدلوا بحديث رواه صالح بن محمد بن زائدة أبو واقد الليثي ، عن عمر بن ~~الخطاب : أن النبيء صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا وجدتم الرجل قد غل ~~فأحرقوا متاعه واضربوه ) وهو حديث ضعيف ، قال الترمذي سألت محمدا يعني ~~البخاري عنه فقال : ( إنما رواه صالح بن محمد ، وهو منكر الحديث . على أنه ~~لو صح لوجب تأويله لأن قواعد الشريعة تدل على وجوب تأويله فالأخذ به إغراق ~~في التعلق بالظواهر وليس من التفقه في شيء . # PageV04P156 # | 2 ( 162 ، 163 ) { أفمن اتبع رضوان الله كمن بآء بسخط من الله ومأواه ~~جهنم وبئس المصير * هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون } . ) 2 ms1753 # تفريع على قوله : { ثم توفى محل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون } فهو كالبيان ~~لتوفية كل نفس بما كسبت . # والاستفهام إنكار للمماثلة المستفادة من كاف التشبيه فهو بمعنى لا يستوون ~~. والاتباع هنا بمعنى التطلب : شبه حال المتوخي بأفعاله رضى الله بحال ~~المتطلب لطلبة فهو يتبعها حيث حل ليقتنصها ، وفي هذا التشبيه حسن التنبيه ~~على أن التحصيل على رضوان الله تعالى محتاج إلى فرط اهتمام ، وفي فعل ( باء ~~) من قوله : { كمن بآء بسخط من الله } تمثيل لحال صاحب المعاصي بالذي خرج ~~يطلب ما ينفعه فرجع بما يضره ، أو رجع بالخيبة كما تقدم في معنى قوله تعالى ~~: { فما ربحت تجارتهم في سورة البقرة ( 16 ) . وقد علم من هذه المقابلة حال ~~أهل الطاعة وأهل المعصية ، أو أهلل الإيمان وأهلل الكفر . # وقوله : هم درجات عند الله } عاد الضمير ل { من اتبع رضوان الله } لأنهم ~~المقصود من الكلام ، ولقرينة قوله : { درجات } لأن الدرجات منازل رفعة . # وقوله : { عند الله } تشريف لمنازلهم . # # | 2 ( 164 ) { لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم ~~يتلوا عليهم ءاياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفى ~~ضلال مبين } . ) 2 # استئناف لتذكير رجال يومم أحد وغيرهم من المؤمنين بنعمة الله عليهم . ~~ومناسبة ذكره هنا أن فيه من التسلية على مصيبة الهزيمة حظا عظيما ، إذ قد ~~PageV04P157 شاع تصبير المحزون وتعزيته بتذكيره ما هو فيه من النعم ، وله ~~مزيد ارتباط بقوله : { فبما رحمة من الله لنت لهم } ( آل عمران : 159 ) ، ~~وكذلك جاءت آي هذا الغرض في قصة أحد ناشئا بعضها عن بعض ، متفننة في ~~مواقعها بحسب ما سمحت به فرص الفراغ من غرض والشروع في غيره فما تجد طراد ~~الكلام يغدو طلقا في حلبة الاستطراد إلا وتجد له رواحا إلى منبعثه . # والمن هنا : إسداء المنة أي النعمة ، وليس هو تعداد النعمة على المنعم ~~عليه مثل الذي في قوله : { لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى في سورة البقرة ~~( 264 ) ، وإن كان ذكر هذا المن منا بالمعنى الآخر . والكل محمود من الله ms1754 ~~تعالى لأن المن إنما كان مذموما لما فيه من إبداء التطاول على المنعم عليه ~~، وطول الله ليس بمجحود . # والمراد بالمؤمنين هنا المؤمنون يومئذ وهم الذين كانوا مع النبيء بقرينة ~~السياق وهو قوله : إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم } أي من أمتهم العربية . # و ( إذ ) ظرف ل ( من ) لأن الإنعام بهذه النعمة حصل أوقات البعث . # ومعنى { من أنفسهم } المماثلة لهم في الأشياء التي تكون المماثلة فيها ~~سببا لقوة التواصل ، وهي هنا النسب ، واللغة ، والوطن . والعرب تقول : فلان ~~من بني فلان من أنفسهم ، أي من صميمهم ليس انتسابه إليهم بولاء أو لصق ، ~~وكأنه هذا وجه إطلاق النفس عليه التي هي في معنى المماثلة ، فكونه من أهل ~~نسبهم أي كونه عربيا يوجب أنسهم به والركون إليه وعدم الاستيحاش منه ، ~~وكونه يتكلم بلسانهم يجعلهم سريعين إلى فهم ما يجيء به ، وكونه جارا لهم ~~وربيا فيهم يعجل لهم التصديق برسالته ، إذ يكونون قد خبروا أمره ، وعلموا ~~فضله ، وشاهدوا استقامته ومعجزاته . وعن النقاش : قيل ليس في العرب قبيلة ~~إلا ولها ولادة لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تغلب ، وبذلك فسر : ( قل ~~لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) . PageV04P158 # وهذه المنة خاصة بالعرب ومزية لهم ، زيادة على المنة ببعثة محمد على جميع ~~البشر ، فالعرب وهم الذين تلقوا الدعوة قبل الناس كلهم ، لأن الله أراد ~~ظهور الدين بينهم ليتلقوه التلقي الكامل المناسب لصفاء أذهانهم وسرعة فهمهم ~~لدقائق اللغة ، ثم يكونوا هم حملته إلى البشر ، فيكونوا أعوانا على عموم ~~الدعوة ، ولمن تخلق بأخلاق العرب وأتقن لسانهم والتبس بعوائدهم وأذواقهم ~~اقتراب من هذه المزية وهو معظمها ، إذ لم يفته منها إلا النسب والموطن وما ~~هما إلا مكملان لحسن التلقي ، ولذلك كان المؤمنون مدة حياة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من العرب خاصة بحيث إن تلقيهم الدعوة كان على سواء في الفهم ~~حتى استقر الدين . وقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من ~~دخل في الإسلام فهو من العرب ) . # وقوله : { يتلوا عليهم آياتيه } أي ms1755 يقرأ عليهم القرآن ، وسميت جمل القرآن ~~آيات لأن كل واحدة منها دليل على صدق الرسول من حيث بلاغة اللفظ وكمال ~~المعنى ، كما تقدم في المقدمة الثامنة من مقدمات هذا التفسير ، فكانوا ~~صالحين لفهم ما يتلى عليهم من غير حاجة لترجمان . # والتزكية : التطهير ، أي يطهر النفوس بهدي الإسلام . # وتعليم الكتاب هو تبيين مقاصد القرآن وأمرهم بحفظ ألفاظه ، لتكون معانيه ~~حاضرة عندهم . # والمراد بالحكمة ما اشتملت عليه الشريعة من تهذيب الأخلاق وتقنين الأحكام ~~لأن ذلك كله مانع للأنفس من سوء الحال واختلال النظام ، وذلك من معنى ~~الحكمة ، وتقدم القول في ذلك عند قوله تعالى : { يؤتي الحكمة من يشاء } ( ~~البقرة : 269 ) . # وعطف الحكمة على الكتاب عطف الأخص من وجه على الأعم من وجه ، فمن الحكمة ~~ما هو في الكتاب نحو : { ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون } ( الحشر : 9 ~~) ومنها ما ليس في الكتاب مثل قوله عليه السلام : ( لا يلدغ المؤمن من جحر ~~مرتين ) وفي الكتاب ما هو علم وليس حكمة مثل فرض الصلاة والحج . ~~PageV04P159 # وجملة { وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين } حال ، وإن مخففة مهملة ، ~~والجملة بعدها خبر عن ضمير الشأن محذوف ، والجملة خبره على رأي صاحب ( ~~الكشاف ) ، وهو التحقيق إذ لا وجه لزوال عملها مع بقاء معناها ، ولا وجه ~~للتفرقة بينها وبين المفتوحة إذا خففت فقد قدروا لها اسما هو ضمير الشأن ، ~~بل نجد المكسورة أولى ببقاء العمل عند التخفيف لأنها أم الباب فلا يزول ~~عملها بسهولة ، وقال جمهور النحاة : يبطل عملها وتكون بعدها جملة ، وعلى ~~هذا فالمراد بإهمالها أنها لا تنصب مفردين بل تعمل في ضمير شأن وجملة إما ~~اسمية ، أو فعلية فعلها من النواسخ غالبا . # ووصف الضلال بالمبين لأنه لشدته لا يلتبس على أحد بشائبة هدى ، أو شبهة ، ~~فكان حاله مبينا كونه ضلالا كقوله : { وقالوا هذا سحر مبين } ( النمل : 13 ~~) . # والمراد به ضلال الشرك والجهالة والتقاتل وأحكام الجاهلية . # ويجوز أن يشمل قوله : { على المؤمنين } المؤمنين في كل العصور ويراد ~~بكونه من أنفسهم أنه من نوع البشر . ويراد بإسناد ms1756 تعليم الكتاب والحكمة ~~إليه ما يجمع بين الإسناد الحقيقي والمجازي ، لأن تعليم ذلك متلقي منه ~~مباشرة أو بالواسطة . # # | 2 ( 165 ) { أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هاذا قل هو ~~من عند أنفسكم إن الله على كل شىء قدير } . ) 2 # عطف الاستفهام الإنكاري التعجيبي على ما تقدم ، فإن قولهم : { أنى هذا } ~~مما ينكر ويتعجب السامع من صدوره منهم بعد ما علموا ما أتوا من أسباب ~~المصيبة ، إذ لا ينبغي أن يخفى على ذي فطنة ، وقد جاء موقع هذا الاستفهام ~~بعد ما تكرر : من تسجيل تبعة الهزيمة عليهم بما ارتكبوا من عصيان أمر ~~الرسول ، ومن العجلة إلى الغنيمة ، وبعد أن أمرهم بالرضا بما وقع ، وذكرهم ~~النصر الواقع يوم بدر ، عطف على ذلك هنا إنكار تعجبهم من إصابة الهزيمة ~~إياهم . PageV04P160 # ( ولما ) اسم زمان مضمن معنى الشرط فيدل على وجود جوابه لوجود شرطه ، وهو ~~ملازم الإضافة إلى جملة شرطه ، فالمعنى : قلتم لما أصابتكم مصيبة : أنى هذا ~~، . # وجملة { قد أصبتم مثليها } صفة ( لمصيبة ) ، ومعنى أصبتم غلبتم العدو ~~ونلتم منه مثلي ما أصابكم به ، يقال : أصاب إذا غلب ، وأصيب إذا غلب ، قال ~~قطري بن الفجاءة : # ثم انصرفت وقد أصبت ولم أصب # جذع البصيرة قارح الإقدام # والمراد بمثليها المساويان في الجنس أو القيمة باعتبار جهة المماثلة أي : ~~أنكم قد نلتم مثلي ما أصابكم ، والمماثلة هنا مماثلة في القدر والقيمة ، لا ~~في الجنس ، فإن رزايا الحرب أجناس : قتل ، وأسر ، وغنيمة ، وأسلاب ، ~~فالمسلمون أصابهم يوم أحد القتل : إذا قتل منهم سبعون ، وكانوا قد قتلوا من ~~المشركين يوم بدر سبعين ، فهذا أحد المثلين ، ثم إنهم أصابوا من المشركين ~~أسرى يوم بدر فذلك مثل آخر في المقدار إذ الإسير كالقتيل ، أو أريد أنهم ~~يوم أحد أصابوا قتلى إلا أن عددهم أقل فهو مثل في الجنس لا في المقدار ~~والقيمة . # و ( أنى ) استفهام بمعنى من أين قصدوا به التعجب والإنكار ، وجملة { قلتم ~~أنى هذا } جواب ( لما ) ، والاستفهام بأنى هنا مستعمل في التعجب . # ثم ذيل الإنكار والتعجب بقوله : { قل هو ms1757 من عند أنفسكم إن الله على كل ~~شيء قدير } أي إن الله قدير على نصركم وعلى خذلانكم ، فلما عصيتم وجررتم ~~لأنفسكم الغضب قدر الله لكم الخذلان . # # | 2 ( 166 168 ) { ومآ أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم ~~المؤمنين * وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا فى سبيل الله أو ~~ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان ~~PageV04P161 يقولون بأفواههم ما ليس فى قلوبهم والله أعلم بما يكتمون * ~~الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرءوا عن أنفسكم ~~الموت إن كنتم صادقين } . ) 2 # عطف على قوله : { أو لما أصابتكم مصيبة } ( آل عمران : 165 ) وهو كلام ~~وارد على معنى التسليم أي : هبوا أن هذه مصيبة ، ولم يكن عنها عوض ، فهي ~~بقدر الله ، فالواجب التسليم ، ثم رجع إلى ذكر بعض ما في ذلك من الحكمة . # وقوله : { وما أصابكم } أراد به عين المراد بقوله : { أصابكم مصيبة } وهي ~~مصيبة الهزيمة . وإنما أعيد ما أصابكم ليعين اليوم بأنه يوم التقى الجمعان ~~. وما موصولة مضمنة معنى الشرط كأنه قيل : وأما ما أصابكم ، لأن قوله : { ~~وما أصابكم } معناه بيان سببه وحكمته ، فلذلك قرن الخبر بالفاء . و { يوم ~~التقى الجمعان } هو يوم أحد . وإنما لم يقل وهي بإذن الله لأن المقصود ~~إعلان ذكر المصيبة وأنها بإذن الله إذ المقام مقام إظهار الحقيقة ، وأما ~~التعبير بلفظ { ما أصابكم } دون أن يعاد لفظ المصيبة فتفنن ، أو قصد ~~الإطناب . # والإذن هنا مستعمل في غير معناه إذ لا معنى لتوجه الإذن إلى المصيبة فهو ~~مجاز في تخلية الله تعالى بين أسباب المصيبة وبين المصابين ، وعدم تدارك ~~ذلك باللطف . ووجه الشبه أن الإذن تخلية بين المأذون ومطلوبه ومراده ، ذلك ~~أن الله تعالى رتب الأسباب والمسببات في هذا العالم على نظام ، فإذا جاءت ~~المسببات من قبل أسبابها فلا عجب ، والمسلمون أقل من المشركين عددا وعددا ~~فانتصار المسلمين يوم بدر كرامة لهم ، وانهزامهم يوم أحد عادة وليس بإهانة ~~. فهذا المراد بالإذن . # وقوله : { وليعلم المؤمنين } عطف على { فإذن الله } عذف العلة ms1758 على السبب ~~. والعلم هنا كناية عن الظهور والتقرر في الخارج كقول إياس بن قبيصة الطائي ~~: PageV04P162 # وأقبلت والخطي يخطر بيننا # لأعلم من جبانها من شجاعها # أراد لتظهر شجاعتي وجبن الآخرين . وقد تقدم نظيره قريبا . # و { الذين نافقوا } هم عبد الله بن أبي ومن انخزل معه يوم أحد ، وهم ~~الذين قيل لهم : تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا . قاله لهم عبد الله ~~بن عمر بن حرام الأنصاري ، والد جابر بن عبد الله ، فإنه لما رأى انخزالهم ~~قال لهم : اتقوا الله ولا تتركوا نبيئكم وقاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا . ~~والمراد بالدفع حراسة الجيش وهو الرباط أي : ادفعوا عنا من يريدنا من العدو ~~فلما قال عبد الله بن عمر بن حرام ذلك أجابه عبد الله بن أبي وأصحابه ~~بقولهم : لو نعلم قتالا لاتبعناكم ، أي لم نعلم أنه قتال ، قيل : أرادوا أن ~~هذا ليس بقتال بل إلقاء باليد إلى التهلكة ، وقيل : أرادوا أن قريشا لا ~~ينوون القتال ، وهذا لا يصح إلا لو كان قولهم هذا حاصلا قبل انخزالهم ، ~~وعلى هذين فالعلم بمعنى التحقق المسمى بالتصديق عند المناطقة ، وقيل : ~~أرادوا لو نحسن القتال لاتبعناكم ، فالعلم بمعنى المعرفة ، وقولهم حينئذ ~~تهكم وتعذر . # ومعنى { هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان } أن ما يشاهد من حالهم يومئذ ~~أقرب دلالة على أنهم يبطنون الكفر من دلالة أقوالهم : إنا مسلمون ، ~~واعتذارهم بقولهم : لو نعلم قتالا لاتبعناكم . أي إن عذرهم ظاهر الكذب ، ~~وإرادة تفشيل المسلمين ، والقرب مجاز في ظهور الكفر عليهم . # ويتعلق كل من المجرورين في قوله : { منهم للإيمان } بقوله : { أقرب } لأن ~~{ أقرب } تفضيل يقتضي فاضلا ومفضولا ، فلا يقع لبس في تعلق مجرورين به لأن ~~السامع يرد كل مجرور إلى بعض معنى التفضيل . # وقوله : { يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم } استئناف لبيان مغزى هذا ~~الاقتراب ، لأنهم يبدون من حالهم أنهم مؤمنون ، فكيف جعلوا إلى الكفر أقرب ~~، فقيل : إن الذي يبدونه ليس موافقا لما في قلوبهم ، وفي هذا الاستئناف ما ~~يمنع أن يكون المراد من الكفر في قوله : { هم للكفر } أهل ms1759 الكفر . ~~PageV04P163 # وقوله : { الذين قالوا لإخوانهم } بدل من { الذين نافقوا } ، أو صفة له ، ~~إذا كان مضمون صلته أشهر عند السامعين ، إذ لعلهم عرفوا من قبل بقولهم فيما ~~تقدم { لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا } فذكر هنا وصفا لهم ليتميزوا ~~كمال تمييز . واللام في ( لإخوانهم ) للتعليل وليست للتعدية ، قالوا : كما ~~هي في قوله : { وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض } ( آل عمران : 156 ) . # والمراد بالإخوان هنا عين المراد هناك ، وهم الخزرج الذين قتلوا يوم أحد ~~، وهم من جلة المؤمنين . # وجملة { وقعدوا } حال معترضة ، ومعنى لو أطاعونا أي امتثلوا إشارتنا في ~~عدم الخروج إلى أحد ، وفعلوا كما فعلنا ، وقرأ الجمهور : ما قتلوا بتخفيف ~~التاء من القتل . وقرأه هشام عن ابن عامر بتشديد التاء من التقتيل للمبالغة ~~في القتل ، وهو يفيد معنى تفظيعهم ما أصاب إخوانهم من القتل طعنا في طاعتهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم # وقوله : { قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين } أي ادرأوه عند ~~حلوله ، فإن من لم يمت بالسيف مات بغيره أي : إن كنتم صادقين في أن سبب موت ~~إخوانكم هو عصين أمركم . # # | 2 ( 169 172 ) { ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتا بل أحياء ~~عند ربهم يرزقون * فرحين بمآ ءاتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم ~~يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون * يستبشرون بنعمة من الله ~~وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين * الذين استجابوا لله والرسول من بعد ~~مآ أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم } . ) 2 # PageV04P164 # قوله : { ولا تحسبن } عطف على { قل فادرءوا عن أنفسكم الموت } ( آل عمران ~~: 168 ) ، فلما أمر الله نبيئه أن يجيبهم بما فيه تبكيتهم على طريقة إرخاء ~~العنان لهم في ظنهم أن الذين قتلوا من إخوانهم قد ذهبوا سدى ، فقيل لهم : ~~إن الموت لا مفر منه على كل حال ، أعرض بعد ذلك عن خطابهم لقلة أهليتهم ، ~~وأقبل على خطاب من يستأهل المعرفة ، فقال : { ولا تحسبن الذين قتلوا في ~~سبيل الله أمواتا } وهو إبطال لما تلهف منه ms1760 المنافقون على إضاعة قتلاهم . # والخطاب يجوز أن يكون للنبيء صلى الله عليه وسلم تعليما له ، وليعلم ~~المسلمين ، ويجوز أن يكون جاريا على طريقة العرب في عدم إرادة مخاطب معين . # والحسبان : الظن فهو نهي عن أن يظن أنهم أموات وبالأحرى يكون نهيا عن ~~الجزم بأنهم أموات . # وقرأ الجمهور : الذين قتلوا بتخفيف التاء وقرأه ابن عامر بتشديد التاء أي ~~قتلوا قتلا كثيرا . # وقوله : { بل أحياء } للإضراب عن قوله : { ولا تحسبن الذين قتلوا } فلذلك ~~كان ما بعدها جملة غير مفرد ، لأنها أضربت عن حكم الجملة ولم تضرب عن مفرد ~~من الجملة ، فالوجه في الجملة التي بعدها أن تكون اسمية من المبتدأ المحذوف ~~والخبر الظاهر ، فالتقدير : بل هم أحياء ، ولذلك قرأه السبعة بالرفع ، ~~وقرىء بالنصب على أن الجملة فعلية ، والمعنى : بل أحسبتم أحياء ، وأنكرها ~~أبو علي الفارسي . # وقد أثبت القرآن للمجاهدين موتا ظاهرا بقوله : { قتلوا } ، ونفي عنهم ~~الموت الحقيقي بقوله : { بل أحياء عند ربهم يرزقون } فعلمنا أنهم وإن كانوا ~~أموات الأجسام فهم أحياء الأرواح ، حياة زائدة على حقيقة بقاء الأرواح ، ~~غير مضمحلة ، بل هي حياة بمعنى تحقق آثار الحياة لأرواحهم من حصول اللذات ~~والمدركات السارة لأنفسهم ، ومسرتهم بإخوانهم ، ولذلك كان قوله : { عند ~~ربهم } دليلا على أن حياتهم حياة خاصة بهم ، ليست هي الحياة المتعارفة في ~~هذا العالم ، أعني حياة PageV04P165 الأجسام وجريان الدم في العروق ، ~~ونبضات القلب ، ولا هي حياة الأرواح الثابتة لأرواح جميع الناس ، وكذلك ~~الرزق يجب أن يكون ملائما لحياة الأرواح وهو رزق النعيم في الجنة . فإن ~~علقنا { عند ربهم } بقوله : أحياء كما هو الظاهر ، فالأمر ظاهر ، وإن ~~علقناه بقوله : { يرزقون } فكذلك ، لأن هذه الحياة لما كان الرزق الناشىء ~~عنها كائنا عند الله ، كانت حياة غير مادية ولا دنيوية ، وحينئذ فتقديم ~~الظرف للاهتمام بكينونة هذا الرزق . وقوله : { فرحين } حال من ضمير { ~~يرزقون } . # والاستبشار : حصول البشارة ، فالسين والتاء فيه كما هما في قوله تعالى : ~~{ واستغنى الله } ( التغابن : 6 ) وقد جمع الله لهم بين المسرة بأنفسهم ~~والمسرة بمن بقي من إخوانهم ، لأن في بقائهم نكاية ms1761 لأعدائهم ، وهم مع حصول ~~فضل الشهادة لهم على أيدي الأعداء يتمنون هلاك أعدائهم ، لأن في هلاكهم ~~تحقيق أمنية أخرى لهم وهي أمنية نصر الدين . # فالمراد { بالذين لم يلحقوا بهم } رفقاؤهم الذين كانوا يجاهدون معهم ، ~~ومعنى لم يلحقوا بهم لم يستشهدوا فيصيروا إلى الحياة الآخرة . # و { من خلفهم } تمثيل بمعنى من بعدهم ، والتقدير : ويستبشرون بالذين لم ~~يصيروا إلى الدار الآخرة من رفاقهم بأمنهم وانتفاء ما يحزنهم . وقوله : { ~~ألا خوف عليهم } بدل اشتمال ، و ( لا ) عاملة عمل ليس ومفيدة معناها ، ولم ~~يبن اسم ( لا ) على الفتح هنا لظهور أن المقصود نفي الجنس ولا احتمال لنفي ~~الوحدة فلا حاجة لبناء النكرة على الفتح ، وهو كقول إحدى نساء حديث أم زرع ~~: ( زوجي كليلل نهامة ، لا حر ولا قر ولا مخافة ولا سآمه ) برفع الأسماء ~~النكرات الثلاثة . # وفي هذا دلالة على أن أرواح هؤلاء الشهداء منحت الكشف على ما يسرها من ~~أحوال الذين يهمهم شأنهم في الدنيا . وأن هذا الكشف ثابت لجميع الشهداء في ~~سبيل الله ، وقد يكون خاصا الأحوال السارة لأنها لذة لها . وقد يكون عاما ~~لجميع الأحوال لأن لذة الأرواح تحصل بالمعرفة ، على أن الإمام الرازي حصر ~~اللذة الحقيقية في المعارف . وهي لذة الحكماء بمعرفة حقائق الأشياء ، ولو ~~كانت سيئة . # وفي الآية بشارة لأصحاب أحد بأنهم لا تلحقهم نكبة بعد ذلك اليوم . ~~PageV04P166 # وضمير { يستبشرون بنعمة من الله } يجوز أن يعود إلى الذين لم يلحقوا بهم ~~فتكون الجملة حالا من الذين لم يلحقوا بهم أي لا خوف عليهم ولا حزن فهم ~~مستبشرون بنعمة من الله ، ويحتمل أن يكون تكريرا لقوله : { ويستبشرون ~~بالذين لم يلحقوا } والضمير ل { الذين قتلوا في سبيل الله } ، وفائدة ~~التكرير تحقيق معنى البشارة كقوله : { ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم ~~كما غوينا } ( القصص : 63 ) فكرر أغويناهم ، ولأن هذا استبشار منه عائد ~~لأنفسهم ، ومنه عائد لرفاقهم الذين استجابوا لله من بعد القرح ، والأولى ~~عائدة لإخوانهم . والنعمة : هي ما يكون به صلاح ، والفضل : الزيادة في ~~النعمة . # وقوله : { وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين } قرأه ms1762 الجمهور بفتح همزة ( أن ~~) على أنه عطف على { نعمة من الله وفضل } ، والمقصود من ذلك تفخيم ما حصل ~~لهم من الاستبشار وانشراح الأنفس بأن جمع الله لهم المسرة الجثمانية ~~الجزئية والمسرة العقلية الكلية ، فإن إدراك الحقائق الكلية لذة روحانية ~~عظيمة لشرف الحقائق الكلية وشرف العلم بها ، وحصول المسرة للنفس من ~~انكشافها لها وإدراكها ، أي استبشروا بأن علموا حقيقة كلية وسرا جليلا من ~~أسرار العلم بصفات الله وكمالاته ، التي تعم آثارها ، أهل الكمال كلهم ، ~~فتشمل الذين أدركوها وغيرهم ، ولولا هذا المعنى الجليل لم يكن داع إلى ~~زيادة { وأن الله لا يضيع أجرالمؤمنين } إذ لم يحصل بزيادته زيادة نعمة ~~وفضل للمستبشرين من جنس النعمة والفضل الأولين ، بل حصلت نعمة وفضل آخران . ~~وقرأه الكسائي بكسر همزة ( إن ) على أنه عطف على جملة { يستبشرون } في معنى ~~التذييل فهو غير داخل فيما استبشر به الشهداء . ويجوز أن تكون الجملة على ~~هذا الوجه ابتداء كلام ، فتكون الواو للاستئناف . # وجملة { الذين استجابوا لله والرسول } صفة للمؤمنين أو مبتدأ خبره { ~~للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم } وهذه الاستجابة تشير إلى ما وقع إثر ~~أحد من الأرجاف بأن المشركين ، بعد أن بلغوا الروحاء ، خطر لهم أن لو لحقوا ~~المسلمين فاستأصلوهم . وقد مر ذكر هذا وما وقع لمعبد بن أبي معبد الخزاعي ~~عند قوله PageV04P167 تعالى : { يأيها الذين ءامنوا إن تطيعوا الذين كفروا ~~يردوكم على أعقابكم } ( آل عمران : 149 ) . وقد تقدم القول في القرح عند ~~قوله : { إن يمسسكم قرح } ( آل عمران : 140 ) . والظاهر أنه هنا للقرح ~~المجازي ، ولذلك لم يجمع فيقال القروح . # $ 2 ( 173 175 ) { الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم ~~فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل * فانقلبوا بنعمة من الله ~~وفضل لم يمسسهم سو & # 1764 ء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم * إنما ذالكم الشيطان يخوف ~~أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين } . ) 2 $ # يجوز أن يكون { الذين قال لهم الناس } إلى آخره ، بدلا من { الذين ~~استجابوا لله والرسول } ( آل عمران : 172 ) ، أو صفة ms1763 له ، أو صفة ثانية ~~للمؤمنين في قوله : { وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين } ( آل عمران : 171 ) ~~على طريقة ترك العطف في الأخبار . وإنما جيء بإعادة الموصول ، دون أن تعطف ~~الصلة على الصلة ، اهتماما بشأن هذه الصلة الثانية حتى لا تكون كجزء صلة ، ~~ويجوز أن يكون ابتداء كلام مستأنفف ، فيكون مبتدأ وخبره قوله : { إنما ذلكم ~~الشيطان يخوف أولياءه } ( آل عمران : 175 ) أي ذلك القول ، كما سيأتي . ~~وهذا تخلص بذكر شأن من شؤون المسلمين كفاهم الله به بأس عدوهم بعد يوم أحد ~~بعامم ، إنجازا لوعدهم مع أبي سفيان إذ قال : موعدكم بدر في العام القابل ، ~~وكان أبو سفيان قد كره الخروج إلى لقاء المسلمين في ذلك الأجل ، وكاد ~~للمسلمين ليظهر إخلاف الوعد منهم ليجعل ذلك ذريعة إلى الإرجاف بين العرب ~~بضعف المسلمين ، فجاعل ركبا من عبد القيس مارين بمر الظهران قرب مكة قاصدين ~~المدينة للميرة ، أن يخبروا المسلمين بأن قريشا جمعوا لهم جيشا عظيما ، ~~وكان مع الركب نعيم بن مسعود الأشجعي ، فأخبر نعيم ومن معه المسلمين بذلك ~~فزاد ذلك المسلمين استعدادا وحمية للدين ، وخرجوا إلى الموعد PageV04P168 ~~وهو بدر ، فلم يجدوا المشركين وانتظروهم هنالك ، وكانت هنالك سوق فاتجروا ~~ورجعوا سالمين غير مذمومين ، فذلك قوله تعالى : { الذين قال لهم الناس أي ~~الركب العبديون إن الناس قد جمعوا لكم } أي إن قريشا قد جمعوا لكم . وحذف ~~مفعول { جمعوا } أي جمعوا أنفسهم وعددهم وأحلافهم كما فعلوا يوم بدر الأول ~~. # وقال بعض المفسرين وأهل العربية : إن لفظ الناس هنا أطلق على نعيم بن ~~مسعود وأبي سفيان ، وجعلوه شاهدا على استعمال الناس بمعنى الواحد والآية ~~تحتمله ، وإطلاق لفظ الناس مرادا به واحد أو نحوه مستعمل لقصد الإبهام ، ~~ومنه قوله تعالى : { أم يحسدون الناس على ما ءاتاهم الله من فضله } ( ~~النساء : 54 ) قال المفسرون : يعني ب ( الناس ) محمدا صلى الله عليه وسلم # وقوله : { فزادهم إيمانا } أي زادهم قول الناس ، فضمير الرفع المستتر في ~~{ فزادهم } عائد إلى القول المستفاد من فعل { قال لهم الناس } أو عائد إلى ~~الناس ، ولما كان ms1764 ذاك القول مرادا به تخويف المسلمين ورجوعهم عن قصدهم . ~~وحصل منه خلاف ما أراد به المشركون ، جعل ما حصل به زائدا في إيمان ~~المسلمين . فالظاهر أن الإيمان أطلق هنا على العمل ، أي العزم على النصر ~~والجهاد ، وهو بهذا المعنى يزيد وينقص . ومسألة زيادة الإيمان ونقصه مسألة ~~قديمة ، والخلاف فيها مبني على أن الأعمال يطلق عليها اسم الإيمان ، كما ~~قال تعالى : { وما كان الله ليضيع إيمانكم } ( البقرة : 143 ) يعني صلاتكم ~~. أما التصديق القلبي وهو عقد القلب على إثبات وجود الله وصفاته وبعثة ~~الرسل وصدق الرسول ، فلا يقبل النقص ، ولا يقبل الزيادة ، ولذلك لا خلاف ~~بين المسلمين في هذا المعنى ، وإنما هو خلاف مبني على اللفظ ، غير أنه قد ~~تقرر في علم الأخلاق أن الإعتقاد الجازم إذا تكررت أدلته ، أو طال زمانه ، ~~أو قارنته التجارب ، يزداد جلاء وانكشافا ، وهو المعبر عنه بالملكة ، فلعل ~~هذا المعنى مما يراد بالزيادة ، بقرينة أن القرآن لم يطلق وصف النقص في ~~الإيمان بل ما ذكر إلا الزيادة ، وقد قال إبراهيم عليه السلام : { بلى ولكن ~~ليطمئن قلبي } ( البقءة : 260 ) . PageV04P169 # وقولهم : { حسبنا الله ونعم الوكيل } كلمة لعلهم ألهموها أو تلقوها عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وحسب أي كاف ، وهو اسم جامد بمعنى الوصف ليس له ~~فعل ، قالوا : ومنه اسمه تعالى الحسيب ، فهو فعيل بمعنى مفعل . وقيل : ~~الإحساب هو الإكفاء ، وقيل : هو اسم فعل بمعنى كفى ، وهو ظاهر القاموس . ~~ورده ابن هشام في توضيحه بأن دخول العوامل عليه نحو { فإن حسبك الله } ، ~~وقولهم : بحسبك درهم ، ينافي دعوى كونه اسم فعل لأن أسماء الأفعال لا تدخل ~~عليها العوامل ، وقيل : هو مصدر ، وهو ظاهر كلام سيبويه . وهو من الأسماء ~~اللازمة للإضافة لفظا دون معنى ، فيبنى على الضم مثل : قبل وبعد ، كقولهم : ~~اعطه درهيمن فحسب ، ويتجدد له معنى حينئذ فيكون بمعنى لا غير . وإضافته لا ~~تفيده تعريفا لأنه في قوة المشتق ولذلك توصف به النكرة ، وهو ملازم الإفراد ~~والتذكير فلا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث لأنه لجموده شابه المصدر ، أو لأنه ~~لما ms1765 كان اسم فعل فهو كالمصدر ، أو لأنه مصدر ، ، وهو شأن المصادر ، ومعناها ~~: إنهم اكتفوا بالله ناصرا وإن كانوا في قلة وضعف . # وجملة { ونعم الوكيل } معطوفة على { حسبنا الله } في كلام القائلين ، ~~فالواو من المحكي لا من الحكاية ، وهو من عطف الإنشاء على الخبر الذي لا ~~تطلب فيه إلا المناسبة . والمخصوص بالمدح محذوف لتقدم دليله . # و { الوكيل } فعيل بمعنى مفعول أي موكول إليه . يقال : وكل حاجته إلى ~~فلان إذا اعتمد عليه في قضائها وفوض إليه تحصيلها ، ويقال للذي لا يستطيع ~~القيام بشؤونه بنفسه : رجل وكل بفتحتين أي كثير الاعتماد على غيره ، ~~فالوكيل هو القائم بشأن من وكله ، وهذا القيام بشأن الموكل يختلف باختلاف ~~الأحوال الموكل فيها ، وبذلك الاختلاف يختلف معنى الوكيل ، فإن كان القيام ~~في دفع العداء والجور فالوكيل الناصر والمدافع { قل لست عليكم بوكيل } ( ~~الأنعام : 66 ) ، ومنه { فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أمن يكون عليهم ~~وكيلا } ( النساء : 109 ) . ومنه الوكيل في الخصومة ، وإن كان في شؤون ~~الحياة فالوكيل الكافل والكافي منه : PageV04P170 { أن لا تتخذوا من دوني ~~وكيلا } ( الإسراء : 2 ) كما قال : { قد جعلتم الله عليكم كفيلا } ( النحل ~~: 91 ) ولذلك كان من أسمائه تعالى : الوكيل ، وقوله : { وقالوا حسبنا الله ~~ونعم الوكيل } ومنه الوكيل على المال ، ولذلك أطلق على هذا المعنى أيضا اسم ~~الكفيل في قوله تعالى : { وقد جعلتم الله عليكم كفيلا } . وقد حمل الزمخشري ~~الوكيل على ما يشمل هذا عند قوله تعالى : { وهو على كل شيء وكيل في سورة ~~الأنعام ( 102 ) ، فقال : وهو مالك لكل شيء من الأرزاق والآجال رقيب على ~~الأعمال . وذلك يدل على أن الوكيل اسم جامع للرقيب والحافظ في الأمور التي ~~يعني الناس بحفظها ورقابتها وادخارها ، ولذلك يتقيد ويتعمم بحسب المقامات . # وقوله : فانقلبوا بنعمة من الله } تعقيب للإخبار عن ثبات إيمانهم وقولهم ~~: حسبنا الله ونعم الوكيل ، وهو تعقيب لمحذوف يدل عليه فعل { فانقلبوا } ، ~~لأن الانقلاب يقتضي أنهم خرجوا للقاء العدو الذي بلغ عنهم أنهم جمعوا لهم ~~ولم يعبأوا بخويف الشيطان ، والتقدير : فخرجوا فانقلبوا بنعمة من الله . # والباء ms1766 للملابسة أي ملابسين لنعمة وفضل من الله . فالنعمة هي ما أخذوه من ~~الأموال ، والفضل فضل الجهاد . ومعنى لم يمسسهم سوء لم يلاقوا حربا مع ~~المشركين . # وجملة { إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه } إما استئناف بياني إن جعلت ~~قوله : { الذين قال لهم الناس } بدلا أو صفة كما تقدم ، وإما خبر عن { ~~الذين قال لهم الناسإن جعلت قوله : الذين قال لهم الناس } مبتدأ ، والتقدير ~~: الذين قال لهم الناس إلى آخره إنما مقالهم يخوف الشيطان به . ورابط هذه ~~الجملة بالمبتدأ ، وهو ( الذين قال لهم الناس ) على هذا التقدير ، هو اسم ~~الإشارة ، واسم الإشارة مبتدأ . # ثم الإشارة بقوله : { ذلكم } إما عائد إلى المقال فلفظ الشيطان على هذا ~~مبتدأ ثان ، ولفظه مستعمل في معناه الحقيقي ، والمعنى : أن ذلك المقال ~~ناشىء PageV04P171 عن وسوسة الشيطان في نفوس الذين دبروا مكيدة الإرجاف ~~بتلك المقالة لتخويف المسلمين بواسطة ركب عبد القيس . # وإما أن تعود الإشارة إلى { الناس } من قوله : { قال لهم الناس } لأن ~~الناس مؤول بشخص ، أعني نعميا بن مسعود ، فالشيطان بدل أو بيان من اسم ~~الإشارة وأطلق عليه لفظ شيطان على طريقة التشبيه البليغ . # وقوله : { يخوف أولياءه } تقديره يخوفكم أولياءه ، فحذف المفعول الأول ~~لفعل ( يخوف ) بقرينة قوله بعده : { فلا تخافوهم } فإن خوف يتعدى إلى ~~مفعولين إذ هو مضاعف خاف المجرد ، وخاف يتعدى إلى مفعول واحد فصار بالتضعيف ~~متعديا إلى مفعولين من باب كسا كما قال تعالى : { ويخوفكم الله نفسه } ( آل ~~عمران : 28 ) . # وضمير { فلا تخافوهم } على هذا يعود إلى { أولياءه } وجملة { وخافون } ~~معترضة بين جملة { فلا تخافوهم } وجملة { إن كنتم مؤمنين } . # وقوله : { إن كنتم مؤمنين } شرط مؤخر تقدم دليل جوابه ، وهو تذكير وإحماء ~~لإيمانهم وإلا فقد علم أنهم مؤمنون حقا . # # | 2 ( 176 ) { ولا يحزنك الذين يسارعون فى الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا ~~يريد الله ألا يجعل لهم حظا فى الاخرة ولهم عذاب عظيم } . ) 2 # نهي للرسول عن أن يحزن من فعل قوم يحرصون على الكفر أي على أعماله ومعنى ~~{ يسارعون في الكفر } يتوغلون فيه ويعجلون إلى إظهاره وتأييده ms1767 والعمل به ~~عند سنوح الفرص ، ويحرصون على إلقائه في نفوس الناس ، فعبر عن هذا المعنى ~~بقوله : { يسارعون } ، فقيل : ذلك من التضمين ضمن يسارعون معنى يقعون ، ~~فعدي بفي ، وهي طريقة ( الكشاف ) وشروحه ، وعندي أن هذا استعارة ~~PageV04P172 تمثيلية : شبه حال حرصهم وجدهم في تفكير الناس وإدخال الشك على ~~المؤمنين وتربصهم الدوائر وانتهازهم الفرص بحال الطالب المسارع إلى تحصيل ~~شيء يخشى أن يفوته وهو متوغل فيه متلبس به ، فلذلك عدي بفي الدالة على ~~سرعتهم سرعة طالب التمكين ، لا طالب الحصول ، إذ هو حاصل عندهم ولو عدي ~~بإلى لفهم منه أنهم لم يكفروا عند المسارعة . قيل : هؤلاء هم المنافقون ، ~~وقيل : قوم أسلموا ثم خافوا من المشركين فارتدوا . # وجملة { إنهم لن يضروا الله شيئا } تعليل للنهي عن أن يحزنه تسارعهم إلى ~~الكفر بعلة يوقن بها الرسول عليه الصلاة والسلام . وموقع إن في مثل هذا ~~المقام إفادة التعليل ، وإن تغني غناء فاء التسبب ، كما تقدم غير مرة . # ونفي { لن يضروا الله } مراد به نفي أن يعطلوا ما أراده إذ قد كان الله ~~وعد الرسول إظهار دينه على الدين كله ، وكان سعي المنافقين في تعطيل ذلك ، ~~نهي الله رسوله أن يحزن لما يبدو له من اشتداد المنافقين في معاكسة الدعوة ~~، وبين له أنهم لن يستطيعوا إبطال مراد الله ، تذكيرا له بأنه وعده بأنه ~~متم نوره . # ووجه الحاجة إلى هذا النهي : هو أن نفس الرسول ، وإن بلغت مرتقى الكمال ، ~~لا تعدو أن تعتريها في بعض أوقات الشدة أحوال النفوس البشرية : من تأثير ~~مظاهر الأسباب ، وتوقع حصول المسببات العادية عندها ، كما وقع للرسول صلى ~~الله عليه وسلم يوم بدر . وهو في العريش ، وإذا انتفى إضرارهم الله انتفى ~~إضرارهم المؤمنين فيما وعدهم الله . وقرأ الجمهور : يحزنك بفتح الياء وضم ~~الزاي من حزنه إذا أدخل عليه الحزن ، وقرأه نافع بضم الياء وكسر الزاي من ~~أحزنه . # وجملة { يريد الله } استئناف لبيان جزائهم على كفرهم في الآخرة ، بعد أن ~~بين السلامة من كيدهم في الدنيا والمعنى : أن الله خذلهم وسلبهم التوفيق ~~فكانوا مسارعين ms1768 في الكفر لأنه أراد أن لا يكون لهم حظ في الآخرة . والحظ : ~~النصيب من شيء نافع . # PageV04P173 # | 2 ( 177 ) { إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان لن يضروا الله شيئا ولهم ~~عذاب أليم } . ) 2 # تكرير لجملة { إنهم لن يضروا الله شيئا } قصد به ، مع التأكيد ، إفادة ~~هذا الخبر استقلالا للاهتمام به بعد أن ذكر على وجه التعليل لتسلية الرسول ~~. وفي اختلاف الصلتين إيماء إلى أن مضمون كل صلة منهما هو سبب الخبر الثابت ~~لموصولها ، وتأكيد لقوله : { إنهم لن يضروا الله شيئا } المتقدم ، كقول ~~لبيد : # كدخان نار ساطع أسنامها # بعد قوله : # كدخان مشعلة يشب ضرامها # مع زيادة بيان اشتهارهم هم بمضمون الصلة . # والاشتراء مستعار للاستبدال كما تقدم في قوله تعالى : { أولئك الذين ~~اشتروا الضلالة بالهدى في سورة البقرة ( 16 ) . # $ 2 ( 178 ) ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملى لهم خير لانفسهم إنما نملى ~~لهم ليزدادو & # 1764 ا إثما ولهم عذاب مهين } . ) 2 $ # عطف على قوله : { ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا } ( آل ~~عمران : 169 ) والمقصود مقابلة الإعلام بخلاف الحسبان في حالتين : إحداهما ~~تلوح للناظر حالة ضر ، والأخرى تلوح حالة خير ، فأعلم الله أن كلتا ~~الحالتين على خلاف ما يتراءى للناظرين . # ويجوز كونه معطوفا على قوله : { ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر } ( آل ~~عمران : 176 ) إذ نهاه عن أن يكون ذلك موجبا لحزنه ، لأنهم لا يضرون الله ~~شيئا ، ثم ألقى إليه خبرا لقصد إبلاغه إلى المشركين وإخوانهم المنافقين : ~~أن لا يحسبوا أن بقاءهم نفع لهم بل هو إملاء لهم يزدادون به آثاما ، ليكون ~~أخذهم بعد PageV04P174 ذلك أشد . وقرأه الجمهور { ولا يحسبن الذين كفروا } ~~بياء الغيبة وفاعل الفعل ( الذين كفروا ) ، وقرأه حمزة وحده بتاء الخطاب . # فالخطاب إما للرسول عليه السلام وهو نهي عن حسبان لم يقع ، فالنهي ~~للتحذير منه أو عن حسبان هو خاطر خطر للرسول صلى الله عليه وسلم غير أنه ~~حسبان تعجب ، لأن الرسول يعلم أن الإملاء ليس خيرا لهم ، أو المخاطب الرسول ~~والمقصود غيره ، ممن يظن ذلك من المؤمنين على طريقة التعريض ms1769 مثل { لئن ~~أشركت ليحبطن عملك } ( الزمر : 65 ) ، أو المراد من الخطاب كل مخاطب يصلح ~~لذلك . # وعلى قراءة الياء التحتية فالنهي مقصود به بلوغه إليهم ليعلموا سوء ~~عاقبتهم ، ويمر عيشهم بهذا الوعيد ، لأن المسلمين لا يحسبون ذلك من قبل ~~والإملاء : الإمهال في الحياة ، والمراد به هنا تأخير حياتهم ، وعدم ~~استئصالهم في الحرب ، حيث فرحوا بالنصر يوم أحد ، وبأن قتلى المسلمين بوم ~~أحد كانوا أكثر من قتلاهم . # ويجوز أن يراد بالإملاء التخلية بينهم وبين أعمالهم في كيد المسلمين ~~وحربهم وعدم الأخذ على أيديهم بالهزيمة والقتل كما كان يوم بدر ، يقال : ~~أملى لفرسه إذا أرخى له الطول في المرعى ، وهو مأخوذ من الملو بالواو وهو ~~سير البعير الشديد ، ثم قالوا : أمليت للبعير والفرس إذا وسعت له في القيد ~~لأنه يتمكن بذلك من الخبب والركض ، فشبه فعله بشدة السير ، وقالوا : أمليت ~~لزيد في غيه أى تركته : على وجه الاستعارة ، وأملى الله لفلان أخر عقابه ، ~~قال تعالى : { وأملي لهم إن كيدي متين } ( الأعراف : 183 ) واستعير التملي ~~لطول المدة تشبيها للمعقول بالمحسوس فقالوا : ملأك الله حبيبك تمليئة ، أي ~~أطال عمرك معه . # وقوله : { أنما نملي لهم خير لأنفسهم } ( أن ) أخت ( إن ) المكسورة ~~الهمزة ، و ( ما ) موصولة وليست الزائدة ، وقد كتبت في المصحف كلمة واحدة ~~كما تكتب إنما المركبة من ( إن ) أخت ( أن ) و ( ما ) الزائدة الكافة ، ~~التي هي حرف حصر بمعنى ( ما ) و ( إلا ) ، وكان القياس أن تكتب مفصولة وهو ~~اصطلاح حدث بعد كتابة المصاحف لم يكن مطردا في الرسم القديم ، على هذا ~~اجتمعت كلمات PageV04P175 المفسرين من المتقدمين والمتأخرين . وأنا أرى أنه ~~يجوز أن يكون ( أنما ) من قوله : { أنما نمي خير لأنفسهم } هي أنما أخت ~~إنما المكسورة وأنها مركبة من ( أن ) و ( ما ) الكافة الزائدة وأنها طريق ~~من طرق القصر عند المحققين ، وأن المعنى : ولا يحسبن الذين كفروا انحصار ~~إمهالنا لهم في أنه خير لهم لأنهم لما فرحوا بالسلامة من القتل وبالبقاء ~~بقيد الحياة قد أضمروا في أنفسهم اعتقاد أن بقاءهم ما هو إلا خير لهم لأنهم ms1770 ~~يحسبون القتل شرا لهم ، إذ لا يؤمنون بجزاء الشهادة في الآخرة لكفرهم ~~بالبعث . فهو قصر حقيقي في ظنهم . # ولهذا يكون رسمهم كلمة ( أنما ) المفتوحة الهمزة في المصحف جاريا على ما ~~يقتضيه اصطلاح الرسم . و { أنما نملي لهم خير لأنفسهم } هو بدل اشتمال من { ~~الذين كفروا } ، فيكون سادا مسد المفعولين ، لأن المبدل منه صار كالمتروك ، ~~وسلكت طريقة الإبدال لما فيه من الإجمال ، ثم التفصيل ، لأن تعلق الظن ~~بالمفعول الأول يستدعي تشوف السامع للجهة التي تعلق بها الظن ، وهي مدلول ~~المفعول الثاني ، فإذا سمع ما يسد مسد المفعولين بعد ذلك تمكن من نفسه فضل ~~تمكن وزاد تقريرا . # وقوله : { إنما نملي لهم ليزدادوا إثما } استئناف واقع موقع التعليل ~~للنهي عن حسبان الإملاء خيرا ، أي ما هو بخير لأنهم يزدادون في تلك المدة ~~إثما . # و ( إنما ) هذه كلمة مركبة من ( إن ) حرف التوكيد و ( ما ) الزائدة ~~الكافة وهي أداة حصر أي : ما نملي لهم إلا ليزدادوا إثما ، أي فيكون أخذهم ~~به أشد فهو قصر قلب . # ومعناه أنه يملي لهم ويؤخرهم وهم على كفرهم فيزدادون إثما في تلك المدة ، ~~فيشتد عقابهم على ذلك ، وبذلك لا يكون الإملاء لهم خيرا لهم ، بل هو شر لهم ~~. # واللام في { ليزدادوا إثما } لام العاقبة كما هي في قوله تعالى : { ليكون ~~لهم عدوا وحزنا } ( القصص : 8 ) أي : إنما نملي لهم فيزدادون إثما ، فلما ~~كان ازدياد الإثم PageV04P176 ناشئا عن الإملاء ، كان كالعلة له ، لا سيما ~~وازدياد الإثم يعلمه الله فهو حين أملى لهم علم أنهم يزدادون به إثما ، ~~فكان الازدياد من الإثم شديد الشبه بالعلة ، أما علة الإملاء في الحقيقة ~~ونفس الأمر فهي شيء آخر يعلمه الله ، وهو داخل في جملة حكمة خلق أسباب ~~الضلال وأهله والشياطين والأشياء الضارة . وهي مسألة مفروغ منها في علم ~~الكلام ، وهي مما استأثر الله بعلم الحكمة في شأنه . وتعليل النهي على ~~حسبان الإملاء لهم خيرا لأنفسهم حاصل ، لأن مداره على التلازم بين الإملاء ~~لهم وبين ازديادهم من الإثم في مدة الإملاء . # # | 2 ( 179 ) { ما كان ms1771 الله ليذر المؤمنين على مآ أنتم عليه حتى يميز ~~الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبى من رسله ~~من يشآء فئامنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم } . ) 2 # استئناف ابتدائي ، وهو رجوع إلى بيان ما في مصيبة المسلمين من الهزيمة ~~يوم أحد من الحكم النافعة دنيا وأخرى ، فهو عود إلى الغرض المذكور في قوله ~~تعالى : { وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين } ( آل ~~عمران : 166 ) بين هنا أن الله لم يرد دوام اللبس في حال المؤمنين ~~والمنافقين واختلاطهم ، فقدر ذلك زمانا كانت الحكمة في مثله تقتضي بقاءه ~~وذلك أيام ضعف المؤمنين عقب هجرتهم وشدة حاجتهم إلى الاقتناع من الناس بحسن ~~الظاهر حتى لا يبدأ الانشقاق من أول أيام الهجرة ، فلما استقر الإيمان في ~~النفوس ، وقر للمؤمنين الخالصين المقام في أمن ، أراد الله تعالى تنهية ~~الاختلاط وأن يميز الخبيث من الطيب وكان المنافقون يكتمون نفاقهم لما رأوا ~~أمر المؤمنين في إقبال ، ورأوا انتصارهم يوم بدر ، فأراد الله أن يفضحهم ~~ويظهر نفاقهم ، بأن أصاب المؤمنين بقرح الهزيمة حتى أظهر المنافقون فرحهم ~~بنصرة المشركين ، وسجل الله عليهم نفاقهم باديا للعيان كما قال : ~~PageV04P177 # جزى الله المصائب كل خير # عرفت بها عدوي من صديقي # وما صدق { ما أنتم عليه } هو اشتباه المؤمن والمنافق في ظاهر الحال . # وحرفا ( على ) الأول والثاني ، في قوله : { ما أنتم عليه } للاستعلاء ~~المجازي ، وهو التمكن من معنى مجرورها ويتبين الوصف المبهم في الصلة بما ~~ورد بعد ( حتى ) من قوله : { على ما أنتم عليه } ، فيعلم أن ما هم عليه هو ~~عدم التمييز بين الخبيث والطيب . # ومعنى { ما كان الله ليذر المؤمنين } نفي هذا عن أن يكون مرادا لله نفيا ~~مؤكدا بلام الجحود ، وقد تقدم نظيره في قوله تعالى : { ما كان لبشر أن ~~يؤتيه الله الكتاب } ( آل عمران : 79 ) إلخ . . . # فقوله : { على ما أنتم عليه } أي من اختلاط المؤمن الخالص والمنافق ، ~~فالضمير في قوله : { أنتم عليه } مخاطب به المسلمون كلهم باعتبار من فيهم ~~من ms1772 المنافقين . # والمراد بالمؤمنين المؤمنون الخلص من النفاق ، ولذلك عبر عنهم بالمؤمنين ~~، وغير الأسلوب لأجل ذلك ، فلم يقل : ليذركم على ما أنتم عليه تنبيها على ~~أن المراد بضمير الخطاب أكثر من المراد بلفظ المؤمنين ، ولذلك لم يقل على ~~ما هم عليه . # وقوله : { حتى يميز الخبيث من الطيب } غاية للجحود المستفاد من قوله : { ~~ما كان الله ليذر } المفيد أن هذا الوذر لا تتعلق به إرادة الله بعد وقت ~~الإخبار ولا واقعا منه تعالى إلى أن يحصل تمييز الخبيث من الطيب ، فإذا حصل ~~تمييز الخبيث من الطيب صار هذا الوذر ممكنا ، فقد تتعلق الإرادة بحصوله ~~وبعدم حصوله ، ومعناه رجوع إلى حال الاختيار بعد الإعلام بحالة الاستحالة . # ولحتى استعمال خاص بعد نفي الجحود ، فمعناها تنهية الاستحالة : ذلك أن ~~الجحود أخص من النفي لأن أصل وضع الصيغة الدلالة على أن ما بعد لام الجحود ~~مناف لحقيقة اسم كان المنفية ، فيكون حصوله كالمستحيل ، فإذا غياه المتكلم ~~بغاية كانت تلك الغاية غاية للاستحالة المستفادة من الجحود ، وليست ~~PageV04P178 غاية للنفي حتى يكون مفهومها أنه بعد حصول الغاية يثبت ما كان ~~منفيا ، وهذا كله لمح لأصل وضع صيغة الجحود من الدلالة على مبالغة النفي لا ~~لغلبة استعمالها في معنى مطلق النفي ، وقد أهمل التنبيه على إشكال الغاية ~~هنا صاحب ( الكشاف ) ومتابعوه ، وتنبه لها أبو حيان ، فاستشكلها حتى اضطر ~~إلى تأول النفي بالإثبات ، فجعل التقدير : إن الله يخلص بينكم بالامتحان ، ~~حتى يميز . وأخذ هذا التأويل من كلام ابنن عطية ، ولا حاجة إليه على أنه ~~يمكن أن يتأول تأويلا أحسن ، وهو أن يجعل مفهوم الغاية معطلا لوجود قرينة ~~على عدم إرادة المفهوم ، ولكن فيما ذكرته وضوح وتوقيف على استعمال عربي ~~رشيق . # و ( من ) في قوله : { من الطيب } معناها الفصل أي فصل أحد الضدين من ~~الآخر ، وهو معنى أثبته ابن مالك وبحث فيه صاحب ( مغني اللبيب ) ، ومنه ~~قوله تعالى : { والله يعلم المفسد من المصلح وقد تقدم القول فيه عند قوله ~~تعالى : والله يعلم المفسد من المصلح في سورة البقرة ( 220 ) . # وقيل : الخطاب ms1773 بضمير ما أنتم } للكفار ، أي : لا يترك الله المؤمنين ~~جاهلين بأحوالكم من النفاق . # وقرأ الجمهور : يميز بفتح ياء المضارعة وكسر الميم وياء تحتية بعدها ~~ساكنة من ماز يميز ، وقرأه حمزة ، والكسائي ويعقوب ، وخلف بضم ياء المضارعة ~~وفتح الميم وياء بعدها مشددة مكسورة من ميز مضاعف ماز . # وقوله : { وما كان الله ليطلعكم } عطف على قوله : { ما كان الله ليذر } ~~يعني أنه أراد أن يميز لكم الخبيث فتعرفوا أعداءكم ، ولم يكن من شأن الله ~~إطلاعكم على الغيب ، فلذلك جعل أسبابا من شأنها أن تستفز أعداءكم فيظهروا ~~لكم العداوة فتطلعوا عليهم ، وإنما قال : { وما كان الله ليطلعكم على الغيب ~~} لأنه تعالى جعل نظام هذا العالم مؤسسا على استفادة المسببات من أسبابها ، ~~والنتائج من مقدماتها . PageV04P179 # وقوله : { ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء } يجوز أنه استدراك على ما ~~أفاده قوله : { وما كان الله ليطلعكم على الغيب } حتى لا يجعله المنافقون ~~حجة على المؤمنين . في نفي الوحي والرسالة ، فيكون المعنى : وما كان الله ~~ليطلعكم على الغيب إلا ما أطلع عليه رسوله ومن شأن الرسول أن لا يفشي ما ~~أسره الله إليه كقوله : { عالم الغيب فلا يظهر على غيبة أحد إلا من ارتضى ~~من رسول } ( الجن : 26 ، 27 ) الآية ، فيكون كاستثناء من عموم { ليطلعكم } ~~. ويجوز أنه استدراك على ما يفيده { وما كان الله ليطلعكم على الغيب } من ~~انتفاء اطلاع أحد على علم الله تعالى فيكون كاستثناء من مفاد الغيب أي : ~~إلا الغيب الراجع إلى إبلاغ الشريعة ، وأما ما عداه فلم يضمن الله لرسله ~~إطلاعهم عليه بل قد يطلعهم ، وقد لا يطلعهم ، قال تعالى : { وآخرين من ~~دونهم لا تعلمونهم الله يعملهم } ( الأنفال : 60 ) . # وقوله : { فآمنوا بالله ورسله } إن كان خطابا للمؤمنين فالمقصود منه ~~الإيمان الخاص ، وهو التصديق بأنهم لا ينطقون عن الهوى ، وبأن وعد الله لا ~~يخلف ، فعليهم الطاعة في الحرب وغيره أو أريد الدوام على الإيمان ، لأن ~~الحالة المتحدث عنها قد يتوقع منها تزلزل إيمان الضعفاء ورواج شبه ~~المنافقين ، وموقع { وإن تؤمنوا وتتقوا } ظاهر على الوجهين ms1774 ، وإن كان قوله ~~: { فآمنوا } خطابا للكفار من المنافقين بناء على أن الخطاب في قوله : { ~~على ما أنتم عليه } وقوله : { ليطلعكم على الغيب } للكفار فالأمر بالإيمان ~~ظاهر ، ومناسبة تفريعه عما تقدم انتهاز فرص الدعوة حيثما تأتت . # # | 2 ( 180 ) { ولا يحسبن الذين يبخلون بمآ ءاتاهم الله من فضله هو خيرا ~~لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ولله ميراث السماوات ~~والارض والله بما تعملون خبير } . ) 2 # عطف على { ولا يحسبن الذين كفروا } ، لأن الظاهر أن هذا أنزل في شأن ~~أحوال المنافقين ، فإنهم كانوا يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ، كما حكى الله ~~PageV04P180 عنهم في سورة النساء ( 37 ) بقوله : { الذين يبخلون ويأمرون ~~الناس بالبخل وكانوا يقولون : لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ، ~~وغير ذلك ، ولا يجوز بحال أن يكون نازلا في شأن بعض المسلمين لأن المسلمين ~~يومئذ مبرؤون من هذا الفعل ومن هذا الحسبان ، ولذلك قال معظم المفسرين : إن ~~الآية نزلت في منع الزكاة ، أي فيمن منعوا الزكاة ، وهل يمنعها يومئذ إلا ~~منافق . ولعل مناسبة ذكر نزول هذه الآية هنا أن بعضهم منع النفقة في سبيل ~~الله في غزوة أحد . ومعنى حسبانه خيرا أنهم حسبوا أن قد استبقوا مالهم ~~وتنصلوا عن دفعه بمعاذير قبلت منهم . # أما شمولها لمنع الزكاة ، فإن لم يكن بعموم صلة الموصول إن كان الموصول ~~للعهد لا للجنس ، فبدلالة فحوى الخطاب . # وقرأ الجمهور : ولا يحسبن الذين يبخلون } بياء الغيبة ، وقرأه حمزة بتاء ~~الخطاب كما تقدم في نظيره . وقرأ الجمهور : تحسبن بكسر السين ، وقرأه ابن ~~عامر ، وحمزة ، وعاصم بفتح السين . # وقوله : { هو خيرا لهم } قال الزمخشري ( هو ) ضمير فصل ، وقد يبنى كلامه ~~على أن ضمير الفصل لا يختص بالوقوع مع الأفعال التي تطلب اسما وخبرا ، ونقل ~~الطيبي عن الزجاج أنه قال : زعم سيبويه أنه إنما يكون فصلا مع المبتدأ ~~والخبر ، يعني فلا يصح أن يكون هنا ضمير فصل ولذلك حكى أبو البقاء فيه ~~وجهين : أحدهما أن يكون ( هو ) ضميرا واقعا موقع المفعول الأول على أنه من ms1775 ~~إنابة ضمير الرفع عن ضمير النصب ، ولعل الذي حسنه أن المعاد غير مذكور فلا ~~يهتدي إليه بضمير النصب ، بخلاف ضمير الرفع لأنه كالعمدة في الكلام ، وعلى ~~كل تقدير فالضمير عائد على البخل المستفاد من { يبخلون } ، مثل { اعدلوا هو ~~أقرب للتقوى } ( المائدة : 8 ) ، ومثل قوله : # إذا نهي السفيه جرى إليه # وخالف والسفيه إلى خلاف # ثم إذا كان ضمير فصل فأحد مفعولي حسب محذوف اختصارا لدلالة PageV04P181 ~~ضمير الفصل عليه ، فعلى قراءة الفوقية فالمحذوف مضاف حل المضاف إليه محله ، ~~أي لا تحسبن الذين يبخلون خيرا وعلى قراءة التحتية : ولا يحسبن الذين ~~يبخلون بخلهم خيرا . # والبخل بضم الباء وسكون الخاء ويقال : بخل بفتحهما ، وفعله في لغة أهل ~~الحجاز مضموم العين في الماضي والمضارع . وبقية العرب تجعله بكسر العين في ~~الماضي وفتحها في المضارع ، وبلغة غير أهل الحجاز جاء القرآن لخفة الكسرة ~~والفتحة ولذا لم يقرأ إلا بها . وهو ضد الجود ، فهو الانقباض عن إعطاء ~~المال بدون عوض ، هذا حقيقته ، ولا يطلق على منع صاحب شيء غير مال أن ينتفع ~~غيره بشيئه بدون مضرة عليه إلا مجازا ، وقد ورد في أثر عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم ( البخيل الذي أذكر عنده فلا يصلي علي ) ويقولون : بخلت العين ~~بالدموع ، ويرادف البخل الشح ، كما يرادف الجود السخاء والسماح . # وقوله : { بل هو شر لهم } تأكيد لنفي كونه خيرا ، كقول امرىء القيس : # ( وتعطو برخص غير ششن ) # وهذا كثير في كلام العرب ، على أن في هذا المقام إفادة نفي توهم الواسطة ~~بين الخير والشر . # وجملة { سيطوقون } واقعة موقع العلة لقوله : { بل هو شر لهم } . # ويطوقون يحتمل أنه مشتق من الطاقة ، وهي تحمل ما فوق القدرة أي سيحملون ~~ما بخلوا به ، أي يكون عليهم وزرا يوم القيامة ، والأظهر أنه مشتق من الطوق ~~، وهو ما يلبس تحت الرقبة فوق الصدر ، أي تجعل أموالهم أطواقا يوم القيامة ~~فيعذبون بحملها ، وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم ( من اغتصب شبرا من أرض ~~طوقه من سبع أرضين يوم القيامة ) . والعرب يقولون في أمثالهم تقلدها ( أي ~~الفعلة ms1776 الذميمة ) طوق الحمامة . وعلى كلا الاحتمالين فالمعنى أنهم يشهرون ~~بهذه المذمة بين أهل المحشر ، ويلزمون عقاب ذلك . وقوله : { ولله ميراث ~~السموات والأرض } تذييل لموعظة الباخلين وغيرهم : بأن المال مال الله ، وما ~~من بخيل إلا سيذهب ويترك ماله ، والمتصرف PageV04P182 في ذلك كله هو الله ، ~~فهو يرث السماوات والأرض ، أي يستمر ملكه عليهما بعد زوال البشر كلهم ~~المنتفعين ببعض ذلك ، وهو يملك ما في ضمنهما تبعا لهما ، وهو عليم بما يعمل ~~الناس من بخل وصدقة ، فالآية موعظة ووعيد ووعد لأن المقصود لازم قوله : { ~~خبير } . # $ 2 ( 181 ، 182 ) { لقد سمع الله قول الذين قالو & # 1764 ا إن الله فقير ونحن أغنيآء سنكتب ما قالوا وقتلهم الانبياء بغير حق ~~ونقول ذوقوا عذاب الحريق * ذالك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد ~~} . ) 2 $ # استئناف جملة { لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء } ~~لمناسبة ذكر البخل لأنهم قالوه في معرض دفع الترغيب في الصدقات ، والذين ~~قالوا ذلك هم اليهود ، كما هو صريح آخر الآية في قوله : { وقتلهم الأنبياء ~~بغير حق } ، وقائل ذلك : قيل هو حيي بن أخطب اليهودي ، حبر اليهود ، لما ~~سمع قوله تعالى : { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا } ( البقرة : 245 ) ~~فقال حيي : إنما يستقرض الفقير الغني ، وقيل : قاله فنحاص بن عازوراء لأبي ~~بكر الصديق بسبب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل أبا بكر إلى يهود ~~قينقاع يدعوهم ، فأتى بيت المدراس فوجد جماعة منهم قد اجتمعوا على فنحاص ~~حبرهم ، فدعاه أبو بكر ، فقال فنحاص : ما بنا إلى الله من حاجة ، وإنه ~~إلينا لفقير ولو كان غنيا لما استقرضنا أموالنا كما يزعم صاحبكم ، فغضب أبو ~~بكر ولطم فنحاص وهم بقتله ، فنزلت الآية . وشاع قولهما في اليهود . # وقوله : { لقد سمع الله } تهديد ، وهو يؤذن بأن هذا القول جراءة عظيمة ، ~~وإن كان القصد منها التعريض ببطلان كلام القرآن ، لأنهم أتوا بهاته العبارة ~~بدون محاشاة ، ولأن الاستخفاف بالرسول وقرآنه إثم عظيم وكفر على كفر ، ~~ولذلك قال تعالى : { لقد سمع } المستعمل في ms1777 لازم معناه ، وهو التهديد على ~~كلام فاحش ، إذ قد علم أهل الأديان أن الله يعلم خائنة الأعين PageV04P183 ~~وما تخفي الصدور ، فليس المقصود إعلامهم بأن الله علم ذلك بل لازمه وهو ~~مقتضى قوله : { سنكتب ما قالوا } . والمراد بالكتابة إما كتابته في صحائف ~~آثامهم إذ لا يخطر ببال أحد أن يكتب في صحائف الحسنات ، وهذا بعيد ، لأن ~~وجود علامة الاستقبال يؤذن بأن الكتابة أمر يحصل فيما بعد . فالظاهر أنه ~~أريد من الكتابة عدم الصفح عنه ولا العفو بل سيثبت لهم ويجازون عنه فتكون ~~الكتابة كناية عن المحاسبة . فعلى الأول يكون وعيدا وعلى الثاني يكون ~~تهديدا . # وقرأ الجمهور { سنكتب ما قالوا وقتلهم } بنون العظمة من ( سنكتب ) وبنصب ~~اللام من ( قتلهم ) على أنه مفعول ( نكتب ) و ( نقول ) بنون . وقرأه حمزة : ~~سيكتب بياء الغائب مضمومة وفتح المثناة الفوقية مبنيا للنائب لأن فاعل ~~الكتابة معلوم وهو الله تعالى ، وبرفع اللام من ( قتلهم ) على أنه نائب ~~الفاعل . ( ويقول ) بياء الغائب ، والضمير عائد إلى اسم الجلالة في قوله : ~~{ إن الله } . # وعطف قوله : { وقتلهم الأنبياء بغير حق } زيادة في مذمتهم بذكر مساوي ~~أسلافهم ، لأن الذين قتلوا الأنبياء هم غير الذين قالوا : { إن الله فقير ~~ونحن أغنياء } بل هم من أسلافهم ، فذكر هنا ليدل على أن هذه شنشنة قديمة ~~فيهم ، وهي الاجتراء على الله ورسله ، واتحاد الضمائر مع اختلاف المعاد ~~طريقة عربية في المحامد والمذام التي تناط بالقبائل . قال الحجاج في خطبته ~~بعد يوم دير الجماجم يخاطب أهل العراق : ألستم أصحابي بالأهواز حين أضمرتم ~~الشر واستبطنتم الكفر إلى أن قال : ثم يوم الزاوية وما يوم الزاوية . . إلخ ~~، مع أن فيهم من مات ومن طرأ بعد . # وقوله : { وتقول ذوقوا عذاب الحريق } عطف أثر الكتب على الكتب أي سيجازون ~~عن ذلك بدون صفح ، { ونقول ذوقوا } وهو أمر الله بأن يدخلوا النار . # والذوق حقيقته إدراك الطعوم ، واستعمل هنا مجازا مرسلا في الإحساس ~~بالعذاب فعلاقته الإطلاق ، ونكتته أن الذوق في العرف يستتبع تكرر ذلك ~~الإحساس لأن الذوق يتبعه الأكل ، وبهذا الاعتبار يصح أن يكون ms1778 ( ذوقوا ) ~~استعارة . PageV04P184 # وقد شاع في كلام العرب إطلاق الذوق على الإحساس بالخير أو بالشر ، وورد ~~في القرآن كثيرا . # والإشارة في قوله : { ذلك بما قدمت أيديكم } للعذاب المشاهد يومئذ ، وفيه ~~تهويل للعذاب . والباء للسببية على أن هذا العذاب لعظم هوله مما يتساءل عن ~~سببه . وعطف قوله : { وأن الله ليس بظلام للعبيد } على مجرور الباء ، ليكون ~~لهذا العذاب سببان : ما قدمته أيديهم ، وعدل الله تعالى ، فما قدمت أيديهم ~~أوجب حصول العذاب ، وعدل الله أوجب كون هذا العذاب في مقداره المشاهد من ~~الشدة حتى لا يظنوا أن في شدته إفراطا عليهم في التعذيب . # $ 2 ( 183 ، 184 ) { الذين قالو & # 1764 ا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار ~~قل قد جآءكم رسل من قبلى بالبينات وبالذى قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين ~~* فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جآءوا بالبينات والزبر والكتاب المنير } . ~~) 2 $ # أبدل { الذين قالوا إن الله عهد } من { الذين قالوا إن الله فقير } ( آل ~~عمران : 181 ) لذكر قولة أخرى شنيعة منهم ، وهي كذبهم على الله في أنه عهد ~~إليهم على ألسنة أنبيائهم أن لا يؤمنوا لرسول حتى يأتيهم بقربان ، أي حتى ~~يذبح قربانا فتأكله نار تنزل من السماء ، فتلك علامة القبول ، وقد كان هذا ~~حصل في زمن موسى عليه السلام حين ذبح أول قربان على النحو الذي شرعه الله ~~لبني إسرائيل فخرجت نار من عند الرب فأحرقته . كما في سفر اللاويين . إلا ~~أنه معجزة لا تطرد لسائر الأنبياء كما زعمه اليهود لأن معجزات الرسل تجيء ~~على ما يناسب تصديق الأمة . وفي الحديث : ( ما من الأنبياء نبيء إلا أوتي ~~من الآيات ما مثله آمن عليه البشر ، وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحى الله ~~إلي ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة ) فقال الله تعالى لنبيه : { ~~قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم } . ~~PageV04P185 # وهذا الضرب من الجدل مبني على التسليم ، أي إذا سلمنا ذلك فليس امتناعكم ~~من اتباع الإسلام لأجل انتظار هذه المعجزة ms1779 فإنكم قد كذبتم الرسل الذين ~~جاؤوكم بها وقتلتموهم ، ولا يخفي أن التسليم يأتي على مذهب الخصم إذ لا شك ~~أن بني إسرائيل قتلوا أنبياء منهم بعد أن آمنوا بهم ، مثل زكرياء ويحيى ~~وأشعياء وأرمياء ، فالإيمان بهم أول الأمر يستلزم أنهم جاؤوا بالقربان ~~تأكله النار على قولهم ، وقتلهم آخرا يستلزم أن عدم الثبات على الإيمان ~~بالأنبياء شنشنة قديمة في اليهود وأنهم إنما يتبعون أهواءهم ، فلا عجب أن ~~يأتي خلفهم بمثل ما أتى به سلفهم . # وقوله : { إن كنتم صادقين } ظاهر في أن ما زعموه من العهد لهم بذلك كذب ~~ومعاذير باطلة . # وإنما قال : { وبالذي قلتم } عدل إلى الموصول للاختصار وتسجيلا عليهم في ~~نسبة ذلك لهم ونظيره قوله تعالى : { وقال لأوتين مالا وولدا إلى قوله : ~~ونرثه ما يقول } ( مريم : 77 ، 80 ) أي نرث ماله وولده . # ثم سلى الله نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله : ( فإن كذبوك فقد كذب رسل من ~~قبلك ) والمذكور بعد الفاء دليل الجواب لأنه علته ، والتقدير : فإن كذبوك ~~فلا عجب أو فلا تخزن لأن هذه سنة قديمة في الأمم مع الرسل مثلك ، وليس ذلك ~~لنقص فيما جئت به . والبينات : الدلائل على الصدق ، والزبر جمع زبور وهو ~~فعول بمعنى مفعول مثل رسول ، أي مزبور بمعنى مخطوط . وقد قيل : إنه مأخوذ ~~من زبر إذا زجر أو حبس لأن الكتاب يقصد للحكم . وأريد بالزبر كتب الأنبياء ~~والرسل ، مما يتضمن مواعظ وتذكيرا مثل كتاب داوود والإنجيل . # والمراد بالكتاب المنير : إن كان التعريف للجنس فهو كتب الشرائع مثل ~~التوراة والإنجيل ، وإن كان للعهد فهو التوراة ، ووصفه بالمنير مجاز بمعنى ~~المبين للحق كقوله : { إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور } ( المائدة : 44 ~~) والعطف منظور فيه إلى التوزيع ، فبعض الرسل جاء بالزبر ، وبعضهم بالكتاب ~~المنير ، وكلهم جاء بالبينات . PageV04P186 # وقرأ الجمهور { والزبر } بعطف الزبر بدون إعادة باء الجر . # وقرأه ابن عامر : وبالزبر بإعادة باء الجر بعد واو العطف وكذلك هو مرسوم ~~في المصحف الشامي . # وقرأ الجمهور : والكتاب بدون إعادة باء الجر وقرأه هشام عن ابن عامر ~~وبالكتاب باعادة باء ms1780 الجر وهذا انفرد به هشام ، وقد قيل : إنه كتب كذلك في ~~بعض مصاحف الشام العتيقة ، وليست في المصحف الإمام . ويوشك أن تكون هذه ~~الرواية لهشام عن ابن عامر شاذة في هذه الآية ، وأن المصاحف التي كتبت ~~بإثبات الباء في قوله : { وبالكتاب } ( فاطر : 25 ) كانت مملاة من حفاظ هذه ~~الرواية الشاذة . # # | 2 ( 185 ) { كل نفس ذآئقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن ~~زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحيواة الدنيا إلا متاع الغرور } . ~~) 2 # هذه الآية مرتبطة بأصل الغرض المسوق له الكلام ، وهو تسلية المؤمنين على ~~ما أصابهم يوم أحد ، وتفنيد المنافقين في مزاعمهم أن الناس لو استشاروهم في ~~القتال لأشاروا بما فيه سلامتهم فلا يهلكوا ، فبعد أن بين لهم ما يدفع ~~توهمهم أن الانهزام كان خذلانا من الله وتعجبهم منه كيف يلحق قوما خرجوا ~~لنصر الدين وأن لا سبب للهزيمة بقوله : { إنما استزلهم الشيطان } ( آل ~~عمران : 155 ) ثم بين لهم أن في تلك الرزية فوائد بقول الله تعالى : { ~~لكيلا تحزنوا على ما فاتكم } ( آل عمران : 153 ) وقوله : { وليعلم المؤمنين ~~} ( آل عمران : 166 ) ، ثم أمرهم بالتسليم لله في كل حال فقال : { وما ~~أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله } ( آل عمران : 166 ) وقال : { يا ~~أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم } ( آل عمران : ~~156 ) الآية . وبين لهم أن قتلى المؤمنين الذين حزنوا لهم إنما هم أحياء ، ~~وأن المؤمنين الذين لم يلحقوا بهم لا يضيع الله أجرهم ولا فضل ثباتهم ، ~~وبين لهم أن سلامة الكفار لا ينبغي أن تحزن المؤمنين ولا أن PageV04P187 ~~تسر الكافرين ، وأبطل في خلال ذلك مقال المنافقين بقوله : { قل لو كنتم في ~~بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم } ( آل عمران : 154 ) ~~وبقوله : { الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا } ( آل عمران : 168 ) إلى قوله : { ~~قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين } ( آل عمران : 168 ) ختم ذلك ~~كله بما هو جامع للغرضين في قوله تعالى : { كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون ~~أجوركم يوم القيامة } لأن المصيبة ms1781 والحزن إنما نشآ على موت من استشهد من ~~خيرة المؤمنين ، يعني أن الموت لما كان غاية كل حي فلو لم يموتوا اليوم ~~لماتوا بعد ذلك فلا تأسفوا على موت قتلاكم في سبيل الله ، ولا يفتنكم ~~المنافقون بذلك ، ويكون قوله بعده : { وإنما توفون أجوركم يوم القيامة } ~~قصر قلب لتنزيل المؤمنين فيما أصابهم من الحزن على قتلاهم وعلى هزيمتهم ، ~~منزلة من لا يترقب من عمله إلا منافع الدنيا وهو النصر والغنيمة ، مع أن ~~نهاية الأجر في نعيم الآخرة ، ولذلك قال : { توفون أجوركم } أي تكمل لكم ، ~~وفيه تعريض ، بأنهم قد حصلت لهم أجور عظيمة في الدنيا على تأييدهم للدين : ~~منها النصر يوم بدر ، ومنها كف أيدي المشركين عنهم في أيام مقامهم بمكة إلى ~~أن تمكنوا من الهجرة . # والذوق هنا أطلق على وجدانن الموت ، تقدم بيان استعماله عند قوله آنفا : ~~{ ونقول ذوقوا عذاب الحريق } ( آل عمران : 181 ) وشاع إطلاقه على حصول ~~الموت ، قال تعالى : { لا يذوقون فيها الموت } ( الدخان : 56 ) ويقال ذاق ~~طعم الموت . # والتوفية : إعطاء الشيء وافيا . ويطلقها الفقهاء على مطلق الإعطاء ~~والتسليم ، والأجور جمع الأجر بمعنى الثواب ، ووجه جمعه مراعاة أنواع ~~الأعمال . ويوم القيامة يوم الحشر سمي بذلك لأنه يقوم فيه الناس من خمود ~~الموت إلى نهوض الحياة . # والفاء في قوله : { فمن زحزح } للتفريع على { توفون أجوركم } ، ومعنى : { ~~زحزح } أبعد . وحقيقة فعل زحزح أنها جذب بسرعة ، وهو مضاعف زحه عن المكان ~~إذا جذبه بعجلة . # وإنما جمع بين { زحزح عن النار وأدخل الجنة } ، مع أن في الثاني غنية عن ~~PageV04P188 الأول ، للدلالة على أن دخول الجنة يشتمل على نعمتين عظيمتين : ~~النجاة من النار ، ونعيم الجنة . # ومعنى { فقد فاز } نال مبتغاه من الخير لأن ترتب الفوز على دخول الجنة ~~والزحزحة عن النار معلوم فلا فائدة في ذكر الشرط إلا لهذا . والعرب تعتمد ~~في هذا على القرائن ، فقد يكون الجواب عين الشرط لبيان التحقق ، نحو قول ~~القائل : من عرفني فقد عرفني ، وقد يكون عينه بزيادة قيد نحو قوله تعالى : ~~{ وإذا مروا باللغو مروا كراما } وقد يكون ms1782 على معنى بلوغ أقصى غايات نوع ~~الجواب والشرط كما في هذه الآية وقوله : { ربنا إنك من تدخل النار فقد ~~أخزيته } على أحد وجهين ، وقول العرب : ( من أدرك مرعى الصمان فقد أدرك ) ~~وجميع ما قرر في الجواب يأتي مثله في الصفة ونحوها كقوله : { ربنا هؤلاء ~~الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا } ( القصص : 63 ) . # $ 2 ( 186 ) { لتبلون فى & # 1764 أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين ~~أشركو & # 1764 ا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذالك من عزم الامور } . ) 2 $ # استئناف لإيقاظ المؤمنين إلى ما يعترض أهل الحق وأنصار الرسل من البلوى ، ~~وتنبيه لهم على أنهم إن كانوا ممن توهنهم الهزيمة فليسوا أحرياء بنصر الحق ~~، وأكد الفعل بلام القسم وبنون التوكيد الشديدة لإفادة تحقيق الابتلاء ، إذ ~~نون التوكيد الشديدة أقوى في الدلالة على التوكيد من الخفيفة . # فأصل { لتبلون } لتبلوونن فلما توالى ثلاث نونات ثقل في النطق فحذفت نون ~~الرفع فالتقى ساكنان : واو الرفع ونون التوكيد الشديدة ، فحذفت واو الرفع ~~لأنها ليست أصلا في الكلمة فصار لتبلون . وكذلك القول في تصريف قوله تعالى ~~: { ولتسمعن } وفي توكيده . PageV04P189 # والابتلاء : الاختبار ، ويراد به هنا لازمه وهو المصيبة ، لأن في المصائب ~~اختبارا لمقدار الثبات . والابتلاء في الأموال هو نفقات الجهاد ، وتلاشي ~~أموالهم التي تركوها بمكة . والابتلاء في الأنفس هو القتل والجراح . وجمع ~~مع ذلك سماع المكروه من أهل الكتاب والمشركين في يوم أحد وبعده . # والأذى هو الضر بالقول كقوله تعالى : { لن يضروكم إلا أذى } ( آل عمران : ~~111 ) كما تقدم آنفا ، ولذلك وصفه هنا بالكثير ، أي الخارج عن الحد الذي ~~تحتمله النفوس غالبا ، وكل ذلك مما يفضي إلى الفشل ، فأمرهم الله بالصبر ~~على ذلك حتى يحصل لهم النصر ، وأمرهم بالتقوى أي الدوام على أمور الإيمان ~~والإقبال على بثه وتأييده ، فأما الصبر على الابتلاء في الأموال والأنفس ~~فيشمل الجهاد ، وأما الصبر على الأذى ففي وقتى الحرب والسلم ، فليست الآية ~~مقتضية عدم الإذن بالقتال من حيث إنه أمرهم بالصبر على أذى الكفار حتى تكون ~~منسوخة بآيات السيف ms1783 ، لأن الظاهر أن الآية نزلت بعد وقعة أحد ، وهي بعد ~~الأمر بالقتال . قاله القفال . # وقوله : { فإن ذلك } الإشارة إلى ما تقدم من الصبر والتقوى بتأويل : فإن ~~المذكور . # و ( عزم الأمور ) من إضافة الصفة إلى الموصوف أي الأمور العزم ، ووصف ~~الأمور وهو جمع بعزم وهو مفرد لأن أصل عزم أنه مصدر فيلزم لفظه حالة واحدة ~~، وهو هنا مصدر بمعنى المفعول ، أي من الأمور المعزوم عليها . والعزم إمضاء ~~الرأي وعدم التردد بعد تبيين السداد . قال تعالى : { وشاورهم في الأمر فإذا ~~عزمت فتوكل على الله } ( آل عمران : 159 ) والمراد هنا العزم في الخيرات ، ~~قال تعالى : { فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل } ( الأحقاف : 35 ) وقال ~~: { ولم نجد له عزما } ( طه : 115 ) . # ووقع قوله : { فإن ذلك من عزم الأمور } دليلا على جواب الشرط ، والتقدير ~~: وإن تصبروا وتتقوا تنالوا ثواب أهل العزم فإن ذلك من عزم الأمور . # # | 2 ( 187 ) { وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا ~~تكتمونه فنبذوه ورآء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون } . ) 2 # PageV04P190 # معطوف على قوله : { ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم } ( آل عمران ~~: 186 ) فإن تكذيب الرسول من أكبر الأذى للمسلمين وإن الطعن في كلامه ~~وأحكام شريعته من ذلك كقولهم : { إن الله فقير ونحن أغنياء } ( آل عمران : ~~181 ) . والقول في معنى أخذ الله تقدم في قوله : { وإذ قلنا للملائكة ~~اسجدوا لآدم } ( البقرة : 34 ) ونحوه . # و { الذين أوتوا الكتاب } هم اليهود ، وهذا الميثاق أخذ على سلفهم من عهد ~~رسولهم وأنبيائهم ، وكان فيه ما يدل على عمومه لعلماء أمتهم في سائر ~~أجيالهم إلى أن يجيء رسول . # وجملة { لتبيننه للناس } بيان للميثاق ، فهي حكاية اليمين حين اقترحت ~~عليهم ، ولذلك جاءت بصيغة خطابهم بالمحلوف عليه كما قرأ بذلك الجمهور ، ~~وقرأه ابن كثير ، وأبو عمرو ، وأبو بكر عن عاصم : ليبيننه بياء الغيبة على ~~طريقة الحكاية بالمعنى ، حيث كان المأخوذ عليهم هذا العهد غائبين في وقت ~~الإخبار عنهم . وللعرب في مثل هذه الحكايات وجوه : باعتبار كلام الحاكي ، ~~وكلام المحكي عنه ، فقد ms1784 يكون فيه وجهان كالمحكي بالقول في نحو : أقسم زيد ~~لا يفعل كذا ، وأقسم لا أفعل كذا ، وقد يكون فيه ثلاثة أوجه : كما في قوله ~~تعالى : { قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله } ( النمل : 49 ) قرىء بالنون ~~والتاء الفوقية والياء التحتية لنبيتنه لتبيتنه ليبيتنه ، إذا جعل تقاسموا ~~فعلا ماضيا فإذا جعل أمرا جاز وجهان : في لنبيتنه النون والتاء الفوقية . ~~والقول في تصريف وإعراب { لتبيننه } كالقول في { لتبلون } المتقدم قريبا . # وقد أخذ عليهم الميثاق بأمرين : هما بيان الكتاب أي عدم إجمال معانيه أو ~~تحريف تأويله ، وعدم كتمانه إي إخفاء شيء منه . فقوله : { ولا تكتمونه } ~~عطف على لتبيننه للناس ولم يقرن بنون التوكيد لأنها لا تقارن الفعل المنفي ~~لتنافي مقتضاهما . # وقوله : { فنبذوه } عطف بالفاء الدالة على التعقيب للإشارة إلى مسارعتهم ~~إلى ذلك ، والذين نبذوه هم علماء اليهود في عصورهم الأخيرة القريبة من عهد ~~الرسالة المحمدية ، فالتعقيب الذي بين أخذ الميثاق عليهم وبين نبذهم إياه ~~منظور PageV04P191 فيه إلى مبادرتهم بالنبذ عقب الوقت الذي تحقق فيه أثر ~~أخذ الميثاق ، وهو وقت تأهل كل واحد من علمائهم لتبيين الكتاب وإعلانه فهو ~~إذا أنس من نفسه المقدرة على فهم الكتاب والتصرف في معانيه بادر باتخاذ تلك ~~المقدرة وسيلة لسوء التأويل والتحريف والكتمان . ويجوز أن تكون الفاء ~~مستعملة في لازم التعقيب ، وهو شدة المسارعة لذلك عند اقتضاء الحال إياه ~~والاهتمام به وصرف الفكرة فيه . ويجوز أن يكون التعقيب بحسب الحوادث التي ~~أساؤوا فيها التأويل واشتروا بها الثمن القليل ، لأن الميثاق لما كان عاما ~~كانت كل جزئية مأخوذا عليها الميثاق ، فالجزئية التي لم يعملوا فيها ~~بالميثاق يكون فيها تعقيب ميثاقها بالنبذ والاشتراء . # والنبذ : الطرح والإلقاء ، وهو هنا مستعار لعدم العمل بالعهد تشبيها ~~للعهد بالشيء المنبوذ في عدم الانتفاع به . # ووراء الظهور هنا تمثيل للإضاعة والإهمال ، لأن شأن الشيء المهتم به ~~المتنافس فيه أن يجعل نصب العين ويحرس ويشاهد . قال تعالى : { فإنك بأعيننا ~~} ( الطور : 48 ) . وشأن الشيء المرغوب عنه أن يستدبر ولا يلتفت إليه ، وفي ~~هذا التمثيل ترشيح لاستعارة النبذ لإخلاف العهد ms1785 . # والضميران : المنصوب والمجرور ، يجوز عودهما إلى الميثاق أي استخفوا بعهد ~~الله وعوضوه بثمن قليل ، وذلك يتضمن أنهم أهملوا ما واثقوا عليه من تبيين ~~الكتاب وعدم كتمانه ، ويجوز عودهما إلى الكتاب أي أهملوا الكتاب ولم يعتنوا ~~به ، والمراد إهمال أحكامه وتعويض إقامتها بنفع قليل ، وذلك يدل على نوعي ~~الإهمال ، وهما إهمال آياته وإهمال معانيه . # والاشتراء هنا مجاز في المبادلة والثمن القليل ، وهو ما يأخذونه من الرشى ~~والجوائز من أهل الأهواء والظلم من الرؤساء والعامة على تأييد المظالم ~~والمفاسد بالتأويلات الباطلة ، وتأويل كل حكم فيه ضرب على أيدي الجبابرة ~~والظلمة بما يطلق أيديهم في ظلم الرعية من ضروب التأويلات الباطلة ، ~~وتحذيرات الذين يصدعون بتغيير المنكر . وهذه الآية وإن كانت في أهل ~~PageV04P192 الكتاب إلا أن حكمها يشمل من يرتكب مثل صنيعهم من المسلمين ~~لاتحاد جنس الحكم والعلة فيه . # # | 2 ( 188 ) { لا تحسبن الذين يفرحون بمآ أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم ~~يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم } . ) 2 # تكملة لأحوال أهل الكتاب المتحدث عنهم ببيان حالة خلقهم بعد أن بين ~~اختلال أمانتهم في تبليغ الدين ، وهذا ضرب آخر جاء به فريق آخر من أهل ~~الكتاب فلذلك عبر عنهم بالموصول للتوصل إلى ذكر صلته العجيبة من حال من ~~يفعل الشر والخسة ثم لا يقف عند حد الانكسار لما فعل أو تطلب الستر على ~~شنعته ، بل يرتقي فيترقب ثناء الناس على سوء صنعه ، ويتطلب المحمدة عليه . ~~وقيل : نزلت في المنافقين ، والخطاب لكل من يصلح له الخطاب ، والموصول هنا ~~بمعنى المعرف بلام العهد لأن أريد به قوم معينون من اليهود أو المنافقين ، ~~فمعنى { يفرحون بما أتوا } أنهم يفرحون بما فعلوا مما تقدم ذكره ، وهو نبذ ~~الكتاب والاشتراء به ثمنا قليلا وإنما فرحهم بما نالوا بفعلهم من نفع في ~~الدنيا . # ومعنى : { يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا } أنهم يحبون الثناء عليهم ~~بأنهم حفظة الشريعة وحراسها والعالمون بتأويلها ، وذلك خلاف الواقع . هذا ~~ظاهر معنى الآية . وهو قول مجاهد . وعن ابن عباس أنهم أتوا إضلال أتباعهم ms1786 ~~عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وأحبوا الحمد بأنهم علماء بكتب الدين ~~. # وفي ( البخاري ) ، عن أبي سعيد الخدري : أنها نزلت في المنافقين ، كانوا ~~يتخلفون عن الغزو ويعتذرون بالمعاذير ، فيقبل منهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم ويحبون أن يحمدوا بأن لهم نية المجاهدين ، وليس الموصول بمعنى لام ~~الاستغراق . وفي ( البخاري ) : أن مروان بن الحكم قال لبوابه : ( اذهب يا ~~رافع إلى ابن عباس PageV04P193 فقل : لئن كان كل امرىء فرح بما أتى وأحب أن ~~يحمد بما لم يفعل معذبا لنعذبن أجمعون ) قال ابن عباس : ( وما لكم ولهذه ~~إنما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يهود ، فسألهم عن شيء فأخبروه بغيره ~~فأروه أنهم قد استحمدوا إليه بما أخبروه وفرحوا بما أتوا من كتمانهم ) ثم ~~قرأ ابن عباس : { وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب } ( آل عمران : ~~187 ) حتى قوله : { لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا } ( آل عمران : 188 ) ~~الآية . # والمفازة : مكان الفوز . وهو المكان الذي من يحله يفوز بالسلامة من العدو ~~سميت البيداء الواسعة مفازة لأن المنقطع فيها يفوز بنفسه من أعدائه وطلبة ~~الوتر عنده وكانوا يتطلبون الإقامة فيها . قال النابغة : # أو أضع البيت في صماء مظلمة # تقيد العير لا يسري بها الساري # تدافع الناس عنا حين نركبها # من المظالم تدعى أم صبار # ولما كانت المفازة مجملة بالنسبة للفوز الحاصل فيها بين ذلك بقوله : { من ~~العذاب } . وحرف ( من ) معناه البدلية ، مثل قوله تعالى : { لا يسمن ولا ~~يغني من جوع } ( الغاشية : 7 ) ، أو بمعنى ( عن ) بتضمين مفازة معنى منجاة ~~. # وقرأ نافع ، وابن كثير ، وابن عامر ، وأبو عمور ، وأبو جعفر : لا يحسبن ~~الذين يفرحون بالياء التحتية على الغيبة ، وقرأه الباقون بتاء الخطاب . # وأما سين ( تحسبن ) فقرأها بالكسر نافع ، وابن كثير ، وأبو عمرو ، ~~والكسائي ، وأبو جعفر ، ويعقوب . وقرأها بالفتح الباقون . # وقد جاء تركيب الآية على نظم بديع إذ حذف المفعول الثاني لفعل الحسبان ~~الأول لدلالة ما يدل عليه وهو مفعول { فلا تحسبنهم } ، والتقدير : لا يحسبن ~~الذين يفرحون إلخ أنفسهم . وأعيد فعل الحسبان في قوله : { فلا ms1787 تحسبنهم } ( ~~آل عمران : 188 ) مسندا إلى المخاطب على طريقة الاعتراض بالفاء وأتي بعده ~~بالمفعول الثاني : وهو { بمفازة من العذاب } ( آل عمران : 188 ) فتنازعه ~~كلا الفعلين . وعلى قراءة الجمهور : { لا تحسبن PageV04P194 الذين يفرحون } ~~( آل عمران : 188 ) بتاء الخطاب يكون خطابا لغير معين ليعم كل مخاطب ، ~~ويكون قوله : { فلا تحسبنهم } اعتراضا بالفاء أيضا والخطاب للنبيء صلى الله ~~عليه وسلم مع ما في حذف المفعول الثاني لفعل الحسبان الأول ، وهو محل ~~الفائدة ، من تشويق السامع إلى سماع المنهي عن حسبانه . وقرأ الجمهور فلا ~~تحسبنهم : بفتح الباء الموحدة على أن الفعل لخطاب الواحد ؛ وقرأه ابن كثير ~~، وأبو عمرو ، ويعقوب بضم الباء الموحدة على أنه لخطاب الجمع ، وحيث إنهما ~~قرءا أوله بياء الغيبة فضم الباء يجعل فاعل ( يحسبن ) ومفعوله متحدين أي لا ~~يحسبون أنفسهم ، واتحاد الفاعل والمفعول للفعل الواحد من خصائص أفعال الظن ~~كما هنا وألحقت بها أفعال قليلة ، وهي : ( وجد ) و ( عدم ) و ( فقد ) . # وأما سين ( تحسبنهم ) فالقراءات مماثلة لما في سين { يحسبن } . # # | 2 ( 189 ) { ولله ملك السماوات والارض والله على كل شىء قدير } . ) 2 # تذييل بوعيد يدل على أن الله لا يخفى عليه ما يكتمون من خلائقهم . # # | 2 ( 190 194 ) { لله إن فى خلق السماوات والارض واختلاف اليل والنهار ~~لايات لاولى الالباب * الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ~~ويتفكرون فى خلق السماوات والارض ربنآ ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب ~~النار * ربنآ إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار * ربنآ ~~إننآ سمعنا مناديا ينادى للإيمان أن ءامنوا بربكم فئامنا ربنا فاغفر لنا ~~ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الابرار * ربنا وءاتنا ما وعدتنا على ~~رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد } . ) 2 # PageV04P195 # هذا غرض أنف بالنسبة لما تتابع من أغراض السورة ، انتقل به من المقدمات ~~والمقصد والمتخللات بالمناسبات ، إلى غرض جديد هو الاعتبار بخلق العوالم ~~وأعراضها والتنويه بالذين يعتبرون بما فيها من آيات . # ومثل هذا الانتقال يكون إيذانا بانتهاء الكلام على أغراض السورة ، على ~~تفننها ، فقد ms1788 كان التنقل فيها من الغرض إلى مشاكله وقد وقع الانتقال الآن ~~إلى غرض عام : وهو الاعتبار بخلق السماوات والأرض وحال المؤمنين في الاتعاظ ~~بذلك ، وهذا النحو في الانتقال يعرض للخطيب ونحوه من أغراضه عقب إيفائها ~~حقها إلى غرض آخر إيذانا بأنه أشرف على الانتهاء ، وشأن القرآن أن يختم ~~بالموعظة لأنها أهم أغراض الرسالة ، كما وقع في ختام سورة البقرة . # وحرف ( إن ) للاهتمام بالخبر . # والمراد ب { خلق السماوات والأرض } هنا : إما آثار خلقها ، وهو النظام ~~الذي جعل فيها ، وإما أن يراد بالخلق المخلوقات كقوله تعالى : { هذا خلق ~~الله } ( لقمان : 11 ) . و { أولو الألباب } أهل العقول الكاملة لأن لب ~~الشيء هو خلاصته . وقد قدمنا في سورة البقرة بيان ما في خلق السماوات ~~والأرض واختلاف الليل والنهار من الآيات عند قوله تعالى : { إن في خلق ~~السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك } ( البقرة : 164 ) إلخ . # و { يذكرون الله } إما من الذكر اللساني وإما من الذكر القلبي وهو التفكر ~~، وأراد بقوله : { قياما وقعودا وعلى جنوبهم } عموم الأحوال كقولهم : ضربه ~~الظهر والبطن ، وقولهم : اشتهر كذا عند أهل الشرق والغرب ، على أن هذه ~~الأحوال هي متعارف أحوال البشر في السلامة ، أي أحوال الشغل والراحة وقصد ~~النوم . وقيل : أراد أحوال المصلين : من قادر ، وعاجز ، وشديد العجز . ~~وسياق الآية بعيد عن هذا المعنى . # وقوله : { ويتفكرون في خلق السماوات والأرض } عطف مرادف إن كان المراد ~~بالذكر فيما سبق التفكر ، وإعادته لأجل اختلاف المتفكر فيه ، أو هو عطف ~~مغاير إذا كان المراد من قوله : { يذكرون } ذكر اللسان . والتفكر عبادة ~~عظيمة . روى ابن القاسم عن مالك رحمه الله في جامع العتبية قال : قيل لأم ~~الدرداء : ما كان PageV04P196 شأن أبي الدرداء ؟ قالت : كان أكثر شأنه ~~التفكر ، قيل له : أترى التفكر عملا من الأعمال ؟ قال : نعم ، هو اليقين . # { والخلق } بمعنى كيفية أثر الخلق ، أو المخلوقات التي في السماء والأرض ~~، فالإضافة إما على معنى اللام ، وإما على معنى ( في ) . # وقوله : { ربنا ما خلقت هذا باطلا } وما بعده جملة واقعة موقع الحال على ~~تقدير قول : أي ms1789 يتفكرون قائلين : ربنا إلخ لأن هذا الكلام أريد به حكاية ~~قولهم بدليل ما بعده من الدعاء . # فإن قلت : كيف تواطأ الجمع من أولي الألباب على قول هذا التنزيه والدعاء ~~عند التفكر مع اختلاف تفكيرهم وتأثرهم ومقاصدهم . قلت : يحتمل أنهم تلقوه ~~من رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانوا يلازمونه عند التفكر وعقبه ، ~~ويحتمل أن الله ألهمهم إياه فصار هجيراهم مثل قوله تعالى : { وقالوا سمعنا ~~وأطعنا غفرانك ربنا } ( البقرة : 285 ) الآيات . ويدل لذلك حديث ابن عباس ~~في ( الصحيح ) قال : ( بت عند خالتي ميمونة فقام رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فمسح النوم عن وجهه ثم قرأ العشر الآيات من سورة آل عمران ) إلى آخر ~~الحديث . # ويجوز عندي أن يكون قوله : { ربنا ما خلقت هذا باطلا } حكاية لتفكرهم في ~~نفوسهم ، فهو كلام النفس يشترك فيه جميع المتفكرين لاستوائهم في صحة التفكر ~~لأنه تنقل من معنى إلى متفرع عنه ، وقد استوى أولو الألباب المتحدث عنهم ~~هنا في إدراك هذه المعاني ، فأول التفكر أنتج لهم أن المخلوقات لم تخلق ~~باطلا ، ثم تفرع عنه تنزيه الله وسؤاله أن يقيهم عذاب النار ، لأنهم رأوا ~~في المخلوقات طائعا وعاصيا ، فعلموا أن وراء هذا العالم ثوابا وعقابا ، ~~فاستعاذوا أن يكونوا ممن حقت عليه كلمة العذاب . وتوسلوا إلى ذلك بأنهم ~~بذلوا غاية مقدورهم في طلب النجاة إذ استجابوا لمنادي الإيمان وهو الرسول ~~عليه الصلاة والسلام ، وسألوا غفران الذنوب ، وتكفير السيئات ، والموت على ~~البر إلى آخره . . . فلا يكاد أحد من أولي الألباب يخلو من هذه التفكرات ~~وربما زاد عليها ، ولما نزلت هذه الآية وشاعت بينهم ، اهتدى لهذا التفكير ~~من لم يكن انتبه له من قبل فصار شائعا بين المسلمين بمعانيه وألفاظه . ~~PageV04P197 # ومعنى { ما خلقت هذا باطلا } أي خلقا باطلا ، أو ما خلقت هذا في حال أنه ~~باطل ، فهي حال لازمة الذكر في النفي وإن كانت فضلة في الإثبات ، كقوله : { ~~وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين } ( الدخان : 38 ) فالمقصود ~~نفي عقائد من يفضي اعتقادهم إلى أن هذا الخلق باطل أو ms1790 خلي عن الحكمة ، ~~والعرب تبني صيغة النفي على اعتبار سبق الإثبات كثيرا . # وجيء بفاء التعقيب في حكاية قولهم : { فقنا عذاب النار } لأنه ترتب على ~~العلم بأن هذا الخلق حق ، ومن جملة الحق أن لا يستوي الصالح والطالح ، ~~والمطيع والعاصي ، فعلموا أن لكل مستقرا مناسبا فسألوا أن يكونوا من أهل ~~الخير المجنبين عذاب النار . # وقولهم : { ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته } مسوق مساق التعليل لسؤال ~~الوقاية من النار ، كما توذن به ( إن ) المستعملة لإرادة الاهتمام إذ لا ~~مقام للتأكيد هنا . والخزي مصدر خزي يخزى بمعنى ذل وهان بمرأى من الناس ، ~~وأخزاه أذله على رؤوس الأشهاد ، ووجه تعليل طلب الوقاية من النار بأن ~~دخولها خزي بعد الإشارة إلى موجب ذلك الطلب بقولهم : { عذاب النار } أن ~~النار مع ما فيها من العذاب الأليم فيها قهر للمعذب وإهانة علنية ، وذلك ~~معنى مستقر في نفوس الناس ، ومنه قول إبراهيم عليه السلام : { ولا تخزني ~~يوم يبعثون } ( بالشعراء : 87 ) وذلك لظهور وجه الربط بين الشرط والجزاء ، ~~أي من يدخل النار فقد أخزيته . والخزي لا تطيقه الأنفس ، فلا حاجة إلى ~~تأويل تأولوه على معنى فقد أخزيته خزيا عظيما . ونظره صاحب ( الكشاف ) بقول ~~رعاة العرب : ( من أدرك مرعى الصمان فقد أدرك ) أي فقد أدرك مرعى مخصبا ~~لئلا يكون معنى الجزاء ضروري الحصول من الشرط فلا تظهر فائدة للتعليق ~~بالشرط ، لأنه يخلي الكلام عن الفائدة حينئذ . وقد تقدم شيء من هذا عند ~~قوله تعالى : { فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز } ( آل عمران : 185 ~~) . # ولأجل هذا أعقبوه بما في الطباع التفادي به عن الخزي والمذلة بالهرع إلى ~~أحلافهم وأنصارهم ، فعلموا أن لا نصير في الآخرة للظالم فزادوا بذلك ~~PageV04P198 تأكيدا للحرص على الاستعاذة من عذاب النار إذ قالوا : { وما ~~للظالمين من أنصار } أي لأهل النار من أنصار تدفع عنهم الخزي . # وقوله تعالى : { ربنا إننا سمعنا مناديا } أرادوا به النبي محمدا صلى ~~الله عليه وسلم والمنادي ، الذي يرفع صوته بالكلام . والنداء : رفع الصوت ~~بالكلام رفعا قويا لأجل الإسماع وهو مشتق ms1791 من النداء بكسر النون وبضمها وهو ~~الصوت المرتفع . يقال : هو أندى صوتا أي أرفع ، فأصل النداء الجهر بالصوت ~~والصياح به ، ومنه سمي دعاء الشخص شخصا ليقبل إليه نداء ، لأن من شأنه أن ~~يرفع الصوت به ؛ ولذلك جعلوا له حروفا ممدودة مثل ( يا ) و ( آ ) و ( أيا ) ~~و ( هيا ) . ومنه سمي الأذان نداء ، وأطلق هنا على المبالغة في الإسماع ~~والدعوة وإن لم يكن في ذلك رفع صوت ، ويطلق النداء على طلب الإقبال بالذات ~~أو بالفهم بحروف معلومة كقوله تعالى : { وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت ~~الرؤيا } ( فصلت : 104 ، 105 ) ويجوز أن يكون هو المراد هنا لأن النبي يدعو ~~الناس بنحو : يأيها الناس ويا بني فلان ويا أمة محمد ونحو ذلك ، وسيأتي ~~تفسير معاني النداء عند قوله تعالى : { ونودوا أن تلكم الجنة في سورة ~~الأعراف ( 43 ) . واللام لام العلة ، أي لأجل الإيمان بالله . # و ( أن ) في أن آمنوا } تفسيرية لما في فعل ( ينادي ) من معنى القول دون ~~حروفه . # وجاءوا بفاء التعقيب في ( فآمنا ) : للدلالة على المبادرة والسبق إلى ~~الإيمان ، وذلك دليل سلامة فطرتهم من الخطأ والمكابرة ، وقد توسموا أن تكون ~~مبادرتهم لإجابة دعوة الإسلام مشكورة عند الله تعالى ، فلذلك فرعوا عليه ~~قولهم : { فاغفر لنا ذنوبنا } لأنهم لما بذلوا كل ما في وسعهم من اتباع ~~الدين كانوا حقيقين بترجي المغفرة . # والغفر والتكفير متقاربان في المادة المشتقين منها إلا أنه شاع الغفر ~~والغفران في العفو عن الذنب والتكفير في تعويض الذنب بعوض ، فكأن العوض كفر ~~الذنب أي ستره ، ومنه سميت كفارة الإفطار في رمضان . وكفارة الحنث في ~~اليمين إلا أنهم أرادوا بالذنوب ما كان قاصرا على ذواتهم ، ولذلك طلبوا ~~مغفرته ، PageV04P199 وأرادوا من السيئات ما كان فيه حق الناس ، فلذلك ~~سألوا تكفيرها عنهم . وقيل هو مجرد تأكيد ، وهو حسن ، وقيل أرادوا من ~~الذنوب الكبائر ومن السيئات الصغائر لأن اجتناب الكبائر يكفر الصغائر ، ~~بناء على أن الذنب أدل على الإثم من السيئة . # وسألوا الوفاة مع الأبرار ، أي أن يموتوا على حالة البر ، بأن يلازمهم ~~البر إلى ms1792 الممات وأن لا يرتدوا على أدبارهم ، فإذا ماتوا كذلك ماتوا من ~~جملة الأبرار . فالمعية هنا معية اعتبارية ، وهي المشاركة في الحالة ~~الكاملة ، والمعية مع الأبرار أبلغ في الاتصاف بالدلالة ، لأنه بر يرجى ~~دوامه وتزايده لكون صاحبه ضمن جمع يزيدونه إقبالا على البر بلسان المقال ~~ولسان الحال . # ولما سألوا أسباب المثوبة في الدنيا والآخرة ترقوا في السؤال إلى طلب ~~تحقيق المثوبة ، فقالوا : { وآتنا ما وعدتنا على رسلك } . # وتحتمل كلمة ( على ) أن تكون لتعدية فعل الوعد ، ومعناها التعليل فيكون ~~الرسل هم الموعود عليهم ، ومعنى الوعد على الرسل أنه وعد على تصديقهم فتعين ~~تقدير مضاف ، وتحتمل أن تكون ( على ) ظرفا مستقرا ، أي وعدا كائنا على رسلك ~~أي ، منزلا عليهم ، ومتعلق الجار في مثله كون غير عام بل هو كون خاص ، ولا ~~ضير في ذلك إذا قامت القرينة ، ومعنى ( على ) حينئذ الاستعلاء المجازي ، أو ~~تجعل ( على ) ظرفا مستقرا حالا { مما وعدتنا } أيضا ، بتقدير كون عام لكن ~~مع تقدير مضاف إلى رسلك ، أي على ألسنة رسلك . # والموعود على ألسنة الرسل أو على التصديق بهم الأظهر أنه ثواب الآخرة ~~وثواب الدنيا : لقوله تعالى : { فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة ~~} ( آل عمران : 148 ) وقوله : { وعد الله الذين ءامنوا منكم وعملوا ~~الصالحات ليستخلفنهم في الأرض } ( النور : 55 ) الآية ، وقوله : { ولقد ~~كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون } ( الأنبياء ~~: 105 ) . والمراد بالرسل في قوله : { على رسلك } خصوص محمد صلى الله عليه ~~وسلم أطلق عليه وصف ( رسل ) تعظيما لقوله تعالى : { فلا تحسبن الله مخلف ~~وعده رسله } ( إبراهيم : 47 ) . ومنه قوله تعالى : { وقوم نوح لما كذبوا ~~الرسل أغرقناهم } ( الفرقان : 37 ) . PageV04P200 # فإن قلت : إذا كانوا عالمين بأن الله وعدهم ذلك وبأنه لا يخلف الميعاد ~~فما فائدة سؤالهم ذلك في دعائهم ؟ قلت : له وجوه : أحدها : أنهم سألوا ذلك ~~ليكون حصوله أمارة على حصول قبول الأعمال التي وعد الله عليها بما سألوه ~~فقد يظنون أنفسهم آتين بما يبلغهم تلك المرتبة ويخشون لعلهم قد خلطوا ~~أعمالهم الصالحة بما يبطلها ، ولعل ms1793 هذا هو السبب في مجيء الواو في قولهم : ~~{ وآتنا ما وعدتنا } دون الفاء إذ جعلوه دعوة مستقلة لتتحقق ويتحقق سببها ، ~~ولم يجعلوها نتيجة فعل مقطوع بحصوله . ويدل لصحة هذا التأويل قوله بعد : { ~~فاستجاب لهم ربهم أنى لا أضيع عمل عامل منكم } ( آل عمران : 195 ) مع أنهم ~~لم يطلبوا هنا عدم إضاعة أعمالهم . # الثاني : قال في ( الكشاف ) : أرادوا طلب التوفيق إلى أسباب ما وعدهم ~~الله على رسله . فالكلام مستعمل كناية عن سبب ذلك من التوفيق للأعمال ~~الموعود عليها . # الثالث : قال فيه ما حاصله : أن يكون هذا من باب الأدب مع الله حتى لا ~~يظهروا بمظهر المستحق لتحصيل الموعود به تذللا ، أي كسؤال الرسل عليهم ~~السلام المغفرة وقد علموا أن الله غفر لهم . # الرابع : أجاب القرافي في الفرق ( 273 ) بأنهم سألوا ذلك لأن حصوله مشروط ~~بالوفاة على الإيمان ، وقد يؤيد هذا بأنهم قدموا قبله قولهم : { وتوقنا مع ~~الأبرار } لكن هذا الجواب يقتضي قصر الموعود به على ثواب الآخرة ، وأعادوا ~~سؤال النجاة من خزي يوم القيامة لشدته عليهم . # الخامس : أن الموعود الذي سألوه هو النصر على العدو خاصة ، فالدعاء ~~بقولهم : { وآتنا ما وعدتنا على رسلك } مقصود منه تعجيل ذلك لهم ، يعني أن ~~الوعد كان لمجموع الأمة ، فكل واحد إذا دعا بهذا فإنما يعني أن يجعله الله ~~ممن يرى مصداق وعد الله تعالى خشية أن يفوتهم . وهذا كقول خباب بن الأرت : ~~هاجرنا مع النبي نلتمس وجه الله فوقع أجرنا على الله فمنا من أينعت له ~~ثمرته فهو يهدبها ، ومنا من مات لم يأكل من أجره شيئا ، منهم مصعب بن عمير ~~، قتل يوم أحد ، فلم نجد له ما نكفنه إلا بردة ) إلخ . PageV04P201 # وقد ابتدأوا دعاءهم وخللوه بندائه تعالى : خمس مرات إظهار للحاجة إلى ~~إقبال الله عليهم . وعن جعفر بن محمد رضي الله عنه ( من حزبه أمر فقال : يا ~~رب خمس مرات أنجاه الله مما يخاف وأعطاه ما أراد ) ، واقرأوا : { الذين ~~يذكرون الله قياما وقعودا } إلى قوله : { إنك لا تخلف الميعاد } . # # | 2 ( 195 ) { فاستجاب لهم ربهم ms1794 أنى لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو ~~أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا فى سبيلى ~~وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولادخلنهم جنات تجرى من تحتها الانهار ~~ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب } . ) 2 # دلت الفاء على سرعة الإجابة بحصول المطلوب ، ودلت على أن مناجاة العبد ~~ربه بقلبه ضرب من ضروب الدعاء قابل للإجابة . # و ( استجاب ) بمعنى أجاب عند جمهور أيمة اللغة ، فالسين والتاء للتأكيد ، ~~مثل : استوقد واستخلص . وعن الفراء ، وعلي بن عيسى الربعي : أن استجاب أخص ~~من أجاب لأن استجاب يقال لمن قبل ما دعي إليه ، وأجاب أعم ، فيقال لمن أجاب ~~بالقبول وبالرد . وقال الراغب : الاستجابة هي التحري للجواب والتهيؤ له ، ~~لكن عبر به عن الإجابة لقلة انفكاكها منها . ويقال : استجاب له واستجابه ، ~~فعدي في الآية باللام ، كما قالوا : حمد له وشكر له ، ويعدي بنفسه أيضا ~~مثلهما . قال كعب بن سعد الغنوي ، يرثي قريبا له : # وداع دعا يا من يجيب إلى الندا # فلم يستجبه عند ذاك مجيب # وتعبيرهم في دعائهم بوصف { ربنا } دون اسم الجلالة لما في وصف الربوبية ~~من الدلالة على الشفقة بالمربوب ، ومحبة الخير له ، ومن الاعتراف بأنهم ~~عبيده ولتتأتى الإضافة المفيدة التشريف والقرب ، ولرد حسن دعائهم بمثله ~~بقولهم : ( ربنا ، ربنا ) . PageV04P202 # ومعنى نفي إضاعة عملهم نفي إلغاء الجزاء عنه : جعله كالضائع غير الحاصل ~~في يد صاحبه . # فنفي إضاعة العمل وعد بالاعتداد بعملهم وحسبانه لهم ، فقد تضمنت ~~الاستجابة تحقيق عدم إضاعة العمل تطمينا لقلوبهم من وجل عدم القبول ، وفي ~~هذا دليل على أنهم أرادوا من قولهم : { وآتنا ما وعدتنا على رسلك } ( آل ~~عمران : 194 ) تحقيق قبول أعمالهم والاستعاذة من الحبط . # وقوله : { من ذكر أو أنثى } بيان لعاملل ووجه الحاجة إلى هذا البيان هنا ~~أن الأعمال التي أتوا بها أكبرها الإيمان ، ثم الهجرة ، ثم الجهاد ، ولما ~~كان الجهاد أكثر تكررا خيف أن يتوهم أن النساء لا حظ لهن في تحقيق الوعد ~~الذي وعد الله على ألسنة رسله ، فدفع هذا بأن للنساء حظهن ms1795 في ذلك فهن في ~~الإيمان والهجرة يساوين الرجال ، وهن لهن حظهن في ثواب الجهاد لأنهن يقمن ~~على المرضى ويداوين الكلمى ، ويسقين الجيش ، وذلك عمل عظيم به استبقاء نفوس ~~المسلمين ، فهو لا يقصر عن القتال الذي به إتلاف نفوس عدو المؤمنين . # وقوله : { بعضكم من بعض } ( من ) فيه اتصالية أي بعض المستجاب لهم متصل ~~ببعض ، وهي كلمة تقولها العرب بمعنى أن شأنهم واحد وأمرهم سواء . قال تعالى ~~: { المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر } ( التوبة : 67 ) ~~إلخ . . . وقولهم : هو مني وأنا منه ، وفي عكسه يقولون كما قال النابغة : # فإني لست منك ولست مني # وقد حملها جمهور المفسرين على معنى أن نساءكم ورجالكم يجمعهم أصل واحد ، ~~وعلى هذا فموقع هذه الجملة موقع التعليل للتعميم في قوله : { من ذكر أو ~~أنثى } أي لأن شأنكم واحد ، وكل قائم بما لو لم يقم به لضاعت مصلحة الآخر ، ~~فلا جرم أن كانوا سواء في تحقيق وعد الله إياهم ، وإن اختلفت أعمالهم وهذا ~~كقوله تعالى : { للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن } ( ~~النساء : 32 ) . PageV04P203 # والأظهر عندي أن ليس هذا تعليلا لمضمون قوله : { من ذكر أو أنثى } بل هو ~~بيان للتساوي في الأخبار المتعلقة بضمائر المخاطبين أي أنتم في عنايتي ~~بأعمالكم سواء ، وهو قضاء لحق ما لهم من الأعمال الصالحة المتساوين فيها ، ~~ليكون تمهيدا لبساط تمييز المهاجرين بفضل الهجرة الآتي في قوله : { فالذين ~~هاجروا } ، الآيات . # وقوله : { فالذين هاجروا } تفريع عن قوله : { لا أضيع عمل عامل } وهو من ~~ذكر الخاص بعد العام للاهتمام بذلك الخاص ، واشتمل على بيان ما تفاضلوا فيه ~~من العمل ، وهو الهجرة التي فاز بها المهاجرون . # والمهاجرة : هي ترك الموطن بقصد استيطان غيره ، والمفاعلة فيها للتقوية ~~كأنه هجر قومه وهجروه لأنهم لم يحرصوا على بقائه ، وهذا أصل المهاجرة أن ~~تكون لمنافرة ونحوها ، وهي تصدق بهجرة الذين هاجروا إلى بلاد الحبشة وبهجرة ~~الذين هاجروا إلى المدينة . # وعطف قوله : { وأخرجوا من ديارهم } على { هاجروا } لتحقيق معنى المفاعلة ~~في هاجر أي هاجروا مهاجرة لزهم إليها قومهم ، سواء كان الإخراج ms1796 بصريح القول ~~أم بالإلجاء ، من جهة سوء المعاملة ، ولقد هاجر المسلمون الهجرة الأولى إلى ~~الحبشة لما لاقوه من سوء معاملة المشركين ، ثم هاجر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم هجرته إلى المدينة والتحق به المسلمون كلهم ، لما لاقوه من أذى ~~المشركين . ولا يوجد ما يدل على أن المشركين أخرجوا المسلمين ، وكيف ~~واختفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم عند خروجه إلى المدينة يدل على حرص ~~المشركين على صده عن الخروج ، ويدل لذلك أيضا قول كعب : # في فتية من قريشش قال قائلهم # ببطن مكة لما أسلموا زولوا # أي قال قائل من المسلمين اخرجوا من مكة ، وعليه فكل ما ورد مما فيه أنهم ~~أخرجوا من ديارهم بغير حق فتأويله أنه الإلجاء إلى الخروج ، ومنه قول ورقة ~~ابن نوفل : ( يا ليتني أكون معك إذ يخرجك قومك ) ، وقول النبي صلى الله ~~عليه وسلم له : ( أو مخرجي هم ؟ فقال : ما جاء نبيء بمثلل ما جئت ~~PageV04P204 به إلا عودي ) . وقوله : { وأوذوا في سبيلي } أي أصابهم الأذى ~~وهو مكروه قليل من قول أو فعل . وفهم منه أن من أصابهم الضر أولى بالثواب ~~وأوفى . وهذه حالة تصدق بالذين أوذوا قبل الهجرة وبعدها . # وقوله : { وقاتلوا وقتلوا } جمع بينهما للإشارة إلى أن للقسمين ثوابا . ~~وقرأ الجمهور : وقاتلوا وقتلوا . وقرأ حمزة ، والكسائي ، وخلف : وقتلوا ~~وقاتلوا عكس قراءة الجمهور ومآل القراءتين واحد ، وهذه حالة تصدق على ~~المهاجرين والأنصار من الذين جاهدوا فاستشهدوا أو بقوا . وقوله : { لأكفرن ~~عنهم سيئاتهم } إلخ مؤكد بلام القسم . وتكفير السيئات تقدم آنفا . # # | 2 ( 196 198 ) { لا يغرنك تقلب الذين كفروا فى البلاد * متاع قليل ثم ~~مأواهم جهنم وبئس المهاد * لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجرى من تحتها ~~الانهار خالدين فيها نزلا من عند الله وما عند الله خير للأبرار } . ) 2 # اعتراض في أثناء هذه الخاتمة ، نشأ عن قوله : { فاستجاب لهم ربهم أنى لا ~~أضيع عمل عامل منكم } ( آل عمران : 195 ) باعتبار ما يتضمنه عدم إضاعة ~~العمل من الجزاء عليه جزاء كاملا في الدنيا والآخرة ، وما يستلزمه ذلك ms1797 من ~~حرمان الذين لم يستجيبوا لداعي الإيمان وهم المشركون ، وهم المراد بالذين ~~كفروا كما هو مصطلح القراء . # والخطاب لغير معين ممن يتوهم أن يغره حسن حال المشركين في الدنيا . # والغر والغرور : الإطماع في أمر محبوب على نية عدم وقوعه ، أو إظهار ~~الأمر المضر في صورة النافع ، وهو مشتق من الغرة بكسر الغين وهي الغفلة ، ~~ورجل غر بكسر الغين إذا كان ينخدع لمن خادعه . وفي الحديث : ( المؤمن غر ~~كريم ) أي يظن الخير بأهل الشر إذا أظهروا له الخير . PageV04P205 # وهو هنا مستعار لظهور الشيء في مظهر محبوب ، وهو في العاقبة مكروه . # وأسند فعل الغرور إلى التقلب لأن التقلب سببه ، فهو مجاز عقلي ، والمعنى ~~لا ينبغي أن يغرك . ونظيره : ( لا يفتننكم الشيطان ) . و ( لا ) ناهية لأن ~~نون التوكيد لا تجيء مع النفي . # وقرأ الجمهور : لا يغرنك بتشديد الراء وتشديد النون وهي نون التوكيد ~~الثقيلة ؛ وقرأها رويس عن يعقوب بنون ساكنة ، وهي نون التوكيد الخفيفة . # والتقلب : تصرف على حسب المشيئة في الحروب والتجارات والغرس ونحو ذلك ، ~~قال تعالى : { ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في ~~البلاد } ( غافر : 4 ) . # والبلاد : الأرض . والمتاع : الشيء الذي يشتري للتمتع به . # وجملة { متاع قليل } إلى آخرها بيان لجملة { لا يغرنك } . والمتاع : ~~المنفعة العاجلة ، قال تعالى : { وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع } ( ~~آل عمران : 185 ) . # وجملة { لكن الذين اتقوا ربهم } إلى آخرها افتتحت بحرف الاستدراك لأن ~~مضمونها ضد الكلام الذي قبلها لأن معنى { لا يغرنك } إلخ وصف ما هم فيه ~~بأنه متاع قليل ، أي غير دائم ، وأن المؤمنين المتقين لهم منافع دائمة . # وقرأ الجمهور : لكن بتخفيف النون ساكنة مخففة من الثقيلة وهي مهملة ، ~~وقرأه أبو جعفر بتشديد النون مفتوحة وهي عاملة عمل إن . # والنزل بضم النون والزاي وبضمها مع سكون الزاي ما يعد للنزيل والضيف من ~~الكرامة والقرى ، قال تعالى : { ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما ~~تدعون نزلا من غفور رحيم } ( فصلت : 31 ، 32 ) . PageV04P206 # و ( الأبرار ) جمع البر وهو الموصوف بالمبرة والبر ms1798 ، وهو حسن العمل ضد ~~الفجور . # # | 2 ( 199 ) { وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله ومآ أنزل إليكم ومآ أنزل ~~إليهم خاشعين لله لا يشترون بئايات الله ثمنا قليلا أولائك لهم أجرهم عند ~~ربهم إن الله سريع الحساب } . ) 2 # عطف على جملة { لكن الذين اتقوا ربهم } ( آل عمران : 198 ) استكمالا لذكر ~~الفرق في تلقي الإسلام : فهؤلاء فريق الذين آمنوا من أهل الكتاب ولم يظهروا ~~إيمانهم لخوف قومهم مثل النجاشي أصحمة ، وأثنى الله عليهم بأنهم لا يحرفون ~~الدين ، والآية مؤذنة بأنهم لم يكونوا معروفين بذلك لأنهم لو عرفوا ~~بالإيمان لما كان من فائدة في وصفهم بأنهم من أهل الكتاب ، وهذا الصنف بعكس ~~حال المنافين . وأكد الخبر بأن وبلام الابتداء للرد على المنافقين الذين ~~قالوا لرسول الله لما صلى على النجاشي : انظروا إليه يصلي على نصراني ليس ~~على دينه ولم يره قط . على ما روي عن ابن عباس وبعض أصحابه أن ذلك سبب نزول ~~هذه الآية . ولعل وفاة النجاشي حصلت قبل غزوة أحد . # وقيل : أريد بهم هنا من أظهر إيمانه وتصديقه من اليهود مثل عبد الله بن ~~سلام ومخيريق ، وكذا من آمن من نصارى نجران أي الذين أسلموا ورسول الله ~~بمكة إن صح خبر إسلامهم . # وجيء باسم الإشارة في قوله : { أولئك لهم أجرهم عند ربهم } للتنبيه على ~~أن المشار إليهم به أحرياء بما سيرد من الإخبار عنهم لأجل ما تقدم اسم ~~الإشارة . # وأشار بقوله : { إن الله سريع الحساب } إلى أنه يبادر لهم بأجرهم في ~~الدنيا ويجعله لهم يوم القيامة . # # | 2 ( 200 ) { ياأيها الذين ءامنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله ~~لعلكم تفلحون } . ) 2 # PageV04P207 # ختمت السورة بوصاية جامعة للمؤمنين تجدد عزيمتهم وتبعث الهمم إلى دوام ~~الاستعداد للعدو كي لا يثبطهم ما حصل من الهزيمة ، فأمرهم بالصبر الذي هو ~~جماع الفضائل وخصال الكمال ، ثم بالمصابرة وهي الصبر في وجه الصابر ، وهذا ~~أشد الصبر ثباتا في النفس وأقربه إلى التزلزل ، ذلك أن الصبر في وجه صابر ~~آخر شديد على نفس الصابر لما يلاقيه من مقاومة قرن له ms1799 في الصبر قد يساويه ~~أو يفوقه ، ثم إن هذا المصابر إن لم يثبت على صبره حتى يمل قرنه فإنه لا ~~يجتني من صبره شيئا ، لأن نتيجة الصبر تكون لأطول الصابرين صبرا ، كما قال ~~زفر بن الحارث في اعتذاره عن الانهزام : # سقيناهم كأسا سقونا بمثلها # ولكنهم كانوا على الموت أصبرا # فالمصابرة هي سبب نجاح الحرب كما قال شاعر العرب الذي لم يعرف اسمه : # لا أنت معتاد في الهيجا مصابرة # يصلى بها كل من عاداك نيرانا # وقوله : { ورابطوا } أمر لهم بالمرابطة ، وهي مفاعلة من الربط ، وهو ربط ~~الخيل للحراسة في غير الجهاد خشية أن يفجأهم العدو ، أمر الله به المسلمين ~~ليكونوا دائما على حذر من عدوهم تنبيها لهم على ما يكيد به المشركون من ~~مفاجأتهم على غرة بعد وقعة أحد كما قدمناه آنفا ، وقد وقع ذلك منهم في وقعة ~~الأحزاب فلما أمرهم الله بالجهاد أمرهم بأن يكونوا بعد ذلك أيقاظا من عدوهم ~~. وفي كتاب الجهاد من ( البخاري ) : باب فضل رباط يوم في سبيل الله وقول ~~الله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا } إلخ . وكانت ~~المرابطة معروفة في الجاهلية وهي ربط الفرس للحراسة في الثغور أي الجهات ~~التي يستطيع العدو الوصول منها إلى الحي مثل الشعاب بين الجبال . وما رأيت ~~من وصف ذلك مثل لبيد في معلقته إذ قال : # ولقد حميت الحي تحمل شكتي # فرط وشاحي إذ غدوت لجامها # فعلوت مرتقبا على ذي هبوة # حرج إلى إعلامهن قتامها # حتى إذا ألقت يدا في كافر # وأجن عوراتت الثغور ظلامها PageV04P208 # فذكر أنه حرس الحي على مكان مرتقب ، أي عال بربط فرسه في الثغر . وكان ~~المسلمون يرابطون في ثغور بلاد فارس والشام والأندلس في البر ، ثم لما اتسع ~~سلطان الإسلام وامتلكوا البحار صار الرباط في ثغور البخار وهي الشطوط التي ~~يخشى نزول العدو منها : مثل رباط المنستير بتونس بإفريقية ، ورباط سلا ~~بالمغرب ، وربط تونس ومحارسها : مثل محرس علي بن سالم قرب صفاقس . فأمر ~~الله بالرباط كما أمر بالجهاد بهذا المعنى وقد خفي على بعض ms1800 المفسرين فقال ~~بعضهم : أراد بقوله : { ورابطوا } إعداد الخيل مربوطة للجهاد ، قال : ولم ~~يكن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم غزو في الثغور . وقال بعضهم : أراد ~~بقوله : { ورابطوا } انتظار الصلاة بعد الفراغ من التي قبلها ، لما روى ~~مالك في ( الموطأ ) ، عن أبي هريرة : أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر ~~انتظار الصلاة بعد الصلاة ، وقال : ( فذلكم الرباط ، فذلكم الرباط ، فذلكم ~~الرباط ) . ونسب هذا لأبي سلمة بن عبد الرحمن . قال ابن عطية : والحق أن ~~معنى هذا الحديث على التشبيه ، كقوله : ( ليس الشديد بالصرعة ) وقوله : ( ~~ليس المسكين بهذا الطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان ) ، أي وكقوله صلى ~~الله عليه وسلم ( رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ) . # وأعقب هذا الأمر بالأمر بالتقوى لأنها جماع الخيرات وبها يرجى الفلاح . # PageV04P209 PageV04P210 # | 1 ( سورة النساء ) 1 # سميت هذه السورة في كلام السلف سورة النساء ؛ ففي ( صحيح البخاري ) عن ~~عائشة قالت : ( ما نزلت سورة البقرة وسورة النساء إلا وأنا عنده ) . وكذلك ~~سميت في المصاحف وفي كتب السنة وكتب التفسير ، ولا يعرف لها اسم آخر ، لكن ~~يؤخذ مما روي في ( صحيح البخاري ) عن ابن مسعود من قوله : ( لنزلت سورة ~~النساء القصرى ) يعنى سورة الطلاق أنها شاركت هذه السورة في التسمية بسورة ~~النساء ، وأن هذه السورة تميز عن سورة الطلاق باسم سورة النساء الطولى ، ~~ولم أقف عليه صريحا . ووقع في كتاب ( بصائر ذوي التمييز ) للفيروزآبادي أن ~~هذه السورة تسمى سورة النساء الكبرى ، واسم سورة الطلاق سورة النساء الصغرى ~~. ولم أره لغيره . # ووجه تسميتها بإضافة إلى النساء أنها افتتحت بأحكام صلة الرحم ، ثم ~~بأحكام تخص النساء ، وأن فيها أحكاما كثيرة من أحكام النساء : الأزواج ، ~~والبنات ، وختمت بأحكام تخص النساء . # وكان ابتداء نزولها بالمدينة ، لما صح عن عائشة أنها قالت : ما نزلت سورة ~~البقرة وسورة النساء إلا وأنا عنده . وقد علم أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~بنى بعائشة في المدينة في شوال ، لثمان أشهر خلت من الهجرة ، واتفق العلماء ~~على أن سورة النساء نزلت بعد البقرة ، فتعين أن يكون نزولها متأخرا ms1801 عن ~~الهجرة بمدة طويلة . والجمهور قالوا : نزلت بعد آل عمران ، ومعلوم أن آل ~~عمران نزلت في خلال سنة ثلاث أي بعد وقعة أحد ، فيتعين أن تكون سورة النساء ~~نزلت بعدها . وعن ابن عباس : أن أول ما نزل بالمدينة سورة البقرة ، ثم ~~الأنفال ثم آل عمران ، ثم سورة الأحزاب ، ثم الممتحنة ، ثم النساء ، فإذا ~~كان كذلك تكون سورة النساء نازلة بعد وقعة الأحزاب التي هي في أواخر سنة ~~أربع أو أول سنة خمس من الهجرة ، وبعد صلح الحديبية الذي هو في سنة ست حيث ~~تضمنت سورة PageV04P211 الممتحنة شرط إرجاع من يأتي المشركين هاربا إلى ~~المسلمين عدا النساء ، وهي آية : { إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات } ( ~~الممتحنة : 10 ) الآية . وقد قيل : إن آية : { وءاتوا اليتامى أموالهم } ( ~~النساء : 2 ) نزلت في رجل من غطفان له ابن أخ له يتيم ، وغطفان أسلموا بعد ~~وقعة الأحزاب ، إذ هم من جملة الأحزاب ، أي بعد سنة خمس . ومن العلماء من ~~قال : نزلت سورة النساء عند الهجرة . وهو بعيد . وأغرب منه من قال : إنها ~~نزلت بمكة لأنها افتتحت بيأيها الناس ، وما كان فيه يأيها الناس فهو مكي ، ~~ولعله يعني أنها نزلت بمكة أيام الفتح لا قبل الهجرة لأنهم يطلقون المكي ~~بإطلاقين . وقال بعضهم : نزل صدرها بمكة وسائرها بالمدينة . والحق أن ~~الخطاب بيأيها الناس لا يدل إلا على إرادة دخول أهل مكة في الخطاب ، ولا ~~يلزم أن يكون ذلك بمكة ، ولا قبل الهجرة ، فإن كثيرا مما فيه يأيها الناس ~~مدني بالاتفاق . ولا شك في أنها نزلت بعد آل عمران لأن في سورة النساء من ~~تفاصيل الأحكام ما شأنه أن يكون بعد استقرار المسلمين بالمدينة ، وانتظام ~~أحوالهم وأمنهم من أعدائهم . وفيها آية التيمم ، والتيمم شرع يوم غزاة ~~المريسيع سنة خمس ، وقيل : سنة ست . فالذي يظهر أن نزول سورة النساء كان في ~~حدود سنة سبع وطالت مدة نزولها ، ويؤيد ذلك أن كثيرا من الأحكام التي جاءت ~~فيها مفصلة تقدمت مجملة في سورة البقرة من أحكام الأيتام والنساء والمواريث ~~، فمعظم ما في سورة النساء ms1802 شرائع تفصيلية في معظم نواحي حياة المسلمين ~~الاجتماعية من نظم الأموال والمعاشرة والحكم وغير ذلك ، على أنه قد قيل : ~~إن آخر آية منها ، وهي آية الكلالة ، هي آخر آية نزلت من القرآن ، على أنه ~~يجوز أن يكون بين نزول سائر سورة النساء وبين نزول آية الكلالة ، التي في ~~آخرها مدة طويلة ، وأنه لما نزلت آية الكلالة الأخيرة أمروا بإلحاقها بسورة ~~النساء التي فيها الآية الأولى . ووردت في السنة تسمية آية الكلالة الأولى ~~آية الشتاء ، وآية الكلالة الأخيرة آية الصيف . ويتعين ابتداء نزولها قبل ~~فتح مكة لقوله تعالى : { وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من ~~الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم ~~أهلها } ( النساء : 75 ) يعني مكة . وفيها آية : { إن الله يأمركم أن تؤدوا ~~الأمانات إلى أهلها } ( النساء : 58 ) نزلت يوم فتح مكة في قصة عثمان بن ~~طلحة الشيبي ، صاحب مفتاح الكعبة ، وليس فيها جدال مع المشركين سوى تحقير ~~دينهم ، نحو قوله : ( ومن يشرك بالله فقد PageV04P212 افترى إثما عظيما فقد ~~ضل ضلالا بعيدا ) إلخ ، وسوى التهديد بالقتال ، وقطع معذرة المتقاعدين عن ~~الهجرة ، وتوهين بأسهم عن المسلمين ، مما يدل على أن أمر المشركين قد صار ~~إلى وهن ، وصار المسلمون في قوة عليهم ، وأن معظمها ، بعد التشريع ، جدال ~~كثير مع اليهود وتشويه لأحوال المنافقين ، وجدال مع النصارى ليس بكثير ، ~~ولكنه أوسع مما في سورة آل عمران ، مما يدل على أن مخالطة المسلمين للنصارى ~~أخذت تظهر بسبب تفشي الإسلام في تخوم الحجاز الشامية لفتح معظم الحجاز ~~وتهامة . # وقد عدت الثالثة والتسعين من السور . نزلت بعد سورة الممتحنة وقبل سورة : ~~{ إذا زلزلت الأرض } ( الزلزلة : 1 ) . # وعدد آيها مائة وخمس وسبعون في عدد أهل المدينة ومكة والبصرة ، ومائة وست ~~وسبعون في عدد أهل الكوفة ، ومائة وسبع وسبعون في عدد أهل الشام . # وقد اشتملت على أغراض وأحكام كثيرة أكثرها تشريع معاملات الأقرباء ~~وحقوقهم ، فكانت فاتحتها مناسبة لذلك بالتذكير بنعمة خلق الله ، وأنهم ~~محقوقون بأن يشكروا ربهم على ذلك ، وأن يراعوا حقوق ms1803 النوع الذي خلقوا منه ، ~~بأن يصلوا أرحامهم القريبة والبعيدة ، وبالرفق بضعفاء النوع من اليتامى ، ~~ويراعوا حقوق صنف النساء من نوعهم بإقامة العدل في معاملاتهن ، والإشارة ~~إلى عقود النكاح والصداق ، وشرع قوانين المعاملة مع النساء في حالتي ~~الاستقامة والانحراف من كلا الزوجين ، ومعاشرتهن والمصالحة معهن ، وبيان ما ~~يحل للتزوج منهن ، والمحرمات بالقرابة أو الصهر ، وأحكام الجواري بملك ~~اليمين . وكذلك حقوق مصير المال إلى القرابة ، وتقسيم ذلك ، وحقوق حفظ ~~اليتامى في أموالهم وحفظها لهم والوصاية عليهم . # ثم أحكام المعاملات بين جماعة المسلمين في الأموال والدماء وأحكام القتل ~~عمدا وخطأ ، وتأصيل الحكم الشرعي بين المسلمين في الحقوق والدفاع عن ~~المعتدى عليه ، والأمر بإقامة العدل بدون مصانعة ، والتحذير من اتباع الهوى ~~، والأمر بالبر ، والمواساة ، وأداء الأمانات ، والتمهيد لتحريم شرب الخمر ~~. PageV04P213 # وطائفة من أحكام الصلاة ، والطهارة ، وصلاة الخوف . ثم أحوال اليهود ، ~~لكثرتهم بالمدينة ، وأحوال المنافقين وفضائحهم ، وأحكام الجهاد لدفع شوكة ~~المشركين . وأحكام معاملة المشركين ومساويهم ، ووجوب هجرة المؤمنين من مكة ~~، وإبطال مآثر الجاهلية . # وقد تخلل ذلك مواعظ ، وترغيب ، ونهي عن الحسد ، وعن تمني ما للغير من ~~المزايا التي حرم منها من حرم بحكم الشرع ، أو بحكم الفطرة . والترغيب في ~~التوسط في الخير والإصلاح . وبث المحبة بين المسلمين . # # | 2 ( 1 ) { ياأيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة وخلق منها ~~زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونسآء واتقوا الله الذى تسآءلون به والارحام ~~إن الله كان عليكم رقيبا } . ) 2 # جاء الخطاب بيأيها الناس : ليشمل جميع أمة الدعوة الذين يسمعون القرآن ~~يومئذ وفيما يأتي من الزمان . فضمير الخطاب في قوله : { خلقكم } عائد إلى ~~الناس المخاطبين بالقرآن ، أي لئلا يختص بالمؤمنين ، إذ غير المؤمنين حينئذ ~~هم كفار العرب وهم الذين تلقوا دعوة الإسلام قبل جميع البشر لأن الخطاب جاء ~~بلغتهم ، وهم المأمورون بالتبليغ لبقية الأمم ، وقد كتب النبي صلى الله ~~عليه وسلم كتبه للروم وفارس ومصر بالعربية لتترجم لهم بلغاتهم . فلما كان ~~ما بعد هذا النداء جامعا لما يؤمر به الناس بين مؤمن وكافر ، نودي جميع ~~الناس ، فدعاهم ms1804 الله إلى التذكر بأن أصلهم واحد ، إذ قال : { اتقوا ربكم ~~الذي خلقكم من نفس واحدة } دعوة تظهر فيها المناسبة بين وحدة النوع ووحدة ~~الإعتقاد ، فالمقصود من التقوى في { اتقوا ربكم } اتقاء غضبه ، ومراعاة ~~حقوقه ، وذلك حق توحيده والاعتراف له بصفات الكمال ، وتنزيهه عن الشركاء في ~~الوجود والأفعال والصفات . # وفي هذه الصلة براعة استهلال مناسبة لما اشتملت عليه السورة من الأغراض ~~الأصلية ، فكانت بمنزلة الديباجة . # وعبر ب ( ربكم ) ، دون الاسم العلم ، لأن في معنى الرب ما يبعث العباد ~~على PageV04P214 الحرص في الإيمان بوحدانيته ، إذ الرب هو المالك الذي يرب ~~مملوكه أي ، يدبر شؤونه ، وليتأتى بذكر لفظ ( الرب ) طريق الإضافة الدالة ~~على أنهم محقوقون بتقواه حق التقوى ، والدالة على أن بين الرب والمخاطبين ~~صلة تعد إضاعتها حماقة وضلالا . وأما التقوى في قوله : { واتقوا الله الذي ~~تساءلون به والأرحام } فالمقصد الأهم منها : تقوى المؤمنين بالحذر من ~~التساهل في حقوق الأرحام واليتامى من النساء والرجال . ثم جاء باسم الموصول ~~{ الذي خلقكم } للإيماء إلى وجه بناء الخبر لأن الذي خلق الإنسان حقيق بأن ~~يتقى . # ووصل { خلقكم } بصلة { من نفس واحدة } إدماج للتنبيه على عجيب هذا الخلق ~~وحقه بالاعتبار . وفي الآية تلويح للمشركين بأحقية اتباعهم دعوة الإسلام ، ~~لأن الناس أبناء أب واحد ، وهذا الدين يدعو الناس كلهم إلى متابعته ولم يخص ~~أمة من الأمم أو نسبا من الأنساب ، فهو جدير بأن يكون دين جميع البشر ، ~~بخلاف بقية الشرائع فهي مصرحة باختصاصها بأمم معينة . وفي الآية تعريض ~~للمشركين بأن أولى الناس بأن يتبعوه هو محمد صلى الله عليه وسلم لأنه من ~~ذوي رحمهم . وفي الآية تمهيد لما سيبين في هذه السورة من الأحكام المرتبة ~~على النسب والقرابة . # والنفس الواحدة : هي آدم . والزوج : حواء ، فإن حواء أخرجت من آدم . من ~~ضلعه ، كما يقتضيه ظاهر قوله : { منها } . # و ( من ) تبعيضية . ومعنى التبعيض أن حواء خلقت من جزء من آدم . قيل : من ~~بقية الطينة التي خلق منها آدم . وقيل : فصلت قطعة من ضلعه وهو ظاهر الحديث ~~الوارد في ( الصحيحين ) . # ومن ms1805 قال : إن المعنى وخلق زوجها من نوعها لم يأت بطائل ، لأن ذلك لا يختص ~~بنوع الإنسان فإن أنثى كل نوع هي من نوعه . # وعطف قوله : { وخلق منها زوجها } على { خلقكم من نفس واحدة } ، فهو صلة ~~ثانية . وقوله : { وبث منهما } صلة ثالثة لأن الذي يخلق هذا الخلق العجيب ~~جدير بأن PageV04P215 يتقى ، ولأن في معاني هذه الصلات زيادة تحقيق اتصال ~~الناس بعضهم ببعض ، إذ الكل من أصل واحد ، وإن كان خلقهم ما حصل إلا من ~~زوجين فكل أصل من أصولهم ينتمي إلى أصل فوقه . # وقد حصل من ذكر هذه الصلات تفصيل لكيفية خلق الله الناس من نفس واحدة . ~~وجاء الكلام على هذا النظم توفية بمقتضى الحال الداعي للإتيان باسم الموصول ~~، ومقتضى الحال الداعي لتفصيل حالة الخلق العجيب . ولو غير هذا الأسلوب ~~فجيء بالصورة المفصلة دون سبق إجمال ، فقيل : الذي خلقكم من نفس واحدة وبث ~~منها رجالا كثيرا ونساء لفاتت الإشارة إلى الحالة العجيبة . وقد ورد في ~~الحديث : أن حواء خلقت من ضلع آدم ، فلذلك يكون حرف ( من ) في قوله : { ~~وخلق منها } للابتداء ، أي أخرج خلق حواء من ضلع آدم . والزوج هنا أريد به ~~الأنثى الأولى التي تناسل منها البشر ، وهي حواء . وأطلق عليها اسم الزوج ~~لأن الرجل يكون منفردا فإذا اتخذ امرأة فقد صارا زوجا في بيت ، فكل واحد ~~منهما زوج للآخر بهذا الاعتبار ، وإن كان أصل لفظ الزوج أن يطلق على مجموع ~~الفردين ، فإطلاق الزوج على كل واحد من الرجل والمرأة المتعاقدين تسامح صار ~~حقيقة عرفية ، ولذلك استوى فيه الرجل والمرأة لأنه من الوصف بالجامد ، فلا ~~يقال للمرأة ( زوجة ) ، ولم يسمع في فصيح الكلام ، ولذلك عده بعض أهل اللغة ~~لحنا . وكان الأصمعي ينكره أشد الإنكار قيل له : فقد قال ذو الرمة : # أذو زوجة بالمصر أم ذو خصومة # أراك لها بالبصرة العام ثاويا # فقال : إن ذا الرمة طالما أكل المالح والبقل في حوانيت البقالين ، يريد ~~أنه مولد . # وقال الفرزدق : # وإن الذي يسعى ليفسد زوجتي # كساع إلى أسد الشرى يستبيلها # وشاع ذلك في ms1806 كلام الفقهاء ، قصدوا به التفرقة بين الرجل والمرأة عند ذكر ~~الأحكام ، وهي تفرقة حسنة . وتقدم عند قوله تعالى : { وقلنا يا آدم اسكن ~~أنت وزوجك الجنة في سورة البقرة ( 35 ) . PageV04P216 # وقد شمل وخلق منها زوجها } العبرة بهذا الخلق العجيب الذي أصله واحد ، ~~ويخرج هو مختلف الشكل والخصائص ، والمنة على الذكران بخلق النساء لهم ، ~~والمنة على النساء بخلق الرجال لهن ، ثم من على النوع بنعمة النسل في قوله ~~: { وبث منهما رجالا كثيرا ونساء } مع ما في ذلك من الاعتبار بهذا التكوين ~~العجيب . # والبث : النشر والتفريق للأشياء الكثيرة قال تعالى : { يوم يكون الناس ~~كالفراش المبثوب } ( القارعة : 4 ) . # ووصف الرجال ، وهو جمع ، بكثير ، وهو مفرد ، لأن كثير يستوي فيه المفرد ~~والجمع ، وقد تقدم في قوله تعالى : { وكأين من نبي قتل معه ربيون كثير في ~~سورة آل عمران ( 146 ) . واستغنى عن وصف النساء بكثير لدلالة وصف الرجل به ~~ما يقتضيه فعل البث من الكثرة . # شروع في التشريع المقصود من السورة ، وأعيد فعل { اتقوا } : لأن هذه ~~التقوى مأمور بها المسلمون خاصة ، فإنهم قد بقيت فيهم بقية من عوائد ~~الجاهلية لا يشعرون بها ، وهي التساهل في حقوق الأرحام والأيتام . # واستحضر اسم الله العلم هنا دون ضمير يعود إلى ربكم لإدخال الروع في ~~ضمائر السامعين . لأن المقام مقام تشريع يناسبه إيثار المهابة بخلاف مقام ~~قوله : { اتقوا ربكم } فهو مقام ترغيب . ومعنى { تساءلون به } يسأل بعضكم ~~بعضا به في القسم فالمسايلة به تؤذن بمنتهى العظمة ، فكيف لا تتقونه . # وقرأ الجمهور { تساءلون } بتشديد السين لإدغام التاء الثانية ، وهي تاء ~~التفاعل في السين ، لقرب المخرج واتحاد الصفة ، وهي الهمس . وقرأ حمزة ، ~~وعاصم ، والكسائي ، وخلف : تساءلون بتخفيف السين على أن تاء الافتعال حذفت ~~تخفيفا . # { والأرحام } قرأه الجمهور بالنصب عطفا على اسم الله . وقرأه حمزة بالجر ~~عطفا على الضمير المجرور . فعلى قراءة الجمهور يكون الأرحام مأمورا بتقواها ~~على المعنى المصدري أي اتقائها ، وهو على حذف مضاف ، أي اتقاء حقوقها ، فهو ~~من استعمال المشترك PageV04P217 في معنييه ، وعلى هذه القراءة فالآية ~~ابتداء تشريع وهو مما ms1807 أشار إليه قوله تعالى : { وخلق منها زوجها } وعلى ~~قراءة حمزة يكون تعظيما لشأن الأرحام أي التي يسأل بعضكم بعضا بها ، وذلك ~~قول العرب : ( ناشدتك الله والرحم ) كما روى في ( الصحيح ) : أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم حين قرأ على عتبة بن ربيعة سورة فصلت حتى بلغ : { فإن ~~أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود } ( فصلت : 13 ) فأخذت عتبة ~~رهبة وقال : ناشدتك الله والرحم . وهو ظاهر محمل هذه الرواية وإن أباه ~~جمهور النحاة استعظاما لعطف الاسم على الضمير المجرور بدون إعادة الجار ، ~~حتى قال المبرد : ( لو قرأ الإمام بهاته القراءة لأخذت نعلي وخرجت من ~~الصلاة ) وهذا من ضيق العطن وغرور بأن العربية منحصرة فيما يعلمه ، ولقد ~~أصاب ابن مالك في تجويزه العطف على المجرور بدون إعادة الجار ، فتكون ~~تعريضا بعوائد الجاهلية ، إذ يتساءلون بينهم بالرحم وأواصر القرابة ثم ~~يهملون حقوقها ولا يصلونها ، ويعتدون على الأيتام من إخوتهم وأبناء أعمامهم ~~، فناقضت أفعالهم أقوالهم ، وأيضا هم قد آذوا النبي صلى الله عليه وسلم ~~وظلموه ، وهو من ذوي رحمهم وأحق الناس بصلتهم كما قال تعالى : { لقد جاءكم ~~رسول من أنفسكم } ( التوبة : 128 ) وقال : { لقد من الله على المؤمنين إذ ~~بعث فيهم رسولا من أنفسهم } ( آل عمران : 164 ) . وقال : { قل لا أسألكم ~~عليه أجرا إلا المودة في القربى } ( الشورى : 23 ) . وعلى قراءة حمزة يكون ~~معنى الآية تتمة لمعنى التي قبلها . # $ 2 ( 2 ) { وءاتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلو ~~& # 1764 ا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا } . ) 2 $ # مناسبة عطف الأمر على ماقبله أنه من فروع تقوى الله في حقوق الأرحام ، ~~لأن المتصرفين في أموال اليتامى في غالب الأحوال هم أهل قرابتهم ، أو من ~~فروع تقوى الله الذي يتساءلون به وبالأرحام فيجعلون للأرحام من الحظ ما ~~جعلهم يقسمون بها كما يقسمون بالله . وشيء هذا شأنه حقيق بأن تراعى أواصره ~~ووشائجه وهم لم يرقبوا ذلك . وهذا مما أشار إليه قوله تعالى : { وبث منهما ~~رجالا كثيرا ونساء . . . } ( النساء : 1 ) . PageV04P218 # والإيتاء حقيقته الدفع والإعطاء ms1808 الحسي ، ويطلق على تخصيص الشيء بالشيء ~~وجعله حقا له ، مثل إطلاق الإعطاء في قوله تعالى : { إنا أعطيناك الكوثر } ~~( الكوثر : 1 ) وفي الحديث : ( رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق ~~ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ) . # واليتامى جمع يتيم وجمع يتيمة ، فإذا جمعت به يتيمة فهو فعائل أصله يتائم ~~، فوقع فيه قلب مكاني فقالوا يتامىء ثم خففوا الهمزة فصارت ألفا وحركت ~~الميم بالفتح ، وإذا جمع به يتيم فهو إما جمع الجمع بأن جمع أولا على يتمى ~~، كما قالوا : أسير وأسرى ، ثم جمع على يتامى مثل أسارى بفتح الهمزة ، أو ~~جمع فعيل على فعائل لكونه صار اسما مثل أفيل وأفائل ، ثم صنع به من القلب ~~ما ذكرناه آنفا . وقد نطقت العرب بجمع يتيمة على يتائم ، وبجمع فعيل على ~~فعائل في قول بشر النجدي : # أأطلال حسن في البراق اليتائم # سلام على أطلالكن القدائم # واشتقاق اليتيم من الإنفراد ، ومنه الدرة اليتيمة أي المنفردة بالحسن ، ~~وفعله من باب ضرب وهو قاصر ، وأطلقه العرب على من فقد أبوه في حال صغره ~~كأنه بقي منفردا لا يجد من يدفع عنه ، ولم يعتد العرب بفقد الأم في إطلاق ~~وصف اليتيم إذ لا يعدم الولد كافلة ، ولكنه يعدم بفقد أبيه من يدافع عنه ~~وينفقه . وقد ظهر مما راعوه في الاشتقاق أن الذي يبلغ مبلغ الرجال لا يستحق ~~أن يسمى يتيما إذ قد بلغ مبلغ الدفع عن نفسه ، وذلك هو إطلاق الشريعة لا سم ~~اليتيم ، والأصل عدم النقل . # وقيل : هو في اللغة من فقد أبوه ، ولو كان كبيرا ، أو كان صغيرا وكبر ، ~~ولا أحسب هذا الإطلاق صحيحا . وقد أريد باليتامى هنا ما يشمل الذكور ~~والإناث وغلب في ضمير التذكير في قوله : { أموالهم } . # وظاهر الآية الأمر بدفع المال لليتيم ، ولا يجوز في حكم الشرع أن يدفع ~~المال له ما دام مطلقا عليه اسم اليتيم ، إذ اليتيم خاص بمن لم يبلغ ، وهو ~~حينئذ غير صالح للتصرف في ماله ، فتعين تأويل الآية إما بتأويل لفظ الإيتاء ~~أو بتأويل اليتيم ، فلنا ms1809 أن نؤول { آتوا } بغير معنى ادفعوا . وذلك بما نقل ~~عن جابر بن زيد أنه قال : نزلت هذه الآية في الذين لا يورثون الصغار مع ~~وجود الكبار في الجاهلية ، فيكون { آتوا } PageV04P219 بمعنى عينوا لهم ~~حقوقهم ، وليكون هذا الأمر وما يذكر بعده تأسيسات أحكام ، لا تأكيد بعضها ~~لبعض ، أو تقييد بعضها لبعض . وقال صاحب ( الكشاف ) : ( يراد بإيتائهم ~~أموالهم أن لا يطمع فيها الأولياء والأوصياء وولاة السوء وقضاته ويكفوا ~~عنها أيديهم الخاطفة حتى تأتي اليتامى إذا بلغوا سالمة ) فهو تأويل للإيتاء ~~بلازمه وهو الحفظ الذي يترتب عليه الإيتاء كناية بإطلاق اللازم وإرادة ~~الملزوم ، أو مجاز بالمآل إذ الحفظ يؤول إلى الإيتاء ، وعليه فيكون هو معنى ~~قوله تعالى : { ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم } . وعلى هذين الوجهين ~~فالمراد هنا الأمر بحفظ حقوق اليتامى من الإضاعة لا تسليم المال إليهم وهو ~~الظاهر من الآية إذ سيجيء في قوله : { وابتلوا اليتامى } ( النساء : 6 ) ~~الآية . ولنا أن نؤول اليتامى بالذين جاوزوا حد اليتم ويبقى الإيتاء بمعنى ~~الدفع ، ويكون التعبير عنهم باليتامى للإشارة إلى وجوب دفع أموالهم إليهم ~~في فور خروجهم من حد اليتيم ، أو يبقى على حاله ويكون هذا الإطلاق مقيدا ~~بقوله الآتي : { حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم ~~أموالهم } ( النساء : 6 ) . ومن الناس من قال : اليتيم يطلق على الصغير ~~والكبير لأنه مشتق من معنى الانفراد أي انفراده عن أبيه ، ولا يخفى أن هذا ~~القول جمود على توهم أن الانفراد حقيقي وإنما وضع اللفظ للانفراد المجازي ، ~~وهو انعدام الأب المنزل منزلة بقاء الولد منفردا وما هو بمنفرد فإن له أما ~~وقوما . # قيل : نزلت هذه الآية في رجل من غطفان كان له ابن أخ في حجره ، فلما بلغ ~~طلب ماله ، فمنعه عمه ، فنزلت هذه الآية ، فرد المال لابن أخيه ، وعلى هذا ~~فهو المراد من قوله تعالى : { ولا تأكلوا أموالهم } . # وقوله : { ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب } أي لا تأخذوا الخبيث وتعطوا الطيب ~~. والقول في تعدية فعل تبدل ونظائره مضى عند قوله تعالى في سورة فالبقرة ( ~~61 ) قال ms1810 : { أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير وعلى ما تقرر هناك يتعين ~~أن يكون الخبيث هو المأخوذ ، والطيب هو المتروك . # والخبيث والطيب أريد بهما الوصف المعنوي دون الحسي ، وهما استعارتان ؛ ~~فالخبيث المذموم أو الحرام ، والطيب عكسه وهو الحلال : وتقدم في قوله تعالى ~~: يأيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا في البقرة ( 168 ) . فالمعنى : ~~ولا تكسبوا المال الحرام PageV04P220 وتتركوا الحلال أي لو اهتممتم بإنتاج ~~أموالكم وتوفيرها بالعمل والتجر لكان لكم من خلالها ما فيه غنية عن الحرام ~~، فالمنهي عنه هنا هو ضد المأمور به من قبل تأكيدا للأمر ، ولكن النهي بين ~~ما فيه من الشناعة إذا لم يمتثل الأمر ، وهذا الوجه ينبىء عن جعل التبدل ~~مجازا والخبيث والطيب كذلك ، ولا ينبغي حمل الآية على غير هذا المعنى وهذا ~~الاستعمال . وعن السدي ما يقتضي خلاف هذا المعنى وهو غير مرضي . # وقوله : ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم } نهي ثالث عن أخذ أموال اليتامى ~~وضمها إلى أموال أوليائهم ، فينتسق في الآية أمر ونهيان : أمروا أن لا ~~يمنعوا اليتامى من مواريثهم ثم نهوا عن اكتساب الحرام ، ثم نهوا عن ~~الاستيلاء على أموالهم أو بعضها ، والنهي والأمر الأخير تأكيدان للأمر ~~الأول . # والأكل استعارة للانتفاع المانع من انتفاع الغير وهو الملك التام ، لأن ~~الأكل هو أقوى أحوال الاختصاص بالشيء لأنه يحرزه في داخل جسده ، ولا مطمع ~~في إرجاعه ، وضمن ( تأكلوا ) معنى تضموا فلذلك عدي بإلى أي : لا تأكلوها ~~بأن تضموها إلى أموالكم . # وليس قيد { إلى أموالكم } محط النهي ، بل النهي واقع على أكل أموالهم ~~مطلقا سواء كان للآكل مال يضم إليه مال يتيمه أم لم يكن ، ولكن لما كان ~~الغالب وجود أموال للأوصياء ، وأنهم يريدون من أكل أموال اليتامى التكثر ، ~~ذكر هذا القيد رعيا للغالب ، ولأنه أدخل في النهي لما فيه من التشنيع عليهم ~~حيث يأكلون حقوق الناس مع أنهم أغنياء ؛ على أن التضمين ليس من التقييد بل ~~هو قائم مقام نهيين ، ولذلك روي : أن المسلمين تجنبوا بعد هذه الآية مخالطة ~~أموال اليتامى فنزلت آية البقرة ms1811 ( 220 ) : { وإن تخالطوهم فإخوانكم فقد ~~فهموا أن ضم مال اليتيم إلى مال الوصي حرام ، مع علمهم بأن ذلك ليس مشمولا ~~للنهي عن الأكل ولكن للنهي عن الضم . وهما في فهم العرب نهيان ، وليس هو ~~نهيا عن أكل الأغنياء أموال اليتامى حتى يكون النهي عن أكل الفقراء ثابتا ~~بالقياس لا بمفهوم الموافقة إذ ليس الأدون بصالح لأن يكون مفهوم موافقة . # والحوب بضم الحاء لغة الحجاز ، و بفتحها لغة تميم ، وقيل : هي حبشية ، ~~ومعناه الإثم ، والجملة تعليل للنهي : لموقع إن منها ، أي نهاكم الله عن ~~أكل أموالهم لأنه PageV04P221 إثم عظيم . ولكون إن في مثله لمجرد الاهتمام ~~لتفيد التعليل أكد الخبر بكان الزائدة . # # | 2 ( 3 ) وإن خفتم ألا تقسطوا فى اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النسآء ~~مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذالك أدنى ~~ألا تعولوا } . ) 2 # اشتمال هذه الآية على كلمة { اليتامى } يؤذن بمناسبتها للآية السابقة ، ~~بيد أن الأمر بنكاح النساء وعددهن في جواب شرط الخوف من عدم العدل في ~~اليتامى مما خفي وجهه على كثير من علماء سلف الأمة ، إذ لا تظهر مناسبة أي ~~ملازمة بين الشرط وجوابه . واعلم أن في الآية إيجازا بديعا إذ أطلق فيها ~~لفظ اليتامى في الشرط وقوبل بلفظ النساء في الجزاء فعلم السامع أن اليتامى ~~هنا جمع يتيمة وهي صنف من اليتامى في قوله السابق : { وآتوا اليتامى ~~أموالهم } ( النساء : 2 ) . وعلم أن بين عدم القسط في يتامى النساء ، وبين ~~الأمر بنكاح النساء ، ارتباطا لا محالة وإلا لكان الشرط عبثا . وبيانه ما ~~في ( صحيح البخاري ) : أن عروة بن الزبير سأل عائشة عن هذه الآية فقالت : ( ~~يابن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها تشركه في ماله ويعجبه مالها ~~وجمالها ، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها فلا يعطيها مثل ~~ما يعطيها غيره ، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا بهن أعلى ~~سنتهن في الصداق فأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء غيرهن . ثم إن ~~الناس استفتوا ms1812 رسول الله بعد هذه الآية فأنزل الله : { ويستفتونك في النساء ~~قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء التي لا ~~تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن } ( النساء : 127 ) . فقول الله ~~تعالى : { وترغبون أن تنكحوهن } ( النساء : 127 ) رغبة أحدكم عن يتيمته حين ~~تكون قليلة المال والجمال ، فنهوا عن أن ينكحوا من رغبوا في مالها وجمالها ~~من يتامى النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن إذا كن قليلات المال ~~والجمال ) . وعائشة لم تسند هذا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن ~~سياق كلامها يؤذن بأنه عن توقيف ، PageV04P222 ولذلك أخرجه البخاري في باب ~~تفسير سورة النساء بسياق الأحاديث المرفوعة اعتدادا بأنها ما قالت ذلك إلا ~~عن معاينة حال النزول ، وأفهام المسلمين التي أقرها الرسول عليه السلام ، ~~لا سيما وقد قالت : ثم إن الناس استفتوا رسول الله ، وعليه فيكون إيجاز لفظ ~~الآية اعتدادا بما فهمه الناس مما يعلمون من أحوالهم ، وتكون قد جمعت إلى ~~حكم حفظ حقوق اليتامى في أموالهم الموروثة حفظ حقوقهم في الأموال التي ~~يستحقها البنات اليتامى من مهور أمثالهن ، وموعظة الرجال بأنهم لما لم ~~يجعلوا أواصر القرابة شافعة النساء اللاتي لا مرغب فيهن لهم فيرغبون عن ~~نكاحهن ، فكذلك لا يجعلون القرابة سببا للإجحاف بهن في مهورهن . وقولها : ~~ثم إن الناس استفتوا رسول الله ، معناه استفتوه طلبا لإيضاح هذه الآية . أو ~~استفتوه في حكم نكاح اليتامى ، وله يهتدوا إلى أخذه من هذه الآية ، فنزل ~~قوله : { ويستفتونك في النساء } الآية ، وأن الإشارة بقوله : { وما يتلى ~~عليكم في الكتاب في يتامى النساء } أي ما يتلى من هذه الآية الأولى ، أي ~~كان هذا الاستفتاء في زمن نزول هذه السورة . وكلامها هذا أحسن تفسير لهذه ~~الآية . وقال ابن عباس ، وسعيد بن جبير ، والسدي ، وقتادة : كانت العرب ~~تتحرج في أموال اليتامى ولا تتحرج في العدل بين النساء ، فكانوا يتزوجون ~~العشر فأكثر فنزلت هذه الآية في ذلك ، وعلى هذا القول فمحل الملازمة بين ~~الشرط والجزاء إنما هو فيما تفرع عن الجزاء من ms1813 قوله : { فإن خفتم ألا ~~تعدلوا فواحدة } ، فيكون نسج الآية قد حيك على هذا الأسلوب ليدمج في خلاله ~~تحديد النهاية إلى الأربع . وقال عكرمة : نزلت في قريش ، كان الرجل يتزوج ~~العشر فأكثر فإذا ضاق ماله عن إنفاقهن أخذ مال يتيمه فتزوج منه ، وعلى هذا ~~الوجه فالملازمة ظاهرة ، لأن تزوج ما لا يستطاع القيام به صار ذريعة إلى ~~أكل أموال اليتامى ، فتكون الآية دليلا على مشروعية سد الذرائع إذا غلبت . ~~وقال مجاهد : الآية تحذير من الزنا ، وذلك أنهم كانوا يتحرجون من أكل أموال ~~اليتامى ولا يتحرجون من الزنا ، فقيل لهم : إن كنتم تخافون من أموال ~~اليتامى فخافوا الزنا ، لأن شأن المتنسك أن يهجر جميع المآثم لا سيما ما ~~كانت مفسدته أشد . وعلى هذا الوجه تضعف الملازمة بين الشرط وجوابه ويكون ~~فعل الشرط ماضيا لفظا ومعنى . وقيل في هذا وجوه أخر هي أضعف مما ذكرنا . ~~PageV04P223 # ومعنى { ما طاب } ما حسن بدليل قوله : { لكم } ويفهم منه أنه مما حل لكم ~~لأن الكلام في سياق التشريع . # وما صدق { ما طاب } النساء فكان الشأن أن يؤتى ب ( من ) الموصولة لكن جيء ~~ب ( ما ) الغالبة في غير العقلاء ، لأنها نحي بها منحى الصفة وهو الطيب بلا ~~تعيين ذات ، ولو قال ( من ) لتبادر إلى إرادة نسوة طيبات معروفات بينهم ، ~~وكذلك حال ( ما ) في الاستفهام ، كما قال صاحب ( الكشاف ) وصاحب ( المفتاح ~~) . فإذا قلت : ما تزوجت ؟ فأنت تريد ما صفتها أبكرا أم ثيبا مثلا ، وإذا ~~قلت : من تزوجت ؟ فأنت تريد تعيين اسمها ونسبها . # والآية ليست هي المثبتة لمشروعية النكاح ، لأن الأمر فيها معلق على حالة ~~الخوف من الجور في اليتامى ، فالظاهر أن الأمر فيها للإرشاد ، وأن النكاح ~~شرع بالتقرير للإباحة الأصلية لما عليه الناس قبل الإسلام مع إبطال ما لا ~~يرضاه الدين كالزيادة على الأربع ، وكنكاح المقت ، والمحرمات من الرضاعة ، ~~والأمر بأن لا يخلوه عن الصداق ، ونحو ذلك . # وقوله : { مثنى وثلاث ورباع } أحوال من { طاب } ولا يجوز كونها أحوالا من ~~النساء لأن النساء أريد به الجنس كله لأن ( من ) إما ms1814 تبعيضية أو بيانية ~~وكلاهما تقتضي بقاء البيان على عمومه ، ليصلح للتبعيض وشبهه ، والمعنى : أن ~~الله وسع عليكم فلكم في نكاح غير أولئك اليتامى مندوحة عن نكاحهن مع ~~الإضرار بهن في الصداق ، وفي هذا إدماج لحكم شرعي آخر في خلال حكم القسط ~~لليتامى إلى قوله : { ذلك أدنى ألا تعولوا } . # وصيغة مفعل وفعال في أسماء الأعداد من واحد إلى أربعة ، وقيل إلى ستة ~~وقيل إلى عشرة ، وهو الأصح ، وهو مذهب الكوفيين ، وصححه المعري في ( شرح ~~ديوان المتنبي ) عند قول أبي الطيب : # أحاد أم سداس في آحاد # ليبلتنا المنوطة بالتنادي PageV04P224 # تدل كلها على معنى تكرير اسم العدد لقصد التوزيع كقوله تعالى : { أولي ~~أجنحة مثنى وثلاث ورباع } ( فاطر : 1 ) أي لطائفة جناحان ، ولطائفة ثلاثة ، ~~ولطائفة أربعة . والتوزيع هنا باعتبار اختلاف المخاطبين في السعة والطول ، ~~فمنهم فريق يستطيع أن يتزوجوا اثنتين ، فهؤلاء تكون أزواجهم اثنتين اثنتين ~~، وهلم جرا ، كقولك لجماعة : اقتسموا هذا المال درهمين درهمين ، وثلاثة ~~ثلاثة ، وأربعة أربعة ، على حسب أكبركم سنا . وقد دل على ذلك قوله بعد : { ~~فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة } . والظاهر أن تحريم الزيادة على الأربع ~~مستفاد من غير هذه الآية لأن مجرد الاقتصار غير كاف في الاستدلال ولكنه ~~يستأنس به ، وأن هذه الآية قررت ما ثبت من الاقتصار ، على أربع زوجات كما ~~دل على ذلك الحديث الصحيح : إن غيلان بن سلمة أسلم على عشر نسوة فقال له ~~النبي صلى الله عليه وسلم ( أمسك أربعا وفارق سائرهن ) . ولعل الآية صدرت ~~بذكر العدد المقرر من قبل نزولها ، تمهيدا لشرع العدل بين النساء ، فإن ~~قوله : { فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة } صريح في اعتبار العدل في التنازل في ~~مراتب العدد ينزل بالمكلف إلى الواحدة . فلا جرم أن يكون خوفه في كل مرتبة ~~من مراتب العدد ينزل به إلى التي دونها . ومن العجيب ما حكاه ابن العربي في ~~الأحكام عن قوم من الجهال لم يعينهم أنهم توهموا أن هذه الآية تبيح للرجال ~~تزوج تسع نساء توهما بأن مثنى وثلاث ورباع مرادفة لاثنين وثلاثا وأربعا ، ~~وأن ms1815 الواو للجمع ، فحصلت تسعة وهي العدد الذي جمعه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بين نسائه ، وهذا جهل شنيع في معرفة الكلام العربي . وفي ( تفسير ~~القرطبي ) نسبة هذا القول إلى الرافضة ، وإلى بعض أهل الظاهر ، ولم يعينه . ~~وليس ذلك قولا لداوود الظاهري ولا لأصحابه ، ونسبه ابن الفرس في أحكام ~~القرآن إلى قوم لا يعبأ بخلافهم ، وقال الفخر : هم قوم سدى ، ولم يذكر ~~الجصاص مخالفا أصلا . ونسب ابن الفرس إلى قوم القول بأنه لا حصر في عدد ~~الزوجات وجعلوا الاقتصار في الآية بمعنى : إلى ما كان من العدد ، وتمسك ~~هذان الفريقان بأن النبي صلى الله عليه وسلم مات عن تسع نسوة ، وهو تمسك ~~واه ، فإن تلك خصوصية له ، كما دل على ذلك الإجماع ، وتطلب الأدلة القواطع ~~في انتزاع الأحكام من القرآن تطلب لما يقف بالمجتهدين في استنباطهم موقف ~~الحيرة ، فإن مبنى كلام العرب على أساس الفطنة . ومسلكه هو مسلك اللمحة ~~الدالة . PageV04P225 # وظاهر الخطاب للناس يعم الحر والعبد ، فللعبد أن يتزوج أربع نسوة على ~~الصحيح ، وهو قول مالك ، ويعزى إلى أبي الدرداء ، والقاسم بن محمد ، وسالم ~~، وربيعة بن أبي عبد الرحمن ، ومجاهد ، وذهب إليه داوود الظاهري . وقيل : ~~لا يتزوج العبد أكثر من اثنتين ، وهو قول أبي حنيفة ، والشافعي ، وينسب إلى ~~عمر بن الخطاب ، وعلي بن أبي طالب ، وعبد الرحمن بن عوف ، وابن سيرين ، ~~والحسن . وليس هذا من مناسب التنصيف للعبيد ، لأن هذا من مقتضى الطبع الذي ~~لا يختلف في الأحرار والعبيد . ومن ادعى إجماع الصحابة على أنه لا يتزوج ~~أكثر من اثنتين فقد جازف القول . # وقوله : { فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة } ، أي فواحدة لكل من يخاف عدم ~~العدل . وإنما لم يقل فأحاد أو فموحد لأن وزن مفعل وفعال في العدد لا يأتي ~~إلا بعد جمع ولم يجر جمع هنا . وقرأ الجمهور : فواحدة بالنصب ، وانتصب ~~واحدة على أنه مفعول لمحذوف أي فانكحوا واحدة . وقرأه أبو جعفر بالرفع على ~~أنه مبتدأ وخبره محذوف أي كفاية . # وخوف عدم العدل معناه عدم العدل بين الزوجات ، أي ms1816 عدم التسوية ، وذلك في ~~النفقة والكسوة والبشاشة والمعاشرة وترك الضر في كل ما يدخل تحت قدرة ~~المكلف وطوقه دون ميل القلب . # وقد شرع الله تعدد النساء للقادر العادل لمصالح جمة : منها أن في ذلك ~~وسيلة إلى تكثير عدد الأمة بازدياد المواليد فيها ، ومنها أن ذلك يعين على ~~كفالة النساء اللائي هن أكثر من الرجال في كل أمة لأن الأنوثة في المواليد ~~أكثر من الذكورة ، ولأن الرجال يعرض لهم من أسباب الهلاك في الحروب ~~والشدائد ما لا يعرض للنساء ، ولأن النساء أطول أعمارا من الرجال غالبا ، ~~بما فطرهن الله عليه ، ومنها أن الشريعة قد حرمت الزنا وضيقت في تحريمه لما ~~يجر إليه من الفساد في الأخلاق والأنساب ونظام العائلات ، فناسب أن توسع ~~على الناس في تعدد النساء لمن كان من الرجال ميالا للتعدد مجبولا عليه ، ~~ومنها قصد الابتعاد عن الطلاق إلا لضرورة . PageV04P226 # ولم يكن في الشرائع السالفة ولا في الجاهلية حد للزوجات ، ولم يثبت أن ~~جاء عيسى عليه السلام بتحديد للتزوج ، وإن كان ذلك توهمه بعض علمائنا مثل ~~القرافي ، ولا أحسبه صحيحا ، والإسلام هو الذي جاء بالتحديد ، فأما أصل ~~التحديد فحكمته ظاهرة : من حيث إن العدل لا يستطيعه كل أحد ، وإذا لم يقم ~~تعدد الزوجات على قاعدة العدل بينهن اختل نظام العائلة ، وحدثت الفتن فيها ~~، ونشأ عقوق الزوجات أزواجهن ، وعقوق الأبناء آباءهم بأذاهم في زوجاتهم وفي ~~أبنائهم ، فلا جرم أن كان الأذى في التعدد لمصلحة يجب أن تكون مضبوطة غير ~~عائدة على الأصل بالإبطال . # وأما الانتهاء في التعدد إلى الأربع فقد حاول كثير من العلماء توجيهه فلم ~~يبلغوا إلى غاية مرضية ، وأحسب أن حكمته ناظرة إلى نسبة عدد النساء من ~~الرجال في غالب الأحوال ، وباعتبار المعدل في التعدد فليس كل رجل يتزوج ~~أربعا ، فلنفرض المعدل يكشف عن امرأتين لكل رجل ، يدلنا ذلك على أن النساء ~~ضعف الرجال . وقد أشار إلى هذا ما جاء في ( الصحيح ) : أنه يكثر النساء في ~~آخر الزمان حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد . # وقوله : { أو ما ملكت ms1817 أيمانكم } إن عطف على قوله : { فواحدة } ، فقد خير ~~بينه وبين الواحدة باعتبار التعدد ، أي فواحدة من الأزواج أو عدد مما ملكت ~~أيمانكم ، وذلك أن المملوكات لا يشترط فيهن من العدل ما يشترط في الأزواج ، ~~ولكن يشترط حسن المعاملة وترك الضر ، وإن عطفته على قوله : { فانكحوا ما ~~طاب } كان تخييرا بين التزوج والتسري بحسب أحوال الناس ، وكان العدل في ~~الإماء المتخذات للتسري مشروطا قياسا على الزوجات ، وكذلك العدد بحسب ~~المقدرة غير أنه لا يمتنع في التسري الزيادة على الأربع لأن القيود ~~المذكورة بين الجمل ترجع إلى ما تقدم منها . وقد منع الإجماع من قياس ~~الإماء على الحراير في نهاية العدد ، وهذا الوجه أدخل في حكمة التشريع ~~وأنظم في معنى قوله : { ذلك أدنى ألا تعولوا } والإشارة بقوله { ذلك أدنى ~~ألا تعولوا } إلى الحكم المتقدم ، وهو قوله : { فانكحوا ما طاب لكم } إلى ~~قوله : { أو ما ملكت أيمانكم } باعتبار ما اشتمل عليه PageV04P227 من ~~التوزيع على حسب العدل . وإفراد اسم الإشارة باعتبار المذكور كقوله تعالى : ~~{ ومن يفعل ذلك يلق أثاما } . # و ( أدنى ) بمعنى أقرب ، وهو قرب مجازي أي أحق وأعون على أن لا تعولوا ، ~~و ( تعولوا ) مضارع عال عولا ، وهو فعل واوي العين ، بمعنى جار ومال ، وهو ~~مشهور في كلام العرب ، وبه فسر ابن عباس وجمهور السلف ، يقال : عال الميزان ~~عولا إذا مال ، وعال فلان في حكمه أي جار ، وظاهر أن نزول المكلف إلى العدد ~~الذي لا يخاف معه عدم العدل أقرب إلى عدم الجور ، فيكون قوله : { أدنى ألا ~~تعولوا } في معنى قوله : { فإن خفتم ألا تعدلوا } فيفيد زيادة تأكيد كراهية ~~الجور . # ويجوز أن تكون الإشارة إلى الحكم المتضمن له قوله : { فواحدة أو ما ملكت ~~أيمانكم } أي ذلك أسلم من الجور ، لأن التعدد يعرض المكلف إلى الجور وإن ~~بذل جهده في العدل ، إذ للنفس رغبات وغفلات ، وعلى هذا الوجه لا يكون قوله ~~: { أدنى ألا تعولوا } تأكيدا لمضمون { فإن خفتم ألا تعدلوا } ويكون ترغيبا ~~في الاقتصار على المرأة الواحدة أو التعدد بملك اليمين ، إذ هو سد ms1818 ذريعة ~~الجور ، وعلى هذا الوجه لا يكون العدل شرطا في ملك اليمين ، وهو الذي نحاه ~~جمهور فقهاء الأمصار في ملك اليمين . # وقيل : ( معنى ألا تعولوا ) أن لا تكثر عيالكم ، مأخوذ من قولهم عال ~~الرجل أهله يعولهم بمعنى مالهم ، يعني فاستعمل نفي كثرة العيال على طريق ~~الكناية لأن العول يستلزم وجود العيال ، والإخبار عن الرجل بأنه يعول ~~يستلزم كثرة العيال ، لأنه إخبار بشيء لا يخلو عنه أحد فما يخبر المخبر به ~~إلا إذا رآه تجاوز الحد المتعارف . كما تقول فلان يأكل ، وفلان ينام ، أي ~~يأكل كثيرا وينام كثيرا ، ولا يصح أن يراد كونه معنى لعال صريحا ، لأنه لا ~~يقال عال بمعنى كثرت عياله ، وإنما يقال أعال . وهذا التفسير مأثور عن زيد ~~بن أسلم ، وقاله الشافعي ، وقال به ابن الأعرابي من علماء اللغة وهو تفسير ~~بعيد ، وكناية خفية ، لا يلائم إلا أن تكون الإشارة بقوله : { ذلك } إلى ما ~~تضمنه قوله : { فواحدة أو ما ملكت أيمانكم } ويكون في الآية ترغيب في ~~الاقتصار على الواحدة لخصوص الذي لا يستطيع السعة في الإنفاق ، لأن ~~الاقتصار على الواحدة PageV04P228 يقلل النفقة ويقلل النسل فيبقي عليه ماله ~~، ويدفع عنه الحاجة ، إلا أن هذا الوجه لا يلائم قوله : { أو ما ملكت ~~أيمانكم } لأن تعدد الإماء يفضي إلى كثرة العيال في النفقة عليهن وعلى ما ~~يتناسل منهن ، ولذلك رد جماعة على الشافعي هذا الوجه بين مفرط ومقتصد . # وقد أغلظ في الرد أبو بكر الجصاص في أحكامه حتى زعم أن هذا غلط في اللغة ~~، اشتبه به عال يعيل بعال يعول . واقتصد ابن العربي في رد هذا القول في ~~كتاب الأحكام . وانتصر صاحب ( الكشاف ) للشافعي ، وأورد عليهم أن ذلك لا ~~يلاقي قوله تعالى : { أو ما ملكت أيمانكم } فإن تعدد الجواري مثل تعدد ~~الحرائر فلا مفر من الإعالة على هذا التفسير . وأجيب عنه بجواب فيه تكلف . # وحكم هذه الآية مما أشار إليه قوله : { وبث منهما رجالا كثيرا ونساء } ( ~~النساء : 1 ) . # # | 2 ( 4 ) { وءاتوا النسآء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شىء منه نفسا ms1819 ~~فكلوه هنيئا مريئا } . ) 2 # جانبان مستضعفان في الجاهلية : اليتيم ، والمرأة . وحقان مغبون فيهما ~~أصحابهما : مال الأيتام ، ومال النساء ، فلذلك حرسهما القرآن أشد الحراسة ~~فابتدأ بالوصاية بحق مال اليتيم ، وثنى بالوصاية بحق المرأة في مال ينجر ~~إليها لا محالة ، وكان توسط حكم النكاح بين الوصايتين أحسن مناسبة تهيىء ~~لعطف هذا الكلام . # فقوله : { وآتوا النساء } عطف على قوله : { وآتوا اليتامى أموالهم } ( ~~النساء : 2 ) والقول في معنى الإيتاء فيه سواء . وزاده اتصالا بالكلام ~~السابق أن ما قبله جرى على وجوب القسط في يتامى النساء ، فكان ذلك مناسبة ~~الانتقال . والمخاطب بالأمر في أمثال هذا كل من له نصيب في العمل بذلك ، ~~فهو خطاب لعموم الأمة على معنى تناوله لكل من له فيه يد من الأزواج ~~والأولياء ثم ولاة الأمور الذين إليهم المرجع في الضرب على أيدي ظلمة ~~الحقوق أربابها . والمقصود بالخطاب ابتداء هم الأزواج ، PageV04P229 لكيلا ~~يتذرعوا بحياء النساء وضعفهن وطلبهن مرضاتهم إلى غمص حقوقهن في أكل مهورهن ~~، أو يجعلوا حاجتهن للتزوج لأجل إيجاد كافل لهن ذريعة لإسقاط المهر في ~~النكاح ، فهذا ما يمكن في أكل مهورهن ، وإلا فلهن أولياء يطالبون الأزواج ~~بتعيين المهور ، ولكن دون الوصول إلى ولاة الأمور متاعب وكلف قد يملها صاحب ~~الحق فيترك طلبه ، وخاصة النساء ذوات الأزواج . وإلى كون الخطاب للأزواج ~~ذهب ابن عباس ، وقتادة ، وابن زيد ، وابن جريج ، فالآية على هذا قررت دفع ~~المهور وجعلته شرعا ، فصار المهر ركنا من أركان النكاح في الإسلام ، وقد ~~تقرر في عدة آيات كقوله : { فآتوهن أجورهن فريضة وغير ذلك } ( النساء : 24 ~~) . # والمهر علامة معروفة للتفرقة بين النكاح وبين المخادنة ، لكنهم في ~~الجاهلية كان الزوج يعطي مالا لولي المرأة ويسمونه حلوانا بضم الحاء ولا ~~تأخذ المرأة شيئا ، فأبطل الله ذلك في الإسلام بأن جعل المال للمرأة بقوله ~~: { وآتوا النساء صداقتهن } . # وقال جماعة : الخطاب للأولياء ، ونقل ذلك عن أبي صالح قال : لأن عادة بعض ~~العرب أن يأكل ولي المرأة مهرها فرفع الله ذلك بالإسلام . وعن الحضرمي : ~~خاطبت الآية المتشاغرين الذين كانوا يتزوجون امرأة بأخرى ، ولعل ms1820 هذا أخذ ~~بدلالة الإشارة وليس صريح اللفظ ، وكل ذلك مما يحتمله عموم النساء وعموم ~~الصدقات . # والصدقات جمع صدقة بضم الدال والصدقة : مهر المرأة ، مشتقة من الصدق ~~لأنها عطية يسبقها الوعد بها فيصدقه المعطي . # والنحلة بكسر النون العطية بلا قصد عوض ، ويقال : نحل بضم فسكون . وانتصب ~~نحلة على الحال من ( صدقاتهن ) ، وإنما صح مجيء الحال مفردة وصاحبها جمع ~~لأن المراد بهذا المفرد الجنس الصالح للأفراد كلها ، ويجوز أن يكون نحلة ~~منصوبا على المصدرية لآتوا لبيان النوع من الإيتاء أي إعطاء كرامة . # وسميت الصدقات نحلة إبعادا للصدقات عن أنواع الأعواض ، وتقريبا بها إلى ~~الهدية ، إذ ليس الصداق عوضا عن منافع المرأة عند التحقيق ، فإن النكاح عقد ~~بين PageV04P230 الرجل والمرأة قصد منه المعاشرة ، وإيجاد آصرة عظيمة ، ~~وتبادل حقوق بين الزوجين ، وتلك أغلى من أن يكون لها عوض مالي ، ولو جعل ~~لكان عوضها جزيلا ومتجددا بتجدد المنافع ، وامتداد أزمانها ، شأن الأعواض ~~كلها ، ولكن الله جعله هدية واجبة على الأزواج إكراما لزوجاتهم ، وإنما ~~أوجبه الله لأنه تقرر أنه الفارق بين النكاح وبين المخادنة والسفاح ، إذ ~~كان أصل النكاح في البشر اختصاص الرجل بامرأة تكون له دون غيره ، فكان هذا ~~الاختصاص ينال بالقوة ، ثم اعتاض الناس عن القوة بذل الأثمان لأولياء ~~النساء ببيعهم بناتهم ومولياتهم ، ثم ارتقى التشريع وكمل عقد النكاح ، ~~وصارت المرأة حليلة الرجل شريكته في شؤونه وبقيت الصدقات أمارات على ذلك ~~الاختصاص القديم تميز عقد النكاح عن بقية أنواع المعاشرة المذمومة شرعا ~~وعادة ، وكانت المعاشرة على غير وجه النكاح خالية عن بذل المال للأولياء إذ ~~كانت تنشأ عن الحب أو الشهوة من الرجل للمرأة على انفراد وخفية من أهلها ، ~~فمن ذلك الزنى الموقت ، ومنه المخادنة ، فهي زنا مستمر ، وأشار إليها ~~القرآن في قوله : { محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان } ( النساء : 25 ) ~~ودون ذلك البغاء وهو الزنا بالإماء بأجور معينة ، وهو الذي ذكر الله النهي ~~عنه بقوله : { ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض ~~الحياة الدنيا } ( النور : 33 ) وهنالك معاشرات أخرى ، مثل ms1821 الضماد وهو أن ~~تتخذ ذات الزوج رجلا خليلا لها في سنة القحط لينفق عليها مع نفقة زوجها . ~~فلأجل ذلك سمى الله الصداق نحلة ، فأبعد الذين فسروها بلازم معناها فجعلوها ~~كناية عن طيب نفس الأزواج أو الأولياء بإيتاء الصدقات ، والذين فسروها ~~بأنها عطية من الله للنساء فرضها لهن ، والذين فسروها بمعنى الشرع الذي ~~ينتحل أي يتبع . # وقوله : { فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا } الآية أي فإن طابت أنفسهن لكم ~~بشيء منه أي المذكور . وأفرد ضمير ( منه ) لتأويله بالمذكور حملا على اسم ~~الإشارة كما قال رؤبة : # فيها خطوط من سواد وبلق # كأنه في الجلد توليع البهق # فقال له أبو عبيدة : إما أن تقول : كأنها إن أردت الخطوط ، وإما أن تقول ~~: كأنهما إن أردت السواد والبلق فقال : أردت كأن ذلك ، ويلك أي أجرى الضمير ~~كما PageV04P231 يجرى اسم الإشارة . وقد تقدم عند قوله تعالى : { عوان بين ~~ذلك في سورة البقرة ( 68 ) . وسيأتي الكلام على ضمير ( مثله ) عند قوله ~~تعالى : ومثله معه ليفتدوا به في سورة العقود ( 36 ) . # وجيء بلفظ نفسا } مفردا مع أنه تمييز نسبة { طبن } إلى ضمير جماعة النساء ~~لأن التمييز اسم جنس نكرة يستوي فيه المفرد والجمع . وأسند الطيب إلى ذوات ~~النساء ابتداء ثم جيء بالتمييز للدلالة على قوة هذا الطيب على ما هو مقرر ~~في علم المعاني : من الفرق بين واشتعل الرأس شيبا وبين اشتعل شيب رأسي ، ~~ليعلم أنه طيب نفس لا يشوبه شيء من الضغط والإلجاء . # وحقيقة فعل ( طاب ) اتصاف الشيء بالملاءمة للنفس ، وأصله طيب الرائحة ~~لحسن مشمومها ، وطيب الريح موافقتها للسائر في البحر : { وجرين بهم بريح ~~طيبة } ( يونس : 22 ) ، ومنه أيضا ما ترضى به النفس كما تقدم في قوله تعالى ~~: { يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا } ( البقرة : 168 ) ثم ~~استعير لما يزكو بين جنسه كقوله : { ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب } ( النساء ~~: 2 ) ومنه فعل { طبن لكم عن شيء منه نفسا } هنا أي رضين بإعطائه دون حرج ~~ولا عسف ، فهو استعارة . # وقوله : { فكلوه } استعمل الأكل هنا في ms1822 معنى الانتفاع الذي لا رجوع فيه ~~لصاحب الشيء المنتفع به ، أي في معنى تمام التملك . وأصل الأكل في كلامهم ~~يستعار للاستيلاء على مال الغير استيلاء لا رجوع فيه ، لأن الأكل أشد أنواع ~~الانتفاع حائلا بين الشيء وبين رجوعه إلى مستحقه . ولكنه أطلق هنا على ~~الانتفاع لأجل المشاكلة مع قوله السابق : { ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ~~} ( النساء : 2 ) فتلك محسن الاستعارة . # و { هنيئا مريئا } حالان من الضمير المنصوب وهما صفتان مشبهتان من هنا ~~وهنيء بفتح النون وكسرها بمعنى ساغ ولم يعقب نغصا . والمريء من مرو الطعام ~~مثلث الراء بمعنى هنىء ، فهو تأكيد يشبه الاتباع . وقيل : الهنيء الذي يلذه ~~الآكل والمريء ما تحمد عاقبته . وهذان الوصفان يجوز كونهما ترشيحا لاستعارة ~~{ كلوه } بمعنى خذوه أخذ ملك ، ويجوز كونهما مستعملين في انتفاء التبعة عن ~~الأزواج في أخذ ما طابت لهم به نفوس أزواجهم ، أي حلالا مباحا ، أو حلالا ~~لا غرم فيه . PageV04P232 وإنما قال : { عن شيء منه } فجيء بحرف التبعيض ~~إشارة إلى أن الشأن أن لا يعرى العقد عن الصداق ، فلا تسقطه كله إلا ؛ أن ~~الفقهاء لما تأولوا ظاهر الآية من التبعيض ، وجعلوا هبة جميع الصداق كهبته ~~كله أخذا بأصل العطايا ، لأنها لما قبضته فقد تقرر ملكها إياه ، ولم يأخذ ~~علماء المالكية في هذا بالتهمة لأن مبنى النكاح على المكارمة ، وإلا فإنهم ~~قالوا في مسائل البيع : إن الخارج من اليد ثم الراجع إليها يعتبر كأنه لم ~~يخرج ، وهذا عندنا في المالكات أمر أنفسهن دون المحجورات تخصيصا للآية ~~بغيرها من أدلة الحجر فإن الصغيرات غير داخلات هنا بالإجماع . فدخل التخصيص ~~للآية . وقال جمهور الفقهاء : ذلك للثيب والبكر ، تمسكا بالعموم . وهو ضعيف ~~في حمل الآدلة بعضها على بعض . # واختلف الفقهاء في رجوع المرأة في هبتها بعض صداقها : فقال الجمهور : لا ~~رجوع لها ، وقال شريح ، وعبد الملك بن مروان : لها الرجوع ، لأنها لو طابت ~~نفسها لما رجعت . ورووا أن عمر بن الخطاب كتب إلى قضاته ( إن النساء يعطين ~~رغبة ورهبة فأيما امرأة أعطته ، ثم أرادت أن ترجع فذلك ms1823 لها ) وهذا يظهر إذا ~~كان ما بين العطية وبين الرجوع قريبا ، وحدث من معاملة الزوج بعد العطية ~~خلاف ما يؤذن حسن المعاشرة السابق للعطية . # وحكم هذه الآية مما أشار إليه قوله تعالى : { وبث منهما رجالا كثيرا ~~ونساء } ( النساء : 1 ) . # # | 2 ( 5 ) { ولا تؤتوا السفهآء أموالكم التى جعل الله لكم قياما وارزقوهم ~~فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا } . ) 2 # عطف على قوله : { وآتوا النساء صدقاتهن } ( النساء : 4 ) لدفع توهم إيجاب ~~أن يؤتى كل مال لمالكه من أجل تقدم الأمر بإتيان الأموال مالكيها مرتين في ~~قوله : { وآتوا اليتامى أموالهم وآتوا النساء صدقاتهن } ( النساء : 2 ، 4 ) ~~. أو عطف على قوله : { وآتوا اليتامى } وما بينهما اعتراض . PageV04P233 # والمقصود بيان الحال التي يمنع فيها السفيه من ماله ، والحال التي يؤتى ~~فيها ماله ، وقد يقال كان مقتضى الظاهر على هذا الوجه أن يقدم هنالك حكم ~~منع تسليم مال اليتامى لأنه أسبق في الحصول ، فيتجه لمخالفة هذا المقتضى أن ~~نقول قدم حكم التسليم ، لأن الناس أحرص على ضده ، فلو ابتدأ بالنهي عن ~~تسليم الأموال للسفهاء لاتخذه الظالمون حجة لهم ، وتظاهروا بأنهم إنما ~~يمنعون الأيتام أموالهم خشية من استمرار السفه فيهم ، كما يفعله الآن كثير ~~من الأوصياء والمقدمين غير الأتقياء ، إذ يتصدون للمعارضة في بينات ثبوت ~~الرشد لمجرد الشغب وإملال المحاجير من طلب حقوقهم . # والخطاب في قوله : { ولا تؤتوا السفهاء } كمثل الخطاب في { وآتوا اليتامى ~~وآتوا النساء } هو لعموم الناس المخاطبين بقوله : { يا أيها الناس اتقوا ~~ربكم } ( الحج : 1 ) ليأخذ كل من يصلح لهذا الحكم حظه من الامتثال . # والسفهاء يجوز أن يراد به اليتامى ، لأن الصغر هو حالة السفه الغالبة ، ~~فيكون مقابلا لقوله : { وآتوا اليتامى } لبيان الفرق بين الإيتاء بمعنى ~~الحفظ والإيتاء بمعنى التمكين ، ويكون العدول عن التعبير عنهم باليتامى إلى ~~التعبير هنا بالسفهاء لبيان علة المنع . ويجوز أن يراد به مطلق من ثبت له ~~السفه ، سواء كان عن صغر أم عن اختلال تصرف ، فتكون الآية قد تعرضت للحجر ~~على السفيه الكبير استطرادا للمناسبة ، وهذا هو الأظهر لأنه أوفر ms1824 معنى ~~وأوسع تشريعا . وتقدم بيان معاني السفه عند قوله تعالى : { إلا من سفه نفسه ~~في سورة البقرة ( 130 ) . # والمراد بالأموال أموال المحاجير المملوكة لهم ، ألا ترى إلى قوله : ~~وارزقوهم فيها } وأضيفت الأموال إلى ضمير المخاطبين ب ( يا أيها الناس ) ~~إشارة بديعة إلى أن المال الرائج بين الناس هو حق لمالكية المختصين به في ~~ظاهر الأمر ، ولكنه عند التأمل تلوح فيه حقوق الأمة جمعاء لأن في حصوله ~~منفعة للأمة كلها ، لأن ما في أيدي بعض أفرادها من الثروة يعود إلى الجميع ~~بالصالحة ، فمن تلك الأموال ينفق أربابها ويستأجرون ويشترون ويتصدقون ثم ~~تورث عنهم إذا ماتوا فينتقل المال بذلك من يد إلى غيرها فينتفع العاجز ~~والعامل والتاجر والفقير وذو الكفاف ، ومتى قلت الأموال PageV04P234 من ~~أيدي الناس تقاربوا في الحاجة والخصاصة ، فأصبحوا في ضنك وبؤس ، واحتاجوا ~~إلى قبيلة أو أمة أخرى وذلك من أسباب ابتزاز عزهم ، وامتلاك بلادهم ، ~~وتصيير منافعهم لخدمة غيرهم ، فلأجل هاته الحكمة أضاف الله تعالى الأموال ~~إلى جميع المخاطبين ليكون لهم الحق في إقامة الأحكام التي تحفظ الأموال ~~والثروة العامة . # وهذه إشارة لا أحسب أن حكيما من حكماء الاقتصاد سبق القرآن إلى بيانها . ~~وقد أبعد جماعة جعلوا الإضافة لأدنى ملابسة ، لأن الأموال في يد الأولياء ، ~~وجعلوا الخطاب للأولياء خاصة . وجماعة جعلوا الإضافة للمخاطبين لأن الأموال ~~من نوع أموالهم ، وإن لم تكن أموالهم حقيقة ، وإليه مال الزمخشري . وجماعة ~~جعلوا الإضافة لأن السفهاء من نوع المخاطبين فكأن أموالهم أموالهم وإليه ~~مال فخر الدين . وقارب ابن العرب إذ قال : ( لأن الأموال مشتركة بين الخلق ~~تنتقل من يد إلى يد وتخرج من ملك إلى ملك ) وبما ذكرته من البيان كان ~~لكلمته هذه شأن . وأبعد فريق آخرون فجعلوا الإضافة حقيقية أي لا تؤتوا يا ~~أصحاب الأموال أموالكم لمن يضيعها من أولادكم ونسائكم ، وهذا أبعد الوجوه ، ~~ولا إخال الحامل على هذا التقدير إلا الحيرة في وجه الجمع بين كون ~~الممنوعين من الأموال السفهاء ، وبين إضافة تلك الأموال إلى ضمير المخاطبين ~~، وإنما وصفته بالبعد لأن قائله جعله ms1825 هو المقصود من الآية ولو جعله وجها ~~جائزا يقوم من لفظ الآية لكان له وجه وجيه بناء على ما تقرر في المقدمة ~~التاسعة . # وأجرى على الأموال صفة تزيد إضافتها إلى المخاطبين وضوحا وهي قوله : { ~~التي جعل الله لكم قياما } فجاء في الصفة بموصول إيماء إلى تعليل النهي ، ~~وإيضاحا لمعنى الإضافة ، فإن ( قيما ) مصدر على وزن فعل بمعنى فعال : مثل ~~عوذ بمعنى عياذ ، وهو من الواوي وقياسه قوم ، إلا أنه أعل بالياء شذوذا كما ~~شذ جياد في جمع جواد وكما شذ طيال في لغة ضبة في جمع طويل ، قصدوا قلب ~~الواو ألفا بعد الكسرة كما فعلوه في قيام ونحوه ، إلا أن ذلك في وزن فعال ~~مطرد ، وفي غيره شاذ لكثرة فعال في المصادر ، وقلة فعل فيها ، وقيم من غير ~~الغالب . كذا قرأه نافع ، وابن عامر : ( قيما ) بوزن فعل ، وقرأه الجمهور ( ~~قياما ) ، والقيام ما به يتقوم المعاش وهو واوي أيضا PageV04P235 وعلى ~~القراءتين فالإخبار عن الأموال به إخبار بالمصدر للمبالغة مثل قول الخنساء ~~: # فإنما هي إقبال وإدبار # والمعنى أنها تقويم عظيم لأحوال الناس . وقيل : قيما جمع قيمة أي التي ~~جعلها الله قيما أي أثمانا للأشياء ، وليس فيه إيذان بالمعنى الجليل ~~المتقدم . # ومعنى قوله : { وارزقوهم فيها واكسوهم } واقع موقع الاحتراس أي لا تؤتوهم ~~الأموال إيتاء تصرف مطلق ، ولكن آتوهم إياها بمقدار انتفاعهم من نفقة وكسوة ~~، ولذلك قال فقهاؤنا : تسلم للمحجور نفقته وكسوته إذا أمن عليها بحسب حاله ~~وماله ، وعدل عن تعدية { ارزقوهم واكسوهم } ب ( من ) إلى تعديتها ب ( في ) ~~الدالة على الظرفية المجازية ، على طريقة الاستعمال في أمثاله ، حين لا ~~يقصد التبعيض الموهم للإنقاص من ذات الشيء ، بل يراد أن في جملة الشيء ما ~~يحصل به الفعل : تارة من عينه ، وتارة من ثمنه ، وتارة من نتاجه ، وأن ذلك ~~يحصل مكررا مستمرا . وانظر ذلك في قول سبرة بن عمرو الفقعسي : # نحابي بها أكفاءنا ونهينها # ونشرب في أثمانها ونقامر # يريد الإبل التي سيقت إليهم في دية قتيل منهم ، أي نشرب بأثمانها ونقامر ~~، فإما شربنا بجميعها أو ms1826 ببعضها أو نسترجع منها في القمار ، وهذا معنى بديع ~~في الاستعمال لم يسبق إليه المفسرون هنا ، فأهمل معظمهم التنبيه على وجه ~~العدول إلى ( في ) ، واهتدى إليه صاحب ( الكشاف ) بعض الاهتداء فقال : أي ~~اجعلوها مكانا لرزقهم بأن تتجروا فيها وتتربحوا حتى تكون نفقتهم من الربح ~~لا من صلب المال . فقوله : ( لا من صلب المال ) مستدرك ، ولو كان كما قال ~~لاقتضى نهيا عن الإنفاق من صلب المال . # وإنما قال : { وقولوا لهم قولا معروفا } ليسلم إعطاؤهم النفقة والكسوة من ~~الأذى ، فإن شأن من يخرج المال من يده أن يستثقل سائل المال ، وذلك سواء في ~~العطايا التي من مال المعطي ، والتي من مال المعطى ، ولأن جانب السفيه ~~ملموز بالهون ، PageV04P236 لقلة تدبيره ، فلعل ذلك يحمل وليه على القلق من ~~معاشرة اليتيم فيسمعه ما يكره مع أن نقصان عقله خلل في الخلقة ، فلا ينبغي ~~أن يشتم عليه ، ولأن السفيه غالبا يستنكر منع ما يطلبه من واسع المطالب ، ~~فقد يظهر عليه ، أو يصدر منه كلمات مكروهة لوليه ، فأمر الله لأجل ذلك كله ~~الأولياء بأن لا يبتدئوا محاجيرهم بسيىء الكلام ، ولا يجيبوهم بما يسوء ، ~~بل يعظون المحاجير ، ويعلمونهم طرق الرشاد ما استطاعوا ، ويذكرونهم بأن ~~المال مالهم ، وحفظه حفظ لمصالحهم ، فإن في ذلك خيرا كثيرا ، وهو بقاء ~~الكرامة بين الأولياء ومواليهم ، ورجاء انتفاع الموالي بتلك المواعظ في ~~إصلاح حالهم حتى لا يكونوا كما قال : # إذا نهي السفيه جرى إليه # وخالف والسفيه إلى خلاف # وقد شمل القول المعروف كل قول له موقع في حال مقاله . وخرج عنه كل قول ~~منكر لا يشهد العقل ولا الخلق بمصادفته المحز ، فالمعروف قد يكون مما يكرهه ~~السفيه إذا كان فيه صلاح نفسه . # # | 2 ( 6 ) { وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن ءانستم منهم رشدا ~~فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوهآ إسرافا وبدارا أن يكبروا ومن كان غنيا ~~فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا ~~عليهم وكفى بالله حسيبا } . ) 2 # يجوز أن يكون جملة { وابتلوا } معطوفة على جملة { ولا تؤتوا السفهاء ~~أموالكم ms1827 } ( النساء : 5 ) لتنزيلها منها منزلة الغاية للنهي . فإن كان ~~المراد من السفهاء هنالك خصوص اليتامى فيتجه أن يقال : لماذا عدل عن الضمير ~~إلى الاسم الظاهر وعن الاسم الظاهر المساوي للأول إلى التعبير بآخر أخص وهو ~~اليتامى ، ويجاب بأن العدول عن الإضمار لزيادة الإيضاح والاهتمام بالحكم ، ~~وأن العدول عن إعادة لفظ السفهاء إيذان بأنهم في حالة الابتلاء مرجو كمال ~~عقولهم ، ومتفاءل بزوال السفاهة عنهم ، لئلا يلوح شبه تناقض بين وصفهم ~~بالسفه وإيناس الرشد منهم ، وإن كان المراد من السفهاء هنالك أعم من ~~اليتامى ، وهو الأظهر ، فيتجه أن يقال : ما وجه تخصيص حكم الابتلاء ~~والاستيناس باليتامى دون السفهاء ؟ ويجاب بأن الإخبار لا يكون إلا عند ~~الوقت الذي يرجى PageV04P237 فيه تغير الحال ، وهو مراهقة البلوغ ، حين ~~يرجى كمال العقل والتنقل من حال الضعف إلى حال الرشد ، أما من كان سفهه في ~~حين الكبر فلا يعرف وقت هو مظنة لانتقال حاله وابتلائه . # ويجوز أن تكون جملة { وابتلوا } معطوفة على جملة { وآتوا اليتامى أموالهم ~~} ( النساء : 2 ) لبيان كيفية الإيتاء ومقدماته ، وعليه فالإظهار في قوله : ~~{ اليتامى } لبعد ما بين المعاد والضمير ، لو عبر بالضمير . # والابتلاء : الاختبار ، وحتى ابتدائية ، وهي مفيدة للغاية ، لأن إفادتها ~~الغاية بالوضع ، وكونها ابتدائية أو جارة استعمالات بحسب مدخولها ، كما ~~تقدم عند قوله تعالى : { حتى إذا فشلتم في سورة آل عمران ( 152 ) . و ( إذا ~~) ظرف مضمن معنى الشرط ، وجمهور النحاة على أن ( حتى ) الداخلة على ( إذا ) ~~ابتدائية لا جارة . # والمعنى : ابتلوا اليتامى حتى وقت إن بلغوا النكاح فادفعوا إليهم أموالهم ~~وما بعد ذلك ينتهي عنده الابتلاء ، وحيث علم أن الابتلاء لأجل تسليم المال ~~فقد تقرر أن مفهوم الغاية مراد منه لازمه وأثره ، وهو تسليم الأموال . ~~وسيصرح بذلك في جواب الشرط الثاني . # والابتلاء هنا : هو اختبار تصرف اليتيم في المال باتفاق العلماء ، قال ~~المالكية : يدفع لليتيم شيء من المال يمكنه التصرف فيه من غير إجحاف ، ويرد ~~النظر إليه في نفقة الدار شهرا كاملا ، وإن كانت بنتا يفوض إليها ما يفوض ~~لربة المنزل ، وضبط أموره ms1828 ، ومعرفة الجيد من الرديء ، ونحو ذلك ، بحسب ~~أحوال الأزمان والبيوت . وزاد بعض العلماء الاختبار في الدين ، قاله الحسن ~~، وقتادة ، والشافعي . وينبغي أن يكون ذلك غير شرط إذ مقصد الشريعة هنا حفظ ~~المال ، وليس هذا الحكم من آثار كلية حفظ الدين . # وبلوغ النكاح على حذف مضاف ، أي بلوغ وقت النكاح أي التزوج ، وهو كناية ~~عن الخروج من حالة الصبا للذكر والأنثى ، وللبلوغ علامات معروفة ، عبر عنها ~~في الآية ببلوغ النكاح بناء على المتعارف عند العرب من التبكير بتزويج ~~البنت عند PageV04P238 البلوغ . ومن طلب الرجل الزواج عند بلوغه ، وبلوغ ~~صلاحية الزواج تختلف باختلاف البلاد في الحرارة والبرودة ، وباختلاف أمزجة ~~أهل البلد الواحد في القوة والضعف ، والمزاج الدموي والمزاج الصفراوي ، ~~فلذلك أحاله القرآن على بلوغ أمد النكاح ، والغالب في بلوغ البنت أنه أسبق ~~من بلوغ الذكر ، فإن تخلفت عن وقت مظنتها فقال الجمهور : يستدل بالسن الذي ~~لا يتخلف عنه أقصى البلوغ عادة ، فقال مالك ، في رواية ابن القاسم عنه : هو ~~ثمان عشرة سنة للذكور والإناث ، وروي مثله عن أبي حنيفة في الذكور ، وقال : ~~في الجاري سبع عشرة سنة ، وروى غير ابن القاسم عن مالك أنه سبع عشرة سنة . ~~والمشهور عن أبي حنيفة : أنه تسع عشرة سنة للذكور وسبع عشرة للبنات ، وقال ~~الجمهور : خمس عشرة سنة . قاله القاسم بن محمد ، وسالم بن عبد الله بنن عمر ~~، وإسحاق ، والشافعي ، وأحمد ، والأوزاعي ، وابن الماجشون ، وبه قال أصبغ ، ~~وابن وهب ، من أصحاب مالك ، واختاره الأبهري من المالكية ، وتمسكوا بحديث ~~ابن عمر أنه عرضه رسول الله يوم بدر وهو ابن أربع عشرة سنة فلم يجزه ، ~~وعرضه يوم أحد وهو ابن خمس عشرة فأجازه . ولا حجة فيه إذ ليس يلزم أن يكون ~~بلوغ عبد الله بن عمر هو معيار بلوغ عموم المسلمين ، فصادف أن رآه النبي ~~وعليه ملامح الرجال ، فأجازه ، وليس ذكر السن في كلام ابن عمر إيماء إلى ~~ضبط الإجازة . وقد غفل عن هذا ابن العربي في أحكام القرآن ، فتعجب من ترك ~~هؤلاء الأيمة تحديد سن البلوغ بخمس ms1829 عشرة سنة ، والعجب منه أشد من عجبه منهم ~~، فإن قضية ابن عمر قضية عين ، وخلاف العلماء في قضايا الأعيان معلوم ، ~~واستدل الشافعية بما روى أن النبي قال : إذا استكمل الولد خمس عشرة سنة كتب ~~ما له وما عليه ، وأقيمت عليه الحدود . وهو حديث ضعيف لا ينبغي الاستدلال ~~به . # ووقت الابتلاء يكون بعد التمييز لا محالة ، وقبل البلوغ : قاله ابن ~~المواز عن مالك ، ولعل وجهه أن الابتلاء قبل البلوغ فيه تعريض بالمال ~~للإضاعة لأن عقل اليتيم غير كامل ، وقال البغداديون من المالكية : الابتلاء ~~قبل البلوغ . وعبر عن استكمال PageV04P239 قوة النماء الطبيعي ببلغوا ~~النكاح } ، فأسند البلوغ إلى ذواتهم لأن ذلك الوقت يدعو الرجل للتزوج ويدعو ~~أولياء البنت لتزويجها ، فهو البلوغ المتعارف الذي لا متأخر بعده ، فلا ~~يشكل بأن الناس قد يزوجون بناتهم قبل سن البلوغ ، وأبناءهم أيضا في بعض ~~الأحوال ، لأن ذلك تعجل من الأولياء لأغراض عارضة ، وليس بلوغا من الأبناء ~~أو البنات . # وقوله : { فإن آنستم منهم رشدا } شرط ثان مقيد للشرط الأول المستفاد من { ~~إذا بلغوا } . وهو وجوابه جواب ( إذا ) ، ولذلك قرن بالفاء ليكون نصا في ~~الجواب ، وتكون ( إذا ) نصا في الشرط ، فإن جواب ( إذا ) مستغن عن الربط ~~بالفاء لولا قصد التنصيص على الشرطية . # وجاءت الآية على هذا التركيب لتدل على أن انتهاء الحجر إلى البلوغ ~~بالأصالة ، ولكن بشرط أن يعرف من المحجور الرشد ، وكل ذلك قطع لمعاذير ~~الأوصياء من أن يمسكوا أموال محاجيرهم عندهم مدة لزيادة التمتع بها . # ويتحصل من معنى اجتماع الشرطين في الكلام هنا ، إذ كان بدون عطف ظاهر أو ~~مقدر بالقرينة ، أن مجموعهما سبب لتسليم المال إلى المحجور ، فلا يكفي حصول ~~أحدهما ولا نظر إلى الذي يحصل منهما ابتداء ، وهي القاعدة العامة في كل ~~جملة شرط بنيت على جملة شرط آخر ، فلا دلالة لهما إلا على لزوم حصول ~~الأمرين في مشروط واحد ، وعلى هذا جرى قول المالكية ، وإمامم الحرمين . ومن ~~العلماء من زعم أن ترتيب الشرطين يفيد كون الثاني منهما في الذكر هو الأول ~~في الحصول . ونسبه ms1830 الزجاجي في كتاب ( الأذكار ) إلى ثعلب ، واختاره ابن ~~مالك وقال به من الشافعية : البغوي ، والغزالي في الوسيط ، ومن العلماء من ~~زعم أن ترتيب الشرطين في الحصول يكون على نحو ترتيبهما في اللفظ ، ونسبه ~~الشافعية إلى القفال ، والقاضي الحسين ، والغزالي في ( الوجيز ) ، والإمام ~~الرازي في ( النهاية ) ، وبنوا على ذلك فروعا في تعليق الشرط على الشرط في ~~الإيمان ، وتعليق الطلاق والعتاق ، وقال إمام الحرمين : لا معنى لاعتبار ~~الترتيب ، وهو الحق ، فإن المقصود حصولها بقطع النظر عن التقدم والتأخر ، ~~ولا يظهر أثر للخلاف PageV04P240 في الإخبار وإنشاء الأحكام ، كما هنا ، ~~وإنما قد يظهر له أثر في إنشاء التعاليق في الأيمان ، وأيمان الطلاق ~~والعتاق ، وقد علمت أن المالكية لا يرون لذلك تأثيرا . وهو الصواب . # واعلم أن هذا إذا قامت القرينة على أن المراد جعل الشرطين شرطا في الجواب ~~، وذلك إذا تجرد عن العطف بالواو ولو تقديرا ، فلذلك يتعين جعل جملة الشرط ~~الثاني وجوابه جوابا للشرط الأول ، سواء ارتبطت بالفاء كما في هذه الآية أم ~~لم ترتبط ، كما في قوله : { ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان ~~الله يريد أن يغويكم } ( هود : 34 ) . وأما إذا كان الشرطان على اعتبار ~~الترتيب فلكل منهما جواب مستقل نحو قوله تعالى : { يأيها النبي إنا أحللنا ~~لك أزواجك إلى قوله : وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبيء إن أراد النبي أن ~~يستنكحها } ( الأحزاب : 50 ) . فقوله : { إن وهبت } شرط في إحلال امرأة ~~مؤمنة له ، وقوله : { نفسها للنبى إن } شرط في انعقاد النكاح ، لئلا يتوهم ~~أن هبة المرأة نفسها للنبي تعين عليه تزوجها ، فتقدير جوابه : إن أراد فله ~~ذلك ، وليسا شرطين للإحلال لظهور أن إحلال المرأة لا سبب له في هذه الحالة ~~إلا أنها وهبت نفسها . # وفي كلتا حالتي الشرط الوارد على شرط يجعل جواب أحدهما محذوفا دل عليه ~~المذكور ، أو جواب أحدهما جوابا للآخر : على الخلاف بين الجمهور والأخفش ، ~~إذ ليس ذلك من تعدد الشروط وإنما يتأتى ذلك في نحو قولك : ( إن دخلت دار ~~أبي سفيان ، وإن دخلت المسجد الحرام ms1831 ، فأنت آمن ) وفي نحو قولك : ( إن صليت ~~إن صمت أثبت ) من كل تركيب لا تظهر فيه ملازمة بين الشرطين ، حتى يصير ~~أحدهما شرطا في الآخر . # هذا تحقيق هذه المسألة الذي أطال فيه كثير وخصها تقي الدين السبكي برسالة ~~وهي مسألة سأل عنها القاضي ابن خلكان الشيخ ابن الحاجب كما أشار إليه في ~~ترجمته من كتاب ( الوفيات ) ، ولم يفصلها ، وفصلها ، الدماميني في ( حاشية ~~مغني اللبيب ) . # وإيناس الرشد هنا علمه ، وأصل الإيناس رؤية الإنسي أي الإنسان ، ثم أطلق ~~على أول ما يتبادر من العلم ، سواء في المبصرات ، نحو : { آنس من جانب ~~الطور نارا } ( القصص : 29 ) أم في المسموعات ، نحو قول الحارث بن حلزة في ~~بقرة وحشية : PageV04P241 # ءانست نبأة وأفزعها القن # اص عصرا وقد دنا الإمساء # وكأن اختيار { آنستم } هنا دون علمتم للإشارة إلى أنه إن حصل أول العلم ~~برشدهم يدفع إليهم مالهم دون تراخ ولا مطل . # والرشد بضم الراء وسكون الشين ، وتفتح الراء فيفتح الشين ، وهما مترادفان ~~وهو انتظام تصرف العقل ، وصدور الأفعال عن ذلك بانتظام ، وأريد به هنا حفظ ~~المال وحسن التدبير فيه كما تقدم في { ابتلوا اليتامى } . # والمخاطب في الآية الأوصياء ، فيكون مقتضى الآية أن الأوصياء هم الذين ~~يتولون ذلك ، وقد جعله الفقهاء حكما ، فقالوا : يتولى الوصي دفع مال محجوره ~~عندما يأنس منه الرشد ، فهو الذي يتولى ترشيد محجوره بتسليم ماله إليه . # وقال اللخمي : من أقامه الأب والقاضي لا يقبل قوله بترشيد المحجور إلا ~~بعد الكشف لفساد الناس اليوم وعدم أمنهم أن يتواطئوا مع المحاجير ليرشدوهم ~~فيسمحوا لهم بما قبل ذلك . وقال ابن عطية : والصواب في أوصياء زماننا أن لا ~~يستغنى عن رفعهم إلى السلطان وثبوت الرشد عنده لما عرف من تواطؤ الأوصياء ~~على أن يرشد الوصي محجوره ويبرىء المحجور الوصي لسفهه وقلة تحصيله في ذلك ~~الوقت . إلا أن هذا لم يجر عليه عمل ، ولكن استحسن الموثقون الإشهاد بثبوت ~~رشد المحجور الموصى عليه من أبيه للاحتياط ، أما وصي القاضي فاختلفت فيه ~~أقوال الفقهاء ، والأصح أنه لا يرشد محجوره إلا بعد ms1832 ثبوت ذلك لدى القاضي ، ~~وبه جرى العمل . # وعندي أن الخطاب في مثله لعموم الأمة ، ويتولى تنفيذه من إليه تنفيذ ذلك ~~الباب من الولاة ، كشأن خطابات القرآن الواردة لجماعة غير معينين ، ولا شك ~~أن الذي إليه تنفيذ أمور المحاجير والأوصياء هو القاضي ، ويحصل المطلوب بلا ~~كلفة . # والآية ظاهرة في تقدم الابتلاء والاستيناس على البلوغ لمكان ( حتى ) ~~المؤذنة بالانتهاء ، وهو المعروف من المذهب ، وفيه قول أنه لا يدفع للمحجور ~~شيء من المال للابتلاء إلا بعد البلوغ . PageV04P242 # والآية أيضا صريحة في أنه إذا لم يحصل الشرطان معا : البلوغ والرشد ، لا ~~يدفع المال للمحجور . واتفق على ذلك عامة علماء الإسلام ، فمن لم يكن رشيدا ~~بعد بلوغه يستمر عليه الحجر ، ولم يخالف في ذلك إلا أبو حنيفة . قال : ~~ينتظر سبع سنين بعد البلوغ فإن لم يؤنس منه الرشد أطلق من الحجر . وهذا ~~يخالف مقتضى الشرط من قوله تعالى : { فإن آنستم منهم رشدا } لأن أبا حنيفة ~~لا يعتبر مفهوم الشرط ، وهو أيضا يخالف القياس إذ ليس الحجر إلا لأجل السفه ~~وسوء التصرف فأي أثر للبلوغ لولا أنه مظنة الرشد ، وإذا لم يحصل مع البلوغ ~~فما أثر سبع السنين في تمام رشده . # ودلت الآية بحكم القياس على أن من طرأ عليه السفه وهو بالغ أو اختل عقله ~~لأجل مرض في فكره ، أو لأجل خرف من شدة الكبر ، أنه يحجر عليه إذ علة ~~التحجير ثابتة ، وخالف في ذلك أيضا أبو حنيفة . وقال : لا حجر على بالغ . # وحكم الآية شامل للذكور والإناث بطريق التغليب : فالأنثى اليتيمة إذا ~~بلغت رشيدة دفع مالها إليها . # والتنكير في قوله : { رشدا } تنكير النوعية ، ومعناه إرادة نوع الماهية ~~لأن المواهي العقلية متحدة لا أفراد لها ، وإنما أفرادها اعتبارية باعتبار ~~تعدد المحال أو تعدد المتعلقات ، فرشد زيد غير رشد عمرو ، والرشد في المال ~~غير الرشد في سياسة الأمة ، وفي الدعوة إلى الحق ، قال تعالى : { وما أمر ~~فرعون برشيد } ( هود : 97 ) ، وقال عن قوم شعيب { إنك لأنت الحليم الرشيد } ~~( هود : 87 ) . وماهية الرشد هي انتظام الفكر وصدور ms1833 الأفعال على نحوه ~~بانتظام ، وقد علم السامعون أن المراد هنا الرشد في التصرف المالي ، ~~فالمراد من النوعية نحو المراد من الجنس ، ولذلك ساوى المعرف بلام الجنس ~~النكرة ، فمن العجائب توهم الجصاص أن في تنكير ( رشدا ) دليلا لأبي حنيفة ~~في عدم اشتراط حسن التصرف واكتفائه بالبلوغ ، بدعوى أن الله شرط رشدا ما ~~وهو صادق بالعقل إذ العقل رشد في الجملة ، ولم يشترط الرشد كله . وهذا ضعف ~~في العربية ، وكيف يمكن العموم في المواهي العقلية المحضة مع أنها لا أفراد ~~لها . وقد أضيفت الأموال هنا إلى ضمير اليتامى : لأنها قوي اختصاصها بهم ~~عندما صاروا رشداء فصار تصرفهم فيها لا يخاف منه إضاعة ما للقرابة ولعموم ~~الأمة من الحق في الأموال . PageV04P243 # وقوله : { ولا تأكلوها إسرافا } عطف على { وابتلوا اليتامى } باعتبار ما ~~اتصل به من الكلام في قوله : { فإن آنستم منهم رشدا } إلخ وهو تأكيد للنهي ~~عن أكل أموال اليتامى الذي تقدم في قوله : { ولا تأكلوا أموالهم إلى ~~أموالكم } ( النساء : 2 ) وتفضيح لحيلة كانوا يحتالونها قبل بلوغ اليتامى ~~أشدهم : وهي أن يتعجل الأولياء استهلاك أموال اليتامى قبل أن يتهيئوا ~~لمطالبتهم ومحاسبتهم ، فيأكلوها بالإسراف في الإنفاق ، وذلك أن أكثر ~~أموالهم في وقت النزول كانت أعيانا من أنعام وتمر وحب وأصواف فلم يكن شأنها ~~مما يكتم ويختزن ، ولا مما يعسر نقل الملك فيه كالعقار ، فكان أكلها هو ~~استهلاكها في منافع الأولياء وأهليهم ، فإذا وجد الولي مال محجوره جشع إلى ~~أكله بالتوسعع في نفقاته ولباسه ومراكبه وإكرام سمرائه مما لم يكن ينفق فيه ~~مال نفسه ، وهذا هو المعنى الذي عبر عنه بالإسراف ، فإن الإسراف الإفراط في ~~الإنفاق والتوسع في شؤون اللذات . # وانتصب ( إسرافا ) على الحال : أو على النيابة عن المفعول المطلق ، وأيا ~~ما كان ، فليس القصد تقييد النهي عن الأكل بذلك ، بل المقصود تشويه حالة ~~الأكل . # والبدار مصدر بادره ، وهو مفاعلة من البدر ، وهو العجلة إلى الشيء ، بدره ~~عجله ، وبادره عاجله ، والمفاعلة هنا قصد منها تمثيل هيئة الأولياء في ~~إسرافهم في أكل أموال محاجيرهم عند مشارفتهم البلوغ ms1834 ، وتوقع الأولياء سرعة ~~إبانه ، بحال من يبدر غيره إلى غاية والآخر يبدر إليها فهما يتبادرانها ، ~~كأن المحجور يسرع إلى البلوغ ليأخذ ماله ، والوصي يسرع إلى أكله لكيلا يجد ~~اليتيم ما يأخذ منه ، فيذهب يدعي عليه ، ويقيم البينات حتى يعجز عن إثبات ~~حقوقه ، فقوله : { أن يكبروا } في موضع المفعول لمصدر المفاعلة . ويكبر ~~بفتح الموحدة مضارع كبر كعلم إذا زاد في السن ، وأما كبر بضم الموحدة فهو ~~إذا عظم في القدر ، ويقال : كبر عليه الأمر بضم الموحدة شق . # عطف على { ولا تأكلوها إسرافا } الخ المقرر به قوله : { ولا تأكلوا ~~أموالهم إلى أموالكم } ( النساء : 2 ) PageV04P244 ليتقرر النهي عن أكل ~~أموالهم . وهو تخصيص لعموم النهي عن أكل أموال اليتامى في الآيتين ~~السابقتين للترخيص في ضرب من ضروب الأكل ، وهو أن يأكل الوصي الفقير من مال ~~محجوره بالمعروف ، وهو راجع إلى إنفاق بعض مال اليتيم في مصلحته ، لأنه إذا ~~لم يعط وصيه الفقير بالمعروف ألهاه التدبير لقوته عن تدبير مال محجوره . # وفي لفظ المعروف ( حوالة على ما يناسب حال الوصي ويتيمه بحسب الأزمان ~~والأماكن وقد أرشد إلى ذلك حديث أبي داوود : أن رجلا أتى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال : ( إني فقير وليس لي شيء ) قال : ( كل من مال يتيمك ~~غير مسرف ولا مبادر ولا متاثل ) . وفي ( صحيح مسلم ) عن عائشة : نزلت الآية ~~في ولي اليتيم إذا كان محتاجا أن يأكل منه بقدر ماله بالمعروف ، ولذلك قال ~~المالكية : يأخذ الوصي بقدر أجرة مثله ، وقال عمر بن الخطاب ، وابن عباس ، ~~وأبو عبيدة ، وابن جبير ، والشعبي ، ومجاهد : إن الله أذن في القرض لا غير ~~. قال عمر : ( إني نزلت نفسي من مال الله منزلة الوصي من مال اليتيم ، إن ~~استغنيت استعففت وإن احتجت أكلت بالمعروف ، فإذا أيسرت قضيت ) وقال عطاء ، ~~وإبراهيم : لا قضاء على الوصي إن أيسر . وقال الحسن ، والشعبي ، وابن عباس ~~، في رواية : إن معناه أن يشرب اللبن ويأكل من الثمر ويهنأ الجربي من إبله ~~ويلوط الحوض . وقيل : إنما ذلك عند الاضطرار كأكل الميتة والخنزير : روي ms1835 عن ~~عكرمة ، وابن عباس ، والشعبي ، وهو أضعف الأقوال لأن الله ناط الحكم بالفقر ~~لا بالاضطرار ، وناطه بمال اليتيم ، والاضطرار لا يختص بالتسليط على مال ~~اليتيم بل على كل مال . وقال أبو حنيفة وصاحباه : لا يأخذ إلا إذا سافر من ~~أجل اليتيم يأخذ قوته في السفر . واختلف في وصي الحاكم هل هو مثل وصي الأب ~~. فقال الجمهور : هما سواء ، وهو الحق ، وليس في الآية تخصيص . # ثم اختلفوا في الوصي الغني هل يأخذ أجر مثله على عمله بناء على الخلاف في ~~أن الأمر في قوله : { فليستعفف } للوجوب أو للندب ، فمن قال للوجوب قال : ~~لا يأكل الغني شيئا ، وهذا قول كل من منعه الانتفاع بأكثر من السلف والشيء ~~القليل ، وهم جمهور تقدمت أسماءهم . وقيل : الأمر للندب فإذا أراد أن يأخذ ~~أجر مثله جاز له إذا كان له عمل وخدمة ، أما إذا كان عمله مجرد التفقد ~~لليتيم والإشراف عليه فلا أجر له . PageV04P245 # وهذا كله بناء على أن الآية محكمة . ومن العلماء من قال : هي منسوخة ~~بقوله تعالى : { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما } ( النساء : 10 ) ~~الآية ، وقوله : { ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } ( البقرة : 188 ) ~~وإليه مال أبو يوسف ، وهو قول مجاهد ، وزيد بن أسلم . # ومن العلماء من سلك بالآية مسلك التأويل فقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن : ~~المراد فمن كان غنيا أي من اليتامى ، ومن كان فقيرا كذلك ، وهي بيان لكيفية ~~الإنفاق على اليتامى فالغني يعطى كفايته ، والفقير يعطى بالمعروف ، وهو ~~بعيد ، فإن فعل ( استعفف : يدل على الاقتصاد والتعفف عن المسألة . # وقال النخعي ، وروي عن ابن عباس : من كان من الأوصياء غنيا فليستعفف ~~بماله ولا يتوسع بمال محجوره ومن كان فقيرا فإنه يقتر على نفسه لئلا يمد ~~يده إلى مال يتيمه . واستحسنه النحاس والكيا الطبري في أحكام القرآن . # تفريع عن قوله فادفعوا إليهم أموالهم فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا ~~عليهم وكفى بالله حسيبا } وهو أمر بالإشهاد عند الدفع ، ليظهر جليا ما ~~يسلمه الأوصياء لمحاجيرهم ، حتى يمكن الرجوع عليهم يوما ما بما يطلع عليه ~~مما ms1836 تخلف عند الأوصياء ، وفيه براءة للأوصياء أيضا من دعاوي المحاجير من ~~بعد . وحسبك بهذا التشريع قعطا للخصومات . # والأمر هنا يحتمل الوجوب ويحتمل الندب ، وبكل قالت طائفة من العلماء لم ~~يسم أصحابها : فإن لوحظ ما فيه من الاحتياط لحق الوصي كان الإشهاد مندوبا ~~PageV04P246 لأنه حقه فله أن لا يفعله ، وإن لوحظ ما فيه من تحقيق مقصد ~~الشريعة من رفع التهارج وقع الخصومات ، كان الإشهاد واجبا نظير ما تقدم في ~~قوله تعالى : { إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه } ( البقرة : 282 ) ~~وللشريعة اهتمام بتوثيق الحقوق لأن ذلك أقوم لنظام المعاملات . وأياما كان ~~فقد جعل الله الوصي غير مصدق في الدفع إلا ببينة عند مالك قال ابن الفرس : ~~لولا أنه يضمن إذا أنكره المحجور لم يكن للأمر بالتوثق فائدة ، ونقل الفخر ~~عن الشافعي موافقة قول مالك ، إلا أن الفخر احتج بأن ظاهر الأمر للوجوب وهو ~~احتجاج واه لأنه لا أثر لكون الأمر للوجوب أو للندب في ترتب حكم الضمان ، ~~إذ الضمان من آثار خطاب الوضع ، وسببه هو انتفاء الإشهاد ، وأما الوجوب ~~والندب فمن خطاب التكليف وأثرهما العقاب والثواب . وقال أبو حنيفة : هو ~~مصدق بيمينه لأنه عده أمينا ، وقيل : لأنه رأى الأمر للندب . وقد علمت أن ~~محمل الأمر بالإشهاد لا يؤثر في حكم الضمان . وجاء بقوله : { وكفى بالله ~~حسيبا تذييلا لهذه الأحكام كلها ، لأنها وصيات وتحريضات فوكل الأمر فيها ~~إلى مراقبة الله تعالى . والحسيب : المحاسب . والباء زائدة للتوكيد . # # | 2 ( 7 ) للرجال نصيب مما ترك الوالدان والاقربون وللنسآء نصيب مما ترك ~~الوالدان والاقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا } . ) 2 # استئناف ابتدائي ، وهو جار مجرى النتيجة لحكم إيتاء أموال اليتامى ، ~~ومجرى المقدمة لأحكام المواريث التي في قوله تعالى : { يوصيكم الله في ~~أولادكم } ( النساء : 11 ) . # ومناسبة تعقيب الآي السابقة بها : أنهم كانوا قد اعتادوا إيثار الأقوياء ~~والأشداء بالأموال ، وحرمان الضعفاء ، وإبقاءهم عالة على أشدائهم حتى ~~يكونوا في مقادتهم ، فكان الأولياء يمنعون عن محاجيرهم أموالهم ، وكان أكبر ~~العائلة يحرم إخوته من الميراث معه فكان أولئك لضعفهم ms1837 يصبرون على الحرمان ، ~~ويقنعون بالعيش في ظلال أقاربهم ، لأنهم إن نازعوهم أطردوهم وحرموهم ، ~~فصاروا عالة على الناس . # وأخص الناس بذلك النساء فإنهن يجدن ضعفا من أنفسهن ، ويخشين عار الضيعة ، ~~PageV04P247 ويتقين انحراف الأزواج ، فيتخذن رضى أوليائهن عدة لهن من حوادث ~~الدهر ، فلما أمرهم الله أن يؤتوا اليتامى أموالهم ، أمر عقبه بأمرهم بأن ~~يجعلوا للرجال والنساء نصيبا مما ترك الوالدان والأقربون . # فإيتاء مال اليتيم تحقيق لإيصال نصيبه مما ترك له الوالدان والأقربون ، ~~وتوريث القرابة إثبات لنصيبهم مما ترك الوالدان والأقربون ، وذكر النساء ~~هناك تمهيدا لشرع الميراث ، وقد تأيد ذلك بقوله : { وإذا حضر القسمة أولو ~~القربى واليتامى } ( النساء : 8 ) فإن ذلك يناسب الميراث ، ولا يناسب إيتاء ~~أموال اليتامى . # ولا جرم أن من أهم شرائع الإسلام شرع الميراث ، فقد كان العرب في ~~الجاهلية يجعلون أموالهم بالوصية لعظماء القبائل ومن تلحقهم بالانتساب ~~إليهم حسن الأحدوثة ، وتجمعهم بهم صلات الحلف أو الاعتزاز والود ، وكانوا ~~إذا لم يوصوا أو تركوا بعض مالهم بلا وصية يصرف لأبناء الميت الذكور ، فإن ~~لم يكن له ذكور فقد حكي أنهم يصرفونه إلى عصبته من إخوة وأبناء عم ، ولا ~~تعطى بناته شيئا ، أما الزوجات فكن موروثات لا وارثات . # وكانوا في الجاهلية لا يورثون بالبنوة إلا إذا كان الأبناء ذكورا ، فلا ~~ميراث للنساء لأنهم كانوا يقولون إنما يرث أموالنا من طاعن بالرمح ، وضرب ~~بالسيف . فإن لم تكن الأبناء الذكور ورث أقرب العصبة : الأب ثم الأخ ثم ~~العم وهكذا ، وكانوا يورثون بالتبني وهو أن يتخذ الرجل ابن غيره ابنا له ~~فتنعقد بين المتبني والمتبنى جميع أحكام الأبوة . # ويورثون أيضا بالحلف وهو أن يرغب رجلان في الخلة بينهما فيتعاقدا على أن ~~دمهما واحد ويتوارثا ، فلما جاء الإسلام لم يقع في مكة تغيير لأحكام ~~الميراث بين المسلمين لتعذر تنفيذ ما يخالف أحكام سكانها ، ثم لما هاجر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وبقي معظم أقارب المهاجرين المشركون بمكة صار ~~التوريث : بالهجرة ، فالمهاجر يرث المهاجر ، وبالحلف ، وبالمعاقدة ، ~~وبالأخوة التي آخاها الرسول عليه الصلاة والسلام بين المهاجرين والأنصار ms1838 ، ~~ونزل في ذلك قوله تعالى : { ولكل PageV04P248 جعلنا موالي مما ترك الوالدان ~~والأقربون } ( النساء : 33 ) الآية من هاته السورة . وشرع الله وجوب الوصية ~~للوالدين والأقربين بآية سورة البقرة ، ثم توالد المسلمون ولحق بهم آباؤهم ~~وأبناؤهم مؤمنين ، فشرع الله الميراث بالقرابة ، وجعل للنساء حظوظا في ذلك ~~فأتم الكلمة ، وأسبغ النعمة ، وأومأ إلى أن حكمة الميراث صرف المال إلى ~~القرابة بالولادة وما دونها . # وقد كان قوله تعالى : { وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون } أول ~~إعطاء لحق الإرث للنساء في العرب . # ولكون هذه الآية كالمقدمة جاءت بإجمال الحق والنصيب في الميراث وتلاه ~~تفصيله ، لقصد تهيئة النفوس ، وحكمة هذا الإجمال حكمة ورود الأحكام المراد ~~نسخها إلى أثقل لتسكن النفوس إليها بالتدريج . # روى الواحدي ، في أسباب النزول ، والطبري ، عن عكرمة ، وأحدهما يزيد على ~~الآخر ما حاصله : إن أوس بن ثابت الأنصاري توفي وترك امرأة يقال لها أم كحة ~~فجاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : ( إن زوجي قتل معك يوم أحد ~~وهاتان بنتاه وقد استوفى عمهما مالهما فما ترى يا رسول الله ؟ فوالله ما ~~تنكحان أبدا إلا ولهما مال ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( يقضي ~~الله في ذلك ) . فنزلت سورة النساء وفيها : { يوصيكم الله في أولادكم } ( ~~النساء : 11 ) . قال جابر بن عبد الله : فقال رسول الله ( ادع لي المرأة ~~وصاحبها ) فقال لعمتهما ( أعطهما الثلثين وأعط أمهما الثمن وما بقي فلك ) . ~~ويروى : أن ابني عمه سويد وعرفطة ، وروى أنهما قتادة وعرفجة ، وروي أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لما دعا العم أو ابني العم قال ، أو قالا له ( يا ~~رسول الله لا نعطي من لا يركب فرسا ولا يحمل كلا ولا ينكي عدوا ) فقال ( ~~انصرف أو انصرفا ، حتى أنظر ما يحدث الله فيهن ) فنزلت آية { للرجال نصيب } ~~الآية . وروي أنه لما نزلت هاته الآية أرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى ~~ولي البنتين فقال : ( لا تفرق من مال أبيهما شيئا فإن الله قد جعل لهن ~~نصيبا ) PageV04P249 # والنصيب تقدم عند قوله : { ألم تر إلى الذين ms1839 أوتوا نصيبا من الكتاب في ~~سورة آل عمران ( 23 ) . # وقوله : بيان لمما ترك } لقصد تعميم ما ترك الوالدان والأقربون وتنصيص ~~على أن الحق متعلق بكل جزء من المال ، حتى لا يستأثر بعضهم بشيء ، وقد كان ~~الرجل في الجاهلية يعطي أبناءه من ماله على قدر ميله كما أوصى نزار بن معد ~~بن عدنان لأبنائه : مضر ، وربيعة ، وإياد ، وأنمار ، فجعل لمضر الحمراء ~~كلها ، وجعل لربيعة الفرس ، وجعل لإياد الخادم ، وجعل لأنمار الحمار ، ~~ووكلهم في إلحاق بقية ماله بهاته الأصناف الأربعة إلى الأفعى الجرهمي في ~~نجران ، فانصرفوا إليه ، فقسم بينهم ، وهو الذي أرسل المثل : إن العصا من ~~العصية . # وقوله : { نصيبا مفروضا } حال من ( نصيب ) في قوله : { للرجال نصيب } { ~~وللنساء نصيب } وحيث أريد بنصيب الجنس جاء الحال منه مفردا ولم يراع تعدده ~~، فلم يقل : نصيبين مفروضين ، على اعتبار كون المذكور نصيبين ، ولا قيل : ~~أنصباء مفروضة ، على اعتبار كون المذكور موزعا للرجال وللنساء ، بل روعي ~~الجنس فجيء بالحال مفردا و { مفروضا } وصف ، ومعنى كونه مفروضا أنه معين ~~المقدار لكل صنف من الرجال والنساء ، كما قال تعالى في الآية الآتية { ~~فريضة من الله } ( النساء : 11 ) . وهذا أوضح دليل على أن المقصود بهذه ~~الآية تشريع المواريث . # # | 2 ( 8 ) { وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم ~~منه وقولوا لهم قولا معروفا } . ) 2 # جملة معطوفة على جملة { للرجال نصيب } ( النساء : 7 ) إلى آخرها . وهذا ~~أمر بعطية تعطى من الأموال الموروثة : أمر الورثة أن يسهموا لمن يحضر ~~القسمة من ذوي قرابتهم غير الذين لهم حق في الإرث ، ممن شأنهم أن يحضروا ~~مجالس الفصل بين الأقرباء . # وقوله : { للرجال نصيب } ( النساء : 7 ) وقوله : { وللنساء نصيب } ( ~~النساء : 7 ) يقتضيان مقسوما ، فالتعريف في قوله : { القسمة } تعريف العهد ~~الذكري . PageV04P250 # والأمر في قوله : { فارزقوهم منه } محمول عند جمهور أهل العلم على الندب ~~من أول الأمر ، إذ ليس في الصدقات الواجبة غير الزكاة ، لأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال للأعرابي لما قال له : هل علي غيرها ؟ ( لا إلا أن تطوع ) ~~وبهذا قال مالك وأبو حنيفة ms1840 وفقهاء الأمصار ، وجعلوا المخاطب بقوله : { ~~فارزقوهم } الورثة المالكين أمر أنفسهم ، والآية عند هؤلاء محكمة غير ~~منسوخة ، وذهب فريق من أهل العلم إلى حمل الأمر بقوله : { فارزقوهم } على ~~الوجوب ، فعن ابن عباس ، وعكرمة ، ومجاهد ، والزهري ، وعطاء ، والحسن ، ~~والشعبي : أن ذلك حق واجب على الورثة المالكين أمر أنفسهم فهم المخاطبون ~~بقوله : { فارزقوهم } . # وعن ابن عباس ، وأبي موسى الأشعري وسعيد بن المسيب ، وأبي صالح : أن ذلك ~~كان فرضا قبل نزول آية المواريث ، ثم نسخ بآية المواريث ، ومآل هذا القول ~~إلى موافقة قول جمهور أهل العلم . # عن ابن عباس أيضا . وزيد بن أسلم : أن الأمر موجه إلى صاحب المال في ~~الوصية التي كانت مفروضة قبل شرع الميراث واجب عليه أن يجعل في وصينه شيئا ~~لمن يحضر وصيته من أولى القربى واليتامى والمساكين غير الذين أوصى لهم ، ~~وأن ذلك نسخ تبعا لنسخ وجوب الوصية ، وهذا يقتضي تأويل قوله : { القسمة } ~~بمعنى تعيين ما لكل موصى له من مقدار . # وعن سعيد بن جبير : أن الآية في نفس الميراث وأن المقصود منها هو قوله : ~~{ وقولوا لهم قولا معروفا } قال : فقوله : { فارزقوهم منه } هو الميراث ~~نفسه . # وقوله : { وقولوا لهم قولا معروفا } أي قولوا لغير الورثة بأن يقال لهم ~~إن الله قسم المواريث . # وقد علمت أن موقع الآية تمهيد لتفصيل الفرائض ، وأن ما ذهب إليه جمهور ~~أهل العلم هو التأويل الصحيح للآية ، وكفاك باضطراب الرواية عن ابن عباس في ~~تأويلها توهينا لتأويلاتهم . PageV04P251 # والأمر بأن يقولوا لهم قولا معروفا أي قولا حسنا وهو ضد المنكر تسلية ~~لبعضهم على ما حرموا منه من مال الميت كما كانوا في الجاهلية . # # | 2 ( 9 ) { وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم ~~فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا } ) 2 # موعظة لكل من أمر أو نهي أو حذر أو رغب في الآي السابقة ، في شأن أموال ~~اليتامى وأموال الضعاف من النساء والصبيان ، فابتدئت الموعظة بالأمر بخشية ~~الله تعالى أي خشية عذابه ، ثم أعقب بإثارة شفقة الآباء على ذريتهم بأن ~~ينزلوا أنفسهم منزلة الموروثين ، الذين اعتدوا ms1841 هم على أموالهم ، وينزلوا ~~ذرياتهم منزلة الذرية الذين أكلوا هم حقوقهم ، وهذه الموعظة مبنية على قياس ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ~~) وزاد إثارة الشفقة التنبيه على أن المعتدي عليهم خلق ضعاف بقوله : { ~~ضعافا } ، ثم أعقب بالرجوع إلى الغرض المنتقل منه وهو حفظ أموال اليتامى ، ~~بالتهديد على أكله بعذاب الآخرة بعد التهديد بسوء الحال في الدنيا . فيفهم ~~من الكلام تعريض بالتهديد بأن نصيب أبناءهم مثل ما فعلوه بأبناء غيرهم ~~والأظهر أن مفعول ( يخش ) حذف لتذهب نفس السامع في تقديره كل مذهب محتمل ، ~~فينظر كل سامع بحسب الأهم عنده مما يخشاه أن يصيب ذريته . # وجملة { لو تركوا } إلى { خافوا عليهم } صلة الموصول ، وجملة { خافوا ~~عليهم } جواب ( لو ) . # وجيء بالموصول لأن الصلة لما كانت وصفا مفروضا حسن التعريف بها إذ ~~المقصود تعريف من هذه حاله ، وذلك كاف في التعريف للمخاطبين بالخشية إذ كل ~~سامع يعرف مضمون هذه الصلة لو فرض حصولها له ، إذ هي أمر يتصوره كل الناس . # ووجه اختيار ( لو ) هنا من بين أدوات الشرط أنها هي الأداة الصالحة لفرض ~~الشرط من غير تعرض لإمكانه ، فيصدق معها الشرط المتعذر الوقوع والمستبعده ~~PageV04P252 والممكنه : فالذين بلغوا اليأس من الولادة ، ولهم أولاد كبار ~~أو لا أولاد لهم ، يدخلون في فرض هذا الشرط لأنهم لو كان لهم أولاد صغار ~~لخافوا عليهم ، والذين لهم أولاد صغار أمرهم أظهر . # وفعل ( تركوا ) ماض مستعمل في مقاربة حصول الحدث مجازا بعلاقة الأول ، ~~كقوله تعالى : { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم } ( ~~البقرة : 240 ) وقوله تعالى : { لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم } ( ~~الشعراء : 201 ) وقول الشاعر : # إلى ملك كاد الجبال لفقده # تزول زوال الراسيات من الصخر # أي وقاربت الراسيات الزوال إذ الخوف إنما يكون عند مقاربة الموت لا بعد ~~الموت . فالمعنى : لو شارفوا أن يتركوا ذرية ضعافا لخافوا عليهم من أولياء ~~السوء . # والمخاطب بالأمر من يصلح له من الأصناف المتقدمة : من الأوصياء ، ومن ~~الرجال الذين يحرمون النساء ميراثهن ، ويحرمون صغار ms1842 إخوتهم أو أبناء إخوتهم ~~وأبناء أعمامهم من ميراث آبائهم ، كل أولئك داخل في الأمر بالخشية ، ~~والتخويف بالموعظة ، ولا يتعلق هذا الخطاب بأصحاب الضمير في قوله : { ~~فارزقوهم منه } ( النساء : 8 ) لأن تلك الجملة وقعت كالاستطراد ، ولأنه لا ~~علاقة لمضمونها بهذا التخويف . # وفي الآية ما يبعث الناس كلهم على أن يغضبوا للحق من الظلم ، وأن يأخذوا ~~على أيدي أولياء السوء ، وأن يحرسوا أموال اليتامى ويبلغوا حقوق الضعفاء ~~إليهم ، لأنهم إن أضاعوا ذلك يوشك أن يلحق أبناءهم وأموالهم مثل ذلك ، وأن ~~يأكل قويهم ضعيفهم ، فإن اعتياد السوء ينسي الناس شناعته ، ويكسب النفوس ~~ضراوة على عمله . وتقدم تفسير الذرية عند قوله تعالى : { ذرية بعضها من بعض ~~في سورة آل عمران ( 34 ) . # وقوله : فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا } فرع الأمر بالتقوى على الأمر ~~بالخشية وإن كانا أمرين متقاربين : لأن الأمر الأول لما عضد بالحجة اعتبر ~~كالحاصل فصح التفريع عليه ، والمعنى : فليتقوا الله في أموال الناس ~~وليحسنوا إليهم القول . # PageV04P253 # | 2 ( 10 ) { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون فى بطونهم ~~نارا وسيصلون سعيرا } ) 2 # جملة معترضة تفيد تكرير التحذير من أكل مال اليتامى ، جرته مناسبة التعرض ~~لقسمة أموال الأموات ، لأن الورثة يكثر أن يكون فيهم يتامى لكثرة تزوج ~~الرجال في مدة أعمارهم ، فقلما يخلو ميت عن ورثة صغار ، وهو مؤذن بشدة ~~عناية الشارع بهذا الغرض ، فلذلك عاد إليه بهذه المناسبة . # وقوله : { ظلما } حال من { يأكلون } مقيدة ليخرج الأكل المأذون فيه بمثل ~~قوله : { ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف } ( النساء : 6 ) ، فيكون كقوله : ~~{ ياأيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } ( النساء : 29 ) . # ثم يجوز أن يكون ( نارا ) من قوله : { إنما يأكلون في بطونهم نارا } ~~مرادا بها نار جهنم ، كما هو الغالب في القرآن ، وعليه ففعل { يأكلون } ~~ناصب ( نارا ) المذكور على تأويل يأكلون ما يفضي بهم إلى النار ، فأطلق ~~النار مجازا مرسلا بعلاقة الأول أو السببية أي ما يفضي بهم إلى عذاب جهنم ، ~~فالمعنى أنهم حين يأكلون أموال اليتامى قد أكلوا ما يفضي بهم إلى جهنم . # وعلى ms1843 هذا فعطف جملة : { وسيصلون سعيرا } عطف مرادف لمعنى جملة { يأكلون ~~في بطونهم نارا } . # ويجوز أن يكون اسم النار مستعارا للألم بمعنى أسباب الألم فيكون تهديدا ~~بعذاب دنيوي أو مستعارا للتلف لأن شأن النار أن تلتهم ما تصيبه ، والمعنى ~~إنما يأخذون أموالا هي سبب في مصائب تعتريهم في ذواتهم وأموالهم كالنار إذا ~~تدنو من أحد فتؤلمه وتتلف متاعه ، فيكون هذا تهديدا بمصائب في الدنيا على ~~نحو قوله تعالى : { يمحق الله الربا } ( البقرة : 276 ) ويكون عطف جملة { ~~وسيصلون سعيرا } جاريا على ظاهر العطف من اقتضاء المغايرة بين المتعاطفين ، ~~فالجملة الأولى تهديد بعذاب في الدنيا ، والجملة الثانية وعيد بعذاب الآخرة ~~. PageV04P254 # وذكر { في بطونهم } على كلا المعنيين مجرد تخييل وترشيح لاستعارة { ~~يأكلون } لمعنى يأخذون ويستحوذون . # والسين في { سيصلون } حرف تنفيس أي استقبال ، أي أنها تدخل على المضارع ~~فتمحضه للاستقبال ، سوءا كان استقبالا قريبا أو بعيدا ، وهي مرادفة سوف ، ~~وقيل : إن سوف أوسع زمانا . وتفيدان في مقام الوعد تحقيق الوعد وكذلك ~~التوعد . # ويصلون مضارع صلي كرضي إذا قاسى حر النار بشدة ، كما هنا ، يقال : صلى ~~بالنار ، ويكثر حذف حرف الجر مع فعل صلي ونصب الاسم بعده على نزع الخافض ، ~~قال حميد بن ثور : # لا تصطلي النار إلا يجمرا أرجا # قد كسرت من يلجوج له وقصا # وهو الوارد في استعمال القرآن باطراد . # وقرأ الجمهور : وسيصلون بفتح التحتية مضارع صلي ، وقرأه ابن عامر ، وأبو ~~بكر عن عاصم بضم التحتية مضارع أصلاه إذا أحرقه ومبنيا للنائب . # { والسعير } النار المسعرة أي الملتهبة ، وهو فعيل بمعنى مفعول ، بني ~~بصيغة المجرد ، وهو من المضاعف ، كما بنى السميع من أسمع ، والحكيم من أحكم ~~. # $ 2 ( 11 ) { يوصيكم الله فى & # 1764 أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين فإن كن نسآء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ~~ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ولابويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن ~~كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلامه الثلث فإن كان له إخوة ~~فلامه السدس من بعد وصية يوصى بهآ أو دين ءابآؤكم ms1844 وأبناؤكم لا تدرون أيهم ~~أقرب لكم نفعا فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما } . ) 2 $ # تتنزل آية { يوصيكم الله في أولادكم } منزلة البيان والتفصيل لقوله { ~~للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون } ( النساء : 7 ) وهذا المقصد الذي ~~جعل قوله : { للرجال نصيب } ( النساء : 7 ) إلخ بمنزلة المقدمة له فلذلك ~~كانت جملة : { يوصيكم } مفصولة لأن كلا الموقعين مقتض للفصل . PageV04P255 # ومن الاهتمام بهذه الأحكام تصدير تشريعها بقوله : { يوصيكم } لأن الوصاية ~~هي الأمر بما فيه نفع المأمور وفيه اهتمام الآمر لشدة صلاحه ، ولذلك سمي ما ~~يعهد به الإنسان ، فيما يصنع بأبنائه وبماله وبذاته بعد الموت ، وصية . # وقد رويت في سبب نزول الآية أحاديث كثيرة . ففي ( صحيح البخاري ) ، عن ~~جابر بن عبد الله : أنه قال : ( مرضت فعادني رسول الله وأبو بكر في بني ~~سلمة فوجداني لا أعقل فدعا رسول الله بماء فتوضأ ، ثم رش علي منه فأفقت ~~فقلت ( كيف أصنع في مالي يا رسول الله ) فنزلت { يوصيكم الله في أولادكم } ~~. # وروى الترمذي ، وأبو داود ، وابن ماجه ، عن جابر ، قال : جاءت امرأة سعد ~~بن الربيع فقالت لرسول الله ( إن سعدا هلك وترك ابنتين وأخاه ، فعمد أخوه ~~فقبض ما ترك سعد ، وإنما تنكح النساء على أموالهن ) فلم يجبها في مجلسها ~~ذلك ، ثم جاءته فقالت ( يا رسول الله ابنتا سعد ) فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ( ادع لي أخاه ) ، فجاء ، فقال : ( ادفع إلى ابنتيه الثلثين وإلى ~~امرأته الثمن ولك ما بقي ) ونزلت آية الميراث . # بين الله في هذه الآيات فروض الورثة ، وناط الميراث كله بالقرابة القريبة ~~، سواء كانت جبلية وهي النسب ، أو قريبة من الجبلية ، وهي عصمة الزوجية ، ~~لأن طلب الذكر للأنثى جبلي ، وكونها المرأة المعينة يحصل بالإلف ، وهو ~~ناشىء عن الجبلة . وبين أهل الفروض ولم يبين مرجع المال بعد إعطاء أهل ~~الفروض فروضهم ، وذلك لأنه تركه على المتعارف عندهم قبل الإسلام من احتواء ~~أقرب العصبة على مال الميت ، وقد بين هذا المقصد قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم ( ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجلل ذكر ms1845 ) . # ألا ترى قوله تعالى بعد هذا { فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث ~~} فلم يبين حظ الأب ، لأن الأب في تلك الحالة قد رجع إلى حالته المقررة ، ~~وهي احتواء المال فاحتيج إلى ذكر فرض الأم . # وابتدأ الله تعالى بميراث الأبناء لأنهم أقرب الناس . PageV04P256 # والأولاد جمع ولد بوزن فعل مثل أسد ووثن ، وفيه لغة ولد بكسر الواو وسكون ~~اللام وكأنه حينئذ فعل الذي بمعنى المفعول كالذبح والسلخ . والولد اسم ~~للابن ذكرا كان أو أنثى ، ويطلق على الواحد وعلى الجماعة من الأولاد ، ~~والوارد في القرآن بمعنى الواحد وجمعه أولاد . # و { في } هنا للظرفية المجازية ، جعلت الوصية كأنها مظروفة في شأن ~~الأولاد لشدة تعلقها به كاتصال المظروف بالظرف ، ومجرورها محذوف قام المضاف ~~إليه مقامه ، لظهور أن ذوات الأولاد لا تصلح ظرفا للوصية ، فتعين تقدير ~~مضاف على طريقة دلالة الاقتضاء ، وتقديره : في إرثث أولادكم ، والمقام يدل ~~على المقدر على حد { حرمت عليكم أمهاتكم } ( النساء : 23 ) فجعل الوصية ~~مظروفة في هذا الشأن لشدة تعلقها به واحتوائه عليها . # وجملة : { للذكر مثل حظ الأنثيين } بيان لجملة { يوصيكم } لأن مضمونها هو ~~معنى مضمون الوصية ، فهي مثل البيان في قوله تعالى : { فوسوس إليه الشيطان ~~قال ياآدم } وتقديم الخبر على المبتدأ في هذه الجملة للتنبيه من أول الأمر ~~على أن الذكر صار له شريك في الإرث وهو الأنثى لأنه لم يكن لهم به عهد من ~~قبل إذ كان الذكور يأخذون المال الموروث كله ولاحظ للإناث ، كما تقدم آنفا ~~في تفسير قوله تعالى : { للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون } ( ~~النساء : 7 ) . # وقوله : { للذكر مثل حظ الأنثيين } جعل حظ الأنثيين هو المقدار الذي يقدر ~~به حظ الذكر ، ولم يكن قد تقدم تعيين حظ للأنثيين حتى يقدر به ، فعلم أن ~~المراد تضعيف حظ الذكر من الأولاد على حظ الأنثى منهم ، وقد كان هذا المراد ~~صالحا لأن يؤدى بنحو : للأنثى نصف حظ ذكر ، أو للأنثيين مثل حظ ذكر ، إذ ~~ليس المقصود إلا بيان المضاعفة . ولكن قد أوثر هذا التعبير لنكتة لطيفة وهي ms1846 ~~الإيماء إلى أن حظ الأنثى صار في اعتبار الشرع أهم من حظ الذكر ، إذ كانت ~~مهضومة الجانب عند أهل الجاهلية فصار الإسلام ينادي بحظها في أول ما يقرع ~~الأسماع قد علم أن قسمة المال تكون باعتبار عدد البنين والبنات . # وقوله : { فإن كن نساء فوق اثنتين } إلخ معاد الضمير هو لفظ الأولاد ، ~~وهو PageV04P257 جمع ولد فهو غير مؤنث اللفظ ولا المدلول لأنه صالح للمذكر ~~والمؤنث ، فلما كان ما صدقه هنا النساء خاصة أعيد عليه الضمير بالتأنيث . # ومعنى : { فوق اثنتين } أكثر من اثنتين ، ومن معاني ( فوق ) الزيادة في ~~العدد ، وأصل ذلك مجاز ، ثم شاع حتى صار كالحقيقة ، والآية صريحة في أن ~~الثلثين لا يعطيان إلا للبنات الثلاث فصاعدا لأن تقسيم الأنصباء لا ينتقل ~~فيه من مقدار إلى مقدار أزيد منه إلا عند انتهاء من يستحق المقدار الأول . # والوصف ب { فوق اثنتين } يفيد مفهوما وهو أن البنتين لا تعطيان الثلثين ، ~~وزاد فقال : { وإن كانت واحدة فلها النصف } فبقي ميراث البنتين المنفردتين ~~غير منصوص في الآية فألحقهما الجمهور بالثلاث لأنهما أكثر من واحدة ، وأحسن ~~ما وجه به ذلك ما قاله القاضي إسماعيل بن إسحاق ( إذا كانت البنت تأخذ مع ~~أخيها إذا انفرد الثلث فأحرى أن تأخذ الثلث مع أختها ) يعني أن كل واحدة من ~~البنتين هي مقارنة لأختها الأخرى فلا يكون حظها مع أخت أنثى أقل من حظها مع ~~أخ ذكر ، فإن الذكر أولى بتوفير نصيبه ، وقد تلقفه المحققون من بعده ، ~~وربما نسب لبعض الذين تلقفوه . وعلله ووجهه آخرون : بأن الله جعل للأختين ~~عند انفرادهما الثلثين فلا تكون البنتان أقل منهما . وقال ابن عباس : ~~للبنتين النصف كالبنت الواحدة ، وكأنه لم ير لتوريثهما أكثر من التشريك في ~~النصف محملا في الآية ، ولو أريد ذلك لما قال { فوق اثنتين } . ومنهم من ~~جعل لفظ ( فوق ) زائدا ، ونظره بقوله تعالى : { فاضربوا فوق الأعناق } ( ~~الأنفال : 12 ) . وشتان بين فوق التي مع أسماء العدد وفوق التي بمعنى مكان ~~الفعل . قال ابن عطية : وقد أجمع الناس في الأمصار والأعصار على أن ms1847 للبنتين ~~الثلثين ، أي وهذا الإجماع مستند لسنة عرفوها . ورد القرطبي دعوى الإجماع ~~بأن ابن عباس صح عنه أنه أعطى البنتين النصف . قلت : لعل الإجماع انعقد ~~بعدما أعطى ابن عباس البنتين النصف على أن اختلال الإجماع لمخالفة واحد ~~مختلف فيه ، أما حديث امرأة سعد بن الربيع المتقدم فلا يصلح للفصل في هذا ~~الخلاف ، لأن في روايته اختلافا هل ترك بنتين أو ثلاثا . PageV04P258 # وقوله : { فلهن } أعيد الضمير إلى نساء ، والمراد ما يصدق بالمرأتين ~~تغليبا للجمع على المثنى اعتمادا على القرينة . # وقرأ الجمهور : ( وإن كانت واحدة ) بنصب واحدة على أنه خبر كانت ، واسم ~~كانت ضمير عائد إلى ما يفيده قوله : { في أولادكم } من مفرد ولد ، أي وإن ~~كانت الولد بنتا واحدة ، وقرأ نافع ، وأبو جعفر بالرفع على أن كان تامة ، ~~والتقدير : وإن وجدت بنت واحدة ، لما دل عليه قوله : { فإن كن نساء } . # وصيغة { أولادكم } صيغة عموم لأن أولاد جمع معرف بالإضافة ، والجمع ~~المعرف بالإضافة من صيغ العموم ، وهذا العموم ، خصصه أربعة أشياء : # الأول : خص منه عند أهل السنة النبي صلى الله عليه وسلم لما رواه عنه أبو ~~بكر أنه قال : ( لا نورث ما تركنا صدقة ) ووافقه عليه عمر بن الخطاب وجميع ~~الصحابة وأمهات المؤمنين . وصح أن عليا رضي الله عنه وافق عليه في مجلس عمر ~~بن الخطاب ومن حضر من الصحابة كما في ( الصحيحين ) . # الثاني : اختلاف الدين بالإسلام وغيره ، وقد أجمع المسلمون على أنه لا ~~يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم . # الثالث : قاتل العمد لا يرث قريبه في شيء . # الرابع : قاتل الخطأ لا يرث من الدية شيئا . # الضمير المفرد عائد إلى الميت المفهوم من قوله : { يوصيكم الله في ~~أولادكم } إذ قد تقرر أن الكلام في قسمة مال الميت . وجاء الكلام على طريقة ~~الإجمال والتفصيل PageV04P259 ليكون كالعنوان ، فلذلك لم يقل : ولكل من ~~أبويه السدس ، وهو كقوله السابق : { في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين } ( ~~النساء : 11 ) . # وقوله : { وورثه أبواه } زاده للدلالة على الاقتصار أي : لا غيرهما ، ~~ليعلم من قوله : { فلأمه الثلث } أن للأب الثلثين ، فإن ms1848 كان مع الأم صاحب ~~فرض لا تحجبه كان على فرضه معها وهي على فرضها . واختلفوا في زوجة وأبوين ~~وزوج وأبوين : فقال ابن عباس : للزوج أو الزوجة فرضهما وللأم ثلثها وما بقي ~~للأب ، حملا على قاعدة تعدد أهل الفروض ، وقال زيد بن ثابت : لأحد الزوجين ~~فرضه وللأم ثلث ما بقي وما بقي للأب ، لئلا تأخذ الأم أكثر من الأب في صورة ~~زوج وأبوين ، وعلى قول زيد ذهب جمهور العلماء . وفي ( سنن ابن أبي شيبة ) : ~~أن ابن عباس أرسل إلى زيد ( أين تجد في كتاب الله ثلث ما بقي ) فأجاب زيد ( ~~إنما أنت رجل تقول برأيك وأنا أقول برأيي ) . # وقد علم أن للأب مع الأم الثلثين ، وترك ذكره لأن مبني الفرائض على أن ما ~~بقي بدون فرض يرجع إلى أصل العصابة عند العرب . # وقرأ الجمهور : فلأمه بضم همزة أمه ، وقرأه حمزة ، والكسائي بكسر الهمزة ~~اتباعا لكسرة اللام . # وقوله : { فإن كان له إخوة فلأمة السدس } أي إن كان إخوة مع الأبوين وهو ~~صريح في أن الإخوة يحجبون الأم فينقلونها من الثلث إلى السدس . والمذكور في ~~الآية صيغة جمع فهي ظاهرة في أنها لا ينقلها إلى السدس إلا جماعة من الإخوة ~~ثلاثة فصاعدا ذكورا أو مختلطين . وقد اختلف فيما دون الجمع ، وما إذا كان ~~الإخوة إناثا : فقال الجمهور الأخوان يحجبان الأم ، والأختان أيضا ، ~~وخالفهم ابن عباس أخذا بظاهر الآية . أما الأخ الواحد أو الأخت فلا يحجب ~~الأم والله أعلم بحكمة ذلك . واختلفوا في السدس الذي يحجب الإخوة عنه الأم ~~: هل يأخذه الإخوة أم يأخذه الأب ، فقال بالأول ابن عباس رضي الله عنه وهو ~~أظهر ، وقال بالثاني الجمهور بناء على أن الحاجب قد يكون محجوبا . وكيفما ~~كان فقد اعتبر الله للأخوة حظا PageV04P260 مع وجود الأبوين في حالة خاصة ، ~~ولو كان الإخوة مع الأم ولم يكن أب لكان للأم السدس وللأخوة بقية المال ~~باتفاق ، وربما كان في هذا تعضيد لابن عباس . # المجرور في موضع الحال ، فهو ظرف مستقر ، وهو قيد يرجع إلى الجمل ~~المتقدمة : أي تقتسمون ms1849 المال على حسب تلك الأنصباء لكل نصيبه حالة كونه من ~~بعد وصية أو دين . # وجيء بقوله : { من بعد وصية يوصي بها أو دين } بعد ذكر صنفين من الفرائض ~~: فرائض الأبناء ، وفرائض الأبوين ، لأن هذين الصنفين كصنف واحد إذ كان ~~سببهما عمود النسب المباشر . والمقصد هنا التنبيه على أهمية الوصية وتقدمها ~~. وإنما ذكر الدين بعدها تتميما لما يتعين تقديمه على الميراث مع علم ~~السامعين أن الدين يتقدم على الوصية أيضا لأنه حق سابق في مال الميت ، لأن ~~المدين لا يملك من ماله إلا ما هو فاضل عن دين دائنه . فموقع عطف { أو دين ~~} موقع الاحتراس ، ولأجل هذا الاهتمام كرر الله هذا القيد أربع مرات في هذه ~~الآيات . # ووصف الوصية بجملة { يوصي بها } لئلا يتوهم أن المراد الوصية التي كانت ~~مفروضة قبل شرع الفرائض ، وهي التي في قوله : { كتب عليكم إذا حضر أحدكم ~~الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين } ( البقرة : 180 ) . وقرأ ~~الجمهور : { يوصي بها } في الموضعين في هذه الآية بكسر الصاد والضمير عائد ~~إلى معلوم من الكلام وهو الميت ، كما عاد ضمير { ما ترك } ( النساء : 7 ) ~~وقرأه ابن كثير ، وابن عامر ، وأبو بكر عن عاصم ، في الموضعين أيضا : يوصى ~~بفتح الصاد مبنيا للنائب أي يوصى بها موص . ( سقط : آباؤكم وأبناؤكم لا ~~تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما ) # PageV04P261 ختم هذه الفرائض المتعلقة بالأولاد والوالدين ، وهي أصول ~~الفرائض بقوله : { آباؤكم وأبناؤكم } الآية ، فهما إما مسند إليهما قد ما ~~للاهتمام ، وليتمكن الخبر في ذهن السامع إذ يلقي سمعه عند ذكر المسند ~~إليهما بشراشره ، وإما أن تجعلهما خبرين عن مبتدأ محذوف هو المسند إليه ، ~~على طريقة الحذف المعبر عنه عند علماء المعاني بمتابعة الاستعمال ، وذلك ~~عندما يتقدم حديث عن شيء ثم يراد جمع الخبر عنه كقول الشاعر : # فتى غير محجوب الغنى عن صديقه # ولا مظهر الشكوى إذا النعل وزلت # بعد قوله : # سأشكر عمرا إن تدانت منيتي # أيادي لم تمنن وإن هي جلت # أي : المذكورون آباؤكم وأبناؤكم لا ms1850 شك في ذلك . ثم قال : { لا تدرون أيهم ~~أقرب لكم نفعا } فهو إما مبتدأ وإما حال ، بمعنى أنهم غير مستوين في نفعكم ~~متفاوتون تفاوتا يتبع تفاوت الشفقة الجبلية في الناس ويتبع البرور ومقدار ~~تفاوت الحاجات . فرب رجل لم تعرض له حاجة إلى أن ينفعه أبواه وأبناؤه ، ~~وربما عرضت حاجات كثيرة في الحالين ، وربما لم تعرض فهم متفاوتون من هذا ~~الأعتبار الذي كان يعتمده أهل الجاهلية في قسمة أموالهم ، فاعتمدوا أحوالا ~~غير منضبطه ولا موثوقا بها ، ولذلك قال تعالى : { لا تدرون أيهم أقرب لكم ~~نفعا } فشرع الإسلام ناط الفرائض بما لا يقبل التفاوت وهي الأبوة والبنوة ، ~~ففرض الفريضة لهم نظرا لصلتهم الموجبة كونهم أحق بمال الأبناء أو الآباء . # والتذييل بقوله : { الله كان عليما حكيما } واضح المناسبة . # $ 2 ( 12 ) { ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد ~~فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بهآ أو دين ولهن الربع مما تركتم إن ~~لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون ~~بهآ أو دين وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما ~~السدس فإن كانو & # 1764 ا أكثر من ذالك فهم شركآء فى الثلث من بعد وصية يوصى بهآ أو دين غير ~~مضآر وصية من الله والله عليم حليم } . ) 2 $ PageV04P262 # هذه فريضة الميراث الذي سببه العصمة ، وقد أعطاها الله حقها المهجور عند ~~الجاهلية إذ كانوا لا يورثون الزوجين : أما الرجل فلا يرث امرأته لأنها إن ~~لم يكن لها أولاد منه ، فهو قد صار بموتها بمنزلة الأجنبي عن قرابتها من ~~آباء وإخوة وأعمام ، وإن كان لها أولاد كان أولادها أحق بميراثها إن كانوا ~~كبارا ، فإن كانوا صغارا قبض أقرباؤهم مالهم وتصرفوا فيه ، وأما المرأة فلا ~~ترث زوجها بل كانت تعد موروثة عنه يتصرف فيها ورثته كما سيجيء في قوله : { ~~يأيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها } ( النساء : 19 ) . ~~فنوه الله ms1851 في هذه الآيات بصلة العصمة ، وهي التي وصفها بالميثاق الغليظ في ~~قوله : { وأخذن منكم ميثاقا غليظا } ( النساء : 21 ) . # والجمع في { أزواجكم } وفي قوله : { مما تركتم } كالجمع في الأولاد ~~والآباء ، مراد به تعدد أفراد الوارثين من الأمة ، وههنا قد اتفقت الأمة عى ~~أن الرجل إذا كانت له زوجات أنهن يشتركن في الربع أو في الثمن من غير زيادة ~~لهن ، لأن تعدد الزوجات بيد صاحب المال فكان تعددهن وسيلة لإدخال المضرة ~~على الورثة الآخرين بخلاف تعدد البنات والأخوات فإنه لا خيار فيه لرب المال ~~. والمعنى : ولكل واحد منكم نصف ما تركت كل زوجة من أزواجه وكذلك قوله : { ~~فلكم الربع مما تركن } . # وقوله : { ولهن الربع مما تركتم } أي لمجموعهن الربع مما ترك زوجهن . ~~وكذلك قوله : { فلهن الثمن مما تركتم } وهذا حذق يدل عليه إيجاز الكلام . # وأعقبت فريضة الأزواج بذكر { من بعد وصية يوصين بها أو دين } لئلا يتوهم ~~متوهم أنهن ممنوعات من الإيصاء ومن التداين كما كان الحال في زمان الجاهلية ~~. وأما ذكر تلك الجملة عقب ذكر ميراث النساء من رجالهن فجريا على الأسلوب ~~المتبع في هذه الآيات ، وهو أن يعقب كل صنف من الفرائض بالتنبيه على أنه لا ~~يستحق إلا بعد إخراج الوصية وقضاء الدين . PageV04P263 # بعد أن بين ميراث ذي الأولاد أو الوالدين وفصله في أحواله حتى حالة ميراث ~~الزوجين ، انتقل هنا إلى ميراث من ليس له ولد ولا والد ، وهو الموروث كلالة ~~، ولذلك قابل بها ميراث الأبوين . # والكلالة اسم للكلال وهو التعب والإعياء قال الأعشى : # فآليت لا أرثي لها من كلالة # ولا من حفى حتى ألاقي محمدا # وهو اسم مصدر لا يثني ولا يجمع . # ووصفت العرب بالكلالة القرابة غير القربى ، كأنهم جعلوا وصوله لنسب قريبه ~~عن بعد ، فأطلقوا عليه الكلالة على طريق الكناية واستشهدوا له بقول من لم ~~يسموه : # فإن أبا المرء أحمى له # ومولى الكلالة لا يغضب # ثم أطلقوه على إرث البعيد ، وأحسب أن ذلك من مصطلح القرآن إذ لم أره في ~~كلام العرب إلا ما بعد نزول الآية . قال ms1852 الفرزدق : # ورثتم قناة المجد لا عن كلالة # عن ابني مناف عبد شمس وهاشم # ومنه قولهم : ورث المجد لاعن كلالة . وقد عد الصحابة معنى الكلالة هنا من ~~مشكل القرآن حتى قال عمر بن الخطاب : ( ثلاث لأن يكون رسول الله بينهن أحب ~~إلي من الدنيا : الكلالة ، والربا ، والخلافة ) . وقال أبو بكر : ( أقول ~~فيها برأيي ، فإن كان صوابا فمن الله وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان والله ~~منه بريء ، الكلالة ما خلا الولد والوالد ) . وهذا قول عمر ، وعلي ، وابن ~~عباس ، وقال به الزهري ، وقتادة والشعبي ، وهو قول الجمهور ، وحكي الإجماع ~~عليه ، وروي عن ابن عباس ( الكلالة من لا ولد له ) أي ولو كان له والد ~~وينسب ذلك لأبي بكر وعمر أيضا ثم رجعا عنه ، وقد يستدل له بظاهر الآية في ~~آخر السورة : { يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد ~~} ( النساء : 176 ) وسياق الآية يرجح ما ذهب إليه الجمهور لأن ذكرها بعد ~~ميراث الأولاد والأبوين مؤذن بأنها حالة مخالفة للحالين . PageV04P264 # وانتصب قوله : { كلالة } على الحال من الضمير في { يورث } الذي هو كلالة ~~من وارثه أي قريب غير الأقرب لأن الكلالة يصح أن يوصف بها كلا القريبين . # وقوله : { أو امرأة } عطف على { رجل } الذي هو اسم ( كان ) فيشارك ~~المعطوف المعطوف عليه في خبر ( كان ) إذ لا يكون لها اسم بدون خبر في حال ~~نقصانها . # وقوله : { وله أخ أو أخت } يتعين على قول الجمهور في معنى الكلالة أن ~~يكون المراد بهما الأخ والأخت للأم خاصة لأنه إذا كان الميت لا ولد له ولا ~~والد وقلنا له أخ أو أخت وجعلنا لكل واحد منهما السدس نعلم بحكم ما يشبه ~~دلالة الاقتضاء أنهما الأخ والأخت للأم لأنهما لما كانت نهاية حظهما الثلث ~~فقد بقي الثلثان فلو كان الأخ والأخت هما الشقيقين أو اللذين للأب لاقتضى ~~أنهما أخذا أقل المال وترك الباقي لغيرهما وهل يكون غيرهما أقرب منهما ~~فتعين أن الأخ والأخت مراد بهما اللذان للأم خاصة ليكون الثلثان للإخوة ~~الأشقاء أو الأعمام أو ms1853 بني الأعمام . وقد أثبت الله بهذا فرضا للإخوة للأم ~~إبطالا لما كان عليه أهل الجاهلية من إلغاء جانب الأمومة أصلا ، لأنه جانب ~~نساء ولم يحتج للتنبيه على مصير بقية المال لما قدمنا بيانه آنفا من أن ~~الله تعالى أحال أمر العصابة على ما هو متعارف بين من نزل فيهم القرآن . # وعلى قول ابن عباس في تفسير الكلالة لا يتعين أن يكون المراد بالأخ ~~والأخت اللذين للأم إذ قد يفرض للإخوة الأشقاء نصيب هو الثلث ويبقى الثلثان ~~لعاصب أقوى وهو الأب في بعض صور الكلالة غير أن ابن عباس وافق الجمهور على ~~أن المراد بالأخ والأخت اللذان للأم وكان سبب ذلك عنده أن الله أطلق ~~الكلالة وقد لا يكون فيها أب فلو كان المراد بالأخ والأخت الشقيقين أو ~~اللذين للأب لأعطيناهما الثلث عند عدم الأب وبقي معظم المال لمن هو دون ~~الإخوة في التعصيب فهذا فيما أرى هو الذي حدا سائر الصحابة والفقهاء إلى ~~حمل الأخ والأخت على الذين للأم . وقد ذكر الله تعالى الكلالة في آخر ~~السورة بصورة أخرى سنتعرض لها . PageV04P265 # { غير مضار } حال من ضمير { يوصى } الأخير ، ولما كان فعل يوصي تكريرا ، ~~كان حالا من ضمائر نظائره . # و { مضار الأظهر أنه اسم فاعل بتقدير كسر الراء الأولى المدغمة أي غير ~~مضار ورثته بإكثار الوصايا ، وهو نهي عن أن يقصد الموصي من وصيته الإضرار ~~بالورثة . والإضرار منه ما حدده الشرع ، وهو أن يتجاوز الموصي بوصيته ثلث ~~ماله وقد حدده النبي بقوله لسعد بن أبي وقاص الثلث والثلث كثير . ومنه ما ~~يحصل بقصد الموصي بوصيته الاضرار بالوارث ولا يقصد القربة بوصيته ، وهذا هو ~~المراد من قوله تعالى : غير مضار } . ولما كانت نية الموصي وقصده الإضرار ~~لا يطلع عليه فهو موكول لدينه وخشية ربه ، فإن ظهر ما يدل على قصده الإضرار ~~دلالة واضحة ، فالوجه أن تكون تلك الوصية باطلة لأن قوله تعالى : { غير ~~مضار } نهي عن الإضرار ، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه . # ويتعين أن يكون هذا القيد مقيدا للمطلق في الآي الثلاث ms1854 المتقدمة من قوله ~~{ من بعد وصية } إلخ ، لأن هذه المطلقات متحدة الحكم والسبب . فيحمل المطلق ~~منها على المقيد كما تقرر في الأصول . # وقد أخذ الفقهاء من هذه الآية حكم مسألة قصد المعطي من عطيته الإضرار ~~بوارثه في الوصية وغيرها من العطايا ، والمسألة مفروضة في الوصية خاصة . ~~وحكى ابن عطية عن مذهب مالك وابن القاسم أن قصد المضارة في الثلث لا ترد به ~~الوصية لأن الثلث حق جعله الله له فهو على الإباحة في التصرف فيه . ونازعه ~~ابن عرفة في التفسير بأن ما في الوصايا الثاني من ( المدونة ) ، صريح في أن ~~قصد الإضرار يوجب رد الوصية وبحث ابن عرفة مكين . ومشهور مذهب ابن القاسم ~~أن الوصية ترد بقصد الإضرار إذا تبين القصد غير أن ابن عبد الحكم لا يرى ~~تأثير الإضرار . وفي شرح ابن ناجي على تهذيب المدونة أن قصد الإضرار ~~بالوصية في أقل من الثلث لا يوهن الوصية على الصحيح . وبه الفتوى . # وقوله : { وصية } منصوب على أنه مفعول مطلق جاء بدلا من فعله ، والتقدير ~~: PageV04P266 يوصيكم الله بذلك وصية منه فهو ختم للأحكام بمثل ما بدئت ~~بقوله : { يوصيكم الله } ( النساء : 11 ) وهذا من رد العجز على الصدر . # وقوله : { والله عليم حليم } تذييل ، وذكر وصف العلم والحلم هنا لمناسبة ~~أن الأحكام المتقدمة إبطال لكثير من أحكام الجاهلية ، وقد كانوا شرعوا ~~مواريثهم تشريعا مثاره الجهل والقساوة . فإن حرمان البنت والأخ للأم من ~~الإرث جهل بأن صلة النسبة من جانب الأم مماثلة لصلة نسبة جانب الأب . فهذا ~~ونحوه جهل ، وحرمانهم الصغار من الميراث قساوة منهم . # وقد بينت الآيات في هذه السورة الميراث وأنصباءه بين أهل أصول النسب ~~وفروعه وأطرافه وعصمة الزوجية ، وسكتت عما عدا ذلك من العصبة وذوي الأرحام ~~وموالي العتاقة وموالي الحلف ، وقد أشار قوله تعالى : { وأولوا الأرحام ~~بعضهم أولى ببعض في كتاب الله في سورة الأنفال ( 75 ) وقوله : وأولوا ~~الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله في سورة الأحزاب ( 6 ) إلى ما أخذ ~~منه كثير من الفقهاء توريث ذوي الأرحام . وأشار قوله ms1855 الآتي قريباولكل جعلنا ~~موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم } ( ~~النساء : 33 ) إلى ما يؤخذ منه التوريث بالولاء على الإجمال كما سنبينه ، ~~وبين النبي صلى الله عليه وسلم توريث العصبة بما رواه رواة أهل الصحيح عن ~~ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ألحقوا الفرائض بأهلها فما ~~بقي فهو لأولى رجلل ذكر ) وما رواه الخمسة غير النسائي عن أبي هريرة : أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن مات ~~وترك مالا فماله لموالي العصبة ومن ترك كلا أو ضياعا فأنا وليه ) وسنفصل ~~القول في ذلك في مواضعه المذكورة . # # | 2 ( 13 ، 14 ) { تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجرى من ~~تحتها الانهر خالدين فيها وذالك الفوز العظيم * ومن يعص الله ورسوله ويتعد ~~حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين } . ) 2 # PageV04P267 # الإشارة إلى المعاني والجمل المتقدمة . # والحدود جمع حد ، وهو ظرف المكان الذي يميز عن مكان آخر بحيث يمنع تجاوزه ~~، واستعمل الحدود هنا مجازا في العمل الذي لا تحل مخالفته على طريقة ~~التمثيل . # ومعنى { ومن يطع الله ورسوله } أنه يتابع حدوده كما دل عليه قوله في ~~مقابله { ويتعد حدوده } . # وقوله : { خالدا فيها } استعمل الخلود في طول المدة . أو أريد من عصيان ~~الله ورسوله العصيان الأتم وهو نبذ الإيمان ، لأن القوم يومئذ كانوا قد ~~دخلوا في الإيمان ونبذوا الكفر ، فكانوا حريصين على العمل بوصايا الإسلام ، ~~فما يخالف ذلك إلا من كان غير ثابت الإيمان إلا من تاب . # ولعل قوله : { وله عذاب مهين } تقسيم ، لأن العصيان أنواع : منه ما يوجب ~~الخلود ، ومنه ما يوجب العذاب المهين ، وقرينة ذلك أن عطف { وله عذاب مهين ~~} على الخلود في النار لا يحتاج إليه إذا لم يكن مرادا به التقسيم ، فيضطر ~~إلى جعله زيادة توكيد ، أو تقول إن محط العطف هو وصفه بالمهين لأن العرب ~~أباة الضيم ، شم الأنوف ، فقد يحذرون الإهانة أكثر مما يحذرون عذاب النار ، ~~ومن الأمثال المأثورة في حكاياتهم ( النار ولا ms1856 العار ) . وفي كتاب ( الآداب ~~) في أعجاز أبياته ( والحر يصبر خوف العار للنار ) . # وقرأ نافع ، وابن عامر ، وأبو جعفر { ندخله } في الموضعين هنا بنون ~~العظمة ، وقرأه الجمهور بياء الغيبة والضمير عائد إلى اسم الجلالة . # # | 2 ( 15 ، 16 ) { واللاتى يأتين الفاحشة من نسآئكم فاستشهدوا عليهن ~~أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن فى البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله ~~لهن سبيلا * واللذان يأتيانها منكم فئاذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهمآ ~~إن الله كان توابا رحيما } . ) 2 # PageV04P268 # موقع هذه الآية في هذه السورة معضل ، وافتتاحها بواو العطف أعضل ، ~~لاقتضائه اتصالها بكلام قبلها . وقد جاء حد الزنا في سورة النور ، وهي ~~نازلة في سنة ست بعد غزوة بني المطلق على الصحيح ، والحكم الثابت في سورة ~~النور أشد من العقوبة المذكورة هنا ، ولا جائز أن يكون الحد الذي في سورة ~~النور قد نسخ بما هنا لأنه لا قائل به . فإذا مضينا على معتادنا في اعتبار ~~الآي نازلة على ترتيبها في القراءة في سورها ، قلنا إن هذه الآية نزلت في ~~سورة النساء عقب أحكام المواريث وحراسة أموال اليتامى ، وجعلنا الواو عاطفة ~~هذا الحكم على ما تقدم من الآيات في أول السورة بما يتعلق بمعاشرة النساء ، ~~كقوله : { وآتوا النساء صدقاتهن نحلة } ( النساء : 4 ) وجزمنا بأن أول هذه ~~السورة نزل قبل أول سورة النور ، وأن هذه العقوبة كانت مبدأ شرع العقوبة ~~على الزنا فتكون هاته الآية منسوخة بآية سورة النور لا محالة ، كما يدل ~~عليه قوله : { أو يجعل الله لهن سبيلا } قال ابن عطية : أجمع العلماء على ~~أن هاتين الآيتين منسوختان بآية الجلد في سورة النور . ا ه ، وحكى ابن ~~الفرس في ترتيب النسخ أقوالا ثمانية لا نطيل بها . فالواو عاطفة حكم تشريع ~~عقب تشريع لمناسبة : هي الرجوع إلى أحكام النساء ، فإن الله لما ذكر أحكاما ~~من النكاح إلى قوله : { وآتوا النساء صدقاتهن نحلة } وما النكاح إلا اجتماع ~~الرجل والمرأة على معاشرة عمادها التأنس والسكون إلى الأنثى ، ناسب أن يعطف ~~إلى ذكر أحكام اجتماع الرجل بالمرأة على غير الوجه ms1857 المذكور فيه شرعا ، وهو ~~الزنا المعبر عنه بالفاحشة . # فالزنا هو أن يقع شيء من تلك المعاشرة على غير الحال المعروف المأذون فيه ~~، فلا جرم أن كان يختلف باختلاف أحوال الأمم والقبائل في خرق القوانين ~~المجعولة لإباحة اختصاص الرجل بالمرأة . # ففي الجاهلية كان طريق الاختصاص بالمرأة السبي أو الغارة أو التعويض أو ~~رغبة الرجل في مصاهرة قوم ورغبتهم فيه أو إذن الرجل امرأته بأن تستبضع من ~~رجل ولدا كما تقدم . # وفي الإسلام بطلت الغارة وبطل الاستبضاع ، ولذلك تجد الزنا لا يقع إلا ~~PageV04P269 خفية لأنه مخالفة لقوانين الناس في نظامهم وأخلاقهم . وسمي ~~الزنا الفاحشة لأنه تجاوز الحد في الفساد وأصل الفحش الأمر الشديد الكراهية ~~والذم ، من فعلل أو قولل ، أو حالل ولم أقف على وقوع العمل بهاتين الآيتين ~~قبل نسخهما . # ومعنى : { يأتين } يفعلن ، وأصل الإتيان المجيء إلى شيء فاستعير هنا ~~الإتيان لفعل شيء لأن فاعل شيء عن قصد يشبه السائر إلى مكان حتى يصله ، ~~يقال : أتى الصلاة ، أي صلاها ، وقال الأعشى : # ليعلم كل الورى أنني # أتيت ا لمروءة من بابها # وربما قالوا : أتى بفاحشة وبمكروه كأنه جاء مصاحبا له . # وقوله : { من نسائكم } بيان للموصول وصلته . والنساء اسم جمعع امرأة ، ~~وهي الأنثى من الإنسان ، وتطلق المرأة على الزوجة فلذلك يطلق النساء على ~~الإناث مطلقا ، وعلى الزوجات خاصة ويعرف المراد بالقرينة ، قال تعالى : { ~~يأيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم } ( الحجرات : 11 ) ثم قال { ولا ~~نساء من نساء } ( الحجرات : 11 ) فقابل بالنساء القوم . والمراد الإناث ~~كلهن ، وقال تعالى : { فإن كن نساء فوق اثنتين } ( النساء : 11 ) الآية ~~المتقدمة آنفا والمراد هنا مطلق النساء فيشمل العذارى العزباتت . # وضمير جمع المخاطبين في قوله : { من نسائكم } والضمائر الموالية له ، ~~عائدة إلى المسلمين على الإجمال ، ويتعين للقيام بما خوطبوا به من لهم ~~أهلية القيام بذلك . فضمير { نسائكم } عام مراد به نساء المسلمين ، وضمير { ~~فاستشهدوا } مخصوص بمن يهمه الأمر من الأزواج ، وضمير { فأمسكوهن } مخصوص ~~بولاة الأمور ، لأن الإمساك المذكور سجن وهو حكم لا يتولاه إلا القضاة ، ~~وهم الذين ينظرون ms1858 في قبول الشهادة فهذه عمومها مراد به الخصوص . # وهذه الآية هي الأصل في اشتراط أربعة في الشهادة على الزنى ، وقد تقرر ~~ذلك بآية سورة النور . # ويعتبر في الشهادة الموجبة للإمساك في البيوت ما يعتبر في شهادة الزنى ~~لإقامة الحد سواء . PageV04P270 # والمراد بالبيوت البيوت التي يعينها ولاة الأمور لذلك . وليس المراد ~~إمساكهن في بيوتهن بل يخرجن من بيوتهن إلى بيوت أخرى إلا إذا حولت بيت ~~المسجونة إلى الوضع تحت نظر القاضي وحراسته ، وقد دل على هذا المعنى قوله ~~تعالى في آية سورة الطلاق عند ذكر العدة { لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن ~~إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } ( الطلاق : 1 ) . # ومعنى { يتوفاهن الموت } يتقاضاهن . يقال : توفى فلان حقه من فلان ~~واستوفاه حقه . والعرب تتخيل العمر مجزءا . فالأيام والزمان والموت يستخلصه ~~من صاحبه منجما إلى أن تتوفاه . قال طرفة : # أرى العمر كنزا ناقصا كل ليلة # وما تنقص الأيام والدهر ينفد # وقال أبو حية النميري : # إذا ما تقاضى المرء يوم وليلة # تقاضاه شيء لا يمل التقاضيا # ولذلك يقولون توفي فلان بالبناء للمجهول أي توفى عمره فجعل الله الموت هو ~~المتقاضي لأعمار الناس على استعمالهم في التعبير ، وإن كان الموت هو أثر ~~آخر أنفاس المرء ، فالتوفي في هذه الآية وارد على أصل معناه الحقيقي في ~~اللغة . # ومعنى { أو يجعل الله لهن سبيلا } أي حكما آخر . فالسبيل مستعار للأمر ~~البين بمعنى العقاب المناسب تشبيها له بالطريق الجادة . وفي هذا إشارة إلى ~~أن إمساكهن في البيوت زجر موقت سيعقبه حكم شاف لما يجده الناس في نفوسهم من ~~السخط عليهن مما فعلن . # ويشمل قوله : { والاتي يأتين الفاحشة } جميع النساء اللائي يأتين الفاحشة ~~من محصنات وغيرهن . # وأما قوله { والذان يأتيانها } فهو مقتض نوعين من الذكور فإنه تثنية الذي ~~وهو اسم موصول للمذكر ، وقد قوبل به اسم موصول النساء الذي في قوله : { ~~والاتي يأتين الفاحشة } ولا شك أن المراد ب { اللذان } صنفان من الرجال : ~~وهما صنف PageV04P271 المحصنين ، وصنف غير المحصنين منهم ، وبذلك فسره ابن ~~عباس في رواية مجاهد ، وهو الوجه ms1859 في تفسير الآية ، وبه يتقوم معنى بين غير ~~متداخل ولا مكرر . ووجه الإشعار بصنفي الزناة من الرجال التحرز من التماس ~~العذر فيه لغير المحصنين . ويجوز أن يكون أطلق على صنفين مختلفين أي الرجال ~~والنساء على طريقة التغليب الذي يكثر في مثله ، وهو تفسير السدي وقتادة ، ~~فعلى الوجه الأول تكون الآية قد جعلت للنساء عقوبة واحدة على الزنى وهي ~~عقوبة الحبس في البيوت ، وللرجال عقوبة على الزنى ، هي الأذى سواء كانوا ~~محصنين بزوجات أم غير محصنين ، وهم الأعزبون . وعلى الوجه الثاني تكون قد ~~جعلت للنساء عقوبتين : عقوبة خاصة بهن وهي الحبس ، وعقوبة لهن كعقوبة ~~الرجال وهي الأذى ، فيكون الحبس لهن مع عقوبة الأذى . وعلى كلا الوجهين ~~يستفاد استواء المحصن وغير المحصن من الصنفين في كلتا العقوبتين ، فأما ~~الرجال فبدلالة تثنية اسم الموصول المراد بها صنفان اثنان ، وأما النساء ~~فبدلالة عموم صيغة { نسائكم } . # وضمير النصب في قوله : { يأتيانها } عائد إلى الفاحشة المذكورة وهي الزنا ~~. ولا التفات لكلام من توهم غير ذلك . والإيذاء : الإيلام غير الشديد ~~بالفعل كالضرب غير المبرح ، والإيلام بالقول من شتم وتوبيخ ، فهو أعم من ~~الجلد ، والآية أجملته ، فهو موكول إلى اجتهاد الحاكم . # وقد اختلف أيمة الإسلام في كيفية انتزاع هذين العقوبتين من هذه الآية : ~~فقال ابن عباس ، ومجاهد : اللاتي يأتين الفاحشة يعم النساء خاصة فشمل كل ~~امرأة في سائر الأحوال بكرا كانت أم ثيبا ، وقوله : { والذان } تثنية أريد ~~بها نوعان من الرجال وهم المحصن والبكر ، فيقتضي أن حكم الحبس في البيوت ~~يختص بالزواني كلهن ، وحكم الأذى يختص بالزناة كلهم ، فاستفيد التعميم في ~~الحالتين إلا أن استفادته في الأولى من صيغة العموم ، وفي الثانية من ~~انحصار النوعين ، وقد كان يغني أن يقال : واللاتي يأتين ، والذين يأتون ، ~~إلا أنه سلك هذا الأسلوب ليحصل العموم بطريقين مع التنصيص على شمول النوعين ~~. # وجعل لفظ ( اللاتى ) للعموم ليستفاد العموم من صيغة الجمع فقط . ~~PageV04P272 # وجعل لفظ و { الذان } للنوعين لأن مفرده وهو الذي صالح للدلالة على النوع ~~، إذ النوع يعبر عنه بالمذكر مثل الشخص ، ونحو ms1860 ذلك ، وحصل مع ذلك كله تفنن ~~بديع في العبارة فكانت بمجموع ذلك هاته الآية غاية في الإعجاز ، وعلى هذا ~~الوجه فالمراد من النساء معنى ما قابل الرجال وهذا هو الذي يجدر حمل معنى ~~الآية عليه . # والأذى أريد به هنا غير الحبس لأنه سبق تخصيصه بالنساء وغير الجلد ، لأنه ~~لم يشرع بعد ، فقيل : هو الكلام الغليظ والشتم والتعيير . وقال ابن عباس : ~~هو النيل باللسان واليد وضرب النعال ، بناء على تأويله أن الآية شرعت عقوبة ~~للزنا قبل عقوبة الجلد . واتفق العلماء على أن هذا حكم منسوخ بالجلد ~~المذكور في سورة النور ، وبما ثبت في السنة من رجم المحصنين وليس تحديد هذا ~~الحكم بغاية قوله : { أو يجعل الله لهن سبيلا } بصارف معنى النسخ عن هذا ~~الحكم كما توهم ابن العربي ، لأن الغاية جعلت مبهمة ، فالمسلمون يترقبون ~~ورود حكم آخر ، بعد هذا ، لا غنى لهم عن إعلامهم به . # واعلم أن شأن النسخ في العقوبات على الجرائم التي لم تكن فيها عقوبة قبل ~~الإسلام ، أن تنسخ بأثقل منها ، فشرع الحبس والأذى للزناة في هذه السورة ، ~~وشرع الجلد بآية سورة النور ، والجلد أشد من الحبس ومن الأذى ، وقد سوي في ~~الجلد بين المرأة والرجل ، إذ التفرقة بينهما لا وجه لبقائها ، إذ كلاهما ~~قد خرق حكما شرعيا تبعا لشهوة نفسية أو طاعة لغيره . # ثم إن الجلد المعين شرع بآية سورة النور مطلقا أو عاما على الاختلاف في ~~محمل التعريف في قوله : { الزانية والزاني } ( النور : 2 ) ؛ فإن كان قد ~~وقع العمل به كذلك في الزناة والزواني : محصنين أو أبكارا ، فقد نسخه الرجم ~~في خصوص المحصنين منهم ، وهو ثابت بالعمل المتواتر ، وإن كان الجلد لم يعمل ~~به إلا في البكرين فقد قيد أو خصص بغير المحصنين ، إذ جعل حكمهما الرجم . ~~والعلماء متفقون على أن حكم المحصنين من الرجال والنساء الرجم . والمحصن هو ~~من تزوج بعقد شرعي صحيح ووقع البناء بعد ذلك العقد بناء صحيحا . وحكم الرجم ~~ثبت من قبل الإسلام في شريعة PageV04P273 التوراة للمرأة إذا زنت وهي ذات ~~زوج ms1861 ، فقد أخرج مالك ، في ( الموطأ ) ، ورجال الصحيح كلهم ، حديث عبد الله ~~بن عمر : أن اليهود جاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له أن رجلا ~~وامرأة زنيا ، فقال رسول الله ( ما تجدون في التوراة في شأن الرجم ) فقالوا ~~( نفضحهم ويجلدون ) فقال عبد الله بن سلام ( كذبتم إن فيها الرجم ) فأتوا ~~بالتوراة فنشروها ، فوضع أحدهم يده على آية الرجم ، فقرأ ما قبلها وما ~~بعدها ، فقال له عبد الله بن سلام ( ارفع يدك ) فرفع يده فإذا فيها آية ~~الرجم . فقالوا : ( صدق يا محمد فيها آية الرجم ) فأمر بهما رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فرجما وقد ذكر حكم الزنا في سفر التثنية ( 22 ) فقال ( إذا ~~وجد رجل مضطجعا مع امرأة زوجة بعلل يقتل الاثنان ، وإذا وجد رجل فتاة عذراء ~~غير مخطوبة فاضطجع معها فوجدا ، يعطي الرجل الذي اضطجع معها لأبي الفتاة ~~خمسين من الفضة وتكون هي له زوجة ولا يقدر أن يطلقها كل ايامه ) . # وقد ثبت الرجم في الإسلام بما رواه عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال : ( خذوا عني خذوا عني . قد جعل الله لهن سبيلا ، البكر ~~بالبكر ضرب مائة وتغريب عام ، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم ) . ومقتضاه ~~الجمع بين الرجم والجلد ، ولا أحسبه إلا توهما من الراوي عن عبادة أو اشتبه ~~عليه ، وأحسب أنه لذلك لم يعمل به العلماء فلا يجمع بين الجلد والرجم . ~~ونسب ابن العربي إلى أحمد بن حنبل الجمع بين الرجم والجلد . وهو خلاف ~~المعروف من مذهبه . وعن علي بن أبي طالب أنه جمع بين الجلد والرجم . ولم ~~يصح . ثم ثبت من فعل النبي صلى الله عليه وسلم في القضاء بالرجم ثلاثة ~~أحاديث : أولها قضية ماعز بن مالك الأسلمي ، أنه جاء رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فاعترف بالزنا فأعرض عنه ثلاث مرات ثم بعث إلى إهله فقال : به ~~جنون ؟ قالوا : لا ، وأبكر هو أم ثيب ؟ قالوا : بل ثيب . فأمر به فرجم . # الثاني : قضية الغامدية ، أنها جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم ms1862 ~~فاعترفت بالزنا وهي حبلى فأمرها أن تذهب حتى تضع ، ثم حتى ترضعه ، فلما ~~أتمت رضاعه جاءت فأمر بها فرجمت . PageV04P274 # الثالث : حديث أبي هريرة ، وخالد الجهني ، أن رجلين اختصما إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما : يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله . ~~وقال الآخر وهو أفقههما : أجل يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله واذن لي ~~في أن أتكلم ؟ قال : تكلم . قال : إن ابني كان عسيفا على هذا فزنى بامرأته ~~فأخبروني أن على ابني الرجم فافتديت منه بمائة شاة وبجارية لي ، ثم إني ~~سألت أهل العلم فأخبروني أنما على ابني جلد مائة وتغريب عام ، وأخبروني ~~أنما الرجم على امرأته ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما والذي نفسي ~~بيده لأقضين بينكما بكتاب الله ، أما غنمك وجاريتك فرد عليك وجلد ابنه مائة ~~وغربه عاما واغد يا أنيس ( هو أنيس بن الضحاك ويقال ابن مرثد الأسلمي ) على ~~زوجة هذا ، فإن اعترفت فارجمها ، فاعترفت فرجمها . قال مالك والعسيف الأجير ~~. هذه الأحاديث مرسل منها اثنان في ( الموطأ ) ، وهي مسندة في غيره ، فثبت ~~بها وبالعمل حكم الرجم للمحصنين ، قال ابن العربي : هو خبر متواتر نسخ ~~القرآن . يريد أنه متواتر لدى الصحابة فلتواتره أجمعوا على العمل به . وأما ~~ما بلغ إلينا وإلى ابن العربي وإلى من قبله فهو أخبار آحاد لا تبلغ مبلغ ~~متواتر ، فالحق أن دليل رجم المحصنين هو ما نقل إلينا من إجماع الصحابة ~~وسنتعرض إلى ذلك في سورة النور ، ولذلك قال بالرجم الشافعي مع أنه لا يقول ~~بنسخ القرآن بالسنة . # والقائلون بأن حكم الرجم ناسخ لحكم الحبس في البيوت قائلون بأن دليل ~~النسخ هو حديث قد : { جعل الله لهن سبيلا } وفيه ( والبكر بالبكر جلد مائة ~~وتغريب عام ) فتضمن الجلد ، ونسب هذا القول للشافعي وجماعة ، وأورد الجصاص ~~على الشافعي أنه يلزمه أن القرآن نسخ بالسنة ، وأن السنة نسخت بالقرآن ، ~~وهو لا يرى الأمرين ، وأجاب الخطابي بأن آية النساء مغياة ، فالحديث بين ~~الغاية ، وأن آية النور نزلت بعد ذلك ، والحديث خصصها من ms1863 قبلل نزولها . قلت ~~: وعلى هذا تكون آية النور نزلت تقريرا لبعض الحكم الذي في حديث الرجم ، ~~على أن قوله : إن آية النساء مغياة ، لا يجدي لأن الغاية المبهمة لما كان ~~بيانها إبطالا لحكم المغيي فاعتبارها اعتبار النسخ ، وهل النسخ كله إلا ~~إيذان بوصول غاية الحكم المرادة لله غير مذكورة في اللفظ ، PageV04P275 ~~فذكرها في بعض الأحكام على إبهامها لا يكسو النزول غير شعار النسخ . وقال ~~بعضهم شرع الأذى ثم نسخ بالحبس في البيوت وإن كان في القراءة متأخرا . وهذا ~~قول لا ينبغي الالتفات إليه فلا مخلص من هذا الإشكال إلا بأن نجعل إجماع ~~الصحابة على ترك الإمساك في البيوت ، وعلى تعويضه بالحد في زمان النبوءة ~~فيؤول إلى نسخ القرآن بالسنة المتواترة ، ويندفع ما أورده الجصاص على ~~الشافعي ، فإن مخالفة الإجماع للنص تتضمن أن مستند الإجماع ناسخ للنص . # ويتعين أن يكون حكم الرجم للمحصن شرع بعد الجلد ، لأن الأحاديث المروية ~~فيه تضمنت التغريب مع الجلد ، ولا يتصور تغريب بعد الرجم ، وهو زيادة لا ~~محالة لم يذكرها القرآن ، ولذلك أنكر أبو حنيفة التغريب لأنه زيادة على ~~النص فهو نسخ عنده . قال ابن العربي في الأحكام : أجمع رأي خيار بني ~~إسماعيل على أن من أحدث حدثا في الحرم يغرب منه ، وتمادى ذلك في الجاهلية ~~فكان كل من أحدث حدثا غرب من بلده إلى أن جاء الإسلام فأقره في الزنا خاصة ~~. قلت : وكان في العرب الخلع وهو أن يخلع الرجل من قبيلته ، ويشهدون بذلك ~~في الموسم ، فإن جر جريرة لا يطالب بها قومه ، وإن اعتدي عليه لا يطلب قومه ~~دية ولا نحوها ، وقد قال امرؤ القيس : # به الذيب يعوي كالخليع المعيل # واتفقوا على أن المرأة لا تغرب لأن تغريبها ضيعة ، وأنكر أبو حنيفة ~~التغريب لأنه نقل ضر من مكان إلى آخر وعوضه بالسجن ولا يعرف بين أهل العلم ~~الجمع بين الرجم والضرب ولا يظن بشريعة الإسلام ذلك وروي أن عليا جلد شراحة ~~الهمدانية ورجمها بعد الجلد ، وقال : جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول ~~الله . # وقرن ms1864 بالفاء خبر الموصولين من قوله : { فاستشهدوا } وقوله { فآذوهما } ~~لأن الموصول أشرب معنى الشرط تنبيها على أن صلة الموصول سبب في الحكم الدال ~~عليه خبره ، فصار خبر الموصول مثل جواب الشرط ويظهر لي أن ذلك عندما يكون ~~الخبر جملة ، وغير صالحة لمباشرة أدوات الشرط ، بحيث لو كانت جزاء للزم ~~PageV04P276 اقترانها بالفاء . هكذا وجدنا من استقراء كلامهم ، وهذا ~~الأسلوب إنما يقع في الصلات التي تومىء إلى وجه بناء الخبر ، لأنها التي ~~تعطي رائحة التسبب في الخبر الوارد بعدها . ولك أن تجعل دخول الفاء علامة ~~على كون الفاء نائبة عن ( أما ) . # ومن البين أن إتيان النساء بالفاحشة هو الذي سبب إمساكهن في البيوت ، وإن ~~كان قد بني نظم الكلام على جعل { فاستشهدوا عليهن } هو الخبر ، لكنه خبر ~~صوري وإلا فإن الخبر هو { فأمسكوهن } ، لكنه جيء به جوابا لشرط هو متفرع ~~على { فإن شهدوا } ففاء { فاستشهدوا } هي الفاء المشبهة لفاء الجواب ، وفاء ~~{ فإن شهدوا } تفريعية ، وفاء { فأمسكوهن } جزائية ، ولولا قصد الاهتمام ~~بإعداد الشهادة قبل الحكم بالحبس في البيوت لقيل : واللاتي يأتين الفاحشة ~~من نسائكم فأمسكوهن في البيوت إن شهد عليهن أربعة منكم . # $ 2 ( 17 ، 18 ) { إنما التوبة على الله للذين يعملون السو & # 1764 ء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولائك يتوب الله عليهم وكان الله ~~عليما حكيما * وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت ~~قال إنى تبت الان ولا الذين يموتون وهم كفار أولائك أعتدنا لهم عذابا أليما ~~} . ) 2 $ # استطراد جر إليه قوله : { فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما } ( النساء : 16 ~~) والتوبة تقدم الكلام عليها مستوفى في قوله ، في سورة آل عمران ( 90 ) : { ~~إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم . # وإنما } للحصر . # و { على } هنا حرف للاستعلاء المجازي بمعنى التعهد والتحقق كقولك : علي ~~لك كذا فهي تفيد تحقق التعهد . والمعنى : التوبة تحق على الله ، وهذا مجاز ~~في تأكيد PageV04P277 الوعد بقبولها حتى جعلت كالحق على الله ، ولا شيء ~~بواجب على الله إلا وجوب وعده بفضله . قال ابن عطية : إخباره ms1865 تعالى عن ~~أشياء أوجبها على نفسه يقتضي وجوب تلك الأشياء سمعا وليس وجوبا . # وقد تسلط الحصر على الخبر ، وهو { للذين يعملون } ، وذكر له قيدان وهما { ~~بجهالة } و { من قريب } . والجهالة تطلق على سوء المعاملة وعلى الإقدام على ~~العمل دون روية ، وهي ما قابل الحلم ، ولذلك تطلق الجهالة على الظلم . قال ~~عمرو بن كلثوم : # ألا لا يجهلن أحد علينا # فنجهل فوق جهل الجاهلينا # وقال تعالى ، حكاية عن يوسف ( وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من ~~الجاهلين ) . والمراد هنا ظلم النفس ، وذكر هذا القيد هنا لمجرد تشويه عمل ~~السوء ، فالباء للملابسة ، إذ لا يكون عمل السوء إلا كذلك . وليس المراد ~~بالجهالة ما يطلق عليه اسم الجهل ، وهو انتفاء العلم بما فعله ، لأن ذلك لا ~~يسمى جهالة ، وإنما هو من معاني لفظ الجهل ، ولو عمل أحد معصية وهو غير ~~عالم بأنها معصية لم يكن آثما ولا يجب عليه إلا أن يتعلم ذلك ويجتنبه . # وقوله : { من قريب } ، من فيه للابتداء و { قريب } صفة لمحذوف ، أي من ~~زمن قريب من وقت عمل السوء . # وتأول بعضهم معنى { من قريب } بأن القريب هو ما قبل الاحتضار ، وجعلوا ~~قوله بعده { حتى إذا حضر أحدهم الموت } يبين المراد من معنى ( قريب ) . # واختلف المفسرون من السلف ومن بعدهم في إعمال مفهوم القيدين ( بجهالة من ~~قريب ) حتى قيل : إن حكم الآية منسوخ بآية { إن الله لا يغفر أن يشرك به ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } ( النساء : 48 ) ، والأكثر على أن قيد ( ~~بجهالة ) كوصف كاشف لعمل السوء لأن المراد عمل السوء مع الإيمان . فقد روى ~~عبد الرزاق عن قتادة قال : اجتمع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فرأوا أن ~~كل عمل عصي الله به فهو جهالة عمدا كان أو غيره . PageV04P278 والذي يظهر ~~أنهما قيدان ذكرا للتنبيه على أن شأن المسلم أن يكون عمله جاريا على اعتبار ~~مفهوم القيدين وليس مفهوماهما بشرطين لقبول التوبة ، وأن قوله تعالى : { ~~وليست التوبة للذين يعملون السيئات } إلى { وهم كفار } قسيم لمضمون قوله : ~~{ إنما التوبة على ms1866 الله } إلخ ، ولا واسطة بين هذين القسمين . # وقد اختلف علماء الكلام في قبول التوبة ؛ هل هو قطعي أو ظني فيها لتفرع ~~أقوالهم فيها على أقوالهم في مسألة وجوب الصلاح والأصلح لله تعالى ووجوب ~~العدل . فأما المعتزلة فقالوا : التوبة الصادقة مقبولة قطعا بدليل العقل ، ~~وأحسب أن ذلك ينحون به إلى أن التائب قد أصلح حاله ، ورغب في اللحاق بأهل ~~الخير ، فلو لم يقبل الله منه ذلك لكان إبقاء له في الضلال والعذاب ، وهو ~~منزه عنه تعالى على أصولهم ، وهذا إن أرادوه كان سفسطة لأن النظر هنا في ~~العفو عن عقاب استحقه التائب من قبل توبته لا في ما سيأتي به بعد التوبة . # وأما علماء السنة فافترقوا فرقتين : فذهب جماعة إلى أن قبول التوبة مقطوع ~~به لأدلة سمعية ، هي وإن كانت ظواهر ، غير أن كثرتهاأفادت القطع ( كإفادة ~~المتواتر القطع مع أن كل خبر من آحاد المخبرين به لا يفيد إلا الظن ، ~~فاجتماعها هو الذي فاد القطع ، وفي تشبيه ذلك بالتواتر نظر ) ، وإلى هذا ~~ذهب الأشعري ، والغزالي والرازي ، وابن عطية ووالده أبو بكر ابن عطية ، ~~وذهب جماعة إلى أن القبول ظني لا قطعي ، وهو قول أبي بكر الباقلاني ، وإمام ~~الحرمين ، والمازري والتفتزاني ، وشرف الدين الفهري وابن الفرس في أحكام ~~القرآن بناء على أن كثرة الظواهر لا تفيد اليقين ، وهذا الذي ينبغي اعتماده ~~نظرا . غير أن قبول التوبة ليس من مسائل أصول الدين فلماذا نطلب في إثباته ~~الدليل القطعي . # والذي أراه أنهم لما ذكروا القبول ذكروه على إجماله ، فكان اختلافهم ~~اختلافا في حالة ، فالقبول يطلق ويراد به معنى رضي الله عن التائب ، ~~وإثباته في زمرة المتقين الصالحين ، وكأن هذا هو الذي نظر إليه المعتزلة ~~لما قالوا بأن قبولها قطعي عقلا . وفي كونه قطعيا ، وكونه عقلا ، نظر واضح ~~، ويدل لذلك أنهم قالوا : إن التوبة PageV04P279 لا تصح إلا بعد الإقلاع عن ~~سائر الذنوب ليتحقق معنى صلاحه . ويطلق القبول ويراد ما وعد الله به من ~~غفران الذنوب الماضية قبل التوبة ، وهذا أحسبهم لا يختلفون في كونه سمعيا ms1867 ~~لا عقليا ، إذ العقل لا يقتضي الصفح عن الذنوب الفارطة عند الإقلاع عن ~~إتيان أمثالها في المستقبل ، وهذا هو المختلف في كونه قطعيا أو ظنيا ، ~~ويطلق القبول على معنى قبول التوبة من حيث إنها في ذاتها عمل مأمور به كل ~~مذنب ، أي بمعنى أنها إبطال الإصرار على الذنوب التي كان مصرا على إتيانها ~~، فإن إبطال الإصرار مأمور به لأنه من ذنوب القلب فيجب تطهير القلب منه ، ~~فالتائب من هذه الجهة يعتبر ممتثلا لأمر شرعي ، فالقبول بهذا المعنى قطعي ~~لأنه صار بمعنى الإجزاء ، ونحن نقطع بأن من أتى عملا مأمورا به بشروطه ~~الشرعية كان عمله مقبولا بمعنى ارتفاع آثار النهي عنه ، ولكن بمعنى الظن في ~~حصول الثواب على ذلك . ولعل هذا المعنى هو الذي نظر إليه الغزالي إذ قال في ~~كتاب التوبة ( إنك إذا فهمت معنى القبول لم تشك في أن كل توبة صحيحة هي ~~مقبولة إذ القلب خلق سليما في الأصل ، إذ كل مولود يولد على الفطرة وإنما ~~تفوته السلامة بكدرة ترهقه من غيرة الذنوب ، وأن نور الندم يمحو عن القلب ~~تلك الظلمة كما يمحو الماء والصابون عن الثواب الوسخ . فمن توهم أن التوبة ~~تصح ولا تقبل كمن توهم أن الشمس تطلع والظلام لا يزول ، أو أن الثوب يغسل ~~والوسخ لا يزول ، نعم قد يقول التائب باللسان تبت ولا يقلع ، فذلك كقول ~~القصار بلسانه غسلت الثوب وهو لم يغسله فذلك لا ينظف الثوب ) . وهذا الكلام ~~تقريب إقناعي . وفي كلامه نظر بين لأنا إنما نبحث عن طرح عقوبة ثابتة هل ~~حدثان التوبة يمحوها . # والإشارة في المسند إليه في قوله : { فأولئك يتوب الله عليهم } للتنبيه ~~على استحضارهم باعتبار الأوصاف المتقدمة البالغة غاية الخوف من الله تعالى ~~والمبادرة إلى طلب مرضاته ، ليعرف أنهم أحرياء بمدلول المسند الوارد بعد ~~الإشارة ، نظير قوله تعالى : { أولئك على هدى من ربهم } ( البقرة : 5 ) ~~والمعنى : هؤلاء هم الذين جعلهم الله مستحقين قبول التوبة منهم ، وهو تأكيد ~~لقوله : { إنما التوبة على الله } إلى آخره . # وقوله : { وليست التوبة } إلخ تنبيه ms1868 على نفي القبول عن نوع من التوبة وهي ~~التي PageV04P280 تكون عند اليأس من الحياة لأن المقصد من العزم ترتب آثاره ~~عليه وصلاح الحل في هذه الدار بالاستقامة الشرعية ، فإذا وقع اليأس من ~~الحياة ذهبت فائدة التوبة . # وقوله : { ولا الذين يموتون وهم كفار } عطف الكفار على العصاة في شرط ~~قبول التوبة منهم لأن إيمان الكافر توبة من كفره ، والإيمان أشرف أنواع ~~التوبة ، فبين أن الكافر إذا مات كافرا لا تقبل توبته من الكفر . # وللعلماء في تأويله قولان : أحدهما الأخذ بظاهره وهو أن لا يحول بين ~~الكافر وبين قبول توبته من الكفر بالإيمان إلا حصول الموت ، وتأولوا معنى { ~~وليست التوبة } له بأن المراد بها ندمه يوم القيامة إذا مات كافرا ، ويؤخذ ~~منه أنه إذا آمن قبل أن يموت قبل إيمانه ، وهو الظاهر ، فقد ثبت في ( ~~الصحيح ) : أن أبا طالب لما حضرته الوفاة دخل عليه النبي صلى الله عليه ~~وسلم وعنده أبو جهل ، وعبد الله بن أبي أمية فقال : أي عم قل لا إلاه إلا ~~الله كلمة أحاج لك بها عند الله . فقال أبو جهل وعبد الله : أترغب عن ملة ~~عبد المطلب . فكان آخر ما قال أبو طالب أنه على ملة عبد المطلب ، فقال ~~النبي : لأستغفرن لك ما لم أنه عنك . فنزلت { ما كان للنبيء والذين آمنوا ~~أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب ~~الجحيم } ( التوبة : 113 ) ويؤذن به عطف { ولا الذين يموتون وهم كفار } ~~بالمغايرة بين قوله : { حتى إذا حضر أحدهم الموت } الآية وقوله : { ولا ~~الذين يموتون وهم كفار } . وعليه فوجه مخالفة توبته لتوبة المؤمن العاصي أن ~~الإيمان عمل قلبي ، ونطق لساني ، وقد حصل من الكافر التائب وهو حي ، فدخل ~~في جماعة المسلمين وتقوى به جانبهم وفشت بإيمانه سمعة الإسلام بين أهل ~~الكفر . # وثانيهما : أن الكافر والعاصي من المؤمنين سواء في عدم قبول التوبة مما ~~هما عليه ، إذا حضرهما الموت . وتأولوا قوله : { يموتون وهم كفار } بأن ~~معناه يشرفون على الموت على أسلوب قوله { وليخش الذين ms1869 لو تركوا من خلفهم ~~ذرية ضعافا } ( النساء : 9 ) أي لو أشرفوا على أن يتركوا ذرية . والداعي ~~إلى التأويل نظم الكلام لأن ( لا ) عاطفة على معمول لخبر التوبة المنفية ، ~~فيصير المعنى : وليست التوبة للذين يموتون وهم كفار PageV04P281 فيتوبون ، ~~ولا تعقل توبة بعد الموت فتعين تأويل ( يموتون ) بمعنى يشرفون كقوله { ~~والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم } ( البقرة : 240 ) ، ~~واحتجوا بقوله تعالى في حق فرعون { حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا ~~إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين آلآن وقد عصيت قبل وكنت ~~من المفسدين } ( يونس : 90 ، 91 ) المفيد أن الله لم يقبل إيمانه ساعتئذ . ~~وقد يجاب عن هذا الاستدلال بأن ذلك شأن الله في الذين نزل بهم العذاب أنه ~~لا ينفعهم الإيمان بعد نزول العذاب إلا قوم يونس قال تعالى : { فلولا كانت ~~قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في ~~الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين } ( يونس : 98 ) فالغرق عذاب عذب الله به ~~فرعون وجنده . # قال ابن الفرس ، في أحكام القرآن : وإذا صحت توبة العبد فإن كانت عن ~~الكفر قطعنا بقبولها ، وإن كانت عن سواه من المعاصي ؛ فمن العلماء من يقطع ~~بقبولها ، ومنهم من لم يقطع ويظنه ظنا اه . # # | 2 ( 19 ) { ياأيها الذين ءامنوا لا يحل لكم أن ترثوا النسآء كرها ولا ~~تعضلوهن لتذهبوا ببعض مآ ءاتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وعاشروهن ~~بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا } . ~~) 2 # استئناف تشريع في أحكام النساء التي كان سياق السورة لبيانها وهي التي لم ~~تزل آيها مبينة لأحكامها تأسيسا واستطرادا ، وبدءا وعودا ، وهذا حكم تابع ~~لإبطال ما كان عليه أهل الجاهلية من جعل زوج الميت موروثة عنه وافتتح بقوله ~~: { يا أيها الذين آمنوا } للتنويه بما خوطبوا به . # وخوطب الذين آمنوا ليعم الخطاب جميع الأمة ، فيأخذ كل منهم بحظه منه ، ~~فمريد الاختصاص بامرأة الميت يعلم ما يختص به منه ، والولي كذلك ، وولاة ~~الأمور كذلك . # وصيغة { لا يحل ms1870 } صيغة نهي صريح لأن الحل هو الإباحة في لسان العرب ولسان ~~الشريعة ، فنفيه يرادف معنى التحريم . # والإرث حقيقته مصير الكسب إلى شخص عقب شخص آخر ، وأكثر ما يستعمل في مصير ~~الأموال ، ويطلق الإرث مجازا على تمحض الملك لأحد بعد المشارك فيه ، أو في ~~PageV04P282 حالة ادعاء المشارك فيه ، ومنه ( يرث الأرض ومن عليها ) ، وهو ~~فعل متعد إلى واحد يتعدى إلى المتاع الموروث ، فتقول : ورثت مال فلان ، وقد ~~يتعدى إلى ذات الشخص الموروث ، يقال : ورث فلان أباه ، قال تعالى : { فهب ~~لي من لدنك وليا يرثني } ( مريم : 6 ) وهذا هو الغالب فيه إذا تعدى إلى ما ~~ليس بمال . # فتعدية فعل { أن ترثوا } إلى { النساء } من استعماله الأول : بتنزيل ~~النساء منزلة الأموال الموروثة ، لإفادة تبشيع الحالة التي كانوا عليها في ~~الجاهلية . أخرج البخاري ، عن ابن عباس ، قال : ( كانوا إذا مات الرجل كان ~~أولياؤه أحق بامرأته إن شاء بعضهم تزوجها ، وإن شاءوا زوجوها ، وإن شاءوا ~~لم يزوجوها ، فهم أحق بها من أهلها فنزلت هذه الآية ) وعن مجاهد ، والسدي ، ~~والزهري كان الابن الأكبر أحق بزوج أبيه إذا لم تكن أمه ، فإن لم يكن أبناء ~~فولي الميت إذا سبق فألقى على امرأة الميت ثوبه فهو أحق بها ، وإن سبقته ~~فذهبت إلى أهلها كانت أحق بنفسها . وكان من أشهر ما وقع من ذلك في الجاهلية ~~أنه لما مات أمية بن عبد شمس وترك امرأته ولها أولاد منه : العيص ، وأبو ~~العيص ، والعاص ، وأبو العاص ، وله أولاد من غيرها منهم أبو عمرو بن أمية ~~فخلف أبو عمرو على امرأة أبيه ، فولدت له : مسافرا ، وأبا معيط ، فكان ~~الأعياص أعماما لمسافر وأبي معيط وأخوتهما من الأم ) . # وقد قيل : نزلت الآية لما توفي أبو قيس بن الأسلت رام ابنه أن يتزوج ~~امرأته كبشة بنت معن الأنصارية ، فنزلت هذه الآية . قال ابن عطية : وكانت ~~هذه السيرة لازمة في الأنصار ، وكانت في قريش مباحة مع التراضي . وعلى هذا ~~التفسير يكون قوله { كرها } حالا من النساء ، أي كارهات غير راضيات ، حتى ~~يرضين بأن يكن أزواجا لمن ms1871 يرضينه ، مع مراعاة شروط النكاح ، والخطاب على ~~هذا الوجه لورثة الميت . # وقد تكرر هذا الإكراه بعوائدهم التي تمالؤوا عليها ، بحيث لو رامت المرأة ~~المحيد عنها ، لأصبحت سبة لها ، ولما وجدت من ينصرها ، وعلى هذا فالمراد ~~بالنساء الأزواج ، أي أزواج الأموات . # ويجوز أن يكون فعل ( ترثوا ) مستعملا في حقيقته ومتعديا إلى الموروث ~~فيفيد PageV04P283 النهي عن أحوال كانت في الجاهلية : منها أن الأولياء ~~يعضلون النساء ذوات المال من التزوج خشية أنهن إذا تزوجن يلدن فيرثهن ~~أزواجهن وأولادهن ولم يكن للولي العاصب شيء من أموالهن ، وهن يرغبن أن ~~يتزوجن ؛ ومنها أن الأزواج كانوا يكرهون أزواجهم ويأبون أن يطلقوهن رغبة في ~~أن يمتن عندهم فيرثوهن ، فذلك إكراه لهن على البقاء على حالة الكراهية ، إذ ~~لا ترضى المرأة بذلك مختارة ، وعلى هذا فالنساء مراد به جمع امرأة ، وقرأ ~~الجمهور : كرها بفتح الكاف وقرأه حمزة ، والكسائي وخلف بضم الكاف وهما ~~لغتان . # عطف النهي عن العضل على النهي عن إرث النساء كرها لمناسبة التماثل في ~~الإكراه وفي أن متعلقه سوء معاملة المرأة ، وفي أن العضل لأجل أخذ مال منهن ~~. # والعضل : منع ولي المرأة إياها أن تتزوج ، وقد تقدم الكلام عليه عند قوله ~~تعالى : { فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن } في سورة البقرة ( 232 ) . # فإن كان المنهي عنه في قوله : { لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها } هو ~~المعنى المتبادر من فعل ( ترثوا ) ، وهو أخذ مال المرأة كرها عليها ، فعطف ~~{ ولا تعضلوهن } إما عطف خاص على عام ، إن أريد خصوص منع الأزواج نساءهم من ~~الطلاق مع الكراهية ، رغبة في بقاء المرأة عنده حتى تموت فيرث منها مالها ، ~~أو عطف مباين إن أريد النهي عن منعها من الطلاق حتى يلجئها إلى الافتداء ~~منه ببعض ما آتاها ، وأياما كان فإطلاق العضل على هذا الإمساك مجاز باعتبار ~~المشابهة لأنها كالتي لا زوج لها ولم تتمكن من التزوج . # وإن كان المنهي عنه في قوله : { لا يحل لكم أن ترثوا النساء } المعنى ~~المجازي لترثوا وهو كون المرأة ميراثا ، وهو ما كان يفعله أهل الجاهلية ms1872 في ~~معاملة أزواج أقاربهم وهو الأظهر فعطف { ولا تعضلوهن } عطف حكم آخر من ~~أحوال المعاملة ، وهو النهي عن أن يعضل الولي المرأة من أن تتزوج لتبقى ~~عنده فإذا ماتت ورثها ، PageV04P284 ويتعين على هذا الاحتمال أن يكون ضمير ~~الجمع في قوله : { لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن } راجعا إلى من يتوقع منه ذلك ~~من المؤمنين وهم الأزواج خاصة ، وهذا ليس بعزيز أن يطلق ضمير صالح للجمع ~~ويراد منه بعض ذلك الجمع بالقرينة ، كقوله : { ولا تقتلوا أنفسكم } ( ~~النساء : 29 ) أي لا يقتل بعضكم أخاه ، إذ قد يعرف أن أحدا لا يقتل نفسه ، ~~وكذلك { فسلموا على أنفسكم } ( النور : 61 ) أي يسلم الداخل على الجالس . ~~فالمعنى : ليذهب بعضكم ببعض ما آتاهن بعضكم ، كأن يريد الولي أن يذهب في ~~ميراثه ببعض مال مولاته الذي ورثته من أمها أو قريبها أو من زوجها ، فيكون ~~في الضمير توزيع . وإطلاق العضل على هذا المعنى حقيقة . والذهاب في قوله : ~~{ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن } مجاز في الأخذ ، كقوله : { ذهب الله بنورهم } ~~( البقرة : 17 ) ، أي أزاله . # ليس إتيانهن بفاحشة مبينة بعضا مما قبل الاستثناء لا من العضل ولا من ~~الإذهاب ببعض المهر . فيحتمل أن يكون الاستثناء متصلا استثناء من عموم ~~أحوال الفعل الواقع في تعليل النهي ، وهو إرادة الإذهاب ببعض ما آتوهن ، ~~لأن عموم الأفراد يستلزم عموم الأحوال ، أي إلا حال الإتيان بفاحشة فيجوز ~~إذهابكم ببعض ما آتيتموهن . ويحتمل أن يكون استثناء منقطعا في معنى ~~الاستدراك ، أي لكن إتيانهن بفاحشة يحل لكم أن تذهبوا ببعض ما آتيتموهن ، ~~فقيل : هذا كان حكم الزوجة التي تأتي بفاحشة وأنه نسخ بالحد . وهو قول عطاء ~~. # والفاحشة هنا عند جمهور العلماء هي الزنا ، أي أن الرجل إذا تحقق زنى ~~زوجه فله أن يعضلها ، فإذا طلبت الطلاق فله أن لا يطلقها حتى تفتدي منه ~~ببعض صداقها ، لأنها تسببت في بعثرة حال بيت الزوج ، وأحوجته إلى تجديد ~~زوجة أخرى ، وذلك موكول لدينه وأمانة الإيمان . فإن حاد عن ذلك فللقضاة ~~حمله على الحق . وإنما لم يجعل المفاداة بجميع المهر لئلا تصير ms1873 مدة العصمة ~~عرية عن عوض مقابل ، هذا ما يؤخذ من كلام الحسن . وأبي قلابة ، وابن سيرين ~~وعطاء ؛ لكن قال عطاء : هذا الحكم نسخ بحد الزنا وباللعان ، فحرم الإضرار ~~والافتداء . PageV04P285 # وقال ابن مسعود ، وابن عباس ، والضحاك ، وقتادة : الفاحشة هنا البغض ~~والنشوز ، فإذا نشزت جاز له أن يأخذ منها . قال ابن عطية : وظاهر قول مالك ~~بإجازة أخذ الخلع عن الناشز يناسب هذا إلا أني لا أحفظ لمالك نصا في ~~الفاحشة في هذه الآية . # وقرأ الجمهور : مبينة بكسر التحتية اسم فاعل من بين اللازم بمعنى تبين ، ~~كما في قولهم في المثل ( بين الصبح لذي عينين ) . وقرأه ابن كثير ، وأبو ~~بكر عن عاصم ، وخلف بفتح التحتية اسم مفعول من بين المتعدي أي بينها ~~وأظهرها بحيث أشهد عليهن بها . # أعقب النهي عن إكراه النساء والإضرار بهن بالأمر بحسن المعاشرة معهن ، ~~فهذا اعتراض فيه معنى التذييل لما تقدم من النهي ، لأن حسن المعاشرة جامع ~~لنفي الإضرار والإكراه ، وزائد بمعاني إحسان الصحبة . # والمعاشرة مفاعلة من العشرة وهي المخالطة ، قال ابن عطية : وأرى اللفظة ~~من أعشار الجزور لأنها مقاسمة ومخالطة ، أي فأصل الاشتقاق من الاسم الجامد ~~وهو عدد العشرة . وأنا أراها مشتقة من العشيرة أي الأهل ، فعاشره جعله من ~~عشيرته ، كما يقال : آخاه إذا جعله أخا . أما العشيرة فلا يعرف أصل ~~اشتقاقها . وقد قيل : إنها من العشرة أي اسم العدد وفيه نظر . # والمعروف ضد المنكر وسمي الأمر المكروه منكرا لأن النفوس لا تأنس به ، ~~فكأنه مجهول عندها نكرة ، إذ الشأن أن المجهول يكون مكروها ثم أطلقوا اسم ~~المنكر على المكروه ، وأطلقوا ضده على المحبوب لأنه تألفه النفوس . ~~والمعروف هنا ما حدده الشرع ووصفه العرف . PageV04P286 # والتفريع في قوله : { فإن كرهتموهن } على لازم الأمر الذي في قوله : { ~~وعاشروهن } وهو النهي عن سوء المعاشرة ، أي فإن وجد سبب سوء المعاشرة وهو ~~الكراهية . وجملة { فعسى أن تكرهوا } نائبه مناب جواب الشرط ، وهي عليه له ~~فعلم الجواب منها . وتقديره : فتثبتوا ولا تعجلوا بالطلاق ، لأن قوله { ~~فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا ms1874 } يفيد إمكان أن تكون المرأة ~~المكروهة سبب خيرات فيقتضي أن لا يتعجل في الفراق . # و { عسى } هنا للمقاربة المجازية أو الترجي . و { أن تكرهوا } ساد مسد ~~معموليها ، { ويجعل } معطوف على { تكرهوا } ، ومناط المقاربة والرجاء هو ~~مجموع المعطوف والمعطوف عليه ، بدلالة القرينة على ذلك . # وهذه حكمة عظيمة ، إذ قد تكره النفوس ما في عاقبته خير فبعضه يمكن التوصل ~~إلى معرفة ما فيه من الخير عند غوص الرأي . وبعضه قد علم الله أن فيه خيرا ~~لكنه لم يظهر للناس . قال سهل بن حنيف ، حين مرجعه من صفين ( اتهموا الرأي ~~فلقد رأيتنا يوم أبي جندل ولو نستطيع أن نرد على رسول الله أمره لرددنا . ~~والله ورسوله أعلم ) . وقد قال تعالى ، في سورة البقرة { وعسى أن تكرهوا ~~شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم } ( البقرة : 216 ) . # والمقصود من هذا : الإرشاد إلى إعماق النظر وتغلغل الرأي في عواقب ~~الأشياء ، وعدم الاغترار بالبوارق الظاهرة . ولا بميل الشهوات إلى ما في ~~الأفعال من ملائم ، حتى يسبره بمسبار الرأي ، فيتحقق سلامة حسن الظاهر من ~~سوء خفايا الباطن . # واقتصر هنا على مقاربة حصول الكراهية لشيء فيه خير كثير ، دون مقابلة ، ~~كما في آية البقرة ( 216 ) { وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم لأن المقام في ~~سورة البقرة مقام بيان الحقيقة بطرفيها إذ المخاطبون فيها كرهوا القتال ، ~~وأحبوا السلم ، فكان حالهم مقتضيا بيان أن القتال قد يكون هو الخير لما ~~يحصل بعده من أمن دائم ، وخضد شوكة العدو ، وأن السلم قد تكون شرا لما يحصل ~~معها من PageV04P287 استخفاف الأعداء بهم ، وطمعهم فيهم ، وذهاب عزهم ~~المفضي إلى استعبادهم ، أما المقام في هذه السورة فهو لبيان حكم من حدث ~~بينه وبين زوجه ما كرهه فيها ، ورام فراقها ، وليس له مع ذلك ميل إلى غيرها ~~، فكان حاله مقتضيا بيان ما في كثير من المكروهات من الخيرات ، ولا يناسب ~~أن يبين له أن في بعض الأمور المحبوبة شرورا لكونه فتحا لباب التعلل لهم ~~بما يأخذون من الطرف الذي يميل إليه ms1875 هواهم . وأسند جعل الخير في المكروه ~~هنا لله بقوله : ويجعل الله فيه خيرا كثيرا } المقتضى أنه جعل عارض لمكروه ~~خاص ، وفي سورة البقرة ( 216 ) قال : { وهو خير لكم لأن تلك بيان لما يقارن ~~بعض الحقائق من الخفاء في ذات الحقيقة ، ليكون رجاء الخير من القتال مطردا ~~في جميع الأحوال غير حاصل بجعل عارض ، بخلاف هذه الآية ، فإن الصبر على ~~الزوجة الموذية أو المكروهة إذا كان لأجل امتثال أمر الله بحسن معاشرتها ، ~~يكون جعل الخير في ذلك جزاء من الله على الامتثال . # # | 2 ( 20 ، 21 ) وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وءاتيتم إحداهن قنطارا ~~فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا * وكيف تأخذونه وقد أفضى ~~بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا } . ) 2 # لا جرم أن الكراهية تعقبها إرادة استبدال المكروه بضده ، فلذلك عطف الشرط ~~على الذي قبله استطرادا واستيفاء للأحكام . # فالمراد بالاستبدال طلاق المرأة السابقة وتزوج امرأة أخرى . # والاستبدال : التبديل . وتقدم الكلام عليه عند قوله تعالى : { قال ~~أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير في سورة البقرة ( 61 ) أي إن لم يكن ~~سبب للفراق إلا إرادة استبدال زوج بأخرى فيلجيء التي يريد فراقها ، حتى ~~تخالعه ، ليجد ما لا يعطيه مهرا للتي رغب فيها ، نهى عن أن يأخذوا شيئا مما ~~أعطوه أزواجهم من مهر وغيره PageV04P288 والقنطار هنا مبالغة في مقدار ~~المالل المعطى صداقا أي ما لا كثيرا ، كثرة غير متعارفة . وهذه المبالغة ~~تدل على أن إيتاء القنطار مباح شرعا لأن الله لا يمثل بما لا يرضى شرعه مثل ~~الحرام ، ولذلك لما خطب عمر بن الخطاب فنهى عن المغالاة في الصدقات ، قالت ~~له امرأة من قريش بعد أن نزل يا أمير المؤمنين كتاب الله أحق أن يتبع أو ~~قولك قال : بل كتاب الله بم ذلك ؟ قالت : إنك نهيت الناس آنفا أن يغالوا في ~~صداق النساء ، والله يقول في كتابه وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه ~~شيئا } ( النساء : 20 ) فقال عمر ( كل أحد أفقه من عمر ) . وفي رواية قال ( ~~امرأة أصابت وأمير ms1876 أخطأ والله المستعان ) ثم رجع إلى المنبر فقال : ( إني ~~كنت نهيتكم أن تغالوا في صدقات النساء فليفعل كل رجل في ماله ما شاء ) . ~~والظاهر من هذه الرواية أن عمر رجع عن تحجير المباح لأنه رآه ينافي الإباحة ~~بمقتضى دلالة الإشارة وقد كان بدا له من قبل أن في المغالاة علة تقتضي ~~المنع ، فيمكن أن يكون نسي الآية بناء على أن المجتهد لا يلزمه البحث عن ~~المعارض لدليلل اجتهاده ، أو أن يكون حملها على قصد المبالغة فرأى أن ذلك ~~لا يدل على الإباحة ، ثم رجع عن ذلك أو أن يكون رأى لنفسه أن يحجر بعض ~~المباح للمصلحة ثم عدل عنه لأنه ينافي إذن الشرع في فعله أو نحو ذلك . # وضمير : { إحداهن } راجع إلى النساء . وهذه هي المرأة التي يراد طلاقها . # وتقدم الكلام على القنطار عند تفسير قوله تعالى : { والقناطير المقنطرة ~~من الذهب والفضة في سورة آل عمران ( 14 ) . # والاستفهام في أتأخذونه } إنكاري . # والبهتان مصدر كالشكران والغفران ، مصدر بهته كمنعه إذا قال عليه ما لم ~~يفعل ، وتقدم البهت عند قوله تعالى : { فبهت الذي كفر في سورة البقرة ( 258 ~~) . # وانتصب بهتانا } على الحال من الفاعل في ( تأخذونه ) بتأويله باسم الفاعل ~~، أي مباهتين . وإنما جعل هذا الأخذ بهتانا لأنهم كان من عادتهم إذا كرهوا ~~المرأة وأرادوا طلاقها ، رموها بسوء المعاشرة ، واختلقوا عليها ما ليس فيها ~~، لكي تخشى PageV04P289 سوء السمعة فتبذل للزوج ما لا فداء ليطلقها ، حكى ~~ذاك فخر الدين الرازي ، فصار أخذ المال من المرأة عند الطلاق مظنة بأنها ~~أتت ما لا يرضي الزوج ، فقد يصد ذلك الراغبين في التزوج عن خطبتها ، ولذلك ~~لما أذن الله للأزواج بأخذ المال إذا أتت أزواجهم بفاحشة ، صار أخذ المال ~~منهن بدون ذلك يوهم أنه أخذه في محل الإذن بأخذه ، هذا أظهر الوجوه في جعل ~~هذا الأخذ بهتانا . # وأما كونه إثما مبينا فقد جعل هنا حالا بعد الإنكار ، وشأن مثل هذا الحال ~~أن تكون معلومة الانتساب إلى صاحبها حتى يصبح الإنكار باعتبارها ، فيحتمل ~~أن كونها إثما مبينا قد ms1877 صار معلوما للمخاطبين من قوله : { فلا تأخذوا منه ~~شيئا } ، أو من آية البقرة ( 229 ) { ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن ~~شيئا إلا أن يخافا أن لا يقيما حدود الله أو مما تقرر عندهم من أن حكم ~~الشريعة في الأموال أن لا تحل إلا عن طيب نفس . # وقوله : وكيف تأخذونه } استفهام تعجيبي بعد الإنكار ، أي ليس من المروءة ~~أن تطمعوا في أخذ عوض عن الفراق بعد معاشرة امتزاج وعهد متين . والإفضاء ~~الوصول ، مشتق من الفضاء ، لأن في الوصول قطع الفضاء بين المتواصلين ~~والميثاق الغليظ عقدة النكاح على نية إخلاص النية ودوام الألفة ، والمعنى ~~أنكم كنتم على حال مودة وموالاة ، فهي في المعنى كالميثاق على حسن المعاملة ~~. # والغليظ صفة مشبهة من غلظ بضم اللام إذا صلب ، والغلظة في الحقيقة صلابة ~~الذوات ، ثم استعيرت إلى صعوبة المعاني وشدتها في أنواعها ، قال تعالى : { ~~قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة } ( التوبة : 123 ) . وقد ~~ظهر أن مناط التحريم هو كون أخذ المال عند طلب استبدال الزوجة بأخرى ، فليس ~~هذا الحكم منسوخا بآية البقرة خلافا لجابر بن زيد إذ لا إبطال لمدلول هذه ~~الآية . # # | 2 ( 22 ) { ولا تنكحوا ما نكح ءاباؤكم من النسآء إلا ما قد سلف إنه كان ~~فاحشة ومقتا وسآء سبيلا } . ) 2 # عطف على جملة { لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها } ( النساء : 19 ) ، ~~والمناسبة PageV04P290 أن من جملة أحوال إرثهم النساء كرها ، أن يكون ابن ~~الميت أولى بزوجة أبيه ، إذا لم تكن أمه ، فنهوا عن هذه الصورة نهيا خاصا ~~مغلظا ، وتخلص منه إلى إحصاء المحرمات . # و { ما نكح } بمعنى الذي نكح مراد به الجنس ، فلذلك حسن وقع { ما } عوض ( ~~من ) لأن ( من ) تكثير في الموصول المعلوم ، على أن البيان بقوله : { من ~~النساء } سوى بين ( ما ومن ) فرجحت ( ما ) لخفتها ، والبيان أيضا يعين أن ~~تكون ( ما ) موصولة . وعدل عن أن يقال : لا تنكحوا نساء آبائكم ليدل بلفظ ~~نكح على أن عقد الأب على المرأة كاف في حرمة تزوج ابنه إياها . وذكر { من ~~النساء ms1878 } بيان لكون ( ما ) موصولة . # والنهي يتعلق بالمستقبل ، والفعل المضارع مع النهي مدلوله إيجاد الحدث في ~~المستقبل ، وهذا المعنى يفيد النهي عن الاستمرار على نكاحهن إذا كان قد حصل ~~قبل ورود النهي . والنكاح حقيقة في العقد شرعا بين الرجل والمرأة على ~~المعاشرة والاستمتاع بالمعنى الصحيح شرعا ، وتقدم أنه حقيقة في هذا المعنى ~~دون الوطء عند تفسير قوله تعالى : { فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح ~~زوجا غيره في سورة البقرة ( 230 ) ، فحرام على الرجل أن يتزوج امرأة عقد ~~أبوه عليها عقد نكاح صحيح ، ولو لم يدخل بها ، وأما إطلاق النكاح على الوطء ~~بعقد فقد حمل لفظ النكاح عليه بعض العلماء ، وزعموا أن قوله تعالى : فلا ~~تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره } أطلق فيه النكاح على الوطء لأنها لا ~~يحلها لمطلقها ثلاثا مجرد العقد أي من غير حاجة إلى الاستعانة ببيان السنة ~~للمقصود من قوله : { تنكح } وقد بينت رد ذلك في سورة البقرة عند قوله تعالى ~~: { فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره } . # وأما الوطء الحرام من زنى فكونه من معاني النكاح في لغة العرب دعوى واهية ~~. # وقد اختلف الفقهاء فيمن زنى بامرأة هل تحرم على ابنه أو على أبيه . فالذي ~~ذهب إليه مالك في ( الموطأ ) ، والشافعي : أن الزنى لا ينشر الحرمة ، وهذا ~~PageV04P291 الذي حكاه الشيخ أبو محمد بن أبي زيد في ( الرسالة ) ، ويروى ~~ذلك عن عكرمة عن ابن عباس ، وهو قول الزهري ، وربيعة ، والليث . وقال أبو ~~حنيفة ، وابن الماجشون من أصحاب مالك : الزنى ينشر الحرمة . قال ابن ~~الماجشون : مات مالك على هذا . وهو قول الأوزاعي والثوري . وقال ابن المواز ~~: هو مكروه ، ووقع في المدونة ( يفارقها ) فحمله الأكثر على الوجوب . ~~وتأوله بعضهم على الكراهة . وهذه المسألة جرت فيها مناظرة بين الشافعي ~~ومحمد بن الحسن أشار إليها الجصاص في أحكامه ، والفخر في مفاتيح الغيب ، ~~وهي طويلة . # و { ما قد سلف } هو ما سبق نزول هذه الآية أي إلا نكاحا قد سلف فتعين أن ~~هذا النكاح صار محرما ms1879 . ولذلك تعين أن يكون الاستثناء في قوله : { إلا ما ~~قد سلف } مؤولا إذ ما قد سلف كيف يستثنى من النهي عن فعله وهو قد حصل ، ~~فتعين أن الاستثناء يرجع إلى ما يقتضيه النهي من الإثم ، أي لا إثم عليكم ~~فيما قد سلف . ثم ينتقل النظر إلى أنه هل يقرر عليه فلا يفرق بين الزوجين ~~اللذين تزوجا قبل نزول الآية ، وهذا لم يقل به إلا بعض المفسرين فيما نقله ~~الفخر ، ولم أقف على أثر يثبت قضية معينة فرق فيها النبي صلى الله عليه ~~وسلم بين رجل وزوج أبيه مما كان قبل نزول الآية ، ولا على تعيين قائل هذا ~~القول ، ولعل الناس قد بادروا إلى فراق أزواج الآباء عند نزول هذه الآية . # وقد تزوج قبل الإسلام كثير أزواج آبائهم : منهم عمر بن أمية بن عبد شمس ، ~~خلف على زوج أبيه أمية كما تقدم ، ومنهم صفوان بن أمية بن خلف تزوج امرأة ~~أبيه فاختة بنت الأسود بن المطلب بن أسد ، ومنهم منظور بن ريان بن سيار ، ~~تزوج امرأة أبيه ملكية بنت خارجة ، ومنهم حصن بن أبي قيس ، تزوج بعد أبي ~~قيس زوجه ، ولم يرو أن أحدا من هؤلاء أسلم وقرر على نكاح زوج أبيه . # وجوزوا أن يكون الاستثناء من لازم النهي وهو العقوبة أي لا عقوبة على ما ~~قد سلف . وعندي أن مثل هذا ظاهر للناس فلا يحتاج للاستثناء ، ومتى يظن أحد ~~المؤاخذة عن أعمال كانت في الجاهلية قبل مجيء الدين ونزول النهي . ~~PageV04P292 # وقيل : هو من تأكيد الشيء بما يشبه ضده : أي إن كنتم فاعلين منه فانكحوا ~~ما قد سلف من نساء الآباء البائدة ، كأنه يوهم أنه يرخص لهم بعضه ، فيجد ~~السامع ما رخص له متعذرا فيتأكد النهي كقول النابغة : # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم # بهن فلول من قراع الكتائب # وقولهم ( حتى يؤوب القارظان ) و ( حتى يشيب الغراب ) وهذا وجه بعيد في ~~آيات التشريع . # والظاهر أن قوله : { إلا ما قد سلف } قصد منه بيان صحة ما سلف من ذلك في ~~عهد الجاهلية ms1880 ، وتعذر تداركه الآن ، لموت الزوجين ، من حيث إنه يترتب عليه ~~. ثبوت أنساب ، وحقوق مهور ومواريث ، وأيضا بيان تصحيح أنساب الذين ولدوا ~~من ذلك النكاح ، وأن المسلمين انتدبوا للإقلاع عن ذلك اختيارا منهم ، وقد ~~تأول سائر المفسرين قوله تعالى : { إلا ما قد سلف } بوجوه ترجع إلى التجوز ~~في معنى الاستثناء أو في معنى : { ما نكح } ، حملهم عليها أن نكاح زوج الأب ~~لم يقرره الإسلام بعد نزول الآية ، لأنه قال : { إنه كان فاحشة ومقتا وساء ~~سبيلا } أي ومثل هذا لا يقرر لأنه فاسد بالذات . # والمقت اسم سمت به العرب نكاح زوج الأب فقالوا نكاح المقت أي البغض ، ~~وسموا فاعل ذلك الضيزن ، وسموا الابن من ذلك النكاح مقيتا . # # | 2 ( 23 ) { حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم ~~وبنات الاخ وبنات الاخت وأمهاتكم اللاتى أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة ~~وأمهات نسآئكم وربائبكم اللاتى فى حجوركم من نسآئكم اللاتى دخلتم بهن فإن ~~لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنآئكم الذين من أصلابكم وأن ~~تجمعوا بين الاختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفورا رحيما } . ) 2 # تخلص إلى ذكر المحرمات بمناسبة ذكر تحريم نكاح ما نكح الآباء وغير ~~PageV04P293 أسلوب النهي فيه لأن ( لا تفعل ) نهي عن المضارع الدال على زمن ~~الحال فيؤذن بالتلبس بالمنهي ، أو إمكان التلبس به ، بخلاف { حرمت } فيدل ~~على أن تحريمه أمر مقرر ، ولذلك قال ابن عباس : ( كان أهل الجاهلية يحرمون ~~ما يحرم الإسلام إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين ) فمن أجل هذا أيضا نجد ~~حكم الجمع بين الأختين عبر فيه بلفظ الفعل المضارع فقيل : { وأن تجمعوا بين ~~الأختين } . # وتعلق التحريم بأسماء الذوات يحمل على تحريم ما يقصد من تلك الذات غالبا ~~فنحو { حرمت عليكم الميتة } إلخ معناه حرم أكلها ، ونحو : حرم الله الخمر ، ~~أي شربها ، وفي { حرمت عليكم أمهاتكم } معناه تزوجهن . # والأمهات جمع أمة أو أمهة ، والعرب أماتوا أمهة وأمه وأبقوا جمعه ، كما ~~أبقوا أم وأماتوا جمعه ، فلم يسمع منهم الأمات ، وورد أمة نادرا في قول ~~شاعر أنشده ابن كيسان ms1881 : # تقبلتها عن أمة لك طالما # تنوزع في الأسواق منها خمارها # وورد أمهة نادرا في بيت يعزى إلى قصي بن كلاب : # عند تناديهم بهالل وهبي # أمهتي خندف وإلياس أبي # وجاء في الجمع أمهات بكثرة ، وجاء أمات قليلا في قول جرير : # لقد ولد الأخيطل أم سوء # مقلدة من الأمات عارا # وقيل : إن أمات خاص بما لا يعقل ، قال الراعي : # كانت نجائب منذر ومحرق # أماتهن وطرقهن فحيلا # فيحتمل أن أصل أم أما أو أمها فوقع فيه الحذف ثم أرجعوها في الجمع . ~~PageV04P294 # ومن غريب الاتفاق أن أسماء أعضاء العائلة لم تجر على قياس مثل أب ، إذ ~~كان على حرفين ، وأخ ، وابن ، وابنة ، وأحسب أن ذلك من أثر أنها من اللغة ~~القديمة التي نطق بها البشر قبل تهذيب اللغة ، ثم تطورت اللغة عليها وهي هي ~~. والمراد من الأمهات وما عطف عليها الدنيا وما فوقها ، وهؤلاء المحرمات من ~~النسب ، وقد أثبت الله تعالى تحريم من ذكرهن ، وقد كن محرمات عند العرب في ~~جاهليتها ، تأكيدا لذلك التحريم وتغليظا له ، إذ قد استقر ذلك في الناس من ~~قبل ، فقد قالوا ما كانت الأم حلالا لابنها قط من عهد آدم عليه السلام ، ~~وكانت الأخت التوأمة حراما وغير التوامة حلالا ، ثم حرم الله الأخوات مطلقا ~~من عهد نوح عليه السلام ، ثم حرمت بنات الأخ ، ويوجد تحريمهن في شريعة موسى ~~عليه السلام ، وبقي بنات الأخت حلالا في شريعة موسى ، وثبت تحريمهن عند ~~العرب في جاهليتها فيما روى ابن عطية في تفسيره ، عن ابن عباس : أن ~~المحرمات المذكورات هنا كانت محرمة في الجاهلية ، إلا امرأة الأب ، والجمع ~~بين الأختين . ومثله نقله القرطبي عن محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة مع ~~زيادة توجيه ذكر الاستثناء بقوله : { إلا ما قد سلف } في هذبن خاصة ، وأحسب ~~أن هذا كله توطئة لتأويل الاستثناء في قول { إلا ما قد سلف } بأن معناه : ~~إلا ما سلف منكم في الجاهلية فلا إثم عليكم فيه ، كما سيأتي ، وكيف يستقيم ~~ذلك فقد ذكر فيهن تحريم الربائب والأخوات من الرضاعة ، ولا أحسبهن ms1882 كن ~~محرمات في الجاهلية . # واعلم أن شريعة الإسلام قد نوهت ببيان القرابة القريبة ، فغرست لها في ~~النفوس وقارا ينزه عن شوائب الاستعمال في اللهو والرفث ، إذ الزواج ، وإن ~~كان غرضا صالحا باعتبار غايته ، إلا أنه لا يفارق الخاطر الأول الباعث عليه ~~، وهو خاطر اللهو والتلذذ . # فوقار الولادة ، أصلا وفرعا ، مانع من محاولة اللهو بالوالدة أو المولودة ~~، ولذلك اتفقت الشرائع على تحريمه ، ثم تلاحق ذلك في بنات الإخوة وبنات ~~الأخوات ، وكيف يسري الوقار إلى فرع الأخوات ولا يثبت للأصل ، وكذلك ~~PageV04P295 سرى وقار الآباء إلى أخوات الآباء ، وهن العمات ، ووقار ~~الأمهات إلى أخواتهن وهن الخالات ، فمرجع تحريم هؤلاء المحرمات إلى قاعدة ~~المروءة التابعة لكلية حفظ العرض ، من قسم المناسب الضروري ، وذلك من أوائل ~~مظاهر الرقي البشري . و ( ال ) في قوله : { وبنات الأخ وبنات الأخت } عوض ~~عن المضاف إليه أي بنات أخيكم وبنات أختكم . # وقوله : { وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم } سمى المراضع أمهات جريا على لغة ~~العرب ، وما هن بأمهات حقيقة . ولكنهن تنزلن منزلة الأمهات لأن بلبانهن ~~تغذت الأطفال ، ولما في فطرة الأطفال من محبة لمرضعاتهم محبة أمهاتهم ~~الوالدات ، ولزيادة تقرير هذا الإطلاق الذي اعتبره العرب ثم ألحق ذلك بقوله ~~: { الاتي أرضعنكم } دفعا لتوهم أن المراد الأمهات إذ لو لا قصد إرادة ~~المرضعات لما كان لهذا الوصف جدوى . # وقد أجملت هنا صفة الإرضاع ومدته وعدده إيكالا للناس إلى متعارفهم . ~~وملاك القول في ذلك : أن الرضاع إنما اعتبرت له هذه الحرمة لمعنى فيه وهو ~~أنه الغذاء الذي لا غذاء غيره للطفل يعيش به ، فكان له من الأثر في دوام ~~حياة الطفل ما يماثل أثر الأم في أصل حياة طفلها . فلا يعتبر الرضاع سببا ~~في حرمة المرضع على رضيعها إلا ما استوفى هذا المعنى من حصول تغذية الطفل ~~وهو ما كان في مدة عدم استغناء الطفل عنه ، ولذلك قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم ( إنما الرضاعة من المجاعة ) . # وقد حددت مدة الحاجة إلى الرضاع بالحولين لقوله تعالى : { والوالدات ~~يرضعن أولادهن حولين كاملين وقد تقدم في سورة البقرة ms1883 ( 233 ) . ولا اعتداد ~~بالرضاع الحاصل بعد مضي تجاوز الطفل حولين من عمره ، بذلك قال عمر بن ~~الخطاب ، وابن مسعود ، وابن عباس ، والزهري ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد ، ~~والأوزاعي ، والثوري ، وأبو يوسف ، وقال أبو حنيفة : المدة حولان وستة أشهر ~~. وروى ابن عبد الحكم عن مالك : حولان وأيام يسيرة . وروى ابن القاسم عنه : ~~حولان وشهران . وروى عنه الوليد بن مسلم : والشهران والثلاثة . والأصح هو ~~القول الأول ؛ ولا PageV04P296 اعتداد برضاع فيما فوق ذلك ، وما روي أن ~~النبي أمر سهلة بنت سهيل زوجة أبي حذيفة أن ترضع سالما مولى أبي حذيفة لما ~~نزلت آية وما جعل أدعياءكم أبناءكم } ( الأحزاب : 4 ) إذ كان يدخل عليها ~~كما يدخل الأبناء على أمهاتهم ، فتلك خصوصية لها ، وكانت عائشة أم المؤمنين ~~إذا أرادت أن يدخل عليها أحد الحجاب أرضعته ، تأولت ذلك من إذن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لسهلة زوج أبي حذيفة ، وهو رأي لم يوافقها عليه أمهات ~~المؤمنين ، وأبين أن يدخل أحد عليهن بذلك ، وقال به الليث بن سعد ، بإعمال ~~رضاع الكبير . وقد رجع عنه أبو موسى الأشعري بعد أن أفتى به . # وأما مقدار الرضاع الذي يحصل به التحريم ، فهو ما يصدق عليه اسم الرضاع ~~وهو ما وصل إلى جوف الرضيع في الحولين ولو مصة واحدة عند أغلب الفقهاء ، ~~وقد كان الحكم في أول أمر التحريم أن لا تقع الحرمة إلا بعشر رضعات ثم نسخن ~~بخمس ، لحديث عائشة ( كان فيما أنزل الله عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن ~~بخمس معلومات فتوفي رسول الله وهي فيما يقرأ من القرآن ) وبه أخذ الشافعي . ~~وقال الجمهور : هو منسوخ ، وردوا قولها ( فتوفي رسول الله وهي فيما يقرأ ) ~~بنسبة الراوي إلى قلة الضبط لأن هذه الجملة مسترابة إذ أجمع المسلمون على ~~أنها لا تقرأ ولا نسخ بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا فطم ~~الرضيع قبل الحولين فظاما استغنى بعده عن لبن المرضع بالطعام والشراب لم ~~تحرم عليه من أرضعته بعد ذلك . # وقوله تعالى : { وأخواتكم من الرضاعة } إطلاق اسم الأخت على التي رضعت ms1884 من ~~ثدي مرضعة من أضيفت أخت إليه جرى على لغة العرب ، كما تقدم في إطلاق الأم ~~على المرضع . والرضاعة بفتح الراء اسم مصدر رضع ، ويجوز كسر الراء ولم يقرأ ~~به . ومحل { من الرضاعة } حال من { أخواتكم } و ( من ) فيه للتعليل ~~والسببية ، فلا تعتبر أخوة الرضاعة إلا برضاعة البنت من المرأة التي أرضعت ~~الولد . # وقوله : { وأمهات نسائكم } هؤلاء المذكورات إلى قوله : { وأن تجمعوا بين ~~الأختين } هن المحرمات بسبب الصهر ، ولا أحسب أن أهل الجاهلية كانوا يحرمون ~~شيئا منها ، كيف وقد أباحوا أزواج الآباء وهن أعظم حرمة من جميع نساء الصهر ~~، فكيف PageV04P297 يظن أنهم يحرمون أمهات النساء والربائب وقد أشيع أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يتزوج درة بنت أبي سلمة وهي ربيبته إذ هي ~~بنت أم سلمة ، فسألته إحدى أمهات المؤمنين فقال : ( لو لم تكن ربيبتي لما ~~حلت لي إنها ابنة أخي من الرضاعة أرضعتني وأبا سلمة ثويبة ) ، وكذلك حلائل ~~الأبناء إذ هن أبعد من حلائل الآباء ، فأرى أن هذا من تحريم الإسلام وأن ما ~~حكى ابن عطية عن ابن عباس ليس على إطلاقه . # وتحريم هؤلاء حكمته تسهيل الخلطة ، وقطع الغيرة ، بين قريب القرابة حتى ~~لا تفضي إلى حزازات وعداوات ، قال الفخر : ( لو لم يدخل على المرأة أبو ~~الرجل وابنه ، ولم تدخل على الرجل امرأته وابنتها ، لبقيت المرأة كالمحبوسة ~~. ولتعطل على الزوج والزوجة أكثر المصالح ، ولو كان الإذن في دخول هؤلاء ~~دون حكم المحرمية فقد تمتد عين البعض إلى البعض وتشتد الرغبة فتحصل النفرة ~~الشديدة بينهن ، والإيذاء من الأقارب أشد إيلاما ، ويترتب عليه التطليق ، ~~أما إذا حصلت المحرمية انقطعت الأطماع ، وانحبست الشهوة ، فلا يحصل ذلك ~~الضرر ، فيبقى النكاح بين الزوجين سليما عن هذه المفسدة ) قلت : وعليه ~~فتحريم هؤلاء من قسم الحاجي من المناسب . # والربائب جمع ربيبة ، وهي فعلية بمعنى مفعولة ، من ربه إذا كفله ودبر ~~شؤونه ، فزوج الأم راب وابنتها مربوبة له ، لذلك قيل لها ربيبة . # والحجور جمع حجر بفتح الحاء وكسرها مع سكون الجيم وهو ما يحويه مجتمع ms1885 ~~الرجلين للجالس المتربع . والمراد به هنا معنى مجازي وهو الحضانة والكفالة ~~، لأن أول كفالة الطفل تكون بوضعه في الحجر ، كما سميت حضانة ، لأن أولها ~~وضع الطفل في الحضن . # وظاهر الآية أن الربيبة لا تحرم على زوج أمها إلا إذا كانت في كفالته ، ~~PageV04P298 لأن قوله { اللاتي في حجوركم } وصف والأصل فيه إرادة التقييد ~~كما أريد من قوله : { وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم } فظاهر هذا أنها لو كانت ~~بعيدة عن حضانته لم تحرم . ونسب الأخذ بهذا الظاهر إلى علي بن أبي طالب ، ~~رواه ابن عطية ، وأنكر ابن المنذر والطحاوي صحة سند النقل عن علي ، وقال ~~ابن العربي : إنه نقل باطل . وجزم ابن حزم في المحلى بصحة نسبة ذلك إلى علي ~~بن أبي طالب وعمر بن الخطاب . وقال بذلك الظاهرية ، وكأنهم نظروا إلى أن ~~علة تحريمها مركبة من كونها ربيبة وما حدث من الوقار بينها وبين حاجرها إذا ~~كانت في حجره وأما جمهور أهل العلم فجعلوا هذا الوصف بيانا للواقع خارجا ~~مخرج الغالب ، وجعلوا الربيبة حراما على زوج أمها ، ولو لم تكن هي في حجره ~~. وكأن الذي دعاهم إلى ذلك هو النظر إلى علة تحريم المحرمات بالصهر ، وهي ~~التي أشار إليها كلام الفخر المتقدم . وعندي أن الأظهر أن يكون الوصف هنا ~~خرج مخرج التعليل : أي لأنهن في حجوركم ، وهو تعليل بالمظنة فلا يقتضي ~~اطراد العلة في جميع مواقع الحكم . # وقوله : { من نسائكم اللاتي دخلتم بهن } ذكر قوله : { من نسائكم } ليبنى ~~عليه { اللاتي دخلتم بهن } وهو قيد في تحريم الربائب بحيث لا تحرم الربيبة ~~إلا إذا وقع البناء بأمها ، ولا يحرمها مجرد العقد على أمها ، وهذا القيد ~~جرى هنا ولم يجر على قوله : { وأمهات نسائكم } بل أطلق الحكم هناك ، فقال ~~الجمهور هناك : أمهات نسائكم معناه أمهات أزواجكم ، فأم الزوجة تحرم بمجرد ~~عقد الرجل على ابنتها لأن العقد يصيرها امرأته ، ولا يلزم الدخول ولم ~~يحملوا المطلق منه على المقيد بعده ، ولا جعلوا الصفة راجعة للمتعاطفات ~~لأنها جرت على موصوف متعينن تعلقه بأحد المتعاطفات ، وهو قوله : { من ~~نسائكم ms1886 } المتعلق بقوله : وربائبكم ولا يصلح تعلقه ب { أمهات نسائكم } . # وقال علي بن أبي طالب ، وزيد بن ثابت ، وابن عمر ، وعبد الله بن عباس ، ~~ومجاهد ، وجابر ، وابن الزبير : لا تحرم أم المرأة على زوج ابنتها حتى يدخل ~~بابنتها حملا للمطلق على المقيد ، وهو الأصح محملا . ولم يستطع الجمهور أن ~~PageV04P299 يوجهوا مذهبهم بعلة بينة ، ولا أن يستظهروا عليه بأثر . وعلة ~~تحريم المرأة على زوج ابنتها تساوي علة تحريم ربيبة الرجل عليه ، ويظهر أن ~~الله ذكر أمهات النساء قبل أن يذكر الربائب ، فلو أراد اشتراط الدخول ~~بالأمهات في تحريمهن على أزواج بناتهن لذكره في أول الكلام قبل أن يذكره مع ~~الربائب . # وهنالك رواية عن زيد بن ثابت أنه قال : إذا طلق الأم قبل البناء فله ~~التزوج بابنتها ، وإذا ماتت حرمت عليه ابنتها . وكأنه نظر إلى أن الطلاق ~~عدول عن العقد ، والموت أمر قاهر ، فكأنه كان ناويا الدخول بها ، ولا حظ ~~لهذا القول . # وقوله : { وحلائل أبنائكم } الحلائل جمع الحليلة فعيلة بمعنى فاعلة ، وهي ~~الزوجة ، لأنها تحل معه ، وقال الزجاج : هي فعيلة بمعنى مفعولة ، أي محللة ~~إذ أباحها أهلها له ، فيكون من مجيء فعيل للمفعول من الرباعي في قولهم حكيم ~~، والعدول عن أن يقال : وما نكح أبناؤكم أو ونساء أبنائكم إلى قوله : { ~~وحلائل أبنائكم } تفنن لتجنب تكرير أحد اللفظين السابقين وإلا فلا فرق في ~~الإطلاق بين الألفاظ الثلاثة . # وقد سمي الزوج أيضا بالحليل وهو يحتمل الوجهين كذلك . وتحريم حليلة الابن ~~واضح العلة ، كتحريم حليلة الأب . # وقوله : { الذين من أصلابكم } تأكيد لمعنى الأبناء لدفع احتمال المجاز ، ~~إذ كانت العرب تسمي المتبنى ابنا ، وتجعل له ما للابن ، حتى أبطل الإسلام ~~ذلك وقوله تعالى : { ادعوهم لآبائهم } ( الأحزاب : 5 ) فما دعي أحد لمتبنيه ~~بعد ، إلا المقداد بن الأسود وعدت خصوصية . وأكد الله ذلك بالتشريع الفعلي ~~بالإذن لرسوله صلى الله عليه وسلم بتزوج زينب ابنة جحش ، بعد أن طلقها زيد ~~بن حارثة الذي كان تبناه ، وكان يدعى زيد بن محمد . وابن الابن وابن البنت ~~، وإن سفلا ، أبناء من الأصلاب لأن ms1887 للجد عليهم ولادة لا محالة . # وقوله : { وأن تجمعوا بين الأختين } هذا تحريم للجمع بين الأختين فحكمته ~~دفع الغيرة عمن يريد الشرع بقاء تمام المودة بينهما ، وقد علم أن ~~PageV04P300 المراد الجمع بينهما فيما فيه غيرة ، وهو النكاح أصالة ، ويلحق ~~به الجمع بينهما في التسري بملك اليمين ، إذ العلة واحدة فقوله تعالى : { ~~وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم } وقوله : { إلا ما ملكت أيمانكم ~~} ( النساء : 24 ) يخص بغير المذكورات . وروي عن عثمان بن عفان : أنه سئل ~~عن الجمع بين الأختين في التسري فقال : ( أحلتهما ) آية يعني قوله تعالى : ~~{ وأحل لكم ما وراء ذلكم } وحرمتهما آية يعني هذه الآية ، أي فهو متوقف . ~~وروي مثله عن علي ، وعن جمع من الصحابة ، أن الجمع بينهما في التسري حرام ، ~~وهو قول مالك . قال مالك ( فإن تسرى بإحدى الأختين ثم أراد التسري بالأخرى ~~وقف حتى يحرم الأولى بما تحرم به من بيع أو كتابة أو عتق ولا يحد إذا جمع ~~بينهما ) . وقال الظاهرية : يجوز الجمع بين الأختين في التسري لأن الآية ~~واردة في أحكام النكاح ، أما الجمع بين الأختين في مجرد الملك فلا حظر فيه ~~. # وقوله : { إلا ما قد سلف } هو كنظيره السابق ، والبيان فيه كالبيان هناك ~~، بيد أن القرطبي قال هنا : ويحتمل معنى زائدا وهو جواز ما سلف وأنه إذا ~~جرى الجمع في الجاهلية كان النكاح صحيحا وإذا جرى الجمع في الإسلام خير بين ~~الأختين من غير إجراء عقود الكفار على مقتضى الإسلام ، ولم يعز القول بذلك ~~لأحد من الفقهاء . # وقوله : { إن الله كان غفورا رحيما } يناسب أن يكون معنى { إلا ما قد سلف ~~} تقرير ما عقدوه من ذلك في عهد الجاهلية ، فالمغفرة للتجاوز عن الاستمرار ~~عليه ، والرحمة لبيان سبب ذلك التجاوز . # PageV04P301 # | 2 ( 24 ) { والمحصنات من النسآء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم ~~وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم ~~به منهن فئاتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد ~~الفريضة إن الله كان عليما ms1888 حكيما } . ) 2 # عطف على { وأن تجمعوا } ( النساء : 23 ) والتقدير : وحرمت عليكم المحصنات ~~من النساء إلخ . . . فهذا الصنف من المحرمات لعارض نظير الجمع بين الأختين ~~. # والمحصنات بفتح الصاد من أحصنها الرجل إذا حفظها واستقل بها عن غيره ، ~~ويقال : امرأة محصنة بكسر الصاد أحصنت نفسها عن غير زوجها ، ولم يقرأ قوله ~~: { والمحصنات } في هذه الآية إلا بالفتح . # ويقال أحصن الرجل فهو محصن بكسر الصاد لا غير ، ولا يقال محصن : ولذلك لم ~~يقرأ أحد : محصنين غير مسافحين بفتح الصاد ، وقريء قوله : { ومحصنات } ~~بالفتح والكسر وقوله : { فإذا أحصن ( النساء : 25 ) } بضم الهمزة وكسر ~~الصاد ، وبفتح الهمزة وفتح الصاد . والمراد هنا المعنى الأول ، أي وحرمت ~~عليكم ذوات الأزواج ما دمن في عصمة أزواجهن ، فالمقصود تحريم اشتراك رجلين ~~فأكثر في عصمة امرأة ، وذلك إبطال لنوع من النكاح كان في الجاهلية يسمى ~~الضماد ، ولنوع آخر ورد ذكره في حديث عائشة : أن يشترك الرجال في المرأة ~~وهم دون العشرة ، فإذا حملت ووضعت حملها أرسلت إليهم فلا يستطيع أحد منهم ~~أن يمتنع ، فتقول لهم : قد عرفتم الذي كان من أمركم وقد ولدت فهو ابنك يا ~~فلان ، تسمي من أحبت باسمه فيلحق به . ونوع آخر يسمى نكاح الاستبضاع ؛ وهو ~~أن يقول الزوج لامرأته إذا طهرت من حيضها : أرسلي إلى فلان ، فاستبضعي منه ~~، ويعتزلها زوجها ولا يمسها حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه ~~، فإذا تبين حملها أصابها زوجها . قالت عائشة : وإنما يفعل هذا رغبة في ~~PageV05P005 نجابة الولد ، وأحسب أن هذا كان يقع بتراض بين الرجلين ، ~~والمقصد لا ينحصر في نجابة الولد ، فقد يكون لبذل مال أو صحبة . فدلت الآية ~~على تحريم كل عقد على نكاح ذات الزوج ، أي تحريم أن يكون للمرأة أكثر من ~~زوج واحد . وأفادت الآية تعميم حرمتهن ولو كان أزواجهن مشركين ، ولذلك لزم ~~الاستثناء بقوله : { إلا ما ملكت أيمانكم } أي إلا اللائي سبيتموهن في ~~الحرب ، لأن اليمين في كلام العرب كناية عن اليد حين تمسك السيف . # وقد جعل الله السبي هادما للنكاح تقريرا لمعتاد الأمم ms1889 في الحروب ، ~~وتخويفا أن لا يناصبوا الإسلام لأنهم لو رفع عنهم السبي لتكالبوا على قتال ~~المسلمين ، إذ لا شيء يحذره العربي من الحرب أشد من سبي نسوته ، ثم من أسره ~~، كما قال النابغة : # حذارا على أن لا تنال مقادتي # ولا نسوتي حتى يمتن حرائرا # واتفق المسلمون على أن سبي المرأة دون زوجها يهدم النكاح ، ويحلها لمن ~~وقعت في قسمته عند قسمة المغانم . واختلفوا في التي تسبى مع زوجها : ~~فالجمهور على أن سبيها يهدم نكاحها ، وهذا إغضاء من الحكمة التي شرع لأجلها ~~إبقاء حكم الاسترقاق بالأسر . وأومأت إليها الصلة بقوله : { ملكت أيمانكم } ~~وإلا لقال : إلا ما تركت أزواجهن . # ومن العلماء من قال : إن دخول الأمة ذاتت الزوج في ملك جديد غير ملك الذي ~~زوجها من ذلك الزوج يسوغ لمالكها الجديد إبطال عقد الزوجية بينها وبين ~~زوجها ، كالتي تباع أو توهب أو تورث ، فانتقال الملك عندهم طلاق . وهذا قول ~~ابن مسعود ، وأبي بن كعب ، وجابر بن عبد الله ، وابن عباس ، وسعيد ، والحسن ~~البصري ، وهو شذوذ ؛ فإن مالكها الثاني إنما اشتراها عالما بأنها ذات زوج ، ~~وكأن الحامل لهم على ذلك تصحيح معنى الاستثناء ، وإبقاء صيغة المضي على ~~ظاهرها في قوله : { ملكت } أي ما كن مملوكات لهم من قبل . والجواب عن ذلك ~~أن المراد بقوله : { ملكت } ما تجدد ملكها بعد أن كانت حرة ذات زوج . ~~فالفعل مستعمل في معنى التجدد . # وقد نقل عن ابن عباس أنه تحير في تفسير هذه الآية ، وقال : ( لو أعلم ~~أحدا يعلم تفسيرها لضربت إليه أكباد الإبل ) . ولعله يعني من يعلم تفسيرها ~~عن النبي صلى الله PageV05P006 عليه وسلم وقد كان بعض المسلمين في الزمن ~~الأول يتوهم أن أمة الرجل إذا زوجها من زوج لا يحرم على السيد قربانها ، مع ~~كونها ذات زوج . وقد رأيت منقولا عن مالك : أن رجلا من ثقيف كان فعل ذلك في ~~زمان عمر ، وأن عمر سأله عن أمته التي زوجها وهل يطؤها ، فأنكر ، فقال له : ~~لو اعترفت لجعلتك نكالا . # وقوله : { كتاب الله عليكم } تذييل ، وهو تحريض ms1890 على وجوب الوقوف عند كتاب ~~الله ، ف { عليكم } نائب مناب ( الزموا ) ، وهو مصير بمعنى اسم الفعل ، ~~وذلك كثير في الظروف والمجرورات المنزلة منزلة أسماء الأفعال بالقرينة ، ~~كقولهم : إليك ، ودونك ، وعليك . و { كتاب الله } مفعوله مقدم عليه عند ~~الكوفيين ، أو يجعل منصوبا ب ( عليكم ) محذوفا دل عليه المذكور بعده ، على ~~أنه تأكيد له ، تخريجا على تأويل سيبويه في قول الراجز : # يأيها المائح دلوي دونك # إني رأيت الناس يحمدونك # ويجوز أن يكون { كتاب } مصدرا نائبا مناب فعله ، أي كتب الله ذلك كتابا ، ~~و { عليكم } متعلقا به . # عطف على قوله : { حرمت عليكم أمهاتكم } ( النساء : 23 ) وما بعده ، وبذلك ~~تلتئم الجمل الثلاث في الخبرية المراد بها الإنشاء ، وفي الفعلية والماضوية ~~. # وقرأ الجمهور : { وأحل لكم } بالبناء للفاعل ، والضمير المستتر عائد إلى ~~اسم الجلالة من قوله : { كتاب الله عليكم } . # وأسند التحليل إلى الله تعالى إظهارا للمنة ، ولذلك خالف طريقة إسناد ~~التحريم إلى المجهول في قوله : { حرمت عليكم أمهاتكم } لأن التحريم مشقة ~~فليس المقام فيه مقام منة . # وقرأ حمزة ، والكسائي ، وحفص عن عاصم ، وأبو جعفر : { وأحل } بضم الهمزة ~~وكسر الحاء على البناء للنائب على طريقة { حرمت عليكم أمهاتكم } . ~~PageV05P007 # والوراء هنا بمعنى غير ودون ، كقول النابغة : # وليس وراء الله للمرء مذهب # وهو مجاز ؛ لأن الوراء هو الجهة التي هي جهة ظهر ما يضاف إليه . والكلام ~~تمثيل لحال المخاطبين بحال السائر يترك ما وراءه ويتجاوزه . # والمعنى : أحل لكم ما عدا أولئكم المحرمات ، وهذا أنزل قبل تحريم ما ~~حرمته السنة نحو ( لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها ) ، ونحو ( ~~يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ) . # وقوله : { أن تبتغوا بأموالكم } يجوز أن يكون بدل اشتمال من ( ما ) ~~باعتبار كون الموصول مفعولا ل ( أحل ) ، والتقدير : أن تبتغوهن بأموالكم ~~فإن النساء المباحات لا تحل إلا بعد العقد وإعطاء المهور ، فالعقد هو مدلول ~~( تبتغوا ) ، وبذل المهر هو مدلول ( بأموالكم ) ، ورابط الجملة محذوف : ~~تقديره أن تبتغوه ، والاشتمال هنا كالاشتمال في قول النابغة : # مخافة عمرو أن تكون جياده # يقدن إلينا بين حاف وناعل # ويجوز ms1891 أن يجعل { أن تبتغوا } معمولا للام التعليل محذوفة ، أي أحلهن ~~لتبتغوهن بأموالكم ، والمقصود هو عين ما قرر في الوجه الأول . # و { محصنين } حال من فاعل ( تبتغوا ) أي محصنين أنفسكم من الزنى ، ~~والمراد متزوجين على الوجه المعروف . { غير مسافحين } حال ثانية ، والمسافح ~~الزاني ، لأن الزنى يسمى السفاح ، مشتقا من السفح ، وهو أن يهراق الماء دون ~~حبس ، يقال : سفح الماء . وذلك أن الرجل والمرأة يبذل كل منهما للآخر ما ~~رامه منه دون قيد ولا رضى ولي ، فكأنهم اشتقوه من معنى البذل بلا تقيد بأمر ~~معروف ؛ لأن المعطاء يطلق عليه السفاح . وكان الرجل إذا أراد من المرأة ~~الفاحشة يقول لها : سافحيني ، فرجع معنى السفاح إلى التباذل وإطلاق العنان ~~، وقيل : لأنه بلا عقد ، فكأنه سفح سفحا ، أي صبا لا يحجبه شيء ، وغير هذا ~~في اشتقاقه لا يصح ، لأنه لا يختص بالزنى . PageV05P008 ( سقط : فما ~~استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم بن من ~~بعد الفريضة إن الله كان عليما حكيما ) # تفريع على { أن تبتغوا بأموالكم } وهو تفريع لفظي لبيان حق المرأة في ~~المهر وأنه في مقابلة الاستمتاع تأكيدا لما سبقه من قوله تعالى : { وآتوا ~~النساء صدقاتهن نحلة } ( النساء : 4 ) سواء عند الجمهور الذين يجعلون ~~الصداق ركنا للنكاح ، أو عند أبي حنيفة الذي يجعله مجرد حق للزوجة أن تطالب ~~به ؛ ولذلك فالظاهر أن تجعل ( ما ) اسم شرط صادقا على الاستمتاع ، لبيان ~~أنه لا يجوز إخلاء النكاح عن المهر ، لأنه الفارق بينه وبين السفاح ، ولذلك ~~قرن الخبر بالفاء في قوله : { فأتوهن أجزرهن فريضة } لأنه اعتبر جوابا ~~للشرط . # والاستمتاع : الانتفاع ، والسين والتاء فيه للمبالغة ، وسمى الله النكاح ~~استمتاعا لأنه منفعة دنيوية ، وجميع منافع الدنيا متاع ، قال تعالى : { وما ~~الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع } ( الرعد : 26 ) . # والضمير المجرور بالباء عائد على ( ما ) . و ( من ) تبعيضية ، أي : فإن ~~استمتعتم بشيء منهن فآتوهن ؛ فلا يجوز استمتاع بهن دون مهر . # أو يكون ( ما ) صادقة على النساء ، والمجرور بالباء عائدا إلى الاستمتاع ~~المأخوذ من استمتعتم و ( من ) بيانية ms1892 ، أي فأي امرأة استمتعتم بها فآتوها . # ويجوز أن تجعل ( ما ) موصولة ، ويكون دخول الفاء في خبرها لمعاملتها ~~معاملة الشرط ، وجيء حينئذ ب ( ما ) ولم يعبر ب ( من ) لأن المراد جنس ~~النساء لا القصد إلى امرأة واحدة ، على أن ( ما ) تجيء للعاقل كثيرا ولا ~~عكس : و { فريضة } حال من { أجورهن } أي مفروضة ، أي مقدرة بينكم . والمقصد ~~من ذلك قطع الخصومات في أعظم معاملة يقصد منها الوثاق وحسن السمعة . # وأما نكاح التفويض : وهو أن ينعقد النكاح مع السكوت عن المهر ، وهو جائز ~~عند جميع الفقهاء ؛ فجوازه مبني على أنهم لا يفوضون إلا وهم يعلمون معتاد ~~أمثالهم ، ويكون ( فريضة ) بمعنى تقديرا ، ولذلك قال : { ولا جناح عليكم ~~فيما تراضيتم به من بعد الفريضة } ، أي فيما زدتم لهن أو أسقطن لكم عن طيب ~~نفس . فهذا معنى الآية بينا لا غبار عليه . PageV05P009 # وذهب جمع : منهم ابن عباس ، وأبي بن كعب ، وابن جبير : أنها نزلت في نكاح ~~المتعة لما وقع فيها من قوله : { فما استمتعتم به منهن } . ونكاح المتعة : ~~هو الذي تعاقد الزوجان على أن تكون العصمة بينهما مؤجلة بزمان أو بحالة ، ~~فإذا انقضى ذلك الأجل ارتفعت العصمة ، وهو نكاح قد أبيح في الإسلام لا ~~محالة ، ووقع النهي عنه يوم خيبر ، أو يوم حنين على الأصح . والذين قالوا : ~~حرم يوم خيبر قالوا : ثم أبيح في غزوة الفتح ، ثم نهي عنه في اليوم الثالث ~~من يوم الفتح . وقيل : نهي عنه في حجة الوداع ، قال أبو داود : وهو أصح . ~~والذي استخلصناه أن الروايات فيها مضطربة اضطرابا كبيرا . # وقد اختلف العلماء في الأخير من شأنه : فذهب الجمهور إلى أن الأمر استقر ~~على تحريمه ، فمنهم من قال : نسخته آية المواريث لأن فيها { ولكم نصف ما ~~ترك أزواجكم ولهن الربع مما تركتم } ( النساء : 12 ) فجعل للأزواج حظا من ~~الميراث ، وقد كانت المتعة لا ميراث فيها . وقيل : نسخها ما رواه مسلم عن ~~سبرة الجهني ، أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسندا ظهره إلى الكعبة ~~ثالث يوم من الفتح يقول : ( أيها الناس ms1893 إن كنت أذنت لكم في الاستمتاع من ~~هذه النساء إلا أن الله حرم ذلك إلى يوم القيامة ) . وانفراد سبرة به في ~~مثل ذلك اليوم مغمز في روايته ، على أنه ثبت أن الناس استمتعوا . وعن علي ~~بن أبي طالب ، وعمران بن حصين ، وابن عباس ، وجماعة من التابعين والصحابة ~~أنهم قالوا بجوازه . قيل : مطلقا ، وهو قول الإمامية ، وقيل : في حال ~~الضرورة عند أصحاب ابن عباس من أهل مكة واليمن . # وروي عن ابن عباس أنه قال : لولا أن عمر نهى عن المتعة ما زنى إلا شفى . ~~وعن عمران بن حصين في ( الصحيح ) أنه قال : ( نزلت آية المتعة في كتاب الله ~~ولم ينزل بعدها آية تنسخها ، وأمرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ~~قال رجل برأيه ما شاء ) يعني عمر بن الخطاب حين نهى عنها في زمن من خلافته ~~بعد أن عملوا بها في معظم خلافته ، وكان ابن عباس يفتي بها ، فلما قال له ~~سعيد بن جبير : أتدري ما صنعت بفتواك فقد سارت بها الركبان حتى قال القائل ~~: PageV05P010 # قد قلت للركب إذ طال الثواء بنا # يا صاح هل لك في فتوى ابن عباس # في بضة رخصة الأطراف ناعمة # تكون مثواك حتى مرجعع الناس # أمسك عن الفتوى وقال : إنما أحللت مثل ما أحل الله الميتة والدم ، يريد ~~عند الضرورة . واختلف العلماء في ثبات علي على إباحتها ، وفي رجوعه . والذي ~~عليه علماؤنا أنه رجع عن إباحتها . أما عمران بن حصين فثبت على الإباحة . ~~وكذلك ابن عباس على ( الصحيح ) . وقال مالك : يفسخ نكاح المتعة قبل البناء ~~وبعد البناء ، وفسخه بغير طلاق ، وقيل : بطلاق ، ولا حد فيه على الصحيح من ~~المذهب ، وأرجح الأقوال أنها رخصة للمسافر ونحوه من أحوال الضرورات ، ووجه ~~مخالفتها للمقصد من النكاح ما فيها من التأجيل . وللنظر في ذلك مجال . # والذي يستخلص من مختلف الأخبار أن المتعة أذن فيها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مرتين ، ونهى عنها مرتين ، والذي يفهم من ذلك أن ليس ذلك بنسخ ~~مكرر ولكنه إناطة إباحتها بحال الاضطرار ms1894 ، فاشتبه على الرواة تحقيق عذر ~~الرخصة بأنه نسخ . وقد ثبت أن الناس استمتعوا في زمن أبي بكر ، وعمر ، ثم ~~نهى عنها عمر في آخر خلافته . والذي استخلصناه في حكم نكاح المتعة أنه جائز ~~عند الضرورة الداعية إلى تأجيل مدة العصمة ، مثل الغربة في سفر أو غزو إذا ~~لم تكن مع الرجل زوجه . ويشترط فيه ما يشترط في النكاح من صداق وإشهاد وولي ~~حيث يشترط ، وأنها تبين منه عند انتهاء الأجل ، وأنها لا ميراث فيها بين ~~الرجل والمرأة ، إذا مات أحدهما في مدة الاستمتاع ، وأن عدتها حيضة واحدة ، ~~وأن الأولاد لاحقون بأبيهم المستمتع . وشذ النحاس فزعم أنه لا يلحق الولد ~~بأبيه في نكاح المتعة . ونحن نرى أن هذه الآية بمعزل عن أن تكون نازلة في ~~نكاح المتعة ، وليس سياقها سامحا بذلك ، ولكنها صالحة لاندراج المتعة في ~~عموم { ما استمتعتم } فيرجع في مشروعية نكاح المتعة إلى ما سمعت آنفا . # PageV05P011 # | 2 ( 25 ) { ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ~~ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض ~~فانكحوهن بإذن أهلهن وءاتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا ~~متخذات أخدان فإذآ أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من ~~العذاب ذلك لمن خشى العنت منكم وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم } . ) 2 # عطف قوله : { ومن لم يستطع منكم طولا } على قوله : { وأحل لكم ما وراء ~~ذلكم } ( النساء : 24 ) تخصيصا لعمومه بغير الإماء ، وتقييدا لإطلاقه ~~باستطاعة الطول . # والطول بفتح الطاء وسكون الواو القدرة ، وهو مصدر طال المجازي بمعنى قدر ~~، وذلك أن الطول يستلزم المقدرة على المناولة ؛ فلذلك يقولون : تطاول لكذا ~~، أي تمطى ليأخذه ، ثم قالوا : تطاول ، بمعنى تكلف المقدرة ( وأين الثريا ~~من يد المتطاول ) فجعلوا لطال الحقيقي مصدرا بضم الطاء وجعلوا لطال المجازي ~~مصدرا بفتح الطاء وهو مما فرقت فيه العرب بين المعنيين المشتركين . # { والمحصنات } ( النساء : 24 ) قرأه الجمهور بفتح الصاد وقرأه الكسائي ~~بكسر الصاد على اختلاف معنيي ( أحصن ) كما تقدم آنفا ، أي اللاتي أحصن ms1895 ~~أنفسهن ، أو أحصنهن أولياؤهن ، فالمراد العفيفات . والمحصنات هنا وصف خرج ~~مخرج الغالب ، لأن المسلم لا يقصد إلا إلى نكاح امرأة عفيفة ، قال تعالى : ~~{ والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك } ( النور : 30 ) أي بحسب خلق ~~الإسلام ، وقد قيل : إن الإحصان يطلق على الحرية ، وأن المراد بالمحصنات ~~الحرائر ، ولا داعي إليه ، واللغة لا تساعد عليه . # وظاهر الآية أن الطول هنا هو القدرة على بذل مهر لامرأة حرة احتاج ~~لتزوجها : أولى ، أو ثانية ، أو ثالثة ، أو رابعة ، لأن الله ذكر عدم ~~استطاعة الطول في مقابلة قوله : PageV05P012 { أن تبتغوا بأموالكم } ( ~~النساء : 24 ) { فأتوهن أجورهن فريضة } ( النساء : 24 ) ولذلك كان هذا ~~الأصح في تفسير الطول . وهو قول مالك ، وقاله ابن عباس ، ومجاهد ، وابن ~~جبير ، والسدي ، وجابر بن زيد . وذهب أبو حنيفة إلى أن من كانت له زوجة ~~واحدة فهي طول فلا يباح له تزوج الإماء ؛ لأنه طالب شهوة إذ كانت عنده ~~امرأة تعفه عن الزنا . ووقع لمالك ما يقرب من هذا في كتاب محمد بن المواز ، ~~وهو قول ابن حبيب ، واستحسنه اللخمي والطبري ، وهو تضييق لا يناسب يسر ~~الإسلام على أن الحاجة إلى امرأة ثانية قد لا يكون لشهوة بل لحاجة لا تسدها ~~امرأة واحدة ، فتعين الرجوع إلى طلب التزوج ، ووجود المقدرة . وقال ربيعة ، ~~والنخعي ، وقتادة ، وعطاء ، والثوري ، الطول : الصبر والجلد على نكاح ~~الحرائر . # ووقع لمالك في كتاب محمد : أن الذي يجد مهر حرة ولا يقدر على نفقتها ، لا ~~يجوز له أن يتزوج أمة ، وهذا ليس لكون النفقة من الطول ولكن لأن وجود المهر ~~طول ، والنفقة لا محيص عنها في كليهما ، وقال أصبغ : يجوز لهذا أن يتزوج ~~أمة لأن نفقة الأمة على أهلها إن لم يضمها الزوج إليه ، وظاهر أن الخلاف في ~~حالل . وقوله : { أن ينكح } معمول ( طولا ) بحذف ( اللام ) أو ( على ) إذ ~~لا يتعدى هذا المصدر بنفسه . # ومعنى { أن ينكح المحصنات } أي ينكح النساء الحرائر أبكارا أو ثيبات ، دل ~~عليه قوله : { فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات } . # وإطلاق المحصنات على النساء اللاتي يتزوجهن ms1896 الرجال إطلاق مجازي بعلاقة ~~المآل ، أي اللائي يصرن محصنات بذلك النكاح إن كن أبكارا ، كقوله تعالى : { ~~قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا } ( يوسف : 36 ) أي عنبا آيلا إلى خمر ؛ أو ~~بعلاقة ما كان ، إن كن ثيبات كقوله : { وآتوا اليتامى أموالهم } ( النساء : ~~2 ) وهذا بين ، وفيه غنية عن تأويل المحصنات بمعنى الحرائر ، فإنه إطلاق لا ~~تساعد عليه اللغة ، لا على الحقيقة ولا على المجاز ، وقد تساهل المفسرون في ~~القول بذلك . # وقد وصف المحصنات هنا بالمؤمنات ، جريا على الغالب ، ومعظم علماء الإسلام ~~على أن هذا الوصف خرج للغالب ولعل الذي حملهم على ذلك أن استطاعة نكاح ~~الحرائر الكتابيات طول ، إذ لم تكن إباحة نكاحهن مشروطة بالعجز عن الحرائر ~~المسلمات ، وكان PageV05P013 نكاح الإماء المسلمات مشروطا بالعجز عن ~~الحرائر المسلمات ، فحصل من ذلك أن يكون مشروطا بالعجز عن الكتابيات أيضا ~~بقاعدة قياس المساواة . وعلة ذلك أن نكاح الأمة يعرض الأولاد للرق ، بخلاف ~~نكاح الكتابية ، فتعطيل مفهوم قوله : { المؤمنات } مع { المحصنات } حصل ~~بأدلة أخرى ، فلذلك ألغوا الوصف هنا ، وأعملوه في قوله : { من فتياتكم ~~المؤمنات } . وشذ بعض الشافعية ، فاعتبروا رخصة نكاح الأمة المسلمة مشروطة ~~بالعجز عن الحرة المسلمة ، ولو مع القدرة على نكاح الكتابية ، وكأن فائدة ~~ذكر وصف المؤمنات هنا أن الشارع لم يكترث عند التشريع بذكر غير الغالب ~~المعتبر عنده ، فصار المؤمنات هنا كاللقب في نحو ( لا يلدغ المؤمن من جحر ~~مرتين ) . # والفتيات جمع فتاة ، وهي في الأصل الشابة كالفتى ، والمراد بها هنا الأمة ~~أطلق عليها الفتاة كما أطلق عليها الجارية ، وعلى العبد الغلام ، وهو مجاز ~~بعلاقة اللزوم ، لأن العبد والأمة يعاملان معاملة الصغير في الخدمة ، وقلة ~~المبالاة . ووصف المؤمنات عقب الفتيات مقصود للتقييد عند كافة السلف ، ~~وجمهور أيمة الفقه ، لأن الأصل أن يكون له مفهوم ، ولا دليل يدل على تعطيله ~~، فلا يجوز عندهم نكاح أمة كتابية . والحكمة في ذلك أن اجتماع الرق والكفر ~~يباعد المرأة عن الحرمة في اعتبار المسلم ، فيقل الوفاق بينهما ، بخلاف أحد ~~الوصفين . ويظهر أثر ذلك في الأبناء إذ يكونون أرقاء ms1897 مع مشاهدة أحوال الدين ~~المخالف فيمتد البون بينهم وبين أبيهم . وقال أبو حنيفة : موقع وصف ~~المؤمنات هنا كموقعه مع قوله : { المحصنات المؤمنات } ، فلم يشترط في نكاح ~~الأمة كونها مؤمنة ، قال أبو عمر بن عبد البر : ولا أعرف هذا القول لأحد من ~~السلف إلا لعمرو بن شرحبيل وهو تابعي قديم روى عن عمر بن الخطاب وعلي بن ~~أبي طالب ؛ ولأن أبا حنيفة لا يرى إعمال المفهوم . # وتقدم آنفا معنى { ملكت أيمانكم } . # والإضافة في قوله : { أيمانكم } وقوله : { من فتياتكم } للتقريب وإزالة ~~ما بقي في نفوس العرب من احتقار العبيد والإماء والترفع عن نكاحهم وإنكاحهم ~~، وكذلك وصف المؤمنات ، وإن كنا نراه للتقيد فهو لا يخلو مع ذلك من فائدة ~~التقريب ، إذ الكفاءة عند مالك تعتمد الدين أولا . PageV05P014 # وقوله : { والله أعلم بإيمانكم } اعتراض جمع معاني شتى ، أنه أمر ، وقيد ~~للأمر في قوله تعالى : { ومن لم يستطع منكم طولا } إلخ ؛ وقد تحول الشهوة ~~والعجلة دون تحقيق شروط الله تعالى ، فأحالهم على إيمانهم المطلع عليه ربهم ~~. ومن تلك المعاني أنه تعالى أمر بنكاح الإماء عند العجز عن الحرائر ، ~~وكانوا في الجاهلية لا يرضون بنكاح الأمة وجعلها حليلة ، ولكن يقضون منهن ~~شهواتهم بالبغاء ، فأراد الله إكرام الإماء المؤمنات ، جزاء على إيمانهن ، ~~وإشعارا بأن وحدة الإيمان قربت الأحرار من العبيد ، فلما شرع ذلك كله ذيله ~~بقوله : { والله أعلم بإيمانكم } ، أي بقوته ، فلما كان الإيمان ، هو الذي ~~رفع المؤمنين عند الله درجات كان إيمان الإماء مقنعا للأحرار بترك ~~الاستنكاف عن تزوجهن ، ولأنه رب أمة يكون إيمانها خيرا من إيمان رجل حر ، ~~وهذا كقوله { إن أكرمكم عند الله أتقاكم } ( الحجرات : 13 ) . وقد أشار إلى ~~هذا الأخير صاحب ( الكشاف ) ، وابن عطية . # وقوله : { بعضكم من بعض } تذييل ثان أكد به المعنى الثاني المراد من قوله ~~: { والله أعلم بإيمانكم } فإنه بعد أن قرب إليهم الإماء من جانب الوحدة ~~الدينية قربهن إليهم من جانب الوحدة النوعية ، وهو أن الأحرار والعبيد كلهم ~~من بني آدم ف ( من ) اتصالية . # وفرع عن الأمر بنكاح الإماء بيان كيفية ms1898 ذلك فقال : { فأنكحوهن بإذن أهلهن ~~} وشرط الإذن لئلا يكون سرا وزني ، ولأن نكاحهن دون ذلك اعتداء على حقوق ~~أهل الإماء . # والأهل هنا بمعنى السادة المالكين ، وهو إطلاق شائع على سادة العبيد في ~~كلام الإسلام . وأحسب أنه من مصطلحات القرآن تلطفا بالعبيد ، كما وقع النهي ~~أن يقول العبد لسيده : سيدي ، بل يقول : مولاي . ووقع في حديث بريرة ( أن ~~أهلها أبوا إلا أن يكون الولاء لهم ) . # والآية دليل على ولاية السيد لأمته ، وأنه إذا نكحت الأمة بدون إذن السيد ~~فالنكاح مفسوخ ، ولو أجازه سيدها . واختلف في العبد : فقال الشعبي : ~~والأوزاعي ، وداود : هو كالأمة . وقال مالك ، وأبو حنيفة ، وجماعة من ~~التابعين : إذا أجازه السيد جاز ، ويحتج بها لاشتراط أصل الولاية في المرأة ~~، احتجاجا ضعيفا ، واحتج بها PageV05P015 الحنفية على عكس ذلك ، إذ سمى ~~الله ذلك إذنا ولم يسمه عقدا ، وهو احتجاج ضعيف ، لأن الإذن يطلق على العقد ~~لا سيما بعد أن دخلت عليه باء السببية المتعلقة ب ( انكحوهن ) . # والقول في الأجور والمعروف تقدم قريبا . غير أن قوله : { وأتوهن } وإضافة ~~الأجور إليهن ، دليل على أن الأمة أحق بمهرها من سيدها . ولذلك قال مالك في ~~كتاب الرهون ، من المدونة : إن على سيدها أن يجهزها بمهرها . ووقع في كتاب ~~النكاح الثاني منها : إن لسيدها أن يأخذ مهرها ، فقيل : هو اختلاف من قول ~~مالك ، وقيل : إن قوله في كتاب النكاح : إذا لم تبوأ أو إذا جهزها من عنده ~~قبل ذلك ، ومعنى تبوأ إذا جعل سكناها مع زوجها في بيت سيدها . # وقوله : { محصنات } حال من ضمير الإماء ، والإحصان التزوج الصحيح ، فهي ~~حال مقدرة ، أي ليصرن محصنات . # وقوله : { غير مسافحات } صفة للحال ، وكذلك { ولا متخذات أخدان } قصد ~~منها تفظيع ما كانت ترتكبه الإماء في الجاهلية بإذن مواليهن لاكتساب المال ~~بالبغاء ونحوه ، وكان الناس يومئذ قريبا عصرهم بالجاهلية . # والمسافحات الزواني مع غير معين . ومتخذات الأخذان هن متخذات أخلاء تتخذ ~~الواحدة خليلا تختص به لا تألف غيره . وهذا وإن كان يشبه النكاح من جهة عدم ~~التعدد ، إلا أنه يخالفه من جهة التستر ms1899 وجهل النسب وخلع برقع المروءة ، ~~ولذلك عطفه على قوله : { غير مسافحات } سد المداخل الزني كلها . وتقدم ~~الكلام على أنواع المعاشرة التي كان عليها أهل الجاهلية في أول هذه السورة ~~. # وقرأه الكسائي بكسر الصاد وقرأه الجمهور بفتح الصاد . # وقوله : { فإذا أحصن } أي أحصنهن أزواجهن ، أي فإذا تزوجن . فالآية تقتضي ~~أن التزوج شرط في إقامة حد الزنا على الإماء ، وأن الحد هو الجلد المعين ~~لأنه الذي يمكن فيه التنصيف بالعدد . واعلم أنا إذا جرينا على ما حققناه ~~مما تقدم في معنى الآية الماضية تعين أن تكون هذه الآية نزلت بعد شرع حد ~~الجلد للزانية والزاني بآية سورة النور . فتكون مخصصة لعموم الزانية بغير ~~الأمة ، ويكون وضع هذه الآية في هذا الموضع PageV05P016 مما ألحق بهذه ~~السورة إكمالا للأحكام المتعلقة بالإماء كما هو و اقع في نظائر عديدة ، كما ~~تقدم في المقدمة الثامنة من مقدمات هذا التفسير . وهذه الآية تحير فيها ~~المتأولون لاقتضائها أن لا تحد الأمة في الزنى إلا إذا كانت متزوجة ، ~~فتأولها عمر بن الخطاب ، وابن مسعود ، وابن عمر بأن الإحصان هنا الإسلام ، ~~ورأوا أن الأمة تحد في الزنا سواء كانت متزوجة أم عزبى ، وإليه ذهب الأيمة ~~الأربعة . ولا أظن أن دليل الأيمة الأربعة هو حمل الإحصان هنا على معنى ~~الإسلام ، بل ما ثبت في ( الصحيحين ) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل ~~عن الأمة إذا زنت ولم تحصن ؛ فأوجب عليها الحد . قال ابن شهاب فالأمة ~~المتزوجة محدودة بالقرآن ، والأمة غير المتزوجة محدودة بالسنة . ونعم هذا ~~الكلام . قال القاضي إسماعيل بن إسحاق : في حمل الإحصان في الآية على ~~الإسلام بعد ؛ لأن ذكر إيمانهن قد تقدم في قوله : { من فتياتكم المؤمنات } ~~وهو تدقيق ، وإن أباه ابن عطية . # وقد دلت الآية على أن حد الأمة الجلد ، ولم تذكر الرجم ، فإذا كان الرجم ~~مشروعا قبل نزولها دلت على أن الأمة لا رجم عليها ، وهو مذهب الجمهور ، ~~وتوقف أبو ثور في ذلك ، وإن كان الرجم قد شرع بعد ذلك فلا تدل الآية على ~~نفي رجم ms1900 الأمة ، غير أن قصد التنصيف في حدها يدل على أنها لا يبلغ بها حد ~~الحرة ، فالرجم ينتفي لأنه لا يقبل التجزئة ، وهو ما ذهل عنه أبو ثور . وقد ~~روي عن عمر بن الخطاب : أنه سئل عن حد الأمة فقال : ( الأمة ألقت فروة ~~رأسها من وراء الدار ) أي ألقت في بيت أهلها قناعها ، أي أنها تخرج إلى كل ~~موضع يرسلها أهلها إليه لا تقدر على الامتناع من ذلك ، فتصير إلى حيث لا ~~تقدر على الامتناع من الفجور ، قالوا : فكان يرى أن لا حد عليها إذا فجرت ~~ما لم تتزوج ، وكأنه رأى أنها إذا تزوجت فقد منعها زوجها . وقوله هذا وإن ~~كان غير المشهور عنه ، ولكننا ذكرناه لأن فيه للمتبصر بتصريف الشريعة عبرة ~~في تغليظ العقوبة بمقدار قوة الخيانة وضعف المعذرة . # وقرأ نافع ، وابن كثير ، وابن عامر ، وحفص عن عاصم ، وأبو جعفر ، ويعقوب ~~: { أحصن } بضم الهمزة وكسر الصاد مبنيا للنائب ، وهو بمعنى محصنات المفتوح ~~الصاد . وقرأه حمزة ، والكسائي وأبو بكر عن عاصم ، وخلف : بفتح الهمزة وفتح ~~الصاد ، وهو معنى محصنات بكسر الصاد . PageV05P017 # وقوله : { ذلك لمن خشى العنت منكم } إشارة إلى الحكم الصالح لأن يتقيد ~~بخشية العنت ، وذلك الحكم هو نكاح الإماء . # والعنت : المشقة ، قال تعالى : { ولو شاء الله لأعنتكم } ( البقرة : 220 ~~) وأريد به هنا مشقة العزبة التي تكون ذريعة إلى الزنا ، فلذلك قال بعضهم : ~~أريد العنت الزنا . # وقوله : { وأن تصبروا خير لكم } أي إذا استطعتم الصبر مع المشقة إلى أن ~~يتيسر له نكاح الحرة فذلك خير ، لئلا يوقع أبناءه في ذل العبودية المكروهة ~~للشارع لولا الضرورة ، ولئلا يوقع نفسه في مذلة تصرف الناس في زوجه . # وقوله : { والله غفور رحيم } أي إن خفتم العنت ولم تصبروا عليه ، وتزوجتم ~~الإماء ، وعليه فهو مؤكد لمعنى الإباحة . مؤذن بأن إباحة ذلك لأجل رفع ~~الحرج ، لأن الله رحيم بعباده . غفور فالمغفرة هنا بمعنى التجاوز عما ما ~~يقتضي مقصد الشريعة تحريمه ، فليس هنا ذنب حتى يغفر . # # | 2 ( 26 ) { يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب ms1901 ~~عليكم والله عليم حكيم } . ) 2 # تذييل يقصد منه استئناس المؤمنين واستنزال نفوسهم إلى امتثال الأحكام ~~المتقدمة من أول السورة إلى هنا ، فإنها أحكام جمة وأوامر ونواه تفضي إلى ~~خلع عوائد ألفوها ، وصرفهم عن شهوات استباحوها ، كما أشار إليه قوله بعد ~~هذا { ويريد الذين يتبعون الشهوات } ( النساء : 27 ) ، أي الاسترسال على ما ~~كانوا عليه في الجاهلية ، فأعقب ذلك ببيان أن في ذلك بيانا وهدى . حتى لا ~~تكون شريعة هذه الأمة دون شرائع الأمم التي قبلها ، بل تفوقها في انتظام ~~أحوالها ، فكان هذا كالاعتذار على ما ذكر من المحرمات . فقوله : { يريد ~~الله ليبين لكم } تعليل لتفصيل الأحكام في مواقع الشبهات كي لا يضلوا كما ~~ضل من قبلهم ، ففيه أن هذه الشريعة أهدى مما قبلها . # وقوله : { ويهديكم سنن الذين من قبلكم } بيان لقصد إلحاق هذه الأمة ~~بمزايا الأمم التي قبلها . PageV05P018 # والإرادة : القصد والعزم على العمل ، وتطلق على الصفة الإلهية التي تخصص ~~الممكن ببعض ما يجوز عليه . والامتنان بما شرعه الله للمسلمين من توضيح ~~الأحكام قد حصلت إرادته فيما مضى ، وإنا عبر بصيغة المضارع هنا للدلالة على ~~تجدد البيان واستمراره ، فإن هذه التشريعات دائمة مستمرة تكون بيانا ~~للمخاطبين ولمن جاء بعدهم ، وللدلالة على أن الله يبقي بعدها بيانا متعاقبا ~~. # وقوله : { يريد الله ليبين لكم } انتصب فعل ( يبين ) بأن المصدرية محذوفة ~~، والمصدر المنسبك مفعول ( يريد ) ، أي يريد الله البيان لكم والهدى ~~والتوبة ، فكان أصل الاستعمال ذكر ( أن ) المصدرية ، ولذلك فاللام هنا ~~لتوكيد معنى الفعل الذي قبلها ، وقد شاعت زيادة هذه اللام بعد مادة الإرادة ~~وبعد مادة الأمر معاقبة لأن المصدرية . تقول ، أريد أن تفعل وأريد لتفعل ، ~~وقال تعالى : { يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم } ( التوبة : 32 ) وقال ~~: { يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم } ( الصف : 8 ) وقال : { وأمرت أن ~~أسلم لرب العالمين } ( غافر : 66 ) وقال : { وأمرت لأعدل بينكم } ( الشورى ~~: 15 ) فإذا جاؤوا باللام أشبهت لام التعليل فقدروا ( أن ) بعد اللام ~~المؤكدة كما قد روها بعد لام كي لأنها أشبهتها في الصورة ، ولذلك قال ~~الفراء : اللام نائبة عن ms1902 أن المصدرية . وإلى هذه الطريقة مال صاحب ( الكشاف ~~) . # وقال سيبويه : هي لام التعليل أي لام كي ، وأن ما بعدها علة ، ومفعول ~~الفعل الذي قبلها محذوف يقدر بالقرينة ، أي يريد الله التحليل والتحريم ~~ليبين . ومنهم من قرر قول سيبويه بأن المفعول المحذوف دل عليه التعليل ~~المذكور فيقدر : يريد الله البيان ليبين ، فيكون الكلام مبالغة بجعل العلة ~~نفس المعلل . # وقال الخليل ، وسيبويه في رواية عنه : اللام ظرف مستقر هو خبر عن الفعل ~~السابق ، وذلك الفعل مقدر بالمصدر دون سابك على حد ( تسمع بالمعيدي خير من ~~أن تراه ) أي إرادة الله كائنة للبيان ، ولعل الكلام عندهم محمول على ~~المبالغة كأن إرادة الله انحصرت في ذلك . وقالت طائفة قليلة : هذه اللام ~~للتقوية على خلاف الأصل ، لأن لام التقوية إنما يجاء بها إذا ضعف العامل ~~بالفرعية أو بالتأخر . وأحسن الوجوه قول سيبويه ، بدليل دخول اللام على كي ~~في قول قيس بن سعد بن عبادة الخزرجي . # أردت لكيما يعلم الناس أنها # سراويل قيس والوفود شهود PageV05P019 # وعن النحاس أن بعض القراء سمى هذه اللام لام ( أن ) . # ومعنى { ويهديكم سنن الذين من قبلكم } الهداية إلى أصول ما صلح به حال ~~الأمم التي سبقتنا ، من كليات الشرائع ، ومقاصدها . قال الفخر : ( فإن ~~الشرائع والتكاليف وإن كانت مختلفة في نفسها ، إلا أنها متفقة في باب ~~المصالح ) . قلت : فهو كقوله تعالى : { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا } ~~الآية . # وقوله : { ويتوب عليكم } أي يتقبل توبتكم ، إذ آمنتم ونبذتم ما كان عليه ~~أهل الشرك من نكاح أزواج الآباء ، ونكاح أمهات نسائكم ، ونكاح الربائب ، ~~والجمع بين الأختين . # ومعنى : { ويتوب عليكم } يقبل توبتكم الكاملة باتباع الإسلام ، فلا ~~تنقضوا ذلك بارتكاب الحرام . وليس معنى { ويتوب عليكم } يوفقكم للتوبة ، ~~فيشكل بأن مراد الله لا يتخلف ، إذ ليس التوفيق للتوبة بمطرد في جميع الناس ~~. فالآية تحريض على التوبة بطريق الكناية لأن الوعد بقبولها يستلزم ا ~~التحريض عليها مثل ما في الحديث : ( فيقول هل من مستغفر فأغفر له ، هل من ~~داع فأستجيب له ) هذا هو الوجه في تفسيرها ms1903 ، وللفخر وغيره هنا تكلفات لا ~~داعي إليها . # وقوله : { والله عليم حكيم } مناسب للبيان والهداية والترغيب في التوبة ~~بطريق الوعد بقبولها ، فإن كل ذلك أثر العلم والحكمة في إرشاد الأمة ~~وتقريبها إلى الرشد . # # | 2 ( 27 ) { والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن ~~تميلوا ميلا عظيما } . ) 2 # كرر قوله : { والله يريد أن يتوب عليكم } ليرتب عليه قوله : ويريد الذين ~~يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما فليس بتأكيد لفظي ، وهذا كما يعاد ~~اللفظ في الجزاء والصفة ونحوها ، كقول الأحوص في الحماسة . PageV05P020 # فإذا تزول تزول عن متخمط # تخشى بوادره على الأقران # وقوله تعالى : { ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا } ( القصص : ~~63 ) والمقصد من التعرض لإرادة الذين يتبعون الشهوات تنبيه المسلمين إلى ~~دخائل أعدائهم ، ليعلموا الفرق بين مراد الله من الخلق . ومراد أعوان ~~الشياطين ، وهم الذين يتبعون الشهوات . ولذلك قدم المسند إليه على الخبر ~~الفعلي في قوله : { والله يريد أن يتوب عليكم } ليدل على التخصيص الإضافي . ~~أي الله وحده هو الذي يريد أن يتوب عليكم ، أي يحرضكم على التوبة والإقلاع ~~عن المعاصي ، وأما الذين يتبعون الشهوات فيريدون انصرافكم عن الحق ، وميلكم ~~عنه إلى المعاصي . وإطلاق الإرادة على رغبة أصحاب الشهوات في ميل المسلمين ~~عن الحق لمشاكلة { يريد الله ليبين لكم } ( النساء : 26 ) . والمقصود : ~~ويحب الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا . ولما كانت رغبتهم في ميل المسلمين ~~عن الحق رغبة لا تخلو عن سعيهم لحصول ذلك ، أشبهت رغبتهم إرادة المريد ~~للفعل ، ونظيره قوله تعالى بعد هذه الآية { يشترون الضلالة ويريدون أن ~~تضلوا السبيل } ( النساء : 44 ) . # وحذف متعلق { تميلوا } لظهوره من قرينة المقام ، وأراد بالذين يتبعون ~~الشهوات الذين تغلبهم شهواتهم على مخالفة ما شرعه الله لهم : من الذين لا ~~دين لهم ، وهم الذين لا ينظرون في عواقب الذنوب ومفاسدها وعقوبتها ، ولكنهم ~~يرضون شهواتهم الداعية إليها . وفي ذكر هذه الصلة هنا تشنيع لحالهم ، ففي ~~الموصول إيماء إلى تعليل الخبر . والمراد بهم المشركون : أرادوا أن يتبعهم ~~المسلمون في نكاح أزواج الآباء ، واليهود أرادوا أن يتبعوهم في ms1904 نكاح ~~الأخوات من الأب ونكاح العمات والجمع بين الأختين . والميل العظيم هو البعد ~~عن أحكام الشرع والطعن فيها . فكان المشركون يحببون للمسلمين الزنى ويعرضون ~~عليهم البغايا . وكان المجوس يطعنون في تحريم ابنة الأخ وابنة الأخت ~~ويقولون : لماذا أحل دينكم ابنة العمة وابنة الخالة . وكان اليهود يقولون : ~~لا تحرم الأخت التي للأب ولا تحرم العمة ولا الخالة ولا العم ولا الخال . ~~وعبر عن جميع ذلك بالشهوات لأن مجيء الإسلام قد بين انتهاء إباحة ما أبيح ~~في الشرائع الأخرى ، بله ما كان حراما في الشرائع كلها وتساهل فيه أهل ~~الشرك . # PageV05P021 # | 2 ( 28 ) { يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا } . ) 2 # أعقب الاعتذار الذي تقدم بقوله : { يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن ~~الذين من قبلكم } ( النساء : 26 ) بالتذكير بأن الله لا يزال مراعيا رفقه ~~بهذه الأمة وإرادته بها اليسر دون العسر ، إشارة إلى أن هذا الدين بين حفظ ~~المصالح ودرء المفاسد ، في أيسر كيفية وأرفقها ، فربما ألغت الشريعة بعض ~~المفاسد إذا كان في الحمل على تركها مشقة أو تعطيل مصلحة ، كما ألغت مفاسد ~~نكاح الإماء نظرا للمشقة على غير ذي الطول . والآيات الدالة على هذا المعنى ~~بلغت مبلغ القطع كقوله : { وما جعل عليكم في الدين من حرج } ( الحج : 78 ) ~~وقوله : { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } ( البقرة : 185 ) ~~وقوله : { ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم } ( الأعراف : 157 ) ، ~~وفي الحديث الصحيح : ( إن هذا الدين يسر ولن يشاد هذا الدين أحد إلا غلبه ) ~~، وكذلك كان يأمر أصحابه الذين يرسلهم إلى بث الدين ؛ فقال لمعاذ وأبي موسى ~~: ( يسرا ولا تعسرا ) وقال : ( إنما بعثتم مبشرين لا منفرين ) . وقال لمعاذ ~~لما شكا بعض المصلين خلفه من تطويله ( أفتان أنت ) . فكان التيسير من أصول ~~الشريعة الإسلامية ، وعنه تفرعت الرخص بنوعيها . # وقوله : { وخلق الإنسان ضعيفا } تذييل وتوجيه للتخفيف ، وإظهار لمزية هذا ~~الدين وأنه أليق الأديان بالناس في كل زمان ومكان ، ولذلك فما مضى من ~~الأديان كان مراعى فيه حال دون حال ، ومن هذا المعنى قوله تعالى ms1905 : { الآن ~~خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا الآية في سورة الأنفال ( 66 ) . وقد فسر ~~بعضهم الضعف هنا بأنه الضعف من جهة النساء . قال طاووس ليس يكون الإنسان في ~~شيء أضعف منه في أمر النساء وليس مراده حصر معنى الآية فيه ، ولكنه مما ~~روعي في الآية لا محالة ، لأن من الأحكام المتقدمة ما هو ترخيص في النكاح . # PageV05P022 $ 2 ( 29 ، 30 ) ياأيها الذين ءامنوا لا تأكلو & # 1764 ا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلو ~~& # 1764 ا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما * ومن يفعل ذالك عدوانا وظلما فسوف ~~نصليه نارا وكان ذالك على الله يسيرا } . ) 2 $ # استئناف من التشريع المقصود من هذه السورة . وعلامة الاستئناف افتتاحه ب ~~{ يا أيها الذين آمنوا } ، ومناسبته لما قبله أن أحكام المواريث والنكاح ~~اشتملت على أوامر بإيتاء ذي الحق في المال حقه ، كقوله : { وآتوا اليتامى ~~أموالهم } ( النساء : 2 ) وقوله : { فآتوهن أجورهن فريضة } ( النساء : 24 ) ~~وقوله : { فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا } ( النساء : 4 ) الآية ، فانتقل من ~~ذلك إلى تشريع عام في الأموال والأنفس . # وقد تقدم أن الأكل مجاز في الانتفاع بالشيء انتفاعا تاما ، لا يعود معه ~~إلى الغير ، فأكل الأموال هو الاستيلاء عليها بنية عدم إرجاعها لأربابها ، ~~وغالب هذا المعنى أن يكون استيلاء ظلم ، وهو مجاز صار كالحقيقة . وقد يطلق ~~على الانتفاع المأذون فيه كقوله تعالى : { فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا ~~فكلوه هنيئا مريئا } ( النساء : 4 ) وقوله : { ومن كان فقيرا فليأكل ~~بالمعروف } ( النساء : 6 ) ، ولذلك غلب تقييد المنهي عنه من ذلك بقيد { ~~بالباطل } ونحوه . # والضمير المرفوع ب ( تأكلوا ) ، والضمير المضاف إليه أموال : راجعان إلى ~~{ الذين آمنوا } ، وظاهر أن المرء لا ينهى عن أكل مال نفسه ، ولا يسمى ~~انتفاعه بماله أكلا ، فالمعنى : لا يأكل بعضهم مال بعض . والباطل ضد الحق ، ~~وهو ما لم يشرعه الله ولا كان عن إذن ربه ، والباء فيه للملابسة . # والاستثناء في قوله : { إلا أن تكون تجارة } منقطع ، لأن التجارة ليست من ~~أكل الأموال بالباطل ms1906 ، فالمعنى : لكن كون التجارة غير منهي عنه . وموقع ~~المنقطع هنا بين جار على الطريقة العربية ، إذ ليس يلزم في الاستدراك شمول ~~الكلام السابق للشيء المستدرك ولا يفيد الاستدراك حصرا ، ولذلك فهو مقتضى ~~الحال . ويجوز أن يجعل قيد { الباطل } في حالة الاستثناء ملغى ، فيكون ~~استثناء من أكل الأموال ويكون متصلا ، وهو يقتضي أن الاستثناء قد حصر إباحة ~~أكل الأموال في التجارة ، وليس كذلك ، وأياما كان الاستثناء فتخصيص التجارة ~~بالاستدراك أو بالاستثناء لأنها أشد أنواع أكل الأموال PageV05P023 شبها ~~بالباطل ، إذ التبرعات كلها أكل أموال عن طيب نفس ، والمعاوضات غير ~~التجارات كذلك لأن أخذ كلا المتعاوضين عوضا عما بذله للآخر مساويا لقيمته ~~في نظره يطيب نفسه . وأما التجارة فلأجل ما فيها من أخذ المتصدي للتجر ما ~~لا زائدا على قيمة ما بذله للمشتري قد تشبه أكل المال بالباطل فلذلك خصت ~~بالاستدراك أو الاستثناء . وحكمة إباحة أكل المال الزائد فيها أن عليها ~~مدار رواج السلع الحاجية والتحسينية ، ولولا تصدي التجار وجلبهم السلع لما ~~وجد صاحب الحاجة ما يسد حاجته عند الاحتياج . ويشير إلى هذا ما في ( الموطأ ~~) عن عمر بن الخطاب أنه قال : في احتكار الطعام ( ولكن أيما جالب جلب على ~~عمود كبده في الشتاء والصيف فذلك ضيف عمر فليبع كيف شاء ويمسك كيف شاء ) . # وقرأ الجمهور : { إلا أن تكون تجارة } برفع تجارة على أنه فاعل لكان من ~~كان التامة ، أي تقع . وقرأه عاصم ، وحمزة ، والكسائي ، وخلف بنصب تجارة ~~على أنه خبر كان الناقصة ، وتقدير اسمها : إلا أن تكون الأموال تجارة ، أي ~~أموال تجارة . # وقوله : { عن تراض منكم } صفة ل ( تجارة ) ، و ( عن ) فيه للمجاوزة ، أي ~~صادرة عن التراضي وهو الرضا من الجانبين بما يدل عليه من لفظ أو عرف . وفي ~~الآية ما يصلح أن يكون مستندا لقول مالك من نفي خيار المجلس : لأن الله جعل ~~مناط الانعقاد هو التراضي ، والتراضي يحصل عند التبايع بالإيجاب والقبول . # وهذه الآية أصل عظيم في حرمة الأموال ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ( لا يحل مال ms1907 امرىء مسلم إلا عن طيب نفس ) . وفي خطبة حجة الوداع ( إن ~~دماءكم وأموالكم عليكم حرام ) . # وتقديم النهي عن أكل الأموال على النهي عن قتل الأنفس ، مع أن الثاني ~~أخطر ، إما لأن مناسبة ما قبله أفضت إلى النهي عن أكل الأموال فاستحق ~~التقديم لذلك ، وإما لأن المخاطبين كانوا قريبي عهد بالجاهلية ، وكان أكل ~~الأموال أسهل عليهم ، وهم أشد استخفافا به منهم بقتلل الأنفس ، لأنه كان ~~يقع في مواقع الضعف حيث لا يدفع صاحبه عن نفسه كاليتيم والمرأة والزوجة . ~~فآكل أموال هؤلاء في مأمن من التبعات PageV05P024 بخلاف قتل النفس ، فإن ~~تبعاته لا يسلم منها أحد ، وإن بلغ من الشجاعة والعزة في قومه كل مبلغ ، ~~ولا أمنع من كليب وائل ، لأن القبائل ما كانت تهدر دماء قتلاها . # قوله : { ولا تقتلوا أنفسكم } نهي عن أن يقتل الرجل غيره ، فالضميرانن ~~فيه على التوزيع ، إذ قد علم أن أحدا لا يقتل نفسه فينهى عن ذلك ، وقتل ~~الرجل نفسه داخل في النهي ، لأن الله لم يبح للإنسان إتلاف نفسه كما أباح ~~له صرف ماله ، أما أن يكون المراد هنا خصوص النهي عن قتل المرء نفسه فلا . ~~وأما ما في ( مسند أبي داود ) : أن عمرو بن العاص رضي الله عنه تيمم في يوم ~~شديد البرد ولم يغتسل ، وذلك في غزوة ذات السلاسل وصلى بالناس ، وبلغ ذلك ~~رسول الله ، فسأله وقال : يا رسول الله إن الله يقول : { ولا تقتلوا أنفسكم ~~} ، فلم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم فذلك من الاحتجاج بعموم ضمير ( ~~تقتلوا ) دون خصوص السبب . # وقوله : { ومن يفعل ذلك } أي المذكور : من أكل المال بالباطل والقتل . ~~وقيل : الإشارة إلى ما ذكر من قوله تعالى : { يأيها الذين آمنوا لا يحل لكم ~~أن ترثوا النساء كرها } ( النساء : 19 ) لأن ذلك كله لم يرد بعده وعيد ، ~~وورد وعيد قبله ، قاله الطبري . وإنما قيده بالعدوان والظلم ليخرج أكل ~~المال بوجه الحق ، وقتل النفس كذلك ، كقتل القاتل ، وفي الحديث : ( فإذا ~~قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ) . # والعدوان بضم العين مصدر بوزن ms1908 كفران ، ويقال بكسر العين وهو التسلط بشدة ~~، فقد يكون بظلم غالبا ، ويكون بحق ، قال تعالى : { فلا عدوان إلا على ~~الظالمين } ( البقرة : 193 ) وعطف قوله : { وظلما } على { عدوانا } من عطف ~~الخاص على العام . # و ( سوف ) حرف يدخل على المضارع فيمحضه للزمن المستقبل ، وهو مرادف للسين ~~على الأصح ، وقال بعض النحاة : ( سوف ) تدل على مستقبل بعيد وسماه : ~~التسويف ، وليس في PageV05P025 الاستعمال ما يشهد لهذا ، وقد تقدم عند قوله ~~: { وسيصلون سعيرا في هذه السورة ( النساء : 10 ) . و ( نصليه ) نجعله ~~صاليا أو محترقا ، وقد مضى فعل صلي أيضا ، ووجه نصب ( نارا ) هنالك ، ~~والآية دلت على كليتين من كليات الشريعة : وهما حفظ الأموال ، وحفظ الأنفس ~~، من قسم المناسب الضروري . # # | 2 ( 31 ) إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم ~~مدخلا كريما } . ) 2 # اعتراض ناسب ذكره بعد ذكر ذنبين كبيرين : وهما قتل النفس ، وأكل المال ~~بالباطل ، على عادة القرآن في التفنن من أسلوب إلى أسلوب ، وفي انتهاز ~~الفرص في إلقاء التشريع عقب المواعظ وعكسه . # وقد دلت إضافة { كبائر } إلى { ما تنهون عنه } على أن المنهيات قسمان : ~~كبائر ، ودونها ؛ وهي التي تسمى الصغائر ، وصفا بطريق المقابلة ، وقد سميت ~~هنا سيئات . ووعد بأنه يغفر السيئات للذين يجتنبون كبائر المنهيات ، وقال ~~في آية النجم ( 32 ) { الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم فسمى ~~الكبائر فواحش وسمى مقابلها اللمم ، فثبت بذلك أن المعاصي عند الله قسمان : ~~معاص كبيرة فاحشة ، ومعاص دون ذلك يكثر أن يلم المؤمن بها ، ولذلك اختلف ~~السلف في تعيين الكبائر . فعن علي : هي سبع الإشراك بالله ، وقتل النفس ، ~~وقذف المحصنات ، وأكل مال اليتيم ، والفرار يوم الزحف ، والتعرب بعد الهجرة ~~. واستدل لجميعها بما في القرآن من أدلة جازمم النهي عنها . وفي حديث ~~البخاري عن النبي اتقوا السبع الموبقات . . . فذكر التي ذكرها علي إلا أنه ~~جعل السحر عوض التعرب . وقال عبد الله بن عمر : هي تسع بزيادة الإلحاد في ~~المسجد الحرام ، وعقوق الوالدين . وقال ابن مسعود : هي ما نهي عنه من أول ~~سورة النساء إلى هنا . وعن ms1909 ابن عباس : كل ما ورد عليه وعيد نار أو عذاب أو ~~لعنة فهو كبيرة . وعن ابن عباس : الكبائر ما نهى الله عنه في كتابه . وأحسن ~~ضبط الكبيرة قول إمام الحرمين : هي كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها ~~بالدين PageV05P026 وبضعف ديانته . ومن السلف من قال : الذنوب كلها سواء إن ~~كانت عن عمد . وعن أبي إسحاق الإسفرائيني أن الذنوب كلها سواء مطلقا ، ونفى ~~الصغائر . وهذان القولان واهيان لأن الأدلة شاهدة بتقسيم الذنوب إلى قسمين ~~، ولأن ما تشتمل عليه الذنوب من المفاسد متفاوت أيضا ، وفي الأحاديث ~~الصحيحة إثبات نوع الكبائر وأكبر الكبائر . # ويترتب على إثبات الكبائر والصغائر أحكام تكليفية : منها المخاطبة بتجنب ~~الكبيرة تجنبا شديدا ، ومنها وجوب التوبة منها عند اقترابها ، ومنها أن ترك ~~الكبائر يعتبر توبة من الصغائر ، ومنها سلب العدالة عن مرتكب الكبائر ، ~~ومنها نقض حكم القاضي المتلبس بها ، ومنها جواز هجران المتجاهر بها ، ومنها ~~تغيير المنكر على المتلبس بها . وتترتب عليها مسائل في أصول الدين : منها ~~تكفير مرتكب الكبيرة عند طائفة من الخوارج ، التي تفرق بين المعاصي الكبائر ~~والصغائر ؛ واعتباره منزلة بين الكفر والإسلام عند المعتزلة ، خلافا لجمهور ~~علماء الإسلام . فمن العجائب أن يقول قائل : إن الله لم يميز الكبائر عن ~~الصغائر ليكون ذلك زاجرا للناس عن الإقدام على كل ذنب ، ونظير ذلك إخفاء ~~الصلاة الوسطى في الصلوات ، وليلة القدر في ليالي رمضان ، وساعة الإجابة في ~~ساعات الجمعة ، هكذا حكاه الفخر في التفسير ، وقد تبين ذهول هذا القائل ، ~~وذهول الفخر عن رده ، لأن الأشياء التي نظروا بها ترجع إلى فضائل الأعمال ~~التي لا يتعلق بها تكليف ؛ فإخفاؤها يقصد منه الترغيب في توخي مظانها ليكثر ~~الناس من فعل الخير ، ولكن إخفاء الأمر المكلف به إيقاع في الضلالة ، فلا ~~يقع ذلك من الشارع . # والمدخل بفتح الميم اسم مكان الدخول ، ويجوز أن يكون مصدرا ميميا . ~~والمعنى : ندخلكم مكانا كريما ، أو ندخلكم دخولا كريما . والكريم هو النفيس ~~في نوعه . فالمراد إما الجنة وإما الدخول إليها ، والمراد به الجنة . ~~والمدخل بصم الميم كذلك مكان أو ms1910 مصدر أدخل . وقرأ نافع ، وأبو جعفر : مدخلا ~~بفتح الميم وقرأ بقية العشرة بضم الميم . # PageV05P027 # | 2 ( 32 ) ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما ~~اكتسبوا وللنسآء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله إن الله كان بكل شىء ~~عليما } . ) 2 # عطف على جملة : { لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ولا تقتلوا أنفسكم } ( ~~النساء : 29 ) . # والمناسبة بين الجملتين المتعاطفتين : أن التمني يحبب للمتمني الشيء الذي ~~تمناه ، فإذا أحبه أتبعه نفسه فرام تحصيله وافتتن به ، فربما بعثه ذلك ~~الافتتان إلى تدبير الحيل لتحصيله إن لم يكن بيده ، وإلى الاستئثار به عن ~~صاحب الحق فيغمض عينه عن ملاحظة الواجب من إعطاء الحق صاحبه وعن مناهي ~~الشريعة التي تضمنتها الجمل المعطوف عليها . وقد أصبح هذا التمني في زماننا ~~هذا فتنة لطوائف من المسلمين سرت لهم من أخلاق الغلاة في طلب المساواة مما ~~جر أمما كثيرة إلى نحلة الشيوعية فصاروا يتخبطون لطلب التساوي في كل شيء ~~ويعانون إرهاقا لم يحصلوا منه على طائل . # فالنهي عن التمني وتطلع النفوس إلى ما ليس لها جاء في هذه الآية عاما ، ~~فكان كالتذييل للأحكام السابقة لسد ذرائعها وذرائع غيرها ، فكان من جوامع ~~الكلم في درء الشرور . وقد كان التمني من أعظم وسائل الجرائم ، فإنه يفضي ~~إلى الحسد ، وقد كان أول جرم حصل في الأرض نشأ عن الحسد . ولقد كثر ما ~~انتبهت أموال ، وقتلت نفوس للرغبة في بسطة رزق ، أو فتنة نساء ، أو نوال ~~ملك ، والتاريخ طافح بحوادث من هذا القبيل . # والذي يبدو أن هذا التمني هو تمني أموال المثرين ، وتمني أنصباء الوارثين ~~، وتمني الاستئثار بأموال اليتامى ذكورهم وإناثهم ، وتمني حرمان النساء من ~~الميراث ليناسب ما سبق من إيتاء اليتامى أموالهم . وإنصاف النساء في مهورهن ~~، وترك مضارتهن إلجاء إلى إسقاطها ، ومن إعطاء أنصباء الورثة كما قسم الله ~~لهم . وكل ذلك من تفضيل بعض الناس على بعض في الرزق . PageV05P028 # وقد أبدى القفال مناسبة للعطف تندرج فيما ذكرته . وفي ( سنن الترمذي ) عن ~~مجاهد ، عن أم سلمة أنها قالت : ( يا ms1911 رسول الله يغزو الرجال ولا يغزو ~~النساء ، وإنما لنا نصف الميراث ، فأنزل الله { ولا تتمنوا ما فضل الله به ~~بعضكم على بعض } ) . قال الترمذي : هذا حديث مرسل . قال ابن العربي : ~~ورواياته كلها حسان لم تبلغ درجة الصحة . قلت : لما كان مرسلا يكون قوله : ~~فأنزل الله { ولا تتمنوا } إلخ . من كلام مجاهد ، ومعناه أن نزول هذه الآية ~~كان قريبا من زمن قول أم سلمة ، فكان في عمومها ما يرد على أم سلمة وغيرها ~~. # وقد رويت آثار : بعضها في أن هذه الآية نزلت في تمني النساء الجهاد ؛ ~~وبعضها في أنها نزلت في قول امرأة ( إن للذكر مثل حظ الأنثيين وشهادة ~~امرأتين برجل أفنحن في العمل كذلك ) ؛ وبعضها في أن رجالا قالوا : إن ثواب ~~أعمالنا على الضعف من ثواب النساء ؛ وبعضها في أن النساء سألن أجر الشهادة ~~في سبيل الله وقلن لو كتب علينا القتال لقاتلنا . وكل ذلك جزئيات وأمثلة ~~مما شمله عموم { ما فضل الله به بعضكم على بعض } . # والتمني هو طلب حصول ما يعسر حصوله للطالب . وذلك له أحوال ؛ منها أن ~~يتمنى ما هو من فضل الله غير ملتفت فيه إلى شيء في يد الغير ، ولا مانع ~~يمنعه من شرع أو عادة ، سواء كان ممكن الحصول كتمني الشهادة في سبيل الله ، ~~أم كان غير ممكن الحصول كقول النبي صلى الله عليه وسلم ( ولوددت أني أقتل ~~في سبيل الله ثم أحيى ثم أقتل ثم أحيى ثم أقتل ) . وقوله صلى الله عليه ~~وسلم ( ليتنا نرى إخواننا ) يعني المسلمين الذين يجيئون بعده . # ومنها أن يتمنى ما لا يمكن حصوله لمانع عادي أو شرعي ، كتمني أم سلمة أن ~~يغزو النساء كما يغزو الرجال ، وأن تكون المرأة مساوية الرجل في الميراث ؛ ~~ومنها أن يتمنى تمنيا يدل على عدم الرضا بما ساقه الله والضجر منه ، أو على ~~الاضطراب والانزعاج ، أو على عدم الرضا بالأحكام الشرعية . # ومنها أن يتمنى نعمة تماثل نعمة في يد الغير مع إمكان حصولها للمتمني ~~بدون أن تسلب من التي هي في يده كتمني ms1912 علم مثل علم المجتهد أو مال مثل مال ~~قارون . PageV05P029 # ومنها أن يتمنى ذلك لكن مثله لا يحصل إلا بسلب المنعم عليه به كتمني ملك ~~بلدة معينة أو زوجة رجل معين . # ومنها أن يتمنى زوال نعمة عن الغير بدون قصد مصيرها إلى المتمني . # وحاصل معنى النهي في الآية أنه : إما نهي تنزيه لتربية المؤمنين على أن ~~لا يشغلوا نفوسهم بما لا قبل لهم بنواله ضرورة أنه سماه تمنيا ، لئلا ~~يكونوا على الحالة التي ورد فيها حديث : ( يتمنى على الله الأماني ) ، ~~ويكون قوله : { واسألوا الله من فضله } إرشاد إلى طلب الممكن ، إذ قد علموا ~~أن سؤال الله ودعاءه يكون في مرجو الحصول ، وإلا كان سوء أدب . # وإما نهي تحريم ، وهو الظاهر من عطفه على المنهيات المحرمة ، فيكون جريمة ~~ظاهرة ، أو قلبية كالحسد ، بقرينة ذكره بعد قوله : { لا تأكلوا أموالكم ~~بينكم بالباطل ولا تقتلوا أنفسكم } ( النساء : 29 ) . # فالتمني الأول والرابع غير منهي عنهما ، وقد ترجم البخاري في صحيحه ( باب ~~تمني الشهادة في سبيل الله وباب الاغتباط في العلم والحكمة ) ، وذكر حديث : ~~( لا حسد إلا في اثنتين : رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق ، ~~ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها الناس ) . # وأما التمني الثاني والثالث فمنهي عنهما لأنهما يترتب عليهما اضطراب ~~النفس وعدم الرضا بما قسم الله والشك في حكمة الأحكام الشرعية . # وأما التمني الخامس والسادس فمنهي عنهما لا محالة ، وهو من الحسد ، وفي ~~الحديث ( لا تسأل المرأة طلاق أختها لتستفرغ صحفتها ) ، ولذلك نهي عن أن ~~يخطب الرجل على خطبة أخيه ، إلا إذ كان تمنيه في الحالة الخامسة تمني حصول ~~ذلك له بعد من هي بيده بحيث لا يستعجل موته . وقد قال أبو بكر ، لما استخلف ~~عمر ، يخاطب المهاجرين : ( فكلكم ورم أنفه يريد أن يكون له الأمر دونه ) . # والسادس أشد وهو شر الحسدين إلا إذا كان صاحب النعمة يستعين به على ضر ~~يلحق الدين أو الأمة أو على إضرار المتمني . PageV05P030 # ثم محل النهي في الآية : هو التمني ، وهو طلب ما ms1913 لا قبل لأحد بتحصيله ~~بكسبه ، لأن ذلك هو الذي يبعث على سلوك مسالك العداء ، فأما طلب ما يمكنه ~~تحصيله من غير ضر بالغير فلا نهي عنه ، لأنه بطلبه ينصرف إلى تحصيله فيحصل ~~فائدة دينية أو دنيوية ، أما طلب ما لا قبل له بتحصيله فإن رجع إلى الفوائد ~~الأخروية فلا ضير فيه . # وحكمة النهي عن الأقسام المنهي عنها من التمني أنها تفسد ما بين الناس في ~~معاملاتهم فينشأ عنها التحاسد ، وهو أول ذنب عصي الله به ، إذ حسد إبليس ~~آدم ، ثم ينشأ عن الحسد الغيظ والغضب فيفضي إلى أذى المحسود ، وقد قال ~~تعالى : { ومن شر حاسد إذا حسد } ( الفلق : 5 ) . وكان سبب أول جريمة في ~~الدنيا الحسد : إذ حسد أحد ابني آدم أخاه فقتله ، ثم إن تمني الأحوال ~~المنهي عنها ينشأ في النفوس أول ما ينشأ خاطرا مجردا ، ثم يربو في النفس ~~رويدا رويدا حتى يصير ملكة ، فتدعو المرء إلى اجترام الجرائم ليشفي غلته ، ~~فلذلك نهوا عنه ليزجروا نفوسهم عند حدوث هاته التمنيات بزاجر الدين والحكمة ~~فلا يدعوها تربو في النفوس . وما نشأت الثورات والدعايات إلى ابتراز ~~الأموال بعناوين مختلفة إلا من تمني ما فضل به الله بعض الناس على بعض ، أو ~~إلا أثر من آثار ما فضل الله به بعض الناس على بعض . # وقوله : { بعضكم على بعض } صالح لأن يكون مرادا به آحاد الناس ، ولأن ~~يكون مرادا به أصنافهم . # وقوله : { للرجال نصيب مما اكتسبوا } الآية : إن أريد بذكر الرجال ~~والنساء هنا قصد تعميم الناس مثل ما يذكر المشرق والمغرب ، والبر والبحر ، ~~والنجد والغور ، فالنهي المتقدم على عمومه . وهذه الجملة مسوقة مساق ~~التعليل للنهي عن التمني قطعا لعذر المتمنين ، وتأنيسا بالنهي ، ولذلك فصلت ~~؛ وإن أريد بالرجال والنساء كلا من النوعين بخصوصه بمعنى أن الرجال يختصون ~~بما اكتسبوه ، والنساء يختصصن بما اكتسبن من الأموال ، فالنهي المتقدم ~~متعلق بالتمني الذي يفضي إلى أكل أموال اليتامى والنساء ، أي ليس للأولياء ~~أكل أموال مواليهم وولاياهم إذ لكل من هؤلاء ما اكتسب . وهذه الجملة علة ~~لجملة ms1914 محذوفة دلت هي عليها ، تقديرها : ولا تتمنوا فتأكلوا أموال مواليكم . ~~PageV05P031 # والنصيب : الحظ والمقدار ، وهو صادق على الحظ في الآخرة والحظ في الدنيا ~~، وتقدم آنفا . # والاكتساب : السعي للكسب ، وقد يستعار لحصول الشيء ولو بدون سعي وعلاجج . ~~و ( من ) للتبعيض أو للابتداء ، والمعنى يحتمل أن يكون استحق الرجال ~~والنساء كل حظه من الأجر والثواب المنجر له من عمله ، فلا فائدة في تمني ~~فريق أن يعمل عمل فريق آخر ، لأن الثواب غير منحصر في عمل معين ، فإن وسائل ~~الثواب كثيرة فلا يسوءكم النهي عن تمني ما فضل الله به بعضكم على بعض . ~~ويحتمل أن المعنى : استحق كل شخص ، سواء كان رجلا أم امرأة ، حظه من منافع ~~الدنيا المنجر له مما سعى إليه بجهده ، أو الذي هو بعض ما سعى إليه ، فتمني ~~أحد شيئا لم يسع إليه ولم يكن من حقوقه ، هو تمن غير عادل ، فحق النهي عنه ~~؛ أو المعنى استحق أولئك نصيبهم مما كسبوا ، أي مما شرع لهم من الميراث ~~ونحوه ، فلا يحسد أحد أحدا على ما جعل له من الحق ، لأن الله أعلم بأحقية ~~بعضكم على بعض . # وقوله : { وسئلوا الله من فضله } إن كان عطفا على قوله : { للرجال نصيب ~~مما اكتسبوا } الخ ، الذي هو علة النهي عن التمني ، فالمعنى : للرجال ~~مزاياهم وحقوقهم ، وللنساء مزاياهن وحقوقهن ، فمن تمنى ما لم يعد لصنفه فقد ~~اعتدى ، لكن يسأل الله من فضله أن يعطيه ما أعد لصنفه من المزايا ، ويجعل ~~ثوابه مساويا لثواب الأعمال التي لم تعد لصنفه ، كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم للنساء : ( لكن أفضل الجهاد حج مبرور ) ؛ وإن كان عطفا على النهي ~~في قوله : و { لا تتمنوا } فالمعنى : لا تتمنوا ما في يد الغير واسألوا ~~الله من فضله فإن فضل الله يسع الإنعام على الكل ، فلا أثر للتمني إلا تعب ~~النفس . وقرأ الجمهور : { واسألوا } بإثبات الهمزة بعد السين الساكنة وهي ~~عين الفعل وقرأه ابن كثير ، والكسائي بفتح السين وحذف الهمزة بعد نقل ~~حركتها إلى السين الساكن قبلها تخفيفا . # وقوله : { إن الله كان ms1915 بكل شيء عليما } تذييل مناسب لهذا التكليف ، لأنه ~~متعلق بعمل النفس لا يراقب فيه إلا ربه . # PageV05P032 # | 2 ( 33 ) { ولكل جعلنا موالى مما ترك الوالدان والاقربون والذين عقدت ~~أيمانكم فئاتوهم نصيبهم إن الله كان على كل شىء شهيدا } . ) 2 # الجملة معطوفة على جملة { ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض } ( ~~النساء : 32 ) باعتبار كونه جامعا لمعنى النهي عن الطمع في مال صاحب المال ~~، قصد منها استكمال تبيين من لهم حق في المال . # وشأن ( كل ) إذا حذف ما تضاف إليه أن يعوض التنوين عن المحذوف ، فإن جرى ~~في الكلام ما يدل على المضاف إليه المحذوف قدر المحذوف من لفظه أو معناه ، ~~كما تقدم في قوله تعالى : { ولكل وجهة في سورة البقرة ( 148 ) ، وكذلك هنا ~~فيجوز أن يكون المحذوف مما دل عليه قوله قبله للرجال نصيب وللنساء نصيب } ( ~~النساء : 7 ) فيقدر : ولكل الرجال والنساء جعلنا موالي ، أو لكل تاركك ~~جعلنا موالي . # ويجوز أن يقدر : ولكل أحد أو شيء جعلنا موالي . # والجعل من قوله : { جعلنا } هو الجعل التشريعي أي شرعنا لكل موالي لهم حق ~~في ماله كما في قوله تعالى : { فقد جعلنا لوليه سلطانا } ( الإسراء : 33 ) ~~. # والموالي جمع مولى وهو محل الولي ، أي القرب ، وهو محل مجازي وقرب مجازي ~~. والولاء اسم المصدر للولي المجازي . # وفي نظم الآية تقادير جديرة بالاعتبار ، وجامعة لمعان من التشريع : # الأول : ولكل تاركك ، أي تارك مالا جعلنا موالي ، أي أهل ولاء له ، أي ~~قرب ، أي ورثة . ويتعلق { مما ترك } بما في موالي من معنى يلونه ، أي ~~يرثونه ، ومن للتبعيض ، أي يرثون مما ترك . وما صدق ( ما ) الموصولة هو ~~المال ، والصلة قرينة على كون المراد بالموالي الميراث ، وكون المضاف إليه ~~( كل ) هو الهالك أو التارك . { ولكل } متعلق ب ( جعلنا ) ، قدم على متعلقه ~~للاهتمام . PageV05P033 # وقوله : { الوالدان } استئناف بياني بين به المراد في ( موالي ) ، ويصلح ~~أن يبين به كل المقدر له مضاف . تقديره : لكل تارك . وتبيين كلا اللفظين ~~سواء في المعنى ، لأن التارك : والد أو قريب ، والموالي : والدون أو قرابة ~~. وفي ms1916 ذكر { الوالدان } غنية عن ذكر الأبناء لتلازمهما ، فإن كان الوالدان ~~من الورثة فالهالك ولد وإلا فالهالك والد . والتعريف في { الوالدان ~~والأقربون } عوض عن مضاف إليه أي : والداهم وأقربوهم ، والمضاف إليه ~~المحذوف يدل عليه الموالي ، وهذا التقدير يناسب أن يكون ناشئا عن قوله : { ~~للرجال نصيب مما اكتسبوا } ( النساء : 32 ) ، أي ولكل من الصنفين جعلنا ~~موالي يرثونه ، وهو الجعل الذي في آيات المواريث . # والتقدير الثاني : ولكل شيء مما تركه الوالدان والأقربون جعلنا موالي ، ~~أي قوما يلونه بالإرث ، أي يرثونه ، أي يكون تراثا لهم ، فيكون المضاف إليه ~~المحذوف اسما نكرة عاما يبين نوعه المقام ، ويكون { مما ترك } بيانا لما في ~~تنوين ( كل ) من الإبهام ، ويكون { والأقربون } فاعلا ( لترك ) . # وهذا التقدير يناسب أن يكون ناشئا عن قوله : { ما فضل الله به بعضكم على ~~بعض } ( النساء : 32 ) أي في الأموال ، أي ولكل من الذين فضلنا بعضهم على ~~بعض جعلنا موالي يؤول إليهم المال ، فلا تتمنوا ما ليس لكم فيه حق في حياة ~~أصحابه ، ولا ما جعلناه للموالي بعد موت أصحابه . # التقدير الثالث : ولكل منكم جعلنا موالي ، أي عاصبين من الذين تركهم ~~الوالدان ، مثل الأعمام والأجداد والأخوالل ، فإنهم قرباء الأبوين ، ومما ~~تركهم الأقربون مثل أبناء الأعمام وأبنائهم وإن تعددوا ، وأبناء الأخوات ~~كذلك ، فإنهم قرباء الأقربين ، فتكون الآية مشيرة إلى إرجاع الأموال إلى ~~العصبة عند الجمهور ، وإلى ذوي الأرحام عند بعض الفقهاء ، وذلك إذا انعدم ~~الورثة الذين في آية المواريث السابقة ، وهو حكم مجمل بينه قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم ( ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجلل ذكر ) ، وقوله ~~: ( ابن أخت القوم منهم أو من أنفسهم ) رواه أبو داود والنسائي ، وقوله : ( ~~الخال وارث من لا وارث له ) أخرجه أبو داود والترمذي ، وقوله تعالى : { ~~وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله } ( الأنفال : 75 ) ، وبذلك ~~أخذ أبو حنيفة ، وأحمد ، وعليه ف ( ما ) الموصولة في قوله : { مما ترك } ~~بمعنى ( من ) الموصولة ، ولا بدع في ذلك . وهذا PageV05P034 التقدير يناسب ~~أن يكون ناشئا عن قوله تعالى بعد آية المواريث { تلك ms1917 حدود الله } ( البقرة ~~: 187 ) فتكون تكملة لآية المواريث . # التقدير الرابع : ولكل منكم أيها المخاطبون بقولنا : { ولا تتمنوا ما فضل ~~الله به بعضكم على بعض } ( النساء : 32 ) جعلنا موالي ، أي شرعنا أحكام ~~الولاء لمن هم موال لكم ، فحكم الولاء الذي تركه لكم أهاليكم : الوالدان ~~والأقربون ، أي أهل الولاء القديم في القبيلة المنجر من حلف قديم ، أو بحكم ~~الولاء الذي عاقدته الأيمان ، أي الأحلاف بينكم وبينهم أيها المخاطبون ، ~~وهو الولاء الجديد الشامل للتبني المحدث ، وللحلف المحدث ، مثل المؤاخاة ~~التي فرضها النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار . فإن الولاء ~~منه ولاء قديم في القبائل ، ومنه ما يتعاقد عليه الحاضرون ، كما اشار إليه ~~أبو تمام . # أعطيت لي دية القتيل وليس لي # عقل ولا حلف هناك قديم # وعلى هذا التقدير يكون { والذين عاقدت أيمانكم } معطوفة على { الوالدان ~~والأقربون } وهذا التقدير يناسب أن يكون ناشئا عن قوله تعالى : { تلك حدود ~~الله } ( البقرة : 187 ) فتكون هذه الآية تكملة لآيات المواريث . # وللمفسرين تقادير أخرى لا تلائم بعض أجزاء النظم إلا بتعسف فلا ينبغي ~~التعريج عليها . # وقوله : { والذين عاقدت أيمانكم } قيل معطوف على قوله : { الوالدان ~~والأقربون } ، وقيل هو جملة مستأنفة استئنافا بيانيا ، كأنه قيل : من هم ~~الموالي ؟ فقيل : { الوالدان والأقربون } الخ ، على أن قوله : { فأتاهم ~~نصيبهم } خبر عن قوله : { والذين عاقدت } . وأدخلت الفاء في الخبر لتضمن ~~الموصول معنى الشرط ، ورجح هذا بأن المشهور أن الوقت على قوله : { ~~والأقربون } وليس على قوله : { أيمانكم } . والمعاقدة : حصول العقد من ~~الجانبين ، أي الذين تعاقدتم معهم على أن يكونوا بمنزلة الأبناء أو بمنزلة ~~الإخوة أو بمنزلة أبناء العم . والأيمان جمع يمين : إما بمعنى اليد ، أسند ~~العقد إلى الأيدي مجازا لأنها تقارن المتعاقدين لأنهم يضعون أيدي بعضهم في ~~أيدي الآخرين ، علامة على انبرام العقد ، ومن أجل ذلك سمي العقد صفقة أيضا ~~؛ لأنه يصفق فيه اليد على اليد ، فيكون من باب { أو ما ملكت أيمانكم } ( ~~النساء : 3 ) ؛ وإما بمعنى القسم لأن ذلك كان يصحبه قسم ، PageV05P035 ومن ~~أجل ذلك سمي حلفا ، وصاحبه حليفا . وإسناد العقد ms1918 إلى الأيمان بهذا المعنى ~~مجاز أيضا ؛ لأن القسم هو سبب انعقاد الحلف . # والمراد ب { الذين عاقدت أيمانكم } : قيل موالي الحلف الذي كان العرب ~~يفعلونه في الجاهلية ، وهو أن يحالف الرجل الآخر فيقول له ( دمي دمك وهدمي ~~هدمك أي إسقاط أحدهما للدم الذي يستحقه يمضي على الآخر وثأري ثأرك وحربي ~~حربك وسلمي سلمك وترثني وأرثك وتطلب بي وأطلب بك وتعقل عني وأعقل عنك ) . ~~وقد جمع هذين الصنفين من الموالي الحصين بن الحمامم من شعراء الحماسة في ~~قوله : # مواليكم مولى الولادة منكم # ومولى اليمين حابس قد تقسما # قيل : كانوا جعلوا للمولى السدس في تركة الميت ، فأقرته هذه الآية ، ثم ~~نسختها آية الأنفال : { وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله } ( ~~الأنفال : 75 ) قاله ابن عباس ، والحسن ، وقتادة ، وابن جبير ، ولعل مرادهم ~~أن المسلمين جعلوا للمولى السدس وصية لأن أهل الجاهلية لم تكن عندهم مواريث ~~معينة . وقيل : نزلت هذه الآية في ميراث الإخوة الذين آخى النبي صلى الله ~~عليه وسلم بينهم من المهاجرين والأنصار في أول الهجرة ، فكانوا يتوارثون ~~بذلك دون ذوي الأرحام ، ثم نسخ الله ذلك بآية الأنفال ، فتكون هذه الآية ~~منسوخة . وفي أسباب النزول للواحدي ، عن سعيد بن المسيب ، أنها نزلت في ~~التبني الذي كان في الجاهلية ، فكان المتبني يرث المتبني ( بالكسر ) مثل ~~تبني النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة الكلبي ، وتبني الأسود بن عبد ~~يغوث المقداد الكندي ، المشهور بالمقداد بن الأسود ، وتبني الخطاب بن نفيل ~~عامرا بن ربيعة ، وتبني أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة سالما بن معقل الأصطخري ~~، المشهور بسالمم مولى أبي حذيفة ، ثم نسخ بالمواريث . وعلى القول بأن { ~~والذين عاقدت أيمانكم } جملة مستأنفة فالآية غير منسوخة ؛ فقال ابن عباس في ~~رواية ابن جبير عنه في ( البخاري ) هي ناسخة لتوريث المتآخين من المهاجرين ~~والأنصار ، لأن قوله : { مما ترك الوالدان والأقربون } حصر الميراث في ~~القرابة ، فتعين على هذا أن قوله : { فأتوهم نصيبهم } أي نصيب الذين عاقدت ~~أيمانكم من النصر والمعونة ، أو فآتوهم نصيبهم بالوصية ، وقد ذهب الميراث . ~~PageV05P036 وقال ms1919 سعيد بن المسيب : نزلت في التبني أمرا بالوصية للمتبنى . ~~وعن الحسن أنها في شأن الموصى له إذا مات قبل موت الموصي أن تجعل الوصية ~~لأقاربه لزوما . # وقرأ الجمهور : { عاقدت } بألف بعد العين . وقرأه حمزة ، وعاصم ، ~~والكسائي ، وخلف : { عقدت بدون ألف ومع تخفيف القاف . # والفاء في قوله : فأتوهم نصيبهم } فاء الفصيحة على جعل قوله : { والذين ~~عاقدت أيمانكم } معطوفا على { الوالدان والأقربون } ، أو هي زائدة في الخبر ~~إن جعل { والذين عقدت } مبتدأ على تضمين الموصول معنى الشرطية . والأمر في ~~الضمير المجرور على الوجهين ظاهر . # # | 2 ( 34 ) { الرجال قوامون على النسآء بما فضل الله بعضهم على بعض وبمآ ~~أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حفظات للغيب بما حفظ الله واللاتى ~~تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن فى المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا ~~عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا } . ) 2 # استئناف ابتدائي لذكر تشريع في حقوق الرجال وحقوق النساء والمجتمع ~~العائلي . وقد ذكر عقب ما قبله لمناسبة الأحكام الراجعة إلى نظام العائلة ، ~~لا سيما أحكام النساء ، فقوله : { الرجال قوامون على النساء } أصل تشريعي ~~كلي تتفرع عنه الأحكام التي في الآيات بعده ، فهو كالمقدمة . # وقوله : { فالصالحات } تفريع عنه مع مناسبته لما ذكر من سبب نزول { ولا ~~تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض } ( النساء : 32 ) فيما تقدم . # والحكم الذي في هذه الآية حكم عام جيء به لتعليل شرع خاص . PageV05P037 # فلذلك فالتعريف في { الرجال } و { النساء } للاستغراق ، وهو استغراق عرفي ~~مبني على النظر إلى الحقيقة ، كالتعريف في قول الناس ( الرجل خير من المرأة ~~) ، يؤول إلى الاستغراق العرفي ، لأن الأحكام المستقراة للحقائق أحكام ~~أغلبية ، فإذا بني عليها استغراق فهو استغراق عرفي . والكلام خبر مستعمل في ~~الأمر كشأن الكثير من الأخبار الشرعية . # والقوام : الذي يقوم على شأن شيء ويليه ويصلحه ، يقال : قوام وقيام وقيوم ~~وقيم ، وكلها مشتقة من القيام المجازي الذي هو مجاز مرسل أو استعارة ~~تمثيلية ، لأن شأن الذي يهتم بالأمر ويعتني به أن يقف ليدير أمره ، فأطلق ~~على الاهتمام القيام بعلاقة اللزوم . أو شبه المهتم بالقائم ms1920 للأمر على ~~طريقة التمثيل . فالمراد من الرجال من كان من أفراد حقيقة الرجل ، أي الصنف ~~المعروف من النوع الإنساني ، وهو صنف الذكور ، وكذلك المراد من النساء صنف ~~الإناث من النوع الإنساني ، وليس المراد الرجال جمع الرجل بمعنى رجل المرأة ~~، أي زوجها ؛ لعدم استعماله في هذا المعنى ، بخلاف قولهم : امرأة فلان ، ~~ولا المراد من النساء الجمع الذي يطلق على الأزواج الإناث وإن كان ذلك قد ~~استعمل في بعض المواضع مثل قوله تعالى : { من نسائكم اللاتي دخلتم بهن } ، ~~بل المراد ما يدل عليه اللفظ بأصل الوضع كما في قوله تعالى : { وللنساء ~~نصيب مما اكتسبن } ( النساء : 32 ) ، وقول النابغة : # ولا نسوتي حتى يمتن حرائرا # يريد أزواجه وبناته وولاياه . # فموقع { الرجال قوامون على النساء } موقع المقدمة للحكم بتقديم دليله ~~للاهتمام بالدليل ، إذ قد يقع فيه سوء تأويل ، أو قد وقع بالفعل ، فقد روي ~~أن سبب نزول الآية قول النساء ( ليتنا استوينا مع الرجال في الميراث ~~وشركناهم في الغزو ) . # وقيام الرجال على النساء هو قيام الحفظ والدفاع ، وقيام الاكتساب ~~والإنتاج المالي ، ولذلك قال : { بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا ~~من أموالهم } أي : بتفضيل الله بعضهم على بعض وبإنفاقهم من أموالهم ، إن ~~كانت ( ما ) في الجملتين مصدرية ، أو بالذي فضل الله به بعضهم ، وبالذي ~~أنفقوه من أموالهم ، إن كانت ( ما ) فيهما PageV05P038 موصولة ، فالعائدان ~~من الصلتين محذوفان : أما المجرور فلأن اسم الموصول مجرور بحرف مثل الذي جر ~~به الضمير المحذوف ، وأما العائد المنصوب من صلة { وبما أنفقوا } فلأن ~~العائد المنصوب يكثر حذفه من الصلة . والمراد بالبعض في قوله تعالى : { فضل ~~الله بعضهم } هو فريق الرجال كما هو ظاهر من العطف في قوله : { وبما أنفقوا ~~من أموالهم } فإن الضميرين للرجال . # فالتفضيل هو المزايا الجبلية التي تقتضي حاجة المرأة إلى الرجل في الذب ~~عنها وحراستها لبقاء ذاتها ، كما قال عمرو بن كلثوم : # يقتن جيادنا ويقلن لستم # بعولتنا إذا لم تمنعونا # فهذا التفضيل ظهرت آثاره على مر العصور والأجيال ، فصار حقا مكتسبا ~~للرجال ، وهذه حجة برهانية على كون ms1921 الرجال قوامين على النساء فإن حاجة ~~النساء إلى الرجال من هذه الناحية مستمرة وإن كانت تقوى وتضعف . # وقوله : { وبما أنفقوا } جيء بصيغة الماضي للإيماء إلى أن ذلك أمر قد ~~تقرر في المجتمعات الإنسانية منذ القدم ، فالرجال هم العائلون لنساء ~~العائلة من أزواج وبنات . وأضيفت الأموال إلى ضمير الرجال لأن الاكتساب من ~~شأن الرجال ، فقد كان في عصور البداوة بالصيد وبالغارة وبالغنائم والحرث ، ~~وذلك من عمل الرجال ، وزاد اكتساب الرجال في عصور الحضارة بالغرس والتجارة ~~والإجارة والأبنية ، ونحو ذلك ، وهذه حجة خطابية لأنها ترجع إلى مصطلح غالب ~~البشر ، لا سيما العرب . ويندر أن تتولى النساء مساعي من الاكتساب ، لكن ~~ذلك نادر بالنسبة إلى عمل الرجل مثل استئجار الظئر نفسها وتنمية المرأة ~~مالا ورثته من قرابتها . # ومن بديع الإعجاز صوغ قوله : { بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا ~~من أموالهم } في قالب صالح للمصدرية وللموصولية ، فالمصدرية مشعرة بأن ~~القيامية سببها تفضيل من الله وإنفاق ، والموصولية مشعرة بأن سببها ما ~~يعلمه الناس من فضل الرجال ومن إنفاقهم ليصلح الخطاب للفريقين : عالمهم ~~وجاهلهم ، كقول السموأل أو الحارثي : # سلي إن جهلتت الناس عنا وعنهم # فليس سواء عالم وجهول PageV05P039 # ولأن في الإتيان ب ( بما ) مع الفعل على تقدير احتمال المصدرية جزالة لا ~~توجد في قولنا : بتفضيل الله وبالإنفاقق ، لأن العرب يرجحون الأفعال على ~~الأسماء في طرق التعبير . # وقد روي في سبب نزول الآية : أنها قول النساء ، ومنهن أم سلمة أم ~~المؤمنين : ( أتغزو الرجال ولا نغزو وإنما لنا نصف الميراث ) فنزل قوله ~~تعالى : { ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض } ( النساء : 32 ) إلى ~~هذه الآية ، فتكون هذه الآية إكمالا لما يرتبط بذلك التمني . وقيل : نزلت ~~هذه الآية بسبب سعد بن الربيع الأنصاري : نشزت منه زوجه حبيبة بنت زيد بن ~~أبي زهير فلطمها فشكاه أبوها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأمرها أن تلطمه ~~كما لطمها ، فنزلت الآية في فور ذلك ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم أردت ~~شيئا وأراد الله غيره ، ونقض حكمه الأول ms1922 ، وليس في هذا السبب الثاني حديث ~~صحيح ولا مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه مما روي عن الحسن ، ~~والسدي ، وقتادة . # والفاء في قوله : { فالصالحات } للفصيحة ، أي إذا كان الرجال قوامين على ~~النساء فمن المهم تفصيل أحوال الأزواج منهن ومعاشرتهن أزواجهن وهو المقصود ~~، فوصف الله الصالحات منهن وصفا يفيد رضاه تعالى ، فهو في معنى التشريع ، ~~أي ليكن صالحات . والقانتات : المطيعات لله . والقنوت : عبادة الله ، وقدمه ~~هنا وإن لم يكن من سياق الكلام للدلالة على تلازم خوفهن الله وحفظ حق ~~أزواجهن ، ولذلك قال : { حافظات للغيب } ، أي حافظات أزواجهن عند غيبتهم . ~~وعلق الغيب بالحفظ على سبيل المجاز العقلي لأنه وقته . والغيب مصدر غاب ضد ~~حضر . والمقصود غيبة أزواجهن ، واللام للتعدية لضعف العامل ، إذ هو غير فعل ~~، فالغيب في معنى المفعول ، وقد جعل مفعولا للحفظ على التوسع لأنه في ~~الحقيقة ظرف للحفظ ، فأقيم مقام المفعول ليشمل كل ما هو مظنة تخلف الحفظ في ~~مدته : من كل ما شأنه أن يحرسه الزوج الحاضر من أحوال امرأته في عرضه وماله ~~، فإنه إذا حضر يكون من حضوره وازعان : يزعها بنفسه ويزعها أيضا اشتغالها ~~بزوجها ، أما حال الغيبة فهو حال نسيان واستخفاف ، فيمكن أن يبدو فيه من ~~المرأة ما لا يرضي زوجها إن كانت غير صالحة أو سفيهة الرأي ، فحصل بإنابة ~~الظرف عن المفعول إيجاز بديع ، وقد تبعه بشار إذ قال : # ويصون غيبكم وإن نزحا PageV05P040 # والباء في { بما حفظ الله } للملابسة ، أي حفظا ملابسا لما حفظ الله ، و ~~( ما ) مصدرية أي بحفظ الله ، وحفظ الله هو أمره بالحفظ ، فالمراد الحفظ ~~التكليفي ، ومعنى الملابسة أنهن يحفظن أزواجهن حفظا مطابقا لأمر الله تعالى ~~، وأمر الله يرجع إلى ما فيه حق للأزواج وحدهم أو مع حق الله ، فشمل ما ~~يكرهه الزوج إذا لم يكن فيه حرج على المرأة ، ويخرج عن ذلك ما أذن الله ~~للنساء فيه ، كما أذن النبي صلى الله عليه وسلم هندا بنت عتبة : أن تأخذ من ~~مال أبي سفيان ما يكفيها وولدها بالمعروف . لذلك قال مالك ms1923 : إن للمرأة أن ~~تدخل الشهود إلى بيت زوجها في غيبته وتشهدهم بما تريد وكما أذن لهن النبي ~~أن يخرجن إلى المساجد ودعوة المسلمين . # وقوله : { والتي تخافون نشوزهن } هذه بعض الأحوال المضادة للصلاح وهو ~~النشوز ، أي الكراهية للزوج ، فقد يكون ذلك لسوء خلق المرأة ، وقد يكون لأن ~~لها رغبة في التزوج بآخر ، وقد يكون لقسوة في خلق الزوج ، وذلك كثير . ~~والنشوز في اللغة الترفع والنهوض ، وما يرجع إلى معنى الاضطراب والتباعد ، ~~ومنه نشز الأرض ، وهو المرتفع منها . # قال جمهور الفقهاء : النشوز عصيان المرأة زوجها والترفع عليه وإظهار ~~كراهيته ، أي إظهار كراهية لم تكن معتادة منها ، أي بعد أن عاشرته ، كقوله ~~: ( وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا ) . وجعلوا الإذن بالموعظة ~~والهجر والضرب مرتبا على هذا العصيان ، واحتجوا بما ورد في بعض الآثار من ~~الإذن للزوج في ضرب زوجته الناشز ، وما ورد من الأخبار عن بعض الصحابة أنهم ~~فعلوا ذلك في غير ظهور الفاحشة . وعندي أن تلك الآثار والأخبار محمل ~~الأباحة فيها أنها قد روعي فيها عرف بعض الطبقات من الناس ، أو بعض القبائل ~~، فإن الناس متفاوتون في ذلك ، وأهل البدو منهم لا يعدون ضرب المرأة اعتداء ~~، ولا تعده النساء أيضا اعتداء ، قال عامر بن الحارث النمري الملقب بجرانن ~~العود . # عمدت لعود فالتحيت جرانه # وللكيس أمضى في الأمور وأنجح # خذا حذرا يا خلتي فإنني # رأيت جران العود قد كاد يصلح PageV05P041 # والتحيت : قشرت ، أي قددت ، بمعنى : أنه أخذ جلدا من باطن عنق بعير وعمله ~~سوطا ليضرب به امرأتيه ، يهددهما بأن السوط قد جف وصلح لأن يضرب به . # وقد ثبت في ( الصحيح ) أن عمر بن الخطاب قال : ( كنا معشر المهاجرين قوما ~~نغلب نساءنا فإذا الأنصار قوم تغلبهم نساؤهم فأخذ نساؤنا يتأدبن بأدب نساء ~~الأنصار ) . فإذا كان الضرب مأذونا فيه للأزواج دون ولاة الأمور ، وكان ~~سببه مجرد العصيان والكراهية دون الفاحشة ، فلا جرم أنه أذن فيه لقوم لا ~~يعدون صدوره من الأزواج إضرارا ولا عارا ولا بدعا من المعاملة في العائلة ، ~~ولا تشعر نساؤهم ms1924 بمقدار غضبهم إلا بشيء من ذلك . # وقوله : { فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن } مقصود منه الترتيب كما ~~يقتضيه ترتيب ذكرها مع ظهور أنه لا يراد الجمع بين الثلاثة ، والترتيب هو ~~الأصل والمتبادر في العطف بالواو ، قال سعيد بن جبير : يعظها ، فإن قبلت ، ~~وإلا هجرها ، فإن هي قبلت ، وإلا ضربها ، ونقل مثله عن علي . # واعلم أن الواو هنا مراد بها التقسيم باعتبار أقسام النساء في النشوز . # وقوله : { فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا } احتمال ضمير الخطاب فيه ~~يجري على نحوما تقدم في ضمائر { تخافون } وما بعده ، والمراد الطاعة بعد ~~النشوز ، أي إن رجعن عن النشوز إلى الطاعة المعروفة . ومعنى : { فلا تبغوا ~~عليهن سبيلا } فلا تطلبوا طريقا لإجراء تلك الزواجر عليهن ، والخطاب صالح ~~لكل من جعل له سبيل على الزوجات في حالة النشوز على ما تقدم . # والسبيل حقيقته الطريق ، وأطلق هنا مجازا على التوسل والتسبب والتذرع إلى ~~أخذ الحق ، وسيجيء عند قوله تعالى : { ما على المحسنين من سبيل في سورة ~~براءة ( 91 ) ، وانظر قوله الآتي وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم ~~عليهم سبيلا } . # و { عليهن } متعلق ب ( سبيلا ) لأنه ضمن معنى الحكم والسلطان ، كقوله ~~تعالى : { ما على المحسنين من سبيل } ( التوبة : 91 ) . # وقوله : { إن الله كان عليا كبيرا } تذييل للتهديد ، أي إن الله علي ~~عليكم ، حاكم فيكم ، فهو يعدل بينكم ، وهو كبير ، أي قوي قادر ، فبوصف ~~العلو يتعين امتثال أمره ونهيه ، وبوصف القدرة يحذر بطشه عند عصيان أمره ~~ونهيه . PageV05P042 # ومعنى { تخافون نشوزهن } تخافون عواقبه السيئة . فالمعنى أنه قد حصل ~~النشوز مع مخائل قصد العصيان والتصميم عليه لا مطلق المغاضبة أو عدم ~~الامتثال ، فإن ذلك قلما يخلو عنه حال الزوجين ، لأن المغاضبة والتعاصي ~~يعرضان للنساء والرجال ، ويزولان ، وبذلك يبقى معنى الخوف على حقيقته من ~~توقع حصول ما يضر ، ويكون الأمر بالوعظ والهجر والضرب مراتب بمقدار الخوف ~~من هذا النشوز والتباسه بالعدوان وسوء النية . والمخاطب بضمير { تخافون } ~~إما الأزواج ، فتكون تعدية ( خاف ) إليه على أصل تعدية الفعل إلى مفعوله ، ~~نحو { فلا تخافوهم وخافون } ( آل ms1925 عمران : 175 ) ويكون إسناد { فعظوهن ~~واهجروهن واضربوهن } على حقيقته . # ويجوز أن يكون المخاطب مجموع من يصلح لهذا العمل من ولاة الأمور والأزواج ~~؛ فيتولى كل فريق ما هو من شأنه ، وذلك نظير قوله تعالى في سورة البقرة ( ~~229 ) { ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما ~~حدود الله فإن خفتم أن لا يقيما حدود الله إلخ . فخطاب ( لكم ) للأزواج ، ~~وخطاب فإن خفتم } ( البقرة : 229 ) لولاة الأمور ، كما في ( الكشاف ) . قال ~~: ومثل ذلك غير عزيز في القرآن وغيره . يريد أنه من قبيل قوله تعالى في ~~سورة الصف ( 11 13 ) : { تؤمنون بالله ورسوله إلى قوله : وبشر المؤمنين ~~فإنه جعل ( وبشر ) عطفا على ( تؤمنون ) أي فهو خطاب للجميع لكنه لما كان لا ~~يتأتى إلا من الرسول خص به . وبهذا التأويل أخذ عطاء إذ قال : لا يضرب ~~الزوج امرأته ولكن يغضب عليها . قال ابن العربي : هذا من فقه عطاء وفهمه ~~الشريعة ووقوفه على مظان الاجتهاد علم أن الأمر بالضرب هنا أمر إباحة ، ~~ووقف على الكراهية من طريق أخرى كقول النبي ولن يضرب خياركم . وأنا أرى ~~لعطاء نظرا أوسع مما رآه له ابن العربي : وهو أنه وضع هاته الأشياء مواضعها ~~بحسب القرائن ، ووافقه على ذلك جمع من العلماء ، قال ابن الفرس : وأنكروا ~~الأحاديث المروية بالضرب . وأقول : أو تأولوها . والظاهر أن الإذن بالضرب ~~لمراعاة أحوال دقيقة بين الزوجين فأذن للزوج بضرب امرأته ضرب إصلاح لقصد ~~إقامة المعاشرة بينهما ؛ فإن تجاوز ما تقتضيه حالة نشوزها كان معتديا . # ولذلك يكون المعنى واللاتي تخافون نشوزهن } أي تخافون سوء مغبة نشوزهن ، ~~ويقتضي ذلك بالنسبة لولاة الأمور أن النشوز رفع إليهم بشكاية الأزواج ، وأن ~~إسناد { فعظوهن } على حقيقته ، وأما إسناد { واهجروهن في المضاجع } فعلى ~~معنى إذن الأزواج بهجرانهن ، وإسناد { واضربوهن } كما علمت . PageV05P043 # وضمير المخاطب في قوله : { فإن أطعنكم } يجري على التوزيع ، وكذلك ضمير { ~~فلا تبغوا عليهن سبيلا } . # والحاصل أنه لا يجوز الهجر والضرب بمجرد توقع النشوز قبل حصوله اتفاقا ، ~~وإذا كان المخاطب الأزواج كان إذنا لهم بمعاملة ms1926 أزواجهم النواشز بواحدة من ~~هذه الخصال الثلاث ، وكان الأزواج مؤتمنين على توخي مواقع هذه الخصال بحسب ~~قوة النشوز وقدره في الفساد ، فأما الوعظ فلا حد له ، وأما الهجر فشرطه أن ~~لا يخرج إلى حد الإضرار بما تجده المرأة من الكمد ، وقد قدر بعضهم أقصاه ~~بشهر . # وأما الضرب فهو خطير وتحديده عسير ، ولكنه أذن فيه في حالة ظهور الفساد ؛ ~~لأن المرأة اعتدت حينئذ ، ولكن يجب تعيين حد في ذلك ، يبين في الفقه ، لأنه ~~لو أطلق للأزواج أن يتولوه ، وهم حينئذ يشفون غضبهم ، لكان ذلك مظنة تجاوز ~~الحد ، إذ قل من يعاقب على قدر الذنب ، على أن أصل قواعد الشريعة لا تسمح ~~بأن يقضي أحد لنفسه لولا الضرورة . بيد أن الجمهور قيدوا ذلك بالسلامة من ~~الإضرار ، وبصدوره ممن لا يعد الضرب بينهم إهانة وإضرارا . فنقول : يجوز ~~لولاة الأمور إذا علموا أن الأزواج لا يحسنون وضع العقوبات الشرعية مواضعها ~~، ولا الوقوف عند حدودها أن يضربوا على أيديهم استعمال هذه العقوبة ، ~~ويعلنوا لهم أن من ضرب امرأته عوقب ، كيلا يتفاقم أمر الإضرار بين الأزواج ~~، لا سيما عند ضعف الوازع . # # | 2 ( 35 ) { وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلهآ ~~إن يريدآ إصلاحا يوفق الله بينهمآ إن الله كان عليما خبيرا } . ) 2 # عطف على جملة { والتي تخافون نشوزهن } ( النساء : 34 ) وهذا حكم أحوال ~~أخرى تعرض بين الزوجين ، وهي أحوال الشقاق من مخاصمة ومغاضبة وعصيان ، ونحو ~~ذلك من أسباب الشقاق ، أي دون نشوز من المرأة . PageV05P044 # والمخاطب هنا ولاة الأمور لا محالة ، وذلك يرجح أن يكونوا هم المخاطبين ~~في الآية التي قبلها . # والشقاق مصدر كالمشاقة ، وهو مشتق من الشق بكسر الشين أي الناحية . لأن ~~كل واحد يصير في ناحية ، على طريقة التخييل ، كما قالوا في اشتقاق العدو : ~~إنه مشتق من عدوة الوادي . وعندي أنه مشتق من الشق بفتح الشين وهو الصدع ~~والتفرع ، ومنه قولهم : شق عصا الطاعة ، والخلاف شقاق . وتقدم في سورة ~~البقرة ( 137 ) عند قوله تعالى : { وإن تولوا فإنما هم في شقاق وأضاف ms1927 ~~الشقاق إلى ( بين ) . إما لإخراج لفظ ( بين ) عن الظرفية إلى معنى البعد ~~الذي يتباعده الشيئان ، أي شقاق تباعد ، أي تجاف ، وإما على وجه التوسع ، ~~كقوله بل مكر اليل وقول الشاعر : # يا سارق الليلة أهل الدار # ومن يقول بوقوع الإضافة على تقدير ( في ) يجعل هذا شاهدا له كقوله : هذا ~~فراق بيني وبينك } ( الكهف : 78 ) ، والعرب يتوسعون في هذا الظرف كثيرا ، ~~وفي القرآن من ذلك شيء كثير ، ومنه قوله : { لقد تقطع بينكم } ( الأنعام : ~~94 ) في قراءة الرفع . # وضمير { بينهما } عائد إلى الزوجين المفهومين من سياق الكلام ابتداء من ~~قوله : { الرجال قوامون على النساء } ( النساء : 4 ) . # والحكم بفتحتين الحاكم الذي يرضى للحكومة بغير ولاية سابقة ، وهو صفة ~~مشبهة مشتقة من قولهم : حكموه فحكم ، وهو اسم قديم في العربية ، كانوا لا ~~ينصبون القضاة ، ولا يتحاكمون إلا إلى السيف ، ولكنهم قد يرضون بأحد ~~عقلائهم يجعلونه حكما في بعض حوادثهم ، وقد تحاكم عامر بن الطفيل وعلقمة بن ~~علاثة لدى هرم بن سنان العبسي ، وهي المحاكمة التي ذكرها الأعشى في قصيدته ~~الرائية القائل فيها : # علقم ما أنت إلى عامر # الناقضض الأوتار والواتر # وتحاكم أبناء نزار بن معد بن عدنان إلى الأفعى الجرهمي ، كما تقدم في هذه ~~السورة . PageV05P045 # والضميران في قوله : { من أهله } و { من أهلها } عائدان على مفهومين من ~~الكلام : وهما الزوج والزوجة ، واشترط في الحكمين أن يكون أحدهما من أهل ~~الرجل والآخر من أهل المرأة ليكونا أعلم بدخلية أمرهما وأبصر في شأن ما ~~يرجى من حالهما ، ومعلوم أنه يشترط فيهما الصفات التي تخولهما الحكم في ~~الخلاف بين الزوجين . قال ملك : إذا تعذر وجود حكمين من أهلهما فيبعث من ~~الأجانب ، قال ابن الفرس : ( فإذا بعث الحاكم أجنبيين مع وجود الأهل فيشبه ~~أن يقال ينتقض الحكم لمخالفة النص ، ويشبه أن يقال ماض بمنزلة ما لو ~~تحاكموا إليهما ) . قلت : والوجه الأول أظهر . وعند الشافعية كونهما من ~~أهلهما مستحب فلو بعثا من الأجانب مع وجود الأقارب صح . # والآية دالة على وجوب بعث الحكمين عند نزاع الزوجين النزاع المستمر ~~المعبر عنه ms1928 بالشقاق ، وظاهرها أن الباعث هو الحاكم وولي الأمر ، لا الزوجان ~~، لأن فعل { ابعثوا } مؤذن بتوجيههما إلى الزوجين ، فلو كانا معينين من ~~الزوجين لما كان لفعل البعث معنى . وصريح الآية : أن المبعوثين حكمان لا ~~وكيلان ، وبذلك قال أيمة العلماء من الصحابة والتابعين . وقضى به عمر بن ~~الخطاب ، وعثمان بن عفان ، وعلي بن أبي طالب ، وقاله ابن عباس ، والنخعي ، ~~والشعبي ، ومالك ، والأوزاعي ، والشافعي ، وإسحاق . وعلى قول جمهور العلماء ~~فما قضى به الحكمان من فرقة أو بقاء أو مخالعة يمضي ، ولا مقال للزوجين في ~~ذلك لأن ذلك معنى التحكيم ، نعم لا يمنع هؤلاء من أن يوكل الزوجان رجلين ~~على النظر في شؤونهما ، ولا من أن يحكما حكمين على نحو تحكيم القاضي . ~~وخالف في ذلك ربيعة فقال : لا يحكم إلا القاضي دون الزوجين ، وفي كيفية ~~حكمهما وشروطه تفصيل في كتب الفقه . # وتأولت طائفة قليلة هذه الآية على أن المقصود بعث حكمين للإصلاح بين ~~الزوجين وتعيين وسائل الزجر للظالم منهما ، كقطع النفقة عن المرأة مدة حتى ~~يصلح حالها ، وأنه ليس للحكمين التطليق إلا برضا الزوجين ، فيصيران وكيلين ~~، وبذلك قال أبو حنيفة ، وهو قول للشافعي ، فيريد أنهما بمنزلة الوكيل الذي ~~يقيمه القاضي عن الغائب . وهذا صرف للفظ الحكمين عن ظاهره ، فهو من التأويل ~~. والباعث على تأويله عند أبي حنيفة : أن الأصل أن التطليق بيد الزوج ، فلو ~~رأى الحكمان التطليق عليه وهو كاره كان ذلك PageV05P046 مخالفة لدليل الأصل ~~فاقتضى تأويل معنى الحكمين ، وهذا تأويل بعيد ؛ لأن التطليق لا يطرد كونه ~~بيد الزوج ؛ فإن القاضي يطلق عند وجود سبب يقتضيه . # وقوله تعالى : { إن يريدا إصلاحا } الظاهر أنه عائد إلى الحكمين لأنهما ~~المسوق لهما الكلام ، واقتصر على إرادة الإصلاح لأنها التي يجب أن تكون ~~المقصد لولاة الأمور والحكمين ، فواجب الحكمين أن ينظرا في أمر الزوجين ~~نظرا منبعثا عن نية الإصلاح ، فإن تيسر الإصلاح فذلك وإلا صارا إلى التفريق ~~، وقد وعدهما الله بأن يوفق بينهما إذا نويا الإصلاح ، ومعنى التوفيق ~~بينهما إرشادهما إلى مصادفة الحق والواقعع ، فإن الاتفاق أطمن لهما ms1929 في ~~حكمهما بخلاف الاختلاف ، وليس في الآية ما يدل على أن الله قصر الحكمين على ~~إرادة الإصلاح حتى يكون سندا لتأويل أبي حنيفة أن الحكمين رسولان للإصلاح ~~لا للتفريق ، لأن الله تعالى ما زاد على أن أخبر بأن نية الإصلاح تكون سببا ~~في التوفيق بينهما في حكمهما ، ولو فهم أحد غير هذا المعنى لكان متطوحا عن ~~مفاد التركيب . # وقيل : الضمير عائد على الزوجين ، وهذا تأويل من قالوا : إن الحكمين ~~يبعثهما الزوجان وكيلين عنهما ، أي إن يرد الزوجان من بعث الحكمين إصلاح ~~أمرهما يوفق الله بينهما ، بمعنى تيسير عود معاشرتهما إلى أحسن حالها . ~~وليس فيها على هذا التأويل أيضا حجة على قصر الحكمين على السعي في الجمع ~~بين الزوجين دون التفريق : لأن الشرط لم يدل إلا على أن إرادة الزوجين ~~الإصلاح تحققه ، وإرادتهما الشقاق والشغب تزيدهما ، وأين هذا من تعيين خطة ~~الحكمين في نظر الشرع . # وهذه الآية أصل في جواز التحكيم في سائر الحقوق ، ومسألة التحكيم مذكورة ~~في الفقه . # PageV05P047 # | 2 ( 36 ) { واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذى ~~القربى واليتامى والمساكين والجار ذى القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب ~~وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا } . ) 2 # عطف تشريع يختص بالمعاملة مع ذوي القربى والضعفاء ، وقدم له الأمر بعبادة ~~الله تعالى وعدمم الإشراك على وجه الإدماج ، للاهتمام بهذا الأمر وأنه أحق ~~ما يتوخاه المسلم ، تجديدا لمعنى التوحيد في نفوس المسلمين كما قدم لذلك في ~~طالع السورة بقوله : { اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة } ( النساء : 1 ~~) . والمناسبة هي ما أريد جمعه في هذه السورة من أحكام أواصر القرابة في ~~النسب والدين والمخالطة . # والخطاب للمؤمنين ، قدم الأمر بالعبادة على النهي عن الإشراك ، لأنهم قد ~~تقرر نفي الشرك بينهم وأريد منهم دوام العبادة لله ، والاستزادة منها ، ~~ونهوا عن الشرك تحذيرا مما كانوا عليه في الجاهلية . ومجموع الجملتين في ~~قوة صيغة حصر ؛ إذ مفاده : اعبدوا الله ولا تعبدوا غيره فاشتمل على معنى ~~إثبات ونفي ، كأنه قيل : لا ms1930 تعبدوا إلا الله . والعدول عن طريق القصر في ~~مثل هذا طريقة عربية جاء عليها قول السموأل ، أو عبد الملك بن عبد الرحيم ~~الحارثي : # تسيل على حد الظباتت نفوسنا # وليست على غير الظبات تسيل # وإنما يصار إليها عندما يكون الغرض الأول هو طرف الإثبات ، ثم يقصد بعد ~~ذلك نفي الحكم عما عدا المثبت له ، لأنه إذا جيء بالقصر كان المقصد الأول ~~هو نفي الحكم عما عدا المذكور وذلك غير مقتضى المقام هنا ، ولأجل ذلك لما ~~خوطب بنو إسرائيل بنظير هذه الآية خوطبوا بطريقة القصر في قوله : { وإذ ~~أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تبعدون إلا الله وبالوالدين إحسانا } ( البقرة ~~: 83 ) الآية ، لأن المقصود الأول إيقاظهم إلى إبطال عبادة غير الله ، ~~لأنهم قالوا لموسى : ( اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ) ولأنهم عبدوا العجل في ~~مدة مناجاة موسى ربه ، فأخذ عليهم الميثاق بالنهي عن عبادة غير الله . ~~PageV05P048 # وكذلك البيت فإن الغرض الأهم هو التمدح بأنهم يقتلون في الحرب ، فتزهق ~~نفوسهم بالسيوف ، ثم بدا له فأعقبه بأن ذلك شنشنة فيهم لا تتخلف ولا مبالغة ~~فيها . # و { شيئا } منصوب على المفعولية ل ( تشركوا ) أي لا تجعلوا شريكا شيئا ~~مما يعبد كقوله : { ولن نشرك بربنا أحدا } ( الجن : 2 ) ويجوز انتصابه على ~~المصدرية للتأكيد ، أي شيئا من الإشراك ولو ضعيفا كقوله : { فلن يضروك شيئا ~~} ( المائدة : 42 ) . # وقوله : { وبالوالدين إحسانا } اهتمام بشأن الوالدين إذ جعل الأمر ~~بالإحسان إليهما عقب الأمر بالعبادة ، كقوله : { أن اشكر لي ولوالديك } ( ~~لقمان : 14 ) ، وقوله : { يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ووصينا ~~الإنسان بوالديه } ( لقمان : 13 ، 14 ) ، ولذا قدم معمول ( إحسانا ) عليه ~~تقديما للاهتمام إذ لا معنى للحصر هنا لأن الإحسان مكتوب على كل شيء ، ووقع ~~المصدر موقع الفعل . وإنما عدي الإحسان بالباء لتضمينه معنى البر . وشاعت ~~تعديته بالباء في القرآن في مثل هذا . وعندي أن الإحسان إنما يعدى بالباء ~~إذا أريد به الإحسان المتعلق بمعاملة الذات وتوقيرها وإكرامها ، وهو معنى ~~البر ولذلك جاء ( وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن ) ؛ وإذا ms1931 أريد به إيصال ~~النفع المالي عدي بإلى ، تقول : أحسن إلى فلان ، إذا وصله بمال ونحوه . # { وذو القربى } صاحب القرابة ، والقربى فعلى ، اسم للقرب مصدر قرب ~~كالرجعي ، والمراد بها قرابة النسب ، كما هو الغالب في هذا المركب الإضافي ~~: وهو قولهم : ذو القربى ، وإنما أمر بالإحسان إليه استبقاء لأواصر الود ~~بين الأقارب ، إذ كان العرب في الجاهلية قد حرفوا حقوق القرابة فجعلوها سبب ~~تنافس وتحاسد وتقاتل . وأقوالهم في ذلك كثيرة في شعرهم ؛ قال ارطأة بن سهية ~~: # ونحو بنو عم على ذاك بيننا # زرابي فيها بغضة وتنافس # وحسبك ما كان بين بكر وتغلب في حرب البسوس ، وهما أقارب وأصهار ، وقد كان ~~المسلمون يومها عربا قريبي عهد بالجاهلية ؛ فلذلك حثهم على الإحسان إلى ~~القرابة . وكانوا يحسنون بالجار ، فإذا كان من قرابتهم لم يكترثوا بالإحسان ~~إليه ، وأكد ذلك بإعادة حرف الجر بعد العاطف . ومن أجل ذلك لم تؤكد بالباء ~~في حكاية وصية بني إسرائيل { وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل إلى قوله : وذي ~~القربى } ( البقرة : 83 ) لأن الإسلام أكد PageV05P049 أوامر القرابة أكثر ~~من غيره . وفي الأمر بالإحسان إلى الأقارب تنبيه على أن من سفالة الأخلاق ~~أن يستخف أحد بالقريب لأنه قريبه ، وآمن من غوائله ، ويصرف بره ووده إلى ~~الأباعد ليستكفي شرهم ، أو ليذكر في القبائل بالذكر الحسن ، فإن النفس التي ~~يطوعها الشر ، وتدينها الشدة ، لنفس لئيمة ، وكما ورد ( شر الناس من اتقاه ~~الناس لشره ) فكذلك نقول : ( شر الناس من عظم أحدا لشره ) . # وقوله : { واليتامى والمساكين } هذان صنفان ضعيفان عديما النصير ، فلذلك ~~أوصي بهما . # والجار هو النزيل بقرب منزلك ، ويطلق على النزيل بين القبيلة في جوارها ، ~~فالمراد ب { الجار ذي القربى } الجار النسيب من القبيلة ، وب { الجار الجنب ~~} الجار الغريب الذي نزل بين القوم وليس من القبيلة ، فهو جنب ، أي بعيد ، ~~مشتق من الجانب ، وهو وصف على وزن فعل ، كقولهم : ناقة أجد ، وقيل : هو ~~مصدر ، ولذلك لم يطابق موصوفه ، قال بلعاء بن قيس : # لا يجتوينا مجاور أبدا # ذو رحم أو مجاور جنب # ويشهد لهذا المعنى قول علقمة ms1932 بن عبدة في شعره الذي استشفع به عند الملك ~~الحارث ابن جبلة الغساني ، ليطلق له أخاه شاسا ، حين وقع في أسر الحارث : # فلا تحرمني نائلا عن جنابة # فإني امرؤ وسط القباب غريب # وفسر بعضهم الجار ذا القربى بقريب الدار ، والجنب بعيدها ، وهذا بعيد ، ~~لأن القربى لا تعرف في القرب المكاني ، والعرب معروفون بحفظ الجوار ~~والإحسان إلى الجار ، وأقوالهم في ذلك كثيرة ، فأكد ذلك في الإسلام لأنه من ~~محامد العرب التي جاء الإسلام لتكميلها من مكارم الأخلاق ، ومن ذلك الإحسان ~~إلى الجار . # وأكدت السنة الوصاية بالجار في أحاديث كثيرة : ففي ( البخاري ) عن عائشة ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت ~~أنه سيورثه ) . وفيه عن أبي شريح : أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج وهو ~~يقول : ( والله لا PageV05P050 يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن ) . قيل : ~~( ومن يا رسول الله ) قال : ( من لا يأمن جاره بوائقه ) وفيه عن عائشة ، ~~قلت : ( يا رسول الله إن لي جارين فإلى أيهما أهدي ) قال إلى أقربهما منك ~~بابا ) وفي ( صحيح مسلم ) : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر ( ~~إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهده جيرانك ) . واختلف في حد الجوار : فقال ~~ابن شهاب ، والأوزاعي : أربعون دارا من كل ناحية ، وروي في ذلك حديث : وليس ~~عن مالك في ذلك حد ، والظاهر أنه موكول إلى ما تعارفه الناس . # وقوله : { والصاحب بالجنب } هو المصاحب الملازم للمكان ، فمنه الضيف ، ~~ومنه الرفيق في السفر ، وكل من هو ملم بك لطلب أن تنفعه ، وقيل : أراد ~~الزوجة . # { وابن السبيل } هو الغريب المجتاز بقوم غير ناو الإقامة ، لأن من أقام ~~فهو الجار الجنب . وكلمة ( ابن ) فيه مستعملة في معنى الانتساب والاختصاص ، ~~كقولهم : أبو الليل ، وقولهم في المثل : أبوها وكيالها . والسبيل : الطريق ~~السابلة ، فابن السبيل هو الذي لازم الطريق سائرا ، أي مسافرا ، فإذا دخل ~~القبيلة فهو ليس من أبنائها ، فعرفوه بأنه ابن الطريق ، رمى به الطريق ~~إليهم ، فكأنه ولده . والوصاية به لأنه ضعيف الحيلة ، قليل النصير ، إذ ms1933 لا ~~يهتدي إلى أحوال قوم غير قومه ، وبلد غير بلده . # وكذلك { ما ملكت أيمانكم } لأن العبيد في ضعف الرق والحاجة وانقطاع سبل ~~الخلاص من سادتهم ، فلذلك كانوا أحقاء بالوصاية . # وجملة : { إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا } تذييل لجملة الأمر ~~بالإحسان إلى من سماهم بذم موانع الإحسان إليهم الغالبة على البشر . ~~والاختيال : التكبر ، افتعال مشتق من الخيلاء ، يقال : خال الرجل خولا ~~وخالا . والفخور : الشديد الفخر بما فعل ، وكلا الوصفين منشأ للغلظة ~~والجفاء ، فهما ينافيان الإحسان المأمور به ، لأن المراد الإحسان في ~~المعاملة وترك الترفع على من يظن به سبب يمنعه من الانتقام . # ومعنى نفي محبة الله تعالى نفي رضاه وتقريبه عمن هذا وصفه ، وهذا تعريض ~~بأخلاق أهل الشرك ، لما عرفوا به من الغلطة والجفاء ، فهو في معنى التحذير ~~من بقايا الأخلاق التي كانوا عليها . # PageV05P051 # | 2 ( 37 39 ) { الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون مآ ءاتاهم ~~الله من فضله وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا * والذين ينفقون أموالهم رئآء ~~الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الاخر ومن يكن الشيطان له قرينا فسآء ~~قرينا * وماذا عليهم لو ءامنوا بالله واليوم الاخر وأنفقوا مما رزقهم الله ~~وكان الله بهم عليما } . ) 2 # يجوز أن يكون استئنافا ابتدائيا ، جيء به عقب الأمر بالإحسان لمن جرى ~~ذكرهم في الجملة السابقة ، ومناسبة إرداف التحريض على الإحسان بالتحذير من ~~ضده وما يشبه ضده من كل إحسان غير صالح ؛ فقوبل الخلق الذي دعاهم الله إليه ~~بأخلاق أهل الكفر وحزب الشيطان كما دل عليه ما في خلال هذه الجملة من ذكر ~~الكافرين الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر . # فيكون قوله : { الذين يبخلون } مبتدأ ، وحذف خبره ودل عليه قوله : { ~~وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا } . وقصد العدول عن العطف : لتكون مستقلة ، ~~ولما فيه من فائدة العموم ، وفائدة الإعلام بأن هؤلاء من الكافرين . ~~فالتقدير : الذين يبخلون أعتدنا لهم عذابا مهينا وأعتدنا ذلك للكافرين ~~أمثالهم ، وتكون جملة : { والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس } معطوفة أيضا ~~على جملة { والذين يبخلون } محذوفة الخبر أيضا ، يدل عليه قوله : { ومن يكن ms1934 ~~الشيطان له قرينا } إلخ . والتقدير : والذين ينفقون أموالهم رثاء الناس ~~قرينهم الشيطان . ونكتة العدول إلى العطف مثل نكتة ما قبلها . # ويجوز أن يكون { الذين يبخلون } بدلا من ( من ) في قوله : { من كان ~~مختالا فخورا } ( النساء : 36 ) فيكون قوله : { والذين ينفقون أموالهم } ~~معطوفا على { الذين يبخلون } ، وجملة { وأعتدنا } معترضة . وهؤلاء هم ~~المشركون المتظاهرون بالكفر ، وكذلك المنافقون . # والبخل بضم الباء وسكون الخاء اسم مصدر بخل من باب فرح ، ويقال البخل ~~بفتح الباء والخاء وهو مصدره القياسي ، قرأه الجمهور بضم الباء وقرأه حمزة ~~، والكسائي ، وخلف بفتح الباء والخاء . PageV05P052 # والبخل : ضد الجود وقد مضى عند قوله تعالى : { ولا يحسبن الذين يبخلون ~~بما آتاهم الله من فضله في سورة آل عمران ( 180 ) . ومعنى ويأمرون الناس ~~بالبخل } يحضون الناس عليه ، وهذا أشد البخل ، قال أبو تمام : # وإن امر أضنت يداه على امرىء # بنيل يد من غيره لبخيل # والكتمان : الإخفاء . و { ما آتاهم الله من فضله } يحتمل أن المراد به ~~المال ، كقوله تعالى : { ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله } ~~( آل عمران : 180 ) ؛ فيكون المعنى : أنهم يبخلون ويعتذرون بأنهم لا يجدون ~~ما ينفقون منه ، ويحتمل أنه أريد به كتمان التوراة بما فيها من صفة النبي ~~صلى الله عليه وسلم فعلى الاحتمال الأول يكون المراد بالذين يبخلون : ~~المنافقين ، وعلى الثاني يكون المراد بهم : اليهود ؛ وهذا المأثور عن ابن ~~عباس . ويجوز أن تكون في المنافقين ، فقد كانوا يأمرون الناس بالبخل { هم ~~الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا } ( المنافقون : 7 ~~) . وقوله : { وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا } ، عقبه ، يؤذن بأن المراد ~~أحد هذين الفريقين . وجملة : { وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا } معترضة . # وأصل و { أعتدنا } أعددنا ، أبدلت الدال الأولى تاء ، لثقل الدالين عند ~~فك الإدغام باتصال ضمير الرفع ، وهكذا مادة أعد في كلام العرب إذا أدغموها ~~لم يبدلوا الدال بالتاء لأن الإدغام أخف ، وإذا أظهروا أبدلوا الدال تاء ، ~~ومن ذلك قولهم : عتاد لعدة السلاح ، وأعتد جمع عتاد . # ووصف العذاب بالمهين جزاء لهم على الاختيال والفخر . # وعطف { والذين ms1935 ينفقون أموالهم رئاء الناس } على { الذين يبخلون } : لأنهم ~~أنفقوا إنفاقا لا تحصل به فائدة الإنفاق غالبا ، لأن من ينفق ماله رئاء لا ~~يتوخى به مواقع الحاجة ، فقد يعطي الغني ويمنع الفقير ، وأريد بهم هنا ~~المنفقون من المنافقين المشركين ، ولذلك وصفوا بأنهم لا يؤمنون بالله ولا ~~باليوم الآخر ، وقيل : أريد بهم المشركون من أهل مكة ، وهو بعيد ، لأن أهل ~~مكة قد انقطع الجدال معهم بعد الهجرة . # وجملة : { ومن يكن الشيطان له قرينا } معترضة . PageV05P053 # وقوله : { فساء قرينا } جواب الشرط . والضمير المستتر في ( ساء ) إن كان ~~عائدا إلى الشيطان ف ( ساء ) بمعنى بئس ، والضمير فاعلها ، و { قرينا } ~~تمييز للضمير ، مثل قوله تعالى : { ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا } ( ~~الأعراف : 177 ) ، أي : فساء قرينا له ، ليحصل الربط بين الشرط وجوابه ، ~~ويجوز أن تبقى ( ساء ) على أصلها ضد حسن ، وترفع ضميرا عائدا على ( من ) ~~ويكون ( قرينا ) تمييز نسبة ، كقولهم : ( ساء سمعا فساء جابة ) أي فساء من ~~كان الشيطان قرينه من جهة القرين ، والمقصود على كلا الاحتمالين سوء حال من ~~كان الشيطان له قرينا بإثبات سوء قرينه ؛ إذ المرء يعرف بقرينه ، كما قال ~~عدي بن زيد : # فكل قرينن بالمقارن يقتدي # وقوله : { وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر } عطف على الجملتين ، ~~وضمير الجمع عائد إلى الفريقين ، والمقصود استنزال طائرهم ، وإقامة الحجة ~~عليهم . # { وماذا } استفهام ، وهو هنا إنكاري توبيخي . و ( ذا ) إشارة إلى ( ما ) ~~، والأصل لا يجيء بعد ( ذا ) اسم موصول نحو { من ذا الذي يشفع عنده } ( ~~البقرة : 255 ) . وكثر في كلام العرب حذفه وإبقاء صلته لكثرة الاستعمال ، ~~فقال النحاة : نابت { ذا } مناب الموصول ، فعدوها في الموصولات وما هي منها ~~في قبيل ولا دبير ، ولكنها مؤذنة بها في بعض المواضع . { وعلى } ظرف مستقر ~~هو صلة الموصول ، فهو مؤول بكون . و { على } للاستعلاء المجازي بمعنى ~~الكلفة والمشقة ، كقولهم : عليك أن تفعل كذا . و { لو آمنوا } شرط حذف ~~جوابه لدلالة ما قبله عليه ، وقد قدم دليل الجواب اهتماما بالاستفهام ، ~~كقول قتيلة بنت الحارث : # ما كان ضرك لو مننت وربما ms1936 # من الفتى وهو المغيظ المحنق # ومن هذا الاستعمال تولد معنى المصدرية في لو الشرطية ، فأثبته بعض النحاة ~~في معاني لو ، وليس بمعنى لو في التحقيق ، ولكنه ينشأ من الاستعمال . ~~وتقدير الكلام : لو آمنوا ماذا الذي كان يتعبهم ويثقلهم ، أي لكان خفيفا ~~عليهم ونافعا لهم ، وهذا من الجدل بإراءة الحالة المتروكة أنفع ومحمودة . # ثم إذا ظهر أن التفريط في أخف الحالين وأسدهما أمر نكر ، ظهر أن المفرط ~~في ذلك ملوم ، إذ لم يأخذ لنفسه بأرشد الخلتين ، فالكلام مستعمل في التوبيخ ~~استعمالا PageV05P054 كنائيا بواسطتين . والملام متوجه للفريقين : الذين ~~يبخلون ؛ والذين ينفقون رئاء ، لقوله : { لو آمنوا بالله واليوم الآخر ~~وأنفقوا مما رزقهم الله } على عكس ترتيب الكلام السابق . # وجملة : { وكان الله بهم عليما } معترضة في آخر الكلام ، وهي تعريض ~~بالتهديد والجزاء على سوء أعمالهم . # # | 2 ( 40 ) { إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من ~~لدنه أجرا عظيما } . ) 2 # استئناف بعد أن وصف حالهم ، وأقام الحجة عليهم ، وأراهم تفريطهم مع سهولة ~~أخذهم بالحيطة لأنفسهم لو شاءوا ، بين أن الله منزه عن الظلم القليل ، بله ~~الظلم الشديد ، فالكلام تعريض بوعيد محذوف هو من جنس العقاب ، وأنه في حقهم ~~عدل ، لأنهم استحقوه بكفرهم ، وقد دلت على ذلك المقدر أيضا مقابلته بقوله : ~~{ وإن تك حسنة } ولما كان المنفي الظلم ، على أن ( مثقال ذرة ) تقدير لأقل ~~ظلم ، فدل على أن المراد أن الله لا يؤاخذ المسيء بأكثر من جزاء سيئته . # وانتصب { مثقال ذرة } بالنيابة عن المفعول المطلق ، أي لا يظلم ظلما ~~مقدرا بمثقال ذرة ، والمثقال ما يظهر به الثقل ، فلذلك صيغ على وزن اسم ~~الآلة ، والمراد به المقدار . # والذرة تطلق على بيضة النملة ، وعلى ما يتطاير من التراب عند النفخ ، ~~وهذا أحقر ما يقدر به ، فعلم انتفاء ما هو أكثر منه بالأولى . وقرأ نافع ~~وابن كثير وأبو جعفر { حسنة } بالرفع على أن ( تك ) مضارع كان التامة ، أي ~~إن توجد حسنة . وقرأه الجمهور بنصب { حسنة } على الخبرية ل { تك } على ~~اعتبار كان ناقصة ، واسم كان ms1937 المستتر عائد إلى مثقال ذرة ، وجيء بفعل الكون ~~بصيغة فعل المؤنث مراعاة لفظ ذرة الذي أضيف إليه مثقال ، لأن لفظ مثقال ~~مبهم لا يميزه إلا لفظ ذرة فكان كالمستغنى عنه . PageV05P055 # والمضاعفة إضافة الضعف بكسر الصاد أي المثل ، يقال : ضاعف وضعف وأضعف ، ~~وهي بمعنى واحد على التحقيق عند أيمة اللغة ، مثل أبي علي الفارسي . وقال ~~أبو عبيدة ضاعف يقتضي أكثر من ضعفف واحد وضعف يقتضي ضعفين . ورد بقوله ~~تعالى : { يضاعف لها العذاب ضعفين } ( الأحزاب : 30 ) . وأما دلالة إحدى ~~الصيغ الثلاث على مقدار التضعيف فيؤخذ من القرائن لحكمة الصيغة . وقرأ ~~الجمهور : { يضاعفها } ، وقرأه ابن كثير ، وابن عامر ، وأبو جعفر : { ~~يضعفها } بدون ألف بعد العين وبتشديد العين . # والأجر العظيم ما يزاد على الضعف ، ولذلك أضافه الله تعالى إلى ضمير ~~الجلالة ، فقال : { من لدنه } إضافة تشريف . وسماه أجرا لكونه جزاء على ~~العمل الصالح ، وقد روي أن هذا نزل في ثواب الهجرة . # $ 2 ( 41 ، 42 ) { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هاؤلا & # 1764 ء شهيدا * يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الارض ~~ولا يكتمون الله حديثا } . ) 2 $ # الفاء يجوز أن تكون فاء فصيحة تدل على شرط مقدر نشأ عن الوعيد في قوله : ~~{ وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا } ( النساء : 37 ) وقوله : { فساء قربنا } ~~( النساء : 38 ) ؛ وعن التوبيخ في قوله : { وماذا عليهم } ( النساء : 39 ) ~~وعن الوعد في قوله : { إن الله لا يظلم مثقال ذرة } ( النساء : 40 ) الآية ~~، والتقدير : إذا أيقنت بذلك فكيف حال كل أولئك إذا جاء الشهداء وظهر موجب ~~الشهادة على العمل الصالح وعلى العمل السيىء ، وعلى هذا فليس ضمير ( بك ) ~~إضمارا في مقام الإظهار ، ويجوز أن تكون الفاء للتفريع على قوله : { إن ~~الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها } ( النساء : 40 ) ، أي يتفرع ~~عن ذلك سؤال عن حال الناس إذا جئنا من كل أمة بشهيد ؛ فالناس بين مستبشر ~~ومتحسر ، وعلى هذا فضمير { بك } واقع موقع الاسم الظاهر لأن مقتضى هذا أن ~~يكون الكلام مسوقا لجميع الأمة ، فيقتضي ms1938 أن يقال : وجئنا بالرسول عليهم ~~شهيدا ، فعدل إلى الخطاب تشريفا للرسول صلى الله عليه وسلم بعز الحضور ~~والإقبال عليه . PageV05P056 # والحالة التي دل عليها الاستفهام المستعمل في التعجيب تؤذن بحالة مهولة ~~للمشركين وتنادي على حيرتهم ومحاولتهم التملص من العقاب بسلوك طريق إنكار ~~أن يكونوا أنذروا مما دل عليه مجيء شهيد عليهم ، ولذلك حذف المبتدأ ~~المستفهم عنه ويقدر بنحو : كيف أولئك ، أو كيف المشهد ، ولا يقدر بكيف ~~حالهم خاصة ، إذ هي أحوال كثيرة ما منها إلا يزيده حال ضده وضوحا ، فالناجي ~~يزداد سرورا بمشاهدة حال ضده ، والموبق يزداد تحسرا بمشاهدة حال ضده ، ~~والكل يقوى يقينه بما حصل له بشهادة الصادقين له أو عليه ، ولذلك لما ذكر ~~الشهيد لم يذكر معه متعلقه بعلى أو اللام : ليعم الأمرين . والاستفهام ~~مستعمل في لازم معناه من التعجيب ، وقد تقدم نظيره عند قوله تعالى : { فكيف ~~إذا جمعناهم في سورة آل عمران ( 25 ) . # ( وإذا ) ظرف للمستقبل مضاف إلى جملة جئنا } أي زمان إتياننا بشهيد . ~~ومضمون الجملة معلوم من آيات أخرى تقدم نزولها مثل آية سورة النحل ( 89 ) { ~~ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء فلذلك ~~صلحت لأن يتعرف اسم الزمان بإضافته إلى تلك الجملة ، والظرف معمول ل ( كيف ~~) لما فيها من معنى الفعل وهو معنى التعجيب ، كما انتصب بمعنى التلهف في ~~قول أبي الطمحان : # وقبل غد يا لهف قلبي من غد # إذا راح أصحابي ولست برائح # والمجروران في قوله : من كل أمة } وقوله : { بشهيد } يتعلقان ب ( جئنا ) ~~. وقد تقدم الكلام مختصرا على نظيره في قوله تعالى : { فكيف إذا جمعناهم ~~ليوم لا ريب فيه } ( آل عمران : 25 ) . # وشهيد كل أمة هو رسولها ، بقرينة قوله : { وجئنا بك على هؤلاء شهيدا } . # و { هؤلاء } إشارة إلى الذين دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم لحضورهم في ~~ذهن السامع عند سماعه اسم الإشارة ، وأصل الإشارة يكون إلى مشاهد في الوجود ~~أو منزل منزلته ، وقد اصطلح القرآن على إطلاق إشارة ( هؤلاء ) مرادا بها ~~المشركون ، وهذا معنى ألهمنا إليه ms1939 ، استقريناه فكان مطابقا . ويجوز أن تكون ~~الإشارة إلى { الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل } ( النساء : 37 ) وهم ~~المشركون والمنافقون ، لأن تقدم ذكرهم يجعلهم كالحاضرين فيشار إليهم ، ~~لأنهم لكثرة توبيخهم ومجادلتهم صاروا كالمعينين عند PageV05P057 المسلمين . ~~ومن أضعف الاحتمالات أن يكون { هؤلاء } إشارة إلى الشهداء ، الدال عليهم ~~قوله : { كل أمة بشهيد } وأن ورد في ( الصحيح ) حديث يناسبه في شهادة نوح ~~على قومه وأنهم يكذبونه فيشهد محمد صلى الله عليه وسلم بصدقه ، إذ ليس يلزم ~~أن يكون ذلك المقصود من هذه الآية . # وذكر متعلق ( شهيدا ) الثاني مجرورا بعلى لتهديد الكافرين بأن الشهادة ~~تكون عليهم ، لأنهم المقصود من اسم الإشارة . # وفي ( صحيح البخاري ) : أن عبد الله بن مسعود قال : قال لي النبي صلى ~~الله عليه وسلم ( اقرأ علي القرآن ، قلت : أقرأه عليك وعليك أنزل ، قال : ~~إني أحب أن أسمعه من غيري ) فقرأت عليه سورة النساء ، حتى إذا بلغت { فكيف ~~إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا } ، قال : { أمسك } ~~فإذا عيناه تذرفان . وكما قلت : إنه أوجز في التعبير عن تلك الحال في لفظ ~~كيف فكذلك أقول هنا : لا فعل أجمع دلالة على مجموع الشعور عند هذه الحالة ~~من بكاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه دلالة على شعور مجتمعع فيه ~~دلائل عظيمة : وهي المسرة بتشريف الله إياه في ذلك المشهد العظيم ، وتصديقق ~~المؤمنين إياه في التبليغ ، ورؤية الخيرات التي أنجزت لهم بواسطته ، ~~والأسفف على ما لحق بقية أمته من العذاب على تكذيبه ، ومشاهدة ندمهم على ~~معصيته ، والبكاء ترجمان رحمة ومسرة وأسف وبهجة . # وقوله : { يومئذ يود الذين كفروا } الآية استئناف بياني ، لأن السامع ~~يتساءل عن الحالة المبهمة المدلولة لقوله : { كيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد ~~} ويتطلب بيانها ، فجاءت هذه الجملة مبينة لبعض تلك الحالة العجيبة ، وهو ~~حال الذين كفروا حين يرون بوارق الشر : من شهادة شهداء الأمم على مؤمنهم ~~وكافرهم ، ويوقنون بأن المشهود عليهم بالكفر مأخوذون إلى العذاب ، فينالهم ~~من الخوف ما يودون منه لو تسوى بهم الأرض # وجملة { لو تسوى ms1940 بهم الأرض } بيان لجملة يود أي يودون ودا يبينه قوله : { ~~لو تسوى بهم الأرض } ، ولكون مضمونها أفاد معنى الشيء المودود صارت الجملة ~~الشرطية بمنزلة مفعول ( يود ) ، فصار فعلها بمنزلة المصدر ، وصارت لو ~~بمنزلة حرف المصدر ، وقد تقدم بيانه عند قوله تعالى : { يود أحدهم لو يعمر ~~ألف سنة في سورة البقرة ( 96 ) . PageV05P058 # وقوله : تسوى } قرأه نافع ، وابن عامر ، وأبو جعفر بفتح التاء وتشديد ~~السين فهو مضارع تسوى الذي هو مطاوع سواه إذا جعله سواء لشيء آخر ؛ أي ~~مماثلا ، لأن السواء المثل فأدغمت إحدى التاءين في السين ؛ وقرأه حمزة ، ~~والكسائي ، وخلف بفتح التاء وتخفيف السين على معنى القراءة السابقة لكن ~~بحذف إحدى التاءين للتخفيف ؛ وقرأه ابن كثير ، وابن عامر ، وأبو عمرو ، ~~ويعقوب { تسوى } بضم التاء وتخفيف السين مبنيا للمجهول ، أي تماثل . ~~والمماثلة المستفادة من التسوية تحتمل أن تكون مماثلة في الذات ، فيكون ~~المعنى أنهم يصيرون ترابا مثل الأرض لظهور أن لا يقصد أن تصير الأرض ناسا ، ~~فيكون المعنى على هذا هو معنى قوله تعالى : { ويقول الكافر يا ليتني كنت ~~ترابا } ( النبأ : 40 ) . وهذا تفسير الجمهور ، وعلى هذا فالكلام إطناب ، ~~قصد من إطنابه سلوك طريقة الكناية عن صيرورتهم ترابا بالكناية المطلوب بها ~~نسبة ، كقولهم : المجد بين ثوبيه ، وقول زياد الأعجم : # إن السماحة والمروءة والندى # في قبة ضربت على ابن الحشرج # أي أنه سمح ذو مروءة كريم ؛ ويحتمل أن تكون مماثلة في المقدار ، فقيل : ~~يودون أنهم لم يبعثوا وبقوا مستوين مع الأرض في بطنها ، وقيل : يودون أن ~~يدفنوا حينئذ كما كانوا قبل البعث . # والأظهر عندي : أن المعنى التسوية في البروز والظهور ، أي أن ترتفع الأرض ~~فتسوى في الارتفاع بأجسادهم ، فلا يظهروا ، وذلك كناية عن شدة خوفهم وذلهم ~~، فينقبضون ويتضاءلون حتى يودوا أن يصيروا غير ظاهرين على الأرض ، كما وصف ~~أحد الأعراب يهجو قوما من طيء أنشده المبرد في الكامل : # إذا ما قيل أيهم لأي # تشابهت المناكب والرؤوس # وهذا أحسن في معنى الآية وأنسب بالكناية . # وجملة { ولا يكتمون الله حديثا } يجوز أن تكون مستأنفة والواو ms1941 عاطفة لها ~~على جملة { يود } ؛ ويجوز أن تكون حالية ، أي يودون لو تسوى بهم الأرض في ~~حال عدم كتمانهم ، فكأنهم لما رأوا استشهاد الرسل ، ورأوا جزاء المشهود ~~عليهم من الأمم PageV05P059 السالفة ، ورأوا عاقبة كذب المرسل إليهم حتى ~~احتيج إلى إشهاد رسلهم ، علموا أن النوبة مفضية إليهم ، وخامرهم أن يكتموا ~~الله أمرهم إذا سألهم الله ، ولم تساعدهم نفوسهم على الاعتراف بالصدق ، لما ~~رأوا من عواقب ثبوت الكفر ، من شدة هلعهم ، فوقعوا بين المقتضي والمانع ، ~~فتمنوا أن يخفوا ولا يظهروا حتى لا يسألوا فلا يضطروا إلى الاعتراف الموبق ~~ولا إلى الكتمان المهلك . # # | 2 ( 43 ) { ياأيها الذين ءامنوا لا تقربوا الصلواة وأنتم سكارى حتى ~~تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابرى سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو ~~على سفر أو جآء أحد منكم من الغآئط أو لامستم النسآء فلم تجدوا مآء فتيمموا ~~صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا } . ) 2 # هذه الآية استئناف لبيان حكمين يتعلقان بالصلاة ، دعا إلى نزولها عقب ~~الآيات الماضية أنه آن الأوان لتشريع هذا الحكم في الخمر حينئذ ، وإلى قرنه ~~بحكم مقرر يتعلق بالصلاة أيضا . ويظهر أن سبب نزولها طرأ في أثناء نزول ~~الآيات التي قبلها والتي بعدها ، فوقعت في موقعع وقت نزولها وجاءت ~~كالمعترضة بين تلك الآيات . تضمنت حكما أول يتعلق بالصلاة ابتداء ، وهو ~~مقصود في ذاته أيضا بحسب الغاية ، وهو قوله : { لا تقربوا الصلاة وأنتم ~~سكارى } ، ذلك أن الخمر كانت حلالا لم يحرمها الله تعالى ، فبقيت على ~~الإباحة الأصلية ، وفي المسلمين من يشربها . ونزل قوله تعالى : { يسألونك ~~عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس } ( البقرة : 219 ) في ~~أول مدة الهجرة فقال فريق من المسلمين : نحن نشربها لمنافعها لا لإثمها ، ~~وقد علموا أن المراد من الإثم الحرج والمضرة والمفسدة ، وتلك الآية كانت ~~إيذانا لهم بأن الخمر يوشك أن تكون حراما لأن ما يشتمل على الإثم متصف بوصف ~~مناسب للتحريم ، ولكن الله أبقى إباحتها رحمة لهم في معتادهم ، مع تهيئة ~~النفوس إلى قبول ms1942 تحريمها ، فحدث بعد ثلاث سنين ما رواه الترمذي عن علي بن ~~أبي طالب قال : صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاما فدعانا وسقانا خمرا وحضرت ~~الصلاة فقدموني فقرأت : قل يأيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ونحن نعبد ما ~~تعبدون ، فأنزل الله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم ~~سكارى } . قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح . PageV05P060 # والقرب هنا مستعمل في معناه المجازي وهو التلبس بالفعل ، لأن ( قرب ) ~~حقيقة في الدنو من المكان أو الذات يقال : قرب منه بضم الراء وقربه بكسر ~~الراء وهما بمعنى ، ومن الناس من زعم أن مكسور الراء للقرب المجازي خاصة ، ~~ولا يصح . # وإنما اختير هذا الفعل دون لا تصلوا ونحوه للإشارة إلى أن تلك حالة ~~منافية للصلاة ، وصاحبها جدير بالابتعاد عن أفضل عمل في الإسلام ، ومن هنا ~~كانت مؤذنة بتغير شأن الخمر ، والتنفير منها ، لأن المخاطبين يومئذ هم أكمل ~~الناس إيمانا وأعلقهم بالصلاة ، فلا يرمقون شيئا يمنعهم من الصلاة إلا بعين ~~الاحتقار . ومن المفسرين من تأول الصلاة هنا بالمسجد من إطلاق اسم الحال ~~على المحل كما في قوله تعالى : { وصلوات ومساجد } ( الحج : 40 ) ، ونقل عن ~~ابن عباس ، وابن مسعود ، والحسن قالوا : كان جماعة من الصحابة يشربون الخمر ~~ثم يأتون المسجد للصلاة مع رسول الله فنهاهم الله عن ذلك ولا يخفى بعده ~~ومخالفته لمشهور الآثار . # وقوله : { حتى تعلموا ما تقولون } غاية للنهي وإيماء إلى علته ، واكتفى ~~بقوله ( تقولون ) عن { تفعلون } لظهور أن ذلك الحد من السكر قد يفضي إلى ~~اختلال أعمال الصلاة ، إذ العمل يسرع إليه الاختلال باختلال العقل قبل ~~اختلال القول . وفي الآية إيذان بأن السكر الخفيف لا يمنع الصلاة يومئذ ؛ ~~أو أريد من الغاية أنها حالة انتهاء السكر فتبقى بعدها النشوة . وسكارى جمع ~~سكران ، والسكران من أخذ عقله في الانغلاق ، مشتق من السكر ، وهو الغلق ، ~~ومنه سكر الحوض وسكر الباب { وسكرت أبصارنا } ( الحجر : 15 ) . # ولما نزلت هذه الآية اجتنب المسلمون شرب الخمر في أوقات الصلوات فكانوا ~~لا يشربون إلا بعد صلاة العشاء وبعد ms1943 صلاة الصبح ، لبعد ما بين هاتين ~~الصلاتين وبين ما تليانهما ، ثم أكمل مع تحريم قربان الصلاة في حالة السكر ~~تحريم قربانها بدون طهارة . PageV05P061 # عطف على جملة { وأنتم سكارى } لأنا في محل الحال ، وهذا النصب بعد العطف ~~دليل بين على أن جملة الحال معتبرة في محل نصب . # والجنب فعل ، قيل : مصدر ، وقيل : وصف مثل أجد ، وقد تقدم الكلام فيه ~~آنفا عند قوله : { والجار الجنب } ( النساء : 36 ) ، والمراد به المباعد ~~للعبادة من الصلاة إذا قارف امرأته حتى يغتسل . # ووصف جنب وصف بالمصدر فلذلك لم يجمع إذ أخبر به عن جمع ، من قوله : { ~~وأنتم سكارى } . وإطلاق الجنابة على هذا المعنى من عهد الجاهلية ، فإن ~~الاغتسال من الجنابة كان معروفا عندهم ، ولعله من بقايا الحنيفية ، أو مما ~~أخذوه عن اليهود ، فقد جاء الأمر بغسل الجنابة في ( الاصحاح ) 15 من سفر ~~اللاويين من التوراة . وذكر ابن إسحاق في ( السيرة ) أن أبا سفيان ، لما ~~رجع مهزوما من بدر ، حلف أن لا يمس رأسه غسل من جنابة حتى يغزو محمدا . ولم ~~أقف على شيء من كلام العرب يدل على ذكر غسل الجنابة . # والمعنى لا تصلوا في حال الجنابة حتى تغتسلوا إلخ . والمقصود من قوله : { ~~ولا جنبا } التمهيد للتخلص إلى شرع التيمم ، فإن حكم غسل الجنابة مقرر من ~~قبل ، فذكره هنا إدماج . والتيمم شرع في غزوة المريسيع على الصحيح ، وكانت ~~سنة ست أو سنة خمسس على الأصح . وظاهر حديث مالك عن عائشة أن الآية التي ~~نزلت في غزوة المريسيع هي آية التيمم ، فيظهر أن تكون هذه الآية التي في ~~سورة النساء لأنها لم يذكر منها إلا التيمم . ووقع في حديث عمرو عن عائشة ~~أن الآية التي نزلت هي قوله : { يأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ~~التي في سورة المائدة ( 6 ) ، أخرجه البخاري وقد جزم PageV05P062 القرطبي ~~بأن الآية التي نزلت في غزوة المريسيع هي آية سورة النساء ، قال : لأن آية ~~سورة المائدة تسمى آية الوضوء . وكذلك الواحدي أورد في أسباب النزول حديث ~~عائشة في سبب نزول آية سورة ms1944 النساء . وقال ابن العربي هذه معضلة ما وجدت ~~لدائها من دواء لا نعلم أي الآيتين عنت عائشة . وسورة المائدة قيل : نزلت ~~قبل سورة النساء ، وقيل بعدها ، والخطب سهل ، والأصح أن سورة النساء نزلت ~~قبل سورة المائدة . # والاستثناء في قوله : إلا عابري سبيل } استثناء من عموم الأحوال المستفاد ~~من وقوع ( جنبا ) ، وهو حال نكرة ، في سياق النفي . وعابر السبيل ، في كلام ~~العرب : المسافر حين سيره في سفره ، مشتق من العبر وهو القطع والاجتياز ، ~~يقال : عبر النهر وعبر الطريق . ومن العلماء من فسر { عابري سبيل } بمارين ~~في طريق ، وقال : المراد منه طريق المسجد ، بناء على تفسير الصلاة في قوله ~~: { لا تقربوا الصلاة } بالمسجد ، وجعلوا الآية رخصة في مرور الجنب في ~~المسجد إذا كان قصده المرور لا المكث ، قاله الذين تأولوا الصلاة بالمسجد . ~~ونسب أيضا إلى أنس بن مالك ، وأبي عبيدة ، وابن المسيب ، والضحاك ، وعطاء ، ~~ومجاهد ، ومسروق ، والنخعي ، وزيد بن أسلم ، وعمرو بن دينار ، وعكرمة ، ~~وابن شهاب ، وقتادة ، قالوا : كان ذلك أيام كان لكثير من المهاجرين ~~والأنصار أبواب دور في المسجد ، ثم نسخ ذلك بعد سد الأبواب كلها إلا خوخة ~~أبي بكر ، فكان المرور كذلك رخصة للنبيء صلى الله عليه وسلم ولأبي بكر ، ~~وفي رواية ولعلي ، وقيل : أبقيت خوخة بنت علي في المسجد ، ولم يصح . # وفائدة هذا الاستثناء عند من فسر { تقربوا الصلاة } بدخول المسجد ، وفسر ~~{ عابري سبيل } بالمارين في المسجد ظاهرة ، وهو استثناء حقيقي من عموم ~~أحوال الجنب باستثناء عابري السبيل . وعابر السبيل المأخوذ من الاستثناء ~~مطلق ، وهو عند أصحاب هذا المحمل باق على إطلاقه لا تقييد فيه ، وأما عند ~~الجمهور الذين حملوا الآية على ظاهرها في معنى تقربوا الصلاة ، وفي معنى ~~عابري السبيل فلا تظهر له فائدة ، للاستغناء عنه بقوله بعده { أو على سفر } ~~ولأن في عموم الحصر تخصيصا ، فالذي يظهر لي أنه إنما قدم هنا لأنه غالب ~~الأحوال التي تحول بين المرء وبين الاغتسال من جهة حاجة المسافر استبقاء ~~الماء . ولندور عروض المرض . والاستثناء على محمل الجمهور يحتمل أن يكون ms1945 ~~متصلا عند PageV05P063 من يرى المتيمم جنبا ، ويرى التيمم غير رافع للحدث ، ~~ولكنه مبيح للصلاة للضرورة في الوقت ، وهذا قول الشافعي ، فهو عنده بدل ~~ضروري يقدر بقدر الضرورة ، ودليله ظاهر الاستثناء ، ويحتمل أن يكون منقطعا ~~عند من يرى المتيمم غير جنب ، ويرى التيمم رافعا للحدث حتى ينتقض بناقض ~~ويزول سببه . وهذا قول أبي حنيفة ، فلذلك إذا تيمم الجنب وصلى وصار منه حدث ~~ناقض للوضوء يتوضأ لأن تيممه بدل عن الغسل مطلقا ، وهذا هو الظاهر بحسب ~~المعنى وليس في السنة ما يقتضي خلافه . وعن مالك في ذلك قولان : فالمشهور ~~من رواية ابن القاسم أن التيمم مبيح للصلاة وليس رافعا للحدث ، فلذلك لا ~~يصلي المتيمم به إلا فرضا واحدا ، ولو تيمم لجنابة لعذر يمنع من الغسل ~~وانتقض وضوءه تيمم عن الوضوء . وعن مالك ، في رواية البغداديين : أن المريض ~~الذي لا يقدر على مس الماء يتيمم ويصلي أكثر من صلاة ، حتى ينتقض تيممه ~~بناقض الوضوء ، وكذلك فيمن ذكر فوائت يصليها بتيمم واحد ، فعلى هذا ليس ~~تجديد التيمم لغيرهما إلا لأنه لا يدري لعله يجد الماء فكانت نية التيمم ~~غير جازمة في بقائه ، ولم ينقل عن مالك قول بأن المتيمم للجنابة بعذر مانع ~~من الغسل إذا انتقض وضوءه يتوضأ . # وفي مفهوم هذا الاستثناء ، عند القائلين بالمفاهيم من الجمهور ، على هذا ~~المحمل تفصيل . فعابر السبيل مطلق قيده قوله : { فلم تجوا ماء فتيمموا } ~~وبقي عموم قوله { ولا جنبا } في غير عابر السبيل ، لأن العام المخصوص يبقى ~~عاما فيما عدا ما خصص ، فخصصه الشرط تخصيصا ثانيا في قوله : { وإن كنتم ~~مرضى } . ثم إن كان قد تقرر عند المسلمين أن الصلاة تقع بدون طهارة يبق ~~قوله : { إلا عابري سبيل } مجملا لأنهم يترقبون بيان الحكم في قربان الصلاة ~~على غير طهارة للمسافر ، فيكون في قوله : { وإن كنتم مرضى أو على سفر } ~~بيان لهذا الإجمال ، وإن كان ذلك لم يخطر ببالهم فلا إجمال ، ويكون قوله : ~~{ وإن كنتم مرضى أو على سفر } استئنافا لأحكام التيمم . # وتقديم المستثنى في قوله : { إلا عابري سبيل ms1946 } قبل تمام الكلام المقصود ~~قصره بقوله : { حتى تغتسلوا } للاهتمام وهو جار على استعمال قليل ، كقول ~~موسى بن جابر الحنفي أموي : PageV05P064 # لا أشتهي يا قوم إلا كارها # باب الأمير ولا دفاع الحاجب # وقوله : { حتى تغتسلوا } غاية للنهي عن الصلاة إذا كانوا جنبا ، فهو ~~تشريع للغسل من الجنابة وإيجاب له ، لأن وجوب الصلاة لا يسقط بحال ، فلما ~~نهوا عن اقترابها بدون الغسل علم من ذلك فرض الغسل . والحكمة في مشروعية ~~الغسل النظافة ، ونيط ذلك بأداء الصلاة ليكون المصلي في حالة كمال الجسد ، ~~كما كان حينئذ في حال كمال الباطن بالمناجاة والخضوع . ومن أبدع الحكم ~~الشرعية أنها لم تنط وجوب التنظف بحال الوسخ لأن مقدار الحال من الوسخ الذي ~~يستدعي الاغتسال والتنظف مما تختلف فيه مدارك البشر في عوائدهم وأحوالهم ، ~~فنيط وجوب الغسل بحالة لا تنفك عن القوة البشرية في مدة متعارف أعمار البشر ~~، وهي حالة دفع فواضل القوة البشرية ، وحيث كان بين تلك الحالة وبين شدة ~~القوة تناسب تام ، إذ بمقدار القوة تندفع فضلاتها ، وكان أيضا بين شدة ~~القوة وبين ظهور الفضلات على ظاهر البدن المعبر عنها بالوسخ تناسب تام ، ~~كان نوط الاغتسال بالجنابة إناطة بوصف ظاهر منضبط فجعل هو العلة أو السبب ، ~~وكان مع ذلك محصلا للمناسبة المقتضية للتشريع ، وهي إزالة الأوساخ عند ~~بلوغها مقدارا يناسب أن يزال مع جعل ذلك مرتبطا بأعظم عبادة وهي الصلاة ، ~~فصارت الطهارة عبادة كذلك ، وكذلك القول في مشروعية الوضوء ، على أن في ~~الاغتسال من الجنابة حكمة أخرى ، وهي تجديد نشاط المجموع العصبي الذي ~~يعتريه فتور باستفراغ القوة المأخوذة من زبد الدم ، حسبما تفطن لذلك ~~الأطباء فقضيت بهذا الانضباط حكم عظيمة . # ودل إسناد الاغتسال إلى الذوات في قوله : { حتى تغتسلوا } على أن ~~الاغتسال هو إحاطة البدن بالماء ، وهذا متفق عليه ، واختلف في وجوب الدلك ~~أي إمرار اليد على أجزاء البدن : فشرطه مالك رحمه الله بناء على أنه ~~المعروف من معنى الغسل في ( لسان العرب ) ، ولأن الوضوء لا يجزىء بدون ذلك ~~باتفاق ، فكذلك الغسل . # وقال جمهور العلماء ms1947 : يجزىء في الغسل إحاطة البدن بالماء بالصب أو ~~الانغماس ؛ واحتجوا بحديث ميمونة وعائشة رضي الله عنهما في غسل النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه أفاض الماء على جسده ، ولا حجة فيه لأنهما لم تذكرا أنه ~~لم يتدلك ، PageV05P065 ولكنهما سكتتا عنه ، فيجوز أن يكون سكوتهما لعلمهما ~~بأنه المتبادر ، وهذا أيضا رواية عن مالك رواها عنه أبو الفرج ، ومروان بن ~~محمد الطاطري ، وهي ضعيفة . # وقوله : { وإن كنتم مرضى } إلخ ذكر حالة الرخصة في ترك الاغتسال وترك ~~الوضوء الذي لم يذكر في هذه السورة ، وذكر في سورة المائدة ، وهي نازلة قبل ~~هذه السورة . فالمقصود بيان حكم التيمم بحذافره . وفي جمع هذه الأشياء في ~~نسق حصل هذا المقصود ، وحصل أيضا تخصيص لعموم قوله : { ولا جنبا } كما تقدم ~~. # وقوله : { أو على سفر } بيان للإجمال الواقع في قوله : { إلا عابرب سبيل ~~} إن كان فيه إجمال ، وإلا فهو استئناف حكم جديد كما تقدم . # وقوله : { أو جاء أحد منكم من الغائط } زيادة على حكم التيمم الواقع بدلا ~~من الغسل ، بذكر التيمم الواقع بدلا عن الوضوء إيعابا لنوعي التيمم . وغير ~~ذلك من أسبابه يؤخذ بالقياس على المذكور . فالمريض أريد به الذي اختل نظام ~~صحته بحيث صار الاغتسال يضره أو يزيد علته . { أو جاء . . . من الغائط } ~~كناية عن قضاء الحاجة البشرية ، شاع في كلامهم التكني بذلك لبشاعة الصريح . # والغائط : المنخفض من الأرض ، وما غاب عن البصر ، يقال : غاط في الأرض ~~إذا غاب يغوط ، فهمزته منقلبة عن الواو ، وكانت العرب يذهبون عند قضاء ~~الحاجة إلى مكان منخفض من جهة الحي بعيد عن بيوت سكناهم ، فيكنون عنه : ~~يقولون ذهب إلى الغائط أو تغوط ، فكانت كناية لطيفة ثم استعملها الناس بعد ~~ذلك كثيرا حتى ساوت الحقيقة فسمجت ، فصار الفقهاء يطلقونه على نفس الحدث ~~ويعلقونه بأفعال تناسب ذلك . # وقوله : { أو لامستم النساء } قرىء ( لامستم ) بصيغة المفاعلة ، وقرىء ( ~~لمستم ) بصيغة الفعل كما سيأتي ، وهما بمعنى واحد على التحقيق . ومن حاول ~~التفصيل لم يأت بما فيه تحصيل . وأصل اللمس المباشرة باليد أو بشيء من ~~الجسد ، وقد ms1948 أطلق مجازا وكناية على الافتقاد ، قال تعالى : { وأنا لمسنا ~~السماء } ( الجن : 8 ) وعلى النزول ، قال النابغة : # ليلتمسن بالجيش دار المحارب PageV05P066 # وعلى قربان النساء ، لأنه مرادف المس ، ومنه قولهم : ( فلانة لا ترد يد ~~لامس ) ، ونظيره { وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن } ( البقرة : 237 ) . ~~والملامسة هنا يحتمل أن يكون المراد منها ظاهرها ، وهو الملامسة بمباشرة ~~اليد أو بعضض الجسد جسد المرأة ، فيكون ذكر سببا ثانيا من أسباب الوضوء ~~التي توجب التيمم عند فقد الماء ، وبذلك فسره الشافعي ، فجعل لمس الرجل ~~بيده جسد امرأته موجبا للوضوء ، وهو محمل بعيد ، إذ لا يكون لمس الجسد ~~موجبا للوضوء وإنما الوضوء مما يخرج خروجا معتادا . فالمحمل الصحيح أن ~~الملامسة كناية عن الجماع . وتعديد هذه الأسباب لجمع ما يغلب من موجبات ~~الطهارة الصغرى والطهارة الكبرى ، وإنما لم يستغن عن { لمستم النساء } ~~بقوله آنفا { ولا جنبا } لأن ذلك ذكر في معرض الأمر بالاغتسال ، وهذا ذكر ~~في معرض الإذن بالتيمم الرخصة . والمقام مقام تشريع يناسبه عدم الاكتفاء ~~بدلالة الالتزام ، وبذلك يكون وجه لذكره وجيه . وأما على تأويل الشافعي ومن ~~تابعه فلا يكون لذكر سبب ثان من أسباب الوضوء كبير أهمية . وإلى هذا مال ~~الجمهور فلذلك لم يجب عند مالك وأبي حنيفة الوضوء من لمس الرجل امرأته ما ~~لم يخرج منه شيء ، إلا أن مالكا قال : إذا التذ اللامس أو قصد اللذة انتقض ~~وضوءه ، وحمل الملامسة في هذه الآية على معنييها الكنائي والصريح ، لكن هذا ~~بشرط الالتذاذ ، وبه قال جمع من السلف ، وأرى مالكا اعتمد في هذا على ~~الآثار المروية عن أيمة السلف ، ولا أراه جعله المراد من الآية . # وقرأ الجمهور { لامستم } بصيغة المفاعلة ؛ وقرأه حمزة والكسائي وخلف { ~~لمستم } بدون ألف . # وقوله : { فلم تجدوا ماء } عطف على فعل الشرط ، وهو قيد في المسافر ، ومن ~~جاء من الغائط ، ومن لامس النساء ، أما المريض فلا يتقيد تيممه بعدم وجدان ~~الماء لأنه يتيمم مطلقا ، وذلك معلوم بدلالة معنى المرض ، فمفهوم القيد ~~بالنسبة إليه معطل بدلالة المعنى ، ولا يكون المقصود من المريض الزمن ، إذ ms1949 ~~لا يعدم الزمن مناولا يناوله الماء إلا نادرا . # وقوله { فتيمموا } جواب الشرط والتيمم القصد والصعيد وجه الأرض ، قال ذو ~~الرمة يصف خشفا من بقر الوحش نائما في الشمس لا يكاد يفيق : PageV05P067 # كأنه بالضحى ترمي الصعيد به # دبابة في عظام الرأس خرطوم # والطيب : الطاهر الذي لم تلوثه نجاسة ولا قذر ، فيشمل الصعيد التراب ~~والرمل والحجارة ، وإنما عبر بالصعيد ليصرف المسلمين عن هوس أن يتطلبوا ~~التراب أو الرمل مما تحت وجه الأرض غلوا في تحقيق طهارته . # وقد شرع بهذه الآية حكم التيمم أو قرر شرعه السابق في سورة المائدة على ~~الأصح ، وكان شرع التيمم سنة ست في غزوة المريسيع ، وسبب شرعه ما في ( ~~الصحيح ) عن عائشة قالت : خرجنا مع رسول الله في بعض أسفاره حتى إذا كنا ~~بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي فأقام رسول الله على التماسه وأقام ~~الناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء فأتى الناس إلى أبي بكر الصديق ~~فقالوا : ألا ترى إلى ما صنعت عائشة أقامت برسول الله والناسس وليسوا على ~~ماء وليس معهم ماء . فجاء أبو بكر ورسول الله واضع رأسه على فخذي قد نام ، ~~فقال : حبستت رسول الله والناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء ، فعاتبني أبو ~~بكر وقال ما شاء الله أن يقول وجعل يطعنني بيده في خاصرتي فلا يمنعني من ~~التحرك إلا مكان رسول الله على فخذي ، فقام رسول الله حين أصبح على غير ماء ~~، فأنزل الله تعالى آية التيمم . فقال أسيد بن الحضير : ما هي بأولل بركتكم ~~يا آل أبي بكر ، فوالله ما نزل بكك أمر تكرهينه إلا جعل الله ذلك لكك ~~وللمسلمين فيه خيرا . قالت : فبعثنا البعير الذي كنت عليه فأصبنا العقد ~~تحته . # والتيمم من خصائص شريعة الإسلام كما في حديث جابر أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال : ( أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي فذكر منها وجعلت لي الأرض مسجدا ~~وطهورا ) . # والتيمم بدل جعله الشرع عن الطهارة ، ولم أر لأحد من العلماء بيانا في ~~حكمة جعل التيمم عوضا عن ms1950 الطهارة بالماء وكان ذلك من همي زمنا طويلا وقت ~~الطلب ثم انفتح لي حكمة ذلك . PageV05P068 # وأحسب أن حكمة تشريعه تقرير لزوم الطهارة في نفوس المؤمنين ، وتقرير حرمة ~~الصلاة ، وترفيع شأنها في نفوسهم ، فلم تترك لهم حالة يعدون فيها أنفسهم ~~مصلين بدون طهارة تعظيما لمناجاة الله تعالى ، فلذلك شرع لهم عملا يشبه ~~الإيماء إلى الطهارة ليستشعروا أنفسهم متطهرين ، وجعل ذلك بمباشرة اليدين ~~صعيد الأرض التي هي منبع الماء ، ولأن التراب مستعمل في تطهير الآنية ~~ونحوها ، ينظفون به ما علق لهم من الأقذار في ثيابهم وأبدانهم وماعونهم ، ~~وما الاستجمار إلا ضرب من ذلك ، مع ما في ذلك من تجديد طلب الماء لفاقده ~~وتذكيره بأنه مطالب به عند زوال مانعه ، وإذ قد كان التيمم طهارة رمزية ~~اقتنعت الشريعة فيه بالوجه والكفين في الطهارتين الصغرى والكبرى ، كما دل ~~عليه حديث عمار بن ياسر ، ويؤيد هذا المقصد أن المسلمين لما عدموا الماء في ~~غزوة المريسيع صلوا بدون وضوء فنزلت آية التيمم . هذا منتهى ما عرض لي من ~~حكمة مشروعية التيمم بعد طول البحث والتأمل في حكمة مقنعة في النظر ، وكنت ~~أعد التيمم هو النوع الوحيد بين الأحكام الشرعية في معنى التعبد بنوعه ، ~~وأما التعبد ببعض الكيفيات والمقادير من أنواع عبادات أخرى فكثير ، مثل عدد ~~الركعات في الصلوات ، وكأن الشافعي لما اشترط أن يكون التيمم بالتراب خاصة ~~وأن ينقل المتيمم منه إلى وجهه ويديه ، راعى فيه معنى التنظيف كما في ~~الاستجمار ، إلا أن هذا القول لم ينقل عن أحد من السلف ، وهو ما سبق إلى ~~خاطر عمار بن ياسر حين تمرغ في التراب لما تعذر عليه الاغتسال ، فقال له ~~النبي صلى الله عليه وسلم ( يكفيك من ذلك الوجه والكفان ) . ولأجل هذا أيضا ~~اختلف السلف في حكم التيمم ، فقال عمر وابن مسعود : لا يقع التيمم بدلا إلا ~~عن الوضوء دون الغسل ، وأن الجنب لا يصلي حتى يغتسل سواء كان ذلك في الحضر ~~أم في السفر . وقد تناظر في ذلك أبو موسى الأشعري وعبد الله بن مسعود : روى ms1951 ~~البخاري في كتاب التيمم قال أبو موسى لا بن مسعود : أرأيت إذا أجنب فلم يجد ~~الماء كيف يصنع ؟ قال عبد الله : لا يصلي حتى يجد الماء . فقال أبو موسى : ~~فكيف تصنع بقول عمار حين قال له النبي : كان يكفيك هكذا ، فضرب بكفيه الأرض ~~ثم مسح بهما وجهه وكفيه ، قال ابن مسعود : ألم تر عمر لم يقنع منه بذلك ، ~~قال أبو موسى . فدعنا من قول عمار ، كيف تصنع بهذه الآية { وإن كنتم مرضى ~~أو على سفر } فما درى عبد الله ما يقول ، فقال : إنا لو رخصنا لهم في هذا ~~لأوشك إذا برد على PageV05P069 أحدهم الماء أن يدعه ويتيمم ، ولا شك أن عمر ~~، وابن مسعود ، تأولا آية النساء فجعلا قوله : { إلا عابري سبيل } رخصة ~~لمرور المسجد ، وجعلا { أو لامستم النساء } مرادا به اللمس الناقض للوضوء ~~على نحو تأويل الشافعي ، وخالف جميع علماء الأمة عمر وابن مسعود في هذا ، ~~فقال الجمهور : يتيمم فاقد الماء ومن يخاف على نفسه الهلاك أو المرض أو ~~زيادة المرض ولو نزلة أو حمى . وقال الشافعي : لا يتيمم إلا فاقد الماء أو ~~من يخاف على نفسه التلف دون المرض أو زيادته ، لأن زيادة المرض غير محققة ، ~~ويرده أن كلا الأمرين غير محقق الحصول ، وأن الله لم يكلف الخلق بما فيه ~~مشقة . وقد تيمم عمرو بن العاص رضي الله عنه في ليلة باردة في غزوة ذات ~~السلاسل وصلى بالناس ، ( فذكروا ذلك للنبيء صلى الله عليه وسلم فسأله فقال ~~عمرو : إني سمعت الله يقول : { ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما } ~~( النساء : 29 ) فضحك النبي عليه الصلاة والسلام ولم ينكر عليه . # وقوله : { فامسحوا بوجوهكم وأيديكم } جعل التيمم قاصرا على مسح الوجه ~~واليدين ، وأسقط مسح ما سواهما من أعضاء الوضوء بله أعضاء الغسل ، إذ ليس ~~المقصود منه تطهيرا حسيا ، ولا تجديد النشاط ، ولكن مجرد استحضار استكمال ~~الحالة للصلاة ، وقد ظن بعض الصحابة أن هذا تيمم بدل عن الوضوء ، وأن ~~التيمم البدل عن الغسل لا يجزىء منه إلا مسح سائر الجسد بالصعيد ms1952 ، فعلمه ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن التيمم للجنابة مثل التيمم للوضوء ، فقد ثبت ~~في ( الصحيح ) عن عمار بن ياسر ، قال : كنت في سفر فأجنبت فتمعكت في التراب ~~( أي تمرغت ) وصليت فأتيت النبي فذكرت ذلك فقال ( يكفيك الوجه والكفان ) ~~وقد تقدم آنفا . # والباء للتأكيد مثل : ( وهزي إليك بجذع النخلة ) وقول النابغة يرثي ~~النعمان بن المنذر : # لك الخير إن وارت بك الأرض واحدا # وأصبح جد الناس يظلع عاثرا # أراد إن وارتك الأرض مواراة الدفن . والمعنى : فامسحوا وجوهكم وأيديكم ، ~~وقد ذكرت هذه الباء مع الممسوح في الوضوء ومع التيمم للدلالة على تمكن ~~المسح لئلا تزيد رخصة على رخصة . PageV05P070 # وقوله : { إن الله كان عفوا غفورا } تذييل لحكم الرخصة إذ عفا عن ~~المسلمين فلم يكلفهم الغسل أو الوضوء عند المرض ، ولا ترقب وجود الماء عند ~~عدمه ، حتى تكثر عليهم الصلوات فيعسر عليهم القضاء . # # | 2 ( 44 ، 45 ) { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون ~~الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل * والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليا ~~وكفى بالله نصيرا } . ) 2 # استئناف كلام راجع إلى مهيع الآيات التي سبقت من قوله : { واعبدوا الله ~~ولا تشركوا به شيئا } ( النساء : 36 ) فإنه بعد نذارة المشركين وجه الإنذار ~~لأهل الكتاب ، ووقعت آيات تحريم الخمر وقت الصلاة ، وآيات مشروعية الطهارة ~~لها فيما بينهما ، وفيه مناسبة للأمر بترك الخمر في أوقات الصلوات والأمر ~~بالطهارة ، لأن ذلك من الهدى الذي لم يسبق لليهود نظيره ، فهم يحسدون ~~المسلمين عليه ، لأنهم حرموا من مثله وفرطوا في هدى عظيم ، وأرادوا إضلال ~~المسلمين عداء منهم . # وجملة { ألم تر } إلى { الكتاب } جملة يقصد منها التعجيب ، والاستفهام ~~فيها تقريري عن نفي فعل لا يود المخاطب انتفاءه عنه ، ليكون ذلك محرضا على ~~الإقرار بأنه فعل ، وهو مفيد مع ذلك للتعجيب ، وتقدم نظيرها في قوله تعالى ~~: { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم ~~بينهم في سورة آل عمران ( 23 ) . # وجملة يشترون } حالية فهي قيد لجملة { ألم تر } ، وحالة اشترائهم الضلالة ~~وإن كانت غير ms1953 مشاهدة بالبصر فقد نزلت منزلة المشاهد المرئي ، لأن شهرة ~~الشيء وتحققه تجعله بمنزلة المرئي . # والنصيب تقدم عند قوله : { وللرجال نصيب } ( النساء : 7 ) في هذه السورة ~~، وفي اختياره هنا إلقاء احتمالل قلته في نفوس السامعين ، وإلا لقيل : ~~أوتوا الكتاب ، وهذا نظير قوله تعالى بعد PageV05P071 هذا { فإن كان لكم ~~فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ ~~عليكم } ( النساء : 141 ) ، أي نصيب من الفتح أو من النصر . # والمراد بالكتاب التوراة ، لأن اليهود هم الذين كانوا مختلطين مع ~~المسلمين بالمدينة ، ولم يكن فيها أحد من النصارى . # والاشتراء مجاز في الاختيار والسعي لتحصيل الشيء ، لأن المشتري هو آخذ ~~الشيء المرغوب فيه من المتبائعين ، والبائع هو باذل الشيء المرغوب فيه ~~لحاجته إلى ثمنه ، هكذا اعتبر أهل العرف الذي بنيت عليه اللغة وإلا فإن كلا ~~المتبايعين مشتر وشار ، فلا جرم أن أطلق الاشتراء مجازا على الاختيار ، وقد ~~تقدم نظيره في قوله تعالى : { أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى في سورة ~~البقرة ( 16 ) . وهذا يدل على أنهم اقتحموا الضلالة عن عمد لضعف إيمانهم ~~بكتابهم وقلة جدوى علمهم عليهم . # وقوله : ويريدون أن تضلوا السبيل } أي يريدون للمؤمنين الضلالة لئلا ~~يفضلوهم بالاهتداء ، كقوله : { ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد ~~إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعدما تبين لهم الحق } ( البقرة : 109 ~~) . فالإرادة هنا بمعنى المحبة كقوله تعالى : { يريد الله ليبين لكم ~~ويهديكم سنن الدين من قبلكم } . ولك أن تجعل الإرادة على الغالب في معناها ~~وهو الباعث النفساني على العمل ، أي يسعون لأن تضلوا ، وذلك بإلقاء الشبه ~~والسعي في صرف المسلمين عن الإيمان ، وقد تقدم آنفا قوله تعالى : { ويريد ~~الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما } ( النساء : 27 ) . # وجملة { والله أعلم بأعدائكم } معترضة ، وهي تعريض ؛ فإن إرادتهم الضلالة ~~للمؤمنين عن عداوة وحسد . # وجملة { وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا } ( النساء : 45 ) تذييل ~~لتطمئن نفوس المؤمنين بنصر الله ، لأن الإخبار عن اليهود بأنهم يريدون ضلال ~~المسلمين ، وأنهم أعداء للمسلمين ، من شأنه أن ms1954 يلقي الروع في قلوب المسلمين ~~، إذ كان اليهود المحاورون للمسلمين ذوي عدد وعدد ، وبيدهم الأموال ، وهم ~~مبثوثون في المدينة وما حولها : من قينقاع PageV05P072 وقريظة والنضير ~~وخيبر ، فعداوتهم ، وسوء نواياهم ، ليسا بالأمر الذي يستهان به ؛ فكان قوله ~~: { وكفى بالله وليا } مناسبا لقوله : { ويريدون أن تضلوا السبيل } ، أي ~~إذا كانوا مضمرين لكم السوء فالله وليكم يهديكم ويتولى أموركم شأن الولي مع ~~مولاه ، وكان قوله : { وكفى بالله نصيرا } مناسبا لقوله : { بأعدائكم } ، ~~أي فالله ينصركم . # وفعل ( كفى ) في قوله : { وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا } مستعمل في ~~تقوية اتصاف فاعله بوصف يدل عليه التمييز المذكور بعده ، أي أن فاعل ( كفى ~~) أجدر من يتصف بذلك الوصف ، ولأجل الدلالة على هذا غلب في الكلام إدخال ~~باء على فاعل فعل كفى ، وهي باء زائدة لتوكيد الكفاية ، بحيث يحصل إبهام ~~يشوق السامع إلى معرفة تفصيله ، فيأتون باسم يميز نوع تلك النسبة ليتمكن ~~المعنى في ذهن السامع . # وقد يجيء فاعل ( كفى ) غير مجرور بالباء ، كقول عبد بني الحسحاس : # كفى الشيب والأسلام للمرء ناهيا # وجعل الزجاج الباء هنا غير زائدة وقال : ضمن فعل كفى معنى اكتف ، ~~واستحسنه ابن هشام . # وشذت زيادة الباء في المفعول ، كقول كعب بن مالك أو حسان بن ثابت : # فكفى بنا فضلا على من غيرنا # حب النبي محمد إيانا # وجزم الواحدي في شرح قول المتنبي : # كفى بجسمي نحولا أنني رجل # لولا مخاطبتي إياك لم ترني # بأنه شذوذ . # ولا تزاد الباء في فاعل { كفى } بمعنى أجزأ ، ولا التي بمعنى وقى ، فرقا ~~بين استعمال كفى المجازي واستعمالها الحقيقي الذي هو معنى الاكتفاء بذات ~~الشيء نحو : # كفاني ولم أطلب قليل من المال # PageV05P073 # | 2 ( 46 ) { من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا ~~وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا فى الدين ولو أنهم قالوا ~~سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم ~~فلا يؤمنون إلا قليلا } . ) 2 # يجوز أن يكون هذا كلاما مستأنفا . # و { من } تبعيضية ، وهي خبر لمبتدإ محذوف دلت عليه صفته وهي ms1955 جملة { ~~يحرفون } والتقدير : قوم يحرفون الكلم . # وحذف المبتدإ في مثل هذا شائع في كلام العرب اجتزاء بالصفة عن الموصوف ~~وذلك إذا كان المبتدأ موصوفا بجملة أو ظرف ، وكان بعض اسم مجرور بحرف { من ~~} ، وذلك الاسم مقدم على المبتدإ . ومن كلمات العرب المأثورة قولهم : ( منا ~~ظعن ومنا أقام ) أي منا فريق ظعن ومنا فريق أقام . ومنه قول ذي الرمة : # فظلوا ومنهم دمعه غالب له # وآخر يذري دمعة العين بالهمل # أي ومنهم فريق ، بدليل قوله في العطف وآخر . وقول تميم بن مقبل : # وما الدهر إلا تارتان فمنهما # أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح # وقد دل ضمير الجمع في قوله { يحرفون } أن هذا صنيع فريق منهم ، وقد قيل : ~~إن المراد به رفاعة بن زيد بن التابوت من اليهود ، ولعل قائل هذا يعني أنه ~~من جملة هؤلاء الفريق ، إذ لا يجوز أن يكون المراد واحدا ويؤتى بضمير ~~الجماعة ، وليس المقام مقام إخفاء حتى يكون على حد قوله عليه السلام : ( ما ~~بال أقوام يشترطون ) الخ . # ويجوز أن يكون { من الذين هاوا } صفة للذين أوتوا نصيبا من الكتاب ، ~~وتكون { من } بيانية أي هم الذين هادوا ، فتكون جملة { يحرفون } حالا من ~~قوله : { الذين هادوا } . وعلى الوجهين فقد أثبتت لهم أوصاف التحريف ~~والضلالة ومحبة ضلال المسلمين . PageV05P074 والتحريف : الميل بالشيء إلى ~~الحرف وهو جانب الشيء وحافته ، وسيأتي عند قوله تعالى : { يحرقون الكلم عن ~~مواضعه في سورة المائدة ( 13 ) ، وهو هنا مستعمل في الميل عن سواء المعنى ~~وصريحه إلى التأويل الباطل ، كما يقال : تنكب عن الصراط ، وعن الطريق ، إذا ~~أخطأ الصواب وصار إلى سوء الفهم أو التضليل ، فهو على هذا تحريف مراد الله ~~في التوراة إلى تأويلات باطلة ، كما يفعل أهل الأهواء في تحريف معاني ~~القرآن بالتأويلات الفاسدة . ويجوز أن يكون التحريف مشقا من الحرف وهو ~~الكلمة والكتابة ، فيكون مرادا به تغيير كلمات التوراة وتبديلها بكلمات ~~أخرى لتوافق أهواء أهل الشهوات في تأييد ما هم عليه من فاسد الأعمال . ~~والظاهر أن كلا الأمرين قد ارتكبه اليهود في كتابهم . وما ينقل عن ms1956 ابن عباس ~~أن التحريف فساد التأويل ولا يعمد قوم على تغيير كتابهم ، ناظر إلى غالب ~~أحوالهم ، فعلى الاحتمال الأول يكون استعمال عن } في قوله : { عن مواضعه } ~~مجازا ، ولا مجاوزة ولا مواضع ، وعلى الثاني يكون حقيقة إذ التحريف حينئذ ~~نقل وإزالة . # وقوله : { ويقولون } عطف على { يحرفون } ذكر سوء أفعالهم وسوء أقوالهم ، ~~وهي أقوالهم التي يواجهون بها الرسول عليه الصلاة والسلام : يقولون سمعنا ~~دعوتك وعصيناك ، وذلك إظهار لتمسكهم بدينهم ليزول طمع الرسول في إيمانهم ، ~~ولذلك لم يروا في قولهم هذا أذى للرسول فأعقبوه بقولهم له : { واسمع غير ~~مسمع } إظهار للتأدب معه . # ومعنى { اسمع غير مسمع } أنهم يقولون للرسول صلى الله عليه وسلم عند ~~مراجعته في أمر الإسلام : اسمع منا ، ويعقبون ذلك بقولهم : { غير مسمع } ~~يوهمون أنهم قصدوا الظاهر المتبادر من قولهم : غير مسمع ، أي غير مأمور بأن ~~تسمع ، في معنى قول العرب : ( افعل غير مأمور ) . وقيل معناه : غير مسمع ~~مكروها ، فلعل العرب كانوا يقولون : أسمعه بمعنى سبه . والحاصل أن هذه ~~الكلمة كانت معروفة الإطلاق بين العرب في معنى الكرامة والتلطف . إطلاقا ~~متعارفا ، ولكنهم لما قالوها للرسول أرادوا بها معنى آخر انتحلوه لها من ~~شيء يسمح به تركيبها الوضعي ، أي أن لا يسمع صوتا من متكلم . لأن يصير أصم ~~، أو PageV05P075 أن لا يستجاب دعاؤه . والذي دل على أنهم أرادوا ذلك قوله ~~بعد : { ولو أنهم قالوا } إلى قوله : { اسمع وانظرنا } فأزال لهم كلمة ( ~~غير مسمع ) . وقصدهم من إيراد كلام ذي وجهين أن يرضوا الرسول والمؤمنين ~~ويرضوا أنفسهم بسوء نيتهم مع الرسول عليه السلام ويرضوا قومهم ، فلا يجدوا ~~عليهم حجة . # وقولهم : { وراعنا } أتوا بلفظ ظاهره طلب المراعاة ، أي الرفق ، ~~والمراعاة مفاعلة مستعملة في المبالغة في الرعي على وجه الكناية الشائعة ~~التي ساوت الأصل ، ذلك لأن الرعي من لوازمه الرفق بالمرعي ، وطلب الخصب له ~~، ودفع العادية عنه . وهم يريدون ب { راعنا } كلمة في العبرانية تدل على ما ~~تدل عليه كلمة الرعونة في العربية ، وقد روي أنها كلمة { راعونا } وأن ~~معناها الرعونة فلعلهم كانوا يأتون بها ، يوهمون ms1957 أنهم يعظمون النبي صلى ~~الله عليه وسلم بضمير الجماعة ، ويدل لذلك أن الله نهى المسلمين عن ~~متابعتهم إياهم في ذلك اغترارا فقال في سورة البقرة ( 104 ) : { يأيها ~~الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا . # واللي أصله الانعطاف والانثناء ، ومنه ولا تلوون على أحد } ، وهو يحتمل ~~الحقيقة في كلتا الكلمتين : اللي ، والألسنة ، أي أنهم يثنون ألسنتهم ليكون ~~الكلام مشبها لغتين بأن يشبعوا حركات ، أو يقصروا مشبعات ، أو يفخموا مرققا ~~، أو يرققوا مفخما ، ليعطي اللفظ في السمع صورة تشبه صورة كلمة أخرى ، فإنه ~~قد تخرج كلمة من زنة إلى زنة ، ومن لغة إلى لغة بمثل هذا . ويحتمل أن يراد ~~بلفظ ( اللي ) مجازه ، وب ( الألسنة ) مجازه : فاللي بمعنى تغيير الكلمة ، ~~والألسنة مجاز على الكلام ، أي يأتون في كلامهم بما هو غير متمحض لمعنى ~~الخير . # وانتصب ( ليا ) على المفعول المطلق ل { يقولون } ، لأن اللي كيفية من ~~كيفيات القول . # وانتصب { طعنا في الدين } على المفعول لأجله ، فهو من عطف بعض المفاعيل ~~على بعض آخر ، ولا ضير فيه ، ولك أن تجعلهما معا مفعولين مطلقين أو مفعولين ~~لأجلهما ، وإنما كان قولهم ( طعنا في الدين ) ، لأنهم أضمروا في كلامهم ~~قصدا خبيثا فكانوا يقولون لإخوانهم ، ومن يليهم من حديثي العهد بالإيمان : ~~لو كان محمد رسولا لعلم ما أردنا بقولنا ، فلذلك فضحهم الله بهذه الآية ~~ونظائرها . PageV05P076 # وقوله : { ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا } أي لو قالوا ما هو قبول للإسلام ~~لكان خيرا . وقوله : { سمعنا وأطعنا } يشبه أنه مما جرى مجرى المثل بقول من ~~أمر بشيء وامتثله ( سمع وطاعة ) ، أي شأني سمع وطاعة ، وهو مما التزم فيه ~~حذف المبتدإ لأنه جرى مجرى المثل ، وسيجيء في سورة النور ( 51 ) قوله تعالى ~~: { إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا ~~سمعنا وأطعنا . # وقوله : وأقوم } تفضيل مشتق من القيام الذي هو بمعنى الوضوح والظهور ، ~~كقولهم : قام الدليل على كذا ، وقامت حجة فلان . وإنما كان أقوم لأنه دال ~~على معنى لا احتمال فيه ، بخلاف قولهم . # والاستدراك في قوله : { ولكن لعنهم الله ms1958 بكفرهم } ناشىء عن قوله : { لكان ~~خيرا لهم } ، أي ولكن أثر اللعنة حاق بهم فحرموا ما هو خير فلا ترشح نفوسهم ~~إلا بآثار ما هو كمين فيها من فعل سيىء وقول بذاء لا يستطيعون صرف أنفسهم ~~عن ذلك . # ومعنى { فلا يؤمنون إلا قليلا } أنهم لا يؤمنون أبدا فهو من تأكيد الشيء ~~بما يشبه ضده ، وأطلق القلة على العدم . وفسر به قول تأبط شرا : # قليل التشكي للمهم يصيبه # كثير الهوى شتى النوى والمسالك # قال الجاحظ في ( كتاب البيان ) عند قول عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ~~يصف أرض نصيبين ( كثيرة العقارب قليلة الأقارب ) ، يضعون ( قليلا ) في موضع ~~( ليس ) ، كقولهم : فلان قليل الحياء . ليس مرادهم أن هناك حياء وإن قل ) . ~~قلت : ومنه قول العرب : قل رجل يقول ذلك ، يريدون أنه غير موجود . وقال ~~صاحب ( الكشاف ) عند قوله تعالى : ( أإله مع الله قليلا ما تذكرون ) ( ~~والمعنى نفي التذكير . والقلة مستعمل في معنى النفي ) . وإنما استعملت ~~العرب القلة عوضا عن النفي لضرب من الاحتراز والاقتصاد ، فكأن المتكلم يخشى ~~أن يتلقى عموم نفيه بالإنكار فيتنازل عنه إلى إثبات قليل وهو يريد النفي . # PageV05P077 # | 2 ( 47 ) { ياأيهآ الذين أوتوا الكتاب ءامنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم ~~من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارهآ أو نلعنهم كما لعنآ أصحاب السبت ~~وكان أمر الله مفعولا } . ) 2 # أقبل على خطاب أهل الكتاب الذين أريد بهم اليهود بعد أن ذكر من عجائب ~~ضلالهم ، وإقامة الحجة عليهم ، ما فيه وازع لهم لو كان بهم وزع ، وكذلك شأن ~~القرآن أن لا يفلت فرصة تعن من فرص الموعظة والهدى إلا انتهزها ، وكذلك شأن ~~الناصحين من الحكماء والخطباء أن يتوسموا أحوال تأثر نفوس المخاطبين ومظان ~~ارعوائها عن الباطل ، وتبصرها في الحق ، فينجدوها حينئذ بقوارع الموعظة ~~والإرشاد ، كما أشار إليه الحريري في المقامة ( 11 ) إذ قال : ( فلما ~~ألحدوا الميت ، وفات قول ليت ، أشرف شيخ من رباوة ، متأبطا لهراوة ، فقال : ~~لمثلل هذا فليعمل العاملون ) الخ ، لذلك جيء بقوله : { يا أيها الذين أوتوا ~~الكتاب آمنوا بما ms1959 نزلنا مصدقا لما معكم } الآية عقب ما تقدم . # وهذا موجب اختلاف الصلة هنا عن الصلة في قوله : { ألم تر إلى الذين أوتوا ~~نصيبا من الكتاب } ( آل عمران : 23 ) لأن ذلك جاء في مقام التعجيب والتوبيخ ~~فناسبته صلة مؤذنة بتهوين شأن علمهم بما أوتوه من الكتاب ، وما هنا جاء في ~~مقام الترغيب فناسبته صلة تؤذن بأنهم شرفوا بإيتاء التوراة لتثير هممهم ~~للاتسام بميسم الراسخين في جريان أعمالهم على وفق ما يناسب ذلك ، وليس بين ~~الصلتين اختلاف في الواقع لأنهم أوتوا الكتاب كله حقيقة باعتبار كونه بين ~~أيديهم ، وأوتوا نصيبا منه باعتبار جريان أعمالهم على خلاف ما جاء به ~~كتابهم ، فالذي لم يعملوا به منه كأنهم لم يؤتوه . # وجيء بالصلتين في قوله : { بما نزلنا } وقوله : ( بما معكم ) دون الإسمين ~~العلمين ، وهما : القرآن والتوراة : لما في قوله : { بما نزلنا } من ~~التذكير بعظم شأن القرآن أنه منزل بإنزال الله ، ولما في قوله : { لما معكم ~~} من التعريض بهم في أن التوراة كتاب مستصحب عندهم لا يعلمون منه حق علمه ~~ولا يعملون بما فيه ، على حد قوله : { كمثل الحمار يحمل أسفارا } ( الجمعة ~~: 5 ) . PageV05P078 # وقوله : { من قبل أن نطمس وجوها } تهديد أو وعيد ، ومعنى : { من قبل أن ~~نطمس } أي آمنوا في زمن يبتدىء من قبل الطمس ، أي من قبل زمن الطمس على ~~الوجوه ، وهذا تهديد بأن يحل بهم أمر عظيم ، وهو يحتمل الحمل على حقيقة ~~الطمس بأن يسلط الله عليهم ما يفسد به محياهم فإن قدرة الله صالحة لذلك ، ~~ويحتمل أن يكون الطمس مجازا على إزالة ما به كمال الإنسان من استقامة ~~المدارك فإن الوجوه مجامع الحواس . # والتهديد لا يقتضي وقوع المهدد به ، وفي الحديث ( أما يخشى الذي يرفع ~~رأسه قبل الإمام أن يجعل الله وجهه وجه حمار ) . # وأصل الطمس إزالة الآثار الماثلة . قال كعب : # عرضتها طامس الأعلام مجهول # وقد يطلق الطمس مجازا على إبطال خصائص الشيء المألوفة منه . ومنه طمس ~~القلوب أي إبطال آثار التميز والمعرفة منها . # وقوله : { فنردها على أدبارها } عطف لمجرد التعقيب لا للتسبب ms1960 ؛ أي من قبل ~~أن يحصل الأمران : الطمس والرد على الأدبار ، أي تنكيس الرؤوس إلى الوراء ، ~~وإن كان الطمس هنا مجازا وهو الظاهر ، فهو وعيد بزوال وجاهة اليهود في بلاد ~~العرب ، ورميهم بالمذلة بعد أن كانوا هناك أعزة ذوي مال وعدة ، فقد كان ~~منهم السموأل قبل البعثة ، ومنهم أبو رافع تاجر أهل الحجاز ، ومنهم كعب بن ~~الأشرف ، سيد جهته في عصر الهجرة . # والرد على الأدبار على هذا الوجه : يحتمل أن يكون مجازا بمعنى القهقرى ، ~~أي إصارتهم إلى بئس المصير ؛ ويحتمل أن يكون حقيقة وهو رد هم من حيث أتوا ، ~~أي إجلاؤهم من بلاد العرب إلى الشام . # والفاء على هذا الوجه للتعقيب والتسبب معا ، والكلام وعيد ، والوعيد حاصل ~~، فقد رماهم الله بالذل ، ثم أجلاهم النبي صلى الله عليه وسلم وأجلاهم عمر ~~بن الخطاب إلى أذرعات . PageV05P079 # وقوله : { أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت } أريد باللعن هنا الخزي ، فهو ~~غير الطمس ، فإن كان الطمس مرادا به المسخ فاللعن مراد به الذل ، وإن كان ~~الطمس مرادا به الذل فاللعن مراد به المسخ . # و { أصحاب السبت } هم الذين في قوله : { ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في ~~السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين وقد تقدم في سورة البقرة . # # | 2 ( 48 ) إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء ومن ~~يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما } . ) 2 # يجوز أن تكون هذه الجملة متعلقة بما قبلها من تهديد اليهود بعقاب في ~~الدنيا ، فالكلام مسوق لترغيب اليهود في الإسلام ، وإعلامهم بأنهم بحيث ~~يتجاوز الله عنهم عند حصول إيمانهم ، ولو كان عذاب الطمس نازلا عليهم ، ~~فالمراد بالغفران التجاوز في الدنيا عن المؤاخذة لهم بعظم كفرهم وذنوبهم ، ~~أي يرفع العذاب عنهم . وتتضمن الآية تهديدا للمشركين بعذاب الدنيا يحل بهم ~~فلا ينفعهم الإيمان بعد حلول العذاب ، كما قال تعالى : { فلولا كانت قرية ~~آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس } ( يونس : 98 ) الآية . وعلى هذا الوجه ~~يكون حرف ( إن ) في موقع التعليل والتسبب ، أي آمنوا بالقرآن من قبل أن ~~ينزل ms1961 بكم العذاب ، لأن الله يغفر ما دون الإشراك به ، كقوله : { وما كان ~~الله ليعذبهم وأنت فيهم } ( الأنفال : 33 ) ، أي ليعذبهم عذاب الدنيا ، ثم ~~قال : { ومالهم أن لا يعذبهم الله } ( الأنفال : 34 ) ، أي في الدنيا ، وهو ~~عذابل الجوع والسيف . وقوله : { فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى ~~الناس هذا عذاب أليم } ( الدخان : 10 ، 11 ) ، أي دخان عام المجاعة في قريش ~~. ثم قال : { إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون يوم نبطش البطشة الكبرى ~~إنا منتقمون } ( الدخان : 15 ، 16 ) أي بطشة يوم بدر ؛ أو يكون المراد ~~بالغفران التسامح ، فإن الإسلام قبل من أهل الكتابين الدخول تحت ذمة ~~الإسلام دون الدخول في دين الإسلام ، وذلك حكم الجزية ، ولم يرض من ~~المشركين إلا بالإيمان دون الجزية ، لقوله تعالى : { فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم } إلى قوله { فإن تابوا PageV05P080 وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~فخلوا سبيلهم } ( التوبة : 5 ) . وقال في شأن أهل الكتاب { قاتلوا الذين لا ~~يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون ~~دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } ( ~~التوبة : 29 ) . # ويجوز أن تكون الجملة مستأنفة ، وقعت اعتراضا بين قوارع أهل الكتاب ~~ومواعظهم ، فيكون حرف ( إن ) لتوكيد الخبر لقصد دفع احتمال المجاز أو ~~المبالغة في الوعيد ، وهو إما تمهيد لما بعده لتشنيع جرم الشرك بالله ليكون ~~تمهيدا لتشنيع حال الذين فضلوا الشرك على الإيمان ، وإظهارا لمقدار التعجيب ~~من شأنهم الآتي في قوله : { ألم ترى إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ~~يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا ~~سبيلا } ( النساء : 51 ) ، أي فكيف ترضون بحال من لا يرضى الله عنه . ~~والمغفرة على هذا الوجه يصح حملها على معنى التجاوز الدنيوي ، وعلى معنى ~~التجاوز في الآخرة على وجه الإجمال . # وإما أن يكون استئناف تعليمم حكم في مغفرة ذنوب العصاة : ابتدىء بمحكم ~~وهو قوله : { لا يغفر أن يشرك به } ، وذيل بمتشابه وهو قوله : { ويغفر ما ~~دون ذلك لمن يشاء } ؛ فالمغفرة مراد منها التجاوز في الآخرة ms1962 . قال القرطبي ~~( فهذا من المتشابه الذي تكلم العلماء فيه ) وهو يريد أن ظاهرها يقتضي ~~أمورا مشكلة : # الأول : أن يقتضي أن الله قد يغفر الكفر الذي ليس بشرك ككفر اليهود . # الثاني : أنه يغفر لمرتكب الذنوب ولو لم يتب . # الثالث : أنه قد لا يغفر للكافر بعد إيمانه وللمذنب بعد توبته ، لأنه وكل ~~الغفران إلى المشيئة ، وهي تلاقي الوقوع والانتفاء . وكل هذه الثلاثة قد ~~جاءت الأدلة المتظافرة على خلافها ، واتفقت الأمة على مخالفة ظاهرها ، ~~فكانت الآية من المتشابه عند جميع المسلمين . قال ابن عطية : ( وهذه الآية ~~هي الحاكمة ببيان ما تعارض من آيات الوعد والوعيد . وتلخيص الكلام فيها أن ~~يقال : الناس أربعة أصناف : كافر مات على كفره ، فهذا مخلد في النار بإجماع ~~، ومؤمن محسن لم يذنب قط ومات على ذلك فهو في الجنة محتوم عليه حسب الوعد ~~في الله بإجماع وتائب مات على توبته فهذا عند أهل السنة وجمهور فقهاء الأمة ~~لا حق بالمؤمن المحسن ، ومذنب مات قبل توبته فهذا هو موضع PageV05P081 ~~الخلاف : فقالت المرجئة : هو في الجنة بإيمانه ولا تضره سيئاته ، وجعلوا ~~آيات الوعيد كلها مخصصة بالكفار وآيات الوعد عامة في المؤمنين ؛ وقالت ~~المعتزلة : إذا كان صاحب كبيرة فهو في النار لا محالة ؛ وقالت الخوارج : ~~إذا كان صاحب كبيرة أو صغيرة فهو في النار مخلد ولا إيمان له ، وجعلوا آيات ~~الوعد كلها مخصصة بالمؤمن المحسن والمؤمن التائب ، وجعلوا آيات الوعيد عامة ~~في العصاة كفارا أو مؤمنين ؛ وقال أهل السنة : آيات الوعد ظاهرة العموم ولا ~~يصح نفوذ كلها لوجهه بسبب تعارضها كقوله تعالى : { لا يصلاها إلا الأشقى ~~الذي كذب وتولى } ( الليل : 15 ، 16 ) وقوله : { ومن يعص الله ورسوله فإن ~~له نار جهنم } ( الجن : 23 ) ، فلا بد أن نقول : إن آيات الوعد لفظها لفظ ~~العموم ، والمراد به الخصوص : في المؤمن المحسن ، وفيمن سبق في علم الله ~~تعالى العفو عنه دون تعذيب من العصاة ، وأن آيات الوعيد لفظها عموم والمراد ~~به الخصوص في الكفرة ، وفيمن سبق علمه تعالى أنه يعذبه من العصاة . وآية { ~~إن الله ms1963 لا يغفر أن يشرك به } جلت الشك وذلك أن قوله : { ويغفر ما دون ذلك ~~} مبطل للمعتزلة ، وقوله : { لمن يشاء } راد على المرجئة دال على أن غفران ~~ما دون الشرك لقوم دون قوم ) . ولعله بنى كلامه على تأويل الشرك به بما ~~يشمل الكفر كله ، أو بناه على أن اليهود أشركوا فقالوا : عزير ابن الله ، ~~والنصارى أشركوا فقالوا : المسيح ابن الله ، وهو تأويل الشافعي فيما نسبه ~~إليه فخر الدين ، وهو تأويل بعيد . فالإشراك له معناه في الشريعة ، والكفر ~~دونه له معناه . # والمعتزلة تأولوا الآية بما أشار إليه في ( الكشاف ) : بأن قوله { لمن ~~يشاء } معمول يتنازعه { لا يغفر } المنفي { ويغفر } المثبت . وتحقيق كلامه ~~أن يكون المعنى عليه : إن الله لا يغفر الشرك لمن يشاء ويغفر ما دون الشرك ~~لمن يشاء ، ويصير معنى لا يغفر لمن يشاء أنه لا يشاء المغفرة له إذ لو شاء ~~المغفرة له لغفر له ، لأن مشيئة الله الممكن لا يمنعها شيء ، وهي لا تتعلق ~~بالمستحيل ، فلما قال : { لا يغفر } علمنا أن ( من يشاء ) معناه لا يشاء أن ~~يغفر ، فيكون الكلام من قبيل الكناية ، مثل قولهم : لا أعرفنك تفعل كذا ، ~~أي لا تفعل فأعرفك فاعلا ، وهذا التأويل تعسف بين . # وأحسب أن تأويل الخوارج قريب من هذا . وأما المرجئة فتأولوا بما نقله ~~عنهم ابن عطية : أن مفعول { من يشاء } محذوف دل عليه قوله : { أن يشرك به } ~~، أي ويغفر ما دون PageV05P082 الشرك لمن يشاء الإيمان ، أي لمن آمن ، وهي ~~تعسفات تكره القرآنن على خدمة مذاهبهم . وعندي أن هذه الآية ، إن كانت ~~مرادا بها الإعلام بأحوال مغفرة الذنوب فهي آية اقتصر فيها على بيان ~~المقصود ، وهو تهويل شأن الإشراك ، وأجمل ما عداه إجمالا عجيبا ، بأن أدخلت ~~صوره كلها في قوله : { لمن يشاء } المقتضي مغفرة لفريق مبهم ومؤاخذة لفريق ~~مبهم . والحوالة في بيان هذا المجمل على الأدلة الأخرى المستقراة من الكتاب ~~والسنة ، ولو كانت هذه الآية مما نزل في أول البعثة لأمكن أن يقال : إن ما ~~بعدها من الآيات نسخ ما تضمنته ، ولا يهولنا ms1964 أنها خبر لأنها خبر مقصود منه ~~حكم تكليفي ، ولكنها نزلت بعد معظم القرآن ، فتعين أنها تنظر إلى كل ما ~~تقدمها ، وبذلك يستغني جميع طوائف المسلمين عن التعسف في تأويلها كل بما ~~يساعد نحلته ، وتصبح صالحة لمحامل الجميع ، والمرجع في تأويلها إلى الأدلة ~~المبينة ، وعلى هذا يتعين حمل الإشراك على معناه المتعارف في القرآن ~~والشريعة المخالف لمعنى التوحيد ، خلاف تأويل الشافعي الإشراك بما يشمل ~~اليهودية والنصرانية ، ولعله نظر فيه إلى قول ابن عمر في تحريم تزوج ~~اليهودية والنصرانية بأنهما مشركتان . . وقال : أي شرك أعظم من أن يدعى ~~الله ابن . # وأدلة الشريعة صريحة في اختلاف مفهوم هذين الوصفين ، وكون طائفة من ~~اليهود قالوا : عزير ابن الله ، والنصارى قالوا : المسيح ابن الله ، لا ~~يقتضي جعلهم مشركين إذ لم يدعوا مع ذلك لهذين إلهية تشارك الله تعالى ، ~~واختلاف الأحكام التكليفية بين الكفرين دليل على أن لا يراد بهذا اللفظ ~~مفهوم مطلق الكفر ، على أنه ماذا يغني هذا التأويل إذا كان بعض الكفرة لا ~~يقول بإلهية غير الله مثل معظم اليهود . # وقد اتفق المسلمون كلهم على أن التوبة من الكفر ، أي الإيمان ، يوجب ~~مغفرته سواء كان كفر إشراك أم كفرا بالإسلام ، لا شك في ذلك ، إما بوعد ~~الله عند أهل السنة ، أو بالوجوب العقلي عند المعتزلة ؛ وأن الموت على ~~الكفر مطلقا لا يغفر بلا شك . إما بوعيد الله ، أو بالوجوب العقلي ؛ وأن ~~المذنب إذا تاب يغفر ذنبه قطعا ، إما بوعد الله أو بالوجوب العقلي . واختلف ~~في المذنب إذا مات على ذنبه ولم يتب أو لم يكن له من الحسنات ما يغطي على ~~ذنوبه ، فقال أهل السنة : يعاقب ولا يخلد في العذاب بنص الشريعة ، لا ~~بالوجوب ، وهو معنى المشيئة ، فقد شاء الله ذلك وعرفنا مشيئته بأدلة الكتاب ~~والسنة . PageV05P083 # وقال المعتزلة والخوارج : هو في النار خالدا بالوجوب العقلي . وقال ~~المرجئة : لا يعاقب بحال ، وكل هاته الأقسام داخل في إجمال { لمن يشاء } . # وقوله : { ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما } زيادة في تشنيع حال ~~الشرك . والافتراء : الكذب الذي ms1965 لا شبهة للكاذب فيه . لأنه مشتق من القرى ، ~~وهو قطع الجلد . وهذا مثل ما أطلقوا عليه لفظ الاختلاق من الخلق . وهو قطع ~~الجلد ، وتقدم عند قوله تعالى : { قال كذلك الله يخلق ما يشاء في سورة آل ~~عمران . والإثم العظيم : الفاحشة الشديدة . # # | 2 ( 49 ، 50 ) ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكى من يشآء ولا ~~يظلمون فتيلا * انظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثما مبينا } . ) 2 # تعجيب من حال اليهود إذ يقولون { نحن أبناء الله وأحباؤه } ( المائدة : ~~18 ) وقالوا : { لن يدخل الجنة إلا من كان هودا } ( البقرة : 111 ) ونحو ~~ذلك من إدلالهم الكاذب . # وقوله : { بل الله يزكي من يشاء } إبطال لمعتقدهم بإثبات ضده ، وهو أن ~~التزكية شهادة من الله ، ولا ينفع أحدا أن يزكي نفسه . وفي تصدير الجملة ب ~~( بل ) تصريح بإبطال تزكيتهم . وأن الذين زكوا أنفسهم لاحظ لهم في تزكية ~~الله ، وأنهم ليسوا ممن يشاء الله تزكيته ، ولو لم يذكر ( بل ) فقيل و { ~~الله يزكي من يشاء } لكان لهم مطمع أن يكونوا ممن زكاه الله تعالى . # ومعنى { ولا يظلمون فتيلا } أي أن الله لم يحرمهم ما هم به أحرياء ، وأن ~~تزكية الله غيرهم لا تعد ظلما لهم لأن الله يقول الحق وهو يهدي السبيل ولا ~~يظلم أحدا . # والفتيل : شبه خيط في شق نواة التمرة . وقد شاع استعارته للقلة إذ هو لا ~~ينتفع به ولا له مرأى واضح . PageV05P084 # وانتصب { فتيلا } على النيابة عن المفعول المطلق ، لأنه على معنى التشبيه ~~، إذ التقدير : ظلما كالفتيل ، أي بقدره ، فحذفت أداة التشبيه ، وهو كقوله ~~: { إن الله لا يظلم مثقال ذرة } ( النساء : 40 ) . # وقوله : { انظر كيف يفترون على الله الكذب } جعل افتراءهم الكذب ، لشدة ~~تحقق وقوعه ، كأنه أمر مرئي ينظره الناس بأعينهم ، وإنما هو مما يسمع ويعقل ~~، وكلمة { وكفى به إثما مبينا } نهاية في بلوغه غاية الإثم كما يؤذن به ~~تركيب ( كفى به كذا ) ، وقد تقدم القول في ( كفى ) عند قوله آنفا { وكفى ~~بالله شهيدا } ( الفتح : 28 ) . # # | 2 ( 51 ، 52 ) { ألم تر ms1966 إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت ~~والطاغوت ويقولون للذين كفروا هاؤلاء أهدى من الذين ءامنوا سبيلا * أولائك ~~الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا } . ) 2 # أعيد التعجيب من اليهود ، الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ، بما هو أعجب من ~~حالهم التي مر ذكرها في قوله : { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ~~يشترون الضلالة } ( النساء : 44 ) ؛ فإن إيمانهم بالجبت والطاغوت وتصويبهم ~~للمشركين تباعد منهم عن أصول شرعهم بمراحل شاسعة ، لأن أول قواعد التوراة ~~وأولى كلماتها العشر هي ( لا يكن لك آلهة أخرى أمامي ، لا تصنع لك تمثالا ~~منحوتا ، لا تسجد لهن ولا تعبدهن ) . وتقدم بيان تركيب { ألم تر إلى الذين ~~أوتوا نصيبا من الكتاب } آنفا في سورة آل عمران ( 23 ) . # والجبت : كلمة معربة من الحبشية ، أي الشيطان والسحر ؛ لأن مادة : ج ب ت ~~مهملة في العربية ، فتعين أن تكون هذه الكلمة دخيلة . وقيل : أصلها جبس : ~~وهو ما لا خير فيه ، فأبدلت السين تاء كما أبدلت في قول علباء بن أرقم : # يا لعن الله بني السعلات ، عمرو بن يربوع شرار النات ، ليسوا أعفاء ولا ~~أكيات ، أي شرار الناس ولا بأكياس . وكما قالوا : الجت بمعنى الجس . ~~PageV05P085 # والطاغوت : الأصنام كذا فسره الجمهور هنا ونقل عن مالك بن أنس . وهو اسم ~~يقع على الواحد والجمع فيقال : للصنم طاغوت وللأصنام طاغوت ، فهو نظير طفل ~~وفلك . ولعل التزام اقترانه بلام تعريف الجنس هو الذي سوغ إطلاقه على ~~الواحد والجمع نظير الكتاب والكتب . ثم لما شاع ذلك طردوه حتى في حالة ~~تجرده عن اللام ، قال تعالى : { يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا ~~أن يكفروا به } ( النساء : 60 ) فأفرده ، وقال : { والذين اجتنبوا الطاغوت ~~أن يعبدوها } ( الزمر : 17 ) ، وقال : { والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت ~~يخرجونهم } ( البقرة : 257 ) الخ . وهذا الاسم مشتق من طغى يطغو إذا تعاظم ~~وترفع ، وأصله مصدر بوزن فعلوت للمبالغة ، مثل : رهبوت ، وملكوت ، ورحموت ، ~~وجبروت ، فأصله طغووت فوقع فيه قلب مكاني بتقديم لام الكلمة على عينها فصار ~~طوغوت بوزن فلعوت ، والقصد من ms1967 هذا القلب تأتي إبدال الواو ألفا بتحركها ~~وانفتاح ما قبلها ، وهم قد يقلبون حروف الكلمة ليتأتى الإبدال كما قلبوا ~~أرءام جمع ريم إلى آرام ليتأتى إبدال الهمزة الثانية الساكنة ألفا بعد ~~الأولى المفتوحة ، وقد ينزلون هذا الاسم منزلة المفرد فيجمعونه جمع تكسير ~~على طواغيت ووزنه فعاليل ، وورد في الحديث : ( لا تحلفوا بالطواغيت ) . وفي ~~كلام ابن المسيب في ( صحيح البخاري ) : البحيرة التي يمنع درها للطواغيت . # وقد يطلق الطاغوت على عظيم أهل الشرك كالكاهن ، لأنهم يعظمونه لأجل ~~أصنامهم ، كما سيأتي في قوله تعالى : { يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت في ~~هذه السورة ( النساء : 60 ) . # والآية تشير إلى ما وقع من بعض اليهود ، وفيهم كعب بن الأشرف ، وحيي بن ~~أخطب ، فإنهم بعد وقعة أحد طمعوا أن يسعوا في استئصال المسلمين ، فخرجوا ~~إلى مكة ليحالفوا المشركين على قتال المسلمين ، فنزل كعب عند أبي سفيان ، ~~ونزل بقيتهم في دور قريش ، فقال لهم المشركون ( أنتم أهل كتاب ولعلكم أن ~~تكونوا أدنى إلى محمد وأتباعه منكم إلينا فلا نأمن مكركم ) فقالوا لهم ( إن ~~عبادة الأصنام أرضى عند الله مما يدعو إليه محمد وأنتم أهدى سبيلا ) فقال ~~لهم المشركون ( فاسجدوا لآلهتنا حتى نطمئن إليكم ) ففعلوا ، ونزلت هذه ~~الآية إعلاما من الله لرسوله بما بيته اليهود وأهل مكة . # واللام في قوله للذين كفروا } لام العلة ، أي يقولون لأجل الذين كفروا ~~وليس لام تعدية فعل القول ، وأريد بهم مشركو مكة وذلك اصطلاح القرآن في ~~إطلاق صفة الكفر PageV05P086 أنه الشرك ، والإشارة بقوله : { هؤلاء أهدى } ~~إلى الذين كفروا ، وهو حكاية للقول بمعناه ، لأنهم إنما قالوا : ( أنتم ~~أهدى من محمد وأصحابه ) ، أو قال بعض اليهود لبعض في شأن أهل مكة { هؤلاء ~~أهدى } ، أي حين تناجوا وزوروا ما سيقولونه ، وكذلك قوله { من الذين آمنوا ~~} حكاية لقولهم بالمعنى نداء على غلطهم ، لأنهم إنما قالوا : ( هؤلاء أهدى ~~من محمد وأتباعه ) وإذ كان محمد وأتباعه مؤمنين فقد لزم من قولهم : إن ~~المشركين أهدى من المؤمنين . وهذا محل التعجيب . # وعقب التعجيب بقوله { أولئك الذين لعنهم الله } . وموقع اسم الإشارة ms1968 هنا ~~في نهاية الرشاقة ، لأن من بلغ من وصف حاله هذا المبلغ صار كالمشاهد ، ~~فناسب بعد قوله { ألم ترى } أن يشار إلى هذا الفريق المدعى أنه مرئي ، ~~فيقال : ( أولئك ) . وفي اسم الإشارة تنبيه على أن المشار إليهم جديرون بما ~~سيذكر من الحكم لأجل ما تقدم من أحوالهم . # والصلة التي في قوله { الذين لعنهم الله } ليس معلوما للمخاطبين اتصاف ~~المخبر عنهم بها اتصاف من اشتهر بها ؛ فالمقصود أن هؤلاء هم الذين إن سمعتم ~~بقوم لعنهم الله فهم هم . # ويجوز أن يكون المسلمون قد علموا أن اليهود ملعونون ، فالمقصود من الصلة ~~هو ما عطف عليها بقوله { ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا } . والموصول على ~~كلا الاحتمالين فيه إيماء إلى تعليل الإخبار الضمني عنهم : بأنهم لا نصير ~~لهم ، لأنهم لعنهم الله ، والذي يلعنه لا نصير له . وهذا مقابل قوله في شأن ~~المسلمين { والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا } ( ~~النساء : 45 ) . # PageV05P087 # | 2 ( 53 55 ) { أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا * أم ~~يحسدون الناس على مآ ءاتاهم الله من فضله فقد ءاتينآ ءال إبراهيم الكتاب ~~والحكمة وءاتيناهم ملكا عظيما * فمنهم من ءامن به ومنهم من صد عنه وكفى ~~بجهنم سعيرا } . ) 2 # ( أم ) للإضراب الانتقالي . وهي تؤذن بهمزة استفهام محذوفة بعدها ، أي : ~~بل ألهم نصيب من الملك فلا يؤتون الناس نقيرا . # والاستفهام إنكاري حكمه حكم النفي . والعطف بالفاء على جملة { لهم نصيب } ~~وكذلك ( إذن ) هي جزاء لجملة { لهم نصيب } ، واعتبر الاستفهام داخلا على ~~مجموع الجملة وجزائها معا ؛ لأنهم ينتفي إعطاؤهم الناس نقيرا على تقدير ~~ثبوت الملك لهم لا على انتفائه . وهذا الكلام تهكم عليهم في انتظارهم هو أن ~~يرجع إليهم ملك إسرائيل ، وتسجيل عليهم بالبخل الذي لا يؤاتي من يرجون ~~الملك . كما قال أبو الفتح البستي : # إذا ملك لم يكن ذا هبه # فدعه فدولته ذاهبه # وشحهم وبخلهم معروف مشهور . # والنقير : شكلة في النواة كالدائرة ، يضرب بها المثل في القلة . # ولذلك عقب هذا الكلام بقوله { أم يحسدون الناس على ms1969 ما آتاهم الله من فضله ~~} . # والاستفهام المقدر بعد ( أم ) هذه إنكار على حسدهم ، وليس مفيدا لنفي ~~الحسد لأنه واقع . والمراد بالناس النبي صلى الله عليه وسلم والفضل النبوءة ~~، أو المراد به النبي والمؤمنون ، والفضل الهدى بالإيمان . # وقوله { فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب } عطف على مقدر من معنى الاستفهام ~~الإنكاري ، توجيها للإنكار عليهم ، أي فلا بدع فيما حسدوه إذ قد آتينا آل ~~إبراهيم الكتاب والحكمة والملك . # وآل إبراهيم : أبناؤه وعقبه ونسله ، وهو داخل في هذا الحكم لأنهم إنما ~~أعطوه لأجل كرامته عند الله ووعد الله إياه بذلك . وتعريف ( الكتاب ) : ~~تعريف الجنس ، فيصدق PageV05P088 بالمتعدد ، فيشمل صحف إبراهيم ، وصحف موسى ~~، وما أنزل بعد ذلك . والحكمة : النبوءة ، والملك : هو ما وعد الله به ~~إبراهيم أن يعطيه ذريته وما آتى الله داوود وسليمان وملوك إسرائيل . # وضمير { منهم } يجوز أن يعود إلى ما عاد إليه ضمير { يحسدون } . وضمير { ~~به } يعود إلى الناس المراد منه محمد عليه السلام : أي فمن الذين أوتوا ~~نصيبا من الكتاب من آمن بمحمد ، ومنهم من أعرض . والتفريع في قوله : { ~~فمنهم } على هذا التفسير ناشيء على قوله { أم يحسدون الناس } . ويجوز أن ~~يعود ضمير { فمنهم } إلى آل إبراهيم ، وضمير { به } إلى إبراهيم ، أي فقد ~~آتيناهم ما ذكر . ومن آله من آمن به ، ومنهم من كفر مثل أبيه آزر ، وامرأة ~~ابن أخيه لوط ، أي فليس تكذيب اليهود محمدا بأعجب من ذلك ، { سنة من قد ~~أرسلنا قبلك من رسلنا } ( الإسراء : 77 ) ، ليكون قد حصل الاحتجاج عليهم في ~~الأمرين في إبطال مستند تكذيبهم ؛ بإثباتت أن إتيان النبوءة ليس ببدع ، وأن ~~محمدا من آل إبراهيم ، فليس إرساله بأعجب من إرسال موسى . وفي تذكيرهم بأن ~~هذه سنة الأنبياء حتى لا يعدوا تكذيبهم محمدا صلى الله عليه وسلم ثلمة في ~~نبوءته ، إذ لا يعرف رسولا أجمع أهل دعوته على تصديقه من إبراهيم فمن بعده ~~. # وقوله : { وكفى بجهنم سعيرا } تهديد ووعيد للذين يؤمنون بالجبت والطاغوت ~~. وتفسير هذا التركيب تقدم آنفا في قوله تعالى : { وكفى بالله وليا من هذه ~~السورة ( النساء ms1970 : 45 ) . # # | 2 ( 56 ، 57 ) { إن الذين كفروا بئاياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت ~~جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما * ~~والذين ءامنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجرى من تحتها الانهار خالدين ~~فيهآ أبدا لهم فيهآ أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا } . ) 2 # تهديد ووعيد لجميع الكافرين ، فهي أعم مما قبلها ، فلها حكم التذييل ، ~~ولذلك فصلت . والإصلاء : مصدر أصلاه ، ويقال : صلاه صليا ، ومعناه شي اللحم ~~على النار ، PageV05P089 وقد تقدم الكلام على ( صلى ) عند قوله تعالى : { ~~وسيصلون سعيرا } ( النساء : 10 ) وقوله : { فسوف نصليه نارا } في هذه ~~السورة ( النساء : 30 ) ، وتقدم أيضا الكلام على ( سوف ) في الآية الأخيرة ~~. و { نصليهم } بضم النون من الإصلاء . و { نضجت } بلغت نهاية الشي ، يقال ~~: نضج الشواء إذا بلغ حد الشي ، ويقال : نضج الطبيخ إذا بلغ حد الطبخ . ~~والمعنى : كلما احترقت جلودهم ، فلم يبق فيها حياة وإحساس . بدلناهم ، أي ~~عوضناهم جلودا غيرها ، والتبديل يقتضي المغايرة كما تقدم في قوله في سورة ~~البقرة : { أتستبدلون الذي هو أدنى } ( البقرة : 61 ) . فقوله : { غيرها } ~~تأكيد لما دل عليه فعل التبديل . وانتصب { نارا } على أنه مفعول ثان لأنه ~~من باب أعطى . # وقوله : { ليذوقوا العذاب } تعليل لقوله : { بدلناهم } لأن الجلد هو الذي ~~يوصل إحساس العذاب إلى النفس بحسب عادة خلق الله تعالى ، فلو لم يبدل الجلد ~~بعد احتراقه لما وصل عذاب النار إلى النفس . وتبديل الجلد مع بقاء نفس ~~صاحبه لا ينافي العدل لأن الجلد وسيلة إبلاغ العذاب وليس هو المقصود ~~بالتعذيب ، ولأنه ناشىء عن الجلد الأول كما أن إعادة الأجسام في الحشر بعد ~~اضمحلالها لا يوجب أن تكون أناسا غير الذين استحقوا الثواب والعقاب لأنها ~~لما أودعت النفوس التي اكتسبت الخير والشر فقد صارت هي هي ولا سيما إذا ~~كانت إعادتها عن إنبات من أعجاب الأذناب ، حسبما ورد به الأثر ، لأن ~~الناشىء عن الشيء هو منه كالنخلة من النواة . # وقوله : { إن الله كان عزيزا حكيما } واقع موقع التعليل لما قبله ، ~~فالعزة يتأتى بها تمام القدرة في عقوبة المجترىء على الله ms1971 ، والحكمة يتأتى ~~بها تلك الكيفية في إصلائهم النار . # وقوله : { والذين آمنوا وعملوا الصالحات } ذكر هنا للمقابلة وزيادة الغيظ ~~للكافرين . واقتصر من نعيم الآخرة على لذة الجنات والأزواج الصالحات ، ~~لأنهما أحب اللذات المتعارفة للسامعين ، فالزوجة الصالحة آنس شيء للإنسان ، ~~والجنات محل النعيم وحسن المنظر . # وقوله : { وندخلهم ظلا ظليلا } هو من تمام محاسن الجنات ، لأن الظل إنما ~~يكون مع الشمس ، وذلك جمال الجنات ولذة التنعم برؤية النور مع انتفاء حره . ~~ووصف بالظليل وصفا مشتقا من اسم الموصوف للدلالة على بلوغه الغاية في جنسه ~~، فقد يأتون بمثل هذا الوصف بوزن فعيل : كما هنا ، وقولهم : داء دوي ، ~~ويأتون به بوزن PageV05P090 أفعل : كقولهم : ليل أليل ويوم أيوم ، ويأتون ~~بوزن فاعل : كقولهم : شعر شاعر ، ونصب ناصب . # $ 2 ( 58 ) { إن الله يأمركم أن تؤدوا الاحمانات إلى & # 1764 أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به ~~إن الله كان سميعا بصيرا } . ) 2 $ # استئناف ابتدائي قصد منه الإفاضة في بيان شرائع العدل والحكم ، ونظام ~~الطاعة ، وذلك من الأغراض التشريعية الكبرى التي تضمنتها هذه السورة ، ولا ~~يتعين تطلب المناسبة بينه وبين ما سبقه ، فالمناسبة هي الانتقال من أحكام ~~تشريعية إلى أحكام أخرى في أغراض أخرى . وهنا مناسبة ، وهي أن ما استطرد من ~~ذكر أحوال أهل الكتاب في تحريفهم الكلم عن مواضعه ، وليهم ألسنتهم بكلمات ~~فيها توجيه من السب ، وافترائهم على الله الكذب ، وحسدهم بإنكار فضل الله ~~إذ آتاه الرسول والمؤمنين ، كل ذلك يشتمل على خيانة أمانة الدين ، والعلم ، ~~والحق ، والنعمة ، وهي أمانات معنوية ، فناسب أن يعقب ذلك بالأمر بأداء ~~الأمانة الحسية إلى أهلها ويتخلص إلى هذا التشريع . # وجملة { إن الله يأمركم } صريحة في الأمر والوجوب ، مثل صراحة النهي في ~~قوله في الحديث ( إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم ) . ( وإن ) فيها لمجرد ~~الاهتمام بالخبر لظهور أن مثل هذا الخبر لا يقبل الشك حتى يؤكد لأنه إخبار ~~عن إيجاد شيء لا عن وجوده ، فهو والإنشاء سواء . # والخطاب لكل من يصلح لتلقي هذا الخطاب والعمل به من كل ms1972 مؤتمن على شيء ، ~~ومن كل من تولى الحكم بين الناس في الحقوق . # والأداء حقيقة في تسليم ذات لمن يستحقها ، يقال : أدى إليه كذا ، أي دفعه ~~وسلمه ، ومنه أداء الدين . وتقدم في قوله تعالى : { من إن تأمنه بقنطار ~~يؤده إليك في سورة آل PageV05P091 عمران ( 75 ) . وأصل أدى أن يكون مضاعف ~~أدى بالتخفيف بمعنى أوصل ، لكنهم أهملوا أدى المخفف واستغنوا عنه بالمضاعف ~~. # ويطلق الأداء مجازا على الاعتراف والوفاء بشيء . وعلى هذا فيطلق أداء ~~الأمانة على قول الحق والاعتراف به وتبليغ العلم والشريعة على حقها ، ~~والمراد هنا هو الأول من المعنيين ، ويعرف حكم غيره منهما أو من أحدهما ~~بالقياس عليه قياس الأدون . # والأمانة : الشيء الذي يجعله صاحبه عند شخص ليحفظه إلى أن يطلبه منه ، ~~وقد تقدم الكلام عليها عند قوله تعالى فليؤد الذي ائتمن أمانته } في سورة ~~البقرة ( 283 ) . وتطلق الأمانة مجازا على ما يجب على المكلف إبلاغه إلى ~~أربابه ومستحقيه من الخاصة والعامة كالدين والعلم والعهود والجوار والنصيحة ~~ونحوها ، وضدها الخيانة في الإطلاقين . والأمر للوجوب . # والأمانات من صيغ العموم ، فلذلك قال جمهور العلماء فيمن ائتمنه رجل على ~~شيء وكان للأمين حق عند المؤتمن جحده إياه : إنه لا يجوز له أخذ الأمانة ~~عوض حقه لأن ذلك خيانة ، ومنعه مالك في المدونة ، وعن ابن عبد الحكم : أنه ~~يجوز له أن يجحده بمقدار ما عليه له ، وهو قول الشافعي . قال الطبري عن ابن ~~عباس ، وزيد بن أسلم ، وشهر بن حوشب ، ومكحول : أن المخاطب ولاة الأمور ، ~~أمرهم أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها . وقيل : نزلت في أمر عثمان بن طلحة بن ~~أبي طلحة . # وأهل الأمانة هم مستحقوها ، يقال : أهل الدار ، أي أصحابها . وذكر ~~الواحدي في أسباب النزول ، بسند ضعيف : أن الآية نزلت يوم فتح مكة إذ سلم ~~عثمان بن طلحة ابنن أبي طلحة العبدري الحجبي مفتاح الكعبة للنبيء صلى الله ~~عليه وسلم وكانت سدانة الكعبة بيده ، وهو من بني عبد الدار وكانت السدانة ~~فيهم ، فسأل العباس بن عبد المطلب من رسول الله أن يجعل له سدانة الكعبة ms1973 ~~يضمها مع السقاية وكانت السقاية بيده ، وهي في بني هاشم ، فدعا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عثمان بن طلحة وابن عمه شيبة بن عثمان بن أبي طلحة ، ~~فدفع لهما مفتاح الكعبة وتلا هذه الآية ، قال عمر بن الخطاب : وما كنت ~~سمعتها منه قبل ذلك ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعثمان بن طلحة ( ~~خذوها خالدة تالدة لا ينتزعها منكم إلا ظالم ) ، ولم يكن أخذ النبي ~~PageV05P092 صلى الله عليه وسلم مفتاح الكعبة من عثمان بن طلحة أخذ انتزاع ~~، ولكنه أخذه ينتظر الوحي في شأنه ، لأن كون المفتاح بيد عثمان بن طلحة ~~مستصحب من قبل الإسلام ، ولم يغير الإسلام حوزه إياه ، فلما نزلت الآية ~~تقرر حق بني عبد الدار فيه بحكم الإسلام ، فبقيت سدانة الكعبة في بني عبد ~~الدار ، ونزل عثمان بن طلحة عنها لابن عمه شيبة بن عثمان ، وكانت السدانة ~~من مناصب قريش في الجاهلية فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم بعضها في خطبة ~~يوم الفتح أو حجة الوداع ، ما عدا السقاية والسدانة . # فإطلاق اسم الأمانة في الآية حقيقة ، لأن عثمان سلم مفتاح الكعبة للنبيء ~~عليه الصلاة والسلام دون أن يسقط حقه . # والأداء حينئذ مستعمل في معناه الحقيقي ، لأن الحق هنا ذات يمكن إيصالها ~~بالفعل لمستحقها ، فتكون الآية آمرة بجميع أنواع الإيصال والوفاءات ، ومن ~~جملة ذلك دفع الأمانات الحقيقية ، فلا مجاز في لفظ ( تؤدوا ) . # وقوله : { وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل } عطف { أن تحكموا } ~~على { أن تؤدوا } وفصل بين العاطف والمعطوف الظرف ، وهو جائز ، مثل قوله : ~~{ وفي الآخرة حسنة } ( البقرة : 201 ) وكذلك في عطف الأفعال على الصحيح : ~~مثل { وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون وإذا بطشتم بطشتم جبارين } ( الشعراء : ~~129 ، 130 ) . # والحكم مصدر حكم بين المتنازعين ، أي اعتنى بإظهار المحق منهما من المبطل ~~، أو إظهار الحق لأحدهما وصرح بذلك ، وهو مشتق من الحكم بفتح الحاء وهو ~~PageV05P093 الردع عن فعلل ما لا ينبغي ، ومنه سميت حكمة اللجام ، وهي ~~الحديدة التي تجعل في فم الفرس ، ويقال : أحكم فلانا ، أي أمسكه . # والعدل : ضد الجور ms1974 ، فهو في اللغة التسوية ، يقال : عدل كذا بكذا ، أي ~~سواه به ووازنه عدلا { ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } ( الأنعام : 1 ) ، ثم ~~شاع إطلاقه على إيصال الحق إلى أهله ، ودفع المعتدي على الحق عن مستحقه ، ~~إطلاقا ناشئا عما اعتاده الناس أن الجور يصدر من الطغاة الذين لا يعدون ~~أنفسهم سواء مع عموم الناس ، فهم إن شاءوا عدلوا وأنصفوا ، وإن شاءوا جاروا ~~وظلموا ، قال لبيد : # ومقسم يعطي العشيرة حقها # ومغذمر لحقوقها هضامها # فأطلق لفظ العدل الذي هو التسوية على تسوية نافعة يحصل بها الصلاح والأمن ~~، وذلك فك الشيء من يد المعتدي ، لأنه تظهر فيه التسوية بين المتنازعين ، ~~فهو كناية غالبة . ومظهر ذلك هو الحكم لصاحب الحق بأخذ حقه ممن اعتدى عليه ~~، ولذلك قال تعالى هنا : { إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل } ، ثم ~~توسعوا في هذا الإطلاق حتى صار يطلق على إبلاغ الحق إلى ربه ولو لم يحصل ~~اعتداء ولا نزاع . # والعدل : مساواة بين الناس أو بين أفراد أمة : في تعيين الأشياء لمستحقها ~~، وفي تمكين كل ذي حق من حقه ، بدون تأخير ، فهو مساواة في استحقاق الأشياء ~~وفي وسائل تمكينها بأيدي أربابها ، فالأول هو العدل في تعيين الحقوق ، ~~والثاني هو العدل في التنفيذ ، وليس العدل في توزيع الأشياء بين الناس سواء ~~بدون استحقاق . # فالعدل وسط بين طرفين ، هما : الإفراط في تخويل ذي الحق حقه ، أي بإعطائه ~~أكثر من حقه ، والتفريط في ذلك ، أي بالإجحاف له من حقه ، وكلا الطرفين ~~يسمى جورا ، وكذلك الإفراط والتفريط في تنفيذ الإعطاء بتقديمه على وقته ، ~~كإعطاء المال بيد السفيه ، أو تأخيره كإبقاء المال بيد الوصي بعد الرشد ، ~~ولذلك قال تعالى : { ولا تؤتوا السفهاء أموالكم إلى قوله : فإن آنستم منهم ~~رشدا فادفعوا إليهم أموالهم } ( النساء : 5 ، 6 ) ؛ فالعدل يدخل في جميع ~~المعاملات . وهو حسن في الفطرة لأنه كما يصد المعتدي عن اعتدائه ، ~~PageV05P094 كذلك يصد غيره عن الاعتداء عليه ، كما قال تعالى : { لا تظلمون ~~ولا تظلمون } ( البقرة : 279 ) . وإذ قد كان العدل بهذه الاعتبارات تجول في ~~تحديده أفهام مخطئة ms1975 تعين أن تسن الشرائع لضبطه على حسب مدارك المشرعين ~~ومصطلحات المشرع لهم ، على أنها معظمها لم يسلم من تحريف لحقيقة العدل في ~~بعض الاحوال ، فإن بعض القوانين أسست بدافعة الغضب والأنانية ، فتضمنت ~~أخطاء فاحشة مثل القوانين التي يمليها الثوار بدافع الغضب على من كانوا ~~متولين الأمور قبلهم ، وبعض القوانين المتفرعة عن تخيلات وأوهام ، كقوانين ~~أهل الجاهلية والأمم العريقة في الوثنية . # ونجد القوانين التي سنها الحكماء أمكن في تحقيق منافع العدل مثل قوانين ~~أثينة وإسبرطة ، وأعلى القوانين هي الشرائع الألهية لمناسبتها لحال من شرعت ~~لأجلهم ، وأعظمها شريعة الإسلام لابتنائها على أساس المصالح الخالصة أو ~~الراجحة ، وإعراضها عن أهواء الأمم والعوائد الضالة ، فإنها لا تعبأ ~~بالأنانية والهوى ، ولا بعوائد الفساد ، ولأنها لا تبنى على مصالح قبيلة ~~خاصة ، أو بلد خاص ، بل تبتنى على مصالح النوع البشري وتقويمه وهديه إلى ~~سواء السبيل ، ومن أجل هذا لم يزل الصالحون من القادة يدونون بيان الحقوق ~~حفظا للعدل بقدر الإمكان وخاصة الشرائع الإلهية ، قال تعالى : { لقد أرسلنا ~~رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط } ( ~~الحديد : 25 ) أي العدل . فمنها المنصوص عليه على لسان رسول البشرية ومنها ~~ما استنبطه علماء تلك الشريعة فهو مدرج فيها وملحق بها . # وإنما قيد الأمر بالعدل بحالة التصدي للحكم بين الناس ، وأطلق الأمر برد ~~الأمانات إلى أهلها عن التقييد : لأن كل أحد لا يخلو من أن تقع بيده أمانة ~~لغيره لا سيما على اعتبار تعميم المراد بالأمانات الشامل لما يجب على المرء ~~إبلاغه لمستحقه كما تقدم ، بخلاف العدل فإنما يؤمر به ولاة الحكم بين الناس ~~، وليس كل أحد أهلا لتولي ذلك . فتلك نكتة قوله : { وإذا حكمتم بين الناس } ~~. قال الفخر : قوله : { وإذا حكمتم } هو كالتصريح بأنه ليس لجميع الناس أن ~~يشرعوا في الحكم بل ذلك لبعضهم ، فالآية مجملة في أنه بأي طريق يصير حاكما ~~ولما دلت الدلائل على أنه لا بد للأمة من إمام وأنه ينصب القضاة والولاة ~~صارت تلك الدلائل كالبيان لهذه الآية . PageV05P095 # وجملة { إن الله نعما يعظكم به ms1976 } واقعة موقع التحريض على امتثال الأمر ، ~~فكانت بمنزلة التعليل ، وأغنت ( إن ) في صدر الجملة عن ذكر فاء التعقيب ، ~~كما هو الشأن إذا جاءت ( إن ) للاهتمام بالخبر دون التأكيد . # و ( نعما ) أصله ( نعم ما ) ركبت ( نعم ) مع ( ما ) بعد طرحح حركة الميم ~~الأولى وتنزيلها منزلة الكلمة الواحدة ، وأدغم الميمان وحركت العين الساكنة ~~بالكسر للتخلص من التقاء الساكنين . # و ( ما ) جوز النحاة أن تكون اسم موصول ، أو نكرة موصوفة ، أو نكرة تامة ~~والجملة التي بعد ( ما ) تجري على ما يناسب معنى ( ما ) ، وقيل : إن ( ما ) ~~زائدة كافة ( نعم ) عن العمل . # والوعظ : التذكير والنصح ، وقد يكون فيه زجر وتخويف . # وجملة { إن الله كان سميعا بصيرا } أي عليما بما تفعلون وما تقولون ، ~~وهذه بشارة ونذارة . # $ 2 ( 59 ) { ي & # 1764 اأيها الذين ءامنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الامر منكم ~~فإن تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم ~~الاخر ذالك خير وأحسن تأويلا } . ) 2 $ # لما أمر الله الأمة بالحكم بالعدل عقب ذلك بخطابهم بالأمر بطاعة الحكام ~~ولاة أمورهم ؛ لأن الطاعة لهم هي مظهر نفوذ العدل الذي يحكم به حكامهم ، ~~فطاعة الرسول تشتمل على احترام العدل المشرع لهم وعلى تنفيذه ، وطاعة ولاة ~~الأمور تنفيذ للعدل ، وأشار بهذا التعقيب إلى أن الطاعة المأمور بها هي ~~الطاعة في المعروف ، ولهذا قال علي : ( حق على الإمام أن يحكم بالعدل ويودي ~~الأمانة ، فإذا فعل ذلك فحق على الرعية أن يسمعوا ويطيعوا ) . أمر الله ~~بطاعة الله ورسوله وذلك بمعنى طاعة الشريعة ، فإن الله هو منزل الشريعة ~~ورسوله مبلغها والحاكم بها في حضرته . PageV05P096 # وإنما أعيد فعل : { وأطيعوا الرسول } مع أن حرف العطف يغني عن إعادته ~~إظهارا للاهتمام بتحصيل طاعة الرسول لتكون أعلى مرتبة من طاعة أولي الأمر ، ~~ولينبه على وجوب طاعته فيما يأمر به ، ولو كان أمره غير مقترن بقرائن تبليغ ~~الوحي لئلا يتوهم السامع أن طاعة الرسول المأمور بها ترجع إلى طاعة الله ~~فيما يبلغه عن الله دون ما يأمر به في غير التشريع ، فإن امتثال ms1977 أمره كله ~~خير ، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا أبا سعيد بن المعلى ، وأبو ~~سعيد يصلي ، فلم يجبه فلما فرغ من صلاته جاءه فقال له : ( ما منعك أن ~~تجيبني ) فقال : ( كنت أصلي ) فقال : ( ألم يقل الله { يأيها الذين آمنو ~~استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم } ( الأنفال : 24 ) ) ؛ ولذلك كانوا إذا لم ~~يعلموا مراد الرسول من أمره ربما سألوه : أهو أمر تشريع أم هو الرأي والنظر ~~، كما قال له الحباب بن المنذر يوم بدر حين نزل جيش المسلمين : أهذا منزل ~~أنزلكه الله ليس لنا أن نجتازه أم هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ قال : بل ~~الرأي والحرب والمكيدة . . . ) الحديث . ولما كلم بريرة في أن تراجع زوجها ~~مغيثا بعد أن عتقت ، قالت له : أتأمر يا رسول الله أم تشفع ، قال : بل أشفع ~~، قالت : لا أبقى معه . # ولهذا لم يعد فعل { فردوه } في قوله : { والرسول } لأن ذلك في التحاكم ~~بينهم ، والتحاكم لا يكون إلا للأخذ بحكم الله في شرعه ، ولذلك لا نجد ~~تكريرا لفعل الطاعة في نظائر هذه الآية التي لم يعطف فيها أولو الأمر مثل ~~قوله تعالى : { يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم ~~تسمعون } ( الأنفال : 20 ) وقوله : { وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا ~~فتفشلوا } ( الأنفال : 46 ) { ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك ~~هم الفائزون } ( النور : 52 ) ، إذ طاعة الرسول مساوية لطاعة الله لأن ~~الرسول هو المبلغ عن الله فلا يتلقى أمر الله إلا منه ، وهو منقذ أمر الله ~~بنفسه ، فطاعته طاعة تلق وطاعة امتثال ، لأنه مبلغ ومنقذ ، بخلاف أولي ~~الأمر فإنهم منقذون لما بلغه الرسول فطاعتهم طاعة امتثال خاصة . ولذلك ~~كانوا إذا أمرهم بعمل في غير أمور التشريع ، يسألونه أهذا أمر أم رأي ~~وإشارة فإنه لما قال للذين يأبرون النخل ( لو لم تفعلوا لصلح ) . # وقوله : { وأولي الأمر } يعني ذويه وهم أصحاب الأمر والمتولون له . ~~والأمر هو الشأن ، أي ما يهتم به من الأحوال والشؤون ، فأولو الأمر من ~~الأمة ومن القوم هم الذين PageV05P097 يسند الناس إليهم تدبير شؤونهم ms1978 ~~ويعتمدون في ذلك عليهم ، فيصير الأمر كأنه من خصائصهم ، فلذلك يقال لهم : ~~ذوو الأمر وأولو الأمر ، ويقال في ضد ذلك : ليس له من الأمر شيء . ولما أمر ~~الله بطاعة أولي الأمر علمنا أن أولي الأمر في نظر الشريعة طائفة معينة ، ~~وهم قدوة الأمة وأمناؤها ، فعلمنا أن تلك الصفة تثبت لهم بطرق شرعية إذ ~~أمور الإسلام لا تخرج عن الدائرة الشرعية ، وطريق ثبوت هذه الصفة لهم إما ~~الولاية المسندة إليهم من الخليفة ونحوه ، أو من جماعات المسلمين إذا لم ~~يكن لهم سلطان ، وإما صفات الكمال التي تجعلهم محل اقتداء الأمة بهم وهي ~~الإسلام والعلم والعدالة . فأهل العلم العدول : من أولي الأمر بذاتهم لأن ~~صفة العلم لا تحتاج إلى ولاية ، بل هي صفة قائمة بأربابها الذين اشتهروا ~~بين الأمة بها ، لما جرب من علمهم وإتقانهم في الفتوى والتعليم . قال مالك ~~: ( أولو الأمر : أهل القرآن والعلم ) يعني أهل العلم بالقرآن والاجتهاد ، ~~فأولو الأمر هنا هم من عدا الرسول من الخليفة إلى والي الحسبة ، ومن قواد ~~الجيوش ومن فقهاء الصحابة والمجتهدين إلى أهل العلم في الأزمنة المتأخرة ، ~~وأولو الأمر هم الذين يطلق عليهم أيضا أهل الحل والعقد . # وإنما أمر بذلك بعد الأمر بالعدل وأداء الأمانة لأن هذين الأمرين قوام ~~نظام الأمة وهو تناصح الأمراء والرعية وانبثاث الثقة بينهم . # ولما كانت الحوادث لا تخلو من حدوث الخلاف بين الرعية ، وبينهم وبين ولاة ~~أمورهم ، أرشدهم الله إلى طريقة فصل الخلاف بالرد إلى الله وإلى الرسول . ~~ومعنى الرد إلى الله الرد إلى كتابه ، كما دل على ذلك قوله في نظيره { وإذا ~~قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله } ( المائدة : 104 ) . # ومعنى الرد إلى الرسول إنهاء الأمور إليه في حياته وحضرته ، كما دل عليه ~~قوله في نظيره { إلى الرسول } ( النساء : 83 ) فأما بعد وفاته أو في غيبته ~~، فالرد إليه الرجوع إلى أقواله وأفعاله ، والاحتذاء بسنته . روى أبو داود ~~عن أبي رافع عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا ألفين أحدكم متكئا ~~على أريكته يأتيه الأمر مما ms1979 أمرت به أو نهيت عنه فيقول : لا ندري ، ما ~~وجدنا في كتاب الله اتبعناه ) . وفي روايته عن العرباض ابن سارية أنه سمع ~~رسول الله يخطب يقول : ( أيحسب أحدكم وهو متكىء على أريكته وقد PageV05P098 ~~يظن أن الله لم يحرم شيئا إلا ما في هذا القرآن ألا وإني والله قد أمرت ~~ووعظت ونهيت عن أشياء إنها لمثل القرآن أو أكثر ) ، وأخرجه الترمذي من حديث ~~المقدام . وعرض الحوادث على مقياس تصرفاته والصريح من سنته . # والتنازع : شدة الاختلاف ، وهو تفاعل من النزع ، أي الأخذ ، قال الأعشى : # نازعتهم قضب الريحان متكئا # وقهوة مزة راووقها خضل # فأطلق التنازع على الاختلاف الشديد على طريق الاستعارة ، لأن الاختلاف ~~الشديد يشبه التجاذب بين شخصين ، وغلب ذلك حتى ساوى الحقيقة ، قال الله ~~تعالى : { ولا تنازعوا ففشلوا } ( الأنفال : 46 ) { فتنازعوا أمرهم بينهم ~~وأسروا النجوى } ( طه : 62 ) . # وضمير { تنازعتم } راجع للذين آمنوا فيشمل كل من يمكن بينهم التنازع ، ~~وهم من عدا الرسول ، إذ لا ينازعه المؤمنون ، فشمل تنازع العموم بعضهم مع ~~بعض ، وشمل تنازع ولاة الأمور بعضهم مع بعض ، كتنازع الوزراء مع الأمير أو ~~بعضهم مع بعض ، وشمل تنازع الرعية مع ولاة أمورهم ، وشمل تنازع العلماء ~~بعضهم مع بعض في شؤون علم الدين . وإذا نظرنا إلى ما ذكر في سبب النزول نجد ~~المراد ابتداء هو الخلاف بين الأمراء والأمة ، ولذلك نجد المفسرين قد فسروه ~~ببعض صور من هذه الصور ، فليس مقصدهم قصر الآية على ما فسروا به ، وأحسن ~~عباراتهم في هذا قول الطبري : ( يعني فإن اختلفتم أيها المؤمنون أنتم فيما ~~بينكم أو أنتم وأولو أمركم فيه ) . وعن مجاهد : فإن تنازع العلماء ردوه إلى ~~الله ) . # ولفظ ( شيء ) نكرة متوغلة في الإبهام فهو في حيز الشرط يفيد العموم ، أي ~~في كل شيء ، فيصدق بالتنازع في الخصومة على الحقوق ، ويصدق بالتنازع في ~~اختلاف الآراء عند المشاورة أو عند مباشرة عمل ما ، كتنازع ولاة الأمور في ~~إجراء أحوال الأمة . ولقد حسن موقع كلمة ( شيء ) هنا تعميم الحوادث وأنواع ~~الاختلاف ، فكان من المواقع الرشيقة في تقسيم عبد ms1980 القاهر ، وقد تقدم تحقيق ~~مواقع لفظ شيء عند قوله تعالى : { ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع في سورة ~~البقرة ( 155 ) . PageV05P099 # والرد هنا مجاز في التحاكم إلى الحاكم وفي تحكيم ذي الرأي عند اختلاف ~~الآراء . وحقيقته إرجاع الشيء إلى صاحبه مثل العارية والمغصوب ، ثم أطلق ~~على التخلي عن الانتصاف بتفويض الحكم إلى الحاكم ، وعن عدم تصويب الرأي ~~بتفويض تصويبه إلى الغير ، إطلاقا على طريق الاستعارة ، وغلب هذا الإطلاق ~~في الكلام حتى ساوى الحقيقة . # وعموم لفظ شيء في سياق الشرط يقتضي عموم الأمر بالرد إلى الله والرسول ؛ ~~وعموم أحوال التنازع ، تبعا لعموم الأشياء المتنازع فيها ، فمن ذلك ~~الخصومات والدعاوي في الحقوق ، وهو المتبادر من الآية بادىء بدء بقرينة ~~قوله عقبه ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من ~~قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت فإن هذا كالمقدمة لذلك فأشبه سبب نزول ~~، ولذلك كان هو المتبادر وهو لا يمنع من عموم العام ، ومن ذلك التنازع في ~~طرق تنفيذ الأوامر العامة ، كما يحصل بين أفراد الجيوش وبين بعض قوادهم . ~~وقد قيل : إن الآية نزلت في نزاع حدث بين أمير سرية الأنصار عبد الله بن ~~حذافة السهمي كما سيأتي ، ومن ذلك الاختلاف بين أهل الحل والعقد في شؤون ~~مصالح المسلمين ، وما يرومون حمل الناس عليه . # ومن ذلك اختلاف أهل العلم في الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد ~~والنظر في أدلة الشريعة . # فكل هذا الاختلاف والتنازعع مأمور أصحابه برد أمره إلى الله والرسول . ~~ورد كل نوع من ذلك يتعين أن يكون بحيث يرجى معه زوال الاختلاف ، وذلك ببذل ~~الجهد والوسع في الوصول إلى الحق الجلي في تلك الأحوال . فما روي عن مجاهد ~~وميمون بن مهران في تفسير التنازع بتنازع أهل العلم إنما هو تنبيه على ~~الفرد الأخفى من أفراد العموم ، وليس تخصيصا للعموم . # وذكر الرد إلى الله في هذا مقصود منه مراقبة الله تعالى في طلب انجلاء ~~الحق في مواقع النزاع ، تعظيما لله تعالى ، فإن الرد إلى الرسول يحصل به ~~الرد إلى الله ms1981 ، إذ الرسول هو المنبىء عن مراد الله تعالى ، فذكر اسم الله ~~هنا هو بمنزلة ذكره في قوله : فإن لله خمسه وللرسول } ( الأنفال : 41 ) ~~الآية . PageV05P100 # ثم الرد إلى الرسول في حياة الرسول وحضوره ظاهر وهو المتبادر من الآية ، ~~وأما الرد إليه في غيبته أو بعد وفاته ، فبالتحاكم إلى الحكام الذين أقامهم ~~الرسول أو أمرهم بالتعيين ، وإلى الحكام الذين نصبهم ولاة الأمور للحكم بين ~~الناس بالشريعة ممن يظن به العلم بوجوه الشريعة وتصاريفها ، فإن تعيين صفات ~~الحكام وشروطهم وطرق توليتهم ، فيما ورد عن الرسول من أدلة صفات الحكام ، ~~يقوم مقام تعيين أشخاصهم ، وبالتأمل في تصرفاته وسنته ثم الصدر على ما ~~يتبين للمتأمل من حال يظنها هي مراد الرسول لو سئل عنها في جميع أحوال ~~النزاع في فهم الشريعة واستنباط أحكامها المسكوت عنها من الرسول ، أو ~~المجهول قوله فيها . # وقوله : { إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر } تحريض وتحذير معا ، لأن ~~الإيمان بالله واليوم الآخر وازعان يزعان عن مخالفة الشرع ، والتعريضض ~~بمصالح الأمة للتلاشي ، وعن الأخذ بالحظوظ العاجلة مع العلم بأنها لا ترضي ~~الله وتضر الأمة ، فلا جرم أن يكون دأب المسلم الصادق الإقدام عند اتضاح ~~المصالح ، والتأمل عند التباس الأمر والصدر بعد عرض المشكلات على أصول ~~الشريعة . # ومعنى { إن كنتم تؤمنون } مع أنهم خوطبوا ب { يأيها الذين آمنوا } : أي ~~إن كنتم تؤمنون حقا ، وتلازمون واجبات المؤمن ، ولذلك قال تعالى : { ذلك ~~خير } فجيء باسم الإشارة للتنويه ، وهي إشارة إلى الرد المأخوذ من { فردوه ~~} . و ( خير ) اسم لما فيه نفع ، وهو ضد الشر ، وهو اسم تفضيل مسلوب ~~المفاضلة ، والمراد كون الخير وقوة الحسن . والتأويل : مصدر أول الشيء إذا ~~أرجعه ، مشتق من آل يؤول إذا رجع ، وهو هنا بمعنى أحسن ردا وصرفا . أخرج ~~البخاري عن ابن عباس قال : نزل قوله : { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ~~الأمر منكم } في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي إذ بعثه النبي في سرية . ~~وأخرج في ( كتاب المغازي ) عن علي قال : بعث النبي سرية فاستعمل عليها رجلا ~~من الأنصار ms1982 ، وأمرهم أن يطيعوه ، فغضب ، فقال : ( أليس أمركم النبي أن ~~تطيعوني ) قالوا : ( بلى ) قال : ( فأجمعوا حطبا ) فجمعوا ، قال : ( أوقدوا ~~نارا ) ، فأوقدوها ، فقال ( ادخلوها ) ، فهموا ، وجعل بعضهم يمسك بعضا ، ~~ويقولون : ( فررنا إلى النبي من PageV05P101 النار ) ، فما زالوا حتى خمدت ~~النار فسكن غضبه فبلغ ذلك النبي فقال : ( لو دخلوها ما خرجوا منها إلى يوم ~~القيامة ، الطاعة في المعروف ) . # فقول ابن عباس : نزلت في عبد الله بن حدافة ، يحتمل أنه أراد نزلت حين ~~تعيينه أميرا على السرية وأن الأمر الذي فيها هو الذي أوجب تردد أهل السرية ~~في الدخول في النار ، ويحتمل أنها نزلت بعد ما بلغ خبرهم رسول الله ، فيكون ~~المقصود منها هو قوله : { فإن تنازعتم في شيء } الخ ، ويكون ابتداؤها ~~بالأمر بالطاعة لئلا يظن أن ما فعله ذلك الأمير يبطل الأمر بالطاعة . # $ 2 ( 60 ، 61 ) { ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم ءامنوا بمآ أنزل إليك ~~ومآ أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكمو & # 1764 ا إلى الطاغوت وقد أمرو & # 1764 ا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا * وإذا قيل لهم ~~تعالوا إلى مآ أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا } . ) ~~2 $ # استئناف ابتدائي للتعجيب من حال هؤلاء ، ناسب الانتقال إليه من مضمون ~~جملة : { إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر } ( النساء : 59 ) . والموصول ~~مراد به قوم معروفون وهم فريق من المنافقين الذين كانوا من اليهود وأظهروا ~~الإسلام لقوله : { رأيت المنافقين يصدون } ، ولذلك قال : { يزعمون أنهم ~~آمنوا بما أنزل إليك } . وقد اختلفت الروايات في سبب نزول هذه الآية ~~اختلافا متقاربا : فعن قتادة والشعبي أن يهوديا اختصم مع منافق اسمه بشر ~~فدعا اليهودي المنافق إلى التحاكم عند النبي صلى الله عليه وسلم لعلمه أنه ~~لا يأخذ الرشوة ولا يجور في الحكم ، ودعا المنافق إلى التحاكم عند كاهن من ~~جهينة كان بالمدينة . PageV05P102 # وعن ابن عباس أن اليهودي دعا المنافق إلى التحاكم عند رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأن المنافق دعا إلى كعب ابن الأشرف ، فأبى اليهودي وانصرفا معا ~~إلى رسول الله ms1983 صلى الله عليه وسلم فقضى لليهودي ، فلما خرجا ، قال المنافق ~~: لا أرضى ، انطلق بنا إلى أبي بكر ، فحكم أبو بكر بمثل حكم رسول الله ، ~~فقال المنافق : انطلق بنا إلى عمر ، فلما بلغ عمر ، وأخبره اليهودي الخبر ~~وصدقه المنافق ، قال عمر : رويدكما حتى أخرج إليكما ، فدخل وأخذ سيفه ثم ~~ضرب به المنافق حتى برد ، وقال : هكذا أقضى على من لم يرض بقضاء الله ~~ورسوله . فنزلت الآية وقال جبريل : إن عمر فرق بين الحق والباطل فلقبه ~~النبي صلى الله عليه وسلم ( الفاروق ) . # وقال السدي : كان بين قريظة والخزرج حلف ، وبين النضير والأوس حلف ، في ~~الجاهلية وكانت النضير أكثر وأشرف ، فكانوا إذا قتل قرظي نضيريا قتل به ~~وأخذ أهل القتيل دية صاحبهم بعد قتل قاتله ، وكانت الدية مائة وسق من تمر ، ~~وإذا قتل نضيري قرظيا لم يقتل به وأعطى ديته فقط : ستين وسقا . فلما أسلم ~~نفر من قريظة والنضير قتل نضيري قرظيا واختصموا ، فقالت النضير : نعطيكم ~~ستين وسقا كما كنا اصطلحنا في الجاهلية ، وقالت قريظة : هذا شيء فعلتموه في ~~الجاهلية لأنكم كثرتم وقللنا فقهرتمونا ، ونحن اليوم إخوة وديننا ودينكم ~~واحد ، فقال بعضهم وكان منافقا : انطلقوا إلى أبي بردة وكان أبو بردة كاهنا ~~يقضي بين اليهود فيما يتنافرون إليه فيه وقال المسلمون : لا بل ننطلق إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله هذه الآية . ( وأبو بردة بدال بعد ~~الراء على الصحيح ، وكذلك وقع في مفاتيح الغيب وفي الإصابة لابن حجر ، ووقع ~~في كتب كثيرة بزاي بعد الراء وهو تحريف اشتبه بأبي برزة الأسلمي نضلة بن ~~عبيد ولم يكن أبو برزة كاهنا قط ) . ونسب أبو بردة الكاهن بالأسلمي ، وذكر ~~بعض المفسرين : أنه كان في جهينة . وبعضهم ذكر أنه كان بالمدينة . وقال ~~البغوي عن جابر بن عبد الله : ( كانت الطواغيت التي يتحاكمون إليها واحد في ~~جهينة وواحد في أسلم ، وفي كل حي واحد كهان ) . # وفي رواية عكرمة أن الذين عناهم الله تعالى ناس من أسلم تنافروا إلى أبي ~~بردة الأسلمي ، وفي رواية قتادة : أن الآية ms1984 نزلت في رجلين أحدهما اسمه بشر ~~من الأنصار ، PageV05P103 والآخر من اليهود تدارءا في حق ، فدعاه اليهودي ~~إلى التحاكم عند النبي صلى الله عليه وسلم لعلمه بأنه يقضي بالحق . ودعاه ~~الأنصاري إلى التحاكم للكاهن لأنه علم أنه يرتشي ، فيقضي له ، فنزلت فيهما ~~هذه الآية . وفي رواية الشعبي مثل ما قال قتادة ، ولكنه وصف الأنصاري بأنه ~~منافق . وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أن الخصومة بين منافق ويهودي ~~، فقال اليهودي ( لننطلق إلى محمد ) وقال المنافق ( بل نأتي كعب بن الأشرف ~~اليهودي ) وهو الذي سماه الله الطاغوت . # وصيغة الجمع في قوله : { الذين يزعمون } مراد بها واحد . وجيء باسم موصول ~~الجماعة لأن المقام مقام توبيخ ، كقولهم : ما بال أقوام يقولون كذا ، ليشمل ~~المقصود ومن كان على شاكلته . والزعم : خبر كاذب ، أو مشوب بخطأ ، أو بحيث ~~يتهمه الناس بذلك ، فإن الأعشى لما قال يمدح قيسا بن معد يكرب الكندي : # ونبئت قيسا ولم أبله # كما زعموا خير أهل اليمن # غضب قيس وقال : ( وما هو إلا الزعم ) ، وقال تعالى : { زعم الذين كفروا ~~أن لن يبعثوا } ( التغابن : 7 ) ، ويقول المحدث عن حديث غريب فزعم فلان أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كذا ، أي لإلقاء العهدة على المخبر ، ~~ومنه ما يقع في كتاب سيبويه من قوله زعم الخليل ، ولذلك قالوا : الزعم مطية ~~الكذب . # ويستعمل الزعم في الخبر المحقق بالقرينة ، كقوله : # زعم العواذل أنني في غمرة # صدقوا ولكن غمرتي لا تنجلي # فقوله { صدقوا } هو القرينة ، ومضارعه مثلث العينن ، والأفصح فيه الفتح . # وقد كان الذين أرادوا التحاكم إلى الطاغوت من المنافقين ، كما هو الظاهر ~~، فإطلاق الزعم على إيمانهم ظاهر . # وعطف قوله { وما أنزل من قبلك } لأن هؤلاء المنافقين كانوا من اليهود ، ~~وقد دخل المعطوف في حيز الزعم فدل على أن إيمانهم بما أنزل من قبل لم يكن ~~مطردا ، فلذلك كان ادعاؤهم ذلك زعما ، لانتفاء إيمانهم بالتوراة في أحوال ~~كثيرة مثل هذا ، إذ لو PageV05P104 كانوا يؤمنون بها حقا ، لم يكونوا ~~ليتحاكموا إلى الكهان ، وشريعة موسى عليه السلام تحذر ms1985 منهم . # وقوله { يريدون } أي يحبون محبة تبعث على فعل المحبوب . # والطاغوت هنا هم الأصنام ، بدليل قوله : { وقد أمروا أن يكفروا به } ، ~~ولكن فسروه بالكاهن ، أو بعظيم اليهود ، كما رأيت في سبب نزول الآية ، فإذا ~~كان كذلك فهو إطلاق مجازي بتشبيه عظيم الكفر بالصنم المعبود لغلو قومه في ~~تقديسه ، وإما لأن الكاهن يترجم عن أقوال الصنم في زعمه ، وقد تقدم اشتقاق ~~الطاغوت عند قوله تعالى : { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون ~~بالجبت والطاغوت } ( النساء : 51 ) من هذه السورة . وإنما قال { ويريد ~~الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا } أي يحب ذلك ويحسنه لهم ، لأنه ألقى في ~~نفوسهم الدعاء إلى تحكيم الكهان والانصراف عن حكم الرسول ، أو المعنى : ~~يريد أن يضلهم في المستقبل بسبب فعلتهم هذه لولا أن أيقظهم الله وتابوا مما ~~صنعوا . # والضلال البعيد هو الكفر ، ووصفه بالبعيد مجاز في شدة الضلال بتنزيله ~~منزلة جنس ذي مسافة كان هذا الفرد منه بالغا غاية المسافة ، قال الشاعر : # ضيعت حزمي في إبعادي الأملا # وقوله { وإذا قيل لهم تعالوا } الآية أي إذا قيل لهم احضروا أو إيتوا . ~~فإن ( تعال ) كلمة تدل على الأمر بالحضور والإقبال ، فمفادها مفاد حرف ~~النداء إلا أنها لا تنبيه فيها . وقد اختلف أيمة العربية في أنه فعل أو اسم ~~فعلل ، والأصح أنه فعل لأنه مشتق من مادة العلو ، ولذلك قال الجوهري في ( ~~الصحاح ) ( والتعالي الارتفاع ) ، تقول منه ، إذا أمرت : ( تعال يا رجل ) ، ~~ومثله في ( القاموس ) ، ولأنه تتصل به ضمائر الرفع ، وهو فعل مبني على ~~الفتح على غير سنة فعل الأمر ، فذلك البناء هو الذي حدا فريقا من أهل ~~العربية على القول بأنه اسم فعل ، وليس ذلك القول ببعيد ، ولم يرد عن العرب ~~غير فتح اللام ، فلذلك كان كسر اللام في قول أبي فراس : # أيا جارتا ما أنصف الدهر بيننا # تعالي أقاسمك الهموم تعالي PageV05P105 # بكسر لام القافية المكسورة ، معدودا لحنا . # وفي ( الكشاف ) أن أهل مكة أي في زمان الزمخشري يقولون تعالي للمرأة . ~~فذلك من اللحن الذي دخل في اللغة العربية ms1986 بسبب انتشار الدخلاء بينهم . # ووجه اشتقاق تعال من مادة العلو أنهم تخيلوا المنادي في علو والمنادي ( ~~بالفتح ) في سفل ، لأنهم كانوا يجعلون بيوتهم في المرتفعات لأنها أحصن لهم ~~، ولذلك كان أصله أن يدل على طلب حضور لنفع . قال ابن عطية في تفسير في ~~قوله تعالى : { وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا ~~حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا } في سورة المائدة ( 104 ) : ( تعال نداء ببر ، ~~هذا أصله ، ثم استعمل حيث البر وحيث ضده ) . وقال في تفسير آية النساء : ( ~~وهي لفظة مأخوذة من العلو لما استعملت في دعاء الإنسان وجلبه صيغت من العلو ~~تحسينا للأدب كما تقول : ارتفع إلى الحق ونحوه ) . وأعلم أن تعال لما كانت ~~فعلا جامدا لم يصح أن يصاغ منه غير الأمر ، فلا تقول : تعاليت بمعنى حضرت ، ~~ولا تنهى عنه فتقول : لا تتعال . قال في ( الصحاح ) ( ولا يجوز أن يقال منه ~~تعاليت ولا ينهى عنه ) . وفي ( الصحاح ) عقبه ( وتقول : قد تعاليت وإلى أي ~~شيء أتعالى ) يعني أنه يتصرف في خصوص جواب الطلب لمن قال لك تعال ، وتبعه ~~في هذا صاحب ( اللسان ) وأغفل العبارة التي قبله ، وأما صاحب ( تاج العروس ~~) فربما أخطأ إذ قال : ( قال الجوهري : ولا يجوز أن يقال منه : تعاليت وإلى ~~أي شيء أتعالى ) ولعل النسخة قد وقع فيها نقص أو خطأ من الناسخ لظنه في ~~العبارة تكريرا ، وإنما نبهت على هذا لئلا تقع في أخطاء وحيرة . # و ( تعالوا ) مستعمل هنا مجازا ، إذ ليس ثمة حضور وإتيان ، فهو مجاز في ~~تحكيم كتاب الله وتحكيم الرسول في حضوره ، ولذلك قال : { إلى ما أنزل الله ~~} إذ لا يحكم الله إلا بواسطة كلامه ، وأما تحكيم الرسول فأريد به تحكيم ~~ذاته لأن القوم المخبر عنهم كانوا من المنافقين وهم بالمدينة في حياة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم و ( صدودا ) مفعول مطلق للتوكيد ، ولقصد التوصل ~~بتنوين { صدودا } لإفادة أنه تنوين تعظيم . # PageV05P106 $ 2 ( 62 ، 63 ) { فكيف إذآ أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ~~ثم جآءوك يحلفون بالله إن أردنآ إلا إحسانا ms1987 وتوفيقا * أولائك الذين يعلم ~~الله ما فى قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم فى & # 1764 أنفسهم قولا بليغا } . ) 2 $ # تفريع على قوله : { وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول } ~~( النساء : 61 ) الآية ، لأن الصدود عن ذلك يوجب غضب الله عليهم ، فيوشك أن ~~يصيبهم الله بمصيبة من غير فعل أحد ، مثل انكشاف حالهم للمؤمنين فيعرفوا ~~بالكفر فيصبحوا مهددين ، أو مصيبة من أمر الله رسوله والمؤمنين بأن يظهروا ~~لهم العداوة وأن يقتلوهم لنفاقهم فيجيئوا يعتذرون بأنهم ما أرادوا بالتحاكم ~~إلى أهل الطاغوت إلا قصد الإحسان إليهم وتأليفهم إلى الإيمان والتوفيق ~~بينهم وبين المؤمنين . وهذا وعيد لهم لأن { إذا } للمستقبل ، فالفعلان ~~بعدها : وهما { أصابتهم } و { جاؤوك } مستقبلان ، وهو مثل قوله : ( لئن لم ~~ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم ~~لا يجاورونك فيها إلا قليلا ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا ) . # و { كيف } خبر مبتدأ محذوف معلوم من سياق الكلام : أي كيف حالهم حين ~~تصيبهم مصيبة بسبب ما فعلوا فيجيئونك معتذرين . # والاستفهام مستعمل في التهويل ، كما تقدم القول فيه في قوله تعالى آنفا : ~~{ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد } . # وتركيب ( كيف بك ) يقال إذا أريدت بشارة أو وعيد تعجيبا أو تهويلا . فمن ~~الأول قول النبي صلى الله عليه وسلم لسراقة بن مالك : ( كيف بك إذ لبست ~~سواري كسرى ) بشارة بأن سواري كسرى سيقعان بيد جيش المسلمين ، فلما أتي ~~بسواري كسرى في غنائم فتح فارس ألبسهما عمر بن الخطاب سراقة بن مالك تحقيقا ~~لمعجزة النبي صلى الله عليه وسلم PageV05P107 # ومن الثاني قوله تعالى : { فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه } ( آل ~~عمران : 25 ) وقد جمع الأمرين قوله تعالى : { فكيف إذا جئنا من كل أمة ~~بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا } ( النساء : 41 ) الآية . # وقوله : { أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم } جاء باسم الإشارة ~~لتمييزهم للسامعين أكمل تمييز ، لأنهم قد حصل من ذكر صفاتهم ما جعلهم ~~كالمشاهدين ، وأراد بما في قلوبهم الكفر الذي أبطنوه وأمر رسوله ms1988 بالإعراض ~~عنهم . # وحقيقة الإعراض عدم الالتفات إلى الشيء بقصد التباعد عنه ، مشتق من العرض ~~بضم العين وهو الجانب ، فلعل أصل الهمزة في فعل أعرض للدخول في الشيء ، أي ~~دخل في عرض المكان ، أو الهمزة للصيرورة ، أي صار ذا عرض ، أي جانب ، أي ~~أظهر جانبه لغيره ، ولم يظهر له وجهه ، ثم استعمل استعمالا شائعا في الترك ~~والإمساك عن المخالطة والمحادثة ، لأنه يتضمن الإعراض غالبا ، يقال : أعرض ~~عنه كما يقال : صد عنه ، كقوله تعالى : { وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا ~~فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره } ( الأنعام : 68 ) ولذلك كثر هذا ~~اللفظ في أشعار المتيمين رديفا للصدود ، وهذا أقرب المعاني إلى المعنى ~~الحقيقي ، فهو مجاز مرسل بعلاقة اللزوم ، وقد شاع ذلك في الكلام ثم أطلق ~~على العفو وعدم المؤاخذة بتشبيه حالة من يعفو بحالة من لا يلتفت إلى الشيء ~~فيوليه عرض وجهه ، كما استعمل صفح في هذا المعنى مشتقا من صفحة الوجه ، أي ~~جانبه ، وهو أبعد عن المعنى الحقيقي من الأول لأنه مبني على التشبيه . # والوعظ : الأمر بفعل الخير وترك الشر بطريقة فيها تخويف وترقيق يحملان ~~على الامتثال ، والاسم منه الموعظة ، وتقدم آنفا عند قوله تعالى : { إن ~~الله نعما يعظكم به } ( النساء : 58 ) . فهذا الإعراض إعراض صفح أو إعراض ~~عدم الحزن من صدودهم عنك ، أي لا تهتم بصدودهم ، فإن الله مجازيهم ، بدليل ~~قوله : { وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا } ، وذلك إبلاغ لهم في ~~المعذرة ، ورجاء لصلاح حالهم ، . شأن الناصح الساعي بكل وسيلة إلى الإرشاد ~~والهدى . # والبليغ فعيل بمعنى بالغ بلوغا شديدا بقوة ، أي : بالغا إلى نفوسهم ~~متغلغلا فيها . وقوله : { في أنفسهم } يجوز أن يتعلق بقوله بليغا ، وإنما ~~قدم المجرور للاهتمام بإصلاح أنفسهم مع الرعاية على الفاصلة ، ويجوز أن ~~يتعلق بفعل { قل لهم } ، أي قل لهم قولا في شأن أنفسهم ، فظرفية ( في ) ~~ظرفية مجازية ، شبهت أنفسهم بظرف للقول . # PageV05P108 $ 2 ( 64 ) { ومآ أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو ~~أنهم إذ ظلمو & # 1764 ا أنفسهم جآءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول ms1989 لوجدوا الله ~~توابا رحيما } . ) 2 $ # جملة معترضة في خلال الخبر عن قضية المنافق الذي تحاكم إلى الطاغوت . وهو ~~رجوع إلى الغرض الأول ، وهو الإنحاء عليهم في إعراضهم عن التحاكم إلى ~~الرسول ، وأن إعراضهم ذلك مؤذن بنفاقهم : ببيان أن معنى الإيمان الرضا بحكم ~~الرسول إذ ما جاء الرسول إلا ليطاع فكيف يعرض عنه . # وقوله : { بإذن الله } في موضع الحال من الضمير في ( يطاع ) أي متلبسا في ~~ذلك بإذن الله أي بأمره ووصايته ، إذ لا تظهر فائدة الشرائع بدون امتثالها ~~. فمن الرسل من أطيع ، ومنهم من عصي تارة أو دائما ، وقد عصي موسى في مواقع ~~، وعصى عيسى في معظم أمره ، ولم يعص محمد من المؤمنين به المحقين إلا بتأول ~~، مثل ما وقع في يوم أحد إذ قال الله تعالى : { وعصيتم } ( آل عمران : 152 ~~) ، وإنما هو عصيان بتأول ، ولكنه اعتبر عصيانا لكونه في الواقع مخالفة ~~لأمر الرسول ، ولذلك كان أكمل مظاهر الرسالة تأييد الرسول بالسلطان ، وكون ~~السلطان في شخصه لكيلا يكون في حاجة إلى غيره ، وإنما تم هذا المظهر في ~~رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ولذلك وصف بأنه نبيء الملاحم ، وقد ابتدأت ~~بوارق ذلك في رسالة موسى عليه السلام ، ولم تستكمل ، وكملت لمحمد صلى الله ~~عليه وسلم قال تعالى : { لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب ~~والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس ~~وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب } ( الحديد : 25 ) ولا أحسبه أراد برسله ~~إلا رسوله محمدا عليه الصلاة والسلام وكان هو المراد من الجمع لأنه الأكمل ~~فيهم . # عطف على جملة { فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم } ( النساء : 62 ~~) توبيخا لهم على تحاكمهم إذ كان ذلك عصيانا على عصيان ، فإنهم ما كفاهم أن ~~أعرضوا عن تحكيم الرسول حتى زادوا فصدوا عمن قال لهم : تعالوا إلى ما أنزل ~~الله وإلى الرسول . فلو PageV05P109 أستفاقوا حينئذ من غلوائهم لعلموا أن ~~إرادتهم أن يتحاكموا إلى الكفار والكهنة جريمة يجب الاستغفار منها ولكنهم ~~أصروا واستكبروا . وفي ذكر ( لو ) وجعل { لوجدوا الله ms1990 توابا رحيما } جوابا ~~لها إشارة إلى أنهم لما لم يفعلوا فقد حرموا الغفران . # وكان فعل هذا المنافق ظلما لنفسه . لأنه أقحمها في معصية الله ومعصية ~~الرسول ، فجر لها عقاب الآخرة وعرضها لمصائب الانتقام في العاجلة . # $ 2 ( 65 ) { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا ~~فى & # 1764 أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما } . ) 2 $ # تفريع عن قوله : { ألم تر إلى الذين يزعمون } ( النساء : 60 ) وما بعده ~~إذ تضمن ذلك أنهم فعلوا ما فعلوا وهم يزعمون أنهم مؤمنون ، فكان الزعم ~~إشارة إلى انتفاء إيمانهم ، ثم أردف بما هو أصرح وهو أن أفعالهم تنافي ~~كونهم مؤمنين بقوله : { لا يؤمنون } ، وأكده بالقسم وبالتوكيد اللفظي . # وأصل الكلام : فوربك لا يؤمنون ، والعرب تأتي بحرف النفي قبل القسم إذا ~~كان جواب القسم منفيا للتعجيل بإفادة أن ما بعد حرف العطف قسم على النفي ~~لما تضمنته الجملة المعطوف عليها ، فتقديم النفي للاهتمام بالنفي ، كقول ~~قيس بن عاصم : # فلا والله أشربها صحيحا # ولا أشفى بها أبدا سقيما # ويكثر أت يأتوا مع حرف النفي بعد العاطف بحرف نفي مثله في الجواب ليحصل ~~مع الاهتمام التأكيد ، كما في هذه الآية ، وهو الاستعمال الأكثر ، ولم أر ~~في كلام العرب تقديم ( لا ) على حرف العطف إبطالا للكلام السابق ، ووقع في ~~قول أبي تمام : # لا والذي هو عالم أن النوى # صبر وأن أبا الحسين كريم # وليست ( لا ) هذه هي التي ترد مع فعل القسم مزيدة والكلام معها على ~~الإثبات ، نحو { لا أقسم } ( القيامة : 1 ) وفي غير القسم نحو { لئلا يعلم ~~أهل الكتاب } ( الحديد : 29 ) ، لأن تلك ليس الكلام معها PageV05P110 على ~~النفي ، وهذه الكلام معها نفي ، فهي تأكيد له على ما اختاره أكثر المحققين ~~خلافا لصاحب ( الكشاف ) ، ولا يلزم أن تكون مواقع الحرف الواحد متحدة في ~~المواقع المتقاربة . # وقد نفي عن هؤلاء المنافقين أن يكونوا مؤمنين كما يزعمون في حال يظنهم ~~الناس مؤمنين ، ولا يشعر الناس بكفرهم ، فلذلك احتاج الخبر للتأكيد بالقسم ~~وبالتوكيد اللفظي ، لأنه كشف لباطن حالهم . والمقسم عليه ms1991 هو : الغاية ، وما ~~عطف عليها بثم ، معا ، فإن هم حكموا غير الرسول فيما شجر بينهم فهم غير ~~مؤمنين ، أي إذا كان انصرافهم عن تحكيم الرسول للخشية من جوره كما هو معلوم ~~من السياق فافتضح كفرهم ، وأعلم الله الأمة أن هؤلاء لا يكونون مؤمنين حتى ~~يحكموا الرسول ولا يجدوا في أنفسهم حرجا من حكمه ، أي حرجا يصرفهم عن ~~تحكيمه ، أو يسخطهم من حكمه بعد تحكيمه ، وقد علم من هذا أن المؤمنين لا ~~ينصرفون عن تحكيم الرسول ولا يجدون في أنفسهم حرجا من قضائه بحكم قياس ~~الأحرى . # وليس المراد الحرج الذي يجده المحكوم عليه من كراهية ما يلزم به إذا لم ~~يخامره شك في عدل الرسول وفي إصابته وجه الحق . وقد بين الله تعالى في سورة ~~النور كيف يكون الإعراض عن حكم الرسول كفرا ، سواء كان من منافق أم من مؤمن ~~، إذ قال في شأن المنافقين ( وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا ~~فريق منهم معرضون وإن يكن لهم الحق يأتوا الله مذعنين أفي قلوبهم مرض أم ~~ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله ثم قال إنما كان قول المؤمنين ~~إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا ) ، لأن حكم ~~الرسول بما شرع الله من الأحكام لا يحتمل الحيف إذ لا يشرع الله إلا الحق ، ~~ولا يخالف الرسول في حكمه شرع الله تعالى . ولهذا كانت هذه الآية خاصة بحكم ~~الرسول صلى الله عليه وسلم فأما الإعراض عن حكم غير الرسول فليس بكفر إذا ~~جوز المعرض على الحاكم عدم إصابته حكم الله تعالى ، أو عدم العدل في الحكم ~~. وقد كره العباس وعلي حكم أبي بكر وحكم عمر في قضية ما تركه النبي صلى ~~الله عليه وسلم من أرض فدك ، لأنهما كانا يريان أن اجتهاد أبي بكر وعمر في ~~ذلك ليس من الصواب . وقد قال عينية بن حصن لعمر : ( إنك لا تقسم بالسوية ~~ولا تعدل في القضية ) فلم يعد طعنه في حكم عمر كفرا PageV05P111 منه . ثم ~~إن الإعراض عن ms1992 التقاضي لدى قاضي يحكم بشريعة الإسلام قد يكون للطعن في ~~الأحكام الإسلامية الثابت كونها حكم الله تعالى ، وذلك كفر لدخوله تحت قوله ~~تعالى : { أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا } ( النور : 50 ) ؛ وقد يكون لمجرد ~~متابعة الهوى إذا كان الحكم المخالف للشرع ملائما لهوى المحكوم له ، وهذا ~~فسوق وضلال ، كشأن كل مخالفة يخالف بها المكلف أحكام الشريعة لاتباع ~~الأعراض الدنيوية ، وقد يكون للطعن في الحاكم وظن الجور به إذا كان غير ~~معصوم ، وهذا فيه مراتب بحسب التمكن من الانتصاف من الحاكم وتقوميه ، ~~وسيجيء بيان هذا عند قوله تعالى : { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الكافرون } في سورة العقود ( 44 ) . # ومعنى { شجر } تداخل واختلف ولم يتبين فيه الإنصاف ، وأصله من الشجر لأنه ~~يلتف بعضه ببعض وتلتف أغصانه . وقالوا : شجر أمرهم ، أي كان بينهم الشر . ~~والحرج : الضيق الشديد { يجعل صدره ضيقا حرجا } ( الأنعام : 125 ) . # وتفريع قوله : { فلا وربك لا يؤمنون } الآية على ما قبله يقتضي أن سبب ~~نزول هذه الآية هو قضية الخصومة بين اليهودي والمنافق ، وتحاكم المنافق ~~فيها للكاهن ، وهذا هو الذي يقتضيه نظم الكلام ، وعليه جمهور المفسرين ، ~~وقاله مجاهد ، وعطاء ، والشعبي . # وفي ( البخاري ) عن الزبير : أحسب هذه الآية نزلت في خصومة بيني وبين أحد ~~الأنصار في شراج من الحرة ( أي مسيل مياه جمع شرج بفتح فسكون وهو مسيل ~~الماء يأتي من حرة المدينة إلى الحوائط التي بها ) إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال رسول الله : ( اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك ) فقال ~~الأنصاري : لأن كان ابن عمتك . فتغير وجه النبي صلى الله عليه وسلم وقال : ~~اسق يا زبير حتى يبلغ الماء الجدر ثم أرسل إلى جارك واستوف حقك ( والجدر هو ~~ما يدار بالنخل من التراب كالجدار ) فكان قضاؤه الأول صلحا ، وكان قضاؤه ~~الثاني أخذا بالحق ، وكأن هذا الأنصاري ظم أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أراد الصلح بينهم على وجه فيه توفير لحق الزبير جبرا لخاطره ، ولم ير في ~~ذلك ما ينافي العصمة ، فقد كان الصحابة ms1993 متفاوتين في العلم بحقائق صفات ~~الرسول مدفوعين في سبر النفوس بما اعتادوه من الأميال والمصانعات ، فنبههم ~~الله تعالى على أن ذلك يجر إلى الطعن في العصمة . وليس هذا الأنصاري بمنافق ~~ولا شاك PageV05P112 في الرسول ، فإنهم وصفوه بالأنصاري وهو وصف لخيرة من ~~المؤمنين ، وما وصفوه بالمنافق ، ولكنه جهل وغفل فعفا عنه رسول الله ولم ~~يستتبه . وهذه القضية ترجع إلى النظر في التكفير بلازم القول والفعل ، ~~وفيها تفصيل حسن لابن رشد في البيان والتحصيل في كتاب ( الجنائز ) وكتاب ( ~~المرتدين ) . خلاصته : أنه لا بد من تنبيه من يصدر منه مثل هذا على ما يلزم ~~قوله من لازم الكفر فإن التزمه ولم يرجع عد كافرا ، لأن المرء قد يغفل عن ~~دلالة الالتزام ، ويؤخذ هذا على هذا الوجه في سبب النزول من أسلوب الآية ~~لقوله : { لا يؤمنون } إلى قوله { تسليما } فنبه الأنصاري بأنه قد التبس ~~بحالة تنافي الإيمان في خفاء إن استمر عليها بعد التنبيه على عاقبتها لم ~~يكن مؤمنا . # والأنصاري ، قيل : هو غير معروف ، وحبذا إخفاؤه ، وقيل : هو ثعلبة بن ~~حاطب ، ووقع في ( الكشاف ) أنه حاطب بن أبي بلتعة ، وهو سهو من مؤلفه ، ~~وقيل : ثابت بن قيس بن شماس ، وعلى هذه الرواية في سبب النزول يكون معنى ~~قوله : { لا يؤمنون } أنه لا يستمر إيمانهم . والظاهر عندي أن الحادثتين ~~وقعتا في زمن متقارب ونزلت الآية في شأن حادثة بشر المنافق فظنها الزبير ~~نزلت في حادثته مع الأنصاري . # $ 2 ( 66 68 ) { ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلو & # 1764 ا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ولو أنهم ~~فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا * وإذا لاتيناهم من لدنآ ~~أجرا عظيما * ولهديناهم صراطا مستقيما } . ) 2 $ # لم يظهر وجه اتصاله بما قبله ليعطف عليه ، لأن ما ذكر هنا ليس أولى ~~بالحكم من المذكور قبله ، أي ليس أولى بالامتثال حتى يقال : لو أنا كلفناهم ~~بالرضا بما هو دون قطع الحقوق لما رضوا ، بل المفروض هنا أشد على النفوس ~~مما عصوا فيه . فقال جماعة ms1994 من المفسرين : وجه اتصالها أن المنافق لما لم ~~يرض بحكم النبي صلى الله عليه وسلم وأراد التحاكم إلى الطاغوت ، وقالت ~~اليهود : ما أسخف هؤلاء يؤمنون بمحمد ثم لا PageV05P113 يرضون بحكمه ، ونحن ~~قد أمرنا نبيئنا بقتل أنفسنا ففعلنا وبلغت القتلى منا سبعين ألفا ؛ فقال ~~ثابت بن قيس بن شماس : لو كتب ذلك علينا لفعلنا ، فنزلت هذه الآية تصديقا ~~لثابت بن قيس ، ولا يخفى بعده عن السياق لأنه لو كان كذلك لما قيل { ما ~~فعلوه إلا قليل منهم } بل قيل : لفعله فريق منهم . وقال الفخر : هي توبيخ ~~للمنافقين ، أي لو شددنا عليهم التكليف لما كان من العجب ظهور عنادهم ، ~~ولكنا رحمناهم بتكليفهم اليسر فليتركوا العناد . وهي على هذا الوجه تصلح ~~لأن تكون تحريضا للمؤمنين على امتثال الرسول وانتفاء الحرج عنهم من أحكامه ~~، فإنه لم يكلفهم إلا اليسر ، كل هذا محمول على أن المراد بقتل النفوس أن ~~يقتل أحد نفسه بنفسه . # وعندي أن ذكر ذلك هنا من براعة المقطع تهيئة لانتقال الكلام إلى التحريض ~~على الجهاد الآتي في قوله : { يأيها الذين آمنوا خذوا حذركم } ( النساء : ~~71 ) وأن المراد ب { اقتلوا أنفسكم } : ليقتل بعضكم بعضا فإن المؤمنين ~~يقاتلون قومهم وأقاربهم من المشركين في الجهاد المأمور به بدليل قوله : { ~~ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به } الآية . والمراد بالخروج من الديار الهجرة ، ~~أي كتبنا عليهم هجرة من المدينة ، وفي هذا تنويه بالمهاجرين والمجاهدين . # وقرأ الجمهور { إلا قليل } بالرفع على البدل من الواو في { ما فعلوه } ~~على الاستثناء . وقرأه ابن عامر بالنصب على أحد وجهي الاستثناء من الكلام ~~المنفي . # ومعنى { ما يوعظون به } علم من قوله : { فأعرض عنهم وعظهم } ( النساء : ~~63 ) ، أي ما يؤمرون به أمر تحذير وترقيق ، أي مضمون ما يوعظون لأن الوعظ ~~هو الكلام والأمر ، والمفعول هو المأمور به ، أي لو فعلوا كل ما يبلغهم ~~الرسول ، ومن ذلك الجهاد والهجرة . وكونه خيرا أن فيه خير الدنيا لأن الله ~~يعلم وهم لا يعلمون . # ومعنى كونه { أشد تثبيتا } يحتمل أنه التثبيت على الإيمان وبذلك فسروه ~~ويحتمل عندي ms1995 أنه أشد تثبيتا لهم ، أي لبقائهم بين أعدائهم ولعزتهم وحياتهم ~~الحقيقية فإنهم إنما يكرهون القتال استبقاء لأنفسهم ، ويكرهون المهاجرة حبا ~~لأوطانهم ، فعلمهم الله أن الجهاد والتغرب فيه أو في غيره أشد تثبيتا لهم ، ~~لأنه يذود عنهم أعداءهم ، كما قال الحصين بن الحمام : # تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد # لنفسي حياة مثل أن أتقدما PageV05P114 # ومما دل على أن المراد بالخير خير الدنيا ، وبالتثبيت التثبيت فيها ، ~~قوله عاطفا عليه { وإذن لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما } . # وجملة { وإذن لآتيناهم من لدنا } معطوفة على جواب ( لو ) ، والتقدير : ~~لكان خيرا وأشد تثبيتا ولآتيناهم الخ ، ووجود اللام التي تقع في جواب ( لو ~~) مؤذن بذلك . وأما واو العطف فلوصل الجملة المعطوفة بالجملة المعطوف عليها ~~. وأما ( إذن ) فهي حرف جواب وجزاء ، أي في معنى جواب لكلام سبقها ولا تختص ~~بالسؤال ، فأدخلت في جواب ( لو ) بعطفها على الجواب تأكيدا لمعنى الجزاء ، ~~فقد أجيبت ( لو ) في الآية بجوابين في المعنى لأن المعطوف على الجواب جواب ~~، ولا يحسن اجتماع جوابين إلا بوجود حرف عطف . وقريب مما في هذه الآية قول ~~العنبري في الحماسة : # لو كنت من مازن لم تستبح إبلي # بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا # إذن لقام بنصري معشر خشن # عند الحفيظة إن ذو لوثة لانا # قال المرزوقي : يجوز أن يكون ( إذن لقام ) جواب : ( لو كنت من مازن ) في ~~البيت السابق كأنه أجيب بجوابين . وجعل الزمخشري قوله : { وإذن لآتيناهم } ~~جواب سؤال مقدر ، كأنه : قيل وماذا يكون لهم بعد التثبيت ، فقيل : وإذن ~~لآتيناهم . قال التفتازاني : ( على أن الواو للاستئناف ) ، أي لأن العطف ~~ينافي تقدير سؤال . والحق أن ما صار إليه في ( الكشاف ) تكلف لا داعي إليه ~~إلا التزام كون ( إذن ) حرفا لجواب سائل ، والوجه أن الجواب هو ما يتلقى به ~~كلام آخر سواء كان سؤالا أو شرطا أو غيرهما . # وقوله : { ولهديناهم صراطا مستقيما } أي لفتحنا لهم طرق العلم والهداية ، ~~لأن تصديهم لامتثال ما أمروا به هو مبدأ تخلية النفوس عن التعلق بأوهامها ~~وعوائدها الحاجبة لها عن درك الحقائق ، فإذا ابتدأوا يرفضون هذه ms1996 المواقع ~~فقد استعدوا لتلقي الحكمة والكمالات النفسانية ففاضت عليهم المعارف تترى ~~بدلالة بعضها على بعض وبتيسير الله صعبها بأنوار الهداية والتوفيق ، ولا شك ~~أن الطاعة مفتاح المعارف بعد تعاطي أسبابها . # PageV05P115 # | 2 ( 69 70 ) { ومن يطع الله والرسول فأولائك مع الذين أنعم الله عليهم ~~من النبيين والصديقين والشهدآء والصالحين وحسن أولائك رفيقا * ذالك الفضل ~~من الله وكفى بالله عليما } . ) 2 # تذييل لجملة : { وإذن لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما } ( النساء : 67 ) ~~وإنما عطفت باعتبار إلحاقها بجملة : { ومن يطع الله والرسول } على جملة { ~~ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به } ( النساء : 66 ) . وجيء باسم الإشارة في ~~جملة جواب الشرط للتنبيه على جدارتهم بمضمون الخبر عن اسم الإشارة لأجل ~~مضمون الكلام الذي قبل اسم الإشارة . والمعية معية المنزلة في الجنة وإن ~~وإن كانت الدرجات متفاوتة . # ومعنى { من يطع } من يتصف بتمام معنى الطاعة ، أي أن لا يعصي الله ورسوله ~~. ودلت ( مع ) على أن مكانة مدخولها أرسخ وأعرف ، وفي الحديث الصحيح ( أنت ~~مع من أحببت ) . والصديقون هم الذين صدقوا الأنبياء ابتداء ، مثل الحواريين ~~والسابقين الأولين من المؤمنين . وأما الشهداء فهم من قتلوا في سبيل إعلاء ~~كلمة الله . والصالحون الذين لزمتهم الاستقامة . # و ( حسن ) فعل مراد به المدح ملحق بنعم ومضمن معنى التعجب من حسنهم ، ~~وذلك شأن فعل بضم العين من الثلاثي أن يدل على مدح أو ذم بحسب مادته مع ~~التعجب . وأصل الفعل حسن بفتحتين فحول إلى فعل بضم العين لقصد المدح ~~والتعجب . و { أولئك } فاعل { حسن } . و { رفيقا } تمييز ، أي ما أحسنهم ~~حسنوا من جنس الرفقاء . والرفيق يستوي فيه الواحد والجمع ، وفي حديث الوفاة ~~( الرفيق الأعلى ) . وتعريف الجزأين في قوله : { ذلك الفضل من الله } يفيد ~~الحصر وهو حصر إدعائي لأن فضل الله أنواع ، وأصناف ، ولكنه أريد المبالغة ~~في قوة هذا الفضل ، فهو كقولهم : أنت الرجل . # والتذييل بقوله : { وكفى بالله عليما } للإشارة إلى أن الذين تلبسوا بهذه ~~المنقبة ، وإن لم يعلمهم الناس ، فإن الله يعلمهم والجزاء بيده فهو يوفيهم ~~الجزاء على قدر ما علم منهم ، وقد ms1997 تقدم نظيره في هذه السورة . # PageV05P116 # | 2 ( 71 73 ) { ياأيها الذين ءامنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا ~~جميعا * وإن منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله على إذ لم ~~أكن معهم شهيدا * ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه ~~مودة ياليتنى كنت معهم فأفوز فوزا عظيما } . ) 2 # استئناف وانتقال إلى التحريض على الجهاد بمناسبة لطيفة ، فإنه انتقل من ~~طاعة الرسول إلى ذكر أشد التكاليف ، ثم ذكر الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين ، وكان الحال أدعى إلى التنويه بشأن ~~الشهادة دون بقية الخلال المذكورة معها الممكنة النوال . وهذه الآية تشير ~~لا محالة إلى تهيئة غزوة من غزوات المسلمين ، وليس في كلام السلفف ذكر سبب ~~نزولها ، ولا شك أنها لم تكن أول غزوة لأن غزوة بدر وقعت قبل نزول هذه ~~السورة ، وكذلك غزوة أحد التي نزلت فيها سورة آل عمران ، وليست نازلة في ~~غزوة الأحزاب لأن قوله : { فانفروا ثبات } يقتضي أنهم غازون لا مغزوون ، ~~ولعلها نزلت لمجرد التنبيه إلى قواعد الاستعداد لغزو العدو ، والتحذير من ~~العدو الكاشح ، ومن العدو الكائد ، ولعلها إعداد لغزوة الفتح ، فإن هذه ~~السورة نزلت في سنة ست ، وكان فتح مكة في سنة ثمان ، ولا شك أن تلك المدة ~~كانت مدة اشتداد التألب من العرب كلهم لنصرة مشركي قريش والذب عن آلهتهم ، ~~ويدل لذلك قوله بعد { ومالكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين } ( ~~النساء : 75 ) الخ ، وقوله : { فإن كان لكم فتح من الله } ( النساء : 141 ) ~~فإن اسم الفتح أريد به فتح مكة في مواضع كثيرة كقوله : { فجعل من دون ذلك ~~فتحا قريبا } ( الفتح : 27 ) . # وابتدأ بالأمر بأخذ الحذر . وهي أكبر قواعد القتال لاتقاء خدع الأعداء . ~~والحذر : هو توقي المكروه . PageV05P117 # ومعنى ذلك أن لا يغتروا بما بينهم وبين العدو من هدنة صلح الحديبية ، فإن ~~العدو وأنصاره يتربصون بهم الدوائر ، ومن بينهم منافقون هم أعداء في صورة ~~أولياء ، وهم الذين عنوا بقوله : { وإن منكم لمن ليبطئن } إلى { فوزا عظيما ~~} . # ولفظ { خذوا ms1998 } استعارة لمعنى شدة الحذر وملازمته ، لأن حقيقة الأخذ تناول ~~الشيء الذي كان بعيدا عنك . ولما كان النسيان والغفلة يشبهان البعد ~~والإلقاء كان التذكر والتيقظ يشبهان أخذ الشيء بعد إلقائه ، كقوله : { خذ ~~العفو } ( الأعراف : 199 ) ، وقولهم : أخذ عليه عهدا وميثاقا . وليس الحذر ~~مجازا في السلاح كما توهمه كثير ، فإن الله تعالى قال في الآية الأخرى { ~~وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم } ( النساء : 102 ) . فعطف السلاح عليه . # وقوله : { فانفروا ثبات أو انفروا جميعا } تفريع عن أخذ الحذر لأنهم إذا ~~أخذوا حذرهم تخيروا أساليب القتال بحسب حال العدو . و { انفروا } بمعنى ~~أخرجوا للحرب ، ومصدره النفر ، بخلاف نفر ينفر بضم العين في المضارع فمصدره ~~النفور . # و ( ثبات ) بضم الثاء جمع ثبة بضم الثاء أيضا وهي الجماعة ، وأصلها ثبية ~~أو ثبوة بالياء أو بالواو ، والأظهر أنها بالواو ، لأن الكلمات التي بقي من ~~أصولها حرفان وفي آخرها هاء للتأنيث أصلها الواو نحو عزة وعضة فوزنها فعة ، ~~وأما ثبة الحوض ، وهي وسطه الذي يجتمع فيه الماء فهي من ثاب يثوب إذا رجع ، ~~وأصلها ثوبة فخففت فصارت بوزن فلة ، واستدلوا على ذلك بأنها تصغر على ثويبة ~~، وأن الثبة بمعنى الجماعة تصغر على ثبية . قال النحاس : ( ربما توهم ~~الضعيف في اللغة أنهما واحد مع أن بينهما فرقا ) ومع هذا فقد جعلهما صاحب ( ~~القاموس ) من واد واحد وهو حسن ، إذ قد تكون ثبة الحوض مأخوذة من الاجتماع ~~إلا إذا ثبت اختلاف التصغير بسماع صحيح . # وانتصب { ثبات } على الحال ، لأنه في تأويل : متفرقين ، ومعنى { جميعا } ~~جيشا واحدا . # وقوله : { وإن منكم لمن ليبطئن } أي من جماعتكم وعدادكم ، والخبر الوارد ~~فيهم ظاهر منه أنهم ليسوا بمؤمنين في خلوتهم ، لأن المؤمن إن أبطأ عن ~~الجهاد لا يقول : ( قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا ) ، فهؤلاء ~~منافقون ، وقد أخبر الله عنهم بمثل هذا صراحة في آخر هذه السورة بقوله : { ~~بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما } إلى قوله : { الذين PageV05P118 ~~يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين ~~نصيب قالوا ألم ms1999 نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين } ( النساء : 138 141 ) . ~~وعلى كون المراد ب { من ليبطئن } المنافقين حمل الآية مجاهد ، وقتادة ، ~~وابن جريج . وقيل : أريد بهم ضعفة المؤمنين يتثاقلون عن الخروج إلى أن يتضح ~~أمر النصر . قال الفخر ( وهذا اختيار جماعة من المفسرين ) وعلى هذا فمعنى و ~~{ منكم } أي من أهل دينكم . وعلى كلا القولين فقد أكد الخبر بأقوى المؤكدات ~~لأن هذا الخبر من شأنه أن يتلقى بالاستغراب . وبطأ بالتضعيف قاصر ، بمعنى ~~تثاقل في نفسه عن أمر ، وهو الإبطاء عن الخروج إبطاء بداعي النفاق أو الجبن ~~. والإخبار بذلك يستتبع الإنكار عليه ، والتعريض به ، مع كون الخبر باقيا ~~على حقيقته لأن مستتبعات التراكيب لا توصف بالمجاز . # وقوله : { فإن أصابتكم مصيبة } تفريع عن { ليبطئن } ، إذ هذا الإبطاء ~~تارة يجر له الابتهاج بالسلامة ، وتارة يجر له الحسرة والندامة . # و ( المصيبة ) اسم لما أصاب الإنسان من شر ، والمراد هنا مصيبة الحرب ~~أعني الهزيمة من قتل وأسر . # ومعنى { أنعم الله علي } الإنعام بالسلامة : فإن كان من المنافقين فوصف ~~ذلك بالنعمة ظاهر ؛ لأن القتل عندهم مصيبة محضة إذ لا يرجون منه ثوابا ؛ ~~وإن كان من ضعفة المؤمنين فهو قد عد نعمة البقاء أولى من نعمة فضل الشهادة ~~لشدة الجبن ، وهذا من تغليب الداعي الجبلي على الداعي الشرعي . # والشهيد على الوجه الأول : إما بمعنى الحاضر المشاهد للقتال ، وإما تهكم ~~منه على المؤمنين مثل قوله : { هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول ~~الله } ( المنافقون : 7 ) ؛ وعلى الوجه الثاني الشهيد بمعناه الشرعي وهو ~~القتيل في الجهاد . وأكد قوله : { ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن } ، ~~باللام الموطئة للقسم وبلام جواب القسم وبنون التوكيد ، تنبيها على غريب ~~حالته حتى ينزل سامعها منزلة المنكر لوقوع ذلك منه . والمراد من الفضل ~~الفتح والغنيمة . وهذا المبطىء يتمنى أن لو كان مع الجيش ليفوز فوزا عظيما ~~، وهو الفوز PageV05P119 بالغنيمة والفوز بأجر الجهاد ، حيث وقعت السلامة ~~والفوز برضا الرسول ، ولذلك أتبع { أفوز } بالمصدر والوصف بعظيم . ووجه ~~غريب حاله أنه أصبح متلهفا على ما فاته بنفسه ، وأنه ms2000 يود أن تجري المقادير ~~على وفق مراده ، فإذا قعد عن الخروج لا يصيب المسلمين فضل من الله . # وجملة { كأن لم يكن بينكم وبينه مودة } معترضة بين فعل القول ومقوله . ~~والمودة الصحبة والمحبة ؛ وإما أن يكون إطلاق المودة على سبيل الاستعارة ~~الصورية إن كان المراد به المنافق ، وإما أن تكون حقيقة إن أريد ضعفة ~~المؤمنين . # وشبه حالهم في حين هذا القول بحال من لم تسبق بينه وبين المخاطبين مودة ~~حقيقية أو صورية ، فاقتضى التشبيه أنه كان بينه وبينهم مودة من قبل هذا ~~القول . # ووجه هذا التشبيه أنه لما تمنى أن لو كان معهم وتحسر على فوات فوزه لو ~~حضر معهم ، كان حاله في تفريطه رفقتهم يشبه حال من لم يكن له اتصال بهم ~~بحيث لا يشهد ما أزمعوا عليه من الخروج للجهاد ، فهذا التشبيه مسوق مساق ~~زيادة تنديمه وتحسيره ، أي أنه الذي أضاع على نفسه سبب الانتفاع بما حصل ~~لرفقته من الخير ، أي أنه قد كان له من الخلطة مع الغانمين ما شأنه أن يكون ~~سببا في خروجه معهم ، وانتفاعه بثواب النصر وفخره ونعمة الغنيمة . # وقرأ الجمهور { لم يكن } بياء الغيبة وهو طريقة في إسناد الفعل لما لفظه ~~مؤنث غير حقيقي التأنيث ، مثل لفظ { مودة } هنا ، ولا سيما إذا كان فصل بين ~~الفعل وفاعله . وقرأ ابن كثير ، وحفص ، ورويس عن يعقوب بالتاء الفوقية ~~علامة المضارع المسند إلى المؤنث اعتبارا بتأنيث لفظ مودة . # PageV05P120 $ 2 ( 74 76 ) { فليقاتل فى سبيل الله الذين يشرون الحيواة ~~الدنيا بالاخرة ومن يقاتل فى سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا ~~عظيما * وما لكم لا تقاتلون فى سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنسآء ~~والولدان الذين يقولون ربنآ أخرجنا من هاذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا ~~من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا * الذين ءامنوا يقاتلون فى سبيل الله ~~والذين كفروا يقاتلون فى سبيل الطاغوت فقاتلو & # 1764 ا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا } . ) 2 $ # الفاء : إما للتفريع ، تفريعع الأمر على الآخر ، أي فرع { فليقاتل } على ms2001 ~~{ خذوا حذركم فانفروا } ( النساء : 71 ) ، أو هي فاء فصيحة ، أفصحت عما دل ~~عليه ما تقدم من قوله : { خذوا حذركم } وقوله : { وإن منكم لمن ليبطئن ( 72 ~~) لأن جميع ذلك اقتضى الأمر بأخذ الحذر ، وهو مهيء لطلب القتال والأمر ~~بالنفير والإعلامم بمن حالهم حال المتردد المتقاعس ، أي فإذا علمتم جميع ~~ذلك ، فالذين يقاتلون في سبيل الله هم الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ~~لا كل أحد . # ويشرون } معناه يبيعون ، لأن شرى مقابل اشترى ، مثل باع وابتاع وأكرى ~~واكترى ، وقد تقدم تفصيله عند قوله تعالى : { أولئك الذين اشتروا الضلالة ~~بالهدى } في سورة البقرة ( 16 ) . فالذين يشرون الحياة الدنيا هم الذين ~~يبذلونها ويرغبون في حظ الآخرة . وإسناد القتال المأمور بع إلى أصحاب هذه ~~الصلة وهي : { يشرون الحياة الدنيا بالآخرة } للتنويه بفضل المقاتلين في ~~سبيل الله ، لأن في الصلة إيماء إلى علة الخبر ، أي يبعثهم على القتال في ~~سبيل الله بذلهم حياتهم الدنيا لطلب الحياة الأبدية ، وفضيحة أمر المبطئين ~~حتى يرتدعوا عن التخلف ، وحتى يكشف المنافقون عن دخيلتهم ، فكان ~~PageV05P121 معنى الكلام : فليقاتل في سبيل الله المؤمنون حقا فإنهم يشرون ~~الحياة الدنيا بالآخرة ، ولا يفهم أحد من قوله : { فليقاتل في سبيل الذين ~~يشرون } أن الأمر بالقتال مختص بفريق دون آخر ، لأن بذل الحياة في الحصول ~~على ثواب الآخرة شيء غير ظاهر حتى يعلق التكليف به ، وإنما هو ضمائر بين ~~العباد وربهم ، فتعين أن إسناد الأمر إلى أصحاب هذه الصلة مقصود منه الثناء ~~على المجاهدين ، وتحقير المبطئين ، كما يقول القائل ( ليس بعشكك فادرجي ) . ~~فهذا تفسير الآية بوجه لا يعتريه إشكال . ودخل في قوله : { أو يغلب } أصناف ~~الغلبة على العدو بقتلهم أو أسرهم أو غنم أموالهم . # وإنما اقتصر على القتل والغلبة في قوله : { فيقتل أو يغلب } ولم يزد أو ~~يؤسر إباية من أن يذكر لهم حالة ذميمة لا يرضاها الله للمؤمنين ، وهي حالة ~~الأسر ؛ فسكت عنها لئلا يذكرها في معرض الترغيب وإن كان للمسلم عليها أجر ~~عظيم أيضا إذا بذل جهده في الحرب فعلب إذ الحرب لا تخلو من ms2002 ذلك ، وليس ~~بمأمور أن يلقي بيده إلى التهلكة إذا علم أنه لا يجدي عنه الاستبسال ، فإن ~~من منافع الإسلام استبقاء رجاله لدفاع العدو . # والخطاب في قوله : { ومالكم لا تقاتلون } التفات من طريق الغيبة ، وهو ~~طريق الموصول في قوله : { الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة } إلى طريق ~~المخاطبة . # ومعنى { ما لكم لا تقاتلون } ما يمنعكم من القتال ، وأصل التركيب : أي ~~شيء حق لكم في حال كونكم لا تقاتلون ، فجملة { لا تقاتلون } حال من الضمير ~~المجرور للدلالة على ما منه الاستفهام . # والاستفهام إنكاري ، أي لا شيء لكم في حال لا تقاتلون ، والمراد أن الذي ~~هو لكم هو أن تقاتلوا ، فهو بمنزلة أمر ، أي قاتلوا في سبيل الله لا يصدكم ~~شيء عن القتال ، وقد تقدم قريب منه عند قوله تعالى : { قالوا وما لنا أن لا ~~نقاتل في سبيل الله } في سورة البقرة ( 246 ) . # ومعنى { في سبيل الله } لاجل دينه ولمرضاته ، فحرف ( في ) للتعليل ، ~~ولأجل المستضعفين ، أي لنفعهم ودفع المشركين عنهم . # و ( المستضعفون ) الذين يعدهم الناس ضعفاء ، و ( فالسين والتاء للحسبان ، ~~وأراد بهم من بقي من المؤمنين بمكة من الرجال الذين منعهم المشركون من ~~الهجرة بمقتضى الصلح الذي PageV05P122 انعقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وبين سفير قريش سهيل بن عمرو ؛ إذ كان من الشروط التي انعقد عليها الصلح : ~~أن من جاء إلى مكة من المسلمين مرتدا عن الإسلام لا يرد إلى المسلمين ، ومن ~~جاء إلى المدينة فارا من مكة مؤمنا يرد إلى مكة . ومن المستضعفين الوليد بن ~~الوليد . وسلمة بن هشام . وعياش بن أبي ربيعة . وأما النساء فهن ذوات ~~الأزواج أو ولايى الأولياء المشركين اللائي يمنعهن أزواجهن وأولياؤهن من ~~الهجرة : مثل أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ، وأم الفضل لبابة بنت الحارث ~~زوج العباس ، فقد كن يؤذين ويحقرن . وأما الولدان فهم الصغار من أولاد ~~المؤمنين والمؤمنات ، فإنهم كانوا يألمون من مشاهدة تعذيب آبائهم وذويهم ~~وإيذاء أمهاتهم وحاضناتهم ، وعن ابن عباس أنه قال : كنت أنا وأمي من ~~المستضعفين . # والقتال في سبيل هؤلاء ظاهر ، لإنقاذهم ms2003 من فتنة المشركين ، وإنقاذ ~~الولدان من أن يشبوا على أحوال الكفر أو جهل الإيمان . # والقرية هي مكة . وسألوا الخروج منها لما كدر قدسها من ظلم أهلها ، أي ~~ظلم الشرك وظلم المؤمنين ، فكراهية المقام بها من جهة أنها صارت يومئذ دار ~~شرك ومناواة لدين الإسلام وأهله ، ومن أجل ذلك أحلها الله لرسوله أن يقاتل ~~أهلها ، وقد قال عباس بن مرداس يفتخر باقتحام خيل قومه في زمرة المسلمين ~~يوم فتح مكة : # شهدن مع النبي مسومات # حنينا وهي دامية الحوامي # ووقعة خالد شهدت وحكت # سنابكها على البلد الحرام # وقد سألوا من الله وليا ونصيرا ، إذ لم يكن لهم يومئذ ولي ولا نصير ~~فنصرهم الله بنبيئه والمؤمنين يوم الفتح . # وأشارت الآية إلى أن الله استجاب دعوتهم وهيأ لهم النصر بيد المؤمنين ~~فقال : { الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل ~~الطاغوت } ، أي فجند الله لهم عاقبة النصر ، ولذلك فرع عليه الأمر بقوله : ~~{ فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا } . PageV05P123 # والطاغوت : الأصنام . وتقدم تفسيره في قوله تعالى : { ألم تر إلى الذين ~~أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبتت والطاغوت في هذه السورة ( 5 ) ، ~~وقوله : يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت } ( النساء : 60 ) . # والمراد بكيد الشيطان تدبيره . وهو ما يظهر على أنصاره من الكيد للمسلمين ~~والتدبير لتأليب الناس عليهم ، وأكد الجملة بمؤكدين ( إن ) ( وكان ) ~~الزائدة الدالة على تقرر وصف الضعف لكيد الشيطان . # $ 2 ( 77 79 ) { ألم تر إلى الذين قيل لهم كفو & # 1764 ا أيديكم وأقيموا الصلواة وءاتوا الزكواة فلما كتب عليهم القتال إذا ~~فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا ~~القتال لولا & # 1764 أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والاخرة خير لمن اتقى ولا ~~تظلمون فتيلا * أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم فى بروج مشيدة وإن ~~تصبهم حسنة يقولوا هاذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هاذه من عندك قل ~~كل من عند الله فما لهاؤلا & # 1764 ء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ms2004 * مآ أصابك من حسنة فمن الله ومآ ~~أصابك من سيئة فمن نفسك وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا } . ) 2 $ # تهيأ المقام للتذكير بحال فريق من المسلمين اختلف أول حاله وآخره ، ~~فاستطرد هنا التعجيب من شأنهم على طريقة الاعتراض في أثناء الحث على الجهاد ~~، وهؤلاء فريق يودون أن يؤذن لهم بالقتال فلما كتب عليهم القتال في إبانه ~~جبنوا . وقد علم معنى حرصهم على القتال قبل أن يعرض عليهم من قوله : { قيل ~~لهم كفوا أيديكم } ، لأن كف اليد مراد ، منه ترك القتال ، كما قال : { وهو ~~الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة } ( الفتح : 24 ) . # والجملة معترضة بين جملة { وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله } ( النساء : ~~75 ) والجملل التي بعدها وبين جملة { فليقاتل في سبيل الله } ( النساء : 74 ~~) الآية اقتضت اعتراضها مناسبة العبرة بحال هذا PageV05P124 الفريق وتقلبها ~~، فالذين قيل لهم ذلك هم جميع المسلمين ، وسبب القول لهم هو سؤال فريق منهم ~~، ومحل التعجيب إنما هو حال ذلك الفريق من المسلمين . ومعنى { كتب عليهم ~~القتال } أنه كتب عليكم في عموم المسلمين القادرين . وقد دلت ( إذا ) ~~الفجائية على أن هذا الفريق لم يكن تترقب منهم هذه الحالة ، لأنهم كانوا ~~يظهرون من الحريصين على القتال . قال جمهور المفسرين : إن هاته الآية نزلت ~~في طائفة من المسلمين كانوا لقوا بمكة من المشركين أذى شديدا ، فقالوا ~~للنبيء صلى الله عليه وسلم ( يا رسول الله كنا في عز ونحن مشركون فلما آمنا ~~صرنا أذلة ) واستأذنوه في قتال المشركين ، فقال لهم : ( أني أمرت بالعفو { ~~فكفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } فلما هاجر النبي صلى الله عليه ~~وسلم إلى المدينة ، وفرض الجهاد جبن فريق من جملة الذين استأذنوه في القتال ~~، ففيهم نزلت الآية . # والمروي عن ابن عباس أن من هؤلاء عبد الرحمن بن عوف ، وسعد بن أبي وقاص ، ~~والمقداد بن الأسود ، وقدامة بن مظعون ، وأصحابهم ، وعلى هذا فقوله : { ~~كخشية الله أو أشد خشية } مسوق مساق التوبيخ لهم حيث رغبوا تأخير العمل ~~بأمر الله بالجهاد لخوفهم من بأس المشركين ، فالتشبيه ms2005 جار على طريقة ~~المبالغة لأن حمل هذا الكلام على ظاهر الإخبار لا يلائم حالهم من فضيلة ~~الإيمان والهجرة . # وقال السدي : ( الذين قيل لهم كفوا أيديكم ) قوم أسلموا قبل أن يفرض ~~القتال وسألوا أن يفرض عليهم القتال فلما فرض القتال إذا فريق يخشون الناس ~~. واختلف المفسرون في المعني بالفريق من قوله تعالى : { إذا فريق منهم ~~يخشون الناس } فقيل : هم فريق من الذين استأذنوا في مكة في أن يقاتلوا ~~المشركين ، وهذا قول ابن عباس ، وقتادة ، والكلبي ، وهو ظاهر الآية ، ولعل ~~الذي حول عزمهم أنهم صاروا في أمن وسلامة من الإذلال والأذى ، فزال عنهم ~~الاضطرار للدفاع عن أنفسهم . وحكى القرطبي : أنه قيل : إن هذا الفريق هم ~~المنافقون . وعلى هذا الوجه يتعين تأويل نظم الآية بأن المسلمين الذين ~~استأذنوا في قتل المشركين وهم في مكة أنهم لما هاجروا إلى المدينة كرروا ~~الرغبة في قتال المشركين ، وأعاد النبي صلى الله عليه وسلم تهدئتهم زمانا ، ~~وأن المنافقين تظاهروا بالرغبة في ذلك تمويها للنفاق ، فلما كتب القتال على ~~المسلمين جبن المنافقون ، PageV05P125 وهذا هو الملائم للإخبار عنهم بأنهم ~~يخشون الناس كخشية الله أو أشد . وتأويل وصفهم بقوله { منهم } : أي من ~~الذين قيل لهم : كفوا أيديكم ، وهذا على غموضه هو الذي ينسجم مع أسلوب بقية ~~الكلام في قوله : { وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله } وما بعده ، ~~كما سيأتي ، أما على قول السدي فلا حاجة إلى تأويل الآية . # فالاستفهام في قوله : { ألم تر } للتعجيب ، وقد تقدمت نظائره . والمتعجب ~~منهم ليسوا هم جميع الذين قيل لهم في مكة : كفوا أيديكم ، بل فريق آخر من ~~صفتهم أنهم يخشون الناس كخشية الله . وإنما علق التعجيب بجميع الذين قيل ~~لهم باعتبار أن فريقا منهم حالهم كما وصف ، فالتقدير : ألم تر إلى فريق من ~~الذين قيل لهم : كفوا أيديكم . # والقول في تركيب قوله : { كخشية الله أو أشد خشية } كالقول في نظيره ، ~~وهو قوله تعالى : { فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا } في سورة ~~البقرة ( 200 ) . # وقولهم : { ربنا لم كتبت علينا القتال } إنما هو ms2006 قولهم في نفوسهم على ~~معنى عدم الاهتداء لحكمة تعليل الأمر بالقتال وظنهم أن ذلك بلوى . ( والأجل ~~القريب ) مدة متأخرة ريثما يتم استعدادهم ، مثل قوله : { فيقول رب لولا ~~أخرتني إلى أجل قريب فأصدق } ( المنافقون : 10 ) . وقيل : المراد من ( ~~الأجل ) العمر ، . بمعنى لولا أخرتنا إلى أن تنقضي آجالنا دون قتال ، فيصير ~~تمنيا لانتفاء فرض القتال ، وهذا بعيد لعدم ملائمته لسياق الكلام ، إذ ليس ~~الموت في القتال غير الموت بالأجل ، ولعدم ملاءمته لوصفه بقريب ، لأن أجل ~~المرء لا يعرف أقريب هو أم بعيد إلا إذا أريد تقليل الحياة كلها . وعلى كلا ~~الوجهين فالقتال المشار إليه هنا هو أول قتال أمروا به ، والآية ذكرتهم ~~بذلك في وقت نزولها حين التهيؤ للأمر بفتح مكة . وقال السدي : أريد بالفريق ~~بعض من قبائل العرب دخلوا في الإسلام حديثا قبل أن يكون القتال من فرائضه ~~وكانوا يتمنون أن يقاتلوا فلما كتب عليهم القتال جبنوا لضعف إيمانهم ، ~~ويكون القتال الذين خافوه هو غزو مكة ، وذلك أنهم خشوا بأس المشركين . # وقولهم : { ربنا لم كتبت علينا القتال } يحتمل أن يكون قولا في نفوسهم ، ~~ويحتمل أنه مع ذلك قول بأفواههم ، ويبدو هو المتعين إذا كان المراد بالفريق ~~فريق المنافقين ؛ فهم يقولون : ربنا لم كتبت علينا القتال بألسنتهم علنا ~~ليوقعوا الوهن في قلوب المستعدين له PageV05P126 وهم لا يعتقدون أن الله ~~كتب عليهم القتال ، وقال ابن جرير عن مجاهد : نزلت في اليهود ، وعليه تكون ~~الآية مثالا ضربه الله للمسلمين الذين أوجب عليهم القتال ، تحذيرا لهم في ~~الوقوع في مثل ذلك ، فيكون على طريقة قوله : { ألم تر إلى الملأ من بني ~~إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبيء لهم ابعث لنا ملكا } الآية في سورة ~~البقرة ( 246 ) . # والرؤية بصرية ، وهي على بعض الوجوه المروية بصرية حقيقية ، وعلى بعضها ~~بصرية تنزيلية ، للمبالغة في اشتهار ذلك . # وانتصب { خشيه } على التمييز لنسبة { أشد } ، كما تقدم في قوله تعالى : { ~~كذكركم رباءكم أو أشد ذكرا وقد مر ما فيه في سورة البقرة ( 200 ) . # والجواب بقوله : قل متاع الدنيا قليل } جواب ms2007 عن قولهم : { لولا أخرتنا ~~إلى أجل قريب } سواء كان قولهم لسانيا وهو بين ، أم كان نفسيا ، ليعلموا أن ~~الله أطلع رسوله على ما تضمره نفوسهم ، أي أن التأخير لا يفيد والتعلق ~~بالتأخير لاستبقاء الحياة لا يوازي حظ الآخرة ، وبذلك يبطل ما أرادوا من ~~الفتنة بقولهم : { لولا أخرتنا إلى أجل قريب } . # وموقع قوله : { ولا تظلمون فتيلا } موقع زيادة التوبيخ الذي اقتضاه قوله ~~: { قل متاع الدنيا قليل } ، أي ولا تنقصون شيئا من أعماركم المكتوبة ، فلا ~~وجه للخوف وطلب تأخير فرض القتال ؛ وعلى تفسير الأجل في : { لولا أخرتنا ~~إلى أجل قريب } بأجل العمر ، وهو الوجه المستبعد ، يكون معنى { ولا تظلمون ~~فتيلا } تغليطهم في اعتقادهم أن القتل يعجل الأجل ، فيقتضي أن يكون ذلك ~~عقيدة للمؤمنين إن كانوا هم المخاطبين قبل رسوخ تفاصيل عقائد الإسلام فيهم ~~، أو أن ذلك عقيدة المنافقين إن كانوا هم المخاطبين . # وقيل معنى نفي الظلم هنا أنهم لا يظلمون بنقص ثواب جهادهم ، فيكون موقعه ~~موقع التشجيع لإزالة الخوف ، ويكون نصبه على النيابة عن المفعول المطلق . ~~وقيل : معناه أنهم لا يظلمون بنقص أقل زمن من آجالهم ، ويجيء على هذا ~~التفسير أن يجعل { تظلمون } بمعنى تنقصون ، كقوله تعالى : { ولم تظلم منه ~~شيئا } ( الكهف : 33 ) ، أي كلتا الجنتين من أكلها ، ويكون { فتيلا } ~~مفعولا به ، أي لا تنقصون من أعماركم ساعة ، فلا موجب للجبن . PageV05P127 # وقرأ الجمهور : { ولا تظلمون } بتاء الخطاب على أنه أمر الرسول أن يقوله ~~لهم . وقرأه ابن كثير ، وحمزة ، والكسائي ، وأبو جعفر ، وروح عن يعقوب ، ~~وخلف بياء الغيبة على أن يكون مما أخبر الله به رسوله صلى الله عليه وسلم ~~ليبلغه إليهم . # والفتيل تقدم آنفا عند قوله تعالى : { بل الله يزكي من يشاء ولا يظلمون ~~فتيلا } ( النساء : 49 ) . # وجملة : { أينما تكونوا يدرككم الموت } يجوز أن تكون من تمام القول ~~المحكي بقوله : { قل متاع الدنيا قليل } . وإنما لم تعطف على جملة : { متاع ~~الدنيا قليل } لاختلاف الغرضين ، لأن جملة { متاع الدنيا قليل } وما عطف ~~عليها تغليط لهم في طلب التأخير إلى أجل قريب ، وجملة : { أينما ms2008 تكونوا } ~~الخ مسوقة لإشعارهم بأن الجبن هو الذي جملهم على طلب التأخير إلى أمد قريب ~~، لأنهم توهموا أن مواقع القتال تدني الموت من الناس . ويحتمل أن يكون ~~القول قد تم ، وأن جملة { أينما تكونوا } توجه إليهم بالخطاب من الله تعالى ~~، أو توجه لجميع الأمة بالخطاب ، فتكون على كلا الأمرين معترضة بين أجزاء ~~الكلام . و ( أينما ) شرط يستغرق الأمكنة ( ولو ) في قوله : { ولو كنتم في ~~بروج } وصلية وقد تقدم تفصيل معناها واستعمالها عند قوله : في سورة آل ~~عمران ( 91 ) : { فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به . # والبروج جمع برج ، وهو البناء القوي والحصن : والمشيدة : المبنية بالشيد ~~، وهو الجص ، وتطلق على المرفوعة العالية ، لأنهم إذا أطالوا البناء بنوه ~~بالجص ، فالوصف به مراد به المعنى الكنائي . وقد يطلق البروج على منازل ~~كواكب السماء كقوله تعالى : تبارك الذي جعل في السماء بروجا } ( الفرقان : ~~61 ) وقوله : { والسماء ذات البروج } ( البروج : 1 ) . وعن مالك أنه قال : ~~البروج هنا بروج الكواكب ، أي ولو بلغتم السماء . وعليه يكون وصف { مشيدة } ~~مجازا في الارتفاع ، وهو بصير مجازا في الارتفاع ، وهو بعيد . PageV05P128 # يتعين على المختار مما روي في تعيين الفريق الذين ذكروا في قوله تعالى : ~~{ ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم } من أنهم فريق من المؤمنين ~~المهاجرين أن يكون ضمير الجمع في قوله : { وإن تصبهم حسنة } عائدا إلى ~~المنافقين لأنهم معلومون من المقام ، ولسبقق ذكرهم في قوله : { وإن منكم ~~لمن ليبطئن } ( النساء : 72 ) وتكون الجملة معطوفة عطف قصة على قصة ، فإن ~~ما حكي في هذه الآية لا يليق إلا بالمنافقين ، ويكون الغرض انتقل من ~~التحريض على القتال إلى وصف الذين لا يستجيبون إلى القتال لأنهم لا يؤمنون ~~بما يبلغهم النبي صلى الله عليه وسلم من وعد الله بنصر المؤمنين . وأما على ~~رواية السدي فيحتمل أن هؤلاء الذين دخلوا في الإسلام حديثا من قبائل العرب ~~كانوا على شفا الشك فإذا حل بهم سوء أو بؤس تطيروا بالإسلام فقالوا : هذه ~~الحالة السوأى من شؤم الإسلام . وقد قيل ms2009 : إن بعض الأعراب كان إذا أسلم ~~وهاجر إلى المدينة فنمت أنعامه ورفهت حاله حمد الإسلام ، وإذا أصابه مرض أو ~~موتان في أنعامه تطير بالإسلام فارتد عنه ، ومنه حديث الأعرابي الذي أصابته ~~الحمى في المدينة فاستقال من النبي بيعته وقال النبي صلى الله عليه وسلم في ~~شأنه : ( المدينة كالكير تنفي خبثها وينصع طيبها ) . # والقول المراد في قوله : { يقولوا هذه من عند الله } { يقولوا هذه من ~~عندك } هو قول نفسي ، لأنهم لم يكونوا يجترئون على أن يقولوا ذلك علنا ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يظهرون الإيمان به . أو هو قول يقولونه ~~بين إخوانهم من المنافقين ، PageV05P129 يقولون : هذه من عند محمد ، فيكون ~~الإتيان بكاف الخطاب من قبيل حكاية كلامهم بحاصل معناه على حسب مقام الحاكي ~~والمحكي له ، وهو وجه مطروق في حكاية كلام الغائب عن المخاطب إذا حكى كلامه ~~لذلك المخاطب . ومنه قوله تعالى حكاية عن عيسى : { ما قلت لهم إلا ما ~~أمرتني به أن أعبدوا الله ربي وربكم } ( المائدة : 117 ) . والمأمور به هو ~~: أن اعبدوا الله ربك وربهم . وورد أن قائل ذلك هم اليهود ، فالضمير عائد ~~على غير مذكور في الكلام السابق ، لأن المعني به معروفون في وقت نزول الآية ~~، وقديما قيل لأسلافهم { وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه } ( الأعراف ~~: 131 ) . والمراد بالحسنة والسيئة هنا ما تعارفه العرب من قبل اصطلاح ~~الشريعة أعني الكائنة الملائمة والكائنة المنافرة ، كقولهم : { فإذا جاءتهم ~~الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه } ( الأعراف : ~~131 ) وقوله : { ربنا آتنا في الدنيا حسنة } ( البقرة : 201 ) ، وتعلق فعل ~~الإصابة بهما دليل على ذلك ، أما الحسنة والسيئة بالاصطلاح الشرعي ، أعني ~~الفعل المثاب عليه والفعل المعاقب عليه ، فلا محمل لهما هنا إذ لا يكونان ~~إصابتين ، ولا تعرف إصابتهما لأنهما اعتباران شرعيان . وقيل : كان اليهود ~~يقولون : ( لما جاء محمد المدينة قلت الثمار ، وغلت الأسعار ) . فجعلوا كون ~~الرسول بالمدينة هو المؤثر في حدوث السيئات ، وأنه لولاه لكانت الحوادث ~~كلها جارية على ما يلائمهم ، ولذلك جيء في حكاية كلامهم ms2010 بما يدل على أنهم ~~أرادوا هذا المعنى ، وهو كلمة ( عند ) في الموضعين : { هذه من عند الله هذه ~~من عندك } ؛ إذ العندية هنا عندية التأثير التام بدليل التسوية في التعبير ~~، فإذا كان ما جاء من عند الله معناه من تقديره وتأثير قدرته ، فكذلك ~~مساويه وهو ما جاء من عند الرسول . وفي ( البخاري ) عن ابن عباس في قوله ~~تعالى : { ومن الناس من يعبد الله على حرف } كان الرجل يقدم المدينة فإن ~~ولدت امرأته غلاما ونتجت خيله قال : هذا دين صالح ، وإن لم تلد امرأته ولم ~~تنتج خيله قال : هذا دين سوء ، وهذا يقتضي أن فعل ذلك من مهاجرة العرب : ~~يقولونه إذا أرادوا الارتداد وهم أهل جفاء وغلظة ، فلعل فيهم من شافه ~~الرسول بمثل قولهم : { هذه من عندك } . ومعنى { من عند الله } في اعتقادهم ~~أنه الذي ساقها إليهم وأتحفهم بها لما هو معتاده من الإكرام لهم ، وخاصة ~~إذا كان قائل ذلك اليهود . ومعنى { من عندك } أي من شؤم قدومك ، لأن الله ~~لا يعاملهم إلا بالكرامة ، ولكنه صار يتخولهم بالإساءة لقصد أذى المسلمين ~~فتلحق الإساءة اليهود من جراء المسلمين على حد { واتقوا فتنة } ( الأنفال : ~~25 ) الآية . PageV05P130 # وقد علمه الله أن يجيب بأن كلا من عند الله ، لأنه لا معنى لكون شيء من ~~عند الله إلا أنه الذي قدر ذلك وهيأ أسبابه ، إذ لا يدفعهم إلى الحسنات ~~مباشرة . وإن كان كذلك فكما أن الحسنة من عنده ، فكذلك السيئة بهذا المعنى ~~بقطع النظر عما أراده بالإحسان والإساءة ، والتفرقة بينهما من هذه الجهة لا ~~تصدر إلا عن عقل غير منضبط التفكير ، لأنهم جعلوا بعض الحوادث من الله ~~وبعضها من غير الله فلذلك قال : { فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ~~} أي يكادون أن لا يفقهوا حديثا ، أي أن لا يفقهوا كلام من يكلمهم ، وهذ ~~مدلول فعل ( كاد ) إذا وقع في سياق النفي ، كما تقدم في قوله : { وما كادوا ~~يفعلون } ( البقرة : 71 ) . # والإصابة : حصول حال أو ذات ، في ذات يقال : أصابه مرض ، وأصابته نعمة ، ~~وأصابه سهم ، وهي ، مشقة ms2011 من اسم الصوب الذي هو المطر ، ولذلك كان ما يتصرف ~~من الإصابة مشعرا بحصولل مفاجىء أو قاهر . # وبعد أن أمر الله رسوله بما يجيب به هؤلاء الضالين علمه حقيقة التفصيل في ~~إصابة الحسنة والسيئة من جهة تمحض النسبة إلى الله تعالى أو اختلاطها ~~بالانتساب إلى العبد ، فقال : { ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من ~~سيئة فمن نفسك } . ووجه الخطاب للرسول لأنه المبلغ عن الله ، ولأن هذا ~~الجواب لإبطال ما نسبه الضالون إليه من كونه مصدر السيئات التي تصيبهم . # وأعلم أن للحوادث كلها مؤثرا . وسببا مقارنا ، وأدلة تنبىء عنها وعن ~~عواقبها ، فهذه ثلاثة أشياء لا تخلو عنها الحوادث كلها ، سواء كانت غير ~~اختيارية ، أم اختيارية كأفعال العباد . فالله قدر المنافع والمضار بعلمه ~~وقدره وخلق مؤثراتها وأسبابها ، فهذا الجزء لله وحده لقوله : { قل كل من ~~عند الله } . # والله أقام بالألطاف الموجودات ، فأوجدها ويسر لها أسباب البقاء ~~والانتفاع بما أودع فيها من العقول والإلهامات ، وحفها كلها في سائر ~~أحوالها بألطاف كثيرة ، لولاها لما بقيت الأنواع ، وساق إليها أصول ~~الملاءمة ، ودفع عنها أسباب الآلام في الغالب ، فالله لطيف بعباده . فهذا ~~الجزء لله وحده لقوله : { قل كل من عند الله } . PageV05P131 # والله نصب الأدلة للناس على المنافع والمضار التي تكتسب بمختلف الأدلة ~~الضرورية ، والعقلية ، والعادية ، والشرعية ، وعلم طرائق الوصول إليها ، ~~وطرائق الحيدة عنها ، وأرشد إلى موانع التأثير لمن شاء أن يمانعها ، وبعث ~~الرسل وشرع الشرائع فعلمنا بذلك كله أحوال الأشياء ومنافعها ومضارها ، ~~وعواقب ذلك الظاهرة والخفية ، في الدنيا والآخرة ، فأكمل المنة ، وأقام ~~الحجة ، وقطع المعذرة ، فهدى بذلك وحذر إذ خلق العقول ووسائل المعارف ، ~~ونماها بالتفكيرات والإلهامات ، وخلق البواعث على التعليم والتعلم ، فهذا ~~الجزء أيضا لله وحده . وأما الأسباب المقارنة للحوادث الحسنة والسيئة ~~والجانية لجناها حين تصيب الإنسان من الاهتداء إلى وسائل مصادفة المنافع ، ~~والجهلل بتلك الوسائل ، والإغضاء عن موانع الوقوع فيها في الخير والشر ، ~~فذلك بمقدار ما يحصله الإنسان من وسائل الرشاد ، وباختياره الصالح لاجتناء ~~الخير ، ومقدارا ضد ذلك : من غلبة الجهل ، أو غلبة ms2012 الهوى ، ومن الارتماء في ~~المهالك بدون تبصر ، وذلك جزء صغير في جانب الأجزاء التي قدمناها ، وهذا ~~الجزء جعل الله للإنسان حظا فيه ، ملكه إياه ، فإذا جاءت الحسنة أحدا فإن ~~مجيئها إياه بخلق الله تعالى لا محالة مما لا صنعة للعبد فيه ، أو بما أرشد ~~الله به العبد حتى علم طريق اجتناء الحسنة ، أي الشيء الملائم وخلق له ~~استعداده لاختيار الصالح فيما له فيه اختيار من الأفعال النافعة حسبما ~~أرشده الله تعالى ، فكانت المنة فيها لله وحده ، إذ لولا لطفه وإرشاده ~~وهديه ، لكان الإنسان في حيرة ، فصح أن الحسنة من الله ، لأن أعظم الأسباب ~~أو كلها منه . # أما السيئة فإنها وإن كانت تأتي بتأثير الله تعالى ، ولكن إصابة معظمها ~~الإنسان يأتي من جهله ، أو تفريطه ، أو سوء نظره في العواقب ، أو تغليب ~~هواه على رشده ، وهنالك سيئات الإنسان من غير تسببه مثل ما أصاب الأمم من ~~خسفف وأوبئة ، وذلك نادر بالنسبة لأكثر السيئات ، على أن بعضا منه كان جزاء ~~على سوء فعل ، فلا جرم كان الحظ الأعظم في إصابة السيئة الإنسان لتسببه ~~مباشرة أو بواسطة ، فصح أن يسند تسببها إليه ، لأن الجزء الذي هو لله وحده ~~منها هو الأقل . وقد فسر هذا المعنى ما ورد في ( الصحيح ) ، ففي حديث ~~الترمذي ( لا يصيب عبدا نكبة فما فوقها أو ما دونها إلا بذنب وما يعفو الله ~~أكثر ) . PageV05P132 # وشملت الحسنة والسيئة ما كان من الأعيان ، كالمطر والصواعق ، والثمرة ~~والجراد ، وما كان من الأعراض كالصحة ، وهبوب الصبا ، والربح في التجارة . ~~وأضدادها كالمرض ، والسموم المهلكة ، والخسارة . وفي هذا النوع كان سبب ~~نزول هذه الآية ، ويلحق بذلك ما هو من أفعال العباد كالطاعات النافعة ~~للطائع وغيره ، والمعاصي الضارة به وبالناس ، وفي هذا الأمر جاء قوله تعالى ~~: { قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فيما يوحي إلي ربي } ( سبأ : ~~50 ) وهو على نحو هذه الآية وإن لم تكن نازلة فيه . # ولكون هذه القضية دقيقة الفهم نبة الله على قلة فهمهم للمعاني الخفية ~~بقوله : { فما لهؤلاء القوم ms2013 لا يكادون يفقهون حديثا } ، فقوله : { لا ~~يكادون } يجوز أن يكون جاريا على نظائره من اعتبار القلب ، أي يكادون لا ~~يفقهون ، كما تقدم عند قوله تعالى : { فذبحوها وما كادوا يفعلون } ( البقرة ~~: 71 ) فيكون فيه استبقاء عليهم في المذمة . ويجوز أن يكون على أصل وضع ~~التركيب ، أي لا يقاربون فهم الحديث الذي لا يعقله إلا الفطناء ، فيكون أشد ~~في المذمة . # والفقه فهم ما يحتاج إلى إعمال فكر . قال الراغب : ( هو التوصل إلى علم ~~غائب بعلم شاهد ، وهو أخص من العلم ) . وعرفه غيره بأنه ( إدراك الأشياء ~~الخفية ) . # والخطاب في قوله : { ما أصابك } خطاب للرسول ، وهذا هو الأليق بتناسق ~~الضمائر ، ثم يعلم أن غيره مثله في ذلك . # وقد شاع الاستدلال بهذه الآية على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى على ~~طريقة الشيخ أبي الحسن الأشعري لقوله : { قل كل من عند الله } ، كما شاع ~~استدلال المعتزلة بها على أن الله لا يخلق المعصية والشر لقوله : { وما ~~أصابك من سيئة فمن نفسك } . وقال أبو الحسن شبيب بن حيدرة المالكي في كتاب ~~( حز الغلاصم ) : إن الاحتجاج بها في كلا الأمرين جهل لابتنائه على توهم أن ~~الحسنة والسيئة هي الطاعة والمعصية ، وليستا كذلك . # وأنا أقول : إن أهل السنة ما استدلوا بها إلا قولا بموجب استدلال ~~المعتزلة بها على التفرقة بين اكتساب الخير والشر على أن عموم معنى الحسنة ~~والسيئة كما بينته PageV05P133 آنفا يجعل الآية صالحة للاستدلال ، وهو ~~استدلال تقريبي لأن أصول الدين لا يستدل فيها بالظواهر كالعموم . # وجيء في حكاية قولهم : { يقولوا هذه من عند الله يقولوا هذه من عندك } ~~بكلمة ( عند ) للدلالة على قوة نسبة الحسنة إلى الله ونسبة السيئة للنبيء ~~عليه الصلاة والسلام أي قالوا ما يفيد جزمهم بذلك الانتساب . # ولما أمر الله رسوله أن يجيبهم قال : { قل كل من عند الله } مشاكلة ~~لقولهم ، وإعرابا عن التقدير الأزلي عند الله . # وأما قوله : { ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك } ~~فلم يؤت فيه بكلمة ( عند ) ، إيماء إلى أن ابتداء مجيء الحسنة من ms2014 الله ~~ومجيء السيئة من نفس المخاطب ، ابتداء المتسبب لسبب الفعل ، وليس ابتداء ~~المؤثر في الأثر . # وقوله : { وأرسلناك للناس رسولا } عطف على قوله : { وما أصابك من حسنة ~~فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك } للرد على قولهم : السيئة من عند ~~محمد ، أي أنك بعثت مبلغا شريعة وهاديا ، ولست مؤثرا في الحوادث ولا تدل ~~مقارنة الحوادث المؤلمة على عدم صدق الرسالة . فمعنى { أرسلناك } بعثناك ~~كقوله { وأرسلنا الرياح } ( الحجر : 22 ) ونحوه . و { للناس } متعلق ب { ~~أرسلناك } . وقوله { رسولا } حال من { أرسلناك } ، والمراد بالرسول هنا ~~معناه الشرعي المعروف عند أهل الأديان : وهو النبي المبلغ عن الله تعالى ، ~~فهو لفظ لقيي دال على هذا المعنى ، وليس المراد به اسم المفعول بالمعنى ~~اللغوي ولهذا حسن مجيئه حالا مقيدة ل ( أرسلناك ) ، لاختلاف المعنيين ، أي ~~بعثناك مبلغا لا مؤثرا في الحوادث ، ولا أمارة على وقوع الحوادث السيئة . ~~وبهذا يزول إشكال مجيء هذه الحال غير مفيدة إلا التأكيد ، حتى احتاجوا إلى ~~جعل المجرور متعلقا ب { رسولا } ، وأنه قدم عليه دلالة على الحصر باعتبار ~~العموم المستفاد من التعريف ، كما في ( الكشاف ) ، أي لجميع الناس لا ~~لبعضهم ، وهو تكلف لا داعي إليه ، وليس المقام هذا الحصر . # PageV05P134 # | 2 ( 80 ، 81 ) { من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فمآ أرسلناك ~~عليهم حفيظا * ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طآئفة منهم غير الذى ~~تقول والله يكتب ما يبيتون فأعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا } . ~~) 2 # هذا كالتكملة لقوله : { وأرسلناك للناس رسولا } ( النساء : 79 ) باعتبار ~~ما تضمنه من رد اعتقادهم أن الرسول مصدر السيئات التي تصيبهم ، ثم من قوله ~~: { ما أصابك من حسنة فمن الله } ( النساء : 79 ) الخ ، المؤذن بأن بين ~~الخالق وبين المخلوق فرقا في التأثير وأن الرسالة معنى آخر فاحترس بقوله : ~~{ من يطع الرسول فقد أطاع الله } عن توهم السامعين التفرقة بين الله ورسوله ~~في أمور التشريع ، فأثبت أن الرسول في تبليغه إنما يبلغ عن الله ، فأمره ~~أمر الله ، ونهيه نهي الله ، وطاعته طاعة الله ، وقد دل على ms2015 ذلك كله قوله : ~~{ من يطع الرسول فقد أطاع الله } لاشتمالها على إثبات كونه رسولا ~~واستلزامها أنه يأمر وينهى ، وأن ذلك تبليغ لمراد الله تعالى ، فمن كان على ~~بينة من ذلك أو كان في غفلة فقد بين الله له اختلاف مقامات الرسول ، ومن ~~تولى أو أعرض واستمر على المكابرة { فما أرسلناك عليهم حفيظا } ، أي حارسا ~~لهم ومسؤولا عن إعراضهم ، وهذا تعريض بهم وتهديد لهم بأن صرفه عن الاشتغال ~~بهم ، فيعلم أن الله سيتولى عقابهم . # والتولي حقيقته الانصراف والإدبار ، وقد تقدم في قوله تعالى : { وإذا ~~تولى سعى في الأرض ليفسد فيها } ( البقرة : 205 ) وفي قوله : { ما ولاهم عن ~~قبلتهم } في سورة البقرة ( 142 ) . واستعمل هنا مجازا في العصيان وعدم ~~الإصغاء إلى الدعوة . # ثم بين أنهم لضعف نفوسهم لا يعرضون جهرا بل يظهرون الطاعة ، فإذا أمرهم ~~الرسول أو نهاهم يقولون له { طاعة } أي : أمرنا طاعة ، وهي كلمة يدلون بها ~~على الامتثال ، وربما يقال : سمع وطاعة ، وهو مصدر مرفوع على أنه خبر ~~لمبتدإ محذوف ، PageV05P135 أي أمرنا أو شأننا طاعة ، كما في قوله : { فصبر ~~جميل } ( يوسف : 18 ) . وليس هو نائبا عن المفعول المطلق ألآتي بدلا من ~~الفعل الذي يعدل عن نصبه إلى الرفع للدلالة على الثبات مثل ( قال سلام ) ، ~~إذ ليس المقصود هنا إحداث الطاعة وإنما المقصود أننا سنطيع ولا يكون منا ~~عصيان . # ومعنى { برزوا } خرجوا ، وأصل معنى البروز الظهور ، وشاع إطلاقه على ~~الخروج مجازا مرسلا . # و { بيت } هنا بمعنى قدر أمرا في السر وأضمره ، لأن أصل البيات هو فعل ~~شيء في الليل ، والعرب تستعير ذلك إلى معنى الإسرار ، لأن الليل أكتم للسر ~~، ولذلك يقولون : هذا أمر قضي بليل ، أي لم يطلع عليه أحد ، وقال الحارث بن ~~حلزة : # أجمعوا أمرهم بليل فلما # أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء # وقال أبو سفيان : هذا أمر قضى بليل . وقال تعالى : { لنبيتنه وأهله } ( ~~النمل : 49 ) أي : لنقتلنهم ليلا . وقال : { وهو معهم إذ يبينون ما لا يرضى ~~من القول } ( النساء : 108 ) . وتاء المضارعة في { غير الذي تقول } للمؤنث ~~الغائب ، وهو الطائفة ويجوز ms2016 أن يراد خطاب النبي صلى الله عليه وسلم أي غير ~~الذي تقول لهم أنت ، فيجيبون عنه بقولهم : طاعة . ومعنى { والله يكتب ما ~~يبيتون } التهديد بإعلامهم أنه لن يفلتهم من عقابه ، فلا يغرنهم تأخر ~~العذاب مدة . وقد دل بصيغة المضارع في قوله : { يكتب } على تجدد ذلك ، وأنه ~~لا يضاع منه شيء . # وقوله : { فأعرض عنهم } أمر بعدم الاكتراث بهم ، وأنهم لا يخشى خلافهم ، ~~وأنه يتوكل على الله { وكفى بالله وكيلا } أي متوكلا عليه ، ولا يتوكل على ~~طاعة هؤلاء ولا يحزنه خلافهم . # وقرأ الجمهور { بيت طائفة } بإظهار تاء ( بيت ) من طاء ( طائفة ) . وقرأه ~~أبو عمرو ، وحمزة ، ويعقوب ، وخلف بإدغام التاء في الطاء تخفيفا لقرب ~~مخرجيهما . # PageV05P136 # | 2 ( 82 ) { أفلا يتدبرون القرءان ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه ~~اختلافا كثيرا } . ) 2 # الفاء تفريع على الكلام السابق المتعلق بهؤلاء المنافقين أو الكفرة ~~الصرحاء وبتوليهم المعرجض بهم في شأنه بقوله : { ومن تولى فما أرسلناك ~~عليهم حفيظا } ( النساء : 80 ) ، وبقولهم { طاعة } ( النساء : 81 ) ، ثم ~~تدبير العصيان فيما وعدوا بالطاعة في شأنه . ولما كان ذلك كله أثرا من آثار ~~استبطان الكفر ، أو الشك ، أو اختيار ما هو في نظرهم أولى مما أمروا به ، ~~وكان استمرارهم على ذلك ، مع ظهور دلائل الدين ، منبئا بقلة تفهمهم القرآن ~~، وضعف استفادتهم ، كان المقام لتفريع الاستفهام عن قلة تفهمهم . ~~فالاستفهام إنكاري للتوبيخ والتعجيب منهم في استمرار جهلهم مع توفر أسباب ~~التدبير لديهم . # تحدى الله تعالى هؤلاء بمعاني القرآن ، كما تحداهم بألفاظه ، لبلاغته إذ ~~كان المنافقون قد شكوا في أن القرآن من عند الله ، فلذلك يظهرون الطاعة بما ~~يأمرهم به ، فإذا خرجوا من مجلس النبي صلى الله عليه وسلم خالفوا ما أمرهم ~~به لعدم ثقتهم ، ويشككون ويشكون إذا بدا لهم شيء من التعارض ، فأمرهم الله ~~تعالى بتدبير القرآن كما قال تعالى : { فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ~~ما تشابه منه } ( آل عمران : 7 ) الآية . # والتدبر مشتق من الدبر ، أي الظهر ، اشتقوا من الدبر فعلا ، فقالوا : ~~تدبر إذا نظر في دبر الأمر ، أي في ms2017 غائبه أو في عاقبته ، فهو من الأفعال ~~التي اشتقت من الأسماء الجامدة . والتدبر يتعدى إلى المتأمل فيه بنفسه ، ~~يقال : تدبر الأمر . فمعنى { يتدبرون القرآن } يتأملون دلالته ، وذلك يحتمل ~~معنيين : أحدهما أن يتأملوا دلالة تفاصيل آياته على مقاصده التي أرشد إليها ~~المسلمين ، أي تدبر تفاصيله ؛ وثانيهما أن يتأملوا دلالة جملة القرآن ~~ببلاغته على أنه من عند الله ، وأن الذي جاء به صادق . وسياق هذه الآيات ~~يرجح حمل التدبر هنا على المعنى الأول ، أي لو تأملوا وتدبروا هدي القرآن ~~لحصل PageV05P137 لهم خير عظيم ، ولما بقوا على فتنتهم التي هي سبب إضمارهم ~~الكفر مع إظهارهم الإسلام . وكلا المعنيين صالح بحالهم ، إلا أن المعنى ~~الأول أشد ارتباطا بما حكي عنهم من أحوالهم . # وقوله : { ولو كان من عند غير الله } الخ يجوز أن يكون عطفا على الجملة ~~الاستفهامية فيكونوا أمروا بالتدبر في تفاصيله ، وأعلموا بما يدل على أنه ~~من عند الله ، وذلك انتفاء الاختلاف منه ، فيكون الأمر بالتدبر عاما ، وهذا ~~جزئي من جزئيات التدبر ذكر هنا انتهازا لفرصة المناسبة لغمرهم بالاستدلال ~~على صدق الرسول ، فيكون زائدا على الإنكار المسوق له الكلام ، تعرض له لأنه ~~من المهم بالنسبة إليهم إذ كانوا في شك من أمرهم . وهذا الإعراب أليق ~~بالمعنى الأول من معنيي التدبر هنا . ويجوز أن تكون الجملة حالا من ( ~~القرآن ) ، ويكون قيدا للتدبر ، أي ألا يتدبرون انتفاء الاختلافف منه ~~فيعلمون أنه من عند الله ، وهذا أليق بالمعنى الثاني من معنيي التدبر . # ومما يستأنس به للإعراب الأول عدم ذكر هذه الزيادة في الآية المماثلة ~~لهذه من سورة القتال ، وهي قوله : { فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها ~~القتال إلى قوله : أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها } ( محمد : 20 ~~24 ) وهذه دقائق من تفسير الآية أهملها جميع المفسرين . # والاختلاف يظهر أنه أريد به اختلاف بعضه مع بعض ، أي اضطرابه ، ويحتمل ~~أنه اختلافه مع أحوالهم : أي لوجدوا فيه اختلافا بين ما يذكره من أحوالهم ~~وبين الواقع فليكتفوا بذلك في العلم بأنه من عند الله ، إذ كان يصف ما ms2018 في ~~قلوبهم وصف المطلع على الغيوب ، وهذا استدلال وجيز وعجيب قصد منه قطع ~~معذرتهم في استمرار كفرهم . ووصف الاختلاف بالكثير في الطرف الممتنع وقوعه ~~بمدلول ( لو ) . ليعلم المتدبر أن انتفاء الاختلاف من أصله أكبر دليل على ~~أنه من عند الله ، وهذا القيد غير معتبر في الطرف المقابل لجواب ( لو ) ، ~~فلا يقدر ذلك الطرف مقيدا بقوله : { كثيرا } بل يقدر هكذا : لكنه من عند ~~الله فلا اختلاف فيه أصلا . # PageV05P138 # | 2 ( 83 ) { وإذا جآءهم أمر من الامن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى ~~الرسول وإلى أولى الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله ~~عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا } . ) 2 # عطف على جملة { ويقولون طاعة } ( النساء : 81 ) فضمير الجمع راجع إلى ~~الضمائر قبله ، العائدة إلى المنافقين ، وهو الملائم للسياق ، ولا يعكر ~~عليه إلا قوله : { وإلى أولي الأمر منهم } ، وسنعلم تأويله ، وقيل : الضمير ~~هذا راجع إلى فريق من ضعفة المؤمنين : ممن قلت تجربته وضعف جلده ، وهو ~~المناسب لقوله : { وإلى أولي الأمر منهم } بحسب الظاهر ، فيكون معاد الضمير ~~محذوفا من الكلام اعتمادا على قرينة حال النزول ، كما في قوله : { حتى ~~توارت بالحجاب } ( ص : 32 ) . # والكلام مسوق مساق التوبيخ للمنافقين واللوم لمن يقبل مثل تلك الإذاعة ، ~~من المسلمين الأغرار . # ومعنى { جاءهم أمر } أي أخبروا به ، قال امرؤ القيس : # وذلك من نبإ جاءني # فالمجيء مجاز عرفي في سماع الأخبار ، مثل نظائره . وهي : بلغ ، وانتهى ~~إليه وأتاه ، قال التابغة : # أتأني أبيت اللعن أنك لمتني # والأمر هنا بمعنى الشيء ، وهو هنا الخبر ، بقرينة قوله : { أذاعوا به } . # ومعنى { أذاعوا } أفشوا ، ويتعدى إلى الخبر بنفسه ، وبالباء ، يقال : ~~أذاعه وأذاع به ، فالباء لتوكيد اللصوق كما في { وامسحوا برؤوسكم } ( ~~المائدة : 6 ) . # والمعنى إذا سمعوا خبرا عن سرايا المسلمين من الأمن ، أي الظفر الذي يوجب ~~أمن المسلمين أو الخوف وهو ما يوجب خوف المسلمين ، أي اشتداد العدو عليهم ، ~~PageV05P139 بادروا بإذاعته ، أو إذا سمعوا خبرا عن الرسول عليه السلام وعن ~~أصحابه ، في تدبير أحوال المسلمين من أحوال الأمن أو الخوف ، تحدثوا بتلك ms2019 ~~الأخبار في الحالين ، وأرجفوها بين الناس لقصد التثبيط عن الاستعداد ، إذا ~~جاءت أخبار أمن حتى يؤخذ المؤمنون وهم غارون ، وقصد التجبين إذا جاءت أخبار ~~الخوف ، واختلاف المعاذير للتهيئة للتخلف عن الغزو إذا استنفروا إليه ، ~~فحذر الله المؤمنين من مكائد هؤلاء ، ونبه هؤلاء على دخيلتهم ، وقطع ~~معذرتهم في كيدهم بقوله : { ولو ردوه إلى الرسول } الخ ، أي لولا أنهم ~~يقصدون السوء لاستثبتوا الخبر من الرسول ومن أهل الرأي . # وعلى القول بأن الضمير راجع إلى المؤمنين فالآية عتاب للمؤمنين في هذا ~~التسرع بالإذاعة ، وأمرهم بإنهاء الأخبار إلى الرسول وقادة الصحابة ليضعوه ~~مواضعه ويعلموهم محامله . # وقيل : كان المنافقون يختلقون الأخبار من الأمن أو الخوف ، وهي مخالفة ~~للواقع ، ليظن المسلمون الأمن حين الخوف فلا يأخذوا حذرهم ، أو الخوف حين ~~الأمن فتضطرب أمورهم وتختل أحوال اجتماعهم ، فكان دهماء المسلمين إذا سمعوا ~~ذلك من المنافقين راج عندهم فأذاعوا به ، فتم للمنافقين الدست ، وتمشت ~~المكيدة ، فلامهم الله وعلمهم أن ينهوا الأمر إلى الرسول وجلة أصحابه قبل ~~إشاعته ليعلموا كنه الخبر وحاله من الصدق أو الكذب ، ويأخذوا لكل حالة ~~حيطتها ، فيسلم المؤمنون من مكر المنافقين الذي قصدوه . وهذا بعيد من قوله ~~: { جاءهم } وعلى هذا فقوله : { لعلمه } هو دليل جواب ( لو ) وعلته ، فجعل ~~عوضه وحذف المعلول ، إذ المقصود لعلمه الذين يستنبطونه من أولي الأمر ~~فلبينوه لهم على وجهه . # ويجوز أن يكون المعنى : ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلم ~~ذلك المنافقون الذين اختلقوا الخبر فلخابوا إذ يوقنون بأن حيلتهم لم تتمش ~~على المسلمين ، فيكون الموصول صادقا على المختلقين بدلالة المقام ، ويكون ~~ضمير { منهم } الثاني عائدا على المنافقين بقرينة المقام . # والرد حقيقته إرجاع شيء إلى ما كان فيه من مكان أو يد . واستعمل هنا ~~مجازا في إبلاغ الخبر إلى أولى الناس بعلمه . وأولو الأمر هم كبراء ~~المسلمين وأهل الرأي PageV05P140 منهم ، فإن كان المتحدث عنهم المنافقين ~~فوصف أولي الأمر بأنهم منهم جار على ظاهر الأمر وإرخاء العنان ، أي أولو ~~الأمر الذين يجعلون أنفسهم بعضهم ؛ وإن كان المتحدث عنهم المؤمنين ، ~~فالتبعيض ms2020 ظاهر . # والاستنباط حقيقته طلب النبط بالتحريك ؛ وهو أول الماء الذي يخرج من ~~البئر عند الحفر ؛ وهو هنا مجاز في العلم بحقيقة الشيء ومعرفة عواقبه ، ~~وأصله مكنية : شبه الخبر الحادث بحفير يطلب منه الماء ، وذكر الاستنباط ~~تخييل . وشاعت هذه الاستعارة حتى صارت حقيقة عرفية ، فصار الاستنباط بمعنى ~~التفسير والتبيين ، وتعدية الفعل إلى ضمير الأمر على اعتبار المعنى العرفي ~~، ولولا ذلك لقيل : يستنبطون منه ، كما هو ظاهر ، أو هو على نزع الخافض . # وإذا جريت على احتمال كون ( يستنبطون ) بمعنى يختلقون كما تقدم كانت { ~~يستنبطونه } تبعية ، بأن شبه الخبر المختلق بالماء المحفور عنه ، وأطلق ~~يستنبطون بمعنى يختلقون ، وتعدى الفعل إلى ضمير الخبرلأنه المستخرج . ~~والعرب يكثرون الاستعارة من أحوال المياه كقولهم : يصدر ويورد ، وقولهم ضرب ~~أخماسا لأسداسس ، وقولهم : ينزع إلى كذا ، وقوله تعالى : { فإن للذين ظلموا ~~ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم } ( الذاريات : 59 ) ، وقال عبدة بن الطبيب : # فحق لشاس من نداك ذنوب # ومنه قولهم : تساجل القوم ، أصله من السجل ، وهو الدلو . # وقال قيس بن الخطيم : # إذا ما اصطبحت أربعا خط مئزري # وأتبعت دلوي في السماح رشاءها # فذكر الدلو والرشاء . وقال النابغة : # خطاطيف حجنن في حبالل متينة # تمد بها أيد إليك نوازع # وقال : # ولولا أبو الشقراء ما زال ماتح # يعالج خطافا بإحدى الجرائر PageV05P141 # وقالوا أيضا : ( انتهز الفرصة ) ، والفرصة نوبة الشرب ، وقالوا : صدر ~~الوم عن رأي فلان ووردوا على رأيه . # وقوله : { منهم } وصف للذين يستنبطونه ، وهم خاصة أولي الأمر من المسلمين ~~، أي يردونه إلى جماعة أولي الأمر فيفهمه الفاهمون من أولي الأمر ، وإذا ~~فهمه جميعهم فأجدر . # وقوله : { ولولا فضل الله عليكم ورحمته } امتنان بإرشادهم إلى أنواع ~~المصالح ، والتحذير من المكائد ومن حبائل الشيطان وأنصاره . # واستثناء { إلا قليلا } من عموم الأحوال المؤذن بها { اتبعتم } ، أي إلا ~~في أحوال قليلة ، فإن كان المراد من فضل الله ورحمته ما يشمل البعثة فما ~~بعدها ، فالمراد بالقليل الأحوال التي تنساق إليها النفوس في بعض الأحوال ~~بالوازع العقلي أو العادي ، وإن أريد بالفضل والرحمة النصائح والإرشاد ~~فالمراد بالقليل ما هو معلوم من قواعد ms2021 الإسلام . ولك أن تجعله استثناء من ~~ضمير { اتبعتم } أي إلا قليلا منكم ، فالمراد من الاتباع اتباع مثل هذه ~~المكائد التي لا تروج على أهل الرأي من المؤمنين . # # | 2 ( 84 ) { فقاتل فى سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى ~~الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا } . ) 2 # تفريع على ما تقدم من الأمر بالقتال ، ومن وصف المثبطين عنه ، والمتذمرين ~~منه ، والذين يفتنون المؤمنين في شأنه ، لأن جميع ذلك قد أفاد الاهتمام ~~بأمر القتال ، والتحريض عليه ، فتهيأ الكلام لتفريع الأمر به . ولك أن تجعل ~~الفاء فصيحة بعد تلك الجمل الكثيرة ، أي : إذا كان كما علمت فقاتل في سبيل ~~الله ، وهذا عود إلى ما مضى من التحريض على الجهاد ، وما بينهما اعتراض . ~~فالآية أوجبت على الرسول صلى الله عليه وسلم PageV05P142 القتال ، وأوجبت ~~عليه تبليغ المؤمنين الأمر بالقتال وتحريضهم عليه ، فعبر عنه بقوله : { لا ~~تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين } ( النساء : 84 ) وهذا الأسلوب طريق من طرق ~~الحث والتحريض لغير المخاطب ، لأنه إيجاب القتال على الرسول ، وقد علم ~~إيجابه على جميع المؤمنين بقوله : { فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون ~~الحياة الدنيا بالآخرة } ( النساء : 74 ) فهو أمر للقدوة بما يجب اقتداء ~~الناس به فيه . وبين لهم علة الأمر وهي رجاء كف بأس المشركين ، ف ( عسى ) ~~هنا مستعارة للوعد . والمراد بهم هنا كفار مكة ، فالآيات تهيئة لفتح مكة . # وجملة { والله أشد بأسا وأشد تنكيلا } تذييل لتحقيق الرجاء أو الوعد ، ~~والمعنى أنه أشد بأسا إذا شاء إظهار ذلك ، ومن دلائل المشيئة امتثال أوامره ~~التي منها الاستعداد وترقب المسببات من أسبابها . # والتنكيل عقاب يرتدع به رائيه فضلا عن الذي عوقب به . # # | 2 ( 85 ) { من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة ~~يكن له كفل منها وكان الله على كل شىء مقيتا } . ) 2 # استئناف فيه معنى التذييل والتعليل لقوله : { لا تكلف إلا نفسك وحرض ~~المؤمنين } ( النساء : 84 ) وهو بشارة للرسول عليه الصلاة والسلام بأن جهاد ~~المجاهدين بدعوته يناله منه نصيب ms2022 عظيم من الأجر ، فإن تحريضه إياهم وساطة ~~بهم في خيرات عظيمة ، فجاءت هذه الآية بهذا الحكم العام على عادة القرآن في ~~انتهاز فرص الإرشاد . ويعلم من عمومها أن التحريض على القتال في سبيل الله ~~من الشفاعة الحسنة ، وأن سعي المثبطين للناس من قبيل الشفاعة السيئة ، ~~فجاءت هذه الآية إيذانا للفريقين بحالتهما . والمقصود مع ذلك الترغيب في ~~التوسط في الخير والترهيب من ضده . # والشفاعة : الوساطة في إيصال خير أو دفع شر ، سواء كانت بطلب من المنتفع ~~أم لا ، وتقدمت في قوله تعالى : { ولا يقبل منها شفاعة } في سورة البقرة ( ~~48 ) ، وفي الحديث ( اشفعوا PageV05P143 فلتؤجروا ) . ووصفها بالحسنة وصف ~~كاشف ؛ لأن الشفاعة لا تطلق إلا على الوساطة في الخير ، وأما إطلاق الشفاعة ~~على السعي في جلب شر فهو مشاكلة ، وقرينتها وصفها بسيئة ، إذ لا يقال ( شفع ~~) للذي سعى بجلب سوء . # والنصيب : الحظ من كل شيء : خيرا كان أو شرا ، وتقدم في قوله تعالى : { ~~أولئك لهم نصيب مما كسبوا } في سورة البقرة ( 202 ) . # والكفل بكسر الكاف وسكون الفاء الحظ كذلك ، ولم يتبين لي وجه اشتقاقه ~~بوضوح . ويستعمل الكفل بمعنى المثل ، فيؤخذ من التفسيرين أن الكفل هو الحظ ~~المماثل لحظ آخر ، وقال صاحب ( اللسان ) : لا يقال هذا كفل فلان حتى يكون ~~قد هيىء لغيره مثله ، ولم يعز هذا ، ونسبه الفخر إلى ابن المظفر ، ولم يذكر ~~ذلك أحد غير هذين فيما علمت ، ولعله لا يساعد عليه الاستعمال . وقد قال ~~الله تعالى : { يؤتكم كفلين من رحمته } ( الحديد : 28 ) . وهل يحتج بما ~~قاله ابن المظفر وابن المظفر هو محمد بن الحسن بن المظفر الحاتمي الأديب ~~معاصر المتنبي . وفي مفردات الراغب أن الكفل هو الحظ من الشر والشدة ، وأنه ~~مستعار من الكفل وهو الشيء الرديء ، فالجزاء في جانب الشفاعة الحسنة بأنه ~~نصيب إيماء إلى أنه قد يكون له أجر أكثر من ثواب من شفع عنده . # وجملة { وكان الله على كل شيء مقيتا } تذييل لجملة { من يشفع شفاعة حسنة ~~} الآية ، لإفادة أن الله يجازي على كل عمل بما يناسبه من ms2023 حسن أو سوء . # و { المقيت } الحافظ ، والرقيب ، والشاهد ، والمقتدر . وأصله عند أبي ~~عبيدة الحافظ . وهو اسم فاعل من أقات إذا أعطى القوت ، فوزنه مفعل وعينه ~~واو . واستعمل مجازا في معاني الحفظ والشهادة بعلاقة اللزوم ، لأن من يقيت ~~أحدا فقد حفظه من الخصاصة أو من الهلاك ، وهو هنا مستعمل في معنى الإطلاع ، ~~أو مضمن معناه ، كما ينبيء عنه تعديته بحرف ( على ) . ومن أسماء الله تعالى ~~المقيت ، وفسره الغزالي بموصل الأقوات . فيؤول إلى معنى الرازق ، إلا أنه ~~أخص ، وبمعنى المستولي على الشيء القادر عليه ، وعليه يدل قوله تعالى : { ~~وكان الله على كل شيء مقيتا } فيكون راجعا إلى القدرة والعلم . # PageV05P144 # | 2 ( 86 ) { وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منهآ أو ردوهآ إن الله كان ~~على كل شىء حسيبا } . ) 2 # عطف على جملة { من يشفع شفاعة حسنة } ( النساء : 85 ) باعتبار ما قصد من ~~الجملة المعطوفة عليها ، وهو الترغيب في الشفاعة الحسنة والتحذير من ~~الشفاعة السيئة ، وذلك يتضمن الترغيب في قبول الشفاعة الحسنة ورد الشفاعة ~~السيئة . وإذ قد كان من شأن الشفيع أن يدخل على المستشفع إليه بالسلام ~~استئناسا له لقبول الشفاعة ، فالمناسبة في هذا العطف هي أن الشفاعة تقتضي ~~حضور الشفيع عند المشفوع إليه ، وأن صفة تلقي المشفوع إليه للشفيع تؤذن ~~بمقدار استعداده لقبول الشفاعة ، وأن أول بوادر اللقاء هو السلام ورده ، ~~فعلم الله المسلمين أدب القبول واللقاء في الشفاعة وغيرها وقد كان للشفاعات ~~عندهم شأن عظيم . وفي الحديث : مر رجل فقال رسول الله : ماذا تقولون فيه ؟ ~~قالوا : هذا جدير إن شفع أن يشفع . . الحديث حتى إذا قبل المستشفع إليه ~~الشفاعة كان قد طيب خاطر الشفيع ، وإذا لم يقبل كان في حسن التحية مرضاة له ~~على الجملة . وهذا دأب القرآن في انتهاز فرص الإرشاد والتأديب . # وبهذا البيان تنجلي عنك الحيرة التي عرضت في توجيه انتظام هذه الآية مع ~~سابقتها ، وتستغني عن الالتجاء إلى المناسبات الضعيفة التي صاروا إليها . # وقد دل قوله : { فحيوا بأحسن منها } على الأمر برد السلام ، ووجوب الرد ~~لأن أصل صغية الأمر أن ms2024 يكون للوجوب على مقتضى مذهب الجمهور في محمل صيغة ~~الأمر ، ولذلك اتفق الفقهاء على وجوب رد السلام ، ثم اختلفوا إذا كان ~~المسلم عليهم جماعة هل يجب الرد على كل واحد منهم : فقال مالك : هو واجب ~~على الجماعة وجوب الكفاية فإذا رد واحد من الجماعة أجزأ عنهم ، وورد في ذلك ~~حديث صحيح ؛ على أنه إذا كانت الجماعة كثيرة يصير رد الجميع غوغاء . وقال ~~أبو حنيفة : الرد فرض على كل شخص من الجماعة بعينه . ولعل دليله في ذلك ~~القياس . PageV05P145 # ودل قوله : { وإذا حييتم بتحية } على أن ابتداء السلام شيء معروف بينهم ، ~~ودليله قوله تعالى : { يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى ~~تستأنسوا وتسلموا على أهلها } ، وسيأتي في سورة النور ( 27 ) . # وأفاد قوله : { بأحسن منها أو ردوها } التخيير بين الحالين ، ويعلم من ~~تقديم قوله : { بأحسن منها } أن ذلك أفضل . # وحيي أصله في اللغة دعا له بالحياة ، ولعله من قبيل النحت من قول القائل ~~: حياك الله ، أي وهب لك طول الحياة . فيقال للملك : حياك الله . ولذلك جاء ~~في دعاء التشهد ( التحيات لله ) أي هو مستحقها لا ملوك الناس . وقال ~~النابغة : # يحيون بالريحانن يوم السباسب # أي يحيون مع تقديم الريحان في يوم عيد الشعانين وكانت التحية خاصة ~~بالملوك بدعاء ( حياك الله ) غالبا ، فلذلك أطلقوا التحية على الملك في قول ~~زهير بن جنات الكلبي : # ولكل ما نال الفتى # قد نلته إلا التحية # يريد أنه بلغ غاية المجد سوى الملك . وهو الذي عناه المعري بقوله : # تحية كسرى في الثناء وتبع # لربعكك لا أرضى تحية أربع # وهذه الآية من آداب الإسلام : علم الله بها أن يردوا على المسلم بأحسن من ~~سلامه أو بما يماثله ، ليبطل ما كان بين الجاهلية من تفاوت السادة والدهماء ~~. وتكون التحية أحسن بزيادة المعنى ، فلذلك قالوا في قوله تعالى : { فقالوا ~~سلاما قال سلام } ( الذاريات : 25 ) : أن تحية إبراهيم كانت أحسن إذ عبر ~~عنها بما هو أقوى في كلام العرب وهو رفع المصدر للدلالة على الثبات وتناسي ~~الحدوث المؤذن به نصب المصدر ، وليس ms2025 في لغة إبراهيم مثل ذلك ولكنه من بديع ~~الترجمة ، ولذلك جاء في تحية الإسلام : السلام عليكم ، وفي ردها وعليكم ~~السلام لأن تقديم الظرف فيه للاهتمام بضمير المخاطب . وقال بعض الناس : إن ~~الواو في رد السلام تفيد معنى الزيادة فلو كان المسلم بلغ غاية التحية أن ~~يقول : PageV05P146 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، فإذا قال الراد : ( ~~وعليكم السلام ) الخ ، كان قد ردها بأحسن منها بزيادة الواو ، وهذا وهم . # ومعنى ( ردوها ) ردوا مثلها ، وهذا كقولهم : عندي درهم ونصفه ، لظهور ~~تعذر رد ذات التحية ، وقوله تعالى : { إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها ~~نصف ما ترك وهو يرثها } ( النساء : 176 ) فعاد ضمير ( وهو ) وهاء ( يرثها ) ~~إلى اللفظين لا إلى الذاتين ، ودل الأمر على وجوب رد السلام ، ولا دلالة في ~~الآية على حكم الابتداء بالسلام ، فذلك ثابت بالسنة للترغيب فيه . وقد ~~ذكروا أن العرب كانوا لا يقدمون اسم المسلم عليه المجرور بعلى في ابتداء ~~السلام إلا في الرثاء ، في مثل قول عبدة بن الطيب : # عليك السلام الله قيس بن عاصم # ورحمته ما شاء أن يترحما # وفي قول الشماخ : # عليك سلام من أمير وباركت # يد الله في ذاك الأديم الممزق # يرثي عثمان بن عفان أو عمر بن الخطاب . روى أبو داوود أن جابر بن سليم ~~سلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : عليك السلام يا رسول الله ، ~~فقال له : ( إن عليك السلام تحية الموتى ، قل ، السلام عليك ) . # والتذييل بقوله : { إن الله كان على كل شيء حسيبا } لقصد الامتنان بهذه ~~التعليمات النافعة . # والحسيب : العليم وهو صفة مشبهة : من حسب بكسر السين الذي هو من أفعال ~~القلب ، فحول إلى فعل بضم عينه لما أريد به أن العلم وصف ذاتي له ، وبذلك ~~نقصت تعديته فاقتصر على مفعول واحد ، ثم ضمن معنى المحصي فعدي إليه بعلى . ~~ويجوز كونه من أمثلة المبالغة . قيل : الحسيب هنا بمعنى المحاسب ، كالأكيل ~~والشريب . فعلى كلامهم يكون التذييل وعدا بالجزاء على قدر فضل رد السلام ، ~~أو بالجزاء السيء على ترك الرد من ms2026 أصله ، وقد أكد وصف الله بحسيب بمؤكدين : ~~حرف ( إن ) وفعل ( كان ) الدال على أن ذلك وصف مقرر أزلي . # PageV05P147 $ 2 ( 87 ) { الله لا & # 1764 إلاه إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ومن أصدق من الله ~~حديثا } . ) 2 $ # استئناف ابتدائي ، جمع تمجيد الله ، وتهديدا ، وتحذيرا من مخالف أمره ، ~~وتقريرا للإيمان بيوم البعث ، وردا لإشراك بعض المنافقين وإنكارهم البعث . # فاسم الجلالة مبتدأ . وجملة { لا إله إلا هو } معترضة بين المبتدأ وخبره ~~لتمجيد الله . # وجملة { ليجمعنكم } جواب قسم محذوف واقع جميعه موقع الخبر عن اسم الجلالة ~~. وأكد هذا الخبر : بلام القسم ، ونون التوكيد ، وبتقديم المسند إليه على ~~الخبر الفعلي ، لتقوية تحقيق هذا الخبر . إبطالا لأنكار الذين أنكروا البعث ~~. # ومعنى { لا ريب فيه } نفي أن يتطرقه جنس الريب والشك أي في مجيئه ، ~~والمقصود لا ريب حقيقيا فيه ، أو أن ارتياب المرتابين لوهنه نزل منزلة ~~الجنس المعدوم . # والاستفهام عن أن يكون أحد أصدق من الله هو استفهام إنكاري . و ( حديثا ) ~~تمييز لنسبة فعل التفضيل . # $ 2 ( 88 ) { فما لكم فى المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبو & # 1764 ا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا } . ~~) 2 $ # تفريع عن أخبار المنافقين التي تقدمت ، لأن ما وصف من أحوالهم لا يترك ~~شكا عند المؤمنين في حيث طويتهم وكفرهم ، أو هو تفريع عن قوله : { ومن أصدق ~~من الله حديثا } ( النساء : 87 ) . وإذ قد حدث الله عنهم بما وصف من سابق ~~الآي ، فلا يحق التردد في سوء نواياهم وكفرهم ، فموقع الفاء هنا نظير موقع ~~الفاء في قوله : { فقاتل في سبيل الله } في سورة النساء ( 84 ) . ~~PageV05P148 # والاستفهام للتعجيب واللوم . والتعريف في { المنافقين } للعهد ، و { ~~فئتين } حال من الضمير المجرور باللام فهي قيد لعامله ، الذي هو التوبيخ ، ~~فعلم أن محل التوبيخ هو الانقسام : { في المنافقين } متعلق بفئتين لتأويله ~~بمعنى ( منقسمين ) ، ومعناه : في شأن المنافقين ، لأن الحكم لا يتعلق بذوات ~~المنافقين . # والفئة : الطائفة . وزنها فلة ، مشتقة من الفيء وهو الرجوع ، لأنهم يرجع ~~بعضهم إلى بعض ms2027 في شؤونهم . وأصلها فيء ، فحذفوا الياء من وسطه لكثرة ~~الاستعمال وعوضوا عنها الهاء . # وقد علم أن الانقسام إلى فئتين ما هو إلا انقسام في حالة من حالتين ، ~~والمقام للكلام في الإيمان والكفر ، أي فما لكم بين مكفر لهم ومبرر ، وفي ~~إجراء أحكام الإيمان أو الكفر عليهم . قيل : نزلت هذه الآية في المنخزلين ~~يوم أحد : عبد الله بن أبي وأتباعه ، اختلف المسلمون في وصفهم بالإيمان أو ~~الكفر بسبب فعلتهم تلك . وفي ( صحيح البخاري ) عن زيد بن ثابت قال : رجع ~~ناس من أصحاب النبي من أحد ، وكان الناس فيهم فريقين ، فريق يقول : اقتلهم ~~، وفريق يقول : لا ، فنزلت ( فما لكم في المنافقين فئتين ) ، وقال : ( إنها ~~طيبة تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الفضة ) أي ولم يقتلهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم جريا على ظاهر حالهم من إظهار الإسلام . فتكون الآية لبيان أنه ~~ما كان ينبغي التردد في أمرهم . وعن مجاهد : أنها نزلت في قوم من أهل مكة ~~أظهروا الإيمان ، وهاجروا إلى المدينة ، ثم استأذنوا في الرجوع إلى مكة ، ~~ليأتوا ببضاعة يتجرون فيها ، وزعموا أنهم لم يزالوا مؤمنين ، فاختلف ~~المسلمون في شأنهم : أهم مشركون أم مسلمون . ويبينه ما روي عن ابن عباس ~~أنها نزلت في قوم كانوا من أهل مكة يبطنون الشرك ويظهرون الإسلام للمسلمين ~~، ليكونوا في أمن من تعرض المسلمين لهم بحرب في خروجهم في تجارات أو نحوها ~~، وأنه قد بلغ المسلمين أنهم خرجوا من مكة في تجارة ، فقال فريق من ~~المسلمين : نركب إليهم فنقاتلهم ، وقال فريق : كيف نقتلهم وقد نطقوا ~~بالإسلام ، فاختلف المسلمون في ذلك ، ولم يغير رسول الله على أحد من ~~الفريقين حتى نزلت الآية . PageV05P149 # وعن الضحاك : نزلت في قوم أظهروا الإسلام بمكة ولم يهاجروا ، وكانوا ~~يظاهرون المشركين على المسلمين ، وهم الذين قال الله تعالى فيهم : { إن ~~الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم } ( النساء : 97 ) ~~الآية . وأحسب أن هؤلاء الفرق كلهم كانوا معروفين وقت نزول الآية ، فكانوا ~~مثلا لعمومها وهي عامة فيهم وفي غيرهم من كل من عرف بالنفاق ms2028 يومئذ من أهل ~~المدينة ومن أهل مكة . # والظاهر أن الآية نزلت بعد أن فات وقت قتالهم ، لقصد عدم التعرض لهم وقت ~~خروجهم استدراجا لهم إلى يوم فتح مكة . # وعلى جميع الاحتمالات فموقع الملام هو الخطأ في الاجتهاد لضعف دليل ~~المخطئين لأن دلائل كفر المتحدث عنهم كانت ترجح على دليل إسلامهم الذي هو ~~مجرد النطق بكلمة الإسلام ، مع التجرد عن إظهار موالاة المسلمين . وهذه ~~الآية دليل على أن المجتهد إذا استند إلى دليل ضعيف ما كان من شأنه أن ~~يستدل به العالم لا يكون بعيدا عن الملام في الدنيا على أن أخطأ فيما لا ~~يخطىء أهل العلم في مثله . # وجملة { والله أركسهم بما كسبوا } حالية ، أي إن كنتم اختلفتم فيهم فالله ~~قد ردهم إلى حالهم السوأى ، لأن معنى أركس رد إلى الركس ، والركس قريب من ~~الرجس . وفي حديث الصحيح في الروث ( إن هذا ركس ) وقيل : معنى أركس نكس ، ~~أي رد ردا شنيعا ، وهو مقارب للأول . وقد جعل الله ردهم إلى الكفر جزاء ~~لسوء اعتقادهم وقلة إخلاصهم مع رسوله صلى الله عليه وسلم فإن الأعمال ~~تتوالد من جنسها ، فالعمل الصالح يأتي بزيادة الصالحات ، والعمل السييء ~~يأتي بمنتهى المعاصي ، ولهذا تكرر في القرآن الإخبار عن كون العمل سببا في ~~بلوغ الغايات من جنسه . # وقوله : { أتريدون أن تهدوا من أضل الله } استئناف بياني نشأ عن اللوم ~~والتعجيب الذي في قوله : { فما لكم في المنافقين فئتين } ، لأن السامعين ~~يترقبون بيان وجه اللوم ، ويتساءلون عماذا يتخذون نحو هؤلاء المنافقين . ~~وقد دل الاستفهام الإنكاري المشوب باللوم على جملة محذوفة هي محل الاستئناف ~~البياني ، وتقديرها : إنهم قد أضلهم الله ، أتريدون أن تهدوا من أضل الله ، ~~بناء على أن قوله : { والله أركسهم } ليس المراد منه أنه PageV05P150 أضلهم ~~، بل المراد منه أساء حالهم ، وسوء الحال أمر مجمل يفتقر إلى البيان ، ~~فيكون فصل الجملة فصل الاستئناف . # وإن جعلت معنى { والله أركسهم } أنه ردهم إلى الكفر ، كانت جملة { ~~أتريدون } استئنافا ابتدائيا ، ووجه الفصل أنه إقبال على اللوم والإنكار ، ~~بعد جملة { والله أركسهم ms2029 } التي هي خبرية ، فالفصل لكمال الانقطاع لاختلاف ~~الغرضين . # # | 2 ( 89 ) { ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سوآء فلا تتخذوا منهم ~~أوليآء حتى يهاجروا فى سبيل الله فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ~~ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا } . ) 2 # الأظهر أن ضمير ( ودوا ) عائد إلى المنافقين في قوله : { فمالكم في ~~المنافقين فئتين } ( النساء : 88 ) . فضح الله هذا الفريق فأعلم المسلمين ~~بأنهم مضمرون الكفر ، وأنهم يحاولون رد من يستطيعون رده من المسلمين إلى ~~الكفر . # وعليه فقوله : { فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله } إن ~~حمل على ظاهر المهاجرة لا يناسب إلا ما تقدم في سبب النزول عن مجاهد وابن ~~عباس ، ولا يناسب ما في ( الصحيح ) عن زيد بن ثابت ، فتعين تأويل المهاجرة ~~بالجهاد في سبيل الله ، فالله نهى المسلمين عن ولايتهم إلى أن يخرجوا في ~~سبيل الله في غزوة تقع بعد نزول الآية لأن غزوة أحد ، التي انخزل عنها عبد ~~الله بن أبي وأصحابه ، قد مضت قبل نزول هذه السورة . # وما أبلغ التعبير في جانب محاولة المؤمنين بالإرادة في قوله : { أتريدون ~~أن تهدوا من أضل الله } ( النساء : 88 ) ، وفي جانب محاولة المنافقين بالود ~~، لأن الإرادة ينشأ عنها الفعل ، فالمؤمنون يستقربون حصول الإيمان من ~~المنافقين ، لأن الإيمان قريب من فطرة الناس ، والمنافقون يعلمون أن ~~المؤمنين لا يرتدون عن دينهم ، ويرون منهم محبتهم إياه ، فلم يكن طلبهم ~~تكفير المؤمنين إلا تمنيا ، فعبر عنه بالود المجرد . PageV05P151 # وجملة { فتكونون سواء } تفيد تأكيد مضمون قوله : { بما كفروا } قصد منها ~~تحذير المسلمين من الوقوع في حبالة المنافقين . # وقوله : { فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله } أقام الله ~~للمسلمين به علامة على كفر المتظاهرين بالإسلام ، حتى لا يعود بينهم ~~الاختلاف في شأنهم ، وهي علامة بينة ، فلم يبق من النفاق شيء مستور إلا ~~نفاق منافقي المدينة . والمهاجرة في سبيل الله هي الخروج من مكة إلى ~~المدينة بقصد مفارقة أهل مكة ، ولذلك قال : { في سبيل الله } أي لأجل ~~الوصول إلى الله ، أي إلى دينه الذي أراده ms2030 . # وقوله : { فإن تولوا } أي أعرضوا عن المهاجرة . وهذا إنذار لهم قبل ~~مؤاخذتهم ، إذ المعنى : فأبلغوهم هذا الحكم فإن أعرضوا عنه ولم يتقبلوه ~~فخذوهم واقتلوهم ، وهذا يدل على أن من صدر منه شيء يحتمل الكفر لا يؤاخذ به ~~حتى يتقدم له ، ويعرف بما صدر منه ، ويعذر إليه ، فإن التزمه يؤاخذ به ، ثم ~~يستتاب . وهو الذي أفتى به سحنون . # والولي : الموالي الذي يضع عنده مولاه سره ومشورته . والنصير الذي يدافع ~~عن وليه ويعينه . # # | 2 ( 90 ) { إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق أو جآءوكم حصرت ~~صدورهم أن يقاتلونكم أو يقاتلوا قومهم ولو شآء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم ~~فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم ~~سبيلا } . ) 2 # الاستثناء من الأمر في قوله : { فخذوهم واقتلوهم } أي : إلا الذين آمنوا ~~ولم هاجروا . أو إلا الذين ارتدوا على أدبارهم إلى مكة بعد أن يهاجروا ، ~~وهؤلاء يصلون إلى قوم ممن عاهدوكم ، فلا تتعرضوا لهم بالقتل ، لئلا تنقضوا ~~عهودكم المنعقدة مع قومهم . PageV05P152 # ومعنى ( يصلون ) ينتسبون ، مثل معنى اتصل في قول أحد بني نبهان : # ألا بلغا خلني راشدا # وصنوي قديما إذا ما اتصل # أي انتسب ، ويحتمل أن يكون بمعنى التحق ، أي إلا الذين يلتحقون بقوم ~~بينكم وبينهم ميثاق ، فيدخلون في عهدهم ، فعلى الاحتمال الأول هم من ~~المعاهدين أصالة وعلى الاحتمال الثاني هم كالمعاهدين لأن معاهد المعاهد ~~كالمعاهد . والمراد ب ( الذين يصلون ) قوم غير معينين ، بل كل من اتصل بقوم ~~لهم عهد مع المسلمين ، ولذلك قال مجاهد : هؤلاء من القوم الذين نزل فيهم { ~~فما لكم في المنافقين فئتين } ( النساء : 88 ) . # وأما قوله : { إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق } فالمراد به القبائل التي كان ~~لهم عهد مع المسلمين . قال مجاهد : لما نزلت : { فما لكم في المنافقين ~~فئتين } الآية خاف أولئك الذين نزلت فيهم ، فذهبوا ببضائعهم إلى هلال بن ~~عويمر الأسلمي ، وكان قد حالف النبي صلى الله عليه وسلم على : أن لا يعينه ~~ولا يعين عليه ، وأن من لجأ إلى هلال من قومه وغيرهم فله من الجوار ms2031 مثل ما ~~له . وقيل : أريد بالقوم الذين بينكم وبينهم ميثاق خزاعة ، وقيل : بنو بكر ~~بن زيد مناءة كانوا في صلح وهدنة مع المسلمين ، ولم يكونوا آمنوا يومئذ ~~وقيل : هم بنو مدلج إذ كان سراقة بن مالك المدلجي قد عقد عهدا مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لقومه بني مدلج بعد يوم بدر ، على أن لا يعينوا على ~~رسول الله ، وأنهم إن أسلمت قريش أسلموا وإن لم تسلم قريش فهم لا يسلمون ، ~~لئلا تخشن قلوب قريش عليهم . والأولى أن جميع هذه القبائل مشمول للآية . # ومعنى { أو جاؤوكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم } الخ : أو جاءوا إلى المدينة ~~مهاجرين ولكنهم شرطوا أن لا يقاتلوا مع المؤمنين قومهم فاقبلوا منهم ذلك . ~~وكان هذا رخصة لهم أول الإسلام ، إذ كان المسلمون قد هادنوا قبائل من العرب ~~تألفا لهم ، ولمن دخل في عهدهم ، فلما قوي الإسلام صار الجهاد مع المؤمنين ~~واجبا على كل من يدخل في الإسلام ، أما المسلمون الأولون من المهاجرين ~~والأنصار ومن أسلموا ولم يشترطوا هذا الشرط فلا تشملهم الرخصة ، وهم الذين ~~قاتلوا مشركي مكة وغيرها . # وقرأ الجمهور ( حصرت ) بصيغة فعل المضي المقترن بتاء تأنيث الفعل وقرأه ~~يعقوب ( حصرة ) بصيغة الصفة وبهاء تأنيث الوصف في آخره منصوبة منونة . ~~PageV05P153 # و { حصرت } بمعنى ضاقت وحرجت . # و { أن يقاتلوكم } مجرور بحذف عن ، أي ضاقت عن قتالكم ، لأجل أنهم مؤمنون ~~لا يرضون قتال إخوانهم ، وعن قتال قومهم لأنهم من نسب واحد ، فعظم عليهم ~~قتالهم . وقد دل قوله : { حصرت صدورهم } على أن ذلك عن صدق منهم . وأريد ~~بهؤلاء بنو مدلج : عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك ، وقد ~~عذرهم الله بذلك إذ صدقوا ، وبين الله تعالى للمؤمنين فائدة هذا التسخير ~~الذي سخر لهم من قوم قد كانوا أعداء لهم فصاروا سلما يودونهم . ولكنهم ~~يأبون قتال قومهم فقال : { ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم } . ولذلك ~~أمر المؤمنين بكف أيديهم عن هؤلاء إن اعتزلوهم ولم يقاتلوهم ، وهو معنى ~~قوله : { فما جعل الله لكم عليهم سبيلا } أي إذنا بعد ms2032 أذن أمر المؤمنين ~~بقتال غيرهم حيث وجدوهم . # والسبيل هنا مستعار لوسيلة المؤاخذة ، ولذلك جاء في خبره بحرف الاستعلاء ~~دون حرف الغاية ، وسيأتي الكلام عليه عند قوله تعالى : { ما على المحسنين ~~من سبيل } في سورة براءة ( 91 ) . # $ 2 ( 91 ) { ستجدون ءاخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كل ما ردو & # 1764 ا إلى الفتنة أركسوا فيها فإن لم يعتزلوكم ويلقو & # 1764 ا إليكم السلم ويكفو & # 1764 ا أيديهم فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأولائكم جعلنا لكم عليهم ~~سلطانا مبينا } . ) 2 $ # هؤلاء فريق آخر لا سعي لهم إلا في خويصتهم ، ولا يعبأون بغيرهم ، فهم ~~يظهرون المودة للمسلمين ليأمنوا غزوهم ، ويظهرون الود لقومهم ليأمنوا ~~غائلتهم ، وما هم بمخلصين الود لأحد الفريقين ، ولذلك وصفوا بإرادة أن ~~يأمنوا من المؤمنين ومن قومهم ، فلا هم لهم إلا حظوظ أنفسهم ، يلتحقون ~~بالمسلمين في قضاء لبانات PageV05P154 لهم فيظهرون الإيمان ، ثم يرجعون إلى ~~قومهم فيرتدون إلى الكفر ، وهو معنى قوله : { كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا ~~فيها } ( النساء : 91 ) . وقد مر بيان معنى ( أركسوا ) قريبا . وهؤلاء هم ~~غطفان وبنو أسد ممن كانوا حول المدينة قبل أن يخلص إسلامهم ، وبنو عبد ~~الدار من أهل مكة ، كانوا يأتون المدينة فيظهرون الإسلام ويرجعون إلى مكة ~~فيعبدون الأصنام . وأمر الله المؤمنين في معاملة هؤلاء ومعاملة الفريق ~~المتقدم في قوله : { إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق } ( ~~النساء : 90 ) أمر واحد ، وهو تركهم إذا تركوا المؤمنين وسالموهم ، وقتالهم ~~إذا ناصبوهم العداء ، إلا أن الله تعالى جعل الشرط المفروض بالنسبة إلى ~~الأولين : أنهم يعتزلون المسلمين ، ويلقون إليهم السلم ، ولا يقاتلونهم ، ~~وجعل الشرط المفروض بالنسبة إلى هؤلاء أنهم لا يعتزلون المسلمين ، ولا ~~يلقون إليهم السلم ، ولا يكفون أيديهم عنهم ، نظرا إلى الحالة المترقبة من ~~كل فريق من المذكورين . وهو افتنان بديع لم يبق معه اختلاف في الحكم ولكن ~~صرح باختلاف الحالين ، وبوصف ما في ضمير الفريقين . # والوجدان في قوله : { ستجدون آخرين } بمعنى العثور والإطلاع ، أي ستطلعون ~~على قوم آخرين ، وهو من استعمال وجد ، ويتعدى إلى مفعول واحد ، فقوله ms2033 : { ~~يريدون } جملة في موضع الحال ، وسيأتي بيان تصاريف استعمال الوجدان في ~~كلامهم عند قوله تعالى : { لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا في سورة ~~المائدة ( 82 ) . # وجيء باسم الإشارة في قوله : وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا } ~~لزيادة تمييزهم . # ( والسلطان المبين ) هو الحجة الواضحة الدالة على نفاقهم ، فلا يخشى أن ~~ينسب المسلمون في قتالهم إلى اعتداء وتفريق الجامعة . # $ 2 ( 92 ) { وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا ومن قتل مؤمنا خطئا ~~فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو ~~لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان PageV05P155 من قوم بينكم وبينهم ~~ميثاق فدية مسلمة إلى & # 1764 أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من ~~الله وكان الله عليما حكيما } . ) 2 $ # انتقال الغرض يعيد نشاط السامع بتفنن الأغراض ، فانتقل من تحديد أعمال ~~المسلمين مع العدو إلى أحكام معاملة المسلمين بعضهم مع بعض : من وجوب كف ~~عدوان بعضهم على بعض . # والمناسبة بين الغرض المنتقل منه والمنتقل إليه : أنه قد كان الكلام في ~~قتال المتظاهرين بالإسلام الذين ظهر نفاقهم ، فلا جرم أن تتشوف النفس إلى ~~حكم قتل المؤمنين الخلص وقد روي أنه حدث حادث قتلل مؤمن خطأ بالمدينة ناشىء ~~عن حزازات أيام القتال في الشرك أخطأ فيه القاتل إذ ظن المقتول كافرا . ~~وحادث قتل مؤمن عمدا ممن كان يظهر الإيمان ، والحادث المشار إليه بقوله : { ~~يأيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا } ( النساء : 94 ) وأن ~~هذه الآيات نزلت في ذلك ، فتزداد المناسبة وضوحا لأن هذه الآية تصير ~~كالمقدمة لما ورد بعدها من الأحكام في القتل . # هول الله تعالى أمر قتل المسلم أخاه المسلم ، وجعله في حيز ما لا يكون ، ~~فقال : { وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا } فجاء بصيغة المبالغة في ~~النفي ، وهي صيغة الجحود ، أي ما وجد لمؤمن أن يقتل مؤمنا في حال من ~~الأحوال إلا في حال الخطأ ، أو أن يقتل قتلا من القتل إلا قتل الخطأ ، فكان ms2034 ~~الكلام حصرا وهو حصر ادعائي مراد به المبالغة كأن صفة الإيمان في القاتل ~~والمقتول تنافي الاجتماع مع القتل في نفس الأمر منافاة الضدين لقصد الإيذان ~~بأن المؤمن إذا قتل مؤمنا فقد سلب عنه الإيمان وما هو بمؤمن ، على نحو ( ~~ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ) فتكون هذه الجملة مستقلة عما بعدها ، ~~غير مراد بها التشريع ، بل هي كالمقدمة للتشريع ، لقصد تفظيع حال قتل ~~المؤمنن المؤمن قتلا غير خطإ ، وتكون خبرية لفظا ومعنى ، ويكون الاستثناء ~~حقيقيا من عموم الأحوال ، أي PageV05P156 ينتفي قتل المؤمن مؤمنا في كل حال ~~إلا في حال عدم القصد ، وهذا أحسن ما يبدو في معنى الآية . # ولك أن تجعل قوله : { وما كان لمؤمن } خبرا مرادا به النهي ، استعمل ~~المركب في لازم معناه على طريقة المجاز المرسل التمثيلي ، وتجعل قوله : { ~~إلا خطئا } ترشيحا للمجاز : على نحو ما قررناه في الوجه الأول ، فيحصل ~~التنبيه على أن صورة الخطأ لا يتعلق بها النهي ، إذ قد علم كل أحد أن الخطأ ~~لا يتعلق به أمر ولا نهي ، يعني إن كان نوع من قتل المؤمن مأذونا فيه ~~للمؤمن ، فهو قتل الخطأ ، وقد علم أن المخطىء لا يأتي فعله قاصدا امتثالا ~~ولا عصيانا ، فرجع الكلام إلى معنى : وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا قتلا ~~تتعلق به الإرادة والقصد بحال أبدا ، فتكون الجملة مبدأ التشريع ، وما ~~بعدها كالتفصيل لها ؛ وعلى هذين الوجهين لا يشكل الاستثناء في قوله : { إلا ~~خطئا } . وذهب المفسرون إلى أن { ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا } مراد به ~~النهي ، أي خبر في معنى الإنشاء فالتجأوا إلى أن الاستثناء منقطع بمعنى ( ~~لكن ) فرارا من اقتضاء مفهوم الاستثناء إباحة أن يقتل مؤمن مؤمنا خطأ ، وقد ~~فهمت أنه غير متوهم هنا . # وإنما جيء بالقيد في قوله : { ومن قتل مؤمنا خطئا } لأن قوله : { وما كان ~~لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا } مراد به ادعاء الحصر أو النهي كما علمت ، ~~ولو كان الخبر على حقيقته لاستغنى عن القيد لانحصار قتل المؤمن بمقتضاه في ~~قتل الخطأ ، فيستغنى ms2035 عن تقييده به . # روى الطبري ، والواحدي ، في سبب نزول هذه الآية : أن عياشا بن أبي ربيعة ~~المخزومي كان قد أسلم وهاجر إلى المدينة قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم ~~وكان أخا أبي جهل لأمه فخرج أبو جهل وأخوه الحارث بن هشام والحارث بن زيد ~~بن أبي أنيسة في طلبه ، فأتوه بالمدينة وقالوا له : إن أمك أقسمت أن لا ~~يظلها بيت حتى تراك ، فارجع معنا حتى تنظر إليك ثم ارجع ، وأعطوه موثقا من ~~الله أن لا يهجوه ، ولا يحولوا بينه وبين دينه ، فخرج معهم فلما جاوزوا ~~المدينة أوثقوه ، ودخلوا به مكة ، وقالوا له ( لا نحلك من وثاقك حتى تكفر ~~بالذي آمنت به ) . وكان الحارث بن زيد يجلده ويعذبه ، فقال عياش للحارث ( ~~والله لا ألقاك خاليا إلا قتلتك ) فبقي بمكة PageV05P157 حتى خرج يوم الفتح ~~إلى المدينة فلقي الحارث بن زيد بقباء ، وكان الحارث قد أسلم ولم يعلم عياش ~~بإسلامه ، فضربه عياش فقتله ، ولما أعلم بأنه مسلم رجع عياش إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فأخبره بالذي صنع فنزلت : { وما كان لمؤمن أن يقتل ~~مؤمنا إلا خطئا } فتكون هذه الآية قد نزلت بعد فتح مكة . # وفي ابن عطية : قيل نزلت في اليمان ، والد حذيفة بن اليمان ، حين قتله ~~المسلمون يوم أحد خطأ . # وفي رواية للطبري : أنها نزلت في قضية أبي الدرداء حين كان في سرية ، ~~فعدل إلى شعب فوجد رجلا في غنم له ، فحمل عليه أبو الدرداء بالسيف ، فقال ~~الرجل ( لا إلاه إلا الله ) فضربه فقتله وجاء بغنمه إلى السرية ، ثم وجد في ~~نفسه شيئا فأتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له ، فنزلت الآية . # وقوله : { فتحرير رقبة } الفاء رابطة لجواب الشرط ، و ( تحرير ) مرفوع ~~على الخبرية لمبتدأ محذوف من جملة الجواب : لظهور أن المعنى : فحكمه أو ~~فشأنه تحرير رقبة كقوله : { فصبر جميل } ( يوسف : 18 ) . والتحرير تفعيل من ~~الحرية ، أي جعل الرقبة حرة . والرقبة أطلقت على الذات من إطلاق البعض على ~~الكل ، كما يقولون ، الجزية على الرؤوس على كل ms2036 رأس أربعة دنانير . # ومن أسرار الشريعة الإسلامية حرصها على تعميم الحرية في الإسلام بكيفية ~~منتظمة ، فإن الله لما بعث رسوله بدين الإسلام كانت العبودية متفشية في ~~البشر ، وأقيمت عليها ثروات كثيرة ، وكانت أسبابها متكاثرة : وهي الأسر في ~~الحروب ، والتصيير في الديوان ، والتخطف في الغارات ، وبيع الآباء والأمهات ~~أبناءهم ، والرهائن في الخوف ، والتداين . فأبطل الإسلام جميع أسبابها عدا ~~الأسر ، وأبقى الأسر لمصلحة تشجيع الأبطال ، وتخويف أهل الدعارة من الخروج ~~على المسلمين ، لأن العربي ما كان يتقي شيئا من عواقب الحروب مثل الأسر ، ~~قال النابغة : # حذارا على أن لا تنال مقادتي # ولا نسوتهي حتى يمتن حرائرا PageV05P158 # ثم داوى تلك الجراح البشرية بإيجاد أسباب الحرية في مناسبات دينية جمة : ~~منها واجبة ، ومنها مندوب إليها . ومن الأسباب الواجبة كفارة القتل ~~المذكورة هنا . وقد جعلت كفارة قتل الخطأ أمرين : أحدهما تحرير رقبة مؤمنة ~~، وقد جعل هذا التحرير بدلا من تعطيل حق الله في ذات القتيل ، فإن القتيل ~~عبد من عباد الله ويرجى من نسله من يقوم بعبادة الله وطاعة دينه ، فلم يخل ~~القاتل من أن يكون فوت بقتله هذا الوصف ، وقد نبهت الشريعة بهذا على أن ~~الحرية حياة ، وأن العبودية موت ؛ فمن تسبب في موت نفس حية كان عليه السعي ~~في إحياء نفس كالميتة وهي المستعبدة . وسنزيد هذا بيانا عند قوله تعالى : { ~~وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء ~~وجعلكم ملوكا في سورة المائدة ( 20 ) ، فإن تأويله أن الله أنقذهم من ~~استعباد الفراعنة فصاروا كالملوك لا يحكمهم غيرهم . # وثانيهما الدية . والدية مال يدفع لأهل القتيل خطأ ، جبرا لمصيبة أهله ~~فيه من حيوان أو نقدين أو نحوهما ، كما سيأتي . # والدية معروفة عند العرب بمعناها ومقاديرها فلذلك لم يفصلها القرآن . وقد ~~كان العرب جعلوا الدية على كيفيات مختلفة ، فكانت عوضا عن دم القتيل في ~~العمد وفي الخطأ ، فأما في العمد فكانوا يتعيرون بأخذها . قال الحماسي : # فلو أن حيا يقبل المال فدية # لسقنا لهم سيبا من المال مفعما # ولكن أبى قوم ms2037 أصيب أخوهم # رضى العار فاختاروا على اللبن الدما # وإذا رضى أولياء القتيل بدية بشفاعة عظماء القبيلة قدروها بما يتراضون ~~عليه . قال زهير : # تعفى الكلوم بالمئين فأصبحت # ينجمها من ليس فيها بمجرم # وأما في الخطأ فكانوا لا يأبون أخذ الدية ، قيل : إنها كانت عشرة من ~~الإبل وأن أول من جعلها مائة من الإبل عبد المطلب بن هاشم ، إذ فدى ولده ~~عبد الله بعد أن نذر ذبحه للكعبة بمائة من الإبل ، فجرت في قريش كذلك ، ثم ~~تبعهم العرب ، وقيل : أول من جعل الدية مائة من الإبل أبو سيارة عميلة ~~العدواني ، وكانت دية الملك ألفا من PageV05P159 الإبل ، ودية السادة ~~مائتين من الإبل ، ودية الحليف نصف دية الصميم . وأول من ودي بالإبل هو زيد ~~بن بكر بن هوازن . إذ قتله أخوه معاوية جد بني عامر بن صعصعة . # وأكثر ما ورد في السنة من تقدير الدية من مائة من الإبل مخمسة أخماسا : ~~عشرون حقة ، وعشرون جذعة ، وعشرون بنت مخاض ، وعشرون بنت لبون ، وعشرون ابن ~~لبون . # ودية العمد ، إذا رضي أولياء القتيل بالدية ، مربعة : خمس وعشرون من كل ~~صنف من الأصناف الأربعة الأول . وتغلظ الدية على أحد الأبوين تغليظا بالصنف ~~لا بالعدد ، إذا قتل ابنه خطأ : ثلاثون جذعة ، وثلاثون حقة ، وأربعون خلفة ~~، أي نوقا في بطونها أجنتها . وإذا كان أهل القتيل غير أهل إبل نقلت الدية ~~إلى قيمة الإبل تقريبا فجعلت على أهل الذهب ألف دينار ، وعلى أهل الورق ~~اثني عشر ألف درهم . وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه جعل الدية على أهل البقر ~~مائتي بقرة ، وعلى أهل الغنم ألفي شاة . وفي حديث أبي داود أن الدية على ~~أهل الحلل ، أي أهل النسيج مثل أهل اليمن ، مائة حلة . والحلة ثوبان من نوع ~~واحد . # ومعيار تقدير الديات ، باختلاف الأعصار والأقطار ، الرجوع إلى قيمة ~~مقدارها من الإبل المعين في السنة . ودية المرأة القتيلة على النصف من دية ~~الرجل . ودية الكتابي على النصف من دية المسلم . ودية المرأة الكتابية على ~~النصف من دية الرجل الكتابي . وتدفع الدية منجمة ms2038 في ثلاث سنين بعد كل سنة ~~نجم ، وابتداء تلك النجوم من وقت القضاء في شأن القتل أو التراوض بين ~~أولياء القتيل وعاقلة القاتل . # والدية بتخفيف الياء مصدر ودي ، أي أعطى ، مثل رمى ، ومصدره ودي مثل وعد ~~، حذفت فاء الكلمة تخفيفا ، لأن الواو ثقيلة ، كما حذفت في عدة ، وعوض عنها ~~الهاء في آخر الكلمة مثل شية من الوشي . # وأشار قوله : مسلمة إلى أهله } إلى أن الدية ترضية لأهل القتيل . وذكر ~~الأهل مجملا فعلم أن أحق الناس بها أقرب الناس إلى القتيل ، فإن الأهل هو ~~القريب ، والأحق بها الأقرب . وهي في حكم الإسلام يأخذها ورثة القتيل على ~~حسب الميراث PageV05P160 إلا أن القاتل خطأ إذا كان وارثا للقتيل لا يرث من ~~ديته . وهي بمنزلة تعويض المتلفات ، جعلت عوضا لحياة الذي تسبب القاتل في ~~قتله ، وربما كان هذا المعنى هو المقصود من عهد الجاهلية ، ولذلك قالوا : ~~تكايل الدماء ، وقالوا : هما بواء ، أي كفآن في الدم وزادوا في دية سادتهم ~~. # وجعل عفو أهل القتيل عن أخذ الدية صدقة منهم ترغيبا في العفو . # وقد أجمل القرآن من يجب عليه دفع الدية وبينته السنة بأنهم العاقلة ، ~~وذلك تقرير لما كان عليه الأمر قبل الإسلام . # والعاقلة : القرابة من القبيلة . تجب على الأقرب فالأقرب بحسب التقدم في ~~التعصيب . # وقوله : { فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن } الآية أي إن كان القتيل ~~مؤمنا وكان أهله كفارا ، بينهم وبين المسلمين عداوة ، يقتصر في الكفارة على ~~تحرير الرقبة دون دفع دية لهم ، لأن الدية : إذا اعتبرناها جبرا لأولياء ~~الدم ، فلما كانوا أعداء لم تكن حكمة في جبر خواطرهم ، وإذا اعتبرناها عوضا ~~عن منافع قتيلهم ، مثل قيم المتلفات ، يكون منعها من الكفار ؛ لأنه لا يرث ~~الكافر المسلم ، ولأنا لا نعطيهم مالنا يتقوون به علينا . وهذا الحكم متفق ~~عليه بين الفقهاء ، إن كان القتيل المؤمن باقيا في دار قومه وهم كفار فأما ~~إن كان القتيل في بلاد الإسلام وكان أولياؤه كفارا ، فقال ابن عباس ، ومالك ~~، وأبو حنيفة : لا تسقط عن القاتل ديته ، وتدفع ms2039 لبيت مال المسلمين . وقال ~~الشافعي ، والأوزاعي ، والثوري : تسقط الدية لأن سبب سقوطها أن مستحقيها ~~كفار . وظاهر قوله تعالى : { وإن كان من قوم عدو } أن العبرة بأهل القتيل ~~لا بمكان إقامته ، إذ لا أثر لمكان الإقامة في هذا الحكم ولو كانت إقامته ~~غير معذور فيها . # وأخبر عن { قوم } بلفظ { عدو } وهو مفرد ، لأن فعولا بمعنى فاعل يكثر في ~~كلامهم أن يكون مفردا مذكرا غير مطابق لموصوفه ، كقوله : { إن الكافرين ~~كانوا لكم عدوا مبينا } ( النساء : 101 ) { لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء } ~~( الممتحنة : 1 ) { وكذلك جعلنا لكل نبيء عدوا شياطين الأنس } ( الأنعام : ~~112 ) ، وامرأة عدو وشذ قولهم عدوة . وفي كلام عمر بن الخطاب في ( صحيح ~~البخاري ) أنه قال للنسوة اللاتي كن بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم ~~PageV05P161 فلما دخل عمر ابتدرن الحجاب لما رأينه ( يا عدوات أنفسهن ) . ~~ويجمع بكثرة على أعداء ، قال تعالى : { ويوم نحشر أعداء الله إلى النار } ( ~~فصلت : 19 ) . # وقوله : { وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق } أي إن كان القتيل المؤمن ~~. فجعل للقوم الذين بين المسلمين وبينهم ميثاق ، أي عهد من أهل الكفر ، دية ~~قتيلهم المؤمنن اعتدادا بالعهد الذي بيننا وهذا يؤذن بأن الدية جبر لأولياء ~~القتيل ، وليست مالا موروثا عن القاتل ، إذ لا يرث الكافر المسلم ، فلا ~~حاجة إلى تأويل الآية بأن يكون للمقتول المؤمن وارث مؤمن في قوم معاهدين ، ~~أو يكون المقتول معاهدا لا مؤمنا ، بناء على أن الضمير في ( كان ) عائد على ~~القتيل بدون وصف الإيمان ، وهو تأويل بعيد لأن موضوع الآية فيمن قتل مؤمنا ~~خطأ . ولا يهولنكم التصريح بالوصف في قوله : { وهو مؤمن } لأن ذلك احتراس ~~ودفع للتوهم عند الخبر عنه بقوله : { من قوم عدو لكم } أن يظن أحد أنه أيضا ~~عدو لنا في الدين . وشرط كون القتيل مؤمنا في هذا لحكم مدلول بحمل مطلقه ~~هنا على المقيد في قوله هنالك { وهو مؤمن } ، ويكون موضوع هذا التفصيل في ~~القتيل المسلم خطأ لتصدير الآية بقوله : { ومن قتل مؤمنا خطئا } ، وهذا قول ~~مالك ، وأبي حنيفة . # وذهبت طائفة إلى ms2040 إبقاء المطلق هنا على إطلاقه ، وحملوا معنى الآية على ~~الذمي والمعاهد ، يقتل خطأ فتجب الدية وتحرير رقبة ، وهو قول ابن عباس ، ~~والشعبي ، والنخعي ، والشافعي ، ولكنهم قالوا : إن هذا كان حكما في مشركي ~~العرب الذين كان بينهم وبين المسلمين صلح إلى أجل ، حتى يسلموا أو يؤذنوا ~~بحرب ، وإن هذا الحكم نسخ . # وقوله : { فصيام شهرين متتابعين } وصف الشهران بأنهما متتابعان والمقصود ~~تتابع أيامهما . لأن تتابع الأيام يستلزم توالي الشهرين . # وقوله : ( توبة من الله ) مفعول لأجله على تقدير : شرع الله الصيام توبة ~~منه . والتوبة هنا مصدر تاب بمعنى قبل التوبة بقرينة تعديته ب ( من ) ، لأن ~~تاب يطلق على معنى ندم وعلى معنى قبل منه ، كما تقدم في قوله تعالى : { ~~إنما التوبة على الله } ( النساء : 17 ) في هذه السورة ، أي خفف الله عن ~~القاتل فشرع الصيام ليتوب عليه فيما أخطأ فيه لأنه أخطأ في عظيم . ولك أن ~~تجعل { توبة } مفعولا لأجله راجعا إلى تحرير الرقبة والدية وبدلهما ، وهو ~~الصيام ، أي شرع الله PageV05P162 الجميع توبة منه على القاتل ، ولو لم ~~يشرع له ذلك لعاقبه على أسباب الخطأ ، وهي ترجع إلى تفريط الحذر والأخذ ~~بالحزم . أو هو حال من ( صيام ) ، أي سبب توبة ، فهو حال مجازية عقلية . # # | 2 ( 93 ) { ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزآؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله ~~عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما } . ) 2 # هذا هو المقصود من التشريع لأحكام القتل ، لأنه هو المتوقع حصوله من ~~الناس ، وإنما أخر لتهويل أمره ، فابتدأ بذكر قتل الخطأ بعنوان قوله : { ~~وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ } ( النساء : 92 ) . # والمتعمد : القاصد للقتل ، مشتق من عمد إلى كذا بمعنى قصد وذهب . ~~والأفعال كلها لا تخرج عن حالتي عمد وخطأ ، ويعرف التعمد بأن يكون فعلا لا ~~يفعله أحد بأحد إلا وهو قاصد إزهاق روحه بخصوصه بما تزهق به الأرواح في ~~متعارف الناس ، وذلك لا يخفى على أحد من العقلاء . ومن أجل ذلك قال الجمهور ~~من الفقهاء : القتل نوعان عمد وخطأ ، وهو الجاري على وفق الآية ، ومن ~~الفقهاء من ms2041 جعل نوعا ثالثا سماه شبه العمد ، واستندوا في ذلك إلى آثار ~~مروية ، إن صحت فتأويلها متعين وتحمل على خصوص ما وردت فيه . وذكر ابن جرير ~~والواحدي أن سبب نزول هذه الآية أن مقيسا بن صبابة وأخاه هشام جاءا مسلمين ~~مهاجرين فوجد هشام قتيلا في بني النجار ، ولم يعرف قاتله ، فأمرهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم بإعطاء أخيه مقيس مائة من الأبل ، دية أخيه ، وأرسل ~~إليهم بذلك مع رجل من فهر فلما أخذ مقيس الإبل عدا على الفهري فقتله ، ~~واستاق الإبل ، وانصرف إلى مكة كافرا ، وأنشد في شأن أخيه : PageV05P163 # قتلت به فهرا وحملت عقله # سراة بني النجار أرباب فارع # حللت به وتري وأدركت ثأرتي # وكنت إلى الأوثانن أول راجع # وقد أهدر رسول الله صلى الله عليه وسلم دمه يوم فتح مكة ، فقتل بسوق مكة ~~. # وقوله : { خالدا فيها } محمله عند جمهور علماء السنة على طول المكث في ~~النار لأجل قتل المؤمن عمدا ، لأن قتل النفس ليس كفرا بالله ورسوله ، ولا ~~خلود في النار إلا للكفر ، على قول علمائنا من أهل السنة ، فتعين تأويل ~~الخلود بالمبالغة في طول المكث ، وهو استعمال عربي . قال النابغة في مرض ~~النعمان بن المنذر : # ونحن لديه نسأل الله خلده # يرد ملكا وللأرضض عامرا # ومحمله عند من يكفر بالكبائر من الخوارج ، وعند من يوجب الخلود على أهل ~~الكبائر ، على وتيرة إيجاب الخلود بارتكاب الكبيرة . # وكلا الفريقين متفقون على أن التوبة ترد على جريمة قتل النفس عمدا ، كما ~~ترد على غيرها من الكبائر ، إلا أن نفرا من أهل السنة شذ شذوذا بينا في ~~محمل هذه الآية : فروي عن ابن مسعود ، وابن عمر ، وابن عباس : أن قاتل ~~النفس متعمدا لا تقبل له توبة ، واشتهر ذلك عن ابن عباس وعرف به ، أخذا ~~بهذه الآية ، وأخرج البخاري أن سعيد بن جبير قال : آية اختلف فيها أهل ~~الكوفة ، فرحلت فيها إلى ابن عباس ، فسألته عنها ، فقال : نزلت هذه الآية { ~~ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها } الآية . هي آخر ما نزل وما ~~نسخها ms2042 شيء ، فلم يأخذ بطريق التأويل . وقد اختلف السلف في تأويل كلام ابن ~~عباس : فحمله جماعة على ظاهره ، وقالوا : إن مستنده أن هذه الآية هي آخر ما ~~نزل ، فقد نسخت الآياتت التي قبلها ، التي تقتضي عموم التوبة ، مثل قوله : ~~{ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } ( النساء : 116 ~~) ، فقاتل النفس ممن لم يشأ الله يغفر له ومثل قوله { واني لغفار لمن تاب ~~وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى } ( طه : 82 ) ، ومثل قوله : { والذين لا يدعون ~~مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن ~~يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة PageV05P164 ويخلد فيه ~~مهانا إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا } ( الفرقان : 68 ، 69 ) . والحق أن ~~محل التأويل ليس هو تقدم النزول أو تأخره ، ولكنه في حمل مطلق الآية على ~~الأدلة التي قيدت جميع أدلة العقوبات الأخروية بحالة عدم التوبة . فأما حكم ~~الخلود فحمله على ظاهره أو على مجازه ، وهو طول المدة في العقاب ، مسألة ~~أخرى لا حاجة إلى الخوض فيها حين الخوضض في شأن توبة القاتل المتعمد ، وكيف ~~يحرم من قبول التوبة ، والتوبة من الكفر ، وهو أعظم الذنوب مقبولة ، فكيف ~~بما هو دونه من الذنوب . # وحمل جماعة مراد ابن عباس على قصد التهويل والزجر ، لئلا يجترىء الناس ~~على قتل النفس عمدا ، ويرجون التوبة ، ويعضدون ذلك بأن ابن عباس روي عنه ~~أنه جاءه رجل فقال : ( ألمن قتل مؤمنا متعمدا توبة ) فقال : ( لا إلا النار ~~) ، فلما ذهب قال له جلساؤه ( أهكذا كنت تفتينا فقد كنت تقول إن توبته ~~مقبولة ) فقال : ( إني لأحسب السائل رجلا مغضبا يريد أن يقتل مؤمنا ) ، قل ~~: فبعثوا في أثره فوجدوه كذلك . وكان ابن شهاب إذا سأله عن ذلك من يفهم منه ~~أنه كان قتل نفسا يقول له : ( توبتك مقبولة ) وإذا سأله من لم يقتل ، وتوسم ~~من حاله أنه يحاول قتل نفس ، قال له : لا توبة للقاتل . # وأقول : هذا مقام قد اضطربت فيه كلمات المفسرين كما ms2043 علمت ، وملاكه أن ما ~~ذكره الله هنا في وعيد قاتل النفس قد تجاوز فيه الحد المألوف من الإغلاظ ، ~~فرأى بعض السلف أن ذلك موجب لحمل الوعيد في الآية على ظاهره ، دون تأويل ، ~~لشدة تأكيده تأكيدا يمنع من حمل الخلود على المجاز ، فيثبت للقاتل الخلود ~~حقيقة ، بخلاف بقية آي الوعيد ، وكأن هذا المعنى هو الذي جعلهم يخوضون في ~~اعتبار هذه الآية محكمة أو منسوخة ، لأنهم لم يجدوا ملجأ آخر يأوون إليه في ~~حملها على ما حملت عليه آيات الوعيد : من محامل التأويل ، أو الجمعع بين ~~المتعارضات ، فآووا إلى دعوى نسخخ نصها بقوله تعالى في سورة الفرقان ( 68 ، ~~69 ) : { والذين لا يدعون مع الله إلها آخر إلى قوله إلا من تاب لأن قوله : ~~ومن يفعل ذلك إما أن يراد به مجموع الذنوب المذكورة ، فإذا كان فاعل ~~مجموعها تنفعه التوبة ففاعل بعضها وهو القتل عمدا أجدر ، وإما أن يراد فاعل ~~واحدة منها فالقتل عمدا مما عد معها . ولذا قال ابن عباس لسعيد بن جبير : ~~إن آية النساء آخر آية نزلت وما نسخها شيء . ومن العجب أن يقال PageV05P165 ~~كلام مثل هذا ، ثم أن يطال وتتناقله الناس وتمر عليه القرون ، في حين لا ~~تعارض بين هذه الآية التي هي وعيد لقاتل النفس وبين آيات قبول التوبة . ~~وذهب فريق إلى الجواب بأنها نسخت بآية : ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } ( ~~النساء : 48 ) ، بناء على أن عموم { من يشاء } نسخ خصوص القتل . وذهب فريق ~~إلى الجواب بأن الآية نزلت في مقيسس بن صبابة ، وهو كافر فالخلود لأجل ~~الكفر ، وهو جواب مبني على غلط لأن لفظ الآية عام إذ هو بصيغة الشرط فتعين ~~أن ( من ) شرطية وهي من صيغ العموم فلا تحمل على شخص معين ؛ إلا عند من يرى ~~أن سبب العام يخصصه بسببه لا غير ، وهذا لا ينبغي الالتفات إليه . وهذه ~~كلها ملاجىء لا حاجة إليها ، لأن آيات التوبة ناهضة مجمع عليها متظاهرة ~~ظواهرها ، حتى بلغت حد النص المقطوع به ، فيحمل عليها آيات وعيد الذنوب ~~كلها حتى ms2044 الكفر . على أن تأكيد الوعيد في الآية إنما يرفع احتمال المجاز في ~~كونه وعيدا لا في تعيين المتوعد به وهو الخلود . إذ المؤكدات هنا مختلفة ~~المعاني فلا يصح أن يعتبر أحدها مؤكدا لمدلول الآخر بل إنما أكدت الغرض . ~~وهو الوعيد ، لا أنواعه . وهذا هو الجواب القاطع لهاته الحيرة . وهو الذي ~~يتعين اللجأ إليه ، والتعويل عليه . # $ 2 ( 94 ) { ياأيها الذين ءامنوا إذا ضربتم فى سبيل الله فتبينوا ولا ~~تقولوا لمن ألقى & # 1764 إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحيواة الدنيا فعند الله مغانم ~~كثيرة كذالك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعملون ~~خبيرا } . ) 2 $ # استئناف ابتدائي خوطب به المؤمنون ، استقصاء للتحذير من قتل المؤمن بذكر ~~أحوالل قد يتساهل فيها وتعرض فيها شبه . والمناسبة ما رواه البخاري ، عن ~~ابن عباس ، قال : كان رجل في غنيمة له فلحقه المسلمون ، فقال : السلام ~~عليكم ، فقتلوه وأخذوا غنيمته ، فأنزل الله في ذلك هذه الآية . وفي رواية ~~وقال : لا إلاه إلا الله محمد رسول الله . وفي رواية أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم حمل ديته إلى أهله ورد غنيمته PageV05P166 واختلف في اسم القاتل ~~والمقتول ، بعد الاتفاق على أن ذلك كان في سرية ، فروى ابن القاسم ، عن ~~مالك : أن القاتل أسامة بن زيد ، والمقتول مرداس بن نهيك الفزاري من أهل ~~فدك ، وفي سيرة ابن إسحاق أن القاتل محلم من جثامة ، والمقتول عامر بن ~~الأضبط . وقيل : القاتل أبو قتادة ، وقيل أبو الدرداء ، وأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وبخ القاتل ، وقال له : ( فهلا شققت عن بطنه فعلمت ما في قلبه ) ~~. ومخاطبتهم ب { أيها الذين آمنوا } تلوح إلى أن الباعث على قتل من أظهر ~~الإسلام منهي عنه ، ولو كان قصد القاتل الحرص على تحقق أن وصف الإيمان ثابت ~~للمقتول ، فإن هذا التحقق غير مراد للشريعة ، وقد ناطت صفة الإسلام بقول : ~~( لا إلاه إلا الله محمد رسول الله ) أو بتحية الإسلام وهي ( السلام عليكم ~~) . # والضرب : السير ، وتقدم عند قوله تعالى : { وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في ~~الأرض ms2045 في سورة آل عمران ( 156 ) . وقوله : في سبيل الله } ظرف مستقر هو حال ~~من ضمير { ضربتم } وليس متعلقا ب ( ضربتم ) لأن الضرب أي السير لا يكون على ~~سبيل الله إذ سبيل الله لقب للغزو ، ألا ترى قوله تعالى : { وقالوا ~~لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى } الآية . # والتبين : شدة طلب البيان ، أي التأمل القوي ، حسبما تقتضيه صيغة التفعل ~~. ودخول الفاء على فعل ( تبينوا ) لما في ( إذا ) من تضمن معنى الاشتراط ~~غالبا . وقرأ الجمهور : { فتبينوا } بفوقية ثم موحدة ثم تحتية ثم نون من ~~التبين وهو تفعل ، أي تثبتوا واطلبوا بيان الأمور فلا تعجلوا فتتبعوا ~~الخواطر الخاطفة الخاطئة . وقرأه حمزة ، والكسائي ، وخلف : { فتثبتوا } ~~بفاء فوقية فمثلثة فموحدة ففوقية بمعنى اطلبوا الثابت ، أي الذي لا يتبدل ~~ولا يحتمل نقيض ما بدا لكم . # وقوله : { ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا } قرأ نافع ، وابن ~~عامر ، وحمزة ، وخلف ( السلم ) بدون ألف بعد اللام وهو ضد الحرب ، ومعنى ~~ألقى السلم أظهره بينكم كأنه رماه بينهم ، وقرأ البقية ( السلام ) بالألف ~~وهو مشترك بين معنى السلم ضد الحرب ، ومعنى تحية الإسلام ، فهي قول : ~~السلام عليكم ، أي من خاطبكم بتحية الإسلام علامة على أنه مسلم . ~~PageV05P167 # وجملة { لست مؤمنا } مقول { لا تقولوا } . وقرأ الحمهور : { مؤمنا } بكسر ~~الميم الثانية بصيغة اسم الفاعل ، أي لا تنفوا عنه الإيمان وهو يظهره لكم ، ~~وقرأه ابن وردان عن أبي جعفر بفتح الميم الثانية بصيغة اسم المفعول ، أي لا ~~تقولوا له لست محصلا تأميننا إياك ، أي إنك مقتولا أو مأسور . و { عرض ~~الحياة } : متاح الحياة ، والمراد به الغنيمة فعبر عنها ب { عرض الحياة } ~~تحقيرا لها بأنها نفع عارض زائل . # وجملة { تبتغون } حالية ، أي ناقشتموه في إيمانه خشية أن يكون قصد إحراز ~~ماله ، فكان عدم تصديقه آئلا إلى ابتغاء غنيمة ماله ، فأوخذوا بالمآل . ~~فالمقصود من هذا القيد زيادة التوبيخ ، مع العلم بأنه لو قال لمن أظهر ~~الإسلام : لست مؤمنا ، وقتله غير آخذ منه مالا لكان حكمه أولى ممن قصد أخذ ~~الغنيمة ، والقيد ينظر إلى سبب ms2046 النزول ، والحكم أعم من ذلك . وكذلك قوله : ~~{ فعند الله مغانم كثيرة } أي لم يحصر الله مغانمكم في هذه الغنيمة . # وزاد في التوبيخ قوله : { كذلك كنتم من قبل } أي كنتم كفارا فدخلتم ~~الإسلام بكلمة الإسلام ، فلو أن أحدا أبى أن يصدقكم في إسلامكم أكان يرضيكم ~~ذلك . وهذه تربية عظيمة ، وهي أن يستشعر الإنسان عند مؤاخذته غيره أحوالا ~~كان هو عليها تساوي أحوال من يؤاخذه ، كمؤاخذة المعلم التلميذ بسوء إذا لم ~~يقصر في إعمال جهده . وكذلك هي عظة لمن يمتحنون طلبة العلم فيعتادون ~~التشديد عليهم وتطلب عثراتهم ، وكذلك ولاة الأمور وكبار الموظفين في معاملة ~~من لنظرهم من صغار الموظفين ، وكذلك الآباء مع أبنائهم إذا بلغت بهم ~~الحماقة أن ينتهروهم على اللعب المعتاد أو على الضجر من الآلام . # وقد دلت الآية على حكمة عظيمة في حفظ الجامعة الدينية ، وهي بث الثقة ~~والأمان بين أفراد الأمة ، وطرح ما من شأنه إدخال الشك لأنه إذا فتح هذا ~~الباب عسر سده ، وكما يتهم المتهم غيره فللغير أن يتهم من اتهمه ، وبذلك ~~ترتفع الثقة ، ويسهل على ضعفاء الإيمان المروق ، إذ قد أصبحت التهمة تظل ~~الصادق والمنافق ، وانظر معاملة النبي صلى الله عليه وسلم المنافقين معاملة ~~المسلمين . على أن هذا الدين سريع السريان في القلوب فيكتفي أهله بدخول ~~الداخلين فيه من غير مناقشة ، إذ لا يلبثون أن يألفوه ، PageV05P168 وتخالط ~~بشاشته قلوبهم ، فهم يقتحمونه على شك وتردد فيصير إيمانا راسخا ، ومما يعين ~~على ذلك ثقة السابقين فيه باللاحقين بهم . # ومن أجل ذلك أعاد الله الأمر فقال : { فتبينوا } تأكيدا ل ( تبينوا ) ~~المذكور قبله ، وذيله بقوله : { إن الله كان بما تعملون خبيرا } وهو يجمع ~~وعيدا ووعدا . # # | 2 ( 95 ، 96 ) { لا يستوى القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر ~~والمجاهدون فى سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم ~~وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على ~~القاعدين أجرا عظيما * درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما } . ) ~~2 # ولما لام الله بعض المجاهدين على ما صدر منهم من ms2047 التعمق في الغاية من ~~الجهاد ، عقب ذلك ببيان فضل المجاهدين كيلا يكون ذلك اللوم موهما انحطاط ~~فضيلتهم في بعض أحوالهم ، على عادة القرآن في تعقيب النذارة بالبشارة دفعا ~~لليأس من الرحمة عن أنفس المسلمين . # يقول العرب ( لا يستوي وليس سواء ) بمعنى أن أحد المذكورين أفضل من الآخر ~~. ويعتمدون في ذلك على القرينة الدالة على تعيين المفضل لأن من شأنه أن ~~يكون أفضل . قال السموأل أو غيره : # فليس سواء عالم وجهول # وقال تعالى : { ليسوا سواء } ( آل عمران : 113 ) ، وقد يتبعونه بما يصرح ~~بوجه نفي السوائية : إما لخفائه كقوله تعالى : { لا يستوي منكم من أنفق من ~~قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا } ( ~~الحديد : 10 ) ، وقد يكون التصريح لمجرد التأكيد كقوله : { لا يستوي ~~PageV05P169 أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون } ( الحشر : ~~20 ) . وإذ قد كان وجه التفاضل معلوما في أكثر مواقع أمثال هذا التركيب ، ~~صار في الغالب أمثال هذا التركيب مستعملة في معنى الكناية ، وهو التعريض ~~بالمفضول في تفريطه وزهده فيما هو خير مع المكنة منه ، وكذلك هو هنا لظهور ~~أن القاعد عن الجهاد لا يساوي المجاهد في فضيلة نصرة الدين ، ولا في ثوابه ~~على ذلك ، فتعين التعريض بالقاعدين وتشنيع حالهم . وبهذا يظهر موقع ~~الاستثناء بقوله : { غير أولي الضرر } كيلا يحسب أصحاب الضرر أنهم مقصودون ~~بالتحريض فيخرجوا مع المسلمين ، فيكلفوهم مؤونة نقلهم وحفظهم بلا جدوى ، أو ~~يظنوا أنهم مقصودون بالتعريض فتنكسر لذلك نفوسهم ، زيادة على انكسارها ~~بعجزهم ، ولأن في استثنائهم إنصافا لهم وعذرا بأنهم لو كانوا قادرين لما ~~قعدوا ، فذلك الظن بالمؤمن ، ولو كان المقصود صريح المعنى لما كان ~~للاستثناء موقع . فاحفظوا هذا فالاستثناء مقصود ، وله موقع من البلاغة ~~لايضاع ، ولو لم يذكر الاستثناء لكان تجاوز التعريض أصحاب الضرر معلومات في ~~سياق الكلام فالاستثناء عدول عن الاعتماد على القرينة إلى التصريح باللفظ . ~~ويدل لهذا ما في ( الصحيحين ) ، عن زيد بن ثابت . أنه قال : نزل الوحي على ~~رسول الله وأنا إلى جنبه ثم سري عنه فقال : اكتب ms2048 ، فكتبت في كتف ( لا يستوي ~~القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ) ، وخلف ~~النبي ابن أم مكتوم فقال : يا رسول الله لو أستطيع الجهاد لجاهدت ، فنزلت ~~مكانها { لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل ~~الله } الآية . فابن أم مكتوم فهم المقصود من نفي الاستواء فظن أن التعريض ~~يشمله وأمثاله ، فإنه من القاعدين ، ولأجل هذا الظن عدل عن حراسة المقام ~~إلى صراحة الكلام ، وهما حالان متساويان في عرف البلغاء ، هما حال مراعاة ~~خطاب الذكي وخطاب الغبي ، فلذلك لم تكن زيادة الاستثناء مفيتة مقتضى حال من ~~البلاغة ، ولكنها معوضته بنظيره لأن السامعين أصناف كثيرة . # وقرأ نافع ، وابن عامر ، وأبو جعفر ، وخلف : { غير } بنصب الراء على ~~الحال من { القاعدون } ، وقرأه ابن كثير ، وأبو عمرو ، وعاصم ، وحمزة ، ~~والكسائي ، ويعقوب بالرفع على النعت ل { القاعدون } . PageV05P170 # وجاز في ( غير ) الرفع على النعت ، والنصب على الحال ، لأن ( القاعدون ) ~~تعريفه للجنس فيجوز فيه مراعاة اللفظ ومراعاة المعنى . # والضرر : المرض والعاهة من عمى أو عرج أو زمانة ، لأن هذه الصيغة لمصادر ~~الأدواء ونحوها ، وأشهر استعماله في العمى ، ولذلك يقال للأعمى : ضرير ، ~~ولا يقال ذلك للأعرج والزمن ، وأحسب أن المراد في هذه الآية خصوص العمى وأن ~~غيره مقيس عليه . # والضرر مصدر ضرر بكسر الراء مثل مرض ، وهذه الزنة تجيء في العاهات ونحوها ~~، مثل عمي وعرج وحصر ، ومصدرها مفتوح العين مثل العرج ، ولأجل خفته بفتح ~~العين امتنع إدغام المثلين فيه ، فقيل : ضرر بالفك ، وبخلاف الضر الذي هو ~~مصدر ضره فهو واجب الإدغام إذ لا موجب للفك . ولا نعرف في كلام العرب إطلاق ~~الضرر على غير العاهات الضارة ؛ وأما ما روي من حديث ( لا ضرر ولا ضرار ) ~~فهو نادر أو جرى على الإتباع والمزاوجة لاقترانه بلفظ ضرار وهو مفكك . وزعم ~~الجوهري أن ضرر اسم مصدر الضر ، وفيه نظر ؛ ولم يحفظ عن غيره ولا شاهد عليه ~~. # وقوله : { بأموالهم وأنفسهم } لأن الجهاد يقتضي الأمرين : بذل النفس وبذل ~~المال ، إلا أن الجهاد على الحقيقة هو بذل النفس في سبيل ms2049 الله ولو لم يتفق ~~شيئا ، بل ولو كان كلا على المؤمنين ، كما أن من بذل المال لإعانة الغزاة ، ~~ولم يجاهد بنفسه ، لا يسمى مجاهدا وإن كان له أجر عظيم ، وكذلك من حبسه ~~العذر وكان يتمنى زوال عذره واللحاق بالمجاهدين ، له فضل عظيم ، ولكن فضل ~~الجهاد بالفعل لا يساويه فضل الآخرين : / / # وجملة : { فضل الله المجاهدين } بيان لجملة : { لا يستوي القاعدون من ~~المؤمنين } . # وحقيقة الدرجة أنها جزء من مكان يكون أعلى من جزء أخر متصل به ، بحيث ~~تتخطى القدم إليه بارتقاء من المكان الذي كانت عليه بصعود ، وذلك مثل درجة ~~العلية ودرجة السلم . # والدرجة هنا مستعارة للعلو المعنوي كما في قوله تعالى : { وللرجال عليهن ~~درجة } ( البقرة : 228 ) والعلو المراد هنا علو الفضل ووفرة الأجر . ~~PageV05P171 # وجيء ب ( درجة ) بصيغة الإفراد ، وليس إفرادها للوحدة ، لأن درجة هنا جنس ~~معنوي لا أفراد له ، ولذلك أعيد التعبير عنها في الجملة التي جاءت بعدها ~~تأكيدا لها بصيغة الجمع بقوله : { درجاتت منه } لأن الجمع أقوى من المفرد . # وتنوين { درجة } للتعظيم . وهو يساوي مفاد الجمع في قوله الآتي { درجات ~~منه } . # وانتصب { درجة } بالنيابة عن المفعول المطلق المبين للنوع في فعل { فضل } ~~إذ الدرجة هنا زيادة في معنى الفضل ، فالتقدير : فضل الله المجاهدين فضلا ~~هو درجة ، أي درجة فضلا . # وجملة { وكلا وعد الله الحسنى } معترضة . وتنوين ( كلا ) تنوين عوض عن ~~مضاف إليه ، والتقدير : وكل المجاهدين والقاعدين . # وعطف { وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما } على جملة { فضل ~~الله المجاهدين } ، وإن كان معنى الجملتين واحدا باعتبار ما في الجملة ~~الثانية من زيادة { أجرا عظيما } فبذلك غايرت الجملة المعطوفة الجملة ~~المعطوف عليها مغايرة سوغت العطف ، مع ما في إعادة معظم ألفاظها من توكيد ~~لها . # والمراد بقوله : { المجاهدين } المجاهدون بأموالهم وأنفسهم فاستغني عن ~~ذكر القيد بما تقدم من ذكره في نظيره السابق . وانتصب { أجرا عظيما } على ~~النيابة عن المفعول المطلق المبين للنوع لأن الأجر هو ذلك التفضيل ، ووصف ~~بأنه عظيم . # وانتصب درجات على البدل من قوله { أجرا عظيما } ، أو على الحال باعتبار ~~وصف ms2050 درجات بأنها { منه } أي من الله . # وجمع { درجات } لإفادة تعظيم الدرجة لأن الجمع لما فيه من معنى الكثرة ~~تستعار صيغته لمعنى القوة ، ألا ترى أن علقمة لما أنشد الحارث بن جبلة ملك ~~غسان قوله يستشفع لأخيه شأس بن عبدة : # وفي كل حي قد خبطت بنعمة # فحق لشأس من نداك ذنوب # قال له الملك ( وأذنبة ) . # PageV05P172 $ 2 ( 97 99 ) { إن الذين توفاهم الملائكة ظالمى & # 1764 أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين فى الارض قالو & # 1764 ا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولائك مأواهم جهنم وسآءت ~~مصيرا * إلا المستضعفين من الرجال والنسآء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا ~~يهتدون سبيلا * فأولائك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا } . ) ~~2 $ # فلما جاء ذكر القاعدين عن الجهاد من المؤمنين بعذر وبدونه ، في الآية ~~السالفة ، كان حال القاعدين عن إظهار إسلامهم من الذين عزموا عليه بمكة ، ~~أو اتبعوه ثم صدهم أهل مكة عنه وفتنوهم حتى أرجعهوهم إلى عبادة الأصنام ~~بعذر وبدونه ، بحيث يخطر ببال السامع أن يتساءل عن مصيرهم إن هم استمروا ~~على ذلك حتى ماتوا ، فجاءت هذه الآية مجيبة عما يجيش بنفوس السامعين من ~~التساؤل عن مصير أولئك ، فكان موقعها استئنافا بيانيا لسائل متردد ، ولذلك ~~فصلت ، ولذلك صدرت بحرف التأكيد ، فإن حالهم يوجب شكا في أن يكونوا ملحقين ~~بالكفار ، كيف وهم قد ظهر ميلهم إلى الإسلام . ومنهم من دخل فيه بالفعل ثم ~~صد عنه أو فتن لأجله . # والموصول هنا في قوة المعرف بلام الجنس ، وليس المراد شخصا أو طائفة بل ~~جنس من مات ظالما نفسه ، ولما في الصلة من الإشعار بعلة الحكم وهو قوله : { ~~فأولئك مأواهم جهنم } ، أي لأنهم ظلموا أنفسهم . # ومعنى { توفاهم } تميتهم وتقبض أرواحهم ، فالمعنى : أن الذين يموتون ~~ظالمي أنفسهم ، فعدل عن يموتون أو يتوفون إلى توفاهم الملائكة ليكون وسيلة ~~لبيان شناعة فتنتهم عند الموت . # و ( الملائكة ) جمع أريد به الجنس ، فاستوى في إفادة معنى الجنس جمعه ، ~~كما هنا ، ومفرده كما في قوله تعالى : { قل يتوفاكم ملك الموتت الذي ms2051 وكل ~~بكم } ( السجدة : 11 ) فيجوز PageV05P173 أن يكون ملك الموت الذي يقبض ~~أرواح الناس واحدا ، بقوة منه تصل إلى كل هالك ، ويجوز أن يكون لكل هالك ~~ملك يقبض روحه ، وهذا أوضح ، ويؤيده قوله تعالى : { إن الذين توفاهم ~~الملائكة } إلى قوله : { قالوا فيم كنتم } . # و { توفاهم } فعل مضي يقال : توفاه الله ، وتوفاه ملك الموت ، وإنما لم ~~يقرن بعلامة تأنيث فاعل الفعل ، لأن تأنيث صيغ جموع التكسير تأنيث لفظي لا ~~حقيقي فيجوز لحاق تاء التأنيث لفعلها ، تقول : غزت العرب ، وغزى العرب . # وظلم النفس أن يفعل أحد فعلا يؤول إلى مضرته ، فهو ظالم لنفسه ، لأنه فعل ~~بنفسه ما ليس من شأن العقلاء أن يفعلوه لوخامة عقباه . والظلم هو الشيء ~~الذي لا يحق فعله ولا ترضى به النفوس السليمة والشرائع ، واشتهر إطلاق ظلم ~~النفس في القرآن على الكفر وعلى المعصية . # وقد اختلف في المراد به في هذه الآية ، فقال ابن عباس : المراد به الكفر ~~، وأنها نزلت في قوم من أهل مكة كانوا قد أسلموا حين كان الرسول صلى الله ~~عليه وسلم بمكة ، فلما هاجر أقاموا مع قومهم بمكة ففتنوهم فارتدوا ، وخرجوا ~~يوم بدر مع المشركين فكثروا سواد المشركين ، فقتلوا ببدر كافرين ، فقال ~~المسلمون : كان أصحابنا هؤلاء مسلمين ولكنهم أكرهوا على الكفر والخروج ، ~~فنزلت هذه الآية فيهم . رواه البخاري عن ابن عباس ، قالوا : وكان منهم أبو ~~قيس بن الفاكه ، والحارث بن زمعة ، وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة ، وعلي ~~بن أمية بن خلف ، والعاص بن منبه بن الحجاج ؛ فهؤلاء قتلوا . وكان العباس ~~بن عبد المطلب ، وعقيل ونوفل ابنا أبي طالب فيمن خرج معهم ، ولكن هؤلاء ~~الثلاثة أسروا وفدوا أنفسهم وأسلموا بعد ذلك ، وهذا أصح الأقوال في هذه ~~الآية . # وقيل : أريد بالظلم عدم الهجرة إذ كان قوم من أهل مكة أسلموا وتقاعسوا عن ~~الهجرة . قال السدي : كان من أسلم ولم يهاجر يعتبر كافرا حتى يهاجر ، يعني ~~ولو أظهر إسلامه وترك حال الشرك . وقال غيره : بل كانت الهجرة واجبة ولا ~~يكفر تاركها . فعلى قول السدي فالظلم مراد به ms2052 أيضا الكفر لأنه معتبر من ~~الكفر في نظر الشرع ، أي أن الشرع لم يكتف بالإيمان إذا لم يهاجر صاحبه مع ~~التمكن من ذلك ، وهذا بعيد فقد PageV05P174 قال تعالى : { والذين آمنوا ولم ~~يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين ~~فعليكم النصر } ( الأنفال : 72 ) الآية ؛ فأوجب على المسلمين نصرهم في ~~الدين إن استنصروهم ، وهذه حالة تخالف حالة الكفار . وعلى قول غيره : ~~فالظلم المعصية العظيمة ، والوعيد الذي في هذه الآية صالح للأمرين ، على أن ~~المسلمين لم يعدوا الذين لم يهاجروا قبل فتح مكة في عداد الصحابة . قال ابن ~~عطية : لأنهم لم يتعين الذين ماتوا منهم على الإسلام والذين ماتوا على ~~الكفر فلم يعتدوا بما عرفوا منهم قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم # وجملة : { قالوا فيم كنتم } خبر ( إن ) . والمعنى : قالوا لهم قول توبيخ ~~وتهديد بالوعيد وتمهيد لدحض معذرتهم في قولهم : { كنا مستضعفين في الأرض } ~~، فقالوا لهم { ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها } . # ويجوز أن يكون جملة : { قالوا فيم كنتم } موضع بدل الاشتمال من جملة { ~~توفاهم } ، فإن توفي الملائكة إياهم المحكي هنا يشتمل على قولهم لهم { فيم ~~كنتم } . # وأما جملة { قالوا كنا مستضعفين في الأرض } فهي مفصولة عن العاطف جريا ~~على طريقة المقاولة في المحاورة ، على ما بيناه عند قوله تعالى : { قالوا ~~أتجعل فيها من يفسد فيها في سورة البقرة . وكذلك جملة : قالوا ألم تكن أرض ~~الله واسعة } . ويكون خبر ( إن ) قوله : { فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا ~~} على أن يكون دخول الفاء في الخبر لكون اسم إن موصولا فإنه يعامل معاملة ~~أسماء الشروط كثيرا ، وقد تقدمت نظائره . والإتيان بالفاء هنا أولى لطول ~~الفصل بين اسم ( إن ) وخبرها بالمقاولة ، بحيث صار الخبر كالنتيجة لتلك ~~المقاولة كما يدل عليه أيضا اسم الإشارة . # والاستفهام في قوله : { فيم كنتم } مستعمل للتقرير والتوبيخ . # و ( في ) للظرفية المجازية . و ( ما ) استفهام عن حالة كما دل عليه ( في ~~) . وقد علم المسؤول أن الحالة المسؤولون أن الحالة المسؤول عنها حالة ~~بقائهم على الكفر أو ms2053 عدم الهجرة . فقالوا معتذرين { كنا مستضعفين في الأرض ~~} . PageV05P175 # والمستضعف : المعدود ضعيفا فلا يعبأ بما يصنع به فليس هو في عزة تمكنه من ~~إظهار إسلامه ، فلذلك يضطر إلى كتمان إسلامه . والأرض هي مكة . أرادوا : ~~كنا مكرهين على الكفر ما أقمنا في مكة ، وهذا جواب صادق إذ لا مطمع في ~~الكذب في عالم الحقيقة وقد حسبوا ذلك عذرا يبيح البقاء على الشرك ، أو يبيح ~~التخلف عن الهجرة ، على اختلاف التفسيرين ، فلذلك رد الملائكة عليهم بقولهم ~~: { ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها } ، أي تخرجوا من الأرض التي ~~تستضعفون فيها ، فبذلك تظهرون الإيمان ، أو فقد اتسعت الأرض فلا تعدمون ~~أرضا تستطيعون الإقامة فيها . وظاهر الآية أن الخروج إلى كل بلد غير بلد ~~الفتنة يعد هجرة ، لكن دل قوله : { مهاجرا إلى الله ورسوله } ( النساء : ~~100 ) أن المقصود الهجرة إلى المدينة وهي التي كانت واجبة ، وأما هجرة ~~المؤمنين إلى الحبشة فقد كانت قبل وجوب الهجرة ؛ لأن النبي وفريقا من ~~المؤمنين ، كانوا بعد بمكة ، وكانت بإذن النبي صلى الله عليه وسلم وهذا رد ~~مفحم لهم . # والمهاجرة : الخروج من الوطن وترك القوم ، مفاعلة من هجر إذا ترك ، وإنما ~~اشتق للخروج عن الوطن اسم المهاجرة لأنها في الغالب تكون عن كراهية بين ~~الراحل والمقيمين ، فكل فريق يطلب ترك الآخر ، ثم شاع إطلاقها على مفارقة ~~الوطن بدون هذا القيد . # والفاء في قوله : { فأولئك مأواهم جهنم } ( النساء : 97 ) تفريع على ما ~~حكى من توبيخ الملائكة إياهم وتهديدهم . # وجيء باسم الإشارة في قوله : { فأولئك مأواهم جهنم } للتنبيه على أنهم ~~أحرياء بالحكم الوارد بعد اسم الإشارة من أجل الصفات المذكورة قبله ، لأنهم ~~كانوا قادرين على التخلص من فتنة الشرك بالخروج من أرضه . # وقوله : { إلا المستضعفين } استثناء من الوعيد ، والمعنى إلا المستضعفين ~~حقا ، أي العاجزين عن الخروج من مكة لقلة جهد ، أو لإكراه المشركين إياهم ~~وإيثاقهم على البقاء : مثل عياش بن أبي ربيعة المتقدم خبره في قوله تعالى : ~~{ وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا } ( النساء : 92 ) ، ومثل سلمة بن ~~هشام ، والوليد ms2054 بن الوليد . وفي ( البخاري ) أن رسول الله كان PageV05P176 ~~يدعو في صلاة العشاء : ( اللهم نج عياش بن أبي ربيعة اللهم نج الوليد بن ~~الوليد ، اللهم نج سلمة بن هشام اللهم نج المستضعفين من المؤمنين ) . وعن ~~ابن عباس : كنت أنا وأمي من المستضعفين . # والتبيين بقوله : { من الرجال والنساء والولدان } لقصد التعميم . والمقصد ~~التنبيه على أن من الرجال مستضعفين ، فلذلك ابتدىء بذكرهم ثم ألحق بذكرهم ~~النساء والصبيان لأن وجودهم في العائلة يكون عذرا لوليهم إذا كان لا يجد ~~حيلة . وتقدم ذكرهم بقوله تعالى : { وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله ~~والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان } ( النساء : 75 ) ، وإعادة ذكرهم ~~هنا مما يؤكد أن تكون الآيات كلها نزلت في التهيئة لفتح مكة . # وجملة : { لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا } حال من المستضعفين موضحة ~~للاستضعاف ليظهر أنه غير الاستضعاف الذي يقوله الذين ظلموا أنفسهم { كنا ~~مستضعفين في الأرض } ، أي لا يستطيعون حيلة في الخروج إما لمنع أهل مكة ~~إياهم ، أو لفقرهم : { ولا يهتدون سبيلا } أي معرفة للطريق كالأعمى . # وجملة { فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم } الفاء فيها للفصيحة ، والإتيان ~~بالإشارة للتنبيه على أنهم جديرون بالحكم المذكور من المغفرة . # وفعل { عسى } في قوله : { فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم } يقتضي أن الله ~~يرجو أن يعفو عنهم ، وإذ كان الله هو فاعل العفو وهو عالم بأنه يعفو عنهم ~~أو عن بعضهم بالتعيين تعين أن يكون معنى الرجاء المستفاد من { عسى } هنا ~~معنى مجازيا بأن عفوه عن ذنبهم عفو عزيز المنال ، فمثل حال العفو عنهم بحال ~~من لا يقطع بحصول العفو عنه ، والمقصود من ذلك تضييق تحقق عذرهم ، لئلا ~~يتساهلوا في شروطه اعتمادا على عفو الله ، فإن عذر الله لهم باستضعافهم ~~رخصة وتوسعة من الله تعالى ، لأن البقاء على إظهار الشرك أمر عظيم ، وكان ~~الواجب العزيمة أن يكلفوا بإعلان الإيمان بين ظهراني المشركين ولو جلب لهم ~~التعذيب والهلاك ، كما فعلت سمية أم عمار بن ياسر . # وهذا الاستعمال هو محمل موارد { عسى } و ( لعل ) إذا أسندا إلى اسم الله ms2055 ~~تعالى كما تقدم عند قوله تعالى : { وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم ~~تهتدون } في سورة البقرة ( 53 ) ، PageV05P177 وهو معنى قول أبي عبيدة : ( ~~عسى من الله إيجاب ) وقول كثير من العلماء : أن عسى ولعل في القرآن لليقين ~~، ومرادهم إذا أسند إلى الله تعالى بخلاف نحو قوله : { وقل عسى أن يهديني ~~ربي لأقرب من هذا رشدا } ( الكهف : 24 ) . # ومثل هذا ما قالوه في وقوع حرف ( إن ) الشرطية في كلام الله تعالى ، مع ~~أن أصلها أن تكون للشرط المشكوك في حصوله . # وقد اتفق العلماء على أن حكم هذه الآية انقضى يوم فتح مكة لأن الهجرة ~~كانت واجبة لمفارقة أهل الشرك وأعداء الدين ، وللتمكن من عبادة الله دون ~~حائل يحول عن ذلك ، فلما صارت مكة دار إسلام ساوت غيرها ، ويؤيده حديث : ( ~~لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية ) فكان المؤمنون يبقون في أوطانهم إلا ~~المهاجرين يحرم عليهم الرجوع إلى مكة . وفي الحديث : ( أللهم أمضض لأصحابي ~~هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم ) قاله بعد أن فتحت مكة . غير أن القياس على ~~حكم هذه الآية يفتح للمجتهدين نظرا في أحكام وجوب الخروج من البلد الذي ~~يفتن فيه المؤمن في دينه ، وهذه أحكام يجمعها ستة أحوال : # الحالة الأولى : أن يكون المؤمن ببلد يفتن فيه في إيمانه فيرغم على الكفر ~~وهو يستطيع الخروج ، فهذا حكمه حكم الذين نزلت فيهم الآية ، وقد هاجر ~~مسلمون من الأندلس حين أكرههم النصارى على التنصر ، فخرجوا على وجوههم في ~~كل واد تاركين أموالهم وديارهم ناجين بأنفسهم وإيمانهم ، وهلك فريق منهم في ~~الطريق وذلك في سنة 902 وما بعدها إلى أن كان الجلاء الأخير سنة 1016 . # الحالة الثانية : أن يكون ببلد الكفر غير مفتون في إيمانه ولكن يكون عرضة ~~للإصابة في نفسه أو ماله بأسر أو قتل أو مصادرة مال ، فهذا قد عرض نفسه ~~للضر وهو حرام بلا نزاع ، وهذا مسمى الإقامة ببلد الحرب المفسرة بأرض العدو ~~. # الحالة الثالثة : أن يكون ببلد غلب عليه غير المسلمين إلا أنهم لم يفتنوا ~~الناس في إيمانهم ولا في ms2056 عباداتهم ولا في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم ، ولكنه ~~بإقامته تجري عليه أحكام غير المسلمين إذا عرض له حادث مع واحد من أهل ذلك ~~البلد الذين هم PageV05P178 غير مسلمين ، وهذا مثل الذي يقيم اليوم ببلاد ~~أوروبا النصرانية ، وظاهر قول مالك أن المقام في مثل ذلك مكسروه كراهة ~~شديدة من أجل أنه تجري عليه أحكام غير المسلمين ، وهو ظاهر المدونة في كتاب ~~التجارة إلى أرض الحرب والعتبية ، كذلك تأول قول مالك فقهاء القيروان ، وهو ~~ظاهر الرسالة ، وصريح كلام اللخمي في طالعة كتاب التجارة إلى أرض الحرب من ~~تبصرته ، وارتضاه ابن محرز وعبد الحق ، وتأوله سحنون وابن حبيب على الحرمة ~~وكذلك عبد الحميد الصائغ والمازري ، وزاد سحنون فقال : إن مقامه جرحة في ~~عدالته ، ووافقه المازري وعبد الحميد ، وعلى هذا يجري الكلام في السفر في ~~سفن النصارى إلى الحج وغيره . وقال البرزلي عن ابن عرفة : إن كان أمير تونس ~~قويا على النصارى جاز السفر ، وإلا لم يجز ، لأنهم يهينون المسلمين . # الحالة الرابعة : أن يتغلب الكفار على بلد أهله مسلمون ولا يفتنوهم في ~~دينهم ولا في عبادتهم ولا في أموالهم ، ولكنهم يكون لهم حكم القوة عليهم ~~فقط ، وتجري الأحكام بينهم على مقتضى شريعة الإسلام كما وقع في صقلية حين ~~استولى عليها رجير النرمندي . وكما وقع في بلاد غرناطة حين استولى عليها ~~طاغية الجلالقة على شروط منها احترام دينهم ، فإن أهلها أقاموا بها مدة ~~وأقام منهم علماؤهم وكانوا يلون القضاء والفتوى والعدالة والأمانة ونحو ذلك ~~، وهاجر فريق منهم فلم يعب المهاجر على القاطن ، ولا القاطن على المهاجر . # الحالة الخامسة : أن يكون لغير المسلمين نفوذ وسلطان على بعض بلاد ~~الإسلام ، مع بقاء ملوك الإسلام فيها ، واستمرار تصرفهم في قومهم ، وولاية ~~حكامهم منهم ، واحترام أديانهم وسائر شعائرهم ، ولكن تصرف الأمراء تحت نظر ~~غير المسلمين وبموافقتهم ، وهو ما يسمى بالحماية والاحتلال والوصاية ~~والانتداب ، كما وقع في مصر مدة احتلال جيش الفرنسيس بها ، ثم مدة احتلال ~~الأنقليز ، وكما وقع بتونس والمغرب الأقصى من حماية فرانسا ، وكما وقع في ~~سوريا والعراق أيام ms2057 الانتداب وهذه لا شبهة في عدم وجوب الهجرة منها . # الحالة السادسة : البلد الذي تكثر فيه المناكر والبدع ، وتجري فيه أحكام ~~كثيرة على خلاف صريح الإسلام بحيث يخلط عملا صالحا وآخر سيئا ولا يجبر ~~المسلم فيها على PageV05P179 ارتكابه خلاف الشرع ، ولكنه لا يستطيع تغييرها ~~إلا بالقول ، أو لا يستطيع ذلك أصلا وهذه روي عن مالك وجوب الخروج منها ، ~~رواه ابن القاسم ، غير أن ذلك قد حدث في القيروان أيام بني عبيد فلم يحفظ ~~أن أحدا من فقهائها الصالحين دعا الناس إلى الهجرة . وحسبك بإقامة الشيخ ~~أبي محمد بن أبي زيد وأمثاله . وحدث في مصر مدة الفاطميين أيضا فلم يغادرها ~~أحد من علمائها الصالحين . ودون هذه الأحوال الستة أحوال كثيرة هي أولى ~~بجواز الإقامة ، وأنها مراتب ، وإن لبقاء المسلمين في أوطانهم إذا لم ~~يفتنوا في دينهم مصلحة كبرى للجامعة الإسلامية . # # | 2 ( 100 ) { ومن يهاجر فى سبيل الله يجد فى الارض مراغما كثيرا وسعة ~~ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على ~~الله وكان الله غفورا رحيما } . ) 2 # جملة { ومن يهاجر } عطف على جملة { إن الذين توفاهم الملائكة } ( النساء ~~: 97 ) ، و ( من ) شرطية . والمهاجرة في سبيل الله هي المهاجرة لأجل دين ~~الله . والسبيل استعارة معروفة ، وزادها قبولا هنا أن المهاجرة نوع من ~~السير ، فكان لذكر السبيل معها ضرب من التورية . والمراغم اسم مكان من راغم ~~إذا ذهب في الأرض ، وفعل راغم مشتق من الرغام بفتح الراء وهو التراب . أو ~~هو من راغم غيره إذا غلبه وقهره ، ولعل أصله أنه أبقاه على الرغام ، أي ~~التراب ، أي يجد مكانا يرغم فيه من أرغمه ، أي يغلب فيه قومه باستقلاله ~~عنهم كما أرغموه بإكراهه على الكفر ، قال الحارث بن وعلة الذهلي : # لا تأمنن قوما ظلمتهم # وبدأتهم بالشتم والرغم # إن يأبروا نخلا لغيرهم # والشيء تحقره وقد ينمي # أي أن يكونوا عونا للعدو على قومهم . ووصف المراغم بالكثير لأنه أريد به ~~جنس الأمكنة . والسعة ضد الضيق ، وهي حقيقة اتساع الأمكنة ، وتطلق على ms2058 ~~رفاهية العيش ، فهي سعة مجازية . فإن كان المراغم هو الذهاب في الأرض فعطف ~~السعة عليه عطف PageV05P180 تفسير ، وإن كان هو مكان الإغاضة فعطف السعة ~~للدلالة على أنه يجده ملائما من جهة أرضاء النفس ، ومن جهة راحة الإقامة . # ثم نوه الله بشأن الهجرة بأن جعل ثوابها حاصلا بمجرد من بلد الكفر ، ولو ~~لم يبلغ إلى البلد المهاجر إليه . بقوله : { ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى ~~الله ورسوله } الخ . ومعنى المهاجرة إلى الله المهاجرة إلى الموضع الذي ~~يرضاه الله . وعطف الرسول على اسم الجلالة للإشارة إلى خصوص الهجرة إلى ~~المدينة للإلتحاق بالرسول وتعزيز جانبه ، لأن الذي يهاجر إلى غير المدينة ~~قد سلم من إرهاق الكفر ولم يحصل على نصرة الرسول ، ولذلك بادر أهل هجرة ~~الحبشة إلى اللحاق بالرسول حين بلغهم مهاجره إلى المدينة . # ومعنى { يدركه الموت } ، أي في الطريق ، ويجوز أن يكون المعنى : ثم يدركه ~~الموت مهاجرا ، أي لا يرجع بعد هجرته إلى بلاد الكفر وهو الأصح ، وقد اختلف ~~في الهجرة المرادة من هذه الآية : فقيل : الهجرة إلى المدينة ، وقيل : ~~الهجرة إلى الحبشة . واختلف في المعني بالموصول من قوله : { ومن يخرج من ~~بيته مهاجرا إلى الله ورسوله } . فعند من قالوا إن المراد الهجرة إلى ~~المدينة قالوا المراد بمن يخرج رجل من المسلمين كان بقي بعد هجرة النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلى المدينة ، فلما نزل قوله تعالى : { إن الذين توفاهم ~~الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم إلى قوله : وكان الله غفورا رحيما } ~~( النساء : 97 100 ) كتب بها النبي صلى الله عليه وسلم إلى المسلمين من أهل ~~مكة ، وكان هذا الرجل مريضا ، فقال : إني لذو مال وعبيد ، فدعا أبناءه وقال ~~لهم : احملوني إلى المدينة . فحملوه على سرير ، فلما بلغ التنعيم توفي ، ~~فنزلت هذه الآية فيه ، وتعم أمثاله ، فهي عامة في سياق الشرط لا يخصصها سبب ~~النزول . # وكان هذا الرجل من كنانة ، وقيل من خزاعة ، وقيل من جندع ، واختلف في ~~اسمه على عشرة أقوال : جندب بن حمزة الجندعي ، حندج بن ضمرة الليثي الخزاعي ~~. ضمرة ms2059 بن بغيض الليثي ، ضمرة بن جندب الضمري ، ضمرة بن جندب الضمري ، ضمرة ~~بن ضمرة بن نعيم . ضمرة من خزاعة ( كذا ) . ضمرة بن العيص . العيص بن ضمرة ~~بن زنباع ، حبيب بن ضمرة ، أكثم بن صيفي . PageV05P181 # والذين قالوا : إنها الهجرة إلى الحبشة قالوا : إن المعني بمن يخرج من ~~بيته خالد بن حزام بن خويلد الأسدي ابن أخي خديجة أم المؤمنين ، خرج مهاجرا ~~إلى الحبشة فنهشته حية في الطريق فمات . وسياق الشرط يأبى هذا التفسير . # $ 2 ( 101 ، 102 ) { لله وإذا ضربتم فى الارض فليس عليكم جناح أن تقصروا ~~من الصلواة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفرو & # 1764 ا إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا * وإذا كنت فيهم فأقمت لهم ~~الصلواة فلتقم طآئفة منهم معك وليأخذو & # 1764 ا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورآئكم ولتأت طآئفة أخرى لم يصلوا ~~فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم ~~وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر ~~أو كنتم مرضى & # 1764 أن تضعو & # 1764 ا أسلحتكم وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا } . ) 2 $ # انتقال إلى تشريع آخر بمناسبة ذكر السفر للخروج من سلطة الكفر ، على عادة ~~القرآن في تفنين أغراضه ، والتماس مناسباتها . والجملة معطوفة على الجملة ~~التي قبلها . والضرب في الأرض : السفر . # ( وإذا ) مضمنة معنى الشرط كما هو غالب استعمالها ، فلذلك دخلت الفاء على ~~الفعل الذي هو كجواب الشرط . ( وإذا ) منصوبة بفعل الجواب . # وقصر الصلاة : النقص منها ، وقد علم أن أجزاء الصلاة هي الركعات بسجداتها ~~وقراءاتها ، فلا جرم أن يعلم أن القصر من الصلاة هو نقص الركعات ، وقد بينه ~~فعل PageV05P182 النبي صلى الله عليه وسلم إذ صير الصلاة ذات الأربع ~~الركعات ذات ركعتين . وأجملت الآية فلم تعين الصلوات التي يعتريها القصر ، ~~فبينته السنة بأنها الظهر والعصر والعشاء . ولم تقصر الصبح لأنها تصير ركعة ~~واحدة فتكون غير صلاة ، ولم تقصر المغرب لئلا تصير شفعا فإنها وتر النهار ، ~~ولئلا تصير ركعة واحدة كما قلنا في الصبح ms2060 . # وهذه الآية أشارت إلى قصر الصلاة الرباعية في السفر ، ويظهر من أسلوبها ~~أنها نزلت في ذلك ، وقد قيل : إن قصر الصلاة في السفر شرع في سنة أربع من ~~الهجرة وهو الأصح ، وقيل : في ربيع الآخر من سنة اثنتين ، وقيل : بعد ~~الهجرة بأربعين يوما . وقد روى أهل الصحيح قول عائشة رضي الله عنها : فرضت ~~الصلاة ركعتين فأقرت صلاة السفر وزيدت صلاة الحضر ، وهو حديث بين واضح . ~~ومحمل الآية على مقتضاه : أن الله تعالى لما فرض الصلاة ركعتين فتقررت كذلك ~~فلما صارت الظهر والعصر والعشاء أربعا نسخ ما كان من عددها ، وكان ذلك في ~~مبدأ الهجرة ، وإذ قد كان أمر الناس مقاما على حالة الحضر وهي الغالب عليهم ~~، بطل إيقاع الصلوات المذكورات ركعتين ، فلما غزوا خفف الله عنهم فأذنهم أن ~~يصلوا تلك الصلوات ركعتين ركعتين ، فلذلك قال تعالى : { فليس عليكم جناح } ~~وقال : { أن تقصروا من الصلاة } وإنما قالت عائشة ( أقرت صلاة السفر ) حيث ~~لم تتغير عن الحالة الأولى ، وهذا يدل على أنهم لم يصلوها تامة في السفر ~~بعد الهجرة ، فلا تعارض بين قولها وبين الآية . # وقوله : { إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا } شرط دل على تخصيص الإذن ~~بالقصر بحال الخوف من تمكن المشركين منهم وإبطالهم عليهم صلاتهم ، وأن الله ~~أذن في القصر لتقع الصلاة عن اطمئنان ، فالآية هذه خاصة بقصر الصلاة عند ~~الخوف ، وهو القصر الذي له هيئة خاصة في صلاة الجماعة ، وهذا رأي مالك ، ~~يدل عليه ما أخرجه في ( الموطأ ) : أن رجلا من آل خالد بن أسيد سأل عبد ~~الله بن عمر ( إنا نجد صلاة الخوف وصلاة الحضر في القرآن ولا نجد صلاة ~~السفر ) ، فقال ابن عمر : ( يابن أخي إن الله بعث إلينا محمدا ولا نعلم ~~شيئا فإنما نفعل كما رأيناه يفعل ) ، يعني أن ابن عمر أقر السائل وأشعره ~~بأن صلاة السفر ثبتت بالسنة ، وكذلك كانت ترى عائشة وسعد بن أبي وقاص أن ~~هذه الآية خاصة بالخوف ، فكانا يكملان الصلاة في السفر . وهذا PageV05P183 ~~التأويل هو البين في محمل هذه الآية ، فيكون ms2061 ثبوت القصر في السفر بدون ~~الخوف وقصر الصلاة في الحضر عند الخوف ثابتين بالسنة ، وأحدهما أسبق من ~~الآخر ، كما قال ابن عمر . وعن يعلى بن أمية أنه قال : قلت لعمر بن الخطاب ~~: إن الله تعالى يقول : { إن خفتم } وقد أمن الناس . فقال : عجبت مما عجبت ~~منه فسألت رسول الله عن ذلك فقال ( صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته ~~) . ولا شك أن محمل هذا الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم أقر عمر على ~~فهمه تخصيص هذه الآية بالقصر لأجل الخوف ، فكان القصر لأجل الخوف رخصة لدفع ~~المشقة ، وقوله : له صدقة الخ ، معناه أن القصر في السفر لغير الخوف صدقة ~~من الله ، أي تخفيف ، وهو دون الرخصة فلا تردوا رخصته ، فلا حاجة إلى ما ~~تمحلوا به في تأويل القيد الذي في قوله : { إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ~~} وتقتصر الآية على صلاة الخوف ، ويستغني القائلون بوجوب القصر في السفر ~~مثل ابن عباس ، وأبي حنيفة ، ومحمد بن سحنون ، وإسماعيل بن إسحاق من ~~المالكية ؛ والقائلون بتأكيد سنة القصر مثل مالك بن أنس وعامة أصحابه ، عن ~~تأويل قوله : { فليس عليكم جناح } بما لا يلائم إطلاق مثل هذا اللفظ . ~~ويكون قوله : { وإذا ضربتم في الأرض } إعادة لتشريع رخصة القصر في السفر ~~لقصد التمهيد لقوله : { وإذا كنت فيهم } الآيات . # أما قصر الصلاة في السفر فقد دلت عليه السنة الفعلية ، واتبعه جمهور ~~الصحابة إلا عائشة وسعد بن أبي وقاص ، حتى بالغ من قال بوجوبه من أجل حديث ~~عائشة في ( الموطأ ) و ( الصحيحين ) لدلالته على أن صلاة السفر بقيت على ~~فرضها ، فلو صلاها رباعية لكانت زيادة في الصلاة ، ولقول عمر فيما رواه ~~النسائي وابن ماجة : صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر . وإنما قال مالك بأنه ~~سنة لأنه لم يرو عن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة السفر إلا القصر ، ~~وكذلك الخلفاء من بعده . وإنما أتم عثمان بن عفان الصلاة في الحج خشية أن ~~يتوهم الأعراب أن الصلوات كلها ركعتان . غير أن مالكا لم يقل بوجوبه من ms2062 أجل ~~قوله تعالى : { فليس عليكم جناح } لمنافاته لصيغ الوجوب . ولقد أجاد محامل ~~الأدلة . # وأخبر عن الكافرين وهو جمع بقوله : { عدوا } وهو مفرد . وقد قدمنا ذلك ~~عند قوله تعالى : { فإن كان من قوم عدو لكم } ( النساء : 92 ) . ~~PageV05P184 # وقوله تعالى : { وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة } هذه صفة صلاة الخوف في ~~الجماعة لقوله : { فأقمت لهم الصلاة } . واتفق العلماء على أن هذه الآية ~~شرعت صلاة الخوف . وأكثر الآثار تدل على أن مشروعيتها كانت في غزوة ذات ~~الرقاع بموضع يقال له : نخلة بين عسفان وضجنان من نجد ، حين لقوا جموع ~~غطفان : محارب وأنمار وثعلبة . وكانت بين سنة ست وسنة سبع من الهجرة ، وأن ~~أول صلاة صليت بها هي صلاة العصر ، وأن سببها أن المشركين لما رأوا حرص ~~المسلمين على الصلاة قالوا : هذه الصلاة فرصة لنا لو أغرنا عليهم لأصبناهم ~~على غرة ، فأنبأ الله بذلك نبيه صلى الله عليه وسلم ونزلت الآية . غير أن ~~الله تعالى صدر حكم الصلاة بقوله : { وإذا كنت فيهم } فاقتضى ببادىء الرأي ~~أن صلاة الخوف لا تقع على هذه الصفة إلا إذا كانت مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فهي خصوصية لإقامته . وبهذا قال إسماعيل بن علية ، وأبو يوسف ~~صاحب أبي حنيفة في أحد أقواله ، وعللوا الخصوصية بأنها لحرص الناس على فضل ~~الجماعة مع الرسول ، بخلاف غيره من الأيمة ، فيمكن أن تأتم كل طائفة بإمام ~~. وهذا قول ضعيف : لمخالفته فعل الصحابة ، ولأن مقصد شرع الجماعة هو اجتماع ~~المسلمين في الموطن الواحد ، فيؤخذ بهذا المقصد بقدر الإمكان . على أن أبا ~~يوسف لا يرى دلالة مفهوم المخالفة فلا تدل الآية على الاختصاص بإمامة ~~الرسول ، ولذلك جزم جمهور العلماء بأن هذه الآية شرعت صلاة الخوف للمسلمين ~~أبدا . ومحمل هذا الشرط عندهم جار على غالب أحوالهم يومئذ من ملازمة النبي ~~صلى الله عليه وسلم لغزواتهم وسراياهم إلا للضرورة ، كما في الحديث ( لولا ~~أن قوما لا يتخلفون بعدي ولا أجد ما أحملهم عليه ما تخلفت عن سرية سارت في ~~سبيل الله ) ، فليس المراد الاحتراز عن ms2063 كون غيره فيهم ولكن التنويه بكون ~~النبي فيهم . وإذ قد كان الأمراء قائمين مقامه في الغزوات فالذي رخص الله ~~للملسمين معه يرخصه لهم مع أمرائه ، وهذا كقوله : { خذ من أموالهم صدقة } ( ~~التوبة : 103 ) . # وفي نظم الآية إيجاز بديع فإنه لما قال : ( فلتقم طائفة منهم معك ) علم ~~أن ثمة طائفة أخرى ، فالضمير في قوله : { وليأخذوا أسلحتهم } للطائفة ~~باعتبار أفرادها ، وكذلك ضمير قوله : { فإذا سجدوا } للطائفة التي مع النبي ~~، لأن المعية معية الصلاة ، وقد قال : PageV05P185 { فإذا سجدو } . وضمير ~~قوله : { فليكونوا } للطائفة الأخرى المفهومة من المقابلة ، لظهور أن ~~الجواب وهو { فليكونوا من ورائكم } متعين لفعل الطائفة المواجهة العدو . # وقوله : { ولتأت طائفة أخرى } هذه هي المقابلة لقوله : { فلتقم طائفة ~~منهم معك } . # وقد أجملت الآية ما تصنعه كل طائفة في بقية الصلاة . ولكنها أشارت إلى أن ~~صلاة النبي صلى الله عليه وسلم واحدة لأنه قال : { فليصلوا معك } . فجعلهم ~~تابعين لصلاته ، وذلك مؤذن بأن صلاته واحدة ، ولو كان يصلي بكل طائفة صلاة ~~مستقلة لقال تعالى فلتصل بهم . وبهذا يبطل قول الحسن البصري : بأن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين بكل طائفة ، لأنه يصير متما للصلاة غير ~~مقصر ، أو يكون صلى بإحدى الطائفتين الصلاة المفروضة وبالطائفة الثانية ~~صلاة : نافلة له ، فريضة للمؤمنين ، إلا أن يلتزم الحسن ذلك . ويرى جواز ~~ائتمام المفترض بالمتنفل . ويظهر أن ذلك الائتمام لا يصح ، وإن لم يكن في ~~السنة دليل على بطلانه . # وذهب جمهور العلماء إلى أن الإمام يصلي بكل طائفة ركعة ، وإنما اختلفوا ~~في كيفية تقسيم الصلاة : بالنسبة للمأمومين . والقول الفصل في ذلك هو ما ~~رواه مالك في ( الموطأ ) ، عن سهل بن أبي حثمة : إنه صلى مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم صلاة الخوف يوم ذات الرقاع ، فصفت طائفة معه وطائفة وجاه ~~العدو ، فصلى بالذين معه ركعة ثم قام ، وأتموا ركعة لأنفسهم ، ثم انصرفوا ~~فوقفوا وجاه العدو ، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت له ، ~~ثم سلم ، ثم قضوا الركعة التي فاتتهم وسلموا وهذه الصفة أوفق بلفظ الآية ms2064 ، ~~والروايات غير هذه كثيرة . # والطائفة : الجماعة من الناس ذات الكثرة . والحق أنها لا تطلق على الواحد ~~والاثنين ، وإن قال بذلك بعض المفسرين من السلف . وقد تزيد على الألف كما ~~في قوله تعالى : { على طائفتين من قبلنا } ( الأنعام : 156 ) . وأصلها ~~منقولة من طائفة الشيء وهي الجزء منه . # وقوله : { وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم } استعمل الأخذ في حقيقته ومجازه : ~~لأن أخذ الحذر مجاز ، إذ حقيقة الأخذ التناول ، وهو مجاز في التلبس بالشيء ~~والثبات عليه . وأخذ الأسلحة حقيقة ، ونظيره قوله تعالى : { والذين تبوأوا ~~الدار والإيمان من قبلهم } ( الحشر : 9 ) ، PageV05P186 فإن تبوأ الإيمانن ~~الدخول فيه والاتصاف به بعد الخروج من الكفر . وجاء بصيغة الأمر دون أن ~~يقول : ولا جناح عليكم أن تأخذوا أسلحتكم ، لأن أخذ السلاح فيه مصلحة شرعية ~~. # وقوله : { ود الذين كفروا } الخ ، ودهم هذا معروف إذ هو شأن كل محارب ، ~~فليس ذلك المعنى المعروف هو المقصود من الآية ، إنما المقصود أنهم ودوا ودا ~~مستقربا عندهم ، لظنهم أن اشتغال المسلمين بأمور دينهم يباعد بينهم وبين ~~مصالح دنياهم جهلا من المشركين لحقيقة الدين ، فطمعوا أن تلهيهم الصلاة عن ~~الاستعداد لأعدائهم ، فنبه الله المؤمنين إلى ذلك كيلا يكونوا عند ظن ~~المشركين ، وليعودهم بالأخذ بالحزم في كل الأمور ، وليريهم أن صلاح الدين ~~والدنيا صنوان . # والأسلحة جمع سلاح ، وهو اسم جنس لآلة الحرب كلها من الحديد ، وهي السيف ~~والرمح والنبل والحربة وليس الدرع ولا الخوذة ولا الترس بسلاح . وهو يذكر ~~ويؤنث . والتذكير أفصح ، ولذلك جمعوه على أسلحة وهو من زنات جمع المذكر . # والأمتعة جمع متاع وهو كل ما ينتفع به من عروض وأثاث ، ويدخل في ذلك ما ~~له عون في الحرب كالسروج ولامة الحرب كالدروع والخوذات . { فيميلون } مفرع ~~عن قوله : { لو تغفلون } ) الخ ، وهو محل الود ، أي ودوا غفلتكم ليميلوا ~~عليكم . والميل : العدول عن الوسط إلى الطرف ، ويطلق على العدول عن شيء كان ~~معه إلى شيء آخر ، كما هنا ، أي فيعدلون عن معسكرهم إلى جيشكم . ولما كان ~~المقصود من الميل هنا الكر والشد ، عدي ب ( على ) ، أي فيشدون عليكم ms2065 في حال ~~غفلتكم . # وانتصب ( ميلة ) على المفعولية المطلقة لبيان العدد ، أي شدة مفردة . ~~واستعملت صيغة المرة هنا كناية عن القوة والشدة ، وذلك أن الفعل الشديد ~~القوي يأتي بالغرض منه سريعا دون معاودة علاج ، فلا يتكرر الفعل لتحصيل ~~الغرض ، وأكد معنى المرة المستفاد من صيغة فعلة بقوله : { واحدة } تنبيها ~~على قصد معنى الكناية لئلا يتوهم أن المصدر لمجرد التأكيد لقوله : { ~~فيميلون } . PageV05P187 # وقوله : { ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر } الخ رخصة لهم في وضع ~~الأسلحة عند المشقة ، وقد صار ما هو أكمل في أداء الصلاة رخصة هنا ، لأن ~~الأمور بمقاصدها وما يحصل عنها من المصالح والمفاسد ، ولذلك قيد الرخصة مع ~~أخذ الحذر . وسبب الرخصة أن في المطر شاغلا للفريقين كليهما ، وأما المرض ~~فموجب للرخصة لخصوص المريض . # وقوله : { إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا } تذييل لتشجيع المسلمين ؛ ~~لأنه لما كرر الأمر بأخذ السلاح والحذر ، خيف أن تثور في نفوس المسلمين ~~مخافة من العدو من شدة التحذير منه ، فعقب ذلك بأن الله أعد لهم عذابا ~~مهينا ، وهو عذاب الهزيمة والقتل والأسر ، كالذي في قوله : { قاتلوهم ~~يعذبهم الله بأيديكم } ( التوبة : 14 ) ، فليس الأمر بأخذ الحذر والسلاح ~~إلا لتحقيق أسباب ما أعد الله لهم ، لأن الله إذا أراد أمرا هيأ أسبابه . ~~وفيه تعليم المسلمين أن يطلبوا المسببات من أسبابها ، أي إن أخذتم حذركم ~~أمنتم من عدوكم . # # | 2 ( 103 ) { فإذا قضيتم الصلواة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم ~~فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلواة إن الصلواة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا ~~} . ) 2 # القضاء : إتمام الشيء كقوله : { فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم ~~آباءهم أو أشد ذكرا } ( البقرة : 200 ) . والظاهر من قوله : { فإذا قضيتم ~~الصلاة } أن المراد من الذكر هنا النوافل ، أو ذكر اللسان كالتسبيح ~~والتحميد ، ( فقد كانوا في الأمن يجلسون إلى أن يفرغوا من التسبيحح ونحوه ) ~~، فرخص لهم حين الخوف أن يذكروا الله على كل حال والمراد القيام والقعود ~~والكون على الجنوب ما كان من ذلك في أحوال الحرب لا لأجل الاستراحة . # وقوله : { فإذا اطمأننتم فأقيموا ms2066 الصلاة } تفريع عن قوله : { وإذا ضربتم ~~في الأرض فليس علكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم } ( النساء : 101 ) ~~إلى آخر الآية . فالاطمئنان مراد PageV05P188 به القفول من الغزو ، لأن في ~~الرجوع إلى الأوطان سكونا من قلاقل السفر واضطراب البدن ، فإطلاق الاطمئنان ~~عليه يشبه أن يكون حقيقة ، وليس المراد الاطمئنان الذي هو عدم الخوف لعدم ~~مناسبته هنا ، وقد تقدم القول في الاطمئنان عند قوله تعالى : { ولكن ليطمئن ~~قلبي } من سورة البقرة ( 260 ) . # ومعنى : { فأقيموا الصلاة } صلوها تامة ولا تقصروها ، هذا قول مجاهد ~~وقتادة ، فيكون مقابل قوله : { فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة } ( ~~النساء : 101 ) ، وهو الموافق لما تقدم من كون الوارد في القرآن هو حكم قصر ~~الصلاة في حال الخوف ، دون قصر السفر من غير خوف . فالإقامة هنا الإتيان ~~بالشيء قائما أي تاما ، على وجه التمثيل كقوله تعالى : { وأقيموا الوزن ~~بالقسط } ( الرحمن : 9 ) وقوله : { أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه } ( ~~الشورى : 13 ) . وهذا قول جمهور الأيمة : مالك ، والشافعي ، وأحمد ، وسفيان ~~. وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا يؤدي المجاهد الصلاة حتى يزول الخوف ، لأنه ~~رأى مباشرة القتال فعلا يفسد الصلاة . وقوله تعالى : { وإذا ضربتم في الأرض ~~إلى قوله : فإذا اطمأننتم } ( النساء : 101 103 ) يرجح قول الجمهور ، لأن ~~قوله تعالى : { إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا } مسوق مساق ~~التعليل للحرص على أدائها في أوقاتها . # والموقوت : المحدود بأوقات ، والمنجم عليها ، وقد يستعمل بمعنى المفروض ~~على طريق المجاز . والأول أظهر هنا . # # | 2 ( 104 ) { ولا تهنوا فى ابتغآء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون ~~كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليما حكيما } . ) 2 # عطف على جملة { وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا } ( النساء ~~: 102 ) زيادة في تشجيعهم على قتال الأعداء ، وفي تهوين الأعداء في قلوب ~~المسلمين ، لأن المشركين كانوا أكثر عددا من المسلمين وأتم عدة ، وما كان ~~شرع قصر الصلاة وأحوال صلاة الخوف ، إلا تحقيقا لنفي الوهن في الجهاد . ~~PageV05P189 # والابتغاء مصدر ابتغى بمعنى بغي المتعدي ، أي الطلب ، وقد تقدم ms2067 عند قوله ~~: { أفغير دين الله تبغون } في سورة آل عمران ( 83 ) . # والمراد به هنا المبادأة بالغزو ، وأن لا يتقاعسوا ، حتى يكون المشركون ~~هم المبتدئين بالغزو . تقول العرب : طلبنا بني فلان ، أي غزوناهم . ~~والمبادىء بالغزو له رعب في قلوب أعدائه . وزادهم تشجيعا على طلب العدو بأن ~~تألم الفريقين المتحاربين واحد ، إذ كل يخشى بأس الآخر ، وبأن للمؤمنين ~~مزية على الكافرين ، وهي أنهم يرجون من الله ما لا يرجوه الكفار ، وذلك ~~رجاء الشهادة إن قتلوا ، ورجاء ظهور دينه على أيديهم إذا انتصروا ، ورجاء ~~الثواب في الأحوال كلها . وقوله : { من الله } متعلق ب { ترجون } . وحذف ~~العائد المجرور بمن من جملة { ما لا يرجون } لدلالة حرف الجر الذي جر به ~~اسم الموصول عليه ، ولك أن تجعل ما صدق { ما لا يرجون } هو النصر ، فيكون ~~وعدا للمسلمين بأن الله ناصرهم ، وبشارة بأن المشركين لا يرجون لأنفسهم ~~نصرا ، وأنهم آيسون منه بما قذف الله في قلوبهم من الرعب ، وهذا مما يفت في ~~ساعدهم . وعلى هذا الوجه يكون قوله : { من الله } اعتراضا أو حالا مقدمة ~~على المجرور بالحرف ، والمعنى على هذا كقوله : { ذلك بأن الله مولى الذين ~~آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم } ( محمد : 11 ) . # $ 2 ( 105 109 ) { لله إنآ أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بمآ ~~أراك الله ولا تكن للخآئنين خصيما * واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما ~~* ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما * ~~يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من ~~القول وكان الله بما يعملون محيطا * هاأنتم هاؤلا & # 1764 ء جادلتم عنهم فى الحيواة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة ~~أم من يكون عليهم وكيلا } . ) 2 $ PageV05P190 # اتصال هذه الآية بما قبلها يرجع إلى ما مضى من وصف أحوال المنافقين ~~ومناصريهم ، وانتقل من ذلك إلى الاستعداد لقتال المناوين للإسلام من قوله : ~~{ يأيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا } ( النساء : 71 ) الآية ، وتخلل ~~فيه من أحوال المنافقين في تربصهم ms2068 بالمسلمين الدوائر ومختلف أحوال القبائل ~~في علائقهم مع المسلمين ، واستطرد لذكر قتل الخطأ والعمد ، وانتقل إلى ذكر ~~الهجرة ، وعقب بذكر صلاة السفر وصلاة الخوف ، عاد الكلام بعد ذلك إلى أحوال ~~أهل النفاق . # والجملة مستأنفة استئنافا ابتدائيا . # وجمهور المفسرين على أن هاته الآية نزلت بسبب حادثة رواها الترمذي حاصلها ~~: أن أخوة ثلاثة يقال لهم : بشر وبشير ومبشر ، أبناء أبيرق ، وقيل : أبناء ~~طعمة بن أبيرق ، وقيل : إنما كان بشير أحدهم يكنى أبا طعمة ، وهم من بني ~~ظفر من أهل المدينة ، وكان بشير شرهم ، وكان منافقا يهجو المسلمين بشعر ~~يشيعه وينسبه إلى غيره ، وكان هؤلاء الإخوة في فاقة ، وكانوا جيرة لرفاعة ~~بن زيد ، وكانت عير قد أقبلت من الشام بدرمكك وهو دقيق الحوارى أي السميذ ~~فابتاع منها رفاعة بن زيد حملا من درمك لطعامه ، وكان أهل المدينة يأكلون ~~دقيق الشعير ، فإذا جاء الدرمك ابتاع منه سيد المنزل شيئا لطعامه فجعل ~~الدرمك في مشربة له وفيها سلاح ، فعدى بنو أبيرق عليه فنقبوا مشربته وسرقوا ~~الدقيق والسلاح ، فلما أصبح رفاعة ووجد مشربته قد سرقت أخبر ابن أخيه قتادة ~~بن النعمان بذلك ، فجعل يتحسس ، فأنبىء بأن بني أبيرق استوقدوا في تلك ~~الليلة نارا ، ولعله على بعض طعام رفاعة ، فلما افتضح بنو أبيرق طرحوا ~~المسروق في دار أبي مليل الأنصاري . وقيل : في دار يهودي اسمه زيد بن ~~السمين ، وقيل : لبيد بن سهل ، وجاء بعض بني ظفر إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فاشتكوا إليه أن رفاعة وابن أخيه اتهما بالسرقة أهل بيت إيمان وصلاح ، ~~قال قتادة : فأتيت رسول الله ، فقال لي ( عمدت إلى أهل بيت إسلام وصلاح ~~فرميتهم بالسرقة على غير بينة ) . وأشاعوا في الناس أن المسروق في دار أبي ~~مليل أو دار اليهودي . فما لبث أن نزلت هذه الآية ، وأطلع الله رسوله على ~~جلية الأمر ، معجزة له ، حتى لا يطمع أحد في أن يروج على الرسول باطلا . ~~هذا هو الصحيح في سوق هذا الخبر . ووقع في ( كتاب أسباب النزول ) ~~PageV05P191 للواحدي ، وفي بعض روايات الطبري سوق القصة ms2069 ببعض مخالفة لما ~~ذكرته : وأن بني ظفر سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجادل عن ~~أصحابهم كي لا يفتضحوا ويبرأ اليهودي ، وأن رسول الله هم بذلك ، فنزلت ~~الآية . وفي بعض الروايات أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لام اليهودي ~~وبرأ المتهم ، وهذه الرواية واهية ، وهذه الزيادة خطأ بين من أهل القصص دون ~~علم ولا تبصر بمعاني القرآن . والظاهر أن صدر الآية تمهيد للتلويح إلى ~~القصة ، فهو غير مختص بها ، إذ ليس في ذلك الكلام ما يلوح إليها ، ولكن ~~مبدأ التلويح إلى القصة من قوله : { ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم } . # وقوله : { بما أراك الله } الباء للآلة جعل ما أراه الله إياه بمنزلة آلة ~~للحكم لأنه وسيلة إلى مصادفة العدل والحق ونفي الجور ، إذ لا يحتمل علم ~~الله الخطأ . والرؤية في قوله : { أراك الله } عرفانية ، وحقيقتها الرؤية ~~البصرية ، فأطلقت على ما يدرك بوجه اليقين لمشابهته الشيء المشاهد . ~~والرؤية البصرية تنصب مفعولا واحدا فإذ أدخلت عليها همزة التعدية نصبت ~~مفعولين كما هنا ، وقد حذف المفعول الثاني لأنه ضمير الموصول ، فأغنى عنه ~~الموصول ، وهو حذف كثير ، والتقدير : بما أراكه الله . # فكل ما جعله الله حقا في كتابه فقد أمر بالحكم به بين الناس ، وليس ~~المراد أنه يعلمه الحق في جانب شخص معين بأن يقول له : إن فلانا على الحق ، ~~لأن هذا لا يلزم اطراده ، ولأنه لا يلفى مدلولا لجميع آيات القرآن وإن صلح ~~الحمل عليه في مثل هذه الآية ، بل المراد أنه أنزل عليه الكتاب ليحكم ~~بالطرق والقضايا الدالة على وصف الأحوال التي يتحقق بها العدل فيحكم بين ~~الناس على حسب ذلك ، بأن تندرج جزئيات أحوالهم عند التقاضي تحت الأوصاف ~~الكلية المبينة في الكتاب ، مثل قوله تعالى : { وما جعل أدعياءكم أبناءكم } ~~( الأحزاب : 4 ) ، فقد أبطل حكم التبني الذي كان في الجاهلية ، فأعلمنا أن ~~قول الرجل لمن ليس ولده : هذا ولدي ، لا يجعل للمنسوب حقا في ميراثه . ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخطىء في إدراج الجزئيات تحت كلياتها ، ~~وقد ms2070 يعرض الخطأ لغيره ، وليس المراد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يصادف ~~الحق من غير وجوهه الجارية بين الناس ، ولذلك قال ( إنما أنا بشر وإنكم ~~تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون PageV05P192 ألحن بحجته من بعضض فأقضي له ~~على نحو ما أسمع فمن قضيت له بحق أخيه فلا يأخذه فإنما أقتطع له قطعة من ~~نار ) . # وغير الرسول يخطىء في الاندراج ، ولذلك وجب بذل الجهد واستقصاء الدليل ، ~~ومن ثم استدل علماؤنا بهذه الآية على وجوب الاجتهاد في فهم الشريعة . وعن ~~عمر بن الخطاب أنه قال : ( لا يقولن أحد قضيت بما أراني الله تعالى فإن ~~الله تعالى لم يجعل ذلك إلا لنبيه وأما الواحد منا فرأيه يكون ظنا ولا يكون ~~علما ) ، ومعناه هو ما قدمناه من عروض الخطأ في الفهم لغير الرسول دون ~~الرسول صلى الله عليه وسلم # واللام في قوله : { للخائنين خصيما } لام العلة وليست لام التقوية . ~~ومفعول { خصيما } محذوف دل عليه ذكر مقابله وهو { للخائنين } أي لا تكن ~~تخاصم من يخاصم الخائنين ، أي لا تخاصم عنهم . فالخصيم هنا بمعنى المنتصر ~~المدافع كقوله : ( كنت أنا خصمه يوم القيامة ) . والخطاب للنبيء صلى الله ~~عليه وسلم والمراد الأمة ، لأن الخصام عن الخائنين لا يتوقع من النبي صلى ~~الله عليه وسلم وإنما المراد تحذير الذين دفعتهم الحمية إلى الانتصار ~~لأبناء أبيرق . # والأمر باستغفار الله جرى على أسلوب توجيه الخطاب إلى الرسول ، فالمراد ~~بالأمر غيره ، أرشدهم إلى ما هو أنفع لهم وهو استغفار الله مما اقترفوه ، ~~أو أراد : واستغفر الله للخائنين ليلهمهم إلى التوبة ببركة استغفارك لهم ~~فذلك أجدر من دفاع المدافعين عنهم . وهذا نظير قوله : { ولو أنهم إذ ظلموا ~~أنفسهم جاءوك فاستغفروا لله } ( النساء : 64 ) وليس المراد بالأمر استغفار ~~النبي لنفسه ، كما أخطأ فيه من توهم ذلك ، فركب عليه أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم خطر بباله ما أوجب أمره بالاستغفار ، وهو همه أن يجادل عن بني ~~أبيرق ، مع علمه بأنهم سرقوا ، خشية أن يفتضحوا ، وهذا من أفهام الضعفاء ~~وسوء وضعهم الأخبار لتأييد سقيم ms2071 أفهامهم . # والخطاب في قوله : { ولا تجادل } للرسول ، والمراد نهي الأمة عن ذلك ، ~~لأن مثله لا يترقب صدوره من الرسول عليه الصلاة والسلام كما دل عليه قوله ~~تعالى : { ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا } . PageV05P193 # و { يختانون } بمعنى يخونون ، وهو افتعال دال على التكلف والمحاولة لقصد ~~المبالغة في الخيانة . ومعنى خيانتهم أنفسهم أنهم بارتكابهم ما يضر بهم ~~كانوا بمنزلة من يخون غيره كقوله : { علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم } ~~( البقرة : 187 ) . ولك أن تجعل { أنفسهم } هنا بمعنى بني أنفسهم ، أي بني ~~قومهم ، كقوله { تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم } ( البقرة : ~~85 ) ، وقوله { فسلموا على أنفسكم } ( النور : 61 ) ، أي الذين يختانون ~~ناسا من أهلهم وقومهم . والعرب تقول : هو تميمي من أنفسهم ، أي ليس بمولى ~~ولا لصيق . # والمجادلة مفاعلة من الجدل ، وهو القدرة على الخصام والحجة فيه ، وهي ~~منازعة بالقول لإقناع الغير برأيك ، ومنه سمي علم قواعد المناظرة والاحتجاج ~~في الفقه علم الجدل ، ( وكان يختلط بعلم أصول الفقه وعلم آداب البحث وعلم ~~المنطق ) . ولم يسمع للجدل فعل مجرد أصلي ، والمسموع منه جادل لأن الخصام ~~يستدعي خصمين . وأما قولهم : جدله فهو بمعنى غلبه في المجادلة ، فليس فعلا ~~أصليا في الاشتقاق . ومصدر المجادلة ، الجدال ، قال تعالى : { ولا جدال في ~~الحج } ( البقرة : 197 ) . وأما الجدل بفتحتين فهو اسم المصدر ، وأصله مشتق ~~من الجدل ، وهو الصرع على الأرض ، لأن الأرض تسمى الجدالة بفتح الجيم يقال ~~: جدله فهو مجدول . # وجملة : { يستحقون من الناس } بيان ل { يختانون } . وجملة : { ولا ~~يستخفون من الله } حال ، وذلك هو محل الاستغراب من حالهم وكونهم يختانون ~~أنفسهم . والاستخفاء من الله مستعمل مجازا في الحياء ، إذ لا يعتقد أحد ~~يؤمن بالله أنه يستطيع أن يستخفي من الله . # وجملة : { وهو معهم } حال من اسم الجلالة ، والمعية هنا معية العلم ~~والاطلاع و { إذ يبيتون } ظرف ، والتبييت جعل الشيء في البيات ، أي الليل ، ~~مثل التصبيح ، يقال : بيتهم العدو وصبحهم العدو وفي القرآن : { لنبيتنه ~~وأهله } ( النمل : 49 ) أي لنأتينهم ليلا فنقلتهم . والمبيت هنا هو ما لا ~~يرضي ms2072 من القول ، أي دبروه وزوروه ليلا لقصد الإخفاء ، كقول العرب : هذا أمر ~~قضي بليل ، أو تشور فيه بليل ، والمراد هنا تدبير مكيدتهم لرمي البراء ~~بتهمة السرقة . PageV05P194 # وقوله { ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم } استئناف أثاره قوله : { ولا تجادل ~~عن الذين يختانون أنفسهم } ، والمخاطب كل من يصلح للمخاطبة من المسلمين . ~~والكلام جار مجرى الفرض والتقدير ، أو مجرى التعريض ببعض بني ظفر الذين ~~جادلوا عن بني أبيرق . # والقول في تركيب { هأنتم هؤلاء } تقدم في سورة البقرة ( 85 ) عند قوله ~~تعالى : { ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم ، وتقدم نظيره في آل عمران ( 119 ) ~~ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم . # و ( أم ) في قوله : أمن يكون عليهم وكيلا } منقطعة للإضراب الانتقالي . و ~~( من ) استفهام مستعمل في الإنكار . # والوكيل مضى الكلام عليه عند قوله تعالى : { وقالوا حسبنا الله ونعم ~~الوكيل } في سورة آل عمران ( 173 ) . # $ 2 ( 110 113 ) { لله ومن يعمل سو & # 1764 ءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما * ومن يكسب ~~إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما * ومن يكسب خطي & # 1764 ئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا * ولولا ~~فضل الله عليك ورحمته لهمت طآئفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما ~~يضرونك من شىء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان ~~فضل الله عليك عظيما } . ) 2 $ # اعتراض بتذييل بين جملة { هأنتم هؤلاء جادلتم عنهم } وبين جملة : { ولولا ~~فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك } ( النساء : 109 113 ) . # وعمل السوء هو العصيان ومخالفة ما أمر به الشرع ونهى عنه . وظلم النفس ~~شاع إطلاقه في القرآن على الشرك والكفر ، وأطلق أيضا على ارتكاب المعاصي . ~~وأحسن PageV05P195 ما قيل في تفسير هذه الآية : أن عمل السوء أريد به عمل ~~السوء مع الناس ، وهو الاعتداء على حقوقهم ، وأن ظلم النفس هو المعاصي ~~الراجعة إلى مخالفة المرء في أحواله الخاصة ما أمر به أو نهي عنه . # والمراد بالاستغفار التوبة وطلب العفو من ms2073 الله عما مضى من الذنوب قبل ~~التوبة ، ومعنى { يجد الله غفورا رحيما } يتحقق ذلك ، فاستعير فعل { يجد } ~~للتحقق لأن فعل وجد حقيقته الظفر بالشيء ومشاهدته ، فأطلق على تحقيق العفو ~~والمغفرة على وجه الاستعارة . ومعنى { غفورا رحيما } شديد الغفران وشديد ~~الرحمة وذلك كناية عن العموم والتعجيل ، فيصير المعنى يجد الله غافرا له ~~راحما له ، لأنه عام المغفرة والرحمة فلا يخرج منها أحد استغفره وتاب إليه ~~، ولا يتخلف عنه شمول مغفرته ورحمته زمنا ، فكانت صيغة { غفورا رحيما } مع ~~{ يجد } دالة على القبول من كل تائب بفضل الله . # وذكر الخطيئة والإثمم هنا يدل على أنهما متغايران ، فالمراد بالخطيئة ~~المعصية الصغيرة ، والمراد بالإثم الكبيرة . # والرمي حقيقته قذف شيء من اليد ، ويطلق مجازا على نسبة خبر أو وصف لصاحبه ~~بالحق أو الباطل ، وأكثر استعماله في نسبة غير الواقع ، ومن أمثالهم ( ~~رمتني بدائها وانسلت ) وقال تعالى : { والذين يرمون المحصنات } ( النور : 4 ~~) وكذلك هو هنا ، ومثله في ذلك القذف حقيقة ومجازا . # ومعنى { يرم به بريئا } ينسبه إليه ويحتال لترويج ذلك ، فكأنه ينزع ذلك ~~الإثم عن نفسه ويرمي به البريء . والبهتان : الكذب الفاحش . وجعل الرمي ~~بالخطيئة وبالإثم مرتبة واحدة في كون ذلك إثما مبينا : لأن رمي البريء ~~بالجريمة في ذاته كبيرة لما فيه من الاعتداء على حق الغير . ودل على عظم ~~هذا البهتان بقوله : { احتمل } تمثيلا لحال فاعله بحال عناء الحامل ثقلا . ~~والمبين الذي يدل كل أحد على أنه إثم ، أي إثما ظاهرا لا شبهة في كونه إثما ~~. # وقوله : { ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك } عطف ~~على { ولا تكن للخائنين خصيما } ( النساء : 105 ) . PageV05P196 # والمراد بالفضل والرحمة هنا نعمة إنزال الكتاب تفصيلا لوجوه الحق في ~~الحكم وعصمته من الوقوع في الخطأ فيه . وظاهر الآية أن هم طائفة من الذين ~~يختانون أنفسهم بأن يضلون الرسول غير واقع من أصله فضلا عن أن يضلوه بالفعل ~~. ومعنى ذلك أن علمهم بأمانته يزعهم عن محاولة ترويج الباطل عليه إذ قد ~~اشتهر بين الناس ، مؤمنهم وكافرهم ، أن محمدا صلى الله ms2074 عليه وسلم أمين فلا ~~يسعهم إلا حكاية الصدق عنده ، وأن بني ظفر لما اشتكوا إليه من صنيع قتادة ~~بن النعمان وعمه كانوا يظنون أن أصحابهم بني أبيرق على الحق ، أو أن بني ~~أبيرق لما شكوا إلى رسول الله بما صنعه قتادة كانوا موجسين خيفة أن يطلع ~~الله رسوله على جلية الأمر ، فكان ما حاولوه من تضليل الرسول طمعا لا هما ، ~~لأن الهم هو العزم على الفعل والثقة به ، وإنما كان انتفاء همهم تضليله ~~فضلا ورحمة ، لدلالته على وقاره في نفوس الناس ، وذلك فضل عظيم . # وقيل في تفسير هذا الانتفاء : إن المراد انتفاء أثره ، أي لولا فضل الله ~~لضللت بهمهم أن يضلوك ، ولكن الله عصمك عن الضلال ، فيكون كناية . وفي هذا ~~التفسير بعد من جانب نظم الكلام ومن جانب المعنى . # ومعنى : { وما يضلون إلا أنفسهم } أنهم لو هموا بذلك لكان الضلال لاحقا ~~بهم دونك ، أي يكونون قد حاولوا ترويج الباطل واستغفال الرسول ، فحق عليهم ~~الضلال بذلك ، ثم لا يجدونك مصغيا لضلالهم ، و { من } زائدة لتأكيد النفي . ~~و { شيء } أصله النصب على أنه مفعول مطلق لقوله { يضرونك } أي شيئا من الضر ~~، وجر لأجل حرف الجر الزائد . # وجملة : { وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة } عطف على { وما يضرونك من شيء ~~} . وموقعها لزيادة تقرير معنى قوله : { ولولا فضل الله عليك ورحمته } ~~ولذلك ختمها بقوله : { وكان فضل الله عليك عظيما } ، فهو مثل رد العجز على ~~الصدر . والكتاب : والقرآن . والحكمة : النبوءة . وتعليمه ما لم يكن يعلم ~~هو ما زاد على ما في الكتاب من العلم الوارد في السنة والإنباء بالمغيبات . # PageV05P197 # | 2 ( 114 ) { لا خير فى كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو ~~إصلاح بين الناس ومن يفعل ذالك ابتغآء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما } ~~. ) 2 # لم تخل الحوادث التي أشارت إليها الآي السابقة ، ولا الأحوال التي حذرت ~~منها ، من تناج وتحاور ، سرا وجهرا ، لتدبير الخيانات وإخفائها وتبييتها ، ~~لذلك كان المقام حقيقا بتعقيب جميع ذلك بذكر النجوى وما تشتمل عليه ، لأن ~~في ذلك تعليما ms2075 وتربية وتشريعا ، إذ النجوى من أشهر الأحوال العارضة للناس ~~في مجتمعاتهم ، لا سيما في وقت ظهور المسلمين بالمدينة ، فقد كان فيها ~~المنافقون واليهود وضعفاء المؤمنين ، وكان التناجي فاشيا لمقاصد مختلفة ، ~~فربما كان يثير في نفوس الرائين لتلك المناجاة شكا ، أي خوفا ، إذ كان ~~المؤمنون في حال مناواة من المشركين وأهلل الكتاب ، فلذلك تكرر النهي عن ~~النجوى في القرآن نحو { ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى } ( المجادلة : 8 ~~) الآيات ، وقوله : { إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى } ( الإسراء : 47 ) ~~وقوله : { وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم } ( البقرة : 14 ) ، ~~فلذلك ذم الله النجوى هنا أيضا ، فقال : { لا خير في كثير من نجواهم } . ~~فالجملة مستأنفة استئنافا ابتدائيا لإفادة حكم النجوى ، والمناسبة قد تبينت ~~. # والنجوى مصدر ، هي المسارة في الحديث ، وهي مشتقة من النجو ، وهو المكان ~~المستتر الذي المفضي إليه ينجو من طالبه ، ويطلق النجوى على المناجين ، وفي ~~القرآن { إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى } ، وهو وصف بالمصدر والآية تحتمل ~~المعنيين . والضمير الذي أضيف إليه { نجوى } ضمير جماعة الناس كلهم ، نظير ~~قوله تعالى : { ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه } إلى قوله : { وما ~~يعلنون في سورة هود ( 5 ) ، وليس عائدا إلى ما عادت إليه الضمائر التي قبله ~~في قوله : يستخفون من الناس } ( النساء : 108 ) إلى هنا ؛ لأن المقام مانع ~~من عوده إلى تلك الجماعة إذ لم تكن نجواهم إلا فيما يختص بقضيتهم ، فلا ~~عموم لها يستقيم معه الاستثناء في قوله : { إلا من أمر بصدقة أو معروف أو ~~إصلاح بين الناس } . وعلى هذا فالمقصود من الآية تربية اجتماعية دعت إليها ~~المناسبة ، فإن شأن المحادثات PageV05P198 والمحاورات أن تكون جهرة ، لأن ~~الصراحة من أفضل الأخلاق لدلالتها على ثقة المتكلم برأيه ، وعلى شجاعته في ~~إظهار ما يريد إظهاره من تفكيره ، فلا يصير إلى المناجاة إلا في أحوال شاذة ~~يناسبها إخفاء الحديث . فمن يناجي في غير تلك الأحوال رمي بأن شأنه ذميم ، ~~وحديثه فيما يستحيي من إظهاره ، كما قال صالح بن عبد القدوس : # الستر دون الفاحشات ولا # يغشاك دون ms2076 الخير من ستر # وقد نهى الله المسلمين عن النجوى غير مرة ، لأن التناجي كان من شأن ~~المنافقين فقال : { ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهو عنه ~~} ( المجادلة : 8 ) وقال : { إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا } ( ~~المجادلة : 10 ) . # وقد ظهر من نهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يتناجى اثنان دون ثالث أن ~~النجوى تبعث الريبة في مقاصد المتناجين ، فعلمنا من ذلك أنها لا تغلب إلا ~~على أهل الريب والشبهات ، بحيث لا تصير دأبا إلا لأولئك ، فمن أجل ذلك نفى ~~الله الخير عن أكثر النجوى . # ومعنى { لا خير } أنه شر ، بناء على المتعارف في نفي الشيء أن يراد به ~~إثبات نقيضه ، لعدم الاعتداد بالواسطة ، كقوله تعالى : { فماذا بعد الحق ~~إلا الضلال } ( يونس : 32 ) ، ولأن مقام التشريع إنما هو بيان الخير والشر ~~. # وقد نفى الخير عن كثير من نجواهم أو متناجيهم ، فعلم من مفهوم الصفة أن ~~قليلا من نجواهم فيه خير ، إذ لا يخلو حديث الناس من تناج فيما فيه نفع . ~~والاستثناء في قوله : { إلا من أمر بصدقة } على تقدير مضاف ، أي : إلا نجوى ~~من أمر ، أو بدون تقدير إن كانت النجوى بمعنى المتناجين ، وهو مستثنى من { ~~كثير } ، فحصل من مفهوم الصفة ومفهوم الاستثناء قسمان من النجوى يثبت لهما ~~الخير ، ومع ذلك فهما قليل من نجواهم . أما القسم الذي أخرجته الصفة ، فهو ~~مجمل يصدق في الخارج على كل نجوى تصدر منهم فيها نفع ، وليس فيها ضرر ، ~~كالتناجي في تشاور فيمن يصلح لمخالطة ، أو نكاح أو نحو ذلك . PageV05P199 # وأما القسم الذي أخرجه الاستثناء فهو مبين في ثلاثة أمور : الصدقة ، ~~والمعروف ، والإصلاح بين الناس . وهذه الثلاثة لو لم تذكر لدخلت في القليل ~~من نجواهم الثابت له الخير ، فلما ذكرت بطريق الاستثناء علمنا أن نظم ~~الكلام جرى على أسلوب بديع فأخرج ما فيه الخير من نجواهم ابتداء بمفهوم ~~الصفة ، ثم أريد الاهتمام ببعض هذا القليل من نجواهم ، فأخرج من كثير ~~نجواهم بطريق الاستثناء ، فبقي ما عدا ذلك من نجواهم ، وهو ms2077 الكثير ، موصوفا ~~بأن لا خير فيه وبذلك يتضح أن الاستثناء متصل ، وأن لا داعي إلى جعله ~~منقطعا . والمقصد من ذلك كله الاهتمام والتنويه بشأن هذه الثلاثة ، ولو ~~تناجى فيها من غالب أمره قصد الشر . # وقوله : { ومن يفعل ذلك } إلخ وعد بالثواب على فعل المذكورات إذا كان ~~لابتغاء مرضاة الله . فدل على أن كونها خيرا وصف ثابت لها لما فيها من ~~المنافع ، ولأنها مأمور بها في الشرع ، إلا أن الثواب لا يحصل إلا عن فعلها ~~ابتغاء مرضاة الله كما في حديث : ( إنما الأعمال بالنيات ) . # وقرأ الجمهور : ( نؤتيه ) بنون العظمة على الالتفات من الغيبة في قوله : ~~{ مرضاة الله } . # # | 2 ( 115 ) { ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل ~~المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وسآءت مصيرا } . ) 2 # عطف على { ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله } ( النساء : 114 ) بمناسبة ~~تضاد الحالين . والمشاقة : المخالفة المقصودة ، مشتقة من الشق لأن المخالف ~~كأنه يختار شقا يكون فيه غير شق الآخر . # فيحتمل قوله : { من بعد ما تبين له الهدى } أن يكون أراد به من بعد ما ~~آمن بالرسول فتكون الآية وعيدا للمرتد . ومناسبتها هنا أن بشير بن أبيرق ~~صاحب القصة المتقدمة ، PageV05P200 لما افتضح أمره ارتد ولحق بمكة ، ويحتمل ~~أن يكون مرادا به من بعد ما ظهر صدق الرسول بالمعجزات ، ولكنه شاقه عنادا ~~ونواء للإسلام . # وسبيل كل قوم طريقتهم التي يسلكونها في وصفهم الخاص ، فالسبيل مستعار ~~للاعتقادات والأفعال والعادات ، التي يلازمها أحد ولا يبتغي التحول عنها ، ~~كما يلازم قاصد المكان طريقا يبلغه إلى قصده ، قال تعالى : { قل هذه سبيلي ~~} ( يوسف : 108 ) ومعنى هذه الآية نظير معنى قوله : { إن الذين كفروا وصدوا ~~عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى لن يضروا الله شيئا ~~وسيحبط أعمالهم } ( محمد : 32 ) ، فمن اتبع سبيل المؤمنين في الإيمان واتبع ~~سبيل غيرهم في غير الكفر مثل اتباع سبيل يهود خبير في غراسة النخيل ، أو ~~بناء الحصون ، لا يحسن أن يقال فيه اتبع غير سبيل المؤمنين . وكأن فائدة ms2078 ~~عطف اتباع غير سبيل المؤمنين على مشاقة الرسول الحيطة لحفظ الجامعة ~~الإسلامية بعد الرسول ، فقد ارتد بعض العرب بعد الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وقال الحطيئة في ذلك : # أطعنا رسول الله إذ كان بيننا # فيا لعباد الله ما لأبي بكر # فكانوا ممن اتبع غير سبيل المؤمنين ولم يشاقوا الرسول . # ومعنى قوله : { نوله ما تولى } الإعراض عنه ، أي نتركه وشأنه لقلة ~~الاكتراث به ، كما ورد في الحديث ( وأما الآخر فأعرض الله عنه ) . # وقد شاع عند كثير من علماء أصول الفقه الاحتجاج بهذه الآية ، لكون إجماع ~~علماء الإسلام على حكم من الأحكام حجة ، وأول من احتج بها على ذلك الشافعي ~~. قال الفخر : ( روي أن الشافعي سئل عن آية في كتاب الله تدل على أن ~~الإجماع حجة فقرأ القرآن ثلاثمائة مرة حتى وجد هذه الآية . وتقرير ~~الاستدلال أن اتباع غير سبيل المؤمنين حرام ، فوجب أن يكون اتباع سبيل ~~المؤمنين واجبا . بيان المقدمة الأولى : أنه تعالى ألحق الوعيد بمن يشاقق ~~الرسول ويتبع غير سبيل المؤمنين ، ومشاقة الرسول وحدها موجبة لهذا الوعيد ، ~~فلو لم يكن اتباع غير سبيل المؤمنين موجبا له ، لكان ذلك ضما لما لا أثر له ~~في الوعيد إلى ما هو مستقل باقتضاء ذلك الوعيد ، وأنه غير جائز ، فثبت أن ~~اتباع غير سبيل المؤمنين حرام ، فإذا ثبت هذا لزم أن يكون اتباع سبيلهم ~~واجبا ) . وقد قرر PageV05P201 غيره الاستدلال بالآية على حجية الإجماع ~~بطرق أخرى ، وكلها على ما فيها من ضعف في التقريب ، وهو استلزام الدليل ~~للمدعي ، قد أوردت عليها نقوض أشار إليها ابن الحاجب في ( المختصر ) . ~~واتفقت كلمة المحققين : الغزالي ، والإمام في ( المعالم ) ، وابنن الحاجب ، ~~على توهين الاستدلال بهذه الآية على حجية الإجماع . # # | 2 ( 116 ) { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذالك لمن يشآء ~~ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا } . ) 2 # استئناف ابتدائي ، جعل تمهيدا لما بعده من وصف أحوال شركهم . وتعقيب ~~الآية السابقة بهذه مشير إلى أن المراد باتباع غير سبيل المؤمنين اتباع ~~سبيل الكفر من شرك ms2079 وغيره ، فعقبه بالتحذير من الشرك ، وأكده بأن للدلالة ~~على رفع احتمال المبالغة أو المجاز . وتقدم القول في مثل هذه الآية قريبا . ~~غير أن الآية السابقة قال فيها { ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما } ( ~~النساء : 48 ) وقال في هذه { فقد ضل ضلالا بعيدا } وإنما قال في السابقة { ~~فقد افترى إثما عظيما } لأن المخاطب فيها أهل الكتاب بقوله : { يأيها الذين ~~أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم } ( النساء : 47 ) فنبهوا على ~~أن الشرك من قبيل الافتراء تحذيرا لهم من الافتراء وتفظيعا لجنسه . وأما في ~~هذه الآية فالكلام موجه إلى المسلمين فنبهوا على أن الشرك من الضلال تحذيرا ~~لهم من مشاقة الرسول وأحوال المنافقين فإنها من جنس الضلال . وأكد الخبر ~~هنا بحرف ( قد ) اهتماما به لأن المواجه بالكلام هنا المؤمنون ، وهم لا ~~يشكون في تحقق ذلك . # والبعيد أريد به القوي في نوعه الذي لا يرجى لصاحبه اهتداء ، فاستعير له ~~البعيد لأن البعيد يقصي الكائن فيه عن الرجوع إلى حيث صدر . # PageV05P202 # | 2 ( 117 121 ) { إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا ~~مريدا * لعنه الله وقال لاتخذن من عبادك نصيبا مفروضا * ولاضلنهم ولأمنينهم ~~ولامرنهم فليبتكن ءاذان الانعام ولامرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ ~~الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا * يعدهم ويمنيهم وما يعدهم ~~الشيطان إلا غرورا * أولائك مأواهم جهنم ولا يجدون عنها محيصا } . ) 2 # كان قوله : { إن يدعون } بيانا لقوله : { فقد ضل ضلالا بعيدا } ( النساء ~~: 116 ) ، وأي ضلال أشد من أن يشرك أحد بالله غيره ثم أن يدعي أن شركاءه ~~إناث ، وقد علموا أن الأنثى أضعف الصنفين من كل نوع . وأعجب من ذلك أن يكون ~~هذا صادرا من العرب ، وقد علم الناس حال المرأة بينهم ، وقد حرموها من حقوق ~~كثيرة واستضعفوها . فالحصر في قوله : { إن يدعون من دونه إلا إناثا } قصر ~~ادعائي لأنه أعجب أحوال إشراكهم ، ولأن أكبر آلهتهم يعتقدونها أنثى وهي : ~~اللات ، والعزى ، ومناة ، فهذا كقولك لا عالم إلا زيد . وكانت العزى لقريش ~~، وكانت مناة للأوس ms2080 والخزرج ، ولا يخفى أن معظم المعاندين للمسلمين يومئذ ~~كانوا من هذين الحيين : مشركو قريش هم أشد الناس عداء للإسلام : ومنافقوا ~~المدينة ومشركوها أشد الناس فتنة في الإسلام . # ومعنى { وإن يدعون إلا شيطانا مريدا } أن دعوتهم الأصنام دعوة للشيطان ، ~~والمراد جنس الشيطان ، وإنما جعلوا يدعون الشيطان لأنه الذي سول لهم عبادة ~~الأصنام . والمريد : العاصي والخارج عن الملك ، وفي المثل ( تمرد مارد وعز ~~الأبلق ) اسما حصنين للسموأل ، فالمريد صفة مشبهة مشتقة من مرد بضم الراء ~~إذا عتا في العصيان . # وجملة { لعنه الله } صفة لشيطان ، أي أبعده ؛ وتحتمل الدعاء عليه ، لكن ~~المقام ينبو عن الاعتراض بالدعاء في مثل هذا السياق . وعطف { وقال لأتخذن } ~~عليه يزيد احتمال PageV05P203 الدعاء بعدا . وسياق هذه الآية كسياق أختها ~~في قوله : { فاخرج إنك من الصاغرين قال أنظرني إلى يوم يبعثون قال إنك من ~~المنظرين قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم } ( الأعراف : 13 16 ~~) الآية فكلها أخبار . وهي تشير إلى ما كان في أول خلق البشر من تنافر ~~الأحوال الشيطانية لأحوال البشر ، ونشأة العداوة عن ذلك التنافر ، وما كونه ~~الله من أسباب الذود عن مصالح البشر أن تنالها القوى الشيطانية نوال إهلاك ~~بحرمان الشياطين من رضا الله تعالى ، ومن مداخلتهم في مواقع الصلاح ، إلا ~~بمقدار ما تنتهز تلك القوى من فرض ميل القوى البشرية إلى القوى الشيطانية ~~وانجذابها ، فتلك خلس تعمل الشياطين فيها عملها ، وهو ما أشار إليه قوله ~~تعالى : { قال هذا صراط علي مستقيم إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من ~~اتبعك من الغاوين } ( الحجر : 41 ، 32 ) . وتلك ألطاف من الله أودعها في ~~نظام الحياة البشرية عند التكوين ، فغلب بسببها الصلاح على جماعة البشر في ~~كل عصر ، وبقي معها من الشرور حظ يسير ينزع فيه الشيطان منازعه وكل الله ~~أمر الذياد عنه إلى إرادة البشر ، بعد تزويدهم بالنصح والإرشاد بواسطة ~~الشرائع والحكمة . # فمعنى الحكاية عنه بقوله : { لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا } أن الله خلق ~~في الشيطان علما ضروريا أيقن بمقتضاه أن فيه المقدرة على فتنة البشر ~~وتسخيرهم ms2081 ، وكانت في نظام البشر فرص تدخل في خلالها آثار فتنة الشيطان ، ~~فذلك هو النصيب المفروض ، أي المجعول بفرض الله وتقديره في أصل الجبلة . ~~وليس قوله : { من عبادك } إنكارا من الشيطان لعبوديته لله ، ولكنها جلافة ~~الخطاب الناشئة عن خباثة التفكير المتأصلة في جبلته ، حتى لا يستحضر الفكر ~~من المعاني المدلولة إلا ما له فيه هوى ، ولا يتفطن إلى ما يحف بذلك من ~~الغلظة ، ولا إلى ما يفوته من الأدب والمعاني الجميلة ، فكل حظ كان للشيطان ~~في تصرفات البشر من أعمالهم المعنوية : كالعقائد والتفكيرات الشريرة ، ومن ~~أعمالهم المحسوسة : كالفساد في الأرض ، والإعلان بخدمة الشيطان : كعبادة ~~الأصنام ، والتقريب لها ، وإعطاء أموالهم لضلالهم ، كل ذلك من النصيب ~~المفروض . # ومعنى { ولأضلنهم } إضلالهم عن الحق . ومعنى : { ولأمنينهم } لأعدنهم ~~مواعيد كاذبة ، ألقيها في نفوسهم ، تجعلهم يتمنون ، أي يقدرون غير الواقع ~~واقعا ، أغراقا ، PageV05P204 في الخيال ، ليستعين بذلك على تهوين انتشار ~~الضلالات بينهم . يقال : مناه ، إذا وعده المواعيد الباطلة ، وأطمعه في ~~وقوع ما يحبه مما لا يقع ، قال كعب : # فلا يغرنك ما منت وما وعدت # ومنه سمي بالتمني طلب ما لا طمع فيه أو ما فيه عسر . # ومعنى : { ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام } أي آمرنهم بأن يبتكوا آذان ~~الأنعام فليبتكنها ، أي يأمرهم فيجدهم ممتثلين ، فحذف مفعول أمر استغناء ~~عنه بما رتب عليه . والتبتيك : القطع . قال تأبط شرا : # ويجعل عينيه ربيئة قلبه # إلى سلة من حد أخلق باتك # وقد ذكر هنا شيئا مما يأمر به الشيطان مما يخص أحوال العرب ، إذ كانوا ~~يقطعون آذان الأنعام التي يجعلونها لطواغيتهم ، علامة على أنها محررة ~~للأصنام ، فكانوا يشقون آذان البحيرة والسائبة والوصيلة ، فكان هذا الشق من ~~عمل الشيطان ، إذ كان الباعث عليه غرضا شيطانيا . # وقوله : { ولآمرنهم فليغيرن خلق الله } تعريض بما كانت تفعله أهل ~~الجاهلية من تغيير خلق الله لدواع سخيفة ، فمن ذلك ما يرجع إلى شرائع ~~الأصنام مثل فقء عين الحامي ، وهو البعير الذي حمى ظهره من الركوب لكثرة ما ~~أنسل ، ويسيب للطواغيت . ومنه ما يرجع إلى أغراض ذميمة كالوشم إذ أرادوا به ms2082 ~~التزين ، وهو تشويه ، وكذلك وسم الوجوه بالنار . # ويدخل في معنى تغيير خلق الله وضع المخلوقات في غير ما خلقها الله له ، ~~وذلك من الضلالات الخرافية . كجعل الكواكب آلهة . وجعل الكسوفات والخسوفات ~~دلائل على أحوال الناس ، ويدخل فيه تسويل الإعراض عن دين الإسلام ، الذي هو ~~دين الفطرة ، والفطرة خلق الله ؛ فالعدول عن الإسلام إلى غيره تغيير لخلق ~~الله . # وليس من تغيير خلق الله التصرف في المخلوقات بما أذن الله فيه ولا ما ~~يدخل في معنى الحسن ؛ فإن الختان من تغيير خلق الله ولكنه لفوائد صحية ، ~~وكذلك حلق الشعر لفائدة PageV05P205 دفع بعض الأضرار ، وتقليم الأظفار ~~لفائدة تيسير العمل بالأيدي ، وكذلك ثقب الآذان للنساء لوضع الأقراط ~~والتزين ، وأما ما ورد في السنة من لعن الواصلات والمتنمصات والمتفلجات ~~للحسن فمما أشكل تأويله . وأحسب تأويله أن الغرض منه النهي عن سمات كانت ~~تعد من سمات العواهر في ذلك العهد ، أو من سمات المشركات ، وإلا فلو فرضنا ~~هذه منهيا عنها لما بلغ النهي إلى حد لعن فاعلات ذلك . وملاك الأمر أن ~~تغيير خلق الله إنما يكون إنما إذا كان فيه حظ من طاعة الشيطان ، بأن يجعل ~~علامة لنحلة شيطانية ، كما هو سياق الآية واتصال الحديث بها . وقد أوضحنا ~~ذلك في كتابي المسمى : ( النظر الفسيح على مشكل الجامع الصحيح ) . # وجملة { ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا } تذييل ~~دال على أن ما دعاهم إليه الشيطان : من تبتيك آذان الأنعام ، وتغيير خلق ~~الله ، إنما دعاهم إليه لما يقتضيه من الدلالة على استشعارهم بشعاره ، ~~والتدين بدعوته ، وإلا فإن الشيطان لا ينفعه أن يبتك أحد أذن ناقته ، أو أن ~~يغير شيئا من خلقته ، إلا إذا كان ذلك للتأثر بدعوته . # وقوله : { يعدهم ويمنيهم } استئناف لبيان أنه أنجز عزمه فوعد ومنى وهو لا ~~يزال يعد ويمني ، فلذلك جيء بالمضارع . وإنما لم يذكر أنه يأمرهم فيبتكون ~~آذان الأنعام ويغيرون خلق الله لظهور وقوعه لكل أحد . # وجيء باسم الإشارة في قوله : { أولئك مأواهم جهنم } لتنبيه السامعين إلى ~~ما يرد بعد ms2083 اسم الإشارة من الخبر وأن المشار إليهم أحرياء به عقب ما تقدم ~~من ذكر صفاتهم . # والمحيص : المراغ والملجأ ، من حاص إذا نفر وراغ ، وفي حديث هرقل ( ~~فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب ) . وقال جعفر بن علبة الحارثي : # ولم ندر إن حصنا من الموت حيصة # كم العمر باقق والمدى متطاول # روي : حصنا وحيصة بالحاء والصاد المهملتين ويقال : جاض أيضا بالجيم ~~والضاد المعجمة ، وبهما روي بيت جعفر أيضا . # PageV05P206 # | 2 ( 122 ) { والذين ءامنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجرى من تحتها ~~الانهار خالدين فيهآ أبدا وعد الله حقا ومن أصدق من الله قيلا } . ) 2 # عطف على جملة { أولئك مأواهم جهنم } ( النساء : 121 ) جريا على عادة ~~القرآن في تعقيب الإنذار بالبشارة ، والوعيد بالوعد . # وقوله : { وعد الله } مصدر مؤكد لمضمون جملة : { سندخلهم جنات تجري } الخ ~~، وهي بمعناه ، فلذلك يسمي النحاة مثله مؤكدا لنفسه ، أي مؤكدا لما هو ~~بمعناه . # وقوله : { حقا } مصدر مؤكد لمضمون { سندخلهم جنات } ، إذ كان هذا في معنى ~~الوعد ، أي هذا الوعد أحققه حقا ، أي لا يتخلف . ولما كان مضمون الجملة ~~التي قبله خاليا عن معنى الإحقاق كان هذا المصدر مما يسميه النحاة مصدرا ~~مؤكدا لغيره . # وجملة { ومن أصدق من الله } تذييل للوعد وتحقيق له : أي هذا من وعد الله ~~، ووعود الله وعود صدق ، إذ لا أصدق من الله قيلا . فالواو اعتراضية لأن ~~التذييل من أصناف الاعتراض وهو اعتراض في آخر الكلام ، وانتصب { قيلا } على ~~تمييز نسبة من { أصدق من الله } . # والاستفهام إنكاري . # والقيل : القول ، وهو اسم مصدر بوزن فعل يجيء في الشر والخير . # $ 2 ( 123 ، 124 ) { ليس بأمانيكم ولا & # 1764 أمانى أهل الكتاب من يعمل سو & # 1764 ءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا * ومن يعمل من ~~الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولائك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا } ~~. ) 2 $ PageV05P207 # الأظهر أن قوله : { ليس بأمانيكم } استئناف ابتدائي للتنويه بفضائل ~~الأعمال ، والتشويه بمساويها ، وأن في ( ليس ) ضميرا عائدا على الجزاء ~~المفهوم من قوله : { يجز به } ، أي ليس الجزاء ms2084 تابعا لأماني الناس ومشتهاهم ~~، بل هو أمر مقدر من الله تعالى تقديرا بحسب الأعمال ، ومما يؤيد أن يكون ~~قوله : { ليس بأمانيكم } استئنافا ابتدائيا أنه وقع بعد تذييل مشعر ~~بالنهاية وهو قوله : { ومن أصدق من الله قيلا } ( النساء : 122 ) . ومما ~~يرجحه أن في ذلك الاعتبار إبهاما في الضمير ، ثم بيانا له بالحملة بعده ، ~~وهي : { من يعمل سوءا يجز به } ؛ وأن فيه تقديم جملة { ليس بأمانيكم } عن ~~موقعها الذي يترقب في آخر الكلام ، فكان تقديمها إظهارا للاهتمام بها ، ~~وتهيئة لإبهام الضمير . وهذه كلها خصائص من طرق الإعجاز في النظم . وجملة { ~~من يعمل سوءا يجز به } استئناف بياني ناشىء عن جملة { ليس بأمانيكم } لأن ~~السامع يتساءل عن بيان هذا النفي المجمل . ولهذا الاستئناف موقع من البلاغة ~~وخصوصية تفوت بغير هذا النظم الذي فسرناه . وجعل صاحب ( الكشاف ) الضمير ~~المستتر عائدا على وعد الله ، أي ليس وعد الله بأمانيكم ؛ فتكون الجملة من ~~تكملة الكلام السابق حالا من { وعد الله } ( النساء : 122 ) ، وتكون جملة { ~~من يعمل سوءا يحز به } استئنافا ابتدائيا محضا . # روي الواحدي في أسباب النزول بسنده إلى أبي صالح ، وروى ابن جرير بسنده ~~إلى مسروق ، وقتادة ، والسدي ، والضحاك ، وبعض الروايات يزيد على بعض ، أن ~~سبب نزولها : أنه وقع تحاج بين المسلمين وأهل الكتاب : اليهود والنصارى ، ~~كل فريق يقول للآخرين : نحن خير منكم ، ويحتج لذلك ويقول : لن يدخل الجنة ~~إلا من كان على ديننا . فأنزل الله { ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب } ~~الآيات مبين أن كل من اتبع هدى الله فهو من أهل الجنة وكل من ضل وخالف أمر ~~الله فهو مجازى بسوء عمله ، فالذين آمنوا من اليهود قبل بعثة عيسى وعملوا ~~الصالحات هم من أهل الجنة وإن لم يكونوا على دين عيسى ، فبطل قول النصارى : ~~لن يدخل الجنة إلا من كان على ديننا والذين آمنوا بموسى وعيسى قبل بعثه ~~محمد صلى الله عليه وسلم وعملوا الصالحات يدخلون الجنة ، فبطل قول المسلمين ~~واليهود : لن يدخل الجنة إلا من كان على ديننا فكانت هذه الآية حكما ms2085 فصلا ~~بين الفرق ، وتعليما لهم أن ينظروا في توفر حقيقة الإيمان الصحيح ، وتوفر ~~العمل الصالح معه ، ولذلك جمع الله أماني الفرق الثلاث بقوله : { ليس ~~PageV05P208 بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب } . ثم إن الله لوح إلى فلج حجة ~~المسلمين بإشارة قوله : { وهو مؤمن } فإن كان إيمان اختل منه بعض ما جاء به ~~الدين الحق ، فهو كالعدم ، فعقب هذه الآية بقوله : { ومن أحسن دينا ممن ~~أسلم وجهه الله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا } ( النساء : 125 ) . ~~والمعنى أن الفوز في جانب المسلمين ، لا لأن أمانيهم كذلك ، بل لأن أسباب ~~الفوز والنجاة متوفرة في دينهم . وعن عكرمة : قالت اليهود والنصارى : لن ~~يدخل الجنة إلا من كان منا . وقال المشركون : لا نبعث . # والباء في قوله : { بأمانيكم } للملابسة ، أي ليس الجزاء حاصلا حصولا على ~~حسب أمانيكم ، وليست هي الباء التي تزاد في خبر ليس لأن أماني المخاطبين ~~واقعة لا منفية . # والأماني جمع أمنية ، وهي اسم للتمني ، أي تقدير غير الواقع واقعا . ~~والأمنية بوزن أفعولة كالأعجوبة . وقد تقدم ذلك في تفسير قوله تعالى : { لا ~~يعلمون الكتاب إلا أماني } في سورة البقرة ( 78 ) . وكأن ذكر المسلمين في ~~الأماني لقصد التعميم في تفويض الأمور إلى ما حكم الله ووعد ، وأن ما كان ~~خلاف ذلك لا يعتد به . وما وافقه هو الحق ، والمقصد المهم هو قوله : { ولا ~~أماني أهل الكتاب } على نحو : { وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين } ~~( سبأ : 24 ) فإن اليهود كانوا في غرور ، يقولون : لن تمسنا النار إلا ~~أياما معدودة . وقد سمى الله تلك أماني عند ذكره في قوله : { وقالوا لن ~~تمسنا النار إلا أياما معدودة } ( البقرة : 80 ) { تلك أمانيهم } ( البقرة ~~: 111 ) . أما المسلمون فمحاشون من اعتقاد مثل ذلك . # وقيل : الخطاب لكفار العرب ، أي ليس بأماني المشركين ، إذ جعلوا الأصنام ~~شفعاءهم عند الله ، ولا أماني أهل الكتاب الذين زعموا أن أنبياءهم وأسلافهم ~~يغنون عنهم من عذاب الله ، وهو محمل للآية . # وقوله : { ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا } زيادة تأكيد ، لرد ~~عقيدة من ms2086 يتوهم أن أحدا يغني عن عذاب الله . # والولي هو المولى ، أي المشارك في نسب القبيلة ، والمراد به المدافع عن ~~قريبه ، والنصير الذي إذا استنجدته نصرك ، أو الحليف ، وكان النصر في ~~الجاهلية بأحد هذين النوعين . PageV05P209 # ووجه قوله : { من ذكر أو أنثى } قصد التعميم والرد على من يحرم المرأة ~~حظوظا كثيرة من الخير من أهل الجاهلية أو من أهل الكتاب . وفي الحديث ( ~~وليشهدن الخير ودعوة المسلمين ) . و ( من ) لبيان الأبهام الذي في ( من ) ~~الشرطية في قوله : { ومن يعمل من الصالحات } . # وقرأ الجمهور { يدخلون } بفتح التحتية وضم الخاء . وقرأه ابن كثير ، وأبو ~~عمرو ، وأبو بكر عن عاصم ، وأبو جعفر ، وروح عن يعقوب بضم التحتية وفتح ~~الخاء على البناء للنائب . # # | 2 ( 125 ، 126 ) { ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة ~~إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا * ولله ما فى السماوات وما فى ~~الارض وكان الله بكل شىء محيطا } . ) 2 # الأظهر أن الواو للحال من ضمير { يدخلون الجنة } ( النساء : 124 ) الذي ~~ما صدقه المؤمنون الصالحون ، فلما ذكر ثواب المؤمنين أعقبه بتفضيل دينهم . ~~والاستفهام إنكاري . وانتصب { دينا } على التمييز . وإسلام الوجه كناية عن ~~تمام الطاعة والاعتراف بالعبودية ، وهو أحسن الكنايات ، لأن الوجه أشرف ~~الأعضاء ، وفيه ما كان به الإنسان إنسانا ، وفي القرآن { فقل أسلمت وجهي ~~لله ومن اتبعني } ( آل عمران : 20 ) . والعرب تذكر أشياء من هذا القبيل ~~كقوله : { لنسفعن بالناصية } ( العلق : 15 ) ، ويقولون : أخذ بساقه ، أي ~~تمكن منه ، وكأنه تمثيل لإمساك الرعاة الأنعام . وفي الحديث ( الطلاق لمن ~~أخذ بالساق ) . ويقولون : ألقى إليه القياد ، وألقى إليه الزمام ، وقال زيد ~~بن عمرو بن نفيل : # يقول أنفي لك عانن راغم # ويقولون : يدي رهن لفلان . وأراد بإسلام الوجه الاعتراف بوجود الله ~~ووحدانيته . وقد تقدم ما فيه بيان لهذا عنا ، قوله تعالى : { إن الدين عند ~~الله الإسلام } ( آل عمران : 19 ) وقوله : { وأوصى بها إبراهيم بنيه } ( ~~البقرة : 132 ) . PageV05P210 # وجملة ( وهو محسن ) حال قصد منها اتصافه بالإحسان حين إسلامه وجهه لله ، ~~أي خلع الشرك قاصدا الإحسان ، أي راغبا في ms2087 الإسلام لما رأى فيه من الدعوة ~~إلى الإحسان . ومعنى { واتبع ملة إبراهيم حنيفا } أنه اتبع شريعة الإسلام ~~التي هي على أسس ملة إبراهيم . فهذه ثلاثة أوصاف بها يكمل معنى الدخول في ~~الإسلام ، ولعلها هي : الإيمان ، والإحسان ، والإسلام . ولك أن تجعل معنى { ~~أسلم وجهه لله } أنه دخل في الإسلام ، وأن قوله : { وهو محسن } مخلص راغب ~~في الخير ، وأن اتباع ملة إبراهيم عني به التوحيد . وتقدم أن { حنيفا } ~~معناه مائلا عن الشرك أو متعبدا . وإذا جعلت معنى قوله : { وهو محسن } أي ~~عامل الصالحات كان قوله : { واتبع ملة إبراهيم حنيفا } بمنزلة عطف المرادف ~~وهو بعيد . # وقوله : { واتخذ الله إبراهيم خليلا } عطف ثناء إبراهيم على مدح من اتبع ~~دينه زيادة تنويه بدين إبراهيم ، فأخبر أن الله اتخذ إبراهيم خليلا . ~~والخليل في كلام العرب الصاحب الملازم الذي لا يخفى عنه شيء من أمور صاحبه ~~، مشتق من الخلال ، وهو النواحي المتخللة للمكان { فترى الودق يخرج من ~~خلاله } ( النور : 43 ) { فجرنا خلالهما نهرا } ( الكهف : 33 ) . هذا أظهر ~~الوجوه في اشتقاق الخليل . ويقال : خل وخل بكسر الخاء وضمها ومؤنثه : خلة ~~بضم الخاء ، ولا يقال بكسر الخاء ، قال كعب : # أكرم بها خلة لو أنها صدقت # وجمعها خلائل . وتطلق الخلة بضم الخاء على الصحبة الخالصة { لا بيع فيه ~~ولا خلة ولا شفاعة } ( البقرة : 254 ) ، وجمعها خلال { من قبلل أن يأتي يوم ~~لا بيع فيه ولا خلال } ( إبراهيم : 31 ) . ومعنى اتخاذ الله إبراهيم خليلا ~~شدة رضى الله عنه ، إذ قد علم كل أحد أن الخلة الحقيقية تستحيل على الله ~~فأريد لوازمها وهي الرضى ، واستجابة الدعوة ، وذكره بخير ، ونحو ذلك . # وجملة { ولله ما في السموات وما في الأرض } الخ تذييل جعل كالاحتراس ، ~~على أن المراد بالخليل لازم معنى الخلة ، وليست هي كخلة الناس مقتضية ~~المساواة أو التفضيل ، فالمراد منها الكناية عن عبودية إبراهيم في جملة { ~~ما في السموات وما في الأرض } . والمحيط : العليم . # PageV05P211 # | 2 ( 127 ) { ويستفتونك فى النسآء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم ~~فى الكتاب فى يتامى النسآء اللاتى لا ms2088 تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن ~~تنكحوهن والمستضعفين من الولدان وأن تقوموا لليتامى بالقسط وما تفعلوا من ~~خير فإن الله كان به عليما } . ) 2 # عطف تشريع على إيمان وحكمة وعظة . ولعل هذا الاستفتاء حدث حين نزول ~~الآيات السابقة . فذكر حكمه عقبها معطوفا . وهذا الاستفتاء حصل من المسلمين ~~بعد أن نزل قوله تعالى : { وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما ~~طاب لكم من النساء } ( النساء : 3 ) الخ . وأحسن ما ورد في تفسير هذه الآية ~~ما رواه البخاري عن عروة بن الزبير أنه سأل عائشة عن قول الله تعالى : { ~~وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى } قالت : يا بن أختي هذه اليتيمة تكون في ~~حجر وليها تشركه في ماله ويعجبه مالها وجمالها فيريد أن يتزوجها بغير أن ~~يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره ، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن ~~يقسطوا لهن ويبلغوا بهن أعلى سنتهن في الصداق ، وأمروا أن ينكحوا ما طاب ~~لهم من النساء سواهن . وأن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ~~هذه الآية فأنزل الله تعالى : { ويستفتونك في النساء } . قالت عائشة : وقول ~~الله تعالى : { وترغبون أن تنكحوهن } رغبة أحدكم عن يتيمته حين تكون قليلة ~~المال والجمال ؛ قالت : فنهوا عن أن ينكحوا من رغبوا في مالها وجمالها من ~~يتامى النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن إذا كن قليلات المال والجمال ، ~~وكان الولي يرغب عن أن ينكحها ويكره أن يزوجها رجلا فيشركه في ماله بما ~~شركته فيعضلها . فنزلت هذه الآية . # فالمراد : ويستفتونك في أحكام النساء إذ قد علم أن الاستفتاء لا يتعلق ~~بالذوات ، فهو مثل قوله : { حرمت عليكم أمهاتكم } ( النساء : 23 ) . وأخص ~~الأحكام بالنساء : أحكام ولايتهن ، وأحكام معاشرتهن . وليس المقصود هنا ~~ميراث النساء إذ لا خطور له بالبال هنا . # وقوله : { قل الله يفتيكم فيهن } وعد باستيفاء الإجابة عن الاستفتاء ، ~~وهو ضرب من تبشير السائل المتحير بأنه قد وجد طلبته ، وذلك مثل قولهم : على ~~الخبير سقطت . PageV05P212 وقوله تعالى : { سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه ~~صبرا } ( الكهف ms2089 : 78 ) . وتقديم اسم الجلالة للتنويه بشأن هذه الفتيا . # وقوله : { وما يتلى عليكم } عطف على اسم الجلالة ، أي ويفتيكم فيهن ما ~~يتلى عليكم في الكتاب ، أي القرآن ، وإسناد الإفتاء إلى ما يتلى إسناد ~~مجازي ، لأن ما يتلى دال على إفتاء الله فهو سبب فيه ، فآل المعنى إلى : قل ~~الله يفتيكم فيهن بما يتلى عليكم في الكتاب ، والمراد بذلك بما تلي عليهم ~~من أول السورة ، وما سيتلى بعد ذلك ، فإن التذكير به وتكريره إفتاء به مرة ~~ثانية ، وما أتبع به من الأحكام إفتاء أيضا . وقد ألمت الآية بخلاصة ما ~~تقدم من قوله : { وآتوا اليتامى أموالهم } إلى قوله : { وكفى بالله حسيبا } ~~( النساء : 2 6 ) . وكذلك أشارت هذه الآية إلى فقر مما تقدم : بقوله هنا : ~~{ في يتامى النساء اللاتي لا تؤتوهن ما كتب لهن } فأشار إلى قوله : { وإن ~~خفتم أن لا تقسطوا إلى قوله : فكلوه هنيئا مريئا } ( النساء : 3 ، 4 ) . # ولحذف حرف الجر بعد { ترغبون } هنا موقع عظيم من الإيجاز وإكثار المعنى ، ~~أي ترغبون عن نكاح بعضهن ، وفي نكاح بعض آخر ، فإن فعل رغب يتعدى بحرف ( عن ~~) للشيء الذي لا يحب ؛ وبحرف ( في ) للشيء المحبوب . فإذا حذف حرف الجر ~~احتمل المعنيين إن لم يكن بينهما تناف ، وذلك قد شمله قوله في الآية ~~المتقدمة { وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا } ( النساء : 3 ) الخ ~~. وأشار بقوله هنا { والمستضعفين من الولدان } إلى قوله هنالك { وآتوا ~~اليتامى أموالهم إلى كبيرا } ( النساء : 2 ) وإلى قوله : { ولا تؤتوا ~~السفهاء أموالكم إلى قوله : معروفا } ( النساء : 5 ) . # وأشار بقوله : { وأن تقوموا لليتامى بالقسط إلى قوله هنالك وابتلوا ~~اليتامى إلى حسيبا } ( النساء : 6 ) . # ولا شك أن ما يتلى في الكتاب هو من إفتاء الله ، إلا أنه لما تقدم على ~~وقت الاستفتاء كان مغايرا للمقصود من قوله : { الله يفتيكم فيهن } ، فلذلك ~~صح عطفه عليه عطف السبب على المسبب . والإفتاء الأنف هو من قوله : { وإنن ~~امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا إلى واسعا حكيما } ( النساء : 128 130 ~~) . # و ( في ) من قوله : { في ms2090 يتامى النساء } للظرفية المجازية ، أي في شأنهن ~~، أو للتعليل ، أي لأجلهن ، ومعنى { كتب لهن } فرض لهن إما من أموال من ~~يرثنهم ، أو من PageV05P213 المهور التي تدفعونها لهن ، فلا توفوهن مهور ~~أمثالهن ، والكل يعد مكتوبا لهن ، كما دل عليه حديث عائشة رضي الله عنها ~~وعلى الوجهين يجيء التقدير في قوله : { وترغبون أن تنكحوهن } ولك أن تجعل ~~الاحتمالين في قوله : { ما كتب لهن } وفي قوله : { وترغبون أن تنكحوهن } . ~~مقصودين على حد استعمال المشترك في معنييه . # وقوله : { والمستضعفين } عطف على { يتامى النساء } ، وهو تكميل وإدماج ، ~~لأن الاستفتاء كان في شأن النساء خاصة ، والمراد المستضعفون والمستضعفات ، ~~ولكن صيغة التذكير تغليب ، وكذلك الولدان ، وقد كانوا في الجاهلية يأكلون ~~أموال من في حجرهم من الصغار . # وقوله : { وأن تقوموا } عطف على { يتامى النساء } ، أي وما يتلى عليكم في ~~القيام لليتامى بالعدل . ومعنى القيام لهم التدبير لشؤونهم ، وذلك يشمل ~~يتامى النساء . # $ 2 ( 128 130 ) { وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح ~~عليهمآ أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح وإن تحسنوا ~~وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا * ولن تستطيعو & # 1764 ا أن تعدلوا بين النسآء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها ~~كالمعلقة وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما * وإن يتفرقا يغن ~~الله كلا من سعته وكان الله واسعا حكيما } . ) 2 $ # عطف لبقية إفتاء الله تعالى . وهذا حكم اختلال المعاشرة بين الزوجين ، ~~وقد تقدم بعضه في قوله : { واللاتي تخافون نشوزهن } ( النساء : 34 ) الآية ~~، في هذه السورة ، فذلك حكم فصل القضاء بينهما ، وما هنا حكم الانفصال ~~بالصلح بينهما ، وذلك ذكر فيه نشوز المرأة ، PageV05P214 وهنا ذكر نشوز ~~البعل . والبعل زوج المرأة . وقد تقدم وجه إطلاق هذا الاسم عليه في قوله { ~~وبعولتهن أحق بردهن في ذلك } في سورة البقرة ( 228 ) . # وصيغة { فلا جناح } من صيغ الإباحة ظاهرا ، فدل ذلك على الإذن للزوجين في ~~صلح يقع بينهما . وقد علم أن الإباحة لا تذكر إلا حيث يظن المنع ، فالمقصود ~~الإذن في صلح يكون بخلع : أي ms2091 عوض مالي تعطيه المرأة ، أو تنازل عن بعض ~~حقوقها ، فيكون مفاد هذه الآية أعم من مفاد قوله تعالى : { ولا يحل لكم أن ~~تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا أن لا يقيما حدود الله فإن خفتم أن ~~لا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به } ( البقرة : 229 ) ، ~~فسماه هناك افتداء ، وسماه هنا صلحا . وقد شاع في الاستعمال إطلاق الصلح ~~على التراضي بين الخصمين على إسقاط بعض الحق ، وهو الأظهر هنا . واصطلح ~~الفقهاء من المالكية : على إطلاق الافتداء على اختلاع المرأة من زوجها بمال ~~تعطيه ، وإطلاق الخلع على الاختلاع بإسقاطها عنه بقية الصداق ، أو النفقة ~~لها ، أو لأولادها . # ويحتمل أن تكون صيغة { لا جناح } مستعملة في التحريض على الصلح ، أي ~~إصلاح أمرهما بالصلح وحسن المعاشرة ، فنفي الجناح من الاستعارة التمليحية ؛ ~~شبه حال من ترك الصلح واستمر على النشوز والإعراض بحال من ترك الصلح عن عمد ~~لظنه أن في الصلح جناحا . فالمراد الصلح بمعنى إصلاح ذات البين ، والأشهر ~~فيه أن يقال الإصلاح . والمقصود الأمر بأسباب الصلح ، وهي : الإغضاء عن ~~الهفوات ، ومقابلة الغلظة باللين ، وهذا أنسب وأليق بما يرد بعده من قوله : ~~{ وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته } . # وللنشوز والإعراض أحوال كثيرة : تقوى وتضعف ، وتختلف عواقبها ، . باختلاف ~~أحوال الأنفس ، ويجمعها قوله : { خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا } . وللصلح ~~أحوال كثيرة : منها المخالعة ، فيدخل في ذلك ما ورد من الآثار الدالة على ~~حوادث من هذا القبيل . ففي ( صحيح البخاري ) ، عن عائشة ، قالت في قوله ~~تعالى : { وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا } قالت : الرجل يكون عنده المرأة ~~ليس بمستكثر منها يريد أن يفارقها ، فتقول له أجعلك من شأني في حل . فنزلت ~~هذه الآية . وروى الترمذي ، بسند حسن عن ابن عباس ، أن سودة أم المؤمنين ~~وهبت يومها لعائشة ، وفي أسباب النزول للواحدي : PageV05P215 أن ابنة محمد ~~بن مسلمة كانت عند رافع بن خديج فكره منها أمرا ، أي كبرا فأراد طلاقها ، ~~فقالت له : أمسكني واقسم لي ما بدا لك . فنزلت الآية في ذلك . # وقرأ الجمهور ms2092 : { أن يصالحا } بتشديد الصاد وفتح اللام وأصله يتصالحا ، ~~فأدغمت التاء في الصاد ، وقرأ عاصم ، وحمزة ، والكسائي ، وخلف : ( إن يصلحا ~~) بضم التحتية وتخفيف الصاد وكسر اللام أي يصلح كل واحد منهما شأنهما بما ~~يبدو من وجوه المصالحة . # والتعريف في قوله : { والصلح خير } تعريف الجنس وليس تعريف العهد ، لأن ~~المقصود إثبات أن ماهية الصلح خير للناس ، فهو تذييل للأمر بالصلح والترغيب ~~فيه ، وليس المقصود أن الصلح المذكور آنفا ، وهو الخلع ، خير من النزاع بين ~~الزوجين ، لأن هذا ، وإن صح معناه ، ألا أن فائدة الوجه الأول أوفر ، ولأن ~~فيه التفادي عن إشكال تفضيل الصلح على النزاع في الخيرية مع أن النزاع لا ~~خير فيه أصلا . ومن جعل الصلح الثاني عين الأول غرته القاعدة المتداولة عند ~~بعض النحاة ، وهي : أن لفظ النكرة إذا أعيد معرفا باللام فهو عين الأولى . ~~وهذه القاعدة ذكرها ابن هشام الأنصاري في ( مغني اللبيب ) في الباب السادس ~~، فقال : يقولون : ( النكرة إذا أعيدت نكرة كانت غير الأولى ، وإذا أعيدت ~~معرفة ، أو أعيدت المعرفة معرفة أو نكرة كانت الثانية عين الأولى ) ، ثم ~~ذكر أن في القرآن آيات ترد هذه الأحكام الأربعة كقوله تعالى : { الله الذي ~~خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا } ( الروم : 54 ~~) وقوله : { أن يصالحا بينهما صلحا والصلح خير } ( النساء : 128 ) { زدناهم ~~عذابا فوق العذاب } ( النحل : 88 ) والشيء لا يكون فوق نفسه { أن النفس ~~بالنفس } ( المائدة : 45 ) { يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من ~~السماء } ( النساء : 153 ) ، وأن في كلام العرب ما يرد ذلك أيضا . والحق ~~أنه لا يختلف في ذلك إذا قامت قرينة على أن الكلام لتعريف الجنس لا لتعريف ~~العهد ، كما هنا . وقد تقدم القول في إعادة المعرفة نكرة عند قوله تعالى : ~~{ وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة } في سورة البقرة ( 193 ) . ويأتي عند قوله ~~تعالى : { وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه } في سورة الأنعام ( 37 ) . # وقوله { خير } ليس هو تفضيلا ولكنه صفة مشبهة ، وزنه فعل ، كقولهم : سمح ~~وسهل ms2093 ، ويجمع على خيور . أو هو مصدر مقابل الشر ، فتكون إخبارا بالمصدر . ~~وأما PageV05P216 المراد به التفضيل فأصل وزنه أفعل ، فخفف بطرح الهمزة ثم ~~قلب حركته وسكونه . # جمعه أخيار ، أي والصلح في ذاته خير عظيم . والحمل على كونه تفضيلا ~~يستدعي أن يكون المفضل عليه هو النشوز والإعراض . ، وليس فيه كبير معنى . # وقد دلت الآية على شدة الترغيب في هذا الصلح بمؤكدات ثلاثة : وهي المصدر ~~المؤكد في قوله : { صلحا } ، والإظهار في مقام الإضمار في قوله : { والصلح ~~خير } ، والإخبار عنه بالمصدر أو بالصفة المشبهة فإنها تدل على فعلل سجية . # ومعنى { وأحضرت الأنفس الشح } ملازمة الشح للنفوس البشرية حتى كأنه حاضر ~~لديها . ولكونه من أفعال الجبلة بني فعله للمجهول على طريقة العرب في بناء ~~كل فعل غير معلومم الفاعل للمجهول ، كقولهم : شغف بفلانة ، واضطر إلى كذا . ~~ف ( الشح ) منصوب على أنه مفعول ثان ل ( أحضرت ) لأنه من باب أعطى . # وأصل الشح في كلام العرب البخل بالمال ، وفي الحديث ( أن تصدق وأنت صحيح ~~شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى ) ، وقال تعالى : { ومن يوق شح نفسه فأولئك هم ~~المفلحون } ( الحشر : 9 ) ويطلق على حرص النفس على الحقوق وقلة التسامح ~~فيها ، ومنه المشاحة ، وعكسه السماحة في الأمرين . # فيجوز أن يكون المراد بالصلح في هذه الآية صلح المال ، وهو الفدية . ~~فالشح هو شح المال ، وتعقيب قوله : { والصلح خير } بقوله : { وأحضرت الأنفس ~~} على هذا الوجه بمنزلة قولهم بعد الأمر بما فيه مصلحة في موعظة أو نحوها : ~~وما إخالك تفعل ، لقصد التحريض . # ويجوز أن يكون المراد من الشح ما جبلت عليه النفوس : من المشاحة ، وعدم ~~التساهل ، وصعوبة الشكائم ، فيكون المراد من الصلح صلح المال وغيره ، ~~فالمقصود من تعقيبه به تحذير الناس من أن يكونوا متلبسين بهذه المشاحة ~~الحائلة دون المصالحة . وتقدم الكلام على البخل عند قوله تعالى : { ولا ~~يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله } في سورة آل عمران ( 180 ) . وقد اشتهر ~~عند العرب ذم الشح بالمال ، وذم من لا سماحة فيه ، فكان هذا التعقيب تنفيرا ~~من العوارض المانعة من السماحة والصلح ، ولذلك ms2094 ذيل بقوله : { وإن تحسنوا ~~وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا } لما فيه من PageV05P217 الترغيب في ~~الإحسان والتقوى . ثم عذر الناس في شأن النساء فقال : { ولن تستطيعوا أن ~~تعدلوا بين النساء } أي تمام العدل . وجاء ب ( لن ) للمبالغة في النفي ، ~~لأن أمر النساء يغالب النفس ، لأن الله جعل حسن المرأة وخلقها مؤثرا أشد ~~التأثير ، فرب امرأة لبيبة خفيفة الروح ، وأخرى ثقيلة حمقاء ، فتفاوتهن في ~~ذلك وخلو بعضهن منه يؤثر لا محالة تفاوتا في محبة الزوج بعض أزواجه ، ولو ~~كان حريصا على إظهار العدل بينهن ، فلذلك قال { ولو حرصتم } ، وأقام الله ~~ميزان العدل بقوله : { فلا تميلوا كل الميل } ، أي لا يفرط أحدكم بإظهار ~~الميل إلى أحداهن أشد الميل حتى يسوء الأخرى بحيث تصير الأخرى كالمعلقة . ~~فظهر أن متعلق { تميلوا } مقدر بإحداهن ، وأن ضمير { تذروها } المنصوب عائد ~~إلى غير المتعلق المحذوف بالقرينة ، وهو إيجاز بديع . # والمعلقة : هي المرأة التي يهجرها زوجها هجرا طويلا ، فلا هي مطلقة ولا ~~هي زوجة ، وفي حديث أم زرع ( زوجي العشنق إن أنطق أطلق وإن أسكت أعلق ) ، ~~وقالت ابنة الحمارس : # إن هي إلا حظة أو تطليق # أو صلف أو بين ذاك تعليق # وقد دل قوله : { ولن تستطيعوا إلى قوله : فلا تميلوا كل الميل } على أن ~~المحبة أمر قهري ، وأن للتعلق بالمرأة أسبابا توجبه قد لا تتوفر في بعض ~~النساء ، فلا يكلف الزوج بما ليس في وسعه من الحب والاستحسان ، ولكن من ~~الحب حظا هو اختياري ، وهو أن يروض الزوج نفسه على الإحسان لامرأته ، وتحمل ~~ما لا يلائمه من خلقها أو أخلاقها ما استطاع ، وحسن المعاشرة لها ، حتى ~~يحصل من الألف بها والحنو عليها اختيارا بطول التكرر والتعود . ما يقوم ~~مقام الميل الطبيعي . فذلك من الميل إليها الموصى به في قوله : { فلا ~~تميلوا كل الميل } ، أي إلى إحداهن أو عن إحداهن . PageV05P218 # ثم وسع الله عليهما إن لم تنجح المصالحة بينهما فأذن لهما في الفراق ~~بقوله : { وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته } . # وفي قوله : { يغن الله كلا من سعته ms2095 } إشارة إلى أن الفراق قد يكون خيرا ~~لهما لأن الفراق خير من سوء المعاشرة . ومعنى إغناء الله كلا : إغناؤه عن ~~الآخر . وفي الآية إشارة إلى أن إغناء الله كلا إنما يكون عن الفراق ~~المسبوق بالسعي في الصلح . # وقوله : { وكان الله واسعا حكيما } تذييل وتنهية للكلام في حكم النساء . # # | 2 ( 131 133 ) { ولله ما فى السماوات وما فى الارض ولقد وصينا الذين ~~أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله وإن تكفروا فإن لله ما فى ~~السماوات وما فى الارض وكان الله غنيا حميدا * ولله ما فى السماوات وما فى ~~الارض وكفى بالله وكيلا * إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت باخرين وكان الله ~~على ذالك قديرا } . ) 2 # جملة { ولله ما في السموات وما في الأرض } معترضة بين الجمل التي قبلها ~~المتضمنة التحريض على التقوى والإحسان وإصلاح الأعمال من قوله : { وإن ~~تحسنوا وتتقوا } ( النساء : 128 ) وقوله : { وإن تصلحوا وتتقوا } ( النساء ~~: 129 ) وبين جملة { ولقد وصينا } الآية . فهذه الجملة تضمنت تذييلات لتلك ~~الجمل السابقة ، وهي مع ذلك تمهيد لما سيذكر بعدها من قوله : { ولقد وصينا ~~الذين أوتوا الكتاب } الخ لأنها دليل لوجوب تقوى الله . # والمناسبة بين هذه الجملة والتي سبقتها : وهي جملة { يغن الله كلا من ~~سعته } ( النساء : 130 ) أن الذي له ما في السماوات وما في الأرض قادر على ~~أن يغني كل أحد من سعته . وهذا تمجيد لله تعالى ، وتذكير بأنه رب العالمين ~~، وكناية عن عظيم سلطانه واستحقاقه للتقوى . PageV05P219 # وجملة { ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم } عطف على جملة { إن ~~الله لا يغفر أن يشرك به } ( النساء : 116 ) . # وجعل الأمر بالتقوى وصية : لأن الوصية قول فيه أمر بشيء نافع جامع لخير ~~كثير ، فلذلك كان الشأن في الوصية إيجاز القول لأنها يقصد منها وعي السامع ~~، واستحضاره كلمة الوصية في سائر أحواله . والتقوى تجمع الخيرات ، لأنها ~~امتثال الأوامر واجتناب المناهي ، ولذلك قالوا : ما تكرر لفظ في القرآن ما ~~تكرر لفظ التقوى ، يعنون غير الأعلام ، كاسم الجلالة . وفي الحديث عن ~~العرباض بن سارية : وعظنا ms2096 رسول الله موعظة وجلت منها القلوب ، وذرفت منها ~~العيون ، فقلنا يا رسول الله : كأنها موعظة مودعع فأوصنا ، قال : ( أوصيكم ~~بتقوى الله عز وجل والسمع والطاعة ) . فذكر التقوى في { أن اتقوا الله } ~~الخ تفسير لجملة { وصينا } ، فأن فيه تفسيرية . والإخبار بأن الله أوصى ~~الذين أوتوا الكتاب من قبل بالتقوى مقصود منه إلهاب همم المسلمين للتهمم ~~بتقوى الله لئلا تفضلهم الأمم الذين من قبلهم من أهل الكتاب ، فإن للائتساء ~~أثرا بالغا في النفوس ، كما قال تعالى : { يأيها الذين آمنوا كتب عليكم ~~الصيام كما كتب على الذين من قبلكم } ( البقرة : 183 ) ، والمراد بالذين ~~أوتوا الكتاب اليهود والنصارى ، فالتعريف في الكتاب تعريف الجنس فيصدق ~~بالمتعدد . # والتقوى المأمور بها هنا منظور فيها إلى أساسها وهو الإيمان بالله ورسله ~~ولذلك قوبلت بجملة { وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات وما في الأرض } . # وبين بها عدم حاجته تعالى إلى تقوى الناس ، ولكنها لصلاح أنفسهم ، كما ~~قال { إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر } ( الزمر : 7 ) ~~. فقوله : { فإن لله ما في السماوات وما في الأرض } كناية عن عدم التضرر ~~بعصيان من يعصونه ، ولذلك جعلها جوابا للشرط ، إذ التقدير فإنه غني عنكم . ~~وتأيد ذلك القصد بتذييلها بقوله : { وكان الله غنيا حميدا } أي غنيا عن ~~طاعتكم ، محمودا لذاته ، سواء حمده الحامدون وأطاعوه ، أم كفروا وعصوه . # وقد ظهر بهذا أن جملة { وإن تكفروا } معطوفة على جملة { أن اتقوا الله } ~~فهي من تمام الوصية ، أي من مقول القول المعبر عنه ب { وصينا } ، فيحسن ~~الوقف على قوله { حميدا } . PageV05P220 # وأما جملة { ولله ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا } فهي ~~عطف على جملة { ولقد وصينا } ، أتى بها تميهدا لقوله : { إن يشأ يذهبكم } ~~فهي مراد بها معناها الكنائي الذي هو التمكن من التصرف بالإيجاد والإعدام ، ~~ولذلك لا يحسن الوقف على قوله : { وكيلا } . فقد تكررت جملة { ولله ما في ~~السماوات وما في الأرض } هنا ثلاث مرات متتاليات متحدة لفظا ومعنى أصليا ، ~~ومختلفة الأغراض الكنائية المقصودة منها ، وسبقتها جملة نظيرتهن : وهي ما ms2097 ~~تقدم من قوله : { ولله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله بكل شيء ~~محيطا } ( النساء : 126 ) . فحصل تكرارها أربع مرات في كلام متناسق . فأما ~~الأولى السابقة فهي واقعة موقع التعليل لجملة { إن الله لا يغفر أن يشرك به ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } ( النساء : 116 ) ، ولقوله : { ومن يشرك بالله ~~فقد ضل ضلالا بعيدا } ( النساء : 116 ) ، والتذييلل لهما ، والاحتراس لجملة ~~{ واتخذ الله إبراهيم خليلا } ( النساء : 125 ) ، كما ذكرناه آنفا . وأما ~~الثانية التي بعدها فواقعة موقع التعليل لجملة { يغني الله كلا من سعته } . ~~وأما الثالثة التي تليها فهي علة للجواب المحذوف ، وهو جواب قوله : { وإن ~~تكفروا } ؛ فالتقدير : وإن تكفروا فإن الله غني عن تقواكم وإيمانكم فإن له ~~ما في السماوات وما في الأرض وكان ولا يزال غنيا حميدا . وأما الرابعة التي ~~تليها فعاطفة على مقدر معطوف على جواب الشرط تقديره : وإن تكفروا بالله ~~وبرسوله فإن الله وكيل عليكم ووكيل عن رسوله وكفى بالله وكيلا . # وجملة { إن يشأ يذهبكم } واقعة موقع التفريع عن قوله : { غنيا حميدا } . ~~والخطاب بقوله : { أيها الناس } للناس كلهم الذين يسمعون الخطاب تنبيها لهم ~~بهذا النداء . ومعنى { يأت بآخرين } يوجد ناسا آخرين يكونون خيرا منكم في ~~تلقي الدين . # وقد علم من مقابلة قوله : { أيها الناس } بقوله : { آخرين } أن المعنى ~~بناس آخرين غير كافرين ، على ما هو الشائع في الوصف بكلمة آخر أو أخرى ، ~~بعد ذكر مقابل للموصوف ، أن يكون الموصوف بكلمة آخر بعضا من جنس ما عطف هو ~~عليه باعتبار ما جعله المتكلم جنسا في كلامه ، بالتصريح أو التقدير . وقد ~~ذهب بعض علماء اللغة إلى لزوم ذلك ، واحتفل بهذه المسألة الحريري في ( درة ~~الغواص ) . وحاصلها : أن الأخفش الصغير ، والحريري ، والرضي ، وابن يسعون ، ~~والصقلي ، وأبا حيان ، ذهبوا إلى اشتراط اتحاد جنس الموصوف بكلمة آخر وما ~~تصرف منها مع جنس ما عطف هو PageV05P221 عليه ، فلا يجوز عندهم أن تقول : ~~ركبت فرسا وحمارا آخر ، ومثلوا لما استكمل الشرط بقوله تعالى : { أياما ~~معدودات } ( البقرة : 184 ) ثم قال : { فعدة من أيام أخر } ( البقرة ms2098 : 185 ~~) وبقوله : { أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى } ( النجم : 19 ، ~~20 ) فوصف مناة بالأخرى لأنها من جنس اللات والعزى في أنها صنم ، قالوا : ~~ومثل كلمة آخر في هذا كلمات : سائر ، وبقية ، وبعض ، فلا تقول : أكرمت رجلا ~~وتركت سائر النساء . ولقد غلا بعض هؤلاء النحاة فاشترطوا الاتحاد بين ~~الموصوف بآخر وبين ما عطف هو عليه حتى في الإفراد وضده . قاله ابن يسعون ~~والصقلي ، ورده ابن هشام في ( التذكرة ) محتجا بقول ربيعة بن مكدم : # ولقد شفعتهما بآخر ثالث # وأبى الفرار لي الغداة تكرمي # وبقول أبي حية النميري : # وكنت أمشي على رجلين معتدلا # فصرت أمشي على أخرى من الشجر # وقال قوم بلزوم الاتحاد في التذكير وضده ، واختاره ابن جني ، وخالفهم ~~المبرد ، واحتج المبرد بقول عنترة : # والخيل تقتحم الغبار عوابسا # من بين شيظمة وآخر شيظم # وذهب الزمخشري وابن عطية إلى عدم اشتراط اتحاد الموصوف بآخر مع ما عطف هو ~~عليه ، ولذلك جوزا في هذه الآية أن يكون المعنى : ويأت بخلق آخرين عير ~~الإنس . # واتفقوا على أنه لا يجوز أن يوصف بكلمة آخر موصوف لم يتقدمه ذكر مقابل له ~~أصلا ، فلا تقول : جاءني آخر ، من غير أن تتكلم بشيء قبل ، لأن معنى آخر ~~معنى مغاير في الذات مجانس في الوصف . وأما قول كثير : # صلى على عزة الرحمان وابنتها # لبنى وصلى على جاراتها الأخر # فمحمول على أنه جعل ابنتها جارة ، أو أنه أراد : صلى على حبائبي : عزة ~~وابنتها وجاراتها حبائبي الأخر . # وقال أبو الحسن لا يجوز ذلك إلا في الشعر ، ولم يأت عليه بشاهد . ~~PageV05P222 # قال أبو الحسن : وقد يجوز ما امتنع من ذلك بتأويل . نحو : رأيت فرسا ~~وحمارا آخر بتأويل أنه دابة ، وقول امرىء القيس : # إذا قلت هذا صاحبي ورضيته # وقرت به العينان بدلت آخرا # قلت : وقد يجعل بيت كثير من هذا ، ويكون الاعتماد على القرينة . # وقد عد في هذا القبيل قول العرب : ( تربت يمين الآخر ) ، وفي الحديث : ~~قال الأعرابي للنبيء صلى الله عليه وسلم ( إن الآخر وقع على أهله في رمضان ~~) كناية عن نفسه ، وكأنه ms2099 من قبيل التجريد . أي جرد من نفسه شخصا تنزيها ~~لنفسه من أن يتحدث عنها بما ذكره . وفي حديث الأسلمي في ( الموطأ ) : أنه ~~قال لأبي بكر ( إن الآخر قد زنى ) وبعض أهل الحديث يضبطونه بالقصر وكسر ~~الخاء ، . وصوبه المحققون . # وفي الآية إشارة إلى أن الله سيخلف من المشركين قوما آخرين مؤمنين ، فإن ~~الله أهلك بعض المشركين على شركه بعد نزول هذه الآية ، ولم يشأ إهلاك ~~جميعهم . وفي الحديث : لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده . # # | 2 ( 134 ) { من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والاخرة ~~وكان الله سميعا بصيرا } . ) 2 # لما كان شأن التقوى عظيما على النفوس ، لأنها يصرفها عنها استعجال الناس ~~لمنافع الدنيا على خيرات الآخرة ، نبههم الله إلى أن خير الدنيا بيد الله ، ~~وخير الآخرة أيضا ، فإن اتقوه نالوا الخيرين . # ويجوز أن تكون الآية تعليما للمؤمنين أن لا يصدهم الإيمان عن طلب ثواب ~~الدنيا ، إذ الكل من فضل الله . ويجوز أن تكون تذكيرا للمؤمنين بأن لا ~~يلهيهم طلب خير الدنيا عن طلب الآخرة ، إذ الجمع بينهما أفضل ، وكلاهما من ~~عند الله ، على نحو قوله : ( فمنهم من يقول ربنا PageV05P223 آتنا في ~~الدنيا وما له في الآخرة من خلاق ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة ~~وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار أولئك لهم نصيب بما كسبوا ) أو هي تعليم ~~للمؤمنين أن لا يطلبوا خير الدنيا من طرق الحرام ، فإن في الحلال سعة لهم ~~ومندوحة ، وليتطلبوه من الحلال يسهل لهم الله حصوله ، إذ الخير كله بيد ~~الله ، فيوشك أن يحرم من يتطلبه من وجه لا يرضيه أو لا يبارك له فيه . ~~والمراد بالثواب في الآية معناه اللغوي دون الشرعي ، وهو الخير وما يرجع به ~~طالب النفع من وجوه النفع ، مشتق من ثاب بمعنى رجع . وعلى الاحتمالات كلها ~~فجواب الشرط ب ( من كان يريد ثواب الدنيا ) محذوف ، تدل عليه علته ، ~~والتقدير : من كان يريد ثواب الدنيا فلا يعرض عن دين الله ، أو فلا يصد عن ~~سؤاله ، أو فلا ms2100 يقتصر على سؤاله ، أو فلا يحصله من وجوه لا ترضي الله تعالى ~~: كما فعل بنو أبيرق وأضرابهم ، وليتطلبه من وجوه البر لأن فضل الله يسع ~~الخيرين ، والكل من عنده . وهذا كقول القطامي : # فمن تكن الحضارة أعجبته # فأي رجال بادية ترانا # التقدير : فلا يغترر أو لا يبتهج بالحضارة ، فإن حالنا دليل على شرف ~~البداوة . # $ 2 ( 135 ) { ي & # 1764 اأيها الذين ءامنوا كونوا قوامين بالقسط شهدآء لله ولو على & # 1764 أنفسكم أو الوالدين والاقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما ~~فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون ~~خبيرا } . ) 2 $ # انتقال من الأمر بالعدل في أحوال معينة من معاملات اليتامى والنساء إلى ~~الأمر بالعدل الذي يعم الأحوال كلها ، وما يقارنه من الشهادة الصادقة ، فإن ~~العدل في الحكم وأداء الشهادة بالحق هو قوام صلاح المجتمع الإسلامي ، ~~والانحراف عن ذلك ولو قيد أنملة يجر إلى فساد متسلسل . # وصيغة { قوامين } دالة على الكثرة المراد لازمها ، وهو عدم الإخلال بهذا ~~القيام في حال من الأحوال . PageV05P224 # والقسط العدل ، وقد تقدم عند قوله تعالى : { قائما بالقسط } في سورة آل ~~عمران ( 18 ) . وعدل عن لفظ العدل إلى كلمة القسط لأن القسط كلمة معربة ~~أدخلت في كلام العرب لدلالتها في اللغة المنقولة منها على العدل في الحكم ، ~~وأما لفظ العدل فأعم من ذلك ، ويدل لذلك تعقيبه بقوله : { شهداء لله } فإن ~~الشهادة من علائق القضاء والحكمم . # و { لله } ظرف مستقر حال من ضمير { شهداء } أي لأجل الله ، وليست لام ~~تعدية { شهداء } إلى مفعوله ، ولم يذكر تعلق المشهود له بمتعلقه وهو وصف { ~~شهداء } لإشعار الوصف بتعيينه ، أي المشهود له بحق . وقد جمعت الآية أصلي ~~التحاكم ، وهما القضاء والشهادة . # وجملة { ولو على أنفسكم } حالية ، و ( لو ) فيها وصلية ، وقد مضى القول ~~في تحقيق موقع ( لو ) الوصلية عند قوله تعالى : { فلن يقبل من أحدهم ملء ~~الأرض ذهبا ولو افتدى به } في سورة آل عمران ( 91 ) . # ويتعلق { على أنفسكم } بكل من { قوامين } و { شهداء } ليشمل القضاء ~~والشهادة ms2101 . # والأنفس : جمع نفس ؛ وأصلها أن تطلق على الذات ، ويطلقها العرب أيضا على ~~صميم القبيلة ، فيقولون : هو من بني فلان من أنفسهم . # فيجوز أن يكون { أنفسكم } هنا بالمعنى المستعمل به غالبا ، أي : قوموا ~~بالعدل على أنفسكم ، واشهدوا لله على أنفسكم ، أي قضاء غالبا لأنفسكم ~~وشهادة غالبة لأنفسكم ، لأن حرف ( على ) مؤذن بأن متعلقة شديد فيه كلفة على ~~المجرور بعلى ، أي ولو كان قضاء القاضي منكم وشهادة الشاهد منكم بما فيه ضر ~~وكراهة للقاضي والشاهد ، وهذا أقصى ما يبالغ عليه في الشدة والأذى ، لأن ~~أشق شيء على المرء ما يناله من أذى وضر في ذاته ، ثم ذكر بعد ذلك الوالدان ~~والأقربون لأن أقضية القاضي وشهادة الشاهد فيما يلحق ضرا ومشقة بوالديه ~~وقرابته أكثر من قضائه وشهادته فيما يؤول بذلك على نفسه . # ويجوز أن يراد : ولو على قيبلتكم أو والديكم وقرابتكم . وموقع المبالغة ~~المستفادة من ( لو ) الوصلية أنه كان من عادة العرب أن ينتصروا بمواليهم من ~~القبائل ويدفعوا عنهم PageV05P225 ما يكرهونه ، ويرون ذلك من إباء الضيم ، ~~ويرون ذلك حقا عليهم ، ويعدون التقصير في ذلك مسبة وعارا يقضي منه العجب . ~~قال مرة بن عداء الفقسي : # رأيت موالي الآلى يخذلونني # على حدثان الدهر إذ يتقلب # ويعدون الاهتمام بالآباء والأبناء في الدرجة الثانية ، حتى يقولون في ~~الدعاء : ( فذاك أبي وأمي ) ، فكانت الآية تبطل هذه الحمية وتبعث المسلمين ~~على الانتصار للحق والدفاع عن المظلوم . فإن أبيت إلا جعل الأنفس بمعنى ~~ذوات الشاهدين فاجعل عطف ( الوالدين والأقربين ) بعد ذلك لقصد الاحتراس ~~لئلا يظن أحد أنه يشهد بالحق على نفسه لأن ذلك حقه ، فهو أمير نفسه فيه ، ~~وأنه لا يصلح له أن يشهد على والديه أو أقاربه لما في ذلك من المسبة ~~والمعرة أو التأثم ، وعلى هذا تكون الشهادة مستعملة في معنى مشترك بين ~~الإقرار والشهادة ، كقوله : { شهد الله أنه لا إلاه إلا هو والملائكة وأولو ~~العلم قائما بالقسط } ( آل عمران : 18 ) . # وقوله { إن يكن غنيا أو فقيرا } استئناف واقع موقع العلة لمجموع جملة { ~~كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ms2102 } : أي إن يكن المقسط في حقه ، أو المشهود ~~له ، غنيا أو فقيرا ، فلا يكن غناه ولا فقره سببا للقضاء له أو عليه ~~والشهادة له أو عليه . والمقصود من ذلك التحذير من التأثر بأحوال يلتبس ~~فيها الباطل بالحق لما يحف بها من عوارض يتوهم أن رعيها ضرب من إقامة ~~المصالح ، وحراسة العدالة ، فلما أبطلت الآية التي قبلها التأثر للحمية ~~أعقبت بهذه الآية لإبطال التأثر بالمظاهر التي تستجلب النفوس إلى مراعاتها ~~فيتمحض نظرها إليها . وتغضي بسببها عن تمييز الحق من الباطل . وتذهل عنه ، ~~فمن النفوس من يتوهم أن الغنى يربأ بصاحبه عن أخذ حق غيره ، يقول في نفسه : ~~هذا في غنية عن أكل حق غيره ، وقد أنعم الله عليه بعدم الحاجة . ومن الناس ~~من يميل إلى الفقير رقة له ، فيحسبه مظلوما ، أو يحسب أن القضاء له بمال ~~الغني لا يضر الغني شيئا ؛ فنهاهم الله عن هذه التأثيرات بكلمة جامعة وهي ~~قوله : { إن يكن غنيا أو فقيرا فاللها أولى بهما } . وهذا الترديد صالح لكل ~~من أصحاب هذين التوهمين ، فالذي يعظم الغني يدحض لأجله حق الفقير ، والذي ~~يرق للفقير يدحض لأجله حق الغني ، وكلا ذلك باطل ، فإن الذي يراعي حال ~~الغني والفقير ويقدر إصلاح حال الفريقين هو الله تعالى . PageV05P226 # فقوله : { فالله أولى بهما } ليس هو الجواب ، ولكنه دليله وعلته ، ~~والتقدير : فلا يهمكم أمرهما عند التقاضي ، فالله أولى بالنظر في شأنهما ، ~~وإنما عليكم النظر في الحق . # ولذلك فرع عليه قوله : { فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا } فجعل الميل نحو ~~الموالي والأقارب من الهوى ، والنظر إلى الفقر والغنى من الهوى . # والغني : ضد الفقير ، فالغنى هو عدم إلى الاحتياج إلى شيء ، وهو مقول ~~عليه بالتفاوت ، فيعرف بالمتعلق كقوله : ( كلانا غني عن أخيه حياته ) ، ~~ويعرف بالعرف يقال : فلان غني ، بمعنى له ثروة يستطيع بها تحصيل حاجاته من ~~غير فضل لأحد عليه ، فوجدان أجور الأجراء غنى ، وإن كان المستأجر محتاجا ~~إلى الأجراء ، لأن وجدان الأجور يجعله كغير المحتاج ، والغنى المطلق لا ~~يكون إلا لله تعالى . # والفقير : هو المحتاج إلا أنه ms2103 يقال افتقر إلى كذا ، بالتخصيص ، فإذا قيل ~~: هو فقير ، فمعناه في العرف أنه كثير الاحتياج إلى فضل الناس ، أو إلى ~~الصبر على الحاجة لقلة ثروته ، وكل مخلوق فقير فقرا نسبيا ، قال تعالى : { ~~والله الغني وأنتم الفقراء } ( محمد : 38 ) . # واسم { يكن } ضمير مستتر عائد إلى معلوم من السياق ، يدل عليه قوله : { ~~قوامين بالقسط شهداء لله } من معنى التخاصم والتقاضي . والتقدير : أن يكن ~~أحد الخصمين من أهل هذا الوصف أو هذا الوصف ، والمراد الجنسان ، و ( أو ) ~~للتقسيم ، وتثنية الضمير في قوله : { فالله أولى بهما } لأنه عائد إلى ( ~~غنيا وفقيرا ) باعتبار الجنس ، إذ ليس القصد إلى فرد معين ذي غني ، ولا إلى ~~فرد معيين ذي فقر ، بل فرد شائع في هذا الجنس وفي ذلك الجنس . # وقوله : { أن تعدلوا } محذوف منه حرف الجر ، كما هو الشأن مع أن المصدرية ~~، فاحتمل أن يكون المحذوف لام التعليل فيكون تعليلا للنهي ، أي لا تتبعوا ~~الهوى لتعدلوا ، واحتمل أن يكون المحذوف ( عن ) ، أي فلا تتبعوا الهوى عن ~~العدل ، أي معرضين عنه . وقد عرفت قاضيا لا مطعن في ثقته وتنزهه ، ولكنه ~~كان مبتلى باعتقاد أن مظنة القدرة والسلطان ليسوا إلا ظلمة : من أغنياء أو ~~رجال . فكان يعتبر هذين الصنفين محقوقين فلا يستوفي التأمل من حججهما . ~~PageV05P227 # وبعد أن أمر الله تعالى ونهى وحذر ، عقب ذلك كله بالتهديد فقال : { وإن ~~تلوا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا } . # وقرأ الجمهور : { تلووا } بلام ساكنة وواوين بعدها ، أولاهما مضمومة فهو ~~مضارع لوى ، واللي : الفتل والثني . وتفرعت من هذا المعنى الحقيقي معان ~~شاعت فساوت الحقيقة ، منها : عدول عن جانب وإقبال على جانب آخر فإذا عدي ~~بعن فهو انصراف عن المجرور بعن ، وإذا عدي بإلى فهو انصراف عن جانب كان فيه ~~، وإقبال على المجرور بعلى ، قال تعالى : { ولا تلوون على أحد } ( آل عمران ~~: 153 ) أي لا تعطفون على أحد . ومن معانيه : لوى عن الأمر تثاقل ، ولوى ~~أمره عني أخفاه ، ومنها : لي اللسان ، أي تحريف الكلام في النطق به أو في ~~معانيه ، وتقدم عند قوله ms2104 تعالى : { يلوون ألسنتهم بالكتاب } في سورة آل ~~عمران ( 78 ) ، وقوله : { ليا بألسنتهم في هذه السورة ( 46 ) . فموقع فعل ~~تلووا } هنا موقع بليغ لأنه صالح لتقدير متعلقه المحذوفف مجرورا بحرف ( عن ~~) أو مجرورا بحرف ( على ) فيشمل معاني العدول عن الحق في الحكم ، والعدول ~~عن الصدق في الشهادة ، أو التثاقل في تمكين المحق من حقه وأداء الشهادة ~~لطالبها ، أو الميل في أحد الخصمين في القضاء والشهادة . وأما الإعراض فهو ~~الامتناع من القضاء ومن أداء الشهادة والمماطلة في الحكم مع ظهور الحق ، ~~وهو غير اللي كما رأيت . وقرأه ابن عامر ، وحمزة ، وخلف : { وأن تلوا } ~~بلام مضمومة بعدها واو ساكنة فقيل : هو مضارع ولي الأمر ، أي باشره . ~~فالمعنى : وإن تلوا القضاء بين الخصوم ، فيكون راجعا إلى قوله : { أن ~~تعدلوا } ولا يتجه رجوعه إلى الشهادة ، إذ ليس أداء الشهادة بولاية . ~~والوجه أن هذه القراءة تخفيف { تلووا } نقلت حركة الواو إلى الساكن قبلها ~~فالتقى واوان ساكنان فحذف أحدهما ، ويكون معنى القراءتين واحدا . # وقوله : { فإن الله كان بما تعملون خبيرا } كناية عن وعيد ، لأن الخبير ~~بفاعل السوء ، وهو قدير ، لا يعوزه أن يعذبه على ذلك . وأكدت الجملة ب ( إن ~~) و ( كان ) . # PageV05P228 $ 2 ( 136 ) { ياأيها الذين ءامنوا ءامنوا بالله ورسوله ~~والكتاب الذى نزل على رسوله والكتاب الذى & # 1764 أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الاخر فقد ~~ضل ضلالا بعيدا } . ) 2 $ # تذييل عقب به أمر المؤمنين بأن يكونوا قوامين بالقسط شهداء لله ، فأمرهم ~~الله عقب ذلك بما هو جامع لمعاني القيام بالقسط والشهادة لله : بأن يؤمنوا ~~بالله ورسله وكتبه ، ويدوموا على إيمانهم ، ويحذروا مسارب ما يخل بذلك . # ووصف المخاطبين بأنهم آمنوا ، وإرادفه بأمرهم بأن يؤمنوا بالله ورسله إلى ~~آخره يرشد السامع إلى تأويل الكلام تأويلا يستقيم به الجمع بين كونهم آمنوا ~~وكونهم مأمورين بإيمانن ، ويجوز في هذا التأويل خمسة مسالك : # المسلك الأول : تأويل الإيمان في قوله : { يأيها الذين آمنوا } بأنه ~~إيمان مختل منه بعض ما يحق الإيمان به ، فيكون فيها خطاب لنفر من اليهود ~~آمنوا ms2105 ، وهم عبد الله بن سلام ، وأسد وأسيد ابنا كعب ، وثعلبة بن قيس ، ~~وسلام ابن أخت عبد الله بن سلام ، وسلمة ابن أخيه ، ويامين بن يامين ، ~~سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤمنوا به وبكتابه ، كما آمنوا بموسى ~~وبالتوراة ، وأن لا يؤمنوا بالإنجيل ، كما جاء في رواية الواحدي عن الكلبي ~~، ورواه غيره عن ابن عباس . # المسلك الثاني : أن يكون التأويل في الإيمان المأمور به أنه إيمان كامل ~~لا تشوبه كراهية بعض كتب الله ، تحذيرا من ذلك . فالخطاب للمسلمين لأن وصف ~~الذين آمنوا صار كاللقب للمسلمين ، ولا شك أن المؤمنين قد آمنوا بالله وما ~~عطف على اسمه هنا ، فالظاهر أن المقصود بأمرهم بذلك : إما زيادة تقرير ما ~~يجب الإيمان به ، وتكرير استحضارهم إياه حتى لا يذهلوا عن شيء منه اهتماما ~~بجميعه ؛ وإما النهي عن إنكار الكتاب المنزل على موسى وإنكار نبوءته ، لئلا ~~يدفعهم بغض اليهود وما بينهم وبينهم من الشنآن إلى مقابلتهم بمثل ما يصرح ~~به اليهود من تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم وإنكار نزول القرآن ؛ وإما ~~أريد به التعريض بالذين يزعمون أنهم يؤمنون بالله ورسله PageV05P229 ثم ~~ينكرون نبوءة محمد صلى الله عليه وسلم وينكرون القرآن ، حسدا من عند أنفسهم ~~، ويكرهون بعض الملائكة لذلك ، وهم اليهود ، والتنبيه على أن المسلمين أكمل ~~الأمم إيمانا ، وأولى الناس برسل الله وكتبه ، فهم أحرياء بأن يسودوا غيرهم ~~لسلامة إيمانهم من إنكار فضائل أهل الفضائل ، ويدل لذلك قوله عقبه ( ومن ~~يكفر بالله وملائكته وكتبه ) ، ويزيد ذلك تأييدا أنه قال : { واليومم الآخر ~~} فعطفه على الأشياء التي من يكفر بها فقد ضل ، مع أنه لم يأمر المؤمنين ~~بالإيمان باليوم الآخر فيما أمرهم به ، لأن الإيمان به يشاركهم فيه اليهود ~~فلم يذكره فيما يجب الإيمان به ، وذكره بعد ذلك تعريضا بالمشركين . # المسلك الثالث : أن يراد بالأمر بالإيمان الدوام عليه تثبيتا لهم على ذلك ~~، وتحذيرا لهم من الارتداد ، فيكون هذا الأمر تمهيدا وتوطئة لقوله : { ومن ~~يكفر بالله وملائكته } ، ولقوله : { إن الذين آمنوا ثم كفروا } ( النساء : ~~137 ) الآية . # المسلك الرابع ms2106 : أن الخطاب للمنافقين ، يعني : يأيها الذين أظهروا ~~الإيمان أخلصوا إيمانكم حقا . # المسلك الخامس : روي عن الحسن تأويل الأمر في قوله : { آمنوا بالله } ~~بأنه طلب لثباتهم على الإيمان الذي هم عليه ، واختاره الجبائي . وهو الجاري ~~على ألسنة أهل العلم ، وبناء عليه جعلوا الآية شاهدا لاستعمال صيغة الأمر ~~في طلب الدوام . والمراد بالكتاب الذي أنزل من قبل الجنس ، والتعريف ~~للاستغراق يعني : والكتب التي أنزل الله من قبلل القرآن ، ويؤيده قوله بعده ~~( وكتبه ورسله ) . # وقرأ نافع . وعاصم . وحمزة ، والكسائي ، وأبو جعفر ، ويعقوب ، وخلف : ( ~~نزل و أنزل ) كليهما بالبناء للفاعل وقرأه ابن كثير ، وابن عامر ، وأبو ~~عمرو بالبناء للنائب . # وجاء في صلة وصف الكتاب { الذي نزل على رسوله } بصيغة التفعيل ، وفي صلة ~~الكتاب { الذي أنزل من قبل } بصيغة الإفعال تفننا ، أو لأن القرآن حينئذ ~~بصدد النزول نجوما ، والتوراة يومئذ قد انقضى نزولها . ومن قال : لأن ~~القرآن أنزل منجما بخلاف غيره من الكتب فقد أخطأ إذ لا يعرف كتاب نزل دفعة ~~واحدة . # PageV05P230 # | 2 ( 137 ) { إن الذين ءامنوا ثم كفروا ثم ءامنوا ثم كفروا ثم ازدادوا ~~كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا } . ) 2 # استئناف عن قوله : { ومن يكفر بالله } ( النساء : 136 ) الآية ، لأنه إذا ~~كان الكفر كما علمت ، فما ظنك بكفر مضاعف يعاوده صاحبه بعد أن دخل في ~~الإيمان ، وزالت عنه عوائق الاعتراف بالصدق ، فكفره بئس الكفر . وقد قيل : ~~إن الآية أشارت إلى اليهود لأنهم آمنوا بموسى ثم كفروا به إذ عبدوا العجل ، ~~ثم آمنوا بموسى ثم كفروا بعيسى ثم ازدادوا كفرا بمحمد ، وعليه فالآية تكون ~~من الذم المتوجه إلى الأمة باعتبار فعل سلفها ، وهو بعيد ، لأن الآية حكم ~~لا ذم ، لقوله { لم يكن الله ليغفر لهم } فإن الأولين من اليهود كفروا إذ ~~عبدوا العجل ، ولكنهم تابوا فما استحقوا عدم المغفرة وعدم الهداية ، كيف ~~وقد قيل لهم { فتوبوا إلى بارئكم } إلى قوله : { فتاب عليكم } ( البقرة : ~~54 ) ، ولأن المتأخرين منهم ما عبدوا العجل حتى يعد عليهم الكفر الأول ، ~~على أن اليهود كفروا غير مرة ms2107 في تاريخهم فكفروا بعد موت سليمان وعبدوا ~~الأوثان ، وكفروا في زمن بختنصر . والظاهر على هذا التأويل أن لا يكون ~~المراد بقوله : { ثم ازدادوا كفرا } أنهم كفروا كفرة أخرى ، بل المراد ~~الإجمال ، أي ثم كفروا بعد ذلك ، كما يقول الواقف : وأولادهم وأولاد ~~أولادهم وأولاد أولاد أولادهم لا يريد بذلك الوقوف عند الجيل الثالث ، ~~ويكون المراد من الآية أن الذين عرف من دأبهم الخفة إلى تكذيب الرسل ، وإلى ~~خلع ربقة الديانة ، هم قوم لا يغفر لهم صنعهم ، إذ كان ذلك عن استخفاف ~~بالله ورسله . # وقيل : نزلت في المنافقين إذ كانوا يؤمنون إذا لقوا المؤمنين ، فإذا ~~رجعوا إلى قومهم كفروا ، ولا قصد حينئذ إلى عدد الإيمانات والكفرات . وعندي ~~: أنه يعني أقواما من العرب من أهل مكة كانوا يتجرون إلى المدينة فيؤمنون ، ~~فإذا رجعوا إلى مكة كفروا وتكرر منهم ذلك ، وهم الذين ذكروا عند تفسير قوله ~~: { فما لكم في المنافقين فئتين } ( النساء : 88 ) . PageV05P231 # وعلى الوجوه كلها فاسم الموصول من قوله : { إن الذين . . . كفروا } مراد ~~منه فريق معهود ، فالآية وعيد لهم ونذارة بأن الله حرمهم الهدى فلم يكن ~~ليغفر لهم ، لأنه حرمهم سبب المغفرة ، ولذلك لم تكن الآية دالة على أن من ~~أحوال الكفر ما لا ينفع الإيمان بعده . فقد أجمع المسلمون على أن الإيمان ~~يجب ما قبله ، ولو كفر المرء مائة مرة ، وأن التوبة من الذنوب كذلك ، وقد ~~تقدم شبه هذه الآية في آل عمران ( 190 ) وهو قوله : { إن الذين كفروا بعد ~~إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم . # فإن قلت : إذا كان كذلك فهؤلاء القوم قد علم الله أنهم لا يؤمنون وأخبر ~~بنفي أن يهديهم وأن يغفر لهم ، فإذن لا فائدة في الطلب منهم أن يؤمنوا بعد ~~هذا الكلام ، فهل هم مخصوصون من آيات عموم الدعوة . # قلت : الأشخاص الذين علم الله أنهم لا يؤمنون ، كأبي جهل ، ولم يخبر ~~نبيئه بأنهم لا يؤمنون فهم مخاطبون بالإيمان مع عموم الأمة ، لأن علم الله ~~تعالى بعدم إيمانهم لم ينصب عليه أمارة ، كما علم من مسألة ( التكليف ms2108 ~~بالمحال العارض ) في أصول الفقه ، وأما هؤلاء فلو كانوا معروفين بأعيانهم ~~لكانت هذه الآية صارفة عن دعوتهم إلى الإيمان بعد ، وإن لم يكونوا معروفين ~~بأعيانهم فالقول فيهم كالقول فيمن علم الله عدم إيمانه ولم يخبر به ، وليس ~~ثمة ضابط يتحقق به أنهم دعوا بأعيانهم إلى الإيمان بعد هذه الآية ونحوها . # والنفي في قوله : لم يكن الله ليغفر لهم } أبلغ من : لا يغفر الله لهم ، ~~لأن أصل وضع هذه الصيغة للدلالة على أن اسم كان لم يجعل ليصدر منه خبرها ، ~~ولا شك أن الشيء الذي لم يجعل لشيء يكون نابيا عنه ، لأنه ضد طبعه ، ولقد ~~أبدع النحاة في تسمية اللام التي بعد كان المنفية ( لام الجحود ) . # $ 2 ( 138 141 ) { بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما * الذين يتخذون ~~الكافرين أوليآء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله ~~PageV05P232 جميعا * وقد نزل عليكم فى الكتاب أن إذا سمعتم ءايات الله يكفر ~~بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا فى حديث غيره إنكم إذا مثلهم ~~إن الله جامع المنافقين والكافرين فى جهنم جميعا * الذين يتربصون بكم فإن ~~كان لكم فتح من الله قالو & # 1764 ا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالو & # 1764 ا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين فالله يحكم بينكم يوم ~~القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا } . ) 2 $ # استئناف ابتدائي ناشىء عن وصف الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ~~ازدادوا كفرا ، فإن أولئك كانوا مظهرين الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم ، ~~وكان ثمة طائفة تبطن الكفر وهم أهل النفاق ، ولما كان التظاهر بالإيمان ثم ~~تعقيبه بالكفر ضربا من التهكم بالإسلام وأهله ، جيء في جزاء عملهم بوعيد ~~مناسب لتهكمهم بالمسلمين ، فجاء به على طريقة التهكم إذ قال : { بشر ~~المنافقين } ، فإن البشارة هي الخبر بما يفرح المخبر به ، وليس العذاب كذلك ~~، وللعرب في التهكم أساليب كقول شقيق ابن سليك الأسدي : # أتاني من أبي أنسس وعيد # فسلى لغيظة الضحاكك جسمي # وقول النابغة : # فإنك سوف تحلم أو ms2109 تناهى # إذا ما شبت أو شاب الغراب # وقول ابن زيابة : # نبئت عمرا غارزا رأسه # في سنة يوعد أخواله # وتلك منه غير مأمونة # أن يفعل الشيء إذا قاله PageV05P233 # ومجيء صفتهم بطريقة الموصول لإفادة تعليل استحقاقهم العذاب الأليم ، أي ~~لأنهم اتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين ، أي اتخذوهم أولياء لأجل ~~مضادة المؤمنين . والمراد بالكافرين مشركو مكة ، أو أحبار اليهود ، لأنه لم ~~يبق بالمدينة مشركون صرحاء في وقت نزول هذه السورة ، فليس إلا منافقون ~~ويهود . وجملة { أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله } استئناف بياني ~~باعتبار المعطوف وهو { فإن العزة لله } وقوله : { أيبتغون } هو منشأ ~~الاستئناف ، وفي ذلك إيماء إلى أن المنافقين لم تكن موالاتهم للمشركين لأجل ~~المماثلة في الدين والعقيدة ، لأن معظم المنافقين من اليهود ، بل اتخذوهم ~~ليعتزوا بهم على المؤمنين ، وإيماء إلى أن المنافقين شعروا بالضعف فطلبوا ~~الاعتزاز ، وفي ذلك نهاية التجهيل والذم . والاستفهام إنكار وتوبيخ ، ولذلك ~~صح التفريع عنه بقوله : { فإن العزة لله جميعا } أي لا عزة إلا به ، لأن ~~الاعتزاز بغيره باطل . كما قيل : من اعتز بغير الله هان . وإن كان المراد ~~بالكافرين اليهود فالاستفهام تهكم بالفريقين كقول المثل : كالمستغيث من ~~الرمضاء بالنار . وهذا الكلام يفيد التحذير من مخالطتهم بطريق الكناية . # وجملة { وقد نزل عليكم في الكتاب } الخ يجوز أن تكون معطوفة على جملة { ~~بشر المنافقين } تذكيرا للمسلمين بما كانوا أعلموا به مما يؤكد التحذير من ~~مخالطتهم ، فضمير الخطاب موجه إلى المؤمنين ، وضمائر الغيبة إلى المنافقين ~~، ويجوز أن تكون في موضع الحال من ضمير ( يتخذون ) ، فيكون ضمير الخطاب في ~~قوله : { وقد نزل عليكم } خطابا لأصحاب الصلة من قوله : { الذين يتخذون ~~الكافرين أولياء } ( النساء : 139 ) على طريقة الالتفات ، كأنهم بعد أن ~~أجريت عليهم الصلة صاروا معينين معروفين ، فالتفت إليهم بالخطاب ، لأنهم ~~يعرفون أنهم أصحاب تلك الصلة ، فلعلهم أن يقلعوا عن موالاة الكافرين . ~~وعليه فضمير الخطاب للمنافقين ، وضمائر الغيبة للكافرين ، والذي نزل في ~~الكتاب هو آيات نزلت قبل نزول هذه السورة في القرآن : في شأن كفر الكافرين ~~والمنافقين واستهزائهم . # قال المفسرون : إن ms2110 الذي أحيل عليه هنا هو قوله تعالى في سورة ( 68 ) ~~الأنعام : { وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في ~~حديث غيره لأن شأن الكافرين يسري إلى الذين يتخذونهم أولياء ، والظاهر أن ~~الذي أحال الله عليه هو ما PageV05P234 تكرر في القرآن من قبل نزول هذه ~~السورة نحو قوله في البقرة : وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما ~~نحن مشتهزءون } مما حصل من مجموعه تقرر هذا المعنى . # و ( أن ) في قوله : { أن إذا سمعتم } تفسيرية ، لأن ( نزل ) تضمن معنى ~~الكلام دون حروف القول ، إذ لم يقصد حكاية لفظ ( ما نزل ) بل حاصل معناه . ~~وجعلها بعضهم مخففة من الثقيلة واسمها ضمير شأن محذوفا ، وهو بعيد . # وإسناد الفعلين : { يكفر } و { يستهزأ } إلى المجهول لتتأتى ، بحذف ~~الفاعل ، صلاحية إسناد الفعلين إلى الكافرين والمنافقين . وفيه إيماء إلى ~~أن المنافقين يركنون إلى المشركين واليهود لأنهم يكفرون بالآيات ويستهزئون ~~، فتنثلج لذلك نفوس المنافقين ، لأن المنافقين لا يستطيعون أن يتظاهروا ~~بذلك للمسلمين فيشفي غليلهم أن يسمع المسلمون ذلك من الكفار . # وقد جعل زمان كفرهم واستهزائهم هو زمن سماع المؤمنين آيات الله . ~~والمقصود أنه زمن نزول آيات الله أو قراءة آيات الله ، فعدل عن ذلك إلى ~~سماع المؤمنين ، ليشير إلى عجيب تضاد الحالين ، فلفي حالة اتصاف المنافقين ~~بالكفر بالله والهزل بآياته يتصف المؤمنون بتلقي آياته والإصغاء إليها وقصد ~~الوعي لها والعمل بها . # وأعقب ذلك بتفريع النهي عن مجالستهم في تلك الحالة حتى ينتقلوا إلى غيرها ~~، لئلا يتوسل الشيطان بذلك إلى استضعاف حرص المؤمنين على سماع القرآن ، لأن ~~للأخلاق عدوى ، وفي المثل ( تعدي الصحاح مبارك الجرب ) . # وهذا النهي يقتضي الأمر بمغادرة مجالسهم إذا خاضوا في الكفر بالآيات ~~والاستهزاء بها . وفي النهي عن القعود إليهم حكمة أخرى : وهي وجوب إظهار ~~الغضب لله من ذلك كقوله : { تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من ~~الحق } ( الممتحنة : 1 ) . # و ( حتى ) حرف يعطف غاية الشيء عليه ، فالنهي عن القعود معهم غايته أم ~~يكفوا عن الخوض في الكفر بالآيات والاستهزاء بها . # وهذا ms2111 الحكم تدريج في تحريم موالاة المسلمين للكافرين ، جعل مبدأ ذلك أن ~~لا يحضروا مجالس كفرهم ليظهر التمايز بين المسلمين الخلص وبين المنافقين ، ~~ورخص PageV05P235 لهم القعود معهم إذ خاضوا في حديث غير حديث الكفر . ثم ~~نسخ ذلك بقوله تعالى : { يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم ~~أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون ~~قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها ~~وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في ~~سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره } ( التوبة : 23 ، 24 ) . # وجعل جواب القعود معهم المنهي عنه أنهم إذا لم ينتهوا عن القعود معهم ~~يكونون مثلهم في الاستخفاف بآيات الله إذ قال : { إنكم إذن مثلهم } فإن ( ~~إذن ) حرف جواب وجزاء لكلام ملفوظ به أو مقدر . والمجازاة هنا لكلام مقدر ~~دل عليه النهي عن القعود معهم ؛ فإن التقدير : إن قعدتم معهم إذن إنكم ~~مثلهم . ووقوع إذن جزاء لكلام مقدر شائع في كلام العرب كقول العنبري : # لو كنت من مازن لم تستبح إبلي # بنو اللقيطة من ذهلل شيبانا # إذن لقام بنصري معشر خشن # عند الحفيظة إن ذو لوثة لانا # قال المرزوقي في ( شرح الحماسة ) : ( وفائدة ( إذن ) هو أنه أخرج البيت ~~الثاني مخرج جواب قائل له : ولو استباحوا ماذا كان يفعل بنو مازن ؟ فقال : ~~إذن لقام بنصري معشر خشن ) . قلت : ومنه قوله تعالى : { وما كنت تتلو من ~~قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون } ( العنكبوت : 48 ) . ~~التقدير : فلو كنت تتلو وتخط إذن لارتاب المبطلون . فقد علم أن الجزاء في ~~قوله : { إنكم إذن مثلهم } عن المنهي عنه لا عن النهي ، كقول الراجز ، وهو ~~من شواهد اللغة والنحو : # لا تتركني فيهم شطيرا # أني إذن أهلك أو أطيرا # والظاهر أن فريقا من المؤمنين كانوا يجلسون هذه المجالس فلا يقدمون على ~~تغيير هذا ولا يقومون عنهم تقية لهم فنهوا عن ذلك . وهذه المماثلة لهم ~~خارجة مخرج التغليظ والتهديد والتخويف ، ولا يصير المؤمن منافقا بجلوسه إلى ~~المنافقين ، وأريد المماثلة ms2112 في المعصية لا في مقدارها ، أي أنكم تصيرون ~~مثلهم في التلبس بالمعاصي . PageV05P236 # وقوله : { إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا } تحذير من أن ~~يكونوا مثلهم ، وإعلام بأن الفريقين سواء في عدواة المؤمنين ، ووعيد ~~للمنافقين بعدم جدوى إظهارهم الإسلام لهم . # وجملة { الذين يتربصون بكم } صفة للمنافقين وحدهم بدليل قوله : { وإن كان ~~للكافرين نصيب } . # والتربص حقيقة في المكث بالمكان ، وقد مر قوله : { يتربصن بأنفسهن } في ~~سورة البقرة ( 228 ) . وهو مجاز في الانتظار وترقب الحوادث . وتفصيله قوله ~~: { فإن كان لكم فتح من الله } الآيات . وجعل ما يحصل للمسلمين فتحا لأنه ~~انتصار دائم ، ونسب إلى الله لأنه مقدره ومريده بأسباب خفية ومعجزات بينة . ~~والمراد بالكافرين هم المشركون من أهل مكة وغيرهم لا محالة ، إذ لا حظ ~~لليهود في الحرب ، وجعل ما يحصل لهم من النصر نصيبا تحقيرا له ، والمراد ~~نصيب من الفوز في القتال . # والاستحواذ : الغلبة والإحاطة ، أبقوا الواو على أصلها ولم يقلبوها ألفا ~~بعد الفتحة على خلاف القياس . وهذا أحد الأفعال التي صححت على خلاف القياس ~~مثل : استجوب ، وقد يقولون : استحاذ على القياس كما يقولون : استجاب ~~واستصاب . # والاستفهام تقريري . ومعنى { ألم نستحوذ عليكم } ألم نتول شؤونكم ونحيط ~~بكم إحاطة العنايية والنصرة ونمنعكم من المؤمنين ، أي من أن ينالكم بأسهم ، ~~فالمنع هنا إما منع مكذوب يخيلونه الكفار واقعا وهو الظاهر ، وإما منع ~~تقديري وهو كف النصرة عن المؤمنين ، والتجسس عليهم بإبلاغ أخبارهم للكافرين ~~، وإلقاء الأراجيف والفتن بين جيوش المؤمنين ، وكل ذلك مم يضعف بأس ~~المؤمنين إن وقع ، وهذا القول كان يقوله من يندس من المنافقين في جيش ~~المسلمين في الغزوات ، وخاصة إذا كانت جيوش المشركين قرب المدينة مثل غزوة ~~الأحزاب . # وقوله : { فالله يحكم بينكم يوم القيامة } الفاء للفصيحة ، والكلام إنذار ~~للمنافقين وكفاية لمهم المؤمنين ، بأن فوض أمر جزاء المنافقين على مكائدهم ~~وخزعبلاتهم إليه تعالى . PageV05P237 # وقوله : { ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا } تثبيت للمؤمنين ، ~~لأن مثيل هذه الأخبار عن دخائل الأعداء وتألبهم : من عدو مجاهر بكفره . ~~وعدو مصانع مظهر للأخوة ، وبيان هذه الأفعال ms2113 الشيطانية البالغة أقصى المكر ~~والحيلة ، يثير مخاوف في نفوس المسلمين وقد يخيل لهم مهاوي الخيبة في ~~مستقبلهم . فكان من شأن التلطف بهم أن يعقب ذلك التحذير بالشد على العضد ، ~~والوعد بحسن العاقبة ، فوعدهم الله بأن لا يجعل للكافرين ، وإن تألبت ~~عصاباتهم . واختلفت مناحي كفرهم ، سبيلا على المؤمنين . # والمراد بالسبيل طريق الوصول إلى المؤمنين بالهزيمة والغلبة ، بقرينة ~~تعديته بعلى ، ولأن سبيل العدو إلى عدوه هو السعي إلى مضرته ، ولو قال لك ~~الحبيب : لا سبيل إليك ، لتحسرت ؛ ولو قال لك العدو : لا سبيل إليك لتهللت ~~بشرا ، فإذا عدي بعلى صار نصا في سبيل الشر والأذى ، فالآية وعد محض دنيوي ~~، وليست من التشريع في شيء ، ولا من أمور الآخرة في شيء لنبو المقام عن ~~هذين . # فإن قلت : إذا كان وعدا لم يجز تخلفه . ونحن نرى الكافرين ينتصرون على ~~المؤمنين انتصرا بينا ، وربما تملكوا بلادهم وطال ذلك ، فكيف تأويل هذا ~~الوعد . قلت : إن أريد بالكافرين والمؤمنين الطائفتان المعهودتان بقرينة ~~القصة فالإشكال زائل ، لأن الله جعل عاقبة النصر أيامئذ للمؤمنين وقطع دابر ~~القوم الذين ظلموا فلم يلبثوا أن ثقفوا وأخذوا وقتلوا تقتيلا ودخلت بقيتهم ~~في الإسلام فأصبحوا أنصارا للدين ؛ وإن أريد العموم فالمقصود من المؤمنين ~~المؤمنون الخلص الذين تلبسوا بالإيمان بسائر أحواله وأصوله وفروعه ، ولو ~~استقام المؤمنون على ذلك لما نال الكافرون منهم منالا ، ولدفعوا عن أنفسهم ~~خيبة وخبالا . # $ 2 ( 142 ، 143 ) { إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قامو & # 1764 ا إلى الصلواة قاموا كسالى يرآءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا ~~PageV05P238 * مذبذبين بين ذالك لا إلى هاؤلا & # 1764 ء ولا إلى هاؤلا & # 1764 ء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا } . ) 2 $ # استئناف ابتدائي ، فيه زيادة بيان لمساويهم . والمناسبة ظاهرة . وتأكيد ~~الجملة بحرف ( إن ) لتحقيق حالتهم العجيبة وتحقيق ما عقبها من قوله : { وهو ~~خادعهم } . # وتقدم الكلام على معنى مخادعة المنافقين الله تعالى في سورة البقرة ( 9 ) ~~عند قوله : { يخادعون الله والذين آمنوا . # وزادت هذه الآية بقوله : وهو خادعهم } أي فقابلهم بمثل صنيعهم ، فكما ms2114 كان ~~فعلهم مع المؤمنين المتبعين أمر الله ورسوله خداعا لله تعالى ، كان إمهال ~~الله لهم في الدنيا حتى اطمأنوا وحسبوا أن حيلتهم وكيدهم راجا على المسلمين ~~وأن الله ليس ناصرهم ، وإنذاره المؤمنين بكيدهم حتى لا تنطلي عليهم حيلهم ، ~~وتقدير أخذه إياهم بأخرة ، شبيها بفعل المخادع جزءا وفاقا . فإطلاق الخداع ~~على استدراج الله إياهم أستعارة تمثيلية ، وحسنتها المشاكلة ؛ لأن المشاكلة ~~لا تعدو أن تكون استعارة لفظ لغير معناه مع مزيد مناسبة مع لفظ آخر مثل ~~اللفظ المستعار . فالمشاكلة ترجع إلى التلميح ، أي إذا لم تكن لإطلاق اللفظ ~~على المعنى المراد علاقة بين معنى اللفظ والمعنى المراد إلا محاكاة اللفظ ، ~~سميت مشاكلة كقول أبي الرقعمق . # قالوا : اقترح شيئا نجد لك طبخه # قلت : أطبخوا لي جبة وقميصا # و ( كسالى ) جمع كسلان على وزن فعالى ، والكسلان المتصف بالكسل ، وهو ~~الفتور في الأفعال لسآمة أو كراهية . والكسل في الصلاة مؤذن بقلة اكتراث ~~المصلي بها وزهده في فعلها ، فلذلك كان من شيم المنافقين . ومن أجل ذلك ~~حذرت الشريعة من تجاوز حد النشاط في العبادة خشية السآمة ، ففي الحديث ( ~~عليكم من الأعمال بما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا ) . ونهى على ~~الصلاة والإنسان يريد حاجته ، وعن الصلاة عند حضور الطعام ، كل ذلك ليكون ~~إقبال المؤمن على الصلاة بشره وعزم ، لأن PageV05P239 النفس إذا تطرقتها ~~السآمة من الشيء دبت إليها كراهيته دبيبا حتى تتمكن منها الكراهية ، ولا ~~خطر على النفس مثل أن تكره الخير . # و ( كسالى ) حال لازمة من ضمير { قاموا } ، لأن قاموا لا يصلح أن يقع ~~وحده جوابا ل ( إذا ) التي شرطها ( قاموا ) ، لأنه لو وقع مجردا لكان ~~الجواب عين الشرط ، فلزم ذكر الحال ، كقوله تعالى : { وإذا مروا باللغو ~~مروا كراما } ( الفرقان : 72 ) وقول الأحوص الأنصاري : # فإذا تزول تزول عن متخمط # تخشى بوادره على الأقران # وجملة { يراءون الناس } حال ثانية ، أو صفة ل ( كسالى ) ، أو جملة ~~مستأنفة لبيان جواب من يسأل : ماذا قصدهم بهذا القيام للصلاة وهلا تركوا ~~هذا القيام من أصله ، فوقع البيان بأنهم يراءون بصلاتهم ms2115 الناس . { ويراءون ~~} فعل يقتضي أنهم يرون الناس صلاتهم ويريهم الناس . وليس الأمر كذلك ، ~~فالمفاعلة هنا لمجرد المبالغة في الإراءة ، وهذا كثير في باب المفاعلة . # وقوله : { ولا يذكرون الله إلا قليلا } معطوف على { يراءون } إن كان { ~~يراءون } حالا أو صفة ، وإن كان { يراءون } استئناف فجملة { ولا يذكرون } ~~حال ، والواو واو الحال ، أي : ولا يذكرون الله بالصلاة ألا قليلا . ~~فالاستثناء إإما من أزمنة الذكر ، أي إلا وقتا قليلا ، وهو وقت حضورهم مع ~~المسلمين إذ يقومون إلى الصلاة معهم حينئذ فيذكرون الله بالتكبير وغيره ، ~~وإما من مصدر { يذكرون } ، أي إلا ذكرا قليلا في تلك الصلاة التي يراءون ~~بها ، وهو الذكر الذي لا مندوحة عن تركه مثل : التأمين ، وقول ربنا لك ~~الحمد ، والتكبير ، وما عدا ذلك لا يقولونه من تسبيحح الركوع ، وقراءة ~~ركعات السر . ولك أن تجعل جملة { ولا يذكرون } معطوفة على جملة { وإذا ~~قاموا } ، فهي خبر عن خصالهم ، أي هم لا يذكرون الله في سائر أحوالهم إلا ~~حالا قليلا أو زمنا قليلا وهو الذكر الذي لا يخلو عنه عبد يحتاج لربه في ~~المنشط والمكره ، أي أنهم ليسوا مثل المسلمين الذين يذكرون الله على كل حال ~~، ويكثرون من ذكره ، وعلى كل تقدير فالآية أفادت عبوديتهم وكفرهم بنعمة ~~ربهم زيادة على كفرهم برسوله وقرآنه . # ثم جاء بحال تعبر عن جامع نفاقهم وهي قوله : { مذبذبين بين ذلك } وهو حال ~~من ضمير { يراءون } . PageV05P240 # والمذبذب اسن مفعول من الذبذبة . يقال : ذبذبه فتذبذب . والذبذبة : شدة ~~الاضطراب من خوف أو خجل ، قيل : إن الذبذبة مشتقة من تكرير ذب إذا طرد ، ~~لأن المطرود يعجل ويضطرب ، فهو من الأفعال التي أفادت كثرة المصدر بالتكرير ~~، مثل زلزل ولملم بالمكان وصلصل وكبكب ، وفيه لغة بدالين مهملتين ، وهي ~~التي تجري في عاميتنا اليوم ، يقولون : رجل مدبدب ، أي يفعل الأشياء على ~~غير صواب ولا توفيق . فقيل : إنها مشتقة من الدبة بضم الدال وتشديد الباء ~~الموحدة أي الطريقة بمعنى أنه يسلك مرة هذا الطريق ومرة هذا الطريق . # والإشارة بقوله : { بين ذلك } إلى ما استفيد من قوله : { يراءون ms2116 الناس } ~~لأن الذي يقصد من فعله إرضاء الناس لا يلبث أن يصير مذبذبا ، إذ يجد في ~~النماس أصنافا متباينة المقاصد والشهوات . ويجوز جعل الإشارة راجعة إلى شيء ~~غير مذكور ، ولكن إلى ما من شأنه أن يشار إليه ، أي مذبذبين بين طرفين ~~كالإيمان والكفر . # وجملة { لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء } صفة ل { مذبذبين } لقصد الكشف عن ~~معناه لما فيه من خفاء الاستعارة ، أو هي بيان لقوله : { مذبذبين بين ذلك } ~~. و { هؤلاء } أحدهما إشارة إلى المؤمنين ، والآخر إشارة إلى الكافرين من ~~غير تعيين ، إذ ليس في المقام إلا فريقان فأيها جعلته مشارا إليه بأحد اسمي ~~الإشارة صح ذلك ، ونظيره قوله تعالى ( فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من ~~شيعته وهذا من عدوه ) . # والتقدير لا هم إلى المسلمين ولا هم إلى الكافرين . و ( إلى ) متعلقة ~~بمحذوف دل عليه معنى الانتهاء ، أي لا ذاهبين إلى هذا الفريق ولا إلى ~~الفريق الآخر ، والذهاب الذي دلت عليه ( إلى ) ذهاب مجازي وهو الانتماء ~~والانتساب ، أي هم أضاعوا النسبتين فلا هم مسلمون ولا هم كافرون ثابتون ، ~~والعرب تأتي بمثل هذا التركيب المشتمل على ( لا ) النافية مكررة في غرضين : ~~تارة يقصدون به إضاعة الأمرين ، كقول إحدى نساء حديث أم زرع ( لا سهل ~~فيرتقى ولا سمين فينتقل ) وقوله تعالى : { فلا صدق ولا صلى } ( القيامة : ~~31 ) { لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث } ( البقرة : 71 ) . وتارة ~~يقصدون به إثبات حالة وسط بين حالين ، كقوله تعالى : { لا شرقية ولا غريبة ~~} ( النور : 35 ) { لا فارض ولا بكر } ( المائدة : 68 ) ، وقول زهير : # فلا هو أخفاها ولم يتقدم PageV05P241 # وعلى الاستعمالين فمعنى الآية خفي ، إذ ليس المراد إثبات حالة وسط ~~للمنافقين بين الإيمان والكفر ، لأنه لا طائل تحت معناه ، فتعين أنه من ~~الاستعمال الأول ، أي ليسوا من المؤمنين ولا من الكافرين . وهم في التحقيق ~~. ، إلى الكافرين . كما دل عليه آيات كثيرة . كقوله : { الذين يتخذون ~~الكافرين أولياء من دون المؤمنين } ( النساء : 139 ) وقوله : { وإن كان ~~للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين } ( النساء : ~~141 ) . 6 ms2117 فتعين أن المعنى أنهم أضاعوا الإيمان والانتماء إلى المسلمين ، ~~وأضاعوا الكفر بمفارقة نصرة أهله ، أي كانوا بحالة اضطراب وهو معنى التذبذب ~~. والمقصود من هذا تحقيرهم وتنفير الفريقين من صحبتهم لينبذهم الفريقان . # وقوله : { فلن تجد له سبيلا } الخطاب لغير معين ، والمعنى : لم تجد له ~~سيبلا إلى الهدى بقرينة مقابلته بقوله : { ومن يضلل الله } . # # | 2 ( 144 ) { ياأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا الكافرين أوليآء من دون ~~المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا } . ) 2 # أقبل على المؤمنين بالتحذير من موالاة الكافرين بعد أن شرح دخائلهم ~~واستصناعهم للمنافقين لقصد أذى المسلمين ، فعلم السامع أنه لولا عداوة ~~الكافرين لهذا الدين لما كان النفاق ، وما كانت تصاريف المنافقين ، فقال : ~~{ يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين } ، فهي ~~استئناف ابتدائي ، لأنها توجيه خطاب بعد الانتهاء من الإخبار عن المنافقين ~~بطريق الغيبة . وهذه آية جامعة للتحذير من موالاة الكافرين . فالتحذير من ~~موالاة الكافرين والمنافقين ، ومن الوقوع في النفاق ، لإن المنافقين ~~تظاهروا بالإيمان ووالوا الكافرين تحذير من الاستشعار بشعار النفاق ، ~~وتحذير من موالاة المنافقين الذين هم أولياء الكافرين ، وتشهير بنفاق ~~المنافقين ، وتسجيل عليهم أن لا يقولوا : كنا نجهل أن الله لا يحب موالاة ~~الكافرين . PageV05P242 # والظاهر أن المراد بالكافرين هنا مشركو مكة وأهل الكتاب من أهل المدينة ، ~~لأن المنافقين كانوا في الأكثر موالين لأهل الكتاب . # وقوله : { أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا } استئناف بياني ، ~~لأن النهي عن اتخاذ الكافرين أولياء مما يبعث الناس على معرفة جزاء هذا ~~الفعل مع ما ذكرناه من قصد التشهير بالمنافقين والتسجيل عليهم ، أي أنكم إن ~~استمررتم على موالاة الكافرين جعلتم لله عليكم سلطانا مبينا ، أي حجة واضحة ~~على فساد إيمانكم ، فهذا تعريض بالمنافقين . # فالاستفهام مستعمل في معنى التحذير والإنذار مجازا مرسلا . # وهذا السلطان هو حجة الرسول عليهم بأنهم غير مؤمنين فتجري عليهم أحكام ~~الكفر ، لأن الله عالم بما في نفوسهم لا يحتاج إلى حجة عليهم ، أو أريد حجة ~~افتضاحهم يوم الحساب بموالاة الكافرين ، كقوله : { لئلا يكون للناس على ~~الله حجة ms2118 بعد الرسل } ( النساء : 165 ) . ومن هنا يجوز أيضا أن يكون المراد ~~من الحجة قطع حجة من يرتكب هذه الموالاة والإعذار إليه . # # | 2 ( 145 ، 146 ) { إن المنافقين فى الدرك الاسفل من النار ولن تجد لهم ~~نصيرا * إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولائك ~~مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما } . ) 2 # عقب التعريض بالمنافقين من قوله : { لا تتخذوا الكافرين أولياء } كما ~~تقدم بالتصريح بأن المنافقين أشد أهل النار عذابا . فإن الانتقال من النهي ~~عن اتخاذ الكافرين أولياء إلى ذكر حال المنافقين يؤذن بأن الذين اتخذوا ~~الكافرين أولياء معدودن من المنافقين ، فإن لانتقالات جمل الكلام معاني لا ~~يفيدها الكلام لما تدل عليه من ترتيب الخواطر في الفكر . PageV05P243 # وجملة { أن المنافقين } مستأنفة استئنافا بيانيا ، ثانيا إذ هي عود إلى ~~أحوال المنافقين . # وتأكيد الخبر ب ( إن ) لإفادة أنه لا محيص لهم عنه . # والدرك : اسم جمع دركة ، ضد الدرج اسم جمع درجة . والدركة المنزلة في ~~الهبوط . فالشيء الذي يقصد أسفله تكون منازل التدلي إليه دركات ، والشيء ~~الذي يقصد أعلاه تكون منازل الرقي إليه درجات ، وقد يطلق الأسمان على ~~المنزلة الواحدة باختلاف الاعتبار وإنما كان المنافقون في الدرك الأسفل ، ~~أي في أذل منازل العذاب ، لأن كفرهم أسوأ الكفر لما حف به من الرذائل . # وقرأ الجمهور : { في الدرك بفتح الراء على أنه اسم جمع دركة ضد الدرجة . ~~وقرأه عاصم . وحمزة ، والكسائي ، وخلف بسكون الراء وهما لغتان وفتح الراء ~~هو الأصل ، وهو أشهر . # والخطاب في ولن تجد لهم نصيرا } لكل من يصح منه سماع الخطاب ، وهو تأكيد ~~للوعيد ، وقطع لرجائهم ، لأن العرب ألفوا الشفاعات والنجدات في المضائق . ~~فلذلك كثر في القرآن تذييل الوعيد بقطع الطمع في النصير والفداء ونحوهما . # واستثنى من هذا الوعيد من آمن من المنافقين ، وأصلح حاله ، واعتصم بالله ~~دون الاعتزاز بالكافرين ، وأخلص دينه لله ، فلم يشبه بتردد ولا تربص ~~بانتظار من ينتصر من الفريقين : المؤمنين والكافرين ، فأخبر أن من صارت ~~حاله إلى هذا الخير فهو مع المؤمنين ، وفي لفظ ( مع ) إيماء ms2119 إلى فضيلة من ~~آمن من أول الأمر ولم يصم نفسه بالنفاق لأن ( مع ) تدخل على المتبوع وهو ~~الأفصل . # وجيء باسم الإشارة في قوله : { فأولئك مع المؤمنين } لزيادة تمييز هؤلاء ~~الذين تابوا ، وللتنبيه على أنهم أحرياء بما سيرد بعد اسم الإشارة . # وقد علم الناس ما أعد الله للمؤمنين بما تكرر في القرآن ، ولكن زاده هنا ~~تأكيدا بقوله : { وسوف يؤتي الله المؤمنين أجرا عظيما } . وحرف التنفيس هنا ~~دل على أن المراد من الأجر أجر الدنيا وهو النصر وحسن العاقبة وأجر الآخرة ~~، إذ الكل مستقبل ، وأن ليس المراد منه الثواب لأنه حصل من قبل . # PageV05P244 # | 2 ( 147 ) { ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وءامنتم وكان الله شاكرا ~~عليما } . ) 2 # تذييل لكلتا الجملتين : جملة { إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار } ~~مع الجملة المتضمنة لاستثناء من يتوب منهم ويؤمن ، وما تضمنته من التنويه ~~بشأن المؤمنين من قوله : { وسوف يؤتي الله المؤمنين أجرا عظيما } ( النساء ~~: 146 ) . # والخطاب يجوز أن يراد به جميع الأمة ، ويجوز أن يوجه إلى المنافقين على ~~طريقة الالتفات من الغيبة إلى الخطاب ارتفاقا بهم . # والاستفهام في قوله : { ما يفعل الله بعذابكم } أريد به الجواب بالنفي ~~فهو إنكاري ، أي لا يفعل بعذابكم شيئا . # ومعنى { يفعل } يصنع وينتفع ، بدليل تعديته بالباء . والمعنى أن الوعيد ~~الذي توعد به المنافقون إنما هو على الكفر والنفاق ، فإذا تابوا وأصلحوا ~~واعتصموا بالله غفر لهم العذاب ، فلا يحسبوا أن الله يعذبهم لكراهة في ~~ذاتهم أو تشف منهم ، ولكنه جزاء السوء ، لأن الحكيم يضع الأشياء مواضعها ، ~~فيجازي على الإحسان بالإحسان ، وعلى الإساءة بالإساءة ، فإذا أقلع المسيء ~~عن الإساءة أبطل الله جزاءه بالسوء ، إذ لا ينتفع بعذاب ولا بثواب ، ولكنها ~~المسببات تجري على الأسباب . وإذا كان المؤمنون قد ثبتوا على إيمانهم ~~وشكرهم ، . وتجنبوا موالاة المنافقين والكافرين ، فالله لا يعذبهم ، إذ لا ~~موجب لعذابهم . # وجملة { وكان الله شاكرا عليما } اعتراض في آخر الكلام ، وهو إعلام بأن ~~الله لا يعطل الجزاء الحسن عن الذين يؤمنون به ويشكرون نعمه الجمة ، ~~والإيمان بالله وصفاته أول درجات ms2120 شكر العبد ربه . # PageV05P245 $ 2 ( 148 ، 149 ) { لا يحب الله الجهر بالسو & # 1764 ء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعا عليما * إن تبدوا خيرا أو ~~تخفوه أو تعفوا عن سو & # 1764 ء فإن الله كان عفوا قديرا } . ) 2 $ # موقع هذه الآية عقب الآي التي قبلها أن الله لما شوه حال المنافقين وشهر ~~بفضائحهم تشهيرا طويلا ، كان الكلام السابق بحيث يثير في نفوس السامعين ~~نفورا من النفاق وأحواله ، وبغضا للملموزين به ، وخاصة بعد أن وصفهم باتخاذ ~~الكافرين أولياء من دون المؤمنين ، وأنهم يستهزئون بالقرآن ، ونهى المسلمين ~~عن القعود معهم ، فحذر الله المسلمين من أن يغيظهم ذلك على من يتوسمون فيه ~~النفاق ، فيجاهروهم بقول السوء ، ورخص لمن ظلم من المسلمين أن يجهر لظالمه ~~بالسوء ، لأن ذلك دفاع عن نفسه . # روى البخاري : أن رجالا اجتمعوا في بيت عتبان بن مالك لطعام صنعه لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال قائل : أين مالك بن الدخشم ، فقال بعضهم : ~~ذلك منافق لا يحب الله ورسوله ، فقال رسول الله : ( لا تقل ذلك ألا تراه قد ~~قال : لا إله إلا الله ، يريد بذلك وجه الله ، فقال : فإنا نرى وجهه ~~ونصيحته إلى المنافقين ) . الحديث . فظن هذا القائل بمالك أنه منافق ، ~~لملازمته للمنافقين ، فوصفه بأنه منافق لا يحب الله ورسوله . فلعل هذه ~~الآية نزلت للصد عن المجازفة بظن النفاق بمن ليس منافقا . وأيضا لما كان من ~~أخص أوصاف المنافقين إظهار خلاف ما يبطنون فقد ذكرت نجواهم وذكر رياؤهم في ~~هذه السورة وذكرت أشياء كثيرة من إظهارهم خلاف ما يبطنون في سورة البقرة ~~كان ذلك يثير في النفوس خشية أن يكون إظهار خلاف ما في الباطن نفاقا فأراد ~~الله تبين الفارق بين الحالين . # وجملة { لا يحب } مفصولة لأنها استئناف ابتدائي لهذا الغرض الذي بيناه : ~~الجهر بالسوء من القول ، وقد علم المسلمون أن المحبة والكراهية PageV06P005 ~~تستحيل حقيقتهما على الله تعالى ، لأنهما انفعالان للنفس نحو استحسان الحسن ~~، واستنكار القبيح ، فالمراد لازمهما المناسب للإلهية ، وهما الرضا والغضب ~~. # وصيغة { لا يحب } ، بحسب قواعد الأصول ms2121 ، صيغة نفي الإذن . والأصل فيه ~~التحريم . وهذا المراد هنا ؛ لأن { لا يحب } يفيد معنى يكره ، وهو يرجع إلى ~~معنى النهي . وفي ( صحيح مسلم ) عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ( إن الله يرضى لكم ثلاثا ويكره لكم ثلاثا إلى قوله ويكره لكم قيل ~~وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال ) . فهذه أمور ثلاثة أكثر أحوالها محرم أو ~~مكروه . # والمراد بالجهر ما يبلغ إلى أسماع الناس إذ ليس السر بالقول في نفس ~~الناطق مما ينشأ عنه ضر . وتقييده بالقول لأنه أضعف أنواع الأذى فيعلم أن ~~السوء من الفعل أشد تحريما . # واستثنى { من ظلم } فرخص له الجهر بالسوء من القول . والمستثنى منه هو ~~فاعل المصدر المقدر الواقع في سياق النفي ، المفيد للعموم ، إذ التقدير : ~~لا يحب الله جهر أحد بالسوء ، أو يكون المستثنى مضافا محذوفا ، أي : إلا ~~جهر من ظلم ، والمقصود ظاهر ، وقد قضي في الكلام حق الإيجاز . # ورخص الله للمظلوم الجهر بالقول السيىء ليشفي غضبه ، حتى لا يثوب إلى ~~السيف أو إلى البطش باليد ، ففي هذا الإذن توسعة على من لا يمسك نفسه عند ~~لحاق الظلم به ، والمقصود من هذا هو الاحتراس في حكم { لا يحب الله الجهر ~~بالسوء من القول } . وقد دلت الآية على الإذن للمظلوم في جميع أنواع الجهر ~~بالسوء من القول ، وهو مخصوص بما لا يتجاوز حد التظلم فيما بينه وبين ظالمه ~~، أو شكاية ظلمه : أن يقول له : ظلمتني ، أو أنت ظالم ؛ وأن يقول للناس : ~~إنه ظالم . ومن ذلك الدعاء على الظالم جهرا لأن الدعاء عليه إعلان بظلمه ~~وإحالته على عدل الله تعالى ، ونظير هذا المعنى كثير في القرآن ، وذلك ~~مخصوص بما لا يؤدي إلى القذف ، فإن دلائل النهي عن القذف وصيانة النفس من ~~أن تتعرض لحد القذف أو تعزيز الغيبة ، قائمة في الشريعة . فهذا الاستثناء ~~مفيد إباحة الجهر بالسوء من القول من جانب PageV06P006 المظلوم في جانب ~~ظالمه ؛ ومنه ما في الحديث ( مطل الغني ظلم ) أي فللممطول أن يقول : فلان ~~مماطل وظالم . وفي الحديث ( لي الواجد يحل ms2122 عرضه وعقوبته ) . # وجملة { وكان الله سميعا عليما } عطف على { لا يحب } ، والمقصود أنه عليم ~~بالأقوال الصادرة كلها ، عليم بالمقاصد والأمور كلها ، فذكر ( عليما ) بعد ~~( سميعا ) لقصد التعميم في العلم ، تحذيرا من أن يظنوا أن الله غير عالم ~~ببعض ما يصدر منهم . # وبعد أن نهى ورخص ، ندب المرخص لهم إلى العفو وقولل الخير ، فقال : { إن ~~تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفواعن سوء فإن الله كان عفوا قديرا } ، فإبداء ~~الخير إظهاره . وعطف عليه { أو تخفوه } لزيادة الترغيب أن لا يظنوا أن ~~الثواب على إبداء الخير خاصة ، كقوله : { إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن ~~تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم } ( البقرة : 271 ) . والعفو عن السوء ~~بالصفح وترك المجازاة ، فهو أمر عدمي . # وجملة { فإن الله كان عفوا قديرا } دليل جواب الشرط ، وهو علة له ، ~~وتقدير الجواب : يعف عنكم عند القدرة عليكم ، كما أنكم فعلتم الخير جهرا ~~وخفية وعفوتم عند المقدرة على الأخذ بحقكم ، لأن المأذون فيه شرعا يعتبر ~~مقدورا للمأذون ، فجواب الشرط وعد بالمغفرة لهم في بعض ما يقترفونه جزاء عن ~~فعل الخير وعن العفو عمن اقترف ذنبا ؛ فذكر { إن تبدوا خيرا أو تخفوه } ~~تكملة لما اقتضاه قوله : { لا يحب الله الجهر بالسوء من القول } استكمالا ~~لموجبات العفو عن السيئات ، كما أفصح عنه قوله صلى الله عليه وسلم { وأتبع ~~السيئة الحسنة تمحها } . # هذا ما أراه في معنى الجواب . وقال المفسرون : جملة الجزاء تحريض على ~~العفو ببيان أن فيه تخلفا بالكمال ، لأن صفات الله غاية الكمالات . ~~والتقدير : إن تبدو خيرا الخ تكونوا متخلقين بصفات الله ، فإن الله كان ~~عفوا قديرا ، وهذا التقدير لا يناسب إلا قوله : { أو نعفوا عن سوء } ولا ~~يناسب قوله : PageV06P007 { إن تبدوا خيرا أو تخفوه } إلا إذا خصص ذلك ~~بإبداء الخير لمن ظلمهم ، وإخفائه عمن ظلمهم . وفي الحديث ( أن تعفو عمن ~~ظلمك وتعطي من حرمك وتصل من قطعك ) . # # | 2 ( 150 152 ) { لله إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا ~~بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ms2123 ذالك ~~سبيلا * أولائك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا * والذين ~~ءامنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولائك سوف يؤتيهم أجورهم وكان ~~الله غفورا رحيما } . ) 2 # عادة القرآن عند التعرض إلى أحوال من أظهروا النواء للمسلمين أن ينتقل من ~~صفات المنافقين ، أو أهل الكتاب ، أو المشركين إلى صفات الآخرين ، فالمراد ~~من الذين يكفرون بالله ورسله هنا هم اليهود والنصارى ، قاله أهل التفسير . ~~والأظهر أن المراد به اليهود خاصة لأنهم المختلطون بالمسلمين والمنافقين ، ~~وكان كثير من المنافقين يهودا وعبر عنهم بطريق الموصول دون الاسم لما في ~~الصلة من الإيماء إلى وجه الخير ، ومن شناعة صنيعهم ليناسب الإخبار عنهم ~~باسم الإشارة بعد ذلك . # وجمع الرسل لأن اليهود كفروا بعيسى ومحمد عليهما السلام ، والنصارى كفروا ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم فجمع الرسل باعتبار مجموع الكفار ، أو أراد ~~بالجمع الاثنين ، أو أراد بالإضافة معنى الجنس فاستوى فيه صيغة الإفراد ~~والجمع ، لأن المقصود ذم من هذه صفتهم بدون تعيين فريق ، وطريق العرب في ~~مثل هذا أن يعبروا بصيغة الجموع وإن كان المعرض به واحدا كقوله تعالى : { ~~أم يحسدون الناس } ( النساء : 54 ) وقوله : { الذين يبخلون ويأمرون ~~PageV06P008 الناس بالبخل } ( النساء : 37 ) { يحكم بها النبيئون الذين ~~أسلموا للذين هادوا } ( المائدة : 44 ) وقول النبي صلى الله عليه وسلم ( ما ~~بال أقوام يشترطون شروطا ) . # وجيء بالمضارع هنا للدلالة على أن هذا أمر متجدد فيهم مستمر ، لأنهم لو ~~كفروا في الماضي ثم رجعوا لما كانوا أحرياء بالذم . # ومعنى كفرهم بالله : أنهم لما آمنوا به ووصفوه بصفات غير صفاته من ~~التجسيم واتخاذ الصاحبة والولد والحلول ونحو ذلك ، فقد آمنوا بالاسم لا ~~بالمسمى ، وهم في الحقيقة كفروا بالمسمى ، كما إذا كان أحد يظن أنه يعرف ~~فلانا فقلت له : صفه لي ، فوصفه بغير صفاته ، تقول له : ( أنت لا تعرفه ) ؛ ~~على أنهم لما كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم فقد كفروا بما جاء به من ~~توحيد الله وتنزيهه عن مماثلة الحوادث ، فقد كفروا بإلهيته الحقة ، إذ منهم ~~من جسم ومنهم من ثلث . # ومعنى ms2124 قوله : { ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله } أنهم يحاولون ذلك ~~فأطلقت الإرادة على المحاولة ، وفيه إيذان بأنه أمر صعب المنال ، وأنهم لم ~~يبلغوا ما أرادوا من ذلك ، لأنهم لم يزالوا يحاولونه ، كما دل عليه التعبير ~~بالمضارع في قوله : { ويريدون } ولو بلغوا إليه لقال : وفرقوا بين الله ~~ورسله . # ومعنى التفريق بين الله ورسله أنهم ينكرون صدق بعض الرسل الذين أرسلهم ~~الله ، ويعترفون بصدق بعض الرسل دون بعض ، ويزعمون أنهم يؤمنون بالله ، فقد ~~فرقوا بين الله ورسله إذ نفوا رسالتهم فأبعدوهم منه ، وهذا استعارة تمثيلية ~~، شبه الأمر المتخيل في نفوسهم بما يضمره مريد التفريق بين الأولياء ~~والأحباب ، فهي تشبيه هيئة معقولة بهيئة معقولة ، والغرض من التشبيه تشويه ~~المشبه ، إذ قد علم الناس أن التفرقة بين المتصلين ذميمة . # وهذه الآية في معنى الآيات التي تقدمت في سورة البقرة : { لا نفرق بين ~~أحد منهم ونحن له مسلمون } ( البقرة : 136 ) ، { لا نفرق بين أحد من رسله } ~~( البقرة : 285 ) ، PageV06P009 وفي سورة آل عمران { لا نفرق بين أحد منهم ~~ونحن له مسلمون } ( آل عمران : 84 ) إلا أن تلك الآيات في التحذير من ~~التفريق بين الرسل ، والآية هذه في التحذير من التفريق بين الله وبعض رسله ~~، ومآل الجميع واحد : لأن التفريق بين الرسل يستلزم التفريق بين الله وبعض ~~رسله . وإضافة الجمع إلى الضمير هنا للعهد لا للعموم بالقرينة ، وهي قوله : ~~{ ويقولون نؤمن ببعض } . # وجملة { ويقولون نؤمن ببعض } واقعة في معنى الاستئناف البياني للتفريق ~~بين الله ورسله ، ولكنها عطفت ؛ لأنها شأن خاص من شؤونهم ، إذ مدلولها قول ~~من أقوالهم الشنيعة ، ومدلول { يريدون } هيئة حاصلة من كفرهم ، فلذلك حسن ~~العطف باعتبار المغايرة ولو في الجملة ، ولو فصلت لكان صحيحا . # ومعنى { يقولون نؤمن } الخ أن اليهود يقولون : نؤمن بالله وبموسى ونكفر ~~بعيسى ومحمد ، والنصارى يقولون : نؤمن بالله وبموسى وعيسى ونكفر بمحمد ، ~~فآمنوا بالله وبعض رسله ظاهرا وفرقوا بينه وبين بعض رسله . # والإرادة في قوله { ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا } إرادة حقيقية . ~~والسبيل يحتمل أن يراد به سبيل النجاة من المؤخذة ms2125 في الآخرة توهما أن تلك ~~حيلة تحقق لهم السلامة على تقدير سلامة المؤمنين ، أو سبيل التنصل من الكفر ~~ببعض الرسل ، أو سبيلا بين دينين ، وهذان الوجهان الأخيران يناسبان ~~انتقالهم من الكفر الظاهر إلى النفاق ، فكأنهما تهيئة للنفاق . # وهذا التفسير جار على ظاهر نظم الكلام ، وهو أن يكون حرف العطف مشركا بين ~~المتعاطفات في حكم المعطوف عليه ، وإذ قد كان المعطوف عليه الأول صلة ل { ~~لذين } ، كان ما عطف عليه صلات لذلك الموصول وكان ذلك الموصول صاحب تلك ~~الصلات كلها . PageV06P010 # ونسب إلى بعض المفسرين أنه جعل الواوات فيها بمعنى ( أو ) وجعل الموصول ~~شاملا لفرق من الكفار تعددت أحوال كفرهم على توزيع الصلات المتعاطفة ، فجعل ~~المراد بالذين يكفرون بالله ورسله المشركين ، والذين يريدون أن يفرقوا بين ~~الله ورسله قوما أثبتوا الخالق وأنكروا النبوءات كلها ، والذين يقولون نؤمن ~~ببعض ونكفر ببعض اليهود والنصارى . وسكت عن المراد من قوله : { ويريدون أن ~~يتخذوا بين ذلك سبيلا } ، ولو شاء لجعل أولئك فريقا آخر : وهم المنافقون ~~المترددون الذين لم يثبتوا على إيمان ولا على كفر ، بل كانوا بين الحالين ، ~~كما قال تعالى : { مذبذبين بين ذلك } ( النساء : 143 ) . والذي دعاه إلى ~~هذا التأويل أنه لم يجد فريقا جمع هذه الأحوال كلها على ظاهرها لأن اليهود ~~لم يكفروا بالله ورسله ، وقد علمت أن تأويل الكفر بالله الكفر بالصفات التي ~~يستلزم الكفر بها نفي الإلهية . # وهذا الأسلوب نادر الاستعمال في فصيح الكلام ، إذ لو أريد ذلك لكان الشأن ~~أن يقال : والذين يريدون أن يفرقوا بين الله ورسله والذين يقولون : نؤمن ~~ببعض ونكفر ببعض ، كما قال : { إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم ~~وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين ~~آمنوا ولم يهاجروا } ( الأنفال : 72 ) . # وقوله : { أولئك هم الكافرون حقا } الجملة خبر إن والإشارة إلى أصحاب تلك ~~الصلة الماضية ، وموقع الإشارة هنا لقصد التنبيه على أن المشار إليهم ~~لاستحضارهم بتلك الأوصاف أحرياء بما سيحكم عليهم من الحكم المعاقب لاسم ~~الإشارة . # وأفاد تعريف جزأي الجملة والإتيان بضمير الفصل ms2126 تأكيد قصر صفة الكفر عليهم ~~، وهو قصر ادعائي مجازي بتنزيل كفر غيرهم في جانب كفرهم منزلة العدم ، ~~كقوله تعالى في المنافقين : { هم العدو } ( المنافقون : 4 ) . ومثل هذا ~~القصر يدل على كمال الموصوف في تلك الصفة المقصورة . PageV06P011 # ووجه هذه المبالغة : أن كفرهم قد اشتمل على أحوال عديدة من الكفر ، وعلى ~~سفالة في الخلق ، أو سفاهة في الرأي بمجموع ما حكي عنهم من تلك الصلات ، ~~فإن كل خصلة منها إذا انفردت هي كفر ، فكيف بها إذا اجتمعت . # و { حقا مصدر مؤكد لمضمون الجملة التي قبله ، أي حقهم حقا أيها السامع ~~بالغين النهاية في الكفر ، ونظير هذا قولهم : ( جدا ) . والتوكيد في مثل ~~هذا لمضمون الجملة التي قبله على ما أفادته الجملة ، وليس هو لرفع المجاز ، ~~فهو تأكيد لما أفادته الجملة من الدلالة على معنى النهاية لأن القصر مستعمل ~~في ذلك المعنى ، ولم يقصد بالتوكيد أن يصير القصر حقيقيا لظهور أن ذلك لا ~~يستقيم ، فقول بعض النحاة ، في المصدر المؤكد لمضمون الجملة : إنه يفيد رفع ~~احتمال المجاز ، بناء منهم على الغالب في مفاد التأكيد . # وأعتدنا } معناه هيأنا وقدرنا ، والتاء في { أعتدنا } بدل من الدال عند ~~كثير من علماء اللغة ، وقال كثير منهم : التاء أصلية ، وأنه بناء على حدة ~~هو غير بناء عد . وقال بعضهم : إن عتد هو الأصل وأن عد أدغمت منه التاء في ~~الدال ، وقد ورد البناءان كثيرا في كلامهم وفي القرآن . # وجيء بجملة { والذين آمنوا بالله ورسله } إلى آخرها ؛ لمقابلة المسيئين ~~بالمحسنين ، والنذارة بالبشارة على عادة القرآن . والمراد بالذين آمنوا ~~المؤمنون كلهم وخاصة من آمنوا من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام . فهم ~~مقصودون ابتداء لما أشعر به موقع هذه الجملة بعد ذكر ضلالهم ولما اقتضاه ~~تذييل الجملة بقوله : { وكان الله غفورا رحيما } أي غفورا لهم ما سلف من ~~كفرهم ، رحيما بهم . # والقول في الإتيان بالموصول وباسم الإشارة في هذه الجملة كالقول في ~~مقابله . وقوله : { بين أحد منهم } تقدم الكلام على مثله في قوله تعالى : { ~~لا نفرق بين أحد منهم ونحن له ms2127 مسلمون في سورة البقرة ( 136 ) . PageV06P012 # وقرأ الجمهور : نؤتيهم } بنون العظمة . وقرأه حفص عن عاصم بياء الغائب ~~والضمير عائد إلى اسم الجلالة في قوله : { والذين آمنوا بالله ورسله } . # $ 2 ( 153 ، 154 ) { يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السمآء فقد ~~سألوا موسى أكبر من ذالك فقالو & # 1764 ا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ثم اتخذوا العجل من بعد ما ~~جآءتهم البينات فعفونا عن ذالك وءاتينا موسى سلطانا مبينا * ورفعنا فوقهم ~~الطور بميثاقهم وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا وقلنا لهم لا تعدوا فى السبت ~~وأخذنا منهم ميثاقا غليظا } . ) 2 $ # لما ذكر معاذير أهل الكتابين في إنكارهم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ~~أعقبها بذكر شيء من اقتراحهم مجيء المعجزات على وفق مطالبهم . والجملة ~~استئناف ابتدائي . # ومجيء المضارع هنا : إما لقصد استحضار حالتهم العجيبة في هذا السؤال حتى ~~كأن السامع يراهم كقوله : { ويصنع الفلك } ( هود : 38 ) ، وقوله : { بل ~~عجبت ويسخرون } ( الصافات : 12 ) ، وقوله : { الله الذي أرسل الرياح فتثير ~~سحابا } ( فاطر : 9 ) . وإما للدلالة على تكرار السؤال وتجدده المرة بعد ~~الأخرى بأن يكونوا ألحوا في هذا السؤال لقصد الإعنات ، كقول طريف بن تميم ~~العنبري : # بعثوا إلي عريفهم يتوسم # أي يكرر التوسم . والمقصود على كلا الاحتمالين التعجيب من هذا السؤال ، ~~ولذلك قال بعده : { فقد سألوا موسى } . والسائلون هم اليهود ، سألوا معجزة ~~مثل معجزة موسى بأن ينزل PageV06P013 عليه مثل ما أنزلت الألواح فيها ~~الكلمات العشر على موسى ، ولم يريدوا جميع التوراة كما توهمه بعض المفسرين ~~فإن كتاب التوراة لم ينزل دفعة واحدة . فالمراد بأهل الكتاب هنا خصوص ~~اليهود . # والكتاب هنا إما اسم للشيء المكتوب كما نزلت ألواح موسى ، وإما اسم لقطعة ~~ملتئمة من أوراق مكتوبة ، فيكونون قد سألوا معجزة تغاير معجزة موسى . # والفاء في قوله : { فقد سألوا موسى } فاء الفصيحة دالة على مقدر دلت عليه ~~صيغة المضارع المراد منها التعجيب ، أي فلا تعجب من هذا فإن ذلك شنشنة ~~قديمة لأسلافهم مع رسولهم إذ سألوه معجزة أعظم من هذا ، والاستدلال على ~~حالتهم بحالة أسلافهم من ms2128 قبيل الاستدلال بأخلاق الأمم والقبائل على أحوال ~~العشائر منهم ، وقد تقدم بيان كثير منه في سورة البقرة . # وفي هذا الكلام تسلية للنبيء صلى الله عليه وسلم ودلالة على جراءتهم ، ~~وإظهار أن الرسل لا تجيء بإجابة مقترحات الأمم في طلب المعجزات بل تأتي ~~المعجزات بإرادة الله تعالى عند تحدي الأنبياء ، ولو أجاب الله المقترحين ~~إلى ما يقترحون من المعجزات لجعل رسله بمنزلة المشعوذين وأصحاب الخنقطرات ~~والسيمياء ، إذ يتلقون مقترحات الناس في المحافل والمجامع العامة والخاصة ، ~~وهذا مما يحط من مقدار الرسالة . # وفي إنجيل متى : أن قوما قالوا للمسيح : نريد أن نرى منك آية فقال : ( ~~جيل شرير يطلب آية ولا تعطى له آية ) . وتكرر ذلك في واقعة أخرى . وقد يقبل ~~ذلك من المؤمنين ، كما حكى الله عن عيسى : { إذ قال الحواريون يا عيسى ابن ~~مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء قال اتقوا الله إن كنتم ~~مؤمنين قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون ~~عليها من الشاهدين إلى قوله قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم ~~فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين } ( المائدة : 112 ، 115 ) ، ~~وقال تعالى : { وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ~~ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا } ( الإسراء : ~~59 ) . PageV06P014 # وهم لما سألوا موسى أن يريهم الله جهرة ما أرادوا التيمن بالله ، ولا ~~التنعم بالمشاهدة ، ولكنهم أرادوا عجبا ينظرونه ، فلذلك قالوا : { أرنا ~~الله جهرة } ، ولم يقولوا : ليتنا نرى ربنا . { وجهرة } ضد خفية ، أي علنا ~~، فيجوز أن يكون صفة للرؤية المستفادة من ( أرنا ) ، ويجوز أن يكون حالا من ~~المرفوع في ( أرنا ) : أي حال كونك مجاهرا لنا في رؤيته غير مخف رؤيته . # واستطرد هنا ما لحقهم من جراء سؤالهم هذه الرؤية وما ترتب عليه فقال : { ~~فأخذتهم الصاعقة بظلمهم } ، وهو ما حكاه تعالى في سورة البقرة ( 55 ) بقوله ~~: { فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون . وكان ذلك إرهابا لهم وزجرا ، ولذلك قال ~~: بظلمهم } . # والظلم هو المحكي ms2129 في سورة البقرة من امتناعهم من تصديق موسى إلى أن يروا ~~الله جهرة ، وليس الظلم لمجرد طلب الرؤية ؛ لأن موسى قد سأل مثل سؤالهم مرة ~~أخرى : حكاه الله عنه بقوله : { ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب ~~أرني أنظر إليك الآية في سورة الأعراف ( 143 ) . وبين أنهم لم يردعهم ذلك ~~فاتخذوا العجل إلها من بعد ما جاءتهم البينات الدالة على وحدانية الله ونفي ~~الشريك وعطفت جملة اتخاذهم العجل بحرف ( ثم ) المفيد في عطفه الجمل معنى ~~التراخي الرتبى . فإن اتخاذهم العجل إلها أعظم جرما مما حكي قبله ، ومع ذلك ~~عفا الله عنهم وآتى موسى سلطانا مبينا ، أي حجة واضحة عليهم في تمردهم ، ~~فصار يزجرهم ويؤنبهم . ومن سلطانه المبين أن أحرق لهم العجل الذي اتخذوه ~~إلها . # ثم ذكر آيات أخرى أظهرها الله لهم وهي : رفع الطور ، والأمر بقتال أهل ~~أريحا ، ودخولهم بابها سجدا . والباب يحتمل أنه باب مدينة أريحا ، ويحتمل ~~أنه باب الممر بين الجبال ونحوها ، كما سيأتي عند قوله تعالى : قال رجلان ~~من PageV06P015 الذين يخافون إلى قوله ادخلوا عليهم الباب في سورة العقود ( ~~23 ) ؛ وتحريم صيد البحر عليهم في السبت . وقد مضى الكلام عليها جميعا في ~~سورة البقرة . # وأخذ الميثاق عليهم : المراد به العهد ، ووصفه بالغليظ . أي القوي ، ~~والغلظ من صفات الأجسام ، فاستعير لقوة المعنى وكنى به عن توثق العهد لأن ~~الغلظ يستلزم القوة ، والمراد جنس الميثاق الصادق بالعهود الكثيرة التي ~~أخذت عليهم ، وقد ذكر أكثرها في آي سورة البقرة ، والمقصود من هذا إظهار ~~تأصلهم في اللجاج والعناد ، من عهد أنبيائهم ، تسلية للنبيء على ما لقي ~~منهم ، وتمهيدا لقوله : فبما نقضهم ميثاقهم } ( النساء : 155 ) . # وقوله : { لا تعدوا } قرأه نافع في أصح الروايات ، وهي لورش عنه ولقالون ~~في إحدى روايتيه عنه بفتح العين وتشديد الدال المضمومة أصله : لا تعتدوا ، ~~والاعتداء افتعال من العدو ، يقال : اعتدى على فلان ، أي تجاوز حد الحق معه ~~، فلما كانت التاء قريبة من مخرج الدال ووقعت متحركة وقبلها ساكن ، تهيأ ~~إدغامها ، فنقلت حركتها إلى العين الساكنة قبلها ms2130 ، وأدغمت في الدال إدغاما ~~لقصد التخفيف ، ولذلك جاز في كلام العرب إظهارها ؛ فقالوا : تعتدوا وتعدوا ~~، لأنها وقعت قبل الدال ، فكانت غير مجذوبة إلى مخرجه ، ولو وقعت بعد الدال ~~لوجب إدغامها في نحو أدان . وقرأ الجمهور ، وقالون في إحدى روايتين عنه : ( ~~لا تعدوا ) بسكون العين وتخفيف الدال مضارع مجزوم من العدو ، وهو العدوان ، ~~كقوله : { إذ يعدون في السبت في سورة الأعراف ( 163 ) ؛ وفي إحدى روايتين ~~عن قالون : باختلاس الفتحة ، وقرأه أبو جعفر : بسكون العين وتشديد الدال ، ~~وهي رواية عن نافع أيضا ، رواها ابن مجاهد . قال أبو علي ، في الحجة } : ~~وكثير من النحويين ينكرون الجمع بين الساكنين إذ كان الثاني منهما مدغما ~~ولم يكن الأول منهما حرف لين ، نحو دابة ، يقولون : المد يصير عوضا عن ~~الحركة ، قال : وإذا جاز نحو دويبة مع نقصان المد الذي PageV06P016 فيه لم ~~يمتنع أن يجمع بين الساكنين في نحو : تعدوا . لأن ما بين حرف اللين وغيره ~~يسير ، أي مع عدم تعذر النطق به . # # | 2 ( 155 ) { فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بئايات الله وقتلهم الانبيآء ~~بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا ~~} . ) 2 # التفريع على قوله : { وأخذنا منهم ميثاقا غليظا } ( النساء : 154 ) ~~والباء للسبيبة جارة ل { نقضهم } ، و ( وما ) مزيدة بعد الباء لتوكيد ~~التسبب . وحرف ( ما ) المزيد بعد الباء لا يكف الباء عن عمل الجر وكذلك إذا ~~زيد ( ما ) بعد ( من ) وبعد ( عن ) . وأما إذا زيد بعد كاف الجر وبعد رب ~~فإنه يكف الحرف عن عمل الجر . # ومتعلق قوله { بما نقضهم } : يجوز أن يكون محذوفا ، لتذهب نفس السامع في ~~مذاهب الهول ، وتقديره : فعلنا بهم ما فعلنا . ويجوز أن يتعلق ب { حرمنا ~~عليهم طيبات أحلت لهم } ( النساء : 160 ) ، وما بينهما مستطردات ، ويكون ~~قوله : { فبظلم من الذين هادوا } ( النساء : 160 ) كالفذلكة الجامعة ~~لجرائمهم المعدودة من قبل . ولا يصلح تعليق المجرور ب { طبع } لأنه وقع ردا ~~على قولهم : { قلوبنا غلف } ، وهو من جملة المعطوفات الطالبة للتعلق ، لكن ~~يجوز أن يكون ( طبع ) دليلا على الجواب المحذوف ms2131 . # وتقدم تفسير هذه الأحداث المذكورة هنا في مواضعها . وتقدم المتعلق لإفادة ~~الحصر : وهو أن ليس التحريم إلا لأجلل ما صنعوه ، فالمعنى : ما حرمنا عليهم ~~طيبات إلا بسبب نقضهم ، وأكد معنى الحصر والسبب بما الزائدة ، فأفادت ~~الجملة حصرا وتأكيدا . # وقوله : { بل طبع الله عليها بكفرهم } اعتراض بين المعاطيف . والطبع : ~~إحكام الغلق بجعل طين ونحوه على سد المغلوق بحيث لا ينفذ إليه مستخرج ~~PageV06P017 ما فيه إلا بعد إزالة ذلك الشيء المطبوع به ، وقد يسمون على ~~ذلك الغلق بسمة تترك رسما في ذلك المجعول ، وتسمى الآلة الواسمة طابعا بفتح ~~الباء فهو يرادف الختم . ومعنى { بكفرهم } بسببه ، فالكفر المتزايد يزيد ~~تعاصي القلوب عن تلقي الإرشاد ، وأريد بقوله : { بكفرهم } كفرهم المذكور في ~~قوله : { وكفرهم بآيات الله } . # والاستثناء في قوله : { إلا قليلا } من عموم المفعول المطلق : أي لا ~~يؤمنون إيمانا إلا إيمانا قليلا ، وهو من تأكيد الشيء بما يشبه ضده إذ ~~الإيمان لا يقبل القلة والكثرة ، فالقليل من الإيمان عدم ، فهو كفر . وتقدم ~~في قوله : { فقليلا ما يؤمنون } البقرة : 88 ) . ويجوز أن يكون قلة الإيمان ~~كناية عن قلة أصحابه مثل عبد الله بن سلام . # # | 2 ( 156 158 ) { وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما * وقولهم إنا ~~قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولاكن شبه لهم ~~وإن الذين اختلفوا فيه لفى شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما ~~قتلوه يقينا * بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما } . ) 2 # عطف { وبكفرهم } مرة ثانية على قوله : { فبما نقضهم } ( النساء : 155 ) ~~ولم يستغن عنه بقوله : { وكفرهم بآيات الله } ( النساء : 155 ) وأعيد مع ~~ذلك حرف الجر الذي يغني عنه حرف العطف قصدا للتأكيد ، واعتبر العطف لأجل ~~بعد ما بين اللفظين ، ولأنه في مقام التهويل لأمر الكفر ، فالمتكلم يذكره ~~ويعيده : يتثبت ويرى أنه لا ريبة في إناطة الحكم به ، ونظير هذا التكرير ~~قول لبيد : # فتنازعا سبطا يطير ظلاله # كدخان مشعلة يشب ضرامها # مشمولة غلثت بنابت عرفج # كدخان نار ساطع أسنامها PageV06P018 # فأعاد التشبيه بقوله ms2132 : ( كدخان نار ) ليحقق معنى التشبيه الأول . وفي ( ~~الكشاف ) ( تكرر الكفر منهم لأنهم كفروا بموسى ثم بعيسى ثم بمحمد صلوات ~~الله عليهم فعطف بعض كفرهم على بعض ) ، أي فالكفر الثاني اعتبر مخالفا للذي ~~قبله باعتبار عطف قوله : { وقولهم على مريم بهتانا } . ونظيره قول عويف ~~القوافي : # اللؤم أكرم من وبر ووالده # واللؤم أكرم من وبر وما ولدا # إذ عطف قوله : ( واللؤم أكرم من وبر ) باعتبار أن الثاني قد عطف عليه ~~قوله : ( وما ولدا ) . # والبهتان مصدر بهته إذا أتاه بقول أو عمل لا يترقبه ولا يجد له جوابا ، ~~والذي يتعمد ذلك بهوت ، وجمعه : بهت وبهت . وقد زين اليهود ما شاءوا في ~~الإفك على مريم عليها السلام . أما قولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم ، ~~فمحل المؤاخذة عليهم منه : هو أنهم قصدوا أن يعدوا هذا الإثم في مفاخر ~~أسلافهم الراجعة إلى الإخلاف بالعهد المبين في سبيل نصر الدين . # والمسيح كان لقبا لعيسى عليه السلام لقبه به اليهود تهكما عليه : لأن ~~معنى المسيح في اللغة العبرية بمعنى الملك ، كما تقدم في قوله تعالى : { ~~اسمه المسيح عيسى ابن مريم في سورة آل عمران ( 45 ) ، وهو لقب قصدوا منه ~~التهكم ، فصار لقبا له بينهم . وقلب الله قصدهم تحقيره فجعله تعظيما له . ~~ونظيره ما كان يطلق بعض المشركين على النبي محمد اسم مذمم ، قالت امرأة أبي ~~لهب : مذمما عصينا ، وأمره أبينا . فقال النبي ألا تعجبون كيف يصرف الله ~~عني شتم قريش ولعنهم ، يشتمون ويلعنون مذمما وأنا محمد . PageV06P019 # وقوله : رسول الله } إن كان من الحكاية : فالمقصود منه الثناء عليه ~~والإيمان إلى أن الذين يتبجحون بقتله أحرياء بما رتب لهم على قولهم ذلك ، ~~فيكون نصب { رسول الله } على المدح ، وإن كان من المحكي : فوصفهم إياه ~~مقصود منه التهكم ، كقول المشركين للنبيء صلى الله عليه وسلم { يأيها الذي ~~نزل عليه الذكر إنك لمجنون } ( الحجر : 6 ) وقول أهل مدين لشعيب { أصلواتك ~~تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت ~~الحليم الرشيد } ( هود : 87 ) فيكون نصب ms2133 ( رسول الله ) على النعت للمسيح . # وقوله { وما قتلوه } الخ الظاهر أن الواو فيه للحال ، أي قولهم ذلك في ~~حال أنهم ما قتلوه ، وليس خبرا عن نفي القتل لأنه لو كان خبرا لاقتضى الحال ~~تأكيده بمؤكدات قوية ، ولكنه لما كان حالا من فاعل القول المعطوف على أسباب ~~لعنهم ومؤاخذتهم كانت تلك الأسباب مفيدة ثبوت كذبهم ، على أنه يجوز كونه ~~خبرا معطوفا على الجمل المخبر بها عنهم ، ويكون تجريده من المؤكدات : إما ~~لاعتبار أن المخاطب به هم المؤمنون ، وإما لاعتبار هذا الخبر غنيا عن ~~التأكيد ، فيكون ترك التأكيد تخريجا على خلاف مقتضى الظاهر ، وإما لكونه لم ~~يتلق إلا من الله العالم بخفيات الأمور فكان أعظم من أن يؤكد . # وعطف { وما صلبوه } لأن الصلب قد يكون دون القتل ، فقد كانوا ربما صلبوا ~~الجاني تعذيبا له ثم عفوا عنه ، وقال تعالى : { إنما جزاء الذين يحاربون ~~الله ورسوله . . . أن يقتلوا أو يصلبوا } ( المائدة : 33 ) . والمشهور في ~~الاستعمال : أن الصلب هو أن يوثق المعدود للقتل على خشبة بحيث لا يستطيع ~~التحرك ثم يطعن بالرمح أو يرمى بسهم ، وكذلك كانوا يزعمون أن عيسى صلب ثم ~~طعن برمح في قلبه . # وجملة { ولكن شبه لهم } استدراك ، والمستدرك هو ما أفاده { وما قتلوه } ~~من كون هذا القول لا شبهة فيه . وأنه اختلاق محض ، فبين بالاستدراك أن أصل ~~ظنهم أنهم قتلوه أنهم توهموا أنهم قتلوه ، وهي شبهة أوهمت اليهود ~~PageV06P020 أنهم قتلوا المسيح ، وهي ما رأوه ظاهرا من وقوع قتل وصلب على ~~ذات يعتقدونها ذات المسيح ، وبهذا وردت الآثار في تأويل كيفية معنى الشبه . # وقوله : { شبه لهم } يحتمل أن يكون معناه : أن اليهود الذين زعموا قتلهم ~~المسيح في زمانهم قد شبه لهم مشبه بالمسيح فقتلوه ، ونجى الله المسيح من ~~إهانة القتل ، فيكون قوله : { شبه } فعلا مبنيا للمجهول ، مشتقا من الشبه ، ~~وهو المماثلة في الصورة . وحذف المفعول الذي حقه أن يكون نائب فاعل ( شبه ) ~~للدلالة فعل ( شبه ) عليه ؛ فالتقدير : شبه مشبه فيكون ( لهم ) نائبا عن ~~الفاعل . وضمير ( لهم ) على هذا الوجه عائد إلى ms2134 الذين قالوا : { إنا قتلنا ~~المسيح عيسى ابن مريم } وهم يهود زمانه ، أي وقعت لهم المشابهة ، واللام ~~على هذا بمعنى عند كما تقول : حصل لي ظن بكذا . والاستدراك بين على هذا ~~الاحتمال . ويحتمل أن يكون المعنى ولكن شبه لليهود الأولين والآخرين خبر ~~صلب المسيح ، أي اشتبه عليهم الكذب بالصدق ، فيكون من باب قول العرب : خيل ~~إليك ، واختلط على فلان . وليس ثمة شبيه بعيسى ولكن الكذب في خبره شبيه ~~بالصدق ، واللام على هذا لام الأجل : أي لبس الخبر كذبه بالصدق لأجلهم ، أي ~~لتضليلهم ، أي أن كبراءهم اختلقوه لهم ليبردوا غليلهم من الحنق على عيسى إذ ~~جاء بإبطال ضلالاتهم . أو تكون اللام بمعنى على للاستعلاء المجازي ، كقوله ~~تعالى : { وإن أسأتم فلها } ( الإسراء : 7 ) . ونكتة العدول عن حرف على ~~تضمين فعل شبه معنى صنع ، أي صنع الأحبار هذا الخبر لأجل إدخال الشبهة على ~~عامتهم . # وفي الأخبار أن ( يهوذا الاسخريوطي ) أحد أصحاب المسيح ، وكان قد ضل ~~ونافق ، هو الذي وشى بعيسى عليه السلام وهو الذي ألقى الله عليه شبه عيسى ، ~~وأنه الذي صلب ، وهذا أصله في إنجيل برنابي أحد تلاميذ الحواريين ، وهذا ~~يلائم الاحتمال الأول . # ويقال : إن ( بيلاطس ) ، والي فلسطين ، سئل في رومة عن قضية قتل عيسى ~~وصلبه فأجاب بأنه لا علم له بشيء من هذه القضية ، فتأيد بذلك اضطراب ~~PageV06P021 الناس في وقوع قتله وصلبه ، ولم يقع ، وإنما اختلق اليهود خبره ~~، وهذا يلائم الاحتمال الثاني . # والذي يجب اعتقاده بنص القرآن : أن المسيح لم يقتل ، ولا صلب ، وأن الله ~~رفعه إليه ونجاه من طالبيه ، وأما ما عدا ذلك فالأمر فيه محتمل . وقد تقدم ~~الكلام في رفعه في قوله تعالى : { إني متوفيك ورافعك إلي في سورة آل عمران ~~( 55 ) . # وقوله : وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه } يدل على وقوع خلاف في شأن ~~قتل المسيح . والخلاف فيه موجود بين المسيحيين : فجمهورهم يقولون : قتلته ~~اليهود ، وبعضهم يقول : لم يقتله اليهود ، ولكن قتلوا يهوذا الاسخريوطي ~~الذي شبه لهم بالمسيح ، وهذا الإعتقاد مسطور في إنجيل برنابي الذي تعتبره ~~الكنيسية اليوم ms2135 كتابا محرفا فالمعنى أن معظم النصارى المختلفين في شأنه غير ~~مؤمنين بصلبه ، بل يخالج أنفسهم الشك ، ويتظاهرون باليقين ، وما هو باليقين ~~، فما لهم به من علم قاطع إلا اتباع الظن . فالمراد بالظن هنا : معنى الشك ~~، وقد أطلق الظن على هذا في مواضع كثيرة من كلام العرب ، وفي القرآن { إن ~~بعض الظن إثم } ( الحجرات : 12 ) ، وفي الحديث الصحيح : ( إياكم والظن فإن ~~الظن أكذب الحديث ) ؛ فالاستثناء في قوله { إلا اتباع الظن } منقطع ، كقول ~~النابغة : # حلفت يمينا غير ذي مثنوية # ولا علم إلا حسن ظن بصاحب # يجوز أن يكون معطوفا على قوله : { وما قتلوه وما صلبوه } ويجوز أن يعطف ~~على قوله : { مالهم به من علم } . # واليقين : العلم الجازم الذي لا يحتمل الشك ، فهو اسم مصدر ، والمصدر ~~اليقن بالتحريك ، يقال : يقن كفرح ييقن يقنا ، وهو مصدر قليل الاستعمال ، ~~ويقال : أيقن يوقن إيقانا ، وهو الشائع . PageV06P022 # وقوله { يقينا } يجوز أن يكون نصب على النيابة عن المفعول المطلق المؤكد ~~لمضمون جملة قبله : لأن مضمون : { وما قتلوه يقينا } بعد قوله : { وقولهم ~~إنا قتلنا المسيح } إلى قوله { وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم } يدل على ~~أن انتفاء قتلهم إياه أمر متيقن ، فصح أن يكون يقينا مؤكدا لهذا المضمون . ~~ويصح أن يكون في موضع الحال من الواو في { قتلوه } ، أي ما قتلوه متيقنين ~~قتله ، ويكون النفي منصبا على القيد والمقيد معا ، بقرينة قوله قبله { وما ~~قتلوه وما صلبوه } ، أي : هم في زعمهم قتله ليسوا بموقنين بذلك للاضطراب ~~الذي حصل في شخصه حين إمساك من أمسكوه ، وعلى هذا الوجه فالقتل مستعمل في ~~حقيقته . وضمير النصب في { قتلوه } عائد إلى عيسى ابن مريم عليه السلام . # ويجوز أن يكون القتل مستعملا مجازا في التمكن من الشيء والتغلب عليه ~~كقولهم : قتل الخمر إذا مزجها حتى أزال قوتها ، وقولهم : قتل أرضا عالمها ، ~~ومن شعر ( الحماسة ) في باب الهجاء : # يروعك من سعد ابن عمرو جسومها # وتزهد فيها حين تقتلها خبرا # وقول الشاعر : # كذلك تخبر عنها العالمات بها # وقد قتلت بعلمي ذلكم يقنا # وقول الآخر : # قتلتني ms2136 الأيام حين قتلتها # خبرا فأبصر قاتلا مقتولا # وضمير النصب في { قتلوه } عائد إلى العلم من قوله تعالى { ما لهم به من ~~علم } ، فيكون { يقينا } على هذا تمييزا لنسبة ( قتلوه ) . # ولذلك كله أعقب بالإبطال بقوله : { بل رفعه الله إليه } أي فلم يظفروا به ~~. والرفع : إبعاده عن هذا العالم إلى عالم السماوات ، و ( إلى ) إفادة ~~الانتهاء المجازي بمعنى التشريف ، أي رفعه الله رفع قرب وزلفى . ~~PageV06P023 # وقد تقدم الكلام على معنى هذا الرفع ، وعلى الاختلاف في أن عيسى عليه ~~السلام بقي حيا أو أماته الله ، عند قوله تعالى : { إني متوفيك ورافعك إلي ~~في سورة آل عمران ( 55 ) . # والتذييل بقوله : وكان الله عزيزا حكيما } ظاهر الموقع لأنه لما عز فقد ~~حق لعزه أن يعز أولياءه ، ولما كان حكيما فقد أتقن صنع هذا الرفع فجعله ~~فتنة للكافرين ، وتبصرة للمؤمنين ، وعقوبة ليهوذا الخائن . # # | 2 ( 159 ) { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة ~~يكون عليهم شهيدا } . ) 2 # عطف على جملة { وما قتلوه } ( النساء : 157 ) . وهذا الكلام إخبار عنهم ، ~~وليس أمرا لهم ، لأن وقوع لام الابتداء فيه ينادي على الخبرية . و { إن } ~~نافية و { من أهل الكتاب } صفة لموصوف محذوف تقديره : أحد . # والضمير المجرور عائد لعيسى : أي ليومنن بعيسى ، والضمير في { موته } ~~يحتمل أن يعود إلى أحد أهل الكتاب ، أي قبل أن يموت الكتابي ، ويؤيده قراءة ~~أبي بن كعب { إلا ليؤمنن به قبل موته } . وأهل الكتاب يطلق على اليهود ~~والنصارى ؛ فأما النصارى فهم مؤمنون بعيسى من قبل ، فيتعين أن يكون المراد ~~بأهل الكتاب اليهود . والمعنى أن اليهود مع شدة كفرهم بعيسى لا يموت أحد ~~منهم إلا وهو يؤمن بنبوته قبل موته ، أي ينكشف له ذلك عند الاحتضار قبل ~~انزهاق روحه ، وهذه منة من الله بها على عيسى ، إذ جعل أعداءه لا يخرجون من ~~الدنيا إلا وقد آمنوا به جزاء له على ما لقي من تكذيبهم ، لأنه لم يتمتع ~~بمشاهدة أمة تتبعه . وقيل : كذلك النصراني عند موته ينكشف له أن عيسى عبد ~~الله . # وعندي أن ms2137 ضمير { به } راجع إلى الرفع المأخوذ من فعل { رفعه الله إليه } ~~( النساء : 158 ) ، ويعم قوله { أهلل الكتاب } اليهود ، والنصارى ، حيث ~~استووا مع اليهود في اعتقاد وقوع الصلب . PageV06P024 # والظاهر أن الله يقذف في نفوس أهل الكتابين الشك في صحة الصلب ، فلا يزال ~~الشك يخالج قلوبهم ويقوى حتى يبلغ مبلغ العلم بعدم صحة الصلب في آخر ~~أعمارهم تصديقا لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم حيث كذب أخبارهم فنفى ~~الصلب عن عيسى عليه السلام . # وقيل : الضمير في قوله { موته } عائد إلى عيسى ، أي قبل موت عيسى ، ففرع ~~القائلون بهذا تفاريع : منها أن موته لا يقع إلا آخر الدنيا ليتم إيمان ~~جميع أهل الكتاب به قبل وقوع الموت ، لأن الله جعل إيمانهم مستقبلا وجعله ~~قبل موته ، فلزم أن يكون موته مستقبلا ؛ ومنها ما ورد في الحديث : أن عيسى ~~عليه السلام ينزل في آخر مدة الدنيا ليؤمن به أهل الكتاب ، ولا يخفى أن ~~عموم قوله : { وإن من أهل الكتاب } يبطل هذا التفسير : لأن الذين يؤمنون به ~~على حسب هذا التأويل هم الذين سيوجدون من أهل الكتاب لا جميعهم . # والشهيد : الشاهد ؛ يشهد بأنه بلغ لهم دعوة ربهم فأعرضوا ، وبأن النصارى ~~بدلوا ، ومعنى الآية مفصل في قوله تعالى : { يوم يجمع الله الرسل الآيات في ~~سورة العقود ( 109 ) . # $ 2 ( 160 162 ) فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم ~~عن سبيل الله كثيرا * وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس ~~بالباطل وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما * لاكن الراسخون فى العلم منهم ~~والمؤمنون يؤمنون بمآ أنزل إليك ومآ أنزل من قبلك والمقيمين الصلواة ~~والمؤتون الزكواة والمؤمنون بالله واليوم الاخر أول & # 1764 ائك سنؤتيهم أجرا عظيما } . ) 2 $ PageV06P025 # إن كان متعلق قوله : { فبما نقضهم } ( النساء : 155 ) محذوفا على أحد ~~الوجهين المتقدمين كان قوله : { فبظلم } مفرعا على مجموع جرائمهم السالفة . ~~فيكون المراد بظلمهم ظلما آخر غير ما عدد من قبل ، وإن كان قوله : { فبما ~~نقضهم } ( النساء : 155 ) متعلقا بقوله : { حرمنا عليهم } فقوله : { فبظلم ~~} الخ بدل مطابق من ms2138 جملة { فبما نقضهم ميثاقهم } ( النساء : 155 ) بإعادة ~~العامل في البدل منه لطول الفصل . وفائدة الإتيان به أن يظهر تعلقه بقوله : ~~{ حرمنا عليهم طيبات } إذ بعد ما بينه وبين متعلقه ، وهو قوله : { فبما ~~نقضهم ميثاقهم } ( النساء : 155 ) ليقوى ارتباط الكلام . وأتي في جملة ~~البدل بلفظ جامع للمبدل منه وما عطف عليه : لأن نقض الميثاق ، والكفر ، ~~وقتل الأنبياء ، وقولهم قلوبنا غلف ، وقولهم على مريم بهتانا ، وقولهم ~~قتلنا عيسى : كل ذلك ظلم . فكانت الجملة الأخيرة بمنزلة الفذلكة لما تقدم ، ~~كأنه قيل : فبذلك كله حرمنا عليهم ، لكن عدل إلى لفظ الظلم لأنه أحسن تفننا ~~، وأكثر فائدة من الإتيان باسم الإشارة . وقد مر بيان ذلك قريبا عند قوله ~~تعالى : { فبما نقضهم } ( النساء : 155 ) . ويجوز أن يكون ظلما آخر أجمله ~~القرآن . # وتنكير ( ظلم ) للتعظيم ، والعدول عن أن يقول ( فبظلمهم ) ، حتى تأتي ~~الضمائر متتابعة من قوله : { فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم إلى آخره ، إلى ~~الاسم الظاهر وهو الذين هادوا } لأجل بعد الضمير في الجملة المبدل منها : ~~وهي { فبما نقضهم } ( النساء : 155 ) . ولأن في الموصول وصلته ما يقتضي ~~التنزه عن الظلم لو كانوا كما وصفوا أنفسهم ، فقالوا : { إنا هدنا إليك } ( ~~الأعراف : 156 ) ؛ فصدور الظلم عن الذين هادوا محل استغراب . # والآية اقتضت : أن تحريم ما حرم عليهم إنما كان عقابا لهم ، وأن تلك ~~المحرمات ليس فيها من المفاسد ما يتقضي تحريم تناولها ، وإلا لحرمت عليهم ~~من أول مجيء الشريعة . وقد قيل : إن المراد بهذه الطيبات هو ما ذكر في قوله ~~تعالى : { وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم ~~شحومهما إلى قوله ذلك جزيناهم ببغيهم في سورة الأنعام ( 146 ) ، فهذا هو ~~الجزاء على ظلمهم . PageV06P026 # نقل الفخر في آية سورة الأنعام عن عبد الجبار أنه قال : نفس التحريم لا ~~يجوز أن يكون عقوبة على جرم صدر منهم لأن التكليف تعريض للثواب ، والتعريض ~~للثواب إحسان ، فلم يجز أن يكون التكليف جزاء على الجرم . قال الفخر : ~~والجواب أن المنع من الانتفاع يمكن أن يكون لقصد استحقاق الثواب ويمكن أن ms2139 ~~يكون للجرم . # وهذا الجواب مصادرة على أن مما يقوي الإشكال أن العقوبة حقها أن تخص ~~بالمجرمين ثم تنسخ . فالذي يظهر لي في الجواب : إما أن يكون سبب تحريم تلك ~~الطيبات أن ما سرى في طباعهم بسبب بغيهم وظلمهم من القساوة صار ذلك طبعا في ~~أمزجتهم فاقتضى أن يلطف الله طباعهم بتحريم مأكولات من طبعها تغليظ الطباع ~~، ولذلك لما جاءهم عيسى أحل الله لهم بعض ما حرم عليهم من ذلك لزوال موجب ~~التحريم ، وإما أن يكون تحريم ما حرم عليهم عقابا للذين ظلموا وبغوا ثم بقي ~~ذلك على من جاء بعدهم ليكون لهم ذكرى ويكون للأولين سوء ذكر من باب قوله : ~~واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة } ( الأنفال : 25 ) ، وقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم ( ما من نفس تقتل ظلما إلا كان على ابن آدم ~~الأولل كفل من دمها ) . ذلك لأنه أول من سن القتل . وإما لأن هذا التحريم ~~عقوبة دنيوية راجعة إلى الحرمان من الطيبات فلا نظر إلى ما يعرض لهذا ~~التحريم تارة من الثواب على نية الامتثال للنهي ، لندرة حصول هذه النية في ~~الترك . # وصدهم عن سبيل الله : إن كان مصدر صد القاصر الذي مضارعه يصد بكسر الصاد ~~فالعنى بإعراضهم عن سبيل الله ؛ وإن كان مصدر المتعدي الذي قياس مضارعه بضم ~~الصاد ، فلعلهم كانوا يصدون الناس عن التقوى ، ويقولون : سيغفر لنا ، من ~~زمن موسى قبل أن يحرم عليهم بعض الطيبات . أما بعد موسى فقد صدوا الناس ~~كثيرا ، وعاندوا الأنبياء ، وحاولوهم على كتم المواعظ ، وكذبوا عيسى ، ~~وعارضوا دعوة محمد صلى الله عليه وسلم وسولوا لكثير من الناس ، جهرا أو ~~نفاقا ، البقاء على الجاهلية ، كما تقدم في PageV06P027 قوله : { ألم تر ~~إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت } ( النساء : 51 ) ~~الآيات . ولذلك وصف ب { كثيرا } حالا منه . # وأخذهم الربا الذي نهوا عنه هو أن يأخذوه من قومهم خاصة ويسوغ لهم أخذه ~~من غير الإسرائليين كما في الإصحاح 23 من سفر التثنية ( لا تقرض أخاك بربا ~~ربا قضة أو ms2140 ربا طعام أو ربا شيء ما مما يقرض بربا . للأجنبي تقرض بربا ) . ~~والربا محرم عليهم بنص التوراة في سفر الخروج في الإصحاح 22 ( أن أقرضت فضة ~~لشعبي الفقير الذي عندك فلا تكن له كالمرابي لا تضعوا عليه ربا ) وأكلهم ~~أموال الناس بالباطل أعم من الربا فيشمل الرشوة المحرمة عندهم ، وأخذهم ~~الفداء على الأسرى من قومهم ، وغير ذلك . # والاستدراك بقوله : { لكن الراسخون في العلم } الخ ناشيء على ما يوهمه ~~الكلام السابق ابتداء من قوله : { يسألك أهل الكتاب } ( النساء : 153 ) من ~~توغلهم في الضلالة حتى لا يرجى لأحد منهم خير وصلاح ، فاستدرك بأن الراسخين ~~في العلم منهم ليسوا كما توهم ، فهم يؤمنون بالقرآن مثل عبد الله بن سلام ~~ومخيريق . # والراسخ حقيقته الثابت القدم في المشي ، لا يتزلزل ؛ واستعير للتمكن من ~~الوصف مثل العلم بحيث لا تغره الشبه . وقد تقدم عند قوله تعالى : { وما ~~يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم في سورة آل عمران ( 7 ) . والراسخ ~~في العلم بعيد عن التكلف وعن التعنت ، فليس بينه وبين الحق حاجب ، فهم ~~يعرفون دلائل صدق الأنبياء ولا يسألونهم خوارق العادات . # وعطف المؤمنون } على { الراسخون } ثناء عليهم بأنهم لم يسألوا نبيهم أن ~~يريهم الآيات الخوارق للعادة . فلذلك قال { يؤمنون } ، أي جميعهم بما أنزل ~~إليك ، أي القرآن ، وكفاهم به آية ، وما أنزل من قبلك على الرسل ، ولا ~~يعادون رسل الله تعصبا وحمية . PageV06P028 والمراد بالمؤمنين في قوله : { ~~والمؤمنون } الذين هداهم الله للإيمان من أهل الكتاب ، ولم يكونوا من ~~الراسخين في العلم منهم ، مثل اليهودي الذي كان يخدم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وآمن به . # وعطف { المقيمين } بالنصب ثبت في المصحف الإمام ، وقرآه المسلمون في ~~الأقطار دون نكير ؛ فعلمنا أنه طريقة عربية في عطف الأسماء الدالة على صفات ~~محامد ، على أمثالها ، فيجوز في بعض المعطوفات النصب على التخصيص بالمدح ، ~~والرفع على الاستئناف للاهتمام ، كما فعلوا ذلك في النعوت المتتابعة ، سواء ~~كانت بدون عطف أم بعطف ، كقوله تعالى : { ولكن البر من آمن إلى قوله ~~والصابرين } ( البقرة : 177 ) . قال سيبويه ms2141 في ( كتابه ) ( باب ما ينتصب في ~~التعظيم والمدح وإن شئت جعلته صفة فجرى على الأول ، وإن شئت قطعته فابتدأته ~~) . وذكر من قبيل ما نحن بصدده هذه الآية فقال : ( فلو كان كله رفعا كان ~~جيدا ) ، ومثله { والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء ~~} ( البقرة : 177 ) ، ونظيره قول الخرنق : # لا يبعدن قومي الذي همو # سم العداة وآفة الجزر # النازلون بكل معترك # والطيبيين معاقد الأزر # في رواية يونس عن العرب : برفع ( النازلون ) ونصب ( الطيبيين ) ، لتكون ~~نظير هذه الآية . والظاهر أن هذا مما يجري على قصد التفنن عند تكرر ~~المتتابعات ، ولذلك تكرر وقوعه في القرآن في معطوفات متتابعات كما في سورة ~~البقرة وفي هذه الآية ، وفي قوله : { والصابون في سورة المائدة ( 69 ) . # وروي عن عائشة وأبان بن عثمان أن نصب المقيمين } خطأ ، من كاتب المصحف ~~وقد عدت من الخطأ هذه الآية . وقوله : { ولكن البر من آمن بالله إلى قوله ~~والصابرين في البأساء } ( البقرة : 177 ) وقوله : { إن هذان لساحران } ( طه ~~: 63 ) . وقوله : { والصابون في سورة المائدة ( 69 ) . وقرأتها عائشة ، ~~وعبد الله بن مسعود ، وأبي بن كعب ، والحسن ، ومالك بن دينار ، والجحدري ، ~~وسعيد بن جبير ، وعيسى بن عمر ، وعمرو بن عبيد : والمقيمون } بالرفع . ولا ~~ترد قراءة الجمهور المجمع عليها بقراءة شاذة . PageV06P029 # ومن الناس من زعم أن نصب { المقيمين } ونحوه هو مظهر تأويل قول عثمان ~~لكتاب المصاحف حين أتموها وقرأها أنه قال لهم : ( أحسنتم وأجملتم وأرى لحنا ~~قليلا ستقيمه العرب بألسنتها ) . وهذه أوهام وأخبار لم تصح عن الذين نسبت ~~إليهم . ومن البعيد جدا أن يخطىء كاتب المصحف في كلمة بين أخواتها فيفردها ~~بالخطأ دون سابقتها أو تابعتها ، وأبعد منه أن يجيء الخطأ في طائفة متماثلة ~~من الكلمات وهي التي إعرابها بالحروف النائبة عن حركات الإعراب من المثنى ~~والجمع على حده . ولا أحسب ما رواه عن عائشة وأبان بن عثمان في ذلك صحيحا . ~~وقد علمت وجه عربيته في المتعاطفات ، وأما وجه عربية { إن هذان لساحران ~~فيأتي عند الكلام في سورة طه ( 63 ) . # والظاهر أن تأويل قول عثمان ms2142 هو ما وقع في رسم المصحف من نحو الألفات ~~المحذوفة . قال صاحب الكشاف } : ( وهم كانوا أبعد همة في الغيرة على ~~الإسلام وذب المطاعن عنه من أن يتركوا في كتاب الله ثلمة ليسدها من بعدهم ~~وخرقا يرفوه من يلحق بهم ) . وقد تقدم نظير هذا عند قوله تعالى : { ~~والصابرين في البأساء والضراء في سورة البقرة ( 177 ) . # والوعد بالأجر العظيم بالنسبة للراسخين من أهل الكتاب لأنهم آمنوا ~~برسولهم وبمحمد وقد ورد في الحديث الصحيح : أن لهم أجرين ، وبالنسبة ~~للمؤمنين من العرب لأنهم سبقوا غيرهم بالإيمان . # وقرأ الجمهور : سنوتيهم } بنون العظمة وقرأه حمزة وخلف بياء الغيبة ~~والضمير عائد إلى اسم الجلالة في قوله : { والمؤمنون بالله } . # # | 2 ( 163 165 ) { إنآ أوحينآ إليك كمآ أوحينآ إلى نوح والنبيين من بعده ~~وأوحينآ إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والاسباط وعيسى وأيوب ويونس ~~وهارون وسليمان وءاتينا داوود زبورا * ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا ~~لم نقصصهم عليك PageV06P030 وكلم الله موسى تكليما * رسلا مبشرين ومنذرين ~~لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما } . ) 2 # استأنفت هذه الآيات الرد على سؤال اليهود أن ينزل عليهم كتابا من السماء ~~، بعد أن حمقوا في ذلك بتحميق أسلافهم : بقوله : { فقد سألوا موسى أكبر من ~~ذلك } ( النساء : 153 ) ، واستطردت بينهما جمل من مخالفة أسلافهم ، وما ~~نالهم من جراء ذلك ، فأقبل الآن على بيان أن إنزال القرآن على محمد صلى ~~الله عليه وسلم لم يكن بدعا ، فإنه شأن الوحي للرسل ، فلم يقدح في رسالتهم ~~أنهم لم ينزل عليهم كتاب من السماء . # والتأكيد ( بإن ) للاهتمام بهذا الخبر أو لتنزيل المردود عليهم منزلة من ~~ينكر كيفية الوحي للرسل غير موسى ، إذ لم يجروا على موجب علمهم حتى أنكروا ~~رسالة رسول لم ينزل إليه كتاب من السماء . # والوحي إفادة المقصود بطريق غير الكلام ، مثل الإشارة قال تعالى : { فخرج ~~على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا } ( مريم : 11 ) . ~~وقال داوود بن جرير : # يرمون بالخطب الطوالل وتارة # وحي اللواحظ خيفة الرقباء # والتشبيه في ms2143 قوله : { كما أوحينا إلى نوح } تشبيه بجنس الوحي وإن اختلفت ~~أنواعه ، فإن الوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم كان بأنواع من الوحي ورد ~~بيانها في حديث عائشة في الصحيح عن سؤال الحارث بن هشام النبيء صلى الله ~~عليه وسلم كيف يأتيك الوحي بخلاف الوحي إلى غيره ممن سماهم الله تعالى فإنه ~~يحتمل بعض من الأنواع ، على أن الوحي للنبيء صلى الله عليه وسلم كان منه ~~الكتاب القرآن ولم يكن لبعض من ذكر معه كتاب . وعد الله هنا جمعا من ~~النبيئين والمرسلين وذكر أنه أوحي إليهم ولم يختلف العلماء في أن الرسل ~~والأنبياء يوحى إليهم . PageV06P031 # وإنما اختلفت عباراتهم في معنى الرسول والنبي . ففي كلام جماعة من ~~علمائنا لا نجد تفرقة ، وأن كل نبيء فهو رسول لأنه يوحى إليه بما لا يخلو ~~من تبليغه ولو إلى أهل بيته . وقد يكون حال الرسول مبتدأ بنبؤة ثم يعقبها ~~إرساله ، فتلك النبوة تمهيد الرسالة كما كان أمر مبدإ الوحي إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فإنه أخبر خديجة ، ونزل عليه : { وأنذر عشيريتك ~~الأقربين } ( الشعراء : 214 ) . والقول الصحيح أن الرسول أخص ، وهو من أوحي ~~إليه مع الأمر بالتبليغ ، والنبي لا يؤمر بالتبليغ وإن كان قد يبلغ على وجه ~~الأمر بالمعروف والدعاء للخير ، يعني بدون إنذار وتبشير . وورد في بعض ~~الأحاديث : الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا ، وعد الرسل ثلاثمائة ~~وثلاثة عشر رسولا . وقد ورد في حديث الشفاعة ، في الصحيح : أن نوحا عليه ~~السلام أول الرسل . وقد دلت آيات القرآن على أن الدين كان معروفا في زمن ~~آدم وأن الجزاء كان معلوما لهم ، فقد قرب ابنا آدم قربانا ، وقال أحدهما ~~للآخر { إنما يتقبل الله من المتقين } ( المائدة : 27 ) ، وقال له : { إني ~~أخاف الله رب العالمين إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار ~~وذلك جزاء الظالمين } ( المائدة : 28 ، 29 ) . ودل على أنه لم يكن يومئذ ~~بينهم من يأخذ على يد المعتدي وينتصف للضعيف من القوي ، فإنما كان ما ~~تعلموه من طريقة الوعظ والتعليم ms2144 وكانت رسالة عائلية . # ونوح هو أول الرسل ، وهو نوح بن لامك ، والعرب تقول : لمك بن متوشالح بن ~~أخنوخ . ويسميه المصريون هرمس ، ويسميه العرب إدريس بن يارد بن مهللئيل بن ~~قينان بن أنوش بن شيث بن آدم ، حسب قول التوراة . وفي زمنه وقع الطوفان ~~العظيم . وعاش تسعمائة وخمسين سنة ، وقيل تسعمائة وتسعين سنة ، والقرآن ~~أثبت ذلك . وقد مات نوح قبل الهجرة بثلاثة آلاف سنة وتسعمائة سنة وأربع ~~وسبعين سنة على حسب حساب اليهود المستمد من كتابهم . # وإبراهيم هو الخليل ، إبراهيم بن تارح والعرب تسميه آزر بن ناحور بن ~~ساروغ بن أرعو بن فالغ بن عابر بن شالح بن قينان بن أرفخشد بن سام بن نوح . ~~ولد سنة 2893 قبل الهجرة ، في بلد أور الكلدانيين ، ومات في بلاد ~~الكنعانيين ، وهي سوريا ، في حبرون حيث مدفنه الآن المعروف ببلد الخليل سنة ~~2718 قبل الهجرة . PageV06P032 # وإسماعيل هو ابن إبراهيم من الجارية المصرية هاجر . توفي بمكة سنة 2686 ~~قبل الهجرة تقريبا . وكان إسماعيل رسولا إلى قومه الذين حل بينهم من جرهم ~~وغيرهم ، وإلى أبنائه وأهله ، قال تعالى : { واذكر في الكتاب إسماعيل إنه ~~كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا } ( مريم : 54 ) . # وإسحاق هو ابن إبراهيم من سارة ابنة عمه ، توفي قبل الهجرة سنة 2613 ، ~~وكان إسحاق نبيا مؤيدا لشرع أبيه إبراهيم ولم يجىء بشرع . # ويعقوب هو ابن إسحاق ، الملقب بإسرائيل . توفي سنة 2586 قبل الهجرة . ~~وكان يعقوب نبيا مؤيدا لشرع إبراهيم ، قال تعالى : { ووصى بها إبراهيم بنيه ~~ويعقوب } ( البقرة : 132 ) ولم يجىء بشرع جديد . # والأسباط هم أسباط إسحاق ، أي أحفاده ، وهم أبناء يعقوب اثنا عشر ابنا : ~~روبين ، وشمعون ، وجاد ، ويهوذا ، ويساكر ، وزبولون ، ويوسف ، وبنيامين ، ~~ومنسى ، ودان ، وأشير ، وثفتالي . فأما يوسف فكان رسولا لقومه بمصر . قال ~~تعالى خطابا لبني إسرائيل على لسان مؤمن بني إسرائيل ، أو خطابا من الله { ~~ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك ~~قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا } ( غافر : 34 ) . وأما بقية الأسباط ms2145 فكان ~~كل منهم قائما بدعوة شريعة إبراهيم في بنيه وقومه . والوحي إلى هؤلاء ~~متفاوت . # وعيسى هو عيسى ابن مريم ، ولد من غير أب قبل الهجرة سنة 622 . ورفع إلى ~~السماء قبلها سنة 589 . وهو رسول بشرع ناسخ لبعض أحكام التوراة . ودامت ~~دعوته إلى الله ثلاث سنين . # وأيوب هو نبيء . قيل : إنه عربي الأصل من أرض عوص ، في بلاد أدوم ، وهي ~~من بلاد حوران ، وقيل ، هو أيوب بن ناحور أخي إبراهيم ، وقيل : اسمه عوض ، ~~وقيل : هو يوباب ابن حفيد عيسو . وقيل : كان قبل إبراهيم بمائة سنة . ~~PageV06P033 والصحيح أنه كان بعد إبراهيم وقبل موسى في القرن الخامس عشر ~~قبل المسيح ، أي في القرن الحادي والعشرين قبل الهجرة . ويقال : إن الكتاب ~~المنسوب إليه في كتب اليهود أصله مؤلف باللغة العربية وأن موسى عليه السلام ~~نقله إلى العبرانية على سبيل الموعظة ، فظن كثير من الباحثين في التاريخ أن ~~أيوب من قبيلة عربية . وليس ذلك ببعيد . وكان أيوب رسولا نبيا . وكان له ~~صاحب اسمه اليفاز اليماني هو الذي شد أزره في الصبر ، كما سنذكره في موضعه ~~. وإنما منع اسمه من الصرف إذ لم يكن من عرب الحجاز ونجد ؛ لأن العرب ~~اعتبرت القبائل البعيدة عنها عجما ، وإن كان أصلهم عربيا ، ولذلك منعوا ~~ثمود من الصرف إذ سكنوا الحجر . # ويونس هو ابن متى من سبط زبولون من بني إسرائيل ، بعثه الله إلى أهل ~~نينوى عاصمة الأشوريين ، بعد خراب بيت المقدس ، وذلك في حدود القرن الحادي ~~عشر قبل الهجرة . # وهارون أخو موسى بن عمران توفي سنة 1972 قبل الهجرة وهو رسول مع موسى إلى ~~بني إسرائيل . # وسليمان هو ابن داود . كان نبيا حاكما بالتوراة وملكا عظيما . توفي سنة ~~1597 قبل الهجرة . ومما أوحى الله به إليه ما تضمنه كتاب ( الجامعة ) وكتاب ~~( الأمثال من الحكمة والمواعظ ) ، وهي منسوبة إلى سليمان ولم يقل فيها إن ~~الله أوحاها إليه ؛ فعلمنا أنها كانت موحى بمعانيها دون لفظها . # وداود أبو سليمان هو داود بن يسي ، توفي سنة 1626 قبل الهجرة ، بعثه الله ~~لنصر ms2146 بني إسرائيل . وأنزل عليه كتابا فيه مواعظ وأمثال ، كان بنو إسرائيل ~~يترنمون بفصوله ، وهو المسمى بالزبور . وهو مصدر على وزن فعول مثل قبول . ~~ويقال فيه : زبور بضم الزاي أي مصدرا مثل الشكور ، ومعناه الكتابة ويسمى ~~المكتوب زبورا فيجمع على الزبر ، قال تعالى : { بالبينات والزبر } ( آل ~~عمران : 184 ) . وقد صار PageV06P034 علما بالغلبة في لغة العرب على كتاب ~~داود النبي ، وهو أحد أسفار الكتاب المقدس عند اليهود . # وعطفت جملة { وآتينا داوود زبورا } على { أوحينا إليك } . ولم يعطف اسم ~~داود على بقية الأسماء المذكورة قبله للإيماء إلى أن الزبور موحى بأن يكون ~~كتابا . # وقرأ الجمهور { زبورا } بفتح الزاي ، وقرأه حمزة وخلف بضم الزاي . # وقوله : { ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل } يعني في آي القرآن مثل : هود ، ~~وصالح ، وشعيب ، وزكرياء ، ويحيى ، وإلياس ، واليسع ، ولوط ، وتبع . ومعنى ~~قوله : { ورسلا لم نقصصهم عليك } لم يذكرهم الله تعالى في القرآن ، فمنهم ~~من لم يرد ذكره في السنة : مثل حنظلة بن صفوان نبيء أصحاب الرس ، ومثل بعض ~~حكماء اليونان عند بعض علماء الحكمة . قال السهروردي في ( حكمة الإشراق ) : ~~( منهم أهل السفارة ) . ومنهم من ذكرته السنة : مثل خالد بن سنان العبسي . # وإنما ذكر الله تعالى هنا الأنبياء الذين اشتهروا عند بني إسرائيل لأن ~~المقصود محاجتهم . وإنما ترك الله أن يقص على النبيء صلى الله عليه وسلم ~~أسماء كثير من الرسل للاكتفاء بمن قصهم عليه ، لأن المذكورين هم أعظم الرسل ~~والأنبياء قصصا ذات عبر . # وقوله : { وكلم الله موسى تكليما } غير الأسلوب فعدل عن العطف إلى ذكر ~~فعل آخر ، لأن لهذا النوع من الوحي مزيد أهمية ، وهو مع تلك المزية ليس ~~إنزال كتاب من السماء ، فإذا لم تكن عبرة إلا بإنزال كتاب من السماء حسب ~~اقتراحهم ، فقد بطل أيضا ما عدا الكلمات العشر المنزلة في الألواح على موسى ~~عليه السلام . # وكلام الله تعالى صفة مستقلة عندنا ، وهي المتعلقة بإبلاغ مراد الله إلى ~~الملائكة والرسلل ، وقد تواتر ذلك في كلام الأنبياء والرسل تواترا ثبت ~~PageV06P035 عند جميع المليين ، فكلام الله صفة له ثبتت ms2147 بالشرع لا يدل ~~عليها الدليل العقلي على التحقيق إذ لا تدل الأدلة العقلية على أن الله يجب ~~له إبلاغ مراده الناس بل يجوز أن يوجد الموجودات ثم يتركها وشأنها ، فلا ~~يتعلق علمه بحملها على ارتكاب حسن الأفعال وتجنب قبائحها . ألا ترى أنه خلق ~~العجماوات فما أمرها ولا نهى ، فلو ترك الناس فوضى كالحيوان لما ستحال ذلك ~~. وأنه إذا أراد حمل المخلوقات على شيء يريده فطرها على ذلك فانساقت إليه ~~بجبلاتها ، كما فطر النحل على إنتاج العسل ، والشجر على الإثمار . ولو شاء ~~لحمل الناس أيضا على جبلة لا يعدونها ، غير أننا إذ قد علمنا أنه عالم ، ~~وأنه حكيم ، والعلم يقتضي انكشاف حقائق الأشياء على ما هي عليه عنده ، فهو ~~إذ يعلم حسن الأفعال وقبحها ، يريد حصول المنافع وانتفاء المضار ، ويرضى ~~بالأولى ، ويكره الثانية ، وإذ اقتضت حكمته وإرادته أن جعل البشر قابلا ~~للتعلم والصلاح ، وجعل عقول البشر صالحة لبلوغ غايات الخير ، وغايات الشر ، ~~والتفنن فيهما ، بخلاف الحيوان الذي يبلغ فيما جبل عليه من خير أو شر إلى ~~غاية فطر عليها لا يعدوها ، فكان من المتوقع طغيان الشر على الخير بعمل ~~فريق الأشرار من البشر كان من مقتضى الحكمة أن يحمل الناس على فعل الخير ~~الذي يرضاه ، وتركك الشر الذي يكرهه ، وحملهم على هذا قد يحصل بخلق أفاضل ~~الناس وجبلهم على الصلاح والخير ، فيكونون دعاة للبشر ، لكن حكمة الله ~~وفضله اقتضى أن يخلق الصالحين القابلين للخير ، وأن يعينهم على بلوغ ما ~~جبلوا عليه بإرشاده وهديه ، فخلق النفوس القابلة للنبوة والرسالة وأمدها ~~بالإرشاد الدال على مراده المعبر عنه بالوحي ، كما اقتضاه قوله تعالى : { ~~الله أعلم حيث يجعل رسالاته } ( الأنعام : 124 ) فأثبت رسالة وتهيئة المرسل ~~لقبولها ومن هنا ثبتت صفة الكلام . فعلمنا بأخبار الشريعة المتواترة أن ~~الله أراد من البشر الصلاح وأمرهم به ، وأن أمره بذلك بلغ إلى البشر في ~~عصور ، كثيرة وذلك يدل على أن الله يرضى بعض أعمال البشر ولا يرضى بعضها ~~وأن ذلك يسمى كلاما نفسيا ، وهو أزلي . # ثم إن حقيقة صفة ms2148 الكلام يحتمل أن تكون من متعلقات صفة العلم ، أو من ~~متعلقات صفة الإرادة ، أو صفة مستقلة متميزة عن الصفتين الأخريين ؛ ~~PageV06P036 فمنهم من يقول : علم حاجة الناس إلى الإرشاد فأرشدهم ، أو أراد ~~هدي الناس فأرشدهم . ونحن نقول : إن الإلهية تقتضي ثبوت صفات الكمال التي ~~منها الرضا والكراهية والأمر والنهي للبشر أو الملائكة ، فثبتت صفة مستقلة ~~هي صفة الكلام النفسي ؛ وكل ذلك متقارب ، وتفصيله في علم الكلام . # أما تكليم الله تعالى بعض عباده من الملائكة أو البشر فهو إيجاد ما يعرف ~~منه الملك أو الرسول أن الله يأمر أو ينهى أو يخبر . فالتكليم تعلق لصفة ~~الكلام بالمخاطب على جعل الكلام صفة مستقلة ، أو تعلق العلم بإيصال المعلوم ~~إلى المخاطب ، أو تعلق الإرادة بإبلاغ المراد إلى المخاطب . فالأشاعرة ~~قالوا : تكليم الله عبده هو أن يخلق للعبد إدراكا من جهة السمع يتحصل به ~~العلم بكلام الله دون حروف ولا أصوات . وقد ورد تمثيله بأن موسى سمع مثل ~~الرعد علم منه مدلول الكلام النفسي . قلت : وقد مثله النبي صلى الله عليه ~~وسلم في الحديث الصحيح عن أبي هريرة ( أن الله تعالى إذا قضى الأمر في ~~السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوانن فإذا ~~فزع عن قلوبهم قالوا : ماذا قال ربكم ، قالوا للذي قال ( الحق وهو العلي ~~الكبير ) ، فعلى هذا القول لا يلزم أن يكون المسموع للرسول أو الملك حروفا ~~وأصواتا بل هو علم يحصل له من جهة سمعه يتصل بكلام الله ، وهو تعلق من ~~تعلقات صفة الكلام النفسي بالمكلم فيما لا يزال ، فذلك التعلق حادث لا ~~محالة كتعلق الإرادة . وقالت المعتزلة : يخلق الله حروفا وأصواتا بلغة ~~الرسول فيسمعها الرسول ، فيعلم أن ذلك من عند الله ، بعلم يجده في نفسه ، ~~يعلم به أن ذلك ورد إليه من قبل الله ، إلا أنه ليس بواسطة الملك ، فهم ~~يفسرونه بمثل ما نفسر به نحن نزول القرآن ؛ فإسناد الكلام إلى الله مجاز في ~~الإسناد ، على قولهم ، لأن الله منزه عن الحروف والأصوات . والكلام حقيقة ~~حروف وأصوات ، وهذه ms2149 سفسطة في الدليل لأنه لا يقول أحد بأن الحروف والأصوات ~~تتصف بها الذات العلية . وهو عندنا وعندهم غير الوحي الذي يقع في قلب ~~الرسول ، وغير التبليغ الذي يكون بواسطة جبريل ، وهو المشار إليه بقوله ~~تعالى : { أو من وراء حجاب } ( الشورى : 51 ) . PageV06P037 # أما كلام الله الوارد للرسول بواسطة الملك وهو المعبر عنه بالقرآن ~~وبالتوراة والإنجيل وبالزبور : فتلك ألفاظ وحروف وأصوات يعلمها الله للملك ~~بكيفية لا نعلمها ، يعلم بها الملك أن الله يدل ، بالألفاظ المخصوصة ~~الملقاة للملك ، على مدلولاتت تلك الألفاظ فيلقيها الملك على الرسول كما هي ~~قال تعالى : { أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء } ( الشورى : 51 ) وقال : ~~{ نزل به الروح الأمين على قبلك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين } ( ~~الشعراء : 193 195 ) . وهذا لا يمتري في حدوثه من له نصيب من العلم في ~~الدين . ولكن أمسك بعض أيمة الإسلام عن التصريح بحدوثه ، أو بكونه مخلوقا ، ~~في مجالس المناظرة التي غشيتها العامة ، أو ظلمة المكابرة ، والتحفز إلى ~~النبز والأذى : دفعا للإيهام ، وإبقاء على النسبة إلى الإسلام ، وتنصلا من ~~غوغاء الطغام ، فرحم الله نفوسا فتنت ، وأجسادا أوجعت ، وأفواها سكتت ، ~~والخير أرادوا ، سواء اقتصدوا أم زادوا . والله حسيب الذين ألبوا عليهم ~~وجمعوا ، وأغروا بهم وبئس ما صنعوا . # وقوله { تكليما } مصدر للتوكيد . والتوكيد بالمصدر يرجع إلى تأكيد النسبة ~~وتحقيقها مثل ( قد ) و ( إن ) ، ولا يقصد به رفع احتمال المجاز ، ولذلك ~~أكدت العرب بالمصدر أفعالا لم تستعمل إلا مجازا كقوله تعالى : { إنما يريد ~~الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا } فإنه أراد أنه يطهرهم ~~الطهارة المعنوية ، أي الكمال النفسي ، فلم يفد التأكيد رفع المجاز . وقالت ~~هند بنت النعمان بن بشير تذم زوجها روح بن زنباع : # بكى الخز من روح وأنكر جلده # وعجت عجيجا من جذام المطارف # وليس العجيج إلا مجازا ، فالمصدر يؤكد ، أي يحقق حصول الفعل الموكد على ~~ما هو عليه من المعنى قبل التأكيد . # فمعنى قوله : { تكليما } هنا : أن موسى سمع كلاما من عند الله ، بحيث لا ~~يحتمل أن الله أرسل إليه جبريل ms2150 بكلام ، أو أوحى إليه في نفسه . وأما كيفية ~~صدور هذا الكلام عن جانب الله فغرض آخر هو مجال للنظر بين الفرق ، ولذلك ~~PageV06P038 فاحتجاج كثير من الأشاعرة بهذه الآية على كون الكلام الذي سمعه ~~موسى الصفة الذاتية القائمة بالله تعالى احتجاج ضعيف . وقد حكى ابن عرفة أن ~~المازري قال في ( شرح التلقين ) : إن هذه الآية حجة على المعتزلة في قولهم ~~: إن الله لم يكلم موسى مباشرة بل بواسطة خلق الكلام لأنه أكده بالمصدر ، ~~وأن ابن عبد السلام التونسي ، شيخ ابن عرفة ، رده بأن التأكيد بالمصدر ~~لإزالة الشك عن الحديث لا عن المحدث عنه . وتعقبه ابن عرفة بما يؤول إلى ~~تأييد رد ابن عبد السلام . # وقوله : { رسلا } حال من المذكورين ، وقد سماهم رسلا لما قدمناه ، وهي ~~حال موطئة لصفتها ، أعني مبشرين ؛ لأنه المقصود من الحال . # وقوله : { لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل } تعليل لقوله : { ~~مبشرين ومنذرين } ولا يصح جعله تعليلا لقوله : { إنا أوحينا إليك } لأن ذلك ~~مسوق لبيان صحة الرسالة مع الخلو عن هبوط كتاب من السماء ردا على قولهم : { ~~حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه } ( الإسراء : 93 ) . فموقع قوله : { لئلا يكون ~~للناس على الله حجة بعد الرسل } موقع الإدماج تعليما للأمة بحكمة من الحكم ~~في بعثته الرسل . # والحجة ما يدل على صدق المدعي وحقية المعتذر ، فهي تقتضي عدم المؤاخذة ~~بالذنب أو التقصير . والمراد هنا العذر البين الذي يوجب التنصل من الغضب ~~والعقاب . فإرسال الرسل لقطع عذر البشر إذا سئلوا عن جرائم أعمالهم ، ~~واستحقوا غضب الله وعقابه . فعلم من هذا أن للناس قبل إرسال الرسل حجة إلى ~~الله أن يقولوا : { لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين ~~} ( القصص : 47 ) . # وأشعرت الآية أن من أعمال الناس ما هو بحيث يغضب الله ويعاقب عليه ، وهي ~~الأفعال التي تدل العقول السليمة على قبحها لإفضائها إلى الفساد والأضرار ~~البينة . ووجه الإشعار أن الحجة إنما تقابل محاولة عمل ما ، فلما بعث الله ~~الرسل لقطع الحجة علمنا أن الله حين بعث الرسل كان بصدد أن ms2151 يؤاخذ المبعوث ~~إليهم ، فاقتضت رحمته أن يقطع حجتهم ببعثة الرسل وإرشادهم وإنذارهم ، ولذلك ~~جعل قطع الحجة علة غائية للتبشير والإنذار : إذ التبشير والإنذار إنما ~~يبينان عواقب الأعمال ، ولذلك لم يعلل بعثه الرسل بالتنبيه إلى ما يرضي ~~الله وما يسخطه . PageV06P039 # فهذه الآية ملجئة جميع الفرق إلى القول بأن بعثة الرسل تتوقف عليها ~~المؤاخذة بالذنوب ، وظاهرها أن سائر أنواع المؤاخذة تتوقف عليها ، سواء في ~~ذلك الذنوب الراجعة إلى الإعتقاد ، والراجعة إلى العمل ، وفي وجوب معرفة ~~الله . فإرسال الرسل عندنا من تمام العدل من الله لأنه لو لم يرسلهم لكانت ~~المؤاخذة بالعذاب مجرد الإطلاق الذي تقتضيه الخالقية إذ لا يسأل عما يفعل ، ~~وكانت عدلا بالمعنى الأعم . # فأما جمهور أهل السنة ، الذين تترجم عن أقوالهم طريقة الأشعري ، فعمموا ~~وقالوا : لا يثبت شيء من الواجبات ، ولا مؤاخذة على ترك أو فعل إلا ببعثة ~~الرسل حتى معرفة الله تعالى ، واستدلوا بهذه الآية وغيرها : مثل { وما كنا ~~معذبين حتى نبعث رسولا } ( الإسراء : 15 ) وبالإجماع . وفي دعوى الإجماع ~~نظر ، وفي الاستدلال به على أصل من أصول الدين نظر آخر ، وفي الاستدلال ~~بالآيات ، وهي ظواهر ، على أصل من أصول الدين نظر ثالث ، إلا أن يقال : ~~إنها تكاثرت كثرة أبلغتها إلى مرتبة القطع ، وهذا أيضا مجال للنظر ، وهم ~~ملجئون إلى تأويل هذه الآية ، لأنهم قائلون بمؤاخذة أهل الفترة على إشراكهم ~~بالله . والجواب أن يقال : إن الرسل في الآية كل إفرادي ، صادق بالرسول ~~الواحد ، وهو يختلف باختلاف الدعوة . فأما الدعوة إلى جملة الإيمان ~~والتوحيد فقد تقررت بالرسل الأولين ، الذين تقرر من دعواتهم عند البشر وجوب ~~الإيمان والتوحيد ، وأما الدعوة إلى تفصيل الآيات والصفات وإلى فروع ~~الشرائع ، فهي تتقرر بمجيء الرسل الذين يختصون بأمم معروفة . # وأما المعتزلة فقد أثبتوا الحسن والقبح الذاتيين في حالة عدم إرسال رسول ~~؛ فقالوا : إن العقل يثبت به وجوب كثير من الأحكام ، وحرمة كثير ، لا سيما ~~معرفة الله تعالى ، لأن المعرفة دافعة للضر المظنون ، وهو الضر الأخروي ، ~~من لحاق العذاب في الآخرة ، حيث أخبر عنه جمع كثير ، وخوف ms2152 ما يترتب على ~~اختلاف الفرق في معرفة الصانع قبل المعرفة الصحيحة من المحاربات ، وهو ضر ~~دنيوي ، وكل ما يدفع الضر المظنون أو المشكوك واجب عقلا ، PageV06P040 كمن ~~أراد سلوك طريق فأخبر بأن فيه سبعا ، فإن العقل يقتضي أن يتوقف ويبحث حتى ~~يعلم أيسلك ذلك الطريق أم لا ، وكذلك وجوب النظر في معجزة الرسل وسائر ما ~~يؤدي إلى ثبوت الشرائع . فلذلك تأولوا هذه الآية بما ذكره في ( الكشاف ) إذ ~~قال : ( فإن قلت : كيف يكون للناس على الله حجة قبل الرسل وهم محجوجون بما ~~نصبه الله من الأدلة التي النظر فيها موصل إلى المعرفة ، والرسل في أنفسهم ~~لم يتوصلوا إلى المعرفة بالنظر في تلك الأدلة ، أي قبل الرسالة . قلت : ~~الرسل منبهون عن الغفلة وباعثون على النظر مع تبليغ ما حملوه من أمور الدين ~~وتعليم الشرائع ؛ فكان إرسالهم إزاحة للعلة وتتميما لإلزام الحجة ) . يعني ~~أن بعثة الرسل رحمة من الله لا عدل ، ولو لم يبعثهم لكانت المؤاخذة على ~~القبائح عدلا ، فبعثة الرسل إتمام للحجة في أصل المؤاخذة ، وإتمام للحجة في ~~زيادة التزكية أن يقول الناس : ربنا لم لم ترشدنا إلى ما يرفع درجاتنا في ~~مراتب الصديقين وقصرتنا على مجرد النجاة من العذاب ، حين اهتدينا لأصل ~~التوحيد بعقولنا . # وقال الماتريدي بموافقة الجمهور فيما عدا المعرفة بالله تعالى عند إرادة ~~إفحام الرسل خاصة لأنه رآه مبنى أصول الدين ، كما يشير إليه قول صدر ~~الشريعة في ( التوضيح ) ( أي يكون الفعل صفة يحمد فاعل الفعل ويثاب لأجلها ~~أو يذم ويعاقب لأجلها ؛ لأن وجوب تصديق النبي إن توقف على الشرع يلزم الدور ~~) وصرح أيضا بأنها تعرف بالشرع أيضا . # وقد ضايق المعتزلة الأشاعرة في هذه المسألة بخصوص وجوب المعرفة فقالوا : ~~لو لم تجب المعرفة إلا بالشرع للزم إفحام الرسل ، فلم تكن للبعثة فائدة . ~~ووجه اللزوم أن الرسول إذا قال لأحد : انظر في معجزتي حتى يظهر صدقي لديك ، ~~فله أن يقول : لا أنظر ما لم يجب علي ، لأن ترك غير الواجب جائز ، ولا يجب ~~علي حتى يثبت عندي الوجوب بالشرع ، ولا ms2153 يثبت الشرع ما دمت لم أنظر ، لأن ~~ثبوت الشرع نظري لا ضروري . وظاهرهم الماتريدية وبعض الشافعية على هذا ~~الاستدلال . PageV06P041 # ولم أر للأشاعرة جوابا مقنعا ، سوى أن إمام الحرمين في ( الإرشاد ) أجاب ~~: بأن هذا مشترك الإلزام لأن وجوب التأمل في المعجزة نظري لا ضروري لا ~~محالة ، فلمن دعاه الرسول أن يقول : لا أتأمل في المعجزة ما لم يجب ذلك علي ~~عقلا ، ولا يجب علي عقلا ما لم أنظر ، لأنه وجوب نظري ، والنظري يحتاج إلى ~~ترتيب مقدمات ، فأنا لا أرتبها . وتبعه على هذا الجواب جميع المتكلمين بعده ~~من الأشاعرة مثل البيضاوي والعضد والتفتزاني . وقال ابن عرفة في ( الشامل ) ~~: إنه اعتراف بلزوم الإفحام فلا يزيل الشبهة بل يعممها بيننا وبينهم ، فلم ~~يحصل دفع الإشكال وكلام ابن عرفة رد متمكن . والظاهر أن مراد إمام الحرمين ~~أن يسقط استدلال المعتزلة لأنفسهم على الوجوب العقلي بتمحض الاستدلال ~~بالأدلة الشرعية وهو مطلوبنا . # وأنا أرى أن يكون الجواب بأحد طريقين : # أولهما : بالمنع ، وهو أن نمنع أن يكون وجوب سماع دعوة الرسول متوقفا على ~~الإصغاء إليه ، والنظر في معجزته ، وأنه لو لم يثبت وجوب ذلك بالعقل يلزم ~~إفحام الرسول ، بل ندعي أن ذلك أمر ثبت بالشرائع التي تعاقب ورودها بين ~~البشر ، بحيث قد علم كل من له علاقة بالمدنية البشرية بأن دعاة أتوا إلى ~~الناس في عصور مختلفة ، ودعوتهم واحدة : كل يقول إنه مبعوث من عند الله ~~ليدعو الناس إلى ما يريده الله منهم ، فاستقر في نفوس البشر كلهم أن هنالك ~~إيمانا وكفرا ، ونجاة وارتباقا ، استقرارا لا يجدون في نفوسهم سبيلا إلى ~~دفعه ، فإذا دعا الرسول الناس إلى الإيمان حضرت في نفس المدعو السامعع تلك ~~الأخبار الماضية والمحاورات ، فوجب عليه وجوبا اضطراريا استماعه والنظر في ~~الأمر المقرر في نفوس البشر ، ولذلك آخذ الله أهل الفترة بالإشراك كما دلت ~~عليه نصوص كثيرة من الكتاب والسنة . ولذلك فلو قدرنا أحدا لم يخالط جماعات ~~البشر ، ولم يسبق له شعور بأن الناس آمنوا وكفروا وأثبتوا وعطلوا ، لما وجب ~~عليه الإصغاء إلى الرسول لأن ms2154 ذلك PageV06P042 الانسياق الضروري مفقود عنده ~~. وعلى هذا الوجه يكون الوجوب غير شرعي ، ولا عقلي نظري ، بل هو من الأمور ~~الضرورية التي لا يستطاع دفعها فلا عجب أن تقع المؤاخذة بتعمد مخالفتها . # وثاني الجوابين : بالتسليم ، غير أن ما وقر في جبلة البشر من استطلاع ~~الحوادث والأخبار الجديدة ، والإصغاء لكل صاحب دعوة ، أمر يحمل كل من دعاه ~~الرسول إلى الدين على أن يستمع لكلامه ، ويتلقى دعوته وتحديه ومعجزته ، فلا ~~يشعر إلا وقد سلكت دعوته إلى نفس المدعو ، فحركت فيه داعية النظر ، فهو ~~ينجذب إلى تلقي الدعوة ، رويدا رويدا ، حتى يجد نفسه قد وعاها وعلمها علما ~~لا يستطيع بعده أن يقول : إني لا أنظر المعجزة ، أو لا أصغي إلى الدعوة . ~~فإن هو أعرض بعد ذلك فقد اختار العمى على الهدى ، فكان مؤاخذا ، فلو قدرنا ~~أحدا مر برسول يدعو فشغله شاغل عن تعرف أمره والإصغاء لكلامه والنظر في ~~أعماله ، لسلمنا أنه لا يكون مخاطبا ، وأن هذا الواحد وأمثاله إذا أفحم ~~الرسول لا تتعطل الرسالة ، ولكنه خسر هديه ، وسفه نفسه . # ولا يرد علينا أن من سمع دعوة الرسول فجعل أصابعه في أذنيه وأعرض هاربا ~~حينئذ ، لا يتوجه إليه وجوب المعرفة ، لأن هذا ما صنع صنعه إلا بعد أن علم ~~أنه قد تهيأ لتوجه المؤاخذة عليه إذا سمع فعصى ، وكفى بهذا شعورا منه بتوجه ~~التكليف إليه فيكون مؤاخذا على استحبابه العمى على الهدى ، كما قال تعالى ~~في قوم نوح : { وإني كلما دعوتهم أي إلى الإيمان لتغفر لهم جعلوا أصابعهم ~~في آذانهم واستغشوا ثيابهم } ( نوح : 7 ) . # والإظهار في مقام الإضمار في قوله : { بعد الرسل } دون أن يقال : بعدهم ، ~~للاهتمام بهذه القضية واستقلالها في الدلالة على معناها حتى تسير مسرى ~~الأمثال . # ومناسبة التذييل بالوصفين في قوله : { عزيزا حكيما } : أما بوصف الحكيم ~~فظاهرة ، PageV06P043 لأن هذه الأخبار كلها دليل حكمته تعالى ، وأما بوصف ~~العزيز فلأن العزيز يناسب عزته أن يكون غالبا من كل طريق فهو غالب من طريق ~~المعبودية ، لا يسأل عما يفعل ، وغالب من طريق المعقولية إذ شاء أن ms2155 لا ~~يؤاخذ عبيده إلا بعد الأدلة والبراهين والآيات . وتأخير وصف الحكيم لأن ~~إجراء عزته على هذا التمام هو أيضا من ضروب الحكمة الباهرة . # # | 2 ( 166 ) { لاكن الله يشهد بمآ أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة ~~يشهدون وكفى بالله شهيدا } . ) 2 # هذا استدراك على معنى أثاره الكلام : لأن ما تقدم من قوله : { يسألك أهل ~~الكتاب } ( النساء : 153 ) مسوق مساق بيان تعنتهم ومكابرتهم عن أن يشهدوا ~~بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم وصحة نسبة القرآن إلى الله تعالى ، فكان ~~هذا المعنى يستلزم أنهم يأبون من الشهادة بصدق الرسول ، وأن ذلك يحزن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم فجاء الاستدراك بقوله : { لكن الله يشهد } . فإن ~~الاستدراك تعقيب الكلام برفع ما يتوهم ثبوته أو نفيه . والمعنى : لم يشهد ~~أهل الكتاب لكن الله شهد وشهادة الله خير من شهادتهم . # وقد مضى عند قوله تعالى : { واستشهدوا شهيدين من رجالكم في سورة البقرة ( ~~282 ) ، أن حقيقة الشهادة إخبار لتصديق مخبر ، وتكذيب مخبر آخر . وتقدم ~~أنها تطلق على الخبر المحقق الذي لا يتطرقه الشك عند قوله تعالى : شهد الله ~~أنه لا إله إلا هو في سورة آل عمران ( 18 ) . فالشهادة في قوله : لكن الله ~~يشهد } أطلقت على الإخبار بنزول القرآن من الله إطلاقا مجازيا ، لأن هذا ~~الخبر تضمن تصديق الرسول وتكذيب معانديه ، وهو إطلاق على وجه الاستعارة من ~~الإطلاق الحقيقي هو غير الإطلاق الذي في قوله : { شهد الله أنه لا إله إلا ~~هو } ( آل عمران : 18 ) فإنه على طريقة المجاز المرسل . وعطف شهادة ~~الملائكة على شهادة الله : لزيادة تقرير هذه الشهادة بتعدد الشهود ، ولأن ~~شهادة الله مجاز في العلم وشهادة الملائكة PageV06P044 حقيقة . وإظهار فعل ~~{ يشهدون } مع وجود حرف العطف للتأكيد . وحرف ( لكن ) بسكون النون مخفف لكن ~~المشددة النون التي هي من أخوات ( إن ) وإذا خففت بطل عملها . # وقوله : { وكفى بالله شهيدا } يجري على الاحتمالين . # وقوله : { بما أنزل إليك أنزله بعلمه } وقع تحويل في تركيب الجملة لقصد ~~الإجمال الذي يعقبه التفصيل ، ليكون أوقع في النفس . وأصل الكلام : يشهد ~~بإنزال ما أنزله ms2156 إليك بعلمه ؛ لأن قوله : { بما أنزل إليك } لم يفد المشهود ~~به إلا ضمنا مع المشهود فيه إذ جيء باسم الموصول ليوصل بصلة فيها إيماء إلى ~~المقصود ، ومع ذلك لم يذكر المقصود من الشهادة الذي هو حق مدخولل الباء بعد ~~مادة شهد ، فتكون جملة { أنزله بعلمه } مكملة معنى الشهادة . وهذا قريب من ~~التحويل الذي يستعمله العرب في تمييز النسبة . وقال الزمخشري : ( موقع قوله ~~: { أنزله بعلمه } من قوله : { لكن الله يشهد بما أنزل إليك } موقع الجملة ~~المفسرة لأنه بيان للشهادة وأن شهادته بصحته أنه أنزله بالنظم المعجز ) . ~~فلعله يجعل جملة { لكن الله يشهد بما أنزل إليك } مستقلة بالفائدة ، وأن ~~معنى { بما أنزل إليك } بصحة ما أنزل إليك ، وما ذكرته أعرق في البلاغة . # ومعنى { أنزله بعلمه } أي متلبسا بعلمه ، أي بالغا الغاية في باب الكتب ~~السماوية ، شأن ما يكون بعلم من الله تعالى ، ومعنى ذلك أنه معجز لفظا ~~ومعنى ، فكما أعجز البلغاء من أهل اللسان أعجز العلماء من أهل الحقائق ~~العالية . # والباء في قوله : { وكفى بالله شهيدا } زائدة للتأكيد ، وأصله : كفى الله ~~شهيدا كقوله : # كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا # أو يضمن ( كفى ) معنى اقتنعوا ، فتكون الباء للتعدية . # # | 2 ( 167 ) { إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله قد ضلوا ضلالا بعيدا } ~~. ) 2 # PageV06P045 # يجوز أن يكون المراد بالذين كفروا هنا أهل الكتاب ، أي اليهود ، فتكون ~~الجملة بمنزلة الفذلكة للكلام السابق الراد على اليهود من التحاور المتقدم ~~. وصدهم عن سبيل الله يحتمل أن يكون من صد القاصر الذي قياس مضارعه يصد ~~بكسر الصاد ، أي أعرضوا عن سبيل الله . أي الإسلام ، أو هو من صد المتعدي ~~الذي قياس مضارعه بضم الصاد ، أي صدوا الناس . وحذف المفعول لقصد التكثير . ~~فقد كان اليهود يتعرضون للمسلمين بالفتنة ، ويقوون أوهام المشركين بتكذيبهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم ويجوز أن يكون المراد بالذين كفروا المشركين ، ~~كما هو الغالب في إطلاق هذا الوصف في القرآن ، فتكون الجملة استئنافا ~~ابتدائيا ، انتقل إليه بمناسبة الخوض في مناواة أهل الكتاب للإسلام . وصدهم ~~عن سبيل الله ، أي ms2157 صدهم الناس عن الدخول في الإسلام مشهور . # والضلال الكفر لأنه ضياع عن الإيمان ، الذي هو طريق الخير والسعادة ، ~~فإطلاق الضلال على الكفر استعارة مبنية على استعارة الطريق المستقيم ~~للإيمان . ووصف الضلال بالبعيد مع أن البعد من صفات المسافات هو استعارة ~~البعد لشدة الضلال وكماله في نوعه ، بحيث لا يدرك مقداره ، وهو تشبيه شائع ~~في كلامهم : أن يشبهوا بلوغ الكمال بما يدل على المسافات والنهايات كقولهم ~~: بعيد الغور ، وبعيد القعر ، ولا نهاية له ، ولا غاية له ، ورجل بعيد ~~الهمة ، وبعيد المرمى ، ولا منتهى لكبارها ، وبحر لا ساحل له ، وقولهم : ~~هذا إغراق في كذا . # ومن بديع مناسبته هنا أن الضلال الحقيقي يكون في الفيافي والموامي ، فإذا ~~اشتد التيه والضلال بعد صاحبه عن المعمور ، فكان في وصفه بالبعيد تعاهد ~~للحقيقة ، وإيماء إلى أن في إطلاقه على الكفر والجهل نقلا عرفيا . # # | 2 ( 168 ، 169 ) { إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ~~ليهديهم PageV06P046 طريقا * إلا طريق جهنم خالدين فيهآ أبدا وكان ذالك على ~~الله يسيرا } . ) 2 # الجملة بيان لجملة { قد ضلوا ضلالا بعيدا } ( النساء : 167 ) ، لأن ~~السامع يترقب معرفة جزاء هذا الضلال قبينته هذه الجملة . # وإعادة الموصول وصلته دون أن يذكر ضميرهم لتبنى عليه صلة { وظلموا } ، ~~ولأن في تكرير الصلة تنديدا عليهم . ويجيء على الوجهين في المراد من الذين ~~كفروا في الآية التي قبلها أن يكون عطف الظلمم على الكفر في قوله : { إن ~~الذين كفروا وظلموا } إما أن يراد به ظلم النفس ، وظلم النبي والمسلمين ، ~~وذلك اللائق بأهل الكتاب ؛ وإما أن يراد به الشرك ، كما هو شائع في استعمال ~~القرآن كقوله : { إن الشرك لظلم عظيم } ( لقمان : 13 ) ، فيكون من عطف ~~الأخص على الأعم في الأنواع ؛ وإما أن يراد به التعدي على الناس ، كظلمهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم بإخراجه من أرضه ، وتأليب الناس عليه ، وغير ذلك ~~، وظلمهم المؤمنين بتعذيبهم في الله ، وإخراجهم ، ومصادرتهم في أموالهم ، ~~ومعاملتهم بالنفاق والسخرية والخداع ؛ وإما أن يراد به ارتكاب المفاسد ~~والجرائم مما استقر عند أهل العقول أنه ms2158 ظلم وعدوان . # وقوله : { لم يكن الله ليغفر لهم } صيغة جحود ، وقد تقدم بيانها عند قوله ~~تعالى : { ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب في سورة آل عمران ( 79 ) ، فهي ~~تقتضي تحقيق النفي ، وقد نفي عن الله أن يغفر لهم تحذيرا من البقاء على ~~الكفر والظلم ، لأن هذا الحكم نيط بالوصف ولم ينط بأشخاص معروفين ، فإن هم ~~أقلعوا عن الكفر والظلم لم يكونوا من الذين كفروا وظلموا . ومعنى نفي أن ~~يهديهم طريقا : إن كان طريقا يوم القيامة فهو واضح : أي لا يهديهم طريقا ~~بوصلهم إلى مكان إلا طريقا يوصل إلى جهنم . ويجوز أن يراد من الطريق الآيات ~~في الدنيا ، كقوله : اهدنا الصراط المستقيم } ( الفاتحة : 6 ) . فنفي هديهم ~~إليه PageV06P047 إنذار بأن الكفر والظلم من شأنهما أن يخيما على القلب ~~بغشاوة تمنعه من وصول الهدي إليه ، ليحذر المتلبس بالكفر والظلم من التوغل ~~فيهما ، فلعله أن يصبح ولا مخلص له منهما . ونفي هدى الله أياهم على هذا ~~الوجه مجاز عقلي في نفي تيسير أسباب الهدى بحسب قانون حصول الأسباب وحصول ~~آثارها بعدها . وعلى أي الاحتمالين فتوبة الكافر الظالم بالإيمان مقبولة ، ~~وكثيرا ما آمن الكافرون الظالمون وحسن إيمانهم ، وآيات قبول التوبة ، وكذلك ~~مشاهدة الواقع ، مما يهدي إلى تأويل هذه الآية ، وتقدم نظير هذه الآية ~~قريبا ، أي { الذين آمنوا ثم كفروا } ( النساء : 137 ) الآية . # وقوله : { إلا طريق جهنم } استثناء متصل إن كان الطريق الذي نفي هديهم ~~إليه الطريق الحقيقي ، ومنقطع إن أريد بالطريق الأول الهدى . وفي هذا ~~الاستثناء تأكيد الشيء بما يشبه ضده : لأن الكلام مسوق للإنذار ، ~~والاستثناء فيه رائحة إطماع ، ثم إذا سمع المستثنى تبين أنه من قبيل ~~الإنذار . وفيه تهكم لأنه استثنى من الطريق المعمول { ليهديهم } ، وليس ~~الإقحام بهم في طريق جهنم بهدي لأن الهدي هو إرشاد الضال إلى المكان ~~المحبوب . # ولذلك عقبه بقوله : { وكان ذلك } أي الإقحام بهم في طريق النار على الله ~~يسيرا إذ لا يعجزه شيء ، وإذ هم عبيده يصرفهم إلى حيث يشاء . # # | 2 ( 170 ) { ياأيها الناس قد جآءكم الرسول بالحق ms2159 من ربكم فئامنوا خيرا ~~لكم وإن تكفروا فإن لله ما فى السماوات والارض وكان الله عليما حكيما } . ) ~~2 # بعد استفراغ الحوار مع أهل الكتاب ، ثم خطاب أهل الكفر بما هو صالح لأن ~~يكون شاملا لأهل الكتاب ، وجه الخطاب إلى الناس جميعا : PageV06P048 ليكون ~~تذييلا وتأكيدا لما سبقه ، إذ قد تهيأ من القوارع السالفة ما قامت به الحجة ~~، واتسعت المحجة ، فكان المقام للأمر باتباع الرسول والإيمان . وكذلك شأن ~~الخطيب إذا تهيأت الأسماع ، ولانت الطباع . ويسمى هذا بالمقصد من الخطاب ، ~~وما يتقدمه بالمقدمة . على أن الخطاب بيأيها الناس يعني خصوص المشركين في ~~الغالب ، وهو المناسب لقوله : { فآمنوا خيرا لكم } . # والتعريف في { الرسول } للعهد ، وهو المعهود بين ظهرانيهم . ( والحق ) هو ~~الشريعة والقرآن ، و { من ربكم } متعلق ب { جاءكم } ، أو صفة للحق ، و ( من ~~) للابتداء المجازي فيهما ، وتعدية جاء إلى ضمير المخاطبين ترغيب لهم في ~~الإيمان لأن الذي يجيء مهتما بناس يكون حقا عليهم أن يتبعوه ، وأيضا في ~~طريق الإضافة من قوله { ربكم } ترغيب ثان لما تدل عليه من اختصاصهم بهذا ~~الدين الذي هو آت من ربهم ، فلذلك أتي بالأمر بالإيمان مفرعا على هاته ~~الجمل بقوله : { فآمنوا خيرا لكم } . # وانتصب { خيرا } على تعلقه بمحذوف لازم الحذف في كلامهم لكثرة الاستعمال ~~، فجرى مجرى الأمثال ، وذلك فيما دل على الأمر والنهي من الكلام نحو { ~~انتهوا خيرا لكم } ( النساء : 171 ) ، ووراءك أوسع لك ، أي تأخر ، وحسبك ~~خيرا لك ، وقول عمر بن أبي ربيعة : # فواعديه سرحتي مالك # أو الربى بينهما . أسهلا # فنصبه مما لم يختلف فيه عن العرب ، واتفق عليه أيمة النحو ، وإنما ~~اختلفوا في المحذوف : فجعله الخليل وسيبويه فعلا أمرا مدلولا عليه من سياق ~~الكلام ، تقديره : ايت أو اقصد ، قالا : لأنك لما قلت له : انته ، أو افعل ~~، أو حسبك ، فأنت تحمله على شيء آخر أفضل له . وقال الفراء من الكوفيين : ~~هو في مثله صفة مصدر محذوف ، وهو لا يتأتى فيما كان منتصبا بعد نهي ، ولا ~~فيما كان منتصبا بعد غير متصرف ، نحو : وراءك وحسبك . وقال الكسائي ~~والكوفيون : نصب ms2160 بكان محذوفة مع خبرها ، والتقدير : يكن خيرا . وعندي : أنه ~~منصوب على PageV06P049 الحال من المصدر الذي تضمنه الفعل ، وحده ، أو مع ~~حرف النهي ، والتقدير : فآمنوا حال كون الإيمان خيرا ، وحسبك حال كون ~~الاكتفاء خيرا ، ولا تفعل كذا حال كون الانتهاء خيرا . وعود الحال إلى مصدر ~~الفعل في مثله كعود الضمير إليه في قوله : { اعدلوا هو أقرب للتقوى } ( ~~المائدة : 8 ) ، لا سيما وقد جرى هذا مجرى الأمثال ، وشأن الأمثال قوة ~~الإيجاز . وقد قال بذلك بعض الكوفيين وأبو البقاء . # وقوله { وإن تكفروا } أريد به أن تبقوا على كفركم . # وقوله : { فإن لله ما في السماوات الأرض } هو دليل على جواب الشرط ، ~~والجواب محذوف لأن التقدير : إن تكفروا فإن الله غني عن إيمانكم لأن لله ما ~~في السماوات وما في الأرض ، وصرح بما حذف هنا في سورة الزمر ( 7 ) في قوله ~~تعالى : { إن تكفروا فإن الله غني عنكم } وفيه تعريض بالمخاطبين ، أي أن ~~كفركم لا يفلتكم من عقابه ، لأنكم عبيده ، لأن له ما في السماوات وما في ~~الأرض . # # | 2 ( 171 ) { ياأهل الكتاب لا تغلوا فى دينكم ولا تقولوا على الله إلا ~~الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ~~فئامنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إلاه واحد ~~سبحانه أن يكون له ولد له وما فى السماوات وما فى الارض وكفى بالله وكيلا } ~~. ) 2 # استئناف ابتدائي بخطاب موجه إلى النصارى خاصة . وخوطبوا بعنوان أهل ~~الكتاب تعريضا بأنهم خالفوا كتابهم . وقرينة أنهم المراد هي قوله : { إنما ~~المسيح عيسى ابن مريم رسول الله إلى قوله : أن يكون عبدا لله } ( النساء : ~~172 ) فإنه بيان للمراد من إجمال قوله : { لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا ~~على الله إلا الحق } وابتدئت موعظتهم بالنهي عن الغلو لأن النصارى غلوا في ~~تعظيم عيسى فادعوا له بنوة الله ، وجعلوه ثالث الآلهة . # والغلو : تجاوز الحد المألوف ، مشتق من غلوة السهم ، وهي منتهى اندفاعه ، ~~PageV06P050 واستعير للزيادة على المطلوب من المعقول ، أو المشروع في ~~المعتقدات ، والإدراكات ms2161 ، والأفعال . والغلو في الدين أن يظهر المتدين ما ~~يفوت الحد الذي حدد له الدين . ونهاهم عن الغلو لأنه أصل لكثير من ضلالهم ~~وتكذيبهم للرسل الصادقين . وغلو أهل الكتاب تجاوزهم الحد الذي طلبه دينهم ~~منهم : فاليهود طولبوا باتباع التوراة ومحبة رسولهم ، فتجاوزوه إلى بغضة ~~الرسل كعيسى ومحمد عليهما السلام ، والنصارى طولبوا باتباع المسيح فتجاوزوا ~~فيه الحد إلى دعوى إلهيته أو كونه ابن الله ، مع الكفر بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم # وقوله : { ولا تقولوا على الله إلا الحق } عطف خاص على عام للاهتمام ~~بالنهي عن الافتراء الشنيع . وفعل القول إذا عدي بحرف ( على ) دل على أن ~~نسبة القائل القول إلى المجرور ب ( على ) نسبة كاذبة ، قال تعالى : { ~~ويقولون على الله الكذب } ( آل عمران : 78 ) . ومعنى القول على الله هنا : ~~أن يقولوا شيئا يزعمون أنه من دينهم ، فإن الدين من شأنه أن يتلقى من عند ~~الله . # وقوله : { إنما المسيح عيسى ابن مريم } جملة مبينة للحد الذي كان الغلو ~~عنده ، فإنه مجمل ؛ ومبينة للمراد من قول الحق . # ولكونها تتنزل من التي قبلها منزلة البيان فصلت عنها . وقد أفادت الجملة ~~قصر المسيح على صفات ثلاث : صفة الرسالة ، وصفة كونه كلمة الله ألقيت إلى ~~مريم ، وصفة كونه روحا من عند الله . فالقصر قصر موصوف على صفة . والقصد من ~~هذا القصر إبطال ما أحدثه غلوهم في هذه الصفات غلوا أخرجها عن كنهها ؛ فإن ~~هذه الصفات ثابتة لعيسى ، وهم مثبتون لها فلا ينكر عليهم وصف عيسى بها ، ~~لكنهم تجاوزوا الحد المحدود لها فجعلوا الرسالة البنوة ، وجعلوا الكلمة ~~اتحاد حقيقة الإلهية بعيسى في بطن مريم فجعلوا PageV06P051 عيسى ابنا لله ~~ومريم صاحبة لله سبحانه ، وجعلوا معنى الروح على ما به تكونت حقيقة المسيح ~~في بطن مريم من نفس الإلهية . # والقصر إضافي ، وهو قصر إفراد ، أي عيسى مقصور على صفة الرسالة والكلمة ~~والروح ، لا يتجاوز ذلك إلى ما يزاد على تلك الصفات من كون المسيح ابنا لله ~~واتحاد الإلهية به وكون مريم صاحبة . # ووصف المسيح بأنه كلمة الله وصف جاء التعبير ms2162 به في الأناجيل ؛ ففي صدر ~~إنجيل يوحنا ( في البدء كان الكلمة ، والكلامة كان عند الله ، وكان الكلمة ~~الله ثم قال والكلمة صار جسدا وحل بيننا ) . وقد حكاه القرآن وأثبته فدل ~~على أنه من الكلمات الإنجيلية ، فمعنى ذلك أنه أثر كلمة الله . والكلمة هي ~~التكوين ، وهو المعبر عنه في الاصطلاح ب ( كن ) . فإطلاق الكلمة على ~~التكوين مجاز ، وليس هو بكلمة ، ولكنه تعلق القدرة . ووصف عيسى بذلك لأنه ~~لم يكن لتكوينه التأثير الظاهر المعروف في تكوين الأجنة ، فكان حدوثه بتعلق ~~القدرة ، فيكون في { كلمته } في الآية مجازان : مجاز حذف ، ومجاز استعارة ~~صار حقيقة عرفية . # ومعنى { ألقاها إلى مريم } أوصلها إلى مريم ، وروعي في الضمير تأنيث لفظ ~~الكلمة ، وإلا فإن المراد منها عيسى ، أو أراد كلمة أمر التكوين . ووصف ~~عيسى بأنه روح الله وصف وقع في الأناجيل . وقد أقره الله هنا ، فهو مما نزل ~~حقا . # ومعنى كون عيسى روحا من الله أن روحه من الأرواح التي هي عناصر الحياة ، ~~لكنها نسبت إلى الله لأنها وصلت إلى مريم بدون تكون في نطفة فبهذا امتاز عن ~~بقية الأرواح . ووصف بأنه مبتدأ من جانب الله ، وقيل : لأن عيسى لما غلبت ~~على نفسه الملكية وصف بأنه روح ، كأن حظوظ الحيوانية مجردة عنه . وقيل : ~~الروح النفخة . والعرب تسمى النفس روحا والنفخ روحا . قال ذو الرمة يذكر ~~لرفيقه أن يوقد نارا بحطب : PageV06P052 # فقلت له ارفعها إليك فأحيها # بروحك واقتته لها قيتة قدرا # ( أي بنفخك ) . # وتلقيب عيسى بالروح طفحت به عبارات الأناجيل . و ( من ) ابتدائية على ~~التقادير . # فإن قلت : ما حكمة وقوع هذين الوصفين هنا على ما فيهما من شبهة ضلت بها ~~النصارى ، وهلا وصف المسيح في جملة القصر بمثل ما وصف به محمد صلى الله ~~عليه وسلم في قوله تعالى : { قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي } ( الكهف : ~~110 ) فكان أصرح في بيان العبودية ، وأنفى للضلال . # قلت : الحكمة في ذلك أن هذين الوصفين وقعا في كلام الإنجيل ، أو في كلام ~~الحواريين وصفا لعيسى عليه السلام ، وكانا مفهومين في لغة ms2163 المخاطبين يومئذ ~~، فلما تغيرت أساليب اللغات وساء الفهم في إدراك الحقيقة والمجاز تسرب ~~الضلال إلى النصارى في سوء وضعهما فأريد التنبيه على ذلك الخطأ في التأويل ~~، أي أن قصارى ما وقع لديكم من كلام الأناجيل هو وصف المسيح بكلمة الله ~~وبروح الله ، وليس في شيء من ذلك ما يؤدي إلى اعتقاد أنه ابن الله وأنه إله ~~. # وتصدير جملة القصر بأنه { رسول الله } ينادي على وصف العبودية إذ لا يرسل ~~الإله إلها مثله ، ففيه كفاية من التنبيه على معنى الكلمة والروح . # { فئامنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إلاه ~~واحد سبحانه أن يكون له ولد له وما فى السماوات وما فى الارض وكفى بالله ~~وكيلا } صلى الله عليه وسلم . # الفاء للتفريع عن جملة القصر وما بنيت عليه . أي إذا وضح كل ما بينه الله ~~PageV06P053 من وحدانيته ، وتنزيهه ، وصدق رسله ، يتفرع أن آمركم بالإيمان ~~بالله ورسله . وأمروا بالإيمان بالله مع كونهم مؤمنين ، أي النصارى ، لأنهم ~~لما وصفوا الله بما لا يليق فقد أفسدوا الإيمان ، وليكون الأمر بالإيمان ~~بالله تمهيدا للأمر بالإيمان برسله ، وهو المقصود ، وهذا هو الظاهر عندي . ~~وأريد بالرسل جميعهم ، أي لا تكفروا بواحد من رسله . وهذا بمنزلة الاحتراس ~~عن أن يتوهم متوهمون أن يعرضوا عن الإيمان برسالة عيسى عليه السلام مبالغة ~~في نفي الإلهية عنه . # وقوله : { ولا تقولوا ثلاثة } أي لا تنطقوا بهذه الكلمة ، ولعلها كانت ~~شعارا للنصارى في دينهم ككلمة الشهادة عند المسلمين ، ومن عوائدهم الإشارة ~~إلى التثليث بالأصابع الثلاثة : الإبهام والخنصر والبنصر . والمقصود من ~~الآية النهي عن النطق بالمشتهر من مدلول هذه الكلمة وعن الإعتقاد . لأن أصل ~~الكلام الصدق فلا ينطق أحد إلا عن اعتقاد ، فالنهي هنا كناية بإرادة المعنى ~~ولازمه . والمخاطب بقوله : { ولا تقولوا } خصوص النصارى . # و { ثلاثة } خبر مبتدأ محذوف كان حذفه ليصلح لكل ما يصلح تقديره من ~~مذاهبهم من التثليث ، فإن النصارى اضطربوا في حقيقة تثليث الإله كما سيأتي ~~، فيقدر المبتدأ المحذوف على حسب ما يقتضيه المردود من أقوالهم في كيفية ms2164 ~~التثليث مما يصح الإخبار عنه بلفظ { ثلاثة } من الأسماء الدالة على الإله ، ~~وهي عدة أسماء . ففي الآية الأخرى { لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ~~ثلاثة } ( المائدة : 73 ) . وفي آية آخر هذه السورة { أأنت قلت للناس ~~اتخذوني وأمي إلهين من دون الله } ( المائدة : 116 ) ، أي إلهين مع الله ، ~~كما سيأتي ، فالمجموع ثلاثة : كل واحد منهم إله ؛ ولكنهم يقولون : أن مجموع ~~الثلاثة إله واحد أو اتحدت الثلاثة فصار إله واحد . قال في ( الكشاف ) : ( ~~ثلاثة ) خبر مبتدأ محذوف فإن صحت الحكاية عنهم أنهم يقولون : هو جوهر واحد ~~وثلاثة أقانيم ، فتقديره الله ثلاثة وإلا فتقديره الآلهة ثلاثة اه . # والتثليث أصل في عقيدة النصارى كلهم ، ولكنهم مختلفون في كيفيته . ونشأ ~~PageV06P054 من اعتقاد قدماء الإلهيين من نصارى اليونان أن الله تعالى ( ~~ثالوث ) ، أي أنه جوهر واحد ، وهذا الجوهر مجموع ثلاثة أقانيم ، واحدها ~~أقنوم بضم الهمزة وسكون القاف . قال في ( القاموس ) : هو كلمة رومية ، ~~وفسره القاموس بالأصل ، وفسره التفتزاني في كتاب ( المقاصد ) بالصفة . ~~ويظهر أنه معرب كلمة ( قنوم بقاف معقد عجمي ) وهو الاسم ، أي ( الكلمة ) . ~~وعبروا عن مجموع الأقانيم الثلاثة بعبارة ( آبا ابنا روحا قدسا ) وهذه ~~الأقانيم يتفرع بعضها عن بعض : فالأقنوم الأول أقنوم الذات أو الوجود ~~القديم وهو الأب وهو أصل الموجودات . # والأقنوم الثاني أقنوم العلم ، وهو الابن ، وهو دون الأقنوم الأول ، ومنه ~~كان تدبير جميع القوى العقلية . # والأقنوم الثالث أقنوم الروح القدس ، وهو صفة الحياة ، وهي دون أقنوم ~~العلم ومنها كان إيجاد عالم المحسوسات . # وقد أهملوا ذكر صفات تقتضيها الإلهية ، مثل القدم والبقاء ، وتركوا صفة ~~الكلام والقدرة والإرادة ، ثم أرادوا أن يتأولوا ما يقع في الإنجيل من صفات ~~الله فسموا أقنوم الذات بالأب ، وأقنوم العلم بالابن ، وأقنوم الحياة ~~بالروح القدس ، لأن الإنجيل أطلق اسم الأب على الله ، وأطلق اسم الابن على ~~المسيح رسوله ، وأطلق الروح القدس على ما به كون المسيح في بطن مريم ، على ~~أنهم أرادوا أن ينبهوا على أن أقنوم الوجود هو مفيض الأقنومين الآخرين ~~فراموا أن يدلوا على عدم تأخر بعض ms2165 الصفات عن بعض فعبروا بالأب والابن ، ( ~~كما عبر الفلاسفة اليونان بالتولد ) . وسموا أقنوم العلم بالكلمة لأن من ~~عبارات الإنجيل إطلاق الكلمة على المسيح ، فأرادوا أن المسيح مظهر علم الله ~~، أي أنه يعلم ما علمه الله ويبلغه ، وهو معنى الرسالة إذ كان العلم يوم ~~تدوين الأناجيل مكللا بالألفاظ الاصطلاحية للحكمة الإلهية الرومية ، فلما ~~اشتبهت عليهم المعاني أخذوا بالظواهر فاعتقدوا أن الأرباب ثلاثة وهذا أصل ~~النصرانية ، وقاربوا عقيدة الشرك . PageV06P055 # ثم جرهم الغلو في تقديس المسيح فتوهموا أن علم الله اتحد بالمسيح ، ~~فقالوا : إن المسيح صار ناسوته لاهوتا ، باتحاد أقنوم العلم به ، فالمسيح ~~جوهران وأقنوم واحد ، ثم نشأت فيهم عقيدة الحلول ، أي حلول الله في المسيح ~~بعبارات متنوعة ، ثم اعتقدوا اتحاد الله بالمسيح ، فقالوا : الله هو المسيح ~~. هذا أصل التثليث عند النصارى ، وعنه تفرعت مذاهب ثلاثة أشار إلى جميعها ~~قوله تعالى : { ولا تقولوا ثلاثة } وقوله { لقد كفر الذين قالوا إن الله هو ~~المسيح ابن مريم } ( المائدة : 72 ) وقوله : { أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي ~~إلهين من دون الله } ( المائدة : 116 ) وكانوا يقولون : في عيسى لاهوتية من ~~جهة الأب وناسوتية أي إنسانية من جهة الأم . # وظهر بالإسكندرية راهب اسمه ( آريوس ) قالو بالتوحيد وأن عيسى عبد الله ~~مخلوق ، وكان في زمن ( قسطنطينوس سلطان الرون باني القسطنطينية ) . فلما ~~تدين قسطنطينوس المذكور بالنصرانية سنة 327 تبع مقالة ( آريوس ) ، ثم رأى ~~مخالفة معظمم الرهبان له فأراد أن يوحد كلمتهم ، فجمع مجمعا من علماء ~~النصارى في أواخر القرن الرابع من التاريخ المسيحي ، وكان في هذا المجمع ~~نحو ألفي عالم من النصارى فوجدهم مختلفين اختلافا كثيرا ووجد أكثر طائفة ~~منهم على قول واحد ثلاثمائة وبضعة عشر عالما فأخذ قولهم وجعله أصل المسيحية ~~ونصره ، وهذه الطائفة تلقب ( الملكانية ) نسبة للملك . # واتفق قولهم على أن كلمة الله اتحدت بجسد عيسى ، وتقمصت في ناسوته ، أي ~~إنسانيته ، ومازجته امتزاج الخمر بالماء ، فصارت الكلمة ذاتا في بطن مريم ، ~~وصارت تلك الذات ابنا لله تعالى ، فالإله مجموع ثلاثة أشياء : # الأول الأب ذو الوجود ، والثاني الابن ذو الكلمة ms2166 ، أي العلم ، والثالث ~~روح القدس . PageV06P056 # ثم حدثت فيهم فرقة اليعقوبية وفرقة النسطورية في مجامع أخرى انعقدت بين ~~الرهبان . فاليعقوبية ، ويسمون الآن ( أرثودكس ) ، ظهروا في أواسط القرن ~~السادس المسيحي ، وهم أسبق من النسطورية ؛ قالوا : انقلبت الإلهية لحما ~~ودما ؛ فصار الإله هو المسيح فلأجل ذلك صدرت عن المسيح خوارق العادات من ~~إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص فأشبه صنعه صنع الله تعالى مما يعجز ~~عنه غير الله تعالى . وكان نصارى الحبشة يعاقبه ، وسنتعرض لذكرها عند قوله ~~تعالى : { لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم في سورة المائدة ~~( 72 ) ، وعند قوله تعالى : فاختلف الأحزاب من بينهم } ( مريم : 37 ) . # والنسطورية قالت : اتحدت الكلمة بجسد المسيح بطريق الإشراق كما تشرق ~~الشمس من كوة من بلور ، فالمسح إنسان ، وهو كلمة الله ، فلذلك هو إنسان إله ~~، أو هو له ذاتيتان ذات إنسانية وأخرى إلهية ، وقد أطلق على الرئيس الديني ~~لهذه النحلة لقب ( جاثليق ) . وكانت النحلة النسطورية غالبة على نصارى ~~العرب . وكان رهبان اليعاقبة ورهبان النسطوريين يتسابقون لبث كل فريقق ~~نحلته بين قبائل العرب . وكان الأكاسرة حماة للنسطورية . وقياصرة الروم ~~حماة لليعقوبية . وقد شاعت النصرانية بنحلتيها في بكر ، وتغلب ، وربيعة ، ~~ولخم ، وجذام ، وتنوخ ، وكلب ، ونجران ، واليمن ، والبحرين . وقد بسطت هذا ~~ليعلم حسن الإيجاز في قوله تعالى : { ولا تقولوا ثلاثة } وإتيانه على هذه ~~المذاهب كلها . فلله هذا الإعجاز العلمي . PageV06P057 # والقول في نصب ( خيرا ) من قوله : { انتهوا خيرا لكم } كالقول في قوله ~~تعالى : { فآمنوا خيرا لكم } ( النساء : 170 ) . والقصر في قوله : { إنما ~~الله إله واحد } قصر موصوف على صفة ، لأن ( إنما ) يليها المقصور ، وهو هنا ~~قصر إضافي ، أي ليس الله بثلاثة . # وقوله : { سبحانه أن يكون له ولد } إظهار لغلطهم في أفهامهم ، وفي ~~إطلاقاتهم لفظ الأب والابن كيفما كان محملهما لأنهما إما ضلالة وإما ~~إيهامها ، فكلمة ( سبحانه ) تفيد قوة التنزيه لله تعالى عن أن يكون له ولد ~~، والدلالة على غلط مثبتيه ، فإن الإلهية تنافي الكون أبا واتخاذ ابن ، ~~لاستحالة الفناء ، والاحتياج ، والانفصال ، والمماثلة للمخلوقات عن الله ~~تعالى . والبنوة تستلزم ms2167 ثبوت هذه المستحيلات لأن النسل قانون كوني ~~للموجودات لحكمة استبقاء النوع ، والناس يتطلبونها لذلك ، وللإعانة على ~~لوازم الحياة ، وفيها انفصال المولود عن أبيه ، وفيها أن الابن مماثلة ~~لأبيه فأبوه مماثل له لا محالة . # و ( سبحان ) اسم مصدر سبح ، وليس مصدرا ، لأنه لم يسمع له فعل سالم . ~~وجزم ابن جني بأنه علم على التسبيح ، فهو من أعلام الأجناس ، وهو ممنوع من ~~الصرف للعلمية والزيادة . وتقدم الكلام عليه عند قوله تعالى : { قالوا ~~سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا في سورة البقرة ( 32 ) . # وقوله : أن يكون له ولد } متعلق ب ( سبحان ) حرف الجر ، وهو حرف ( عن ) ~~محذوفا . # وجملة { له ما في السموات وما في الأرض } تعليل لقوله : { سبحانه أن يكون ~~له ولد } لأن الذي له ما في السماوات وما في الأرض قد استغنى عن الولد ، ~~ولأن من يزعم أنه ولد له هو مما في السماوات والأرض كالملائكة أو المسيح ، ~~فالكل عبيده وليس الابن بعبد . PageV06P058 # وقوله : { وكفى بالله وكيلا } تذييل ، والوكيل الحافظ ، والمراد هنا حافظ ~~ما في السماوات والأرض ، أي الموجودات كلها . وحذف مفعول ( كفى ) للعموم ، ~~أي كفى كل أحد ، أي فتوكلوا عليه ، ولا تتوكلوا على من تزعمونه ابنا له . ~~وتقدم الكلام على هذا التركيب عند قوله تعالى : { وكفى بالله وكيلا } في ~~هذه السورة . # # | 2 ( 172 ، 173 ) { لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة ~~المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا * فأما الذين ~~ءامنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله وأما الذين ~~استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون الله وليا ~~ولا نصيرا } . ) 2 # استئناف واقع موقع تحقيق جملة { له ما في السماوات وما في الأرض } ( ~~النساء : 171 ) أو موقع الاستدلال على ما تضمنته جملة { سبحانه أن يكون له ~~ولد } ( النساء : 171 ) . # والاستنكاف : التكبر والامتناع بأنفة ، فهو أشد من الاستكبار ، ونفي ~~استنكاف المسيح : إما إخبار عن اعتراف عيسى بأنه عبد الله ، وإما احتجاج ~~على النصارى بما يوجد في أناجيلهم . قال الله تعالى حكاية عنه { قال ms2168 إني ~~عبد الله آتاني الكتاب } ( مريم : 30 ) إلخ . وفي نصوص الإنجيل كثير مما ~~يدل على أن المسيح عبد الله وأن الله إلهه وربه ، كما في مجادلته مع إبليس ~~، فقد قال له المسيح ( للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد ) . # وعدل عن طريق الإضافة في قوله : { عبدا لله } فأظهر الحرف الذي تقدر ~~الإضافة عليه : لأن التنكير هنا أظهر في العبودية ، أي عبدا من جملة العبيد ~~، ولو قال : عبد الله لأوهمت الإضافة أنه العبد الخصيص ، أو أن ذلك علم له ~~. PageV06P059 وأما ما حكى الله عن عيسى عليه السلام في قوله { قال إني عبد ~~الله آتاني الكتاب } ( مريم : 30 ) فلأنه لم يكن في مقام خطاب من ادعوا له ~~الإلهية . # وعطف الملائكة على المسيح مع أنه لم يتقدم ذكر لمزاعم المشركين بأن ~~الملائكة بنات الله حتى يتعرض لرد ذلك ، إدماج لقصد استقصاء كل من ادعيت له ~~بنوة الله ، ليشمله الخبر بنفي استنكافه عن أن يكون عبدا لله ، إذ قد تقدم ~~قبله قوله : { سبحانه أن يكون له ولد } ( النساء : 171 ) ، وقد قالت العرب ~~: إن الملائكة بنات الله من نساء الجن ، ولأنه قد تقدم أيضا قوله : { له ما ~~في السماوات وما في الأرض } ( النساء : 171 ) ، ومن أفضل ما في السماوات ~~الملائكة ، فذكروا هنا للدلالة على اعترافهم بالعبودية . وإن جعلت قوله : { ~~لن يستنكف المسيح } استدلالا على ما تضمنه قوله : { سبحانه أن يكون له ولد ~~} ( النساء : 171 ) كان عطف { ولا الملائكة المقربون } محتملا للتتميم ~~كقوله : { الرحمن الرحيم } ( الفاتحة : 3 ) فلا دلالة فيه على تفضيل ~~الملائكة على المسيح ، ولا على العكس ؛ ومحتملا للترقي إلى ما هو الأولى ~~بعكس الحكم في أوهام المخاطبين ، وإلى هذا الأخير مال صاحب ( الكشاف ) ~~ومثله بقوله تعالى : { ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم } ( ~~البقرة : 120 ) وجعل ، الآية دليلا على أن الملائكة أفضل من المسيح ، وهو ~~قول المعتزلة بتفضيل الملائكة على الأنبياء ، وزعم أن علم المعاني لا يقتضي ~~غير ذلك ، وهو تضييق لواسع ، فإن الكلام محتمل لوجوه ، كما علمت ، فلا ينهض ~~به الاستدلال . # واعلم ms2169 أن تفضيل الأنبياء على الملائكة مطلقا هو قول جمهور أهل السنة ، ~~وتفضيل الملائكة عليهم قول جمهور المعتزلة والباقلاني والحليمي من أهل ~~السنة ، وقال قوم بالتفصيل في التفضيل ، ونسب إلى بعض الماتريدية ، ولم ~~يضبط ذلك التفصيل ، والمسألة اجتهادية ، ولا طائل وراء الخوض فيها ، وقد ~~نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الخوض في تفاضل الأنبياء ، فما ظنك بالخوض ~~في التفاضل بين الأنبياء وبين مخلوقات عالم آخر لا صلة لنا به . ~~PageV06P060 # و { المقربون } ، يحتمل أن يكون وصفا كاشفا ، وأن يكون مقيدا ، فيراد بهم ~~الملقبون ( بالكروبيين ) وهم سادة الملائكة : جبريل وإسرافيل وميكائيل ~~وعزرائيل . ووصفهم بالكروبيين وصف قديم وقع في بيت نسب إلى أمية بن أبي ~~الصلت . وقد قالوا : إنه وصف مشتق من كرب مرادف قرب ، وزيد فيه صيغتا ~~مبالغة ، وهي زنة فعول وياء النسب . والذي أظن أن هذا اللفظ نقل إلى ~~العربية من العبرانية : لوقوع هذا اللفظ في التوراة في سفر اللاويين وفي ~~سفر الخروج ، وأنه في العبرانية بمعنى القرب ، فلذلك عدل عنه القرآن وجاء ~~بمرادفه الفصيح فقال : { المقربون } ، وعليه فمن دونهم من الملائكة يثبت ~~لهم عدم الاستنكاف عن العبودية لله بدلالة الأحرى . # وقوله : { ومن يستنكف عن عبادته } الآية تخلص إلى تهديد المشركين كما ~~أنبأ عنه قوله : { وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا ~~يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا } . # وضمير الجمع في قوله : { فسيحشرهم } عائد إلى غير مذكور في الكلام ، بل ~~إلى معلوم من المقام ، أي فسيحشر الناس إليه جميعا كما دل عليه التفصيل ~~المفرع عليه وهو قوله : { فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات } الخ . وضمير ~~{ ولا يجدون } عائد إلى { الذين استنكفوا واستكبروا } ، أي لا يجدون وليا ~~حين يحشر الله الناس جميعا . ويجوز أن يعود إلى الذين { استنكفوا واستكبروا ~~} ويكون { جميعا } بمعنى مجموعين إلى غيرهم ، منصوبا ، فإن لفظ جميع له ~~استعمالات جمة : منها أن يكون وصفا بمعنى المجتمع ، وفي كلام عمر للعباس ~~وعلي : ( ثم جئتماني وأمركما جميع ) أي متفق مجموع ، فيكون منصوبا على ~~الحال وليس تأكيدا . وذكر فريق المؤمنين في ms2170 التفصيل يدل على أحد التقديرين ~~. # والتوفية أصلها إعطاء الشيء وافيا ، أي زائدا على المقدار المطلوب ، ولما ~~كان تحقق المساواة يخفى لقلة الموازين عندهم ، ولاعتمادهم على الكيل ، ~~جعلوا تحقق المساواة بمقدار فيه فضل على المقدار المساوي ، أطلقت التوفية ~~على إعطاء المعادل ؛ وتقابل بالخسان وبالغبن ، قال تعالى حكاية عن شعيب ~~PageV06P061 { أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين } ( الشعراء : 181 ) ~~ولذلك قال هنا : { ويزيدهم من فضله } ، وهذه التوفية والزيادة يرجعان إلى ~~تقدير يعلمه الله تعالى . # وقوله : { ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا } تأييس لهم إذ قد ~~عرف عند العرب وغيرهم ، من أمم ذلك العصر ، الاعتماد عند الضيق على ~~الأولياء والنصراء ليكفوا عنهم المصائب بالقتال أو الفداء ، قال النابغة : # يأملن رحلة نصر وابن سيار # ولذلك كثر في القرآن نفي الولي ، والنصير ، والفداء { فلن يقبل من أحدهم ~~ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين } ( آل ~~عمران : 91 ) . # # | 2 ( 174 ، 175 ) { ياأيها الناس قد جآءكم برهان من ربكم وأنزلنآ إليكم ~~نورا مبينا * فأما الذين ءامنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم فى رحمة منه ~~وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما } . ) 2 # فذلكة للكلام السابق بما هو جامع للأخذ بالهدى ونبذ الضلال ، بما اشتمل ~~عليه القرآن من دلائل الحق وكبح الباطل . فالجملة استئناف وإقبال على خطاب ~~الناس كلهم بعد أن كان الخطاب موجها إلى أهل الكتاب خاصة . والبرهان : ~~الحجة ، وقد يخصص بالحجة الواضحة الفاصلة ، وهو غالب ما يقصد به في القرآن ~~، ولهذا سمى حكماء الإسلام أجل أنواع الدليل ، برهانا . # والمراد هنا دلائل النبوءة . وأما النور المبين فهو القرآن لقوله : { ~~وأنزلنا } والقول في { جاءكم } كالقولل في نظيره المتقدم في قوله : { قد ~~جاءكم الرسول بالحق من ربكم } ( النساء : 170 ) ؛ وكذلك القول في { أنزلنا ~~إليكم } . # و ( أما ) في قوله : { فأما الذين آمنوا بالله } يجوز أن يكون للتفصيل : ~~تفصيلا لما دل عليه { يا أيها الناس } من اختلاف الفرق والنزعات : بين قابل ~~PageV06P062 للبرهان والنور ، ومكابر جاحد ، ويكون معادل هذا الشق محذوفا ~~للتهويل ، أي : وأما الذين كفروا ms2171 فلا تسل عنهم ، ويجوز أن يكون ( أما ) ~~لمجرد الشرط دون تفصيل ، وهو شرط لعموم الأحوال ، لأن ( أما ) في الشرط ~~بمعنى ( مهما يكن من شيء ) وفي هذه الحالة لا تفيد التفصيل ولا تطلب معادلا ~~. # والاعتصام : اللوذ ، والاعتصام بالله استعارة لللوذ بدينه ، وتقدم في ~~قوله { واعتصموا بحبل الله جميعا في سورة آل عمران ( 103 ) . والإدخال في ~~الرحمة والفضل عبارة عن الرضى . # وقوله : ويهديهم إليه صراطا مستقيما } : تعلق الجار والمجرور ب ( يهدي ) ~~فهو ظرف لغو ، و { صراطا } مفعول ( يهدي ) ، والمعنى يهديهم صراطا مستقيما ~~ليصلوا إليه ، أي إلى الله ، وذلك هو متمناهم ، إذ قد علموا أن وعدهم عنده ~~. # $ 2 ( 176 ) { يستفتونك قل الله يفتيكم فى الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ~~ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثهآ إن لم يكن لهآ ولد فإن كانتا اثنتين ~~فلهما الثلثان مما ترك وإن كانو & # 1764 ا إخوة رجالا ونسآء فللذكر مثل حظ الانثيين يبين الله لكم أن تضلوا ~~والله بكل شىء عليم } . ) 2 $ # لا مناسبة بين هذه الآية وبين اللاتي قبلها ، فوقوعها عقبها لا يكون إلا ~~لأجل نزولها عقب نزول ما تقدمها من هذه السورة مع مناسبتها لآية الكلالة ~~السابقة في أثناء ذكر الفرائض ؛ لأن في هذه الآية بيانا لحقيقة الكلالة ~~أشار إليه قوله تعالى : { ليس له ولد } ، وقد تقدم في أول السورة أنه ألحق ~~بالكلالة المالك الذي ليس له والد ، وهو قول الجمهور ومالك بن أنس . # فحكم الكلالة قد بين بعضه في آية أول هذه السورة ، ثم إن الناس سألوا ~~PageV06P063 رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صورة أخرى من صور الكلالة . ~~وثبت في الصحيح أن الذي سأله هو جابر بن عبد الله قال : عادني رسول الله ~~وأبو بكر ماشيين في بني سلمة فوجداني مغمى علي فتوضأ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وصب علي وضوءه فأفقت وقلت : كيف أصنع في مالي فإنما يرثني كلالة ~~. فنزل قوله تعالى : { يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة } الآية . وقد ~~قيل : إنها نزلت ورسول الله صلى الله ms2172 عليه وسلم متجهز لحجة الوداع في قضية ~~جابر بن عبد الله . # فضمير الجماعة في قوله : { يستفتونك } غير مقصود به جمع ، بل أريد به جنس ~~السائلين ، على نحو : ( ما بال أقوام يشترطون شروطا ) وهذا كثير في الكلام ~~. ويجوز أن يكون السؤال قد تكرر وكان آخر السائلين جابر بن عبد الله فتأخر ~~الجواب لمن سأل قبله ، وعجل البيان له لأنه وقت الحاجة لأنه كان يظن نفسه ~~ميتا من ذلك المرض وأراد أن يوصي بماله ، فيكون من تأخير البيان إلى وقت ~~الحاجة . # والتعبير بصيغة المضارع في مادة السؤال طريقة مشهورة ، نحو : { يسألونك ~~عن الأهلة } ( البقرة : 189 ) ، { ويسألونك ماذا ينفقون } ( البقرة : 219 ) ~~. لأن شأن السؤال يتكرر ، فشاع إيراده بصيغة المضارع ، وقد يغلب استعمال ~~بعض صيغ الفعل في بعض المواقع ، ومنه غلبة استعمال المضارع في الدعاء في ~~مقام الإنكار : كقول عائشة ( يرحم الله أبا عبد الرحمن ) ( تعني ابن عمر ) ~~. وقولهم : ( يغفر الله له ) . ومنه غلبة الماضي مع لا النافية في الدعاء ~~إذا لم تكرر لا ؛ نحو ( فلا رجع ) . على أن الكلالة قد تكرر فيها السؤال ~~قبل نزول الآية وبعدها . وقد قال عمر بن الخطاب : ما راجعت رسول الله في ~~شيء مراجعتي إياه في الكلالة ، وما أغلظ لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في شيء ما أغلظ لي فيها حتى طعن في نحري ، وقال : ( يكفيك آية الصيف التي ~~في آخر سورة النساء ) ، وقوله : { في الكلالة } يتنازعه في التعلق كل من ~~فعل ( يستفتونك ) وفعل ( يفتيكم ) . PageV06P064 # وقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية بآية الصيف ، وعرفت بذلك ، ~~كما عرفت آية الكلالة التي في أول السورة بآية الشتاء ، وهذا يدلنا على أن ~~سورة النساء نزلت في مدة متفرقة من الشتاء إلى الصيف وقد تقدم هذا في ~~افتتاح السورة . # وقد روي : أن هذه الآية في الكلالة نزلت في طريق حجة الوداع ، ولا يصح ~~ذلك لأن حجة الوداع كانت في زمن البرد لأنه لا شك أن غزوة تبوك وقعت في وقت ~~الحر حين طابت الثمار ، والناس يحبون المقام ms2173 في ثمارهم وظلالهم ، وذلك ~~يقتضي أن تكون غزوة تبوك في نحو شهر أغسطس أو اشتنبر وهو وقت طيب البسر ~~والرطب ، وكانت سنة تسع وكانت في رجب ونزل فيها قوله تعالى : { وقالوا لا ~~تنفروا في الحر } ( التوبة : 81 ) . ثم كانت حجة أبي بكر في ذي القعدة من ~~تلك السنة ، سنة تسع ، وذلك يوافق دجنبر . وكان حج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حجة الوداع في ذي الحجة من سنة عشر فيوافق نحو شهر دجنبر أيضا . # وعن عمر بن الخطاب : أنه خطب فقال : ( ثلاث لو بينها رسول الله لكان أحب ~~إلي من الدنيا وما فيها : الجد . والكلالة ، وأبواب الربا ) . وفي رواية ~~والخلافة . وخطب أيضا فقال : والله إني ما أدع بعدي شيئا هو أهم إلي من أمر ~~الكلالة . وقال في مجمع من الصحابة : لأقضين في الكلالة قضاء تتحدث به ~~النساء في خدورها . وأنه كتب كتابا في ذلك فمكث يستخير الله فيه ، فلما طعن ~~دعا بالكتاب فمحاه . وليس تحير عمر في أمر الكلالة بتحير في فهم ما ذكره ~~الله تعالى في كتابه ولكنه في اندراج ما لم يذكره القرآن تحت ما ذكره ~~بالقياس . وقد ذكر القرآن الكلالة في أربع آيات : آيتي هذه السورة المذكور ~~فيها لفظ الكلالة ، وآية في أول هذه السورة وهي قوله : { فإن لم يكن له ولد ~~وورثه أبواه فلأمه الثلث } ( النساء : 11 ) . وآية آخر الأنفال ( 75 ) وهي ~~قوله : { وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله عند من رأى توارث ~~ذوي الأرحام . ولا شك أن كل فريضة ليس فيها ولد ولا والد فهي كلالة ~~بالاتفاق ، فأما الفريضة التي PageV06P065 ليس فيها ولد وفيها والد ~~فالجمهور أنها ليست بكلالة . وقال بعض المتقدمين : هي كلالة . # وأمره بأن يجيب بقوله : الله يفتيكم } للتنويه بشأن الفريضة ، فتقديم ~~المسند إليه للاهتمام لا للقصر ، إذ قد علم المستفتون أن الرسول لا ينطق ~~إلا عن وحي ، فهي لما استفتوه فإنما طلبوا حكم الله ، فإسناد الإفتاء إلى ~~الله تنويه بهذه الفريضة . # والمراد بالأخت هنا الأخت الشقيقة أو التي للأب في ms2174 عدم الشقيقة بقرينة ~~مخالفة نصيبها لنصيب الأخت للأم المقصودة في آية الكلالة الأولى ، وبقرينة ~~قوله : { وهو يرثها } لأن الأخ للأم لا يرث جميع المال إن لم يكن لأخته ~~للأم ولد إذ ليس له إلا السدس . # وقوله : { إن امرؤ هلك } تقديره : إن هلك امرؤ ، فامرؤ مخبر عنه ب ( هلك ~~) في سياق الشرط ، وليس ( هلك ) بوصف ل ( امرؤ ) فلذلك كان الامرؤ المفروض ~~هنا جنسا عاما . # وقوله : { وهو يرثها } يعود الضمير فيه على لفظ ( امرؤ ) الواقع في سياق ~~الشرط ، المفيد للعموم : ذلك أنه وقع في سياق الشرط لفظ ( امرؤ ) ولفظ ( أخ ~~) أو ( أخت ) ، وكلها نكرات واقعة في سياق الشرط ، فهي عامة مقصود منها ~~أجناس مدلولاتها ، وليس مقصودا بها شخص معين قد هلك ، ولا أخت معينة قد ~~ورثت ، فلما قال { وهو يرثها } كان الضمير المرفوع راجعا إلى ( امرؤ ) لا ~~إلى شخص معين قد هلك ، إذ ليس لمفهوم اللفظ هنا فرد معين فلا يشكل عليك بأن ~~قوله : { امرؤ هلك } يتأكد بقوله : { وهو يرثها } إذ كيف يصير الهالك وارثا ~~. وأيضا كان الضمير المنصوب في ( يرثها ) عائدا إلى مفهوم لفظ أخت لا إلى ~~أخت معينة ، إذ ليس لمفهوم اللفظ هنا فرد معين ، وعلم من قوله : { يرثها } ~~أن الأخت إن توفيت ولا ولد لها يرثها أخوها ، والأخ هو الوارث في هذه ~~PageV06P066 الصورة ، وهي عكس التي قبلها . فالتقدير : ويرث الأخت امرؤ إن ~~هلكت أخته ولم يكن لها ولد . وعلم معنى الإخوة من قوله : { وله أخت } ، ~~وهذا إيجاز بديع ، ومع غاية إيجازه فهو في غاية الوضوح ، فلا يشكل بأن ~~الأخت كانت وارثة لأخيها فكيف عاد عليها الضمير بأن يرثها أخوها الموروث ، ~~وتصير هي موروثة ، لأن هذا لا يفرضه عالم بالعربية ، وأنما يتوهم ذلك لو ~~وقع الهلك وصفا لامرىء ؛ بأن قيل : المرء الهالك يرثه وارثه وهو يرث وارثه ~~إن مات وارثه قبله . والفرق بين الاستعمالين رشيق في العربية . # وقوله : { يبين الله لكم أن تضلوا } امتنان ، و { أن تضلوا } تعليل ل ( ~~يبين ) حذفت منه اللام ، وحذف الجار مع ( أن ) شائع . والمقصود التعليل ms2175 ~~بنفي الضلال لا لوقوعه ؛ لأن البيان ينافي التضليل ، فحذفت لا النافية ، ~~وحذفها موجود في مواقع من كلامهم إذا اتضح المعنى ، كما ورد مع فعل القسم ~~في نحو : # فآلينا عليها أن تباعا # أي أن لا تباع ، وقوله : # آليت حب العراق الدهر أطعمه # وهذا كقول عمرو بن كلثوم : # نزلتم منزل الأضياف منا # فعجلنا القرى أن تشتمونا # أي أن لا تشتمونا بالبخل ، وهذا تأويل الكوفيين ، وتأول البصريون الآية ~~والبيت ونظائرهما على تقدير مضاف يدل عليه السياق هو المفعول لأجله ، أي ~~كراهة أن تضلوا ، وبذلك قدرها في ( الكشاف ) . # وقد جعل بعض المفسرين { أن تضلوا } مفعولا به ل ( يبين ) وقال : المعنى ~~أن الله فيما بينه من الفرائض قد بين لكم ضلالكم الذي كنتم عليه في ~~الجاهلية ، وهذا بعيد ؛ إذ ليس ما فعلوه في الجاهلية ضلالا قبل مجيء ~~الشريعة ، لأن قسمة PageV06P067 المال ليست من الأفعال المشتملة على صفة ~~حسن وقبيح بينه إلا إذا كان فيها حرمان لمن هو حقيق بالمؤاساة والمبرة ، ~~ولأن المصدر مع ( أن ) يتعين أن يكون بمعنى المستقبل ، فكيف يصح أن يراد ب ~~{ أن تضلوا } ضلالا قد مضى ، وسيجيء زيادة بيان لهذا عند قوله تعالى : { أن ~~تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا في سورة الأنعام ( 156 ) . # وعن عمر أنه كان إذا قرأ هذه الآية يقول : اللهم من بينت له الكلالة فلم ~~تبين لي رواه الطبري ، وفي سنده انقطاع ، وقد ضعفوه . # وقوله : والله بكل شيء عليم } تذييل . وفي هذه الآية إيذان بختم الكلام ، ~~كقوله : { هذا بلاغ للناس ولينذروا به } ( إبراهيم : 52 ) الآية ، وكقوله ~~تعالى في حكاية كلام صاحب موسى { ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا } ( الكهف ~~: 82 ) . فتؤذن بختام السورة . # ( سقط : وتؤذن بختام التنزيل إن صح أنها آخر آية نزلت كما ذلك في بعض ~~الروايات ، وإذا صح ذلك فلا أرى اصطلاح علماء بلدنا على أن يختموا تقرير ~~دروسهم بقولهم ' والله أعلم ' إلا تيمنا بمحاكاة ختم التنزيل . ) ~~PageV06P068 # | 1 ( سورة المائدة ) 1 # هذه السورة سميت في كتب التفسير ، وكتب السنة ، بسورة المائدة : لأن فيها ms2176 ~~قصة المائدة التي سألها الحواريون من عيسى عليه السلام ، وقد اختصت بذكرها ~~. وفي ( مسند ) أحمد بن حنبل وغيره وقعت تسميتها سورة المائدة في كلام عبد ~~الله بن عمر ، وعائشة أم المؤمنين ، وأسماء بنت يزيد ، وغيرهم . فهذا أشهر ~~أسمائها . # وتسمى أيضا سورة العقود : إذ وقع هذا اللفظ في أولها . وتسمى أيضا ~~المنقذة . ففي ( أحكام ابن الفرس ) : روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~: ( سورة المائدة تدعى في ملكوت السمواات المنقذة ) . قال : أي أنها تنقذ ~~صاحبها من أيدي ملائكة العذاب . # وفي كتاب كنايات الأدباء لأحمد الجرجاني ( يقال : فلان لا يقرأ سورة ~~الأخيار ، أي لا يفي بالعهد ، وذلك أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يسمون ~~سورة المائدة سورة الأخيار . قال جرير : # إن البعيث وعبد آل متاعس # لا يقرآن بسورة الأخيار # وهي مدنية باتفاق ، روي أنها نزلت منصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~الحديبية ، بعد سورة الممتحنة ، فيكون نزولها بعد الحديبية بمدة ؛ لأن سورة ~~الممتحنة نزلت بعد رجوع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة من صلح ~~الحديبية ، وقد جاءته المؤمنات مهاجرات ، وطلب منه المشركون إرجاعهن إليهم ~~عملا بشروط الصلح ، فأذن الله للمؤمنين بعدم إرجاعهن بعد امتحانهن . # روى ابن أبي حاتم عن مقاتل أن آية { يأيها الذين آمنوا ليبلونكم الله ~~بشيء من الصيد إلى عذاب أليم } ( المائدة : 94 ) نزلت عام الحديبية فلعل ~~ذلك PageV06P069 الباعث للذين قالوا : إن سورة العقود نزلت عام الحديبية . ~~وليس وجود تلك الآية في هذه السورة بمقتضض أن يكون ابتداء نزول السورة ~~سابقا على نزول الآية إذ قد تلحق الآية بسورة نزلت متأخرة عنها . # وفي ( الإتقان ) : إنها نزلت قبل سورة النساء ، ولكن صح أن آية { اليوم ~~أكملت لكم دينكم } ( المائدة : 3 ) نزلت يوم عرفة في عام حجة الوداع . ~~ولذلك اختلفوا في أن هذه السورة نزلت متتابعة أو متفرقة ، ولا ينبغي التردد ~~في أنها نزلت منجمة . # وقد روي عن عبد الله بن عمرو وعائشة أنها آخر سورة نزلت ، وقد قيل : إنها ~~نزلت بعد النساء ، وما نزل بعدها إلا ms2177 سورة براءة ، بناء على أن براءة آخر ~~سورة نزلت ، وهو قول البراء بن عازب في ( صحيح البخاري ) . وفي ( مسند أحمد ~~) عن عبد الله بن عمرو ، وأسماء بنت يزيد : أنها نزلت ورسول الله في سفر ، ~~وهو على ناقته العضباء ، وأنها نزلت عليه كلها . قال الربيع بن أنس : نزلت ~~سورة المائدة في مسير رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حجة الوداع . # وفي ( شعب الإيمان ) ، عن أسماء بنت يزيد : أنها نزلت بمنى . وعن محمد بن ~~كعب : أنها نزلت في حجة الوداع بين مكة والمدينة . وعن أبي هريرة : نزلت ~~مرجع رسول الله من حجة الوداع في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة . وضعف هذا ~~الحديث . وقد قيل : إن قوله تعالى : { ولا يجرمنكم شنئان قوم أن صدوكم عن ~~المسجد الحرام } ( المائدة : 2 ) أنزل يوم فتح مكة . # ومن الناس من روى عن عمر بن الخطاب : أن سورة المائدة نزلت بالمدينة في ~~يوم اثنين . وهنالك روايات كثيرة أنها نزلت عام حجة الوداع ؛ فيكون ابتداء ~~نزولها بالمدينة قبل الخروج إلى حجة الوداع . وقد روي عن مجاهد : أنه قال : ~~{ اليوم يئس الذين كفروا من دينكم إلى PageV06P070 غفور رحيم } ( المائدة : ~~3 ) نزل يوم فتح مكة . ومثله عن الضحاك ، فيقتضي قولهما أن تكون هذه السورة ~~نزلت في فتح مكة وما بعده . # وعن محمد بن كعب القرظي : أن أول ما نزل من هذه السورة قوله تعالى : { يا ~~أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب إلى ~~قوله صراط مستقيم } ( المائدة : 15 ، 16 ) ثم نزلت بقية السورة في عرفة في ~~حجة الوداع . # ويظهر عندي أن هذه السورة نزل بعضها بعد بعض سورة النساء ، وفي ذلك ما ~~يدل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استقام له أمر العرب وأمر ~~المنافقين ولم يبق في عناد الإسلام إلا اليهود والنصارى . أما اليهود ~~فلأنهم مختلطون بالمسلمين في المدينة وما حولها ، وأما النصارى فلأن فتوح ~~الإسلام قد بلغت تخوم ملكهم في حدود الشام . وفي حديث عمر في ( صحيح ~~البخاري ms2178 ) : وكان من حول رسول الله قد استقام له ولم يبق إلا ملك غسان ~~بالشام كنا نخاف أن يأتينا . # وقد امتازت هذه السورة باتساع نطاق المجادلة مع النصارى ، واختصار ~~المجادلة مع اليهود ، عما في سورة النساء ، مما يدل على أن أمر اليهود أخذ ~~في تراجع ووهن ، وأن الاختلاط مع النصارى أصبح أشد منه من ذي قبل . # وفي سورة النساء تحريم السكر عند الصلوات خاصة ، وفي سورة المائدة تحريمه ~~بتاتا ، فهذا متأخر عن بعض سورة النساء لا محالة . وليس يلزم أن لا تنزل ~~سورة حتى ينتهي نزول أخرى بل يجوز أن تنزل سورتان في مدة واحدة . وهي ، ~~أيضا ، متأخرة عن سورة براءة : لأن براءة تشتمل على كثير من أحوال ~~المنافقين وسورة المائدة لا تذكر من أحوالهم إلا مرة ، وذلك PageV06P071 ~~يؤذن بأن النفاق حين نزولها قد انقطع ، أو خضدت شوكة أصحابه ، وإذ قد كانت ~~سورة براءة نزلت في عام حج أبي بكر بالناس ، أعني سنة تسع من الهجرة . # فلا جرم أن بعض سورة المائدة نزلت في عام حجة الوداع ، وحسبك دليلا ~~اشتمالها على آية { اليوم أكملت لكم دينكم } ( المائدة : 3 ) التي اتفق أهل ~~الأثر على أنها نزلت يوم عرفة ، عام حجة الوداع ، كما في خبر عن عمر بن ~~الخطاب . وفي سورة المائدة ( 3 ) قوله تعالى : { اليوم يئس الذين كفروا من ~~دينكم فلا تخشوهم . وفي خطبة حجة الوداع يقول رسول الله : إن الشيطان قد ~~يئس أن يعبد في بلدكم هذا ولكنه قد رضي بما دون ذلك مما تحقرون من أعمالكم ~~. # وقد عدت السورة الحادية والتسعين في عدد السور على ترتيب النزول . عن ~~جابر بن زيد ، نزلت بعد سورة الأحزاب وقبل سورة الممتحنة . وعدد آيها : ~~مائة واثنتان وعشرون في عدد الجمهور ، ومائة وثلاث وعشرون في عد البصرييين ~~، ومائة وعشرون عند الكوفيين . # وجعلت هذه السورة في المصحف قبل سورة الأنعام مع أن سورة الأنعام أكثر ~~منها عدد آيات : لعل ذلك لمراعاة اشتمال هذه السورة على أغراض تشبه ما ~~اشتملت عليه سورة النساء عونا على تبيين إحداهما ms2179 للأخرى في تلك الأغراض . # وقد احتوت هذه السورة على تشريعات كثيرة تنبيء بأنها أنزلت لاستكمال ~~شرائع الإسلام ، ولذلك افتتحت بالوصاية بالوفاء بالعقود ، أي بما عاقدوا ~~الله عليه حين دخولهم في الإسلام من التزام ما يؤمرون به ، فقد كان النبي ~~يأخذ البيعة على الصلاة والزكاة والنصح لكل مسلم ، كما في حديث جابر بن عبد ~~الله في الصحيح . وأخذ PageV06P072 البيعة على الناس بما في سورة الممتحنة ~~، كما روى عبادة بن الصامت . ووقع في أولها قوله تعالى : إن الله يحكم ما ~~يريد } ( المائدة : 1 ) . فكانت طالعتها براعة استهلال . # وذكر القرطبي أن فيها تسع عشرة فريضة ليست في غيرها ، وهي سبع في قوله : ~~{ والمنخنقة ، والموقوذة ، والمتردية ، والنطيحة . وما أكل السبع . . . وما ~~ذبح على النصب ، وأن تستقسموا بالأزلام } ( المائدة : 3 ) ، { وما علمتم من ~~الجوارح مكلبين } ( المائدة : 4 ) ، { وطعام الذين أوتوا الكتاب . . . ~~والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب } ( المائدة : 5 ) ، وتمام الطهور { إذا ~~قمتم إلى الصلاة } ( المائدة : 6 ) ، ( أي إتمام ما لم يذكر في سورة النساء ~~) { والسارق والسارقة } ( المائدة : 38 ) . و { لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ~~إلى قوله عزيز ذو انتقام } ( المائدة : 95 ) ، و { ما جعل الله من بحيرة ~~ولا سائية ولا وصيلة ولا حام } ( المائدة : 103 ) ، وقوله تعالى : { شهادة ~~بينكم إذا حضر أحدكم الموت } ( المائدة : 106 ) الآية وقوله : { وإذا ~~ناديتم إلى الصلاة } ( المائدة : 58 ) ليس في القرآن ذكر للأذان للصلوات ~~إلا في هذه السورة . اه . # وقد احتوت على تمييز الحلال من الحرام في المأكولات ، وعلى حفظ شعائر ~~الله في الحج والشهر الحرام ، والنهي عن بعض المحرمات من عوائد الجاهلية ~~مثل الأزلام ، وفيها شرائع الوضوء ، والغسل ، والتيمم ، والأمر بالعدل في ~~الحكم ، والأمر بالصدق في الشهادة ، وأحكام القصاص في الأنفس والأعضاء ، ~~وأحكام الحرابة ، وتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عن نفاق المنافقين ، ~~وتحريم الخمر والميسر ، والأيمان وكفارتها ، والحكم بين أهل الكتاب ، وأصول ~~المعاملة بين المسلمين ، وبين أهل الكتاب ، وبين المشركين والمنافقين ، ~~والخشية من ولايتهم أن تفضي إلى ارتداد المسلم عن دينه ، وإبطال العقائد ~~الضالة لأهل الكتابين ، وذكر مساو ms2180 من أعمال اليهود ، وإنصاف النصارى فيما ~~لهم من حسن الأدب وأنهم أرجى للإسلام وذكر قضية التيه ، وأحوال المنافقين ، ~~والأمر بتخلق المسلمين بما يناقض أخلاق الضالين في تحريم ما أحل لهم ، ~~والتنويه بالكعبة وفضائلها وبركاتها على الناس ، وما تخلل ذلك أو تقدمه من ~~العبر ، والتذكير للمسلمين بنعم الله تعالى ، والتعريض بما وقع فيه أهل ~~الكتاب من نبذ ما أمروا به والتهاون فيه . واستدعاؤهم للإيمان بالرسول ~~الموعود به . PageV06P073 # وختمت بالتذكير بيوم القيامة ، وشهادة الرسل على أممهم ، وشهادة عيسى على ~~النصارى ، وتمجيد الله تعالى . # # | 2 ( 1 ) { ياأيها الذين ءامنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الانعام ~~إلا ما يتلى عليكم غير محلى الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد } . ) 2 # تصدير السورة بالأمر بالإيفاء بالعقود مؤذن بأن سترد بعده أحكام وعقود ~~كانت عقدت من الله على المؤمنين إجمالا وتفصيلا ، ذكرهم بها لأن عليهم ~~الإيفاء بما عاقدوا الله عليه . وهذا كما تفتتح الظهائر السلطانية بعبارة : ~~هذا ظهير كريم يتقبل بالطاعة والامتثال . وذلك براعة استهلال . # فالتعريف في العقود تعريف الجنس للاستغراق ، فشمل العقود التي عاقد ~~المسلمون عليها ربهم وهو الامتثال لشريعته ، وذلك كقوله : { واذكروا نعمة ~~الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به } ( المائدة : 7 ) ، ومثل ما كان يبايع ~~عليه الرسول المؤمنين أن لا يشركوا بالله شيئا ولا يسرقوا ولا يزنوا ، ~~ويقول لهم : فمن وفى منكم فأجره على الله . # وشمل العقود التي عاقد المسلمون عليها المشركين ، مثل قوله : { فسيحيوا ~~في الأرض أربعة أشهر } ( التوبة : 2 ) ، وقوله : { ولا آمين البيت الحرام } ~~( المائدة : 2 ) . ويشمل العقود التي يتعاقدها المسلمون بينهم . # والإيفاء هو إعطاء الشيء وافيا ، أي غير منقوص ، ولما كان تحقق ترك النقص ~~لا يحصل في العرف إلا بالزيادة على القدر الواجب ، صار الإيفاء مرادا منه ~~عرفا العدل ، وتقدم عند قوله تعالى : { فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~فيوفيهم أجورهم في سورة النساء ( 173 ) . # والعقود جمع عقد بفتح العين ، وهو الالتزام الواقع بين جانبين في فعل ما ~~. وحقيقته أن العقد هو ربط الحبل بالعروة ونحوها ، وشد الحبل في نفسه أيضا ms2181 ~~عقد . ثم استعمل مجازا في الالتزام ، فغلب استعماله حتى صار حقيقة عرفية ، ~~قال الحطيئة : PageV06P074 # قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم # شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا # فذكر مع العقد العناج وهو حبل يشد القربة ، وذكر الكرب وهو حبل آخر ~~للقربة : فرجع بالعقد المجازي إلى لوازمه فتخيل معه عناجا وكربا ، وأراد ~~بجميعها تخييل الاستعارة . فالعقد في الأصل مصدر سمي به ما يعقد ، وأطلق ~~مجازا على التزام من جانبين لشيء ومقابله ، والموضع المشدود من الحبل يسمى ~~عقدة . وأطلق العقد أيضا على الشيء المعقود إطلاقا للمصدر على المفعول ، ~~فالعهود عقود ، والتحالف من العقود ، والتبايع والمؤاجرة ونحوهما من العقود ~~، وهي المراد هنا . ودخل في ذلك الأحكام التي شرعها الله لنا لأنها كالعقود ~~، إذ قد التزمها الداخل في الإسلام ضمنا ، وفيها عهد الله الذي أخذه على ~~الناس أن يعبدوه ولا يشركوا به . # ويقع العقد في اصطلاح الفقهاء على إنشاء تسليم أو تحمل من جانبين ؛ فقد ~~يكون إنشاء تسليم كالبيع بثمن ناض ؛ وقد يكون إنشاء تحمل كالإجارة بأجر ناض ~~، وكالسلم والقراض ؛ وقد يكون إنشاء تحمل من جانبين كالنكاح ، إذ المهر لم ~~يعتبر عوضا وإنما العوض هو تحمل كل من الزوجين حقوقا للآخر . والعقود كلها ~~تحتاج إلى إيجاب وقبول . # والأمر بالإيفاء بالعقود يدل على وجوب ذلك ، فتعين أن إيفاء العاقد بعقده ~~حق عليه ، فلذلك يقضي به عليه ، لأن العقود شرعت لسد حاجات الأمة فهي من ~~قسم المناسب الحاجي ، فيكون إتمامها حاجيا ؛ لأن مكمل كل قسم من أقسام ~~المناسب الثلاثة يلحق بمكمله : إن ضروريا ، أو حاجيا ، أو تحسينا . وفي ~~الحديث المسلمون على شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا . # فالعقود التي اعتبر الشرع في انعقادها مجرد الصيغة تلزم بإتمام الصيغة أو ~~ما يقوم مقامها ، كالنكاح والبيع . والمراد بما يقوم مقام PageV06P075 ~~الصيغة نحو الإشارة للأبكم ، ونحو المعاطاة في البيوع . والعقود التي اعتبر ~~الشرع في انعقادها الشروع فيها بعد الصيغة تلزم بالشروع ، كالجعل والقراض . ~~وتمييز جزئيات أحد النوعين من جزئيات الآخر مجال للاجتهاد . # وقال القرافي في الفرق التاسع والمائتين : إن أصل ms2182 العقود من حيث هي ~~اللزوم ، وإن ما ثبت في الشرع أو عند المجتهدين أنه مبني على عدم اللزوم ~~بالقول فإنما ذلك لأن في بعض العقود خفاء الحق الملتزم به فيخشى تطرق الغرر ~~إليه ، فوسع فيها على المتعاقدين فلا تلزمهم إلا بالشروع في العمل ، لأن ~~الشروع فرع التأمل والتدبر . ولذلك اختلف المالكية في عقود المغارسة ~~والمزارعة والشركة هل تلحق بما مصلحته في لزومه بالقول ، أو بما مصلحته في ~~لزومه بالشروع . وقد احتج في الفرق السادس والتسعين والمائة على أن أصل ~~العقود أن تلزم بالقول بقوله تعالى : أوفوا بالعقود } . وذكر أن المالكية ~~احتجوا بهذه الآية على إبطال حديث : خيار المجلس ؛ يعني بناء على أن هذه ~~الآية قررت أصلا من أصول الشريعة ، وهو أن مقصد الشارع من العقود تمامها ، ~~وبذلك صار ما قررته مقدما عند مالك على خبر الآحاد ، فلذلك لم يأخذ مالك ~~بحديث ابن عمر ( المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا ) . # واعلم أن العقد قد ينعقد على اشتراط عدم اللزوم ، كبيع الخيار ، فضبطه ~~الفقهاء بمدة يحتاج إلى مثلها عادة في اختيار المبيع أو التشاور في شأنه . # ومن العقود المأمور بالوفاء بها عقود المصالحات والمهادنات في الحروب ، ~~والتعاقد على نصر المظلوم ، وكل تعاقد وقع على غير أمر حرام ، وقد أغنت ~~أحكام الإسلام عن التعاقد في مثل هذا إذ أصبح المسلمون كالجسد الواحد ، ~~فبقي الأمر متعلقا بالإيفاء بالعقود المنعقدة في الجاهلية على نصر المظلوم ~~ونحوه : كحلف الفضول . وفي الحديث : ( أوفوا PageV06P076 بعقود الجاهلية ~~ولا تحدثوا عقدا في الإسلام ) . وبقي أيضا ما تعاقد عليه المسلمون ~~والمشركون كصلح الحديبية بين النبي صلى الله عليه وسلم وقريش . وقد روي أن ~~فرات بن حيان العجلي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حلف الجاهلية ~~فقال : ( لعلك تسأل عن حلف لجيم وتيم ، قال : نعم ، قال : لا يزيده الإسلام ~~إلا شدة ) . قلت : وهذا من أعظم ما عرف به الإسلام بينهم في الوفاء لغير من ~~يعتدي عليه . وقد كانت خزاعة من قبائل العرب التي لم تناو المسلمين في ~~الجاهلية ، كما تقدم في ms2183 قوله تعالى : { الذين قال لهم الناس إن الناس قد ~~جمعوا لكم في سورة آل عمران ( 173 ) . # أحلت لكم بهيمة الانعام إلا ما يتلى عليكم غير محلى الصيد وأنتم حرم إن ~~الله يحكم ما يريد } . # أشعر كلام بعض المفسرين بالتوقف في توجيه اتصال قوله تعالى : { أحلت لكم ~~بهيمة الأنعام } بقوله : { أوفوا بالعقود } . ففي ( تلخيص الكواشي ) ، عن ~~ابن عباس : المراد بالعقود ما بعد قوله : { أحلت لكم بهيمة الأنعام } اه . ~~ويتعين أن يكون مراد ابن عباس ما مبدؤه قوله : { إلا ما يتلى عليكم } ~~الآيات . # وأما قول الزمخشري { أحلت لكم بهيمة الأنعام } تفصيل لمجمل قوله : { ~~أوفوا بالعقود } فتأويله أن مجموع الكلام تفصيل لا خصوص جملة { أحلت لكم ~~بهيمة الأنعام } ؛ فإن إباحة الأنعام ليست عقدا يجب الوفاء به إلا باعتبار ~~ما بعده من قوله : ( إلا ما يتلى عليكم ) . وباعتبار إبطال ما حرم أهل ~~الجاهلية باطلا مما شمله قوله تعالى : { ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة } ~~( المائدة : 103 ) الآيات . # والقول عندي أن جملة { أحلت لكم بهيمة الأنعام } تمهيد لما سيرد بعدها من ~~المنهيات : كقوله : { غير محلي الصيد } وقوله : { وتعاونوا على البر ~~والتقوى } ( المائدة : 2 ) التي هي من عقود شريعة الإسلام فكان الابتداء ~~بذكر بعض المباح امتنانا وتأنيسا للمسلمين ، ليتلقوا التكاليف بنفوس مطمئنة ~~؛ PageV06P077 فالمعنى : إن حرمنا عليكم أشياء فقد أبحنا لكم أكثر منها ، ~~وإن ألزمناكم أشياء فقد جعلناكم في سعة من أشياء أوفر منها ، ليعلموا أن ~~الله ما يريد منهم إلا صلاحهم واستقامتهم . فجملة { أحلت لكم بهيمة الأنعام ~~} مستأنفة استئنافا ابتدائيا لأنها تصدير للكلام بعد عنوانه . # والبهيمة : الحيوان البري من ذوي الأربع إنسيها ووحشيها ، عدا السباع ، ~~فتشمل بقر الوحش والظباء . وإضافة بهيمة إلى الأنعام من إضافة العام للخاص ~~، وهي بيانية كقولهم : ذباب النحل ومدينة بغداد . فالمراد الأنعام خاصة ، ~~لأنها غالب طعام الناس ، وأما الوحش فداخل في قوله : { غير محلي الصيد ~~وأنتم حرم } ، وهي هنا لدفع توهم أن يراد من الأنعام خصوص الإبل لغلبة ~~إطلاق اسم الأنعام عليها ، فذكرت ( بهيمة ) لشمول أصناف الأنعام الأربعة : ~~الإبل ، والبقر ، والغنم ms2184 ، والمعز . # والإضافة البيانية على معنى ( من ) التي للبيان ، كقوله تعالى : { ~~فاجتنبوا الرجس من الأوثان } ( الحج : 30 ) . # والاستثناء في قوله : { إلا ما يتلى عليكم } من عموم الذوات والأحوال ، ~~وما يتلى هو ما سيفصل عند قوله : { حرمت عليكم الميتة } ( المائدة : 3 ) ، ~~وكذلك قوله : { غير محلي الصيد وأنتم حرم } ، الواقع حالا من ضمير الخطاب ~~في قوله : { أحلت لكم } ، وهو حال مقيد معنى الاستثناء من عموم أحوال ~~وأمكنة ، لأن الحرم جمع حرام مثل رداح على ردح . وسيأتي تفصيل هذا الوصف ~~عند قوله تعالى : { جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس في هذه ~~السورة ( 97 ) . # والحرام وصف لمن أحرم بحج أو عمرة ، أي نواهما . ووصف أيضا لمن كان حالا ~~في الحرم ، ومن إطلاق المحرم على الحال بالحرم قول الراعي : # قتلوا ابن عفان الخليفة محرما # أي حالا بحرم المدينة . PageV06P078 # والحرم : هو المكان المحدود المحيط بمكة من جهاتها على حدود معروفة ، وهو ~~الذي لا يصاد صيده ، ولا يعضد شجره ولا تحل لقطته ، وهو المعروف الذي حدده ~~إبراهيم عليه السلام ونصب أنصابا تعرف بها حدوده ، فاحترمه العرب ، وكان ~~قصي قد جددها ، واستمرت إلى أن بدا لقريش أن ينزعوها ، وذلك في مدة إقامة ~~النبي بمكة ، واشتد ذلك على رسول الله ، ثم إن قريشا لم يلبثوا أن أعادوها ~~كما كانت . ولما كان عام فتح مكة بعث النبي تميما بن أسد الخزاعي فجددها . ~~ثم أحياها وأوضحها عمر بن الخطاب في خلافته سنة سبع عشرة ، فبعث لتجديد ~~حدود الحرم أربعة من قريش كانوا يتبدون في بوادي مكة ، وهم : مخرمة بن نوفل ~~الزهري ، وسعيد بن يربوع المخزومي ، وحويطب بن عبد العزى العامري ، وأزهر ~~بن عوف الزهري ، فأقاموا أنصابا جعلت علامات على تخطيط الحرم على حسب ~~الحدود التي حددها النبي وتبتدىء من الكعبة فتذهب للماشي إلى المدينة نحو ~~أربعة أميال إلى التنعيم ، والتنعيم ليس من الحرم ، وتمتد في طريق الذاهب ~~إلى العراق ثمانية أميال فتنتهي إلى موضع يقال له : المقطع ، وتذهب في طريق ~~الطائف تسعة ( بتقديم المثناة ) أميال فتنتهي إلى الجعرانة ، ومن جهة اليمن ms2185 ~~سبعة ( بتقديم السين ) فينتهي إلى أضاة لبن ، ومن طريق جدة عشرة أميال ~~فينتهي إلى آخر الحديبية ، والحديبية داخلة في الحرم . فهذا الحرم يحرم ~~صيده ، كما يحرم الصيد على المحرم بحج أو عمرة . # فقوله : وأنتم حرم } يجوز أن يراد به محرمون ، فيكون تحريما للصيد على ~~المحرم : سواء كان في الحرم أم في غيره ، ويكون تحريم صيد الحرم لغير ~~المحرم ثابتا بالسنة ، ويجوز أن يكون المراد به : محرمون وحالون في الحرم ، ~~ويكون من استعمال اللفظ في معنيين يجمعهما قدر مشترك بينهما وهو الحرمة ، ~~فلا يكون من استعمال المشترك في معنييه إن قلنا بعدم صحة استعماله فيهما ، ~~أو يكون من استعماله فيهما ، على رأي من يصحح ذلك ، وهو الصحيح ، كما ~~قدمناه في المقدمة التاسعة . PageV06P079 # وقد تفنن الاستثناء في قوله : { إلا ما يتلى عليكم } وقوله : { غير محلي ~~الصيد } ، فجيء بالأول بأداة الاستثناء ، وبالثاني بالحالين الدالين على ~~مغايرة الحالة المأذون فيها ، والمعنى : إلا الصيد في حالة كونكم محرمين ، ~~أو في حالة الإحرام . وإنما تعرض لحكم الصيد للمحرم هنا لمناسبة كونه ~~مستثنى من بهيمة الأنعام في حال خاص ، فذكر هنا لأنه تحريم عارض غير ذاتي ، ~~ولولا ذلك لكان موضع ذكره مع الممنوعات المتعلقة بحكم الحرم والإحرام عند ~~قوله تعالى : { يأيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله } ( المائدة : 2 ) ~~الآية . # والصيد يجوز أن يكون هنا مصدرا على أصله ، وأن يكون مطلقا على اسم ~~المفعول : كالخلق على المخلوق ، وهو إطلاق شائع أشهر من إطلاقه على معناه ~~الأصلي ، وهو الأنسب هنا لتكون مواقعه في القرآن على وتيرة واحدة ، فيكون ~~التقدير : غير محلي إصابة لصيد . والصيد بمعنى المصدر : إمساك الحيوان الذي ~~لا يألف ، باليد أو بوسيلة ممسكة ، أو جارحة : كالشباك ، والحبائل ، ~~والرماح ، والسهام ، والكلاب ، والبزاة ؛ وبمعنى المفعول هو المصيد . ~~وانتصب { غير } على الحال من الضمير المجرور في قوله : { لكم } . وجملة { ~~وأنتم حرم } في موضع الحال من ضمير ( محلي ) ، وهذا نسج بديع في نظم الكلام ~~استفيد منه إباحة وتحريم : فالإباحة في حال عدم الإحرام ، والتحريم له في ~~حال الإحرام . # وجملة { إن ms2186 الله يحكم ما يريد } تعليل لقوله : { أوفوا بالعقود } ، أي لا ~~يصرفكم عن الإيفاء بالعقود أن يكون فيما شرعه الله لكم شيء من ثقل عليكم ، ~~لأنكم عاقدتم على عدم العصيان ، وعلى السمع والطاعة لله ، والله يحكم ما ~~يريد لا ما تريدون أنتم . والمعنى أن الله أعلم بصالحكم منكم . PageV06P080 # وذكر ابن عطية : أن النقاش حكى : أن أصحاب الكندي قالوا له : ( أيها ~~الحكيم اعمل لنا مثل هذا القرآن ، قال : نعم أعمل لكم مثل بعضه ، فاحتجب ~~عنهم أياما ثم خرج فقال : والله ما أقدر عليه . ولا يطيق هذا أحد ، إني ~~فتحت المصحف فخرجت سورة المائدة فنظرت فإذا هو قد أمر بالوفاء ونهى عن ~~النكث وحلل تحليلا عاما ثم استثنى استثناء بعد استثناء ثم أخبر عن قدرته ~~وحكمته في سطرين ولا يستطيع أحد أن يأتي بهذا إلا في أجلاد ) جمع جلد أي ~~أسفار . # $ 2 ( 2 ) { ياأيها الذين ءامنوا لا تحلوا شعآئر الله ولا الشهر الحرام ~~ولا الهدى ولا القلائد ولا & # 1764 ءامين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا وإذا حللتم ~~فاصطادوا ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا ~~وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن ~~الله شديد آلعقاب } . ) 2 $ # { ياأيها الذين ءامنوا لا تحلوا شعآئر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدى ~~ولا القلائد ولا & # 1764 ءامين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا وإذا حللتم ~~فاصطادوا ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا ~~وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن ~~الله شديد آلعقاب } . # اعتراض بين الجمل التي قبله وبين جملة { وإذا حللتم فاصطادوا . ولذلك ~~أعيد الخطاب بالنداء بقوله : يا أيها الذين آمنوا } . وتوجيه الخطاب إلى ~~الذين آمنوا مع أنهم لا يظن بهم إحلال المحرمات ، يدل على أن المقصود النهي ~~عن الاعتداء على الشعائر الإلهية التي يأتيها المشركون كما يأتيها المسلمون ~~. # ومعنى { لا تحلوا شعائر الله } لا تحلوا المحرم منها بين الناس ، بقرينة ~~قوله : { لا تحلوا } ، فالتقدير ms2187 : لا تحلوا محرم شعائر الله ، كما قال ~~تعالى : في إحلال الشهر الحرام بعمل النسيء { فيحلوا ما حرم الله } ( ~~التوبة : 37 ) ؛ وإلا فمن شعائر الله ما هو حلال كالحلق ، ومنها ما هو واجب ~~. والمحرمات معلومة . # والشعائر : جمع شعيرة . وقد تقدم تفسيرها عند قوله تعالى : { إن الصفا ~~والمروة من شعائر الله } ( البقرة : 158 ) . وقد كانت الشعائر كلها معروفة ~~لديهم ، فلذلك عدل عن عدها هنا . وهي أمكنة ، وأزمنة ، وذوات ؛ فالصفا ، ~~والمروة ، والمشعر الحرام ، من الأمكنة . وقد مضت في سورة البقرة . ~~PageV06P081 والشهر الحرام من الشعائر الزمانية ، والهدي والقلائد من ~~الشعائر الذوات . فعطف الشهر الحرام والهدي وما بعدهما من شعائر الله عطف ~~الجزئي على كلية للاهتمام به ، والمراد به جنس الشهر الحرام ، لأنه في سياق ~~النفي ، أي الأشهر الحرم الأربعة التي في قوله تعالى : { منها أربعة حرم . ~~. . فلا تظلموا فيهن أنفسكم } ( التوبة : 36 ) . فالتعريف تعريف الجنس ، ~~وهو كالنكرة يستوي فيه المفرد والجمع . وقال ابن عطية : الأظهر أنه أريد ~~رجب خاصة ليشتد أمر تحريمه إذ كانت العرب غير مجمعة عليه ، فإنما خص بالنهي ~~عن إحلاله إذ لم يكن جميع العرب يحرمونه ، فلذلك كان يعرف برجب مضر ؛ فلم ~~تكن ربيعة ولا إياد ولا أنمار يحرمونه . وكان يقال له : شهر بني أمية أيضا ~~، لأن قريشا حرموه قبل جميع العرب فتبعتهم مضر كلها لقول عوف بن الأحوص : # وشهر بني أمية والهدايا # إذا حبست مضرجها الدقاء # وعلى هذا يكون التعريف للعهد فلا يعم . والأظهر أن التعريف للجنس ، كما ~~قدمناه . # والهدي : هو ما يهدى إلى مناسك الحج لينحر في المنحر من منى ، أو بالمروة ~~، من الأنعام . # والقلائد : جمع قلادة وهي ظفائر من صوف أو وبر ، يربط فيها نعلان أو قطعة ~~من لحاء الشجر ، أي قشره ، وتوضع في أعناق الهدايا مشبهة بقلائد النساء ، ~~والمقصود منها أن يعرف الهدي فلا يتعرض له بغارة أو نحوها . وقد كان بعض ~~العرب إذا تأخر في مكة حتى خرجت الأشهر الحرم ، وأراد أن يرجع إلى وطنه ، ~~وضع في عنقه قلادة من لحاء شجر الحرم فلا يتعرض له ms2188 بسوء . # ووجه عطف القلائد على الهدي المبالغة في احترامه بحيث يحرم الاعتداء على ~~قلادته بله ذاته ، وهذا كقول أبي بكر : والله لو منعوني عقالا PageV06P082 ~~كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم عليه . على أن القلائد مما ينتفع به ، ~~إذ كان أهل مكة يتخذون من القلائد نعالا لفقرائهم ، كما كانوا ينتفعون ~~بجلال البدن ، وهي شقق من ثياب توضع على كفل البدنة ؛ فيتخذون منها قمصا ~~لهم وأزرا ، فلذلك كان النهي عن إحلالها كالنهي عن إحلال الهدي لأن في ذلك ~~تعطيل مصالح سكان الحرم الذين استجاب الله فيهم دعوة إبراهيم إذ قال : { ~~فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات } ( إبراهيم : 37 ) ~~قال تعالى : { جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام ~~والهدي والقلائد } ( المائدة : 97 ) . # وقوله : { ولا آمين البيت الحرام } عطف على { شعائر الله } : أي ولا ~~تحلوا قاصدي البيت الحرام وهم الحجاج ، فالمراد قاصدوه لحجه ، لأن البيت لا ~~يقصد إلا للحج ، ولذلك لم يقل : ولا آمين مكة ، لأن من قصد مكة قد يقصدها ~~لتجر ونحوه ، لأن من جملة حرمة البيت حرمة قاصده . ولا شك أن المراد آمين ~~البيت من المشركين ؛ لأن آمين البيت من المؤمنين محرم أذاهم في حالة قصد ~~البيت وغيرها من الأحوال . وقد روي ما يؤيد هذا في أسباب النزول : وهو أن ~~خيلا من بكر بن وائل وردوا المدينة وقائدهم شريح بن ضبيعة الملقب بالحطم ( ~~بوزن زفر ) ، والمكنى أيضا بابنن هند . نسبة إلى أمه هند بنت حسان بن عمرو ~~بنن مرثد ، وكان الحطم هذا من بكر بن وائل ، من نزلاء اليمامة ، فترك خيله ~~خارج المدينة ودخل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( إلام تدعو ) فقال ~~رسول الله : ( { إلى شهاد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقامم ~~الصلاة وإيتاء الزكاة . فقال : حسن ما تدعو إليه وسأنظر ولعلي أن أسلم وأرى ~~في أمرك غلظة ولي من ورائي من لا أقطع أمرا دونهم وخرج فمر بسرح المدينة ~~فاستاق إبلا كثيرة ولحقه المسلمون لما أعلموا به فلم يلحقوه ، وقال ms2189 في ذلك ~~رجزا ، وقيل : الرجز لأحد أصحابه ، وهو رشيد بن رميض العنزي وهو : # هذا أوان الشد فاشتدي زيم # قد لفها الليل بسواق حطم PageV06P083 # ليس براعي إبلل ولا غنم # ولا بجزار على ظهر وضم # باتوا نياما وابن هند لم ينم # بات يقاسيها غلام كالزلم # خدلج الساقينن خفاق القدم # ثم أقبل الحطم في العام القابل وهو عام القضية فسمعوا تلبية حجاج اليمامة ~~فقالوا : هذا الحطم وأصحابه ومعهم هدي هو مما نهبه من إبل المسلمين ، ~~فاستأذنوا رسول الله في نهبهم ، فنزلت الآية في النهي عن ذلك . فهي حكم عام ~~نزل بعد تلك القضية ، وكان النهي عن التعرض لبدن الحطم مشمولا لما اشتملت ~~عليه هذه الآية . # والبيت الحرام هو الكعبة . وسيأتي بيان وصفه بهذا الوصف عند قوله : جعل ~~الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس } ( المائدة : 97 ) في هذه السورة . ~~وجملة { يبتغون فضلا من ربهم } صفة ل { آمين } من قصدهم ابتغاء فضل الله ~~ورضوانه وهم الذين جاءوا لأجل الحج إيماء إلى سبب حرمة آمي البيت الحرام . # وقد نهى الله عن التعرض للحجيج بسوء لأن الحج ابتغاء فضل الله ورضوانه ، ~~وقد كان أهل الجاهلية يقصدون منه ذلك ، قال النابغة : # حياك ربي فإنا لا يحل لنا # لهو النساء وإن الدين قد عزما # مشمرين على خوص مزممة # نرجو الإله ونرجو البر والطعما # ويتنزهون عن فحش الكلام ، قال العجاج : # ورب أسراب حجيج كظم # عن اللغا ورفث التكلم # ويظهرون الزهد والخشوع ، قال النابغة : # بمصطحبات من لصافف وثبرة # بزرن إلالا سيرهن التدافع # عليهن شعث عامدون لربهم # فهن كأطراف الحني خواشع PageV06P084 # ووجه النهي عن التعرض للحجيج بسوء وإن كانوا مشركين : أن الحالة التي ~~قصدوا فيها الحج وتلبسوا عندها بالإحرام ، حالة خير وقرب من الإيمان بالله ~~وتذكر نعمه ، فيجب أن يعانوا على الاستكثار منها لأن الخير يتسرب إلى النفس ~~رويدا ، كما أن الشر يتسرب إليها كذلك ، ولذلك سيجيء عقب هذه الآية قوله : ~~{ وتعاونوا على البر والتقوى } . # والفضل : خير الدنيا ، وهو صلاح العمل . والرضوان : رضي الله تعالى عنهم ~~، وهو ثواب الآخرة ، وقيل : أراد بالفضل ms2190 الربح في التجارة ، وهذا بعيد أن ~~يكون هو سبب النهي إلا إذا أريد تمكينهم من إبلاغ السلع إلى مكة . # { وإذا حللتم فاصطادوا } . # تصريح بمفهوم قوله : { غير محلي الصيد وأنتم حرم } ( المائدة : 1 ) لقصد ~~تأكيد الإباحة . فالأمر فيه للإباحة ، وليس هذا من الأمر الوارد بعد النهي ~~، لأن تلك المسألة مفروضة في النهي عن شيء نهيا مستمرا ، ثم الأمر به كذلك ~~، وما هنا : إنما هو نهي موقت وأمر في بقية الأوقات ، فلا يجري هنا ما ذكر ~~في أصول الفقه من الخلاف في مدلول صيغة الأمر الوارد بعد حظر : أهو الإباحة ~~أو الندب أو الوجوب . فالصيد مباح بالإباحة الأصلية ، وقد حرم في حالة ~~الإحرام ، فإذا انتهت تلك الحالة رجع إلى إباحته . # و { اصطادوا } صيغة افتعال ، استعملت في الكلام لغير معنى المطاوعة التي ~~هي مدلول صيغة الافتعال في الأصل ، فاصطاد في كلامهم مبالغة في صاد . ~~ونظيره : اضطره إلى كذا . وقد نزل { اصطادوا } منزلة فعل لازم فلم يذكر له ~~مفعول . PageV06P085 # { ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا } . # عطف على قوله : { لا تحلوا شعائر الله } لزيادة تقرير مضمونه ، أي لا ~~تحلوا شعائر الله ولو مع عدوكم إذا لم يبدأوكم بحرب . # ومعنى { يجر منكم } يكسبنكم ، يقال : جرمه يجرمه ، مثل ضرب . وأصله كسب ، ~~من جرم النخلة إذا جذ عراجينها ، فلما كان الجرم لأجل الكسب شاع إطلاق جرم ~~بمعنى كسب ، قالوا : جرم فلان لنفسه كذا ، أي كسب . # وعدي إلى مفعول ثان وهو { أن تعتدوا } ، والتقدير : يكسبكم الشنآن ~~الاعتداء . وأما تعديته بعلى في قوله : { ولا يجرمنكم شنئان قوم على أن لا ~~تعدلوا } ( المائدة : 8 ) فلتضمينه معنى يحملنكم . # والشنآن بفتح الشين المعجمة وفتح النون في الأكثر ، وقد تسكن النون إما ~~أصالة وإما تخفيفا هو البغض . وقيل : شدة البغض ، وهو المناسب ، لعطفه على ~~البغضاء في قول الأحوص : # أنمي على البغضاء والشنآن # وهو من المصادر الدالة على الاضطراب والتقلب ، لأن الشنآن فيه اضطراب ~~النفس ، فهو مثل الغليان والنزوان . # وقرأ الجمهور : { شنئان } بفتح النون . وقرأ ابن عامر ، وأبو بكر عن ms2191 عاصم ~~، وأبو جعفر بسكون النون . وقد قيل : إن ساكن النون وصف مثل غضبان ، أي عدو ~~، فالمعنى : لا يجرمنكم عدو قوم ، فهو من إضافة الصفة إلى الموصوف . وإضافة ~~شنآن إذا كان مصدرا من إضافة المصدر إلى مفعوله ، أي بغضكم قوما ، بقرينة ~~قوله : { أن صدوكم } ، لأن المبغض في الغالب هو المعتدى عليه . PageV06P086 # وقرأ الجمهور : { أن صدوكم } بفتح همزة ( أن ) . وقرأه ابن كثير ، وأبو ~~عمرو ، ويعقوب : بكسر الهمزة على أنها ( إن ) الشرطية ، فجواب الشرط محذوف ~~دل عليه ما قبل الشرط . # والمسجد الحرام اسم جعل علما بالغلبة على المكان المحيط بالكعبة المحصور ~~ذي الأبواب ، وهو اسم إسلامي لم يكن يدعى بذلك في الجاهلية ، لأن المسجد ~~مكان السجود ولم يكن لأهل الجاهلية سجود عند الكعبة ، وقد تقدم عند قوله ~~تعالى : { فول وجهك شطر المسجد الحرام في سورة البقرة ( 144 ) ، وسيأتي عند ~~قوله تعالى : سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام } ( الإسراء : 1 ~~) . # { وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله ~~إن الله شديد آلعقاب } . # تعليل للنهي الذي في قوله : { ولا يجرمنكم شنئان قوم } . وكان مقتضى ~~الظاهر أن تكون الجملة مفصولة ، ولكنها عطفت : ترجيحا لما تضمنته من ~~التشريع على ما اقتضته من التعليل ، يعني : أن واجبكم أن تتعاونوا بينكم ~~على فعل البر والتقوى ، وإذا كان هذا واجبهم فيما بينهم ، كان الشأن أن ~~يعينوا على البر والتقوى ، لأن التعاون عليها يكسب محبة تحصيلها ، فيصير ~~تحصيلها رغبة لهم ، فلا جرم أن يعينوا عليها كل ساع إليها ، ولو كان عدوا ، ~~والحج بر فأعينوا عليه وعلى التقوى ، فهم وإن كانوا كفارا يعاونون على ما ~~هو بر : لأن البر يهدي للتقوى ، فلعل تكرر فعله يقربهم من الإسلام . ولما ~~كان الاعتداء على العدو إنما يكون بتعاونهم عليه نبهوا على أن التعاون لا ~~ينبغي أن يكون صدا عن المسجد الحرام ، وقد أشرنا إلى ذلك آنفا ؛ فالضمير ~~والمفاعلة في { تعاونوا } للمسلمين ، PageV06P087 أي ليعن بعضكم بعضا على ~~البر والتقوى . وفائدة التعاون تيسير العمل ، وتوفير المصالح ، وإظهار ~~الاتحاد والتناصر ، حتى يصبح ذلك ms2192 خلقا للأمة . وهذا قبل نزول قوله تعالى : ~~{ يأيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم ~~هذا } ( التوبة : 28 ) . # وقوله : { ولا تعاونوا على الإثم والعدوان } تأكيد لمضمون { وتعاونوا على ~~البر والتقوى } لأن الأمر بالشيء ، وإن كان يتضمن النهي عن ضده ، فالاهتمام ~~بحكم الضد يقتضي النهي عنه بخصوصه . والمقصود أنه يجب أن يصد بعضكم بعضا عن ~~ظلم قوم لكم نحوهم شنآن . # وقوله : { واتقوا الله } الآية تذييل . وقوله : { شديد العقاب } تعريض ~~بالتهديد . # # | 2 ( 3 ) { حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ومآ أهل لغير الله به ~~والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة ومآ أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ~~ذبح على النصب وأن تستقسموا بالازلام ذالكم فسق اليوم يئس الذين كفروا من ~~دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت ~~لكم الأسلام دينا فمن اضطر فى مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم } ~~. ) 2 # { حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ومآ أهل لغير الله به والمنخنقة ~~والموقوذة والمتردية والنطيحة ومآ أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على ~~النصب وأن تستقسموا بالازلام ذالكم فسق اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا ~~تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الأسلام ~~دينا فمن اضطر فى مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم } . # استئناف بياني ناشىء عن قوله : { أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى ~~عليكم } ( المائدة : 1 ) ، فهو بيان لما ليس بحلال من الأنعام . # ومعنى تحريم هذه المذكورات تحريم أكلها ، لأنه المقصود من مجموع هذه ~~المذكورات هنا . وهي أحوال من أحوال الأنعام تقتضي تحريم أكلها . وأدمج ~~فيها نوع من الحيوان ليس من أنواع الأنعام وهو الخنزير ، لاستيعاب محرمات ~~الحيوان . وهذا الاستيعاب دليل لإباحة ما سوى ذلك ، إلا ما ورد في السنة من ~~تحريم الحمر الأهلية ، على اختلاف بين العلماء في معنى تحريمها ، والظاهر ~~أنه تحريم منظور فيه إلى حالة PageV06P088 لا إلى الصنف . وألحق مالك بها ~~الخيل والبغال قياسا ، وهو من قياس الأدون ، ولقول الله ms2193 تعالى إذ ذكرها في ~~معرض الامتنان { الخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة } ( النحل : 8 ) . ~~وهو قول أبي حنيفة خلافا لصاحبيه ، وهو استدلال لا يعرف له نظير في الأدلة ~~الفقهية . وقال الشافعي وأبو يوسف ومحمد : يجوز أكل الخيل . وثبت في الصحيح ~~، عن أسماء بنت أبي بكر قالت : ذبحنا فرسا على عهد رسول الله فأكلناه . ولم ~~يذكر أن ذلك منسوخ . وعن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى ~~يوم خيبر عن لحوم الحمر ورخص في لحوم الخيل . # وأما الحمر الأهلية فقد ورد في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى ~~عن أكلها في غزوة خيبر . فقيل : لأن الحمر كانت حمولتهم في تلك الغزاة . ~~وقيل : نهى عنها أبدا . وقال ابن عباس بإباحتها . فليس لتحريم هذه الثلاثة ~~على الإطلاق وجه بين من الفقه ولا من السنة . # والميتة الحيوان الذي زالت منه الحياة ، والموت حالة معروفة تنشأ عن وقوف ~~حركة الدم باختلال عمل أحد الأعضاء الرئيسية أو كلها . وعلة تحريمها أن ~~الموت ينشأ عن علل يكون معظمها مضرا بسبب العدوى ، وتمييز ما يعدي عن غيره ~~عسير ، ولأن الحيوان الميت لا يدرى غالبا مقدار ما مضى عليه في حالة الموت ~~، فربما مضت مدة تستحيل معها منافع لحمه ودمه مضار ، فنيط الحكم بغالب ~~الأحوال وأضبطها . # والدم هنا هو الدم المهراق ، أي المسفوح ، وهو الذي يمكن سيلانه كما صرح ~~به في آية الأنعام ( 145 ) ، حملا لمطلقق هذه الآية على مقيد آية الأنعام ، ~~وهو الذي يخرج من عروق جسد الحيوان بسبب قطع العرق وما عليه من الجلد ، وهو ~~سائل لزج أحمر اللون متفاوت الحمرة باختلاف السن واختلاف أصناف العروق . ~~PageV06P089 # والظاهر أن علة تحريمه القذارة : لأنه يكتسب رائحة كريهة عند لقائه ~~الهواء ، ولذلك قال كثير من الفقهاء بنجاسة عينه ، ولا تعرض في الآية لذلك ~~، أو لأنه يحمل ما في جسد الحيوان من الأجزاء المضرة التي لا يحاط بمعرفتها ~~، أو لما يحدثه تعود شرب الدم من الضراوة التي تعود على الخلق الإنساني ~~بالفساد . وقد كانت العرب تأكل ms2194 الدم ، فكانوا في المجاعات يفصدون من إبلهم ~~ويخلطون الدم بالوبر ويأكلونه ، ويسمونه العلهز بكسر العين والهاء . وكانوا ~~يملأون المصير بالدم ويشوونها ويأكلونها ، وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى : { ~~إنما حرم عليكم الميتة والدم في سورة البقرة ( 173 ) . # وإنما قال : ولحم الخنزير } ولم يقل والخنزير كما قال : { وما أهل لغير ~~الله به } إلى آخر المعطوفات . ولم يذكر تحريم الخنزير في جميع آيات القرآن ~~إلا بإضافة لفظ لحم إلى الخنزير . ولم يأت المفسرون في توجيه ذلك بوجه ~~ينثلج له الصدر . وقد بينا ذلك في نظير هذه الجملة من سورة البقرة ( 173 ) ~~. ويبدو لي أن إضافة لفظ لحم إلى الخنزير للإيماء إلى أن المحرم أكل لحمه ~~لأن اللحم إذا ذكر له حكم فإنما يراد به أكله . وهذا إيماء إلى أن ما عدا ~~أكل لحمه من أحوال استعمال أجزائه هو فيها كسائر الحيوان في طهارة شعره ، ~~إذا انتزع منه في حياته بالجز ، وطهارة عرقه وطهارة جلده بالدبغ ، إذا ~~اعتبرنا الدبغ مطهرا جلد الميتة ، اعتبارا بأن الدبغ كالذكاة . وقد روي ~~القول بطهارة جلد الخنزير بالدبغ عن داود الظاهري وأبي يوسف أخذا بعموم ~~قوله صلى الله عليه وسلم ( أيما إهاب دبغ فقد طهر ) رواه مسلم والترمذي عن ~~ابن عباس . وعلة تحريم الخنزير أن لحمه يشتمل على جراثيم مضرة لا تقتلها ~~حرارة النار عند الطبخ ، فإذا وصلت إلى دم آكله عاشت في الدم فأحدثت أضرارا ~~عظيمة ، منها مرض الديدان التي في المعدة . # { وما أهل لغير الله به } هو ما سمي عليه عند الذبح اسم غير الله . ~~PageV06P090 والإهلال : الجهر بالصوتت ومنه الإهلال بالحج ، وهو التلبية ~~الدالة على الدخول في الحج ، ومنه استهل الصبي صارخا . قيل : ذلك مشتق من ~~اسم الهلال ، لأن العرب كانوا إذا رأوا هلال أول ليلة من الشهر رفعوا ~~أصواتهم بذلك ليعلم الناس ابتداء الشهر ، ويحتمل عندي أن يكون اسم الهلال ~~قد اشتق من جهر الناس بالصوت عند رؤيته . وكانوا إذا ذبحوا القرابين ~~للأصنام نادوا عليها باسم الصنم ، فقالوا : باسم اللات ، باسم العزى . # { والمنخنقة } هي التي ms2195 عرض لها ما يخنقها . والخنق : سد مجاري النفس ~~بالضغط على الحلق ، أو بسده ، وقد كانوا يربطون الدابة عند خشبة فربما ~~تخبطت فانخنقت ولم يشعروا بها ، ولم يكونوا يخنقونها عند إرادة قتلها . ~~ولذلك قيل هنا : المنخنقة ، ولم يقل المخنوقة بخلاف قوله { والموقوذة } ، ~~فهذا مراد ابن عباس بقوله : كان أهل الجاهلية يخنقون الشاة وغيرها فإذا ~~ماتت أكلوها . # وحكمة تحريم المنخنقة أن الموت بانحباس النفس يفسد الدم باحتباس الحوامض ~~الفحمية الكائنة فيه فتصير أجزاء اللحم المشتمل على الدم مضرة لآكله . # { والموقوذة } : المضروبة بحجر أو عصا ضربا تموت به دون إهراق الدم ، وهو ~~اسم مفعول من وقذ إذا ضرب ضربا مثخنا . وتأنيث هذا الوصف لتأويله بأنه وصف ~~بهيمة . وحكمة تحريمها تماثل حكمة تحريم المنخنقة . # { والمتردية } : هي التي سقطت من جبل أو سقطت في بئر ترديا تموت به ، ~~والحكمة واحدة . # { والنطيحة } فعيلة بمعنى مفعولة . والنطح ضرب الحيوان ذي القرنين بقرنيه ~~حيوانا آخر . والمراد التي نطحتها بهيمة أخرى فماتت . PageV06P091 وتأنيث ~~النطيحة مثل تأنيث المنخنقة ، وظهرت علامة التأنيث في هذه الأوصاف وهي من ~~باب فعيل بمعنى مفعول لأنها لم تجر على موصوف مذكور فصارت بمنزلة الأسماء . # { وما أكل السبع } : أي بهيمة أكلها السبع ، والسبع كل حيوان يفترس ~~الحيوان كالأسد والنمر والضبع والذئب والثعلب ، فحرم على الناس كل ما قتله ~~السبع ، لأن أكيلة السبع تموت بغير سفح الدم غالبا بل بالضرب على المقاتل . # وقوله : { إلا ما ذكيتم } استثناء من جميع المذكور قبله من قوله : { حرمت ~~عليكم الميتة } ؛ لأن الاستثناء الواقع بعد أشياء يصلح لأن يكون هو بعضها ، ~~يرجع إلى جميعها عند الجمهور ، ولا يرجع إلى الأخيرة إلا عند أبي حنيفة ~~والإمام الرازي ، والمذكورات قبل بعضها محرمات لذاتها وبعضها محرمات ~~لصفاتها . وحيث كان المستثنى حالا لا ذاتا ، لأن الذكاة حالة ، تعين رجوع ~~الاستثناء لما عدا لحم الخنزير ، إذ لا معنى لتحريم لحمه إذا لم يذك ~~وتحليله إذا ذكي ، لأن هذا حكم جميع الحيوان عند قصد أكله . ثم إن الذكاة ~~حالة تقصد لقتل الحيوان فلا تتعلق بالحيوان الميت ، فعلم عدم ms2196 رجوع ~~الاستثناء إلى الميتة لأنه عبث ، وكذلك إنما تتعلق الذكاة بما فيه حياة فلا ~~معنى لتعلقها بالدم ، وكذا ما أهل لغير الله به ، لأنهم يهلون به عند ~~الذكاة ، فلا معنى لتعلق الذكاة بتحليله ، فتعين أن المقصود بالاستثناء : ~~المنخنقة ، والموقوذة ، والتمردية ، والنطيحة ، وما أكل السبع ، فإن هذه ~~المذكورات تعلقت بها أحوال تفضي بها إلى الهلاك ، فإذا هلكت بتلك الأحوال ~~لم يبح أكلها لأنها حينئذ ميتة ، وإذا تداركوها بالذكاة قبل الفوات أبيح ~~أكلها . والمقصود أنها إذا ألحقت الذكاة بها في حالة هي فيها حية . وهذا ~~البيان ينبه إلى وجه الحصر في قوله تعالى : { قل لا أجد فيما أوحي إلي ~~محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا PageV06P092 أو لحم ~~خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به } ( الأنعام : 145 ) . فذكر أربعة ~~لا تعمل الذكاة فيها شيئا ولم يذكرالمنخنقة والموقوذة وما عطف عليها هنا ، ~~لأنها تحرم في حال اتصال الموت بالسبب لا مطلقا . فعضوا على هذا بالنواجذ . # وللفقهاء في ضبط الحالة التي تعمل فيها الذكاة في هاته الخمس عبارات ~~مختلفة : فالجمهور ذهبوا إلى تحديدها بأن يبقى في الحيوان رمق وعلامة حياة ~~، قبل الذبح أو النحر ، من تحريك عضو أو عين أو فم تحريكا يدل على الحياة ~~عرفا ، وليس هو تحريك انطلاق الموت . وهذا قول مالك في ( الموطأ ) ، ورواية ~~جمهور أصحابه عنه . وعن مالك : أن المذكورات إذا بلغت مبلغا أنفذت معه ~~مقاتلها ، بحيث لا ترجى حياتها لو تركت بلا ذكاة ، لا تصح ذكاتها ، فإن لم ~~تنفذ مقاتلها عملت فيها الذكاة . وهذه رواية ابن القاسم عن مالك ، وهو أحد ~~قولي الشافعي . ومن الفقهاء من قالوا : إنما ينظر عند الذبح أحية هي أم ~~ميتة ، ولا ينظر إلى حالة هل يعيش مثلها لو تركت دون ذبح . وهو قول ابن وهب ~~من أصحاب مالك ، واختاره ابن حبيب ، وأحد قولين للشافعي . ونفس الاستثناء ~~الواقع في الآية يدل على أن الله رخص في حالة هي محل توقف في إعمال الذكاة ~~، أما إذا لم تنفذ المقاتل فلا ms2197 يخفى على أحد أنه يباح الأكل ، إذ هو حينئذ ~~حيوان مرضوض أو مجروح ، فلا يحتاج إلى الإعلام بإباحة أكله بذكاة ، إلا أن ~~يقال : إن الاستثناء هنا منقطع بمعنى لكن ، أي لكن كلوا ما ذكيتم دون ~~المذكورات ، وهو بعيد . ومن العلماء من جعل الاستثناء من قوله : { وما أكل ~~السبع } على رأي من يجعل الاستثناء للأخيرة ، ولا وجه له إلا أن يكون ناظرا ~~إلى غلبة هذا الصنف بين العرب ، فقد كانت السباع والذئاب تنتابهم كثيرا ، ~~ويكثر أن يلحقوها فتترك أكيلتها فيدركوها بالذكاة . # { وما ذبح على النصب } هو ما كانوا يذبحونه من القرابين والنشرات فوق ~~الأنصاب . والنصب بضمتين الحجر المنصوب ، فهو مفرد مراد به PageV06P093 ~~الجنس ، وقيل : هو جمع وواحده نصاب ، ويقال : نصب بفتح فسكون { كأنهم إلى ~~نصب يوفضون } ( المعارج : 43 ) . وهو قد يطلق بما يرادف الصنم ، وقد يخص ~~الصنم بما كانت له صورة ، والنصب بما كان صخرة غير مصورة ، مثل ذي الخلصة ~~ومثل سعد . والأصح أن النصب هو حجارة غير مقصود منها أنها تمثال للآلهة ، ~~بل هي موضوعة لأن تذبح عليها القرابين والنسائك التي يتقرب بها للآلهة ~~وللجن ، فإن الأصنام كانت معدودة ولها أسماء وكانت في مواضع معينة تقصد ~~للتقرب . وأما الأنصاب فلم تكن معدودة ولا كانت لها أسماء وإنما كانوا ~~يتخذها كل حي يتقربون عندها ، فقد روى أيمة أخبار العرب : أن العرب كانوا ~~يعظمون الكعبة ، وهم ولد إسماعيل ، فلما تفرق بعضهم وخرجوا من مكة عظم ~~عليهم فراق الكعبة فقالوا : الكعبة حجر ، فنحن ننصب في أحيائنا حجارة تكون ~~لنا بمنزلة الكعبة ، فنصبوا هذه الأنصاب ، وربما طافوا حولها ، ولذلك ~~يسمونها الدوار بضم الدال المشددة وبتشديد الواو ويذبحون عليها الدماء ~~المتقرب بها في دينهم . وكانوا يطلبون لذلك أحسن الحجارة . وعن أبي رجاء ~~العطاردي في ( صحيح البخاري ) : كنا نعبد الحجر فإذا وجدنا حجرا خيرا منه ~~ألقينا الأول وأخذنا الآخر فإذا لم نجد حجرا ( أي في بلاد الرمل ) جمعنا ~~جثوة من تراب ثم جئنا بالشاة فحلبناها عليه ليصير نظير الحجر ثم طفنا به . # فالنصب : حجارة أعدت للذبح ms2198 وللطواف على اختلاف عقائد القبائل : مثل حجر ~~الغبغبب الذي كان حول العزى . وكانوا يذبحون على الأنصاب ويشرحون اللحم ~~ويشوونه ، فيأكلون بعضه ويتركون بعضا للسدنة ، قال الأعشى ، يذكر وصايا ~~النبي صلى الله عليه وسلم في قصيدته التي صنعها في مدحه : # وذا النصب المنصوب لا تنسكنه PageV06P094 # وقال زيد بن عمرو بن نفيل للنبيء صلى الله عليه وسلم قبل البعثة ، وقد ~~عرض عليه الرسول سفرة ليأكل معه في عكاظ : { إني لا آكل مما تذبحون على ~~أنصابكم } . وفي حديث فتح مكة : كان حول البيت ثلاثمائة ونيف وستون نصبا ، ~~وكانوا إذا ذبحوا عليها رشوها بالدم ورشوا الكعبة بدمائهم . وقد كان في ~~الشرائع القديمة تخصيص صخور لذبح القرابين عليها ، تمييزا بين ما ذبح تدينا ~~وبين ما ذبح للأكل ، فمن ذلك صخرة بيت المقدس ، قيل : إنها من عهد إبراهيم ~~وتحتها جب يعبر عنها ببئر الأرواح ، لأنها تسقط فيها الدماء ، والدم يسمى ~~روحا . ومن ذلك فيما قيل : الحجر الأسود كان على الأرض ثم بناه إبراهيم في ~~جدر الكعبة . ومنها حجر المقام ، في قول بعضهم . فلما اختلطت العقائد في ~~الجاهلية جعلوا هذه المذابح لذبح القرابين المتقرب بها للآلهة وللجن . وفي ~~( البخاري ) عن ابن عباس : النصب : أنصاب يذبحون عليها . قلت : ولهذا قال ~~الله تعالى : { وما ذبح على النصب } بحرف ( على ) ، ولم يقل وما ذبح للنصب ~~لأن الذبيحة تقصد للأصنام والجن ، وتذبح على الأنصاب ، فصارت الأنصاب من ~~شعائر الشرك . # ووجه عطف { وما ذبح على النصب } على المحرمات المذكورة هنا ، مع أن هذه ~~السورة نزلت بعد أن مضت سنين كثيرة على الإسلام وقد هجر المسلمون عبادة ~~الأصنام ، أن في المسلمين كثيرين كانوا قريبي عهد بالدخول في الإسلام ، وهم ~~وإن كانوا يعلمون بطلان عبادة الأصنام ، أول ما يعلمونه من عقيدة الإسلام ، ~~فقد كانوا مع ذلك مدة الجاهلية لا يختص الذبح على النصب عندهم بذبائح ~~الأصنام خاصة ، بل يكون في ذبائح الجن ونحوها من النشرات وذبائح دفع ~~الأمراض ودفع التابعة عن ولدانهم ، فقالوا : كانوا يستدفعون بذلك عن أنفسهم ~~البرص والجذام ومس الجن ، وبخاصة الصبيان ms2199 ، ألا ترى إلى ما ورد في كتب ~~السيرة : أن الطفيل بن عمرو الدوسي لما أسلم قبل الهجرة ورجع إلى قومه ودعا ~~امرأته إلى الإسلام PageV06P095 قالت له : أتخشى على الصبية من ذي الشرى ( ~~صنمم دوس ) . فقال : لا ، أنا ضامن ، فأسلمت ، ونحو ذلك ، فقد يكون منهم من ~~استمر على ذبح بعض الذبائح على الأنصاب التي في قبائلهم على نية التداوي ~~والانتشار ، فأراد الله تنبيههم وتأكيد تحريم ذلك وإشاعته . ولذلك ذكر في ~~صدر هذه السورة وفي آخرها عند قوله : { يأيها الذين آمنوا إنما الخمر ~~والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان } ( المائدة : 90 ) الآيات . # { وأن تستقسموا بالازلام ذالكم فسق } . # الشأن في العطف التناسب بين المتعاطفات ، فلا جرم أن هذا المعطوف من نوع ~~المتعاطفات التي قبله ، وهي المحرم أكلها . فالمراد هنا النهي عن أكل اللحم ~~الذي يستقسمون عليه بالأزلام ، وهو لحم جزور الميسر لأنه حاصل بالمقامرة ، ~~فتكون السين والتاء في { تستقسموا } مزيدتين كما هما في قولهم : استجاب ~~واستراب . والمعنى : وأن تقسموا اللحم بالأزلام . # ومن الاستقسام بالأزلام ضرب آخر كانوا يفعلونه في الجاهلية يتطلبون به ~~معرفة عاقبة فعل يريدون فعله : هل هي النجاح والنفع أو هي خيبة وضر ؟ . وإذ ~~قد كان لفظ الاستقسام يشمله فالوجه أن يكون مرادا من النهي أيضا ، على ~~قاعدة استعمال المشترك في معنييه ، فتكون إرادته إدماجا وتكون السين والتاء ~~للطلب ، أي طلب القسم . وطلب القسم بالكسر أي الحظ من خير أو ضده ، أي طلب ~~معرفته . كان العرب ، كغيرهم من المعاصرين ، مولعين بمعرفة الاطلاع على ما ~~سيقع من أحوالهم أو على ما خفي من الأمور المكتومة ، وكانوا يتوهمون بأن ~~الأصنام والجن يعلمون تلك المغيبات فسولت سدنة الأصنام لهم طريقة يموهون ~~عليهم بها فجعلوا أزلاما . والأزلام جمع زلم بفتحتين ويقال له : قدح بكسر ~~القاف وسكون الدال وهو عود سهم لا حديدة فيه . PageV06P096 # وكيفية استقسام الميسر : المقامرة على أجزاء جزور ينحرونه ويتقامرون على ~~أجزائه ، وتلك عشرة سهام تقدم الكلام عليها عند قوله تعالى : { يسألونك عن ~~الخمر والميسر الآية في سورة البقرة ( 219 ) . وكان مقتضى ms2200 الظاهر أن يقال : ~~وما استقسمتم عليه بالأزلام ، فغير الأسلوب وعدل إلى وأن تستقسموا بالأزلام ~~} ، ليكون أشمل للنهي عن طريقتي الاستقسام كلتيهما ، وذلك إدماج بديع . # وأشهر صور الاستقسام ثلاثة قداح : أحدها مكتوب عليه ( أمرني ربي ) ، ~~وربما كتبوا عليه ( افعل ) ويسمونه الآمر . والآخر : مكتوب عليه ( نهاني ~~ربي ) ، أو ( لا تفعل ) ويسمونه الناهي . والثالث : غفل بضم الغين المعجمة ~~وسكون الفاء أخت القاف أي متروك بدون كتابة . فإذا أراد أحدهم سفرا أو عملا ~~لا يدري أيكون نافعا أم ضارا ، ذهب إلى سادن صنمهم فأجال الأزلام ، فإذا ~~خرج الذي عليه كتابة ، فعلوا ما رسم لهم ، وإذا خرج الغفل أعادوا الإجالة . ~~ولما أراد امرؤ القيس أن يقوم لأخذ ثار أبيه حجر ، استقسم بالأزلام عند ذي ~~الخلصة ، صنم خثعم ، فخرج له الناهي فكسر القداح وقال : # لو كنت ياذا الخلص الموتورا # مثلي وكان شيخك المقبورا # لم تنه عن قتلل العداة زورا # وقد ورد ، في حديث فتح مكة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد صورة ~~إبراهيم يستقسم بالأزلام فقال : ( كذبوا والله إنن استقسم بها قط ) وهم قد ~~اختلقوا تلك الصورة ، أو توهموها لذلك ، تنويها بشأن الاستقسام بالأزلام ، ~~وتضليلا للناس الذين يجهلون . وكانت لهم أزلام أخرى عند كل كاهن من كهانهم ~~، ومن حكامهم ، وكان منها عند ( هبل ) في الكعبة سبعة قد كتبوا على كل واحد ~~شيئا من أهم ما PageV06P097 يعرض لهم في شؤونهم ، كتبوا على أحدها العقل في ~~الدية ، إذا اختلفوا في تعيين من يحمل الدية منهم ؛ وأزلام لإثبات النسب ، ~~مكتوب على واحد ( منكم ) ، وعلى واحد ( من غيركم ) ، وفي آخر ( ملصق ) . ~~وكانت لهم أزلام لإعطاء الحق في المياه إذا تنازعوا فيها . وبهذه استقسم ~~عبد المطلب حين استشار الآلهة في فداء ابنه عبد الله من النذر الذي نذره أن ~~يذبحه إلى الكعبة بعشرة من الإبل ، فخرج الزلم على عبد الله فقالوا له : ~~أرض الآلهة فزاد عشرة حتى بلغ مائة من الإبل فخرج الزلم على الإبل فنحرها . ~~وكان الرجل قد يتخذ أزلاما لنفسه ، كما ورد في حديث الهجرة ( أن سراقة ms2201 ابن ~~مالك لما لحق النبي صلى الله عليه وسلم ليأتي بخبره إلى أهل مكة استقسم ~~بالأزلام فخرج له ما يكره ) . # والإشارة في قوله : { ذلكم فسق } راجعة إلى المصدر وهو { أن تستقسموا } . ~~وجيء بالإشارة للتنبيه عليه حتى يقع الحكم على متميز معين . # والفسق : الخروج عن الدين ، وعن الخير ، وقد تقدم عند قوله تعالى : { وما ~~يضل به إلا الفاسقين في سورة البقرة ( 26 ) . # وجعل الله الاستقسام فسقا لأن منه ما هو مقامرة ، وفيه ما هو من شرائع ~~الشرك ، لتطلب المسببات من غير أسبابها ، إذ ليس الاستقسام سببا عاديا ~~مضبوطا ، ولا سببا شرعيا ، فتمحض لأن يكون افتراء ، مع أن ما فيه من توهم ~~الناس إياه كاشفا عن مراد الله بهم ، من الكذب على الله ، لأن الله نصب ~~لمعرفة المسببات أسبابا عقلية : هي العلوم والمعارف المنتزعة من العقل ، أو ~~من أدلته ، كالتجربة ، وجعل أسبابا لا تعرف سببيتها إلا بتوقيف منه على ~~لسان الرسل : كجعل الزوال سببا للصلاة . وما عدا ذلك كذب وبهتان ، فمن أجل ~~ذلك كان فسقا ، ولذلك قال فقهاؤنا بجرحة من ينتحل ادعاء معرفة الغيوب . ~~PageV06P098 # وليس من ذلك تعرف المسببات من أسبابها كتعرف نزول المطر من السحاب ، ~~وترقب خروج الفرخ من البيضة بانقضاء مدة الحضانة ، وفي الحديث إذا نشأت ~~بحرية ثم تشاءمت فتلك عين غديقة أي سحابة من جهة بحرهم ، ومعنى عين أنها ~~كثيرة المطر . وأما أزلام الميسر ، فهي فسق ، لأنها من أكل المال بالباطل . # اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون } . # جملة وقعت معترضة بين آية المحرمات المتقدمة ، وبين آية الرخصة الآتية : ~~وهي قوله : { فمن اضطر في مخمصة } لأن اقتران الآية بفاء الفريع يقضي ~~باتصالها بما تقدمها . ولا يصلح للاتصال بها إلا قوله : { حرمت عليكم ~~الميتة } الآية . # والمناسبة في هذا الاعتراض : هي أن الله لما حرم أمورا كان فعلها من جملة ~~دين الشرك ، وهي ما أهل لغير الله به ، وما ذبح على النصب ، وتحريم ~~الاستقسام بالأزلام ، وكان في كثير منها تضييق عليهم بمفارقة معتادهم ، ~~والتقليل من أقواتهم ، أعقب هذه الشدة ms2202 بإيناسهم بتذكير أن هذا كله إكمال ~~لدينهم ، وإخراج لهم من أحوال ضلال الجاهلية ، وأنهم كما أيدوا بدين عظيم ~~سمح فيه صلاحهم ، فعليهم أن يقبلوا ما فيه من الشدة الراجعة إلى إصلاحهم : ~~فالبعض مصلحته راجعة إلى المنافع البدنية ، والبعض مصلحته راجعة إلى الترفع ~~عن حضيض الكفر : وهو ما أهل به لغير الله ، وما ذبح على النصب . والاستقسام ~~بالأزلام أذكرهم بفوزهم على من يناويهم ، وبمحاسن دينهم وإكماله ، فإن من ~~إكمال الإصلاح إجراء الشدة عند الاقتضاء . وذكروا بالنعمة ، على عادة ~~القرآن في تعقيب الشدة باللين . وكان المشركون ، زمانا ، إذا سمعوا أحكام ~~الإسلام رجوا أن تثقل على المسلمين فيرتدوا عن الدين ، ويرجعوا PageV06P099 ~~إلى الشرك ، كما قال المنافقون { لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ~~ينفضوا } ( المنافقون : 7 ) . فلما نزلت هذه الأحكام أنزل الله هذه الآية : ~~بشارة للمؤمنين ، ونكاية بالمشركين . وقد روي : أنها نزلت يوم فتح مكة ، ~~كما رواه الطبري عن مجاهد ، والقرطبي عن الضحاك . وقيل : نزلت يوم عرفة في ~~حجة الوداع مع الآية التي ستأتي عقبها . وهو ما رواه الطبري عن ابن زيد ~~وجمع ، ونسبه ابن عطية إلى عمر بن الخطاب وهو الأصح . # ف { اليوم } يجوز أن يراد به اليوم الحاضر ، وهو يوم نزول الآية ، وهو إن ~~أريد به يوم فتح مكة ، فلا جرم أن ذلك اليوم كان أبهج أيام الإسلام ، وظهر ~~فيه من قوة الدين ، بين ظهراني من بقي على الشرك ، ما أيأسهم من تقهقر أمر ~~الإسلام ، ولا شك أن قلوب جميع العرب كانت متعلقة بمكة وموسم الحج ومناسكه ~~: التي كانت فيها حياتهم الاجتماعية والتجارية والدينية والأدبية ، وقوام ~~شؤونهم ، وتعارفهم ، وفصل نزاعهم ، فلا جرم أن يكون انفراد المسلمين بتلك ~~المواطن قاطعا لبقية آمالهم : من بقاء دين الشرك ، ومن محاولة الفت في عضد ~~الإسلام . فذلك اليوم على الحقيقة : يوم تمام اليأس وانقطاع الرجاء ، وقد ~~كانوا قبل ذلك يعاودهم الرجاء تارة . فقد قال أبو سفيان يوم أحد ( أعل هبل ~~وقال لنا العزى ولا عزى لكم ) . وقال صفوان بن أمية أو أخوه ، يوم هوازن ، ~~حين ms2203 انكشف المسلمون وظنها هزيمة للمسلمين : ( ألا بطل السحر اليوم ) . # وكان نزول هذه الآية يوم حجة الوداع مع الآية التي بعدها ، كما يؤيده قول ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبته يومئذ في قول كثير من أصحاب السير ( ~~أيها الناس إن الشيطان قد يئس أن يعبد في بلدكم هذا ولكنه قد رضي منكم بما ~~دون ذلك فيما تحقرون من أعمالكم فاحذروه على أنفسكم ) . # و { اليوم } يجوز أن يراد به يوم معين ، جدير بالامتنان بزمانه ، ~~PageV06P100 ويجوز أن يجعل ( اليوم ) بمعنى الآن ، أي زمان الحال ، الصادق ~~بطائفة من الزمان ، رسخ اليأس ، في خلالها ، في قلوب أهل الشرك بعد أن خامر ~~نفوسهم التردد في ذلك ، فإن العرب يطلقون ( اليوم ) على زمن الحال ، ( ~~والأمس ) على الماضي ، و ( الغد ) على المستقبل . قال زهير : # وأعلم علم اليومم والأمسس قبله # ولكنني عن علمم ما في غد عمي # يريد باليوم زمان الحال ، وبالأمس ما مضى ، وبالغد ما يستقبل ، ومنه قول ~~زياد الأعجم : # رأيتك أمسس خير بني معد # وأنت اليوم خير منك أمس # وأنت غدا تزيد الخير خيرا # كذاك تزيد سادة عبد شمس # وفعل { يئس } يتعدى ب ( من ) إلى الشيء الذي كان مرجوا من قبل ، وذلك هو ~~القرينة على أن دخول ( من ) التي هي لتعدية { يئس } على قوله { دينكم } ، ~~إنما هو بتقدير مضاف ، أي يئسوا من أمر دينكم ، يعني الإسلام ، ومعلوم أن ~~الأمر الذي كانوا يطمعون في حصوله : هو فتور انتشار الدين وارتداد متبعيه ~~عنه . # وتفريع النهي عن خشية المشركين في قوله : { فلا تخشوهم } على الإخبار عن ~~يأسهم من أذى الدين : لأن يأس العدو من نوال عدوه يزيل بأسه ، ويذهب حماسه ~~، ويقعده عن طلب عدوه . وفي الحديث : ( ونصرت بالرعب ) . فلما أخبر عن ~~يأسهم طمن المسلمين من بأس عدوهم ، فقال : { فلا تخشوهم واخشون } أو لأن ~~اليأس لما كان حاصلا من آثار انتصارات المسلمين ، يوما فيوما ، وذلك من ~~تأييد الله لهم ، ذكر الله المسلمين بذلك بقوله : { اليوم يئس الذين كفروا ~~من دينكم } ، وإن فريقا لم يغن عنهم بأسهم من الله شيئا ms2204 لأحرياء بأن لا ~~يخشى بأسهم ، وأن يخشى من خذلهم ومكن أولياءه منهم . PageV06P101 # وقد أفاد قوله : { فلا تخشوهم واخشون } مفاد صيغة الحصر ، ولو قيل : ~~فإياي فاخشون لجرى على الأكثر في مقام الحصر ، ولكن عدل إلى جملتي نفي ~~وإثبات : لأن مفاد كلتا الجملتين مقصود ، فلا يحسن طي إحداهما . وهذا من ~~الدواعي الصارفة عن صيغة الحصر إلى الإتيان بصيغتي إثبات ونفي ، كقول ~~السموأل أو عبد الملك بن عبد الرحيم الحارثي : # تسيل على حد الظباتت نفوسنا # وليست على غير الظبات تسيل # ونظيره قوله الآتي { فلا تخشوا الناس واخشون } ( المائدة : 44 ) . # { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الأسلام دينا } . # إن كانت آية { اليوم أكملت لكم دينكم } نزلت يوم حجة الوداع بعد آية { ~~اليوم يئس الذين كفروا من دينكم } بنحو العامين ، كما قال الضحاك ، كانت ~~جملة مستقلة ، ابتدائية ، وكان وقوعها في القرآن ، عقب التي قبلها ، بتوقيف ~~النبي صلى الله عليه وسلم بجمعها مع نظيرها في إكمال أمر الدين ، اعتقادا ~~وتشريعا ، وكان اليوم المعهود في هذه غير اليوم المعهود في التي قبلها وإن ~~كانتا نزلتا معا يوم الحج الأكبر ، عام حجة الوداع ، وهو ما رواه الطبري عن ~~ابن زيد وآخرين . وفي كلام ابن عطية أنه منسوب إلى عمر بن الخطاب ، وذلك هو ~~الراجح الذي عول عليه أهل العلم وهو الأصل في موافقة التلاوة للنزول ، كان ~~اليوم المذكور في هذه وفي التي قبلها يوما واحدا ، وكانت هذه الجملة تعدادا ~~لمنة أخرى ، وكان فصلها عن التي قبلها جاريا على سنن الجمل التي تساق ~~للتعداد في منة أو توبيخ ، ولأجل ذلك : أعيد لفظ { اليوم } ليتعلق بقوله { ~~أكملت } ، ولم يستغن بالظرف الذي تعلق بقوله : { يئس } فلم يقل : وأكملت ~~لكم دينكم . PageV06P102 # والدين : ما كلف الله به الأمة من مجموع العقائد ، والأعمال ، والشرائع ، ~~والنظم . وقد تقدم بيان ذلك عند قوله تعالى : { إن الدين عند الله الإسلام ~~في سورة آل عمران ( 19 ) . فإكمال الدين هو إكمال البيان المراد لله تعالى ~~الذي اقتضت الحكمة تنجيمه ، فكان بعد نزول أحكام الإعتقاد ، التي لا ms2205 يسع ~~المسلمين جهلها ، وبعد تفاصيل أحكام قواعد الإسلام التي آخرها الحج بالقول ~~والفعل ، وبعد بيان شرائع المعاملات وأصول النظام الإسلامي ، كان بعد ذلك ~~كله قد تم البيان المراد لله تعالى في قوله : ونزلنا عليك الكتاب تبيانا ~~لكل شيء } ( النحل : 89 ) وقوله : { لتبين للناس ما نزل إليهم } ( النحل : ~~44 ) بحيث صار مجموع التشريع الحاصل بالقرآن والسنة ، كافيا في هدي الأمة ~~في عبادتها ، ومعاملتها ، وسياستها ، في سائر عصورها ، بحسب ما تدعو إليه ~~حاجاتها ، فقد كان الدين وافيا في كل وقت بما يحتاجه المسلمون . ولكن ~~ابتدأت أحوال جماعة المسلمين بسيطة ثم اتسعت جامعتهم ، فكان الدين يكفيهم ~~لبيان الحاجات في أحوالهم بمقدار اتساعها ، إذ كان تعليم الدين بطريق ~~التدريج ليتمكن رسوخه ، حتى استكملت جامعة المسلمين كل شؤون الجوامع الكبرى ~~، وصاروا أمة كأكمل ما تكون أمة ، فكمل من بيان الدين ما به الوفاء ~~بحاجاتهم كلها ، فذلك معنى إكمال الدين لهم يومئذ . وليس في ذلك ما يشعر ~~بأن الدين كان ناقصا ، ولكن أحوال الأمة في الأممية غير مستوفاة ، فلما ~~توفرت كمل الدين لهم فلا إشكال على الآية . وما نزل من القرآن بعد هذه ~~الآية لعله ليس فيه تشريع شيء جديد ، ولكنه تأكيد لما تقرر تشريعه من قبل ~~بالقرآن أو السنة . # فما نجده في هذه السورة من الآيات ، بعد هذه الآية ، مما فيه تشريع أنف ~~مثل جزاء صيد المحرم ، نجزم بأنها نزلت قبل هذه الآية وأن هذه الآية لما ~~نزلت أمر بوضعها في هذا الموضع . وعن ابن عباس : لم ينزل على النبي بعد ذلك ~~اليوم تحليل ولا تحريم ولا فرض . فلو أن المسلمين أضاعوا كل أثارة من علم ~~والعياذ بالله ولم يبق بينهم إلا القرآن لاستطاعوا PageV06P103 الوصول به ~~إلى ما يحتاجونه في أمور دينهم . قال الشاطبي : ( القرآن ، مع اختصاره ، ~~جامع ولا يكون جامعا إلا والمجموع فيه أمور كلية ، لأن الشريعة تمت بتمام ~~نزوله لقوله تعالى : { اليوم أكملت لكم دينكم } ، وأنت تعلم : أن الصلاة ، ~~والزكاة ، والجهاد ، وأشباه ذلك ، لم تبين جميع أحكامها في القرآن ، إنما ~~بينتها السنة ، وكذلك ms2206 العاديات من العقود والحدود وغيرها ، فإذا نظرنا إلى ~~رجوع الشريعة إلى كلياتها المعنوية ، وجدناها قد تضمنها القرآن على الكمال ~~، وهي : الضروريات ، والحاجيات ، والتحسينات ومكمل كل واحد منها ، فالخارج ~~عن الكتاب من الأدلة : وهو السنة ، والإجماع ، والقياس ، إنما نشأ عن ~~القرآن وفي الصحيح عن ابن مسعود أنه قال : ( لعن الله والواشمات ~~والمستوشمات والواصلات والمستوصلات والمنتمصات للحسن المغيرات خلق الله ) ~~فبلغ كلامه امرأة من بني أسد يقال لها : أم يعقوب ، وكانت تقرأ القرآن ، ~~فأتته فقالت : ( لعنت كذا وكذا ) فذكرته ، فقال عبد الله : ( وما لي لا ~~ألعن من لعن رسول الله وهو في كتاب الله ) ، فقالت المرأة : ( لقد قرأت ما ~~بين لوحي المصحف ، فما وجدته ) ، فقال : ( لئن كنتت قرأتيه لقد وجدتيه ) : ~~قال الله تعالى : { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } ( ~~الحشر : 7 ) ) اه . # فكلام ابن مسعود يشير إلى أن القرآن هو جامع أصول الأحكام ، وأنه الحجة ~~على جميع المسلمين ، إذ قد بلغ لجميعهم ولا يسعهم جهل ما فيه ، فلو أن ~~المسلمين لم تكن عندهم أثارة من علم غير القرآن لكفاهم في إقامة الدين ، ~~لأن كلياته وأوامره المفصلة ظاهرة الدلالة ، ومجملاته تبعث المسلمين على ~~تعرف بيانها من استقراء أعمال الرسول وسلف الأمة ، المتلقين عنه ، ولذلك ~~لما اختلف الأصحاب في شأن كتابة النبي لهم كتابا في مرضه قال عمر : حسبنا ~~كتاب الله ، فلو أن أحدا قصر نفسه على علم القرآن فوجد { أقيموا الصلاة } ( ~~البقرة : 43 ) و { آتوا حقه يوم حصاده } ( الأنعام : 141 ) و { كتب عليكم ~~الصيام } ( البقرة : 183 ) و { أتموا الحج والعمرة لله } ( البقرة : 196 ) ~~، لتطلب بيان ذلك مما تقرر من عمل سلف الأمة ، PageV06P104 وأيضا ففي ~~القرآن تعليم طرق الاستدلال الشرعية كقوله : { لعلمه الذين يستنبطونه منهم ~~} ( النساء : 83 ) . # فلا شك أن أمر الإسلام بدىء ضعيفا ثم أخذ يظهر ظهور سنا الفجر ، وهو في ~~ذلك كله دين ، يبين لأتباعه الخير والحرام والحلال ، فما هاجر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلا وقد أسلم كثير من أهل مكة ، ومعظم أهل المدينة ، ~~فلما هاجر رسول الله ms2207 أخذ الدين يظهر في مظهر شريعة مستوفاة فيها بيان عبادة ~~الأمة ، وآدابها ، وقوانين تعاملها ، ثم لما فتح الله مكة وجاءت الوفود ~~مسلمين ، وغلب الإسلام على بلاد العرب ، تمكن الدين وخدمته القوة ، فأصبح ~~مرهوبا بأسه ، ومنع المشركين من الحج بعد عام ، فحج رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عام عشرة وليس معه غير المسلمين ، فكان ذلك أجلى مظاهر كمال ~~الدين : بمعنى سلطان الدين وتمكينه وحفظه ، وذلك تبين واضحا يوم الحج الذي ~~نزلت فيه هذه الآية . # لم يكن الدين في يوم من الأيام غير كاف لأتباعه : لأن الدين في كل يوم ، ~~من وقت البعثة ، هو عبارة عن المقدار الذي شرعه الله للمسلمين يوما فيوما ، ~~فمن كان من المسلمين آخذا بكل ما أنزل إليهم في وقت من الأوقات فهو متمسك ~~بالإسلام ، فإكمال الدين يوم نزول الآية إكمال له فيما يراد به ، وهو قبل ~~ذلك كامل فيما يراد من أتباعه الحاضرين . # وفي هذه الآية دليل على وقوع تأخير البيان إلى وقت الحاجة . وإذا كانت ~~الآية نازلة يوم فتح مكة ، كما يروى عن مجاهد ، فإكمال الدين إكمال بقية ما ~~كانوا محرومين منه من قواعد الإسلام ، إذ الإسلام قد فسر في الحديث بما ~~يشمل الحج ، إذ قد مكنهم يومئذ PageV06P105 من أداء حجهم دون معارض ، وقد ~~كمل أيضا سلطان الدين بدخول الرسول إلى البلد الذي أخرجوه منه ، ومكنه من ~~قلب بلاد العرب . فالمراد من الدين دين الإسلام وإضافته إلى ضمير المسلمين ~~لتشريفهم بذلك . # ولا يصح أن يكون المراد من الدين القرآن : لأن آيات كثيرة نزلت بعد هذه ~~الآية ، وحسبك من ذلك بقية سورة المائدة وآية الكلالة ، التي في آخر النساء ~~، على القول بأنها آخر آية نزلت ، وسورة { إذا جاء نصر الله } ( النصر : 1 ~~) كذلك ، وقد عاش رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول آية { اليوم أكملت ~~لكم دينكم } نحوا من تسعين يوما ، يوحى إليه . ومعنى ( اليوم ) في قوله : { ~~اليوم أكملت لكم دينكم } نظير معناه في قوله : { اليوم يئس الذين كفروا من ~~دينكم . # وقوله : وأتممت عليكم نعمتي ms2208 } إتمام النعمة : هو خلوصها مما يخالطها : من ~~الحرج ، والتعب . وظاهره أن الجملة معطوفة على جملة { أكملت لكم دينكم } ~~فيكون متعلقا للظرف وهو اليوم ، فيكون تمام النعمة حاصلا يوم نزول هذه ~~الآية . وإتمام هذه النعمة هو زوال ما كانوا يلقونه من الخوف فمكنهم من ~~الحج آمين ، مؤمنين ، خالصين ، وطوع إليهم أعداءهم يوم حجة الوداع ، وقد ~~كانوا من قبل في نعمة فأتمها عليهم ، فلذلك قيد إتمام النعمة بذلك اليوم ، ~~لأنه زمان ظهور هذا الإتمام : إذ الآية نازلة يوم حجة الوداع على أصح ~~الأقوال ، فإن كانت نزلت يوم فتح مكة ، وإن كان القول بذلك ضعيفا ، فتمام ~~النعمة فيه على المسلمين : أن مكنهم من أشد أعدائهم ، وأحرصهم على ~~استئصالهم ، لكن يناكده قوله : { أكملت لكم دينكم } إلا على تأويلات بعيدة ~~. # وظاهر العطف يقتضي : أن تمام النعمة منة أخرى غير إكمال الدين ، ~~PageV06P106 وهي نعمة النصر ، والأخوة ، وما نالوه من المغانم ، ومن جملتها ~~إكمال الدين ، فهو عطف عام على خاص . وجوزوا أن يكون المراد من النعمة ~~الدين ، وإتمامها هو إكمال الدين ، فيكون مفاد الجملتين واحدا ، ويكون ~~العطف لمجرد المغايرة في صفات الذات ، ليفيد أن الدين نعمة وأن إكماله ~~إتمام للنعمة ؛ فهذا العطف كالذي في قول الشاعر أنشده الفراء في ( معاني ~~القرآن ) : # إلى الملك القرم وابنن الهما # م وليثث الكتيبة في المزدحم # وقوله : { ورضيت لكم الإسلام دينا } الرضى بالشيء الركون إليه وعدم ~~النفرة منه ، ويقابله السخط : فقد يرضى أحد شيئا لنفسه فيقول : رضيت بكذا ، ~~وقد يرضى شيئا لغيره ، فهو بمعنى اختياره له ، واعتقاده مناسبته له ، فيعدى ~~باللام : للدلالة على أن رضاه لأجل غيره ، كما تقول : اعتذرت له . وفي ~~الحديث ( إن الله يرضى لكم ثلاثا ) ، وكذلك هنا ، فلذلك ذكر قوله : { لكم } ~~وعدي { رضيت } إلى الإسلام بدون الباء . وظاهر تناسق المعطوفات : أن جملة { ~~رضيت } معطوفة على الجملتين اللتين قبلها ، وأن تعلق الظرف بالمعطوف عليه ~~الأول سار إلى المعطوفين ، فيكون المعنى : ورضيت لكم الإسلام دينا اليوم . ~~وإذ قد كان رضي الإسلام دينا للمسلمين ثابتا في علمم الله ذلك اليوم وقبله ~~، تعين ms2209 التأويل في تعليق ذلك الظرف ب { رضيت } ؛ فتأوله صاحب ( الكشاف ) ~~بأن المعنى : آذنتكم بذلك في هذا اليوم ، أي أعلمتكم : يعني أي هذا التأويل ~~مستفاد من قوله { اليوم } ، لأن الذي حصل في ذلك اليوم هو إعلان ذلك ، ~~والإيذان به ، لا حصول رضى الله به دينا لهم يومئذ ، لأن الرضى به حاصل من ~~قبل ، كما دلت عليه آيات كثيرة سابقة لهذه الآية . فليس المراد أن ( رضيت ) ~~مجاز في معنى ( أذنت ) لعدم استقامة ذلك : لأنه يزول منه معنى اختيار ~~الإسلام لهم ، وهو المقصود ، ولأنه لا يصلح للتعدي إلى قوله : { الإسلام } ~~. وإذا كان كذلك فدلالة الخبر على معنى الإيذان من دلالته على لازم من ~~لوازم معناه بالقرينة المعينة ، فيكون من الكناية في التركيب . ولو شاء أحد ~~أن يجعل PageV06P107 هذا من استعمال الخبر في لازم الفائدة ، فكما استعمل ~~الخبر كثيرا في الدلالة على كون المخبر عالما به ، استعمل هنا في الدلالة ~~على الإعلام وإعلانه . # وقد يدل قوله : { ورضيت لكم الإسلام دينا } على أن هذا الدين دين أبدي : ~~لأن الشيء المختار المدخر لا يكون إلا أنفس ما أظهر من الأديان ، والأنفس ~~لا يبطله شيء إذ ليس بعده غاية ، فتكون الآية مشيرة إلى أن نسخ الأحكام قد ~~انتهى . # { فمن اضطر فى مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم } . # وجود الفاء في صدر هذه الجملة ، مع عدم مناسبة ما بعد الفاء لما وليته ، ~~يعين أن تكون متصلة ببعض الآي التي سبقت ، وقد جعلها المفسرون مرتبطة بآية ~~تحريم الميتة وما عطف عليها من المأكولات ، من غير تعرض في كلامهم إلى ~~انتظام نظم هذه الآية مع التي قبلها . وقد انفرد صاحب ( الكشاف ) ببيان ذلك ~~فجعل ما بين ذلك اعتراضا . # ولا شك أنه يعني باتصال هذه الجملة بما قبلها : اتصال الكلام الناشىء عن ~~كلام قبله ، فتكون الفاء عنده للفصيحة ، لأنه لما تضمنت الآيات تحريم كثير ~~مما كانوا يقتاتونه ، وقد كانت بلاد العرب قليلة الأقوات ، معرضة للمخمصة : ~~عند انحباس الأمطار ، أو في شدة كلب الشتاء ، فلم يكن عندهم من صنوف ~~الأطعمة ms2210 ما يعتاضون ببعضه عن بعض ، كما طفحت به أقوال شعرائهم . # فلا جرم أن يكون تحريم كثير من معتاد طعامهم مؤذنا بتوقعع منهم أن يفضي ~~ذلك إلى امتداد يد الهلاك إليهم عند المخمصة ، فناسب أن PageV06P108 يفصح ~~عن هذا الشرط المعرب عن أحوالهم بتقدير : فإن خشيتم الهلاك في مخمصة فمن ~~اضطر في مخمصة الخ . ولا تصلح الفاء على هذا الوجه للعطف : إذ ليس في الجمل ~~السابقة من جمل التحريم ما يصلح لعطف ( من اضطر في مخمصة ) عليه . # والأحسن عندي أن يكون موقع { فمن اضطر في مخمصة } متصلا بقوله : { ورضيت ~~لكم الإسلام دينا } ، اتصال المعطوف بالمعطوف عليه ، والفاء للتفريع : ~~تفريع منة جزئية على منة كلية ، وذلك أن الله امتن في هذه الجمل الثلاث ~~بالإسلام ثلاث مرات : مرة بوصفه في قوله { دينكم } ، ومرة بالعموم الشامل ~~له في قوله : { نعمتي } ، ومرة باسمه في قوله : { الإسلام } ؛ فقد تقرر ~~بينهم : أن الإسلام أفضل صفاته السماحة والرفق ، من آيات كثيرة قبل هذه ~~الآية ، فلما علمهم يوجسون خيفة الحاجة في الأزمات بعد تحريم ما حرم عليهم ~~من المطعومات ، وأعقب ذلك بالمنة ثم أزال عقب ذلك ما أوجسوه من نفوسهم ~~بقوله : { فمن اضطر } الخ ؛ فناسب أن تعطف هاته التوسعة ، وتفرع على قوله : ~~{ ورضيت لكم الإسلام دينا } وتعقب المنة العامة بالمنة الخاصة . # والاضطرار : الوقوع في الضرورة ، وفعله غلب عليه البناء للمجهول ، وقد ~~تقدم بيانه عند قوله تعالى : { ثم اضطره إلى عذاب النار في سورة البقرة ( ~~126 ) . # والمخمصة : المجاعة ، اشتقت من الخمص وهو ضمور البطن ، لأن الجوع يضمر ~~البطون ، وفي الحديث تغدو خماصا فتروح بطانا . # والتجانف : التمايل ، والجنف : الميل ، قال تعالى : فمن خاف من موص جنفا ~~} ( البقرة : 182 ) الآية . والمعنى أنه اضطر غير مائل إلى الحرام من أخذ ~~أموال الناس ، أو من مخالفة الدين . وهذه حال قصد بها ضبط حالة الاضطرار في ~~الإقدام والإحجام ، فلا يقدم على أكل المحرمات إذا كان رائما بذلك تناولها ~~مع ضعف الاحتياج ، ولا يحجم عن تناولها إذا خشي أن PageV06P109 يتناول ما ~~في أيدي الناس بالغصب والسرقة ، وهذا ms2211 بمنزلة قوله : { فمن اضطر غير باغ ولا ~~عاد } ( البقرة : 173 ) ، أي غير باغ ولا عاد على الناس ولا على أحكام ~~الدين . # ووقع قوله : ( فإن الله غفور رحيم ) مغنيا عن جواب الشرط لأنه كالعلة له ~~، وهي دليل عليه ، والاستغناء بمثله كثير في كلام العرب وفي القرآن . ~~والتقدير : فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فله تناول ذلك إن الله غفور ~~، كما قال في الآية نظيرتها { فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن ~~الله غفور رحيم } ( البقرة : 173 ) . # # | 2 ( 4 ) { يسألونك ماذآ أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من ~~الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا ممآ أمسكن عليكم واذكروا اسم ~~الله عليه واتقوا الله إن الله سريع الحساب } . ) 2 # { يسألونك ماذآ أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين ~~تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا ممآ أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه ~~واتقوا الله إن الله سريع الحساب } . # إن كان الناس قد سألوا عما أحل لهم من المطعومات بعد أن سمعوا ما حرم ~~عليهم في الآية السابقة ، أو قبل أن يسمعوا ذلك ، وأريد جوابهم عن سؤالهم ~~الآن ، فالمضارع مستعمل للدلالة على تجدد السؤال ، أي تكرره أو توقع تكرره ~~. وعليه فوجه فصل جملة { يسألونك } أنها استئناف بياني ناشىء عن جملة { ~~حرمت عليكم الميتة } ( المائدة : 3 ) وقوله : { فمن اضطر في مخمصة } ( ~~المائدة : 3 ) ؛ أو هي استئناف ابتدائي : للانتقال من بيان المحرمات إلى ~~بيان الحلال بالذات ، وإن كان السؤال لم يقع ، وإنما قصد به توقع السؤال ، ~~كأنه قيل : إن سألوك ، فالإتيان بالمضارع بمعنى الاستقبال لتوقع أن يسأل ~~الناس عن ضبط الحلال ، لأنه مما تتوجه النفوس إلى الإحاطة به ، وإلى معرفة ~~ما عسى أن يكون قد حرم عليهم من غير ما عدد لهم في الآيات السابقة ، وقد ~~بينا في مواضع مما تقدم ، منها قوله تعالى : { يسألونك عن الأهلة في سورة ~~البقرة ( 189 ) : أن صيغة يسألونك } في القرآن تحتمل الأمرين . فعلى الوجه ~~الأول يكون الجواب قد حصل ببيان المحرمات ms2212 أولا ثم ببيان الحلال ، أو ببيان ~~الحلال فقط ، إذا كان PageV06P110 بيان المحرمات سابقا على السؤال ، وعلى ~~الوجه الثاني قد قصد الاهتمام ببيان الحلال بوجه جامع ، فعنون الاهتمام به ~~بإيراده بصيغة السؤال المناسب لتقدم ذكره . # و { الطيبات } صفة لمحذوف معلوم من السياق ، أي الأطعمة الطيبة ، وهي ~~الموصوفة بالطيب ، أي التي طابت . وأصل معنى الطيب معنى الطهارة والزكاء ~~والوقع الحسن في النفس عاجلا وآجلا ، فالشيء المستلذ إذا كان وخما لا يسمى ~~طيبا : لأنه يعقب ألما أو ضرا ، ولذلك كان طيب كل شيء أن يكون من أحسن نوعه ~~وأنفعه . وقد أطلق الطيب على المباح شرعا ؛ لأن إباحة الشرع الشيء علامة ~~على حسنه وسلامته من المضرة ، قال تعالى : { كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ~~} ( البقرة : 168 ) . والمراد بالطيبات في قوله : { أحل لكم الطيبات } ~~معناها اللغوي ليصح إسناد فعل { أحل } إليها . وقد تقدم شيء من معنى الطيب ~~عند قوله تعالى : { يأيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا في سورة ~~البقرة ( 168 ) ، ويجيء شيء منه عند قوله تعالى : والبلد الطيب في سورة ~~الأعراف ( 58 ) . # والطيبات } وصف للأطعمة قرن به حكم التحليل ، فدل على أن الطيب علة ~~التحليل ، وأفاد أن الحرام ضده وهو الخبائث ، كما قال في آية الأعراف ، في ~~ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم { ويحل لهم الطيباتت ويحرم عليهم الخبائث } ~~( الأعراف : 157 ) . # وقد اختلفت أقوال السلف في ضبط وصف الطيبات ؛ فعن مالك : الطيبات الحلال ~~، ويتعين أن يكون مراده أن الحل هو المؤذن بتحقق وصف الطيب في الطعام ~~المباح ، لأن الوصف الطيب قد يخفى ، فأخذ مالك بعلامته وهي الحل كيلا يكون ~~قوله : { الطيبات } حوالة على ما لا ينضبط بين الناس مثل الاستلذاذ ، ~~فيتعين ، إذن ، أن يكون قوله : { أحل لكم الطيبات } غير مراد منه ضبط ~~الحلال ، بل أريد به الامتنان PageV06P111 والإعلام بأن ما أحله الله لهم ~~فهو طيب ، إبطالا لما اعتقدوه في زمن الشرك : من تحريم ما لا موجب لتحريمه ~~، وتحليل ما هو خبيث . ويدل لذلك تكرر ذكر الطيبات مع ذكر الحلال في القرآن ~~، مثل قوله ms2213 : { اليوم أحل لكم الطيبات } ( المائدة : 5 ) وقوله في الأعراف ~~( 157 ) : { ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث . وعن الشافعي : الطيبات ~~: الحلال المستلذ ، فكل مستقذر كالوزغ فهو من الخبائث حرام . قال فخر الدين ~~: العبرة في الاستلذاذ والاستطابة بأهل المروءة والأخلاق الجميلة ، فإن أهل ~~البادية يستطيبون أكل جميع الحيوانات ، وتتأكد دلالة هذه الآيات بقوله ~~تعالى : خلق لكم ما في الأرض جميعا } ( البقرة : 29 ) فهذا يقتضي التمكن من ~~الانتفاع بكل ما في الأرض ، إلا أنه دخله التخصيص بحرمة الخبائث ، فصار هذا ~~أصلا كبيرا في معرفة ما يحل ويحرم من الأطعمة . منها أن لحم الخيل مباح عند ~~الشافعي . وقال أبو حنيفة : ليس بمباح . حجة الشافعي أنه مستلذ مستطاب ، ~~والعلم بذلك ضروري ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون حلالا ، لقوله تعالى : { ~~أحل لكم الطيبات } . وفي ( شرح الهداية ) في الفقه الحنفي لمحمد الكاكي ( ~~أن ما استطابه العرب حلال ، لقوله تعالى : { ويحل لهم الطيبات } ( الأعراف ~~: 157 ) ، وما استخبثه العرب حرام ، لقوله : { ويحرم عليهم الخبائث } ( ~~الأعراف : 157 ) . والذين تعتبر استطابتهم أهل الحجاز من أهل الأمصار ، لأن ~~القرآن أنزل عليهم وخوطبوا به ، ولم يعتبر أهل البوادي لأنهم يأكلون ما ~~يجدون للضرورة والمجاعة . وما يوجد في أمصار المسلمين مما لا يعرفه أهل ~~الحجاز رد إلى أقرب ما يشبهه في الحجاز اه . وفيه من التحكم في تحكيم عوائد ~~بعض الأمة دون بعض ما لا يناسب التشريع العام ، وقد استقذر أهل الحجاز لحم ~~الضب بشهادة قوله صلى الله عليه وسلم في حديث خالد بن الوليد : ( ليس هو من ~~أرض قومي فأجدني أعافه ) ومع ذلك لم يحرمه على خالد . # والذي يظهر لي : أن الله قد ناط إباحة الأطعمة بوصف الطيب فلا جرم أن ~~يكون ذلك منظورا فيه إلى ذات الطعام ، وهو أن يكون غير ضار ولا مستقذر ولا ~~مناف للدين ، وأمارة اجتماع هذه الأوصاف أن لا يحرمه PageV06P112 الدين ، ~~وأن يكون مقبولا عند جمهور المعتدلين من البشر ، من كل ما يعده البشر طعاما ~~غير مستقذر ، بقطع النظر عن العوائد والمألوفات ، وعن الطبائع المنحرفات ، ~~ونحن نجد ms2214 أصناف البشر يتناول بعضهم بعض المأكولات من حيوان ونبات ، ويترك ~~بعضهم ذلك البعض . فمن العرب من يأكل الضب واليربوع والقنافذ ، ومنهم من لا ~~يأكلها . ومن الأمم من يأكل الضفادع والسلاحف والزواحف ومنهم من يتقذر ذلك ~~. وأهل مدينة تونس يأبون أكل لحم أنثى الضأن ولحم المعز ، وأهل جزيرة شريك ~~يستجيدون لحم المعز ، وفي أهل الصحاري تستجاد لحوم الإبل وألبانها ، وفي ~~أهل الحضر من يكره ذلك ، وكذلك دواب البحر وسلاحفه وحياته . والشريعة من ~~ذلك كله فلا يقضي فيها طبع فريق على فريق . والمحرمات فيها من الطعوم ما ~~يضر تناوله بالبدن أو العقل كالسموم والخمور والمخدرات كالأفيون والحشيشة ~~المخدرة ، وما هو نجس الذات بحكم الشرع ، وما هو مستقذر كالنخامة وذرق ~~الطيوب وأرواث النعام ، وما عدا ذلك لا تجد فيه ضابطا للتحريم إلا المحرمات ~~بأعيانها وما عداها فهو في قسم الحلال لمن شاء تناوله . والقول بأن بعضها ~~حلال دون بعض بدون نص ولا قياس هو من القول على الله بما لا يعلمه القائل ، ~~فما الذي سوغ الظبي وحرم الأرنب ، وما الذي سوغ السمكة وحرم حية البحر ، ~~وما الذي سوغ الجمل وحرم الفرس ، وما الذي سوغ الضب والقنفذ وحرم السلحفاة ~~، وما الذي أحل الجراد وحرم الحلزون ، إلا أن يكون له نص صحيح ، أو نظر ~~رجيح ، وما سوى ذلك فهو ريح . وغرضنا من هذا تنوير البصائر إذا اعترى ~~التردد لأهل النظر في إناطة حظر أو إباحة بما لا نص فيه أو في مواقع ~~المتشابهات . # { وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا ممآ أمسكن ~~عليكم واذكروا اسم الله عليه واتقوا الله إن الله سريع الحساب } . ~~PageV06P113 # يجوز أن يكون عطفا على { الطيبات } عطف المفرد ، على نية مضاف محذوف ، ~~والتقدير : وصيد ما علمتم من الجوارح ، يدل عليه قوله : { فكلوا مما أمسكن ~~عليكم } . فما موصولة وفاء { فكلوا } للتفريع . ويجوز أن يكون عطف جملة على ~~جملة ، وتكون ( ما ) شرطية وجواب الشرط { فكلوا مما أمسكن } . # وخص بالبيان من بين الطيبات لأن طيبه قد يخفى من جهة خفاء معنى الذكاة ms2215 في ~~جرح الصيد ، لا سيما صيد الجوارح ، وهو محل التنبيه هنا الخاص بصيد الجوارح ~~. وسيذكر صيد الرماح والقنص في قوله تعالى : { ليبلونكم الله بشيء من الصيد ~~تنالع أيديكم ورماحكم } ( المائدة : 94 ) والمعنى : وما أمسك عليكم ما ~~علمتم بقرينة قوله بعد { فكلوا مما أمسكن عليكم } لظهور أن ليس المراد ~~إباحة أكل الكلاب والطيور المعلمة . # والجوارح : جمع الجارح ، أو الجارحة ، جرى على صيغة جمع فاعلة ، لأن ~~الدواب مراعى فيها تأنيث جمعها ، كما قالت العرب للسباع : الكواسب ، قال ~~لبيد : # غبس كواسب ما يمن طعامها # ولذلك تجمع جمع التأنيث ، كما سيأتي { فكلوا مما أمسكن عليكم } . # { ومكلبين } حال من ضمير { علمتم } مبينة لنوع التعليم وهو تعليم المكلب ~~، والمكلب بكسر اللام بصيغة اسم الفاعل معلم الكلاب ، يقال : مكلب ، ويقال ~~: كلاب . # ف { مكلبين } وصف مشتق من الاسم الجامد اشتق من اسم الكلب جريا على ~~الغالب في صيد الجوارح ، ولذلك فوقوعه حالا من ضمير { علمتم } ليس مخصصا ~~للعموم الذي أفاده قوله : { وما علمتم } فهذا العموم يشمل غير الكلاب ~~PageV06P114 من فهود وبزاة . وخالف في ذلك ابن عمر ، حكى عنه ابن المنذر ~~أنه قصر إباحة أكل ما قتله الجارح على صيد الكلاب لقوله تعالى : { مكلبين } ~~قال : فأما ما يصاد به من البزاة وغيرها من الطير فما أدركت ذكاته فذكه فهو ~~لك حلال وإلا فلا تطعمه . وهذا أيضا قول الضحاك والسدي . # فأما الكلاب فلا خلاف في إباحة عموم صيد المعلمات منها ، إلا ما شذ من ~~قول الحسن وقتادة والنخعي بكراهة صيد الكلب الأسود البهيم ، أي عام السواد ~~، محتجين بقول النبي صلى الله عليه وسلم ( الكلب الأسود شيطان ) أخرجه مسلم ~~، وهو احتجاج ضعيف ، مع أن النبي عليه السلام سماه كلبا ، وهل يشك أحد أن ~~معنى كونه شيطانا أنه مظنة للعقر وسوء الطبع . على أن مورد الحديث في أنه ~~يقطع الصلاة إذا مر بين يدي المصلي . على أن ذلك متأول . وعن أحمد بن حنبل ~~: ما أعرف أحدا يرخص فيه ( أي في أكل صيده ) إذا كان بهيما ، وبه قال إسحاق ~~بن راهويه ، وكيف يصنع ms2216 بجمهور الفقهاء . # وقوله : { تعلمونهن مما علمكم الله } حال ثانية ، قصد بها الامتنان ~~والعبرة والمواهب التي أودعها الله في الإنسان ، إذ جعله معلما بالجبلة من ~~يوم قال : { يا آدم أنبئهم بأسمائهم } ( البقرة : 33 ) ، والمواهب التي ~~أودعها الله في بعض الحيوان ، إذ جعله قابلا للتعلم . فباعتبار كون مفاد ~~هذه الحال هو مفاد عاملها تتنزل منزلة الحال المؤكدة ، وباعتبار كونها ~~تضمنت معنى الامتنان فهي مؤسسة . قال صاحب ( الكشاف ) ( وفي تكرير الحال ~~فائدة أن على كل آخذ علما أن لا يأخذه إلا من أقتلل أهله علما وأنحرهم ~~دراية وأغوصهم على لطائفه وحقائقه وإن احتاج إلى أن يضرب إليه أكباد الإبل ~~، فكم من آخذ عن غير متقن قد ضيع أيامه وعض عند لقاء النحارير أنامله ) . ~~اه . # والفاء في قوله : ( فكلوا مما أمسكن عليكم ) فاء الفصيحة في قوله : { وما ~~علمتم من الجوارح } إن جعلت ( ما ) من قوله { وما علمتم } موصولة ، فإن ~~جعلتها شرطية فالفاء رابطة للجواب . PageV06P115 # وحرف ( من ) في قوله { مما أمسكن عليكم } للتبعيض ، وهذا تبعيض شائع ~~الاستعمال في كلام العرب عند ذكر المتناولات ، كقوله : ( كلوا من ثمره ) . ~~وليس المقصود النهي عن أكل جميع ما يصيده الصائد ، ولا أن ذلك احتراس عن ~~أكل الريش ، والعظم ، والجلد ، والقرون ؛ لأن ذلك كله لا يتوهمه السامع حتى ~~يحترس منه . # وحرف ( على ) في قوله { مما أمسكن عليكم } بمعنى لام التعليل ، كما تقول ~~: سجن على الاعتداء ، وضرب الصبي على الكذب ، وقول علقمة بن شيبان : # ونطاعن الأعداء عن أبنائنا # وعلى بصائرنا وإن لم نبصر # أي نطاعن على حقائقنا : أي لحماية الحقيقة ، ومن هذا الباب قوله تعالى : ~~{ أمسك عليك زوجك } ( الأحزاب : 37 ) ، وقوله صلى الله عليه وسلم { أمسك ~~عليك بعض مالك فهو خير لك } . # ومعنى الآية إباحة أكل ما صاده الجوارح : من كلاب ، وفهود ، وسباع طير : ~~كالبزاة ، والصقور ، إذا كانت معلمة وأمسكت بعد إرسال الصائد . وهذا مقدار ~~اتفق علماء الأمة عليه وإنما اختلفوا في تحقق هذه القيود . # فأما شرط التعليم فاتفقوا على أنه إذا أشلي ، فانشلى ، فاشتد وراء الصيد ~~، وإذا دعي فأقبل ، وإذا ms2217 زجر فانزجر ، وإذا جاء بالصيد إلى ربه ، أن هذا ~~معلم . وهذا على مراتب التعلم . ويكتفي في سباع الطير بما دون ذلك : فيكتفي ~~فيها بأن تؤمر فتطيع . وصفات التعليم راجعة إلى عرف أهل الصيد ، وأنه صار ~~له معرفة ، وبذلك قال مالك ، وأبو حنيفة ، والشافعي : ولا حاجة إلى ضبط ذلك ~~بمرتين أو ثلاث ، خلافا لأحمد ، وأبي يوسف ، ومحمد . PageV06P116 # وأما شرط الإمساك لأجل الصائد : فهو يعرف بإمساكها الصيد بعد إشلاء ~~الصائد إياها ، وهو الإرسال من يده إذا كان مشدودا ، أو أمره إياها بلفظ ~~اعتدات أن تفهم منه الأمر كقوله : ( هذا لك ) لأن الإرسال يقوم مقام نية ~~الذكاة . ثم الجارح ما دام في استرساله معتبر حتى يرجع إلى ربه بالصيد . ~~واختلفوا في أكل الجارح من الصيد قبل الإتيان به إلى ربه هل يبطل حكم ~~الإمساك على ربه : فقال جماعة من الصحابة والتابعين : إذا أكل الجارح من ~~الصيد لم تؤكل البقية ؛ لأنه إنما أمسك على نفسه ، لا على ربه . وفي هذا ~~المعنى حديث عدي بن حاتم في الصحيح : أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن الكلب ، فقال : ( وإذا أكل فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه ) . وبه أخذ ~~الشافعي ، وأحمد ، وأبو ثور ، وإسحاق . وقال جماعة من الصحابة : إذا أكل ~~الجارح لم يضر أكله ، ويؤكل ما بقي . وهو قول مالك وأصحابه : لحديث أبي ~~ثعلبة الخشني ، في ( كتاب أبي داوود ) : أنه سأل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال : ( وإن أكل منه ) . ورام بعض أصحابنا أن يحتج لهذا بقوله تعالى ~~: { مما أمسكن عليكم } حيث جاء بمن المفيدة للتبعيض ، المؤذنة بأنه يؤكل ~~إذا بقي بعضه ، وهو دليل واه فقد ذكرنا آنفا أن ( من ) تدخل على الاسم في ~~مثل هذا وليس المقصود التبعيض ، والكلب أو الجارح ، إذا أشلاه القناص ~~فانشلى ، وجاء بالصيد إلى ربه . فهو قد أمسكه عليه وإن كان قد أكل منه ، ~~فقد يأكل لفرط جوع أو نسيان . ونحا بعضهم في هذا إلى تحقيق أن أكل الجارح ~~من الصيد هل يقدح في تعليمه ، والصواب أن ذلك لا ms2218 يقدح في تعليمه ، إذا كانت ~~أفعاله جارية على وفق أفعال الصيد ، وإنما هذا من الفلتة أو من التهور . ~~ومال جماعة إلى الترخيص في ذلك في سباع الطير خاصة ، لأنها لا تفقه من ~~التعليم ما يفقه الكلب ، وروي هذا عن ابن عباس ، وحماد ، والنخعي ، وأبي ~~حنيفة ، وأبي ثور . # وقد نشأ عن شرط تحقق إمساكه على صاحبه مسألة لو أمسك الكلب أو الجارح ~~صيدا لم يره صاحبه وتركه ورجع دونه ، ثم وجد الصائد PageV06P117 بعد ذلك ~~صيدا في الجهة التي كان يجوسها الجارح أو عرف أثر كلبه فيه ؛ فعن مالك : لا ~~يؤكل ، وعن بعض أصحابه : يؤكل . وأما إذا وجد الصائد سهمه في مقاتل الصيد ~~فإنه يؤكل لا محالة . # وأحسب أن قوله تعالى : { مما أمسكن عليكم } احتراز عن أن يجد أحد صيدا لم ~~يصده هو ، ولا رأى الجارح حين أمسكه ، لأن ذلك قد يكون موته على غير ~~المعتاد فلا يكون ذكاة ، وأنه لا يحرم على من لم يتصد للصيد أن يأكل صيدا ~~رأى كلب غيره حين صاده إذا لم يجد الصائد قريبا ، أو ابتاعه من صائده ، أو ~~استعطاه إياه . # وقوله : { واذكروا اسم الله عليه } أمر بذكر الله على الصيد ، ومعناه أن ~~يذكره عند الإرسال لأنه قد يموت بجرح الجارح ، وأما إذا أمسكه حيا فقد تعين ~~ذبحه فيذكر اسم الله عليه حينئذ . ولقد أبدع إيجاز كلمة ( عليه ) ليشمل ~~الحالتين . وحكم نسيان التسمية وتعمد تركها معلوم من كتب الفقه والخلاف ، ~~والدين يسر . # وقد اختلف الفقهاء : في أن الصيد رخصة ، أو صفة من صفات الذكاة . ~~فالجمهور ألحقوه بالذكاة ، وهو الراجح ، ولذلك أجازوا أكل صيد الكتابي دون ~~المجوسي . وقال مالك : هو رخصة للمسلمين فلا يؤكل صيد الكتابي ولا المجوسي ~~ولا قوله تعالى : { يأيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله ~~أيديكم ورماحكم } ( المائدة : 94 ) . وهو دليل ضعيف : لأنه وارد في غير ~~بيان الصيد ، ولكن في حرمة الحرم . وخالفه أشهب ، وابن وهب ، من أصحابه . ~~ولا خلاف في عدم أكل صيد المجوسي إلا رواية عن أبي ثور إذ ألحقهم ms2219 بأهل ~~الكتاب فهو اختلاف في الأصل لا في الفرع . # وقوله : { واتقوا الله } الآية تذييل عام ختمت به آية الصيد ، وهو عام ~~المناسبة . # PageV06P118 $ 2 ( 5 ) { اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب ~~حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا ~~الكتاب من قبلكم إذآ ءاتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذى & # 1764 أخدان ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو فى الاخرة من الخاسرين } ~~. ) 2 $ # { اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم ~~والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذآ ~~ءاتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذى & # 1764 أخدان ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو فى الاخرة من الخاسرين } ~~. # يجيء في التقييد ( باليوم ) هنا ما جاء في قوله : { اليوم يئس الذين ~~كفروا من دينكم } ( المائدة : 3 ) وقوله : { اليوم أكملت لكم دينكم } ( ~~المائدة : 3 ) ، عدا وجه تقييد حصول الفعل حقيقة بذلك اليوم ، فلا يجيء هنا ~~، لأن إحلال الطيبات أمر سابق إذ لم يكن شيء منها محرما ، ولكن ذلك اليوم ~~كان يوم الإعلام به بصفة كلية ، فيكون كقوله : { ورضيت لكم الإسلام دينا } ~~( المائدة : 3 ) في تعلق قوله : { اليوم } به ، كما تقدم . # ومناسبة ذكر ذلك عقب قوله { اليوم يئس } ( المائدة : 3 ) و { اليوم أكملت ~~} ( المائدة : 3 ) أن هذا أيضا منة كبرى لأن إلقاء الأحكام بصفة كلية نعمة ~~في التفقه في الدين . # والكلام على الطيبات تقدم آنفا ، فأعيد ليبنى عليه قوله : { وطعام الذين ~~أتوا الكتاب } . وعطف جملة { وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم } على جملة { ~~اليوم أحل لكم الطيبات } لأجل ما في هذه الرخصة من المنة لكثرة مخالطة ~~المسلمين أهل الكتاب فلو حرم الله عليهم طعامهم لشق ذلك عليهم . # والطعام في كلام العرب ما يطعمه المرء ويأكله ، وإضافته إلى أهل الكتاب ~~للملابسة ، أي ما يعالجه أهل الكتاب بطبخ أو ذبح . قال ابن عطية : الطعام ~~الذي لا محاولة فيه كالبر والفاكهة ونحوهما لا يغيره تملك أحد له ، والطعام ~~الذي تقع فيه ms2220 محاولة صنعته لا تعلق للدين بها كخبز الدقيق وعصر الزيت . ~~فهذا إن تجنب من الذمي فعلى جهة التقذر . والتذكية هي المحتاجة إلى الدين ~~والنية ، فلما كان القياس أن لا تجوز ذبائحهم رخص الله فيها على هذه الأمة ~~وأخرجها عن القياس . وأراد بالقياس قياس أحوال PageV06P119 ذبائحهم على ~~أحوالهم المخالفة لأحوالنا ، ولهذا قال كثير من العلماء : أراد الله هنا ~~بالطعام الذبائح ، مع اتفاقهم على أن غيرها من الطعام مباح ، ولكن هؤلاء ~~قالوا : إن غير الذبائح ليس مرادا ، أي لأنه ليس موضع تردد في إباحة أكله . ~~والأولى حمل الآية على عمومها فتشمل كل طعام قد يظن أنه محرم علينا إذ ~~تدخله صنعتهم ، وهم لا يتوقون ما نتوقى ، وتدخله ذكاتهم وهم لا يشترطون ~~فيها ما نشترطه . ودخل في طعامهم صيدهم على الأرجح . # و { الذين أوتوا الكتاب } : هم أتباع التوراة والإنجيل ، سواء كانوا ممن ~~دعاهم موسى وعيسى عليهما السلام إلى اتباع الدين ، أم كانوا ممن اتبعوا ~~الدينيين اختيارا ؛ فإن موسى وعيسى ودعوا بني إسرائيل خاصة ، وقد تهود من ~~العرب أهل اليمن ، وتنصر من العرب تغلب ، وبهراء ، وكلب ، ولخم ، ونجران ، ~~وبعض ربيعة وغسان ، فهؤلاء من أهل الكتاب عند الجمهور عدا عليا بن أبي طالب ~~فإنه قال : لا تحل ذبائح نصارى تغلب ، وقال : إنهم لم يتمسكوا من النصرانية ~~بشيء سوى شرب الخمر . وقال القرطبي : هذا قول الشافعي ، وروى الربيع عن ~~الشافعي : لا خير في ذبائح نصارى العرب من تغلب . وعن الشافعي : من كان من ~~أهل الكتاب قبل البعثة المحمدية فهو من أهل الكتاب ، ومن دخل في دين أهل ~~الكتاب بعد نزول القرآن فلا يقبل منه إلا الإسلام ، ولا تقبل منه الجزية ، ~~أي كالمشركين . # وأما المجوس فليسوا أهل كتاب بالإجماع ، فلا تؤكل ذبائحهم ، وشذ من جعلهم ~~أهل كتاب . وأما المشركون وعبدة الأوثان فليسوا من أهل الكتاب دون خلاف . # وحكمة الرخصة في أهل الكتاب : لأنهم على دين إلهي يحرم الخبائث ، ويتقي ~~النجاسة ، ولهم في شؤونهم أحكام مضبوطة متبعة PageV06P120 لا تظن بهم ~~مخالفتها ، وهي مستندة للوحي الإلهي ، بخلاف المشركين وعبدة ms2221 الأوثان . وأما ~~المجوس فلهم كتاب لكنه ليس بالإلهي ، فمنهم أتباع ( زرادشت ) ، لهم كتاب ( ~~الزندفستا ) وهؤلاء هم محل الخلاف . وأما المجوس ( المانوية ) فهم إباحية ~~فلا يختلف حالهم عن حال المشركين وعبدة الأوثان ، أو هم شر منهم . وقد قال ~~مالك : ما ليس فيه ذكاة من طعام المجوس فليس بحرام يعني إذا كانوا يتقون ~~النجاسة . وفي ( جامع الترمذي ) : أن أبا ثعلبة الخشني سأل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن قدور المجوس . فقال له : ( أنقوها غسلا واطبخوا فيها ) . ~~وفي البخاري : أن أبا ثعلبة سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن آنية أهل ~~الكتاب . فقال له : ( إن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها ، وإن لم تجدوا ~~فاغسلوها ثم كلوا فيها ) . قال ابن العربي : ( فغسل آنية المجوس فرض ، وغسل ~~آنية أهل الكتاب ندب ) . يريد لأن الله أباح لنا طعام أهل الكتاب فقد علم ~~حالهم ، وإنما يسري الشك إلى آنيتهم من طعامهم وهو مأذون فيه ، ولم يبح لنا ~~طعام المجوس ، فذلك منزع التفرقة بين آنية الفريقين . # ثم الطعام الشامل للذكاة إنما يعتبر طعاما لهم إذاكانوا يستحلونه في ~~دينهم ، ويأكله أحبارهم وعلماؤهم ، ولو كان مما ذكر القرآن أنه حرمه عليهم ~~، لأنهم قد تأولوا في دينهم تأويلات ، وهذا قول مالك . وأرى أن دليله : أن ~~الآية عممت طعامهم فكان عمومها دليلا للمسلمين ، ولا التفات إلى ما حكى ~~الله أنه حرمه عليهم ثم أباحه للمسلمين ، فكان عموم طعامهم في شرعنا مباحا ~~ناسخا للمحرم عليهم ، ولا نصير إلى الاحتجاج ( بشرع من قبلنا . . . ) إلا ~~إذا لم يكن لنا دليل على حكمه في شرعنا . وقيل : لا يؤكل ما علمنا تحريمه ~~عليهم بنص القرآن ، وهو قول بعض أهل العلم ، وقيل به في مذهب مالك ، ~~والمعتمد عن مالك كراهة شحوم بقر وغنم اليهود من غير تحريم ؛ لأن الله ذكر ~~أنه حرم عليهم الشحوم . PageV06P121 # ومن المعلوم أن لا تعمل ذكاة أهل الكتاب ولا إباحة طعامهم فيما حرمه الله ~~علينا بعينه : كالخنزير والدم ، ولا ما حرمه علينا بوصفه ، الذي ليس بذكاة ~~: كالميتة والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وأكيلة ms2222 السبع ، إذا ~~كانوا هم يستحلون ذلك ، فأما ما كانت ذكاتهم فيه مخالفة لذكاتنا مخالفة ~~تقصير لا مخالفة زيادة فذلك محل نظر كالمضروبة بمحدد على رأسها فتموت ، ~~والمفتولة العنق فتتمزق العروق ، فقال جمهور العلماء : لا يؤكل . وقال أبو ~~بكر ابن العربي من المالكية : تؤكل . وقال في ( الأحكام ) : فإن قيل فما ~~أكلوه على غير وجه الذكاة كالخنق وحطم الرأس فالجواب : أن هذه ميتة ، وهي ~~حرام بالنص ، وإن أكلوها فلا نأكلها نحن ، كالخنزير فإنه حلال لهم ومن ~~طعامهم وهو حرام علينا يريد إباحته عند النصارى ثم قال : ولقد سئلت عن ~~النصراني يفتل عنق الدجاجة ثم يطبخها ؛ هل تؤكل معه أو تؤخذ طعاما منه ، ~~فقلت : تؤكل لأنها طعامه وطعام أحباره ورهبانه ، وإن لم تكن هذه ذكاة عندنا ~~ولكن الله تعالى أباح طعامهم مطلقا وكل ما يرونه في دينهم فإنه حلال لنا في ~~ديننا ) . وأشكل على كثير من الناظرين وجه الجمع بين كلامي ابن العربي ، ~~وإنما أراد التفرقة بين ما هو من أنواع قطع الحلقوم ، والأوداج ولو بالخنق ~~، وبين نحو الخنق لحبس النفس ، ورض الرأس وقول ابن العربي شذوذ . # وقوله : { وطعامكم حل لهم } لم يعرج المفسرون على بيان المناسبة بذكر { ~~وطعامكم حل لهم } . والذي أراه أن الله تعالى نبهنا بهذا إلى التيسير في ~~مخالطتهم ، فأباح لنا طعامهم ، وأباح لنا أن نطعمهم طعامنا ، فعلم من هذين ~~الحكمين أن علة الرخصة في تناولنا طعامهم هو الحاجة إلى مخالطتهم ، وذلك ~~أيضا تمهيد لقوله بعد : { والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب } لأن ذلك يقتضي ~~شدة المخالطة معهم لتزوج نسائهم والمصاهرة معهم . PageV06P122 # { والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذآ ~~ءاتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذى & # 1764 أخدان ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو فى الاخرة من الخاسرين } ~~. # عطف { والمحصنات من المؤمنات } على { وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم } ~~عطف المفرد على المفرد . ولم يعرج المفسرون على بيان المناسبة لذكر حل ~~المحصنات من المؤمناتت في أثناء إباحة طعام أهل الكتاب ، وإباحة تزوج ~~نسائهم . وعندي : أنه إيماء ms2223 إلى أنهن أولى بالمؤمنين من محصنات أهل الكتاب ~~، والمقصود هو حكم المحصنات من الذين أوتوا الكتاب فإن هذه الآية جاءت ~~لإباجة التزوج بالكتابيات . فقوله : { والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب } ~~عطف على { وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم } . فالتقدير : والمحصنات من ~~الذين أوتوا الكتاب حل لكم . # والمحصنات : النسوة اللاء أحصنهن ما أحصنهن ، أي منعهن عن الخنا أو عن ~~الريب ، فأطلق الإحصان : على المعصومات بعصمة الأزواج كما في قوله تعالى في ~~سورة النساء ( 24 ) عطفا على المحرمات { المحصنات من النساء ؛ وعلى ~~المسلمات لأن الإسلام وزعهن عن الخنا ، قال الشاعر : # ويصدهن عن الخنا الإسلام # وأطلق على الحرائر ، لأن الحرائر يترفعن عن الخنا من عهد الجاهلية . ولا ~~يصلح من هذه المعاني هنا الأول ، إذ لا يحل تزوج ذات الزوج ، ولا الثاني ~~لقوله : من المؤمنات } الذي هو ظاهر في أنهن بعض المؤمنات فتعين معنى ~~الحرية ، ففسرها مالك بالحرائر ، ولذلك منع نكاح الحر PageV06P123 الأمة ~~إلا إذا خشي العنت ولم يجد للحرائر طولا ، وجوز ذلك للعبد ، وكأنه جعل ~~الخطاب هنا للأحرار بالقرينة وبقرينة آية النساء ( 25 ) { ومن لم يستطع ~~منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات وهو تفسير بين ملتئم . وأصل ذلك لعمر ~~بن الخطاب ومجاهد . ومن العلماء من فسر المحصنات هنا بالعفائف ، ونقل عن ~~الشعبي وغيره ، فمنعوا تزوج غير العفيفة من النساء لرقة دينها وسوء خلقها . # وكذلك القول في تفسير قوله : والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم } ~~أي الحرائر عند مالك ، ولذلك منع نكاح إماء أهل الكتاب مطلقا للحر والعبد . ~~والذين فسروا المحصنات بالعفائف منعوا هنا ما منعوا هناك . # وشمل أهل الكتاب : الذميين ، والمعاهدين ، وأهل الحرب ، وهو ظاهر ، إلا ~~أن مالكا كره نكاح النساء الحربيات ، وعن ابن عباس : تخصيص الآية بغير نساء ~~أهل الحرب ، فمنع نكاح الحربيات . ولم يذكروا دليله . # والأجور : المهور ، وسميت هنا ( أجورا ) مجازا في معنى الأعواض عن ~~المنافع الحاصلة من آثار عقدة النكاح ، على وجه الاستعارة أو المجاز المرسل ~~. والمهر شعار متقادم في البشر للتفرقة بين النكاح وبين المخادنة . ولو ~~كانت المهور أجورا ms2224 حقيقة لوجب تحديد مدة الانتفاع ومقداره وذلك مما تنزه ~~عنه عقدة النكاح . # والقول في قوله : { محصنات غير مسافحين ولا متخذي أخدان } كالقول في ~~نظيره { محصنات غير مسافحات } ( النساء : 25 ) تقدم في هذه السورة . # وجملة { ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله } معترضة بين الجمل . والمقصود ~~التنبيه على أن إباحة تزوج نساء أهل الكتاب لا يقتضي تزكية لحالهم ، ولكن ~~ذلك تيسير على المسلمين . وقد ذكر في سبب نزولها أن PageV06P124 نساء أهل ~~الكتاب قلن ( لولا أن الله رضي ديننا لم يبح لكم نكاحنا ) . والمراد ~~بالإيمان الإيمان المعهود وهو إيمان المسلمين الذي بسببه لقبوا بالمؤمنين ، ~~فالكفر هنا الكفر بالرسل ، أي : ينكر الإيمان ، أي ينكر ما يقتضيه الإيمان ~~من المعتقدات ، إذ الإيمان صار لقبا لمجموع ما يجب التصديق به . # والحبط بسكون الموحدة والحبوط : فساد شيء كان صالحا ، ومنه سمي الحبط ~~بفتحتين مرض يصيب الإبل من جراء أكل الخضر في أول الربيع فتنتفخ أمعاؤها ~~وربما ماتت . وفعل ( حبط ) يؤذن بأن الحابط كان صالحا فانقلب إلى فساد . ~~والمراد من الفساد هنا الضياع والبطلان ، وهو أشد الفساد ، فدل فعل ( حبط ) ~~على أن الأعمال صالحة ، وحذف الوصف لدلالة الفعل عليه . وهذا تشبيه لضياع ~~الأعمال الصالحة بفساد الذواتت النافعة ، ووجه الشبه عدم انتفاع مكتسبها ~~منها . والمراد ضياع ثوابها وما يترقبه العامل من الجزاء عليها والفوز بها ~~. # والمراد التحذير من الارتداد عن الإيمان ، والترغيب في الدخول فيه كذلك ، ~~ليعلم أهل الكتاب أنهم لا تنفعهم قرباتهم وأعمالهم ، ويعلم المشركون ذلك . # $ 2 ( 6 ) { ياأيها الذين ءامنوا إذا قمتم إلى الصلواة فاغسلوا وجوهكم ~~وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا ~~فاطهروا وإن كنتم مرضى & # 1764 أو على سفر أو جآء أحد منكم من الغائط أو لامستم النسآء فلم تجدوا ~~مآء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل ~~عليكم من حرج ولاكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون } . ) 2 $ ~~PageV06P125 # إذا جرينا على ما تحصحص لدينا وتمحص : من أن سورة المائدة هي من آخر ~~السور نزولا ، وأنها ms2225 نزلت في عام حجة الوداع ، جزمنا بأن هذه الآية نزلت ~~هنا تذكيرا بنعمة عظيمة من نعم التشريع : وهي منة شرع التيمم عند مشقة ~~التطهر بالماء ، فجزمنا بأن هذا الحكم كله مشروع من قبل ، وإنما ذكر هنا في ~~عداد النعم التي امتن الله بها على المسلمين ، فإن الآثار صحت بأن الوضوء ~~والغسل شرعا مع وجوب الصلاة ، وبأن التيمم شرع في غزوة المريسيع سنة خمس أو ~~ست . وقد تقدم لنا في تفسير قوله تعالى : { يأيها الذين آمنوا لا تقربوا ~~الصلاة وأنتم سكارى في سورة النساء ( 43 ) الخلاف في أن الآية التي نزل ~~فيها شرع التيمم أهي آية سورة النساء ، أم آية سورة المائدة . وذكرنا هنالك ~~أن حديث الموطأ } من رواية مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة ~~ليس فيه تعيين الآية ولكن سماها آية التيمم ، وأن القرطبي اختار أنها آية ~~النساء لأنها المعروفة بآية التيمم ، وكذلك اختار الواحدي في ( أسباب ~~النزول ) ، وذكرنا أن صريح رواية عمرو بن حريث عن عائشة : أن الآية التي ~~نزلت في غزوة المريسيع هي قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى ~~الصلاة } الآية ، كما أخرجه البخاري عن يحيى عن ابن وهب عن عمرو بن حريث عن ~~عبد الرحمن بن القاسم ، ولا يساعد مختارنا في تاريخ نزول سورة المائدة ، ~~فإن لم يكن ما في حديث البخاري سهوا من أحد رواته غير عبد الرحمن بن القاسم ~~وأبيه ، أراد أن يذكر آية { يأيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم ~~سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا ، وهي آية ~~النساء ( 43 ) ، فذكر آية يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ~~وجوهكم } الآية . فتعين تأويله حينئذ بأن تكون آية { يأيها الذين آمنوا إذا ~~قمتم إلى الصلاة } قد نزلت قبل نزول سورة المائدة ، ثم أعيد نزولها في سورة ~~المائدة ، أو أمر الله أن توضع في هذا الموضع من سورة المائدة ، والأرجح ~~عندي : أن يكون ما في حديث البخاري وهما من بعض رواته ms2226 لأن بين الآيتين ~~مشابهة . PageV06P126 # فالأظهر أن هذه الآية أريد منها تأكيد شرع الوضوء وشرع التيمم خلفا عن ~~الوضوء بنص القرآن ؛ لأن ذلك لم يسبق نزول قرآنن فيه ولكنه كان مشروعا ~~بالسنة . ولا شك أن الوضوء كان مشروعا من قبل ذلك ، فقد ثبت أن النبيء صلى ~~الله عليه وسلم لم يصل صلاة إلا بوضوء . قال أبو بكر ابن العربي في ( ~~الأحكام ) ( لا خلاف بين العلماء في أن الآية مدنية ، كما أنه لا خلاف أن ~~الوضوء كان مفعولا قبل نزولها غير متلو ولذلك قال علماؤنا : إن الوضوء كان ~~بمكة سنة ، معناه كان بالسنة . فأما حكمه فلم يكن قط إلا فرضا ) وقد روى ~~ابن إسحاق وغيره أن النبيء صلى الله عليه وسلم لما فرض الله سبحانه عليه ~~الصلاة ليلة الإسراء ونزل جبريل ظهر ذلك اليوم ليصلي بهم فهمز بعقبه فانبعث ~~ماء وتوضأ معلما له وتوضأ هو معه فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا ~~صحيح وإن كان لم يروه أهل الصحيح ولكنهم تركوه لأنهم لم يحتاجوا إليه اه . # وفي ( سيرة ابن إسحاق ) ثم انصرف جبريل فجاء رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم خديجة فتوضأ لها ليريها كيف الطهور للصلاة كما أراه جبريل اه . وقولهم ~~: الوضوء سنة روي عن عبد الله بن مسعود . وقد تأوله ابن العربي بأنه ثابت ~~بالسنة . قال بعض علمائنا : ولذلك قالوا في حديث عائشة : فنزلت آية التيمم ~~؛ ولم يقولوا : آية الوضوء ؛ لمعرفتهم إياه قبل الآية . # فالوضوء مشروع مع الصلاة لا محالة ، إذ لم يذكر العلماء إلا شرع الصلاة ~~ولم يذكروا شرع الوضوء بعد ذلك ، فهذه الآية قررت حكم الوضوء ليكون ثبوته ~~بالقرآن . وكذلك الاغتسال فهو مشروع من قبل ، كما شرع الوضوء بل هو أسبق من ~~الوضوء ؛ لأنه من بقايا الحنيفية التي كانت معروفة حتى أيام الجاهلية ، وقد ~~وضحنا ذلك في سورة النساء . ولذلك أجمل التعبير عنه هنا وهنالك بقوله هنا { ~~فاطهروا } ، وقوله هنالك { تغتسلوا } ( النساء : 43 ) ، فتمحضت الآية لشرع ~~التيمم عوضا عن الوضوء . PageV06P127 # ومعنى { إذا قمتم إلى الصلاة } إذا ms2227 عزمتم على الصلاة ، لأن القيام يطلق ~~في كلام العرب بمعنى الشروع في الفعل ، قال الشاعر : # فقام يذود الناس عنها بسيفه # وقال ألا لا من سبيل إلى هند # وعلى العزم على الفعل ، قال النابغة : # قاموا فقالوا حمانا غير مقروب # أي عزموا رأيهم فقالوا . والقيام هنا كذلك بقرينة تعديته ب ( إلى ) ~~لتضمينه معنى عمدتم إلى أن تصلوا . # وروى مالك في ( الموطأ ) عن زيد بن أسلم أنه فسر القيام بمعنى الهبوب من ~~النوم ، وهو مروي عن السدي . فهذه وجوه الأقوال في تفسير معنى القيام في ~~هذه الآية ، وكلها تؤول إلى أن إيجاب الطهارة لأجل أداء الصلاة . # وأما ما يرجع إلى تأويل معنى الشرط الذي في قوله : { إذا قمتم إلى الصلاة ~~فاغسلوا وجوهكم } الآية فظاهر الآية الأمر بالوضوء عند كل صلاة لأن الأمر ~~بغسل ما أمر بغسله شرط ب { إذا قمتم } فاقتضى طلب غسل هذه الأعضاء عند كل ~~قيام إلى الصلاة . والأمر ظاهر في الوجوب . وقد وقف عند هذا الظاهر قليل من ~~السلف ؛ فروي عن علي بن أبي طالب وعكرمة وجوب الوضوء لكل صلاة ونسبه ~~الطبرسي إلى داوود الظاهري ، ولم يذكر ذلك ابن حزم في ( المحلى ) ولم أره ~~لغير الطبرسي . وقال بريدة بن أبي بردة : كان الوضوء واجبا على المسلمين ~~لكل صلاة ثم نسخ ذلك عام الفتح بفعل النبيء صلى الله عليه وسلم فصلى يوم ~~الفتح الصلوات الخمس بوضوء واحد ، وصلى في غزوة خيبر العصر والمغرب بوضوء ~~واحد . وقال بعضهم : هذا حكم خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم وهذا قول عجيب ~~إن أراد به صاحبه حمل الآية عليه ، كيف وهي مصدرة بقوله : { يأيها الذين ~~آمنوا } . والجمهور حملوا الآية على معنى ( إذا قمتم محدثين ) ولعلهم ~~استندوا في ذلك إلى آية النساء ( 43 ) المصدرة بقوله : { لا تقربوا الصلاة ~~وأنتم سكارى إلى قوله ولا جنبا } الآية . وحملوا ما كان يفعله النبيء صلى ~~الله عليه وسلم من الوضوء لكل صلاة على أنه كان فرضا على النبيء صلى ~~PageV06P128 الله عليه وسلم خاصا به غير داخل في هذه الآية ، وأنه ms2228 نسخ ~~وجوبه عليه يوم فتح مكة ؛ ومنهم من حمله على أن النبيء صلى الله عليه وسلم ~~كان يلتزم ذلك وحملوا ما كان يفعله الخلفاء الراشدون وابن عمر من الوضوء ~~لفضل إعادة الوضوء لكل صلاة . وهو الذي لا ينبغي القول بغيره . والذين ~~فسروا القيام بمعنى القيام من النوم أرادوا تمهيد طريق التأويل بأن يكون ~~الأمر قد نيط بوجود موجب الوضوء . وإني لأعجب من هذه الطرق في التأويل مع ~~استغناء الآية عنها ؛ لأن تأويلها فيها بين لأنها افتتحت بشرط ، هو القيام ~~إلى الصلاة ، فعلمنا أن الوضوء شرط في الصلاة على الجملة ثم بين هذا ~~الإجمال بقوله : { وإن كنتم مرضى إلى قوله أو جاء أحد منكم من الغائط إلى ~~قوله فلم تجدوا ماء فتيمموا } فجعل هذه الأشياء موجبة للتيمم إذا لم يوجد ~~الماء ، فعلم من هذا بدلالة الإشارة أن امتثال الأمر يستمر إلى حدوث حادث ~~من هذه المذكورات ، إما مانعع من أصل الوضوء وهو المرض والسفر ، وإما رافع ~~لحكم الوضوء بعد وقوعه وهو الأحداث المذكور بعضها بقوله : { أو جاء أحد ~~منكم من الغائط } ، فإن وجد الماء فالوضوء وإلا فالتيمم ، فمفهوم الشرط وهو ~~قوله : { وإن كنتم مرضى } ومفهوم النفي وهو { فلم تجدوا ماء } تأويل بين في ~~صرف هذا الظاهر عن معناه بل في بيان هذا المجمل ، وتفسير واضح لحمل ما فعله ~~الخلفاء على أنه لقصد الفضيلة لا للوجوب . # وما ذكره القرآن من أعضاء الوضوء هو الواجب وما زاد عليه سنة واجبة . ~~وحددت الآية الأيدي ببلوغ المرافق لأن اليد تطلق على ما بلغ الكوع وما إلى ~~المرفق وما إلى الإبط فرفعت الآية الإجمال في الوضوء لقصد المبالغة في ~~النظافة وسكتت في التيمم فعلمنا أن السكوت مقصود وأن التيمم لما كان مبناه ~~على الرخصة اكتفى بصورة الفعل وظاهر العضو ، ولذلك اقتصر على قوله : { ~~وأيديكم } في التيمم في هذه السورة وفي سورة النساء . وهذا من طريق ~~الاستفادة بالمقابلة ، وهو طريق بديع في الإيجاز أهمله علماء البلاغة ~~وعلماء الأصول فاحتفظ به وألحقه بمسائلهما . PageV06P129 # وقد اختلف الأيمة في أن ms2229 المرافق مغسولة أو متروكة ، والأظهر أنها مغسولة ~~لأن الأصل في الغاية في الحد أنه داخل في المحدود . وفي ( المدارك ) أن ~~القاضي إسماعيل بن إسحاق سئل عن دخول الحد في المحدود فتوقف فيها . ثم قال ~~للسائل بعد أيام : قرأت ( كتاب سيبويه ) فرأيت أن الحد داخل في المحدود . ~~وفي مذهب مالك : قولان في دخول المرافق في الغسل ، وأولاهما دخولهما . قال ~~الشيخ أبو محمد : وإدخالهما فيه أحوط لزوال تكلف التحديد . وعن أبي هريرة : ~~أنه يغسل يديه إلى الإبطين ، وتؤول عليه بأنه أراد إطالة الغرة يوم القيامة ~~. وقيل : تكره الزيادة . # وقوله : { وأرجلكم } قرأه نافع ، وابن عامر ، والكسائي ، وحفص عن عاصم ، ~~وأبو جعفر ، ويعقوب بالنصب عطفا على { وأيديكم } وتكون جملة { وامسحوا ~~برؤوسكم } معترضة بين المتعاطفين . وكأن فائدة الاعتراض الإشارة إلى ترتيب ~~أعضاء الوضوء لأن الأصل في الترتيب الذكري أن يدل على الترتيب الوجودي ، ~~فالأرجل يجب أن تكون مغسولة ؛ إذ حكمة الوضوء وهي النقاء والوضاءة والتنظف ~~والتأهب لمناجاة الله تعالى تقتضي أن يبالغ في غسل ما هو أشد تعرضا للوسخ ؛ ~~فإن الأرجل تلاقي غبار الطرقات وتفرز الفضلات بكثرة حركة المشي ، ولذلك كان ~~النبيء صلى الله عليه وسلم يأمر بمبالغة الغسل فيها ، وقد نادى بأعلى صوته ~~للذي لم يحسن غسل رجليه ( ويل للأعقاب من النار ) . # وقرأه ابن كثير ، وأبو عمرو ، وحمزة ، وأبو بكر عن عاصم ، وخلف بخفض { ~~وأرجلكم } . وللعلماء في هذه القراءة تأويلات : منهم من أخذ بظاهرها فجعل ~~حكم الرجلين المسح دون الغسل ، وروي هذا عن ابن عباس ، وأنس بن مالك ، ~~وعكرمة ، والشعبي ، وقتادة . وعن أنس بن مالك أنه بلغه أن الحجاج خطب يوما ~~بالأهواز فذكر الوضوء فقال : ( إنه ليس شيء من ابن آدم أقرب من خبثه من ~~قدميه فاغسلوا بطونهما وظهورهما وعراقيبهما ) فسمع ذلك أنس بن مالك فقال : ~~صدق الله وكذب الحجاج قال الله تعالى : { وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم } . ~~ورويت عن أنس رواية أخرى : قال نزل القرآن بالمسح والسنة PageV06P130 ~~بالغسل ، وهذا أحسن تأويل لهذه القراءة فيكون مسح الرجلين منسوخا بالسنة ، ~~ففي الصحيح أن رسول الله صلى الله ms2230 عليه وسلم رأى قوما يتوضؤون وأعقابهم ~~تلوح ، فنادى بأعلى صوته ( ويل للأعقاب من النار ) مرتين . وقد أجمع ~~الفقهاء بعد عصر التابعين على وجوب غسل الرجلين في الوضوء ولم يشذ عن ذلك ~~إلا الإمامية من الشيعة ، قالوا : ليس في الرجلين إلا المسح ، وإلا ابن ~~جرير الطبري : رأى التخيير بين الغسل والمسح ، وجعل القراءتين بمنزلة ~~روايتين في الإخبار إذا لم يمكن ترجيح إحداهما على رأي من يرون التخيير في ~~العمل إذا لم يعرف المرجح . واستأنس الشعبي لمذهبه بأن التيمم يمسح فيه ما ~~كان يغسل في الوضوء ويلغى فيه ما كان يمسح في الوضوء . ومن الذين قرأوا ~~بالخفض من تأول المسح في الرجلين بمعنى الغسل ، وزعموا أن العرب تسمي الغسل ~~الخفيف مسحا وهذا الإطلاق إن صح لا يصح أن يكون مرادا هنا لأن القرآن فرق ~~في التعبير بين الغسل والمسح . # وجملة { وإن كنتم جنبا فاطهروا إلى قوله وأيديكم منه } مضى القول في ~~نظيره في سورة النساء بما أغنى عن إعادته هنا . # وجملة { ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج } تعليل لرخصة التيمم ، ونفي ~~الإرادة هنا كناية عن نفي الجعل لأن المريد الذي لا غالب له لا يحول دون ~~إرادته عائق . # واللام في { ليجعل } داخلة على أن المصدرية محذوفة وهي لام يكثر وقوعها ~~بعد أفعال الإرادة وأفعال مادة الأمر ، وهي لام زائدة على الأرجح ، وتسمى ~~لام أن . وتقدم الكلام عليها عند قوله تعالى : { يريد الله ليبين لكم في ~~سورة النساء ( 26 ) ، وهي قريبة في الموقع من موقع لام الجحود . # والحرج : الضيق والشدة ، والحرجة : البقعة من الشجر الملتف المتضايق ، ~~والجمع حرج . والحرج المنفي هنا هو الحرج الحسي لو كلفوا بطهارة الماء مع ~~المرض أو السفر ، والحرج النفسي لو منعوا من أداء الصلاة في حال العجز عن ~~استعمال الماء لضر أو سفر أو فقد ماء فإنهم يرتاحون إلى الصلاة ويحبونها . ~~PageV06P131 # وقوله : ولكن يريد ليطهركم } إشارة إلى أن من حكمة الأمر بالغسل والوضوء ~~التطهير وهو تطهير حسي لأنه تنظيف ، وتطهير نفسي جعله الله فيه لما جعله ~~عبادة ms2231 ؛ فإن العبادات كلها مشتملة على عدة أسرار : منها ما تهتدي إليه ~~الأفهام ونعبر عنها بالحكمة ؛ ومنها ما لا يعلمه إلا الله ، ككون الظهر ~~أربع ركعات ، فإذا ذكرت حكم للعبادات فليس المراد أن الحكم منحصرة فيما ~~علمناه وإنما هو بعض من كل وظن لا يبلغ منتهى العلم ، فلما تعذر الماء عوض ~~بالتيمم ، ولو أراد الحرج لكلفهم طلب الماء ولو بالثمن أو ترك الصلاة إلى ~~أن يوجد الماء ثم يقضون الجميع . فالتيمم ليس فيه تطهير حسي وفيه التطهير ~~النفسي الذي في الوضوء لما جعل التيمم بدلا عن الوضوء ، كما تقدم في سورة ~~النساء . # وقوله { وليتم نعمته عليكم } أي يكمل النعم الموجودة قبل الإسلام بنعمة ~~الإسلام ، أو ويكمل نعمة الإسلام بزيادة أحكامه الراجعة إلى التزكية ~~والتطهير مع التيسير في أحوال كثيرة . فالإتمام إما بزيادة أنواع من النعم ~~لم تكن ، وإما بتكثير فروع النوع من النعم . # وقوله : { لعلكم تشكرون } أي رجاء شكركم إياه . جعل الشكر علة لإتمام ~~النعمة على طريقة المجاز بأن استعيرت صيغة الرجاء إلى الأمر لقصد الحث عليه ~~وإظهاره في صورة الأمر المستقرب الحصول . # # | 2 ( 7 ) { واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذى واثقكم به إذ قلتم ~~سمعنا وأطعنا واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور } . ) 2 # عطف على جملة { ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج } ( المائدة : 6 ) الآية ~~الواقعة تذييلا لقوله : { يأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة } ( ~~المائدة : 6 ) الآية . # والكلام مرتبط بما افتتحت به السورة من قوله : { أوفوا بالعقود } لأن في ~~التذكير بالنعمة تعريضا بالحث على الوفاء . # ذكرهم بنعم مضت تذكيرا يقصد منه الحث على الشكر وعلى الوفاء PageV06P132 ~~بالعهود ، والمراد من النعمة جنسها لا نعمة معينة ، وهي ما في الإسلام من ~~العز والتمكين في الأرض وذهاب أحوال الجاهلية وصلاح أحوال الأمة . # والميثاق : العهد ، وواثق : عاهد . وأطلق فعل واثق على معنى الميثاق الذي ~~أعطاه المسلمون ، وعلى وعد الله لهم ما وعدهم على الوفاء بعهدهم . ففي صيغة ~~{ واثقكم } استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه . # و { إذ } اسم زمان عرف هنا بالإضافة إلى ms2232 قول معلوم عند المخاطبين . # والمسلمون عاهدوا الله في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم عدة عهود : ~~أولها عهد الإسلام كما تقدم في صدر هذه السورة . ومنها عهد المسلمين عندما ~~يلاقون الرسول عليه الصلاة والسلام وهو البيعة أن لا يشركوا بالله شيئا ولا ~~يسرقوا ولا يزنوا ولا يقتلوا أولادهم ولا يأتوا ببهتان يفترونه بين أيديهم ~~وأرجلهم ولا يعصونه في معروف ، وهو عين العهد الذي ذكره القرآن في سورة ~~الممتحنة عند ذكر بيعة النساء المؤمنات ، كما ورد في الصحيح أنه كان يبايع ~~المؤمنين على مثل ذلك ، ومنها بيعة الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في موسم الحج سنة ثلاث عشرة من البعثة قبل الهجرة . وكانوا ثلاثة وسبعين ~~رجلا التقوا برسول الله بعد الموسم في العقبة ومعهم العباس بن عبد المطلب ، ~~فبايعوا على أن يمنعوا رسول الله كما يمنعون نساءهم وأبناءهم ، وعلى أنهم ~~يأوونه إذا هاجر إليهم . وقد تقدم هذه البيعة بيعتان إحداهما سنة إحدى عشرة ~~من البعثة ، بايعة نفر من الخزرج في موسم الحج . والثانية سنة اثنتي عشرة ~~من البعثة ، بايع اثنا عشر رجلا من الخزرج في موسم الحج بالعقبة ليبلغوا ~~الإسلام إلى قومهم . ومن المواثيق ميثاق بيعة الرضوان في الحديبية تحت ~~الشجرة سنة ست من الهجرة ، وفي كل ذلك واثقوا على السمع والطاعة في المنشط ~~والمكره . # ومعنى { سمعنا وأطعنا } الاعتراف بالتبليغ ، والاعتراف بأنهم سمعوا ما ~~طلب منهم العهد عليه . فالسمع أريد به العلم بما واثقوا عليه ، ويجوز أن ~~يكون { سمعنا } مجازا في الامتثال ، { وأطعنا } تأكيدا له . وهذا من ~~استعمال سمع ، ومنه قولهم : بايعوا على السمع والطاعة . وقال النابغة يذكر ~~حالة من لدغته حية فأخذوا يرقونه : PageV06P133 # تناذرها الراقون من سوء سمعها # أي من سوء طاعتها للرقية ، أي عدم نجاح الرقية في سمها . وعقب ذلك بالأمر ~~بالتقوى ؛ لأن النعمة تستحق أن يشكر مسديها . وشكر الله تقواه . # وجملة { إن الله عليم بذات الصدور } تذييل للتحذير من إضمار المعاصي ومن ~~توهم أن الله لا يعلم إلا ما يبدو منهم . وحرف ( إن ) أفاد أن الجملة ms2233 علة ~~لما قبلها على الأسلوب المقرر في البلاغة في قول بشار : # إن ذاك النجاح في التبكير # $ 2 ( 8 ) { ياأيهآ الذين ءامنوا كونوا قوامين لله شهدآء بالقسط ولا ~~يجرمنكم شنآن قوم على & # 1764 ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما ~~تعملون } . ) 2 $ # لما ذكرهم بالنعمة عقب ذلك بطلب الشكر للمنعم والطاعة له ، فأقبل على ~~خطابهم بوصف الإيمان الذي هو منبع النعم الحاصلة لهم . # فالجملة استئناف نشأ عن ترقب السامعين بعد تعداد النعم . وقد تقدم نظير ~~هذه الآية في سورة النساء ، ولكن آية سورة النساء ( 135 ) تقول : { كونوا ~~قوامين بالقسط شهداء لله } وما هنا بالعكس . # ووجه ذلك أن الآية التي في سورة النساء وردت عقب آيات القضاء في الحقوق ~~المبتدأة بقوله : { إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك ~~الله } ( النساء : 105 ) ، ثم تعرضت لقضية بني أبيرق في قوله : { ولا تكن ~~للخائنين خصيما } ( النساء : 105 ) ، ثم أردفت بأحكام المعاملة بين الرجال ~~والنساء ، فكان الأهم PageV06P134 فيها أمر العدل فالشهادة . فلذلك قدم ~~فيها { كونوا قوامين بالقسط شهداء لله } ( النساء : 135 ) ؛ فالقسط فيها هو ~~العدل في القضاء ، ولذلك عدي إليه بالباء ، إذ قال : { كونوا قوامين بالقسط ~~} ( النساء : 135 ) . # وأما الآية التي نحن بصدد تفسيرها فهي واردة بعد التذكير بميثاق الله ، ~~فكان المقام الأول للحص على القيام لله ، أي الوفاء له بعهودهم له ، ولذلك ~~عدي قوله : { قوامين } باللام . وإذ كان العهد شهادة أتبع قوله : { قوامين ~~لله } بقوله : { شهداء بالقسط } ، أي شهداء بالعدل شهادة لا حيف فيها ، ~~وأولى شهادة بذلك شهادتهم لله تعالى . وقد حصل من مجموع الآيتين : وجوب ~~القيام بالعدل ، والشهادة به ، ووجوب القيام لله ، والشهادة له . # وتقدم القول في معنى { ولا يجرمنكم شنئان قوم } قريبا ، ولكنه هنا صرح ~~بحرف ( على ) وقد بيناه هنالك . والكلام على العدل تقدم في قوله : { وإذا ~~حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل } ( النساء : 58 ) . # والضمير في قوله : { هو أقرب } عائد إلى العدل المفهوم من { تعدلوا } ، ~~لأن عود الضمير يكتفى فيه بكل ما يفهم حتى ms2234 قد يعود على ما لا ذكر له ، نحو ~~{ حتى توارت بالحجاب } ( ص : 32 ) . على أن العرب تجعل الفعل بمعنى المصدر ~~في مراتب : # المرتبة الأولى : أن تدخل عليه ( أن ) المصدرية . # الثانية : أن تحذف ( أن ) المصدرية ويبقى النصب بها ، كقول طرفة : # ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى # وأن أشهد اللذاتت هل أنت مخلدي # بنصب ( أحضر ) في رواية ، ودل عليه عطف ( وأن أشهد ) . PageV06P135 # الثالثة : أن تحذف ( أن ) ويرفع الفعل عملا على القرينة ، كما روي بيت ~~طرفة ( أحضر ) برفع أحضر ، ومنه قول المثل ( تسمع بالمعيدي خير من أن تراه ~~) ، وفي الحديث ( تحمل لأخيك الركاب صدقة ) . # الرابعة : عود الضمير على الفعل مرادا به المصدر ، كما في هذه الآية . ~~وهذه الآية اقتصر عليها النحاة في التمثيل حتى يخيل للناظر أنه مثال فذ في ~~بابه ، وليس كذلك بل منه قوله تعالى : { وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا ~~} ( الكهف : 4 ) . وأمثلته كثيرة : منها قوله تعالى : { ما لهم به من علم } ~~( الكهف : 5 ) ، فضمير { به } عائد إلى القول المأخوذ من { قالوا } ، ومنه ~~قوله تعالى : { ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه } ( الحج : 30 ~~) ، فضمير { فهو } عائد للتعظيم المأخوذ من فعل { يعظم } ، وقول بشار : # والله رب محمد # ما إن غدرت ولا نويته # أي الغدر . # ومعنى { أقرب للتقوى } أي للتقوى الكاملة التي لا يشذ معها شيء من الخير ~~، وذلك أن العدل هو ملاك كبح النفس عن الشهوة وذلك ملاك التقوى . # $ 2 ( 9 ، 10 ) { وعد الله الذين ءامنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر ~~عظيم * والذين كفروا وكذبوا بئاياتنآ أول & # 1764 ائك أصحاب الجحيم } . ) 2 $ # عقب أمرهم بالتقوى بذكر ما وعد الله به المتقين ترغيبا في الامتثال ، ~~وعطف عليه حال أضداد المتقين ترهيبا . فالجملة مستأنفة استئنافا بيانيا . ~~ومفعول { وعد } الثاني محذوف تنزيلا للفعل منزلة المتعدي إلى واحد . # وجملة { لهم مغفرة } مبينة لجملة { وعد الله الذين آمنوا } ، فاستغني ~~بالبيان عن المفعول ، فصار التقدير : وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~مغفرة وأجرا عظيما لهم . وإنما عدل عن هذا النظم لما في إثبات المغفرة ms2235 لهم ~~بطريق الجملة الاسمية من الدلالة على الثبات والتقرر . PageV06P136 # والقصر في قوله : { أولئك أصحاب الجحيم } قصر ادعائي لأنهم لما كانوا أحق ~~الناس بالجحيم وكانوا خالدين فيه جعلوا كالمنفردين به ، أو هو قصر حقيقي ~~إذا كانت إضافة { أصحاب } مؤذنة بمزيد الاختصاص بالشيء كما قالوه في ~~مرادفها ، وهو ذو كذا ، كما نبهوا عليه في قوله : { والله عزيز ذو انتقام } ~~( آل عمران : 4 ) فيكون وجه هذا الاختصاص أنهم الباقون في الجحيم أبدا . # # | 2 ( 11 ) { ياأيهآ الذين ءامنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن ~~يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم واتقوا الله وعلى الله فليتوكل ~~المؤمنون } . ) 2 # بعد قوله تعالى : { واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به } ( ~~المائدة : 7 ) أعيد تذكيرهم بنعمة أخرى عظيمة على جميعهم إذ كانت فيها ~~سلامتهم ، تلك هي نعمة إلقاء الرعب في قلوب أعدائهم لأنها نعمة يحصل بها ما ~~يحصل من النصر دون تجشم مشاق الحرب ومتالفها . وافتتاح الاستئناف بالنداء ~~ليحصل إقبال السامعين على سماعه . ولفظ : { يا أيها الذين آمنوا } وما معه ~~من ضمائر الجمع يؤذن بأن الحادثة تتعلق بجماعة المؤمنين كلهم . وقد أجمل ~~النعمة ثم بينها بقوله : { إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم } . # وقد ذكر المفسرون احتمالات في تعيين القوم المذكورين في هذه الآية . ~~والذي يبدو لي أن المراد قوم يعرفهم المسلمون يومئذ ؛ فيتعين أن تكون إشارة ~~إلى وقعة مشهورة أو قريبة من تاريخ نزول هذه السورة . ولم أر فيما ذكروه ما ~~تطمئن له النفس . والذي أحسب أنها تذكير بيوم الأحزاب ؛ لأنها تشبه قوله : ~~{ يأيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ~~ريحا وجنودا لم تروها } ( الأحزاب : 9 ) الآية . # ويجوز أن تكون الإشارة إلى ما كان من عزم أهل مكة على الغدر PageV06P137 ~~بالمسلمين حين نزول المسلمين بالحديبية عام صلح الحديبية ثم عدلوا عن ذلك . ~~وقد أشارت إليها الآية : { وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة ~~} ( الفتح : 24 ) الآية . ويجوز أن تكون الإشارة إلى عزم أهل خيبر وأنصارهم ~~من غطفان ms2236 وبني أسد على قتال المسلمين حين حصار خيبر ، ثم رجعوا عن عزمهم ~~وألقوا بأيديهم ، وهي التي أشارت إليها آية : { وعدكم الله مغانم كثيرة ~~تأخذونها فعجل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم } ( الفتح : 20 ) . وعن قتادة : ~~سبب الآية ما همت به بنو محارب وبنو ثعلبة يوم ذات الرقاع من الحمل على ~~المسلمين في صلاة العصر فأشعر الله رسوله بذلك ، ونزلت صلاة الخوف ، وكف ~~الله أيديهم عن المؤمنين . # وأما ما يذكر من غير هذا مما هم به بنو النضير من قتل النبي صلى الله ~~عليه وسلم حين جاءهم يستعينهم على دية العامريينن فتآمروا على أن يقتلوه ، ~~فأوحى الله إليه بذلك فخرج هو وأصحابه . وكذا ما يذكر من أن المراد قصة ~~الأعرابي الذي اخترط سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائل في منصرفه ~~من إحدى غزواته ، فذلك لا يناسب خطاب الذين آمنوا ، ولا يناسب قصة الأعرابي ~~لأن الذي أهم بالقتل واحد لا قوم . # وبسط اليد مجاز في البطش قال تعالى : { ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم ~~بالسوء } ( الممتحنة : 2 ) ويطلق على السلطة مجازا أيضا ، كقولهم : يجب ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل من بسطت يده في الأرض ؛ وعلى الجود ~~، كما في قوله تعالى : { بل يداه مبسوطتان } ( المائدة : 64 ) . وهو حقيقة ~~في محاولة الإمساك بشيء ، كما في قوله تعالى حكاية عن ابن آدم { لئن بسطت ~~إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك } ( المائدة : 28 ) . # وأما كف اليد فهو مجاز عن الإعراض عن السوء خاصة { وكف أيدي الناس عنكم } ~~( الفتح : 20 ) . PageV06P138 والأمر بالتقوى عقب ذلك لأنها أظهر للشكر ، ~~فعطف الأمر بالتقوى بالواو للدلالة على أن التقوى مقصودة لذاتها ، وأنها ~~شكر لله بدلالة وقوع الأمر عقب التذكير بنعمة عظمى . # وقوله : { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } أمر لهم بالاعتماد على الله دون ~~غيره . وذلك التوكل يعتمد امتثال الأوامر واجتناب المنهيات فناسب التقوى . ~~وكان من مظاهره تلك النعمة التي ذكروا بها . # $ 2 ( 12 ) { ولقد أخذ الله ميثاق بنى & # 1764 إسراءيل وبعثنا منهم اثنى عشر نقيبا وقال ms2237 الله إنى معكم لئن أقمتم ~~الصلواة وءاتيتم الزكواة وءامنتم برسلى وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا ~~لأكفرن عنكم سيئاتكم ولادخلنكم جنات تجرى من تحتها الانهار فمن كفر بعد ~~ذالك منكم فقد ضل سوآء السبيل } . ) 2 $ # ناسب ذكر ميثاق بني إسرائيل عقب ذكر ميثاق المسلمين من قوله : { وميثاقه ~~الذي واثقكم به } ( المائدة : 7 ) تحذيرا من أن يكون ميثاقنا كميثاقهم . ~~ومحل الموعظة هو قوله : { فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل } . ~~وهكذا شأن القرآن في التفنن ومجيء الإرشاد في قالب القصص ، والتنقل من ~~أسلوب إلى إسلوب . # وتأكيد الخبر الفعلي بقد وباللام للاهتمام به ، كما يجيء التأكيد بإن ~~للاهتمام وليس ثم متردد ولا منزل منزلته . وذكر مواثيق بني إسرائيل تقدم في ~~سورة البقرة . # والبعث أصله التوجيه والإرسال ، ويطلق مجازا على الإقامة والإنهاض ~~PageV06P139 كقوله : { من بعثنا من مرقدنا } ( يس : 52 ) ، وقوله : { فهذا ~~يوم البعث } ( الروم : 56 ) . ثم شاع هذا المجاز حتى بني عليه مجاز آخر ~~بإطلاقه على الإقامة المجازية { إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم } ( آل عمران ~~: 164 ) ، ثم أطلق على إثارة الأشياء وإنشاء الخواطر في النفس . قال متمم ~~بن نويرة : # فقلت لهم إن الأسى يبعث الأسى # أي أن الحزن يثير حزنا آخر . وهو هنا يحتمل المعنى الأول والمعنى الثالث ~~. # والعدول عن طريق الغيبة من قوله : { ولقد أخذ الله } إلى طريق التكلم في ~~قوله : { وبعثنا } التفات . # والنقيب فعيل بمعنى فاعل : إما من نقب إذا حفر مجازا ، أو من نقب إذا بعث ~~{ فنقبوا في البلاد } ( ق : 36 ) ، وعلى الأخير يكون صوغ فعيل منه على خلاف ~~القياس ، وهو وارد كما صيغ سميع من أسمع في قول عمرو بن معد يكرب : # أمن ريحانة الداعي السميع # أي المسمع . # ووصفه تعالى بالحكيم بمعنى المحكم للأمور . فالنقيب الموكول إليه تدبير ~~القوم ، لأن ذلك يجعله باحثا عن أحوالهم ؛ فيطلق على الرئيس وعلى قائد ~~الجيش وعلى الرائد ، ومنه ما في حديث بيعة العقبة أن نقباء الأنصار يومئذ ~~كانوا اثني عشر رجلا . # والمراد بنقباء بني إسرائيل هنا يجوز أن يكونوا رؤساء جيوش ms2238 ، ويجوز أن ~~يكونوا روادا وجواسيس ، وكلاهما واقع في حوادث بني إسرائيل . # فأما الأول فيناسب أن يكون البعث معه بمعنى الإقامة ، وقد أقام موسى عليه ~~السلام من بني إسرائيل اثني عشر رئيسا على جيش بني إسرائيل على عدد الأسباط ~~المجندين ، فجعل لكل سبط نقيبا ، وجعل لسبط يوسف نقيبين ، PageV06P140 ولم ~~يجعل لسبط لاوي نقيبا ، لأن اللاويين كانوا غير معدودين في الجيش إذ هم ~~حفظة الشريعة ، فقد جاء في أول سفر العدد : كلم الله موسى : أحصوا كل جماعة ~~إسرائيل بعشائرهم بعدد الأسماء من ابن عشرين فصاعدا كل خارج للحرب في ~~إسرائيل حسب أجنادهم ، تحسبهم أنت وهارون ، ويكون معكما رجل لكل سبط رؤوس ~~ألوف إسرائيل ( وكلم الرب موسى قائلا : أما سبط لاوي فلا تعده بل وكل ~~اللاويين على مسكن الشهادة وعلى جميع أمتعته ) . وكان ذلك في الشهر الثاني ~~من السنة الثانية من خروجهم من مصر في برية سينا . # وأما الثاني فيناسب أن يكون البعث فيه بمعناه الأصلي ، فقد بعث موسى اثني ~~عشر رجلا من أسباط إسرائيل لاختبار أحوال الأمم التي حولهم في أرض كنعان ، ~~وهم غير الاثني عشر نقيبا الذين جعلهم رؤساء على قبائلهم . ومن هؤلاء يوشع ~~بن نون من سبط أفرايم ، وكالب بن يفنة من سبط يهوذا ، وهما الوارد ذكرهما ~~في قوله تعالى : { قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا ~~عليهم الباب } ( المائدة : 23 ) ، كما سيأتي في هذه السورة . وقد ذكرت ~~أسماؤهم في الفصل الثالث عشر من سفر العدد . والظاهر أن المراد هنا النقباء ~~الذين أقيموا لجند إسرائيل . # والمعية في قوله : { إني معكم } معية مجازية ، تمثيل للعناية والحفظ ~~والنصر ، قال تعالى : { إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم } ( الأنفال : ~~12 ) ، وقال : { إنني معكما أسمع وأرى } ( طه : 46 ) وقال : { وهو معكم ~~أينما كنتم والله بما تعملون بصير } ( الحديد : 4 ) . والظاهر أن هذا القول ~~وقع وعدا بالجزاء على الوفاء بالميثاق . # وجملة { لئن أقمتم الصلاة } الآية . واستئناف محض ليس منها شيء يتعلق ~~ببعض ألفاظ الجملة التي قبلها وإنما جمعهما العامل ، وهو فعل القول ، ~~فكلتاهما ms2239 مقول ، ولذلك يحسن الوقف على قوله : { إني معكم } ، ثم يستأنف ~~قوله : { لئن أقمتم الصلاة } إلى آخره . ولام { لئن أقمتم } موطئة للقسم ، ~~ولام { لأكفرن } لام PageV06P141 جواب القسم ، ولعل هذا بعض ما تضمنه ~~الميثاق ، كما أن قوله : { لأكفرن عنكم سيئاتكم } بعض ما شمله قوله : { إني ~~معكم } . # والمراد بالزكاة ما كان مفروضا على بني إسرائيل : من إعطائهم عشر محصولات ~~ثمارهم وزرعهم ، مما جاء في الفصل الثامن عشر من سفر العدد ، والفصل الرابع ~~عشر والفصل التاسع عشر من سفر التثنية . وقد مضى القول فيه عند قوله تعالى ~~: { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين في سورة البقرة ( 43 ~~) . # والتعزير : النصر . يقال : عزره مخففا ، وعزره مشددا ، وهو مبالغة في ~~عزره عزرا إذا نصره ، وأصله المنع ، لأن الناصر يمنع المعتدي على منصوره . # ومعنى وأقرضتم الله قرضا حسنا } الصدقات غير الواجبة . # وتكفير السيئات : مغفرة ما فرط منهم من التعاصي للرسول فجعل الطاعة ~~والتوبة مكفرتين عن المعاصي . # وقوله : { فقد ضل سواء السبيل } أي فقد حاد عن الطريق المستقيم ، وذلك لا ~~عذر للسائر فيه حين يضله ، لأن الطريق السوي لا يحوج السائر فيه إلى ~~الروغان في ثنياتت قد تختلط عليه وتفضي به إلى التيه في الضلال . # # | 2 ( 13 ) { فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون ~~الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به ولا تزال تطلع على خآئنة منهم إلا ~~قليلا منهم فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين } . ) 2 # قوله : { فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم } قد تقدم الكلام على نظيره في قوله ~~PageV06P142 تعالى : { فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم } ( النساء : 155 ) ، ~~وقوله : { فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات في سورة النساء ( 160 ) ~~. # واللعن هو الإبعاد ، والمراد هنا الإبعاد من رحمة الله تعالى ومن هديه إذ ~~استوجبوا غضب الله لأجل نقض الميثاق . # وجعلنا قلوبهم قاسية } قساوة القلب مجاز ، إذ أصلها الصلابة والشدة ، ~~فاستعيرت لعدم تأثر القلوب بالمواعظ والنذر . وقد تقدم في قوله تعالى : { ~~ثم قست قلوبكم من بعد ذلك } ( البقرة : 74 ) . وقرأ الجمهور : { قاسية } ~~بصيغة اسم الفاعل . وقرأ حمزة ، والكسائي ms2240 ، وخلف : { قسية } فيكون بوزن ~~فعيلة من قسا يقسو . # وجملة { يحرفون الكلم عن مواضعه } استئناف أو حال من ضمير { لعناهم } . ~~والتحريف : الميل بالشيء إلى الحرف ، والحرف هو الجانب . وقد كثر في كلام ~~العرب استعارة معاني السير وما يتعلق به إلى معاني العمل والهدى وضده ؛ فمن ~~ذلك قولهم : السلوك ، والسيرة ؛ والسعي ؛ ومن ذلك قولهم : الصراط المستقيم ~~، وصراطا سويا ، وسواء السبيل ، وجادة الطريق ، والطريقة الواضحة ، وسواء ~~الطريق ؛ وفي عكس ذلك قالوا : المراوغة ، والانحراف ، وقالوا : بنيات ~~الطريق ، ويعبد الله على حرف ، ويشعب الأمور . وكذلك ما هنا ، أي يعدلون ~~بالكلم النبوية عن مواضعها فيسيرون بها في غير مسالكها ، وهو تبديل معاني ~~كتبهم السماوية . وهذا التحريف يكون غالبا بسوء التأويل اتباعا للهوى ، ~~ويكون بكتمان أحكام كثيرة مجاراة لأهواة العامة ، قيل : ويكون بتبديل ألفاظ ~~كتبهم . وعن ابن عباس : ما يدل على أن التحريف فساد التأويل . وقد تقدم ~~القول في ذلك عند قوله تعالى : { من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه في ~~سورة النساء ( 46 ) . وجيء بالمضارع للدلالة على استمرارهم . PageV06P143 # وجملة ونسوا حظا } معطوفة على جملة { يحرفون } . والنسيان مراد به ~~الإهمال المفضي إلى النسيان غالبا . وعبر عنه بالفعل الماضي لأن النسيان لا ~~يتجدد ، فإذا حصل مضى ، حتى يذكره مذكر . وهو وإن كان مرادا به الإهمال فإن ~~في صوغه بصيغة الماضي ترشيحا للاستعارة أو الكناية لتهاونهم بالذكرى . # والحظ النصيب ، وتنكيره هنا للتعظيم أو التكثير بقرينة الذم . وما ذكروا ~~به هو التوراة . # وقد جمعت الآية من الدلائل على قلة اكتراثهم بالدين ورقة اتباعهم ثلاثة ~~أصول من ذلك : وهي التعمد إلى نقض ما عاهدوا عليه من الامتثال ، والغرور ~~بسوء التأويل ، والنسيان الناشىء عن قلة تعهد الدين وقلة الاهتمام به . # والمقصود من هذا أن نعتبر بحالهم ونتعظ من الوقوع في مثلها . وقد حاط ~~علماء الإسلام رضي الله عنهم هذا الدين من كل مسارب التحريف ، فميزوا ~~الأحكام المنصوصة والمقيسة ووضعوا ألقابا للتمييز بينها ، ولذلك قالوا في ~~الحكم الثابت بالقياس : يجوز أن يقال : هو دين الله ، ولا يجوز أن يقال : ~~قاله الله . # وقوله : { ولا ms2241 تزال تطلع على خائنة منهم } انتقال من ذكر نقضهم لعهد الله ~~إلى خيسهم بعهدهم مع النبيء صلى الله عليه وسلم وفعل { لا تزال } يدل على ~~استمرار ، لأن المضارع للدلالة على استمرار الفعل لأنه في قوة أن يقال : ~~يدوم اطلاعك . فالاطلاع مجاز مشهور في العلم بالأمر ، والاطلاع هنا كناية ~~عن المطلع عليه ، أي لا يزالون يخونون فتطلع على خيانتهم . # والاطلاع افتعال من طلع . والطلوع : الصعود . وصيغة الافتعال فيه لمجرد ~~المبالغة ، إذ ليس فعله متعديا حتى يصاغ له مطاوع ، فاطلع بمنزلة تطلع ، أي ~~تكلف الطلوع لقصد الإشراف . والمعنى : ولا تزال تكشف وتشاهد خائنة منهم . ~~PageV06P144 # والخائنة : الخيانة فهو مصدر على وزن الفاعلة ، كالعاقبة ، والطاغية . ~~ومنه { يعلم خائنة الأعين } ( غافر : 19 ) . وأصل الخيانة : عدم الوفاء ~~بالعهد ، ولعل أصلها إظهار خلاف الباطن . وقيل : { خائنة } صفة لمحذوف ، أي ~~فرقة خائنة . # واستثنى قليلا منهم جبلوا على الوفاء ، وقد نقض يهود المدينة عهدهم مع ~~رسول الله والمسلمين فظاهروا المشركين في وقعة الأحزاب ، قال تعالى : { ~~وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم } ( الأحزاب : 26 ) . وأمره ~~بالعفو عنهم والصفح حمل على مكارم الأخلاق ، وذلك فيما يرجع إلى سوء ~~معاملتهم للنبيء صلى الله عليه وسلم وليس المقام مقام ذكر المناواة القومية ~~أو الدينية ، فلا يعارض هذا قوله في براءة { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ~~ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من ~~الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } ( التوبة : 29 ) ~~لأن تلك أحكام التصرفات العامة ، فلا حاجة إلى القول بأن هذه الآية نسخت ~~بآية براءة . # # | 2 ( 14 ) { ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ~~ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضآء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله ~~بما كانوا يصنعون } . ) 2 # ذكر بعد ميثاق اليهود ميثاق النصارى . وجاءت الجملة على سبه اشتغال ~~العامل عن المعمول بضميره حيث قدم متعلق { أخذنا ميثاقهم } وفيه اسم ظاهر ، ~~وجيء بضميره مع العامل للنكتة الداعية للاشتغال من تقرير المتعلق وتثبيته ~~في الذهن إذ ms2242 يتعلق الحكم باسمه الظاهر وبضميره ، فالتقدير : وأخذنا ، من ~~الذين قالوا : إنا نصارى ، ميثاقهم ، وليس تقديم المجرور بالحرف لقصد الحصر ~~. وقيل : ضمير { ميثاقهم } عائد إلى اليهود ، والإضافة على معنى التشبيه ، ~~أي من النصارى أخذنا ميثاق اليهود ، أي مثله ، فهو تشبيه بليغ حذفت الأداة ~~PageV06P145 فانتصب المشبه به . وهذا بعيد ، لأن ميثاق اليهود لم يفصل في ~~الآية السابقة حتى يشبه به ميثاق النصارى . # وعبر عن النصارى ب { الذين قالوا إنا نصارى } هنا وفي قوله الآتي : { ~~ولتجدن أقبربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى } ( المائدة : 82 ) ~~تسجيلا عليهم بأن اسم دينهم مشير إلى أصل من أصوله ، وهو أن يكون أتباعه ~~أنصارا لما يأمر به الله ، { كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري ~~إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله } ( الصف : 14 ) . ومن جملة ذلك أن ~~ينصروا القائم بالدين بعد عيسى من أتباعه ، مثل بولس وبطرس وغيرهما من دعاة ~~الهدى ؛ وأعظم من ذلك كله أن ينصروا النبيء المبشر به في التوراة والإنجيل ~~الذي يجيء بعد عيسى قبل منتهى العالم ويخلص الناس من الضلال { وإذ أخذ الله ~~ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم ~~لتؤمنن به ولتنصرنه } ( آل عمران : 81 ) الآية . فجميع أتباع الرسل قد ~~لزمهم ما التزمه أنبياؤهم وبخاصة النصارى ، فهذا اللقب ، وهو النصارى ، حجة ~~عليهم قائمة بهم متلبسة بجماعتهم كلها . # ويفيد لفظ { قالوا } بطريق التعريض الكنائي أن هذا القول غير موفى به ~~وأنه يجب أن يوفى به . هذا إذا كان النصارى جمعا لناصري أو نصراني على معنى ~~النسبة إلى النصر مبالغة ، كقولهم : شعراني ، ولحياني ، أي الناصر الشديد ~~النصر ؛ فإن كان النصارى اسم جمع ناصري ، بمعنى المنسوب إلى الناصري ، ~~والناصري عيسى ، لأنه ظهر من مدينة الناصرة . فالناصري صفة عرف بها المسيح ~~عليه السلام في كتب اليهود لأنه ظهر بدعوة الرسالة من بلد الناصرة في ~~فلسطين ؛ فلذلك كان معنى النسبة إليه النسبة إلى طريقته وشرعه ؛ فكل من حاد ~~عن شرعه لم يكن حقيقا بالنسبة إليه إلا بدعوى كاذبة ms2243 ، فلذلك قال : { قالوا ~~إنا نصارى } . وقيل : إن النصارى جمع نصراني ، منسوب إلى النصر : كما قالوا ~~: شعراني ، ولحياني ، لأنهم قالوا : نحن أنصار الله . وعليه فمعنى { قالوا ~~: إنا نصارى } أنهم زعموا ذلك بقولهم ولم يؤيدوه بفعلهم . PageV06P146 # وقد أخذ الله على النصارى ميثاقا على لسان المسيح عليه السلام . وبعضه ~~مذكور في مواضع من الأناجيل . # وقوله : { فأغرينا بينهم العداوة } حقيقة الإغراء حث أحد على فعل وتحسينه ~~إليه حتى لا يتوانى في تحصيله ؛ فاستعير الإغراء لتكوين ملازمة العداوة ~~والبغضاء في نفوسهم ، أي لزومهما لهم فيما بينهم ، شبه تكوين العداوة ~~والبغضاء مع استمرارهما فيهم بإغراء أحد أحدا بعمل يعمل تشبيه معقول بمحسوس ~~. ولما دل الظرف ، وهو { بينهم } ، على أنهما أغريتا بهم استغني عن ذكر ~~متعلق { أغرينا } . وتقدير الكلام : فأغرينا العداوة والبغضاء بهم كائنتين ~~بينهم . ويشبه أن يكون العدول على تعدية ( أغرينا ) بحرف الجر إلى تعليقه ~~بالظرف قرينة أو تجريدا لبيان أن المراد ب { أغرينا } ألقينا . # وما وقع في ( الكشاف ) من تفسير { أغرينا } بمعنى ألصقنا تطوح عن المقصود ~~إلى رائحة الاشتقاق من الغراء ، وهو الدهن الذي يلصق الخشب به ، وقد تنوسي ~~هذا المعنى في الاستعمال . والعداوة والضمير المجرور بإضافة بين إليه يعود ~~إلى النصارى لتنتسق الضمائر . # والعداوة والبغضاء اسمان لمعنيين من جنس الكراهية الشديدة ، فهما ضدان ~~للمحبة . # وظاهر عطف أحد الاسمين على الآخر في مواضع من القرآن ، في هذه الآية وفي ~~الآيتين بعدها في هذه السورة وفي آية سورة الممتحنة ، أنهما ليسا من ~~الأسماء المترادفة ؛ لأن التزام العطف بهذا الترتيب ببعد أن يكون لمجرد ~~التأكيد ، فليس عطف أحدهما على الآخر من قبيل عطف المرادف لمجرد التأكيد ، ~~كقوله عدي : # وألفى قولها كذبا ومينا PageV06P147 # وقد ترك علماء اللغة بيان التفرقة بين العداوة والبغضاء ، وتابعهم ~~المفسرون على ذلك ؛ فلا تجد من تصدى للفرق بينهما سوى الشيخ ابن عرفة ~~التونسي ، فقال في ( تفسيره ) ( العداوة أعم من البغضاء لأن العداوة سبب في ~~البغضاء ؛ فقد يتعادى الأخ مع أخيه ولا يتمادى على ذلك حتى تنشأ عنه ~~المباغضة ، وقد يتمادى على ذلك ) اه . # ووقع ms2244 لأبي البقاء الكفوي في كتاب ( الكليات ) أنه قال : ( العداوة أخص من ~~البغضاء لأن كل عدو مبغض ، وقد يبغض من ليس بعدو ) . وهو يخالف كلام ابن ~~عرفة . وفي تعليليهما مصادرة واضحة ، فإن كانت العداوة أعم من البغضاء زادت ~~فائدة العطف لأنه يصير في معنى الاحتراس ، وإن كانت العداوة أخص من البغضاء ~~لم يكن العطف إلا للتأكيد ، لأن التأكيد يحصل بذكر لفظ يدل على بعضض مطلقق ~~من معنى الموكذ ، فيتقرر المعنى ولو بوجه أعم أو أخص ، وذلك يحصل به معنى ~~التأكيد . # وعندي : أن كلا الوجهين غير ظاهر ، والذي أرى أن بين معنيي العداوة ~~والبغضاء التضاد والتباين ؛ فالعداوة كراهية تصدر عن صاحبها : معاملة بجفاء ~~، أو قطيعة ، أو إضرار ، لأن العداوة مشتقة من العدو وهو التجاوز والتباعد ~~، فإن مشتقات مادة ( ع د و ) كلها تحوم حول التفرق وعدم الوئام . وأما ~~البغضاء فهي شدة البغض ، وليس في مادة ( ب غ ض ) إلا معنى جنس الكراهية فلا ~~سبيل إلى معرفة اشتقاق لفظها من مادتها . نعم يمكن أن يرجع فيه إلى طريقة ~~القلب ، وهو من علامات الاشتقاق ، فإن مقلوب بغض يكون غضب لا غير ، ~~فالبغضاء شدة الكراهية غير مصحوبة بعدو ، فهي مضمرة في النفس . فإذا كان ~~كذلك لم يصح اجتماع معنيي العداوة والبغضاء في موصوف واحد في وقتت واحد ~~فيتعين أن يكون إلقاؤهما بينهما على معنى التوزيع ، أي أغرينا العداوة بين ~~بعض منهم والبغضاء بين بعضض آخر . فوقع في هذا النظم إيجاز بديع ، لأنه ~~يرجع إلى الاعتماد على علم المخاطبين بعدم استقامة اجتماع المعنيين في ~~موصوف واحد . PageV06P148 # ومن اللطائف ما ذكره ابن هشام ، في شرح قصيدة كعب بن زهير عند قول كعب : # لكنها خلة قد سيط من دمها # فجع وولع وإخلاف وتبديل # أن الزمخشري قال : إنه رأى نفسه في النوم يقول : العداوة مشتقة من عدوة ~~الوادي ، أي جانبه ، لأن المتعاديين يكون أحدهما مفارقا للآخر فكأن كل واحد ~~منهما على عدوة اه . فيكون مشتقا من الاسم الجامد وهو بعيد . # وإلقاء العداوة والبغضاء بينهم كان عقابا في الدنيا لقوله ms2245 : { إلى يوم ~~القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون } جزاء على نكثهم العهد . ~~وأسباب العداوة والبغضاء شدة الاختلاف : فتكون من اختلافهم في نحل الدين ~~بين يعاقبة ، وملكانية ، ونسطورية ، وهراتقة ( بروتستانت ) ؛ وتكون من ~~التحاسد على السلطان ومتاع الدنيا ، كما كان بين ملوك النصرانية ، وبينهم ~~وبين رؤساء ديانتهم . # فإن قيل : كيف أغريت بينهم العداوة وهم لم يزالوا إلبا على المسلمين ؟ ~~فجوابه : أن العداوة ثابتة بينهم في الدين بانقسامهم فرقا ، كما قدمناه في ~~سورة النساء ( 171 ) عند قوله تعالى : { وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ، ~~وذلك الانقسام يجر إليهم العداوة وخذل بعضهم بعضا . ثم إن دولهم كانت ~~منقسمة ومتحاربة ، ولم تزل كذلك ، وإنما تألبوا في الحروب الصليبية على ~~المسلمين ثم لم يلبثوا أن تخاذلوا وتحاربوا ، ولا يزال الأمر بينهم كذلك ~~إلى الآن . وكم ضاعت مساعي الساعين في جمعهم على كلمة واحدة وتأليف اتحاد ~~بينهم ، وكان اختلافهم لطفا بالمسلمين في مختلف عصور التاريخ الإسلامي ، ~~على أن اتفاقهم على أمة أخرى لا ينافي تمكن العداوة فيما بينهم ، وكفى بذلك ~~عقابا لهم على نسيانهم ما ذكروا به . PageV06P149 # وقيل : الضمير عائد على الفريقين ، أي بين اليهود والنصارى ، ولا إشكال ~~في تجسم العداوة بين الملتين . # وقوله : وسوف ينبئهم الله } تهديد لأن المراد بالإنباء إنباء المؤاخذة ~~بصنيعهم ، كقوله : { فسوف تعلمون } ( الأنعام : 135 ) . وهذا يحتمل أن يحصل ~~في الآخرة فالإنباء على حقيقته ، ويحتمل أن يحصل في الدنيا ، فالأنباء مجاز ~~في تقدير الله لهم حوادث يعرفون بها سوء صنيعتهم . # # | 2 ( 15 ، 16 ) { ياأهل الكتاب قد جآءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم ~~تخفون من الكتاب ويعفوا عن كثير قد جآءكم من الله نور وكتاب مبين * يهدى به ~~الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ~~ويهديهم إلى صراط مستقيم } . ) 2 # بعد أن ذكر من أحوال فريقي أهل الكتاب وأنبائهم ما لا يعرفه غير علمائهم ~~وما لا يستطيعون إنكاره أقبل عليهم بالخطاب بالموعظة ؛ إذ قد تهيأ من ظهور ~~صدق الرسول صلى الله عليه وسلم ما يسهل إقامة الحجة ms2246 عليهم ، ولذلك ابتدىء ~~وصف الرسول بأنه يبين لهم كثيرا مما كانوا يخفون من الكتاب ، ثم أعقبه بأنه ~~يعفو عن كثير . # ومعنى { يعفو } يعرض ولا يظهر ، وهو أصل مادة العفو . يقال : عفا الرسم ، ~~بمعنى لم يظهر ، وعفاه : أزال ظهوره . ثم قالوا : عفا عن الذنب ، بمعنى ~~أعرض ، ثم قالوا : عفا عن المذنب ، بمعنى ستر عنه ذنبه ، ويجوز أن يراد هنا ~~معنى الصفح والمغفرة ، أي ويصفح عن ذنوب كثيرة ، أي يبين لكم دينكم ويعفو ~~عن جهلكم . PageV06P150 # وجملة { قد جاءكم من الله نور } بدل من جملة { قد جاءكم رسولنا } بدل ~~اشتمال ، لأن مجيء الرسول اشتمل على مجيء الهدى والقرآن ، فوزانها وزان ( ~~علمه ) من قولهم : نفعني زيد علمه ، ولذلك فصلت عنها ، وأعيد حرف ( قد ) ~~الداخل على الجملة المبدل منها زيادة في تحقيق مضمون جملة البدل ، لأن تعلق ~~بدل الاشتمال بالمبدل منه أضعف من تعلق البدل المطابق . # وضمير { به } راجع إلى الرسول أو إلى الكتاب المبين . # وسبل السلام : طرق السلامة التي لا خوف على السائر فيها . وللعرب طرق ~~معروفة بالأمن وطرق معروفة بالمخافة ، مثل وادي السباع ، الذي قال فيه سحيم ~~بن وثيل الرياحي : # ومررت على وادي السباع ولا أرى # كوادي السباع حين يظلم واديا # أقل به ركب أتوه تئية # وأخوف إلا ما وقى الله ساريا # فسبيل السلام استعارة لطرق الحق . والظلمات والنور استعارة للضلال والهدى ~~. والصراط المستقيم مستعار للإيمان . # $ 2 ( 17 ) { لقد كفر الذين قآلو & # 1764 ا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن ~~يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن فى الارض جميعا ولله ملك السماوات والارض ~~وما بينهما يخلق ما يشآء والله على كل شىء قدير } . ) 2 $ # هذا من ضروب عدم الوفاء بميثاق الله تعالى . كان أعظم ضلال النصارى ~~ادعاؤهم إلهية عيسى عليه السلام ، فإبطال زعمهم ذلك هو أهم أحوال إخراجهم ~~من الظلمات إلى النور وهديهم إلى الصراط المستقيم ، فاستأنف هذه الجملة { ~~لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم } استئناف البيان . وتعين ~~ذكر الموصول ms2247 هنا لأن المقصود بيان ما في هذه PageV06P151 المقالة من الكفر ~~لا بيان ما عليه النصارى من الضلال ، لأن ظلالهم حاصل لا محالة إذا كانت ~~هذه المقالة كفرا . # وحكي قولهم بما تؤديه في اللغة العربية جملة { إن الله هو المسيح ابن ~~مريم } ، وهو تركيب دقيق المعنى لم يعطه المفسرون حقه من بيان انتزاع ~~المعنى المراد به ، من تركيبه ، من الدلالة على اتحاد مسمى هذين الاسمين ~~بطريق تعريف كل من المسند إليه والمسند بالعلمية بقرينة السياق الدالة على ~~أن الكلام ليس مقصودا للإخبار بأحداث لذواتت ، المسمى في الاصطلاح : حمل ~~اشتقاق بل هو حمل مواطأة ، وهو ما يسمى في المنطق : حمل ( هو هو ) ، وذلك ~~حين يكون كل من المسند إليه والمسند معلوما للمخاطب ويراد بيان أنها شيء ~~واحد ، كقولك حين تقول : قال زياد ، فيقول سامعك : من هو زياد ، فتقول : ~~زياد هو النابغة ، ومثله قولك : ميمون هو الأعشى ، وابن أبي السمط هو مروان ~~بن أبي حفصة ، والمرعث هو بشار ، وأمثال ذلك . فمجرد تعريف جزأي الإسناد ~~كاف في إفادة الاتحاد ، وإقحام ضمير الفصل بين المسند إليه والمسند في مثل ~~هذه الأمثلة استعمال معروف لا يكاد يتخلف قصدا لتأكيد الاتحاد ، فليس في ~~مثل هذا التركيب إفادة قصر أحد الجزأين على الآخر ، وليس ضمير الفصل فيه ~~بمفيد شيئا سوى التأكيد . وكذلك وجود حرف ( إن ) لزيادة التأكيد ، ونظيره ~~قول رويشد بن كثير الطائي من شعراء الحماسة : # وقل لهم بادروا بالعذر والتمسوا # قولا يبرئكم إني أنا الموت # فلا يأتي في هذا ما لعلماء المعاني من الخلاف في أن ضمير الفصل هل يفيد ~~قصر المسند إليه ، وهو الأصح ؛ أو العكس ، وهو قليل ، لأن مقام اتحاد ~~المسميين يسوي الاحتمالين ويصرف عن إرادة القصر . وقد أشار إلى هذا المعنى ~~إشارة خفية قول صاحب ( الكشاف ) عقب قوله : { الذين قالوا إن الله هو ~~المسيح ابن مريم } ( معناه بت القول على أن حقيقة الله هو المسيح لا غير ) ~~. ومحل الشاهد من كلام ( الكشاف ) ما عدا قوله ( لا غير ) ، لأن الظاهر أن ~~( لا غير ) يشير إلى ms2248 استفادة معنى القصر من مثل هذا التركيب ، وهو بعيد . ~~وقد يقال : إنه أراد أن معنى الانحصار لازم بمعنى الاتحاد وليس ناشئا عن ~~صيغة قصر . PageV06P152 # ويفيد قولهم هذا أنهم جعلوا حقيقة الإله الحق المعلوم متحدة بحقيقة عيسى ~~عليه السلام بمنزلة اتحاد الاسمين للمسمى الواحد ، ومرادهم امتزاج الحقيقة ~~الإلهية في ذات عيسى . ولما كانت الحقيقة الإلهية معنونة عند جميع ~~المتدينين باسم الجلالة جعل القائلون اسم الجلالة المسند إليه ، واسم عيسى ~~المسند ليدلوا على أن الله اتحد بذات المسيح . # وحكاية القول عنهم ظاهرة في أن هذا قالوه صراحة عن اعتقاد ، إذ سرى لهم ~~القول باتحاد اللاهوت بناسوتت عيسى إلى حد أن اعتقدوا أن الله سبحانه قد ~~اتحد بعيسى وامتزج وجود الله بوجود عيسى . وهذا مبالغة في اعتقاد الحلول . ~~وللنصارى في تصوير هذا الحلول أو الاتحاد أصل ، وهو أن الله تعالى جوهر ~~واحد ، هو مجموع ثلاثة أقانيم ( جمع أقنوم بضم الهمزة وسكون القاف وهو كلمة ~~رومية معناها : الأصل ، كما في القاموس ؛ وهذه الثلاثة هي أقنوم الذات ، ~~وأقنوم العلم وأقنوم الحياة ، وانقسموا في بيان اتحاد هذه الأقانيم بذات ~~عيسى إلى ثلاثة مذاهب : مذهب الملكانية وهم الجاثلقية ( الكاثوليك ) ، ~~ومذهب النسطورية ، ومذهب اليعقوبية . وتفصيله في كتاب ( المقاصد ) . وتقدم ~~مفصلا عند تفسير قوله تعالى : { فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة في ~~سورة النساء ( 171 ) . وهذا قول اليعاقبة من النصارى ، وهم أتباع يعقوب ~~البرذعاني ، وكان راهبا بالقسطنطينية ، وقد حدثت مقالته هذه بعد مقالة ~~الملكانية ، ويقال لليعاقبة : أصحاب الطبيعة الواحدة ، وعليها درج نصارى ~~الحبشة كلهم . ولا شك أن نصارى نجران كانوا على هذه الطريقة . # ولقرب أصحابها الحبشة من بلاد العرب تصدى القرآن لبيان ردها هنا وفي ~~الآية الآتية في هذه السورة . وقد بينا حقيقة معتقد النصارى في اتحاد ~~اللاهوت بالناسوت وفي اجتماع الأقانيم عند قوله تعالى : وكلمته ألقاها إلى ~~مريم وروح منه في سورة النساء ( 171 ) . # وبين الله لرسوله الحجة عليهم بقوله : قل فمن يملك من الله شيئا } الآية ~~، PageV06P153 فالفاء عاطفة للاستفهام الإنكاري على قولهم : إن الله هو ~~المسيح ، للدلالة ms2249 على أن الإنكار ترتب على هذا القول الشنيع ، فهي للتعقيب ~~الذكري ، وهذا استعمال كثير في كلامهم ، فلا حاجة إلى ما قيل : إن الفاء ~~عاطفة على محذوف دل عليه السياق ، أي ليس الأمر كما زعمتم ، ولا أنها جواب ~~شرط مقدر ، أي إن كان ما تقولون فمن يملك من الله شيئا ، إلخ . # ومعنى يملك شيئا هنا يقدر على شيء ، فالمركب مستعمل في لازم معناه على ~~طريقة الكناية ، وهذا اللازم متعدد وهو الملك ، فاستطاعة التحويل ، وهو ~~استعمال كثير ومنه قوله تعالى : { قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد ~~بكم ضرا الآية في سورة الفتح ( 11 ) . وفي الحديث قال رسول الله لعيينة بن ~~حصن أفأملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة لأن الذي يملك يتصرف في مملوكه ~~كيف شاء . # فالتنكير في قوله شيئا } للتقليل والتحقير . ولما كان الاستفهام هنا ~~بمعنى النفي كان نفي الشيء القليل مقتضيا نفي الكثير بطريق الأولى ، ~~فالمعنى : فمن يقدر على شيء من الله ، أي من فعله وتصرفه أن يحوله عنه ، ~~ونظيره { وما أغني عنكم من الله من شيء } ( يوسف : 67 ) . وسيأتي لمعنى ( ~~يملك ) استعمال آخر عند قوله تعالى : { قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك ~~لكم ضرا ولا نفعا } ( المائدة : 76 ) في هذه السورة ، وسيأتي قريب من هذا ~~الاستعمال عند قوله تعالى : { ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا ~~في هذه السورة } ( المائدة : 41 ) . # وحرف الشرط من قوله : { إن أراد } مستعمل في مجرد التعليق من غير دلالة ~~على الاستقبال ، لأن إهلاك أم المسيح قد وقع بلا خلاف ، ولأن إهلاك المسيح ~~، أي موته واقع عند المجادلين بهذا الكلام ، فينبغي إرخاء العنان لهم في ~~ذلك لإقامة الحجة ، وهو أيضا واقع في قول عند جمع من علماء الإسلام الذين ~~قالوا : إن الله أماته ورفعه دون أن يمكن اليهود منه ، كما تقدم عند قوله ~~تعالى : { وما قتلوه وما صلبوه } ( النساء : 157 ) ، وقوله : { إني متوفيك ~~ورافعك إلي } ( آل عمران : 55 ) . وعليه فليس في PageV06P154 تعليق هذا ~~الشرط إشعار بالاستقبال ms2250 . والمضارع المقترن بأن وهو { أن يهلك } مستعمل في ~~مجرد المصدرية . والمراد ب { من في الأرض } حينئذ من كان في زمن المسيح ~~وأمه من أهل الأرض فقد هلكوا كلهم بالضرورة . والتقدير : من يملك أن يصد ~~الله إذ أراد إهلاك المسيح وأمه ومن في الأرض يومئذ . # ولك أن تلتزم كون الشرط للاستقبال باعتبار جعل { من في الأرض جميعا } ~~بمعنى نوع الإنسان ، فتعليق الشرط باعتبار مجموع مفاعيل { يهلك } على طريقة ~~التغليب ؛ فإن بعضها وقع هلكه وهو أم المسيح ، وبعضها لم يقع وسيقع وهو ~~إهلاك من في الأرض جميعا ، أي إهلاك جميع النوع ، لأن ذلك أمر غير واقع ~~ولكنه ممكن الوقوع . # والحاصل أن استعمال هذا الشرط من غرائب استعمال الشروط في العربية ، ~~ومرجعه إلى استعمال صيغة الشرط في معنى حقيقي ومعنى مجازي تغليبا للمعنى ~~الحقيقي ، لأن { من في الأرض } يعم الجميع وهو الأكثر . ولم يعطه المفسرون ~~حقه من البيان . وقد هلكت مريم أم المسيح عليهما السلام في زمن غير مضبوط ~~بعد رفع المسيح . # والتذييل بقوله : { ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء } ~~فيه تعظيم شأن الله تعالى . ورد آخر عليهم بأن الله هو الذي خلق السماوات ~~والأرض وملك ما فيها من قبل أن يظهر المسيح ، فالله هو الإله حقا ، وأنه ~~يخلق ما يشاء ، فهو الذي خلق المسيح خلقا غير معتاد ، فكان موجب ضلال من ~~نسب له الألوهية . وكذلك قوله : { والله على كل شيء قدير } . # # | 2 ( 18 ) { وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم ~~يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشآء ويعذب من يشآء ولله ملك ~~السماوات والارض وما بينهما وإليه المصير } . ) 2 # مقال آخر مشترك بينهم وبين اليهود يدل على غباوتهم في الكفر إذ ~~PageV06P155 يقولون ما لا يليق بعظمة الله تعالى ، ثم هو مناقض لمقالاتهم ~~الأخرى . عطف على المقال المختص بالنصارى ، وهو جملة { لقد كفر الذين قالوا ~~إن الله هو المسيح } ( المائدة : 17 ) . وقد وقع في التوراة والإنجيل ~~التعبير بأبناء الله ؛ ففي سفر التثنية أول الفصل الرابع ms2251 عشر قول موسى ( ~~أنتم أولاد للرب أبيكم ) . وأما الأناجيل فهي مملوءة بوصف الله تعالى بأبي ~~المسيح ، وبأبي المؤمنين به ، وتسمية المؤمنين أبناء الله في متى في ~~الإصحاح الثالث ( وصوت من السماء قائلا هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت ) ~~وفي الإصحاح الخامس ( طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يدعون ) . وفي ~~الإصحاح السادس ( وأبوكم السماوي يقوتها ) . وفي الإصحاح العاشر ( لأن لستم ~~أنتم المتكلمين بل روح أبيكم الذي يتكلم فيكم ) . وكلها جائية على ضرب من ~~التشبيه فتوهمها دهماؤهم حقيقة فاعتقدوا ظاهرها . # وعطف { وأحباؤه } على { أبناء الله } أنهم قصدوا أنهم أبناء محبوبون إذ ~~قد يكون الابن مغضوبا عليه . # وقد علم الله رسوله أن يبطل قولهم بنقضين : أولهما من الشريعة ، وهو قوله ~~{ قل فلم يعذبكم بذنوبكم } يعني أنهم قائلون بأن نصيبا من العذاب ينالهم ~~بذنوبهم ، فلو كانوا أبناء الله وأحباءه لما عذبهم بذنوبهم ، وشأن المحب أن ~~لا يعذب حبيبه وشأن الأب أن لا يعذب أبناءه . روي أن الشبلي سأل أبا بكر بن ~~مجاهد : أين تجد في القرآن أن المحب لا يعذب حبيبه فلم يهتد ابن مجاهد ، ~~فقال له الشبلي في قوله : { قل فلم يعذبكم بذنوبكم } . وليس المقصود من هذا ~~أن يرد عليهم بوقوع العذاب عليهم في نفس الأمر ، من تقدير العذاب لهم في ~~الآخرة على كفرهم ، لأن ذلك لا يعترفون به فلا يصلح للرد به ، إذ يصير الرد ~~مصادرة ، بل المقصود الرد عليهم بحصول عذاب يعتقدون حصوله في عقائد دينهم ، ~~سواء كان عذاب الآخرة أم عذاب الدنيا . فأما اليهود فكتبهم طافحة بذكر ~~العذاب في الدنيا والآخرة ، كما في قوله تعالى : { وقالوا لن تمسنا النار ~~إلا أياما معدودة } ( البقرة : 80 ) . وأما النصارى فلم أر في الأناجيل ~~ذكرا لعذاب الآخرة إلا أنهم قائلون في عقائدهم بأن بني PageV06P156 آدم ~~كلهم استحقوا العذاب الأخروي بخطيئة أبيهم آدم ، فجاء عيسى ابن مريم مخلصا ~~وشافعا وعرض نفسه للصلب ليكفر عن البشر خطيئتهم الموروثة ، وهذا يلزمهم ~~الاعتراف بأن العذاب كان مكتوبا على الجميع لولا كفارة عيسى فحصل الرد ~~عليهم باعتقادهم به ms2252 بله اعتقادنا . # ثم أخذت النتيجة من البرهان بقوله : { بل أنتم بشر ممن خلق } أي ينالكم ~~ما ينال سائر البشر . وفي هذا تعريض أيضا بأن المسيح بشر ، لأنه ناله ما ~~ينال البشر من الأعراض والخوف ، وزعموا أنه ناله الصلب والقتل . # وجملة قوله : { يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء } كالاحتراس ، لأنه لما رتب ~~على نوال العذاب إياهم أنهم بشر دفع توهم النصارى أن البشرية مقتضية ~~استحقاق العذاب بوراثة تبعة خطيئة آدم فقال : { يغفر لمن يشاء } ، أي من ~~البشر { ويعذب من يشاء } . # # | 2 ( 19 ) { يأهل الكتاب قد جآءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن ~~تقولوا ما جآءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شىء ~~قدير } . ) 2 # كرر الله موعظتهم ودعوتهم بعد أن بين لهم فساد عقائدهم وغرور أنفسهم ~~بيانا لا يدع للمنصف متمسكا بتلك الضلالات ، كما وعظهم ودعاهم آنفا بمثل ~~هذا عقب بيان نقضهم المواثيق . فموقع هذه الآية تكرير لموقع قوله : { يا ~~أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب } ( ~~المائدة : 15 ) الآيات ، إلا أنه ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم هنا بوصف ~~مجيئه على فترة من الرسل ليذكرهم بأن كتبهم مصرحة بمجيء رسول عقب رسلهم ، ~~وليريهم أن مجيئه لم يكن بدعا من الرسل إذ كانوا يجيئون على فتر بينهم . ~~وذكر الرسول هنالك بوصف تبيينه ما يخفونه من الكتاب لأن PageV06P157 ما ذكر ~~قبل الموعظة هنا قد دل على مساواة الرسل في البشرية ومساواة الأمم في ~~الحاجة إلى الرسالة ، وما ذكر قبل الموعظة هنالك إنما كان إنباء بأسرار ~~كتبهم وما يخفون علمه عن الناس لما فيه من مساويهم وسوء سمعتهم . وحذف ~~مفعول { يبين } لظهور أن المراد بيان الشريعة . فالكلام خطاب لأهل الكتاب ~~يتنزل منزلة تأكيد لجملة { يأهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما ~~كنتم تخفون } ( المائدة : 15 ) ، فلذلك فصلت . # وقوله : { على فترة من الرسل } حال من ضمير { يبين لكم } ، فهو ظرف مستقر ~~، ويجوز أن يكون ظرفا لغوا متعلقا ب { جاءكم ms2253 } . ويجوز تعلقه بفعل { يبين } ~~لأن البيان انقطع في مدة الفترة . # و ( على ) للاستعلاء المجازي بمعنى ( بعد ) لأن المستعلي يستقر بعد ~~استقرار ما يستعلي هو فوقه ، فشبه استقراره بعده باستعلائه عليه ، فاستعير ~~له الحرف الدال على الاستعلاء . # والفترة : انقطاع عمل ما . وحرف ( من ) في قوله : { من الرسل } للابتداء ~~، أي فترة من الزمن ابتداؤها مدة وجود الرسل ، أي أيام إرسال الرسل . # والمجيء مستعار لأمر الرسول بتبليغ الدين ، فكما سمي الرسول رسولا سمى ~~تبليغه مجيئا تشبيها بمجيء المرسل من أحد إلى آخر . # والمراد بالرسل رسل أهل الكتاب المتعاقبين من عهد موسى إلى المسيح ، أو ~~أريد المسيح خاصة . والفترة بين البعثة وبين رفع المسيح ، كانت نحو خمسمائة ~~وثمانين سنة . وأما غير أهل الكتاب فقد جاءتهم رسل مثل خالد بن سنان وحنظلة ~~بن صفوان . # و { أن تقولوا } تعليل لقوله : { قد جاءكم } لبيان بعض الحكم من بعثة ~~PageV06P158 الرسول ، وهي قطع معذرة أهل الكتاب عند مؤاخذتهم في الآخرة ، ~~أو تقريعهم في الدنيا على ما غيروا من شرائعهم ، لئلا يكون من معاذيرهم ~~أنهم اعتادوا تعاقب الرسل لإرشادهم وتجديد الديانة ، فلعلهم أن يعتذروا ~~بأنهم لما مضت عليهم فترة بدون إرسال رسول لم يتجه عليهم ملام فيما أهملوا ~~من شرعهم وأنهم لو جاءهم رسول لاهتدوا . فالمعنى أن تقولوا : ما جاءنا رسول ~~في الفترة بعد موسى أو بعد عيسى . وليس المراد أن يقولوا : ما جاءنا رسول ~~إلينا أصلا ، فإنهم لا يدعون ذلك ، وكيف وقد جاءهم موسى وعيسى . فكان قوله ~~: { أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير } تعليلا لمجيء الرسول صلى الله ~~عليه وسلم إليهم ، ومتعلقا بفعل { ما جاءنا } . ووجب تقدير لام التعليل قبل ~~( أن ) وهو تقدير يقتضيه المعنى . ومثل هذا التقدير كثير في حذف حرف الجر ~~قبل ( أن ) حذفا مطردا ، والمقام يعين الحرف المحذوف ؛ فالمحذوف هنا حرف ~~اللام . # ويشكل معنى الآية بأن علة إرسال الرسول إليهم هي انتفاء أن يقولوا { ما ~~جاءنا من بشير ولا نذير } لا إثباته كما هو واضح ، فلماذا لم يقل : أن لا ~~تقولوا ما جاءنا من ms2254 بشير ولا نذر ، وقد جاء في القرآن نظائر لهذه الآية ، ~~وفي شعر العرب كقول عمرو بن كلثوم : # فعجلنا القرى أن تشتمونا # أراد أن لا تشتمونا . فاختلف النحويون في تقدير ما به يتقوم المعنى في ~~الآيات وغيرها : فذهب البصريون إلى تقدير اسم يناسب أن يكون مفعولا لأجله ~~لفعل { جاءكم } ، وقدروه : ( كراهية أن تقولوا ) ، وعليه درج صاحب ( الكشاف ~~) ومتابعوه من جمهور المفسرين ؛ وذهب الكوفيون إلى تقدير حرف نفي محذوف بعد ~~( أن ) ، والتقدير : أن لا تقولوا ، ودرج عليه بعض المفسرين مثل البغوي ؛ ~~فيكون من إيجاز الحذف اعتمادا على قرينة السياق والمقام . وزعم ابن هشام في ~~( مغني اللبيب ) أنه تعسف ، وذكر أن بعض النحويين زعم أن من معاني ( أن ) ~~أن تكون بمعنى ( لئلا ) . PageV06P159 # وعندي : أن الذي ألجأ النحويين والمفسرين لهذا التأويل هو البناء على أن ~~( أن ) تخلص المضارع للاستقبال فتقتضي أن قول أهل الكتاب : ما جاءنا بشير ~~ولا نذير غير حاصل في حال نزول الآية ، وأنه مقدر حصوله في المستقبل . ~~ويظهر أن إفادة ( أن ) تخليص المضارع للمستقبل إفادة أكثرية وليست بمطردة ، ~~وقد ذهب إلى ذلك أبو حيان وذكر أن أبا بكر الباقلاني ذهب إليه ، بل قد تفيد ~~( أن ) مجرد المصدرية كقوله تعالى : { وأن تصوموا خير لكم } ( البقرة : 183 ~~) ، وقول امرىء القيس : # فإما تريني لا أغمض ساعة # من الليل إلا أن أكب وأنعسا # فإنه لا يريد أنه ينعس في المستقبل . وأن صرفها عن إفادة الاستقبال يعتمد ~~على القرائن ، فيكون المعنى هنا أن أهل الكتاب قد قالوا هذا العذر لمن ~~يلومهم مثل الذين اتبعوا الحنيفية ، كأمية بن أبي الصلت وزيد بن عمرو بن ~~نفيل ، أو قاله اليهود لنصارى العرب . # وقوله : { فقد جاءكم بشير ونذير } الفاء فيه للفصيحة ، وقد ظهر حسن ~~موقعها بما قررت به معنى التعليل ، أي لأن قلتم ذلك فقد بطل قولكم إذ قد ~~جاءكم بشير ونذير . ونظير هذا قول عباس بن الأحنف : # قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا # ثم القفول فقد جئنا خراسانا # # | 2 ( 20 22 ) { لله وإذ قال موسى لقومه ياقوم اذكروا نعمة ms2255 الله عليكم إذ ~~جعل فيكم أنبيآء وجعلكم ملوكا وءاتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين * ياقوم ~~ادخلوا الارض المقدسة التى كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا ~~خاسرين * قالوا ياموسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها ~~فإن يخرجوا منها فإنا داخلون } . ) 2 # PageV06P160 # عطف القصة على القصص والمواعظ . وتقدم القول في نظائر { وإذ قال } في ~~مواضع منها قوله تعالى : { وإذ قال ربك للملائكة في البقرة ( 30 ) . # ومناسبة موقع هذه الآيات هنا أن القصة مشتملة على تذكير بنعم الله تعالى ~~عليهم وحث على الوفاء بما عاقدوا الله عليه من الطاعة تمهيدا لطلب امتثالهم ~~. # وقدم موسى عليه السلام أمره لبني إسرائيل بحرب الكنعانيين بتذكيرهم بنعمة ~~الله عليهم ليهيىء نفوسهم إلى قبول هذا الأمر العظيم عليهم وليوثقهم بالنصر ~~إن قاتلوا أعداءهم ، فذكر نعمة الله عليهم ، وعد لهم ثلاث نعم عظيمة : # أولاها : } أن فيهم أنبياء ، ومعنى جعل الأنبياء فيهم فيجوز أن يكون في ~~عمود نسبهم فيما مضى مثل يوسف والأسباط وموسى وهارون ، ويجوز أن يراد جعل ~~في المخاطبين أنبياء ؛ فيحتمل أنه أراد نفسه ، وذلك بعد موت أخيه هارون ، ~~لأن هذه القصة وقعت بعد موت هارون ؛ فيكون قوله { أنبياء } جمعا أريد به ~~الجنس فاستوى الإفراد والجمع ، لأن الجنسية إذا أريدت من الجمع بطلت منه ~~الجمعية ، وهذا الجنس انحصر في فرد يومئذ ، كقوله تعالى { يحكم بها ~~النبيئون الذين أسلموا للذين هادوا } ( المائدة : 44 ) يريد محمدا صلى الله ~~عليه وسلم أو أراد من ظهر في زمن موسى من الأنبياء . فقد كانت مريم أخت ~~موسى نبيئة ، كما هو صريح التوراة ( إصحاح 15 من الخروج ) . وكذلك ألداد ~~وميداد كانا نبيئين في زمن موسى ، كما في التوراة ( إصحاح 11 سفر العدد ) . ~~وموقع النعمة في إقامة الأنبياء بينهم أن في ذلك ضمان الهدى لهم والجري على ~~مراد الله تعالى منهم ، وفيه أيضا حسن ذكر لهم بين الأمم وفي تاريخ الأجيال ~~. # والثانية : أن جعلهم ملوكا ، وهذا تشبيه بليغ ، أي كالملوك في تصرفهم في ~~أنفسهم وسلامتهم من العبودية التي ms2256 كانت عليهم للقبط ، وجعلهم سادة على ~~الأمم التي مروا بها ، من الآموربين ، والعناقيين ، والحشبونيين ، ~~والرفائيين ، والعمالقة ، والكنعانيين ، أو استعمل فعل { جعلكم } في معنى ~~الاستقبال مثل { أتى أمر الله } ( النحل : 1 ) قصدا لتحقيق الخبر ، فيكون ~~الخبر بشارة لهم بما سيكون لهم . PageV06P161 # والنعمة الثالثة : أنه آتاهم ما لم يؤت أحدا من العالمين ، وما صدق ( ما ~~) يجوز أن يكون شيئا واحدا مما خص الله به بني إسرائيل ، ويجوز أن يكون ~~مجموع أشياء إذ آتاهم الشريعة الصحيحة الواسعة الهدى المعصومة ، وأيدهم ~~بالنصر في طريقهم ، وساق إليهم رزقهم المن والسلوى أربعين سنة ، وتولى ~~تربية نفوسهم بواسطة رسله . # وقوله : { يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة } هو الغرض من الخطاب ، فهو ~~كالمقصد بعد المقدمة ، ولذلك كرر اللفظ الذي ابتدأ به مقالته وهو النداء ب ~~{ يا قوم } لزيادة استحضار أذهانهم . والأمر بالدخول أمر بالسعي في أسبابه ~~، أي تهيأوا للدخول . والأرض المقدسة بمعنى المطهرة المباركة ، أي التي ~~بارك الله فيها ، أو لأنها قدست بدفن إبراهيم عليه السلام في أول قرية من ~~قراها وهي حبرون . وهي هنا أرض كنعان من برية ( صين ) إلى مدخل ( حماة وإلى ~~حبرون ) . وهذه الأرض هي أرض فلسطين ، وهي الواقعة بين البحر الأبيض ~~المتوسط وبين نهر الأردن والبحر الميت فتنتهي إلى ( حماة ) شمالا وإلى ( ~~غزة وحبرون ) جنوبا . وفي وصفها ب { التي كتب الله } تحريض على الإقدام ~~لدخولها . # ومعنى { كتب الله } قضى وقدر ، وليس ثمة كتابة ولكنه تعبير مجازي شائع في ~~اللغة ، لأن الشيء إذا أكده الملتزم به كتبه ، كما قال الحارث بن حلزة : # وهل ينقض ما في المهارق الأهواء # فأطلقت الكتابة على ما لا سبيل لإبطاله ، وذلك أن الله وعد إبراهيم أن ~~يورثها ذريته . ووعد الله لا يخلف . # وقوله : { ولا ترتدوا على أدباركم } تحذير مما يوجب الانهزام ، لأن ~~ارتداد الجيش على الأعقاب من أكبر أسباب الانخذال . والارتداد افتعال من ~~الرد ، يقال : رده فارتد ، والرد : إرجاع السائر عن الإمضاء في سيره ~~وإعادته إلى المكان الذي PageV06P162 سار منه . والأدبار : جمع دبر ، وهو ~~الظهر . والارتداد : الرجوع ، ومعنى الرجوع على الأدبار ms2257 إلى جهة الأدبار ، ~~أي الوراء لأنهم يريدون المكان الذي يمشي عليه الماشي وهو قد كان من جهة ~~ظهره ، كما يقولون : نكص على عقبيه ، وركبوا ظهورهم ، وارتدوا على أدبارهم ~~، وعلى أعقابهم ، فعدي ب { على } الدالة على الاستعلاء ، أي استعلاء طريق ~~السير ، نزلت الأدبار التي يكون السير في جهتها منزلة الطريق الذي يسار ~~عليه . # والانقلاب : الرجوع ، وأصله الرجوع إلى المنزل قال تعالى : { فانقلبوا ~~بنعمة من الله وفضل } ( آل عمران : 174 ) . والمراد به هنا مطلق المصير . ~~وضمائر { فيها } و { منها } تعود إلى الأرض المقدسة . # وأرادوا بالقوم الجبارين في الأرض سكانها الكنعانيين ، والعمالقة ، ~~والحثيين ، واليبوسيين ، والأموريين . والجبار : القوي ، مشتق من الجبر ، ~~وهو الإلزام لأن القوي يجبر الناس على ما يريد . # وكانت جواسيس موسى الاثنا عشر الذين بعثهم لارتياد الأرض قد أخبروا القوم ~~بجودة الأرض وبقوة سكانها . وهذا كناية عن مخالفتهم من الأمم الذين يقطنون ~~الأرض المقدسة ، فامتنعوا من اقتحام القرية خوفا من أهلها ، وأكدوا ~~الامتناع من دخول أرض العدو توكيدا قويا بمدلول ( إن ) و ( لن ) في { إنا ~~لن ندخلها } تحقيقا لخوفهم . # وقوله : { فإن يخرجوا منها فإنا داخلون } تصريح بمفهوم الغاية في قوله : ~~{ وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها } لقصد تأكيد الوعد بدخولها إذا خلت من ~~الجبارين الذين فيها . # وقد أشارت هذه الآية إلى ما في الإصحاح الثالث عشر والرابع عشر من سفر ~~العدد : ( أن الله أمر موسى أن يرسل اثني عشر رجلا جواسيس يتجسسون أرض ~~كنعان التي وعدها الله بني إسرائيل من كل سبط رجلا ؛ فعين موسى اثني عشر ~~رجلا ، منهم : يوشع بن نون من سبط أفرايم ، ومنهم كالب بن يفنة من سبط ~~يهوذا ، ولم يسموا بقية الجواسيس . فجاسوا خلال الأرض من برية صين إلى حماة ~~فوجدوا الأرض ذات ثمار وأعناب ولبن وعسل ووجدوا سكانها معتزين ، ~~PageV06P163 طوال القامات ، ومدنهم حصينة . فلما سمع بنو إسرائيل ذلك وهلوا ~~وبكوا وتذمروا على موسى وقالوا : لو متنا في أرض مصر كان خيرا لنا من أن ~~تغنم نساؤنا وأطفالنا ، فقال يوشع وكالب للشعب : إن رضي الله عنا يدخلنا ~~إلى ms2258 هذه الأرض ولكن لا تعصوا الرب ولا تخافوا من أهلها ، فالله معنا . فأبى ~~القوم من دخول الأرض وغضب الله عليهم . وقال لموسى : لا يدخل أحد من سنه ~~عشرون سنة فصاعدا هذه الأرض إلا يوشع وكالبا وكلكم ستدفنون في هذا القفر ، ~~ويكون أبناؤكم رعاة فيه أربعين سنة . # $ 2 ( 23 26 ) { قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا ~~عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلو & # 1764 ا إن كنتم مؤمنين * قالوا ياموسى & # 1764 إنا لن ندخلهآ أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا & # 1764 إنا هاهنا قاعدون * قال رب إنى لا & # 1764 أملك إلا نفسى وأخى فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين * قال فإنها ~~محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون فى الارض فلا تأس على القوم الفاسقين } . ) ~~2 $ # فصلت هذه الجمل الأربع جريا على طريقة المحاورة كما بيناه سالفا في سورة ~~البقرة . والرجلان هما يوشع وكالب . ووصف الرجلان بأنهم { من الذين يخافون ~~} فيجوز أن يكون المراد بالخوف في قوله : { يخافون } الخوف من العدو ؛ ~~فيكون المراد باسم الموصول بني إسرائيل . جعل تعريفهم بالموصولية للتعريض ~~بهم بمذمة الخوف وعدم الشجاعة ، فيكون ( من ) في قوله : { من الذين يخافون ~~} اتصالية وهي التي في نحو قولهم : لست منك ولست مني ، أي ينتسبون إلى ~~الذين يخافون . وليس المعنى أنهم متصفون بالخوف بقرينة أنهم PageV06P164 ~~حرضوا قومهم على غزو العدو ، وعليه يكون قوله : { أنعم الله عليهما } أن ~~الله أنعم عليهما بالشجاعة ، فحذف متعلق فعل ( أنعم ) اكتفاء بدلالة السياق ~~عليه . ويجوز أن يكون المراد بالخوف الخوف من الله تعالى ، أي كان قولهما ~~لقومها ( ادخلوا عليهم الباب ) ناشئا عن خوفهما الله تعالى ، فيكون تعريضا ~~بأن الذين عصوهما لا يخافون الله تعالى ، ويكون قوله : { أنعم الله عليهما ~~} استئنافا بيانيا لبيان منشأ خوفهما الله تعالى ، أي الخوف من الله نعمة ~~منه عليهما . وهذا يقتضي أن الشجاعة في نصر الدين نعمة من الله على صاحبها ~~. # ومعنى { أنعم الله عليهما } أنعم عليهما بسلب الخوف من نفوسهم وبمعرفة ~~الحقيقة . # و { الباب } يجوز أن يراد ms2259 به مدخل الأرض المقدسة ، أي المسالك التي يسلك ~~منها إلى أرض كنعان ، وهو الثغر والمضيق الذي يسلك منه إلى منزل القبيلة ~~يكون بين جبلين وعرين ، إذ ليس في الأرض المأمورين بدخولها مدينة بل أرض ~~لقوله : { ادخلوا الأرض المقدسة } ، فأرادا : فإذا اجتزتم الثغر ووطئتم أرض ~~الأعداء غلبتموهم في قتالهم في ديارهم . وقد يسمى الثغر البحري بابا أيضا ، ~~مثل باب المندب ، وسموا موضعا بجهة بخاري الباب . وحمل المفسرون الباب على ~~المشهور المتعارف ، وهو باب البلد الذي في سوره ، فقالوا : أرادا باب ~~قريتهم ، أي لأن فتح مدينة الأرض يعد ملكا لجميع تلك الأرض . والظاهر أن ~~هذه القرية هي ( أريحا ) أو ( قادش ) حاضرة العمالقة يومئذ ، وهي المذكورة ~~في سورة البقرة . والباب بهذا المعنى هو دفة عظيمة متخذة من ألواح توصل ~~بجزأي جدار أو سور بكيفية تسمح لأن يكون ذلك اللوح سادا لتلك الفرجة متى ~~أريد سدها وبأن تفتح عند إرادة فتحها ؛ فيسمى السد به غلقا وإزالة السد ~~فتحا . # وبعد أن أمرا القوم باتخاذ الأسباب والوسائل أمراهم بالتوكل على الله ~~والاعتماد على وعده ونصره وخبر رسوله ، ولذلك ذيلا بقولهما : { إن كنتم ~~مؤمنين } ، لأن الشك في صدق الرسول مبطل للإيمان . PageV06P165 وإنما ~~خاطبوا موسى عقب موعظة الرجلين لهم ، رجوعا إلى إبايتهم الأولى التي شافهوا ~~بها موسى إذ قالوا : { إن فيها قوما جبارين } ، أو لقلة اكتراثهم بكلام ~~الرجلين وأكدوا الامتناع الثاني من الدخول بعد المحاورة أشد توكيد دل على ~~شدته في العربية بثلاث مؤكدات : ( إن ) ، و ( لن ) ، وكلمة ( أبدا ) . # ومعنى قولهم : { فاذهب أنت وربك فقاتلا } إن كان خطابا لموسى أنهم طلبوا ~~منه معجزة كما تعودوا من النصر فطلبوا أن يهلك الله الجبارين بدعوة موسى . ~~وقيل : أرادوا بهذا الكلام الاستخفاف بموسى ، وهذا بعيد ، لأنهم ما كانوا ~~يشكون في رسالته ، ولو أرادوا الاستخفاف لكفروا وليس في كلام موسى الواقع ~~جوابا عن مقالتهم هذه إلا وصفهم بالفاسقين . والفسق يطلق على المعصية ~~الكبيرة ، فإن عصيان أمر الله في الجهاد كبيرة ، ولذلك قال تعالى فلا تأس ~~على القوم الفاسقين ، وعن عبد الله بن ms2260 مسعود قال : أتى المقداد بن الأسود ~~النبيء وهو يدعو على المشركين يوم بدر فقال : ( يا رسول الله لا نقول كما ~~قالت بنو إسرائيل ) { فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون } الحديث . # فلا تظنن من ذلك أن هذه الآية كانت مقروءة بينهم يوم بدر ، لأن سورة ~~المائدة من آخر ما نزل ، وإنما تكلم المقداد بخبر كانوا يسمعونه من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فيما يحدثهم به عن بني إسرائيل ، ثم نزلت في هذه ~~الآية بذلك اللفظ . # ( قال ) أي موسى ، مناجيا ربه أو بمسمع منهم ليوقفهم على عدم امتثالهم ~~أمر ربهم { رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي } ، يجوز أن يكون المعنى لا أقدر ~~إلا على نفسي وأخي ، وإنما لم يعد الرجلين الذين قالا { ادخلوا عليهم الباب ~~} ، لأنه خشي أن يستهويهما قومهما . والذي في كتب اليهود أن هارون كان قد ~~توفي قبل هذه الحادثة . ويجوز أن يريد بأخيه يوشع بن نون لأنه كان ~~PageV06P166 ملازمه في شؤونه ، وسماه الله فتاه في قوله : { وإذ قال موسى ~~لفتاه } ( الكهف : 60 ) الآية . وعطفه هنا على نفسه لأنه كان محرضا للقوم ~~على دخول القرية . # ومعنى { افرق بيننا وبين القوم الفاسقين } أن لا تؤاخذنا بجرمهم ، لأنه ~~خشي أن يصيبهم عذاب في الدنيا فيهلك الجميع فطلب النجاة ، ولا يصح أن يريد ~~الفرق بينهم في الآخرة ؛ لأنه معلوم أن الله لا يؤاخذ البريء بذنب المجرم ، ~~ولأن براءة موسى وأخيه من الرضا بما فعله قومهم أمر يعلمه الله ، ويجوز أن ~~يراد بالفرق بينهم الحكم بينهم وإيقاف الضالين على غلطهم . # وقوله الله تعالى له : { فإنها محرمة عليهم أربعين سنة } الخ جواب عن قول ~~موسى { فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين } ، وهو جواب جامع لجميع ما تضمنه ~~كلام موسى ، لأن الله أعلم موسى بالعقاب الذي يصيب به الذين عصوا أمره ، ~~فسكن هاجس خوفه أن يصيبهم عذاب يعم الجميع ، وحصل العقاب لهم على العصيان ~~انتصارا لموسى . فإن قلت : هذا العقاب قد نال موسى منه ما نال قومه ، فإنه ~~بقي معهم في التيه حتى توفي ms2261 . قلت : كان ذلك هينا على موسى لأن بقاءه معهم ~~لإرشادهم وصلاحهم وهو خصيصة رسالته ، فالتعب في ذلك يزيده رفع درجة ، أما ~~هم فكانوا في مشقة . # { يتيهون } يضلون ، ومصدره التيه بفتح التاء وسكون الياء والتيه بكسر ~~التاء وسكون التحتية . وسميت المفازة تيهاء وسميت تيها . وقد بقي بنو ~~إسرائيل مقيمين في جهات ضيقة ويسيرون الهوينا على طريق غير منتظم حتى بلغوا ~~جبل ( نيبو ) على مقربة من نهر ( الأردن ) ، فهنالك توفي موسى عليه السلام ~~وهنالك دفن . ولا يعرف موضع قبره كما في نص كتاب اليهود . وما دخلوا الأرض ~~المقدسة حتى عبروا الأردن بقيادة يوشع بن نون خليفة موسى . وقد استثناه ~~الله تعالى هو وكالب بن يفنة ، لأنهما لم يقولا : لن ندخلها . وأما بقية ~~الرواد الذين أرسلهم موسى لاختبار الأرض فوافقوا قومهم في الامتناع من ~~دخولها . PageV06P167 # وقوله : { فلا تأس على القوم الفاسقين } تفريع على الإخبار بهذا العقاب ، ~~لأنه علم أن موسى يحزنه ذلك ، فنهاه عن الحزن لأنهم لا يستأهلون الحزن ~~لأجلهم لفسقهم . والأسى : الحزن ، يقال أسي كفرح إذا حزن . # $ 2 ( 27 30 ) { واتل عليهم نبأ ابنى ءادم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من ~~أحدهما ولم يتقبل من الاخر قال لاقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين * ~~لئن بسطت إلى يدك لتقتلنى مآ أنا بباسط يدى إليك لاقتلك إنى & # 1764 أخاف الله رب العالمين * إنى & # 1764 أريد أن تبوء بإثمى وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزآء الظالمين ~~* فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين } . ) 2 $ # عطف نبأ على نبإ ليكون مقدمة للتحذير من قتل النفس والحرابة والسرقة ، ~~ويتبع بتحريم الخمر وأحكام الوصية وغيرها ، وليحسن التخلص مما استطرد من ~~الأنباء والقصص التي هي مواقع عبرة وتنظم كلها في جرائر الغرور . والمناسبة ~~بينها وبين القصة التي قبلها مناسبة تماثل ومناسبة تضاد . فأما التماثل فإن ~~في كلتيهما عدم الرضا بما حكم الله تعالى : فإن بني إسرائيل عصوا أمر ~~رسولهم إياهم بالدخول إلى الأرض المقدسة ، وأحد ابني آدم عصى حكم الله ~~تعالى بعدم قبول قربانه لأنه ms2262 لم يكن من المتقين . وفي كلتيهما جرأة على ~~الله بعد المعصية ؛ فبنو إسرائيل قالوا : { اذهب أنت وربك } ( المائدة : 24 ~~) ، وابن آدم قال : لأقتلن الذي تقبل الله منه . وأما التضاد فإن في ~~إحداهما إقداما مذموما من ابن آدم ، وإحجاما مذموما من بني إسرائيل ، وإن ~~في إحداهما اتفاق أخوين هما موسى وأخوه على امتثال أمر الله تعالى ، وفي ~~الأخرى اختلاف أخوين بالصلاح والفساد . # ومعنى { ابني آدم } هنا ولداه . وأما ابن آدم مفردا فقد يراد به واحد من ~~البشر PageV06P168 نحو : ( يا بن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ) ، أو ~~مجموعا نحو { يا بني آدم خذوا زينتكم } ( الأعراف : 31 ) . # والباء في قوله : { بالحق } للملابسة متعلقا ب { اتل } . والمراد من الحق ~~هنا الصدق من حق الشيء إذا ثبت ، والصدق هو الثابت ، والكذب لا ثبوت له في ~~الواقع ، كما قال : { نحن نقص عليك نبأهم بالحق } ( الكهف : 13 ) . ويصح أن ~~يكون الحق ضد الباطل وهو الجد غير الهزل ، أي اتل هذا النبأ متلبسا بالحق ، ~~أي بالغرض الصحيح لا لمجرد التفكه واللهو . ويحتمل أن يكون قوله { بالحق } ~~مشيرا إلى ما خف بالقصة من زيادات زادها أهل القصص من بني إسرائيل في أسباب ~~قتل أحد الأخوين أخاه . # { وإذ } ظرف زمان ل { نبأ } ، أي خبرهما الحاصل وقت تقريبهما قربانا ، ~~فينتصب ( إذ ) على المفعول فيه . # وفعل { قربا } هنا مشتق من القربان الذي صار بمنزلة الاسم الجامد ، وأصله ~~مصدر كالشكران والغفران والكفران ، يسمى به ما يتقرب به المرء إلى ربه من ~~صدقة أو نسك أو صلاة ، فاشتق من القرآن قرب ، كما اشتق من النسك نسك ، ومن ~~الأضحية ضحى ، ومن العقيقة عق . وليس { قربا } هنا بمعنى أدنيا إذ لا معنى ~~لذلك هنا . # وفي التوراة هما ( قايين ) والعرب يسمونه قابيل وأخوه ( هابيل ) . وكان ~~قابيل فلاحا في الأرض ، وكان هابيل راعيا للغنم ، فقرب قابيل من ثمار حرثه ~~قربانا وقرب هابيل من أبكار غنمه قربانا . ولا ندري هل كان القربان عندهم ~~يعطى للفقراء ونحوهم أو كان يترك للناس عامة . فتقبل الله قربان هابيل ولم ~~يتقبل ms2263 قربان قابيل . والظاهر أن قبول قربان أحدهما دون الآخر حصل بوحي من ~~الله لآدم . وإنما لم يتقبل الله قربان قابيل لأنه لم يكن رجلا صالحا بل ~~كانت له خطايا . وقيل : كان كافرا ، وهذا ينافي كونه يقرب قربانا . # وأفرد القربان في الآية لإرادة الجنس ، وإنما قرب كل واحد منهما ~~PageV06P169 قربانا وليس هو قربانا مشتركا . ولم يسم الله تعالى المتقبل ~~منه والذي لم يتقبل منه إذ لا جدوى لذلك في موقع العبرة . وإنما حمله على ~~قتل أخيه حسده على مزية القبول . والحسد أول جريمة ظهرت في الأرض . # وقوله في الجواب { إنما يتقبل الله من المتقين } موعظة وتعريض وتنصل مما ~~يوجب قتله . يقول : القبول فعل الله لا فعل غيره ، وهو يتقبل من المتقي لا ~~من غيره . يعرض به أنه ليس بتقي ، ولذلك لم يتقبل الله منه . وآية ذلك أنه ~~يضمر قتل النفس . ولذا فلا ذنب ، لمن تقبل الله قربانه ، يستوجب القتل . ~~وقد أفاد قول ابن آدم حصر القبول في أعمال المتقين . فإذا كان المراد من ~~المتقين معناه المعروف شرعا المحكي بلفظه الدال عليه مراد ابن آدم كان مفاد ~~الحصر أن عمل غير المتقي لا يقبل ؛ فيحتمل أن هذا كان شريعتهم ، ثم نسخ في ~~الإسلام بقبول الحسنات من المؤمن وإن لم يكن متقيا في سائر أحواله ؛ ويحتمل ~~أن يراد بالمتقين المخلصون في العمل ، فيكون عدم القبول أمارة على عدم ~~الإخلاص ، وفيه إخراج لفظ التقوى عن المتعارف ؛ ويحتمل أن يريد بالتقبل ~~تقبلا خاصا ، وهو التقبل التام الدال عليه احتراق القربان ، فيكون على حد ~~قوله تعالى : { هدى للمتقين } ( البقرة : 2 ) ، أي هدى كاملا لهم ، وقوله : ~~{ والآخرة عند ربك للمتقين } ( الزخرف : 35 ) ، أي الآخرة الكاملة ؛ ويحتمل ~~أن يريد تقبل القرابين خاصة ؛ ويحتمل أن يراد المتقين بالقربان ، أي ~~المريدين به تقوى الله ، وأن أخاه أراد بقربانه بأنه المباهاة . ومعنى هذا ~~الحصر أن الله لا يتقبل من غير المتقين وكان ذلك شرع زمانهم . # وقوله : { لئن بسطت إلي يدك لتقتلني } الخ موعظة لأخيه ليذكره خطر هذا ~~الجرم الذي أقدم عليه ms2264 . وفيه إشعار بأنه يستطيع دفاعه ولكنه منعه منه خوف ~~الله تعالى . والظاهر أن هذا اجتهاد من هابيل في استعظام جرم قتل النفس ، ~~ولو كان القتل دفاعا . وقد علم الأخوان ما هو القتل بما يعرفانه من ذبح ~~PageV06P170 الحيوان والصيد ، فكان القتل معروفا لهما ، ولهذا عزم عليه ~~قابيل ، فرأى هابيل للنفوس حرمة ولو كانت ظالمة ، ورأى في الاستسلام لطالب ~~قتله إبقاء على حفظ النفوس لإكمال مراد الله من تعمير الأرض . ويمكن أن ~~يكونا تلقيا من أبيهما الوصاية بحفظ النفوس صغيرها وكبيرها ولو كان في وقت ~~الدفاع ، ولذلك قال : { إني أخاف الله رب العالمين } . فقوله : { إني أخاف ~~الله } يدل على أن الدفاع بما يفضي إلى القتل كان محرما وأن هذا شريعة ~~منسوخة لأن الشرائع تبيح للمعتدى عليه أن يدافع عن نفسه ولو بقتل المعتدي ، ~~ولكنه لا يتجاوز الحد الذي يحصل به الدفاع . وأما حديث ( إذا التقى ~~المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار ) فذلك في القتال على الملك ~~وقصد التغالب الذي ينكف فيه المعتدي بتسليم الآخر له ؛ فأمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أصلح الفريقين بالتسليم للآخر وحمل التبعة عليه تجنبا ~~للفتنة ، وهو الموقف الذي وقفه عثمان رضي الله عنه رجاء الصلاح . # ومعنى { أريد } : أريد من إمساكي عن الدفاع . وأطلقت الإرادة على العزم ~~كما في قوله تعالى : { قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين } ( القصص : ~~27 ) ، وقوله : { يريد الله بكم اليسر } ( البقرة : 185 ) . فالجملة تعليل ~~للتي قبلها ، ولذلك فصلت وافتتحت ب ( إن ) المشعرة بالتعليل بمعنى فاء ~~التفريع . # و { تبوء } ترجع ، وهو رجوع مجازي ، أي تكتسب ذلك من فعلك ، فكأنه خرج ~~يسعى لنفسه فباء بإثمين . والأظهر في معنى قوله { بإثمي } ما له من الآثام ~~الفارطة في عمره ، أي أرجو أن يغفر لي وتحمل ذنوبي عليك . وفي الحديث : ( ~~يؤتى بالظالم والمظلوم يوم القيامة فيؤخذ من حسنات الظالم فيزاد في حسنات ~~المظلوم حتى ينتصف فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات المظلوم فتطرح عليه ) ~~. رواه مسلم . فإن كان قد قال هذا عن علم من ms2265 وحي فقد كان مثل ما شرع في ~~PageV06P171 الإسلام ، وإن كان قد قاله عن اجتهاد فقد أصاب في اجتهاده ~~وإلهامه ونطق عن مثل نبوءة . # ومصدر { أن تبوء } هو مفعول { أريد } ، أي أريد من الإمساك عن أن أقتلك ~~إن أقدمت على قتلي أريد أن يقع إثمي عليك ، فإثم مراد به الجنس ، أي ما عسى ~~أن يكون له من إثم . وقد أراد بهذا موعظة أخيه ، ولذلك عطف عليه قوله : { ~~وإثمك } تذكيرا له بفظاعة عاقبة فعلته ، كقوله تعالى : { ليحملوا أوزارهم ~~كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم } ( النحل : 25 ) . ~~فعطف قوله : { وإثمك } إدماج بذكر ما يحصل في نفس الأمر وليس هو مما يريده ~~. وكذلك قوله : { فنكون من أصحاب النار } تذكيرا لأخيه بما عسى أن يكفه عن ~~الاعتداء . ومعنى { من أصحاب النار } أي ممن يطول عذابه في النار ، لأن ~~أصحاب النار هم ملازموها . # وقوله : { فطوعت له نفسه قتل أخيه } دلت الفاء على التفريع والتعقيب ، ~~ودل ( طوع ) على حدوث تردد في نفس قابيل ومغالبة بين دافع الحسد ودافع ~~الخشية ، فعلمنا أن المفرع عنه محذوف ، تقديره : فتردد مليا ، أو فترصد ~~فرصا فطوعت له نفسه . فقد قيل : إنه بقي زمانا يتربص بأخيه ، ( وطوع ) ~~معناه جعله طائعا ، أي مكنه من المطوع . والطوع والطواعية : ضد الإكراه ، ~~والتطويع : محاولة الطوع . شبه قتل أخيه بشيء متعاص عن قابيل ولا يطيعه ~~بسبب معارضة التعقل والخشية . وشبهت داعية القتل في نفس قابيل بشخص يعينه ~~ويذلل له القتل المتعاصي ، فكان ( طوعت ) استعارة تمثيلية ، والمعنى الحاصل ~~من هذا التمثيل أن نفس قابيل سولت له قتل أخيه بعد ممانعة . وقد سلك في ~~قوله : { فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله } مسلك الإطناب ، وكان مقتضى ~~الإيجاز أن يحذف { فطوعت له نفسه قتل أخيه } ويقتصر على قوله { فقتله } لكن ~~عدل عن ذلك لقصد تفظيع حالة القاتل في تصوير خواطره الشريرة وقساوة قلبه ، ~~إذ حدثه بقتل من كان شأنه الرحمة به والرفق ، فلم يكن ذلك إطنابا . ~~PageV06P172 # ومعنى { فأصبح من الخاسرين } صار ، ويكون المراد بالخسارة هنا خسارة ~~الآخرة ، أي صار ms2266 بذلك القتل ممن خسر الآخرة ، ويجوز إبقاء ( أصبح ) على ~~ظاهرها ، أي غدا خاسرا في الدنيا ، والمراد بالخسارة ما يبدو على الجاني من ~~الاضطراب وسوء الحالة وخيبة الرجاء ، فتفيد أن القتل وقع في الصباح . # # | 2 ( 31 ) { فبعث الله غرابا يبحث فى الارض ليريه كيف يوارى سوءة أخيه ~~قال ياويلتا أعجزت أن أكون مثل هاذا الغراب فأواري سوءة أخى فأصبح من ~~النادمين } . ) 2 # { فبعث الله غرابا يبحث فى الارض ليريه كيف يوارى سوءة أخيه قال ياويلتا ~~أعجزت أن أكون مثل هاذا الغراب فأواري سوءة أخى فأصبح من النادمين } . # البعث هنا مستعمل في الإلهام بالطيران إلى ذلك المكان ، أي فألهم الله ~~غرابا ينزل بحيث يراه قابيل . وكأن اختيار الغراب لهذا العمل إما لأن الدفن ~~حيلة في الغربان من قبل ، وإما لأن الله اختاره لذلك لمناسبة ما يعتري ~~الناظر إلى سواد لونه من الانقباض بما للأسيف الخاسر من انقباض النفس . ~~ولعل هذا هو الأصل في تشاؤم العرب بالغراب ، فقالوا : غراب البين . # والضمير المستتر في ( يريه ) إن كان عائدا إلى اسم الجلالة فالتعليل ~~المستفاد من اللام وإسناد الإرادة حقيقتان ، وإن كان عائدا إلى الغراب ~~فاللام مستعملة في معنى فاء التفريع ، وإسناد الإرادة إلى الغراب مجاز ، ~~لأنه سبب الرؤية فكأنه مريء . و { كيف } يجوز أن تكون مجردة عن الاستفهام ~~مرادا منها الكيفية ، أو للاستفهام ، والمعنى : ليريه جواب كيف يواري . # والسوأة : ما تسوء رؤيته ، وهي هنا تغير رائحة القتيل وتقطع جسمه . # وكلمة { يا ويلتا } من صيغ الاستغاثة المستعملة في التعجب ، وأصله يا ~~لويلتي ، فعوضت الألف عن لام الاستغاثة نحو قولهم : يا عجبا ، ويجوز أن ~~يجعل الألف عوضا عن ياء المتكلم ، وهي لغة ، ويكون النداء مجازا بتنزيل ~~الويلة منزلة ما ينادى ، كقوله : { يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله } ( ~~الزمر : 56 ) . PageV06P173 والاستفهام في { أعجزت } إنكاري . # وهذا المشهد العظيم هو مشهد أول حضارة في البشر ، وهي من قبيل طلب ستر ~~المشاهد المكروهة . وهو أيضا مشهد أولل علمم اكتسبه البشر بالتقليد ~~وبالتجربة ، وهو أيضا مشهد أول مظاهر تلقي البشر ms2267 معارفه من عوالم أضعف منه ~~كما تشبه الناس بالحيوان في الزينة ، فلبسوا الجلود الحسنة الملونة وتكللوا ~~بالريش الملون وبالزهور والحجارة الكريمة ، فكم في هذه الآية من عبرة ~~للتاريخ والدين والخلق . # { فأصبح من النادمين } . # القول فيه كالقول في { فأصبح من الخاسرين } ( المائدة : 30 ) . ومعنى { ~~من النادمين } أصبح نادما أشد ندامة ، لأن { من النادمين } أدل على تمكن ~~الندامة من نفسه ، من أن يقال ( نادما ) . كما تقدم عند قوله تعالى : { ~~وكان من الكافرين } ( البقرة : 34 ) وقوله : { فتكونا من الظالمين في سورة ~~البقرة ( 35 ) . # والندم أسف الفاعل على فعل صدر منه ؛ لم يتفطن لما فيه عليه من مضرة قال ~~تعالى : أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين } ( الحجرات : ~~6 ) ، أي ندم على ما اقترف من قتل أخيه إذ رأى الغراب يحتفل بإكرام أخيه ~~الميت ورأى نفسه يجترىء على قتل أخيه ، وما إسراعه إلى تقليد الغراب في دفن ~~أخيه إلا مبدأ الندامة وحب الكرامة لأخيه . # ويحتمل أن هذا الندم لم يكن ناشئا عن خوف عذاب الله ولا قصد توبة ، فلذلك ~~لم ينفعه . فجاء في الصحيح ( ما من نفس تقتل ظلما إلا كان على ابنن آدم ~~الأول كفل من دمها ذلك لأنه أول من سن القتل ) . ويحتمل أن يكون دليلا لمن ~~قالوا : إن القاتل لا تقبل توبته وهو مروي عن ابن عباس ، وقد تقدم عند قوله ~~تعالى : { ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها الآية من سورة ~~النساء ( 93 ) . # PageV06P174 $ 2 ( 32 ) من أجل ذالك كتبنا على بنى & # 1764 إسراءيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد فى الارض فكأنما قتل ~~الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ولقد جآءتهم رسلنا ~~بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذالك فى الارض لمسرفون } . ) 2 $ ( مكرر : # { من أجل ذالك كتبنا على بنى & # 1764 إسراءيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد فى الارض فكأنما قتل ~~الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ولقد جآءتهم رسلنا ~~بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذالك فى ms2268 الارض لمسرفون } . ) # يتعين أن يكون { من أجل ذلك } تعليلا ل { كتبنا } ، وهو مبدأ الجملة ، ~~ويكون منتهى التي قبلها قوله : { من النادمين } ( المائدة : 31 ) . وليس ~~قوله { من أجل ذلك } معلقا ب ( النادمين ) تعليلا له للاستغناء عنه بمفاد ~~الفاء في قوله { فأصبح } ( المائدة : 31 ) . # و { من } للابتداء ، والأجل الجراء والتسبب أصله مصدر أجل يأجل ويأجل ~~كنصر وضرب بمعنى جنى واكتسب . وقيل : هو خاص باكتساب الجريمة ، فيكون ~~مرادفا لجنى وجرم ، ومنه الجناية والجريمة ، غير أن العرب توسعوا فأطلقوا ~~الأجل على المكتسب مطلقا بعلاقة الإطلاق . والابتداء الذي استعملت له ( من ~~) هنا مجازي ، شبه سبب الشيء بابتداء صدوره ، وهو مثار قولهم : إن من معاني ~~( من ) التعليل ، فإن كثرة دخولها على كلمة ( أجل ) أحدث فيها معنى التعليل ~~، وكثر حذف كلمة أجل بعدها محدث فيها معنى التعليل ، كما في قول الأعشى : # فآليت لا أرثي لها من كلالة # ولا من حفى حتى ألاقي محمدا # واستفيد التعليل من مفاد الجملة . وكان التعليل بكلمة من أجل أقوى منه ~~بمجرد اللام ، ولذلك اختير هنا ليدل على أن هذه الواقعة كانت هي السبب في ~~تهويل أمر القتل وإظهار مثالبه . وفي ذكر اسم الإشارة وهو خصوص { ذلك } قصد ~~استيعاب جميع المذكور . PageV06P175 # وقرأ الجمهور { من أجل ذلك } بسكون نون ( من ) وإظهار همزة ( أجل ) . ~~وقراءة ورش عن نافع بفتح النون وحذف همزة أجل على طريقته . وقرأ أبو جعفر { ~~منن اجل ذلك } بكسر نون ( من ) وحذفف همزة أجل بعد نقل حركتها إلى النون ~~فصارت غير منطوق بها . # ومعنى { كتبنا } شرعنا كقوله { كتب عليكم الصيام } ( البقرة : 183 ) . ~~ومفعول { كتبنا } مضمون جملة { أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض ~~فكأنما قتل الناس جميعا } . و ( أن ) من قوله { أنه } بفتح الهمزة أخت ( إن ~~) المكسورة الهمزة وهي تفيد المصدرية ، وضمير ( أنه ) ضمير الشأن ، أي ~~كتبنا عليهم شأنا مهما هو مماثلة قتل نفس واحدة بغير حق لقتل القاتل الناس ~~أجمعين . # ووجه تحصيل هذا المعنى من هذا التركيب يتضح ببيان موقع حرف ( أن ) ~~المفتوح الهمزة المشدد النون ، فهذا الحرف ms2269 لا يقع في الكلام إلا معمولا ~~لعامل قبله يقتضيه ، فتعين أن الجملة بعد ( أن ) بمنزلة المفرد المعمول ~~للعامل ، فلزم أن الجملة بعد ( أن ) مؤولة بمصدر يسبك ، أي يؤخذ من خبر ( ~~أن ) . # وقد اتفق علماء العربية على كون ( أن ) المفتوحة الهمزة المشددة النون ~~أختا لحرف ( إن ) المكسورة الهمزة ، وأنها تفيد التأكيد مثل أختها . # واتفقوا على كون ( أن ) المفتوحة الهمزة من الموصولات الحرفية الخمسة ~~التي يسبك مدخولها بمصدر . وبهذا تزيد ( أن ) المفتوحة على ( إن ) المكسورة ~~. وخبر ( أن ) في هذه الآية جملة { من قتل نفسا بغير نفس } الخ . وهي مع ~~ذلك مفسرة لضمير الشأن . ومفعول { كتبنا } مأخوذ من جملة الشرط وجوابه ، ~~وتقديره : كتبنا مشابهة قتل نفس بغير نفس الخ بقتل الناس أجمعين في عظيم ~~الجرم . PageV06P176 # وعلى هذا الوجه جرى كلام المفسرين والنحويين . ووقع في ( لسان العرب ) عن ~~الفراء ما حاصله : إذا جاءت ( أن ) بعد القول وما تصرف منه وكانت تفسيرا ~~للقول ولم تكن حكاية له نصبتها ( أي فتحت همزتها ) ، مثل قولك : قد قلت لك ~~كلاما حسنا أن أباك شريف ، تفتح ( أن ) لأنها فسرت ( كلاما ) ، وهو منصوب ، ~~( أي مفعول لفعل قلت ) فمفسره منصوب أيضا على المفعولية لأن البيان له ~~إعراب المبين . فالفراء يثبت لحرف ( أن ) معنى التفسير علاوة على ما يثبته ~~له جميع النحويين من معنى المصدرية ، فصار حرف ( أن ) بالجمع بين القولين ~~دالا على معنى التأكيد باطراد ودالا معه على معنى المصدرية تارة وعلى معنى ~~التفسير تارة أخرى بحسب اختلاف المقام . ولعل الفراء ينحو إلى أن حرف ( أن ~~) المفتوحة الهمزة مركب من حرفين هما حرف ( إن ) المكسورة الهمزة المشددة ~~النون ، وحرف ( أن ) المفتوحة الهمزة الساكنة النون التي تكون تارة مصدرية ~~وتارة تفسيرية ؛ ففتح همزته لاعتبار تركيبه من ( أن ) المفتوحة الهمزة ~~الساكنة النون مصدرية أو تفسيرية ، وتشديد نونه لاعتبار تركيبه من ( إن ) ~~المكسورة الهمزة المشددة النون ، وأصله و ( أن إن ) فلما ركبا تداخلت ~~حروفهما ، كما قال بعض النحويين : إن أصل ( لن ) ( لا أن ) . # وهذا بيان أن قتل النفس بغير حق جرم فظيع ، كفظاعة قتل ms2270 الناس كلهم . ~~والمقصود التوطئة لمشروعية القصاص المصرح به في الآية الآتية { وكتبنا ~~عليهم فيها أن النفس بالنفس } ( المائدة : 45 ) الآية . # والمقصود من الإخبار بما كتب على بني إسرائيل بيان للمسلمين أن حكم ~~القصاص شرع سالف ومراد لله قديم ، لأن لمعرفة تاريخ الشرائع تبصرة ~~للمتفقهين وتطمينا لنفوس المخاطبين وإزالة لما عسى أن يعترض من الشبه في ~~أحكام خفيت مصالحها ، كمشروعية القصاص ، فإنه قد يبدو للأنظار القاصرة أنه ~~مداواة بمثل الداء المتداوى منه حتى دعا ذلك الاشتباه بعض الأمم إلى إبطال ~~حكم القصاص بعلة أنهم لا يعاقبون المذنب بذنب آخر ، وهي غفلة دق مسلكها عن ~~انحصار الارتداع عن القتل في تحقق المجازاة بالقتل ؛ لأن PageV06P177 ~~النفوس جبلت على حب البقاء وعلى حب إرضاء القوة الغضبية ، فإذا علم عند ~~الغضب أنه إذا قتل فجزاؤه القتل ارتدع ، وإذا طمع في أن يكون الجزاء دون ~~القتل أقدم على إرضاء قوته الغضبية ، ثم علل نفسه بأن ما دون القصاص يمكن ~~الصبر عليه والتفادي منه . وقد كثر ذلك عند العرب وشاع في أقوالهم وأعمالهم ~~، قال قائلهم ، وهو قيس بن زهير العبسي : # شفيت النفس من حمل بن بدر # وسيفي من حذيفة قد شفاني # ولذلك قال الله تعالى : { ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب } ( ~~البقرة : 179 ) . # ومعنى التشبيه في قوله : { فكأنما قتل الناس جميعا } حث جميع الأمة على ~~تعقب قاتل النفس وأخذه أينما ثقف والامتناع من إيوائه أو الستر عليه ، كل ~~مخاطب على حسب مقدرته وبقدر بسطة يده في الأرض ، من ولاة الأمور إلى عامة ~~الناس . فالمقصود من ذلك التشبيه تهويل القتل وليس المقصود أنه قد قتل ~~الناس جميعا ، ألا ترى أنه قابل للعفو من خصوص أولياء الدم دون بقية الناس ~~. على أن فيه معنى نفسانيا جليلا ، وهو أن الداعي الذي يقدم بالقاتل على ~~القتل يرجع إلى ترجيح إرضاء الداعي النفساني الناشىء عن الغضب وحب الانتقام ~~على دواعي احترام الحق وزجر النفس والنظر في عواقب الفعل من نظم العالم ، ~~فالذي كان من حيلته ترجيح ذلك الداعي الطفيف على جملة ms2271 هذه المعاني الشريفة ~~فذلك ذو نفس يوشك أن تدعوه دوما إلى هضم الحقوق ، فكلما سنحت له الفرصة قتل ~~، ولو دعته أن يقتل الناس جميعا لفعل . ولك أن تجعل المقصد من التشبيه ~~توجيه حكم القصاص وحقيته ، وأنه منظور فيه لحق المقتول بحيث لو تمكن لما ~~رضي إلا بجزاء قاتله بمثل جرمه ؛ فلا يتعجب أحد من حكم القصاص قائلا : كيف ~~نصلح العالم بمثل ما فسد به ، وكيف نداوي الداء بداء آخر ، فبين لهم أن ~~قاتل النفس عند ولي المقتول كأنما قتل الناس جميعا . وقد ذكرت وجوه في بيان ~~معنى التشبيه لا يقبلها النظر . # ومعنى { ومن أحياها } من استنقذها من الموت ، لظهور أن الإحياء بعد الموت ~~PageV06P178 ليس من مقدور الناس ، أي ومن اهتم باستنقاذها والذب عنها ~~فكأنما أحيى الناس جميعا بذلك التوجيه الذي بيناه آنفا ، أو من غلب وازع ~~الشرع والحكمة على داعي الغضب والشهوة فانكف عن القتل عند الغضب . # { ولقد جآءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذالك فى الارض ~~لمسرفون } . # تذييل لحكم شرع القصاص على بني إسرائيل ، وهو خبر مستعمل كناية عن ~~إعراضهم عن الشريعة ، وأنهم مع ما شدد عليهم في شأن القتل ولم يزالوا ~~يقتلون ، كما أشعر به قوله { بعد ذلك } ، أي بعد أن جاءتهم رسلنا بالبينات ~~. وحذف متعلق ( مسرفون ) لقصد التعميم . والمراد مسرفون في المفاسد التي ~~منها قتل الأنفس بقرينة قوله : { في الأرض } ، فقد كثر في استعمال القرآن ~~ذكر { في الأرض } ( البقرة : 60 ) مع ذكر الإفساد . # وجملة { ثم إن كثيرا منهم } عطف على جملة { ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات } ~~. و ( ثم ) للتراخي في الرتبة ، لأن مجيء الرسل بالبينات شأن عجيب ، ~~والإسراف في الأرض بعد تلك البينات أعجب . وذكر { في الأرض } لتصوير هذا ~~الإسراف عند السامع وتفظيعه ، كما في قوله تعالى : { ولا تفسدوا في الأرض ~~بعد إصلاحها } ( الأعراف : 56 ) . وتقديم { في الأرض } للاهتمام وهو يفيد ~~زيادة تفظيع الإسراف فيها مع أهمية شأنها . # وقرأ الجمهور { رسلنا } بضم السين . وقرأه أبو عمرو ويعقوب بإسكان السين ~~. # $ 2 ( 33 ، 34 ) { إنما جزآء الذين يحاربون ms2272 الله ورسوله ويسعون فى الارض ~~فسادا أن يقتلو & # 1764 ا أو يصلبو & # 1764 ا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف PageV06P179 أو ينفوا من الارض ~~ذالك لهم خزى فى الدنيا ولهم فى الاخرة عذاب عظيم * إلا الذين تابوا من قبل ~~أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم } . ) 2 $ # تخلص إلى تشريع عقاب المحاربين ، وهم ضرب من الجناة بجناية القتل . ولا ~~علاقة لهذه الآية ولا التي بعدها بأخبار بني إسرائيل . نزلت هذه الآية في ~~شأن حكم النبي صلى الله عليه وسلم في العرنيين ، وبه يشعر صنيع البخاري إذ ~~ترجم بهذه الآية من كتاب التفسير ، وأخرج عقبه حديث أنس بن مالك في ~~العرنيين . ونص الحديث من مواضع من صحيحه : ( قدم على النبيء صلى الله عليه ~~وسلم نفر من عكلل وعرينة فأسلموا ثم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقالوا قد استوخمنا هذه الأرض ، فقال لهم : هذه نعم لنا فاخرجوا فيها ~~فاشربوا ألبانها وأبوالها . فخرجوا فيها فشربوا من أبوالها وألبانها ~~واستصحوا ، فمالوا على الراعي فقتلوه واطردوا الذود وارتدوا . فبعث رسول ~~الله في آثارهم ، بعث جرير بن عبد الله في خيل فأدركوهم وقد أشرفوا على ~~بلادهم ، فما ترجل النهار حتى جيء بهم ، فأمر بهم ، فقطعت أيديهم وأرجلهم ~~وسملت أعينهم بمسامير أحميت ، ثم حبسهم حتى ماتوا . وقيل : أمر بهم فألقوا ~~في الحرة يستسقون فما يسقون حتى ماتوا . قال جماعة : وكان ذلك سنة ست من ~~الهجرة ، كان هذا قبل أن تنزل آية المائدة . نقل ذلك مولى ابنن الطلاع في ~~كتاب ( الأقضية المأثورة ) بسنده إلى ابن جبير وابن سيرين ، وعلى هذا يكون ~~نزولها نسخا للحد الذي أقامه النبيء صلى الله عليه وسلم سواء كان عن وحي أم ~~عن اجتهاد منه ، لأنه لما اجتهد ولم يغيره الله عليه قبل وقوع العمل ~~PageV06P180 به فقد تقرر به شرع . وإنما أذن الله له بذلك العقاب الشديد ~~لأنهم أرادوا أن يكونوا قدوة للمشركين في التحيل بإظهار الإسلام للتوصل إلى ~~الكيد للمسلمين ، ولأنهم جمعوا في فعلهم جنايات كثيرة . قال أبو قلابة : ~~فماذا ms2273 يستبقى من هؤلاء قتلوا النفس وحاربوا الله ورسوله وخوفوا رسول الله . ~~وفي رواية للطبري : نزلت في قوم من أهل الكتاب كان بينهم وبين المسلمين عهد ~~فنقضوه وقطعوا السبيل وأفسدوا في الأرض . رواه عن ابن عباس والضحاك . ~~والصحيح الأول . وأياما كان فقد نسخ ذلك بهذه الآية . # فالحصر ب { إنما } في قوله { إنما جزاء الذين يحاربون } الخ على أصح ~~الروايتين في سبب نزول الآية حصر إضافي ، وهو قصر قلب لإبطال أي لنسخ ~~العقاب الذي أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم على العرنيين ، وعلى ما رواه ~~الطبري عن ابن عباس فالحصر أن لا جزاء لهم إلا ذلك ، فيكون المقصود من ~~القصر حينئذ أن لا ينقص عن ذلك الجزاء وهو أحد الأمور الأربعة . وقد يكون ~~الحصر لرد اعتقاد مقدر وهو اعتقاد من يستعظم هذا الجزاء ويميل إلى التخفيف ~~منه . وكذلك يكون إذا كانت الآية غير نازلة على سبب أصلا . # وأياما كان سبب النزول فإن الآية تقتضي وجوب عقاب المحاربين بما ذكر الله ~~فيها ، لأن الحصر يفيد تأكيد النسبة . والتأكيد يصلح أن يعد في أمارات وجوب ~~الفل المعدود بعضها في أصول الفقه لأنه يجعل الحكم جازما . # ومعنى { يحاربون } أنهم يكونون مقاتلين بالسلاح عدوانا لقصد المغنم كشأن ~~المحارب المبادي ، لأن حقيقة الحرب القتال . ومعنى محاربة الله محاربة شرعه ~~وقصد الاعتداء على أحكامه ، وقد علم أن الله لا يحاربه أحد فذكره في ~~المحاربة لتشنيع أمرها بأنها محاربة لمن يغضب الله لمحاربته ، وهو الرسول ~~صلى الله عليه وسلم والمراد بمحاربة الرسول الاعتداء على حكمه وسلطانه ، ~~فإن العرنيين اعتدوا على نعم رسول الله صلى الله عليه وسلم المتخذة لتجهيز ~~جيوش المسلمين ، وهو قد امتن عليهم بالانتفاع بها فلم يراعوا ذلك لكفرهم ~~فما عاقب به PageV06P181 الرسول العرنيين كان عقابا على محاربة خاصة هي من ~~صريح البغض للإسلام . ثم إن الله شرع حكما للمحاربة التي تقع في زمن رسول ~~الله وبعده ، وسوى عقوبتها ، فتعين أن يصير تأويل { يحاربون الله ورسوله } ~~المحاربة لجماعة المسلمين . وجعل لها جزاء عين جزاء الردة ، لأن ms2274 الردة لها ~~جزاء آخر فعلمنا أن الجزاء لأجل المحاربة . ومن أجل ذلك اعتبره العلماء ~~جزاء لمن يأتي هذه الجريمة من المسلمين ، ولهذا لم يجعله الله جزاء للكفار ~~الذين حاربوا الرسول لأجل عناد الدين ، فلهذا المعنى عدي { يحاربون } إلى { ~~الله ورسوله } ليظهر أنهم لم يقصدوا حرب معين من الناس ولا حرب صف . # وعطف { ويسعون في الأرض فسادا } لبيان القصد من حربهم الله ورسوله ، فصار ~~الجزتء على مجموع الأمرين ، فمجموع الأمرين سبب مركب للعقوبة ، وكل واحد من ~~الأمرين جزء سبب لا يقتضي هذه العقوبة بخصوصها . # وقد اختلف العلماء في حقيقة الحرابة ؛ فقال مالك : هي حمل السلاح على ~~الناس لأخذ أموالهم دون نائرة ولا دخل ولا عداوة أي بين المحارب بالكسر ~~وبين المحارب بالفتح ، سواء في البادية أو في المصر ، وقال به الشافعي وأبو ~~ثور . وقيل : لا يكون المحارب في المصر محاربا ، وهو قول أبي حنيفة وسفيان ~~الثوري وإسحاق . والذي نظر إليه مالك هو عموم معنى لفظ الحرابة ، والذي نظر ~~إليه مخالفوه هو الغالب في العرف لندرة الحرابة في المصر . وقد كانت نزلت ~~بتونس قضية لص اسمه ( وناس ) أخاف أهل تونس بحيله في السرقة ، وكان يحمل ~~السلاح فحكم عليه بحكم المحارب في مدة الأمير محمد الصادق باي وقتل شنقا ~~بباب سويقة . # ومعنى { يسعون في الأرض فسادا } أنهم يكتسبون الفساد ويجتنونه ويجترحونه ~~، لأن السعي قد استعمل بمعنى الاكتساب واللم ، قال تعالى : { ومن أراد ~~الآخرة وسعى لها سعيها } ( الإسراء : 19 ) . ويقولون : سعى فلان لأهله ، أي ~~اكتسب لهم ، وقال تعالى : { لتجزي كل نفس بما تسعى } ( طه : 15 ) . ~~PageV06P182 # وصاحب ( الكشاف ) جعله هنا بمعنى المشي ، فجعل { فسادا } حالا أو مفعولا ~~لأجله ، ولقد نظر إلى أن غالب عمل المحارب هو السعي والتنقل ، ويكون الفعل ~~منزلا منزلة اللازم اكتفاء بدلالة المفعول لأجله . وجوز أن يكون سعى بمعنى ~~أفسد ، فجعل { فسادا } مفعولا مطلقا . ولا يعرف استعمال سعى بمعنى أفسد . # والفساد : إتلاف الأنفس والأموال ، فالمحارب يقتل الرجل لأخذ ما عليه من ~~الثياب ونحو ذلك . # و { يقتلوا } مبالغة في يقتلوا ، كقول امرىء القيس ms2275 : # في أعشار قلبب مقتل # قصد من المبالغة هنا إيقاعه بدون لين ولا رفق تشديدا عليهم ، وكذلك الوجه ~~في قوله { يصلبوا } . # والصلب : وضع الجاني الذي يراد قتله مشدودا على خشبة ثم قتله عليها طعنا ~~بالرمح في موضع القتل . وقيل : الصلب بعد القتل . والأول قول مالك ، ~~والثاني مذهب أشهب والشافعي . # و { من } في قوله { من خلاف } ابتدائية في موضع الحال من { أيديهم ~~وأرجلهم } ، فهي قيد للقطع ، أي أن القطع يبتدىء في حال التخالف ، وقد علم ~~أن المقطوع هو العضو المخالف فتعين أنه مخالف لمقطوعع آخر وإلا لم تتصور ~~المخالفة ، فإذا لم يكن عضو مقطوع سابق فقد تعذر التخالف فيكون القطع للعضو ~~الأول آنفا ثم تجري المخالفة فيما بعد . وقد علم من قوله : { من خلاف } أنه ~~لا يقطع من المحارب إلا يد واحدة أو رجل واحدة ولا يقطع يداه أو رجلاه ؛ ~~لأنه لو كان كذلك لم يتصور معنى لكون القطع من خلاف . فهذا التركيب من بديع ~~الإيجاز . والظاهر أن كون القطع من خلاف تيسير ورحمة ، لأن ذلك أمكن لحركة ~~بقية الجهد بعد البرء وذلك بأن يتوكأ باليد الباقية على عود بجهة الرجل ~~المقطوعة . PageV06P183 # قال علماؤنا : تقطع يده لأجل أخذ المال ، ورجله للإخافة ؛ لأن اليد هي ~~العضو الذي به الأخذ ، والرجل هي العضو الذي به الإخافة ، أي المشي وراء ~~الناس والتعرض لهم . # والنفي من الأرض : الإبعاد من المكان الذي هو وطنه لأن النفي معناه عدم ~~الوجود . والمراد الإبعاد ، لأنه إبعاد عن القوم الذين حاربوهم . يقال : ~~نفوا فلانا ، أي أخرجوه من بينهم ، وهو الخليع ، وقال النابغة : # ليهنىء لكم أن قد نفيتم بيوتنا # أي أقصيتمونا عن دياركم . ولا يعرف في كلام العرب معنى للنفي غير هذا . ~~وقال أبو حنيفة وبعض العلماء : النفي هو السجن . وحملهم على هذا التأويل ~~البعيد التفادي من دفع أضرار المحارب عن قوم كان فيهم بتسليط ضره على قوم ~~آخرين . وهو نظر يحمل على التأويل ، ولكن قد بين العلماء أن النفي يحصل به ~~دفع الضر لأن العرب كانوا إذا أخرج أحد من وظنه ms2276 ذل وخضدت شوكته ، قال امرؤ ~~القيس : # به الذئب يعوي كالخليع المعيل # وذلك حال غير مختص بالعرب فإن للمرء في بلده وقومه من الإقدام ما ليس له ~~في غير بلده . على أن من العلماء من قال : ينفون إلى بلد بعيد منحاز إلى ~~جهة بحيث يكون فيه كالمحصور . قال أبو الزناد : كان النفي قديما إلى ( دهلك ~~) وإلى ( باضع ) وهما جزيرتان في بحر اليمن . PageV06P184 # وقد دلت الآية على أمرين : أحدهما : التخيير في جزاء المحاربين ؛ لأن أصل ~~( أو ) الدلالة على أحد الشيئين أو الأشياء في الوقوع ، ويقتضي ذلك في باب ~~الأمر ونحوه التخيير ، نحو { ففدية من صيام أو صدقة أو نسك } ( البقرة : ~~196 ) . وقد تمسك بهذا الظاهر جماعة من العلماء منهم مالك بن أنس ، وسعيد ~~بن المسيب ، وعطاء ، ومجاهد ، والنخعي ، وأبو حنيفة ، والمروي عن مالك أن ~~هذا التخيير لأجل الحرابة ، فإن اجترح في مدة حرابته جريمة ثابتة توجب ~~الأخذ بأشد العقوبة كالقتل ؛ قتل دون تخيير ، وهو مدرك واضح . ثم ينبغي ~~للإمام بعد ذلك أن يأخذ في العقوبة بما يقارب جرم المحارب وكثرة مقامه في ~~فساده . وذهب جماعة إلى أن ( أو ) في الآية للتقسيم لا للتخيير ، وأن ~~المذكورات مراتب للعقوبات بحسب ما اجترحه المحارب : فمن قتل وأخذ المال قتل ~~وصلب ، ومن لم يقتل ولا أخذ مالا عزر ، ومن أخاف الطريق نفي ، ومن أخذ ~~المال فقط قطع ، وهو قول ابن عباس ، وقتادة ، والحسن ، والسدي ، والشافعي . ~~ويقرب خلافهم من التقارب . # والأمر الثاني : أن هذه العقوبات هي لأجل الحرابة وليست لأجل حقوق ~~الأفراد من الناس ، كما دل على ذلك قوله بعد { إلا الذين تابوا من قبل أن ~~تقدروا عليهم } الآية وهو بين . ولذلك فلو أسقط المعتدى عليهم حقوقهم لم ~~يسقط عن المحارب عقوبة الحرابة . # وقوله { ذلك لهم خزي في الدنيا } ، أي الجزاء خزي لهم في الدنيا . والخزي ~~: الذل والإهانة { ولا تخزنا يوم القيامة } ( آل عمران : 194 ) . وقد دلت ~~الآية على أن لهؤلاء المحاربين عقابين : عقابا في الدنيا وعقابا في الآخرة ~~. فإن كان المقصود من المحاربين في الآية خصوص ms2277 المحاربين من أهل الكفر ~~كالعرنيين ، كما قيل به ، فاستحقاقهم العذابين ظاهر ، وإن كان المراد به ما ~~يشمل المحارب من أهل الإسلام كانت الآية معارضة لما ورد في الحديث الصحيح ~~في حديث عبادة بن الصامت من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أخذ ~~البيعة على المؤمنين بما تضمنته آية { إذا جاءك المؤمنات يبايعنك } ( ~~الممتحنة : 12 ) الخ فقال : ( فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك ~~شيئا فعوقب به PageV06P185 فهو كفارة له ومن أصاب منها شيئا فستره الله فهو ~~إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له ) . فقوله : فهو كفارة له ، دليل على ~~أن الحد يسقط عقاب الآخرة ، فيجوز أن يكون ما في الآية تغليظا على ~~المحاربين بأكثر من أهل بقية الذنوب ، ويجوز أن يكون تأويل ما في هذه الآية ~~على التفصيل ، أي لهم خزي في الدنيا إن أخذوا به ، ولهم في الآخرة عذاب ~~عظيم إن لم يؤخذوا به في الدنيا . # والاستثناء بقوله : { إلا الذين تابوا } راجع إلى الحكمين خزي الدنيا ~~وعذاب الآخرة ، بقرينة قوله : { من قبل أن تقدروا عليهم } ، لأن تأثير ~~التوبة في النجاة من عذاب الآخرة لا يتقيد بما قبل القدرة عليهم . وقد دلت ~~أداة الاستثناء على سقوط العقوبة عن المحارب في هذه الحالة ؛ فتم الكلام ~~بها ، خز لأن الاستثناء كلام مستقل لا يحتاج إلى زيادة تصريح بانتفاء الحكم ~~المستثنى منه عن المستثنى في استعمال العرب ، وعند جمهور العلماء . فليس ~~المستثنى مسكوتا عنه كما يقول الحنفية ، ولولا الاستثناء لما دلت الآية على ~~سقوط عقوبة المحارب المذكورة . فلو قيل : فإن تابوا ، لم تدل إلا على قبول ~~التوبة منهم في إسقاط عقاب الآخرة . # ومعنى { من قبلل أن تقدروا عليهم } ما كان قبل أن يتحقق المحارب أنه ~~مأخوذ أو يضيق عليه الحصار أو يطارد في جميع البلاد ويضيق عليه ، فإن أتى ~~قبل ذلك كله طائعا نادما سقط عنه ما شرع الله له من العقوبة ، لأنه قد دل ~~على انتقال حاله من فساد إلى صلاح فلم تبق حكمة في ms2278 عقابه . ولما لم تتعرض ~~الآية إلى غرم ما أتلفه بحرابته علم أن التوبة لا تؤثر في سقوط ما كان قد ~~اعتلق به من حقوق الناس من مال أو دم ، لأن ذلك معلوم بأدلة أخرى . # وقوله : { فاعلموا أن الله غفور رحيم } تذكير بعد تمام الكلام ودفع لعجب ~~من يتعجب من سقوط العقاب عنهم . فالفاء فصيحة عما دل عليه الاستثناء من ~~سقوط العقوبة مع عظم الجرم ، والمعنى : إن عظم عندكم سقوط العقوبة عمن تاب ~~قبل أن يقدر عليه فاعلموا أن الله غفور رحيم . # وقد دل قوله { فاعلموا } على تنزيل المخاطبين منزلة من لا يعلم ذلك ~~PageV06P186 نظرا لاستعظامهم هذا العفو . وقد رأيت أن شأن فعل ( اعلم ) أن ~~يدل على أهمية الخبر ، كما سيأتي في قوله تعالى : { واعلموا أن الله يحول ~~بين المرء وقلبه في سورة الأنفال ( 24 ) وقوله فيها : واعلموا أنما غنمتم } ~~( الأنفال : 41 ) . # $ 2 ( 35 ) { يئأيها الذين ءامنوا اتقوا الله وابتغو & # 1764 ا إليه الوسيلة وجاهدوا فى سبيله لعلكم تفلحون } . ) 2 $ # اعتراض بين آيات وعيد المحاربين وأحكام جزائهم وبين ما بعده من قوله : { ~~إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا } ( المائدة : 36 ) الآية . ~~خاطب المؤمنين بالترغيب بعد أن حذرهم من المفاسد ، على عادة القرآن في تخلل ~~الأغراض بالموعظة والترغيب والترهيب ، وهي طريقة من الخطابة لاصطياد النفوس ~~، كما قال الحريري : ( فلما دفنوا الميت ، وفات قول ليت ، أقبل شيخ من ~~رباوة ، متأبطا لهراوة ، . فقال : لمثل هذا فليعمل العاملون ، إلخ . فعقب ~~حكم المحاربين من أهل الكفر بأمر المؤمنين بالتقوى وطلب ما يوصلهم إلى ~~مرضاة الله . وقابل قتالا مذموما بقتال يحمد فاعله عاجلا وآجلا ) . # والوسيلة : كالوصيلة . وفعل وسل قريب من فعل وصل ، فالوسيلة : القربة ، ~~وهي فعيلة بمعنى مفعولة ، أي متوسل بها أي اتبعوا التقرب إليه ، أي بالطاعة ~~. # و { إليه } متعلق ب { الوسيلة } أي الوسيلة إلى الله تعالى . فالوسيلة ~~أريد بها ما يبلغ به إلى الله ، وقد علم المسلمون أن البلوغ إلى الله ليس ~~بلوغ مسافة ولكنه بلوغ زلفى ورضى . فالتعريف في الوسيلة تعريف ms2279 الجنس ، أي ~~كل ما تعلمون أنه يقربكم إلى الله ، أي ينيلكم رضاه وقبول أعمالكم لديه . ~~فالوسيلة ما يقرب العبد من الله بالعمل بأوامره ونواهيه . وفي الحديث ~~القدسي : ( ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه ) الحديث . ~~والمجرور في قوله : { وابتغوا إليه الوسيلة } متعلق ب { ابتغوا } . ويجوز ~~تعلقه ب { الوسيلة } ، وقدم على متعلقه للحصر ، أي لا تتوسلوا إلا إليه لا ~~إلى غيره فيكون تعريضا بالمشركين لأن المسلمين لا يظن بهم ما يقتضي هذا ~~الحصر . # PageV06P187 # | 2 ( 36 ، 37 ) { إن الذين كفروا لو أن لهم ما فى الارض جميعا ومثله معه ~~ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم * يريدون أن ~~يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم } . ) 2 # الأظهر أن هذه الجملة متصلة بجملة { ولهم في الآخرة عذاب عظيم } ( ~~المائدة : 33 ) اتصال البيان ؛ فهي مبينة للجملة السابقة تهويلا للعذاب ~~الذي توعدهم الله به في قوله : { ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة ~~عذاب عظيم } ( المائدة : 33 ) فإن أولئك المحاربين الذين نزلت تلك الآية في ~~جزائهم كانوا قد كفروا بعد إسلامهم وحاربوا الله ورسوله ، فلما ذكر جزاؤهم ~~عقب بذكر جزاء يشملهم ويشمل أمثالهم من الذين كفروا وذلك لا يناكد كون ~~الآية للسابقة مرادا بها ما يشتمل أهل الحرابة من المسلمين . # والشرط في قوله : { لو أن لهم ما في الأرض } مقدر بفعل دلت عليه ( أن ) ، ~~إذ التقدير : لو ثبت ما في الأرض ملكا لهم ؛ فإن ( لو ) لاختصاصها بالفعل ~~صح الاستغناء عن ذكره بعدها إذا وردت ( أن ) بعدها . وقوله { ومثله معه } ~~معطوف على { ما في الأرض } ، ولا حاجة إلى جعله مفعولا معه للاستغناء عن ~~ذلك بقوله { معه } . واللام في { ليفتدوا به } لتعليل الفعل المقدر ، أي لو ~~ثبت لهم ما في الأرض لأجل الافتداء به لا لأجل أن يكنزوه أو يهبوه . # وأفرد الضمير في قوله : { به } مع أن المذكور شيئان هما : { ما في الأرض ~~} { ومثله } : إما على اعتبار الضمير راجعا إلى { ما في الأرض } فقط ، ~~ويكون ms2280 قوله { ومثله معه } معطوفا مقدما من تأخير . وأصل الكلام لو أن لهم ~~ما في الأرض ليفتدوا به ومثله معه . ودل على اعتباره مقدما من تأخير إفراد ~~الضمير المجرور بالباء . ونكتة التقديم تعجيل اليأس من الافتداء إليهم ولو ~~بمضاعفة ما في الأرض . وإما ، وهو الظاهر عندي ، أن يكون الضمير عائدا إلى ~~{ مثله معه } ، لأن ذلك المثل شمل PageV06P188 ما في الأرض وزيادة فلم تبق ~~جدوى لفرض الافتداء بما في الأرض لأنه قد اندرج في مثله الذي معه . # ويجوز أن يجرى الضمير مجرى اسم الإشارة في صحة استعماله مفردا مع كونه ~~عائدا إلى متعدد على تأويله بالمذكور ؛ وهذا شائع في اسم الإشارة كقوله ~~تعالى : { عوان بين ذلك } ( البقرة : 68 ) أي بين الفارض والبكر ، وقوله : ~~{ ومن يفعل ذلك يلق أثاما } ( الفرقان : 68 ) إشارة ما ذكر من قوله : { ~~والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا ~~بالحق ولا يزنون } ( الفرقان : 68 ) ، لأن الإشارة صالحة للشيء وللأشياء ، ~~وهو قليل في الضمير ، لأن صيغ الضمائر كثيرة مناسبة لما تعود إليه فخروجها ~~عن ذلك عدول عن أصل الوضع ، وهو قليل ولكنه فصيح ، ومنه قوله تعالى : { قل ~~أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم ~~به } ( الأنعام : 46 ) أي بالمذكور . وقد جعله في ( الكشاف ) محمولا على ~~اسم الإشارة ، وكذلك تأوله رؤبة لما أنشد قوله : # فيها خطوط من سواد وبلق # كأنه في الجلد توليع البهق # فقال أبو عبيدة : قلت : لرؤبة إن أردت الخطوط فقل : كأنها ، وإن أردت ~~السواد فقل : كأنهما ، فقال : أردت كأن ذلك ويلك . ومنه في الضمير قوله ~~تعالى : { وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا } ( ~~النساء : 4 ) . وقد تقدم عند قوله تعالى : { عوان بين ذلك في سورة البقرة ( ~~68 ) . # وقوله : ولهم عذاب مقيم } أي دائم تأكيد لقوله : { وما هم بخارجين منها } ~~. # $ 2 ( 38 ، 39 ) { والسارق والسارقة فاقطعو & # 1764 ا أيديهما جزآء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم * فمن تاب ~~من ms2281 بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم } . ) 2 $ # جملة معطوفة على جملة { إنما جزاء الذين يحاربون } ( المائدة : 33 ) . { ~~والسارق } مبتدأ PageV06P189 والخبر محذوف عند سيبويه . والتقدير : مما ~~يتلى عليكم حكم السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما . وقال المبرد : الخبر هو ~~جملة { فاقطعوا أيديهما } ، ودخلت الفاء في الخبر لتضمن المبتدأ معنى الشرط ~~؛ لأن تقديره : والذي سرق والتي سرقت . والمصول إذا أريد منه التعميم ينزل ~~منزلة الشرط أي يجعل ( أل ) فيها اسم موصول فيكون كقوله تعالى { واللاتي ~~يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم } ( النساء : 15 ) ، ~~قوله : { واللذان يأتيانها منكم فآذوهما } ( النساء : 16 ) . 6 قال سيبويه ~~: وهذا إذا كان في الكلام ما يدل على أن المبتدأ ذكر في معرض القصص أو ~~الحكم أو الفرائض نحو { واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدواواللذان ~~يأتيانها منكم فآذوهما } { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } إذ التقدير ~~في جميع ذلك : وحكم اللاتي يأتين ، أو وجزاء السارق والسارقة . # ولقد ذكرها ابن الحاجب في ( الكافية ) واختصرها بقوله : ( والفاء للشرط ~~عند المبرد وجملتان عند سيبويه ، يعني : وأما عند المبرد فهي جملة شرط ~~وجوابه فكأنها جملة واحدة وإلا فالمختار النصب ) . أشار إلى قراءة عيسى بن ~~عمر { والسارق والسارقة } بالنصب ، وهي قراءة شاذة لا يعتد بها فلا يخرج ~~القرآن عليها . وقد غلط ابن الحاجب في قوله : فالمختار النصب . # وقوله : { فاقطعوا أيديهما } ضمير الخطاب لولاة الأمور بقرينة المقام ، ~~كقوله : { الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة } ( النور : 2 ~~) . وليس الضمير عائدا على الذين آمنوا في قوله { يأيها الذين آمنوا اتقوا ~~الله } ( النساء : 35 ) . وجمع الأيدي باعتبار أفراد نوع السارق . وثني ~~الضمير باعتبار الصنفين الذكر والأنثى ؛ فالجمع هنا مراد منه التثنية كقوله ~~تعالى : { فقد صغت قلوبكما } ( التحريم : 4 ) . # ووجه ذكر السارقة مع السارق دفع توهم أن يكون صيغة التذكير في السارق ~~قيدا بحيث لا يجري حد السرقة إلا على الرجال ، وقد كانت العرب لا يقيمون ~~للمرأة وزنا فلا يجرون عليها الحدود ، وهو الداعي إلى ذكر الأنثى في قوله ~~PageV06P190 تعالى في سورة البقرة : ( 178 ms2282 ) { الحر بالحر والعبد بالعبد ~~والأنثى بالأنثى . وقد سرقت المخزومية في زمن رسول الله فأمر بقطع يدها ~~وعظم ذلك على قريش ، فقالوا : من يشفع لها عند رسول الله إلا زيد بن حارثة ~~، فلما شفع لها أنكر عليه وقال : أتشفع في حد من حدود الله ، وخطب فقال : ~~إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق ~~الضعيف قطعوه ، والله لو أن فاطمة سرقت لقطعت يدها . # وفي تحقيق معنى السرقة ونصاب المقدار المسروق الموجب للحد وكيفية القطع ~~مجال لأهل الاجتهاد من علماء السلف وأيمة المذاهب وليس من غرض المفسر . ~~وليس من عادة القرآن تحديد المعاني الشرعية وتفاصيلها ولكنه يؤصل تأوصيلها ~~ويحيل ما وراء ذلك إلى متعارف أهل اللسان من معرفة حقائقها وتمييزها عما ~~يشابهها . # فالسارق : المتصف بالسرقة . والسرقة معروفة عند العرب مميزة عن الغارة ~~والغصب والاغتصاب والخلسة ، والمؤاخذة بها ترجع إلى اعتبار الشيء المسروق ~~مما يشح به معظم الناس . # فالسرقة : أخذ أحد شيئا ما يملكه خفية عن مالكه مخرجا إياه من موضعع هو ~~حرز مثله لم يؤذن آخذه بالدخول إليه . # والمسروق : ما له منفعة لا يتسامح الناس في إضاعته . وقد أخذ العلماء ~~تحديده بالرجوع إلى قيمة أقل شيء حكم النبيء بقطع يد من سرقه . وقد ثبت في ~~الصحيح أنه حكم بقطع يد سارق حجفة بحاء مهملة فجيم مفتوحتين ( ترس بن جلد ) ~~تساوي ربع دينار في قول الجمهور ، PageV06P191 وتساوي دينارا في قول أبي ~~حنيفة ، والثوري ، وابنن عباس ، وتساوي نصف دينار في قول بعض الفقهاء . # ولم يذكر القرآن في عقوبة السارق سوى قطع اليد . وقد كان قطع يد السارق ~~حكما من عهد الجاهلية ، قضى به الوليد بن المغيرة فأقره الإسلام كما في ~~الآية . ولم يرد في السنة خبر صحيح إلا بقطع اليد . وأول رجل قطعت يده في ~~الإسلام الخيار بن عدي بن نوفل بن عبد مناف ، وأول امرأة قطعت يدها ~~المخزومية مرة بنت سفيان . # فاتفق الفقهاء على أن أول ما يبدأ به في عقوبة السارق أن تقطع يده . فقال ~~الجمهور ms2283 : اليد اليمنى ، وقال فريق : اليد اليسرى ، فإن سرق ثانية ، فقال ~~جمهور الأيمة : تقطع رجله المخالفة ليده المقطوعة . وقال علي بن أبي طالب : ~~لا يقطع ولكن يحبس ويضرب . وقضى بذلك عمر بن الخطاب ، وهو قول أبي حنيفة . ~~فقال علي : إني لأستحيي أن أقطع يده الأخرى فبأي شيء يأكل ويستنجي أو رجله ~~فعلى أي شيء يعتمد ؛ فإن سرق الثالثة والرابعة فقال مالك والشافعي : تقطع ~~يده الأخرى ورجله الأخرى ، وقال الزهري : لم يبلغنا في السنة إلا قطع اليد ~~والرجل لا يزاد على ذلك ، وبه قال أحمد بن حنبل ، والثوري ، وحماد بن سلمة ~~. ويجب القضاء بقول أبي حنيفة ، فإن الحدود تدرأ بالشبهات وأي شبهة أعظم من ~~اختلاف أيمة الفقه المعتبرين . # والجزاء : المكافأة على العمل بما يناسب ذلك العمل من خير أو شر ، قال ~~تعالى : إن للمتقين مفازا إلى قوله جزاء من ربك عطاء حسابا في سورة النبأ ( ~~31 36 ) ، وقال تعالى : وجزاء سيئة مثلها في سورة الشورى ( 40 ) . # والنكال : العقاب الشديد الذي من شأنه أن يصد المعاقب عن العود إلى مثل ~~عمله الذي عوقب عليه ، وهو مشتق من النكول عن الشيء ، أي النكوص عنه والخوف ~~منه . PageV06P192 فالنكال ضرب من جزاء السوء ، وهو أشده ، وتقدم عند قوله ~~تعالى : فجعلناها نكالا الآية في سورة البقرة ( 66 ) . # وانتصب جزاء } على الحال أو المفعول لأجله ، وانتصب { نكالا } على البدل ~~من { جزاء } بدل اشتمال . # فحكمة مشروعية القطع الجزاء على السرقة جزاء يقصد منه الردع وعدم العود ، ~~أي جزاء ليس بانتقام ولكنه استصلاح . وضل من حسب القطع تعويضا عن المسروق ، ~~فقال من بيتين ينسبان إلى المعري ( وليسا في ( السقط ) ولا في ( اللزوميات ~~) ) : # يد بخمسس مئين عسجدا وديت # ما بالها قطعت في ربع دينار # ونسب جوابه لعلم الدين السخاوي : # عز الأمانة أغلاها ؛ وأرخصها # ذل الخيانة فافهم حكمة الباري # وقوله : { فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه } أي من تاب من ~~السارقين من بعد السرقة تاب الله عليه ، أي قبلت توبته . وقد تقدم معناه ~~عند قوله تعالى : { فتلقى آدم ms2284 من ربه كلمات فتاب عليه في سورة البقرة ( 37 ~~) . وليس في الآية ما يدل على إسقاط عقوبة السرقة عن السارق إن تاب قبل ~~عقابه ، لأن ظاهر ( تاب وتاب الله عليه ) أنه فيما بين العبد وبين ربه في ~~جزاء الآخرة ؛ فقوله : فمن تاب من بعد ظلمه } ترغيب لهؤلاء العصاة في ~~التوبة وبشارة لهم . ولا دليل في الآية على إبطال حكم العقوبة في بعض ~~الأحوال كما في آية المحاربين ، فلذلك قال جمهور العلماء : توبة السارق لا ~~تسقط القطع ولو جاء تائبا قبل القدرة عليه . ويدل لصحة قولهم أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قطع يد المخزومية ولا شك أنها تائبة . # قال ابن العربي : لأن المحارب مستبد بنفسه معتصم بقوته لا يناله الإمام ~~إلا بالإيجاف بالخيل والركاب فأسقط إجزاؤه بالتوبة استنزالا من تلك الحالة ~~كما فعل بالكافر في مغفرة جميع ما سلف استئلافا على الإسلام . وأما السارق ~~والزاني فهما في قبضة المسلمين ، اه . PageV06P193 # وقال عطاء : إن جاء السارق تائبا قبل القدرة عليه سقط عنه القطع ، ونقل ~~هذا عن الشافعي ، وهو من حمل المطلق على المقيد حملا على حكم المحارب ، ~~وهذا يشبه أن يكون من متحد السبب مختلف الحكم . والتحقيق أن آية الحرابة ~~ليست من المقيد بل هي حكم مستفاد استقلالا وأن الحرابة والسرقة ليسا سببا ~~واحدا فليست المسألة من متحد السبب ولا من قبيل المطلق الذي قابله مقيد . # # | 2 ( 40 ) { ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والارض يعذب من يشآء ~~ويغفر لمن يشآء والله على كل شىء قدير } . ) 2 # استئناف بياني ، جواب لمن يسأل عن انقلاب حال السارق من العقاب إلى ~~المغفرة بعد التوبة مع عظم جرمه بأن الله هو المتصرف في السماوات والأرض ~~وما فيهما ، فهو العليم بمواضع العقاب ومواضع العفو . # $ 2 ( 41 ، 42 ) { ياأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون فى الكفر من ~~الذين قالو & # 1764 ا ءامنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب ~~سماعون لقوم ءاخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم ~~هاذا ms2285 فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله ~~شيئا أولائك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم فى الدنيا خزى ولهم فى ~~الاخرة عذاب عظيم * سماعون للكذب أكالون للسحت فإن جآءوك فاحكم بينهم أو ~~أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن ~~الله يحب المقسطين } . ) 2 $ # استئناف ابتدائي لتهوين تألب المنافقين واليهود على الكذب والاضطراب في ~~معاملة الرسول صلى الله عليه وسلم وسوء طواياهم معه ، بشرح صدر PageV06P194 ~~النبي صلى الله عليه وسلم مما عسى أن يحزنه من طيش اليهود واستخفافهم ونفاق ~~المنافقين . وافتتح الخطاب بأشرف الصفات وهي صفة الرسالة عن الله . # وسبب نزول هذه الآيات حدث أثناء مدة نزول هذه السورة فعقبت الآيات ~~النازلة قبلها بها . وسبب نزول هذه الآية وما أشارت إليه هو ما رواه أبو ~~داوود ، والواحدي في ( أسباب النزول ) ، والطبري في ( تفسيره ) ما محصله : ~~أن اليهود اختلفوا في حد الزاني ( حين زنى فيهم رجل بامرأة من أهل خيبر أو ~~أهل فدك ) ، بين أن يرجم وبين أن يجلد ويحمم اختلافا ألجأهم إلى أن أرسلوا ~~إلى يهود المدينة أن يحكموا رسول الله في شأن ذلك ، وقالوا : إن حكم ~~بالتحميم قبلنا حكمه وإن حكم بالرجم فلا تقبلوه ، وأن رسول الله قال ~~لأحبارهم بالمدينة : ( ما تجدون في التوراة على من زنى إذا أحصن ) ، قالوا ~~: يحمم ويجلد ويطاف به ، وأن النبيء صلى الله عليه وسلم كذبهم وأعلمهم بأن ~~حكم التوراة هو الرجم على من أحصن ، فأنكروا ، فأمر بالتوراة أن تنشر ( أي ~~تفتح طياتها وكانوا يلفونها على عود بشكل اصطواني ) وجعل بعضهم يقرأها ويضع ~~يده على آية الرجم ( أي يقرؤها للذين يفهمونها ) فقال له رسول الله : ارفع ~~يدك فرفع يده فإذا تحتها آية الرجم ، فقال رسول الله : ( لأكونن أول من ~~أحيى حكم التوراة ) . فحكم بأن يرجم الرجل والمرأة . وفي روايات أبي داوود ~~أن قوله تعالى : { يأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر } نزل في ~~شأن ذلك ، وكذلك روى الواحدي ms2286 والطبري . # ولم يذكروا شيئا يدل على سبب الإشارة إلى ذكر المنافقين في صدر هذه الآية ~~بقوله : { من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم } . ولعل ~~المنافقين ممن يبطنون اليهودية كانوا مشاركين لليهود في هذه القضية ، أو ~~PageV06P195 كانوا ينتظرون أن لا يوجد في التوراة حكم رجم الزاني فيتخذوا ~~ذلك عذرا لإظهار ما أبطنوه من الكفر بعلة تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم # وأحسب أن التجاء اليهود إلى تحكيم الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك ليس ~~لأنهم يصدقون برسالته ولا لأنهم يعدون حكمه ترجيحا في اختلافهم ولكن لأنهم ~~يعدونه ولي الأمر في تلك الجهة وما يتبعها . ولهم في قواعد أعمالهم وتقادير ~~أحبارهم أن يطيعوا ولاة الحكم عليهم من غير أهل ملتهم . فلما اختلفوا في ~~حكم دينهم جعلوا الحكم لغير المختلفين لأن حكم ولي الأمر مطاع عندهم . فحكم ~~رسول الله حكما جمع بين إلزامهم بموجب تحكيمهم وبين إظهار خطئهم في العدول ~~عن حكم كتابهم ، ولذلك سماه الله تعالى القسط في قوله : { وإن حكمت فاحكم ~~بينهم بالقسط } . # ويحتمل أن يكون ناشئا عن رأي من يثبت منهم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ~~ويقول : إنه رسول للأميين خاصة . وهؤلاء هم اليهود العيسوية ، فيكون حكمه ~~مؤيدا لهم ، لأنه يعد كالإخبار عن التوراة ، ويؤيده ما رواه أبو داوود عن ~~أبي هريرة أن يهوديا زنى بيهودية فقال بعضهم لبعض : اذهبوا بنا إلى محمد ~~فإنه بعث بالتخفيف ، فإن أفتى بالجلد دون الرجم قبلنا واحتججنا بها عند ~~الله وقلنا فتيا نبيء من أنبيائك ، وإما أن يكون ذلك من نوع الاعتضاد ~~بموافقة شريعة الإسلام فيكون ترجيح أحد التأويلين بموافقته لشرع آخر . ~~ويؤيده ما رواه أبو داوود والترمذي أنهم قالوا : ذهب سلطاننا فكرهنا القتل ~~؛ وإما أن يكونوا قد عدلوا عن حكم شريعتهم توقفا عند التعارض فمالوا إلى ~~التحكيم . ولعل ذلك مباح في شرعهم ، ويؤيده أنه ورد في حديث البخاري وغيره ~~أنهم لما استفتوا النبيء صلى الله عليه وسلم انطلق مع أصحابه حتى جاء ~~المدارس وهو بيت تعليم اليهود وحاجهم في حكم ms2287 الرجم ، وأجابه حبران منهم ~~يدعيان بابني صوريا بالاعتراف بثبوت حكم الرجم ، في التوراة ؛ وإما أن ~~يكونوا حكموا النبيء صلى الله عليه وسلم قصدا لاختباره فيما يدعي من العلم ~~بالوحي ، وكان حكم الرجم عندهم مكتوما لا يعلمه إلا خاصة أحبارهم ، ~~PageV06P196 ومنسيا لا يذكر بين علمائهم ، فلما حكم عليهم به بهتوا ، ويؤيد ~~ذلك ما ظهر من مرادهم في إنكارهم وجود حكم الرجم . ففي ( صحيح البخاري ) ~~أنهم أنكروا أن يكون حكم الرجم في التوراة وأن النبيء صلى الله عليه وسلم ~~جاء المدراس فأمر بالتوراة فنشرت فجعل قارئهم يقرأ ويضع يده على آية الرجم ~~وأن النبيء صلى الله عليه وسلم أطلعه الله على ذلك فأمره أن يرفع يده وقرئت ~~آية الرجم واعترف ابنا صوريا بها . وأياما كان فهذه الحادثة مؤذنة باختلال ~~نظام الشريعة بين اليهود يومئذ وضعف ثقتهم بعلومهم . # ومعنى { لا يحزنك الذين يسارعون } نهيه عن أن يحصل له إحزان مسند إلى ~~الذين يسارعون في الكفر . والإحزانن فعل الذين يسارعون في الكفر ، والنهي ~~عن فعل الغير إنما هو نهي عن أسبابه ، أي لا تجعلهم يحزنونك ، أي لا تهتم ~~بما يفعلون مما شأنه أن يدخل الحزن على نفسك . وهذا استعمال شائع وهو من ~~استعمال المركب في معناه الكنائي . ونظيره قولهم : لا أعرفنك تفعل كذا ، أي ~~لا تفعل حتى أعرفه . وقولهم : لا ألفينك ههنا ، ولا أرينك هنا . # وإسناد الإحزان إلى الذين يسارعون في الكفر مجاز عقلي ليست له حقيقة لأن ~~الذين يسارعون سبب في الإحزان ، وأما مثير الحزن في نفس المحزون فهو غير ~~معروف في العرف ؛ ولذلك فهو من المجاز الذي ليست له حقيقة . وأما كون الله ~~هو موجد الأشياء كلها فذلك ليس مما تترتب عليه حقيقة ومجاز ؛ إذ لو كان ~~كذلك لكان غالب الإسناد مجازا عقليا ، وليس كذلك ، وهذا مما يغلط فيه كثير ~~من الناظرين في تعيين حقيقة عقلية لبعض موارد المجاز العقلي . ولقد أجاد ~~الشيخ عبد القاهر إذ قال في ( دلائل الإعجاز ) ( اعلم أنه ليس بواجب في هذا ~~أن يكون للفعل فاعل في التقدير ms2288 إذا أنت نقلت الفعل إليه صار حقيقة فإنك لا ~~تجد في قولك : أقدمني بلدك حق لي على فلان ، فاعلا سوى الحق ) ، وكذلك في ~~قوله : # وصيرني هواكك وبي # لحيني يضرب المثل # و يزيدك وجهه حسنا . PageV06P197 # أن تزعم أن له فاعلا قد نقل عنه الفعل فجعل للهوى وللوجه ) اه . ولقد وهم ~~الإمام الرازي في تبيين كلام عبد القاهر فطفق يجلب الشواهد الدالة على أن ~~أفعالا قد أسندت لفاعل مجازي مع أن فاعلها الحقيقي هو الله تعالى ، فإن ~~الشيخ لا يعزب عنه ذلك ولكنه يبحث عن الفاعل الذي يسند إليه الفعل حقيقة في ~~عرف الناس من مؤمنين وكافرين . ويدل لذلك قوله : ( إذا أنت نقلت الفعل إليه ~~) أي أسندته إليه . # ومعنى المسارعة في الكفر إظهار آثاره عند أدنى مناسبة وفي كل فرصة ، فشبه ~~إظهاره المتكرر بإسراع الماشي إلى الشيء ، كما يقال : أسرع إليه الشيب ، ~~وقوله : إذا نهي السفيه جرى إليه . وعدي بفي الدالة على الظرفية للدلالة ~~على أن الإسراع مجاز بمعنى التوغل ، فيكون ( في ) قرينة المجاز ، كقولهم : ~~أسرع الفساد في الشيء ، وأسرع الشيب في رأس فلان . فجعل الكفر بمنزلة الظرف ~~وجعل تخبطهم فيه وشدة ملابستهم إياه بمنزلة جولان الشيء في الظرف جولانا ~~بنشاط وسرعة . ونظيره قوله { يسارعون في الإثم } ( المائدة : 62 ) ، وقوله ~~: { نسارع لهم في الخيرات } ( المؤمنون : 56 ) ، { أولئك يسارعون في ~~الخيرات } ( المؤمنون : 61 ) . فهي استعارة متكررة في القرآن وكلام العرب . ~~وسيجيء ما هو أقوى منها وهو قوله : { يسارعون فيهم } ( المائدة : 52 ) . # وقوله : { من الذين قالوا آمنا بأفواههم } إلخ بيان للذين يسارعون في ~~الكفر . والذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم هم المنافقون . # وقوله : { ومن الذين هادوا } معطوف على قوله : { من الذين قالوا آمنا } ~~والوقف على قوله : { ومن الذين هادوا } . # وقوله : { سماعون PageV06P198 للكذب } خبر مبتدأ محذوف ، تقديره : هم ~~سماعون للكذب . والظاهر أن الضمير المقدر عائد على الفريقين : المنافقين ~~واليهود ، بقرينة الحديث عن الفريقين . # وحذف المسند إليه في مثل هذا المقام حذف اتبع فيه الاستعمال ، وذلك بعد ~~أن يذكروا متحدثا عنه أو بعد أن يصدر ms2289 عن شيء أمر عجيب يأتون بأخبار عنه ~~بجملة محذوفف المبتدأ منها ، كقولهم للذي يصيب بدون قصد ( رمية من غير رام ~~) ، وقول أبي الرقيش : # سريع إلى ابن العم يلطم وجهه # وليس إلى داعي الندى بسريع # وقول بعض شعراء الحماسة : # فتى غير محجوب الغنى عن صديقه # ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت # عقب قوله : # سأشكر عمرا إن تراخت منيتي # أيادي لم تمنن وإن هي جلت # والسماع : الكثير السمع ، أي الاستماعع لما يقال له . والسمع مستعمل في ~~حقيقته ، أي أنهم يصغون إلى الكلام الكذب وهم يعرفونه كذبا ، أي أنهم ~~يحفلون بذلك ويتطلبونه فيكثر سماعهم إياه . وفي هذا كناية عن تفشي الكذب في ~~جماعتهم بين سامع ومختلق ، لأن كثرة السمع تستلزم كثرة القول . والمراد ~~بالكذب كذب أحبارهم الزاعمين أن حكم الزنى في التوراة التحميم . # وجملة { سماعون لقوم آخرين لم يأتوك } خبر ثان عن المبتدأ المحذوف . ~~والمعنى أنهم يقبلون ما يأمرهم به قوم آخرون من كتم غرضهم عن النبيء صلى ~~الله عليه وسلم حتى إن حكم بما يهوون اتبعوه وإن حكم بما يخالف PageV06P199 ~~هواهم عصوه ، أي هم أتباع لقوم متسترين هم القوم الآخرون ، وهم أهل خيبر ~~وأهل فدك الذين بعثوا بالمسألة ولم يأت أحد منهم النبيء صلى الله عليه وسلم ~~واللام في { لقوم } للتقوية لضعف اسم الفاعل عن العمل في المفعول . # وجملة { يحرفون الكلم } صفة ثانية { لقوم آخرين } أو حال ، ولك أن تجعلها ~~حالا { من الذين يسارعون في الكفر } . وتقدم الكلام في تحريف الكلم عند ~~قوله تعالى : { من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه في سورة النساء ( 46 ~~) ، وأن التحريف الميل إلى حرف ، أي جانب ، أي نقله من موضعه إلى طرف آخر . # وقال هنا من بعد مواضعه ، وفي سورة النساء ( 46 ) عن مواضعه ، لأن آية ~~سورة النساء في وصف اليهود كلهم وتحريفهم في التوراة . فهو تغيير كلام ~~التوراة بكلام آخر عن جهل أو قصد أو خطأ في تأويل معاني التوراة أو في ~~ألفاظها . فكان إبعادا للكلام عن مواضعه ، أي إزالة للكلام الأصلي سواء عوض ~~بغيره ms2290 أو لم يعوض . وأما هاته الآية ففي ذكر طائفة معينة أبطلوا العمل ~~بكلام ثابتت في التوراة إذ ألغوا حكم الرجم الثابت فيها دون تعويضه بغيره ~~من الكلام ، فهذا أشد جرأة من التحريف الآخر ، فكان قوله : من بعد مواضعه } ~~أبلغ في تحريف الكلام ، لأن لفظ ( بعد ) يقتضي أن مواضع الكلم مستقرة وأنه ~~أبطل العمل بها مع بقائها قائمة في كتاب التوراة . # والإشارة التي في قوله : { إن أوتيتم هذا } إلى الكلم المحرف . والإيتاء ~~هنا : الإفادة كقوله : { وآتاه الله الملك والحكمة } ( البقرة : 251 ) . # والأخذ : القبول ، أي إن أجبتم بمثل ما تهوون فاقبلوه وإن لم تجابوه ~~فاحذروا قبوله . وإنما قالوا : فاحذروا ، لأنه يفتح عليهم الطعن في أحكامهم ~~التي مضوا عليها وفي حكامهم الحاكمين بها . # وإرادة الله فتنة المفتون قضاؤها له في الأزل ، وعلامة ذلك التقدير عدم ~~PageV06P200 إجداء الموعظة والإرشاد فيه . فذلك معنى قوله : { فلن تملك له ~~من الله شيئا } ، أي لا تبلغ إلى هديه بما أمرك الله به من الدعوة للناس ~~كافة . # وهذا التركيب يدل على كلام العرب على انتفاء الحيلة في تحصيل أمر ما . ~~ومدلول مفرداته أنك لا تملك ، أي لا تقدر على أقل شيء من الله ، أي لا ~~تستطيع نيل شيء من تيسير الله لإزالة ضلالة هذا المفتون ، لأن مادة الملك ~~تدل على تمام القدرة ، قال قيس بن الخطيم : # ملكت بها كفي فأنهر فتقها # أي شددت بالطعنة كفي ، أي ملكتها بكفي ، وقال النبيء صلى الله عليه وسلم ~~لعيينة بن حصن ( أو أملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة ) . وفي حديث دعوة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم عشيرته ( فإني لا أغني عنكم من الله شيئا ) . # و { شيئا } منصوب على المفعولية . وتنكير { شيئا } للتقليل والتحقير ، ~~لأن الاستفهام لما كان بمعنى النفي كان انتفاء ملك شيء قليلل مقتضيا انتفاء ~~ملك الشيء الكثير بطريق الأولى . # والقول في قوله : { أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم } كالقول في ~~قوله : { ومن يرد الله فتنته } . والمراد بالتطهير التهيئة لقبول الإيمان ~~والهدى أو أراد بالتطهير نفس قبول الإيمان ms2291 . # والخزي تقدم عند قوله تعالى : { إلا خزي في سورة البقرة ( 85 ) ، وقوله : ~~ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته في سورة آل عمران ( 192 ) . # وأعاد سماعون للكذب } للتأكيد وليرتب عليه قوله { أكالون للسحت } . # ومعنى { أكالون للسحت } أخاذون له ، لأن الأكل استعارة لتمام الانتفاع . ~~PageV06P201 والسحت بضم السين وسكون الحاء الشيء المسحوت ، أي المستأصل . ~~يقال : سحته إذا استأصله وأتلفه . سمي به الحرام لأنه لا يبارك فيه لصاحبه ~~، فهو مسحوت وممحوق ، أي مقدر له ذلك ، كقوله { يمحق الله الربا } ( البقرة ~~: 276 ) ، قال الفرزدق : # وعض زمانن يابن مروان لم يدع # من المال إلا مسحت أو مجنف # والسحت يشمل جميع المال الحرام ، كالربا والرشوة وأكل مال اليتيم ~~والمغصوب . # وقرأ نافع ، وابن عامر ، وعاصم ، وحمزة ، وأبو جعفر ، وخلف ( سحت ) بسكون ~~الحاء وقرأه الباقون بضم الحاء إتباعا لضم السين . # تفريع على ما تضمنه قوله تعالى : { سماعون لقوم آخرين لم يأتوك } وقوله : ~~{ يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه } ، فإن ذلك دل على حوار وقع بينهم في إيفاد ~~نفر منهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم للتحكيم في شأن من شئونهم مالت ~~أهواؤهم إلى تغيير حكم التوراة فيه بالتأويل أو الكتمان ، وأنكر عليهم ~~منكرون أو طالبوهم بالاستظهار على تأويلهم فطمعوا أن يجدوا في تحكيم النبيء ~~صلى الله عليه وسلم ما يعتضدون به . وظاهر الشرط يقتضي أن الله أعلم رسوله ~~باختلافهم في حكم حد الزنا ، وبعزمهم على تحكيمه قبل أن يصل إليه المستفتون ~~. وقد قال بذلك بعض المفسرين فتكون هذه الآية من دلائل النبوءة . ويحتمل أن ~~المراد : فإن جاؤوك مرة أخرى فاحكم بينهم أو أعرض عنهم . # وقد خير الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم في الحكم بينهم والإعراض ~~عنهم . ووجه التخيير تعارض السببين ؛ فسبب إقامة العدل يقتضي الحكم ~~PageV06P202 بينهم ، وسبب معاملتهم بنقيض قصدهم من الاختبار أو محاولة ~~مصادفة الحكم لهواهم يقتضي الإعراض عنهم لئلا يعرض الحكم النبوي للاستخفاف ~~. وكان ابتداء التخيير في لفظ الآية بالشق المقتضي أنه يحكم بينهم إشارة ~~إلى أن الحكم بينهم أولى . ويؤيده قوله بعد { وإن ms2292 حكمت فاحكم بينهم بالقسط ~~إن الله يحب المقسطين } أي بالحق ، وهو حكم الإسلام بالحد . وأما قوله : { ~~وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا } فذلك تطمين للنبيء صلى الله عليه وسلم لئلا ~~يقول في نفسه : كيف أعرض عنهم ، فيتخذوا ذلك حجة علينا . يقولون : ركنا ~~إليكم ورضينا بحكمكم فأعرضتم عنا فلا نسمع دعوتكم من بعد . وهذا مما يهتم ~~به النبيء صلى الله عليه وسلم لأنه يؤول إلى تنفير رؤسائهم دهماءهم من دعوة ~~الإسلام فطمنه الله تعالى بأنه إن فعل ذلك لا تنشأ عنه مضرة . ولعل في هذا ~~التطمين إشعارا بأنهم لا طمع في إيمانهم في كل حال . وليس المراد بالضر ضر ~~العداوة أو الأذى لأن ذلك لا يهتم به النبيء صلى الله عليه وسلم ولا يخشاه ~~منهم ، خلافا لما فسر به المفسرون هنا . # وتنكير { شيئا } للتحقير كما هو في أمثاله ، مثل { فلن تملك له من الله ~~شيئا } وهو منصوب على المفعولية المطلقة لأنه في نية الإضافة إلى مصدر ، أي ~~شيئا من الضر ، فهو نائب عن المصدر . وقد تقدم القول في موقع كلمة شيء عند ~~قوله تعالى : { ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع في سورة البقرة ( 155 ) . # والآية تقتضي تخيير حكام المسلمين في الحكم بين أهل الكتاب إذا حكموهم ؛ ~~لأن إباحة ذلك التخيير لغير الرسول من الحكام مساو إباحته للرسول . واختلف ~~العلماء في هذه المسألة وفي مسألة حكم حكام المسلمين في خصومات غير ~~المسلمين . وقد دل الاستقراء على أن الأصل في الحكم بين غير المسلمين إذا ~~تنازع بعضهم مع بعض أن يحكم بينهم حكام ملتهم ، فإذا تحاكموا إلى حكام ~~المسلمين فإن كان ما حدث من قبيل الظلم كالقتل والغصب وكل ما ينتشر منه ~~فساد فلا PageV06P203 خلاف أنه يجب الحكم بينهم ( وعلى هذا فالتخيير الذي ~~في الآية مخصوص بالإجماع ) . وإن لم يكن كذلك كالنزاع في الطلاق والمعاملات ~~. # فمن العلماء من قال : حكم هذا التخيير محكم غير منسوخ ، وقالوا : الآية ~~نزلت في قصة الرجم ( التي رواها مالك في الموطأ } والبخاري ومن بعده ) وذلك ~~أن يهوديا زنى بامرأة ms2293 يهودية ، فقال جميعهم : لنسأل محمدا عن ذلك . ~~فتحاكموا إليه ، فخيره الله تعالى . واختلف أصحاب هذا القول فقال فريق منهم ~~: كان اليهود بالمدينة يومئذ أهل موادعة ولم يكونوا أهل ذمة ، فالتخيير باق ~~مع أمثالهم ممن ليس داخلا تحت ذمة الإسلام ، بخلاف الذين دخلوا في ذمة ~~الإسلام ، فهؤلاء إذا تحاكموا إلى المسلمين وجب الحكم بينهم . وهو قول ابن ~~القاسم في رواية عيسى بن دينار ، لأن اليهوديين كانا من أهل خيبر أو فدك ~~وهما يومئذ من دار الحرب في موادعة . # وقال الجمهور : هذا التخيير عام في أهل الذمة أيضا . وهذا قول مالك ~~ورواية عن الشافعي . قال مالك : الأعراض أولى . وقيل : لا يحكم بينهم في ~~الحدود ، وهذا أحد قولي الشافعي . وقيل : التخيير منسوخ بقوله تعالى بعد { ~~وأن احكم بينهم بما أنزل الله } ( المائدة : 49 ) ، وهو قول أبي حنيفة ، ~~وقاله ابن عباس ، ومجاهد ، وعكرمة ، والسدي ، وعمر بن عبد العزيز ، والنخعي ~~، وعطاء ، الخراساني ، ويبعده أن سياق الآيات يقتضي أنها نزلت في نسق واحد ~~فيبعد أن يكون آخرها نسخا لأولها . # وقوله : { وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط } أي بالعدل . والعدل : الحكم ~~الموافق لشريعة الإسلام . وهذا يحتمل أن الله نهى رسوله عن أن يحكم بينهم ~~بما في التوراة لأنها شريعة منسوخة بالإسلام . وهذا الذي رواه مالك . وعلى ~~هذا فالقصة التي حكموا فيها رسول الله لم يحكم فيها الرسول على الزانيين ~~ولكنه قصر حكمه على أن بين لليهود حقيقة شرعهم في التوراة ، فاتضح بطلان ما ~~كانوا يحكمون به لعدم موافقته شرعهم ولا شرع الإسلام ؛ فهو حكم على اليهود ~~بأنهم كتموا . ويكون ما وقع في حديث ( الموطأ ) والبخاري : أن الرجل ~~والمرأة PageV06P204 رجما ، إنما هو بحكم أحبارهم . ويحتمل أن الله أمره أن ~~يحكم بينهم بما في التوراة لأنه يوافق حكم الإسلام ؛ فقد حكم فيه بالرجم ~~قبل حدوث هذه الحادثة أو بعدها . ويحتمل أن الله رخص له أن يحكم بينهم ~~بشرعهم حين حكموه . وبهذا قال بعض العلماء فيما حكاه القرطبي . وقائل هذا ~~يقول : هذا نسخ بقوله تعالى : { وأن احكم بينهم بما أنزل الله ms2294 } ( المائدة ~~: 49 ) ، وهو قول جماعة من التابعين . ولا داعي إلى دعوى النسخ ، ولعلهم ~~أرادوا به ما يشمل البيان ، كما سنذكره عند قوله : { فاحكم بينهم بما أنزل ~~الله } ( المائدة : 48 ) . # والذي يستخلص من الفقه في مسألة الحكم بين غير المسلمين دون تحكيم : أن ~~الأمة أجمعت على أن أهل الذمة داخلون تحت سلطان الإسلام ، وأن عهود الذمة ~~قضت بإبقائهم على ما تقتضيه مللهم في الشؤون الجارية بين بعضهم مع بعض بما ~~حددت لهم شرائعهم . ولذلك فالأمور التي يأتونها تنقسم إلى أربعة أقسام : # القسم الأول : ما هو خاص بذات الذمي من عبادته كصلاته وذبحه وغيرها مما ~~هو من الحلال والحرام . وهذا لا اختلاف بين العلماء في أن أيمة المسلمين لا ~~يتعرضون لهم بتعطيله إلا إذا كان فيه فساد عام كقتل النفس . # القسم الثاني : ما يجري بينهم من المعاملات الراجعة إلى الحلال والحرام ~~في الإسلام ، كأنواع من الأنكحة والطلاق وشرب الخمر والأعمال التي ~~يستحلونها ويحرمها الإسلام . وهذه أيضا يقرون عليها ، قال مالك : لا يقام ~~حد الزنا على الذميين ، فإن زنى مسلم بكتابية يحد المسلم ولا تحد الكتابية ~~. قال ابن خويز منداد : ولا يرسل الإمام إليهم رسولا ولا يحضر الخصم مجلسه ~~. # القسم الثالث : ما يتجاوزهم إلى غيرهم من المفاسد كالسرقة والاعتداء على ~~النفوس والأعراض . وقد أجمع علماء الأمة على أن هذا القسم يجري على أحكام ~~الإسلام ، لأنا لم نعاهدهم على الفساد ، وقد قال تعالى : { والله لا يحب ~~الفساد } ( البقرة : 205 ) ، ولذلك نمنعهم من بيع الخمر للمسلمين ومن ~~التظاهر بالمحرمات . PageV06P205 # القسم الرابع : ما يجري بينهم من المعاملات التي فيها اعتداء بعضهم على ~~بعض : كالجنايات ، والديون ، وتخاصم الزوجين . فهذا القسم إذا تراضوا فيه ~~بينهم لا نتعرض لهم ، فإن استعدى أحدهم على الآخر بحاكم المسلمين . فقال ~~مالك : يقضي الحاكم المسلم بينهم فيه وجوبا ، لأن في الاعتداء ضربا من ~~الظلم والفساد ، وكذلك قال الشافعي ، وأبو يوسف ، ومحمد ، وزفر . وقال أبو ~~حنيفة : لا يحكم بينهم حتى يتراضى الخصمان معا . # # | 2 ( 43 ) { وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون ms2295 من ~~بعد ذالك ومآ أولائك بالمؤمنين } . ) 2 # وهذه الجملة عطف على جملة { فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم } ( ~~المائدة : 42 ) . والاستفهام للتعجيب ، ومحل العجب مضمون قوله : { ثم ~~يتولون من بعد ذلك } ، أي من العجيب أنهم يتركون كتابهم ويحكمونك وهم غير ~~مؤمنين بك ثم يتولون بعد حكمك إذا لم يرضهم . فالإشارة بقوله : { من بعد ~~ذلك } إلى الحكم المستفاد من { يحكمونك } ، أي جمعوا عدم الرضى بشرعهم ~~وبحكمك . وهذه غاية التعنت المستوجبة للعجب في كلتا الحالتين ، كما وصف ~~الله حال المنافقين في قوله : { وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا ~~فريق منهم معرضون وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين } ( النور : 48 ، 49 ~~) . ويحتمل أن الاستفهام إنكاري ، أي هم لا يحكمونك حقا . ومحل الإنكار هو ~~أصل ما يدل عليه الفعل من كون فاعله جادا ، أي لا يكون تحكيمهم صادقا بل هو ~~تحكيم صوري يبتغون به ما يوافق أهواءهم ، لأن لديهم التوراة فيها حكم ما ~~حكموك فيه ، وهو حكم الله ، وقد نبذوها لعدم موافقتها أهواءهم ، ولذلك ~~قدروا نبذ حكومتك إن لم توافق هواهم ، فما هم بمحكمين حقيقة . فيكون فعل { ~~يحكمونك } مستعملا في التظاهر بمعنى الفعل دون وقوعه ، كقوله تعالى : { ~~يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزئوا } ( ~~التوبة : 64 ) الآية . ويجوز على هذا أن تكون الإشارة بقوله : { من بعد ذلك ~~} إلى مجموع ما ذكر ، وهو التحكيم ، وكون التوراة عندهم ، PageV06P206 أي ~~يتولون عن حكمك في حال ظهور الحجة الواضحة ، وهي موافقة حكومتك لحكم ~~التوراة . # وجملة { وما أولئك بالمؤمنين } في موضع الحال من ضمير الرفع في { يحكمونك ~~} . ونفي الإيمان عنهم مع حذف متعلقه للإشارة إلى أنهم ما آمنوا بالتوراة ~~ولا بالإسلام فكيف يكون تحكيمهم صادقا . # وضمير { فيها } عائد إلى التوراة ، فتأنيثه مراعاة لاسم التوراة وإن كان ~~مسماها كتابا ولكن لأن صيغة فعلاة معروفة في الأسماء المؤنثة مثل موماة . ~~وتقدم وجه تسمية كتابهم توراة عند قوله تعالى : { وأنزل التوراة والإنجيل ~~في سورة آل عمران ( 3 ) . # # | 2 ( 44 ) إنآ أنزلنا التوراة فيها ms2296 هدى ونور يحكم بها النبيون الذين ~~أسلموا للذين هادوا والربانيون والاحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا ~~عليه شهدآء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بئاياتى ثمنا قليلا ومن لم ~~يحكم بمآ أنزل الله فأولائك هم الكافرون } . ) 2 # لما وصف التوراة بأن فيها حكم الله استأنف ثناء عليها وعلى الحاكمين بها ~~. ووصفها بالنزول ليدل على أنها وحي من الله ، فاستعير النزول لبلوغ الوحي ~~لأنه بلوغ شيء من لدن عظيم ، والعظيم يتخيل عاليا ، كما تقدم غير مرة . # والنور استعارة للبيان والحق ، ولذلك عطف على الهدى ، فأحكامها هادية ~~وواضحة ، والظرفية . حقيقية ، والهدى والنور دلائلهما . ولك أن تجعل النور ~~هنا مستعارا للإيمان والحكمة ، كقوله : { يخرجهم من الظلمات إلى النور } ( ~~البقرة : 132 ) ، PageV06P207 فيكون بينه وبين الهدى عموم وخصوص مطلق ، ~~فالنور أعم ، والعطف لأجل تلك المغايرة بالعموم . # والمراد بالنبيين فيجوز أنهم أنبياء بني إسرائيل ، موسى والأنبياء الذين ~~جاءوا من بعده . فالمراد بالذين أسلموا الذين كان شرعهم الخاص بهم كشرع ~~الإسلام سواء ، لأنهم كانوا مخصوصين بأحكام غير أحكام عموم أمتهم بل هي ~~مماثلة للإسلام ، وهي الحنيفية الحق ، إذ لا شك أن الأنبياء كانوا على أكمل ~~حال من العبادة والمعاملة ، ألا ترى أن الخمر ما كانت محرمة في شريعة قبل ~~الإسلام ومع ذلك ما شربها الأنبياء قط ، بل حرمتها التوراة على كاهن بني ~~إسرائيل فما ظنك بالنبيء . ولعل هذا هو المراد من وصية إبراهيم لبنيه بقوله ~~: { فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون } ( البقرة : 132 ) كما تقدم هنالك . وقد ~~قال يوسف عليه السلام في دعائه : { توفني مسلما وألحقني بالصالحين } ( يوسف ~~: 101 ) . والمقصود من الوصف بقوله : { الذين أسلموا } على هذا الوجه ~~الإشارة إلى شرف الإسلام وفضله إذ كان دين الأنبياء . ويجوز أن يراد ~~بالنبيئين محمد صلى الله عليه وسلم وعبر عنه بصيغة الجمع تعظيما له . # واللام في قوله : { للذين هادوا } للأجل وليست لتعدية فعل { يحكم } إذ ~~الحكم في الحقيقة لهم وعليهم . والذين هادوا هم اليهود ، وهو اسم يرادف ~~معنى الإسرائليين ، إلا أن أصله يختص ببني يهوذا منهم ، فغلب عليهم من ms2297 بعد ~~، كما قدمناه عند قوله تعالى : { إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى ~~والصابئين الآية في سورة البقرة ( 62 ) . # والربانيون جمع رباني ، وهو العالم المنسوب إلى الرب ، أي إلى الله تعالى ~~. فعلى هذا يكون الرباني نسبا للرب على غير قياس ، كما قالوا : شعراني ~~لكثير الشعر ، ولحياني لعظيم اللحية . وقيل : الرباني العالم المربي ، وهو ~~الذي يبتدىء PageV06P208 الناس بصغار العلم قبل كباره . ووقع هذا التفسير ~~في صحيح البخاري } . وقد تقدم عند قوله تعالى : { ولكن كونوا ربانيين } في ~~سورة آل عمران ( 79 ) . # والأحبار جمع حبر ، وهو العالم في الملة الإسرائلية ، وهو بفتح الحاء ~~وكسرها ، لكن اقتصر المتأخرون على الفتح للتفرقة بينه وبين اسم المداد الذي ~~يكتب به . وعطف { الربانيون والأحبار } على { النبيئون } لأنهم ورثة علمهم ~~وعليهم تلقوا الدين . # والاستحفاظ : الاستئمان ، واستحفاظ الكتاب أمانة فهمه حق الفهم بما دلت ~~عليه آياته . استعير الاستحفاظ الذي هو طلب الحفظ لمعنى الأمر بإجادة الفهم ~~والتبليغ للأمة على ما هو عليه . # فالباء في قوله { بما استحفظوا } للملابسة ، أي حكما ملابسا للحق متصلا ~~به غير مبدل ولا مغير ولا مؤول تأويلا لأجل الهوى . ويدخل في الاستحفاظ ~~بالكتاب الأمر بحفظ ألفاظه من التغيير والكتمان . ومن لطائف القاضي إسماعيل ~~بن إسحاق بن حماد ما حكاه عياض في ( المدارك ) ، عن أبي الحسن بن المنتاب ، ~~قال : كنت عند إسماعيل يوما فسئل : لم جاز التبديل على أهل التوراة ولم يجز ~~على أهل القرآن ، فقال : لأن الله تعالى قال في أهل التوراة { بما استحفظوا ~~من كتاب الله } فوكل الحفظ إليهم . وقال في القرآن : { إنا نحن نزلنا الذكر ~~وإنا له لحافظون } ( الحجر : 9 ) . فتعهد الله بحفظه فلم يجز التبديل على ~~أهل القرآن . قال : فذكرت ذلك للمحاملي ، فقال : لا أحسن من هذا الكلام . # و { من } مبينة لإبهام ( ما ) في قوله : { بما استحفظوا } . و { كتاب ~~الله } هو التوراة ، فهو من الإظهار في مقام الإضمار ، ليتأتى التعريف ~~بالإضافة المفيدة لتشريف التوراة وتمجيدها بإضافتها إلى اسم الله تعالى . # وضمير { وكانوا } للنبيئين والربانيين والأحبار ، أي وكان المذكورون ~~شهداء على كتاب الله ، أي ms2298 شهداء على حفظه من التبديل ، فحرف ( على ) هنا ~~دال على معنى التمكن وليس هو ( على ) الذي يتعدى به فعل شهد ، إلى المحقوق ~~كما يتعدى PageV06P209 ذلك الفعل باللام إلى المشهود له ، أي المحق ، بل هو ~~هنا مثل الذي يتعدى به فعل ( حفظ ورقب ) ونحوهما ، أي وكانوا حفظة على كتاب ~~الله وحراسا له من سوء الفهو وسوء التأويل ويحملون أتباعه على حق فهمه وحق ~~العمل به . # ولذلك عقبه بجملة { فلا تخشوا الناس واخشون } المتفرعة بالفاء على قوله : ~~{ وكانوا عليه شهداء } ، إذ الحفيظ على الشيء الأمين حق الأمانة لا يخشى ~~أحدا في القيام بوجه أمانته ولكنه يخشى الذي استأمنه . فيجوز أن يكون ~~الخطاب بقوله : { فلا تخشوا الناس } ليهود زمان نزول الآية ، والفاء ~~للتفريع عما حكي عن فعل سلف الأنبياء والمؤمنين ليكونوا قدوة لخلفهم من ~~الفريقين ، والجملة على هذا الوجه معترضة ؛ ويجوز أن يكون الخطاب للنبيئين ~~والربانيين والأحبار فهي على تقدير القول ، أي قلنا لهم : فلا تخشوا الناس ~~. والتفريع ناشىء عن مضمون قوله : { بما استحفظوا من كتاب الله } ، لأن ~~تمام الاستحفاظ يظهر في عدم المبالاة بالناس رضوا أم سخطوا ، وفي قصر ~~الاعتداد على رضا الله تعالى . # وتقدم الكلام في معنى { ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا في سورة البقرة ( ~~41 ) . # وقوله ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } يجوز أن يكون من ~~جملة المحكي بقوله : { فلا تخشوا الناس واخشون } ، لأن معنى خشية الناس هنا ~~أن تخالف أحكام شريعة التوراة أو غيرها من كتب الله لإرضاء أهوية الناس ، ~~ويجوز أن يكون كلاما مستأنفا عقبت به تلك العظات الجليلة . وعلى الوجهين ~~فالمقصود اليهود وتحذير المسلمين من مثل صنعهم . # و ( من ) الموصولة يحتمل أن يكون المراد بها الفريق الخاص المخاطب بقوله ~~: { ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا } ، وهم الذين أخفوا بعض أحكام التوراة ~~مثل حكم الرجم ؛ فوصفهم الله بأنهم كافرون بما جحدوا من شريعتهم المعلومة ~~عندهم . والمعنى أنهم اتصفوا بالكفر من قبل فإذا لم يحكموا بما أنزل الله ~~فذلك من آثار كفرهم السابق . PageV06P210 ويحتمل أن يكون المراد ms2299 بها الجنس ~~وتكون الصلة إيماء إلى تعليل كونهم كافرين فتقتضي أن كل من لا يحكم بما ~~أنزل الله يكفر . وقد اقتضى هذا قضيتين : # إحداهما : كون الذي يترك الحكم بما تضمنته التوراة مما أوحاه الله إلى ~~موسى كافرا ، أو تارك الحكم بكل ما أنزله الله على الرسل كافرا ؛ والثانية ~~: قصر وصف الكفر على تارك الحكم بما أنزل الله . # فأما القضية الأولى : فالذين يكفرون مرتكب الكبيرة يأخذون بظاهر هذا . ~~لأن الجور في الحكم كبيرة والكبيرة كفر عندهم . وعبروا عنه بكفر نعمة ~~يشاركه في ذلك جميع الكبائر ، وهذا مذهب باطل كما قررناه غير مرة . وأما ~~جمهور المسلمين وهم أهل السنة من الصحابة فمن بعدهم فهي عندهم قضية مجملة ، ~~لأن ترك الحكم بما أنزل الله يقع على أحوال كثيرة ؛ فبيان إجماله بالأدلة ~~الكثيرة القاضية بعدم التكفير بالذنوب ، ومساق الآية يبين إجمالها . ولذلك ~~قال جمهور العلماء : المراد بمن لم يحكم هنا خصوص اليهود ، قاله البراء بن ~~عازب ورواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرجه مسلم في ( صحيحه ) . ~~فعلى هذا تكون ( من ) موصولة ، وهي بمعنى لام العهد . والمعنى عليه : ومن ~~ترك الحكم بما أنزل الله تركا مثل هذا الترك ، هو ترك الحكم المشوب بالطعن ~~في صلاحيته . وقد عرف اليهود بكثرة مخالفة حكامهم لأحكام كتابهم بناء على ~~تغييرهم إياها باعتقاد عدم مناسبتها لأحوالهم كما فعلوا في حد الزنى ؛ ~~فيكون القصر إدعائيا وهو المناسب لسبب نزول الآيات التي كانت هذه ذيلا لها ~~؛ فيكون الموصول لتعريف أصحاب هذه الصلة وليس معللا للخبر . وزيدت الفاء في ~~خبره لمشابهته بالشرط في لزوم خبره له ، أي أن الذين عرفوا بهذه الصفة هم ~~الذين إن سألت عن الكافرين فهم هم لأنهم كفروا وأساءوا الصنع . # وقال جماعة : المراد من لم يحكم بما أنزل الله من ترك الحكم به جحدا له ، ~~أو استخفافا به ، أو طعنا في حقيته بعد ثبوت كونه حكم الله بتواتر أو سماعه ~~من رسول الله ، سمعه المكلف بنفسه . وهذا مروي عن ابن مسعود ، وابن ~~PageV06P211 عباس ، ومجاهد ، والحسن ، ف { من ms2300 } شرطية وترك الحكم مجمل ~~بيانه في أدلة أخر . وتحت هذا حالة أخرى ، وهي التزام أن لا يحكم بما أنزل ~~الله في نفسه كفعل المسلم الذي تقام في أرضه الأحكام الشرعية فيدخل تحت ~~محاكم غير شرعية باختياره فإن ذلك الالتزام أشد من المخالفة في الجزئيات ، ~~ولا سيما إذا لم يكن فعله لجلب منفعة دنيوية . وأعظم منه إلزام الناس ~~بالحكم PageV06P212 بغير ما أنزل الله من ولاة الأمور ، وهو مراتب متفاوتة ~~، وبعضها قد يلزمه لازم الردة إن دل على استخفاف أو تخطئة لحكم الله . # وذهب جماعة إلى التأويل في معنى الكفر ؛ فقيل عبر بالكفر عن المعصية ، ~~كما قالت زوجة ثابت بن قيس ( أكره الكفر في الإسلام ) أي الزنى ، أي قد فعل ~~فعلا يضاهي أفعال الكفار ولا يليق بالمؤمنين ، وروى هذا عن ابن عباس . وقال ~~طاووس ( هو كفر دون كفر وليس كفرا ينقل عن الإيمان ) . وذلك أن الذي لا ~~يحكم بما أنزل الله قد يفعل ذلك لأجل الهوى ، وليس ذلك بكفر ولكنه معصية ، ~~وقد يفعله لأنه لم يره قاطعا في دلالته على الحكم ، كما ترك كثير من ~~العلماء الأخذ بظواهر القرآن على وجه التأويل وحكموا بمقتضى تأويلها وهذا ~~كثير . # وهذه الآية والتي بعدها في شأن الحاكمين . وأما رضى المتحاكمين بحكم الله ~~فقد مر في قوله تعالى : { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكمون فيما شجر بينهم } ~~( النساء : 65 ) الآية وبينا وجوهه ، وسيأتي في قوله تعالى : { وإذا دعوا ~~إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون إلى قوله بل أولئك هم ~~الظالمون } في سورة النور ( 48 50 ) . # وأما القضية الثانية : فالمقصود بالقصر هنا المبالغة في الوصف بهذا الإثم ~~العظيم المعبر عنه مجازا بالكفر ، أو في بلوغهم أقصى درجات الكفر ، وهو ~~الكفر الذي انضم إليه الجور وتبديل الأحكام . # واعلم أن المراد بالصلة هنا أو بفعل الشرط إذ وقعا منفيين هو الاتصاف ~~بنقيضهما ، أي ومن حكم بغير ما أنزل الله . وهذا تأويل ثالث في الآية ، لأن ~~الذي لم يحكم بما أنزل الله ولا حكم بغيره ، بأن ترك ms2301 الحكم بين الناس ، أو ~~دعا إلى الصلح ، لا تختلف الأمة في أنه ليس بكافر ولا آثم ، وإلا للزم كفر ~~كل حاكم في حال عدم مباشرته للحكم ، وكفر كل من ليس بحاكم . فالمعنى : ومن ~~حكم فلم يحكم بما أنزل الله . # # | 2 ( 45 ) { وكتبنا عليهم فيهآ أن النفس بالنفس والعين بالعين والانف ~~بالانف والاذن بالاذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ~~ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولائك هم الظالمون } . ) 2 # عطفت جملة { كتبنا } على جملة { أنزلنا التوراة } ( المائدة : 44 ) . ~~ومناسبة عطف هذا الحكم على ما تقدم أنهم غيروا أحكام القصاص كما غيروا ~~أحكام حد الزنى ، ففاضلوا بين القتلى والجرحى ، كما سيأتي ، فلذلك ذيله ~~بقوله : { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون } ، كما ذيل الآية ~~الدالة على تغيير حكم حد الزنى بقوله : { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك ~~هم الكافرون } ( المائدة : 44 ) . # والكتب هنا مجاز في التشريع والفرض بقرينة تعديته بحرف ( على ) ، أي ~~أوجبنا عليهم فيها ، أي في التوراة مضمون { أن النفس بالنفس } ، وهذا الحكم ~~مسطور في التوراة أيضا ، كما اقتضت تعدية فعل { كتبنا } بحرف ( في ) فهو من ~~استعمال اللفظ في حقيقته ، ومجازه . # وفي هذا إشارة إلى أن هذا الحكم لا يستطاع جحده لأنه مكتوب والكتابة تزيد ~~الكلام توثقا ، كما تقدم عند قوله تعالى : { يأيها الذين آمنوا إذا تداينتم ~~بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه في سورة البقرة ( 282 ) ، وقال الحارث بن حلزة : # وهل ينقض ما في المهارق الأهواء PageV06P213 # والمكتوب عليهم هو المصدر المستفاد من ( أن ) . والمصدر في مثل هذا يؤخذ ~~من معنى حرف الباء الذي هو التعويض ، أي كتبنا تعويض النفسس بالنفس ، أي ~~النفس المقتولة بالنفس القاتلة ، أي كتبنا عليهم مساواة القصاص . وقد اتفق ~~القراء على فتح همزة ( أن ) هنا ، لأن المفروض في التوراة ليس هو عين هذه ~~الجمل ولكن المعنى الحاصل منها وهو العوضية والمساواة فيها . # وقرأ الجمهور والعين بالعين } وما عطف عليها بالنصب عطفا على اسم ( أن ) ~~. وقرأه الكسائي بالرفع . وذلك جائز إذا ms2302 استكملت ( أن ) خبرها فيعتبر العطف ~~على مجموع الجملة . # والنفس : الذات ، وقد تقدم في قوله تعالى : { وتنسون أنفسكم في سورة ~~البقرة ( 44 ) . والأذن بضم الهمزة وسكون الذال ، وبضم الذال أيضا . ~~والمراد بالنفس الأولى نفس المعتدى عليه ، وكذلك في والعين } الخ . # والباء في قوله : { بالنفس } ونظائره الأربعة باء العوض ، ومدخولات الباء ~~كلها أخبار ( أن ) ، ومتعلق الجار والمجرور في كل منها محذوف ، هو كون خاص ~~يدل عليه سياق الكلام ؛ فيقدر : أن النفس المقتولة تعوض بنفس القاتل والعين ~~المتلفة تعوض بعين المتلف ، أي بإتلافها وهكذا النفس متلفة بالنفس ؛ والعين ~~مفقوءة بالعين ، والأنف مجدوع بالأنف ؛ والأذن مصلومة بالأذن . # ولام التعريف في المواضع الخمسة داخلة على عضو المجني عليه ، ومجرورات ~~الباء الخمسة على أعضاء الجاني . والاقتصار على ذكر هذه الأعضاء دون غيرها ~~من أعضاء الجسد كاليد والرجل والإصبع لأن القطع يكون غالبا عند المضاربة ~~بقصد قطع الرقبة ، فقد ينبو السيف عن قطع الرأس فيصيب بعض الأعضاء المتصلة ~~به من عين أو أنف أو أذن أو سن . وكذلك عند المصاولة لأن الوجه يقابل ~~الصائل ، قال الحريش بن هلال : # نعرض للسيوف إذا التقينا # وجوها لا تعرض لللطام PageV06P214 # وقوله : { والجروح قصاص } أخبر بالقصاص عن الجروح على حذف مضاف ، أي ذات ~~قصاص . وقصاص مصدر قاصة الدال على المفاعلة ، لأن المجني عليه يقاص الجاني ~~، والجاني يقاص المجني عليه ، أي يقطع كل منهما التبعة عن الآخر بذلك . ~~ويجوز أن يكون { قصاص } مصدرا بمعنى المفعول ، كالخلق بمعنى المخلوق ، ~~والنصب بمعنى المنصوب ، أي مقصوص بعضها ببعض . والقصاص : المماثلة ، أي ~~عقوبة الجاني بجراح أن يجرح مثل الجرح الذي جنى به عمدا . والمعنى إذا أمكن ~~ذلك ، أي أمن من الزيادة على المماثلة في العقوبة ، كما إذا جرحه مأمومة ~~على رأسه فإنه لا يدري حين يضرب رأس الجاني ماذا يكون مدى الضربة فلعلها ~~تقضي بموته ؛ فينتقل إلى الدية كلها أو بعضها . وهذا كله في جنايات العمد ، ~~فأما الخطأ فلم تتعرض له الآية لأن المقصود أنهم لم يقيموا حكم التوراة في ~~الجناية . # وقرأ نافع ، وحمزة ، وعاصم ، وأبو جعفر ms2303 ، وخلف { والجروح } بالنصب عطفا ~~على اسم ( أن ) . وقرأه ابن كثير ، وابن عامر ، وأبو عمرو ، والكسائي ، ~~ويعقوب بالرفع على الاستئناف ، لأنه إجمال لحكم الجراح بعد ما فصل حكم قطع ~~الأعضاء . # وفائدة الإعلام بما شرع الله لبني إسرائيل في القصاص هنا زيادة تسجيل ~~مخالفتهم لأحكام كتابهم ، وذلك أن اليهود في المدينة كانوا قد دخلوا في ~~حروب بعاث فكانت قريظة والنضير حربا ، ثم تحاجزوا وانهزمت قريظة ، فشرطت ~~النضير على قريظة أن دية النضيري على الضعف من دية القرظي وعلى أن القرظي ~~يقتل بالنضيري ولا يقتل النضيري بالقرظي ، فأظهر الله تحريفهم لكتابهم . ~~وهذا كقوله تعالى : { وإذا أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم إلى قوله ~~أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض } ( البقرة : 84 ، 85 ) . ويجوز أن يقصد ~~من ذلك أيضا تأييد شريعة الإسلام إذ جاءت بمساواة القصاص وأبطلت التكايل في ~~الدماء PageV06P215 الذي كان في الجاهلية وعند اليهود . ولا شك أن تأييد ~~الشريعة بشريعة أخرى يزيدها قبولا في النفوس ، ويدل على أن ذلك الحكم مراد ~~قديم للهتعالى ، وأن المصلحة ملازمة له لا تختلف باختلاف الأفوام والأزمان ~~، لأن العرب لم يزل في نفوسهم حرج من مساواة الشريف الضعيف في القصاص ، كما ~~قالت كبشة أخت عمرو بن معد يكرب تثأر بأخيها عبد الله بن معد يكرب : # فيقتل جبرا بامرىء لم يكن له # بواء ولكن لا تكايل بالدم # تريد : رضينا بأن يقتل الرجل الذي اسمه ( جبر ) بالمرء العظيم الذي ليس ~~كفؤا له ، ولكن الإسلام أبطل تكايل الدماء . والتكايل عندهم عبارة عن تقدير ~~النفس بعدة أنفس ، وقد قدر شيوخ بني أسد دم حجر والد امرىء القيس بديات ~~عشرة من سادة بني أسد فأبى امرؤ القيس قبول هذا التقدير وقال لهم : ( قد ~~علمتم أن حجرا لم يكن ليبوء به شيء ) وقال مهلهل حين قتل بجيرا : # ( بؤ بشسع نعل كليب ) # والبواء : الكفاء . وقد عدت الآية في القصاص أشياء تكثر إصابتها في ~~الخصومات لأن الرأس قد حواها وإنما يقصد القاتل الرأس ابتداء . # وقوله : { فمن تصدق به فهو كفارة له } هو من بقية ما أخبر به ms2304 عن بني ~~إسرائيل ، فالمراد ب { من تصدق } من تصدق منهم ، وضمير { به } عائد إلى ما ~~دلت عليه باء العوض في قوله { بالنفس } الخ ، أي من تصدق بالحق الذي له ، ~~أي تنازل عن العوض . وضمير { له } عائد إلى { من تصدق } . والمراد من ~~التصدق العفو ، لأن العفو لما كان عن حق ثابت بيد مستحق الأخذ بالقصاص جعل ~~إسقاطه PageV06P216 كالعطية ليشير إلى فرط ثوابه ، وبذلك يتبين أن معنى { ~~كفارة له } أنه يكفر عنه ذنوبا عظيمة ، لأجل ما في هذا العفو من جلب القلوب ~~وإزالة الإحن واستبقاء نفوس وأعضاء الأمة . # وعاد فحذر من مخالفة حكم الله فقال : { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك ~~هم الظالمون } لينبه على أن الترغيب في العفو لا يقتضي الاستخفاف بالحكم ~~وإبطال العمل به لأن حكم القصاص شرع لحكم عظيمة : منها الزجر ، ومنها جبر ~~خاطر المعتدى عليه ، ومنها التفادي من ترصد المعتدى عليهم للانتقام من ~~المعتدين أو من أقوامهم . فإبطال الحكم بالقصاص يعطل هذه المصالح ، وهو ظلم ~~، لأنه غمص لحق المعتدى عليه أو وليه . وأما العفو عن الجاني فيحقق جميع ~~المصالح ويزيد مصلحة التحابب لأنه عن طيب نفس ، وقد تغشى غباوة حكام بني ~~إسرائيل على أفهامهم فيجعلوا إبطال الحكم بمنزلة العفو ، فهذا وجه إعادة ~~التحذير عقب استحباب العفو . ولم ينبه عليه المفسرون . وبه يتعين رجوع هذا ~~التحذير إلى بني إسرائيل مثل سابقه . # وقوله : { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون } القول فيه ~~كالقول في نظيره المتقدم . والمراد بالظالمين الكافرون لأن الظلم يطلق على ~~الكفر فيكون هذا مؤكدا للذي في الآية السابقة . ويحتمل أن المراد به الجور ~~فيكون إثبات وصف الظلم لزيادة التشنيع عليهم في كفرهم لأنهم كافرون ظالمون ~~. # # | 2 ( 46 ، 47 ) { وقفينا على ءاثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه ~~من التوراة وءاتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة ~~وهدى وموعظة للمتقين * وليحكم أهل الإنجيل بمآ أنزل الله فيه ومن لم يحكم ~~بمآ أنزل الله فأولائك هم الفاسقون } . ) 2 # PageV06P217 # عطف على جملة ms2305 { إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور } ( المائدة : 44 ) ~~انتقالا إلى أحوال النصارى لقوله : { وليحكم أهل الأنجيل بما أنزل الله فيه ~~ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولشك هم الفاسقون } ، ولبيان نوع آخر من أنواع ~~إعراض اليهود عن الأحكام التي كتبها الله عليهم ، فبعد أن ذكر نوعين راجعين ~~إلى تحريفهم أحكام التوراة : أحدهما : ما حرفوه وترددوا فيه بعد أن حرفوه ~~فشكوا في آخر الأمر والتجأوا إلى تحكيم الرسول ؛ وثانيهما : ما حرفوه ~~وأعرضوا عن حكمه ولم يتحرجوا منه وهو إبطال أحكام القصاص . وهذا نوع ثالث : ~~وهو إعراضهم عن حكم الله بالكلية ، وذلك بتكذيبهم لما جاء به عيسى عليه ~~السلام . # والتقفية مصدر قفاه إذا جعله يقفوه ، أي يأتي بعده . وفعله المجرد قفا ~~بتخفيف الفاء ومعنى قفاه سار نحو قفاه ، والقفا الظهر ، أي سار وراءه . ~~فالتقفية الإتباع متشقة من القفا ، ونظيره : توجه مشتقا من الوجه ، وتعقب ~~من العقب . وفعل قفى المشدد مضاعف قفا المخفف ، والأصل في التضعيف أن يفيد ~~تعدية الفعل إلى مفعول لم يكن متعديا إليه ، فإذا جعل تضعيف { قفينا } هنا ~~معديا للفعل اقتضى مفعولين : أولهما : الذي كان مفعولا قبل التضعيف ، ~~وثانيهما : الذي عدي إليه الفعل ، وذلك على طريقة باب كسا ؛ فيكون حق ~~التركيب : وقفيناهم عيسى ابن مريم ، ويكون إدخال الباء في { بعيسى } ~~للتأكيد ، مثل { وامسحوا برءوسكم } ( المائدة : 6 ) ، وإذا جعل التضعيف ~~لغير التعدية بل لمجرد تكرير وقوع الفعل ، مثل جولت وطوفت كان حق التركيب : ~~وقفيناهم بعيسى ابن مريم . وعلى الوجه الثاني جرى كلام ( الكشاف ) فجعل باء ~~{ بعيسى } للتعدية . وعلى كلا الوجهين يكون مفعول { قفينا } محذوفا يدل ~~عليه قوله { على آثارهم } لأن فيه ضمير المفعول المحذوف ، هذا تحقيق كلامه ~~وسلمه أصحاب حواشيه . # وقوله { على آثارهم } تأكيد لمدلول فعل { قفينا } وإفادة سرعة التقفية . ~~PageV06P218 وضمير { آثارهم } للنبيئين والربانيين والأحبار . وقد أرسل ~~عيسى على عقب زكرياء كافل أمه مريم ووالد يحيى . ويجوز أن يكون معنى { على ~~آثارهم } على طريقتهم وهديهم . والمصدق : المخبر بتصديق مخبر ، وأريد به ~~هنا المؤيد المقرر للتوراة . # وجعلها { بين يديه } لأنها تقدمته ، والمتقدم ms2306 يقال : هو بين يدي من تقدم ~~. و { من التوراة } بيان { لما } . وتقدم الكلام على معنى التوراة والإنجيل ~~في أول سورة آل عمران . # وجملة { فيه هدى ونور } حال . وتقدم معنى الهدى والنور . # و { مصدقا } حال أيضا من الإنجيل فلا تكرير بينها وبين قوله { بعيسى ابن ~~مريم مصدقا } لاختلاف صاحب الحال ولاختلاف كيفية التصديق ؛ فتصديق عيسى ~~التوراة أمره بإحياء أحكامها ، وهو تصديق حقيقي ؛ وتصديق الإنجيل التوراة ~~اشتماله على ما وافق أحكامها فهو تصديق مجازي . وهذا التصديق لا ينافي أنه ~~نسخ بعض أحكام التوراة كما حكى الله عنه { ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم } ~~( آل عمران : 50 ) ، لأن الفعل المثبت لا عموم له . # والموعظة : الكلام الذي يلين القلب ويزجر عن فعل المنهيات . # وجملة { وليحكم } معطوفة على { آتيناه } . وقرأ الجمهور { وليحكم } بسكون ~~اللام وبجزم الفعل على أن اللام لام الأمر . ولا شك أن هذا الأمر سابق على ~~مجيء الإسلام ، فهو مما أمر الله به الذين أرسل إليهم عيسى من اليهود ~~والنصارى ، فعلم أن في الجملة قولا مقدرا هو المعطوف على جملة { وآتيناه ~~الإنجيل } ، أي وآتيناه الإنجيل الموصوف بتلك الصفات العظيمة ، وقلنا : ~~ليحكم أهل الإنجيل ، فيتم التمهيد لقوله بعده { ومن لم يحكم بما أنزل الله ~~} ، فقرائن تقدير القول متظافرة من أمور عدة . # وقرأ حمزة بكسر لام { ليحكم } ونصب الميم على أن اللام لام كي للتعليل ، ~~فجملة { ليحكم } على هذه القراءة معطوفة على قوله { فيه هدى } الخ ، الذي ~~هو حال ، عطفتت العلة على الحال عطفا ذكريا لا يشرك في الحكم لأن التصريح ~~PageV06P219 بلام التعليل قرينة على عدم استقامة تشريك الحكم بالعطف فيكون ~~عطفه كعطف الجمل المختلفة المعنى . وصاحب ( الكشاف ) قدر في هذه القراءة ~~فعلا محذوفا بعد الواو ، أي وآتيناه الإنجيل ، دل عليه قوله قبله { وآتيناه ~~الإنجيل } ، وهو تقدير معنى وليس تقدير نظم الكلام . # والمراد بالفاسقين الكافرون ، إذ الفسق يطلق على الكفر ، فتكون على نحو ~~ما في الآية الأولى . ويحتمل أن المراد به الخروج عن أحكام شرعهم سواء ~~كانوا كافرين به أم كانوا معتقدين ولكنهم يخالفونه فيكون ms2307 ذما للنصارى في ~~التهاون بأحكام كتابهم أضعف من ذم اليهود . # # | 2 ( 48 ) { وأنزلنآ إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ~~ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بمآ أنزل الله ولا تتبع أهوآءهم عما جآءك من الحق ~~لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شآء الله لجعلكم أمة واحدة ولاكن ليبلوكم ~~فى مآ ءاتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه ~~تختلفون } . ) 2 # جالت الآيات المتقدمة جولة في ذكر إنزال التوراة والإنجيل وآبت منها إلى ~~المقصود وهو إنزال القرآن ؛ فكان كرد العجز على الصدر لقوله : { يأيها ~~الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر } ( المائدة : 41 ) ليبين أن ~~القرآن جاء نسخا لما قبله ، وأن مؤاخذة اليهود على ترك العمل بالتوراة ~~والإنجيل مؤاخذة لهم بعملهم قبل مجيء الإسلام ، وليعلمهم أنهم لا يطمعون من ~~محمد صلى الله عليه وسلم بأن يحكم بينهم بغير ما شرعه الله في الإسلام ، ~~فوقع قوله : { وأنزلنا إليك الكتاب بالحق } إتماما لترتيب نزول الكتب ~~السماوية ، وتمهيدا لقوله : { فاحكم بينهم PageV06P220 بما أنزل الله } . ~~ووقع قوله : { فاحكم بينهم بما أنزل الله } موقع التخلص المقصود ، فجاءت ~~الآيات كلها منتظمة متناسقة على أبدع وجه . # والكتاب الأول القرآن ، فتعريفه للعهد . والكتاب الثاني جنس يشمل الكتب ~~المتقدمة ، فتعريفه للجنس . والمصدق تقدم بيانه . # والمهيمن الأظهر أن هاءه أصلية وأن فعله بوزن فيعل كسيطر ، ولكن لم يسمع ~~له فعل مجرد فلم يسمع همن . # قال أهل اللغة لا نظير لهذا الفعل إلا هينم إذا دعا أو قرأ ، وبيقر إذا ~~خرج من الحجاز إلى الشام ، وسيطر إذا قهر . وليس له نظير في وزن مفيعل إلا ~~اسم فاعل هذه الأفعال ، وزادوا مبيطر اسم طبيب الدواب ، ولم يسمع بيطر ولكن ~~بطر ، ومجيمر اسم جبل ، ذكره امرؤ القيس في قوله : # كأن ذرى رأس المجيمر غدوة # من السيل والغثاء فلكة مغزل # وفسر المهيمن بالعالي والرقيب ، ومن أسمائه تعالى المهيمن . # وقيل : المهيمن مشتق من أمن ، وأصله اسم فاعل من آمنه عليه بمعنى استحفظه ~~به ، فهو مجاز في لازم المعنى وهو الرقابة ، فأصله مؤأمن ms2308 ، فكأنهم راموا أن ~~يفرقوا بينه وبين اسم الفاعل من آمن بمعنى اعتقد وبمعنى آمنه ، لأن هذا ~~المعنى المجازي صار حقيقة مستقلة فقلبوا الهمزة الثانية ياء وقلبوا الهمزة ~~الأولى هاء ، كما قالوا في أراق هراق ، فقالوا : هيمن . # وقد أشارت الآية إلى حالتي القرآن بالنسبة لما قبله من الكتب ، فهو مؤيد ~~لبعض ما في الشرائع مقرر له من كل حكم كانت مصلحته كلية لم تختلف مصلحته ~~باختلاف الأمم والأزمان ، وهو بهذا الوصف مصدق ، أي محقق ومقرر ، وهو أيضا ~~مبطل لبعض ما في الشرائع السالفة وناسخ لأحكام كثيرة من كل ما كانت مصالحه ~~جزئية مؤقتة مراعى فيها أحوال أقوام خاصة . PageV06P221 # وقوله : { فاحكم بينهم بما أنزل الله } أي بما أنزل الله إليك في القرآن ~~، أو بما أوحاه إليك ، أو احكم بينهم بما أنزل الله في التوراة والإنجيل ما ~~لم ينسخه الله بحكم جديد ، لأن شرع من قبلنا شرع لنا إذا أثبت الله شرعه ~~لمن قبلنا . فحكم النبيء على اليهوديين بالرجم حكم بما في التوراة ، فيحتمل ~~أنه كان مؤيدا بالقرآن إذا كان حينئذ قد جاء قوله : ( الشيخ والشيخة إذا ~~زنيا فارجموهما ) . ويحتمل أنه لم يؤيد ولكن الله أوحى إلى رسوله أن حكم ~~التوراة في مثلهما الرجم ، فحكم به ، وأطلع اليهود على كتمانهم هذا الحكم . ~~وقد اتصل معنى قوله : { فاحكم بينهم بما أنزل الله } بمعنى قوله : { وإن ~~حكمت فاحكم بينهم بالقسط } ( المائدة : 42 ) ؛ فليس في هذه الآية ما يقتضي ~~نسخ الحكم المفاد من قوله : { فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم } ( ~~المائدة : 42 ) ، ولكنه بيان سماه بعض السلف باسم النسخ قبل أن تنضبط حدود ~~الأسماء الاصطلاحية . # والنهي عن اتباع أهوائهم ، أي أهواء اليهود حين حكموه طامعين أن يحكم ~~عليهم بما تقرر من عوائدهم ، مقصود منه النهي عن الحكم بغير حكم الله إذا ~~تحاكموا إليه ، إذ لا يجوز الحكم بغيره ولو كان شريعة سابقة ، لأن نزول ~~القرآن مهيمنا أبطل ما خالفه ، ونزوله مصدقا أيد ما وافقه وزكى ما لم ~~يخالفه . # والرسول لا يجوز عليه أن يحكم بغير ms2309 شرع الله ، فالمقصود من هذا النهي : ~~إما إعلان ذلك ليعلمه الناس وييأس الطامعون أن يحكم لهم بما يشتهون ، فخطاب ~~النبيء صلى الله عليه وسلم بقوله : { ولا تتبع أهواءهم } ( المائدة : 49 ) ~~مراد به أن يتقرر ذلك في علم الناس ، مثل قوله تعالى : { لئن أشركت ليحبطن ~~عملك } ( الزمر : 65 ) . وإما تبيين الله لرسوله وجه ترجيح أحد الدليلين ~~عند تعارض الأدلة بأن لا تكون أهواء الخصوم طرقا للترجيح ، وذلك أن الرسول ~~عليه الصلاة والسلام لشدة رغبته في هدى الناس قد يتوقف في فصل هذا التحكيم ~~، لأنهم وعدوا أنه إن حكم عليهم بما تقرر من عوائدهم يؤمنون به . فقد يقال ~~: إنهم لما تراضوا عليه لم لا يحملون عليه مع ظهور فائدة ذلك وهو دخولهم في ~~الإسلام ، فبين الله له أن أمور الشريعة لا تهاون بها ، وأن مصلحة احترام ~~الشريعة بين أهلها أرجح من مصلحة PageV06P222 دخول فريق في الإسلام ، لأن ~~الإسلام لا يليق به أن يكون ضعيفا لمريديه ، قال تعالى : { يمنون عليك أن ~~أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن ~~كنتم صادقين } ( الحجرات : 17 ) . # وقوله : { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا } كالتعليل للنهي ، أي إذا كانت ~~أهواؤهم في متابعة شريعتهم أو عوائدهم فدعهم وما اعتادوه وتمسكوا بشرعكم . ~~. # والشرعة والشريعة : الماء الكثير من نهر أو واد . يقال : شريعة الفرات . ~~وسميت الديانة شريعة على التشبيه ، لأن فيها شفاء النفوس وطهارتها . والعرب ~~تشبه بالماء وأحواله كثيرا ، كما قدمناه في قوله تعالى : { لعلمه الذين ~~يستنبطونه منهم في سورة النساء ( 83 ) . # والمنهاج : الطريق الواسع ، وهو هنا تخييل أريد به طريق القوم إلى الماء ~~، كقول قيس بن الخطيم : # وأتبعت دلوي في السماح رشاءها # فذكر الرشاء مجرد تخييل . ويصح أن يجعل له رديف في المشبه بأن تشبه ~~العوائد المنتزعة من الشريعة ، أو دلائل التفريع عن الشريعة ، أو طرق فهمها ~~بالمنهاج الموصل إلى السماء . فمنهاج المسلمين لا يخالف الاتصال بالإسلام ، ~~فهو كمنهاج المهتدين إلى الماء ، ومنهاج غيرهم منحرف عن دينهم ، كما كانت ~~اليهود قد جعلت عوائد مخالفة ms2310 لشريعتهم ، فذلك كالمنهاج الموصل إلى غير ~~المورود . وفي هذا الكلام إبهام أريد به تنبيه الفريقين إلى الفرق بين ~~حاليهما وبالتأمل يظهر لهم . # وقوله : ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة } . الجعل : التقدير ، وإلا فإن ~~الله أمر الناس أن يكونوا أمة واحدة على دين الإسلام ، ولكنه رتب نواميس ~~وجبلات ، PageV06P223 وسبب اهتداء فريق وضلال فريق ، وعلم ذلك بحسب ما خلق ~~فيهم من الاستعداد المعبر عنه بالتوفيق أو الخذلان ، والميلل أو الانصرافف ~~، والعزم أو المكابرة . ولا عذر لأحد في ذلك ، لأن علم الله غير معروف ~~عندنا وإنما ينكشف لنا بما يظهر في الحادثات . # والأمة : الجماعة العظيمة الذين دينهم ومعتقدهم واحد ، هذا بحسب اصطلاح ~~الشريعة . وأصل الأمة في كلام العرب : القوم الكثيرون الذين يرجعون إلى نسب ~~واحد ويتكلمون بلسان واحد ، أي لو شاء لخلقكم على تقدير واحد ، كما خلق ~~أنواع الحيوان غير قابلة للزيادة ولا للتطور من أنفسها . # ومعنى { ليبلوكم فيما آتاكم } هو ما أشرنا إليه من خلق الاستعداد ونحوه . ~~والبلاء : الخبرة . والمراد هنا ليظهر أثر ذلك للناس ، والمراد لازم المعنى ~~على طريق الكناية ، كقول إياس بن قبيصة الطائي : # وأقبلت والخطي يخطر بيننا # لأعلم من جبانها من شجاعها # لم يرد لأعلم فقط ولكن أراد ليظهر لي وللناس . ومعناه أن الله وكل اختيار ~~طرق الخير وأضدادها إلى عقول الناس وكسبهم حكمة منه تعالى ليتسابق الناس ~~إلى إعمال مواهبهم العقلية فتظهر آثار العلم ويزداد أهل العلم علما وتقام ~~الأدلة على الإعتقاد الصحيح . وكل ذلك يظهر ما أودعه الله في جبلة البشر من ~~الصلاحية للخير والإرشاد على حسب الاستعداد ، وذلك من الاختبار . ولذلك قال ~~{ ليبلوكم فيما آتاكم } ، أي في جميع ما آتاكم من العقل والنظر . فيظهر ~~التفاضل بين أفراد نوع الإنسان حتى يبلغ بعضها درجاتت عالية ، ومن الشرائع ~~التي آتاكموها فيظهر مقدار عملكم بها فيحصل الجزاء بمقدار العمل . # وفرع على { ليبلوكم } قوله : { فاستبقوا الخيرات } لأن بذلك الاستباق ~~يكون ظهور أثر التوفيق أوضح وأجلى . # والاستباق : التسابق ، وهو هنا مجاز في المنافسة ، لأن الفاعل للخير لا ~~يمنع PageV06P224 غيره من أن ms2311 يفعل مثل فعله أو أكثر ، فشابه التسابق . ~~ولتضمين فعل { استبقوا } بمعنى خذوا ، أو ابتدروا ، عدي الفعل إلى { ~~الخيرات } بنفسه وحقه أن يعدى بإلى ، كقوله { سابقوا إلى مغفرة من ربكم } ( ~~الحديد : 21 ) . وقوله : { فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون } أي من الاختلاف ~~في قبول الدين . # # | 2 ( 49 ) { وأن احكم بينهم بمآ أنزل الله ولا تتبع أهوآءهم واحذرهم أن ~~يفتنوك عن بعض مآ أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ~~ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون } . ) 2 # يجوز أن يكون قوله { وأن احكم } معطوفا عطف جملة على جملة ، بأن يجعل ~~معطوفا على جملة { فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم } ( المائدة ~~: 48 ) ، فيكون رجوعا إلى ذلك الأمر لتأكيده ، وليبنى عليه قوله : { ~~واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك } كما بني على نظيره قوله : { ~~لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا } ( المائدة : 48 ) وتكون ( أن ) تفسيرية . و ~~( أن ) التفسيرية تفيد تقوية ارتباط التفسير بالمفسر ، لأنها يمكن ~~الاستغناء عنها ، لصحة أن تقول : أرسلت إليه افعل كذا ، كما تقول : أرسلت ~~إليه أن افعل كذا . فلما ذكر الله تعالى أنه أنزل الكتاب إلى رسوله رتب ~~عليه الأمر بالحكم بما أنزل به بواسطة الفاء فقال : { فاحكم بينهم } ( ~~المائدة : 48 ) ، فدل على أن الحكم بما فيه هو من آثار تنزيله . وعطف عليه ~~ما يدل على أن الكتاب يأمر بالحكم بما فيه بما دلت عليه ( أن ) التفسيرية ~~في قوله : { وأن احكم بينهم بما أنزل الله } ، فتأكد الغرض بذكره مرتين مع ~~تفنن الأسلوب وبداعته ، فصار التقدير : وأنزلنا إليك الكتاب بالحق أن احكم ~~بينهم بما أنزل الله فاحكم بينهم به . ومما حسن عطف التفسير هنا طول الكلام ~~الفاصل بين الفعل المفسر وبين تفسيره . وجعله صاحب ( الكشاف ) من عطف ~~المفردات . فقال : عطف { أن احكم } على { الكتاب } في قوله : { وأنزلنا ~~إليك PageV06P225 الكتاب } ( المائدة : 48 ) كأنه قيل : وأنزلنا إليك أن ~~احكم . فجعل ( أن ) مصدرية داخلة على فعل الأمر ، أي فيكون المعنى : ~~وأنزلنا إليك الأمر بالحكم بما أنزل الله كما ms2312 قال في قوله : { إنا أرسلنا ~~نوحا إلى قومه أن أنذر قومك } ( نوح : 1 ) ، أي أرسلناه بالأمر بالإنذار ، ~~وبين في سورة يونس ( 105 ) عند قوله تعالى : { وأن أقم وجهك للدين حنيفا أن ~~هذا قول سيبويه إذ سوغ أن توصل ( أن ) المصدرية بفعل الأمر والنهي لأن ~~الغرض وصلها بما يكون معه معنى المصدر ، والأمر والنهي يدلان على معنى ~~المصدر ، وعلله هنا بقوله : لأن الأمر فعل كسائر الأفعال . والحمل على ~~التفسيرية أولى وأعرب ، وتكون ( أن ) مقحمة بين الجملتين مفسرة لفعل أنزل } ~~من قوله : { فاحكم بينهم بما أنزل الله } ؛ فإن { أنزل } يتضمن معنى القول ~~فكان لحرف التفسير موقع . # وقوله : { ولا تتبع أهواءهم } هو كقوله قبله { ولا تتبع أهواءهم عما جاءك ~~من الحق } ( المائدة : 44 ) . # وقوله : { واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك } المقصود منه ~~افتضاح مكرهم وتأييسهم مما أملوه ، لأن حذر النبيء صلى الله عليه وسلم من ~~ذلك لا يحتاج فيه إلى الأمر لعصمته من أن يخالف حكم الله . # ويجوز أن يكون المقصود منه دحض ما يتراءى من المصلحة في الحكم بين ~~المتحاكمين إليه من اليهود بعوائدهم إن صح ما روي من أن بعض أحبارهم وعدوا ~~النبيء بأنه إن حكم لهم بذلك آمنوا به واتبعتهم اليهود اقتداء بهم ، فأراه ~~الله أن مصلحة حرمة أحكام الدين ولو بين غير أتباعه مقدمة على مصلحة إيمان ~~فريق من اليهود ، لأجل ذلك فإن شأن الإيمان أن لا يقاول الناس على اتباعه ~~كما قدمناه آنفا . والمقصود مع ذلك تحذير المسلمين من توهم ذلك . # ولذلك فرع عليه قوله : { فإن تولوا } ، أي فإن حكمت بينهم بما أنزل الله ~~ولم تتبع أهواءهم وتولوا فاعلم ، أي فتلك أمارة أن الله أراد بهم الشقاء ~~والعذاب ببعض ذنوبهم وليس عليك في توليهم حرج . وأراد ببعض الذنوب ~~PageV06P226 بعضا غير معين ، أي أن بعض ذنوبهم كافية في إصابتهم وأن توليهم ~~عن حكمك أمارة خذلان الله إياهم . # وقد ذيله بقوله : { وإن كثيرا من الناس لفاسقون } ليهون عنده بقاؤهم على ~~ضلالهم إذ هو شنشنة أكثر الناس ، أي ms2313 وهؤلاء منهم فالكلام كناية عن كونهم ~~فاسقين . # # | 2 ( 50 ) { أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون } ~~. ) 2 # فرعت الفاء على مضمون قوله : { فإن تولوا فاعلم } ( المائدة : 49 ) الخ ~~استفهاما عن مرادهم من ذلك التولي ، والاستفهام إنكاري ، لأنهم طلبوا حكم ~~الجاهلية . وحكم الجاهلية هو ما تقرر بين اليهود من تكايل الدماء الذي سرى ~~إليهم من أحكام أهل يثرب ، وهم أهل جاهلية ، فإن بني النضير لم يرضوا ~~بالتساوي مع قريظة كما تقدم ؛ وما وضعوه من الأحكام بين أهل الجاهلية ، وهو ~~العدول عن الرجم الذي هو حكم التوراة . # وقرأ الجمهور { يبغون } بياء الغائب ، والضمير عائد ل { من } من قوله : { ~~ومن لم يحكم بما أنزل الله } ( المائدة : 47 ) . وقرأ ابن عامر بتاء الخطاب ~~على أنه خطاب لليهود على طريقة الالتفات . # والواو في قوله : { ومن أحسن من الله حكما } واو الحال ، وهو اعتراض ، ~~والاستفهام إنكاري في معنى النفي ، أي لا أحسن منه حكما . وهو خطاب ~~للمسلمين ، إذ لا فائدة في خطاب اليهود بهذا . # وقوله : { لقوم يوقنون } اللام فيه ليست متعلقة ب { حكما } إذ ليس المراد ~~بمدخولها المحكوم لهم ، ولا هي لام التقوية لأن { لقوم يوقنون } ليس مفعولا ~~ل { حكما } في المعنى . فهذه اللام تسمى لام البيان ولام التبيين ، وهي ~~التي تدخل على المقصود من الكلام سواء كان خبرا أم إنشاء ، وهي الواقعة في ~~نحو قولهم : سقيا لك ، PageV06P227 وجدعا له ، وفي الحديث ( تبا وسحقا لمن ~~بدل بعدي ) ، وقوله تعالى : { هيهات هيهات لما توعدون } ( المؤمنون : 36 ) ~~{ حاش لله } ( يوسف : 51 ) . وذلك أن المقصود التنبيه على المراد من الكلام ~~. ومنه قول تعالى عن زليخا { وقالت هيت لك } ( يوسف : 23 ) لأن تهيؤها له ~~غريب لا يخطر ببال يوسف فلا يدري ما أرادت فقالت له { هيت لك } ( يوسف : 23 ~~) ، إذا كان ( هيت ) اسم فعلل مضي بمعنى تهيأت ، ومثل قوله تعالى هنا : { ~~ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون } . وقد يكون المقصود معلوما فيخشى ~~خفاؤه فيؤتى باللام لزيادة البيان نحو { حاش لله } ( يوسف : 51 ) ، وهي ~~حينئذ جديرة باسم ms2314 لام التبيين ، كالداخلة إلى المواجه بالخطاب في قولهم : ~~سقيا لك ورعيا ، ونحوهما ، وفي قوله : { هيت } ( يوسف : 23 ) اسم فعل أمر ~~بمعنى تعال . وإنما لم تجعل في بعض هذه المواضع لام تقوية ، لأن لام ~~التقوية يصح الاستغناء عنها مع ذكر مدخولها ، وفي هذه المواضع لا يذكر ~~مدخول اللام إلا معها . # $ 2 ( 51 53 ) { ي & # 1764 اأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أوليآء بعضهم أوليآء ~~بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدى القوم الظالمين * فترى ~~الذين فى قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دآئرة فعسى الله ~~أن يأتى بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على مآ أسروا فى & # 1764 أنفسهم نادمين * ويقول الذين ءامنوا أه & # 1764 اؤلا & # 1764 ء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا ~~خاسرين } . ) 2 $ # تهيأت نفوس المؤمنين لقبول النهي عن موالاة أهل الكتاب بعد ما سمعوا من ~~اضطراب اليهود في دينهم ومحاولتهم تضليل المسلمين وتقليب الأمور للرسول صلى ~~الله عليه وسلم فأقبل عليهم بالخطاب بقوله : { يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا ~~اليهود والنصارى } الآية ، لأن الولاية تنبني على الوفاق والوئام والصلة ~~PageV06P228 وليس أولئك بأهل لولاية المسلمين لبعد ما بين الأخلاق الدينية ~~، ولإضمارهم الكيد للمسلمين . وجرد النهي هنا عن التعليل والتوجيه اكتفاء ~~بما تقدم . # والجملة مستأنفة استئنافا ابتدائيا . وسبب النهي هو ما وقع من اليهود ، ~~ولكن لما أريد النهي لم يقتصر عليهم لكيلا يحسب المسلمون أنهم مأذونون في ~~موالاة النصارى ، فلدفع ذلك عطف النصارى على اليهود هنا ، لأن السبب الداعي ~~لعدم الموالاة واحد في الفريقين ، وهو اختلاف الدين والنفرة الناشئة عن ~~تكذيبهم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم فالنصارى وإن لم تجىء منهم يومئذ ~~أذاة مثل اليهود فيوشك أن تجيء منهم إذا وجد داعيها . # وفي هذا ما ينبه على وجه الجمع بين النهي هنا عن موالاة النصارى وبين ~~قوله فيما سيأتي { وليتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ~~} ( المائدة : 82 ) . ولا شك أن الآية نزلت بعد غزوة تبوك أو ms2315 قربها ، وقد ~~أصبح المسلمون مجاورين تخوم بلاد نصارى العرب . وعن السدي أن بعض المسلمين ~~بعد يوم أحد عزم أن يوالي يهوديا ، وأن آخر عزم أن يوالي تصرانيا كما سيأتي ~~، فيكون ذكر النصارى غير إدماج . # وعقبه بقوله : { بعضهم أولياء بعض } أي أنهم أجدر بولاية بعضهم بعضا ، أي ~~بولاية كل فريق منهم بعض أهلل فريقه ، لأن كل فريق منهم تتقارب أفراده في ~~الأخلاق والأعمال فيسهل الوفاق بينهم ، وليس المعنى أن اليهود أولياء ~~النصارى . وتنوين { بعض } تنوين عوض ، أي أولياء بعضهم . وهذا كناية عن نفي ~~موالاتهم المؤمنين وعن نهي المؤمنين عن موالاة فريق منهما . # والولاية هنا ولاية المودة والنصرة ولا علاقة لها بالميراث ، ولذلك لم ~~يقل مالك بتوريث اليهودي من النصراني والعكس أخذا بقول النبيء صلى الله ~~عليه وسلم { لا يتوارث أهل ملتين } . وقال الشافعي وأبو حنيفة بتوريث بعض ~~أهل الملل من بعض ورأيا الكفر ملة واحدة أخذا بظاهر هذه الآية ، وهو مذهب ~~داوود . # وقوله : { ومن يتولهم منكم فإنه منهم } ، ( من ) شرطية تقتضي أن كل ~~PageV06P229 من يتولاهم يصير واحدا منهم . جعل ولايتهم موجبة كون المتولي ~~منهم ، وهذا بظاهره يقتضي أن ولايتهم دخول في ملتهم ، لأن معنى البعضية هنا ~~لا يستقيم إلا بالكون في دينهم . ولما كان المؤمن إذا اعتقد عقيدة الإيمان ~~واتبع الرسول ولم ينافق كان مسلما لا محالة كانت الآية بحاجة إلى التأويل ، ~~وقد تأولها المفسرون بأحد تأويلين : إما بحمل الولاية في قوله : { ومن ~~يتولهم } على الولاية الكاملة التي هي الرضى بدينهم والطعن في دين الإسلام ~~، ولذلك قال ابن عطية : ومن تولاهم بمعتقده ودينه فهو منهم في الكفر ~~والخلود في النار . # وأما بتأويل قوله : { فإنه منهم } على التشبيه البليغ ، أي فهو كواحد ~~منهم في استحقاق العذاب . قال ابن عطية : من تولاهم بأفعاله من العضد ونحوه ~~دون معتقدهم ولا إخلال بالإيمان فهو منهم في المقت والمذمة الواقعة عليهم ~~اه . وهذا الإجمال في قوله : { فإنه منهم } مبالغة في التحذير من موالاتهم ~~في وقت نزول الآية ، فالله لم يرض من المسلمين يومئذ بأن يتولوا اليهود ms2316 ~~والنصارى ، لأن ذلك يلبسهم بالمنافقين ، وقد كان أمر المسلمين يومئذ ي حيرة ~~إذ كان حولهم المنافقون وضعفاء المسلمين واليهود والمشركون فكان من المتعين ~~لحفظ الجامعة التجرد عن كل ما تتطرق منه الربية إليهم . # وقد اتفق علماء السنة على أن ما دون الرضا بالكفر وممالاتهم عليه من ~~الولاية لا يوجب الخروج من الربقة الإسلامية ولكنه ضلال عظيم ، وهو مراتب ~~في القوة بحسب قوة الموالاة وباختلاف أحوال المسلمين . # وأعظم هذه المراتب القضية التي حدثت في بعض المسلمين من أهل غرناطة التي ~~سئل عنها فقهاء غرناطة : محمد المواق ، ومحمد بن الأزرق ، وعلي بن داوود ، ~~ومحمد الجعدالة ، ومحمد الفخار ، وعلي القلصادي ، وأبو حامد بن الحسن ، ~~ومحمد بن سرحونة ، ومحمد المشذالي ، وعبد الله الزليجي ، ومحمد الحذام ، ~~وأحمد بن عبد الجليل ، ومحمد بن فتح ، ومحمد بن عبد البر ، وأحمد البقني ، ~~عن عصابة PageV06P230 من قواد الأندلس ، وفرسانهم لجأوا إلى صاحب قشتالة ( ~~بلاد النصارى ) بعد كائنة ( اللسانة ) كذا واستنصروا به على المسلمين ~~واعتصموا بحبل جواره وسكنوا أرض النصارى فهل يحل لأحد من المسلمين مساعدتهم ~~ولأهل مدينة أو حصن أن يأووهم . فأجابوا بأن ركونهم إلى الكفار واستنصارهم ~~بهم قد دخلوا به في وعيد قوله تعالى : { ومن يتولهم منكم فإنه منهم } فمن ~~أعانهم فهو معين على معصية الله ورسوله ، هذا ما داموا مصرين على فعلهم فإن ~~تابوا ورجعوا عما هم عليه من الشقاق والخلاف فالواجب على المسلمين قبولهم . # فاستدلالهم في جوابهم بهذه الآية يدل على أنهم تأولوها على معنى أنه منهم ~~في استحقاق المقت والمذمة ، وهذا الذي فعلوه ، وأجاب عنه الفقهاء هو أعظم ~~أنواع الموالاة بعد موالاة الكفر . وأدنى درجات الموالاة المخالطة ~~والملابسة في التجارة ونحوها . ودون ذلك ما ليس بموالاة أصلا ، وهو ~~المعاملة . وقد عامل النبيء صلى الله عليه وسلم يهود خيبر مساقاة على نخل ~~خيبر ، وقد بينا شيئا من تفصيل هذا عند قوله تعالى : { لا يتخذ المؤمنون ~~الكافرين أولياء من دون المؤمنين في سورة آل عمران ( 28 ) . # وجملة إن الله لا يهدي القوم الظالمين } تذييل للنهي ، وعموم القوم ms2317 ~~الظالمين شمل اليهود والنصارى ، وموقع الجملة التذييلية يقتضي أن اليهود ~~والنصارى من القوم الظالمين بطريق الكناية . والمراد بالظالمين الكافرون . # وقوله : { فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم } تفريع لحالة من ~~موالاتهم أريد وصفها للنبيء صلى الله عليه وسلم لأنها وقعت في حضرته . ~~والمرض هنا أطلق على النفاق كما تقدم في قوله تعالى : { في قلوبهم مرض في ~~سورة البقرة ( 10 ) . أطلق عليه مرض لأنه كفر مفسد للإيمان . PageV06P231 ~~والمسارعة تقدم شرحها في قوله تعالى : لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر } ( ~~المائدة : 41 ) . وفي المجرور مضاف محذوف دلت عليه القرينة ، لأن المسارعة ~~لا تكون في الذوات ، فالمعنى : يسارعون في شأنهم من موالاتهم أو في نصرتهم ~~. # والقول الواقع في { يقولون نخشى } قول لسان لأن عبد الله بن أبي بن سلول ~~قال ذلك ، حسبما روي عن عطية الحوفي والزهري وعاصم بن عمر بن قتادة أن ~~الآية نزلت بعد وقعة بدر أوبعد وقعة أحد وأنها نزلت حين عزم رسول الله على ~~قتال بني قينقاع . وكان بنو قينقاع أحلافا لعبد الله بن أبي بن سلول ~~ولعبادة بن الصامت ، فلما رأى عبادة منزع رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء ~~فقال : يا رسول الله إني أبرأ إلى الله من حلف يهود وولائهم ولا أوالي إلا ~~الله ورسوله ، وكان عبد الله بن أبي حاضرا فقال : أما أنا فلا أبرأ من ~~حلفهم فإني لا بد لي منهم إني رجل أخاف الدوائر . # ويحتمل أن يكون قولهم : { نخشى أن تصيبنا دائرة } ، قولا نفسيا ، أي ~~يقولون في أنفسهم . فالدائرة المخشية هي خشية انتقاض المسلمين على ~~المنافقين ، فيكون هذا القول من المرض الذي في قلوبهم ، وعن السدي : أنه ~~لما وقع انهزام يوم أحد فزع المسلمون وقال بعضهم : نأخذ من اليهود حلفا ~~ليعاضدونا إن ألمت بنا قاصمة من قريش . وقال رجل : إني ذاهب إلى اليهود ~~فلان فآوي إليه وأتهود معه . وقال آخر : إني ذاهب إلى فلان النصراني بالشام ~~فآوي إليه وأتنصر معه ، فنزلت الآية . فيكون المرض هنا ضعف الإيمان وقلة ~~الثقة بنصر الله ، وعلى هذا ms2318 فهذه الآية تقدم نزولها قبل نزول هذه السورة ، ~~فإما أعيد نزولها ، وإما أمر بوضعها في هذا الموضع . # والظاهر أن قوله { فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ~~ما أسروا في أنفسهم نادمين } يؤيد الرواية الأولى ، ويؤيد محملنا فيها : أن ~~القول قول نفسي . PageV06P232 # والدائرة اسم فاعل من دار إذا عكس سيره ، فالدائرة تغير الحال ، وغلب ~~إطلاقها على تغير الحال من خير إلى شر ، ودوائر الدهر : نوبه ودوله ، قال ~~تعالى : { ويتربص بكم الدوائر } ( التوبة : 98 ) أي تبدل حالكم من نصر إلى ~~هزيمة . وقد قالوا في قوله تعالى : { عليهم دائرة السوء } ( الفتح : 6 ) إن ~~إضافة ( دائرة ) إلى ( السوء ) إضافة بيان . قال أبو علي الفارسي : لو لم ~~تضف الدائرة إلى السوء عرف منها معناه . وأصل تأنيثها للمرة ثم غلبت على ~~التغير ملازمة لصبغة التأنيث . # وقوله : { يقول الذين آمنوا } قرأه الجمهور { يقول } بدون واو في أوله ~~على أنه استئناف بياني جواب لسؤال من يسأل : ماذا يقول الذين آمنوا حينئذ . ~~أي إذا جاء الفتح أو أمر من قوة المسلمين ووهن اليهود يقول الذين آمنوا # وقرأ عاصم ، وحمزة ، والكسائي ، وخلف { ويقول } بالواو وبرفع { يقول } ~~عطفا على { فعسى الله } ، وقرأه أبو عمرو ، ويعقوب بالواو أيضا وبنصب { ~~يقول } عطفا على { أن يأتي } . والاستفهام في { أهؤلاء } مستعمل في التعجب ~~من نفاقهم . # و { هؤلاء } إشارة إلى طائفة مقدرة الحصول يوم حصول الفتح ، وهي طائفة ~~الذين في قلوبهم مرض . والظاهر أن { الذين } هو الخبر عن { هؤلاء } لأن ~~الاستفهام للتعجب ، ومحل العجب هو قسمهم أنهم معهم ، وقد دل هذا التعجب على ~~أن المؤمنين يظهر لهم من حال المنافقين يوم إتيان الفتح ما يفتضح به أمرهم ~~فيعجبون من حلفهم على الإخلاص للمؤمنين . # وجهد الأيمان بفتح الجيم أقواها وأغلظها ، وحقيقة الجهد التعب والمشقة ~~ومنتهى الطاقة ، وفعله كمنع . ثم أطلق على أشد الفعلل ونهاية قوته لما بين ~~الشدة والمشقة من الملازمة ، وشاع ذلك في كلامهم ثم استعمل في الآية في ~~معنى أوكد الأيمان وأغظلها ، أي أقسموا أقوى قسم ، وذلك بالتوكيد والتكرير ~~ونحو ms2319 ذلك مما يغلظ به اليمين عرفا . ولم أر إطلاق الجهد على هذا المعنى ~~فيما قبل القرآن . وانتصب { جهد } على المفعولية المطلقة لأنه PageV06P233 ~~بإضافته إلى ( الأيمان ) صار من نوع اليمين فكان مفعولا مطلقا مبينا للنوع ~~. وفي ( الكشاف ) في سورة النور جعله مصدرا بدلا من فعله وجعل التقدير : ~~أقسموا بالله يجهدون أيمانهم جهدا ، فلما حذف الفعل وجعل المفعول المطلق ~~عوضا عنه قدم المفعول المطلق على المفعول به وأضيف إليه . # وجملة { حبطت أعمالهم } استئناف ، سواء كانت من كلام الذين آمنوا فتكون ~~من المحكي بالقول ، أم كانت من كلام الله تعالى فلا تكونه . وحبطت معناه ~~تلفت وفسدت ، وقد تقدم في قوله تعالى : { فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا ~~والآخرة في سورة البقرة ( 217 ) . # $ 2 ( 54 ) ياأيها الذين ءامنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتى الله ~~بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون فى سبيل ~~الله ولا يخافون لومة لا & # 1764 ئم ذالك فضل الله يؤتيه من يشآء والله واسع عليم } . ) 2 $ # تقضى تحذيرهم من أعدائهم في الدين ، وتجنيبهم أسباب الضعف فيه ، فأقبل ~~على تنبيههم إلى أن ذلك حرص على صلاحهم في ملازمة الدين والذب عنه ، وأن ~~الله لا يناله نفع من ذلك ، وأنهم لو ارتد منهم فريق أو نفر لم يضر الله ~~شيئا ، وسيكون لهذا الدين أتباع وأنصار وإن صد عنه من صد ، وهذا كقوله ~~تعالى : { إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر } ( الزمر : ~~7 ) ، وقوله : { يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن ~~عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين } ( الحجرات : 17 ) . # فجملة { يأيها الذين آمنوا من يرتدد منكم } الخ معترضة بين ما قبلها وبين ~~جملة { إنما وليكم الله } ( المائدة : 55 ) ، دعت لاعتراضها مناسبة الإنذار ~~في قوله { ومن يتولهم منكم فإنه منهم } ( المائدة : 51 ) . فتعقيبها بهذا ~~الاعتراض إشارة إلى أن اتخاذ اليهود PageV06P234 والنصارى أولياء ذريعة ~~للارتداد ، لأن استمرار فريق على موالاة اليهود والنصارى من المنافقين ~~وضعفاء الإيمان يخشى منه أن ينسل عن الإيمان ms2320 فريق . وأنبأ المترددين ضعفاء ~~الإيمان بأن الإسلام غني عنهم إن عزموا على الارتداد إلى الكفر . # وقرأ نافع ، وابن عامر ، وأبو جعفر { من يرتدد } بدالين على فك الإدغام ، ~~وهو أحد وجهين في مثله ، وهو لغة أهل الحجاز ، وكذلك هو مرسوم في مصحف ~~المدينة ومصحف الشام . وقرأ الباقون بدال واحدة مشددة بالإدغام ، وهو لغة ~~تميم . وبفتحح على الدال فتحة تخلص من التقاء الساكنين لخفة الفتح ، وكذلك ~~هو مرسوم في مصحف مكة ومصحف الكوفة ومصحف البصرة . # والارتداد مطاوع الرد ، والرد هو الإرجاع إلى مكان أو حالة ، قال تعالى : ~~{ ردوها علي } ( ص : 33 ) . وقد يطلق الرد بمعنى التصيير { ومنكم من يرد ~~إلى أرذل العمر } ( النحل : 70 ) . وقد لوحظ في إطلاق اسم الارتداد على ~~الكفر بعد الإسلام ما كانوا عليه قبل الإسلام من الشرك وغيره ، ثم غلب اسم ~~الارتداد على الخروج من الإسلام ولو لم يسبق للمرتد عنه اتخاذ دين قبله . # وجملة { فسوف يأتي الله بقوم } الخ جواب الشرط ، وقد حذف منها العائد على ~~الشرط الإسمي ، وهو وعد بأن هذا الدين لا يعدم أتباعا بررة مخلصين . ومعنى ~~هذا الوعد إظهار الاستغناء عن الذين في قلوبهم مرض وعن المنافقين وقلة ~~الاكتراث بهم ، كقوله تعالى : { لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا } ~~وتطمين الرسول والمؤمنين الحق بأن الله يعوضهم بالمرتدين خيرا منهم . فذلك ~~هو المقصود من جواب الشرط فاستغني عنه بذكر ما يتضمنه حتى كان للشرط جوابان ~~. # وفي نزول هذه الآية في أواخر حياة الرسول صلى الله عليه وسلم إيماء إلى ~~ما سيكون من ارتداد كثير من العرب عن الإسلام مثل أصحاب الأسود العنسي ~~باليمن ، وأصحاب طلحة بن خويلد في بني أسد ، وأصحاب مسيلمة بنن حبيب الحنفي ~~باليمامة . ثم إلى ما كان بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم من ارتداد ~~قبائل كثيرة مثل فزارة وغطفان وبني تميم وكندة ونحوهم . PageV06P235 قيل : ~~لم يبق إلا أهل ثلاثة مساجد : مسجد المدينة ومسجد مكة ومسجد ( جؤاثى ) في ~~البحرين ( أي من أهل المدن الإسلامية يومئذ ) . وقد صدق الله وعده ونصر ~~الإسلام ms2321 فأخلفه أجيالا متأصلة فيه قائمة بنصرته . # وقوله : { يأتي الله بقوم } ، الإتيان هنا الإيجاد ، أي يوجد أقواما ~~لاتباع هذا الدين بقلوب تحبة وتجلب له وللمؤمنين الخير وتذود عنهم أعداءهم ~~، وهؤلاء القوم قد يكونون من نفس الذين ارتدوا إذا رجعوا إلى الإسلام خالصة ~~قلوبهم مما كان يخامرها من الإعراض مثل معظم قبائل العرب وسادتهم الذين ~~رجعوا إلى الإسلام بعد الردة زمن أبي بكر ، فإن مجموعهم غير مجموع الذين ~~ارتدوا ، فصح أن يكونوا ممن شمله لفظ { بقوم } ، وتحقق فيهم الوصف وهو محبة ~~الله إياهم ومحبتهم ربهم ودينه ، فإن المحبتين تتبعان تغير أحوال القلوب لا ~~تغير الأشخاص فإن عمرو بن معد يكرب الذي كان من أكبر عصاة الردة أصبح من ~~أكبر أنصار الإسلام في يوم القادسية ، وهكذا . # ودخل في قوله { بقوم } الأقوام الذين دخلوا في الإسلام بعد ذلك مثل عرب ~~الشام من الغساسنة ، وعرب العراق ونبطهم ، وأهل فارس ، والقبط ، والبربر ، ~~وفرنجة إسبانية ، وصقلية ، وسردانية ، وتخومم فرانسا ، ومثل الترك والمغول ~~، والتتار ، والهند ، والصين ، والإغريق ، والروم ، من الأمم التي كان لها ~~شأن عظيم في خدمة الإسلام وتوسيع مملكته بالفتوح وتأييده بالعلوم ونشر ~~حضارته بين الأمم العظيمة ، فكل أمة أو فريق أو قوم تحقق فيهم وصف : { ~~يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يحاهدون في سبيل الله ~~ولا يخافون لومة لائم } فهم من القوم المنوه بهم ؛ أما المؤمنون الذين ~~كانوا من قبل وثبتوا فأولئك أعظم شأنا وأقوى إيمانا فأتاهم المؤيدون زرافات ~~ووحدانا . # ومحبة الله عبده رضاه عنه وتيسير الخير له ، ومحبة العبد ربه انفعال ~~النفس نحو تعظيمه والأنس بذكره وامتثال أمره والدفاع عن دينه . فهي صفة ~~تحصل للعبد من كثرة تصور عظمة الله تعالى ونعمه حتى تتمكن من قلبه ، ~~فمنشؤها السمع PageV06P236 والتصور . وليست هي كمحبة استحسان الذات ، ألا ~~ترى أنا نحب النبيء صلى الله عليه وسلم من كثرة ما نسمع من فضائله وحرصه ~~على خيرنا في الدنيا والآخرة ، وتقوى هذه المحبة بمقدار كثرة ممارسة أقواله ~~وذكر شمائله وتصرفاته وهديه ، وكذلك نحب الخلفاء الأربعة لكثرة ما نسمع ms2322 من ~~حبهم الرسول ومن بذلهم غاية النصح في خير المسلمين ، وكذلك نحب حاتما لما ~~نسمع من كرمه . وقد قالت هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ما كان أهل خباء أحب إلي من أن يذلوا من أهل خبائك وقد أصبحت وما ~~أهل خباء أحب إلي من أن يعزوا من أهل خبائك . # والأذلة والأعزة وصفان متقابلان وصف بهما القوم باختلاف المتعلق بهما ، ~~فالأذلة جمع الذليل وهو الموصوف بالذل . والذل بضم الذال وبكسرها الهوان ~~والطاعة ، فهو ضد العز { ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة } ( آل عمران : ~~123 ) . وفي بعض التفاسير : الذل بضم الذال ضد العز وبكسر الذال ضد الصعوبة ~~، ولا يعرف لهذه التفرقة سند في اللغة . والذليل جمعه الأذلة ، والصفة الذل ~~{ واخفض لهما جناح الذل من الرحمة } ( الإسراء : 24 ) . ويطلق الذل على لين ~~الجانب والتواضع ، وهو مجاز ، ومنه ما في هذه الآية . فالمراد هنا الذل ~~بمعنى لين الجانب وتوطئة الكنف ، وهو شدة الرحمة والسعي للنفع ، ولذلك علق ~~به قوله : { على المؤمنين } . ولتضمين { أذلة } معنى مشفقين حانين عدي بعلى ~~دون اللام ، أو لمشاكلة ( على ) الثانية في قوله : { على الكافرين } . # والأعزة جمع العزيز فهو المتصف بالعز ، وهو القوة والاستقلال ) ، ولأجل ~~ما في طباع العرب من القوة صار العز في كلامهم يدل على معنى الاعتداء ، ففي ~~المثل ( من عز بز ) . وقد أصبح الوصفان متقابلين ، فلذلك قال السموأل أو ~~الحارثي : # وما ضرنا أنا قليل وجارنا # عزيز وجار الأكثرين ذليل # وإثبات الوصفين المتقابلين للقوم صناعة عربية بديعية ، وهي المسماة ~~الطباق ، وبلغاء العرب يغربون بها ، وهي عزيزة في كلامهم ، وقد جاء كثير ~~منها في PageV06P237 القرآن . وفيه إيماء إلى أن صفاتهم تسيرها آراؤهم ~~الحصيفة فليسوا مندفعين إلى فعل ما إلا عن بصيرة ، وليسوا ممن تنبعث أخلاقه ~~عن سجية واحدة بأن يكون لينا في كل حال ، وهذا هو معنى الخلق الأقوم ، وهو ~~الذي يكون في كل حال بما يلائم ذلك الحال ، قال : # حليم إذا ما الحلم زين أهله # مع الحلم في عين العدو مهيب # وقال ms2323 تعالى : { أشداء على الكفار رحماء بينهم } ( الفتح : 29 ) . # وقوله : { يجاهدون في سبيل الله } صفة ثالثة ، وهي من أكبر العلامات ~~الدالة على صدق الإيمان . والجهاد : إظهار الجهد ، أي الطاقة في دفاع العدو ~~، ونهاية الجهد التعرض للقتل ، ولذلك جيء به على صيغة مصدر فاعل لأنه يظهر ~~جهده لمن يظهر له مثله . وقوله : { ولا يخافون لومة لائم } صفة رابعة ، وهي ~~عدم الخوف من الملامة ، أي في أمر الدين ، كما هو السياق . # واللومة الواحدة من اللوم . وأريد بها هنا مطلق المصدر ، كاللوم لأنها ~~لما وقعت في سياق النفي فعمت زال منها معنى الوحدة كما يزول معنى الجمع في ~~الجمع المعمم بدخول ال الجنسية لأن ( لا ) في عموم النفي مثل ( ال ) في ~~عموم الإثبات ، أي لا يخافون جميع أنواع اللوم من جميع اللائمين إذ اللوم ~~منه : شديد ، كالتقريع ، وخفيف ؛ واللائمون : منهم اللائم المخيف ، والحبيب ~~؛ فنفى عنهم خوف جميع أنواع اللوم . ففي الجملة ثلاثة عمومات : عموم الفعل ~~في سياق النفي ، وعموم المفعول ، وعموم المضاف إليه . وهذا الوصف علامة على ~~صدق إيمانهم حتى خالط قلوبهم بحيث لا يصرفهم عنه شيء من الإغراء واللوم لأن ~~الانصياع للملام آية ضعف اليقين والعزيمة . # ولم يزل الإعراض عن ملام اللائمين علامة على الثقة بالنفس وأصالة الرأي . ~~وقد عد فقهاؤنا في وصف القاضي أن يكون مستخفا باللائمة على أحد تأويلين في ~~عبارة المتقدمين ، واحتمال التأويلين دليل على اعتبار كليهما شرعا . ~~PageV06P238 # وجملة { ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء } تذييل . واسم الاشارة إشارة إلى ~~مجموع صفات الكمال المذكورة . # و { واسع } وصف بالسعة ، أي عدم نهاية التعلق بصفاته ذات التعلق ، وتقدم ~~بيانه عند قوله تعالى : { قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع ~~عليم في سورة آل عمران ( 73 ) . # # | 2 ( 55 ، 56 ) إنما وليكم الله ورسوله والذين ءامنوا الذين يقيمون ~~الصلواة ويؤتون الزكواة وهم راكعون * ومن يتول الله ورسوله والذين ءامنوا ~~فإن حزب الله هم الغالبون } . ) 2 # جملة { إنما وليكم الله ورسوله } إلى آخرها متصلة بجملة { يأيها الذين ~~آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى ms2324 أولياء بعضهم أولياء بعض } ( المائدة : 51 ~~) وما تفرع عليها من قوله { فترى الذين في قلوبهم مرض إلى قوله فأصبحوا ~~خاسرين } ( المائدة : 52 ، 53 ) . وقعت جملة { يأيها الذين آمنوا من يرتدد ~~منكم عن دينه } ( المائدة : 54 ) بين الآيات معترضة ، ثم اتصل الكلام بجملة ~~{ إنما وليكم الله ورسوله } . فموقع هذه الجملة موقع التعليل للنهي ، لأن ~~ولايتهم لله ورسوله مقررة عندهم فمن كان الله وليه لا تكون أعداء الله ~~أولياءه . وتفيد هذه الجملة تأكيدا للنهي عن ولاية اليهود والنصارى . وفيه ~~تنويه بالمؤمنين بأنهم أولياء الله ورسوله بطريقة تأكيد النفي أو النهي ~~بالأمر بضده ، لأن قوله : { إنما وليكم الله ورسوله } يتضمن أمرا بتقرير ~~هذه الولاية ودوامها ، فهو خبر مستعمل في معنى الأمر ، والقصر المستفاد من ~~( إنما ) قصر صفة على موصوف قصرا حقيقيا . # ومعنى كون الذين آمنوا أولياء للذين آمنوا أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض ~~، كقوله تعالى : { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض } ( التوبة : 71 ) ~~. وإجراء صفتي { يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة } على الذين آمنوا للثناء ~~عليهم ، وكذلك جملة { وهم راكعون } . PageV06P239 # وقوله : { وهم راكعون } معطوف على الصفة . وظاهر معنى هذه الجملة أنها ~~عين معنى قوله : { يقيمون الصلاة } ، إذ المراد ب { راكعون } مصلون لا آتون ~~بالجزء من الصلاة المسمى بالركوع . فوجه هذا العطف : إما بأن المراد ~~بالركوع ركوع النوافل ، أي الذين يقيمون الصلوات الخمس المفروضة ويتقربون ~~بالنوافل ؛ وإما المراد به ما تدل عليه الجملة الإسمية من الدوام والثبات ، ~~أي الذين يديمون إقامة الصلاة . وعقبه بأنهم يؤتون الزكاة مبادرة بالتنويه ~~بالزكاة ، كما هو دأب القرآن . وهو الذي استنبطه أبو بكر رضي الله عنه إذ ~~قال : ( لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة ) . ثم أثنى الله عليهم بأنهم ~~لا يتخلفون عن أداء الصلاة ؛ فالواو عاطفة صفة على صفة ، ويجوز أن تجعل ~~الجملة حالا . ويراد بالركوع الخشوع . # ومن المفسرين من جعل { وهم راكعون } حالا من ضمير { يؤتون الزكاة } . ~~وليس فيه معنى ، إذ تؤتى الزكاة في حالة الركوع ، وركبوا هذا المعنى على ~~خبر تعددت رواياته وكلها ضعيفة . قال ابن كثير : وليس يصح شيء ms2325 منها بالكلية ~~لضعف أسانيدها وجهالة رجالها . وقال ابن عطية : وفي هذا القول ، أي الرواية ~~، نظر ، قال : روى الحاكم وابن مردويه : جاء ابن سلام ( أي عبد الله ) ونفر ~~من قومه الذين آمنوا ( أي من اليهود ) فشكوا للرسول صلى الله عليه وسلم بعد ~~منازلهم ومنابذة اليهود لهم فنزلت { إنما وليكم الله ورسوله } ثم إن الرسول ~~خرج إلى المسجد فبصر بسائل ، فقال له : هل أعطاك أحد شيئا ، فقال : نعم ~~خاتم فضة أعطانيه ذلك القائم يصلي ، وأشار إلى علي ، فكبر النبيء صلى الله ~~عليه وسلم ونزلت هذه الآية ، فتلاها رسول الله . وقيل : نزلت في أبي بكر ~~الصديق . وقيل : نزلت في المهاجرين والأنصار . # وقوله : { فإن حزب الله هم الغالبون } دليل على جواب الشرط بذكر علة ~~الجواب كأنه قيل : فهم الغالبون لأنهم حزب الله . # $ 2 ( 57 ، 58 ) { ي & # 1764 اأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا PageV06P240 ~~ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أوليآء واتقوا الله إن كنتم ~~مؤمنين * وإذا ناديتم إلى الصلواة اتخذوها هزوا ولعبا ذالك بأنهم قوم لا ~~يعقلون } . ) 2 $ # استئناف هو تأكيد لبعض مضمون الكلام الذي قبله ، فإن قوله : { يأيها ~~الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء } ( المائدة : 51 ) تحذير من ~~موالاة أهل الكتاب ليظهر تميز المسلمين . وهذه الآية تحذير من موالاة ~~اليهود والمشركين الذين بالمدينة ، ولا مدخل للنصارى فيها ، إذ لم يكن في ~~المدينة نصارى فيهزأوا بالدين . وقد عدل عن لفظ اليهود إلى الموصول والصلة ~~وهي { الذين اتخذوا دينكم هزؤا } الخ لما في الصلة من الإيمان إلى تعليل ~~موجب النهي . # والدين هو ما عليه المرء من عقائد وأعمال ناشئة عن العقيدة ، فهو عنوان ~~عقل المتدين وروائد آماله وباعث أعماله ، فالذي يتخذ دين امرىء هزؤا فقد ~~اتخذ ذلك المتدين هزؤا ورمقه بعين الاحتقار ، إذ عد أعظم شيء عنده سخرية ، ~~فما دون ذلك أولى . والذي يرمق بهذا الاعتبار ليس جديرا بالموالاة ، لأن ~~شرط الموالاة التماثل في التفكير ، ولأن الاستهزاء والاستخفاف احتقار ، ~~والمودة تستدعي تعظيم الودود . # وأريد بالكفار في قوله : { والكفار } المشركون ms2326 ، وهذا اصطلاح القرآن في ~~إطلاق لفظ الكفار ، والمراد بذلك المشركون من أهل المدينة الذين أظهروا ~~الإسلام نفاقا مثل رفاعة بن زيد ، وسويد بن الحارث ، فقد كان بعض المسلمين ~~يوادهما اغترارا بظاهر حالهما . روي عن ابن عباس : أن قوما من اليهود ~~والمشركين ضحكوا من المسلمين وقت سجودهم . وقال الكلبي : كانوا إذا نادى ~~منادي رسول الله قالوا : صياح مثل صياح العير ، وتضاحكوا ، فأنزل الله هذه ~~الآية . PageV06P241 # وقرأ الجمهور { والكفار } بالنصب عطفا على { الذين اتخذوا دينكم } المبين ~~بقوله : { من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم } . وقرأ أبو عمرو ، والكسائي ، ~~ويعقوب { والكفار } بالخفض عطفا على { الذين أوتوا الكتاب من قبلكم } ، ~~ومآل القراءتين واحد . # وقوله : { واتقوا الله إن كنتم مؤمنين } أي احذروه بامتثال ما نهاكم عنه ~~. وذكر هذا الشرط استنهاض للهمة في الانتهاء ، وإلهاب لنفوس المؤمنين ~~ليظهروا أنهم مؤمنون ، لأن شأن المؤمن الامتثال . وليس للشرط مفهوم هنا ، ~~لأن الكلام إنشاء ولأن خبر كان لقب لا مفهوم له إذ لم يقصد به الموصوف ~~بالتصديق ، ذلك لأن نفي التقوى لا ينفي الإيمان عند من يعتد به من علماء ~~الإسلام الذين فهموا مقصد الإسلام في جامعته حق الفهم . # وإذا أريد بالموالاة المنهي عنها الموالاة التامة بمعنى الموافقة في ~~الدين فالأمر بالتقوى ، أي الحذر من الوقوع فيما نهوا عنه معلق بكونهم ~~مؤمنين بوجه ظاهر . والحاصل أن الآية مفسرة أو مؤولة على حسب ما تقدم في ~~سالفتها { ومن يتولهم منكم فإنه منهم } ( المائدة : 51 ) . # والنداء إلى الصلاة هو الأذان ، وما عبر عنه في القرآن إلا بالنداء . وقد ~~دلت الآية على أن الأذان شيء معروف ، فهي مؤيدة لمشروعية الأذان وليست ~~مشرعة له ، لأنه شرع بالسنة . # وقوله : { ذلك بأنهم قوم لا يعقلون } تحقير لهم إذ ليس في النداء إلى ~~الصلاة ما يوجب الاستهزاء ؛ فجعله موجبا للاستهزاء سخافة لعقولهم . # $ 2 ( 59 ، 60 ) { قل ي & # 1764 اأهل الكتاب هل تنقمون منآ إلا أن ءامنا بالله ومآ أنزل إلينا ومآ ~~أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون * قل هل أنبئكم بشر من ذالك مثوبة عند الله ~~من ms2327 لعنه الله وغضب عليه PageV06P242 وجعل منهم القردة والخنازير وعبد ~~الطاغوت أولائك شر مكانا وأضل عن سوآء السبيل } . ) 2 $ # هذه الجمل معترضة بين ما تقدمها وبين قوله : { وإذا جاؤوكم } ( المائدة : ~~61 ) . ولا يتضح معنى الآية أتم وضوح ويظهر الداعي إلى أمر الله ورسوله ~~عليه الصلاة والسلام بأن يواجههم بغليظ القول مع أنه القائل { لا يحب الله ~~الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم } ( لنساء : 148 ) والقائل { ولا تجادلوا ~~أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم } ( العنكبوت : 46 ) ~~إلا بعد معرفة سبب نزول هذه الآية ، فيعلم أنهم قد ظلموا بطعنهم في الإسلام ~~والمسلمين . فذكر الواحدي وابن جرير عن ابن عباس قال : جاء نفر من اليهود ~~فيهم أبو ياسر بن أخطب ، ورافع بن أبي رافع ، وعازر ، وزيد ، وخالد ، وأزار ~~بن أبي أزار ، وأشيع ، إلى النبيء فسألوه عمن يؤمن به من الرسل ، فلما ذكر ~~عيسى ابن مريم قالوا : لا نؤمن بمن آمن بعيسى ولا نعلم دينا شرا من دينكم ~~وما نعلم أهل دين أقل حظا في الدنيا والآخرة منكم ، فأنزل الله { قل يا أهل ~~الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله إلى قوله وأضل عن سواء السبيل } . ~~فخص بهذه المجادلة أهل الكتاب لأن الكفار لا تنهض عليهم حجتها ، وأريد من ~~أهل الكتاب خصوص اليهود كما ينبىء به الموصول وصلته في قوله : { من لعنه ~~الله وغضب عليه } الآية . وكانت هذه المجادلة لهم بأن ما ينقمونه من ~~المؤمنين في دينهم إذا تأملوا لا يجدون إلا الإيمان بالله وبما عند أهل ~~الكتاب وزيادة الإيمان بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم # والاستفهام إنكاري وتعجبي . فالإنكار دل عليه الاستثناء ، والتعجب دل ~~عليه أن مفعولات { تنقمون } كلها محامد لا يحق نقمها ، أي لا تجدون شيئا ~~تنقمونه غير ما ذكر . وكل ذلك ليس حقيقا بأن ينقم . فأما الإيمان بالله وما ~~أنزل من قبل فظاهر أنهم رضوه لأنفسهم فلا ينقمونه على من ماثلهم فيه ، ~~PageV06P243 وأما الإيمان بما أنزل إلى محمد فكذلك ، لأن ذلك شيء رضيه ~~المسلمون ms2328 لأنفسهم وذلك لا يهم أهل الكتاب ، ودعا الرسول إليه أهل الكتاب ~~فمن شاء منهم فليؤمن ومن شاء فليكفر ، فما وجه النقم منه . وعدي فعل { ~~تنقمون } إلى متعلقه بحرف ( من ) ، وهي ابتدائية . وقد يعدى بحرف ( على ) . # وأما عطف قوله تعالى : { وأن أكثرهم فاسقون } فقرأه جميع القراء بفتح ~~همزة ( أن ) على أنه معطوف على { أن آمنا بالله } . # وقد تحير في تأويلها المفسرون لاقتضاء ظاهرها فسق أكثر المخاطبين مع أن ~~ذلك لا يعترف به أهله ، وعلى تقدير اعترافهم به فذلك ليس مما ينقم على ~~المؤمنين إذ لا عمل للمؤمنين فيه ، وعلى تقدير أن يكون مما ينقم على ~~المؤمنين فليس نقمه عليهم بمحل للإنكار والتعجب الذي هو سياق الكلام . # فذهب المفسرون في تأويل موقع هذا المعطوف مذاهب شتى ؛ فقيل : هو عطف على ~~متعلق { آمنا } أي آمنا بالله ، وبفسق أكثركم ، أي تنقمون منا مجموع هذين ~~الأمرين . وهذا يفيت معنى الإنكار التعجبي لأن اعتقاد المؤمنين كون أكثر ~~المخاطبين فاسقون يجعل المخاطبين معذورين في نقمه فلا يتعجب منه ولا ينكر ~~عليهم نقمه ، وذلك يخالف السياق من تأكيد الشيء بما يشبه ضده فلا يلتئم مع ~~المعطوف عليه ، فالجمع بين المتعاطفين حينئذ كالجمع بين الضب والنون ، فهذا ~~وجه بعيد . # وقيل : هو معطوف على المستثنى ، أي ما تنقمون منا إلا إيماننا وفسق ~~أكثركم ، أي تنقمون تخالف حالينا ، فهو نقم حسد ، ولذلك حسن موقع الإنكار ~~التعجبي . وهذا الوجه ذكره في ( الكشاف ) وقدمه وهو يحسن لو لم تكن كلمة { ~~منا } لأن اختلاف الحالين لا ينقم من المؤمنين ، إذ ليس من فعلهم ولكن من ~~مصادفة الزمان . # وقيل : حذف مجرور دل عليه المذكور ، والتقدير : هل تنقمون منا إلا ~~الإيمان لأنكم جائرون وأكثركم فاسقون ، وهذا تخريج على أسلوب غير معهود ، ~~إذ لم يعرف حذف المعطوف عليه في مثل هذا . وذكر وجهان آخران غير مرضيين . ~~PageV06P244 # والذي يظهر لي أن يكون قوله : { وأن أكثركم فاسقون } معطوفا على { أن ~~آمنا بالله } على ما هو المتبادر ويكون الكلام تهكما ، أي تنقمون منا أننا ~~آمنا كإيمانكم وصدقنا رسلكم وكتبكم ، وذلك ms2329 نقمه عجيب وأننا آمنا بما أنزل ~~إلينا وذلك لا يهمكم . وتنقمون منا أن أكثركم فاسقون ، أي ونحن صالحون ، أي ~~هذا نقم حسد ، أي ونحن لا نملك لكم أن تكونوا صالحين . فظهرت قرينة التهكم ~~فصار في الاستفهام إنكار فتعجب فتهكم ، تولد بعضها عن بعض وكلها متولدة من ~~استعمال الاستفهام في مجازاته أو في معان كنائية ، وبهذا يكمل الوجه الذي ~~قدمه صاحب ( الكشاف ) . # ثم اطرد في التهكم بهم والعجبب من أفن رأيهم مع تذكيرهم بمساويهم فقال : ~~{ قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله } الخ . وشر اسم تفضيل ، أصله ~~أشر ، وهو للزيادة في الصفة ، حذفت همزته تخفيفا لكثرة الاستعمال ، ~~والزيادة تقتضي المشاركة في أصل الوصف فتقتضي أن المسلمين لهم حظ من الشر ، ~~وإنما جرى هذا تهكما باليهود لأنهم قالوا للمسلمين : لا دين شر من دينكم ، ~~وهو مما عبر عنه بفعل { تنقمون } . وهذا من مقابلة الغلظة بالغلظة كما يقال ~~: ( قلت فأوجبت ) . # والإشارة في قوله { من ذلك } إلى الإيمان في قوله : { هل تنقمون منا إلا ~~أن آمنا بالله } الخ باعتبار أنه منقوم على سبيلل الفرض . والتقدير : ولما ~~كان شأن المنقوم أن يكون شرا بني عليه التهكم في قوله : { هل أنبئكم بشر من ~~ذلك } ، أي مما هو أشد شرا . # والمثوبة مشتقة من ثاب يثوب ، أي رجع ، فهي بوزن مفعولة ، سمي بها الشيء ~~الذي يثوب به المرء إلى منزله إذا ناله جزاء عن عملل عمله أو سعي سعاه ، ~~وأصلها مثوب بها ، اعتبروا فيها التأنيث على تأويلها بالعطية أو الجائزة ثم ~~حذف المتعلق لكثرة الاستعمال . # وأصلها مؤذن بأنها لا تطلق إلا على شيء وجودي يعطاه العامل ويحمله ~~PageV06P245 معه ، فلا تطلق على الضرب والشتم لأن ذلك ليس مما يثوب به ~~المرء إلى منزله ، ولأن العرب إنما يبنون كلامهم على طباعهم وهم أهل كرم ~~لنزيلهم ، فلا يريدون بالمثوبة إلا عطية نافعة . ويصح إطلاقها على الشيء ~~النفيس وعلى الشيء الحقير من كل ما يثوب به المعطى . فجعلها في هذه الآية ~~تمييزا لاسم الزيادة في الشر تهكم لأن اللغة والغضب ms2330 والمسخ ليست مثوبات ، ~~وذلك كقول عمرو بن كلثوم : # قريناكم فعجلنا قراكم # قبيل الصبح مرداة طحونا # وقول عمرو بن معديكرب : # وخيلل قد دلفت لها بخيل # تحية بينهم ضرب وجيع # وقوله : { من لعنه الله } مبتدأ ، أريد به بيان من هو شر مثوبة . وفيه ~~مضاف مقدر دل عليه السياق . وتقديره : مثوبة من لعنه الله . والعدول عن أن ~~يقال : أنتم أو اليهود ، إلى الإتيان بالموصول للعلم بالمعني من الصلة ، ~~لأن اليهود يعلمون أن أسلافا منهم وقعت عليهم اللعنة والغضب من عهد ~~أنبيائهم ، ودلائله ثابتة في التوراة وكتب أنبيائهم ، فالموصول كناية عنهم ~~. # وأما جعلهم قردة وخنازير فقد تقدم القول في حقيقته في سورة البقرة . وأما ~~كونهم عبدوا الطاغوت فهو إذ عبدوا الأصنام بعد أن كانوا أهل توحيد فمن ذلك ~~عبادتهم العجل . # والطاغوت : الأصنام ، وتقدم عند قوله تعالى : { يؤمنون بالجبت والطاغوت } ~~في سورة النساء ( 51 ) . # وقرأ الجمهور { وعبد الطاغوت } بصيغة فعل المضي في { عبد } وبفتح التاء ~~من { الطاغوت } على أنه مفعول { عبد } ، وهو معطوف على الصلة في قوله { من ~~لعنه الله } ، أي ومن عبدوا الطاغوت . وقرأه حمزة وحده بفتح العين وضم ~~الموحدة وفتح الدال وبكسر الفوقية من كلمة الطاغوت على أن ( عبد ) جمع عبد ~~، وهو جمع سماعي قليل ، وهو على هذه القراءة معطوف على { القردة والخنازير ~~} . PageV06P246 # والمقصود من ذكر ذلك هنا تعيير اليهود المجادلين للمسلمين بمساوي أسلافهم ~~إبكاتا لهم عن التطاول . على أنه إذا كانت تلك شنشنتهم أزمان قيام الرسل ~~والنبيئين بين ظهرانيهم فهم فيما بعد ذلك أسوأ حالا وأجدر بكونهم شرا ، ~~فيكون الكلام من ذم القبيل كله . على أن كثيرا من موجبات اللعنة والغضب ~~والمسخ قد ارتكبتها الأخلاف ، على أنهم شتموا المسلمين بما زعموا أنه دينهم ~~فيحق شتمهم بما نعتقده فيهم . # $ 2 ( 61 63 ) { وإذا جآءوكم قالو & # 1764 ا ءامنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به والله أعلم بما كانوا ~~يكتمون * وترى كثيرا منهم يسارعون فى الإثم والعدوان وأكلهم السحت لبئس ما ~~كانوا يعملون * لولا ينهاهم الربانيون والاحبار عن قولهم الإثم وأكلهم ~~السحت لبئس ms2331 ما كانوا يصنعون } . ) 2 $ # عطف { وإذا جاؤوكم } على قوله : { وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزؤا } ~~( المائدة : 58 ) الآية ، وخص بهذه الصفات المنافقون من اليهود من جملة ~~الذين اتخذوا الدين هزوءا ولعبا ، فاستكمل بذلك التحذير ممن هذه صفتهم ~~المعلنين منهم والمنافقين . ولا يصح عطفه على صفات أهل الكتاب في قوله : { ~~وجعل منهم القردة } ( المائدة : 60 ) لعدم استقامة المعنى ، وبذلك يستغني ~~عن تكلف وجه لهذا العطف . # ومعنى قوله : { وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به } أن الإيمان لم يخالط ~~قلوبهم طرفة عين ، أي هم دخلوا كافرين وخرجوا كذلك ، لشدة قسوة قلوبهم ، ~~فالمقصود استغراق الزمنين وما بينهما ، لأن ذلك هو المتعارف ، إذ الحالة ~~إذا تبدلت استمر تبدلها ، ففي ذلك تسجيل الكذب في قولهم : آمنا ، والعرب ~~تقول : خرج بغير الوجه الذي دخل به . PageV06P247 # والرؤية في قوله : { وترى } بصرية ، أي أن حالهم في ذلك بحيث لا يخفى على ~~أحد . والخطاب لكل من يسمع . # وتقدم معنى { يسارعون } عند قوله : { لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر } ~~( النساء : 41 ) . # والإثم : المفاسد من قولل وعملل ، أريد به هنا الكذب ، كما دل عليه قوله ~~: { عن قولهم الإثم } . والعدوان : الظلم ، والمراد به الاعتداء علي ~~المسلمين إن استطاعوه . # والسحت تقدم في قوله : { سماعون للكذب أكالون للسحت } ( المائدة : 42 ) . # و { لولا } تحضيض أريد منه التوبيخ . # و { الربانيون والأحبار } تقدم بيان معناهما في قوله تعالى : { يحكم بها ~~النبيئون } ( المائدة : 44 ) الآية . # واقتصر في توبيخ الربانيين على ترك نهيهم عن قول الإثم وأكلل السحت ، ولم ~~يذكر العدوان إيماء إلى أن العدوان يزجرهم عنه المسلمون ولا يلتجئون في ~~زجرهم إلى غيرهم ، لأن الاعتماد في النصرة على غير المجني عليه ، ضعف . # وجملة { لبئس ما كانوا يصنعون } مستأنفة ، ذم لصنيع الربانيين والأحبار ~~في سكوتهم عن تغيير المنكر ، و { يصنعون } بمعنى يعلمون ، وإنما خولف هنا ~~ما تقدم في الآية قبلها للتفنن ، وقيل : لأن { يصنعون } أدل على التمكن في ~~العمل من { يعملون } . # واللام للقسم . # # | 2 ( 64 ) { وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا ~~بل يداه مبسوطتان ينفق ms2332 كيف يشآء وليزيدن كثيرا منهم مآ أنزل إليك من ربك ~~طغيانا وكفرا وألقينا بينهم العداوة والبغضآء إلى يوم القيامة كلمآ أوقدوا ~~نارا للحرب أطفأها الله ويسعون فى الارض فسادا والله لا يحب المفسدين } . ) ~~2 # ( مكرر : # { وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه ~~مبسوطتان ينفق كيف يشآء وليزيدن كثيرا منهم مآ أنزل إليك من ربك طغيانا ~~وكفرا وألقينا بينهم العداوة والبغضآء إلى يوم القيامة كلمآ أوقدوا نارا ~~للحرب أطفأها الله ويسعون فى الارض فسادا والله لا يحب المفسدين } . ) # عطف على جملة { وإذا جاؤوكم قالوا آمنا } ( المائدة : 61 ) ، فإنه لما ~~كان أولئك من اليهود والمنافقين انتقل إلى سوء معتقدهم وخبث طويتهم ليظهر ~~فرط التنافي بين معتقدهم ومعتقد أهل الإسلام ، وهذا قول اليهود الصرحاء غير ~~المنافقين فلذلك أسند إلى اسم ( اليهود ) . PageV06P248 # ومعنى { يد الله مغلولة } الوصف بالبخل في العطاء لأن العرب يجعلون ~~العطاء معبرا عنه باليد ، ويجعلون بسط اليد استعارة للبذل والكرم ، ويجعلون ~~ضد البسط استعارة للبخل فيقولون : أمسك يده وقبض يده ، ولم نسمع منهم : غل ~~يده ، إلا في القرآن كما هنا ، وقوله : { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك في ~~سورة الإسراء ( 29 ) ، وهي استعارة قوية لأن مغلول اليد لا يستطيع بسطها في ~~أقل الأزمان ، فلا جرم أن تكون استعارة لأشد البخل والشح . # واليهود أهل إيمان ودين فلا يجوز في دينهم وصف الله تعالى بصفات الذم . ~~فقولهم هذا : إما أن يكون جرى مجرى التهكم بالمسلمين إلزاما لهذا القول ~~الفاسد لهم ، كما روي أنهم قالوا ذلك لما كان المسلمون في أول زمن الهجرة ~~في شدة ، وفرض الرسول عليهم الصدقات ، وربما استعان باليهود في الديات . ~~وكما روي أنهم قالوه لما نزل قوله تعالى : من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا ~~} ( البقرة : 245 ) فقالوا : إن رب محمد فقير وبخيل . وقد حكي عنهم نظيره ~~في قوله تعالى : { لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء ~~} ( البقرة : 181 ) . ويؤيد هذا قوله عقبه { وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل ~~إليك من ربك ms2333 طغيانا وكفرا } . وإما أن يكونوا قالوه في حالة غضب ويأس ؛ فقد ~~روي في سبب نزولها أن اليهود نزلت بهم شدة وأصابتهم مجاعة وجهد ، فقال ~~فنحاص بن عازورا هذه المقالة ، فإما تلقفوها منه على عادة جهل العامة ، ~~وإما نسب قول حبرهم إلى جميعهم لأنهم يقلدونه ويقتدون به . # وقد ذمهم الله تعالى على كلا التقديرين ، إذ الأول استخفاف بالإسلام ~~وبدينهم أيضا ، إذ يجب تنزيه الله تعالى عن هذه المقالات ، ولو كانت على ~~نية إلزام الخصم ، والثاني ظاهر ما فيه من العجرفة والتأفف من تصرف الله ، ~~فقابل الله قولهم بالدعاء عليهم . وذلك ذم على طريقة العرب . # وجملة { غلت أيديهم } معترضة بين جملة { وقالت اليهود } وبين جملة { بل ~~يداه مبسوطتان } . وهي إنشاء سب لهم . PageV06P249 وأخذ لهم من الغل ~~المجازي مقابله الغل الحقيقي في الدعاء على طريقة العرب في انتزاع الدعاء ~~من لفظ سببه أو نحوه ، كقول النبيء صلى الله عليه وسلم ( عصية عصت الله ~~ورسوله ، وأسلم سلمها الله ، وغفار غفر الله لها ) . # وجملة { ولعنوا بما قالوا } يجوز أن تكون إنشاء دعاء عليهم ، ويجوز أن ~~تكون إخبارا بأن الله لعنهم لأجل قولهم هذا ، نظير ما في قوله تعالى : { ~~وإن يدعون إلا شيطانا مريدا لعنه الله في سورة النساء ( 117 ، 118 ) . # وقوله : بل يداه مبسوطتان } نقض لكلامهم وإثبات سعة فضله تعالى . وبسط ~~اليدين تمثيل للعطاء ، وهو يتضمن تشبيه الإنعام بأشياء تعطى باليدين . # وذكر اليد هنا بطريقة التثنية لزيادة المبالغة في الجود ، وإلا فاليد في ~~حال الاستعارة للجود أو للبخل لا يقصد منها مفرد ولا عدد ، فالتثنية ~~مستعملة في مطلق التكرير ، كقوله تعالى : { ثم ارجع البصر كرتين } ( الملك ~~: 4 ) ، وقولهم : ( لبيك وسعديك ) . وقال الشاعر ( أنشده في ( الكشاف ) ولم ~~يعزه هو ولا شارحوه ) : # جاد الحمى بسط اليدين بوابل # شكرت نداه تلاعه ووهاده # وجملة { ينفق كيف يشاء } بيان لاستعارة { يداه مبسوطتان } . و { كيف } ~~اسم دال على الحالة وهو مبني في محل نصب على الحال . وفي قوله : { كيف يشاء ~~} زيادة إشارة إلى أن تقتيره الرزق على بعض عبيده لمصلحة ، مثل ms2334 العقاب على ~~كفران النعمة ، قال تعالى : { ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض } ~~( الشورى : 27 ) . # { وليزيدن كثيرا منهم مآ أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا } . # عطف على جملة { وقالت اليهود يد الله مغلولة } . وقع معترضا بين الرد ~~عليهم بجملة { بل يداه مبسوطتان } وبين جملة { وألقينا بينهم العداوة ~~والبغضاء } ، PageV06P250 وهذا بيان للسبب الذي بعثهم على تلك المقالة ~~الشنيعة ، أي أعماهم الحسد فزادهم طغيانا وكفرا ، وفي هذا إعداد للرسول ~~عليه الصلاة والسلام لأخذ الحذر منهم ، وتسلية له بأن فرط حنقهم هو الذي ~~أنطقهم بذلك القول الفظيع . # { وألقينا بينهم العداوة والبغضآء إلى يوم القيامة } . # عطف على جملة { ولعنوا بما قالوا } عطف الخبر على الإنشاء على أحد ~~الوجهين فيه . وفي هذا الخبر الإيماء إلى أن الله عاقبهم في الدنيا على ~~بغضهم المسلمين بأن ألقى البغضاء بين بعضهم وبعض ، فهو جزاء من جنس العمل ، ~~وهو تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم أن لا يهمه أمر عداوتهم له ، فإن ~~البغضاء سجيتهم حتى بين أقوامهم وأن هذا الوصف دائم لهم شأن الأوصاف التي ~~عمي أصحابها عن مداواتها بالتخلق الحسن . وتقدم القول في نظيره آنفا . # { كلمآ أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ويسعون فى الارض فسادا والله لا ~~يحب المفسدين } . # تركيب { أوقدوا نارا للحرب أطفاها الله } تمثيل ، شبه به حال التهيؤ ~~للحرب والاستعداد لها والحزامة في أمرها ، بحال من يوقد النار لحاجة بها ~~فتنطفىء ، فإنه شاعت استعارات معاني التسعير والحمي والنار ونحوها للحرب ، ~~ومنه حمي الوطيس ، وفلان مسعر حرب ، ومحش حرب ، فقوله : { أوقدوا نارا ~~للحرب } كذلك ، ولا نار في الحقيقة ، إذ لم يؤثر عن العرب أن لهم نارا تختص ~~بالحرب تعد في نيران العرب التي يوقدونها لأغراض . وقد وهم من ظنها حقيقة ، ~~ونبه المحققون على وهمه . # وشبه حال انحلال عزمهم أو انهزامهم وسرعة ارتدادهم عنها ، وإحجامهم عن ~~مصابحة أعدائهم ، بحال من انطفأت ناره التي أوقدها . PageV06P251 # ومن بداعة هذا التمثيل أنه صالح لأن يعتبر فيه جمعه وتفريقه ، بأن يجعل ~~تمثيلا واحدا لحالة مجموعة أو تمثيلين لحالتين ، وقبول التمثيل للتفريق ms2335 أتم ~~بلاغة . والمعنى أنهم لا يلتئم لهم أمر حرب ولا يستطيعون نكاية عدو ، ولو ~~حاربوا أو حوربوا انهزموا ، فيكون معنى الآية على هذا كقوله : { ضربت عليهم ~~الذلة أينما ثقفوا } ( آل عمران : 112 ) . # وأما ما يروى أن معدا كلها لما حاربوا مذبح يوم ( خزازى ) ، وسيادتهم ~~لتغلب وقائدهم كليب ، أمر كليب أن يوقدوا نارا على جبل خزازى ليهتدي بها ~~الجيش لكثرته ، وجعلوا العلامة بينهم أنهم إذا دهمتهم جيوش مذحج أوقدوا ~~نارين على ( خزازى ) ، فلما دهمتهم مذحج أوقدوا النار فتجمعت معد كلها إلى ~~ساحة القتال وانهزمت مذحج . وهذا الذي أشار إليه عمرو بن كلثوم بقوله : # ونحن غداة أوقد في خزازى # رفدنا فوق رفد الرافدينا # فتلك شعار خاص تواضعوا عليه يومئذ فلا يعد عادة في جميع الحروب . وحيث لا ~~تعرف نار للحرب تعين الحمل على التمثيل ، ولذلك أجمع عليه المفسرون في هذه ~~الآية فليس الكلام بحقيقة ولا كناية . # وقوله : { ويسعون في الأرض فسادا } القول فيه كالقول في نظيره المتقدم ~~آنفا عند قوله تعالى : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في ~~الأرض فسادا } ( المائدة : 33 ) . # # | 2 ( 65 ) { ولو أن أهل الكتاب ءامنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ~~ولادخلناهم جنات النعيم } . ) 2 # عقب نهيهم وذمهم بدعوتهم للخير بطريقة التعريض إذ جاء بحرف الإمتناع فقال ~~: { ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا } ، والمراد اليهود . والمراد بقوله : ~~{ آمنوا } الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وفي الحديث : ( اثنان ~~PageV06P252 يؤتون أجرهم مرتين : رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه ثم آمن بي ( ~~أي عندما بلغته الدعوة المحمدية ) فله أجران ، ورجل كانت له جارية فأدبها ~~فأحسن تأديبها وعلمها ثم أعتقها فتزوجها فله أجران . # واللام في قوله : { لكفرنا عنهم } وقوله { ولأدخلناها } لام تأكيد يكثر ~~وقوعها في جواب ( لو ) إذا كان فعلا ماضيا مثبتا لتأكيد تحقيق التلازم بين ~~شرط ( لو ) وجوابها ، ويكثر أن يجرد جواب لو عن اللام ، كما سيأتي عند قوله ~~تعالى : { لو نشاء جعلناه أجاجا في سورة الواقعة ( 70 ) . # # | 2 ( 66 ) ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل ومآ أنزل إليهم من ربهم ~~لاكلوا من ms2336 فوقهم ومن تحت أرجلهم منهم أمة مقتصدة وكثير منهم سآء ما يعملون ~~} . ) 2 # { ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل ومآ أنزل إليهم من ربهم لاكلوا من ~~فوقهم ومن تحت أرجلهم منهم أمة مقتصدة وكثير منهم سآء ما يعملون } . # إقامة الشيء جعله قائما ، كما تقدم في أول سورة البقرة . واستعيرت ~~الإقامة لعدم الإضاعة لأن الشيء المضاع يكون ملقى ، ولذلك يقال له : شيء ~~لقى ، ولأن الإنسان يكون في حال قيامه أقدر على الأشياء ، فلذا قالوا : ~~قامت السوق . فيجوز أن يكون معنى إقامة التوراة والإنجيل إقامة تشريعهما ~~قبل الإسلام ، أي لو أطاعوا أوامر الله وعملوا بها سلموا من غضبه فلأغدق ~~عليهم نعمه ، فاليهود آمنوا بالتوراة ولم يقيموا أحكامها كما تقدم آنفا ، ~~وكفروا بالإنجيل ورفضوه ، وذلك أشد في عدم إقامته ، وبالقرآنن . وقد أومأت ~~الآية إلى أن سبب ضيق معاش اليهود هو من غضب الله تعالى عليهم لإضاعتهم ~~التوراة وكفرهم بالإنجيل وبالقرآن ، أي فتحتمت عليهم النقمة بعد نزول ~~القرآن . # ويحتمل أن يكون المراد : لو أقاموا هذه الكتب بعد مجيء الإسلام ، أي ~~بالاعتراف بما في التوراة والإنجيل من التبشير ببعثة محمد صلى الله عليه ~~وسلم حتى يؤمنوا به وبما جاء به ، فتكون الآية إشارة إلى ضيق معاشهم بعد ~~هجرة الرسول إلى المدينة . ويؤيده ما روي في سبب نزول قوله تعالى : { وقالت ~~اليهود الله يد مغلولة } ( المائدة : 64 ) كما تقدم . PageV06P253 # ومعنى { لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم } تعميم جهات الرزق ، أي لرزقوا ~~من كل سبيل ، فأكلوا بمعنى رزقوا ، كقوله : { وتأكلون التراث أكلا لما } ( ~~الفجر : 19 ) . وقيل : المراد بالمأكول من فوق ثمار الشجر ، ومن تحت الحبوب ~~والمقاثي ، فيكون الأكل على حقيقته ، أي لاستمر الخصب فيهم . # وفي معنى هذه الآية قوله تعالى : { ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا ~~عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون في ~~سورة الأعراف ( 96 ) . # واللام في قوله : لأكلوا من فوقهم } إلخ مثل اللام في الآية قبلها . # { منهم أمة مقتصدة وكثير منهم سآء ما يعملون } . # إنصاف لفريق منهم بعد أن جرت ms2337 تلك المذام على أكثرهم . # والمقتصد يطلق على المطيع ، أي غير مسرف بارتكاب الذنوب ، واقف عند حدود ~~كتابهم ، لأنه يقتصد في سرف نفسه ، ودليل ذلك مقابلته بقوله في الشق الآخر ~~{ ساء ما يعملون } . وقد علم من اصطلاح القرآن التعبير بالإسراف عن ~~الاسترسال في الذنوب ، قال تعالى : { قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ~~لا تقنطوا من رحمة الله } ( الزمر : 53 ) ، ولذلك يقابل بالاقتصاد ، أي ~~الحذر من الذنوب ، واختير المقتصد لأن المطيعين منهم قبل الإسلام كانوا غير ~~بالغين غاية الطاعة ، كقوله تعالى : { فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم ~~سابق بالخيرات بإذن الله } ( فاطر : 32 ) . # فالمراد هنا تقسيم أهل الكتاب قبل الإسلام لأنهم بعد الإسلام قسمان سيء ~~العمل ، وهو من لم يسلم ؛ وسابق في الخيرات ، وهم الذين أسلموا مثل عبد ~~الله بن سلام ومخيريق . وقيل : المراد بالمقتصد غير المفرطين في بغض ~~المسلمين ، وهم الذين لا آمنوا معهم ولا آذوهم ، وضدهم هم المسيئون ~~PageV06P254 بأعمالهم للمسلمين مثل كعب بن الأشرف . فالأولون بغضهم قلبي ، ~~والآخرون بغضهم بالقلب والعمل السيء . ويطلق المقتصد على المعتدل في الأمر ~~، لأنه مشتق من القصد ، وهو الاعتدال وعدم الإفراط . والمعنى مقتصدة في ~~المخالفة والتنكر للمسلمين المأخوذ من قوله : { وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل ~~إليك من ربك طغيانا وكفرا } ( المائدة : 68 ) . # والأظهر أن يكون قوله : { ساء } فعلا بمعنى كان سيئا ، و { ما يعملون } ~~فاعله ، كما قدره ابن عطية . وجعله في ( الكشاف ) بمعنى بئس ، فقدر قولا ~~محذوفا ليصح الإخبار به عن قوله : { وكثير منهم } ، بناء على التزام عدم ~~صحة عطف الإنشاء على الإخبار ، وهو محل جدال ، ويكون { ما يعملون } مخصوصا ~~بالذم ، والذي دعاه إلى ذلك أنه رأى حمله على معنى إنشاء الذم أبلغ في ذمهم ~~، أي يقول فيهم ذلك كل قائل . # $ 2 ( 67 ) { ي & # 1764 اأيها الرسول بلغ مآ أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ~~والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدى القوم الكافرين } . ) 2 $ # إن موضع هذه الآية في هذه السورة معضل ، فإن سورة المائدة من آخر السور ms2338 ~~نزولا إن لم تكن آخرها نزولا ، وقد بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الشريعة وجميع ما أنزل إليه إلى يوم نزولها ، فلو أن هذه الآية نزلت في أول ~~مدة البعثة لقلنا هي تثبيت للرسول وتخفيف لأعباء الوحي عنه ، كما أنزل قوله ~~تعالى : { فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين إنا كفيناك المستهزئين } ( ~~الحجرات : 94 ، 95 ) وقوله : { إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا إلى قوله واصبر ~~على ما يقولون } ( المزمل : 5 10 ) الآيات ، فأما وهذه السورة من آخر السور ~~نزولا وقد أدى رسول الله الرسالة وأكمل الدين فليس في الحال ما يقتضي أن ~~يؤمر بتبليغ ، فنحن إذن بين احتمالين : PageV06P255 # أحدهما : أن تكون هذه الآية نزلت بسبب خاص اقتضى إعادة تثبيت الرسول على ~~تبليغ شيء مما يثقل عليه تبليغه . # وثانيهما : أن تكون هذه الآية نزلت من قبلل نزول هذه السورة ، وهو الذي ~~تواطأت عليه أخبار في سبب نزولها . # فأما هذا الاحتمال الثاني فلا ينبغي اعتباره لاقتضائه أن تكون هذه الآية ~~بقيت سنين غير ملحقة بسورة ، ولا جائز أن تكون مقروءة بمفردها ، وبذلك ~~تندحض جميع الأخبار الواردة في أسباب النزول التي تذكر حوادث كلها حصلت في ~~أزمان قبل زمن نزول هذه السورة . وقد ذكر الفخر عشرة أقوال في ذلك ، وذكر ~~الطبري خبرين آخرين ، فصارت اثني عشر قولا . # وقال الفخر بعد أن ذكر عشرة الأقوال : إن هذه الروايات وإن كثرت فإن ~~الأولى حمل الآية على أن الله آمنه مكر اليهود والنصارى ، لأن ما قبلها وما ~~بعدها كان كلاما مع اليهود والنصارى فامتنع إلقاء هذه الآية الواحدة في ~~البين فتكون أجنبية عما قبلها وما بعدها اه . وأما ما ورد في الصحيح أن ~~رسول الله كان يحرس حتى نزل { والله يعصمك من الناس } فلا يدل على أن جميع ~~هذه الآية نزلت يومئذ ، بل اقتصر الراوي على جزء منها ، وهو قوله : { والله ~~يعصمك من الناس } فلعل الذي حدثت به عائشة أن الله أخبر رسوله بأنه عصمه من ~~الناس فلما حكاه الراوي حكاه باللفظ الواقع في هذه الآية . # فتعين ms2339 التعويل على الاحتمال الأول : فإما أن يكون سبب نزولها قضية مما ~~جرى ذكره في هذه السورة ، فهي على وتيرة قوله تعالى : { يأيها الرسول لا ~~يحزنك الذي يسارعون في الكفر } ( المائدة : 41 ) وقوله : { ولا تتبع ~~أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك } ( المائدة : 49 ) ~~فكما كانت تلك الآية في وصف حال المنافقين تليت بهذه الآية لوصف حال أهل ~~الكتاب . والفريقان متظاهران على الرسول صلى الله عليه وسلم فريق مجاهر ، ~~وفريق متستر ، فعاد الخطاب للرسول ثانية PageV06P256 بتثبيت قلبه وشرح صدره ~~بأن يدوم على تبليغ الشريعة ويجهد في ذلك ولا يكترث بالطاعنين من أهل ~~الكتاب والكفار ، إذ كان نزول هذه السورة في آخر مدة النبيء صلى الله عليه ~~وسلم لأن الله دائم على عصمته من أعدائه وهم الذين هون أمرهم في قوله : { ~~يأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر } ( المائدة : 41 ) فهم ~~المعنيون من { الناس } في هذه الآية ، فالمأمور بتبليغه بعض خاص من القرآن ~~. # وقد علم من خلق النبيء صلى الله عليه وسلم أنه يحب الرفق في الأمور ويقول ~~: إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله ( كما جاء في حديث عائشة حين سلم ~~اليهود عليه فقالوا : السام عليكم ، وقالت عائشة لهم : السام عليكم واللعنة ~~) ، فلما أمره الله أن يقول لأهل الكتاب { وأن أكثركم فاسقون قل هل أنبئكم ~~بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه } ( المائدة : 59 ، 60 ) ~~الآية ، وكان ذلك القول مجاهرة لهم بسوء أعلمه الله بأن هذا لا رفق فيه فلا ~~يدخل فيما كان يعاملهم به من المجادلة بالتي هي أحسن ، فتكون هذه الآية ~~مخصصة لما في حديث عائشة وتدخل في الاستثناء الذي في قوله تعالى : { لا يحب ~~الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم } ( النساء : 148 ) . # ولذلك أعيد افتتاح الخطاب له بوصف الرسول المشعر بمنتهى شرفه ، إذ كان ~~واسطة بين الله وخلقه ، والمذكر له بالإعراض عمن سوى من أرسله . # ولهذا الوصف في هذا الخطاب الثاني موقع زائد على موقعه في الخطاب ms2340 الأول ، ~~وهو ما فيه من الإيماء إلى وجه بناء الكلام الآتي بعده ، وهو قوله : { وإن ~~لم تفعل فما بلغت رسالاته } ، كما قال تعالى : { ما على الرسول إلا البلاغ ~~} ( المائدة : 99 ) . # فكما ثبت جنانه بالخطاب الأول أن لا يهتم بمكائد أعدائه ، حذر بالخطاب ~~الثاني من ملاينتهم في إبلاغهم قوارع القرآن ، أو من خشيته إعراضهم عنه إذا ~~أنزل من القرآن في شأنهم ، إذ لعله يزيدهم عنادا وكفرا ، كما دل عليه قوله ~~في آخر هذه الآية { وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا ~~فلا تأس على القوم الكافرين } ( المائدة : 68 ) . PageV06P257 # ثم عقب ذلك أيضا بتثبيت جنانه بأن لا يهتم بكيدهم بقوله : { والله يعصمك ~~من الناس } وأن كيدهم مصروف عنه بقوله : { إن الله لا يهدي القوم الكافرين ~~} . فحصل بآخر هذا الخطاب رد العجز على الصدر في الخطاب الأول التي تضمنه ~~قوله : { لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر } ( المائدة : 41 ) فإنهم هم ~~القوم الكافرون والذين يسارعون في الكفر . فالتبليغ المأمور به على هذا ~~الوجه تبليغ ما أنزل من القرآن في تقريع أهل الكتاب . وما صدق { ما أنزل ~~إليك من ربك } شيء معهود من آي القرآن ، وهي الآي المتقدمة على هذه الآية . ~~وما صدق { ما أنزل إليك من ربك } هو كل ما نزل من القرآن قبل ذلك اليوم . # والتبليغ جعل الشيء بالغا . والبلوغ الوصول إلى المكان المطلوب وصوله ، ~~وهو هنا مجاز في حكاية الرسالة للمرسل بها إليه من قولهم : بلغ الخبر وبلغت ~~الحاجة . والأمر بالتبليغ مستعمل في طلب الدوام ، كقوله تعالى : { يأيها ~~الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله } ( النساء : 136 ) . ولما كان نزول ~~الشريعة مقصودا به عمل الأمة بها ( سواء كان النازل متعلقا بعمل أم كان ~~بغير عمل ، كالذي ينزل ببيان أحوال المنافقين أو فضائل المؤمنين أو في ~~القصص ونحوها ، لأن ذلك كله إنما نزل لفوائد يتعين العلم بها لحصول الأغراض ~~التي نزلت لأجلها ، على أن للقرآن خصوصية أخرى وهي ما له من الإعجاز ، وأنه ~~متعبد بتلاوته ، فالحاجة إلى جميع ما ينزل منه ثابتة ms2341 بقطع النظر عما يحويه ~~من الأحكام وما به من مواعظ وعبر ) ، كان معنى الرسالة إبلاغ ما أنزل إلى ~~من يراد علمه به وهو الأمة كلها ، ولأجل هذا حذف متعلق { بلغ } لقصد العموم ~~، أي بلغ ما أنزل إليك جميع من يحتاج إلى معرفته ، وهو جميع الأمة ، إذ لا ~~يدرى وقت ظهور حاجة بعض الأمة إلى بعض الأحكام ، على أن كثيرا من الأحكام ~~يحتاجها جميع الأمة . PageV06P258 # والتبليغ يحصل بما يكفل للمحتاج إلى معرفة حكمم تمكنه من معرفته في وقت ~~الحاجة أو قبله ، لذلك كان الرسول عليه الصلاة والسلام يقرأ القرآن على ~~الناس عند نزول الآية ويأمر بحفظها عن ظهر قلب وبكتابتها ، ويأمر الناس ~~بقراءته وبالاستماع إليه . وقد أرسل مصعبا بن عمير إلى المدينة قبل هجرته ~~ليعلم الأنصار القرآن . وكان أيضا يأمر السامع مقالته بإبلاغها من لم ~~يسمعها ، مما يكفل ببلوغ الشريعة كلها للأجيال من الأمة . ومن أجل ذلك كان ~~الخلفاء من بعده يعطون الناس العطاء على قدر ما معهم من القرآن . ومن أجل ~~ذلك أمر أبو بكر بكتابة القرآن في المصحف بإجماع الصحابة ، وأكمل تلك ~~المزية عثمان بن عفان بانتساخ القرآن في المصاحف وإرسالها إلى أمصار ~~الإسلام ، وقد كان رسول الله عين لأهل الصفة الانقطاع لحفظ القرآن . # والذي ظهر من تتبع سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يبادر ~~بإبلاغ القرآن عند نزوله ، فإذا نزل عليه ليلا أخبر به عند صلاة الصبح . ~~وفي حديث عمر ، قال رسول الله : ( لقد أنزلت علي الليلة سورة لهي أحب إلي ~~مما طلعت عليه الشمس ) ثم قرأ : { إنا فتحنا لك فتحا مبينا } ( الفتح : 1 ) ~~. وفي حديث كعب بن مالك في تخلفه عن غزوة تبوك ( فأنزل الله توبتنا على ~~نبيه حين بقي الثلث الآخر من الليل ورسول الله عند أم سلمة ، فقال : يأم ~~سلمة تيب على كعب بن مالك ، قالت : أفلا أرسل إليه فأبشره ، قال : ( إذا ~~يحطمكم الناس فيمنعونكم النوم سائر الليلة . حتى إذا صلى رسول الله صلاة ~~الفجر آذن بتوبة الله علينا ) . وفي حديث ابن ms2342 عباس : أن رسول الله نزلت ~~عليه سورة الأنعام جملة واحدة بمكة ودعا رسول الله الكتاب فكتبوها من ~~ليلتهم . # وفي الإتيان بضمير المخاطب في قوله : { إليك من ربك } إيماء عظيم إلى ~~تشريف الرسول صلى الله عليه وسلم بمرتبة الوساطة بين الله والناس ، إذ جعل ~~الإنزال إليه ولم يقل إليكم أو إليهم ، كما قال في آية آل عمران ( 199 ) { ~~وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم ، وقوله : لتبين للناس ما ~~نزل إليهم } ( النحا : 44 ) . PageV06P259 وفي تعليق الإنزال بأنه من الرب ~~تشريف للمنزل . # والإتيان بلفظ الرب هنا دون اسم الجلالة لما في التذكير بأنه ربه من معنى ~~كرامته ، ومن معنى أداء ما أراد إبلاغه ، كما ينبغي من التعجيل والإشاعة ~~والحث على تناوله والعمل بما فيه . # وعلى جميع الوجوه المتقدمة دلت الآية على أن الرسول مأمور بتبليغ ما أنزل ~~إليه كله ، بحيث لا يتوهم أحد أن رسول الله قد أبقى شيئا من الوحي لم يبلغه ~~. لأنه لو ترك شيئا منه لم يبلغه لكان ذلك مما أنزل إليه ولم يقع تبليغه ، ~~وإذ قد كانت هذه الآية من آخر ما نزل من القرآن علمنا أن من أهم مقاصدها أن ~~الله أراد قطع تخرص من قد يزعمون أن الرسول قد استبقى شيئا لم يبلغه ، أو ~~أنه قد خص بعض الناس بإبلاغ شيء من الوحي لم يبلغه للناس عامة . فهي أقطع ~~آية لإبطال قول الرافضة بأن القرآن آكثر مما هو في المصحف الذي جمعه أبو ~~بكر ونسخه عثمان ، وأن رسول الله اختص بكثير من القرآن عليا بن أبي طالب ~~وأنه أورثه أبناءه وأنه يبلغ وقر بعير ، وأنه اليوم مختزن عند الإمام ~~المعصوم الذي يلقبه بعض الشيعة بالمهدي المنتظر وبالوصي . # وكانت هذه الأوهام ألمت بأنفس بعض المتشيعين إلى علي رضي الله عنه في مدة ~~حياته ، فدعا ذلك بعض الناس إلى سؤاله عن ذلك . روى البخاري أن أبا جحيفة ~~سأل عليا : هل عندكم شيء ما ليس في القرآن وما ليس عند الناس ، فقال : ( لا ~~والذي فلق الحبة ms2343 وبرأ النسمة ما عندنا إلا ما في القرآن إلا فهما يعطى رجل ~~في كتاب الله وما في الصحيفة ، قلت : وما في الصحيفة ، قال : العقل ، وفكاك ~~الأسير ، وأن لا يقتل مسلم بكافر ) . وحديث مسروق عن عائشة الذي سنذكره ~~ينبىء بأن هذا الهاجس قد ظهر بين العامة في زمانها . وقد يخص الرسول بعض ~~الناس ببيان شيء من الأحكام ليس من القرآن المنزل إليه لحاجة دعت إلى ~~تخصيصه ، كما كتب إلى علي ببيان العقل ، وفكاك الأسير ، وأن لا يقتل مسلم ~~بكافر ، لأنه كان يومئذ قاضيا باليمن ، وكما كتب إلى عمرو بن حزم ~~PageV06P260 كتاب نصاب الزكاة لأنه كان بعثه لذلك ، فذلك لا ينافي الأمر ~~بالتبليغ لأن ذلك بيان لما أنزل وليس عين ما أنزل ، ولأنه لم يقصد منه ~~تخصيصه بعلمه ، بل قد يخبر به من تدعو الحاجة إلى علمه به ، ولأنه لما أمر ~~من سمع مقالته بأن يعيها ويؤيديها كما سمعها ، وأمر أن يبلغ الشاهد الغائب ~~، حصل المقصود من التبليغ ؛ فأما أن يدع شيئا من الوحي خاصا بأحد وأن يكتمه ~~المودع عنده عن الناس فمعاذ الله من ذلك . # وقد يخص أحدا بعلم ليس مما يرجع إلى أمور التشريع ، من سر يلقيه إلى بعض ~~أصحابه ، كما أسر إلى فاطمة رضي الله عنها بأنه يموت يومئذ وبأنها أول أهله ~~لحاقا به . وأسر إلى أبي بكر رضي الله عنه بأن الله أذن له في الهجرة . ~~وأسر إلى حذيفة خبر فتنة الخارجين على عثمان ، كما حدث حذيفة بذلك عمر بن ~~الخطاب . وما روي عن أبي هريرة أنه قال : حفظت من رسول الله وعائين ، أما ~~أحدهما فبثثته ، وأما الآخر فلو بثثته لقطع مني هذا البلعوم . # ومن أجل ذلك جزمنا بأن الكتاب الذي هم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بكتابته للناس ، وهو في مرض وفاته ، ثم أعرض عنه ، لم يكن فيما يرجع إلى ~~التشريع لأنه لو كان كذلك لما أعرض عنه والله يقول له : { بلغ ما أنزل إليك ~~من ربك } . روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت ms2344 لمسروق : ( ثلاث ~~من حدثك بهن فقد كذب ، من حدثك أن محمدا كتم شيئا مما أنزل عليه فقد كذب ، ~~والله يقول : { يأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت ~~رسالاته } الحديث . # وقوله : { وإن لم تفعل فما بلغت رسالاته } جاء الشرط بإن التي شأنها في ~~كلام العرب عدم اليقين بوقوع الشرط ، لأن عدم التبليغ غير مظنون بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم وإنما فرض هذا الشرط ليبني عليه الجواب ، وهو قوله : { فما ~~بلغت رسالاته } ، ليستفيق الذين يرجون أن يسكت رسول الله عن PageV06P261 ~~قراءة القرآن النازل بفضائحهم من اليهود والمنافقين ، وليبكت من علم الله ~~أنهم سيفترون ، فيزعمون أن قرآنا كثيرا لم يبلغه رسول الله الأمة . # ومعنى { لم تفعل } لم تفعل ذلك ، وهو تبليغ ما أنزل إليك . وهذا حذف شائع ~~في كلامهم ، فيقولون : فإن فعلت ، أو فإن لم تفعل . قال تعالى : { ولا تدع ~~من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين } ( يونس ~~: 106 ) أي إن دعوت ما لا ينفعك ، يحذفون مفعول فعلت ولم تفعل لدلالة ما ~~تقدم عليه ، وقال تعالى : { فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا في سورة البقرة ( 24 ~~) . وهذا مما جرى مجرى المثل فلا يتصرف فيه إلا قليلا ولم يتعرض له أيمة ~~الاستعمال . # ومعنى ترتب هذا الجواب على هذا الشرط أنك إن لم تبلغ جميع ما أنزل إليك ~~فتركت بعضه كنت لم تبلغ الرسالة ، لأن كتم البعض مثل كتمان الجميع في ~~الاتصاف بعدم التبليغ ، ولأن المكتوم لا يدري أن يكون في كتمانه ذهاب بعض ~~فوائد ما وقع تبليغه ، وقد ظهر التغاير بين الشرط وجوابه بما يدفع الاحتياج ~~إلى تأويل بناء الجواب على الشرط ، إذ تقدير الشرط : إن لم تبلغ ما أنزل ، ~~والجزاء ، لم تبلغ الرسالة ، وذلك كافف في صحة بناء الجواب على الشرط بدون ~~حاجة إلى ما تأولوه مما في الكشاف } وغيره . ثم يعلم من هذا الشرط أن تلك ~~منزلة لا تليق بالرسل ، فينتج ذلك أن الرسول لا يكتم شيئا مما أرسل به ms2345 . ~~وتظهر فائدة افتتاح الخطاب ب { يأيها الرسول } للإيماء إلى وجه بناء الخبر ~~الآتي بعده ، وفائدة اختتامه بقوله : { فما بلغت رسالته } . # وقرأ نافع ، وابن عامر ، وأبو بكر ، وأبو جعفر { رسالاته } بصيغة الجمع . ~~وقرأه الباقون { رسالته } بالإفراد . والمقصود الجنس فهو في سياق النفي ~~سواء مفرده وجمعه . ولا صحة لقول بعض علماء المعاني استغراق المفرد أشمل من ~~استغراق الجمع ، وأن نحو : لا رجال في الدار ، صادق بما إذا كان فيها رجلان ~~أو رجل واحد ، بخلاف نحو لا رجل في الدار . ويظهر أن قراءة الجمع أصرح لأن ~~لفظ الجمع المضاف من صيغ العموم لا يحتمل العهد بخلاف المفرد PageV06P262 ~~المضاف فإنه يحتمل الجنس والعهد ، ولا شك أن نفي اللفظ الذي لا يحتمل العهد ~~أنص في عموم النفي لكن القرينة بينت المراد . # وقوله : { والله يعصمك من الناس } افتتح باسم الجلالة للاهتمام به لأن ~~المخاطب والسامعين يترقبون عقب الأمر بتبليغ كل ما أنزل إليه ، أن يلاقي ~~عنتا وتكالبا عليه من أعدائه فافتتح تطمينه بذكر اسم الله ، لأن المعنى أن ~~هذا ما عليك . فأما ما علينا فالله يعصمك ، فموقع تقديم اسم الجلالة هنا ~~مغن عن الإتيان بأما . على أن الشيخ عبد القاهر قد ذكر في أبواب التقديم من ~~( دلائل الإعجاز ) أن مما يحسن فيه تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي ~~ويكثر ؛ الوعد والضمان ، لأن ذلك ينفي أن يشك من يوعد في تمام الوعد ~~والوفاء به فهو من أحوج الناس إلى التأكيد ، كقول الرجل : أنا أكفيك ، أنا ~~أقوم بهذا الأمر آه . ومنه قوله تعالى حكاية عن يوسف { وأنا به زعيم } ( ~~يوسف : 72 ) . فقوله : { والله يعصمك من الناس فيه هذا المعنى أيضا . ~~والعصمة هنا الحفظ والوقاية من كيد أعدائه . # والناس } في الآية مراد به الكفار من اليهود والمنافقين والمشركين ، لأن ~~العصمة بمعنى الوقاية تؤذن بخوف عليه ، وإنما يخاف عليه أعداءه لا أحباءه ، ~~وليس في المؤمنين عدو لرسوله . فالمراد العصمة من اغتيال المشركين ، لأن ~~ذلك هو الذي كان يهم النبيء صلى الله عليه وسلم إذ لو حصل ذلك لتعطل الهدي ~~الذي ms2346 كان يحبه النبيء للناس ، إذ كان حريصا على هدايتهم ، ولذلك كان رسول ~~الله ، لما عرض نفسه على القبائل في أول بعثته ، يقول لهم ( أن تمنعوني حتى ~~أبين عنن الله ما بعثني به أو حتى أبلغ رسالات ربي ) . فأما ما دون ذلك من ~~أذى وإضرار فذلك مما نال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليكون ممن أوذي في ~~الله : فقد رماه المشركون بالحجارة حتى أدموه وقد شج وجهه . وهذه العصمة ~~التي وعد بها رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تكرر وعده بها في القرآن ~~كقوله : { فسيكفيكهم الله } ( البقرة : 137 ) . وفي غير القرآن ، فقد جاء ~~في بعض الآثار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر وهو بمكة أن الله عصمه ~~PageV06P263 من المشركين . وجاء في الصحيح عن عائشة أن رسول الله كان يحرس ~~في المدينة ، وأنه حرسه ذات ليلة سعد بن أبي وقاص وحذيفة وأن رسول الله ~~أخرج رأسه من قبة وقال لهم : ( الحقوا بملاحقكم فإن الله عصمني ) ، وأنه ~~قال في غزوة ذات الرقاع سنة ست للأعرابي غورث بنن الحارث الذي وجد رسول ~~الله نائما في ظل شجرة ووجد سيفه معلقا فاخترطه وقال للرسول : من يمنعك مني ~~، فقال : الله ، فسقط السيف من يد الأعرابي . وكل ذلك كان قبل زمن نزول هذه ~~الآية . والذين جعلوا بعض ذلك سببا لنزول هذه الآية قد خلطوا . فهذه الآية ~~تثبيت للوعد وإدامة له وأنه لا يتغير مع تغير صنوف الأعداء . # ثم أعقبه بقوله : { إن الله لا يهدي القوم الكافرين } ليتبين أن المراد ~~بالناس كفارهم ، وليؤمي إلى أن سبب عدم هدايتهم هو كفرهم . والمراد ~~بالهداية هنا تسديد أعمالهم وإتمام مرادهم ، فهو وعد لرسوله بأن أعداءه لا ~~يزالون مخذولين لا يهتدون سبيلا لكيد الرسول والمؤمنين لطفا منه تعالى ، ~~وليس المراد الهداية في الدين لأن السياق غير صالح له . # $ 2 ( 68 ) { قل ي & # 1764 اأهل الكتاب لستم على شىء حتى تقيموا التوراة والإنجيل ومآ أنزل ~~إليكم من ربكم وليزيدن كثيرا منهم مآ أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا فلا ms2347 ~~تأس على القوم الكافرين } . ) 2 $ # هذا الذي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقوله لأهل الكتاب هو من ~~جملة ما ثبته الله على تبليغه بقوله : { بلغ ما أنزل إليك من ربك } ، فقد ~~كان رسول الله يحب تألف أهل الكتاب وربما كان يثقل عليه أن يجابههم بمثل ~~هذا ولكن الله يقول الحق . # فيجوز أن تكون جملة { قل يأهل الكتاب } بيانا لجملة { بلغ ما أنزل إليك ~~PageV06P264 من ربك } ( المائدة : 67 ) ، ويجوز أن تكون استئنافا ابتدائيا ~~بمناسبة قوله : { يأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك } ( المائدة : 67 ) ~~. # والمقصود بأهل الكتاب اليهود والنصارى جميعا ؛ فأما اليهود فلأنهم ~~مأمورون بإقامة الأحكام التي لم تنسخ من التوراة ، وبالإيمان بالإنجيل إلى ~~زمن البعثة المحمدية ، وبإقامة أحكام القرآن المهيمن على الكتاب كله ؛ وأما ~~النصارى فلأنهم أعرضوا عن بشارات الإنجيل بمجيء الرسول من بعد عيسى عليهما ~~السلام . # ومعنى { لستم على شيء } نفي أن يكونوا متصفين بشيء من التدين والتقوى لأن ~~خوض الرسول لا يكون إلا في أمر الدين والهدى والتقوى ، فوقع هنا حذف صفة { ~~شيء } يدل عليها المقام على نحو ما في قوله تعالى : { فأردت أن أعيبها وكان ~~وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا } ( الكهف : 79 ) ، أي كل سفينة صالحة ، أو ~~غير معيبة . # والشيء اسم لكل موجود ، فهو اسم متوغل في التنكير صادق بالقليل والكثير ، ~~ويبينه السياق أو القرائن . فالمراد هنا شيء من أمور الكتاب ، ولما وقع في ~~سياق النفي في هذه الآية استفيد نفي أن يكون لهم أقل حظ من الدين والتقوى ~~ما داموا لم يبلغوا الغاية التي ذكرت ، وهي أن يقيموا التوراة والإنجيل ~~والقرآن . والمقصود نفي أن يكون لهم حظ معتد به عند الله ، ومثل هذا النفي ~~على تقدير الإعتداد شائع في الكلام ، قال عباس بن مرداس : # وقد كنت في الحرب ذا تدرإ # فلم أعط شيئا ولم أمنع # أي لم أعط شيئا كافيا ، بقرينة قوله : ولم أمنع . ويقولون : هذا ليس بشيء ~~، مع أنه شيء لا محالة ومشار إليه ولكنهم يريدون أنه غير معتد به ms2348 . ومنه ما ~~وقع في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الكهان ، ~~فقال : ( ليسوا بشيء ) . وقد شاكل هذا النفي على معنى الاعتداد النفي ~~المتقدم في قوله : { وإن لم تفعل فما بلغت رسالاته } ، أي فما بلغت تبليغا ~~معتدا به عند الله . PageV06P265 # والمقصود من الآية إنما هو إقامة التوراة والإنجيل عند مجيء القرآن ~~بالاعتراف بما في التوراة والإنجيل من التبشير بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~حتى يؤمنوا به وبما أنزل عليه . وقد أومأت هذه الآية إلى توغل اليهود في ~~مجانبة الهدى لأنهم قد عطلوا إقامة التوراة منذ عصور قبل عيسى ، وعطلوا ~~إقامة الإنجيل إذ أنكروه ، وأنكروا من جاء به ، ثم أنكروا نبوءة محمد صلى ~~الله عليه وسلم فلم يقيموا ما أنزل إليهم من ربهم . والكلام على إقامة ~~التوراة والإنجيل مضى عند قوله آنفا : { ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل ~~} ( المائدة : 66 ) الخ . # وقد فندت هذه الآية مزاعم اليهود أنهم على التمسك بالتوراة ، وكانوا ~~يزعمون أنهم على هدى ما تمسكوا بالتوراة ولا يتمسكون بغيرها . وعن ابن عباس ~~أنهم جاءوا للنبيء صلى الله عليه وسلم فقالوا : ألست تقر أن التوراة حق ، ~~قال : ( بلى ) ، قالوا : فإنا نؤمن بها ولا نؤمن بما عداها . فنزلت هذه ~~الآية . وليس له سند قوي . وقد قال بعض النصارى للرسول صلى الله عليه وسلم ~~في شأن تمسكهم بالإنجيل مثل قول بعض اليهود ، كما في قصة إسلام عدي بن حاتم ~~، وكما في مجادلة بعض وفد نجران . # وقوله : { وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا } ، أي ~~من أهل الكتاب ، وذلك إما بباعث الحسد على مجيء هذا الدين ونزول القرآن ~~ناسخا لدينهم ، وإما بما في بعض آيات القرآن من قوارعهم وتفنيد مزاعمهم . ~~ولم يزل الكثير منهم إذا ذكروا الإسلام حتى في المباحث التاريخية والمدنية ~~يحتدون على مدنية الإسلام ويقلبون الحقائق ويتميزون غيظا ومكابرة حتى ترى ~~العالم المشهود له منهم يتصاغر ويتسفل إلى دركات التباله والتجاهل ، إلا ~~قليلا ممن اتخذ الإنصاف شعارا ، وتباعد عن أن يرمى بسوءالفهم تجنبا وحذارا ms2349 ~~. PageV06P266 # وقد سمى الله ما يعترضهم من الشجا في حلوقهم بهذا الدين { طغيانا } لأن ~~الطغيان هو الغلو في الظلم واقتحام المكابرة مع عدم الاكتراث بلوم اللائمين ~~من أهل اليقين . # وسلى الله رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله : { فلا تأس على القوم ~~الكافرين } ؛ فالفاء للفصيحة لتتم التسلية ، لأن رحمة الرسول بالخلق تحزنه ~~مما بلغ منهم من زيادة الطغيان والكفر ، فنبهت فاء الفصيحة على أنهم ما ~~بلغوا ما بلغوه إلا من جراء الحسد للرسول فحقيق أن لا يحزن لهم . والأسى ~~الحزن والأسف ، وفعله كفرح . # وذكر لفظ { القوم } وأتبع بوصف { الكافرين } ليدل على أن المراد ~~بالكافرين هم الذين صار الكفر لهم سجية وصفة تتقوم بها قوميتهم . ولو لم ~~يذكر القوم وقال : ( فلا تأس على الكافرين ) لكان بمنزلة اللقب لهم فلا ~~يشعر بالتوصيف ، فكان صادقا بمن كان الكفر غير راسخ فيه بل هو في حيرة ~~وتردد ، فذلك مرجو إيمانه . # # | 2 ( 69 ) { إن الذين ءامنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من ءامن ~~بالله واليوم الاخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون } . ) 2 # موقع هذه الآية دقيق ، ومعناها أدق ، وإعرابها تابع لدقة الأمرين . ~~فموقعها أدق من موقع نظيرتها المتقدمة في سورة البقرة ( 62 ) ، فلم يكن ما ~~تقدم من البيان في نظيرتها بمغن عن بيان ما يختص بموقع هذه . ومعناها يزيد ~~دقة على معنى نظيرتها تبعا لدقة موقع هذه . وإعرابها يتعقد إشكاله بوقوع ~~قوله : { والصابون } بحالة رفع بالواو في حين أنه معطوف على اسم { إن } في ~~ظاهر الكلام . PageV06P267 # فحق علينا أن نخصها من البيان بما لم يسبق لنا مثله في نظيرتها ولنبدأ ~~بموقعها فإنه معقد معناها : # فاعلم أن هذه الجملة يجوز أن تكون استئنافا بيانيا ناشئا على تقدير سؤال ~~يخطر في نفس السامع لقوله : { قل يأهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا ~~التوراة والإنجيل } ( المائدة : 68 ) فيسأل سائل عن حال من انقرضوا من أهل ~~الكتاب قبل مجيء الإسلام : هل هم على شيء أو ليسوا على شيء ، وهل نفعهم ~~اتباع دينهم أيامئذ ؛ فوقع قوله : { إن الذين آمنوا والذين ms2350 هادوا } الآية ~~جوابا لهذا السؤال المقدر . والمراد بالذين آمنوا المؤمنون بالله وبمحمد ~~صلى الله عليه وسلم أي المسلمون . وإنما المقصود من الإخبار الذين هادوا ~~والصابون والنصارى ، وأما التعرض لذكر الذين آمنوا فلاهتمامم بهم سنبينه ~~قريبا . # ويجوز أن تكون هذه الجملة مؤكدة لجملة { ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا ~~} ( المائدة : 65 ) الخ ، فبعد أن أتبعت تلك الجملة بما أتبعت به من الجمل ~~عاد الكلام بما يفيد معنى تلك الجملة تأكيدا للوعد ، ووصلا لربط الكلام ، ~~وليلحق بأهل الكتاب الصابئون ، وليظهر الاهتمام بذكر حال المسلمين في جنات ~~النعيم . # فالتصدير بذكر الذين آمنوا في طالعة المعدودين إدماج للتنويه بالمسلمين ~~في هذه المناسبة ، لأن المسلمين هم المثال الصالح في كمال الإيمان والتحرز ~~عن الغرور وعن تسرب مسارب الشرك إلى عقائدهم ( كما بشر بذلك النبيء صلى ~~الله عليه وسلم في خطبة حجة الوداع بقوله : ( إن الشيطان قد يئس أن يعبد من ~~دون الله في أرضكم هذه ) ) فكان المسلمون ، لأنهم الأوحدون في الإيمان ~~بالله واليوم الآخر والعمل الصالح ، أولين في هذا الفضل . # وأما معنى الآية فافتتاحها بحرف { إن } هنا للاهتمام بالخبر لعرو المقام ~~عن إرادة رد إنكار أو تردد في الحكم أو تنزيل غير المتردد منزلة المتردد . ~~PageV06P268 # وقد تحير الناظرون في الإخبار عن جميع المذكورين بقوله : { من آمن بالله ~~واليوم الآخر } ، إذ من جملة المذكورين المؤمنون ، وهل الإيمان إلا بالله ~~واليوم الآخر ؟ وذهب الناظرون في تأويله مذاهب : فقيل : أريد بالذين آمنوا ~~من آمنوا بألسنتهم دون قلوبهم ، وهم المنافقون ، وقيل : أريد بمن آمن من ~~دام على إيمانه ولم يرتد . وقيل : غير ذلك . # والوجه عندي أن المراد بالذين آمنوا أصحاب الوصف المعروف بالإيمان واشتهر ~~به المسلمون ، ولا يكون إلا بالقلب واللسان لأن هذا الكلام وعد بجزاء الله ~~تعالى ، فهو راجع إلى علم الله ، والله يعلم المؤمن الحق والمتظاهر ~~بالإيمان نفاقا . # فالذي أراه أن يجعل خبر ( إن ) محذوفا . وحذف خبر ( إن ) وارد في الكلام ~~الفصيح غير قليل ، كما ذكر سيبويه في ( كتابه ) . وقد دل على الخبر ما ذكر ~~بعده من ms2351 قوله : { فلا خوف عليهم } إلخ . ويكون قوله : { والذين هادوا } عطف ~~جملة على جملة ، فيجعل { الذين هادوا } مبتدأ ، ولذلك حق رفع ما عطف عليه ، ~~وهو { والصابون } . وهذا أولى من جعل { والصابون } مبدأ الجملة وتقدير خبر ~~له ، أي والصابون كذلك ، كما ذهب إليه الأكثرون لأن ذلك يفضي إلى اختلاف ~~المتعاطفات في الحكم وتشتيتها مع إمكان التفصي عن ذلك ، ويكون قوله : { من ~~آمن بالله } مبتدأ ثانيا ، وتكون ( من ) موصولة ، والرابط للجملة بالتي ~~قبلها محذوفا ، أي من آمن منهم ، وجملة { فلا خوف عليهم ( 1 ) } خبرا عن ( ~~من ) الموصولة ، واقترانها بالفاء لأن الموصول شبيه بالشرط . وذلك كثير في ~~الكلام ، كقوله تعالى : { إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا ~~فلهم عذاب جهنم } ( البروج : 10 ) الآية ، ووجود الفاء فيه يعين كونه خبرا ~~عن ( من ) الموصولة وليس خبر إن على عكس قول ضابي بن الحارث : # ومن يك أمسى بالمدينة رحله # فإني وقبار بها لغريب # فإن وجود لام الابتداء في قوله : ( لغريب ) عين أنه خبر ( إن ) وتقدير ~~خبر عن قبار ، فلا ينظر به قوله تعالى : { والصابون } . PageV06P269 # ومعنى { من آمن بالله واليوم الآخر } من آمن ودام ، وهم الذين لم يغيروا ~~أديانهم بالإشراك وإنكار البعث ؛ فإن كثيرا من اليهود خلطوا أمور الشرك ~~بأديانهم وعبدوا الآلهة كما تقول التوراة . ومنهم من جعل عزيرا ابنا لله ، ~~وإن النصارى ألهوا عيسى وعبدوه ، والصابئة عبدوا الكواكب بعد أن كانوا على ~~دين له كتاب . وقد مضى بيان دينهم في تفسير نظير هذه الآية من سورة البقرة ~~( 62 ) . # ثم إن اليهود والنصارى قد أحدثوا في عقيدتهم من الغرور في نجاتهم من عذاب ~~الآخرة بقولهم : { نحن أبناء الله وأحباؤه } ( المائدة : 18 ) وقولهم { لن ~~تمسنا النار إلا أياما معدودة } ( البقرة : 80 ) ، وقول النصارى : إن عيسى ~~قد كفر خطايا البشر بما تحمله من عذاب الطعن والإهانة والصلب والقتل ، ~~فصاروا بمنزلة من لا يؤمن باليوم الآخر ، لأنهم عطلوا الجزاء وهو الحكمة ~~التي قدر البعث لتحقيقها . # وجمهور المفسرين جعلوا قوله { والصابون } مبتدأ وجعلوه مقدما من وتأخير ~~وقدروا له خبرا محذوفا لدلالة ms2352 خبر ( إن ) عليه ، وأن أصل النظم : أن الذين ~~آمنوا والذين هادوا والنصارى لهم أجرهم إلخ ، والصابون كذلك ، جعلوه كقول ~~ضابي بن الحارث : # فإني وقبار بها لغريب # وبعض المفسرين قدروا تقادير أخرى أنهاها الألوسي إلى خمسة . والذي سلكناه ~~أوضح وأجرى على أسلوب النظم وأليق بمعنى هذه الآية . # وبعد فمما يجب أن يوقن به أن هذا اللفظ كذلك نزل ، وكذلك نطق به النبيء ~~صلى الله عليه وسلم وكذلك تلقاه المسلمون منه وقرؤوه ، وكتب في المصاحف ، ~~وهم عرب خلص ، فكان لنا أصلا نتعرف منه أسلوبا من أساليب استعمال العرب في ~~العطف وإن كان استعمالا غير شائع لكنه من الفصاحة والإيجاز بمكان ، وذلك أن ~~من الشائع في الكلام أنه إذا أتي بكلام موكد بحرف ( إن ) وأتي باسم إن ~~وخبرها وأريد أن يعطفوا على اسمها معطوفا هو PageV06P270 غريب عن ذلك الحكم ~~جيء بالمعطوف الغريب مرفوعا ليدلوا بذلك على أنهم أرادوا عطف الجمل لا عطف ~~المفردات ، فيقدر السامع خبرا يقدره بحسب سياق الكلام . ومن ذلك قوله تعالى ~~: { أن الله بريء من المشركين ورسوله } ( التوبة : 3 ) ، أي ورسوله كذلك ، ~~فإن براءته منهم في حال كونه من ذي نسبهم وصهرهم أمر كالغريب ليظهر منه أن ~~آصرة الدين أعظم من جميع تلك الأواصر ، وكذلك هذا المعطوف هنا لما كان ~~الصابون أبعد عن الهدى من اليهود والنصارى في حال الجاهلية قبل مجيء ~~الإسلام ، لأنهم التزموا عبادة الكواكب ، وكانوا مع ذلك تحق لهم النجاة إن ~~آمنوا بالله واليوم الآخر وعملوا صالحا ، كان الإتيان بلفظهم مرفوعا تنبيها ~~على ذلك . لكن كان الجري على الغالب يقتضي أن لا يؤتى بهذا المعطوف مرفوعا ~~إلا بعد أن تستوفي ( إن ) خبرها ، إنما كان الغالب في كلام العرب أن يؤتى ~~بالاسم المقصود به هذا الحكم مؤخرا ، فأما تقديمه كما في هذه الآية فقد ~~يتراءى للناصر أنه ينافي المقصد الذي لأجله خولف حكم إعرابه ، ولكن هذا ~~أيضا استعمال عزيز ، وهو أن يجمع بين مقتضيي حالين ، وهما للدلالة على ~~غرابة المخبر عنه في هذا الحكم . والتنبيه على تعجيل الإعلام ms2353 بهذا الخبر ~~فإن الصابئين يكادون ييأسون من هذا الحكم أو ييأس منهم من يسمع الحكم على ~~المسلمين واليهود . فنبه الكل على أن عفو الله عظيم لا يضيق عن شمولهم ، ~~فهذا موجب التقديم مع الرفع ، ولو لم يقدم ما حصل ذلك الاعتبار ، كما أنه ~~لو لم يرفع لصار معطوفا على اسم ( إن ) فلم يكن عطفه عطف جملة . وقد جاء ~~ذكر الصابين في سورة الحج مقدما على النصارى ومنصوبا ، فحصل هناك مقتضى حال ~~واحدة وهو المبادرة بتعجيل الإعلام بشمول فصل القضاء بينهم وأنهم أمام عدل ~~الله يساوون غيرهم . ثم عقب ذلك كله بقوله : { وعمل صالحا } ، وهو المقصود ~~بالذات من ربط السلامة من الخوف والحزن ، به ، فهو قيد في المذكورين كلهم ~~من المسلمين وغيرهم ، وأول الأعمال الصالحة تصديق الرسول والإيمان بالقرآن ~~، ثم يأتي PageV06P271 امتثال الأوامر واجتناب المنهيات كما قال تعالى : { ~~وما أدراك ما العقبة إلى قوله ثم كان من الذين آمنوا } ( البلد : 12 17 ) . # $ 2 ( 70 ) { لقد أخذنا ميثاق بنى & # 1764 إسراءيل وأرسلنآ إليهم رسلا كلما جآءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم ~~فريقا كذبوا وفريقا يقتلون } . ) 2 $ # استئناف عاد به الكلام على أحوال اليهود وجراءتهم على الله وعلى رسله . ~~وذلك تعريض باليأس من هديهم بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وبأن ما ~~قابلوا به دعوته ليس بدعا منهم بل ذلك دأبهم جيلا بعد جيل . # وقد تقدم الكلام على أخذ الميثاق على اليهود غير مرة . أولاها في سورة ~~البقرة ( 83 ) . # والرسل الذين أرسلوا إليهم هم موسى وهارون ومن جاء بعدهما مثل يوشع بن ~~نون وأشعيا وأرميا وحزقيال وداوود وعيسى . فالمراد بالرسل هنا الأنبياء : ~~من جاء منهم بشرع وكتاب ، مثل موسى وداوود وعيسى ، ومن جاء معززا للشرع ~~مبينا له ، مثل يوشع وأشعيا وأرميا . وإطلاق الرسول على النبيء الذي لم ~~يجىء بشريعة إطلاق شائع في القرآن كما تقدم ، لأنه لما ذكر أنهم قتلوا ~~فريقا من الرسل تعين تأويل الرسل بالأنبياء فإنهم ما قتلوا إلا أنبياء لا ~~رسلا . # وقوله : { كلما جاءهم رسول بما لا تهوى ms2354 أنفسهم فريقا كذبوا } إلخ انتصب { ~~كلما } على الظرفية ، لأنه دال على استغراق أزمنة مجيء الرسل إليهم فيدل ~~على استغراق الرسل تبعا لاستغراق أزمنة مجيئهم ، إذ استغراق أزمنة وجود شيء ~~يستلزم استغراق أفراد ذلك الشيء ، فما ظرفية مصدرية دالة على الزمان . # وانتصب ( كل ) على النيابة عن الزمان لإضافته إلى اسم الزمان المبهم ، ~~وهو PageV06P272 ( ما ) الظرفية المصدرية . والتقدير : في كل أوقات مجيء ~~الرسل إليهم كذبوا ويقتلون . وانتصب { كلما } بالفعلين وهو { كذبوا } و { ~~يقتلون } على التنازع . # وتقديم { كلما } على العامل استعمال شائع لا يكاد يتخلف ، لأنهم يريدون ~~بتقديمه الاهتمام به ، ليظهر أنه هو محل الغرض المسوقة له جملته ، فإن ~~استمرار صنيعهم ذلك مع جميع الرسل في جميع الأوقات دليل على أن التكذيب ~~والقتل صارا سجيتين لهم لا تتخلفان ، إذ لم ينظروا إلى حال رسول دون آخر ~~ولا إلى زمان دون آخر ، وذلك أظهر في فظاعة حالهم ، وهي المقصود هنا . # وبهذا التقديم يشرب ظرف { كلما } معنى الشرطية فيصير العامل فيه بمنزلة ~~الجواب له ، كما تصير أسماء الشرط متقدمة على أفعالها وأجوبتها في نحو { ~~أينما تكونوا يدرككم الموت } ( النساء : 78 ) . إلا أن { كلما } لم يسمع ~~الجزم بعدها ولذلك لم تعد في أسماء الشرط لأن ( كل ) بعيد عن معنى الشرطية ~~. والحق أن إطلاق الشرط عليها في كلام بعض النحاة تسامح . وقد أطلقه صاحب ( ~~الكشاف ) في هذه الآية ، لأنه لم يجد لها سببا لفظيا يوجب تقديمها بخلاف ما ~~في قوله تعالى : { أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم في سورة ~~البقرة : ( 87 ) ، وفي قوله : أو كلما عاهدوا عهدا نبذة فريق منهم ( 100 ) ~~في تلك السورة ، فإن التقديم فيهما تبع لوقوعهما متصلتين بهمزة الاستفهام ~~كما ذكرناه هنالك ، وإن كان قد سكت عليهما في الكشاف } لظهور أمرهما في ~~تينك الآيتين . # فالأحسن أن تكون جملة { فريقا كذبوا } حالا من ضمير { إليهم } لاقترانها ~~بضمير موافق لصاحب الحال ، ولأن المقصود من الخبر تفظيع حال بني إسرائيل في ~~سوء معاملتهم لهداتهم ، وذلك لا يحصل إلا باعتبار كون المرسل إليهم هذه ~~حالهم مع ms2355 رسلهم . وليست جملة { فريقا كذبوا } وما تقدمها من متعلقها ~~استئنافا ، إذ ليس المقصود الإخبار بأن الله أرسل إليهم رسلا بل بمدلول هذا ~~الحال . # وبهذا يظهر لك أن التقسيم في قوله : { فريقا كذبوا وفريقا يقتلون } ليس ~~لرسول من قوله : { كلما جاءهم رسول } بل ل { رسلا } ، لأننا اعتبرنا قوله : ~~{ كلما جاءهم PageV06P273 رسول } مقدما من تأخير . والتقدير : وأرسلنا ~~إليهم رسلا كذبوا منهم فريقا وقتلوا فريقا كلما جاءهم رسول من الرسل . ~~وبهذا نستغني عن تكلفات وتقدير في نظم الآية الآتي على أبرع وجوه الإيجاز ~~وأوضح المعاني . # وقوله : { بما لا تهوى أنفسهم } أي بما لا تحبه . يقال : هوي يهوى بمعنى ~~أحب ومالت نفسه إلى ملابسة شيء . إن بعثة الرسل القصد منها كبح الأنفس عن ~~كثير من هواها الموقع لها في الفساد عاجلا والخسران آجلا ، ولولا ذلك لترك ~~الناس وما يهوون ، فالشرائع مشتملة لا محالة على كثير من منع النفوس من ~~هواها . ولما وصفت بنو إسرائيل بأنهم يكذبون الرسل ويقتلونهم إذا جاؤوهم ~~بما يخالف هواهم علمنا أنه لم يخل رسول جاءهم من أحد الأمرين أو كليهما : ~~وهما التكذيب والقتل . وذلك مستفاد من { كلما جاءهم رسول } ، فلم يبق لقوله ~~: { بما لا تهوى أنفسهم } فائدة إلا الإشارة إلى زيادة تفظيع حالهم من أنهم ~~يكذبون الرسل أو يقتلونهم في غير حالة يلتمسون لأنفسهم فيها عذرا من تكليفف ~~بمشقة فادحة ، أو من حدوث حادثث ثائرة ، أو من أجل التمسك بدين يأبون ~~مفارقته ، كما فعل المشركون من العرب في مجيء الإسلام ، بل لمجرد مخالفة ~~هوى أنفسهم بعد أن أخذ عليهم الميثاق فقبلوه فتتعطل بتمردهم فائدة التشريع ~~وفائدة طاعة الأمة لهداتها . # وهذا تعليم عظيم من القرآن بأن من حق الأمم أن تكون سائرة في طريق إرشاد ~~علمائها وهداتها ، وأنها إذا رامت حمل علمائها وهداتها على مسايرة أهوئها ، ~~بحيث يعصون إذا دعوا إلى ما يخالف هوى الأقوام فقد حق عليهم الخسران كما حق ~~على بني إسرائيل ، لأن في ذلك قلبا للحقائق ومحاولة انقلاب التابع متبوعا ~~والقائد مقودا ، وأن قادة الأمم وعلماءها ونصحاءها إذا ms2356 سايروا الأمم على ~~هذا الخلق كانوا غاشين لهم ، وزالت فائدة علمهم وحكمتهم واختلط المرعي ~~بالهمل والحابل بالنابل ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من ~~استرعاه الله رعية فغشها لم يشم رائحة الجنة ) . فالمشركون من العرب أقرب ~~إلى المعذرة لأنهم قابلوا الرسول من أول وهلة PageV06P274 بقولهم : { إنا ~~وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون } ( الزخرف : 22 ) ، وقال قوم ~~شعيب { أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا } ( هود : 87 ) ، بخلاف ~~اليهود آمنوا برسلهم ابتداء ثم انتقضوا عليهم بالتكذيب والتقتيل إذا حملوهم ~~على ما فيه خيرهم مما لا يهوونه . # وتقديم المفعول في قوله : { فريقا كذبوا } لمجرد الاهتمام بالتفصيل لأن ~~الكلام مسوق مساق التفصيل لأحوال رسل بني إسرائيل باعتبار ما لاقوه من ~~قومهم ، ولأن في تقديم مفعول { يقتلون } رعاية على فاصلة الآي ، فقدم مفعول ~~{ كذبوا } ليكون المفعولان على وتيرة واحدة . وجيء في قوله : { يقتلون } ~~بصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية لاستحضار تلك الحالة الفظيعة إبلاغا في ~~التعجيب من شناعة فاعليها . # والضمائر كلها راجعة إلى بني إسرائيل باعتبار أنهم أمة يخلف بعض أجيالها ~~بعضا ، وأنها رسخت فيها أخلاق متماثلة وعوائد متبعة بحيث يكون الخلف منهم ~~فيها على ما كان عليه السلف ؛ فلذلك أسندت الأفعال الواقعة في عصور متفاوتة ~~إلى ضمائرهم مع اختلاف الفاعلين ، فإن الذين قتلوا بعض الأنبياء فريق غير ~~الذين اقتصروا على التكذيب . # $ 2 ( 71 ) { وحسبو & # 1764 ا ألا تكون فتنة فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا كثير ~~منهم والله بصير بما يعملون } . ) 2 $ # عطف على قوله : { كذبوا } ( المائدة : 70 ) و { يقتلون } ( المائدة : 70 ~~) لبيان فساد اعتقادهم الناشيء عنه فاسد أعمالهم ، أي فعلوا ما فعلوا من ~~الفظائع عن تعمد بغرور ، لا عن فلتة أو ثائرة نفس حتى ينيبوا ويتوبوا . ~~والضمائر البارزة عائدة مثل الضمائر المتقدمة في قوله { كذبوا } و { يقتلون ~~} . وظنوا أن فعلهم لا تلحقهم منه فتنة . PageV06P275 # والفتنة مرج أحوال الناس واضطراب نظامهم من جراء أضرار ومصائب متوالية ، ~~وقد تقدم تحقيقها عند قوله : { إنما نحن فتنة في سورة البقرة ms2357 ( 102 ) . وهي ~~قد تكون عقابا من الله للناس جزاء عن سوء فعلهم أو تمحيصا لصادق إيمانهم ~~لتعلو بذلك درجاتهم إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات } ( البروج : 10 ) ~~الآية . وسمى القرآن هاروت وماروت فتنة ، وسمى النبيء صلى الله عليه وسلم ~~الدجال فتنة ، وسمى القرآن مزال الشيطان فتنة { لا يفتننكم الشيطان } ( ~~الأعراف : 27 ) . فكان معنى الابتلاء ملازما لها . # والمعنى : وظنوا أن الله لا يصيبهم بفتنة في الدنيا جزاء على ما عاملوا ~~به أنبياءهم ، فهنالك مجرور مقدر دال عليه السياق ، أي ظنوا أن لا تنزل بهم ~~مصائب في الدنيا فأمنوا عقاب الله في الدنيا بعد أن استخفوا بعذاب الآخرة ، ~~وتوهموا أنهم ناجون منه ، لأنهم أبناء الله وأحباؤه ، وأنهم لن تمسهم النار ~~إلا أياما معدودة . # فمن بديع إيجاز القرآن أن أومأ إلى سوء اعتقادهم في جزاء الآخرة وأنهم ~~نبذوا الفكرة فيه ظهريا وأنهم لا يراقبون الله في ارتكاب القبائح ، وإلى ~~سوء غفلتهم عن فتنة الدنيا وأنهم ضالون في كلا الأمرين . # ودل قوله : { وحسبوا أن لا تكون فتنة } على أنهم لو لم يحسبوا ذلك ~~لارتدعوا ، لأنهم كانوا أحرص على سلامة الدنيا منهم على السلامة في الآخرة ~~لانحطاط إيمانهم وضعف يقينهم . وهذا شأن الأمم إذا تطرق إليها الخذلان أن ~~يفسد اعتقادهم ويختلط إيمانهم ويصير همهم مقصورا على تدبير عاجلتهم ، فإذا ~~ظنوا استقامة العاجلة أغمضوا أعينهم عن الآخرة ، فتطلبوا السلامة من غير ~~أسبابها ، فأضاعوا الفوز الأبدي وتعلقوا بالفوز العاجل فأساؤوا العمل ~~فأصابهم العذابان العاجل بالفتنة والآجل . # واستعير { عموا وصموا } للإعراض عن دلائل الرشاد من رسلهم وكتبهم ~~PageV06P276 لأن العمى والصمم يوقعان في الضلال عن الطريق وانعدام استفادة ~~ما ينفع . فالجمع بين العمى والصمم جمع في الاستعارة بين أصناف حرمان ~~الانتفاع بأفضلل نافع ، فإذا حصل الإعراض عن ذلك غلب الهوى على النفوس ، ~~لأن الانسياق إليه في الجبلة ، فتجنبه محتاج إلى الوازع ، فإذا انعدم ~~الوازع جاء سوء الفعل ، ولذلك كان قوله : { فعموا وصموا } مرادا منه معناه ~~الكنائي أيضا ، وهو أنهم أساءوا الأعمال وأفسدوا ، فلذلك استقام أن يعطف ~~عليه قوله { ثم تاب ms2358 الله عليهم } . وقد تأكد هذا المراد بقوله في تذييل ~~الآية { والله بصير بما يعملون } . # وقوله : { ثم تاب الله عليهم } أي بعد ذلك الضلال والإعراض عن الرشد وما ~~أعقبه من سوء العمل والفساد في الأرض . وقد استفيد من قوله : { أن لا تكون ~~فتنة } وقوله : { ثم تاب الله عليهم } أنهم قد أصابتهم الفتنة بعد ذلك ~~العمى والصمم وما نشأ عنها عقوبة لهم ، وأن الله لما تاب عليهم رفع عنهم ~~الفتنة ، { ثم عموا وصموا } ، أي عادوا إلى ضلالهم القديم وعملهم الذميم ، ~~لأنهم مصرون على حسبان أن لا تكون فتنة فأصابتهم فتنة أخرى . # وقد وقف الكلام عند هذا العمى والصمم الثاني ولم يذكر أن الله تاب عليهم ~~بعده ، فدل على أنهم أعرضوا عن الحق إعراضا شديدا مرة ثانية فأصابتهم فتنة ~~لم يتب الله عليهم بعدها . # ويتعين أن ذلك إشارة إلى حادثين عظيمين من حوادث عصور بني إسرائيل بعد ~~موسى عليه السلام ، والأظهر أنهما حادث الأسر البابلي إذ سلط الله عليهم ( ~~بخنتصر ) ملك ( أشور ) فدخل بيت المقدس مرات سنة 606 وسنة 598 وسنة 588 قبل ~~المسيح . وأتى في ثالثتها على مدينة أورشليم فأحرقها وأحرق المسجد وحمل ~~جميع بني إسرائيل إلى بابل أسارى ، وأن توبة الله عليهم كان مظهرها حين غلب ~~( كورش ) ملك ( فارس ) على الأشوريين واستولى على بابل سنة 530 قبل المسيح ~~فأذن لليهود أن يرجعوا إلى بلادهم ويعمروها فرجعوا وبنوا مسجدهم . ~~PageV06P277 # وحادث الخراب الواقع في زمن ( تيطس ) القائد الروماني ( وهو ابن ~~الأنبراطور الروماني ( وسبسيانوس ) فإنه حاصر ( أورشليم ) حتى اضطر اليهود ~~إلى أكل الجلود وأن يأكل بعضهم بعضا من الجوع ، وقتل منهم ألف ألفف رجلل ، ~~وسبى سبعة وتسعين ألفا ، على ما في ذلك من مبالغة ، وذلك سنة 69 للمسيح . ~~ثم قفاه الأنبراطور ( أدريان ) الروماني من سنة 117 إلى سنة 138 للمسيح ~~فهدم المدينة وجعلها أرضا وخلط ترابها بالملح . فكان ذلك انقراض دولة ~~اليهود ومدينتهم وتفرقهم في الأرض . # وقد أشار القرآن إلى هذين الحديثين بقوله : { وقضينا إلى بني إسرائيل في ~~الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن ms2359 علوا كبيرا فإذا جاء وعد أولاهما ~~بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأسس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا ~~ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموالل وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا إن ~~أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم ~~وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا عسى ربكم أن ~~يرحمكم } ( الإسراء : 4 8 ) وهذا هو الذي اختاره القفال . وفي الآية أقوال ~~أخر استقصاها الفخر . # وقد دلت { م } على تراخي الفعلين المعطوفين بها عن الفعلين المعطوف ~~عليهما وأن هنالك عميينن وصممينن في زمنين سابقق ولاحقق ، ومع ذلك كانت ~~الضمائر المتصلة بالفعلين المعطوفين عين الضمائر المتصلة بالفعلين المعطوف ~~عليهما ، والذي سوغ ذلك أن المراد بيان تكرر الأفعال في العصور وادعاء أن ~~الفاعل واحد ؛ لأن ذلك شأن الأخبار والصفات المثبتة للأمم والمسجل بها ~~عليهم توارث السجايا فيهم من حسن أو قبيح ، وقد علم أن الذين عموا ~~PageV06P278 وصموا ثانية غير الذين عموا وصموا أول مرة ، ولكنهم لما كانوا ~~خلفا عن سلف ، وكانوا قد أورثوا أخلاقهم أبناءهم اعتبروا كالشيء الواحد ، ~~كقولهم : بنو فلان لهم ترات مع بني فلان . # وقوله : { كثير منهم } بدل من الضمير في قوله : { ثم عموا وصموا } ، قصد ~~منه تخصيص أهل الفضل والصلاح منهم في كل عصر بأنهم برآء مما كان عليه ~~دهماؤهم صدعا بالحق وثناء على الفضل . # وإذ قد كان مرجع الضميرين الأخيرين في قوله : { ثم عموا وصموا } هو عين ~~مرجع الضميرين الأولين في قوله : { فعموا وصموا } كان الإبدال من الضميرين ~~الأخيرين المفيد تخصيصا من عمومهما ، مفيدا تخصيصا من عموم الضميرين الذين ~~قبلهما بحكم المساواة بين الضمائر ، إذ قد اعتبرت ضمائر أمة واحدة ، فإن ~~مرجع تلك الضمائر هو قوله { بني إسرائيل } ( المائدة : 70 ) . ومن الضروري ~~أنه لا تخلوا أمة ضالة في كل جيل من وجود صالحين فيها ، فقد كان في ~~المتأخرين منهم أمثال عبد الله بن سلام ، وكان في المتقدمين يوشع وكالب ~~اللذين قال الله في شأنها { قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ms2360 ~~ادخلوا عليهم الباب } ( المائدة : 23 ) . # وقوله : { والله بصير بما يعملون } تذييل . والبصير مبالغة في المبصر ، ~~كالحكيم بمعنى المحكم ، وهو هنا بمعنى العليم بكل ما يقع في أفعالهم التي ~~من شأنها أن يبصرها الناس سواء ما أبصره الناس منها أم ما لم يبصروه ، ~~والمقصود من هذا الخبر لازم معناه ، وهو الإنذار والتذكير بأن الله لا يخفى ~~عليه شيء ، فهو وعيد لهم على ما ارتكبوه بعد أن تاب الله عليهم . # وقرأ نافع ، وابن كثير ، وابن عامر ، وعاصم ، وأبو جعفر { أن لا تكون } ~~بفتح نون تكون على اعتبار ( أن ) حرف مصدر ناصب للفعل . وقرأ أبو عمرو ، ~~وحمزة ، ويعقوب ، وخلف بضم النون على اعتبار ( أن ) مخففة من ( أن ) أخت ( ~~إن ) المكسورة الهمزة ، وأن إذا خففت يبطل عملها المعتاد وتصير داخلة على ~~جملة . وزعم بعض النحاة أنها مع ذلك عاملة ، وأن اسمها ملتزم الحذف ، وأن ~~خبرها ملتزم كونه جملة . PageV06P279 وهذا توهم لا دليل عليه . وزاد بعضهم ~~فزعم أن اسمها المحذوف ضمير الشأن . وهذا أيضا توهم على توهم وليس من شأن ~~ضمير الشأن أن يكون محذوفا لأنه مجتلب للتأكيد ، على أن عدم ظهوره في أي ~~استعمال يفند دعوى تقديره . # $ 2 ( 72 ) { لقد كفر الذين قالو & # 1764 ا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يابنى & # 1764 إسراءيل اعبدوا الله ربى وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه ~~الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار } . ) 2 $ # استئناف ابتدائي لإبطال ما عليه النصارى ، يناسب الانتهاء من إبطال ما ~~عليه اليهود . # وقد مضى القول آنفا في نظير قوله { لقد كفر الذين قالوا إن الله هو ~~المسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله شيئا } ( المائدة : 17 ) ومن نسب إليه ~~هذا القول من طوائف النصارى . # والواو في قوله { وقال المسيح } واو الحال . والجملة حال من { الذين ~~قالوا إن الله هو المسيح } ، أي قالوا ذلك في حال نداء المسيح لبني إسرائيل ~~بأن الله ربه وربهم ، أي لا شبهة لهم ، فهم قالوا : إن الله اتحد بالمسيح ؛ ~~في حال أن ms2361 المسيح الذي يزعمون أنهم آمنوا به والذي نسبوه إليه قد كذبهم ، ~~لأن قوله : { ربي وربكم } ، يناقض قولهم : { إن الله هو المسيح } ، لأنه لا ~~يكون إلا مربوبا ، وذلك مفاد قوله : { ربي } ، ولأنه لا يكون مع الله إله ~~آخر ، وذلك مفاد قوله { وربكم } ، ولذلك عقب بجملة { إنه من يشرك بالله فقد ~~حرم الله عليه الجنة } . فيجوز أن تكون هذه الجملة حكاية لكلام صدر من عيسى ~~عليه السلام فتكون تعليلا للأمر بعبادة الله . ووقوع ( إن ) في مثل هذا ~~المقام تغني غناء فاء التفريع وتفيد التعليل . وفي حكايته تعريض بأن قولهم ~~ذلك قد أوقعهم في الشرك وإن كانوا يظنون أنهم اجتنبوه حذرا من الوقوع فيما ~~حذر منه PageV06P280 المسيح ، لأن الذين قالوا : إن الله هو المسيح . ~~أرادوا الاتحاد بالله وأنه هو هو . وهذا قول اليعاقبة كما تقدم آنفا ، وفي ~~سورة النساء . وذلك شرك لا محالة ، بل هو أشد ، لأنهم أشركوا مع الله غيره ~~ومزجوه به فوقعوا في الشرك وإن راموا تجنب تعدد الآلهة ، فقد أبطل الله ~~قولهم بشهادة كلام من نسبوا إليه الإلهية إبطالا تاما . # وإن كانت الجملة من كلام الله تعالى فهو تذييل لإثبات كفرهم وزيادة تنبيه ~~على بطلان معتقدهم وتعريض بهم بأنهم قد أشركوا بالله من حيث أرادوا التوحيد ~~. والضمير المقترن بإن ضمير الشأن يدل على العناية بالخبر الوارد بعده . ~~ومعنى { حرم الله عليه الجنة } منعها منه ، أي من الكون فيها . # والمأوى : المكان الذي يأوى إليه الشيء ، أي يرجع إليه . # وجملة { وما للظالمين من أنصار } يحتمل أيضا أن تكون من كلام المسيح عليه ~~السلام على احتمال أن يكون قوله : { إنه من يشرك بالله } من كلامه ، ويحتمل ~~أن تكون من كلام الله تعالى تذييلا لكلام المسيح على ذلك الاحتمال ، أو ~~تذييلا لكلام الله تعالى على الاحتمال الآخر . والمراد بالظالمين المشركون ~~{ إن الشرك لظلم عظيم } ( لقمان : 13 ) ، أي ما للمشركين من أنصار ينصرونهم ~~لينقذوهم من عذاب النار . # فالتقدير : ومأواه النار لا محالة ولا طمع له في التخلص منه بواسطة نصير ~~، فبالأحرى أن لا يتخلص بدون ms2362 نصير . # $ 2 ( 73 ، 74 ) { لقد كفر الذين قالو & # 1764 ا إن الله ثالث ثلاثة وما من إلاه إلا إلاه واحد وإن لم ينتهوا عما ~~يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم * أفلا يتوبون إلى الله ~~ويستغفرونه والله غفور رحيم } . ) 2 $ # استئناف قصد منه الانتقال إلى إبطال مقالة أخرى من مقالات طوائف ~~PageV06P281 النصارى ، وهي مقالة ( الملكانية المسمين بالجعاثليقية ) ، ~~وعليها معظم طوائف النصارى في جميع الأرض . وقد تقدم بيانها عند قوله تعالى ~~: { فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة من سورة النساء ( 171 ) ، وأن ~~قوله فيها ولا تقولوا ثلاثة } يجمع الرد على طوائف النصارى كلهم . والمراد ~~ب { قالوا } اعتقدوا فقالوا ، لأن شأن القول أن يكون صادرا على اعتقاد ، ~~وقد تقدم بيان ذلك . # ومعنى قولهم : { إن الله ثالث ثلاثة } أن ما يعرفه الناس أنه الله هو ~~مجموع ثلاثة أشياء ، وأن المستحق للاسم هو أحد تلك الثلاثة الأشياء . وهذه ~~الثلاثة قد عبروا عنها بالأقانيم وهي : أقنوم الوجود ، وهو الذات المسمى ~~الله ، وسموه أيضا الأب ؛ وأقنوم العلم ، وسموه أيضا الابن ، وهو الذي اتحد ~~بعيسى وصار بذلك عيسى إلها ؛ وأقنوم الحياة وسموه الروح القدس . وصار ~~جمهورهم ، ومنهم الركوسية طائفة من نصارى العرب ، يقولون : إنه لما اتحد ~~بمريم حين حملها بالكلمة تألهت مريم أيضا ، ولذلك اختلفوا هل هي أم الكلمة ~~أم هي أم الله . # فقوله : { ثالث ثلاثة } معناه واحد من تلك الثلاثة ، لأن العرب تصوغ من ~~اسم العدد من اثنين إلى عشرة ، صيغة فاعل مضافا إلى اسم العدد المشتق هو ~~منه لإرادة أنه جزء من ذلك العدد نحو { ثاني اثنين } ( التوبة : 40 ) ، فإن ~~أرادوا أن المشتق له وزن فاعل هو الذي أكمل العدد أضافوا وزن فاعل إلى اسم ~~العدد الذي هو أرقى منه فقالوا : رابع ثلاثة ، أي جاعل الثلاثة أربعة . # وقوله : { وما من إله إلا إله واحد } عطف على جملة { لقد كفر } لبيان ~~الحق في الإعتقاد بعد ذكر الإعتقاد الباطل . # ويجوز جعل الجملة حالا من ضمير { قالوا } ، أي قالوا هذا القول في حال ~~كونه مخالفا للواقع ، فيكون كالتعليل ms2363 لكفرهم في قولهم ذلك ، ومعناه على ~~الوجهين نفي عن الإله الحق أن يكون غير واحد فإن ( من ) لتأكيد عموم النفي ~~فصار النفي ب { ما } المقترنة بها مساويا للنفي ب ( لا ) النافية للجنس في ~~الدلالة على نفي الجنس نصا . PageV06P282 # وعدل هنا عن النفي بلا التبرئة فلم يقل ( ولا إله إلا إله واحد ) إلى ~~قوله : { وما من إله إلا إله واحد } اهتماما بإبراز حرف ( من ) الدال بعد ~~النفي على تحقيق النفي ، فإن النفي بحرف ( لا ) ما أفاد نفي الجنس إلا ~~بتقدير حرف ( من ) ، فلما قصدت زيادة الاهتمام بالنفي هنا جيء بحرف ( ما ) ~~النافية وأظهر بعده حرف ( من ) . وهذا مما لم يتعرض إليه أحد من المفسرين . # وقوله : { إلا إله واحد } يفيد حصر وصف الإلهية في واحد فانتفى التثليث ~~المحكي عنهم . وأما تعيين هذا الواحد من هو ، فليس مقصودا تعيينه هنا لأن ~~القصد إبطال عقيدة التثليث فإذا بطل التثليث ، وثبتت الوحدانية تعين أن هذا ~~الواحد هو الله تعالى لأنه متفق على إلهيته ، فلما بطلت إلهية غيره معه ~~تمحضت الإلهية له فيكون قوله هنا { وما من إله إلا إله واحد مساويا لقوله ~~في سورة آل عمران ( 62 ) وما من إله إلا الله } ، إلا أن ذكر اسم الله تقدم ~~هنا وتقدم قول المبطلين ( إنه ثالث ثلاثة ) فاستغني بإثبات الوحدانية عن ~~تعيينه . ولهذا صرح بتعيين الإله الواحد في سورة آل عمران ( 62 ) في قوله ~~تعالى : { وما من إله إلا الله } إذ المقام اقتضى تعيين انحصار الإلهية في ~~الله تعالى دون عيسى ولم يجر فيه ذكر لتعدد الآلهة . # وقوله : { وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم } ~~عطف على جملة { لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة } ، أي لقد كفروا ~~كفرا إن لم ينتهوا عنه أصابهم عذاب أليم . ومعنى { عما يقولون } أي عن ~~قولهم المذكور آنفا وهو { إن الله ثالث ثلاثة } . وقد جاء بالمضارع لأنه ~~المناسب للانتهاء إذ الانتهاء إنما يكون عن شيء مستمر كما ناسب قوله { ~~قالوا } قوله { لقد كفر } ، لأن الكفر حصل ms2364 بقولهم ذلك ابتداء من الزمن ~~الماضي . ومعنى { عما يقولون } عما يعتقدون ، لأنهم لو انتهوا عن القول ~~باللسان وأضمروا اعتقاده لما نفعهم ذلك ، فلما كان شأن القول لا يصدر إلا ~~عن اعتقاد كان صالحا لأن يكون كناية عن الإعتقاد مع معناه الصريح . وأكد ~~الوعيد بلام القسم في قوله { ليمسن } ردا لاعتقادهم أنهم لا تمسهم النار ، ~~لأن صلب عيسى كان كفارة عن خطايا بني آدم . PageV06P283 # والمس مجاز في الإصابة ، لأن حقيقة المس وضع اليد على الجسم ، فاستعمل في ~~الإصابة بجامع الاتصال ، كقوله تعالى : { والذين كذبوا بآياتنا يمسهم ~~العذاب بما كانوا يفسقون } ( الأنعام : 49 ) ، فهو دال على مطلق الإصابة من ~~غير تقييد بشدة أو ضعف ، وإنما يرجع في الشدة أو الضعف إلى القرينة ، مثل { ~~أليم } هنا ، ومثل قوله { بما كانوا يفسقون } ( الأنعام : 49 ) في الآية ~~الأخرى ، وقال يزيد بن الحكم الكلابي من شعراء الحماسة : # مسسنا من الآباء شيئا وكلنا # إلى حسب في قومه غير واضع # أي تتبعنا أصول آبائنا . # والمراد ب { الذين كفروا } عين المراد ب { الذين قالوا إن الله ثالث ~~ثلاثة } فعدل عن التعبير عنهم بضميرهم إلى الصلة المقررة لمعنى كفرهم ~~المذكور آنفا بقوله : { لقد كفر الذين قالوا } إلخ ، لقصد تكرير تسجيل ~~كفرهم وليكون اسم الموصول مومئا إلى سبب الحكم المخبر به عنه . وعلى هذا ~~يكون قوله { منهم } بيانا للذين كفروا قصد منه الاحتراس عن أن يتوهم السامع ~~أن هذا وعيد لكفار آخرين . # ولما توعدهم الله أعقب الوعيد بالترغيب في الهداية فقال : { أفلا يتوبون ~~إلى الله ويستغفرونه } . فالتوبة هي الإقلاع عما هو عليه في المستقبل ~~والرجوع إلى الإعتقاد الحق . والاستغفار طلب مغفرة ما سلف منهم في الماضي ~~والندم عما فرط منهم من سوء الإعتقاد . # وقوله { والله غفور رحيم } تذييل بثناء على الله بأنه يغفر لمن تاب ~~واستغفر ما سلف منه ، لأن { غفور رحيم } من أمثلة المبالغة يدلان على شدة ~~الغفران وشدة الرحمة ، فهو وعد بأنهم إن تابوا واستغفروه رفع عنهم العذاب ~~برحمته وصفح عما سلف منهم بغفرانه . # # | 2 ( 75 ) { ما المسيح ابن ms2365 مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ~~PageV06P284 وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الايات ثم ~~انظر أنى يؤفكون } . ) 2 # استئناف لتبيان وصف المسيح في نفس الأمر ووصفف أمه زيادة في إبطال معتقد ~~النصارى إلهية المسيح وإلهية أمه ، إذ قد علم أن قولهم { إن الله ثالث ~~ثلاثة } ( المائدة : 73 ) أرادوا به إلهية المسيح . وذلك معتقد جميع ~~النصارى . وفرعت طائفة من النصارى يلقبون ( بالركوسية ) ( وهم أهل ملة ~~نصرانية صابئة ) على إلهية عيسى إلهية أمه ولولا أن ذلك معتقدهم لما وقع ~~التعرض لوصف مريم ولا للاستدلال على بشريتها بأنهما كانا يأكلان الطعام . # فقوله : { ما المسيح ابن مريم إلا رسول } قصر موصوفف على صفة ، وهو قصر ~~إضافي ، أي المسيح مقصور على صفة الرسالة لا يتجاوزها إلى غيرها ، وهي ~~الإلهية . فالقصر قصر قلب لرد اعتقاد النصارى أنه الله . # وقوله : { قد خلت من قبله الرسل } صفة لرسول أريد بها أنه مساو للرسل ~~الآخرين الذين مضوا قبله ، وأنه ليس بدعا في هذا الوصف ولا هو مختص فيه ~~بخصوصية لم تكن لغيره في وصف الرسالة ، فلا شبهة للذين ادعوا له الإلهية ، ~~إذ لم يجىء بشيء زائد على ما جاءت به الرسل ، وما جرت على يديه إلا معجزات ~~كما جرت على أيدي رسل قبله ، وإن اختلفت صفاتها فقد تساوت في أنها خوارق ~~عادات وليس بعضها بأعجب من بعض ، فما كان إحياؤه الموتى بحقيق أن يوهم ~~إلهيته . وفي هذا نداء على غباوة القوم الذين استدلوا على إلهيته بأنه أحيا ~~الموتى من الحيوان فإن موسى أحيا العصا وهي جماد فصارت حية . # وجملة { وأمه صديقة } معطوفة على جملة { ما المسيح ابن مريم إلا رسول } . ~~والقصد من وصفها بأنها صديقة نفي أن يكون لها وصف أعلى من ذلك ، وهو ~~PageV06P285 وصف الإلهية ، لأن المقام لإبطال قول الذين قالوا إن الله ثالث ~~ثلاثة ، إذ جعلوا مريم الأقنوم الثالث . وهذا هو الذي أشار إليه قول صاحب ( ~~الكشاف ) إذ قال ( أي وما أمه إلا صديقة ) مع أن الجملة لا تشتمل على صيغة ~~حصر ms2366 . وقد وجهه العلامة التفتزاني في ( شرح الكشاف ) بقوله : ( الحصر الذي ~~أشار إليه مستفاد من المقام والعطف ) ( أي من مجموع الأمرين ) . وفي قول ~~التفتزاني : والعطف ، نظر . # والصديقة صيغة مبالغة ، مثل شريب ومسيك ، مبالغة في الشرب والمسك ، ولقبب ~~امرىء القيس بالملك الضليل ، لأنه لم يهتد إلى ما يسترجع به ملك أبيه . ~~والأصل في هذه الصيغة أن تكون مشتقة من المجرد الثلاثي . فالمعنى المبالغة ~~في وصفها بالصدق ، أي صدق وعد ربها ، وهو ميثاق الإيمان وصدق وعد الناس . ~~كما وصف إسماعيل عليه السلام بذلك في قوله تعالى : { واذكر في الكتاب ~~إسماعيل إنه كان صادق الوعد } ( مريم : 54 ) . وقد لقب يوسف بالصديق ، لأنه ~~صدق وعد ربه في الكف عن المحرمات مع توفر أسبابها . وقيل : أريد هنا وصفها ~~بالمبالغة في التصديق لقوله تعالى : { وصدقت بكلمات ربها } ( التحريم : 12 ~~) ، كما لقب أبو بكر بالصديق لأنه أول من صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كما في قوله تعالى : { والذي جاء بالصدق وصدق به } ( الزمر : 33 ) ، فيكون ~~مشتقا من المزيد . # وقوله : { كانا يأكلان الطعام } جملة واقعة موقع الاستدلال على مفهوم ~~القصر الذي هو نفي إلهية المسيح وأمه ، ولذلك فصلت عن التي قبلها لأن ~~الدليل بمنزله البيان ، وقد استدل على بشريتهما بإثبات صفة من صفات البشر ، ~~وهي أكل الطعام . وإنما اختيرت هذه الصفة من بين صفات كثيرة لأنها ظاهرة ~~واضحة للناس ، ولأنها أثبتتها الأناجيل ؛ فقد أثبتت أن مريم أكلت ثمر ~~النخلة حين مخاضها ، وأن عيسى أكل مع الحواريين يوم الفصح خبزا وشرب خمرا ، ~~وفي إنجيل لوقا إصحاح 22 ( وقال لهم اشتهيت أن آكل هذا الفصح معكم قبل أن ~~أتألم لأني لا آكل منه بعد ، وفي الصبح إذ كان راجعا في المدينة جاع ) . ~~PageV06P286 # وقوله : { انظر كيف نبين لهم الآيات } استئناف للتعجيب من حال الذين ~~ادعوا الإلهية لعيسى . والخطاب مراد به غير معين ، وهو كل من سمع الحجج ~~السابقة . واستعمل الأمر بالنظر في الأمر بالعلم لتشبيه العالم بالرأي ~~والعلمم بالرؤية في الوضوح والجلاء ، وقد تقدمت نظائره . وقد أفاد ذلك معنى ~~التعجيب ms2367 . ويجوز أن يكون الخطاب للرسول عليه السلام . والمراد هو وأهل ~~القرآن . و { كيف } اسم استفهام معلق لفعل { انظر } عن العمل في مفعولين ، ~~وهي في موضع المفعول به ل { انظر } ، والمعنى انظر جواب هذا الاستفهام . ~~وأريد مع الاستفهام التعجيب كناية ، أي انظر ذلك تجد جوابك أنه بيان عظيم ~~الجلاء يتعجب الناظر من وضوحه . والآيات جمع آية ، وهي العلامة على وجود ~~المطلوب ، استعيرت للحجة والبرهان لشبهه بالمكان المطلوب على طريق المكنية ~~، وإثبات الآيات له تخييل ، شبهت بآيات الطريق الدالة على المكان المطلوب . # وقوله : { ثم انظر أنى يؤفكون } ( ثم ) فيه للترتيب الرتبي والمقصود أن ~~التأمل في بيان الآيات يقتضي الانتقال من العجب من وضوح البيان إلى أعجب ~~منه وهو انصرافهم عن الحق مع وضوحه . و { يؤفكون } يصرفون ، يقال : أفكه من ~~باب ضرب ، صرفه عن الشيء . # و { أنى } اسم استفهام يستعمل بمعنى من أين ، ويستعمل بمعنى كيف . وهو ~~هنا يجوز أن يكون بمعنى كيف ( كما ) في ( الكشاف ) ، وعليه فإنما عدل عن ~~إعادة { كيف } تفننا . ويجوز أن تكون بمعنى من أين ، والمعنى التعجيب من ~~أين يتطرق إليهم الصرف عن الإعتقاد الحق بعد ذلك البيان المبالغ غاية ~~الوضوح حتى كان بمحل التعجيب من وضوحه . وقد علق ب { أنى } فعل { انظر } ~~الثاني عن العمل وحذف متعلق { يؤفكون } اختصارا ، لظهور أنهم يصرفون عن ~~الحق الذي بينته لهم الآيات . # PageV06P287 # | 2 ( 76 ) { قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا والله ~~هو السميع العليم } . ) 2 # لما كان الكلام السابق جاريا على طريقة خطاب غير المعين كانت جملة { قل ~~أتعبدون من دون الله } الخ مستأنفة ، أمر الرسول بأن يبلغهم ما عنوا به . # والظاهر أن { أتعبدون } خطاب لجميع من يعبد شيئا من دون الله من المشركين ~~والنصارى . والاستفهام للتوبيخ والتغليط مجازا . # ومعنى { من دون الله } غير الله . فمن للتوكيد ، و ( دون ) اسم للمغاير ، ~~فهو مرادف لسوى ، أي أتعبدون معبودا هو غير الله ، أي أتشركون مع الله غيره ~~في الإلهية . وليس المعنى أتعبدون معبودا وتتركون عبادة الله . وانظر ما ms2368 ~~فسرنا به عند قوله تعالى : { ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله في سورة ~~الأنعام ( 108 ) ، فالمخاطبون كلهم كانوا يعبدون الله ويشركون معه غيره في ~~العبادة حتى الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم فهم ما عبدوا المسيح ~~إلا لزعمهم أن الله حل فيه فقد عبدوا الله فيه ، فشمل هذا الخطاب المشركين ~~من العرب ونصارى العرب كلهم . # ولذلك جيء بما } الموصولة دون ( من ) لأن معظم ما عبد من دون الله أشياء ~~لا تعقل ، وقد غلب ( ما ) لما لا يعقل . ولو أريد ب { ما لا يملك } عيسى ~~وأمه كما في ( الكشاف ) وغيره وجعل الخطاب خاصا بالنصارى كان التعبير عنه ب ~~{ ما } صحيحا لأنها تستعمل استعمال ( من ) ، وكثير في الكلام بحيث يكثر على ~~التأويل . ولكن قد يكون التعبير بمن أظهر . # ومعنى { لا يملك ضرا } لا يقدر عليه ، وحقيقة معنى الملك التمكن من ~~التصرف بدون معارض ، ثم أطلق على استطاعة التصرف في الأشياء بدون عجز ، كما ~~قال قيس بن الخطيم : # ملكت بها كفي فأنهر فتقها # يرى قائم من دونها ما وراءها PageV06P288 # فإن كفه مملوكة له لا محالة ، ولكنه أراد أنه تمكن من كفه تمام التمكن ~~فدفع به الرمح دفعة عظيمة لم تخنه فيها كفه . ومن هذا الاستعمال نشأ إطلاق ~~الملك بمعنى الاستطاعة القوية الثابتة على سبيل المجاز المرسل كما وقع في ~~هذه الآية ونظائرها { ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا ~~حياة ولا نشورا } ( الفرقان : 3 ) { قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا } ( ~~يونس : 49 ) { إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا } ( ~~العنكبوت : 17 ) . فقد تعلق فعل الملك فيها بمعان لا بأشياء وذوات ، وذلك ~~لا يكون إلا على جعل الملك بمعنى الاستطاعة القوية ألا ترى إلى عطف نفي على ~~نفي الملك على وجه الترقي في قوله تعالى : { ويعبدون من دون الله ما لا ~~يملك رزقا من السماوات والأرض شيئا ولا يستطيعون في سورة النحل ( 73 ) . ~~وقد تقدم آنفا استعمال آخر في قوله : قل فمن يملك من ms2369 الله شيئا إن أراد أن ~~يهلك المسيح ابن مريم } ( المائدة : 17 ) . # وقدم الضر على النفع لأن النفوس أشد تطلعا إلى دفعه من تطلعها إلى جلب ~~النفع ، فكان أعظم ما يدفعهم إلى عبادة الأصنام أن يستدفعوا بها الأضرار ~~بالنصر على الأعداء وبتجنبها إلحاق الإضرار بعابديها . # ووجه الاستدلال على أن معبوداتهم لا تملك ضرا ولا نفعا ، وقوع الأضرار ~~بهم وتخلف النفع عنهم . # فجملة { والله هو السميع العليم } في موضع الحال ، قصر بواسطة تعريف ~~الجزأين وضمير الفصل ، سبب النجدة والإغاثة في حالي السؤال وظهور الحالة ، ~~على الله تعالى قصر ادعاء بمعنى الكمال ، أي ولا يسمع كل دعاء ويعلم كل ~~احتياج إلا الله تعالى ، أي لا عيسى ولا غيره مما عبد من دون الله . # فالواو في قوله { والله هو السميع العليم } واو الحال . وفي موقع هذه ~~الجملة تحقيق لإبطال عبادتهم عيسى ومريم من ثلاثة طرق : طريقق القصر وطريقق ~~ضمير الفصل وطريق جملة الحال باعتبار ما تفيده من مفهوم مخالفه . # PageV06P289 $ 2 ( 77 ) { قل ي & # 1764 اأهل الكتاب لا تغلوا فى دينكم غير الحق ولا تتبعو & # 1764 ا أهوآء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سوآء السبيل } . ~~) 2 $ # الخطاب لعموم أهل الكتاب من اليهود والنصارى ، وتقدم تفسير نظيره في آخر ~~سورة النساء . والغلو مصدر غلا في الأمر : إذا جاوز حده المعروف . فالغلو ~~الزيادة في عمل على المتعارف منه بحسب العقل أو العادة أو الشرع . # وقوله : { غير الحق } منصور على النيابة عن مفعول مطلق لفعل { تغلوا } أي ~~غلوا غير الحق ، وغير الحق هو الباطل . وعدل عن أن يقال باطلا إلى { غير ~~الحق } لما في وصف غير الحق من تشنيع الموصوف . والمراد أنه مخالف للحق ~~المعروف فهو مذموم ؛ لأن الحق محمود فغيره مذموم . وأريد أنه مخالف للصواب ~~احترازا عن الغلو الذي لا ضير فيه ، مثل المبالغة في الثناء على العمل ~~الصالح من غير تجاوز لما يقتضيه الشرع . وقد أشار إلى هذا قوله تعالى : { ~~يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا ms2370 الحق في سورة ~~النساء ( 171 ) . فمن غلو اليهود تجاوزهم الحد في التمسك بشرع التوراة بعد ~~رسالة عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام . ومن غلو النصارى دعوى إلهية عيسى ~~وتكذيبهم محمدا . ومن الغلو الذي ليس باطلا ما هو مثل الزيادة في الوضوء ~~على ثلاث غسلات فإنه مكروه . # وقوله : ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل } عطف على النهي عن الغلو ، ~~وهو عطف عام من وجه على خاص من وجه ؛ ففيه فائدة عطف العام على الخاص وعطف ~~الخاص على العام ، وهذا نهي لأهل الكتاب الحاضرين عن متابعة تعاليم الغلاة ~~من أحبارهم ورهبانهم الذين أساءوا فهم الشريعة عن هوى منهم مخالف للدليل . ~~فلذلك سمي تغاليهم أهواء ، لأنها كذلك في نفس الأمر وإن كان المخاطبون لا ~~يعرفون أنها أهواء فضلوا ودعوا إلى ضلالتهم PageV06P290 فأضلوا كثيرا مثل ( ~~قيافا ) حبر اليهود الذي كفر عيسى عليه السلام وحكم بأنه يقتل ، ومثل ~~المجمع الملكاني الذي سجل عقيدة التثليث . # وقوله { من قبل } معناه من قبلكم . وقد كثر في كلام العرب حذف ما تضاف ~~إليه قبل وبعد وغير وحسب ودون ، وأسماء الجهات ، وكثر أن تكون هذه الأسماء ~~مبنية على الضم حينئذ ، ويندر أن تكون معربة إلا إذا نكرت . وقد وجه ~~النحويون حالة إعراب هذه الأسماء إذا لم تنكر بأنها على تقدير لفظ المضاف ~~إليه تفرقة بين حالة بنائها الغالبة وحالة إعرابها النادرة ، وهو كشف لسر ~~لطيف من أسرار اللغة . # وقوله : { وضلوا عن سواء السبيل } مقابل لقوله : { قد ضلوا من قبل } فهذا ~~ضلال آخر ، فتعين أن سواء السبيل الذي ضلوا عنه هو الإسلام . والسواء ~~المستقيم ، وقد استعير للحق الواضح ، أي قد ضلوا في دينهم من قبل مجيء ~~الإسلام وضلوا بعد ذلك عن الإسلام . # وقيل : الخطاب بقوله : { يأهل الكتاب } للنصارى خاصة ، لأنه ورد عقب ~~مجادلة النصارى وأن المراد بالغلو التثليث ، وأن المراد بالقوم الذين ضلوا ~~من قبل هم اليهود . ومعنى النهي عن متابعة أهوائهم النهي عن الإتيان بمثل ~~ما أتوا به بحيث إذا تأمل المخاطبون وجدوا أنفسهم قد اتبعوهم وإن لم يكونوا ms2371 ~~قاصدين متابعتهم ؛ فيكون الكلام تنفيرا للنصارى من سلوكهم في دينهم المماثل ~~لسلوك اليهود ، لأن النصارى يبغضون اليهود ويعرفون أنهم على ضلال . # $ 2 ( 78 ، 79 ) { لعن الذين كفروا من بنى & # 1764 إسراءيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم ذالك بما عصوا وكانوا يعتدون ~~* كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون } . ) 2 $ ~~PageV06P291 # جملة { لعن } مستأنفة استئنافا ابتدائيا فيها تخلص بديع لتخصيص اليهود ~~بالإنحاء عليهم دون النصارى . وهي خبرية مناسبة لجملة { قد ضلوا من قبل } ( ~~المائدة : 77 ) ، تتنزل منها منزلة الدليل ، لأن فيها استدلالا على اليهود ~~بما في كتبهم وبما في كتب النصارى . والمقصود إثبات أن الضلال مستمر فيهم ~~فإن ما بين داوود وعيسى أكثر من ألف سنة . # و { على } في قوله : { على لسانن داوود } للاستعلاء المجازي المستعمل في ~~تمكن الملابسة ، فهي استعارة تبعية لمعنى باء الملابسة مثل قوله تعالى : { ~~أولئك على هدى من ربهم } ( البقرة : 5 ) ، قصد منها المبالغة في الملابسة ، ~~أي لعنوا بلسان داوود ، أي بكلامه الملابس للسانه . وقد ورد في سفر الملوك ~~وفي سفر المزامير أن داوود لعن الذين يبدلون الدين ، وجاء في المزمور ~~الثالث والخمسين ( الله من السماء أشرف على بني البشر لينظر هل من فاهمم ~~طالبب الله كلهم قد ارتدوا معا فسدوا ثم قال أخزيتهم لأن الله قد وفضهم ليت ~~من صهيون خلاص إسرائيل ) وفي المزمور 109 ( قد انفتح علي فم الشرير وتكلموا ~~معي بلسان كذب أحاطوا بي وقاتلوني بلا سبب ثم قال ينظرون إلي وينغضون ~~رؤوسهم ثم قال أما هم فيلعنون وأما أنت فتبارك ، قاموا وخزوا أما عبدك ~~فيفرح ) ذلك أن بني إسرائيل كانوا قد ثاروا على داوود مع ابنه ابشلوم . ~~وكذلك لعنهم على لسان عيسى متكرر في الأناجيل . و ( ذلك ) إشارة إلى اللعن ~~المؤخوذ من لعن أو إلى الكلام السابق بتأويل المذكور . والجملة مستأنفة ~~استئنافا بيانيا ؛ كأن سائلا يسأل عن موجب هذا اللعن فأجيب بأنه بسبب ~~عصيانهم وعدوانهم ، أي لم يكن بلا سبب . وقد أفاد اسم الإشارة مع باء ~~السببية ومع وقوعه في ms2372 جواب سؤال مقدر أفاد مجموع ذلك مفاد القصر ، أي ليس ~~لعنهم إلا بسبب عصيانهم كما أشار إليه في ( الكشاف ) وليس في الكلام صيغة ~~قصر ، فالحصر مأخوذ من مجموع الأمور الثلاثة . وهذه النكتة من غرر صاحب ( ~~الكشاف ) . والمقصود من الحصر أن لا يضل الناس في تعليل سبب اللعن فربما ~~أسندوه إلى سبب غير ذلك على عادة الضلال في العناية بالسفاسف PageV06P292 ~~والتفريط في المهمات ، لأن التفطن لأسباب العقوبة أول درجات التوفيق . ومثل ~~ذلك مثل البله من الناس تصيبهم الأمراض المعضلة فيحسبونها من مس الجن أو من ~~عين أصابتهم ويعرضون عن العلل والأسباب فلا يعالجونها بدوائها . # و ( ما ) في قوله { بما عصوا } مصدرية ، أي بعصيانهم وكونهم معتدين ، ~~فعدل عن التعبير بالمصدرين إلى التعبير بالفعلين مع ( ما ) المصدرية ليفيد ~~الفعلان معنى تجدد العصيان واستمرار الاعتداء منهم ، ولتفيد صيغة المضي أن ~~ذلك أمر قديم فيهم ، وصيغة المضارع أنه متكرر الحدوث . فالعصيان هو مخالفة ~~أوامر الله تعالى . والاعتداء هو إضرار الأنبياء . وإنما عبر في جانب ~~العصيان بالماضي لأنه تقرر فلم يقبل الزيادة ، وعبر في جانب الاعتداء ~~بالمضارع لأنه مستمر ، فإنهم اعتدوا على محمد صلى الله عليه وسلم بالتكذيب ~~والمنافقة ومحاولة الفتك والكيد . # وجملة { كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه } مستأنفة استئنافا بيانيا جوابا ~~لسؤال ينشأ عن قوله : { ذلك بما عصوا } ، وهو أن يقال كيف تكون أمة كلها ~~متمالئة على العصيان والاعتداء ، فقال : { كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه ~~} . وذلك أن شأن المناكر أن يبتدئها الواحد أن النفر القليل ، فإذا لم ~~يجدوا من يغير عليهم تزايدوا فيها ففشت واتبع فيها الدهماء بعضهم بعضا حتى ~~تعم وينسى كونها مناكر فلا يهتدي الناس إلى الإقلاع عنها والتوبة منها ~~فتصيبهم لعنة الله . وقد روى الترمذي وأبو داوود من طرق عن عبد الله بن ~~مسعود بألفاظ متقاربة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( كان الرجل ~~من بني إسرائيل يلقى الرجل إذا رآه على الذنب فيقول : يا هذا اتقق الله ودع ~~ما تصنع ، ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك ms2373 أن يكون أكيله وخليطه وشريكه ، ~~فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ولعنهم على لسان داوود وعيسى ابن ~~مريم ، ثم قرأ : { لعن الذين كفروا من بني إسرائيل إلى قوله : فاسقون } ( ~~المائدة : 78 81 ) ثم قال : والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن ~~المنكر ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا أو ليضربن الله قلوب ~~بعضكم على بعض أو ليلعنكم كما لعنهم ) . PageV06P293 # وأطلق التناهي بصيغة المفاعلة على نهي بعضهم بعضا باعتبار مجموع الأمة ~~وأن ناهي فاعل المنكر منهم هو بصدد أن ينهاه المنهي عندما يرتكب هو منكرا ~~فيحصل بذلك التناهي . فالمفاعلة مقدرة وليست حقيقية ، والقرينة عموم الضمير ~~في قوله { فعلوه } ، فإن المنكر إنما يفعله بعضهم ويسكت عليه البعض الآخر ؛ ~~وربما فعل البعض الآخر منكرا آخر وسكت عليه البعض الذي كان فعل منكرا قبله ~~وهكذا ، فهم يصانعون أنفسهم . # والمراد ب { ما كانوا يفعلون } تركهم التناهي . # وأطلق على ترك التناهي لفظ الفعل في قوله { لبئس ما كانوا يفعلون } مع ~~أنه ترك ، لأن السكوت على المنكر لا يخلو من إظهار الرضا به والمشاركة فيه ~~. # وفي هذا دليل للقائلين من أيمة الكلام من الأشاعرة بأنه لا تكليف إلا ~~بفعل ، وأن المكلف به في النهي فعل ، وهو الانتهاء ، أي الكف ، والكف فعل ، ~~وقد سمى الله الترك هنا فعلا . وقد أكد فعل الذم بإدخال لام القسم عليه ~~للإقصاء في ذمة . # # | 2 ( 80 ، 81 ) { لله ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت ~~لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفى العذاب هم خالدون * ولو كانوا يؤمنون ~~بالله والنبى وما أنزل إليه ما اتخذوهم أوليآء ولاكن كثيرا منهم فاسقون } . ~~) 2 # استئناف ابتدائي ذكر به حال طائفة من اليهود كانوا في زمن الرسول صلى ~~الله عليه وسلم وأظهروا الإسلام وهم معظم المنافقين وقد دل على ذلك قوله : ~~{ يتولون الذين كفروا } ، لأنه لا يستغرب إلا لكونه صادرا ممن أظهروا ~~الإسلام فهذا انتقال لشناعة المنافقين . والرؤية في قوله { ترى } بصرية ، ~~والخطاب للرسول . والمراد ب { كثير منهم } كثير من يهود ms2374 المدينة ، بقرينة ~~قوله { ترى } ، وذلك PageV06P294 أن كثيرا من اليهود بالمدينة أظهروا ~~الإسلام نفاقا ، نظرا لإسلام جميع أهل المدينة من الأوس والخزرج فاستنكر ~~اليهود أنفسهم فيها ، فتظاهروا بالإسلام ليكونوا عينا ليهود خيبر وقريظة ~~والنضير . ومعنى { يتولون } يتخذونهم أولياء . والمراد بالذين كفروا مشركو ~~مكة ومن حول المدينة من الأعراب الذين بقوا على الشرك . ومن هؤلاء اليهود ~~كعب بن الأشرف رئيس اليهود فإنه كان مواليا لأهل مكة وكان يغريهم بغزو ~~المدينة . وقد تقدم أنهم المراد في قوله تعالى : { ألم تر إلى الذين أوتوا ~~نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من ~~الذين آمنوا سبيلا } ( النساء : 51 ) . # وقوله { أن سخط الله عليهم } ( أن ) فيه مصدرية دخلت على الفعل الماضي ~~وهو جائز ، كما في ( الكشاف ) كقوله تعالى : { ولولا أن ثبتناك } ( الإسراء ~~: 74 ) ، والمصدر المأخوذ هو المخصوص بالذم . والتقدير : لبئس ما قدمت بهم ~~أنفسهم سخط الله عليهم ، فسخط الله مذموم . وقد أفاد هذا المخصوص أن الله ~~قد غضب عليهم غضبا خاصا لموالاتهم الذين كفروا ، وذلك غير مصرح به في ~~الكلام فهذا من إيجاز الحذف . ولك أن تجعل المراد بسخط الله هو اللعنة التي ~~في قوله : { لعن الذين كفروا من بني إسرائيل } ( المائدة : 78 ) . وكون ذلك ~~مما قدمت لهم أنفسهم معلوم من الكلام السابق . # وقوله : { ولو كانوا يؤمنون بالله والنبيء } إلخ الواو للحال من قوله : { ~~ترى كثيرا منهم } باعتبار كون المراد بهم المتظاهرين بالإسلام بقرينة ما ~~تقدم ، فالمعنى : ولو كانوا يؤمنون إيمانا صادقا ما تخذوا المشركين أولياء ~~. والمراد بالنبيء محمد صلى الله عليه وسلم وبما أنزل إليه القرآن ، وذلك ~~لأن النبيء نهى المؤمنين عن موالاة المشركين ، والقرآن نهى عن ذلك في غير ~~ما آية . وقد تقدم في قوله : { لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون ~~المؤمنين } ( آل عمران : 28 ) . وقد جعل موالاتهم للمشركين علامة على عدم ~~إيمانهم بطريقة القياس الاستثنائي ، لأن المشركين أعداء الرسول فموالاتهم ~~لهم علامة على عدم الإيمان به . وقد تقدم ذلك في سورة آل عمران . ~~PageV06P295 # وقوله : { ولكن كثيرا منهم فاسقون ms2375 } هو استثناء القياس ، أي ولكن كثيرا ~~من بني إسرائيل { فاسقون } . فالضمير عائد إلى ما عاد إليه ضمير { ترى ~~كثيرا منهم } و { فاسقون } كافرون ، فلا عجب في موالاتهم المشركين لاتحادهم ~~في مناواة الإسلام . فالمراد بالكثير في قوله : { ولكن كثيرا منهم فاسقون } ~~عين المراد من قوله { ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا } فقد أعيدت ~~النكرة نكرة وهي عين الأولى إذ ليس يلزم إعادتها معرفة . ألا ترى قوله ~~تعالى : { فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا } ( الشرح : 5 ، 6 ) . وليس ~~ضمير { منهم } عائدا إلى { كثيرا } إذ ليس المراد أن الكثير من الكثير ~~فاسقون بل المراد كلهم . # PageV06P296 $ 2 ( 82 84 ) { لتجدن أشد الناس عداوة للذين ءامنوا اليهود ~~والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين ءامنوا الذين قالو & # 1764 ا إنا نصارى ذالك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون * وإذا ~~سمعوا مآ أنزل إلى الرسول ترى & # 1764 أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنآ ءامنا فاكتبنا ~~مع الشاهدين * وما لنا لا نؤمن بالله وما جآءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ~~ربنا مع القوم الصالحين } . ) 2 $ # فذلكة لما تقدم من ذكر ما لاقى به اليهود والنصارى دعوة الإسلام من ~~الإعراض على تفاوت فيه بين الطائفتين ؛ فإن الله شنع من أحوال اليهود ما ~~يعرف منه عداوتهم للإسلام إذ قال : { وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ~~ربك طغيانا وكفرا } ( المائدة : 64 ) ، فكررها مرتين وقال : { ترى كثيرا ~~منهم يتولون الذين كفروا } ( المائدة : 80 ) وقال : { وإذا جاؤوكم قالوا ~~آمنا وقد دخلوا بالكفر } ( المائدة : 61 ) فعلم تلونهم في مضارة المسلمين ~~وأذاهم . وذكر من أحوال النصارى ما شنع به عقيدتهم ولكنه لم يحك عنهم ما ~~فيه عداوتهم المسلمين وقد نهى المسلمين عن اتخاذ الفريقين أولياء في قوله : ~~{ يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء } ( المائدة : 51 ) ~~الآية . فجاء قوله : { لتجدن أشد الناس عداوة } الآية فذلكة لحاصل ما تكنه ~~ضمائر الفريقين نحو المسلمين ، ولذلك فصلت ولم تعطف . واللام في { لتجدن } ~~لام القسم يقصد منها التأكيد ، وزادته نون ms2376 التوكيد تأكيدا . PageV07P005 ~~والوجدان هنا وجدان قلبي ، وهو من أفعال العلم ، ولذلك يعدى إلى مفعولين ، ~~وقد تقدم عند قوله تعالى : { ولتجدنهم أحرص الناس على حياة في سورة البقرة ~~( 96 ) . وانتصب عداوة } على تمييز نسبة { أشد } إلى الناس ، ومثله انتصاب ~~{ مودة } . # وذكر المشركين مع اليهود لمناسبة اجتماع الفريقين على عداوة المسلمين ، ~~فقد ألف بين اليهود والمشركين بغض الإسلام ؛ فاليهود للحسد على مجيء ~~النبوءة من غيرهم ، والمشركون للحسد على أن سبقهم المسلمون بالاهتداء إلى ~~الدين الحق ونبذ الباطل . # وقوله : { ولتجدن أقربهم مودة } أي أقرب الناس مودة للذين آمنوا ، أي ~~أقرب الناس من أهل الملل المخالفة للإسلام . وهذان طرفان في معاملة ~~المسلمين . وبين الطرفين فرق متفاوتة في بغض المسلمين ، مثل المجوس ~~والصابئة وعبدة الأوثان والمعطلة . # والمراد بالنصارى هنا الباقون على دين النصرانية لا محالة ، لقوله : { ~~أقربهم مودة للذين آمنوا } . فأما من آمن من النصارى فقد صار من المسلمين . # وقد تقدم الكلام على نظير قوله : { الذين قالوا إنا نصارى } في قوله ~~تعالى : { ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم } ( المائدة : 14 ) ، ~~المقصود منه إقامة الحجة عليهم بأنهم التزموا أن يكونوا أنصارا لله { قالوا ~~الحواريون نحن أنصار الله } ( الصف : 14 ) ، كما تقدم في تفسير نظيره . ~~فالمقصود هنا تذكيرهم بمضمون هذا اللقب ليزدادوا من مودة المسلمين فيتبعوا ~~دين الإسلام . # وقوله : { ذلك } الإشارة إلى الكلام المتقدم ، وهو أنهم أقرب مودة للذين ~~آمنوا . PageV07P006 والباء في قوله : { بأن منهم قسيسين } باء السببية ، ~~وهي تفيد معنى لام التعليل . والضمير في قوله { منهم } راجع إلى النصارى . # والقسيسون جمع سلامة لقسيس بوزن سجين . ويقال قس بفتح القاف وتشديد السين ~~وهو عالم دين النصرانية . وقال قطرب : هي بلغة الروم . وهذا مما وقع فيه ~~الوفاق بين اللغتين . # والرهبان هنا جمع راهب ، مثل ركبان جمع راكب ، وفرسان جمع فارس ، وهو غير ~~مقيس في وصفف على فاعل . والراهب من النصارى المنقطع في دير أو صومعة ~~للعبادة . وقال الراغب : الرهبان يكون واحدا وجمعا ، فمن جعله واحدا جمعه ~~على رهابين ورهابنة . وهذا مروي عن الفراء . ولم يحك الزمخشري في ms2377 الأساس أن ~~رهبان يكون مفردا . وإطلاقه على الواحد في بيت أنشده ابن الأعرابي : # لو أبصرت رهبان دير بالجبل # لانحدر الرهبان يسعى ويزل # وإنما كان وجود القسيسين والرهبان بينهم سببا في اقتراب مودتهم من ~~المؤمنين لما هو معروف بين العرب من حسن أخلاق القسيسين والرهبان وتواضعهم ~~وتسامحهم . وكانوا منتشرين في جهات كثيرة من بلاد العرب يعمرون الأديرة ~~والصوامع والبيع ، وأكثرهم من عرب الشام الذين بلغتهم دعوة النصرانية على ~~طريق الروم ، فقد عرفهم العرب بالزهد ومسالمة الناس وكثر ذلك في كلام ~~شعرائهم . قال النابغة : # لو أنها برزت لأشمط راهب # عبد الإله صرورة متعبد # لرنا لطلعتها وحسن حديثها # ولخاله رشدا وإن لم يرشد # فوجود هؤلاء فيهم وكونهم رؤساء دينهم مما يكون سببا في صلاح أخلاق أهل ~~ملتهم . والاستكبار : السين والتاء فيه للمبالغة . وهو يطلق على ~~PageV07P007 التكبر والتعاظم ، ويطلق على المكابرة وكراهية الحق ، وهما ~~متلازمان . فالمراد من قوله : { لا يستكبرون } أنهم متواضعون منصفون . ~~وضمير { وأنهم لا يستكبرون } يجوز أن يعود إلى ما عاد إليه ضمير { بأن منهم ~~} ، أي وأن الذين قالوا إنا نصارى لا يستكبرون ، فيكون قد أثبت التواضع ~~لجميع أهل ملة النصرانية في ذلك العصر . وقد كان نصارى العرب متحلين بمكارم ~~من الأخلاق . قال النابغة يمدح آل النعمان الغساني وكانوا متنصرين : # مجلتهم ذات الإله ودينهم # قويم فما يرجون غير العواقب # ولا يحسبون الخير لا شر بعده # ولا يحسبون الشر ضربة لازب # وظاهر قوله { الذين قالوا إنا نصارى } أن هذا الخلق وصف للنصارى كلهم من ~~حيث إنهم نصارى فيتعين أن يحمل الموصول على العموم العرفي ، وهم نصارى ~~العرب ، فإن اتباعهم النصرانية على ضعفهم فيها ضم إلى مكارم أخلاقهم ~~العربية مكارم أخلاق دينية ، كما كان عليه زهير ولبيد وورقة بن نوفل ~~وأضرابهم . # وضمير { وأنهم لا يستكبرون } عائد إلى { قسيسين ورهبانا } لأنه أقرب في ~~الذكر ، وهذا تشعر به إعادة قوله { وأنهم } ، ليكون إيماء إلى تغيير ~~الأسلوب في معاد الضمير ، وتكون ضمائر الجمع من قوله { وإذا سمعوا إلى قوله ~~فأثابهم الله } ( المائدة : 83 85 ) تابعة لضمير { وأنهم ms2378 لا يستكبرون } . # وقرينة صرف الضمائر المتشابهة إلى معادين هي سياق الكلام . ومثله وارد في ~~الضمائر كقوله تعالى : { وعمروها أكثر مما عمروها } ( الروم : 9 ) . فضمير ~~الرفع في { عمروها الأول عائد إلى غير ضمير الرفع في عمروها الثاني . وكقول ~~عباس بن مرداس : PageV07P008 # عدنا ولولا نحن أحدق جمعهم # بالمسلمين وأحرزوا ما جمعوا # يريد بضمير ( أحرزوا ) جماعة المشركين ، وبضمير ( جمعوا ) جماعة المسلمين ~~. # ويعضد هذا ما ذكره الطبري والواحدي وكثير من المفسرين عن ابن عباس ومجاهد ~~وغيرهما : أن المعني في هذه الآية ثمانية من نصارى الشام كانوا في بلاد ~~الحبشة وأتوا المدينة مع اثنين وستين راهبا من الحبشة مصاحبين للمسلمين ~~الذين رجعوا من هجرتهم بالحبشة وسمعوا القرآن وأسلموا . وهم : بحيرا الراهب ~~، وإدريس ، وأشرف ، وأبرهة ، وثمامة ، وقثم ، ودريد ، وأيمن ، أي ممن ~~يحسنون العربية ليتمكنوا من فهم القرآن عند سماعه . وهذا الوفد ورد إلى ~~المدينة مع الذين عادوا من مهاجرة الحبشة ، سنة سبع فكانت الإشارة إليهم في ~~هذه الآية تذكيرا بفضلهم . وهي من آخر ما نزل ولم يعرف قوم معينون من ~~النصارى أسلموا في زمن الرسول . ولعل الله أعلم رسوله بفريق من النصارى ~~آمنوا بمحمد في قلوبهم ولم يتمكنوا من لقائه ولا من إظهار إيمانهم ولم ~~يبلغهم من الشريعة إلا شيء قليل تمسكوا به ولم يعلموا اشتراط إظهار الإيمان ~~المسمى بالإسلام ، وهؤلاء يشبه حالهم حال من لم تبلغه الدعوة ، لأن بلوغ ~~الدعوة متفاوت المراتب . ولعل هؤلاء كان منهم من هو بأرض الحبشة أو باليمن ~~. ولا شك أن النجاشي ( أصحمة ) منهم . وقد كان بهذه الحالة أخبر عنه بذلك ~~النبيء . والمقصود أن الأمة التي فيها أمثال هؤلاء تكون قريبة من مودة ~~المسلمين . # والرسول هو محمد كما هو غالب عليه في إطلاقه في القرآن . وما أنزل إليه ~~هو القرآن . PageV07P009 والخطاب في قوله ترى أعينهم } للنبيء صلى الله ~~عليه وسلم إن كان قد رأى منهم من هذه صفته ، أو هو خطاب لكل من يصح أن يرى ~~. فهو خطاب لغير معين ليعم كل من يخاطب . # وقوله : { تفيض من الدمع } معناه يفيض منها ms2379 الدمع لأن حقيقة الفيض أن ~~يسند إلى المائع المتجاوز حاويه فيسيل خارجا عنه . يقال : فاض الماء ، إذا ~~تجاوز ظرفه . وفاض الدمع إذا تجاوز ما يغرورق بالعين . وقد يسند الفيض إلى ~~الظرف على طريقة المجاز العقلي ، فيقال : فاض الوادي ، أي فاض ماؤه ، كما ~~يقال : جرى الوادي ، أي جرى ماؤه . وفي الحديث : ( ورجل ذكر الله خاليا ~~ففاضت عيناه ) . وقد يقرنون هذا الإسناد بتمييز يكون قرينة للإسناد المجازي ~~فيقولون : فاضت عينه دمعا ، بتحويل الإسناد المسمى تمييز النسبة ، أي قرينة ~~النسبة المجازية . فأما ما في هذه الآية فإجراؤه على قول نحاة البصرة يمنع ~~أن يكون ( من ) الداخلة على الدمع هي البيانية التي يجر بها اسم التمييز ، ~~لأن ذلك عندهم ممتنع في تمييز النسبة ، فتكون الآية منسوجة على منوال القلب ~~للمبالغة ، قلب قول الناس المتعارف : فاض الدمع من عينن فلان ، فقيل : { ~~أعينهم تفيض من الدمع } ، فحرف ( من ) حرف ابتداء . وإذا أجري على قول نحاة ~~الكوفة كانت ( من ) بيانية جارة لاسم التمييز . وتعريف الدمع تعريف الجنس ، ~~مثل : طبت النفس . # و ( من ) في قوله { مما عرفوا } تعليلية ، أي سبب فيضها ما عرفوا عند ~~سماع القرآن من أنه الحق الموعود به . ف { من } قائمة مقام المفعول لأجله ~~كما في قوله : { تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا } ( التوبة : 92 ) ، أي ~~ففاضت أعينهم من انفعال البهجة بأن حضروا مشهد تصديق عيسى فيما بشر به ، ~~وأن حضروا الرسول الموعود به ففازوا بالفضيلتين . و ( من ) في قوله ~~PageV07P010 { من الحق } بيانية . أي مما عرفوا ، وهو الحق الخاص . أو ~~تبعيضية ، أي مما عرفوه وهو النبي الموعود به الذي خبره من جملة الحق الذي ~~جاء به عيسى والنبيئون من قبله . # وجملة { يقولون } حال ، أي تفيض أعينهم في حال قولهم هذا . وهذا القول ~~يجوز أن يكون علنا ، ويجوز أن يكون في خويصتهم . # والمراد بالشاهدين الذين شهدوا بعثة الرسل وصدقوهم . وهذه فضيلة عظيمة لم ~~تحصل إلا في أزمان ابتداء دعوة الرسل ولا تحصل بعد هذه المرة . وتلك ~~الفضيلة أنها المبادرة بتصديق الرسل عند بعثتهم حين يكذبهم الناس ms2380 بادىء ~~الأمر . كما قال ورقة : يا ليتني أكون جذعا إذ يخرجك قومك . أي تكذيبا منهم ~~. أو أرادوا فاكتبنا مع الشاهدين الذين أنبأهم عيسى عليه السلام ببعثة ~~الرسول الذي يجيء بعده ، فيكونوا شهادة على مجيئه وشهادة بصدق عيسى . ففي ~~إنجيل متى عدد 24 من قول عيسى ( ويقوم أنبياء كذبة كثيرون ويضلون كثيرين ~~ولكن الذي يصبر إلى المنتهى فهذا يخلص ويفوز ببشارة الملكوت هذه شهادة ~~لجميع الأمم ) . وفي إنجيل يوحنا عدد 15 من قول عيسى ( ومتى جاء المعزى روح ~~الحق الذي من عند الأبب ينبثق فهو يشهد لي وتشهدون أنتم أيضا لأنكم معي من ~~الابتداء ) . وإن لكلمة { الحق } وكلمة { الشاهدين } في هذه الآية موقعا لا ~~تغني فيه غيرهما لأنهما تشيران إلى ما في بشارة عيسى عليه السلام . # وقوله : { وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق } ، هو من قولهم ، ~~فيحتمل أنهم يقولونه في أنفسهم عندما يخامرهم التردد في أمر النزوع عن ~~دينهم القديم إلى الدخول في الإسلام . وذلك التردد يعرض للمعتقد عند الهم ~~بالرجوع في اعتقاده وهو المسمى بالنظر ؛ ويحتمل أنهم يقولونه لمن يعارضهم ~~من أهل ملتهم أو من إخوانهم ويشككهم فيما عزموا عليه ، ويحتمل أنهم يقولونه ~~لمن يعيرهم من اليهود PageV07P011 أو غيرهم بأنهم لم يتصلبوا في دينهم . ~~فقد قيل : إن اليهود عيروا النفر الذين أسلموا ، إذا صح خبر إسلامهم . ~~وتقدم القول في تركيب ( ما لنا لا نفعل ) عند قوله تعالى : { ومالكم لا ~~تقاتلون في سبيل الله في سورة النساء ( 75 ) . # وجملة ونطمع } يجوز أن تكون معطوفة على جملة { ما لنا لا نؤمن } . ويحتمل ~~أن تكون الواو للحال ، أي كيف نترك الإيمان بالحق وقد كنا من قبل طامعين أن ~~يجعلنا ربنا مع القوم الصالحين مثل الحواريين ، فكيف نفلت ما عن لنا من ~~وسائل الحصول على هذه المنقبة الجليلة . ولا يصح جعلها معطوفة على جملة { ~~نؤمن } لئلا تكون معمولة للنفي ، إذ ليس المعنى على ما لنا لا نطمع ، لأن ~~الطمع في الخير لا يتردد فيه ولا يلام عليه حتى يحتاج صاحبه إلى ms2381 الاحتجاج ~~لنفسه ب ( ما لنا لا نفعل ) . # # | 2 ( 85 ) { فأثابهم الله بما قالوا جنات تجرى من تحتها الانهار خالدين ~~فيها وذالك جزآء المحسنين } . ) 2 # تفريع على قوله { يقولون : ربنا ءامنا . . . } ( المائدة : 83 ) إلى آخر ~~الآية . ومعنى ( أثابهم ) أعطاهم الثواب . وقد تقدم القول فيه عند تفسير ~~قوله تعالى : { لمثوبة من عند الله خير في سورة البقرة ( 103 ) . # والباء في قوله بما قالوا } للسببية . والمراد بالقول قول الصادق وهو ~~المطابق للواقع ، فهو القول المطابق لاعتقاد القلب ، وما قالوه هو ما حكي ~~بقوله تعالى : { يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين . . } ( المائدة : ~~83 ) الآية . وأثاب يتعدى إلى مفعولين على طريقة باب أعطى ، ف { جنات } ~~مفعوله الثاني ، وهو المعطى لهم . والإشارة في قوله { وذلك جزاء المحسنين } ~~إلى الثواب المأخوذ من { أثابهم } ولك أن تجعل الإشارة إلى المذكور وهو ~~الجنات وما بها من الأنهار وخلودهم فيها . وقد تقدم نظير ذلك عند قوله ~~تعالى في سورة البقرة ( 68 ) { عوان بين ذلك . # PageV07P012 $ 2 ( 86 ) والذين كفروا وكذبوا بئاياتنآ أول & # 1764 ائك أصحاب الجحيم } . ) 2 $ # هذا تتميم واحتراس ، أي والذين كفروا من النصارى وكذبوا بالقرآن هم بضد ~~الذين أثابهم الله جنات تجري من تحتها الأنهار . # وأصحاب الجحيم ملازموه . والجحيم جهنم . وأصل الجحيم النار العظيمة تجعل ~~في حفرة ليدوم لهيبها . يقال : نار جحمة ، أي شديدة اللهب . قال بعض ~~الطائيين من الجاهلية من شعراء الحماسة : # نحن حبسنا بني جديلة في # نار من الحرب جحمة الضرم # $ 2 ( 78 ، 88 ) { ياأيها الذين ءامنوا لا تحرموا طيبات مآ أحل الله لكم ~~ولا تعتدو & # 1764 ا إن الله لا يحب المعتدين * وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا ~~واتقوا الله الذى & # 1764 أنتم به مؤمنون } . ) 2 $ # استئناف ابتدائي خطاب للمؤمنين بأحكام تشريعية ، وتكملة على صورة التفريع ~~جاءت لمناسبة ما تقدم من الثناء على القسيسين والرهبان . وإذ قد كان من ~~سنتهم المبالغة في الزهد وأحدثوا رهبانية من الانقطاع عن التزوج وعن أكل ~~اللحوم وكثير من الطيبات كالتدهن وترفيه الحالة وحسن اللباس ، نبه الله ~~المؤمنين على أن الثناء ms2382 على الرهبان والقسيسين بما لهم من الفضائل لا يقتضي ~~اطراد الثناء على جميع أحوالهم الرهبانية . وصادف أن كان بعض أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قد طمحت نفوسهم إلى التقلل من التعلق بلذائذ العيش ~~اقتداء بصاحبهم سيد الزاهدين صلى الله عليه وسلم روى الطبري والواحدي أن ~~نفرا تنافسوا في الزهد . فقال أحدهم : أما أنا فأقوم الليل PageV07P013 لا ~~أنام ، وقال الآخر : أما أنا فأصوم النهار ، وقال آخر : أما أنا فلا آتي ~~النساء ، فبلغ خبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث إليهم ، فقال : ( ~~ألم أنبأ أنكم قلتم كذا . قالوا : بلى يا رسول الله ، وما أردنا إلا الخير ~~، قال : لكني أقوم وأنام ، وأصوم وأفطر ، وآتي النساء ، فمن رغب عن سنتي ~~فليس مني ) فنزلت هذه الآية . ومعنى هذا في ( صحيحي البخاري ومسلم ) عن أنس ~~بن مالك وليس فيه أن ذلك سبب نزول هذه الآية . # وروي أن ناسا منهم ، وهم : أبو بكر ، وعلي ، وابن مسعود ، وابن عمر ، ~~وأبو ذر ، وسالم مولى أبي حذيفة ، والمقداد بن الأسود ، وسلمان الفارسي ، ~~ومعقل بن مقرن اجتمعوا في دار عثمان بن مظعون واتفقوا على أن يرفضوا أشغال ~~الدنيا ، ويتركوا النساء ويترهبوا . فقام رسول الله فغلظ فيهم المقالة ، ثم ~~قال : ( إنما هلك من كان قبلكم بالتشديد ، شددوا على أنفسهم فشدد الله ~~عليهم فأولئك بقاياهم في الديار والصوامع ) . فنزلت فيهم هذه الآية . . ~~وهذا الخبر يقتضي أن هذا الاجتماع كان في أول مدة الهجرة لأن عثمان بن ~~مظعون لم يكن له دار بالمدينة وأسكنه النبي صلى الله عليه وسلم في دار أم ~~العلاء الأنصارية التي قيل : إنها زوجة زيد بن ثابت ، وتوفي عثمان بن مظعون ~~سنة اثنتين من الهجرة . وفي رواية : أن ناسا قالوا إن النصارى قد حرموا على ~~أنفسهم فنحن نحرم على أنفسنا بعض الطيبات فحرم بعضهم على نفسه أكل اللحم ، ~~وبعضهم النوم ، وبعضهم النساء ؛ وأنهم ألزموا أنفسهم بذلك بأيمان حلفوها ~~على ترك ما التزموا تركه . فنزلت هذه الآية . # وهذه الأخبار متظافرة على وقوع انصراف بعض أصحاب رسول الله صلى ms2383 الله عليه ~~وسلم إلى المبالغة في الزهد واردة في الصحيح ، مثل حديث عبد الله بن عمرو ~~بن العاصي . قال : قال لي رسول الله : ( ألم أخبر أنك تقوم الليل وتصوم ~~النهار ، قلت : إني أفعل ذلك . قال : فإنك إذا فعلت هجمت عينك ونفهت نفسك . ~~PageV07P014 وإن لنفسك عليك حقا ولأهلك عليك حقا ، فصم وأفطر وقم ونم ) . ~~وحديث سلمان مع أبي الدرداء أن سلمان زار أبا الدرداء فصنع أبو الدرداء ~~طعاما فقال لسلمان : كل فإني صائم ، فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم ، ~~فقال : نم ، فنام ، ثم ذهب يقوم فقال : نم ، فنام . فلما كان آخر الليل قال ~~سلمان : قم الآن ، وقال سلمان : إن لربك عليك حقا ولنفسك عليك حقا ولأهلك ~~عليك حقا فأعط كل ذي حق حقه . فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له . ~~فقال النبي عليه الصلاة والسلام : ( صدق سلمان ) . وفي الحديث الصحيح أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أما أنا فأقوم وأرقد وأصوم وأفطر وأتزوج ~~النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني ) . # والنهي إنما هو عن تحريم ذلك على النفس . أما ترك تناول بعض ذلك في بعض ~~الأوقات من غير التزام ولقصد التربية للنفس على التصبر على الحرمان عند عدم ~~الوجدان ، فلا بأس به بمقدار الحاجة إليه في رياضة النفس . وكذلك الإعراض ~~عن كثير من الطيبات للتطلع على ما هو أعلى من عبادة أو شغل بعمل نافع وهو ~~أعلى الزهد ، وقد كان ذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخاصة من ~~أصحابه ، وهي حالة تناسب مرتبته ولا تتناسب مع بعض مراتب الناس ، فالتطلع ~~إليها تعسير ، وهو مع ذلك كان يتناول الطيبات دون تشوف ولا تطلع . وفي ~~تناولها شكر لله تعالى ، كما ورد في قصة أبي الدحداح حين حل رسول الله وأبو ~~بكر وعمر في حائطه وأطعمهم وسقاهم . وعن الحسن البصري : أنه دعي إلى طعام ~~ومعه فرقد السبخي وأصحابه فجلسوا على مائدة فيها ألوان من الطعام دجاج مسمن ~~وفالوذ فاعتزل فرقد ناحية . فسأله الحسن : أصائم أنت ، قال : لا ولكني ms2384 أكره ~~الألوان لأني PageV07P015 لا أؤدي شكره ، فقال له : الحسن : أفتشرب الماء ~~البارد ، قال : نعم ، قال : إن نعمة الله في الماء البارد أكثر من نعمته في ~~الفالوذ . # وليس المراد من النهي أن يلفظ بلفظ التحريم خاصة بل أن يتركه تشديدا على ~~نفسه سواء لفظ بالتحريم أم لم يلفظ به . ومن أجل هذا النهي اعتبر هذا ~~التحريم لغوا في الإسلام فليس يلزم صاحبه في جميع الأشياء التي لم يجعل ~~الإسلام للتحريم سبيلا إليها وهي كل حال عدا تحريم الزوجة . ولذلك قال مالك ~~فيمن حرم على نفسه شيئا من الحلال أو عمم فقال : الحلال علي حرام ، أنه لا ~~شيء عليه في شيء من الحلال إلا الزوجة فإنها تحرم عليه كالبتات ما لم ينو ~~إخراج الزوجة قبل النطق بصيغة التحريم أو يخرجها بلفظ الاستثناء بعد النطق ~~بصيغة التحريم ، على حكم الاستثناء في اليمين . ووجهه أن عقد العصمة يتطرق ~~إليه التحريم شرعا في بعض الأحوال ، فكان التزام التحريم لازما فيها خاصة ، ~~فإنه لو حرم الزوجة وحدها حرمت ، فكذلك إذا شملها لفظ عام . ووافقه الشافعي ~~. وقال أبو حنيفة : من حرم على نفسه شيئا من الحلال حرم عليه تناوله ما لم ~~يكفر كفارة يمين ، فإن كفر حل له إلا الزوجة . وذهب مسروق وأبو سلمة إلى ~~عدم لزوم التحريم في الزوجة وغيرها . # وفي قوله تعالى : { لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم } تنبيه لفقهاء ~~الأمة على الاحتراز في القول بتحريم شيء لم يقم الدليل على تحريمه ، أو كان ~~دليله غير بالغ قوة دليل النهي الوارد في هذه الآية . # ثم إن أهل الجاهلية كانوا قد حرموا أشياء على أنفسهم كما تضمنته سورة ~~الأنعام ، وقد أبطلها الله بقوله : { قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ~~والطيبات من الرزق } ( الأعراف : 32 ) ، وقوله : { قد خسر الذين قتلوا ~~أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله } ( الأنعام : ~~140 ) ، وقوله : { قل الذكرينن حرم أم الأنثيين إلى قوله فمن أظلم ممن ~~افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم } ( الأنعام : 143 ms2385 ، 144 ) ، وغير ~~ذلك من الآيات . وقد كان كثير من العرب قد دخلوا في الإسلام بعد فتح مكة ~~دفعة واحدة كما PageV07P016 وصفهم الله بقوله : { يدخلون في دين الله ~~أفواجا } ( النصر : 2 ) . وكان قصر الزمان واتساع المكان حائلين دون رسوخ ~~شرائع الإسلام فيما بينهم ، فكانوا في حاجة إلى الانتهاء عن أمور كثيرة ~~فاشية فيهم في مدة نزول هذه السورة ، وهي أيام حجة الوداع وما تقدمها وما ~~تأخر عنها . # وجملة { ولا تعتدوا } معترضة ، لمناسبة أن تحريم الطيبات اعتداء على ما ~~شرع الله ، فالواو اعتراضية . وبما في هذا النهي من العموم كانت الجملة ~~تذييلا . # والاعتداء افتعال العدو ، أي الظلم . وذكره في مقابلة تحريم الطيبات يدل ~~على أن المراد النهي عن تجاوز حد الإذنن المشروع ، كما قال { تلك حدود الله ~~فلا تعتدوها } ( البقرة : 229 ) . فلما نهى عن تحريم الحلال أردفه بالنهي ~~عن استحلال المحرمات وذلك بالاعتداء على حقوق الناس ، وهو أشد الاعتداء ، ~~أو على حقوق الله تعالى في أمره ونهيه دون حق الناس ، كتناول الخنزير أو ~~الميتة . ويعم الاعتداء في سياق النهي جميع جنسه مما كانت عليه الجاهلية من ~~العدوان ، وأعظمه الاعتداء على الضعفاء كالوأد ، وأكلل مال اليتيم ، وعضل ~~الأيامى ، وغير ذلك . # وجملة { إن الله لا يحب المعتدين } تذييل للتي قبلها للتحذير من كل ~~اعتداء . # وقوله : { وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا } تأكيد للنهي عن تحريم ~~الطيبات وهو معطوف على قوله : { لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم } أي أن ~~الله وسع عليكم بالحلال فلا تعتدوه إلى الحرام فتكفروا النعمة ولا تتركوه ~~بالتحريم فتعرضوا عن النعمة . # واقتصر على الأكل لأن معظم ما حرمه الناس على أنفسهم هو المآكل . وكأن ~~الله يعرض بهم بأن الاعتناء بالمهمات خير من التهمم بالأكل ، كما قال { ليس ~~على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا } ( المائدة : 93 ) الآية ~~. وبذلك أبطل PageV07P017 ما في الشرائع السابقة من شدة العناية بأحكام ~~المأكولات . وفي ذلك تنبيه لهذه الأمة . # وقوله { واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون } جاء بالموصول للإيماء إلى علة ~~الأمر بالتقوى ، أي لأن ms2386 شأن الإيمان أن يقتضي التقوى ، فلما آمنتم بالله ~~واهتديتم إلى الإيمان فكملوه بالتقوى . روي أن الحسن البصري لقي الفرزدق في ~~جنازة ، وكانا عند القبر ، فقال الحسن للفرزدق : ما أعددت لهذا . يعني ~~القبر . قال الفرزدق : شهادة أن لا إله إلا الله كذا كذا سنة . فقال الحسن ~~: هذا العمود ، فأين الأطناب . # $ 2 ( 89 ) { لا يؤاخذكم الله باللغو فى & # 1764 أيمانكم ولاكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان فكفارته إطعام عشرة مساكين ~~من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة ~~أيام ذالك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظو & # 1764 ا أيمانكم كذالك يبين الله لكم ءاياته لعلكم تشكرون } . ) 2 $ # استئناف ابتدائي نشأ بمناسبة قوله : { لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم } ~~( المائدة : 87 ) لأن التحريم يقع في غالب الأحوال بأيمان معزومة ، أو ~~بأيمان تجري على اللسان لقصد تأكيد الكلام ، كأن يقول : والله لا آكل كذا ، ~~أو تجري بسبب غضب . وقيل : إنها نزلت مع الآية السابقة فلا حاجة لإبداء ~~المناسبة لذكر هذا بعد ما قبله . روى الطبري والواحدي عن ابن عباس أنه لما ~~نزل قوله تعالى : { يأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم } ( ~~المائدة : 87 ) ونهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عما عزموا عليه من ذلك ، ~~كما تقدم آنفا ، قالوا : يا رسول الله ، كيف نصنع بأيماننا التي حلفناها ~~عليها ، فأنزل الله تعالى : { لا يؤاخذكم الله باللغو في PageV07P018 ~~أيمانكم } الآية . فشرع الله الكفارة . وتقدم القول في نظير صدر هذه الآية ~~في سورة البقرة . وتقدم الاختلاف في معنى لغو اليمين . وليس في شيء من ذلك ~~ما في سبب نزول آية { يأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم } ~~( المائدة : 87 ) ، ولا في جعل مثل ما عزم عليه الذين نزلت تلك الآية في ~~شأنهم من لغو اليمين . فتأويل ما رواه الطبري والواحدي في سبب نزول هذه ~~الآية أن حادثة أولئك الذين حرموا على أنفسهم بعض الطيبات ألحقت بحكم لغو ~~اليمين في الرخصة لهم في التحلل من أيمانهم . # وقوله ms2387 : { بما عقدتم الأيمان } ، أي ما قصدتم به الحلف . وهو يبين مجمل ~~قوله في سورة البقرة ( 225 ) { بما كسبت قلوبكم . # وقرأ الجمهور عقدتم } بتشديد القاف . وقرأه حمزة ، والكسائي ، وأبو بكر ~~عن عاصم ، وخلف بتخفيف القاف . وقرأه ابن ذكوان عن ابنن عامر { عاقدتم } ~~بألف بعد العين من باب المفاعلة . فأما { عقدتم } بالتشديد فيفيد المبالغة ~~في فعل عقد ، وكذلك قراءة { عاقدتم } لأن المفاعلة فيه ليست على بابها ، ~~فالمقصود منها المبالغة ، مثل عافاه الله . وأما قراءة التخفيف فلأن مادة ~~العقد كافية في إفادة التثبيت . والمقصود أن المؤاخذة تكون على نية التوثق ~~باليمين ، فالتعبير عن التوثق بثلاثة أفعال في كلام العرب : عقد المخفف ، ~~وعقد المشدد ، وعاقد . # وقوله : { ذلك كفارة أيمانكم } إشارة إلى المذكور ، زيادة في الإيضاح . ~~والكفارة مبالغة في كفر بمعنى ستر وأزال . وأصل الكفر بفتح الكاف الستر . ~~وقد جاءت فيها دلالتان على المبالغة هما التضعيف والتاء الزائدة ، كتاء ~~نسابة وعلامة . والعرب يجمعون بينهما غالبا . # وقوله : { إذا حلفتم } أي إذا حلفتم وأردتم التحلل مما حلفتم عليه ~~PageV07P019 فدلالة هذا من دلالة الاقتضاء لظهور أن ليست الكفارة على صدور ~~الحلف بل على عدم العمل بالحلف لأن معنى الكفارة يقتضي حصول إثم ، وذلك هو ~~إثم الحنث . # وعن الشافعي أنه استدل بقوله : { كفارة أيمانكم إذا حلفتم } على جواز ~~تقديم الكفارة على وقوع الحنث ، فيحتمل أنه أخذ بظاهر إضافة { كفارة } إلى ~~{ أيمانكم } ، ويحتمل أنه أراد أن الحلف هو سبب السبب فإذا عزم الحالف على ~~عدم العمل بيمينه بعد أن حلف جاز له أن يكفر قبل الحنث لأنه من تقديم العوض ~~، ولا بأس به . ولا أحسب أنه يعني غير ذلك . وليس مراده أن مجرد الحلف هو ~~موجب الكفارة . وإذ قد كان في الكلام دلالة اقتضاء لا محالة فلا وجه ~~للاستدلال بلفظ الآية على صحة تقديم الكفارة . وأصل هذا الحكم قول مالك ~~بجواز التكفير قبل الحنث إذا عزم على الحنث . ولم يستدل بالآية . فاستدل ~~بها الشافعي تأييدا للسنة . والتكفير بعد الحنث أولى . # وعقب الترخيص الذي رخصه الله للناس في عدم المؤاخذة بأيمان ms2388 اللغو فقال { ~~واحفظوا أيمانكم } . فأمر بتوخي البر إذا لم يكن فيه حرج ولا ضر بالغير ، ~~لأن في البر تعظيم اسم الله تعالى . فقد ذكرنا في سورة البقرة أنهم جرى ~~معتادهم بأن يقسموا إذا أرادوا تحقيق الخبر ، أو إلجاء أنفسهم إلى عمل ~~يعزمون عليه لئلا يندموا عن عزمهم ، فكان في قوله { واحفظوا أيمانكم } زجر ~~لهم عن تلك العادة السخيفة . وهذا الأمر يستلزم الأمر بالإقلال من الحلف ~~لئلا يعرض الحالف نفسه للحنث . والكفارة ما هي إلا خروج من الإثم . وقد قال ~~تعالى لأيوب عليه السلام : { وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث } ( ص : 44 ) ~~. فنزهه عن الحنث بفتوى خصه بها . # وجملة { كذلك يبين الله لكم آياته } تذييل . ومعنى { كذلك } كهذا البيان ~~يبين الله ، فتلك عادة شرعه أن يكون بينا ، وقد تقدم القول في نظيره في ~~قوله تعالى : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا في سورة البقرة ( 143 ) . ~~PageV07P020 # وتقدم القول في معنى لعلكم تشكرون } عند قوله تعالى : { يأيها الناس ~~اعبدوا ربكم في سورة البقرة ( 21 ) . # $ 2 ( 90 ، 91 ) ي & # 1764 أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس من عمل ~~الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون * إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة ~~والبغضآء فى الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلواة فهل أنتم منتهون ~~} . ) 2 $ # استئناف خطاب للمؤمنين تقفية على الخطاب الذي قبله لينظم مضمونه في السلك ~~الذي انتظم فيه مضمون الخطاب السابق ، وهو قوله : { ولا تعتدوا } ( المائدة ~~: 87 ) المشير إلى أن الله ، كما نهى عن تحريم المباح ، نهى عن استحلال ~~الحرام وأن الله لما أحل الطيبات حرم الخبائث المفضية إلى مفاسد ، فإن ~~الخمر كان طيبا عند الناس ، وقد قال الله تعالى : { ومن ثمرات النخيل ~~والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا } ( النحل : 67 ) . والميسر كان وسيلة ~~لإطعام اللحم من لا يقدرون عليه . فكانت هذه الآية كالاحتراس عما قد يساء ~~تأويله من قوله { لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم } ( الأنعام : 87 ) . # وقد تقدم في سورة البقرة أن المعول عليه من أقوال علمائنا أن النهي ms2389 عن ~~الخمر وقع مدرجا ثلاث مرات : الأولى حين نزلت آية { يسألونك عن الخمر ~~والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما } ( البقرة ~~: 219 ) ، وذلك يتضمن نهيا غير جازم ، فترك شرب الخمر ناس كانوا أشد تقوى . ~~فقال عمر : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا . PageV07P021 ثم نزلت آية ~~سورة النساء ( 43 ) { يأيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى ~~تعلموا ما تقولون ، فتجنب المسلمون شربها في الأوقات التي يظن بقاء السكر ~~منها إلى وقت الصلاة ؛ فقال عمر : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا . ثم ~~نزلت الآية هذه . فقال عمر : انتهينا . # والمشهور أن الخمر حرمت سنة ثلاث من الهجرة بعد وقعة أحد ، فتكون هذه ~~الآية نزلت قبل سورة العقود ووضعت بعد ذلك في موضعها هنا . وروي أن هذه ~~الآية نزلت بسبب ملاحاة جرت بين سعد بن أبي وقاص ورجلل من الأنصار . روى ~~مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال : أتيت على نفر من الأنصار ، فقالوا : تعال ~~نطعمك ونسقك خمرا وذلك قبل أن تحرم الخمر فأتيتهم في حش ، وإذا رأس جزور ~~مشوي وزق من خمر ، فأكلت وشربت معهم ، فذكرت الأنصار والمهاجرين عندهم ، ~~فقلت : المهاجرون خير من الأنصار ، فأخذ رجل من الأنصار لحي جمل فضربني به ~~فجرح بأنفي فأتيت رسول الله فأخبرته ، فأنزل الله تعالى في إنما الخمر ~~والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه } . وروى أبو داود ~~عن ابن عباس قال : { يأيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } ( ~~النساء : 43 ) و { يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع ~~للناس } ( البقرة : 219 ) نسختهما في المائدة { إنما الخمر والميسر ~~والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان } . # فلا جرم كان هذا التحريم بمحل العناية من الشارع متقدما للأمة في إيضاح ~~أسبابه رفقا بهم واستئناسا لأنفسهم ، فابتدأهم بآية سورة البقرة ، ولم ~~يسفههم فيما كانوا يتعاطون من ذلك ، بل أنبأهم بعذرهم في قوله : { قل فيهما ~~إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما } ( البقرة : 219 ) ، ثم ~~بآية سورة النساء ، ثم ms2390 كر عليها بالتحريم بآية سورة المائدة فحصر أمرهما في ~~أنهما رجس من عمل الشيطان ورجا لهم الفلاح في اجتنابهما بقوله : { لعلكم ~~تفلحون } ، وأثار ما في الطباع من بغض الشيطان بقوله : { إنما يريد الشيطان ~~أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء } . ثم قال { فهل أنتم منتهون } ، فجاء ~~بالاستفهام لتمثيل حال المخاطبين بحال من بين له المتكلم حقيقة شيء ثم ~~اختبر مقدار تأثير ذلك البيان في نفسه . # وصيغة : هل أنت فاعل كذا . تستعمل للحث على فعل في مقام الاستبطاء ، ~~PageV07P022 نبه عليه في ( الكشاف ) عند قوله تعالى : { وقيل للناس هل أنتم ~~مجتمعون في سورة الشعراء ( 39 ) ، قال : ومنه قول تأبط شرا : # هل أنت باعث دينار لحاجتنا # أو عبد رب أخا عونن بنن مخراق # ( دينار اسم رجل ، وكذا عبد رب . وقوله : أخا عون أو عوف نداء ، أي يا ~~أخا عون ) . فتحريم الخمر متقرر قبل نزول هذه السورة ، فإن وفد عبد القيس ~~وفدوا قبل فتح مكة في سنة ثمان ، فكان مما أوصاهم به رسول الله أن لا ~~ينتبذوا في الحنتم والنقير والمزفت والدباء ، لأنها يسرع الاختمار إلى ~~نبيذها . # والمراد بالأنصاب هنا عبادة الأنصاب . والمراد بالأزلام الاستقسام بها ، ~~لأن عطفها على الميسر يقتضي أنها أزلام غير الميسر . قال في الكشاف } : ذكر ~~الأنصاب والأزلام مع الخمر والميسر مقصود منه تأكيد التحريم للخمر والميسر ~~. وتقدم الكلام على الخمر والميسر في آية سورة البقرة ، وتقدم الكلام على ~~الأنصاب عند قوله تعالى : { وما ذبح على النصب } ( المائدة : 3 ) ، والكلام ~~على الأزلام عند قوله : { وأن تستقسموا بالأزلام في أول هذه السورة ( 3 ) . ~~وأكد في هذه الآية تحريم ما ذبح على النصب وتحريم الاستقسام بالأزلام وهو ~~التحريم الوارد في أول السورة والمقرر في الإسلام من أول البعثة . # والمراد بهذه الأشياء الأربعة هنا تعاطيها ، كل بما يتعاطى به من شرب ~~ولعب وذبح واستقسام . والقصر المستفاد من إنما } قصر موصوف على صفة ، أي أن ~~هذه الأربعة المذكورات مقصورة على الاتصاف بالرجس لا تتجاوزه إلى غيره ، ~~وهو ادعائي للمبالغة في عدم الاعتداد بما عدا صفة الرجس من ms2391 صفات هذه ~~الأربعة . ألا ترى أن الله قال في سورة البقرة ( 219 ) في الخمر والميسر { ~~قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس ، فأثبت لهما الإثم ، وهو صفة PageV07P023 ~~تساوي الرجس في نظر الشريعة ، لأن الإثم يقتضي التباعد عن التلبس بهما مثل ~~الرجس . وأثبت لهما المنفعة ، وهي صفة تساوي نقيض الرجس ، في نظر الشريعة ، ~~لأن المنفعة تستلزم حرص الناس على تعاطيهما ، فصح أن للخمر والميسر صفتين . ~~وقد قصر في آية المائدة على ما يساوي إحدى تينك الصفتين أعني الرجس ، فما ~~هو إلا قصر ادعائي يشير إلى ما في سورة البقرة ( 219 ) من قوله : وإثمهما ~~أكبر من نفعهما ، فإنه لما نبهنا إلى ترجيح ما فيهما من الإثم على ما فيهما ~~من المنفعة فقد نبهنا إلى دحض ما فيهما من المنفعة قبالة ما فيهما من الإثم ~~حتى كأنهما تمحضا للاتصاف بفيهما إثم } ( البقرة : 219 ) ، فصح في سورة ~~المائدة أن يقال في حقهما ما يفيد انحصارهما في أنهما فيهما إثم ، أي ~~انحصارهما في صفة الكون في هذه الظرفية كالانحصار الذي في قوله : { إن ~~حسابهم إلا على ربي } ( الشعراء : 113 ) ، أي حسابهم مقصور على الاتصاف ~~بكونه على ربي ، أي انحصر حسابهم في معنى هذا الحرف . وذلك هو ما عبر عنه ~~بعبارة الرجس . # والرجس الخبث المستقذر والمكروه من الأمور الظاهرة ، ويطلق على المذمات ~~الباطنة كما في قوله : { وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم ~~} ( التوبة : 125 ) ، وقوله : { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ~~} ( الأحزاب : 33 ) . والمراد به هنا الخبيث في النفوس واعتبار الشريعة . ~~وهو اسم جنس فالإخبار به كالإخبار بالمصدر ، فأفاد المبالغة في الاتصاف به ~~حتى كأن هذا الموصوف عين الرجس . ولذلك أيضا أفرد ( رجس ) مع كونه خبرا عن ~~متعدد لأنه كالخبر بالمصدر . # ومعنى كونها من عمل الشيطان أن تعاطيها بما تتعاطى لأجله من تسويله للناس ~~تعاطيها ، فكأنه هو الذي عملها وتعاطاها ، وفي ذلك تنفير لمتعاطيها بأنه ~~يعمل عمل الشيطان ، فهو شيطان ، وذلك مما تأباه النفوس . PageV07P024 # والفاء في { فاجتنبوه } للتفريع وقد ظهر حسن موقع ms2392 هذا التفريع بعد التقدم ~~بما يوجب النفرة منها . والضمير المنصوب في قوله { فاجتنبوه } عائد إلى ~~الرجس الجامع للأربعة . و { لعلكم تفلحون } رجاء لهم أن يفلحوا عند اجتناب ~~هذه المنهيات إذا لم يكونوا قد استمروا على غيرها من المنهيات . وتقدم ~~القول في نظيره عند قوله تعالى : { يأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم ~~والذين من قبلكم لعلكم تتقون } ( البقرة : 21 ) . وقد بينت ما اخترته في ~~محل ( لعل ) وهو المطرد في جميع مواقعها ، وأما المحامل التي تأولوا بها ( ~~لعل ) في آية سورة البقرة فبعضها لا يتأتى في هذه الآية فتأمله . # واجتناب المذكورات هو اجتناب التلبس بها فيما تقصد له من المفاسد بحسب ~~اختلاف أحوالها ؛ فاجتناب الخمر اجتناب شربها ؛ والميسر اجتناب التقامر به ~~، والأنصاب اجتناب الذبح عليها ؛ والأزلام اجتناب الاستقسام بها واستشارتها ~~. ولا يدخل تحت هذا الاجتناب اجتناب مسها أو إراءتها للناس للحاجة إلى ذلك ~~من اعتبار ببعض أحوالها في الاستقطار ونحوه ، أو لمعرفة صورها ، أو حفظها ~~كآثار من التاريخ ؛ أو ترك الخمر في طور اختمارها لمن عصر العنب لاتخاذه ~~خلا ، على تفصيل في ذلك واختلاف في بعضه . # فأما اجتناب مماسة الخمر واعتبارها نجسة لمن تلطخ بها بعض جسده أو ثوبه ~~فهو مما اختلف فيه أهل العلم ؛ فمنهم من حملوا الرجس في الآية بالنسبة ~~للخمر على معنييه المعنوي والذاتي ، فاعتبروا الخمر نجس العين يجب غسلها ~~كما يجب غسل النجاسة ، حملا للفظ الرجس على جميع ما يحتمله . وهو قول مالك ~~. ولم يقولوا بذلك في قداح الميسر ولا في حجارة الأنصاب ولا في الأزلام ~~والتفرقة بين هذه الثلاث وبين الخمر لا وجه لها من النظر . وليس في الأثر ~~ما يحتج به لنجاسة الخمر . ولعل كون الخمر مائعة هو الذي قرب شبهها ~~بالأعيان النجسة ، فلما وصفت بأنها رجس حمل في خصوصها على معنييه . وأما ما ~~ورد في حديث أنس أن كثيرا من PageV07P025 الصحابة غسلوا جرار الخمر لما ~~نودي بتحريم شربها لذلك من المبالغة في التبرىء منها وإزالة أثرها قبل ~~التمكن من النظر فيما سوى ذلك ، ألا ترى ms2393 أن بعضهم كسر جرارها ، ولم يقل أحد ~~بوجوب كسر الإناء الذي فيه شيء نجس . على أنهم فعلوا ذلك ولم يؤمروا به من ~~الرسول صلى الله عليه وسلم # وذهب بعض أهل العلم إلى عدم نجاسة عين الخمر . وهو قول ربيعة بن أبي عبد ~~الرحمن ، والليث بن سعد ، والمزني من أصحاب الشافعي ، وكثير من البغداديين ~~من المالكية ومن القيروانيين ؛ منهم سعيد بن الحداد القيرواني . وقد استدل ~~سعيد بن الحداد على طهارتها بأنها سفكت في طرق المدينة ، ولو كانت نجسا ~~لنهوا عنه ، إذ قد ورد النهي عن إراقة النجاسة في الطرق . وذكر ابن الفرس ~~عن ابن لبابة أنه أقام قولا بطهارة عين الخمر من المذهب . # وأقول : الذي يقتضيه النظر أن الخمر ليست نجس العين ، وأن مساق الآية ~~بعيد عن قصد نجاسة عينها ، إنما القصد أنها رجس معنوي ، ولذلك وصفه بأنه من ~~عمل الشيطان ، وبينه بعد بقوله : { إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم ~~العداوة } ، ولأن النجاسة تعتمد الخباثة والقذارة وليست الخمر كذلك ، وإنما ~~تنزه السلف عن مقاربتها لتقرير كراهيتها في النفوس . # وجملة { إنما يريد الشيطان } بيان لكونها من عمل الشيطان . ومعنى يريد ~~يحب وقد تقدم بيان كون الإرادة بمعنى المحبة عند قوله تعالى : { ألم تر إلى ~~الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل في ~~سورة النساء ( 44 ) . # وتقدم الكلام على العداوة والبغضاء عند قوله تعالى : وألقينا بينهم ~~العداوة والبغضاء في هذه السورة ( 64 ) . # وقوله : في الخمر والميسر } أي في تعاطيهما ، على متعارف إضافة الأحكام ~~إلى الذوات ، أي بما يحدث في شرب الخمر من إثارة الخصومات والإقدام ~~PageV07P026 على الجرائم ، وما يقع في الميسر من التحاسد على القامر ، ~~والغيظ والحسرة للخاسر ، وما ينشأ عن ذلك من التشاتم والسباب والضرب . على ~~أن مجرد حدوث العداوة والبغضاء بين المسلمين مفسدة عظيمة ، لأن الله أراد ~~أن يكون المؤمنون إخوة إذ لا يستقيم أمر أمة بين أفرادها البغضاء . وفي ~~الحديث : ( لا تباغضوا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخوانا ) . # و ( في ) من قوله { في الخمر والميسر } للسبيبة ms2394 أو الظرفية المجازية ، أي ~~في مجالس تعاطيهما . # وأما الصد عن ذكر الله وعن الصلاة فلما في الخمر من غيبوبة العقل ، وما ~~في الميسر من استفراغ الوقت في المعاودة لتطلب الربح . # وهذه أربع علل كل واحدة منها تقتضي التحريم ، فلا جرم أن كان اجتماعها ~~مقتضيا تغليظ التحريم . ويلحق بالخمر كل ما اشتمل على صفتها من إلقاء ~~العداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله وعن الصلاة . ويلحق بالميسر كل ما ~~شاركه في إلقاء العداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله وعن الصلاة ، وذلك ~~أنواع القمار كلها أما ما كان من اللهو بدون قمار كالشطرنج دون قمار ، فذلك ~~دون الميسر ، لأنه يندر أن يصد عن ذكر الله وعن الصلاة ، ولأنه لا يوقع في ~~العداوة والبغضاء غالبا ، فتدخل أحكامه تحت أدلة أخرى . # والذكر المقصود في قوله : { عن ذكر الله } يحتمل أنه من الذكر اللسان ~~فيكون المراد به القرآن وكلام الرسول عليه الصلاة والسلام الذي فيه نفعهم ~~وإرشادهم ، لأنه يشتمل على بيان أحكام ما يحتاجون إليه فإذا انغمسوا في شرب ~~الخمر وفي التقامر غابوا عن مجالس الرسول وسماعع خطبه ، وعن ملاقاة أصحابه ~~الملازمين له فلم يسمعوا الذكر ولا يتلقوه من أفواه سامعيه فيجهلوا شيئا ~~كثيرا فيه ما يجب على المكلف معرفته . فالسيء الذي يصد عن هذا هو مفسدة ~~عظيمة يستحق أن يحرم تعاطيه ، ويحتمل أن المراد به الذكر القلبي وهو تذكر ~~ما أمر الله به ونهى عنه فإن ذكر ذلك هو ذكر الله كقول عمر بن الخطاب : ~~أفضل من ذكر الله باللسان ذكر الله عند أمره ونهيه . فالشيء الذي يصد عن ~~تذكر أمر الله ونهيه هو ذريعة للوقوع في مخالفة الأمر وفي اقتحام ~~PageV07P027 النهي . وليس المقصود بالذكر في هذه الآية ذكر الله باللسان ~~لأنه ليس شيء منه بواجب عدا ما هو من أركان الصلاة فذلك مستغنى عنه بقوله : ~~{ وعن الصلاة } . # وقوله : { فهل أنتم منتهون } الفاء تفريع عن قوله : { إنما يريد الشيطان ~~} الآية ، فإن ما ظهر من مفاسد الخمر والميسر كاف في انتهاء الناس عنهما ~~فلم يبق حاجة ms2395 لإعادة نهيهم عنهما ، ولكن يستغنى عن ذلك باستفهامهم عن مبلغ ~~أثر هذا البيان في نفوسهم ترفيعا بهم إلى مقام الفطن الخبير ، ولو كان بعد ~~هذا البيان كله نهاهم عن تعاطيها لكان قد أنزلهم منزلة الغبي ، ففي هذا ~~الاستفهام من بديع لطف الخطاب ما بلغ به حد الإعجاز . # ولذلك اختير الاستفهام ب { هل } التي أصل معناها ( قد ) . وكثر وقوعها في ~~حيز همزة الاستفهام ، فاستغنوا ب { هل } عن ذكر الهمزة ، فهي لاستفهامم ~~مضمن تحقيق الإسناد المستفهم عنه وهو { أنتم منتهون } ، دون الهمزة إذ لم ~~يقل : أتنتهون ، بخلاف مقام قوله { وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون } ( ~~الفرقان : 20 ) . وجعلت الجملة بعد { هل } اسمية لدلالتها على ثبات الخبر ~~زيادة في تحقيق حصول المستفهم عنه ، فالاستفهام هنا مستعمل في حقيقته ، ~~وأريد معها معناه الكنائي ، وهو التحذير من انتفاء وقوع المستفهم عنه . ~~ولذلك روي أن عمر لما سمع الآية قال : ( انتهينا انتهينا ) . ومن المعلوم ~~للسامعين من أهل البلاغة أن الاستفهام في مثل هذا المقام ليس مجردا عن ~~الكناية . فما حكي عن عمرو بن معد يكرب من قوله ( إلا أن الله تعالى قال { ~~فهل أنتم منتهون } فقلنا : لا ) إن صح عنه ذلك . ولي في صحته شك ، فهو خطأ ~~في الفهم أو التأويل . وقد شذ نفر من السلف نقلت عنهم أخبار من الاستمرار ~~على شرب الخمر ، لا يدرى مبلغها من الصحة . ومحملها ، إن صحت ، على أنهم ~~كانوا يتأولون قوله تعالى { فهل أنتم منتهون } على أنه نهي غير جازم . ولم ~~يطل ذلك بينهم . PageV07P028 # قيل : إن قدامة بن مظعون ، ممن شهد بدرا ، ولاه عمر على البحرين ، فشهد ~~عليه أبو هريرة والجارود بأنه شرب الخمر ، وأنكر الجارود ، وتمت الشهادة ~~عليه برجل وامرأة . فلما أراد عمر إقامة الحد عليه قال قدامة : لو شربتها ~~كما يقولون ما كان لك أن تجلدني . قال عمر : لم ، قال : لأن الله يقول : { ~~ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا ~~وعملوا الصالحات } ( المائدة : 93 ) ، فقال عمر : أخطأت التأويل إنك إذا ~~اتقيت الله اجتنبت ms2396 ما حرم عليك ) . ويروى أن وحشيا كان يشرب الخمر بعد ~~إسلامه ، وأن جماعة من المسلمين من أهل الشام شربوا الخمر في زمن عمر ، ~~وتأولوا التحريم فتلوا قوله تعالى : { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~جناح فيما طعموا } ( المائدة : 93 ) ، وأن عمر استشار عليا في شأنهم ، ~~فاتفقا على أن يستتابوا وإلا قتلوا . وفي صحة هذا نظر أيضا . وفي كتب ~~الأخبار أن عيينة بن حصن نزل على عمرو بن معد يكرب في محلة بني زبيد ~~بالكوفة فقدم له عمرو خمرا ، فقال عيينة : أو ليس قد حرمها الله . قال عمرو ~~: أنت أكبر سنا أم أنا ، قال عيينة : أنت . قال : أنت أقدم إسلاما أم أنا ، ~~قال : أنت . قال : فإني قد قرأت ما بين الدفتين ، فوالله ما وجدت لها ~~تحريما إلا أن الله قال : فهل أنتم منتهون ، فقلنا : لا ) . فبات عنده ~~وشربا وتنادما ، فلما أراد عيينة الانصراف قال عيينة بن حصن : # جزيت أبا ثور جزاء كرامة # فنعم الفتى المزدار والمتضيف # قريت فأكرمت القرى وأفدتنا # تحية علم لم تكن قبل تعرف # وقلت : حلال أن ندير مدامة # كلون انعقاقق البرقق والليل مسدف # وقدمت فيها حجة عربية # ترد إلى الإنصاف من ليس ينصف PageV07P029 # وأنت لنا والله ذي العرش قدوة # إذا صدنا عن شربها المتكلف # نقول : أبو ثور أحل شرابها # وقول أبي ثور أسد وأعرف # وحذف متعلق { منتهون } لظهوره ، إذ التقدير : فهل أنتم منتهون عنهما ، أي ~~عن الخمر والميسر ، لأن تفريع هذا الاستفهام عن قوله : { إنما يريد الشيطان ~~} يعين أنهما المقصود من الانتهاء . # واقتصار الآية على تبيين مفاسد شرب الخمر وتعاطي الميسر دون تبيين ما في ~~عبادة الأنصاب والاستقسام بالأزلام من الفساد ، لأن إقلاع المسلمين عنهما ~~قد تقرر قبل هذه الآية من حين الدخول في الإسلام لأنهما من مآثر عقائد ~~الشرك ، ولأنه ليس في النفوس ما يدافع الوازع الشرعي عنهما بخلاف الخمر ~~والميسر فإن ما فيهما من اللذات التي تزجي بالنفوس إلى تعاطيهما قد يدافع ~~الوزاع الشرعي ، فلذلك أكد النهي عنهما أشد مما أكد النهي عن الأنصاب ~~والأزلام . # $ 2 ms2397 ( 92 ) { وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلمو & # 1764 ا أنما على رسولنا البلاغ المبين } . ) 2 $ # عطفت جملة { وأطيعوا } على جملة { فهل أنتم منتهون } ( المائدة : 91 ) ، ~~وهي كالتذييل ، لأن طاعة الله ورسوله تعم ترك الخمر والميسر والأنصاب ~~والأزلام وتعم غير ذلك من وجوه الامتثال والاجتناب . وكرر { وأطيعوا } ~~اهتماما بالأمر بالطاعة . وعطف { واحذروا } على { أطيعوا } أي وكونوا على ~~حذر . وحذف مفعول { احذروا } لينزل الفعل منزلة اللازم لأن القصد التلبس ~~بالحذر في أمور الدين ، أي الحذر من الوقوع فيما يأباه الله ورسوله ، وذلك ~~أبلغ من أن يقال واحذروهما ، لأن الفعل اللازم يقرب معناه من معنى أفعال ~~السجايا ، ولذلك يجيء اسم الفاعل منه على زنة فعلل كفرح ونهم . PageV07P030 # وقوله : { فإن توليتم } تفريع عن { أطيعوا واحذروا } . والتولي هنا ~~استعارة للعصيان ، شبه العصيان بالإعراض والرجوع عن الموضع الذي كان به ~~العاصي ، بجامع المقاطعة والمفارقة ، وكذلك يطلق عليه الإدبار . ففي حديث ~~ابن صياد ( ولئن أدبرت ليعقرنك الله ) أي أعرضت عن الإسلام . # وقوله : { فاعلموا } هو جواب الشرط باعتبار لازم معناه لأن المعنى : فإن ~~توليتم عن طاعة الرسول فاعلموا أن لا يضر توليكم الرسول لأن عليه البلاغ ~~فحسب ، أي وإنما يضركم توليكم ، ولولا لازم هذا الجواب لم ينتظم الربط بين ~~التولي وبين علمهم أن الرسول عليه الصلاة والسلام ما أمر إلا بالتبليغ . ~~وذكر فعل { فاعلموا } للتنبيه على أهمية الخبر كما بيناه عند قوله تعالى : ~~{ واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه في سورة البقرة ( 223 ) . # وكلمة أنما } بفتح الهمزة تقيد الحصر ، مثل ( إنما ) المكسورة الهمزة ، ~~فكما أفادت المكسورة الحصر بالاتفاق فالمفتوحتها تفيد الحصر لأنها فرع عن ~~المكسورة إذ هي أختها . ولا ينبغي بقاء خلاف من خالف في إفادتها الحصر ، ~~والمعنى أن أمره محصور في التبليغ لا يتجاوزه إلى القدرة على هدي المبلغ ~~إليهم . # وفي إضافة الرسول إلى ضمير الجلالة تعظيم لجانب هذه الرسالة وإقامة ~~لمعذرته في التبليغ بأنه رسول من القادر على كل شيء ، فلو شاء مرسله لهدى ~~المرسل إليهم فإذا لم يهتدوا فليس ذلك لتقصير من الرسول . # ووصف ms2398 البلاغ ب { المبين } استقصاء في معذرة الرسول وفي الإعذار للمعرضين ~~عن الامتثال بعد وضوح البلاغ وكفايته وكونه مؤيدا بالحجة الساطعة . # $ 2 ( 93 ) { ليس على الذين ءامنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعمو & # 1764 ا إذا ما اتقوا وءامنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وءامنوا ثم اتقوا ~~وأحسنوا والله يحب المحسنين } . ) 2 $ PageV07P031 # هذه الآية بيان لما عرض من إجمال في فهم الآية التي قبلها ، إذ ظن بعض ~~المسلمين أن شرب الخمر قبل نزول هذه الآية قد تلبس بإثم لأن الله وصف الخمر ~~وما ذكر معها بأنها رجس من عمل الشيطان . فقد كان سبب نزول هذه الآية ما في ~~( الصحيحين ) وغيرهما عن أنس بن مالك ، والبراء بن عازب ، وابن عباس ، أنه ~~لما نزل تحريم الخمر قال ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كيف ~~بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر أو قال وهي في بطونهم وأكلوا الميسر ~~. فأنزل الله : { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا } ~~الآية . وفي تفسير الفخر روى أبو بكر الأصم أنه لما نزل تحريم الخمر قال ~~أبو بكر الصديق : يا رسول الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وقد شربوا الخمر ~~وفعلوا القمار ، وكيف بالغائبين عنا في البلدان لا يشعرون أن الله حرم ~~الخمر وهم يطعمونها . فأنزل الله هذه الآيات . # وقد يلوح ببادىء الرأي أن حال الذين توفوا قبل تحريم الخمر ليس حقيقا بأن ~~يسأل عنه الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم للعلم بأن الله لا يؤاخذ ~~أحدا بعمل لم يكن محرما من قبل فعله ، وأنه لا يؤاخذ أحدا على ارتكابه إلا ~~بعد أن يعلم بالتحريم ، فالجواب أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا ~~شديدي الحذر مما ينقص الثواب حريصين على كمال الاستقامة فلما نزل في الخمر ~~والميسر أنهما رجس من عمل الشيطان خشوا أن يكون للشيطان حظ في الذين شربوا ~~الخمر وأكلوا اللحم بالميسر وتوفوا قبل الإقلاع عن ذلك أو ماتوا والخمر في ~~بطونهم مخالطة أجسادهم ، فلم يتمالكوا أن سألوا النبي صلى الله عليه وسلم ~~عن ms2399 حالهم لشدة إشفاقهم على إخوانهم . كما سأل عبد الله بن أم مكتوم لما نزل ~~قوله تعالى : { لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله ~~بأموالهم وأنفسهم } ( النساء : 95 ) فقال : يا رسول الله ، فكيف وأنا أعمى ~~لا أبصر فأنزل الله { غير أولي الضرر } ( النساء : 143 ) . وكذلك ما وقع ~~لما غيرت القبلة من استقبال بيت المقدس إلى استقبال الكعبة قال ناس : فكيف ~~بإخواننا الذين ماتوا وهم يستقبلون بيت المقدس ، فأنزل PageV07P032 الله ~~تعالى { وما كان الله ليضيع إيمانكم } ( البقرة : 143 ) ، أي صلاتكم فكان ~~القصد من السؤال التثبت في التفقه وأن لا يتجاوزوا التلقي من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في أمور دينهم . # ونفي الجناح نفي الإثم والعصيان . و ( ما ) موصولة . و { طعموا } صلة . ~~وعائد الصلة محذوف . وليست ( ما ) مصدرية لأن المقصود العفو عن شيء طعموه ~~معلومم من السؤال ، فتعليق ظرفية ما طعموا بالجناح هو على تقدير : في طعم ~~ما طعموه . # وأصل معنى { طعموا } أنه بمعنى أكلوا ، قال تعالى : { فإذا طعمتم ~~فانتشروا } ( الأحزاب : 259 ) . وحقيقة الطعم الأكل والشيء المأكول طعام . ~~وليس الشراب من الطعام بل هو غيره ، ولذلك عطف في قوله تعالى { فانظر إلى ~~طعامك وشرابك لم يتسنه } ( البقرة : 259 ) . ويدل لذلك استثناء المأكولات ~~منه في قوله تعالى : { قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا ~~أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله ~~به } ( الأنعام : 145 ) . ويقال : طعم بمعنى أذاق ومصدره الطعم بضم الطاء ~~اعتبروه مشتقا من الطعم الذي هو حاسة الذوق . وتقدم قوله تعالى { ومن لم ~~يطعمه فإنه مني } ( البقرة : 249 ) ، أي ومن لم يذقه ، بقرينة قوله { فمن ~~شرب منه } ( البقرة : 249 ) . ويقال : وجدت في الماء طعم التراب . ويقال ~~تغير طعم الماء ، أي أسن . فمن فصاحة القرآن إيراد فعل { طعموا } هنا لأن ~~المراد نفي التبعة عمن شربوا الخمر وأكلوا لحم الميسر قبل نزول آية ~~تحريمهما . واستعمل اللفظ في معنييه ، أي في حقيقته ومجازه ، أو هو من ~~أسلوب التغليب . # وإذ ms2400 قد عبر بصيغة المضي في قوله { طعموا } تعين أن يكون { إذا } ظرفا ~~للماضي ، وذلك على أصح القولين للنحاة ، وإن كان المشهور أن ( إذا ) ظرف ~~للمستقبل ، والحق أن ( إذا ) تقع ظرفا للماضي . وهو الذي اختاره ابن مالك ~~ودرج عليه ابن هشام في ( مغني اللبيب ) . وشاهده قوله تعالى : { ولا على ~~الذين PageV07P033 إذا ما أتوك لتحملهم } ( التوبة : 92 ) ، وقوله : { وإذا ~~رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها } ( الجمعة : 11 ) ، وآيات كثيرة . ~~فالمعنى لا جناح عليهم إذ كانوا آمنوا واتقوا ، ويؤول معنى الكلام : ليس ~~عليهم جناح لأنهم آمنوا واتقوا فيما كان محرما يومئذ وما تناولوا الخمر ~~وأكلوا الميسر إلا قبل تحريمهما . # هذا تفسير الآية الجاري على ما اعتمده جمهور المفسرين جاريا على ما ورد ~~في من سبب نزولها في الأحاديث الصحيحة . # ومن المفسرين من جعل معنى الآية غير متصل بآية تحريم الخمر والميسر . ~~وأحسب أنهم لم يلاحظوا ما روي في سبب نزولها لأنهم رأوا أن سبب نزولها لا ~~يقصرها على قضية السبب بل يعمل بعموم لفظها على ما هو الحق في أن عموم ~~اللفظ لا يخصص بخصوص السبب ، فقالوا : رفع الله الجناح عن المؤمنين في أي ~~شيء طعموه من مستلذات المطاعم وحلالها ، إذا ما اتقوا ما حرم الله عليهم ، ~~أي ليس من البر حرمان النفس بتحريم الطيبات بل البر هو التقوى ، فيكون من ~~قبيل قوله تعالى : { وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من ~~اتقى } ( البقرة : 189 ) . وفسر به في ( الكشاف ) مبتدئا به . وعلى هذا ~~الوجه يكون معنى الآية متصلا بآية : { يأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ~~ما أحل الله لكم } ، فتكون استئنافا ابتدائيا لمناسبة ما تقدم من النهي عن ~~أن يحرموا على أنفسهم طيباتت ما أحل الله لهم بنذر أو يمينن على الامتناع . # وادعى بعضهم أن هذه الآية نزلت في القوم الذين حرموا على أنفسهم اللحوم ~~وسلكوا طريق الترهب . ومنهم عثمان بن مظعون ، ولم يصح أن هذا سبب نزولها . ~~وعلى هذا التفسير يكون { طعموا } مستعملا في المعنى المشهور وهو الأكل ، ~~وتكون كلمة ms2401 ( إذا ) مستعملة في المستقبل ، وفعل PageV07P034 { طعموا } من ~~التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي بقرينة كلمة ( إذا ) ، كما في قوله تعالى ~~: { ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون } ( الروم : 25 ) . # ويعكر على هذا التفسير أن الذين حرموا الطيبات على أنفسهم لم ينحصر ~~تحريمهم في المطعوم والشراب بل يشمل اللباس والنساء ، اللهم إلا أن يقال : ~~إن الكلام جرى على مراعاة الغالب في التحريم . # وقال الفخر : زعم بعض الجهال أن الله تعالى لما جعل الخمر محرمة عندما ~~تكون موقعة للعداوة والبغضاء وصادة عن ذكر الله وعن الصلاة بين في هذه ~~الآية أنه لا جناح على من طعمها إذا لم يحصل معه شيء من تلك المفاسد ، بل ~~حصل معه الطاعة والتقوى والإحسان إلى الخلق ، ولا يمكن حمله على أحوال من ~~شرب الخمر قبل نزول آية التحريم لأنه لو كان ذلك لقال ما كان جناح على ~~الذين طعموا ، كما ذكر في آية تحويل القبلة ، فقال { وما كان الله ليضيع ~~إيمانكم } ( البقرة : 143 ) ولا شك أن ( إذا ) للمستقبل لا للماضي . قال ~~الفخر : وهذا القول مردود بإجماع كل الأمة . وأما قولهم ( إذا ) للمستقبل ، ~~فجوابه أن الحل للمستقبل عن وقت نزول الآية في حق الغائبين . # والتقوى امتثال المأمورات واجتناب المنهيات ، ولذلك فعطف { وعملوا ~~الصالحات } على { اتقوا } من عطل الخاص على العام ، للاهتمام به ، كقوله ~~تعالى : { من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكائل } ، ولأن اجتناب ~~المنهيات أسبق تبادرا إلى الأفهام في لفظ التقوى لأنها مشتقة من التوقي ~~والكف . # وأما عطف { وآمنوا } على { اتقوا } فهو اعتراض للإشارة إلى أن الإيمان هو ~~أصل التقوى ، كقوله تعالى { فك رقبة أو أطعام } إلى قوله ثم كان من الذين ~~آمنوا . والمقصود من هذا الظرف الذي هو كالشرط مجرد التنويه بالتقوى ~~والإيمانن والعملل الصالح ، وليس المقصود أن نفي PageV07P035 الجناح عنهم ~~قيد بأن يتقوا ويؤمنوا ويعملوا الصالحات ، للعلم بأن لكل عمل أثرا على فعله ~~أو على تركه ، وإذ قد كانوا مؤمنين من قبل ، وكان الإيمان عقدا عقليا لا ~~يقبل التجدد تعين أن المراد بقوله ms2402 : { وآمنوا } معنى وداموا على الإيمان ~~ولم ينقضوه بالكفر . # وجملة { ثم اتقوا وآمنوا } تأكيد لفظي لجملة { إذا ما اتقوا وآمنوا ~~وعملوا الصالحات } وقرن بحرف { ثم } الدال على التراخي الرتبي ليكون إيماءا ~~إلى الازدياد في التقوى وآثار الإيمان ، كالتأكيد في قوله تعالى : { كلا ~~سيعلمون ثم كلا سيعلمون } ( النبإ : 4 ، 5 ) ولذلك لم يكرر قوله : { وعملوا ~~الصالحات } لأن عمل الصالحات مشمول للتقوى . # وأما جملة { ثم اتقوا وأحسنوا } فتفيد تأكيدا لفظيا لجملة { ثم اتقوا } ~~وتفيد الارتقاء في التقوء بدلالة حرف { ثم } على التراخي الرتبي . مع زيادة ~~صفة الإحسان . وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم الإحيان بقوله : ( أن تعبد ~~الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) . وهذا يتضمن الإيمان لا محالة ~~فلذلك استغني عن إعادة { وآمنوا } هنا . ويشمل فعل { وأحسنوا } الإحسان إلى ~~المسلمين ، وهو زائد على التقوى ، لأن منه إحسانا غير واجب وهو مما يجلب ~~مرضاة الله ، ولذلك ذيله بقوله : { والله يحب المحسنين } . # وقد ذهب المفسرون في تأويل التكرير الواقع في هذه الآية طرائق مختلفة لا ~~دلائل عليها في نظم الآية ، ومرجعها جعل التكرير في قوله : { ثم اتقوا } ~~على معنى تغاير التقوى والإيمان باختلاف الزمان أو باختلاف الأحوال . وذهب ~~بعضهم في تأويل قوله تعالى { إذا ما اتقوا } وما عطف عليه إلى وجوه نشأت عن ~~حمله على معنى التقييد لنفي الجناح بحصول المشروط . وفي جلبها طول . # وقد تقدم أن بعضا من السلف تأول هذه الآية على معنى الرخصة في ~~PageV07P036 شرب الخمر لمن اتقى الله فيما عد ، ولم يكن الخمر وسيلة له إلى ~~المحرمات ، ولا إلى إضرار الناس . وينسب هذا إلى قدامة بن مظعون ، كما تقدم ~~في تفسير آية تحريم الخمر : وأن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب لم يقبلاه ~~منه . # $ 2 ( 94 ) { ي & # 1764 اأيها الذين ءامنوا ليبلونكم الله بشىء من الصيد تناله أيديكم ~~ورماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب فمن اعتدى بعد ذالك فله عذاب أليم } . ~~) 2 $ # لا أحسب هذه الآية إلا تبيينا لقوله في صدر السورة { غير محلى الصيد ~~وأنتم ms2403 حرم } ( المائدة : 1 ) ، وتخلصا لحكم قتل الصيد في حالة الإحرام ، ~~وتمهيدا لقوله : { يأيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم } ( ~~المائدة : 95 ) جرت إلى هذا التخلص مناسبة ذكر المحرمات من الخمر والميسر ~~وما عطف عليهما ؛ فخاطب الله المؤمنين بتنبيههم إلى حالة قد يسبق فيها ~~حرصهم ، حذرهم وشهوتهم تقواهم . وهي حالة ابتلاء وتمحيص ، يظهر بها في ~~الوجود اختلاف تمسكهم بوصايا الله تعالى ، وهي حالة لم تقع وقت نزول هذه ~~الآية ، لأن قوله { ليبلونكم } ظاهر في الاستقبال ، لأن نون التوكيد لا ~~تدخل على المضارع في جواب القسم إلا وهو بمعنى المستقبل . والظاهر أن حكم ~~إصابة الصيد في حالة الإحرام أو في أرض الحرم لم يكن مقررا بمثل هذا . وقد ~~روي عن مقاتل : أن المسلمين في عمرة الحديبية غشيهم صيد كثير في طريقهم ، ~~فصار يترامى على رحالهم وخيامهم ، فمنهم المحل ومنهم المحرم ، وكانوا ~~يقدرون على أخذه بالأيدي ، وصيد بعضه بالرماح . ولم يكونوا رأوا الصيد كذلك ~~قط ، فاختلفت أحوالهم في الإقدام على إمساكه . فمنهم من أخذ بيده وطعن ~~برمحه . فنزلت هذه الآية اه . فلعل هذه الآية ألحقت بسورة المائدة إلحاقا ، ~~لتكون تذكرة لهم في عام حجة الوداع ليحذروا مثل ما حل بهم يوم الحديبية . ~~وكانوا PageV07P037 في حجة الوداع أحوج إلى التحذير والبيان ، لكثرة عدد ~~المسلمين عام حجة الوداع وكثرة من فيهم من الأعراب ، فذلك يبين معنى قوله { ~~تناله أيديكم ورماحكم } لإشعار قوله { تناله } بأن ذلك في مكنتهم وبسهولة ~~الأخذ . # والخطاب للمؤمنين ، وهو مجمل بينه قوله عقبه { يأيها الذين آمنوا لا ~~تقتلوا الصيد وأنتم حرم } ( المائدة : 95 ) . قال أبو بكر بن العربي : ~~اختلف العلماء في المخاطب بهذه الآية على قولين : أحدهما : أنهم المحلون ، ~~قاله مالك ، الثاني : أنهم المحرمون ، قاله ابن عباس وغيره اه . وقال في ( ~~القبس ) : توهم بعض الناس أن المراد بالآية تحريم الصيد في حال الإحرام ، ~~وهذه عضلة ، إنما المراد به الابتلاء في حالتي الحل والحرمة اه . # ومرجع هذا الاختلاف النظر في شمول الآية لحكم ما يصطاده الحلال من صيد ~~الحرم وعدم شمولها بحيث ms2404 لا يحتاج في إثبات حكمه إلى دليل آخر أو يحتاج . ~~قال ابن العربي في ( الأحكام ) : ( إن قوله { ليبلونكم } الذي يقتضي أن ~~التكليف يتحقق في المحل بما شرط له من أمور الصيد وما شرط له من كيفية ~~الاصطياد . والتكليف كله ابتلاء وإن تفاضل في القلة والكثرة وتباين في ~~الضعف والشدة ) . يريد أن قوله : { ليبلونكم الله بشيء من الصيد } لا يراد ~~به الإصابة ببلوى ، أي مصيبة قتل الصيد المحرم بل يراد ليكلفنكم الله ببعض ~~أحوال الصيد . وهذا ينظر إلى أن قوله تعالى : { وأنتم حرم } ( المائدة : 95 ~~) شامل لحالة الإحرامم والحلولل في الحرم . # وقوله : { ليبلونكم الله بشيء من الصيد } هو ابتلاء تكليف ونهي ، كما دل ~~عليه تعلقه بأمر مما يفعل ، فهو ليس كالابتلاء في قوله : { ولنبلونكم بشيء ~~من الخوف والجوع } ( البقرة : 155 ) وإنما أخبرهم بهذا على وجه التحذير . ~~فالخبر مستعمل في معناه ولازم معناه ، وهو التحذير . ويتعين أن يكون هذا ~~الخطاب وجه إليهم في حين ترددهم بين إمساك الصيد وأكله ، وبين مراعاة حرمة ~~الإحرام ، إذ كانوا محرمين بعمرة في الحديبية وقد ترددوا فيما يفعلون ، أي ~~PageV07P038 أن ما كان عليه الناس من حرمة إصابة الصيد للمحرم معتد به في ~~الإسلام أو غير معتد به . فالابتلاء مستقبل لأنه لا يتحقق معنى الابتلاء ~~إلا من بعد النهي والتحذير . ووجود نون التوكيد يعين المضارع للاستقبال ، ~~فالمستقبل هو الابتلاء . وأما الصيد ونوال الأيدي والرماح فهو حاضر . # والصيد : المصيد ، لأن قوله من الصيد وقع بيانا لقوله { بشيء } . ويغني ~~عن الكلام فيه وفي لفظ ( شيء ) ما تقدم من الكلام على نظيره في قوله تعالى ~~: { ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع في سورة البقرة ( 155 ) . وتنكير شيء } ~~هنا للتنويع لا للتحقير ، خلافا للزمخشري ومن تابعه . # وأشار بقوله : { تناله أيديكم ورماحكم } إلى أنواع الصيد صغيره وكبيره . ~~فقد كانوا يمسكون الفراخ بأيديهم وما هو وسيلة إلى الإمساك بالأيدي من شباك ~~وحبالات وجوارح ، لأن جميع ذلك يؤول إلى الإمساك باليد . وكانوا يعدون وراء ~~الكبار بالخيل والرماح كما يفعلون بالحمر الوحشية وبقر الوحش ، كما في حديث ms2405 ~~أبي قتادة أنه : رأى عام الحديبية حمارا وحشيا ، وهو غير محرم ، فاستوى على ~~فرسه وأخذ رمحه وشد وراء الحمار فأدركه فعقره برمحه وأتى به . . إلخ . ~~وربما كانوا يصيدون برمي النبال عن قسيهم ، كما في حديث ( الموطأ ) ( عن ~~زيد البهزي أنه خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد مكة فإذا ظبي ~~حاقف فيه سهم ) الحديث . فقد كان بعض الصائدين يختبىء في قترة ويمسك قوسه ~~فإذا مر به الصيد رماه بسهم . قال ابن عطية : وخص الرماح بالذكر لأنها أعظم ~~ما يجرح به الصيد . # وقد يقال : حذف ما هو بغير الأيدي وبغير الرماح للاستغناء بالطرفين عن ~~الأوساط . # وجملة { تناله أيديكم } صفة للصيد أو حال منه . والمقصود منها استقصاء ~~أنواع الصيد لئلا يتوهم أن التحذير من الصيد الذي هو بجرح أو قتل دون القبض ~~باليد أو التقاط البيض أو نحوه . PageV07P039 # وقوله : { ليعلم الله من يخافه بالغيب } علة لقوله { ليبلونكم } ( ~~المائدة : 94 ) لأن الابتلاء اختبار ، فعلته أن يعلم الله منه من يخافه . ~~وجعل علم الله علة للابتلاء إنما هو على معنى ليظهر للناس من يخاف الله من ~~كل من علم الله أنه يخافه ، فأطلق علم الله على لازمه ، وهو ظهور ذلك ~~وتميزه ، لأن علم الله يلازمه التحقق في الخارج إذ لا يكون علم الله إلا ~~موافقا لما في نفس الأمر ، كما بيناه غير مرة ؛ أو أريد بقوله : { ليعلم ~~الله } التعلق التنجيزي لعلم الله بفعل بعض المكلفين ، بناء على إثبات تعلق ~~تنجيزي لصفة العلم ، وهو التحقيق الذي انفصل عليه عبد الحكيم في ( الرسالة ~~الخاقانية ) . وقيل : أطلق العلم على تعلقه بالمعلوم في الخارج ، ويلزم أن ~~يكون مراد هذا القائل أن هذا الإطلاق قصد منه التقريب لعموم أفهام ~~المخاطبين . وقال ابن العربي في القبس : ( ليعلم الله مشاهدة ما علمه غيبا ~~من امتثال من امتثل واعتداء من اعتدى فإنه ، عالم الغيب والشهادة يعلم ~~الغيب أولا ، ثم يخلق المعدوم فيعلمه مشاهدة ، يتغير المعلوم ولا يتغير ~~العلم ) . والباء إما للملابسة أو للظرفية ، وهي في موضع الحال من الضمير ~~المرفوع ms2406 في { يخافه } . # والغيب ضد الحضور وضد المشاهدة ، وقد تقدم في قوله تعالى : { الذين ~~يؤمنون بالغيب } ( البقرة : 3 ) على أحد وجهين هنالك ، فتعلق المجرور هنا ~~بقوله { يخافه } الأظهر أنه تعلق لمجرد الكشف دون إرادة تقييد أو احتراز ، ~~كقوله تعالى : { ويقتلون النبيئين بغير حق } ( البقرة : 61 ) . أي من يخاف ~~الله وهو غائب عن الله ، أي غير مشاهد له . وجميع مخافة الناس من الله في ~~الدنيا هي مخافة بالغيب . قال تعالى : { إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم ~~مغفرة وأجر كبير } ( الملك : 12 ) . # وفائدة ذكره أنه ثناء على الذين يخافون الله أثنى عليهم بصدق الإيمان ~~وتنور البصيرة ، فإنهم خافوه ولم يروا عظمته وجلاله ونعيمه وثوابه ولكنهم ~~أيقنوا بذلك عن صدق استدلال . وقد أشار إلى هذا ما في الحديث القدسي : ( ~~إنهم آمنوا بي ولم يروني PageV07P040 فكيف لو رأوني ) . ومن المفسرين من ~~فسر الغيب بالدنيا . وقال ابن عطية : الظاهر أن المعنى بالغيب عن الناس ، ~~أي في الخلوة . فمن خاف الله انتهى عن الصيد في ذات نفسه ، يعني أن المجرور ~~للتقييد ، أي من يخاف الله وهو غائب عن أعين الناس الذين يتقى إنكارهم عليه ~~أو صدهم إياه وأخذهم على يده أو التسميع به ، وهذا ينظر إلى ما بنوا عليه ~~أن الآية نزلت في صيد غشيهم في سفرهم عام الحديبية يغشاهم في رحالهم ~~وخيامهم ، أي كانوا متمكنين من أخذه بدون رقيب ، أو يكون الصيد المحذر من ~~صيده مماثلا لذلك الصيد . # وقوله : { فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم } تصريح بالتحذير الذي أومأ ~~إليه بقوله { ليبلونكم } ، إذ قد أشعر قوله : { ليبلونكم } أن في هذا الخبر ~~تحذيرا من عمل قد تسبق النفس إليه . والإشارة بذلك إلى التحذير المستفاد من ~~{ ليبلونكم } ، أي بعدما قدمناه إليكم وأعذرنا لكم فيه ، فلذلك جاءت بعده ~~فاء التفريع . والمراد بالاعتداء الاعتداء بالصيد ، وسماه اعتداء لأنه ~~إقدام على محرم وانتهاك لحرمة الإحرام أو الحرم . # وقوله : { فله عذاب أليم } ، أي عقاب شديد في الآخرة بما اجترأ على الحرم ~~أو على الإحرام أو كليهما ، وبما خالف إنذار الله تعالى ms2407 ، وهذه إذا اعتدى ~~ولم يتدارك اعتداءه بالتوبة أو الكفارة ، فالتوبة معلومة من أصول الإسلام ، ~~والكفارة هي جزاء الصيد ، لأن الظاهر أن الجزاء تكفير عن هذا الاعتداء كما ~~سيأتي . روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس : العذاب الأليم أنه يوسع بطنه وظهره ~~جلدا ويسلب ثيابه وكان الأمر كذلك به في الجاهلية ) . فالعذاب هو الأذى ~~الدنيوي ، وهو يقتضي أن هذه الآية قررت ما كان يفعله أهل الجاهلية ، فتكون ~~الآية الموالية لها نسخا لها . ولم يقل بهذا العقاب أحد من فقهاء الإسلام ~~فدل ذلك على أنه أبطل بما في الآية الموالية ، وهذا هو الذي يلتئم به معنى ~~الآية مع معنى التي تليها . ويجوز أن يكون الجزاء من قبيل ضمان المتلفات ~~ويبقى إثم الاعتداء فهو موجب العذاب الأليم . فعلى التفسير المشهور لا ~~يسقطه إلا التوبة ، وعلى ما نقل عن ابن عباس يبقى الضرب تأديبا ، ولكن هذا ~~لم يقل به أحد من فقهاء الإسلام ، والظاهر أن سلبه كان يأخذه فقراء مكة مثل ~~جلال البدن ونعالها . # PageV07P041 $ 2 ( 95 ) { ي & # 1764 اأيها الذين ءامنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا ~~فجزآء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة ~~طعام مساكين أو عدل ذالك صياما ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ومن عاد ~~فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام } . ) 2 $ # استئناف لبيان آية : { ليبلونكم الله بشيء من الصيد } ( المائدة : 94 ) ~~أو لنسخ حكمها أن كانت تضمنت حكما لم يبق به عمل . وتقدم القول في معنى { ~~وأنتم حرم في طالع هذه السورة } ( المائدة : 1 ) . # واعلم أن الله حرم الصيد في حالين : حال كون الصائد محرما ، وحال كون ~~الصيد من صيد الحرم ، ولو كان الصائد حلالا ؛ والحكمة في ذلك أن الله تعالى ~~عظم شأن الكعبة من عهد إبراهيم عليه السلام وأمره بأن يتخذ لها حرما كما ~~كان الملوك يتخذون الحمى ، فكانت بيت الله وحماه ، وهو حرم البيت محترما ~~بأقصى ما يعد حرمة وتعظيما فلذلك شرع الله حرما ms2408 للبيت واسعا وجعل الله ~~البيت أمنا للناس ووسع ذلك الأمن حتى شمل الحيوان العائش في حرمه بحيث لا ~~يرى الناس للبيت إلا أمنا للعائذ به وبحرمه . قال النابغة : # والمؤمنن العائذاتت الطير يمسحها # ركبان مكة بين الغيل فالسند # فالتحريم لصيد حيوان البر ، ولم يحرم صيد البحر إذ ليس في شيء من مساحة ~~الحرم بحر ولا نهر . ثم حرم الصيد على المحرم بحج أو عمرة ، لأن الصيد ~~إثارة لبعض الموجودات الآمنة . وقد كان الإحرام يمنع المحرمين القتال ~~ومنعوا التقاتل في الأشهر الحرم لأنها زمن الحج والعمرة فألحق مثل الحيوان ~~في الحرمة بقتل الإنسان ، أو لأن الغالب أن المحرم لا ينوي الإحرام إلا عند ~~الوصول إلى الحرم ، فالغالب أنه لا يصيد إلا حيوان الحرم . PageV07P042 # والصيد عام في كل ما شأنه أن يصاد ويقتل من الدواب والطير لأكله أو ~~الانتفاع ببعضه . ويلحق بالصيد الوحوش كلها . قال ابن الفرس : والوحوش تسمى ~~صيدا وإن لم تصد بعد ، كما يقال : بئس الرمية الأرنب ، وإن لم ترم بعد . ~~وخص من عمومه ما هو مضر ، وهي السباع المؤذية وذوات السموم والفأر وسباع ~~الطير . ودليل التخصيص السنة . وقصد القتل تبع لتذكر الصائد أنه في حال ~~إحرام ، وهذا مورد الآية ، فلو نسي أنه محرم فهو غير متعمد ، ولو لم يقصد ~~قتله فأصابه فهو غير متعمد . ولا وجه ولا دليل لمن تأول التعمد في الآية ~~بأنه تعمد القتل مع نسيان أنه محرم . # وقوله : { وأنتم حرم } حرم جمع حرام ، بمعنى محرم ، مثل جمع قذال على قذل ~~، والمحرم أصله المتلبس بالإحرام بحج أو عمرة . ويطلق المحرم على الكائن في ~~الحرم . قال الراعي : # قتلوا ابن عفان الخليفة محرما # أي كائنا في حرم المدينة . فأما الإحرام بالحج والعمرة فهو معلوم ، وأما ~~الحصول في الحرم فهو الحلول في مكان الحرم من مكة أو المدينة . وزاد ~~الشافعي الطائف في حرمة صيده لا في وجوب الجزاء على صائده . فأما حرم مكة ~~فيحرم صيده بالاتفاق . وفي صيده الجزاء . وأما حرم المدينة فيحرم صيده ولا ~~جزاء فيه ، ومثله الطائف عند الشافعي ms2409 . # وحرم مكة معلوم بحدود من قبل الإسلام ، وهو الحرم الذي حرمه إبراهيم عليه ~~السلام ووضعت بحدوده علامات في زمن عمر بن الخطاب . وأما حرم المدينة فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم ( المدينة حرم من ما بين عير أو عائر ( جبل ) إلى ~~ثور ) . قيل : هو جبل ولا يعرف ثور إلا في مكة . قال النووي : أكثر الرواة ~~في كتاب ( البخاري ) ذكروا عيرا ، وأما ثور فمنهم من كنى عنه فقال : من عير ~~إلى كذا ، ومنهم من ترك مكانه بياضا لأنهم اعتقدوا ذكر ثور هنا خطأ . وقيل ~~: إن الصواب إلى أحد كما عند أحمد والطبراني . وقيل : ثور جبل صغير وراء ~~جبل أحد . # وقوله : { ومن قتله منكم } الخ ، ( من ) اسم شرط مبتدأ ، و { قتله } فعل ~~الشرط ، و { منكم } PageV07P043 صفة لاسم الشرط ، أي من الذين آمنوا . ~~وفائدة إيراد قوله { منكم } أعرض عن بيانها المفسرون . والظاهر أن وجه ~~إيراد هذا الوصف التنبيه على إبطال فعل أهل الجاهلية ، فمن أصاب صيدا في ~~الحرم منهم كانوا يضربونه ويسلبونه ثيابه ، كما تقدم آنفا . # وتعليق حكم الجزاء على وقوع القتل يدل على أن الجزاء لا يجب إلا إذا قتل ~~الصيد ، فأما لو جرحه أو قطع منه عضوا ولم يقتله فليس فيه جزاء ، ويدل على ~~أن الحكم سواء أكل القاتل الصيد أو لم يأكله لأن مناط الحكم هو القتل . # وقوله { متعمدا } قيد أخرج المخطىء ، أي في صيده . ولم تبين له الآية ~~حكما لكنها تدل على أن حكمه لا يكون أشد من المتعمد فيحتمل أن يكون فيه ~~جزاء آخر أخف ويحتمل أن يكون لا جزاء عليه وقد بينته السنة . قال الزهري : ~~نزل القرآن بالعمد وجرت السنة في الناسي والمخطىء أنهما يكفران . ولعله ~~أراد بالسنة العمل من عهد النبوءة والخلفاء ومضى عليه عمل الصحابة . وليس ~~في ذلك أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم # وقال مالك ، وأبو حنيفة ، والشافعي ، وجمهور فقهاء الأمصار : إن العمد ~~والخطأ في ذلك سواء ، وقد غلب مالك فيه معنى الغرم ، أي قاسه على الغرم . ~~والعمد والخطأ في الغرم سواء فلذلك ms2410 سوى بينهما . ومضى بذلك عمل الصحابة . # وقال أحمد بن حنبل ، وابن عبد الحكم من المالكية ، وداوود الظاهري ، وابن ~~جبير وطاووس ، والقاسم بن محمد ، وسالم بن عبد الله ، وعطاء ، ومجاهد : لا ~~شيء على الناسي . وروي مثله عن ابن عباس . # وقال مجاهد ، والحسن ، وابن زيد ، وابن جريج : إن كان متعمدا للقتل ناسيا ~~إحرامه فهو مورد الآية ، فعليه الجزاء . وأما المتعمد للقتل وهو ذاكر ~~لإحرامه فهذا أعظم من أن يكفر وقد بطل حجه ، وصيده جيفة لا يؤكل . ~~PageV07P044 # والجزاء العوض عن عمل ، فسمى الله ذلك جزاء ، لأنه تأديب وعقوبة إلا أنه ~~شرع على صفة الكفارات مثل كفارة القتل وكفارة الظهار . وليس القصد منه ~~الغرم إذ ليس الصيد بمنتفع به أحد من الناس حتى يغرم قاتله ليجبر ما أفاته ~~عليه . وإنما الصيد ملك الله تعالى أباحه في الحل ولم يبحه للناس في حال ~~الإحرام ، فمن تعدى عليه في تلك الحالة فقد فرض الله على المتعدي جزاء . ~~وجعله جزاء ينتفع به ضعاف عبيده . # وقد دلنا على أن مقصد التشريع في ذلك هو العقوبة قوله عقبه { ليذوق وبال ~~أمره } . وإنما سمي جزاء ولم يسم بكفارة لأنه روعي فيه المماثلة ، فهو مقدر ~~بمثل العمل فسمي جزاء ، والجزاء مأخوذ فيه المماثلة والموافقة قال تعالى : ~~{ جزاءا وفاقا } ( النبأ : 26 ) . # وقد أخبر أن الجزاء مثل ما قتل الصائد ، وذلك المثل من النعم ، وذلك أن ~~الصيد إما من الدواب وإما من الطير ، وأكثر صيد العرب من الدواب ، وهي ~~الحمر الوحشية وبقر الوحش والأروى والظباء ومن ذوات الجناح النعام والإوز ، ~~وأما الطير الذي يطير في الجو فنادر صيده ، لأنه لا يصاد إلا بالمعراض ، ~~وقلما أصابه المعراض سوى الحمام الذي بمكة وما يقرب منها ، فمماثلة الدواب ~~للأنعام هينة . وأما مماثلة الطير للأنعام فهي مقاربة وليست مماثلة ؛ ~~فالنعامة تقارب البقرة أو البدنة ، والإوز يقارب السخلة ، وهكذا . وما لا ~~نظير له كالعصفور فيه القيمة . وهذا قول مالك والشافعي ومحمد بن الحسن . ~~وقال أبو حنيفة وأبو يوسف : المثل القيمة في جميع ما يصاب من الصيد . ~~والقيمة عند ms2411 مالك طعام . وقال أبو حنيفة : دارهم . فإذا كان المصير إلى ~~القيمة ؛ فالقيمة عند مالك طعام يتصدق به ، أو يصوم عن كل مد من الطعام ~~يوما ، ولكسر المد يوما كاملا . وقال أبو حنيفة : يشتري بالقيمة هديا إن ~~شاء ، وإن شاء اشترى طعاما ، وإن شاء صام عن كل نصف صاع يوما . # وقد اختلف العلماء في أن الجزاء هل يكون أقل مما يجزىء في الضحايا ~~والهدايا . فقال مالك : لا يجزىء أقل من ثني الغنم أو المعز لأن الله تعالى ~~قال : { هديا بالغ الكعبة } . فما لا يجزىء أن يكون هديا من الأنعام لا ~~يكون جزاء ، فمن أصاب من PageV07P045 الصيد ما هو صغير كان مخيرا بين أن ~~يعطي أقل ما يجزي من الهدي من الأنعام وبين أن يعطي قيمة ما صاده طعاما ولا ~~يعطي من صغار الأنعام . # وقال مالك في ( الموطأ ) : وكل شيء فدي ففي صغاره مثل ما يكون في كباره . ~~وإنما مثل ذلك مثل دية الحر الصغير والكبير بمنزلة واحدة . وقال الشافعي ~~وبعض علماء المدينة : إذا كان الصيد صغيرا كان جزاؤه ما يقاربه من صغار ~~الأنعام لما رواه مالك في ( الموطأ ) عن أبي الزبير المكي أن عمر بن الخطاب ~~قضى في الأرنب بعناق وفي اليربوع بجفرة . قال الحفيد ابن رشد في كتاب ( ~~بداية المجتهد ) : وذلك ما روي عن عمر ، وعثمان ، وعلي ، وابن مسعود اه . # وأقول : لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك شيء ، فأما ما حكم به ~~عمر فلعل مالكا رآه اجتهادا من عمر لم يوافقه عليه لظهور الاستدلال بقوله ~~تعالى : { هديا بالغ الكعبة } . فإن ذلك من دلالة الإشارة ، ورأى في الرجوع ~~إلى الإطعام سعة ، على أنه لو كان الصيد لا مماثل له من صغار الأنعام ~~كالجرادة والخنفساء لوجب الرجوع إلى الإطعام ، فليرجع إليه عند كون الصيد ~~أصغر مما يماثله مما يجزىء في الهدايا . فمن العجب قول ابن العربي : إن قول ~~الشافعي هو الصحيح ، وهو اختيار علمائنا . ولم أدر من يعنيه من علمائنا ~~فإني لا أعرف للمالكية مخالفا لمالك في هذا ms2412 . والقول في الطير كالقول في ~~الصغير وفي الدواب ، وكذلك القول في العظيم من الحيوان كالفيل والزرافة ~~فيرجع إلى الإطعام . ولما سمى الله هذا جزاء وجعله مماثلا للمصيد دلنا على ~~أن من تكرر منه قتل الصيد وهو محرم وجب عليه جزاء لكل دابة قتلها ، خلافا ~~لداوود الظاهري ، فإن الشيئين من نوع واحد لا يماثلهما شيء واحد من ذلك ~~النوع ، ولأنه قد تقتل أشياء مختلفة النوع فكيف يكون شيء من نوع مماثلا ~~لجميع ما قتله . # وقرأ جمهور القراء { فجزاء مثل ما قتل } بإضافة { جزاء } إلى { مثل } ؛ ~~فيكون { جزاء } مصدرا بدلا عن الفعل ، ويكون { مثل ما قتل } فاعل المصدر ~~أضيف إليه مصدره . و { من النعم } بيان المثل لا ل { ما قتل } . والتقدير : ~~فمثل ما قتل من النعم يجزىء جزاء PageV07P046 ما قتله ، أي يكافىء ويعوض ما ~~قتله . وإسناد الجزاء إلى المثل إسناد على طريقة المجاز العقلي . ولك أن ~~تجعل الإضافة بيانية ، أي فجزاء هو مثل ما قتل ، والإضافة تكون لأدنى ~~ملابسة . ونظيره قوله تعالى : { فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا } ( سبأ : ~~37 ) . وهذا نظم بديع على حد قوله تعالى : { ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة ~~مؤمنة } ( النساء : 92 ) ، أي فليحرر رقبة . وجعله صاحب ( الكشاف ) من ~~إضافة المصدر إلى المفعول ، أي فليجز مثل ما قتل . وهو يقتضي أن يكون النعم ~~هو المعوض لا العوض لأن العوض يتعدى إليه فعل ( جزى ) بالباء ويتعدى إلى ~~المعوض بنفسه . تقول : جزيت ما أتلفته بكذا درهما ، ولا تقول : جزيت كذا ~~درهما بما أتلفته ، فلذلك اضطر الذين قدروا هذا القول إلى جعل لفظ ( مثل ) ~~مقحما . ونظروه بقولهم : ( مثلك لا يبخل ) ، كما قال ابن عطية وهو معاصر ~~للزمخشري . وسكت صاحب ( الكشاف ) عن الخوض في ذلك وقرر القطب كلام ( الكشاف ~~) على لزوم جعل لفظ { مثل } مقحما وأن الكلام على وجه الكناية ، يعني نظير ~~{ ليس كمثله شيء } ( الشورى : 11 ) وكذلك ألزمه إياه التفتزاني ، واعتذر عن ~~عدم التصريح به في كلامه بأن الزمخشري بصدد بيان الجزاء لا بصدد بيان أن ~~عليه جزاء ما قتل . وهو ms2413 اعتذار ضعيف . فالوجه أن لا حاجة إلى هذا التقدير ~~من أصله . وقد اجترأ الطبري فقال : أن لا وجه لقراءة الإضافة وذلك وهم منه ~~وغفلة من وجوه تصاريف الكلام العربي . # وقرأ عاصم ، وحمزة ، ويعقوب ، والكسائي ، وخلف { فجزاء مثل } بتنوين ( ~~جزاء ) . ورفع ( مثل ) على تقدير : فالجزاء هو مثل ، على أن الجزاء مصدر ~~أطلق على اسم المفعول ، أي فالمجزي به المقتول مثل ما قتله الصائد . # وقوله تعالى : { يحكم به ذوا عدل منكم } جملة في موضع الصفة ل { جواء } ~~أو استئناف بياني ، أي يحكم بالجزاء ، أي بتعيينه . والمقصد من ذلك أنه لا ~~يبلغ كل أحد معرفة صفة المماثلة بين الصيد والنعم فوكل الله أمر ذلك إلى ~~الحكمين . وعلى الصائد أن يبحث عمن تحققت فيه صفة العدالة والمعرفة فيرفع ~~الأمر إليهما . ويتعين عليهما أن يجيباه إلى ما سأل منهما وهما يعينان ~~المثل ويخيرانه بين أن يعطي المثل أو الطعام أو الصيام ، ويقدران له ما هو ~~قدر الطعام إن اختاره . PageV07P047 # وقد حكم من الصحابة في جزاء الصيد عمر مع عبد الرحمن بن عوف ، وحكم مع ~~كعب بن مالك ، وحكم سعد بن أبي وقاص مع عبد الرحمن بن عوف ، وحكم عبد الله ~~بن عمر مع ابن صفوان . ووصف { ذوا عدل } بقوله : { منكم } أي من المسلمين ، ~~للتحذير من متابعة ما كان لأهل الجاهلية من عمل في صيد الحرم فلعلهم يدعون ~~معرفة خاصة بالجزاء . # وقوله : { هديا بالغ الكعبة } حال من { مثل ما قتل } ، أو من الضمير في ( ~~به ) . والهدي ما يذبح أو ينحر في منحر مكة . والمنحر : منى والمروة . ولما ~~سماه الله تعالى { هديا } فله سائر أحكام الهدي المعروفة . ومعنى { بالغ ~~الكعبة } أنه يذبح أو ينحر في حرم الكعبة ، وليس المراد أنه ينحر أو يذبح ~~حول الكعبة . # وقوله : { أو كفارة طعام مساكين } عطف على { فجزاء } وسمى الإطعام كفارة ~~لأنه ليس بجزاء ، إذ الجزاء هو العوض ، وهو مأخوذ فيه المماثلة . وأما ~~الإطعام فلا يماثل الصيد وإنما هو كفارة تكفر به الجريمة . وقد أجمل ~~الكفارة فلم يبين مقدار الطعام ولا عدد ms2414 المساكين . فأما مقدار الطعام فهو ~~موكول إلى الحكمين ، وقد شاع عن العرب أن المد من الطعام هو طعام رجل واحد ~~، فلذلك قدره مالك بمد لكل مسكين . وهو قول الأكثر من العلماء . وعن ابن ~~عباس : تقدير الإطعام أن يقوم الجزاء من النعم بقيمته دراهم ثم تقوم ~~الدراهم طعاما . وأما عدد المساكين فهو ملازم لعدد الأمداد . قال مالك : ~~أحسن ما سمحت إلي فيه أنه يقوم الصيد الذي أصاب وينظر كم ثمن ذلك من الطعام ~~، فيطعم مدا لكل مسكين . ومن العلماء من قدر لكل حيوان معادلا من الطعام . ~~فعن ابن عباس : تعديل الظبي بإطعام ستة مساكين ، والأيل بإطعام عشرين ~~مسكينا ، وحمار الوحش بثلاثين ، والأحسن أن ذلك موكول إلى الحكمين . # و { أو } في قوله { أو كفارة طعام مساكين } وقوله : { أو عدل ذلك } تقتضي ~~تخيير قاتل الصيد في أحد الثلاثة المذكورة . وكذلك كل أمر وقع ب ( أو ) في ~~القرآن فهو من الواجب المخير . والقول بالتخيير هو قول الجمهور ، ثم قيل : ~~الخيار للمحكوم عليه لا للحكمين . وهو قول الجمهور من القائلين بالتخيير ، ~~وقيل : الخيار للحكمين . وقال به الثوري ، PageV07P048 وابن أبي ليلى ، ~~والحسن . ومن العلماء من قال : إنه لا ينتقل من الجزاء إلى كفارة الطعام ~~إلا عند العجز عن الجزاء ، ولا ينتقل عن الكفارة إلى الصوم إلا عند العجز ~~عن الإطعام ، فهي عندهم على الترتيب . ونسب لابن عباس . # وقرأ نافع ، وابن عامر ، وأبو جعفر { كفارة } بالرفع بدون تنوين مضافا ~~إلى طعام كما قرأ { جزاء مثلل ما قتل } . والوجه فيه إما أن نجعله كوجه ~~الرفع والإضافة في قوله تعالى : { فجزاء مثلل ما قتل } فنجعل { كفارة } اسم ~~مصدر عوضا عن الفعل وأضيف إلى فاعله ، أي يكفره طعام مساكين ؛ وإما أن ~~نجعله من الإضافة البيانية ، أي كفارة من طعام ، كما يقال : ثوب خز ، فتكون ~~الكفارة بمعنى المكفر به لتصح إضافة البيان ، فالكفارة بينها الطعام ، أي ~~لا كفارة غيره فإن الكفارة تقع بأنواع . وجزم بهذا الوجه في ( الكشاف ) ، ~~وفيه تكلف . وقرأه الباقون بتنوين { كفارة } ورفع { طعام } على أنه بدل من ~~{ كفارة ms2415 } . # وقوله { أو عدل ذلك صياما } عطف على { كفارة } والإشارة إلى الطعام . ~~والعدل بفتح العين ما عادل الشيء من غير جنسه . وأصل معنى العدل المساواة . ~~وقال الراغب : إنما يكون فيما يدرك بالبصيرة كما هنا . وأما العدل بكسر ~~العين ففي المحسوسات كالموزونات والمكيلات ، وقيل : هما مترادفان . ~~والإشارة بقوله : { ذلك } إلى { طعام مساكين } . وانتصب { صياما } على ~~التمييز لأن في لفظ العدل معنى التقدير . # وأجملت الآية الصيام كما أجملت الطعام ، وهو موكول إلى حكم الحكمين . ~~وقال مالك والشافعي : يصوم عن كل مد من الطعام يوما . وقال أبو حنيفة : عن ~~كل مدين يوما ، واختلفوا في أقصى ما يصام ؛ فقال مالك والجمهور : لا ينقص ~~عن أعداد الأمداد أياما ولو تجاوز شهرين ، وقال بعض أهل العلم : لا يزيد ~~على شهرين لأن ذلك أعلى الكفارات . وعن ابن عباس : يصوم ثلاثة أيام إلى ~~عشرة . # وقوله { ليذوق } متعلق بقوله { فجزاء } ، واللام للتعليل ، أي جعل ذلك ~~جزاء عن قتله الصيد ليذوق وبال أمره . # والذوق مستعار للإحساس بالكدر . شبه ذلك الإحساس بذوق الطعم الكريه كأنهم ~~PageV07P049 راعوا فيه سرعة اتصال ألمه بالإدراك ، ولذلك لم نجعله مجازا ~~مرسلا بعلاقة الإطلاق إذ لا داعي لاعتبار تلك العلاقة ، فإن الكدر أظهر من ~~مطلق الإدراك . وهذا الإطلاق معتنى به في كلامهم ، لذلك اشتهر إطلاق الذوق ~~على إدراك الآلام واللذات . ففي القرآن { ذق إنك أنت العزيز الكريم } ( ~~الدخان : 49 ) ، { لا يذوقون فيها الموت } ( الدخان : 56 ) . وقال أبو ~~سفيان يوم أحد مخاطبا جثة حمزة ( ذق عقق ) . وشهرة هذه الاستعارة قاربت ~~الحقيقة ، فحسن أن تبنى عليها استعارة أخرى في قوله تعالى : { فأذاقها الله ~~لباس الجوع والخوف } ( النحل : 112 ) . # والوبال السوء وما يكره إذا اشتد ، والوبيل القوي في السوء { فأخذناه ~~أخذا وبيلا } ( المزمل : 16 ) . وطعام وبيل : سيء الهضم ، وكلأ وبيل ~~ومستوبل ، تستولبه الإبل ، أي تستوخمه . قال زهير : # إلى كلأ مستوبل متوخم # والأمر : الشأن والفعل ، أي أمر من قتل الصيد متعمدا . والمعنى ليجد سوء ~~عاقبة فعله بما كلفه من خسارة أو من تعب . # وأعقب الله التهديد بما عود به المسلمين من الرأفة ms2416 فقال : { عفا الله عما ~~سلف } ، أي عفا عما قتلتم من الصيد قبل هذا البيان ومن عاد إلى قتل الصيد ~~وهو محرم فالله ينتقم منه . # والانتقام هو الذي عبر عنه بالوبال من قبل ، وهو الخسارة أو التعب ، ففهم ~~منه أنه كلما عاد وجب عليه الجزاء أو الكفارة أو الصوم ، وهذا قول الجمهور ~~. وعن ابن عباس ، وشريح ، والنخعي ، ومجاهد ، وجابر بن زيد : أن المتعمد لا ~~يجب عليه الجزاء إلا مرة واحدة فإن عاد حق عليه انتقام العذاب في الآخرة ~~ولم يقبل منه جزاء . وهذا شذوذ . # ودخلت الفاء في قوله : { فينتقم الله منه } مع أن شأن جواب الشرط إذا كان ~~فعلا أن لا تدخل عليه الفاء الرابطة لاستغنائه عن الربط بمجرد الاتصال ~~الفعلي ، فدخول PageV07P050 الفاء يقع في كلامهم على خلاف الغالب ، والأظهر ~~أنهم يرمون به إلى كون جملة الجواب اسمية تقديرا فيرمزون بالفاء إلى مبتدأ ~~محذوف جعل الفعل خبرا عنه لقصد الدلالة على الاختصاص أو التقوي ، فالتقدير ~~: فهو ينتقم الله منه ، لقصد الاختصاص للمبالغة في شدة ما يناله حتى كأنه ~~لا ينال غيره ، أو لقصد التقوي ، أي تأكيد حصول هذا الانتقام . ونظيره { ~~فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا } ( الجن : 13 ) فقد أغنت الفاء عن ~~إظهار المبتدإ فحصل التقوي مع إيجاز . هذا قول المحققين مع توجيهه ، ومن ~~النحاة من قال : إن دخول الفاء وعدمه في مثل هذا سواء ، وإنه جاء على خلاف ~~الغالب . # وقوله : { والله عزيز ذو انتقام } تذييل . والعزيز الذي لا يحتاج إلى ~~ناصر ، ولذلك وصف بأنه ذو انتقام ، أي لأن من صفاته الحكمة ، وهي تقتضي ~~الانتقام من المفسد لتكون نتائج الأعمال على وفقها . # $ 2 ( 96 ) { أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم ~~صيد البر ما دمتم حرما واتقوا الله الذى & # 1764 إليه تحشرون } . ) 2 $ # استئناف بياني نشأ عن قوله : { يأيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم ~~حرم } ( المائدة : 95 ) فإنه اقتضى تحريم قتل الصيد على المحرم وجعل جزاء ~~فعله هدي مثل ما قتل من النعم ، فكان السامع ms2417 بحيث يسأل عن صيد البحر لأن ~~أخذه لا يسمى في العرف قتلا ، وليس لما يصاد منه مثل من النعم ولكنه قد يشك ~~لعل الله أراد القتل بمعنى التسبب في الموت ، وأراد بالمثل من النعم ~~المقارب في الحجم والمقدار ، فبين الله للناس حكم صيد البحر وأبقاه على ~~الإباحة ، لأن صيد البحر ليس من حيوان الحرم ، إذ ليس في شيء من أرض الحرم ~~بحر . وقد بينا عند قوله تعالى : { يأيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد ~~وأنتم حرم } ( المائدة : 95 ) أن أصل الحكمة في حرمة الصيد على المحرم هي ~~حفظ حرمة الكعبة وحرمها . PageV07P051 # ومعنى { أحل لكم صيد البحر } إبقاء حليته لأنه حلال من قبلل الإحرام . ~~والخطاب في { لكم } للذين آمنوا . والصيد هنا بمعنى المصيد ليجري اللفظ على ~~سنن واحد في مواقعه في هذه الآيات ، أي أحل لكم قتله ، أي إمساكه من البحر ~~. # والبحر يشمل الأنهار والأودية لأن جميعها يسمى بحرا في لسان العرب . وقد ~~قال الله تعالى : { وما يستوي البحران هذا عذب فرات } الآية . وليس العذب ~~إلا الأنهار كدجلة والفرات . وصيد البحر : كل دواب الماء التي تصاد فيه ، ~~فيكون إخراجها منه سبب موتها قريبا أو بعيدا . فأما ما يعيش في البر وفي ~~الماء فليس من صيد البحر كالضفدع والسلحفاة ، ولا خلاف في هذا . أما الخلاف ~~فيما يؤكل من صيد البحر وما لا يؤكل منه ، عند من يرى أن منه ما لا يؤكل ، ~~فليس هذا موضع ذكره ، لأن الآية ليست بمثبتة لتحليل أكل صيد البحر ولكنها ~~منبهة على عدم تحريمه في حال الإحرام . # وقوله : { وطعامه } عطف على { صيد البحر } . والضمير عائد إلى { البحر } ~~، أي وطعام البحر ، وعطفه اقتضى مغايرته للصيد . والمعنى : والتقاط طعامه ~~أو وإمساك طعامه . وقد اختلف في المراد من ( طعامه ) . والذي روي عن جلة ~~الصحابة رضي الله عنهم : أن طعام البحر هو ما طفا عليه من ميتة إذا لم يكن ~~سبب موته إمساك الصائد له . ومن العلماء من نقل عنه في تفسير طعام البحر ~~غير هذا مما لا يلائم سياق الآية . وهؤلاء ms2418 هم الذين حرموا أكل ما يخرجه ~~البحر ميتا ، ويرد قولهم ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~في البحر : ( هو الطهور ماؤه الحل ميتته ) . وحديث جابر في الحوت المسمى ~~العنبر ، حين وجدوه ميتا ، وهم في غزوة ، وأكلوا منه ، وأخبروا رسول الله ، ~~وأكل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم # وانتصب { متاعا } على الحال . والمتاع : ما يتمتع به . والتمتع : انتفاع ~~بما يلذ ويسر . والخطاب في قوله : { متاعا لكم } للمخاطبين بقوله : { أحل ~~لكم صيد البحر } باعتبار كونهم متناولين الصيد ، أي متاعا للصائدين ~~وللسيارة . # والسيارة : الجماعة السائرة في الأرض للسفر والتجارة ، مؤنث سيار ، ~~والتأنيث PageV07P052 باعتبار الجماعة . قال تعالى : { وجاءت سيارة } ( ~~يوسف : 19 ) . والمعنى أحل لكم صيد البحر تتمتعون بأكله ويتمتع به ~~المسافرون ، أي تبيعونه لمن يتجرون ويجلبونه إلى الأمصار . # وقوله : { وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما } زيادة تأكيد لتحريم الصيد ~~، تصريحا بمفهوم قوله { لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم } ( المائدة : 95 ) ، ~~ولبيان أن مدة التحريم مدة كونهم حرما ، أي محرمين أو مارين بحرم مكة . ~~وهذا إيماء لتقليل مدة التحريم استئناسا بتخفيف ، وإيماء إلى نعمة اقتصار ~~تحريمه على تلك المدة ، ولو شاء الله لحرمه أبدا . وفي ( الموطأ ) : أن ~~عائشة قالت لعروة بن الزبير : يا بن أختي إنما هي عشر ليال ( أي مدة ~~الإحرام ) فإن تخلج في نفسك شيء فدعه . تعني أكل لحم الصيد . # وذيل ذلك بقوله : { واتقوا الله الذي إليه تحشرون } . وفي إجراء الوصف ~~بالموصول وتلك الصلة تذكير بأن المرجع إلى الله ليعد الناس ما استطاعوا من ~~الطاعة لذلك اللقاء . # والحشر : جمع الناس في مكان . والصيد مراد به المصيد ، كما تقدم . # والتحريم متعلق بقتله لقوله قبله { لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم } ( ~~المائدة : 95 ) فلا يقتضي قوله : { وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما } ~~تحريم أكل صيد البر على المحرم إذا اشتراه من بائع أو ناوله رجل حلال إياه ~~، لأنه قد علم أن التحريم متعلق بمباشرة المحرم قتله في حال الإصابة . وقد ~~أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحمار ms2419 الذي صاده أبو قتادة ، كما في ~~حديث ( الموطأ ) عن زيد بن أسلم . وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقسمة ~~الحمار الذي صاده زيد البهزي بين الرفاق وهم محرمون . وعلى ذلك مضى عمل ~~الصحابة ، وهو قول . # وأما ما صيد لأجل المحرم فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم رد على ~~الصعب بن جثامة حمارا وحشيا أهداه إليه وقال له : ( إنا لم نرده عليك إلا ~~أنا حرم ) . وقد اختلف الفقهاء في محل هذا الامتناع . فقيل : يحرم أن يأكله ~~من صيد لأجله لا غير . وهذا قول عثمان بن عفان ، وجماعة من فقهاء المدينة ، ~~ورواية عن مالك ، وهو الأظهر ، لأن الظاهر أن الضمير في قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم : ( إنما لم نرده عليك إلا أنا حرم ) أنه عائد PageV07P053 إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم وحده ، لقوله ( لم نرده ) ، وإنما رده هو وحده . ~~وقيل : يحرم على المحرم أكل ما صيد لمحرم غيره ، وهو قول بعض أهل المدينة ، ~~وهو المشهور عن مالك . وكأن مستندهم في ذلك أنه الاحتياط وقيل : لا يأكل ~~المحرم صيدا صيد في مدة إحرامه ويأكل ما صيد قبل ذلك ، ونسب إلى علي بن أبي ~~طالب وابن عباس ، وقيل : يجوز للمحرم أكل الصيد مطلقا ، وإنما حرم الله قتل ~~الصيد ، وهو قول أبي حنيفة . والحاصل أن التنزه عن أكل الصيد الذي صيد لأجل ~~المحرم ثابت في السنة بحديث الصعب بن جثامة ، وهو محتمل كما علمت . والأصل ~~في الامتناع الحرمة لأنه ، لو أراد التنزه لقال : أما أنا فلا آكله ، كما ~~قال في حديث خالد بن الوليد في الضب . # $ 2 ( 97 ) { جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام ~~والهدى والقلائد ذالك لتعلمو & # 1764 ا أن الله يعلم ما فى السماوات وما فى الارض وأن الله بكل شىء عليم ~~} . ) 2 $ # استئناف بياني لأنه يحصل به جواب عما يخطر في نفس السامع من البحث عن ~~حكمة تحريم الصيد في الحرم وفي حال الإحرام ، بأن ذلك من تعظيم شأن الكعبة ~~التي حرمت أرض الحرم لأجل ms2420 تعظيمها ، وتذكير بنعمة الله على سكانه بما جعل ~~لهم من الأمن في علائقها وشعائرها . # والجعل يطلق بمعنى الإيجاد ، فيتعدى إلى مفعول واحد ، كما في قوله تعالى ~~: { وجعل الظلمات والنور ، في سورة الأنعام ( 1 ) ، ويطلق بمعنى التصيير ~~فتعدى إلى مفعولين ، وكلا المعنيين صالح هنا . والأظهر الأول فإن الله أوجد ~~الكعبة ، أي أمر خليله بإيجادها لتكون قياما للناس . فقوله : قياما } منصوب ~~على الحال ، وهي حال مقدرة ، أي أوجدها مقدرا أن تكون قياما . وإذا حمل { ~~جعل } على معنى التصيير كان المعنى أنها موجودة بيت عبادة فصيرها الله ~~قياما للناس لطفا بأهلها ونسلهم ، فيكون { قياما } مفعولا ثانيا ل { جعل } ~~. وأما قوله : { البيت الحرام } يصح جعله مفعولا . # والكعبة علم على البيت الذي بناه إبراهيم عليه السلام بمكة بأمر الله ~~تعالى PageV07P054 ليكون آية للتوحيد . وقد تقدم ذلك في تفسير قوله تعالى : ~~{ إن أول بيتت وضع للناس للذي ببكة في سورة آل عمران ( 96 ) . قالوا : إنه ~~علم مشتق من الكعب ، وهو النتوء والبروز ، وذلك محتمل . ويحتمل أنهم سموا ~~كل بارز كعبة ، تشبيها بالبيت الحرام ، إذ كان أول بيت عندهم ، وكانوا من ~~قبله أهل خيام ، فصار البيت مثلا يمثل به كل بارز . وأما إطلاق الكعبة على ~~( القليس ) الذي بناه الحبشة في صنعاء ، وسماه بعض العرب الكعبة اليمانية ، ~~وعلى قبة نجران التي أقامها نصارى نجران لعبادتهم التي عناها الأعشى في ~~قوله : # فكعبة نجران حتم عليك # حتى تناخي بأبوابها # فذلك على وجه المحاكاة والتشبيه ، كما سمى بنو حنيفة مسليمة رحمان . # وقوله : البيت الحرام } بيان للكعبة . قصد من هذا البيان التنويه ~~والتعظيم ، إذ شأن البيان أن يكون موضحا للمبين بأن يكون أشهر من المبين . ~~ولما كان اسم الكعبة مساويا للبيت الحرام في الدلالة على هذا البيت فقد عبر ~~به عن الكعبة في قوله تعالى : { ولا آمين البيت الحرام } ( المائدة : 2 ) ~~فتعين أن ذكر البيان للتعظيم ، فإن البيان يجيء لما يجيء له النعت من توضيح ~~ومدح ونحو ذلك . ووجه دلالة هذا العلم على التعظيم هو ما فيه من لمح معنى ~~الوصف بالحرام ms2421 قبل التغليب . وذكر البيت هنا لأن هذا الموصوف مع هذا الوصف ~~صارا علما بالغلبة على الكعبة . # والحرام في الأصل مصدر حرم إذا منع ، ومصدره الحرام ، كالصلاح من صلح ، ~~فوصف شيء بحرام مبالغة في كونه ممنوعا . ومعنى وصف البيت بالحرام أنه ممنوع ~~من أيدي الجبابرة فهو محترم عظيم المهابة . وذلك يستتبع تحجير وقوع المظالم ~~والفواحش فيه ، وقد تقدم أنه يقال رجل حرام عند قوله تعالى : { غير محلي ~~الصيد وأنتم حرم في هذه السورة ( 1 ) ، وأنه يقال : شهر حرام ، عند قوله ~~تعالى : ولا الشهر الحرام } ( المائدة : 2 ) فيها أيضا ، فيحمل هذا الوصف ~~على ما يناسبه بحسب الموصوف الذي يجري عليه ، وهو في كل موصوف يدل على أنه ~~مما يتجنب جانبه ، فيكون تجنبه للتعظيم أو مهابته أو نحو ذلك ، فيكون ~~PageV07P055 وصف مدح ، ويكون تجنبه للتنزه عنه فيكون وصف ذم ، كما تقول : ~~الخمر حرام . # وقرأ الجمهور { قياما } بألف بعد الياء . وقرأه ابن عامر { قيما } بدون ~~ألف بعد الياء . # والقيام في الأصل مصدر قام إذا استقل على رجليه ، ويستعار للنشاط ، ~~ويستعار من ذلك للتدبير والإصلاح ، لأن شأن من يعمل عملا مهما أن ينهض له ، ~~كما تقدم بيانه عند قوله تعالى : { ويقيمون الصلاة في سورة البقرة ( 3 ) . ~~ومن هذا الاستعمال قيل للناظر في أمور شيء وتدبيره : هو قيم عليه أو قائم ~~عليه ، فالقيام هنا بمعنى الصلاح والنفع . وأما قراءة ابن عامر قيما } فهو ~~مصدر ( قام ) على وزن فعل بكسر ففتح مثل شبع . وقد تقدم أنه أحد تأويلين في ~~قوله تعالى : { ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيما } في ~~سورة النساء . وإنما أعلت واوه فصارت ياء لشدة مناسبة الياء للكسرة . وهذا ~~القلب نادر في المصادر التي على وزن فعل من الواوي العين . وإثباته للكعبة ~~من الإخبار بالمصدر للمبالغة ، وهو إسناد مجازي ، لأن الكعبة لما جعلها ~~الله سببا في أحكام شرعية سابقة كان بها صلاح أهل مكة وغيرهم من العرب ~~وقامت بها مصالحهم ، جعلت الكعبة هي القائمة لهم لأنها سبب القيام لهم . # والناس هنا ناس معهودون ms2422 ، فالتعريف للعهد . والمراد بهم العرب ، لأنهم ~~الذين انتفعوا بالكعبة وشعائرها دون غيرهم من الأمم كالفرس والروم . وأما ~~ما يحصل لهؤلاء من منافع التجارة ونحوها من المعاملة فذلك تبع لوجود السكان ~~لا لكون البيت حراما ، إلا إذا أريد التسبب البعيد ، وهو أنه لولا حرمة ~~الكعبة وحرمة الأشهر في الحج لساد الخوف في تلك الربوع فلم تستطع الأمم ~~التجارة هنالك . # وإنما كانت الكعبة قياما للناس لأن الله لما أمر إبراهيم بأن ينزل في مكة ~~زوجه وابنه إسماعيل ، وأراد أن تكون نشأة العرب المستعربة ( وهم ذرية ~~إسماعيل ) في ذلك المكان لينشأوا أمة أصيلة الآراء عزيزة النفوس ثابتة ~~القلوب ، لأنه قدر أن PageV07P056 تكون تلك الأمة هي أول من يتلقى الدين ~~الذي أراد أن يكون أفضل الأديان وأرسخها ، وأن يكون منه انبثاث الإيمان ~~الحق والأخلاق الفاضلة . فأقام لهم بلدا بعيدا عن التعلق بزخارف الحياة ؛ ~~فنشأوا على إباء الضيم ، وتلقوا سيرة صالحة نشأوا بها على توحيد الله تعالى ~~والدعوة إليه ؛ وأقام لهم فيه الكعبة معلما لتوحيد الله تعالى ، ووضع في ~~نفوسهم ونفوس جيرتهم تعظيمه حرمته . ودعا مجاوريهم إلى حجه ما استطاعوا ، ~~وسخر الناس لإجابة تلك الدعوة ، فصار وجود الكعبة عائدا على سكان بلدها ~~بفوائد التأنس بالوافدين ، والانتفاع بما يجلبونه من الأرزاق ، وبما يجلب ~~التجار في أوقات وفود الناس إليه ؛ فأصبح ساكنوه لا يلحقهم جوع ولا عراء . ~~وجعل في نفوس أهله القناعة فكان رزقهم كفانا . وذلك ما دعا به إبراهيم في ~~قوله : { ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ~~ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم ~~يشكرون } ( إبراهيم : 37 ) . فكانت الكعبة قياما لهم يقوم به أود معاشهم . ~~وهذا قيام خاص بأهله . # ثم انتشرت ذرية إسماعيل ولحقت بهم قبائل كثيرة من العرب القحطانيين وأهلت ~~بلاد العرب . وكان جميع أهلها يدين بدين إبراهيم ؛ فكان من انتشارهم ما ~~شأنه أن يحدث بين الأمة الكثيرة من الاختلاف والتغالب والتقاتل الذي يفضي ~~إلى التفاني ، فإذا هم قد وجدوا حرمة أشهر الحج ms2423 الثلاثة وحرمة شهر العمرة ، ~~وهو رجب الذي سنته مضر ( وهم معظم ذرية إسماعيل ) وتبعهم معظم العرب . ~~وجدوا تلك الأشهر الأربعة ملجئة إياهم إلى المسالمة فيها فأصبح السلم سائدا ~~بينهم مدة ثلث العام ، يصلحون فيها شؤونهم ، ويستبقون نفوسهم ، وتسعى فيها ~~سادتهم وكبراؤهم وذوو الرأي منهم بالصلح بينهم ، فيما نجم من تراتت وإحنن . ~~فهذا من قيام الكعبة لهم ، لأن الأشهر الحرم من آثار الكعبة إذ هي زمن الحج ~~والعمرة للكعبة . # وقد جعل إبراهيم للكعبة مكانا متسعا شاسعا يحيط بها من جوانبها أميالا ~~كثيرة ، وهو الحرم ، فكان الداخل فيه آمنا . قال تعالى : { أو لم يروا أنا ~~جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم } ( العنكبوت : 67 ) . فكان ذلك ~~أمنا مستمرا لسكان مكة وحرمها ، وأمنا يلوذ إليه من عراه خوف من غير سكانها ~~بالدخول إليه عائذا ، ولتحقيق أمنه أمن الله PageV07P057 وحوشه ودوابه ~~تقوية لحرمته في النفوس ، فكانت الكعبة قياما لكل عربي إذا طرقه ضيم . # وكان أهل مكة وحرمها يسيرون في بلاد العرب آمنين لا يتعرض لهم أحد بسوء ، ~~فكانوا يتجرون ويدخلون بلاد قبائل العرب ، فيأتونهم بما يحتاجونه ويأخذون ~~منهم ما لا يحتاجونه ليبلغوه إلى من يحتاجونه ، ولولاهم لما أمكن لتاجر من ~~قبيلة أن يسير في البلاد ، فلتعطلت التجارة والمنافع . ولذلك كان قريش ~~يوصفون بين العرب بالتجار ، ولأجل ذلك جعلوا رحلتي الشتاء والصيف اللتين ~~قال الله تعالى فيهما : { لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الستاء والصيف } ( قريش ~~: 1 ، 2 ) . وبذلك كله بقيت أمه العرب محفوظة الجبلة التي أراد الله أن ~~يكونوا مجبولين عليها ، فتهيأت بعد ذلك لتلقي دعوة محمد صلى الله عليه وسلم ~~وحملها إلى الأمم ، كما أراد الله تعالى وتم بذلك مراده . # وإذا شئت أن تعدو هذا فقل : إن الكعبة كانت قياما للناس وهم العرب ، إذ ~~كانت سبب اهتدائهم إلى التوحيد واتباع الحنيفية ، واستبقت لهم بقية من تلك ~~الحنيفية في مدة جاهليتهم كلها لم يعدموا عوائد نفعها . فلما جاء الإسلام ~~كان الحج إليها من أفضل الأعمال ، وبه تكفر الذنوب ، فكانت الكعبة من هذا ~~قياما للناس في أمور ms2424 أخراهم بمقدار ما يتمسكون به مما جعلت الكعبة له قياما ~~. # وعطف { الشهر الحرام } على { الكعبة } شبه عطف الخاص على العام باعتبار ~~كون الكعبة أريد بها ما يشمل علائقها وتوابعها ، فإن الأشهر الحرم ما ~~اكتسبت الحرمة إلا من حيث هي أشهر الحج والعمرة للكعبة كما علمت . فالتعريف ~~في { الشهر } للجنس كما تقدم في قوله تعالى : { ولا الشهر الحرام } ( ~~المائدة : 2 ) . ولا وجه لتخصيصه هنا ببعض تلك الأشهر . وكذلك عطف { الهدي ~~} و { القلائد } . وكون الهدي قياما للناس ظاهر ، لأنه ينتفع ببيعه للحاج ~~أصحاب المواشي من العرب ، وينتفع بلحومه من الحاج فقراء العرب ، فهو قيام ~~لهم . # وكذلك القلائد فإنهم ينتفعون بها ؛ فيتخذون من ظفائرها مادة عظيمة للغزل ~~والنسج ، فتلك قيام لفقرائهم ، ووجه تخصيصها بالذكر هنا ، وإن كانت هي من ~~أقل آثار الحج ، التنبيه على أن جميع علائق الكعبة فيها قيام للناس ، حتى ~~أدنى العلائق ، وهو PageV07P058 القلائد ، فكيف بما عداها من جلال البدن ~~ونعالها وكسوة الكعبة ، ولأن القلائد أيضا لا يخلو عنها هدي من الهدايا ~~بخلاف الجلال والنعال . ونظير هذا قول أبي بكر ( والله لو منعوني عقالا ) ~~إلخ . . . # وقوله : { ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض } الآية ~~، مرتبط بالكلام الذي قبله بواسطة لام التعليل في قوله { لتعلموا } . وتوسط ~~اسم الإشارة بين الكلامين لزيادة الربط مع التنبيه على تعظيم المشار إليه ، ~~وهو الجعل المأخوذ من قوله : { جعل الله الكعبة } ، فتوسط اسم الإشارة هنا ~~شبيه بتوسط ضمير الفصل ، فلذلك كان الكلام شبيها بالمستأنف وما هو بمستأنف ~~، لأن ماصدق اسم الإشارة هو الكلام السابق ، ومفاد لام التعليل الربط ~~بالكلام السابق ، فلم يكن في هذا الكلام شيء جديد غير التعليل ، والتعليل ~~اتصال وليس باستئناف ، لأن الاستئناف انفصال . وليس في الكلام السابق ما ~~يصلح لأن تتعلق به لام التعليل إلا قوله { جعل } . وليست الإشارة إلا للجعل ~~المأخوذ من قوله { جعل } . # والمعنى : جعل الله الكعبة قياما للناس لتعلموا أن الله يعلم الخ . . ، ~~أي أن من الحكمة التي جعل الكعبة قياما للناس لأجلها أن تعلموا أنه يعلم ms2425 . ~~فجعل الكعبة قياما مقصود منه صلاح الناس بادىء ذي بدء لأنه المجعولة عليه ، ~~ثم مقصود منه علم الناس بأنه تعالى عليم . وقد تكون فيه حكم أخرى لأن لام ~~العلة لا تدل على انحصار تعليل الحكم الخبري في مدخولها لإمكان تعدد العلل ~~للفعل الواحد ، لأن هذه علل جعلية لا إيجادية ، وإنما اقتصر على هذه العلة ~~دون غيرها لشدة الاهتمام بها ، لأنها طريق إلى معرفة صفة من صفات الله تحصل ~~من معرفتها فوائد جمة للعارفين بها في الامتثال والخشية والاعتراف بعجز من ~~سواه وغير ذلك . فحصول هذا العلم غاية من الغايات التي جعل الله الكعبة ~~قياما لأجلها . # والمقصود أنه يعلم ما في السموات وما في الأرض قبل وقوعه لأنه جعل ~~التعليل متعلقا بجعل الكعبة وما تبعها قياما للناس . وقد كان قيامها للناس ~~حاصلا بعد وقت جعلها بمدة ، وقد حصل بعضه يتلو بعضا في أزمنة متراخية كما ~~هو واضح . وأما كونه يعلم ذلك بعد وقوعه فلا يحتاج للاستدلال لأنه أولى ، ~~ولأن كثيرا من الخلائق قد علم تلك الأحوال بعد وقوعها . PageV07P059 # ووجه دلالة جعل الكعبة قياما للناس وما عطف عليها ، على كونه تعالى يعلم ~~ما في السماوات وما في الأرض ، أنه تعالى أمر ببناء الكعبة في زمن إبراهيم ~~، فلم يدر أحد يومئذ إلا أن إبراهيم اتخذها مسجدا ، ومكة يومئذ قليلة ~~السكان ، ثم إن الله أمر بحج الكعبة وبحرمة حرمها وحرمة القاصدين إليها ، ~~ووقت للناس أشهرا القصد فيها ، وهدايا يسوقونها إليها فإذا في جميع ذلك ~~صلاح عظيم وحوائل دون مضار كثيرة بالعرب لولا إيجاد الكعبة ، كما بيناه ~~آنفا . فكانت الكعبة سبب بقائهم حتى جاء الله بالإسلام . فلا شك أن الذي ~~أمر ببنائها قد علم أن ستكون هنالك أمة كبيرة ، وأن ستحمد تلك الأمة عاقبة ~~بناء الكعبة وما معه من آثارها . وكان ذلك تمهيدا لما علمه من بعثة محمد ~~صلى الله عليه وسلم فيهم ، وجعلهم حملة شريعته إلى الأمم ، وما عقب ذلك من ~~عظم سلطان المسلمين وبناء حضارة الإسلام . ثم هو يعلم ما في الأرض وليس ms2426 هو ~~في الأرض بدليل المشاهدة ، أو بالترفع عن النقص فلا جرم أن يكون عالما بما ~~في السماواة ، لأن السموات إما أن تكون مساوية للأرض في أنه تعالى ليس ~~بمستقر فيها ، ولا هي أقرب إليه من الأرض ، كما هو الإعتقاد الخاص ، فثبت ~~له العلم بما في السماوات بقياس المساواة ؛ وإما أن يكون تعالى في أرفع ~~المكان وأشرف العوالم ، فيكون علمه بما في السماوات أحرى من علمه بما في ~~الأرض ، لأنها أقرب إليه وهو بها أعني ، فيتم الاستدلال للفريقين . # وأما دلالة ذلك على أنه بكل شيء عليم فلأن فيما ثبت من هذا العلم الذي ~~تقرر من علمه بما في السماوات وما في الأرض أنواعا من المعلومات جليلة ~~ودقيقة ؛ فالعلم بها قبل وقوعها لا محالة ، فلو لم يكن يعلم جميع الأشياء ~~لم يخل من جهل بعضها ، فيكون ذلك الجهل معطلا لعلمه بكثير مما يتوقف تدبيره ~~على العلم بذلك المجهول فهو ما دبر جعل الكعبة قياما وما نشأ عن ذلك إلا عن ~~عموم علمه بالأشياء ولولا عمومه ما تم تدبير ذلك المقدر . # $ 2 ( 98 ، 99 ) { اعلمو & # 1764 ا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم * ما على الرسول إلا ~~البلاغ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون } . ) 2 $ PageV07P060 # استئناف ابتدائي وتذييل لما سبق من حظر الصيد للمحرم وإباحة صيد البحر ~~والامتنان بما جعل للكعبة من النعم عليهم ليطمئنوا لما في تشريع تلك ~~الأحكام من تضييق على تصرفاتهم ليعلموا أن ذلك في صلاحهم ، فذيل بالتذكير ~~بأن الله منهم بالمرصاد يجازي كل صانع بما صنع من خير أو شر . وافتتاح ~~الجملة ب { اعلموا } للاهتمام بمضمونها كما تقدم عند قوله تعالى : { واتقوا ~~الله واعلموا أنكم ملاقوه في سورة البقرة ( 223 ) . وقد استوفى قوله : إن ~~الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم } أقسام معاملته تعالى فهو شديد ~~العقاب لمن خالف أحكامه وغفور لمن تاب وعمل صالحا . وافتتاح الجملة بلفظ { ~~اعلموا } للاهتمام بالخبر كما تقدم عند قوله تعالى : { واعلموا أنكم ملاقوه ~~في سورة البقرة ( 223 ) . # وجملة ما على الرسول ms2427 إلا البلاغ } معترضة ذيل بها التعريض بالوعيد والوعد ~~. ومضمونها إعذار الناس لأن الرسول قد بلغ إليهم ما أراد الله منهم فلا عذر ~~لهم في التقصير ، والمنة لله ولرسوله فيما أرشدهم إليه من خير . # والقصر ليس بحقيقي لأن على الرسول أمورا أخر غير البلاغ مثل التعبد لله ~~تعالى ، والخروج إلى الجهاد ، والتكاليف التي كلفه الله بها مثل قيام الليل ~~، فتعين أن معنى القصر : ما عليه إلاالبلاغ ، أي دون إلجائكم إلى الإيمان ، ~~فالقصر إضافي فلا ينافي أن على الرسول أشياء كثيرة . والإتيان بحرف ( على ) ~~دون ( اللام ) ونحوها مؤذن بأن المردود شيء يتوهم أنه لازم للرسول من حيث ~~إنه يدعي الرسالة عن الله تعالى . # وقوله : { والله يعلم ما تبدون وما تكتمون } عطف على جملة { اعلموا أن ~~الله شديد العقاب } . وهي تتميم للتعريض بالوعيد والوعد تذكيرا بأنه لا ~~يخفى عليه شيء من أعمالهم ظاهرها وباطنها . وتقديم المسند إليه على الخبر ~~الفعلي هنا لإفادة تقوي الحكم وليس لإفادة التخصيص لنبو المقام عن ذلك . ~~PageV07P061 # وذكر { ما تبدون } مقصود منه التعميم والشمول مع { ما تكتمون } وإلا ~~فالغرض هو تعليمهم أن الله يعلم ما يسرونه أما ما يبدونه ، فلا يظن أن الله ~~لا يعلمه . # # | 2 ( 100 ) { قل لا يستوى الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث فاتقوا ~~الله ياأولى الالباب لعلكم تفلحون } . ) 2 # لما آذن قوله : { اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم } ( ~~المائدة : 98 ) وقوله : { والله يعلم ما تبدون وما تكتمون } ( المائدة : 99 ~~) بأن الناس فريقان : مطيعون وعصاة ، فريق عاندوا الرسول ولم يمتثلوا ، وهم ~~من بقي من أهل الشرك ومن عاضدهم من المنافقين ، وربما كانوا يظهرون للقبائل ~~أنهم جمع كثير ، وأن مثلهم لا يكون على خطأ ، فأزال الله الأوهام التي ~~خامرت نفوسهم فكانت فتنة أو حجة ضالة يموه بها بعض منهم على المهتدين من ~~المسلمين . فالآية تؤذن بأن قد وجدت كثرة من أشياء فاسدة خيف أن تستهوي من ~~كانوا بقلة من الأشياء الصالحة ، فيحتمل أن تكون تلك الكثرة كثرة عدد في ~~الناس إذ معلوم في متعارف ms2428 العرب في الجاهلية وفي أول الإسلام الاعتزاز ~~بالكثرة والإعجاب بها . قال الأعشى : # ولست بالأكثر منهم حصى # وإنما العزة للكاثر # وقال السموأل أو عبد الملك الحارثي : # تعيرنا أنا قليل عديدنا # وقد تعجب العنبري إذ لام قومه فقال : # لكن قومي وإن كانوا ذوي عدد # ليسوا من الشر في شيء وإن هانا # قال السدي : كثرة الخبيث هم المشركون ، والطيب هم المؤمنون . وهذا المعنى ~~PageV07P062 يناسب لو يكون نزول هذه الآية قبل حجة الوداع حين كان المشركون ~~أكثر عددا من المسلمين ؛ لكن هذه السورة كلها نزلت في عام حجة الوداع فيمكن ~~أن تكون إشارة إلى كثرة نصارى العرب في الشام والعراق ومشارف الشام لأن ~~المسلمين قد تطلعوا يومئذ إلى تلك الأصقاع ، وقيل : أريد منها الحرام ~~والحلال من المال ، ونقل عن الحسن . # ومعنى { لا يستوي } نفي المساواة ، وهي المماثلة والمقاربة والمشابهة . ~~والمقصود منه إثبات المفاضلة بينهما بطريق الكناية ، والمقام هو الذي يعين ~~الفاضل من المفضول ، فإن جعل أحدهما خبيثا والآخر طيبا يعين أن المراد ~~تفضيل الطيب . وتقدم عند قوله تعالى : { ليسوا سواء في سورة آل عمران ( 113 ~~) . ولما كان من المعلوم أن الخبيث لا يساوي الطيب وأن البون بينهما بعيد ، ~~علم السامع من هذا أن المقصود استنزال فهمه إلى تمييز الخبيث من الطيب في ~~كل ما يلتبس فيه أحدهما بالآخر ، وهذا فتح لبصائر الغافلين كيلا يقعوا في ~~مهواة الالتباس ليعلموا أن ثمة خبيثا قد التف في لباس الحسن فتموه على ~~الناظرين ، ولذلك قال ولو أعجبك كثرة الخبيث } . فكان الخبيث المقصود في ~~الآية شيئا تلبس بالكثرة فراق في أعين الناظرين لكثرته ، ففتح أعينهم ~~للتأمل فيه ليعلموا خبثه ولا تعجبهم كثرته . # فقوله : { ولو أعجبك كثرة الخبيث } من جملة المقول المأمور به النبيء صلى ~~الله عليه وسلم أي قل لهم هذا كله ، فالكاف في قوله : { أعجبك } للخطاب ، ~~والمخاطب بها غير معين بل كل من يصلح للخطاب ، مثل { ولو ترى إذ وقفوا على ~~النار } ( الأنعام : 27 ) ، أي ولو أعجب معجبا كثرة الخبيث . وقد علمت وجه ~~الإعجاب بالكثرة في أول هذه ms2429 الآية . # وليس قوله : { ولو أعجبك كثرة الخبيث } بمقتض أن كل خبيث يكون كثيرا ولا ~~أن يكون أكثر من الطيب من جنسه ، فإن طيب التمر والبر والثمار أكثر من ~~خبيثها ، وإنما المراد أن لا تعجبكم من الخبيث كثرته إذا كان كثيرا فتصرفكم ~~عن التأمل من خبثه وتحدوكم إلى متابعته لكثرته ، أي ولكن انظروا إلى ~~الأشياء بصفاتها ومعانيها لا بأشكالها ومبانيها ، أو كثرة الخبيث في ذلك ~~الوقت بوفرة أهل الملل الضالة . PageV07P063 والإعجاب يأتي الكلام عليه عند ~~قوله تعالى : { فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في سورة براءة ( 55 ) . # وفي تفسير ابن عرفة } قال : ( وكنت بحثت مع ابن عبد السلام وقلت له : هذه ~~تدل على الترجيح بالكثرة في الشهادة لأنهم اختلفوا إذا شهد عدلان بأمر وشهد ~~عشرة عدول بضده ، فالمشهور أن لا فرق بين العشرة والعدلين ، وهما متكاملان ~~. وفي المذهب قول آخر بالترجيح بالكثرة . فقوله : { ولو أعجبك كثرة الخبيث ~~} يدل على أن الكثرة لها اعتبار بحيث إنها ما أسقطت هنا إلا للخبث ، ولم ~~يوافقني عليه ابن عبد السلام بوجه . ثم وجدت ابن المنير ذكره بعينه ) اه . # والواو في قوله { ولو أعجبك } واو الحال ، و { لو } اتصالية ، وقد تقدم ~~بيان معناهما عند قوله تعالى : { فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو ~~افتدى به في سورة آل عمران ( 91 ) . # وتفريع قوله : فاتقوا الله يا أولى الألباب } على ذلك مؤذن بأن الله يريد ~~منا إعمال النظر في تمييز الخبيث من الطيب ، والبحث عن الحقائق ، وعدم ~~الاغترار بالمظاهر الخلابة الكاذبة ، فإن الأمر بالتقوى يستلزم الأمر ~~بالنظر في تمييز الأفعال حتى يعرف ما هو تقوى دون غيره . # ونظير هذا الاستدلال استدلالل العلماء على وجوب الاجتهاد بقوله تعالى : { ~~فاتقوا الله ما استطعتم } ( التغابن : 16 ) ، لأن مما يدخل تحت الاستطاعة ~~الاجتهاد بالنسبة للمتأهل إليه الثابت له اكتساب أداته . ولذلك قال هنا : { ~~يأولي الألباب } فخاطب الناس بصفة ليؤمىء إلى أن خلق العقول فيهم يمكنهم من ~~التمييز بين الخبيث والطيب لاتباع الطيب ونبذ الخبيث . ومن أهم ما يظهر فيه ~~امتثال هذا الأمر ms2430 النظر في دلائل صدق دعوى الرسول وأن لا يحتاج في ذلك إلى ~~تطلب الآيات والخوارق كحال الذين حكى الله عنهم { وقالوا لن نؤمن لك حتى ~~تفجر لنا من الأرض ينبوعا } ( الإسراء : 90 ) الآية ، وأن يميز بين حال ~~الرسول وحال السحرة والكهان وإن كان عددهم كثيرا . # وقوله : { لعلكم تفلحون } تقريب لحصول الفلاح بهم إذا اتقوا هذه التقوى ~~التي منها تمييز الخبيث من الطيب وعدم الاغترار بكثرة الخبيث وقلة الطيب في ~~هذا . # PageV07P064 # | 2 ( 101 ، 102 ) { لله ياأيها الذين ءامنوا لا تسألوا عن أشيآء إن تبد ~~لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرءان تبد لكم عفا الله عنها والله ~~غفور حليم * قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين } . ) 2 # استئناف ابتدائي للنهي عن العودة إلى مسائل سألها بعض المؤمنين رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ليست في شؤون الدين ولكنها في شؤون ذاتية خاصة بهم ، ~~فنهوا أن يشغلوا الرسول بمثالها بعد أن قدم لهم بيان مهمة الرسول بقوله ~~تعالى : { ما على الرسول إلا البلاغ } ( المائدة : 99 ) الصالح لأن يكون ~~مقدمة لمضمون هذه الآية ولمضمون الآية السابقة ، وهي قوله : { قل لا يستوي ~~الخبيث والطيب } ( المائدة : 100 ) فالآيتان كلتاهما مرتبطتان بآية { ما ~~على الرسول إلا البلاغ } ( المائدة : 99 ) ، وليست إحدى هاتين الآيتين ~~بمرتبطة بالأخرى . # وقد اختلفت الروايات في بيان نوع هذه الأشياء المسؤول عنها والصحيح من ~~ذلك حديث موسى بن أنس بن مالك عن أبيه في ( الصحيحين ) قال : سأل الناس ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحفوه بالمسألة ، فصعد المنبر ذات يوم ~~فقال : ( لا تسألونني عن شيء إلا بينت لكم ) ، فأنشأ رجل كان إذا لاحى يدعى ~~لغير أبيه ، فقال : يا رسول الله من أبي قال : أبوك حذافة ( أي فدعاه لأبيه ~~الذي يعرف به ) ، والسائل هو عبد الله بن حذافة السهمي ، كما ورد في بعض ~~روايات الحديث . وفي رواية لمسلم عن أبي موسى : فقام رجل آخر فقال من أبي ، ~~قال : أبوك سالم مولى شيبة . وفي بعض روايات هذا الخبر في غير الصحيح ms2431 عن ~~أبي هريرة أن رجلا آخر قام فقال : أين أبي . وفي رواية : أين أنا ؟ فقال : ~~في النار . # وفي ( صحيح البخاري ) عن ابن عباس قال : كان قوم ، أي من المنافقين ، ~~يسألون رسول الله استهزاء فيقول الرجل تضل ناقته : أين ناقتي ، ويقول الرجل ~~: من أبي ، ويقول المسافر : ماذا ألقى في سفري ، فأنزل الله فيهم هذه الآية ~~: { يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا PageV07P065 عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ~~} . قال الأيمة : وقد انفرد به البخاري . ومحمله أنه رأي من ابن عباس ، وهو ~~لا يناسب افتتاح الآية بخطاب الذين آمنوا اللهم إلا أن يكون المراد تحذير ~~المؤمنين من نحو تلك المسائل عن غفلة من مقاصد المستهزئين ، كما في قوله : ~~{ يأيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا } ( البقرة : 104 ) ، أو أريد بالذين ~~آمنوا الذين أظهروا الإيمان ، على أن لهجة الخطاب في الآية خالية عن ~~الإيماء إلى قصد المستهزئين ، بخلاف قوله : { لا تقولوا راعنا } ( البقرة : ~~104 ) فقد عقب بقوله : { وللكافرين عذاب أليم } ( البقرة : 104 ) . # وروى الترمذي والدارقطني عن علي بن أبي طالب لما نزلت { ولله على الناس ~~حج البيت } ( آل عمران : 97 ) قالوا : يا رسول الله في كل عام ، فسكت ، ~~فأعادوا . فقال : لا ، ولو قلت : نعم لوجبت ، فأنزل الله { يأيها الذين ~~آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم } قال : هذا حديث حسن غريب . ~~وروى الطبري قريبا منه عن أبي أمامة وعن ابن عباس . وتأويل هذه الأسانيد أن ~~الآية تليت عند وقوع هذا السؤال وإنما كان نزولها قبل حدوثه فظنها الراوون ~~نزلت حينئذ . وتأويل المعنى على هذا أن الأمة تكون في سعة إذا لم يشرع لها ~~حكم ، فيكون الناس في سعة الاجتهاد عند نزول الحادثة بهم بعد الرسول صلى ~~الله عليه وسلم ، فإذا سألوا وأجيبوا من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم ~~تعين عليهم العمل بما أجيبوا به . وقد تختلف الأحوال والأعصار فيكونون في ~~حرج إن راموا تغييره ؛ فيكون معنى { إن تبد لكم تسؤكم } على هذا الوجه أنها ~~تسوء بعضهم أو تسوءهم في بعض الأحوال إذا ms2432 شقت عليهم . وروى مجاهد عن ابن ~~عباس : نزلت في قوم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البحيرة ~~والسائبة والوصيلة والحامي . وقال مثله سعيد بن جبير والحسن . # وقوله : { أشياء } تكثير شيء ، والشيء هو الموجود ، فيصدق بالذات وبحال ~~الذات ، وقد سألوا عن أحوال بعض المجهولات أو الضوال أو عن أحكام بعض ~~الأشياء . و ( أشياء ) كلمة تدل على جمع ( شيء ) ، والظاهر أنه صيغة جمع ~~لأن زنة شيء ( فعل ) ، و ( فعل ) إذا كان معتل العين قياس جمعه ( أفعال ) ~~مثل بيت وشيخ . فالجاري على متعارف PageV07P066 التصريف أن يكون ( أشياء ) ~~جمعا وأن همزته الأولى همزة مزيدة للجمع . إلا أن ( أشياء ) ورد في القرآن ~~هنا ممنوعا من الصرف ، فتردد أئمة اللغة في تأويل ذلك ، وأمثل أقوالهم في ~~ذلك قول الكسائي : إنه لما كثر استعماله في الكلام أشبه ( فعلاء ) ، فمنعوه ~~من الصرف لهذا الشبه ، كما منعواسراويل من الصرف وهو مفرد لأنه شابه صيغة ~~الجمع مثل مصابيح . # وقال الخليل وسيبويه : ( أشياء ) اسم جمع ( شيء ) وليس جمعا ، فهو مثل ~~طرفاء وحلفاء فأصله شيئاء ، فالمدة في آخره مدة تأنيث ، فلذلك منع من الصرف ~~، وادعى أنهم صيروه أشياء بقلب مكاني . وحقه أن يقال : شيئاء بوزن ( فعلاء ~~) فصار بوزن ( لفعاء ) . # وقوله { إن تبد لكم تسؤكم } صفة { أشياء } ، أي إن تظهر لكم وقد أخفيت ~~عنكم يكن في إظهارها ما يسوءكم ، ولما كانت الأشياء المسؤول عنها منها ما ~~إذا ظهر ساء من سأل عنه ومنها ما ليس كذلك ، وكانت قبل إظهارها غير متميزة ~~كان السؤال عن مجموعها معرضا للجواب بما بعضه يسوء ، فلما كان هذا البعض ~~غير معين للسائلين كان سؤالهم عنها سؤالا عن ما إذا ظهر يسوءهم ، فإنهم ~~سألوا في موطن واحد أسئلة منها : ما سرهم جوابه ، وهو سؤال عبد الله بن ~~حذافة عن أبيه فأجيب بالذي يصدق نسبه ، ومنها ما ساءهم جوابه ، وهو سؤال من ~~سأل أين أبي ، أو أين أنا فقيل له : في النار ، فهذا يسوءه لا محالة . ~~فتبين بهذا أن قوله : { إن تبد لكم تسؤكم } روعي فيه النهي عن ms2433 المجموع ~~لكراهية بعض ذلك المجموع . والمقصود من هذا استئناسهم للإعراض عن نحو هذه ~~المسائل ، وإلا فإن النهي غير مقيد بحال ما يسوءهم جوابه ، بدليل قوله بعده ~~{ عفا الله عنها } . لأن العفو لا يكون إلا عن ذنب وبذلك تعلم أنه لا مفهوم ~~للصفة هنا لتعذر تمييز ما يسوء عما لا يسوء . # وجملة { وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم } عطف على جملة { لا ~~تسألوا } ، وهي تفيد إباحة السؤال عنها على الجملة لقوله : { وإن تسألوا } ~~فجعلهم مخيرين في السؤال عن أمثالها ، وأن ترك السؤال هو الأولى لهم ، ~~فالانتقال إلى الإذن رخصة وتوسعة ، وجاء ب { إن } للدلالة على أن الأولى ~~ترك السؤال عنها لأن الأصل في ( إن ) أن تدل على أن الشرط نادر الوقوع أو ~~مرغوب عن وقوعه . PageV07P067 # وقوله : { حين ينزل القرآن } ظرف يجوز تعلقه بفعل الشرط وهو { تسألوا } ، ~~ويجوز تعلقه بفعل الجواب وهو { تبد لكم } ، وهو أظهر إذ الظاهر أن حين نزول ~~القرآن لم يجعل وقتا لإلقاء الأسئلة بل جعل وقتا للجواب عن الأسئلة . ~~وتقديمه على عامله للاهتمام ، والمعنى أنهم لا ينتظرون الجواب عما يسألون ~~عنه إلا بعد نزول القرآن ، لقوله تعالى : { قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ~~ولا أعلم الغيب إلى قوله إن أتبع إلا ما يوحى إلي } ( الأنعام : 50 ) ~~فنبههم الله بهذا على أن النبي يتلقى الوحي من علام الغيوب . فمن سأل عن ~~شيء فلينتظر الجواب بعد نزول القرآن ، ومن سأل عند نزول القرآن حصل جوابه ~~عقب سؤاله . ووقت نزول القرآن يعرفه من يحضر منهم مجلس النبي صلى الله عليه ~~وسلم فإن له حالة خاصة تعتري الرسول صلى الله عليه وسلم يعرفها الناس ، كما ~~ورد في حديث يعلى بن أمية في حكم العمرة . ومما يدل لهذا ما وقع في حديث ~~أنس من رواية ابن شهاب في ( صحيح مسلم ) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~صلى لهم صلاة الظهر فلما سلم قام على المنبر فذكر الساعة وذكر أن قبلها ~~أمورا عظاما ثم قال : من أحب أن يسألني عن ms2434 شيء فليسألني عنه فوالله لا ~~تسألونني عن شيء إلا أخبرتكم به ما دمت في مقامي هذا . ثم قال : ( لقد عرضت ~~علي الجنة والنار آنفا في عرض هذا الحائط فلم أر كاليوم في الخير والشر ) ~~الحديث ، فدل ذلك على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ذلك الحين في ~~حال نزول وحي عليه . وقد جاء في رواية موسى بن أنس عن أبيه أنس أنه أنزل ~~عليه حينئذ قوله تعالى : { يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء } الآية . ~~فتلك لا محالة ساعة نزول القرآن واتصال الرسول عليه الصلاة والسلام بعالم ~~الوحي . # وقوله : { عفا الله عنها } يحتمل أنه تقرير لمضمون قوله : { وإن تسألوا ~~عنها حين ينزل القرآن تبد لكم } ، أي أن الله نهاكم عن المسألة وعفا عنكم ~~أن تسألوا حين ينزل القرآن . وهذا أظهر لعوذ الضمير إلى أقرب مذكور باعتبار ~~تقييده { حين ينزل القرآن } . ويحتمل أن يكون إخبارا عن عفوه عما سلف من ~~إكثار المسائل وإحفاء الرسول صلى الله عليه وسلم فيها لأن ذلك لا يناسب ما ~~يجب من توقيره . PageV07P068 # وقوله : { قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين } استئناف بياني ~~جواب سؤال يثيره النهي عن السؤال ثم الإذن فيه في حين ينزل القرآن ، أن ~~يقول سائل : إن كان السؤال في وقت نزول القرآن وأن بعض الأسئلة يسوء جوابه ~~قوما ، فهل الأولى ترك السؤال أو إلقاؤه . فأجيب بتفصيل أمرها بأن أمثالها ~~قد كانت سببا في كفر قومم قبل المسلمين . # وضمير { سألها } جوز أن يكون عائدا إلى مصدر مأخوذ من الكلام غير مذكور ~~دل عليه فعل { تسألوا } ، أي سأل المسألة ، فيكون الضمير منصوبا على ~~المفعولية المطلقة . وجرى جمهور المفسرين على تقدير مضاف ، أي سأل أمثالها ~~. والمماثلة في ضآلة الجدوى . والأحسن عندي أن يكون ضمير { سألها } عائدا ~~إلى { أشياء } ، أي إلى لفظه دون مدلوله . فالتقدير : قد سأل أشياء قوم من ~~قبلكم ، وعدي فعل { سأل } إلى الضمير على حذف حرف الجر ، وعلى هذا المعنى ~~يكون الكلام على طريقة قريبة من طريقة الاستخدام بل هي ms2435 أحق من الاستخدام ، ~~فإن أصل الضمير أن يعود إلى لفظ باعتبار مدلوله وقد يعود إلى لفظ دون ~~مدلوله ، نحو قولك : لك درهم ونصفه ، أي نصف درهم لا الدرهم الذي أعطيته ~~إياه . والاستخدام أشد من ذلك لأنه عود الضمير على اللفظ مع مدلول آخر . # و { ثم } في قوله : { ثم أصبحوا بها كافرين } للترتيب الرتبي كشأنها في ~~عطف الجمل فإنها لا تفيد فيه تراخي الزمان وإنما تفيد تراخي مضمون الجملة ~~المعطوفة في تصور المتكلم عن تصور مضمون الجملة المعطوف عليها ، فتدل على ~~أن الجملة المعطوفة لم يكن يترقب حصول مضمونها حتى فاجأ المتكلم . وقد مرت ~~الإشارة إلى ذلك عند قوله تعالى : { ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم في سورة ~~البقرة ( 85 ) . # والباء في قوله بها } يجوز أن تكون للسببية ، فتتعلق ب { أصبحوا } ، أي ~~كانت تلك المسائل سببا في كفرهم ، أي باعتبار ما حصل من جوابها ، ويحتمل أن ~~تكون ( للتعدية ) فتتعلق ب { كافرين } ، أي كفروا بها ، أي بجوابها بأن لم ~~يصدقوا رسلهم فيما أجابوا به ، وعلى هذا الوجه فتقديم المجرور على عامله ~~مفيد للتخصيص ، أي ما كفروا إلا بسببها ، أي كانوا في منعة من الكفر لولا ~~تلك المسائل ، فقد كانوا كالباحث على حتفه بظلفه ، فهو تخصيص ادعائي ، أو ~~هو تقديم لمجرد الاهتمام للتنبيه على التحذير منها . PageV07P069 وفعل { ~~أصبحوا } مستعمل بمعنى صاروا ، وهو في هذا الاستعمال مشعر بمصير عاجل لا ~~تريث فيه لأن الصباح أول أوقات الانتشار للأعمال . # والمراد بالقوم بعض الأمم التي كانت قبل الإسلام ، سألوا مثل هذه المسائل ~~، فلما أعطوا ما سألوا لم يؤمنوا ، مثل ثمود ، سألوا صالحا آية ، فلما أخرج ~~لهم ناقة من الصخر عقروها ، وهذا شأن أهل الضلالة متابعة الهوى فكل ما ~~يأتيهم مما لا يوافق أهواءهم كذبوا به ، كما قال الله تعالى : { وإذا دعوا ~~إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون وإن يكن لهم الحق يأتوا ~~إليه مذعنين } ( النور : 48 ، 49 ) ، وكما وقع لليهود في خبر إسلام عبد ~~الله بن سلام . وقريب مما في هذه الآية ما قدمناه ms2436 عند تفسير قوله تعالى : { ~~قل من كان عدوا لجبريل في سورة البقرة ( 97 ) . فإن اليهود أبغضوا جبريل ~~لأنه أخبر دانيال باقتراب خراب أورشليم ، وتعطيل بيت القدس ، حسبما في ~~الإصحاح التاسع من كتاب دانيال . وقد سأل اليهود زكرياء وابنه يحيى عن عيسى ~~، وكانا مقدسين عند اليهود ، فلما شهدا لعيسى بالنبوءة أبغضهما اليهود ~~وأغروا بهما زوجة هيرودس فحملته على قتلهما كما في الإصحاح الرابع من إنجيل ~~متى والإصحاح الثالث من مرقس . # والمقصود من هذا ذم أمثال هذه المسائل بأنها لا تخلو من أن تكون سببا في ~~غم النفس وحشرجة الصدر وسماع ما يكره ممن يحبه . ولولا أن إيمان المؤمنين ~~وازع لهم من الوقوع في أمثال ما وقع فيه قوم من قبلهم لكانت هذه المسائل ~~محرمة عليهم لأنها تكون ذريعة للكفر . # فهذا استقصاء تأويل هذه الآية العجيبة المعاني البليغة العبر الجديرة ~~باستجلائها ، فالحمد لله الذي من باستضوائها . # # | 2 ( 103 ) ما جعل الله من بحيرة ولا سآئبة ولا وصيلة ولا حام ولاكن ~~الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون } . ) 2 # PageV07P070 # استئناف ابتدائي جاء فارقا بين ما أحدثه أهل الجاهلية من نقائض الحنيفية ~~وبين ما نوه الله به مما كانوا عليه من شعائر الحج ، فإنه لما بين أنه جعل ~~الكعبة قياما للناس وجعل الهدي والقلائد قياما لهم ، بين هنا أن أمورا ما ~~جعلها الله ولكن جعلها أهل الضلالة ليميز الخبيث من الطيب ، فيكون كالبيان ~~لآية { قل لا يستوي الخبيث والطيب } ( المائدة : 100 ) ، فإن البحيرة وما ~~عطف عليها هنا تشبه الهدي في أنها تحرر منافعها وذواتها حية لأصنامهم كما ~~تهدي الهدايا للكعبة مذكاة ، فكانوا في الجاهلية يزعمون أن الله شرع لهم ~~ذلك ويخلطون ذلك بالهدايا ، ولذلك قال الله تعالى : { قل هلم شهداءكم الذين ~~يشهدون أن الله حرم هذا وقال في هذه الآية : ولكن الذين كفروا يفترون على ~~الله الكذب } . فالتصدي للتفرقة بين الهدي وبين البحيرة والسائبة ونحوهما ، ~~كالتصدي لبيان عدم التفرقة بين الطواف وبين السعي للصفا والمروة في قوله : ~~{ إن الصفا والمروة من شعائر ms2437 الله } ( البقرة : 158 ) كما تقدم هنالك . وقد ~~قدمنا ما رواه مجاهد عن ابن عباس : أن ناسا سألوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن البحيرة والسائبة ونحوهما فنزلت هذه الآية . # ومما يزيدك ثقة بما ذكرته أن الله افتتح هذه الآية بقوله : { ما جعل الله ~~} لتكون مقابلا لقوله في الآية الأخرى { جعل الله الكعبة } ( المائدة : 97 ~~) . ولولا ما توسط بين الآيتين من الآي الكثيرة لكانت هذه الآية معطوفة على ~~الأولى بحرف العطف إلا أن الفصل هنا كان أوقع ليكون به استقلال الكلام ~~فيفيد مزيد اهتمام بما تضمنه . # والجعل هنا بمعنى الأمر والتشريع ، لأن أصل ( جعل ) إذا تعدى إلى مفعول ~~واحد أن يكون بمعنى الخلق والتكوين ، ثم يستعار إلى التقدير والكتب كما في ~~قولهم : فرض عليه جعالة ، وهو هنا كذلك فيؤول إلى معنى التقدير والأمر ~~بخلاف ما وقع في قوله : { جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس } ( ~~المائدة : 97 ) . فالمقصود هنا نفي تشريع هذه الأجناس من الحقائق فإنها ~~موجودة في الواقع . فنفي جعلها متعين لأن يكون المراد منه نفي الأمر ~~والتشريع ، وهو كناية عن عدم الرضا به والغضبب على من جعله ، كما يقول ~~الرجل لمن فعل شيئا : ما أمرتك بهذا . فليس المراد إباحته والتخيير في فعله ~~وتركه PageV07P071 كما يستفاد من المقام ، وذلك مثل قوله : { قل هلم ~~شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا } ( الأنعام : 150 ) فإنه كناية عن ~~الغضب على من حرموه ، وليس المراد أن لهم أن يجتنبوه . # وأدخلت ( من ) الزائدة بعد النفي للتنصيص على أن النفي نفي الجنس لا نفي ~~أفراد معينة ، فقد ساوى أن يقال : لا بحيرة ولا سائبة مع قضاء حق المقام من ~~بيان أن هذا ليس من جعل الله وأنه لا يرضى به فهو حرام . # والبحيرة بفتح الباء الموحدة وكسر الحاء المهملة فعيلة بمعنى مفعولة ، أي ~~مبحورة ، والبحر الشق . يقال : بحرشق . وفي حديث حفر زمزم أن عبد المطلب ~~بحرها بحرا ، أي شقها ووسعها . فالبحيرة هي الناقة ، كانوا يشقون أذنها ~~بنصفين طولا علامة على تخليتها ، أي أنها لا تركب ms2438 ولا تنحر ولا تمنع عن ماء ~~ولا عن مرعى ولا يجزرونها ويكون لبنها لطواغيتهم ، أي أصنامهم ، ولا يشرب ~~لبنها إلا ضيف ، والظاهر أنه يشربه إذا كانت ضيافة لزيارة الصنم أو إضافة ~~سادنه ، فكل حي من أحياء العرب تكون بحائرهم لصنمهم . وقد كانت للقبائل ~~أصنام تدين كل قبيلة لصنم أو أكثر . وإنما يجعلونها بحيرة إذا نتجت عشرة ~~أبطن على قول أكثر أهل اللغة . وقيل : إذا نتجت خمسة أبطن وكان الخامس ذكرا ~~. وإذا ماتت حتف أنفها حل أكل لحمها للرجال وحرم على النساء . # والسائبة : البعير أو الناقة يجعل نذرا عن شفاء من مرض أو قدوم من سفر ، ~~فيقول : أجعله لله سائبة . فالتاء فيه للمبالغة في الوصف كتاء نسابة ، ~~ولذلك يقال : عبد سائبة ، وهو اسم فاعل بمعنى الانطلاق والإهمال ، وقيل : ~~فاعل بمعنى مفعول ، أي مسيب . # وحكم السائبة كالبحيرة في تحريم الانتفاع ، فيكون ذلك كالعتق وكانوا ~~يدفعونها PageV07P072 إلى السدنة ليطعموا من ألبانها أبناء السبيل . وكانت ~~علامتها أن تقطع قطعة من جلدة فقار الظهر ، فيقال لها : صريم وجمعه صرم ، ~~وإذا ولدت الناقة عشرة أبطن كلهن إناث متتابعة سيبوها أيضا فهي سائبة ، وما ~~تلده السائبة يكون بحيرة في قول بعضهم . والظاهر أنه يكون مثلها سائبة . # والوصيلة من الغنم هي الشاة تلد أنثى بعد أنثى ، فتسمى الأم وصيلة لأنها ~~وصلت أنثى بأنثى ، كذا فسرها مالك في رواية ابن وهب عنه ، فعلى هذه الرواية ~~تكون الوصيلة هي المتقرب بها ، ويكون تسليط نفي الجعل عليها ظاهرا . وقال ~~الجمهور : الوصيلة أن تلد الشاة خمسة أبطن أو سبعة ( على اختلاف مصطلح ~~القبائل ) فالأخير إذا كان ذكرا ذبحوه لبيوت الطواغيت وإن كانت أنثى ~~استحيوها ، أي للطواغيت ، وإن أتأمت استحيوهما جميعا وقالوا : وصلت الأنثى ~~أخاها فمنعته من الذبح ، فعلى هذا التأويل فالوصيلة حالة من حالات نسل ~~الغنم ، وهي التي أبطلها الله تعالى ، ولم يتعرضوا لبقية أحوال الشاة . ~~والأظهر أن الوصيلة اسم للشاة التي وصلت سبعة أبطن إناثا ، جمعا بين تفسير ~~مالك وتفسير غيره ، فالشاة تسيب للطواغيت ، وما ذكروه من ذبح ولدها أو ~~ابنتها ms2439 هو من فروع استحقاق تسييبها لتكون الآية شاملة لأحوالها كلها . وعن ~~ابن إسحاق : الوصيلة الشاة تتئم في خمسة أبطن عشرة إناث فما ولدت بعد ذلك ~~فهو للذكور منهم دون النساء إلا أن يموت شيء منها فيشترك في أكله الرجال ~~والنساء . # وفي ( صحيح البخاري ) عن سعيد بن المسيب : أن الوصيلة من الإبل إذا بكرت ~~الناقة في أول إنتاج الإبل بأنثى ثم تثني بعد بأنثى في آخر العام فكانوا ~~يجعلونها لطواغيتهم . وهذا قاله سعيد من نفسه ولم يروه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم ووقع في سياق البخاري إيهام اغتر به بعض الشارحين ونبه عليه في ( ~~فتح الباري ) . وعلى الوجوه كلها فالوصيلة فعيلة بمعنى فاعلة . # والحامي هو فحل الإبل إذا نتجت من صلبه عشرة أبطن فيمنع من أن يركب أو ~~يحمل عليه ولا يمنع من مرعى ولا ماء . ويقولون : إنه حمى ظهره ، أي كان ~~PageV07P073 سببا في حمايته ، فهو حام . قال ابن وهب عن مالك ، كانوا ~~يجعلون عليه ريش الطواويس ويسيبونه ، فالظاهر أنه يكون بمنزلة السائبة لا ~~يؤكل حتى يموت وينتفع بوبره للأصنام . # وقوله : { ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب } الاستدراك لرفع ما ~~يتوهمه المشركون من اعتقاد أنها من شرع الله لتقادم العمل بها منذ قرون . ~~والمراد بالذين كفروا هنا جميع المشركين فإنهم يكذبون في نسبة هذه الأشياء ~~إلى شعائر الله لأنهم جميعا يخبرون بما هو مخالف لما في الواقع . والكذب هو ~~الخبر المخالف للواقع . # والكفار فريقان خاصة وعامة : فأما الخاصة فهم الذين ابتدعوا هذه الضلالات ~~لمقاصد مختلفة ونسبوها إلى الله ، وأشهر هؤلاء وأكذبهم هو عمرو بن عامر بن ~~لحي بضم اللام وفتح الحاء المهملة وياء مشددة الخزاعي ، ففي الصحيح قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيت عمرو بن عامر بن لحي الخزاعي يجر قصبه ~~بضم القاف وسكون الصاد المهملة أي إمعاءه في النار ، وكان أول من سيب ~~السوائب . ومنهم جنادة بن عوف . وعن مالك أن منهم رجلا من بني مدلج هو أول ~~من بحر البحيرة وأن رسول الله صلى الله ms2440 عليه وسلم قال : رأيته مع عمرو في ~~النار . رواه ابن العربي . وفي رواية أن عمرو بن لحي أول من بحر البحيرة ~~وسيب السائبة . وأصح الروايات وأشهرها عن رسول الله : أن عمرو بن لحي أول ~~من سيب السوائب ولم يذكر البحيرة . # وأما العامة فهم الذين اتبعوا هؤلاء المضلين عن غير بصيرة ، وهم الذين ~~أريدوا بقول : { وأكثرهم لا يعقلون } . فلما وصف الأكثر بعدم الفهم تعين أن ~~الأقل هم الذين دبروا هذه الضلالات وزينوها للناس . # والافتراء : الكذب . وتقدم عند قوله تعالى : { فمن افترى على الله الكذب ~~من بعد ذلك في سورة آل عمران ( 94 ) . PageV07P074 # وفي تسمية ما فعله الكفار من هذه الأشياء افتراء وكذبا ونفي أن يكون الله ~~أمر به ما يدل على أن تلك الأحداث لا تمت إلى مرضاة الله تعالى بسبب من ~~جهتين : إحداهما : } أنها تنتسب إلى الآلهة والأصنام ، وذلك إشراك وكفر ~~عظيم . الثانية : أن ما يجعل منها لله تعالى مثل السائبة هو عمل ضره أكثر ~~من نفعه ، لأن في تسييب الحيوان إضرار به إذ ربما لا يجد مرعى ولا مأوى ، ~~وربما عدت عليه السباع ، وفيه تعطيل منفعته حتى يموت حتف أنفه . وما يحصل ~~من در بعضها للضيف وابن السبيل إنما هو منفعة ضئيلة في جانب المفاسد الحافة ~~به . # # | 2 ( 104 ) { وإذا قيل لهم تعالوا إلى مآ أنزل الله وإلى الرسول قالوا ~~حسبنا ما وجدنا عليه ءاباءنآ أولو كان ءاباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون } ~~. ) 2 # الواو للحال . والجملة حال من قوله : { الذين كفروا } ( المائدة : 103 ) ~~، أي أنهم ينسبون إلى الله ما لم يأمر به كذبا ، وإذا دعوا إلى اتباع ما ~~أمر الله به حقا أو التدبر فيه أعرضوا وتمسكوا بما كان عليه آباؤهم . ~~فحالهم عجيبة في أنهم يقبلون ادعاء آبائهم أن الله أمرهم بما اختلقوا لهم ~~من الضلالات ، مثل البحيرة والسائبة وما ضاهاهما ، ويعرضون على دعوة الرسول ~~الصادق بلا حجة لهم في الأولى ، وبالإعراض عن النظر في حجة الثانية أو ~~المكابرة فيها بعد علمها . # والأمر في قوله { تعالوا } مستعمل في ms2441 طلب الإقبال ، وفي إصغاء السمع ، ~~ونظر الفكر ، وحضور مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم وعدم الصد عنه ، فهو ~~مستعمل في حقيقته ومجازه . وتقدم الكلام على فعل ( تعال ) عند الكلام على ~~نظير هذه الآية في سورة النساء . # و { ما أنزل الله } : هو القرآن . وعطف { والى الرسول } لأنه يرشدهم إلى ~~فهم القرآن . وأعيد حرف ( إلى ) لاختلاف معنيي الإقبال بالنسبة إلى متعلقي ~~{ تعالوا } فإعادة الحرف قرينة على إرادة معنيي { تعالوا } الحقيقي ~~والمجازي . PageV07P075 # وقوله { قالوا حسبنا } أي كافينا ، إذا جعلت ( حسب ) اسما صريحا و { ما ~~وجدنا } هو الخبر ، أو كفانا إذا جعلت ( حسب ) اسم فعل و { ما وجدنا } هو ~~الفاعل . وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى { وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل في ~~سورة آل عمران ( 173 ) . # و ( على ) في قوله : ما وجدنا عليه ءاباءنا } مجاز في تمكن التلبس ، ~~وتقدم في قوله تعالى : { أولئك على هدى من ربهم } ( البقرة : 5 ) . # وقوله : { أو لو كان آباؤهم لا يعلمون } الخ ، تقدم القول على نظيره في ~~سورة البقرة ( 170 ) عند قوله : { وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا ~~بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أو لو كان آباؤكم الآية . # وليس لهذه الآية تعلق بمسألة الاجتهاد والتقليد كما توهمه جمع من ~~المفسرين ، لأن هذه الآية في تنازع بين أهل ما أنزل الله وأهل الافتراء على ~~الله ، فأما الاجتهاد والتقليد في فروع الإسلام فذلك كله من اتباع ما أنزل ~~الله . فتحميل الآية هذه المسألة إكراه للآية على هذا المعنى . # # | 2 ( 105 ) ياأيها الذين ءامنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا ~~اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون } . ) 2 # تذييل جرى على مناسبة في الانتقال فإنه لما ذكر مكابرة المشركين وإعراضهم ~~عن دعوة الخير عقبه بتعليم المسلمين حدود انتهاء المناظرة والمجادلة إذا ~~ظهرت المكابرة ، وعذر المسلمين بكفاية قيامهم بما افترض الله عليهم من ~~الدعوة إلى الخير ، فأعلمهم هنا أن ليس تحصيل أثر الدعاء على الخير ~~بمسؤولين عنه ، بل على الداعي بذل جهده وما عليه إذا لم يصغ ms2442 المدعو إلى ~~الدعوة ، كما قال تعالى : { إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء } ~~( القصص : 56 ) . # و { عليكم } اسم فعل بمعنى الزموا ، وذلك أن أصله أن يقال : عليك أن تفعل ~~كذا ، فتكون جملة من خبر مقدم ومبتدأ مؤخر ، وتكون ( على ) دالة على ~~استعلاء PageV07P076 مجازي ، كأنهم جعلوا فعل كذا معتليا على المخاطب ~~ومتمكنا منه تأكيدا لمعنى الوجوب فلما كثر في كلامهم قالوا : عليك كذا ، ~~فركبوا الجملة من مجرور خبر واسم ذات مبتدأ بتقدير : عليك فعل كذا ، لأن ~~تلك الذات لا توصف بالعلو على المخاطب ، أي التمكن ، فالكلام على تقدير . ~~وذلك كتعلق التحريم والتحليل بالذوات في قوله : { حرمت عليكم الميتة } ( ~~المائدة : 3 ) ، وقوله { أحلت لكم بهيمة الأنعام } ( المائدة : 1 ) ، ومن ~~ذلك ما روي { عليكم الدعاء وعلي الإجابة } ومنه قولهم : علي ألية ، وعلي ~~نذر . ثم كثر الاستعمال فعاملوا ( على ) معاملة فعل الأمر فجعلوها بمعنى ~~أمر المخاطب بالملازمة ونصبوا الاسم بعدها على المفعولية . وشاع ذلك في ~~كلامهم فسماها النحاة اسم فعل لأنها جعلت كالاسم لمعنى أمر مخصوص ، فكأنك ~~عمدت إلى فعل ( الزم ) فسميته ( على ) وأبرزت ما معه من ضمير فألصقته ب ( ~~على ) في صورة الضمير الذي اعتيد أن يتصل بها ، وهو ضمير الجر فيقال : عليك ~~وعليكما وعليكم . ولذلك لا يسند إلى ضمائر الغيبة لأن الغائب لا يؤمر بصيغة ~~الأمر بل يؤمر بواسطة لام الأمر . # فقوله تعالى : { عليكم أنفسكم } هو بنصب { أنفسكم } أي الزموا أنفسكم ، ~~أي احرصوا على أنفسكم . والمقام يبين المحروص عليه ، وهو ملازمة الاهتداء ~~بقرينة قوله : { إذا اهتديتم } ، وهو يشعر بالإعراض عن الغير وقد بينه ~~بقوله : { لا يضركم من ضل } . # فجملة { لا يضركم من ضل } تتنزل من التي قبلها منزلة البيان فلذلك فصلت ، ~~لأن أمرهم بملازمة أنفسهم مقصود منه دفع ما اعتراهم من الغم والأسف على عدم ~~قبول الضالين للاهتداء ، وخشية أن يكون ذلك لتقصير في دعوتهم ، فقيل لهم : ~~عليكم أنفسكم ، أي اشتغلوا بإكمال اهتدائكم ، ففعل { يضركم } مرفوع . # وقوله : { إذا اهتديتم } ظرف يتضمن معنى الشرط يتعلق ب { يضركم } . وقد ~~شمل الاهتداء ms2443 جميع ما أمرهم به الله تعالى . ومن جملة ذلك دعوة الناس إلى ~~الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فلو قصروا في الدعوة إلى الخير ~~والاحتجاج له وسكتوا عن المنكر لضرهم من ضل لأن إثم ضلاله محمول عليهم . ~~PageV07P077 # فلا يتوهم من هذه الآية أنها رخصة للمسلمين في ترك الدعوة إلى الخير ~~والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، لأن جميع ذلك واجب بأدلة طفحت بها ~~الشريعة . فكان ذلك داخلا في شرط { إذا اهتديتم } . ولما في قوله { عليكم ~~أنفسكم } من الإشعار بالإعراض عن فريق آخر وهو المبيين ب { من ضل } ، ولما ~~في قوله { إذا اهتديتم } من خفاء تفاريع أنواع الاهتداء ؛ عرض لبعض الناس ~~قديما في هذه الآية فشكوا في أن يكون مفادها الترخيص في ترك الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر . وقد حدث ذلك الظن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم # أخرج الترمذي عن أبي أمية الشعباني أنه قال : سألت عنها أبا ثعلبة الخشني ~~، فقال لي : سألت عنها خبيرا ، سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال : ( بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا ~~وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك ودع ~~العوام ) . وحدث في زمن أبي بكر : أخرج أصحاب ( السنن ) أن أبا بكر الصديق ~~بلغه أن بعض الناس تأول الآية بسقوط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : { يأيها الناس إنكم تقرأون هذه ~~الآية يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } وإنكم ~~تضعونها على غير موضعها وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن ~~الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيرونه يوشك الله أن يعمهم بعقابه ، وإن الناس ~~إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعذاب من عنده . ~~وعن ابن مسعود أنه قرئت عنده هذه الآية فقال : إن هذا ليس بزمانها إنها ~~اليوم مقبولة ( أي النصيحة ) ولكن يوشك أن يأتي زمان تأمرون فلا يقبل منكم ~~فحينئذ عليكم ms2444 أنفسكم ( يريد أن لا يجب عليهم قتال لتقبل نصيحتهم ) . وعنه ~~أيضا : إذا اختلفت القلوب وألبستم شيعا وذاق بعضكم بأس بعض فامرؤ ونفسه . ~~وعن عبد الله بن عمر أنه قال : إنها ( أي هذه الآية ) ليست لي ولا لأصحابي ~~لأن رسول الله قال : ( ألا ليبلغ الشاهد الغائب ) فكنا نحن الشهود وأنتم ~~الغيب ، ولكن هذه الآية لأقوام يجيؤون من بعدنا إن قالوا لم يقبل منهم . ~~PageV07P078 # فماصدق هذه الآية هو ماصدق قول النبي صلى الله عليه وسلم في تغيير المنكر ~~: ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع ~~فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ) فإن معنى الاستطاعة التمكن من التغيير دون ضر ~~يلحقه أو يلحق عموم الناس كالفتنة . فالآية تفيد الإعراض عن ذلك إذا تحقق ~~عدم الجدوى بعد الشروع في ذلك ، ويلحق بذلك إذا ظهرت المكابرة وعدم ~~الانتصاح كما دل عليه حديث أبي ثعلبة الخشني ، وكذلك إذا خيف حصول الضر ~~للداعي بدون جدوى ، كما دل عليه كلام ابن مسعود المذكور آنفا . # وقوله : { إلى الله مرجعكم جميعا } عذر للمهتدي ونذارة للضال . وقدم ~~المجرور للاهتمام بمتعلق هذا الرجوع وإلقاء المهابة في نفوس السامعين ، ~~وأكد ضمير المخاطبين بقوله : { جميعا } للتنصيص على العموم وأن ليس الكلام ~~على التغليب . والمراد بالإنباء بما كانوا يعملون الكناية عن إظهار أثر ذلك ~~من الثواب للمهتدي الداعي إلى الخير ، والعذاب للضال المعرض عن الدعوة . # والمرجع مصدر ميمي لا محالة ، بدليل تعديته ب { إلى } ، وهو مما جاء من ~~المصادر الميمية بكسر العين على القليل ، لأن المشهود في الميمي من يفعل ~~بكسر العين أن يكون مفتوح العين . # $ 2 ( 106 108 ) { ياأيها الذين ءامنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت ~~حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو ءاخران من غيركم إن أنتم ضربتم فى الارض ~~فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد الصلواة فيقسمان بالله إن ارتبتم لا ~~نشترى به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنآ إذا لمن الاثمين * ~~فإن عثر على أنهما استحقآ إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين ms2445 استحق عليهم ~~الاوليان فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من PageV07P079 شهادتهما وما اعتدينآ ~~إنا إذا لمن الظالمين * ذالك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجههآ أو يخافو & # 1764 ا أن ترد أيمان بعد أيمانهم واتقوا الله واسمعوا والله لا يهدى ~~القوم الفاسقين } . ) 2 $ # استؤنفت هذه الآي استئنافا ابتدائيا لشرع أحكام التوثق للوصية لأنها من ~~جملة التشريعات التي تضمنتها هذه السورة ، تحقيقا لإكمال الدين ، واستقصاء ~~لما قد يحتاج إلى علمه المسلمون وموقعها هنا سنذكره . # وقد كانت الوصية مشروعة بآية البقرة ( 180 ) { كتب عليكم إذا حضر أحدكم ~~الموت إن ترك خيرا الوصية . وتقدم القول في ابتداء مشروعيتها وفي مقدار ما ~~نسخ من حكم تلك الآية وما أحكم في موضعه هنالك . وحرص رسول الله على الوصية ~~وأمر بها ، فكانت معروفة متداولة منذ عهد بعيد من الإسلام . وكانت معروفة ~~في الجاهلية كما تقدم في سورة البقرة . وكان المرء يوصي لمن يوصي له بحضرة ~~ورثته وقرابته فلا يقع نزاع بينهم بعد موته مع ما في النفوس من حرمة الوصية ~~والحرص على إنفاذها حفظا لحق الميت إذ لا سبيل له إلى تحقيق حقه ، فلذلك ~~استغنى القرآن عن شرع التوثق لها بالإشهاد ، خلافا لما تقدم به من بيان ~~التوثق في التبايع بآية وأشهدوا إذا تبايعتم } ( البقرة : 282 ) والتوثق في ~~الدين بآية { يأيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين } ( البقرة : 282 ) الخ ~~فأكملت هذه الآية بيان التوثق للوصية اهتماما بها ولجدارة الوصية بالتوثيق ~~لها لضعف الذياد عنها لأن البيوع والديون فيها جانبان عالمان بصورة ما ~~انعقد فيها ويذبان عن مصالحهما فيتضح الحق من خلال سعيهما في إحقاق الحق ~~فيها بخلاف الوصية فإن فيها جانبا واحدا وهو جانب الموصى له لأن الموصي ~~يكون قد مات وجانب الموصى له ضعيف إذ لا علم له بما عقد الموصي ولا بما ترك ~~، فكانت معرضة للضياع كلها أو بعضها . # وقد كان العرب في الجاهلية يستحفظون وصاياهم عند الموت إلى أحد يثقون به ~~من أصحابهم أو كبراء قبيلتهم أو من حضر احتضار الموصي أو من كان أودع ~~PageV07P080 عند ms2446 الموصي خبر عزمه . فقد أوصى نزار بن معد وصية موجزة وأحال ~~أبناءه على الأفعى الجرهمي أن يبين لهم تفصيل مراده منها . # وقد حدثت في آخر حياة الرسول عليه الصلاة والسلام حادثة كانت سببا في ~~نزول هذه الآية . ولعل حدوثها كان مقارنا لنزول الآي التي قبلها فجاءت هذه ~~الآية عقبها في هذا الموضع من السورة . ذلك أنه كان في سنة تسع من الهجرة ~~نزلت قضية : هي أن رجلين أحدهما تميم الداري اللخمي والآخر عدي بن بداء ، ~~كانا من نصارى العرب تاجرين ، وهما من أهل ( دارين ) وكانا يتجران بين ~~الشام ومكة والمدينة . فخرج معهما من المدينة بديل بن أبي مريم مولى بني ~~سهم وكان مسلما بتجارة إلى الشام ، فمرض بديل ( قيل في الشام وقيل في ~~الطريق برا أو بحرا ) وكان معه في أمتعته جام من فضة مخوص بالذهب قاصدا به ~~ملك الشام ، فلما اشتد مرضه أخذ صحيفة فكتب فيها ما عنده من المتاع والمال ~~ودسها في مطاوي أمتعته ودفع ما معه إلى تميم وعدي وأوصاهما بأن يبلغاه ~~مواليه من بني سهم . وكان بديل مولى للعاصي بن وائل السهمي ، فولاؤه بعد ~~موته لابن عمرو بن العاصي . وبعض المفسرين يقول : إن ولاء بديل لعمرو بن ~~العاصي والمطلب بن وداعة . ويؤيد قولهم أن المطلب حلف مع عمرو بن العاصي ~~على أن الجام لبديل بن أبي مريم . فلما رجعا باعا الجام بمكة بألف درهم ~~ورجعا إلى المدينة فدفعا ما لبديل إلى مواليه . فلما نشروه وجدوا الصحيفة ، ~~فقالوا لتميم وعدي : أين الجام فأنكرا أن يكون دفع إليهما جاما . ثم وجد ~~الجام بعد مدة يباع بمكة فقام عمرو بن العاصي والمطلب بن أبي وداعة على ~~الذي عنده الجام فقال : إنه ابتاعه من تميم وعدي . وفي رواية أن تميما لما ~~أسلم في سنة تسع تأثم مما صنع فأخبر عمرو بن العاصي بخبر الجام ودفع له ~~الخمسمائة الدرهم الصائرة إليه من ثمنه ، وطالب عمرو عديا ببقية الثمن ~~فأنكر أن يكون باعه . وهذا أمثل ما روي في سبب نزول هذه الآية ms2447 . وقد ساقه ~~البخاري تعليقا في كتاب الوصايا . ورواه الترمذي في كتاب التفسير ، وقال : ~~ليس إسناده بصحيح . وهو وإن لم يستوف شروط الصحة فقد اشتهر وتلقى بالقبول ، ~~وقد أسنده البخاري في ( تاريخه ) . PageV07P081 # واتفقت الروايات على أن الفريقين تفاضوا في ذلك إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ونزلت هذه الآية في ذلك ، فحلف عمرو بن العاصي والمطلب بن أبي ~~وداعة على أن تميما وعديا أخفيا الجام وأن بديلا صاحبه وما باعه ولا خرج من ~~يده . ودفع لهما عدي خمسمائة درهم وهو يومئذ نصراني . وعدي هذا قيل : أسلم ~~، وعده ابن حبان وابن منده في عداد الصحابة ، وقيل : مات نصرانيا ، ورجح ~~ذلك ابن عطية ، وهو قول أبي نعيم ، ويروى عن مقاتل ، ولم يذكره ابن عبد ~~البر في الصحابة . واحتمل أن يكون نزولها قبل الترافع بين الخصم في قضية ~~الجام ، وأن يكون نزولها بعد قضاء النبي صلى الله عليه وسلم في تلك القضية ~~لتكون تشريعا لما يحدث من أمثال تلك القضية . # و { بينكم } أصل ( بين ) اسم مكان مبهم متوسط بين شيئين يبينه ما يضاف هو ~~إليه ، وهو هنا مجاز في الأمر المتعلق بعدة أشياء ، وهو مجرور بإضافة { ~~شهادة } إليه على الاتساع . وأصله ( شهادة ) بالتنوين والرفع ( بينكم ) ~~بالنصب على الظرفية . فخرج ( بين ) عن الظرفية إلى مطلق الاسمية كما خرج ~~عنها في قوله تعالى : { لقد تقطع بينكم } ( الأنعام : 94 ) في قراءة جماعة ~~من العشرة برفع { بينكم } . # وارتفع { شهادة } على الابتداء ، وخبره { اثنان } . و { إذا حضر أحدكم ~~الموت } ظرف زمان مستقبل . وليس في ( إذا ) معنى الشرط ، والظرف متعلق ب { ~~شهادة } لما فيه من معنى الفعل ، أي ليشهد إذا حضر أحدكم الموت اثنان ، ~~يعني يجب عليه أن يشهد بذلك ويجب عليهما أن يشهدا لقوله تعالى : { ولا يأب ~~الشهداء إذا ما دعوا } ( البقرة : 282 ) . و { حين الوصية } بدل من { إذا ~~حضر أحدكم الموت } بدلا مطابقا ، فإن حين حضور الموت هو الحين الذي يوصي ~~فيه الناس غالبا . جيء بهذا الظرف الثاني ليتخلص بهذا البدل إلى المقصود ~~وهو الوصية . # وقد كان ms2448 العرب إذا راوا علامة الموت على المريض يقولون : أوص ، وقد قالوا ~~ذلك لعمر بن الخطاب حين أخبر الطبيب أن جرحه في أمعائه . ومعنى حضور الموت ~~حضور علاماته لأن تلك حالة يتخيل فيها المرء أن الموت قد حضر عنده ليصيره ~~ميتا ، وليس المراد حصول الغرغرة لأن ما طلب من الموصي PageV07P082 أن ~~يعمله يستدعي وقتا طويلا ، وقد تقدم عند قوله : { كتب عليكم إذا حضر أحدكم ~~الموت إن ترك خيرا في سورة البقرة ( 180 ) . # وقوله : اثنان } خبر عن { شهادة } ، أي الشهادة على الوصية شهادة اثنين ، ~~فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فأخذ إعرابه ، والقرينة واضحة ~~والمقصود الإيجاز . فماصدق { اثنان } شاهدان ، بقرينة قوله { شهادة بينكم } ~~، وقوله : { ذوا عدل } . وهذان الشاهدان هما وصيان من الميت على صفة وصيته ~~وإبلاغها ، إلا أن يجعل الموصي وصيا غيرهما فيكونا شاهدين على ذلك . والعدل ~~والعدالة متحدان ، أي صاحبا اتصاف بالعدالة . # ومعنى { منكم } من المؤمنين ، كما هو مقتضى الخطاب بقوله : { يأيها الذين ~~آمنوا } ، لأن المتكلم إذا خاطب مخاطبه بوصف ثم أتبعه بما يدل على بعضه كان ~~معناه أنه بعض أصحاب الوصف ، كما قال الأنصار يوم السقيفة : منا أمير ومنكم ~~أمير . فالكلام على وصية المؤمنين . وعلى هذا درج جمهور المفسرين ، وهو قول ~~أبي موسى الأشعري ، وابن عباس ، وسعيد بن المسيب ، وقتادة ، والأئمة ~~الأربعة . وهو الذي يجب التعويل عليه ، وهو ظاهر الوصف بكلمة { منكم } في ~~مواقعها في القرآن . # وقال الزهري ، والحسن ، وعكرمة : معنى قوله { منكم } من عشيرتكم وقرابتكم ~~. ويترتب على التفسير الأول أن يكون معنى مقابله وهو { من غيركم } أنه من ~~غير أهل ملتكم . فذهب فريق ممن قالوا بالتفسير الأول إلى إعمال هذا وأجازوا ~~شهادة غير المسلم في السفر في الوصية خاصة ، وخصوا ذلك بالذمي ، وهو قول ~~أحمد ، والثوري ، وسعيد بن المسيب ، ونسب إلى ابن عباس ، وأبي موسى . وذهب ~~فريق إلى أن هذا منسوخ بقوله تعالى : { وأشهدوا ذوي عدل منكم } ( الطلاق : ~~2 ) ، وهو قول مالك ، وأبي حنيفة ، والشافعي ، ونسب إلى زيد بن أسلم . وقد ~~تم الكلام على الصورة الكاملة في شهادة الوصية ms2449 بقوله : { ذوا عدل منكم } . ~~PageV07P083 # وقوله : { أو آخران من غيركم } الآيات . . تفصيل للحالة التي تعرض في ~~السفر . و ( أو ) للتقسيم لا للتخيير ، والتقسيم باعتبار اختلاف الحالين : ~~حالل الحاضر وحال المسافر ، ولذلك اقترن به قوله : { إن أنتم ضربتم في ~~الأرض } ، فهو قيد لقوله : { أو آخران من غيركم } . # وجواب الشرط في قوله : { إن أنتم ضربتم في الأرض } محذوف دل عليه قوله : ~~{ أو آخران من غيركم } ، والتقدير : إن أنتم ضربتم في الأرض فشهادة آخرينن ~~من غيركم ، فالمصير إلى شهادة شاهدين من غير المسلمين عند من يراه مقيد ~~بشرط { إن أنتم ضربتم في الأرض } . والضرب في الأرض : السير فيها . والمراد ~~به السفر ، وتقدم عند قوله تعالى : { وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض ~~في سورة آل عمران ( 156 ) . # ومعنى : فأصابتكم مصيبة الموت } حلت بكم ، والفعل مستعمل في معنى ~~المشارفة والمقاربة ، كما في قوله تعالى : { وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ~~ذرية } ( السناء : 9 ) ، أي لو شارفوا أن يتركوا ذرية . وهذا استعمال من ~~استعمال الأفعال . ومنه قولهم في الإقامة : قد قامت الصلاة . # وعطف قوله { فأصابتكم } على { ضربتم في الأرض } ، فكان من مضمون قوله ~~قبله { إذا حضر أحدكم الموت } . أعيد هنا لربط الكلام بعد ما فصل بينه من ~~الظروف والشروط . وضمير الجمع في { أصابتكم } كضمير الجمع في { ضربتم في ~~الأرض } . # والمصيبة : الحادثة التي تحل بالمرء من شر وضر ، وتقدم عند قوله تعالى : ~~{ فإن أصابتكم مصيبة في سورة النساء ( 72 ) . # وجملة تحبسونهما } حال من { آخران } عند من جعل قوله { من PageV07P084 ~~غيركم } بمعنى من غير أهل دينكم . وأما عند من جعله بمعنى من غير قبيلتكم ~~فإنه حال من { اثنان } ومن { آخران } لأنهما متعاطفان ب ( أو ) . فهما أحد ~~قسمين ، ويكون التحليف عند الاسترابة . والتحليف على هذا التأويل بعيد إذ ~~لا موجب للاسترابة في عدلين مسلمين . # وضمير الجمع في { تحبسونهما } كضميري { ضربتم وأصابتكم } . وكلها مستعملة ~~في الجمع البدلي دون الشمولي ، لأن جميع المخاطبين صالحون لأن يعتريهم هذا ~~الحكم وإنما يحل ببعضهم . فضمائر جمع المخاطبين واقعة موقع مقتضى الظاهر ~~كلها . وإنما جاءت بصيغة ms2450 الجمع لإفادة العموم ، دفعا لأن يتوهم أن هذا ~~التشريع خاص بشخصين معينين لأن قضية سبب النزول كانت في شخصين ؛ أو الخطاب ~~والجمع للمسلمين وحكامهم . # والحبس : الإمساك ، أي المنع من الانصراف . فمنه ما هو بإكراه كحبس ~~الجاني في بيت أو إثقافه في قيد . ومنه ما يكون بمعنى الانتظار ، كما في ~~حديث عتبان بن مالك { فغدا علي رسول الله وأبو بكر إلى أن قال وحبسناه على ~~خزير صنعناه } ، أي أمسكناه . وهذا هو المراد في الآية ، أي تمسكونهما ولا ~~تتركونهما يغادرانكم حتى يتحملا الوصية . وليس المراد به السجن أو ما يقرب ~~منه ، لأن الله تعالى قال : { ولا يضار كاتب ولا شهيد } ( البقرة : 282 ) . # وقوله : { من بعد الصلاة } توقيت لإحضارهما وإمساكهما لأداء هذه الشهادة ~~. والإتيان ب ( من ) الابتدائية لتقريب البعدية ، أي قرب انتهاء الصلاة . ~~وتحتمل الآية أن المراد بالصلاة صلاة من صلوات المسلمين ، وبذلك فسرها ~~جماعة من أهل العلم ، فمنهم من قال : هي صلاة العصر . وروي أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أحلف تميما الداري وعدي بن بداء في قضية الجام بعد العصر ، ~~وهو قول قتادة ، وسعيد ، وشريح ، والشعبي . ومنهم من قال : الظهر ، وهو عن ~~الحسن . وتحتمل من بعد صلاة دينهما على تأويل من غيركم بمعنى PageV07P085 ~~من غير أهل دينكم . ونقل عن السدي ، وابن عباس ، أي تحضرونهما عقب أدائهما ~~صلاتهما لأن ذلك قريب من إقبالهما على خشية الله والوقوف لعبادته . # وقوله : { فيقسمان بالله } عطف على { تحبسونهما } فعلم أن حبسهما بعد ~~الصلاة لأجل أن يقسما بالله . وضمير { يقسمان } عائد إلى قوله { آخران } . ~~فالحلف يحلفه شاهدا الوصية اللذان هما غير مسلمين لزيادة الثقة بشهادتهما ~~لعدم الاعتداد بعدالة غير المسلم . # وقوله { إن ارتبتم } تظافرت أقوال المفسرين على أن هذا شرط متصل بقوله { ~~تحبسونهما } وما عطف عليه . واستغني عن جواب الشرط لدلالة ما تقدم عليه ~~ليتأتى الإيجاز ، لأنه لو لم يقدم لقيل : أو آخران من غيركم فإن ارتبتم ~~فيهما تحبسونهما إلى آخره . فيقتضي هذا التفسير أنه لو لم تحصل الريبة في ~~صدقهما لما لزم إحضارهما من بعد الصلاة ms2451 وقسمهما ، فصار ذلك موكولا لخيرة ~~الولي . وجملة الشرط معترضة بين فعل القسم وجوابه . # والوجه عندي أن يكون قوله { إن ارتبتم } من جملة الكلام الذي يقوله ~~الشاهدان ، ومعناه أن الشاهدين يقولان : إن ارتبتم في شهادتنا فنحن نقسم ~~بالله لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم الشهادة ، أي يقولان ذلك ~~لاطمئنان نفس الموصي ، لأن العدالة مظنة الصدق مع احتمال وجود ما ينافيها ~~مما لا يطلع عليه فأكدت مظنة الصدق بالحلف ؛ فيكون شرع هذا الكلام على كل ~~شاهد ليستوي فيه جميع الأحوال بحيث لا يكون توجيه اليمين في بعض الأحوال ~~حرجا على الشاهدين الذين توجهت عليهما اليمين من أن اليمين تعريض بالشك في ~~صدقهما ، فكان فرض اليمين من قبل الشرع دافعا للتحرج بينهما وبين الولي ، ~~لأن في كون اليمين شرطا من عند الله معذرة في المطالبة بها ، كما قال جمهور ~~فقهائنا في يمين القضاء التي تتوجه على من يثبت حقا على ميت أو غائب من ~~أنها لازمة قبل الحكم مطلقا ولو أسقطها الوارث الرشيد . ولم أقف على من عرج ~~على هذا المعنى من المفسرين PageV07P086 إلا قول الكواشي في ( تلخيص ~~التفسير ) : ( وبعضهم يقف على { يقسمان } ويبتدىء { بالله } قسما ولا أحبه ~~) ، وإلا ما حكاه الصفاقسي في ( معربه ) عن الجرجاني ( أن هنا قولا محذوفا ~~تقديره : فيقسمان بالله ويقولان ) . ولم يظهر للصفاقسي ما الذي دعا ~~الجرجاني لتقدير هذا القول . ولا أراه حمله عليه إلا جعل قوله { إن ارتبتم ~~} من كلام الشاهدين . وجواب الشرط محذوف يدل عليه جواب القسم ، فإن القسم ~~أولى بالجواب لأنه مقدم على الشرط . # وقوله { لا نشتري به ثمنا } الخ ، ذلك هو المقسم عليه . ومعنى { لا نشتري ~~به ثمنا } لا نعتاض بالأمر الذي أقسمنا عليه ثمنا ، أي عوضا ، فضمير به ، ~~عائد إلى القسم المفهوم من { يقسمان } . وقد أفاد تنكير { ثمنا } في سياق ~~النفي عموم كل ثمن . والمراد بالثمن العوض ، أي لا نبدل ما أقسمنا عليه ~~بعوض كائنا ما كان العوض ، ويجوز أن يكون ضمير { به } عائدا إلى المقسم ~~عليه وهو ما استشهدا ms2452 عليه من صيغة الوصي بجميع ما فيها . # وقوله : { ولو كان ذا قربى } حال من قوله { ثمنا } الذي هو بمعنى العوض ، ~~أي ولو كان العوض ذا قربى ، أي ذا قربى منا ، و ( لو ) شرط يفيد المبالغة ~~فإذا كان ذا القربى لا يرضيانه عوضا عن تبديل شهادتهما فأولى ما هو دون ذلك ~~. وذلك أن أعظم ما يدفع المرء إلى الحيف في عرف القبائل هو الحمية والنصرة ~~للقريب ، فذلك تصغر دونه الرشى ومنافع الذات . والضمير المستتر في { كان } ~~عائد إلى قوله { ثمنا } . ومعنى كون الثمن ، أي العوض ، ذا قربى أنه إرضاء ~~ذي القربى ونفعه فالكلام على تقدير مضاف ، وهو من دلالة الاقتضاء لأنه لا ~~معنى لجعل العوض ذات ذي القربى ، فتعين أن المراد شيء من علائقه يعينه ~~المقام . ونظيره { حرمت عليكم أمهاتكم } ( النساء : 23 ) . وقد تقدم وجه ~~دلالة مثل هذا الشرط ب ( لو ) وتسميتها PageV07P087 وصلية عند قوله تعالى : ~~{ ولو افتدى به من سورة آل عمران ( 91 ) . # وقوله ولا نكتم } عطف على { لا نشتري } ، لأن المقصود من إحلافهما أن ~~يؤديا الشهادة كما تلقياها فلا يغيرا شيئا منها ولا يكتماها أصلا . # وإضافة الشهادة إلى اسم الجلالة تعظيم لخطرها عند الشهادة وغيره لأن الله ~~لما أمر بأدائها كما هي وحض عليها أضافها إلى اسمه حفظا لها من التغيير ، ~~فالتصريح باسمه تعالى تذكير للشاهد به حين القسم . # وفي قوله { ولا نكتم } دليل على أن المراد بالشهادة هنا معناها المتعارف ~~، وهو الإخبار عن أمر خاص يعرض في مثله الترافع . وليس المراد بها اليمين ~~كما توهمه بعض المفسرين فلا نطيل برده فقد رده اللفظ . # وجملة { إنا إذا لمن الآثمين } مستأنفة استئنافا بيانيا لأنها جواب سؤال ~~مقدر بدليل وجود { إذن } ، فإنه حرف جواب : استشعر الشاهدان سؤالا من الذي ~~حلفا له بقولهما : لا نشتري به ثمنا ولا نكتم شهادة الله ، يقول في نفسه : ~~لعلكما لا تبران بما أقسمتما عليه ، فأجابا : إنا إذن لمن الآثمين ، أي إنا ~~نعلم تبعة عدم البر بما أقسمنا عليه أن نكون من الآثمين ، أي ولا نرضى بذلك ms2453 ~~. # والآثم : مرتكب الإثم . وقد علم أن الإثم هو الحنث بوقوع الجملة استئنافا ~~مع ( إذن ) الدالة على جواب كلام يختلج في نفس أولياء الميت . # وقوله : { فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران } الآية ، أي إن تبين ~~أنهما كتما أو بدلا وحنثا في يمينهما ، بطلت شهادتهما ، لأن قوله { فآخران ~~يقومان مقامهما } فرع عن بطلان شهادتهما ، فحذف ما يعبر عن بطلان شهادتهما ~~إيجازا كقوله : { اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا } ( البقرة ~~: 60 ) أي فضرب فانفجرت . PageV07P088 # ومعنى { عثر } اطلع وتبين ذلك ، وأصل فعل عثر أنه مصادفة رجلل الماشي ~~جسما ناتئا في الأرض لم يترقبه ولم يحذر منه فيختل به اندفاع مشيه ، فقد ~~يسقط وقد يتزلزل . ومصدره العثار والعثور ، ثم استعمل في الظفر بشيء لم يكن ~~مترقبا الظفر به على سبيل الاستعارة . وشاع ذلك حتى صار كالحقيقة ، فخصوا ~~في الاستعمال المعنى الحقيقي بأحد المصدرين وهو العثار ، وخصوا المعنى ~~المجازي بالمصدر الآخر ، وهو العثور . # ومعنى { استحقا إثما } ثبت أنهما ارتكبا ما يأثمان به ، فقد حق عليهما ~~الإثم ، أي وقع عليهما ، فالسين والتاء للتأكيد . والمراد بالإثم هو الذي ~~تبرءا منه في قوله : { لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة ~~الله } . فالإثم هو أحد هذين بأن يظهر أنهما استبدلا بما استؤمنا عليه عوضا ~~لأنفسهما أو لغيرهما ، أو بأن يظهر أنهما كتما الشهادة ، أي بعضها . وحاصل ~~الإثم أن يتضح ما يقدح في صدقهما بموجب الثبوت . # وقوله { فآخران } أي رجلان آخران ، لأن وصف آخر يطلق على المغاير بالذات ~~أو بالوصف مع المماثلة في الجنس المتحدث عنه ، والمتحدث عنه هنا { اثنان } ~~. فالمعنى فاثنان آخران يقومان مقامهما في إثبات الوصية . ومعنى يقومان ~~مقامهما ، أي يعوضان تلك الشهادة . فإن المقام هو محل القيام ، ثم يراد به ~~محل عمل ما ، ولو لم يكن فيه قيام ، ثم يراد به العمل الذي من شأنه أن يقع ~~في محل يقوم فيه العامل ، وذلك في العمل المهم . قال تعالى : { إن كان كبر ~~عليكم مقامي وتذكيري } ( يونس : 71 ) . فمقام الشاهدين هو إثبات الوصية ms2454 . و ~~{ من } في قوله : { من الذين استحق عليهم } تبعيضية ، أي شخصان آخران ~~يكونان من الجماعة من الذين استحق عليهم . # والاستحقاق كون الشيء حقيقا بشيء آخر ، فيتعدى إلى المفعول بنفسه ، كقوله ~~: { استحقا إثما } ، وهو الشيء المستحق . وإذا كان الاستحقاق عن نزاع يعدى ~~الفعل إلى المحقوق ب { على } الدالة على الاستعلا بمعنى اللزوم له وإن كره ~~، كأنهم ضمنوه معنى PageV07P089 وجب كقوله تعالى : { حقيق على أن لا أقول ~~على الله إلا الحق } ( الأعراف : 105 ) . ويقال : استحق زيد على عمرو كذا ، ~~أي وجب لزيد حق على عمرو ، فأخذه منه . # وقرأ الجمهور { استحق عليهم } بالبناء للمجهول فالفاعل المحذوف في قوله { ~~استحق عليهم هو مستحق ما ، وهو الذي انتفع بالشهادة واليمين الباطلة ، فنال ~~من تركة الموصي ما لم يجعله له الموصي وغلب وارث الموصي بذلك . فالذين ~~استحق عليهم هم أولياء الموصي الذين لهم ماله بوجه من وجوه الإرثث فحرموا ~~بعضه . وقوله عليهم } قائم مقام نائب فاعل { استحق } . # وقوله : { الأوليان } تثنية أولى ، وهو الأجدر والأحق ، أي الأجدران ~~بقبول قولهما . فماصدقه هو ماصدق { الآخران } ومرجعه إليه فيجوز ، أن يجعل ~~خبرا عن { آخران } ، فإن { آخران } لما وصف بجملة { يقومان مقامهما } صح ~~الابتداء به ، أي فشخصان آخران هما الأوليان بقبول قولهما دون الشاهدين ~~المتهمين . وإنما عرف باللام لأنه معهود للمخاطب ذهنا لأن السامع إذا سمع ~~قوله : { فإن عثر على أنهما استحقا إثما } ترقب أن يعرف من هو الأولى بقبول ~~قوله في هذا الشأن ، فقيل له : آخران هما الأوليان بها . ويجوز أن يكون { ~~الأوليان } مبتدأ و { آخران يقومان } خبره . وتقديم الخبر لتعجيل الفائدة ، ~~لأن السامع يترقب الحكم بعد قوله : { فإن عثر على أنهما استحقا إثما } فإن ~~ذلك العثور على كذب الشاهدين يسقط شهادتهما ويمينهما ، فكيف يكون القضاء في ~~ذلك ، فعجل الجواب . ويجوز أن يكون بدلا من { آخران } أو من الضمير في { ~~يقومان } أو خبر مبتدأ محذوف ، أي هما الأوليان . ونكتة التعريف هي هي على ~~الوجوه كلها . # وقرأ حمزة ، وأبو بكر عن عاصم ، ويعقوب ، وخلف ، { الأولين } بتشديد ~~الواو مفتوحة وبكسر اللام وسكون ms2455 التحتية جمع أول الذي هو مجاز بمعنى المقدم ~~والمبتدأ به . فالذين استحق عليهم هم أولياء الموصي حيث استحق الموصى له ~~الوصية PageV07P090 من مال التركة الذي كان للأولياء ، أي الورثة لولا ~~الوصية ، وهو مجرور نعت ( للذين استحق عليهم ) . # وقرأ حفص عن عاصم { استحق } بصيغة البناء للفاعل فيكون { الأوليان } هو ~~فاعل { استحق } ، وقوله { فيقسمان بالله } تفريع على قوله { يقومان مقامهما ~~} . # ومعنى { لشهادتنا أحق من شهادتهما } أنهما أولى بأن تقبل شهادتهما من ~~اللذين عثر على أنهما استحقا إثما . ومعنى { أحق } أنها الحق ، فصيغة ~~التفضيل مسلوبة المفاضلة . # وقوله { وما اعتدينا } توكيد للأحقية ، لأن الأحقية راجعة إلى نفعهما ~~بإثبات ما كتمه الشاهدان الأجنبيان ، فلو لم تكن كذلك في الواقع لكانت ~~باطلا واعتداء منهما على مال مبلغي الوصية . والمعنى : وما اعتدينا على ~~الشاهدين في اتهامهما بإخفاء بعض التركة . # وقوله { إنا إذن لمن الظالمين } أي لو اعتدينا لكنا ظالمين . والمقصود ~~منه الإشعار بأنهما متذكران ما يترتب على الاعتداء والظلم ، وفي ذلك زيادة ~~وازع . # وقد تضمن القسم على صدق خبرهما يمينا على إثبات حقهما فهي من اليمين التي ~~يثبت بها الحق مع الشاهد العرفي ، وهو شاهد التهمة التي عثر عليها في ~~الشاهدين اللذين يبلغان الوصية . # والكلام في ( إذن ) هنا مثل الكلام في قوله : { إنا إذن لمن الآثمين } . # والمعنى أنه إن اختلت شهادة شاهدي الوصية انتقل إلى يمين الموصى له سواء ~~كان الموصى له واحدا أم متعددا . وإنما جاءت الآية بصيغة الاثنين مراعاة ~~للقضية التي نزلت فيها ، وهي قضية تميم الداري وعدي بن بداء ، فإن ورثة ~~صاحب التركة كانا اثنين هما : عمرو بن العاصي والمطلب بن أبي وداعة ، ~~وكلاهما من بني سهم ، وهما موليا بديل بن أبي مريم السهمي صاحب الجام . ~~فبعض المفسرين يذكر أنهما موليا PageV07P091 بديل . وبعضهم يقول : إن مولاه ~~هو عمرو بن العاصي . والظاهر من تحليف المطلب ابن أبي وداعة أن له ولاء من ~~بديل ، إذ لا يعرف في الإسلام أن يحلف من لا ينتفع باليمين . فإن كان صاحب ~~الحق واحدا حلف وحده وإن كان أصحاب الحق ms2456 جماعة حلفوا جميعا واستحقوا . ولم ~~يقل أحد أنه إن كان صاحب الحق واحدا يحلف معه من ليس بمستحق ، ولا إن كان ~~صاحب الحق ثلاثة فأكثر أن يحلف اثنان منهم ويستحقون كلهم . فالاقتصار على ~~اثنين في أيمان الأوليين ناظر إلى قصة سبب النزول ، فتكون الآية على هذا ~~خاصة بتلك القضية . ويجري ما يخالف تلك القضية على ما هو المعروف في ~~الشريعة في الاستحقاق والتهم . وهذا القول يقتضي أن الآية نزلت قبل حكم ~~الرسول صلى الله عليه وسلم في وصية بديل بن أبي مريم . وذلك ظاهر بعض ~~روايات الخبر ، وفي بعض الروايات ما يقتضي أن الآية نزلت بعد أن حكم الرسول ~~عليه الصلاة والسلام وحينئذ يتعين أن تكون تشريعا لأمثال تلك القضية مما ~~يحدث في المستقبل ، فيتعين المصير إلى الوجه الأول في اشتراط كون الأوليين ~~اثنين إن أمكن . # وبقيت صورة لم تشملها الآية مثل أن لا يجد المحتضر إلا واحدا من المسلمين ~~، أو واحدا من غير المسلمين ، أو يجد اثنين أحدهما مسلم والآخر غير مسلم . ~~وكل ذلك يجري على أحكامه المعروفة في الأحكام كلها من يمين من قام له شاهد ~~أو يمين المنكر . # والمشار إليه في قوله : ( ذلك أدنى ) إلى المذكور من الحكم من قوله { ~~تحبسوهما من بعد الصلاة } إلى قوله إنا إذن لمن الظالمين . و { أدنى } ~~بمعنى أقرب ، والقرب هنا مجاز في قرب العلم وهو الظن ، أي أقوى إلى الظن ~~بالصدق . # وضمير { يأتوا } عائد إلى ( الشهداء ) وهم : الآخران من غيركم ، والآخران ~~اللذان يقومان مقامهما ، أي أن يأتي كل واحد منهم . فجمع الضمير على إرادة ~~التوزيع . # والمعنى أن ما شرع الله من التوثيق والضبط ، ومن رد الشهادة عند العثور ~~على PageV07P092 الريبة أرجى إلى الظن بحصول الصدق لكثرة ما ضبط على كلا ~~الفريقين مما ينفي الغفلة والتساهل ، بله الزور والجور مع توقي سوء السمعة ~~. # ومعنى { أن يأتوا بالشهادة } : أن يؤدوا الشهادة . جعل أداؤها والإخبار ~~بها كالإتيان بشيء من مكان . # ومعنى قوله { على وجهها } ، أي على سنتها وما هو مقوم تمامها وكمالها ، ~~فاسم الوجه ms2457 في مثل هذا مستعار لأحسن ما في الشيء وأكمله تشبيها بوجه ~~الإنسان ، إذ هو العضو الذي يعرف به المرء ويتميز عن غيره . ولما أريد منه ~~معنى الاستعمارة لهذا المعنى ، وشاع هذا المعنى في كلامهم ، قالوا : جاء ~~بالشيء الفلاني على وجهه ، فجعلوا الشيء مأتيا به ، ووصفوه بأنه أتي به ~~متمكنا من وجهه ، أي من كمال أحواله . فحرف ( على ) للاستعلاء المجازي ~~المراد منه التمكن ، مثل { أولئك على هدى من ربهم } ( البقرة : 5 ) . ~~والجار والمجرور في موضع الحال من { الشهادة } ، وصار ذلك قرينة على أن ~~المراد من الوجه غير معناه الحقيقي . # وسنة الشهادة وكمالها هو صدقها والتثبت فيها والتنبه لما يغفل عنه من ~~مختلف الأحوال التي قد يستخف بها في الحال وتكون للغفلة عنها عواقب تضيع ~~الحقوق ، أي ذلك يعلمهم وجه التثبت في التحمل والأداء وتوخي الصدق ، وهو ~~يدخل في قاعدة لزوم صفة اليقظة للشاهد . # وفي الآية إيماء إلى حكمة مشروعية الإعذاء في الشهادة بالطعن أو المعارضة ~~، فإن في ذلك ما يحمل شهود الشهادة على التثبت في مطابقة شهادتهم ، للواقع ~~لأن المعارضة والإعذار يكشفان عن الحق . # وقوله { أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم } عطف على قوله { أن يأتوا } ~~باعتبار ما تعلق به من المجرورات ، وذلك لأن جملة { يأتوا بالشهادة على ~~وجهها } أفادت الإتيان بها صادقة لا نقصان فيها بباعث من أنفس الشهود ، ~~ولذلك قدرناه بمعنى أن يعلموا كيف تكون الشهادة الصادقة . فأفادت الجملة ~~المعطوف عليها إيجاد وازع للشهود من أنفسهم ، وأفادت الجملة المعطوفة وازعا ~~هو توقع ظهور كذبهم . PageV07P093 ومعنى { أن ترد أيمان } أن ترجع أيمان ~~إلى ورثة الموصي بعد أيمان الشهيدين . فالرد هنا مجاز في الانتقال ، مثل ~~قولهم : قلب عليه اليمين ، فيعيروا به بين الناس ؛ فحرف ( أو ) للتقسيم ، ~~وهو تقسيم يفيد تفصيل ما أجمله الإشارة في قوله : { ذلك أدنى } الخ . . . ~~وجمع { الأيمان } باعتبار عموم حكم الآية لسائر قضايا الوصايا التي من ~~جنسها ، على أن العرب تعدل عن التثنية كثيرا . ومنه قوله تعالى : { إن ~~تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما . } ( التحريم : 4 ) # وذيل ms2458 هذا الحكم الجليل بموعظة جميع الأمة فقال : { واتقوا الله } الآية . # وقوله { واسمعوا } أمر بالسمع المستعمل في الطاعة مجازا ، كما تقدم في ~~قوله تعالى : { إذ قلتم سمعنا وأطعنا في هذه السورة ( 7 ) . # وقوله والله لا يهدي القوم الفاسقين } تحريض على التقوى والطاعة لله فيما ~~أمر ونهى ، وتحذير من مخالفة ذلك ، لأن في اتباع أمر الله هدى وفي الإعراض ~~فسقا . { والله لا يهدي القوم الفاسقين } أي المعرضين عن أمر الله ، فإن ~~ذلك لا يستهان به لأنه يؤدي إلى الرين على القلب فلا ينفذ إليه الهدى من ~~بعد فلا تكونوهم وكونوا من المهتدين . # هذا تفسير الآيات توخيت فيه أوضح المعاني وأوفقها بالشريعة ، وأطلت في ~~بيان ذلك لإزالة ما غمض من المعاني تحت إيجازها البليغ . وقد نقل الطيبي عن ~~الزجاج أن هذه الآية من أشكل ما في القرآن من الإعراب . وقال الفخر : روى ~~الواحدي عن عمر : هذه الآية أعضل ما في هذه السورة من الأحكام . وقال ابن ~~عطية عن مكي بن أبي طالب : هذه الآيات عند أهل المعاني من أشكل ما في ~~القرآن إعرابا ومعنى وحكما . قال ابن عطية : وهذا كلام من لم يقع له الثلج ~~في تفسيرها . وذلك بين من كتابه . # ولقصد استيفاء معاني الآيات متتابعة تجنبت التعرض لما تفيده من الأحكام ~~واختلاف PageV07P094 علماء الإسلام فيها في أثناء تفسيرها . وأخرت ذلك إلى ~~هذا الموضع حين انتهيت من تفسير معانيها . وقد اشتملت على أصلين : أحدهما ~~الأمر بالإشهاد على الوصية ، وثانيهما فصل القضاء في قضية تميم الداري وعدي ~~بن بداء مع أولياء بديل بن أبي مريم . # فالأصل الأول : من قوله تعالى : { شهادة بينكم } إلى قوله { ولا نكتم ~~شهادة الله } . # والأصل الثاني : من قوله : { فإن عثر على أنهما استحقا إثما } إلى قوله { ~~بعد أيمانهم } . ويحصل من ذلك معرفة وجه القضاء في أمثال تلك القضية مما ~~يتهم فيه الشهود . # وقوله : { شهادة بينكم } الآية بيان لكيفية الشهادة ، وهو يتضمن الأمر ~~بها ، ولكن عدل عن ذكر الأمر لأن الناس معتادون باستحفاظ وصاياهم عند محل ~~ثقتهم . # وأهم الأحكام التي تؤخذ ms2459 من الآية ثلاثة : أحدها : استشهاد غير المسلمين ~~في حقوق المسلمين ، على رأي من جعله المراد من قوله { أو آخران من غيركم } ~~. وثانيها : تحليف الشاهد على أنه صادق في شهادته . وثالثها : تغليظ اليمين ~~بالزمان . # فأما الحكم الأول : فقد دل عليه قوله تعالى : { أو آخران من غيركم } . ~~وقد بينا أن الأظهر أن الغيرية غيرية في الدين . وقد اختلف في قبول شهادة ~~غير المسلمين في القضايا الجارية بين المسلمين ؛ فذهب الجمهور إلى أن حكم ~~هذه الآية منسوخ بقوله تعالى : { وأشهدوا ذوي عدل منكم } ( الطلاق : 2 ) ~~وقوله { ممن ترضون من الشهداء } ( البقرة : 282 ) وهذا قول مالك ، وأبي ~~حنيفة ، والشافعي . وذهب جماعة إلى أن الآية محكمة ، فمنهم من جعلها خاصة ~~بالشهادة على الوصية في السفر إذا لم يكن مع الموصي مسلمون . وهو قول أبي ~~موسى الأشعري ، وابن عباس ، وقضى بذلك أبو موسى الأشعري في وصية مثل هذه ، ~~أيام قضائه بالكوفة ، وقال : هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وهو قول سعيد بن المسيب ، وابن جبير ، وشريح ، وابن ~~PageV07P095 سيرين ، ومجاهد ، وقتادة ، والسدي ، وسفيان الثوري ، وجماعة ، ~~وهم يقولون : لا منسوخ في سورة المائدة ، تبعا لابن عباس . ومنهم من تأول ~~قوله { من غيركم } على أنه من غير قبيلتكم ، وهو قول الزهري ، والحسن ، ~~وعكرمة . # وقال أحمد بن حنبل بقياس بقية العقود المشهود فيها في السفر على شهادة ~~الوصية ، فقال بأن شهادة أهل الذمة على المسلمين في السفر ماضية ، وزاد ~~فجعلها بدون يمين . والأظهر عندي أن حكم الآية غير منسوخ ، وأن قبول شهادة ~~غير المسلمين خاص بالوصية في السفر حيث لا يوجد مسلمون للضرورة ، وأن وجه ~~اختصاص الوصية بهذا الحكم أنها تعرض في حالة لا يستعد لها المرء من قبل ~~فكان معذورا في إشهاد غير المسلمين في تلك الحالة خشية الفوات ، بخلاف ~~غيرها من العقود فيمكن الاستعداد لها من قبل والتوثق لها بغير ذلك ؛ فكان ~~هذا الحكم رخصة . # والحكمة التي من أجلها لم تقبل في شريعة الإسلام شهادة غير المسلمين إلا ~~في ms2460 الضرورة ، عند من رأى إعمالها في الضرورة ، أن قبول الشهادة تزكية ~~وتعديل للشاهد وترفيع لمقداره إذ جعل خبره مقطعا للحقوق . فقد كان بعض ~~القضاة من السلف يقول للشهود : اتقوا الله فينا فأنتم القضاة ونحن المنفذون ~~. ولما كان رسولنا صلى الله عليه وسلم قد دعا الناس إلى اتباع دينه فأعرض ~~عنه أهل الكتاب لم يكونوا أهلا لأن تزكيهم أمته وتسمهم بالصدق وهم كذبوا ~~رسولنا ، ولأن من لم يكن دينه ديننا لا نكون عالمين بحدود ما يزعه عن الكذب ~~في خبره ، ولا لمجال التضييق والتوسع في أعماله الناشئة عن معتقداته ، إذ ~~لعل في دينه ما يبيح له الكذب ، وبخاصة إذا كانت شهادته في حق لمن يخالفه ~~في الدين ، فإننا عهدنا منهم أنهم لا يتوخون الاحتياط في حقوق من لم يكن من ~~أهل دينهم . قال تعالى حكاية عنهم ( ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين ~~( أي المسلمين ) سبيل ) فمن أجل ذلك لم يكن مظنة للعدالة ولا كان مقدارها ~~فيه مضبوطا . وهذا حال الغالب منهم ، وفيهم من قال الله في شأنه { من إن ~~تأمنه بقنطار يؤده إليك } ( آل عمران : 75 ) ولكن الحكم للغالب . # وأما حكم تحليف الشاهد على صدقه في شهادته : فلم يرد في المأثور إلا في ~~هذا PageV07P096 الموضع ؛ فأما الذين قالوا بنسخ قبول شهادة الكافر فتحليف ~~شاهدي الوصية الكافرين منسوخ تبعا ، وهو قول الجمهور . وأما الذين جعلوه ~~محكما فقد اختلفوا ، فمنهم من خص اليمين بشاهدي الوصية من غير المسلمين ، ~~ومنهم من اعتبر بعلة مشروعية تحليف الشاهدين من غير المسلمين ، فقاس عليه ~~تحليف الشاهدين إذا تطرقت إليهما الريبة ولو كانا مسلمين . وهذا لا وجه له ~~إذ قد شرط الله فيهما العدالة وهي تنافي الريبة ، نعم قد يقال : هذا إذا ~~تعذرت العدالة أو ضعفت في بعض الأوقات ووقع الاضطرار إلى استشهاد غير ~~العدول كما هي حالة معظم بلاد الإسلام اليوم ، فلا يبعد أن يكون لتحيلف ~~الشاهد المستور الحال وجه في القضاء . والمسألة مبسوطة في كتب الفقه . # وأما حكم تغليظ اليمين : فقد أخذ من الآية أن ms2461 اليمين تقع بعد الصلاة ، ~~فكان ذلك أصلا في تغليظ اليمين في نظر بعض أهل العلم ، ويجيء في تغليظ ~~اليمين أن يكون بالزمان والمكان واللفظ . وفي جميعها اختلاف بين العلماء . ~~وليس في الآية ما يتمسك به بواحد من هذه الثلاثة إلا قوله : { من بعد ~~الصلاة } وقد بينت أن الأظهر أنه خاص بالوصية ، وأما التغليظ بالمكان ~~وباللفظ فتفصيله في كتب الخلاف . # $ 2 ( 109 ، 110 ) { يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذآ أجبتم قالوا لا علم ~~لنآ إنك أنت علام الغيوب * إذ قال الله ياعيسى ابن مريم اذكر نعمتى عليك ~~وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس فى المهد وكهلا وإذ علمتك ~~الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذنى ~~فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذنى وتبرىء الاكمه والابرص بإذنى وإذ تخرج الموتى ~~بإذنى وإذ كففت بنى & # 1764 إسراءيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هاذا إلا ~~سحر مبين } . ) 2 $ PageV07P097 # جملة { يوم يجمع الله الرسل } استئناف ابتدائي متصل بقوله : { فأثابهم ~~الله بما قالوا إلى قوله وذلك جزاء المحسنين } ( المائدة : 85 ) . وما ~~بينهما جمل معترضة نشأ بعضها عن بعض ، فعاد الكلام الآن إلى أحوال الذين ~~اتبعوا عيسى عليه السلام ، فبدل كثير منهم تبديلا بلغ بهم إلى الكفر ~~ومضاهاة المشركين ، للتذكير بهول عظيم من أهوال يوم القيامة تكون فيه شهادة ~~الرسل على الأمم وبراءتهم مما أحدثه أممهم بعدهم في الدين مما لم يأذن به ~~الله ، والتخلص من ذلك إلى شهادة عيسى على النصارى بأنه لم يأمرهم بتأليهه ~~وعبادته . وهذا متصل في الغرض بما تقدم من قوله تعالى : { ولتجدن أقربهم ~~مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى } ( المائدة : 82 ) . فإن في تلك ~~الآيات ترغيبا وترهيبا ، وإبعادا وتقريبا ، وقع الانتقال منها إلى أحكام ~~تشريعية ناسبت ما ابتدعه اليهود والنصارى ، وذلك من قوله تعالى : { يا أيها ~~الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم } ( المائدة : 87 ) وتفنن ~~الانتقال إلى هذا المبلغ ، فهذا عود إلى بيان تمام نهوض الحجة على النصارى ~~في مشهد ms2462 يوم القيامة . ولقد جاء هذا مناسبا للتذكير العام بقوله تعالى : { ~~واتقوا الله واسمعوا والله لا يهدي القوم الفاسقين } ( المائدة : 108 ) . ~~ولمناسبة هذا المقام التزم وصف عيسى بابن مريم كلما تكرر ذكره في هذه ~~الآيات أربع مرات تعريضا بإبطال دعوى أنه ابن لله تعالى . # ولأنه لما تم الكلام على الاستشهاد على وصايا المخلوقين ناسب الانتقال ~~إلى شهادة الرسل على وصايا الخالق تعالى ، فإن الأديان وصايا الله إلى خلقه ~~. قال تعالى : { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما ~~وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى } ( الشورى : 13 ) . وقد سماهم الله تعالى ~~شهداء في قوله : { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ~~} ( النساء : 41 ) . # فقوله : { يوم يجمع } ظرف ، والأظهر أنه معمول لعاملل محذوف يقدر بنحو : ~~اذكر يوم يجمع الله الرسل ، أو يقدر له عامل يكون بمنزلة الجواب للظرف ، ~~لأن الظرف إذا تقدم يعامل معاملة الشرط في إعطائه جوابا . وقد حذف هذا ~~العامل لتذهب نفس السامع كل مذهب ممكن من التهويل ، تقديره يوم يجمع الله ~~الرسل يكون هول عظيم لا يبلغه طول التعبير فينبغي طيه . ويجوز أن يكون ~~متعلقا بفعل PageV07P098 { قالوا لا علم لنا . . . } الخ ، أي أن ذلك الفعل ~~هو المقصود من الجملة المستأنفة . وأصل نظم الكلام : يجمع الله الرسل يوم ~~القيامة فيقول الخ . فغير نظم الكلام إلى الأسلوب الذي وقع في الآية ~~للاهتمام بالخبر ، فيفتتح بهذا الظرف المهول وليورد الاستشهاد في صورة ~~المقاولة بين الله والرسل . والمقصود من الكلام هو ما يأتي بقوله : { وإذ ~~قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس } ( المائدة : 116 ) وما بينهما ~~اعتراض . ومن البعيد أن يكون الظرف متعلقا بقوله : { لا يهدي القوم ~~الفاسقين } ( المائدة : 108 ) لأنه لا جدوى في نفي الهداية في يوم القيامة ~~، ولأن جزالة الكلام تناسب استئنافه ، ولأن تعلقه به غير واسع المعنى . # ومثله قول الزجاج : إنه متعلق بقوله : { واتقوا الله } ( المائدة : 108 ) ~~على أن { يوم } مفعول لأجله ، وقيل : بدل اشتمال من اسم الجلالة في قوله : ~~{ واتقوا ms2463 الله } ( المائدة : 108 ) لأن جمع الرسل مما يشمل عليه شأن الله ، ~~فالاستفهام في قوله : { ماذا أجبتم } مستعمل في الاستشهاد . ينتقل منه إلى ~~لازمه ، وهو توبيخ الذين كذبوا الرسل في حياتهم أو بدلوا وارتدوا بعد ~~مماتهم . # وظاهر حقيقة الإجابة أن المعنى : ماذا أجابكم الأقوام الذين أرسلتم إليهم ~~، أي ماذا تلقوا به دعواتكم ، حملا على ما هو بمعناه في نحو قوله تعالى : { ~~فما كان جواب قومه } ( النمل : 56 ) . ويحمل قول الرسل : { لا علم لنا } ~~على معنى لا علم لنا بما يضمرون حين أجابوا فأنت أعلم به منا . أو هو تأدب ~~مع الله تعالى لأن ما عدا ذلك مما أجابت به الأمم يعلمه رسلهم ؛ فلا بد من ~~تأويل نفي الرسل العلم عن أنفسهم وتفويضهم إلى علم الله تعالى بهذا المعنى ~~. فأجمع الرسل في الجواب على تفويض العلم إلى الله ، أي أن علمك سبحانك ~~أعلى من كل علم وشهادتك أعدل من كل شهادة ، فكان جواب الرسل متضمنا أمورا : ~~أحدها : الشهادة على الكافرين من أممهم بأن ما عاملهم الله به هو الحق . ~~الثاني : تسفيه أولئك الكافرين في إنكارهم الذي لا يجديهم . الثالث : تذكير ~~أممهم بما عاملوا به رسلهم لأن في قولهم : { إنك أنت علام الغيوب } ، ~~تعميما للتذكير بكل ما صدر من أممهم من تكذيب وأذى وعناد . ويقال لمن يسأل ~~عن شيء لا أزيدك علما بذلك ، أو أنت تعرف ما جرى . PageV07P099 وإيراد ~~الضمير المنفصل بعد الضمير المتصل لزيادة تقرير الخبر وتأكيده . # وعن ابن الأنباري تأويل قول الرسل { لا علم لنا } بأنهم نفوا أن يكونوا ~~يعلمون ما كان من آخر أمر الأمم بعد موت رسلهم من دوام على إقامة الشرائع ~~أو التفريط فيها وتبديلها فيكون قول الرسل { لا علم لنا } محمولا على ~~حقيقته ويكون محمل { ماذا } على قوله : { ماذا أجبتم } هو ما أجيبوا به من ~~تصديق وتكذيب ومن دوام المصدقين على تصديقهم أو نقض ذلك ، ويعضد هذا ~~التأويل ما جاء بعد هذا الكلام من قوله تعالى : { وإذ قال الله يا عيسى ابن ~~مريم أأنت قلت للناس اتخذوني ms2464 وأمي إلهين من دون الله } ، وقول عيسى عليه ~~السلام { وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم } الآية فإن المحاورة مع عيسى بعض ~~من المحاورة مع بقية الرسل . وهو تأويل حسن . # وعبر في جواب الرسل ب { قالوا } المفيد للمضي مع أن الجواب لم يقع ، ~~للدلالة على تحقيق أنه سيقع حتى صار المستقبل من قوة التحقق بمنزلة الماضي ~~في التحقق . على أن القول الذي تحكى به المحاورات لا يلتزم فيه مراعاة ~~صيغته لزمان وقوعه لأن زمان الوقوع يكون قد تعين بقرينة سياق المحاورة . # وقرأ الجمهور { الغيوب } بضم الغين . وقرأ حمزة ، وأبو بكر عن عاصم بكسر ~~الغين وهي لغة لدفع ثقل الانتقال من الضمة إلى الباء ، كما تقدم في بيوت في ~~قوله تعالى { فأمسكوهن في البيوت من سورة النساء ( 15 ) . # وفصل قالوا } جريا على طريقة حكاية المحاورات ، كما تقدم في قوله { وإذ ~~قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة في سورة البقرة ( 30 ) . # وقوله : إذ قال الله يا عيسى ابن مريم } ظرف ، هو بدل من { يوم يجمع الله ~~الرسل } بدل اشتمال ، فإن يوم الجمع مشتمل على زمن هذا الخطاب لعيسى ، ~~ولذلك لم تعطف هذه الجملة على التي قبلها . والمقصود من ذكر ما يقال لعيسى ~~يومئذ هو تقريع اليهود . والنصارى الذين ضلوا في شأن عيسى بين طرفي إفراط ~~بغض وإفراط حب . # فقوله { اذكر نعمتي عليك } إلى قوله { لا أعذبه أحدا من العالمين } ( ~~المائدة : 115 ) استئناس PageV07P100 لعيسى لئلا يفزعه السؤال الوارد بعده ~~بقوله : { أأنت قلت للناس الخ . . . } ( المائدة : 116 ) وهذا تقريع لليهود ~~، وما بعدها تقريع للنصارى . والمراد من { اذكر نعمتي } الذكر بضم الذال ~~وهو استحضار الأمر في الذهن . والأمر في قوله { اذكر } للامتنان ، إذ ليس ~~عيسى بناس لنعم الله عليه وعلى والدته . ومن لازمه خزي اليهود الذين زعموا ~~أنه ساحر مفسد إذ ليس السحر والفساد بنعمة يعدها الله على عبده . ووجه ذكر ~~والدته هنا الزيادة من تبكيت اليهود وكمدهم لأنهم تنقصوها بأقذع مما تنقصوه ~~. # والظرف في قوله { إذ أيدتك بروح القدس } متعلق ب { نعمتي } لما ms2465 فيها من ~~معنى المصدر ، أي النعمة الحاصلة في ذلك الوقت ، وهو وقت التأييد بروح ~~القدس . وروح القدس هنا جبريل على الأظهر . والتأييد وروح القدس تقدما في ~~سورة البقرة ( 87 ) عند قوله : { وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه ~~بروح القدس . # وجملة تكلم } حال من الضمير المنصوب ب { أيدتك } وذلك أن الله ألقى ~~الكلام من الملك على لسان عيسى وهو في المهد ، وفي ذلك تأييد له لإثبات ~~نزاهة تكونه ، وفي ذلك نعمة عليه ، وعلى والدته إذ ثبتت براءتها مما اتهمت ~~به . # والجار والمجرور في قوله { في المهد } حال من ضمير { تكلم } . و { كهلا } ~~معطوف على { في المهد } لأنه حال أيضا ، كقوله تعالى : { دعانا لجنبه أو ~~قاعدا أو قائما } ( يونس : 12 ) . والمهد والكهل تقدما في تفسير سورة آل ~~عمران . وتكليمه كهلا أريد به الدعوة إلى الدين فهو من التأييد بروح القدس ~~، لأنه الذي يلقي إلى عيسى ما يأمره الله بتبليغه . # وقوله : { وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل } تقدم القول في ~~نظيره في سورة آل عمران ، وكذلك قوله { وإذ تخلق من الطين } إلى قوله وإذ ~~تخرج الموتى بإذني تقدم القول في نظيره هنالك . # إلا أنه قال هنا { فتنفخ فيها } وقال في سورة آل عمران ( 49 ) { فانفخ ~~فيه . فعن مكي بن أبي طالب أن الضمير في سورة آل عمران عاد إلى الطير ، ~~والضمير في هذه السورة PageV07P101 عاد إلى الهيئة . واختار ابن عطية أن ~~يكون الضمير هنا عائدا إلى ما تقتضيه الآية ضرورة . أي بدلالة الاقتضاء . ~~وذلك أن قوله : وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير } يقتضي صورا أو أجساما أو ~~أشكالا ، وكذلك الضمير المذكر في سورة آل عمران ( 49 ) يعود على المخلوق ~~الذي يقتضيه { أخلق . وجعله في الكشاف } عائدا إلى الكاف باعتبار كونها صفة ~~للفظ هيئة المحذوف الدال عليه لفظ هيئة المدخول للكاف وكل ذلك ناظر إلى أن ~~الهيئة لا تصلح لأن تكون متعلق { تنفخ } ، إذ الهيئة معنى لا ينفخ فيها ولا ~~تكون طائرا . # وقرأ نافع وحده { فتكون طائرا } بالإفراد كما قرأ في سورة آل عمران ms2466 . ~~وتوجيهها هنا أن الضمير جرى على التأنيث فتعين أن يكون المراد وإذ تخلق ، ~~أي تقدر هيئة كهيئة الطير فتكون الهيئة طائرا ، أي كل هيئة تقدرها تكون ~~واحدا من الطير . # وقرأ البقية ( طيرا ) بصيغة اسم الجمع باعتبار تعدد ما يقدره من هيئات ~~كهيئة الطير . # وقال هنا { وإذا تخرج الموتى } ولم يقل : { وأحي الموتى ، كما قال في ~~سورة آل عمران ( 49 ) ، أي تخرجهم من قبورهم أحياء ، فأطلق الإخراج وأريد ~~به لازمه وهو الإحياء ، لأن الميت وضع في القبر لأجل كونه ميتا فكان إخراجه ~~من القبر ملزوما الانعكاس السبب الذي لأجله وضع في القبر . وقد سمى الله ~~الإحياء خروجا في قوله : وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج } ( ق : 11 ) ~~وقال : { إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون } ( المؤمنون : 35 ) . # وقوله : { وإذ كففت بني إسرائيل عنك } عطف على { إذ أيدتك } وما عطف عليه ~~. وهذا من أعظم النعم ، وهي نعمة العصمة من الإهانة ؛ فقد كف الله عنه بني ~~إسرائيل سنين ، وهو يدعو إلى الدين بين ظهرانيهم مع حقدهم وقلة أنصاره ، ~~فصرفهم الله عن ضره حتى أدى الرسالة ، ثم لما استفاقوا وأجمعوا أمرهم على ~~قتله عصمه الله منهم فرفعه إليه ولم يظفروا به ، وماتت نفوسهم بغيظها . وقد ~~دل على جميع هذه المدة الظرف في قوله : { إذ جئتم بالبينات } فإن تلك المدة ~~كلها مدة ظهور معجزاته PageV07P102 بينهم . وقوله : { فقال الذين كفروا ~~منهم } تخلص من تنهية تقريع مكذبيه إلى كرامة المصدقين به . # واقتصر من دعاوي تكذيبهم إياه على قولهم { إن هذا إلا سحر مبين } ، لأن ~~ذلك الادعاء قصدوا به التوسل إلى قتله ، لأن حكم الساحر في شريعة اليهود ~~القتل إذ السحر عندهم كفر ، إذ كان من صناعة عبدة الأصنام ، فقد قرنت ~~التوراة السحر وعرافة الجان بالشرك ، كما جاء في سفر اللاوييين في الإصحاح ~~العشرين . # وقرأ الجمهور : { إن هذا إلا سحر } ، والإشارة ب { هذا } إلى مجموع ما ~~شاهدوه من البينات . وقرأ حمزة ، والكسائي ، وخلف { إلا ساحر } . والإشارة ~~إلى عيسى المفهوم من قوله : { إذ جئتهم بالبينات } . ولا شك أن اليهود ms2467 ~~قالوا لعيسى كلتا المقالتين على التفريق أو على اختلاف جماعات القائلين ~~وأوقات القول . # $ 2 ( 111 ) { وإذ أوحيت إلى الحواريين أن ءامنوا بى وبرسولى قالو & # 1764 ا ءامنا واشهد بأننا مسلمون } . ) 2 $ # يجوز أن يكون عطفا على جملة { إذ أيدتك بروح القدس } ( المائدة : 110 ) ، ~~فيكون من جملة ما يقوله الله لعيسى يوم يجمع الرسل . فإن إيمان الحواريين ~~نعمة على عيسى إذ لو لم يؤمنوا به لما وجد من يتبع دينه فلا يحصل له الثواب ~~المتجدد بتجدد اهتداء الأجيال بدينه إلى أن جاء نسخه بالإسلام . # والمراد بالوحي إلى الحواريين إلهامهم عند سماع دعوة عيسى للمبادرة ~~بتصديقه ، فليس المراد بالوحي الذي به دعاهم عيسى . ويجوز أن يكون الوحي ~~الذي أوحي به إلى عيسى ليدعو بني إسرائيل إلى دينه . وخص الحواريون به هنا ~~تنويها بهم حتى كأن الوحي بالدعوة لم يكن إلا لأجلهم ، لأن ذلك حصل لجميع ~~بني إسرائيل فكفر أكثرهم على نحو قوله تعالى : { كما قال عيسى ابن مريم ~~للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من ~~بني إسرائيل وكفرت طائفة } ( الصف : 14 ) ؛ PageV07P103 فكان الحواريون ~~سابقين إلى الإيمان لم يترددوا في صدق عيسى . و { أن } تفسيرية للوحي الذي ~~ألقاه الله في قلوب الحواريين . # وفصل جملة { قالوا آمنا } لأنها جواب ما فيه معنى القول ، وهو ( أوحينا ) ~~، على طريقة الفصل في المحاورة كما تقدم في سورة البقرة ، وهو قول نفسي حصل ~~حين ألقى الله في قلوبهم تصديق عيسى فكأنه خاطبهم فأجابوه . والخطاب في ~~قولهم : { واشهد } لله تعالى وإنما قالوا ذلك بكلام نفسي من لغتهم ، فحكى ~~الله معناه بما يؤديه قوله : { واشهد بأننا مسلمون } . وسمى إيمانهم إسلاما ~~لأنه كان تصديقا راسخا قد ارتفعوا به عن مرتبة إيمان عامة من آمن بالمسيح ~~غيرهم ، فكانوا مماثلين لإيمان عيسى ، وهو إيمان الأنبياء والصديقيين ، وقد ~~قدمت بيانه في تفسير قوله تعالى : { ولكن كان حنفيا مسلما في سورة آل عمران ~~( 67 ) ، وفي تفسير قوله فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون في سورة البقرة ( 132 ~~) فارجع إليه . # # | 2 ms2468 ( 112 ، 113 ) { إذ قال الحواريون ياعيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ~~ينزل علينا مآئدة من السمآء قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين * قالوا نريد أن ~~نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين } . ) ~~2 # جملة : { إذ قال الحواريون } يجوز أن تكون من تمام الكلام الذي يكلم الله ~~به عيسى يوم يجمع الرسل ، فيكون { إذ } ظرفا متعلقا بفعل { قالوا آمنا } ( ~~المائدة : 111 ) فيكون مما يذكر الله به عيسى يوم يجمع الرسل ، فحكي على ~~حسب حصوله في الدنيا وليس ذلك بمقتض أن سؤالهم المائدة حصل في أول أوقات ~~إيمانهم بل في وقت آخر { قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون } ( المائدة : 111 ~~) ؛ فإن قولهم { آمنا } قد يتكرر منهم بمناسبات ، كما يكون عند سماعهم ~~تكذيب اليهود عيسى ، أو عندما يشاهدون آيات على يد عيسى ، أو يقولونه ~~لإعادة استحضار الإيمان شأن الصديقيين الذين يحاسبون أنفسهم ويصقلون ~~إيمانهم PageV07P104 فيقولون في كل معاودة . آمنا واشهد بأننا مسلمون . ~~وأما ما قرر به ( الكشاف ) ومتابعوه فلا يحسن تفسير الكلام به . # ويجوز أن يكون جملة : { إذ قال الحواريون } ابتدائية بتقدير : اذكر ، على ~~أسلوب قوله تعالى { إذ قال موسى لأهله إني آنست نارا في سورة النمل ( 7 ) ، ~~فيكون الكلام تخلصا إلى ذكر قصة المائدة لمناسبة حكاية ما دار بين عيسى ~~وبين الحواريين في قوله تعالى : وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي ~~وبرسولي . # } ( المائدة : 111 ) وابتدأوا خطابهم عيسى بندائه باسمه للدلالة على أن ~~ما سيقولونه أمر فيه اقتراح وكلفة له ، وكذلك شأن من يخاطب من يتجشم منه ~~كلفة أن يطيل خطابه طلبا لإقبال سمعه إليه ليكون أوعى للمقصود . # وجرى قوله تعالى : { هل يستطيع ربك } على طريقة عربية في العرض والدعاء ، ~~يقولون للمستطيع لأمر : هل تستطيع كذا ، على معنى تطلب العذر له إن لم يجبك ~~إلى مطلوبك وأن السائل لا يحب أن يكلف المسؤول ما يشق عليه ، وذلك كناية ~~فلم يبق منظورا فيه إلى صريح المعنى المقتضي أنه يشك في استطاعة المسؤول ، ~~وإنما يقول ذلك الأدنى للأعلى منه ms2469 ، وفي شيء يعلم أنه مستطاع للمسؤول ، ~~فقرينة الكناية تحقق المسؤول أن السائل يعلم استطاعته . ومنه ما جاء في ~~حديث يحيى المازني ( أن رجلا قال لعبد الله بن زيد : أتستطيع أن تريني كيف ~~كان رسول الله يتوضأ ) . فإن السائل يعلم أن عبد الله بن زيد لا يشق عليه ~~ذلك . فليس قول الحواريين المحكي بهذا اللفظ في القرآن إلا لفظا من لغتهم ~~يدل على التلطف والتأدب في السؤال ، كما هو مناسب أهل الإيمان الخالص . ~~وليس شكا في قدرة الله تعالى ولكنهم سألوا آية لزيادة اطمئنان قلوبهم ~~بالإيمان بأن ينتقلوا من الدليل العقلي إلى الدليل المحسوس . فإن النفوس ~~بالمحسوس آنس ، كما لم يكن سؤال إبراهيم بقوله { رب أرني كيف تحيي الموتى } ~~( البقرة : 260 ) شكا في الحال . وعلى هذا المعنى جرى تفسير المحققين مثل ~~ابن عطية ، والواحدي ، والبغوي خلافا لما في ( الكشاف ) . PageV07P105 # وقرأ الجمهور : { يستطيع } بياء الغيبة ورفع { ربك } . وقرأه الكسائي { ~~هل تستطيع ربك } بتاء المخاطب ونصب الباء الموحدة من قوله { ربك } على أن { ~~ربك } مفعول به ، فيكون المعنى هل تسأل لنا ربك ، فعبر بالاستطاعة عن طلب ~~الطاعة ، أي إجابة السؤال . وقيل : هي على حذف مضاف تقديره هل تستطيع سؤال ~~ربك ، فأقيم المضاف إليه مقام المضاف في إعرابه . وفي رواية الطبري عن ~~عائشة قالت : كان الحواريون أعلم بالله عز وجل من أن يقولوا : هل يستطيع ~~ربك ، ولكن قالوا : هل تستطيع ربك . وعن معاذ بن جبل أقرأنا النبي { هل ~~تستطيع ربك } . # واسم { مائدة } هو الخوان الموضوع عليه طعام ، فهو اسم لمعنى مركب يدل ~~على طعامم وما يوضع عليه . والخوان بكسر الخاء وضمها تخت من خشب له قوائم ~~مجعول ليوضع عليه الطعام للأكل ، اتفقوا على أنه معرب . قال الجواليقي : هو ~~أعجمي . وفي حديث قتادة عن أنس قال : ما أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على خوان قط ، ولا في سكرجة ، قال قتادة : قلت لأنس : فعلام كنتم تأكلون ~~قال : على السفر ، وقيل : المائدة اسم الطعام ، وإن لم يكن في وعاء ولا على ~~خوان . وجزم بذلك بعض ms2470 المحققين من أهل اللغة ، ولعله مجاز مرسل بعلاقة ~~المحل . وذكر القرطبي أنه لم تكن للعرب موائد إنما كانت لهم السفرة . وما ~~ورد في الحديث من قول ابن عباس في الضب : لو كان حراما ما أكل على مائدة ~~رسول الله ، إنما يعني به الطعام الموضوع على سفرة . واسم السفرة غلب ~~إطلاقه على وعاء من أديم مستدير له معاليق ليرفع بها إذا أريد السفر به . ~~وسميت سفرة لأنها يتخذها المسافر . وإنما سأل الحواريون كون المائدة منزلة ~~من السماء لأنهم رغبوا أن تكون خارقة للعادة فلا تكون مما صنع في العالم ~~الأرضي فتعين أن تكون من عالم علوي . # وقول عيسى حين أجابهم { اتقوا الله إن كنتم مؤمنين } أمر بملازمة التقوى ~~وعدم تزلزل الإيمان ، ولذلك جاء ب { إن } المفيدة للشك في الإيمان ليعلم ~~الداعي إلى ذلك السؤال خشية أن يكون نشأ لهم عن شك في صدق رسولهم ، فسألوا ~~معجزة يعلمون بها صدقه بعد أن آمنوا به ، وهو قريب من قوله تعالى لإبراهيم ~~المحكي في قوله : { قال أو PageV07P106 لم تؤمن } ، أي ألم تكن غنيا عن طلب ~~الدليل المحسوس . فالمراد بالتقوى في كلام عيسى ما يشمل الإيمان وفروعه . ~~وقيل : نهاهم عن طلب المعجزات ، أي إن كنتم مؤمنين فقد حصل إيمانكم فما ~~الحاجة إلى المعجزة . فأجابوه عن ذلك بأنهم ما أرادوا ذلك لضعف في إيمانهم ~~إنما أرادوا التيمن بأكل طعام نزل من عند الله إكراما لهم ، ولذلك زادوا { ~~منها } ولم يقتصروا على { أن نأكل } إذ ليس غرضهم من الأكل دفع الجوع بل ~~الغرض التشرف بأكل من شيء نازل من السماء . وهذا مثل أكل أبي بكر من الطعام ~~الذي أكل منه ضيفه في بيته حين انتظروه بالعشاء إلى أن ذهب جزء من الليل ، ~~وحضر أبو بكر وغضب من تركهم الطعام ، فلما أخذوا يطعمون جعل الطعام يربو ~~فقال أبو بكر لزوجه : ما هذا يا أخت بني فراس . وحمل من الغد بعض ذلك ~~الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكل منه . # ولذلك قال الحواريون : { وتطمئن قلوبنا } أي بمشاهدة ms2471 هذه المعجزة فإن ~~الدليل الحسي أظهر في النفس ، { ونعلم أن قد صدقتنا } ، أي نعلم علم ضرورة ~~لا علم استدلال فيحصل لهم العلمان ، { ونكون عليها من الشاهدين } ، أي من ~~الشاهدين على رؤية هذه المعجزة فنبلغها من لم يشهدها . فهذه أربع فوائد ~~لسؤال إنزال المائدة ، كلها درجات من الفضل الذي يرغب فيه أمثالهم . # وتقديم الجار والمجرور في قوله { عليها من الشاهدين } للرعاية على ~~الفاصلة . # $ 2 ( 114 ، 115 ) { قال عيسى ابن مريم اللهم ربنآ أنزل علينا مآئدة من ~~السمآء تكون لنا عيدا لاولنا وءاخرنا وءاية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين ~~* قال الله إنى منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإنى & # 1764 أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين } . ) 2 $ # إن كان قوله : { إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ~~ينزل PageV07P107 علينا مائدة من السماء } ( المائدة : 112 ) من تمام ~~الكلام الذي يلقيه الله على عيسى يوم يجمع الله الرسل كانت هذه الجملة وهي ~~{ قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة } الخ . . . معترضة بين ~~جملة { وإذ أوحيت إلى الحواريين } ( المائدة : 111 ) وجملة { وإذ قال الله ~~يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس } ( المائدة : 116 ) الآية . # وإن كان قوله : { إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ~~ينزل } ( المائدة : 112 ) الآية ابتداء كلام بتقدير فعل اذكر كانت جملة : { ~~قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا } الآية مجاوبة لقول الحواريين { يا عيسى ابن ~~مريم هل يستطيع ربك } ( المائدة : 112 ) الآية على طريقة حكاية المحاورات . # وقوله : { اللهم ربنا أنزل علينا مائدة } اشتمل على نداءين ، إذ كان قوله ~~: { ربنا } بتقدير حرفف النداء . كرر النداء مبالغة في الضراعة . وليس قوله ~~: { ربنا } بدلا ولا بيانا من اسم الجلالة ، لأن نداء { اللهم } لا يتبع ~~عند جمهور النحاة لأنه جار مجرى أسماء الأصوات من أجل ما لحقه من التغيير ~~حتى صار كأسماء الأفعال . ومن النحاة من أجاز إتباعه ، وأيا ما كان فإن ~~اعتباره نداء ثانيا أبلغ هنا لا سيما وقد شاع نداء الله تعالى { ربنا ms2472 } مع ~~حذف حرف النداء كما في الآيات الخواتم من سورة آل عمران . وجمع عيسى بين ~~النداء باسم الذات الجامع لصفات الجلال وبين النداء بوصف الربوبية له ~~وللحواريين استعطافا لله ليجيب دعاءهم . # ومعنى { تكون لنا عيدا } أي يكون تذكر نزولها بأن يجعلوا اليوم الموافق ~~يوم نزولها من كل سنة عيدا ، فإسناد الكون عيدا للمائدة إسناد مجازي ، ~~وإنما العيد اليوم الموافق ليوم نزولها ، ولذلك قال : { لأولنا وآخرنا } ، ~~أي لأول أمة النصرانية وآخرها ، وهم الذين ختمت بهم النصرانية عند البعثة ~~المحمدية . # والعيد اسم ليوم يعود كل سنة ، ذكرى لنعمة أو حادثة وقعت فيه للشكر أو ~~للاعتبار . وقد ورد ذكره في كلام العرب . PageV07P108 وأشهر ما كانت ~~الأعياد في العرب عند النصارى منهم ، قال العجاج : # كما يعود العيد نصراني # مثل يوم السباسب في قول النابغة : # يحيون بالريحان يوم السباسب # وهو عيد الشعانين عند النصارى . # وقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفطر عيدا في قوله لأبي بكر لما ~~نهى الجواري اللاء كن يغنين عند عائشة ( إن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا ) وسمى ~~يوم النحر عيدا في قوله : ( شهرا عيد لا ينقصان رمضان وذو الحجة ) . # والعيد مشتق من العود ، وهو اسم على زنة فعل ، فجعلت واوه ياء لوقوعها ~~إثر كسرة لازمة . وجمعوه على أعياد بالياء على خلاف القياس ، لأن قياس ~~الجمع أنه يرد الأشياء إلى أصولها ، فقياس ، جمعه أعواد لكنهم جمعوه على ~~أعياد ، وصغروه على عييد ، تفرقة بينه وبين جمع عود وتصغيره . # وقوله : { لأولنا } بدل من الضمير في قوله { لنا } بدل بعض من كل ، وعطف ~~{ وآخرنا } عليه يصير الجميع في قوة البدل المطابق . وقد أظهر لام الجر في ~~البدل ، وشأن البدل أن لا يظهر فيه العامل الذي عمل في المبدل منه لأن كون ~~البدل تابعا للمبدل منه في الإعراب مناف لذكر العامل الذي عمل في المتبوع ، ~~ولهذا قال النحاة : إن البدل على نية تكرار العامل ، أي العامل منوي غير ~~مصرح به . وقد ذكر الزمخشري في ( المفصل ) أن عامل البدل قد يصرح به ، وجعل ~~ذلك دليلا ms2473 على أنه منوي في الغالب ولم يقيد ذلك بنوع من العوامل ، ومثله ~~بقوله تعالى : { لجعلنا لمن يكفر بالرحمان لبيوتهم سقفا من فضة } ( الزخرف ~~: 33 ) ، وبقوله في سورة الأعراف ( 75 ) { قال الملأ الذين استكبروا . . ~~للذين استضعفوا لمن آمن منهم . وقال في الكشاف } في هذه الآية { لأولنا ~~وآخرنا } بدل من { لنا } بتكرير العامل . وجوز البدل أيضا في آية الزخرف ثم ~~قال : ويجوز أن يكون اللامان بمنزلة اللامين في قولك : وهبت له ثوبا لقميصه ~~. يريد أن تكون اللام الأولى متعلقة ب { تكون } والثانية متعلقة ب { عيدا } ~~. PageV07P109 # وقد استقريت ما بلغت إليه من موارد استعماله فتحصل عندي أن العامل الأصيل ~~من فعل وشبهه لا يتكرر مع البدل ، وأما العامل التكميلي لعامل غيره وذلك ~~حرف الجر خاصة فهو الذي ورد تكريره في آيات من القرآن من قوله تعالى : { ~~قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم في سورة ~~الأعراف ( 75 ) ، وآية سورة الزخرف ، وقوله : ومن النخل من طلعها قنوان ~~دانية } ( الأنعام : 99 ) . ذلك لأن حرف الجر مكمل لعمل الفعل الذي يتعلق ~~هو به لأنه يعدي الفعل القاصر إلى مفعوله في المعنى الذي لا يتعدى إليه ~~بمعنى مصدره ، فحرف الجر ليس بعامل قوي ولكنه مكمل للعامل المتعلق هو به . # ثم إن علينا أن نتطلب الداعي إلى إظهار حرف الجر في البدل في مواقع ظهوره ~~. وقد جعل ابن يعيش في ( شرح المفصل ) ذلك للتأكيد قال : ( لأن الحرف قد ~~يتكرر لقصد التأكيد ) . وهذا غير مقنع لنا لأن التأكيد أيضا لا بد من داع ~~يدعو إليه . # فما أظهر فيه حرف الجر من هذه الآيات كان مقتضي إظهاره إما قصد تصوير ~~الحالة كما في أكثر الآيات ، وأما دفع اللبس ، وذلك في خصوص آية الأعراف ~~لئلا يتوهم السامع أن من يتوهم أن ( من آمن ) من المقول وأن ( من ) استفهام ~~فيظن أنهم يسألون عن تعيين من آمن من القوم ، ومعنى التأكيد حاصل على كل ~~حال لأنه ملازم لإعادة الكلمة . وأما ما ليس بعامل فهو الاستفهام وقد التزم ~~ظهور همزة ms2474 الاستفهام في البدل من اسم استفهام ، نحو : أين تنزل أفي الدار ~~أم في الحائط ، ومن ذا أسعيد أم علي . # وهذا العيد الذي ذكر في هذه الآية غير معروف عند النصارى ولكنهم ذكروا أن ~~عيسى عليه السلام أكل مع الحواريين على مائدة ليلة عيد الفصح ، وهي الليلة ~~التي يعتقدون أنه صلب من صباحها . فلعل معنى كونها عيدا أنها صيرت يوم ~~الفصح عيدا في المسيحية كما كان عيدا في اليهودية ، فيكون ذلك قد صار عيدا ~~باختلاف الاعتبار وإن كان اليوم واحدا لأن المسيحيين وفقوا لأعياد اليهود ~~مناسبات أخرى لائقة بالمسيحية إعفاء على آثار اليهودية . PageV07P110 # وجملة { قال الله إني منزلها } جواب دعاء عيسى ، فلذلك فصلت على طريقة ~~المحاورة . وأكد الخبر ب { إن } تحقيقا للوعد . والمعنى إني منزلها عليكم ~~الآن ، فهو استجابة وليس بوعد . # وقوله : { فمن يكفر } تفريع عن إجابة رغبتهم ، وتحذير لهم من الوقوع في ~~الكفر بعد الإيمان إعلاما بأهمية الإيمان عند الله تعالى ، فجعل جزاء ~~إجابته إياهم أن لا يعودوا إلى الكفر فإن عادوا عذبوا عذابا أشد من عذاب ~~سائر الكفار لأنهم تعاضد لديهم دليل العقل والحس فلم يبق لهم عذر . # والضمير المنصوب في قوله { لا أعذبه } ضمير المصدر ، فهو في موضع المفعول ~~المطلق وليس مفعولا به ، أي لا أعذب أحدا من العالمين ذلك العذاب ، أي مثل ~~ذلك العذاب . # وقد وقفت قصة سؤال المائدة عند هذا المقدار وطوي خبر ماذا حدث بعد نزولها ~~لأنه لا أثر له في المراد من القصة ، وهو العبرة بحال إيمان الحواريين ~~وتعلقهم بما يزيدهم يقينا ، وبقربهم إلى ربهم وتحصيل مرتبة الشهادة على من ~~يأتي بعدهم ، وعلى ضراعة المسيح الدالة على عبوديته ، وعلى كرامته عند ربه ~~إذ أجاب دعوته ، وعلى سعة القدرة . وأما تفصيل ما حوته المائدة وما دار ~~بينهم عند نزولها فلا عبرة فيه . وقد أكثر فيه المفسرون بأخبار واهية ~~الأسانيد سوى ما أخرجه الترمذي في أبواب التفسير عن الحسن بن قزعة بسنده ~~إلى عمار بن يسار قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أنزلت المائدة ms2475 ~~من السماء خبزا ولحما ) الحديث . قال الترمذي : هذا الحديث رواه غير واحد ~~عن عمار بن ياسر موقوفا ولا نعرفه مرفوعا إلا من حديث الحسن بن قزعة ولا ~~نعلم للحديث المرفوع أصلا . # واختلف المفسرون في أن المائدة هل نزلت من السماء أو لم تنزل . فعن مجاهد ~~والحسن أنهم لما سمعوا قوله تعالى : { فمن يكفر بعد منكم } الآية خافوا ~~فاستعفوا من طلب نزولها فلم تنزل . وقال الجمهور : نزلت . وهو الظاهر لأن ~~قوله تعالى : { إني منزلها عليكم } وعد لا يخلف ، وليس مشروطا بشرط ولكنه ~~معقب بتحذير من PageV07P111 الكفر ، وذلك حاصل أثره عند الحواريين وليسوا ~~ممن يخشى العود إلى الكفر سواء نزلت المائدة أم لم تنزل . # وأما النصارى فلا يعرفون خبر نزول المائدة من السماء ، وكم من خبر أهملوه ~~في الأناجيل . # $ 2 ( 116 118 ) { { وإذ قال الله ياعيسى ابن مريم أءنت قلت للناس ~~اتخذونى وأمى إلاهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لى & # 1764 أن أقول ما ليس لى بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما فى نفسى ولا ~~أعلم ما فى نفسك إنك أنت علام الغيوب * ما قلت لهم إلا مآ أمرتنى به أن ~~اعبدوا الله ربى وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتنى كنت أنت ~~الرقيب عليهم وأنت على كل شىء شهيد * إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم ~~فإنك أنت العزيز الحكيم } . ) 2 $ # عطف على قوله : { إذ قال الله يا عيسى بن مريم اذكر نعمتي عليك } ( ~~المائدة : 110 ) فهو ما يقوله الله يوم يجمع الرسل وليس مما قاله في الدنيا ~~، لأن عبادة عيسى حدثت بعد رفعه ، ولقوله : { هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم ~~} . فقد أجمع المفسرون على أن المراد به يوم القيامة . وأن قوله : { وإذ ~~قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس } قول يقوله يوم القيامة . وهذا ~~مبدأ تقريع النصارى بعد أن فرغ من تقريع اليهود من قوله : { إذ قال الله يا ~~عيسى بن مريم اذكر نعمتي عليك } ( المائدة : 110 ) إلى هنا . وتقريع ~~النصارى هو المقصود ms2476 من هذه الآيات كما تقدم عند قوله تعالى : { يوم يجمع ~~الله الرسل } ( المائدة : 109 ) الآية ، فالاستفهام هنا كالاستفهام في قوله ~~تعالى للرسل { ماذا أجبتم } ( المائدة : 109 ) والله يعلم أن عيسى لم يقل ~~ذلك ولكن أريد إعلان كذب من كفر من النصارى . PageV07P112 # وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي في قوله : { أأنت قلت للناس } يدل ~~على أن الاستفهام متوجه إلى تخصيصه بالخبر دون غيره مع أن الخبر حاصل لا ~~محالة . فقول قائلين : اتخذوا عيسى وأمه إلهين ، واقع . وإنما ألقي ~~الاستفهام لعيسى أهو الذي قال لهم ذلك تعريضا بالإرهاب والوعيد بتوجه عقوبة ~~ذلك إلى من قال هذا القول إن تنصل منه عيسى فيعلم أحبارهم الذين اخترعوا ~~هذا القول أنهم المراد بذلك . # والمعنى أنه إن لم يكن هو قائل ذلك فلا عذر لمن قاله لأنهم زعموا أنهم ~~يتبعون أقوال عيسى وتعاليمه ، فلو كان هو القائل لقال : اتخذوني وأمي ، ~~ولذلك جاء التعبير بهذين اللفظين في الآية . والمراد بالناس أهل دينه . # وقوله : { من دون الله } متعلق ب { اتخذوني } ، وحرف { من } صلة وتوكيد . ~~وكلمة { دون } اسم للمكان المجاوز ، ويكثر أن يكون مكانا مجازيا مرادا به ~~المغايرة ، فتكون بمعنى ( سوى ) . وانظر ما تقدم آنفا عند قوله تعالى : { ~~قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا } ( المائدة : 76 ) . ~~والمعنى اتخذوني وأمي إلهين سوى الله . # وقد شاع هذا في استعمال القرآن قال تعالى : { ومن الناس من يتخذ من دون ~~الله أندادا يحبونهم كحب الله } ( البقرة : 165 ) ، وقال : { ويعبدون من ~~دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله } ( يونس ~~: 18 ) ، وغير ذلك من الآيات التي خوطب بها المشركون مع أنهم أشركوا مع ~~الله غيره ولم ينكروا إلهية الله . # وذكر هذا المتعلق إلزاما لهم بشناعة إثبات إلهية لغير الله لأن النصارى ~~لما ادعوا حلول الله في ذات عيسى توزعت الإلهية وبطلت الوحدانية . وقد تقدم ~~بيان هذا المذهب عند تفسير قوله تعالى : { لقد كفر الذين قالوا إن الله هو ~~المسيح ابن مريم في هذه السورة ms2477 ( 17 ) . # وجواب عيسى عليه السلام بقوله : سبحانك } تنزيه لله تعالى عن مضمون ~~PageV07P113 تلك المقالة . وكانت المبادرة بتنزيه الله تعالى أهم من تبرئته ~~نفسه ، على أنها مقدمة للتبري لأنه إذا كان ينزه الله عن ذلك فلا جرم أنه ~~لا يأمر به أحدا . وتقدم الكلام على { سبحانك } في قوله تعالى : { قالوا ~~سبحانك لا علم لنا في سورة البقرة ( 32 ) . # وبرأ نفسه فقال : ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق } ؛ فجملة { ما يكون ~~لي أن أقول } مستأنفة لأنها جواب السؤال . وجملة { سبحانك } تمهيد . # وقوله : { ما يكون لي } مبالغة في التبرئة من ذلك ، أي ما يوجد لدي قول ~~ما ليس لي بحق ، فاللام في قوله : { ما يكون لي } للاستحقاق ، أي ما يوجد ~~حق أن أقول . وذلك أبلغ من لم أقله لأنه نفى أن يوجد استحقاقه ذلك القول . # والباء في قوله { بحق } زائدة في خبر { ليس } لتأكيد النفي الذي دلت عليه ~~{ ليس } . واللام في قوله { ليس لي بحق } متعلقة بلفظ { حق } على رأي ~~المحققين من النحاة أنه يجوز تقديم المتعلق على متعلقه المجرور بحرف الجر . ~~وقدم الجار والمجرور للتنصيص على أنه ظرف لغو متعلق { بحق } لئلا يتوهم أنه ~~ظرف مستقر صفة ل { حق } حتى يفهم منه أنه نفى كون ذلك حقا له ولكنه حق ~~لغيره الذين قالوه وكفروا به ، وللمبادرة بما يدل على تنصله من ذلك بأنه ~~ليس له . وقد أفاد الكلام تأكيد كون ذلك ليس حقا له بطريق المذهب الكلامي ~~لأنه نفى أن يباح له أن يقول ما لا يحق له ، فعلم أن ذلك ليس حقا له وأنه ~~لم يقله لأجل كونه كذلك . فهذا تأكيد في غاية البلاغة والتفنن . # ثم ارتقى في التبرىء فقال : { إن كنت قلته فقد علمته } ، فالجملة مستأنفة ~~لأنها دليل وحجة لمضمون الجملة التي قبلها ، فكانت كالبيان فلذلك فصلت . ~~والضمير المنصوب في { قلته } عائد إلى الكلام المتقدم . ونصب القول للمفرد ~~إذا كان في معنى الجملة شائع كقوله تعالى : { كلا إنها كلمة هو قائلها } ( ~~المؤمنون : 100 ) ، فاستدل على انتفاء أن ms2478 يقوله بأن الله يعلم أنه لم يقله ~~، وذلك لأنه يتحقق أنه لم يقله ، فلذلك أحال على علم الله تعالى . وهذا ~~كقول العرب : يعلم الله أني لم أفعل ، كما قال الحارث بن عباد : # لم أكن من جناتعا علم الله وأني لحرها اليوم صال PageV07P114 # ولذلك قال : { تعلم ما في نفسي } ، فجملة { تعلم ما في نفسي } بيان لجملة ~~الشرط { إن كنت قلته فقد علمته } فلذلك فصلت . # والنفس تطلق على العقل وعلى ما به الإنسان ، إنسان وهي الروح الإنساني ، ~~وتطلق على الذات . والمعنى هنا : تعلم ما أعتقده ، أي تعلم ما أعلمه لأن ~~النفس مقر العلوم في المتعارف . # وقوله : { ولا أعلم ما في نفسك } اعتراض نشأ عن { تعلم ما في نفسي } لقصد ~~الجمع بين الأمرين في الوقت الواحد وفي كل حال . وذلك مبالغة في التنزيه ~~وليس له أثر في التبرىء ، والتنصل ، فلذلك تكون الواو اعتراضية . # وإضافة النفس إلى اسم الجلالة هنا بمعنى العلم الذي لم يطلع عليه غيره ، ~~أي ولا أعلم ما تعلمه ، أي مما انفردت بعمله . وقد حسنه هنا المشاكلة كما ~~أشار إليه في ( الكشاف ) . # وفي جواز إطلاق النفس على ذات الله تعالى بدون مشاكلة خلاف ؛ فمن العلماء ~~من منع ذلك وإليه ذهب السعد والسيد وعبد الحكيم في شروح ( المفتاح ) و ( ~~التخليص ) . وهؤلاء يجعلون ما ورد من ذلك في الكتاب نحو { ويحذركم الله ~~نفسه } ( آل عمران : 28 ) من قبيل المتشابه . ومن العلماء من جوز ذلك مثل ~~إمام الحرمين كما نقله ابن عرفة في ( التفسير ) عند قوله تعالى : { كتب ~~ربكم على نفسه الرحمة في سورة الأنعام ( 54 ) ، ويشهد له تكرر استعماله في ~~القرآن وكلام النبي كما في الحديث القدسي فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ~~} . # وقوله : { إنك أنت علام الغيوب } علة لقوله : { تعلم ما في نفسي } ولذلك ~~جيء ب ( إن ) المفيدة التعليل . وقد جمع فيه أربع مؤكدات وطريقة حصر ، ~~فضمير الفصل أفاد الحصر ، وإن وصيغة الحصر ، وجمع الغيوب ، وأداة الاستغراب ~~. # وبعد أن تبرأ من أن يكون أمر أمته بما اختلقوه انتقل فبين أنه أمرهم ms2479 بعكس ~~ذلك حسبما أمره الله تعالى فقال { ما قلت لهم إلا ما أمرتني به } ، فقوله : ~~{ ما قلت لهم } ارتقاء في الجواب ، فهو استئناف بمنزلة الجواب الأول وهو { ~~ما يكون لي أن أقول } الخ . . . صرح هنا بما قاله لأن الاستفهام عن مقاله . ~~والمعنى : ما تجاوزت PageV07P115 فيما قلت حد التبليغ لما أمرتني به ، ~~فالموصول وصلته هومقول { ما قلت لهم } وهو مفرد دال على جمل ، فلذلك صح ~~وقوعه منصوبا بفعل القول . # و { أن } مفسرة { أمرتني } لأن الأمر فيه معنى القول دون حروفه وجملة { ~~اعبدوا الله ربي وربكم } تفسيرية ل { أمرتني } . واختير { أمرتني } على ( ~~قلت لي ) مبالغة في الأدب . ولما كان { أمرتني } متضمنا معنى القول كانت ~~جملة { اعبدوا الله ربي وربكم } هي المأمور بأن يبلغه لهم فالله قال له : ~~قل لهم اعبدوا الله ربي وربكم . فعلى هذا يكون { ربي وربكم } من مقول الله ~~تعالى لأنه أمره بأن يقول هذه العبارة ولكن لما عبر عن ذلك بفعل { أمرتني ~~به } صح تفسيره بحرف { أن } التفسيرية فالذي قاله عيسى هو عين اللفظ الذي ~~أمره الله بأن يقوله . فلا حاجة إلى ما تكلف به في ( الكشاف ) على أن صاحب ~~( الانتصاف ) جوز وجها آخر وهو أن يكون التفسير جرى على حكاية القول ~~المأمور به بالمعنى ، فيكون الله تعالى قال له : قل لهم أن يعبدوا ربك ~~وربهم . فلما حكاه عيسى قال : اعبدوا الله ربي وربكم اه . وهذا التوجيه هو ~~الشائع بين أهل العلم حتى جعلوا الآية مثالا لحكاية القول بالمعنى . # وأقول : هو استعمال فصيح قال ابن عطية في تفسير قوله تعالى : { مكناهم في ~~الأرض ما لم نمكن لكم في سورة الأنعام ( 6 ) إذا أخبرت أنك قلت لغائب أو ~~قيل له أو أمرت أن يقال له : فلك في فصيح كلام العرب أن تحكي الألفاظ ~~المقولة بعينها ، فتجيء بلفظ المخاطبة ، ولك أن تأتي بالمعنى في الألفاظ ~~بذكر غائب دون مخاطبة اه . وعندي أنه ضعيف في هذه الآية . # ثم تبرأ من تبعتهم فقال وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم } أي كنت مشاهدا ~~لهم ms2480 ورقيبا يمنعهم من أن يقولوا مثل هذه المقالة الشنعاء . # و { ما دمت } ( ما ) فيه ظرفية مصدرية ، و ( دام ) تامة لا تطلب منصوبا ، ~~و { فيهم } متعلق ب { دمت } ، أي بينهم ، وليس خبرا ل ( دام ) على الأظهر ، ~~لأن ( دام ) التي تطلب خبرا هي التي يراد منها الاستمرار على فعل معين هو ~~مضمون خبرها ، أما هي هنا فهي بمعنى البقاء ، أي ما بقيت فيهم ، أي ما بقيت ~~في الدنيا . PageV07P116 # ولذلك فرع عنه قوله : { فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم } ، أي فلما ~~قضيت بوفاتي ، لأن مباشر الوفاة هو ملك الموت . والوفاة الموت ، وتوفاه ~~الله أماته ، أي قضى به وتوفاه ملك الموت قبض روحه وأماته . # وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى { إني متوفيك في سورة آل عمران ( 55 ) . ~~والمعنى : أنك لما توفيتني قد صارت الوفاة حائلا بيني وبينهم فلم يكن لي أن ~~أنكر عليهم ضلالهم ، ولذلك قال كنت أنت الرقيب عليهم } ، فجاء بتضير الفصل ~~الدال على القصر ، أي كنت أنت الرقيب لا أنا إذ لم يبق بيني وبين الدنيا ~~اتصال . والمعنى أنك تعلم أمرهم وترسل إليهم من يهديهم متى شئت . وقد أرسل ~~إليهم محمدا صلى الله عليه وسلم وهداهم بكل وجوه الاهتداء . وأقصى وجوه ~~الاهتداء إبلاغهم ما سيكون في شأنهم يوم القيامة . # وقوله : { وأنت على كل شيء شهيد } تذييل ، والواو اعتراضية إذ ليس معطوفا ~~على ما تقدم لئلا يكون في حكم جواب { لما } . # وقوله : { إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم } ~~فوض أمرهم إلى الله فهو أعلم بما يجازيهم به لأن المقام مقام إمساك عن ~~إبداء رغبة لشدة هول ذلك اليوم ، وغاية ما عرض به عيسى أنه جوز المغفرة لهم ~~رحمة منه بهم . # وقوله : { فإنك أنت العزيز الحكيم } ذكر العزيز كناية عن كونه يغفر عن ~~مقدرة ، وذكر الحكيم لمناسبته للتفويض ، أي المحكم للأمور العالم بما يليق ~~بهم . # # | 2 ( 119 ) { قال الله هاذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجرى من ~~تحتها الانهار خالدين فيهآ أبدا رضى الله عنهم ورضوا عنه ذالك ms2481 الفوز العظيم ~~} . ) 2 # جواب عن قول عيسى ، فلذلك فصلت الجملة على طريقة الحوار . PageV07P117 ~~والإشارة إلى يوم القيامة وهو حاضر حين تجري هذه المقاولة . # وجملة : { ينفع الصادقين صدقهم } مضاف إليها { يوم } ، أي هذا يوم نفع ~~الصدق . وقد قرأ غير نافع من العشرة { يوم } مضموما ضمة رفع لأنه خبر { هذا ~~} . وقرأه نافع مفتوحا على أنه مبني على الفتح لإضافته إلى الجملة الفعلية ~~. وإضافة اسم الزمان إلى الجملة الفعلية تسوغ بناءه على الفتح ، فإن كانت ~~ماضوية فالبناء أكثر ، كقول النابغة : # على حين عاتبت المشيب على الصبا # وإن كانت مضارعية فالبناء والإعراب جائزان كما في هذه الآية ، وهو ~~التحقيق . وإضافة الظرف إلى الجملة تقتضي أن مضمونها يحصل فيه ، فنفع الصدق ~~أصحابه حاصل يومئذ . وعموم الصادقين يشمل الصدق الصادر في ذلك اليوم ~~والصادر في الدنيا ، فنفع كليهما يظهر يومئذ ؛ فأما نفع الصادر في الدنيا ~~فهو حصول ثوابه ، وأما نفع الصادر في الآخرة كصدق المسيح فيما قاله فهو ~~برضى الله عن الصادق أو تجنب غضبه على الذي يكذبه فلا حيرة في معنى الآية . # والمراد ب { الصادقين } الذين كان الصدق شعارهم لم يعدلوا عنه . ومن أول ~~مراتب الصدق صدق الإعتقاد بأن لا يعتقدوا ما هو مخالف لما في نفس الأمر مما ~~قام عليه الدليل العقلي أو الشرعي . قال الله تعالى : { يأيها الذين آمنوا ~~اتقوا الله وكونوا مع الصادقين } ( 119 ) . # ومعنى نفع الصدق صاحبه في ذلك اليوم أن ذلك اليوم يوم الحق فالصادق ينتفع ~~فيه بصدقه ، لأن الصدق حسن فلا يكون له في الحق إلا الأثر الحسن ، بخلاف ~~الحال في عالم الدنيا عالم حصول الحق والباطل فإن الحق قد يجر ضرا لصاحبه ~~بتحريف الناس للحقائق ، أو بمؤاخذته على ما أخبر به بحيث لو لم يخبر به لما ~~اطلع عليه أحد . وأما ما يترتب عليه من الثواب في الآخرة فذلك من النفع ~~الحاصل في يوم القيامة . وقد ابتلي كعب بن مالك رضي الله عنه في الصدق ثم ~~رأى حسن مغبته في الدنيا . PageV07P118 # ومعنى نفع الصدق أنه إن كان الخبر ms2482 عن أمر حسن ارتكبه المخبر فالصدق حسن ~~والمخبر عنه حسن فيكون نفعا محضا وعليه جزاءان ، كما في قول عيسى : { ~~سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق } ( المائدة : 116 ) إلى آخره ، ~~وإن كان الخبر عن أمر قبيح فإن الصدق لا يزيد المخبر عنه قبحا لأنه قد حصل ~~قبيحا سواء أخبر عنه أم لم يخبر ، وكان لقبحه مستحقا أثرا قبيحا مثله . ~~وينفع الصدق صاحبه مرتكب ذلك القبيح فيناله جزاء الصدق فيخف عنه بعض العقاب ~~بما ازداد من وسائل الإحسان إليه . # وجملة : { لهم جنات } مبينة لجملة : { ينفع } باعتبار أنها أكمل أحوال ~~نفع الصدق . وجملة { تجري من تحتها الأنهار } صفة ل { جنات } و { خالدين } ~~حال . وكذلك جملة { رضي الله عنهم ورضوا عنه } . # ومعنى : { رضوا عنه } المسرة الكاملة بما جازاهم به من الجنة ورضوانه . ~~وأصل الرضا أنه ضد الغضب ، فهو المحبة وأثرها من الإكرام والإحسان . فرضي ~~الله مستعمل في إكرامه وإحسانه مثل محبته في قوله : { يحبهم } . ورضي الخلق ~~عن الله هو محبته وحصول ما أملوه منه بحيث لا يبقى في نفوسهم متطلع . # واسم الإشارة في قوله { ذلك } لتعظيم المشار إليه ، وهو الجنات والرضوان ~~. # # | 2 ( 120 ) { لله ملك السماوات والارض وما فيهن وهو على كل شىء قدير } ) ~~2 # تذييل مؤذن بانتهاء الكلام ، لأن هذه الجملة جمعت عبودية كل الموجودات ~~لله تعالى ، فناسبت ما تقدم من الرد على النصارى ، وتضمنت أن جميعها في ~~تصرفه تعالى فناسبت ما تقدم من جزاء الصادقين . وفيها معنى التفويض لله ~~تعالى في كل ما ينزل ، فآذنت بانتهاء نزول القرآن على القول بأن سورة ~~المائدة آخر ما نزل ، وباقتراب وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم لما في ~~الآية من معنى التسليم لله وأنه الفعال لما يريد . PageV07P119 وتقديم ~~المجرور باللام مفيد للقصر أي له لا لغيره . # وجيء بالموصول ( ما ) في قوله { وما فيهن } دون ( من ) لأن ( ما ) هي ~~الأصل في الموصول المبهم فلم يعتبر تغليب العقلاء ، وتقديم المجرور ب { على ~~} في قوله : { على كل شيء قدير } للرعاية على الفاصلة المبنية ms2483 على حرفين ~~بينهما حرف مد . { وما فيهن } عطف على { ملك } أي لله ما في السماوات ~~والأرض ، كما في سورة البقرة ( 284 ) { لله ما في السماوات وما في الأرض ~~فيفيد قصرها على كونها لله لا لغيره . وليس معطوفا على السماوات والأرض إذ ~~لا يحسن أن يقال : لله ملك ما في السماوات والأرض لأن الملك يضاف إلى ~~الأقطار والآفاق والأماكن كما حكى الله تعالى : أليس لي ملك مصر } ( الزخرف ~~: 51 ) ويضاف إلى صاحب الملك كما في قوله : { على ملك سليمان } ( البقرة : ~~102 ) . ويقال : في مدة ملك الأشوريين أو الرومان . # PageV07P120 # | 1 ( سورة الأنعام ) 1 # ليس لهذه السورة إلا هذا الاسم من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم روى ~~الطبراني بسنده إلى عبد الله بن عمر : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~نزلت علي سورة الأنعام جملة واحدة وشيعها سبعون ألفا من الملائكة لهم زجل ~~بالتسبيح والتحميد . وورد عن عمر بن الخطاب ، وابن عباس ، وابن مسعود ، ~~وأنس بن مالك ، وجابر بن عبد الله ، وأسماء بنت يزيد بن السكن ، تسميتها في ~~كلامهم سورة الأنعام . وكذلك ثبتت تسميتها في المصاحف وكتب التفسير والسنة ~~. # وسميت سورة الأنعام لما تكرر فيها من ذكر لفظ الأنعام ست مرات من قوله : ~~{ وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا إلى قوله إذ وصاكم الله بهذا ~~} ( الأنعام : 136 144 ) . # وهي مكية بالاتفاق فعن ابن عباس : أنها نزلت بمكة ليلا جملة واحدة ، كما ~~رواه عنه عطاء ، وعكرمة ، والعوفي ، وهو الموافق لحديث ابن عمر عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم المتقدم آنفا . وروي أن قوله تعالى : { ولا تطرد ~~الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي } ( الأنعام : 52 ) الآية نزل في مدة حياة ~~أبي طالب ، أي قبل سنة عشر من البعثة ، فإذا صح كان ضابطا لسنة نزول هذه ~~السورة . وروى الكلبي عن ابن عباس : أن ست آيات منها نزلت بالمدينة ، ثلاثا ~~من قوله : { وما قدروا لله حق قدره } ( الأنعام : 91 ) إلى منتهى ثلاث آيات ~~، وثلاثا من قوله : { قل تعالوا أتل ما حرم ربكم ms2484 عليكم إلى قوله ذلكم وصاكم ~~به لعلكم تذكرون } ( الأنعام : 151 ، 152 ) . وعن أبي جحيفة أن آية { ولو ~~أننا نزلنا إليهم الملائكة } ( الأنعام : 111 ) مدنية . # وقيل نزلت آية { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي } ( ~~الأنعام : 93 ) الآية بالمدينة ، بناء على ما ذكر من سبب نزولها الآتي . ~~وقيل : نزلت آية { الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه } ( الأنعام : 20 ) الآية ~~، وآية { فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به } ( العنكبوت : 47 ) الآية ، ~~كلتاهما بالمدينة بناء على ما ذكر من أسباب نزولهما كما سيأتي . وقال ابن ~~العربي في ( أحكام القرآن ) عند قوله تعالى : { قل لا أجد فيما أوحي إلي ~~محرما } ( المائدة : 145 ) الآية أنها في قول الأكثر PageV07P121 نزلت يوم ~~نزول قوله تعالى : { اليوم أكملت لكم دينكم } ( المائدة : 3 ) الآية ، أي ~~سنة عشر ، فتكون هذه الآيات مستثناة من مكية السورة ألحقت بها . وقال ابن ~~عطية في تفسير قوله تعالى : { وما قدروا الله حق قدره الآية من هذه السورة ~~( 91 ) . إن النقاش حكى أن سورة الأنعام كلها مدنية . ولكن قال ابن الحصار ~~: لا يصح نقل في شيء نزل من الأنعام في المدينة . وهذا هو الأظهر وهو الذي ~~رواه أبو عبيد ، والبيهقي ، وابن مردويه ، والطبراني ، عن ابن عباس ؛ وأبو ~~الشيخ عن أبي بن كعب . وعن ابن عباس أنها نزلت بمكة جملة واحدة ودعا رسول ~~الله الكتاب فكتبوها من ليلتهم . # وروى سفيان الثوري ، وشريك عن أسماء بنت يزيد الأنصارية : نزلت سورة ~~الأنعام على رسول الله جملة وهو في مسير وأنا آخذة بزمام ناقته إن كادت من ~~ثقلها لتكسر عظام الناقة . ولم يعينوا هذا المسير ولا زمنه غير أن أسماء ~~هذه لا يعرف لها مجيء إلى رسول الله قبل هجرته ولا هي معدودة فيمن بايع في ~~العقبة الثانية حتى يقال : إنها لقيته قبل الهجرة ، وإنما المعدودة أسماء ~~بنت عمرو بن عدي . فحال هذا الحديث غير بين . ولعله التبس فيه قراءة السورة ~~في ذلك السفر بأنها نزلت حينئذ . # قالوا : ولم تنزل من السور الطوال سورة جملة واحدة غيرها . وقد وقع ms2485 مثل ~~ذلك في رواية شريك عن أسماء بنت يزيد كما علمته آنفا ، فلعل حكمة إنزالها ~~جملة واحدة قطع تعلل المشركين في قولهم لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة } ~~( الفرقان : 32 ) . توهما منهم أن تنجيم نزوله يناكد كونه كتابا ، فأنزل ~~الله سورة الأنعام . وهي في مقدار كتاب من كتبهم التي يعرفونها كالإنجيل ~~والزبور ، ليعلموا أن الله قادر على ذلك ، إلا أن حكمة تنجيم النزول أولى ~~بالمراعاة . وأيضا ليحصل الإعجاز بمختلف أساليب الكلام من قصر وطول وتوسط ، ~~فإن طول الكلام قد يقتضيه المقام ، كما قال قيس بن خارجة يفخر بما عنده من ~~الفضائل : ( وخطبة من لدن تطلع الشمس إلى أن تغرب الخ ) . . . # وقال أبو دؤاد بن جرير الأيادي يمدح خطباء إياد : PageV07P122 # يرمون بالخطب الطوال وتارة # وحي الملاحظ خيفة الرقباء # واعلم أن نزول هذه السورة جملة واحدة على الصحيح لا يناكد ما يذكر لبعض ~~آياتها من أسباب نزولها ، لأن أسباب نزول تلك الآيات إن كان لحوادث قبل ~~الهجرة فقد تتجمع أسباب كثيرة في مدة قصيرة قبل نزول هذه السورة ، فيكون ~~نزول تلك الآيات مسببا على تلك الحوادث ، وإن كان بعد الهجرة جاز أن تكون ~~تلك الآيات مدنية ألحقت بسورة الأنعام لمناسبات . على أن أسباب النزول لا ~~يلزم أن تكون مقارنة لنزول آيات أحكامها فقد يقع السبب ويتأخر تشريع حكمه . # وعلى القول الأصح أنها مكية فقد عدت هذه السورة الخامسة والخمسين في عد ~~نزول السور . نزلت بعد سورة الحجر وقبل سورة الصافات . # وعدد آياتها مائة وسبع وستون في العدد المدني والمكي ، ومائة وخمس وستون ~~في العدد الكوفي ، ومائة وأربع وستون في الشامي والبصري . # أغراض هذه السورة # ابتدأت بإشعار الناس بأن حق الحمد ليس إلا لله لأنه مبدع العوالم جواهر ~~وأعراضا فعلم أنه المتفرد بالإلهية . وإبطال تأثير الشركاء من الأصنام ~~والجن بإثبات أنه المتفرد بخلق العالم جواهره وأعراضه ، وخلق الإنسان ونظام ~~حياته وموته بحكمته تعالى وعلمه ، ولا تملك آلهتهم تصرفا ولا علما . وتنزيه ~~الله عن الولد والصاحبة . قال أبو إسحاق الإسفرائيني في سورة الأنعام كل ms2486 ~~قواعد التوحيد . # وموعظة المعرضين عن آيات القرآن والمكذبين بالدين الحق ، وتهديدهم بأن ~~يحل بهم ما حل بالقرون المكذبين من قبلهم والكافرين بنعم الله تعالى ، ~~وأنهم ما يضرون بالإنكار إلا أنفسهم . ووعيدهم بما سيلقون عند نزع أرواحهم ~~، ثم عند البعث . PageV07P123 # وتسفيه المشركين فيما اقترحوه على النبي صلى الله عليه وسلم من طلب إظهار ~~الخوارق تهكما . # وإبطال اعتقادهم أن الله لقنهم على عقيدة الإشراك قصدا منهم لإفحام ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وبيان حقيقة مشيئة الله . وإثبات صدق القرآن بأن ~~أهل الكتاب يعرفون أنه الحق . # والإنحاء على المشركين تكذيبهم بالبعث ، وتحقيق أنه واقع ، وأنهم يشهدون ~~بعده العذاب ، وتتبرأ منهم آلهتهم التي عبدوها ، وسيندمون على ذلك ، كما ~~أنها لا تغني عنهم شيئا في الحياة الدنيا ، فإنهم لا يدعون إلا الله عند ~~النوائب . # وتثبيت النبي صلى الله عليه وسلم وأنه لا يؤاخذ بإعراض قومه ، وأمره ~~بالإعراض عنهم . # وبيان حكمة إرسال الله الرسل ، وأنها الإنذار والتبشير وليست وظيفة الرسل ~~إخبار الناس بما يتطلبون علمه من المغيبات . # وأن تفاضل الناس بالتقوى والانتساب إلى دين الله . وإبطال ما شرعه أهل ~~الشرك من شرائع الضلال . # وبيان أن التقوى الحق ليست مجرد حرمان النفس من الطيبات بل هي حرمان ~~النفس من الشهوات التي تحول بين النفس وبين الكمال والتزكية . # وضرب المثل للنبيء مع قومه بمثل إبراهيم مع أبيه وقومه ؛ وكان الأنبياء ~~والرسل على ذلك المثل من تقدم منهم ومن تأخر . # والمنة على الأمة بما أنزل الله من القرآن هدى لهم كما أنزل الكتاب على ~~موسى ، وبأن جعلها الله خاتمة الأمم الصالحة . # وبيان فضيلة القرآن ودين الإسلام وما منح الله لأهله من مضاعفة الحسنات . # وتخللت ذلك قوارع للمشركين ، وتنويه بالمؤمنين ، وامتنان بنعم اشتملت ~~عليها مخلوقات الله ، وذكر مفاتح الغيب . PageV07P124 # قال فخر الدين : قال الأصوليون ( أي علماء أصول الدين ) : السبب في ~~إنزالها دفعة واحدة أنها مشتملة على دلائل التوحيد والعدل والنبوءة والمعاد ~~وإبطال مذاهب المعطلين والملحدين فإنزال ما يدل على الأحكام قد تكون ~~المصلحة أن ينزله الله على قدر حاجاتهم وبحسب ms2487 الحوادث ، وأما ما يدل على ~~علم الأصول فقد أنزله الله جملة واحدة . # وهي أجمع سور القرآن لأحوال العرب في الجاهلية ، وأشدها مقارعة جدال لهم ~~واحتجاج على سفاهة أحوالهم من قوله : { وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث ~~والأنعام نصيبا } ( الأنعام : 136 ) ، وفيما حرموه على أنفسهم مما رزقهم ~~الله . # وفي ( صحيح البخاري ) أن ابن عباس قال : إذا سرك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ~~ما فوق الثلاثين ومائة من سورة الأنعام ( 140 ) { قد خسر الذين قتلوا ~~أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله قد ضلوا وما ~~كانوا مهتدين . # ووردت في فضل سورة الأنعام وفضل آيات منها روايات كثيرة عن النبي عن ابن ~~مسعود ، وابن عمر ، وجابر بن عبد الله ، وأنس بن مالك ، وابن عباس ، وأسماء ~~بنت يزيد . # # | 2 ( 1 ) الحمد لله الذى خلق السماوات والارض وجعل الظلمات والنور ثم ~~الذين كفروا بربهم يعدلون } . ) 2 # { الحمد لله الذى خلق السماوات والارض وجعل الظلمات والنور ثم الذين ~~كفروا بربهم يعدلون } . # جملة { الحمد لله } تفيد استحقاق الله تعالى الحمد وحده دون غيره لأنها ~~تدل على الحصر . واللام لتعريف الجنس ، فدلت على انحصار استحقاق هذا الجنس ~~لله تعالى . وقد تقدم بيان ذلك مستوفى في أول سورة الفاتحة . # ثم إن جملة { الحمد لله } هنا خبر لفظا ومعنى إذ ليس هنا ما يصرف إلى قصد ~~إنشاء الحمد بخلاف ما في سورة الفاتحة لأنه عقب بقوله : { إياك نعبد } ( ~~الفاتحة : 5 ) إلى آخر السورة ، فمن جوز في هذه أن تكون إنشاء معنى لم يجد ~~التأمل . PageV07P125 # فالمعنى هنا أن الحمد كله لا يستحقه إلا الله ، وهذا قصر إضافي للرد على ~~المشركين الذين حمدوا الأصنام على ما تخيلوه من إسدائها إليهم نعما ونصرا ~~وتفريج كربات ، فقد قال أبو سفيان حين انتصر هو وفريقه يوم أحد : أعل هبل ~~لنا العزى ولا عزى لكم . ويجوز أن يكون قصرا حقيقيا على معنى الكمال وأن ~~حمد غيره تعالى من المنعمين تسامح لأنه في الحقيقة واسطة صورية لجريان نعمة ~~الله على يديه ، والمقصود هو ms2488 هو ، وهو الرد على المشركين ، لأن الأصنام لا ~~تستحق الحمد الصوري بله الحقيقي كما قال إبراهيم عليه السلام ( لم نعبد ما ~~لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا ) . ولذلك عقبت جملة الحمد على عظيم ~~خلق الله تعالى بجملة { ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } . # والموصول ، في محل الصفة لاسم الجلالة ، أفاد مع صلته التذكير بعظيم صفة ~~الخلق الذي عم السماوات والأرض وما فيهن من الجواهر والأعراض . وذلك أوجز ~~لفظ في استحضار عظمة قدرة الله تعالى . وليس في التعريف بالموصولية هنا ~~إيذان بتعليل الجملة التي ذكرت قبله ، إذ ليست الجملة إنشائية كما علمت . ~~والجملة الخبرية لا تعلل ، لأن الخبر حكاية ما في الواقع فلا حاجة لتعليله ~~. فالمقصود من الأوصاف التمهيد لقوله بعد { ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } ~~. # وجمع : { السماوات } لأنها عوالم كثيرة ، إذ كل كوكب منها عالم مستقل عن ~~غيره ، ومنها الكواكب السبعة المشهورة المعبر عنها في القرآن بالسماوات ~~السبع فيما نرى . وأفرد الأرض لأنها عالم واحد ، ولذلك لم يجيء لفظ الأرض ~~في القرآن جمعا . # وقوله : { وجعل الظلمات والنور } أشار في ( الكشاف ) أن ( جعل ) إذا تعدى ~~إلى مفعول واحد فهو بمعنى أحدث وأنشأ فيقارب مرادفة معنى ( خلق ) . والفرق ~~بينه وبين ( خلق ) ؛ فإن في الخلق ملاحظة معنى التقدير ، وفي الجعل ملاحظة ~~معنى الانتساب ، يعني كون المجعول مخلوقا لأجل غيره أو منتسبا إلى غيره ، ~~فيعرف المنتسب إليه بمعونة المقام . فالظلمات والنور لما كانا عرضين كان ~~خلقهما تكوينا لتكيف موجودات السماوات والأرض بهما . ويعرف ذلك بذكر { ~~الظلمات والنور } عقب ذكر { السماوات والأرض } ، وباختيار لفظ الخلق ~~للسماوات والأرض ، ولفظ الجعل للظلمات PageV07P126 والنور ، ومنه قوله ~~تعالى : { هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها } ( الأعراف : 189 ) ~~فإن الزوج وهو الأنثى مراعى في إيجاده أن يكون تكملة لخلق الذكر ، ولذلك ~~عقبه بقوله : { ليسكن إليها } ( الأعراف : 189 ) والخلق أعم في الإطلاق ~~ولذلك قال تعالى في آية أخرى { يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس ~~واحدة وخلق منها زوجها } ( النساء : 1 ) لأن كل تكوين لا يخلو من ms2489 تقدير ~~ونظام . # وخص بالذكر من الجواهر والأعراض عرضين عظيمين ، وهما : الظلمات والنور ~~فقال { وجعل الظلمات والنور } لاستواء جميع الناس في إدراكهما والشعور بهما ~~. وبذكر هذه الأمور الأربعة حصلت الإشارة إلى جنسي المخلوقات من جواهر ~~وأعراض . فالتفرقة بين فعل ( خلق ) وفعل ( جعل ) هنا معدود من فصاحة ~~الكلمات . وإن لكل كلمة مع صاحبتها مقاما ، وهو ما يسمى في عرف الأدباء ~~برشاقة الكلمة ففعل ( خلق ) أليق بإيجاد الذوات ، وفعل ( جعل ) أليق بإيجاد ~~أعراض الذوات وأحوالها ونظامها . # والاقتصار في ذكر المخلوقات على هذه الأربعة تعريض بإبطال عقائد كفار ~~العرب فإنهم بين مشركين وصابئة ومجوس ونصارى ، وكلهم قد أثبتوا آلهة غير ~~الله ؛ فالمشركون أثبتوا آلهة من الأرض ، والصابئة أثبتوا آلهة من الكواكب ~~السماوية ، والنصارى أثبتوا إلهية عيسى أو عيسى ومريم وهما من الموجودات ~~الأرضية ، والمجوس وهم المانوية ألهوا النور والظلمة ، فالنور إله الخير ~~والظلمة إله الشر عندهم . فأخبرهم الله تعالى أنه خالق السماوات والأرض ، ~~أي بما فيهم ، وخالق الظلمات والنور . # ثم إن في إيثار الظلمات والنور بالذكر دون غيرهما من الأعراض إيماء ~~وتعريضا بحالي المخاطبين بالآية من كفر فريق وإيمان فريق ، فإن الكفر يشبه ~~الظلمة لأنه انغماس في جهالة وحيرة ، والإيمان يشبه النور لأنه استبانة ~~الهدى والحق . قال تعالى : { يخرجهم من الظلمات إلى النور } ( البقرة : 257 ~~) . وقدم ذكرالظلمات مراعاة للترتب في الوجود لأن الظلمة سابقة النور ، فإن ~~النور حصل بعد خلق الذوات المضيئة ، وكانت الظلمة عامة . وإنما جمع { ~~الظلمات } وأفرد { النور } اتباعا للاستعمال ، لأن لفظ ( الظلمات ) بالجمع ~~أخف ، ولفظ ( النور ) بالإفراد أخف ، ولذلك لم يرد لفظ ( الظلمات ) في ~~القرآن إلا جمعا PageV07P127 ولم يرد لفظ ( النور ) إلا مفردا . وهما معا ~~دالان على الجنس ، والتعريف الجنسي يستوي فيه المفرد والجمع فلم يبق ~~للاختلاف سبب لاتباع الاستعمال ، خلافا لما في ( الكشاف ) . # { ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } . # عطفت جملة { ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } على جملة : { الحمد لله الذي ~~خلق السماوات } . ف { ثم } للتراخي الرتبي الدال على أن ما بعدها يتضمن ~~معنى من نوع ما قبله ، وهو أهم في ms2490 بابه . وذلك شأن ( ثم ) إذا وردت عاطفة ~~جملة على أخرى ، فإن عدول المشركين عن عبادة الله مع علمهم بأنه خالق ~~الأشياء أمر غريب فيهم أعجب من علمهم بذلك . # والحجة ناهضة على الذين كفروا لأن جميعهم عدا المانوية يعترفون بأن الله ~~هو الخالق والمدبر للكون ، ولذلك قال الله تعالى : { أفمن يخلق كمن لا يخلق ~~أفلا تذكرون } ( النحل : 17 ) . # والخبر مستعمل في التعجيب على وجه الكناية بقرينة موقع { ثم } ودلالة ~~المضارع على التجدد ، فالتعجيب من شأن المشركين ظاهر وأما المانوية ~~فالتعجيب من شأنهم في أنهم لم يهتدوا إلى الخالق وعبدوا بعض مخلوقاته . ~~فالمراد ب { الذين كفروا } كل من كفر بإثبات إله غير الله تعالى سواء في ~~ذلك من جعل له شريكا مثل مشركي العرب والصابئة ومن خص غير الله بالإلهية ~~كالمانوية . وهذا المراد دلت عليه القرينة وإن كان غالب عرف القرآن إطلاق ~~الذين كفروا على المشركين . # ومعنى { يعدلون } يسوون . والعدل : التسوية . تقول : عدلت فلانا بفلان ، ~~إذا سويته به ، كما تقدم في قوله : { أو عدل ذلك صياما } ( المائدة : 95 ) ~~، فقوله { بربهم } متعلق ب { يعدلون } ولا يصح تعليقه ب { الذين كفروا } ~~لعدم الحاجة إلى ذلك . وحذف مفعول { يعدلون } ، أي يعدلون بربهم غيره وقد ~~علم كل فريق ماذا عدل بالله . والمراد يعدلونه بالله في الإلهية ، وإن كان ~~بعضهم يعترف بأن الله أعظم كما كان PageV07P128 مشركو العرب يقولون : لبيك ~~لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك . وكما قالت الصابئة في الأرواح ~~، والنصارى في الابن والروح القدس . # ومعنى العجيب عام في أحوال الذين ادعوا الإلهية لغير الله تعالى سواء ~~فيهم من كان أهلا للاستدلال والنظر في خلق السماوات والأرض ومن لم يكن أهلا ~~لذلك ، لأن محل التعجيب أنه يخلقهم ويخلق معبوداتهم فلا يهتدون إليه بل ~~ويختلقون إلهية غيره . ومعلوم أن التعجيب من شأنهم متفاوت على حسب تفاوت ~~كفرهم وضلالهم . # $ 2 ( 2 ) { هو الذى خلقكم من طين ثم قضى & # 1764 أجلا وأجل مسمى عنده ثم أنتم تمترون } . ) 2 $ # استئناف لغرض آخر للتعجيب من حال المشركين ms2491 إذ أنكروا البعث ، فإنه ذكرهم ~~ابتداء بخلق السماوات والأرض ، وعجب من حالهم في تسويتهم ما لم يخلق ~~السماوات ولا الأرض بالله تعالى في الإلهية . ثم ذكرهم بخلقهم الأول ، وعجب ~~من حالهم كيف جمعوا بين الاعتراف بأن الله هو خالقهم الخلق الأول فكيف ~~يمترون في الخلق الثاني . # وأتي بضمير ( هو ) في قوله { هو الذي خلقكم } ليحصل تعريف المسند والمسند ~~إليه معا ، فتفيد الجملة القصر في ركني الإسناد وفي متعلقها ، أي هو خالقكم ~~لا غيره ، من طين لا من غيره ، وهو الذي قضى أجلا وعنده أجل مسمى فينسحب ~~حكم القصر على المعطوف على المقصور . والحال الذي اقتضى القصر هو حال ~~إنكارهم البعث لأنهم لما أنكروه وهو الخلق الثاني نزلوا منزلة من أنكر ~~الخلق الأول إذ لا فرق بين الخلقين بل الإعادة في متعارف الصانعين أيسر كما ~~قال تعالى : { وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه } ( الروم : 27 ~~) وقال { أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد } ( ق : 15 ) . ~~والقصر أفاد نفي جميع هذه التكوينات عن غير الله من أصنامهم ، فهو كقوله : ~~{ الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ~~ذلكم من شيء } ( الروم : 40 ) . # والخطاب في قوله { خلقكم } موجه إلى الذين كفروا ، ففيه التفات من الغيبة ~~إلى الخطاب لقصد التوبيخ . PageV07P129 # وذكر مادة ما منه الخلق بقوله : { من طين } لإظهار فساد استدلالهم على ~~إنكار الخلق الثاني ، لأنهم استبعدوا أن يعاد خلق الإنسان بعد أن صار ترابا ~~. وتكررت حكاية ذلك عنهم في القرآن ، فقد اعترفوا بأنهم يصيرون ترابا بعد ~~الموت ، وهم يعترفون بأنهم خلقوا من تراب ، لأن ذلك مقرر بين الناس في سائر ~~العصور ، فاستدلوا على إنكار البعث بما هو جدير بأن يكون استدلالا على ~~إمكان البعث ، لأن مصيرهم إلى تراب يقرب إعادة خلقهم ، إذ صاروا إلى مادة ~~الخلق الأول ، فلذلك قال الله هنا { هو الذي خلقكم من طين } وقال في آيات ~~الاعتبار بعجيب تكوينه { إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج } ( الإنسان : 2 ms2492 ~~) ، وأمثال ذلك . # وهذا القدح في استدلالهم يسمى في اصطلاح علم الجدل القول بالموجب ، ~~والمنبه عليه من خطأ استدلالهم يسمى فساد الوضع . # ومعنى { خلقكم من طين } أنه خلق أصل الناس وهو البشر الأول من طين ، فكان ~~كل البشر راجعا إلى الخلق من الطين ، فلذلك قال { خلقكم من طين } . وقال في ~~موضع آخر { إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج } ( الإنسان : 2 ) أي الإنسان ~~المتناسل من أصل البشر . # و { ثم } للترتيب والمهلة عاطفة فعل { قضى } على فعل { خلق } فهو عطف فعل ~~على فعل وليس عطف جملة على جملة . والمهلة هنا باعتبار التوزيع ، أي خلق كل ~~فرد من البشر ثم قضى له أجله ، أي استوفاه له ، ف { قضى } هنا ليس بمعنى ( ~~قدر ) لأن تقدير الأجل مقارن للخلق أو سابق له وليس متأخرا عنه ولكن { قضى ~~} هنا بمعنى ( أوفى ) أجل كل مخلوق كقوله : { فلما قضينا عليه الموت } ( ~~سبأ : 14 ) ، أي أمتناه . ولك أن تجعل ( ثم ) للتراخي الرتبي . # وإنما اختير هنا ما يدل على تنهية أجل كل مخلوق من طين دون أن يقال : إلى ~~أجل ، لأن دلالة تنهية الأجل على إمكان الخلق الثاني ، وهو البعث ، أوضح من ~~دلالة تقدير الأجل ، لأن التقدير خفي والذي يعرفه الناس هو انتهاء أجل ~~الحياة ، ولأن انتهاء أجل الحياة مقدمة للحياة الثانية . # وجملة { وأجل مسمى عنده } معترضة بين جملة { ثم قضى أجلا } . وجملة { ثم ~~أنتم تمترون } . وفائدة هذا الاعتراض إعلام الخلق بأن الله عالم آجال الناس ~~ردا على PageV07P130 قول المشركين { ما يهلكنا إلا الدهر } ( الجاثية : 24 ~~) . # وقد خولفت كثرة الاستعمال في تقديم الخبر الظرف على كل مبتدأ نكرة موصوفة ~~، نحو قوله تعالى : { ولي نعجة واحدة } ( ص : 23 ) ، حتى قال صاحب ( الكشاف ~~) : إنه الكلام السائر ، فلم يقدم الظرف في هذه الآية لإظهار الاهتمام ~~بالمسند إليه حيث خولف الاستعمال الغالب من تأخيره فصار بهذا التقديم ~~تنكيره مفيدا لمعنى التعظيم ، أي وأجل عظيم مسمى عنده . # ومعنى : { مسمى } معين ، لأن أصل السمة العلامة التي يتعين بها المعلم . ~~والتعيين هنا تعيين الحد والوقت . # والعندية في قوله ms2493 : { عنده } عندية العلم ، أي معلوم له دون غيره . ~~فالمراد بقوله : { وأجل مسمى } أجل بعث الناس إلى الحشر ، فإن إعادة النكرة ~~بعد نكرة يفيد أن الثانية غير الأولى ، فصار : المعنى ثم قضى لكم أجلين : ~~أجلا تعرفون مدته بموت صاحبه ، وأجلا معين المدة في علم الله . # فالمراد بالأجل الأول عمر كل إنسان ، فإنه يعلمه الناس عند موت صاحبه ، ~~فيقولون : عاش كذا وكذا سنة ، وهو وإن كان علمه لا يتحقق إلا عند انتهائه ~~فما هو إلا علم حاصل لكثير من الناس بالمقايسة . والأجل المعلوم وإن كان قد ~~انتهى فإنه في الأصل أجل ممتد . # والمراد بالأجل الثاني ما بين موت كل أحد وبين يوم البعث الذي يبعث فيه ~~جميع الناس ، فإنه لا يعلمه في الدنيا أحد ولا يعلمونه يوم القيامة ، قال ~~تعالى : { ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم } ~~( يونس : 45 ) ، وقال : { ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ~~ساعة } ( الروم : 55 ) . # وقوله : { ثم أنتم تمترون } عطفت على جملة : { هو الذي خلقكم من طين } ، ~~فحرف { ثم } للتراخي الرتبي كغالب وقوعها في عطف الجمل لانتقال من خبر إلى ~~أعجب منه ، كما تقدم في قوله تعالى : { ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } ( ~~الأنعام : 1 ) ، أي فالتعجيب حقيق ممن يمترون في أمر البعث مع علمهم بالخلق ~~الأول وبالموت . والمخاطب بقوله : { أنتم تمترون } هم المشركون . وجيء ~~بالمسند إليه ضميرا بارزا للتوبيخ . PageV07P131 # والامتراء : الشك والتردد في الأمر ، وهو بوزن الافتعال ، مشتق من المرية ~~بكسر الميم اسم للشك ، ولم يرد فعله إلا بزيادة التاء ، ولم يسمع له فعل ~~مجرد . # وحذف متعلق { تمترون } لظهوره من المقام ، أي تمترون في إمكان البعث ~~وإعادة الخلق . والذي دل على أن هذا هو المماري فيه قوله : { خلقكم من طين ~~ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده } إذ لولا قصد التذكير بدليل إمكان البعث لما ~~كان لذكر الخلق من الطين وذكر الأجل الأول والأجل الثاني مرجح للتخصيص ~~بالذكر . # # | 2 ( 3 ) { وهو الله فى السماوات وفى الارض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما ~~تكسبون } . ) 2 ms2494 # عطف على قوله { هو الذي خلقكم من طين } ( الأنعام : 2 ) أي ، خلقكم ولم ~~يهمل مراقبتكم ، فهو يعلم أحوالكم كلها . # فالضمير مبتدأ عائد إلى اسم الجلالة من قوله { الحمد لله } وليس ضمير فصل ~~إذ لا يقع ضمير الفصل بعد حرف العطف . وقوله : { الله } خبر عن المبتدأ . ~~وإذ كان المبتدأ ضميرا عائدا إلى اسم الله لم يكن المقصود الإخبار بأن هذا ~~الذي خلق وقضى هو الله إذ قد علم ذلك من معاد الضمائر ، فتعين أن يكون ~~المقصود من الإخبار عنه بأنه الله معنى يفيده المقام ، وذلك هو أن يكون ~~كالنتيجة للأخبار الماضية ابتداء من قوله : { الحمد لله الذي خلق } ( ~~الأنعام : 1 ) فنبه على فساد اعتقاد الذين أثبتوا الإلهية لغير الله وحمدوا ~~آلهتهم بأنه خالق الأكوان وخالق الإنسان ومعيده ، ثم أعلن أنه المنفرد ~~بالإلهية في السماوات وفي الأرض ؛ إذ لا خالق غيره كما تقرر آنفا ، وإذ هو ~~عالم السر والجهر ، وغيره لا إحساس له فضلا عن العقل فضلا عن أن يكون عالما ~~. ولما كان اسم الجلالة معروفا عندهم لا يلتبس بغيره صار قوله : { وهو الله ~~} في معنى الموصوف بهذه الصفات هو صاحب هذا الاسم لا غيره . # وقوله : { في السموات وفي الأرض } متعلق بالكون المستفاد من جملة القصر ، ~~أو بما PageV07P132 في { الحمد لله } ( الأنعام : 1 ) من معنى الإنفراد ~~بالإلهية ، كما يقول من يذكر جوادا ثم يقول : هو حاتم في العرب ، وهذا لقصد ~~التنصيص على أنه لا يشاركه أحد في صفاته في الكائنات كلها . # وقوله : { يعلم سركم وجهركم } جملة مقررة لمعنى جملة { وهو الله } ولذلك ~~فصلت ، لأنها تتنزل منا منزلة التوكي لأن انفراده بالإلاهية في السماوات ~~وفي الأرض مما يقتضي علمه بأحوال بعض الموجودات الأرضية . # ولا يجوز تعليق { في السماوات وفي الأرض } بالفعل في قوله : { يعلم سركم ~~} لأن سر الناس وجهرهم وكسبهم حاصل في الأرض خاصة دون السماوات ، فمن قدر ~~ذلك فقد أخطأ خطأ خفيا . # وذكر السر لأن علم السر دليل عموم العلم ، وذكر الجهر لاستيعاب نوعي ~~الأقوال . والمراد ب { تكسبون } جميع الاعتقادات والأعمال من ms2495 خير وشر فهو ~~تعريض بالوعد والوعيد . # والخطاب لجميع السامعين ؛ فدخل فيه الكافرون ، وهم المقصود الأول من هذا ~~الخطاب ، لأنه تعليم وإيقاظ بالنسبة إليهم وتذكير بالنسبة إلى المؤمنين . # # | 2 ( 4 ) { وما تأتيهم من ءاية من ءايات ربهم إلا كانوا عنها معرضين } . ~~) 2 # هذا انتقال إلى كفران المشركين في تكذيبهم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ~~بعد أن أقيمت عليهم الحجة ببطلان كفرهم في أمر الشرك بالله في الإلاهية ، ~~وقد عطف لأن الأمرين من أحوال كفرهم ولأن الذي حملهم على تكذيب الرسول صلى ~~الله عليه وسلم هو دعوته إياهم إلى التوحيد ، فمن أجله نشأ النزاع بينهم ~~وبينه فكذبوه وسألوه الآيات على صدقه . # وضمائر جمع الغائبين مراد منها المشركون الذين هم بعض من شملته ضمائر ~~الخطاب في الآية التي قبلها ، ففي العدول عن الخطاب إلى الغيبة بالنسبة ~~إليهم إلتفات أوجبه تشهيرهم بهذا الحال الذميم ، تنصيصا على ذلك ، وإعراضا ~~عن خطابهم ، PageV07P133 وتمحيضا للخطاب للمؤمنين ، وهو من أحسن الالتفات ، ~~لأن الالتفات يحسنه أن يكون له مقتض زائد على نقل الكلام من أسلوب إلى ~~أسلوب المراد منه تجديد نشاط السامع . وتكون الواو استئنافية وما بعدها ~~كلاما مستأنفا ابتدائيا . # واستعمل المضارع في قوله : { تأتيهم } للدلالة على التجدد وإن كان هذا ~~الإتيان ماضيا أيضا بقرينة المضي في قوله : { إلا كانوا } . # والمراد بإتيانها بلوغها إليهم وتحديهم بها ، فشبه البلوغ بمجيء الجائي ، ~~كقول النابغة : # أتاني أبيت اللعن أنك لمتني # وحذف ما يدل على الجانب المأتي منه لظهوره من قوله : { من آيات ربهم } ، ~~أي ما تأتيهم من عند ربهم آية من آياته إلا كانوا عنها معرضين . # و { من } في قوله : { من آية } لتأكيد النفي لقصد عموم الآيات التي أتت ~~وتأتي . و { من } التي في قوله : { من آيات ربهم } تبعيضية . والمراد بقوله ~~: { من آية } كل دلالة تدل على انفراد الله تعالى بالإلاهية . من ذلك آيات ~~القرآن التي لإعجازها لم كانت دلائل على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم ~~فيما أخبر به من الوحدانية . وكذلك معجزات الرسول عليه الصلاة والسلام مثل ~~انشقاق القمر ms2496 . وتقدم معنى الآية عند قوله تعالى : { والذين كفروا وكذبوا ~~بآياتنا في سورة البقرة ( ) . # وإضافة الرب إلى ضميرهم هم } لقصد التسجيل عليهم بالعقوق لحق العبودية ، ~~لأن من حق العبد أن يقبل على ما يأتيه من ربه وعلى من يأتيه يقول له : إني ~~مرسل إليك من ربك ، ثم يتأمل وينظر ، وليس من حقه أن يعرض عن ذلك إذ لعله ~~يعرض عما إن تأمله علم أنه من عند ربه . # والاستثناء مفرغ من أحوال محذوفة . # وجملة : { كانوا عنها معرضين } في موضع الحال . واختير الإتيان في خبر ~~كان بصيغة اسم الفاعل للدلالة على أن هذا الإعراض متحقق من دلالة فعل الكون ~~، ومتجدد من دلالة صيغة اسم الفاعل لأن المشتقات في قوة الفعل المضارع . ~~والاستثناء دل على أنهم لم يكن لهم حال إلا الإعراض . PageV07P134 # وإنما ينشأ الإعراض عن اعتقاد عدم جدوى النظر والتأمل ، فهو دليل على أن ~~المعرض مكذب للمخبر المعرض عن سماعه . # وأصل الإعراض صرف الوجه عن النظر في الشيء وهو هنا مجاز في إباء المعرفة ~~، فيشمل المعنى الحقيقي بالنسبة إلى الآيات المبصرات كانشقاق القمر ، ويشمل ~~ترك الاستماع للقرآن ، ويشمل المكابرة عن الاعتراف بإعجازه وكونه حقا ~~بالنسبة للذين يستمعون القرآن ويكابرونه ، كما يجيء في قوله : { ومنهم من ~~يستمع إليك } . وتقديم المجرور للرعاية على الفاصلة . # # | 2 ( 5 ) { فقد كذبوا بالحق لما جآءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به ~~يستهزءون } . ) 2 # الفاء فصيحة على الأظهر أفصحت عن كلام مقدر نشأ عن قوله : { إلا كانوا ~~عنها معرضين } ، أي إذا تقرر هذا الإعراض ثبت أنهم كذبوا بالحق لما جاءهم ~~من عند الله ، فإن الإعراض علامة على التكذيب ، كما قدمته آنفا ، فما بعد ~~فاء الفصيحة هو الجزاء . ومعناه أن من المعلوم سوء عواقب الذين كذبوا بالحق ~~الآتي من عند الله فلما تقرر في الآية السابقة أنهم أعرضوا آيات الله فقد ~~ثبت أنهم كذبوا بالحق الوارد من الله ، ولذلك فرع عليه قوله : { فسوف ~~يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون } تأكيدا لوعد المؤمنين بالنصر وإظهار ~~الإسلام على الدين كل وإنذار للمشركين بأن ms2497 سيحل بهم ما حل بالأمم الذين ~~كذبوا رسلهم ممن عرفوا مثل عاد وثمود وأصحاب الرس . # وبهذا التقدير لم تكن حاجة إلى جعل الفاء تفريعا محضا وجعل ما بعدها علة ~~لجزاء محذوف مدلول عليه بعلته كما هو ظاهر ( الكشاف ) ، وهي مضمون { فقد ~~كذبوا } بأن يقدر : فلا تعجب فقد كذبوا بالقرآن ، لأن من قدر ذلك أوهمه أن ~~تكذيبهم المراد هو تكذيبهم بالآيات التي أعرضوا عنها ما عدا آية القرآن . ~~وهذا تخصيص لعموم قوله : { من آية } بلا مخصص ، فإن القرآن من جملة الآيات ~~بل هو المقصود أولا ، وقد علمت أن { فقد كذبوا } هو الجزاء وأن له موقعا ~~عظيما من بلاغة الإيجاز ، على أن ذلك التقدير يقتضي PageV07P135 أن يكون ~~المراد من الآيات في قوله : { من آيات ربهم } ما عدا القرآن . وهو تخصيص لا ~~يناسب مقام كون القرآن أعظمها . # والفاء في قوله : { فسوف } فاء التسبب على قوله : { كذبوا بالحق } ، أي ~~يترتب على ذلك إصابتهم بما توعدهم به الله . # وحرف التسويف هنا لتأكيد حصول ذلك في المستقبل . واستعمل الإتيان هنا في ~~الإصابة والحصول على سبيل الاستعارة . والأنباء جمع نبأ ، وهو الخبر الذي ب ~~أهمية . وأطلق تحقق نبئه ، لأن النبأ نفسه قد علم من قبل . # و { ما كانوا به يستهزئون } هو القرآن ، كقوله تعالى : { ذلكم بأنكم ~~اتخذتم آيات الله هزؤا } فإن القرآن مشتمل على وعيدهم بعذاب الدنيا بالسيف ~~، وعذاب الآخرة . فتلك أنباء أنبأهم بها فكذبوه واستهزؤا به فتوعدهم الله ~~بأن تلك الأنباء سيصيبهم مضمونها . فلما قال لهم : { ما كانوا به يستهزئون ~~} علموا أنها أنباء القرآن لأنهم يعلمون أنهم يستهزئون بالقرآن وعلم ~~السامعون أن هؤلاء كانوا مستهزئين بالقرآن . وتقدم معنى الاستهزاء عند قوله ~~تعالى في سورة البقرة : { إنما نحن مستهزئون . # # | 2 ( 6 ) ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم فى الارض ما لم ~~نمكن لكم وأرسلنا السمآء عليهم مدرارا وجعلنا الانهار تجرى من تحتهم ~~فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا ءاخرين } . ) 2 # هذه الجملة بيان لجملة : { فسوف يأتيهم أنبار ما كانوا به يستهزئون . جاء ~~بيانها بطريقة ms2498 الاستفهام الإنكاري عن عدم رؤية القرون الكثيرة الذين ~~أهلكتهم حوادث خارقة للعادة يدل حالها على أنها مسلطة عليهم من الله عقابا ~~لهم على التكذيب . PageV07P136 # والرؤية يجوز أن تكون قلبية ، أي ألم يعلموا كثرة القرون الذين أهلكناهم ~~، ويجوز أن تكون بصربة بتقدير : ألم يروا آثار القرون التي أهلكناها كديار ~~عاد وحجر ثمود ، وقد رآها كثير من المشركين في رحلاتهم ، وحدثوا عنها الناس ~~حتى تواترت بينهم فكانت بمنزلة المرئي وتحققتها نفوسهم . # وعلى كلا الوجهين ففعل يروا } معلق عن العمل في المفعولين أو المفعول ، ~~باسم الاستفهام وهو { كم } . # و ( كم ) اسم للسؤال عن عدد مبهم فلا بد بعده من تفسير ، وهو تمييزه . ~~كما تقدم في قوله تعالى : { سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية في سورة ~~البقرة ( ) وتكون خبرية فتدل على عدد كبير مبهم ولا بد من مفسر هو تمييز ~~للإبهام . فأما الاستهامية فمفسرها منصوب أو مجرور ، وإن كانت خبرية ~~فمفسرها مجرور لا غير ، ولما كان ( كم ) اسما في الموضعين كان له موقع ~~الأسماء بحسب العوامل رفع ونصب وجر ، فهي هنا في موضع مفعول أو مفعولين ~~ليروا } . و ( من ) فزائدة جارة لمميز { كم } الخبرية لوقوع الفصل بينها ~~وبين مميزها فإن ذلك يوجب جره ب ( من ) ، كما بيناه عند قوله تعالى : { سل ~~بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة في سورة البقرة . # والقرن أصله الزمن الطويل ، وكثر إطلاقه على الأمة التي دامت طويلا . قال ~~تعالى : من بعد ماأهلكنا القرون الأولى } . وفسر القرن بالأمة البائدة . ~~ويطلق القرن على الجيل من الأمة ، ومنه حديث { خير القرون قرني ثم الذين ~~يلونهم ثم الذين يلونهم } . ويطلق على مقدار من الزمن قدره مائة سنة على ~~الأشهر ، وقيل : غير ذلك . # وجملة : { مكماهم } صفة ل { قرن } وروعي في الضمير معنى القرن لأنه دال ~~على جمع . # ومعنى : { مكناهم في الأرض } ثبتناهم وملكناهم ، وأصله مشتق من المكان . ~~فمعنى مكنه ومكن له ، وضع له مكانا . قال تعالى : { أو لم نمكن لهم حرما ~~آمنا } . ومثله قولهم : أرض له . ويكنى بالتمكين عن الإقدار وإطلاق التصرف ~~، لأن ms2499 صاحب المكان يتصرف في مكانه وبيته PageV07P137 ثم يطلق على التثبيت ~~والتقوية والاستقلال بالأمر . ويقال : هو مكين بمعنى ممكن ، فعيل بمعنى ~~مفعول . قال تعالى : { إنك اليوم لدينا مكين أمين } فهو كناية أيضا بمرتبة ~~ثانية ، أو هو مجاز مرسل مرتب على المعنى الكنائي . والتمكين في الأرض ~~تقوية التصرف في منافع الأرض والاستظهار بأساباب الدنيا ، بأن يكون في منعة ~~من العدو وفي سعة في الرزق وفي حسن حال ، قال تعالى : { إما مكنا له في ~~الأرضأ ، وقال : الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة } الآية . فمعنى ~~مكنه : جعله متمكنا ومعنى مكن له : جعله متمكنا لأجله ، أي رعيا له ، مثل ~~حمده وحمد له ، فلم تزده اللام ومجروورها إلا إشارة إلى أن الفاعل فعل ذلك ~~رغبة في نفع المفعول ، ولكن الاستعمال أزال الفرق بينهما وصير مكنه ومكن له ~~بمعنى واحد ، فكانت اللام زائدة كما قال أبو علي الفارسي . ودليل ذلك قوله ~~تعالى : هنا { مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم } فإن المراد بالفعلين هنا ~~شيء واحد لتعين أن يكون معنى الفعلين مستويا ، ليظهر وجه فوت القرون ~~الماضية في التمكين على تمكين المخاطبين ، إذ التفاوت لا يظهر إلا في شيء ~~واحد ، ولأن كون القرون الماضية أقوى تمكنا من المخاطبين كان يقتضي أن يكون ~~الفعل المقترن بلام الأجل في جانبهم لا في جانب المخاطبين ، وقد عكس هنا . ~~وبهذا البيان نجمع بين قول الراغب باستواء فعل مكنه ومكن له ، وقول ~~الزمخشري بأن : مكن له بمعنى جعل له مكانا ، ومكنه بمعنى أثبته . وكلام ~~الراغب أمكن عربية . وقد أهملت التنبيه على هذين الرأيين كتب اللغة . ~~واستعمال التمكين في معنى التثبيت والتقوية كناية أو مجاز مرسل لأنه يستلزم ~~التقوية . وقد شاع هذا الاستعمال حتى صار كالصريح أو كالحقيقة . # و { ما } موصولة معناها التمكين ، فهي نائبة عن مصدر محذوف ، أي تمكينا ~~لم نمكنه لكم ، فتنتصب ( ما ) على المفعولية المطلقة المبينة للنوع . ~~والمقصود مكناهم تمكينا لم نمكنه لكم ، أي هو أشد من تمكينكم في الأرض . # والخطاب في قوله : { لكم } التفات موجه إلى الذين كفروا ms2500 لأنهم الممكنون ~~في الأرض وقت نزول الآية ، وليس للمسلمين يومئذ تمكين . والالتفات هنا عكس ~~الالتفات في قوله تعالى : { حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم } . والمعنى ~~أن الأمم الخالية من PageV07P138 العرب البائدة كانوا أشد قوة وأكثر جمعا ~~من العرب المخاطبين بالقرآن وأعظم منهم آثار حضارة وسطوة . وحسبك أن العرب ~~كانوا يضربون الأمثال للأمور العظيمة بأنها عادية أو ثمودية أو سبئية قال ~~تعالى : { وعمروها أكثر مما عمروها } أي عمر الذين من قبل أهل العصر الأرض ~~أكثر مما عمرها أهل العصر . # والسماء من أسماء المطر ، كما في حديث ( الموطأ ) من قول زيد بن خالد : ~~صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على إثر سماء ، أي عقب مطر . وهو ~~المراد هنا لأنه المناسب لقوله : { أرسلنا } بخلافه في نحو قوله : { ~~وأنزلنا من السماء ماء } . والمدرار صيغة مبالغة ، مثل منحار لكثير النحر ~~للأضياف ، ومذكار لمن يولد له الذكور ، من درت الناقة ودر الضرع إذا سمح ~~ضرعها باللبن ، ولذلك سمي اللبن الدر . ووصف المطر بالمدرار مجاز عقلي ، ~~وإنما المدرار سحابه . وهذه الصيغة يستوي فيها المذكر والمؤنث . # والمراد إرسال المطر في أوقات الحاجة إليه بحيث كان لا يخلفهم في مواسم ~~نزوله . ومن لوازم ذلك كثرة الأنهار والأدية بكثرة انفجار العيون من سعة ري ~~طبقات الأرض ، وقد كانت حالة معظم بلاد العرب في هذا الخصب والسعة ، كما ~~علمه الله ودلت عليه آثار مصانعهم وسدودهم ونسلان الأمم إليها ، ثم تغيرت ~~الأحوال بحوادث سماوية كالجدب الذي حل سنين ببلاد عاد ، أو أرضية ، فصار ~~معظمها قاحلا فهلكت أممها وتفرقوا أيادي سبا . # وقد تقدم القول في معنى الأنهار تجري من تحتهم في نظيره وهو { أن لهم ~~جنات تجري من تحتها الأنهار في سورة البقرة ( ) . # والفاء في قوله : فأهلكناهم } للتعقيب عطف على { مكناهم } وما بعده . ~~ولما تعلق بقوله : { فأهلكناهم } قوله : { بذنوبهم } دل على أن تعقيب ~~التمكين وما معه بالإهلاك وقع بعد أن أذنبوا . فالتقدير : فأذنبوا ~~فأهلكناهم بذنوبهم ، أو فبطروا النعمة فأهلكناهم ، ففيه إيجاز حذف على حد ~~قوله تعالى : { أن اضرب بعصاك الحجر ms2501 فانفجرت } الآية ، أي فضرب فانفجرت الخ ~~. ولك أن تجعل الفاء للتفصيل تفصيلا ل { أهلكنا } الأول على نحو قوله تعالى ~~: { وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا في سورة الأعراف ( ) . PageV07P139 # والإهلاك : الإفناء ، وهو عقاب للأمة دال على غضب الله عليها ، لأن فناء ~~الأمم لا يكون إلا بما تجره إلى نفسها من سوء فعلها ، بخلاف فناء الأفراد ~~فإنه نهاية محتمة ولو استقام المرء طول حياته ، لأن تركيب الحيوان مقتض ~~للانتهاء بالفناء عند عجز الأعضاء الرئيسية عن إمداد البدن بمواد الحياة ~~فلا يكون عقابا إلا فيما يحف به من أحوال الخزي للهالك . # والذنوب هنا هي الكفر وتكذيب الرسل ونحو ذلك مما دل عليه التنظير بحال ~~الذين قال الله فيهم هنا : بربهم يعدلون ثم أنتم تمترون وما تأتيهم من آية ~~من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين فقد كذبوا بالحق لما جاءهم ، وما قاله ~~بعد ذلك ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس } الآية . # وقوله : { وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين } : الإنشاء الإيجاد المبتكر ، ~~قال تعالى : { إنا أنشأناهن إنشاء } . والمراد به إنشاؤهم بتلك الصفات التي ~~كان القرن الذين من قبلهم من التمكين في الأرض والإسعاف بالخصب ، فخلفوا ~~القرن المنقرضين سواء كان إنشاؤهم في ديار القوم الذين هلكوا ، كما أنشأ ~~قريشا في ديار جرهم ، أم في ديار أخرى كما أنشأ الله ثمودا بعد عاد في ~~منازل أخرى . والمقصود من هذا تعريض بالمشركين بأن الله مهلكهم ومنشىء من ~~بعدهم قرن المسلمين في ديارهم . ففيه نذارة بفتح مكة وسائر بلاد العرب على ~~أيدي المسلمين . وليس المراد بالإنشاء الولادة والخلق ، لأن ذلك أمر مستمر ~~في البشر لا ينتهي ، وليس فيه عظة ولا تهديد للجبايرة المشركين . وأفرد { ~~قرنا } مع أن الفعل الناصب له مقيد بأنه من بعد جمع القرون ، على تقدير ~~مضاف ، أي أنشأنا من بعد كل قرن من المهلكين قرنا آخرين . # # | 2 ( 7 ) { ولو نزلنا عليك كتابا فى قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين ~~كفروا إن هاذآ إلا سحر مبين } . ) 2 # يجوز أن تكون الواو عاطفة والمعطوف عليه جملة { وما تأتيهم من ms2502 آية من ~~آيات ربهم } الخ ، وما بينهما جملا تعلقت بالجملة الأولى على طريقة ~~الاعتراض ، فلما ذكر الآيات PageV07P140 في الجملة الأولى على وجه العموم ~~ذكر هنا فرض آية تكون أوضح الآيات دلالة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم ~~وهي أن ينزل الله عليه كتابا من السماء على صورة الكتب المتعارفة ، فرأوه ~~بأبصارهم ولمسوه بأيديهم لما آمنوا ولادعوا أن ذلك الكتاب سحر . # ويجوز أن تكون الواو للحال من ضمير { كذبوا } في قوله : { فقد كذبوا ~~بالحق لما جاءهم } أي أنكروا كون القرآن من عند الله ، وكونه آية على صدق ~~الرول ، وزعموا أنه لو كان من عند الله لنزل في صورة كتاب من السماء ، ~~فإنهم قالوا : { لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة } وقالوا { حتى تنزل ~~علينا كتابا نقرؤه } فكان قوله : { فقد كذبوا بالحق لما جاءهم } مشتملا ~~بالإجمال على أقوالهم فصح مجيء الحال منه . وما بينهما اعتراض أيضا . # وعلى الوجه الأول فالكتاب الشيء المكتوب سواء كان سفرا أم رسالة ، وعلى ~~الثاني فالمراد بكتابب سفر أي مثل التوراة . # والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم لا محالة لأن كل ينزل من القرآن موجه ~~إليه لأنه المبلغ ، فانتقال الخطاب إليه بعد الحديث عن ذوي ضمائر أخرى لا ~~يحتاج إلى مناسبة في الأنتقال . وليس يلزم أن يكون المراد كتابا فيه تصديقه ~~بل أعم من ذلك . # وقوله : { في قرطاس } صفة لكتاب ، والظرفية مجازية من ظرفية اسم الشيء في ~~اسم جزئه . والقرطاس بكسر القاف على الفصيح ، ونقل ضم القاف وهو ضعيف . وهو ~~اسم للصحيفة التي يكتب فيها ويكون من رق ومن بردى ومن كاغد ، ولا يختص بما ~~كان من كاغد بل يسمى قرطاسا ما كان من رق . ومن الناس من زعم أنه لا يقال ~~قرطاس إلا لما كان مكتوبا وإلا سمي طرسا ، ولم يصح . وسمى العرب الأديم ~~الذي يجعل غرضا لمتعلم الرمي قرطاسا فقالوا : سدد القرطاس ، أي سدد رميه . ~~قال الجواليقي : القرطاس تكلموا به قديما ويقال : إن أصله غير عربي . ولم ~~يذكر ذلك الراغب ولا لسان العرب ولا القاموس ، وأثبته ms2503 الخفاجي في شفاء ~~الغليل . وقال : كان معربا فلعله معرب عن الرومية ، ولذلك كان اسم الورقة ~~في لغة بعضهم اليوم ( كارتا ) . PageV07P141 # وقوله : { فلمسوه } عطف على { نزلنا } . واللمس وضع اليد على الشيء ~~لمعرفة وجوده ، أو لمعرفة وصف ظاهره من لين أو خشونة ، ومن برودة أو حرارة ~~، أو نحو ذلك . فقوله : { بأيديهم } تأكيد لمعنى اللمس لرفع احتمال أن يكون ~~مجازا في التأمل ، كما في قوله تعالى : { وإنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت ~~حرسا شديدا وشهبا } ، وللإفصاح عن منتهى ما اعتيد من مكابرتهم ووقاحتهم في ~~الإنكار والتكذيب ، وللتمهيد لقوله : { لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر ~~مبين } لأن المظاهر السحرية تخيلات لا تلمس . # وجاء قوله : { الذين كفروا } دون أن يقول : لقالوا ، كما قال : { فلمسوه ~~} إظهارا في مقام الإضمار لقصد تسجيل أن دافعهم إلى هذا التعنت هو الكفر ، ~~لأن الموصول يؤذن بالتعليل . # ومعنى : { إن هذا إلا سحر مبين } أنهم يغالطون أنفسهم ويغالطون قومهم ~~لستر مكابرتهم ولدفع ما ظهر من الغلبة عليهم . وهذا شأن المغلوب المحجوج أن ~~يتعلق بالمعاذير الكاذبة . # والمبين : البين الواضح ، مشتق من ( أبان ) مرادف ( بان ) . وتقدم معنى ~~السحر عند قوله تعالى : { يعلمون الناس السحر في سورة البقرة ( ) . # $ 2 ( 8 ، 9 ) وقالوا لولا & # 1764 أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضى الامر ثم لا ينظرون * ولو ~~جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون } . ) 2 $ # عطف على قوله : { ولو نزلنا عليك كتابا } ، لأن هذا خبر عن توركهم ~~وعنادهم ، وما قبله بيان لعدم جدوى محاولة ما يقلع عنادهم ، فذلك فرض ~~بإنزال كتاب عليهم ، من السماء فيه تصديق النبي صلى الله عليه وسلم وهذا ~~حكاية لاقتراح منهم آية يصدقونه بها . وفي سيرة ابن إسحاق أن هذا القول ~~واقع ، وأن من جملة من قال هذا زمعة بن الأسود ، والنضر بن الحارث بن كلدة ~~، وعبدة بن عبد يغوث ؛ وأبي PageV07P142 ابن خلف ، والعاصي بن وائل ، ~~والوليد بن المغيرة ، وعتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، ومن معهم ، أرسلوا ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم سل ربك أن يبعث معك ملكا يصدقك ms2504 بما تقول ~~ويراجعنا عنك . # فقوله : { وقالوا لولا أنزل عليه ملك } أي لولا أنزل عليه ملك نشاهده ~~ويخبرنا بصدقه ، لأن ذلك هو الذي يتطلبه المعاند . أما نزول الملك الذي لا ~~يرونه فهو أمر واقع ، وفسره قوله تعالى في الآية الأخرى : { لولا أنزل إليه ~~ملك فيكون معه نذيرا في سورة الفرقان ( ) . # والضمير عائد إلى الذين كفروا } وإن كان قاله بعضهم ، لأن الجميع قائلون ~~بقوله : وموافقون عليه . # و { لولا } للتحضيض بمعنى ( هلا ) . والتحضيض مستعمل في التعجيز على حسب ~~اعتقادهم . وضمير { عليه } للنبيء صلى الله عليه وسلم ومعاد الضمير معلوم ~~من المقام ، لأنه إذا جاء في الكلام ضمير غائب لم يتقدم له معاد وكان بين ~~ظهرانيهم من هو صاحب خبر أو قصة يتحدث الناس بها تعين أنه المراد من الضمير ~~. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب حين استأذنه في قتل ~~ابن صياد : ( إن يكنه فلن تسلط عليه وإلا يكنه فلا خير لك في قتلة ) . يريد ~~من مائر الغيبة الثلاثة الأولى الدجال لأن الناس كانوا يتحدثون أن ابن صياد ~~هو الدجال . ومثل الضمير اسم الإشارة إذا لم يذكر في الكلام اسم يشار إليه ~~. كما ورد في حديث أبي ذر أنه قال لأخيه عند بعثة محمد صلى الله عليه وسلم ~~( اذهب فاستعلم لنا علم هذا الرجل ) . وفي حديث سؤال القبر ( فيقال له ( أي ~~للمقبور ) : ما علمك بهذا الرجل ) يعني أن هذا قولهم فيما بينهم ، أو قولهم ~~للذي أرسلوه إلى النبي أن يسأل الله أن يبعث معه ملكا . وقد افهوه به مرة ~~أخرى فيما حكاه الله عنهم : { وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك ~~لمجنون لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين } فإن ( لوما ) أخت ( ~~لولا ) في إفادة التحضيض . # وقوله : { ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون } معناه : لو أنزلنا ~~ملكا على الصفة التي اقترحوها يكلمهم لقضي الأمر ، أي أمرهم ؛ فاللام عوض ~~عن المضاف إليه بقرينة السياق ، أي لقضي أمر عذابهم الذي يتهددهم به . ~~PageV07P143 # ومعنى : { قضي } تمم ، كما دل عليه ms2505 قوله : { ثم لا ينظرون } ؛ ذلك أنه لا ~~تنزل ملائكة غير الذين سخرهم الله للأمور المعتادة مثلل الحفظة ، وملك ~~الموت ، والملك الذي يأتي بالوحي ؛ إلا ملائكة تنزل لتأييد الرسل بالنصر ~~على من يكذبهم ، مثل الملائكة التي نزلت لنصر المؤمنين في بدر . ولا تنزل ~~الملائكة بين القوم المغضوب عليهم إلا لإنزال العذاب بهم ، كما نزلت ~~الملائكة في قوم لوط . فمشركو مكة لما سألوا النبي أن يريهم ملكا معه ظنوا ~~مقترحهم تعجيزا ، فأنبأهم الله تعالى بأنهم اقترحوا أمرا لو أجيبوا إليه ~~لكان سببا في مناجزة هلاكهم الذي أمهلهم إليه فيه رحمة منه . # ولعل حكمة ذلك أن الله فطر الملائكة على الصلابة والغضب للحق بدون هوادة ~~، وجعل الفطرة الملكية سريعة لتنفيذ الجزاء على وفق العمل ، كما أشار إليه ~~قوله تعالى : { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى } ، فلذلك حجزهم الله عن الاتصال ~~بغير العباد المكرمين الذين شابهن نفوسهم الإنسانية النفوس الملكية ، ولذلك ~~حجبهم الله عن النزول إلى الأرض إلا في أحوال خاصة ، كما قال تعالى عنهم : ~~{ وما تتنزل إلا بأمر ربك } ، وكما قال : { ما تنزل الملائكة إلا بالحق } ~~فلو أن الله أرسل ملائكة في الوسط البشري لما أمهلوا أهل الضلال والفساد ~~ولنا جزوهم جزاء العذاب ، ألا ترى أن الملائكة الذين أرسلهم الله لقوم لوط ~~لما لقوا لوطا قالوا : { يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع ~~من الليل } . ولما جادلهم إبراهيم في قوم لوط بعد أن بشروه واستأنس بهم { ~~قالوا يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك } وهو نزول الملائكة ؛ ~~فليس للملائكة تصرف في غير ما وجهوا إليه . # فمعنى الآية أن ما اقترحوه لو وقع لكان سيء المغبة عليهم من حيث لا ~~يشعرون . وليس المراد أن سبب عدم إنزال الملك رحمة بهم بل لأن الله ما كان ~~ليظهر آياته عن اقتراح الضالين ، إذ ليس الرسول صلى الله عليه وسلم بصدد ~~التصدي لرام كل من عرضت عليه الدعوة أن تظهر له آية حسب مقترحه فيصير ~~الرسول صلى الله عليه وسلم مضيعا ms2506 مدة الإرشاد وتلتف عليه الناس التفافهم ~~على المشعوذين ، وذلك ينافي حرمة PageV07P144 النبوة ، ولكن الآيات تأتي عن ~~محض اختيار من الله تعالى دون مسألة . وأنما أجاب الله اقتراح الحواريين ~~إنزال المائدة لأنهم كانوا قوما صالحين ، وما أرادوا إلا خيرا . ولكن الله ~~أنبأهم أن إجابتهم لذلك لحكمة أخرى وهي تستتبع نفعا لهم من حيث لا يشعرون ، ~~فكانوا أحرياء بأن يشكروا نعمة الله عليهم فيما فيه استبقاء لهم لو كانوا ~~موفقين . وسيأتي عند قوله تعالى : { وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه قل إن ~~الله قادر على أن ينزل آية } زيادة بيان لهذا . # ومن المفسرين من فسر { قضي الأمر } بمعنى هلاكهم من هول رؤية الملك في ~~صورته الأصبية . وليس هذا بلازم لأنهم لم يسألوا ذلك . ولا يتوقف تحقق ~~ملكيته عندهم على رؤية صورة خارقة للعادة ، بل يكفي أن يروه نازلا من ~~السماء مثلا حتى يصاحب النبي صلى الله عليه وسلم حين يدعوهم إلى الإسلام ، ~~كما يدل عليه قوله الآتي : { ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا } . # وقوله : { ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا } عطف على قوله : { ولو أنزلنا ~~ملكا لقضي الأمر } فهو جواب ثان عن مقترحهم ، فيه ارتقاء في الجواب ، وذلك ~~أن مقترحهم يستلزم الاستغناء عن بعثة رسول من البشر لأنه إذا كانت دعوة ~~الرسول البشري غير مقبولة عندهم إلا إذا قارنه ملك يكون معه نذيرا كما ~~قالوه وحكي عنهم في غير هذه الآية ، فقد صار مجيء رسول بشري إليهم غير مجد ~~للاستغناء عنه بالملك الذي يصاحبه ، على أنهم صرحوا بهذا اللازم فيما حكي ~~عنهم في غير هذه الآية ، وهو قوله تعالى : { قالوا لو شاء ربنا لأنزل ~~ملائكة } ، فجاء هذا الجواب الثاني صالحا لرد الاقتراحين ، ولكنه روعي في ~~تركيب ألفاظه ما يناسب المعنى الثاني لكلامهم فجيء بفعل { جعلنا } المقتي ~~تصيير شيء آخر أو تعويضه به . فضمير { جعلناه } عائد إلى الرسول الذي عاد ~~إليه ضمير { لولا أنزل عليه ملك } ، أي ولو اكتفينا عن إرسال رسول من نوع ~~البشر وجعلنا الرسول إليهم ملكا لتعين أن نصور ذلك الملك ms2507 بصورة رجل ، لأنه ~~لا محيد عن تشكله بشكل لتمكن إحاطة أبصارهم به وتحيزه فإذا تشكل فإنما ~~يتشكل في صورة رجل ليطيقوا رؤيته وخطابه ، وحينئذ يلتبس عليهم أمره كما ~~التبس عليهم أمر محمد صلى الله عليه وسلم PageV07P145 # فجملة { ولبسنا عليهم ما يلبسون } من تمام الدليل والحجة عليهم بعدم جدوى ~~إرسال الملك . # واللبس : خلط يعرض في الصفات والمعاني بحيث يعسر تمييز بعضها عن بعض . ~~وقد تقدم عند قوله تعالى : { ولا تلبسوا الحق بالباطل في سورة البقرة ( ) . ~~وقد عدي هنا بحرف ( على ) لأن المراد لبس فيه غلبة لعقولهم . # والمعنى : وللبسنا على عقولهم ، فشكوا في كونه ملكا فكذبوه ، إذ كان دأب ~~عقولهم تطلب خوارق العادات استدلالا بها على الصدق ، وترك إعمال النظر الذي ~~يعرف به صدق الصادق . # وما } في قوله : { ما يلبسون } مصدرية مجردة عن الظرفية ، والمعنى على ~~التشبيه ، أي وللبسنا عليهم لبسهم الذي وقع لهم حين قالوا : { لولا أنزل ~~عليه ملك } ، أي مثل لبسهم السابق الذي عرض لهم في صدق محمد عليه الصلاة ~~والسلام . # وفي الكلام احتباك لأن كلا اللبسين هو بتقدير الله تعالى ، لأنه حرمهم ~~التوفيق . فالتقدير : وللبسنا عليهم في شأن الملك فيلبسون على أنفسهم في ~~شأنه كما لبسنا عليهم في شأن محمد صلى الله عليه وسلم إذ يلبسون على أنفسهم ~~في شأنه . وهذا الكلام كله منظور فيه إلى حمل اقتراحهم على ظاهر حاله من ~~إرادتهم الاستدلال ، فلذلك أجيبوا عن كلامهم إرخاء للعنان ، وإلا فإنهم ما ~~أرادوا بكلامهم إلا التعجيز والاستهزاء ، ولذلك عقبه بقوله : { ولقد ~~استهزىء برسل من قبلك } الآية . # # | 2 ( 10 ) { ولقد استهزىء برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا ~~به يستهزءون } . ) 2 # عطف على جملة : { وقالوا لولا أنزل عليه ملك } لبيان تفننهم في المكابرة ~~والعناد تصلبا في شركهم وإصرارا عليه ، فلا يتركون وسيلة من وسائل التنفير ~~من قبول دعوة الإسلام إلا توسلوا بها . ومناسبة عطف هذا الكلام على قوله : ~~{ وقالوا لولا أنزل عليه ملك } PageV07P146 أنهم كانوا في قولهم ذلك قاصدين ~~التعجيز والاستهزاء معا ، لأنهم ما قالوه ألا عن ms2508 يقين منهم أن ذلك لا يكون ~~، فابتدىء الرد عليهم بإبطال ظاهر كلامهم بقوله : { ولو أنزلنا ملكا لقضي ~~الأمر } . ثم ثنى بتهديدهم على ما أرادوه من الاستهزاء ، والمقصود مع ذلك ~~تهديدهم بأنهم سيحيق بهم العذاب وأن ذلك سنة الله في كل أمة استهزأت برسول ~~له . # فقوله : { ولقد استهزىء برسل من قبلك } يدل على جملة مطوية إيجازا ، ~~تقديرها : واستهزأوا بك ولقد استهزأ أمم برسل من قبلك ، لأن قوله من { قبلك ~~} ، لأن قوله من { قبلك } يؤذن بأنه قد استهزىء به هو أيضا وإلا لم تكن ~~فائدة في وصف الرسل بأنهم من قبله لأن ذلك معلوم . وحذف فاعل الاستهزاء ~~فبنى الفعل إلى المجهول لأن المقصود هنا هو ترتب أثر الاستهزاء لا تعيين ~~المستهزئين . # واللام للقسم ، و { قد } للتحقيق ، وكلاهما يدل على تأكيد الخبر . ~~والمقصود تأكيده باعتبار ما تفرع عنه ، وهو قوله : { فحاق بالذين سخروا } ~~الخ ، لأن حال المشركين حال من يتردد في أن سبب هلاك الأمم السالفة هو ~~الاستهزاء بالرسل ، إذ لولا ترددهم في ذلك لأخذوا الحيطة لأنفسهم مع الرسول ~~عليه الصلاة والسلام ، الذي جاءهم فنظروا في دلائل صدقه وما أعرضوا ، ~~ليستبرئوا لأنفسهم من عذاب متوقع ، أو نزلوا منزلة المتردد إن كانوا يعلمون ~~ذلك لعدم جريهم على موجب علمهم . واستهزاؤهم له أفانين ، منها قولهم : { ~~لولا أنزل عليه ملك } . # ومعنى الاستهزاء تقدم عند قوله تعالى : { إنما نحن مستهزئون في سورة ~~البقرة . وهو مرادف للسخرية في كلام أئمة اللغة ، فذكر استهزىء } أولا لأنه ~~أشهر ، ولما أعيد عبر ب { سخروا } ، ولما أعيد ثالث مرة رجع إلى فعل { ~~يستهزئون } ، لأنه أخف من ( يسخرون ) . وهذا من بديع فصاحة القرآن المعجزة ~~. # و { سخروا } بمعنى هزأوا ، ويتعدى إلى المفعول ب { من } ، قيل : لا يتعدى ~~بغيرها . وقيل : يتعدى بالباء . وكذا الخلاف في تعدية هزأ واستهزأ . والأصح ~~أن كلا الفعلين يتعدى بحرف ( من ) والباء ، وأن الغالب في ( هزأ ) أن يتعدى ~~بالباء ، وفي { سخر } أن يتعدى ب { من } . وأصل مادة { سخر } مؤذن بأن ~~الفاعل اتخذ المفعول مسخرا يتصرف فيه كيف شاء بدون حرمة لشدة ms2509 قرب مادة { ~~سخر } المخفف من مادة التسخير ، أي التطويع فكأنه حوله عن حق الحرمة ~~الذاتية فاتخذ منه لنفسه سخرية . PageV07P147 # وفعل { حاق } اختلف أئمة اللغة في معناه . فقال الزجاج : هو بمعنى أحاط ، ~~وتبعه الزمخشري ، وفسره الفراء بمعنى عاد عليه . وقال الراغب : أصله حق ، ~~أي بمعنى وجب ، فأبدل أحد حرفي التضعيف حرف علة تخفيفا ، كما قالوا تظني في ~~تظنن ، أي وكما قالوا : تقضى البازي ، بمعنى تقضض . والأظهر ما قاله أبو ~~إسحاق الزجاج . # واختير فعل الإحاطة للدلالة على تمكن ذلك منهم وعدم إفلاته أحدا منهم . # وإنما جيء بالموصول في قوله : { بالذين سخروا } ولم يقل بالساخرين ~~للإيماء إلى تعليل الحكم ، وهو قوله { فحاق } . # و { منهم } يتعلق ب { سخروا } ، والضمير المجرور عائد إلى الرسل ، لزيادة ~~تقرير كون العقاب لأجلهم ترفيعا لشأنهم . و { ما } في قوله : { ما كانوا به ~~يستهزئون } موصولة . والباء في { به } لتعدية فعل الاستهزاء . ووجود الباء ~~مانع من جعل { ما } غير موصولة . وهو ما أطال التردد فيه الكاتبون . # والمراد ب { ما كانوا به يستهزئون } ما أنذرهم الرسل به من سوء العاقبة ~~وحلول العذاب بهم ، فحصل بذلك فائدة أخرى ، وهي أن المستهزئين كانوا ~~يستهزئون بالرسل وخاصة بما ينذرونهم به من حلول العذاب إن استمروا على عدم ~~التصديق بما جاءوا به . فاستهزاؤهم بما أنذروا به جعل ما أنذروا به كالشخص ~~المهزوء به إذا جعلنا الباء للتعدية ، أو استهزاؤهم بالرسل بسبب ما أنذروهم ~~به إذا جعلت الباء للسببية . # # | 2 ( 11 ) { قل سيروا فى الارض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين } . ) ~~2 # هذه الجملة وزانها وزان البيان لمضمون الجملة التي قبلها ولذلك فصلت ، ~~فإن الجملة التي قبلها تخبر بأن الذين استهزأوا بالرسل قد حاق بهم عواقب ~~استهزائهم ، وهذه تحدوهم إلى مشاهدة ديار أولئك المستهزئين . وليس افتتاح ~~هذه الجملة بخطاب PageV07P148 النبي صلى الله عليه وسلم منافيا لكونها ~~بيانا لأنه خوطب بأن يقول ذلك البيان . فالمقصود ما بعد القول . # وافتتاحها بالأمر بالقول لأنها واردة مورد المحاورة على قولهم { لولا ~~أنزل عليه ملك } ( الأنعام : 1 ) . # وهذه سلسلة ردود وأجوبة على ms2510 مقالتهم المحكية آنفا لتضمنها التصميم على ~~الشرك وتكذيب الرسالة ، فكانت منحلة إلى شبه كثيرة أريد ردها وتفنيدها ~~فكانت هاته الردود كلها مفتتحة بكلمة { قل } ) عشر مرات . # و { ثم } للتراخي الرتبي ، كما هو شأنها في عطف الجمل ، فإن النظر في ~~عاقبة المكذبين هو المقصد من السير ، فهو مما يرتقى إليه بعد الأمر بالسير ~~، ولأن هذا النظر محتاج إلى تأمل وترسم فهو أهم من السير . # والنظر يحتمل أن يكون بصريا وأن يكون قلبيا ، وعلى الاحتماليين فقد علقه ~~الاستفهام عن نصب مفعوله أو مفعوليه . و { كيف } خبر ل { كان } مقدم عليها ~~وجوبا . # والعاقبة آخر الشيء ومآله وما يعقبه من مسبباته . ويقال : عاقبة وعقبى ، ~~وهي اسم كالعافية والخاتمة . # وإنما وصفوا ب { المكذبين } دون المستهزئين للدلالة على أن التكذيب ~~والاستهزاء كانا خلقين من أخلاقهم ، وأن الواحد من هذين الخلقين كاف في ~~استحقاق تلك العاقبة ، إذ قال في الآية السابقة { فحاق بالذين سخروا منهم ~~ما كانوا به يستهزئون } ( الأنعام : 10 ) وقال في هذه الآية { كيف كان ~~عاقبة المكذبين } . # وهذا رد جامع لدحض ضلالاتهم الجارية على سنن ضلالات نظرائهم من الأمم ~~السالفة المكذبين . # $ 2 ( 12 ) { قل لمن ما فى السماوات والارض قل لله كتب على نفسه الرحمة ~~ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه الذين خسرو & # 1764 ا أنفسهم فهم لا يؤمنون } . ) 2 $ PageV07P149 # جملة { قل لمن ما في السماوات والأرض } تكرير في مقام الاستدلال ، فإن ~~هذا الاستدلال تضمن استفهاما تقريريا ، والتقرير من مقتضيان التكرير ، لذلك ~~لم تعطف الجملة . ويجوز أن يجعل تصدير هذا الكلام بالأمر بأن يقوله مقصودا ~~به الاهتمام بما بعد فعل الأمر بالقول على الوجه الذي سنبينه عند قوله ~~تعالى : { قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة في هذه السورة ( ~~40 ) . والاستفهام مستعمل مجازا في التقرير . والتقرير هنا مراد به لازم ~~معناه ، وهو تبكيت المشركين وإلجاؤهم إلى الإقرار بما يفضي إلى إبطال ~~معتقدهم الشرك ، فهو مستعمل في معناه الكنائي مع معناه الصريح ، والمقصود ~~هو المعنى الكنائي . # ولكونه مرادا به الإلجاء إلى الإقرار كان ms2511 الجواب عنه بما يريده السائل من ~~إقرار المسؤول محققا لا محيص عنه ، إذ لا سبيل إلى الجحد فيه أو المغالطة ، ~~فلذلك لم ينتظر السائل جوابهم وبادرهم الجواب عنه بنفسه بقوله : لله } ~~تبكيتا لهم ، لأن الكلام مسوق مساق إبلاغ الحجة مقدرة فيه محاورة وليس هو ~~محاورة حقيقية . وهذا من أسلوب الكلام الصادر من متكلم واحد . فهؤلاء القوم ~~المقدر إلجاؤهم إلى الجواب سواء أنصفوا فأقروا حقية الجواب أم أنكروا ~~وكابروا فقد حصل المقصود من دمغهم بالحجة . وهذا أسلوب متبع في القرآن ، ~~فتارة لا يذكر جواب منهم كما هنا ، وكما في قوله تعالى : { قل من رب ~~السماوات والأرض قل الله } ( الرعد : 16 ) ، وقوله : { قل من أنزل الكتاب ~~الذي جاء به موسى إلى قوله قل الله } ( الأنعام : 91 ) ، وتارة يذكر ما ~~سيجيبون به بعد ذكر السؤال منسوبا إليهم أنهم يجيبون به ثم ينتقل إلى ما ~~يترتب عليه من توبيخ ونحوه ، كقوله تعالى : { قل لمن الأرض ومن فيها إن ~~كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا تذكرون إلى قوله قل فأنى تسحرون } ( ~~المؤمنون : 84 89 ) . # وابتدىء بإبطال أعظم ضلالهم . وهو ضلال الإشراك . وأدمج معه ضلال إنكارهم ~~البعث المبتدأ به السورة بعد أن انتقل من ذلك إلى الإنذار الناشىء عن ~~تكذيبهم الرسول صلى الله عليه وسلم ولذلك لما كان دليل الوحدانية السالف ~~دالا على خلق السماوات والأرض وأحوالها بالصراحة ، وعلى عبودية الموجودات ~~التي تشملها بالالتزام ، ذكر في هذه الآية تلك العبودية بالصراحة فقال : { ~~قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله } . PageV07P150 # وقوله : { لله } خبر مبتدأ محذوف دل عليه { ما في السماوات } . الخ . ~~ويقدر المبتدأ مؤخرا عن الخبر على وزان السؤال لأن المقصود إفادة الحصر . # واللام في قوله : { لله } للملك ؛ دلت على عبودية الناس لله دون غيره ، ~~وتستلزم أن العبد صائر إلى مالكه لا محالة ، وفي ذلك تقرير لدليل البعث ~~السابق المبني على إثبات العبودية بحق الخلق . ولا سبب للعبودية أحق وأعظم ~~من الخالقية ، ويستتبع هذا الاستدلال الإنذار بغضبه على من أشرك معه . # وهذا استدلال على المشركين بأن ms2512 غير الله ليس أهلا للإلهية ، لأن غير الله ~~لا يملك ما في السماوات وما في الأرض إذ ملك ذلك لخالق ذلك . وهو تمهيد ~~لقوله بعده { ليجمعنكم إلى يوم القيامة } ، لأن مالك الأشياء لا يهمل ~~محاسبتها . # وجملة : { كتب على نفسه الرحمة } معترضة ، وهي من المقول الذي أمر الرسول ~~بأن يقوله . وفي هذا الاعتراض معان : # أحدها : أن ما بعده لما كان مشعرا بإنذار بوعيد قدم له التذكير بأنه رحيم ~~بعبيده عساهم يتوبون ويقلعون عن عنادهم ، على نحو قوله تعالى : { كتب ربكم ~~على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه ~~غفور رحيم } ( الأنعام : 54 ) ، والشرك بالله أعظم سوء وأشد تلبسا بجهالة . # والثاني : أن الإخبار بأن لله ما في السماوات وما في الأرض يثير سؤال ~~سائل عن عدم تعجيل أخذهم على شركهم بمن هم ملكه . فالكافر يقول : لو كان ما ~~تقولون صدقا لعجل لنا العذاب ، والمؤمن يستبطىء تأخير عقابهم ، فكان قوله : ~~{ كتب على نفسه الرحمة } جوابا لكلا الفريقين بأنه تفضل بالرحمة ، فمنها ~~رحمة كاملة : وهذه رحمته بعباده الصالحين ، ومنها رحمة موقتة وهي رحمة ~~الإمهال والإملاء للعصاة والضالين . # والثالث : أن ما في قوله : { قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله } من ~~التمهيد لما في جملة { ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه } من الوعيد ~~والوعد . # ذكرت رحمة الله تعريضا ببشارة المؤمنين وبتهديد المشركين . PageV07P151 # الرابع : أن فيه إيماء إلى أن الله قد نجى أمة الدعوة المحمدية من عذاب ~~الاستئصال الذي عذب به الأمم المكذبة رسلها من قبل ، وذلك ببركة النبي محمد ~~صلى الله عليه وسلم إذ جعله رحمة للعالمين في سائر أحواله بحكم قوله تعالى ~~: { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } ( الأنبياء : 107 ) ، وإذ أراد تكثير ~~تابعيه فلذلك لم يقض على مكذبيه قضاء عاجلا بل أمهلهم وأملى لهم ليخرج منهم ~~من يؤمن به ، كما رجا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولذلك لما قالوا : { ~~اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا ms2513 ~~بعذاب أليم } ( الأنفال : 32 ) قال الله تعالى { وما كان الله ليعذبهم وأنت ~~فيهم } ( الأنفال : 33 ) . وقد حصل ما رجاه رسول الله فلم يلبث من بقي من ~~المشركين أن آمنوا بالله ورسوله بعد فتح مكة ودخلوا في دين الله أفواجا ، ~~وأيد الله بهم بعد ذلك دينه ورسوله ونشروا كلمة الإسلام في آفاق الأرض . ~~وإذ قد قدر الله تعالى أن يكون هذا الدين خاتمة الأديان كان من الحكمة ~~إمهال المعاندين له والجاحدين ، لأن الله لو استأصلهم في أول ظهور الدين ~~لأتى على من حوته مكة من مشرك ومسلم ، ثم يحشرون على نياتهم ، كما ورد في ~~الحديث لما قالت أم سلمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ( أنهلك وفينا ~~الصالحون ، قال : نعم ، إذا كثر الخبث ثم يحشرون على نياتهم ) . فلو كان ~~ذلك في وقت ظهور الإسلام لارتفع بذلك هذا الدين فلم يحصل المقصود من جعله ~~خاتمة الأديان . وقد استعاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل عليه { ~~قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم } فقال : ~~{ أعوذ بسبحات وجهك الكريم } . # ومعنى { كتب } تعلقت إرادته ، بأن جعل رحمته الموصوف بها بالذات متعلقة ~~تعلقا عاما مطردا بالنسبة إلى المخلوقات وإن كان خاصا بالنسبة إلى الأزمان ~~والجهات . فلما كان ذلك مطردا شبهت إرادته بالإلزام ، فاستعير لها فعل ( ~~كتب ) الذي هو حقيقة في الإيجاب ، والقرينة هي مقام الإلهية ، أو جعل ذلك ~~على نفسه لأن أحدا لا يلزم نفسه بشيء إلا اختيارا وإلا فإن غيره يلزمه . ~~والمقصود أن ذلك لا يتخلف كالأمر الواجب المكتوب ، فإنهم كانوا إذا أرادوا ~~تأكيد وعد أو عهد كتبوه ، كما قال الحارث بن حلزة : # واذكروا حلف ذي المجاز وما قدم فيه العهود والكفلاء # حذر الجور والتطاخي وهل ينقض ما في المهارق الأهواء PageV07P152 # فالرحمة هنا مصدر ، أي كتب على نفسه أن يرحم ، وليس المراد الصفة ، أي ~~كتب على نفسه الاتصاف بالرحمة ، أي بكونه رحيما ، لأن الرحمة صفة ذاتية لله ~~تعالى واجبة له ، والواجب العقلي لا تتعلق به الإرادة ms2514 ، إلا إذا جعلنا { ~~كتب } مستعملا في تمجز آخر ، وهو تشبيه الوجوب الذاتي بالأمر المحتم ~~المفروض ، والقرينة هي هي إلا أن المعنى الأول أظهر في الامتنان ، وفي ~~المقصود من شمول الرحمة للعبيد المعرضين عن حق شكره والمشركين له في ملكه ~~غيره . # وفي ( الصحيحين ) من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لما قضى الله تعالى الخلق كتب كتابا فوضعه عنده فوق العرش ( إن رحمتي ~~سبقت غضبي ) . # وجملة { ليجمعنكم إلى يوم القيامة } واقعة موقع النتيجة من الدليل ~~والمسبب من السبب ، فإنه لما أبطلت أهلية أصنامهم للإلهية ومحضت وحدانية ~~الله بالإلهية بطلت إحالتهم البعث بشبهة تفرق أجزاء الأجساد أو انعدامها . # ولام القسم ونون التوكيد أفادا تحقيق الوعيد . والمراد بالجمع استقصاء ~~متفرق جميع الناس أفرادا وأجزاءا متفرقة . وتعديته ب { إلى } لتضمينه معنى ~~السوق . وقد تقدم القول في نظيره عند قوله تعالى : { الله لا إله إلا هو ~~ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه في سورة النساء ( 87 ) . # وضمير الخطاب في قوله : ليجمعنكم } مراد به خصوص المحجوجين من المشركين ، ~~لأنهم المقصود من هذا القول من أوله ؛ فيكون نذارة لهم وتهديدا وجوابا عن ~~أقل ما يحتمل من سؤال ينشأ عن قوله : { كتب على نفسه الرحمة } كما تقدم . # وجملة { الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون } الأظهر عندي أنها متفرعة على ~~جملة { ليجمعنكم إلى يوم القيامة } وأن الفاء من قوله : { فهم لا يؤمنون } ~~للتفريع والسببية . وأصل التركيب : فأنتم لا تؤمنون لأنكم خسرتم أنفسكم في ~~يوم القيامة ؛ فعدل عن الضمير إلى الموصول لإفادة الصلة أنهم خسروا أنفسهم ~~بسبب عدم إيمانهم . PageV07P153 وجعل { الذين خسروا أنفسهم } خبر مبتدأ ~~محذوف . والتقدير : أنتم الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون . ونظم الكلام ~~على هذا الوجه أدعى لإسماعهم ، وبهذا التقدير يستغنى عن سؤال ( الكشاف ) عن ~~صحة ترتب عدم الإيمان على خسران أنفسهم مع أن الأمر بالعكس . # وقيل : { الذين خسروا أنفسهم } مبتدأ ، وجملة : { فهم لا يؤمنون } خبره ، ~~وقرن بالفاء لأن الموصول تضمن معنى الشرط على نحو قوله تعالى : { واللاتي ~~يأتين الفاحشة من ms2515 نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم } ( النساء : 15 ) . ~~وأشرب الموصول معنى الشرط ليفيد شموله كل من اتصف بمضمون الصلة ، ويفيد ~~تعليق حصول مضمون جملة الخبر المنزل منزلة جواب الشرط على حصول مضمون الصلة ~~المنزلة منزلة جملة الشرط ، فيفيد أن ذلك مستمر الارتباط والتعليل في جميع ~~أزمنة المستقبل التي يتحقق فيها معنى الصلة . فقد حصل في هذه الجملة من ~~الخصوصيات البلاغية ما لا يوجد مثله في غير الكلام المعجز . # ومعنى : { خسروا أنفسهم } أضاعوها كما يضيع التاجر رأس ماله ، فالخسران ~~مستعار لإضاعة ما شأنه أن يكون سبب نفع . فمعنى { خسروا أنفسهم } عدموا ~~فائدة الانتفاع بما ينتفع به الناس من أنفسهم وهو العقل والتفكير ، فإنه ~~حركة النفس في المعقولات لمعرفة حقائق الأمور . وذلك أنهم لما أعرضوا عن ~~التدبر في صدق الرسول عليه الصلاة والسلام فقد أضاعوا عن أنفسهم أنفع سبب ~~للفوز في العاجل والآجل ، فكان ذلك سبب أن لا يؤمنوا بالله والرسول واليوم ~~الآخر . فعدم الإيمان مسبب عن حرمانهم الانتفاع بأفضل نافع . ويتسبب عن عدم ~~الإيمان خسران آخر ، وهو خسران الفوز في الدنيا بالسلامة من العذاب ، وفي ~~الآخرة بالنجاة من النار ، وذلك يقال له خسران ولا يقال له خسران الأنفس . ~~وقد أشار إلى الخسرانين قوله تعالى : { أولئك الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم ~~ما كانوا يفترون لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون } ( هود : 21 ، 22 ) . # # | 2 ( 13 ) { وله ما سكن فى اليل والنهار وهو السميع العليم } . ) 2 # جملة معطوفة على { لله } من قوله : { قل لله } ( الأنعام : 12 ) الذي هو ~~في تقدير الجملة ، أي ما في السماوات والأرض لله ، وله ما سكن . ~~PageV07P154 # والسكون استقرار الجسم في مكان ، أي حيز لا ينتقل عنه مدة ، فهو ضد ~~الحركة ، وهو من أسباب الاختفاء ، لأن المختفي يسكن ولا ينتشر . والأحسن ~~عندي أن يكون هنا كناية عن الخفاء مع إرادة المعنى الصريح . ووجه كونه ~~كناية أن الكلام مسوق للتذكير بعلم الله تعالى وأنه لا يخفى عليه شيء من ~~أعمالكم ومحاسبكم عليها يوم يجمعكم إلى يوم القيامة ، فهو كقوله تعالى : { ~~الله ms2516 يعلم ما تحمل كل أنثى إلى أن قال ومن هو مستخف بالليل } ( الرعد : 8 ~~10 ) . فالذي سكن بالليل والنهار بعض ما في السماوات والأرض ، فلما أعلمهم ~~بأنه يملك ما في السموات والأرض عطف عليه الإعلام بأنه يملك ما سكن من ذلك ~~لأنه بحيث يغفل عن شمول ما في السماوات والأرض إياه ، لأن المتعارف بين ~~الناس إذا أخبروا عن أشياء بحكم أن يريدوا الأشياء المعروفة المتداولة . ~~فهذا من ذكر الخاص بعد العام لتقرير عموم الملك لله تعالى بأن ملكه شمل ~~الظاهرات والخفيات ، ففي هذا استدعاء ليوجهوا النظر العقلي في الموجودات ~~الخفية وما في إخفائها من دلالة على سعة القدرة وتصرفات الحكمة الإلهية . # و { في } للظرفية الزمانية ، وهي ظرف مستقر ، لأن فعل السكون لا يتعدى ~~إلى الزمان تعدية الظرف اللغو كما يتعدى إلى المكان لو كان بمعنى حل واستقر ~~وهو ما لا يناسب حمل معنى الآية عليه . والكلام تمهيد لسعة العلم ، لأن شأن ~~المالك أن يعلم مملوكاته . وتخصيص الليل بالذكر لأن الساكن في ذلك الوقت ~~يزداد خفاء ، فهو كقوله : { ولا حبة في ظلمات الأرض } ( الأنعام : 59 ) . ~~وعطف النهار عليه لقصد زيادة الشمول ، لأن الليل لما كان مظنة الاختفاء فيه ~~قد يظن أن العالم يقصد الاطلاع على الساكنات فيه بأهمية ولا يقصد إلى ~~الاطلاع على الساكنات في النهار ، فذكر النهار لتحقيق تمام الإحاطة ~~بالمعلومات . # وتقديم المجرور للدلالة على الحصر ، وهو حصر الساكنات في كونها له لا ~~لغيره ، أي في كون ملكها التام له ، كماتقدم في قوله : { قل لمن ما في ~~السماوات والأرض قل لله } ( الأنعام : 12 ) . # وقد جاء قوله : { وهو السميع العليم } كالنتيجة للمقدمة ، لأن المقصود من ~~الإخبار بأن الله يملك الساكنات التمهيد لإثبات عموم علمه ، وإلا فإن ملك ~~المتحركات المتصرفات PageV07P155 أقوى من ملك الساكنات التي لا تبدي حراكا ~~، فظهر حسن وقع قوله : { وهو السميع العليم } عقب هذا . # والسميع : العالم العظيم بالمسموعات أو بالمحسوسات . والعليم : الشديد ~~العلم بكل معلوم . # $ 2 ( 14 ) { قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والارض وهو يطعم ولا ~~يطعم ms2517 قل إنى & # 1764 أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين } . ) 2 $ # { قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والارض وهو يطعم ولا يطعم قل إنى ~~& # 1764 أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين } . # استئناف آخر ناشىء عن جملة : { قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله } ( ~~الأنعام : 12 ) . # وأعيد الأمر بالقول اهتماما بهذا المقول ، لأنه غرض آخر غير الذي أمر فيه ~~بالقول قبله ، فإنه لما تقرر بالقول ، السابق عبودية ما في السماوات والأرض ~~لله وأن مصير كل ذلك إليه انتقل إلى تقرير وجوب إفراده بالعبادة ، لأن ذلك ~~نتيجة لازمة لكونه مالكا لجميع ما احتوته السماوات والأرض ، فكان هذا ~~التقرير جاريا على طريقة التعريض إذ أمر الرسول عليه الصلاة والسلام ~~بالتبرىء من أن يعبد غير الله . والمقصود الإنكار على الذين عبدوا غيره ~~واتخذوهم أولياء ، كما يقول القائل بمحضر المجادل المكابر ( لا أجحد الحق ) ~~لدلالة المقام على أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يصدر منه ذلك ، كيف وقد ~~علموا أنه دعاهم إلى توحيد الله من أول بعثته ، وهذه السورة ما نزلت إلا ~~بعد البعثة بسنين كثيرة ، كما استخلصناه مما تقدم في صدر السورة . وقد ذكر ~~ابن عطية عن بعض المفسرين أن هذا القول أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم ~~ليجيب المشركين الذين دعوه إلى عبادة أصنامهم ، أي هو مثل ما في قوله تعالى ~~: { قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون } ( الزمر : 64 ) ، وهو ~~لعمري مما يشعر به أسلوب الكلام وإن قال ابن عطية : إن ظاهر الآية لا ~~يتضمنه كيف ولا بد للاستئناف من نكتة . # والاستفهام للإنكار . وقدم المفعول الأول ل { أتخذ } على الفعل وفاعله ~~ليكون مواليا للاستفهام لأنه هو المقصود بالإنكار لا مطلق اتخاذ الولي . ~~وشأن همزة الاستفهام PageV07P156 بجميع استعمالاته أن يليها جزء الجملة ~~المستفهم عنه كالمنكر هنا ، فالتقديم للاهتمام به ، وهو من جزئيات العناية ~~التي قال فيها عبد القاهر أن لا بد من بيان وجه العناية ، وليس مفيدا ~~للتخصيص في مثل هذا لظهور ms2518 أن داعي التقديم هو تعيين المراد بالاستفهام فلا ~~يتعين أن يكون لغرض غير ذلك . فمن جعل التقديم هنا مفيدا للاختصاص ، أي ~~انحصار إنكار اتخاذ الولي في غير الله كما مال إليه بعض شراح ( الكشاف ) ~~فقد تكلف ما يشهد الاستعمال والذوق بخلافه ، وكلام ( الكشاف ) بريء منه بل ~~الحق أن التقديم هنا ليس إلا للاهتمام بشأن المقدم ليلي أداة الاستفهام ~~فيعلم أن محل الإنكار هو اتخاذ غير الله وليا ، وأما ما زاد على ذلك فلا ~~التفات إليه من المتكلم . ولعل الذي حداهم إلى ذلك أن المفعول في هذه الآية ~~ونظائرها مثل { أفغير الله تأمروني أعبد } ( الزمر : 64 ) أغير الله تدعون ~~( الأنعام : 40 ) هو كلمة { غير } المضافة إلى اسم الجلالة ، وهي عامة في ~~كل ما عدا الله ، فكان الله ملحوظا من لفظ المفعول فكان إنكار اتخاذ الله ~~وليا لأن إنكار اتخاذ غيره وليا مستلزما عدم إنكار اتخاذ الله وليا ، لأن ~~إنكار اتخاذ غير الله لا يبقى معه إلا اتخاذ الله وليا ؛ فكان هذا التركيب ~~مستلزما معنى القصر وآئلا إليه وليس هو بدال على القصر مطابقة ، ولا مفيدا ~~لما يفيده القصر الإضافي من قلب اعتقاد أو إفراد أو تعيين ، ألا ترى أنه لو ~~كان المفعول خلاف كلمة ( غير ) لما صح اعتبار القصر ، كما لو قلت : أزيدا ~~أتتخذ صديقا ، لم يكن مفيدا إلا إنكار اتخاذ زيد صديقا من غير التفات إلى ~~اتخاذ غيره ، وإنما ذلك لأنك تراه ليس أهلا للصداقة فلا فرق بينه وبين قولك ~~: أتتخذ زيدا صديقا ، إلا أنك أردت توجه الإنكار للمتخذ لا للاتخاذ اهتماما ~~به . والفرق بينهما دقيق فأجد فيه نظرك . # ثم إن كان المشركون قد سألوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخذ ~~أصنامهم أولياء كان لتقديم المفعول نكتة اهتمام ثانية وهي كونه جوابا لكلام ~~هو المقصود منه كما في قوله : { أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون } ( ~~الزمر : 64 ) وقوله : { قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة إلى قوله ~~قال أغير الله أبغيكم إلها } ( الأعراف : 12 ) . وأشار صاحب ms2519 ( الكشاف ) في ~~قوله : { أغير الله أبغي ربا } الآتي في آخر السورة إلى أن تقديم { غير ~~الله } على { أبغي } لكونه جوابا عن ندائهم له إلى عبادة آلهتهم . قال ~~الطيبي : لأن كل تقديم إما للاهتمام أو لجواب إنكار . PageV07P157 # والولي : الناصر المدبر ، ففيه معنى العلم والقدرة . يقال : تولى فلانا ، ~~أي اتخذه ناصرا . وسمي الحليف وليا لأن المقصود من الحلف النصرة . ولما كان ~~الإله هو الذي يرجع إليه عابده سمي وليا لذلك . ومن أسمائه تعالى الولي . # والفاطر : المبدع والخالق . وأصله من الفطر وهو الشق . وعن ابن عباس : ما ~~عرفت معنى الفاطر حتى اختصم إلي أعرابيات في بئر ، فقال أحدهما : أنا ~~فطرتها . وإجراء هذا الوصف على اسم الجلالة دون وصف آخر استدلال على عدم ~~جدارة غيره لأن يتخذ وليا ، فهو ناظر إلى قوله : في أول السورة { الحمد لله ~~الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ~~} ( الأنعام : 1 ) . وليس يغني عنه قوله قبله { قل لمن ما في السماوات ~~والأرض قل لله } ( الأنعام : 12 ) لأن ذلك استدلال عليهم بالعبودية لله ~~وهذا استدلال بالافتقار إلى الله في أسباب بقائهم إلى أجل . # وقوله : { وهو يطعم } جملة في موضع الحال ، أي يعطي الناس ما يأكلونه مما ~~أخرج لهم من الأرض : من حبوب وثمار وكلأ وصيد . وهذا استدلال على المشركين ~~بما هو مسلم عندهم ، لأنهم يعترفون بأن الرازق هو الله وهو خالق المخلوقات ~~وإنما جعلوا الآلهة الأخرى شركاء في استحقاق العبادة . وقد كثر الاحتجاج ~~على المشركين في القرآن بمثل هذا كقوله تعالى : { أفرأيتم ما تحرثون أأنتم ~~تزرعونه أم نحن الزارعون } ( الواقعة : 63 ، 64 ) . # وأما قوله : { ولا يطعم } بضم الياء وفتح العين فتكميل دال على الغنى ~~المطلق كقوله تعالى : { وما أريد أن يطعمون } ( الذاريات : 57 ) . ولا أثر ~~له في الاستدلال إذ ليس في آلهة العرب ما كانوا يطعمونه الطعام . ويجوز أن ~~يراد التعريض بهم فيما يقدمونه إلى أصنامهم من القرابين وما يهرقون عليها ~~من الدماء ، إذ لا يخلو فعلهم من اعتقاد أن الأصنام تنعم بذلك . # { قل إنى ms2520 & # 1764 أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين } . # استئناف مكرر لأسلوب الاستئناف الذي قبله . ومثار الاستئنافين واحد ولكن ~~الغرض منهما مختلف ، لأن ما قبله يحوم حول الاستدلال بدلالة العقل على ~~إبطال الشرك ، وهذا PageV07P158 استدلال بدلالة الوحي الذي فيه الأمر ~~باتباع دين الإسلام وما بني عليه اسم الإسلام من صرف الوجه إلى الله ، كما ~~قال في الآية الأخرى { فقل أسلمت وجهي لله } ( آل عمران : 20 ) ، فهذا ~~إبطال لطعنهم في الدين الذي جاء به المسمى بالإسلام ، وشعاره كلمة التوحيد ~~المبطلة للإشراك . # وبني فعل { أمرت } للمفعول ، لأن فاعل هذا الأمر معلوم بما تكرر من إسناد ~~الوحي إلى الله . # ومعنى { أول من أسلم } أنه أول من يتصف بالإسلام الذي بعثه الله به ، فهو ~~الإسلام الخاص الذي جاء به القرآن ، وهو زائد على ما آمن به الرسل من قبل ، ~~بما فيه من وضوح البيان والسماحة ، فلا ينافي أن بعض الرسل وصفوا بأنهم ~~مسلمون ، كما في قوله تعالى : حكاية عن إبراهيم ويعقوب { يا بني إن الله ~~اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون . وقد تقدم بيان ذلك عند ذكر ~~تلك الآية في سورة البقرة ( 132 ) . # ويجوز أن يكون المراد أول من أسلم ممن دعوا إلى الإسلام . ويجوز أن يكون ~~الأول كناية عن الأقوى والأمكن في الإسلام ، لأن الأول في كل عمل هو الأحرص ~~عليه والأعلق به ، فالأولية تستلزم الحرص والقوة في العمل ، كما حكى الله ~~تعالى عن موسى قوله : وأنا أول المؤمنين } ( الأعراف : 143 ) . فإن كونه ~~أولهم معلوم وإنما أراد : أني الآن بعد الصعقة أقوى الناس إيمانا . وفي ~~الحديث : ( نحن الآخرون الأولون يوم القيامة ) . وقد تقدم شيء من هذا عند ~~قوله تعالى : { ولا تكونوا أول كافر به في سورة البقرة ( 41 ) . # والمقصود من هذا على جميع الوجوه تأييس المشركين من عوده إلى دينهم لأنهم ~~ربما كانوا إذا رأوا منه رحمة بهم ولينا في القول طمعوا في رجوعه إلى دينهم ~~وقالوا إنه دين آبائه . # وقوله : ولا تكونن من المشركين } عطف على قوله : { قل ms2521 } ، أي قل لهم ذلك ~~لييأسوا . والكلام نهي من الله لرسوله مقصود منه تأكيد الأمر بالإسلام ، ~~لأن الأمر بالشيء PageV07P159 يقتضي النهي عن ضده ، فذكر النهي عن الضد بعد ~~ذلك تأكيد له ، وهذا التأكيد لتقطع جرثومة الشرك من هذا الدين . # و { من } تبعيضية ، فمعنى { من المشركين } أي من جملة الذين يشركون ، ~~ويحتمل أن النهي عن الانتماء إلى المشركين ، أي هو أمر بالبراءة منهم فتكون ~~{ من } اتصالية ويكون { المشركين } بالمعنى اللقبي ، أي الذي اشتهروا بهذا ~~الاسم ، أي لا يكن منك شيء فيه صلة بالمشركين ، كقول النابغة : # . فإني لست منك ولست مني # والتأييس على هذا الوجه أشد وأقوى . # وقد يؤخذ من هذه الآية استدلال للمأثور عن الأشعري : أن الإيمان بالله ~~وحده ليس مما يجب بدليل العقل بل تتوقف المؤاخذة به على بعثة الرسول ، لأن ~~الله أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن ينكر أن يتخذ غير الله وليا لأنه فاطر ~~السماوات والأرض ، ثم أمره أن يقول { إني أمرت أن أكون أول من أسلم } ثم ~~أمره بما يدل على المؤاخذة بقوله : { إني أخاف إن عصيت ربي إلى قوله فقد ~~رحمه } ( الأنعام : 15 ، 16 ) . # $ 2 ( 15 ، 16 ) { قل إنى & # 1764 أخاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم * من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه وذلك ~~الفوز المبين } . ) 2 $ # هذا استئناف مكرر لما قبله ، وهو تدرج في الغرض المشترك بينها من أن ~~الشرك بالله متوعد صاحبه بالعذاب وموعود تاركه بالرحمة . فقوله : { أغير ~~الله أتخذ وليا } ( الأنعام : 14 ) الآية رفض للشرك بالدليل العقلي ، وقوله ~~: { قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم } ( الأنعام : 14 ) الآية ، رفض للشرك ~~امتثالا لأمر الله وجلاله . # وقوله هنا : { قل إني أخاف } الآية تجنب للشرك خوفا من العقاب وطمعا في ~~الرحمة . وقد جاءت مترتبة على ترتيبها في نفس الأمر . PageV07P160 # وفهم من قوله : { إن عصيت ربي } أن الآمر له بأن يكون أول من أسلم ~~والناهي عن كونه من المشركين هو الله تعالى . وفي العدول عن اسم الجلالة ~~إلى قوله : { ربي } إيماء إلى أن عصيانه أمر قبيح ms2522 لأنه ربه فكيف يعصيه . # وأضيف العذاب إلى { يوم عظيم } تهويلا له لأن في معتاد العرب أن يطلق ~~اليوم على يوم نصر فريق وانهزام فريق من المحاربين ، فيكون اليوم نكالا على ~~المنهزمين ، إذ يكثر فيهم القتل والأسر ويسام المغلوب سوء العذاب ، فذكر { ~~يوم } يثير من الخيال مخاوف مألوفة ، ولذلك قال الله تعالى : { فكذبوه ~~فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم } ( الشعراء : 189 ) ولم يقل ~~عذاب الظلة أنه كان عذابا عظيما . وسيأتي بيان ذلك مفصلا عند قوله تعالى : ~~{ يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن في سورة التغابن ( 9 ) ، وبهذا ~~الاعتبار حسن جعل إضافة العذاب إلى اليوم العظيم كناية عن عظم ذلك العذاب ، ~~لأن عظمة اليوم العظيم تستلزم عظم ما يقع فيه عرفا . # وقوله : من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه } جملة من شرط وجزاء وقعت موقع الصفة ~~ل { عذاب } . # و { يصرف } مبني للمجهول في قراءة الأكثر ، على أنه رافع لضمير العذاب أو ~~لضمير { من } على النيابة عن الفاعل . والضمير المجرور ب ( عن ) عائد إلى { ~~من } أي يصرف العذاب عنه ، أو عائد إلى العذاب ، أي من يصرف هو عن العذاب ، ~~وعلى عكس هذا العود يكون عود الضمير المستتر في قوله : { يصرف } . # وقرأه حمزة ، والكسائي ، وأبو بكر عن عاصم ، ويعقوب ، وخلف { يصرف } ~~بالبناء للفاعل على أنه رافع لضمير { ربي } على الفاعلية . # أما الضمير المستتر في { رحمه } فهو عائد إلى { ربي } ، والمنصوب عائد ~~إلى { من } على كلتا القراءتين . # ومعنى وصف العذاب بمضمون جملة الشرط والجزاء ، أي من وفقه الله لتجنب ~~أسباب ذلك العذاب فهو قد قدر الله له الرحمة ويسر له أسبابها . PageV07P161 # والمقصود من هذا الكلام إثبات مقابل قوله : { إني أخاف إن عصيت ربي عذاب ~~يوم عظيم } كأنه قال : أرجو إن أطعته أن يرحمني ربي ، لأن من صرف عنه ~~العذاب ثبتت له الرحمة . فجاء في إفادة هذا المعنى بطريقة المذهب الكلامي . ~~وهو ذكر الدليل ليعلم المدلول . وهذا ضرب من الكناية وأسلوب بديع بحيث يدخل ~~المحكوم له في الحكم بعنوان كونه فردا من أفراد ms2523 العموم الذين ثبت لهم الحكم ~~. # ولذلك عقبه بقوله : { وذلك الفوز المبين } . والإشارة موجهة إلى الصرف ~~المأخوذ من قوله : { من يصرف عنه } أو إلى المذكور . وإنما كان الصرف عن ~~العذاب فوزا لأنه إذا صرف عن العذاب في ذلك اليوم فقد دخل في النعيم في ذلك ~~اليوم . قال تعالى : { فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز } ( آل عمران ~~: 185 ) . و { المبين } اسم فاعل من أبان بمعنى بان . # # | 2 ( 17 ) { وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو ~~على كل شىء قدير } . ) 2 # عطف على الجمل المفتتحة بفعل { قل } ( الأنعام : 15 ) فالخطاب للنبيء صلى ~~الله عليه وسلم # وهذا مؤذن بأن المشركين خوفوا النبي صلى الله عليه وسلم أو عرضوا له ~~بعزمهم على إصابته بشر وأذى فخاطبه الله بما يثبت نفسه وما يؤيس أعداءه من ~~أن يستزلوه . وهذا كما حكي عن إبراهيم عليه السلام { وكيف أخاف ما أشركتم ~~ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا } ( الأنعام : 81 ~~) ، ومن وراء ذلك إثبات أن المتصرف المطلق في أحوال الموجودات هو الله ~~تعالى بعد أن أثبت بالجمل السابقة أنه محدث الموجودات كلها في السماء ~~والأرض ، فجعل ذلك في أسلوب تثبيت للرسول صلى الله عليه وسلم على عدم ~~الخشية من بأس المشركين وتهديدهم ووعيدهم ، ووعده بحصول الخير له من أثر ~~رضى ربه وحده عنه ، وتحدي المشركين بأنهم لا يستطيعون إضراره ولا يجلبون ~~نفعه . ويحصل منه رد على المشركين الذين كانوا إذا ذكروا بأن الله خالق ~~السماوات والأرض ومن فيهن أقروا بذلك ، ويزعمون أن آلهتهم تشفع عند الله ~~وأنها تجلب الخير وتدفع PageV07P162 الشر ، فلما أبطلت الآيات السابقة ~~استحقاق الأصنام الإلهية لأنها لم تخلق شيئا ، وأوجبت عبادة المستحق ~~الإلهية بحق ، أبطلت هذه الآية استحقاقهم العبادة لأنهم لا يملكون للناس ~~ضرا ولا نفعا ، كما قال تعالى : { قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ~~ضرا ولا نفعا } ( المائدة : 76 ) وقال عن إبراهيم عليه السلام : { قال هل ~~يسمعونكم إذ تدعون أو ms2524 ينفعونكم أو يضرون } ( الشعراء : 73 ) . # وقد هيأت الجمل السابقة موقعا لهاته الجملة ، لأنه إذا تقرر أن خالق ~~الموجودات هو الله وحده لزم من ذلك أنه مقدر أحوالهم وأعمالهم ، لأن كون ~~ذلك في دائرة قدرته أولى وأحق بعد كون معروضات تلك العوارض مخلوقة له . ~~فالمعروضات العارضة للموجودات حاصلة بتقدير الله لأنه تعالى مقدر أسبابها ، ~~واضع نظام حصولها وتحصيلها ، وخالق وسائل الدواعي النفسانية إليها أو ~~الصوارف عنها . # والمس حقيقته وضع اليد على شيء . وقد يكون مباشرة وقد يكون بآلة ، ~~ويستعمل مجازا في إيصال شيء إلى شيء فيستعار إلى معنى الإيصال فيكثر أن ~~يذكر معه ما هو مستعار للآلة . ويدخل عليه حرف الآلة وهو الباء كما هنا ، ~~فتكون فيه استعارتان تبعيتان إحداهما في الفعل والأخرى في معنى الحرف ، كما ~~في قوله : { ولا تمسوها بسوء } ( الأعراف : 73 ) . فالمعنى : وإن يصبك الله ~~بضر ، أو وإن ينلك من الله ضر . # والضر بضم الضاد هو الحال الذي يؤلم الإنسان ، وهو من الشر ، وهو المنافر ~~للإنسان . ويقابله النفع ، وهو من الخير ، وهو الملائم . والمعنى إن قدر ~~الله لك الضر فهلا يستطيع أحد كشفه عنك إلا هو إن شاء ذلك ، لأن مقدراته ~~مربوطة ومحوطة بنواميس ونظم لا تصل إلى تحويلها إلا قدرة خالقها . # وقابل قوله : { وإن يمسسك الله بضر } بقوله : { وإن يمسسك بخير } مقابلة ~~بالأعم ، لأن الخير يشمل النفع وهو الملائم ويشمل السلامة من المنافر ، ~~للإشارة إلى أن المراد من الضر ما هو أعم ، فكأنه قيل : إن يمسسك بضر وشر ~~وإن يمسسك بنفع وخير ، ففي الآية احتباك . وقال ابن عطية : ناب الضر في هذه ~~الآية مناب الشر والشر أعم وهو مقابل الخير . وهو من الفصاحة عدول عن قانون ~~التكلف والصنعة ، فإن من باب التكلف PageV07P163 أن يكون الشيء مقترنا ~~بالذي يختص به ونظر هذا بقوله تعالى : { إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى ~~وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى } ( طه : 118 ، 119 ) . اه . # وقوله : { فهو على كل شيء قدير } جعل جوابا للشرط لأنه علة الجواب ~~المحذوف والجوابب المذكور قبله ms2525 ، إذ التقدير : وإن يمسسك بخير فلا مانع له ~~لأنه على كل شيء قدير في الضر والنفع . وقد جعل هذا العموم تمهيدا لقوله ~~بعده { وهو القاهر فوق عباده } ( الأنعام : 18 ) . # # | 2 ( 18 ) { وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير } . ) 2 # هذه الجملة معطوفة على جملة { وإن يمسسك الله بضر } ( الأنعام : 17 ) ~~الآية ، والمناسبة بينهما أن مضمون كلتيهما يبطل استحقاق الأصنام العبادة . ~~فالآية الأولى أبطلت ذلك بنفي أن يكون للأصنام تصرف في أحوال المخلوقات ، ~~وهذه الآية أبطلت أن يكون غير الله قاهرا على أحد أو خبيرا أو عالما بإعطاء ~~كل مخلوق ما يناسبه ، ولا جرم أن الإله تجب له القدرة والعلم ، وهما جماع ~~صفات الكمال ، كما تجب له صفات الأفعال من نفع وضر وإحياء وإماتة ، وهي ~~تعلقات للقدرة أطلق عليها اسم الصفات عند غير الأشعري نظرا للعرف ، وأدخلها ~~الأشعري في صفة القدرة لأنها تعلقات لها ، وهو التحقيق . # ولذلك تتنزل هذه الآية من التي قبلها منزلة التعميم بعد التخصيص لأن التي ~~قبلها ذكرت كمال تصرفه في المخلوقات وجاءت به في قالب تثبيت الرسول صلى ~~الله عليه وسلم كما قدمنا ، وهذه الآية أوعت قدرته على كل شيء وعلمه بكل ~~شيء ، وذلك أصل جميع الفعل والصنع . # والقاهر الغالب المكره الذي لا ينفلت من قدرته من عدي إليه فعل القهر . # وقد أفاد تعريف الجزأين القصر ، أي لا قاهر إلا هو ، لأن قهر الله تعالى ~~هو القهر الحقيقي الذي لا يجد المقهور منه ملاذا ، لأنه قهر بأسباب لا ~~يستطيع أحد خلق ما يدافعها . ومما يشاهد منها دوما النوم وكذلك الموت . ~~سبحان من قهر العباد بالموت . PageV07P164 # و { فوق } ظرف متعلق ب { القاهر } ، وهو استعارة تمثيلية لحالة القاهر ~~بأنه كالذي يأخذ المغلوب من أعلاه فلا يجد معالجة ولا حراكا . وهو تمثيل ~~بديع ومنه قوله تعالى حكاية عن فرعون { وإنا فوقهم قاهرون } ( الأعراف : ~~127 ) . # ولا يفهم من ذلك جهة هي في علو كما قد يتوهم ، فلا تعد هذه الآية من ~~المتشابهات . # والعباد : هم المخلوقون من العقلاء ، فلا يقال للدواب عباد ms2526 الله ، وهو في ~~الأصل جمع عبد لكن الاستعمال خصه بالمخلوقات ، وخص العبيد بجمع عبد بمعنى ~~المملوك . # ومعنى القهر فوق العباد أنه خالق ما لا يدخل تحت قدرهم بحيث يوجد ما لا ~~يريدون وجوده كالموت ، ويمنع ما يريدون تحصيله كالولد للعقيم والجهل بكثير ~~من الأشياء ، بحيث إن كل أحد يجد في نفسه أمورا يستطيع فعلها وأمورا لا ~~يستطيع فعلها وأمورا يفعلها تارة ولا يستطيع فعلها تارة ، كالمشي لمن خدرت ~~رجله ؛ فيعلم كل أحد أن الله هو خالق القدر والاستطاعات لأنه قد يمنعها ، ~~ولأنه يخلق ما يخرج عن مقدور البشر ، ثم يقيس العقل عوالم الغيب على عالم ~~الشهادة . وقد خلق الله العناصر والقوى وسلط بعضها على بعض فلا يستطيع ~~المدافعة إلا ما خولها الله . # والحكيم : المحكم المتقن للمصنوعات ، فعيل بمعنى مفعل ، وقد تقدم في قوله ~~: { فاعلموا أن الله عزيز حكيم في سورة البقرة ( 209 ) وفي مواضع كثيرة . # والخبير : مبالغة في اسم الفاعل من ( خبر ) المتعدي ، بمعنى ( علم ) ، ~~يقال : خبر الأمر ، إذا علمه وجربه . وقد قيل : إنه مشتق من الخبر لأن ~~الشيء إذا علم أمكن الإخبار به . # # | 2 ( 19 ) يأهل الكتاب قد جآءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن ~~تقولوا ما جآءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شىء ~~قدير } . ) 2 # { قل أى شىء أكبر شهادة قل الله شهيد بينى وبينكم وأوحى إلى هاذا القرءان ~~لانذركم به ومن بلغ أئنكم لتشهدون أن مع الله ءالهة أخرى قل لا أشهد قل ~~إنما هو إلاه واحد وإننى برىء مما تشركون } . PageV07P165 # انتقال من الاستدلال على إثبات ما يليق بالله من الصفات ، إلى إثبات صدق ~~رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وإلى جعلل الله حكما بينه وبين مكذبيه ، ~~فالجملة استئناف ابتدائي ، ومناسبة الانتقال ظاهرة . # روى الواحدي في ( أسباب النزول ) عن الكلبي : أن رؤساء مكة قالوا : يا ~~محمد ما نرى أحدا مصدقك بما تقول ، وقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا ~~أن ليس عندهم ذكرك ولا صفتك فأرنا من يشهد أنك رسول ms2527 الله . فنزلت هذه الآية ~~. # وقد ابتدئت المحاورة بأسلوب إلقاء استفهام مستعمل في التقرير على نحو ما ~~بينته عند قوله تعالى : { قل لمن ما في السماوات والأرض } ( الأنعام : 12 ) ~~ومثل هذا الأسلوب لإعداد السامعين لتلقي ما يرد بعد الاستفهام . # و ( أي ) اسم استفهام يطلب به بيان أحد المشتركات فيما أضيف إليه هذا ~~الاستفهام ، والمضاف إليه هنا هو { شيء } المفسر بأنه من نوع الشهادة . # و { شيء } اسم عام من الأجناس العالية ذات العموم الكثير ، قيل : هو ~~الموجود ، وقيل : هو ما يعلم ويصح وجوده . والأظهر في تعريفه أنه الأمر ~~الذي يعلم . ويجري عليه الإخبار سواء كان موجودا أو صفة موجود أو معنى ~~يتعقل ويتحاور فيه ، ومنه قوله تعالى : { فقال الكافرون هذا شيء عجيب أإذا ~~متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد } ( ق : 2 ، 3 ) . # وقد تقدم الكلام على مواقع حسن استعمال كلمة ( شيء ) ومواقع ضعفها عند ~~قوله تعالى : { ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع في سورة البقرة ( 155 ) . # وأكبر } هنا بمعنى أقوى وأعدل في جنس الشهادات ، وهو من إطلاق ما مدلوله ~~عظم الذات على عظم المعنى ، كقوله تعالى : { ورضوان من الله أكبر } ( ~~التوبة : 72 ) وقوله : { قل قتال فيه كبير . وقد تقدم في سورة البقرة ( 217 ~~) . # وقوة الشهادة بقوة اطمئنان النفس إليها وتصديق مضمونها . # وقوله : شهادة } تمييز لنسبة الأكبرية إلى الشيء فصار ماصدق الشيء بهذا ~~التمييز هو الشهادة . فالمعنى : أية شهادة هي أصدق الشهادات ، فالمستفهم ~~عنه ب { أي } فرد من أفراد الشهادات يطلب علم أنه أصدق أفراد جنسه . ~~PageV07P166 # والشهادة تقدم بيانها عند قوله تعالى : { شهادة بينكم في سورة المائدة ( ~~106 ) . # ولما كانت شهادة الله على صدق الرسول غير معلومة للمخاطبين المكذبين بأنه ~~رسول الله ، صارت شهادة الله عليهم في معنى القسم على نحو قوله تعالى : ~~ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين } ( النور : ~~8 ) أي أن تشهد الله على كذب الزوج ، أي أن تحلف على ذلك بسم الله ، فإن ~~لفظ ( أشهد الله ) من صيغ القسم إلا أنه إن لم يكن معه معنى ms2528 الإشهاد يكون ~~مجازا مرسلا ، وإن كان معه معنى الإشهاد كما هنا فهو كناية عن القسم مراد ~~منه معنى إشهاد الله عليهم ، وبذلك يظهر موقع قوله : { الله شهيد بيني ~~وبينكم } ، أي أشهده عليكم . وقريب منه ما حكاه الله عن هود { قال إني أشهد ~~الله } ( هود : 54 ) . # وقوله : { قل الله شهيد بيني وبينكم } جواب للسؤال ، ولذلك فصلت جملته ~~المصدرة ب { قل } . وهذا جواب أمر به المأمور بالسؤال على معنى أن يسأل ثم ~~يبادر هو بالجواب لكون المراد بالسؤال التقرير وكون الجواب مما لا يسع ~~المقرر إنكاره ، على نحو ما بيناه في قوله : { قل لمن ما في السماوات ~~والأرض قل لله } ( الأنعام : 12 ) . # ووقع قوله : { الله شهيد بيني وبينكم } جوابا على لسانهم لأنه مرتب على ~~السؤال وهو المقصود منه فالتقدير : قل شهادة الله أكبر شهادة ، فالله شهيد ~~بيني وبينكم ، فحذف المرتب عليه لدلالة المرتب إيجازا كما هو مقتضى جزالة ~~أسلوب الإلجاء والجدل . والمعنى : أني أشهد الله الذي شهادته أعظم شهادة ~~أنني أبلغتكم أنه لا يرضى بأن تشركوا به وأنذرتكم . # وفي هذه الآية ما يقتضي صحة إطلاق اسم ( شيء ) على الله تعالى لأن قوله : ~~{ الله شهيد } وقع جوابا عن قوله : { أي شيء } فاقتضى إطلاق اسم ( شيء ) ~~خبرا عن الله تعالى وإن لم يدل صريحا . وعليه فلو أطلقه المؤمن على الله ~~تعالى لما كان في إطلاقه تجاوز للأدب ولا إثم . وهذا قول الأشعرية خلافا ~~لجهم بن صفوان وأصحابه . # ومعنى : { شهيد بيني وبينكم } أنه لما لم تنفعهم الآيات والنذر فيرجعوا ~~عن التكذيب والمكابرة لم يبق إلا أن يكلهم إلى حساب الله تعالى . والمقصود ~~: إنذارهم بعذاب الله في PageV07P167 الدنيا والآخرة . ووجه ذكر { بيني ~~وبينكم } أن الله شهيد له ، كما هو مقتضى السياق . فمعنى البين أن الله ~~شهيد للرسول صلى الله عليه وسلم بالصدق لرد إنكارهم رسالته كما هو شأن ~~الشاهد في الخصومات . # وقوله : { وأوحي إلي هذا القرآن } عطف على جملة { الله شهيد بيني وبينكم ~~} ، وهو الأهم فيما أقسم عليه من إثبات الرسالة . وينطوي في ذلك جميع ما ms2529 ~~أبلغهم الرسول صلى الله عليه وسلم وما أقامه من الدلائل . فعطف { وأوحي إلي ~~هذا القرآن } من عطف الخاص على العام ، وحذف فاعل الوحي وبني فعله للمجهول ~~للعلم بالفاعل الذي أوحاه إليه وهو الله تعالى . # والإشارة ب { هذا القرآن } إلى ما هو في ذهن المتكلم والسامع . وعطف ~~البيان بعد اسم الإشارة بين المقصود بالإشارة . # واقتصر على جعل علة نزول القرآن للنذارة دون ذكر البشارة لأن المخاطبين ~~في حال مكابرتهم التي هي مقام الكلام لا يناسبهم إلا الإنذار ، فغاية ~~القرآن بالنسبة إلى حالهم هي الإنذار ، ولذلك قال { لأنذركم به } مصرحا ~~بضمير المخاطبين . ولم يقل : لأنذر به ، وهم المقصود ابتداء من هذا الخطاب ~~وإن كان المعطوف على ضميرهم ينذر ويبشر . على أن لام العلة لا تؤذن بانحصار ~~العلة في مدخولها إذ قد تكون للفعل المعدى بها علل كثيرة . # { ومن بلغ } عطف على ضمير المخاطبين ، أي ولأنذر به من بلغه القرآن وسمعه ~~ولو لم أشافهه بالدعوة ، فحذف ضمير النصب الرابط للصلة لأن حذفه كثير حسن ، ~~كما قال أبو علي الفارسي . وعموم { من } وصلتها يشمل كل من يبلغه القرآن في ~~جميع العصور . # { أئنكم لتشهدون أن مع الله ءالهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إلاه واحد ~~وإننى برىء مما تشركون } . # جملة مستأنفة من جملة القول المأمور بأن يقوله لهم . PageV07P168 فهي ~~استئناف بعد جملة { أي شيء أكبر شهادة } . خص هذا بالذكر لأن نفي الشريك ~~لله في الإلهية هو أصل الدعوة الإسلامية فبعد أن قررهم أن شهادة الله أكبر ~~شهادة وأشهد الله على نفسه فيما بلغ ، وعليهم فيما أعرضوا وكابروا ؛ استأنف ~~استفهاما على طريقة الإنكار استقصاء في الإعذار لهم فقال : أتشهدون أنتم ~~على ما أصررتم عليه أن مع الله آلهة أخرى كما شهدت أنا على ما دعوتكم إليه ~~، والمقرر عليه هنا أمر ينكرونه بدلالة المقام . # وإنما جعل الاستفهام المستعمل في الإنكار عن الخبر الموكد ب ( إن ) ولام ~~الابتداء ليفيد أن شهادتهم هذه مما لا يكاد يصدق السامعون أنهم يشهدونها ~~لاستبعاد صدورها من عقلاء ، فيحتاج المخبر عنهم ms2530 بها إلى تأكيد خبره بمؤكدين ~~فيقول : إنهم ليشهدون أن مع الله آلهة أخرى ، فهنالك يحتاج مخاطبهم ~~بالإنكار إلى إدخال أداة الاستفهام الإنكاري على الجملة التي من شأنها أن ~~يحكى بها خبرهم ، فيفيد مثل هذا التركيب إنكارين : أحدهما صريح بأداة ~~الإنكار ، والآخر كنائي بلازم تأكيد الإخبار لغرابة هذا الزعم بحيث يشك ~~السامع في صدوره منهم . # ومعنى { لتشهدون } لتدعونا دعوى تحققونها تحقيقا يشبه الشهادة على أمر ~~محقق الوقوع ، فإطلاق { تشهدون } مشاكلة لقوله { قل الله شهيد بيني وبينكم ~~} . # والآلهة جمع إله ، وأجري عليه الوصف بالتأنيث تنبيها على أنها لا تعقل ~~فإن جمع غير العاقل يكون وصفه كوصف الواحدة المؤنثة . # وقوله : { قل لا أشهد } جواب للاستفهام الذي في قوله : { أإنكم لتشهدون } ~~لأنه بتقدير : قل أإنكم ، ووقعت المبادرة بالجواب بتبرىء المتكلم من أن ~~يشهد بذلك لأن جواب المخاطبين عن هذا السؤال معلوم من حالهم أنهم مقرون به ~~فأعرض عنهم بعد سؤالهم كأنه يقول : دعنا من شهادتكم وخذوا شهادتي فإني لا ~~أشهد بذلك . ونظير هذا قوله تعالى : { فإن شهدوا فلا تشهد معهم } ( الأنعام ~~: 15 ) . PageV07P169 # وجملة : { قل إنما هو إله واحد } بيان لجملة { لا أشهد } فلذلك فصلت ~~لأنها بمنزلة عطف البيان ، لأن معنى لا أشهد بأن معه آلهة هو معنى أنه إله ~~واحد ، وأعيد فعل القول لتأكيد التبليغ . # وكلمة { إنما } أفادت الحصر ، أي هو المخصوص بالوحدانية : ثم بالغ في ~~إثبات ذلك بالتبرىء من ضده بقوله : { وإنني بريء مما تشركون } . وفيه قطع ~~للمجادلة معهم على طريقة المتاركة . # و ( ما ) في قوله : { مما تشركون } يجوز كونها مصدرية ، أي من إشراككم . ~~ويجوز كونها موصولة ، وهو الأظهر ، أي من أصنامكم التي تشركون بها ، وفيه ~~حذف العائد المجرور لأن حرف الجر المحذوف مع العائد متعين تقديره بلا لبس ، ~~وذلك هو ضابط جواز حذف العائد المجرور ، كقوله تعالى : { أنسجد لما تأمرنا ~~} ( الفرقان : 60 ) أي بتعظيمه ، وقوله تعالى : { فاصدع بما تؤمر } أي ~~بالجهر به . وظاهر كلام ( التسهيل ) أن هذا ممنوع ، وهو غفلة من مؤلفه اغتر ~~بها بعض شراح كتبه . # $ 2 ( 20 ) { الذين ءاتيناهم الكتاب ms2531 يعرفونه كما يعرفون أبنآءهم الذين ~~خسرو & # 1764 ا أنفسهم فهم لا يؤمنون } . ) 2 $ # جملة مستأنفة انتقل بها أسلوب الكلام من مخاطبة الله المشركين على لسان ~~الرسول صلى الله عليه وسلم إلى إخبار عام كسائر أخبار القرآن . أظهر الله ~~دليلا على صدق الرسول فيما جاء به بعد شهادة الله تعالى التي في قوله { قل ~~الله شهيد بيني وبينكم } ( الأنعام : 19 ) ، فإنه لما جاء ذكر القرآن هنالك ~~وقع هذا الانتقال للاستشهاد على صدق القرآن المتضمن صدق من جاء به ، لأنه ~~هو الآية المعجزة العامة الدائمة . وقد علمت آنفا أن الواحدي ذكر أن رؤساء ~~المشركين قالوا للنبيء صلى الله عليه وسلم قد سألنا عنك اليهود والنصارى ~~فزعموا أن ليس عندهم ذكرك ولا صفتك إلى آخره ؛ فإذا كان كذلك كان التعرض ~~لأهل الكتاب هنا إبطالا لما قالوه أنه ليس عندهم ذكر النبي ولا صفته ، أي ~~فهم PageV07P170 وأنتم سواء في جحد الحق ، وإن لم تجعل الآية مشيرة إلى ما ~~ذكر في أسباب النزول تعين أن تجعل المراد ب { الذين آتيناهم الكتاب } بعض ~~أهل الكتاب ، وهم المنصفون منهم مثل عبد الله بن سلام ومخيريق ، فقد كان ~~المشركون يقدرون أهل الكتاب ويثقون بعلمهم وربما اتبع بعض المشركين دين أهل ~~الكتاب وأقلعوا عن الشرك مثل ورقة بن نوفل ، فلذلك كانت شهادتهم في معرفة ~~صحة الدين موثوقا بها عندهم إذا أدوها ولم يكتموها . وفيه تسجيل على أهل ~~الكتاب بوجوب أداء هذه الشهادة إلى الناس . # فالضمير المنصوب في قوله : { يعرفونه } عائد إلى القرآن الذي في قوله : { ~~وأوحي إلي هذا القرآن } ( الأنعام : 19 ) . والمراد أنهم يعرفون أنه من عند ~~الله ويعرفون ما تضمنه مما أخبرت به كتبهم ، ومن ذلك رسالة من جاء به ، وهو ~~محمد صلى الله عليه وسلم لما في كتبهم من البشارة به . والمراد بالذين ~~أوتوا الكتاب علماء اليهود والنصارى كقوله تعالى : { قل كفى بالله شهيدا ~~بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب } ( الرعد : 43 ) . # والتشبيه في قوله : { كما يعرفون أبناءهم } تشبيه المعرفة بالمعرفة . ~~فوجه الشبه هو التحقق والجزم بأنه ms2532 هو الكتاب الموعود به ، وإنما جعلت ~~المعرفة المشبه بها هي معرفة أبنائهم لأن المرء لا يضل عن معرفة شخص ابنه ~~وذاته إذا لقيه وأنه هو ابنه المعروف ، وذلك لكثرة ملازمة الأبناء آباءهم ~~عرفا . # وقيل : إن ضمير { يعرفونه } عائد إلى التوحيد المأخوذ من قوله : { إنما ~~هو إله واحد } ( الأنعام : 19 ) وهذا بعيد . وقيل : الضمير عائد إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم مع أنه لم يجر له ذكر فيما تقدم صريحا ولا تأويلا . ~~ويقتضي أن يكون المخاطب غير الرسول صلى الله عليه وسلم وهو غير مناسب على ~~أن في عوده إلى القرآن غنية عن ذلك مع زيادة إثباته بالحجة وهي القرآن . # وقوله : { الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون } استئناف لزيادة إيضاح تصلب ~~المشركين وإصرارهم ، فهم المراد بالذين خسروا أنفسهم كما أريدوا بنظيره ~~السابق الواقع بعد قوله { ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه } ( النساء ~~: 87 ) . فهذا من التكرير للتسجيل وإقامة الحجة وقطع المعذرة ، وأنهم مصرون ~~على الكفر حتى ولو شهد بصدق الرسول PageV07P171 أهل الكتاب ، كقوله { قل ~~أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله ~~فآمن واستكبرتم } ( الأحقاف : 10 ) . وقيل : أريد بهم أهل الكتاب ، أي ~~الذين كتموا الشهادة ، فيكون { الذين خسروا } بدلا من { الذين آتيناهم ~~الكتاب } . # # | 2 ( 21 ) { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بئاياته إنه لا ~~يفلح الظالمون } . ) 2 # عطف على جملة { الذين خسروا أنفسهم } ( الأنعام : 20 ) . فالمراد بهم ~~المشركون مثل قوله : { ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه . ~~وقد تقدم نظيره في سورة البقرة ( 114 ) . والمراد بافترائهم عقيدة الشرك في ~~الجاهلية بما فيها من تكاذيب ، وبتكذيبهم الآيات تكذيبهم القرآن بعد البعثة ~~. وقد جعل الآتي بواحدة من هاتين الخصلتين أظلم الناس فكيف بمن جمعوا ~~بينهما . # وجملة : إنه لا يفلح الظالمون } تذييل ، فلذلك فصلت ، أي إذا تحقق أنهم ~~لا أظلم منهم فهم غير مفلحين ، لأنه لا يفلح الظالمون فكيف بمن بلغ ظلمه ~~النهاية ، فاستغنى بذكر العلة عن ذكر المعلول . # وموقع ms2533 ( إن ) في هذا المقام يفيد معنى التعليل للجملة المحذوفة ، كما ~~تقرر في كلام عبد القاهر . وموقع ضمير الشأن معها أفاد الاهتمام بهذا الخبر ~~اهتمام تحقيق لتقع الجملة الواقعة تفسيرا له في نفس السامع موقع الرسوخ . # والافتراء الكذب المتعمد . وقوله : { كذبا } مصدر مؤكد له ، وهو أعم من ~~الافتراء . والتأكيد يحصل بالأعم ، كما قدمناه في قوله تعالى : { ولكن ~~الذين كفروا يفترون على الله الكذب في سورة المائدة ( 103 ) ، وقد نفى ~~فلاحهم فعم كل فلاح في الدنيا والآخرة ، فإن الفلاح المعتد به في نظر الدين ~~في الدنيا هو الإيمان والعمل ، وهو سبب فلاح الآخرة . # # | 2 ( 22 24 ) ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا أين شركآؤكم الذين ~~كنتم تزعمون * ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا PageV07P172 والله ربنا ما ~~كنا مشركين * انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون } . ) 2 # عطف على جملة : { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا } ( الأنعام : 21 ) ، ~~أو على جملة { إنه لا يفلح الظالمون } ( الأنعام : 21 ) ، فإن مضمون هذه ~~الجمل المعطوفة له مناسبة بمضمون جملة { ومن أظلم } ومضمون جملة { إنه لا ~~يفلح الظالمون } ، لأن مضمون هذه من آثار الظلم وآثار عدم الفلاح ، ولأن ~~مضمون الآية جامع للتهديد على الشرك والتكذيب ولإثبات الحشر ولإبطال الشرك ~~. # وانتصب { يوم } على الظرفية ، وعامله محذوف ، والأظهر أنه يقدر مما تدل ~~عليه المعطوفات وهي : نقول ، أو قالوا ، أو كذبوا ، أو ضل ، وكلها صالحة ~~للدلالة على تقدير المحذوف ، وليست تلك الأفعال متعلقا بها الظرف بل هي ~~دلالة على المتعلق المحذوف ، لأن المقصود تهويل ما يحصل لهم يوم الحشر من ~~الفتنة والاضطراب الناشئين عن قول الله تعالى لهم : { أين شركاؤكم } ، ~~وتصوير تلك الحالة المهولة . # وقدر في ( الكشاف ) الجواب مما دل عليه مجموع الحكاية . وتقديره : كان ما ~~كان ، وأن حذفه مقصود به الإبهام الذي هو داخل في التخويف . وقد سلك في هذا ~~ما اعتاده أئمة البلاغة في تقدير المحذوفات من الأجوبة والمتعلقات . ~~والأحسن عندي أنه إنما يصار إلى ذلك عند عدم الدليل في الكلام على ms2534 تعيين ~~المحذوف وإلا فقد يكون التخويف والتهويل بالتفصيل أشد منه بالإبهام إذا كان ~~كل جزء من التفصيل حاصلا به تخويف . وقدر بعض المفسرين : اذكر يوم نحشرهم . ~~ولا نكتة فيه . وهنالك تقديرات أخرى لبعضهم لا ينبغي أن يعرج عليها . # والضمير المنصوب في { نحشرهم } يعود إلى { من افترى على الله كذبا } ( ~~الأنعام : 21 ) أو إلى { الظالمون } ( الأنعام : 21 ) إذ المقصود بذلك ~~المشركون ، فيؤذن بمشركين ومشرك بهم . وللتنبيه على أن الضمير عائد إلى ~~المشركين وأصنامهم جيء بقوله : { جميعا } ليدل على قصد الشمول ، فإن ~~PageV07P173 شمول الضمير لجميع المشركين لا يتردد فيه السامع حتى يحتاج إلى ~~تأكيده باسم الإحاطة والشمول ، فتعين أن ذكر { جميعا } قصد منه التنبيه . ~~على أن الضمير عائد إلى المشركين وأصنامهم ، فيكون نظير قوله : { ويوم ~~نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم } ( يونس : 28 ) ~~وقوله : { ويوم نحشرهم وما يعبدون من دون الله } ( الفرقان : 17 ) وانتصب { ~~جميعا } هنا على الحال من الضمير . # والمقصود من حشر أصنامهم معهم أن تظهر مذلة الأصنام وعدم جدواها كما يحشر ~~الغالب أسرى قبيلة ومعهم من كانوا ينتصرون به ، لأنهم لو كانوا غائبين ~~لظنوا أنهم لو حصروا لشفعوا ، أو أنهم شغلوا عنهم بما هم فيه من الجلالة ~~والنعيم ، فإن الأسرى كانوا قد يأملون حضور شفائعهم أو من يفاديهم . قال ~~النابغة : # يأملن رحلة نصر وابن سيار # وعطف { نقول } ب { ثم } لأن القول متأخر عن زمن حشرهم بمهلة لأن حصة ~~انتظار المجرم ما سيحل به أشد عليه ، ولأن في إهمال الاشتغال بهم تحقيرا ~~لهم . وتفيد { ثم } مع ذلك الترتيب الرتبي . # وصرح ب { الذين أشركوا } لأنهم بعض ما شمله الضمير ، أي ثم نقول للذين ~~أشركوا من بين ذلك الجمع . # وأصل السؤال ب { أين } أنه استفهام عن المكان الذي يحل فيه المسند إليه ، ~~نحو : أين بيتك ، وأين تذهبون . وقد يسأل بها عن الشيء الذي لا مكان له ، ~~فيراد الاستفهام عن سبب عدمه ، كقول أبي سعيد الخدري لمروان بن الحكم حين ~~خرج يوم العيد فقصد المنبر قبل الصلاة { أين تقديم الصلاة } . وقد ms2535 يسأل ب { ~~أين } عن عمل أحد كان مرجوا منه ، فإذا حضر وقته ولم يحصل منه يسأل عنه ب { ~~أين } ، كأن السائل يبحث عن مكانه تنزيلا له منزلة الغائب المجهول مكانه ؛ ~~فالسؤال ب { أين } هنا عن الشركاء المزعومين وهم حاضرون كما دلت عليه آيات ~~أخرى . قال تعالى : { احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون ~~الله } ( الصافات : 22 ) . PageV07P174 # والاستفهام توبيخي عما كان المشركون يزعمونه من أنها تشفع لهم عند الله ، ~~أو أنها تنصرهم عند الحاجة ، فلما رأوها لا غناء لها قيل لهم : أين شركاؤكم ~~، أي أين عملهم فكأنهم غيب عنهم . # وأضيف الشركاء إلى ضمير المخاطبين إضافة اختصاص لأنهم الذين زعموا لهم ~~الشركة مع الله في الإلهية فلم يكونوا شركاء إلا في اعتقاد المشركين ، ~~فلذلك قيل { شركاؤكم } . وهذا كقول أحد أبطال العرب لعمرو بن معد يكرب لما ~~حدث عمرو في جمع أنه قتله ، وكان هو حاضرا في ذلك الجمع ، فقال له : ( مهلا ~~أبا ثور قتيلك يسمع ) ، أي المزعوم أنه قتيلك . # ووصفوا ب { الذين كنتم تزعمون } تكذيبا لهم ؛ وحذف المفعول الثاني ل { ~~تزعمون } ليعم كل ما كانوا يزعمونه لهم من الإلهية والنصر والشفاعة ؛ أما ~~المفعول الأول فحذف على طريقة حذف عائد الصلة المنصوب . # والزعم : ظن يميل إلى الكذب أو الخطأ أو لغرابته يتهم صاحبه ، فيقال : ~~زعم ، بمعنى أن عهدة الخبر عليه لا على الناقل ، وتقدم عند قوله تعالى : { ~~ألم تر إلى الذين يزعمون الآية في سورة النساء ( 60 ) . وتأتي زيادة بيان ~~لمعنى الزعم عند قوله تعالى : زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا في سورة ~~التغابن ( 7 ) . # وقوله : ثم لم تكن فتنتهم } عطف على جملة { ثم نقول } و ( ثم ) للترتيب ~~الرتبي وهو الانتقال من خبر إلى خبر أعظم منه . # والفتنة أصلها الاختبار ، من قولهم : فتن الذهب إذا اختبر خلوصه من الغلث ~~. وتطلق على اضطراب الرأي من حصول خوف لا يصبر على مثله ، لأن مثل ذلك يدل ~~على مقدار ثبات من يناله ، فقد يكون ذلك في حالة العيش ؛ وقد يكون في البغض ~~والحب ؛ وقد ms2536 يكون في الإعتقاد والتفكير وارتباك الأمور . وقد تقدم الكلام ~~عليها عند قوله تعالى : { إنما نحن فتنة فلا تكفر في سورة البقرة ( 102 ) . # وفتنتهم } هنا استثني منها { أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين } ، فذلك ~~القول إما أن PageV07P175 يكون من نوع ما استثني هو منه المحذوف في تفريغ ~~الاستثناء ، فيكون المستثنى منه من الأقوال الموصوفة بأنها فتنة . فالتقدير ~~: لم يكن لهم قول هو فتنة لهم إلا قولهم { والله ربنا ما كنا مشركين } . # وإما أن يكون القول المستثنى دالا على فتنتهم ، أي على أنهم في فتنة حين ~~قالوه . وأيا ما كان فقولهم : { والله ربنا ما كنا مشركين } متضمن أنهم ~~مفتونون حينئذ . # وعلى ذلك تحتمل الفتنة أن تكون بمعنى اضطراب الرأي والحيرة في الأمر ، ~~ويكون في الكلام إيجاز . والتقدير : فافتتنوا في ماذا يجيبون ، فكان جوابهم ~~أن قالوا : { والله ربنا ما كنا مشركين } فعدل عن المقدر إلى هذا التركيب ~~لأنه قد علم أن جوابهم ذلك هو فتنتهم لأنه أثرها ومظهرها . # ويحتمل أن يراد بالفتنة جوابهم الكاذب لأنه يفضي إلى فتنة صاحبه ، أي ~~تجريب حالة نفسه . # ويحتمل أن تكون أطلقت على معناها الأصلي وهو الاختبار . والمراد به ~~السؤال لأن السؤال اختبار عما عند المسؤول من العلم ، أو من الصدق وضده ، ~~ويتعين حينئذ تقدير مضاف ، أي لم يكن جواب فتنتهم ، أي سؤالهم عن حال ~~إشراكهم إلا أن قالوا : { والله ربنا ما كنا مشركين } . # وقرأ الجمهور { لم تكن } بتاء تأنيث حرف المضارعة . وقرأه حمزة ، ~~والكسائي ، ويعقوب بياء المضارعة للغائبة باعتبار أن { قالوا } هو اسم ( ~~كان ) . وقرأ الجمهور { فتنتهم } بالنصب على أنه خبر ( كان ) ، فتكون ( كان ~~) ناقصة واسمها { إلا أن قالوا } وإنما أخر عن الخبر لأنه محصور . # وقرأه ابن كثير ، وابن عامر ، وحفص عن عاصم بالرفع على أنه اسم ( كان ) و ~~{ أن قالوا } خبر ( كان ) ، فتجعل ( كان ) تامة . والمعنى لم توجد فتنة لهم ~~إلا قولهم : { والله ربنا ما كنا مشركين } ، أي لم تقع فتنتهم إلا أن نفوا ~~أنهم أشركوا . # ووجه اتصال الفعل بعلامة مضارعة للمؤنث على قراءة نصب ms2537 { فتنتهم } هو أن ~~PageV07P176 فاعله مؤنث تقديرا ، لأن القول المنسبك من ( أن ) وصلتها من ~~جملة الفتنة على أحد التأويلين . قال أبو علي الفارسي : وذلك نظير التأنيث ~~في اسم العدد في قوله تعالى : { من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها } ( ~~الأنعام : 160 ) ، لأن الأمثال لما كانت في معنى الحسنات أنث اسم عددها . # وقرأ الجمهور { ربنا } بالجر على الصفة لاسم الجلالة . وقرأه حمزة ، ~~والكسائي ، وخلف بالنصب على النداء بحذف حرفه . # وذكرهم الرب بالإضافة إلى ضميرهم مبالغة في التنصل من الشرك ، أي لا رب ~~لنا غيره . وقد كذبوا وحلفوا على الكذب جريا على سننهم الذي كانوا عليه في ~~الحياة ، لأن المرء يحشر على ما عاش عليه ، ولأن الحيرة والدهش الذي أصابهم ~~خيل إليهم أنهم يموهون على الله تعالى فيتخلصون من العقاب . ولا مانع من ~~صدور الكذب مع ظهور الحقيقة يومئذ ، لأن الحقائق تظهر لهم وهم يحسبون أن ~~غيرهم لا تظهر له ، ولأن هذا إخبار منهم عن أمر غائب عن ذلك اليوم فإنهم ~~أخبروا عن أمورهم في الدنيا . # وفي ( صحيح البخاري ) : أن رجلا قال لابن عباس : إني أجد في القرآن أشياء ~~تختلف علي ، فذكر منها قوله : { ولا يكتمون الله حديثا } ( النساء : 42 ) ~~وقوله : { والله ربنا ما كنا مشركين } . فقد كتموا في هذه الآية . فقال ابن ~~عباس : إن الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم ، فيقول المشركون تعالوا نقل : ما ~~كنا مشركين ، فيختم على أفواههم فتنطق أيديهم ، فعند ذلك عرفوا أن الله لا ~~يكتم حديثا . # وقوله : { انظر كيف كذبوا على أنفسهم } جعل حالهم المتحدث عنه بمنزلة ~~المشاهد ، لصدوره عمن لا خلاف في أخباره ، فلذلك أمر سامعه أو أمر الرسول ~~صلى الله عليه وسلم بما يدل على النظر إليه كأنه مشاهد حاضر . # والأظهر أن { كيف } لمجرد الحال غير دال على الاستفهام . والنظر إلى ~~الحالة هو النظر إلى أصحابها حين تكيفهم بها . وقد تقدمت له نظائر منها ~~قوله تعالى : { انظر كيف يفترون على الله الكذب في سورة النساء ( 50 ) . ~~وجعل كثير من المفسرين النظر هنا نظرا PageV07P177 قلبيا فإنه يجيء كما ~~يجيء ms2538 فعل الرؤية فيكون معلقا عن العمل بالاستفهام ، أي تأمل جواب قول ~~القائل : كيف يفترون على الله الكذب تجده جوابا واضحا بينا . # ولأجل هذا التحقق من خبر حشرهم عبر عن كذبهم الذي يحصل يوم الحشر بصيغة ~~الماضي في قوله : كذبوا على أنفسهم } . وكذلك قوله { وضل عنهم ما كانوا ~~يفترون } . # وفعل ( كذب ) يعدى بحرف ( على ) إلى من يخبر عنه الكاذب كذبا مثل تعديته ~~في هذه الآية ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم { من كذب علي معتمدا فليتبوأ ~~مقعده من النار } ، وأما تعديته إلى من يخبره الكاذب خبرا كذبا فبنفسه ، ~~يقال : كذبك ، إذا أخبرك بكذب . # وضل بمعنى غاب كقوله تعالى : { ضللنا في الأرض } ( السجدة : 10 ) ، أي ~~غيبنا فيها بالدفن . و { ما } موصولة و { يفترون } صلتها ، والعائد محذوف ، ~~أي يختلقونه وماصدق ذلك هو شركاؤهم . والمراد : غيبة شفاعتهم ونصرهم لأن ~~ذلك هو المأمول منهم فلما لم يظهر شيء من ذلك نزل حضورهم منزلة الغيبة ، ~~كما يقال : أخذت وغاب نصيرك ، وهو حاضر . # $ 2 ( 25 ) { ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفى ~~& # 1764 ءاذانهم وقرا وإن يروا كل ءاية لا يؤمنوا بها حتى إذا جآءوك ~~يجادلونك يقول الذين كفرو & # 1764 ا إن هاذآ إلا أساطير الاولين } . ) 2 $ # عطف جملة ابتدائية على الجمل الابتدائية التي قبلها من قوله : { الذين ~~خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون } ( الأنعام : 20 ) . # والضمير المجرور ب { من } التبعيضية عائد إلى المشركين الذين الحديث معهم ~~وعنهم ابتداء من قوله : { ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } ( الأنعام : 1 ) ، ~~أي ومن المشركين من يستمع إليك . وقد انتقل الكلام إلى أحوالل خاصة عقلائهم ~~الذين يربأون بأنفسهم عن أن يقابلوا دعوة PageV07P178 الرسول صلى الله عليه ~~وسلم بمثل ما يقابله به سفهاؤهم من الإعراض التام ، وقولهم : { قلوبنا في ~~أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب } ( فصلت : 5 ) ~~. ولكن هؤلاء العقلاء يتظاهرون بالحلم والأناة والإنصاف ويخيلون للدهماء ~~أنهم قادرون على مجادلة الرسول عليه الصلاة والسلام وإبطال حججه ثم ينهون ~~الناس عن الإيمان . روى الواحدي عن ms2539 ابن عباس أنه سمى من هؤلاء أبا سفيان بن ~~حرب ، وعتبة وشيبة ابني ربيعة ، وأبا جهل ، والوليد بن المغيرة ، والنضر بن ~~الحارث ، وأمية وأبيا ابني خلف ، اجتمعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~يستمعون القرآن فلما سمعوه قالوا للنضر : ما يقول محمد فقال : والذي جعلها ~~بيته ( يعني الكعبة ) ما أدري ما يقول إلا أني أرى تحرك شفتيه فما يقول إلا ~~أساطير الأولين مثل ما كنت أحدثكم عن القرون الماضية . يعني أنه قال ذلك ~~مكابرة منه للحق وحسدا للرسول عليه الصلاة والسلام . وكان النضر كثير ~~الحديث عن القرون الأولى . وكان يحدث قريشا عن أقاصيص العجم ، مثل قصة ( ~~رستم ) و ( إسفنديار ) فيستملحون حديثه ، وكان صاحب أسفار إلى بلاد الفرس ، ~~وكان النضر شديد البغضاء للرسول صلى الله عليه وسلم وهو الذي أهدر الرسول ~~عليه الصلاة والسلام دمه فقتل يوم فتح مكة . وروي أن أبا سفيان قال لهم : ~~إني لأراه حقا . فقال له أبو جهل : كلا . فوصف الله حالهم بهذه الآية . وقد ~~نفع الله أبا سفيان بن حرب بكلمته هذه ، فأسلم هو دونهم ليلة فتح مكة وثبتت ~~له فضيلة الصحبة وصهر النبي صلى الله عليه وسلم ولزوجه هند بنت عتبة بن ~~ربيعة . # و { الأكنة } جمع كنان بكسر الكاف و ( أفعلة ) يتعين في ( فعال ) المكسور ~~الفاء إذا كان عينه ولامه مثلين . والكنان : الغطاء ، لأنه يكن الشيء ، أي ~~يستره . وهي هنا تخييل لأنه شبهت قلوبهم في عدم خلوص الحق إليها بأشياء ~~محجوبة عن شيء . وأثبتت لها الأكنة تخييلا ، وليس في قلب أحدهم شيء يشبه ~~الكنان . # وأسند جعل تلك الحالة في قلوبهم إلى الله تعالى لأنه خلقهم على هذه ~~الخصلة الذميمة والتعقل المنحرف ، فهم لهم عقول وإدراك لأنهم كسائر البشر ، ~~ولكن أهواءهم تخير لهم المنع من اتباع الحق ، فلذلك كانوا مخاطبين بالإيمان ~~مع أن الله يعلم أنهم PageV07P179 لا يؤمنون إذ كانوا على تلك الصفة ، على ~~أن خطاب التكليف عام لا تعيين فيه لأناس ولا استثناء فيه لأناس . فالجعل ~~بمعنى الخلق وليس للتحويل من حال إلى حال . وقد ms2540 مات المسمون كلهم على الشرك ~~عدا أبا سفيان فإنه شهد حينئذ بأن ما سمعه حق ، فدلت شهادته على سلامة قلبه ~~من الكنان . # والضمير المنصوب في { أن يفقهوه } عائد إلى القرآن المفهوم من قوله { ~~يستمع إليك } . وحذف حرف الجر . والتقدير : من أن يفقهوه ، ويتعلق ب { أكنة ~~} لما فيه من معنى المنع ، أي أكنة تمنع من أن يفهموا القرآن . # والوقر بفتح الواو الصمم الشديد وفعله كوعد ووجد يستعمل قاصرا ، يقال : ~~وقرت أذنه ، ومتعديا يقال : وقر الله أذنه فوقرت . والوقر مصدر غير قياسي ل ~~( وقرت ) أذنه ، لأن قياس مصدره تحريك القاف ، وهو قياسي ل ( وقر ) المتعدي ~~، وهو مستعار لعدم فهم المسموعات . جعل عدم الفهم بمنزلة الصمم ولم يذكر ~~للوقر متعلق يدل على الممنوع بوقر آذانهم لظهور أنه من أن يسمعوه ، لأن ~~الوقر مؤذن بذلك ، ولأن المراد السمع المجازي وهو العلم بما تضمنه المسموع ~~. # وقوله : { على قلوبهم } ، وقوله : { في آذانهم } يتعلقان ب { جعلنا } . ~~وقدم كل منهما على مفعول { جعلنا } للتنبيه على تعلقه به من أول الأمر . # فإن قلت : هل تكون هاته الآية حجة للذين قالوا من علمائنا : إن إعجاز ~~القرآن بالصرفة ، أي أعجز الله المشركين عن معارضته بأن صرفهم عن محاولة ~~المعارضة لتقوم الحجة عليهم ، فتكون الصرفة من جملة الأكنة التي جعل الله ~~على قلوبهم . # قلت : لم يحتج بهذه الآية أصحاب تلك المقالة لأنك قد علمت أن الأكنة ~~تخييل وأن الوقر استعارة وأن قول النضر ( ما أدري ما أقول ) ، بهتان ~~ومكابرة ، ولذلك قال الله تعالى : { وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها } . # وكلمة { كل } هنا مستعملة في الكثرة مجازا لتعذر الحقيقة سواء كان التعذر ~~عقلا كما في هذه الآية ، وقوله تعالى : { فلا تميلوا كل الميل } ( النساء : ~~129 ) ، وذلك أن الآيات تنحصر أفرادها PageV07P180 لأنها أفراد مقدرة تظهر ~~عند تكوينها إذ هي من جنس عام ؛ أم كان التعذر عادة كقول النابغة : # بها كل ذيال وخنساء ترعوي # إلى كل رجاف من الرمل فارد # فإن العادة تحيل اجتماع جميع بقر الوحش في هذا الموضع . # فيتعذر أن يرى القوم ms2541 كل أفراد ما يصح أن يكون آية ، فلذلك كان المراد ب { ~~كل } معنى الكثرة الكثيرة ، كما تقدم في قوله تعالى : { ولئن أتيت الذين ~~أوتوا الكتاب بكل آية في سورة البقرة ( 145 ) . # وحتى } حرف موضوع لإفادة الغاية ، أي أن ما بعدها غاية لما قبلها . وأصل ~~{ حتى } أن يكون حرف جر مثل ( إلى ) فيقع بعده اسم مفرد مدلوله غاية لما ~~قبل ( حتى ) . وقد يعدل عن ذلك ويقع بعد ( حتى ) جملة فتكون ( حتى ) ~~ابتدائية ، أي تؤذن بابتداء كلام مضمونه غاية لكلام قبل ( حتى ) . ولذلك ~~قال ابن الحاجب في ( الكافية ) : إنها تفيد السببية ، فليس المعنى أن ~~استماعهم يمتد إلى وقت تجيئهم ولا أن جعل الأكنة على قلوبهم والوقر في ~~آذانهم يمتد إلى وقت مجيئهم ، بل المعنى أن يتسبب على استماعهم بدون فهم . ~~وجعل الوقر على آذانهم والأكنة على قلوبهم أنهم إذا جاءوك جادلوك . # وسميت { حتى } ابتدائية لأن ما بعدها في حكم كلام مستأنف استئنافا ~~ابتدائيا . ويأتي قريب من هذا عند قوله : { قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله ~~حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة في هذه السورة ( 31 ) ، وزيادة تحقيق لمعنى ( ~~حتى ) الابتدائية عند قوله تعالى : فمن أظلم من افترى على الله كذبا إلى ~~قوله حتى إذا جاءتهم رسلنا الخ في سورة الأعراف ( 37 ) . # وإذا } شرطية ظرفية . و { جاءوك } شرطها ، وهو العامل فيها . وجملة { ~~يجادلونك } حال مقدرة من ضمير { جاءوك } أي جاءوك مجادلين ، أي مقدرين ~~المجادلة معك يظهرون لقومهم أنهم أكفاء لهذه المجادلة . # وجملة { يقول } جواب { إذا } ، وعدل عن الإضمار إلى الإظهار في قوله : { ~~يقول PageV07P181 الذين كفروا } لزيادة التسجيل عليهم بالكفر ، وأنهم ما ~~جاءوا طالبين الحق كما يدعون ولكنهم قد دخلوا بالكفر وخرجوا به فيقولون { ~~إن هذا إلا أساطير الأولين } ، فهم قد عدلوا عن الجدل إلى المباهتة ~~والمكابرة . # والأساطير جمع أسطورة بضم الهمزة وسكون السين وهي القصة والخبر عن ~~الماضين . والأظهر أن الأسطورة لفظ معرب عن الرومية : أصله إسطوريا بكسر ~~الهمزة وهو القصة . ويدل لذلك اختلاف العرب فيه ، فقالوا : أسطورة وأسطيرة ~~وأسطور وأسطير ، كلها بضم الهمزة ms2542 وإسطارة وإسطار بكسر الهمزة . والاختلاف ~~في حركات الكلمة الواحدة من جملة أمارات التعريب . ومن أقوالهم : ( أعجمي ~~فالعب به ما شئت ) . وأحسن الألفاظ لها أسطورة لأنها تصادف صيغة تفيد معنى ~~المفعول ، أي القصة المسطورة . وتفيد الشهرة في مدلول مادتها مثل الأعجوبة ~~والأحدوثة والأكرومة . وقيل : الأساطير اسم جمع لا واحد له مثل أبابيل ~~وعباديد وشماطيط . وكان العرب يطلقونه على ما يتسامر الناس به من القصص ~~والأخبار على اختلاف أحوالها من صدق وكذب . وقد كانوا لا يميزون بين ~~التواريخ والقصص والخرافات فجميع ذلك مرمي بالكذب والمبالغة . فقولهم : { ~~إن هذا إلا أساطير الأولين } . يحتمل أنهم أرادوا نسبة أخبار القرآن إلى ~~الكذب على ما تعارفوه من اعتقادهم في الأساطير . ويشتمل أنهم أرادوا أن ~~القرآن لا يخرج عن كونه مجموع قصص وأساطير ، يعنون أنه لا يستحق أن يكون من ~~عند الله لأنهم لقصور أفهامهم أو لتجاهلهم يعرضون عن الاعتبار المقصود من ~~تلك القصص ويأخذونها بمنزلة الخرافات التي يتسامر الناس بها لتقصير الوقت . ~~وسيأتي في سورة الأنفال أن من قال ذلك النضرلآالحارث ، وأنه كان يمثل ~~القرآن بأخبار ( رستم ) و ( اسفنديار ) . # # | 2 ( 26 ) { وهم ينهون عنه وينأون عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون ~~} . ) 2 # عطف على جملة { ومنهم من يستمع إليك } ، والضميران المجروران عائدان إلى ~~القرآن المشار إليه باسم الإشارة في قولهم : { إن هذا إلا أساطير الأولين } ~~( الأنعام : 25 ) . ومعنى النهي عنه النهي عن استماعه . فهو من تعليق الحكم ~~بالذات . والمراد حالة من أحوالها يعينها PageV07P182 المقام . وكذلك الناي ~~عنه معناه النأي عن استماعه ، أي هم ينهون الناس عن استماعه ويتباعدون عن ~~استماعه . قال النابغة : # لقد نهيت بني ذبيان عن أقر # وعن تربعهم في كل أصفار # يعني نهيتهم عن الرعي في ذي أقر ، وهو حمى الملك النعمان بن الحارث ~~الغساني . # وبين قوله : { ينهون وينأون } الجناس القريب من التمام . # والقصر في قوله : { وإن يهلكون إلا أنفسهم } قصر إضافي يفيد قلب اعتقادهم ~~لأنهم يظنون بالنهي والنأي عن القرآن أنهم يضرون النبي صلى الله عليه وسلم ~~لئلا يتبعوه ولا يتبعه الناس ms2543 ، وهم إنما يهلكون أنفسهم بدوامهم على الضلال ~~وبتضليل الناس ، فيحملون أوزارهم وأوزار الناس ، وفي هذه الجملة تسلية ~~للرسول عليه الصلاة والسلام وأن ما أرادوا به نكايته إنما يضرون به أنفسهم ~~. # وأصل الهلاك الموت . ويطلق على المضرة الشديدة لأن الشائع بين الناس أن ~~الموت أشد الضر . فالمراد بالهلاك هنا ما يلقونه في الدنيا من القتل ~~والمذلة عند نصر الإسلام وفي الآخرة من العذاب . # والنأي : البعد . وهو قاصر لا يتعدى إلى مفعول إلا بحرف جر ، وما ورد ~~متعديا بنفسه فذلك على طريق الحذف والإيصال في الضرورة . # وعقب قوله : { وإن يهلكون إلا أنفسهم } بقوله : { وما يشعرون } زيادة في ~~تحقيق الخطأ في اعتقادهم ، وإظهارا لضعف عقولهم مع أنهم كانوا يعدون أنفسهم ~~قادة للناس ، ولذلك فالوجه أن تكون الواو في قوله : { وما يشعرون } للعطف ~~لا للحال ليفيد ذلك كون ما بعدها مقصودا به الإخبار المستقل لأن الناس ~~يعدونهم أعظم عقلائهم . # # | 2 ( 27 ، 28 ) { ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا ياليتنا نرد ولا ~~نكذب بئايات ربنا ونكون من المؤمنين * بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ~~ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون } . ) 2 # PageV07P183 # الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام لأن في الخبر الواقع بعده تسلية له ~~عما تضمنه قوله : { وهم ينهون عنه وينأون عنه } ( الأنعام : 26 ) فإنه ~~ابتدأ فعقبه بقوله : { وإن يهلكون إلا أنفسهم } ( الأنعام : 26 ) ثم أردفه ~~بتمثيل حالهم يوم القيامة . ويشترك مع الرسول في هذا الخطاب كل من يسمع هذا ~~الخبر . # و { لو } شرطية ، أي لو ترى الآن ، و { إذ } ظرفية ، ومفعول { ترى } ~~محذوف دل عليه ضمير { وقفوا } ، أي لو تراهم ، و { وقفوا } ماض لفظا ~~والمعني به الاستقبال ، أي إذ يوقفون . وجيء فيه بصيغة الماضي للتنبيه على ~~تحقيق وقوعه لصدوره عمن لا خلاف في خبره . # ومعنى : { وقفوا على النار } أبلغوا إليها بعد سير إليها ، وهو يتعدى ب { ~~على } . والاستعلاء المستفاد ب { على } مجازي معناه قوة الاتصال بالمكان ، ~~فلا تدل ( على ) على أن وقوفهم على النار كان من أعلى النار . وقد قال ms2544 ~~تعالى : { ولو ترى إذ وقفوا على ربهم } ( الأنعام : 30 ) ، وأصله من قول ~~العرب : وقفت راحلتي على زيد ، أي بلغت إليه فحبست ناقتي عن السير . قال ذو ~~الرمة : # وقفت على ربع لمية ناقتي # فما زلت أبكي عنده وأخاطبه # فحذفوا مفعول ( وقفت ) لكثرة الاستعمال . ويقال : وقفه فوقف ، ولا يقال : ~~أوقفه بالهمزة . # وعطف عليه { فقالوا } بالفاء المفيدة للتعقيب ، لأن ما شاهدوه من الهول ~~قد علموا أنه جزاء تكذيبهم بإلهام أوقعه الله في قلوبهم أو بإخبار ملائكة ~~العذاب ، فعجلوا فتمنوا أن يرجعوا . # وحرف النداء في قولهم : { يا ليتنا نرد } مستعمل في التحسر ، لأن النداء ~~يقتضي بعد المنادى ، فاستعمل في التحسر لأن المتمنى صار بعيدا عنهم ، أي ~~غير مفيد لهم ، كقوله تعالى : { أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب ~~الله } ( الزمر : 56 ) . # ومعنى { نرد } نرجع إلى الدنيا ؛ وعطف عليه { ولا نكذب بآيات ربنا ونكون ~~من المؤمنين } برفع الفعلين بعد ( لا ) النافية في قراءة الجمهور عطفا على ~~{ نرد } ، فيكون PageV07P184 من جملة ما تمنوه ، ولذلك لم ينصب في جواب ~~التمني إذ ليس المقصود الجزاء ، ولأن اعتبار الجزاء مع الواو غير مشهور ، ~~بخلافه مع الفاء لأن الفاء متأصلة في السببية . والرد غير مقصود لذاته ~~وإنما تمنوه لما يقع معه من الإيمان وترك التكذيب . وإنما قدم في الذكر ترك ~~التكذيب على الإيمان لأنه الأصل في تحصيل المتمنى على اعتبار الواو للمعية ~~واقعة موقع فاء السببية في جواب التمني . # وقرأه حمزة والكسائي { ولا نكذب ونكون } بنصب الفعلين ، على أنهما ~~منصوبان في جواب التمني . وقرأ ابن عامر { ولا نكذب } بالرفع كالجمهور ، ~~على معنى أن انتفاء التكذيب حاصل في حين كلامهم ، فليس بمستقبل حتى يكون ~~بتقدير ( أن ) المفيدة للاستقبال . وقرأ { ونكون } بالنصب على جواب التمني ~~، أي نكون من القوم الذين يعرفون بالمؤمنين . والمعنى لا يختلف . # وقوله : { بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل } إضراب عن قولهم { ولا نكذب ~~بآيات ربنا ونكون من المؤمنين } . والمعنى بل لأنهم لم يبق لهم مطمع في ~~الخلاص . # وبدا الشيء ظهر . ويقال : بدا له ms2545 الشيء إذا ظهر له عيانا . وهو هنا مجاز ~~في زوال الشك في الشيء ، كقول زهير : # بدا لي أني لست مدرك ما مضى # ولا سابقق شيئا إذا كان جائيا # ولما قوبل { بدا لهم } في هذه الآية بقوله : { ما كانوا يخفون } علمنا أن ~~البداء هو ظهور أمر في أنفسهم كانوا يخفونه في الدنيا ، أي خطر لهم حينئذ ~~ذلك الخاطر الذي كانوا يخفونه ، أي الذي كان يبدو لهم ، أي يخطر ببالهم ~~وقوعه فلا يعلنون به فبدا لهم الآن فأعلنوا به وصرحوا معترفين به . ففي ~~الكلام احتباك ، وتقديره : بل بدا لهم ما كان يبدو لهم في الدنيا فأظهروه ~~الآن وكانوا يخفونه . وذلك أنهم كانوا يخطر لهم الإيمان لما يرون من دلائله ~~أو من نصر المؤمنين فيصدهم عنه العناد والحرص على استبقاء السيادة والأنفة ~~من الاعتراف بفضل الرسول وبسبق المؤمنين إلى الخيرات قبلهم ، وفيهم ضعفاء ~~القوم وعبيدهم ، كما ذكرناه عند قوله تعالى : { ولا تطرد الذين يدعون ربهم ~~بالغداة والعشي في هذه السورة ( 52 ) ، وقد أشار إلى هذا المعنى قوله تعالى ~~: ربما PageV07P185 يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين في سورة الحجر ( 2 ) . ~~وهذا التفسير يغني عن الاحتمالات التي تحير فيها المفسرون وهي لا تلائم نظم ~~الآية ، فبعضها يساعده صدرها وبعضها يساعده عجزها وليس فيها ما يساعده ~~جميعها . # وقوله : ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه } ارتقاء في إبطال قولهم حتى يكون ~~بمنزلة التسليم الجدلي في المناظرة ، أي لو أجيبت أمنيتهم وردوا إلى الدنيا ~~لعادوا للأمر الذي كان النبي ينهاهم عنه ، وهو التكذيب وإنكار البعث ، وذلك ~~لأن نفوسهم التي كذبت فيما مضى تكذيب مكابرة بعد إتيان الآيات البينات ، هي ~~النفوس التي أرجعت إليهم يوم البعث فالعقل العقل والتفكير التفكير ، وإنما ~~تمنوا ما تمنوا من شدة الهول فتوهموا التخلص منه بهذا التمني فلو تحقق ~~تمنيهم وردوا واستراحوا من ذلك الهول لغلبت أهواؤهم رشدهم فنسوا ما حل بهم ~~ورجعوا إلى ما ألفوا من التكذيب والمكابرة . # وفي هذا دليل على أن الخواطر الناشئة عن عوامل الحس دون النظر والدليل لا ~~قرار ms2546 لها في النفس ولا تسير على مقتضاها إلا ريثما يدوم ذلك الإحساس فإذا ~~زال زال أثره ، فالانفعال به يشبه انفعال العجماوات من الزجر والسوط ~~ونحوهما . ويزول بزواله حتى يعاوده مثله . # وقوله : { وإنهم لكاذبون } تذييل لما قبله . جيء بالجملة الاسمية الدالة ~~على الدوام والثبات ، أي أن الكذب سجية لهم قد تطبعوا عليها من الدنيا فلا ~~عجب أن يتمنوا الرجوع ليؤمنوا فلو رجعوا لعادوا لما كانوا عليه فإن الكذب ~~سجيتهم . وقد تضمن تمنيهم وعدا ، فلذلك صح إدخاله في حكم كذبهم دخول الخاص ~~في العام ، لأن التذييل يؤذن بشمول ما ذيل به وزيادة . فليس وصفهم بالكذب ~~بعائد إلى التمني بل إلى ما تضمنه من الوعد بالإيمان وعدم التكذيب بآيات ~~الله . # $ 2 ( 29 ) { وقالو & # 1764 ا إن هى إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين } . ) 2 $ # يجوز أن يكون عطفا على قوله { لعادوا لما نهوا عنه } ( الأنعام : 28 ) ~~فيكون جواب { لو } ، أي PageV07P186 لو ردوا لكذبوا بالقرآن أيضا ، ولكذبوا ~~بالبعث كما كانوا مدة الحياة الأولى . ويجوز أن تكون الجملة عطفت على جملة ~~{ يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين } ( الأنعام : 25 ) ، ويكون ~~ما بين الجملتين اعتراضا يتعلق بالتكذيب للقرآن . # وقوله { إن هي } ( إن ) نافية للجنس ، والضمير بعدها مبهم يفسره ما بعد ~~الاستثناء المفرغ . قصد من إبهامه الإيجاز اعتمادا على مفسره ، والضمير لما ~~كان مفسرا بنكرة فهو في حكم النكرة ، وليس هو ضمير قصة وشأن ، لأنه لا ~~يستقيم معه معنى الاستثناء ، والمعنى إن الحياة لنا إلا حياتنا الدنيا ، أي ~~انحصر جنس حياتنا في حياتنا الدنيا فلا حياة لنا غيرها فبطلت حياة بعد ~~الموت ، فالاسم الواقع بعد { إلا } في حكم البدل من الضمير . # وجملة : { وما نحن بمبعوثين } نفي للبعث ، وهو يستلزم تأكيد نفي الحياة ~~غير حياة الدنيا ، لأن البعث لا يكون إلا مع حياة . وإنما عطفت ولم تفصل ~~فتكون موكدة للجملة قبلها لأن قصدهم إبطال قول الرسول صلى الله عليه وسلم ~~أنهم يحيون حياة ثانية ، وقوله تارة أنهم مبعوثون بعد الموت ، فقصدوا إبطال ~~كل باستقلاله . # # | 2 ( 30 ms2547 ) { ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هاذا بالحق قالوا بلى ~~وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } . ) 2 # لما ذكر إنكارهم البعث أعقبه بوصف حالهم حين يحشرون إلى الله ، وهن حال ~~البعث الذي أنكروه . # والقول في الخطاب وفي معنى { وقفوا } وفي جواب { لو } تقدم في نظريتها ~~آنفا . وتعليق { على ربهم } ب { وقفوا } تمثيل لحضورهم المحشر عند البعث . ~~شبهت حالهم في الحضور للحساب بحال عبد جنى فقبض عليه فوقف بين يدي ربه . ~~وبذلك تظهر مزية التعبير بلفظ { ربهم } دون اسم الجلالة . # وجملة : { قال أليس هذا بالحق } استئناف بياني ، لأن قوله : { ولو ترى إذ ~~وقفوا } PageV07P187 قد آذن بمشهد عظيم مهول فكان من حق السامع أن يسأل : ~~ماذا لقوا من ربهم ، فيجاب : { قال أليس هذا بالحق } الآية . # والإشارة إلى البعث الذي عاينوه وشاهدوه . والاستفهام تقريري دخل على نفي ~~الأمر المقرر به لاختبار مقدار إقرار المسؤول ، فلذلك يسأل عن نفي ما هو ~~واقع لأنه إن كان له مطمع في الإنكار تذرع إليه بالنفي الواقع في سؤال ~~المقرر . والمقصود : أهذا حق ، فإنهم كانوا يزعمونه باطلا . ولذلك أجابوا ~~بالحرف الموضوع لإبطال ما قبله وهو { بلى } فهو يبطل النفي فهو إقرار بوقوع ~~المنى ، أي بلى هو حق ، وأكدوا ذلك بالقسم تحقيقا لاعترافهم للمعترف به ~~لأنه معلوم لله تعالى ، أي نقر ولا نشك فيه فلذلك نقسم عليه . وهذا من ~~استعمال القسم لتأكيد لازم فائدة الخبر . # وفصل { قال فذوقوا العذاب } على طريقة فصل المحاورات . والفاء للتفريع عن ~~كلامهم ، أو فاء فصيحة ، أي إذ كان هذا الحق فذوقوا العذاب على كفركم ، أي ~~بالبعث . والباء سببية ، و ( ما ) مصدرية ، أي بسبب كفركم ، أي بهذا . وذوق ~~العذاب استعارة لإحساسه ، لأن الذوق أقوى الحواس المباشرة للجسم ، فشبه به ~~إحساس الجلد . # # | 2 ( 31 ) { قد خسر الذين كذبوا بلقآء الله حتى إذا جآءتهم الساعة بغتة ~~قالوا ياحسرتنا على ما فرطنا فيها وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا سآء ~~ما يزرون } . ) 2 # استئناف للتعجيب من حالهم حين يقعون يوم القيامة في العذاب على ما ms2548 ~~استداموه من الكفر الذي جرأهم على استدامته اعتقادهم نفي البعث فذاقوا ~~العذاب لذلك ، فتلك حالة يستحقون بها أن يقال فيهم : قد خسروا وخابوا . # والخسران تقدم القول فيه عند قوله تعالى : { الذين خسروا أنفسهم فهم لا ~~يؤمنون في هذه السورة ( 12 ) . PageV07P188 والخسارة هنا حرمان خيرات ~~الآخرة لا الدنيا . # والذين كذبوا بلقاء الله هم الذين حكي عنهم بقوله : وقالوا إن هي إلا ~~حياتنا الدنيا } فكان مقتضى الظاهر الإضمار تبعا لقوله { ولو ترى إذ وقفوا ~~على النار } ( الأنعام : 27 ) وما بعده ، بأن يقال : قد خسروا ، لكن عدل ~~إلى الإظهار ليكون الكلام مستقلا وليبنى عليه ما في الصلة من تفصيل بقوله : ~~{ حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة } الخ . # ولقاء الله هو ظهور آثار رضاه وغضبه دون تأخير ولا إمهال ولا وقاية ~~بأسباب عادية من نظام الحياة الدنيا ، فلما كان العالم الأخروي وهو ما بعد ~~البعث عالم ظهور الحقائق بآثارها دون موانع ، وتلك الحقائق هي مراد الله ~~الأعلى الذي جعله عالم كمال الحقائق ، جعل المصير إليه مماثلا للقاء صاحب ~~الحق بعد الغيبة والاستقلال عنه زمانا طويلا ، فلذلك سمي البعث ملاقاة الله ~~، ولقاء الله ومصيرا إلى الله ، ومجيئا إليه ، في كثير من الآيات والألفاظ ~~النبوية ، وإلا فإن الناس في الدنيا هم في قبضة تصرف الله لو شاء لقبضهم ~~إليه ولعجل إليهم جزاءهم . قال تعالى : { ولو يعجل الله للناس الشر ~~استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم } ( يونس : 11 ) . ولكنه لما أمهلهم ~~واستدرجهم في هذا العالم الدنيوي ورغب ورهب ووعد وتوعد كان حال الناس فيه ~~كحال العبيد يأتيهم الأمر من مولاهم الغائب عنهم ويرغبهم ويحذرهم ، فمنهم ~~من يمتثل ومنهم من يعصي ، وهم لا يلقون حينئذ جزاء عن طاعة ولا عقابا عن ~~معصية لأنه يملي لهم ويؤخرهم ، فإذا طوي هذا العالم وجاءت الحياة الثانية ~~صار الناس في نظام آخر ، وهو نظام ظهور الآثار دون ريث ، قال تعالى : { ~~ووجدوا ما عملوا حاضرا } ( الكهف : 49 ) ، فكانوا كعبيد لقوا ربهم بعد أن ~~غابوا وأمهلوا . فاللقاء استعارة تمثيلية : شبهت حالة الخلق عند المصير إلى ~~تنفيذ ms2549 وعد الله ووعيده بحالة العبيد عند حضور سيدهم بعد غيبة ليجزيهم على ~~ما فعلوا في مدة المغيب . وشاع هذا التمثيل في القرآن وكلام الرسول صلى ~~الله عليه وسلم كما قال : ( من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ) ، وفي ~~القرآن { لينذر يوم التلاقي } ( غافر : 15 ) . # وقوله : { حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة } ( حتى ) ابتدائية ، وهي لا تفيد ~~الغاية وإنما تفيد السببية ، كما صرح به ابن الحاجب ، أي فإذا جاءتهم ~~الساعة بغتة . ومن المفسرين من جعل PageV07P189 مجيء الساعة غاية للخسران ، ~~وهو فاسد لأن الخسران المقصود هنا هو خسرانهم يوم القيامة ، فأما في الدنيا ~~ففيهم من لم يخسر شيئا . وقد تقدم كلام على ( حتى ) الابتدائية عند قوله ~~تعالى : { وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاؤوك يجادلونك في هذه ~~السورة ( 25 ) . وسيجيء لمعنى ( حتى ) زيادة بيان عند قوله تعالى : فمن ~~أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إلى قوله حتى إذا جاءتهم رسلنا ~~في سورة الأعراف ( 37 ) . # والساعة : علم بالغلبة على ساعة البعث والحشر . # والبغتة فعلة من البغت ، وهو مصدر بغته الأمر إذا نزل به فجأة من غير ~~ترقب ولا إعلام ولا ظهور شبح أو نحوه . ففي البغت معنى المجيء عن غير إشعار ~~. وهو منتصب على الحال ، فإن المصدر يجيء حالا إذا كان ظاهرا تأويله باسم ~~الفاعل ، وهو يرجع إلى الإخبار بالمصدر لقصد المبالغة . # وقوله : قالوا } جواب ( إذا ) . و { يا حسرتنا } نداء مقصود به التعجب ~~والتندم ، وهو في أصل الوضع نداء للحسرة بتنزيلها منزلة شخص يسمع وينادي ~~ليحضر كأنه يقول : يا حسرة احضري فهذا أوان حضورك . ومنه قولهم : يا ليتني ~~فعلت كذا ، ويا أسفي أو يا أسفا ، كما تقدم آنفا . # وأضافوا الحسرة إلى أنفسهم ليكون تحسرهم لأجل أنفسهم ، فهم المتحسرون ~~والمتحسر عليهم ، بخلاف قول القائل : يا حسرة ، فإنه في الغالب تحسر لأجل ~~غيره فهو يتحسر لحال غيره . ولذلك تجيء معه ( على ) التي تدخل على الشيء ~~المتحسر من أجله داخلة على ما يدل على غير التحسر ، كقوله تعالى : { يا ~~حسرة على ms2550 العباد فأما مع ( يا حسرتي ، أو يا حسرتا ) فإنما تجيء ( على ) ~~داخلة على الأمر الذي كان سببا في التحسر كما هنا على ما فرطنا فيها } . ~~ومثل ذلك قولهم : يا ويلي ويا ويلتي ، قال تعالى : { ويقولون يا ويلتنا } ( ~~الكهف : 49 ) ، فإذا أراد المتكلم أن الويل لغيره قال : ويلك ، قال تعالى : ~~{ ويلك آمن } ( الأحقاف : 17 ) ويقولون : ويل لك . PageV07P190 # والحسرة : الندم الشديد ، وهو التلهف ، وهي فعلة من حسر يحسر حسرا ، من ~~باب فرح ، ويقال : تحسر تحسرا . والعرب يعاملون اسم المرة معاملة مطلق ~~المصدر غير ملاحظين فيه معنى المرة ، ولكنهم يلاحظون المصدر في ضمن فرد ، ~~كمدلول لام الحقيقة ، ولذلك يحسن هذا الاعتبار في مقام النداء لأن المصدر ~~اسم للحاصل بالفعل بخلاف اسم المرة فهو اسم لفرد من أفراد المصدر فيقوم ~~مقام الماهية . # و { فرطنا } أضعنا . يقال : فرط في الأمر إذا تهاون بشيء ولم يحفظه ، أو ~~في اكتسابه حتى فاته وأفلت منه . وهو يتعدى إلى المفعول بنفسه ، كما دل ~~عليه قوله تعالى : { ما فرطنا في الكتاب من شيء } ( الأنعام : 38 ) . ~~والأكثر أن يتعدى بحرف ( في ) فيقال فرط في ماله ، إذا أضاعه . # و { ما } موصولة ماصدقها الأعمال الصالحة . ومفعول { فرطنا } محذوف يعود ~~إلى { ما } . تقديره : ما فرطناه وهم عام مثل معاده ، أي ندمنا على إضاعة ~~كل ما من شأنه أن ينفعنا ففرطناه ، وضمير { فيها } عائد إلى الساعة . و ( ~~في ) تعليلية ، أي ما فوتناه من الأعمال النافعة لأجل نفع هذه الساعة ، ~~ويجوز أن يكون { في } للتعدية بتقدير مضاف إلى الضمير ، أي في خيراتها . ~~والمعنى على ما فرطنا في الساعة ، يعنون ما شاهدوه من نجاة ونعيم أهل ~~الفلاح . ويجوز أن يعود ضمير { فيها } على الحياة الدنيا ، فيكون ( في ) ~~للظرفية الحقيقية . # وجملة : { وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم } في موضع الحال من ضمير { ~~قالوا } ، أي قالوا ذلك في حال أنهم يحملون أوزارهم فهم بين تلهف على ~~التفريط في الأعمال الصالحة والإيمان وبين مقاساة العذاب على الأوزار التي ~~اقترفوها ، أي لم يكونوا محرومين من خير ذلك اليوم فحسب بل كانوا مع ms2551 ذلك ~~متعبين مثقلين بالعذاب . # والأوزار جمع وزر بكسر الواو ، وهو الحمل الثقيل ، وفعله وزر يزر إذا حمل ~~. ومنه قوله هنا { ألا ساء ما يزرون } . وقوله : { ولا تزر وازرة وزر أخرى ~~} ( الأنعام : 164 ) . وأطلق الوزر على الذنب والجناية لثقل عاقبتها على ~~جانيها . # وقوله : { وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم } تمثيل لهيئة عنتهم من جراء ~~ذنوبهم PageV07P191 بحال من يحمل حملا ثقيلا . وذكر { على ظهورهم } هنا ~~مبالغة في تمثيل الحالة ، كقوله تعالى : { وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت ~~أيديكم } ( الشورى : 30 ) . فذكر الأيدي لأن الكسب يكون باليد ، فهو يشبه ~~تخييل الاستعارة ولكنه لا يتأتى التخييل في التمثيلية لأن ما يذكر فيها ~~صالح لاعتباره من جملة الهيئة ، فإن الحمل على الظهر مؤذن بنهاية ثقل ~~المحمول على الحامل . # ومن لطائف التوجيه وضع لفظ الأوزار في هذا التمثيل ؛ فإنه مشترك بين ~~الأحمال الثقيلة وبين الذنوب ، وهم إنما وقعوا في هذه الشدة من جراء ذنوبهم ~~فكأنهم يحملونها لأنهم يعانون شدة آلامها . # وجملة : { ألا ساء ما يزرون } تذييل . و ( ألا ) حرف استفتاح يفيد ~~التنبيه للعناية بالخبر . و { ساء ما يزرون } إنشاء ذم . و { يزرون } بمعنى ~~{ يحملون } ، أي ساء ما يمثل من حالهم بالحمل . و { ما يزرون } فاعل { ساء ~~} . والمخصوص بالذم محذوف ، تقديره : حملهم . # # | 2 ( 32 ) { وما الحيواة الدنيآ إلا لعب ولهو وللدار الاخرة خير للذين ~~يتقون أفلا تعقلون } . ) 2 # لما جرى ذكر الساعة وما يلحق المشركين فيها من الحسرة على ما فرطوا ناسب ~~أن يذكر الناس بأن الحياة الدنيا زائلة وأن عليهم أن يستعدوا للحياة الآخرة ~~. فيحتمل أن يكون جوابا لقول المشركين : { إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن ~~بمبعوثين } ( الأنعام : 29 ) . فتكون الواو للحال ، أي تقولون إن هي إلا ~~حياتنا الدنيا ولو نظرتم حق النظر لوجدتم الحياة الدنيا لعبا ولهوا وليس ~~فيها شيء باق ، فلعلمتم أن وراءها حياة أخرى فيها من الخيرات ما هو أعظم ~~مما في الدنيا وإنما يناله المتقون ، أي المؤمنون ، فتكون الآية إعادة ~~لدعوتهم إلى الإيمان والتقوى ، ويكون الخطاب في قوله : { أفلا تعقلون } ~~التفاتا من ms2552 الحديث عنهم بالغيبة إلى خطابهم بالدعوة . PageV07P192 # ويحتمل أنه اعتراض بالتذييل لحكاية حالهم في الآخرة ، فإنه لما حكى قولهم ~~: { يا حسرتنا على ما فرطنا فيها } ( الأنعام : 31 ) علم السامع أنهم فرطوا ~~في الأمور النافعة لهم في الآخرة بسبب الانهماك في زخارف الدنيا ، فذيل ذلك ~~بخطاب المؤمينن تعريفا بقيمة زخارف الدنيا وتبشيرا لهم بأن الآخرة هي دار ~~الخير للمؤمنين ، فتكون الواو عطفت جملة البشارة على حكاية النذارة . ~~والمناسبة هي التضادد . وأيضا في هذا نداء على سخافة عقولهم إذ غرتهم في ~~الدنيا فسول لهم الاستخفاف بدعوة الله إلى الحق . فيجعل قوله : { أفلا ~~تعقلون } خطابا مستأنفا للمؤمنين تحذيرا لهم من أن تغرهم زخارف الدنيا ~~فتلهيهم عن العمل للآخرة . # وهذا الحكم عام على جنس الحياة الدنيا ، فالتعريف في الحياة تعريف الجنس ~~، أي الحياة التي يحياها كل أحد المعروفة بالدنيا ، أي الأولى والقريبة من ~~الناس ، وأطلقت الحياة الدنيا على أحوالها ، أو على مدتها . # واللعب : عمل أو قول في خفة وسرعة وطيش ليست له غاية مفيدة بل غايته ~~إراحة البال وتقصير الوقت واستجلاب العقول في حالة ضعفها كعقل الصغير وعقل ~~المتعب ، وأكثره أعمال الصبيان . قالوا ولذلك فهو مشتق من اللعاب ، وهو ريق ~~الصبي السائل . وضد اللعب الجد . # واللهو : ما يشتغل به الإنسان مما ترتاح إليه نفسه ولا يتعب في الاشتغال ~~به عقله . فلا يطلق إلا على ما فيه استمتاع ولذة وملائمة للشهوة . # وبين اللهو واللعب العموم والخصوص الوجهي . فهما يجتمعان في العمل الذي ~~فيه ملاءمة ويقارنه شيء من الخفة والطيش كالطرب واللهو بالنساء . وينفرد ~~اللعب في لعب الصبيان . وينفرد اللهو في نحو الميسر والصيد . # وقد أفادت صيغة { وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو } قصر الحياة على اللعب ~~واللهو ، وهو قصر موصوف على صفة . والمراد بالحياة الأعمال التي يحب ~~الإنسان الحياة لأجلها ، لأن الحياة مدة وزمن لا يقبل الوصف بغير أوصاف ~~الأزمان من طول أو قصر ، PageV07P193 وتحديد أو ضده ، فتعين أن المراد ~~بالحياة الأعمال المظروفة فيها . واللعب واللهو في قوة الوصف ، لأنهما ~~مصدران أريد بهما الوصف للمبالغة ، كقول ms2553 الخنساء : # فإنما هي إقبال وإدبار # وهذا القصر ادعائي يقصد به المبالغة ، لأن الأعمال الحاصلة في الحياة ~~كثيرة ، منها اللهو واللعب ، ومنها غيرهما ، قال تعالى : { إنما الحياة ~~الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد } ( الحديد ~~: 20 ) . فالحياة تشتمل على أحوال كثيرة منها الملائم كالأكل واللذات ، ~~ومنها المؤلم كالأمراض والأحزان ، فأما المؤلمات فلا اعتداد بها هنا ولا ~~التفات إليها لأنها ليست مما يرغب فيه الراغبون ، لأن المقصود من ذكر ~~الحياة هنا ما يحصل فيها مما يحبها الناس لأجله ، وهو الملائمات . # وأما الملائمات فهي كثيرة ، ومنها ما ليس بلعب ولهو ، كالطعام والشراب ~~والتدفىء في الشتاء والتبرد في الصيف وجمع المال عند المولع به وقرى الضيف ~~ونكاية العدو وبذل الخير للمحتاج ، إلا أن هذه لما كان معظمها يستدعي صرف ~~همة وعمل كانت مشتملة على شيء من التعب وهو منافر . فكان معظم ما يحب الناس ~~الحياة لأجله هو اللهو واللعب ، لأنه الأغلب على أعمال الناس في أول العمر ~~والغالب عليهم فيما بعد ذلك . فمن اللعب المزاح ومغازلة النساء ، ومن اللهو ~~الخمر والميسر والمغاني والأسمار وركوب الخيل والصيد . # فأما أعمالهم في القربات كالحج والعمرة والنذر والطواف بالأصنام والعتيرة ~~ونحوها فلأنها لما كانت لا اعتداد بها بدون الإيمان كانت ملحقة باللعب ، ~~كما قال تعالى : { وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية } ( الأنفال : ~~35 ) ، وقال : { الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا } ( ~~الأعراف : 51 ) . # فلا جرم كان الأغلب على المشركين والغالب على الناس اللعب واللهو إلا من ~~آمن وعمل صالحا . فلذلك وقع القصر الادعائي في قوله : { وما الحياة الدنيا ~~إلا لعب ولهو } . # وعقب بقوله : { وللدار الآخرة خير للذين يتقون } ، فعلم منه أن أعمال ~~المتقين في PageV07P194 الدنيا هي ضد اللعب واللهو ، لأنهم جعلت لهم دار ~~أخرى هي خير ، وقد علم أن الفوز فيها لا يكون إلا بعمل في الدنيا فأنتج أن ~~عملهم في الدنيا ليس اللهو واللعب وأن حياة غيرهم هي المقصورة على اللهو ~~واللعب . # والدار محل إقامة الناس ، وهي الأرض التي فيها بيوت ms2554 الناس من بناء أو ~~خيام أو قباب . والآخرة مؤنث وصف الآخر بكسر الخاء وهو ضد الأول ، أي مقر ~~الناس الأخير الذي لا تحول بعده . # وقرأ جمهور العشرة { وللدار } بلامين لام الابتداء ولام التعريف ، وقرأوا ~~{ الآخرة } بالرفع . وقرأ ابن عامر { ولدار الآخرة } بلام الابتداء فقط ~~وبإضافة دار منكرة إلى الآخرة فهو من إضافة الموصوف إلى الصفة ، كقولهم : ~~مسجد الجامع ، أو هو على تقدير مضاف تكون { الآخرة } وصفا له . والتقدير : ~~دار الحياة الآخرة . # و { خير } تفضيل على الدنيا باعتبار ما في الدنيا من نعيم عاجل زائل يلحق ~~معظمة مؤاخذة وعذاب . # وقوله { للذين يتقون } تعريض بالمشركين بأنهم صائرون إلى الآخرة لكنها ~~ليست لهم بخير مما كانوا في الدنيا . والمراد ب { الذين يتقون } المؤمنون ~~التابعون لما أمر الله به ، كقوله تعالى : { هدى للمتقين } ( البقرة : 2 ) ~~، فإن الآخرة لهؤلاء خير محض . وأما من تلحقهم مؤاخذة على أعمالهم السيئة ~~من المؤمنين فلما كان مصيرهم بعد إلى الجنة كانت الآخرة خيرا لهم من الدنيا ~~. # وقوله : { أفلا تعقلون } عطف بالفاء على جملة : { وما الحياة الدنيا } ~~إلى آخرها لأنه يتفرع عليه مضمون الجملة المعطوفة . والاستفهام عن عدم ~~عقلهم مستعمل في التوبيخ إن كان خطابا للمشركين ، أو في التحذير إن كان ~~خطابا للمؤمنين . على أنه لما كان استعماله في أحد هذين على وجه الكناية صح ~~أن يراد منه الأمران باعتبار كلا الفريقين ، لأن المدلولات الكنائية تتعدد ~~ولا يلزم من تعددها الاشتراك ، لأن دلالتها التزامية ، على أننا نلتزم ~~استعمال المشترك في معنييه . PageV07P195 # وقرأ نافع ، وابن عامر ، وحفص ، وأبو جعفر ، ويعقوب ، { أفلا تعقلون } ~~بتاء الخطاب على طريقة الإلتفات . وقرأه الباقون بياء تحتية ، فهو على هذه ~~القراءة عائد لما عاد إليه ضمائر الغيبة قبله ، والاستفهام حينئذ للتعجيب ~~من حالهم . # وفي قوله : { للذين يتقون } تأييس للمشركين . # # | 2 ( 33 ) { قد نعلم إنه ليحزنك الذى يقولون فإنهم لا يكذبونك ولاكن ~~الظالمين بئايات الله يجحدون } . ) 2 # استئناف ابتدائي قصدت به تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم وأمره بالصبر ، ~~ووعده بالنصر ، وتأييسه من إيمان المتغالين في الكفر ، ووعده ms2555 بإيمان فرق ~~منهم بقوله : { ولو شاء الله لجمعهم على الهدى إلى قوله يسمعون } . وقد ~~تهيأ المقام لهذا الغرض بعد الفراغ من محاجة المشركين في إبطال شركهم ~~وإبطال إنكارهم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم والفراغ من وعيدهم وفضيحة ~~مكابرتهم ابتداء من قوله : { وما تأتيهم من آية من آيات ربهم } ( الأنعام : ~~4 ) إلى هنا . # و { قد } تحقيق للخبر الفعلي ، فهو في تحقيق الجملة الفعلية بمنزلة ( إن ~~) في تحقيق الجملة الاسمية . فحرف { قد } مختص بالدخول على الأفعال ~~المتصرفة الخبرية المثبتة المجردة من ناصب وجازم وحرف تنفيس ، ومعنى ~~التحقيق ملازم له . والأصح أنه كذلك سواء كان مدخولها ماضيا أو مضارعا ، ~~ولا يختلف معنى { قد } بالنسبة للفعلين . وقد شاع عند كثير من النحويين أن ~~{ قد } إذا دخل على المضارع أفاد تقليل حصول الفعل . وقال بعضهم : إنه ~~مأخوذ من كلام سيبويه ، ومن ظاهر كلام ( الكشاف ) في هذه الآية . والتحقيق ~~أن كلام سيبويه لا يدل إلا على أن { قد } يستعمل في الدلالة على التقليل ~~لكن بالقرينة وليست بدلالة أصلية . وهذا هو الذي استخلصته من كلامهم وهو ~~المعول عليه عندي . ولذلك فلا فرق بين دخول { قد } على فعل المضي ودخوله ~~على الفعل المضارع في إفادة تحقيق الحصول ، كما صرح به الزمخشري في تفسير ~~قوله تعالى : { قد يعلم ما أنتم عليه في سورة النور ( 64 ) . فالتحقيق ~~يعتبر في الزمن الماضي إن PageV07P196 كان الفعل الذي بعد قد } فعل مضي ، ~~وفي زمن الحال أو الاستقبال إن كان الفعل بعد ( قد ) فعلا مضارعا مع ما يضم ~~إلى التحقيق من دلالة المقام ، مثلل تقريب زمن الماضي من الحال في نحو : قد ~~قامت الصلاة . وهو كناية تنشأ عن التعرض لتحقيق فعل ليس من شأنه أن يشك ~~السامع في أنه يقع ، ومثلل إفادة التكثير مع المضارع تبعا لما يقتضيه ~~المضارع من الدلالة على التجدد ، كالبيت الذي نسبه سيبويه للهذلي ، وحقق ~~ابن بري أنه لعبيد بن الأبرص ، وهو : # قد أترك القرن مصفرا أنامله # كأن أثوابه مجت بفرصاد # وبيت زهير : # أخا ثقة لا تهلك الخمر ماله ms2556 # ولكنه قد يهلك المال نائله # وإفادة استحضار الصورة ، كقول كعب : # لقد أقوم مقاما لو يقوم به # أرى وأسمع ما لو يسمع الفيل # لظل يرعد إلا أن يكون له # من الرسول بإذن الله تنويل # أراد تحقيق حضوره لدى الرسول صلى الله عليه وسلم مع استحضار تلك الحالة ~~العجيبة من الوجل المشوب بالرجاء . # والتحقيق أن كلام سيبويه بريء مما حملوه ، وما نشأ اضطراب كلام النحاة ~~فيه إلا من فهم ابن مالك لكلام سيبويه . وقد رده عليه أبو حيان ردا وجيها . # فمعنى الآية علمنا بأن الذي يقولونه يحزنك محققا فتصبر . وقد تقدم لي ~~كلام في هذه المسألة عند قوله تعالى : { قد نرى تقلب وجهك في السماء في ~~سورة البقرة ( 144 ) ، فكان فيه إجمال وأحلت على تفسير آية سورة الأنعام ، ~~فهذا الذي استقر عليه رأيي . # وفعل نعلم } معلق عن العمل في مفعولين بوجود اللام . PageV07P197 # والمراد ب { الذي يقولون } أقوالهم الدالة على عدم تصديقهم الرسول صلى ~~الله عليه وسلم كما دل عليه قوله بعده { ولقد كذبت رسل } ( الأنعام : 34 ) ~~، فعدل عن ذكر اسم التكذيب ونحوه إلى اسم الموصول وصلته تنزيها للرسول عليه ~~الصلاة والسلام عن ذكر هذا اللفظ الشنيع في جانبه تلطفا معه . # وقرأ نافع ، وأبو جعفر { ليحزنك } بضم الياء وكسر الزاي . وقرأه الباقون ~~بفتح الياء وضم الزاي يقال : أحزنت الرجل بهمزة تعدية لفعل حزن ، ويقال : ~~حزنته أيضا . وعن الخليل : أن حزنته ، معناه جعلت فيه حزنا كما يقال : ~~دهنته . وأما التعدية فليست إلا بالهمزة . قال أبو علي الفارسي : حزنت ~~الرجل ، أكثر استعمالا ، وأحزنته ، أقيس . و { الذي يقولون } هو قولهم ساحر ~~، مجنون ، كاذب ، شاعر . فعدل عن تفصيل قولهم إلى إجماله إيجازا أو تحاشيا ~~عن التصريح به في جانب المنزه عنه . # والضمير المجعول اسم ( إن ) ضمير الشأن ، واللام لام القسم ، وفعل { ~~يحزنك } فعل القسم ، و { الذي يقولون } فاعله ، واللام في { ليحزنك } لام ~~الابتداء ، وجملة { يحزنك } خبر إن ، وضمائر الغيبة راجعة إلى { الذين ~~كفروا } في قوله ( ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ) . # والفاء في قوله : { فإنهم } يجوز أن تكون ms2557 للتعليل ، والمعلل محذوف دل ~~عليه قوله : { قد نعلم } ، أي فلا تحزن فإنهم لا يكذبونك ، أي لأنهم لا ~~يكذبونك . ويجوز كونها للفصيحة ، والتقدير : فإن كان يحزنك ذلك لأجل ~~التكذيب فإنهم لا يكذبونك ، فالله قد سلى رسوله عليه الصلاة والسلام بأن ~~أخبره بأن المشركين لا يكذبونه ولكنهم أهل جحود ومكابرة . وكفى بذلك تسلية ~~. ويجوز أن تكون للتفريع على { قد نعلم } ، أي فعلمنا بذلك يتفرع عليه أنا ~~نثبت فؤادك ونشرح صدرك بإعلامك أنهم لا يكذبونك ، وإن نذكرك بسنة الرسل من ~~قبلك ، ونذكرك بأن العاقبة هي نصرك كما سبق في علم الله . # وقرأ نافع ، والكسائي ، وأبو جعفر { لا يكذبونك } ، بسكون الكاف وتخفيف ~~الذال . وقرأه الجمهور بفتح الكاف وتشديد الذال . وقد قال بعض أئمة اللغة ~~إن أكذب وكذب بمعنى واحد ، أي نسبه إلى الكذب . وقال بعضهم : أكذبه ، وجده ~~كاذبا ، كما يقال : PageV07P198 أحمده ، وجده محمودا . وأما كذب بالتشديد ~~فهو لنسبة المفعول إلى الكذب . وعن الكسائي : أن أكذبه هو بمعنى كذب ما جاء ~~به ولم ينسب المفعول إلى الكذب ، وأن كذبه هو نسبه إلى الكذب . وهو معنى ما ~~نقل عن الزجاج معنى كذبته ، قلت له : كذبت ، ومعنى أكذبته ، أريته أن ما ~~أتى به كذب . # وقوله : { ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون } استدراك لدفع أن يتوهم من ~~قوله : { لا يكذبونك } على قراءة نافع ومن وافقه أنهم صدقوا وآمنوا ، وعلى ~~قراءة البقية { لا يكذبونك } أنهم لم يصدر منهم أصل التكذيب مع أن الواقع ~~خلاف ذلك ، فاستدرك عليه بأنهم يجحدون بآيات الله فيظهر حالهم كحال من ينسب ~~الآتي بالآيات إلى الكذب وما هم بمكذبين في نفوسهم . # والجحد والجحود ، الإنكار للأمر المعروف ، أي الإنكار مع العلم بوقوع ما ~~ينكر ، فهو نفي ما يعلم النافي ثبوته ، فهو إنكار مكابرة . # وعدل عن الإضمار إلى قوله { ولكن الظالمين } ذما لهم وإعلاما بأن شأن ~~الظالم الجحد بالحجة ، وتسجيلا عليهم بأن الظلم سجيتهم . # وعدي { يجحدون } بالباء كما عدي في قوله : { وجحدوا بها واستيقنتها ~~أنفسهم } ( النحل : 14 ) لتأكيد تعلق الجحد بالمجحود ، كالباء في قوله ~~تعالى : { وامسحوا برؤوسكم } ( المائدة ms2558 : 6 ) ، وفي قوله : { وما منعنا أن ~~نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون } ( الإسراء : 59 ) ، وقول النابغة : # لك الخير إن وارت بك الأرض واحدا # وأصبح جد الناس يظلع عاثرا # ثم إن الجحد بآيات الله أريد به الجحد بما جاء به الرسول صلى الله عليه ~~وسلم من الآيات . وجحدها إنكار أنها من آيات الله ، أي تكذيب الآتي بها في ~~قوله : إنها من عند الله ، فآل ذلك إلى أنهم يكذبون الرسول عليه الصلاة ~~والسلام فكيف يجمع هذا مع قوله { فإنهم لا يكذبونك } على قراءة الجمهور . ~~والذي يستخلص من سياق الآية أن المراد فإنهم لا يعتقدون أنك كاذب لأن ~~الرسول عليه الصلاة والسلام معروف عندهم بالصدق وكان يلقب بينهم بالأمين . ~~وقد قال النضر بن الحارث لما تشاورت قريش في شأن الرسول : ( يا معشر قريش ~~قد كان محمد فيكم غلاما أرضاكم PageV07P199 فيكم وأصدقكم حديثا حتى إذا ~~رأيتم الشيب في صدغيه قلتم ساحر وقلتم كاهن وقلتم شاعر وقلتم مجنون ووالله ~~ما هو بأولئكم ) . ولأن الآيات التي جاء بها لا يمتري أحد في أنها من عند ~~الله ، ولأن دلائل صدقه بينة واضحة ولكنكم ظالمون . # والظالم هو الذي يجري على خلاف الحق بدون شبهة . فهم ينكرون الحق مع ~~علمهم بأنه الحق ، وذلك هو الجحود . وقد أخبر الله عنهم بذلك وهو أعلم ~~بسرائرهم . ونظيرها قوله تعالى حكاية عن قوم فرعون { وجحدوا بها واستيقنتها ~~أنفسهم ظلما وعلوا } ( النمل : 14 ) فيكون في الآية احتباك . والتقدير : ~~فإنهم لا يكذبونك ولا يكذبون الآيات ولكنهم يجحدون بالآيات ويجحدون بصدقك ، ~~فحذف من كل لدلالة الآخر . # وأخرج الترمذي عن ناجية بن كعب التابعي أن أبا جهل قال للنبيء صلى الله ~~عليه وسلم لا نكذبك ولكن نكذب ما جئت به . فأنزل الله { فإنهم لا يكذبونك ~~ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون } . ولا أحسب هذا هو سبب نزول الآية . لأن ~~أبا جهل إن كان قد قال ذلك فقد أراد الاستهزاء ، كما قال ابن العربي في ( ~~العارضة ) : ذلك أنه التكذيب بما جاء به تكذيب له لا محالة ، فقوله : لا ms2559 ~~نكذبك ، استهزاء بإطماع التصديق . # # | 2 ( 34 ) { ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى ~~أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جآءك من نبإ المرسلين } . ) 2 # عطف على جملة { فإنهم لا يكذبونك } ( الأنعام : 33 ) أو على جملة { ولكن ~~الظالمين بآيات الله يجحدون } ( الأنعام : 33 ) . ويجوز أن تكون الواو واو ~~الحال من الكلام المحذوف قبل الفاء ، أي فلا تحزن ، أو إن أحزنك ذلك فإنهم ~~لا يكذبونك والحال قد كذبت رسل من قبلك . والكلام على كل تقدير تسلية ~~وتهوين وتكريم بأن إساءة أهل الشرك لمحمد عليه الصلاة والسلام هي دون ما ~~أساء الأقوام إلى الرسل من قبله ؛ فإنهم كذبوا بالقول والاعتقاد وأما قومه ~~فكذبوا بالقول فقط . وفي الكلام أيضا تأس للرسول بمن قبله من الرسل . ~~PageV07P200 # ولام القسم لتأكيد الخبر بتنزيل الرسول صلى الله عليه وسلم منزلة من ذهل ~~طويلا عن تكذيب الرسل لأنه لما أحزنه قول قومه فيه كان كمن بعد علمه بذلك . ~~و { من قبلك } وصف كاشف ل { رسل } جيء به لتقرير معنى التأسي بأن ذلك سنة ~~الرسل . # وفي موقع هذه الآية بعد التي قبلها إيماء لرجاحة عقول العرب على عقول من ~~سبقهم من الأمم ، فإن الأمم كذبت رسلها باعتقاد ونطق ألسنتها ، والعرب ~~كذبوا باللسان وأيقنوا بصدق الرسول عليه الصلاة والسلام بعقولهم التي لا ~~يروج عندها الزيف . # و ( ما ) مصدرية ، أي صبروا على التكذيب ، فيجوز أن يكون قوله { وأوذوا } ~~عطفا على { كذبوا } وتكون جملة { فصبروا } معترضة . والتقدير : ولقد كذبت ~~وأوذيت رسل فصبروا . فلا يعتبر الوقف عند قوله { على ما كذبوا } بل يوصل ~~الكلام إلى قوله { نصرنا } ، وأن يكون عطفا على { كذبت رسل } ، أي كذبت ~~وأوذوا . ويفهم الصبر على الأذى من الصبر على التكذيب لأن التكذيب أذى ~~فيحسن الوقف عند قوله : { على ما كذبوا } . # وقرن فعل { كذبت } بعلامة التأنيث لأن فاعل الفعل إذا كان جمع تكسير يرجح ~~اتصال الفعل بعلامة التأنيث على التأويل بالجماعة . ومن ثم جاء فعلا { ~~فصبروا } و { كذبوا } مقترنين بواو الجمع ، لأن فاعليهما ضميران مستتران ~~فرجح ms2560 اعتبار التذكير . # وعطف { وأوذوا } على { كذبت } عطف الأعم على الأخص ، والأذى أعم من ~~التكذيب ، لأن الأذى هو ما يسوء ولو إساءة ما ، قال تعالى : { لن يضروكم ~~إلا أذى } ( آل عمران : 111 ) ويطلق على الشديد منه . فالأذى اسم اشتق منه ~~آذى إذا جعل له أذى وألحقه به . فالهمزة به للجعل أو للتصيير . ومصادر هذا ~~الفعل أذى وأذاة وأذية . وكلها أسماء مصادر وليست مصادر . وقياس مصدره ~~الإيذاء لكنه لم يسمع في كلام العرب . فلذلك قال صاحب ( القاموس ) : لا ~~يقال : إيذاء . وقال الراغب : يقال : إيذاء . ولعل الخلاف مبني على الخلاف ~~في أن القياسي يصح إطلاقه ولو لم يسمع في كلامهم أو يتوقف إطلاقه ~~PageV07P201 على سماع نوعه من مادته . ومن أنكر على صاحب ( القاموس ) فقد ~~ظلمه . وأيا ما كان فالإيذاء لفظ غير فصيح لغرابته . ولقد يعد على صاحب ( ~~الكشاف ) استعماله هنا وهو ما هو في علم البلاغة . # و { حتى } ابتدائية أفادت غاية ما قبلها ، وهو التكذيب والأذى والصبر ~~عليهما ، فإن النصر كان بإهلاك المكذبين المؤذين ، فكان غاية للتكذيب ~~والأذى ، وكان غاية للصبر الخاص ، وهو الصبر على التكذيب والأذى ، وبقي صبر ~~الرسل على أشياء مما أمر بالصبر عليه . # والإتيان في قوله : { أتاهم نصرنا } مجاز في وقوع النصر بعد انتظاره ، ~~فشبه وقوعه بالمجيء من مكان بعيد كما يجيء المنادى المنتظر . وتقدم بيان ~~هذا عند قوله تعالى : { وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها ~~معرضين في هذه السورة ( 4 ) . # وجملة ولا مبدل } عطف على جملة : { أتاهم نصرنا } . # وكلمات الله وحيه للرسل الدال على وعده إياهم بالنصر ، كما دلت عليه ~~إضافة النصر إلى ضمير الجلالة . فالمراد كلمات من نوع خاص ، فلا يرد أن بعض ~~كلمات الله في التشريع قد تبدل بالنسخ ؛ على أن التبديل المنفي مجاز في ~~النقض ، كما تقدم في قوله تعالى : { فمن بدله بعدما سمعه في سورة البقرة ( ~~181 ) . وسيأتي تحقيق لهذا المعنى عند قوله تعالى : وتمت كلمات ربك صدقا ~~وعدلا لا مبدل لكلماته في هذه السورة ( 115 ) . # وهذا تطمين للنبيء بأن الله ms2561 ينصره كما نصر من قبله من الرسل ، ويجوز أن ~~تكون كلمات الله ما كتبه في أزله وقدره من سننه في الأمم ، أي أن إهلاك ~~المكذبين يقع كما وقع إهلاك من قبلهم . # ونفي المبدل كناية عن نفي التبذيل ، أي لا تبديل ، لأن التبديل لا يكون ~~إلا من مبدل . ومعناه : أن غير الله عاجز عن أن يبدل مراد الله ، وأن الله ~~أراد أن لا يبدل كلماته في هذا الشأن . # وقوله : ولقد جاءك من نبإ المرسلين } عطف على جملة : { ولا مبدل لكلمات ~~الله } ، PageV07P202 وهو كلام جامع لتفاصيل ما حل بالمكذبين ، وبكيف كان ~~نصر الله رسله . وذلك في تضاعيف ما نزل من القرآن في ذلك . # والقول في { جاءك } كالقول في { أتاهم نصرنا } ، فهو مجاز في بلوغ ذلك ~~وإعلام النبي صلى الله عليه وسلم به . # و ( من ) في قوله : { من نبأ } إما اسم بمعنى ( بعض ) فتكون فاعلا مضافة ~~إلى النبأ ، وهو ناظر إلى قوله تعالى : { منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم ~~نقصص عليك } ( غافر : 78 ) . والأحسن أن تجعل صفة لموصوف محذوف تقديره : ~~لقد جاءك نبأ من نبأ المرسلين . والنبأ الخبر عن أمر عظيم ، قال تعالى : { ~~عم يتساءلون عن النبأ العظيم } ( النبأ : 1 ، 2 ) ، وقال : { قل هو نبأ ~~عظيم أنتم عنه معرضون } ( ص : 67 ، 68 ) ، وقال في هذه السورة ( 67 ) { لكل ~~نبإ مستقر وسوف تعلمون . # # | 2 ( 35 ) وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغى نفقا فى الارض ~~أو سلما فى السمآء فتأتيهم بئاية ولو شآء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن ~~من الجاهلين } . ) 2 # عطف على جملة : { قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون } ( الأنعام : 33 ) ، ~~فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحزنه ما يقولونه فيه من التكذيب به ~~وبالقرآن حزنا على جهل قومه بقدر النصيحة وإنكارهم فضيلة صاحبها ، وحزنا من ~~جراء الأسف عليهم من دوام ضلالهم شفقة عليهم ، وقد سلاه الله تعالى عن ~~الحزن الأول بقوله { فإنهم لا يكذبونك } ( الأنعام : 33 ) وسلاه عن الثاني ~~بقوله : { وإن كان كبر عليك إعراضهم } الآية ms2562 . # و { كبر } ككرم ، كبرا كعنب : عظمت جثته . ومعنى { كبر } هنا شق عليك . ~~وأصله عظم الجثة ، ثم استعمل مجازا في الأمور العظيمة الثقيلة لأن عظم ~~الجثة يستلزم الثقل ، ثم استعمل مجازا في معنى ( شق ) لأن الثقيل يشق جمله ~~. فهو مجاز مرسل بلزومين . # وجيء في هذا الشرط بحرف ( إن ) الذي يكثر وروده في الشرط الذي لا يظن ~~PageV07P203 حصوله للإشارة إلى أن الرسول عليه الصلاة والسلام ليس بمظنة ~~ذلك ولكنه على سبيل الفرض . # وزيدت ( كان ) بعد ( إن ) الشرطية بينها وبين ما هو فعل الشرط في المعنى ~~ليبقى فعل الشرط على معنى المضي فلا تخلصه ( إن ) الشرطية إلى الاستقبال ، ~~كما هو شأن أفعال الشروط بعد ( إن ) ، فإن ( كان ) لقوة دلالته على المضي ~~لا تقلبه أداة الشرط إلى الاستقبال . # والإعراض المعرف بالإضافة هو الذي مضى ذكره في قوله تعالى : { وما تأتيهم ~~من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين } ( الأنعام : 4 ) . وهو حالة ~~أخرى غير حالة التكذيب ، وكلتاهما من أسباب استمرار كفرهم . # وقوله : { فإن استطعت } جواب { إن كان كبر } ، وهو شرط ثان وقع جوابا ~~للشرط الأول . والاستطاعة : القدرة . والسين والتاء فيها للمبالغة في طاع ، ~~أي انقاد . # والابتغاء : الطلب . وقد تقدم عند قوله تعالى : { أفغير دين الله تبغون ~~في سورة آل عمران ( 83 ) ، أي أن تطلب نفقا أو سلما لتبلغ إلى خبايا الأرض ~~وعجائبها وإلى خبايا السماء . ومعنى الطلب هنا : البحث . # وانتصب نفقا } و { سلما } على المفعولين ل { تبتغي } . # والنفق : سرب في الأرض عميق . # والسلم بضم ففتح مع تشديد اللام آلة للارتقاء تتخذ من حبلين غليظين ~~متوازيين تصل بينهما أعواد أو حبال أخرى متفرقة في عرض الفضاء الذي بين ~~الحبلين من مساحة ما بين كل من تلك الأعواد بمقدار ما يرفع المرتقي إحدى ~~رجليه إلى العود الذي فوق ذلك ، وتسمى تلك الأعواد درجات . ويجعل طول ~~الحبلين بمقدار الارتفاع الذي يراد الارتقاء إليه . ويسمى السلم مرقاة ~~ومدرجة . وقد سموا الغرز الذي يرتقي به الراكب على رحل ناقته سلما . وكانوا ~~يرتقون PageV07P204 بالسلم إلى النخيل للجذاذ . وربما كانت ms2563 السلاليم في ~~الدور تتخذ من العود فتسمى المرقاة . فأما الدرج المبنية في العلالي فإنها ~~تسمى سلما وتسمى الدرجة كما ورد في حديث مقتل أبي رافع قول عبد الله بن ~~عتيك في إحدى الروايات ( حتى انتهيت إلى درجة له ) ، وفي رواية ( حتى أتيت ~~السلم أريد أن أنزل فأسقط منه ) . # وقوله { في الأرض } صفة { نفقا } أي متغلغلا ، أي عميقا . فذكر هذا ~~المجرور لإفادة المبالغة في العمق مع استحضار الحالة وتصوير حالة الاستطاعة ~~إذ من المعلوم أن النفق لا يكون إلا في الأرض . # وأما قوله : { في السماء } فوصف به { سلما } ، أي كائنا في السماء ، أي ~~واصلا إلى السماء . والمعنى تبلغ به إلى السماء . كقول الأعشى : # ورقيت أسباب السماء بسلم # والمعنى : فإن استطعت أن تطلب آية من جميع الجهات للكائنات . ولعل اختيار ~~الابتغاء في الأرض والسماء أن المشركين سألوا الرسول عليه والصلاة والسلام ~~آيات من جنس ما في الأرض ، كقولهم { حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا } ( ~~الإسراء : 90 ) ، ومن جنس ما في السماء ، كقولهم : { أو ترقى في السماء } ( ~~الإسراء : 93 ) . # وقوله : { بآية } أي بآية يسلمون بها ، فهنالك وصف محذوف دل عليه قوله : ~~{ إعراضهم } ، أي عن الآيات التي جئتهم بها . # وجواب الشرط محذوف دل عليه فعل الشرط ، وهو { استطعت } . والشرط وجوابه ~~مستعملان مجازا في التأييس من إيمانهم وإقناعهم ، لأن الله جعل على قلوبهم ~~أكنة وفي آذانهم وقرا وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها . # ويتعين تقدير جواب الشرط مما دل عليه الكلام السابق ، أي فأتهم بآية ~~فإنهم لا يؤمنون بها ، كما يقول القائل للراغب في إرضاء ملح . إن استطعت أن ~~تجلب ما في بيتك ، أي فهو لا يرضى بما تقصر عنه الاستطاعة بله ما في ~~الاستطاعة . وهو PageV07P205 استعمال شائع ، وليس فيه شيء من اللوم ولا من ~~التوبيخ ، كما توهمه كثير من المفسرين . # وقوله : { ولو شاء الله لجمعهم على الهدى } شرط امتناعي دل على أن الله ~~لم يشأ ذلك ، أي لو شاء الله أن يجمعهم على الهدى لجمعهم عليه ؛ فمفعول ~~المشيئة محذوف لقصد البيان بعد الإبهام ms2564 على الطريقة المسلوكة في فعل ~~المشيئة إذا كان تعلقه بمفعوله غير غريب وكان شرطا لإحدى أدوات الشرط كما ~~هنا ، وكقوله : { إن يشأ يذهبكم } ( النساء : 133 ) . # ومعنى : { لجمعهم على الهدى } لهداهم أجمعين . فوقع تفنن في أسلوب ~~التعبير فصار تركيبا خاصيا عدل به على التركيب المشهور في نحو قوله تعالى : ~~{ فلو شاء لهداكم أجمعين } ( الأنعام : 149 ) للإشارة إلى تمييز الذين ~~آمنوا من أهل مكة على من بقي فيها من المشركين ، أي لو شاء لجمعهم مع ~~المؤمنين على ما هدى إليه المؤمنين من قومهم . # والمعنى : لو شاء الله أن يخلقهم بعقول قابلة للحق لخلقهم بها فلقبلوا ~~الهدى ، ولكنه خلقهم على ما وصف في قوله : { وجعلنا على قلوبهم أكنة أن ~~يفقهوه وفي آذانهم وقرا } ( الأنعام : 25 ) الآية ، كما تقدم بيانه . وقد ~~قال تعالى : { ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة } ( هود : 118 ) ، وبذلك ~~تعلم أن هذه مشيئة كلية تكوينية ، فلا تعارض بين هذه الآية وبين قوله تعالى ~~في آخر هذه السورة ( 148 ) { سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا ~~آباؤنا الآية . فهذا من المشيئة المتعلقة بالخلق والتكوين لا من المشيئة ~~المتعلقة بالأمر والتشريع . وبينهما بون ، سقط في مهواته من لم يقدر له صون ~~. # وقوله : فلا تكونن من الجاهلين } تذييل مفرع على ما سبق . # والمراد ب { الجاهلين } يجوز أن يكون من الجهل الذي هو ضد العلم ، كما في ~~قوله تعالى خطابا لنوح { إني أعظك أن تكون من الجاهلين } ( هود : 46 ) ، ~~وهو ما حمل عليه المفسرون هنا . ويجوز أن يكون من الجهل ضد الحلم ، أي لا ~~تضق صدرا بإعراضهم . وهو أنسب بقوله : { وإن كان كبر عليك إعراضهم } . ~~وإرادة كلا المعنيين ينتظم مع مفاد الجملتين : جملة : { وإن كان كبر عليك ~~إعراضهم } وجملة { ولو شاء الله لجمعهم على الهدى } . ومع كون هذه الجملة ~~تذييلا للكلام السابق فالمعنى : فلا يكبر عليك إعراضهم PageV07P206 ولا تضق ~~به صدرا ، وأيضا فكن عالما بأن الله لو شاء لجمعهم على الهدى . وهذا إنباء ~~من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم بأمر ms2565 من علم الحقيقة يختص بحالة ~~خاصة فلا يطرد في غير ذلك من مواقف التشريع . # وإنما عدل على الأمر بالعلم لأن النهي عن الجهل يتضمنه فيتقرر في الذهن ~~مرتين ، ولأن في النهي عن الجهل بذلك تحريضا على استحضار العلم به ، كما ~~يقال للمتعلم : لا تنسى هذه المسألة . وليس في الكلام نهي عن شيء تلبس به ~~الرسول صلى الله عليه وسلم كما توهمه جمع من المفسرين ، وذهبوا فيه مذاهب ~~لا تستبين . # # | 2 ( 36 ) { إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه ~~يرجعون } . ) 2 # تعليل لما أفاده قوله : { وإن كان كبر عليك إعراضهم إلى قوله فلا تكونن ~~من الجاهلين } ( الأنعام : 35 ) من تأييس من ولوج الدعوة إلى أنفسهم ، أي ~~لا يستجيب الذين يسمعون دون هؤلاء الذين حرمهم فائدة السمع وفهم المسموع . # ومفهوم الحصر مؤذن بإعمال منطوقه الذي يؤمىء إلى إرجاء بعد تأييس بأن ~~الله جعل لقوم آخرين قلوبا يفقهون بها وآذانا يسمعون بها فأولئك يستجيبون . # وقوله : { يستجيب } بمعنى يجيب ، فالسين والتاء زائدان للتأكيد ؛ وقد ~~تقدم الكلام على هذا الفعل عند قوله تعالى : { فاستجاب لهم ربهم في سورة آل ~~عمران ( 195 ) . وحذف متعلق يستجيب } لظهوره من المقام لأن المقام مقام ~~الدعوة إلى التوحيد وتصديق الرسول . # ومعنى { يسمعون } ، أنهم يفقهون ما يلقى إليهم من الإرشاد لأن الضالين ~~كمن لا يسمع . فالمقصود سمع خاص وهو سمع الاعتبار . # أما قوله : { والموتى يبعثهم الله } فالوجه أنه مقابل ل { الذين يسمعون } ~~. ولذلك حسن عطف هذه الجملة على جملة : { إنما يستجيب الذين يسمعون } . ~~فمعنى الكلام : وأما المعرضون PageV07P207 عنك فهم مثل الموتى فلا يستجيبون ~~، كقوله : { إنك لا تسمع الموتى } ( النمل : 80 ) . فحذف من الكلام ما دل ~~عليه السياق ، فإن الذي لا يسمع قد يكون فقدان سمعه من علة كالصمم ، وقد ~~يكون من عدم الحياة ، كما قال عبد الرحمن بن الحكم الثقفي : # لقد أسمعت لو ناديت حيا # ولكن لا حياة لمن تنادي # فتضمن عطف { والموتى يبعثهم الله } تعريضا بأن هؤلاء كالأموات لا ترجى ~~منهم استجابة . وتخلص إلى وعيدهم بأنه يبعثهم بعد ms2566 موتهم ، أي لا يرجى منهم ~~رجوع إلى الحق إلى أن يبعثوا ، وحينئذ يلاقون جزاء كفرهم . { والموتى } ~~استعارة لمن لا ينتفعون بعقولهم ومواهبهم في أهم الأشياء ، وهو ما يرضي ~~الله تعالى . و { يبعثهم } على هذا حقيقة ، وهو ترشيح للاستعارة ، لأن ~~البعث من ملائمات المشبه به في العرف وإن كان الحي يخبر عنه بأنه يبعث ، أي ~~بعد موته ، ولكن العرف لا يذكر البعث إلا باعتبار وصف المبعوث بأنه ميت . # ويجوز أن يكون البعث استعارة أيضا للهداية بعد الضلال تبعا لاستعارة ~~الموت لعدم قبول الهدى على الوجهين المعروفين في الترشيح في فن البيان من ~~كونه تارة يبقى على حقيقته لا يقصد منه إلا تقوية الاستعارة ، وتارة يستعار ~~من ملائم المشبه به إلى شبهه من ملائم المشبه ، كقوله تعالى : { واعتصموا ~~بحبل الله جميعا } ( آل عمران : 103 ) . فيكون على هذا الوجه في الكلام وعد ~~للرسول صلى الله عليه وسلم بأن بعض هؤلاء الضالين المكذبين سيهديهم الله ~~تعالى إلى الإسلام ، وهم من لم يسبق في علمه حرمانهم من الإيمان . # فعلى الوجه الأول يكون قوله { ثم إليه يرجعون } زيادة في التهديد والوعيد ~~. وعلى الوجه الثاني يكون تحريضا لهم على الإيمان ليلقوا جزاءه حين يرجعون ~~إلى الله . ويجوز أن يكون الوقف عند قوله تعالى : { يبعثهم الله } . وتم ~~التمثيل هنالك . ويكون قوله : { ثم إليه يرجعون } استطرادا تخلص به إلى قرع ~~أسماعهم بإثبات الحشر الذي يقع بعد البعث الحقيقي ، فيكون البعث في قوله : ~~{ يبعثهم الله } مستعملا في حقيقته ومجازه . وقريب منه في التخلص قوله ~~تعالى : { فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى في سورة البقرة ( 73 ~~) . # PageV07P208 # | 2 ( 37 ) وقالوا لولا نزل عليه ءاية من ربه قل إن الله قادر على أن ~~ينزل ءاية ولاكن أكثرهم لا يعلمون } . ) 2 # عطف على جملة : { وإن كان كبر عليك إعراضهم } ( الأنعام : 35 ) الآيات ، ~~وهذا عود إلى ما جاء في أول السورة ( 4 ) من ذكر إعراضهم عن آيات الله ~~بقوله { وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين . ثم ذكر ما ~~تفننوا ms2567 به من المعاذير من قولهم : لولا أنزل عليه ملك } ( الأنعام : 8 ) ~~وقوله : { وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها } ( الأنعام : 25 ) أي وقالوا : ~~لولا أنزل عليه آية ، أي على وفق مقترحهم ، وقد اقترحوا آيات مختلفة في ~~مجادلات عديدة . ولذلك أجملها الله تعالى هنا اعتمادا على علمها عند الرسول ~~صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ، فقال : { وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه ~~} . # فجملة : { وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه } وقع عطفها معترضا بين جملة ~~{ والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون } ( الأنعام : 36 ) وجملة { وما من ~~دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه } ( الأنعام : 38 ) الخ . وفي الإتيان ~~بفعل النزول ما يدل على أن الآية المسؤولة من قبيل ما يأتي من السماء ، مثل ~~قولهم { لولا أنزل عليه ملك } ( الأنعام : 8 ) وقولهم : { ولن نؤمن لرقيك ~~حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه } ( الإسراء : 93 ) وشبه ذلك . # وجرد { نزل } من علامة التأنيث لأن المؤنث الذي تأنيثه لفظي بحت يجوز ~~تجريد فعله من علامة التأنيث ؛ فإذا وقع بين الفعل ومرفوعه فاصل اجتمع ~~مسوغان لتجريد الفعل من علامة التأنيث ، فإن الفصل بوحده مسوغ لتجريد الفعل ~~من العلامة . وقد صرح في ( الكشاف ) بأن تجريد الفعل عن علامة التأنيث ~~حينئذ حسن . # و { لولا } حرف تحضيض بمعنى ( هلا ) . والتحضيض هنا لقطع الخصم وتعجيزه ، ~~كما تقدم في قوله تعالى آنفا { وقالوا لولا أنزل عليه ملك } ( الأنعام : 8 ~~) . # وتقدم الكلام على اشتقاق { آية } عند قوله تعالى : { والذين كفروا وكذبوا ~~بآياتنا في سورة البقرة ( 39 ) . PageV07P209 # وفصل فعل قل } فلم يعطف لأنه وقع موقع المحاورة فجاء على طريقة الفصل ~~التي بيناها في مواضع كثيرة ، أولها : قوله تعالى : { قالوا أتجعل فيها من ~~يفسد فيها في سورة البقرة ( 30 ) . # وأمر الله رسوله أن يجيبهم بما يعلم منه أن الله لو شاء لأنزل آية على ~~وفق مقترحهم تقوم عليهم بها الحجة في تصديق الرسول ، ولكن الله لم يرد ذلك ~~لحكمة يعلمها ؛ فعبر عن هذا المعنى بقوله : إن الله قادر على أن ينزل آية } ~~وهم لا ينكرون أن ms2568 الله قادر ، ولذلك سألوا الآية ، ولكنهم يزعمون أن الرسول ~~عليه الصلاة والسلام لا يثبت صدقه إلا إذا أيده الله بآية على وفق مقترحهم ~~. فقوله : { إن الله قادر على أن ينزل آية } مستعمل في معناه الكنائي ، وهو ~~انتفاء أن يريد الله تعالى إجابة مقترحهم ، لأنه لما أرسل رسوله بآيات ~~بينات حصل المقصود من إقامة الحجة على الذين كفروا ، فلو شاء لزادهم من ~~الآيات لأنه قادر . # ففي هذه الطريقة من الجواب إثبات للرد بالدليل ، وبهذا يظهر موقع ~~الاستدراك في قوله : { ولكن أكثرهم لا يعلمون } فإنه راجع إلى المدلول ~~الالتزامي ، أي ولكن أكثر المعاندين لا يعلمون أن ذلك لو شاء الله لفعله ، ~~ويحسبون أن عدم الإجابة إلى مقترحهم يدل على عدم صدق الرسول عليه الصلاة ~~والسلام وذلك من ظلمة عقولهم ، فلقد جاءهم من الآيات ما فيه مزدجر . # فيكون المعنى الذي أفاده هذا الرد غير المعنى الذي أفاده قوله { ولو ~~أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون } ( الأنعام : 8 ) فإن ذلك نبهوا فيه ~~على أن عدم إجابتهم فيه فائدة لهم وهو استبقاؤهم ، وهذا نبهوا فيه على سوء ~~نظرهم في استدلالهم . # وبيان ذلك أن الله تعالى نصب الآيات دلائل مناسبة للغرض المستدل عليه كما ~~يقول المنطقيون : إن المقدمات والنتيجة تدل عقلا على المطلوب المستدل عليه ~~، وإن النتيجة هي عين المطلوب في الواقع وإن كانت غيره في الاعتبار ؛ فلذلك ~~نجد القرآن يذكر الحجج على عظيم قدرة الله على خلق الأمور العظيمة ، كإخراج ~~الحي من الميت وإخراج PageV07P210 الميت من الحي في سياق الاستدلال على ~~وقوع البعث والحشر . ويسمى تلك الحجج آيات كقوله { وهو الذي أنشأكم من نفس ~~واحدة فمستقر ومستودع قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون } ( الأنعام : 98 ) ، ~~وكما سيجيء في أول سورة الرعد ( 2 ) { الله الذي رفع السماوات بغير عمد ~~قرونها . وذكر في خلال ذلك تفصيل الآيات إلى قوله : وإن تعجب فعجب قولهم ~~أإذا كنا ترابا إنا لفي خلق جديد } ( الرعد : 5 ) . وكذلك ذكر الدلائل على ~~وحدانية الله باستقلاله بالخلق ، كقوله : { وخلق كل شيء وهو بكل شيء ms2569 عليم ~~ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه إلى قوله وكذلك نفصل ~~الآيات وليقولوا درست } ( الأنعام : 101 105 ) الخ ، وكقوله في الاستدلال ~~على انفراده بأنواع الهداية { وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ~~ظلمات البر والبحر قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون } . ولما كان نزول القرآن ~~على الرسول عليه الصلاة والسلام حجة على صدقه في إخباره أنه منزل من عند ~~الله لما اشتمل عليه من العلوم وتفاصيل المواعظ وأحوال الأنبياء والأمم ~~وشرع الأحكام مع كون الذي جاء به معلوم الأمية بينهم قد قضى شبابه بين ~~ظهرانيهم ، جعله آية على صدق الرسول عليه الصلاة والسلام فيما أخبر به عن ~~الله تعالى ، فسماه آيات في قوله : { وإذا تتلى عليهم آياتنا ، بينات تعرف ~~في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا } ( ~~الحج : 72 ) فلم يشأ الله أن يجعل الدلائل على الأشياء من غير ما يناسبها . # أما الجهلة والضالون فهم يرومون آيات من عجائب التصاريف الخارقة لنظام ~~العالم ، يريدون أن تكون علامة بينهم وبين الله على حسب اقتراحهم بأن ~~يحييهم إليها إشارة منه إلى أنه صدق الرسول فيما بلغ عنه ، فهذا ليس من ~~قبيل الاستدلال ولكنه من قبيل المخاطرة ليزعموا أن عدم إجابتهم لما اقترحوه ~~علامة على أن الله لم يصدق الرسول صلى الله عليه وسلم في دعوى الرسالة . ~~ومن أين لهم أن الله يرضى بالنزول معهم إلى هذا المجال ، ولذلك قال تعالى : ~~{ قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون } ، أي لا يعلمون ~~ما وجه الارتباط بين دلالة الآية ومدلولها . ولذلك قال في الرد عليهم في ~~سورة الرعد ( 7 ) { ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه إنما أنت ~~منذر فهم جعلوا إيمانهم موقوفا على أن تنزل آية من السماء . وهم يعنون أن ~~تنزيل آية من السماء جملة واحدة . فقد قالوا : لولا نزل عليه القرآن جملة ~~واحدة } ( الفرقان : 32 ) وقالوا : PageV07P211 { ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل ~~علينا كتابا نقرؤه } ( الإسراء : 93 ) . فرد ms2570 الله عليهم بقوله : { إنما أنت ~~منذر } ( الرعد : 7 ) ، أي لا علاقة بين الإنذار وبين اشتراط كون الإنذار ~~في كتاب ينزل من السماء ، لأن الإنذار حاصل بكونه إنذارا مفصلا بليغا دالا ~~على أن المنذر به ما اخترعه من تلقاء نفسه ، ولذلك رد عليهم بما يبين هذا ~~في قوله : { وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذن لارتاب ~~المبطلون إلى قوله وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند ~~الله وإنما أنا نذير مبين أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم } ~~( العنكبوت : 48 51 ) ، أي فما فائدة كونه ينزل في قرطاس من السماء مع أن ~~المضمون واحد . # وقال في رد قولهم : { حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه } ( الإسراء : 93 ) { ~~قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا } ( الإسراء : 93 ) . نعم إن الله قد ~~يقيم آيات من هذا القبيل من تلقاء اختياره بدون اقتراح عليه ، وهو ما يسمى ~~بالمعجزة مثل ما سمى بعض ذلك بالآيات في قوله : { في تسع آيات إلى فرعون ~~وقومه } ( النمل : 12 ) ، فذلك أمر أنف من عند الله لم يقترحه عليه أحد . ~~وقد أعطى نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم من ذلك كثيرا في غير مقام اقتراحح ~~من المعرضين ، مثل انشقاق القمر ، ونبع الماء من بين أصابعه ، وتكثير ~~الطعام القليل ، ونبع الماء من الأرض بسهم رشقه في الأرض . هذا هو البيان ~~الذي وعدت به عند قوله تعالى : { وقالوا لولا أنزل عليه ملك في هذه السورة ~~( 8 ) . # ومن المفسرين من جعل معنى قوله ولكن أكثرهم لا يعلمون } أنهم لا يعلمون ~~أن إنزال الآية على وفق مقترحهم يعقبها الاستئصال إن لم يؤمنوا ، وهم ~~لعنادهم لا يؤمنون . إلا أن ما فسرتها به أولى لئلا يكون معناها إعادة ~~لمعنى الآية التي سبقتها ، وبه يندفع التوقف في وجه مطابقة الجواب لمقتضى ~~السؤال حسبما توقف فيه التفتزاني في تقرير كلام ( الكشاف ) . # وقوله : { ولكن أكثرهم لا يعلمون } تنبيه على أن فيهم من يعلم ذلك ولكنه ~~يكابر ويظهر أنه لا يتم ms2571 عنده الاستدلال إلا على نحو ما اقترحوه . # وإعادة لفظ { آية } بالتنكير في قوله { أن ينزل آية } من إعادة النكرة ~~نكرة وهي عين PageV07P212 الأولى . وهذا يبطل القاعدة المتداولة بين ~~المعربين من أن اللفظ المنكر إذا أعيد في الكلام منكرا كان الثاني غير ~~الأول . وقد ذكرها ابن هشام في ( مغني اللبيب ) في الباب السادس ونقضها . ~~ومما مثل به لإعادة النكرة نكرة وهي عين الأولى لا غيرها قوله تعالى : { ~~الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة } ( الروم : 54 ) . وقد تقدم ~~ذلك عند قوله تعالى : { فلا جناح عليهما أن يصالحا بينهما صلحا والصلح خير ~~في سورة النساء ( 128 ) . # # | 2 ( 38 ) وما من دآبة فى الارض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ~~ما فرطنا فى الكتاب من شىء ثم إلى ربهم يحشرون } . ) 2 # معنى هذه الآية غامض بدءا . ونهايتها أشد غموضا ، وموقعها في هذا السياق ~~خفي المناسبة . فاعلم أن معنى قوله : { وما من دابة في الأرض إلى قوله إلا ~~أمم أمثالكم } أن لها خصائص لكل جنس ونوع منها كما لأمم البشر خصائصها ، أي ~~جعل الله لكل نوع ما به قوامه وألهمه اتباع نظامه وأن لها حياة مؤجلة لا ~~محالة . # فمعنى { أمثالكم } المماثلة في الحياة الحيوانية وفي اختصاصها بنظامها . # وأما معنى قوله : { ثم إلى ربهم يحشرون } أنها صائرة إلى الموت . ويعضده ~~ما روي عن ابن عباس : حشر البهائم موتها ، أي فالحشر مستعمل في مجاز قريب ~~إلى حقيقته اللغوية التي في نحو قوله تعالى : { وحشر لسليمان جنوده } ( ~~النمل : 17 ) . فموقع هذه الآية عند بعض المفسرين أنها بمنزلة الدليل على ~~مضمون قوله تعالى : { قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون } ( الأنعام : 37 ) ، فيجوز أن تكون معطوفة على جملة { إن الله قادر ~~على أن ينزل آية } ( الأنعام : 37 ) على أنها من جملة ما أمر النبي بأن ~~يقوله لهم ؛ ويجوز أن تكون معطوفة على جملة : { قل إن الله قادر } ( ~~الأنعام : 37 ) على أنها من خطاب الله لهم . أي أن الذي ms2572 خلق أنواع الأحياء ~~كلها وجعلها كالأمم ذات خصائص جامعة لأفراد كل نوع منها فكان خلقها ~~PageV07P213 آية على عظيم قدرته لا يعجزه أن يأتي بآية حسب مقترحكم ولكنكم ~~لا تعلمون الحكمة في عدم إجابتكم لما سألتم . ويكون تعقيبه بقوله تعالى : { ~~والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم } ( الأنعام : 39 ) الآية واضح المناسبة ، أي ~~لا يهتدون إلى ما في عوالم الدواب والطير من الدلائل على وحدانية الله . # وأما قوله : { ثم إلى ربهم يحشرون } فإن نظرنا إليه مستقلا بنصه غير ~~ملتفتين إلى ما نيط به من آثار مروية في تفسيره ؛ فأول ما يبدو للناظر أن ~~ضميري { ربهم } و { يحشرون } عائدان إلى { دابة } و { طائر } باعتبار ~~دلالتهما على جماعات الدواب والطير لوقوعهما في حيز حرف ( من ) المفيدة ~~للعموم في سياق النفي ، فيتساءل الناظر عن ذلك وهما ضميران موضوعان للعقلاء ~~. وقد تأولوا لوقوع الضميرين على غير العقلاء بوجهين : أحدهما أنه بناء على ~~التغليب إذ جاء بعده { إلا أمم أمثالكم } . الوجه الثاني أنهما عائدان إلى ~~{ أمم أمثالكم } ، أي أن الأمم كلها محشورة إلى الله تعالى . # وأحسن من ذلك تأويلا أن يكون الضميران عائدين إلى ما عادت إليه ضمائر ~~الغيبة في هذه الآيات التي آخرها ضمير { وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه } ~~، فيكون موقع جملة { ثم إلى ربهم يحشرون } موقع الإدماج والاستطراد مجابهة ~~للمشركين بأنهم محشورون إلى الله لا محالة وإن أنكروا ذلك . # فإذا وقع الإلتفات إلى ما روي من الآثار المتعلقة بالآية كان الأمر مشكلا ~~. فقد روى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ~~لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء ( التي لا قرن ~~لها ، وفي رواية غيره : الجماء ) من الشاة القرناء ) . وروى أحمد بن حنبل ~~وأبو داوود الطيالسي في ( مسنديهما ) عن أبي ذر قال : انتطحت شاتان أو ~~عنزان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا أبا ذر أتدري فيم ~~انتطحتا ، قلت : لا ، قال : لكن الله يدري وسيقضي بينهما يوم القيامة . ~~فهذا مقتض إثبات حشر الدواب ليوم ms2573 الحساب ، فكان معناه خفي الحكمة إذ من ~~المحقق انتفاء تكليف الدواب والطير تبعا لانتفاء العقل عنها . وكان موقعها ~~جلي المناسبة بما قاله PageV07P214 الفخر نقلا عن عبد الجبار بأنه لما قدم ~~الله أن الكفار يرجعون إليه ويحشرون بين بعده أن الدواب والطير أمم أمثالهم ~~في أنهم يحشرون . والمقصود بيان أن الحشر والبعث كما هو حاصل في الناس حاصل ~~في البهائم . وهذا ظاهر قوله : { يحشرون } لأن غالب إطلاق الحشر في القرآن ~~على الحشر للحساب ، فيناسب أن تكون جملة : { وما من دابة في الأرض } الآية ~~عطفا على جملة : { والموتى يبعثهم الله } ، فإن المشركين ينكرون البعث ~~ويجعلون إخبار الرسول عليه الصلاة والسلام به من أسباب تهمته فيما جاء به ، ~~فلما توعدهم الله بالآية السابقة بأنهم إليه يرجعون زاد أن سجل عليهم جهلهم ~~فأخبرهم بما هو أعجب مما أنكروه ، وهو إعلامهم بأن الحشر ليس يختص بالبشر ~~بل يعم كل ما فيه حياة من الدواب والطير . فالمقصود من هذا الخبر هو قوله : ~~{ ثم إلى ربهم يحشرون } . وأما ما قبله فهو بمنزلة المقدمة له والاستدلال ~~عليه ، أي فالدواب والطير تبعث مثل البشر وتحضر أفرادها كلها يوم الحشر ، ~~وذلك يقتضي لا محالة أن يقتص لها ، فقد تكون حكمة حشرها تابعة لإلقاء الأرض ~~وما فيها وإعادة أجزاء الحيوان . # وإذا كان المراد من هذين الحديثين ظاهرهما فإن هذا مظهر من مظاهر الحق ~~يوم القيامة لإصلاح ما فرط في عالم الفناء من رواج الباطل وحكم القوة على ~~العدالة ، ويكون القصاص بتمكين المظلوم من الدواب من رد فعل ظالمه كيلا ~~يستقر بالباطل . فهو من قبيل ترتب المسببات على أسبابها شبيه بخطاب الوضع ، ~~وليس في ذلك ثواب ولا عقاب لانتفاء التكليف ثم تصير الدواب يومئذ ترابا ، ~~كما ورد في رواية عن أبي هريرة في قوله تعالى : { ويقول الكافر يا ليتني ~~كنت ترابا } ( النبأ : 40 ) . قال المازري في المعلم : واضطرب العلماء في ~~بعث البهائم . وأقوى ما تعلق به من يقول ببعثها قوله تعالى : { وإذا الوحوش ~~حشرت } . وقد قيل : إن هذا كله تمثيل للعدل . ونسبه ms2574 المازري إلى بعض شيوخه ~~قال : هو ضرب مثل إعلاما للخلق بأن لا يبقى حق عند أحد . # والدابة مشتقة من دب إذا مشى على الأرض ، وهي اسم لكل ما يدب على الأرض . ~~وقوله : { في الأرض } صفة قصد منها إفادة التعميم والشمول بذكر اسم المكان ~~الذي يحوي جميع الدواب وهو الأرض ، وكذلك وصف { طائر } بقوله { يطير ~~بجناحيه } PageV07P215 قصد به الشمول والإحاطة ، لأنه وصف آيل إلى معنى ~~التوكيد ، لأن مفاد { يطير بجناحيه } أنه طائر ، كأنه قيل : ولا طائر ولا ~~طائر . والتوكيد هنا يؤكد معنى الشمول الذي دلت عليه ( من ) الزائدة في ~~سياق النفي ؛ فحصل من هذين الوصفين تقرير معنى الشمول الحاصل من نفي اسمي ~~الجنسين . ونكتة التوكيد أن الخبر لغرابته عندهم وكونه مظنة إنكارهم أنه ~~حقيق بأن يؤكد . # ووقع في ( المفتاح ) في بحث إتباع المسند إليه بالبيان أن هذين الوصفين ~~في هذه الآية للدلالة على أن القصد من اللفظين الجنس لا بعض الأفراد وهو ~~غير ما في ( الكشاف ) ، وكيف يتوهم أن المقصود بعض الأفراد ووجود ( من ) في ~~النفي نص على نفي الجنس دون الوحدة . # وبهذا تعلم أن ليس وصف { يطير بجناحيه } واردا لرفع احتمال المجاز في { ~~طائر } كما جنح إليه كثير من المفسرين وإن كان رفع احتمال المجاز من جملة ~~نكت التوكيد اللفظي إلا أنه غير مطرد ، ولأن اعتبار تأكيد العموم أولى ، ~~بخلاف نحو قولهم : # نظرته بعيني وسمعته بأذني . وقول صخر : # شر واتخذت من شعر صدارها # إذ من المعلوم أن الصدار لا يكون إلا من شعر . # و { أمم } جمع أمة . والأمة أصلها الجماعة من الناس المتماثلة في صفات ~~ذاتية من نسب أو لغة أو عادة أو جنس أو نوع . قيل : سميت أمة لأن أفرادها ~~تؤم أمما واحدا وهو ما يجمع مقوماتها . # وأحسب أن لفظ أمة خاص بالجماعة العظيمة من البشر ، فلا يقال في اللغة أمة ~~الملائكة ولا أمة السباع . فأما إطلاق الأمم على الدواب والطير في هذه ~~الآية فهو مجاز ، أي مثل الأمم لأن كل نوع منها تجتمع أفراده في صفات متحدة ~~بينها ms2575 أمما واحدة ، وهو ما يجمعها وأحسب أنها خاصة بالبشر . # و { دابة } و { طائر } في سياق النفي يراد بهما جميع أفراد النوعين كما ~~هو شأن الاستغراق ، فالإخبار عنهما بلفظ { أمم } وهو جمع على تأويله ~~بجماعاتها ، أي إلا جماعاتها أمم ، أو إلا أفراد أمم . PageV07P216 # وتشمل الأرض البحر لأنه من الأرض ولأن مخلوقاته يطلق عليها لفظ الدابة ، ~~كما ورد في حديث سرية سيف البحر قول جابر بن عبد الله : فألقى لنا البحر ~~دابة يقال لها العنبر . # والمماثلة في قوله : { أمثالكم } التشابه في فصول الحقائق والخاصات التي ~~تميز كل نوع من غيره ، وهي النظم الفطرية التي فطر الله عليها أنواع ~~المخلوقات . فالدواب والطير تماثل الأناسي في أنها خلقت على طبيعة تشترك ~~فيها أفراد أنواعها وأنها مخلوقة لله معطاة حياة مقدرة مع تقدير أرزاقها ~~وولادتها وشبابها وهرمها ، ولها نظم لا تستطيع تبديلها . وليست المماثلة ~~براجعة إلى جميع الصفات فإنها لا تماثل الإنسان في التفكير والحضارة ~~المكتسبة من الفكر الذي اختص به الإنسان . ولذلك لا يصح أن يكون لغير ~~الإنسان نظام دولة ولا شرائع ولا رسل ترسل إليهن لانعدام عقل التكليف فيهن ~~، وكذلك لا يصح أن توصف بمعرفة الله تعالى . وأما قوله تعالى : { وإن من ~~شيء إلا يسبح بحمده } ( الإسراء : 44 ) فذلك بلسان الحال في العجماوات حين ~~نراها بهجة عند حصول ما يلائمها فنراها مرحة فرحة . وإنما ذلك بما ساق الله ~~إليها من النعمة وهي لا تفقه أصلها ولكنها تحس بأثرها فتبتهج ، ولأن في كل ~~نوع منها خصائص لها دلالة على عظيم قدرة الله وعلمه تختلف عن بقية الأنواع ~~من جنسه والمقصد من هذا صرف الأفهام إلى الاعتبار بنظام الخلق الذي أودعه ~~الله في كل نوع ، والخطاب في قوله : { أمثالكم } موجه إلى المشركين . # وجملة : { ما فرطنا في الكتاب من شيء } معترضة لبيان سعة علم الله تعالى ~~وعظيم قدرته . فالكتاب هنا بمعنى المكتوب ، وهو المكنى عنه بالقلم المراد ~~به ما سبق في علم الله وإرادته الجارية على ، وفقه كما تقدم في قوله تعالى ~~: { كتب على نفسه الرحمة ms2576 } ( الأنعام : 12 ) . # وقيل الكتاب القرآن . وهذا بعيد إذ لا مناسبة بالغرض على هذا التفسير ، ~~فقد أورد كيف يشتمل القرآن على كل شيء . وقد بسط فخر الدين بيان ذلك ~~لاختيار هذا القول وكذلك أبو إسحاق الشاطبي في ( الموافقات ) . # والتفريط : الترك والإهمال ، وتقدم بيانه آنفا عند قوله تعالى : { قالوا ~~يا حسرتنا على ما فرطنا فيها } ( الأنعام : 31 ) . # والشيء هو الموجود . والمراد به هنا أحوال المخلوقات كما يدل عليه السياق ~~فشمل أحوال الدواب والطير فإنها معلومة لله تعالى مقدرة عنده بما أودع فيها ~~من حكمة خلقه تعالى . PageV07P217 # وقوله { ثم إلى ربهم يحشرون } تقدم تفسيره آنفا في أول تفسير هذه الآية . ~~وفي الآية تنبيه للمسلمين على الرفق بالحيوان فإن الإخبار بأنها أمم ~~أمثالنا تنبيه على المشاركة في المخلوقية وصفات الحيوانية كلها . وفي قوله ~~: { ثم إلى ربهم يحشرون } إلقاء للحذر من الاعتداء عليها بما نهى الشرع عنه ~~من تعذيبها وإذا كان يقتص لبعضها من بعض وهي غير مكلفة ، فالاقتصاص من ~~الإنسان لها أولى بالعدل . وقد ثبت في الحديث الصحيح : أن الله شكر للذي ~~سقى الكلب العطشان ، وأن الله أدخل امرأة النار في هرة حبستها فماتت جوعا . # # | 2 ( 39 ) { والذين كذبوا بئاياتنا صم وبكم فى الظلمات من يشإ الله ~~يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم } . ) 2 # يجوز أن تكون الواو للعطف ، والمعطوف عليه جملة : { إنما يستجيب الذين ~~يسمعون } . والمعنى : والذين كذبوا بآياتنا ولم يستمعوا لها ، أي لا ~~يستجيبون بمنزلة صم وبكم في ظلمات لا يهتدون . # ويجوز أن تكون الجملة مستأنفة والواو استئنافية ، أي عاطفة كلاما مبتدأ ~~ليس مرتبطا بجملة معينة من الكلام السابق ولكنه ناشيء عن جميع الكلام ~~المتقدم . فإن الله لما ذكر من مخلوقاته وآثار قدرته ما شأنه أن يعرف الناس ~~بوحدانيته ويدلهم على آياته وصدق رسوله أعقبه ببيان أن المكذبين في ضلال ~~مبين عن الاهتداء لذلك ، وعن التأمل والتفكير فيه ، وعلى الوجهين فمناسبة ~~وقوع هذه الجملة عقب جملة : { وما من دابة في الأرض } ( الأنعام : 38 ) ~~الآية قد تعرضنا إليها آنفا . # والمراد بالذين كذبوا ms2577 المشركون الذين مضى الكلام على أحوالهم عموما ~~وخصوصا . # وقوله : { صم وبكم في الظلمات } تمثيل لحالهم في ضلال عقائدهم والابتعاد ~~عن الاهتداء بحال قوم صم وبكم في ظلام . فالصمم يمنعهم من تلقي هدى من ~~يهديهم ، PageV07P218 والبكم يمنعهم من الاسترشاد ممن يمر بهم ، والظلام ~~يمنعهم من التبصر في الطريق أو المنفذ المخرج لهم من مأزقهم . # وإنما قيل في { الظلمات } ولم يوصفوا بأنهم عمي كما في قوله : { عميا ~~وبكما وصما } ( الإسراء : 97 ) ليكون لبعض أجزاء الهيئة المشبهة بها ما ~~يصلح لشبه بعض أجزاء الهيئة المشبهة ، فإن الكفر الذي هم فيه والذي أصارهم ~~إلى استمرار الضلال يشبه الظلمات في الحيلولة بين الداخل فيه وبين الاهتداء ~~إلى طريق النجاة . وفي الحديث : { الظلم ظلمات يوم القيامة } . فهذا ~~التمثيل جاء على أتم شروط التمثيل . وهو قبوله لتفكيك أجزاء الهيئتين إلى ~~تشبيهات مفردة ، كقول بشار : # كأن مثار النقع فوق رؤوسنا # وأسيافنا ليل تهادى كواكبه # وجمع الظلمات جار على الفصيح من عدم استعمال الظلمة مفردا . وقد تقدم في ~~صدر السورة ، وقيل : للإشارة إلى ظلمة الكفر ، وظلمة الجهل ، وظلمة العناد ~~. # وقوله : { صم وبكم } خبر ومعطوف عليه . وقوله : { في الظلمات } خبر ثالث ~~لأنه يجوز في الأخبار المتعددة ما يجوز في النعوت المتعددة من العطف وتركه ~~. # وقوله : { من يشأ الله يضلله } استئناف بياني لأن حالهم العجيبة تثير ~~سؤالا وهو أن يقول قائل ما بالهم لا يهتدون مع وضوح هذه الدلائل البينات ، ~~فأجيب بأن الله أضلهم فلا يهتدون ، وأن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء ، ~~فدل قوله : { من يشأ الله يضلله } على أن هؤلاء المكذبين الضالين هم ممن ~~شاء الله إضلالهم على طريقة الإيجاز بالحذف لظهور المحذوف ، وهذا مرتبط بما ~~تقدم من قوله تعالى : { ولو شاء الله لجمعهم على الهدى } ( الأنعام : 35 ) ~~. # ومعنى إضلال الله تقديره الضلال ؛ بأن يخلق الضال بعقل قابل للضلال مصر ~~على ضلاله عنيد عليه فإذا أخذ في مبادىء الضلال كما يعرض لكثير من الناس ~~فوعظه واعظ أو خطر له في نفسه خاطر أنه على ضلال منعه إصراره من ms2578 الإقلاع ~~عنه فلا يزال يهوي به في مهاوي الضلالة حتى يبلغ به إلى غاية التخلق ~~بالضلال فلا ينكف عنه . وهذا مما أشار PageV07P219 إليه قوله تعالى : { لقد ~~خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين } ( التين : 4 ، 5 ) ، ~~ودل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم ( إن الرجل ليصدق حتى يكون صديقا ~~وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا ) . وكل هذا من تصرف الله تعالى ~~بالتكوين والخلق وهو تصرف القدر . وله اتصال بناموس التسلسل في تطور أحوال ~~البشر في تصرفات بعقولهم وعوائدهم ، وهي سلسلة بعيدة المدى اقتضتها حكمة ~~الله تعالى في تدبير نظام هذا العالم ، ولا يعلم كنهها إلا الله تعالى ، ~~وليس هذا الإضلال بالأمر بالضلال فإن الله لا يأمر بالفحشاء ولا بتلقينه ~~والحث عليه وتسهيله فإن ذلك من فعل الشيطان ، كما أن الله قد حرم من أراد ~~إضلاله من انتشاله واللطف به لأن ذلك فضل من هو أعلم بأهله . ومفعول { يشأ ~~} محذوف لدلالة جواب الشرط عليه ، كما هو الشائع في مفعول فعل المشيئة ~~الواقع شرطا . # والصراط هو الطريق البين . ومعنى المستقيم أنه لا اعوجاج فيه ، لأن السير ~~في الطريق المستقيم أيسر على السائر وأقرب وصولا إلى المقصود . # ومعنى ( على ) الاستعلاء ، وهو استعلاء السائر على الطريق . فالكلام ~~تمثيل لحال الذي خلقه الله فمن عليه بعقل يرعوي من غيه ويصغي إلى النصيحة ~~فلا يقع في الفساد فاتبع الدين الحق ، بحال السائر في طريق واضحة لا يتحير ~~ولا يخطىء القصد ، ومستقيمة لا تطوح به في طول السير . وهذا التمثيل أيضا ~~صالح لتشبيه كل جزء من أجزاء الهيئة المشبهة بجزء من أجزاء الهيئة المشبه ~~بها ، كما تقدم في نظيره . وقد تقدم شيء من هذا عند قوله تعالى : { اهدنا ~~الصراط المستقيم } ( الفاتحة : 6 ) . فالدين يشبه الصراط الموصل بغير عناء ~~، والهدي إليه شبيه الجعل على الصراط . # # | 2 ( 40 ، 41 ) { لله قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة ~~أغير الله تدعون إن كنتم صادقين * بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن ~~شآء ms2579 وتنسون ما تشركون } . ) 2 # PageV07P220 # استئناف ابتدائي يتضمن تهديدا بالوعيد طردا للأغراض السابقة ، وتخلله ~~تعريض بالحث على خلع الشرك إذ ليس لشركائهم نفع بأيديهم ، فذكروا بأحوال قد ~~تعرض لهم يلجأون فيها إلى الله . وألقي عليهم سأل أيستمرون على الإشراك ~~بالله في تلك الحالة وهل يستمرون من الآن على الشرك إلى أن يأتيهم العذاب ~~أو تأتيهم القيامة حين يلجأون إلى الإيمان بوحدانيته ، ولات حين إيمان . # وافتتح هذا التهديد بالأمر بالقول اهتماما به وإلا فإن معظم ما في القرآن ~~مأمور الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يقوله لهم . وقد تتابع الأمر بالقول ~~في الآيات بعد هذه إلى قوله : { لكل نبأ مستقر } ( الأنعام : 67 ) اثنتي ~~عشرة مرة . وورد نظيره في سورة يونس . # وقوله : { أرأيتكم } تركيب شهير الاستعمال ، يفتتح بمثله الكلام الذي ~~يراد تحقيقه والاهتمام به . وهمزة الاستفهام فيه للاستفهام التقريري . # و ( رأى ) فيه بمعنى الظن . يسند إلى تاء خطاب تلازم حالة واحدة ملازمة ~~حركة واحدة ، وهي الفتحة لا تختلف باختلاف عدد المخاطب وصنفه سواء كان ~~مفردا أو غيره ، مذكرا أو غيره ، ويجعل المفعول الأول في هذا التركيب غالبا ~~ضمير خطاب عائدا إلى فاعل الرؤية القلبية ومستغنى به لبيان المراد بتاء ~~الخطاب . والمعنى أن المخاطب يعلم نفسه على الحالة المذكورة بعد ضمير ~~الخطاب ، فالمخاطب فاعل ومفعول باختلاف الاعتبار ، فإن من خصائص أفعال باب ~~الظن أنه يجوز أن يكون فاعلها ومفعولها واحدا ( وألحق بأفعال العلم فعلان : ~~فقد ، وعدم في الدعاء نحو فقدتني ) ، وتقع بعد الضمير المنصوب جملة في موضع ~~مفعوله الثاني ، وقد يجيء في تلك الجملة ما يعلق فعل الرؤية عن العمل . # هذا هو الوجه في تحليل هذا التركيب . وبعض النحاة يجعل تلك الجملة سادة ~~مسد المفعولين تفصيا من جعل ضمائر الخطاب مفاعيل إذ يجعلونها مجرد علامات ~~خطاب لا محل لها من الإعراب ، وذلك حفاظا على متعارف قواعد النحو في ~~الاستعمال الأصلي المتعارف مع أن لغرائب الاستعمال أحوالا خاصة لا ينبغي غض ~~النظر عنها إلا إذا قصد بيان أصل الكلام أو عدم التشويش على المتعلمين . ~~ولا ms2580 يخفى أن ما ذهبوا إليه هو أشد PageV07P221 غرابة وهو الجمع بين علامتي ~~خطاب مختلفتين في الصورة ومرجعهما متحد . وعلى الوجه الذي اخترناه فالمفعول ~~الثاني في هذا التركيب هو جملة : { أغير الله تدعون } . # وإنما تركت التاء على حالة واحدة لأنه لما جعلت ذات الفاعل ذات المفعول ~~إعرابا وراموا أن يجعلوا هذا التركيب جاريا مجرى المثل في كونه قليل ~~الألفاظ وافر المعنى تجنبوا ما يحدثه الجمع بين ضميري خطاب مرفوع ومنصوب من ~~الثقل في نحو أرأيتما كما ، وأرأيتمكم وأريتنكن ، ونحو ذلك ، سلكوا هذه ~~الطريقة الغريبة فاستغنوا بالاختلاف حالة الضمير الثاني عن اختلاف حالة ~~الضمير الأول اختصارا وتخفيفا ، وبذلك تأتى أن يكون هذا التركيب جاريا مجرى ~~المثل لما فيه من الإيجاز تسهيلا لشيوع استعماله استعمالا خاصا لا يغير عنه ~~، فلذلك لا تكسر تلك التاء في خطاب المؤنث ولا تضم في خطاب المثنى والمجموع ~~. # وعن الأخفش : أخرجت العرب هذا اللفظ من معناه بالكلية فألزمته الخطاب ، ~~وأخرجته عن موضوعه إلى معنى ( أما ) بفتح الهمزة ، فجعلت الفاء بعده في بعض ~~استعمالاته كقوله تعالى : { أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت } ( ~~الكهف : 63 ) فما دخلت الفاء إلا وقد أخرجت ( أرأيت ) لمعنى ( أما ) ؛ ~~وأخرجته أيضا إلى معنى ( أخبرني ) فلا بد بعده من اسم المستخبر عنه ؛ وتلزم ~~الجملة بعد الاستفهام ، وقد يخرج لهذا المعنى وبعده الشرط وظرفف الزمان . ~~اه . # في ( الكشاف ) : متعلق الاستخبار محذوف ، تقديره : إن أتاكم عذاب الله أو ~~أتتكم الساعة من تدعون ، ثم بكتهم بقوله { أغير الله تدعون } ، أي أتخصون ~~آلهتكم بالدعوة أم تدعون الله دونها بل إياه تدعون اه . وجملة : { أغير ~~الله تدعون } هي المفعول الثاني لفعل { أرأيتكم } . # واعلم أن هذا استعمال خاص بهذا التركيب الخاص الجاري مجرى المثل ، فأما ~~إذا أريد جريان فعل الرؤية العلمية على أصل بابه فإنه يجري على المتعارف في ~~تعدية الفعل PageV07P222 إلى فاعله ومفعوليه . فمن قال لك : رأيتني عالما ~~بفلان . فأردت التحقق فيه تقول : أرأيتك عالما بفلان . وتقول للمثنى : ~~أرأيتماكما عالمين بفلان ، وللجمع أرأيتموكم وللمؤنثة أرأيتك بكسر التاء . # وقرأه نافع ms2581 في المشهور بتسهيل الهمزة ألفا ؛ وعنه رواية بجعلها بين ~~الهمزة والألف . وقرأه الكسائي بإسقاط الهمزة التي هي عين الكلمة ، فيقول : ~~{ أريت } وهي لغة . وقرأه الباقون بتحقيق الهمزة . # وجملة : { إن أتاكم عذاب الله } الخ معترضة بني مفعولي فعل الرؤية ، وهي ~~جملة شرطية حذف جوابها لدلالة جملة المفعول الثاني عليه . # وإتيان العذاب : حلوله وحصوله ، فهو مجاز لأن حقيقة الإتيان المجيء ، وهو ~~الانتقال من موضع بعيد إلى الموضع الذي استقر فيه مفعول الإتيان ، فيطلق ~~مجازا على حصول شيء لم يكن حاصلا . وكذلك القول في إتيان الساعة سواء . # ووجه إعادة فعل { أتتكم الساعة } مع كون حرف العطف مغنيا عن إعادة العامل ~~بأن يقال : إن أتاكم عذاب الله أو الساعة ، هو ما يوجه به الإظهار في مقام ~~الإضمار من إرادة الاهتمام بالمظهر بحيث يعاد لفظه الصريح لأنه أقوى ~~استقرارا في ذهن السامع . # والاهتمام هنا دعا إليه التهويل وإدخال الروع في ضمير السامع بأن يصرح ~~بإسناد هذا الإتيان لاسم المسند إليه الدال على أمر مهول ليدل تعلق هذا ~~الفعل بالمفعول على تهويله وإراعته . # وقد استشعر الاحتياج إلى توجيه إعادة الفعل هنا الشيخ محمد بن عرفة في ~~درس تفسيره ، ولكنه وجهه بأنه إذا كان العاملان متفاوتين في المعنى لكون ~~أحدهما أشد يعاد العامل بعد حرف العطف إشعارا بالتفاوت ، فإن إتيان العذاب ~~أشد من إتيان الساعة ( أي بناء على أن المراد بعذاب الله عذاب الآخرة ) أو ~~كان العاملان متباعدين ، فإن أريد بالساعة القيامة وبعذاب الله المحق ~~والرزايا في الدنيا فيعقبه بعد مهلة تامة . وإن أريد بالساعة المدة فالمحق ~~الدنيوي كثير ، منه متقدم ومنه متأخر إلى الموت ، فالتقدم ظاهر اه . وفي ~~توجيهه نظر إذ لا يشهد له الاستعمال . PageV07P223 # وإضافة العذاب إلى اسم الجلالة لتهويله لصدوره من أقدر القادرين . ~~والمراد عذاب يحصل في الدنيا يضرعون إلى الله لرفعه عنهم بدليل قوله { أغير ~~الله تدعون } ، فإن الدعاء لا يكون بطلب رفع عذاب الجزاء . وهذا تهديد ~~وإنذار . # والساعة : علم بالغلبة على ساعة انقراض الدنيا ، أي إن أدركتكم الساعة . # وتقديم { أغير الله } على ms2582 عامله وهو { تدعون } لتكون الجملة المستفهم ~~عنها جملة قصر ، أي أتعرضون عن دعاء الله فتدعون غيره دونه كما هو دأبكم ~~الآن ، فالقصر لحكاية حالهم لا لقصد الرد على الغير . وقد دل الكلام على ~~التعجب ، أي تستمرون على هذه الحال . والكلام زيادة في الإنذار . # وجمل : ة { إن كنتم صادقين } مستأنفة ، وجوابها محذوف دل عليه قوله : { ~~أرأيتكم } الذي هو بمعنى التقرير . فتقدير الجواب : إن كنتم صادقين فأنتم ~~مقرون بأنكم لا تدعون غير الله . ذكرهم في هذه الآية وألجأهم إلى النظر ~~ليعلموا أنه إذا أراد الله عذابهم لا تستطيع آلهتهم دفعه عنهم ، فهم إن ~~توخوا الصدق في الخبر عن هذا المستقبل أعادوا التأمل فلا يسعهم إلا ~~الاعتراف بأن الله إذا شاء شيئا لا يدفعه غيره إلا بمشيئته ، لأنهم يعترفون ~~بأن الأصنام إنما تقربهم إلى الله زلفى ، فإذا صدقوا وقالوا : أندعوا الله ~~، فقد قامت الحجة عليهم من الآن لأن من لا يغني في بعض الشدائد لا ينبغي ~~الاعتماد عليه في بعض آخر . # ولذلك كان موقع { بل إياه تدعون } عقب هذا الاستفهام موقع النتيجة ~~للاستدلال . فحرف ( بل ) لإبطال دعوة غير الله . أي فأنا أجيب عنكم بأنكم ~~لا تدعون إلا الله . ووجه تولي الجواب عنهم من السائل نفسه أن هذا الجواب ~~لما كان لا يسع المسؤول إلا إقراره صح أن يتولى السائل الجواب عنه ، كما ~~تقدم في قوله تعالى : { قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله في هذه السورة ~~( 12 ) . # وتقديم المفعول على تدعون } للقصر وهو قصر إفراد للرد على المشركين في ~~زعمهم أنهم يدعون الله ويدعون أصنامهم ، وهم وإن كانوا لم يزعموا ذلك في ~~حال PageV07P224 ما إذا أتاهم عذاب الله أو أتتهم الساعة إلا أنهم لما ~~ادعوه في غير تلك الحالة نزلوا منزلة من يستصحب هذا الزعم في تلك الحالة ~~أيضا . # وقوله : { فيكشف } عطف على { تدعون } ، وهذا إطماع في رحمة الله لعلهم ~~يتذكرون . ولأجل التعجيل به قدم { وتنسون ما تشركون } وكان حقه التأخير . ~~فهو شبيه بتعجيل المسرة . ومفعول : { تدعون } محذوف وهو ضمير اسم الجلالة ms2583 ، ~~أي ما تدعونه . والضمير المجرور ب ( إلى ) عائد على { ما } من قوله { ما ~~تدعون } أي يكشف الذي تدعونه إلى كشفه . وإنما قيد كشف الضر عنهم بالمشيئة ~~لأنه إطماع لا وعد . # وعدي فعل { تدعون } بحرف ( إلى ) لأن أصل الدعاء نداء فكأن المدعو مطلوب ~~بالحضور إلى مكان اليأس . # ومفعول { شاء } محذوف على طريقة حذف مفعول فعل المشيئة الواقع شرطا ، كما ~~تقدم آنفا . # وفي قوله : { إن شاء } إشارة إلى مقابله ، وهو إن لم يشأ لم يكشف ، وذلك ~~في عذاب الدنيا . وأما إتيان الساعة فلا يكشف إلا أن يراد بإتيانها ما يحصل ~~معها من القوارع والمصائب من خسف وشبهه فيجوز كشفه عن بعض الناس . ومما ~~كشفه الله عنهم من عذاب الدنيا عذاب الجوع الذي في قوله تعالى : { فارتقب ~~يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس هذا عذاب أليم إلى قوله إنا كاشفوا ~~العذاب قليلا إنكم عائدون يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون } ( الدخان : ~~10 16 ) فسرت البطشة بيوم بدر . # وجملة : { فيكشف } الخ معترضة بين المعطوفين . وقوله : { وتنسون ما ~~تشركون } عطف على { إياه تدعون } ، أي فإنكم في ذلك الوقت تنسون ما تشركون ~~مع الله ، وهو الأصنام . # وقوله : { وتنسون ما تشركون } يجوز أن يكون النسيان على حقيقته ، أي ~~تذهلون عن الأصنام لما ترون من هول العذاب وما يقع في نفوسهم من أنه مرسل ~~عليهم من الله فتنشغل أذهانهم بالذي أرسل العذاب وينسون الأصنام التي ~~اعتادوا أن يستشفعوا بها . PageV07P225 # ويجوز أن يكون مجازا في الترك والإعراض ، أي وتعرضون عن الأصنام ، إذ ~~لعلهم يلهمون أن يستدلون في تلك الساعة على أن غير الله لا يكشف عنهم من ~~ذلك العذاب شيئا ، وإطلاق النسيان على الترك شائع في كلام العرب ، كما في ~~قوله تعالى : { فاليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا } ( الجاثية : 34 ) ~~، أي نهملكم كما أنكرتم لقاء الله هذا اليوم . ومن قبيله قوله تعالى : { ~~الذين هم عن صلاتهم ساهون } ( الماعون : 5 ) . # وفي قوله : { فيكشف ما تدعون إليه إن شاء } دليل على أن الله تعالى قد ~~يجيب دعوة الكافر في ms2584 الدنيا تبعا لإجراء نعم الله على الكفار . والخلاف في ~~ذلك بين الأشعري والماتريدي آئل إلى الاختلاف اللفظي . # $ 2 ( 42 45 ) { ولقد أرسلنآ إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأسآء والضرآء ~~لعلهم يتضرعون * فلولا & # 1764 إذ جآءهم بأسنا تضرعوا ولاكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا ~~يعملون * فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شىء حتى إذا فرحوا ~~بمآ أوتو & # 1764 ا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون * فقطع دابر القوم الذين ظلموا ~~والحمد لله رب العالمين } . ) 2 $ # لما أنذرهم بتوقع العذاب أعقبه بالاستشهاد على وقوع العذاب بأمم من قبل ، ~~ليعلم هؤلاء أن تلك سنة الله في الذين ظلموا بالشرك . # وهذا الخبر مستعمل في إنذار السامعين من المشركين على طريقة التعريض ، ~~وهم المخاطبون بالقول المأمور به في الجملة التي قبلها . # فجملة : { ولقد أرسلنا } عطف على جملة : { قل أرأيتكم } ( الأنعام : 40 ) ~~، والواو لعطف الجمل ، فتكون استئنافية إذ كانت المعطوف عليها استئنافا . ~~وافتتحت هذه الجملة بلام القسم PageV07P226 و ( قد ) لتوكيد مضمون الجملة ، ~~وهو المفرع بالفاء في قوله : { فأخذناهم بالبأساء والضراء } . نزل السامعون ~~المعرض بإنذارهم منزلة من ينكرون أن يكون ما أصاب الأمم الذين من قبلهم ~~عقابا من الله تعالى على إعراضهم . # وقوله : { فأخذناهم } عطف على { أرسلنا } باعتبار ما يؤذن به وصف { من ~~قبلك } من معاملة أممهم إياهم بمثل ما عاملك به قومك ، فيدل العطف على ~~محذوف تقديره : فكذبوهم . # ولما كان أخذهم بالبأساء والضراء مقارنا لزمن وجود رسلهم بين ظهرانيهم ~~كان الموقع لفاء العطف للإشارة إلى أن ذلك كان بمرأى رسلهم وقبل انقراضهم ~~ليكون إشارة إلى أن الله أيد رسله ونصرهم في حياتهم ؛ لأن أخذ الأمم ~~بالعقاب فيه حكمتان : إحداهما : زجرهم عن التكذيب ، والثانية : إكرام الرسل ~~بالتأييد بمرأى من المكذبين . وفيه تكرمة للنبيء صلى الله عليه وسلم ~~بإيذانه بأن الله ناصره على مكذبيه . # ومعنى { أخذناهم } أصبناهم إصابة تمكن . وتقدم تفسير الأخذ عند قوله ~~تعالى : { أخذته العزة بالإثم في سورة البقرة ( 206 ) . # وقد ذكر متعلق الأخذ هنا لأنه أخذ بشيء خاص بخلاف الآتي بعيد ms2585 هذا . # والبأساء والضراء تقدما عند قوله تعالى : والصابرين في البأساء والضراء ~~في سورة البقرة ( 177 ) . وقد فسر البأساء بالجوع والضراء بالمرض ، وهو ~~تخصيص لا وجه له ، لأن ما أصاب الأمم من العذاب كان أصنافا كثيرة . ولعل من ~~فسره بذلك اعتبر ما أصاب قريشا بدعوة النبي . # و ( لعل ) للترجي . جعل علة لابتداء أخذهم بالبأساء والضراء قبل ~~الاستئصال . # ومعنى يتضرعون } يتذللون لأن الضراعة التذلل والتخشع ، وهو هنا كناية عن ~~الاعتراف بالذنب والتوبة منه ، وهي الإيمان بالرسل . # والمراد : أن الله قدم لهم عذابا هينا قبل العذاب الأكبر ، كما قال : { ~~ولنذيقنهم من PageV07P227 العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون } ~~( السجدة : 21 ) وهذا من فرط رحمته الممازجة لمقتضى حكمته ؛ وفيه إنذار ~~لقريش بأنهم سيصيبهم البأساء والضراء قبل الاستئصال ، وهو استئصال السيف . ~~وإنما اختار الله أن يكون استئصالهم بالسيف إظهارا لكون نصر الرسول عليه ~~الصلاة والسلام عليهم كان بيده ويد المصدقين به . وذلك أوقع على العرب ، ~~ولذلك روعي حال المقصودين بالإنذار وهم حاضرون . فنزل جميع الأمم منزلتهم ، ~~فقال : { فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا } ، فإن ( لولا ) هنا حرف توبيخ ~~لدخولها على جملة فعلية ماضوية واحدة ، فليست ( لولا ) حرف امتناع لوجود . # والتوبيخ إنما يليق بالحاضرين دون المنقرضين لفوات المقصود . ففي هذا ~~التنزيل إيماء إلى مساواة الحالين وتوبيخ للحاضرين بالمهم من العبرة لبقاء ~~زمن التدارك قطعا لمعذرهم . # ويجوز أن تجعل ( لولا ) هنا للتمني على طريقة المجاز المرسل ، ويكون ~~التمني كناية عن الإخبار بمحبة الله الأمر المتمنى فيكون من بناء المجاز ~~على المجاز ، فتكون هذه المحبة هي ما عبر عنه بالفرح في الحديث ( الله أفرح ~~بتوبة عبده ) الحديث . وتقديم الظرف المضاف مع جملته على عامله في قوله { ~~إذ جاءهم بأسنا تضرعوا } للاهتمام بمضمون جملته ، وأنه زمن يحق أن يكون ~~باعثا على الإسراع بالتضرع مما حصل فيه من البأس . # والبأس تقدم عند قوله تعالى : { وحين البأس في سورة البقرة ( 177 ) . ~~والمراد به هنا الشدة على العدو وغلبته . ومجيء البأس : مجيء أثره ، فإن ما ~~أصابهم من البأساء والضراء أثر من آثار قوة ms2586 قدرة الله تعالى وغلبه عليهم . ~~والمجيء مستعار للحدوث والحصول بعد أن لم يكن تشبيها لحدوث الشيء بوصول ~~القادم من مكان آخر بتنقل الخطوات . # ولما دل التوبيخ أو التمني على انتفاء وقوع الشيء عطف عليه ب ( لكن ) ~~عطفا على معنى الكلام ، لأن التضرع ينشأ عن لين القلب فكان نفيه المفاد ~~بحرف التوبيخ ناشئا عن ضد اللين وهو القساوة ، فعطف بلكن } . PageV07P228 # والمعنى : ولكن اعتراهم ما في خلقتهم من المكابرة وعدم الرجوع عن الباطل ~~كأن قلوبهم لا تتأثر فشبهت بالشيء القاسي . والقسوة : الصلابة . # وقد وجد الشيطان من طباعهم عونا على نفث مراده فيهم فحسن لهم تلك القساوة ~~وأغراهم بالاستمرار على آثامهم وأعمالهم . ومن هنا يظهر أن الضلال ينشأ عن ~~استعداد الله في خلقة النفس . # والتزيين : جعل الشيء زينا . وقد تقدم عند قوله تعالى : { زين للناس حب ~~الشهوات في سورة آل عمران ( 14 ) . # وقوله : فلما نسوا ما ذكروا به } عطف على جملة { قست قلوبهم وزين لهم ~~الشيطان } . والنسيان هنا بمعنى الإعراض ، كما تقدم آنفا في قوله : { ~~وتنسون ما تشركون } ( الأنعام : 41 ) . وظاهر تفرع الترك عن قسوة القلوب ~~وتزيين الشيطان لهم أعمالهم . و ( ما ) موصولة ماصدقها البأساء والضراء ، ~~أي لما انصرفوا عن الفطنة بذلك ولم يهتدوا إلى تدارك أمرهم . ومعنى { ذكروا ~~به } أن الله ذكرهم عقابه العظيم بما قدم إليهم من البأساء والضراء . و ( ~~لما ) حرف شرط يدل على اقتران وجود جوابه بوجود شرطه ، وليس فيه معنى ~~السببية مثل بقية أدوات الشرط . # وقوله : { فتحنا عليهم أبواب كل شيء } جواب { لما } والفتح ضد الغلق ، ~~فالغلق : سد الفرجة التي يمكن الاجتياز منها إلى ما وراءها بباب ونحوه ، ~~بخلاف إقامة الحائط فلا تسمى غلقا . # والفتح : جعل الشيء الحاجز غير حاجز وقابلا للحجز ، كالباب حين يفتح . ~~ولكون معنى الفتح والغلق نسبيين بعضهما من الآخر قيل للآلة التي يمسك بها ~~الحاجز ويفتح بها مفتاحا ومغلاقا ، وإنما يعقل الفتح بعد تعقل الغلق ، ~~ولذلك كان قوله تعالى : { فتحنا عليهم أبواب كل شيء } مقتضيا أن الأبواب ~~المراد ها هنا كانت مغلقة وقت أن ms2587 أخذوا بالبأساء والضراء ، فعلم أنها أبواب ~~الخير لأنها التي لا تجتمع مع البأساء والضراء . PageV07P229 # فالفتح هنا استعارة لإزالة ما يؤلم ويغم كقوله : { ولو أن أهل القرى ~~آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض } ( الأعراف : 96 ) . ~~ومنه تسمية النصر فتحنا لأنه إزالة غم القهر . # وقد جعل الإعراض عما ذكروا به وقتا لفتح أبواب الخير ، لأن المعنى أنهم ~~لما أعرضوا عن الاتعاظ بنذر العذاب رفعنا عنهم العذاب وفتحنا عليهم أبواب ~~الخير ، كما صرح به في قوله تعالى : { وما أرسلنا في قرية من نبيء إلا ~~أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة ~~حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون ~~} ( الأعراف : 94 ، 95 ) . # وقرأ الجمهور { فتحنا } بتخفيف المثناة الفوقية . وقرأه ابن عامر ، وأبو ~~جعفر ورويس عن يعقوب بتشديدها للمبالغة في الفتح بكثرته كما أفاده قوله { ~~أبواب كل شيء } . # ولفظ ( كل ) هنا مستعمل في معنى الكثرة ، كما في قول النابغة : # بها كل ذيال وخنساء ترعوي # إلى كل رجاف من الرمل فارد # أو استعمل في معناه الحقيقي ؛ على أنه عام مخصوص ، أي أبواب كل شيء ~~يبتغونه ، وقد علم أن المراد بكل شيء جميع الأشياء من الخير خاصة بقرينة ~~قوله : { حتى إذا فرحوا } وبقرينة مقابلة هذا بقوله : { أخذنا أهلها ~~بالبأساء والضراء } ( الأعراف : 79 ) ، فهنالك وصف مقدر ، أي كل شيء صالح ، ~~كقوله تعالى : { يأخذ كل سفينة غصبا } ( الكهف : 79 ) أي صالحة . # و { حتى } في قوله : { حتى إذا فرحوا } ابتدائية . ومعنى الفرح هنا هو ~~الازدهاء والبطر بالنعمة ونسيان المنعم ، كما في قوله تعالى : { إذ قال له ~~قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين } ( القصص : 76 ) . قال الراغب : ولم ~~يرخص في الفرح إلا في قوله تعالى : { قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا ~~} ( يونس : 58 ) . و ( إذا ) ظرف زمان للماضي . # ومراد الله تعالى من هذا هو الإمهال لهم لعلهم يتذكرون الله ويوحدونه ~~فتطهر PageV07P230 نفوسهم ، فابتلاهم الله بالضر والخير ليستقصي لهم سببي ~~التذكر والخوف ، لأن من النفوس نفوسا تقودها الشدة ms2588 ونفوسا يقودها اللين . # ومعنى الأخذ هنا الإهلاك . ولذلك لم يذكر له متعلق كما ذكر في قوله آنفا ~~{ فأخذناهم بالبأساء والضراء } للدلالة على أنه أخذ لا هوادة فيه . # والبغتة فعلة من البغت وهو الفجأة ، أي حصول الشيء على غير ترقب عند من ~~حصل له وهي تستلزم الخفاء . فلذلك قوبلت بالجهرة في الآية الآتية . وهنا ~~يصح أن يكون مؤولا باسم الفاعل منصوبا على الحال من الضمير المرفوع ، أي ~~مباغتين لهم ، أو مؤولا باسم المفعول على أنه حال من الضمير المنصوب ، أي ~~مبغوتين ، { وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة } ( هود : 102 ) . # وقوله : { فإذا هم مبلسون } ( إذا ) فجائية . وهي ظرف مكان عند سيبويه ، ~~وحرف عند نحاة الكوفة . # والمبلسون اليائسون من الخير المتحيرون ، وهو من الإبلاس ، وهو الوجوم ~~والسكوت عند طلب العفو يأسا من الاستجابة . # وجملة { فقطع دابر القوم } معطوفة على جملة { أخذناهم } ، أي فأخذناهم ~~أخذ الاستئصال . فلم يبق فيهم أحدا . # والدابر اسم فاعل من دبره من باب كتب ، إذا مشى من ورائه . والمصدر ~~الدبور بضم الدال ، ودابر الناس آخرهم ، وذلك مشتق من الدبر ، وهو الوراء ، ~~قال تعالى : { واتبع أدبارهم } ( الحجر : 65 ) . وقطع الدابر كناية عن ذهاب ~~الجميع لأن المستأصل يبدأ بما يليه ويذهب يستأصل إلى أن يبلغ آخره وهو ~~دابره ، وهذا مما جرى مجرى المثل ، وقد تكرر في القرآن ، كقوله : { أن دابر ~~هؤلاء مقطوع مصبحين } ( الحجر : 66 ) . # والمراد بالذين ظلموا المشركون ، فإن الشرك أعظم الظلم ، لأنه اعتداء على ~~حق الله تعالى على عباده في أن يعترفوا له بالربوبية وحده ، وأن الشرك ~~يستتبع مظالم عدة لأن أصحاب الشرك لا يؤمنون بشرع يزع الناس عن الظلم . ~~PageV07P231 # وجملة : { والحمد لله رب العالمين } يجوز أن تكون معطوفة على جملة : { ~~ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك } بما اتصل بها . عطف غرض على غرض . ويجوز أن ~~تكون اعتراضا تذييليا فتكون الواو اعتراضية . وأيا ما كان موقعها ففي ~~المراد منها اعتبارات ثلاثة : # أحدها : أن تكون تلقينا للرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أن يحمدوا ~~الله على نصره رسله وأولياءهم ms2589 وإهلاك الظالمين ، لأن ذلك النصر نعمة بإزالة ~~فساد كان في الأرض ، ولأن في تذكير الله الناس به إيماء إلى ترقب الإسوة ~~بما حصل لمن قبلهم أن يترقبوا نصر الله كما نصر المؤمنين من قبلهم ؛ فيكون ~~{ الحمد لله } مصدرا بدلا من فعله ، عدل عن نصبه وتنكيره إلى رفعه وتعريفه ~~للدلالة على معنى الدوام والثبات ، كما تقدم في قوله تعالى : { الحمد لله ~~في سورة الفاتحة ( 2 ) . # ثانيها : } أن يكون { الحمد لله } كناية عن كون ما ذكر قبله نعمة من نعم ~~الله تعالى لأن من لوازم الحمد أن يكون على نعمة ، فكأنه قيل : فقطع دابر ~~القوم الذين ظلموا . وتلك نعمة من نعم الله تقتضي حمده . # ثالثها : أن يكون إنشاء حمد لله تعالى من قبل جلاله مستعملا في التعجيب ~~من معاملة الله تعالى إياهم وتدريجهم في درجات الإمهال إلى أن حق عليهم ~~العذاب . # ويجوز أن يكون إنشاء الله تعالى ثناء على نفسه ، تعريضا بالامتنان على ~~الرسول والمسلمين . # واللام في { الحمد } للجنس ، أي وجنس الحمد كله الذي منه الحمد على نعمة ~~إهلاك الظالمين . # وفي ذلك كله تنبيه على أنه يحق الحمد لله عند هلاك الظلمة ، لأن هلاكهم ~~صلاح للناس ، والصلاح أعظم النعم ، وشكر النعمة واجب . وهذا الحمد شكر لأنه ~~مقابل نعمة . وإنما كان هلاكهم صلاحا لأن الظلم تغيير للحقوق وإبطال للعمل ~~بالشريعة ، فإذا تغير الحق والصلاح جاء الدمار والفوضى وافتتن الناس في ~~حياتهم فإذا هلك الظالمون عاد العدل ، وهو ميزان قوام العالم . PageV07P232 # أخرج أحمد بن حنبل عن عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ~~إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراح ثم ~~تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم { فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم ~~أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون فقطع ~~دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين } . # # | 2 ( 46 ) { قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من ~~إلاه غير الله يأتيكم ms2590 به انظر كيف نصرف الايات ثم هم يصدفون } . ) 2 # استئناف ابتدائي عاد به إلى الجدال معهم في إشراكهم بالله تعالى بعد أن ~~انصرف الكلام عنه بخصوصه من قوله تعالى : { قل أي شيء أكبر شهادة } ( ~~الأنعام : 19 ) وما تفنن عقب ذلك من إثبات البعث وإثبات صدق الرسول وذكر ~~القوارع والوعيد إلى قوله : { قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم ~~الساعة } ( الأنعام : 40 ) الآيات . وتكرير الأمر بالقول للوجه الذي تقدم ~~آنفا عند قوله تعالى : { قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله } ( الأنعام : 40 ) ~~الآية . # والرؤية قلبية متعدية إلى مفعولين ، وليس هذا من قبيل الاستعمال المتقدم ~~آنفا في قوله تعالى : { قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة } ( ~~الأنعام : 40 ) الآية . # واختلاف القراء في { أرأيتم } كاختلافهم في مثله من قوله تعالى : { قل ~~أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله } ( الأنعام : 40 ) الآية . # والأخذ : انتزاع الشيء وتناوله من مقره ، وهو هنا مجاز في السلب والإعدام ~~، لأن السلب من لوازم الأخذ بالنسبة إلى المأخوذ منه فهو مجاز مرسل . ولك ~~أن تجعله تمثيلا لأن الله هو معطي السمع والبصر فإذا أزالها كانت تلك ~~الإزالة كحالة أخذ ما كان PageV07P233 أعطاه ، فشبهت هيئة إعدام الخالق بعض ~~مواهب مخلوقه بهيئة انتزاع الآخذ شيئا من مقره . فالهيئة المشبه هنا عقلية ~~غير محسوسة والهيئة المشبهة بها محسوسة . والختم على القلوب تقدم بيانه في ~~سورة البقرة ( 7 ) عند قوله تعالى : { ختم الله على قلوبهم } . والمراد ~~بالقلوب العقول التي بها إدراك المعقولات . # والسمع مصدر دال على الجنس فكان في قوة الجمع ، فعم بإضافته إلى ضمير ~~المخاطبين ولا حاجة إلى جمعه . # والأبصار جمع بصر ، وهو في اللغة العين على التحقيق . وقيل : يطلق البصر ~~على حاسة الإبصار ولذلك جمع ليعم بالإضافة جميع أبصار المخاطبين ، ولعل ~~إفراد السمع وجمع الأبصار جرى على ما يقتضيه تمام الفصاحة من خفة أحد ~~اللفظين مفردا والآخر مجموعا عند اقترانهما ، فإن في انتظام الحروف ~~والحركات والسكنات في تنقل اللسان سرا عجيبا من فصاحة كلام القرآن المعبر ~~عنها بالنظم . وكذلك نرى مواقعها في ms2591 القرآن قال تعالى : { وجعلنا لهم سمعا ~~وإبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء } ( ~~الأنعام : 26 ) . # والقلوب مراد بها العقول في كلام العرب لأن القلب سبب إمداد العقل بقوة ~~الإدراك . # وقوله : { من إلاه } معلق لفعل الرؤية لأنه استفهام ، أي أعلمتم جواب هذا ~~الاستفهام أم أنتم في شك . وهو استفهام مستعمل في التقرير يقصد منه إلجاء ~~السامعين إلى النظر في جوابه فيوقنوا أنه لا إله غير الله يأتيهم بذلك لأنه ~~الخالق للسمع والأبصار والعقول فإنهم لا ينكرون أن الأصنام لا تخلق ، ولذلك ~~قال لهم القرآن : { أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون } ( النحل : 17 ) . # و { من } في موضع رفع على الابتداء ، و { إله } خبر { من } ، و { غير ~~الله } صفة { إله } ، و { يأتيكم } جملة في محل الصفة أيضا ، والمستفهم عنه ~~هو إله ، أي ليس إله غير الله يأتي بذلك ، فدل على الوحدانية . ومعنى { ~~يأتيكم به } يرجعه ، فإن أصل أتى به ، جاء به . ولما كان الشيء المسلوب إذا ~~استنقذه منقذ يأتي به إلى مقره أطلق الإتيان بالشيء على إرجاعه مجازا أو ~~كناية . PageV07P234 # والضمير المجرور بالباء عائد إلى السمع والأبصار والقلوب ، على تأويلها ~~بالمذكور فلذلك لم يقل بها . وهذا استعمال قليل في الضمير ، ولكنه فصيح . ~~وقد تقدم في تفسير قوله تعالى : { إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض ~~جميعا ومثله معه ليفتدوا به في سورة المائدة ( 36 ) ، وعند قوله : وآتوا ~~النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا في سورة النساء ( 4 ) ، ~~وإيثاره هنا على أن يقال : يأتيكم بها ، لدفع توهم عود الضمير إلى خصوص ~~القلوب . # والكلام جار مجرى التهديد والتخويف ، اختير فيه التهديد بانتزاع سمعهم ~~وأبصارهم وسلب الإدراك من قلوبهم لأنهم لم يشكروا نعمة هذه المواهب بل ~~عدموا الانتفاع بها ، كما أشار إليه قوله آنفا وجعلنا على قلوبهم أكنة أن ~~يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها } ( الأنعام : 25 ) ~~. فكان ذلك تنبيها لهم على عدم إجداء هذه المواهب عليهم مع صلاحيتها ms2592 ~~للانتفاع ، وناسب هنا أن يهددوا بزوالها بالكلية إن داموا على تعطيل ~~الانتفاع بها فيما أمر به خالقها . # وقوله { انظر } تنزيل للأمر المعقول منزلة المشاهد ، وهو تصريف الآيات مع ~~الإعراض عنها حتى أن الناظر يستطيع أن يراها ، فأما الأمر فهو مستعمل في ~~التعجيب من حال إعراضهم . # والجملة مستأنفة استئنافا ابتدائيا تتنزل منزلة التذييل للآيات السابقة ، ~~فإنه لما غمرهم بالأدلة على الوحدانية وصدق الرسول ، وأبطل شبههم عقب ذلك ~~كله بالتعجيب من قوة الأدلة مع استمرار الإعراض والمكابرة ، وقد تقدم قريب ~~منه عند قوله تعالى : { انظر كيف يفترون على الله الكذب في سورة النساء ( ~~50 ) . وهذا تذكير لهم بأن الله هو خالق أسماعهم وأبصارهم وألبابهم فما كان ~~غيره جديرا بأن يعبدون . # وتصريف الآيات اختلاف أنواعها بأن تأتي مرة بحجج من مشاهدات في السماوات ~~والأرض ، وأخرى بحجج من دلائل في نفوس الناس ، ومرة بحجج من أحوال الأمم ~~الخالية التي أنشأها الله ، فالآيات هنا هي دلائل الوحدانية ، فهي متحدة في ~~الغاية مختلفة PageV07P235 الأساليب متفاوتة في الاقتراب من تناول الأفهام ~~عامها وخاصها ، وهي أيضا مختلفة في تركيب دلائلها من جهتي المقدمات العقلية ~~وغيرها ، ومن جهتي الترغيب والترهيب ومن التنبيه والتذكير ، بحيث تستوعب ~~الإحاطة بالأفهام على اختلاف مدارك العقول . # والتعريف في الآيات } للعهد ، وهي المعهودة في هذه السورة ابتداء من قوله ~~: { الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور } ( الأنعام : 1 ) . # و { ثم } للترتيب الرتبي لأنها عطفت جملة على جملة ، فهي تؤذن بأن الجملة ~~المعطوفة أدخل في الغرض المسوق له الكلام ، وهو هنا التعجيب من قوة الأدلة ~~وأن استمرار الإعراض والمكابرة مع ذلك أجدر بالتعجيب به . # وجيء بالمسند في جملة { هم يصدفون } فعلا مضارعا للدلالة على تجدد ~~الإعراض منهم . وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي لتقوي الحكم . # و { يصدفون } يعرضون إعراضا شديدا . يقال : صدف صدفا وصدوفا ، إذا مال ~~إلى جانب وأعرض عن الشيء . وأكثر ما يستعمل أن يكون قاصرا فيتعدى إلى ~~مفعوله ب ( عن ) . وقد يستعمل متعديا كما صرح به في ( القاموس ) . وقل ~~التعرض لذلك في كتب اللغة ms2593 ولكن الزمخشري في تفسير قوله تعالى في أواخر هذه ~~السورة { فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها } ( الأنعام : 157 ) قدر : ~~وصدف الناس عنها ، مع أنه لم يتعرض لذلك في الأساس ولا علق على تقديره ~~شارحوه . ولما تقدم ذكر الآيات حذف متعلق { يصدفون } لظهوره ، أي صدف عن ~~الآيات . # # | 2 ( 47 ) { قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا ~~القوم الظالمون } . ) 2 # استئناف للتهديد والتوعد وإعذار لهم بأن إعراضهم لا يرجع بالسوء إلا ~~عليهم ولا يضر بغيرهم ، كقوله : { وهم ينهون عنه وينأون عنه وإن يهلكون إلا ~~أنفسهم وما يشعرون } ( الأنعام : 26 ) . PageV07P236 # والقول في { قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة } الآية كالقول في ~~نظيريه المتقدمين . # وجيء في هذا وفي نظيره المتقدم بكاف الخطاب مع ضمير الخطاب دون قوله : { ~~قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم } ( الأنعام : 46 ) الآية لأن هذا ~~ونظيره أبلغ في التوبيخ لأنهما أظهر في الاستدلال على كون المشركين في مكنة ~~قدرة الله ، فإن إتيان العذاب أمكن وقوعا من سلب الأبصار والأسماع والعقول ~~لندرة حصول ذلك ، فكان التوبيخ على إهمال الحذر من إتيان عذاب الله ، أقوى ~~من التوبيخ على الاطمئنان من أخذ أسماعهم وأبصارهم ، فاجتلب كاف الخطاب ~~المقصود منه التنبيه دون أعيان المخاطبين . والبغتة تقدمت آنفا . # والجهرة : الجهر ، ضد الخفية ، وضد السر . وقد تقدم عنه قوله تعالى : { ~~وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة في سورة البقرة ( 55 ) . # وقد أوقع الجهرة هنا في مقابلة البغتة وكان الظاهر أن تقابل البغتة ~~بالنظرة أو أن تقابل الجهرة بالخفية ، إلا أن البغتة لما كانت وقوع الشيء ~~من غير شعور به كان حصولها خفيا فحسن مقابلته بالجهرة ، فالعذاب الذي يجيء ~~بغتة هو الذي لا تسبقه علامة ولا إعلام به . والذي يجيء جهرة هو الذي تسبقه ~~علامة مثل الكسف المحكي في قوله تعالى : فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم ~~قالوا هذا عارض ممطرنا } ( الأحقاف : 24 ) أو يسبقه إعلام به كما في قوله ~~تعالى : { فعقروها فقال تمتعوا في ms2594 داركم ثلاثة أيام } ( هود : 65 ) . ~~فإطلاق الجهرة على سبق ما يشعر بحصول الشيء إطلاق مجازي . وليس المراد من ~~البغتة الحاصل ليلا ومن الجهرة الحاصل نهارا . # والاستفهام في قوله : { هل يهلك } مستعمل في الإنكار فلذلك جاء بعده ~~الاستثناء . والمعنى لا يهلك بذلك العذاب إلا الكافرون . # والمراد بالقوم الظالمين المخاطبون أنفسهم فأظهر في مقام الإضمار ليتأتى ~~وصفهم أنهم ظالمون ، أي مشركون ، لأنهم ظالمون أنفسهم وظالمون الرسول ~~والمؤمنين . PageV07P237 # وهذا يتضمن وعدا من الله تعالى بأنه منجي المؤمنين ، ولذلك أذن رسوله ~~بالهجرة من مكة مع المؤمنين لئلا يحل عليهم العذاب تكرمة لهم كما أكرم لوطا ~~وأهله ، وكما أكرم نوحا ومن آمن معه ، كما أشار إليه قوله تعالى : { وما ~~كان الله ليعذبهم وأنت فيهم } ( الأنفال : 33 ) ثم قوله : { وما لهم أن لا ~~يعذبهم الله } ( الأنفال : 34 ) . # # | 2 ( 48 ، 49 ) { وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن ءامن وأصلح ~~فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون * والذين كذبوا بئاياتنا يمسهم العذاب بما ~~كانوا يفسقون } . ) 2 # عطف على جملة { انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون } ( الأنعام : 46 ) . ~~والمناسبة أن صدوفهم وإعراضهم كانوا يتعللون له بأنهم يرومون آيات على وفق ~~مقترحهم وأنهم لا يقنعون بآيات الوحدانية ، ألا ترى إلى قولهم : { لن نؤمن ~~لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا } ( الإسراء : 90 ) إلى آخر ما حكي عنهم ~~في تلك الآية ، فأنبأهم الله بأن إرسال الرسل للتبليغ والتبشير والنذارة لا ~~للتلهي بهم باقتراح الآيات . # وعبر ب { نرسل } دون { أرسلنا } للدلالة على تجدد الإرسال مقارنا لهذين ~~الحالين ، أي ما أرسلنا وما نرسل ، فقوله : { مبشرين ومنذرين } حالان ~~مقدرتان باعتبار المستقبل ومحققتان باعتبار الماضي . # والاستثناء من أحوال محذوفة ، أي ما أرسلناهم إلا في حالة كونهم مبشرين ~~ومنذرين . # والقصر إضافي للرد على من زعموا أنه إن لم يأتهم بآية كما اقترحوا فليس ~~برسول من عند الله ، فهو قصر قلب ، أي لم نرسل الرسول للإعجاب بإظهار خوارق ~~العادات . وكنى بالتبشير والإنذار عن التبليغ لأن التبليغ يستلزم الأمرين ~~وهما الترغيب والترهيب ، فحصل بهذه الكناية إيجاز إذ ms2595 استغنى بذكر اللازم عن ~~الجمع بينه وبين الملزوم . # والفاء في قوله : { فمن آمن } للتفريع ، أي فمن آمن من المرسل إليهم فلا ~~خوف الخ . PageV07P238 و { من } الأظهر أنها موصولة كما يرجحه عطف { والذين ~~كذبوا } عليه . ويجوز أن تكون شرطية لا سيما وهي في معنى التفصيل لقوله : { ~~مبشرين ومنذرين } . فإن كانت شرطية فاقتران { فلا خوف } بالفاء بين ، وإن ~~جعلت موصولة فالفاء لمعاملة الموصول معاملة الشرط ، والاستعمالات متقاربان ~~. # ومعنى { أصلح } فعل الصلاح ، وهو الطاعة لله فيما أمر ونهى ، لأن الله ما ~~أراد بشرعه إلا إصلاح الناس كما حكى عن شعيب { إن أريد إلا الإصلاح ما ~~استطعت } ( هود : 88 ) . # والمس حقيقته مباشرة الجسم باليد وهو مرادف اللمس والجس ، ويستعار لإصابة ~~جسم جسما آخر كما في هذه الآية . # وقد تقدم في قوله تعالى : { ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم في سورة ~~المائدة ( 73 ) . ويستعار أيضا للتكيف بالأحوال كما يقال : به مس من الجنون ~~. قال تعالى : إن الذين اتقوا ء 5 ا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم ~~مبصرون } ( الأعراف : 201 ) . # وجمع الضمائر العائدة إلى ( من ) مراعاة لمعناها ، وأما إفراد فعل { آمن ~~} و { أصلح } فلرعي لفظها . # والباء للسببية ، و ( ما ) مصدرية ، أي بسبب فسقهم . والفسق حقيقته ~~الخروج عن حد الخير . وشاع استعماله في القرآن في معنى الكفر وتجاوز حدود ~~الله تعالى . وتقدم تفصيله عند قوله تعالى : { وما يضل به إلا الفاسقين في ~~سورة البقرة ( 26 ) . # وجيء بخبر ( كان ) جملة مضارعية للإشارة إلى أن فسقهم كان متجددا متكررا ~~، على أن الإتيان ب ( كان ) أيضا للدلالة على الاستمرار لأن ( كان ) إذا لم ~~يقصد بها انقضاء خبرها فيما مضى دلت على استمرار الخبر بالقرينة ، كقوله ~~تعالى : وكان الله غفورا رحيما } ( النساء : 96 ) . # ( ملاحظة : ليس من المفروض أن تتواجد هذه الآية هنا في هذا الموضع ) # | 2 ( 50 ) { أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون } ~~. ) 2 # { قل لا أقول لكم عندى خزآئن الله ولا & # 1764 أعلم الغيب ولا & # 1764 أقول لكم إنى ملك إن أتبع إلا ما ms2596 يوحى إلى قل هل يستوى الاعمى ~~والبصير أفلا تتفكرون } . PageV07P239 # لما تقضت المجادلة مع المشركين في إبطال شركهم ودحض تعاليل إنكارهم نبوءة ~~محمد صلى الله عليه وسلم بأنهم لا يؤمنون بنبوءته إلا إذا جاء بآية على وفق ~~هواهم ، وأبطلت شبهتهم بقوله : { وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين } ( ~~الأنعام : 48 ) وكان محمد صلى الله عليه وسلم ممن شمله لفظ المرسلين ، نقل ~~الكلام إلى إبطال معاذيرهم فأعلمهم الله حقيقة الرسالة واقترانها بالآيات ~~فبين لهم أن الرسول هو الذي يتحدى الأمة لأنه خليفة عن الله في تبليغ مراده ~~من خلقه ، وليست الأمة هي التي تتحدى الرسول ، فآية صدق الرسول تجيء على ~~وفق دعواه الرسالة ، فلو أدعى أنه ملك أو أنه بعث لإنقاذ الناس من أرزاء ~~الدنيا ولإدناء خيراتها إليهم لكان من عذرهم أن يسألوه آيات تؤيد ذلك ، ~~فأما والرسول مبعوث للهدى فآيته أن يكون ما جاء به هو الهدى وأن تكون ~~معجزته هو ما قارن دعوته مما يعجز البشر عن الإتيان بمثله في زمنهم . # فقوله { قل لا أقول لكم عندي خزائن الله } استئناف ابتدائي انتقل به ~~الكلام من غرض إلى غرض . وافتتاح الكلام بالأمر بالقول للاهتمام بإبلاغه ، ~~كما تقدم عند قوله تعالى : { قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم ~~الساعة } ( الأنعام : 40 ) . # وقد تكرر الأمر بالقول من هنا إلى قوله { لكل نبأ مستقر } ( الأنعام : 67 ~~) اثنتي عشرة مرة . # والاقتصار على نفي ادعاء هذه الثلاثة المذكورة في الآية ناظر إلى ما تقدم ~~ذكره من الآيات التي سألوها من قوله تعالى : { وقالوا لولا أنز ل عليه ملك ~~} ( الأنعام : 8 ) وقوله : { ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس } ( الأنعام : ~~7 ) وقوله : { فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض } ( الأنعام : 35 ) الآية ~~. # وافتتح الكلام بنفي القول ليدل على أن هذا القول لم يقترن بدعوى الرسالة ~~فلا وجه لاقتراح تلك الأمور المنفي قولها على الرسول لأن المعجزة من شأنها ~~أن تجيء على وفق دعوى الرسالة . # واللام في { لكم } لام التبليغ ، وهي مفيدة تقوية فعل القول عندما لا ~~تكون حاجة ms2597 PageV07P240 لذكر المواجه بالقول كما هنا لظهور أن المواجه ~~بالقول هم المكذبون ، ولذلك ورد قوله تعالى : { ولا أقول إني ملك } ( هود : ~~31 ) مجردا عن لام التبليغ . فإذا كان الغرض ذكر المواجه بالقول فاللام ~~حينئذ تسمى لام تعدية فعل القول فالذي اقتضى اجتلاب هذه اللام هنا هو هذا ~~القول بحيث لو قاله قائل لكان جديرا بلام التبليغ . # والخزائن جمع خزانة بكسر الخاء وهي البيت أو الصندوق الذي يحتوي ما تتوق ~~إليه النفوس وما ينفع عند الشدة والحاجة . والمعنى أنى ليس لي تصرف مع الله ~~ولا أدعي أني خازن معلومات الله وأرزاقه . # و { خزائن الله } مستعارة لتعلق قدرة الله بالإنعام وإعطاء الخيرات ~~النافعة للناس في الدنيا . شبهت تلك التعلقات الصلوحية والتنجيزية في حجبها ~~عن عيون الناس وتناولهم مع نفعها إياهم ، بخزائن أهل اليسار والثروة التي ~~تجمع الأموال والأحبية والخلع والطعام ، كما أطلق عليها ذلك في قوله تعالى ~~: { ولله خزائن السماوات والأرض } ( المنافقون : 7 ) ، أي ما هو مودع في ~~العوالم العليا والسفلى مما ينفع الناس ، وكذلك قوله : { وإن من شيء إلا ~~عندنا خزائنه } ( الحجر : 21 ) . # وتقديم المسند وهو قوله { عندي } للاهتمام به لما فيه من الغرابة ~~والبشارة للمخبرين به لو كان يقوله . # وقوله : { ولا أعلم الغيب } عطف على { عندي خزائن الله } فهو في حيز ~~القول المنفي . وأعيد حرف النفي على طريقة عطف المنفيات بعضها على بعض فإن ~~الغالب أن يعاد معها حرف النفي للتنصيص على أن تلك المتعاطفات جميعها ~~مقصودة بالنفي بآحادها لئلا يتوهم أن المنفي مجموع الأمرين . والمعنى لا ~~أقول أعلم الغيب ، أي علما مستمرا ملازما لصفة الرسالة . فأما إخباره عن ~~بعض المغيبات فذلك عند إرادة الله إطلاعه عليه بوحي خاص ، كما قال تعالى : ~~{ عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول } ( الجن : 26 ، ~~27 ) وهو داخل تحت قوله { إن أتبع إلا ما يوحي إلي } . # وعطف : { ولا أقول لكم إني ملك } على { لا أقول لكم عندي خزائن الله } ~~PageV07P241 بإظهار فعل القول فيه ، خلافا لقوله : { ولا أعلم الغيب } لعله ~~لدفع ms2598 ثقل التقاء حرفين : ( لا ) وحرف ( إن ) الذي اقتضاه مقام التأكيد ، ~~لأن إدعاء مثله من شأنه أن يؤكد ، أي لم أدع أني من الملائكة فتقولوا : { ~~لولا أنزل عليه ملك } ( الأنعام : 8 ) ، فنفي كونه ملكا جواب عن مقترحهم أن ~~ينزل عليهم ملك أو أن يكون معه ملك نذيرا . والمقصود نفي أن يكون الرسول من ~~جنس الملائكة حتى يكون مقارنا لملك آخر مقارنة تلازم كشأن أفراد الجنس ~~الواحد . وكانوا يتوهمون أن الرسالة تقتضي أن يكون الرسول من غير جنس البشر ~~فلذلك قالوا : { ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق } ( الفرقان ~~: 7 ) . فالمعنى نفي ماهية الملكية عنه لأن لجنس الملك خصائص أخرى مغايرة ~~لخصائص البشر . وهذا كما يقول القائل لمن يكلفه عنتا : إني لست من حديد . # ومن تلفيق الاستدلال أن يستدل الجبائي بهذه الآية على تأييد قول أصحابه ~~المعتزلة بتفضيل الملائكة على الأنبياء مع بعد ذلك عن مهيع الآية . وقد ~~تابعه الزمخشري ، وكذلك دأبه كثيرا ما يرغم معاني القرآن على مسايرة مذهبه ~~فتنزو عصبيته وتنزوي عبقريته ، وهذه مسألة سنتكلم عليها في مظنتها . # وجملة { إن أتبع إلا ما يوحي إلي } مستأنفة استئنافا بيانيا لأنه لما نفي ~~أن يقول هذه المقالات كان المقام مثيرا سؤال سائل يقول : فماذا تدعي ~~بالرسالة وما هو حاصلها لأن الجهلة يتوهمون أن معنى النبوءة هو تلك الأشياء ~~المتبرأ منها في قوله : { قل لا أقول لكم عندي خزائن } الخ ، فيجاب بقوله : ~~{ إن أتبع إلا ما يوحي إلي } ، أي ليست الرسالة إلا التبليغ عن الله تعالى ~~بواسطة الوحي . # فمعنى { أتبع } مجاز مرسل في الاقتصار على الشيء وملازمته دون غيره . لأن ~~ذلك من لوازم معنى الاتباع الحقيقي وهو المشي خلف المتبع بفتح الموحدة ، أي ~~لا أحيد عن تبليغ ما يوحى إلي إلى إجابة المقترحات من إظهار الخوارق أو ~~لإضافة الأرزاق أو إخبار بالغيب ، فالتلقي والتبليغ هو معنى الاتباع ، وهو ~~كنه الرسالة عن الله تعالى . فالقصر المستفاد هنا إضافي ، أي دون الاشتغال ~~بإظهار ما تقترحونه من الخوارق للعادة . والغرض من القصر قلب اعتقادهم أن ms2599 ~~الرسول لا يكون رسولا حتى يأتيهم بالعجائب PageV07P242 المسؤولة . وقد حصل ~~بذلك بيان حقيقة الرسالة تلك الحقيقة التي ضل عن إدراكها المعاندون . وهذا ~~معنى قوله تعالى : { وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين } ( الأنعام : ~~48 ) . # وإذ قد كان القصر إضافيا كان لا محالة ناظرا إلى قلب اعتقادهم بالنسبة ~~لمطالبهم باتباع مقترحاتهم ، أي لا أتبع في التبليغ إليكم إلا ما يوحى إلي ~~. فليس في هذا الكلام ما يقتضي قصر تصرف الرسول عليه الصلاة والسلام على ~~العمل بالوحي حتى يحتج بها من ينفي من علمائنا جواز الاجتهاد للنبيء صلى ~~الله عليه وسلم في أمور الدين لأن تلك مسألة مستقلة لها أدلة للجانبين ، ~~ولا مساس لها بهذا القصر . ومن توهمه فقد أساء التأويل . # { قل هل يستوى الاعمى والبصير أفلا تتفكرون } . # هذا ختام للمجادلة معهم وتذييل للكلام المفتتح بقوله { قل لا أقول لكم ~~عندي خزائن الله } ، أي قل لهم هذا التذييل عقب ذلك الاستدلال . # وشبهت حالة من لا يفقه الأدلة ولا يفكك بين المعاني المتشابهة بحالة ~~الأعمى الذي لا يعرف أين يقصد ولا أين يضع قدمه . وشبهت حالة من يميز ~~الحقائق ولا يلتبس عليه بعضها ببعض بحالة القوي البصر حيث لا تختلط عليه ~~الأشباح . وهذا تمثيل لحال المشركين في فساد الوضع لأدلتهم وعقم أقيستهم ، ~~ولحال المؤمنين الذين اهتدوا ووضعوا الأشياء مواضعها ، أو تمثيل لحال ~~المشركين التي هم متلبسون بها والحال المطلوبة منهم التي نفروا منها ~~ليعلموا أي الحالين أولى بالتخلق . # وقوله { أفلا تتفكرون } استفهام إنكار . وهو معطوف بالفاء على الاستفهام ~~الأول ، لأنه مترتب عليه لأن عدم استواء الأعمى والبصير بديهي لا يسعهم إلا ~~الاعتراف بعدم استوائهما فلا جرم أن يتفرع عليه إنكار عدم تفكرهم في أنهم ~~بأيهما أشبه . والكلام على الأمر بالقول مثل ما تقدم عند قوله تعالى : { قل ~~أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة } ( الأنعام : 40 ) . ~~PageV07P243 # والتفكر : جولان العقل في طريق استفادة علم صحيح . # $ 2 ( 51 ) { وأنذر به الذين يخافون أن يحشرو & # 1764 ا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولى ولا شفيع ms2600 لعلهم يتقون } . ) 2 $ # الأظهر أنه عطف على قوله : { قل هل يستوي الأعمى والبصير } ( الأنعام : ~~50 ) لأن ذلك مقدمة لذكر من مثلت حالهم بحال البصير وهم المؤمنون . # وضمير { به } عائد إلى { ما يوحى إلي } ( الأنعام : 50 ) وهو القرآن وما ~~يوحى به إلى الرسول صلى الله عليه وسلم غير مراد به الإعجاز . # و { والذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم } هم المؤمنون الممثلون بحال ~~البصير . وعرفوا بالموصول لما تدل عليه الصلة من المدح ، ومن التعليل ~~بتوجيه إنذاره إليهم دون غيرهم ، لأن الإنذار للذين يخافون أن يحشروا إنذار ~~نافع ، خلافا لحال الذين ينكرون الحشر ، فلا يخافونه فضلا عن الاحتياج إلى ~~شفعاء . # و { أن يحشروا } مفعول { يخافون } ، أي يخافون الحشر إلى ربهم فهم يقدمون ~~الأعمال الصالحة وينتهون عما نهاهم خيفة أن يلقوا الله وهو غير راض عنهم . ~~وخوف الحشر يقتضي الإيمان بوقوعه . ففي الكلام تعريض بأن المشركين لا ينجع ~~فيهم الإنذار لأنهم لا يؤمنون بالحشر فكيف يخافونه . . ولذلك قال فيهم { إن ~~الذين كفروا سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون } ( البقرة : 6 ) ~~. # وجملة : { ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع } حال من ضمير { أن يحشروا } ، ~~أي يحشروا في هذه الحالة ، فهذه الحال داخلة في حيز الخوف . فمضمون الحال ~~معتقد لهم ، أي ليسوا ممن يزعمون أن لهم شفعاء عند الله لا ترد شفاعتهم ، ~~فهم بخلاف المشركين الذين زعموا أصنامهم شفعاء لهم عند الله . # وقوله { من دونه } حال من { ولي } و { شفيع } ، والعامل في الحال فعل { ~~يخافون } ، PageV07P244 أي ليس لهم ولي دون الله ولا شفيع دون الله ذلك بأن ~~الله مولى الذين آمنوا . وهو تعريض بالمشركين الذين اتخذوا شفعاء وأولياء ~~غير الله . # وفي الآية دليل على ثبوت الشفاعة بإذن الله كما قال تعالى : { من ذا الذي ~~يشفع عنده إلا بإذنه } ( البقرة : 255 ) . ولصاحب ( الكشاف ) هنا تكلفات في ~~معنى { يخافون أن يحشروا } وفي جعل الحال من ضمير { يحشروا } حالا لازمة ، ~~ولعله يرمي بذلك إلى أصل مذهبه في إنكار الشفاعة . # وقوله : { لعللهم يتقون } رجاء مسوق مساق التعليل للأمر ms2601 بإنذار المؤمنين ~~لأنهم يرجى تقواهم ، بخلاف من لا يؤمنون بالبعث . # # | 2 ( 52 ) { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه ما ~~عليك من حسابهم من شىء وما من حسابك عليهم من شىء فتطردهم فتكون من ~~الظالمين } . ) 2 # عطف على قوله : { وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم } ( الأنعام ~~: 51 ) لأنه في معنى أنذرهم ولازمهم وإن كره ذلك متكبرو المشركين . فقد ~~أجريت عليهم هنا صلة أخرى هي أنسب بهذا الحكم من الصلة التي قبلها ، كما أن ~~تلك أنسب بالحكم الذي اقترنت معه منها بهذا ، فلذلك لم يسلك طريق الإضمار ، ~~فيقال : ولا تطردهم ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم جاء داعيا إلى الله ~~فأولى الناس بملازمته الذين هجيراهم دعاء الله تعالى بإخلاص فكيف يطردهم ~~فإنهم أولى بذلك المجلس ، كما قال تعالى : { إن أولى الناس بإبراهيم للذين ~~اتبعوه } ( آل عمران : 68 ) . # روى مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال : كنا مع النبيء ستة نفر ، فقال ~~المشركون للنبيء : أطرد هؤلاء لا يجترئون علينا . قال : وكنت أنا ، وابن ~~مسعود ، ورجل من هذيل ، وبلال ، ورجلان ، لست أسميهما ، فوقع في نفس رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع ، فحدث نفسه فأنزل الله تعالى ~~: { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه } اه . وسمى ~~الواحدي بقية الستة : وهم صهيب ، وعمار بن ياسر ، والمقداد PageV07P245 بن ~~الأسود ، وخباب بن الأرت . وفي قول ابن مسعود ( فوقع في نفس رسول الله ما ~~شاء الله ) إجمال بينه ما رواه البيهقي أن رؤساء قريش قالوا لرسول الله : ~~لو طردت هؤلاء الأعبد وأرواح جبابهم ( جمع جبة ) جلسنا إليك وحادثناك . ~~فقال : ما أنا بطارد المؤمنين . فقالوا : فأقمهم عنا إذا جئنا فإذا قمنا ~~فأقعدهم معك إن شئت ، فقال : نعم ، طعما في إيمانهم . فأنزل الله هذه الآية ~~. ووقع في ( سنن ) ابن ماجة عن خباب أن قائل ذلك للنبيء صلى الله عليه وسلم ~~الأقرع بن حابس وعبينة بن حصن ، وأن ذلك سبب نزول الآية ، وقال ابن عطية : ~~هو بعيد لأن الآية مكية ms2602 . وعيينة والأقرع إنما وفدا مع وفد بني تميم ~~بالمدينة سنة الوفود . اه . قلت : ولعل ذلك وقع منهما فأجابهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بهذه الآية التي نزلت في نظير اقتراحهما . # وفي سنده أسباط بن نصر أو نضر ، ولم يكن بالقوي ، وفيه السدي ضعيف . وروي ~~مثله في بعض التفاسير عن سلمان الفارسي ، ولا يعرف سنده . وسمى ابن إسحاق ~~أنهم المستضعفون من المؤمنين وهم : خباب ، وعمار ، وأبو فكيهة ، يسار مولى ~~صفوان بن أمية بن محرث ، وصهيب وأشباههم ، وأن قريشا قالوا : { أهؤلاء من ~~الله عليهم من بيننا } ( الأنعام : 53 ) . # وذكر الواحدي في ( أسباب النزول ) : أن هذه الآية نزلت في حياة أبي طالب ~~. فعن عكرمة قال : جاء عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، ومطعم بن عدي ، ~~والحارث بن نوفل ، في أشراف بني عبد مناف إلى أبي طالب فقالوا : لو أن ابن ~~أخيك محمدا يطرد عنه موالينا وعبيدنا وعتقاءنا كان أعظم من صدورنا وأطمع له ~~عندنا وأرجى لاتباعنا إياه وتصديقنا له . فأتى أبو طالب إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فحدثه بالذي كلموه ، فقال عمر بن الخطاب : لو فعلت ذلك حتى ننظر ~~ما الذي يريدون وإلام يصيرون من قولهم ، فأنزل الله هذه الآية . فلما نزلت ~~أقبل عمر يعتذر . # والمعنى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لحرصه على إيمان عظماء قريش ~~ليكونوا قدوة لقومهم ولعلمه بأن أصحابه يحرصون حرصه ولا يوحشهم أن يقاموا ~~من المجلس إذا حضره عظماء قريش لأنهم آمنوا يريدون وجه الله لا للرياء ~~والسمعة ولكن الله نهاه عن ذلك . وسماه طردا تأكيدا لمعنى النهي ، وذلك ~~لحكمة : وهي كانت أرجح من الطمع في إيمان أولئك ، لأن الله اطلع على ~~PageV07P246 سرائرهم فعلم أنهم لا يؤمنون ، وأراد الله أن يظهر استغناء ~~دينه ورسوله عن الاعتزاز بأولئك الطغاة القساة ، وليظهر لهم أن أولئك ~~الضعفاء خير منهم ، وأن الحرص على قربهم من الرسول صلى الله عليه وسلم أولى ~~من الحرص على قرب المشركين ، وأن الدين يرغب الناس فيه وليس هو يرغب في ~~الناس كما قال تعالى ms2603 : { يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل ~~الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين } ( الحجرات : 17 ) . # ومعنى { يدعون ربهم } يعلنون إيمانهم به دون الأصنام إعلانا بالقول ، وهو ~~يستلزم اعتقاد القائل بما يقوله ، إذ لم يكن يومئذ نفاق وإنما ظهر ~~المنافقون بالمدينة . # والغداة : أول النهار . والعشي من الزوال إلى الصباح . والباء للظرفية . ~~والتعريف فيهما تعريف الجنس . والمعنى أنهم يدعون الله اليوم كله . فالغداة ~~والعشي قصد بهما استيعاب الزمان والأيام كما يقصد بالمشرق والمغرب استيعاب ~~الأمكنة . وكما يقال : الحمد لله بكرة وأصيلا ، وقيل : أريد بالدعاء الصلاة ~~. وبالغداة والعشي عموم أوقات الصلوات الخمس . فالمعنى ولا تطرد المصلين ، ~~أي المؤمنين . # وقرأ الجمهور { بالغداة } بفتح الغين وبألف بعد الدال . وقرأه ابن عامر ~~بضم الغين وسكون الدال وبواو ساكنة بعد الدال وهي لغة في الغداة . # وجملة { يريدون وجهه } حال من الضمير المرفوع في { يدعون } ، أي يدعون ~~مخلصين يريدون وجه الله ، أي لا يريدون حظا دنيويا . # والوجه حقيقة الجزء من الرأس الذي فيه العينان والأنف والفم . ويطلق ~~الوجه على الذات كلها مجازا مرسلا . # والوجه هنا مستعار للذات على اعتبار مضاف ، أي يريدون رضى الله ، أي لا ~~يريدون إرضاء غيره . ومنه قوله تعالى : { إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد ~~منكم جزاء ولا شكورا } ( الإنسان : 9 ) ، وقوله : { فأينما تولوا فثم وجه ~~الله ، وتقدم في سورة البقرة ( 115 ) . فمعنى يريدون وجهه } أنهم آمنوا ~~ودعوا الله لا يريدون بذلك عرضا من الدنيا . وقد قيل : إن قريشا طعنوا في ~~إيمان الضعفاء ونسبوهم إلى النفاق ، إلا أن هذا لم يرد به أثر صحيح ، ~~فالأظهر أن قوله PageV07P247 { يريدون وجهه } ثناء عليهم بكمال إيمانهم ، ~~وشهادة لهم بأنهم مجردون عن الغايات الدنيوية كلها ، وليس المقصود به الرد ~~على المشركين . # وجملة { ما عليك من حسابهم من شيء } تعليل للنهي عن طردهم ، أو إبطال ~~لعلة الهم بطردهم ، أو لعلة طلب طردهم . فإن إبطال علة فعل المنهي عنه يؤول ~~إلى كونه تعليلا للنهي ، ولذا فصلت هذه الجملة . # والحساب : عد أفراد الشيء ذي الأفراد ويطلق ms2604 على إعمال النظر في تمييز بعض ~~الأحوال عن بعض إذا اشتبهت على طريقة الاستعارة بتشبيه تتبع الأحوال بعد ~~الأفراد . ومنه جاء معنى الحسبة بكسر الحاء ، وهي النظر في تمييز أحوال أهل ~~السوق من استقامة وضدها . ويقال : حاسب فلانا على أعماله إذا استقراها ~~وتتبعها . قال النابغة : # يحاسب نفسه بكم اشتراها # فالحساب هنا مصدر حاسب . والمراد به تتبع الأعمال والأحوال والنظر فيما ~~تقابل به من جزاء . # وضمير الجمع في قوله : { من حسابهم } وقوله { وما من حسابك عليهم } يجوز ~~أن يكونا عائدين إلى { الذين يدعون ربهم } وهو معاد مذكور ، وهو المناسب ~~لتناسق الضمائر مع قوله { فتطردهم } . فالمعنى أنهم أهل الحق في مجلسك ~~لأنهم مؤمنون فلا يطردون عنه وما عليك أن تحسب ما عدا ذلك من الأمور ~~العارضة لهم بزعم المشركين ، وأن حضور أولئك في مجلسك يصد كبراء المشركين ~~عن الإيمان ، أي أن ذلك مدحوض تجاه حق المؤمنين في مجلس رسولهم وسماع هديه ~~. # وقيل معنى : { ما عليك من حسابهم } أن المشركين طعنوا في إخلاص هؤلاء ~~النفر ، قالوا : يا محمد إن هؤلاء إنما اجتمعوا عندك وقبلوا دينك لأنهم ~~يجدون مأكولا وملبوسا عندك ، فقال الله تعالى : ما يلزمك إلا اعتبار ظاهرهم ~~وإن كان لهم باطن يخالفه فحسابهم على الله ، أي إحصاء أحوالهم ومناقشتهم ~~عليها على نحو قول نوح { إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون } ( الشعراء : ~~113 ) . فمعنى حسابهم على هذا الوجه تمحيص PageV07P248 نياتهم وبواطنهم . ~~والقصد من هذا تبكيت المشركين على طريقة إرخاء العنان ، وليس المراد ~~استضعاف يقين المؤمنين . و { حسابهم } على هذا الوجه من إضافة المصدر إلى ~~مفعوله . # ويجوز أن يكون الضميران عائدين إلى غير مذكور في الكلام ولكنه معلوم من ~~السياق الذي أشار إليه سبب النزول ، فيعود الضميران إلى المشركين الذين ~~سألوا طرد ضعفاء المؤمنين من مجلس النبي صلى الله عليه وسلم فيكون ضمير { ~~فتطردهم } عائدا إلى المؤمنين . ويختلف معاد الضميرين اعتمادا على ما يعينه ~~سياق الكلام ، كقوله تعالى : { وعمروها أكثر مما عمروها } ( الروم : 9 ) ، ~~وقول عباس بن مرداس في وقعة حنين : # عدنا ولولا ms2605 نحن أحدق جمعهم # بالمسلمين وأحرزوا ما جمعوا # أي أحرز المشركون ما جمعه المسلمون من الغنائم . # والمعنى : ما عليك من حساب المشركين على الإيمان بك أو على عدم الإيمان ~~شيء ، فإن ذلك موكول إلي فلا تظلم المؤمنين بحرمانهم حقا لأجل تحصيل إيمان ~~المشركين ، فيكون من باب قوله تعالى : { إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى ~~بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا } ( النساء : 135 ) . # وعلى هذا الوجه يجوز كون إضافة { حسابهم } من إضافة المصدر إلى مفعوله ، ~~أي محاسبتك إياهم . ويجوز كونها من إضافته إلى فاعله ، أي من حساب المشركين ~~على هؤلاء المؤمنين فقرهم وضعفهم . # و { عليك } خبر مقدم . و ( على ) فيه دالة على معنى اللزوم والوجوب لأن ~~الرسول عليه الصلاة والسلام هم أو كان بحيث يهم بإجابة صناديد قريش لما ~~سألوه ، فيكون تنبيها على أن تلك المصلحة مدحوضة . # و ( من ) في قوله : { من شيء } زائدة لتوكيد النفي للتنصيص على الشمول في ~~سياق النفي ، وهو الحرف الذي بتقديره بني اسم ( لا ) على الفتح للدلالة على ~~إرادة نفي الجنس . PageV07P249 # وتقديم المسندين على المسند إليهما في قوله { ما عليك من حسابهم من شيء ~~وما من حسابك عليهم من شيء } تقديم غير واجب لأن للابتداء بالنكرتين هنا ~~مسوغا ، وهو وقوعهما في سياق النفي ، فكان تقديم المجرورين هنا اختياريا ~~فلا بد له من غرض . والغرض يحتمل مجرد الاهتمام ويحتمل الاختصاص . وحيث ~~تأتى معنى الاختصاص هنا فاعتباره أليق بأبلغ كلام ، ولذلك جرى عليه كلام ( ~~الكشاف ) . وعليه فمعنى الكلام قصر نفي حسابهم على النبي صلى الله عليه ~~وسلم ليفيد أن حسابهم على غيره وهو الله تعالى . وذلك هو مفاد القصر الحاصل ~~بالتقديم إذا وقع في سياق النفي ، وهو مفاد خفي على كثير لقلة وقوع القصر ~~بواسطة التقديم في سياق النفي . ومثاله المشهور قوله تعالى : { لا فيها غول ~~} ( الصافات : 47 ) فإنهم فسروه بأن عدم الغول مقصور على الاتصاف بفي خمور ~~الجنة ، فالقصر قصر قلب . # وقد اجتمع في هذا الكلام خمسة مؤكدات . وهي ( من ) البيانية ، و ( من ) ~~الزائدة ، وتقديم المعمول ، وصيغة ms2606 الحصر في قوله : { ما عليك من حسابهم من ~~شيء } ، والتأكيد بالتتميم بنفي المقابل في قوله : { وما من حسابك عليهم من ~~شيء } ، فإنه شبيه بالتوكيد اللفظي . وكل ذلك للتنصيص على منتهى التبرئة من ~~محاولة إجابتهم لاقتراحهم . # ويفيد هذا الكلام التعريض برؤساء قريش الذين سألوا إبعاد الفقراء عن مجلس ~~الرسول عليه الصلاة والسلام حين ما يحضرون وأوهموا أن ذلك هو الحائل لهم ~~دون حضور مجلس الرسول عليه الصلاة والسلام والإيمان به والكون من أصحابه ، ~~فخاطب الله رسوله بهذا الكلام إذ كان الرسول هو المسؤول أن يقضي أصحابه عن ~~مجلسه ليعلم السائلون أنهم سألوه ما لا يقع ويعلموا أن الله أطلع رسوله صلى ~~الله عليه وسلم على كذبهم ، وأنهم لو كانوا راغبين في الإيمان لما كان ~~عليهم حساب أحوال الناس ولاشتغلوا بإصلاح خويصتهم ، فيكون الخطاب على نحو ~~قوله تعالى : { لئن أشركت ليحبطن عملك } ( الزمر : 65 ) . وقد صرح بذلك في ~~قوله بعد { ولتستبين سبيل المجرمين } ( الأنعام : 55 ) . وإذ كان القصر ~~ينحل على نسبتي إثبات ونفي فالنسبة المقدرة مع القصر وهي نسبة الإثبات ~~ظاهرة من الجمع بين ضمير المخاطب وضمير الغائبين ، أي عدم حسابهم مقصور ~~عليك ، فحسابهم على أنفسهم إذ كل نفس بما كسبت رهينة . # وقد دل على هذا أيضا قوله بعده { وما من حسابك عليهم من شيء } فإنه ذكر ~~PageV07P250 لاستكمال التعليل ، ولذلك عطف على العلة ، لأن مجموع مدلول ~~الجملتين هو العلة ، أي حسابهم ليس عليك كما أن حسابك ليس عليهم بل على ~~نفسك ، إذ كل نفس بما كسبت رهينة ، ولا تزر وازرة وزر أخرى . فكما أنك لا ~~تنظر إلا إلى أنهم مؤمنون ، فهم كذلك لا يطلب منهم التفريط في حق من حقوق ~~المؤمنين لتسديد رغبة منك في شيء لا يتعلق بهم أو لتحصيل رغبة غيرهم في ~~إيمانه . وتقديم المسند على المسند إليه هنا كتقديمه في نظيره السابق . # وفي قوله : { وما من حسابك عليهم من شيء } تعريض بالمشركين بأنهم أظهروا ~~أنهم أرادوا بطرد ضعفاء المؤمنين عن مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم النصح ~~له ليكتسب ms2607 إقبال المشركين عليه والإطماع بأنهم يؤمنون به فيكثر متبعوه . # ثم بهذا يظهر أن ليس المعنى : بل حسابهم على الله وحسابك على الله ، لأن ~~هذا غير مناسب لسياق الآية ، ولأنه يصير به قوله : { وما من حسابك عليهم من ~~شيء } مستدركا في هذا المقام ، ولذلك لم يتكرر نظير هذه الجملة الثانية مع ~~نظير الجملة الأولى فيما حكى الله عن نوح { إن حسابهم إلا على ربي في سورة ~~الشعراء ( 113 ) لأن ذلك حكي به ما صدر من نوح وما هنا حكي به كلام الله ~~تعالى لرسوله ، فتنبه . # ويجوز أن يكون تقديم المسند في الموضعين من الآية لمجرد الاهتمام بنفي ~~اللزوم والوجوب الذي دل عليه حرف ( على ) في الموضعين لا سيما واعتبار معنى ~~القصر في قوله وما من حسابك عليهم من شيء } غير واضح ، لأننا إذا سلمنا أن ~~يكون للرسول عليه الصلاة والسلام شبه اعتقاد لزومم تتبع أحوالهم فقلب ذلك ~~الإعتقاد بالقصر ، لا نجد ذلك بالنسبة إلى { الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي } إذ لا اعتقاد لهم في هذا الشأن . # وقدم البيان على المبين في قوله : { وما من حسابك عليهم من شيء } لأن ~~الأهم في المقامين هو ما يختص بالمخاطب المعرض فيه بالذين سألوه الطرد لأنه ~~المقصود بالذات ، وإنما جيء بالجملة الثانية لاستكمال التعليل كما تقدم . # وقوله : { فتطردهم } منصوب في جواب النهي الذي في قوله : { ولا تطرد ~~الذين يدعون ربهم } . وإعادة فعل الطرد دون الاقتصار على قوله : { فتكون من ~~الظالمين } ، PageV07P251 لإفادة تأكيد ذلك النهي وليبنى عليه قوله { فتكون ~~من الظالمين } لوقوع طول الفصل بين التفريع والفرع عليه . فحصل بإعادة فعل ~~{ فتطردهم } غرضان لفظي ومعنوي . على أنه يجوز أن يجعل { فتطردهم } منصوبا ~~في جواب النفي من قوله : { ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من ~~شيء } ، أي لا تطردهم إجابة لرغبة أعدائهم . # وقوله : { فتكون من الظالمين } عطف على { فتطردهم } متفرع عليه ، أي ~~فتكون من الظالمين بطردهم ، أي فكونه من الظالمين منتف تبعا لانتفاء سببه ~~وهو الطرد . # وإنما جعل طردهم ظلما لأنه لما انتفى ms2608 تكليفه بأن يحاسبهم صار طردهم لأجل ~~إرضاء غيرهم ظلما لهم . وفيه تعريض بالذين سألوا طردهم لإرضاء كبريائهم ~~بأنهم ظالمون مفطرون على الظلم ؛ ويجوز أن يجعل قوله : { فتكون من الظالمين ~~} منصوبا في جواب النهي ، ويجعل قوله { فتطردهم } جيء به على هذا الأسلوب ~~لتجديد ربط الكلام لطول الفصل بين النهي وجوابه بالظرف والحال والتعليل ؛ ~~فكان قوله { فتطردهم } كالمقدمة لقوله { فتكون من الظالمين } وليس مقصود ~~بالذات للجوابية ؛ فالتقدير : فتكون من الظالمين بطردهم . # $ 2 ( 53 ) { وكذالك فتنا بعضهم ببعض ليقولو & # 1764 ا أهاؤلا & # 1764 ء من الله عليهم من بيننآ أليس الله بأعلم بالشاكرين } . ) 2 $ # الواو استئنافية كما هي في نظائره . والجملة مستأنفة استئنافا بيانيا لأن ~~السامع لما شعر بقصة أومأ إليها قوله تعالى : { ولا تطرد الذين يدعون ربهم ~~} ( الأنعام : 52 ) الآية يأخذه العجب من كبرياء عظماء أهل الشرك وكيف ~~يرضون البقاء في ضلالة تكبرا عن غشيان مجلس فيه ضعفاء الناس من الصالحين ، ~~فأجيب بأن هذا الخلق العجيب فتنة لهم خلقها الله في نفوسهم بسوء خلقهم . # وقعت هذه الجملة اعتراضا بين الجملتين المتعاطفتين تعجيلا للبيان ، وقرنت ~~بالواو للتنبيه على الاعتراض ، وهي الواو الاعتراضية ، وتسمى الاستئنافية ؛ ~~فبين الله أن داعيهم PageV07P252 إلى طلب طردهم هو احتقار في حسد ؛ والحسد ~~يكون أعظم ما يكون إذا كان الحاسد يرى نفسه أولى بالنعمة المحسود عليها ، ~~فكان ذلك الداعي فتنة عظيمة في نفوس المشركين إذ جمعت كبرا وعجبا وغرورا ~~بما ليس فيهم إلى احتقار للأفاضل وحسد لهم ، وظلم لأصحاب الحق ، وإذ حالت ~~بينهم وبين الإيمان والانتفاع بالقرب من مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم # والتشبيه مقصود منه التعجيب من المشبه بأنه بلغ الغاية في العجب . # واسم الإشارة عائد إلى الفتون المأخوذ من ( فتنا ) كما يعود الضمير على ~~المصدر في نحو { اعدلوا هو أقرب للتقوى } ، أي فتنا بعضهم ببعض فتونا يرغب ~~السامع في تشبيهه وتمثيله لتقريب كنهه فإذا رام المتكلم أن يقربه له بطريقة ~~التشبيه لم يجد له شبيها في غرائبه وفظاعته إلا أن يشبهه بنفسه إذ لا أعجب ~~منه ، على ms2609 حد قولهم : والسفاعة كاسمها . # وليس ثمة إشارة إلى شيء متقدم مغاير للمشبه . وجيء باسم إشارة البعيد ~~للدلالة على عظم المشار إليه . وقد تقدم تفصيل مثل هذا التشبيه عند قوله ~~تعالى : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا في سورة البقرة ( 143 ) . # والمراد بالبعض المنصوب المشركون فهم المفتونون ، وبالبعض المجرور بالباء ~~المؤمنون ، أي فتنا عظماء المشركين في استمرار شركهم وشرك مقلديهم بحال ~~الفقراء من المؤمنين الخالصين كما دل عليه قوله : ليقولوا أهؤلاء من الله ~~عليهم من بيننا } ( الأنعام : 53 ) فإن ذلك لا يقوله غير المشركين ، وكما ~~يؤيده قوله تعالى في تذييله { أليس الله بأعلم بالشاكرين } . # والقول يحتمل أن يكون قولا منهم في أنفسهم أو كلاما قالوه في ملئهم . ~~وأيا ما كان فهم لا يقولونه إلا وقد اعتقدوا مضمونه ، فالقائلون { أهؤلاء ~~من الله عليهم } هم المشركون . # واللام في قوله : { ليقولوا } لام التعليل ، ومدخولها هو أثر العلة دال ~~عليها بعد طيها PageV07P253 على طريقة الإيجاز . والتقدير : فتناهم ليروا ~~لأنفسهم شفوفا واستحقاقا للتقدم في الفضائل اغترارا بحال الترفه فيعجبوا ~~كيف يدعى أن الله يمن بالهدى والفضل على ناس يرونهم أحط منهم ، وكيف ~~يعدونهم دونهم عند الله ، وهذا من الغرور والعجب الكاذب . ونظيره في طي ~~العلة والاقتصار على ذكر أثرها قول إياس بن قبيصة الطائي : # وأقدمت والخطي يخطر بيننا # لأعلم من جبانها من شجاعها # أي ليظهر الجبان والشجاع فأعلمهما . # والاستفهام مستعمل في التعجب والإنكار ، كما هو في قوله { أألقي الذكر ~~عليه من بيننا } ( القمر : 25 ) . والإشارة مستعملة في التحقير أو التعجيب ~~كما هي في قوله تعالى حكاية عن قول المشركين { أهذا الذي يذكر آلهتكم في ~~سورة الأنبياء ( 36 ) . # وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي لقصد تقوية الخبر . # وقولهم : من الله عليهم } قالوه على سبيل التهكم ومجاراة الخصم ، أي حيث ~~اعتقد المؤمنون أن الله من عليهم بمعرفة الحق وحرم صناديد قريش ، فلذلك ~~تعجب أولئك من هذا الإعتقاد ، أي كيف يظن أن الله يمن على فقراء وعبيد ~~ويترك سادة أهل الوادي . وهذا كما حكى الله عنهم { وقالوا لولا نزل هذا ~~القرآن ms2610 على رجل من القريتين عظيم } ( الزخرف : 31 ) . وهذه شنشنة معروفة من ~~المستكبرين والطغاة . وقد حدث بالمدينة مثل هذا . روى البخاري أن الأقرع بن ~~حابس جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إنما بايعك سراق الحجيج ~~من أسلم وغفار ومزينة وجهينة فقال له رسول الله : أرأيت إن كانت أسلم وغفار ~~ومزينة وجهينة خيرا من بني تميم وبني عامر وأسد وغطفان أخابوا وخسروا ( أي ~~أخاب بنو تميم ومن عطف عليهم ) فقال : نعم قال : فوالذي نفسي بيده إنهم ~~لخير منهم . # وفي الآية معنى آخر ، وهو أن يكون القول مضمرا في النفس ، وضمير { ~~ليقولوا } عائدا إلى المؤمنين الفقراء ، فيكونوا هم البعض المفتونين ، ~~ويكون البعض المجرور بالباء صادقا PageV07P254 على أهل النعمة من المشركين ~~، وتكون إشارة { هؤلاء } راجعة إلى عظماء المشركين ويكون المراد بالمن ~~إعطاء المال وحسن حال العيش ، ويكون الاستفهام مستعملا في التحير على سبيل ~~الكناية ، والإشارة إلى المشركين معتبر فيها ما عرفوا به من الإشراك وسوء ~~الإعتقاد في الله . والمعنى : وكذلك الفتونن الواقع لعظماء المشركين ، وهو ~~فتون الإعجاب والكبرياء حين ترفعوا عن الدخول فيما دخل فيه الضعفاء والعبيد ~~من تصديق محمد صلى الله عليه وسلم وصحبته استكبارا عن مساواتهم ، كذلك كان ~~فتون بعض آخر وهم بعض المؤمنين حين يشاهدون طيب عيش عظماء المشركين في ~~الدنيا مع إشراكهم بربهم فيعجبون كيف من الله بالرزق الواسع على من يكفرون ~~به ولم يمن بذلك على أوليائه وهم أولى بنعمة ربهم . وقد أعرض القرآن عن ~~التصريح بفساد هذا الخاطر النفساني اكتفاء بأنه سماه فتنة ، فعلم أنه خاطر ~~غير حق ، وبأن قوله : { أليس الله بأعلم بالشاكرين } مشير إلى إبطال هذه ~~الشبهة . ذلك بأنها شبهة خلطت أمر شيئين متفارقين في الأسباب ، فاشتبه ~~عليهم الجزاء على الإيمان وما أعد الله لأهله من النعيم الخالد في الآخرة ، ~~المترتب عليه ترتب المسبب على السبب المجعول عن حكمة الله تعالى ، بالرزق ~~في الدنيا المترتب على أسباب دنيوية كالتجارة والغزو والإرث والهبات . ~~فالرزق الدنيوي لا تسبب بينه وبين الأحوال القلبية ولكنه من مسببات ms2611 الأحوال ~~المادية فالله أعلم بشكر الشاكرين ، وقد أعد لهم جزاء شكرهم ، وأعلم بأسباب ~~رزق المرزوقين المحظوظين . فالتخليط بين المقامين من ضعف الفكر العارض ~~للخواطر البشرية والناشىء عن سوء النظر وترك التأمل في الحقائق وفي العلل ~~ومعلولاتها . وكثيرا ما عرضت للمسلمين وغيرهم شبه وأغلاط في هذا المعنى ~~صرفتهم عن تطلب الأشياء من مظانها وقعدت بهم عن رفو أخلالهم في الحياة ~~الدنيا أو غرتهم بالتفريط فيما يجب الاستعداد له كل ذلك للتخليط بين ~~الأحوال الدينية الأخروية وبين السنن الكونية الدنيوية ، كما عرض لابن ~~الراوندي من حيرة الجهل في قوله : # كم عالمم عالم أعيت مذاهبه # وجاهلل جاهلل تلقاه مرزوقا # هذا الذي ترك الأوهام حائرة # وصير العالم النحرير زنديقا PageV07P255 # ولا شك أن الذين استمعوا القرآن ممن أنزل عليه صلى الله عليه وسلم قد ~~اهتدوا واستفاقوا ، فمن أجل ذلك تأهلوا لامتلاك العالم ولاقوا . # و { من } في قوله { من بيننا } ابتدائية . و ( بين ) ظرف يدل على التوسط ~~، أي من الله عليهم مختارا لهم من وسطنا ، أي من عليهم وتركنا ، فيؤول إلى ~~معنى من دوننا . # وقوله : { أليس الله بأعلم بالشاكرين } تذييل للجملة كلها ، فهو من كلام ~~الله تعالى وليس من مقول القول ، ولذلك فصل . والاستفهام تقريري . وعدي { ~~أعلم } بالباء لأنه بصيغة التفضيل صار قاصرا . والمعنى أن الله أعلم ~~بالشاكرين من عباده فلذلك من على الذين أشاروا إليه بقولهم : { أهؤلاء من ~~الله عليهم } بمنة الإيمان والتوفيق . # ومعنى علمه تعالى بالشاكرين أنه أعلم بالذين جاءوا إلى الرسول صلى الله ~~عليه وسلم مستجيبين لدعوته بقريحة طالبين النجاة من الكفر راغبين في حسن ~~العاقبة ، فهو يلطف بهم ويسهل لهم الإيمان ويحببه إليهم ويزينه في قلوبهم ~~ويزيدهم يوما فيوما تمكنا منه وتوفيقا وصلاحا ، فهو أعلم بقلوبهم وصدقهم من ~~الناس الذين يحسبون أن رثاثة حال بعض المؤمنين تطابق حالة قلوبهم في ~~الإيمان فيأخذون الناس ببزاتهم دون نياتهم . فهذا التذييل ناظر إلى قوله : ~~{ إنما يستجيب الذين يسمعون } ( الأنعام : 36 ) . # وقد علم من قوله : { أليس الله بأعلم بالشاكرين } أنه أيضا أعلم بأضدادهم ~~. ضد الشكر هو ms2612 الكفر ، كما قال تعالى : { لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن ~~عذابي لشديد } ( إبراهيم : 7 ) فهو أعلم بالذين يأتون الرسول عليه الصلاة ~~والسلام مستهزئين متكبرين لا هم لهم إلا تحقير الإسلام والمسلمين ، وقد ~~استفرغوا وسعهم ولبهم في مجادلة الرسول صلى الله عليه وسلم وتضليل الدهماء ~~في حقيقة الدين . ففي الكلام تعريض بالمشركين . # $ 2 ( 54 ) { وإذا جآءك الذين يؤمنون بئاياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم ~~على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سو & # 1764 ءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم } . ) 2 $ # عطف على قوله { ولا تطرد الذين يدعون ربهم } ( الأنعام : 52 ) وهو ارتقاء ~~في إكرام الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي . فهم المراد بقوله : { الذين ~~يؤمنون بآياتنا } . PageV07P256 # ومعنى { يؤمنون بآياتنا } أنهم يوقنون بأن الله قادر على أن ينزل آيات ~~جمة . فهم يؤمنون بما نزل من الآيات وبخاصة آيات القرآن وهو من الآيات ، ~~قال تعالى : { أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم } ( العنكبوت ~~: 51 ) . # وقوله : { فقل سلام عليكم } قيل : معناه حيهم بتحية الإسلام ، وهي كلمة ( ~~سلام عليكم ) ، وقيل : أبلغهم السلام من الله تعالى تكرمة لهم لمضادة طلب ~~المشركين طردهم . # وقد أكرمهم الله كرامتين الأولى أن يبدأهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالسلام حين دخولهم عليه وهي مزية لهم ، لأن شأن السلام أن يبتدئه الداخل ، ~~ثم يحتمل أن هذا حكم مستمر معهم كلما أدخلوا على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ويحتمل أنه للمرة التي يبلغهم فيها هذه البشارة ، فنزل هو منزلة ~~القادم عليهم لأنه زف إليهم هذه البشرى . # والكرامة الثانية هي بشارتهم برضى الله عنهم بأن غفر لهم ما يعملون من ~~سوء إذا تابوا من بعده وأصلحوا . وهذا الخبر وإن كان يعم المسلمين كلهم ~~فلعله لم يكن معلوما ، فكانت البشارة به في وجوه المؤمنين يومئذ تكرمة لهم ~~ليكونوا ميموني النقيبة على بقية إخوانهم والذين يجيئون من بعدهم . # والسلام : الأمان ، كلمة قالتها العرب عند لقاء المرء بغيره دلالة على ~~أنه مسالم لا محارب لأن العرب كانت بينهم دماء وترات ms2613 وكانوا يثأرون لأنفسهم ~~ولو بغير المعتدي من قبيلته ، فكان الرجل إذا لقي من لا يعرفه لا يأمن أن ~~يكون بينه وبين قبيلته إحن وحفائظ فيؤمن أحدهما الآخر بقوله : السلام عليكم ~~، أو سلام ، أو نحو ذلك . وقد حكاها الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام ثم ~~شاع هذا اللفظ فصار مستعملا في التكرمة . ومصدر سلم التسليم . والسلام اسم ~~مصدر ، وهو يأتي في الاستعمال منكرا مرفوعا ومنصوبا ؛ ومعرفا باللام مرفوعا ~~لا غير . فأما تنكيره مع الرفع كما في هذه الآية ، فهو على اعتباره اسما ~~بمعنى الأمان ، وساغ الابتداء به لأن المقصود النوعية لا فرد معين . وإنما ~~لم يقدم الخبر لاهتمام القادم بإدخال الطمأنينة في نفس المقدوم عليه ، أنه ~~طارق خير لا طارق شر . فهو من التقديم لضرب من التفاؤل . وأما تعريفه مع ~~الرفع فلدخول لام تعريف الجنس عليه . PageV07P257 # وكلمة ( على ) في الحالتين للدلالة على تمكن التلبس بالأمان ، أي الأمان ~~مستقر منكم متلبس بكم ، أي لا تخف . # وأما إن نصبوا مع التنكير فعلى اعتباره كمصدر سلم ، فهو مفعول مطلق أتى ~~بدلا من فعله . تقديره : سلمت سلاما ، فلذلك لا يؤتى معه ب ( على ) . ثم ~~إنهم يرفعونه أيضا على هذا الاعتبار فلا يأتون معه ب ( على ) لقصد الدلالة ~~على الدوام والثبات بالجملة الاسمية بالرفع ، لأنه يقطع عنه اعتبار البدلية ~~عن الفعل ولذلك يتعين تقدير مبتدأ ، أي أمركم سلام ، على حد { فصبر جميل } ~~( يوسف : 18 ) . والرفع أقوى ، ولذلك قيل : إن إبراهيم رد تحية أحسن من ~~تحية الملائكة ، كما حكي بقوله تعالى : { قالوا سلاما قال سلام } ( هود : ~~69 ) . وقد ورد في رد السلام أن يكون بمثل كلمة السلام الأولى ، كقوله ~~تعالى : { إلا قيلا سلاما سلاما } ( الواقعة : 26 ) وورد بالتعريف والتنكير ~~فينبغي جعل الرد أحسن دلالة . فأما التعريف والتنكير فهما سواء لأن التعريف ~~تعريف الجنس . ولذلك جاء في القرآن ذكر عيسى { وسلام عليه يوم ولد } ( مريم ~~: 15 ) وجاء أنه قال : { والسلام علي يوم ولدت } ( مريم : 33 ) . # وجملة { كتب ربكم على نفسه الرحمة } مستأنفة استئنافا ابتدائيا وهي أول ~~المقصود من ms2614 المقول ، وأما السلام فمقدمة للكلام . وجوز بعضهم أن تكون كلاما ~~ثانيا . وتقدم تفسير نظيره في قوله تعالى : { كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم ~~إلى يوم القيامة في هذه السورة ( 12 ) . فقوله هنا كتب ربكم على نفسه ~~الرحمة } تمهيد لقوله : { أنه من عمل منكم سوءا بجهالة } الخ . # وقوله : { أنه من عمل منكم سوءا بجهالة } قرأه نافع ، وابن عامر ، وعاصم ~~، ويعقوب بفتح الهمزة على أنه بدل من { الرحمة } بدل اشتمال ، لأن الرحمة ~~العامة تشتمل على غفران ذنب من عمل ذنبا ثم تاب وأصلح . وقرأه الباقون بكسر ~~الهمزة على أن يكون استئنافا بيانيا لجواب سؤال متوقع عن مبلغ الرحمة . ~~PageV07P258 ( ومن ) شرطية ، وهي أدل على التعميم من الموصولة . والباء في ~~قوله : { بجهالة } للملابسة ، أي ملتبسا بجهالة . والمجرور في موضع الحال ~~من ضمير { عمل } . # والجهالة تطلق على انتفاء العلم بشيء ما . وتطلق على ما يقابل الحلم ، ~~وقد تقدم في قوله تعالى : { إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء ~~بجهالة في سورة النساء ( 17 ) . والمناسب هنا هو المعنى الثاني ، أي من عمل ~~سوءا عن حماقة من نفسه وسفاهة ، لأن المؤمن لا يأتي السيئات إلا عن غلبة ~~هواه رشده ونهاه . وهذا الوجه هو المناسب لتحقيق معنى الرحمة . وأما حمل ~~الجهالة على معنى عدم العلم بناء على أن الجاهل بالذنب غير مؤاخذ ، فلا قوة ~~لتفريع قوله : ثم تاب من بعده وأصلح } عليه ، إلا إذا أريد ثم تفطن إلى أنه ~~عمل سوءا . # والضمير في قوله : { من بعده } عائد إلى { سوءا } أي بعد السوء ، أي بعد ~~عمله . ولك أن تجعله عائدا إلى المصدر المضمون في ( عمل ) مثل { اعدلوا هو ~~أقرب للتقوى } ( المائدة : 8 ) . # ومعنى { أصلح } صير نفسه صالحة ، أو أصلح عمله بعد أن أساء . وقد تقدم ~~عند قوله تعالى : { فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه في سورة ~~المائدة ( 39 ) . وعند قوله : إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا في سورة ~~البقرة ( 160 ) . # وجملة : فإنه غفور رحيم } دليل جواب الشرط ، أي هو شديد المغفرة والرحمة ~~. وهذا كناية عن المغفرة لهذا ms2615 التائب المصلح . # وقرأه نافع ، وابن كثير ، وأبو عمرو ، وحمزة ، والكسائي ، وأبو جعفر ، ~~وخلف بكسر همزة { فإنه غفور رحيم } على أن الجملة موكدة ب { إن } فيعلم أن ~~المراد أن الله قد غفر لمن تاب لأنه كثير المغفرة والرحمة . وقرأه ابن عامر ~~، وعاصم ، ويعقوب { فأنه } بفتح الهمزة على أنها ( أن ) المفتوحة أخت ( إن ~~) ، فيكون ما بعدها مؤولا بمصدر . والتقدير : فغفرانه ورحمته . وهذا جزء ~~جملة يلزمه تقدير خبر ، أي له ، أي ثابت لمن عمل سوءا ثم تاب . # # | 2 ( 55 ) { وكذلك نفصل الايات ولتستبين سبيل المجرمين } . ) 2 # PageV07P259 # الواو استئنافية كما تقدم في قوله : { وكذلك فتنا بعضهم ببعض } ( الأنعام ~~: 53 ) . والجملة تذييل للكلام الذي مضى مبتدئا بقوله تعالى : { وأنذر به ~~الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم } ( الأنعام : 51 ) . # والتفصيل : التبيين والتوضيح ، مشتق من الفصل ، وهو تفرق الشيء عن الشيء ~~. ولما كانت الأشياء المختلطة إذا فصلت يتبين بعضها من بعض أطلق التفصيل ~~على التبيين بعلاقة اللزوم ، وشاع ذلك حتى صار حقيقة ، ومن هذا القبيل أيضا ~~تسمية الإيضاح تبيينا وإبانة ، فإن أصل الإبانة القطع . والمراد بالتفصيل ~~الإيضاح ، أي الإتيان بالآيات الواضحة الدلالة على المقصود منها . # والآيات : آيات القرآن . والمعنى نفصل الآيات ونبينها تفصيلا مثل هذا ~~التفصيل الذي لا فوقه تفصيل ، وهو تفصيل يحصل به علم المراد منها بينا . # وقوله : { ولتستبين } عطف على علة مقدرة دل عليها قوله : { وكذلك نفصل ~~الآيات } لأن المشار إليه التفصيل البالغ غاية البيان ، فيعلم من الإشارة ~~إليه أن الغرض منه اتضاح العلم للرسول . فلما كان ذلك التفصيل بهذه المثابة ~~علم منه أنه علة لشيء يناسبه وهو تبين الرسول ذلك التفصيل ، فصح أن تعطف ~~عليه علة أخرى من علم الرسول صلى الله عليه وسلم وهي استبانته سبيل ~~المجرمين . فالتقدير مثلا : وكذلك التفصيل نفصل الآيات لتعلم بتفصيلها ~~كنهها ، ولتستبين سبيل المجرمين ، ففي الكلام إيجاز الحذف . # وهكذا كلما كان استعمال ( كذلك ) نفعل بعد ذكر أفعال عظيمة صالحا الفعل ~~المذكور بعد الإشارة لأن يكون علة لأمر من شأنه أن يعلل بمثله صح أن تعطف ~~عليه علة أخرى ms2616 كما هنا ، وكما في قوله : { وكذلك نري إبراهيم ملكوت ~~السماوات والأرض وليكون من الموقنين } ( الأنعام : 75 ) بخلاف ما لا يصلح ، ~~ولذلك فإنه إذا أريد ذكر علة بعده ذكرت بدون عطف ، نحو قوله : { وكذلك ~~جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس } ( البقرة : 143 ) . # و { سبيل المجرمين } طريقهم وسيرتهم في الظلم والحسد والكبر واحتقار ~~الناس والتصلب في الكفر . PageV07P260 # والمجرمون هم المشركون . وضع الظاهر موضع المضمر للتنصيص على أنهم المراد ~~ولإجراء وصف الإجرام عليهم . وخص المجرمين لأنهم المقصود من هذه الآيات ~~كلها لإيضاح خفي أحوالهم للنبيء صلى الله عليه وسلم والمسلمين . # وقرأ نافع ، وابن كثير ، وابن عامر ، وأبو عمرو ، وحفص عن عاصم ، وأبو ~~جعفر ، ويعقوب بتاء مثناة فوقية في أول الفعل على أنها تاء خطاب . والخطاب ~~للنبيء صلى الله عليه وسلم # وقرأه حمزة ، والكسائي ، وأبو بكر عن عاصم ، وخلف بياء الغائب ، ثم إن ~~نافعا ، وأبا جعفر قرآ { سبيل } بفتح اللام على أنه مفعول { تستبين } ~~فالسين والتاء للطلب . وقرأه البقية برفع اللام على أنه فاعل ( يستبين ) أو ~~( تستبين ) . فالسين والتاء ليسا للطلب بل للمبالغة مثل استجاب . # وقرأ ابن عامر ، وابن كثير ، وأبو عمرو ، وحفص ، على عاصم برفع { سبيل } ~~على أن تاء المضارعة تاء المؤنثة . لأن السبيل مؤنثة في لغة عرب الحجاز ، ~~وعلى أنه من استبان القاصر بمعنى بان ف { سبيل } فاعل { تستبين } ، أي ~~لتتضح سبيلهم لك وللمؤمنين . # # | 2 ( 56 ) { قل إنى نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله قل لا أتبع ~~أهوآءكم قد ضللت إذا ومآ أنا من المهتدين } . ) 2 # استئناف ابتدائي عاد به الكلام إلى إبطال الشرك بالتبرىء من عبادة ~~أصنامهم فإنه بعد أن أبطل إلهية الأصنام بطريق الاستدلال من قوله { قل أغير ~~الله أتخذ وليا } ( الأنعام : 14 ) الآية . وقوله : { قل أرأيتكم إن أتاكم ~~عذاب الله أو أتتكم الساعة } ( الأنعام : 40 ) الآية وقوله : { قل أرأيتم ~~إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم } ( الأنعام : 46 ) الآية . جاء في هذه الآية ~~بطريقة أخرى لإبطال عبادة الأصنام وهي أن الله نهى رسوله عليه الصلاة ~~والسلام عن عبادتها ms2617 وعن اتباع أهواء عبدتها . PageV07P261 # وبني { نهيت } على صيغة المجهول للاستغناء عن ذكر الفاعل لظهور المراد ، ~~أي نهاني الله . وهو يتعدى بحرف ( عن ) فحذف الحرف حذفا مطردا مع ( أن ) . # وأجري على الأصنام اسم الموصول الموضوع للعقلاء لأنهم عاملوهم معاملة ~~العقلاء فأتى لهم بما يحكي اعتقادهم ، أو لأنهم عبدوا الجن وبعض البشر فغلب ~~العقلاء من معبوداتهم . # ومعنى { تدعون } تعبدون وتلجئون إليهم في المهمات ، أي تدعونهم . و { من ~~دون الله } حال من المفعول المحذوف ، فعامله { تدعون } . وهو حكاية لما غلب ~~على المشركين من الاشتغال بعبادة الأصنام ودعائهم عن عبادة الله ودعائه ، ~~حتى كأنهم عبدوهم دون الله ، وإن كانواإنما أشركوهم بالعبادة مع الله ولو ~~في بعض الأوقات . وفيه نداء عليهم باضطراب عقيدتهم إذ أشركوا مع الله في ~~العبادة من لا يستحقونها مع أنهم قائلون بأن الله هو مالك الأصنام وجاعلها ~~شفعاء لكن ذلك كالعدم لأن كل عبادة توجهوا بها إلى الأصنام قد اعتدوا بها ~~على حق الله في أن يصرفوها إليه . # وجملة { قل لا أتبع أهواءكم } استئناف آخر ابتدائي ، وقد عدل عن العطف ~~إلى الاستئناف ليكون غرضا مستقلا . وأعيد الأمر بالقول زيادة في الاهتمام ~~بالاستئناف واستقلاله ليكون هذا النفي شاملا للاتباع في عبادة الأصنام وفي ~~غيرها من ضلالتهم كطلب طرد المؤمنين عن مجلسه . # والأهواء جمع هوى ، وهو المحبة المفرطة . وقد تقدم عند قوله تعالى : { ~~ولئن اتبعت أهواءهم في سورة البقرة ( 120 ) . وإنما قال : لا أتبع أهواءكم ~~} دون لا أتبعكم للإشارة إلى أنهم في دينهم تابعون للهوى نابذون لدليل ~~العقل . وفي هذا تجهيل لهم في إقامة دينهم على غير أصل متين . # وجملة { قد ضللت إذا } جواب لشرط مقدر ، أي إن اتبعت أهواءكم إذن قد ضللت ~~. وكذلك موقع ( إذن ) حين تدخل على فعل غير مستقبل فإنها تكون حينئذ جوابا ~~لشرط مقدر مشروط ب ( إن ) أو ( لو ) مصرح به تارة ، كقول كثير : ~~PageV07P262 # لئن عاد لي عبد العزيز بمثلها # وأمكنني منها إذن لا أقيلها # ومقدر أخرى كهذه الآية ، وكقوله تعالى : { وما كان معه من إله إذا لذهب ~~كل ms2618 إله بما خلق } ( المؤمنون : 91 ) . # وتقديم جواب ( إذن ) على ( إذن ) في هذه الآية للاهتمام بالجواب . ولذلك ~~الاهتمام أكد ب { قد } مع كونه مفروضا وليس بواقع ، للإشارة إلى أن وقوعه ~~محقق لو تحقق الشرط المقدر الذي دلت عليه ( إذن ) . # وقوله : { وما أنا من المهتدين } عطف على { قد ضللت } ، عطف عليه للدلالة ~~على أنه جزاء آخر للشرط المقدر ، فيدل على أنه إن فعل ذلك يخرج عن حاله ~~التي هو عليها الآن من كونه في عداد المهتدين إلى الكون في حالة الضلال ، ~~وأفاد مع ذلك تأكيد مضمون جملة { قد ضللت } لأنه نفى عن نفسه ضد الضلال ~~فتقررت حقيقة الضلال على الفرض والتقدير . # وتأكيد الشيء بنفي ضده طريقة عربية قد اهتديت إليها ونبهت عليها عند قوله ~~تعالى : { قد ضلوا وما كانوا مهتدين في هذه السورة ( 140 ) . ونظيره قوله ~~تعالى : وأضل فرعون قومه وما هدى } ( طه : 79 ) . # وقد أتي بالخبر بالجار والمجرور فقيل : { من المهتدين } ولم يقل : وما ~~أنا مهتد ، لأن المقصود نفي الجملة التي خبرها { من المهتدين } ، فإن ~~التعريف في { المهتدين } تعريف الجنس ، فإخبار المتكلم عن نفسه بأنه من ~~المهتدين يفيد أنه واحد من الفئة التي تعرف عند الناس بفئة المهتدين ، ~~فيفيد أنه مهتد إفادة بطريقة تشبه طريقة الاستدلال . فهو من قبيل الكناية ~~التي هي إثبات الشيء بإثبات ملزومه . وهي أبلغ من التصريح . قال في ( ~~الكشاف ) في قوله تعالى : { قال إني لعملكم من القالين } ( الشعراء : 168 ) ~~: قولك فلان من العلماء أبلغ من قولك : فلان عالم ، لأنك تشهد له بكونه ~~معدودا في زمرتهم ومعروفة مساهمته لهم في العلم . وقال عند قوله تعالى : { ~~قالوا سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين في سورة الشعراء ( 136 ) . ~~فإن قلت لوقيل : أوعظت أو لم تعظ ، كان أخصر ، والمعنى واحد . قلت : ~~PageV07P263 ليس المعنى بواحد وبينهما فرق لأن المراد سواء علينا أفعلت هذا ~~الفعل الذي هو الوعظ أم لم تكن أصلا من أهله ومباشرته ، فهو أبلغ في قلة ~~الاعتداد بوعظه من قوله : أم لم تعظ . وقال الخفاجي إن أصل هذا ms2619 لابن جني . # ولهذا كان نفي هذا الخبر مفيدا نفي هذه النسبة الكنائية فكانت أبلغيته في ~~النفي كأبلغيته في الإثبات ، لأن المفاد الكنائي هو هو . ولذلك فسره في ~~الكشاف } بقوله : ( وما أنا من الهدى في شيء ) . ولم يتفطن لهذه النكتة بعض ~~الناظرين نقله عنه الطيبي فقال : إنه لما كان قولك : هو من المهتدين ، ~~مفيدا في الإثبات أن للمخبر عنه حظوظا عظيمة في الهدى فهو في النفي يوجب أن ~~تنفى عنه الحظوظ الكثيرة ، وذلك يصدق بأن يبقى له حظ قليل . وهذا سفسطة ~~خفيت عن قائلها لأنه إنما تصح إفادة النفي ذلك لو كانت دلالة المثبت بواسطة ~~القيود اللفظية ، فأما وهي بطريق التكنية فهي ملازمة للفظ إثباتا ونفيا ~~لأنها دلالة عقلية لا لفظية . ولذا قال التفتزاني : ( هو من قبيل تأكيد ~~النفي لا نفي التأكيد ) فهو يفيد أنه قد انسلخ عن هذه الزمرة التي كان ~~معدودا منها وهو أشد من مطلق الاتصاف بعدم الهدى لأن مفارقة المرء فئته بعد ~~أن كان منها أشد عليه من اتصافه بما يخالف صفاتهم قبل الاتصال بهم . # وقد تقدم قوله تعالى : { قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين في سورة ~~البقرة ( 67 ) ، وأحلنا بسطه على هذا الموضع . # # | 2 ( 57 ) قل إنى على بينة من ربى وكذبتم به ما عندى ما تستعجلون به إن ~~الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين } . ) 2 # استئناف ابتدائي انتقل به الكلام من إبطال الشرك بدليل الوحي الإلهي ~~المؤيد للأدلة السابقة إلى إثبات صدق الرسالة بدليل من الله مؤيد للأدلة ~~السابقة أيضا ، لييأسوا من محاولة إرجاع الرسول عليه الصلاة والسلام عن ~~دعوته إلى الإسلام وتشكيكه في وحيه بقولهم : ساحر ، مجنون ، شاعر ، أساطير ~~الأولين ، ولييأسوا PageV07P264 أيضا من إدخال الشك عليه في صدق إيمان ~~أصحابه ، وإلقاء الوحشة بينه وبينهم بما حاولوا من طرده أصحابه عن مجلسه ~~حين حضور خصومه ، فأمره الله أن يقول لهم إنه على يقين من أمر ربه لا ~~يتزعزع . وعطف على ذلك جواب عن شبهة استدلالهم على تكذيب الوعيد بما حل ~~بالأمم من ms2620 قبلهم بأنه لو كان صدقا لعجل لهم العذاب ، فقد كانوا يقولون : { ~~اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا ~~بعذاب أليم } ( الأنفال : 32 ) ويقولون : { ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم ~~الحساب } ( ص : 16 ) ، فقال الله لرسوله صلى الله عليه وسلم { قل لو أن ~~عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم } ( الأنعام : 58 ) ، وأكد ~~الجملة بحرف التأكيد لأنهم ينكرون أن يكون على بينه من ربه . # وإعادة الأمر بالقول لتكرير الاهتمام الذي تقدم بيانه عند قوله تعالى : { ~~قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة } ( الأنعام : 40 ) . # والبينة في الأصل وصف مؤنث بين ، أي الواضحة ، فهي صفة جرت على موصوف ~~محذوف للعلم به في الكلام ، أي دلالة بينة أو حجة بينة . ثم شاع إطلاق هذا ~~الوصف فصار اسما للحجة المثبتة للحق التي لا يعتريها شك ، وللدلالة الواضحة ~~، وللمعجزة أيضا ، فهي هنا يجوز أن تكون بمعنى الدلالة البينة ، أي اليقين ~~. وهو أنسب ب { على } الدالة على التمكن ، كقولهم : فلان على بصيرة ، أي ~~أني متمكن من اليقين في أمر الوحي . # ويجوز أن يكون المراد بالبينة القرآن ، وتكون ( على ) مستعملة في ~~الملازمة مجازا مرسلا لأن الاستعلاء يستلزم الملازمة ، أي أني لا أخالف ما ~~جاء به القرآن . # و { من ربي } صفة ل { بينة } يفيد تعظيمها وكمالها . و ( من ) ابتدائية ، ~~أي بينة جائية إلي من ربي ، وهي الأدلة التي أوحاها الله إليه وجاء بها ~~القرآن وغيره . ويجوز أن تكون ( من ) اتصالية ، أي على يقين متصل بربي ، أي ~~بمعرفته توحيده ، أي فلا أتردد في ذلك فلا تطمعوا في صرفي عن ذلك ، أي أني ~~آمنت بإله واحد دلت على وجوده ووحدانيته دلائل خلقه وقدرته ، فأنا موقن بما ~~آمنت به لا يتطرقني شك . وهذا حينئذ PageV07P265 مسوق مساق التعريض ~~بالمشركين في أنهم على اضطراب من أمر آلهتهم وعلى غير بصيرة . # وجملة { وكذبتم به } في موضع الحال من { بينة } . وهي تفيد التعجب منهم ~~أن كذبوا بما دلت عليه البينة . ويجوز أن تكون معطوفة ms2621 على جملة { إني على ~~بينة من ربي } ، أي أنا على بينة وأنتم كذبتم بما دلت عليه البينات فشتان ~~بيني وبينكم . # والضمير في قوله : { به } يعود إلى البينة باعتبار تأويلها بالبيان أو ~~باعتبار أن ماصدقها اليقين أو القرآن على وجه جعل ( من ) ابتدائية ، أي ~~وكذبتم باليقين مكابرة وعنادا ، ويعود إلى ربي على وجه جعل ( من ) اتصالية ~~، أي كنت أنا على يقين في شأن ربي وكذبتم به مع أن دلائل توحيده بينة واضحة ~~. ويعود إلى غير مذكور في الكلام ، وهو القرآن لشهرة التداول بينهم في شأنه ~~فإذا أطلق ضمير الغائب انصرف إليه بالقرينة . # والباء التي عدي بها فعل { كذبتم } هي لتأكيد لصوق معنى الفعل بمفعوله ، ~~كما في قوله تعالى : { وامسحوا برؤوسكم } ( المائدة : 6 ) . فلذلك يدل فعل ~~التكذيب إذا عدي بالباء على معنى الإنكار ، أي التكذيب القوي . ولعل ~~الاستعمال أنهم لا يعدون فعل التكذيب بالباء إلا إذا أريد تكذيب حجة أو ~~برهان مما يحسب سبب تصديق ، فلا يقال : كذبت بفلان ، بل يقال : كذبت فلانا ~~قال تعالى : { لما كذبوا الرسل } ( الفرقان : 37 ) وقال : { كذبت ثمود ~~بالنذر } ( القمر : 23 ) . # والمعنى التعريضي بهم في شأن اعتقادهم في آلهتهم باق على ما بيناه . # وقوله : { ما عندي ما تستعجلون به } استئناف بياني لأن حالهم في الإصرار ~~على التكذيب مما يزيدهم عنادا عند سماع تسفيه أحلامهم وتنقص عقائدهم فكانوا ~~يقولون : لو كان قولك حقا فأين الوعيد الذي توعدتنا . فإنهم قالوا : { ~~اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا ~~بعذاب أليم } ( الأنفال : 32 ) وقالوا : { أو تسقط السماء علينا كما زعمت ~~كسفا } ( الإسراء : 92 ) فأمر بأن يجيب أن يقول { ما عندي ما تستعجلون به } ~~. PageV07P266 # والاستعجال طلب التعجيل بشيء ، فهو يتعدى إلى مفعول واحد ، وهو المطلوب ~~منه تعجيل شيء . فإذا أريد ذكر الأمر المعجل عدي إليه بالباء . والباء فيه ~~للتعدية . والمفعول هنا محذوف دل عليه قوله : { ما عندي } . والتقدير : ~~تستعجلونني به . وأما قوله تعالى : { أتى أمر الله فلا تستعجلوه } ( النحل ~~: 1 ) فالأظهر أن ضمير الغائب ms2622 عائد لاسم الجلالة ، وسيأتي في أول سورة ~~النحل . # ومعنى { ما عندي } أنه ليس في مقدرتي ، كما يقال : ما بيدي كذا . ~~فالعندية مجاز عن التصرف بالعلم والمقدرة . والمعنى : أني لست العليم ~~القدير ، أي لست إلها ولكنني عبد مرسل أقف عند ما أرسلت به . # وحقيقة ( عند ) أنها ظرف المكان القريب . وتستعمل مجازا في استقرار الشيء ~~لشيء وملكه إياه ، كقوله : { وعنده مفاتح الغيب } ( الأنعام : 59 ) . ~~وتستعمل مجازا في الاحتفاظ بالشيء ، كقوله : { وعنده علم الساعة } ( الزخرف ~~: 85 ) { وعند الله مكرهم } ( إبراهيم : 46 ) ولا يحسن في غير ذلك . # والمراد ب { ما تستعجلون به } العذاب المتوعد به . عبر بطريق الموصولية ~~لما تنبىء به الصلة PageV07P267 من كونه مؤخرا مدخرا لهم وأنهم يستعجلونه ~~وأنه واقع بهم لا محالة ، لأن التعجيل والتأخير حالان للأمر الواقع ؛ فكان ~~قوله : { تستعجلون } في نفسه وعيدا . وقد دل على أنه بيد الله وأن الله هو ~~الذي يقدر وقته الذي ينزل بهم فيه ، لأن تقديم المسند الظرف أفاد قصر القلب ~~، لأنهم توهموا من توعد النبي صلى الله عليه وسلم إياهم أنه توعدهم بعقاب ~~في مقدرته . فجعلوا تأخره إخلافا لتوعده ، فرد عليهم بأن الوعيد بيد الله ، ~~كما سيصرح به في قوله : { إنن الحكم إلا لله } . فقوله : { إن الحكم إلا ~~لله } تصريح بمفهوم القصر ، وتأكيد له . وعلى وجه كون ضمير { به } للقرآن ، ~~فالمعنى كذبتهم بالقرآن وهو بينة عظيمة ، وسألتم تعجيل العذاب تعجيزا لي ~~وذلك ليس بيدي . # وجملة { يقص الحق } حال من اسم الجلالة أو استئناف ، أي هو أعلم بالحكمة ~~في التأخير أو التعجيل . # وقرأ نافع ، وابن كثير ، وعاصم ، وأبو جعفر { يقص } بضم القاف وبالصاد ~~المهملة فهو من الاقتصاص ، وهو اتباع الأثر ، أي يجري قدره على أثر الحق ، ~~أي على وفقه ؛ أو هو من القصص ، وهو الحكاية أي يحكي بالحق ، أي أن وعده ~~واقع لا محالة فهو لا يخبر إلا بالحق . و { الحق } منصوب على المفعولية به ~~على الاحتمالين . # وقرأ الباقيون { يقض } بسكون القاف وبضاد معجمة مكسورة على أنه مضارع ( ~~قضى ) ، وهو في المصحف بغير ياء . فاعتذر عن ms2623 ذلك بأن الياء حذفت في الخط ~~تبعا لحذفها في اللفظ في حال الوصل ، إذ هو غير محل وقف ، وذلك مما أجري ~~فيه الرسم على اعتبار الوصل على النادر كما كتب { سندع الزبانية } ( العلق ~~: 18 ) . قال مكي قراءة الصاد ( أي المهملة ) أحب إلي لاتفاق الحرميين ( أي ~~نافع وابن كثير ) عليها ولأنه لو كان من القضاء للزمت الباء الموحدة فيه ، ~~يعني أن يقال : يقص بالحق . وتأويله بأنه نصب على نزع الخافض نادر . وأجاب ~~الزجاج بأن { الحق } منصوب على المفعولية المطلقة ، أي القضاء الحق ، وعلى ~~هذه القراءة ينبغي أن لا يوقف عليه لئلا يضطر الواقف إلى إظهار الياء ~~فيخالف الرسم المصحفي . # وجملة : { وهو خير الفاصلين } أي يقص ويخبر بالحق ، وهو خير من يفصل بين ~~الناس ، أو يقضي بالحق ، وهو خير من يفصل القضاء . PageV07P268 # والفصل يطلق بمعنى القضاء . قال عمر في كتابه إلى أبي موسى ( فإن فصل ~~القضاء يورث الضغائن ) . ويطلق بمعنى الكلام الفاصل بين الحق والباطل ، ~~والصواب والخطأ ، ومنه قوله تعالى : { وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب } ( ص : ~~20 ) وقوله : { إنه لقول فصل } ( الطارق : 13 ) . فمعنى { خير الفاصلين } ~~يشمل القول الحق والقضاء العدل . # # | 2 ( 58 ) { قل لو أن عندى ما تستعجلون به لقضى الامر بينى وبينكم والله ~~أعلم بالظالمين } . ) 2 # استئناف بياني لأن قوله : { ما عندي ما تستعجلون به } ( الأنعام : 57 ) ~~يثير سؤالا في نفس السامع أن يقول : فلو كان بيدك إنزال العذاب بهم ماذا ~~تصنع ، فأجيب بقوله : { لو أن عندي ما تستعجلون به } الآية . وإذ قد كان ~~قوله : { لو أن عندي } الخ استئنافا بيانيا فالأمر بأن يقوله في قوة ~~الاستئناف البياني لأن الكلام لما بني كله على تلقين الرسول ما يقوله لهم ~~فالسائل يتطلب من الملقن ماذا سيلقن به رسوله إليهم . ومعنى { عندي ما ~~تستعجلون به } تقدم آنفا ، أي لو كان في علمي حكمته وفي قدرتي فعله . وهذا ~~كناية عن معنى لست إلها ولكنني عبد أتبع ما يوحى إلي . # وقوله : { لقضي الأمر بيني وبينكم } جواب { لو } . فمعنى { قضي } تم ~~وانتهى . والأمر مراد به النزاع ms2624 والخلاف . فالتعريف فيه للعهد ، وبني { قضي ~~الأمر } للمجهول لظهور أن قاضيه هو من بيده ما يستعجلون به . # وتركيب ( قضي الأمر ) شاع فجرى مجرى المثل ، فحذف الفاعل ليصلح التمثل به ~~في كل مقام ، ومنه قوله : { قضي الأمر الذي فيه تستفتيان } ( يوسف : 41 ) ~~وقوله : { ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم } ( الشورى : 21 ) وقوله : { ~~وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر } ( مريم : 39 ) ؛ ولذلك إذا جاء في غير ~~طريقة المثل يصرح بفاعله كقوله تعالى : { وقضينا إليه ذلك الأمر } ( الحجر ~~: 66 ) . # وذلك القضاء يحتمل أمورا : منها أن يأتيهم بالآية المقترحة فيؤمنوا ، أو ~~أن يغضب فيهلكهم ، أو أن يصرف قلوبهم عن طلب ما لا يجيبهم إليه فيتوبوا ~~ويرجعوا . PageV07P269 # وجملة : { والله أعلم بالظالمين } تذييل ، أي الله أعلم مني ومن كل أحد ~~بحكمة تأخير العذاب وبوقت نزوله ، لأنه العليم الخبير الذي عنده ما ~~تستعجلون به . والتعبير { بالظالمين } إظهار في مقام ضمير الخطاب لإشعارهم ~~بأنهم ظالمون في شركهم إذ اعتدوا على حق الله ، وظالمون في تكذيبهم إذ ~~اعتدوا على حق الله ورسوله ، وظالمون في معاملتهم الرسول صلى الله عليه ~~وسلم # # | 2 ( 59 ) { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا هو ويعلم ما فى البر ~~والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة فى ظلمات الارض ولا رطب ولا ~~يابس إلا فى كتاب مبين } . ) 2 # عطف على جملة : { والله أعلم بالظالمين } ( الأنعام : 58 ) على طريقة ~~التخلص . والمناسبة في هذا التخلص هي الإخبار بأن الله أعلم بحالة الظالمين ~~، فإنها غائبة عن عيان الناس ، فالله أعلم بما يناسب حالهم من تعجيل الوعيد ~~أو تأخيره ، وهذا انتقال لبيان اختصاصه تعالى بعلم الغيب وسعة علمه ثم سعة ~~قدرته وأن الخلق في قبضة قدرته . وتقديم الظرف لإفادة الاختصاص ، أي عنده ~~لا عند غيره . والعندية عندية علم واستئثار وليست عندية مكان . # والمفاتح جمع مفتح بكسر الميم وهو الآلة التي يفتح بها المغلق ، وتسمى ~~المفتاح . وقد قيل : إن مفتح أفصح من مفتاح ، قال تعالى : { وآتيناه من ~~الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة } ( القصص : 76 ) . # والغيب ما ms2625 غاب على علم الناس بحيث لا سبيل لهم إلى علمه ، وذلك يشمل ~~الأعيان لمغيبة كالملائكة والجن ، والأعراض الخفية ، ومواقيت الأشياء . # و { مفاتح الغيب } هنا استعارة تخييلية تنبني على مكنية بأن شبهت الأمور ~~المغيبة عن الناس بالمتاع النفيس الذي يدخر بالمخازن والخزائن المستوثق ~~عليها بأقفال بحيث لا يعلم ما فيها إلا الذي بيده مفاتحها . وأثبتت لها ~~المفاتح على سبيل التخييلية . والقرينة PageV07P270 هي إضافة المفاتح إلى ~~الغيب ، فقوله : { وعنده مفاتح الغيب } بمنزلة أن يقول : عنده علم الغيب ~~الذي لا يعلمه غيره . # ومفاتح الغيب جمع مضاف يعم كل المغيبات ، لأن علمها كلها خاص به تعالى ، ~~وأما الأمور التي لها أمارات مثل أمارات الأنواء وعلامات الأمراض عند ~~الطبيب فتلك ليست من الغيب بل من أمور الشهادة الغامضة . وغموضها متفاوت ~~والناس في التوصل إليها متفاوتون ومعرفتهم بها من قبيل الظن لا من قبيل ~~اليقين فلا تسمى علما ، وقيل : المفاتح جمع مفتح بفتح الميم وهو البيت أو ~~المخزن الذي من شأنه أن يغلق على ما فيه ثم يفتح عند الحاجة إلى ما فيه ، ~~ونقل هذا عن السدي ، فيكون استعارة مصرحة والمشبه هو العلم بالغيب شبه في ~~إحاطته وحجبه المغيبات ببيت الخزم تشبيه معقول بمحسوس . # وجملة { لا يعلمها إلا هو } مبينة لمعنى { عنده } ، فهي بيان للجملة التي ~~قبلها ومفيدة تأكيدا للجملة الأولى أيضا لرفع احتمال أن يكون تقديم الظرف ~~لمجرد الاهتمام فأعيد ما فيه طريق متعين كونه للقصر . وضمير { يعلمها } ~~عائد إلى { مفاتح الغيب } على حذف مضاف من دلالة الاقتضاء . تقديره : لا ~~يعلم مكانها إلا هو ، لأن العلم لا يتعلق بذوات المفاتح ، وهو ترشيح ~~لاستعارة مفاتح الغيب للعلم بالمغيبات ، ونفي علم غيره لها كناية عن نفي ~~العلم بما تغلق عليه المفاتح من علم المغيبات . # ومعنى : { لا يعلمها إلا هو } أي علما مستقلا به ، فأما ما أطلع عليه بعض ~~أصفيائه ، كما قال تعالى : { عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ~~ارتضى من رسول } ( الجن : 26 ) فذلك علم يحصل لمن أطلعه بإخبار منه فكان ~~راجعا إلى علمه ms2626 هو . والعلم معرفة الأشياء بكيفية اليقين . # وفي الصحيح عن عبد الله بن عمر أن رسول يالله صلى الله عليه وسلم قال : { ~~مفاتح الغيب خمس : إن الله عنده علم الساعة ، وينزل الغيث ، ويعلم ما في ~~الأرحام ، وما تدري نفس ماذا تكسب غدا ، وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله ~~عليم خبير } . PageV07P271 # وجملة : { ويعلم ما في البر والبحر } عطف على جملة { لا يعلمها إلا هو } ~~، أو على جملة { وعنده مفاتح الغيب } ، لأن كلتيهما اشتملت على إثبات علم ~~لله ونفي علم عن غيره ، فعطفت عليهما هذه الجملة التي دلت على إثبات علم ~~لله تعالى ، دون نفي علم غيره وذلك علم الأمور الظاهرة التي قد يتوصل الناس ~~إلى علم بعضها ، فعطف هذه الجملة على جملة { وعنده مفاتح الغيب } لإفادة ~~تعميم علمه تعالى بالأشياء الظاهرة المتفاوتة في الظهور بعد إفادة علمه بما ~~لا يظهر للناس . # وظهور ما في البر للناس على الجملة أقوى من ظهور ما في البحر . وذكر البر ~~والبحر لقصد الإحاطة بجميع ما حوته هذه الكرة ، لأن البر هو سطح الأرض الذي ~~يمشي فيه الحيوان غير سابح ، والبحر هو الماء الكثير الذي يغمر جزءا من ~~الأرض سواء كان الماء ملحا أم عذبا . والعرب تسمي النهر بحرا كالفرات ودجلة ~~. والموصول للعموم فيشمل الذوات والمعاني كلها . # وجملة : { وما تسقط من ورقة } عطف على جملة : { ويعلم ما في البر والبحر ~~} لقصد زيادة التعميم في الجزئيات الدقيقة . فإحاطة العلم بالخفايا مع ~~كونها من أضعف الجزئيات مؤذن بإحاطة العلم بما هو أعظم أولى به . وهذه من ~~معجزات القرآن فإن الله علم ما يعتقده الفلاسفة وعلم أن سيقول بقولهم من لا ~~رسوخ له في الدين من أتباع الإسلام فلم يترك للتأويل في حقيقة علمه مجالا ، ~~إذ قال : { وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض } كما ~~سنبين الاختيار في وجه إعرابه . # والمراد بالورقة ورقة من الشجر . وحرف ( من ) زائد لتأكيد النفي ليفيد ~~العموم نصا . وجملة { يعلمها } في موضع الحال من { ورقة } الواقعة في حيز ~~النفي ms2627 المستغنية بالعموم عن الصفة . وذلك لأن الاستثناء مفرغ من أحوال ، ~~وهذه الحال حال لازمة بعد النفي حصل بها مع الفعل المنفي الفائدة الاستثناء ~~من عموم الأحوال ، أي ما تسقط من ورقة في حالة إلا حالة يعلمها . # والأظهر في نظم قوله : { وما تسقط من ورقة } أن يكون { ورقة } في محل ~~المبتدأ مجرور ب { من } الزائدة ، وجملة { تسقط } صفة ل { ورقة } مقدمة ~~عليها فتعرب حالا ، PageV07P272 وجملة { إلا يعلمها } خبر مفرغ له حرف ~~الاستثناء . { ولا حبة } عطف على المبتدأ بإعادة حرف النفي ، و { في ظلمات ~~الأرض } صفة ل { حبة } ، أي ولا حبة من بذور النبت مظروفة في طبقات الأرض ~~إلى أبعد عمق يمكن ، فلا يكون { حبة } معمولا لفعل { تسقط } لأن الحبة التي ~~تسقط لا تبلغ بسقوطها إلى ظلمات الأرض . { ولا رطبب ولا يابس } معطوفان على ~~المبتدأ المجرور ب { من } . والخبر عن هذه المبتدآت الثلاثة هو قوله : { ~~إلا في كتاب مبين } لوروده بعد الثلاثة ، وذلك ظاهر وقوع الإخبار به عن ~~الثلاثة ، وأن الخبر الأول راجع إلى قوله : { من ورقة } . # والمراد بالكتاب المبين العلم الثابت الذي لا يتغير ، وما عسى أن يكون ~~عند الله من آثار العلم من كتابة أو غيرها لم يطلعنا على كنهها . # وقيل : جر { حبة } عطف على { ورقة } مع إعادة حرف النفي ، و { في ظلمات ~~الأرض } وصف ل { حبة } . وكذلك قوله : { ولا رطب ولا يابس } بالجر عطفا على ~~{ حبة } و { ورقة } ، فيقتضي أنها معمولة لفعل { تسقط } ، أي ما يسقط رطب ~~ولا يابس ، ومقيدة بالحال في وقوله : { إلا يعلمها } . # وقوله : { إلا في كتاب مبين } تأكيد لقوله : { إلا يعلمها } لأن المراد ~~بالكتاب المبين علم الله تعالى سواء كان الكتاب حقيقة أم مجازا عن الضبط ~~وعدم التبديل . وحسن هذا التأكيد تجديد المعنى لبعد الأول بالمعطوفات ~~وصفاتها ، وأعيد بعبارة أخرى تفننا . # وقد تقدم القول في وجه جمع { ظلمات } عند قوله تعالى : { وجعل الظلمات ~~والنور في هذه السورة ( 1 ) . ومبين } إما من أبان المتعدي ، أي مبين لبعض ~~مخلوقاته ما يريده كالملائكة ، أو من أبان القاصر الذي هو ms2628 بمعنى بان ، أي ~~بين ، أي فصل بما لا احتمال فيه ولا تردد . # وقد علم من هاته الآيات عموم علمه تعالى بالكليات والجزئيات . وهذا متفق ~~عليه عند أهل الأديان دون تصريح به في الكتب السابقة وما أعلنه إلا القرآن ~~في نحو قوله : PageV07P273 { وهو بكل شيء عليم } ( البقرة : 29 ) . وفيه ~~إبطال لقول جمهور الفلاسفة أن الله يعلم الكليات خاصة ولا يعلم الجزئيات ، ~~زعما منهم بأنهم ينزهون العلم الأعلى عن التجزي ؛ فهم أثبتوا صفة العلم لله ~~تعالى وأنكروا تعلق علمه بجزئيات الموجودات . وهذا هو المأثور عنهم عند ~~العلماء . وقد تأوله عنهم ابن رشد الحفيد ونصير الدين الطوسي . وقال الإمام ~~الرازي في ( المباحث المشرقية ) : ولا بد من تفصيل مذهب الفلاسفة فإن ~~اللائق بأصولهم أن يقال : الأمور أربعة أقسام ؛ فإنها إما أن لا تكون ~~متشكلة ولا متغيرة ، وإما أن تكون متشكلة غير متغيرة ، وإما أن تكون متغيرة ~~غير متشكلة ؛ وإما أن تكون متشكلة ومتغيرة معا . فأما ما لا تكون متشكلة ~~ولا متغيرة فإنه تعالى عالم به سواء كان كليا أو جزئيا . وكيف يمكن القول ~~بأنه تعالى لا يعلم الجزئيات منها مع اتفاق الأكثر منهم على علمه تعالى ~~بذاته المخصوصة وبالعقول . # وأما المتشكلة غير المتغيرة وهي الأجرام العلوية فهي غير معلومة له تعالى ~~بأشخاصها عندهم ، لأن إدراك الجسمانيات لا يكون إلا بالآت جسمانية . # وأما المتغيرة غير المتشكلة فذلك مثل الصور والأعراض الحادثة والنفوس ~~الناطقة ، فإنها غير معلومة له لأن تعلقها يحوج إلى آلة جسمانية بل لأنها ~~لما كانت متغيرة يلزم من تغيرها العلم . # وأما ما يكون متشكلا ومتغيرا فهو الأجسام الكائنة الفاسدة . وهي يمتنع أن ~~تكون مدركة له تعالى للوجهين ( أي المذكورين في القسمين الثاني والثالث ) ~~اه . # وقد عد إنكار الفلاسفة أن الله يعلم الجزئيات من أصول ثلاثة لهم خالفت ~~المعلوم بالضرورة من دين الإسلام . وهي : إنكار علم الله بالجزئيات ؛ ~~وإنكار حشر الأجساد ، والقول بقدم العالم . ذكر ذلك الغزالي في ( تهافت ~~الفلاسفة ) فمن يوافقهم في PageV07P274 ذلك من المسلمين يعتبر قوله كفرا ، ~~لكنه من قبيل الكفر باللازم ms2629 فلا يعتبر قائله مرتدا إلا بعد أن يوقف على ما ~~يفضي إليه قوله ويأبى أن يرجع عنه فحينئذ يستتاب ثلاثا فإن تاب وإلا حكم ~~بردته . # # | 2 ( 60 ) { وهو الذى يتوفاكم باليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم ~~فيه ليقضى أجل مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون } . ) 2 # عطف جملة { وهو الذي يتوفاكم } على جملة { وما تسقط من ورقة إلا يعلمها } ~~( الأنعام : 59 ) انتقالا من بيان سعة علمه إلى بيان عظيم قدرته لأن ذلك ~~كله من دلائل الإلهية تعليما لأوليائه ونعيا على المشركين أعدائه . وقد جرت ~~عادة القرآن بذكر دلائل الوحدانية في أنفس الناس عقب ذكر دلائلها في الآفاق ~~فجمع ذلك هنا على وجه بديع مؤذن بتعليم صفاته في ضمن دليل وحدانيته . وفي ~~هذا تقريب للبعث بعد الموت . # فقوله : { وهو الذي يتوفاكم } صيغة قصر لتعريف جزأي الجملة ، أي هو الذي ~~يتوفى الأنفس دون الأصنام فإنها لا تملك موتا ولا حياة . # والخطاب موجه إلى المشركين كما يقتضيه السياق السابق من قوله : { لقضي ~~الأمر بيني وبينكم } ( الأنعام : 58 ) واللاحق من قوله { ثم أنتم تشركون } ~~( الأنعام : 64 ) ويقتضيه طريق القصر . ولما كان هذا الحال غير خاص ~~بالمشركين علم منه أن الناس فيه سواء . # والتوفي حقيقته الإماتة ، لأنه حقيقة في قبض الشيء مستوفى . وإطلاقه على ~~النوم مجاز لشبه النوم بالموت في انقضاع الإدراك والعمل . ألا ترى قوله ~~تعالى : { الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي ~~قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى } ( الزمر : 42 ) . وقد تقدم ~~تفصيله عند قوله تعالى : { إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك في سورة آل ~~عمران ( 55 ) . PageV07P275 # والمراد بقوله : يتوفاكم } ينيمكم بقرينة قوله : { ثم يبعثكم فيه } ، أي ~~في النهار ، فأراد بالوفاة هنا النوم على التشبيه . وفائدته أنه تقريب ~~لكيفية البعث يوم القيامة ، ولذا استعير البعث للإفاقة من النوم ليتم ~~التقريب في قوله : { ثم يبعثكم فيه } . # ومعنى { جرحتم } كسبتم ، وأصل الجرح تمزيق جلد الحي بشيء محدد مثل السكين ~~والسيف والظفر والناب . وتقدم ms2630 في قوله : { والجروح قصاص في سورة العقود ( ~~45 ) . وأطلق على كلاب الصيد وبزاته ونحوها اسم الجوارح لأنها تجرح الصيد ~~ليمسكه الصائد . قال تعالى : وما علمتم من الجوارح مكلبين وتقدم في سورة ~~العقود ( 4 ) . كما سموها كواسب ، كقول لبيد : # غضفا كواسب ما يمن طعامها # فصار لفظ الجوارح مرادفا للكواسب ؛ وشاع ذلك فأطلق على الكسب اسم الجرح ، ~~وهو المراد هنا . وقال تعالى : أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم ~~كالذين آمنوا وعملوا الصالحات } ( الجاثية : 21 ) . # وجملة : { ويعلم ما جرحتم بالنهار } معترضة لقصد الامتنان بنعمة الإمهال ~~، أي ولولا فضله لما بعثكم في النهار مع علمه بأنكم تكتسبون في النهار ~~عبادة غيره ويكتسب بعضكم بعض ما نهاهم عنه كالمؤمنين . # ووقع الاقتصار على الإخبار بعلمه تعالى ما يكسب الناس في النهار دون ~~الليل رعيا للغالب ، لأن النهار هو وقت أكثر العمل والاكتساب ، ففي الإخبار ~~أنه يعلم ما يقع فيه تحذير من اكتساب ما لا يرضى الله باكتسابه بالنسبة ~~للمؤمنين ، وتهديد للمشركين . # وجملة : { ثم يبعثكم فيه } معطوفة على { يتوفاكم بالليل } فتكون ( ثم ) ~~للمهلة الحقيقية ، وهو الأظهر . ولك أن تجعل ( ثم ) للترتيب الرتبي فتعطف ~~على جملة { ويعلم ما جرحتم } ؛ أي وهو يعلم ما تكتسبون من المناهي ثم يردكم ~~ويمهلكم . وهذا بفريق المشركين أنسب . # و ( في ) للظرفية . والضمير للنهار . والبعث مستعار للإفاقة من النوم لأن ~~البعث شاع PageV07P276 في إحياء الميت وخاصة في اصطلاح القرآن { قالوا أئذا ~~متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون } ( المؤمنون : 82 ) وحسن هذه ~~الاستعارة كونها مبنية على استعارة التوفي للنوم تقريبا لكيفية البعث التي ~~حارت فيها عقولهم ، فكل من الاستعارتين مرشح للأخرى . # واللام في { ليقضى أجل مسمى } لام التعليل لأن من الحكم والعلل التي جعل ~~الله لها نظام اليقظة والنوم أن يكون ذلك تجزئة لعمر الحي ، وهو أجله الذي ~~أجلت إليه حياته يوم خلقه ، كما جاء في الحديث ( يؤمر بكتب رزقه وأجله ~~وعمله ) . فالأجل معدود باللأيام والليالي ، وهي زمان النوم واليقظة . ~~والعلة التي بمعنى الحكمة لا يلزم اتحادها فقد يكون لفعل الله حكم عديدة . ~~فلا ms2631 إشكال في جعل اللام للتعليل . # وقضاء الأجل انتهاؤه . ومعنى كونه مسمى أنه معين محدد . والمرجع مصدر ~~ميمي ، فيجوز أن يكون المراد الرجوع بالموت ، لأن الأرواح تصير في قبضة ~~الله ويبطل ما كان لها من التصرف بإرادتها . ويجوز أن يكون المراد بالرجوع ~~الحشر يوم القيامة ، وهذا أظهر . # وقوله : { ثم ينبئكم بما كنتم تعملون } أي يحاسبكم على أعمالكم بعد الموت ~~، فالمهلة في ( ثم ) ظاهرة ، أو بعد الحشر ، فالمهلة لأن بين الحشر وبين ~~ابتداء الحساب زمنا ، كما ورد في حديث الشفاعة . # $ 2 ( 61 ، 62 ) { وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جآء ~~أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون * ثم ردو & # 1764 ا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين } . ) 2 $ # { وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جآء أحدكم الموت توفته ~~رسلنا وهم لا يفرطون } . # عطف على جملة { وهو الذي يتوفاكم } ( الأنعام : 60 ) ، وتقدم تفسير نظيره ~~آنفا . والمناسبة هنا أن النوم والموت خلقهما الله فغلبا شدة الإنسان كيفما ~~بلغت فبين عقب ذكرهما أن الله هو القادر الغالب دون الأصنام . فالنوم قهر ، ~~لأن الإنسان قد يريد أن لا ينام فيغلبه النوم ، والموت قهر وهو أظهر ، ومن ~~الكلم الحق : سبحان من قهر العباد بالموت . # { ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جآء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون } ~~. PageV07P277 # { ويرسل } عطف على { القاهر } ، فيعتبر المسند إليه مقدما على الخبر ~~الفعلي ، فيدل على التخصيص أيضا بقرينة المقام ، أي هو الذي يرسل عليكم ~~حفظة دون غيره . والقصر هنا حقيقي ، فلا يستدعي رد اعتقاد مخالف . والمقصود ~~الإعلام بهذا الخبر الحق ليحذر السامعون من ارتكاب المعاصي . # ومعنى ( على ) في قوله { عليكم } الاستعلاء المجازي ، أي إرسال قهر ~~وإلزام ، كقوله : { بعثنا عليكم عبادا لنا } ( الإسراء : 5 ) ، لأن سياق ~~الكلام خطاب للمشركين كما علمت ، ومثله قوله تعالى : { كلا بل تكذبون ~~بالدين وإن عليكم لحافظين } ( الإنفطار : 9 ، 10 ) . # و { عليكم } متعلق ب { يرسل } فعلم ، أن المراد بحفظ الحفظة الإحصاء ~~والضبط من قولهم : حفظت عليه فعله كذا . وهو ms2632 ضد نسي . ومنه قوله تعالى : { ~~وعندنا كتاب حفيظ } ( ق : 4 ) . وليس هو من حفظ الرعاية والتعهد مثل قوله ~~تعالى : { حافظات للغيب بما حفظ الله } ( النساء : 34 ) . # فالحفظة ملائكة وظيفتهم إحصاء أعمال العباد من خير وشر . وورد في الحديث ~~الصحيح : ( يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ) الحديث . # وقوله : { إذا جاء أحدكم الموت } غاية لما دل عليه اسم الحفظة من معنى ~~الإحصاء ، أي فينتهي الإحصاء بالموت ، فإذا جاء الوقت الذي ينتهي إليه أجل ~~الحياة توفاه الملائكة المرسلون لقبض الأرواح . # فقوله : { رسلنا } في قوة النكرة لأن المضاف مشتق فهو بمعنى اسم المفعول ~~فلا تفيده الإضافة تعريفا ، ولذلك فالمراد من الرسل التي تتوفى رسل غير ~~الحفظة المرسلين على العباد ، بناء على الغالب في مجيء نكرة عقب نكرة أن ~~الثانية غير الأولى . وظاهر قوله : { توفته رسلنا } أن عددا من الملائكة ~~يتولى توفي الواحد من الناس . PageV07P278 وفي الآية الأخرى { قل يتوفاكم ~~ملك الموت الذي وكل بكم } ( السجدة : 11 ) ، وسمي في الآثار عزرائيل ، ونقل ~~عن ابن عباس : أن لملك الموت أعوانا . فالجمع بين الآيتين ظاهر . # وعلق فعل التوفي بضمير { أحدكم } الذي هو في معنى الذات . والمقصود تعليق ~~الفعل بحال من أحوال أحدكم المناسب للتوفي ، وهو الحياة ، أي توفت حياته ~~وختمتها ، وذلك بقبض روحه . # وقرأ الجمهور { توفته } بمثناة فوقية بعد الفاء . وقرأ حمزة وحده { توفاه ~~رسلنا } وهي في المصحف مرسومة بنتأة بعد الفاء فتصلح لأن تكون مثناة فوقية ~~وأن تكون مثناة تحتية على لغة الإمالة . وهي التي يرسم بها الألفات ~~المنقلبة عن الياءات . والوجهان جائزان في إسناد الفعل إلى جمع التكسير . # وجملة : { وهم لا يفرطون } حال . والتفريط : التقصير في العمل والإضاعة ~~في الذوات . والمعنى أنهم لا يتركون أحدا قد تم أجله ولا يؤخرون توفيه . # والضمير في قوله : { ردوا } عائد إلى { أحد } باعتبار تنكيره الصادق بكل ~~أحد ، أي ثم يرد المتوفون إلى الله . والمراد رجوع الناس إلى أمر الله يوم ~~القيامة ، أي ردوا إلى حكمه من نعيم وعذاب ، فليس في الضمير التفات . # والمولى هنا بمعنى السيد ، وهو اسم مشترك ms2633 يطلق على السيد وعلى العبد . # و { الحق } بالجر صفة ل { مولاهم } ، لما في { مولاهم } من معنى مالكهم ، ~~أي مالكهم الحق الذي لا يشوب ملكه باطل يوهن ملكه . وأصل الحق أنه الأمر ~~الثابت فإن كل ملك غير ملك الخالقية فهو مشوب باستقلال مملوكه عنه استقلالا ~~تفاوتا ، وذلك يوهن الملك ويضعف حقيته . # وجملة : { ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين } تذييل ولذلك ابتدىء بأداة ~~الاستفتاح المؤذنة بالتنبيه إلى أهمية الخبر . والعرب يجعلون التذييلات ~~مشتملة على اهتمام أو عموم أو كلام جامع . PageV07P279 # وقدم المجرور في قوله { له الحكم } للاختصاص ، أي له لا لغيره ، فإن كان ~~المراد من الحكم جنس الحكم فقصره على الله إما حقيقي للمبالغة لعدم ~~الاعتداد بحكم غيره ، وإما إضافي للرد على المشركين ، أي ليس لأصنامكم حكم ~~معه ، وإن كان المراد من الحكم الحساب ، أي الحكم المعهود يوم القيامة ، ~~فالقصر حقيقي . وربما ترجح هذا الاحتمال بقوله عقبه : { وهو أسرع الحاسبين ~~} أي ألا له الحساب ، وهو أسرع من يحاسب فلا يتأخر جزاؤه . # وهذا يتضمن وعدا ووعيدا لأنه لما أتي بحرف المهلة في الجمل المتقدمة وكان ~~المخاطبون فريقين : فريق صالح وفريق كافر ، وذكر أنهم إليه يرجعون كان ~~المقام مقام طماعية ومخالفة ؛ فالصالحون لا يحبون المهلة والكافرون بعكس ~~حالهم ، فعجلت المسرة للصالحين والمساءة للمشركين بقوله : { وهو أسرع ~~الحاسبين } . # # | 2 ( 63 ، 64 ) { قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية ~~لئن أنجانا من هاذه لنكونن من الشاكرين * قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ~~ثم أنتم تشركون } . ) 2 # استئناف ابتدائي . ولما كان هذا الكلام تهديدا وافتتح بالاستفهام ~~التقريري تعين أن المقصود بضمائر الخطاب المشركون دون المسلمين . وأصرح من ~~ذلك قوله : { ثم أنتم تشركون } . # وإعادة الأمر بالقول للاهتمام ، كما تقدم بيانه عند قوله تعالى : { قل ~~أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة } ( الأنعام : 40 ) الآية . ~~والاستفهام مستعمل في التقرير والإلجاء ، لكون ذلك لا ينازعون فيه بحسب ~~عقائد الشرك . # والظلمات قيل على حقيقتها ، فيتعين تقدير مضاف ، أي من إضرار ظلمات البر ~~والبحر ، فظلمات البر ظلمة ms2634 الليل التي يلتبس فيها الطريق للسائر والتي يخشى ~~فيها العدو PageV07P280 للسائر وللقاطن ، أي ما يحصل في ظلمات البر من ~~الآفات . وظلمات البحر يخشى فيها الغرق والضلال والعدو . وقيل : أطلقت ~~الظلمات مجازا على المخاوف الحاصلة في البر والبحر ، كما يقال : يوم مظلم ~~إذا حصلت فيه شدائد . ومن أمثال العرب ( رأى الكواكب مظهرا ) ، أي أظلم ~~عليه يومه إظلاما في عينيه لما لاقاه من الشدائد حتى صار كأنه ليل يرى فيه ~~الكواكب . والجمع على الوجهين روعي فيه تعدد أنواع ما يعرض من الظلمات ، ~~على أننا قدمنا في أول السورة أن الجمع في لفظ الظلمات جرى على قانون ~~الفصاحة . وجملة : { تدعونه } حال من الضمير المنصوب في { ينجكم } . # وقرىء { من ينجيكم } بالتشديد لنافع ، وابن كثير ، وابن عامر ، وأبي عمرو ~~، وعاصم ، وحمزة ، والكسائي ، وأبي جعفر ، وخلف . وقرأه يعقوب بالتخفيف . # والتضرع : التذلل ، كما تقدم في قوله : { لعلهم يتضرعون في هذه السورة ( ~~42 ) . وهو منصوب على الحال مؤولا باسم الفاعل . والخفية بضم الخاء وكسرها ~~ضد الجهر . وقرأه الجمهور بضم الخاء . وقرأه أبو بكر عن عاصم بكسر الخاء ~~وهو لغة مثل أسوة وإسوة . وعطف خفية } على { تضرعا } إما عطف الحال على ~~الحال كما تعطف الأوصاف فيكون مصدرا مؤولا باسم الفاعل ، وإما أن يكون عطف ~~المفعول المطلق على الحال على أنه مبين لنوع الدعاء ، أي تدعونه في الظلمات ~~مخفين أصواتكم خشية انتباه العدو من الناس أو الوحوش . # وجملة { لئن أنجيتنا } في محل نصب بقول محذوف ، أي قائلين . وحذف القول ~~كثير في القرآن إذا دلت عليه قرينة الكلام . واللام في { لئن } الموطئة ~~للقسم ، واللام في { لنكونن } لام جواب القسم . وجيء بضمير الجمع إما لأن ~~المقصود حكاية اجتماعهم على الدعاء بحيث يدعو كل واحد عن نفسه وعن رفاقه . ~~وإما أريد التعبير عن الجمع باعتبار التوزيع مثل : ركب القوم خيلهم ، وإنما ~~ركب كل واحد فرسا . PageV07P281 # وقرأ الجمهور { أنجيتنا } بمثناة تحتية بعد الجيم ومثناة فوقية بعد ~~التحتية . وقرأه عاصم ، وحمزة ، والكسائي وخلف { أنجانا } بألف بعد الجيم ~~والضمير عائد إلى { من } في قوله : { قل من ms2635 ينجيكم } . # والإشارة ب { هذه } إلى الظلمة المشاهدة للمتكلم باعتبار ما ينشأ عنها ، ~~أو باعتبار المعنى المجازي وهو الشدة ، أو إلى حالة يعبر عنها بلفظ مؤنث ~~مثل الشدة أو الورطة أو الربقة . # والشاكر هو الذي يراعي نعمة المنعم فيحسن معاملته كلما وجد لذلك سبيلا . ~~وقد كان العرب يرون الشكر حقا عظيما ويعيرون من يكفر النعمة . # وقولهم : { من الشاكرين } أبلغ من أن يقال : لنكونن شاكرين ، كما تقدم ~~عند قوله تعالى : { لقد ضللت إذن وما أنا من المهتدين } ( الأنعام : 56 ) . # وجملة : { قل الله ينجيكم منها } تلقين لجواب الاستفهام من قوله : { من ~~ينجيكم } أن يجيب عن المسؤولين ، ولذلك فصلت جملة { قل } لأنها جارية مجرى ~~القول في المحاورة ، كما تقدم في هذه السورة . وتولى الجواب عنهم لأن هذا ~~الجواب لا يسعهم إلا الاعتراف به . # وقدم المسند إليه على الخبر الفعلي لإفادة الاختصاص ، أي الله ينجيكم لا ~~غيره ، ولأجل ذلك صرح بالفعل المستفهم عنه . ولولا هذا لاقتصر على { قل ~~الله } . والضمير في { منها } للظلمات أو للحادثة . وزاد { من كل كرب } ~~لإفادة التعميم ، وأن الاقتصار على ظلمات البر والبحر بالمعنيين لمجرد ~~المثال . # وقرأ نافع ، وابن كثير ، وأبو عمرو ، وهشام عن ابن عامر ، ويعقوب { ~~ينجيكم } بسكون النون وتخفيف الجيم على أنه من أنجاه ، فتكون الآية جمعت ~~بين الاستعمالين . وهذا من التفنن لتجنب الإعادة . ونظيره { فمهل الكافرين ~~أمهلهم } ( الطارق : 17 ) . PageV07P282 وقرأه ابن ذكوان عن ابن عامر ، ~~وأبو جعفر ، وخلف ، وعاصم ، وحمزة ، والكسائي { ينجيكم } بالتشديد مثل ~~الأولى . # و { ثم } من قوله : { ثم أنتم تشركون } للترتيب الرتبي لأن المقصود أن ~~إشراكهم مع اعترافهم بأنهم لا يلجأون إلا إلى الله في الشدائد أمر عجيب ، ~~فليس المقصود المهلة . # وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي لمجرد الاهتمام بخبر إسناد الشرك ~~إليهم ، أي أنتم الذين تتضرعون إلى الله باعترافكم تشركون به من قبل ومن ~~بعد ، من باب { ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم } ( البقرة : 85 ) ، ومن باب : ~~لو غيرك قالها ، ولو ذات سوار لطمتني . # وجيء بالمسند فعلا مضارعا لإفادة تجدد شركهم وأن ذلك التجدد والدوام عليه ms2636 ~~أعجب . # والمعنى أن الله أنجاكم فوعدتم أن تكونوا من الشاكرين فإذا أنتم تشركون . ~~وبين { الشاكرين } و { تشركون } الجناس المحرف . # # | 2 ( 65 ) { قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت ~~أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الايات لعلهم ~~يفقهون } . ) 2 # { قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو ~~يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الايات لعلهم يفقهون } . # استئناف ابتدائي عقب به ذكر النعمة التي في قوله : { قل من ينجيكم } بذكر ~~القدرة على الانتقام ، تخويفا للمشركين . وإعادة فعل الأمر بالقول مثل ~~إعادته في نظائره للاهتمام المبين عند قوله تعالى : { قل أرأيتكم إن أتاكم ~~عذاب الله أو أتتكم الساعة } ( الأنعام : 40 ) . والمعنى قل للمشركين ، ~~فالمخاطب بضمائر الخطاب هم المشركون . والمقصود من الكلام ليس الإعلام ~~بقدرة الله تعالى فإنها معلومة ، ولكن المقصود التهديد بتذكيرهم بأن القادر ~~من شأنه أن يخاف بأسه فالخبر مستعمل في التعريض مجازا مرسلا مركبا ، أو ~~كناية تركيبية . وهذا تهديد لهم ، لقولهم { لولا أنزل عليه آية من ربه } ( ~~يونس : 20 ) . PageV07P283 # وتعريف المسند والمسند إليه أفاد القصر ، فأفاد اختصاصه تعالى بالقدرة ~~على بعث العذاب عليهم وأن غيره لا يقدر على ذلك فلا ينبغي لهم أن يخشوا ~~الأصنام ، ولو أرادوا الخير لأنفسهم لخافوا الله تعالى وأفردوه بالعبادة ~~لمرضاته ، فالقصر المستفاد إضافي . والتعريف في { القادر } تعريف الجنس ، ~~إذ لا يقدر غيره تعالى على مثل هذا العذاب . # والعذاب الذي من فوق مثل الصواعق والريح ، والذي من تحت الأرجل مثل ~~الزلازل والخسف والطوفان . # و { يلبسكم } مضارع لبسه بالتحريك أي خلطه ، وتعدية فعل { يلبسكم } إلى ~~ضمير الأشخاص بتقدير اختلاط أمرهم واضطرابه ومرجه ، أي اضطراب شؤونهم ، فإن ~~استقامة الأمور تشبه انتظام السلك ولذلك سميت استقامة أمور الناس نظاما . ~~وبعكس ذلك اختلال الأمور والفوضى تشبه اختلاط الأشياء ، ولذلك سمي مرجا ~~ولبسا . وذلك بزوال الأمن ودخول الفساد في أمور الأمة ، ولذلك يقرن الهرج ~~وهو القتل بالمرج ، وهو الخلط فيقال : هم ms2637 في هرج ومرج ، فسكون الراء في ~~الثاني للمزاوجة . # وانتصب { شيعا } على الحال من الضمير المنصوب في { يلبسكم } . والشيع جمع ~~شيعة بكسر الشين وهي الجماعة المتحدة في غرض أو عقيدة أو هوى فهم متفقون ~~عليه ، قال تعالى : { إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيا لست منهم في شيء } ( ~~الأنعام : 159 ) . وشيعة الرجل أتباعه والمقتدون به قال تعالى : { وإن من ~~شيعته لإبراهيم } ( الصافات : 83 ) أي من شيعة نوح . # وتشتت الشيع وتعدد الآراء أشد في اللبس والخلط ، لأن اللبس الواقع كذلك ~~لبس لا يرجى بعده انتظام . # وعطف عليه { ويذيق بعضكم بأس بعض } لأن من عواقب ذلك اللبس التقاتل . ~~فالبأس هو القتل والشر ، قال تعالى : { وسرابيل تقيكم بأسكم } ( النحل : 81 ~~) . والإذاقة استعارة للألم . # وهذا تهديد للمشركين كما قلنا بطريق المجاز أو الكناية . وقد وقع منه ~~الأخير فإن المشركين ذاقوا بأس المسلمين يوم بدر وفي غزوات كثيرة . ~~PageV07P284 # في ( صحيح البخاري ) عن جابر بن عبد الله قال : ( لما نزلت { قل هو ~~القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم } قال رسول صلى الله عليه وسلم ~~أعوذ بوجهك . قال : { أو من تحت أرجلكم } قال : أعوذ بوجهك قال : { أو ~~يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض } قال رسول الله : هذا أهون ، أو هذا أيسر ~~) . اه . واستعاذة النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك خشية أن يعم العذاب إذا ~~نزل على الكافرين من هو بجوارهم من المسلمين لقوله تعالى : { واتقوا فتنة ~~لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة } ( الأنفال : 25 ) وفي الحديث قالوا : ( ~~يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون قال : نعم إذا كثر الخبث ) وفي الحديث ~~الآخر ( ثم يحشرون على نياتهم ) . ومعنى قوله : هذه أهون ، أن القتل إذا حل ~~بالمشركين فهو بيد المسلمين فيلحق المسلمين منه أذى عظيم لكنه أهون لأنه ~~ليس فيه استئصال وانقطاع كلمة الدين ، فهو عذاب للمشركين وشهادة وتأييد ~~للمسلمين . وفي الحديث : ( لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية ) . ~~وبعض العلماء فسر الحديث بأنه استعاذ أن يقع مثل ذلك بين المسلمين . ويتجه ~~عليه أن يقال : لماذا لم يستعذ الرسول ms2638 صلى الله عليه وسلم من وقوع ذلك بين ~~المسلمين ، فلعله لأنه أوحي إليه أن ذلك يقع في المسلمين ، ولكن الله وعده ~~أن لا يسلط عليهم عدوا من غير أنفسهم . وليست استعاذته بدالة على أن الآية ~~مراد بها خطاب المسلمين كما ذهب إليه بعض المفسرين ، ولا أنها تهديد ~~للمشركين والمؤمنين ، كما ذهب إليه بعض السلف ؛ إلا على معنى أن مفادها غير ~~الصريح صالح للفريقين لأن قدرة الله على ذلك صالحة للفريقين ، ولكن المعنى ~~التهديدي غير مناسب للمسلمين هنا . وهذا الوجه يناسب أن يكون الخبر مستعملا ~~في أصل الإخبار وفي لازمه فيكون صريحا وكناية ولا يناسب المجاز المركب ~~المتقدم بيانه . # { انظر كيف نصرف الايات لعلهم يفقهون } . # استئناف ورد بعد الاستفهامين السابقين . وفي الأمر بالنظر تنزيل للمعقول ~~منزلة المحسوس لقصد التعجيب منه ، وقد مضى في تفسير قوله تعالى : { انظر ~~كيف يفترون على الله الكذب في سورة النساء ( 50 ) . PageV07P285 # وتصريف الآيات تنويعها بالترغيب تارة والترهيب أخرى . فالمراد بالآيات ~~آيات القرآن . وتقدم معنى التصريف عند قوله تعالى : انظر كيف نصرف الآيات ~~ثم هم يصدفون في هذه السورة ( 46 ) . # ولعلهم يفقهون } استئناف بياني جواب لسؤال سائل عن فائدة تصريف الآيات ، ~~وذلك رجاء حصول فهمهم لأنهم لعنادهم كانوا في حاجة إلى إحاطة البيان ~~بأفهامهم لعلها تتذكر وترعوي . # وتقدم القول في معنى ( لعل ) عند قوله تعالى : { لعلكم تتقون في سورة ~~البقرة ( 21 ) . # وتقدم معنى الفقه عند قوله تعالى : فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون ~~حديثا في سورة النساء ( 78 ) . # # | 2 ( 66 ، 67 ) وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل * لكل نبإ ~~مستقر وسوف تعلمون } . ) 2 # عطف على { انظر كيف نصرف الآيات } ( الأنعام : 65 ) ، أي لعلهم يفقهون ~~فلم يفقهوا وكذبوا . وضمير { به } عائد إلى العذاب في قوله { على أن يبعث ~~عليكم عذابا } ( الأنعام : 65 ) ، وتكذيبهم به معناه تكذيبهم بأن الله ~~يعذبهم لأجل إعراضهم . # والتعبير عنهم ب { قومك } تسجيل عليهم بسوء معاملتهم لمن هو من أنفسهم ، ~~كقوله تعالى : { قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى } ( الشورى ms2639 : ~~23 ) ، وقال طرفة : # وظلم ذوي القربى أشد مضاضة # على المرء من وقع الحسام المهند # وتقدم وجه تعدية فعل ( كذب ) بالباء عند قوله تعالى : { وكذبتم به في هذه ~~السورة ( 57 ) . # وجملة وهو الحق } معترضة لقصد تحقيق القدرة على أن يبعث عليهم عذابا الخ ~~. # وقد تحقق بعض ذلك بعذابب من فوقهم وهو عذاب القحط ، وبإذاقتهم بأس ~~المسلمين يوم بدر . PageV07P286 # ويجوز أن يكون ضمير به عائدا إلى القرآن ، فيكون قوله : { وكذب به } ~~رجوعا بالكلام إلى قوله { قل إني على بينة من ربي وكذبتم به } ( الأنعام : ~~57 ) ، أي كذبتم بالقرآن ، على وجه جعل ( من ) في قوله : { من ربي } ( ~~الأنعام : 57 ) ابتدائية كما تقدم ، أي كذبتم بآية القرآن وسألتم نزول ~~العذاب تصديقا لرسالتي وذلك ليس بيدي . ثم اعترض بجمل كثيرة . أولاها : { ~~وعنده مفاتح الغيب } ( الأنعام : 59 ) ، ثم ما بعده من التعريض بالوعيد ، ~~ثم بنى عليه قوله : { وكذب به قومك وهو الحق } فكأنه قيل : قل إني على بينة ~~من ربي وكذبتم به وهو الحق قل لست عليكم بوكيل . # وقوله : { قل لست عليكم بوكيل } إرغام لهم لأنهم يرونه أنهم لما كذبوه ~~وأعرضوا عن دعوته قد أغاظوه ، فأعلمهم الله أنه لا يغيظه ذلك وأن عليه ~~الدعوة فإذا كانوا يغيظون فلا يغيظون إلا أنفسهم . # والوكيل هنا بمعنى المدافع الناصر ، وهو الحفيظ . وتقدم عند قوله تعالى : ~~{ وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل في سورة آل عمران ( 173 ) . # وتعديته ب ( على ) لتضمنه معنى الغلبة والسلطة ، أي لست بقيم عليكم ~~يمنعكم من التكذيب ، كقوله تعالى : فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا إن ~~عليك إلا البلاغ } ( الشورى : 48 ) . وجملة { لكل نبأ مستقر } مستأنفة ~~استئنافا بيانيا ، لأن قوله { وهو الحق } يثير سؤالهم أن يقولوا : فمتى ~~ينزل العذاب . فأجيبوا بقوله : { لكل نبأ مستقر } . # والنبأ : الخبر المهم ، وتقدم في هذه السورة . فيجوز أن يكون على حقيقته ~~، أي لكل خبر من أخبار القرآن ، ويجوز أن يكون أطلق المصدر على اسم المفعول ~~، أي لكل مخبر به ، أي ما أخبروا به من قوله : { أن يبعث عليكم عذابا من ~~فوقكم } ( الأنعام ms2640 : 65 ) الآية . # والمستقر وقت الاستقرار ، فهو اسم زمانه ، ولذلك صيغ بوزن اسم المفعول ، ~~كما هو قياس صوغ اسم الزمان المشتق من غير الثلاثي . والاستقرار بمعنى ~~الحصول ، أي لكل موعود به وقت يحصل فيه . وهذا تحقيق للوعيد وتفويض زمانه ~~إلى علم الله تعالى . وقد يكون المستقر هنا مستعملا في الانتهاء والغاية ~~مجازا ، كقوله تعالى : { والشمس PageV07P287 تجري لمستقر لها } ( يس : 38 ) ~~، وهو شامل لوعيد الآخرة ووعيد الدنيا ولكل مستقر . وعن السدي : استقر يوم ~~بدر ما كان يعدهم به من العذاب . # وعطف { سوف تعلمون } على جملة { لكل نبأ مستقر } أي تعلمونه ، أي هو الآن ~~غير معلوم وتعلمونه في المستقبل عند حلوله بكم . وهذا أظهر في وعيد العذاب ~~في الدنيا . # $ 2 ( 68 ) { وإذا رأيت الذين يخوضون فى & # 1764 ءاياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا فى حديث غيره وإما ينسينك الشيطان ~~فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين } . ) 2 $ # عطف على جملة { وكذب به قومك } ( الأنعام : 66 ) . والعدول عن الإتيان ~~بالضمير إلى الإتيان بالاسم الظاهر وهو اسم الموصول ، فلم يقل : وإذا ~~رأيتهم فأعرض عنهم ، يدل على أن الذي يخوضون في الآيات فريق خاص من القوم ~~الذين كذبوا بالقرآن أو بالعذاب . فعموم القوم أنكروا وكذبوا دون خوض في ~~آيات القرآن ، فأولئك قسم ، والذين يخوضون في الآيات قسم كان أبذى وأقذع ، ~~وأشد كفرا وأشنع ، وهم المتصدون للطعن في القرآن . وهؤلاء أمر الرسول صلى ~~الله عليه وسلم بالإعراض عن مجادلتهم وترك مجالسهم حتى يرعووا عن ذلك . ولو ~~أمر الرسول عليه الصلاة والسلام بالإعراض عن جميع المكذبين لتعطلت الدعوة ~~والتبليغ . # ومعنى { إذا رأيت الذين يخوضون } إذا رأيتهم في حال خوضهم . وجاء تعريف ~~هؤلاء بالموصولية دون أن يقال الخائضين أو قوما خائضين لأن الموصول فيه ~~إيماء إلى وجه الأمر بالإعراض لأنه أمر غريب ، إذ شأن الرسول عليه الصلاة ~~والسلام أن يمارس الناس لعرض دعوة الدين ، فأمر الله إياه بالإعراض عن فريق ~~منهم يحتاج إلى توجيه واستئناس . وذلك بالتعليل الذي أفاده الموصول وصلته ، ~~أي فأعرض عنهم لأنهم يخوضون في آياتنا . PageV07P288 # وهذه الآية ms2641 أحسن ما يمثل به ، لمجيء الموصول للإيماء إلى إفادة تعليل ما ~~بني عليه من خبر أو إنشاء ، ألا ترى أن الأمر بالإعراض حدد بغاية حصول ضد ~~الصلة . وهي أيضا أعدل شاهد لصحة ما فسر به القطب الشيرازي في ( شرح ~~المفتاح ) قول السكاكي ( أو أن توميء بذلك إلى وجه بناء الخبر ) بأن وجه ~~بناء الخبر هو علته وسببه ، وإن أبى التفتزاني ذلك التفسير . # والخوض حقيقته الدخول في الماء مشيا بالرجلين دون سباحة ثم استعير للتصرف ~~الذي فيه كلفة أو عنت ، كما استعير التعسف وهو المشي في الرمل لذلك . ~~واستعير الخوض أيضا للكلام الذي فيه تكلف الكذب والباطل لأنه يتكلف له ~~قائله ، قال الراغب : وأكثر ما ورد في القرآن ورد فيما يذم الشروع فيه ، ~~قال تعالى : { يخوضون في آياتنا ، نخوض ونلعب } ( التوبة : 65 ) ، { وخضتم ~~كالذي خاضوا } ( التوبة : 69 ) ، { ذرهم في خوضهم يلعبون } ( الأنعام : 91 ~~) . فمعنى { يخوضون في آياتنا } يتكلمون فيها بالباطل والاستهزاء . # والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم مباشرة وحكم بقية المسلمين كحكمه ، ~~كما قال في ذكر المنافقين في سورة النساء ( 140 ) { فلا تقعدوا معهم حتى ~~يخوضوا في حديث غيره . # والإعراض تقدم تفسيره عند قوله تعالى : فأعرض عنهم وعظهم في سورة النساء ~~( 63 ) . والإعراض عنهم هنا هو ترك الجلوس إلى مجالسهم ، وهو مجاز قريب من ~~الحقيقة لأنه يلزمه الإعراض الحقيقي غالبا ، فإن هم غشوا مجلس الرسول عليه ~~الصلاة والسلام فالإعراض عنهم أن يقوم عنهم وعن ابن جريج : فجعل إذا ~~استهزأوا قام فحذروا وقالوا لا تستهزءوا فيقوم . وفائدة هذا الإعراض زجرهم ~~وقطع الجدال معهم لعلهم يرجعون عن عنادهم . # وحتى } غاية للإعراض لأنه إعراض فيه توقيف دعوتهم زمانا أوجبه رعي مصلحة ~~أخرى هي من قبيل الدعوة فلا يضر توقيف الدعوة زمانا ، فإذا زال موجب ذلك ~~عادت محاولة هديهم إلى أصلهم لأنها تمحضت للمصلحة . PageV07P289 # وإنما عبر عن انتقالهم إلى حديث آخر بالخوض لأنهم لا يتحدثون إلا فيما لا ~~جدوى له من أحوال الشرك وأمور الجاهلية . # و { غيره } صفة ل { حديث } . والضمير المضاف إليه عائد إلى ms2642 الخوض باعتبار ~~كونه حديثا حسبما اقتضاه وصف { حديث } بأنه غيره . # وقوله { وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين } ~~عطف حالة النسيان زيادة في تأكيد الأمر بالإعراض . وأسند الإنساء إلى ~~الشيطان فدلنا على أن النسيان من آثار الخلقة التي جعل الله فيها حظا العلم ~~الشيطان . كما ورد أن التثاؤب من الشيطان ، وليس هذا من وسوسة الشيطان في ~~أعمال الإنسان لأن الرسول صلى الله عليه وسلم معصوم من وسوسة الشيطان في ~~ذلك ، فالنسيان من الأعراض البشرية الجائزة على الأنبياء في غير تبليغ ما ~~أمروا بتبليغه ، عند جمهور علماء السنة من الأشاعرة وغيرهم . قال ابن ~~العربي في ( الأحكام ) : إن كبار الرافضة هم الذين ذهبوا إلى تنزيه النبي ~~صلى الله عليه وسلم من النسيان اه . وهو قول لبعض الأشعرية وعزي إلى ~~الأستاذ أبي إسحاق الإسفرائيني فيما حكاه نور الدين الشيرازي في ( شرح ~~للقصيدة النونية ) لشيخه تاج الدين السبكي . ويتعين أن مراده بذلك فيما ~~طريقه البلاغ كما يظهر مما حكاه عنه القرطبي : وقد نسي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فسلم من ركعتين في الصلاة الرباعية ، ونسي آيات من بعض السور ~~تذكرها لما سمع قراءة رجل في صلاة الليل ، كما في الصحيح . وفي الحديث ~~الصحيح : ( إنما أنا بشر أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني ) فذلك نسيان ~~استحضارها بعد أن بلغها . وليس نظرنا في جواز ذلك وإنما نظرنا في إسناد ذلك ~~إلى الشيطان فإنه يقتضي أن للشيطان حظا له أثر في نفس الرسول ، فيجوز أن ~~تكون بعض الأعراض البشرية التي يجوز طروها على الأنبياء قد جعلها الله في ~~أصل الخلقة من عمل الشياطين ، كما جعل بعض الأعراض موكولة للملائكة ، ويكون ~~النسيان من جملة الأعراض الموكولة إلى الشياطين كما تكرر إسناده إلى ~~الشيطان في آيات كثيرة منها . وهذا مثل كون التثاؤب من الشيطان ، وكون ذات ~~الجنب من الشيطان . وقد قال أيوب { أني مسني الشيطان بنصب وعذاب } ( ص : 41 ~~) ، وحينئذ فالوجه أن الأعراض البشرية الجائزة على الأنبياء التي لا تخل ~~بتبليغ ولا توقع في المعصية ms2643 قد يكون بعضها من أثر عمل الشيطان وأن الله ~~عصمهم من الشيطان فيما عدا ذلك . PageV07P290 # ويجوز أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم قد خص من بين الأنبياء بأن لا ~~سلطة لعمل شيطاني عليه ولو كان ذلك من الأعراض الجائزة على مقام الرسالة ، ~~فإنما يتعلق به من تلك الأعراض ما لا أثر للشيطان فيه . وقد يدل لهذا ما ~~ورد في حديث شق الصدر : أن جبريل لما استخرج العلقة قال : هذا حظ الشيطان ~~منك ، يعني مركز تصرفاته ، فيكون الشيطان لا يتوصل إلى شيء يقع في نفس ~~نبينا صلى الله عليه وسلم إلا بواسطة تدبير شيء يشغل النبي حتى ينسى مثل ما ~~ورد في حديث ( الموطأ ) حين نام رسول الله صلى الله عليه وسلم ووكل بلالا ~~بأن يكلأ لهم الفجر ، فنام بلال حتى طلعت الشمس ، فإن النبي قال : ( إن ~~الشيطان أتى بلالا فلم يزل يهدئه كما يهدأ الصبي حتى نام ) . فأما نوم ~~النبي والمسلمين عدا بلالا فكان نوما معتادا ليس من عمل الشيطان . وإلى هذا ~~الوجه أشار عياض في ( الشفاء ) . وقريب منه ما ورد أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم رأى ليلة القدر ، فخرج ليعلم الناس فتلاحى رجلان فرفعت . فإن ~~التلاحي من عمل الشيطان ، ولم يكن يستطيع رفع ليلة القدر بنفسه فوسوس ~~بالتلاحي . # والحاصل أن الرسول صلى الله عليه وسلم معصوم من الوسوسة ، وأما ما دونها ~~مثل الإنساء والنزغ فلا يلزم أن يعصم منه . وقد يفرق بين الأمرين : أن ~~الوسوسة آثارها وجودية والإنساء والنزغ آثارهما عدمية ، وهي الذهول والشغل ~~ونحو ذلك . # فالمعنى إن أنساك الشيطان الإعراض عنهم فإن تذكرت فلا تقعد معهم ، فهذا ~~النسيان ينتقل به الرسول صلى الله عليه وسلم من عبادة إلى عبادة ، ومن ~~أسلوب في الدعوة إلى أسلوب آخر ، فليس إنساء الشيطان إياه إيقاعا في معصية ~~إذ لا مفسدة في ارتكاب ذلك ولا يحصل به غرض من كيد الشيطان في الضلال ، وقد ~~رفع الله المؤاخذة بالنسيان ، ولذلك قال : { فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم ~~الظالمين } ، أي بعد أن ms2644 تتذكر الأمر بالإعراض . فالذكرى اسم للتذكر وهو ضد ~~النسيان ، فهي اسم مصدر ، أي إذا أغفلت بعد هذا فقعدت إليهم فإذا تذكرت فلا ~~تقعد ، وهو ضد فأعرض ، وذلك أن الأمر بالشيء نهي عن ضده . # وقرأ الجمهور : { ينسينك } بسكون النون وتخفيف السين . وقرأه ابن عامر ~~بفتح النون وتشديد السين من التنسية ، وهي مبالغة في أنساه . ومن العلماء ~~من تأول PageV07P291 هذه الآية بأنها مما خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم ~~والمراد أمته ، كقوله تعالى : { لئن أشركت ليحبطن عملك } ( الزمر : 65 ) ~~قال أبو بكر بن العربي إذا عذرنا أصحابنا في قولهم ذلك في { لئن أشركت ~~ليحبطن عملك لاستحالة الشرك عليه فلا عذر لهم في هذه الآية لجواز النسيان ~~عليه . # والقوم الظالمون هم الذين يخوضون في آيات الله ، فهذا من الإظهار في مقام ~~الإضمار لزيادة فائدة وصفهم بالظلم ، فيعلم أن خوضهم في آيات الله ظلم ، ~~فيعلم أنه خوض إنكار للحق ومكابرة للمشاهدة . # # | 2 ( 69 ) وما على الذين يتقون من حسابهم من شىء ولاكن ذكرى لعلهم يتقون ~~} . ) 2 # لما كان الإعراض عن مجالس الذين يخوضون بالطعن في الآيات قد لا يحول دون ~~بلوغ أقوالهم في ذلك إلى أسماع المؤمنين من غير قصد أتبع الله النهي السابق ~~بالعفو عما تتلقفه أسماع المؤمنين من ذلك عفوا ، فتكون الآية عذرا لما يطرق ~~أسماع المؤمنين من غير قعودهم مع الطاعنين . # والمراد ب { الذين يتقون } المؤمنون ، والنبي صلى الله عليه وسلم هو أول ~~المتقين ، فالموصول كتعريف الجنس فيكون شاملا لجميع المسلمين كما كان قوله ~~{ فأعرض عنهم } ( الأنعام : 68 ) حكمه شاملا لبقية المسلمين بحكم التبع . ~~وقال جمع من المفسرين : كانت آية { وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض ~~عنهم } ( الأنعام : 68 ) خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم وجاء قوله تعالى : ~~{ وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء } رخصة لغير النبي من المسلمين في ~~الحضور في تلك المجالس لأن المشركين كان يغضبهم قيام النبي من مجالسهم . ~~ونسب هذا إلى ابن عباس ، والسدي ، وابن جبير ، فيكون عموم الموصول في قوله ~~: { الذين يتقون ms2645 } مخصوصا بما اقتضته الآية التي قبلها . # وروى البغوي عن ابن عباس قال : لما نزلت { وإذا رأيت الذين يخوضون في ~~آياتنا فأعرض عنهم } ( الأنعام : 68 ) قال المسلمون : كيف نقعد في المسجد ~~الحرام ونطوف بالبيت PageV07P292 وهم يخوضون أبدا . فأنزل الله عز وجل { ~~وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء } يعني إذا قمتم عنهم فما عليكم تبعة ~~ما يقولون في حال مجانبتكم إياهم إذ ليس عليكم جرى ذلك وما عليهم أن ~~يمنعوهم . # وقوله : { وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء } تقدم تفسير نظيره آنفا ~~، وهو قوله : { ما عليك من حسابهم من شيء } ( الأنعام : 68 ) . # ثم الحساب هنا مصدر مضاف إلى ضمير الذين يخوضون في الآيات . فهذا المصدر ~~بمنزلة الفعل المبني للمجهول فيحتمل أن يكون فاعله { الذين يتقون } على ~~وزان ما تقدم في قوله : { ما عليك من حسابهم من شيء } ( الأنعام : 52 ) ، ~~أي ما على الذين يتقون أن يحاسبوا الخائضين ، أي أن يمنعوهم من الخوض إذ لم ~~يكلفهم الله بذلك لأنهم لا يستطيعون زجر المشركين ، ويحتمل أن يكون فاعله ~~الله تعالى كقوله : { ثم إن علينا حسابهم } ( الغاشية : 26 ) أي ما على ~~الذين يتقون تبعة حساب المشركين ، أي ما عليهم نصيب من إثم ذلك الخوض إذا ~~سمعوه . # وقوله : { ولكن ذكرى } عطفت الواو الاستدراك على النفي ، أي ما عليهم شيء ~~من حسابهم ولكن عليهم الذكرى . والذكرى اسم مصدر ذكر بالتشديد بمعنى وعظ ، ~~كقوله تعالى : { تبصرة وذكرى لكل عبد منيب } ( ق : 8 ) ، أي عليهم إن ~~سمعوهم يستهزئون أن يعظوهم ويخوفوهم غضب الله فيجوز أن يكون { ذكرى } ~~منصوبا على المفعول المطلق الآتي بدلا من فعله . والتقدير : ولكن يذكرونهم ~~ذكرى . ويجوز أن يكون ذكرى مرفوعا على الابتداء ، والتقدير : ولكن عليهم ~~ذكرى . # وضمير { لعلهم يتقون } عائد إلى ما عاد إليه ضمير { حسابهم } أي لعل ~~الذين يخوضون في الآيات يتقون ، أي يتركون الخوض . وعلى هذا فالتقوى ~~مستعملة في معناها اللغوي دون الشرعي . ويجوز أن يكون الضمير عائدا إلى { ~~الذين يتقون } ، أي ولكن عليهم الذكرى لعلهم يتقون بتحصيل واجب النهي ms2646 عن ~~المنكر أو لعلهم يستمرون على تقواهم . PageV07P293 # وعن الكسائي : المعنى ولكن هذه ذكرى ، أي قوله : { وإما ينسينك الشيطان ~~فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين } ( الأنعام : 68 ) تذكرة لك وليست ~~مؤاخذة بالنسيان ، إذ ليس على المتقين تبعة سماع استهزاء المستهزئين ولكنا ~~ذكرناهم بالإعراض عنهم لعلهم يتقون سماعهم . # والجمهور على أن هذه الآية ليست بمنسوخة . وعن ابن عباس والسدي أنها ~~منسوخة بقوله تعالى في سورة النساء ( 140 ) { وقد نزل عليكم في الكتاب أن ~~إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في ~~حديث غيره إنكم إذن مثلهم بناء على رأيهم أن قوله : وما على الذين يتقون من ~~حسابهم من شيء } أباح للمؤمنين القعود ولم يمنعه إلا على النبي صلى الله ~~عليه وسلم بقوله : { وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم } ( ~~الأنعام : 68 ) كما تقدم آنفا . # # | 2 ( 70 ) { وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحيواة الدنيا ~~وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولى ولا شفيع وإن تعدل ~~كل عدل لا يؤخذ منهآ أولائك الذين أبسلوا بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب ~~أليم بما كانوا يكفرون } . ) 2 # عطف على جملة : { فأعرض عنهم } ( الأنعام : 68 ) أو على جملة : { وما على ~~الذين يتقون من حسابهم من شيء } ( الأنعام : 69 ) . وهذا حكم آخر غير حكم ~~الإعراض عن الخائضين في آيات الله ولذلك عطف عليه . وأتي بموصول وصلة أخرى ~~فليس ذلك إظهارا في مقام الإضمار . # و { ذر } فعل أمر . قيل : لم يرد له ماض ولا مصدر ولا اسم فاعل ولا اسم ~~مفعول . فتصاريفه هذه مماتة في الاستعمال استغناء عنها بأمثالها من مادة ~~ترك تجنبا للثقل واستعملوا مضارعه والأمر منه . وجعله علماء التصريف مثالا ~~واويا لأنهم PageV07P294 وجدوه محذوف أحد الأصول ، ووجدوه جاريا على نحو ~~يعد ويرث فجزموا بأن المحذوف منه الفاء وأنها واو . وإنما حذفت في نحو ذر ~~ودع مع أنها مفتوحة العين اتباعا للاستعمال ، وهو حذف تخفيف لا حذف دفع ثقل ~~، بخلاف حذف ms2647 يعد ويرث . # ومعنى : ( ذر ) اترك ، أي لا تخالط . وهو هنا مجاز في عدم الاهتمام بهم ~~وقلة الاكتراث باستهزائهم كقوله تعالى : { ذرني ومن خلقت وحيدا } ( المدثر ~~: 11 ) ، وقوله : { فذرني ومن يكذب بهذا الحديث ، وقول طرفة : # فذرني وخلقي إنني لك شاكر # ولو حل بيتي نائيا عند ضرغد # أي لا تبال بهم ولا تهتم بضلالهم المستمر ولا تشغل قلبك بهم فالتذكير ~~بالقرآن شامل لهم ، أو لا تعبأ بهم وذكرهم به ، أي لا يصدك سوء استجابتهم ~~عن إعادة تذكيرهم . # والدين في قوله : اتخذوا دينهم } يجوز أن يكون بمعنى الملة ، أي ~~مايتدينون به وينتحلونه ويتقربون به إلى الله ، كقول النابغة : # مجلتهم ذات الإله ودينهم # قويم فما يرجون غير العواقب # أي اتخذوه لعبا ولهوا ، أي جعلوا الدين مجموع أمور هي من اللعب واللهو ، ~~أي العبث واللهو عند الأصنام في مواسمها ، والمكاء والتصدية عند الكعبة على ~~أحد التفسيرين في قوله تعالى : { وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية ~~} ( الأنفال : 35 ) . # وإنما لم يقل اتخذوا اللهو واللعب دينا لمكان قوله : { اتخذوا } فإنهم لم ~~يجعلوا كل ما هو من اللهو واللعب دينا لهم بل عمدوا إلى أن ينتحلوا دينا ~~فجمعوا له أشياء من اللعب واللهو وسموها دينا . # ويجوز أن يكون المراد من الدين العادة ، كقول المثقب العبدي : # تقول وقد درأت لها وظيني # أهذا دينه أبدا وديني # أي الذين دأبهم اللعب واللهو المعرضون عن الحق ، وذلك في معاملتهم الرسول ~~صلى الله عليه وسلم PageV07P295 # واللعب واللهو تقدم تفسيرهما في قوله تعالى : { وما الحياة الدنيا إلا ~~لعب ولهو في هذه السورة ( 32 ) . # والذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا فريق عرفوا بحال هذه الصلة واختصت بهم ، ~~فهم غير المراد من الذين يخوضون في الآيات بل بينهم وبين الذين يخوضون في ~~الآيات ؛ فيجوز أن يكون المراد بهم المشركين كلهم بناء على تفسير الدين ~~بالملة والنحلة فهم أعم من الذين يخوضون فبينهم العموم والخصوص المطلق . ~~وهذا يناسب تفسير ذر } بمعنى عدم الاكتراث بهم وبدينهم لقصد عدم اليأس من ~~إيمانهم أو لزيادة التسجيل عليهم ، أي وذكرهم ms2648 بالقرآن ، ويجوز أن يكون ~~المراد بهم فريقا من المشركين سفهاء اتخذوا دأبهم اللعب واللهو ، بناء على ~~تفسير الدين بمعنى العادة فبينهم وبين الذين يخوضون العموم والخصوص الوجهي ~~. # { وغرتهم } أي خدعتهم الحياة الدنيا وظنوا أنها لا حياة بعدها وأن نعيمها ~~دائم لهم بطرا منهم . وتقدم تفسير الغرور عند قوله تعالى : { لا يغرنك تقلب ~~الذين كفروا في البلاد في سورة آل عمران ( 196 ) . # وذكر الحياة هنا له موقع عظيم وهو أن همهم من هذه الدنيا هو الحياة فيها ~~لا ما يتكسب فيها من الخيرات التي تكون بها سعادة الحياة في الآخرة ، أي ~~غرتهم الحياة الدنيا فأوهمتهم أن لا حياة بعدها وقالوا : إن هي إلا حياتنا ~~الدنيا وما نحن بمبعوثين } ( الأنعام : 29 ) . # والضمير المجرور في { وذكر به } عائد إلى القرآن لأن التذكير هو التذكير ~~بالله وبالبعث وبالنعيم والعذاب . وذلك إنما يكون بالقرآن فيعلم السامع أن ~~ضمير الغيبة يرجع إلى ما في ذهن المخاطب من المقام ، ويدل عليه قوله تعالى ~~: { فذكر بالقرآن من يخاف وعيد } ( ق : 45 ) . وحذف مفعول { ذكر } لدلالة ~~قوله : { وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا } أي وذكرهم به . # وقوله : { أن تبسل نفس } يجوز أن يكون مفعولا ثانيا ل { ذكر } وهو الأظهر ~~، PageV07P296 أي ذكرهم به إبسال نفس بما كسبت ، فإن التذكير يتعدى إلى ~~مفعولين من باب أعطى لأن أصل فعله المجرد يتعدى إلى مفعول فهو بالتضعيف ~~يتعدى إلى مفعولين هما ( هم ) و { أن تبسل نفس } . وخص هذا المصدر من بين ~~الأحداث المذكر بها لما فيه من التهويل . ويجوز أن يكون { أن تبسل } على ~~تقدير لام الجر تعليلا للتذكير ، فهو كالمفعول لأجله فيتعين تقدير لا ~~النافية بعد لام التعليل المحذوفة . والتقدير : لئلا تبسل نفس ، كقوله ~~تعالى : { يبين الله لكم أن تضلوا ، وقد تقدم في آخر سورة النساء ( 176 ) . ~~وجوز فيه غير ذلك ولم أكن منه على ثلج . # ووقع لفظ ( نفس ) وهو نكرة في سياق الإثبات وقصد به العموم بقرينة مقام ~~الموعظة ، كقوله تعالى : علمت نفس ما قدمت وأخرت } ( الأنفطار : 5 ) أي كل ~~نفس ms2649 علمت نفس ما أحضرت ، أي كل نفس . # والإبسال : الإسلام إلى العذاب ، وقيل : السجن والارتهان ، وقد ورد في ~~كلامهم بالمعنيين وهما صالحان هنا . وأصله من البسل وهو المنع والحرام . ~~قال ضمرة النهشلي : # بكرت تلومك بعد وهن في الندى # بسل عليكك ملامتي وعتابي # وأما الإبسال بمعنى الإسلام فقد جاء فيه قول عوف بن الأحوص الكلابي : # وإبسالي بني بغير جرم # بعوناه ولا بدم مراق # ومعنى : { بما كسبت } بما جنت . فهو كسب الشر بقرينة { تبسل } . # وجملة : { ليس لها من دون الله } الخ في موضع الحال من { نفس } لعموم { ~~نفس } ، أو في موضع الصفة نظرا لكون لفظه مفردا . # والولي : الناصر . والشفيع : الطالب للعفو عن الجاني لمكانة له عند من ~~بيده العقاب . وقد تقدم الولي عند قوله تعالى : { قل أغير الله أتخذ وليا ~~في هذه السورة ( 14 ) ، والشفاعة عند قوله تعالى : ولا يقبل منها شفاعة ولا ~~يؤخذ منها عدل في سورة البقرة ( 48 ) . # وجملة : وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها } عطف على جملة { ليس لها من دون ~~PageV07P297 الله ولي ولا شفيع } . و { تعدل } مضارع عدل إذا فدى شيئا بشيء ~~وقدره به . فالفداء يسمى العدل كما تقدم في قوله تعالى : { ولا يؤخذ منها ~~عدل في سورة البقرة ( 48 ) . # وجيء في الشرط بإن } المفيدة عدم تحقق حصول الشرط لأن هذا الشرط مفروض ~~كما يفرض المحال . # والعدل في قوله : { كل عدل } مصدر عدل المتقدم . وهو مصدره القياسي فيكون ~~{ كل } منصوبا على المفعولية المطلقة كما في ( الكشاف ) ، أي وإن تعط كل ~~عطاء للفداء لا يقبل عطاؤها ، ولا يجوز أن يكون مفعولا به ل { تعدل } لأن ~~فعل ( عدل ) يتعدى للعوض بالباء وإنما يتعدى بنفسه للمعوض وليس هو المقصود ~~هنا . فلذلك منع في ( الكشاف ) أن يكون { كل عدل } مفعولا به ، وهو تدقيق . ~~و { كل } هنا مجاز في الكثرة إذ ليس للعدل ، أي للفداء حصر حتى يحاط به كله ~~. وقد تقدم استعمال ( كل ) بمعنى الكثرة وهو مجاز شائع عند قوله تعالى : { ~~ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية في سورة البقرة ( 145 ms2650 ) . # وقوله : لا يؤخذ منها } أي لا يؤخذ منها ما تعدل به . فقوله : { منها } ~~هو نائب الفاعل ل { يؤخذ } . وليس في { يؤخذ } ضمير العدل لأنك قد علمت أن ~~العدل هنا بمعنى المصدر ، فلا يسند إليه الأخذ كما في ( الكشاف ) ، فقد نزل ~~فعل الأخذ منزلة اللازم ولم يقدر له مفعول كأنه قيل : لا يؤخذ منها أخذ . ~~والمعنى لا يؤخذ منها شيء . وقد جمعت الآية جميع ما تعارف الناس التخلص به ~~من القهر والغلب ، وهو الناصر والشفيع والفدية . فهي كقوله تعالى : { ولا ~~يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون في سورة البقرة ( 48 ) . # وجملة : أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا } مستأنفة استئنافا بيانيا لأن ~~الكلام يثير سؤال سائل يقول : فما حال الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا من ~~حال النفوس التي تبسل بما كسبت ، فأجيب بأن أولئك هم الذين أبسلوا بما ~~كسبوا ، فتكون الإشارة إلى الموصول بما له من الصلة ، والتعريف للجزأين ~~أفاد القصر ، أي أولئك هم المبسلون لا غيرهم . وهو قصر مبالغة لأن إبسالهم ~~هو أشد إبسال يقع فيه الناس فجعل ما عداه كالمعدوم . PageV07P298 # ويجوز أن تكون الإشارة إلى النفس في قوله : { أن تبسل نفس } باعتبار ~~دلالة النكرة على العموم ، أي أن أولئك المبسلون العادمون وليا وشفيعا ~~وقبول فديتهم هم الذين إبسلوا بما كسبوا ، أي ذلك هو الإبسال الحق لا ما ~~تعرفونه في جرائركم وحروبكم من الإبسال ، كإبسال أبناء عوف بن الأحوص ~~المتقدم آنفا في شعره ، فهذا كقوله تعالى : { ذلك يوم التغابن } ( التغابن ~~: 9 ) . # وجملة { لهم شراب من حميم } بيان لمعنى الإبسال أو بدل اشتمال من معنى ~~الإبسال ، فلذلك فصلت . # والحميم : الماء الشديد الحرارة ، ومنه الحمة بفتح الحاء العين الجارية ~~بالماء الحار الذي يستشفى به من أوجاع الأعضاء والدمل . وفي الحديث : ( مثل ~~العالم مثل الحمة يأتيها البعداء ويتركها القرباء ) . وخص الشراب من الحميم ~~من بين بقية أنواع العذاب المذكور من بعد للإشارة إلى أنهم يعطشون فلا ~~يشربون إلا ماء يزيدهم حرارة على حرارة العطش . # والباء في { بما كانوا يكفرون } للسببية ، و ms2651 ( ما ) مصدرية . # وزيد فعل ( كان ) ليدل على تمكن الكفر منهم واستمرارهم عليه لأن فعل مادة ~~الكون تدل على الوجود ، فالإخبار به عن شيء مخبر عنه بغيره أو موصوف بغيره ~~لا يفيد فائدة الأوصاف سوى أنه أفاد الوجود في الزمن الماضي ، وذلك مستعمل ~~في التمكن . # # | 2 ( 71 ) { قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على ~~أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذى استهوته الشياطين فى الارض حيران له أصحاب ~~يدعونه إلى الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين ~~} . ) 2 # استئناف ابتدائي لتأييس المشركين من ارتداد بعض المسلمين عن الدين ، فقد ~~كان المشركون يحاولون ارتداد بعض قرابتهم أو من لهم به صلة . كما ورد في ~~خبر سعيد بن زيد وما لقي من عمر بن الخطاب . وقد روي أن عبد الرحمن بن أبي ~~بكر الصديق دعا أباه إلى عبادة الأصنام ، وأن الآية نزلت في ذلك ، ومعنى ~~ذلك أن الآية نزلت PageV07P299 مشيرة إلى ذلك وغيره وإلا فإن سورة الأنعام ~~نزلت جملة واحدة . وحاول المشركون صرف النبي صلى الله عليه وسلم عن الدعوة ~~إلى الإسلام وهم يرضونه بما أحب كما ورد في خبر أبي طالب . # والاستفهام إنكار وتأييس ، وجيء بنون المتكلم ومعه غيره لأن الكلام من ~~الرسول صلى الله عليه وسلم عن نفسه وعن المسلمين كلهم . و { من دون الله } ~~متعلق ب { ندعوا } . والمراد بما لا ينفع ولا يضر الأصنام ، فإنها حجارة ~~مشاهد عدم نفعها وعجزها عن الضر ، ولو كانت تستطيع الضر لأضرت بالمسلمين ~~لأنهم خلعوا عبادتها وسفهوا أتباعها وأعلنوا حقارتها ، فلما جعلوا عدم ~~النفع ولا الضر علة لنفي عبادة الأصنام فقد كنوا بذلك عن عبادتهم النافع ~~الضار وهو الله سبحانه . # وقوله : { ونرد على أعقابنا } عطف على { ندعوا } فهو داخل في حيز الإنكار ~~. والرد : الإرجاع إلى المكان الذي يؤتى منه ، كقوله تعالى : { ردوها علي } ~~( ص : 33 ) . # والأعقاب جمع عقب وهي مؤخر القدم . وعقب كل شيء طرفه وآخره ويقال : رجع ~~على عقبه وعلى عقبيه ونكص على عقبيه بمعنى ms2652 رجع إلى المكان الذي جاء منه ~~لأنه كان جاعلا إياه وراءه فرجع . # وحرف ( على ) فيه للاستعلاء ، أي رجع على طريق جهة عقبه ، كما يقال : رجع ~~وراءه ، ثم استعمل تمثيلا شائعا في التلبس بحالة ذميمة كان فارقها صاحبها ~~ثم عاد إليها وتلبس بها ، وذلك أن الخارج إلى سفر أو حاجة فإنما يمشي إلى ~~غرض يريده فهو يمشي القدمية فإذا رجع قبل الوصول إلى غرضه فقد أضاع مشيه ؛ ~~فيمثل حاله بحال من رجع على عقبيه . وفي الحديث : ( اللهم أمض لأصحابي ~~هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم ) . فكذلك في الآية هو تمثيل لحال المرتد إلى ~~الشرك بعد أن أسلم بحال من خرج في مهم فرجع على عقبيه ولم يقض ما خرج له . ~~وهذا أبلغ في تمثيل سوء الحالة من أن يقال : ونرجع إلى الكفر بعد الإيمان . # وقد أضيف ( بعد ) إلى { إذ هدانا } وكلاهما اسم زمان ، فإن ( بعد ) يدل ~~على PageV07P300 الزمان المتأخر عن شيء كقوله : { ومن بعد صلاة العشاء } ( ~~النور : 58 ) و ( إذا ) يدل على زمان معرف بشيء ، ف ( إذا ) اسم زمن متصرف ~~مراد به الزمان وليس مفعولا فيه . والمعنى بعد الزمن الذي هدانا الله فيه ، ~~ونظيره { ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا في سورة آل عمران ( 8 ) . # ارتقى في تمثيل حالهم لو فرض رجوعهم على أعقابهم بتمثيل آخر أدق ، بقوله ~~: { كالذي استهوته الشياطين في الأرض } ، وهو تمثيل بهيئة متخيلة مبنية على ~~اعتقاد المخاطبين في أحوال الممسوسين . فالكاف في موضع الحال من الضمير في ~~{ نرد على أعقابنا } ، أي حال كوننا مشبهين للذي استهوته الشياطين فهذه ~~الحال مؤكدة لما في { نرد على أعقابنا } من معنى التمثيل بالمرتد على ~~أعقابه . # والاستهواء استفعال ، أي طلب هوى المرء ومحبته ، أي استجلاب هوى المرء ~~إلى شيء يحاوله المستجلب . وقربه أبو علي الفارسي بمعنى همزة التعدية . ~~فقال : استهواه بمعنى أهواه مثل استزل بمعنى أزل . ووقع في ( الكشاف ) أنه ~~استفعال من هوى في الأرض إذا ذهب فيها ، ولا يعرف هذا المعنى من كلام أئمة ~~اللغة ولم يذكره هو في ( الأساس ) مع ms2653 كونه ذكر { كالذي استهوته الشياطين } ~~ولم ينبه على هذا من جاء بعده . # والعرب يقولون : استهوته الشياطين ، إذا اختطفت الجن عقله فسيرته كما ~~تريد . وذلك قريب من قولهم : سحرته ، وهم يعتقدون أن الغيلان هي سحرة الجن ~~، وتسمى السعالي أيضا ، واحدتها سعلاة ، ويقولون أيضا : استهامته الجن إذا ~~طلبت هيامه بطاعتها . # وقوله : { في الأرض } متعلق ب { استهوته } ، لأنه يتضمن معنى ذهبت به وضل ~~في الأرض . وذلك لأن الحالة التي تتوهمها العرب استهواء الجن يصاحبها ~~التوحش وذهاب المجنون على وجهه في الأرض راكبا رأسه لا ينتصح لأحد ، كما ~~وقع لكثير من PageV07P301 مجانينهم ومن يزعمون أن الجن اختطفتهم . ومن ~~أشهرهم عمرو بن عدي الأيادي اللخمي ابن أخت جذيمة بن مالك ملك الحيرة . ~~وجوز بعضهم أن يكون { في الأرض } متعلقا ب { حيران } ، وهو بعيد لعدم وجود ~~مقتض لتقديم المعمول . # و { حيران } حال من { الذي استهوته } ، وهو وصف من الحيرة ، وهي عدم ~~الاهتداء إلى السبيل . يقال : حار يحار إذ تاه في الأرض فلم يعلم الطريق . ~~وتطلق مجازا على التردد في الأمر بحيث لا يعلم مخرجه ، وانتصب { حيران } ~~على الحال من { الذي } . # وجملة : { له أصحاب } حال ثانية ، أي له رفقة معه حين أصابه استهواء الجن ~~. فجملة { يدعونه } صفة ل { أصحاب } . # والدعاء : القول الدال على طلب عمل من المخاطب . والهدى : ضد الضلال . أي ~~يدعونه إلى ما فيه هداه . وإيثار لفظ { الهدى } هنا لما فيه من المناسبة ~~للحالة المشبهة . ففي هذا اللفظ تجريد للتمثيلية كقوله تعالى : { فلما ~~أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم في سورة البقرة ( 17 ) . ولذلك كان لتعقيبه ~~بقوله : قل إن هدى الله هو الهدى } وقع بديع . وجوز في ( الكشاف ) أن يكون ~~الهدى مستعارا للطريق المستقيم . # وجملة : { ائتنا } بيان ل { يدعونه إلى الهدى } لأن الدعاء فيه معنى ~~القول . فصح أن يبين بما يقولونه إذا دعوه ، ولكونها بيانا فصلت عن التي ~~قبلها ، وإنما احتاج إلى بيان الدعاء إلى الهدى لتمكين التمثيل من ذهن ~~السامع ، لأن المجنون لا يخاطب بصريح المقصد فلا يدعى إلى الهدى بما يفهم ~~منه أنه ضال ms2654 لأن من خلق المجانين العناد والمكابرة ، فلذلك يدعونه بما يفهم ~~منه رغبتهم في صحبته ومحبتهم إياه ، فيقولون : ايتنا ، حتى إذا تمكنوا منه ~~أوثقوه وعادوا به إلى بيته . # وقد شبهت بهذا التمثيل العجيب حالة من فرض ارتداده إلى ضلالة الشرك بعد ~~هدى الإسلام لدعوة المشركين إياه وتركه أصحابه المسلمين الذين يصدونه عنه ، ~~بحال الذي فسد عقله باستهواء من الشياطين والجن ، فتاه في الأرض بعد أن كان ~~عاقلا عارفا بمسالكها ، وترك رفقته العقلاء يدعونه إلى موافقتهم ، وهذا ~~التركيب البديع PageV07P302 صالح للتفكيك بأن يشبه كل جزء من أجزاء الهيئة ~~المشبهة بجزء من أجزاء الهيئة المشبهة بها ، بأن يشبه الارتداد بعد الإيمان ~~بذهاب عقل المجنون ، ويشبه الكفر بالهيام في الأرض ، ويشبه المشركون الذين ~~دعوهم إلى الارتداد بالشياطين وتشبه دعوة الله الناس للإيمان ونزول ~~الملائكة بوحيه بالأصحاب الذين يدعون إلى الهدى . وعلى هذا التفسير يكون { ~~الذي } صادقا على غير معين ، فهو بمنزلة المعرف بلام الجنس . وروي عن ابن ~~عباس أن الآية نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق حين كان كافرا وكان ~~أبوه وأمه يدعوانه إلى الإسلام فيأبى ، وقد أسلم في صلح الحديبية وحسن ~~إسلامه . # $ 2 ( 72 ، 73 ) { وأن أقيموا الصلواة واتقوه وهو الذى & # 1764 إليه تحشرون * وهو الذى خلق السماوات والارض بالحق ويوم يقول كن ~~فيكون قوله الحق وله الملك يوم ينفخ فى الصور عالم الغيب والشهادة وهو ~~الحكيم الخبير } . ) 2 $ # جملة : { قل إن هدى الله هو الهدى } مستأنفة استئناف تكرير لما أمر أن ~~يقوله للمشركين حين يدعون المسلمين إلى الرجوع إلى ما كانوا عليه في ~~الجاهلية ، وقد روي أنهم قالوا للنبيء صلى الله عليه وسلم اعبد آلهتنا زمنا ~~ونعبد إلهك زمنا . وكانوا في خلال ذلك يزعمون أن دينهم هدى فلذلك خوطبوا ~~بصيغة القصر . وهي { إن هدى الله هو الهدى } فجيء بتعريف الجزأين ، وضمير ~~الفصل ، وحرف التوكيد ، فاجتمع في الجملة أربعة مؤكدات ، لأن القصر بمنزلة ~~مؤكدين إذ ليس القصر إلا تأكيدا على تأكيد ، وضمير الفصل تأكيد ، و ( إن ) ~~تأكيد ، فكانت مقتضى حال المشركين ms2655 المنكرين أن الإسلام هدى . # وتعريف المسند إليه بالإضافة للدلالة على الهدى الوارد من عند الله تعالى ~~، وهو الدين الموصى به ، وهو هنا الإسلام ، بقرينة قوله { بعد إذ هدانا ~~الله } . وقد وصف الإسلام بأنه PageV07P303 { هدى الله } في قوله تعالى : { ~~ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ~~في سورة البقرة ( 120 ) ، أي القرآن هو الهدى لا كتبهم . # وتعريف المسند بلام الجنس للدلالة على قصر جنس الهدى على دين الإسلام ، ~~كما هو الغالب في تعريف المسند بلام الجنس ، وهو قصر إضافي لأن السياق لرد ~~دعوة المشركين إياهم الرجوع إلى دينهم المتضمنة اعتقادهم أنه هدى ، فالقصر ~~للقلب إذ ليسوا على شيء من الهدى ، فلا يكون قصر الهدى على هدى القرآن ~~بمعنى الهدى الكامل ، بخلاف ما في سورة البقرة . # وجملة : وأمرنا لنسلم } عطف على المقول . وهذا مقابل قوله { قل إني نهيت ~~أن أعبد الذين تدعون من دون الله } ( الأنعام : 56 ) ، وقوله { قل أندعو من ~~دون الله } الآية . # واللام في { لنسلم } أصلها للتعليل وتنوسي منها معنى التعليل فصارت لمجرد ~~التأكيد . وهي اللام التي يكثر ورودها بعد مادة الأمر ومادة الإرادة . ~~وسماها بعضهم لام أن بفتح الهمزة وسكون النون قال الزجاج : العرب تقول : ~~أمرتك بأن تفعل وأمرتك أن تفعل وأمرتك لتفعل . فالباء للإلصاق ، وإذا ~~حذفوها فهي مقدرة مع ( أن ) . وأما أمرتك لتفعل ، فاللام للتعليل ، فقد ~~أخبر بالعلة التي لها وقع الأمر . يعني وأغنت العلة عن ذكر المعلل . وقيل : ~~اللام بمعنى الباء ، وقيل : زائدة ، وعلى كل تقدير ف ( أن ) مضرة بعدها ، ~~أي لأجل أن نسلم . والمعنى : وأمرنا بالإسلام ، أي أمرنا أن أسلموا . وتقدم ~~الكلام على هذه اللام عند قوله تعالى : { يريد الله ليبين لكم في سورة ~~النساء ( 26 ) . # واللام في قوله : لرب العالمين } متعلقة ب { نسلم } لأنه معنى تخلص له ، ~~قال : { فقل أسلمت وجهي لله } . وقد تقدم القول في معنى الإسلام عند قوله ~~تعالى : { إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين في سورة البقرة ( 131 ~~) . وفي ذكر اسم ms2656 الله تعالى بوصف الربوبية لجميع الخلق دون اسمه العلم ~~إشارة إلى تعليل الأمر وأحقيته . PageV07P304 # وقوله : وأن أقيموا الصلاة } إن جعلت ( أن ) فيه مصدرية على قول سيبويه ، ~~إذ يسوغ دخول ( أن ) المصدرية على فعل الأمر فتفيد الأمر والمصدرية معا لأن ~~صيغة الأمر لم يؤت بها عبثا ، فقول المعربين : إنه يتجرد عن الأمرية ، ~~مرادهم به أنه تجرد عن معنى فعل الأمر إلى معنى المصدرية فهو من عطف ~~المفردات . وهو إما عطف على { لنسلم } بتقدير حرف جر محذوف قبل ( أن ) وهو ~~الباء . وتقدير الحرف المحذوف يدل عليه معنى الكلام ، وإما عطف على معنى { ~~لنسلم } لأنه وقع في موقع بأن نسلم ، كما تقدم عن الزجاج . فالتقدير : ~~أمرنا بأن نسلم ، ثم عطف عليه { وأن أقيموا } أي وأمرنا بأن أقيموا ، ~~والعطف على معنى اللفظ وموقعه استعمال عربي ، كقوله تعالى : { لولا أخرتني ~~إلى أجل قريب فأصدق وأكن } ( المنافقون : 10 ) إذ المعنى إن تؤخرني أصدق ~~وأكن . # وإن جعلت ( أن ) فيه تفسيرية فهو من عطف الجمل . فيقدر قوله : { أمرنا ~~لنسلم } بأمرنا أن أسلموا لنسلم { وأن أقيموا الصلاة } ، أي لنقيم فيكون في ~~الكلام احتباك . # وأظهر من هذا أن تكون ( أن ) تفسيرية . وهي تفسير لما دلت عليه واو العطف ~~من تقدير العامل المعطوف عليه ، وهو { وأمرنا } ، فإن { أمرنا } فيه معنى ~~القول دون حروفه فناسب موقع ( أن ) التفسيرية . # وتقدم معنى إقامة الصلاة في صدر سورة البقرة ( 3 ) . # و { اتقوه } عطف على { أقيموا } ويجري فيه ما قرر في قوله { وأن أقيموا } ~~. والضمير المنصوب عائد إلى { رب العالمين } وهو من الكلام الذي أمروا ~~بمقتضاه بأن قال الله للمؤمنين : أسلموا لرب العالمين وأقيموا الصلاة ~~واتقوه . ويجوز أن يكون محكيا بالمعنى بأن قال الله : اتقون ، فحكي بما ~~يوافق كلام النبي المأمور بأن يقوله بقوله تعالى : { قل إن هدى الله هو ~~الهدى } ، كما في حكاية قول عيسى : { ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن ~~اعبدوا الله ربي وربكم } ( المائدة : 117 ) . PageV07P305 # وجمع قوله : { واتقوه } جميع أمور الدين ، وتخصيص إقامة الصلاة بالذكر ~~للاهتمام . # وجملة : { وهو الذي إليه تحشرون ms2657 } إما عطف على جملة { اتقوه } عطف الخبر ~~على الإنشاء فتكون من جملة المقول المأمور به بقوله : { قل إن هدى الله } ، ~~أي وقل لهم وهو الذي إليه تحشرون ، أو عطف على { قل } فيكون من غير المقول ~~. وفي هذا إثبات للحشر على منكريه وتذكير به للمؤمنين به تحريضا على إقامة ~~الصلاة والتقوى . # واشتملت جملة { وهو الذي إليه تحشرون } على عدة مؤكدات وهي : صيغة الحصر ~~بتعريف الجزأين ، وتقديم معمول { تحشرون } المفيد للتقوي لأن المقصود تحقيق ~~وقوع الحشر على من أنكره من المشركين وتحقيق الوعد والوعيد للمؤمنين ، ~~والحصر هنا حقيقي إذ هم لم ينكروا كون الحشر إلى الله وإنما أنكروا وقوع ~~الحشر ، فسلك في إثباته طريق الكناية بقصره على الله تعالى المستلزم وقوعه ~~وأنه لا يكون إلا إلى الله ، تعريضا بأن آلهتهم لا تغني عنهم شيئا . # وجملة : { وهو الذي خلق السماوات } عطف على { وهو الذي إليه تحشرون } ، ~~والقصر حقيقي إذ ليس ثم رد اعتقاد لأن المشركين يعترفون بأن الله هو الخالق ~~للأشياء التي في السماء والأرض كما قدمناه في أول السورة . فالمقصود ~~الاستدلال بالقصر على أنه هو المستحق للعبادة لأن الخلائق عبيده كقوله ~~تعالى : { أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون } ( النحل : 17 ) . # والباء من قوله : { بالحق } للملابسة ، والمجرور متعلق ب { خلق } أو في ~~موضع الحال من الضمير . # والحق في الأصل مصدر ( حق ) إذا ثبت ، ثم صار اسما للأمر الثاتب الذي لا ~~ينكر من إطلاق المصدر وإرادة اسم الفاعل مثل فلان عدل . والحق ضد الباطل . ~~فالباطل اسم لضد ما يسمى به الحق فيطلق الحق إطلاقا شائعا على الفعل أو ~~القول الذي هو عدل وإعطاء المستحق ما يستحقه ، وهو حينئذ مرادف العدل ~~ويقابله الباطل فيرادف الجور والظلم ، ويطلق الحق على الفعل أو القول ~~السديد الصالح البالغ حد الإتقان والصواب ، ويرادف الحكمة والحقيقة ، ~~ويقابله الباطل فيرادف العبث PageV07P306 واللعب . والحق في هذه الآية ~~بالمعنى الثاني ، كما في قوله تعالى : { ما خلقناهما إلا بالحق } ( الدخان ~~: 39 ) بعد قوله : { وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين } ( ~~الدخان : 38 ) وكقوله ms2658 : { ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت ~~هذا باطلا } ( آل عمران : 191 ) . فالله تعالى أخرج السماوات والأرض وما ~~فيهن من العدم إلى الوجود لحكم عظيمة وأودع في جميع المخلوقات قوى وخصائص ~~تصدر بسببها الآثار المخلوقة هي لها ورتبها على نظم عجيبة تحفظ أنواعها ~~وتبرز ما خلقت لأجله ، وأعظمها خلق الإنسان وخلق العقل فيه والعلم ، وفي ~~هذا تمهيد لإثبات الجزاء إذ لو أهملت أعمال المكلفين لكان ذلك نقصانا من ~~الحق الذي خلقت السماوات والأرض ملابسة له ، فعقب بقوله : { ويوم يقول كن ~~فيكون قوله الحق } . # وجملة : { ويوم يقول كن فيكون قوله الحق } معطوفة على التي قبلها لمناسبة ~~ملابسة الحق لأفعاله تعالى فبينت ملابسة الحق لأمره تعالى الدال عليه { ~~يقول } . والمراد ب { يوم يقول كن } يوم البعث ، لقوله بعده : { يوم ينفخ ~~في الصور } . # وقد أشكل نظم قوله : { ويوم يقول كن فيكون قوله الحق } ، وذهب فيه ~~المفسرون طرائق . والوجه أن قوله { ويوم يقول كن فيكون } ظرف وقع خبره ~~مقدما للاهتمام به ، والمبتدأ هو { قوله } ويكون { الحق } صفة للمتبدأ . ~~وأصل التركيب : وقوله الحق يوم يقول : كن فيكون . ونكتة الاهتمام بتقديم ~~الظرف الرد على المشركين المنكرين وقوع هذا التكوين بعد العدم . # ووصف القول بأنه الحق للرد على المشركين أيضا . وهذا القول هو عين المقول ~~لفعل { يقول كن } ، وحذف المقول له { كن } لظهوره من المقام ، أي يقول لغير ~~الموجود الكائن : كن . وقوله : { فيكون } اعتراض ، أي يقول لما أراد تكوينه ~~( كن ) فيوجد المقول له { كن } عقب أمر التكوين . # والمعنى أنه أنشأ خلق السماوات والأرض بالحق ، وأنه يعيد الخلق الذي بدأه ~~بقول حق ، فلا يخلو شيء من تكوينه الأول ولا من تكوينه الثاني عن الحق . ~~ويتضمن PageV07P307 أنه قول مستقبل ، وهو الخلق الثاني المقابل للخلق الأول ~~، ولذلك أتي بكلمة { يوم } للإشارة إلى أنه تكوين خاص مقدر له يوم معين . # وفي قوله : { قوله الحق } صيغة قصر للمبالغة ، أي هو الحق الكامل لأن ~~أقوال غيره وإن كان فيها كثير من الحق فهي معرضة للخطأ وما كان فيها غير ~~معرض للخطأ فهو ms2659 من وحي الله أو من نعمته بالعقل والإصابة ، فذلك اعتداد ~~بأنه راجع إلى فضل الله . ونظير هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه ~~: ( قولك الحق ووعدك الحق ) . # والمراد بالقول كل ما يدل على مراد الله تعالى وقضائه في يوم الحشر ، وهو ~~يوم يقول كن ، من أمر تكوين ، أو أمر ثواب ، أو عقاب ، أو خبر بما اكتسبه ~~الناس من صالح الأعمال وأضدادها ، فكل ذلك من قول الله في ذلك اليوم وهو حق ~~. وخص من بين الأقوال أمر التكوين لما اقتضاه التقديم من تخصيصه بالذكر كما ~~علمت . # وللمفسرين في إعراب هذه الآية وإقامة المعنى من ذلك مسالك أخرى غير جارية ~~على السبل الواضحة . # وقوله { وله الملك يوم ينفخ في الصور } جملة مستقلة وانتظامها كانتظام ~~جملة { ويوم يقول كن فيكون قوله الحق } إلا أن في تقديم المسند إليه على ~~المسند قصر المسند إليه على المسند ، أي الملك مقصور على الكون له لا لغيره ~~لرد ما عسى أن يطمع فيه المشركون من مشاركة أصنامهم يومئذ في التصرف ~~والقضاء . والمقصود من هذا الظرف تهويل ذلك اليوم . # والنفخ في الصور مثل ضرب للأمر التكويني بحياة الأموات الذي يعم سائر ~~الأموات ، فيحيون به ويحضرون للحشر كما يحضر الجيش بنفخ الأبواق ودق الطبول ~~. # والصور : البوق . وورد في الحديث : ( أن الملك الموكل بنفخ الصور هو ~~إسرافيل ، ولا يعلم كنه هذا النفخ إلا الله تعالى ) . ويوم النفخ في الصور ~~هو يوم يقول : كن فيكون ، ولكنه عبر عنه هنا ب { يوم ينفخ في الصور } ~~لإفادة هذا الحال العجيب ، ولأن اليوم لما جعل PageV07P308 ظرفا للقول عرف ~~بالإضافة إلى جملة { يقول كن فيكون } . ولما جعل اليوم ظرفا للملك ناسب أن ~~يعرف اليوم بما هو من شعار الملك والجند . # وقد انتصب { يوم ينفخ } على الظرفية ، والعامل فيه للاستقرار الذي في ~~قوله { وله الملك } . ويجوز أن يجعل بدلا من { يوم يقول كن فيكون } . ويجعل ~~{ وله الملك } عطفا على { قوله الحق } على أن الجميع جملة واحدة . # وعن ابن عباس : الصور هنا جمع صورة ، أي ms2660 ينفخ في صور الموجودات . # ولما انتهى المقصود من الإخبار عن شؤون من شأن الله تعالى أتبع بصفات ~~تشير إلى المحاسبة على كل جليل ودقيق ظاهر وباطن بقوله : { عالم الغيب ~~والشهادة } . وجاء أسلوب الكلام على طريقة حذف المخبر عنه في مقام تقدم ~~صفاته . فحذف المسند إليه في مثله تبع لطريقة الاستعمال في تعقيب الأخبار ~~بخبر أعظم منها يجعل فيه المخبر عنه مسندا إليه ويلتزم حذفه . وقد تقدم ~~بيانه عند قوله تعالى : { مقام إبراهيم في سورة آل عمران ( 97 ) ، فلذلك ~~قال هنا عالم الغيب } فحذف المسند إليه ثم لم يحذف المسند إليه في قوله : { ~~وهو الحكيم الخبير } . # والغيب : ما هو غائب . وقد تقدم بيانه عند قوله تعالى : { الذين يؤمنون ~~بالغيب في سورة البقرة ( 3 ) ، وعند قوله وعنده مفاتح الغيب في هذه السورة ~~( 59 ) . # والشهادة : ضد الغيب ، وهي الأمور التي يشاهدها الناس ويتوصلون إلى علمها ~~يقال : شهد ، بمعنى حضر ، وضده غاب ، ولا تخرج الموجودات عن الاتصاف بهذين ~~الوصفين ، فكأنه قيل : العالم بأحوال جميع الموجودات . والتعريف في الغيب ~~والشهادة } للاستغراق ، أي عالم كل غيب وكل شهادة . # وقوله : { وهو الحكيم الخبير } عطف على قوله : { عالم الغيب } . وصفة { ~~الحكيم } تجمع إتقان الصنع فتدل على عظم القدرة مع تعلق العلم بالمصنوعات . ~~وصفة { الخبير } تجمع العلم بالمعلومات ظاهرها وخفيها . فكانت الصفتان ~~PageV07P309 كالفذلكة لقوله : { وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق } ~~ولقوله { عالم الغيب والشهادة } . # $ 2 ( 74 ) { وإذ قال إبراهيم لابيه ءازر أتتخذ أصناما ءالهة إنى & # 1764 أراك وقومك فى ضلال مبين } . ) 2 $ # عطف على الجمل السابقة التي أولاها { وكذب به قومك وهو الحق } ( الأنعام ~~: 66 ) المشتملة على الحجج والمجادلة في شأن إثبات التوحيد وإبطال الشرك ، ~~فعقبت تلك الحجج بشاهد من أحوال الأنبياء بذكر مجادلة أول رسول أعلن ~~التوحيد وناظر في إبطال الشرك بالحجة الدامغة والمناظرة الساطعة ، ولأنها ~~أعدل حجة في تاريخ الدين إذ كانت مجادلة رسول لأبيه ولقومه ، وكانت أكبر ~~حجة على المشركين من العرب بأن أباهم لم يكن مشركا ولا مقرا للشرك في قومه ~~، وأعظم حجة للرسول صلى ms2661 الله عليه وسلم إذ جاءهم بالإقلاع عن الشرك . # والكلام في افتتاح القصة ب { إذ } بتقدير اذكر تقدم عند قوله تعالى : { ~~وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة في سورة البقرة ( 30 ) . # وآزر } ظاهر الآية أنه أبو إبراهيم . ولا شك أنه عرف عند العرب أن أبا ~~إبراهيم اسمه آزر فإن العرب كانوا معتنين بذكر إبراهيم عليه السلام ونسبه ~~وأبنائه . وليس من عادة القرآن التعرض لذكر أسماء غير الأنبياء فما ذكر ~~اسمه في هذه الآية إلا لقصد سنذكره . ولم يذكر هذا الاسم في غير هذه الآية ~~. والذي في كتب الإسرائيليين أن اسم أبي إبراهيم ( تارح ) بمثناة فوقية ~~فألف فراء مفتوحة فحاء مهملة . قال الزجاج : لا خلاف بين النسابين في أن ~~اسم أبي إبراهيم تارح . وتبعه محمد بن الحسن الجويني الشافعي في ( تفسير ~~النكت ) . وفي كلامهما نظر لأن الاختلاف المنفي إنما هو في أن آزر اسم لأبي ~~إبراهيم ولا يقتضي ذلك أنه ليس له اسم آخر بين قومه أو غيرهم أو في لغة ~~أخرى غير لغة قومه . ومثل ذلك كثير . وقد قيل : إن ( آزر ) وصف . ~~PageV07P310 قال الفخر : قيل معناه الهرم بلغة خوارزم ، وهي الفارسية ~~الأصلية . وقال ابن عطية عن الضحاك : ( آزر ) الشيخ . وعن الضحاك : أن اسم ~~أبي إبراهيم بلغة الفرس ( آزر ) . وقال ابن إسحاق ومقاتل والكلبي والضحاك : ~~اسم أبي إبراهيم تارح وآزر لقب له مثل يعقوب الملقب إسرائيل ، وقال مجاهد : ~~( آزر ) اسم الصنم الذي كان يعبده أبو إبراهيم فلقب به . وأظهر منه أن يقال ~~: أنه الصنم الذي كان أبو إبراهيم سادن بيته . # وعن سليمان التيمي والفراء : ( آزر ) كلمة سب في لغتهم بمعنى المعوج ، أي ~~عن طريق الخير . وهذا وهم لأنه يقتضي وقوع لفظ غير عربي ليس بعلم ولا بمعرب ~~في القرآن . فإن المعرب شرطه أن يكون لفظا غير علم نقله العرب إلى لغتهم . ~~وفي ( تفسير الفخر ) : أن من الوجوه أن يكون ( آزر ) عم إبراهيم وأطلق عليه ~~اسم الأب لأن العم قد يقال له : أب . ونسب هذا إلى محمد بن كعب القرظي ms2662 . ~~وهذا بعيد لا ينبغي المصير إليه فقد تكرر في القرآن ذكر هذه المجادلة مع ~~أبيه ، فيبعد أن يكون المراد أنه عمه في تلك الآيات كلها . # قال الفخر : وقالت الشيعة : لا يكون أحد من آباء رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأجداده كافرا . وأنكروا أن ( آزر ) أب لإبراهيم وإنما كان عمه . وأما ~~أصحابنا فلم يلتزموا ذلك . قلت : هو كما قال الفخر من عدم التزام هذا وقد ~~بينت في ( رسالة ) لي في طهارة نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الكفر ~~لا ينافي خلوص النسب النبوي خلوصا جبليا لأن الخلوص المبحوث عنه هو الخلوص ~~مما يتعير به في العادة . # والذي يظهر لي أنه : أن ( تارح ) لقب في بلد غربة بلقب ( آزر ) باسم ~~البلد الذي جاء منه ، ففي ( معجم ياقوت ) آزر بفتح الزاي وبالراء ناحية بين ~~سوق الأهواز ورامهرمز . وفي الفصل الحادي عشر من سفر التكوين من التوراة أن ~~بلد تارح أبي إبراهيم هو ( أور الكلدانيين ) . وفي ( معجم ياقوت ) ( أور ) ~~بضم الهمزة وسكون الواو من أصقاع رامهرمز من خوزستان ) . ولعله هو أور ~~الكلدانيين أو جزء منه أضيف إلى سكانه . وفي سفر التكوين أن ( تارح ) خرج ~~هو وابنه إبراهيم من بلده أور الكلدانيين قاصدين أرض كنعان وأنهما مرا في ~~طريقهما ببلد ( حاران ) وأقاما هناك ومات تارح في PageV07P311 حاران . فلعل ~~أهل حاران دعوه آزر لأنه جاء من صقع آزر . وفي الفصل الثاني عشر من سفر ~~التكوين ما يدل على أن إبراهيم عليه السلام نبىء في حاران في حياة أبيه . # ولم يرد في التوراة ذكر للمحاورة بين إبراهيم وأبيه ولا بينه وبين قومه . # ولذا فالأظهر أن يكون { آزر } في الآية منادى وأنه مبني على الفتح . ~~ويؤيد ذلك قراءة يعقوب { آزر } مضموما . ويؤيده أيضا ما روي : أن ابن عباس ~~قرأه أإزر بهمزتين أولاهما مفتوحة والثانية مكسورة ، وروي : عنه أنه قرأه ~~بفتح الهمزتين وبهذا يكون ذكر اسمه حكاية لخطاب إبراهيم إياه خطاب غلظة ، ~~فذلك مقتضى ذكر اسمه العلم . # وقرأ الجمهور { آزر } بفتح الراء وقرأه يعقوب بضمها . واقتصر ms2663 المفسرون ~~على جعله في قراءة فتح الراء بيانا من { أبيه } ، وقد علمت أنه لا مقتضي له ~~. # والاستفهام في { أتتخذ أصناما آلهة } استفهام إنكار وتوبيخ . # والظاهر أن المحكي في هذه الآية موقف من مواقف إبراهيم مع أبيه ، وهو ~~موقف غلظة ، فيتعين أنه كان عندما أظهر أبوه تصلبا في الشرك . وهو ما كان ~~بعد أن قال له أبوه { لئن لم تنته لأرجمنك } ( مريم : 46 ) وهو غير الموقف ~~الذي خاطبه فيه بقوله : { يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر الآيات في ~~سورة مريم ( 42 ) . # وتتخذ } مضارع اتخذ ، وهو افتعال من الأخذ ، فصيغة الافتعال فيه دالة على ~~التكلف للمبالغة في تحصيل الفعل . قال أهل اللغة : قلبت الهمزة الأصلية تاء ~~لقصد الإدغام تخفيفا ولينوا الهمزة ثم اعتبروا التاء كالأصلية فربما قالوا ~~: تخذ بمعنى اتخذ ، وقد قرىء بالوجهين قوله تعالى : { لو شئت لاتخذت عليه ~~أجرا } ( الكهف : 77 ) و { لتخذت عليه أجرا فأصل فعل اتخذ أن يتعدى إلى ~~مفعول واحد وكان أصل المفعول الثاني حالا ، وقد وعدنا عند قوله تعالى : ~~قالوا أتتخذنا هزؤا في سورة البقرة ( 67 ) بأن نبين استعمال ( اتخذ ) ~~وتعديته في هذه السورة . ومعنى تتخذ هنا تصطفي وتختار ؛ فالمراد أتعبد ~~أصناما . PageV07P312 وفي فعل تتخذ } إشعار بأن ذلك شيء مصطنع مفتعل وأن ~~الأصنام ليست أهلا للإلهية . وفي ذلك تعريض بسخافة عقله أن يجعل إلهه شيئا ~~هو صنعه . # والأصنام جمع صنم ، والصنم الصورة التي تمثل شكل إنسان أو حيوان ، ~~والظاهر أن اعتبار كونه معبودا داخل في مفهوم اسم صنم كما تظافرت عليه ~~كلمات أهل اللغة فلا يطلق على كل صورة ، وفي ( شفاء الغليل ) : أن صنم معرب ~~عن ( شمن ) ، وهو الوثن ، أي مع قلب في بعض حروفه ، ولم يذكر اللغة المعرب ~~منها ، وعلى اعتبار كون العبادة داخلة في مفهوم الاسم يكون قوله { أصناما } ~~مفعول { تتخذ } على أن تتخذ متعد إلى مفعول واحد على أصل استعماله ومحل ~~الإنكار هو المفعول ، أي { أصناما } ، ويكون قوله { آلهة } حالا من { ~~أصناما } مؤكدة لمعنى صاحب الحال ، أو بدلا من { أصناما } . وهذا ms2664 الذي ~~يناسب تنكير { أصناما } لأنه لو كان مفعولا أول ل { تتخذ } لكان معرفا لأن ~~أصله المبتدأ . وعلى احتمال أن الصنم اسم للصورة سواء عبدت أم لم تعبد يكون ~~قوله { آلهة } مفعولا ثانيا ل { تتخذ } على أن { تتخذ } مضمن معنى تجعل ~~وتصير ، أي أتجعل صورا آلهة لك كقوله { أتعبدون ما تنحتون } ( الصافات : 95 ~~) . # وقد تضمن ما حكي من كلام إبراهيم لأبيه أنه أنكر عليه شيئين : أحدهما ~~جعله الصور آلهة مع أنها ظاهرة الانحطاط عن صفة الإلهية ، وثانيهما تعدد ~~الآلهة ولذلك جعل مفعولا { تتخذ } جمعين ، ولم يقل : أتتخذ الصنم إلها . # وجملة : { إني أراك وقومك في ضلال } مبينة للإنكار في جملة : { أتتخذ ~~أصناما آلهة } . وأكد الإخبار بحرف التأكيد لما يتضمنه ذلك الإخبار من كون ~~ضلالهم بينا ، وذلك مما ينكره المخاطب ؛ ولأن المخاطب لما لم يكن قد سمع ~~الإنكار عليه في اعتقاده قبل ذلك يحسب نفسه على هدى ولا يحسب أن أحدا ينكر ~~عليه ما هو فيه ، ويظن أن إنكار ابنه عليه لا يبلغ به إلى حد أن يراه وقومه ~~في ضلال مبين . فقد يتأوله بأنه رام منه ما هو أولى . PageV07P313 # والرؤية يجوز أن تكون بصرية قصد منها في كلام إبراهيم أن ضلال أبيه وقومه ~~صار كالشيء المشاهد لوضوحه في أحوال تقرباتهم للأصنام من الحجارة فهي حالة ~~مشاهد ما فيها من الضلال . وعليه فقوله : { في ضلال مبين } في موضع الحال . ~~ويجوز كون الرؤية علمية ، وقوله : { في ضلال مبين } في موضع المفعول الثاني ~~. # وفائدة عطف { وقومك } على ضمير المخاطب مع العلم بأن رؤيته أباه في ضلال ~~يقتضي أن يرى مماثليه في ضلال أيضا لأن المقام مقام صراحة لا يكتفي فيه ~~بدلالة الالتزام ولينبئه من أول وهلة على أن موافقة جمع عظيم إياه على ~~ضلاله لا تعصد دينه ولا تشكك من ينكر عليه ما هو فيه . و { مبين } اسم فاعل ~~من أبان بمعنى بان ، أي ظاهر . ووصف الضلال ب { مبين } نداء على قوة فساد ~~عقولهم حيث لم يتفطنوا لضلالهم مع أنه كالمشاهد المرئي . # ومباشرته إياه بهذا ms2665 القول الغليظ كانت في بعض مجادلاته لأبيه بعد أن تقدم ~~له بالدعوة بالرفق ، كما حكى الله عنه في موضع آخر { يا أبت لم تعبد ما لا ~~يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك ~~فاتبعني أهدك صراطا سويا إلى قوله سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي ~~حفيا } ( مريم : 42 47 ) . فلما رأى تصميمه على الكفر سلك معه الغلظة ~~استقصاء لأساليب الموعظة لعل بعضها أن يكون أنجع في نفس أبيه من بعض فإن ~~للنفوس مسالك ولمجال أنظارها ميادين متفاوتة ، ولذلك قال الله تعالى لرسوله ~~صلى الله عليه وسلم { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم ~~بالتي هي أحسن } ( النحل : 125 ) ، وقال له في موضع آخر { واغلظ عليهم } ( ~~التوبة : 73 ) . فحكى الله تعالى عن إبراهيم في هذه الآية بعض مواقفه مع ~~أبيه وليس في ذلك ما تنافي البرور به لأن المجاهرة بالحق دون سب ولا اعتداء ~~لا ينافي البرور . ولم يزل العلماء يخطئون أساتذتهم وأئمتهم وآباءهم في ~~المسائل العلمية بدون تنقيص . وقد قال أرسطاليس في اعتراض على أفلاطون : ~~أفلاطون صديق والحق صديق لكن الحق أصدق . PageV07P314 على أن مراتب بر ~~الوالدين متفاوتة في الشرائع . وقد قال أبناء يعقوب { تالله إنك لفي ضلالك ~~القديم } ( يوسف : 95 ) . # $ 2 ( 75 ) { وكذلك نرى & # 1764 إبراهيم ملكوت السماوات والارض وليكون من الموقنين } . ) 2 $ # عطف على جملة : { قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة } ( الأنعام : ~~74 ) . فالمعنى وإذ نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض إراءة لا إراءة أوضح ~~منها في جنسها والإشارة بقوله : { وكذلك } إلى الإراء المأخوذ من قوله { ~~نري إبراهيم } أي مثل ذلك الإراء العجيب نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ~~. وهذا على طريقة قوله تعالى : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } ( البقرة : 143 ~~) . وقد تقدم بيانه في سورة البقرة ، فاسم الإشارة في مثل هذا الاستعمال ~~يلازم الإفراد والتذكير لأنه جرى مجرى المثل . # وقوله : { وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض } إشارة إلى حجة ~~مستنبطة من دلالة أحوال الموجودات على وجود ms2666 صانعها . # والرؤية هنا مستعملة للانكشاف والمعرفة ، فالإراءة بمعنى الكشف والتعريف ~~، فتشمل المبصرات والمعقولات المستدل بجميعها على الحق وهي إراءة إلهام ~~وتوفيق ، كما في قوله تعالى : { أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض } ( ~~الأعراف : 185 ) ، فإبراهيم عليه السلام ابتدىء في أول أمره بالإلهام إلى ~~الحق كما ابتدىء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرؤية الصادقة . ويجوز أن ~~يكون المراد بالإراءة العلم بطريق الوحي . وقد حصلت هذه الإراءة في الماضي ~~فحكاها القرآن بصيغة المضارع لاستحضار تلك الإراءة العجيبة كما في قوله ~~تعالى : { الله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا } ( فاطر : 9 ) . # والملكوت اتفق أئمة اللغة على أنه مصدر كالرغبوت والرحموت والرهبوت ~~والجبروت . وقالوا : إن الواو والتاء فيه للمبالغة . وظاهره أن معناه الملك ~~بكسر الميم لأن مصدر ملك الملك بكسر الميم ولما كان فيه زيادة تفيد ~~المبالغة كان معناه الملك القوي الشديد . ولذلك فسره الزمخشري بالربوبية ~~والإلهية . PageV07P315 وفي ( اللسان ) : ملك الله وملكوته سلطانه ولفلان ~~ملكوت العراق ، أي سلطانه وملكه . وهذا يقتضي أنه مرادف للملك بضم الميم ~~وفي طبعة ( اللسان ) في بولاق رقمت على ميم ملكه ضمة . # وفي ( الإتقان ) عن عكرمة وابن عباس : أن الملكوت كلمة نبطية . فيظهر أن ~~صيغة ( فعلوت ) في جميع الموارد التي وردت فيها أنها من الصيغ الدخيلة في ~~اللغة العربية ، وأنها في النبطية دالة على المبالغة ، فنقلها العرب إلى ~~لغتهم لما فيها من خصوصية القوة . ويستخلص من هذا أن الملكوت يطلق مصدرا ~~للمبالغة في الملك ، وأن الملك ( بالضم ) لما كان ملكا ( بالكسر ) عظيما ~~يطلق عليه أيضا الملكوت . فأما في هذه الآية فهو مجاز على كلا الإطلاقين ~~لأنه من إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول ، وهو المملوك ، كالخلق على ~~المخلوق ، إما من الملك بكسر الميم أو من الملك بضمها . # وإضافة ملكوت السماوات والأرض على معنى ( في ) . والمعنى ما يشمله الملك ~~أو الملك ، والمراد ملك الله . والمعنى نكشف لإبراهيم دلائل مخلوقاتنا أو ~~عظمة سلطاننا كشفا يطلعه على حقائقها ومعرفة أن لا خالق ولا متصرف فيما ~~كشفنا له سوانا . # وعطف قوله : { وليكون من الموقنين } على ms2667 قوله : { وكذلك } لأن { وكذلك } ~~أفاد كون المشبه به تعليما فائقا . ففهم منه أن المشبه به علة لأمر مهم هو ~~من جنس المشبه به . فالتقدير : وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ~~إراء تبصير وفهم ليعلم علما على وفق لذلك التفهيم ، وهو العلم الكامل ~~وليكون من الموقنين . وقد تقدم بيان هذا عند تفسير قوله تعالى : { وكذلك ~~نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين في هذه السورة ( 56 ) . # والموقن هو العالم علما لا يقبل الشك ، وهو الإيقان . والمراد الإيقان في ~~معرفة الله تعالى وصفاته . وقوله : وليكون من الموقنين } أبلغ من أن يقال : ~~وليكون موقنا كما تقدم عند قوله تعالى : { قد ضللت إذن وما أنا من المهتدين ~~في هذه السورة ( 56 ) . # PageV07P316 $ 2 ( 76 79 ) فلما جن عليه اليل رأى كوكبا قال هاذا ربى ~~فلمآ أفل قال لا & # 1764 أحب الافلين * فلمآ رأى القمر بازغا قال هاذا ربى فلمآ أفل قال لئن ~~لم يهدنى ربى لاكونن من القوم الضآلين * فلما رأى الشمس بازغة قال هاذا ربى ~~هاذآ أكبر فلمآ أفلت قال ياقوم إنى برى & # 1764 ء مما تشركون * إنى وجهت وجهى للذى فطر السماوات والارض حنيفا ومآ ~~أنا من المشركين } . ) 2 $ # { فلما جن } تفريع على قوله : { وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ~~} ( الأنعام : 75 ) بقرينة قوله : { رأى كوكبا } فإن الكوكب من ملكوت ~~السماوات ، وقوله في المعطوف عليه { نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض } ( ~~الأنعام : 75 ) . فهذه الرؤية الخاصة التي اهتدى بها إلى طريق عجيب فيه ~~إبكات لقومه ملجىء إياهم للاعتراف بفساد معتقدهم ، هي فرع من تلك الإراءة ~~التي عمت ملكوت السماوات والأرض ، لأن العطف بالفاء يستدعي مزيد الاتصال ~~بين المعطوف والمعطوف عليه لما في معنى الفاء من التفريع والتسبب ، ولذلك ~~نعد جعل الزمخشري { فلما جن } عطفا على { قال إبراهيم لأبيه } ( الأنعام : ~~74 ) ، وجعله ما بينهما اعتراضا ، غير رشيق . # وقوله : { جن عليه الليل } أي أظلم الليل إظلاما على إبراهيم ، أي كان ~~إبراهيم محوطا بظلمة الليل ، وهو يقتضي أنه كان تحت السماء ولم يكن في بيت ~~. # ويؤخذ من قوله بعده ms2668 { قال يا قوم إني بريء مما تشركون } أنه كان سائرا مع ~~فريق من قومه يشاهدون الكواكب ، وقد كان قوم إبراهيم صابئين يعبدون الكواكب ~~ويصورون لها أصناما . وتلك ديانة الكلدانيين قوم إبراهيم . PageV07P317 # يقال : جنة الليل ، أي أخفاه ، وجنان الليل بفتح الجيم ، وجنه : ستره ~~الأشياء المرئية بظلامه الشديد . يقال : جنة الليل ، وهو الأصل . ويقال : ~~جن عليه الليل ، وهذا يقصد به المبالغة في الستر بالظلمة حتى صارت كأنها ~~غطاء ، ومع ذلك لم يسمع في كلامهم جن الليل قاصرا بمعنى أظلم . # وظاهر قوله : { رأى كوكبا } أنه حصلت له رؤية الكواكب عرضا من غير قصد ~~للتأمل وإلا فإن الأفق في الليل مملوء كواكب ، وأن الكواكب كان حين رآه ~~واضحا في السماء مشرقا بنوره ، وذلك أنور ما يكون في وسط السماء . فالظاهر ~~أنه رأى كوكبا من بينها شديد الضوء . فعن زيد بن علي أن الكوكب هو الزهرة . ~~وعن السدي أنه المشتري . ويجوز أن يكون نظر الكواكب فرأى كوكبا فيكون في ~~الكلام إيجاز حذف مثل { أنن اضرب بعصاك البحر فانفلق } ( الشعراء : 63 ) ، ~~أي فضرب فانفلق . وجملة { رأى كوكبا } جواب { لما } . والكوكب : النجم . # وجملة : { قال هذا ربي } مستأنفة استئنافا بيانيا جوابا لسؤال ينشأ عن ~~مضمون جملة { رأى كوكبا } وهو أن يسأل سائل : فماذا كان عندما رآه ، فيكون ~~قوله : { قال هذا ربي } جوبا لذلك . # واسم الإشارة هنا لقصد تمييز الكوكب من بين الكواكب ولكن إجراؤه على ~~نظيريه في قوله حين رأى القمر وحين رأى الشمس { هذا ربي هذا ربي } يعين أن ~~يكون القصد الأصلي منه هو الكناية بالإشارة عن كون المشار إليه أمرا مطلوبا ~~مبحوثا عنه فإذا عثر عليه أشير إليه ، وذلك كالإشارة في قوله تعالى : { لقد ~~لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث } ( الروم : 56 ) ، وقوله ~~: { قالت فذلكن الذي لمتنني فيه } ( يوسف : 32 ) ولم يقل فهو الذي لمتنني . ~~ولعل منه قوله : { هذه بضاعتنا ردت إلينا } ( يوسف : 65 ) إذ لم يقتصروا ~~على ( بضاعتنا ردت إلينا ) . وفي ( صحيح البخاري ) قال الأحنف بن قيس : ( ~~ذهبت لأنصر هذا الرجل ms2669 ) ( يعني علي بن أبي طالب ) ولم يتقدم له ذكر ، لأن ~~عليا وشأنه هو الجاري في خواطر الناس أيام صفين ، وسيأتي قوله تعالى : { ~~فإن يكفر بها هؤلاء } ( الأنعام : 89 ) يعني كفار قريش ، وفي حديث سؤال ~~القبر : ( فيقال له ما علمك PageV07P318 بهذا الرجل ) ( يعني الرسول صلى ~~الله عليه وسلم ، وهذا من الأغراض الداعية للتعريف باسم الإشارة التي ~~أهملها علماء البلاغة فيصح هنا أن يجعل مستعملا في معنييه الصريح والكناية ~~. # وتعريف الجزأين مفيد للقصر لأنه لم يقل : هذا رب . فدل على أن إبراهيم ~~عليه السلام أراد استدراج قومه فابتدأ بإظهار أنه لا يرى تعدد الآلهة ليصل ~~بهم إلى التوحد واستبقى واحدا من معبوداتهم ففرض استحقاقه الإلهية كيلا ~~ينفروا من الإصغاء إلى استدلاله . # وظاهر قوله { قال } إنه خاطب بذلك غيره ، لأن القول حقيقته الكلام ، ~~وإنما يساق الكلام إلى مخاطب . ولذلك كانت حقيقة القول هي ظاهر الآية من ~~لفظها ومن ترتيب نظمها إذ رتب قوله { فلما جن } على قوله : { وكذلك نري ~~إبراهيم ملكوت السماوات والأرض } ( الأنعام : 75 ) وقوله : { وليكون من ~~الموقنين } ( الأنعام : 75 ) ورتب ذلك كله على قوله : { وإذ قال إبراهيم ~~لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة } ( الأنعام : 74 ) الآية ، ولقوله تعالى : { ~~قال هذا ربي } وإنما يقوله لمخاطب ، ولقوله عقب ذلك { يا قوم إني بريء مما ~~تشركون } ، ولأنه اقتصر على إبطال كون الكواكب آلهة واستدل به على براءته ~~مما يشركون مع أنه لا يلزم من بطلان إلهية الكواكب بطلان إلهية أجرام أخرى ~~لولا أن ذلك هو مدعى قومه ؛ فدل ذلك كله على أن إبراهيم عليه السلام قال ~~ذلك على سبيل المجادلة لقومه وإرخاء العنان لهم ليصلوا إلى تلقي الحجة ولا ~~ينفروا من أول وهلة فيكون قد جمع جمعا من قومه وأراد الاستدلال عليهم . # وقوله : { هذا ربي } أي خالقي ومدبري فهو مستحق عبادتي . قاله على سبيل ~~الفرض جريا على معتقد قومه ليصل بهم إلى نقض اعتقادهم فأظهر أنه موافق لهم ~~ليهشوا إلى ذلك ثم يكر عليهم بالإبطال إظهارا للإنصاف وطلب الحق . ولا ~~يريبك في هذا أن صدور ms2670 ما ظاهره كفر على لسانه عليه السلام لأنه لما رأى أنه ~~ذلك طريق إلى إرشاد قومه وإنقاذهم من الكفر ، واجتهد فرآه أرجى للقبول ~~عندهم ساغ له التصريح به لقصد الوصول إلى الحق وهو لا يعتقده ، ولا يزيد ~~قوله هذا قومه كفرا ، كالذي يكره على أن PageV07P319 يقول كلمة الكفر وقلبه ~~مطمئن بالإيمان فإنه إذا جاز ذلك لحفظ نفس واحدة وإنقاذها من الهلاك كان ~~جوازه لإنقاذ فريق من الناس من الهلاك في الدنيا والآخرة أولى . وقد يكون ~~فعل ذلك بإذن من الله تعالى بالوحي . # وعلى هذا فالآية تقتضي أن قومه يعبدون الكواكب وأنهم على دين الصابئة وقد ~~كان ذلك الدين شائعا في بلدان الكلدان التي نشأ فيها إبراهيم عليه السلام ~~وأن الأصنام التي كانوا يعبدونها أرادوا بها أنها صور للكواكب وتماثيل لها ~~على حسب تخيلاتهم وأساطيرهم مثلما كان عليه اليونان القدماء ، ويحتمل أنهم ~~عبدوا الكواكب وعبدوا صورا أخرى على أنها دون الكواكب كما كان اليونان ~~يقسمون المعبودات إلى آلهة وأنصاف آلهة . على أن الصابئة يعتقدون أن ~~للكواكب روحانيات تخدمها . # وأفل النجم أفولا : غاب ، والأفول خاص بغياب النيرات السماوية ، يقال : ~~أفل النجم وأفلت الشمس ، وهو المغيب الذي يكون بغروب الكوكب وراء الأفق ~~بسبب الدورة اليومية للكرة الأرضية ، فلا يقال : أفلت الشمس أو أفل النجم ~~إذا احتجب بسحاب . # وقوله : { لا أحب } الحب فيه بمعنى الرضى والإرادة ، أي لا أرضى بالآفل ~~إلها ، أو لا أريد الآفل إلها . وقد علم أن متعلق المحبة هو إرادته إلها له ~~بقوله : { هذا ربي } . وإطلاق المحبة على الإرادة شائع في الكلام ، كقوله ~~تعالى : { فيه رجال يحبون أن يتطهروا } ( التوبة : 108 ) . وقدره في ( ~~الكشاف ) بحذف مضاف ، أي لا أحب عبادة الآفلين . # وجاء ب { الآفلين } بصيغة جمع الذكور العقلاء المختص بالعقلاء بناء على ~~اعتقاد قومه أن الكواكب عاقلة متصرفة في الأكوان ، ولا يكون الموجود معبودا ~~إلا وهو عالم . # ووجه الاستدلال بالأفوال على عدم استحقاق الإلهية أن الأفول مغيب وابتعاد ~~عن الناس ، وشأن الإله أن يكون دائم المراقبة لتدبير عباده فلما أفل النجم ms2671 ~~كان في حالة أفوله محجوبا عن الاطلاع على الناس ، وقد بنى هذا الاستدلال ~~على ما هو شائع عند القوم من كون أفول النجم مغيبا عن هذا العالم ، يعني أن ~~ما يغيب لا يستحق أن يتخذ إلها PageV07P320 لأنه لا يغني عن عباده فيما ~~يحتاجونه حين مغيبه . وليس الاستدلال منظورا فيه إلى التغير لأن قومه لم ~~يكونوا يعلمون الملازمة بين التغير وانتفاء صفة الإلهية ، ولأن الأفول ليس ~~بتغير في ذات الكوكب بل هو عرض للأبصار المشاهدة له ، أما الكوكب فهو باق ~~في فلكه ونظامه يغيب ويعود إلى الظهور وقوم إبراهيم يعلمون ذلك فلا يكون ~~ذلك مقنعا لهم . # ولأجل هذا احتج بحالة الأفول دون حالة البزوغ فإن البزوغ وإن كان طرأ بعد ~~أفول لكن الأفول السابق غير مشاهد لهم فكان الأفول أخصر في الاحتجاج من أن ~~يقول : إن هذا البازغ كان من قبل آفلا . # وقوله : { فلما رأى القمر بازغا } الخ عطف على جملة محذوفة دل عليها ~~الكلام . والتقدير : فطلع القمر فلما رآه بازغا ، فحذفت الجملة للإيجاز وهو ~~يقتضي أن القمر طلع بعد أفول الكوكب ، ولعله اختار لمحاجة قومه الوقت الذي ~~يغرب فيه الكوكب ويطلع القمر بقرب ذلك ، وأنه كان آخر الليل ليعقبهما طلوع ~~الشمس . وأظهر اسم { القمر } لأنه حذف معاد الضمير . والبازغ : الشارق في ~~ابتداء شروقه ، والبزوغ ابتداء الشروق . # وقوله { هذا ربي } أفاد بتعريف الجزأين أنه أكثر ضوءا من الكوكب فإذا كان ~~استحقاق الإلهية بسبب النور فالذي هو أشد نورا أولى بها من الأضعف . واسم ~~الإشارة مستعمل في معناه الكنائي خاصة وهو كون المشار إليه مطلوبا مبحوثا ~~عنه كما تقدم آنفا . # وقوله : { فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين } قصد ~~به تنبيه قومه للنظر في معرفة الرب الحق وأنه واحد ، وأن الكوكب والقمر ~~كليهما لا يستحقان ذلك مع أنه عرض في كلامه بأن له ربا يهديه وهم لا ينكرون ~~عليه ذلك لأنهم قائلون بعدة أرباب . وفي هذا تهيئة لنفوس قومه لما عزم عليه ~~من التصريح بأن له ربا غير ms2672 الكواكب . ثم عرض بقومه أنهم ضالون وهيأهم قبل ~~المصارحة للعلم بأنهم ضالون ، لأن قوله : { لأكونن من القوم الضالين } يدخل ~~على PageV07P321 نفوسهم الشك في معتقدهم أن يكون ضلالا ، ولأجل هذا التعريض ~~لم يقل : لأكونن ضالا ، وقال { لأكونن من القوم الضالين } ليشير إلى أن في ~~الناس قوما ضالين ، يعني قومه . # وإنما تريث إلى أفول القمر فاستدل به على انتفاء إلهيته ولم ينفها عنه ~~بمجرد رؤيته بازغا مع أن أفوله محقق بحسب المعتاد لأنه أراد أن يقيم ~~الاستدلال على أساس المشاهدة على ما هو المعروف في العقول لأن المشاهدة ~~أقوى . # وقوله : { فلما رأى الشمس بازغة } أي في الصباح بعد أن أفل القمر ، وذلك ~~في إحدى الليالي التي يغرب فيها القمر قبيل طلوع الشمس لأن الظاهر أن هذا ~~الاستدلال كله وقع في مجلس واحد . # وقوله للشمس { هذا ربي } باسم إشارة المذكر مع أن الشمس تجري مجرى المؤنث ~~لأنه اعتبرها ربا ، فروعي في الإشارة معنى الخبر ، فكأنه قال : هذا الجرم ~~الذي تدعونه الشمس تبين أنه هو ربي . وجملة { هذا ربي } جارية مجرى العلة ~~لجملة { هذا ربي } المقتضية نقض ربوبية الكوكب والقمر وحصر الربوبية في ~~الشمس ونفيها عن الكوكب والقمر ، ولذلك حذف المفضل عليه لظهوره ، أي هو ~~أكبر منهما ، يعني أن الأكبر الأكثر إضاءة أولى باستحقاق الإلهية . # وقوله : { قال يا قوم إني بريء مما تشركون } ، إقناع لهم بأن لا يحاولوا ~~موافقته إياهم على ضلالهم لأنه لما انتفى استحقاق الإلهية عن أعظم الكواكب ~~التي عبدوها فقد انتفى عما دونها بالأحرى . # والبريء فعيل بمعنى فاعل من برىء بكسر الراء لا غير يبرأ بفتح الراء لا ~~غير بمعنى تفصى وتنزه ونفى المخالطة بينه وبين المجرور ب ( من ) . ومنه { ~~أن الله بريء من المشركين } ( التوبة : 3 ) ، { فبرأه الله مما قالوا } ( ~~الأحزاب : 69 ) ، { وما أبرىء نفسي } ( يوسف : 53 ) . فمعنى قوله { بريء } ~~هنا أنه لا صلة بينه وبين ما يشركون . والصلة في هذا المقام هي العبادة إن ~~كان ما يشركون مرادا به الأصنام ، أو هي التلبس والاتباع إن كان ما يشركون ~~بمعنى ms2673 الشرك . PageV07P322 # والأظهر أن ( ما ) في قوله { ما تشركون } موصولة وأن العائد محذوف لأجل ~~الفاصلة ، أي ما تشركون به ، كما سيأتي في قوله : { ولا أخاف ما تشركون به ~~} ( الأنعام : 80 ) لأن الغالب في فعل البراءة أن يتعلق بالذوات ، ولئلا ~~يتكرر مع قوله بعده { وما أنا من المشركين } . ويجوز أن تكون ( ما ) مصدرية ~~، أي من إشراككم ، أي لا أتقلده . # وتسميته عبادتهم الأصنام إشراكا لأن قومه كانوا يعترفون بالله ويشركون ~~معه في الإلهية غيره كما كان إشراك العرب وهو ظاهر أي القرآن حيث ورد فيها ~~الاحتجاج عليهم بخالق السماوات والأرض ، وهو المناسب لضرب المثل لمشركي ~~العرب بشأن إبراهيم وقومه ، ولقوله الآتي { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم ~~بظلم } ( الأنعام : 82 ) . # وجملة { إني وجهت وجهي } بمنزلة بدل الاشتمال من جملة { إني بريء مما ~~تشركون } ، لأن البراءة من الإشراك تشتمل على توجيه الوجه إلى الله ، وهو ~~إفراده بالعبادة . والوجه في قوله : { وجهي } . و { وجهت } مشتق من الجهة ~~والوجهة ، أي صرفته إلى جهة ، أي جعلت كذا جهة له يقصدها . يقال : وجهه ~~فتوجه إلى كذا إذا ذهب إليه . ويقال للمكان المقصود وجهة بكسر الواو ، ~~وكأنهم صاغوه على زنة الهيئة من الوجه لأن القاصد إلى مكان يقصده من نحو ~~وجهه ، وفعلوه على زنة الفعلة بكسر الفاء لأن قاصد المكان بوجهه تحصل هيئة ~~في وجهه وهي هيئة العزم وتحديق النظر . فمعنى { وجهت وجهي } صرفته وأدرته . ~~وهذا تمثيل : شبهت حالة إعراضه عن الأصنام وقصده إلى إفراد الله تعالى ~~بالعبادة بمن استقبل بوجهه شيئا وقصده وانصرف عن غيره . # وأتي بالموصول في قوله : { للذي فطر السماوات والأرض } ليومىء إلى علة ~~توجهه إلى عبادته ، لأن الكواكب من موجودات السماء ، والأصنام من موجودات ~~الأرض فهي مفطورة لله تعالى . # وفعل ( وجه ) يتعدى إلى المكان المقصود بإلى ، وقد يتعدى باللام إذا أريد ~~أنه انصرف لأجل ذلك الشيء ، فيحسن ذلك إذا كان الشيء المقصود مراعى إرضاؤه ~~PageV07P323 وطاعته كما تقول : توجهت للحبيب ، ولذلك اختير تعديه هنا ~~باللام ، لأن في هذا التوجه إرضاء وطاعة . # وفطر : خلق ، وأصل الفطر الشق . يقال ms2674 فطر فطورا إذا شق قال تعالى { فارجع ~~البصر هل ترى من فطور } ( الملك : 3 ) أي اختلال ، شبه الخلق بصناعة الجلد ~~ونحوه ، فإن الصانع يشق الشيء قبل أن يصنعه ، وهذا كما يقال : الفتق والفلق ~~، فأطلق الفطر على إيجاد الشيء وإبداعه على هيئة تؤهل للفعل . # و { حنيفا } حال من ضمير المتكلم في { وجهت } . وتقدم بيان ذلك عند قوله ~~تعالى : { قل بل ملة إبراهيم حنيفا في سورة البقرة ( 135 ) . # وجملة : وما أنا من المشركين } عطف على الحال ، نفى عن نفسه أن يكون ~~متصلا بالمشركين وفي عدادهم . # فلما تبرأ من أصنامهم تبرأ من القوم ، وقد جمعهما أيضا في سورة الممتحنة ~~( 4 ) إذ قال { إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله } . # وأفادت جملة { وما أنا من المشركين } تأكيدا لجملة { إني وجهت وجهي للذي ~~فطر السماوات والأرض حنيفا } ، وإنما عطفت لأنها قصد منها التبرىء من أن ~~يكون من المشركين . # وهذا قد جرينا فيه على أن قول إبراهيم لما رأى النيرات { هذا ربي } هو ~~مناظرة لقومه واستدراج لهم ، وأنه كان موقنا بنفي إلهيتها ، وهو المناسب ~~لصفة النبوءة أن يكون أوحى إليه ببطلان الإشراك وبالحجج التي احتج بها على ~~قومه . ومن المفسرين من قال : إن كلامه ذلك كان نظرا واستدلالا في نفسه ~~لقوله : { لئن لم يهدني ربي } ، فإنه يشعر بأنه في ضلال لأنه طلب هداية ~~بصيغة الاستقبال أي لأجل أداة الشرط ، وليس هذا بمتعين لأنه قد يقوله ~~لتنبيه قومه إلى أن لهم ربا بيده الهداية ، كما بيناه في موضعه ، فيكون ~~كلامه مستعملا في التعريض . على أنه قد يكون أيضا مرادا به الدوام على ~~الهداية والزيادة فيها ، على أنه قد يكون أراد الهداية إلى إقامة الحجة حتى ~~لا يتغلب عليه قومه . PageV07P324 # فإذا بنينا على أن ذلك كان استدلالا في نفسه قبل الجزم بالتوحيد فإن ذلك ~~كان بإلهام من الله تعالى ، فيكون قوله : { وكذلك نري إبراهيم ملكوت ~~السماوات والأرض } ( الأنعام : 75 ) معناه نريه ما فيها من الدلائل على ~~وجود الصانع ووحدانيته قبل أن نوحي إليه ، ويكون قوله : { رأى كوكبا ms2675 } ~~بمعنى نظر في السماء فرأى هذا الكوكب ولم يكن نظر في ذلك من قبل ، ويكون ~~قوله : { قال هذا ربي } قولا في نفسه على نحو ما يتحدث به المفكر في نفسه ، ~~وهو حديث النفس ، كقول النابغة في كلب صيد : # قالت له النفس إني لا أرى طمعا # وإن مولاك لم يسلم ولم يصد # وقول العجاج في ثور وحشي : # ثم انثنى وقال في التفكير # إن الحياة اليوم في الكرور # وقوله : { هذا ربي } وقوله : { لا أحب الآفلين ، } وقوله : { لئن لم ~~يهدني ربي } كل ذلك مستعمل في حقائقه من الإعتقاد الحقيقي . وقوله : { قال ~~يا قوم } هو ابتداء خطابه لقومه بعد أن ظهر الحق له فأعلن بمخالفته قومه ~~حينئذ . # $ 2 ( 80 ) { وحآجه قومه قال أتحاجو & # 1764 نى فى الله وقد هدانى ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشآء ربى شيئا ~~وسع ربى كل شىء علما أفلا تتذكرون } . ) 2 $ # لما أعلن إبراهيم عليه السلام معتقده لقومه أخذوا في محاجته ، فجملة { ~~وحاجة } عطف على جملة { إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض } ( ~~الأنعام : 79 ) . وعطفت الجملة بالواو دون الفاء لتكون مستقلة بالإخبار ~~بمضمونها مع أن تفرع مضمونها على ما قبلها معلوم من سياق الكلام . ~~PageV07P325 # والمحاجة مفاعلة متصرفة من الحجة ، وهي الدليل المؤيد للدعوى . ولا يعرف ~~لهذه المفاعلة فعل مجرد بمعنى استدل بحجة ، وإنما المعروف فعل حج إذا غلب ~~في الحجة ، فإن كانت احتجاجا من الجانبين فهي حقيقة وهو الأصل ، وإن كانت ~~من جانب واحد باعتبار أن محاول الغلب في الحجة لا بد أن يتلقى من خصمه ما ~~يرد احتجاجه فتحصل المحاولة من الجانبين ، فبذلك الاعتبار أطلق على ~~الاحتجاج محاجة ، أو المفاعلة فيه للمبالغة . والأولى حملها هنا على ~~الحقيقة بأن يكون المعنى حصول محاجة بينهم وبين إبراهيم . # وذكر الشيخ ابن عرفة في درس تفسيره : أن صيغة المفاعلة تقتضي أن المجعول ~~فيها فاعلا هو البادىء بالمحاجة ، وأن بعض العلماء استشكل قوله تعالى في ~~سورة البقرة ( 258 ) { ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه حيث قال : إذ ~~قال إبراهيم ms2676 ربي الذي يحيي ويميت } ( البقرة : 258 ) . فبدأ بكلام إبراهيم ~~وهو مفعول الفعل وأجاب بأن إبراهيم بدأ بالمقاولة ونمروذ بدأ المحاجة . ولم ~~يذكر أئمة اللغة هذا القيد في استعمال صيغة المفاعلة . ويجوز أن يكون ~~المراد هنا أنهم سلكوا معه طريق الحجة على صحة دينهم أو على إبطال معتقده ~~وهو يسمع ، فجعل سماعه كلامهم بمنزلة جواب منه فأطلق على ذلك كلمة المحاجة ~~. وأبهم احتجاجهم هنا إذ لا يتعلق به غرض لأن الغرض هو الاعتبار بثبات ~~إبراهيم على الحق . وحذف متعلق { حاجة } لدلالة المقام ، ودلالة ما بعده ~~عليه من قوله : { أتحاجوني في الله } الآيات . # وقد ذكرت حججهم في مواضع في القرآن ، منها قوله في سورة الأنبياء ( 52 56 ~~) { إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون قالوا وجدنا ~~آباءنا لها عابدين إلى قوله وأنا على ذلكم من الشاهدين ، وقوله في سورة ~~الشعراء ( 72 ، 73 ) قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون الآيات ~~، وفي سورة الصافات ( 85 98 ) إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون أئفكا آلهة ~~دون الله تريدون إلى قوله فجعلناهم الأسفلين وكلها محاجة حقيقية ، ويدخل في ~~المحاجة ما ليس PageV07P326 بحجة ولكنه مما يرونه حججا بأن خوفوه غضب ~~آلهتهم ، كما يدل عليه قوله : ولا أخاف ما تشركون به } الآية . والتقدير : ~~وحاجه قومه فقالوا : كيت وكيت . # وجملة { قال أتحاجوني في الله } جواب محاجتهم ، ولذلك فصلت ، على طريقة ~~المحاورات كما قدمناه في قوله تعالى : { وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في ~~الأرض خليفة في سورة البقرة ( 30 ) ، فإن كانت المحاجة على حقيقة المفاعلة ~~فقوله أتحاجوني } غلق لباب المجادلة وختم لها ، وإن كانت المحاجة مستعملة ~~في الاحتجاج فقوله : { أتحاجوني } جواب لمحاجتهم ، فيكون كقوله تعالى : { ~~فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله } ( آل عمران : 20 ) . والاستفهام إنكار ~~عليهم وتأييس من رجوعه إلى معتقدهم . # و { في } للظرفية المجازية متعلقة ب { تحاجوني } ودخولها على اسم الجلالة ~~على تقدير مضاف ، لأن المحاجة لا تكون في الذوات ، فتعين تقدير ما يصلح له ~~المقام وهو صفات الله الدالة ms2677 على أنه واحد ، أي في توحيد الله وهذا كقوله ~~تعالى : { يجادلنا في قوم لوط } ( هود : 74 ) أي في استئصالهم . # وجملة { وقد هدان } حال مؤكدة للإنكار ، أي لا جدوى لمحاجتكم إياي بعد أن ~~هداني الله إلى الحق ، وشأن الحال المؤكدة للإنكار أن يكون اتصاف صاحبها ~~بها معروفا عند المخاطب . فالظاهر أن إبراهيم نزلهم في خطابه منزلة من يعلم ~~أن الله هداه كناية على ظهور دلائل الهداية . # وقرأ نافع ، وابن عامر ، وأبو جعفر { أتحاجوني } بنون واحدة خفيفة وأصله ~~أتحاجونني بنونين فحذفت إحداهما للتخفيف ، والمحذوفة هي الثانية التي هي ~~نون الوقاية على مختار أبي علي الفارسي . قال : لأن الأولى نون الإعراب ~~وأما الثانية فهي موطئة لياء المتكلم فيجوز حذفها تخفيفا ، كما قالوا : ~~ليتي في ليتني . وذهب سيبويه أن المحذوفة هي الأولى لأن الثانية جلبت لتحمل ~~الكسرة المناسبة للياء ونون الرفع لا تكون مكسورة ، وأيا ما كان فهذا الحذف ~~مستعمل لقصد التخفيف . PageV07P327 وعن أبي عمرو بن العلاء : أن هذه ~~القراءة لحن ، فإن صح ذلك عنه فهو مخطىء في زعمه ، أو أخطأ من عزاه إليه . ~~وقرأه البقية بتشديد النون لإدغام نون الرفع في نون الوقاية لقصد التخفيف ~~أيضا ، ولذلك تمد الواو لتكون المدة فاصلة بين التقاء الساكنين ، لأن المدة ~~خفة وهذا الالتقاء هو الذي يدعونه التقاء الساكنين على حده . # وحذفت ياء المتكلم في قوله { وقد هدان } للتخفيف وصلا ووقفا في قراءة ~~نافع من رواية قالون ، وفي الوقف فقط في قراءة بعض العشرة . وقد تقدم في ~~قوله تعالى : { أجيب دعوة الداعي إذا دعان } ( البقرة : 186 ) . # وقوله : { ولا أخاف ما تشركون به } معطوف على { أتحاجوني } فتكون إخبارا ~~، أو على جملة { وقد هدان } فتكون تأكيدا للإنكار . وتأكيد الإنكار بها ~~أظهر منه لقوله { وقد هدان } لأن عدم خوفه من آلهتهم قد ظهرت دلائله عليه . ~~فقومه إما عالمون به أو منزلون منزلة العالم ، كما تقدم في قوله : { وقد ~~هدان } وهو يؤذن بأنهم حاجوه في التوحيد وخوفوه بطش آلهتهم ومسهم إياه بسوء ~~، إذ لا مناسبة بين إنكار محاجتهم إياه وبين نفي ms2678 خوفه من آلهتهم ، ولا بين ~~هدى الله إياه وبين نفي خوفه آلهتهم ، فتعين أنهم خوفوه مكر آلهتهم . ونظير ~~ذلك ما حكاه الله عن قوم هود { إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء } ( هود ~~: 54 ) . # و ( ما ) من قوله : { ما تشركون به } موصولة ماصدقها آلهتهم التي جعلوها ~~شركاء لله في الإلهية . والضمير في قوله { به } يجوز أن يكون عائدا على اسم ~~الجلالة فتكون الباء لتعدية فعل { تشركون } ، وأن يكون عائدا إلى ( ما ) ~~الموصولة فتكون الباء سببية ، أي الأصنام التي بسببها أشركتم . # وقوله : { إلا أن يشاء ربي شيئا } استثناء مما قبله وقد جعله ابن عطية ~~استثناء منقطعا بمعنى لكن . وهو ظاهر كلام الطبري ، وهو الأظهر فإنه لما ~~نفى أن يكون يخاف إضرار آلهتهم وكان ذلك قد يتوهم منه السامعون أنه لا يخاف ~~شيئا PageV07P328 استدرك عليه بما دل عليه الاستثناء المنقطع ، أي لكن أخاف ~~مشيئة ربي شيئا مما أخافه ، فذلك أخافه . وفي هذا الاستدراك زيادة نكاية ~~لقومه إذ كان لا يخاف آلهتهم في حين أنه يخشى ربه المستحق للخشية إن كان ~~قومه لا يعترفون برب غير آلهتهم على أحد الاحتمالين المتقدمين . # وجعل الزمخشري ومتابعوه الاستثناء متصلا مفرغا عن مستثنى منه محذوف دل ~~عليه الكلام ، فقدره الزمخشري من أوقات ، أي لا أخاف ما تشركون به أبدا ، ~~لأن الفعل المضارع المنفي يتعلق بالمستقبل على وجه عموم الأزمنة لأنه ~~كالنكرة المنفية ، أي إلا وقت مشيئة ربي شيئا أخافه من شركائكم ، أي بأن ~~يسلط ربي بعضها علي فذلك من قدرة ربي بواسطتها لا من قدرتها علي . وجوز أبو ~~البقاء أن يكون المستثنى منه أحوالا عامة ، أي إلا حال مشيئة ربي شيئا ~~أخافه منها . # وجملة : { وسع ربي كل شيء علما } استئناف بياني لأنه قد يختلج في نفوسهم ~~: كيف يشاء ربك شيئا تخافه وأنت تزعم أنك قائم بمرضاته ومؤيد لدينه فما هذا ~~إلا شك في أمرك ، فلذلك فصلت ، أي إنما لم آمن إرادة الله بي ضرا وإن كنت ~~عبده وناصر دينه لأنه أعلم بحكمة إلحاق الضر . أو النفع بمن ms2679 يشاء من عباده ~~. وهذا مقام أدب مع الله تعالى { فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون } ( ~~الأعراف : 99 ) . # وجملة { أفلا تتذكرون } معطوفة على جملة { أتحاجوني في الله وقد هدان } . ~~وقدمت همزة الاستفهام على فاء العطف . # والاستفهام إنكار لعدم تذكرهم مع وضوح دلائل التذكر . والمراد التذكر في ~~صفات آلهتهم المنافية لمقام الإلهية ، وفي صفات الإله الحق التي دلت عليها ~~مصنوعاته . # # | 2 ( 81 ) { وكيف أخاف مآ أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم PageV07P329 ~~بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأى الفريقين أحق بالامن إن كنتم تعلمون ~~} . ) 2 # عطفت جملة { وكيف أخاف } على جملة : { ولا أخاف ما تشركون به } ( الأنعام ~~: 80 ) ليبين لهم أن عدم خوفه من آلهتهم أقل عجبا من عدم خوفهم من الله ~~تعالى ، وهذا يؤذن بأن قومه كانوا يعرفون الله وأنهم أشركوا معه في الإلهية ~~غيره فلذلك احتج عليهم بأنهم أشركوا بربهم المعترف به دون أن ينزل عليهم ~~سلطانا بذلك . # و { كيف } استفهام إنكاري ، لأنهم دعوه إلى أن يخاف بأس الآلهة فأنكر هو ~~عليهم ذلك وقلب عليهم الحجة ، فأنكر عليهم أنهم لم يخافوا الله حين أشركوا ~~به غيره بدون دليل نصبه لهم فجمعت ( كيف ) الإنكار على الأمرين . # قالوا وفي قوله : { ولا تخافون أنكم أشركتم } يجوز أن تكون عاطفة على ~~جملة : { أخاف ما أشركتم } فيدخل كلتاهما في حكم الإنكار ، فخوفه من آلهتهم ~~منكر ، وعدم خوفهم من الله منكر . # ويجوز أن تكون الواو للحال فيكون محل الإنكار هو دعوتهم إياه إلى الخوف ~~من آلهتهم في حال إعراضهم عن الخوف ممن هو أعظم سلطانا وأشد بطشا ، فتفيد ( ~~كيف ) مع الإنكار معنى التعجيب على نحو قوله تعالى : { أتأمرون الناس بالبر ~~وتنسون أنفسكم } ( البقرة : 44 ) . ولا يقتضي ذلك أن تخويفهم إياه من ~~أصنامهم لا ينكر عليهم إلا في حال إعراضهم عن الخوف من الله لأن المقصود ~~على هذا إنكار تحميق ومقابلة حال بحال ، لا بيان ما هو منكر وما ليس بمنكر ~~، بقرينة قوله في آخره { فأي الفريقين أحق بالأمن } . وهذا الوجه أبلغ . # و { وما أشركتم } موصولة ms2680 والعائد محذوف ، أي ما أشركتم به . حذف لدلالة ~~قوله : { ولا أخاف ما تشركون به } ( الأنعام : ) عليه ، والموصول في محل ~~المفعول ( به ) ، ل { ما أشركتم } . PageV07P330 # وفي قوله : { أنكم أشركتم } حذفت ( من ) المتعلقة ب { تخافون } لاطراد ~~حذف الجار مع ( أن ) ، أي من إشراككم ، ولم يقل : ولا تخافون الله ، لأن ~~القوم كانوا يعرفون الله ويخافونه ولكنهم لم يخافوا الإشراك به . { وما لم ~~ينزل به عليكم سلطانا } موصول مع صلته مفعول { أنكم أشركتم } . # ومعنى { لم ينزل به عليكم } لم يخبركم بإلهية الأصنام التي عبدتموها ولم ~~يأمركم بعبادتها خبرا تعلمون أنه من عنده فلذلك استعار لذلك الخبر التنزيل ~~تشبيها لعظم قدره بالرفعة ، ولبلوغه إلى من هم دون المخبر ، بنزول الشيء ~~العالي إلى أسفل منه . # والسلطان : الحجة لأنها تتسلط على نفس المخاصم ، أي لم يأتكم خبر منه ~~تجعلونه حجة على صحة عبادتكم الأصنام . # والفاء في قوله : { فأي الفريقين } تفريع على الإنكار ، والتعجيب فرع ~~عليهما استفهاما ملجئا إلى الاعتراف بأنهم أولى بالخوف من الله من إبراهيم ~~من آلهتهم . والاستفهام ب { أي } للتقرير بأن فريقه هو وحده أحق بالأمن . # والفريق : الطائفة الكثيرة من الناس المتميزة عن غيرها بشيء يجمعها من ~~نسب أو مكان أو غيرهما ، مشتق من فرق إذا ميز . والفرقة أقل من الفريق ، ~~وأراد بالفريقين هنا قومه ونفسه ، فأطلق على نفسه الفريق تغليبا ، أو أراد ~~نفسه ومن تبعه إن كان له أتباع ساعتئذ ، قال تعالى : { فآمن له لوط } ( ~~العنكبوت : 26 ) ، أو أراد من سيوجد من أتباع ملته ، كما يناسب قوله { ~~الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } ( الأنعام : 82 ) . # والتعريف في { الأمن } للجنس ، وهو ضد الخوف ، وجملة { إن كنتم تعلمون } ~~مستأنفة ابتدائية ، وجواب شرطها محذوف دل عليه الاستفهام ، تقديره : ~~فأجيبوني ، وفيه استحثاث على الجواب . # $ 2 ( 82 ) { الذين ءامنوا ولم يلبسو & # 1764 ا إيمانهم بظلم أولائك لهم الامن وهم مهتدون } . ) 2 $ # هذه الجملة من حكاية كلام إبراهيم على ما ذهب إليه جمهور المفسرين فيكون ~~PageV07P331 جوابا منه عن قوله : { فأي الفريقين أحق بالأمن } ( الأنعام : ~~81 ) . تولى جواب استفهامه بنفسه ولم ms2681 ينتظر جوابهم لكون الجواب مما لا يسع ~~المسؤول إلا أن يجيب بمثله ، وهو تبكيت لهم . قال ابن عباس : كما يسأل ~~العالم ويجيب نفسه بنفسه ، أي بقوله : ( فإن قلت قلت ) . وقد تقدمت نظائره ~~في هذه السورة . # وقيل : ليس ذلك من حكاية كلام إبراهيم ، وقد انتهى قول إبراهيم عند قوله ~~{ إن كنتم تعلمون } ( الأنعام : 81 ) بل هو كلام مستأنف من الله تعالى ~~لابتداء حكم ، فتكون الجملة مستأنفة استئنافا ابتدائيا تصديقا لقول إبراهيم ~~. # وقيل : هو حكاية لكلام صدر من قوم إبراهيم جوابا عن سؤال إبراهيم { فأي ~~الفريقين أحق بالأمن } ( الأنعام : 81 ) . ولا يصح لأن الشأن في ذلك أن ~~يقال : قال الذين آمنوا الخ ، ولأنه لو كان من قول قومه لما استمر بهم ~~الضلال والمكابرة إلى حد أن ألقوا إبراهيم في النار . # وحذف متعلق فعل { آمنوا } لظهوره من الكلام السابق . والتقدير : الذين ~~آمنوا بالله . # وحقيقة { يلبسوا } يخلطوا ، وهو هنا مجاز في العمل بشيئين متشابهين في ~~وقت واحد . شبه بخلط الأجسام كما في قوله : { ولا تلبسوا الحق بالباطل } ( ~~البقرة : 42 ) . # والظلم : الاعتداء على حق صاحب حق ، والمراد به هنا إشراك غير الله مع ~~الله في اعتقاد الإلهية وفي العبادة ، قال تعالى : { إن الشرك لظلم عظيم } ~~( لقمان : 13 ) لأنه أكبر الاعتداء ، إذ هو اعتداء على المستحق المطلق ~~العظيم ، لأن من حقه أن يفرد بالعبادة اعتقادا وعملا وقولا لأن ذلك حقه على ~~مخلوقاته . ففي الحديث ( حق العباد على الله أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا ~~) . وقد ورد تفسير الظلم في هذه الآية بالشرك . في الحديث الصحيح عن عبد ~~الله بن مسعود ( لما نزلت { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم ~~الأمن وهم مهتدون } شق ذلك على المسلمين وقالوا : أينا لم يظلم نفسه . فقال ~~لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ليس كما تظنون إنما هو كما قال لقمان ~~لابنه : { إن الشرك لظلم عظيم } ( لقمان : 13 ) اه . وذلك أن الشرك جمع بين ~~PageV07P332 الاعتراف لله بالإلهية والاعتراف لغيره بالربوبية أيضا . ولما ~~كان الاعتراف لغيره ظلما كان إيمانهم بالله ms2682 مخلوطا بظلم وهو إيمانهم بغيره ~~، وحمله على هذا المعنى هو الملائم لاستعارة اسم الخلط لهذا المعنى لأن ~~الإيمان بالله وإشراك غيره في ذلك كلاهما من جنس واحد وهو اعتقاد الربوبية ~~فهما متماثلان ، وذلك أظهر في وجه الشبه ، لأن شأن الأجسام المتماثلة أن ~~يكون اختلاطها أشد فإن التشابه أقوى أحوال التشبيه عند أهل البيان . ~~والمعنى الذين آمنوا بالله ولم يشركوا به غيره في العبادة . # وحمل الزمخشري الظلم على ما يشمل المعاصي ، لأن المعصية ظلم للنفس كما في ~~قوله تعالى : { فلا تظلموا فيهن أنفسكم } ( التوبة : 36 ) تأويلا للآية على ~~أصول الاعتزال لأن العاصي غير آمن من الخلود في النار فهو مساو للكافر في ~~ذلك عندهم ، مع أنه جعل قوله : { الذين آمنوا ولم يلبسوا } إلى آخره من ~~كلام إبراهيم ، وهو إن كان محكيا من كلام إبراهيم لا يصح تفسير الظلم منه ~~بالمعصية إذ لم يكن إبراهيم حينئذ داعيا إلا للتوحيد ولم تكن له بعد شريعة ~~، وإن كان غير محكي من كلامه فلا يناسب تفسيره فيه بالمعصية ، لأن تعقيب ~~كلام إبراهيم به مقصود منه تأييد قوله وتبيينه ، فالحق أن الآية غير محتاجة ~~للتأويل على أصولهم نظرا لهذا الذي ذكرناه . # والإشارة بقوله : { أولئك لهم الأمن } للتنبيه على أن المسند إليه جدير ~~بالمسند من أجل ما تقدم من أوصاف المسند إليه وهذا كقوله { أولئك على هدى ~~من ربهم } ( البقرة : 5 ) . وقوله { لهم الأمن } أشارت اللام إلى أن الأمن ~~مختص بهم وثابت ، وهو أبلغ من أن يقال : آمنون . والمراد الأمن من عذاب ~~الدنيا بالاستئصال ونحوه وما عذبت به الأمم الجاحدة ، ومن عذاب الآخرة إذ ~~لم يكن مطلوبا منهم حينئذ إلا التوحيد . والتعريف في { الأمن } تعريف الجنس ~~، وهو الأمن المتقدم ذكره ، لأنه جنس واحد ، وليس التعريف تعريف العهد حتى ~~يجيء فيه قولهم : إن المعرفة إذا أعيدت معرفة فالثانية عين الأولى إذ لا ~~يحتمل هنا غير ذلك . PageV07P333 # وقوله : { وهم مهتدون } معطوف على قوله : { لهم الأمن } عطف جزء جملة على ~~الجملة التي هي في حكم المفرد ، فيكون { مهتدون } خبرا ثانيا ms2683 عن اسم ~~الإشارة عطف عليه بالواو على إحدى الطريقتين في الأخبار المتكررة . # والضمير للفصل ليفيد قصر المسند على المسند إليه ، أي الاهتداء مقصور على ~~الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم دون غيرهم ، أي أن غيرهم ليسوا ~~بمهتدين ، على طريقة قوله تعالى : { وأولئك هم المفلحون } ( البقرة : 55 ) ~~وقوله : { ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده } ( التوبة : 104 ) ~~. وفيه إشارة إلى أن المخبر عنهم لما نبذوا الشرك فقد اهتدوا . # ويجوز أن يكون قوله : { وهم مهتدون } جملة ، بأن يكون ضمير الجمع مبتدأ و ~~{ مهتدون } خبره ، والجملة معطوفة على جملة { أولئك لهم الأمن } ، فيكون ~~خبرا ثانيا عن اسم الموصول ، ويكون ذكر ضمير الجمع لأجل حسن العطف لأنه لما ~~كان المعطوف عليه جملة اسمية لم يحسن أن يعطف عليه مفرد في معنى الفعل ، إذ ~~لا يحسن أن يقال : أولئك لهم الأمن ومهتدون ؛ فصيغ المعطوف في صورة الجملة ~~. وحينئذ فالضمير لا يفيد اختصاصا إذ لم يؤت به للفصل ، وهذا النظم نظير ~~قوله تعالى : { له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير } ( التغابن : 1 ) ~~وقوله : تعالى : { له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير ~~} ( الحديد : 2 ) على اعتبار { وهو على كل شيء قدير } عطفا على { له ملك ~~السماوات والأرض } وما بينهما حال ، وهذا من محسنات الوصل كما عرف في ~~البلاغة ، وهو من بدائع نظم الكلام العربي . # # | 2 ( 83 ) { وتلك حجتنآ ءاتيناهآ إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشآء ~~إن ربك حكيم عليم } . ) 2 # عطف على جملة { وحاجه قومه } ( الأنعام : 80 ) . و { تلك } إشارة إلى ~~جميع ما تكلم به إبراهيم في محاجة قومه ، وأتي باسم إشارة المؤنث لأن ~~المشار إليه حجة فأخبر عنه بحجة فلما لم يكن ثمة مشار إليه محسوس تعين أن ~~يعتبر في الإشارة لفظ الخبر لا غير ، كقوله تعالى : { تلك الرسل فضلنا ~~بعضهم على بعض } ( البقرة : 253 ) . PageV07P334 وإضافة الحجة إلى اسم ~~الجلالة للتنويه بشأنها وصحتها . # و { آتيناها } في موضع الحال من اسم الإشارة أو من الخبر . وحقيقة ~~الإيتاء الإعطاء ms2684 ، فحقه أن يتعدى إلى الذوات ، ويكون بمناولة اليد إلى اليد ~~. قال تعالى : { وآتى المال على حبه ذوي القربى } ( البقرة : 177 ) ، ولذلك ~~يقال : اليد العليا هي المعطية واليد السفلى هي المعطاة . ويستعمل مجازا ~~شائعا في تعليم العلوم وإفادة الآداب الصالحة وتخويلها وتعيينها لأحد دون ~~مناولة يد سواء كانت الأمور الممنوحة ذواتا أم معاني . يقال : آتاه الله ~~مالا ، ويقال : آتاه الخليفة إمارة و { آتاه الله الملك } ( البقرة : 258 ) ~~، { وآتيناه الحكمة } ( ص : 20 ) . فإيتاء الحجة إلهامه إياها وإلقاء ما ~~يعبر عنها في نفسه . وهو فضل من الله على إبراهيم إذ نصره على مناظريه . # و { على } للاستعلاء المجازي ، وهو تشبيه الغالب بالمستعلي المتمكن من ~~المغلوب ، وهي متعلقة { بحجتنا } خلافا لمن منعه . يقال : هذا حجة عليك ~~وشاهد عليك ، أي تلك حجتنا على قومه أقحمناهم بها بواسطة إبراهيم ، ويجوز ~~أن يتعلق ب { آتيناها } لما يتضمنه الإيتاء من معنى النصر . # وجملة : { نرفع درجات من نشاء } حال من ضمير الرفع في { آتيناها } أو ~~مستأنفة لبيان أن مثل هذا الإيتاء تفضيل للمؤتى وتكرمة له . ورفع الدرجات ~~تمثيل لتفضيل الشأن ، شبهت حالة المفضل على غيره بحال المرتقي في سلم إذا ~~ارتفع من درجة إلى درجة ، وفي جميعها رفع ، وكل أجزاء هذا التمثيل صالح ~~لاعتبار تفريق التشبيه ، فالتفضيل يشبه الرفع ، والفضائل المتفاوتة تشبه ~~الدرجات ، ووجه الشبه عزة حصول ذلك لغالب الناس . # وقرأ نافع ، وابن كثير ، وأبو عمرو ، وابن عامر ، وأبو جعفر ، بإضافة { ~~درجات } إلى { من } . فإضافة الدرجات إلى اسم الموصول باعتبار ملابسة ~~المرتقي في الدرجة لها لأنها إنما تضاف إليه إذا كان مرتقيا عليها ، ~~PageV07P335 والإتيان بصيغة الجمع في { درجات } باعتبار صلاحية { من نشاء } ~~لأفراد كثيرين متفاوتين في الرفعة ، ودل فعل المشيئة على أن التفاضل بينهم ~~بكثرة موجبات التفضيل ، أو الجمع باعتبار أن المفضل الواحد يتفاوت حاله في ~~تزايد موجبات فضله . وقرأه البقية بتنوين { درجات } ، فيكون تمييزا لنسبة ~~الرفع باعتبار كون الرفع مجازا في التفضيل . والدرجات مجازا في الفضائل ~~المتفاوتة . # ودل قوله { من نشاء } على أن هذا التكريم لا يكون لكل أحد ms2685 لأنه لو كان ~~حاصلا لكل الناس لم يحصل الرفع ولا التفضيل . # وجملة : { إن ربك حكيم عليم } مستأنفة استئنافا بيانيا ، لأن قوله : { ~~نرفع درجات من نشاء } يثير سؤالا ، يقول : لماذا يرفع بعض الناس دون بعض ، ~~فأجيب بأن الله يعلم مستحق ذلك ومقدار استحقاقه ويخلق ذلك على حسب تعلق ~~علمه . فحكيم بمعنى محكم ، أي متقن للخلق والتقدير . وقدم { حكيم } على { ~~عليم } لأن هذا التفضيل مظهر للحكمة ثم عقب ب { عليم } ليشير إلى أن ذلك ~~الإحكام جار على وفق العلم . # # | 2 ( 84 87 ) { ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ~~ومن ذريته داوود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزى المحسنين * ~~وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين * وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا ~~وكلا فضلنا على العالمين * ومن ءابائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم ~~وهديناهم إلى صراط مستقيم } . ) 2 # PageV07P336 # جملة { ووهبنا } عطف على جملة { آتيناها } ( الأنعام : 83 ) لأن مضمونها ~~تكرمة وتفضيل . وموقع هذه الجملة وإن كانت معطوفة هو موقع التذييل للجمل ~~المقصود منها إبطال الشرك وإقامة الحجج على فساده وعلى أن الصالحين كلهم ~~كانوا على خلافه . # والوهب والهبة : إعطاء شيء بلا عوض ، وهو هنا مجاز في التفضل والتيسير . ~~ومعنى هبة يعقوب لإبراهيم أنه ولد لابنه إسحاق في حياة إبراهيم وكبر وتزوج ~~في حياته فكان قرة عين لإبراهيم . # وقد مضت ترجمة إبراهيم عليه السلام عند قوله تعالى : { وإذ ابتلى إبراهيم ~~ربه بكلمات } ( البقرة : 124 ) . وترجمة إسحاق ، ويعقوب ، عند قوله تعالى : ~~{ ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب } ( البقرة : 132 ) وقوله : { وإله آبائك ~~إبراهيم وإسماعيل وإسحاق } ( البقرة : 133 ) كل ذلك في سورة البقرة . # وقوله : { كلا هدينا } اعتراض ، أي كل هؤلاء هديناهم يعني إبراهيم وإسحاق ~~ويعقوب ، فحذف المضاف إليه لظهوره وعوض عنه التنوين في ( كل ) تنوين عوض عن ~~المضاف إليه كما هو المختار . # وفائدة ذكر هديهما التنويه بإسحاق ويعقوب ، وأنهما نبيئان نالا هدى الله ~~كهديه إبراهيم ، وفيه أيضا إبطال للشرك ، ودمغ ، لقريش ومشركي العرب ، ~~وتسفيه لهم بإثبات أن الصالحين المشهورين كانوا على ضد معتقدهم كما سيصرح ~~به في ms2686 قوله : { ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط ~~عنهم ما كانوا يعملون } ( الأعراف : 88 ) . # وجملة : { ونوحا هدينا من قبل } عطف على الاعتراض ، أي وهدينا نوحا من ~~قبلهم . وهذا استطراد بذكر بعض من أنعم الله عليهم بالهدى ، وإشارة إلى أن ~~الهدى هو الأصل ، ومن أعظم الهدى التوحيد كما علمت . PageV07P337 وانتصب { ~~نوحا } على أنه مفعول مقدم على { هدينا } للاهتمام ، و { من قبل } حال من { ~~نوحا } . وفائدة ذكر هذا الحال التنبيه على أن الهداية متأصلة في أصول ~~إبراهيم وإسحاق ويعقوب . وبني { قبل } على الضم ، على ما هو المعروف في ( ~~قبل ) وأخواتت غير من حذف ما يضاف إليه قبل وينوى معناه دون لفظه . وتقدمت ~~ترجمة نوح عند قوله تعالى : { إن الله اصطفى آدم ونوحا في سورة آل عمران ( ~~33 ) . # وقوله : من ذريته } حال من داوود ، و { داود } مفعول ( هدينا ) محذوفا . ~~وفائدة هذا الحال التنويه بهؤلاء المعدودين بشرف أصلهم وبأصل فضلهم ، ~~والتنويه بإبراهيم أو بنوح بفضائل ذريته . والضمير المضاف إليه عائد إلى ~~نوح لا إلى إبراهيم لأن نوحا أقرب مذكور ، ولأن لوطا من ذرية نوح ، وليس من ~~ذرية إبراهيم حسبما جاء في كتاب التوراة . ويجوز أن يكون لوط عومل معاملة ~~ذرية إبراهيم لشدة اتصاله به . كما يجوز أن يجعل ذكر اسمه بعد انتهاء أسماء ~~من هم من ذرية إبراهيم منصوبا على المدح بتقدير فعلل لا على العطف . # وداود تقدم شيء من ترجمته عند قوله تعالى : { وقتل داود جالوت في سورة ~~البقرة ( 251 ) . ونكملها هنا بأنه داود بن يسي من سبط يهوذا من بني ~~إسرائيل . ولد بقرية بيت لحم سنة 1085 قبل المسيح ، وتوفي في أورشليم سنة ~~1015 . وكان في شبابه راعيا لغنم أبيه . وله معرفة النغم والعزف والرمي ~~بالمقلاع . فأوحى الله إلى ( شمويل ) نبيء بني إسرائيل أن يبارك داود بن ~~يسي ، ويمسحه بالزيت المقدس ليكون ملكا على بني إسرائيل ، على حسب تقاليد ~~بني إسرائيل إنباء بأنه سيصير ملكا على إسرائيل بعد موت ( شاول ) الذي غضب ~~الله عليه . فلما مسحه ( شمويل ms2687 ) في قرية بيت لحم دون أن يعلم أحد ~~PageV07P338 خطر لشاول ، وكان مريضا ، أن يتخذ من يضرب له بالعود عندما ~~يعتاده المرض ، فصادف أن اختاروا له داود فألحقه بأهل مجلسه ليسمع أنغامه . ~~ولما حارب جند ( شاول ) الكنعانيين كما تقدم في سورة البقرة ، كان النصر ~~للإسرائيليين بسبب داود إذ رمى البطل الفلسطيني ( جالوت ) بمقلاعه بين ~~عينيه فصرعه وقطع رأسه ، فلذلك صاهره ( شاول ) بابنته ( ميكال ) ، ثم أن ( ~~شاول ) تغير على داود ، فخرج داود إلى بلاد الفلسطينيين وجمع جماعة تحت ~~قيادته ، ولما قتل ( شاول ) سنة 1055 بايعت طائفة من الجند الإسرائيلي في ~~فلسطين داود ملكا عليهم . وجعل مقر ملكه ( حبرون ) ، وبعد سبع سنين قتل ملك ~~إسرائيل الذي خلف شاول فبايعت الإسرائيليون كلهم داود ملكا عليهم ، ورجع ~~إلى أورشليم ، وآتاه الله النبوءة وأمره بكتابة الزبور المسمى عند اليهود ~~بالمزامير . # وسليمان تقدمت ترجمته عند قوله تعالى : واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك ~~سليمان في سورة البقرة ( 102 ) . # وأيوب نبيء أثبت القرآن نبوءته . وله قصة مفصلة في الكتاب المعروف بكتاب ~~أيوب ، من جملة كتب اليهود . ويظن بعض المؤرخين أن أيوب من ذرية ( ناحور ) ~~أخي إبراهيم . وبعضهم ظن أنه ابن حفيد عيسو بنن إسحاق بنن إبراهيم ، وفي ~~كتابه أن أيوب كان ساكنا بأرض عوص ( وهي أرض حوران بالشام ، وهي منازل بني ~~عوص بن إرم بن سام بن نوح ، وهم أصول عاد ) وكانت مجاورة لحدود بلاد ~~الكلدان ، وقد ورد ذكر الكلدان في كتاب أيوب وبعض المحققين يظن أنه من صنف ~~عربي وأنه من عوص ، كما يدل عليه عدم التعرض لنسبته في كتابه ، والاقتصار ~~على أنه كان بأرض عوص ( الذين هم من العرب العاربة ) . وزعموا أن كلامه ~~المسطور في كتابه كان بلغة عربية ، وأن موسى عليه السلام نقله إلى ~~العبرانية . وبعضهم يظن أن الكلام المنسوب إليه كان شعرا ترجمه موسى في ~~كتابه وأنه أول شعر عرف PageV07P339 باللغة العربية الأصلية . وبعضهم يقول ~~: هو أول شعر عرفه التاريخ ، ذلك لأن كلامه وكلام أصحابه الثلاثة الذين ~~عزوه على مصائبه جار على طريقة شعرية ms2688 لا محالة . # ويوسف هو ابن يعقوب ويأتي تفصيل ترجمته في سورة يوسف . # وموسى وهارون وزكرياء تقدمت تراجمهم في سورة البقرة . # وترجمة عيسى تقدمت في سورة البقرة وفي سورة آل عمران . # ويحيى تقدمت ترجمته في آل عمران . # وقوله : وكذلك نجزي المحسنين } اعتراض بين المتعاطفات ، والواو للحال ، ~~أي وكذلك الوهب الذي وهبنا لإبراهيم والهدي الذي هدينا ذريته نجزي المحسنين ~~مثله ، أو وكذلك الهدي الذي هدينا ذرية نوح نجزي المحسنين مثل نوح ، فعلم ~~أن نوحا أو إبراهيم من المحسنين بطريق الكناية ، فأما إحسان نوح فيكون ~~مستفادا من هذا الاعتراض ، وأما إحسان إبراهيم فهو مستفاد مما أخبر الله به ~~عنه من دعوته قومه وبذله كل الوسع لإقلاعهم عن ضلالهم . # ويجوز أن تكون الإشارة هنا إلى الهدي المأخوذ من قوله : { هدينا } الأول ~~والثاني ، أي وكذلك الهدي العظيم نجزي المحسنين ، أي بمثله ، فيكون المراد ~~بالمحسنين أولئك المهديين من ذرية نوح أو من ذرية إبراهيم . فالمعنى أنهم ~~أحسنوا فكان جزاء إحسانهم أن جعلناهم أنبياء . # وأما إلياس فهو المعروف في كتب الإسرائيليين باسم إيليا ، ويسمى في بلاد ~~العرب باسم إلياس أو ( مار إلياس ) وهو إلياس التشبي . وذكر المفسرون أنه ~~إلياس بن فنحاص بن إلعاز ، أو ابن هارون أخي موسى فيكون من سبط لاوي . كان ~~موجودا في زمن الملك ( آخاب ) ملك إسرائيل في PageV07P340 حدود سنة ثمان ~~عشرة وتسعمائة قبل المسيح . وهو إسرائيلي من سكان ( جلعاد ) بكسر الجيم ~~وسكون اللام صقع جبلي في شرق الأردن ومنه بعلبك . وكان إلياس من سبط روبين ~~أو من سبط جاد . وهذان السبطان هما سكان صقع جلعاد ، ويقال لإلياس في كتب ~~اليهود التشبي ، وقد أرسله الله تعالى إلى بني إسرائيل لما عبدوا الأوثان ~~في زمن الملك ( آخاب ) وعبدوا ( بعل ) صنم الكنعانيين . وقد وعظهم إلياس ~~وله أخبار معهم . أمره الله أن يجعل اليسع خليفة له في النبوءة ، ثم رفع ~~الله إلياس في عاصفة إلى السماء فلم ير له أثر بعد ، وخلفه اليسع في ~~النبوءة في زمن الملك ( تهورام ) بن ( آخاب ) ملك إسرائيل . # وقوله : { كل من الصالحين ms2689 } اعتراض . والتنوين في كل عوض عن المضاف إليه ~~، أي كل هؤلاء المعدودين وهو يشمل جميع المذكورين إسحاق ومن بعده . # وأما إسماعيل فقد تقدمت ترجمته في سورة البقرة . # واليسع اسمه بالعبرانية إليشع بهمزة قطع مكسورة ولام بعدها تحتية ثم شين ~~معجمة وعين وتعريبه في العربية اليسع بهزة وصل ولام ساكنة في أوله بعدها ~~تحتية مفتوحة في قراءة الجمهور . # وقرأه حمزة ، والكسائي ، وخلف ( الليسع ) بهمزة وصل وفتح اللام مشددة ~~بعدها تحتية ساكنة بوزن ضيغم ، فهما لغتان فيه . وهو ابن ( شافاط ) من أهل ~~( آبل محولة ) . كان فلاحا فاصطفاه الله للنبوءة على يد الرسول إلياس في ~~مدة ( آخاب ) وصحب إلياس . ولما رفع إلياس لازم سيرة إلياس وظهرت له معجزات ~~لبني إسرائيل في ( أريحا ) وغيرها . وتوفي في مدة الملك ( يوءاش ) ملك ~~إسرائيل وكانت وفاته سنة أربعين وثمانمائة 840 قبل المسيح ودفن بالسامرة . ~~والألف واللام في اليسع من أصل الكلمة ، ولكن الهمزة عوملت معاملة همزة ~~الوصل للتخفيف PageV07P341 فأشبه الاسم الذي تدخل عليه اللام التي للمحح ~~الأصلل مثل العباس ، وما هي منها . # وأما يونس فهو ابن متى ، واسمه في العبرانية ( يونان بن أمتاي ) ، وهو من ~~سبط ( زبولون ) . ويجوز في نونه في العربية الضم والفتح والكسر . ولد في ~~بلدة ( غاث ايفر ) من فلسطين ، أرسله الله إلى أهل ( نينوى ) من بلاد أشور ~~. وكان أهلها يومئذ خليطا من الأشوريين واليهود الذين في أسر الأشوريين ، ~~ولما دعاهم إلى الإيمان فأبوا توعدهم بعذاب فتأخر العذاب فخرج مغاضبا وذهب ~~إلى ( يافا ) فركب سفينة للفنيقيين لتذهب به إلى ترشيش ( مدينة غربي فلسطين ~~إلى غربي صور وهي على البحر ولعلها من مراسي الوجه البحري من مصر أو من ~~مراسي برقة لأنه وصف في كتب اليهود أن سليمان كان يجلب إليه الذهب والفضة ~~والقرود والطواويس من ترشيش ، فتعين أن تكون لترشيش تجارة مع الحبشة أو ~~السودان ، ومنها تصدر هذه المحصولات . وقيل هي طرطوشة من مراسي الأندلس . ~~وقيل ( قرطاجنة ) مرسى إفريقية قرب تونس . وقد قيل في تواريخنا أن تونس كان ~~اسمها قبل الفتح الإسلامي ترشيش . وهذا قريب ms2690 لأن تجارتها مع السودان قد ~~تكون أقرب ) فهال البحر على السفينة وثقلت وخيف غرقها ، فاقترعوا فكان يونس ~~ممن خاب في القرعة فرمي في البحر والتقمه حوت عظيم فنادى في جوفه : { لا ~~إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين } ( الأنبياء : 87 ) ، فاستجاب ~~الله له ، وقذفه الحوت على الشاطىء . وأرسله الله ثانيا إلى أهل نينوى ~~وآمنوا وكانوا يزيدون على مائة ألف . وكانت مدته في أول القرن الثامن قبل ~~الميلاد . ولم نقف على ضبط وفاته . وذكر ابن العربي في ( الأحكام ) في سورة ~~الصافات أن قبره بقرية جلجون بين القدس وبلد الخليل ، وأنه وقف عليه في ~~رحلته . وستأتي أخبار يونس في سورة يونس وسورة الأنبياء وسورة الصافات . ~~PageV07P342 # وأما لوط فهو ابن هاران بن تارح ، فهو ابن أخي إبراهيم . ولد في ( أور ~~الكلدانيين ) . ومات أبوه قبل تارح ، فاتخذ تارح لوطا في كفالته . ولما مات ~~تارح كان لوط مع إبراهيم ساكنين في أرض حاران ( حوران ) بعد أن خرج تارح ~~أبو إبراهيم من أور الكلدانيين قاصدين أرض كنعان . وهاجر إبراهيم مع لوط ~~إلى مصر لقحط أصاب بلاد كنعان ، ثم رجعا إلى بلاد كنعان ، وافترق إبراهيم ~~ولوط بسبب خصام وقع بين رعاتهما ، فارتحل لوط إلى ( سدوم ) ، وهي من شرق ~~الأردن إلى أن أوحي إليه بالخروج منها حين قدر الله خسفها عقابا لأهلها ~~فخرج إلى ( صوغر ) مع ابنته ونسله هناك ، وهم ( المؤابيون ) و ( بنو عمون ) ~~. # وقوله : { وكلا فضلنا على العالمين } جملة معترضة ، والواو اعتراضية ، ~~والتنوين عوض عن المضاف إليه ، أي كل أولئك المذكورين من إسحاق إلى هنا . و ~~( كل ) يقتضي استغراق ما أضيف إليه . وحكم الاستغراق أن يثبت الحكم لكل فرد ~~فرد لا للمجموع . والمراد تفضيل كل واحد منهم على العالمين من أهل عصره عدا ~~من كان أفضل منه أو مساويا له ، فاللام في { العالمين } للاستغراق العرفي ، ~~فقد كان لوط في عصر إبراهيم وإبراهيم أفضل منه . وكان من غيرهما من كانوا ~~في عصر واحد ولا يعرف فضل أحدهم على الآخر . وقال عبد الجبار : يمكن أن ~~يقال : المراد وكل ms2691 من الأنبياء يفضلون على كل من سواهم من العالمين . ثم ~~الكلام بعد ذلك في أن أي الأنبياء أفضل من الآخر كلام في غرض آخر لا تعلق ~~له بالأول اه . ولا يستقيم لأن مقتضى حكم الاستغراق الحكم على كل فرد فرد . # وتتعلق بهذه الآية مسألة مهمة من مسائل أصول الدين . وهي ثبوت نبوءة ~~الذين جرى ذكر أسمائهم فيها ، وما يترتب على ثبوت ذلك من أحكام في الإيمان ~~وحق النبوءة . وقد أعرض عن ذكرها المفسرون وكان ينبغي التعرض لها لأنها ~~تتفرع إلى مسائل تهم طالب العلوم الإسلامية معرفتها ، PageV07P343 وأحق ~~مظنة بذكرها هو هذه الآية وما هو بمعنى بعضها . فأما ثبوت نبوءة الذين ذكرت ~~أسماؤهم فيها فلأن الله تعالى قال بعد أن عد أسماءهم { أولئك الذين آتيناهم ~~الكتاب والحكم والنبوءة } . فثبوت النبوءة لهم أمر متقرر لأن اسم إشارة { ~~أولئك } قريب من النص في عوده إلى جميع المسمين قبله مع ما يعضده ويكمله من ~~النص بنبوءة بعضهم في آيات تماثل هذه الآية ، مثل آية سورة النساء ( 163 ) ~~{ إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح الآيات ، ومثل الآيات من سورة مريم ( ~~41 ) واذكر في الكتاب إبراهيم الآيات . # وللنبوءة أحكام كثيرة تتعلق بموصوفها وبمعاملة المسلمين لمن يتصف بها . ~~منها معنى النبيء والرسولل ، ومعنى المعجزة التي هي دليل تحقق النبوءة أو ~~الرسالة لمن أتى بها ، وما يترتب على ذلك من وجوب الإيمان بما يبلغه عن ~~الله تعالى من شرع وآداب ، ومسائل كثيرة من ذلك مبسوطة في علم الكلام ~~فليرجع إليها . إنما الذي يهمنا من ذلك في هذا التفسير هو ما أومأ به قوله ~~تعالى في آخرها فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين } ~~( الأنعام : 89 ) . فمن علم هذه الآيات في هذه السورة وكان عالما بمعناها ~~وجب عليه الإيمان بنبوءة من جرت أسماؤهم فيها . # وقد ذكر علماؤنا أن الإيمان بأن الله أرسل رسلا ونبأ أنبياء لإرشاد الناس ~~واجب على الجملة ، أي إيمانا بإرسال أفراد غير معينين ، أو بنبوءة أفراد ~~غير معينين دون تعيين شخص ms2692 معين باسمه ولا غير ذلك مما يميزه عن غيره إلا ~~محمدا صلى الله عليه وسلم قال الشيخ أبو محمد بن أبي زيد في ( الرسالة ) ( ~~الباعثث ( صفة لله تعالى ) الرسلل إليهم لإقامة الحجة عليهم ) . فإرسال ~~الرسل جائز في حق الله غير واجب ، وهو واقع على الإجمال دون تعيين شخص معين ~~. وقد ذكر صاحب ) المقاصد ) أن إرسال الرسل محتاج إليه ، وهو لطف من الله ~~بخلقه وليس واجبا عليه . وقالت المعتزلة وجمع من المتكلمين ( أي من أهل ~~السنة ) مما وراء النهر بوجوب إرسال الرسل عليه تعالى . PageV07P344 # ولم يذكر أحد من أيمتنا وجوب الإيمان بنبيء معين غير محمد صلى الله عليه ~~وسلم رسولا إلى الخلق كافة . قال أبو محمد بن أبي زيد : ( ثم ختم أي الله ~~الرسالة والنذارة والنبوءة بمحمد نبيئه صلى الله عليه وسلم إلخ ) ، لأن ~~النبيء صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الذي رواه عمر بن الخطاب من سؤال ~~جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان فقال : ( أن تؤمن بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله ) إلخ . فلم يعين رسلا مخصوصين . وقال في جواب سؤاله ~~عن الإسلام ( الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ) . # فمن علم هذه الآيات وفهم معناها وجب عليه الإعتقاد بنبوءة المذكورين فيها ~~. ولعل كثيرا لا يقرأونها وكثيرا ممن يقرأونها لا يفهمون مدلولاتها حق ~~الفهم فلا يطالبون بتطلب فهمها واعتقاد ما دلت عليه إذ ليس ذلك من أصول ~~الإيمان والإسلام ولكنه من التفقه في الدين . # قال القاضي عياض في فصلل ( سابع ) من فصول الباب الثالث من القسم الرابع ~~من كتاب ( الشفاء ) ( وهذا كله ( أي ما ذكره من إلزام الكفر أو الجرم ~~الموجبب للعقوبة لمن جاء في حقهم بما ينافي ما يجب لهم ) فيمن تكلم فيهم ( ~~أي الأنبياء أو الملائكة ) بما قلناه على جملة الملائكة والنبيئين ( أي على ~~مجموعهم لا على جميعهم قاله الخفاجي يريد بالجميع كل فرد فرد ) ممن حققنا ~~كونه منهم ممن نص الله عليه في كتابه أو حققنا علمه بالخبر المتواتر ~~والإجماع القاطع ms2693 والخبر المشتهر المتفق عليه ( الواو في هذا التقسيم بمعنى ~~أو ) . فأما من لم يثبت الإخبار بتعيينه ولا وقع الإجماع على كونه من ~~الأنبياء كالخضر ، ولقمان ، وذي القرنين ، ومريم ، وآسية ( امرأة فرعون ) ~~وخالد بن سنان المذكور أنه نبيء أهل الرس ، فليس الحكم في سابهم والكافر ~~بهم كالحكم فيما قدمناه ) اه . # فإذا علمت هذا علمت أن ما وقع في أبيات ثلاثة نظمها البعض ، PageV07P345 ~~( ذكرها الشيخ إبراهيم البيجوري في مبحث الإيمان من شرحه على ( جوهرة ~~التوحيد ) : # حتم على كل ذي التكليف معرفة # بأنبياء على التفصيل قد علموا # في ( تلك حجتنا ) منهم ثمانية # من بعد عشر ويبقى سبعة وهم # إدريس . هود . شعيب ، صالح وكذا # ذو الكفل ، آدم ، بالمختار قد ختموا # لا يستقيم إلا بتكلف ، لأن كون معرفة ذلك حتما يقتضي ظاهره الاصطلاحي أنه ~~واجب ، وهذا لا قائل به فإن أراد بالحتم الأمر الذي لا ينبغي إهماله كان ~~متأكدا لقوله : على كل ذي التكليف . فلو عوضه بكل ذي التعليم . ولعله أراد ~~بالحتم أنه يتحتم على من علم ذلك عدم إنكار كونن هؤلاء أنبياء بالتعيين ، ~~ولكن شاء بين وجوب معرفة شيء وبين منع إنكاره بعد أن يعرف . # فأما رسالة هود وصالح وشعيب فقد تكرر ذكرها في آيات كثيرة . # وأما معرفة نبوءة ذي الكفل ففيها نظر إذ لم يصرح في سورة الأنبياء بأكثر ~~من كونه من الصابرين والصالحين . واختلف المفسرون في عده من الأنبياء ، ~~ونسب إلى الجمهور القول بأنه نبيء . وعن أبي موسى الأشعري ومجاهد : أن ذا ~~الكفل لم يكن نبيئا . وسيأتي ذكر ذلك في سورة الأنبياء . # وأما آدم فإنه نبيء منذ كونه في الجنة فقد كلمه الله غير مرة . وقال { ثم ~~اجتباه ربه فتاب عليه وهدى } ( طه : 122 ) فهو قد أهبط إلى الأرض مشرفا ~~PageV07P346 بصفة النبوءة . وقصة ابني آدم في سورة المائدة دالة على أن آدم ~~بلغ لأبنائه شرعا لقوله تعالى فيها { إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم ~~يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين لئن بسطت إلي ~~يدك لتقتلني ما ms2694 أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين إني ~~أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين } ( ~~المائدة : 27 29 ) . # فالذي نعتمده أن الذي ينكر نبوءة معين ممن سمي في القرآن في عداد ~~الأنبياء في سورة النساء وسورة هود وسورة الأنعام وسورة مريم ، وكان المنكر ~~محققا علمه بالآية التي وصف فيها بأنه نبيء ووقف على دليل صحة ما أنكره ~~وروجع فصمم على إنكاره ، إن ذلك الإنكار يكون كفرا لأنه أنكر معلوما ~~بالضرورة بعد التنبيه عليه لئلا يعتذر بجهلل أو تأويلل مقبول . # واعلم أني تطلبت كشف القناع عن وجه الاقتصار على تسمية هؤلاء الأنبياء من ~~بين سائر الأنبياء من ذرية إبراهيم أو ذرية نوح ، ( على الوجهين في معاد ~~ضمير { ذريته } ) . فلم يتضح لي وتطلبت وجه ترتيب أسمائهم هذا الترتيب ، ~~وموالاة بعض هذه الأسماء لبعض في العطف فلم يبد لي ، وغالب ظني أن من هذه ~~الوجوه كون هؤلاء معروفون لأهل الكتاب وللمشركين الذين يقتبسون معرفة ~~الأنبياء من أهل الكتاب ، وأن المناسبة في ترتيبهم لا تخلو من أن تكون ~~ناشئة عن الابتداء بذكر أن إسحاق ويعقوب موهبة لإبراهيم وهما أب وابنه ، ~~فنشأ الانتقال من واحد إلى آخر بمناسبة للانتقال ، وأن توزيع أسمائهم على ~~فواصل ثلاث لا يخلو عن مناسبة تجمع بين أصحاب تلك الأسماء في الفاصلة ~~الشاملة لأسمائهم . ويجوز أن خفة أسماء هؤلاء في تعريبها إلى العربية حروفا ~~ووزنا لها أثر في إيثارها بالذكر دون غيرها من الأسماء نحو ( شمعون وشمويل ~~وحزقيال ونحميا ) ، وأن المعدودين في هذه الآيات الثلاث توزعوا الفضائل إذ ~~منهم الرسل والأنبياء والملوك وأهل الأخلاق الجليلة العزيزة من الصبر وجهاد ~~النفس والجهاد في سبيل الله والمصابرة PageV07P347 لتبليغ التوحيد والشريعة ~~ومكارم الأخلاق ، كما أشار إلى ذلك قوله تعالى في آخر الآيات { أولئك الذين ~~آتيناهم الكتاب والحكم والنبوءة } ( الأعراف : 89 ) ومن بينهم أصلا الأمتين ~~العربية والإسرائيلية . # فلما ذكر إسحاق ويعقوب أردف ذكرهما بذكر نبيئين من ذرية إسحاق ويعقوب ، ~~وهما أب وابنه من الأنبياء هما داوود وسليمان ms2695 مبتدءا بهما على بقية ذرية ~~إسحاق ويعقوب ، لأنهما نالا مجدين عظيمين مجد الآخرة بالنبوءة ومجد الدنيا ~~بالملك . ثم أردف بذكر نبيئين تماثلا في أن الضر أصاب كليهما وأن انفراج ~~الكرب عنهما بصبرهما . وهما أيوب ويوسف . ثم بذكر رسولين أخوين هما موسى ~~وهارون ، وقد أصاب موسى مثل ما أصاب يوسف من الكيد له لقتله ومن نجاته من ~~ذلك وكفالته في بيت الملك ، فهؤلاء الستة شملتهم الفاصلة الأولى المنتهية ~~بقوله تعالى : { وكذلك نجزي المحسنين } . # ثم بذكر نبيئين أب وابنه وهما زكرياء ويحيى . فناسب أن يذكر بعدهما ~~رسولان لا ذرية لهما ، وهما عيسى وإلياس ، وهما متماثلان في أنهما رفعا إلى ~~السماء . فأما عيسى فرفعه مذكور في القرآن ، وأما إلياس فرفعه مذكور في كتب ~~الإسرائليين ولم يذكره المفسرون من السلف . وقد قيل : إن إلياس هو إدريس ~~وعليه فرفعه مذكور في قوله تعالى : { واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا ~~نبيئا ورفعناه مكانا عليا في سورة مريم ( 56 ، 57 ) . وابتدىء بعيسى عطفا ~~على يحيى لأنهما قريبان ابنا خالة ، ولأن عيسى رسول وإلياس نبيء غير رسول . ~~وهؤلاء الأربعة تضمنتهم الفاصلة الثانية المنتهية بقوله تعالى : كل من ~~الصالحين } . وعطف اليسع لأنه خليفة إلياس وتلميذه ، وأدمج بينه وبين إلياس ~~إسماعيل تنهية بذكر النبيء الذي إليه ينتهي نسب العرب من ذرية إبراهيم . ~~وختوا بيونس ولوط لأن كلا منهما أرسل إلى أمة صغيرة . وهؤلاء الأربعة ~~تضمنتهم الفاصلة الثالثة المنتهية بقوله : { وكلا فضلنا على العالمين } . ~~PageV07P348 # وقوله : { ومن آبائهم } عطف على قوله : { كلا } . فالتقدير : وهدينا من ~~آبائهم وذرياتهم وإخوانهم . وجعل صاحب ( الكشاف ) ( من ) اسما بمعنى بعض ، ~~أي وهدينا بعض آبائهم على طريقته في قوله تعالى : { من الذين هادوا يحرفون ~~} ( النساء : 46 ) . وقدر ابن عطية ومن تبعه المعطوف محذوفا تقديره : ومن ~~آبائهم جمعا كثيرا أو مهديين كثيرين ، فتكون ( من ) تبعيضية متعلقة ب { ~~هدينا } . # والذريات جمع ذرية ، وهي من تناسل من الآدمي من أبناء أدنين وأبنائهم ~~فيشمل أولاد البنين وأولاد البنات . ووجه جمعه إرادة أن الهدى تعلق بذرية ~~كل من له ذرية من المذكورين ms2696 للتنبيه على أن في هدي بعض الذرية كرامة للجد ، ~~فكل واحد من هؤلاء مراد وقوع الهدي في ذريته . وإن كانت ذرياتهم راجعين إلى ~~جد واحد وهو نوح عليه السلام . ثم إن كان المراد بالهدى المقدر الهدى ~~المماثل للهدى المصرح به ، وهو هدى النبوءة ، فالآباء يشمل مثل آدم وإدريس ~~عليهم السلام فإنهم آباء نوح . والذرات يشمل أنبياء بني إسرائيل مثل يوشع ~~ودانيال . فهم من ذرية نوح وإبراهيم وإسحاق ويعقوب ، والأنبياء من أبناء ~~إسماعيل عليه السلام مثل حنظلة بن صفوان وخالد بن سنان ، وهودا ، وصالحا ، ~~من ذرية نوح ، وشعيبا ، من ذرية إبراهيم . والإخوان يشمل بقية الأسباط أخوة ~~يوسف . # وإن كان المراد من الهدى ما هو أعم من النبوءة شمل الصالحين من الآباء ~~مثل هابيل ابن آدم . وشمل الذريات جميع صالحي الأمم مثل أهل الكهف ، قال ~~تعالى : { وزدناهم هدى } ( الكهف : 13 ) ، ومثل طالوت ملك إسرائيل ، ومثل ~~مضر وربيعة فقد ورد أنهما كانا مسلمين . رواه الديلمي عن ابن عباس . ومثل ~~مؤمن آل فرعون وامرأة فرعون . ويشمل . الإخوان هاران بن تارح أخا إبراهيم ، ~~وهو أبو لوط ، وعيسو أخا ، يعقوب وغير هؤلاء ممن علمهم الله تعالى . ~~PageV07P349 # والاجتباء الاصطفاء والاختيار ، قالوا هو مشتق من الجبي ، وهو الجمع ، ~~ومنه جباية الخراج ، وجبي الماء في الحوض الذي سميت منه الجابية ، ~~فالافتعال فيه للمبالغة مثل الاضطرار ، ووجه الاشتقاق أن الجمع إنما يكون ~~لشيء مرغوب في تحصيله للحاجة إليه . والمعنى : أن الله اختارهم فجعلهم موضع ~~هديه لأنه أعلم حيث يجعل رسالته ونبوءته وهديه . # وعطف قوله : { وهديناهم } على { اجتبيناهم } عطفا يؤكد إثبات هداهم ~~اهتماما بهذا الهدي ، فبين أنه هدى إلى صراط مستقيم ، أي إلى ما به نوال ما ~~يعمل أهل الكمال لنواله ، فضرب الصراط المستقيم مثلا لذلك تشبيها لهيئة ~~العامل لينال ما يطلبه من الكمال بهيئة الساعي على طريق مستقيم يوصله إلى ~~ما سار إليه بدون تردد ولا تحير ولا ضلال ، وذكر من ألفاظ المركب الدال على ~~الهيئة المشبه بها بعضه وهو الصراط المستقيم لدلالته على جميع الألفاظ ~~المحذوفة للإيجاز . # والصراط المستقيم ms2697 هو التوحيد والإيمان بما يجب الإيمان به من أصول ~~الفضائل التي اشتركت فيها الشرائع ، والمقصود مع الثناء عليهم التعريض ~~بالمشركين الذين خالفوا معتقدهم ، كما دل عليه قوله بعد ذلك { هدى الله إلى ~~قوله ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون } ( الأنعام : 88 ) . # # | 2 ( 88 ) { ذالك هدى الله يهدى به من يشآء من عباده ولو أشركوا لحبط ~~عنهم ما كانوا يعملون } . ) 2 # استئناف بياني ، أي لا تعجبوا من هديهم وضلال غيرهم . والإشارة إلى الهدى ~~الذي هو مصدر مأخوذ من أفعال الهداية الثلاثة المذكورة في الآية قبلها ، ~~وخصوصا المذكور آخرا بقوله { وهديناهم إلى صراط مستقيم } ( الأنعام : 87 ) ~~. وقد زاد اسم الإشارة اهتماما بشأن الهدي إذ جعل كالشيء PageV07P350 ~~المشاهد فزيد باسم الإشارة كمال تمييز ، وأخبر عن الهدي بأنه هدى الله ~~لتشريف أمره وبيان عصمته من الخطأ والضلال ، وفيه تعريض بما عليه المشركون ~~مما يزعمونه هدى ويتلقونه عن كبرائهم ، أمثالل عمرو بن لحي الذي وضع لهم ~~عبادة الأصنام ، ومثلل الكهان وأضرابهم . وقد جاء هذا الكلام على طريقة ~~الفذلكة لأحوال الهداية التي تكرر ذكرها كأبيات حاتم الطائي : # ولله صعلوك يساور همه # ويمضي على الأحداث والدهر مقدما # إلى أن قال بعد أبيات سبعة في محامد ذلك الصعلوك : # فذلك إن يهلك فحسنى ثناؤه # وإن عاش لم يقعد ضعيفا مذمما # وقوله تعالى : { يهدي به من يشاء من عباده } جملة في موضع الحال من { هدى ~~الله } . والمراد ب { من يشاء } الذين اصطفاهم الله واجتباهم وهو أعلم بهم ~~وباستعدادهم لهديه ونبذهم المكابرة وإقبالهم على طلب الخير وتطلعهم إليه ~~وتدرجهم فيه إلى أن يبلغوا مرتبة إفاضة الله عليهم الوحي أو التوفيق ~~والإلهام الصادق . ففي قوله : { من يشاء } من الإبهام ما يبعث النفوس على ~~تطلب هدى الله تعالى والتعرض لنفحاته ، وفيه تعريض بالمشركين الذين أنكروا ~~نبوءة محمد صلى الله عليه وسلم حسدا ، ولذلك أعقبه بقوله { ولو أشركوا لحبط ~~عنهم ما كانوا يعملون } تفظيعا لأمر الشرك وأنه لا يغتفر لأحد ولو بلغ من ~~فضائل الأعمال مبلغا عظيما مثل هؤلاء المعدودين المنوه بهم . والواو ms2698 للحال ~~. و ( حبط ) معناه تلف ، أي بطل ثوابه . وقد تقدم في قوله تعالى : { ومن ~~يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في سورة البقرة ( ~~217 ) . # $ 2 ( 89 ) أولائك الذين ءاتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها ~~هاؤلا & # 1764 ء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين } . ) 2 $ PageV07P351 # استئناف ابتدائي للتنويه بهم ، فهي فذلكة ثانية ، لأن الفذلكة الأولى ~~راجعة إلى ما في الجمل السابقة من الهدى وهذه راجعة إلى ما فيها من ~~المهديين . # واسم الإشارة لزيادة الاعتناء بتمييزهم وإخطار سيرتهم في الأذهان . ~~والمشار إليهم هم المعينون بأسمائهم والمذكورون إجمالا في قوله : { ومن ~~آبائهم وذرياتهم وإخوانهم } ( الأنعام : 87 ) . و { الذين آتيناهم الكتاب } ~~خبر عن اسم الإشارة . # والمراد بالكتاب الجنس : أي الكتب . وإيتاء الكتاب يكون بإنزال ما يكتب ، ~~كما أنزل على الرسل وبعضض الأنبياء ، وما أنزل عليهم يعتبر كتابا ، لأن ~~شأنه أن يكتب سواء كتب أم لم يكتب . وقد نص القرآن على أن إبراهيم كانت له ~~صحف بقوله : { صحف إبراهيم وموسى } ( الأعلى : 19 ) وكان لعيسى كلامه الذي ~~كتب في الإنجيل . ولداوود الكلام الصادر منه تبليغا عن الله تعالى ، وكان ~~نبيئا ولم يكن رسولا ، ولسليمان الأمثال ، والجامعة ، والنشيد المنسوب في ~~ثلاثتها أحكام أمر الله بها . ويقال : إن إدريس كتب الحكمة في صحف وهو الذي ~~يسميه الإسرائليون ( أخنوخ ) ويدعوه القبط ( توت ) ويدعوه الحكماء ( هرمس ) ~~. ويكون إيتاء الكتاب بإيتاء النبيء فهم ونبيين الكتب المنزلة قبله ، كما ~~أوتي أنبياء بني إسرائيل من بعد موسى أمثال يحيى فقد قال تعالى له { يا ~~يحيى خذ الكتاب بقوة } ( مريم : 12 ) . # والحكم هو الحكمة ، أي العلم بطرق الخير ودفع الشر . قال تعالى في شأن ~~يحيى { وآتيناه الحكم صبيا } ( مريم : 12 ) ، ولم يكن يحيى حاكما أي قاضيا ~~، وقد يفسر الحكم بالقضاء بالحق كما في قوله تعالى في شأن داوود وسليمان { ~~وكلا آتينا حكما وعلما } ( الأنبياء : 79 ) . # وإيتاء هذه الثلاث على التوزيع ، فمنهم من أوتي جميعها وهم الرسل منهم ~~والأنبياء الذين حكموا بين الناس مثل داوود وسليمان ، ومنهم من أوتي ms2699 بعضها ~~وهم الأنبياء غير الرسل والصالحون منهم غير الأنبياء ، وهذا باعتبار شمول ~~اسم الإشارة لآبائهم وذرياتهم وإخوانهم . PageV07P352 # والفاء في قوله : { فإن يكفر } عاطفة جملة الشرط على جملة { أولئك الذين ~~آتيناهم الكتاب } عقبت بجملة الشرط وفرعت عليها لأن الغرض من الجمل السابقة ~~من قوله { وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر } ( الأنعام : 74 ) هو تشويه أمر ~~الشرك بالاستدلال على فساده بنبذ أهل الفضل والخير إياه ، فكان للفاء ~~العاطفة عقب ذلك موقع بديع من أحكام نظم الكلام . # وضمير { بها } عائد إلى المذكورات : الكتاب والحكم والنبوءة . والإشارة ~~في قوله : { هؤلاء } إلى المشركين من أهل مكة ، وهي إشارة إلى حاضر في ~~أذهان السامعين ، كما ورد في حديث سؤال القبر ( فيقال له ما علمك بهذا ~~الرجل ) ( يعني النبيء صلى الله عليه وسلم . وفي ( البخاري ) قال الأحنف بن ~~قيس : ذهبت لأنصر هذا الرجل ( يعني علي بن أبي طالب ) . # وقد تقصيت مواقع آي القرآن فوجدته يعبر عن مشركي قريش كثيرا بكلمة ( ~~هؤلاء ) ، كقوله { بل متعت هؤلاء وآباءهم } ( الزخرف : 29 ) ولم أر من نبه ~~عليه من قبل . # وكفر المشركين بنبوءة أولئك الأنبياء تابع لكفرهم بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم ولذلك حكى الله عنهم بعد أنهم { قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء } ~~( الأنعام : 91 ) . # ومعنى : { وكلنا بها } وفقنا للإيمان بها ومراعاتها والقيامم بحقها . ~~فالتوكيل هنا استعارة ، لأن حقيقة التوكيل إسناد صاحب الشيء تدبير شيئه إلى ~~من يتولى تدبيره ويكفيه كلفة حفظه ورعاية ما به بقاؤه وصلاحه ونماؤه . ' ~~يقال : وكلته على الشيء ووكلته بالشيء فيتعدى بعلى وبالباء . وقد استعير في ~~هذه الآية للتوفيق إلى الإيمان بالنبوءة والكتاب والحكم والنظر في ما تدعو ~~إليه ورعايته تشبيها لتلك الرعاية برعاية الوكيل ، وتشبيها للتوفيق إليها ~~بإسناد النظر إلى الوكيل ، لأن الوكالة تقتضي وجود الشيء الموكل بيد الوكيل ~~مع حفظه ورعايته ، فكانت استعارة { وكلنا } لهذا المعنى إيجازا PageV07P353 ~~بديعا يقابل ما يتضمنه معنى الكفر بها من إنكارها الذي فيه إضاعة حدودها . # والقوم هم المؤمنون الذين آمنوا برسالة محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن ~~وبمن قبله ms2700 من الرسل وما جاءهم من الكتب والحكم والنبوءة . والمقصود الأول ~~منهم المؤمنون الذين كانوا بمكة ومن آمن من الأنصار بالمدينة إذ كانت هذه ~~السورة قد نزلت قبيل الهجرة . وقد فسر في ( الكشاف ) القوم بالأنبياء ~~المتقدم ذكرهم وادعى أن نظم الآية حمله عليه ، وهو تكلف لا حامل إليه . # ووصف القوم بأنهم { ليسوا بها بكافرين } للدلالة على أنهم سارعوا إلى ~~الإيمان بها بمجرد دعوتهم إلى ذلك فلذلك جيء في وصفهم بالجملة الإسمية ~~المؤلفة من اسم ( ليس ) وخبرها لأن ليس بمنزلة حرف نفي إذ هي فعل غير متصرف ~~فجملتها تدل على دوام نفي الكفر عنهم ، وأدخلت الباء في خبر ( ليس ) لتأكيد ~~ذلك النفي فصار دوام نفي مؤكدا . # والمعنى إن يكفر المشركون بنبوءتك ونبوءة من قبلك فلا يضرك كفرهم لأنا قد ~~وفقنا قوما مؤمنين للإيمان بك وبهم ، فهذا تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم ~~على إعراض بعض قومه عن دعوته . # وتقديم المجرور على عامله في قوله { ليسوا بها بكافرين } لرعاية الفاصلة ~~مع الاهتمام بمعاد الضمير : الكتاب والحكم والنبوءة . # # | 2 ( 90 ) { أولائك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسألكم عليه ~~أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين } . ) 2 # ( ملاحظة : هذه الآية مكررة : # { أولائك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسألكم عليه أجرا إن هو إلا ~~ذكرى للعالمين } . ) # جملة ابتدائية قصد من استئنافها استقلالها للاهتمام بمضمونها ، ولأنها ~~وقعت موقع التكرير لمضمون الجملتين اللتين قبلها : جملة { وهديناهم إلى ~~صراط مستقيم } ( الأنعام : 87 ) وجملة { أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم ~~والنبوءة } ( الأنعام : 89 ) . وحق التكرير أن يكون مفصولا ، وليبنى عليها ~~التفريع في قوله : { فبهداهم PageV07P354 اقتده } . والمشار إليهم باسم ~~الإشارة هم المشار إليهم بقوله { أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم ~~والنبوءة } ( الأنعام : 89 ) فإنهم الذين أمر نبينا صلى الله عليه وسلم ~~بالاقتداء بهداهم . وتكرير اسم الإشارة لتأكيد تمييز المشار إليه ولما ~~يقتضيه التكرير من الاهتمام بالخبر . # وأفاد تعريف المسند والمسند إليه قصر جنس الذين هداهم الله على المذكورين ~~تفصيلا وإجمالا ، لأن المهديين من البشر لا يعدون أن يكونوا أولئك المسمين ms2701 ~~ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم ، فإن من آبائهم آدم وهو الأب الجامع للبشر ~~كلهم ، فأريد بالهدى هدى البشر ، أي الصرف عن الضلالة ، فالقصر حقيقي . ولا ~~نظر لصلاح الملائكة لأنه صلاح جبلي . وعدل عن ضمير المتكلم إلى اسم الجلالة ~~الظاهر لقرن هذا الخبر بالمهابة والجلالة . # وقوله : { فبهداهم اقتده } تفريع على كمال ذلك الهدى ، وتخلص إلى ذكر حظ ~~محمد صلى الله عليه وسلم من هدى الله بعد أن قدم قبله مسهب ذكر الأنبياء ~~وهديهم إشارة إلى علو منزلة محمد صلى الله عليه وسلم وأنها منزلة جديدة ~~بالتخصيص بالذكر حيث لم يذكر مع الأنبياء المتقدمين ، وأنه جمع هدى الأولين ~~، وأكملت له الفضائل ، وجمع له ما تفرق من الخصائص والمزايا العظيمة . وفي ~~إفراده بالذكر وترك عده مع الأولين رمز بديع إلى فذاذته وتفرد مقداره ، ~~ورعي بديع لحال مجيء رسالته بعد مرور تلك العصور المتباعدة أو المتجاورة ، ~~ولذلك قدم المجرور وهو { بهداهم } على عامله ، للاهتمام بذلك الهدى لأنه هو ~~منزلتك الجامعة للفضائل والمزايا ، فلا يليق به الاقتداء بهدى هو دون هداهم ~~. ولأجل هذا لم يسبق للنبيء صلى الله عليه وسلم اقتداء بأحد ممن تحنفوا في ~~الجاهلية أو تنصروا أو تهودوا . فقد لقي النبيء صلى الله PageV07P355 عليه ~~وسلم زيد بن عمرو بن نفيلل قبل النبوءة في بلدح وعرض عليه أن يأكل معه من ~~سفرته ، فقال زيد ( { إني لا آكل مما تذبحون على أنصابكم توهما منه أن ~~النبي يدين بدين الجاهلية ، وألهم الله محمدا السكوت عن إجابته إلهاما لحفظ ~~السر المدخر فلم يقل له إني لا أذبح على نصب . ولقي ورقة بن نوفل غير مرة ~~بمكة . ولقي بحيرا الراهب . ولم يقتد بأحد من أولئك وبقي على الفطرة إلى أن ~~جاءته الرسالة . # والاقتداء افتعال من القدوة بضم القاف وكسرها وقياسه على الإسوة يقتضي أن ~~الكسر فيه أشهر . وقال في المصباح } : الضم أكثر . ووقع في ( المقامات ) ~~للحريري ( وقدوة الشحاذين ) فضبط بالضم . وذكره الواسطي في إشرح ألفاظ ~~المقامات ) في القاف المضمومة ، وروى فيه فتح القاف أيضا ، وهو نادر . ~~والقدوة هو الذي ms2702 يعمل غيره مثل عمله ، ولا يعرف له في اللغة فعل مجرد فلم ~~يسمع إلا اقتدى . وكأنهم اعتبروا القدوة اسما جامدا واشتقوا منه الافتعال ~~للدلالة على التكلف كما اشتقوا من اسم الخريف اخترف ، ومن الأسوة ائتسى ، ~~وكما اشتقوا من اسم النمر تنمر ، ومن الحجر تحجر . وقد تستعمل القدوة اسم ~~مصدر لاقتدى . يقال : لي في فلان قدوة كما في قوله تعالى : { لقد كان لكم ~~فيهم أسوة حسنة } ( الممتحنة : 6 ) . # وفي قوله : { فبهداهم اقتده } تعريض للمشركين بأن محمدا صلى الله عليه ~~وسلم ما جاء إلا على سنة الرسل كلهم وأنه ما كان بدعا من الرسل . # وأمر النبيء صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بهداهم يؤذن بأن الله زوى إليه ~~كل فضيلة من فضائلهم التي اختص كل واحد بها سواء ما اتفق منه واتحد ، أو ~~اختلف وافترق ، فإنما يقتدي بما أطلعه الله عليه من فضائل الرسل وسيرهم ، ~~وهو الخلق الموصوف بالعظيم في قوله تعالى : { وإنك لعلى خلق عظيم } ( القلم ~~: 4 ) . PageV07P356 # ويشمل هداهم ما كان منه راجعا إلى أصول الشرائع ، وما كان منه راجعا إلى ~~زكاء النفس وحسن الخلق . وأما ما كان منه تفاريع عن ذلك وأحكاما جزئية من ~~كل ما أبلغه الله إياه بالوحي ولم يأمره باتباعه في الإسلام ولا بين له ~~نسخه ، فقد اختلف علماؤنا في أن الشرائع الإلهية السابقة هل تعتبر أحكامها ~~من شريعة الإسلام إذا أبلغها الله إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يجعل ~~في شريعته ما ينسخها . # وأرى أن أصل الاستدلال لهذا أن الله تعالى إذا ذكر في كتابه أو أوحى إلى ~~رسوله عليه الصلاة والسلام حكاية حكم من الشرائع السابقة في مقام التنويه ~~بذلك والامتنان ولم يقارنه ما يدل على أنه شرع للتشديد على أصحابه عقوبة ~~لهم ، ولا ما يدل على عدم العمل به ، فإن ذلك يدل على أن الله تعالى يريد ~~من المسلمين العمل بمثله إذا لم يكن من أحكام الإسلام ما يخالفه ولا من ~~أصوله ما يأباه ، مثل أصل التيسير ولا يقتضي القياس على حكم إسلامي ما ms2703 ~~يناقض حكما من شرائع من قبلنا . ولا حجة في الآيات التي فيها أمر النبيء ~~صلى الله عليه وسلم باتباع من قبله مثل هذه الآية ، ومثل قوله تعالى : { ثم ~~أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا } ( النحل : 123 ) ومثل قوله تعالى ~~: { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به ~~إبراهيم وموسى وعيسى } ( الشورى : 13 ) ، لأن المقصود من ذلك أصول الديانة ~~وأسس التشريع التي لا تختلف فيها الشرائع ، فمن استدل بقوله تعالى : { ~~فبهداهم اقتده } فاستدلاله ضعيف . قال الغزالي في ( المستصفى ) ( أراد ~~بالهدى التوحيد ودلالة الأدلة العقلية على الوحدانية والصفات لأنه تعالى ~~أمره بالاقتداء بهداهم فلو كان المراد بالهدى شرائعهم لكان أمرا بشرائع ~~مختلفة وناسخة ومنسوخة فدل أنه أراد الهدى المشترك بين جميعهم ) اه . ومعنى ~~هذا أن الآية لا تقوم حجة على المخالف فلا مانع من أن يكون فيها استئناس ~~لمن رأى حجية شرع من قبلنا على الصفات التي ذكرتها آنفا . وفي ( صحيح ~~البخاري ) في تفسير سورة ( ص ) عن العوام قال : سألت مجاهدا عن سجدة ص فقال ~~: سألت ابن PageV07P357 عباس من أين سجدت ( أي من أي دليل أخذت أن تسجد في ~~هذه الآية ، يريد أنها حكاية عن سجود داوود وليس فيها صيغة أمر بالسجود ) ~~فقال : ( أوما تقرأ { أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده } فكان داوود ممن ~~أمر نبيئكم أن يقتدي به فسجدها داوود فسجدها رسول الله ) . # والمذاهب في هذه المسألة أربعة : المذهب الأول : مذهب مالك فيما حكاه ابن ~~بكير وعبد الوهاب والقرافي ونسبوه إلى أكثر أصحاب مالك : أن شرائع من قبلنا ~~تكون أحكاما لنا ، لأن الله أبلغها إلينا . والحجة على ذلك ما ثبت في ~~الصحاح من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في قضية الربيعع بنتت النضر ~~حين كسرت ثنية جارية عمدا أن تكسر ثنيتها فراجعته أمها وقالت : والله لا ~~تكسر ثنية الربيع فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ( كتاب الله ~~القصاص ) ، وليس في كتاب الله حكم القصاص في السن إلا ما حكاه عن ms2704 شرع ~~التوراة بقوله { وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس إلى قوله والسن بالسن } ~~( المائدة : 45 ) . وما في ( الموطأ ) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~: من نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرها فإن الله تعالى يقول في كتابه : { أقم ~~الصلاة لذكري } ( طه : 14 ) وإنما قاله الله حكاية عن خطابه لموسى عليه ~~السلام ، وبظاهر هذه الآية لأن الهدى مصدر مضاف فظاهره العموم ، ولا يسلم ~~كون السياق مخصصا له كما ذهب إليه الغزالي . ونقل علماء المالكية عن أصحاب ~~أبي حنيفة مثل هذا . وكذلك نقل عنهم ابن حزم في كتابه ( الإعراب في الحيرة ~~والالتباس الواقعين في مذاهب أهل الرأي والقياس ) . وفي ( توضيح ) صدر ~~الشريعة حكايته عن جماعة من أصحابهم ولم يعينه . ونقله القرطبي عن كثير من ~~أصحاب الشافعي . وهو منقول في كتب الحنفية عن عامة أصحاب الشافعي . # المذهب الثاني : ذهب أكثر الشافعية والظاهرية : أن شرع من قبلنا ليس شرعا ~~لنا . واحتجوا بقوله تعالى : { لكلل جعلنا PageV07P358 منكم شرعة ومنهاجا } ~~( المائدة : 48 ) . ونسب القرطبي هذا القول للكثير من أصحاب مالك وأصحاب ~~الشافعي . وفي ( توضيح ) صدر الشريعة نسبة مثل هذا القول لجماعة من أصحابهم ~~. # الثالث : إنما يلزم الاقتداء بشرع إبراهيم عليه السلام لقوله تعالى : { ~~ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا } ( النحل : 123 ) . ولم أقف على ~~تعيين من نسب إليه هذا القول . # الرابع : لا يلزم إلا اتباع شريعة عيسى لأنها آخر الشرائع نسخت ما قبلها ~~. ولم أقف على تعيين صاحب هذا القول . قال ابن رشد في ( المقدمات ) : وهذا ~~أضعف الأقوال . # والهاء في قوله : { اقتده } ساكنة عند جمهور القراء ، فهي هاء السكت التي ~~تجلب عند الوقف على الفعل المعتل اللام إذا حذفت لامه للجازم ، وهي تثبت في ~~الوقف وتحذف في الوصل ، وقد ثبتت في المصحف لأنهم كانوا يكتبون أواخر الكلم ~~على مراعاة حال الوقف . وقد أثبتها جمهور القراء في الوصل ، وذلك من إجراء ~~الوصل مجرى الوقف وهو وارد في الكلام الفصيح . والأحسن للقارىء أن يقف ~~عليها جريا على الأفصح ، فجمهور القراء أثبتوها ساكنة ما عدا رواية ms2705 هشام عن ~~ابن عامر فقد حركها بالكسر ، ووجه أبو علي الفارسي هذه القراءة بأنها تجعل ~~الهاء ضمير مصدر ( اقتد ) ، أي اقتد الاقتداء ، وليست هاء السكت ، فهي ~~كالهاء في قوله تعالى : { عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين } ( المائدة : ~~115 ) أي لا أعذب ذلك العذاب أحدا . وقرأ حمزة ، والكسائي ، وخلف ، بحذف ~~الهاء في حالة الوصل على القياس الغالب . # { قل لا أسألكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين } . # استئناف عقب به ذلك البيان العظيم الجامع لأحوال كثير من الأمم . ~~والإيماء إلى نبوءة جمع من الأنبياء والصالحين ، وبيان طريقة الجدل في ~~تأييد الدين ، وأنه ما جاء إلا كما جاءت ملل تلك الرسل ، فلذلك ذيله الله ~~بأمر رسوله أن يذكر قومه بأنه يذكرهم . كما ذكرت الرسل أقوامهم ، وأنه ~~PageV07P359 ما جاء إلا بالنصح لهم كما جاءت الرسل . وافتتح الكلام بفعل { ~~قل } للتنبيه على أهميته كما تقدم في هذه السورة غير مرة . وقدم ذلك بقوله ~~: { لا أسألكم عليه أجرا } أي لست طالب نفع لنفسي على إبلاغ القرآن ، ليكون ~~ذلك تنبيها للاستدلال على صدقه لأنه لو كان يريد لنفسه نفعا لصانعهم ~~ووافقهم . قال في ( الكشاف ) في سورة هود ( 51 ) عند قوله تعالى حكاية من ~~هود { يا قوم لا أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون ~~} . ما من رسول إلا واجه قومه بهذا القول لأن شأنهم النصيحة والنصيحة لا ~~يمحصها ولا يمحضها إلا حسم المطامع وما دام يتوهم شيء منها لم تنفع ولم ~~تنجع اه . # قلت : وحكى الله عن نوح مثل هذا في قوله في سورة هود ( 29 ) { ويا قوم لا ~~أسألكم عليه مالا إن أجري إلا على الله . وقال لرسوله أيضا في سورة الشورى ~~( 23 ) قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى . فليس المقصود من ~~قوله : لا أسألكم عليه أجرا } رد اعتقاد معتقد أو نفي تهمة قيلت ولكن ~~المقصود به الاعتبار ولفت النظر إلى محض نصح الرسول صلى الله عليه وسلم في ~~رسالته وأنها لنفع الناس لا يجر منها نفعا إلى ms2706 نفسه . # والضمير في قوله : { عليه } وقوله : { إن هو } راجع إلى معروف في الأذهان ~~؛ فإن معرفة المقصود من الضمير مغنية عن ذكر المعاد مثل قوله تعالى : { حتى ~~توارت بالحجاب } ( ص : 32 ) ، وكما في حديث عمر في خبر إيلاء النبيء صلى ~~الله عليه وسلم ( فنزل صاحبي الأنصاري يوم نوبته فضرب بأبي ضربا شديدا فقال ~~: أثم هو ) . ألخ . والتقدير : لا أسألكم على التبليغ أو الدعاء أجرا وما ~~دعائي وتبليغي إلا ذكرى بالقرآن وغيره من الأقوال . # والذكرى اسم مصدر الذكر بالكسر ، وهو ضد النسيان ، وتقدم آنفا . والمراد ~~بها هنا ذكر التوحيد والبعث والثواب والعقاب . PageV07P360 # وجعل الدعوة ذكرى للعالمين ، لأن دعوته صلى الله عليه وسلم عامة لسائر ~~الناس . وقد أشعر هذا بأن انتفاء سؤال الأجر عليه لسببين : أحدهما : أنه ~~ذكرى لهم ونصح لنفعهم فليس محتاجا لجزاء منهم ، ثانيهما : أنه ذكرى لغيرهم ~~من الناس وليس خاصا بهم . # $ 2 ( 91 ) { وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا مآ أنزل الله على بشر من ~~شىء قل من أنزل الكتاب الذى جآء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس ~~تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلمو & # 1764 ا أنتم ولا ءاباؤكم قل الله ثم ذرهم فى خوضهم يلعبون } . ) 2 $ # وجود واو العطف في صدر هذه الجملة ينادي على أنها نزلت متناسقة مع الجمل ~~التي قبلها ، وأنها وإياها واردتان في غرض واحد هو إبطال مزاعم المشركين ، ~~فهذا عطف على جملة { فإن يكفر بها هؤلاء } ( الأنعام : 89 ) ، وأنها ليست ~~ابتدائية في غرض آخر . فواو الضمير في قوله { قدروا } عائد على ما عاد إليه ~~اسم الإشارة في قوله : { هؤلاء } ( الأنعام : 89 ) كما علمت آنفا . ذلك أن ~~المشركين لما استشعروا نهوض الحجة عليهم في نزول القرآن بأنه ليس بدعا مما ~~نزل على الرسل ، ودحض قولهم : { لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا } ( ~~الفرقان : 7 ) توغلوا في المكابرة والجحود فقالوا { ما أنزل الله على بشر ~~من شيء } وتجاهلوا ما كانوا يقولونه عن إبراهيم عليه السلام وما يعلمونه من ~~رسالة موسى عليه السلام وكتابه . فروى ms2707 الطبري عن ابن عباس ومجاهد : أن قائل ~~ذلك هم المشركون من قريش . # وقد جاءت هذه الآية في هذا الموقع كالنتيجة لما قبلها من ذكر الأنبياء ~~وما جاءوا به من الهدى والشرائع والكتب ، فلا جرم أن الذين قالوا : ما أنزل ~~الله PageV07P361 على بشر من شيء ، قد جاءوا إفكا وزورا وأنكروا ما هو ~~معلوم في أجيال البشر بالتواتر . وهذه الجملة مثل ما حكاه الله عنهم في ~~قوله : { وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه } ( سبأ ~~: 31 ) . ومن أئمة التفسير من جعل هذا حكاية لقول بعض اليهود ، واختلفوا في ~~أنه معين أو غير معين ، فعن ابن عباس أيضا ، وسعيد بن جبير ، والحسن ، ~~والسدي : أن قائل { ما أنزل الله على بشر من شيء } بعض اليهود وروي عن سعيد ~~بن جبير وعكرمة أن قائل ذلك مالك بن الصيف القرظي وكان من أحبار اليهود ~~بالمدينة ، وكان سمينا وأنه جاء يخاصم النبيء صلى الله عليه وسلم فقال له ~~النبيء ( أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى أما تجد في التوراة أن الله ~~يبغض الحبر السمين ) فغضب وقال : والله ما أنزل الله على بشر من شيء . وعن ~~السدي : أن قائله فنحاص اليهودي . ومحمل ذلك كله على أن قائل ذلك منهم قاله ~~جهلا بما في كتبهم فهو من عامتهم ، أو قاله لجاجا وعنادا . وأحسب أن هذه ~~الروايات هي التي ألجأت رواتها إلى ادعاء أن هذه الآيات نزلت بالمدينة ، ~~كما تقدم في الكلام على أول هذه السورة . # وعليه يكون وقع هذه الآيات في هذا الموقع لمناسبة قوله : { أولئك الذين ~~آتيناهم الكتاب } ( الأنعام : 89 ) الآية ، وتكون الجملة كالمعترضة في خلال ~~إبطال حجاج المشركين . وحقيقة { قدروا } عينوا القدر وضبطوه أي ، علموه ~~علما عن تحقق . # والقدر بفتح فسكون مقياس الشيء وضابطه ، ويستعمل مجازا في علم الأمر ~~بكنهه وفي تدبير الأمر . يقال : قدر القوم أمرهم يقدرونه بضم الدال في ~~المضارع ، أي ضبطوه ودبروه . وفي الحديث قول عائشة : ( فاقدروا قدر الجارية ~~الحديثة السن ) . وهو هنا مجاز في العلم الصحيح ، أي ما عرفوا ms2708 الله حق ~~معرفته وما علموا شأنه وتصرفاته حق العلم بها ، فانتصب { حق } على النيابة ~~عن المفعول المطلق لإضافته إلى المصدر وهو { قدره } ، والإضافة هنا من ~~إضافة الصفة إلى الموصوف . والأصل : ما قدروا الله قدره الحق . # و { إذ قالوا } ظرف ، أي ما قدروه حين قالوا { ما أنزل الله } لأنهم لما ~~نفوا شأنا عظيما من شؤون الله ، وهو شأن هديه الناس وإبلاغهم مراده بواسطة ~~الرسل ، PageV07P362 قد جهلوا ما يفضي إلى الجهل بصفة من صفات الله تعالى ~~التي هي صفة الكلام ، وجهلوا رحمته للناس ولطفه بهم . # ومقالهم هذا يعم جميع البشر لوقوع النكرة في سياق النفي لنفي الجنس ، ~~ويعم جميع ما أنزل باقترانه ب { من } في حيز النفي للدلالة على استغراق ~~الجنس أيضا ، ويعم إنزال الله تعالى الوحي على البشر بنفي المتعلق بهذين ~~العمومين . # والمراد ب { شيء } هنا شيء من الوحي ، ولذلك أمر الله نبيه بأن يفحمهم ~~باستفهامم تقرير وإلجاء بقوله : { من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى } ~~فذكرهم بأمر لا يستطيعون جحده لتواتره في بلاد العرب ، وهو رسالة موسى ~~ومجيئه بالتوراة وهي تدرس بين اليهود في البلد المجاور مكة ، واليهود ~~يترددون على مكة في التجارة وغيرها ، وأهل مكة يترددون على يثرب وما حولها ~~وفيها اليهود وأحبارهم ، وبهذا لم يذكرهم الله برسالة إبراهيم عليه السلام ~~لأنهم كانوا يجهلون أن الله أنزل عليه صحفا فكان قد يتطرقه اختلاف في كيفية ~~رسالته ونبوءته . وإذا كان ذلك لا يسع إنكاره كما اقتضاه الجواب آخر الآية ~~بقوله : { قل الله } فقد ثبت أن الله أنزل على أحد من البشر كتابا فانتقض ~~قولهم : { ما أنزل الله على بشر من شيء } على حسب قاعدة نقض السالبة الكلية ~~بموجبة جزئية . وافتتح بالأمر بالقول للاهتمام بهذا الإفحام ، وإلا فإن ~~القرآن كله مأمور النبيء صلى الله عليه وسلم بأن يقوله . # والنور : استعارة للوضوح والحق ، فإن الحق يشبه بالنور ، كما يشبه الباطل ~~بالظلمة . قال أبو القاسم علي التنوخي : # وكأن النجوم بين دجاها # سنن لاح بينهن ابتداع # ولذلك عطف عليه { هدى } . ونظيره قوله في سورة ms2709 المائدة ( 44 ) { إنا ~~أنزلنا التوراة فيها هدى ونور . ولو أطلق النور على سبب الهدى لصح لولا ~~PageV07P363 هذا العطف ، كما قال تعالى عن القرآن ولكن جعلناه نورا نهدي به ~~من نشاء من عبادنا } ( الشورى : 52 ) . وقد انتصب { نورا } على الحال . # والمراد بالناس اليهود ، أي ليهديهم ، فالتعريف فيه للاستغراق ، إلا أنه ~~استغراق عرفي ، أي الناس الذين هم قومه بنو إسرائيل . # وقوله : { تجعلونه قراطيس } يجوز أن يكون صفة سببية للكتاب ، ويجوز أن ~~يكون معترضا بين المتعاطفات . # قرأ { تجعلونه وتبدون وتخفون } بتاء الخطاب من عدا ابن كثير ، وأبا عمرو ~~، ويعقوب ، من العشرة ، فإما أن يكون الخطاب لغير المشركين إذ الظاهر أن ~~ليس لهم عمل في الكتاب الذي أنزل على موسى ولا باشروا إبداء بعضه وإخفاء ~~بعضه فتعين أن يكون خطابا لليهود على طريقة الإدماج ( أي الخروج من خطاب ~~إلى غيره ) تعريضا باليهود وإسماعا لهم وإن لم يكونوا حاضرين من باب إياك ~~أعني واسمعي يا جارة ، أو هو التفات من طريق الغيبة الذي هو مقتضى المقام ~~إلى طريق الخطاب . وحقه أن يقال يجعلونه بياء المضارع للغائب كما قرأ غير ~~هؤلاء الثلاثة القراء . وإما أن يكون خطابا للمشركين . ومعنى كونهم يجعلون ~~كتاب موسى قراطيس يبدون بعضها ويخفون بعضها أنهم سألوا اليهود عن نبوءة ~~محمد صلى الله عليه وسلم فقرأوا لهم ما في التوراة من التمسك بالسبتت ، أي ~~دين اليهود ، وكتموا ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم الذي يأتي من بعد ، ~~فأسند الإخفاء والإبداء إلى المشركين مجازا لأنهم كانوا مظهرا من مظاهر ذلك ~~الإخفاء والإبداء . ولعل ذلك صدر من اليهود بعد أن دخل الإسلام المدينة ~~وأسلم من أسلم من الأوس والخزرج ، فعلم اليهود وبال عاقبة ذلك عليهم فأغروا ~~المشركين بما يزيدهم تصميما على المعارضة . وقد قدمت ما PageV07P364 يرجح ~~أن سورة الأنعام نزلت في آخر مدة إقامة رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ~~، وذلك يوجب ظننا بأن هذه المدة كانت مبدأ مداخلة اليهود لقريش في مقاومة ~~الدعوة الإسلامية بمكة حين بلغت إلى المدينة . # قرأ ابن كثير ، وأبو ms2710 عمرو ، ويعقوب { يجعلونه ، ويبدونها ، ويخفون } ~~بالتحتية فتكون ضمائر الغيبة عائدة إلى معروف عند المتكلم ، وهم يهود ~~الزمان الذين عرفوا بذلك . # والقراطيس جمع قرطاس . وقد تقدم عند قوله تعالى : { ولو نزلنا عليك كتابا ~~في قرطاس في هذه السورة ( 7 ) . وهو الصحيفة من أي شيء كانت من رق أو كاغد ~~أو خرقة . أي تجعلون الكتاب الذي أنزل على موسى أوراقا متفرقة قصدا لإظهار ~~بعضها وإخفاء بعض آخر . # وقوله : تبدونها وتخفون كثيرا } صفة لقراطيس ، أي تبدون بعضها وتخفون ~~كثيرا منها ، ففهم أن المعنى تجعلونه قراطيس لغرض إبداء بعض وإخفاء بعض . # وهذه الصفة في محل الذم فإن الله أنزل كتبه للهدى ، والهدى بها متوقف على ~~إظهارها وإعلانها ، فمن فرقها ليظهر بعضا ويخفي بعضا فقد خالف مراد الله ~~منها . فأما لو جعلوه قراطيس لغير هذا المقصد لما كان فعلهم مذموما ، كما ~~كتب المسلمون القرآن في أجزاء منفصلة لقصد الاستعانة على القراءة ، وكذلك ~~كتابة الألواح في الكتاتيب لمصلحة . # وفي ( جامع العتبية ) في سماع ابن القاسم عن مالك { سئل مالك رحمه الله ~~عن القرآن يكتب أسداسا وأسباعا في المصاحف ، فكره ذلك كراهية شديدة وعابها ~~وقال لا يفرق القرآن وقد جمعه الله وهؤلاء يفرقونه ولا أرى ذلك اه . قال ~~ابن رشد في البيان والتحصيل } : القرآن أنزل إلى النبيء صلى PageV07P365 ~~الله عليه وسلم شيئا بعد شيء حتى كمل واجتمع جملة واحدة فوجب أن يحافظ على ~~كونه مجموعا ، فهذا وجه كراهية مالك لتفريقه اه . # قلت : ولعله إنما كره ذلك خشية أن يكون ذلك ذريعة إلى تفرق أجزاء المصحف ~~الواحد فيقع بعضها في يد بعض المسلمين فيظن أن ذلك الجزء هو القرآن كله ، ~~ومعنى قول مالك : وقد جمعه الله ، أن الله أمر رسوله صلى الله عليه وسلم ~~بجمعه بعد أن نزل منجما ، فدل ذلك على أن الله أراد جمعه فلا يفرق أجزاء . ~~وقد أجاز فقهاء المذهب تجزئة القرآن للتعلم ومس جزئه على غير وضوء ، ومنه ~~كتابته في الألواح . # وقوله : { وعلمتم ما لم تعلموا } في موضع الحال من كلام مقدر دل عليه ms2711 قوة ~~الاستفهام لأنه في قوة أخبروني ، فإن الاستفهام يتضمن معنى الفعل . # ووقوع الاستفهام بالاسم الدال على طلب تعيين فاعل الإنزال يقوي معنى ~~الفعل في الاستفهام إذ تضمن اسم الاستفهام فعلا وفاعلا مستفهما عنهما ، أي ~~أخبروني عن ذلك وقد علمكم الله بالقرآن الذي أنكرتم كونه من عند الله ، ~~احتججتم على إنكار ذلك بنفي أن ينزل الله على بشر شيئا ، ولو أنصفتم لوجدتم ~~وإمارة نزوله من عند الله ثابتة فيه غير محتاج معها للاستدلال عليه . وهذا ~~الخطاب أشد انطباقا على المشركين لأنهم لم يكونوا عالمين بأخبار الأنبياء ~~وأحوال التشريع ونظامه فلما جاءهم محمد عليه الصلاة والسلام علم ذلك من آمن ~~علما راسخا ، وعلم ذلك من بقي على كفره بما يحصل لهم من سماع القرآن عند ~~الدعوة ومن مخالطيهم من المسلمين ، وقد وصفهم الله بمثل هذا في آيات أخرى ، ~~كقوله تعالى : { تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا ~~قومك من قبل هذا } ( هود : 49 ) . # ويجوز أن تكون جملة : { وعلمتم } عطفا على جملة : { أنزل الكتاب } على ~~اعتبار المعنى كأنه قيل : وعلمكم ما لم تعلموا . PageV07P366 ووجه بناء فعل ~~{ علمتم } للمجهول ظهور الفاعل ، ولأنه سيقول { قل الله } . # فإذا تأولنا الآية بما روي من قصة مالك بن الصيف المتقدمة فالاستفهام ~~بقوله { من أنزل الكتاب } تقريري ، إما لإبطال ظاهر كلامهم من جحد تنزيل ~~كتاب على بشر ، على طريقة إفحام المناظر بإبداء ما في كلامه من لوازم ~~الفساد ، مثل فساد اطراد التعريف أو انعكاسه ، وإما لإبطال مقصودهم من ~~إنكار رسالة محمد صلى الله عليه وسلم بطريقة الإلزام لأنهم أظهروا أن رسالة ~~محمد عليه الصلاة والسلام كالشيء المحال فقيل لهم على سبيل التقرير { من ~~أنزل الكتاب الذي جاء به موسى } ولا يسعهم إلا أن يقولوا : الله ، فإذا ~~اعترفوا بذلك فالذي أنزل على موسى كتابا لم لا ينزل على محمد مثله ، كما ~~قال تعالى : { أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله } ( النساء : 54 ~~) الآية . # ثم على هذا القول تكون قراءة : { تجعلونه قراطيس } بالفوقية جارية على ms2712 ~~الظاهر ، وقراءته بالتحتية من قبيل الالتفات . ونكتته أنهم لما أخبر عنهم ~~بهذا الفعل الشنيع جعلوا كالغائبين عن مقام الخطاب . # والمخاطب بقوله : { وعلمتم } على هذا الوجه هم اليهود ، فتكون الجملة ~~حالا من ضمير { تجعلونه } ، أي تجعلونه قراطيس تخفون بعضها في حال أن الله ~~علمكم على لسان محمد ما لم تكونوا تعلمون ، ويكون ذلك من تمام الكلام ~~المعترض به . # ويجيء على قراءة { يجعلونه قراطيس } بالتحتية أن يكون الرجوع إلى الخطاب ~~بعد الغيبة التفاتا أيضا . وحسنه أنه لما أخبر عنهم بشيء حسن عاد إلى مقام ~~الخطاب ، أو لأن مقام الخطاب أنسب بالامتنان . # واعلم أن نظم الآية صالح للرد على كلا الفريقين مراعاة لمقتضى الروايتين ~~. فعلى الرواية الأولى فواو الجماعة في ( قدروا وقالوا ) عائدة إلى ما عاد ~~إليه إشارة هؤلاء ، وعلى الرواية الثانية فالواو واو الجماعة مستعملة في ~~واحد معين على طريقة PageV07P367 التعريض بشخص من باب ( ما بال أقوام ~~يشترطون شروطا ليست في كتاب الله ) ، وذلك من قبيل عود الضمير على غير ~~مذكور اعتمادا على أنه مستحضر في ذهن السامع . # وقوله : { قل الله } جواب الاستفهام التقريري . وقد تولى السائل الجواب ~~لنفسه بنفسه لأن المسؤول لا يسعه إلا أن يجيب بذلك لأنه لا يقدر أن يكابر ، ~~على ما قررته في تفسير قوله تعالى : { قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله ~~في هذه السورة ( 12 ) . # والمعنى قل الله أنزل الكتاب على موسى . وإذا كان وعلمتم ما لم تعلموا } ~~معطوفا على جملة { أنزل } كان الجواب شاملا له ، أي الله علمكم ما لم ~~تعلموا فيكون جوابا عن الفعل المسند إلى المجهول بفعل مسند إلى المعلوم على ~~حد قول ضرار بن نهشل أو الحارث النهشلي يرثي أخاه يزيد : # ليبك يزيد ضارع لخصومة # ومختبط مما تطيح الطوائح # كأنه سئل من يبكيه فقال : ضارع . # وعطف { ثم ذرهم في خوضهم يلعبون } بثم للدلالة على الترتيب الرتبي ، أي ~~أنهم لا تنجع فيهم الحجج والأدلة فتركهم وخوضهم بعد التبليغ هو الأولى ولكن ~~الاحتجاج عليهم لتبكيتهم وقطع معاذيرهم . # وقوله : { في خوضهم } متعلق ب { ذرهم ms2713 } . وجملة { يلعبون } حال من ضمير ~~الجمع . وتقدم القول في ( ذر ) في قوله تعالى : { وذر الذين اتخذوا دينهم } ~~( الأنعام : 70 ) . # والخوض تقدم في قوله تعالى : { وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض ~~عنهم } ( الأنعام : 68 ) . واللعب تقدم في { وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ~~في هذه السورة ( 70 ) . # # | 2 ( 92 ) وهاذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذى بين يديه PageV07P368 ~~ولتنذر أم القرى ومن حولها والذين يؤمنون بالاخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم ~~يحافظون } . ) 2 # { وهذا كتاب } عطف على جملة { قل الله } ( الأنعام : 91 ) ، أي وقل لهم ~~الله أنزل الكتاب على موسى وهذا كتاب أنزلناه . والإشارة إلى القرآن لأن ~~المحاولة في شأنه من ادعائهم نفي نزوله من عند الله ، ومن تبكيتهم بإنزال ~~التوراة ، يجعل القرآن كالحاضر المشاهد ، فأتي باسم الإشارة لزيادة تمييزه ~~تقوية لحضوره في الأذهان . # وافتتاح الكلام باسم الإشارة المفيد تمييز الكتاب أكمل تمييز ، وبناء فعل ~~{ أنزلنا } على خبر اسم الإشارة ، وهو { كتاب } الذي هو عينه في المعنى ، ~~لإفادة التقوية ، كأنه قيل : وهذا أنزلناه . # وجعل { كتاب } الذي حقه أن يكون مفعول { أنزلنا } مسندا إليه ، ونصب فعل ~~{ أنزلنا } لضميره ، لإفادة تحقيق إنزاله بالتعبير عنه مرتين ، وذلك كله ~~للتنويه بشأن هذا الكتاب . # وجملة : { أنزلناه } يجوز أن تكون حالا من اسم الإشارة ، أو معترضة بينه ~~وبين خبره . و { مبارك } خبر ثان . والمبارك اسم مفعول من باركه ، وبارك ~~عليه ، وبارك فيه ، وبارك له ، إذا جعل له البركة . والبركة كثرة الخير ~~ونماؤه يقال : باركه . قال تعالى : { أن بورك من في النار ومن حولها } ( ~~النمل : 8 ) ، ويقال : بارك فيه ، قال تعالى : { وبارك فيها } ( فصلت : 10 ~~) . # ولعل قولهم ( بارك فيه ) إنما يتعلق به ما كانت البركة حاصلة للغير في ~~زمنه أو مكانه ، وأما ( باركه ) فيتعلق به ما كانت البركة صفة له ، و ( ~~بارك PageV07P369 عليه ) جعل البركة متمكنة منه ، ( وبارك له ) جعل أشياء ~~مباركة لأجله ، أي بارك فيما له . # والقرآن مبارك لأنه يدل على الخير العظيم ، فالبركة كائنة به ، فكأن ~~البركة جعلت في ألفاظه ، ولأن الله تعالى قد أودع فيه بركة ms2714 لقارئه المشتغل ~~به بركة في الدنيا وفي الآخرة ، ولأنه مشتمل على ما في العمل به كمال النفس ~~وطهارتها بالمعارف النظرية ثم العملية . فكانت البركة ملازمة لقراءته وفهمه ~~. قال فخر الدين ( قد جرت سنة الله تعالى بأن الباحث عنه ( أي عن هذا ~~الكتاب ) المتمسك به يحصل له عز الدنيا وسعادة الآخرة . وأنا قد نقلت ~~أنواعا من العلوم النقلية والعقلية فلم يحصل لي بسبب شيء من العلوم من ~~أنواع السعادات في الدنيا مثل ما حصل لي بسبب خدمة هذا العلم ( يعني ~~التفسير ) . # و { مصدق } خبر عن { كتاب } بدون عطف . والمصدق تقدم عند قوله تعالى : { ~~مصدقا لما بين يديه في سورة البقرة ( 97 ) ، وقوله ومصدقا لما بين يدي وفي ~~سورة آل عمران ( 50 ) . والذي } من قوله : { الذي بين يديه } اسم موصول ~~مراد به معنى جمع . وإذ قد كان جمع الذي وهو لا يستعمل في كلام العرب إلا ~~إذا أريد به العاقل وشبهه ، نحو { إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم ~~} ( الأعراف : 194 ) لتنزيل الأصنام منزلة العاقل في استعمال الكلام عرفا . ~~فلا يستعمل في جمع غير العاقل إلا الذي المفرد ، نحو قوله تعالى : { والذي ~~جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون } ( الزمر : 33 ) . # والمراد ب { الذي بين يديه } ما تقدمه من كتب الأنبياء ، وأخصها التوراة ~~والإنجيل والزبور ، لأنها آخر ما تداوله الناس من الكتب المنزلة على ~~الأنبياء ، وهو مصدق الكتب النازلة قبل هذه الثلاثة وهي صحف إبراهيم وموسى ~~. # ومعنى كون القرآن مصدقها من وجهين ، أحدهما : أن في هذه الكتب الوعد ~~PageV07P370 بمجيء الرسول المقفى على نبوءة أصحاب تلك الكتب ، فمجيء القرآن ~~قد أظهر صدق ما وعدت به تلك الكتب ودل على أنها من عند الله . # وثانيهما : أن القرآن مصدق أنبيائها وصدقها وذكر نورها وهداها ، وجاء بما ~~جاءت به من أصول الدين والشريعة . ثم إن ما جاء به من الأحكام التي لم تكن ~~ثابتة فيها لا يخالفها . وأما ما جاء به من الأحكام المخالفة للأحكام ~~المذكورة فيها من فروع الشريعة فذلك قد يبين فيه أنه ms2715 لأجل اختلاف المصالح ، ~~أو لأن الله أراد التيسير بهذه الأمة . # ومعنى : { بين يديه } ما سبقه ، وقد تقدم بيانه عند قوله تعالى : { فإنه ~~نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه في سورة البقرة ( 97 ) ، وعند ~~قوله : ومصدقا لما بين يدي من التوراة في سورة آل عمران ( 50 ) . # وأما جملة ولتنذر أم القرى } فوجود واو العطف في أولها مانع من تعليق { ~~لتنذر } بفعل { أنزلناه } ، ومن جعل المجرور خبرا عن { كتاب } خلافا ~~للتفتزاني ، إذ الخبر إذا كان مجرورا لا يقترن بواو العطف ولا نظير لذاك في ~~الاستعمال ، فوجود لام التعليل مع الواو مانع من جعلها خبرا آخر ل { كتاب } ~~، فلا محيص عند توجيه انتظامها مع ما قبلها من تقدير محذوف أو تأويل بعض ~~ألفاظها ، والوجه عندي أنه معطوف على مقدر ينبىء عنه السياق . والتقدير : ~~ليؤمن أهل الكتاب بتصديقه ولتنذر المشركين . ومثل هذا التقدير يطرد في ~~نظائر هذه الآية بحسب ما يناسب أن يقدر . وهذا من أفانين الاستعمال الفصيح ~~. ونظيره قوله تعالى : { هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله ~~واحد وليذكر أولوا الألباب في سورة إبراهيم ( 52 ) . # ووقع في الكشاف } أن { ولتنذر } معطوف على ما دلت عليه صفة الكتاب ، كأنه ~~قيل : أنزلناه للبركات وتصديقق ما تقدمه والإنذار اه . وهذا وإن استتب في ~~هذه الآية فهو لا يحسن في آية سورة إبراهيم ، لأن لفظ ( بلاغ ) اسم ليس ~~PageV07P371 فيه ما يشعر بالتعليل ، و ( للناس ) متعلق به واللام فيه ~~للتبليغ لا للتعليل ، فتعين تقدير شيء بعده نحو لينتبهوا أو لئلا يؤخذوا ~~على غفلة ولينذروا به . # والإنذار : الإخبار بما فيه توقع ضر ، وضده البشارة . وقد تقدم عند قوله ~~تعالى : { إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا } في سورة البقرة ( 119 ) . ~~واقتصر عليه لأن المقصود تخويف المشركين إذ قالوا : { ما أنزل الله على بشر ~~من شيء } ( الأنعام : 91 ) . # وأم القرى : مكة ، وأم الشيء استعارة شائعة في الأمر الذي يرجع إليه ~~ويلتف حوله ، وحقيقة الأم الأنثى التي تلد الطفل فيرجع الولد إليها ~~ويلازمها ، وشاعت استعارة الأم للأصل والمرجع ms2716 حتى صارت حقيقة ، ومنه سميت ~~الراية أما ، وسمي أعلى الرأس أم الرأس ، والفاتحة أم القرآن . وقد تقدم ~~ذلك في تسمية الفاتحة . وإنما سميت مكة أم القرى لأنها أقدم القرى وأشهرها ~~وما تقرت القرى في بلاد العرب إلا بعدها ، فسماها العرب أم القرى ، وكان ~~عرب الحجاز قبلها سكان خيام . # وإنذار أم القرى بإنذار أهلها ، وهذا من مجاز الحذف كقوله تعالى : { ~~واسأل القرية } ( يوسف : 82 ) ، وقد دل عليه قوله { ومن حولها } ، أي ~~القبائل القاطنة حول مكة مثل خزاعة ، وسعد بن بكر ، وهوازن ، وثقيف ، ~~وكنانة . # ووجه الاقتصار على أهل مكة ومن حولها في هذه الآية أنهم الذين جرى الكلام ~~والجدال معهم من قوله : { وكذب به قومك وهو الحق } ( الأنعام : 66 ) ، إذ ~~السورة مكية وليس في التعليل ما يقتضي حصر الإنذار بالقرآن فيهم حتى نتكلف ~~الادعاء أن { من حولها } مراد به جميع أهل الأرض . # وقرأ الجمهور { ولتنذر أم القرى } بالخطاب ، وقرأه أبو بكر وحده عن عاصم ~~{ ولينذر } بياء الغائب على أن يكون الضمير عائدا إلى { كتاب } . # وقوله : { والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به } احتراس من شمول الإنذار ~~للمؤمنين الذين هم يومئذ بمكة وحولها المعروفون بهذه الصلة دون غيرهم من ~~PageV07P372 أهل مكة ، ولذلك عبر عنهم بهذا الموصول لكونه كاللقب لهم ، وهو ~~مميزهم عن أهل الشرك لأن أهل الشرك أنكروا الآخرة . وليس في هذا الموصول ~~إيذان بالتعليل ، فإن اليهود والنصارى يؤمنون بالآخرة ولم يؤمنوا بالقرآن ~~ولكنهم لم يكونوا من أهل مكة يومئذ . # وأخبر عن المؤمنين بأنهم يؤمنون بالقرآن تعريضا بأنهم غير مقصودين ~~بالإنذار فيعلم أنهم أحقاء بضده وهو البشارة . # وزادهم ثناء بقوله : { وهم على صلاتهم يحافظون } إيذانا بكمال إيمانهم ~~وصدقه ، إذ كانت الصلاة هي العمل المختص بالمسلمين ، فإن الحج كان يفعله ~~المسلمون والمشركون ، وهذا كقوله : { هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ~~ويقيمون الصلاة } ( البقرة : 2 ، 3 ) ولم يكن الحح مشروعا للمسلمين في مدة ~~نزول هذه السورة . # $ 2 ( 93 ) { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحى إلى ولم يوح ~~إليه شىء ومن قال سأنزل مثل مآ ms2717 أنزل الله ولو ترى & # 1764 إذ الظالمون فى غمرات الموت والملائكة باسطو & # 1764 ا أيديهم أخرجو & # 1764 ا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق ~~وكنتم عن ءاياته تستكبرون } . ) 2 $ # { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحى إلى ولم يوح إليه شىء ~~ومن قال سأنزل مثل مآ أنزل الله ولو ترى & # 1764 إذ الظالمون فى غمرات الموت والملائكة باسطو & # 1764 ا أيديهم أخرجو & # 1764 ا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق ~~وكنتم عن ءاياته تستكبرون } . # لما تقضى إبطال ما زعموه من نفي الإرسال والإنزال والوحي ، الناشيء عن ~~مقالهم الباطل ، إذ قالوا { ما أنزل الله على بشر من شيء } ( الأنعام : 91 ~~) ، وعقب ذلك بإثبات ما لأجله جحدوا إرسال الرسل وإنزال الوحي على بشر ، ~~وهو إثبات أن هذا الكتاب منزل من الله ، عقب بعد ذلك بإبطال ما اختلقه ~~المشركون من الشرائع الضالة في أحوالهم التي شرعها لهم عمرو بن لحي من ~~عبادة الأصنام ، وزعمهم أنهم شفعاء لهم عند الله ، وما يستتبع ذلك من ~~البحيرة ، والسائبة ، وما لم يذكر اسم الله عليه من الذبائح ، وغير ذلك . ~~فهم ينفون الرسالة تارة في حين أنهم يزعمون أن الله أمرهم بأشياء فكيف ~~بلغهم ما أمرهم الله به في زعمهم ، وهم قد قالوا : { ما أنزل الله على بشر ~~من شيء } ( الأنعام : 91 ) . فلزمهم أنهم قد كذبوا على الله فيما زعموا أن ~~الله أمرهم به لأنهم عطلوا طريق وصول مراد الله إلى خلقه وهو طريق الرسالة ~~فجاءوا بأعجب مقالة . PageV07P373 # وذكر من استخفوا بالقرآن فقال بعضهم : أنا أوحي إلي ، وقال بعضهم : أنا ~~أقول مثل قول القرآن ، فيكون المراد بقوله : { ومن أظلم ممن افترى على الله ~~كذبا } تسفيه عقائد أهل الشرك والضلالة منهم على اختلافها واضطرابها . ~~ويجوز أن يكون المراد مع ذلك تنزيه النبيء صلى الله عليه وسلم عما رموه به ~~من الكذب على الله حين قالوا : { ما أنزل الله على بشر من شيء } ( الأنعام ~~: 91 ms2718 ) لأن الذي يعلم أنه لا ظلم أعظم من الافتراء على الله وادعاء الوحي ~~باطلا لا يقدم على ذلك ، فيكون من ناحية قول هرقل لأبي سفيان ( وسألتك هل ~~كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال فذكرت أن لا ، فقد أعرف أنه لم يكن ~~ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله ) . # والاستفهام إنكاري فهو في معنى النفي ، أي لا أحد أظلم من هؤلاء أصحاب ~~هذه الصلات . ومساقه هنا مساق التعريض بأنهم الكاذبون إبطالا لتكذيبهم ~~إنزال الكتاب ، وهو تكذيب دل عليه مفهوم قوله : { والذين يؤمنون بالآخرة ~~يؤمنون به } ( الأنعام : 92 ) لاقتضائه أن الذين لا يؤمنون بالآخرة وهم ~~المشركون يكذبون به ؛ ومنهم الذي قال : أوحي إلي ؛ ومنهم الذي قال : سأنزل ~~مثل ما أنزل الله ؛ ومنهم من افترى على الله كذبا فيما زعموا أن الله أمرهم ~~بخصال جاهليتهم . ومثل هذا التعريض قوله تعالى في سورة العقود ( 60 ) { قل ~~هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه الآية عقب ~~قوله : يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزؤا ولعبا من ~~الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء } ( المائدة : 57 ) الآية . # وتقدم القول في { ومن أظلم } عند قوله تعالى : { ومن أظلم ممن منع مساجد ~~الله أن يذكر فيها اسمه في سورة البقرة ( 114 ) . # وافتراء : الاختلاق ، وتقدم في قوله تعالى : ولكن الذين كفروا يفترون على ~~الله الكذب في سورة العقود ( 103 ) . # ومن } موصولة مراد به الجنس ، أي كل من افترى أو قال ، وليس PageV07P374 ~~المراد فردا معينا ، فالذين افتروا على الله كذبا هم المشركون لأنهم حللوا ~~وحرموا بهواهم وزعموا أن الله أمرهم بذلك ، وأثبتوا لله شفعاء عنده كذبا . # و { أو قال أوحي إلي } عطف على صلة { من } ، أي كل من ادعى النبوءة كذبا ~~، ولم يزل الرسل يحذرون الناس من الذين يدعون النبوءة كذبا كما قدمته . روي ~~أن المقصود بهذا مسيلمة متنبىء أهل اليمامة ، قاله ابن عباس وقتادة وعكرمة ~~. وهذا يقتضي أن يكون مسيلمة قد ادعى النبوءة قبل هجرة النبيء صلى الله ~~عليه ms2719 وسلم إلى المدينة لأن السورة مكية . والصواب أن مسيلمة لم يدع النبوءة ~~إلا بعد أن وفد على النبيء صلى الله عليه وسلم في قومه بني حنيفة بالمدينة ~~سنة تسع طامعا في أن يجعل له رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمر بعده فلما ~~رجع خائبا ادعى النبوءة في قومه . # وفي ( تفسير ) ابن عطية أن المراد بهذه الآية مع مسيلمة الأسود العنسي ~~المتنبىء بصنعاء . وهذا لم يقله غير ابن عطية . وإنما ذكر الطبري الأسود ~~تنظيرا مع مسيلمة فإن الأسود العنسي ما ادعى النبوءة إلا في آخر حياة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم والوجه أن المقصود العموم ولا يضره انحصار ذلك في ~~فرد أو فردين في وقت ما وانطباق الآية عليه . # وأما { من قال سأنزل مثل ما أنزل الله } ، فقال الواحدي في ( أسباب ~~النزول ) ، عن ابن عباس وعكرمة : أنها نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح ~~العامري وكان قد أسلم بمكة ، وكان يكتب الوحي للنبيء صلى الله عليه وسلم ثم ~~ارتد وقال : أنا أقول مثل ما أنزل الله ، استهزاء ، وهذا أيضا لا ينثلج له ~~الصدر لأن عبد الله بن أبي سرح ارتد بعد الهجرة ولحق بمكة وهذه السورة مكية ~~. وذكر القرطبي عن عكرمة ، وابن عطية عن الزهراوي والمهدوي أنها : نزلت في ~~النضر بن الحارث كان يقول : أنا أعارض القرآن . وحفظوا له أقوالا ، وذلك ~~على سبيل الاستهزاء . وقد رووا أن أحدا من المشركين قال : إنما هو قول شاعر ~~وإني سأنزل مثله ؛ وكان هذا قد تكرر من المشركين كما أشار إليه القرآن ، ~~فالوجه PageV07P375 أن المراد بالموصول العموم ليشمل كل من صدر منه هذا ~~القول ومن يتابعهم عليه في المستقبل . # وقولهم : { مثل ما أنزل الله إما أن يكونوا قالوا هذه العبارة سخرية كما ~~قالوا : يأيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون } ( الحجر : 6 ) ، وإما أن ~~يكون حكاية من الله تعالى بالمعنى ، أي قال سأنزل مثل هذا الكلام ، فعبر ~~الله عنه بقوله : { ما أنزل الله } كقوله : { وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ~~ابن مريم ms2720 رسول الله } ( النساء : 157 ) . # { ولو ترى & # 1764 إذ الظالمون فى غمرات الموت والملائكة باسطو & # 1764 ا أيديهم أخرجو & # 1764 ا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق ~~وكنتم عن ءاياته تستكبرون } . # عطفت جملة : { ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت } على جملة : { ومن ~~أظلم ممن افترى على الله كذبا } لأن هذه وعيد بعقاب لأولئك الظالمين ~~المفترين على الله والقائلين ( أوحي إلينا ) والقائلين { سأنزل مثل ما أنزل ~~الله } . # ف { الظالمون } في قوله : { ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت } يشمل ~~أولئك ويشمل جميع الظالمين المشركين ، ولذلك فالتعريف في { الظالمون } ~~تعريف الجنس المفيد للاستغراق . والخطاب في { ترى } للرسول صلى الله عليه ~~وسلم أو كل من تتأتى منه الرؤية فلا يختص به مخاطب . ثم الرؤية المفروضة ~~يجوز أن يراد بها رؤية البصر إذا كان الحال المحكي PageV07P376 من أحوال ~~يوم القيامة ، وأن تكون علمية إذا كانت الحالة المحكية من أحوال النزع وقبض ~~أرواحهم عند الموت . # ومفعول { ترى } محذوف دل عليه الظرف المضاف . والتقدير : ولو ترى ~~الظالمين إذ هم في غمرات الموت ، أي وقتهم في غمرات الموت ، ويجوز جعل ( إذ ~~) اسما مجردا عن الظرفية فيكون هو المفعول كما في قوله تعالى : { واذكروا ~~إذ كنتم قليلا } ( الأعراف : 86 ) فيكون التقدير ، ولو ترى زمن الظالمون في ~~غمرات الموت . ويتعين على هذا الاعتبار جعل الرؤية علمية لأن الزمن لا يرى ~~. # والمقصود من هذا الشرط تهويل هذا الحال ، ولذلك حذف جواب ( لو ) كما هو ~~الشأن في مقام التهويل . ونظائره كثيرة في القرآن . والتقدير : لرأيت أمرا ~~عظيما . # والغمرة بفتح الغين ما يغمر ، أي يغم من الماء فلا يترك للمغمور مخلصا . ~~وشاعت استعارتها للشدة تشبيها بالشدة الحاصلة للغريق حين يغمره الوادي أو ~~السيل حتى صارت الغمرة حقيقة عرفية في الشدة الشديدة . # وجمع الغمرات يجوز أن يكون لتعدد الغمرات بعدد الظالمين فتكون صيغة الجمع ~~مستعملة في حقيقتها . ويجوز أن يكون لقصد المبالغة في تهويل ما يصيبهم بأنه ~~أصناف من الشدائد هي لتعدد أشكالها وأحوالها لا يعبر عنها ms2721 باسم مفرد . ~~فيجوز أن يكون هذا وعيدا بعذاب يلقونه في الدنيا في وقت النزع . ولما كان ~~للموت سكرات جعلت غمرة الموت غمرات . # و ( في ) للظرفية المجازية للدلالة على شدة ملابسة الغمرات لهم حتى كأنها ~~ظرف يحويهم ويحيط بهم . فالموت على هذا الوجه مستعمل في معناه الحقيقي ~~وغمراته هي آلام النزع . PageV07P377 # وتكون جملة : { أخرجوا أنفسكم } حكاية قول الملائكة لهم عند قبض أرواحهم ~~. فيكون إطلاق الغمرات مجازا مفردا ويكون الموت حقيقة . ومعنى بسط اليد ~~تمثيلا للشدة في انتزاع أرواحهم ولا بسط ولا أيدي . والأنفس بمعنى الأرواح ~~، أي أخرجوا أرواحكم من أجسادكم ، أي هاتوا أرواحكم ، والأمر للإهانة ~~والإرهاق إغلاظا في قبض أرواحهم ولا يتركون لهم راحة ولا يعاملونهم بلين ، ~~وفيه إشارة إلى أنهم يجزعون فلا يلفظون أرواحهم وهو على هذا الوجه وعيد ~~بالآلام عند النزع جزاءا في الدنيا على شركهم ، وقد كان المشركون في شك من ~~البعث فتوعدوا بما لا شك فيه ، وهو حال قبض الأرواح بأن الله يسلط عليهم ~~ملائكة تقبض أرواحهم بشدة وعنف وتذيقهم عذابا في ذلك . وذلك الوعيد يقع في ~~نفوسهم موقعا عظيما لأنهم كانوا يخافون شدائد النزع وهو كقوله تعالى : { ~~ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم } ( الأنفال ~~: 50 ) الآية ، وقول { أخرجوا أنفسكم } على هذا صادر من الملائكة . # ويجوز أن يكون هذا وعيدا بما يلاقيه المشركون من شدائد العذاب يوم ~~القيامة لمناسبة قوله بعد { ولقد جئتمونا فرادى } ( الأنعام : 94 ) ؛ ~~فغمرات الموت تمثيل لحالهم يوم الحشر في منازعة الشدائد وأهوال القيامة ~~بحال منهم في غمرات الموت وشدائد النزع فالموت تمثيل وليس بحقيقة . ~~والمقصود من التمثيل تقريب الحالة وإلا فإن أهوالهم يومئذ أشد من غمرات ~~الموت ولكن لا يوجد في المتعارف ما هو أقصى من هذا التمثيل دلالة على هول ~~الألم . وهذا كما يقال : وجدت ألم الموت ، وقول أبي قتادة في وقعة حنين : ( ~~فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت ) ، وقول الحارث بن هشام المخزومي : # وشممت ريح الموت من تلقائهم # في مأزقق والخيل لم تتبدد # وجملة : { والملائكة باسطوا أيديهم ms2722 } حال ، أي والملائكة مادون أيديهم ~~PageV07P378 إلى المشركين ليقبضوا عليهم ويدفعوهم إلى الحساب على الوجه ~~الثاني ، أو ليقبضوا أرواحهم على الوجه الأول ، فيكون بسط الأيدي حقيقة بأن ~~تتشكل الملائكة لهم في أشكال في صورة الآدميين . ويجوز أن يكون بسط الأيدي ~~كناية عن المس والإيلام ، كقوله : { لئن بسطت إلي يدك لتقتلني } ( المائدة ~~: 28 ) . # وجملة : { أخرجوا أنفسكم } مقول لقولل محذوف . وحذف القول في مثله شائع ، ~~والقول على هذا من جانب الله تعالى . والتقدير : نقول لهم : أخرجوا أنفسكم ~~والأنفس بمعنى الذوات . والأمر للتعجيز ، أي أخرجوا أنفسكم من هذا العذاب ~~إن استطعتم ، والإخراج مجاز في الإنقاذ والإنجاء لأن هذا الحال قبل دخولهم ~~النار . ويجوز إبقاء الإخراج على حقيقته إن كان هذا الحال واقعا في حين ~~دخولهم النار . # والتعريف في { اليوم } للعهد وهو يوم القيامة الذي فيه هذا القول ، ~~وإطلاق اليوم عليه مشهور ، فإن حمل الغمرات على النزع عند الموت فاليوم ~~مستعمل في الوقت ، أي وقت قبض أرواحهم . # وجملة : { اليوم تجزون } إلخ استئناف وعيد ، فصلت للاستقلال والاهتمام ، ~~وهي من قول الملائكة . و { تجزون } تعطون جزاء ، والجزاء هو عوض العمل وما ~~يقابل به من أجر أو عقوبة . قال تعالى : { جزاء وفاقا } ( النبأ : 26 ) ، ~~وفي المثل : المرء مجزي بما صنع إن خيرا فخير وإن شرا فشر . يقال : جزاه ~~يجزيه فهو جاز . وهو يتعدى بنفسه إلى الشيء المعطى جزاء ، ويتعدى بالباء ~~إلى الشيء المكافأ عنه ، كما في هذه الآية . ولذلك كانت الباء في قوله ~~تعالى في سورة يونس ( 27 ) { والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها متؤولا ~~على معنى الإضافة البيانية . أي جزاء هو سيئة ، وأن مجرور الباء هو السيئة ~~المجزى عنها ، كما اختاره ابن جني . وقال الأخفش : الباء فيه زائدة لقوله ~~تعالى : وجزاء سيئة سيئة مثلها } ( الشورى : 40 ) . ويقال : جازى بصيغة ~~المفاعلة . قال الراغب : ولم يجيء في القرآن : جازى . PageV07P379 # والهون : الهوان ، وهو الذل . وفسره الزجاج بالهوان الشديد ، وتبعه صاحب ~~( الكشاف ) ، ولم يقله غيرهما من علماء اللغة . وكلام أهل اللغة يقتضي أن ~~الهون مرادف الهوان ، وقد قرأ ابن مسعود { اليوم ms2723 تجزون عذاب الهوان } . ~~وإضافة العذاب إلى الهون لإفادة ما تقتضيه الإضافة من معنى الاختصاص والملك ~~، أي العذاب المتمكن في الهون الملازم له . # والباء في قوله : { بما كنتم تقولون } باء العوض لتعدية فعل { تجزون } ~~إلى المجزي عنه . ويجوز جعل الباء للسببية ، أي تجزون عذاب الهون بسبب ~~قولكم ، ويعلم أن الجزاء على ذلك ، و ( ما ) مصدرية . ثم إن كان هذا القول ~~صادرا من جانب الله تعالى فذكر اسم الجلالة من الإظهار في مقام الإضمار ~~لقصد التهويل . والأصل بما كنتم تقولون علي . # وضمن { تقولون } معنى تكذبون ، فعلق به قوله : { على الله } ، فعلم أن ~~هذا القول كذب على الله كقوله تعالى : { ولو تقول علينا بعض الأقاويل } ( ~~الحاقة : 44 ) الآية ، وبذلك يصح تنزيل فعل { تقولون } منزلة اللازم فلا ~~يقدر له مفعول لأن المراد به أنهم يكذبون ، ويصح جعل غير الحق مفعولا ل { ~~تقولون } ، وغير الحق هو الباطل ، ولا تكون نسبته إلى الله إلا كذبا . # وشمل { ما كنتم تقولون } الأقوال الثلاثة المتقدمة في قوله { ومن أظلم ~~ممن افترى على الله كذبا إلى قوله مثل ما أنزل الله } وغيرها . # و { غير الحق } حال من ( ما ) الموصولة أو صفة لمفعول مطلق أو هو المفعول ~~به ل { تقولون } . # وقوله : { وكنتم عن آياته } عطف على { كنتم تقولون } ، أي وباستكباركم عن ~~آياته . والاستكبار : الإعراض في قلة اكتراث ، فبهذا المعنى يتعدى إلى ~~الآيات ، أو أريد من الآيات التأمل فيها فيكون الاستكبار على حقيقته ، أي ~~تستكبرون عن التدبر في الآيات وترون أنفسكم أعظم من صاحب تلك الآيات . ~~PageV07P380 # وجواب ( لو ) محذوف لقصد التهويل . والمعنى : لرأيت أمرا مفظعا . وحذف ~~جواب ( لو ) في مثل هذا المقام شائع في القرآن . وتقدم عند قوله تعالى : { ~~ولو ترى الذين ظلموا إذ يرون العذاب في سورة البقرة ( 165 ) . # # | 2 ( 94 ) ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم ~~وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعآءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركآء لقد تقطع ~~بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون } . ) 2 # إن كان القول المقدر في جملة { أخرجوا أنفسكم } ( الأنعام : 93 ms2724 ) قولا من ~~قبل الله تعالى كان قوله { ولقد جئتمونا فرادى } عطفا على جملة { أخرجوا ~~أنفسكم } ( الأنعام : 93 ) ، أي يقال لهم حين دفعهم الملائكة إلى العذاب : ~~أخرجوا أنفسكم ، ويقال لهم : لقد جئتمونا فرادى . فالجملة في محل النصب ~~بالقول المحذوف . وعلى احتمال أن يكون { غمرات الموت } ( الأنعام : 93 ) ~~حقيقة ، أي في حين النزع يكون فعل { جئتمونا } من التعبير بالماضي عن ~~المستقبل القريب ، مثل : قد قامت الصلاة ، فإنهم حينئذ قاربوا أن يرجعوا ~~إلى محض تصرف الله فيهم . # وإن كان القول المقدر قول الملائكة فجملة : { ولقد جئتمونا فرادى } عطف ~~على جملة : { ولو ترى إذ الظالمون } ( الأنعام : 93 ) فانتقل الكلام من ~~خطاب المعتبرين بحال الظالمين إلى خطاب الظالمين أنفسهم بوعيدهم بما سيقول ~~لهم يومئذ . # فعلى الوجه الأول يكون { جئتمونا } حقيقة في الماضي لأنهم حينما يقال لهم ~~هذا القول قد حصل منهم المجيء بين يدي الله . و ( قد ) للتحقيق . # وعلى الوجه الثاني يكون الماضي معبرا به عن المستقبل تنبيها على تحقيق ~~وقوعه ، وتكون ( قد ) ترشيحا للاستعارة . PageV07P381 # وإخبارهم بأنهم جاءوا ليس المراد به ظاهر الإخبار لأن مجيئهم معلوم لهم ~~ولكنه مستعمل في تخطئتهم وتوقيفهم على صدق ما كانوا ينذرون به على لسان ~~الرسول فينكرونه وهو الرجوع إلى الحياة بعد الموت للحساب بين يدي الله . ~~وقد يقصد مع هذا المعنى معنى الحصول في المكنة والمصير إلى ما كانوا يحسبون ~~أنهم لا يصيرون إليه ، على نحو قوله تعالى : { ووجد الله عنده } ( النور : ~~39 ) ، وقول الراجز : # قد يصبح الله إمام الساري # والضمير المنصوب في { جئتمونا } ضمير الجلالة وليس ضمير الملائكة بدليل ~~قوله : { كما خلقناكم } . # و { فرادى } حال من الضمير المرفوع في { جئتمونا } أي منعزلين عن كل ما ~~كنتم تعتزون به في الحياة الأولى من مال وولد وأنصار ، والأظهر أن ( فرادى ~~) جمع فردان مثل سكارى لسكران . وليس فرادى المقصور مرادفا لفراد المعدولل ~~لأن فراد المعدول يدل على معنى فردا فردا ، مثل ثلاث ورباع من أسماء العدد ~~المعدولة . وأما فرادى المقصور فهو جمع فردان بمعنى المنفرد . ووجه جمعه ~~هنا أن كل واحد ms2725 منهم جاء منفردا عن ماله . # وقوله : { كما خلقناكم أول مرة } تشبيه للمجيء أريد منه معنى الإحياء بعد ~~الموت الذي كانوا ينكرونه فقد رأوه رأي العين ، فالكاف لتشبيه الخلق الجديد ~~بالخلق الأول فهو في موضع المفعول المطلق . و ( ما ) المجرورة بالكاف ~~مصدرية . فالتقدير : كخلقنا إياكم ، أي جئتمونا معادين مخلوقين كما خلقناكم ~~أول مرة ، فهذا كقوله تعالى : { أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق ~~جديد } ( ق : 15 ) . PageV07P382 # والتخويل : التفضل بالعطاء . قيل : أصله إعطاء الخول بفتحتين وهو الخدم ، ~~أي إعطاء العبيد . ثم استعمل مجازا في إعطاء مطلق ما ينفع ، أي تركتم ما ~~أنعمنا به عليكم من مال وغيره . # و ( ما ) موصولة ومعنى تركهم إياه وراء ظهورهم بعدهم عنه تمثيلا لحال ~~البعيد عن الشيء بمن بارحه سائرا ، فهو يترك من يبارحه وراءه حين مبارحته ~~لأنه لو سار وهو بين يديه لبلغ إليه ولذلك يمثل القاصد للشيء بأنه بين يديه ~~، ويقال للأمر الذي يهيئه المرء لنفسه : قد قدمه . # { وتركتم } عطف على { جئتمونا } وهو يبين معنى { فرادى } إلا أن في ~~الجملة الثانية زيادة بيان لمعنى الانفراد بذكر كيفية هذا الانفراد لأن كلا ~~الخبرين مستعمل في التخطئة والتنديم ، إذ جاءوا إلى القيامة وكانوا ينفون ~~ذلك المجيء وتركوا ما كانوا فيه في الدنيا وكان حالهم حال من ينوي الخلود . ~~فبهذا الاعتبار عطفت الجملة ولم تفصل . وأبو البقاء جعل الجملة حالا من ~~الواو في { جئتمونا } فيصير ترك ما خولوه هو محل التنكيل . # وكذلك القول في جملة { وما نرى معكم شفعاءكم } أنها معطوفة على { جئتمونا ~~وتركتم } لأن هذا الخبر أيضا مراد به التخطئة والتلهيف ، فالمشركون كانوا ~~إذا اضطربت قلوبهم في أمر الإسلام عللوا أنفسهم بأن آلهتهم تشفع لهم عند ~~الله . وقد روى بعضهم : أن النضر بن الحارث قال ذلك ، ولعله قاله استسخارا ~~أو جهلا ، وأن الآية نزلت ردا عليه ، أي أن في الآية ما هو رد عليه لا أنها ~~نزلت لإبطال قوله لأن هذه الآيات متصل بعضها ببعض ، وفي قوله : { وما نرى ~~معكم شفعاءكم } بيان أيضا وتقرير لقوله ms2726 : { فرادى } . # وقوله : { وما نرى معكم شفعاءكم } تهكم بهم لأنهم لا شفعاء لهم فسيق ~~الخطاب إليهم مساق كلام من يترقب ، أي يرى شيئا فلم يره على PageV07P383 ~~نحو قوله في الآية الأخرى { ويقول أين شركائي الذين كنتم تشاقونن فيهم } ( ~~النحل : 27 ) ، بناء على أن نفي الوصف عن شيء يدل غالبا على وجود ذلك الشيء ~~، فكان في هذا القول إيهام أن شفعاءهم موجودون سوى أنهم لم يحضروا ، ولذلك ~~جيء بالفعل المنفي بصيغة المضارع الدال على الحال دون الماضي ليشير إلى أن ~~انتفاء رؤية الشفعاء حاصل إلى الآن ، ففيه إيهام أن رؤيتهم محتملة الحصول ~~بعد في المستقبل ، وذلك زيادة في التهكم . # وأضيف الشفعاء إلى ضمير المخاطبين لأنه أريد شفعاء معهودون ، وهم الآلهة ~~التي عبدوها وقالوا : { ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى } ( الزمر : ~~3 ) { ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله } ( يونس : 18 ) . وقد زيد تقرير هذا ~~المعنى بوصفهم بقوله : { الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء } . # والزعم : القول الباطل سواء كان عن تعمد للباطل كما في قوله تعالى : { ~~ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك } ( النساء : 60 ) أم ~~كان عن سوء اعتقاد كما هنا ، وقوله : { ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين ~~أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون } ( الأنعام : 22 ) ، وقد تقدم ذلك ~~في هاتين الآيتين في سورة النساء وفي هذه السورة . # وتقديم المجرور في قوله : { فيكم شركاء } للاهتمام الذي وجهه التعجيب من ~~هذا المزعوم إذ جعلوا الأصنام شركاء لله في أنفسهم وقد علموا أن الخالق هو ~~الله تعالى فهو المستحق للعبادة وحده فمن أين كانت شركة الأصنام لله في ~~استحقاق العبادة ، يعني لو ادعوا للأصنام شيئا مغيبا لا يعرف أصل تكوينه ~~لكان العجب أقل ، لكن العجب كل العجب من ادعائهم لهم الشركة في أنفسهم ، ~~لأنهم لما عبدوا الأصنام وكانت العبادة حقا لأجل الخالقية ، كان قد لزمهم ~~من العبادة أن يزعموا أن الأصنام شركاء لله في أنفس خلقه ، أي في خلقهم ، ~~فلذلك علقت النفوس بالوصف الدال على الشركة . PageV07P384 # وتقدم معنى الشفاعة عند قوله تعالى : { ولا ms2727 يقبل منها شفاعة في سورة ~~البقرة ( 48 ) . # وجملة : لقد تقطع بينكم } استئناف بياني لجملة : { وما نرى معكم شفعاءكم ~~} لأن المشركين حين يسمعون قوله : { ما نرى معكم شفعاءكم } يعتادهم الطمع ~~في لقاء شفعائهم فيتشوفون لأن يعلموا سبيلهم ، فقيل لهم : لقد تقطع بينكم ~~تأييسا لهم بعد الإطماع التهكمي ، والضمير المضاف إليه عائد إلى المخاطبين ~~وشفعائهم . # وقرأ نافع ، والكسائي ، وحفص عن عاصم بفتح نون { بينكم } . ف ( بين ) على ~~هذه القراءة ظرف مكان دال على مكان الاجتماع والاتصال فيما يضاف هو إليه . ~~وقرأ البقية بضم نون { بينكم } على إخراج ( بين ) عن الظرفية فصار اسما ~~متصرفا وأسند إليه التقطع على طريقة المجاز العقلي . # وحذف فاعل تقطع على قراءة الفتح لأن المقصود حصول التقطع ، ففاعله اسم ~~مبهم مما يصلح للتقطع وهو الاتصال . فيقدر : لقد تقطع الحبل أو نحوه . قال ~~تعالى : { وتقطعت بهم الأسباب } ( البقرة : 166 ) . وقد صار هذا التركيب ~~كالمثل بهذا الإيجاز . وقد شاع في كلام العرب ذكر التقطع مستعارا للبعد ~~وبطلان الاتصال تبعا لاستعارة الحبل للاتصال ، كما قال امرؤ القيس : # تقطع أسباب اللبانة والهوى # عشية جاوزنا حماة وشيزرا # فمن ثم حسن حذف الفاعل في الآية على هذه القراءة لدلالة المقام عليه فصار ~~كالمثل . وقدر الزمخشري المصدر المأخوذ من { تقطع } فاعلا ، أي على إسناد ~~الفعل إلى مصدره بهذا التأويل ، أي وقع التقطع بينكم . وقال التفتزاني : ( ~~الأولى أنه أسند إلى ضمير الأمر لتقرره في النفوس ، أي تقطع الأمر بينكم ) ~~. # وقريب من هذا ما يقال : إن { بينكم } صفة أقيمت مقام الموصوف PageV07P385 ~~الذي هو المسند إليه ، أي أمر بينكم ، وعلى هذا يكون الاستعمال من قبيل ~~الضمير الذي لم يذكر معاده لكونه معلوما من الفعل كقوله : { حتى توارت ~~بالحجاب } ( ص : 32 ) ، لكن هذا لا يعهد في الضمير المستتر لأن الضمير ~~المستتر ليس بموجود في الكلام وإنما دعا إلى تقديره وجود معاده الدال عليه ~~. فأما والكلام خلي عن معاد وعن لفظ الضمير فالمتعين أن نجعله من حذف ~~الفاعل كما قررته لك ابتداء ، ولا يقال : إن { توارت بالحجاب } ليس فيه لفظ ~~ضمير ms2728 إذ التاء علامة لإسناد الفعل إلى مؤنث لأنا نقول : التحقيق أن التاء ~~في الفعل المسند إلى الضمير هي الفاعل . # وعلى قراءة الرفع جعل { بينكم } فاعلا ، أي أخرج عن الظرفية وجعل اسما ~~للمكان الذي يجتمع فيه ماصدق الضمير المضاف إليه اسم المكان ، أي انفصل ~~المكان الذي كان محل اتصالكم فيكون كناية عن انفصال أصحاب المكان الذي كان ~~محل اجتماع . والمكانية هنا مجازية مثل { لا تقدموا بين يدي الله ورسوله } ~~( الحجرات : 1 ) . 6 # وقوله : { وضل عنكم } عطف على { تقطع بينكم } وهو من تمام التهكم ~~والتأييس . ومعنى ضل : ضد اهتدى ، أي جهل شفعاؤكم مكانكم لما تقطع بينكم ~~فلم يهتدوا إليكم ليشفعوا لكم . و ( ما ) موصولة ماصدقها الشفعاء لاتحاد ~~صلتها وصلة { الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء } ، أي الذين كنتم تزعمونهم ~~شركاء ، فحذف مفعولا الزعم لدلالة نظيره عليهما في قوله : { زعمتم أنهم ~~فيكم شركاء } ، وعبر عن الآلهة ب ( ما ) الغالبة في غير العاقل لظهور عدم ~~جدواها ، وفسر ابن عطية وغيره ضل بمعنى غاب وتلف وذهب ، وجعلوا ( ما ) ~~مصدرية ، أي ذهب زعمكم أنها تشفع لكم . وما ذكرناه في تفسير الآية أبلغ ~~وأوقع . # # | 2 ( 95 ، 96 ) { إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحى من الميت ومخرج ~~PageV07P386 الميت من الحى ذالكم الله فأنى تؤفكون * فالق الإصباح وجعل ~~اليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذالك تقدير العزيز العليم } . ) 2 # استئناف ابتدائي انتقل به من تقرير التوحيد والبعث والرسالة وأفانين ~~المواعظ والبراهين التي تخللت ذلك إلى الاستدلال والاعتبار بخلق الله تعالى ~~وعجائب مصنوعاته المشاهدة ، على انفراده تعالى بالإلهية المستلزم لانتفاء ~~الإلهية عما لا تقدر على مثل هذا الصنع العجيب ، فلا يحق لها أن تعبد ولا ~~أن تشرك مع الله تعالى في العبادة إذ لا حق لها في الإلهية ، فيكون ذلك ~~إبطالا لشرك المشركين من العرب ، وهو مع ذلك إبطال لمعتقد المعطلين من ~~الدهريين منهم بطريق الأولى ، وفي ذلك امتنان على المقصودين من الخطاب وهم ~~المشركون بقرينة قوله : { فأنى تؤفكون } ، أي فتكفرون النعمة . وفيه علم ~~ويقين للمؤمنين من المصدقين واستزادة لمعرفتهم بربهم ms2729 وشكرهم . # وافتتاح الجملة ب { إن } مع أنه لا ينكر أحد أن الله هو فاعل الأفعال ~~المذكورة هنا ، ولكن النظر والاعتبار في دلالة الزرع على قدرة الخالق على ~~الإحياء بعد الموت كما قدر على إماتة الحي ، لما كان نظرا دقيقا قد انصرف ~~عنه المشركون فاجترأوا على إنكار البعث ، كان حالهم كحال من أنكر أو شك في ~~أن الله فالق الحب والنوى ، فأكد الخبر بحرف ( إن ) . # وجيء بالجملة الاسمية للدلالة على ثبات هذا الوصف دوامه لأنه وصف ذاتي ~~لله تعالى ، وهو وصف الفعل أو وصف القدرة وتعلقاتها في مصطلح من لا يثبت ~~صفات الأفعال ، ولما كان المقصود الاكتفاء بدلالة فلق الحب والنوى على قدرة ~~الله على إخراج الحي من الميت ، والانتقال من ذلك إلى دلالته على إخراج ~~الحي من الميت في البعث ، لم يؤت في هذا الخبر بما يقتضي الحصر إذ ليس ~~المقام مقام القصر . PageV07P387 # والفلق : شق وصدع بعض أجزاء الشيء عن بعض ، والمقصود الفلق الذي تنبثق ~~منه وشائج النبت والشجر وأصولها ، فهو محل العبرة من علم الله تعالى وقدرته ~~وحكمته . # والحب اسم جمع لما يثمره النبت ، واحده حبة . والنوى اسم جمع نواة ، ~~والنواة قلب التمرة . ويطلق على ما في الثمار من القلوب التي منها ينبت ~~شجرها مثل العنب والزيتون ، وهو العجم بالتحريك اسم جمع عجمة . # وجملة : { يخرج الحي من الميت } في محل خبر ثان عن اسم ( إن ) تتنزل ~~منزلة بيان المقصود من الجملة قبلها وهو الفلق الذي يخرج منه نبتا أو شجرا ~~ناميا ذا حياة نباتية بعد أن كانت الحبة والنواة جسما صلبا لا حياة فيه ولا ~~نماء . فلذلك رجح فصل هذه الجملة عن التي قبلها إلا أنها أعم منها لدلالتها ~~على إخراج الحيوان من ماء النطفة أو من البيض ، فهي خبر آخر ولكنه بعمومه ~~يبين الخبر الأول ، فلذلك يحسن فصل الجملة ، أو عدمم عطف أحد الأخبار . # وعطف على { يخرج الحي من الميت } قوله { ومخرج الميت من الحي } لأنه ~~إخبار بضد مضمون { يخرج الحي من الميت } وصنع آخر عجيب دال على ms2730 كمال القدرة ~~وناف تصرف الطبيعة بالخلق ، لأن الفعل الصادر من العالم المختار يكون على ~~أحوال متضادة بخلاف الفعل المتولد عن سبب طبعي ، وفي هذا الخبر تكملة بيان ~~لما أجمله قوله : { فالق الحب والنوى } ، لأن فلق الحب عن النبات والنوى عن ~~الشجر يشمل أحوالا مجملة ، منها حال إثمار النبات والشجر : حبا ييبس وهو في ~~قصب نباته فلا تكون فيه حياة ، ونوى في باطن الثمار يبسا لا حياة فيه كنوى ~~الزيتون والتمر ، ويزيد على ذلك البيان بإخراج البيض واللبن والمسك واللؤلؤ ~~وحجر ( البازهر ) من بواطن الحيوان الحي ، فظهر صدور الضدين عن القدرة ~~الإلهية تمام الظهور . PageV07P388 # وقد رجح عطف هذا الخبر لأنه كالتكملة لقوله : { يخرج الحي من الميت } أي ~~يفعل الأمرين معا كقوله بعده { فالق الإصباح وجاعل الليل سكنا } . وجعله في ~~( الكشاف ) عطفا على { فالق الحب } بناء على أن مضمون قوله : { مخرج الميت ~~من الحي } ليس فيه بيان لمضمون { فالق الحب } لأن فلق الحب ينشأ عنه إخراج ~~الحي من الميت لا العكس ، وهو خلاف الظاهر لأن علاقة وصف { مخرج الميت من ~~الحي } بخبر { يخرج الحي من الميت } أقوى من علاقته بخبر { فالق الحب ~~والنوى } . # وقد جيء بجملة : { يخرج الحي من الميت } فعلية للدلالة على أن هذا الفعل ~~يتجدد ويتكرر في كل آن ، فهو مراد معلوم وليس على سبيل المصادفة والاتفاق . # وجيء في قوله : { ومخرج الميت من الحي } اسما للدلالة على الدوام والثبات ~~، فحصل بمجموع ذلك أن كلا الفعلين متجدد وثابت ، أي كثير وذاتي ، وذلك لأن ~~أحد الإخراجين ليس أولى بالحكم من قرينه فكان في الأسلوب شبه الاحتباك . # والإشارة ب { ذلكم } لزيادة التمييز وللتعريض بغباوة المخاطبين المشركين ~~لغفلتهم عن هذه الدلالة على أنه المنفرد بالإلهية ، أي ذلكم الفاعل الأفعال ~~العظيمة من الفلق وإخراج الحي من الميت والميت من الحي هو الذي يعرفه الخلق ~~باسمه العظيم الدال على أنه الإله الواحد ، المقصور عليه وصف الإلهية فلا ~~تعدلوا به في الإلهية غيره ، ولذلك عقب بالتفريع بالفاء قوله : { فأنى ~~تؤفكون } . # والأفك بفتح الهمزة مصدر أفكه يأفكه ، من ms2731 باب ضرب ، إذا صرفه عن مكان أو ~~عن عمل ، أي فكيف تصرفون عن توحيده . # و ( أنى ) بمعنى من أين . وهو استفهام تعجيبي إنكاري ، أي لا يوجد موجب ~~يصرفكم عن توحيده . وبني فعل { تؤفكون } للمجهول لعدم تعين PageV07P389 ~~صارفهم عن توحيد الله ، وهو مجموع أشياء : وسوسة الشيطان ، وتضليل قادتهم ~~وكبرائهم ، وهوى أنفسهم . # وجملة ( ذلكم الله ) مستأنفة مقصود منها الاعتبار ، فتكون جملة : { ذلكم ~~الله فأنى تؤفكون } اعتراضا . # و { فالق الإصباح } يجوز أن يكون خبرا رابعا عن اسم ( إن ) ، ويجوز أن ~~يكون صفة لاسم الجلالة المخبر به عن اسم الإشارة ، فيكون قوله : { فأنى ~~تؤفكون } اعتراضا . والإصباح بكسر الهمزة في الأصل مصدر أصبح الأفق ، إذا ~~صار ذا صباح ، وقد سمي به الصباح ، وهو ضياء الفجر فيقابل الليل وهو المراد ~~هنا . # وفلق الإصباح استعارة لظهور الضياء في ظلمة الليل ، فشبه ذلك بفلق الظلمة ~~عن الضياء ، كما استعير لذلك أيضا السلخ في قوله تعالى : { وآية لهم الليل ~~نسلخ منه النهار } ( يس : 37 ) . فإضافة { فالق } إلى { الإصباح } حقيقية ~~وهي لأدنى ملابسة على سبيل المجاز . وسنبينه في الآية الآتية لأن اسم ~~الفاعل له شائبة الاسمية فيضاف إضافة حقيقية ، وله شائبة فعلية فيضاف إضافة ~~لفظية . وهو هنا لما كان دالا على وصف في الماضي ضعف شبهه بالفعل لأنه إنما ~~يشبه المضارع في الوزن وزمنن الحال أو الاستقبال . وقد يعتبر فيه المفعولية ~~على التوسع فحذف حرف الجر ، أي فالق عن الإصباح فانتصب على نزع الخافض ، ~~ولذلك سموا الصبح فلقا بفتحتين بزنة ما بمعنى المفعول كما قالوا مسكن ، أي ~~مسكون إليه فتكون الإضافة على هذا لفظية بالتأويل وليست إضافته من إضافة ~~الوصف إلى معموله إذ ليس الإصباح مفعول الفلق والمعنى فالق عن الإصباح ~~فيعلم أن المفلوق هو الليل ولذلك فسروه فالق ظلمة الإصباح ، أي الظلمة التي ~~يعقبها الصبح وهي ظلمة الغبش ، فإن فلق الليل عن الصبح أبدع في مظهر القدرة ~~وأدخل في المنة بالنعمة ، لأن الظلمة عدم والنور وجود . والإيجاد هو مظهر ~~القدرة PageV07P390 ولا يكون العدم ومظهرا للقدرة إلا إذا تسلط على ms2732 موجود ~~وهو الإعدام ، وفلق الإصباح نعمة أيضا على الناس لينتفعوا بحياتهم ~~واكتسابهم . # { وجاعل الليل سكنا } عطف على { فالق الإصباح } . # وقرأه الجمهور بصيغة اسم الفاعل وجر { الليل } لمناسبة الوصفين في ~~الاسمية والإضافة . وقرأه عاصم ، وحمزة ، والكسائي ، وخلف . { وجعل } بصيغة ~~فعل الماضي وبنصب { الليل } . # وعبر في جانب الليل بمادة الجعل لأن الظلمة عدم فتعلق القدرة فيها هو ~~تعلقها بإزالة ما يمنع تلك الظلمة من الأنوار العارضة للأفق . والمعنى أن ~~الله فلق الإصباح بقدرته نعمة منه على الموجودات ولم يجعل النور مستمرا في ~~الأفق فجعله عارضا مجزءا أوقاتا لتعود الظلمة إلى الأفق رحمة منه ~~بالموجودات ليسكنوا بعد النصب والعمل فيستجموا راحتهم . # والسكن بالتحريك على زنة مرادف اسم المفعول مثل الفلق على اعتباره مفعولا ~~بالتوسع بحذف حرف الجر وهو ما يسكن إليه ، أي تسكن إليه النفس ويطمئن إليه ~~القلب ، والسكون فيه مجاز . وتسمى الزوجة سكنا والبيت سكنا قال تعالى : { ~~والله جعل لكم من بيوتكم سكنا } ( النحل : 80 ) ، فمعنى جعل الليل سكنا أنه ~~جعل لتحصل فيه راحة النفس من تعب العمل . # وعطف { الشمس والقمر } على { الليل } بالنصب رعيا لمحل الليل لأنه في محل ~~المفعول ل { جاعل } بناء على الإضافة اللفظية . والعطف على المحل شائع في ~~مواضع من كلام العرب مثل رفع المعطوف على اسم ( إن ) ، ونصب المعطوف على ~~خبر ليس المجرور بالباء . # والحسبان في الأصل مصدر حسب بفتح السين كالغفران ، والشكران ، ~~PageV07P391 والكفران ، أي جعلها حسابا ، أي علامة حسابب للناس يحسبون ~~بحركاتها أوقات الليل والنهار ، والشهور ، والفصول ، والأعوام . وهذه منة ~~على الناس وتذكير بمظهر العلم والقدرة ، ولذلك جعل للشمس حسبان كما جعل ~~للقمر ، لأن كثيرا من الأمم يحسبون شهورهم وأعوامهم بحساب سير الشمس ~~بحلولها في البروج وبتمام دورتها فيها . والعرب يحسبون بسير القمر في ~~منازله . وهو الذي جاء به الإسلام ، وكان العرب في الجاهلية يجعلون الكبس ~~لتحويل السنة إلى فصول متماثلة ، فموقع المنة أعم من الاعتبار الشرعي في ~~حساب الأشهر والأعوام بالقمري ، وإنما استقام ذلك للناس بجعل الله حركات ~~الشمس والقمر على نظام واحد لا يختلف ms2733 ، وذلك من أعظم دلائل علم الله وقدرته ~~، وهذا بحسب ما يظهر للناس منه ولو اطلعوا على أسرار ذلك النظام البديع ~~لكانت العبرة به أعظم . # والإخبار عنهما بالمصدر إسناد مجازي لأنه في معنى اسم الفاعل ، أي حاسبين ~~. والحاسب هم الناس بسبب الشمس والقمر . # والإشارة ب { ذلك } إلى الجعل المأخوذ من { جاعل } . # والتقدير : وضع الأشياء على قدر معلوم كقوله تعالى : { وخلق كل شيء فقدره ~~تقديرا } ( الفرقان : 2 ) . # والعزيز : الغالب ، القاهر ، والله هو العزيز حقا لأنه لا تتعاصى عن ~~قدرته الكائنات كلها . والعليم مبالغة في العلم ، لأن وضع الأشياء على ~~النظام البديع لا يصدر إلا عن عالم عظيم العلم . # # | 2 ( 97 ) { وهو الذى جعل لكم النجوم لتهتدوا بها فى ظلمات البر والبحر ~~قد فصلنا الايات لقوم يعلمون } . ) 2 # عطف على جملة : { وجاعل الليل سكنا } ( الأنعام : 96 ) ، وهذا تذكير ~~بوحدانية الله ، وبعظيم خلقة النجوم ، وبالنعمة الحاصلة من نظام سيرها إذ ~~كانت هداية PageV07P392 للناس في ظلمات البر والبحر يهتدون بها . وقد كان ~~ضبط حركات النجوم ومطالعها ومغاربها من أقدم العلوم البشرية ظهر بين ~~الكلدانيين والمصريين القدماء . وذلك النظام هو الذي أرشد العلماء إلى ~~تدوين علم الهيئة . # والمقصود الأول من هذا الخبر الاستدلال على وحدانية الله تعالى بالإلهية ~~، فلذلك صيغ بصيغة القصر بطريق تعريف المسند والمسند إليه ، لأن كون خلق ~~النجوم من الله وكونها مما يهتدى بها لا ينكره المخاطبون ولكنهم لم يجروا ~~على ما يقتضيه من إفراده بالعبادة . # والنجوم جمع نجم ، وهو الكوكب ، أي الجسم الكروي المضيء في الأفق ليلا ~~الذي يبدو للعين صغيرا ، فليس القمر بنجم . # و { جعل } هنا بمعنى خلق ، فيتعدى إلى مفعول واحد و { لكم } . متعلق ب { ~~جعل } ، والضمير للبشر كلهم ، فلام { لكم } للعلة . # وقوله : { لتهتدوا بها } علة ثانية ل { جعل } فاللام للعلة أيضا ، وقد ~~دلت الأولى على قصد الامتنان ، فلذلك دخلت على ما يدل على الضمير الدال على ~~الذوات ، كقوله : { ألم نشرح لك صدرك } ( الشرح : 1 ) ، واللام الثانية دلت ~~على حكمة الجعل وسبب الامتنان وهو ذلك النفع العظيم . ولما كان الاهتداء ms2734 من ~~جملة أحوال المخاطبين كان موقع قوله : { لتهتدوا } قريبا من موقع بدل ~~الاشتمال بإعادة العامل ، وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى : { تكون لنا عيدا ~~لأولنا وآخرنا في سورة المائدة ( 114 ) . # والمراد بالظلمات : الظلمة الشديدة ، فصيغة الجمع مستعملة في القوة . وقد ~~تقدم أن الشائع أن يقال : ظلمات ، ولا يقال : ظلمة ، عند قوله تعالى : ~~وتركهم في ظلمات لا يبصرون في سورة البقرة ( 17 ) . # وإضافة ظلمات } إلى { البر والبحر } على معنى ( في ) لأن الظلمات واقعة ~~في PageV07P393 هذين المكانين ، أي لتهتدوا بها في السير في الظلمات . ومن ~~ينفي الإضافة على معنى ( في ) يجعلها إضافة على معنى اللام لأدنى ملابسة ~~كما في ( كوكب الخرقاء ) . والإضافة لأدنى ملابسة ، إما مجاز لغوي مبني على ~~المشابهة ، فهو استعارة على ما هو ظاهر كلام ( المفتاح ) في مبحث البلاغة ~~والفصاحة إذ جعل في قوله تعالى : { يأرض ابلعي ماءك } ( هود : 44 ) إضافة ~~الماء إلى الأرض على سبيل المجاز تشبيها لاتصال الماء بالأرض باتصال الملك ~~بالمالك اه . فاستعمل فيه الإضافة التي هي على معنى لام الملك فهو استعارة ~~تبعية ؛ وإما مجاز عقلي على رأي التفتزاني في موضع آخر إذ قال في ( كوكب ~~الخرقاء ) ( حقيقة الإضافة اللامية الاختصاص الكامل ، فالإضافة لأدنى ~~ملابسة تكون مجازا حكميا ) . ولعل التفتزاني يرى الاختلاف في المجاز ~~باختلاف قرب الإضافة لأدنى ملابسة من معنى الاختصاص وبعدها منه كما يظهر ~~الفرق بين المثالين ، على أن قولهم : لأدنى ملابسة ، يؤذن بالمجاز العقلي ~~لأنه إسناد الحكم أو معناه إلى ملابسس لما هو له . # وجملة : { قد فصلنا الآيات } مستأنفة للتسجيل والتبليغ وقطع معذرة من لم ~~يؤمنوا . واللام للتعليل متعلق ب { فصلنا } كقوله : # ويوم عقرت للعذاري مطيتي # أي فصلنا لأجل قوم يعلمون . # وتفصيل الآيات تقدم عند قوله تعالى : { وكذلك نفصل الآيات في هذه السورة ~~( 55 ) . وجعل التفصيل لقوم يعلمون تعريضا بمن لم ينتفعوا من هذا التفصيل ~~بأنهم قوم لا يعلمون . PageV07P394 # والتعريف في الآيات } للاستغراق فيشمل آية خلق النجوم وغيرها . والعلم في ~~كلام العرب إدراك الأشياء على ما هي عليه قال السموأل أو عبد الملك ms2735 الحارثي ~~: # فليس سواء عالم وجهول # وقال النابغة : # وليس جاهل شيء مثل من علما # والذين يعلمون هم الذين انتفعوا بدلائل الآيات . وهم الذين آمنوا بالله ~~وحده ، كما قال تعالى : { إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون } ( الأنعام : 99 ) ~~. # $ 2 ( 98 ) { وهو الذى & # 1764 أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع قد فصلنا الايات لقوم يفقهون } ~~. ) 2 $ # هذا تذكير بخلق الإنسان وكيف نشأ هذا العدد العظيم من نفس واحدة كما هو ~~معلوم لهم ، فالذي أنشأ الناس وخلقهم هو الحقيق بعبادتهم دون غيره مما ~~أشركوا به ، والنظر في خلقة الإنسان من الاستدلال بأعظم الآيات . قال تعالى ~~: { وفي أنفسكم أفلا تبصرون } ( الذاريات : 21 ) . # والقصر الحاصل من تعريف المسند إليه والمسند تعريض بالمشركين ، إذ أشركوا ~~في عبادتهم مع خالقهم غير من خلقهم على نحو ما قررته في الآية قبل هذه . # والإنشاء : الإحداث والإيجاد . والضمير المنصوب مراد به البشر كلهم . ~~والنفس الواحدة هي آدم عليه السلام . # وقوله : { فمستقر } الفاء للتفريع عن { أنشأكم } ، وهو تفريع المشتمل ~~عليه المقارن على المشتمل . # وقرأه الجمهور { مستقر } بفتح القاف وقرأه ابن كثير ، وأبو عمرو ، وروح ~~عن يعقوب ( بكسر القاف ) . فعلى قراءة فتح القاف يكون مصدرا ميميا ، و { ~~مستودع } كذلك ، ورفعهما على أنه مبتدأ حذف خبره ، PageV07P395 تقديره : ~~لكم أو منكم ، أو على أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره : فأنتم مستقر ومستودع . ~~والوصف بالمصدر للمبالغة في الحاصل به ، أي فتفرع عن إنشائكم استقرار ~~واستيداع ، أي لكم . # وعلى قراءة كسر القاف يكون المستقر اسم فاعل . والمستودع اسم مفعول من ~~استودعه بمعنى أودعه ، أي فمستقر منكم أقررناه فهو مستقر ، ومستودع منكم ~~ودعناه فهو مستودع . والاستقرار هو القرار ، فالسين والتاء فيه للتأكيد مثل ~~استجاب . يقال : استقر في المكان بمعنى قر . وتقدم عند قوله تعالى : { لكل ~~نبأ مستقر في هذه السورة ( 67 ) . # والاستيداع : طلب الترك ، وأصله مشتق من الودع ، وهو الترك على أن يسترجع ~~المستودع . يقال : استودعه مالا إذا جعله عنده وديعة ، فالاستيداع مؤذن ~~بوضع موقت ، والاستقرار مؤذن بوضع دائم أو طويل . # وقد اختلف المفسرون في المراد بالاستقرار والاستيداع في ms2736 هذه الآية مع ~~اتفاقهم على أنهما متقابلان . فعن ابن مسعود : المستقر الكون فوق الأرض ، ~~والمستودع الكون في القبر . وعلى هذا الوجه يكون الكلام تنبيها لهم بأن ~~حياة الناس في الدنيا يعقبها الوضع في القبور وأن ذلك الوضع استيداع موقت ~~إلى البعث الذي هو الحياة الأولى ردا على الذين أنكروا البعث . # وعن ابن عباس : المستقر في الرحم والمستودع في صلب الرجل ، ونقل هذا عن ~~ابن مسعود أيضا ، وقاله مجاهد والضحاك وعطاء وإبراهيم النخعي ، وفسر به ~~الزجاج . قال الفخر : ومما يدل على قوة هذا القول أن النطفة الواحدة لا ~~تبقى في صلب الأب زمانا طويلا والجنين يبقى في رحم الأم زمانا طويلا . وعن ~~غير هؤلاء تفسيرات أخرى لا يثلج لها الصدر أعرضنا عن التطويل بها . وقال ~~الطبري إن الله لم يخصص معنى دون غيره ، ولا شك أن من بني آدم مستقرا في ~~الرحم ومستودعا في الصلب ، ومنهم من هو مستقر على ظهر الأرض أو بطنها ~~ومستودع في أصلاب الرجال ، ومنهم مستقر في PageV07P396 القبر مستودع على ~~ظهر الأرض ، فكل مستقر أو مستودع بمعنى من هذه المعاني داخل في عموم قوله : ~~فمستقر ومستودع } اه . # وقال ابن عطية : الذي يقتضيه النظر أن ابن آدم هو مستودع في ظهر أبيه ~~وليس بمستقر فيه لأنه ينتقل لا محالة ثم ينتقل إلى الرحم ثم ينتقل إلى ~~الدنيا ثم ينتقل إلى القبر ثم ينتقل إلى الحشر ثم ينتقل إلى الجنة أو النار ~~. وهو في كل رتبة بين هذين الظرفين مستقر بالإضافة إلى التي قبلها ومستودع ~~بالإضافة إلى التي بعدها اه . # والأظهر أن لا يقيد الاستيداع بالقبور بل هو استيداع من وقت الإنشاء ، ~~لأن المقصود التذكير بالحياة الثانية ، ولأن الأظهر أن الواو ليست للتقسيم ~~بل الأحسن أن تكون للجمع ، أي أنشأكم فشأنكم استقرار واستيداع فأنتم في حال ~~استقراركم في الأرض ودائع فيها ومرجعكم إلى خالقكم كما ترجع الوديعة إلى ~~مودعها . وإيثار التعبير بهذين المصدرين ما كان إلا لإرادة توفير هذه ~~الجملة . # وعلى قراءة كسر القاف هو اسم فاعل . { ومستودع } اسم ms2737 مفعول ، والمعنى هو ~~هو . # وقوله : { قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون } تقرير لنظيره المتقدم مقصود به ~~التذكير والإعذار . # وعدل عن ( يعلمون ) إلى { يفقهون } لأن دلالة إنشائهم على هذه الأطوار من ~~الاستقرار والاستيداع وما فيهما من الحكمة دلالة دقيقة تحتاج إلى تدبر ، ~~فإن المخاطبين كانوا معرضين عنها فعبر عن علمها بأنه فقه ، بخلاف دلالة ~~النجوم على حكمة الاهتداء بها فهي دلالة متكررة ، وتعريضا بأن المشركين لا ~~يعلمون ولا يفقهون ، فإن العلم هو المعرفة الموافقة للحقيقة ، PageV07P397 ~~والفقه هو إدراك الأشياء الدقيقة . فحصل تفصيل الآيات للمؤمنين وانتفى ~~الانتفاع به للمشركين ، ولذلك قال بعد هذا { إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون ~~} ( الأنعام : 99 ) . # $ 2 ( 99 ) { وهو الذى & # 1764 أنزل من السمآء مآء فأخرجنا به نبات كل شىء فأخرجنا منه خضرا نخرج ~~منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون ~~والرمان مشتبها وغير متشابه انظرو & # 1764 ا إلى ثمره إذآ أثمر وينعه إن فى ذالكم لايات لقوم يؤمنون } . ) 2 $ # القول في صيغة القصر من قوله : { وهو الذي أنزل } إلخ كالقول في نظيره ~~السابق . و ( من ) في قوله : { من السماء } ابتدائية لأن ماء المطر يتكون ~~في طبقات الجو العليا الزمهريرية عند تصاعد البخار الأرضي إليها فيصير ~~البخار كثيفا وهو السحاب ثم يستحيل ماء . فالسماء اسم لأعلى طبقات الجو حيث ~~تتكون الأمطار . وتقدم في قوله تعالى : { أو كصيب من السماء في سورة البقرة ~~. وعدل عن ضمير الغيبة إلى ضمير التكلم في قوله : فأخرجنا } على طريقة ~~الإلتفات . والباء للسببية جعل الله الماء سببا لخروج النبات ، والضمير ~~المجرور بالباء عائد إلى الماء . # والنبات اسم لما ينبت ، وهو اسم مصدر نبت ، سمي به النابت على طريقة ~~المجاز الذي صار حقيقة شائعة فصار النبات اسما مشتركا مع المصدر . ~~PageV07P398 # و { شيء } مراد به صنف من النبات بقرينة إضافة { نبات } إليه . والمعنى : ~~فأخرجنا بالماء ما ينبت من أصناف النبت . فإن النبت جنس له أنواع كثيرة ؛ ~~فمنه زرع وهو ما له ساق لينة كالقصب ؛ ومنه شجر وهو ما له ساق ms2738 غليظة كالنخل ~~، والعنب ؛ ومنه نجم وأب وهو ما ينبت لاصقا بالتراب ، وهذا التعميم يشير ~~إلى أنها مختلفة الصفات والثمرات والطبائع والخصوصيات والمذاق ، وهي كلها ~~نابتة من ماء السماء الذي هو واحد ، وذلك آية على عظم القدرة ، قال تعالى : ~~{ تسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعضض في الأكل } ( الرعد : 4 ) وهو تنبيه ~~للناس ليعتبروا بدقائق ما أودعه الله فيها من مختلف القوى التي سببت اختلاف ~~أحوالها . # والفاء في قوله : { فأخرجنا به نبات كل شيء } فاء التفريع . # وقوله : { فأخرجنا منه خضرا } تفصيل لمضمون جملة { فأخرجنا به نبات كل ~~شيء } ، فالفاء للتفصيل ، و ( من ) ابتدائية أو تبعيضية ، والضمير المجرور ~~بها عائد إلى النبات ، أي فكان من النبت خضر ونخل وجنات وشجر ، وهذا تقسيم ~~الجنس إلى أنواعه . # والخضر : الشيء الذي لونه أخضر ، يقال : أخضر وخضر كما يقال : أعور وعور ~~، ويطلق الخضر اسما للنبت الرطب الذي ليس بشجر كالقصيل والقضب . وفي الحديث ~~: ( وإن مما ينبت الربيع لما يقتل حبطا أو يلم إلا آكلة الخضر أكلت حتى إذا ~~امتدت خاصرتاها ) الحديث . وهذا هو المراد هنا لقوله في وصفه { نخرج منه ~~حبا متراكبا } ، فإن الحب يخرج من النبت الرطب . # وجملة : { نخرج منه } صفة لقوله { خضرا } لأنه صار اسما ، و ( من ) ~~اتصالية أو ابتدائية ، والضمير المجرور بها عائد إلى { خضرا } . # والحب : هو ثمر النبات ، كالبر والشعير والزراريع كلها . PageV07P399 # والمتراكب : الملتصق بعضه على بعض في السنبلة ، مثل القمح وغيره ، ~~والتفاعل للمبالغة في ركوب بعضه بعضا . # وجملة : { ومن النخل من طلعها قنوان دانية } عطف على { فأخرجنا منه خضرا ~~} . ويجوز أن تكون معترضة والواو اعتراضية ، وقوله : { من النخل } خبر مقدم ~~و { قنوان } مبتدأ مؤخر . # والمقصود بالإخبار هنا التعجيب من خروج القنوان من الطلع وما فيه من بهجة ~~، وبهذا يظهر وجه تغيير أسلوب هذه الجملة عن أساليب ما قبلها وما بعدها إذ ~~لم تعطف أجزاؤها عطف المفردات ، على أن موقع الجملة بين أخواتها يفيد ما ~~أفادته أخواتها من العبرة والمنة . # والتعريف في { النخل } تعريف العهد الجنسي ، وإنما جيء بالتعريف فيه ~~للإشارة إلى ms2739 أنه الجنس المألوف المعهود للعرب ، فإن النخل شجرهم وثمره ~~قوتهم وحوائطه منبسط نفوسهم ، ولك أن تجعله حالا من { النخل } اعتدادا ~~بالتعريف اللفظي كقوله { والزيتون والرمان مشتبها } ، ويجوز أن يكون { من ~~طلعها } بدل بعض من { النخل } بإعادة حرف الجر الداخل على المبدل منه . # و { قنوان } بكسر القاف جمع قنو بكسر القاف أيضا على المشهور فيه عند ~~العرب غير لغة قيس وأهل الحجاز فإنهم يضمون القاف . فقنوان بالكسر جمع ~~تكسير . وهذه الصيغة نادرة ، غير جمع فعل ( بضم ففتح ) وفعل ( بضم فسكون ) ~~وفعل ( بفتح فسكون ) إذا كانا واويي العين وفعال . # والقنو : عرجون التمر ، كالعنقود للعنب ، ويسمى العذق بكسر العين ويسمى ~~الكباسة بكسر الكاف . # والطلع : وعاء عرجون التمر الذي يبدو في أول خروجه يكون كشكل PageV07P400 ~~الأترجة العظيمة مغلقا على العرجون ، ثم ينفتح كصورة نعلين فيخرج منه ~~العنقود مجتمعا ، ويسمى حينئذ الإغريض ، ثم يصير قنوا . # و { دانية } قريبة . والمراد قريبة التناول كقوله تعالى : { قطوفها دانية ~~} ( الحاقة : 23 ) . والقنوان الدانية بعض قنوان النخل خصت بالذكر هنا ~~إدماجا للمنة في خلال التذكير بإتقان الصنعة فإن المنة بالقنوان الدانية ~~أتم ، والدانية هي التي تكون نخلتها قصيرة لم تتجاوز طول قامة المتناول ، ~~ولا حاجة لذكر البعيدة التناول لأن الذكرى قد حصلت بالدانية وزادت بالمنة ~~التامة . # و { جنات } بالنصب عطف على { خضرا } . وما نسب إلى أبي بكر عن عاصم من ~~رفع { جنات } لم يصح . # وقوله : { من أعناب } تمييز مجرور ب { من } البيانية لأن الجنات للأعناب ~~بمنزلة المقادير كما يقال جريت تمرا ، وبهذا الاعتبار عدي فعل الإخراج إلى ~~الجنات دون الأعناب ، فلم يقل وأعنابا في جنات . والأعناب جمع عنب ، وهو ~~جمع عنبة ، وهو في الأصل ثمر شجر الكرم . ويطلق على شجرة الكرم عنب على ~~تقدير مضاف ، أي شجرة عنب ، وشاع ذلك فتنوسي المضاف . قال الراغب : ( العنب ~~يقال لثمرة الكرم وللكرم نفسه ) اه . ولا يعرف إطلاق المفرد على شجرة الكرم ~~، فلم أر في كلامهم إطلاق العنبة بالإفراد على شجرة الكرم ولكن يطلق بالجمع ~~، يقال : عنب ، مراد به الكرم ، كما في قوله تعالى ms2740 : { فأنبتنا فيها حبا ~~وعنبا } ( عبس : 27 ، 28 ) ، ويقال : أعناب كذلك ، كما هنا ، وظاهر كلام ~~الراغب أنه يقال : عنبة لشجرة الكرم ، فإنه قال : ( العنب يقال لثمرة الكرم ~~وللكرم نفسه الواحدة عنبة ) . # { والزيتون والرمان } بالنصب عطف على { جنات } والتعريف فيهما ~~PageV07P401 الجنس كالتعريف في قوله : { ومن النخل } . والمراد بالزيتون ~~والرمان شجرهما . وهما في الأصل اسمان للثمرتين ثم أطلقا على شجرتيهما كما ~~تقدم في الأعناب . وهاتان الشجرتان وإن لم تكونا مثل النخل في الأهمية عند ~~العرب إلا أنهما لعزة وجودهما في بلاد العرب ولتنافس العرب في التفكه ~~بثمرهما والإعجاب باقتنائهما ذكرا في مقام التذكير بعجيب صنع الله تعالى ~~ومنته . وكانت شجرة الزيتون موجودة بالشام وفي سينا ، وشجرة الرمان موجودة ~~بالطائف . # وقوله : { مشتبها وغير متشابه } حال ومعطوف عليه ، والواو للتقسيم بقرينة ~~أن الشيء الواحد لا يكون مشتبها وغير متشابه ، أي بعضه مشتبه وبعضه غير ~~متشابه . وهما حالان من ( الزيتون والرمان ) معا ، وإنما أفرد ولم يجمع ~~اعتبارا بإفراد اللفظ . والتشابه والاشتباه مترادفان كالتساوي والاستواء ، ~~وهما مشتقان من الشبه . والجمع بينهما في الآية للتفنن كراهية إعادة اللفظ ~~، ولأن اسم الفاعل من التشابه أسعد بالوقف لما فيه من مد الصوت بخلاف { ~~مشتبه } . وهذا من بديع الفصاحة . # والتشابه : التماثل في حالة مع الاختلاف في غيرها من الأحوال ، أي بعض ~~شجره يشبه بعضا وبعضه لا يشبه بعضا ، أو بعض ثمره يشبه بعضا وبعضه لا يشبه ~~بعضا ، فالتشابه مما تقارب لونه أو طعمه أو شكله مما يتطلبه الناس من ~~أحواله على اختلاف أميالهم ، وعدم التشابه ما اختلف بعضه عن البعض الآخر ~~فيما يتطلبه الناس من الصفات على اختلاف شهواتهم ، فمن أعواد الشجر غليظ ~~ودقيق ، ومن ألوان ورقه قاتم وداكن ، ومن ألوان ثمره مختلف ومن طعمه كذلك ، ~~وهذا كقوله تعالى : { ونفضل بعضها على بعض الأكل } ( الرعد : 4 ) . ~~والمقصود من التقييد بهذه الحال التنبيه على أنها مخلوقة بالقصد والاختيار ~~لا بالصدفة . # ويجوز أن تجعل هذه الحال من جميع ما تقدم من قوله : { نخرج منه ~~PageV07P402 حبا متراكبا } ، فإن جميع ذلك مشتبه وغير متشابه . وجعله ms2741 ~~الزمخشري حالا من { الزيتون } لأنه المعطوف عليه وقدر ل { الرمان } حالا ~~أخرى تدل عليها الأولى ، بتقدير : والرمان كذلك . وإنما دعاه إلى ذلك أنه ~~لا يرى تعدد صاحب الحال الواحدة ولا التنازع في الحال ونظره بإفراد الخبر ~~بعد مبتدأ ومعطوفف في قول الأزرق بن طرفة الباهلي ، جوابا لبعض بني قشير ~~وقد اختصما في بئر فقال القشيري : أنت لص ابن لص : # رماني بأمر كنت منه ووالدي # بريئا ومن أجلل الطوي رماني # ولا ضير في هذا الإعراب من جهة المعنى لأن التنبيه إلى ما في بعض النبات ~~من دلائل الاختيار يوجه العقول إلى ما في مماثله من أمثالها . # وجملة : { انظروا إلى ثمره } بيان للجمل التي قبلها المقصود منها الوصول ~~إلى معرفة صنع الله تعالى وقدرته ، والضمير المضاف إليه في { ثمره } عائد ~~إلى ما عاد إليه ضمير { مشتبها } من تخصيص أو تعميم . والمأمور به هو نظر ~~الاستبصار والاعتبار بأطواره . # والثمر : الجنى الذي يخرجه الشجر . وهو بفتح الثاء والميم في قراءة ~~الأكثر ، جمع ثمرة بفتح الثاء والميم وقرأه حمزة والكسائي وخلف بضم الثاء ~~والميم وهو جمع تكسير ، كما جمعت : خشبة على خشب ، وناقة على نوق . # والينع : الطيب والنضج . يقال : ينع بفتح النون يينع بفتح النون وكسرها ~~ويقال : أينع يونع ينعا بفتح التحتية بعدها نون ساكنة . # و { إذا } ظرف لحدوث الفعل ، فهي بمعنى الوقت الذي يبتدىء فيه مضمون ~~الجملة المضاف إليها ، أي حين ابتداء أثماره . وقوله : { وينعه } لم يقيد ~~بإذا أينع لأنه إذا ينع فقد تم تطوره وحان قطافه فلم تبق للنظر فيه عبرة ~~لأنه قد انتهت أطواره . PageV07P403 # وجملة : { إن في ذلكم لآيات } علة للأمر بالنظر . وموقع ( إن ) فيه موقع ~~لام التعليل ، كقول بشار : # إن ذاك النجاح في التبكير # والإشارة ب { ذلكم } إلى المذكور كله من قوله { وهو الذي أنزل من السماء ~~ماء فأخرجنا به نبات كل شيء إلى قوله وينعه } فتوحيد اسم الإشارة بتأويل ~~المذكور ، كما تقدم في قوله تعالى : { عوان بين ذلك في سورة البقرة ( 68 ) ~~. # ولقوم يؤمنون } وصف للآيات . واللام للتعليل ، والمعلل هو ms2742 ما في مدلول ~~الآيات من مضمن معنى الدلالة والنفع . وقد صرح في هذا بأن الآيات إنما تنفع ~~المؤمنين تصريحا بأنهم المقصود في الآيتين الأخريين بقوله : { لقوم يعلمون ~~} ( الأنعام : 97 ) وقوله { لقوم يفقهون } ( الأنعام : 98 ) ، وإتماما ~~للتعريض بأن غير العالمين وغير الفاقهين هم غير المؤمنين يعني المشركين . # # | 2 ( 100 ) { وجعلوا لله شركآء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير ~~علم سبحانه وتعالى عما يصفون } . ) 2 # عطف على الجمل قبله عطف القصة على القصة ، فالضمير المرفوع في { جعلوا } ~~عائد إلى { قومك } من قوله تعالى : { وكذب به قومك } ( الأنعام : 66 ) . # وهذا انتقال إلى ذكر شرك آخر من شرك العرب وهو جعلهم الجن شركاء لله في ~~عبادتهم كما جعلوا الأصنام شركاء له في ذلك . وقد كان دين العرب في ~~الجاهلية خليطا من عبادة الأصنام ومن الصابئية عبادة الكواكب وعبادة ~~الشياطين ، ومجوسية الفرس ، وأشياء من اليهودية ، والنصرانية ، فإن العرب ~~لجهلهم حينئذ كانوا يتلقون من الأمم المجاورة لهم والتي يرحلون إليها عقائد ~~شتى متقاربا بعضها ومتباعدا بعض ، فيأخذونه بدون PageV07P404 تأمل ولا ~~تمحيص لفقد العلم فيهم ، فإن العلم الصحيح هو الذائد عن العقول من أن تعشش ~~فيها الأوهام والمعتقدات الباطلة ، فالعرب كان أصل دينهم في الجاهلية عبادة ~~الأصنام وسرت إليهم معها عقائد من اعتقاد سلطة الجن والشياطين ونحو ذلك . # فكان العرب يثبتون الجن وينسبون إليهم تصرفات ، فلأجل ذلك كانوا يتقون ~~الجن وينتسبون إليها ويتخذون لها المعاذات والرقى ويستجلبون رضاها ~~بالقرابين وترك تسمية الله على بعض الذبائح . وكانوا يعتقدون أن الكاهن ~~تأتيه الجن بالخبر من السماء ، وأن الشاعر له شيطان يوحى إليه الشعر ، ثم ~~إذ أخذوا في تعليل هذه التصرفات وجمعوا بينها وبين معتقدهم في ألوهية الله ~~تعالى تعللوا لذلك بأن للجن صلة بالله تعالى فلذلك قالوا : الملائكة بنات ~~الله من أمهاتت سروات الجن ، كما أشار إليه قوله تعالى : { وجعلوا بينه ~~وبين الجنة نسبا } ( الصافات : 158 ) وقال { فاستفتهم ألربك البنات ولهم ~~البنون أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد ~~الله وإنهم لكاذبون } ( الصافات ms2743 : 149 152 ) . ومن أجل ذلك جعل كثير من ~~قبائل العرب شيئا من عبادتهم للملائكة وللجن . قال تعالى : { ويوم نحشرهم ~~جميعا ثم نقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا ~~من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون } ( سبأ : 40 ، 41 ) . # والذين زعموا أن الملائكة بنات الله هم قريش وجهينة وبنو سلمة وخزاعة ~~وبنو مليح . وكان بعض العرب مجوسا عبدوا الشيطان وزعموا أنه إله الشر وأن ~~الله إله الخير ، وجعلوا الملائكة جند الله والجن جند الشيطان . وزعموا أن ~~الله خلق الشيطان من نفسه ثم فوض إليه تدبير الشر فصار إله الشر . وهم قد ~~انتزعوا ذلك من الديانة المزدكية القائلة بإلهين إله للخير وهو ( يزدان ) . ~~وإله للشر وهو ( أهرمن ) وهو الشيطان . # فقوله : { الجن } مفعول أول { جعلوا } و { شركاء } مفعوله الثاني ، لأن ~~الجن PageV07P405 المقصود من السياق لا مطلق الشركاء ، لأن جعل الشركاء لله ~~قد تقرر من قبل . و { لله } متعلق ب { شركاء } . وقدم المفعول الثاني على ~~الأول لأنه محل تعجيب وإنكار فصار لذلك أهم وذكره أسبق . # وتقديم المجرور على المفعول في قوله : { لله شركاء } للاهتمام والتعجيب ~~من خطل عقولهم إذ يجعلون لله شركاء من مخلوقاته لأن المشركين يعترفون بأن ~~الله هو خالق الجن ، فهذا التقديم جرى على خلاف مقتضى الظاهر لأجل ما اقتضى ~~خلافه . وكلام ( الكشاف ) يجعل تقديم المجرور في الآية للاهتمام باعتقادهم ~~الشريك لله اهتماما في مقامه وهو الاستفظاع والإنكار التوبيخي . وتبعه في ( ~~المفتاح ) إذ قال في تقديم بعض المعمولات على بعض ( للعناية بتقديمه لكونه ~~نصب عينك كما تجدك إذا قال لك أحد : عرفت شركاء لله ، يقف شعرك وتقول : لله ~~شركاء . وعليه قوله تعالى : { وجعلوا لله شركاء } اه . فيكون تقديم المجرور ~~جاريا على مقتضى الظاهر . # والجن بكسر الجيم اسم لموجودات من المجردات التي لا أجسام لها ذاتت طبع ~~ناري ، ولها آثار خاصة في بعض تصرفات تؤثر في بعض الموجودات ما لا تؤثره ~~القوى العظيمة . وهي من جنس الشياطين لا يدرى أمد وجود أفرادها ولا كيفية ~~بقاء نوعها . وقد أثبتها ms2744 القرآن على الإجمال ، وكان للعرب أحاديث في تخيلها ~~. فهم يتخيلونها قادرة على التشكل بأشكال الموجودات كلها ويزعمون أنها إذا ~~مست الإنسان آذته وقتلته . وأنها تختطف بعض الناس في الفيافي ، وأن لها ~~زجلا وأصواتا في الفيافي ، ويزعمون أن الصدى هو من الجن ، وقد تقدم ذلك عند ~~قوله تعالى : { كالذي استهوته الشياطين في الأرض } ( الأنعام : 71 ) ، ~~وأنها قد تقول الشعر ، وأنها تظهر للكهان والشعراء . # وجملة { وخلقهم } في موضع الحال والواو للحال . والضمير المنصوب في { ~~خلقهم } يحتمل أن يعود إلى ما عاد إليه ضمير PageV07P406 { جعلوا } ، أي ~~وخلق المشركين ، وموقع هذه الحال التعجيب من أن يجعلوا لله شركاء وهو ~~خالقهم ، من قبيل { وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون } ( الواقعة : 82 ) ، وعلى ~~هذا تكون ضمائر الجمع متناسقة والتعجيب على هذا الوجه من جعلهم ذلك مع أن ~~الله خالقهم في نفس الأمر فكيف لا ينظرون في أن مقتضى الخلق أن يفرد ~~بالإلهية إذ لا وجه لدعواها لمن لا يخلق كقوله تعالى : { أفمن يخلق كمن لا ~~يخلق أفلا تذكرون } ( النحل : 17 ) فالتعجيب على هذا من جهلهم وسوء نظرهم . ~~ويجوز أن يكون ضمير { وخلقهم } عائدا إلى الجن لصحة ذلك الضمير لهم باعتبار ~~أن لهم عقلا ، وموقع الحال التعجيب من ضلال المشركين أن يشركوا الله في ~~العبادة بعض مخلوقاته مع علمهم بأنهم مخلوقون لله تعالى ، فإن المشركين ~~قالوا : إن الله خالق الجن ، كما تقدم ، وأنه لا خالق إلا هو ، فالتعجيب من ~~مخالفتهم لمقتضى علمهم . فالتقدير : وخلقهم كما في علمهم ، أي وخلقهم بلا ~~نزاع . وهذا الوجه أظهر . # وجملة : { وخرقوا } عطف على جملة : { وجعلوا } والضمير عائد على المشركين ~~. # وقرأ الجمهور { وخرقوا } بتخفيف الراء ، وقرأه نافع ، وأبو جعفر بتشديد ~~الرء . # والخرق : أصله القطع والشق . وقال الراغب : هو القطع والشق على سبيل ~~الفساد من غير تدبر ، ومنه قوله تعالى : { أخرقتها لتغرق أهلها } ( الكهف : ~~71 ) . وهو ضد الخلق ، فإنه فعل الشيء بتقدير ورفق ، والخرق بغير تقدير . ~~ولم يقيده غيره من أئمة اللغة . وأيا ما كان فقد استعمل الخرق مجازا في ~~الكذب كما استعمل فيه افترى واختلق ms2745 من الفري والخلق . وفي ( الكشاف ) : سئل ~~الحسن عن قوله تعالى : { وخرقوا } فقال : كلمة عربية كانت العرب تقولها ، ~~كان الرجل إذا كذب كذبة في نادى القوم يقول بعضهم : ( قد خرقها والله ) . ~~وقراءة نافع تفيد المبالغة في الفعل لأن التفعل يدل على قوة حصول الفعل . ~~فمعنى { خرقوا } كذبوا على الله على سبيل الخرق ، أي نسبوا إليه بنين ~~وبناتت كذبا ، PageV07P407 فأما نسبتهم البنين إلى الله فقد حكاها عنهم ~~القرآن هنا . والمراد أن المشركين نسبوا إليه بنين وبنات . وليس المراد ~~اليهود في قولهم : { عزيز ابن الله } ( التوبة : 30 ) ، ولا النصارى في ~~قولهم : { المسيح ابن الله } ( التوبة : 30 ) . كما فسر به جميع المفسرين ، ~~لأن ذلك لا يناسب السياق ويشوش عود الضمائر ويخرم نظم الكلام . فالوجه أن ~~المراد أن بعض المشركين نسبوا لله البنين وهو الذين تلقنوا شيئا من ~~المجوسية لأنهم لما جعلوا الشيطان متولدا عن الله تعالى إذ قالوا إن الله ~~لما خلق العالم تفكر في مملكته واستعظمها فحصل له عجب تولد عنه الشيطان ، ~~وربما قالوا أيضا : إن الله شك في قدرة نفسه فتولد من شكه الشيطان ، فقد ~~لزمهم أن الشيطان متولد عن الله تعالى عما يقولون ، فلزمهم نسبة الابن إلى ~~الله تعالى . # ولعل بعضهم كان يقول بأن الجن أبناء الله والملائكة بنات الله ، أو أن في ~~الملائكة ذكورا وإناثا ، ولقد ينجر لهم هذا الإعتقاد من اليهود فإنهم جعلوا ~~الملائكة أبناء الله . فقد جاء في أول الإصحاح السادس من سفر التكوين ( ~~وحدث لما ابتدأ الناس يكثرون على الأرض وولد لهم بنات أن أبناء الله رأوا ~~بنات الناس أنهن حسنات فاتخذوا لأنفسهم نساء من كل ما اختاروا وإذ دخل بنو ~~الله على بنات الناس وولدن لهم أولادا هؤلاء هم الجبابرة الذين منذ الدهر ~~ذوو اسم ) . وأما نسبتهم البنات إلى الله فهي مشهورة في العرب إذ جعلوا ~~الملائكة إناثا ، وقالوا : هن بنات الله . # وقوله { بغير علم } متعلق ب { خرقوا } ، أي اختلقوا اختلاقا عن جهل ~~وضلالة ، لأنه اختلاق لا يلتئم مع العقل والعلم فقد رموا بقولهم عن عمى ms2746 ~~وجهالة . فالمراد بالعلم هنا العلم بمعناه الصحيح ، وهو حكم الذهنن المطابق ~~للواقع عن ضرورة أو برهان . PageV07P408 # والباء للملابسة ، أي ملابسا تخريقهم غير العلم فهو متلبس بالجهل بدءا ~~وغاية ، فهم قد اختلقوا بلا داع ولا دليل ولم يجدوا لما اختلقوه ترويجا ، ~~وقد لزمهم به لازم الخطل وفساد القول وعدمم التئامه ، فهذا موقع باء ~~الملابسة في الآية الذي لا يفيد مفاده غيره . # وجملة : { سبحانه وتعالى عما يصفون } مستأنفة تنزيها عن جميع ما حكي عنهم ~~. ف { سبحان } مصدر منصوب على أنه بدل من فعله . وأصل الكلام أسبح الله ~~سبحانا . فلما عوض عن فعله صار ( سبحان الله ) بإضافته إلى مفعوله الأصلي ، ~~وقد تقدم في قوله تعالى : { قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا } في ~~سورة البقرة ( 32 ) . # ومعنى : { تعالى } ارتفع ، وهو تفاعل من العلو . والتفاعل فيه للمبالغة ~~في الاتصاف . والعلو هنا مجاز ، أي كونه لا ينقصه ما وصفوه به ، أي لا يوصف ~~بذلك لأن الاتصاف بمثل ذلك نقص وهو لا يلحقه النقص فشبه التحاشي عن النقائص ~~بالارتفاع ، لأن الشيء المرتفع لا تلتصق به الأوساخ التي شأنها أن تكون ~~مطروحة على الأرض ، فكما شبه النقص بالسفالة شبه الكمال بالعلو ، فمعنى ( ~~تعالى عن ذلك ) أنه لا يتطرق إليه ذلك . # وقول : ه { عما يصفون } متعلق ب ( عن ) للمجاوزة . وقد دخلت على اسم ~~الموصول ، أي عن الذي يصفونه . # والوصف : الخبر عن أحوال الشيء وأوصافه وما يتميز به ، فهو إخبار مبين ~~مفصل للأحوال حتى كأن المخبر يصف الشيء وينعته . # واختير في الآية فعل { يصفون } لأن ما نسبوه إلى الله يرجع إلى توصيفه ~~بالشركاء والأبناء ، أي تباعد عن الاتصاف به . وأما كونهم وصفوه به فذلك ~~أمر واقع . # PageV07P409 # | 2 ( 101 ) { بديع السماوات والارض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة ~~وخلق كل شىء وهو بكل شىء عليم } . ) 2 # جملة مستأنفة وهذا شروع في الإخبار بعظيم قدرة الله تعالى ، وهي تفيد مع ~~ذلك تقوية التنزيه في قوله : { سبحانه وتعالى عما يصفون } ( الأنعام : 100 ~~) فتتنزل منزلة التعليل لمضمون ذلك التنزيه بمضمونها ms2747 أيضا ، وبهذا الوجه ~~رجح فصلها على عطفها فإن ما يصفونه هو قولهم : إن له ولدا وبنات ، لأن ذلك ~~التنزيه يتضمن نفي الشيء المنزه عنه وإبطاله ، فعلل الإبطال بأنه خالق أعظم ~~المخلوقات دلالة على القدرة فإذا كنتم تدعون بنوة الجن والملائكة لأجل ~~عظمتها في المخلوقات وأنتم لا ترون الجن ولا الملائكة فلماذا لم تدعوا ~~البنوة للسماوات والأرض المشاهدة لكم وأنتم ترونها وترون عظمها . فهذا ~~الإبطال بمنزلة النقض في علم الجدل والمناظرة . # وقوله : { بديع } خبر لمبتدأ ملتزم الحذف في مثله ، وهو من حذف المسند ~~إليه الجاري على متابعة الاستعمال عندما يتقدم الحديث عن شيء ثم يعقب بخبر ~~عنه مفرد ، كما تقدم في مواضع . وتقدم الكلام على { بديع السماوات والأرض } ~~عند قوله تعالى : { بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون بديع ~~السماوات والأرض في سورة البقرة ( 116 ، 117 ) . # والاستدلال على انتفاء البنوة عن الله تعالى بإبداع السماوات والأرض لأن ~~خلق المحل يقتضي خلق الحال فيه ، فالمشركون يقولون بأن الملائكة في السماء ~~وأن الجن في الأرض والفيافي ، فيلزمهم حدوث الملائكة والجن وإلا لوجد الحال ~~قبل وجود المحل ، وإذا ثبت الحدوث ثبت انتفاء البنوة لله تعالى ، لأن ابن ~~الإله لا يكون إلا إلها فيلزم قدمه ، كيف وقد ثبت حدوثه ، PageV07P410 ~~ولذلك عقب قولهم اتخذ الله ولدا } ( البقرة : 116 ) بقوله : { سبحانه بل له ~~ما في السماوات والأرض كل له قانتون في سورة البقرة ( 116 ) . وقد أشرنا ~~إلى ذلك عند قوله تعالى : الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض في أول هذه ~~السورة ( 1 ) . # وجملة أنى يكون له ولد } تتنزل منزلة التعليل لمضمون التنزيه من الإبطال ~~، وإنما لم تعطف على التي قبلها لاختلاف طريق الإبطال لأن الجملة الأولى ~~أبطلت دعواهم من جهة فساد الشبهة فكانت بمنزلة النقض في المناظرة . وهذه ~~الجملة أبطلت الدعوى من جهة إبطال الحقيقة فكأنها من جهة خطأ الدليل ، لأن ~~قولهم بأن الملائكة بنات الله والجن أبناء الله يتضمن دليلا محذوفا على ~~البنوة وهو أنهم مخلوقات شريفة ، فأبطل ذلك بالاستدلال بما ينافي الدعوى ~~وهو ms2748 انتفاء الزوجة التي هي أصل الولادة ، فهذا الإبطال الثاني بمنزلة ~~المعارضة في المناظرة . و { أنى } بمعنى من أين وبمعنى كيف . # والواو في { ولم تكن له صاحبة } واو الحال لأن هذا معلوم للمخاطبين فلذلك ~~جيء به في صيغة الحال . # والصاحبة : الزوجة لأنها تصاحب الزوج في معظم أحواله . وقد جعل انتفاء ~~الزوجة مسلما لأنهم لم يدعوه فلزمهم انتفاء الولد لانتفاء شرط التولد ، ~~وهذا مبني على المحاجة العرفية بناء على ما هو المعلوم في حقيقة الولادة . # وقوله : { وخلق كل شيء } عطف على جملة : { بديع السماوات والأرض } ~~باعتبار ظاهرها وهو التوصيف بصفات العظمة والقدرة ، فبعد أن أخبر بأنه ~~تعالى مبدع السماوات والأرض أخبر أنه خالق كل شيء ، أي كل موجود فيشمل ذوات ~~السماوات والأرض ، وشمل ما فيهما ، والملائكة من جملة ما تحويه السماوات ، ~~والجن من جملة ما تحويه الأرض عندهم ، فهو خالق هذين الجنسين ، والخالق لا ~~يكون أبا كما علمت . ففي هذه الجملة إبطال PageV07P411 الولد أيضا ، وهذا ~~إبطال ثالث بطريق الكلية بعد أن أبطل إبطالا جزئيا ، والمعنى أن الموجودات ~~كلها متساوية في وصف المخلوقية ، ولو كان له أولاد لكانوا غير مخلوقين . # وجملة : { وهو بكل شيء عليم } تذييل لإتمام تعليم المخاطبين بعض صفات ~~الكمال الثابتة لله تعالى ، فهي جملة معطوفة على جملة : { وخلق كل شيء } ~~باعتبار ما فيها من التوصيف لا باعتبار الرد . ولكون هذه الجملة الأخيرة ~~بمنزلة التذييل عدل فيها عن الإضمار إلى الإظهار في قوله : { بكل شيء } دون ~~أن يقول ( به ) لأن التذييلات يقصد فيها أن تكون مستقلة الدلالة بنفسها ~~لأنها تشبه الأمثال في كونها كلاما جامعا لمعان كثيرة . # $ 2 ( 102 ) { ذالكم الله ربكم لا & # 1764 إلاه إلا هو خالق كل شىء فاعبدوه وهو على كل شىء وكيل } . ) 2 $ # وقوع اسم الإشارة بعد إجراء الصفات والأخبار المتقدمة ، للتنبيه على أن ~~المشار إليه حقيق بالأخبار والأوصاف التي ترد بعد اسم الإشارة ، كما تقدم ~~عند قوله : { ذلكم الله فأنى تؤفكون } ( الأنعام : 95 ) قبل هذا ، وقوله ~~تعالى : { أولئك على هدى من ربهم في سورة البقرة ( 5 ms2749 ) . # والمشار إليه هو الموصوف بالصفات المضمنة بالأخبار المتقدمة ، ولذلك ~~استغنى عن اتباع اسم الإشارة ببيانن أو بدل ، والمعنى : ذلكم المبدع ~~للسماوات والأرض والخالق كل شيء والعليم بكل شيء هو الله ، أي هو الذي ~~تعلمونه . وقوله : ربكم } صفة لاسم الجلالة . وجملة : { لا إله إلا هو } ~~حال من { ربكم } أو صفة . وقوله : { خالق كل شيء } صفة ل { ربكم } أو لاسم ~~الجلالة ، وإنما لم نجعله خبرا لأن الإخبار قد تقدم بنظائره في قوله : { ~~وخلق كل شيء } . PageV07P412 # وجملة : { فاعبدوه } مفرعة على قوله : { ربكم لا إله إلا هو } وقد جعل ~~الأمر بعبادته مفرعا على وصفه بالربوبية والوحدانية لأن الربوبية مقتضية ~~استحقاق العبادة ، والانفراد بالربوبية يقتضي تخصيصه بالعبادة ، وقد فهم ~~هذا التخصيص من التفريع . # ووجه أمرهم بعبادته أن المشركين كانوا معرضين عن عبادة الله تعالى بحيث ~~لا يتوجهون بأعمال البر في اعتقادهم إلا إلى الأصنام فهم يزورونها ويقربون ~~إليها القرابين وينذرون لها النذور ويستعينون بها ويستنجدون بنصرتها ، وما ~~كانوا يذكرون الله إلا في موسم الحج ، على أنهم قد خلطوه بالتقرب إلى ~~الأصنام إذ جعلوا فوق الكعبة ( هبل ) ، وجعلوا فوق الصفا والمروة ( أسافا ~~ونائلة ) . وكان كثير منهم يهل ( لمناة ) في منتهى الحج ، فكانوا معرضين عن ~~عبادة الله تعالى ، فلذلك أمروا بها صريحا ، وأمروا بالاقتصار عليها بطريق ~~الإيماء بالتفريع . # وجملة : { وهو على كل شيء وكيل } يجوز أن تكون معطوفة على الصفات ~~المتقدمة فتكون جملة { فاعبدوه } معترضة ، ويجوز أن تكون معطوفة على جملة { ~~فاعبدوه } بناء على جواز عطف الخبر على الإنشاء والعكس ( وهو الحق ) ، على ~~وجه تكميل التعليل للأمر بعبادته دون غيره ، بأنه متكفل بالأشياء كلها من ~~الخلق والرزق والإنعام وكل ما يطلب المرء حفظه له ، فالوجه عبادته ولا وجه ~~لعبادة غيره ، فإن اسم الوكيل جامع لمعنى الحفظ والرقابة ، كما تقدم عند ~~قوله تعالى : { وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل في سورة آل عمران ( 173 ) . # # | 2 ( 103 ) لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار وهو اللطيف الخبير } . ) ~~2 # جملة ابتدائية لإفادة عظمته تعالى وسعة علمه ، فلعظمته جل عن أن يحيط به ms2750 ~~شيء من أبصار المخلوقين ، وذلك تعريض بانتفاء الإلهية عن الأصنام ~~PageV07P413 التي هي أجسام محدودة محصورة متحيزة ، فكونها مدركة بالأبصار ~~من سمات المحدثات لا يليق بالإلهية ولو كانت آلهة لكانت محتجبة عن الأبصار ~~، وكذلك الكواكب التي عبدها بعض العرب ، وأما الجن والملائكة وقد عبدوهما ~~فإنهما وإن كانا غير مدركين بالأبصار في المتعارف لكل الناس ولا في كل ~~الأوقات إلا أن المشركين يزعمون أن الجن تبدو لهم تارات في الفيافي وغيرها ~~. قال شمر بن الحارث الضبي : # أتوا ناري فقلت منون أنتم # فقالوا الجن قلت عموا ظلاما # ويتوهمون أن الملائكة يظهرون لبعض الناس ، يتلقون ذلك عن اليهود . # والإدراك حقيقته الوصول إلى المطلوب . ويطلق مجازا على شعور الحاسة ~~بالمحسوس أو العقلل بالمعقول يقال : أدرك بصري وأدرك عقلي تشبيها لآلة ~~العلم بشخص أو فرس وصل إلى مطلوبه تشبيه المعقول بالمحسوس ، ويقال : أدرك ~~فلان ببصره وأدرك بعقله ، ولا يقال : أدرك فلان بدون تقييد ، واصطلح ~~المتأخرون من المتكلمين والحكماء على تسمية الشعور العقلي إدراكا ، وجعلوا ~~الإدراك جنسا في تعريف التصور والتصديق ، ووصفوا صاحب الفهم المستقيم ~~بالدراكة . # وأما قوله تعالى : { وهو يدرك الأبصار } فيجوز أن يكون إسناد الإدراك إلى ~~اسم الله مشاكلة لما قبله من قوله : { لا تدركه الأبصار } . ويجوز أن يكون ~~الإدراك فيه مستعارا للتصرف لأن الإدراك معناه النوال . # والأبصار جمع بصر ، وهو اسم للقوة التي بها النظر المنتشرة في إنسان ~~العين الذي في وسط الحدقة وبه إدراك المبصرات . والمعنى : لا تحيط به أبصار ~~المبصرين لأن المدرك في الحقيقة هو المبصر لا الجارحة ، وإنما الجارحة ~~وسيلة للإدراك لأنها توصل الصورة إلى الحس المشترك في الدماغ . والمقصود من ~~هذا بيان مخالفة خصوصية الإله الحق عن خصوصيات آلهتهم في هذا العالم ، فإن ~~الله لا يرى وأصنامهم ترى ، وتلك الخصوصية مناسبة PageV07P414 لعظمته تعالى ~~، فإن عدم إحاطة الأبصار بالشيء يكون من عظمته فلا تطيقه الأبصار ، فعموم ~~النكرة في سياق النفي يدل على انتفاء أن يدركه شيء من أبصار المبصرين في ~~الدنيا كما هو السياق . # ولا دلالة في هذه الآية على انتفاء ms2751 أن يكون الله يرى في الآخرة ، كما ~~تمسك به نفاة الرؤية ، وهم المعتزلة لأن للأمور الآخرة أحوالا لا تجري على ~~متعارفنا ، وأحرى أن لا دلالة فيها على جواز رؤيته تعالى في الآخرة . ومن ~~حاول ذلك فقد تكلف ما لا يتم كما صنع الفخر في ( تفسيره ) . # والخلاف في رؤية الله في الآخرة شائع بين طوائف المتكلمين ؛ فأثبته جمهور ~~أهل السنة لكثرة ظواهر الأدلة من الكتاب والسنة مع اتفاقهم على أنها رؤية ~~تخالف الرؤية المتعارفة . وعن مالك رحمه الله ( لو لم ير المؤمنون ربهم يوم ~~القيامة لم يعير الكفار بالحجاب في قوله تعالى : { كلا إنهم عن ربهم يومئذ ~~لمحجوبون } ( المطففين : 15 ) . وعنه أيضا ( لم ير الله في الدنيا لأنه باق ~~ولا يرى الباقي بالفاني ، فإذا كان في الآخرة ورزقوا أبصارا باقية رأوا ~~الباقي بالباقي ) . وأما المعتزلة فقد أحالوا رؤية الله في الآخرة ~~لاستلزامها الانحياز في الجهة . وقد اتفقنا جميعا على التنزيه عن المقابلة ~~والجهة ، كما اتفقنا على جواز الانكشاف العلمي التام للمؤمنين في الآخرة ~~لحقيقة الحق تعالى ، وعلى امتناع ارتسام صورة المرئي في العين أو اتصال ~~الشعاع الخارج من العين بالمرئي تعالى لأن أحوال الأبصار في الآخرة غير ~~الأحوال المتعارفة في الدنيا . وقد تكلم أصحابنا بأدلة الجواز وبأدلة ~~الوقوع ، وهذا مما يجب الإيمان به مجملا على التحقيق . وأدلة المعتزلة ~~وأجوبتنا عليها مذكورة في كتب الكلام وليست من غرض التفسير ومرجعها جميعا ~~إلى إعمال الظاهر أو تأويله . # ثم اختلف أيمتنا هل حصلت رؤية الله تعالى للنبيء صلى الله عليه وسلم فنفى ~~ذلك جمع من الصحابة منهم عائشة وابن مسعود وأبو هريرة PageV07P415 رضي الله ~~عنهم وتمسكوا بعموم هذه الآية كما ورد في حديث البخاري عن عكرمة عن عائشة . ~~وأثبتها الجمهور ، ونقل عن أبي بن كعب وابن عباس رضي الله عنهما ، وعليه ~~يكون العموم مخصوصا . وقد تعرض لها عياض في ( الشفاء ) . وقد سئل عنها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فأجاب بجواب اختلف الرواة في لفظه ، فحجب الله ~~بذلك الاختلاف حقيقة الأمر إتماما لمراده ولطفا ms2752 بعباده . # وقوله : { وهو يدرك الأبصار } معطوف على جملة : { لا تدركه الأبصار } ~~فإسناد الإدراك إلى ضمير اسمه تعالى إما لأن فعل { يدرك } استعير لمعنى ~~ينال ، أي لا تخرج عن تصرفه كما يقال : لحقه فأدركه ، فالمعنى يقدر على ~~الأبصار ، أي على المبصرين ، وإما لاستعارة فعل { يدرك } لمعنى يعلم ~~لمشاكلة قوله : { لا تدركه الأبصار } أي لا تعلمه الأبصار . وذلك كناية عن ~~العلم بالخفيات لأن الأبصار هي العدسات الدقيقة التي هي واسطة إحساس الرؤية ~~أو هي نفس الإحساس وهو أخفى . وجمعه باعتبار المدركين . # وفي قوله : { لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار } محسن الطباق . # وجملة : { وهو اللطيف الخبير } معطوفة على جملة : { لا تدركه الأبصار } ~~فهي صفة أخرى . أو هي تذييل للاحتراس دفعا لتوهم أن من لا تدركه الأبصار لا ~~يعلم أحوال من لا يدركونه . # واللطيف : وصف مشتق من اللطف أو من اللطافة . يقال : لطف بفتح الطاء ~~بمعنى رفق ، وأكرم ، واحتفى . ويتعدى بالباء وباللام باعتبار ملاحظة معنى ~~رفق أو معنى أحسن . ولذلك سميت الطرفة والتحفة التي يكرم بها المرء لطفا ( ~~بالتحريك ) ، وجمعها ألطاف . فالوصف من هذا لاطف ولطيف ؛ فيكون اللطيف اسم ~~فاعل بمعنى المبالغة يدل على حذف فعل من فاعله ، ومنه قوله تعالى عن يوسف { ~~إن ربي لطيف لما يشاء } ( يوسف : 100 ) . ويقال لطف بضم الطاء أي دق وخف ضد ~~ثقل وكثف . PageV07P416 # واللطيف : صفة مشبهة أو اسم فاعل . فإن اعتبرت وصفا جاريا على لطف بضم ~~الطاء فهي صفة مشبهة تدل على صفة من صفات ذات الله تعالى ، وهي صفة تنزيهه ~~تعالى عن إحاطة العقول بماهيته أو إحاطة الحواس بذاته وصفاته ، فيكون ~~اختيارها للتعبير عن هذا الوصف في جانب الله تعالى هو منتهى الصراحة ~~والرشاقة في الكلمة لأنها أقرب مادة في اللغة العربية تقرب معنى وصفه تعالى ~~بحسب ما وضعت له اللغة من متعارف الناس ، فيقرب أن تكون من المتشابه ، ~~وعليه فتكون أعم من مدلول جملة { لا تدركه الأبصار } ، فتتنزل من الجملة ~~التي قبلها منزلة التذييل أو منزلة الاستدلال على الجزئية بالكلية فيزيد ~~الوصف قبله تمكنا . وعلى ms2753 هذا المعنى حملها الزمخشري في ( الكشاف ) لأنه ~~أنسب بهذا المقام وهو من معاني الكلمة المشهورة في كلام العرب ، واستحسنه ~~الفخر وجوزه الراغب والبيضاوي ، وهو الذي ينبغي التفسير به في كل موضع ~~اقترن فيه وصف اللطيف بوصف الخبير كالذي هنا والذي في سورة الملك . # وإن اعتبر اللطيف اسم فاعل من لطف بفتح الطاء فهو من أمثلة المبالغة يدل ~~على وصفه تعالى بالرفق والإحسان إلى مخلوقاته وإتقان صنعه في ذلك وكثرة ~~فعله ذلك ، فيدل على صفة من صفات الأفعال . وعلى هذا المعنى حمله سائر ~~المفسرين والمبينين لمعنى اسمه اللطيف في عداد الأسماء الحسنى . وهذا ~~المعنى هو المناسب في كل موضع جاء فيه وصفه تعالى به مفردا معدى باللام أو ~~بالباء نحو { إن ربي لطيف لما يشاء } ( يوسف : 100 ) ، وقوله : { الله لطيف ~~بعباده } ( الشوى : 19 ) . وبه فسر الزمخشري قوله تعالى : { الله لطيف ~~بعباده } فلله دره ، فإذا حمل على هذا المحمل هنا كان وصفا مستقلا عما قبله ~~لزيادة تقرير استحقاقه تعالى للإفراد بالعبادة دون غيره . # و ( خبير ) صفة مشبهة من خبر بضم الباء في الماضي ، خبرا بضم الخاء وسكون ~~الباء بمعنى علم وعرف ، فالخبير الموصوف بالعلم بالأمور التي شأنها أن يخبر ~~عنها علما موافقا للواقع . PageV07P417 # ووقوع الخبير بعد اللطيف على المحمل الأول وقوع صفة أخرى هي أعم من ~~مضمونن { وهو يدرك الأبصار } ، فيكمل التذييل بذلك ويكون التذييل مشتملا ~~على محسن النشر بعد اللف ؛ وعلى المحمل الثاني موقعه موقع الاحتراس لمعنى ~~اللطيف ، أي هو الرفيق المحسن الخبير بمواقع الرفق والإحسان وبمستحقيه . # # | 2 ( 104 ) { قد جآءكم بصآئر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمى فعليها ~~ومآ أنا عليكم بحفيظ } . ) 2 # هذا انتقال من محاجة المشركين ، وإثبات الوحدانية لله بالربوبية من قوله ~~: { إن الله فالق الحب والنوى إلى قوله وهو اللطيف الخبير } ( الأنعام : 95 ~~103 ) . فاستؤنف الكلام بتوجيه خطابب للنبيء عليه الصلاة والسلام مقولل ~~لفعلل أمر بالقول في أول الجملة ، حذف على الشائع من حذف القول للقرينة في ~~قوله : { وما أنا عليكم بحفيظ } ( الأنعام : 104 ) . ومناسبة وقوع ms2754 هذا ~~الاستئناف عقب الكلام المسوق إليهم من الله تعالى أنه كالتوقيف والشرح ~~والفذلكة للكلام السابق فيقدر : قل يا محمد قد جاءكم بصائر . # وبصائر جمع بصيرة ، والبصيرة : العقل الذي تظهر به المعاني والحقائق ، ~~كما أن البصر إدراك العين الذي تتجلى به الأجسام ، وأطلقت البصائر على ما ~~هو سبب فيها . وإسناد المجيء إلى البصائر استعارة للحصول في عقولهم ، شبه ~~بمجيء شيء كان غائبا ، تنويها بشأن ما حصل عندهم بأنه كالشيء الغائب ~~المتوقع مجيئه كقوله تعالى : { جاء الحق وزهق الباطل } ( الإسراء : 81 ) . ~~وخلو فعل ( جاء ) عن علامة التأنيث مع أن فاعله جمع مؤنث لأن الفعل المسند ~~إلى جمع تكسير مطلقا أو جمع مؤنث يجوز اقترانه بتاء التأنيث وخلوه عنها . # و ( من ) ابتدائية تتعلق ب ( جاء ) أو صفة ل { بصائر } ، وقد جعل خطاب ~~الله PageV07P418 بها بمنزلة ابتداء السير من جانبه تعالى ، وهو منزه عن ~~المكان والزمان ، فالابتداء مجاز لغوي ، أو هو مجاز بالحذف بتقدير : من ~~إرادة ربكم . والمقصود التنويه بهذه التعاليم والذكريات التي بها البصائر ، ~~والحث على العمل بها ، لأنها مسداة إليهم ممن لا يقع في هديه خلل ولا خطأ ، ~~مع ما في ذكر الرب وإضافته من تربية المهابة وتقوية داعي العمل بهذه ~~البصائر . # ولذلك فرع عليه قوله : { فمن أبصر فلنفسه } ، أي فلا عذر لكم في ~~الاستمرار على الضلال بعد هذه البصائر ، ولا فائدة لغيركم فيها ( فمن أبصر ~~فلنفسه أبصر ) ، أي من علم الحق فقد علم علما ينفع نفسه ، { ومن عمي } أي ~~ضل عن الحق فقد ضل ضلالا وزره على نفسه . # فاستعير الإبصار في قوله : { أبصر } للعلم بالحق والعملل به لأن المهتدي ~~بهذا الهدي الوارد من الله بمنزلة الذي نور له الطريق بالبدر أو غيره ، ~~فأبصره وسار فيه ، وبهذا الاعتبار يجوز أن يكون { أبصر } تمثيلا موجزا ضمن ~~فيه تشبيه هيئة المرشد إلى الحق إذا عمل بها أرشد به ، بهيئة المبصر إذا ~~انتفع ببصره . # واستعير العمى في قوله : { عمي } للمكابرة والاستمرار على الضلال بعد ~~حصول ما شأنه أن يقلعه لأن المكابر بعد ذلك كالأعمى لا ms2755 ينتفع بإنارة طريق ~~ولا بهدي هاد خريتت . ويجوز اعتبار التمثيلية فيه أيضا كاعتبارها في ضده ~~السابق . # واستعمل اللام في الأول استعارة للنفع لدلالتها على الملك وإنما يملك ~~الشيء النافع المدخر للنوائب ، واستعيرت ( على ) في الثاني للضر والتبعة ~~لأن الشيء الضار ثقيل على صاحبه يكلفه تعبا وهو كالحمل الموضوع على ظهره ، ~~وهذا معروف في الكلام البليغ ، قال تعالى : { من عمل صالحا فلنفسه } ( فصلت ~~: 46 ) ، وقال { من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها } ( ~~الإسراء : 15 ) ، PageV07P419 وقال { وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم } ~~، ولأجل ذلك سمي الإثم وزرا كما تقدم في قوله تعالى : { وهم يحملون أوزارهم ~~على ظهورهم } ( الأنعام : 31 ) ، وقد جاء اللام في موضع ( على ) في بعض ~~الآيات ، كقوله تعالى : { إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها } ( ~~الإسراء : 7 ) . # وفي الآية محسن جناس الاشتقاق بين ( البصائر ) و ( أبصر ) ، وملاحظة ~~مناسبة في الإبصار والبصائر . وفيها محسن المطابقة بين قوله : { أبصر } و { ~~عمي } ، وبين ( اللام ) و ( على ) . # ويتعلق قوله : { لنفسه } بمحذوف دل عليه فعل الشرط . وتقديره : فمن أبصر ~~فلنفسه أبصر . واقترن الجواب بالفاء نظرا لصدره إذ كان اسما مجرورا وهو غير ~~صالح لأن يلي أداة الشرط . # وإنما نسج نظم الآية على هذا النسج للإيذان بأن { لنفسه } مقدم في ~~التقدير على متعلقه المحذوف . والتقدير : فلنفسه أبصر ، ولولا قصد الإيذان ~~بهذا التقديم لقال : فمن أبصر أبصر لنفسه ، كما قال : { إن أحسنتم أحسنتم ~~لأنفسكم } ( الإسراء : 7 ) والمقام يقتضي تقديم المعمول هنا ليفيد القصر ، ~~أي فلنفسه أبصر لا لفائدة غيره ، لأنهم كانوا يحسبون أنهم يغيظون النبيء ~~صلى الله عليه وسلم بإعراضهم عن دعوته إياهم إلى الهدى ، وقرينة ذلك أن هذا ~~الكلام مقول من النبي صلى الله عليه وسلم وقد أومأ إلى هذا صاحب ( الكشاف ) ~~، بخلاف آية { إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم } ( الإسراء : 7 ) ، فإنها حكت ~~كلاما خوطب به بنو إسرائيل من جانب الله تعالى وهم لا يتوهمون أن إحسانهم ~~ينفع الله أو إساءتهم تضر الله . # والكلام على قوله : { ومن عمي فعليها } نظير الكلام على قوله : { فمن ~~أبصر ms2756 فلنفسه } . وعدي فعل { عمي } بحرف ( على ) لأن العمى لما كان مجازا ~~كان ضرا يقع على صاحبه . # وجملة : { وما أنا عليكم بحفيظ } تكميل لما تضمنه قوله : { فمن أبصر ~~فلنفسه ومن عمي فعليها } ، أي فلا ينالني من ذلك شيء فلا يرجع لي نفعكم ولا ~~يعود علي ضركم ولا أنا وكيل على نفعكم وتجنب ضركم فلا تحسبوا أنكم حتى ~~تمكرون بي بالإعراض عن الهدى والاستمرار في الضلال . PageV07P420 # والحفيظ : الحارس ومن يجعل إليه نظر غيره وحفظه ، وهو بمنزلة الوكيل إلا ~~أن الوكيل يكون مجعولا له الحفظ من جانب الشيء المحفوظ ، والحفيظ أعم لأنه ~~يكون من جانبه ومن جانب مواليه . وهذا قريب من معنى قوله { وكذب به قومك ~~وهو الحق قل لست عليكم بوكيل } ( الأنعام : 66 ) . # والإتيان بالجملة الاسمية هنا دقيق ، لأن الحفيظ وصف لا يفيد غيره مفاده ~~، فلا يقوم مقامه فعل حفظ ، فالحفيظ صفة مشبهة يقدر لها فعل منقول إلى فعل ~~بضم العين لم ينطق به مثل الرحيم . # ولا يفيد تقديم المسند إليه في الجملة الاسمية اختصاصا خلافا لما يوهمه ~~ظاهر تفسير الزمخشري وإن كان العلامة التفتزاني مال إليه ، وسكت عنه السيد ~~الجرجاني وهو وقوف مع الظاهر . وتقديم { عليكم } على { بحفيظ } للاهتمام ~~ولرعاية الفاصلة . # # | 2 ( 105 ) { وكذالك نصرف الايات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون } . ~~) 2 # جملة معترضة تذييلا لما قبلها . والواو اعتراضية فهو متصل بجملة : { قد ~~جاءكم بصائر من ربكم } ( الأنعام : 104 ) التي هي من خطاب الله تعالى رسوله ~~صلى الله عليه وسلم بتقدير ( قل ) كما تقدم ، والإشارة بقوله : { وكذلك } ~~إلى التصريف المأخوذ من قوله : { نصرف الآيات } . أي ومثل ذلك التصريف نصرف ~~الآيات . وتقدم نظيره غير مرة وأولها قوله : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا في ~~سورة البقرة ( 143 ) . # والقول في تصريف الآيات تقدم في قوله تعالى : انظر كيف نصرف الآيات في ~~هذه السورة ( 46 ) . # وقوله : وليقولوا درست } معطوف على { وكذلك نصرف الآيات } . وقد ~~PageV07P421 تقدم بيان معنى هذا العطف في نظيره في قوله تعالى : { وكذلك ~~نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين من هذه السورة ( 55 ) . ولكن ما ms2757 هنا ~~يخالف ما تقدم مخالفة ما فإن قول المشركين للرسول عليه الصلاة والسلام درست ~~} لا يناسب أن يكون علة لتصريف الآيات ، فتعين أن تكون اللام مستعارة لمعنى ~~العاقبة والصيرورة كالتي في قوله تعالى : { فالتقطه آل فرعون ليكون لهم ~~عدوا وحزنا } ( القصص : 8 ) . المعنى . فكان لهم عدوا . وكذلك هنا ، أي ~~نصرف الآيات مثل هذا التصريف الساطع فيحسبونك اقتبسته بالدراسة والتعليم ~~فيقولوا : درست . والمعنى : أنا نصرف الآيات ونبينها تبيينا من شأنه أن ~~يصدر من العالم الذي درس العلم فيقول المشركون درست هذا وتلقيته من العلماء ~~والكتب ، لإعراضهم عن النظر الصحيح الموصل إلى أن صدور مثل هذا التبيين من ~~رجل يعلمونه أميا لا يكون إلا من قبل وحي من الله إليه ، وهذا كقوله : { ~~ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر } ( النحل : 103 ) وهم قد قالوا ذلك ~~من قبل ويقولونه ويزيدون بمقدار زيادة تصريف الآيات ، فشبه ترتب قولهم على ~~التصريف بترتب العلة الغائية ، واستعير لهذا المعنى الحرف الموضوع للعلة ~~على وجه الاستعارة التبعية ، ولذلك سمى بعض النحويين مثل هذه اللام لام ~~الصيرورة ، وليس مرادهم أن الصيرورة معنى من معاني اللام ولكنه إفصاح عن ~~حاصل المعنى . # والدراسة : القراءة بتمهل للحفظ أو للفهم ، وتقدم عند قوله تعالى : { ~~وبما كنتم تدرسون في سورة آل عمران ( 79 ) . وفعله من باب نصر . يقال : درس ~~الكتاب ، أي تعلم . وقد تقدم في قوله تعالى : بما كنتم تعلمون الكتاب وبما ~~كنتم تدرسون } ( آل عمران : 79 ) ، وقال { ودرسوا ما فيه } ( الأعراف : 169 ~~) . وسمي بيت تعلم اليهود المدراس ، وسمي البيت الذي يسكنه التلامذة ~~ويتعلمون فيه المدرسة . والمعنى يقولون : تعلمت ، طعنا في أمية الرسول عليه ~~الصلاة والسلام لئلا يلزمهم أن ما جاء به من العلم وحي من الله تعالى . # وقرأ الجمهور { درست } بدون ألف وبفتح التاء . وقرأه ابن كثير ، وأبو ~~عمرو ( دارست ) على صيغة المفاعلة وبفتح التاء أي يقولون : قرأت وقرىء ~~PageV07P422 عليك ، أي دارست أهل الكتاب وذاكرتهم في علمهم . وقرأه ابن ~~عامر ويعقوب ( درست ) بصيغة الماضي وتاء التأنيث أي الآيات ، أي تكررت . # وأما اللام في ms2758 قوله : { ولنبينه لقوم يعلمون } فهي لام التعليل الحقيقية ~~. وضمير { نبينه } عائد إلى القرآن لأنه ماصدق { الآيات } ، ولأنه معلوم من ~~السياق . # والقوم هم الذين اهتدوا وآمنوا كما تقدم في قوله : { قد فصلنا الآيات ~~لقوم يعلمون } ( الأنعام : 97 ) ، والكلام تعريض كما تقدم . # والمعنى أن هذا التصريف حصل منه هدى للموفقين ومكابرة للمخاذيل . كقوله ~~تعالى : { يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين } ( البقرة ~~: 26 ) . # $ 2 ( 106 ، 107 ) { لله اتبع مآ أوحى إليك من ربك لا & # 1764 إلاه إلا هو وأعرض عن المشركين * ولو شآء الله مآ أشركوا وما جعلناك ~~عليهم حفيظا ومآ أنت عليهم بوكيل } . ) 2 $ # استئناف في خطاب النبيء عليه الصلاة والسلام لأمره بالإعراض عن بهتان ~~المشركين وأن لا يكترث بأقوالهم ، فابتداؤه بالأمر باتباع ما أوحي إليه ~~يتنزل منزلة المقدمة للأمر بالإعراض عن المشركين ، وليس هو المقصد الأصلي ~~من الغرض المسوق له الكلام ، لأن اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم ما أوحي ~~إليه أمر واقع بجميع معانيه ؛ فالمقصود من الأمر الدوام على اتباعه . ~~والمعنى : أعرض عن المشركين اتباعا لما أنزل إليك من ربك . والمراد بما ~~أوحي إليه القرآن . # والاتباع في الأصل اقتفاء أثر الماشي ، ثم استعمل في العمل بمثل عمل ~~الغير ، كما في قوله : { والذين اتبعوهم بإحسان } ( التوبة : 100 ) . ثم ~~استعمل في امتثال PageV07P423 الأمر والعمل بما يأمر به المتبوع فهو ~~الائتمار ، ويتعدى فعله إلى ذات المتبع فيقال : اتبعت فلانا بهذه المعاني ~~الثلاثة وهو على حذف مضاف في جميع ذلك لأن الاتباع لا يتعلق بالذات . # وإطلاق الاتباع بمعنى الائتمار شائع في القرآن لأنه جاء بالأمر والنهي ~~وأمر الناس باتباعه ، واستعمل أيضا في معنى الملازمة على سبيل المجاز ~~المرسل ، لأن من يتبع أحدا يلازمه . ومنه سمي الرئي من الجن في خرافات ~~العرب تابعة ، ومنه سمى من لازم الصحابي وروى عنه تابعيا . # فيجوز أن يكون الاتباع في الآية مرادا به دوام الامتثال لما أمر به ~~القرآن من الإعراض عن أذى المشركين وعنادهم ، فالاتباع المأمور به اتباع في ~~شيء مخصوص ، وهذا مأمور ms2759 به غير مرة ، فالأمر بالفعل مستمر في الأمر بالدوام ~~عليه . # ويجوز أن يكون أمرا بملازمة الدعوة إلى الله والإعلان بها ودعاء المشركين ~~إلى التوحيد والإيمان وأن لا يعتريه في ذلك لين ولا هوادة حتى لا يكون ~~لبذاءتهم وتكذيبهم إياه تأثير على نفسه يوهن دعوتهم والحرص على إيمانهم ~~واعتقاد أن محاولة إيمانهم لا جدوى لها . فالمراد بما أوحي إليه ما أوحي من ~~القرآن خطابا للمشركين ، أو أمرا بدعوتهم للإسلام وعدم الانقطاع عن ذلك ، ~~فيكون الكلام شدا لساعد النبيء صلى الله عليه وسلم في مقامات دعوته إلى ~~الله ، وهذا هو المناسب لقوله : { لا تسبوا الذين يدعون من دون الله } ( ~~الأنعام : 108 ) كما سنبينه . وقد تقدم شيء من هذا آنفا عند قوله تعالى : { ~~إن أتبع إلا ما يوحى إلي } ( الأنعام : 50 ) . وليس المراد من الأمر ~~بالاتباع الأمر باتباع أوامر القرآن ونواهيه مطلقا ، لأنه لا مناسبة له ~~بهذا السياق ، وفي الإتيان بلفظ : { ربك } دون اسم الجلالة تأنيس للرسول ~~صلى الله عليه وسلم وتلطف معه . PageV07P424 # وجملة : { لا إله إلا هو } معترضة ، والمقصود منها إدماج التذكير ~~بالوحدانية لزيادة تقررها وإغاظة المشركين . # والمراد بالإعراض عن المشركين الإعراض عن مكابرتهم وأذاهم لا الإعراض عن ~~دعوتهم ، فإن الله لم يأمر رسوله صلى الله عليه وسلم بقطع الدعوة لأي صنف ~~من الناس ، وكل آية فيها الأمر بالإعراض عن المشركين فإنما هو إعراض عن ~~أقوالهم وأذاهم ، ألا ترى كل آية من هذه الآيات قد تلتها آيات كثيرة تدعو ~~المشركين إلى الإسلام والإقلاع عن الشرك كقوله تعالى في سورة النساء ( 63 ) ~~: { فأعرض عنهم وعظهم وقد تقدم . # وقوله : ولو شاء الله ما أشركوا } عطف على جملة { وأعرض عن المشركين } . ~~وهذا تلطف مع الرسول صلى الله عليه وسلم وإزالة لما يلقاه من الكدر من ~~استمرارهم على الشرك وقلة إغناء آيات القرآن ونذره في قلوبهم ، فذكره الله ~~بأن الله قادر على أن يحول قلوبهم فتقبل الإسلام بتكوين آخر ولكن الله أراد ~~أن يحصل الإيمان ممن يؤمن بالأسباب المعتادة في الإرشاد والاهتداء ليميز ~~الله الخبيث من ms2760 الطيب وتظهر مراتب النفوس في ميادين التلقي ، فأراد الله أن ~~تختلف النفوس في الخير والشر اختلافا ناشئا عن اختلاف كيفيات الخلقة والخلق ~~والنشأة والقبولل ، وعن مراتب اتصال العباد بخالقهم ورجائهم منه . ~~فالمشركون بلغوا إلى حضيض الشرك بأسباب ووسائل متسلسلة مترتبة خلقية ، ~~وخلقية ، واجتماعية ، تهيأت في أزمنة وأحوال هيأتها لهم ، فلما بعث الله ~~إليهم المرشد كان إصغاؤهم إلى إرشاده متفاوتا على تفاوت صلابة عقولهم في ~~الضلال وعراقتهم فيه ، وعلى تفاوت إعداد نفوسهم للخير وجموحهم عنه ، ولم ~~يجعل الله إيمان الناس حاصلا بخوارق العادات ولا بتبديل خلق العقول ، وهذا ~~هو القانون في معنى مثل هذه الآية ، فهذا معنى انتفاء مشيئة الله في هذا ~~المقام المراد به تطمين قلب الرسول عليه الصلاة والسلام وتذكيره بحقائق ~~الأحوال وليس في مثل هذا عذر لهم PageV07P425 ولا لأمثالهم من العصاة ، ~~ولذلك رد الله عليهم الاعتذار بمثل هذا في قوله في الآية الآتية { سيقول ~~الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب ~~الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا } ( ~~الأنعام : 148 ) الآية . وفي قوله : { وقالوا لو شاء الرحمان ما عبدناهم ما ~~لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون } ( الزخرف : 20 ) في سورة الزخرف ، لأن ~~هذه حقيقة كاشفة عن الواقع لا تصلح عذرا لمن طلب منهم أن لا يكونوا في عداد ~~الذين لم يشأ الله أن يرشدهم ، قال تعالى : { أولئك الذين لم يرد الله أن ~~يطهر قلوبهم } ( المائدة : 41 ) . # ومفعول المشيئة محذوف دل عليه جواب ( لو ) على الطريقة المعروفة . ~~والتقدير : ولو شاء الله عدم إشراكهم ما أشركوا . وتقدم عند قوله تعالى : { ~~ولو شاء الله لجمعهم على الهدى في هذه السورة ( 35 ) . # وقوله : وما جعلناك عليهم حفيظا } تذكير وتسلية ليزيح عنه كرب إعراضهم عن ~~الإسلام لأن ما يحصل له من الكدر لإعراض قومه عن الإسلام يجعل في نفسه ~~انكسارا كأنه انكسار من عهد إليه بعمل فلم يتسن له ما يريده من حسن القيام ~~، فذكره الله تعالى ms2761 بأنه قد أدى الأمانة وبلغ الرسالة وأنه لم يبعثه مكرها ~~لهم ليأتي بهم مسلمين ، وإنما بعثه مبلغا لرسالته فمن آمن فلنفسه ومن كفر ~~فعليها . # والحفيظ : القيم الرقيب ، أي لم نجعلك رقيبا على تحصيل إيمانهم فلا يهمنك ~~إعراضهم عنك وعدم تحصيل ما دعوتهم إليه إذ لا تبعة عليك في ذلك ، فالخبر ~~مسوق مساق التذكير والتسلية ، لا مساق الإفادة لأن الرسول عليه الصلاة ~~والسلام يعلم أن الله ما جعله حفيظا على تحصيل إسلامهم إذ لا يجهل الرسول ~~ما كلف به . # وكذلك قوله : { وما أنت عليهم بوكيل } تهوين على نفس الرسول عليه الصلاة ~~والسلام بطريقة التذكير لينتفي عنه الغم الحاصل له من عدم إيمانهم . ~~PageV07P426 فإن أريد ما أنت بوكيل منا عليهم كان تتميما لقوله : { وما ~~جعلناك عليهم حفيظا } ؛ وإن أريد ما أنت بوكيل منهم على تحصيل نفعهم كان ~~استيعابا لنفي أسباب التبعة عنه في عدم إيمانهم ، يقول : ما أنت بوكيل ~~عليهم وكلوك لتحصيل منافعهم كإيفاء الوكيل بما وكله عليه موكله ، أي فلا ~~تبعة عليك منهم ولا تقصير لانتفاء سببي التقصير إذ ليس مقامك مقام حفيظ ولا ~~وكيل . فالخبر أيضا مستعمل في التذكير بلازمه لا في حقيقته من إفادة المخبر ~~به ، وعلى كلا المعنيين لا بد من تقدير مضاف في قوله : { عليهم } ، أي على ~~نفعهم . # والجمع بين الحفيظ والوكيل هنا في خبرين يؤيد ما قلناه آنفا في قوله ~~تعالى : { وما أنا عليكم بحفيظ } ( الأنعام : 104 ) . من الفرق بين الوكيل ~~والحفيظ فاذكره . # # | 2 ( 108 ) { ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير ~~علم كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون ~~} . ) 2 # عطف على قوله : { وأعرض عن المشركين } ( الأنعام : 106 ) يزيد معنى ~~الإعراض المأمور به بيانا ، ويحقق ما قلناه أن ليس المقصود من الإعراض ترك ~~الدعوة بل المقصود الإغضاء عن سبابهم وبذيء أقوالهم مع الدوام على متابعة ~~الدعوة بالقرآن ، فإن النهي عن سب أصنامهم يؤذن بالاسترسال على دعوتهم ~~وإبطال معتقداتهم مع تجنب المسلمين سب ما يدعونهم من ms2762 دون الله . # والسب : كلام يدل على تحقير أحد أو نسبته إلى نقيصة أو معرة ، بالباطل أو ~~بالحق ، وهو مرادف الشتم . وليس من السب النسبة إلى خطإ في الرأي أو العملل ~~، ولا النسبة إلى ضلال في الدين إن كان صدر من مخالف في الدين . # والمخاطب بهذا النهي المسلمون لا الرسول صلى الله عليه وسلم لأن ~~PageV07P427 الرسول لم يكن فحاشا ولا سبابا لأن خلقه العظيم حائل بينه وبين ~~ذلك ، ولأنه يدعوهم بما ينزل عليه من القرآن فإذا شاء الله تركه من وحيه ~~الذي ينزله ، وإنما كان المسلمون لغيرتهم على الإسلام ربما تجاوزوا الحد ~~ففرطت منهم فرطات سبوا فيها أصنام المشركين . # روى الطبري عن قتادة قال ( كان المسلمون يسبون أوثان الكفار فيردون ذلك ~~عليهم فنهاهم الله أن يستسبوا لربهم ) . وهذا أصح ما روي في سبب نزول هذه ~~الآية وأوفقه بنظم الآية . وأما ما روى الطبري عن علي بن أبي طلحة عن ابن ~~عباس أنه لما نزل قوله تعالى : { إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم } ( ~~الأنبياء : 98 ) قال المشركون : لئن لم تنته عن سب آلهتنا وشتمها لنهجون ~~إلهك ، فنزلت هذه الآية في ذلك ، فهو ضعيف لأن علي بن أبي طلحة ضعيف وله ~~منكرات ولم يلق ابن عباس . ومن البعيد أن يكون ذلك المراد من النهي في هذه ~~الآية ، لأن ذلك واقع في القرآن فلا يناسب أن ينهى عنه بلفظ { ولا تسبوا } ~~وكان أن يقال : ولا تجهروا بسب الذين يدعون من دون الله مثلا . كما قال في ~~الآية الأخرى { ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا } ( ~~الإسراء : 110 ) . وكذا ما رواه عن السدي أنه لما قربت وفاة أبي طالب قالت ~~قريش : ندخل عليه ونطلب منه أن ينهى ابن أخيه عنا فإنا نستحيي أن نقتله بعد ~~موته ، فانطلق نفر من سادتهم إلى أبي طالب وقالوا : أنت سيدنا ، وخاطبوه ~~بما راموا ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له : هؤلاء قومك وبنو ~~عمك يريدون أن تدعهم وآلهتهم ويدعوك وإلهك ، وقالوا : لتكفن ms2763 عن شتمك آلهتنا ~~أو لنشتمنك ولنشتمن من يأمرك . ولم يقل السدي أن ذلك سبب نزول هذه الآية ~~ولكنه جعله تفسيرا للآية ، ويرد عليه ما أوردناه على ما روي عن علي بن أبي ~~طلحة . # قال الفخر : ههنا إشكالان هما : أن الناس اتفقوا على أن سورة الأنعام ~~PageV07P428 نزلت دفعة واحدة فكيف يصح أن يقال : إن سبب نزول هذه الآية كذا ~~، وأن الكفار كانوا مقرين بالله تعالى وكانوا يقولون : عبدنا الأصنام لتكون ~~شفعاء لنا عند الله فكيف يعقل إقدام الكفار على شتم الله تعالى اه . # وأقول : يدفع الإشكال الأول أن سبب النزول ليس يلزم أن يكون مقارنا ~~للنزول فإن السبب قد يتقدم زمانه ثم يشار إليه في الآية النازلة فتكون ~~الآية جوابا عن أقوالهم . وقد أجاب الفخر بمثل هذا عند قوله تعالى : { ولو ~~أننا نزلنا إليهم الملائكة } ( الأنعام : 111 ) الآية . ويدفع الإشكال ~~الثاني أن المشركين قالوا لئن لم تنته عن سب آلهتنا لنهجون إلهك ، ومعناه ~~أنهم ينكرون أن الله هو إلهه ولذلك أنكروا الرحمان { وإذا قيل لهم اسجدوا ~~للرحمان قالوا وما الرحمان أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا } ( الفرقان : 60 ~~) . فهم ينكرون أن الله أمره بذم آلهتهم لأنهم يزعمون أن آلهتهم مقربون عند ~~الله ، وإنما يزعمون أن شيطانا يأمر النبيء صلى الله عليه وسلم بسب الأصنام ~~، ألا ترى إلى قول امرأة منهم لما فتر الوحي في ابتداء البعثة : ما أرى ~~شيطانه إلا ودعه ، وكان ذلك سبب نزول سورة الضحى . # وجواب الفخر عنه { بأن بعضهم كان لا يثبت وجود الله وهم الدهريون ، أو أن ~~المراد أنهم يشتمون الرسول عليه الصلاة والسلام فأجرى الله شتم الرسول مجرى ~~شتم الله كما في قوله تعالى : إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله } ( ~~الفتح : 10 ) ) اه . فإن في هذا التأويل بعدا لا داعي إليه . # والوجه في تفسير الآية أنه ليس المراد بالسب المنهي عنه فيها ما جاء في ~~القرآن من إثبات نقائص آلهتهم مما يدل على انتفاء إلهيتها ، كقوله تعالى : ~~{ أولئك كالأنعام بل هم أضل في سورة الأعراف ( 179 ) . وأما ms2764 ما عداه من نحو ~~قوله تعالى : ألهم أرجل يمشون بها } ( الأعراف : 195 ) فليس من الشتم ولا ~~من السب لأن ذلك من طريق الاحتجاج وليس تصديا للشتم ، فالمراد في الآية ما ~~يصدر من بعض المسلمين من كلمات الذم والتعبير لآلهة المشركين ، كما روي في ~~( السيرة ) أن عروة بن مسعود الثقفي جاء رسولا من أهل مكة إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية فكان من جملة ما قاله : ( وأيم الله لكأني ~~PageV07P429 بهؤلاء ( يعني المسلمين ) قد انكشفوا عنك ) ، وكان أبو بكر ~~الصديق حاضرا ، فقال له أبو بكر ( امصص بظر اللات ) إلى آخر الخبر . # ووجه النهي عن سب أصنامهم هو أن السب لا تترتب عليه مصلحة دينية لأن ~~المقصود من الدعوة هو الاستدلال على إبطال الشرك وإظهار استحالة أن تكون ~~الأصنام شركاء لله تعالى ، فذلك هو الذي يتميز به الحق عن الباطل ، وينهض ~~به المحق ولا يستطيعه المبطل ، فأما السب فإنه مقدور للمحق وللمبطل فيظهر ~~بمظهر التساوي بينهما . وربما استطاع المبطل بوقاحته وفحشه ما لا يستطيعه ~~المحق ، فيلوح للناس أنه تغلب على المحق . على أن سب آلهتهم لما كان يحمي ~~غيظهم ويزيد تصلبهم قد عاد منافيا لمراد الله من الدعوة ، فقد قال لرسوله ~~عليه الصلاة والسلام ( وجادلهم بالتي هي أحسن ) ، وقال لموسى وهارون عليهما ~~السلام ( فقولا له قولا لينا ) ، فصار السب عائقا من المقصود من البعثة ، ~~فتمحض هذا السب للمفسدة ولم يكن مشوبا بمصلحة . وليس هذا مثل تغيير المنكر ~~إذا خيف إفضاؤه إلى مفسدة لأن تغيير المنكر مصلحة بالذات وإفضاؤه إلى ~~المفسدة بالعرض . وذلك مجال تتردد فيه أنظار العلماء المجتهدين بحسب ~~الموازنة بين المصالح والمفاسد قوة وضعفا ، وتحققا واحتمالا . وكذلك القول ~~في تعارض المصالح والمفاسد كلها . # وحكم هذه الآية محكم غير منسوخ . قال القرطبي : قال العلماء : حكمها باق ~~في هذه الأمة على كل حال ، فمتى كان الكافر في منعة وخيف أنه إن سب ~~المسلمون أصنامه أو أمور شريعته أن يسب هو الإسلام أو النبيء عليه الصلاة ~~والسلام أو الله عز وجل لم ms2765 يحل للمسلم أن يسب صلبانهم ولا كنائسهم لأنه ~~بمنزلة البعث على المعصية اه ، أي على زيادة الكفر . وليس من السب إبطال ما ~~يخالف الإسلام من عقائدهم في مقام المجادلة ولكن السب أن نباشرهم في غير ~~مقام المناظرة بذلك ، ونظير هذا ما قاله علماؤنا فيما يصدر PageV07P430 من ~~أهل الذمة من سب الله تعالى أو سب النبيء صلى الله عليه وسلم بأنهم إن صدر ~~منهم ما هو من أصول كفرهم فلا يعد سبا وإن تجاوزوا ذلك عد سبا ، ويعبر عنها ~~الفقهاء بقولهم : ( ما به كفر وغير ما به كفر ) . # وقد احتج علماؤنا بهذه الآية على إثبات أصل من أصول الفقه عند المالكية ، ~~وهو الملقب بمسألة سد الذرائع . قال ابن العربي : ( منع الله في كتابه أحدا ~~أن يفعل فعلا جائزا يؤدي إلى محظور ولأجل هذا تعلق علماؤنا بهذه الآية في ~~سد الذرائع وهو كل عقد جائز في الظاهر يؤول أو يمكن أن يتوصل به إلى محظور ~~) . وقال في تفسير سورة الأعراف ( 163 ) عند قوله تعالى : { واسألهم عن ~~القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت : قال علماؤنا : هذه الآية ~~أصل من أصول إثبات الذرائع التي انفرد بها مالك رضي الله عنه وتابعه عليها ~~أحمد في بعض رواياته وخفيت على الشافعي وأبي حنيفة رضي الله عنهما مع ~~تبحرهما في الشريعة ، وهو كل عمل ظاهر الجواز يتوصل به إلى محظور اه . وفسر ~~المازري في باب بيوع الآجال من شرحه للتلقين } سد الذريعة بأنه منع ما يجوز ~~لئلا يتطرق به إلى ما لا يجوز اه . والمراد : سد ذرائع الفساد ، كما أفصح ~~عنه القرافي في ( تنقيح الفصول ) وفي ( الفرق الثامن والخمسين ) فقال : ~~الذريعة : الوسيلة إلى الشيء . ومعنى سد الذرائع حسم مادة وسائل الفساد . # وأجمعت الأمة على أن الذرائع ثلاثة أقسام : أحدها : معتبر إجماعا كحفر ~~الآبار في طرق المسلمين وإلقاء السم في أطعمتهم وسب الأصنام عند من يعلم من ~~حاله أنه يسب الله تعالى حينئذ . وثانيها : ملغى إجماعا كزراعة العنب فإنها ~~لا تمنع لخشية الخمر ، وكالشركة في ms2766 سكنى الدور خشية الزنا . وثالثها مختلف ~~فيه كبيوع الآجال ، فاعتبر مالك رضي الله عنه الذريعة فيها وخالفه غيره اه ~~. وعنى بالمخالف الشافعي وأبا حنيفة رضي الله عنهما . # وهذه القاعدة تندرج تحت قاعدة الوسائل والمقاصد ، فهذه القاعدة ~~PageV07P431 شعبة من قاعدة إعطاء الوسيلة حكم المقصد خاصة بوسائل حصول ~~المفسدة . ولا يختلف الفقهاء في اعتبار معنى سد الذرائع في القسم الذي حكى ~~القرافي الإجماع على اعتبار سد الذريعة فيه . وليس لهذه القاعدة عنوان في ~~أصول الحنفية والشافعية ، ولا تعرضوا لها بإثبات ولا نفي ، ولم يذكرها ~~الغزالي في ( المستصفى ) في عداد الأصول الموهومة في خاتمة القطب الثاني في ~~أدلة الأحكام . # و { عدوا } بفتح العين وسكون الدال وتخفيف الواو في قراءة الجمهور ، وهو ~~مصدر بمعنى العدوان والظلم ، وهو منصوب على المفعولية المطلقة ل ( يسبوا ) ~~لأن العدو هنا صفة للسب ، فصح أن يحل محله في المفعولية المطلقة بيانا ~~لنوعه . وقرأ يعقوب { عدوا } بضم العين والدال وتشديد الواو وهو مصدر ~~كالعدو . # ووصف سبهم بأنه عدو تعريض بأن سب المسلمين أصنام المشركين ليس من ~~الاعتداء ، وجعل ذلك السب عدوا سواء كان مرادا به الله أم كان مرادا به من ~~يأمر النبيء صلى الله عليه وسلم بما جاء به لأن الذي أمر النبيء صلى الله ~~عليه وسلم بما جاء به هو في نفس الأمر الله تعالى فصادفوا الاعتداء على ~~جلاله . # وقوله : { بغير علم } حال من ضمير { يسبوا } ، أي عن جهالة ، فهم لجهلهم ~~بالله لا يزعهم وازع عن سبه ، ويسبونه غير عالمين بأنهم يسبون الله لأنهم ~~يسبون من أمر محمدا صلى الله عليه وسلم بما جاء به فيصادف سبهم سب الله ~~تعالى لأنه الذي أمره بما جاء به . # ويجوز أن يكون { بغير علم } صفة ل { عدوا } كاشفة ، لأن ذلك العدو لا ~~يكون إلا عن غير علم بعظم الجرم الذي اقترفوه ، أو عن علم بذلك لكن حالة ~~إقدامهم عليه تشبه حالة عدم العلم بوخامة عاقبته . PageV07P432 # وقوله : { كذلك زينا لكل أمة عملهم } معناه كتزييننا لهؤلاء سوء عملهم ~~زينا لكل أمة عملهم ، فالمشار ms2767 إليه هو ما حكاه الله عنهم بقوله : { وجعلوا ~~لله شركاء الجن إلى قوله فيسبوا الله عدوا بغير علم } ( الأنعام : 100 108 ~~) . فإن اجتراءهم على هذه الجرائم وعماهم عن النظر في سوء عواقبها نشأ عن ~~تزيينها في نفوسهم وحسبانهم أنها طرائق نفع لهم ونجاة وفوز في الدنيا ~~بعناية أصنامهم . فعلى هذه السنة وبمماثل هذا التزيين زين الله أعمال الأمم ~~الخالية مع الرسل الذين بعثوا فيهم فكانوا يشاكسونهم ويعصون نصحهم ويجترئون ~~على ربهم الذي بعثهم إليهم ، فلما شبه بالمشار إليه تزيينا علم السامع أن ~~ما وقعت إليه الإشارة هو من قبيل التزيين . وقد جرى اسم الإشارة هنا على ~~غير الطريقة التي في قوله : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } ( البقرة : 143 ) ~~ونظائره ، لأن ما بعده يتعلق بأحوال غير المتحدث عنهم بل بأحوال أعم من ~~أحوالهم . وفي هذا الكلام تعريض بالتوعد بأن سيحل بمشركي العرب من العذاب ~~مثل ما حل بأولئك في الدنيا . # وحقيقة تزيين الله لهم ذلك أنه خلقهم بعقول يحسن لديها مثل ذلك الفعل ، ~~على نحو ما تقدم في قوله تعالى : { ولو شاء الله ما أشركوا } ( الأنعام : ~~108 ) . وذلك هو القانون في نظائره . # والتزيين تفعيل من الزين ، وهو الحسن ؛ أو من الزينة ، وهي ما يتحسن به ~~الشيء . فالتزيين جعل الشيء ذا زينة أو إظهاره زينا أو نسبته إلى الزين . ~~وهو هنا بمعنى إظهاره في صورة الزين وإن لم يكن كذلك ، فالتفعيل فيه للنسبة ~~مثل التفسيق . وفي قوله : { ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم } ~~( الحجرات : 7 ) بمعنى جعله زينا ، فالتفعيل للجعل لأنه حسن في ذاته . # ولما في قوله : { كذلك زينا لكل أمة عملهم } من التعريض بالوعيد بعذاب ~~الأمم عقب الكلام ب { ثم } المفيدة الترتيب الرتبي في قوله : { ثم إلى ربهم ~~مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون } ، لأن ما تضمنته الجملة المعطوفة ~~PageV07P433 ب { ثم } أعظم مما تضمنته المعطوف عليها ، لأن الوعيد الذي ~~عطفت جملته ب { ثم } أشد وأنكى فإن عذاب الدنيا زائل غير مؤيد . والمعنى ~~أعظم من ذلك أنهم إلى الله مرجعهم فيحاسبهم . والعدول ms2768 عن اسم الجلالة إلى ~~لفظ { ربهم } لقصد تهويل الوعيد وتعليل استحقاقه بأنهم يرجعون إلى مالكهم ~~الذي خلقهم فكفروا نعمه وأشركوا به فكانوا كالعبيد الآبقين يطوفون ما ~~يطوفون ثم يقعون في يد مالكهم . # والإنباء : الإعلام ، وهو توقيفهم على سوء أعمالهم . وقد استعمل هنا في ~~لازم معناه ، وهو التوبيخ والعقاب ، لأن العقاب هو العاقبة المقصودة من ~~إعلام المجرم بجرمه . والفاء للتفريع عن المرجع مؤذنة بسرعة العقاب إثر ~~الرجوع إليه . # # | 2 ( 109 ) { وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جآءتهم ءاية ليؤمنن بها قل ~~إنما الايات عند الله وما يشعركم أنهآ إذا جآءت لا يؤمنون } . ) 2 # عطف جملة : { وأقسموا } على جملة : { اتبع ما أوحي إليك من ربك } ( ~~الأنعام : 106 ) الآية . والضمير عائد إلى القوم في قوله : { وكذب به قومك ~~وهو الحق } ( الأنعام : 66 ) مثل الضمائر التي جاءت بعد تلك الآية ومعنى : ~~{ لئن جاءتهم آية } آية غير القرآن . وهذا إشارة إلى شيء من تعللاتهم ~~للتمادي على الكفر بعد ظهور الحجج الدامغة لهم ، كانوا قد تعللوا به في بعض ~~توركهم على الإسلام . فروى الطبري وغيره عن مجاهد ، ومحمد بن كعب القرظي ، ~~والكلبي ، يزيد بعضهم على بعض : أن قريشا سألوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم آية مثل آية موسى عليه السلام إذ ضرب بعصاه الحجر فانفجرت منه العيون ~~، أو مثل آية صالح ، أو مثل آية عيسى عليهم السلام ، وأنهم قالوا لما ~~PageV07P434 سمعوا قوله تعالى : { إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت ~~أعناقهم لها خاضعين } ( الشعراء : 4 ) أقسموا أنهم إن جاءتهم آية كما سألوا ~~أو كما توعدوا ليوقنن أجمعون ، وأن رسول الله عليه الصلاة والسلام سأل الله ~~أن يأتيهم بآية كما سألوا ، حرصا على أن يؤمنوا . فهذه الآية نازلة في ذلك ~~المعنى لأن هذه السورة جمعت كثيرا من أحوالهم ومحاجاتهم . # والكلام على قوله : { وأقسموا بالله جهد أيمانهم } هو نحو الكلام على ~~قوله في سورة العقود ( 53 ) { أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم . ~~والأيمان تقدم الكلام عليها عند قوله تعالى : لا يؤاخذكم الله باللغو في ~~أيمانكم ولكن يؤاخذكم ms2769 بما كسبت قلوبكم في سورة البقرة ( 225 ) . # وجملة : لئن جاءتهم آية } إلخ مبينة لجملة : { وأقسموا بالله } . واللام ~~في { لئن جاءتهم آية } موطئة للقسم ، لأنها تدل على أن الشرط قد جعل شرطا ~~في القسم فتدل على قسم محذوف غالبا ، وقد جاءت هنا مع فعل القسم لأنها صارت ~~ملازمة للشرط الواقع جوابا للقسم فلم تنفك عنه مع وجود فعل القسم . واللام ~~في { ليومنن بها } لام القسم ، أي لام جوابه . # والمراد بالآية ما اقترحوه على الرسول صلى الله عليه وسلم يعنون بها خارق ~~عادة تدل على أن الله أجاب مقترحهم ليصدق رسوله عليه الصلاة والسلام ، ~~فلذلك نكرت { آية } ، يعني : آية آية كانت من جنس ما تنحصر فيه الآيات في ~~زعمهم . ومجيء الآية مستعار لظهورها لأن الشيء الظاهر يشبه حضور الغائب ~~فلذلك يستعار له المجيء . وتقدم بيان معنى الآية واشتقاقها عند قوله تعالى ~~: { والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون في سورة ~~البقرة ( 39 ) . PageV07P435 # ومعنى كون الآيات عند الله أن الآيات من آثار قدرة الله وإرادته ، فأسباب ~~إيجاد الآيات من صفاته ، فهو قادر عليها ، فلأجل ذلك شبهت بالأمور المدخرة ~~عنده ، وأنه إذا شاء إبرازها أبرزها للناس ، فكلمة عند } هنا مجاز . استعمل ~~اسم المكان الشديد القرب في معنى الاستبداد والاستئثار مجازا مرسلا ، لأن ~~الاستئثار من لوازم حالة المكان الشديد القرب عرفا ، كقوله تعالى : { وعنده ~~مفاتح الغيب } ( الأنعام : 59 ) . # والحصر ب { إنما } رد على المشركين ظنهم بأن الآيات في مقدور النبيء صلى ~~الله عليه وسلم إن كان نبيئا فجعلوا عدم إجابة النبيء صلى الله عليه وسلم ~~اقتراحهم آية أمارة على انتفاء نبوءته ، فأمره الله أن يجيب بأن الآيات عند ~~الله لا عند الرسول عليه الصلاة والسلام ، والله أعلم بما يظهره من الآيات ~~. # وقوله : { وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون } قرأ الأكثر ( أنها ) ~~بفتح همزة ( أن ) . وقرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، ويعقوب ، وخلف ، وأبو بكر ~~عن عاصم في إحدى روايتين عن أبي بكر بكسر همزة ( إن ) . # وقرأ الجمهور { لا يؤمنون } بياء الغيبة . وقرأه ms2770 ابن عامر ، وحمزة ، وخلف ~~بتاء الخطاب ، وعليه فالخطاب للمشركين . # وهذه الجملة عقبة حيرة للمفسرين في الإبانة عن معناها ونظمها ولنأت على ~~ما لاح لنا في موقعها ونظمها وتفسير معناها ، ثم نعقبه بأقوال المفسرين . ~~فالذي يلوح لي أن الجملة يجوز أن تكون الواو فيها واو العطف وأن تكون واو ~~الحال . فأما وجه كونها واو العطف فأن تكون معطوفة على جملة : { إنما ~~الآيات عند الله } كلام مستقل ، وهي كلام مستقل وجهه الله إلى المؤمنين ، ~~وليست من القول المأمور به النبيء عليه الصلاة والسلام بقوله تعالى : { قل ~~إنما الآيات عند الله } . PageV07P436 # والمخاطب ب { يشعركم } الأظهر أنه الرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنون ~~، وذلك على قراءة الجمهور قوله : { لا يؤمنون } بياء الغيبة . والمخاطب ب { ~~يشعركم } المشركون على قراءة ابن عامر ، وحمزة ، وخلف { لا تؤمنون } بتاء ~~الخطاب ، وتكون جملة { وما يشعركم } من جملة ما أمر الرسول صلى الله عليه ~~وسلم أن يقوله في قوله تعالى : { قل إنما الآيات عند الله } . # { وأما } استفهامية مستعملة في التشكيك والإيقاظ ، لئلا يغرهم قسم ~~المشركين ولا تروج عليهم ترهاتهم ، فإن كان الخطاب للمسلمين فليس في ~~الاستفهام شيء من الإنكار ولا التوبيخ ولا التغليظ إذ ليس في سياق الكلام ~~ولا في حال المسلمين فيما يؤثر من الأخبار ما يقتضي إرادة توبيخهم ولا ~~تغليطهم ، إذ لم يثبت أن المسلمين طمعوا في حصول إيمان المشركين أو أن ~~يجابوا إلى إظهار آية حسب مقترحهم ، وكيف والمسلمون يقرأون قوله تعالى : { ~~إن الذين حقت عليهم كلمات ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية وهي في سورة ~~يونس ( 96 ، 97 ) وهي نازلة قبل سورة الأنعام ، وقد عرف المسلمون كذب ~~المشركين في الدين وتلونهم في اختلاق المعاذير . والمقصود من الكلام تحقيق ~~ذلك عند المسلمين ، وسيق الخبر بصيغة الاستفهام لأن الاستفهام من شأنه أن ~~يهيء نفس السامع لطلب جواب ذلك الاستفهام فيتأهب لوعي ما يرد بعده . # والإشعار : الإعلام بمعلوم من شأنه أن يخفى ويدق . يقال : شعر فلان بكذا ~~، أي علمه وتفطن له ، فالفعل يقتضي متعلقا به بعد مفعوله ويتعين أن ms2771 قوله : ~~أنها إذا جاءت لا يؤمنون } هو المتعلق به ، فهو على تقدير باء الجر . ~~والتقدير : بأنها إذا جاءت لا يؤمنون ، فحذف الجار مع ( أن ) المفتوحة حذف ~~مطرد . # وهمزة ( أن ) مفتوحة في قراءة الجمهور . والمعنى أمشعر يشعركم أنها إذا ~~جاءت لا يؤمنون ، أي بعدم إيمانهم . PageV07P437 # فهذا بيان المعنى والتركيب ، وإنما العقدة في وجود حرف النفي من قوله : { ~~لا يؤمنون } لأن { ما يشعركم } بمعنى قولهم : ما يدريكم ، ومعتاد الكلام في ~~نظير هذا التركيب أن يجعل متعلق فعل الدراية فيه هو الشيء الذي شأنه أن يظن ~~المخاطب وقوعه ، والشيء الذي يظن وقوعه في مثل هذا المقام هو أنهم يؤمنون ~~لأنه الذي يقتضيه قسمهم { لئن جاءتهم آية ليؤمنن } فلما جعل متعلق فعل ~~الشعور نفي إيمانهم كان متعلقا غريبا بحسب العرف في استعمال نظير هذا ~~التركيب . # والذي يقتضيه النظر في خصائص الكلام البليغ وفروقه أن لا يقاس قوله : { ~~وما يشعركم } على ما شاع من قول العرب { ما يدريك } ، لأن تركيب ما يدريك ~~شاع في الكلام حتى جرى مجرى المثل باستعمالل خاص لا يكادون يخالفونه كما هي ~~سنة الأمثال أن لا تغير عما استعملت فيه ، وهو أن يكون اسم ( ما ) فيه ~~استفهاما إنكاريا ، وأن يكون متعلق يدريك هو الأمر الذي ينكره المتكلم على ~~المخاطب . فلو قسنا استعمال { ما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون } على ~~استعمال ( ما يدريكم ) لكان وجود حرف النفي منافيا للمقصود ، وذلك مثار ~~تردد علماء التفسير والعربية في محمل { لا } في هذه الآية . فأما حين نتطلب ~~وجه العدول في الآية عن استعمال تركيب ( ما يدريكم ) وإلى إيثار تركيب { ما ~~يشعركم } فإننا نعلم أن ذلك العدول لمراعاة خصوصية في المعدول إليه بأنه ~~تركيب ليس متبعا فيه طريق مخصوص في الاستعمال ، فلذلك فهو جار على ما يسمح ~~به الوضع والنظم في استعمال الأدواتت والأفعالل ومفاعيلها ومتعلقاتها . ~~PageV07P438 # فلنحمل اسم الاستفهام هنا على معنى التنبيه والتشكيك في الظن ، ونحمل فعل ~~{ يشعركم } على أصل مقتضى أمثاله من أفعال العلم ، وإذا كان كذلك كان نفي ~~إيمان المشركين بإتيان آية ms2772 وإثباته سواء في الفرض الذي اقتضاه الاستفهام ، ~~فكان المتكلم بالخيار بين أن يقول : إنها إذا جاءت لا يؤمنون ، وأن يقول : ~~إنها إذا جاءت يؤمنون . وإنما أوثر جانب النفي للإيماء إلى أنه الطرف ~~الراجح الذي ينبغي اعتماده في هذا الظن . # هذا وجه الفرق بين التركيبين . وللفروق في علم المعاني اعتبارات لا تنحصر ~~ولا ينبغي لصاحب علم المعاني غض النظر عنها ، وكثيرا ما بين عبد القاهر ~~أصنافا منها فليلحق هذا الفرق بأمثاله . # وإن أبيت إلا قياس { ما يشعركم } على ( ما يدريكم ) سواء ، كما سلكه ~~المفسرون فاجعل الغالب في استعمال ( ما يدريك ) هو مقتضى الظاهر في استعمال ~~{ ما يشعركم } واجعل تعليق المنفي بالفعل جريا على خلاف مقتضى الظاهر لنكتة ~~ذلك الإيماء ويسهل الخطب . وأما وجه كون الواو في قوله : { وما يشعركم } ~~واو الحال فتكون ( ما ) نكرة موصوفة بجملة { يشعركم } . ومعناها شيء موصوف ~~بأنه يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون . وهذا الشيء هو ما سبق نزوله من ~~القرآن ، مثل قوله تعالى : { إن الذين حقت عليهم كلمات ربك لا يؤمنون ولو ~~جاءتهم كل آية } ( يونس : 96 ، 97 ) ، وكذلك ما جربوه من تلون المشركين في ~~التفصي من ترك دين آبائهم ، فتكون الجملة حالا ، أي والحال أن القرآن ~~والاستقراء أشعركم بكذبهم فلا تطمعوا في إيمانهم لو جاءتهم آية ولا في صدق ~~أيمانهم ، قال تعالى : { إنهم لا أيمان لهم } ( التوبة : 12 ) . وإني لأعجب ~~كيف غاب عن المفسرين هذا الوجه من جعل ( ما ) نكرة موصوفة في حين أنهم ~~تطرقوا إلى ما هو أغرب من ذلك . PageV07P439 # فإذا جعل الخطاب في قوله : { وما يشعركم } خطابا للمشركين ، كان ~~الاستفهام للإنكار والتوبيخ ومتعلق فعل { يشعركم } محذوفا دل عليه قوله : { ~~لئن جاءتهم آية } . والتقدير : وما يشعركم أننا نأتيكم بآية كما تريدون . # ولا نحتاج إلى تكلفات تكلفها المفسرون ، ففي ( الكشاف ) : أن المؤمنين ~~طمعوا في إيمان المشركين إذا جاءتهم آية وتمنوا مجيئها فقال الله تعالى : ~~وما يدريكم أنهم لا يؤمنون ، أي أنكم لا تدرون أني أعلم أنهم لا يؤمنون . ~~وهو بناء على جعل { ما يشعركم } مساويا ms2773 في الاستعمال لقولهم { ما يدريك } . # وروى سيبويه عن الخليل : أن قوله تعالى : { أنها } معناه لعلها ، أي لعل ~~آية إذا جاءت لا يؤمنون بها . وقال : تأتى ( أن ) بمعنى لعل ، يريد أن في ~~لعل لغة تقول : لأن ، بإبدال العين همزة وإبدال اللام الأخيرة نونا ، وأنهم ~~قد يحذفون اللام الأولى تخفيفا كما يحذفونها في قولهم : علك أن تفعل ، ~~فتصير ( أن ) أي ( لعل ) . وتبعه الزمخشري وبعض أهل اللغة ، وأنشدوا أبياتا ~~. # وعن الفراء ، والكسائي ، وأبي علي الفارسي : أن { لا } زائدة ، كما ادعوا ~~زيادتها في قوله تعالى : { وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون } ( ~~الأنبياء : 95 ) . # وذكر ابن عطية : أن أبا علي الفارسي جعل { أنها } تعليلا لقوله { عند ~~الله } أي لا تأتيهم بها لأنها إذا جاءت لا يؤمنون ، أي على أن يكون { عند ~~} كناية عن منعهم من الإجابة لما طلبوه . # وعلى قراءة ابن كثير ، وأبي عمرو ، ويعقوب ، وخلف ، وأبي بكر ، في إحدى ~~روايتين عنه { إنها } بكسر الهمزة يكون استئنافا . وحذف متعلق { يشعركم } ~~لظهوره من قوله { ليؤمنن بها } . والتقدير : وما يشعركم بإيمانهم إنهم لا ~~يؤمنون إذا جاءت آية . # وعلى قراءة ابن عامر ، وحمزة ، وخلف بتاء المخاطب . فتوجيه قراءة خلف ~~الذي قرأ { إنها } بكسر الهمزة ، أن تكون جملة { أنها إذا جاءت } ~~PageV07P440 الخ خطابا موجها إلى المشركين . وأما على قراءة ابن عامر وحمزة ~~اللذين قرآ { أنها } بفتح الهمزة فأن يجعل ضمير الخطاب في قوله : { وما ~~يشعركم } موجها إلى المشركين على طريقة الالتفات على اعتبار الوقف على { ~~يشعركم } . # # | 2 ( 110 ) { ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم ~~فى طغيانهم يعمهون } . ) 2 # يجوز أن يكون عطفا على جملة { أنها إذا جاءت لا يؤمنون } ( الأنعام : 109 ~~) فتكون بيانا لقوله { لا يؤمنون } ( الأنعام : 109 ) ، أي بأن نعطل ~~أبصارهم عن تلك الآية وعقولهم عن الاهتداء بها فلا يبصرون ما تحتوي عليه ~~الآية من الدلائل ولا تفقه قلوبهم وجه الدلالة فيتعطل تصديقهم بها ، وذلك ~~بأن يحرمهم الله من إصلاح إدراكهم ، وذلك أنهم قد خلقت عقولهم نابية عن ~~العلم الصحيح بما هيأ لها ms2774 ذلك من انسلالها من أصول المشركين ، ومن نشأتها ~~بين أهل الضلال وتلقي ضلالتهم ، كما بينته آنفا . فعبر عن ذلك الحال ~~المخالف للفطرة السليمة بأنه تقليب لعقولهم وأبصارهم ، ولأنها كانت مقلوبة ~~عن المعروف عند أهل العقول السليمة ، وليس داعي الشرك فيها تقليبا عن حالة ~~كانت صالحة لأنها لم تكن كذلك حينا ، ولكنه تقليب لأنها جاءت على خلاف ما ~~الشأن أن تجيء عليه . # وضمير { به } عائد إلى القرآن المفهوم من قوله : { لئن جاءتهم آية } ( ~~الأنعام : 109 ) فإنهم عنوا آية غير القرآن . # والكاف في قوله : { كما لم يؤمنوا به أول مرة } لتشبيه حالة انتفاء ~~إيمانهم بعد أن تجيئهم آية مما اقترحوا . والمعنى ونقلب أيديهم وأبصارهم ~~فلا يؤمنون بالآية التي تجيئهم مثلما لم يؤمنوا بالقرآن من قبل ، فتقليب ~~أفئدتهم وأبصارهم على هذا المعنى يحصل في الدنيا ، وهو الخذلان . # ويجوز أن تكون جملة { ونقلب أفئدتهم وأبصارهم } مستأنفة والواو للاستئناف ~~، PageV07P441 أو أن تكون معطوفة على جملة { لا يؤمنون } ( الأنعام : 109 ) ~~. والمعنى : ونحن نقلب أفئدتهم وأبصارهم ، أي في نار جهنم ، كناية عن تقليب ~~أجسادهم كلها . وخص من أجسادهم أفئدتهم وأبصارهم لأنها سبب إعراضهم عن ~~العبرة بالآيات ، كقوله تعالى : { سحروا أعين الناس } ( الأعراف : 116 ) ، ~~أي سحروا الناس بما تخيله لهم أعينهم . # والكاف في قوله : { كما لم يؤمنوا به } على هذا الوجه للتعليل كقوله : { ~~واذكروه كما هداكم } ( البقرة : 198 ) . # وأقول : هذا الوجه يناكده قوله { أول مرة } إذ ليس ثمة مرتان على هذا ~~الوجه الثاني ، فيتعين تأويل { أول مرة } بأنها الحياة الأولى في الدنيا . # والتقليب مصدر قلب الدال على شدة قلب الشيء عن حاله الأصلية . والقلب ~~يكون بمعنى جعل المقابل للنظر من الشيء غير مقابل ، كقوله تعالى : { فأصبح ~~يقلب كفيه على ما أنفق فيها } ( الكهف : 42 ) ، وقولهم : قلب ظهر المجن ، ~~وقريب منه قوله : { قد نرى تقلب وجهك في السماء } ( البقرة : 144 ) ؛ ويكون ~~بمعنى تغيير حالة الشيء إلى ضدها لأنه يشبه قلب ذات الشيء . # والكاف في قوله : { كما لم يؤمنوا به } الظاهر أنها للتشبيه في محل حال ~~من ضمير { لا يؤمنون ms2775 } ( الأنعام : 109 ) ، و ( ما ) مصدرية . والمعنى : لا ~~يؤمنون مثل انتفاء إيمانهم أول مرة . والضمير المجرور بالباء عائد إلى ~~القرآن لأنه معلوم من السياق كما في قوله : { وكذب به قومك } ( الأنعام : ~~66 ) ، أي أن المكابرة سجيتهم فكما لم يؤمنوا في الماضي بآية القرآن وفيه ~~أعظم دليل على صدق الرسول عليه الصلاة والسلام لا يؤمنون في المستقبل بآية ~~أخرى إذا جاءتهم . وعلى هذا الوجه يكون قوله : { ونقلب أفئدتهم وأبصارهم } ~~معترضا بالعطف بين الحال وصاحبها . ويجوز أن يجعل التشبيه للتقليب فيكون ~~حالا من الضمير في { نقلب } ، أي نقلب أفئدتهم وأبصارهم عن فطرة الأفئدة ~~والأبصار كما قلبناها فلم يؤمنوا به أول مرة إذ جمحوا عن PageV07P442 ~~الإيمان أول ما دعاهم الرسول عليه الصلاة والسلام ، ويصير هذا التشبيه في ~~قوة البيان للتقليب المجعول حالا من انتفاء إيمانهم بأن سبب صدورهم عن ~~الإيمان لا يزال قائما لأن الله حرمهم إصلاح قلوبهم . # وجوز بعض المفسرين أن تكون الكاف للتعليل على القول بأنه من معانيها ، ~~وخرج عليه قوله تعالى : { واذكروه كما هداكم } ( البقرة : 198 ) . فالمعنى ~~: نقلب أفئدتهم لأنهم عصوا وكابروا فلم يؤمنوا بالقرآن أول ما تحداهم ، ~~فنجعل أفئدتهم وأبصارهم مستمرة الانقلاب عن شأن العقول والأبصار ، فهو جزاء ~~لهم على عدم الاهتمام بالنظر في أمر الله تعالى وبعثة رسوله ، واستخفافهم ~~بالمبادرة إلى التكذيب قبل التأمل الصادق . # وتقديم الأفئدة على الأبصار لأن الأفئدة بمعنى العقول ، وهي محل الدواعي ~~والصوارف ، فإذا لاح للقلب بارق الاستدلال وجه الحواس إلى الأشياء وتأمل ~~منها . والظاهر أن وجه الجمع بين الأفئدة والأبصار وعدم الاستغناء بالأفئدة ~~عن الأبصار لأن الأفئدة تختص بإدراك الآيات العقلية المحضة ، مثل آية ~~الأمية وآية الإعجاز . ولما لم تكفهم الآيات العقلية ولم ينتفعوا بأفئدتهم ~~لأنها مقلبة عن الفطرة وسألوا آيات مرئية مبصرة ، كأن يرقى في السماء وينزل ~~عليهم كتابا في قرطاس ، أخبر الله رسوله صلى الله عليه وسلم والمسلمين ~~بأنهم لو جاءتهم آية مبصرة لما آمنوا لأن أبصارهم مقلبة أيضا مثل تقليب ~~عقولهم . # وذكر { أول } مع أنه مضاف إلى { مرة } إضافة الصفة إلى ms2776 الموصوف لأن أصل ( ~~أول ) اسم تفضيل . واسم التفضيل إذا أضيف إلى النكرة تعين فيه الإفراد ~~والتذكير ، كما تقول : خديجة أول النساء إيمانا ولا تقول أولى النساء . # والمراد بالمرة مرة من مرتي مجيء الآيات ، فالمرة الأولى هي مجيء القرآن ~~، والمرة الثانية هي مجيء الآية المقترحة ، وهي مرة مفروضة . PageV07P443 # { ونذرهم } عطف على { نقلب } . فحقق أن معنى { نقلب أفئدتهم } نتركها على ~~انقلابها الذي خلقت عليه ، فكانت مملوءة طغيانا ومكابرة للحق ، وكانت تصرف ~~أبصارهم عن النظر والاستدلال ، ولذلك أضاف الطغيان إلى ضميرهم للدلالة على ~~تأصله فيهم ونشأتهم عليه وأنهم حرموا لين الأفئدة الذي تنشأ عنه الخشية ~~والذكرى . # والطغيان والعمه تقدما عند قوله تعالى : { ويمدهم في طغيانهم يعمهون في ~~سورة البقرة ( 15 ) . # والظرفية من قوله : في طغيانهم } مجازية للدلالة على إحاطة الطغيان بهم ، ~~أي بقلوبهم . وجملة : { ونذرهم } معطوفة على { نقلب } . وجملة { يعمهون } ~~حال من الضمير المنصوب في قوله : { ونذرهم } . وفيه تنبيه على أن العمه ~~ناشيء عن الطغيان . # PageV07P444 $ 2 ( 111 ) { ولو أننا نزلنآ إليهم الملائكة وكلمهم الموتى ~~وحشرنا عليهم كل شىء قبلا ما كانوا ليؤمنو & # 1764 ا إلا أن يشآء الله ولاكن أكثرهم يجهلون } . ) 2 $ # جملة { ولو أننا نزلنآ إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شىء ~~قبلا ما كانوا ليؤمنو & # 1764 ا إلا أن يشآء الله ولاكن أكثرهم يجهلون } معطوفة على جملة { وما ~~يشعركم } ( الأنعام : 109 ) باعتبار كون جملة { وما يشعركم عطفا على جملة ~~قل إنما الآيات عند الله } ( الأنعام : 109 ) ، فتكون ثلاثتها ردا على ~~مضمون جملة { وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية } ( الأنعام : 109 ~~) إلخ ، وبيانا لجملة { وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون } ( الأنعام : ~~109 ) . # روى عن ابن عباس : أن المستهزئين ، الوليد بن المغيرة ، والعاصي بن وائل ~~، والأسود بن عبد يغوث ، والأسود بن المطلب ، والحارث بن حنظلة ، من أهل ~~مكة . أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهط من أهل مكة فقالوا : ( ~~أرنا الملائكة يشهدون لك أو ابعث لنا بعض موتانا فنسألهم : أحق ما تقول ) ، ~~وقيل : إن المشركين قالوا : ( لا نؤمن ms2777 لك حتى يحشر قصي فيخبرنا بصدقك أو ~~ائتنا بالله والملائكة قبيلا أي كفيلا ) فنزل قوله تعالى : { ولو أننا ~~نزلنا إليهم الملائكة } للرد عليهم . وحكى الله عنهم { وقالوا لن نؤمن لك ~~إلى قوله أو تأتي بالله والملائكة قبيلا في سورة الإسراء : ( 90 92 ) . ~~وذكر ثلاثة أشياء من خوارق العادات مسايرة لمقترحاتهم ، لأنهم اقترحوا ذلك ~~. # وقوله : وحشرنا عليهم كل شيء } يشير إلى مجموع ما سألوه وغيره . ~~PageV08P005 والحشر : الجمع ، ومنه : { وحشر لسليمان جنوده } ( النمل : 17 ~~) . وضمن معنى البعث والإرسالل فعدي بعلى كما قال تعالى : { بعثنا عليكم ~~عبادا لنا } ( الإسراء : 5 ) . و { كل شيء } يعم الموجودات كلها . لكن ~~المقام يخصصه بكل شيء مما سألوه ، أو من جنس خوارق العادات والآيات ، فهذا ~~من العام المراد به الخصوص مثل قوله تعالى ، في ريح عاد { تدمر كل شيء بأمر ~~ربها } ( الأحقاف : 25 ) والقرينة هي ما ذكر قبله من قوله : { ولو أننا ~~نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى } . # وقوله : { قبلا } قرأه نافع ، وابن عامر ، وأبو جعفر بكسر القاف وفتح ~~الباء ، وهو بمعنى المقابلة والمواجهة ، أي حشرنا كل شيء من ذلك عيانا . ~~وقرأه الباقون بضم القاف والباء وهو لغة في قبل بمعنى المواجهة والمعاينة ؛ ~~وتأولها بعض المفسرين بتأويلات أخرى بعيدة عن الاستعمال ، وغير مناسبة ~~للمعنى . # و { ما كانوا ليؤمنوا } هو أشد من ( لا يؤمنون ) تقوية لنفي إيمانهم ، مع ~~ذلك كله ، لأنهم معاندون مكابرون غير طالبين للحق ، لأنهم لو طلبوا الحق ~~بإنصاف لكفتهم معجزة القرآن ، إن لم يكفهم وضوح الحق فيما يدعو إليه الرسول ~~عليه الصلاة والسلام . فالمعنى : الإخبار عن انتفاء إيمانهم في أجدر ~~الأحوال بأن يؤمن لها من يؤمن ، فكيف إذا لم يكن ذلك . والمقصود انتفاء ~~إيمانهم أبدا . # { ولو } هذه هي المسماة { لو } الصهيبية ، وسنشرح القول فيها عند قوله ~~تعالى : { ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون في سورة الأنفال ( 23 ) . # وقوله : إلا أن يشاء الله } استثناء من عموم الأحوال التي تضمنها عموم ~~نفي إيمانهم ، فالتقدير : إلا بمشيئة الله ، أي حال أن يشاء الله تغيير ~~قلوبهم فيؤمنوا طوعا ، أو أن يكرههم على ms2778 الإيمان بأن يسلط عليهم رسوله صلى ~~الله PageV08P006 عليه وسلم كما أراد الله ذلك بفتح مكة وما بعده . ففي ~~قوله : { إلا أن يشاء الله } تعريض بوعد المسلمين بذلك ، وحذفت الباء مع ( ~~أن ) . # ووقع إظهار اسم الجلالة في مقام الإضمار : لأن اسم الجلالة يوميء إلى ~~مقام الإطلاق وهو مقام { لا يسأل عما يفعل } ( الأنبياء : 23 ) ، ويومىء ~~إلى أن ذلك جرى على حسب الحكمة لأن اسم الجلالة يتضمن جميع صفات الكمال . # والاستدراك بقوله : { ولكن أكثرهم يجهلون } راجع إلى قوله : { إلا أن ~~يشاء الله } المقتضي أنهم يؤمنون إذا شاء الله إيمانهم : ذلك أنهم ما سألوا ~~الآيات إلا لتوجيه بقائهم على دينهم ، فإنهم كانوا مصممين على نبذ دعوة ~~الإيمان ، وإنما يتعللون بالعلل بطلب الآيات استهزاء ، فكان إيمانهم في ~~نظرهم من قبيل المحال ، فبين الله لهم أنه إذا شاء إيمانهم آمنوا ، فالجهل ~~على هذا المعنى : هو ضد العلم . وفي هذا زيادة تنبيه إلى ما أشار إليه قوله ~~: { إلا أن يشاء الله } من أن ذلك سيكون ، وقد حصل إيمان كثير منهم بعد هذه ~~الآية . وإسناد الجهل إلى أكثرهم يدل على أن منهم عقلاء يحسبون ذلك . # ويجوز أن يكون الاستدراك راجعا إلى ما تضمنه الشرط وجوابه : من انتفاء ~~إيمانهم مع إظهار الآيات لهم ، أي لا يؤمنون ، ويزيدهم ذلك جهلا على جهلهم ~~، فيكون المراد بالجهل ضد الحلم ، لأنهم مستهزئون ، وإسناد الجهل إلى ~~أكثرهم لإخراج قليل منهم وهم أهل الرأي والحلم فإنهم يرجى إيمانهم ، لو ~~ظهرت لهم الآيات ، وبهذا التفسير يظهر موقع الاستدراك . # فضمير { يجهلون } عائد إلى المشركين لا محالة كبقية الضمائر التي قبله . # PageV08P007 # | 2 ( 112 ) { وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا شياطين الإنس والجن يوحى بعضهم ~~إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شآء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون } . ) 2 # اعتراض قصد منه تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم والواو واو الاعتراض ، ~~لأن الجملة بمنزلة الفذلكة ، وتكون للرسول صلى الله عليه وسلم تسلية بعد ~~ذكر ما يحزنه من أحوال كفار قومه ، وتصلبهم في نبذ دعوته ، فأنبأه الله : ~~بأن هؤلاء أعداؤه ms2779 ، وأن عداوة أمثالهم سنة من سنن الله تعالى في ابتلاء ~~أنبيائه كلهم ، فما منهم أحد إلا كان له أعداء ، فلم تكن عداوة هؤلاء ~~للنبيء عليه الصلاة والسلام بدعا من شأن الرسل . فمعنى الكلام : ألست نبيئا ~~وقد جعلنا لكل نبيء عدوا إلى آخره . # والإشارة بقوله : { وكذلك } إلى الجعل المأخوذ من فعل { جعلنا } كما تقدم ~~في قوله تعالى : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } ( البقرة : 143 ) . فالكاف في ~~محل نصب على أنه مفعول مطلق لفعل { جعلنا } . # وقوله : { عدوا } مفعول { جعلنا } الأول ، وقوله : { لكل نبي } المجرور ~~مفعول ثان ل { جعلنا } وتقديمه على المفعول الأول للاهتمام به ، لأنه الغرض ~~المقصود من السياق ، إذ المقصود الإعلام بأن هذه سنة الله في أنبيائه كلهم ~~، فيحصل بذلك التأسي والقدوة والتسلية ؛ ولأن في تقديمه تنبيها من أول ~~السمع على أنه خبر ، وأنه ليس متعلقا بقوله : { عدوا } كيلا يخال السامع أن ~~قوله : { شياطين الإنس } مفعول لأنه يحول الكلام إلى قصد الإخبار عن أحوال ~~الشياطين ، أو عن تعيين العدو للأنبياء من هو ، وذلك ينافي بلاغة الكلام . ~~PageV08P008 # و { شياطين } بدل من { عدوا } وإنما صيغ التركيب هكذا : لأن المقصود ~~الأول الإخبار بأن المشركين أعداء للرسول صلى الله عليه وسلم فمن أعرب { ~~شياطين } مفعولا ل { جعل } و { لكل نبي } ظرفا لغوا متعلقا ب { عدوا } فقد ~~أفسد المعنى . # والعدو : اسم يقع على الواحد والمعتدد ، قال تعالى : { هم العدو فاحذرهم ~~} ( المنافقون : 4 ) وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى : { فإن كان من قوم عدو ~~لكم في سورة النساء ( 92 ) . # والشيطان أصله نوع من الموجودات المجردة الخفية ، وهو نوع من جنس الجن ، ~~وقد تقدم عند قوله تعالى : واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان } ( ~~البقرة : 102 ) . ويطلق الشيطان على المضلل الذي يفعل الخبائث من الناس على ~~وجه المجاز . ومنه ( شياطين العرب ) لجماعة من خباثهم ، منهم : ناشب الأعور ~~، وابنه سعد بن ناشب الشاعر ، وهذا على معنى التشبيه ، وشاع ذلك في كلامهم ~~. # والإنس : الإنسان وهو مشتق من التأنس والإلف ، لأن البشر يألف بالبشر ~~ويأنس به ، فسماه إنسا وإنسانا . # و ( شياطين الإنس ms2780 ) استعارة للناس الذين يفعلون فعل الشياطين : من مكر ~~وخديعة . وإضافة شياطين إلى الإنس إضافة مجازية على تقدير ( من ) التبعيضية ~~مجازا ، بناء على الاستعارة التي تقتضي كون هؤلاء الإنس شياطين ، فهم ~~شياطين ، وهم بعض الإنس ، أي أن الإنس : لهم أفراد متعارفة ، وأفراد غير ~~متعارفة يطلق عليهم اسم الشياطين ، فهي بهذا الاعتبار من إضافة الأخص من ~~وجه إلى الأعم من وجه ، وشياطين الجن حقيقة ، والإضافة حقيقة ، لأن الجن ~~منهم شياطين ، ومنهم غير شياطين ، ومنهم صالحون ، وعداوة شياطين الجن ~~للأنبياء ظاهرة ، وما جاءت الأنبياء إلا للتحذير من فعل الشياطين ، وقد قال ~~الله تعالى لآدم : { إن هذا عدو لك ولزوجك } ( طه : 117 ) . PageV08P009 # وجملة { يوحى } في موضع الحال ، يتقيد بها الجعل المأخوذ من { جعلنا } ~~فهذا الوحي من تمام المجعول . # والوحي : الكلام الخفي ، كالوسوسة ، وأريد به ما يشمل إلقاء الوسوسة في ~~النفس من حديث يزور في صورة الكلام . والبعض الموحي : هو شياطين الجن ، ~~يلقون خواطر المقدرة على تعليم الشر إلى شياطين الإنس ، فيكونون زعماء لأهل ~~الشر والفساد . # والزخرف : الزينة ، وسمي الذهب زخرفا لأنه يتزين به حليا ، وإضافة الزخرف ~~إلى القول من إضافة الصفة إلى الموصوف ، أي القول الزخرف : أي المزخرف ، ~~وهو من الوصف بالجامد الذي في معنى المشتق ، إذ كان بمعنى الزين . وأفهم ~~وصف القول بالزخرف أنه محتاج إلى التحسين والزخرفة ، وإنما يحتاج القول إلى ~~ذلك إذا كان غير مشتمل على ما يكسبه القبول في حد ذاته ، وذلك أنه كان يفضي ~~إلى ضر يحتاج قائله إلى تزيينه وتحسينه لإخفاء ما فيه من الضر ، خشية أن ~~ينفر عنه من يسوله لهم ، فذلك التزيين ترويج يستهوون به النفوس ، كما تموه ~~للصبيان اللعب بالألوان والتذهيب . # وانتصب { زخرف القول } على النيابة عن المفعول المطلق من فعل { يوحى } ~~لأن إضافة الزخرف إلى القول ، الذي هو من نوع الوحي ، تجعل { زخرف } نائيا ~~عن المصدر المبين لنوع الوحي . # والغرور : الخداع والإطماع بالنفع لقصد الإضرار ، وقد تقدم عند قوله ~~تعالى : { لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد في سورة آل عمران ( 196 ) . ~~وانتصب غرورا ms2781 } على المفعول لأجله لفعل { يوحى } ، أي يرحون زخرف القول ~~ليغروهم . PageV08P010 # والقول في معنى المشيئة من قوله : { ولو شاء ربك ما فعلوه } كالقول في { ~~ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله } ( الأنعام : 111 ) وقوله : { ولو شاء ~~الله ما أشركوا } ( الأنعام : 107 ) والجملة معترضة بين المفعول لأجله وبين ~~المعطوف عليه . # والضمير المنصوب في قوله : { فعلوه } عائد إلى الوحي . المأخوذ من { يوحى ~~} أو إلى الإشراك المتقدم في قوله : { ولو شاء الله ما أشركوا } ( الأنعام ~~: 107 ) أو إلى العداوة المأخوذة من قوله : { لكل نبي عدوا } . # والضمير المرفوع عائد إلى { شياطين الإنس والجن } ، أو إلى المشركين ، أو ~~إلى العدو ، وفرع عليه أمر الرسول عليه الصلاة والسلام بتركهم وافتراءهم ، ~~وهو ترك إعراضض عن الاهتمام بغرورهم ، والنكد منه ، لا إعراض عن وعظهم ~~ودعوتهم ، كما تقدم في قوله : { وأعرض عن المشركين } . والواو بمعنى مع . # { وما يفترون } موصول منصوب على المفعول معه . وما يفترونه هو أكاذيبهم ~~الباطلة من زعمهم إلاهية الأصنام ، وما يتبع ذلك من المعتقدات الباطلة . # $ 2 ( 113 ) { ولتصغى & # 1764 إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالاخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم ~~مقترفون } . ) 2 $ # عطف قوله : { ولتصغى } على { غرورا } ( الأنعام : 112 ) لأن { غرورا } في ~~معنى ليغروهم . واللام لام كي وما بعدها في تأويل مصدر ، أي ولصغى ، أي ميل ~~قلوبهم إلى وحيهم فتقوم عليهم الحجة . PageV08P011 ومعنى { تصغى } تميل ، ~~يقال : صغى يصغى صغيا ، ويصغو صغوا بالياء وبالواو ووردت الآية على اعتباره ~~بالياء لأنه رسم في المصحف بصورة الياء . وحقيقته الميل الحسي ، يقال : صغى ~~، أي مال ، وأصغى أمال . وفي حديث الهرة : أنه أصغى إليها الإناء ، ومنه ~~أطلق : أصغى بمعنى استمع ، لأن أصله أمال سمعه أو أذنه ، ثم حذفوا المفعول ~~لكثرة الاستعمال . وهو هنا مجاز في الاتباع وقبول القول . # والذين لا يؤمنون بالآخرة هم المشركون . وخص من صفات المشركين عدم ~~إيمانهم بالآخرة ، فعرفوا بهذه الصلة للإيماء إلى بعض آثار وحي الشياطين ~~لهم . وهذا الوصف أكبر ما أضر بهم ، إذ كانوا بسببه لا يتوخون فيما يصنعون ~~خشية العاقبة وطلب الخير ، بل يتبعون أهواءهم وما يزين ms2782 لهم من شهواتهم ، ~~معرضين عما في خلال ذلك من المفاسد والكفر ، إذ لا يترقبون جزاء عن الخير ~~والشر ، فلذلك تصغى عقولهم إلى غرور الشياطين . ولا تصغى إلى دعوة النبيء ~~صلى الله عليه وسلم والصالحين . # وعطف { وليرضوه } على { ولتصغى } ، وإن كان الصغي يقتضي الرضى ويسببه ~~فكان مقتضى الظاهر أن يعطف بالفاء وأن لا تكرر لام التعليل ، فخولف مقتضى ~~الظاهر ، للدلالة على استقلاله بالتعليل ، فعطف بالواو وأعيدت اللام لتأكيد ~~الاستقلال ، فيدل على أن صغى أفئدتهم إليه ما كان يكفي لعملهم به إلا لأنهم ~~رضوه . # وعطف { وليقترفوا ما هم مقترفون } على وليرضوه كعطف وليرضوه على { ولتصغى ~~} . # والاقتراف افتعال من قرف إذا كسب سيئة ، قال تعالى بعد هذه الآية : { إن ~~الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون } ( الأنعام : 120 ) فذكر ~~هنالك ل { يكسبون } مفعولا لأن الكسب يعم الخير والشر ، ولم يذكر هنا ~~PageV08P012 ل { يقترفون } مفعولا لأنه لا يكون إلا اكتساب الشر ، ولم يقل ~~: سيجزون بما كانوا يكسبون لقصد تأكيد معنى الإثم . يقال : قرف واقترف ~~وقارف . وصيغة الافتعال وصيغة المفاعلة فيه للمبالغة ، وهذه المادة تؤذن ~~بأمر ذميم . وحكوا أنه يقال : قرف فلان لعياله ، أي كسب ، ولا أحسبه صحيحا ~~. # وجيء في صلة الموصول بالجملة الاسمية في قوله : { ما هم مقترفون } ~~للدلالة على تمكنهم في ذلك الاقتراف وثباتهم فيه . # $ 2 ( 114 ) { أفغير الله أبتغى حكما وهو الذى & # 1764 أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين ءاتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ~~ربك بالحق فلا تكونن من الممترين } . ) 2 $ # استئناف بخطاب من الله تعالى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم بتقدير الأمر ~~بالقول بقرينة السياق كما في قوله تعالى : { لا نفرق بين أحد من رسله } ( ~~البقرة : 285 ) أي يقولون . وقوله المتقدم آنفا { قد جاءكم بصائر من ربكم } ~~( الأنعام : 104 ) بعد أن أخبره عن تصاريف عناد المشركين ، وتكذيبهم . ~~وتعنتهم في طلب الآيات الخوارق ، إذ جعلوها حكما بينهم وبين الرسول عليه ~~الصلاة والسلام في صدق دعوته ، وبعد أن فضحهم الله بعداوتهم لرسوله عليه ~~الصلاة والسلام ، وافترائهم عليه ، وأمر رسوله صلى الله عليه ms2783 وسلم بالإعراض ~~عنهم وتركهم وما يفترون ، وأعلمه بأنه ما كلفه أن يكون وكيلا لإيمانهم ، ~~وبأنهم سيرجعون إلى ربهم فينبئهم بما كانوا يعملون ، بعد ذلك كله لقن الله ~~رسوله صلى الله عليه وسلم أن يخاطبهم خطابا كالجواب عن أقوالهم وتوركاتهم ، ~~فيفرع عليها أنه لا يطلب حاكما بينه وبينهم غير الله تعالى ، الذي إليه ~~مرجعهم ، PageV08P013 وأنهم إن طمعوا في غير ذلك منه فقد طمعوا منكرا ، ~~فتقدير القول متعين لأن الكلام لا يناسب إلا أن يكون من قول النبي عليه ~~الصلاة والسلام . # والفاء لتفريع الجواب عن مجموع أقوالهم ومقترحاتهم ، فهو من عطف التلقين ~~بالفاء : كما جاء بالواو في قوله تعالى : { قال إني جاعلك للناس إماما قال ~~ومن ذريتي } ( البقرة : 124 ) ، ومنه بالفاء قوله في سورة الزمر ( 64 ) : { ~~قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون فكأن المشركين دعوا النبي إلى ~~التحاكم في شأن نبوءته بحكم ما اقترحوا عليه من الآيات ، فأجابهم بأنه لا ~~يضع دين الله للتحاكم ، ولذلك وقع الإنكار أن يحكم غير الله تعالى ، مع أن ~~حكم الله ظاهر بإنزال الكتاب مفصلا بالحق ، وبشهادة أهل الكتاب في نفوسهم ، ~~ومن موجبات التقديم كون المقدم يتضمن جوابا لرد طلب طلبه المخاطب ، كما ~~أشار إليه صاحب الكشاف } في قوله تعالى : { قل أغير الله أبغي ربا في هذه ~~السورة } ( الأنعام : 164 ) . والهمزة للاستفهام الإنكاري : أي إن ظننتم ~~ذلك فقد ظننتم منكرا . # وتقديم { أفغير الله } على { أبتغي } لأن المفعول هو محل الإنكار . فهو ~~الحقيق بموالاة همزة الاستفهام الإنكاري ، كما تقدم في قوله تعالى : { قل ~~أغير الله أتخذ وليا في هذه السورة ( 14 ) . # والحكم : الحاكم المتخصص بالحكم الذي لا ينقض حكمه ، فهو أخص من الحاكم ، ~~ولذلك كان من أسمائه تعالى : الحكم ، ولم يكن منها : الحاكم . وانتصب حكما ~~} على الحال . # والمعنى : لا أطلب حكما بيني وبينكم غير الله الذي حكم حكمه عليكم بأنكم ~~أعداء مقترفون . PageV08P014 # وتقدم الكلام على الابتغاء عند قوله تعالى : { أفغير دين الله يبغون في ~~سورة آل عمران ( 83 ) . # وقوله : وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا } من تمام ms2784 القول المأمور به . ~~والواو للحال أي لا أعدل عن التحاكم إليه . وقد فصل حكمه بإنزال القرآن ~~إليكم لتتدبروه فتعلموا منه صدقي ، وأن القرآن من عند الله . وقد صيغت جملة ~~الحال على الاسمية المعرفة الجزأين لتفيد القصر مع إفادة أصل الخبر . ~~فالمعنى : والحال أنه أنزل إليكم الكتاب ولم ينزله غيره ، ونكتة ذلك أن في ~~القرآن دلالة على أنه من عند الله بما فيه من الإعجاز ، وبأمية المنزل عليه ~~. وأن فيه دلالة على صدق الرسول عليه الصلاة والسلام تبعا لثبوت كونه منزلا ~~من عند الله ، فإنه قد أخبر أنه أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم للناس كافة ~~، وفي تضاعيف حجج القرآن وأخباره دلالة على صدق من جاء به ؛ فحصل بصوغ جملة ~~الحال على صيغة القصر الدلالة على الأمرين : أنه من عند الله ، والحكمم ~~للرسول عليه الصلاة والسلام بالصدق . # والمراد بالكتاب القرآن ، والتعريف للعهد الحضوري ، والضمير في { إليكم } ~~خطاب للمشركين ، فإن القرآن أنزل إلى الناس كلهم للاهتداء به ، فكما قال ~~الله : { بما أنزل إليك أنزله بعلمه } ( النساء : 166 ) قال : { يأيها ~~الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا } ( النساء : 174 ) ~~وفي قوله : { إليكم } هنا تسجيل عليهم بأنه قد بلغهم فلا يستطيعون تجاهلا . # والمفصل المبين . وقد تقدم ذكر التفصيل عند قوله تعالى : { وكذلك نفصل ~~الآيات ولتستبين سبيل المجرمين في هذه السورة ( 55 ) . # وجملة والذين أتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل } معطوفة على القول المحذوف ~~، فتكون استئنافا مثله ، أو معطوفة على جملة { أفغير الله أبتغى } أو على ~~PageV08P015 جملة { وهو الذي أنزل إليكم الكتاب } ، فهو عطف تلقين عطف به ~~الكلام المنسوب إلى الله على الكلام المنسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~تعضيدا لما اشتمل عليه الكلام المنسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم من كون ~~القرآن حقا ، وأنه من عند الله . # والمراد بالذين آتاهم الله الكتاب : أحبار اليهود ، لأن الكتاب هو ~~التوراة المعروف عند عامة العرب ، وخاصة أهل مكة ، لتردد اليهود عليها في ~~التجارة . ولتردد أهل مكة على منازل اليهود بيثرب وقراها ولكون المقصود ms2785 ~~بهذا الحكم أحبار اليهود خاصة قال : { آتيناهم الكتاب } ولم يقل : أهل ~~الكتاب . # ومعنى علم الذين أوتوا الكتاب بأن القرآن منزل من الله : أنهم يجدونه ~~مصدقا لما في كتابهم ، وهم يعلمون أن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يدرس ~~كتابهم على أحد منهم ، إذ لو درسه لشاع أمره بينهم ، ولأعلنوا ذلك بين ~~الناس حين ظهور دعوته . وهم أحرص على ذلك ، ولم يدعوه . وعلمهم بذلك لا ~~يقتضي إسلامهم لأن العناد والحسد يصدانهم عن ذلك . وقيل : المراد بالذين ~~آتاهم الله الكتاب : من أسلموا من أحبار اليهود . مثل عبدا لله بن سلام . ~~ومخيريق ، فيكون الموصول في قوله : { والذين آتيناهم الكتاب } للعهد . وعن ~~عطاء : { والذين آتيناهم الكتاب } . هم رؤساء أصحاب محمد صلى الله عليه ~~وسلم أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي . فيكون الكتاب هو القرآن . # وضمير { أنه } عائد إلى الكتاب الذي في قوله : { وهو الذي أنزل إليكم ~~الكتاب } وهو القرآن . # والباء في قوله { بالحق } للملابسة ، أي ملابسا للحق . وهي ملابسة الدال ~~للمدلول ، لأن معانيه ، وأخباره ، ووعده ، ووعيده ، وكل ما اشتمل عليه ، حق ~~. PageV08P016 # وقرأ الجمهور { منزل } بتخفيف الزاي وقرأ ابن عامر وحفص بالتشديد والمعنى ~~متقارب أو متحد ، كما تقدم في قوله تعالى : { نزل عليك الكتاب بالحق في أول ~~سورة آل عمران ( 3 ) . # والخطاب في قوله : فلا تكونن من الممترين } ( البقرة : 147 ) يحتمل أن ~~يكون خطابا للنبيء صلى الله عليه وسلم فيكون التفريع على قوله : { يعلمون ~~أنه منزل من ربك بالحق } أي فلا تكن من الممترين في أنهم يعلمون ذلك ، ~~والمقصود تأكيد الخبر كقول القائل بعد الخبر : هذا ما لا شك فيه ، ~~فالامتراء المنفي هو الامتراء في أن أهل الكتاب يعلمون ذلك ، لأن غريبا ~~اجتماع علمهم وكفرهم به ، ويجوز أن يكون خطابا لغير معين ، ليعم كل من ~~يحتاج إلى مثل هذا الخطاب ، أي فلا تكونن أيها السامع من الممترين ، أي ~~الشاكين في كون القرآن من عند الله ، فيكون التفريع على قوله : { منزل من ~~ربك بالحق } أي فهذا أمر قد اتضح . فلا تكن من الممترين فيه . ويحتمل أن ~~يكون ms2786 المخاطب الرسول عليه الصلاة والسلام ، والمقصود من الكلام المشركون ~~الممترون ، على طريقة التعريض ، كما يقال : ( إياك أعني واسمعي يا جاره ) . ~~ومنه قوله تعالى : { ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن ~~عملك } ( الزمر : 65 ) . وهذا الوجه هو أحسن الوجوه ، والتفريع فيه كما في ~~الوجه الثاني . # وعلى كل الوجوه كان حذف متعلق الامتراء لظهوره من المقام تعويلا على ~~القرينة ، وإذ قد كانت هذه الوجوه الثلاثة غير متعارضة ، صح أن يكون جميعها ~~مقصودا من الآية . لتذهب أفهام السامعين إلى ما تتوصل إليه منها . وهذا ~~فيما أرى من مقاصد إيجاز القرآن وهو معنى الكلام الجامع ، ويجيء مثله في ~~آيات كثيرة ، وهو من خصائص القرآن . # # | 2 ( 115 ) { وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع ~~العليم } . ) 2 # PageV08P017 # هذه الجملة معطوفة على جملة : { أفغير الله أبتغي حكما } ( الأنعام : 114 ~~) لأن تلك الجملة مقول قول مقدر ، إذ التقدير : قل أفغير الله أبتغي حكما ~~باعتبار ما في تلك الجملة من قوله : { وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا } ~~( الأنعام : 114 ) فلما وصف الكتاب بأنه منزل من الله ، ووصف بوضوح الدلالة ~~بقوله : { وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا } ( الأنعام : 114 ) ثم بشهادة ~~علماء أهل الكتاب بأنه من عند الله بقوله : { والذين آتيناهم الكتاب يعلمون ~~أنه منزل من ربك } ( الأنعام : 114 ) ، أعلم رسوله عليه الصلاة والسلام ~~والمؤمنين بأن هذا الكتاب تام الدلالة ، ناهض الحجة ، على كل فريق : من ~~مؤمن وكافر ، صادق وعده ووعيده ، عادل أمره ونهيه . ويجوز أن تكون معطوفة ~~على جملة : { وجعلنا لكل نبيء عدوا } وما بينهما اعتراض ، كما سنبينه . # والمراد بالتمام معنى مجازي : إما بمعنى بلوغ الشيء إلى أحسن ما يبلغه ~~مما يراد منه ، فإن التمام حقيقته كون الشيء وافرا أجزاءه ، والنقصان كونه ~~فاقدا بعض أجزائه ، فيستعار لوفرة الصفات التي تراد من نوعه ؛ وإما بمعنى ~~التحقق فقد يطلق التمام على حصول المنتظر وتحققه ، يقال : تم ما أخبر به ~~فلان ، ويقال : أتم وعده ، أي حققه ، ومنه قوله تعالى : { وإذ آبتلى ~~إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن } ( البقرة ms2787 : 124 ) أي عمل بهن دون تقصير ولا ~~ترخص ، وقوله تعالى : { وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا } ~~( الأعراف : 137 ) أي ظهر وعده لهم بقوله : { ونريد أن نمن على الذين ~~استضعفوا في الأرض } ( القصص : 5 ) الآية ، ومن هذا المعنى قوله تعالى : { ~~والله متم نوره } ( الصف : 8 ) أي محقق دينه ومثبته ، لأنه جعل الإتمام في ~~مقابلة الإطفاء المستعمل في الإزالة مجازا أيضا . # وقوله : { كلمات ربك } قرأه الجمهور بصيغة الجمع وقرأه عاصم ، وحمزة ، ~~والكسائي ، ويعقوب ، وخلف : كلمة بالإفراد فقيل : المراد بالكلمات أو ~~الكلمة القرآن ، وهو قول جمهور المفسرين ، PageV08P018 ونقل عن قتادة ، وهو ~~الأظهر ، المناسب لجعل الجملة معطوفة على جملة : { والذين آتيناهم الكتاب } ~~( الأنعام : 114 ) . فأما على قراءة الإفراد فإطلاق الكلمة على القرآن ~~باعتبار أنه كتاب من عند الله ، فهو من كلامه وقوله . والكلمة والكلام ~~يترادفان ، ويقول العرب : كلمة زهير ، يعنون قصيدته ، وقد أطلق في القرآن ( ~~الكلمات ) على الكتب السماوية في قوله تعالى : { فآمنوا بالله ورسوله ~~النبيء الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته } ( الأعراف : 158 ) أي كتبه . وأما ~~على قراءة الكلمات بالجمع فإطلاقها على القرآن باعتبار ما يشتمل عليه من ~~الجمل والآيات . أو باعتبار أنواع أغراضه من أمر ، ونهي ، وتبشير ، وإنذار ~~، ومواعظ ، وإخبار ، واحتجاج ، وإرشاد ، وغير ذلك . ومعنى تمامها أن كل غرض ~~جاء في القرآن فقد جاء وافيا بما يتطلبه القاصد منه . واستبعد ابن عطية أن ~~يكون المراد من { كلمات ربك } بالجمع أو الإفراد القرآن ، واستظهر أن ~~المراد منها : قول الله ، أي نفذ قوله وحكمه . وقريب منه ما أثر عن ابن ~~عباس أنه قال : كلمات الله وعده . وقيل : كلمات الله : أمره ونهيه ، ووعده ~~، ووعيده ، وفسر به في ( الكشاف ) ، وهو قريب من كلام ابن عطية ، لكن ~~السياق يشهد بأن تفسير الكلمات بالقرآن أظهر . # وانتصب { صدقا وعدلا } على الحال ، عند أبي علي الفارسي ، بتأويل المصدر ~~باسم الفاعل ، أي صادقة وعادلة ، فهو حال من { كلمات } وهو المناسب لكون ~~التمام بمعنى التحقق ، وجعلهما الطبري منصوبين على التمييز ، أي تمييز ~~النسبة ، أي تمت من جهة الصدق والعدل ، فكأنه ms2788 قال : تم صدقها وعدلها ، وهو ~~المناسب لكون التمام بمعنى بلوغ الشيء أحسن ما يطلب من نوعه . وقال ابن ~~عطية : هذا غير صواب . وقلت : لا وجه لعدم تصويبه . # والصدق : المطابقة للواقع في الإخبار : وتحقيق الخبر في الوعد والوعيد ، ~~والنفوذ في الأمر والنهي ، فيشمل الصدق كل ما في كلمات الله من نوع الإخبار ~~عن شؤون الله وشؤون الخلائق . PageV08P019 ويطلق الصدق مجازا على كون الشيء ~~كاملا في خصائص نوعه . # والعدل : إعطاء من يستحق ما يستحق ، ودفع الاعتداء والظلمم على المظلوم ، ~~وتدبير أمور الناس بما فيه صلاحهم . وتقدم بيانه عند قوله تعالى : { وإذا ~~حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل في سورة النساء ( 58 ) . فيشمل العدل كل ~~ما في كلمات الله : من تدبير شؤون الخلائق في الدنيا والآخرة . # فعلى التفسير الأول للكلمات أو الكلمة ، يكون المعنى : أن القرآن بلغ ~~أقصى ما تبلغه الكتب : في وضوح الدلالة ، وبلاغة العبارة ، وأنه الصادق في ~~أخباره ، العادل في أحكامه ، لا يعثر في أخباره على ما يخالف الواقع ، ولا ~~في أحكامه على ما يخالف الحق ؛ فذلك ضرب من التحدي والاحتجاج على أحقية ~~القرآن . وعلى التفسيرين الثاني والثالث ، يكون المعنى : نفذ ما قاله الله ~~، وما وعد وأوعد ، وما أمر ونهى ، صادقا ذلك كله ، أي غير متخلف ، وعادلا ، ~~أي غير جائر . وهذا تهديد للمشركين بأن سيحق عليهم الوعيد ، الذي توعدهم به ~~، فيكون كقوله تعالى : وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا } ( ~~الأعراف : 137 ) أي تم ما وعدهم به من امتلاك مشارق الأرض ومغاربها التي ~~بارك فيها ، وقوله : { وكذلك حقت كلمات ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب ~~النار } ( غافر : 6 ) أي حقت كلمات وعيده . # ومعنى : { لا مبدل لكلماته } نفي جنس من يبدل كلمات الله ، أي من يبطل ما ~~أراده في كلماته . # والتبديل تقدم عند قوله تعالى : { قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو ~~خير من سورة البقرة ( 61 ) ، وتقدم هناك بيان أنه لا يوجد له فعل مجرد ، ~~وأن أصل مادته هو التبديل . # والتبديل حقيقته جعل شيء مكان شيء آخر ، فيكون في ms2789 الذوات كما قال تعالى : ~~يوم تبدل الأرض غير الأرض } ( إبراهيم : 48 ) وقال النابغة : PageV08P020 # عهدت بها حيا كراما فبدلت # خناظيل آجالل النعاج الجوافل # ويكون في الصفات كقوله تعالى : { وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا } ( النور ~~: 55 ) . # ويستعمل مجازا في إبطال الشيء ونقضه ، قال تعالى : { يريدون أن يبدلوا ~~كلام الله } ( الفتح : 15 ) أي يخالفوه وينقضوا ما اقتضاه ، وهو قوله : { ~~قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل } ( الفتح : 15 ) . وذلك أن النقض ~~يستلزم الإتيان بشيء ضد الشيء المنقوض . فكان ذلك اللزوم هو علاقة المجاز . ~~وقد تقدم عند قوله تعالى : { فمن بدله بعد ما سمعه في سورة البقرة ( 181 ) ~~. وقد استعمل في قوله : لا مبدل لكلماته } مجازا في معنى المعارضة أو النقض ~~على الاحتمالين في معنى التمام من قوله : { وتمت كلمات ربك } ونفي المبدل ~~كناية عن نفي التبديل . # فإن كان المراد بالكلمات القرآن ، كما تقدم ، فمعنى انتفاء المبدل ~~لكلماته : انتفاء الإتيان بما ينقضه ويبطله أو يعارضه ، بأن يظهر أن فيه ما ~~ليس بتمام . فإن جاء أحد بما ينقضه كذبا وزورا فليس ذلك بنقض . وإنما هو ~~مكابرة في صورة النقض ، بالنسبة إلى ألفاظ القرآن ونظمه ، وانتفاء ما يبطل ~~معانيه وحقائق حكمته ، وانتفاء تغيير ما شرعه وحكم به . وهذا الانتفاء ~~الأخير كناية عن النهي عن أن يخالفه المسلمون . وبذلك يكون التبديل مستعملا ~~في حقيقته ومجازه وكنايته . # ويجوز أن تكون جملة : { وتمت كلمات ربك } عطفا على جملة : { جعلنا لكل ~~نبيء عدوا } ( الأنعام : 112 ) وما بينهما اعتراضا ، فالكلمات مراد بها ما ~~سنه الله وقدره : من جعل أعداء لكل نبي يزخرفون القول في التضليل ، لتصغى ~~إليهم قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة ، ويتبعوهم ، ويقترفوا السيئات ، وأن ~~المراد بالتمام التحقق ، ويكون قوله : { لا مبدل لكلماته } نفي أن يقدر أحد ~~أن يغير سنة الله وما قضاه وقدره ، كقوله : { فلن PageV08P021 تجد لسنت ~~الله تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا } ( فاطر : 43 ) فتكون هذه الآية في ~~معنى قوله : { ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم ~~نصرنا ولا مبدل لكلمات ms2790 الله } ( الأنعام : 34 ) . ففيها تأنيس للرسول صلى ~~الله عليه وسلم وتطمين له وللمؤمنين بحلول النصر الموعود به في إبانه . # وقوله : { وهو السميع العليم } تذييل لجملة : { وتمت كلمات ربك صدقا ~~وعدلا لا مبدل لكلماته } أي : وهو المطلع على الأقوال ، العليم بما في ~~الضمائر ، وهذا تعريض بالوعيد لمن يسعى لتبديل كلماته ، فالسميع العالم ~~بأصوات المخلوقات ، التي منها ما توحي به شياطين الإنس والجن ، بعضهم إلى ~~بعض ، فلا يفوته منها شيء ؛ والعالم أيضا بمن يريد أن يبدل كلمات الله ، ~~على المعاني المتقدمة ، فلا يخفى عليه ما يخوضون فيه : من تبييت الكيد ~~والإبطال له . # والعليم أعم ، أي : العليم بأحوال الخلق ، والعليم بمواقع كلماته ، ومحال ~~تمامها ، والمنظم بحكمته لتمامها ، والموقت لآجال وقوعها . # فذكر هاتين الصفتين هنا : وعيد لمن شملته آيات الذم السابقة ، ووعد لمن ~~أمر بالإعراض عنهم وعن افترائهم ، وبالتحاكم معهم إلى الله ، والذين يعلمون ~~أن الله أنزل كتابه بالحق . # # | 2 ( 116 ) { وإن تطع أكثر من فى الارض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون ~~إلا الظن وإن هم إلا يخرصون } . ) 2 # أعقب ذكر عناد المشركين ، وعداوتهم للرسول صلى الله عليه وسلم وولايتهم ~~للشياطين ، ورضاهم بما توسوس لهم شياطين الجن والإنس ، واقترافهم السيئات ~~طاعة PageV08P022 لأوليائهم ، وما طمأن به قلب الرسول صلى الله عليه وسلم ~~من أنه لقي سنة الأنبياء قبله من آثار عداوة شياطين الإنس والجن ، بذكر ما ~~يهون على الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين ما يرونه من كثرة المشركين ~~وعزتهم ، ومن قلة المسلمين وضعفهم ، مع تحذيرهم من الثقة بقولهم ، والإرشاد ~~إلى مخالفتهم في سائر أحوالهم ، وعدم الإصغاء إلى رأيهم ، لأنهم يضلون عن ~~سبيل الله ، وأمرهم بأن يلزموا ما يرشدهم الله إليه . فجملة : { وإن تطع } ~~متصلة بجملة : { وكذلك جعلنا لكل نبيء عدوا شياطين الإنس والجن } ( الأنعام ~~: 112 ) وبجملة : { أفغير الله أبتغي حكما } ( الأنعام : 114 ) وما بعدها ~~إلى : { وهو السميع العليم } ( الأنعام : 115 ) . # والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمقصود به المسلمون مثل قوله تعالى : ~~{ لئن أشركت ليحبطن عملك } ( الزمر : 65 ) . # وجيء مع فعل الشرط بحرف ms2791 ( إن ) الذي الأصل فيه أن يكون في الشرط النادر ~~الوقوع ، أو الممتنع إذا كان ذكره على سبيل الفرض كما يفرض المحال ، ~~والظاهر أن المشركين لما أيسوا من ارتداد المسلمين ، كما أنبأ بذلك قوله ~~تعالى : { قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا } ( الأنعام : 71 ~~) الآية ، جعلوا يلقون على المسلمين الشبه والشكوك في أحكام دينهم ، كما ~~أشار إليه قوله تعالى عقب هذا : { وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ~~ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون } ( الأنعام : 121 ) . وقد روى الطبري ~~عن ابن عباس ، وعكرمة : أن المشركين قالوا : ( يا محمد أخبرنا عن الشاة إذا ~~ماتت من قتلها ( يريدون أكل الشاة إذا ماتت حتف أنفها دون ذبح ) قال الله ~~قتلها فتزعم أن ما قتلت أنت وأصحابك حلال وما قتل الكلب والصقر حلال وما ~~قتله الله حرام ) فوقع في نفس ناس من المسلمين من ذلك شيء وفي ( سنن ~~الترمذي ) ، عن ابن عباس قال : ( أتى أناس النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا ~~: يا رسول الله أنأكل ما نقتل ولا نأكل ما يقتل الله ) PageV08P023 فأنزل ~~الله : { فكلوا مما ذكر اسم الله عليه } ( الأنعام : 118 ) الآية . قال ~~الترمذي : هذا حديث حسن غريب . فمن هذا ونحوه حذر الله المسلمين من هؤلاء ، ~~وثبتهم على أنهم على الحق ، وإن كانوا قليلا . كما تقدم في قوله : { قل لا ~~يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث } ( المائدة : 100 ) . # والطاعة : اسم للطوع الذي هو مصدر طاع يطوع ، بمعنى انقاد وفعل ما يؤمر ~~به عن رضى دون ممانعة ، فالطاعة ضد الكره . ويقال : طاع وأطاع ، وتستعمل ~~مجازا في قبول القول ، ومنه ما جاء في الحديث : ( فإن هم طاعوا لك بذلك ~~فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم زكاة أموالهم ) ، ومنه قوله تعالى : { ولا ~~شفيعع يطاع } ( غافر : 18 ) أي يقبل قوله ، وإلا فإن المشفوع إليه أرفع من ~~الشفيع فليس المعنى أنه يمتثل إليه . والطاعة هنا مستعملة في هذا المعنى ~~المجازي وهو قبول القول . # و { أكثر من في الأرض } هم أكثر سكان الأرض . والأرض : يطلق على جميع ~~الكرة الأرضية ms2792 التي يعيش على وجهها الإنسان والحيوان والنبات ، وهي الدنيا ~~كلها . ويطلق الأرض على جزء من الكرة الأرضية معهود بين المخاطبين وهو ~~إطلاق شائع كما في قوله تعالى : { وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض ~~} ( الإسراء : 104 ) يعني الأرض المقدسة ، وقوله : { أو ينفوا من الأرض } ( ~~المائدة : 33 ) أي الأرض التي حاربوا الله فيها . والأظهر أن المراد في ~~الآية المعنى المشهور وهو جميع الكرة الأرضية كما هو غالب استعمالها في ~~القرآن . وقيل : أريد بها مكة لأنها الأرض المعهودة للرسول عليه الصلاة ~~والسلام . وأيا ما كان فأكثر من في الأرض ضالون مضلون : أما الكرة الأرضية ~~فلأن جمهرة سكانها أهل عقائد ضالة ، وقوانين غير عادلة . # فأهل العقائد الفاسدة : في أمر الإلهية : كالمجوس ، والمشركين ، وعبدة ~~الأوثان ، وعبدة الكواكب ، والقائلين بتعدد الإلاه ؛ وفي أمر النبوة : ~~كاليهود والنصارى ؛ PageV08P024 وأهل القوانين الجائرة من الجميع . وكلهم ~~إذا أطيع إنما يدعو إلى دينه ونحلته ، فهو مضل عن سبيل الله ، وهم متفاوتون ~~في هذا الضلال كثرة وقلة ، واتباع شرائعهم لا يخلو من ضلال وإن كان في ~~بعضها بعض من الصواب . والقليل من الناس من هم أهل هدى ، وهم يومئذ ~~المسلمون ، ومن لم تبلغهم دعوة الإسلام من الموحدين الصالحين في مشارق ~~الأرض ومغاربها الطالبين للحق . # وسبب هذه الأكثرية : أن الحق والهدى يحتاج إلى عقولل سليمة ، ونفوس فاضلة ~~، وتأمل في الصالح والضار ، وتقديمم الحق على الهوى ، والرشد على الشهوة ، ~~ومحبة الخير للناس ؛ وهذه صفات إذا اختل واحد منها تطرق الضلال إلى النفس ~~بمقدار ما انثلم من هذه الصفات . واجتماعها في النفوس لا يكون إلا عن ~~اعتدال تام في العقل والنفس ، وذلك بتكوين الله وتعليمه ، وهي حالة الرسل ~~والأنبياء ، أو بإلهام إلهي كما كان أهل الحق من حكماء اليونان وغيرهم من ~~أصحاب المكاشفات وأصحاب الحكمة الإشراقية وقد يسمونها الذوق . أو عن اقتداء ~~بمرشد معصوم كما كان عليه أصحاب الرسل والأنبياء وخيرة أممهم ؛ فلا جرم كان ~~أكثر من في الأرض ضالين وكان المهتدون قلة ، فمن اتبعهم أضلوه . # والآية لم تقتض أن أكثر أهل الأرض مضلون ms2793 ، لأن معظم أهل الأرض غير متصدين ~~لإضلال الناس ، بل هم في ضلالهم قانعون بأنفسهم ، مقبلون على شأنهم ؛ وإنما ~~اقتضت أن أكثرهم ، إن قبل المسلم قولهم ، لم يقولوا له إلا ما هو تضليل ، ~~لأنهم لا يلقون عليه إلا ضلالهم . فالآية تقتضي أن أكثر أهل الأرض ضالون ~~بطريق الالتزام لأن المهتدي لا يضل متبعه وكل إناء يرشح بما فيه . وفي معنى ~~هذه الآية قوله تعالى في آية ( 100 ) سورة العقود : { قل لا يستوي الخبيث ~~والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث . # واعلم أن هذا لا يشمل أهل الخطأ في الاجتهاد من المسلمين ، لأن المجتهد ~~PageV08P025 في مسائل الخلاف يتطلب مصادفة الصواب باجتهاده ، بتتبع الأدلة ~~الشرعية ولا يزال يبحث عن معارض اجتهاده وإذا استبان له الخطأ رجع عن رأيه ~~، فليس في طاعته ضلال عن سبيل الله لأن من سبيل الله طرق النظر والجدلل في ~~التفقه في الدين . # وقوله : يضلوك عن سبيل الله } تمثيل لحال الداعي إلى الكفر والفساد من ~~يقبل قوله ، بحال من يضل مستهديه إلى الطريق ، فينعت له طريقا غير الطريق ~~الموصلة ، وهو تمثيل قابل لتوزيع التشبيه : بأن يشبه كل جزء من أجزاء ~~الهيئة المشبهة بجزء من أجزاء الهيئة المشبة بها ، وإضافة السبيل إلى اسم ~~الله قرينة على الاستعارة ، وسبيل الله هو أدلة الحق ، أو هو الحق نفسه . # ثم بين الله سبب ضلالهم وإضلالهم : بأنهم ما يعتقدون ويدينون إلا عقائد ~~ضالة ، وأديانا سخيفة ، ظنوها حقا لأنهم لم يستفرغوا مقدرة عقولهم في ترسم ~~أدلة الحق فقال : { إن يتبعون إلا الظن } . # والاتباع : مجاز في قبول الفكر لما يقال وما يخطر للفكر : من الآراء ~~والأدلة وتقلد ذلك . فهذا أتم معنى الاتباع ، على أن الاتباع يطلق على عمل ~~المرء برأيه كأنه يتبعه . # والظن ، في اصطلاح القرآن ، هو الإعتقاد المخطىء عن غير دليل ، الذي ~~يحسبه صاحبه حقا وصحيحا ، قال تعالى : { وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن ~~لا يغنى من الحق شيئا } ( يونس : 36 ) ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم ( ~~إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ) وليس هو الظن ms2794 الذي اصطلح عليه فقهاؤنا ~~في الأمور التشريعية ، فإنهم أرادوا به العلم الراجح في النظر ، مع احتمال ~~الخطأ احتمالا مرجوحا ، لتعسر اليقين في الأدلة التكليفية ، لأن اليقين ~~فيها : إن كان اليقين المراد للحكماء ، فهو متوقف على الدليل المنتهي إلى ~~الضرورة أو البرهان ، وهما لا يجريان إلا في أصول مسائل التوحيد ، وإن ~~PageV08P026 كان بمعنى الإيقان بأن الله أمر أو نهى ، فذلك نادر في معظم ~~مسائل التشريع ، عدا ما علم من الدين بالضرورة أو حصل لصاحبه بالحس ، وهو ~~خاص بما تلقاه بعض الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة ، أو ~~حصل بالتواتر . وهو عزيز الحصول بعد عصر الصحابة والتابعين ، كما علم من ~~أصول الفقه . # وجملة : { إن يتبعون إلا الظن } استئناف بياني ، نشأ عن قوله : { يضلوك ~~عن سبيل الله } فبين سبب ضلالهم : أنهم اتبعوا الشبهة ، من غير تأمل في ~~مفاسدها ، فالمراد بالظن ظن أسلافهم ، كما أشعر به ظاهر قوله : { يتبعون } ~~. # وجملة { وإن هم إلا يخرصون } عطف على جملة : { إن يتبعون إلا الظن } . ~~ووجود حرف العطف يمنع أن تكون هذه الجملة تأكيدا للجملة التي قبلها ، أو ~~تفسيرا لها ، فتعين أن المراد بهذه الجملة غير المراد بجملة : { إن يتبعون ~~إلا الظن } . # وقد ترددت آراء المفسرين في محمل قوله : { وإن هم إلا يخرصون } ؛ فقيل : ~~يخرصون يكذبون فيما ادعوا أن ما اتبعوه يقين ، وقيل : الظن ظنهم أن آباءهم ~~على الحق . والخرص : تقديرهم أنفسهم على الحق . # والوجه : أن محمل الجملة الأولى على ما تلقوه من أسلافهم ، كما أشعر به ~~قوله : { يتبعون } ، وأن محمل الجملة الثانية على ما يستنبطونه من الزيادات ~~على ما ترك لهم أسلافهم وعلى شبهاتهم التي يحسبونها أدلة مفحمة ، كقولهم : ~~( كيف نأكل ما قتلناه وقتله الكلب والصقر ، ولا نأكل ما قتله الله ) كما ~~تقدم آنفا ، كما أشعر به فعل : { يخرصون } من معنى التقدير والتأمل . ~~PageV08P027 # والخرص : الظن الناشىء عن وجدان في النفس مستند إلى تقريب ، ولا يستند ~~إلى دليل يشترك العقلاء فيه ، وهو يرادف : الحزر ، والتخمين ، ومنه خرص ~~النخل والكرم ، أي تقدير ما فيه من الثمرة ms2795 بحسب ما يجده الناظر فيما تعوده ~~. وإطلاق الخرص على ظنونهم الباطلة في غاية الرشاقة لأنها ظنون لا دليل ~~عليها غير ما حسن لظانيها . ومن المفسرين وأهل اللغة من فسر الخرص بالكذب ، ~~وهو تفسير قاصر ، نظر أصحابه إلى حاصل ما يفيده السياق في نحو هذه الآية ، ~~ونحو قوله : { قتل الخراصون } ( الذاريات : 10 ) ؛ وليس السياق لوصف أكثر ~~من في الأرض بأنهم كاذبون ، بل لوصمهم بأنهم يأخذون الإعتقاد من الدلائل ~~الوهمية ، فالخرص ما كان غير علم ، قال تعالى : { ما لهم بذلك من علم إن هم ~~إلا يخرصون } ( الزخرف : 20 ) ، ولو أريد وصفهم بالكذب لكان لفظ ( يكذبون ) ~~أصرح من لفظ { يخرصون } . # واعلم أن السياق اقتضى ذم الاستدلال بالخرص ، لأنه حزر وتخمين لا ينضبط ، ~~ويعارضه ما ورد عن عتاب بن أسيد قال : ( أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن يخرص العنب كما يخرص التمر ) . فأخذ به مالك ، والشافعي ، ومحمله على ~~الرخصة تيسيرا على أرباب النخيل والكروم لينتفعوا بأكل ثمارهم رطبة ، فتؤخذ ~~الزكاة منهم على ما يقدره الخرص ، وكذلك في قسمة الثمار بين الشركاء ، ~~وكذلك في العرية يشتريها المعري ممن أعراه ، وخالف أبو حنيفة في ذلك وجعل ~~حديث عتاب منسوخا . # # | 2 ( 117 ) { إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين } . ) ~~2 # تعليل لقوله : { وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك } ( الأنعام : 116 ) لأن ~~مضمونه التحذير من نزغاتهم وتوقع التضليل منهم وهو يقتضي أن المسلمين ~~يريدون الاهتداء ، فليجتنبوا الضالين ، وليهتدوا بالله الذي يهديهم . وكذلك ~~شأن ( إن ) إذا جاءت في خبر لا يحتاج لرد الشك أو الإنكار : أن تفيد تأكيد ~~PageV08P028 الخبر ووصله بالذي قبله ، بحيث تغني غناء فاء التفريع ، وتفيد ~~التعليل ، ولما اشتملت الآيات المتقدمة على بيان ضلال الضالين ، وهدى ~~المهتدين ، كان قوله : { إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم ~~بالمهتدين } تذييلا لجميع تلك الأغراض . # وتعريف المسند إليه بالإضافة في قوله : { إن ربك } لتشريف المضاف إليه ، ~~وإظهار أن هدي الرسول عليه الصلاة والسلام هو الهدى ، وأن الذين أخبر عنهم ~~بأنهم مضلون ms2796 لا حظ لهم في الهدى لأنهم لم يتخذوا الله ربا لهم . وقد قال ~~أبو سفيان يوم أحد : ( لنا العزى ولا عزى لكم فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أجيبوه قولوا : ( الله مولانا ولا مولى لكم ) . # و { أعلم } اسم تفضيل للدلالة على أن الله لا يعزب عن علمه أحد من ~~الضالين ، ولا أحد من المهتدين ، وأن غير الله قد يعلم بعض المهتدين وبعض ~~المضلين ، ويفوته علم كثير من الفريقين ، وتخفى عليه دخيلة بعض الفريقين . # والضمير في قوله : { هو أعلم } ضمير الفصل ، لإفادة قصر المسند على ~~المسند إليه ، فالأعلمية بالضالين والمهتدين مقصورة على الله تعالى ، لا ~~يشاركه فيها غيره ، ووجه هذا القصر أن الناس لا يشكون في أن علمهم بالضالين ~~والمهتدين علم قاصر ، لأن كل أحد إذا علم بعض أحوال الناس تخفى عليهم أحوال ~~كثير من الناس ، وكلهم يعلم قصور علمه ، ويتحقق أن ثمة من هو أعلم من ~~العالم منهم ، لكن المشركين يحسبون أن الأعلمية وصف لله تعالى ولآلهتهم ، ~~فنفي بالقصر أن يكون أحد يشارك الله في وصف الأعلمية المطلقة . # و { من } موصولة ، وإعرابها نصب بنزع الخافض وهو الباء ، كما دل عليه ~~وجود الباء في قوله : { وهو أعلم بالمهتدين } لأن أفعل التفضيل PageV08P029 ~~لا ينصب بنفسه مفعولا به لضعف شبهه بالفعل ، بل إنما يتعدى إلى المفعول ~~بالباء أو باللام أو بإلى ، ونصبه المفعول نادر ، وحقه هنا أن يعدى بالباء ~~، فحذفت الباء ايجاز حذف ، تعويلا على القرينة . وإنما حذف الحرف من الجملة ~~الأولى ، وأظهر في الثانية ، دون العكس ، مع أن شأن القرينة أن تتقدم ، لأن ~~أفعل التفضيل يضاف إلى جمعع يكون المفضل واحدا منهم ، نحو : هو أعلم ~~العلماء وأكرم الأسخياء ، فلما كان المنصوبانن فيهما غير ظاهر عليهما ~~الإعراب ، يلتبس المفعول بالمضاف إليه ، وذلك غير ملتبس في الجملة الأولى ، ~~لأن الصلة فيها دالة على أن المراد أن الله أعلم بهم ، فلا يتوهم أن يكون ~~المعنى : الله أعلم الضالين عن سبيله ، أي أعلم عالمم منهم ، إذ لا يخطر ~~ببال سامع أن يقال : فلان أعلم الجاهلين ms2797 ، لأنه كلام متناقض ، فإن الضلال ~~جهالة ، ففساد المعنى يكون قرينة على إرادة المعنى المستقيم ، وذلك من ~~أنواع القرينة الحالية ، بخلاف ما لو قال : وهو أعلم المهتدين ، فقد يتوهم ~~السامع أن المراد أن الله أعلم المهتدين ، أي أقوى المهتدين علما ، لأن ~~الاهتداء من العلم . هذا ما لاح لي في نكتة تجريد قوله : { هو أعلم من يضل ~~عن سبيله } من حرف الجر الذي يتعدى به { أعلم } . # # | 2 ( 118 ) { فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين } . ) ~~2 # هذا تخلص من محاجة المشركين وبيان ضلالهم ، المذيل بقوله : { إن ربك هو ~~أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين } ( الأنعام : 117 ) . انتقل ~~الكلام من ذلك إلى تبيين شرائع هدى للمهتدين ، وإبطالل شرائع شرعها المضلون ~~، تبيينا يزيل التشابه والاختلاط . ولذلك خللت الأحكام المشروعة للمسلمين ، ~~بأضدادها التي كان شرعها المشركون وسلفهم . # وما تشعر به الفاء من التفريع يقضي باتصال هذه الجملة بالتي قبلها ، ووجه ~~ذلك : أن قوله تعالى : { وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن PageV08P030 ~~سبيل الله } ( الأنعام : 116 ) تضمن إبطال ما ألقاه المشركون من الشبهة على ~~المسلمين : في تحريم الميتة ، إذ قالوا للنبيء صلى الله عليه وسلم ( تزعم ~~أن ما قتلت أنت وأصحابك وما قتل الكلب والصقر حلال أكله ، وأن ما قتل الله ~~حرام ) وأن ذلك مما شمله قوله تعالى : { وإن هم إلا يخرصون } ( الأنعام : ~~116 ) ، فلما نهى الله عن اتباعهم ، وسمى شرائعهم خرصا ، فرع عليه هنا ~~الأمر بأكل ما ذكر اسم الله عليه ، أي عند قتله ، أي ما نحر أو ذبح وذكر ~~اسم الله عليه ، والنهي عن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه ، ومنه الميتة ، ~~فإن الميتة لا يذكر اسم الله عليها ، ولذلك عقبت هذه الآية بآية : { وإن ~~الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون } ( ~~الأنعام : 121 ) . فتبين أن الفاء للتفريع على معلوم من المراد من الآية ~~السابقة . # والأمر في قوله : { فكلوا } للإباحة . ولما لم يكن يخطر ببال أحد أن ما ~~ذكر اسم الله عليه يحرم أكله ، لأن ms2798 هذا لم يكن معروفا عند المسلمين ، ولا ~~عند المشركين ، علم أن المقصود من الإباحة ليس رفع الحرج ، ولكن بيان ما هو ~~المباح ، وتمييزه عن ضده من الميتة وما ذبح على النصب . والخطاب للمسلمين . # وقوله : { مما ذكر اسم الله عليه } دل على أن الموصول صادق على الذبيحة ، ~~لأن العرب كانوا يذكرون عند الذبح أو النحر اسم المقصود بتلك الذكاة ، ~~يجهرون بذكر اسمه ، ولذلك قيل فيه : أهل به لغير الله ، أي أعلن . والمعنى ~~كلوا المذكى ولا تأكلوا الميتة . فما ذكر اسم الله عليه كناية عن المذبوح ~~لأن التسمية إنما تكون عند الذبح . # وتعليق فعل الإباحة بما ذكر اسم الله عليه ؛ أفهم أن غير ما ذكر اسم الله ~~عليه لا يأكله المسلمون ، وهذا الغير يساوي معناه معنى ما ذكر اسم غير الله ~~عليه ، لأن عادتهم أن لا يذبحوا ذبيحة إلا ذكروا عليها اسم الله ، إن كانت ~~هديا في الحج ، أو ذبيحة للكعبة ، وإن كانت قربانا للأصنام PageV08P031 أو ~~للجن ذكروا عليها اسم المتقرب إليه . فصار قوله : { فكلوا مما ذكر اسم الله ~~عليه } مفيدا النهي عن أكل ما ذكر اسم غير الله عليه ، والنهي عما لم يذكر ~~عليه اسم الله ولا اسم غير الله ، لأن ترك ذكر اسم الله بينهم لا يكون إلا ~~لقصد تجنب ذكره . # وعلم من ذلك أيضا النهي عن أكل الميتة ونحوها ، مما لم تقصد ذكاته ، لأن ~~ذكر اسم الله أو اسم غيره إنما يكون عند إرادة ذبح الحيوان . كما هو معروف ~~لديهم ، فدلت هذه الجملة على تعيين أكل ما ذكي دون الميتة ، بناء على عرف ~~المسلمين لأن النهي موجه إليهم . ومما يؤيد ذلك : ما في ( الكشاف ) ، أن ~~الفقهاء تأولوا قوله الآتي : ( ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ) ~~بأنه أراد به الميتة ، وبناء على فهم أن يكون قد ذكر اسم الله عليه عند ~~ذكاته دون ما ذكر عليه اسم غير الله ، أخذا من مقام الإباحة والاقتصار فيه ~~على هذا دون غيره ، وليس في الآية صيغة قصر ، ولا مفهوم مخالفة ، ولكن ms2799 ~~بعضها من دلالة صريح اللفظ ، وبعضها من سياقه ، وهذه الدلالة الأخيرة من ~~مستتبعات التراكيب المستفادة بالعقل التي لا توصف بحقيقة ولا مجاز . وبهذا ~~يعلم أن لا علاقة للآية بحكم نسيان التسمية عند الذبح ، فإن تلك مسألة أخرى ~~لها أدلتها وليس من شأن التشريع القرآني التعرض للأحوال النادرة . # و ( على ) للاستعلاء المجازي ، تدل على شدة اتصال فعل الذكر بذات الذبيحة ~~، بمعنى أن يذكر اسم الله عليها عند مباشرة الذبح لا قبله أو بعده . # وقوله : { إن كنتم بآياته مؤمنين } تقييد للاقتصار المفهوم : من فعل ~~الإباحة ، وتعليقق المجرور به ، وهو تحريض على التزام ذلك ، وعدم التساهل ~~فيه ، حتى جعل من علامات كون فاعله مؤمنا ، وذلك حيث كان شعار أهل الشرك ~~ذكر اسم غير الله على معظم الذبائح . PageV08P032 # فأما ترك التسمية : فإن كان لقصد تجنب ذكر اسم الله فهو مساو لذكر اسم ~~غير الله ، وإن كان لسهو فحكمه يعرف من أدلة غير هذه الآية ، منها قوله ~~تعالى : { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا } ( البقرة : 286 ) وأدلة أخرى من كلام ~~النبيء صلى الله عليه وسلم # # | 2 ( 119 ) { وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما ~~حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك ~~هو أعلم بالمعتدين } . ) 2 # { وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم ~~إلا ما اضطررتم إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم ~~بالمعتدين } . # عطف على قوله : { فكلوا مما ذكر اسم الله عليه } ( الأنعام : 118 ) . ~~والخطاب للمسلمين . # و { ما } للاستفهام ، وهو مستعمل في معنى النفي : أي لا يثبت لكم عدم ~~الأكل مما ذكر اسم الله عليه ، أي كلوا مما ذكر اسم الله عليه . واللام ~~للاختصاص ، وهي ظرف مستقر خبر عن ( ما ) ، أي ما استقر لكم . # و { أن لا تأكلوا } مجرور ب ( في ) محذوفة . مع ( أن ) . وهي متعلقة بما ~~في الخبر من معنى الاستقرار ، وتقدم بيان مثل هذا التركيب عند قوله تعالى : ~~{ قالوا ms2800 وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله في سورة البقرة ( 246 ) . # ولم يفصح أحد من المفسرين عن وجه عطف هذا على ما قبله ، ولا عن الداعي ~~إلى هذا الخطاب ، سوى ما نقله الخفاجي في حاشية التفسير } عمن لقبه علم ~~الهدى ولعله عنى به الشريف المرتضى : أن سبب نزول هذه الآية أن المسلمين ~~كانوا يتحرجون من أكل الطيبات ، تقشفا وتزهدا اه ، ولعله يريد تزهدا عن أكل ~~اللحم ، فيكون قوله تعالى : { وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه } ~~استطرادا بمناسبة قوله قبله : { فكلوا مما ذكر اسم الله عليه } ( الأنعام : ~~118 ) ، وهذا يقتضي أن الاستفهام مستعمل في اللوم ، ولا أحسب PageV08P033 ~~ما قاله هذا الملقب بعلم الهدى صحيحا ولا سند له أصلا . قال الطبري : ولا ~~نعلم أحدا من سلف هذه الأمة كف عن أكل ما أحل الله من الذبائح . # والوجه عندي أن سبب نزول هذه الآية ما تقدم آنفا من أن المشركين قالوا ~~للنبيء صلى الله عليه وسلم وللمسلمين ، لما حرم الله أكل الميتة : ( أنأكل ~~ما نقتل ولا نأكل ما يقتل الله ) يعنون الميتة ، فوقع في أنفس بعض المسلمين ~~شيء ، فأنزل الله { وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه } أي فأنبأهم ~~الله بإبطال قياس المشركين المموه بأن الميتة أولى بالأكل مما قتله الذابح ~~بيده ، فأبدى الله للناس الفرق بين الميتة والمذكى ، بأن المذكى ذكر اسم ~~الله عليه ، والميتة لا يذكر اسم الله عليها ، وهو فارق مؤثر . وأعرض عن ~~محاجة المشركين لأن الخطاب مسوق إلى المسلمين لإبطال محاجة المشركين فآل ~~إلى الرد على المشركين بطريق التعريض . وهو من قبيل قوله في الرد على ~~المشركين ، في قولهم : { إنما البيع مثل الربا } ( البقرة : 275 ) ، إذ قال ~~: { وأحل الله البيع وحرم الربا } ( البقرة : 275 ) كما تقدم هنالك ، ~~فينقلب معنى الاستفهام في قوله : { وما لكم أن لا تأكلوا } إلى معنى : لا ~~يسول لكم المشركون أكل الميتة ، لأنكم تأكلون ما ذكر اسم الله عليه ، هذا ~~ما قالوه وهو تأويل بعيد عن موقع الآية . # وقوله : { وقد فصل ms2801 لكم ما حرم عليكم } جملة في موضع الحال مبينة لما ~~قبلها ، أي لا يصدكم شيء من كل ما أحل الله لكم ، لأن الله قد فصل لكم ما ~~حرم عليكم فلا تعدوه إلى غيره . فظاهر هذا أن الله قد بين لهم ، من قبل ، ~~ما حرمه عليهم من المأكولات ، فلعل ذلك كان بوحي غير القرآن ، ولا يصح أن ~~يكون المراد ما في آخر هذه السورة من قوله : { قل لا أجد فيما أوحي إلي ~~محرما } ( الأنعام : 145 ) الآية ، لأن هذه السورة نزلت جملة واحدة على ~~الصحيح ، كما تقدم في ديباجة تفسيرها ، فذلك يناكد أن يكون المتأخر في ~~التلاوة متقدما نزوله ، ولا أن يكون المراد ما في PageV08P034 سورة المائدة ~~( 3 ) في قوله : { حرمت عليكم الميتة لأن سورة المائدة مدنية بالاتفاق ، ~~وسورة الأنعام هذه مكية بالاتفاق . # وقوله : إلا ما اضطررتم إليه } استثناء من عائد الموصول ، وهو الضمير ~~المنصوب ب { حرم } ، المحذوف لكثرة الاستعمال ، و { ما } موصولة ، أي إلا ~~الذي اضطررتم إليه ، فإن المحرمات أنواع استثني منها ما يضطر إليه من ~~أفرادها فيصير حلالا . فهو استثناء متصل من غير احتياج إلى جعل { ما } في ~~قوله : { ما اضطررتم } مصدرية . # وقرأ نافع ، وحمزة ، والكسائي ، وعاصم ، وأبو جعفر ، وخلف : { وقد فصل } ~~ببناء الفعل للفاعل . وقرأه ابن كثير ، وأبو عمرو ، وابن عامر بالبناء ~~للمجهول . وقرأ نافع ، وحفص عن عاصم ، وأبو جعفر : { ما حرم } بالبناء ~~للفاعل ، وقرأه الباقون : بالبناء للمجهول . والمعنى في القراءات فيهما ~~واحد . # والاضطرار تقدم بيانه في سورة المائدة . # { وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين } . # تحذير من التشبه بالمشركين في تحريم بعض الأنعام على بعض أصناف الناس . ~~وهو عطف على جملة : { وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه } ، ويجوز ~~أن يكون الواو للحال ، فيكون الكلام تعريضا بالحذر من أن يكونوا من جملة من ~~يضلهم أهل الأهواء بغير علم . # وقرأ نافع ، وابن كثير ، وأبو عمرو ، وابن عامر ، ويعقوب : { ليضلون } ~~بفتح الياء على أنهم ضالون في أنفسهم ، وقرأه عاصم ، PageV08P035 وحمزة ، ~~والكسائي ، وخلف : بضم الياء ms2802 على معنى أنهم يضللون الناس ، والمعنى واحد ، ~~لأن الضال من شأنه أن يضل غيره ، ولأن المضل لا يكون في الغالب إلا ضالا ، ~~إلا إذا قصد التغرير بغيره . والمقصود التحذير منهم وذلك حاصل على ~~القراءتين . # والباء في { بأهوائهم } للسببية على القراءتين . والباء في { بغير علم } ~~للملابسة ، أي يضلون منقادين للهوى ، ملابسين لعدم العلم . والمراد بالعلم ~~: الجزم المطابق للواقع عن دليل ، وهذا كقوله تعالى : { إن يتبعون إلا الظن ~~وإن هم إلا يخرصون } ( الأنعام : 116 ) . ومن هؤلاء قادة المشركين في ~~القديم ، مثل عمرو بن لحي ، أولل من سن لهم عبادة الأصنام وبحر البحيرة ~~وسيب السائبة وحمى الحامي ، ومن بعده مثل الذين قالوا : ( ما قتل الله أولى ~~بأن نأكله مما قتلنا بأيدينا ) . # وقوله : { إن ربك هو أعلم بالمعتدين } تذييل ، وفيه إعلام للرسول صلى ~~الله عليه وسلم بتوعد الله هؤلاء الضالين المضلين ، فالإخبار بعلم الله بهم ~~كناية عن أخذه إياهم بالعقوبة وأنه لا يفلتهم ، لأن كونه عالما بهم لا ~~يحتاج إلى الإخبار به . وهو وعيد لهم أيضا ، لأنهم يسمعون القرآن ويقرأ ~~عليهم حين الدعوة . وذكر المعتدين ، عقب ذكر الضالين ، قرينة على أنهم ~~المراد وإلا لم يكن لانتظام الكلام مناسبة ، فكأنه قال : إن ربك هو أعلم ~~بهم وهم معتدون ، وسماهم الله معتدين . والاعتداء : الظلم ، لأنهم تقلدوا ~~الضلال من دون حجة ولا نظر ، فكانوا معتدين على أنفسهم ، ومعتدين على كل من ~~دعوه إلى موافقتهم . PageV08P036 وقد أشار هذا إلى أن كل من تكلم في الدين ~~بما لا يعلمه ، أو دعا الناس إلى شيء لا يعلم أنه حق أو باطل ، فهو معتد ~~ظالم لنفسه وللناس ، وكذلك كل ما أفتى وليس هو بكفء للإفتاء . # # | 2 ( 120 ) { وذروا ظاهر الإثم وباطنه إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما ~~كانوا يقترفون } . ) 2 # { وذروا ظاهر الإثم وباطنه إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا ~~يقترفون } . # جملة معترضة ، والواو اعتراضية ، والمعنى : إن أردتم الزهد والتقرب إلى ~~الله فتقربوا إليه بترك الإثم ، لا بترك المباح . وهذا في معنى قوله تعالى ~~: { ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل ms2803 المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله } ~~( البقرة : 177 ) الآية . # وتقدم القول على فعل ( ذر ) عند قوله تعالى : { وذر الذين اتخذوا دينهم ~~لعبا ولهوا . في هذه السورة ( 70 ) . والإثم تقدم الكلام عليه عند قوله ~~تعالى : قل فيهما إثم كبير في سورة البقرة ( 219 ) . # والتعريف في الإثم : تعريف الاستغراق ، لأنه في المعنى تعريف للظاهر ~~وللباطن منه ، والمقصود من هذين الوصفين تعميم أفراد الإثم لانحصارها في ~~هذين الوصفين ، كما يقال : المشرق والمغرب والبر والبحر ، لقصد استغراق ~~الجهات . # وظاهر الإثم ما يراه الناس ، وباطنه ما لا يطلع عليه الناس ويقع في السر ~~، وقد استوعب هذا الأمر ترك جميع المعاصي . وقد كان كثير من العرب يراءون ~~الناس بعمل الخير ، فإذا خلوا ارتكبوا الآثام ، وفي بعضهم جاء قوله تعالى : ~~ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ~~ألد الخصام وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا ~~يحب الفساد وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس ~~المهاد } ( البقرة : 204 ، 206 . PageV08P037 # { إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون } . # تعليل للأمر بترك الإثم ، وإنذار وإعذار للمأمورين ، ولذلك أكد الخبر ب ( ~~إن ) ، وهي في مثل هذا المقام ، أي مقام تعقيب الأمر أو الإخبار تفيد معنى ~~التعليل ، وتغني عن الفاء ، ومثالها المشهور قول بشار : # إن ذاك النجاح في التبكير # وإظهار لفظ الإثم في مقام إضماره إذ لم يقل : إن الذين يكسبونه لزيادة ~~التنديد بالإثم ، وليستقر في ذهن السامع أكمل استقرار ، ولتكون الجملة ~~مستقلة فتسير مسير الأمثال والحكم . وحرف السين ، الموضوع للخبر المستقبل ، ~~مستعمل هنا في تحقق الوقوع واستمراره . # ولما جاء في المذنبين فعل يكسبون المتعدي إلى الإثم ، جاء في صلة جزائهم ~~بفعل ( يقترفون ) ، لأن الاقتراف إذا أطلق فالمراد به اكتساب الإثم كما ~~تقدم آنفا في قوله تعالى : { وليقترفوا ما هم مقترفون } ( الأنعام : 113 ) ~~. # $ 2 ( 121 ) { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن ~~الشياطين ليوحون إلى & # 1764 ا أوليآئهم ليجادلوكم ms2804 وإن أطعتموهم إنكم لمشركون } . ) 2 $ # جملة : { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه } معطوفة على جملة : { ~~فكلوا مما ذكر اسم الله عليه } ( الأنعام : 118 ) . PageV08P038 # و ( ما ) في قوله : { مما لم يذكر اسم الله عليه } موصولة ، وما صدق ~~الموصول هنا : ذكي ، بقرينة السابق الذي ما صدقه ذلك بقرينة المقام . ولما ~~كانت الآية السابقة قد أفادت إباحة أكل ما ذكر اسم الله عليه ، وأفهمت ~~النهي عما لم يذكر اسم الله عليه ، وهو الميتة ، وتم الحكم في شأن أكل ~~الميتة والتفرقة بينها وبين ما ذكي وذكر اسم الله عليه ، ففي هذه الآية ~~أفيد النهي والتحذير من أكل ما ذكر اسم غير الله عليه . فمعنى : { لم يذكر ~~اسم الله عليه } : أنه ترك ذكر اسم الله عليه قصدا وتجنبا لذكره عليه ، ولا ~~يكون ذلك إلا لقصد أن لا يكون الذبح لله ، وهو يساوي كونه لغير الله ، إذ ~~لا واسطة عندهم في الذكاة بين أن يذكروا اسم الله أو يذكروا اسم غير الله ، ~~كما تقدم بيانه عند قوله : { فكلوا مما ذكر اسم الله عليه } ( الأنعام : ~~118 ) . ومما يرشح أن هذا هو المقصود قوله هنا : { وإنه لفسق } وقوله في ~~الآية الآتية : { أو فسقا أهل لغير الله به } ( الأنعام : 145 ) ، فعلم أن ~~الموصوف بالفسق هنا : هو الذي وصف به هنالك ، وقيد هنالك بأنه أهل لغير ~~الله به ، وبقرينة تعقيبه بقوله : { وإن أطعتموهم إنكم لمشركون } لأن الشرك ~~إنما يكون بذكر أسماء الأصنام على المذكى ، ولا يكون بترك التسمية . # وربما كان المشركون في تحيلهم على المسلمين في أمر الذكاة يقتنعون بأن ~~يسألوهم ترك التسمية ، بحيث لا يسمون الله ولا يسمون للأصنام ، فيكون ~~المقصود من الآية : تحذير المسلمين من هذا الترك المقصود به التمويه ، وأن ~~يسمى على الذبائح غير أسماء آلهتهم . # فإن اعتددنا بالمقصد والسياق ، كان اسم الموصول مرادا به شيء معين ، لم ~~يذكر اسم الله عليه ، فكان حكمها قاصرا على ذلك المعين ، ولا تتعلق بها ~~مسألة وجوب التسمية في الذكاة ، ولا كونها شرطا أو غير شرط بله حكم نسيانها ms2805 ~~. وإن جعلنا هذا المقصد بمنزلة سبب للنزول ، واعتددنا بالموصول صادقا على ~~كل ما لم يذكر اسم الله عليه ، كانت الآية من العام PageV08P039 الوارد على ~~سبب خاص ، فلا يخص بصورة السبب ، وإلى هذا الاعتبار مال جمهور الفقهاء ~~المختلفين في حكم التسمية على الذبيحة . # وهي مسألة مختلف فيها بين الفقهاء على أقوال : أحدها : أن المسلم إن نسي ~~التسمية على الذبح تؤكل ذبيحته ، وإن تعمد ترك التسمية استخفافا أو تجنبا ~~لها لم تؤكل ( وهذا مثل ما يفعله بعض الزنوج من المسلمين في تونس وبعض بلاد ~~الإسلام الذين يزعمون أن الجن تمتلكهم ، فيتفادون من أضرارها بقرابين ~~يذبحونها للجن ولا يسمون اسم الله عليها ، لأنهم يزعمون أن الجن تنفر من ~~اسم الله تعالى خيفة منه ، ( وهذا متفش بينهم في تونس ومصر ) فهذه ذبيحة لا ~~تؤكل . ومستند هؤلاء ظاهر الآية مع تخصيصها أو تقييدها بغير النسيان ، ~~إعمالا لقاعدة رفع حكم النسيان عن الناس . وإن تعمد ترك التسمية لا لقصد ~~استخفاف أو تجنب ولكنه تثاقل عنها ، فقال مالك ، في المشهور ، وأبو حنيفة ، ~~وجماعة ، وهو رواية عن أحمد : لا تؤكل . ولا شك أن الجهل كالنسيان ، ولعلهم ~~استدلوا بالأخذ بالأحوط في احتمال الآية اقتصارا على ظاهر اللفظ دون معونة ~~السياق . # الثاني : قال الشافعي ، وجماعة ، ومالك ، في رواية عنه : تؤكل ، وعندي أن ~~دليل هذا القول أن التسمية تكملة للقربة ، والذكاة بعضها قربة وبعضها ليست ~~بقربة ، ولا يبلغ حكم التسمية أن يكون مفسدا للإباحة . وفي ( الكشاف ) أنهم ~~تأولوا ما لم يذكر اسم الله عليه بأنه الميتة خاصة ، وبما ذكر غير اسم الله ~~عليه . وفي ( أحكام القرآن ) لابن العربي ، عن إمام الحرمين : ذكر الله ~~إنما شرع في القرب ، والذبح ليس بقربة . وظاهر أن العامد آثم وأن المستخف ~~أشد إثما . وأما تعمد ترك التسمية لأجل إرضاء غير الله فحكمه حكم من سمى ~~لغير الله تعالى . وقيل : إن ترك التسمية عمدا يكره أكلها ، قاله أبو الحسن ~~بن القصار ، وأبو بكر الأبهري من المالكية . ولا يعد هذا خلافا ، ولكنه ~~بيان لقول مالك في إحدى الروايتين ms2806 . وقال أشهب ، والطبري : PageV08P040 ~~تؤكل ذبيحة تارك التسمية عمدا ، إذا لم يتركها مستخفا . وقال عبد الله بن ~~عمر ، وابن سيرين ، ونافع ، وأحمد بن حنبل ، وداود : لا تؤكل إذا لم يسم ~~عليها عمدا أو نسيانا ، أخذا بظاهر الآية ، دون تأمل في المقصد والسياق . # وأرجح الأقوال : هو قول الشافعي . والرواية الأخرى عن مالك ، إن تعمد ترك ~~التسميه تؤكل ، وأن الآية لم يقصد منها إلا تحريم ما أهل به لغير الله ~~بالقرائن الكثيرة التي ذكرناها آنفا ، وقد يكون تارك التسمية عمدا آثما ، ~~إلا أن إثمه لا يبطل ذكاته ، كالصلاة في الأرض المغصوبة عند غير أحمد . # وجملة : { وإنه لفسق } معطوفة على جملة { ولا تأكلوا } عطف الخبر على ~~الإنشاء ، على رأي المحققين في جوازه ، وهو الحق ، لا سيما إذا كان العطف ~~بالواو ، وقد أجاز عطف الخبر على الإنشاء بالواو بعض من منعه بغير الواو ، ~~وهو قول أبي علي الفارسي ، واحتج بهذه الآية كما في ( مغنى اللبيب ) . وقد ~~جعلها الرازي وجماعة : حالا { مما لم يذكر اسم الله عليه } بناء على منع ~~عطف الخبر على الإنشاء . # والضمير في قوله : { وإنه لفسق } يعود على { مما لم يذكر اسم الله عليه } ~~والإخبار عنه بالمصدر وهو { فسق } مبالغة في وصف الفعل ، وهو ذكر اسم غير ~~الله ، بالفسق حتى تجاوز الفسق صفة الفعل أن صار صفة المفعول فهو من المصدر ~~المراد به اسم المفعول : كالخلق بمعنى المخلوق ، وهذا نظير جعله فسقا في ~~قوله بعد : { أو فسقا أهل لغير الله به } ( الأنعام : 145 ) . والتأكيد بإن ~~: لزيادة التقرير ، وجعل في ( الكشاف ) الضمير عائدا إلى الأكل المأخوذ من ~~{ ولا تأكلوا } ، أي وإن أكله لفسق . # وقوله : { وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجدلوكم } عطف على : { وإنه ~~لفسق } ، أي : واحذروا جدل أولياء الشياطين في ذلك ، والمراد PageV08P041 ~~بأولياء الشياطين : المشركون ، وهم المشار إليهم بقوله ، فيما مر : { يوحي ~~بعضهم إلى بعض } ( الأنعام : 112 ) وقد تقدم بيانه . # والمجادلة المنازعة بالقول للإقناع بالرأي ، وتقدم بيانها عند قوله تعالى ~~: { ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم في سورة النساء ( 107 ) ، والمراد ~~هنا المجادلة في ms2807 إبطال أحكام الإسلام وتحبيب الكفر وشعائره ، مثل قولهم : ~~كيف نأكل ما نقتل بأيدينا ولا نأكل ما قتله الله . # وقوله : وإن أطعتموهم إنكم لمشركون } حذف متعلق { أطعتموهم } لدلالة ~~المقام عليه ، أي : إن أطعتموهم فيما يجادلونكم فيه ، وهو الطعن في الإسلام ~~، والشك في صحة أحكامه . وجملة : { إنكم لمشركون } جواب الشرط . وتأكيد ~~الخبر بإن لتحقيق التحاقهم بالمشركين إذا أطاعوا الشياطين ، وإن لم يدعوا ~~لله شركاء ، لأن تخطئة أحكام الإسلام تساوي الشرك ، فلذلك احتيج إلى ~~التأكيد ، أو أراد : إنكم لصائرون إلى الشرك ، فإن الشياطين تستدرجكم ~~بالمجادلة حتى يبلغوا بكم إلى الشرك ، فيكون اسم الفاعل مرادا به الاستقبال ~~. وليس المعنى : إن أطعتموهم في الإشراك بالله فأشركتم بالله إنكم لمشركون ~~، لأنه لو كان كذلك لم يكن لتأكيد الخبر سبب ، بل ولا للإخبار بأنهم مشركون ~~فائدة . # وجملة : { إنكم لمشركون } جواب الشرط ، ولم يقترن بالفاء لأن الشرط إذا ~~كان مضافا يحسن في جوابه التجريد عن الفاء ، قاله أبو البقاء العكبري ، ~~وتبعه البيضاوي ، لأن تأثير الشرط الماضي في جزائه ضعيف ، فكما جاز رفع ~~الجزاء وهو مضارع ، إذا كان شرطه ماضيا ، كذلك جاز كونه جملة اسمية غير ~~مقترنة بالفاء . على أن كثيرا من محققي النحويين يجيز حذف فاء الجواب في ~~غير الضرورة ، فقد أجازه المبرد وابن مالك PageV08P042 في شرحه على ( مشكل ~~الجامع الصحيح ) . وجعل منه قوله صلى الله عليه وسلم ( إنك إن تدع ورثتك ~~أغنياء خير من أن تدعهم عالة ) على رواية إن بكسر الهمزة دون رواية فتح ~~الهمزة . # # | 2 ( 122 ) { أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به فى الناس ~~كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون } . ~~) 2 # الواو في قوله : { أو من كان ميتا } عاطفة لجملة الاستفهام على جملة : { ~~وإن أطعتموهم إنكم لمشركون } ( الأنعام : 121 ) لتضمن قوله : { وإن ~~أطعتموهم } أن المجادلة ، المذكورة من قبل ، مجادلة في الدين : بتحسين ~~أحوال أهل الشرك وتقبيح أحكام الإسلام التي منها : تحريم الميتة ، وتحريم ~~ما ذكر اسم غير الله عليه . فلما حذر الله المسلمين من دسائس ms2808 أولياء ~~الشياطين ومجادلتهم بقوله : { وإن أطعتموهم إنكم لمشركون } ( الأنعام : 121 ~~) أعقب ذلك بتفظيع حال المشركين ، ووصف حسن حالة المسلمين حين فارقوا الشرك ~~، فجاء بتمثيلين للحالتين ، ونفى مساواة إحداهما للأخرى : تنبيها على سوء ~~أحوال أهل الشرك وحسنن حال أهل الإسلام . # والهمزة للاستفهام المستعمل في إنكار تماثل الحالتين : فالحالة الأولى : ~~حالة الذين أسلموا بعد أن كانوا مشركين ، وهي المشبهة بحال من كان ميتا ~~مودعا في ظلمات ، فصار حيا في نور واضحح ، وسار في الطريق الموصلة للمطلوب ~~بين الناس ، والحالة الثانية : حالة المشرك وهي المشبهة بحالة من هو في ~~الظلمات ليس بخارج منها ، لأنه في ظلمات . # وفي الكلام إيجاز حذفف ، في ثلاثة مواضع ، استغناء بالمذكور عن المحذوف : ~~فقوله : { أو من كان ميتا } معناه : أحال من كان ميتا ، أو صفة من كان ميتا ~~. PageV08P043 وقوله : { وجعلنا له نورا يمشي به في الناس } يدل على أن ~~المشبه به حال من كان ميتا في ظلمات . وقوله : كمن مثله في الظلمات تقديره ~~: كمن مثله مثل ميت فما صدق ( من ) ميت بدليل مقابلته بميت في الحالة ~~المشبهة ، فيعلم أن جزء الهيئة المشبهة هو الميت لأن المشبه والمشبه به ~~سواء في الحالة الأصلية وهي حالة كون الفريقين مشركين . ولفظ ( مثل ) بمعنى ~~حالة . ونفي المشابهة هنا معناه نفي المساواة ، ونفي المساواة كناية عن ~~تفضيل إحدى الحالتين على الأخرى تفضيلا لا يلتبس ، فذلك معنى نفي المشابهة ~~كقوله : { قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور } ( ~~الرعد : 16 ) وقوله { أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون } ( السجدة : ~~18 ) . والكاف في قوله : { كمن مثله في الظلمات } كاف التشبيه ، وهو تشبيه ~~منفي بالاستفهام الإنكاري . # والكلام جار على طريقة تمثيل حال من أسلم وتخلص من الشرك بحال من كان ~~ميتا فأحيي ، وتمثيلل حال من هو باق في الشرك بحال ميت باق في قبره . ~~فتضمنت جملة : { أو من كان ميتا } إلى آخرها تمثيل الحالة الأولى ، وجملة : ~~{ كمن مثله في الظلمات } الخ تمثيل الحالة الثانية ، فهما حالتان مشبهتان ، ~~وحالتان مشبه بهما ، وحصل بذكر كاف التشبيه ms2809 وهمزة الاستفهام الإنكاري أن ~~معنى الكلام نفي المشابهة بين من أسلم وبين من بقي في الشرك . كما حصل من ~~مجموع الجملتين : أن في نظم الكلام تشبيهين مركبين . # ولكن وجود كاف التشبيه في قوله : { كمن مثله } مع عدم التصريح بذكر ~~المشبهين في التركيبين أثارا شبهة : في اعتبار هذين التشبيهين أهو من قبيل ~~التشبيه التمثيلي ، أم من قبيل الاستعارة التمثيلية ؛ فنحا PageV08P044 ~~القطب الرازي في ( شرح الكشاف ) القبيل الأول ، ونحا التفتزاني القبيل ~~الثاني ، والأظهر ما نحاه التفتزاني : أنهما استعارتان تمثيليتان ، وأما ~~كاف التشبيه فهو متوجه إلى المشابهة المنفية في مجموع الجملتين لا إلى ~~مشابهة الحالين بالحالين ، فمورد كاف التشبيه غير مورد تمثيل الحالين . ~~وبين الاعتبارين بون خفي . # والمراد : ب { الظلمات } ظلمة القبر لمناسبته للميت ، وبقرينة ظاهر { في ~~} من حقيقة الظرفية وظاهر حقيقة فعل الخروج . # ولقد جاء التشبيه بديعا : إذ جعل حال المسلم ، بعد أن صار إلى الإسلام ، ~~بحال من كان عديم الخير ، عديم الإفادة كالميت ، فإن الشرك يحول دون ~~التمييز بين الحق والباطل ، ويصرف صاحبه عن السعي إلى ما فيه خيره ونجاته ، ~~وهو في ظلمة لو أفاق لم يعرف أين ينصرف ، فإذا هداه الله إلى الإسلام تغير ~~حاله فصار يميز بين الحق والباطل ، ويعلم الصالح من الفاسد ، فصار كالحي ~~وصار يسعى إلى ما فيه الصلاح ، ويتنكب عن سبيل الفساد ، فصار في نور يمشي ~~به في الناس . وقد تبين بهذا التمثيل تفضيل أهل استقامة العقول على أضدادهم ~~. # والباء في قوله : { يمشي به } باء السببية . والناس المصرح به في الهيئة ~~المشبه بها هم الأحياء الذين لا يخلو عنهم المجتمع الإنساني . والناس ~~المقدر في الهيئة المشبهة هم رفقاء المسلم من المسلمين . وقد جاء المركب ~~التمثيلي تاما صالحا لاعتبار تشبيه الهيئة بالهيئة ، ولاعتبار تشبيه كل جزء ~~من أجزاء الهيئة المشبهة بجزء من أجزاء الهيئة المشبه بها ، كما قد علمته ~~وذلك أعلى التمثيل . # وجملة : { ليس بخارج منها } حال من الضمير المجرور بإضافة ( مثل ) ، أي ~~ظلمات لا يرجى للواقع فيها تنور بنور ما دام في حالة الإشراك . PageV08P045 # وجملة : { كذلك ms2810 زين للكافرين ما كانوا يعملون } استئناف بياني ، لأن ~~التمثيل المذكور قبلها يثير في نفس السامع سؤالا ، أن يقول : كيف رضوا ~~لأنفسهم البقاء في هذه الضلالات ، وكيف لم يشعروا بالبون بين حالهم وحال ~~الذين أسلموا ؛ فإذا كانوا قبل مجيء الإسلام في غفلة عن انحطاط حالهم في ~~اعتقادهم وأعمالهم ، فكيف لما دعاهم الإسلام إلى الحق ونصب لهم الأدلة ~~والبراهين بقوا في ضلالهم لم يقلعوا عنه وهم أهل عقول وفطنة فكان حقيقا بأن ~~يبين له السبب في دوامهم على الضلال ، وهو أن ما عملوه كان تزينه لهم ~~الشياطين ، هذا التزيين العجيب ، الذي لو أراد أحد تقريبه لم يجد ضلالا ~~مزينا أوضح منه وأعجب فلا يشبه ضلالهم إلا بنفسه على حد قولهم : ( والسفاهة ~~كاسمها ) . # واسم الإشارة في قوله : { كذلك زين للكافرين } مشار به إلى التزيين ~~المأخوذ من فعل { زين } أي مثل ذلك التزيين للكافرين العجيب كيدا ودقة زين ~~لهؤلاء الكافرين أعمالهم على نحو ما تقدم في قوله تعالى : { وكذلك جعلناكم ~~أمة وسطا في سورة البقرة ( 143 ) . # وحذف فاعل التزيين فبني الفعل للمجهول : لأن المقصود وقوع التزيين لا ~~معرفة من أوقعه . والمزين شياطينهم وأولياؤهم ، كقوله : وكذلك زين لكثير من ~~المشركين قتل أولادهم شركاؤهم } ( الأنعام : 137 ) ، ولأن الشياطين من ~~الإنس هم المباشرون للتزيين ، وشياطين الجن هم المسولون المزينون . والمراد ~~بالكافرين المشركون الذين الكلام عليهم في الآيات السابقة إلى قوله : { وإن ~~الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم } ( الأنعام : 121 ) . # # | 2 ( 123 ) { وكذالك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما ~~يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون } . ) 2 # PageV08P046 # عطف على جملة : { كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون } ( الأنعام : 122 ) ~~فلها حكم الاستئناف البياني ، لبيان سبب آخر من أسباب استمرار المشركين على ~~ضلالهم ، وذلك هو مكر أكابر قريتهم بالرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين ~~وصرفهم الحيل لصد الدهماء عن متابعة دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والمشار إليه بقوله : { وكذلك } أولياء الشياطين بتأويل { كذلك } المذكور . # والمعنى : ومثل هذا الجعل الذي جعلناه لمشركي مكة جعلنا في كل قرية مضت ~~أكابر ms2811 يصدون عن الخير ، فشبه أكابر المجرمين من أهل مكة في الشرك بأكابر ~~المجرمين في أهل القرى في الأممم الأخرى ، أي أن أمر هؤلاء ليس ببدع ولا ~~خاص بأعداء هذا الدين ، فإنه سنة المجرمين مع الرسل الأولين . # فالجعل : بمعنى الخلق ووضعع السنن الكونية ، وهي سنن خلق أسباب الخير ~~وأسباب الشر في كل مجتمع ، وبخاصة القرى . # وفي هذا تنبيه على أن أهل البداوة أقرب إلى قبول الخير من أهل القرى ، ~~لأنهم لبساطة طباعهم من الفطرة السليمة ، فإذا سمعوا الخير تقبلوه ، بخلاف ~~أهل القرى ، فإنهم لتشبثهم بعوائدهم وما ألفوه ، ينفرون من كل ما يغيره ~~عليهم ، ولهذا قال الله تعالى : { وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل ~~المدينة مردوا على النفاق } ( التوبة : 101 ) فجعل النفاق في الأعراب نفاقا ~~مجردا ، والنفاق في أهل المدينة نفاقا ماردا . # وقد يكون الجعل بمعنى التصيير ، وهو تصيير خلق على صفة مخصوصة أو تصيير ~~مخلوق إلى صفة بعد أن كان في صفة أخرى ، ثم إن تصارع الخير والشر يكون ~~بمقدار غلبة أهل أحدهما على أهل الآخر ، فإذا غلب أهل الخير انقبض دعاة ~~الشر والفساد ، وإذا انعكس الأمر انبسط دعاة الشر وكثروا . PageV08P047 ومن ~~أجل ذلك لم يزل الحكماء الأقدمون يبذلون الجهد في إيجاد المدينة الفاضلة ~~التي وصفها ( أفلاطون ) في ( كتابه ) ، والتي كادت أن تتحقق صفاتها في ~~مدينة ( أثينة ) في زمن جمهوريتها ، ولكنها ما تحققت بحق إلا في مدينة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم في زمانه وزمان الخلفاء الراشدين فيها . # وقد نبه إلى هذا المعنى قوله تعالى : { وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا ~~مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا } ( الإسراء : 16 ) ~~على قراءة تشديد ميم : { أمرنا } . والأظهر في نظم الآية : أن { جعلنا } ~~بمعنى خلقنا وأوجدنا ، وهو يتعدى إلى مفعول واحد كقوله : { وجعل الظلمات ~~والنور } ( الأنعام : 1 ) فمفعوله : { أكابر مجرميها } . # وقوله : { في كل قرية } ظرف لغو متعلق ب { جعلنا } وإنما قدم على المفعول ~~مع أنه دونه في التعلق بالفعل ، لأن كون ذلك من شأن جميع القرى هو الأهم في ~~هذا الخبر ms2812 ، ليعلم أهل مكة أن حالهم جرى على سنن أهل القرى المرسل إليها . # وفي قوله : { أكبر مجرميها } إيجاز لأنه أغنى عن أن يقول جعلنا مجرمين ~~وأكابر لهم وأن أولياء الشياطين أكابر مجرمي أهل مكة ، وقوله : { ليمكروا } ~~متعلق ب { جعلنا } أي ليحصل المكر ، وفيه على هذا الاحتمال تنبيه على أن ~~مكرهم ليس بعظيم الشأن . # ويحتمل أن يكون { جعلنا } بمعنى صيرنا فيتعدى إلى مفعولين هما : { أكبر ~~مجرميها } على أن { مجرميها } المفعول الأول ، و { أكابر } مفعول ثان ، أي ~~جعلنا مجرميها أكابر ، وقدم المفعول الثاني للاهتمام به لغرابة شأنه ، لأن ~~مصير المجرمين أكابر وسادة أمر عجيب ، إذ ليسوا بأهل للسؤدد ، كما قال طفيل ~~الغنوي : PageV08P048 # لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم # ولا سراة إذا جهالهم سادوا # تهدى الأمور بأهل الرأي ما صلحت # فإن تولت فبالأشرار تنقاد # وتقديم قوله : { في كل قرية } للغرض المذكور في تقديمه للاحتمال الأول . ~~وفي هذا الاحتمال إيذان بغلبة الفساد عليهم ، وتفاقم ضره ، وإشعار بضرورة ~~خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم من تلك القرية ، وإيذان باقتراب زوال ~~سيادة المشركين إذ تولاها المجرمون لأن بقاءهم على الشرك صيرهم مجرمين بين ~~من أسلم منهم . # ولعل كلا الاحتمالين مراد من الكلام ليفرض السامعون كليهما ، وهذا من ~~ضروب إعجاز القرآن كما تقدم عند قوله تعالى : { والذين آتيناهم الكتاب ~~يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين } ( الأنعام : 114 ) . # واللام في { ليمكروا } لام التعليل ، فإن من جملة مراد الله تعالى من وضع ~~نظام وجود الصالح والفاسد ، أن يعمل الصالح للصلاح ، وأن يعمل الفاسد ~~للفساد ، والمكر من جملة الفساد ، ولام التعليل لا تقتضي الحصر ، فلله ~~تعالى في إيجاد أمثالهم حكم جمة ، منها هذه الحكمة ، فيظهر بذلك شرف الحق ~~والصلاح ويسطع نوره ، ويظهر اندحاض الباطل بين يديه بعد الصراع الطويل ؛ ~~ويجوز أن تكون اللام المسماة لام العاقبة ، وهي في التحقيق استعارة اللام ~~لمعنى فاء التفريع كالتي في قوله تعالى : { فالتقطه آل فرعون ليكون لهم ~~عدوا وحزنا } ( القصص : 8 ) . # ودخلت مكة في عموم : { كل قرية } وهي المقصود ms2813 الأول ، لأنها القرية ~~الحاضرة التي مكر فيها ، فالمقصود الخصوص . والمعنى : وكذلك جعلنا في مكة ~~أكابر مجرميها ليمكروا فيها كما جعلنا في كل قرية مثلهم ، وإنما عمم الخبر ~~لقصد تذكير المشركين في مكة بما حل بالقرى من قبلها ، مثل قرية : الحجر ، ~~وسبا ، والرس ، كقوله : { تلك القرى نقص عليك من أنبائها ولقد جاءتهم رسلهم ~~بالبينات فما كانوا ليؤمنوا } ( الأعراف : 101 ) ، PageV08P049 ولقصد تسلية ~~الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه ليس ببدع من الرسل في تكذيب قومه إياه ~~ومكرهم به ووعده بالنصر . # وقوله : { أكبر مجرميها } أكابر جمع أكبر . وأكبر اسم لعظيم القوم وسيدهم ~~، يقال : ورثوا المجد أكبر أكبر ، فليست صيغة أفعل فيه مفيدة الزيادة في ~~الكبر لا في السن ولا في الجسم ، فصار بمنزلة الاسم غير المشتق ، ولذلك جمع ~~إذا أخبر به عن جمع أو وصف به الجمع ولو كان معتبرا بمنزلة الاسم المشتق ~~لكان حقه أن يلزم الإفراد والتذكير . وجمع على أكابر ، يقال : ملوك أكابر ، ~~فوزن أكابر في الجمع فعالل مثل أفاضل جمع أفضل ، وأيامن وأشائم جمع أيمن ~~وأشأم للطير السوانح في عرف أهل الزجر والعيافة . # وأعلم أن اصطلاح النحاة في موازين الجموع في باب التكسير وفي باب ما لا ~~ينصرف أن ينظروا إلى صورة الكلمة من غير نظر إلى الحروف الأصلية والزائدة ~~بخلاف اصطلاح علماء الصرف في باب المجرد والمزيد . فهمزة أكبر تعتبر في ~~الجمع كالأصلي وهي مزيدة . # وفي قوله : { أكبر مجرميها } إيجاز لأن المعنى جعلنا في كل قرية مجرمين ~~وجعلنا لهم أكابر فلما كان وجود أكابر يقتضي وجود من دونهم استغنى بذكر ~~أكابر المجرمين . # والمكر : إيقاع الضر بالغير خفية وتحيلا ، وهو من الخداع ومن المذام ، ~~ولا يغتفر إلا في الحرب ، ويغتفر في السياسة إذا لم يمكن اتقاء الضر إلا به ~~، وأما إسناده إلى الله في قوله تعالى : { ومكر الله والله خير الماكرين } ~~( آل عمران : 54 ) فهو من المشاكلة لأن قبله { ومكروا } ( آل عمران : 54 ) ~~، أي مكروا بأهل الله ورسله . والمراد بالمكر هنا تحيل زعماء المشركين على ~~الناس في صرفهم عن النبيء ms2814 صلى الله عليه وسلم وعن متابعة الإسلام ، قال ~~مجاهد : كانوا جلسوا على كل عقبة ينفرون الناس عن اتباع النبيء صلى الله ~~عليه وسلم PageV08P050 # وقد حذف متعلق : { ليمكروا } لظهوره ، أي ليمكروا بالنبيء عليه الصلاة ~~والسلام ظنا منهم بأن صد الناس عن متابعته يضره ويحزنه ، وأنه لا يعلم بذلك ~~، ولعل هذا العمل منهم كان لما كثر المسلمون في آخر مدة إقامتهم بمكة قبيل ~~الهجرة إلى المدينة ، ولذلك قال الله تعالى : { وما يمكرون إلا بأنفسهم } ، ~~فالواو للحال ، أي هم في مكرهم ذلك إنما يضرون أنفسهم ، فأطلق المكر على ~~مآله وهو الضر ، على سبيل المجاز المرسل ، فإن غاية المكر ومآله إضرار ~~الممكور به ، فلما كان الإضرار حاصلا للماكرين دون الممكور به أطلق المكر ~~على الإضرار . # وجيء بصيغة القصر : لأن النبيء صلى الله عليه وسلم لا يلحقه أذى ولا ضر ~~من صدهم الناس عن اتباعه ، ويلحق الضر الماكرين ، في الدنيا : بعذاب القتل ~~والأسر ، وفي الآخرة : بعذاب النار ، إن لم يؤمنوا فالضر انحصر فيهم على ~~طريقة القصر الإضافي ، وهو قصر قلب . # وقوله : { وما يشعرون } جملة حال ثانية ، فهم في حالة مكرهم بالنبيء ~~متصفون بأنهم ما يمكرون إلا بأنفسهم وبأنهم ما يشعرون بلحاق عاقبة مكرهم ~~بهم ، والشعور : العلم . # # | 2 ( 124 ) { وإذا جآءتهم ءاية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل مآ أوتى رسل ~~الله الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب ~~شديد بما كانوا يمكرون } . ) 2 # { وإذا جآءتهم ءاية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل مآ أوتى رسل الله الله ~~أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما ~~كانوا يمكرون } . # عطف على جملة : { جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها } ( الأنعام : 123 ) ~~لأن هذا حديث عن شيء من أحوال أكابر مجرمي مكة ، وهم المقصود من التشبيه في ~~قوله : { وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها . ومكة هي المقصود من عموم ~~كل قرية كما تقدم ، فالضمير المنصوب في قوله : جاءتهم } عائد إلى { أكابر ~~مجرميها } ( الأنعام : 123 ) ، باعتبار الخاص المقصود من ms2815 PageV08P051 ~~العموم ، إذ ليس قول : { لن نؤمن حتى نؤتي مثل ما أوتي رسل الله } بمنسوب ~~إلى جميع أكابر المجرمين من جميع القرى . # والمعنى : إذا جاءتهم آية من آيات القرآن ، أي تليت عليهم آية فيها ~~دعوتهم إلى الإيمان . فعبر بالمجيء عن الإعلام بالآية أو تلاوتها تشبيها ~~للإعلام بمجيء الداعي أو المرسل . والمراد أنهم غير مقتنعين بمعجزة القرآن ~~، وأنهم يطلبون معجزات عينية مثل معجزة موسى ومعجزة عيسى ، وهذا في معنى ~~قولهم : { فليأتنا بآية كما أرسل الأولون } ( الأنبياء : 5 ) لجهلهم ~~بالحكمة الإلهية في تصريف المعجزات بما يناسب حال المرسل إليهم ، كما حكى ~~الله تعالى : { وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله ~~وإنما أنا نذير مبين أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ~~ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون } ( العنكبوت : 50 ، 51 ) ؛ وقال النبيء صلى ~~الله عليه وسلم ( ما من الأنبياء نبيء إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه ~~البشر ، وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحى الله إلي ) الحديث . # وأطلق على إظهار المعجزة لديهم بالإيتاء في حكاية كلامهم إذ قيل : { حتى ~~نؤتى مثل ما أوتى رسل الله } لأن المعجزة لما كانت لإقناعهم بصدق الرسول ~~عليه الصلاة والسلام أشبهت الشيء المعطى لهم . # ومعنى : { مثل ما أوتى رسل الله } مثل ما أتى الله الرسل من المعجزات ~~التي أظهروها لأقوامهم . فمرادهم الرسل الذين بلغتهم أخبارهم . وقيل : قائل ~~ذلك فريق من كبراء المشركين بمكة ، قال الله تعالى : { بل يريد كل امرىء ~~منهم أن يؤتى صحفا منشرة } ( المدثر : 52 ) . روي أن الوليد بن المغيرة ، ~~قال للنبيء صلى الله عليه وسلم لو كانت النبوءة لكنت أولى بها منك لأني ~~أكبر منك سنا وأكثر مالا وولدا ؛ وأن أبا جهل PageV08P052 قال : زاحمنا ( ~~يعني بني مخزوم ) بنو عبد مناف في الشرف ، حتى إذا صرنا كفرسي رهانن قالوا ~~: منا نبيء يوحى إليه ، والله لا نرضى به ولا نتبعه أبدا إلا أن يأتينا وحي ~~كما يأتيه . فكانت هذه الآية مشيرة إلى ما صدر من هذين ، وعلى هذا ms2816 يكون ~~المراد حتى يأتينا وحي كما يأتي الرسل . # أو يكون المراد برسل الله جميع الرسل ، فعدلوا عن أن يقولوا مثل ما أوتي ~~محمد صلى الله عليه وسلم لأنهم لا يؤمنون بأنه يأتيه وحي . ومعنى { نؤتى } ~~على هذا الوجه نعطى مثل ما أعطي الرسل ، وهو الوحي . أو أرادوا برسل الله ~~محمدا صلى الله عليه وسلم فعبروا عنه بصيغة الجمع تعريضا ، كما يقال : إن ~~ناسا يقولون كذا ، والمراد شخص معين ، ومنه قوله تعالى : { كذبت قوم نوح ~~المرسلين } ( الشعراء : 105 ) ونحوه ، ويكون إطلاقهم عليه : { رسل الله } ~~تهكما به صلى الله عليه وسلم كما حكاه الله عنهم في قوله : { وقالوا يأيها ~~الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون } ( الحجر : 6 ) وقوله : { إن رسولكم الذي ~~أرسل إليكم لمجنون } ( الشعراء : 27 ) . # { الله أعلم حيث يجعل رسالته } . # اعتراض للرد على قولهم : { حتى نؤتى مثل ما أوتى رسل الله } على كلا ~~الاحتمالين في تفسير قولهم ذلك . # فعلى الوجه الأول : في معنى قولهم : { حتى نؤتى مثل ما أوتى رسل الله } ~~يكون قوله : { الله أعلم حيث يجعل رسالته } ردا بأن الله أعلم بالمعجزات ~~اللائقة بالقوم المرسل إليهم ؛ فتكون { حيث } مجازا في المكان الاعتباري ~~للمعجزة ، وهم القوم الذين يظهرها أحد منهم ، جعلوا كأنهم مكان لظهور ~~المعجزة . والرسالات مطلقة على المعجزات لأنها شبيهة برسالة يرسلها الله ~~إلى الناس ، وقريب من هذا قول علماء الكلام : وجه PageV08P053 دلالة ~~المعجزة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم أن المعجزة قائمة مقام قول الله ~~: ( صدق هذا الرسول فيما أخبر به عني ) ، بأمارة أني أخرق العادة دليلا على ~~تصديقه . # وعلى الوجه الثاني : في معنى قولهم : { حتى نؤتى مثل ما أوتى رسل الله } ~~، يكون قوله : { الله أعلم حيث يجعل رسالته } ردا عليهم بأن الرسالة لا ~~تعطى بسؤال سائلها ، مع التعريض بأن أمثالهم ليسوا بأهل لها ، فما صدق { ~~حيث } الشخص الذي اصطفاه الله لرسالته . # و { حيث } هنا اسم دال على المكان مستعارة للمبعوث بالرسالة ، بناء على ~~تشبيه الرسالة بالوديعة الموضوعة بمكان أمانة ، على طريقة الاستعارة ~~المكنية . وإثبات المكان تخييل ، وهو ms2817 استعارة أخرى مصرحة بتشبيه الرسل ~~بمكان إقامة الرسالة . وليست { حيث } هنا ظرفا بل هي اسم للمكان مجرد عن ~~الظرفية ، لأن { حيث } ظرف متصرف ، على رأي المحققين من النحاة ، فهي هنا ~~في محل نصب بنزع الخافض وهو الباء ، لأن { أعلم } اسم تفضيل لا ينصب ~~المفعول ، وذلك كقوله تعالى : { إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله } ( ~~الأنعام : 117 ) كما تقدم آنفا . # وجملة { يجعل رسالته } صفة ل { حيث } إذا كانت { حيث } مجردة عن الظرفية ~~. ويتعين أن يكون رابط جملة الصفة بالموصوف محذوفا ، والتقدير : حيث يجعل ~~فيه رسالاته . # وقد أفادت الآية : أن الرسالة ليست مما ينال بالأماني ولا بالتشهي ، ولكن ~~الله يعلم من يصلح لها ومن لا يصلح ، ولو علم من يصلح لها وأراد إرساله ~~لأرسله ، فإن النفوس متفاوتة في قبول الفيض الإلهي والاستعداد له والطاقة ~~على الاضطلاع بحمله ، فلا تصلح للرسالة إلا نفس خلقت قريبة من النفوس ~~الملكية ، بعيدة عن رذائل الحيوانية ، سليمة من الأدواء القلبية . ~~PageV08P054 # فالآية دالة على أن الرسول يخلق خلقة مناسبة لمراد الله من إرساله ، ~~والله حين خلقه عالم بأنه سيرسله ، وقد يخلق الله نفوسا صالحة للرسالة ولا ~~تكون حكمة في إرسال أربابها ، فالاستعداد مهييء لاصطفاء الله تعالى ، وليس ~~موجبا له ، وذلك معنى قول بعض المتكلمين : إن الاستعداد الذاتي ليس بموجب ~~للرسالة خلافا للفلاسفة ، ولعل مراد الفلاسفة لا يبعد عن مراد المتكلمين . ~~وقد أشار ابن سينا في ( الإشارات ) إلى شيء من هذا في النمط التاسع . # وفي قوله : { الله أعلم حيث يجعل رسالته } بيان لعظيم مقدار النبي صلى ~~الله عليه وسلم وتنبيه لانحطاط نفوس سادة المشركين عن نوال مرتبة النبوءة ~~وانعدام استعدادهم ، كما قيل في المثل ( ليس بعشكك فادرجي ) . # وقرأ الجمهور : { رسالاته } بالجمع وقرأ ابن كثير ، وحفص عن عاصم ~~بالإفراد ولما كان المراد الجنس استوى الجمع والمفرد . # { سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون } . # استئناف ناشىء عن قوله : { ليمكروا فيها } ( الأنعام : 123 ) وهو وعيد ~~لهم على مكرهم وقولهم : { لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتى رسل ms2818 الله } . # فالمراد بالذين أجرموا أكابر المجرمين من المشركين بمكة بقرينة قوله : { ~~بما كانوا يمكرون } فإن صفة المكر أثبتت لأكابر المجرمين في الآية السابقة ~~، وذكرهم ب { الذين أجرموا } إظهار في مقام الإضمار لأن مقتضى الظاهر أن ~~يقال : سيصيبهم صغار ، وإنما خولف مقتضى الظاهر PageV08P055 للإتيان ~~بالموصول حتى يوميء إلى علة بناء الخبر على الصلة ، أي إنما أصابهم صغار ~~وعذاب لإجرامهم . # والصغار بفتح الصاد الذل ، وهو مشتق من الصغر ، وهو القماءة ونقصان الشيء ~~عن مقدار أمثاله . # وقد جعل الله عقابهم ذلا وعذابا : ليناسب كبرهم وعتوهم وعصيانهم الله ~~تعالى . والصغار والعذاب يحصلان لهم في الدنيا بالهزيمة وزوال السيادة ~~وعذاب القتل والأسر والخوف ، قال تعالى : { قل هل تربصون بنا إلا إحدى ~~الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا } ( ~~التوبة : 52 ) وقد حصل الأمران يوم بدر ويوم أحد ، فهلكت سادة المشركين ، ~~وفي الآخرة بإهانتهم بين أهل المحشر ، وعذابهم في جهنم . # ومعنى { عند الله } أنه صغار مقدر عند الله ، فهو صغار ثابت محقق ، لأن ~~الشيء الذي يجعله الله تعالى يحصل أثره عند الناس كلهم ، لأنه تكوين لا ~~يفارق صاحبه ، كما ورد في الحديث : ( إن الله إذا أحب عبدا أمر جبريل فأحبه ~~ثم أمر الملائكة فأحبوه ثم يوضع له القبول عند أهل الأرض ) ، فلا حاجة إلى ~~تقدير ( من ) في قوله : { عند الله } ، ولا إلى جعل العندية بمعنى الحصول ~~في الآخرة كما درج عليه كثير من المفسرين . # والباء في : { بما كانوا يمكرون } سببية . و ( ما ) مصدرية : أي بسبب ~~مكرهم ، أي فعلهم المكر ، أو موصولة : أي بسبب الذي كانوا يمكرونه ، على أن ~~المراد بالمكر الاسم ، فيقدر عائد منصوب هو مفعول به محذوف . # PageV08P056 # | 2 ( 125 ) { فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله ~~يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد فى السمآء كذالك يجعل الله الرجس على الذين ~~لا يؤمنون } . ) 2 # الفاء مرتبة الجملة التي بعدها على مضمون ما قبلها من قوله : { أو من كان ~~ميتا فأحييناه } ( الأنعام : 122 ) وما ترتب عليه من ms2819 التفاريع والاعتراض . ~~وهذا التفريع إبطال لتعللاتهم بعلة { حتى نوتى مثل ما أوتي رسل الله } ( ~~الأنعام : 124 ) ، وأن الله منعهم ما علقوا إيمانهم على حصوله ، فتفرع على ~~ذلك بيان السبب المؤثر بالحقيقة إيمان المؤمن وكفر الكافر ، وهو : هداية ~~الله المؤمن ، وإضلاله الكافر ، فذلك حقيقة التأثير ، دون الأسباب الظاهرة ~~، فيعرف من ذلك أن أكابر المجرمين لو أوتوا ما سألوا لما آمنوا ، حتى يريد ~~الله هدايتهم إلى الإسلام ، كما قال تعالى : { إن الذين حقت عليهم كلمات ~~ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم } ( يونس : 96 ، ~~97 ) وكما قال : { ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا ~~عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله } ( الأنعام : 111 ) ~~. # والهدى إنما يتعلق بالأمور النافعة : لأن حقيقته إصابة الطريق الموصل ~~للمكان المقصود ، ومجازه رشاد العقل ، فلذلك لم يحتج إلى ذكر متعلقه هنا ~~لظهور أنه الهدى للإسلام ، مع قرينة قوله : { يشرح صدره للإسلام } ، وأما ~~قوله : { فاهدوهم إلى صراط الجحيم } ( الصافات : 23 ) فهو تهكم . والضلال ~~إنما يكون في أحوال مضرة لأن حقيقته خطأ الطريق المطلوب ، فلذلك كان مشعرا ~~بالضر وإن لم يذكر متعلقه ، فهو هنا الاتصاف بالكفر لأن فيه إضاعة خير ~~الإسلام ، فهو كالضلال عن المطلوب ، وإن كان الضال غير طالب للإسلام ، لكنه ~~بحيث لو استقبل من أمره ما استدبر لطلبه . PageV08P057 # والشرح حقيقته شق اللحم ، والشريحة القطعة من اللحم تشق حتى ترقق ليقع ~~شيها . واستعمل الشرح في كلامهم مجازا في البيان والكشف ، واستعمل أيضا ~~مجازا في انجلاء الأمر ، ويقين النفس به ، وسكون البال للأمر ، بحيث لا ~~يتردد فيه ولا يغتم منه ، وهو أظهر التفسيرين في قوله تعالى : { ألم نشرح ~~لك صدرك } ( الشرح : 1 ) . # والصدر مراد به الباطن ، مجازا في الفهم والعقل بعلاقة الحلول ، فمعنى { ~~يشرح صدره } يجعل لنفسه وعقله استعدادا وقبولا لتحصيل الإسلام ، ويوطنه ~~لذلك حتى يسكن إليه ويرضى به ، فلذلك يشبه بالشرح ، والحاصل للنفس يسمى ~~انشراحا ، يقال : لم تنشرح نفسي لكذا ، وانشرحت لكذا . وإذا حل نور التوفيق ~~في القلب كان القلب ms2820 كالمتسع ، لأن الأنوار توسع مناظر الأشياء . روى الطبري ~~وغيره ، عن ابن مسعود : ( أن ناسا قالوا : يا رسول الله كيف يشرح الله صدره ~~للإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل فيه النور فينفسح قالوا ~~وهل لذلك من علامة يعرف بها قال الإنابة إلى دار الخلود ، والتنحي عن دار ~~الغرور ، والاستعداد للموت قبل الفوت ) . # ومعنى : { ومن يرد أن يضله } من يرد دوام ضلاله بالكفر ، أو من يرد أن ~~يضله عن الاهتداء إلى الإسلام ، فالمراد ضلال مستقبل ، إما بمعنى دوام ~~الضلال الماضي ، وإما بمعنى ضلال عن قبول الإسلام ، وليس المراد أن يضله ~~بكفره القديم ، لأن ذلك قد مضى وتقرر . # والضيق بتشديد الياء بوزن فيعل مبالغة في وصف الشيء بالضيق ، يقال ضاق ~~ضيقا بكسر الضاد وضيقا بفتحها والأشهر كسر الضاد في المصدر والأقيس الفتح ؛ ~~ويقال بتخفيف الياء بوزن فعل ، وذلك مثل ميت وميت ، وهما وإن اختلفت زنتهما ~~، وكانت زنة فيعل في الأصل تفيد من المبالغة في حصول الفعل ما لا تفيده زنة ~~فعل ، فإن الاستعمال سوى PageV08P058 بينهما على الأصح . والأظهر أن أصل ~~ضيق : بالتخفيف وصف بالمصدر ، فلذلك استويا في إفادة المبالغة بالوصف . ~~وقرىء بهما في هذه الآية ، فقرأها الجمهور : بتشديد الياء ، وابن كثير : ~~بتخفيفها . وقد استعير الضيق لضد ما استعير له الشرح فأريد به الذي لا ~~يستعد لقبول الإيمان ولا تسكن نفسه إليه ، بحيث يكون مضطرب البال إذا عرض ~~عليه الإسلام ، وهذا كقوله تعالى : { حصرت صدورهم وتقدم في سورة النساء ( ~~90 ) . # والحرج بكسر الراء صفة مشبهة من قولهم : حرج الشيء حرجا ، من باب فرح ، ~~بمعنى ضاق ضيقا شديدا ، فهو كقولهم : دنف ، وقمن ، وفرق ، وحذر ، وكذلك ~~قرأه نافع ، وعاصم في رواية أبي بكر ، وأبو جعفر ، وأما الباقون فقرأوه ~~بفتح الراء على صيغة المصدر ، فهو من الوصف بالمصدر للمبالغة ، فهو كقولهم ~~: رجل دنف بفتح النون وفرد بفتح الراء . # وإتباع الضيق بالحرج : لتأكيد معنى الضيق ، لأن في الحرج من معنى شدة ~~الضيق ما ليس في ضيق . والمعنى يجعل صدره غير متسع لقبول الإسلام ، بقرينة ~~مقابلته ms2821 بقوله : يشرح صدره للإسلام } . وزاد حالة المضلل عن الإسلام تبيينا ~~بالتمثيل ، فقال : { كأنما يصعد في السماء } . # قرأه الجمهور : { يصعد } بتشديد الصاد وتشديد العين على أنه يتفعل من ~~الصعود ، أي بتكلف الصعود ، فقلبت تاء التفعل صادا لأن التاء شبيهة بحروف ~~الإطباق ، فلذلك تقلب طاء بعد حروف الإطباق في الافتعال قلبا مطردا ثم تدغم ~~تارة في مماثلها أو مقاربها ، وقد تقلب فيما يشابه الافتعال إذا أريد ~~التخفيف بالإدغام ، فتدغم في أحد أحرف PageV08P059 الإطباق ، كما هنا ، ~~فإنه أريد تخفيف أحد الحروف الثلاثة المتحركة المتوالية من ( يتصعد ) ، ~~فسكنت التاء ثم أدغمت في الصاد إدغام المقارب للتخفيف . وقرأه ابن كثير : { ~~يصعد } بسكون الصاد وفتح العين ، مخففا . وقرأه أبو بكر ، عن عاصم : { ~~يصاعد } بتشديد الصاد بعدها ألف وأصله يتصاعد . # وجملة { كأنما يصعد } في موضع الحال من ضمير : { صدره } أو من صدره ، مثل ~~حال المشرك حين يدعى إلى الإسلام أو حين يخلو بنفسه ، فيتأمل في دعوة ~~الإسلام ، بحال الصاعد ، فإن الصاعد يضيق تنفسه في الصعود ، وهذا تمثيل ~~هيئة معقولة بهيئة متخيلة ، لأن الصعود في السماء غير واقع . # والسماء يجوز أن يكون بمعناه المتعارف ، ويجوز أن يكون السماء أطلق على ~~الجو الذي يعلو الأرض . قال أبو علي الفارسي : ( لا يكون السماء المظلة ~~للأرض ، ولكن كما قال سيبويه القيدود الطويل في غير سماء أي في غير ارتفاع ~~صعدا ) أراد أبو علي الاستظهار بكلام سيبويه على أن اسم السماء يقال للفضاء ~~الذاهب في ارتفاع ( وليست عبارة سيبويه تفسيرا للآية ) . # وحرف { في } يجوز أن يكون بمعنى ( إلى ) ، ويجوز أن يكون بمعنى الظرفية : ~~إما بمعنى كأنه بلغ السماء وأخذ يصعد في منازلها ، فتكون هيئة تخييلية ، ~~وإما على تأويل السماء بمعنى الجو . # وجملة : { كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون } تذييل للتي قبلها ~~، فلذلك فصلت . PageV08P060 # والرجس : الخبث والفساد ، ويطلق على الخبث المعنوي والنفسي . والمراد هنا ~~خبث النفس وهو رجس الشرك ، كما قال تعالى : { وأما الذين في قلوبهم مرض ~~فزادتهم رجسا إلى رجسهم } ( التوبة : 125 ) أي مرضا في قلوبهم زائدا على ~~مرض قلوبهم ms2822 السابق ، أي أرسخت المرض في قلوبهم ، وتقدم في سورة المائدة ( ~~90 ) { إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فالرجس ~~يعم سائر الخباثات النفسية ، الشاملة لضيق الصدر وحرجه ، وبهذا العموم كان ~~تذييلا ، فليس خاصا بضيق الصدر حتى يكون من وضع المظهر موضع المضمر . # وقوله : كذلك } نائب عن المفعول المطلق المراد به التشبيه والمعنى : يجعل ~~الله الرجس على الذين لا يؤمنون جعلا كهذا الضيق والحرج الشديد الذي جعله ~~في صدور الذين لا يؤمنون . # و { على } في قوله : { على الذين لا يؤمنون } تفيد تمكن الرجس من ~~الكافرين ، فالعلاوة مجاز في التمكن ، مثل : { أولئك على هدى من ربهم } ( ~~البقرة : 5 ) والمراد تمكنه من قلوبهم وظهور آثاره عليهم . وجيء بالمضارع ~~في { يجعل } لإفادة التجدد في المستقبل ، أي هذه سنة الله في كل من ينصرف ~~عن الإيمان ، ويعرض عنه . # و { الذين لا يؤمنون } موصول يومىء إلى علة الخبر ، أي يجعل الله الرجس ~~متمكنا منهم لأنهم يعرضون عن تلقيه بإنصاف ، فيجعل الله قلوبهم متزائدة ~~بالقساوة . والموصول يعم كل من يعرض عن الإيمان ، فيشمل المشركين المخبر ~~عنهم ، ويشمل غيرهم من كل من يدعى إلى الإسلام فيعرض عنه ، مثل يهود ~~المدينة والمنافقين وغيرهم . وبهذا العموم صارت الجملة تذييلا ، وصار ~~الإتيان بالموصول جاريا على مقتضى الظاهر ، وليس هو من الإظهار في مقام ~~الإضمار . # PageV08P061 # | 2 ( 126 ) { وهاذا صراط ربك مستقيما قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون } . ) ~~2 # عطف على جملة : { ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا } ( الأنعام : 125 ~~) إلى آخرها ، لأن هذا تمثيل لحال هدي القرآن بالصراط المستقيم الذي لا ~~يجهد متبعه ، فهذا ضد لحال التمثيل في قوله : { كأنما يصعد في السماء } ( ~~الأنعام : 125 ) . وتمثيل الإسلام بالصراط المستقيم يتضمن تمثيل المسلم ~~بالسالك صراطا مستقيما ، فيفيد توضيحا لقوله : { يشرح صدره للإسلام } ( ~~الأنعام : 125 ) . وعطفت هذه الجملة مع أنها بمنزلة بيان الجملة التي قبلها ~~لتكون بالعطف مقصودة بالإخبار . وهو اقبال على النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالخطاب . # والإشارة ب { هذا } إلى حاضر في الذهن وهو دين الإسلام . والمناسبة قوله ~~: { يشرح ms2823 صدره للإسلام } ( الأنعام : 125 ) . والصراط حقيقته الطريق ، وهو ~~هنا مستعار للعمل الموصل إلى رضى الله تعالى . وإضافته إلى الرب لتعظيم شأن ~~المضاف ، فيعلم أنه خير صراط . وإضافة الرب إلى ضمير الرسول تشريف للمضاف ~~إليه ، وترضية للرسول صلى الله عليه وسلم بما في هذا السنن من بقاء بعض ~~الناس غير متبعين دينه . # والمستقيم حقيقته السالم من العوج ، وهو مستعار للصواب لسلامته من الخطأ ~~، أي سنن الله الموافق للحكمة والذي لا يتخلف ولا يعطله شيء . ويجوز أن ~~تكون الإشارة إلى حاضر في الحس وهو القرآن ، لأنه مسموع كقوله : { وهذا ~~كتاب أنزلناه مبارك } ( الأنعام : 92 ) ، فيكون الصراط المستقيم مستعارا ~~لما يبلغ إلى المقصود النافع ، كقوله : { وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوا ~~ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله } ( الأنعام : 153 ) . ومستقيما حال ~~من ( صراط ) مؤكدة لمعنى إضافته إلى الله . PageV08P062 # وجملة : { قد فصلنا الآيات } استئناف وفذلكة لما تقدم . والمراد بالآيات ~~آيات القرآن . ومن رشاقة لفظ { الآيات } هنا أن فيه تورية بآيات الطريق ~~التي يهتدي بها السائر . # واللام في : { لقوم يذكرون } للعلة ، أي فصلنا الآيات لأجلهم لأنهم الذين ~~ينتفعون بتفصيلها . والمراد بالقوم المسلمون ، لأنهم الذين أفادتهم الآيات ~~وتذكروا بها . # # | 2 ( 127 ) { لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون } . ) ~~2 # الضمير في : { لهم دار السلام } عائد إلى { قوم يذكرون } ( الأنعام : 126 ~~) . # والجملة إما مستأنفة استئنافا بيانيا : لأن الثناء عليهم بأنهم فصلت لهم ~~الآيات ويتذكرون بها يثير سؤال من يسأل عن أثر تبيين الآيات لهم وتذكرهم ~~بها ، فقيل : { لهم دار السلام } . # وإما صفة : { لقوم يذكرون } ( الأنعام : 126 ) . وتقديم المجرور لإفادة ~~الاختصاص للقوم الذين يذكرون لا لغيرهم . # والدار : مكان الحلول والإقامة ، ترادف أو تقارب المحل من الحلول ، وهو ~~مؤنث تقديرا فيصغر على دويرة . والدار مشتقة من فعل دار يدور لكثرة دوران ~~أهلها ، ويقال لها : دارة ، ولكن المشهور في الدارة أنها الأرض الواسعة بين ~~جبال . # والسلام : الأمان ، والمراد به هنا الأمان الكامل الذي لا يعتري صاحبه ~~شيء مما يخاف من الموجودات جواهرها وأعراضها ، فيجوز أن يراد PageV08P063 ~~بدار ms2824 السلام الجنة سميت دار السلام لأن السلامة الحق فيها ، لأنها قرار أمن ~~من كل مكروه للنفس ، فتمحضت للنعيم الملائم ، وقيل : السلام ، اسم من أسماء ~~الله تعالى ، أي دار الله تعظيما لها كما يقال للكعبة : بيت الله ، ويجوز ~~أن يراد مكانة الأمان عند الله ، أي حالة الأمان من غضبه وعذابه ، كقول ~~النابغة : # كم قد أحل بدار الفقر بعد غنى # عمرو وكم راش عمرو بعد إقتار # و { عند } مستعارة للقرب الاعتباري ، أريد به تشريف الرتبة كما دل عليه ~~قوله عقبه : { وهو وليهم } ، ويجوز أن تكون مستعارة للحفظ لأن الشيء النفيس ~~يجعل في مكان قريب من صاحبه ليحفظه ، فيكون المعنى تحقيق ذلك لهم ، وأنه ~~وعد كالشيء المحفوظ المدخر ، كما يقال : إن فعلت كذا فلك عندي كذا تحقيقا ~~للوعد . والعدول عن إضافة { عند } لضمير المتكلم إلى إضافته للاسم الظاهر : ~~لقصد تشريفهم بأن هذه عطية من هو مولاهم . فهي مناسبة لفضله وبره بهم ورضاه ~~عنهم كعكسه المتقدم آنفا في قوله تعالى : { سيصيب الذين أجرموا صغار عند ~~الله } ( الأنعام : 124 ) . # وعطف على جملة : { لهم دار السلام } جملة : { وهو وليهم } تعميما لولاية ~~الله إياهم في جميع شؤونهم ، لأنها من تمام المنة . والولي يطلق بمعنى ~~الناصر وبمعنى الموالي . # وقوله : { بما كانوا يعملون } يجوز أن يتعلق بما في معنى الخبر في قوله : ~~{ لهم دار السلام } ، من مفهوم الفعل ، أي ثبت لهم ذلك بما كانوا يعملون ، ~~فتكون الباء سببية ، أي بسبب أعمالهم الحاصلة بالإسلام ، أو الباء للعوض : ~~أي لهم ذلك جزاء بأعمالهم ، وتكون جملة : { وهو وليهم } معترضة بين الخبر ~~ومتعلقه ، ويجوز أن يكون : { بما كانوا يعملون } متعلقا ب { وليهم } أي وهو ~~ناصرهم ، والباء للسببيه : أي بسبب أعمالهم PageV08P064 تولاهم ، أو الباء ~~للملابسة ، ويكون : { بما كانوا يعملون } مرادا به جزاء أعمالهم ، على حذف ~~مضاف دل عليه السياق . # وتعريف المسند بالإضافة في قوله : { وليهم } أفاد الإعلام بأن الله ولي ~~القوم المتذكرين ، ليعلموا عظم هذه المنة فيشكروها ، وليعلم المشركون ذلك ~~فيغيظهم . وذلك أن تعريف المسند بالإضافه يخالف طريقة تعريفه بغير الإضافة ~~، من طرق التعريف ms2825 ، لأن التعريف بالإضافة أضعف مراتب التعريف ، حتى أنه قد ~~يقرب من التنكير على ما ذكره المحققون : من أن أصل وضع الإضافة على اعتبار ~~تعريف العهد ، فلا يقال : غلام زيد ، إلا لغلام معهود بين المتكلم والمخاطب ~~بتلك النسبة ، ولكن الإضافة قد تخرج عن ذلك في الاستعمال فتجيء بمنزلة ~~النكرة المخصوصة بالوصف ، فتقول : أتاني غلام زيد بكتاب منه وأنت تريد ~~غلاما له غير معين عند المخاطب ، فيصير المعرف بالإضافة حينئذ كالمعرف بلام ~~الجنس ، أي يفيد تعريفا يميز الجنس من بين سائر الأجناس ، فالتعريف ~~بالإضافة يأتي لما يأتي له التعريف باللام . ولهذا لم يكن في قوله : { وهو ~~وليهم } قصر ولا إفاده حكم معلوم على شيء معلوم . ومما يزيدك يقينا بهذا ~~قوله تعالى : { ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم } ~~( محمد : 11 ) فإن عطف : { وأن الكافرين لا مولى لهم } على قوله : { بأن ~~الله مولى الذين آمنوا } أفاد أن المراد بالأول إفادة ولاية الله للذين ~~آمنوا لا الإعلام بأن من عرف بأنه مولى الذين آمنوا هو الله . # $ 2 ( 128 ) { ويوم يحشرهم جميعا يامعشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال ~~أوليآؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنآ أجلنا الذى & # 1764 أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيهآ إلا ما شآء الله إن ربك حكيم ~~عليم } . ) 2 $ PageV08P065 # لما ذكر ثواب القوم الذين يتذكرون بالآيات ، وهو ثواب دار السلام ، ناسب ~~أن يعطف عليه ذكر جزاء الذين لا يتذكرون ، وهو جزاء الآخرة أيضا ، فجملة : ~~{ ويوم يحشرهم } إلخ معطوفة على جملة : { لهم دار السلام عند ربهم } ( ~~الأنعام : 127 ) . والمعنى : وللآخرين النار مثواهم خالدين فيها . وقد صور ~~هذا الخبر في صورة ما يقع في حسابهم يوم الحشر ، ثم أفضي إلى غاية ذلك ~~الحساب ، وهو خلودهم في النار . # وانتصب : { يوم } على المفعول به لفعل محذوف تقديره : اذكر ، على طريقة ~~نظائره في القرآن ، أو انتصب على الظرفية لفعل القول المقدر . # والضمير المنصوب ب { نحشرهم } عائد إلى { الذين أجرموا } ( الأنعام : 124 ~~) المذكور في قوله : { سيصيب الذين آجرموا صغار عند ms2826 الله ، أو إلى الذين لا ~~يؤمنون } ( الأنعام : 125 ) في قوله : { كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا ~~يؤمنون } . وهؤلاء هم مقابل الذين يتذكرون ، فإن جماعة المسلمين يعتبرون ~~مخاطبين لأنهم فريق واحد مع الرسول عليه الصلاة والسلام ويعتبر المشركون ~~فريقا مبائنا لهم بعيدا عنهم ، فيتحدث عنهم بضمير الغيبة ، فالمراد ~~المشركون الذين ماتوا على الشرك وأكد ب { جميعا } ليعم كل المشركين ، ~~وسادتهم ، وشياطينهم ، وسائر علقهم . # ويجوز أن يعود الضمير إلى الشياطين وأوليائهم في قوله تعالى : { وإن ~~الشياطين ليوحون إلى أوليائهم } ( الأنعام : 121 ) إلخ . # وقرأ الجمهور : { نحشرهم } بنون العظمة على الالتفات . وقرأه حفص عن عاصم ~~، وروح عن يعقوب بياء الغيبة ولما أسند الحشر إلى ضمير الجلالة تعين أن ~~النداء في قوله : { يا معشر الجن } من قبل الله تعالى ، فتعين لذلك إضمار ~~قول صادر من المتكلم ، أي نقول : يا معشر الجن ، لأن النداء لا يكون إلا ~~قولا . PageV08P066 # وجملة : { يا معشر الجن } إلخ مقول قول محذوف يدل عليه أسلوب الكلام ، ~~والتقدير : نقول أو قائلين . # والمعشر : الجماعة الذين أمرهم وشأنهم واحد ، بحيث تجمعهم صفة أو عمل ، ~~وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه . وهو يجمع على معاشر أيضا ، وهو بمعناه ، ~~وهو مشتق من المعاشرة والمخالطة . والأكثر أن يضاف المعشر إلى اسم يبين ~~الصفة التي اجتمع مسماه فيها ، وهي هنا صفة كونهم جنا ، ولذلك إذا عطف على ~~ما يضاف إليه كان على تقدير تثنية معشرا وجمعه : فالتثنية نحو : { يا معشر ~~الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا } ( الرحمن : 33 ) الآية ، أي يا معشر ~~الجن ويا معشر الإنس ، والجمع نحو قولك : يا معاشر العرب والعجم والبربر . # والجن تقدم في قوله : { وجعلوا لله شركاء الجن في هذه السورة ( 100 ) . ~~والمراد بالجن الشياطين وأعوانهم من بني جنسهم الجن ، والإنس تقدم عند قوله ~~: شياطين الإنس والجن في هذه السورة ( 112 ) . # والاستكثار : شدة الإكثار . فالسين والتاء فيه للمبالغة مثل الاستسلام ~~والاستخداع والاستكبار ، ويتعدى بمن البيانية إلى الشيء المتخذ كثيره ، ~~يقال : استكثر من النعم أو من المال ، أي أكثر من جمعهما ، واستكثر الأمير ms2827 ~~من الجند ، ولا يتعدى بنفسه تفرقة بين هذا المعنى وبين استكثر الذي بمعنى ~~عد الشيء كثيرا ، كقوله تعالى : ولا تمنن تستكثر } ( المدثر : 6 ) . # وقوله : { استكثرتم من الإنس } على حذف مضاف ، تقديره : من إضلال الإنس ، ~~أو من إغوائهم ، فمعنى { استكثرتم من الإنس } أكثرتم من اتخاذهم ، أي من ~~جعلهم أتباعا لكم ، أي تجاوزتم الحد في استهوائهم واستغوائهم ، فطوعتم منهم ~~كثيرا جدا . PageV08P067 # والكلام توبيخ للجن وإنكار ، أي كان أكثر الإنس طوعا لكم ، والجن يشمل ~~الشياطين ، وهم يغوون الناس ويطوعونهم : بالوسوسة ، والتخييل ، والإرهاب ، ~~والمس ، ونحو ذلك ، حتى توهم الناس مقدرتهم وأنهم محتاجون إليهم ، فتوسلوا ~~إليهم بالإرضاء وترك اسم الله على ذبائحهم وفي شؤونهم ، وحتى أصبح المسافر ~~إذا نزل واديا قال : ( أعوذ بسيد هذا الوادي ، أو برب هذا الوادي ، يعني به ~~كبير الجن ، أو قال : يا رب الوادي إني أستجير بك ) يعني سيد الجن . وكان ~~العرب يعتقدون أن الفيافي والأودية المتسعة بين الجبال معمورة بالجن ، ~~ويتخيلون أصوات الرياح زجل الجن . قال الأعشى : # وبلدة مثل ظهر الترس موحشة # للجن بالليل في حافاتها زجل # وفي الكلام تعريض بتوبيخ الإنس الذين اتبعوهم ، وأطاعوهم ، وأفرطوا في ~~مرضاتهم ، ولم يسمعوا من يدعوهم إلى نبذ متابعتهم ، كما يدل عليه قوله ~~الآتي : { يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم } ( الأنعام : 130 ) ~~فإنه تدرج في التوبيخ وقطعع المعذرة . # والمراد بأوليائهم أولياء الجن : أي الموالون لهم ، والمنقطعون إلى ~~التعلق بأحوالهم . وأولياء الشياطين هم المشركون الذين وافوا المحشر على ~~الشرك . وقيل : أريد به الكفار والعصاة من المسلمين ، وهذا باطل لأن العاصي ~~وإن كان قد أطاع الشياطين فليس وليا لها { الله ولي الذين آمنوا } ( البقرة ~~: 257 ) ولأن الله تعالى قال في آخر الآية : { ألم يأتكم رسل منكم } ( ~~الأنعام : 130 ) وقال : { وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين } . # و { من الإنس } بيان للأولياء . وقد اقتصر على حكاية جواب الإنس لأن ~~الناس المشركين هم المقصود من الموعظة بهذه الآية . PageV08P068 # ومعنى : { استمتع بعضنا ببعض } انتفع وحصل شهوته وملائمه : أي استمتع ~~الجن بالإنس ، وانتفع الإنس بالجن ، فكل بعض مراد به ms2828 أحد الفريقين لأنه بعض ~~مجموع الفريقين . وإنما قالوا : استمتع بعضنا ببعض ، ولم يكن الإنس هم ~~المخاطبين بالتوبيخ ، لأنهم أرادوا الاعتذار عن أوليائهم من الجن ودفع ~~التوبيخ عنهم ، بأن الجن لم يكونوا هم المستأثرين بالانتفاع بتطويع الإنس ، ~~بل نال كل من الفريقين انتفاعا بصاحبه ، وهؤلاء المعتذرون يحتمل أنهم ~~أرادوا مشاطرة الجناية إقرارا بالحق ، وإخلاصا لأوليائهم ، أو أرادوا ~~الاعتذار عن أنفسهم لما علموا من أن توبيخ الجن المغوين يعرض بتوبيخ ~~المغوين بفتح الواو . فأقروا واعتذروا بأن ما فعلوه لم يكن تمردا على الله ~~، ولا استخفافا بأمره ، ولكنه كان لإرضاء الشهوات من الجانبين ، وهي المراد ~~بالاستمتاع . # ولكونهم ليسوا بمخاطبين ابتداء . وكون كلامهم دخيلا في المخاطبة ، لم ~~تفصل جملة قولهم كما تفصل جملة المحاورة في السؤال والجواب ، بل عطفت على ~~جملة القول المقدر لأنها قول آخر عرض في ذلك اليوم . # وجيء في حكاية قولهم بفعل { وقال أولياؤهم } مع أنه مستقبل من أجلل قوله ~~: { يحشرهم } تنبيها على تحقيق وقوعه ، فيعلم من ذلك التنبيه على تحقيق ~~الخبر كله ، وأنه واقع لا محالة ، إذ لا يكون بعضه محققا وبعضه دون ذلك . # واستمتاع الإنس بالجن هو انتفاعهم في العاجل : بتيسير شهواتهم ، وفتح ~~أبواب اللذات والأهواء لهم ، وسلامتهم من بطشتهم . واستمتاع الجن بالإنس : ~~هو انتفاع الجن بتكثير أتباعهم من أهل الضلالة ، وإعانتهم على إضلال الناس ~~، والوقوف في وجه دعاة الخير ، وقطع سبيل الصلاح ، فكل من الفريقين أعان ~~الآخر على تحقيق ما في نفسه مما فيه ملائم طبعه وارتياحه لقضاء وطره . ~~PageV08P069 # وقوله : { وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا } استسلام لله ، أي : انقضى زمن ~~الإمهال ، وبلغنا الأجل الذي أجلت لنا للوقوع في قبضتك ، فسدت الآن دوننا ~~المسالك فلا نجد مفرا . وفي الكلام تحسر وندامة . عند ظهور عدم إغناء ~~أوليائهم عنهم شيئا ، وانقضاء زمن طغيانهم وعتوهم ، ومحين حين أن يلقوا ~~جزاء أعمالهم كقوله : { ووجد الله عنده فوفاه حسابه } ( النور : 39 ) . # وقد أفادت الآية : أن الجن المخاطبين قد أفحموا ، فلم يجدوا جوابا ، ~~فتركوا أولياءهم يناضلون عنهم ، وذلك مظهر من مظاهر عدم إغناء المتبوعين عن ms2829 ~~أتباعهم يومئذ { إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا } ( البقرة : 166 ) ~~. # وجملة : { قال النار مثواكم } فصلت عن التي قبلها على طريقة القول في ~~المحاورة ، كما تقدم عند قوله تعالى : { قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها في ~~سورة البقرة ( 30 ) . # وضمير الخطاب في قوله : النار مثواكم } موجه إلى الإنس فإنهم المقصود من ~~الآية ، كما في قوله تعالى : { بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون ~~فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفا ولا ضرا ونقول للذين ظلموا ذوقوا عذاب النار ~~التي كنتم بها تكذبون } ( سبأ : 41 ، 42 ) وقوله : { وتمت كلمة ربك لأملأن ~~جهنم من الجنة والناسس أجمعين } ( هود : 119 ) . # ومجيء القول بصيغة الماضي : للتنبيه على تحقيق وقوعه وهو مستقبل بقرينة ~~قوله : { يحشرهم } كما تقدم . وإسناده إلى الغائب نظر لما وقع في كلام ~~الأولياء : { ربنا استمتع } إلخ . # والمثوى : اسم مكان من ثوى بالمكان إذا أقام به إقامة سكنى أو إطالة مكث ~~، وقد بين الثواء بالخلود بقوله : { حالدين فيها } . # وقوله : { حالدين فيها } هو من تمام ما يقال لهم في الحشر لا محالة ، ~~لأنه منصوب على الحال من ضمير مثواكم ، فلا بد أن يتعلق بما قبله . ~~PageV08P070 # وأما قوله : { إلا ما شاء الله } فظاهر النظم أنه من تمام ما يقال لهم . ~~لأن الأصل في الاستثناء أن يكون إخراجا مما قبله من الكلام . ويجوز أن يكون ~~من مخاطبة الله لرسوله صلى الله عليه وسلم وقع اعتراضا بين ما قصه عليه من ~~حال المشركين وأوليائهم يوم الحشر ، وبين قوله له : { إن ربك حكيم عليم } ~~ويكون الوقف على قوله : { خالدين فيها } . # والاستثناء في قوله : { إلا ما شاء الله } على التأويلين استثناء إما من ~~عموم الأزمنة التي دل عليها قوله : { خالدين فيها } إذ الخلود هو إقامة ~~الأبد والأبد يعم الأزمان كلها ، ف ( ما ) ظرفية مصدرية فلذلك يكون الفعل ~~بعدها في تأويل مصدر ، أي إلا وقت مشيئة الله إزالة خلودكم ، وإما من عموم ~~الخالدين الذي في ضمير { خالدين } أي إلا فريقا شاء الله أن لا يخلدوا في ~~النار . # وبهذا صار معنى الآية ms2830 موضع إشكال عند جميع المفسرين ، من حيث ما تقرر في ~~الكتاب والسنة وإجماع الأمة ؛ أن المشركين لا يغفر لهم وأنهم مخلدون في ~~النار بدون استثناء فريق ولا زمان . # وقد أحصيت لهم عشرة تأويلات ، بعضها لا يتم ، وبعضها بعيد إذا جعل قوله : ~~{ إلا ما شاء الله } من تمام ما يقال للمشركين وأوليائهم في الحشر ، ولا ~~يستقيم منها إلا واحد ، إذا جعل الاستثناء معترضا بين حكاية ما يقال ~~للمشركين في الحشر وبين ما خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم فيكون هذا ~~الاعتراض خطابا للمشركين الأحياء الذين يسمعون التهديد ، إعذارا لهم أن ~~يسلموا ، فتكون ( ما ) مصدرية غير ظرفية : أي إلا مشيئة الله عدم خلودهم ، ~~أي حال مشيئته . وهي حال توفيقه بعض المشركين للإسلام في حياتهم ، ويكون ~~هذا بيانا وتحقيقا للمنقول عن ابن عباس : استثنى الله قوما سبق في علمه ~~أنهم يسلمون . وعنه أيضا : هذه الآية توجب الوقف في جميع PageV08P071 ~~الكفار ، وإذا صح ما نقل عنه وجب تأويله بأنه صدر منه قبل علمه بإجماع أهل ~~العلم على أن المشركين لا يغفر لهم . # ولك أن تجعل ( ما ) على هذا الوجه موصولة ، فإنها قد تستعمل للعاقل بكثرة ~~. وإذا جعل قوله : { خالدين } من جملة المقول في الحشر كان تأويل الآية : ~~أن الاستثناء لا يقصد به إخراج أوقات ولا حالة ، وإنما هو كناية ، يقصد منه ~~أن هذا الخلود قدره الله تعالى ، مختارا لا مكره له عليه ، إظهارا لتمام ~~القدرة ومحض الإرادة ، كأنه يقول : لو شئت لأبطلت ذلك . وقد يعضد هذا بأن ~~الله ذكر نظيره في نعيم أهل الجنة في قوله : { فأما الذين شقوا ففي النار ~~لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك ~~إن ربك فعال لما يريد وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت ~~السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ } ( هود : 106 ، 108 ) ~~فانظر كيف عقب قوله : { إلا ما شاء ربك } في عقاب أهل الشقاوة بقوله : { إن ~~ربك فعال لما يريد } ( هود : 107 ) وكيف عقب ms2831 قوله : { إلا ما شاء ربك } في ~~نعيم أهل السعادة بقوله : { عطاء غير مجذوذ } ( هود : 108 ) فأبطل ظاهر ~~الاستثناء بقوله : { عطاء غير مجذوذ } فهذا معنى الكناية بالاستثناء ، ثم ~~المصير بعد ذلك إلى الأدلة الدالة على أن خلود المشركين غير مخصوص بزمن ولا ~~بحال . ويكون هذا الاستثناء من تأكيد الشيء بما يشبه ضده . # وقوله : { إن ربك حكيم عليم } تذييل ، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ~~فإن كان قوله : { خالدين فيها إلا ما شاء الله } من بقية المقول لأولياء ~~الجن في الحشر كان قوله : { إن ربك حكيم عليم } جملة معترضة بين الجمل ~~المقولة ، لبيان أن ما رتبه الله على الشرك من الخلود رتبه بحكمته وعلمه ، ~~وإن كان قوله : { خالدين } إلخ كلاما مستقلا معترضا كان قوله : { إن ربك ~~حكيم عليم } تذييلا للاعتراض ، وتأكيدا للمقصود PageV08P072 من المشيئة من ~~جعل استحقاق الخلود في العذاب منوطا بالموافاة على الشرك . وجعل النجاة من ~~ذلك الخلود منوطة بالإيمان . # والحكيم : هو الذي يضع الأشياء في مناسباتها ، والأسباب لمسبباتها . ~~والعليم : الذي يعلم ما انطوى عليه جميع خلقه من الأحوال المستحقة للثواب ~~والعقاب . # # | 2 ( 129 ) { وكذالك نولى بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون } . ) 2 # وهو من تمام الاعتراض ، أو من تمام التذييل ، على ما تقدم من الاحتمالين ~~، الواو للحال : اعتراضية ، كما تقدم ، أو للعطف على قوله : { إن ربك حكيم ~~عليم } ( الأنعام : 128 ) . # والإشارة إلى التولية المأخوذة من : { نولى } ، وجاء اسم الإشارة ~~بالتذكير لأن تأنيث التولية لفظي لا حقيقي ، فيجوز في إشارته ما جاز في ~~فعله الرافع للظاهر ، والمعنى : وكما ولينا ما بين هؤلاء المشركين وبين ~~أوليائهم نولي بين الظالمين كلهم بعضهم مع بعض . # والتولية يجيء من الولاء ومن الولاية ، لأن كليهما يقال في فعله المتعدي ~~: ولى ، بمعنى جعل وليا ، فهو من باب أعطى يتعدى إلى مفعولين ، كذا فسروه ، ~~وظاهر كلامهم أنه يقال : وليت ضبة تميما إذا حالفت بينهم ، وذلك أنه يقال : ~~تولت ضبة تميما بمعنى حالفتهم ، فإذا عدي الفعل بالتضعيف قيل : وليت ضبة ~~تميما ، فهو من قبيل قوله : { نوله ما تولى } ( النساء ms2832 : 115 ) أي نلزمه ما ~~ألزم نفسه فيكون معنى : { نولى بعض الظالمين بعضا } نجعل بعضهم أولياء بعض ~~، ويكون ناظرا إلى قوله : { وقال أولياؤهم من الإنس } ( الأنعام : 128 ) . ~~وجعل الفريقين ظالمين لأن الذي يتولى قوما يصير منهم ، PageV08P073 فإذا ~~جعل الله فريقا أولياء للظالمين فقد جعلهم ظالمين بالأخارة ، قال تعالى : { ~~ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار } ( هود : 113 ) وقال : { بعضهم ~~أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين } ( ~~المائدة : 51 ) . # ويقال : ولى ، بمعنى جعل واليا ، فيتعدى إلى مفعولين من باب أعطى أيضا ، ~~يقال : ولى عمر أبا عبيدة الشام ، كما يقال : أولاه ، لأنه يقال : ولي أبو ~~عبيدة الشام ، ولذلك قال المفسرون : يجوز أن يكون معنى : { نولى بعض ~~الظالمين بعضا } نجعل بعضهم ولاة على بعض ، أي نسلط بعضهم على بعض ، ~~والمعنى أنه جعل الجن وهم ظالمون مسلطين على المشركين ، والمشركون ظالمون ، ~~فكل يظلم بمقدار سلطانه . والمراد : ب { الظالمين } في الآية المشركون ، ~~كما هو مقتضى التشبيه في قوله : { وكذلك } . # وقد تشمل الآية بطريق الإشارة كل ظالم ، فتدل على أن الله سلط على ~~الظالمم من يظلمه ، وقد تأولها على ذلك عبد الله بن الزبير أيام دعوته بمكة ~~فإنه لما بلغه أن عبد الملك بن مروان قتل عمرا بن سعيد الأشدق بعد أن خرج ~~عمرو عليه ، صعد المنبر فقال : ( ألا إن ابن الزرقاء يعني عبد الملك بن ~~مروان ؛ لأن مروان كان يلقب بالأزرق وبالزرقاء لأنه أزرق العينين قد قتل ~~لطيم الشيطان { وكذلك نولى بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون } . ومن أجل ~~ذلك قيل : إن لم يقلع الظالم عن ظلمه سلط عليه ظالم آخر . قال الفخر : إن ~~أراد الرعية أن يتخلصوا من أمير ظالم ؛ فليتركوا الظلم . وقد قيل : # وما ظالم إلا سيبلى بظالم # وقوله : { بما كانوا يكسبون } الباء للسببية ، أي جزاء على استمرار شركهم ~~. PageV08P074 # والمقصود من الآية الاعتبار والموعظة ، والتحذير مع الاغترار بولاية ~~الظالمين . وتوخي الأتباعع صلاح المتبوعين . وبيان سنة من سنن الله في ~~العالمين . # # | 2 ( 130 ) { يامعشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل ms2833 منكم يقصون عليكم آياتي ~~وينذرونكم لقآء يومكم هاذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحيواة الدنيا ~~وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين } . ) 2 # هذا من جملة المقاولة التي تجري يوم الحشر ، وفصلت الجملة لأنها في مقام ~~تعداد جرائمهم التي استحقوا بها الخلود ، إبطالا لمعذرتهم ، وإعلانا بأنهم ~~محقوقون بما جزوا به ، فأعاد نداءهم كما ينادى المندد عليه الموبخ فيزداد ~~روعا . # والهمزة في { ألم يأتيكم } للاستفهام التقريري ، وإنما جعل السؤال عن نفي ~~إتيان الرسل إليهم لأن المقرر إذا كان حاله في ملابسة المقرر عليه حال من ~~يظن به أن يجيب بالنفي ، يؤتى بتقريره داخلا على نفي الأمر الذي المراد ~~إقراره بإثباته ، حتى إذا أقر بإثباته كان إقراره أقطع لعذره في المؤاخذة ~~به ، كما يقال للجاني : ألست الفاعل كذا وكذا ، وألست القائل كذا ، وقد ~~يسلك ذلك في مقام اختبار مقدار تمكن المسؤول المقرر من اليقين في المقرر ~~عليه ، فيؤتى بالاستفهام داخلا على نفي الشيء المقرر عليه ، حتى إذا كانت ~~له شبهة فيه ارتبك وتلعثم . ومنه قوله تعالى : { وأشهدهم على أنفسهم ألست ~~بربكم } ( الأعراف : 172 ) ، ولما كان حال هؤلاء الجن والإنس في التمرد على ~~الله ، ونبذ العمل الصالح ظهريا ، والإعراض عن الإيمان ، حال من لم يطرق ~~سمعه أمر بمعروف ولا نهي عن منكر ، جيء PageV08P075 في تقريرهم على بعثة ~~الرسل إليهم بصيغة الاستفهام عن نفي مجيء الرسل إليهم ، حتى إذا لم يجدوا ~~لإنكار مجيء الرسل مساغا ، واعترفوا بمجيئهم ، كان ذلك أحرى لأخذهم بالعقاب ~~. # والرسل : ظاهره أنه جمع رسول بالمعنى المشهور في اصطلاح الشرع ، أي مرسل ~~من الله إلى العباد بما يرشدهم إلى ما يجب عليهم : من اعتقاد وعمل ، ويجوز ~~أن يكون جمع رسول بالمعنى اللغوي وهو من أرسله غيره كقوله تعالى : { إذ ~~جاءها المرسلون } ( يس : 13 ) وهم رسل الحواريين بعد عيسى . # فوصف الرسل بقوله : { منكم } لزيادة إقامة الحجة ، أي رسل تعرفونهم ~~وتسمعونهم ، فيجوز أن يكون ( من ) اتصالية مثل التي في قولهم : لست منك ~~ولست مني ، وليست للتبعيض ، فليست مثل التي في قوله : { هو الذي بعث في ms2834 ~~الأميين رسولا منهم } ( الجمعة : 2 ) وذلك أن رسل الله لا يكونون إلا من ~~الإنس ، لأن مقام الرسالة عن الله لا يليق أن يجعل إلا في أشرف الأجناس من ~~الملائكة والبشر ، وجنس الجن أحط من البشر لأنهم خلقوا من نار . # وتكون ( من ) تبعيضية ، ويكون المراد بضمير : { منكم } خصوص الإنس على ~~طريقة التغليب ، أو عود الضمير إلى بعض المذكور قبله كما في قوله تعالى : { ~~يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان } ( الرحمن : 22 ) وإنما يخرج اللؤلؤ والمرجان ~~من البحر الملح . فأما مؤاخذة الجن بمخالفة الرسل فقد يخلق الله في الجن ~~إلهاما بوجوب الاستماع إلى دعوة الرسل والعمل بها ، كما يدل عليه قوله ~~تعالى في سورة الجن : { قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا ~~سمعنا قرآنا عجبا } ( الجن : 1 ) الآية ، وقال في سورة الأحقاف ( 30 ، 31 ) ~~: { قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه ~~يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر ~~لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم ذلك أن الظواهر تقتضي أن الجن لهم اتصال ~~بهذا العالم واطلاع على أحوال أهله : إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم ~~} ( الأعراف : 27 ) PageV08P076 فضعف قول من قال بوجود رسل من الجن إلى ~~جنسهم ، ونسب إلى الضحاك ، ولذلك فقوله : { ألم يأتيكم } مصروف عن ظاهره من ~~شموله الإنس والجن ، ولم يرد عن النبيء صلى الله عليه وسلم ما يثبت به أن ~~الله أرسل رسلا من الجن إلى جنسهم ، ويجوز أن يكون رسل الجن طوائف منهم ~~يستمعون إلى الأنبياء ويفهمون ما يدعون إليه ويبلغون ذلك إلى أقوامهم ، كما ~~تقتضيه الآية في سورة الأحقاف ؛ فمؤاخذة الجن على الإشراك بالله يقتضيها ~~بلوغ توحيد الله إلى علمهم لأن أدلة الوحدانية عقلية لا تحتاج إلا إلى ما ~~يحرك النظر . فلما خلق الله للجن علما بما تجيء به رسل الله من الدعاء إلى ~~النظر في التوحيد فقد توجهت عليهم المؤاخذة بترك الإيمان بوحدانية الله ~~تعالى فاستحقوا العذاب على الإشراك ms2835 دون توقف على توجيه الرسل دعوتهم إليهم ~~. # ومن حسن عبارات أيمتنا أنهم يقولون : الإيمان واجب على من بلغته الدعوة ، ~~دون أن يقولوا : على من وجهت إليه الدعوة . وطرق بلوغ الدعوة عديدة ، ولم ~~يثبت في القرآن ولا في صحيح الآثار أن النبيء محمدا صلى الله عليه وسلم ولا ~~غيره من الرسل ، بعث إلى الجن لانتفاء الحكمة من ذلك ، ولعدم المناسبة بين ~~الجنسين ، وتعذر تخالطهما ، وعن الكلبي أن محمدا صلى الله عليه وسلم بعث ~~إلى الإنس والجن ، وقاله ابن حزم ، واختاره أبو عمر ابن عبد البر ، وحكى ~~الاتفاق عليه : فيكون من خصائص النبيء محمد صلى الله عليه وسلم تشريفا ~~لقدره . والخوض في هذا ينبغي للعالم أن يربأ بنفسه عنه لأنه خوض في أحوال ~~عالم لا يدخل تحت مدركاتنا ، فإن الله أنبأنا بأن العوالم كلها خاضعة ~~لسلطانه . حقيق عليها طاعته ، إذا كانت مدركة صالحة للتكليف . # والمقصود من الآية التي نتكلم عليها إعلام المشركين بأنهم مأمورون ~~بالتوحيد والإسلام وأن أولياءهم من شياطين الإنس والجن غير مفلتين من ~~المؤاخذة على نبذ الإسلام . بله أتباعهم ودهمائهم . فذكر الجن مع الإنس في ~~قوله : { يا معشر الجن والإنس } يوم القيامة لتبكيت المشركين وتحسيرهم على ~~ما فرط منهم في الدنيا من عبادة الجن أو الالتجاء إليهم ، PageV08P077 على ~~حد قوله تعالى : { ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أنتم أضللتم ~~عبادي هؤلاء } ( الفرقان : 17 ) وقوله : { وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم ~~أنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله } ( المائدة : 116 ) . # والقص كالقصص : الإخبار ، ومنه القصة للخبر ، والمعنى : يخبرونكم الأخبار ~~الدالة على وحدانية الله وأمره ونهيه ووعده ووعيده ، فسمى ذلك قصا ؛ لأن ~~أكثره أخبار عن صفات الله تعالى وعن الرسل وأممهم وما حل بهم وعن الجزاء ~~بالنعيم أو العذاب . فالمراد من الآيات آيات القرآن والأقوال التي تتلى ~~فيفهمها الجن بإلهام ، كما تقدم آنفا ، ويفهمها الإنس ممن يعرف العربية ~~مباشرة ومن لا يعرف العربية بالترجمة . # والإنذار : الإخبار بما يخيف ويكره ، وهو ضد البشارة ، وتقدم عند قوله ~~تعالى : { إنا ms2836 أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا في سورة البقرة ( 119 ) ، وهو ~~يتعدى إلى مفعول بنفسه وهو الملقى إليه الخبر ، ويتعدى إلى الشيء المخبر ~~عنه : بالباء ، وبنفسه ، يقال : أنذرته بكذا وأنذرته كذا ، قال تعالى : ~~فأنذرتكم نارا تلظى } ( الليل : 14 ) ، { فقل أنذرتكم صاعقة } ( فصلت : 13 ~~) ، { وتنذر يوم الجمع } ( الشورى : 7 ) ولما كان اللقاء يوم الحشر يتضمن ~~خيرا لأهل الخير وشرا لأهل الشر ، وكان هؤلاء المخاطبون قد تمحضوا للشر ، ~~جعل إخبار الرسل إياهم بلقاء ذلك اليوم إنذارا لأنه الطرف الذي تحقق فيهم ~~من جملة إخبار الرسل إياهم ما في ذلك اليوم وشره . ووصف اليوم باسم الإشارة ~~في قوله : { يومكم هذا } لتهويل أمر ذلك بما يشاهد فيه ، بحيث لا تحيط ~~العبارة بوصفه ، فيعدل عنها إلى الإشارة كقوله : { هذه النار التي كنتم بها ~~تكذبون } ( الطور : 14 ) . # ومعنى قولهم : { شهدنا على أنفسنا } الإقرار بما تضمنه الاستفهام من ~~إتيان الرسل إليهم ، وذلك دليل على أن دخول حرف النفي في جملة الاستفهام ~~ليس المقصود منه إلا قطع المعذرة وأنه أمر لا يسع المسؤول نفيه ، فلذلك ~~أجملوا الجواب : { قالوا شهدنا على أنفسنا } ، أي أقررنا بإتيان الرسل ~~إلينا . PageV08P078 # واستعملت الشهادة في معنى الإقرار لأن أصل الشهادة الإخبار عن أمر تحققه ~~المخبر وبينه ، ومنه : { شهد الله أنه لا إلاه إلا هو والملائكة وأولوا ~~العلم قائما بالقسط } ( آل عمران : 18 ) . وشهد عليه ، أخبر عنه خبر ~~المتثبت المتحقق ، فلذلك قالوا : { شهدنا على أنفسنا } أي أقررنا بإتيان ~~الرسل إلينا . ولا تنافي بين هذا الإقرار وبين إنكارهم الشرك في قوله : { ~~إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين } ( الأنعام : 23 ) لاختلاف المخبر ~~عنه في الآيتين . وفصلت جملة : { قالوا } لأنها جارية في طريقة المحاورة . # وجملة { وغرتهم الحياة الدنيا } معطوفة على جملة : { قالوا شهدنا } ~~باعتبار كون الأولى خبرا عن تبين الحقيقة لهم ، وعلمهم حينئذ أنهم عصوا ~~الرسل ومن أرسلهم . وأعرضوا عن لقاء يومهم ذلك . فعلموا وعلم السامع لخبرهم ~~أنهم ما وقعوا في هذه الربقة إلا لأنهم غرتهم الحياة الدنيا ، ولولا ذلك ~~الغرور لما كان عملهم مما يرضاه العاقل لنفسه ms2837 . # والمراد بالحياة أحوالها الحاصلة لهم : من اللهو ، والتفاخر ، والكبر ، ~~والعناد . والاستخفاف بالحقائق ، والاغترار بما لا ينفع في العاجل والآجل . ~~والمقصود من هذا الخبر عنهم كشف حالهم ، وتحذير السامعين من دوام التورط في ~~مثله . فإن حالهم سواء . # وجملة : { وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين } معطوفة على جملة : { ~~وغرتهم الحياة الدنيا } وهو خبر مستعمل في التعجيب من حالهم ، وتخطئة رأيهم ~~في الدنيا . وسوء نظرهم في الآيات ، وإعراضهم عن التدبر في العواقب . وقد ~~رتب هذا الخبر على الخبر الذي قبله ، وهو اغترارهم بالحياة الدنيا ، لأن ~~ذلك الاغترار كان السبب في وقوعهم في هذه الحال حتى استسلموا وشهدوا على ~~أنفسهم أنهم كانوا في الدنيا كافرين بالله ، فأما الإنس فلأنهم أشركوا به ~~وعبدوا الجن ، وأما الجن فلأنهم أغروا PageV08P079 الإنس بعبادتهم ووضعوا ~~أنفسهم شركاء لله تعالى ، فكلا الفريقين من هؤلاء كافر ، وهذا مثل ما أخبر ~~الله عنهم أو عن أمثالهم بمثل هذا الخبر التعجيبي في قوله : { وقالوا لو ~~كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير فاعترفوا بذنبهم } ( الملك : 10 ، ~~11 ) . فانظر كيف فرع على قولهم أنهم اعترفوا بذنبهم ، مع أن قولهم هو عين ~~الاعتراف ، فلا يفرع الشيء عن نفسه ، ولكن أريد من الخبر التعجيب من حالهم ~~، والتسميع بهم ، حين ألجئوا إلى الاعتراف في عاقبة الأمر . # وشهادتهم على أنفسهم بالكفر كانت بعد التمحيص والإلجاء ، فلا تنافي أنهم ~~أنكروا الكفر في أول أمر الحساب ، إذ قالوا : { والله ربنا ما كنا مشركين } ~~( الأنعام : 23 ) . قال سعيد بن جبير : قال رجل لابن عباس : ( إني أجد ~~أشياء تختلف علي قال الله : { ولا يكتمون الله حديثا } ( النساء : 42 ) ، ~~وقال : { إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين } ( الأنعام : 23 ) ، فقد ~~كتموا . فقال ابن عباس : إن الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم ، فقال المشركون ~~: تعالوا نقل : ما كنا مشركين ، فختم الله على أفواههم فتنطق أيديهم ) . # # | 2 ( 131 ) { ذالك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون } . ) 2 # استئناف ابتدائي ، تهديد وموعظة ، وعبرة بتفريط أهل الضلالة في فائدة ~~دعوة الرسل ، وتنبيه لجدوى ms2838 إرسال الرسل إلى الأمم ليعيد المشركون نظرا في ~~أمرهم ، ما داموا في هذه الدار ، قبل يوم الحشر ، ويعلموا أن عاقبة الإعراض ~~عن دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم خسرى ، فيتداركوا أمرهم خشية الفوات ، ~~وإنذار باقتراب نزول العذاب بهم ، وإيقاظ للمشركين بأن حالهم كحال المتحدث ~~عنهم إذا ماتوا على شركهم . # والإشارة بقوله : { ذالك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون } ~~إلى مذكور في الكلام السابق ، وهو أقرب مذكور ، كما هو شأن الإشارة إلى غير ~~محسوس ، فالمشار إليه هو المذكور PageV08P080 قبل ، أو هو إتيان الرسل الذي ~~جرى الكلام عليه في حكاية تقرير المشركين في يوم الحشر عن إتيان رسلهم ~~إليهم ، وهو المصدر المأخوذ من قوله : { ألم يأتكم رسل منكم } ( الأنعام : ~~130 ) فإنه لما حكى ذلك القول للناس السامعين ، صار ذلك القول المحكي ~~كالحاضر ، فصح أن يشار إلى شيء يؤخذ منه . واسم الإشارة إما مبتدأ أو خبر ~~لمحذوف تقديره : ذلك الأمر أو الأمر ذلك ، كما يدل عليه ضمير الشأن المقدر ~~بعد ( أن ) . # و { أن } مخففة من الثقيلة ، واسمها ضمير شأن محذوف ، كما هو استعمالها ~~عند التخفيف ، وذلك لأن هذا الخبر له شأن يجدر أن يعرف والجملة خبر { أن } ~~، وحذفت لام التعليل الداخلة على { أن } : لأن حذف جار { أن } كثير شائع ، ~~والتقدير : ذلك الأمر ، أو الأمر ذلك ، لأنه أي الشأن لم يكن ربك مهلك ~~القرى . # وجملة : { لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون } هو شأن عظيم من ~~شؤون الله تعالى ، وهو شأن عدله ورحمته ، ورضاه لعباده الخير والصلاح ، ~~وكراهيته سوء أعمالهم ، وإظهاره أثر ربوبيته إياهم بهدايتهم إلى سبل الخير ~~، وعدم مباغتتهم بالهلاك قبل التقدم إليهم بالإنذار والتنبيه . # وفي الكلام إيجاز إذ علم منه : أن الله يهلك القرى المسترسل أهلها على ~~الشرك إذا أعرضوا عن دعوة الرسل ، وأنه لا يهلكهم إلا بعد أن يرسل إليهم ~~رسلا منذرين ، وأنه أراد حمل تبعة هلاكهم عليهم ، حتى لا يبقى في نفوسهم أن ~~يقولوا : لولا رحمنا ربنا فانبأنا وأعذر إلينا ، كما قال تعالى : { ولو أنا ~~أهلكناهم ms2839 بعذاب من قبله } ( أي قبل محمد صلى الله عليه وسلم أو قبل القرآن ~~) { لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك PageV08P081 من قبل أن ~~نذل ونخزى } ( طه : 134 ) فاقتصر من هذا المعنى على معنى أن علة الإرسال هي ~~عدم إهلاك القرى على غفلة ، فدل على المعنى المحذوف . # والإهلاك : إعدام ذات الموجود وإماتة الحي . قال تعالى : { ليهلك من هلك ~~عن بينة ويحيى من حيي عن بينة } ( الأنفال : 42 ) فإهلاك القرى إبادة أهلها ~~وتخريبها ، وإحياؤها إعادة عمرانها بالسكان والبناء ، قال تعالى : { أنى ~~يحيي هذه ( أي القرية ) الله بعد موتها } ( البقرة : 259 ) . وإهلاك الناس ~~: إبادتهم ، وإحياؤهم إبقاؤهم ، فمعنى إهلاك القرى هنا شامل لإبادة سكانها ~~. لأن الإهلاك تعلق بذات القرى ، فلا حاجة إلى التمجز في إطلاق القرى على ~~أهل القرى ( كما في : و { اسأل القرية } ( يوسف : 82 ) ) لصحة الحقيقة هنا ~~، ولأنه يمنع منه قوله : { وأهلها غافلون } . ألا ترى إلى قوله تعالى : { ~~وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول ~~فدمرناها تدميرا } ( الإسراء : 16 ) فجعل إهلاكها تدميرها ، وإلى قوله : { ~~ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء أفلم يكونوا يرونها } ( الفرقان ~~: 40 ) . # والباء في : { بظلم } للسببية ، والظلم : الشرك ، أي مهلكهم بسبب شرك يقع ~~فيها فيهلكها ويهلك أهلها الذين أوقعوه ، ولذلك لم يقل : بظلم أهلها ، لأنه ~~أريد أن وجود الظلم فيها سبب هلاكها ، وهلاك أهلها بالأحرى لأنهم المقصود ~~بالهلاك . # وجملة : { وأهلها غافلون } حال من { القرى } . وصرح هنا ب { أهلها } ~~تنبيها على أن هلاك القرى من جراء أفعال سكانها ، { فتلك بيوتهم خاوية بما ~~ظلموا } ( النمل : 52 ) . # # | 2 ( 132 ) { ولكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما يعملون } . ) 2 # PageV08P082 # احتراس على قوله : { ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم } ( الأنعام : ~~131 ) للتنبيه على أن الصالحين من أهل القرى الغالبب على أهلها الشرك ~~والظلم لا يحرمون جزاء صلاحهم . # والتنوين في : { ولكل } عوض عن المضاف إليه : أي ولكلهم ، أي كل أهل ~~القرى المهلكة درجات . يعني أن أهلها تتفاوت أحوالهم في الآخرة . فالمؤمنون ~~منهم لا يضاع ms2840 إيمانهم . والكافرون يحشرون إلى العذاب في الآخرة . بعد أن ~~عذبوا في الدنيا . فالله قد ينجي المؤمنين من أهل القرى قبل نزول العذاب . ~~فتلك درجة نالوها في الدنيا ، وهي درجة إظهار عناية الله بهم ، وترفع ~~درجتهم في الآخرة . والكافرون يحيق بهم عذاب الإهلاك ثم يصيرون إلى عذاب ~~الآخرة . وقد تهلك القرية بمؤمنيها ثم يصيرون إلى النعيم فيظهر تفاوت ~~درجاتهم في الآخرة ، وهذه حالة أخرى وهي المراد بقوله تعالى : { واتقوا ~~فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة } ( الأنفال : 25 ) روى البخاري ، ~~ومسلم ، عن ابن عمر ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إذا أنزل الله ~~بقوم عذابا أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا على أعمالهم ) . وفي حديث ~~عائشة رضي الله عنها عند البيهقي في ( الشعب ) مرفوعا أن الله تعالى إذا ~~أنزل سطوته بأهلل نقمته وفيهم الصالحون قبضوا معهم ثم بعثوا على نياتهم ~~وأعمالهم ، صححه ابن حبان . وفي ( صحيح البخاري ) ، من حديث زينب بنت جحش ~~أم المؤمنين رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ويل ~~للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم ياجوج وماجوج هكذا وعقد تسعين ( أي ~~عقد أصبعين بعلامة تسعين في الحساب المعبر عنه بالعقد بضم العين وفتح القاف ~~) قيل : أنهلك وفينا الصالحون ، قال : نعم إذا كثر الخبث ) . # والدرجات هي ما يرتقى عليه من أسفل إلى أعلى ، في سلم أو بناء ، وإن قصد ~~بها النزول إلى محل منخفض من جب أو نحوه فهي دركات ، PageV08P083 ولذلك قال ~~تعالى : { يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات } ( ~~المجادلة : 11 ) وقال : { إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار } ( ~~النساء : 145 ) ولما كان لفظ ( كل ) مرادا به جميع أهل القرية ، وأتى بلفظ ~~{ الدرجات } كان إيماء إلى تغليب حال المؤمنين لتطمئن نفوس المسلمين من أهل ~~مكة بأنهم لا بأس عليهم من عذاب مشركيها ، ففيه إيماء إلى أن الله منجيهم ~~من العذاب : في الدنيا بالهجرة ، وفي الآخرة بحشرهم على أعمالهم ونياتهم ~~لأنهم لم يقصروا في الإنكار على المشركين ، ففي ms2841 هذه الآية إيذان بأنهم ~~سيخرجون من القرية التي حق على أهلها العذاب ، فإن الله أصاب أهل مكة ~~بالجوع والخوف ثم بالغزو بعد أن أنجى رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين . ~~وقد علم من الدرجات أن أسافلها دركات فغلب درجات لنكتة الإشعار ببشارة ~~المؤمنين بعد نذارة المشركين . و { من } في قوله { مما عملوا } تعليلية ، ~~أي من أعمالهم أي بسبب تفاوت أعمالهم . # وقوله : { وما ربك بغافل عما يعملون } خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم # وقرأ الجمهور : { يعلمون } بياء الغيبة فيعود الضمير إلى أهل القرى ، ~~والمقصود مشركو مكة ، فهو للتسلية والتطمين لئلا يستبطىء وعد الله بالنصر ، ~~وهو تعريض بالوعيد للمشركين من باب : واسمعي يا جارة . وقرأه ابن عامر بتاء ~~الخطاب ، فالخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين ، فهو وعد ~~بالجزاء على صالح أعمالهم ، ترشيحا للتعبير بالدرجات حسبما قدمناه ، ليكون ~~سلا لهم من وعيد أهل القرى أصحاب الظلم ، وكلتا القراءتين مراد الله تعالى ~~فيما أحسب . # # | 2 ( 133 ) { وربك الغنى ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما ~~يشآء كمآ أنشأكم من ذرية قوم ءاخرين } . ) 2 # PageV08P084 ( هذه الآية مكررة # { وربك الغنى ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشآء كمآ ~~أنشأكم من ذرية قوم ءاخرين } . ) # عطفت جملة : { وربك الغني } على جملة : { وما ربك بغافل عما يعملون } ( ~~الأنعام : 132 ) إخبارا عن علمه ورحمته على الخبر عن عمله ، وفي كلتا ~~الجملتين وعيد ووعد ، وفي الجملة الثانية كناية عن غناه تعالى عن إيمان ~~المشركين وموالاتهم كما في قوله : { إن تكفروا فإن الله غني عنكم } ( الزمر ~~: 7 ) ، وكناية عن رحمته إذ أمهل المشركين ولم يعجل لهم العذاب ، كما قال : ~~{ وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب في سورة ~~الكهف ( 58 ) . # وقوله : وربك } إظهار ، في مقام الإضمار ، ومقتضى الظاهر أن يقال : وهو ~~الغني ذو الرحمة ، فخولف مقتضى الظاهر لما في اسم الرب من دلالة على ~~العناية بصلاح المربوب ، ولتكون الجملة مستقلة بنفسها فتسير مسرى الأمثال ~~والحكم ، وللتنويه بشأن النبي صلى ms2842 الله عليه وسلم # والغني : هو الذي لا يحتاج إلى غيره ، والغني الحقيقي هو الله تعالى لأنه ~~لا يحتاج إلى غيره بحال ، وقد قال علماء الكلام : إن صفة الغنى الثابتة لله ~~تعالى يشمل معناها وجوب الوجود ، لأن افتقار الممكن إلى الموجد المختار ، ~~الذي يرجح طرف وجوده على طرف عدمه ، هو أشد الافتقار ، وأحسب أن معنى الغنى ~~لا يثبت في اللغة للشيء إلا باعتبار أنه موجود فلا يشمل معنى الغنى صفة ~~الوجود في متعارف اللغة . إلا أن يكون ذلك اصطلاحا للمتكلمين خاصا بمعنى ~~الغنى المطلق . ومما يدل على ما قلته أن من أسمائه تعالى المغني ، ولم ~~يعتبر في معناه أنه موجد الموجودات . وتقدم الكلام على معنى الغني عند قوله ~~تعالى : { إن يكن غنيا أو فقيرا في سورة النساء ( 135 ) . # وتعريف المسند باللام مقتض تخصيصه بالمسند إليه ، أي قصر الغنى على الله ~~، وهو قصر ادعائي باعتبار أن غنى غير الله تعالى لما كان غنى ناقصا نزل ~~منزلة العدم ، أي ربك الغني لا غيره ، وغناه تعالى حقيقي . وذكر وصف الغني ~~هنا تمهيد للحكم الوارد عقبه ، وهو : إن يشأ يذهبكم } فهو من تقديم الدليل ~~بين يدي الدعوى ، تذكيرا بتقريب حصول الجزم بالدعوى . PageV08P085 # و { ذو الرحمة } خبر ثان . وعدل عن أن يوصف بوصف الرحيم إلى وصفه بأنه : ~~{ ذو الرحمة } : لأن الغني وصف ذاتي لله لا ينتفع الخلائق إلا بلوازم ذلك ~~الوصف ، وهي جوده عليهم ، لأنه لا ينقص شيئا من غناه ، بخلاف صفة الرحمة ~~فإن تعلقها ينفع الخلائق ، فأوثرت بكلمة { ذو } لأن { ذو } كلمة يتوصل بها ~~إلى الوصف بالأجناس ، ومعناها صاحب ، وهي تشعر بقوة أو وفرة ما تضاف إليه ، ~~فلا يقال ذو إنصاف إلا لمن كان قوي الإنصاف ، ولا يقال ذو مال لمن عنده مال ~~قليل ، والمقصود من الوصف بذي الرحمة ، هنا تمهيد لمعنى الإمهال الذي في ~~قوله : { إن يشأ يذهبكم } ، أي فلا يقولن أحد لماذا لم يذهب هؤلاء المكذبين ~~، أي أنه لرحمته أمهلهم إعذارا لهم . # { إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشآء كمآ أنشأكم من ms2843 ذرية قوم ءاخرين ~~} . # استئناف لتهديد المشركين الذين كانوا يكذبون الإنذار بعذاب الإهلاك ، ~~فيقولون : { متى هذا الفتح إن كنتم صادقين } ( السجدة : 28 ) وذلك ما يؤذن ~~به قوله عقبه : { إن ما توعدون لآتت وما أنتم بمعجزين } ( الأنعام : 134 ) ~~. # فالخطاب يجوز أن يكون للنبيء صلى الله عليه وسلم والمقصود منه التعريض ~~بمن يغفل عن ذلك من المشركين ، ويجوز أن يكون إقبالا على خطاب المشركين ~~فيكون تهديدا صريحا . # والمعنى : إن يشأ الله يعجل بإفنائكم ويستخلف من بعدكم من يشاء ممن يؤمن ~~به كما قال : { وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم } ( ~~محمد : 38 ) أي فما إمهاله إياكم إلا لأنه الغني ذو الرحمة . PageV08P086 ~~وجملة الشرط وجوابه خبر ثالث عن المبتدأ . ومفعول : { يشأ } محذوف على ~~طريقته المألوفة في حذف مفعول المشيئة . # والإذهاب مجاز في الإعدام كقوله : { وإنا على ذهاب به لقادرون } ( ~~المؤمنون : 18 ) . # والاستخلاف : جعل الخلف عن الشيء ، والخلف : العوض عن شيء فائت ، فالسين ~~والتاء فيه للتأكيد ، و { ما } موصولة عامة ، أي : ما يشاء من مؤمنين أو ~~كافرين على ما تقتضيه حكمته ، وهذا تعريض بالاستئصال لأن ظاهر الضمير يفيد ~~العموم . # والتشبيه في قوله : { كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين } تشبيه في إنشاء ~~موجودات بعد موجودات أخرى ، لا في كون المنشئات مخرجة من بقايا المعدومات ، ~~ويجوز أن يكون التشبيه في إنشاء موجودات من بقايا معدومات كما أنشأ البشر ~~نشأة ثانية من ذرية من أنجاهم الله في السفينة مع نوح عليه السلام ، فيكون ~~الكلام تعريضا بإهلاك المشركين ونجاة المؤمنين من العذاب . # وكاف التشبيه في محل نصب نيابة عن المفعول المطلق ، لأنها وصف لمحذوف ~~تقديره : استخلافا كما أنشأكم ، فإن الإنشاء يصف كيفية الاستخلاف . و { من ~~} ابتدائية ، ومعنى الذرية واشتقاقها تقدم عند قوله تعالى : { قال ومن ~~ذريتي في سورة البقرة ( 124 ) . # ووصف قوم } ب { آخرين } للدلالة على المغايرة ، أي قوم ليسوا من قبائل ~~العرب ، وذلك تنبيه على عظيم قدرة الله تعالى أن ينشيء أقواما من أقوام ~~يخالفونهم في اللغة والعوائد والمواطن ، وهذا كناية عن تباعد العصور ، ~~وتسلسل المنشآت ms2844 لأن الاختلاف بين الأصول والفروع لا يحدث إلا في أزمنة ~~بعيدة ، فشتان بين أحوال قوم نوح وبين أحوال العرب المخاطبين ، وبين ذلك ~~قرون مختلفة متباعدة . # PageV08P087 # | 2 ( 134 ) { إن ما توعدون لأت ومآ أنتم بمعجزين } . ) 2 # هذه الجملة بدل اشتمال من جملة : { إن يشأ يذهبكم } ( الأنعام : 133 ) ~~فإن المشيئة تشتمل على حالين : حالل ترك إهلاكهم ، وحالل إيقاعه ، فأفادت ~~هذه الجملة أن مشيئة الله تعلقت بإيقاع ما أوعدهم به من الإذهاب ، ولك أن ~~تجعل الجملة استئنافا بيانيا : جوابا عن أن يقول سائل من المشركين ، متوركا ~~بالوعيد : إذا كنا قد أمهلنا وأخر عنا الاستئصال فقد أفلتنا من الوعيد ، ~~ولعله يلقاه أقوام بعدنا ، فورد قوله : { إن ما توعدون لأت } مورد الجواب ~~عن هذا السؤال الناشىء عن الكلام السابق بتحقيق أن ما أوعد به المشركون ، ~~واقع لا محالة وإن تأخر . # والتأكيد ب { أن } مناسب لمقام المتردد الطالب ، وزيادة التأكيد بلام ~~الابتداء لأنهم متوغلون في إنكار تحقق ما أوعدوا به من حصول الوعيد ~~واستسخارهم به ، فإنهم قالوا : { اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم } ( الأنفال : 32 ) إ فحاما ~~للرسول صلى الله عليه وسلم وإظهارا لتخلف وعيده . # وبناء { توعدون } للمجهول يصحح أن يكون الفعل مضارع وعد يعد ، أو مضارع ~~أوعد ، يوعد والمتبادر هو الأول . ومن بديع الفصاحة اختيار بنائه للمجهول ، ~~ليصلح لفظه لحال المؤمنين والمشركين ، ولو بني للمعلوم لتعين فيه أحد ~~الأمرين : بأن يقال : إن ما نعدكم ، أو إن ما نوعدكم ، وهذا من بديع ~~التوجيه المقصود منه أن يأخذ منه كل فريق من السامعين ما يليق بحاله ، ~~ومعلوم أن وعيد المشركين يستلزم وعدا للمؤمنين ، والمقصود الأهم هو وعيد ~~المشركين ، فلذلك عقب الكلام بقوله : { وما أنتم بمعجزين } فذلك كالترشيح ~~لأحد المحتملين من الكلام الموجه . PageV08P088 # والإتيان مستعار للحصول تشبيها للشيء الموعود به المنتظر وقوعه بالشخص ~~الغائب المنتظر إتيانه ، كما تقدم في قوله تعالى : { قل أرأيتكم إن أتاكم ~~عذاب الله بغتة أو جهرة في هذه السورة . # وحقيقة المعجز هو الذي ms2845 يجعل طالب شيء عاجزا عن نواله ، أي غير قادرين ، ~~ويستعمل مجازا في معنى الإفلات من تناول طالبه كما قال إياس بن قبيصة ~~الطائي : # ألم تر أن الأرض رحب فسيحة # فهل تعجزني بقعة من بقاعها # أي فلا تفلت مني بقعة منها لا يصل إليها العدو الذي يطالبني . فالمعنى : ~~وما أنتم بمعجزي أي : بمفلتين من وعيدي ، أو بخارجين عن قدرتي ، وهو صالح ~~للاحتمالين . # ومجيء الجملة اسمية في قوله : وما أنتم بمعجزين } لإفادة الثبات والدوام ~~، في نسبة المسند للمسند إليه ، وهي نسبة نفيه عن المسند إليه ، لأن ~~الخصوصيات التي تعتبر في حالة الإثبات تعتبر في حالة النفي إذ النفي إنما ~~هو كيفية للنسبة . والخصوصيات مقتضيات أحوالل التركيب ، وليس يختلف النفي ~~عن الإثبات إلا في اعتبار القيود الزائدة على أصل التركيب ، فإن النفي ~~يعتبر متوجها إليها خاصة وهي قيود مفاهيم المخالفة ، وإلا لبطلت خصوصيات ~~كثيرة مفروضة مع الإثبات ، إذا صار الكلام المشتمل عليها منفيا ، مثل إفادة ~~التجدد في المسند الفعلي في قول جؤية بن النضر : # لا يألف الدرهم المضروب صرتنا # لكن يمر عليها وهو منطق # إذ لا فرق في إفادة التجدد بين هذا المصراع ، وبين أن تقول : ألف الدرهم ~~صرتنا . وكذلك قوله تعالى : { لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن } ( الممتحنة ~~: 10 ) فإن الأول يفيد أن نفي حلهن لهم حكم ثابت لا يختلف ، والثاني يفيد ~~أن نفي حلهم لهن حكم متجدد لا ينسخ ، فهما اعتباران ، وقد أشرت إلى بعض هذا ~~عند تفسير قوله تعالى : { والله لا يحب كل كفار أثيم في سورة البقرة ( 276 ~~) . # PageV08P089 # | 2 ( 135 ) قل ياقوم اعملوا على مكانتكم إنى عامل فسوف تعلمون من تكون ~~له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون } . ) 2 # استئناف ابتدائي بعد قوله : { إن ما توعدون آت } ( الأنعام : 134 ) فإن ~~المقصود الأول منه هو وعيد المشركين ، كما مر ، فأعقبه بما تمحض لوعيدهم : ~~وهو الأمر المستعمل في الإنذار والتهديد ، ليملي لهم في ضلالهم إملاء يشعر ~~، في متعارف التخاطب ، بأن المأمور به مما يزيد المأمور استحقاقا للعقوبة ، ~~واقترابا منها ms2846 . أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يناديهم ويهددهم . ~~وأمر أن يبتدىء خطابهم بالنداء للاهتمام بما سيقال لهم ، لأن النداء يسترعي ~~إسماع المنادين ، وكان المنادي عنوان القوم لما يشعر به من أنه قد رق ~~لحالهم حين توعدهم بقوله : { إن ما توعدون لآتت وما أنتم بمعجزين } ( ~~الأنعام : 134 ) لأن الشأن أنه يحب لقومه ما يحب لنفسه . # والنداء : للقوم المعاندين بقرينة المقام ، الدال على أن الأمر للتهديد ، ~~وأن عملهم مخالف لعمله ، لقوله : { اعملوا } مع قوله { إني عامل } . # فالأمر في قوله : { اعملوا } للتسوية والتخلية لإظهار اليأس من امتثالهم ~~للنصح بحيث يغير ناصحهم نصحهم إلى الإطلاق لهم فيما يحبون أن يفعلوا ، ~~كقوله تعالى : { اعملوا ما شئتم } ( فصلت : 40 ) وهذا الاستعمال استعارة إذ ~~يشبه المغضوب عليه المأيوس من ارعوائه بالمأمور بأن يفعل ما كان ينهى عنه ، ~~فكأن ذلك المنهي صار واجبا ، وهذا تهكم . # والمكانة : المكان ، جاء على التأنيث مثل ما جاء المقامة للمقام ، ~~والدارة اسما للدار ، والماءة للماء الذي ينزل حوله ، يقال : أهل الماء ~~وأهل الماءة . والمكانة هنا مستعارة للحالة التي تلبس بها المرء ، تشبه ~~الحالة في إحاطتها وتلبس صاحبها بها بالمكان الذي يحوي الشيء ، كما تقدم ~~PageV08P090 اطلاق الدار آنفا في قوله تعالى : { لهم دار السلام } ( ~~الأنعام : 127 ) ، أو تكون المكانة كناية عن الحالة لأن أحوال المرء تظهر ~~في مكانه ومقره ، فلذلك يقال : ( يا فلان على مكانتك ) أي أثبت على ما أنت ~~عليه لا تنحرف عنه . # ومفعول { اعملوا } محذوف لأن الفعل نزل منزلة اللازم ، أي اعملوا عملكم ~~المألوف الذي هو دأبكم ، وهو الإعراض والتكذيب بالحق . # و { على } مستعملة في التمكن على وجه الاستعارة التبعية ، وهي مناسبة ~~لاستعارة المكانة للحالة . لأن العلاوة تناسب المكان ، فهي ترشيح للاستعارة ~~، مستعار من ملائم المشبه به لملائم المشبه . والمعنى : الزموا حالكم فلا ~~مطمع لي في اتباعكم . # وقرأ الجمهور : { على مكانتكم } بالإفراد . وقرأه أبو بكر عن عاصم : { ~~مكاناتكم } جمع مكانة . والجمع باعتبار جمع المضاف إليه . # وجملة : { إني عامل } تعليل لمفاد التسوية من الأمر في قوله : { اعملوا } ~~أي لا يضرني تصميمكم ms2847 على ما أنتم عليه ، لكني مستمر على عملي ، أي أني غير ~~تارك لما أنا عليه من الإيمان والدعاء إلى الله . وحذف متعلق : { إني عامل ~~} للتعميم مع الاختصار ، وسيأتي تفصيله في نظيره من سورة الزمر . # ورتب على عملهم وعمله الإنذار بالوعيد { فسوف تعلمون } بفاء التفريع ~~للدلالة على أن هذا الوعيد متفرع على ذلك التهديد . # وحرف التنفيس مراد منه تأكيد الوقوع لأن حرفي التنفيس يؤكدان المستقبل ~~كما تؤكد ( قد ) الماضي ، ولذلك قال سيبويه في الكلام على ( لن ) : إنها ~~لنفي سيفعل ، فأخذ منه الزمخشري إفادتها تأكيد النفي . PageV08P091 وهذا ~~صريح في التهديد ، لأن إخبارهم بأنهم سيعلمون يفيد أنه يعلم وقوع ذلك لا ~~محالة ، وتصميمه على أنه عامل على مكانته ومخالف لعملهم يدل على أنه موقن ~~بحسن عقباه وسوء عقباهم ، ولولا ذلك لعمل عملهم ، لأن العاقل لا يرضى الضر ~~لنفسه ، فدل قوله : { فسوف تعلمون } على أن علمهم يقع في المستقبل ، وأما ~~هو فعالم من الآن ، ففيه كناية عن وثوقه بأنه محق ، وأنهم مبطلون ، وسيجيء ~~نظير هذه الآية في قصة شعيب من سورة هود . # وقوله : { من تكون له عاقبة الدار } استفهام ، وهو يعلق فعل العلم عن ~~العمل ، فلا يعطى مفعولين استغناء بمفاد الاستفهام ؛ إذ التقدير : تعلمون ~~أحدنا تكون له عاقبة الدار . وموضع : { من } رفع على الابتداء ، وجملة : { ~~تكون له عاقبة الدار } خبره . # والعاقبة ، في اللغة : آخر الأمر ، وأثر عمل العامل ، فعاقبة كل شيء هي ~~ما ينجلي عنه الشيء ويظهر في آخره من أثر ونتيجة ، وتأنيثه على تأويل ~~الحالة فلا يقال : عاقب الأمر ، ولكن عاقبة وعقبى . # وقد خصص الاستعمال لفظ العاقبة بآخرة الأمر الحسنة ، قال الراغب : ~~العاقبة والعقبى يختصان بالثواب نحو { والعاقبة للمتقين } ( الأعراف : 128 ~~) ، وبالإضافة قد يستعمل في العقوبة نحو { ثم كان عاقبة الذين أساءوا ~~السوأى } ( الروم : 10 ) وقل من نبه على هذا ، وهو من تدقيقه ، وشواهده في ~~القرآن كثيرة . # والدار الموضع الذي يحل به الناس من أرض أو بناء ، وتقدم آنفا عند قوله ~~تعالى : { لهم دار السلام } ( الأنعام : 127 ) ، وتعريف الدار هنا تعريف ~~الجنس . فيجوز ms2848 أن يكون لفظ { الدار } مطلقا ، على المعنى الحقيقي ، فإضافة ~~{ عاقبة } إلى { الدار } إضافة حقيقية ، أي حسن الأخارة الحاصل في الدار ، ~~وهي الفوز بالدار ، والفلج في النزاع عليها ، تشبيها بما كان العرب ~~يتنازعون على المنازل والمراعي ، وبذلك يكون قوله : { من تكون له عاقبة ~~الدار } PageV08P092 استعارة تمثيلية مكنية ، شبهت حالة المؤمنين الفائزين ~~في عملهم ، مع حالة المشركين ، بحالة الغالب على امتلاك دار عدوه ، وطوي ~~المركب الدال على الهيئة المشبه بها ، ورمز إليه بذكر ما هو من روادفه ، ~~وهو { عاقبة الدار } ، فإن التمثيلية تكون مصرحة ، وتكون مكنية ، وإن لم ~~يقسموها إليهما ، لكنه تقسيم لا محيص منه . ويجوز أن تكون { الدار } ~~مستعارة للحالة التي استقر فيها أحد ، تشبيها للحالة بالمكان في الاحتواء ، ~~فتكون إضافة عاقبة إلى الدار إضافة بيانية ، أي العاقبة الحسنى التي هي ~~حاله ، فيكون الكلام استعارة مصرحة . # ومن محاسنها هنا : أنها بنت على استعارة المكانة للحالة في قوله : { ~~اعملوا على مكانتكم } فصار المعنى : اعملوا في داركم ما أنتم عاملون فسوف ~~تعلمون من تكون له عاقبة الدار . وفي الكلام مع ذلك إيماء إلى أن عاقبة تلك ~~الدار ، أي بلد مكة ، أن تكون للمسلمين ، كقوله تعالى : { أن الأرض يرثها ~~عبادي الصالحون } ( الأنبياء : 105 ) وقد فسر قوله : { من تكون له عاقبة ~~الدار } بغير هذا المعنى . # وقرأ الجمهور : { من تكون } بتاء فوقية وقرأه حمزة ، والكسائي ، بتحتية ، ~~لأن تأنيث عاقبة غير حقيقي ، فلما وقع فاعلا ظاهرا فيجوز فيه أن يقرن ~~بعلامة التأنيث وبدونها . # وجملة : { إنه لا يفلح الظالمون } تذييل للوعيد يتنزل منزلة التعليل ، أي ~~لأنه لا يفلح الظالمون ، ستكون عقبى الدار للمسلمين ، لا لكم ، لأنكم ~~ظالمون . # والتعريف في { الظالمون } للاستغراق ، فيشمل هؤلاء الظالمين ابتداء ، ~~والضمير المجعول اسم ( إن ) ضمير الشأن تنبيها على الاهتمام بهذا الخبر ~~وأنه أمر عظيم . # PageV08P093 # | 2 ( 136 ) { وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والانعام نصيبا فقالوا هاذا ~~لله بزعمهم وهاذا لشركآئنا فما كان لشركآئهم فلا يصل إلى الله وما كان لله ~~فهو يصل إلى شركآئهم سآء ما يحكمون } . ) 2 # عطف على نظائره مما حكيت ms2849 فيه أقوالهم وأعمالهم من قوله : { وما قدروا ~~الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء } ( الأنعام : 91 ) ~~وقوله : { وجعلوا لله شركاء الجن } ( الأنعام : 100 ) وقوله : { وأقسموا ~~بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها } ( الأنعام : 109 ) وقوله : ~~{ وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله } ( ~~الأنعام : 124 ) وما تخلل ذلك فهو إبطال لأقوالهم ، ورد لمذاهبهم ، ~~وتمثيلات ونظائر ، فضمير الجماعة يعود على المشركين الذين هم غرض الكلام من ~~أول السورة من قوله : { ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } ( الأنعام : 1 ) . ~~وهذا ابتداء بيان تشريعاتهم الباطلة ، وأولها ما جعلوه حقا عليهم في ~~أموالهم للأصنام : مما يشبه الصدقات الواجبة ، وإنما كانوا يوجبونها على ~~أنفسهم بالالتزام مثل النذور ، أو بتعيين من الذين يشرعون لهم كما سيأتي . # والجعل هنا معناه الصرف والتقسيم ، كما في قول عمر في قضية : ما أفاء ~~الله على رسوله صلى الله عليه وسلم المختصم فيها العباس وعلي رضي الله عنهم ~~( فيجعله رسول الله مجعل مالل الله ) أي يضعه ويصرفه ، وحقيقة معنى الجعل ~~هو التصيير ، فكما جاء صير لمعان مجازية ، كذلك جاء ( جعل ) ، فمعنى { ~~وجعلوا لله } : صرفوا ووضعوا لله ، أي عينوا له نصيبا ، لأن في التعيين ~~تصييرا تقديريا ونقلا . وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي ~~طلحة : ( أرى أن تجعلها في الأقربين ) أي أن تصرفها إليهم ، و { جعل } هذا ~~يتعدى إلى مفعول واحد ، وهذه التعدية هي أكثر أحوال تعديته ، حتى أن تعديته ~~إلى مفعولين إنما ما في الحقيقة مفعول وحال منه . PageV08P094 # ومعنى : { ذرأ } أنشأ شيئا وكثره . فأطلق على الإنماء لأن إنشاء شيء ~~تكثير وإنماء . و { مما ذرأ } متعلق ب { جعلوا } ، و { من } تبعيضية ، فهو ~~في معنى المفعول ، و { ما } موصولة ، والإتيان بالموصول لأجل دلالة صلته ~~على تسفيه آرائهم ، إذ ملكوا الله بعض ملكه ، لأن ما ذرأه هو ملكه ، وهو ~~حقيق به بلا جعل منهم . # واختيار فعل : { ذرأ } هنا لأنه الذي يدل على المعنى المراد ، إذ المقصود ~~بيان شرائعهم الفاسدة في نتائج ms2850 أموالهم . ثم سيبين شرعهم في أصول أموالهم ~~في قوله : { وقالوا هذه أنعام وحرث حجر } ( الأنعام : 138 ) الآية . # و { من الحرث والأنعام } بيان { ما } الموصولة . والحرث مراد به الزرع ~~والشجر ، وهو في الأصل من إطلاق المصدر على اسم المفعول ، ثم شاع ذلك ~~الإطلاق حتى صار الحرث حقيقة عرفية في الجنات والمزارع ، قال تعالى : { أن ~~اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين } ( القلم : 22 ) . # والنصيب : الحظ والقسم وتقدم في قوله تعالى : { أولئك لهم نصيب مما كسبوا ~~في سورة البقرة ( 202 ) ، والتقدير : جعلوا لله نصيبا ولغيره نصيبا آخر ، ~~وفهم من السياق أن النصيب الآخر لآلهتهم . وقد أفصح عنه في التفريع بقوله : ~~فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا } . # والإشارتان إلى النصيب المعين لله والنصيب المعين للشركاء ، واسما ~~الإشارة مشار بكل واحد منهما إلى أحد النصيبين على الإجمال إذ لا غرض في ~~المقام في تعيين ما جعلوه لله وما جعلوه لشركائهم . # والزعم : الإعتقاد الفاسد ، أو القريب من الخطأ ، كما تقدم عند قوله ~~تعالى : { ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل ~~PageV08P095 من قبلك في سورة النساء ( 60 ) ، وهو مثلث الزاي ، والمشهور ~~فيه فتح الزاي ، ومثله الرغم بالراء مثلث الراء . # وقرأ الجمهور بفتح الزاي وقرأه الكسائي بضم الزاي ويتعلق قولهم : بزعمهم ~~} ب { قالوا } وجعل قوله : { بزعمهم } مواليا لبعض مقول القول ليكون متصلا ~~بما جعلوه لله فيرتب التعجيب من حكمهم بأن ما كان لله يصل إلى شركائهم ، أي ~~ما اكتفوا بزعمهم الباطل حتى نكلوا عنه وأشركوا شركاؤهم فيماجعلوه لله ~~بزعمهم . # والباء الداخلة على { بزعمهم } إما بمعنى { من } أي ، قالوا ذلك بألسنتهم ~~، وأعلنوا به قولا ناشئا عن الزعم ، أي الإعتقاد الباطل ، وإما للسببية ، ~~أي قالوا ذلك بسبب أنهم زعموا . ومحل الزعم هو ما اقتضته القسمة بين الله ~~وبين الآلهة ، وإلا فإن القول بأنه ملك لله قول حق ، لكنهم لما قالوه على ~~معنى تعيين حق الله في ذلك النصيب دون نصيب آخر . كان قولهم زعما باطلا . # والشركاء هنا جمع شريك ، أي شريك الله سبحانه في الإلهية ms2851 ، ولما شاع ذلك ~~عندهم صار كالعلم بالغلبة ، فلذلك استغنى عن الإضافة إلى ما فيه المعنى ~~المشتق منه أعني الشركة ثم لأجل غلبته في هذا المعنى صار بمنزلة اللقب ، ~~فلذلك أضافوه إلى ضميرهم ، فقالوا : لشركائنا ، إضافة معنوية لا لفظية ، أي ~~للشركاء الذين يعرفون بنا . قال ابن عباس وأصحابه : كان المشركون يجعلون ~~لله من حروثهم ( يعني زرعهم وشجرهم ) وأنعامهم نصيبا وللأوثان نصيبا فما ~~كان للأصنام أنفقوه عليها وما كان لله أطعموه الضيفان والمساكين ولا يأكلون ~~منه البتة . # وكانوا يجعلون البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي للأصنام . وذكر ابن ~~إسحاق : أن ( خولان ) كان لهم صنم اسمه ( عم أنس ) يقسمون له من ~~PageV08P096 أنعامهم وحروثهم قسما بينه وبين الله ، فما دخل في حق ( عم أنس ~~) من حق الله الذي سموه له تركوه للصنم وما دخل في حق الله من حق ( عم أنس ~~) ردوه عليه ، ومنهم بطن يقال لهم ( الأديم ) قال : وفيهم نزل قوله تعالى : ~~وجعلوا لله مما ذرأ الآية . # وقوله : { فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى ~~شركائهم } . قال ابن عباس وقتادة : كانوا إذا جمعوا الزرع فهبت الريح فحملت ~~من الذي لله إلى الذي لشركائهم أقروه وقالوا : إن الله غني عنه ، وإذا حملت ~~من الذي لشركائهم إلى الذي لله ردوه ، وإذا هلك ما لأصنامهم بقحط أخذوا ~~بدله مما لله ، ولا يفعلون ذلك فيما لله ، وإذا انفجر من سقي ما جعلوه لله ~~فساح إلى ما للذي للأصنام تركوه وإذا انفجر من سقي ما للأصنام فدخل في زرع ~~الذي لله سدوه . وكانوا إذا أصابتهم سنة استعانوا بما جعلوه لله فأنفقوه ~~على أنفسهم وأقروا ما جعلوه لشركائهم للشركاء ، وإذا هلك الذي جعلوه ~~للأصنام وكثر الذي جعلوه لله قالوا : ليس لآلهتنا بد من نفقة وأخذوا الذي ~~جعلوه لله فأنفقوه عليها ، وإذا أجدب الذي لله وكثر الذي لآلهتهم قالوا : ~~لو شاء الله أزكى الذي له فلا يردون على ما جعلوه لله شيئا مما لآلهتهم ، ~~فقوله : { فلا يصل إلى الله } مبالغة في صونه من أن يعطى لما ms2852 لله لأنه إذا ~~كان لا يصل فهو لا يترك إذا وصل بالأولى . # وعدي { يصل } إلى اسم الجلالة وإلى اسم شركائهم . والمراد لا يصل إلى ~~النصيب المجعول لله أو إلى لشركائهم لأنهم لما جعلوا نصيبا لله ونصيبا ~~لشركائهم فقد استشعروا ذلك النصيب محوزا لمن جعل إليه وفي حرزه فكأنه وصل ~~إلى ذاته . # وجملة : { ساء ما يحكمون } استئناف لإنشاء ذم شرائعهم . وساء هنا بمعنى ~~بئس : و { ما هي فاعل ساء } وهي موصولة وصلتها { يحكمون } ، وحذف العائد ~~المنصوب ، وحذف المخصوص بالذم لدلالة : { جعلوا } PageV08P097 عليه ، أي : ~~ساء ما يحكمون جعلهم ، وسماه حكما تهكما ، لأنهم نصبوا أنفسهم لتعيين ~~الحقوق ، ففصلوا بحكمهم حق الله من حق الأصنام ، ثم أباحوا أن تأخذ الأصنام ~~حق الله ولا يأخذ الله حق الأصنام ، فكان حكما باطلا كقوله : { أفحكم ~~الجاهلية يبغون } ( المائدة : 50 ) . # # | 2 ( 137 ) { وكذالك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركآؤهم ليردوهم ~~وليلبسوا عليهم دينهم ولو شآء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون } . ) 2 # عطف على جملة : { وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا } ( ~~الأنعام : 136 ) والتقدير : جعلوا وزين لهم شركاؤهم قتل أولادهم فقتلوا ~~أولادهم ، فهذه حكاية نوع من أنواع تشريعاتهم الباطلة ، وهي راجعة إلى ~~تصرفهم في ذرياتهم بعد أن ذكر تصرفاتهم في نتائج أموالهم . ولقد أعظم الله ~~هذا التزيين العجيب في الفساد الذي حسن أقبح الأشياء وهو قتلهم أحب الناس ~~إليهم وهم أبناؤهم ، فشبه بنفس التزيين للدلالة على أنه لو شاء أحد أن ~~يمثله بشيء في الفظاعة والشناعة لم يسعه إلا أن يشبهه بنفسه لأنه لا يبلغ ~~شيء مبلغ أن يكون أظهر منه في بابه ، فيلجأ إلى تشبيهه بنفسه ، على حد ~~قولهم ( والسفاهة كاسمها ) . والتقدير : وزين شركاء المشركين لكثير فيهم ~~تزيينا مثل ذلك التزيين الذي زينوه لهم ، وهو هو نفسه ، وقد تقدم تفصيل ذلك ~~عند قوله تعالى : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا في سورة البقرة ( 143 ) . # ومعنى التزيين التحسين ، وتقدم عند قوله تعالى : كذلك زينا لكل أمة عملهم ~~في هذه السورة ( 108 ) . PageV08P098 ومعنى تزيين ذلك هنا أنهم خيلوا ms2853 لهم ~~فوائد وقربا في هذا القتل ، بأن يلقوا إليهم مضرة الاستجداء والعار في ~~النساء ، وأن النساء لا يرجى منهن نفع للقبيلة ، وأنهن يجبن الآباء عند ~~لقاء العدو ، ويؤثرن أزواجهن على آبائهن ، فقتلهن أصلح وأنفع من استبقائهن ~~، ونحو هذا من الشبه والتمويهات ، فيأتونهم من المعاني التي تروج عندهم ، ~~فإن العرب كانوا مفرطين في الغيرة ، والجموح من الغلب والعار كما قال ~~النابغة : # حذارا على أن لا تنال مقادتي # ولا نسوتي حتى يمتن حرائرا # وإنما قال : لكثير من المشركين } لأن قتل الأولاد لم يكن يأتيه جميع ~~القبائل ، وكان في ربيعة ومضر ، وهما جمهرة العرب ، وليس كل الآباء من ~~هاتين القبيلتين يفعله . # وأسند التزيين إلى الشركاء : إما لإرادة الشياطين الشركاء ، فالتزيين ~~تزيين الشياطين بالوسوسة ، فيكون الإسناد حقيقة عقلية ، وإما لأن التزيين ~~نشأ لهم عن إشاعة كبرائهم فيهم ، أو بشرع وضعه لهم من وضع عبادة الأصنام ~~وفرض لها حقوقا في أموالهم مثل عمرو بن لحي ، فيكون إسناد التزيين إلى ~~الشركاء مجازا عقليا لأن الأصنام سبب ذلك بواسطة أو بواسطتين ، وهذا كقوله ~~تعالى : { فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ~~ربك وما زادوهم غير تتبيب } ( هود : 101 ) . # والمعني بقتل الأولاد في هذه الآية ونحوها هو الوأد ، وهو دفن البنات ~~الصغيرات أحياء فيمتن بغمة التراب ، كانوا يفعلون ذلك خشية الفقر ، كما قال ~~تعالى : { ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق } ( الإسراء : 31 ) ، وخشية أن ~~تفتضح الأنثى بالحاجة إذا هلك أبوها ، أو مخافة السباء ، وذكر في ( الروض ~~الأنف ) عن النقاش في ( تفسيره ) : أنهم كانوا يئدون من البنات من ~~PageV08P099 كانت زرقاء أو برشاء ، أو شيماء ، أو رسحاء ، تشاؤما بهن وهذا ~~من خور أوهامهم وأن ذلك قوله تعالى : { وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت } ~~( التكوير : 8 ، 9 ) ، وقيل : كانوا يفعلون ذلك من شدة الغيرة خشية أن ~~يأتين ما يتعير منه أهلهن . # وقد ذكر المبرد في ( الكامل ) ، عن أبي عبيدة : أن تميما منعت النعمان بن ~~المنذر الإتاوة فوجه إليهم أخاه الريان بن المنذر فاستاق النعم وسبى ms2854 ~~الذراري ، فوفدت إليه بنو تميم فأنابوا وسألوه النساء فقال النعمان : كل ~~امرأة اختارت أباها ردت إليه وإن اختارت صاحبها ( أي الذي صارت إليه بالسبي ~~) تركت عليه فكلهن اختارت أباها إلا ابنة لقيس بن عاصم اختارت صاحبها عمرو ~~بن المشمرج ، فنذر قيس أن لا تولد له ابنة إلا قتلها فهذا شيء يعتل به من ~~وأدوا ، يقولون : فعلناه أنفة ، وقد أكذب الله ذلك في القرآن ، أي بقوله : ~~{ قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها } ( الأنعام : 140 ) . # وذكر البخاري ، أن أسماء بنت أبي بكر ، قالت : كان زيد بن عمرو بن نفيل ~~يحيي الموءودة ، يقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنته : لا تقتلها أنا أكفيك ~~مؤونتها ، فيأخذها فإذا ترعرعت قال لأبيها : إن شئت دفعتها إليك وإن شئت ~~كفيتك مؤونتها . والمعروف أنهم كانوا يئدون البنت وقت ولادتها قبل أن تراها ~~أمها ، قال الله تعالى : { وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم ~~يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ~~ساء ما يحكمون } ( النحل : 58 ، 59 ) . وكان صعصعة بن معاوية من مجاشع ، ~~وهو جد الفرزدق ، يفدي الموءودة ، يفعل مثل فعل زيد بن عمرو بن نفيل . وقد ~~افتخر الفرزدق بذلك في شعره في قوله : # ومنا الذي منع الوائدات # وأحيا الوئيد فلم توءد # وقد أدرك جده الإسلام فأسلم . ولا يعرف في تاريخ العرب في الجاهلية قتل ~~أولادهم غير هذا الوأد إلا ما ورد من نذر عبد المطلب الذي PageV08P100 ~~سنذكره ، ولا ندري هل كان مثل ذلك يقع في الجاهلية قبل عبد المطلب أو أنه ~~هو الذي ابتكر ذلك ولم يتابع عليه . ولا شك أن الوأد طريقة سنها أيمة الشرك ~~لقومهم ، إذ لم يكونوا يصدرون إلا عن رأيهم ، فهي ضلالة ابتدعوها لقومهم ~~بعلة التخلص من عوائق غزوهم أعداءهم ، ومن معرة الفاقة والسباء ، وربما كان ~~سدنة الأصنام يحرضونهم على إنجاز أمر الموءودة إذا رأوا من بعضهم تثاقلا ، ~~كما أشار إليه ( الكشاف ) إذ قال : ( والمعنى أن شركاؤهم من الشياطين أو من ~~سدنة الأصنام ms2855 زينوا لهم قتل أولادهم بالوأد أو بالنحر ) . وقال ابن عطية : ~~والشركاء على هذه القراءة هم الذين يتناولون وأد بنات الغير فهم القاتلون . # وفي قصة عبد المطلب ما يشهد لذلك فإنه نذر إن رزقه الله عشرة أولاد ذكور ~~، ثم بلغوا معه أن يمنعوه من عدوه ، لينحرن أحدهم عند الكعبة ، فلما بلغ ~~بنوه عشرة بهذا المبلغ دعاهم إلى الوفاء بنذره فأطاعوه واستقسم بالأزلام ~~عند ( هبل ) الصنم وكان ( هبل ) في جوف الكعبة ، فخرج الزلم على ابنه عبد ~~الله فأخذه ليذبحه بين ( إساف ) و ( نائلة ) فقالت له قريش : لا تذبحه حتى ~~تعذر فيه ، فإن كان له فداء فديناه ، وأشاروا عليه باستفتاء عرافة بخيبر ~~فركبوا إليها فسألوها وقصوا عليها الخبر فقالت : قربوا صاحبكم وقربوا عشرا ~~من الإبل ثم اضربوا عليها وعليه بالقداح فإن خرجت على صاحبكم فزيدوا من ~~الإبل حتى يرضى ربكم ، وكذلك فعلوا فخرج القدح على عبد الله ، فلم يزل عبد ~~المطلب يزيد عشرا من الإبل ويضرب عليها بالقداح ويخرج القدح على عبد الله ~~حتى بلغت الإبل مائة فضرب عليها فخرج القدح على الإبل فنحرها . ولعل سدنة ~~الأصنام كانوا يخلطون أمر الموءودة بقصد التقرب إلى أصنام بعض القبائل ( ~~كما كانت سنة موروثة في الكنعانيين من نبط الشام يقربون صبيانهم إلى الصنم ~~ملوك ، فتكون إضافة القتل إلى الشركاء مستعملة في حقيقتها ومجازها . ~~PageV08P101 # وقرأ الجمهور : { زين } بفتح الزاي ونصب : { قتل } على المفعولية ل { زين ~~} ، ورفعع شركاؤهم على أنه فاعل : { زين } ، وجر { أولادهم } بإضافة قتل ~~إليه من إضافة المصدر إلى مفعوله . وقرأه ابن عامر : { زين لكثير من ~~المشركين قتل أولادهم شركائهم } ببناء فعل { زين } للنائب ، ورفع { قتل } ~~على أنه نائب الفاعل ، ونصب { أولادهم } على أنه مفعول { قتل } ، وجر { ~~شركائهم } على إضافة { قتل } إليه من إضافة المصدر إلى فاعله ، وكذلك رسمت ~~كلمة { شركائهم } في المصحف العثماني الذي ببلاد الشام ، وذلك دليل على أن ~~الذين رسموا تلك الكلمة راعوا قراءة { شركائهم } بالكسر وهم من أهل الفصاحة ~~والتثبت في سند قراءات القرآن ، إذا كتب كلمة { شركائهم } بصورة الياء بعد ~~الألف ms2856 ، وذلك يدل على أن الهمزة مكسورة ، والمعنى ، على هذه القراءة : أن ~~مزينا زين لكثير من المشركين أن يقتل شركاؤهم أولادهم ، فإسناد القتل إلى ~~الشركاء على طريقة المجاز العقلي إما لأن الشركاء سبب القتل إذا كان القتل ~~قربانا للأصنام ، وإما لأن الذين شرعوا لهم القتل هم القائمون بديانة الشرك ~~مثل عمرو بن لحي ومن بعده ، وإذا كان المراد بالقتل الوأد ، فالشركاء سبب ~~وإن كان الوأد قربانا للأصنام وإن لم يكن قربانا لهم ( وهو المعروف ) ~~فالشركاء سبب السبب ، لأنه من شرائع الشرك . # وهذه القراءة ليس فيها ما يناكد فصاحة الكلام لأن الإعراب يبين معاني ~~الكلمات ومواقعها ، وإعرابها مختلف من رفع ونصب وجر بحيث لا لبس فيه ، ~~وكلماتها ظاهر إعرابها عليها ، فلا يعد ترتيب كلماتها على هذا الوصف من ~~التعقيد المخل بالفصاحة ، مثل التعقيد الذي في قول الفرزدق : # وما مثله في الناس إلا مملكا # أبو أمه حي أبوه يقاربه # لأنه ضم إلى خلل ترتيب الكلام أنه خلل في أركان الجملة وما حف به من تعدد ~~الضمائر المتشابهة وليس في الآية مما يخالف متعارف الاستعمال إلا الفصل بين ~~المضاف والمضاف إليه بالمفعول ، والخطب فيه PageV08P102 سهل : لأن المفعول ~~ليس أجنبيا عن المضاف والمضاف إليه ، وجاء الزمخشري في ذلك بالتهويل ، ~~والضجيج والعويل ، كيف يفصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول وزاد طنبور ~~الإنكار نغمة . فقال : والذي حمله على ذلك أنه رأى في بعض المصاحف : { ~~شركائهم } مكتوبا بالياء ، وهذا جري على عادة الزمخشري في توهين القراءات ~~المتواترة ، إذا خالفت ما دون عليه علم النحو ، لتوهمه أن القراءات ~~اختيارات وأقيسة من القراء ، وإنما هي روايات صحيحة متواترة وفي الإعراب ~~دلالة على المقصود لا تناكد الفصاحة . # ومدونات النحو ما قصد بها إلا ضبط قواعد العربية الغالبة ليجري عليها ~~الناشئون في اللغة العربية ، وليست حاصرة لاستعمال فصحاء العرب ، والقراء ~~حجة على النحاة دون العكس ، وقواعد النحو لا تمنع إلا قياس المولدين على ما ~~ورد نادرا في الكلام الفصيح ، والندرة لا تنافي الفصاحة ، وهل يظن بمثل ابن ~~عامر أنه يقرأ القرآن متابعة ms2857 لصورة حروف التهجي في الكتابة . ومثل هذا لا ~~يروج على المبتدئين في علم العربية ، وهلا كان رسم المصحف على ذلك الشكل ~~هاديا للزمخشري أن يتفطن إلى سبب ذلك الرسم . أما ابن عطية فقال : ( هي ~~قراءة ضعيفة في استعمال العرب ) يريد أن ذلك الفصل نادر ، وهذا لا يثبت ضعف ~~القراءة لأن الندور لا ينافي الفصاحة . # وبعد ابن عطية هذه القراءة بعدم مناسبتها للتعليل بقوله : { ليردوهم } ~~وتبعيد ابن عطية لها توهم : إذ لا منافاة بين أن يزينوا لهم قتل أولادهم ~~وبين التعليل فإن التعليل يستعمل في العاقبة مجازا مثل قوله تعالى : { ~~فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا } ( القصص : 8 ) . ومن العجيب قول ~~الطبري : والقراءة التي لا أستجيز غيرها بفتح الزاي ونصب : { القتل } وخفض ~~: { أولادهم } ورفع : { شركائهم } . وذلك على عادته في نصب نفسه حكما في ~~الترجيح بين القراءات . PageV08P103 # واللام في : { ليردوهم } لام العاقبة إن كان المراد بالشركاء الأصنام ، ~~أي زينوا لهم ذلك قصدا لنفعهم ، فانكشف عن أضرار جهلوها . وإن كان المراد ~~بالشركاء الجن ، أي الشياطين فاللام للتعليل : لأن الإيقاع في الشر من ~~طبيعة الوسواس لأنه يستحسن الشر وينساق إليه انسياق العقرب للسع من غير قصد ~~إلى كون ما يدعونهم إليه مرديا وملبسا فإنهم أولياؤهم لا يقصدون إضرارهم ~~ولكنهم لما دعوهم إلى أشياء هي في نفس الأمر مضار كان تزيينهم معللا ~~بالإرداء والإلباس وإن لم يفقهوه بخلاف من دعا لسبب فتبين خلافه ، والضمير ~~للشركاء والتعليل للتزيين . # والإرداء : الإيقاع في الردى ، والردى : الموت ، ويستعمل في الضر الشديد ~~مجازا أو استعارة وذلك المراد هنا . # ولبس عليه أوقعه في اللبس ، وهو الخلط والاشتباه ، وقد تقدم في قوله ~~تعالى : { ولا تلبسوا الحق بالباطل في سورة البقرة ( 42 ) ، وفي قوله : ~~وللبسنا عليهم ما يلبسون في هذه السورة ( 9 ) . أي أن يخلطوا عليهم دينهم ~~فيوهموهم الضلال رشدا وأنه مراد الله منهم ، فهم يتقربون إلى الله وإلى ~~الأصنام لتقربهم إلى الله ، ولا يفرقون بين ما يرضاه الله وما لا يرضاه ، ~~ويخيلون إليهم أن وأد البنات مصلحة . ومن أقولهم : دفن البناه ms2858 من المكرماه ~~( البناه . والمكرماه . بالهاء ساكنة في آخرهما . وأصلها تاء جمع المؤنث ~~فغيرت لتخفيف المثل ) وهكذا شأن الشبه والأدلة الموهومة التي لا تستند إلى ~~دليل . فمعنى : وليلبسوا عليهم دينهم } أنهم يحدثون لهم دينا مختلطا من ~~أصناف الباطل ، كما يقال : وسع الجبة ، أي اجعلها واسعة ، وقيل : المراد ~~ليدخلوا عليهم اللبس في الدين الذي كانوا عليه وهو دين إسماعيل عليه السلام ~~، أي الحنيفية ، فيجعلوا فيه أشياء من الباطل تختلط مع الحق . # والقول في معنى : { ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفسرون } كالقول في ~~قوله آنفا { ولو شاء ربك ما فعلوه } ( الأنعام : 112 ) وضمير الرفع في : ~~PageV08P104 { فعلوه } يعود إلى المشركين ، أي : لو شاء الله لعصمهم من ~~تزيين شركائهم ، أو يعود إلى الشركاء ، أي : لو شاء الله لصدهم عن إغواء ~~أتباعهم ، وضمير النصب يعود إلى القتل أو إلى التزيين على التوزيع ، على ~~الوجهين في ضمير الرفع . # والمراد : ب { ما يفترون } ما يفترونه على الله بنسبة أنه أمرهم بما ~~اقترفوه ، وكان افتراؤهم اتباعا لافتراء شركائهم ، فسماه افتراء لأنهم ~~تقلدوه عن غير نظر ولا استدلال ، فكأنهم شاركوا الذين افتروه من الشياطين ، ~~أو سدنة الأصنام ، وقادة دين الشرك ، وقد كانوا يموهون على الناس أن هذا ~~مما أمر الله به كما دل عليه قوله في الآية بعد هذه : { افتراء عليه } ( ~~الأنعام : 138 ) وقوله في آخر السورة : { قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن ~~الله حرم هذا } ( الأنعام : 150 ) . # # | 2 ( 138 ) { وقالوا هاذه أنعام وحرث حجر لا يطعمهآ إلا من نشآء بزعمهم ~~وأنعام حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افترآء عليه سيجزيهم ~~بما كانوا يفترون } . ) 2 # عطف على جملة : { وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم } ( ~~الأنعام : 137 ) وهذا ضرب آخر من دينهم الباطل ، وهو راجع إلى تحجير التصرف ~~على أنفسهم في بعض أموالهم ، وتعيين مصارفه ، وفي هذا العطف إيماء إلى أن ~~ما قالوه هو من تلقين شركائهم وسدنة أصنامهم كما قلنا في معنى زين لهم ~~شركاؤهم . # والإشارة بهذه وهذه إلى حاضر في ذهن المتكلمين عند ms2859 صدور ذلك القول : وذلك ~~أن يقول أحدهم هذه الأصناف مصرفها كذا ، وهذه مصرفها كذا ، فالإشارة من ~~محكي قولهم حين يشرعون في بيان أحكام PageV08P105 دينهم ، كما يقول القاسم ~~: هذا لفلان ، وهذا للآخر . وأجمل ذلك هنا إذ لا غرض في بيانه لأن الغرض ~~التعجيب من فساد شرعهم ، كما تقدم في قوله تعالى : { فقالوا هذا لله بزعمهم ~~وهذا لشركائنا } ( الأنعام : 136 ) وقد صنفوا ذلك ثلاثة أصناف : # صنف محجر على مالكه انتفاعه به ، وإنما ينتفع به من يعينه المالك . والذي ~~يؤخذ مما روي عن جابر بن زيد وغيره : أنهم كانوا يعينون من أنعامهم وزرعهم ~~وثمارهم شيئا يحجرون على أنفسهم الانتفاع به ، ويعينونه لمن يشاءون من سدنة ~~بيوت الأصنام ، وخدمتها ، فتنحر أو تذبح عندما يرى من عينت له ذلك ، فتكون ~~لحاجة الناس والوافدين على بيوت الأصنام وإضافتهم ، وكذلك الزرع والثمار ~~تدفع إلى من عينت له ، يصرفها حيث يتعين . ومن هذا الصنف أشياء معينة ~~بالاسم ، لها حكم منضبط مثل البحيرة : فإنها لا تنحر ولا تؤكل إلا إذا ماتت ~~حتف أنفها ، فيحل أكلها للرجال دون النساء ، وإذا كان لها در لا يشربه إلا ~~سدنة الأصنام وضيوفهم ، وكذلك السائبة ينتفع بدرها أبناء السبيل والسدنة ، ~~فإذا ماتت فأكلها كالبحيرة ، وكذلك الحامي ، كما تقدم في سورة المائدة . # فمعنى { لا يطعمها } لا يأكل لحمها ، أي يحرم أكل لحمها . ونون الجماعة ~~في { نشاء } مراد بها القائلون ، أي يقولون لا يطعمها إلا من نشاء ، أي من ~~نعين أن يطعمها ، قال في ( الكشاف ) : يعنون خدم الأوثان والرجال دون ~~النساء . # والحرث أصله شق الأرض بآلة حديدية ليزرع فيها أو يغرس ، ويطلق هذا المصدر ~~على المكان المحروث وعلى الأرض المزروعة والمغروسة وإن لم يكن بها حرث ومنه ~~قوله تعالى : { أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين } ( القلم : 22 ) فسماه ~~حرثا في وقت جذاذ الثمار . PageV08P106 # والحجر : اسم للمحجر الممنوع ، مثل ذبح للمذبوح ، فمنع الأنعام منع أكل ~~لحومها ، ومنع الحرث منع أكل الحب والتمر والثمار ، ولذلك قال : { لا ~~يطعمها إلا من نشاء } . # وقوله : { بزعمهم } معترض بين { لا يطعمها ms2860 إلا من نشاء } وبين : { وأنعام ~~حرمت ظهورها } . والباء في : { بزعمهم } بمعنى ( عن ) ، أو للملابسة ، أي ~~يقولون ذلك باعتقادهم الباطل ، لأنهم لما قالوا : { لا يطعمها } لم يريدوا ~~أنهم منعوا الناس أكلها إلا من شاءوه ، لأن ذلك من فعلهم وليس من زعمهم . ~~وإنما أرادوا بالنفي نفي الإباحة ، أي لا يحل أن يطعمها إلا من نشاء ، ~~فالمعنى : اعتقدوها حراما لغير من عينوه ، حتى أنفسهم ، وما هي بحرام ، ~~فهذا موقع قوله : { بزعمهم } . وتقدم القول على الباء من قوله : { بزعمهم } ~~آنفا عند قوله تعالى : { فقالوا هذا لله بزعمهم } ( الأنعام : 136 ) . # والصنف الثاني : أنعام حرمت ظهورها ، أي حرم ركوبها ، منها الحامي : لا ~~يركبه أحد ، وله ضابط متبع كما تقدم في سورة المائدة ، ومنها أنعام يحرمون ~~ظهورها ، بالنذر ، يقول أحدهم : إذا فعلت الناقة كذا من نسلل أو مواصلة بين ~~عدة من إناث ، وإذا فعل الفحل كذا وكذا ، حرم ظهره . وهذا أشار إليه أبو ~~نواس في قوله مادحا الأمين : # وإذا المطي بنا بلغن محمدا # فظهورهن على الرجال حرام # فقوله : { وأنعام حرمت ظهورها } معطوف على : { أنعام وحرث حجر } فهو كخبر ~~عن اسم الإشارة . وعلم أنه عطف صنف لوروده بعد استيفاء الأوصاف التي أجريت ~~على خبر اسم الإشارة والمعطوف عليه عقبه . والتقدير : وقالوا هذه أنعام ~~وحرث حجر وهذه أنعام حرمت ظهورها PageV08P107 وبني فعل : { حرمت } للمجهول ~~: لظهور الفاعل ، أي حرم الله ظهورها بقرينة قوله : { افتراء عليه } . # والصنف الثالث : أنعام لا يذكرون اسم الله عليها ، أي لا يذكرون اسم الله ~~عند نحرها أو ذبحها ، يزعمون أن ما أهدي للجن أو للأصنام يذكر عليه اسم ما ~~قرب له ، ويزعمون أن الله أمر بذلك لتكون خالصة القربان لما عينت له ، ~~فلأجل هذا الزعم قال تعالى : { افتراء عليه } إذ لا يعقل أن ينسب إلى الله ~~تحريم ذكر اسمه على ما يقرب لغيره لولا أنهم يزعمون أن ذلك من القربان الذي ~~يرضي الله تعالى ، لأنه لشركائه ، كما كانوا يقولون : ( لبيك لا شريك لك ، ~~إلا شريكا هو لك ، تملكه وما ملك ) . # وعن جماعة من المفسرين ، منهم أبو ms2861 وائل ، الأنعام التي لا يذكرون اسم ~~الله عليها كانت لهم سنة في بعض الأنعام أن لا يحج عليها ، فكانت تركب في ~~كل وجه إلا الحج ، وأنها المراد بقوله : { وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها ~~} لأن الحج لا يخلو من ذكر الله حين الكون على الراحلة من تلبية وتكبير ، ~~فيكون : { لا يذكرون اسم الله عليها } كناية عن منع الحج عليها ، والظاهر ~~أن هذه هي الحامي والبحيرة والسائبة ، لأنهم لما جعلوا نفعها للأصنام لم ~~يجيزوا أن تستعمل في غير خدمة الأصنام . # وقوله : { وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها } معطوف على قوله : ~~PageV08P108 { وأنعام حرمت ظهورها } وهو عطف صنف على صنف ، بقرينة استيفاء ~~أوصاف المعطوف عليه ، كما تقدم في نظيره . # وانتصب : { افتراء عليه } على المفعولية المطلقة ل { قالوا } ، أي قالوا ~~ذلك قول افتراء ، لأن الافتراء بعض أنواع القول ، فصح أن ينتصب على المفعول ~~المطلق المبين لنوع القول ، والافتراء الكذب الذي لا شبهة لقائله فيه وتقدم ~~عند قوله تعالى : { فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم ~~الظالمون في سورة آل عمران ( 94 ) ، وعند قوله : ولكن الذين كفروا يفترون ~~على الله الكذب في سورة العقود ( 103 ) . وإنما كان قولهم افتراء : لأنهم ~~استندوا فيه لشيء ليس واردا لهم من جانب الله ، بل هو من ضلال كبرائهم . # وجملة : سيجزيهم بما كانوا يفترون } استئناف بياني ، لأن الافتراء على ~~الخالق أمر شنيع عند جميع الخلق ، فالإخبار به يثير سؤال من يسأل عما ~~سيلقونه من جزاء افترائهم ، فأجيب بأن الله سيجزيهم بما كانوا يفترون . وقد ~~أبهم الجزاء للتهويل لتذهب النفوس كل مذهب ممكن في أنواع الجزاء على الإثم ~~، والباء بمعنى ( عن ) ، أو للبدلية والعوض . # # | 2 ( 139 ) { وقالوا ما فى بطون هاذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على ~~أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركآء سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم } . ) 2 # عطف على قوله : { وقالوا هذه أنعام وحرث حجر } ( الأنعام : 138 ) . وأعيد ~~فعل : { قالوا } لاختلاف غرض المقول . PageV08P109 # والإشارة إلى أنعام معروفة بينهم بصفاتها ، كما تقدم ، أو إلى الأنعام ~~المذكورة قبل ms2862 . ولا يتعلق غرض في هذه الآية بأكثر من إجمال الأشياء التي ~~حرموها لأن المقصود التعجيب من فساد شرعهم كما تقدم آنفا ، وهذا خبر عن ~~دينهم في أجنة الأنعام التي حجروها أو حرموا ظهورها ، فكانوا يقولون في ~~أجنة البحيرة والسائبة : إذا خرجت أحياء يحل أكلها للذكور دون النساء ، ~~وإذا خرجت ميتة حل أكلها للذكور والنساء ، فالمراد بما في البطون الأجنة لا ~~محالة لقوله : { وإن يكن ميتة } وقد كانوا يقولون في ألبان البحيرة ~~والسائبة : يشربها الرجال دون النساء ، فظن بعض المفسرين أن المراد بما في ~~بطون الأنعام ألبانها ، وروي عن ابن عباس ، ولا ينبغي أن يكون هو معنى ~~الآية ولكن محمل كلام ابن عباس أن ما في البطون يشمل الألبان لأنها تابعة ~~للأجنة وناشئة عن ولادتها . # والخالصة : السائغة ، أي المباحة ، أي لا شائبة حرج فيها ، أي في أكلها ، ~~ويقابله قوله : { ومحرم } . # وتأنيث { خالصة } لأن المراد بما الموصولة { الأجنة } فروعي معنى ( ما ) ~~وروعي لفظ ( ما ) في تذكير { محرم } . # والمحرم : الممنوع ، أي ممنوع أكله ، فإسناد الخلوص والتحريم إلى الذوات ~~بتأويل تحريم ما تقصد له وهو الأكل أو هو والشرب بدلالة الاقتضاء . # والأزواج جمع زوج ، وهو وصف للشيء الثاني لغيره ، فكل واحد من شيئين ~~اثنين هو زوج ، ولذلك سمي حليل المرأة زوجا وسميت المرأة حليلة الرجل زوجا ~~، وهو وصف يلازم حالة واحدة فلا يؤنث ولا يثنى ولا يجمع . وقد تقدم عند ~~قوله تعالى : { وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة في سورة البقرة ( 35 ) . ~~PageV08P110 # وظاهر الآية أن المراد أنه محرم على النساء المتزوجات لأنهم سموهن أزواجا ~~، وأضافوهن إلى ضميرهم ، فتعين أنهن النساء المتزوجات بهم كما يقال : امرأة ~~فلان . وإذا حملناه على الظاهر وهو الأولى عندي كان ذلك دالا على أنهم ~~كانوا يتشاءمون بأكل الزوجات لشيء ذي صفة كانوا يكرهون أن تصيب نساءهم : ~~مثلل العقم ، أو سوء المعاشرة مع الأزواج ، والنشوز ، أو الفراق ، أو غير ~~ذلك من أوهام أهل الجاهلية وتكاذيبهم ، أو لأنه نتاج أنعام مقدسة ، فلا تحل ~~للنساء ، لأن المرأة مرموقة عند القدماء قبل الإسلام ms2863 بالنجاسة والخباثة ، ~~لأجل الحيض ونحو ذلك ، فقد كانت بنو إسرائيل يمنعون النساء دخول المساجد ، ~~وكان العرب لا يؤاكلون الحائض ، وقالت كبشة بنت معديكرب تعير قومها : # ولا تشربوا إلا فضول نسائكم # إذا ارتملت أعقابهن من الدم # وقال جمهور المفسرين : أطلق الأزواج على النساء مطلقا ، أي فهو مجاز مرسل ~~بعلاقة الإطلاق والتقييد ، فيشمل المرأة الأيم ولا يشمل البناتت ، وقال ~~بعضهم : أريد به البنات أي بمجاز الأول فلعلهم كانوا يتشاءمون بأكل البنات ~~منه أن يصيبهن عسر التزوج ، أو ما يتعيرون منه ، أو نحو ذلك . وكانت ~~الأحوال الشائعة بينهم دالة على المراد . # وأما قوله : وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء } أي إن يولد ما في بطون الأنعام ~~ميتا جاز أكله للرجال والأزواج ، أو للرجال والنساء ، أو للرجال والنساء ~~والبنات ، وذلك لأن خروجه ميتا يبطل ما فيه من الشؤم على المرأة ، أو يذهب ~~قداسته أو نحو ذلك . # وقرأ الجمهور : { وإن يكن } بالتحتية ونصب { ميتة } . وقرأ ابن كثير برفع ~~{ ميتة } ، على أن كان تامة ، وقد أجري ضمير : { يكن } على التذكير : لأنه ~~جائز في الخبر عن اسم الموصول المفرد اعتبار التذكير PageV08P111 لتجرد ~~لفظه عن علامة تأنيث ، وقد يراعى المقصود منه فيجري الإخبار على اعتباره ، ~~وقد اجتمعا في قوله تعالى : { ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك } ~~( محمد : 16 ) . وقرأ ابن عامر بالفوقية على اتباع تأنيث { خالصة } ، أي إن ~~تكن الأجنة ، وقرأ { ميتة } بالنصب ، وقرأه أبو بكر عن عاصم بالتأنيث ~~والنصب . # وجملة : { سيجزيهم وصفهم } مستأنفة استئنافا بيانيا ، كما قلت في جملة : ~~{ سيجزيهم بما كانوا يفترون } ( الأنعام : 138 ) آنفا . # والوصف : ذكر حالات الشيء الموصوف وما يتيمز به لمن يريد تمييزه في غرض ~~ما ، وتقدم في قوله : { سبحانه وتعالى عما يصفون في هذه السورة ( 100 ) . ~~والوصف ، هنا : هو ما وصفوا به الأجنة من حل وحرمة لفريق دون فريق ، فذلك ~~وصف في بيان الحرام والحلال منه كقوله تعالى : ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم ~~الكذب هذا حلال وهذا حرام } ( النحل : 116 ) . # وجزاؤهم عنه هو جزاء سوء بقرينة المقام ، لأنه سمى ms2864 مزاعمهم السابقة ~~افتراء على الله . وجعل الجزاء متعديا للوصف بنفسه على تقدير مضاف ، أي : ~~سيجزيهم جزاء وصفهم . ضمن { يجزيهم } معنى يعطيهم ، أي جزاء وفاقا له . # وجملة : { إنه حكيم عليم } تعليل لكون الجزاء موافقا لجرم وصفهم . وتؤذن ~~( إن ) بالربط والتعليل ، وتغني غناء الفاء ، فالحكيم يضع الأشياء مواضعها ~~، والعليم يطلع على أفعال المجزيين ، فلا يضيع منها ما يستحق الجزاء . # PageV08P112 $ 2 ( 140 ) { قد خسر الذين قتلو & # 1764 ا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افترآء على الله قد ~~ضلوا وما كانوا مهتدين } . ) 2 $ # تذييل جعل فذلكة للكلام السابق ، المشتمل على بيان ضلالهم في قتل أولادهم ~~، وتحجير بعض الحلال على بعض من أحل له . # وتحقيق الفعل ب { قد } للتنبيه على أن خسرانهم أمر ثابت ، فيفيد التحقيق ~~التعجيب منهم كيف عموا عما هم فيه من خسرانهم . وعن سعيد بن جبير قال ابن ~~عباس : إذا سرك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ومائة من سورة ~~الأنعام : { قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفاها بغير علم إلى وما كانوا ~~مهتدين . أي من قوله تعالى : وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا } ~~( الأنعام : 136 ) وجعلها فوق والثلاثين ومائة تقريبا ، وهي في العد ~~السادسة والثلاثون ومائة . # ووصف فعلهم بالخسران لأن حقيقة الخسران نقصان مال التاجر ، والتاجر قاصد ~~الربح وهو الزيادة ، فإذا خسر فقد باء بعكس ما عمل لأجله ( ولذلك كثر في ~~القرآن استعارة الخسران لعمل الذين يعملون طلبا لمرضاة الله وثوابه فيقعون ~~في غضبه وعقابه ، لأنهم اتعبوا أنفسهم فحصلوا عكس ما تعبوا لأجله ) ذلك أن ~~هؤلاء الذين قتلوا أولادهم قد طلبوا نفع أنفسهم بالتخلص من أضرار في الدنيا ~~محتملل لحاقها بهم من جراء بناتهم ، فوقعوا في أضرار محققة في الدنيا وفي ~~الآخرة ، فإن النسل نعمة من الله على الوالدين يأنسون به ويجدونه لكفاية ~~مهماتهم ، ونعمة على القبيلة تكثر وتعتز ، وعلى العالم كله بكثرة من يعمره ~~وبما ينتفع به الناس من مواهب النسل وصنائعه ، ونعمة على النسل نفسه بما ~~يناله من نعيم الحياة وملذاتها . ولتلك الفوائد ms2865 اقتضت حكمة الله إيجاد نظام ~~PageV08P113 التناسل ، حفظا للنوع ، وتعميرا للعالم ، وإظهارا لما في ~~الإنسان من مواهب تنفعه وتنفع قومه ، على ما في عملهم من اعتداء على حق ~~البنت الذي جعله الله لها وهو حق الحياة إلى انقضاء الأجل المقدر لها وهو ~~حق فطري لا يملكه الأب فهو ظلم بين لرجاء صلاح لغير المظلوم ولا يضر بأحد ~~لينتفع غيره . فلما قتل بعض العرب بناتهم بالوأد كانوا قد عطلوا مصالح ~~عظيمة محققة ، وارتكبوا به أضرارا حاصلة ، من حيث أرادوا التخلص من أضرار ~~طفيفة غير محققة الوقوع ، فلا جرم أن كانوا في فعلهم كالتاجر الذي أراد ~~الربح فباء بضياع أصل ماله ، ولأجل ذلك سمى الله فعلهم : سفها ، لأن السفه ~~هو خفة العقل واضطرابه ، وفعلهم ذلك سفه محض ، وأي سفه أعظم من إضاعة مصالح ~~جمة وارتكاب أضرار عظيمة وجناية شنيعة ، لأجل التخلص من أضرار طفيفة قد ~~تحصل وقد لا تحصل . وتعريف المسند إليه بالموصولية للإيماء إلى أن الصلة ~~علة في الخبر فإن خسرانهم مسبب عن قتل أولادهم . # وقوله : { سفها } منصوب على المفعول المطلق المبين لنوع القتل : أنه قتل ~~سفه لا رأي لصاحبه ، بخلاف قتل العدو وقتل القاتل ، ويجوز أن ينتصب على ~~الحال من { الذين قتلوا } ، وصفوا بالمصدر لأنهم سفهاء بالغون أقصى السفه . # والباء في قوله : { بغير علم } للملابسة ، وهي في موضع الحال إما من { ~~سفها } فتكون حالا مؤكدة ، إذ السفه لا يكون إلا بغير علم ، وإما من فاعل { ~~قتلوا } ، فإنهم لما فعلوا القتل كانوا جاهلين بسفاهتهم وبشناعة فعلهم ~~وبعاقبة ما قدروا حصوله لهم من الضر ، إذ قد يحصل خلاف ما قدروه ولو كانوا ~~يزنون المصالح والمفاسد لما أقدموا على فعلتهم الفظيعة . # والمقصود من الإخبار عن كونه بغير علم ، بعد الإخبار عنه بأنه ~~PageV08P114 سفه . التنبيه على أنهم فعلوا ذلك ظنا منهم أنهم أصابوا فيما ~~فعلوا ، وأنهم علموا كيف يرأبون ما في العالم من المفاسد ، وينظمون حياتهم ~~أحسن نظام ، وهم في ذلك مغرورون بأنفسهم ، وجاهلون بأنهم يجهلون { الذين ضل ~~سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم ms2866 يحسنون صنعا } ( الكهف : 104 ) . ~~وتقدم الكلام على الوأد آنفا ، ويأتي في سورة الإسراء عند قوله : { ولا ~~تقتلوا أولادكم خشية إملاق } ( الإسراء : 31 ) . # وقرأ الجمهور : { قتلوا أولادهم } بتخفيف التاء وقرأه ابن عامر بتشديد ~~التاء لأنه قتل بشدة ، وليست قراءة الجمهور مفيتة هذا المعنى ، لأن تسليط ~~فعل القتل على الأولاد يفيد أنه قتل فظيع . # وقوله : { وحرموا ما رزقهم الله } نعى عليهم خسرانهم في أن حرموا على ~~أنفسهم بعض ما رزقهم الله ، فحرموا الانتفاع به ، وحرموا الناس الانتفاع به ~~، وهذا شامل لجميع المشركين ، بخلاف الذين قتلوا أولادهم . والموصول الذي ~~يراد به الجماعة يصح في العطف على صلته أن تكون الجمل المتعاطفة مع الصلة ~~موزعة على طوائف تلك الجماعة كقوله تعالى : { إن الذين يكفرون بآيات الله ~~ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم ~~بعذاب أليم } ( آل عمران : 21 ) . # وانتصب { افتراء } على المفعول المطلق ل { حرموا } : لبيان نوع التحريم ~~بأنهم نسبوه لله كذبا . # وجملة { قد ضلوا } استئناف ابتدائي لزيادة النداء على تحقق ضلالهم . # والضلال : خطأ الطريق الموصل إلى المقصود ، فهم راموا البلوغ إلى مصالح ~~دنيوية ، والتقرب إلى الله وإلى شركائهم ، فوقعوا في المفاسد العظيمة ، ~~وأبعدهم الله بذنوبهم ، فلذلك كانوا كمن رام الوصول فسلك طريقا آخر . ~~PageV08P115 # وعطف { وما كانوا مهتدين } على { قد ضلوا } لقصد التأكيد لمضمون جملة { ~~ضلوا } لأن مضمون هذه الجملة ينفي ضد الجملة الأولى فتؤول إلى تقرير معناها ~~. # والعرب إذا أكدوا بمثل هذا قد يأتون به غير معطوف نظرا لمآل مفاد ~~الجملتين ، وأنهما باعتباره بمعنى واحد ، وذلك حق التأكيد كما في قوله ~~تعالى : { أموات غير أحياء } ( النحل : 21 ) وقوله : { فذلك يومئذ يوم عسير ~~على الكافرين غير يسير } ( المدثر : 9 ، 10 ) . وقول الأعشى : # إما ترينا حفاة لا نعال لنا # وقد يأتون به بالعطف وهو عطف صوري لأنه اعتداد بأن مفهوم الجملتين مختلف ~~، ولا اعتداد بمآلهما كما في قوله تعالى : { وأضل فرعون قومه وما هدى } ( ~~طه : 79 ) وقوله : { قد ضللت إذن وما أنا من المهتدين } ( الأنعام : 56 ) ~~وقول المتنبي : # والبين جار على ms2867 ضعفي وما عدلا # وكذلك جاء في هذه الآية ليفيد ، بالعطف ، أنهما خبران عن مساويهم . # و ( كان ) هنا في حكم الزائدة : لأنها زائدة معنى ، وإن كانت عاملة ، ~~والمراد : وما هم بمهتدين ، فزيادة ( كان ) هنا لتحقيق النفي مثل موقعها مع ~~لام الجحود ، وليس المراد أنهم ما كانوا مهتدين قبل أن يقتلوا أولادهم ~~ويحرموا ما رزقهم الله ، لأن هذا لا يتعلق به غرض بليغ . # $ 2 ( 141 ) { وهو الذى & # 1764 أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون ~~والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذآ أثمر وءاتوا حقه يوم حصاده ~~ولا تسرفو & # 1764 ا إنه لا يحب المسرفين } . ) 2 $ PageV08P116 # الواو في : { وهو الذي أنشأ } للعطف ، فيكون عطف هذه الجملة على جملة { ~~وحرموا ما رزقهم الله } ( الأنعام : 140 ) تذكيرا بمنة الله تعالى على ~~الناس بما أنشأ لهم في الأرض مما ينفعهم ، فبعد أن بين سوء تصرف المشركين ~~فيما من به على الناس كلهم مع تسفيه آرائهم في تحريم بعضها على أنفسهم ، ~~عطف عليه المنة بذلك استنزالا بهم إلى إدراك الحق والرجوعع عن الغي ، ولذلك ~~أعيد في هذه الآية غالب ما ذكر في نظيرتها المتقدمة في قوله : { وهو الذي ~~أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا ~~متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان ~~مشتبها وغير متشابه انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه } ( الأنعام : 99 ) لأن ~~المقصود من الآية الأولى الاستدلال على أنه الصانع ، وأنه المنفرد بالخلق ، ~~فكيف يشركون به غيره . ولذلك ذيلها بقوله : { إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون ~~} ( الأنعام : 99 ) ، وعطف عليها قوله : { وجعلوا لله شركاء الجن } ( ~~الأنعام : 100 ) الآيات . # والمقصود من هذه : الامتنان وإبطال ما ينافي الامتنان ولذلك ذيلت هذه ~~بقوله : { كلوا من ثمره إذا أثمر } . # والكلام موجه إلى المؤمنين والمشركين ، لأنه اعتبار وامتنان ، وللمؤمنين ~~الحظ العظيم من ذلك ، ولذلك أعقب بالأمر بأداء حق الله في ذلك بقوله : { ~~وآتوا حقه يوم حصاده } إذ لا يصلح ذلك الخطاب للمشركين ms2868 . # وتعريف المسند يفيد الاختصاص ، أي هو الذي أنشأ لا غيره ، والمقصود من ~~هذا الحصر إبطال أن يكون لغيره حظ فيها ، لإبطال ما جعلوه من الحرث ~~والأنعام من نصيب أنصامهم مع أن الله أنشأه . # والإنشاء : الإيجاد والخلق ، قال تعالى : { إنا أنشأناهن إنشاء } ( ~~الواقعة : 35 ) أي نساء الجنة . PageV08P117 # والجنات هي المكان من الأرض النابت فيه شجر كثير بحيث يجن أي يستر الكائن ~~فيه ، وقد تقدم عند قوله : { كمثل جنة بربوة في سورة البقرة ( 265 ) . ~~وإنشاؤها إنباتها وتيسير ذلك بإعطائها ما يعينها على النماء ، ودفعع ما ~~يفسدها أو يقطع نبتها ، كقوله : أنتم تزرعونه أم نحن الزارعون } ( الواقعة ~~: 64 ) . # والمعروشات : المرفوعات . يقال : عرش الكرمة إذا رفعها على أعمدة ليكون ~~نماؤها في ارتفاع لا على وجه الأرض ، لأن ذلك أجود لعنبها إذ لم يكن ملقى ~~على وجه الأرض . وعرش فعل مشتق من العرش وهو السقف ، ويقال للأعمدة التي ~~ترفع فوقها أغصان الشجر فتصير كالسقف يستظل تحته الجالس : العريش . ومنه ما ~~يذكر في السيرة : العريش الذي جعل للنبيء صلى الله عليه وسلم يوم بدر ، وهو ~~الذي بني على بقعته مسجد بعد ذلك هو اليوم موجود ببدر . ووصف الجنات ~~بمعروشات مجاز عقلي ، وإنما هي معروش فيها ، والمعروش أشجارها . وغير ~~المعروشات المبقاة كرومها منبسطة على وجه الأرض وأرفع بقليل ، ومن محاسنها ~~أنها تزين وجه الأرض فيرى الرائي جميعها أخضر . # وقوله : { معروشات وغير معروشات } صفة : ل { جنات } قصد منها تحسين ~~الموصوف والتذكير بنعمة الله أن ألهم الإنسان إلى جعلها على صفتين ، فإن ~~ذكر محاسن ما أنشأه الله يزيد في المنة ، كقوله في شأن الأنعام { ولكم فيها ~~جمال حين تريحون وحين تسرحون } ( النحل : 6 ) . # و { مختلفا أكله } حال من الزرع ، وهو أقرب المذكورات إلى اسم الحال ، ~~ويعلم أن النخل والجنات كذلك ، والمقصود التذكير بعجيب خلق الله ، فيفيد ~~ذكر الحال مع أحد الأنواع تذكر مثله في النوع الآخر ، وهذا كقوله تعالى : { ~~وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها } ( الجمعة : 11 ) أي وإليه ، ~~PageV08P118 وهي حال مقدرة على ظاهر قول النحويين لأنها مستقبلة ms2869 عن الإنشاء ~~، وعندي أن عامل الحال إذا كان مما يحصل معناه في أزمنة ، وكانت الحال ~~مقارنة لبعض أزمنة عاملها ، فهي جديرة بأن تكون مقارنة ، كما هنا . # ( والأكل ) بضم الهمزة وسكون الكاف لنافع وابن كثير ، و بضمهما قرأه ~~الباقون ، هو الشيء الذي يؤكل ، أي مختلفا ما يؤكل منه . # وعطف : { والزيتون والرمان } على : { جناتت . . . والنخل والزرع } . ~~والمراد شجر الزيتون وشجر الرمان . وتقدم القول في نظيره عند قوله تعالى : ~~{ وهو الذي أنزل من السماء ماء الآية في هذه السورة ( 99 ) . # إلا أنه قال هناك : مشتبها } ( الأنعام : 99 ) وقال هنا : { متشابها } ~~وهما بمعنى واحد لأن التشابه حاصل من جانبين فليست صيغة التفاعل للمبالغة ~~ألا ترى أنهما استويا في قوله : { وغير متشابه } في الآيتين . # غير أسلوب الحكاية عن أحوال المشركين فأقبل على خطاب المؤمنين بهذه المنة ~~وهذا الحكم ؛ فهذه الجمل معترضة وهي تعريض بتسفيه أحلام المشركين لتحريمهم ~~على أنفسهم ما من الله به عليهم . # والثمر : بفتح الثاء والميم وبضمهما وقرىء بهما كما تقدم بيانه في ~~نظيرتها . # والأمر للإباحة بقرينة أن الأكل من حق الإنسان الذي لا يجب عليه ~~PageV08P119 أن يفعله ، فالقرينة ظاهرة . والمقصود الرد على الذين حجروا ~~على أنفسهم بعض الحرث . # و { إذا } مفيدة للتوقيت لأنها ظرف ، أي : حين إثماره ، والمقصود من ~~التقييد بهذا الظرف إباحة الأكل منه عند ظهوره وقبل حصاده تمهيدا لقوله : { ~~وآتوا حقه يوم حصاده } أي : كلوا منه قبل أداء حقه . وهذه رخصة ومنة ، لأن ~~العزيمة أن لا يأكلوا إلا بعد إعطاء حقه كيلا يستأثروا بشيء منه على أصحاب ~~الحق ، إلا أن الله رخص للناس في الأكل توسعة عليهم أن يأكلوا منه أخضر قبل ~~يبسه لأنهم يستطيبونه كذلك ، ولذلك عقبه بقوله : { ولا تسرفوا } كما سيأتي ~~. # وإفراد الضميرين في قوله : { من ثمره إذا أثمر } على اعتبار تأويل المعاد ~~بالمذكور . # والأمر في قوله : { وآتوا حقه يوم حصاده } خطاب خاص بالمؤمنين كما تقدم . ~~وهذا الأمر ظاهر في الوجوب بقرينة تسمية المأمور به حقا . وأضيف الحق إلى ~~ضمير المذكور لأدنى ملابسة ، أي الحق الكائن فيه . # وقد ms2870 أجمل الحق اعتمادا على ما يعرفونه ، وهو : حق الفقير ، والقربى ، ~~والضعفاء ، والجيرة . فقد كان العرب ، إذا جذوا ثمارهم ، أعطوا منها من ~~يحضر من المساكين والقرابة . وقد أشار إلى ذلك قوله تعالى : { فانطلقوا وهم ~~يتخافتون أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين } ( القلم : 23 ، 24 ) . فلما ~~جاء الإسلام أوجب على المسلمين هذا الحق وسماه حقا كما في قوله تعالى : { ~~والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم } ( المعارج : 24 ، 25 ) ، ~~وسماه الله زكاة في آيات كثيرة ولكنه أجمل مقداره وأجمل الأنواع التي فيها ~~الحق ووكلهم في ذلك إلى حرصهم على الخير ، وكان هذا قبل شرع نصبها ~~ومقاديرها . ثم شرعت الزكاة وبينت السنة نصبها ومقاديرها . PageV08P120 # والحصاد بكسر الحاء وبفتحها قطع الثمر والحب من أصوله ، وهو مصدر على ~~وزنن الفعال أو الفعال . قال سيبويه ( جاءوا بالمصادر حين أرادوا انتهاء ~~الزمان على مثال فعال وذلك الصرام والجزاز والجداد والقطاع والحصاد ، وربما ~~دخلتت اللغة في بعض هذا ( أي اختلفت اللغات فقال بعض القبائل حصاد بفتح ~~الحاء وقال بعضهم حصاد بكسر الحاء ) فكان فيه فعال وفعال فإذا أرادوا الفعل ~~على فعلت قالوا حصدته حصدا وقطعته قطعا إنما تريد العمل لا انتهاء الغاية ) ~~. # وقرأه نافع ، وابن كثير ، وحمزة ، والكسائي ، وأبو جعفر ، وخلف بكسر ~~الحاء . وقرأ أبو عمرو ، وعاصم ، وابن عامر ، ويعقوب بفتح الحاء . # وقد فرضت الزكاة في ابتداء الإسلام مع فرض الصلاة ، أو بعده بقليل ، لأن ~~افتراضها ضروري لإقامة أود الفقراء من المسلمين وهم كثيرون في صدر الإسلام ~~، لأن الذين أسلموا قد نبذهم أهلوهم ومواليهم ، وجحدوا حقوقهم ، واستباحوا ~~أموالهم ، فكان من الضروري أن يسد أهل الجدة والقوة من المسلمين خلتهم . ~~وقد جاء ذكر الزكاة في آيات كثيرة مما نزل بمكة مثل سورة المزمل وسورة ~~البينة وهي من أوائل سور القرآن ، فالزكاة قرينة الصلاة . وقول بعض ~~المفسرين : الزكاة فرضت بالمدينة ، يحمل على ضبط مقاديرها بآية { خذ من ~~أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها } ( التوبة : 103 ) وهي مدنية ، ثم تطرقوا ~~فمنعوا أن يكون المراد بالحق هنا الزكاة ، لأن هذه السورة مكية بالاتفاق ms2871 ، ~~وإنما تلك الآية مؤكدة للوجوب بعد الحلول بالمدينة ، ولأن المراد منها ~~أخذها من المنافقين أيضا ، وإنما ضبطت الزكاة . ببيان الأنواع المزكاة ~~ومقدار النصب والمخرج منه ، بالمدينة ، فلا ينافي ذلك أن أصل وجوبها في مكة ~~، وقد حملها مالك على الزكاة المعينة المضبوطة في رواية ابن القاسم ~~PageV08P121 وابن وهب عنه وهو قول ابن عباس ، وأنس بن مالك ، وسعيد بن ~~المسيب ، وجمع من التابعين كثير . ولعلهم يرون الزكاة فرضت ابتداء بتعيين ~~النصب والمقادير ، وحملها ابن عمر ، وابن الحنفية ، وعلي بن الحسين ، وعطاء ~~، وحماد ، وابن جبير ، ومجاهد ، على غير الزكاة وجعلوا الأمر للندب ، ~~وحملها السدي ، والحسن ، وعطية العوفي ، والنخعي ، وسعيد بن جبير ، في ~~رواية عنه ، على صدقة واجبة ثم نسختها الزكاة . # وإنما أوجب الله الحق في الثمار والحب يوم الحصاد : لأن الحصاد إنما يراد ~~للادخار وإنما يدخر المرء ما يريده للقوت ، فالادخار هو مظنة الغني الموجبة ~~لإعطاء الزكاة ، والحصاد مبدأ تلك المظنة ، فالذي ليست له إلا شجرة أو ~~شجرتان فإنما يأكل ثمرها مخضورا قبل أن ييبس ، فلذلك رخصت الشريعة لصاحب ~~الثمرة أن يأكل من الثمر إذا أثمر ، ولم توجب عليه إعطاء حق الفقراء إلا ~~عند الحصاد . ثم إن حصاد الثمار ، وهو جذاذها ، هو قطعها لادخارها ، وأما ~~حصاد الزرع فهو قطع السنبل من جذور الزرع ثم يفرك الحب الذي في السنبل ~~ليدخر ، فاعتبر ذلك الفرك بقية للحصاد . ويظهر من هذا أن الحق إنما وجب ~~فيما يحصد من المذكورات مثل الزبيب والتمر والزرع والزيتون ، من زيته أو من ~~حبه ، بخلاف الرمان والفواكه . # وعلى القول المختار : فهذه الآية غير منسوخة ، ولكنها مخصصة ومبينة بآيات ~~أخرى وبما يبينه النبيء صلى الله عليه وسلم فلا يتعلق بإطلاقها ، وعن السدي ~~أنها نسخت بآية الزكاة يعني : { خذ من أموالهم صدقة } ( التوبة : 103 ) وقد ~~كان المتقدمون يسمون التخصيص نسخا . # وقوله : { ولا تسرفوا } عطف على { كلوا } ، أي : كلوا غير مسرفين . ~~والإسراف والسرف : تجاوز الكافي من إرضاء النفس بالشيء المشتهى . وتقدم ~~PageV08P122 عند قوله تعالى : { ولا تأكلوها إسرافا في سورة النساء ( 6 ) . ~~وهذا إدماج للنهي ms2872 عن الإسراف ، وهو نهي إرشاد وإصلاح ، أي : لا تسرفوا في ~~الأكل وهذا كقوله : وكلوا واشربوا ولا تسرفوا } ( الأعراف : 31 ) . ~~والإسراف إذا اعتاده المرء حمله على التوسع في تحصيل المرغوبات ، فيرتكب ~~لذلك مذمات كثيرة ، وينتقل من ملذة إلى ملذة فلا يقف عند حد . # وقيل عطف على { وآتوا حقه } أي ولا تسرفوا فيما بقي بعد إتيان حقه ~~فتنفقوا أكثر مما يجب ، وهذا لا يكون إلا في الإنفاق والأكل ونحوه ، فأما ~~بذله في الخير ونفع الناس فليس من السرف ، ولذلك يعد من خطأ التفسير : ~~تفسيرها بالنهي عن الإسراف في الصدقة ، وبما ذكروه أن ثابت بن قيس صرم ~~خمسمائة نخلة وفرق ثمرها كله ولم يدخل منه شيئا إلى منزله ، وأن الآية نزلت ~~بسبب ذلك . # وقوله : { إنه لا يحب المسرفين } استئناف قصد به تعميم حكم النهي عن ~~الإسراف . وأكد ب { إن } لزيادة تقرير الحكم ، فبين أن الإسراف من الأعمال ~~التي لا يحبها ، فهو من الأخلاق التي يلزم الانتهاء عنها ، ونفي المحبة ~~مختلف المراتب ، فيعلم أن نفي المحبة يشتد بمقدار قوة الإسراف ، وهذا حكم ~~مجمل وهو ظاهر في التحريم ، وبيان هذا الإجمال هو في مطاوي أدلة أخرى ~~والإجمال مقصود . # ولغموض تأويل هذا النهي وقوله : { إنه لا يحب المسرفين } تفرقت آراء ~~المفسرين في تفسير معنى الإسراف المنهي عنه ، ليعينوه في إسراف حرام ، حتى ~~قال بعضهم : إنها منسوخة ، وقد علمت المنجى من ذلك كله . PageV08P123 # فوجه عدم محبة الله إياهم أن الإفراط في تناول اللذات والطيبات ، ~~والإكثار من بذل المال في تحصيلها ، يفضي غالبا إلى استنزاف الأموال والشره ~~إلى الاستكثار منها ، فإذا ضاقت على المسرف أمواله تطلب تحصيل المال من ~~وجوه فاسدة ، ليخمد بذلك نهمته إلى اللذات ، فيكون ذلك دأبه ، فربما ضاق ~~عليه ماله ، فشق عليه الإقلاع عن معتاده ، فعاش في كرب وضيق ، وربما تطلب ~~المال من وجوه غير مشروعة ، فوقع فيما يؤاخذ عليه في الدنيا أو في الآخرة ، ~~ثم إن ذلك قد يعقب عياله خصاصة وضنك معيشة . وينشأ عن ذلك ملام وتوبيخ ~~وخصومات تفضي إلى ما لا يحمد ms2873 في اختلال نظام العائلة . فأما كثرة الإنفاق ~~في وجوه البر فإنها لا توقع في مثل هذا ، لأن المنفق لا يبلغ فيها مبلغ ~~المنفق لمحبة لذاته ، لأن داعي الحكمة قابل للتأمل والتحديد بخلاف داعي ~~الشهوة . ولذلك قيل في الكلام الذي يصح طردا وعكسا : ( لا خير في السرف ، ~~ولا سرف في الخير ) وفي معنى هذه الآية قوله في سورة الأعراف ( 31 ) : { ~~وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين } ( الأعراف : 31 ) وقول ~~النبيء صلى الله عليه وسلم ( ويكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال ~~) . # # | 2 ( 142 ) { ومن الأنعام حمولة وفرشا كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا ~~خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين } . ) 2 # عطف : { حمولة } على : { جنات معروشات } ( الأنعام : 141 ) أي : وأنشأ من ~~الأنعام حمولة وفرشا ، فينسحب عليه القصر الذي في المعطوف عليه ، أي هو ~~الذي أنشأ من الأنعام حمولة وفرشا لا آلهة المشركين ، فكان المشركون ظالمين ~~في جعلهم للأصنام حقا في الأنعام . # و ( من ) في قوله : { ومن الأنعام } ابتدائية لأن الابتداء معنى يصلح ~~PageV08P124 للحمولة وللفرش لأنه أوسع معاني ( من ) . والمجرور : إما متعلق ~~ب { أنشأ } ( الأنعام : 141 ) ، وإما حال من { حمولة } أصلها صفة فلما قدمت ~~تحولت . # وأيا ما كان فتقديم المجرور على المفعول الذي هو أولى بالتقديم في ترتيب ~~المتعلقات ، أو تقديم الصفة على الموصوف ، لقصد الاهتمام بأمر الأنعام ، ~~لأنها المقصود الأصلي من سياق الكلام ، وهو إبطال تحريم بعضها ، وإبطال جعل ~~نصيب منها للأصنام ، وأما الحمل والفرش فذلك امتنان أدمج في المقصود توفيرا ~~للأغراض ، ولأن للامتنان بذلك أثرا واضحا في إبطال تحريم بعضها الذي هو ~~تضييق في المنة ونبذ للنعمة ، وليتم الإيجاز إذ يغني عن أن يقول : وأنشأ ~~لكم الأنعام وأنشأ منها حمولة وفرشا ، كما سيأتي . # والأنعام : الإبل ، والبقر ، والشاء ، والمعز ، وقد تقدم في صدر سورة ~~العقود ، والحمولة بفتح الحاء ما يحمل عليه المتاع أو الناس يقال : حمل ~~المتاع وحمل فلانا ، قال تعالى : { إذا ما أتوك لتحملهم } ( التوبة : 92 ) ~~ويلزمها التأنيث ، والإفراد مثل ( صرورة ) للذي لم يحج يقال : امرأة صرورة ~~ورجل ms2874 صرورة . # والفرش : اختلف في تفسيره في هذه الآية . فقيل : الفرش ما لا يطيق الحمل ~~من الإبل أي فهو يركب كما يفرش الفرش ، وهذا قول الراغب . وقيل : الفرش ~~الصغار من الإبل أو من الأنعام كلها ، لأنها قريبة من الأرض فهي كالفرش ، ~~وقيل : الفرش ما يذبح لأنه يفرش على الأرض حين الذبح أو بعده ، أي فهو ~~الضان والمعز والبقر لأنها تذبح . وفي ( اللسان ) عن أبي إسحاق : أجمع أهل ~~اللغة على أن الفرش هو صغار الإبل . # زاد في ( الكشاف ) : ( أو الفرش : ما ينسج من وبره وصوفه وشعره الفرش ) ~~يريد أنه كما قال تعالى : { ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها PageV08P125 ~~أثاثا ومتاعا إلى حين } ( النحل : 80 ) ، وقال : { والأنعام خلقها لكم فيها ~~دفء ومنافع ومنها تأكلون ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون وتحمل ~~أثقالكم } ( النحل : 5 7 ) الآية ، ولأنهم كانوا يفترشون جلود الغنم والمعز ~~للجلوس عليها . # ولفظ { فرشا } صالح لهذه المعاني كلها ، ومحامله كلها مناسبة للمقام ، ~~فينبغي أن تكون مقصودة من الآية ، وكأن لفظ الفرش لا يوازنه غيره في جمع ~~هذه المعاني ، وهذا من إعجاز القرآن من جانب فصاحته ، فالحمولة الإبل خاصة ~~، والفرش يكون من الإبل والبقر والغنم على اختلاف معاني اسم الفرش الصالحة ~~لكل نوع مع ضميمته إلى كلمة ( من ) الصالحة للابتداء . # فالمعنى : وأنشأ من الأنعام ما تحملون عليه وتركبونه ، وهو الإبل الكبيرة ~~والإبل الصغيرة ، وما تأكلونه وهو البقر والغنم ، وما هو فرش لكم وهو ما ~~يجز منها ، وجلودها . وقد علم السامع أن الله لما أنشأ حمولة وفرشا من ~~الأنعام فقد أنشأ الأنعام أيضا ، وأول ما يتبادر للناس حين ذكر الأنعام أن ~~يتذكروا أنهم يأكلون منها ، فحصل إيجاز في الكلام ولذلك عقب بقوله : { كلوا ~~مما رزقكم الله } . # وجملة : { كلوا مما رزقكم الله } معترضة مثل آية : { كلوا من ثمره إذا ~~أثمر } ( الأنعام : 141 ) . ومناسبة الأمر بالأكل بعد ذكر الأنعام : أنه ~~لما كان قوله : { وفرشا } شيئا ملائما للذبح ، كما تقدم ، عقب بالإذن بأكل ~~ما يصلح للأكل منها . واقتصر على الأمر بالأكل لأنه المقصود من السياق ~~إبطالا لتحريم ms2875 ما حرموه على أنفسهم ، وتمهيدا لقوله : { ولا تتبعوا خطوات ~~الشيطان } فالأمر بالأكل هنا مستعمل في النهي عن ضده وهو عدم الأكل من ~~بعضها ، أي لا تحرموا ما أحل لكم منها اتباعا لتغرير الشيطان بالسوسوسة ~~لزعماء المشركين الذين سنوا لهم تلك السنن الباطلة ، وليس المراد بالأمر ~~الإباحة فقط . # وعدل عن الضمير بأن يقول : كلوا منها : إلى الإتيان بالموصول ، ~~PageV08P126 { مما رزقكم الله } لما في صلة الموصول من الإيماء إلى تضليل ~~الذين حرموا على أنفسهم ، أو على بعضهم ، الأكل من بعضها ، فعطلوا على ~~أنفسهم بعضا مما رزقهم الله . # ومعنى : { ولا تتبعوا خطوات الشيطان } النهي عن شؤون الشرك فإن أول خطوات ~~الشيطان في هذا الغرض هي تسويله لهم تحريم بعض ما رزقهم الله على أنفسهم . ~~وخطوات الشيطان تمثيل ، وقد تقدم عند قوله تعالى : { يأيها الناس كلوا مما ~~في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان في سورة البقرة ( 168 ) . # وجملة : إنه لكم عدو مبين } تعليل للنهي ، وموقع ( إن ) فيه يغني عن فاء ~~التفريع كما تقدم غير مرة ، وقد تقدم بيانه في آية البقرة . # # | 2 ( 143 ، 144 ) { ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل ~~ءآلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن ~~كنتم صادقين * ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل ءآلذكرين حرم أم ~~الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين أم كنتم شهدآء إذ وصاكم الله ~~بهاذا فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله لا ~~يهدي القوم الظالمين } . ) 2 # PageV08P127 # جملة : { ثمانية أزواج } حال من { من الأنعام } ( الأنعام : 142 ) . ذكر ~~توطئة لتقسيم الأنعام إلى أربعة أصناف الذي هو توطئة للرد على المشركين ~~لقوله : { قل ءآلذكرين حرم أم الأنثيين إلى قوله أم كنتم شهداء أي أنشأ من ~~الأنعام حمولة إلى آخره حالة كونها ثمانية أزواج . # والأزواج جمع زوج ، والزوج اسم لذات منضمة إلى غيرها على وجه الملازمة ، ~~فالزوج ثان لواحد ، وكل من ذينك الاثنين يقال له : زوج ، باعتبار أنه مضموم ~~، وقد تقدم ذلك عند قوله ms2876 تعالى : وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة في ~~سورة البقرة ( 35 ) ، ويطلق الزوج غالبا على الذكر والأنثى من بني آدم ~~المتلازمين بعقدة نكاح ، وتوسع في هذا الإطلاق فأطلق بالاستعارة على الذكر ~~والأنثى من الحيوان الذي يتقارن ذكره وأنثاه مثل حمار الوحش وأتانه ، وذكر ~~الحمام وأنثاه ، لشبهها بالزوجين من الإنسان . ويطلق الزوج على الصنف من ~~نوع كقوله تعالى : ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين في سورة الرعد ( 3 ~~) . وكلا الإطلاقين الأخيرين صالح للإرادة هنا لأن الإبل والبقر والضأن ~~والمعز أصناف للأنعام ، ولأن كل ذلك منه ذكر وأنثى . إذ المعنى أن الله خلق ~~من الأنعام ذكرها وأنثاها ، فالأزواج هنا أزواج الأصناف ، وليس المراد زوجا ~~بعينه ، إذ لا تعرف بأعيانها ، فثمانية أزواج هي أربعة ذكور من أربعة أصناف ~~وأربع إناث كذلك . # وقوله : من الضأن اثنين ومن المعز اثنين } أبدل { اثنين } من قوله : { ~~ثمانية أزواج } قوله : { اثنين } : بدل تفصيل ، والمراد : اثنين منها أي من ~~الأزواج ، أي ذكر وأنثى كل واحد منهما زوج للآخر ، وفائدة هذا التفصيل ~~التوصل لذكر أقسام الذكور والإناث توطئة للاستدلال الآتي في قوله : { قل ~~ءآلذكرين حرم أم الأنثيين } الآية . # وسلك في التفصيل طريق التوزيع تمييزا للأنواع المتقاربة ، فإن الضأن ~~والمعز متقاربان ، وكلاهما يذبح ، والإبل والبقر متقاربة ، والإبل ~~PageV08P128 تنحر ، والبقر تذبح وتنحر أيضا . ومن البقر صنف له سنام فهو ~~أشبه بالإبل ويوجد في بلاد فارس ودخل بلاد العرب وهو الجاموس ، والبقر ~~العربي لا سنام له وثورها يسمى الفريش . # ولما كانوا قد حرموا في الجاهلية بعض الغنم ، ومنها ما يسمى بالوصيلة كما ~~تقدم ، وبعض الإبل كالبحيرة والوصيلة أيضا ، ولم يحرموا بعض المعز ولا شيئا ~~من البقر ، ناسب أن يؤتى بهذا التقسيم قبل الاستدلال تمهيدا لتحكمهم إذ ~~حرموا بعض أفراد من أنواع ، ولم يحرموا بعضا من أنواع أخرى ، وأسباب ~~التحريم المزعومة تتأتى في كل نوع فهذا إبطال إجمالي لما شرعوه وأنه ليس من ~~دين الله ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا . # وهذا الاستدلال يسمى في علم المناظرة والبحث ms2877 بالتحكم . # والضأن بالهمز اسم جمع للغنم لا واحد له من لفظه ، ومفرد الضأن شاة ~~وجمعها شاء . وقيل هو جمع ضائن . والضأن نوع من الأنعام ذواتت الظلف له صوف ~~. والمعز اسم جمع مفرده ماعز ، وهو نوع من الأنعام شبيه بالضأن من ذوات ~~الظلف له شعر مستطيل ، ويقال : معز بسكون العين ومعز بفتح العين وبالأول ~~قرأ نافع . وعاصم ، وحمزة ، والكسائي ، وأبو جعفر ، وخلف . وقرأ بالثاني ~~الباقون . # وبعد أن تم ذكر المنة والتمهيد للحجة ، غير أسلوب الكلام ، فابتدىء بخطاب ~~الرسول عليه الصلاة والسلام بأن يجادل المشركين ويظهر افتراءهم على الله ~~فيما زعموه من تحريم ما ابتدعوا تحريمه من أنواع وأصناف الأنعام على من ~~عينوه من الناس بقوله : { قل ءآلذكرين حرم } الآيات . فهذا الكلام رد على ~~المشركين ، لإبطال ما شرعوه بقرينة قوله : { نبئوني بعلم إن كنتم صادقين } ~~وقوله : { أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا } PageV08P129 الآية . فقوله : ~~قل ءآلذكرين حرم أم الأنثيين إلى آخرها في الموضعين ، اعتراض بعد قوله : { ~~ومن المعز اثنين } وقوله : { ومن البقر اثنين } . وضمير : { حرم } عائد إلى ~~اسم الله في قوله : { كلوا مما رزقكم الله } ( الأنعام : 142 ) ، أو في ~~قوله : { وحرموا ما رزقهم الله } ( الأنعام : 140 ) الآية . وفي تكرير ~~الاستفهام مرتين تعريض بالتخطئة ، فالتوبيخ والتقريع الذي يعقبه التصريح به ~~في قوله : { إن كنتم صادقين } وقوله : { أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا ~~فمن أظلم ممن أفترى على الله كذبا } الآية . فلا تردد في أن المقصود من ~~قوله : { قل ءآلذكرين حرم } في الموضعين إبطال تحريم ما حرم المشركون أكله ~~، ونفي نسبة ذلك التحريم إلى الله تعالى . وإنما النظر في طريق استفادة هذا ~~المقصود من نظم الكلام . وهو من المعضلات . # فقال الفخر : ( أطبق المفسرون على أن تفسير هذه الآية أن المشركين كانوا ~~يحرمون بعض الأنعام فاحتج الله على إبطال قولهم بأن ذكر الضأن والمعز ~~والإبل والبقر . وذكر من كل واحد من هذه الأربعة زوجين ذكرا وأنثى ، ثم قال ~~: إن كان حرم منها الذكر وجب أن يكون كل ذكورها حراما ، وإن كان حرم الأنثى ms2878 ~~وجب أن يكون كل إناثها حراما ، وأنه إن كان حرم ما اشتملت عليه أرحام ~~الأنثيين وجب تحريم الأولاد كلها ) . حاصل المعنى نفي أن يكون الله حرم ~~شيئا مما زعموا تحريمه إياه بطريق السبر والتقسيم وهو من طريق الجدل . # قلت : هذا ما عزاه الطبري إلى قتادة ، ومجاهد ، والسدي ، وهذا لا يستقيم ~~لأن السبر غير تام إذ لا ينحصر سبب التحريم في النوعية بل الأكثر أن سببه ~~بعض أوصاف الممنوع وأحواله . # وقال البغوي : قالوا : { هذه أنعام وحرث حجر } ( الأنعام : 138 ) وقالوا ~~: { ما PageV08P130 في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا } ~~( الأنعام : 139 ) وحرموا البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي ، فلما قام ~~الإسلام جادلوا النبيء صلى الله عليه وسلم وكان خطيبهم مالك بن عوف الجشمي ~~قالوا : يا محمد بلغنا أنك تحرم أشياء مما كان آباؤنا يفعلونه . فقال لهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إنكم قد حرمتم أصنافا من النعم على غير أصل ، ~~وإنما خلق الله هذه الأزواج الثمانية للأكل والانتفاع بها ، فمن أين جاء ~~هذا التحريم أمن قبل الذكر أم من قبل الأنثى . فسكت مالك بن عوف وتحير اه ( ~~أي وذلك قبل أن يسلم مالك بن عوف ) ولم يعزه البغوي إلى قائل وهو قريب مما ~~قاله قتادة والسدي ومجاهد فتبين أن الحجاج كله في تحريم أكل بعض هذه ~~الأنواع من الأنعام ، وفي عدم التفرقة بين ما حرموا أكله وما لم يحرموه مع ~~تماثل النوع أو الصنف . # والذي يؤخذ من كلام أئمة العربية في نظم الاستدلال على المشركين أن ~~الاستفهام في قوله : { ءآلذكرين حرم } في الموضعين . استفهام إنكاري ، قال ~~في ( الكشاف ) الهمزة في { ءآلذكرين } للإنكار . والمعنى : إنكار أن يحرم ~~الله تعالى من جنسي الغنم شيئا من نوعي ذكورها وإناثها وما تحمل إناثها ~~وكذلك في جنسي الإبل والبقر ، وبينه صاحب ( المفتاح ) في باب الطلب بقوله : ~~وإن أردت به ( أي بالاستفهام ) الإنكا فانسجه على منوال النفي فقل ( في ~~إنكار نفس الضرب ) أضربت زيدا ، وقل ( في إنكار أن يكون للمخاطب مضروب ) ~~أزيدا ضربت أم عمرا ، فإنك إذا ms2879 أنكرت من يردد الضرب بينهما ( أي بزعمه ) ~~تولد منه ( أي من الإنكار عليه ) إنكار الضرب على وجه برهاني ومنه قوله ~~تعالى : { ءآلذكرين حرم أم الأنثيين } . قال شارحه القطب الشيرازي : ~~لاستلزام انتفاء محل التحريم انتفاء التحريم لأنه عرض يمتنع وجوده ، أي ~~التحريم ، دون محل يقوم به فإذا انتفى ( أي محله ) انتفى هو أي التحريم ا ه ~~. PageV08P131 # أقول وجه الاستدلال : أن الله لو حرم أكل بعض الذكور من أحد النوعين لحرم ~~البعض الآخر ، ولو حرم أكل بعض الإناث لحرم البعض الآخر . لأن شأن أحكام ~~الله أن تكون مطردة في الأشياء المتحدة بالنوع والصفة ، ولو حرم بعض ما في ~~بطون الأنعام على النساء لحرم ذلك على الرجال ، وإذ لم يحرم بعضها على بعض ~~مع تماثل الأنواع والأحوال . أنتج أنه لم يحرم البعض المزعوم تحريمه ، لأن ~~أحكام الله منوطة بالحكمة ، فدل على أن ما حرموه إنما حرموه من تلقاء ~~أنفسهم تحكما واعتباطا ، وكان تحريمهم ما حرموه افتراء على الله . ونهضت ~~الحجة عليهم ، الملجئة لهم ، كما أشار إليه كلام النبيء صلى الله عليه وسلم ~~لمالك بن عوف الجشمي المذكور آنفا ، ولذلك سجل عليهم بقوله : { نبئوني بعلم ~~إن كنتم صادقين } فقوله : { ءآلذكرين حرم } أي لو حرم الله ءآلذكرين لسوى ~~في تحريمهما بين الرجال والنساء . وكذلك القول في الأنثيين ، والاستفهام في ~~قوله : { ءآلذكرين حرم } في الموضعين مستعمل في التقرير والإنكار بقرينة ~~قوله قبله : { سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم } ( الأنعام : 139 ) . وقوله : ~~{ ولا تتبعوا خطوات الشيطان } ( البقرة : 168 ) . ومعلوم أن استعمال ~~الاستفهام في غير معنى طلب الفهم هو إما مجاز أو كناية . # ولذلك تعين أن تكون { أم } منقطعة بمعنى ( بل ) ومعناها الإضراب ~~الانتقالي تعديدا لهم ويقدر بعدها استفهام . فالمفرد بعد { أم } مفعول لفعل ~~محذوف ، والتقدير : أم أحرم الأنثيين . وكذلك التقدير في قوله : { أما ~~اشتملت عليه أرحام الأنثيين } وكذلك التقدير في نظيره . # وقوله : { من الضأن اثنين ومن المعز اثنين } مع قوله : { ومن الإبل اثنين ~~ومن البقر اثنين } من مسلك السير والتقسيم المذكور في مسالك العلة من علم ~~أصول الفقه ms2880 . # وجملة : { نبئوني بعلم إن كنتم صادقين } بدل اشتمال من جملة ؛ ~~PageV08P132 { ءآلذكرين حرم أم الأنثيين } لأن إنكار أن يكون الله حرم شيئا ~~من ذكور وإناث ذينك الصنفين يقتضي تكذيبهم في زعمهم أن الله حرم ما ذكروه ~~فيلزم منه طلب الدليل على دعواهم . فموقع جملة { ءآلذكرين } بمنزلة ~~الاستفسار في علم آداب البحث . وموقع جملة : { نبئوني بعلم إم كنتم صادقين ~~} بمنزلة المنع . وهذا تهكم لأنه لا يطلب تلقي علم منهم . وهذا التهكم تابع ~~لصورة الاستفهام وفرع عنها . وهو هنا تجريد للمجاز أو للمعنى الملزوم ~~المنتقل منه في الكناية . وتثنية ءآلذكرين والأنثيين : باعتبار ذكور وإناث ~~النوعين . # وتعدية فعل : { حرم } إلى { الذكرين } و { الأنثيين } وما اشتملت عليه ~~أرحام الأنثيين ، على تقدير مضاف معلوم من السياق ، أي : حرم أكل ءآلذكرين ~~أم الأنثيين إلى آخره . # والتعريف في قوله : { ءآلذكرين } وقوله : { أما اشتملت عليه أرحام ~~الأنثيين } تعريف الجنس كما في ( الكشاف ) . # والباء في { بعلم } : يحتمل أن تكون لتعدية فعل الإنباء ، فالعلم بمعنى ~~المعلوم . ويحتمل أن تكون للملابسة ، أي نبئوني إنباء ملابسا للعلم ، ~~فالعلم ما قابل الجهل أي إنباء عالم . ولما كانوا عاجزين عن الإنباء دل ذلك ~~على أنهم حرموا ما حرموه بجهالة وسوء عقل لا بعلم ، وشأن من يتصدى للتحريم ~~والتحليل أن يكون ذا علم . # وقوله : { إن كنتم صادقين } أي في قولكم : إن الله حرم ما ذكرتم أنه محرم ~~، لأنهم لو كانوا صادقين في تحريم ذلك لاستطاعوا بيان ما حرمه الله ، ~~ولأبدوا حكمة تحريم ما حرموه ونسبوا تحريمه إلى الله تعالى . # وقوله : { ومن الإبل اثنين } إلى قوله { أرحام الأنثيين } عطف على : ~~PageV08P133 { ومن المعز اثنين } لأنه من تمام تفصيل عدد ثمانية أزواج ، ~~والقول فيه كالقول في سابقه ، والمقصود إبطال تحريم البحيرة والسائبة ~~والحامي وما في بطون البحائر والسوائب . # و { أم } في قوله : { أم كنتم شهداء } منقطعة للإضراب الانتقالي . فتؤذن ~~باستفهام مقدر بعدها حيثما وقعت . وهو إنكاري تقريري أيضا بقربنة السياق . # والشهداء : الحاضرون جمع شهيد وهو الحاضر ، أي شهداء حين وصاكم الله ، ف ~~{ إذ } ظرف ل { شهداء } مضاف إلى جملة ms2881 : { وصاكم } . # والإيصاء : الأمر بشيء يفعل في غيبة الآمر فيؤكد على المأمور بفعله لأن ~~شأن الغائب التأكيد . وأطلق الإيصاء على ما أمر الله به لأن الناس لم ~~يشاهدوا الله حين فعلهم ما يأمرهم به ، فكان أمر الله مؤكدا فعبر عنه ~~بالإيصاء تنبيها لهم على الاحتراز من التفويت في أوامر الله ، ولذلك أطلق ~~على أمر الله الإيصاء في مواضع كثيرة من القرآن ، كقوله : { يوصيكم الله في ~~أولادكم } ( النساء : 11 ) . # والإشارة في قوله : { بهذا } إلى التحريم المأخوذ من قوله : { حرم } وذلك ~~لأن في إنكار مجموع التحريم تضمنا لإبطال تحريم معين ادعوه . وهم يعرفونه . ~~فلذلك صحت الإشارة إلى التحريم على الإجمال ، وخص بالإنكار حالة المشاهدة ، ~~تهكما بهم ، لأنهم كانوا يكذبون الرسول صلى الله عليه وسلم فحالهم حال من ~~يضع نفسه موضع من يحضر حضرة الله تعالى لسماع أوامره . أو لأن ذلك لما لم ~~يكن من شرع إبراهيم ولا إسماعيل عليهم السلام ، ولم يأت به رسول من الله ، ~~ولم يدعوه ، فلم يبق إلا أن يدعوا أن الله خاطبهم به مباشرة . # وقوله : { فمن أظلم ممن أفترى على الله كذبا } مترتب على الإنكار في قوله ~~: { ءآلذكرين حرم أم الأنثيين } إلى قوله { إذ وصاكم الله بهذا } ، ~~PageV08P134 أي فيترتب على ذلك الإبطال والإنكار أن يتوجه سؤال من المتكلم ~~مشوب بإنكار . عمن اتصف بزيادة ظلم الظالمين الذين كذبوا على الله ليضلوا ~~الناس ، أي : لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبا ، فإذا ثبت أن هؤلاء ~~المخاطبين قد افتروا على الله كذبا ، ثبت أنهم من الفريق الذي هو أظلم ~~الظالمين . # والمشركون إما أن يكونوا ممن وضع الشرك وهم كبراء المشركين : مثل عمرو بن ~~لحي ، واضعع عبادة الأصنام ، وأولل من جعل البحيرة والسائبة والوصيلة ~~والحامي ، ومن جاء بعده من طواغيت أهل الشرك الذين سنوا لهم جعل شيء من ~~أموالهم لبيوت الأصنام وسدنتها ، فهؤلاء مفترون ، وإما أن يكونوا ممن اتبع ~~أولئك بعزم وتصلب وشاركوهم فهم اتبعوا أناسا ليسوا بأهل لأن يبلغوا عن الله ~~تعالى ، وكان حقهم أن يتوخوا من يتبعون ومن يظنون أنه ms2882 مبلغ عن الله وهم ~~الرسل ، فمن ضلالهم أنهم لما جاءهم الرسول الحق عليه الصلاة والسلام كذبوه ~~، وقد صدقوا الكذبة وأيدوهم ونصروهم . # ويستفاد من الآية أن من الظلم أن يقدم أحد على الإفتاء في الدين ما لم ~~يكن قد غلب على ظنه أنه يفتي بالصواب الذي يرضي الله ، وذلك إن كان مجتهدا ~~فبالاستناد إلى الدليل الذي يغلب على ظنه مصادفته لمراد الله تعالى ، وإن ~~كان مقلدا فبالاستناد إلى ما يغلب على ظنه أنه مذهب إمامه الذي قلده . # وقوله : { بغير علم } تقدم القول في نظيره آنفا . # وقوله : { إن الله لا يهدي القوم الظالمين } يجوز أن يكون تعليلا لكونهم ~~من أظلم الناس ، لأن معنى الزيادة في الظلم لا يتحقق إلا إذا كان ظلمهم لا ~~إقلاع عنه ، لأن الضلال يزداد رسوخا في النفس بتكرر أحواله ومظاهره ، لأنهم ~~لما تعمدوا الإضلال أو اتبعوا متعمديه عن تصلب ، فهم بمعزل عن تطلب الهدى ~~وإعادة النظر في حال أنفسهم ، وذلك يغريهم PageV08P135 بالازدياد والتملي ~~من تلك الأحوال ، حتى تصير فيهم ملكة وسجية ، فيتعذر إقلاعهم عنها ، فعلى ~~هذا تكون { إن } مفيدة معنى التعليل . # ويجوز أن تكون الجملة تهديدا ووعيدا لهم ، إن لم يقلعوا عما هم فيه ، بأن ~~الله يحرمهم التوفيق ويذرهم في غيهم وعمههم ، فالله هدى كثيرا من المشركين ~~هم الذين لم يكونوا بهذه المثابة في الشرك ، أي لم يكونوا قادة ولا متصلبين ~~في شركهم ، والذين كانوا بهذه المثابة هم الذين حرمهم الله الهدى ، مثل ~~صناديد قريش أصحاب القليب يوم بدر ، فأما الذين اتبعوا الإسلام بالقتال مثل ~~معظم أهل مكة يوم الفتح ، وكذلك هوازن ومن بعدها ، فهؤلاء أسلموا مذعنين ثم ~~علموا أن آلهتهم لم تغن عنهم شيئا فحصل لهم الهدى بعد ذلك ، وكانوا من خيرة ~~المسلمين ونصروا الله حق نصره . فالمراد من نفي الهدى عنهم : إما نفيه عن ~~فريق من المشركين ، وهم الذين ماتوا على الشرك ، وإما نفي الهدى المحض ~~الدال على صفاء النفس ونور القلب ، دون الهدى الحاصل بعد الدخول في الإسلام ~~، فذلك هدى في الدرجة الثانية كما قال ms2883 تعالى : { لا يستوي منكم من أنفق من ~~قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد ~~الله الحسنى } ( الحديد : 10 ) . # # | 2 ( 145 ) { قل لا أجد فى مآ أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه إلا أن ~~يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به ~~فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم } . ) 2 # استئناف بياني نشأ عن إبطال تحريم ما حرمه المشركون ، إذ يتوجه سؤال سائل ~~من المسلمين عن المحرمات الثابتة ، إذ أبطلت المحرمات الباطلة ، ~~PageV08P136 فلذلك خوطب الرسول صلى الله عليه وسلم ببيان المحرمات في شريعة ~~الإسلام بعد أن خوطب ببيان ما ليس بمحرم مما حرمه المشركون في قوله : { قل ~~ءآلذكرين حرم أم الأنثيين } ( الأنعام : 144 ) الآيات . # وافتتح الكلام المأمور بأن يقوله بقوله : { لا أجد } إدماجا للرد على ~~المشركين في خلال بيان ما حرم على المسلمين ، وهذا الرد جار على طريقة ~~كناية الإيماء بأن لم ينف تحريم ما ادعوا تحريمه صريحا ، ولكنه يقول لا ~~أجده فيما أوحي إلي ويستفاد من ذلك أنه ليس تحريمه من الله في شرعه ، لأنه ~~لا طريق إلى تحريم شيء مما يتناوله الناس إلا بإعلام من الله تعالى ، لأن ~~الله هو الذي يحل ما شاء ويحرم ما شاء على وفق علمه وحكمته ، وذلك الإعلام ~~لا يكون إلا بطريق الوحي أو ما يستنبط منه ، فإذا كان حكم غير موجود في ~~الوحي ولا في فروعه فهو حكم غير حق ، فاستفيد بطلان تحريم ما زعموه بطريقة ~~الإيماء ، وهي طريقة استدلالية لأن فيها نفي الشيء بنفي ملزومه . # و { أجد } بمعنى : أظفر ، وهو الذي مصدره الوجد والوجدان ، وهو هنا مجاز ~~في حصول الشيء وبلوغه ، يقال : وجدت فلانا ناصرا ، أي حصلت عليه ، فشبه ~~التحصيل للشيء بالظفر وإلفاء المطلوب ، وهو متعد إلى مفعول واحد . # والمراد ، ب { ما أوحي } ما أعلمه الله رسوله صلى الله عليه وسلم بوحي ~~غير القرآن لأن القرآن النازل قبل هذه الآية ليس فيه تحريم الميتة ms2884 والدم ~~ولحم الخنزير وإنما نزل القرآن بتحريم ما ذكر في هذه الآية ثم في سورة ~~المائدة . # والطاعم : الآكل ، يقال : طعم كعلم ، إذا أكل الطعام ، ولا يقال ذلك ~~للشارب ، وأما طعم بمعنى ذاق فيستعمل في ذوق المطعومات والمشروبات ، وأكثر ~~استعماله في النفي ، وتقدم بيانه عند قوله تعالى : PageV08P137 { ومن لم ~~يطعمه فإنه مني في سورة البقرة ( 249 ) ، وبذلك تكون الآية قاصرة على بيان ~~محرم المأكولات . # وقوله : يطعمه } صفة { لطاعم وهي صفة مؤكدة مثل قوله : ولا طائر يطير ~~بجناحيه } ( الأنعام : 38 ) . # والاستثناء من عموم الأكوان التي دل عليها وقوع النكرة في سياق النفي . ~~أي لا أجد كائنا محرما إلا كونه ميتة إلخ أي : إلا الكائن ميتة إلخ ، ~~فالاستثناء متصل . # والحصر المستفاد من النفي والاستثناء حقيقي بحسب وقت نزول هذه الآية . ~~فلم يكن يومئذ من محرمات الأكل غير هذه المذكورات لأن الآية مكية ثم نزلت ~~سورة المائدة بالمدينة فزيد في المحرمات كما يأتي قريبا . # والمسفوح : المصبوب السائل ، وهو ما يخرج من المذبح والمنحر . أو من ~~الفصد في بعض عروق الأعضاء فيسيل . وقد كان العرب يأكلون الدم الذي يسيل من ~~أوداج الذبيحة أو من منحر المنحورة ويجمعونه في مصير أو جلد ويجففونه ثم ~~يشوونه ، وربما فصدوا من قوائم الإبل مفصدا فأخذوا ما يحتاجون من الدم بدون ~~أن يهلك البعير ، وربما خلطوا الدم بالوبر ويسمونه ( العلهز ) ، وذلك في ~~المجاعات . وتقييد الدم بالمسفوح للتنبيه على العفو عن الدم الذي ينز من ~~عروق اللحم عند طبخه فإنه لا يمكن الاحتراز عنه . # وقوله : { فإنه رجس } جملة معترضة بين المعطوفات ، والضمير قيل : عائد ~~إلى لحم الخنزير ، والأظهر أن يعود إلى جميع ما قبله ، وأن افراد الضمير ~~على تأويله بالمذكور ، أي فإن المذكور رجس ، كما يفرد اسم الإشارة مثل قوله ~~: { ومن يفعل ذلك يلق أثاما } ( الفرقان : 68 ) . PageV08P138 # والرجس : الخبيث والقذر . وقد مضى بيانه عند قوله تعالى : { كذلك يجعل ~~الله الرجس على الذين لا يؤمنون في هذه السورة ( 125 ) . # فإن كان الضمير عائدا إلى لحم الخنزير خاصة فوصفه برجس تنبيه على ذمه ms2885 . ~~وهو ذم زائد على التحريم ، فوصفه به تحذير من تناوله . وتأنيس للمسلمين ~~بتحريمه ، لأن معظم العرب كانوا يأكلون لحم الخنزير بخلاف الميتة والدم فما ~~يأكلونها إلا في الخصاصة . وخباثة الخنزير علمها الله تعالى الذي خلقه . ~~وتبين أخيرا أن لحمه يشتمل على ذرات حيوانية مضرة لآكله أثبتها علم الحيوان ~~وعلم الطب . وقيل : أريد أنه نجس لأنه يأكل النجاسات وهذا لا يستقيم لأن ~~بعض الدواب تأكل النجاسة وتسمى الجلالة وليست محرمة الأكلل في صحيح أقوال ~~العلماء . # وإن كان الضمير عائدا إلى الثلاثة بتأويل المذكور كان قوله : فإنه رجس } ~~تنبيها على علة التحريم وأنها لدفع مفسدة تحصل من أكل هذه الأشياء . وهي ~~مفسدة بدنية . فأما الميتة فلما يتحول إليه جسم الحيوان بعد الموت من ~~التعفن ، ولأن المرض الذي كان سبب موته قد ينتقل إلى آكله . وأما الدم فلأن ~~فيه أجزاء مضرة . ولأن شربه يورث ضراوة . # والفسق : الخروج عن شيء . وهو حقيقة شرعية في الخروج عن الإيمان ، أو عن ~~الطاعة الشرعية ، فلذلك يوصف به الفعل الحرام باعتبار كونه سببا لفسق صاحبه ~~عن الطاعة . وقد سمى القرآن ما أهل به لغير الله فسقا في الآية السالفة وفي ~~هذه الآية ، فصار وصفا مشهورا لما أهل به لغير الله ، ولذلك أتبعه بقوله : ~~{ أهل لغير الله به } . فتكون جملة : { أهل لغير الله به } صفة أو بيانا ل ~~{ فسقا } ، وفي هذا تنبيه على أن تحريم ما أهل لغير الله به ليس لأن لحمه ~~مضر بل لأن ذلك كفر بالله . # وقد دلت الآية على انحصار المحرمات من الحيوان في هذه الأربعة ، وذلك ~~الانحصار بحسب ما كان محرما يوم نزول هذه الآية ، فإنه لم PageV08P139 يحرم ~~بمكة غيرها من لحم الحيوان الذي يأكلونه ، وهذه السورة مكية كلها على ~~الصحيح ، ثم حرم بالمدينة أشياء أخرى ، وهي : المنخنقة والموقوذة والمتردية ~~والنطيحة وأكيلة السبع بآية سورة العقود ( 3 ) . وحرم لحم الحمر الإنسية ~~بأمر النبيء صلى الله عليه وسلم على اختلاف بين العلماء في أن تحريمه لذاته ~~كالخنزير ، أو لكونها يومئذ حمولة جيش خيبر ، وفي أن ms2886 تحريمه عند القائلين ~~بأنه لذاته مستمر أو منسوخ ، والمسألة ليست من غرض التفسير فلا حاجه بنا ~~إلى ما تكلفوه من تأويل حصر هذه الآية المحرمات في الأربعة . وكذلك مسألة ~~تحريم لحم كل ذي ناب من السباع ولحم سباع الطير وقد بسطها القرطبي وتقدم ~~معنى : { أهل لغير الله به في تفسير سورة المائدة ( 3 ) . # وقرأ الجمهور : إلا أن يكون } بياء تحتية ونصب { ميتة } وما عطف عليها ~~وقرأه ابن كثير ، وابن عامر ، وحمزة بتاء فوقية ونصب { ميتة } وما عطف عليه ~~عند من عدا ابن عامر . وقرأه ابن عامر وأبو جعفر بتاء فوقية ورفع { ميتة } ~~ويشكل على هذه القراءة أن المعطوف على ميتة منصوبات وهي : { أو دما مسفوحا ~~أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به } . ولم يعرج عليها صاحب ( ~~الكشاف ) ، وقد خرجت هذه القراءة على أن يكون : { أو دما مسفوحا } عطفا على ~~{ أن } وصلتها لأنه محل نصب بالاستثناء فالتقدير : إلا وجود ميتة ، فلما ~~عبر عن الوجود بفعل { يكون } التام ارتفع ما كان مضافا إليه . # وقوله : { فمن اضطر غير باغ ولا عاد } تقدم القول في نظيره في سورة ~~البقرة ( 173 ) في قوله : { فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه . # وإنما جاء المسند إليه في جملة الجزاء وهو ربك } معرفا بالإضافة دون ~~العلمية كما في آية سورة البقرة ( 192 ) : { فإن الله غفور رحيم لما يؤذن ~~به لفظ الرب من الرأفة واللطف بالمربوب والولاية ، تنبيها على أن الله جعل ~~هذه الرخصة PageV08P140 للمسلمين الذين عبدوه ولم يشركوا به ، وأنه أعرض عن ~~المشركين الذين أشركوا معه غيره لأن الإضافة تشعر بالاختصاص ، لأنها على ~~تقدير لام الاختصاص ، فلما عبر عن الغفور تعالى بأنه رب النبيء عليه الصلاة ~~والسلاة علم أنه رب الذين اتبعوه ، وأنه ليس رب المشركين باعتبار ما في ~~معنى الرب من الولاية ، فهو في معنى قوله تعالى : ذلك بأن الله مولى الذين ~~آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم } ( محمد : 11 ) أي لا مولى يعاملهم بآثار ~~الولاية وشعارها ، ذلك لأن هذه الآية ms2887 وقعت في سياق حجاج المشركين بخلاف آية ~~البقرة ( 172 ) فإنها مفتتحة بقوله : { يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما ~~رزقناكم . # والإخبار بأنه غفور رحيم ، مع كون ذلك معلوما من مواضع كثيرة ، هو هنا ~~كناية عن الإذن في تناول تلك المحرمات عند الاضطرار ورفع حرج التحريم عنها ~~حينئذ فهو في معنى قوله في سورة البقرة ( 182 ) : فلا إثم عليه إن الله ~~غفور رحيم . # # | 2 ( 146 ) { وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذى ظفر ومن البقر والغنم حرمنا ~~عليهم شحومهمآ إلا ما حملت ظهورهمآ أو الحوايآ أو ما اختلط بعظم ذالك ~~جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون } . ) 2 # جملة : { وعلى الذين ادوا حرمنا } عطف على جملة : { قل } ( الأنعام : 145 ~~) عطف خبر على إنشاء ، أي بين لهم ما حرم في الإسلام ، واذكر لهم ما حرمنا ~~على الذين هادوا قبل الإسلام ، والمناسبة أن الله لما أمر نبيه عليه الصلاة ~~والسلام أن يبين ما حرم الله أكله من الحيوان ، وكان في خلال ذلك تنبيه على ~~أن ما حرمه الله خبيث بعضه لا يصلح أكله بالأجساد الذي قال فيه { فإنه رجس ~~} ( الأنعام : 145 ) ، ومنه PageV08P141 ما لا يلاقي واجب شكر الخالق وهو ~~الذي قال فيه : { أو فسقا أهل لغير الله به } ( الأنعام : 145 ) أعقب ذلك ~~بذكر ما حرمه على بني إسرائيل تحريما خاصا لحكمة خاصة بأحوالهم ، وموقتة ~~إلى مجيء الشريعة الخاتمة . والمقصود من ذكر هذا الأخير : أن يظهر للمشركين ~~أن ما حرموه ليس من تشريع الله في الحال ولا فيما مضى ، فهو ضلال بحت . ~~وتقديم المجرور على متعلقة في قوله : { وعلى الذين هادوا حرمنا } لإفادة ~~الاختصاص ، أي عليهم لا على غيرهم من الأمم . # والظفر : العظم الذي تحت الجلد في منتهى أصابع الإنسان والحيوان والمخالب ~~، وهو يقابل الحافر والظلف ويكون للإبل والسبع والكلب والهر والأرنب والوبر ~~ونحوها ؛ فهذه محرمة على اليهود بنص شريعة موسى عليه السلام ففي الإصحاح ~~الرابع عشر من سفر التثنية : ( الجمل والأرنب والوبر فلا تأكلوها ) . # والشحوم : جمع شحم ، وهو المادة الدهنية التي تكون مع اللحم في جسد ~~الحيوان ms2888 ، وقد أباح الله لليهود أكل لحوم البقر والغنم وحرم عليهم شحومهما ~~إلا ما كان في الظهر . # و { الحوايا } معطوف على { ظهورهما } . فالمقصود العطف على المباح لا على ~~المحرم ، أي : أو ما حملت الحوايا ، وهي جمع حوية ، وهي الأكياس الشحمية ~~التي تحوي الأمعاء . # { أو ما اختلط بعظم } هو الشحم الذي يكون ملتفا على عظم الحيوان من السمن ~~فهو معفو عنه لعسر تجريده عن عظمه . # والظاهر أن هذه الشحوم كانت محرمة عليهم بشريعة موسى عليه السلام ، فهي ~~غير المحرمات التي أجملتها آية سورة النساء ( 160 ) بقوله PageV08P142 ~~تعالى : { فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم ، كما أشرنا ~~إليه هنالك لأن الجرائم التي عدت عليهم هنالك كلها مما أحدثوه بعد موسى ~~عليه السلام . فقوله تعالى : ذلك جزيناهم ببغيهم } يراد منه البغي الذي ~~أحدثوه زمن موسى . في مدة التيه ، مما أخبر الله به عنهم : مثل قولهم : { ~~لن نصبر على طعام واحد } ( البقرة : 61 ) وقولهم : { فاذهب أنت وربك فقاتلا ~~} ( المائدة : 24 ) وعبادتهم العجل . وقد عد عليهم كثير من ذلك في سورة ~~البقرة . # ومناسبة تحريم هذه المحرمات للكون جزاء لبغيهم : أن بغيهم نشأ عن صلابة ~~نفوسهم وتغلب القوة الحيوانية فيهم على القوة الملكية ، فلعل الله حرم ~~عليهم هذه الأمور تخفيفا من صلابتهم ، وفي ذلك إظهار منته على المسلمين ~~بإباحة جميع الحيوان لهم إلا ما حرمه القرآن وحرمته السنة مما لم يختلف فيه ~~العلماء وما اختلفوا فيه . # ولم يذكر الله تحريم لحم الخنزير ، مع أنه مما شمله نص التوراة ، لأنه ~~إنما ذكر هنا ما خصوا بتحريمه مما لم يحرم في الإسلام ، أي ما كان تحريمه ~~موقتا . # وتقديم المجرور على عامله في قوله : { ومن البقر والغنم حرمنا عليهم } ~~للاهتمام ببيان ذلك ، لأنه مما يلتفت الذهن إليه عند سماع تحريم كل ذي ظفر ~~فيترقب الحكم بالنسبة إليهما فتقديم المجرور بمنزلة الافتتاح ب ( أما ) . # وجملة : { ذلك جزيناهم ببغيهم } تذييل يبين علة تحريم ما حرم عليهم . # واسم الإشارة في قوله : { ذلك جزيناهم } مقصود به التحريم المأخوذ من ~~قوله : { حرمنا } فهو ms2889 في موضع مفعول ثان : ل { جزيناهم } قدم PageV08P143 ~~على عامله ومفعوله الأول للاهتمام به والتثبيت على أن التحريم جزاء لبغيهم ~~. # وجملة : { وإنا لصادقون } تذييل للجملة التي قبلها قصدا لتحقيق أن الله ~~حرم عليهم ذلك ، وإبطالا لقولهم : إن الله لم يحرم علينا شيئا وإنما حرمنا ~~ذلك على أنفسنا اقتداء بيعقوب فيما حرمه على نفسه لأن اليهود لما انتبزوا ~~بتحريم الله عليهم ما أحله لغيرهم مع أنهم يزعمون أنهم المقربون عند الله ~~دون جميع الأمم ، أنكروا أن يكون الله حرم عليهم ذلك وأنه عقوبة لهم فكانوا ~~يزعمون أن تلك المحرمات كان حرمها يعقوب على نفسه نذرا لله فاتبعه أبناؤه ~~اقتداء به . وليس قولهم بحق : لأن يعقوب إنما حرم على نفسه لحوم الإبل ~~وألبانها ، كما ذكره المفسرون وأشار إليه قوله تعالى : { كل الطعام كان حلا ~~لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة في سورة ~~آل عمران ( 93 ) . وتحريم ذلك على نفسه لنذر أو مصلحة بدنية لا يسرى إلى من ~~عداه من ذريته . وأن هذه الأشياء التي ذكر الله تحريمها على بني إسرائيل ~~مذكور تحريمها في التوراة فكيف ينكرون تحريمها . # فالتأكيد للرد على اليهود ونظير قوله هنا : وإنا لصادقون } قوله في سورة ~~آل عمران ( 93 ) . عقب قوله : { كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل . قل فأتوا ~~بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين إلى قوله : قل صدق الله ( آل عمران : 93 ~~95 ) . # # | 2 ( 147 ) { فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم ~~المجرمين } . ) 2 # تفريع على الكلام السابق الذي أبطل تحريم ما حرموه ، ابتداء من قوله : { ~~ثمانية أزواج } ( الأنعام : 143 ) الآيات أي : فإن لم يرعووا بعد هذا ~~البيان PageV08P144 وكذبوك في نفي تحريم الله ما زعموا أنه حرمه فذكرهم ~~ببأس الله لعلهم ينتهون عما زعموه ، وذكرهم برحمته الواسعة لعلهم يبادرون ~~بطلب ما يخولهم رحمته من اتباع هدي الإسلام ، فيعود ضمير : { كذبوك } إلى ~~المشركين وهو المتبادر من سياق الكلام : سابقه ولاحقه ، وعلى هذا الوجه ~~يجوز أن يكون في قوله : { فقل ms2890 ربكم ذو رحمة واسعة } تنبيه لهم بأن تأخير ~~العذاب عنهم هو إمهال داخل في رحمة الله رحمة مؤقته ، لعلهم يسلمون . وعليه ~~يكون معنى فعل : { كذبوك } الاستمرار ، أي إن استمروا على التكذيب بعد هذه ~~الحجج . # ويجوز أن يعود الضمير إلى { الذين هادوا } ( الأنعام : 146 ) ، تكملة ~~للاستطراد وهو قول مجاهد والسدي : أن اليهود قالوا لم يحرم الله علينا شيئا ~~وإنما حرمنا ما حرم إسرائيل على نفسه ، فيكون معنى الآية : فرض تكذيبهم ~~قوله : { وعلى الذين هادوا حرمنا } ( الأنعام : 146 ) إلخ ، لأن أقوالهم ~~تخالف ذلك فهم بحيث يكذبون ما في هذه الآية ، ويشتبه عليهم الإمهال بالرضى ~~، فقيل لهم : { ربكم ذو رحمة واسعة } . ومن رحمته إمهاله المجرمين في ~~الدنيا غالبا . # وقوله : { ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين } فيه إيجاز بحذف تقديره : وذو ~~بأس ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين إذا أراده . وهذا وعيد وتوقع وهو تذييل ~~، لأن قوله : { عن القوم المجرمين } يعمهم وغيرهم وهو يتضمن أنهم مجرمون . # # | 2 ( 148 ) { سيقول الذين أشركوا لو شآء الله مآ أشركنا ولا ءابآؤنا ولا ~~حرمنا من شىء كذالك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم ~~فتخرجوه لنآ إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون } . ) 2 # PageV08P145 # استئناف رجع به الكلام إلى مجادلة المشركين بعد أن اعترض بينها بقوله : { ~~قل لا أجد في مآ أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلى قوله فإن ربك غفور رحيم ~~} ( الأنعام : 145 ) ، فلما قطع الله حجتهم في شأن تحريم ما حرموه ، وقسمة ~~ما قسموه ، استقصى ما بقي لهم من حجة وهي حجة المحجوج المغلوب الذي أعيته ~~المجادلة ولم تبق له حجة ، إذ يتشبث بالمعاذير الواهية لترويج ضلاله ، بأن ~~يقول : هذا أمر قضي وقدر . # فإن كان ضمير الرفع في قوله : { فإن كذبوك } ( الأنعام : 147 ) عائدا إلى ~~المشركين كان قوله تعالى هنا : { سيقول الذين أشركوا } إظهارا في مقام ~~الإضمار لزيادة تفظيع أقوالهم ، فإخبار الله عنهم بأنهم سيقولون ذلك إن كان ~~نزول هذه الآية قبل نزول آية سورة النحل ( 35 ) : { وقال الذين ms2891 أشركوا لو ~~شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء ~~وهو الأرجح ، فإن سورة النحل معدودة في النزول بعد سورة الأنعام ، كان ~~الإخبار بأنهم سيقولونه اطلاعا على ما تكنه نفوسهم من تزوير هذه الحجة ، ~~فهو معجزة من معجزات القرآن من نوع الإخبار بالغيب كقوله تعالى : فإن لم ~~تفعلوا ولن تفعلوا } ( البقرة : 24 ) . وإن كان نزول هذه الآية بعد نزول ~~آية سورة النحل فالإخبار بأنهم سيقولونه معناه أنهم سيعيدون معذرتهم ~~المألوفة . # وحاصل هذه الحجة : أنهم يحتجون على النبيء صلى الله عليه وسلم بأن ما هم ~~عليه لو لم يكن برضى الله تعالى لصرفهم عنه ولما يسره لهم ، يقولون ذلك في ~~معرض إفحام الرسول عليه الصلاة والسلام وإبطال حكمه عليهم بالضلالة ، وهذه ~~شبهة أهل العقول الأفنة الذين لا يفرقون بين تصرف الله تعالى بالخلق ~~والتقدير وحفظ قوانين الوجود ، وهو التصرف الذي نسميه نحن بالمشيئة ~~وبالإرادة ، وبين تصرفه بالأمر والنهي ، وهو الذي نسميه بالرضى وبالمحبة ، ~~فالأول تصرف التكوين والثاني تصرف التكليف ، فهم يحسبون أن تمكنهم من وضع ~~قواعد الشرك ومن التحريم PageV08P146 والتحليل ما هو إلا بأن خلق الله فيهم ~~التمكن من ذلك ، فيحسبون أنه حين لم يمسك عنان أفعالهم كان قد رضي بما ~~فعلوه ، وأنه لو كان لا يرضى به لما عجز عن سلب تمكنهم ، يحسبون أن الله ~~يهمه سوء تصرفهم فيما فطرهم عليه ، ولو كان كما يتوهمون لكان الباطل والحق ~~شيئا واحدا ، وهذا ما لا يفهمه عقل حصيف ، فإن أهل العقول السخيفة حين ~~يتوهمون ذلك كانوا غير ملتفتين إلا إلى جانب نحلتهم ومعرضين عن جانب ~~مخالفهم ، فإنهم حين يقولون : { لو شاء الله ما أشركنا } غافلون عن أن يقال ~~لهم . من جانب الرسول : لو شاء الله ما قلت لكم أن فعلكم ضلال ، فيكون الله ~~على حسب شبهتهم قد شاء الشيء ونقيضه إذ شاء أنهم يشركون وشاء أن يقول لهم ~~الرسول لا تشركوا . # وسبب هذه الضلالة العارضة لأهل الضلال من الأمم ، التي تلوح في عقول ms2892 بعض ~~عوام المسلمين في معاذيرهم للمعاصي والجرائم أن يقولوا : أمر الله أو مكتوب ~~عند الله أو نحو ذلك ، هو الجهل بأن حكمة الله تعالى في وضع نظام هذا ~~العالم اقتضت أن يجعل حجابا بين تصرفه تعالى في أحوال المخلوقات ، وبين ~~تصرفهم في أحوالهم بمقتضى إرادتهم ، وذلك الحجاب هو ناموس ارتباط المسببات ~~بأسبابها ، وارتباط أحوال الموجودات في هذا العالم بعضها ببعض ، ومنه ما ~~يسمى بالكسب والاستطاعة عند جمهور الأشاعرة ، ويسمى بالقدرة عند المعتزلة ~~وبعضض الأشاعرة ، وذلك هو مورد التكليف الدال على ما يرضاه الله وما لا ~~يرضى به ، وأن الله وضع نظام هذا العالم بحكمة فجعل قوامه هو تدبير الأشياء ~~أمورها من ذواتها بحسب قوى أودعها في الموجودات لتسعى لما خلقت لأجله ، ~~وزاد الإنسان مزية بأن وضع له عقلا يمكنه من تغيير أحواله على حسب احتياجه ~~، ووضع له في عقله وسائل الاهتداء إلى الخير والشر ، كما قيض له دعاة إلى ~~الخير تنبهه إليه إن عرته غفلة ، أو حجبته شهوة ، فإن هو لم يرعو غيه ، فقد ~~خان بساط عقله بطيه . PageV08P147 # وبهذا ظهر تخليط أهل الضلالة بين مشيئة العباد ومشيئة الله ، فلذلك رد ~~الله عليهم هنا قولهم : { لو شاء الله مآ أشركنا ولا أباؤنا } لأنهم جعلوا ~~ما هو مشيئة لهم مشيئة لله تعالى ، ومع ذلك فهو قد أثبت مشيئته في قوله : { ~~ولو شاء الله ما أشركوا } ( الأنعام : 107 ) فهي مشيئة تكوين العقول وتكوين ~~نظام الجماعة . # فهذه المشيئة التي اعتلوا بها مشيئة خفية لا تتوصل إلى الاطلاع على كنهها ~~عقول البشر ، فلذلك نعى الله عليهم استنادهم إليها على جهلهم بكنهها ، فقال ~~: كذلك كذب الذين من قبلهم فشبه بتكذيبهم تكذيب المكذبين الذين من قبلهم ، ~~فكنى بذلك عن كون مقصد المشركين من هذه الحجة تكذيب النبيء صلى الله عليه ~~وسلم وقد سبق لنا بيان في هذا المعنى في هذه السورة ( 107 ) عند قوله تعالى ~~: { ولو شاء الله ما أشركوا } . # وليس في هذه الآية ما ينهض حجة لنا على المعتزلة ، ولا للمعتزلة علينا ، ~~وإن حاول كلا الفريقين ms2893 ذلك لأن الفريقين متفقان على بطلان حجة المشركين . ~~وفي الآية حجة على الجبرية . # وقوله تعالى : { كذلك كذب الذين من قبلهم } أي كذب الذين من قبلهم ~~أنبياءهم مثل ما كذبك هؤلاء . وهذا يدل على أن الذين أشركوا قصدوا بقولهم : ~~{ لو شاء الله ما أشركنا } تكذيب النبيء صلى الله عليه وسلم إذ دعاهم إلى ~~الإقلاع عما يعتقدون بحجة أن الله رضيه لهم وشاءه منهم مشيئة رضى ، فكذلك ~~الأمم قبلهم كذبوا رسلهم مستندين إلى هذه الشبهة فسمى الله استدلالهم هذا ~~تكذيبا ، لأنهم ساقوه مساق التكذيب والإفحام ، لا لأن مقتضاه لا يقول به ~~الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمون ، فإنا نقول ذلك كما قال تعالى : { ~~ولو شاء الله ما أشركوا } ( الأنعام : 107 ) نريد به معنى صحيحا فكلامهم من ~~باب كلام الحق الذي أريد به باطل ، ووقع في ( الكشاف ) أنه قرىء : { كذلك ~~كذب الذين من قبلهم } بتخفيف ذال كذب PageV08P148 وقال الطيبي : هي قراءة ~~موضوعة أو شاذة يعني شاذة شذوذا شديدا ولم يروها أحد عن أحد من أهل ~~القراءات الشاذة ، ولعلها من وضع بعض المعتزلة في المناظرة كما يؤخذ من ~~كلام الفخر . # وقوله : { حتى ذاقوا بأسنا } غاية للتكذيب مقصود منها دوامهم عليه إلى ~~آخر أوقات وجودهم . فلما ذاقوا بأس الله هلكوا واضمحلوا ، وليست الغاية هنا ~~للتنهية : والرجوع عن الفعل لظهور أنه لا يتصور الرجوع بعد استئصالهم . # والذوق مجاز في الإحساس والشعور ، فهو من استعمال المقيد في المطلق ، وقد ~~تقدم الكلام عليه عند قوله تعالى : { ليذوق وبال أمره في سورة العقود ( 95 ~~) . # والبأس تقدم الكلام عليه في سورة البقرة وإضافته إلى ضمير الله تعالى ~~لتعظيمه وتهويله . # وأمر الله رسوله بالجواب عن مقالهم الواقع أو المتوقع بقوله : قل هل ~~عندكم من علم فتخرجوه لنا } ، ففصل جملة : { قل } لأنها جارية مجرى ~~المقاولة والمجاوبة كما تقرر غير مرة ، وجاء بالاستفهام المقصود منه ~~الإفحام والتهكم بما عرف من تشبثهم بمثل هذا الاستدلال . # وجعل الاستفهام ب { هل } لأنها تدل على طلب تحقيق الإسناد المسؤول عنه ، ~~لأن أصل { هل } أنها حرف بمعنى ( قد ms2894 ) لاختصاصها بالأفعال ، وكثر وقوعها ~~بعد همزة الاستفهام ، فغلب عليها معنى الاستفهام ، فكثر حذف الهمزة معها ~~حتى تنوسيت الهمزة في مشهور الكلام ولم تظهر معها إلا في النادر ، وقد تقدم ~~شيء من هذا عند قوله تعالى : { فهل أنتم منتهون في سورة العقود ( 91 ) . ~~فدل هل } على أنه سائل عن أمر يريد أن يكون محققا كأنه يرغب في حصوله ~~فيغريهم بإظهاره حتى إذا عجزوا كان قطعا لدعواهم . PageV08P149 # والمقصود من هذا الاستفهام التهكم بهم في قولهم : { لو شاء الله ما ~~أشركنا ألى ولا حرمنا } ، فأظهر لهم من القول من يظهره المعجب بكلامهم . ~~وقرينة التهكم بادية لأنه لا يظن بالرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنين أن ~~يطلبوا العلم من المشركين ، كيف وهو يصارحهم بالتجهيل والتضليل صباح مساء . # والعلم : ما قابل الجهل ، وإخراجه الإعلام به ، شبهت إفادة المعلوم لمن ~~يجهله بإخراج الشيء المخبوء ، وذلك مثل التشبيه في قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم ( وعلم بثه في صدور الرجال ) ولذلك كان للإتيان : ب { عندكم } موقع ~~حسن ، لأن ( عند ) في الأصل تدل على المكان المختص بالذي أضيف إليه لفظها ، ~~فهي مما يناسب الخفاء ، ولولا شيوع استعمالها في المعنى المجازي حتى صارت ~~كالحقيقة لقلت : إن ذكر ( عند ) هنا ترشيح لاستعارة الإخراج للإعلام . وجعل ~~إخراج العلم مرتبا بفاء السببية على العندية للدلالة على أن السؤال مقصود ~~به ما يتسبب عليه . # واللام في : { فتخرجوه لنا } للأجل والاختصاص ، فتؤذن بحاجة مجرورها ~~لمتعلقها ، أي فتخرجوه لأجلنا : أي لنفعنا ، والمعنى : لقد أبدعتم في هذا ~~العلم الذي أبديتموه في استفادتكم أن الله أمركم بالشرك وتحريم ما حرمتموه ~~بدلالة مشيئة على ذلك إذ لو شاء لما فعلتم ذلك فزيدونا من هذا العلم . # وهذا الجواب يشبه المنع في اصطلاح أهل الجدل ، ولما كان هذا الاستفهام ~~صوريا وكان المتكلم جازما بانتفاء ما استفهم عنه أعقبه بالجواب بقوله : { ~~إن تتبعون إلا الظن } . # وجملة : { إن تتبعون إلا الظن } مستأنفة لأنها ابتداء كلام بإضراب ~~PageV08P150 عن الكلام الذي قبله ، فبعد أن تهكم بهم جد في جوابهم ، فقال : ~~{ إن تتبعون إلا الظن } أي ms2895 : لا علم عندكم . وقصارى ما عندكم هو الظن ~~الباطل والخرص . وهذا يشبه سند المنع في عرف أهل الجدل . والمراد بالظن ~~الظن الكاذب وهو إطلاق له شائع كما تقدم عند قوله تعالى : { إن يتبعون إلا ~~الظن وإن هم إلا يخرصون في هذه السورة ( 116 ) . # # | 2 ( 149 ) { قل فلله الحجة البالغة فلو شآء لهداكم أجمعين } . ) 2 # جواب عن قولهم : { لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا } ( الأنعام : 148 ) ~~تكملة للجواب السابق لأنه زيادة في إبطال قولهم ، وهو يشبه المعارضة في ~~اصطلاح أهل الجدل . # وأعيد فعل الأمر بالقول لاسترعاء الأسماع لما سيرد بعد فعل : { قل } وقد ~~كرر ثلاث مرات متعاقبة بدون عطف ، والنكتة ما تقدم من كون القول جاريا على ~~طريقة المقاولة . # والفاء فصيحة تؤذن بكلام مقدر هو شرط ، والتقدير : فإن كان قولكم لمجرد ~~اتباع الظن والخرص وسوء التأويل فلله الحجة البالغة . وتقديم المجرور على ~~المبتدأ لإفادة الاختصاص ، أي : لله لا لكم ، ففهم منه أن حجتهم داحضة . # والحجة : الأمر الذي يدل على صدق أحد في دعواه وعلى مصادفة المستدل وجه ~~الحق ، وتقدم القول فيها عند قوله تعالى : { لئلا يكون للناس عليكم حجة في ~~سورة البقرة ( 150 ) . # والبالغة هي الواصلة : أي الواصلة إلى ما قصدت لأجله ، وهو غلب الخصم ، ~~وإبطال حجته ، كقوله تعالى : حكمة بالغة } ( القمر : 5 ) ، فالبلوغ استعارة ~~مشهورة لحصول المقصود من الشيء فلا حاجة إلى إجراء استعارة PageV08P151 ~~مكنية في الحجة بأن تشبه بسائر إلى غاية ، وقرينتها إثبات البلوغ ، ولا ~~حاجة أيضا إلى جعل إسناد البلوغ إلى الحجة مجازا عقليا ، أي بالغا صاحبها ~~قصده ، لأنه لا محيص من اعتبار الاستعارة في معنى البلوغ ، فالتفسير به من ~~أول وهلة أولى ، والمعنى : لله الحجة الغالبة لكم ، أي وليس استدلالكم بحجة ~~. # والفاء في قوله : { فلو شاء } فاء التفريع على ظهور حجة الله تعالى عليهم ~~: تفرع على بطلان استدلالهم أن الله لو شاء لهداهم ، أي لو شاء هدايتهم ~~بأكثر من إرسال الرسول عليه الصلاة والسلام بأن يغير عقولهم فتأتي على خلاف ~~ما هيئت له لكان قد فعل ms2896 ذلك بوجه عناية خاصة بهم أو خارق عادة لأجلهم ، إذ ~~لا يعجزه شيء ، ولكن حكمته قضت أن لا يعمم عنايته بل يختص بها بعض خاصته ، ~~وأن لا يعدل عن سنته في الهداية بوضع العقول وتنبيهها إلى الحق بإرسال ~~الرسل ونصب الأدلة والدعاء إلى سبيله بالحكمة والموعظة ، فالمشيئة المقصودة ~~في قوله : فلو شاء لهداكم غير المشيئة المقصودة فيما حكى الله عنهم من ~~قولهم : { لو شاء الله ما أشركنا } ( الأنعام : 148 ) وإلا لكان ما أنكر ~~عليهم قد أثبت نظيره عقب الإنكار فتتناقض المحاجة ، لأن الهداية تساوي عدم ~~الإشراك وعدم التحريم ، فلا يصدق جعل كليهما جوابا للو الامتناعية ، ~~فالمشيئة المقصودة في الرد عليهم هي المشيئة الخفية المحجوبة ، وهي مشيئة ~~التكوين ، والمشيئة المنكرة عليهم هي ما أرادوه من الاستدلال بالواقع على ~~الرضى والمحبة . هذا وجه تفسير هذه الآية التي كللها من الإيجاز ما شتت ~~أفهاما كثيرة في وجه تفسيرها لا يخفى بعدها عن مطالع التفاسير والموازنة ~~بينها وبين ما هنا . # # | 2 ( 150 ) { قل هلم شهدآءكم الذين يشهدون أن الله حرم هاذا فإن شهدوا ~~فلا تشهد معهم ولا تتبع أهوآء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون ~~بالاخرة وهم بربهم يعدلون } . ) 2 # PageV08P152 # استئناف ابتدائي : للانتقال من طريقة الجدل والمناظرة في إبطال زعمهم ، ~~إلى إبطاله بطريقة التبيين ، أي أحضروا من يشهدون أن الله حرم هذا ، تقصيا ~~لإبطال قولهم من سائر جهاته . ولذلك أعيد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ~~بأن يقول لهم ما يظهر كذب دعواهم . # وإعادة فعل { قل } بدون عطف لاسترعاء الأسماع ولوقوعه على طريقة المحاورة ~~كما قدمناه آنفا . # و { هلم } اسم فعلل أمر للحضور أو الإحضار ، فهي تكون قاصرة كقوله تعالى ~~: { هلم إلينا } ( الأحزاب : 18 ) ومتعدية كما هنا ، وهو في لغة أهل الحجاز ~~يلزم حالة واحدة فلا تلحقه علامات مناسبة للمخاطب ، فتقول : هلم يا زيد ، ~~وهلم يا هند ، وهكذا ، وفي لغة أهل العالية أعني بني تميم تلحقه علامات ~~مناسبة ، يقولون : هلمي يا هند ، وهلما ، وهلموا ، وهلممن ، وقد جاء في هذه ~~الآية على الأفصح فقال : { هلم ms2897 شهداءكم } . # والشهداء : جمع شهيد بمعنى شاهد ، والأمر للتعجيز إذ لا يلقون شهداء ~~يشهدون أن الله حرم ما نسبوا إليه تحريمه من شؤون دينهم المتقدم ذكرها . ~~وأضيف الشهداء إلى ضمير المخاطبين لزيادة تعجيزهم ، لأن شأن المحق أن يكون ~~له شهداء يعلمهم فيحضرهم إذا دعي إلى إحقاق حقه ، كما يقال للرجل : اركب ~~فرسك والحق فلانا ، لأن كل ذي بيت في العرب لا يعدم أن يكون له فرس ، فيقول ~~ذلك له من لا يعلم له فرسا خاصا ولكن الشأن أن يكون له فرس ومنه قوله تعالى ~~: { يدنين عليهن من جلابيبهن } ( الأحزاب : 59 ) وقد لا يكون لإحداهن جلباب ~~كما ورد في الحديث أنه سئل : إذا لم يكن لإحدانا جلباب ، قال : لتلبسها ~~أختها من جلبابها . PageV08P153 # ووصفهم بالموصول لزيادة تقرير معنى إعداد أمثالهم للشهادة ، فالطالب ينزل ~~نفسه منزلة من يظنهم لا يخلون عن شهداء بحقهم من شأنهم أن يشهدوا لهم وذلك ~~تمهيد لتعجيزهم البين إذا لم يحضروهم ، كما هو الموثوق به منهم ألا ترى ~~قوله : { أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا } ( الأنعام : 144 ) فهو يعلم ~~أن ليس ثمة شهداء . # وإشارة { هذا } تشير إلى معلوم من السياق ، وهو ما كان الكلام عليه من ~~أول الجدال من قوله : { ثمانية أزواج } ( الأنعام : 143 ) الآيات ، وقد ~~سبقت الإشارة إليه أيضا بقوله : { أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا } ( ~~الأنعام : 144 ) . # ثم فرع على فرض أن يحضروا شهداء يشهدون ، قوله : { فإن شهدوا فلا تشهد ~~معهم } ، أي إن فرض المستبعد فأحضروا لك شهداء يشهدون أن الله حرم هذا الذي ~~زعموه ، فكذبهم وأعلم بأنهم شهود زور ، فقوله : { فلا تشهد معهم } كناية عن ~~تكذيبهم لأن الذي يصدق أحدا يوافقه في قوله ، فاستعمل النهي عن موافقتهم في ~~لازمه ، وهو التكذيب ، وإلا فإن النهي عن الشهادة معهم لمن يعلم أنه لا ~~يشهد معهم لأنه لا يصدق بذلك فضلا على أن يكون شاهده من قبيل تحصيل الحاصل ~~، فقرينة الكناية ظاهرة . # وعطف على النهي عن تصديقهم ، النهي عن اتباع هواهم بقوله : { ولا تتبع ~~أهواء الذين كذبوا } . # وأظهر ms2898 في مقام الإضمار قوله : { الذين كذبوا بآياتنا } لأن في هذه الصلة ~~تذكيرا بأن المشركين يكذبون بآيات الله ، فهم ممن يتجنب اتباعهم ، وقيل : ~~أريد بالذين كذبوا اليهود بناء على ما تقدم من احتمال أن يكونوا المراد من ~~قوله : { فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة } ( الأنعام : 147 ) وسمى دينهم ~~هوى لعدم استناده إلى مستند ولكنه إرضاء للهوى . والهوى غلب إطلاقه على ~~محبة الملائم العاجل الذي عاقبته ضرر . وقد تقدم عند قوله تعالى : { ولئن ~~اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم في سورة البقرة ( 145 ) . ~~PageV08P154 # وقوله : والذين لا يؤمنون بالآخرة } عطف على { الذين كذبوا } والمقصود ~~عطف الصلة على الصلة لأن أصحاب الصلتين متحدون ، وهم المشركون ، فهذا كعطف ~~الصفات في قول القائل ، أنشده الفراء : # إلى الملك القرم وابن الهما # م وليثث الكتيبة في المزدحم # كان مقتضى الظاهر أن لا يعاد اسم الموصول لأن حرف العطف مغن عنه ، ولكن ~~أجري الكلام على خلاف مقتصى الظاهر لزيادة التشهير بهم ، كما هو بعض نكت ~~الإظهار في مقام الإضمار . وقيل : أريد بالذين كذبوا بالآيات : الذين كذبوا ~~الرسول عليه الصلاة والسلام والقرآن ، وهم أهل الكتابين ، وبالذين لا ~~يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون : المشركون ، وقد تقدم معنى : { بربهم ~~يعدلون } عند قوله تعالى : { ثم الذين كفروا بربهم يعدلون في أول هذه ~~السورة ( 1 ) . # $ 2 ( 151 ) { قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا ~~وبالوالدين إحسانا ولا تقتلو & # 1764 ا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر ~~منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق ذالكم وصاكم به ~~لعلكم تعقلون } . ) 2 $ # استئناف ابتدائي للانتقال من إبطال تحريم ما ادعوا تحريمه من لحوم ~~الأنعام ، إلى دعوتهم لمعرفة المحرمات ، التي علمها حق وهو أحق بأن يعلموه ~~مما اختلقوا من افترائهم وموهوا بجدلهم . والمناسبة لهذا الانتقال ظاهرة ~~فالمقام مقام تعليم وإرشاد ، ولذلك ابتدىء بأمر الرسول عليه الصلاة والسلام ~~بفعل القول استرعاء للأسماع كما تقدم آنفا . PageV08P155 # وعقب بفعل : { تعالوا } اهتماما بالغرض المنتقل إليه بأنه ms2899 أجدى عليهم من ~~تلك السفاسف التي اهتموا بها وهذا على أسلوب قوله تعالى : { ليس البر أن ~~تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر } ( ~~البقرة : 177 ) الآيات . وقوله : { أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد ~~الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر } ( التوبة : 19 ) الآية ، ليعلموا ~~البون بين ما يدعون إليه قومهم وبين ما يدعوهم إليه الإسلام ، من جلائل ~~الأعمال ، فيعلموا أنهم قد أضاعوا أزمانهم وأذهانهم . # وافتتاحه بطلب الحضور دليل على أن الخطاب للمشركين الذين كانوا في إعراض ~~. وقد تلا عليهم أحكاما قد كانوا جارين على خلافها مما أفسد حالهم في ~~جاهليتهم ، وفي ذلك تسجيل عليهم بسوء أعمالهم مما يؤخذ من النهي عنها ~~والأمر بضدها . # وقد انقسمت الأحكام التي تضمنتها هذه الجمل المتعاطفة في الآيات الثلاث ~~المفتتحة بقوله : { قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم } إلى ثلاثة أقسام : # الأول : أحكام بها إصلاح الحالة الاجتماعية العامة بين الناس وهو ما ~~افتتح بقوله : { ألا تشركوا به شيئا } . # الثاني : ما به حفظ نظام تعامل الناس بعضهم مع بعض وهو المفتتح بقوله : { ~~ولا تقربوا مال اليتيم } ( الأنعام : 152 ) . # الثالث : أصل كلي جامع لجميع الهدى وهو اتباع طريق الإسلام والتحرز من ~~الخروج عنه إلى سبل الضلال وهو المفتتح بقوله : { وأن هذا صراطي مستقيما ~~فاتبعوه } ( الأنعام : 153 ) . # وقد ذيل كل قسم من هذه الأقسام بالوصاية به بقوله : { ذلكم وصاكم به } ~~ثلاث مرات . PageV08P156 # و ( تعال ) فعل أمر ، أصله يؤمر به من يراد صعوده إلى مكان مرتفع فوق ~~مكانه ، ولعل ذلك لأنهم كانوا إذا نادوا إلى أمر مهم ارتقى المنادي على ~~ربوة ليسمع صوته ، ثم شاع إطلاق ( تعال ) على طلب المجيء مجازا بعلاقة ~~الإطلاق فهو مجاز شائع صار حقيقة عرفية ، فأصله فعل أمر لا محالة من ~~التعالي وهو تكلف الاعتلاء ثم نقل إلى طلب الإقبال مطلقا ، فقيل : هو اسم ~~فعلل أمر بمعنى ( اقدم ) ، لأنهم وجدوه غير متصرف في الكلام إذ لا يقال : ~~تعاليت بمعنى ( قدمت ) ، ولا تعالى إلي فلان بمعنى جاء ، وأيا ما كان فقد ~~لزمته علامات ms2900 مناسبة لحال المخاطب به فيقال : تعالوا وتعالين . وبذلك رجح ~~جمهور النحاة أنه فعل أمر وليس باسم فعل ، ولأنه لو كان اسم فعل لما لحقته ~~العلامات ، ولكان مثل : هلم وهيهات . # و { أتل } جواب { تعالوا } ، والتلاوة القراءة ، والسرد وحكاية اللفظ ، ~~وقد تقدم عند قوله تعالى : { واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان } ( ~~البقرة : 102 ) . و { ألا تشركوا } تفسير للتلاوة لأنها في معنى القول . # وذكرت فيما حرم الله عليهم أشياء ليست من قبيل اللحوم إشارة إلى أن ~~الاهتمام بالمحرمات الفواحش أولى من العكوف على دراسة أحكام الأطعمة ، ~~تعريضا بصرف المشركين همتهم إلى بيان الأطعمة وتضييعهم تزكية نفوسهم وكف ~~المفاسد عن الناس ، ونظيره قوله : { قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ~~إلى قوله إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها } ( الأعراف : 32 ، 33 ) الآية ~~. # وقد ذكرت المحرمات : بعضها بصيغة النهي ، وبعضها بصيغة الأمر الصريح أو ~~المؤول ، لأن الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده ، ونكتة الاختلاف في صيغة ~~الطلب لهاته المعدودات سنبينها . # و { أن } تفسيرية لفعل : { أتل } لأن التلاوة فيها معنى القول . فجملة : ~~{ ألا تشركوا } في موقع عطف بيان . PageV08P157 والابتداء بالنهي عن ~~الإشراك لأن إصلاح الإعتقاد هو مفتاح باب الإصلاح في العاجل ، والفلاح في ~~الآجل . # وقوله : { وبالوالدين إحسانا } عطف على جملة : { ألا تشركوا } . و { ~~إحسانا } مصدر ناب مناب فعله ، أي وأحسنوا بالوالدين إحسانا ، وهو أمر ~~بالإحسان إليهما فيفيد النهي عن ضده : وهو الإساءة إلى الوالدين ، وبذلك ~~الاعتبار وقع هنا في عداد ما حرم الله لأن المحرم هو الإساءة للوالدين . ~~وإنما عدل عن النهي عن الإساءة إلى الأمر بالإحسان اعتناء بالوالدين ، لأن ~~الله أراد برهما ، والبر إحسان ، والأمر به يتضمن النهي عن الإساءة إليهما ~~بطريق فحوى الخطاب ، وقد كان كثير من العرب في جاهليتهم أهل جلافة ، فكان ~~الأولاد لا يوقرون آباءهم إذا أضعفهم الكبر . فلذلك كثرت وصاية القرآن ~~بالإحسان بالوالدين . # وقوله : { ولا تقتلوا أولادكم من إملاق } جملة عطفت على الجملة قبلها ~~أريد به النهي عن الوأد ، وقد تقدم بيانه عند قوله تعالى في هذه السورة ms2901 ( ~~137 ) : { وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم . و ( من ) ~~تعليلية ، وأصلها الابتدائية فجعل المعلول كأنه مبتدىء من علته . # والإملاق : الفقر ، وكونه علة لقتل الأولاد يقع على وجهين : أن يكون ~~حاصلا بالفعل ، وهو المراد هنا ، وهو الذي تقتضيه ( من ) التعليلية ، وأن ~~يكون متوقع الحصول كما قال تعالى ، في آية سورة الإسراء ( 31 ) : ولا ~~تقتلوا أولادكم خشية إملاق لأنهم كانوا يئدون بناتهم إما للعجز عن القيام ~~بهن وإما لتوقع ذلك . قال إسحاق بن خلف ، وهو إسلامي قديم : # إذا تذكرت بنتي حين تندبني # فاضت لعبرة بنتي عبرتي بدم # أحاذر الفقر يوما أن يلم بها # فيكشف الستر عن لحم على وضم PageV08P158 # وقد تقدم عند قوله تعالى : وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم ~~شركاؤهم } في هذه السورة ( 137 ) . # وجملة : { نحن نرزقكم وإياهم } معترضة ، مستأنفة ، علة للنهي عن قتلهم ، ~~إبطالا لمعذرتهم : لأن الفقر قد جعلوه عذرا لقتل الأولاد ، ومع كون الفقر ~~لا يصلح أن يكون داعيا لقتل النفس ، فقد بين الله أنه لما خلق الأولاد فقد ~~قدر رزقهم ، فمن الحماقة أن يظن الأب أن عجزه عن رزقهم يخوله قتلهم ، وكان ~~الأجدر به أن يكتسب لهم . # وعدل عن طريق الغيبة الذي جرى عليه الكلام من قوله : { ما حرم ربكم } إلى ~~طريق التكلم بضمير : نرزقكم تذكيرا بالذي أمر بهذا القول كله ، حتى كأن ~~الله أقحم كلامه بنفسه في أثناء كلام رسوله الذي أمره به ، فكلم الناس ~~بنفسه ، وتأكيدا لتصديق الرسول صلى الله عليه وسلم # وذكر الله رزقهم مع رزق آبائهم ، وقدم رزق الآباء للإشارة إلى أنه كما ~~رزق الآباء ، فلم يموتوا جوعا ، كذلك يرزق الأبناء ، على أن الفقر إنما ~~اعترى الآباء فلم يقتل لأجله الأبناء . # وتقديم المسند إليه على المسند الفعلي . هنا لإفادة الاختصاص : أي نحن ~~نرزقكم وإياهم لا أنتم ترزقون أنفسكم ولا ترزقون أبناءكم . وقد بينت آنفا ~~أن قبائل كثيرة كانت تئد البنات . فلذلك حذروا في هذه الآية . # وجملة : { ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن } عطف على ما قبله . ~~وهو نهي عن ms2902 اقتراف الآثام ، وقد نهى عن القرب منها ، وهو أبلغ في التحذير ~~من النهي عن ملابستها : لأن القرب من الشيء مظنة الوقوع فيه ، ولما لم يكن ~~للإثم قرب وبعد كان القرب مرادا به الكناية عن ملابسة الإثم أقل ملابسة ، ~~لأنه من المتعارف أن يقال ذلك في الأمور المستقرة PageV08P159 في الأمكنة ~~إذا قيل لا تقرب منها فهم النهي عن القرب منها ليكون النهي عن ملابستها ~~بالأحرى ، فلما تعذر المعنى المطابقي هنا تعينت إرادة المعنى الالتزامي ~~بأبلغ وجه . # والفواحش : الآثام الكبيرة ، وهي المشتملة على مفاسد ، وتقدم بيانها عند ~~قوله تعالى : { إنما يأمركم بالسوء والفحشاء في سورة البقرة ( 169 ) . # وما ظهر منها } ما يظهرونه ولا يستخفون به ، مثل الغضب والقذف . { وما ~~بطن } ما يستخفون به وأكثره الزنا والسرقة وكانا فاشيين في العرب . # ومن المفسرين من فسر الفواحش بالزنا ، وجعل ما ظهر منها ما يفعله سفهاؤهم ~~في الحوانيت وديار البغايا ، وبما بطن اتخاذ الأخدان سرا ، وروي هذا عن ~~السدي . وروي عن الضحاك وابن عباس : كان أهل الجاهلية يرون الزنا سرا حلالا ~~، ويستقبحونه في العلانية ، فحرم الله الزنى في السر والعلانية . وعندي أن ~~صيغة الجمع في الفواحش ترجح التفسير الأول كقوله تعالى : { الذين يجتنبون ~~كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم } ( النجم : 32 ) . ولعل الذي حمل هؤلاء ~~على تفسير الفواحش بالزنى قوله في سورة الإسراء ( 32 ) في آيات عددت منهيات ~~كثيرة تشابه آيات هذه السورة وهي قوله : { ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة ~~وساء سبيلا } وليس يلزم أن يكون المراد بالآيات المتماثلة واحدا . # وتقدم القول في : { ما ظهر منها وما بطن } عند قوله تعالى : { وذروا ظاهر ~~الإثم وباطنه في هذه السورة ( 120 ) . # وأعقب ذلك بالنهي عن قتل النفس ، وهو من الفواحش على تفسيرها بالأعم ، ~~تخصيصا له بالذكر : لأنه فساد عظيم ، ولأنه كان متفشيا بين العرب . ~~والتعريف في النفس تعريف الجنس ، فيفيد الاستغراق . PageV08P160 # ووصفت بالتي حرم الله } تأكيدا للتحريم بأنه تحريم قديم فإن الله حرم قتل ~~النفس من عهد آدم ، وتعليق التحريم بالنفس : هو على وجه دلالة الاقتضاء ، ~~أي ms2903 حرم الله قتلها على ما هو المعروف في تعليق التحريم والتحليل بأعيان ~~الذوات أنه يراد تعليقه بالمعنى الذي تستعمل تلك الذات فيه كقوله : { أحلت ~~لكم بهيمة الأنعام } ( المائدة : 1 ) أي ، أكلها ، ويجوز أن يكون معنى : { ~~حرم الله } جعلها الله حرما أي شيئا محترما لا يعتدى عليه ، كقوله تعالى : ~~{ إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها } ( النمل : 91 ) . وفي ~~الحديث : ( وإني أحرم ما بين لابتيها ) . # وقوله : { إلا بالحق } استثناء مفرغ من عموم أحوال ملابسة القتل ، أي لا ~~تقتلوها في أية حالة أو بأي سبب تنتحلونه إلا بسبب الحق ، فالباء للملابسة ~~أو السببية . # والحق ضد الباطل ، وهو الأمر الذي حق ، أي ثبت أنه غير باطل في حكم ~~الشريعة وعند أهل العقول السليمة البريئة من هوى أو شهوة خاصة ، فيكون ~~الأمر الذي اتفقت العقول على قبوله ، وهو ما اتفقت عليه الشرائع ، أو الذي ~~اصطلح أهل نزعة خاصة على أنه يحق وقوعه وهو ما اصطلحت عليه شريعة خاصة بأمة ~~أو زمن . # فالتعريف في : { الحق } للجنس ، والمراد به ما يتحقق فيه ماهية الحق ~~المتقدم شرحها ، وحيثما أطلق في الإسلام فالمراد به ماهيته في نظر الإسلام ~~، وقد فصل الإسلام حق قتل النفس بالقرآن والسنة ، وهو قتل المحارب والقصاص ~~، وهذان بنص القرآن ، وقتل المرتد عن الإسلام بعد استتابته ، وقتل الزاني ~~المحصن ، وقتل الممتنع من أداء الصلاة بعد إنظاره حتى يخرج وقتها ، وهذه ~~الثلاثة وردت بها أحاديث عن النبيء صلى الله عليه وسلم ومنه القتل الناشىء ~~عن إكراه ودفاعع مأذونن فيه شرعا وذلك قتل من يقتل من البغاة وهو بنص ~~القرآن ، وقتل من يقتل من مانعي PageV08P161 الزكاة وهو بإجماع الصحابة ، ~~وأما الجهاد فغير داخل في قوله : { إلا بالحق } ، ولكن قتل الأسير في ~~الجهاد إذا كان لمصلحة كان حقا ، وقد فصلنا الكلام على نظير هذه الآية في ~~سورة الإسراء . # والإشارة بقوله : { ذلكم وصاكم به } إلى مجموع ما ذكر ، ولذلك أفرد اسم ~~الإشارة باعتبار المذكور ، ولو أتى بإشارة الجمع لكان ذلك فصيحا ، ومنه : { ~~كل أولئك كان عنه مسؤلا ms2904 } ( الإسراء : 36 ) . # وتقدم معنى الوصاية عند قوله : { أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا } ( ~~الأنعام : 144 ) آنفا . # وقوله : { لعلكم تعقلون } رجاء أن يعقلوا ، أي يصيروا ذوي عقول لأن ~~ملابسة بعض هذه المحرمات ينبىء عن خساسة عقل ، بحيث ينزل ملابسوها منزلة من ~~لا يعقل ، فلذلك رجي أن يعقلوا . # وقوله : { ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون } تذييل جعل نهاية للآية ، فأومأ ~~إلى تنهية نوع من المحرمات وهو المحرمات الراجع تحريمها إلى إصلاح الحالة ~~الاجتماعية للأمة ، بإصلاح الإعتقاد ، وحفظ نظام العائلة والانكفاف عن ~~المفاسد ، وحفظ النوع بترك التقاتل . # # | 2 ( 152 ) { ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى هى أحسن حتى يبلغ أشده ~~وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ~~ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذالكم وصاكم به لعلكم تذكرون } . ) 2 # عطف جملة : { ولا تقربوا } على الجملة التي فسرت فعل : { أتل } ( الأنعام ~~: 151 ) عطف محرمات ترجع إلى حفظ قواع التعامل بين الناس لإقامة قواعد ~~الجامعة الإسلامية ومدنيتها وتحقيق ثقة الناس بعضهم ببعض . PageV08P162 # وابتدأها بحفظ حق الضعيف الذي لا يستطيع الدفع عن حقه في ماله ، وهو ~~اليتيم ، فقال : { ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن } والقربان ~~كناية عن ملابسة مال اليتيم . والتصرف فيه كما تقدم آنفا في قوله : { ولا ~~تقربوا الفواحش } ( الأنعام : 151 ) . ولما اقتضى هذا تحريم التصرف في مال ~~اليتيم ، ولو بالخزن والحفظ ، وذلك يعرض ماله للتلف ، استثني منه قوله : { ~~إلا بالتي هي أحسن } أي إلا بالحالة التي هي أحسن ، فاسم الموصول صفة ~~لموصوف محذوف يقدر مناسبا للموصول الذي هو اسم للمؤنث ، فيقدر بالحالة أو ~~الخصلة . # والباء للملابسة ، أي إلا ملابسين للخصلة أو الحالة التي هي أحسن حالات ~~القرب ، ولك أن تقدره بالمرة من : { تقربوا } أي إلا بالقربة التي هي أحسن ~~. وقد التزم حذف الموصوف في مثل هذا التركيب واعتباره مؤنثا يجري مجرى ~~المثل ، ومنه قوله تعالى : { ادفع بالتي هي أحسن السيئة } ( المؤمنون : 96 ~~) أي بالخصلة الحسنة ادفع السيئة ، ومن هذا القبيل أنهم أتوا بالموصول ~~مؤنثا وصفا لمحذوف ms2905 ملتزم الحذف وحذفوا صلته أيضا في قولهم في المثل : ( بعد ~~اللتيا والتي ) ، أي بعد الداهية الحقيرة والداهية الجليلة كما قال سلمي بن ~~ربيعة الضبي : # ولقد رأبت ثأى العشيرة بينها # وكفيت جانبها اللتيا والتي # و { أحسن } اسم تفضيل مسلوب المفاضلة ، أي الحسنة ، وهي النافعة التي لا ~~ضر فيها لليتيم ولا لماله . وإنما قال هنا : { ولا تقربوا } تحذيرا من أخذ ~~ماله ولو بأقل أحوال الأخذ لأنه لا يدفع عن نفسه ، ولذلك لم يقل هنا : { ~~ولا تأكلوا كما قال في سورة البقرة ( 188 ) : ولا تأكلوا أموالكم بينكم ~~بالباطل } . # والأشد : اسم يدل على قوة الإنسان ، وهو مشتق من الشد وهو التوثق ، ~~PageV08P163 والمراد به في هذه الآية ونظائرها ، مما الكلام فيه على اليتيم ~~، بلوغه القوة التي يخرج بها من ضعف الصبا ، وتلك هي البلوغ مع صحة العقل ، ~~لأن المقصود بلوغه أهلية التصرف في ماله . وما منع الصبي من التصرف في ~~المال إلا لضعف في عقله بخلاف المراد منه في أوصاف الرجال فإنه يعنى به ~~بلوغ الرجل منتهى حد القوة في الرجال وهو الأربعون سنة إلى الخمسين قال ~~تعالى : { حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة } ( الأحقاف : 15 ) وقال سحيم ~~بن وثيل : # أخو خمسين مجتمع أشدي # ونجذني مداورة الشؤون # والبلوغ : الوصول ، وهو هنا مجاز في التدرج في أطوار القوة المخرجة من ~~وهن الصبا . # و { حتى } غاية للمستثنى : وهو القربان بالتي هي أحسن ، أي التصرف فيه ~~إلى أن يبلغ صاحبه أشده أي فيسلم إليه ، كما قال تعالى في الآية الأخرى { ~~فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم } ( النساء : 6 ) الآية . # ووجه تخصيص حق اليتيم في ماله بالحفظ : أن ذلك الحق مظنة الاعتداء عليه ~~من الولي ، وهو مظنة انعدام المدافع عنه ، لأنه ما من ضعيف عندهم إلا وله ~~من الأقارب والموالي من يدفع عنه إذا استجاره أو استنجده ، فأما اليتيم فإن ~~الاعتداء عليه إنما يكون من أقرب الناس إليه ، وهو وليه ، لأنه لم يكن يلي ~~اليتيم عندهم إلا أقرب الناس إليه ، وكان الأولياء يتوسعون في أموال ~~أيتامهم ، ويعتدون ms2906 عليها ، ويضيعون الأيتام لكيلا ينشأوا نشأة يعرفون بها ~~حقوقهم ، ولذلك قال تعالى : { ألم يجدك يتيما فآوى } ( الضحى : 6 ) لأن ~~اليتيم مظنة الإضاعة فلذلك لم يوص الله تعالى بمال غير اليتيم ، لأن صاحبه ~~يدفع عن نفسه ، أو يستدفع بأوليائه ومنجديه . # { وأوفوا الكيل والميزان بالقسط } . PageV08P164 # عطف الأمر بإيفاء الكيل والميزان ، وذلك في التبايع ، فقد كانوا يبيعون ~~التمر والزبيب كيلا ، وكانوا يتوازنون الذهب والفضة ، فكانوا يطففون حرصا ~~على الربح ، فلذلك أمرهم بالوفاء . وعدل عن أن يأتي فيه بالنهي عن التطفيف ~~كما في قول شعيب : { ولا تنقصوا المكيال والميزان } ( هود : 84 ) إشارة إلى ~~أنهم مأمورون بالحد الذي يتحقق فيه العدل وافيا ، وعدم النقص يساوي الوفاء ~~، ولكن في اختيار الأمر بالإيفاء اهتماما به لتكون النفوس ملتفتة إلى جانب ~~الوفاء لا إلى جانب ترك التنقيص ، وفيه تذكير لهم بالسخاء الذي يتمادحون به ~~كأنه قيل لهم : أين سخاؤكم الذي تتنافسون فيه فهلا تظهرونه إذا كلتم أو ~~وزنتم فتزيدوا على العدل بأن توفروا للمكتال كرما بله أن تسرقوه حقه . وهذا ~~تنبيه لهم على اختلال أخلاقهم وعدم توازنها . # والباء في قوله : { بالقسط } للملابسة والقسط العدل ، وتقدم عند قوله ~~تعالى : { قائما بالقسط في سورة آل عمران ( 18 ) ، أي أوفوا متلبسين بالعدل ~~بأن لا تظلموا المكتال حقه . # ظاهر تعقيب جملة : { وأوفوا الكيل } إلخ بجملة : { لا نكلف نفسا إلا ~~وسعها } أنها متعلقة بالتي وليتها فتكون احتراسا ، أي لا نكلفكم تمام القسط ~~في الكيل والميزان بالحبة والذرة ولكنا نكلفكم ما تظنون أنه عدل ووفاء . ~~والمقصود من هذا الاحتراسس أن لا يترك الناس التعامل بينهم خشية الغلط أو ~~الغفلة ، فيفضي ذلك إلى تعطيل منافع جمة . وقد عدل في هذا الاحتراس عن طريق ~~الغيبة الذي بني عليه المقول ابتداء في قوله : { ما حرم ربكم عليكم } ( ~~الأنعام : 151 ) لما في PageV08P165 هذا الاحتراس من الامتنان ، فتولى الله ~~خطاب الناس فيه بطريق التكلم مباشرة زيادة في المنة ، وتصديقا للمبلغ ، ~~فالوصاية بإيفاء الكيل والميزان راجعة إلى حفظ مال المشتري في مظنة الإضاعة ~~، لأن حالة الكيل والوزن حالة غفلة المشتري ms2907 ، إذ البائع هو الذي بيده ~~المكيال أو الميزان ، ولأن المشتري لرغبته في تحصيل المكيل أو الموزون قد ~~يتحمل التطفيف ، فأوصي البائع بإيفاء الكيل والميزان . وهذا الأمر يدل ~~بفحوى الخطاب على وجوب حفظ المال فيما هو أشد من التطفيف ، فإن التطفيف إن ~~هو إلا مخالسة قدر يسير من المبيع ، وهو الذي لا يظهر حين التقدير فأكل ما ~~هو أكثر من ذلك من المال أولى بالحفظ ، وتجنب الاعتداء عليه . # ويجوز أن تكون جملة : { لا نكلف نفسا إلا وسعها } تذييلا للجمل التي ~~قبلها ، تسجيلا عليهم بأن جميع ما دعوا إليه هو في طاقتهم ومكنتهم . وقد ~~تقدم ذلك عند قوله تعالى : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها في آخر سورة ~~البقرة ( 286 ) . # وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى } . # هذا جامع كل المعاملات بين الناس بواسطة الكلام وهي الشهادة ، والقضاء ، ~~والتعديل ، والتجريح ، والمشاورة ، والصلح بين الناس ، والأخبار المخبرة عن ~~صفات الأشياء في المعاملات : من صفات المبيعات ، والمؤاجرات ، والعيوب ؛ ~~وفي الوعود ، والوصايا ، والأيمان ؛ وكذلك المدائح والشتائم كالقذف ، فكل ~~ذلك داخل فيما يصدر عن القول . # والعدل في ذلك أن لا يكون في القول شيء من الاعتداء على الحقوق : ~~PageV08P166 بإبطالها ، أو إخفائها ، مثل كتمان عيوب المبيع ، وادعاء ~~العيوب في الأشياء السليمة ، والكذب في الأثمان ، كأن يقول التاجر : أعطيت ~~في هذه السلعة كذا ، لثمن لم يعطه ، أو أن هذه السلعة قامت علي بكذا . ومنه ~~التزام الصدق في التعديل والتجريح وإبداء النصيحة في المشاورة ، وقول الحق ~~في الصلح . وأما الشهادة والقضاء فأمر العدل فيهما ظاهر ، وإذا وعد القائل ~~لا يخلف ، وإذا أوصى لا يظلم أصحاب حقوق الميراث ، ولا يحلف على الباطل ، ~~وإذا مدح أحدا مدحه بما فيه ، وأما الشتم فالإمساك عنه واجب ولو كان حقا ~~فذلك الإمساك هو العدل لأن الله أمر به . # وفي التعليق بأداة الشرط في قوله : { وإذا قلتم } إشارة إلى أن المرء في ~~سعة من السكوت إن خشي قول العدل . وأما أن يقول الجور والظلم والباطل فليس ~~له سبيل إلى ذلك ، والكذب كله من القول بغير ms2908 العدل ، على أن من السكوت ما ~~هو واجب . وفي ( الموطأ ) أن رجلا خطب إلى رجل أخته فذكر الأخ أنها قد كانت ~~أحدثت فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فضربه أو كاد يضربه ثم قال : ( مالك وللخبر ) ~~. # والواو في قوله : { ولو كان } واو الحال ، ولو وصلية تفيد المبالغة في ~~الحال التي من شأنها أن يظن السامع عدم شمولل الحكم إياها لاختصاصها من بين ~~بقية الأحوال التي يشملها الحكم ، وقد تقدم بيانها عند قوله تعالى : { فلن ~~يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به في سورة آل عمران ( 91 ) ، فإن ~~حالة قرابة المقولل لأجله القول قد تحمل القائل على أن يقول غير العدل ، ~~لنفع قريبه أو مصانعته ، فنبهوا على وجوب التزام العدل في القول في تلك ~~الحالة ، فالضمير المستتر في ( كان ) كائد إلى شيء معلوم من الكلام : أي ~~ولو كان الذي تعلق به القول ذا قربى . PageV08P167 # والقربى : القرابة ويعلم أنه ذو قرابة من القائل ، أي إذا قلتم قولا ~~لأجله أو عليه فاعدلوا ولا تقولوا غير الحق ، لا لدفع ضره بأن تغمصوا الحق ~~الذي عليه ، ولا لنفعه بأن تختلقوا له حقا على غيره أو تبرءوه مما صدر منه ~~على غيره ، وقد قال الله تعالى في العدل في الشهادة والقضاء : كونوا قوامين ~~بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين } ( النساء : 135 ) ~~. # وقد جاء طلب الحق في القول بصيغة الأمر بالعدل ، دون النهي عن الظلم أو ~~الباطل : لأنه قيده بأداة الشرط المقتضي لصدور القول : فالقول إذا صدر لا ~~يخلو عن أن يكون حقا أو باطلا ، والأمر بأن يكون حقا أوفى بمقصد الشارع ~~لوجهين : أحدهما : أن الله يحب إظهار الحق بالقول ، ففي الأمر بأن يكون ~~عدلا أمر بإظهاره ونهي عن السكوت بدون موجب . الثاني : أن النهي عن قول ~~الباطل أو الزور يصدق بالكلام الموجه الذي ظاهره ليس بحق ، وذلك مذموم إلا ~~عند الخوف أو الملاينة ، أو فيما لا يرجع إلى إظهار حق ، وتلك هي المعاريض ~~التي ورد فيها حديث : ( إن في المعاريض لمندوحة عن ms2909 الكذب ) . # ختم هذه المتلوات بالأمر بإيفاء العهد بقوله : { وبعهد الله أوفوا } . ~~وعهد الله المأمور بالإيفاء به هو كل عهد فيه معنى الانتساب إلى الله الذي ~~PageV08P168 اقتضته الإضافة ، إذ الإضافة هنا يصح أن تكون إضافة المصدر إلى ~~الفاعل ، أي ما عهد الله به إليكم من الشرائع ، ويصح أن تكون إضافة المصدر ~~إلى مفعوله ، أي ما عاهدتم الله أن تفعلوه ، والتزمتموه وتقلدتموه ، ويصح ~~أن تكون الإضافة لأدنى ملابسة ، أي العهد الذي أمر الله بحفظه ، وحذر من ~~ختره ، وهو العهود التي تنعقد بين الناس بعضهم مع بعض سواء كان بين القبائل ~~أم كان بين الآحاد . ولأجل مراعاة هذه المعاني الناشئة عن صلاحية الإضافة ~~لإفادتها عدل إلى طريق إسناد اسم العهد إلى اسم الجلالة بطريق الإضافة دون ~~طريق الفعل ، بأن يقال : وبما عاهدتم الله عليه ، أو نحن ذلك ما لا يحتمل ~~إلا معنى واحدا . وإذ كان الخطاب بقوله : { تعالوا } ( الأنعام : 151 ) ~~للمشركين تعين أن يكون العهد شيئا قد تقررت معرفته بينهم ، وهو العهود التي ~~يعقدونها بالموالاة والصلح أو نحو ذلك فهو يدعوهم إلى الوفاء بما عاقدوا ~~عليه . وأضيف إلى الله لأنهم كانوا يتحالفون عند التعاقد ولذلك يسمون العهد ~~حلفا ، قال الحارث بن حلزة : # واذكروا حلف ذي المجاز وما # قدم فيه العهود والكفلاء # وقال عمرو بن كلثوم : # ونوجد نحن أمنعهم ذمارا # وأوفاهم إذا عقدوا يمينا # فالآية آمرة لهم بالوفاء ، وكان العرب يتمادحون به . ومن العهود المقررة ~~بينهم : حلف الفضول ، وحلف المطيبين ، وكلاهما كان في الجاهلية على نفي ~~الظلم والجور عن القاطنين بمكة ، وذلك تحقيق لعهد الله لإبراهيم عليه ~~السلام أن يجعل مكة بلدا آمنا ومن دخله كان آمنا ، وقد اعتدى المشركون على ~~ضعفاء المؤمنين وظلموهم مثلل عمار ، وبلال ، وعامر بن فهيرة ، ونحوهم ، فهو ~~يقول لهم فيما يتلو عليهم أن خفر عهد الله بأمان مكة ، وخفر عهودكم بذلك ، ~~أولى بأن تحرموه PageV08P169 من مزاعمكم الكاذبة فيما حرمتم وفصلتم ، فهذا ~~هو الوجه في تفسير قوله : { وبعهد الله أوفوا } . # وتقديم المجرور على عامله للاهتمام بأمر العهد وصرف ذهن السامع ms2910 عند ، ~~ليتقرر في ذهنه ما يرد بعده من الأمر بالوفاء ، أي إن كنتم ترون الوفاء ~~بالعهد مدحة فعهد الله أولى بالوفاء وأنتم قد اخترتموه ، فهذا كقوله تعالى ~~: { يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير } ثم قال { وصد عن ~~سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله } ( ~~البقرة : 217 ) # { ذالكم وصاكم به لعلكم تذكرون } . # تكرار لقوله المماثل له قبله ، وقد علمت أن هذا التذييل ختم به صنف من ~~أصناف الأحكام . وجاء مع هذه الوصية بقوله : { لعلكم تذكرون } لأن هذه ~~المطالب الأربعة عرف بين العرب أنها محامد ، فالأمر بها ، والتحريض عليها ~~تذكير بما عرفوه في شأنها ولكنهم تناسوه بغلبة الهوى وغشاوة الشرك على ~~قلوبهم . # وقرأ نافع ، وابن كثير ، وأبو عمرو ، وابن عامر ، وعاصم في رواية أبي بكر ~~، وأبو جعفر ، ويعقوب : تذكرون بتشديد الذال لإدغام التاء الثانية في الذال ~~بعد قلبها ، وقرأ حمزة ، والكسائي ، وعاصم في رواية حفص ، وخلف بتخفيف ~~الذال على حذف التاء الثانية تخفيفا . # # | 2 ( 153 ) { وأن هاذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق ~~بكم عن سبيله ذالكم وصاكم به لعلكم تتقون } . ) 2 # PageV08P170 # الواو عاطفة على جملة : { ألا تشركوا به شيئا } ( الأنعام : 151 ) لتماثل ~~المعطوفات في أغراض الخطاب وترتيبه ، وفي تخلل التذييلات التي عقبت تلك ~~الأغراض بقوله : { لعلكم تعقلون } ( الأنعام : 151 ) { لعلكم تذكرون } ( ~~الأنعام : 152 ) { لعلكم تتقون } وهذا كلام جامع لاتباع ما يجيء إلى الرسول ~~صلى الله عليه وسلم من الوحي في القرآن . # وقرأ نافع ، وابن كثير ، وأبو عمرو ، وعاصم ، وأبو جعفر : { أن } بفتح ~~الهمزة وتشديد النون . # وعن الفراء والكسائي أنه معطوف على : { ما حرم ربكم } ( الأنعام : 151 ) ~~، فهو في موضع نصب بفعل : { أتل } والتقدير : وأتل عليكم أن هذا صراطي ~~مستقيما . # وعن أبي علي الفارسي : أن قياس قول سيبويه أن تحمل ( أن ) ، أي تعلق على ~~قوله : { فاتبعوه } ، والتقدير : ولأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ، على ~~قياس قول سيبويه في قوله تعالى : { لإيلاف قريش } ( قريش : 1 ) . وقال في ~~قوله تعالى : { وأن المساجد لله فلا تدعوا ms2911 مع الله أحدا } ( الجن : 18 ) ~~المعنى : ولأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا اه . # ف { أن } مدخولة للام التعليل محذوفة على ما هو المعروف من حذفها مع ( أن ~~) و ( أن ) . وتقدير النظم : واتبعوا صراطي لأنه صراط مستقيم ، فوقع تحويل ~~في النظم بتقدير التعليل على الفعل الذي حقه أن يكون معطوفا ، فصار التعليل ~~معطوفا لتقديمه ليفيد تقديمه تفرع المعلل وتسببه ، فيكون التعليل بمنزلة ~~الشرط بسبب هذا التقديم ، كأنه قيل : لما كان هذا صراطي مستقيما فاتبعوه . # وقرأ حمزة ، والكسائي ، وخلف : { وإن } بكسر الهمزة وتشديد النون فلا ~~تحويل في نظم الكلام ، ويكون قوله : { فاتبعوه } تفريعا على إثبات الخبر ~~بأن صراطه مسقيم . وقرأ ابن عامر ، ويعقوب : ( وأن ) PageV08P171 بفتح ~~الهمزة وسكون النون على أنها مخففة من الثقيلة واسمها ضمير شأن مقدر ~~والجملة بعده خبره ، والأحسن تخريجها بكون { أن } تفسيرية معطوفة على : { ~~ألا تشركوا } ( الأنعام : 151 ) . ووجه إعادة { أن } اختلاف أسلوب الكلام ~~عما قبله . # والإشارة إلى الإسلام : أي وأن الإسلام صراطي ؛ فالإشارة إلى حاضر في ~~أذهان المخاطبين من أثر تكرر نزول القرآن وسماع أقوال الرسول عليه الصلاة ~~والسلام ، بحيث عرفه الناس وتبينوه ، فنزل منزلة المشاهد ، فاستعمل فيه اسم ~~الإشارة الموضوع لتعيين ذات بطريق المشاهدة مع الإشارة ، ويجوز أن تكون ~~الإشارة إلى جميع التشريعات والمواعظ التي تقدمت في هذه السورة ، لأنها ~~صارت كالشيء الحاضر المشاهد ، كقوله تعالى : { ذلك من أنباء الغيب نوحيه ~~إليك } ( آل عمران : 44 ) . # والصراط : الطريق الجادة الواسعة ، وقد مر في قوله تعالى : { اهدنا ~~الصراط المستقيم } ( الفاتحة : 6 ) والمراد الإسلام كما دل عليه قوله في ~~آخر السورة : { قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما } ( الأنعام : ~~161 ) لأن المقصود منها تحصيل الصلاح في الدنيا والآخرة فشبهت بالطريق ~~الموصل السائر فيه إلى غرضه ومقصده . # ولما شبه الإسلام بالصراط وجعل كالشيء المشاهد صار كالطريق الواضحة ~~البينة فادعي أنه مستقيم ، أي لا اعوجاج فيه لأن الطريق المستقيم أيسر ~~سلوكا على السائر وأسرع وصولا به . # والياء المضاف إليها ( صراط ) تعود على الله ، كما بينه قوله : وإنك ~~لتهدي ms2912 إلى صراط مستقيم صراط الله ( الشورى : 52 ، 53 ) على إحدى طريقتين في ~~حكاية القول إذا كان في المقول ضمير القائل أو ضمير الآمر بالقول ، كما ~~تقدم عند قوله تعالى : { ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي ~~وربكم في سورة العقود ( 117 ) ، وقد عدل عن طريقة الغيبة ، التي جرى عليها ~~الكلام من PageV08P172 قوله : ما حرم ربكم } ( الأنعام : 151 ) لغرض ~~الإيماء إلى عصمة هذا الصراط من الزلل ، لأن كونه صراط الله يكفي في إفادة ~~أنه موصل إلى النجاح ، فلذلك صح تفريع الأمر باتباعه على مجرد كونه صراط ~~الله . ويجوز عود الياء إلى النبيء المأمور بالقول ، إلا أن هذا يستدعي ~~بناء التفريع بالأمر باتباعه على ادعاء أنه واضح الاستقامة ، وإلا فإن كونه ~~طريق النبيء لا يقتضي تسبب الأمر باتباعه عنه بالنسبة إلى المخاطبين ~~المكذبين . # وقوله : { مستقيما } حال من اسم الإشارة ، وحسن وقوعه حالا أن الإشارة ~~بنيت على ادعاء أنه مشاهد ، فيقتضي أنه مستحضر في الذهن بمجمل كلياته وما ~~جربوه منه وعرفوه ، وأن ذلك يريهم أنه في حال الاستقامة كأنه أمر محسوس ، ~~ولذلك كثر مجيء الحال من اسم الإشارة نحو : { وهذا بعلي شيخا } ( هود : 72 ~~) ولم يأتوا به خبرا . # والسبل : الطرق ، ووقوعها هنا في مقابلة الصراط المستقيم يدل على صفة ~~محذوفة ، أي السبل المتفرقة غير المستقيمة ، وهي التي يسمونها : بنيات ~~الطريق ، وهي طرق تتشعب من السبيل الجادة ذاهبة ، يسلكها بعض الماره فرادى ~~إلى بيوتهم أو مراعيهم فلا تبلغ إلى بلد ولا إلى حي ، ولا يستطيع السير ~~فيها إلا من عقلها واعتادها ، فلذلك سبب عن النهي قوله : { فتفرق بكم عن ~~سبيله } ، أي فإنها طرق متفرقة فهي تجعل سالكها متفرقا عن السبيل الجادة ، ~~وليس ذلك لأن السبيل اسم للطريق الضيقة غير الموصلة ، فإن السبيل يرادف ~~الصراط ألا ترى إلى قوله : { قل هذه سبيلي } ( يوسف : 108 ) ، بل لأن ~~المقابلة والإخبار عنها بالتفرق دل على أن المراد سبل خاصة موصوفة بغير ~~الاستقامة . # والباء في قوله : { بكم } للمصاحبة : أي فتتفرق السبل مصاحبة لكم ، أي ~~تتفرقون ms2913 مع تفرقها ، وهذه المصاحبة المجازية تجعل الباء بمنزلة PageV08P173 ~~همزة التعدية كما قاله النحاة ، في نحو : ذهبت بزيد ، أنه بمعنى أذهبته ، ~~فيكون المعنى فتفرقكم عن سبيله ، أي لا تلاقون سبيله . # والضمير المضاف إليه في : { سبيله } يعود إلى الله تعالى بقرينة المقام ، ~~فإذا كان ضمير المتكلم في قوله : { صراطي } عائدا لله كان في ضمير { سبيله ~~} التفاتا عن سبيلي . # روى النسائي في ( سننه ) ، وأحمد ، والدارمي في ( مسنديهما ) ، والحاكم ~~في ( المستدرك ) ، عن عبد الله بن مسعود ، قال : خط لنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يوما خطا ثم قال : هذا سبيل الله ، ثم خط خطوطا عن يمينه وعن ~~شماله ( أي عن يمين الخط المخطوط أولا وعن شماله ) ثم قال : ( هذه سبل على ~~كل سبيل منها شيطان يدعو إليها ) ثم قرأ : { وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ~~ولا تتبعوا السبل فتتفرق بكم عن سبيله } . وروى أحمد ، وابن ماجة ، وابن ~~مردويه ، عن جابر بن عبد الله قال : ( كنا عند النبيء صلى الله عليه وسلم ~~فخط خطا وخط خطين عن يمينه وخط خطين عن يساره ثم وضع يده في الخط الأوسط ( ~~أي الذي بين الخطوط الأخرى ) فقال : هذه سبيل الله ، ثم تلا هذه الآية : { ~~وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم ~~وصاكم به لعلكم تتقون } وما وقع في الرواية الأولى ( وخط خطوطا ) هو ~~باعتبار مجموع ما على اليمين والشمال . وهذا رسمه على سبيل التقريب : # # وقوله : { ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون } تذييل تكرير لمثليه السابقين ، ~~فالإشارة ب { ذلكم } إلى الصراط ، والوصاية به معناها الوصاية بما يحتوي ~~عليه . # وجعل الرجاء للتقوى لأن هذه السبيل تحتوي على ترك المحرمات ، وتزيد بما ~~تحتوي عليه من فعل الصالحات ، فإذا اتبعها السالك فقد PageV08P174 صار من ~~المتقين أي الذين اتصفوا بالتقوى بمعناها الشرعي كقوله تعالى : { هدى ~~للمتقين } ( البقرة : 2 ) . # $ 2 ( 154 ) { ثم ءاتينا موسى الكتاب تماما على الذى & # 1764 أحسن وتفصيلا لكل شىء وهدى ورحمة لعلهم بلقآء ربهم يؤمنون } . ) 2 $ # { ثم } هنا عاطفة على جملة : { قل تعالوا } ( الأنعام : 151 ms2914 ) فليست ~~عاطفة للمفردات ، فلا يتوهم أنها لتراخي الزمان ، بل تنسلخ عنه حين تعطف ~~الجمل فتدل على التراخي في الرتبة ، وهو مهلة مجازية ، وتلك دلالة ( ثم ) ~~إذا عطفت الجمل . وقد استصعب على بعض المفسرين مسلك ( ثم ) في هذه الآية ~~لأن إتيان موسى عليه السلام الكتاب ليس برتبة أهم من رتبة تلاوة ما حرمه ~~الله من المحرمات وما فرضه من اتباع صراط الإسلام . وتعددت آراء المفسرين ~~في محمل ( ثم ) هنا إلى آراء : للفراء ، والزجاج ، والزمخشري ، وأبي مسلم ، ~~وغيرهم ، كل يروم التخلص من هذا المضيق . # والوجه عندي : أن ( ثم ) ما فارقت المعروف من إفادة التراخي الرتبي ، وأن ~~تراخي رتبة إيتاء موسى عليه السلام الكتاب عن تلاوة ما حرم الله في القرآن ~~، وما أمر به من ملازمة صراط الإسلام ، إنما يظهر بعد النظر إلى المقصود من ~~نظم الكلام ، فإن المقصود من ذكر إيتاء موسى عليه السلام الكتاب ليس لذاته ~~بل هو التمهيد لقوله : { وهذا كتاب أنزلناه مبارك } ( الأنعام : 92 ) ليرتب ~~عليه قوله : { أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا إلى قوله : ~~وهدى ورحمة } ( الأنعام : 156 ، 157 ) ، فمعنى الكلام : وفوق ذلك فهذا كتاب ~~أنزلناه مبارك جمع فيه ما أوتيه موسى عليه السلام ( وهو أعظم ما أوتيه ~~الأنبياء من قبله ) وما في القرآن : الذي هو مصدق لما بين يديه ومهيمن عليه ~~؛ إن اتبعتموه واتقيتم رحمناكم ولا معذرة لكم PageV08P175 أن تقولوا لو ~~أنزل لنا كتاب لكنا أفضل اهتداء من أهل الكتابين ، فهذا غرض أهم جمعا ~~لاتباع جميع ما اشتمل عليه القرآن ، وأدخل في إقناع المخاطبين بمزية أخذهم ~~بهذا الكتاب . # ومناسبة هذا الانتقال : ما ذكر من صراط الله الذي هو الإسلام ، فإن ~~المشركين لما كذبوا دعوة الإسلام ذكرهم الله بأنه آتى موسى عليه السلام ~~الكتاب كما اشتهر بينهم حسبما بيناه عند قوله تعالى : { وما قدروا الله حق ~~قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به ~~موسى ( 91 ) الآية ، في هذه السورة ، لينتقل إلى ذكر القرآن والتحريض على ms2915 ~~اتباعه فيكون التذكير بكتاب موسى عليه السلام تمهيدا لذلك الغرض . # والكتاب } هو المعهود ، أي التوراة ، و { تماما } حال من الكتاب ، ~~والتمام الكمال ، أي كان ذلك الكتاب كمالا لما في بني إسرائيل من الصلاح ~~الذي هو بقية مما تلقوه عن أسلافهم : من صلاح إبراهيم ، وما كان عليه إسحاق ~~ويعقوب والأسباط عليهم السلام ، فكانت التوراة مكملة لصلاحهم ، ومزيلة لما ~~اعتراهم من الفساد ، وأن إزالة الفساد تكملة للصلاح . ووصف التوراة بالتمام ~~مبالغة في معنى المتم . # والموصول في قوله : { على الذي أحسن } مراد به الجنس ، فلذلك استوى مفرده ~~وجمعه . والمراد به هنا الفريق المحسن ، أي تماما لإحسان المحسنين من بني ~~إسرائيل ، فالفعل منزل منزلة اللازم ، أي الذي اتصف بالإحسان . # والتفصيل : التبيين ، وقد تقدم عند قوله تعالى : { وكذلك نفصل الآيات في ~~هذه السورة ( 55 ) . PageV08P176 # وكل شيء } مراد به أعظم الأشياء ، أي المهمات المحتاج إلى بيان أحكامها ~~في أحوال الدين . فتكون ( كل ) مستعملة في معنى الكثرة كما تقدم في قوله ~~تعالى : { ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك في سورة ~~البقرة ( 145 ) . أو في معنى العظيم من الأشياء كأنه جمع الأشياء كلها . # أو يراد بالشيء : الشيء المهم ، فيكون من حذف الصفة ، كقوله : يأخذ كل ~~سفينة غصبا } ( الكهف : 79 ) ، أي كل سفينة صالحة ، ومثله قوله تعالى : { ~~ما فرطنا في الكتاب من شيء } ( الأنعام : 38 ) . # وقوله : { لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون } رجاء أن تؤمنوا بلقاء ربهم ، ~~والضمير عائد إلى معلوم من المقام وهم بنو إسرائيل ، إذ قد علم من إيتاء ~~موسى عليه السلام الكتاب أن المنتفعين به هم قومه بنو إسرائيل ، ومعنى ذلك ~~: لعلهم إن تحروا في أعمالهم ، على ما يناسب الإيمان بلقاء ربهم ، فإن بني ~~إسرائيل كانوا مؤمنين بلقاء الله من قبل نزول التوراة ، ولكنهم طرأ عليهم ~~من أزمنة طويلة : من أطوار مجاورة القبط ، وما لحقهم من المذلة والتغرب ~~والخصاصة والاستعباد ، ما رفع منهم العلم ، وأذوى الأخلاق الفاضلة ، فنسوا ~~مراقبة الله تعالى ، وأفسدوا ، حتى كان حالهم كحال من لا يؤمن بأنه يلقى ~~الله ، فأراد الله ms2916 إصلاحهم ببعثة موسى عليه السلام ، ليرجعوا إلى ما كان ~~عليه سلفهم الصالح من مراقبة الله تعالى وخشية لقائه ، والرغبة في أن يلقوه ~~وهو راض عنهم . وهذا تعريض بأهل مكة ومن إليهم من العرب ، فكذلك كان سلفهم ~~على هدى وصلاح ، فدخل فيهم من أضلهم ولقنهم الشرك وإنكار البعث ، فأرسل ~~الله إليهم محمدا صلى الله عليه وسلم ليردهم إلى الهدى ويؤمنوا بلقاء ربهم ~~. # وتقديم المجرور على عامله للاهتمام بأمر البعث والجزاء . # PageV08P177 $ 2 ( 155 157 ) { وهاذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا ~~لعلكم ترحمون * أن تقولو & # 1764 ا إنمآ أنزل الكتاب على طآئفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم ~~لغافلين * أو تقولوا لو أنآ أنزل علينا الكتاب لكنآ أهدى منهم فقد جآءكم ~~بينة من ربكم وهدى ورحمة فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها سنجزى ~~الذين يصدفون عن آياتنا سو & # 1764 ء العذاب بما كانوا يصدفون } . ) 2 $ # جملة : { وهذا كتاب أنزلته مبارك } عطف على جملة : { ثم آتينا موسى ~~الكتاب } ( الأنعام : 154 ) . والمعنى : آتينا موسى الكتاب وأنزلنا هذا ~~الكتاب كما تقدم عند قوله تعالى : { ثم آتينا موسى الكتاب } ( الأنعام : ~~154 ) الخ . . . # وافتتاح الجملة باسم الإشارة ، وبناء الفعل عليه ، وجعل الكتاب الذي حقه ~~أن يكون مفعول : { أنزلناه } مبتدأ ، كل ذلك للاهتمام بالكتاب والتنويه به ~~، وقد تقدم نظيره : { وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه في هذه ~~السورة ( 92 ) . # وتفريع الأمر باتباعه على كونه منزلا من الله ، وكونه مباركا ، ظاهر : ~~لأن ما كان كذلك لا يتردد أحد في اتباعه . # والاتباع أطلق على العمل بما فيه على سبيل المجاز . وقد مضى الكلام فيه ~~عند قوله تعالى : إن أتبع إلا ما يوحى إلي } ( الأنعام : 50 ) ، وقوله : { ~~اتبع ما أوحي إليك من ربك في هذه السورة ( 106 ) . PageV08P178 # والخطاب في قوله : فاتبعوه } للمشركين ، بقرينة قوله : { أن تقولوا إنما ~~أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا } . # وجملة : { أنزلناه } في محل الصفة ل { كتاب } ، و ( مبارك ) صفة ثانية ، ~~وهما المقصد من الإخبار ، لأن كونه كتابا لا مرية فيه ، وإنما امتروا في ~~كونه ms2917 منزلا من عند الله ، وفي كونه مباركا . وحسن عطف : { مبارك } على : { ~~أنزلناه } لأن اسم المفعول لاشتقاقه هو في قوة الفعل . ومعنى : { اتقوا } ~~كونوا متصفين بالتقوى وهي الأخذ بدين الحق والعمل به . وفي قوله : { لعلكم ~~ترحمون } وعد على اتباعه وتعريض بالوعيد بعذاب الدنيا والآخرة إن لم يتبعوه ~~. # وقوله : { أن تقولوا } في موضع التعليل لفعل { أنزلناه } على تقدير لام ~~التعليل محذوفة على ما هو معروف من حذفها مع ( أن ) . والتقدير : لأن ~~تقولوا ، أي لقولكم ذلك في المستقبل ، أي لملاحظة قولكم وتوقع وقوعه ، ~~فالقول باعث على إنزال الكتاب . # والمقام يدل على أن هذا القول كان باعثا على إنزال هذا الكتاب ، والعلة ~~الباعثة على شيء لا يلزم أن تكون علة غائية ، فهذا المعنى في اللام عكس ~~معنى لام العاقبة ، ويؤول المعنى إلى أن إنزال الكتاب فيه حكم منها حكمة ~~قطع معذرتهم بأنهم لم ينزل إليهم كتاب ، أو كراهية أن يقولوا ذلك ، أو ~~لتجنب أن يقولوه ، وذلك بمعونة المقام إيثارا للإيجاز فلذلك يقدر مضاف مثل ~~: كراهية أو تجنب . وعلى هذا التقدير جرى نحاة البصرة . وذهب نحاة الكوفة ~~إلى أنه على تقدير ( لا ) النافية ، فالتقدير عندهم : أن لا تقولوا ، ~~والمآل واحد ونظائر هذا في القرآن كثيرة كقوله : { يبين الله لكم أن تضلوا ~~} ( النساء : 176 ) وقوله : { واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل ~~أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون أن تقول نفس يا حسرتى PageV08P179 ~~على ما فرطت في جنب الله } ( الزمر : 55 ، 56 ) وقوله : { وألقى في الأرض ~~رواسي أن تميد بكم } ( النحل : 15 ) أي لتجنب ميدها بكم ، وقول عمرو بن ~~كثلوم : # فعجلنا القرى أن تشتمونا # وهذا القول يجوز أن يكون قد صدر عنهم من قبل ، فقد جاء في آية سورة القصص ~~( 48 ) : { فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى ، ~~ويجوز أن يكون متوقعا ثم قالوه من بعد ، وأيا ما كان فإنه متوقع أن يكرروه ~~ويعيدوه قولا موافقا للحال في نفس الأمر ، فكان متوقعا صدوره عند ما يتوجه ~~الملام عليهم ms2918 في انحطاطهم عن مجاوريهم من اليهود والنصارى من حيث استكمال ~~الفضائل وحسن السير وكمال التدين ، وعند سؤالهم في الآخرة عن اتباع ضلالهم ~~، وعندما يشاهدون ما يناله أهل الملل الصالحة من النعيم ورفع الدرجات في ~~ثواب الله فيتطلعون إلى حظ من ذلك ويتعللون بأنهم حرموا الإرشاد في الدنيا ~~. # وقد كان اليهود والنصارى في بلاد العرب على حالة أكمل من أحوال أهل ~~الجاهلية ، ألا ترى إلى قول النابغة يمدح آل النعمان بن الحارث ، وكانوا ~~نصارى : # مجلتهم ذات الإله ودينهم # قويم فما يرجون غير العواقب # ولا يحسبون الخير لا شر بعده # ولا يحسبون الشر ضربة لازب # والطائفة : الجماعة من الناس الكثيرة ، وقد تقدم عند قوله تعالى : فلتقم ~~طائفة منهم معك في سورة النساء ( 102 ) ، والمراد بالطائفتين هنا اليهود ~~والنصارى . # والكتاب مراد به الجنس المنحصر في التوراة والإنجيل والزبور . ومعنى ~~إنزال الكتاب عليهم أنهم خوطبوا بالكتب السماوية التي أنزلت على ~~PageV08P180 أنبيائهم فلم يكن العرب مخاطبين بما أنزل على غيرهم ، فهذا ~~تعلل أول منهم ، وثمة اعتلال آخر عن الزهادة في التخلق بالفضائل والأعمال ~~الصالحة : وهو قولهم : وإن كنا عن دراستهم لغافلين } ، أي وأنا كنا غافلين ~~عن اتباع رشدهم لأنا لم نتعلم ، فالدراسة مراد بها التعليم . # والدراسة : القراءة بمعاودة للحفظ أو للتأمل ، فليس سرد الكتاب بدراسة . ~~وقد تقدم قوله تعالى : { وليقولوا درست في هذه السورة ( 105 ) ، وتقدم ~~تفصيله عند قوله تعالى : وبما كنتم تدرسون من سورة آل عمران ( 79 ) . # والغفلة : السهو الحاصل من عدم التفطن ، أي لم نهتم بما احتوت عليه كتبهم ~~فنقتدي بهديها ، فكان مجيء القرآن منبها لهم للهدي الكامل ومغنيا عن دراسة ~~كتبهم . # وقوله : أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم } تدرج في ~~الاعتلال جاء على ما تكنه نفوس العرب من شفوفهم بأنفسهم على بقية الأمم ، ~~وتطلعهم إلى معالي الأمور ، وإدلالهم بفطنتهم وفصاحة ألسنتهم وحدة أذهانهم ~~وسرعة تلقيهم ، وهم أخلقاء بذلك كله . # وفي الإعراب عن هذا الاعتلال منهم تلقين لهم ، وإيقاظ لأفهامهم أن ~~يغتبطوا بالقرآن ، ويفهموا ما يعود عليهم به من ms2919 الفضل والشرف بين الأمم ، ~~كقوله تعالى : { لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون } ( ~~الأنبياء : 10 ) . وقد كان الذين اتبعوا القرآن أهدى من اليهود والنصارى ~~ببون بعيد الدرجات . # ولقد تهيأ المقام بعد هذا التنبيه العجيب لفاء الفصيحة في قوله : { فقد ~~جاءكم بينة من ربكم } وتقديرها : فإذا كنتم تقولون ذلك ويهجس في نفوسكم فقد ~~جاءكم بيان من ربكم يعني القرآن ، يدفع عنكم ما تستشعرون من الانحطاط عن ~~أهل الكتاب . PageV08P181 # والبينة ما به البيان وظهور الحق . فالقرآن بينة على أنه من عند الله ~~لإعجازه بلغاء العرب ، وهو هدي بما اشتمل عليه من الإرشاد إلى طرق الخير ، ~~وهو رحمة بما جاء به من شريعة سمحة لا حرج فيها ، فهي مقيمة لصلاح الأمة مع ~~التيسير . وهذا من أعجب التشريع وهو أدل على أنه من أمر العليم بكل شيء . # وتفرع عن هذا الإعذار لهم الإخبار عنهم بأنهم لا أظلم منهم ، لأنهم كذبوا ~~وأعرضوا . فالفاء في قوله : { فمن أظلم } للتفريع . والاستفهام إنكاري ، أي ~~لا أحد أظلم من الذين كذبوا بآيات الله . # و ( من ) في { ممن كذب بآيات الله } موصولة وما صدقها المخاطبون من قوله ~~: { أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين } . # والظلم هنا يشمل ظلم نفوسهم ، إذ زجوا بها إلى العذاب في الآخرة وخسران ~~الدنيا ، وظلم الرسول صلى الله عليه وسلم إذ كذبوه ، وما هو بأهل التكذيب ، ~~وظلم الله إذ كذبوا بآياته وأنكروا نعمته ، وظلموا الناس بصدهم عن الإسلام ~~بالقول والفعل . # وقد جيء باسم الموصول لتدل الصلة على تعليل الحكم ووجه بناء الخبر ، لأن ~~من ثبت له مضمون تلك الصلة كان حقيقا بأنه لا أظلم منه . # ومعنى { صدف } أعرض هو ، ويطلق بمعنى صرف غيره كما في ( القاموس ) . ~~وأصله التعدية إلى مفعول بنفسه وإلى الثاني ب { عن } يقال : صدفت فلانا عن ~~كذا ، كما يقال : صرفته ، وقد شاع تنزيله منزلة اللازم حتى غلب عدم ظهور ~~المفعول به ، يقال : صدف عن كذا بمعنى أعرض وقد تقدم عند قوله تعالى : { ~~انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون في هذه السورة ms2920 ( 46 ) ، وقدره في الكشاف ~~} هنا متعديا لأنه أنسب بكونهم أظلم الناس تكثيرا في وجوه اعتدائهم ، ولم ~~أر ذلك لغيره نظرا لقوله تعالى : PageV08P182 { سنجزي الذين يصدفون عن ~~آياتنا سوء العذاب } إذ يناسبه معنى المتعدي لأن الجزاء على أعراضهم وعلى ~~صدهم الناس عن الآيات ، فإن تكذيبهم بالآيات يتضمن إعراضهم عنها فناسب أن ~~يكون صدفهم هو صرفهم الناس . # و { سوء العذاب } من إضافة الصفة إلى الموصوف ، وسوءه أشده وأقواه ، وقد ~~بين ذلك قوله تعالى : { الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق ~~العذاب بما كانوا يفسدون } ( النحل : 88 ) . فقوله : { عذابا فوق العذاب } ~~هو مضاعفة العذاب ، أي شدته . ويحتمل أنه أريد به عذاب الدنيا بالقتل والذل ~~، وعذاب الآخرة ، وإنما كان ذلك جزاءهم لأنهم لم يكذبوا تكذيبا عن دعوة ~~مجردة ، بل كذبوا بعد أن جاءتهم الآيات البينات . # و ( ما ) مصدرية : أي بصدفهم وإعراضهم عن الآيات إعراضا مستمرا لم يدعوا ~~راغبه ف { كان } هنا مفيدة للاستمرار مثل : { وكان الله غفورا رحيما } ( ~~النساء : 96 ) . # $ 2 ( 158 ) { هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتى ربك أو يأتى بعض ~~ءايات ربك يوم يأتى بعض ءايات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن ءامنت من ~~قبل أو كسبت فى & # 1764 إيمانها خيرا قل انتظرو & # 1764 ا إنا منتظرون } . ) 2 $ # استئناف بياني نشأ في قوله : { فمن أظلم ممن كذب بآيات الله } ( الأنعام ~~: 157 ) الآية ، وهو يحتمل الوعيد ويحتمل التهكم ، كما سيأتي . فإن كان هذا ~~وعيدا وتهديدا فهو ناشىء عن جملة : { سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا } ( ~~الأنعام : 157 ) لإثارته سؤال سائل يقول : متى يكون جزاؤهم ، وإن كان تهكما ~~بهم على صدفهم عن الآيات التي جاءتهم ، وتطلعهم إلى آيات أعظم منها في ~~اعتقادهم ، فهو ناشىء عن جملة : { فمن أظلم ممن كذب بآيات الله PageV08P183 ~~وصدف عنها } ( الأنعام : 157 ) لأنه يثير سؤال سائل يقول : ماذا كانوا ~~يترقبون من الآيات فوق الآيات التي جاءتهم . # و { هل } للاستفهام الإنكاري ، وهي ترد له كما ترد له الهمزة على التحقيق ~~، ولذلك جاء بعده الاستثناء . # و { ينظرون } مضارع ms2921 نظر بمعنى انتظر ، وهو مشترك مع نظر بمعنى رأى في ~~الماضي والمضارع والمصدر ، ويخالفه في التعدية ، ففعل نظر العين متعد بإلى ~~، وفعل الانتظار متعد بنفسه ، ويخالفه أيضا في أن له اسم مصدر وهو النظرة ~~بكسر الظاء ولا يقال ذلك في النظر بالعين . والضمير عائد للذين يصدفون عن ~~الآيات . # ثم إن كان الانتظار واقعا منهم على أنه انتظار آيات ، كما يقترحون ، ~~فمعنى الحصر : أنهم ما ينتظرون بعد الآيات التي جاءتهم ولم يقتنعوا بها إلا ~~الآيات التي اقترحوها وسألوها وشرطوا أن لا يؤمنوا حتى يجاءوا بها ، وهي ما ~~حكاه الله عنهم بقوله : { وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا ~~إلى قوله أو تأتي بالله والملائكة قبيلا } ( الإسراء : 90 92 ) وقوله { ~~وقالوا لولا أنزل عليه ملك } ( الأنعام : 8 ) فهم ينتظرون بعض ذلك بجد من ~~عامتهم ، فالانتظار حقيقة ، وبسخرية من قادتهم ومضلليهم ، فالانتظار مجاز ~~بالصورة ، لأنهم أظهروا أنفسهم في مظهر المنتظرين ، كقوله تعالى : { يحذر ~~المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزءوا } ( التوبة ~~: 64 ) الآية . والمراد ببعض آيات ربك : ما يشمل ما حكي عنهم بقوله : { حتى ~~تفجر لنا من الأرض ينبوعا إلى قوله حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه } ( الإسراء ~~: 90 93 ) . وفي قوله : { وقالوا لولا أنزل عليه ملك إلى قوله فحاق بالذين ~~سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون } ( الأنعام : 8 10 ) فالكلام تهكم بهم ~~وبعقائدهم . PageV08P184 # وإن كان الانتظار غير واقع بجد ولا بسخرية فمعناه أنهم ما يترقبون شيئا ~~من الآيات يأتيهم أعظم مما أتاهم ، فلا انتظار لهم ، ولكنهم صمموا على ~~الكفر واستبطنوا العناد ، فإن فرض لهم انتظار فإنما هو انتظار ما سيحل بهم ~~من عذاب الآخرة أو عذاب الدنيا أو ما هو برزخ بينهما ، فيكون الاستنثاء ~~تأكيدا للشيء بما يشبه ضده . والمراد : أنهم لا ينتظرون شيئا ولكن سيجيئهم ~~ما لا ينتظرونه ، وهو إتيان الملائكة ، إلى آخره ، فالكلام وعيد وتهديد . # والقصر على الاحتمالين إضافي ، أي بالنسبة لما ينتظر من الآيات ، ~~والاستفهام الخبري مستعمل في التهكم بهم على الاحتمالين ، لأنهم ms2922 لا ينتظرون ~~آية ، فإنهم جازمون بتكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم ولكنهم يسألون الآيات ~~إفحاما في ظنهم . ولا ينتظرون حسابا لأنهم مكذبون بالبعث والحشر . # والإتيان بالنسبة إلى الملائكة حقيقة ، والمراد بهم : ملائكة العذاب ، ~~مثل الذين نزلوا يوم بدر { إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين ~~آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم ~~كل بنان } ( الأنفال : 12 ) . وأما المسند إلى الرب فهو مجاز ، والمراد به ~~: إتيان عذابه العظيم ، فهو لعظم هوله جعل إتيانه مسندا إلى الآمر به أمرا ~~جازما ليعرف مقدار عظمته ، بحسب عظيم قدرة فاعله وآمره ، فالإسناد مجازي من ~~باب : بنى الأمير المدينة ، وهذا مجاز وارد مثله في القرآن ، كقوله تعالى : ~~{ فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا } ( الحشر : 2 ) وقوله : { ووجد الله عنده ~~فوفاه حسابه } ( النور : 39 ) . ويجوز أن يكون المراد بقوله : { أو يأتي ~~ربك } إتيان أمره بحساب الناس يوم القيامة ، كقوله : { وجاء ربك والملك صفا ~~صفا } ( الفجر : 22 ) ، أي لا ينتظرون إلا عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة . ~~PageV08P185 # وعلى الاحتمالات كلها يجوز أن يكون وقوع ذلك يوم القيامة ، ويجوز أن يكون ~~في الدنيا . # وجملة : { يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها } مستأنفة ~~استئنافا بيانيا تذكيرا لهم بأن الانتظار والتريث عن الإيمان وخيم العاقبة ~~، لأنه مهدد بما يمنع من التدارك عند الندامة ، فإما أن يعقبه الموت ~~والحساب ، وإما أن يعقبه مجيء آية من آيات الله ، وهي آية عذاب خارق للعادة ~~يختص بهم فيعلموا أنه عقوبة على تكذيبهم وصدفهم ، وحين ينزل ذلك العذاب لا ~~تبقى فسحة لتدارك ما فات لأن الله إذا أنزل عذابه على المكذبين لم ينفع ~~عنده توبة ، كما قال تعالى : { فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا ~~قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى ~~حين } ( يونس : 98 ) وقال تعالى : { ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا ~~إذا منظرين } ( الحجر : 8 ) وقال { ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ~~ينظرون } ( الأنعام : 8 ) . # ومن جملة آيات ms2923 الله الآيات التي جعلها الله عامة للناس ، وهي أشراط ~~الساعة : والتي منها طلوع الشمس من مغربها حين تؤذن بانقراض نظام العالم ~~الدنيوي . روى البخاري ، ومسلم ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ( لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت ورآها ~~الناس آمنوا أجمعون وذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل ) ثم ~~قرأ هذه الآية . # والنفع المنفي هو النفع في الآخرة ، بالنجاة من العذاب ، لأن نفع الدنيا ~~بكشف العذاب عند مجيء الآيات لا ينفع النفوس المؤمنة ولا الكافرة ، لقوله ~~تعالى : { واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة } ( الأنفال : 25 ) ~~وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ثم يحشرون على نياتهم ) . PageV08P186 ~~والمراد بالنفس : كل نفس ، لوقوعه في سياق النفي . # وجملة : { لم تكن آمنت من قبل } صفة { نفسا } ، وهي صفة مخصصة لعموم : { ~~نفسا } ، أي : النفس التي لم تكن آمنت من قبل إتيان بعض الآيات لا ينفعها ~~إيمانها إذا آمنت عند نزول العذاب ، فعلم منه أن النفس التي كانت آمنت من ~~قبل نزول العذاب ينفعها إيمانها في الآخرة . وتقديم المفعول في قوله : { ~~نفسا إيمانها } ليتم الإيجاز في عود الضمير . # وقوله : { أو كسبت في إيمانها خيرا } عطف على { آمنت } ، أي أو لم تكن ~~كسبت في إيمانها خيرا . # و { في } للظرفية ، وإنما يصلح للظرفية مدة الإيمان ، لا الإيمان ، أي أو ~~كسبت في مدة إيمانها خيرا . والخير هو الأعمال الصالحة والطاعات . # و { أو } للتقسيم في صفات النفس فيستلزم تقسيم النفوس التي خصصتها ~~الصفتان إلى قسمين : نفوس كافرة لم تكن آمنت من قبل ، فلا ينفعها إيمانها ~~يوم يأتي بعض آيات الله ، ونفوس آمنت ولم تكسب خيرا في مدة إيمانها ، فهي ~~نفوس مؤمنة ، فلا ينفعها ما تكسبه من خير يوم يأتي بعض آيات ربك . وهذا ~~القسم الثاني ذو مراتب متفاوتة ، لأن التقصير في اكتساب الخير متفاوت ، ~~فمنه إضاعة لأعمال الخير كلها ، ومنه إضاعة لبعضها ، ومنه تفريط في الإكثار ~~منها . وظاهر الآية يقتضي أن المراد نفوس لم تكسب ms2924 في إيمانها شيئا من الخير ~~أي اقتصرت على الإيمان وفرطت في جميع أعمال الخير . # وقد علم من التقسيم أن هذه النفوس لا ينفعها اكتساب الخير من بعد مجيء ~~الآيات ، ولا ما يقوم مقام اكتساب الخير عند الله ، وهو ما من به ~~PageV08P187 على هذه الأمة من غفران السيئات عند التوبة ، فالعزم على الخير ~~هو التوبة ، أي العزم على اكتساب الخير ، فوقع في الكلام إيجاز حذف اعتمادا ~~على القرينة الواضحة . والتقدير : لا ينفع نفسا غير مؤمنة إيمانها أو نفسا ~~لم تكن كسبت خيرا في إيمانها من قبل كسبها ، يعني أو ما يقوم مقام كسب ~~الخير ، مثل التوبة فإنها بعض اكتساب الخير ، وليس المراد أنه لا ينفع نفسا ~~مؤمنة إيمانها إذا لم تكن قد كسبت خيرا بحيث يضيع الإيمان إذا لم يقع ~~اكتساب الخير ، لأنه لو أريد ذلك لما كانت فائدة للتقسيم ، ولكفى أن يقال ~~لا ينفع نفسا إيمانها لم تكسب خيرا ، ولأن الأدلة القطعية ناهضة على أن ~~الإيمان الواقع قبل مجيء الآيات لا يدحض إذا فرط صاحبه في شيء من الأعمال ~~الصالحة ، ولأنه لو كان كذلك وسلمناه لما اقتضى أكثر من أن الذي لم يفعل ~~شيئا من الخير عدا أنه آمن لا ينفعه إيمانه ، وذلك إيجاد قسم لم يقل به أحد ~~من علماء الإسلام . # وبذلك تعلم أن الآية لا تنهض حجة للمعتزلة ولا الخوارج الذين أوجبوا خلود ~~مرتكب الكبيرة غير التائب في النار ، والتسوية بينه وبين الكافر ، وإن كان ~~ظاهرها قبل التأمل يوهم أنها حجة لهم ، ولأنه لو كان الأمر كما قالوا لصار ~~الدخول في الإيمان مع ارتكاب كبيرة واحدة عبثا لا يرضاه عاقل لنفسه ، لأنه ~~يدخل في كلفة كثير من الأعمال بدون جدوى عليه منها ، ولكان أهون الأحوال ~~على مرتكب الكبيرة أن يخلع ربقة الإيمان إلى أن يتوب من الأمرين جميعا . ~~وسخافة هذا اللازم لأصحاب هذا المذهب سخافة لا يرضاها من له نظر ثاقب . 6 ~~والاشتغال بتبيين ما يستفاد من نظم الآية من ضبط الحد الذي ينتهي عنده ~~الانتفاع بتحصيل الإيمان ms2925 وتحصيل أعمال الخير ، أجدى من الخوض في لوازم ~~معانيها من اعتبار الأعمال جزءا من الإيمان ، لا سيما مع ما في أصل المعنى ~~من الاحتمال المسقط للاستدلال . PageV08P188 # فصفة : { لم تكن آمنت من قبل } تحذير للمشركين من التريث عن الإيمان خشية ~~أن يبغتهم يوم ظهور الآيات ، وهم المقصود من السياق . وصفة { أو كسبت في ~~إيمانها خيرا } إدماج في أثناء المقصود لتحذير المؤمنين من الإعراض عن ~~الأعمال الصالحة . # ثم إن أقوال المفسرين السالفين ، في تصوير هذين القسمين ، تفرقت تفرقا ~~يؤذن باستصعاب استخلاص مقصود الآية من ألفاظها ، فلم تقارب الإفصاح بعبارة ~~بينة ، ويجمع ذلك ثلاثة أقوال : # الأول : عن السدي ، والضحاك : أن معنى { كسبت في إيمانها خيرا } : كسبت ~~في تصديقها ، أي معه أو في مدته ، عملا صالحا ، قالا : وهؤلاء أهل القبلة ، ~~فإن كانت مصدقة ولم تعمل قبل ذلك ، أي إتيان بعض آيات الله ، فعملت بعد أن ~~رأت الآية لم يقبل منها ، وإن عملت قبل الآية خيرا ثم عملت بعد الآية خيرا ~~قبل منها . # الثاني : أن لفظ القرآن جرى على طريقة التغليب ، لأن الأكثر ممن ينتفع ~~بإيمانه ساعتئذ هو من كسب في إيمانه خيرا . # الثالث : أن الكلام إبهام في أحد الأمرين ، فالمعنى : لا ينفع يومئذ ~~إيمان من لم يكن آمن قبل ذلك اليوم أو ضم إلى إيمانه فعل الخير ، أي لا ~~ينفع إيمان من يؤمن من الكفار ولا طاعة من يطيع من المؤمنين . وأما من آمن ~~قبل فإنه ينفعه إيمانه ، وكذلك من أطاع قبل نفعته طاعته . # وقد كان قوله : { يوم يأتي بعض آيات ربك } بعد قوله : { هل ينظرون إلا أن ~~تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك } ، مقتصرا على ما يأتي ~~من آيات الله في اليوم المؤجل له ، إعراضا عن التعرض لما يكون يوم تأتي ~~الملائكة أو يأتي ربك ، لأن إتيان الملائكة ، والمعطوف عليه غير محتمل ~~الوقوع وإنما جرى ذكره إبطالا لقولهم : PageV08P189 { أو تأتي بالله ~~والملائكة قبيلا } ( الإسراء : 92 ) ونحوه من تهكماتهم ، وإنما الذي يكون ~~مما انتظروه هو أن يأتي بعض آيات الله ms2926 ، فهو محل الموعظة والتحذير ، وآيات ~~القرآن في هذا كثيرة منها قوله تعالى : { فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا ~~بأسنا } ( غافر : 85 ) . # وآيات الله منها ما يختص بالمشركين وهو ما هددهم الله به من نزول العذاب ~~بهم في الدنيا ، كما نزل بالأمم من قبلهم ، ومنها آيات عامة للناس أجمعين ، ~~وهو ما يعرف بأشراط الساعة ، أي الأشراط الكبرى . # وقد جاء تفسير هذه الآية في السنة بطلوع الشمس من مغربها . ففي ( ~~الصحيحين ) وغيرهما عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ~~لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا رآها الناس آمن من عليها ~~فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل ) . ثم قرأ هذه الآية ، ~~أي قوله تعالى : { يوم يأتي بعض آيات ربك } إلى قوله { خيرا } . وفي ( صحيح ~~مسلم ) عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من تاب قبل ~~طلوع الشمس من مغربها تاب الله عليه ) . وفي ( جامع الترمذي ) ، عن صفوان ~~بن عسال المرادي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( باب من قبل ~~المغرب مفتوح مسيرة عرضه أربعين سنة ( كذا ) مفتوح للتوبة لا يغلق حتى تطلع ~~الشمس من مغربها ) ، قال الترمذي : حديث صحيح . # واعلم أن هذه الآية لا تعارض آية سورة النساء ( 18 ) : { وليست التوبة ~~للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين ~~يموتون وهم كفار : لأن محمل تلك الآية على تعيين وقت فوات التوبة بالنسبة ~~للأحوال الخاصة بآحاد الناس ، وذلك ما فسر في حديث ابن عمر : أن رسول الله ~~قال : إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر رواه الترمذي ، وابن ماجه ، ~~وأحمد . ( ومعنى يغرغر أن تبلغ روحه أي أنفاسه رأس حلقه ) . ومحمل الآية ~~PageV08P190 التي نتكلم فيها تعيين وقت فوات التوبة بالنسبة إلى الناس كافة ~~، وهي حالة يأس الناس كلهم من البقاء . # وجاء الاستئناف بقوله : قل انتظروا إنا منتظرون } أمرا للرسول صلى الله ~~عليه وسلم بأن يهددهم ويتوعدهم على الانتظار ، إن كان ms2927 واقعا منهم ، أو على ~~التريثث والتأخر عن الدخول في الإسلام الذي هو شبيه بالإنتظار إن كان ~~الانتظار إدعائيا ، بأن يأمرهم بالدوام على حالهم التي عبر عنها بالانتظار ~~أمر تهديد ، ويخبرهم بأن المسلمين ينتظرون نصر الله ونزول العقاب بأعدائهم ~~، أي : دوموا على انتظاركم فنحن منتظرون . # وفي مفهوم الصفتين دلالة على أن النفس التي آمنت قبل مجيء الحساب ، وكسبت ~~في إيمانها خيرا ، ينفعها إيمانها وعملها . فاشتملت الآية بمنطوقها ~~ومفهومها على وعيد ووعد مجملين تبينهما دلائل الكتاب والسنة . # # | 2 ( 159 ) { إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم فى شىء إنمآ ~~أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون } . ) 2 # استئناف جاء عقب الوعيد كالنتيجة والفذلكة ، لأن الله لما قال لرسوله صلى ~~الله عليه وسلم { قل انتظروا إنا منتظرون } ( الأنعام : 158 ) أعقب ذلك بأن ~~الفريقين متباينان متجافيان في مدة الانتظار . # وجيء بالموصولية لتعريف المسند إليه لإفادة تحقق معنى الصلة فيهم ، لأنها ~~تناسب التنفير من الاتصال بهم ، لأن شأن الدين أن يكون عقيدة واحدة وأعمالا ~~واحدة ، والتفرق في أصوله ينافي وحدته ، ولذلك لم يزل علماء الإسلام يبذلون ~~وسعهم لاستنباط مراد الله من الأمة ، ويعلمون PageV08P191 أن الحق واحد وأن ~~الله كلف العلماء بإصابته وجعل للمصيب أجرين ولمن أخطأه مع استفراغ الوسع ~~أجرا واحدا ، وذلك أجر على بذل الوسع في طلبه فإن بذل الوسع في ذلك يوشك أن ~~يبلغ المقصود . فالمراد ب { الذين فرقوا دينهم } قال ابن عباس : هم ~~المشركون ، لأنهم لم يتفقوا على صورة واحدة في الدين ، فقد عبدت القبائل ~~أصناما مختلفة ، وكان بعض العرب يعبدون الملائكة ، وبعضهم يعبد الشمس ، ~~وبعضهم يعبد القمر ، وكانوا يجعلون لكل صنم عبادة تخالف عبادة غيره . # ويجوز أن يراد : أنهم كانوا على الحنيفية ، وهي دين التوحيد لجميعهم ، ~~ففرقوا وجعلوا آلهة عباداتها مختلفة الصور . وأما كونهم كانوا شيعا فلأن كل ~~قبيلة كانت تنتصر لصنمها ، وتزعم أنه ينصرهم على عباد غيره كما قال ضرار بن ~~الخطاب الفهري : # وفرت ثقيف إلى لاتها # بمنقلب الخائب الخاسر # ومعنى : { لست منهم في شيء } أنك لا صلة ms2928 بينك وبينهم . فحرف ( من ) ~~اتصالية . وأصلها ( من ) الابتدائية . # و { شيء } اسم جنس بمعنى موجود فنفيه يفيد نفي جميع ما يوجد من الاتصال ، ~~وتقدم عند قوله تعالى : { ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء في سورة آل ~~عمران ( 28 ) ، وقوله : لستم على شيء في سورة المائدة ( 68 ) . # ولما دلت على التبري منهم وعدم مخالطتهم ، كان الكلام مثار سؤال سائل ~~يقول : أعلى الرسول أن يتولى جزاءهم على سوء عملهم ، فلذلك جاء الاستئناف ~~بقوله : إنما أمرهم إلى الله } فهو استئناف بياني ، وصيغة القصر لقلب ~~اعتقاد السائل المتردد ، أي إنما أمرهم إلى الله لا إلى الرسول صلى الله ~~عليه وسلم ولا إلى غيره ، وهذا إنذار شديد ، والمراد بأمرهم : عملهم الذي ~~استحقوا به الجزاء والعقوبة . و ( إلى ) مستعمل في الانتهاء PageV08P192 ~~المجازي : شبه أمرهم بالضالة التي تركها الناس فسارت حتى انتهت إلى مراحها ~~، فإن الخلق كلهم عبيد الله وإليه يرجعون ، والله يمهلهم ثم يأخذهم بعذاب ~~من عنده أو بأيدي المؤمنين حين يأذن لرسوله صلى الله عليه وسلم بقتالهم كما ~~قال تعالى : { فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس هذا عذاب أليم ~~ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين ثم ~~تولوا عنه وقالوا معلم مجنون إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون يوم نبطش ~~البطشة الكبرى إنا منتقمون } ( الدخان : 10 ، 16 ) . والبطشة الكبرى هي ~~بطشة يوم بدر . # وقوله : { ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون } ( ثم ) فيه للترتيب الرتبي مع ~~إفادة المهلة ، أي يبقى أمرهم إلى الله مدة . وذلك هو الإمهال والإملاء لهم ~~، ثم يعاقبهم ، فأطلق الإنباء على العقاب ، لأنه إن كان العقاب عقاب الآخرة ~~فهو يتقدمه الحساب ، وفيه إنباء الجاني بجنايته وبأنه مأخوذ بها ، فإطلاق ~~الإنباء عليه حقيقة مراد معها لازمه على وجه الكناية ، وإن كان العقاب عقاب ~~الدنيا فإطلاق الإنباء عليه مجاز ، لأنه إذا نزل بهم العذاب بعد الوعيد ~~علموا أنه العقاب الموعود به ، فكان حصول ذلك العلم لهم عند وقوعه شبيها ~~بحصول العلم الحاصل عن الإخبار فأطلق عليه الإنباء ms2929 ، فيكون قوله : { ينبئهم ~~} بمعنى يعاقبهم بما كانوا يفعلون . # ووصف المشركين بأنهم فرقوا دينهم وكانوا شيعا : يؤذن بأنه وصف شنيع ، إذ ~~ما وصفهم الله به إلا في سياق الذم ، فيؤذن ذلك بأن الله يحذر المسلمين من ~~أن يكونوا في دينهم كما كان المشركون في دينهم ، ولذلك قال تعالى : { شرع ~~لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك إلى قوله أن أقيموا الدين ~~ولا تتفرقوا فيه } ( الشورى : 13 ) . # وتفريق دين الإسلام هو تفريق أصوله بعد اجتماعها ، كما فعل بعض العرب من ~~منعهم الزكاة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال PageV08P193 أبو بكر ~~رضي الله عنه : لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة . وأما تفريق الآراء في ~~التعليلات والتبيينات فلا بأس به ، وهو من النظر في الدين : مثل الاختلاف ~~في أدلة الصفات ، وفي تحقيق معانيها ، مع الاتفاق على إثباتها . وكذلك ~~تفريق الفروع : كتفريق فروع الفقه بالخلاف بين الفقهاء ، مع الإتفاق على ~~صفة العمل وعلى ما به صحة الأعمال وفسادها . كالاختلاف في حقيقة الفرض ~~والواجب . والحاصل أن كل تفريق لا يكفر به بعض الفرق بعضا ، ولا يفضي إلى ~~تقاتل وفتن ، فهو تفريق نظر واستدلال وتطلب للحق بقدر الطاقة وكل تفريق ~~يفضي بأصحابه إلى تكفير بعضهم بعضا ، ومقاتلة بعضهم بعضا في أمر الدين ، ~~فهو مما حذر الله منه ، وأما ما كان بين المسلمين نزاعا على الملك والدنيا ~~فليس تفريقا في الدين ، ولكنه من الأحوال التي لا تسلم منها الجماعات . # وقرأه الجمهور : { فرقوا } بتشديد الراء وقرأه حمزة ، والكسائي : { ~~فارقوا } بألف بعد الفاء أي تركوا دينهم ، أي تركوا ما كان دينا لهم ، أي ~~لجميع العرب ، وهو الحنيفية فنبذوها وجعلوها عدة نحل . ومآل القراءتين واحد ~~. # $ 2 ( 160 ) { من جآء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جآء بالسيئة فلا يجزى ~~& # 1764 إلا مثلها وهم لا يظلمون } . ) 2 $ # من عادة القرآن أنه إذا أنذر أعقب الإنذار ببشارة لمن لا يحق عليه ذلك ~~الإنذار ، وإذا بشر أعقب البشارة بنذارة لمن يتصف بضد ما بشر عليه ، وقد ~~جرى على ذلك ههنا ms2930 : فإنه لما أنذر المؤمنين وحذرهم من التريثث في اكتساب ~~الخير ، قبل أن يأتي بعض آيات الله القاهرة ، بقوله : { لا PageV08P194 ~~ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا } ( الأنعام ~~: 158 ) فحد لهم بذلك حدا هو من مظهر عدله ، أعقب ذلك ببشرى من مظاهر فضله ~~وعدله . وهي الجزاء على الحسنة بعشر أمثالها والجزاء على السيئة بمثلها ، ~~فقوله : { من جاء بالحسنة } إلى آخره استئناف ابتدائي جرى على عرف القرآن ~~في الانتقال بين الأغراض . # فالكلام تذييل جامع لأحوال الفريقين اللذين اقتضاهما قوله : { لا ينفع ~~نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا } ( الأنعام : ~~158 ) . وهذا بيان لبعض الإجمال الذي في قوله : { لا ينفع نفسا إيمانها } ~~الآية ، كما تقدم آنفا . # و { جاء بالحسنة } معناه عمل الحسنة : شبه عمله الحسنة بحال المكتسب ، إذ ~~يخرج يطلب رزقا من وجوهه أو احتطاب أو صيد فيجيء أهله بشيء . وهذا كما ~~استعير له اسم التجارة في قوله تعالى : { فما ربحت تجارتهم } ( البقرة : 16 ~~) . # فالباء للمصاحبة ، والكلام تمثيل ، ويجوز حمل المجيء على حقيقته ، أي ~~مجيء إلى الحساب على أن يكون المراد بالحسنة أن يجيء بكتابتها في صحيفة ~~أعماله . # وأمثال الحسنة ثواب أمثالها ، فالكلام على حذف مضاف بقرينة قوله : { فلا ~~يجزي إلا مثلها } ، أو معناه تحسب له عشر حسنات مثل التي جاء بها كما في ~~الحديث : ( كتبها الله عنده عشر حسنات ) ويعرف من ذلك أن الثواب على نحو ~~ذلك الحساب كما دل عليه قوله : { فلا يجزي إلا مثلها } . # والأمثال : جمع مثل وهو المماثل المساوي ، وجيء له باسم عدد المؤنث وهو ~~عشر اعتبارا بأن الأمثال صفة لموصوف محذوف دل عليه الحسنة PageV08P195 أي ~~فله عشر حسنات أمثالها ، فروعي في اسم العدد معنى مميزه دون لفظه وهو أمثال ~~. والجزاء على الحسنة بعشرة أضعاف فضل من الله ، وهو جزاء غالب الحسنات ، ~~وقد زاد الله في بعض الحسنات أن ضاعفها سبعمائة ضعف كما في قوله تعالى : { ~~مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل ms2931 في كل ~~سنبلة مائة حبة } ( البقرة : 261 ) فذلك خاص بالإنفاق في الجهاد . وفي ~~الحديث : ( من هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة وإن هم بها ~~فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة ) . # وقرأ الجمهور : { عشر أمثالها } بإضافة { عشر } إلى { أمثالها } . وهو من ~~إضافة الصفة إلى الموصوف ، وقرأه يعقوب بتنوين { عشر } ورفع { أمثالها } ، ~~على أنه صفة ل { عشر } ، أي فله عشر حسنات مماثلة للحسنة التي جاء بها . ~~ومماثلة الجزاء للحسنة موكول إلى علم الله تعالى وفضله . # وإنما قال في جانب السيئة فلا يجزى إلا مثلها بصيغة الحصر لأجل ما في ~~صيغته من تقديم جانب النفي ، اهتماما به ، لإظهار العدل الإلهي ، فالحصر ~~حقيقي ، وليس في الحصر الحقيقي رد اعتقاد بل هو إخبار عما في نفس الأمر ، ~~ولذلك كان يساويه أن يقال : ومن جاء بالسيئة فيجزى مثلها ، لولا الاهتمام ~~بجانب نفي الزيادة على المماثلة . ونظيره قول النبيء صلى الله عليه وسلم ~~حين سألته هند بنت عتبة فقالت : إن أبا سفيان رجل مسيك فهل علي حرج أن أطعم ~~من الذي له عيالنا ، فقال لها : ( لا إلا بالمعروف ) ولم يقل لها : أطعميهم ~~بالمعروف . وقد جاء على هذا المعنى قول النبيء صلى الله عليه وسلم ومن هم ~~بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة وإن هم بها فعملها كتبها الله ~~سيئة واحدة ) ؛ فأكدها بواحدة تحقيقا لعدم الزيادة في جزاء السيئة . ~~PageV08P196 # ولذلك أعقبه بقوله : { وهم لا يظلمون } والضمير يعود إلى { من جاء ~~بالسيئة } ، إظهار للعدل ، فلذلك سجل الله عليهم بأن هذا لا ظلم فيه ~~لينصفوا من أنفسهم . وأما عد عود الضميرين إلى الفريقين فلا يناسب فريق ~~أصحاب الحسنات ، لأنه لا يحسن أن يقال للذي أكرم وأفيض عليه الخير إنه غير ~~مظلوم . # $ 2 ( 161 ) { قل إننى هدانى ربى & # 1764 إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين } ~~. ) 2 $ # استئناف ابتدائي للانتقال من مجادلة المشركين ، وما تخللها ، إلى فذلكة ~~ما أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم ms2932 في هذا الشأن ، غلقا لباب المجادلة مع ~~المعرضين ، وإعلانا بأنه قد تقلد لنفسه ما كان يجادلهم فيه ليتقلدوه وأنه ~~ثابت على ما جاءهم به ، وأن إعراضهم لا يزلزله عن الحق . # وفيه إيذان بانتهاء السورة لأن الواعظ والمناظر إذا أشبع الكلام في غرضه ~~، ثم أخذ يبين ما رضيه لنفسه وما قر عليه قراره ، علم السامع أنه قد أخذ ~~يطوي سجل المحاجة ، ولذلك غير الأسلوب . فأمر الرسول صلى الله عليه وسلم ~~بأن يقول أشياء يعلن بها أصول دينه ، وتكرر الأمر بالقول ثلاث مرات تنويها ~~بالمقول . # وقوله : { إنني هداني ربي } متصل بقوله : { وأن هذا صراطي مستقيما ~~فاتبعوه } ( الأنعام : 153 ) الذي بينه بقوله : { وهذا كتاب أنزلناه مبارك ~~} ( الأنعام : 92 ) فزاده بيانا بقوله هذا : { قل إنني هداني ربي إلى صراط ~~مستقيم } ، ليبين أن هذا الدين إنما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم بهدي ~~PageV08P197 من الله ، وأنه جعله دينا قيما على قواعد ملة إبراهيم عليه ~~السلام ، إلا أنه زائد عليه بما تضمنه من نعمة الله عليه إذ هداه إلى ذلك ~~الصراط الذي هو سبيل النجاة . وافتتح الخبر بحرف التأكيد لأن الخطاب ~~للمشركين المكذبين . # وتعريف المسند إليه بالإضافة للاعتزاز بمربوبية الرسول صلى الله عليه ~~وسلم لله تعالى ، وتعريضا بالمشركين الذين أضلهم أربابهم ، ولو وحدوا الرب ~~الحقيق بالعبادة لهداهم . # وقوله : { هداني ربي إلى صراط مستقيم } تمثيلية : شبهت هيئة الإرشاد إلى ~~الحق المبلغ إلى النجاة بهيئة من يدل السائر على الطريق المبلغة للمقصود . # والمناسبة بين الهداية وبين الصراط تامة ، لأن حقيقة الهداية التعريف ~~بالطريق ، يقال : هو هاد خريت ، وحقيقة الصراط الطريق الواسعة . وقد صح أن ~~تستعار الهداية للإرشاد والتعليم ، والصراط للدين القويم ، فكان تشبيها ~~مركبا قابلا للتفكيك وهو أكمل أحوال التمثيلية . # ووصف الصراط بالمستقيم ، أي الذي لا خطأ فيه ولا فساد ، وقد تقدم عند ~~قوله تعالى : { وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه } ( الأنعام : 153 ) ، ~~والمقصود إتمام هيئة التشبيه بأنه دين لا يتطرق متبعه شك في نفعه كما لا ~~يتردد سالك الطريق الواسعة التي لا انعطاف فيها ولا يتحير في ms2933 أمره . # وفي قوله : { دينا } تجريد للاستعارة مؤذن بالمشبه ، وانتصب على الحال من ~~: { صراط } لأنه نكرة موصوفة . # والدين تقدم عند قوله تعالى : { إن الدين عند الله الإسلام } ( آل عمران ~~: 19 ) وهو السيرة التي يتبعها الناس . PageV08P198 # والقيم بفتح القاف وتشديد الياء كما قرأه نافع ، وابن كثير ، وأبو عمرو ، ~~وأبو جعفر ، ويعقوب : وصف مبالغة قائم بمعنى معتدل غير معوج ، وإطلاق ~~القيام على الاعتدال والاستقامة مجاز ، لأن المرء إذا قام اعتدلت قامته ، ~~فيلزم الاعتدال القيام . والأحسن أن نجعل القيم للمبالغة في القيام بالأمر ~~، وهو مرادف القيوم ، فيستعار القيام للكفاية بما يحتاج إليه والوفاء بما ~~فيه صلاح المقوم عليه ، فالإسلام قيم بالأمة وحاجتها ، يقال : فلان قيم على ~~كذا ، بمعنى مدبر له ومصلح ، ومنه وصف الله تعالى بالقيوم ، وهذا أحسن لأن ~~فيه زيادة على مفاد مستقيم الذي أخذ جزءا من التمثيلية ، فلا تكون إعادة ~~لبعض التشبيه . # وقرأ عاصم ، وحمزة ، وابن عامر ، والكسائي ، وخلف : { قيما } بكسر القاف ~~وفتح الياء مخففة وهو من صيغ مصادر قام ، فهو وصف للدين بمصدر القيام ~~المقصود به كفاية المصلحة للمبالغة ، وهذه زنة قليلة في المصادر ، وقلب ~~واوه ياء بعد الكسرة على غير الغالب : لأن الغالب فيه تصحيح لامه لأنها ~~مفتوحة ، فسواء في خفتها وقوعها على الواو أو على الياء ، مثل عوض وحول ، ~~وهذا كشذوذ جياد جمع جواد ، وانتصب { قيما } على الوصف ل { دينا } . # وقوله : { ملة إبراهيم } حال من : { دينا } أو من : { صراط مستقيم } أو ~~عطف بيان على { دينا } . # والملة ، الدين : فهي مرادفة الدين ، فالتعبير بها هنا للتفنن ألا ترى ~~إلى قوله تعالى : { ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم ~~الدين } ( البقرة : 132 ) . # و { ملة } فعلة بمعنى المفعول ، أي المملول ، من أمللت الكتاب إذا لقنت ~~الكاتب ما يكتب ، وكان حقها أن لا تقترن بهاء التأنيث لأن زنة ( فعل ) ~~بمعنى المفعول تلزم التذكير ، كالذبح ، إلا أنهم PageV08P199 قرنوها بهاء ~~التأنيث لما صيروها اسما للدين ، ولذلك قال الراغب : الملة كالدين ، ثم قال ~~: ( والفرق بينها وبين الدين أن الملة لا تضاف إلا إلى ms2934 النبيء الذي تسند ~~إليه نحو ملة إبراهيم ، ملة آبائي ، ولا توجد مضافة إلى الله ولا إلى آحاد ~~الأمة ، ولا تستعمل إلا في جملة الشريعة دون آحادها لا يقال الصلاة ملة ~~الله ) أي ويقال : الصلاة دين الله ذلك أنه يراعى في لفظ الملة أنها مملول ~~من الله فهي تضاف للذي أملت عليه . # ومعنى كون الإسلام ملة إبراهيم : أنه جاء بالأصول التي هي شريعة إبراهيم ~~وهي : التوحيد ، ومسايرة الفطرة ، والشكر ، والسماحة ، وإعلان الحق ، وقد ~~بينت ذلك عند قوله تعالى : { ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان ~~حنيفا مسلما في سورة آل عمران ( 67 ) . # والحنيف : المجانب للباطل ، فهو بمعنى المهتدي ، وقد تقدم عند قوله تعالى ~~: قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين في سورة البقرة ( 135 ) . ~~وهو منصوب على الحال . # وجملة : وما كان من المشركين } عطف على الحال من { إبراهيم } عليه السلام ~~المضاف إليه ، لأن المضاف هنا كالجزاء من المضاف إليه ، وقد تقدم في آية ~~سورة البقرة . # # | 2 ( 162 ، 163 ) { قل إن صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى لله رب العالمين * ~~لا شريك له وبذالك أمرت وأنا أول المسلمين } . ) 2 # استئناف أيضا ، يتنزل منزلة التفريع عن الأول ، إلا أنه استؤنف للإشارة ~~إلى أنه غرض مستقل مهم في ذاته ، وإن كان متفرعا عن غيره ، وحاصل ما تضمنه ~~هو الإخلاص لله في العبادة ، وهو متفرع عن التوحيد ، PageV08P200 ولذلك قيل ~~: الرياء الشرك الأصغر . علم الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقوله عقب ما ~~علمه بما ذكر قبله لأن المذكور هنا يتضمن معنى الشكر لله على نعمة الهداية ~~إلى الصراط المستقيم ، فإنه هداه ثم ألهمه الشكر على الهداية بأن يجعل جميع ~~طاعته وعبادته لله تعالى . وأعيد الأمر بالقول لما علمت آنفا . # وافتتحت جملة المقول بحرف التوكيد للاهتمام بالخبر ولتحقيقه ، أو لأن ~~المشركين كانوا يزعمون أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يرائي بصلاته ، ~~فقد قال بعض المشركين لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي عند ~~الكعبة : ( ألا تنظرون إلى هذا المرائي أيكم يقوم إلى جزور ms2935 بني فلان فيعمد ~~إلى فرثها وسلاها فإذا سجد وضعه بين كتفيه ) . فتكون ( إن ) على هذا لرد ~~الشك . # واللام في { لله } يجوز أن تكون للملك ، أي هي بتيسير الله فيكون بيانا ~~لقوله : { إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم } ( الأنعام : 161 ) . ويجوز أن ~~تكون اللام للتعليل أي لأجل الله . # وجعل صلاته لله دون غيره تعريضا بالمشركين إذ كانوا يسجدون للأصنام . ~~ولذلك أردف بجملة { لا شريك له } . # والنسك حقيقته العبادة ومنه يسمى العابد الناسك . # والمحيا والممات يستعملان مصدرين ميميين ، ويستعملان اسمي زمان ، من حيي ~~ومات ، والمعنيان محتملان فإذا كان المراد من المحيا والممات المعنى ~~المصدري كان المعنى على حذف مضاف تقديره : أعمال المحيا وأعمال الممات ، أي ~~الأعمال التي من شأنها أن يتلبس بها المرء مع حياته ، ومع وقت مماته . وإذا ~~كان المراد منهما المعنى الزمني كان المعنى ما يعتريه في الحياة وبعد ~~الممات . PageV08P201 # ثم إن أعمال الحياة كثيرة وفيرة ، وأما الأعمال عند الموت فهي ما كان ~~عليه في مدة الحياة وثباته عليه ، لأن حالة الموت أو مدته هي الحالة أو ~~المدة التي تنقلب فيها أحوال الجسم إلى صفة تؤذن بقرب انتهاء مدة الحياة ~~وتلك حالة الاحتضار ، وتلك الحالة قد تؤثر انقلابا في الفكر أو استعجالا ~~بما لم يكن يستعجل به الحي ، فربما صدرت عن صاحبها أعمال لم يكن يصدرها في ~~مدة الصحة ، اتقاء أو حياء أو جلبا لنفع ، فيرى أنه قد يئس مما كان يراعيه ~~، فيفعل ما لم يكن يفعل ، وأيضا لتلك الحالة شؤون خاصة تقع عندها في العادة ~~مثل الوصية ، وهذه كلها من أحوال آخر الحياة ، ولكنها تضاف إلى الموت ~~لوقوعها بقربه ، وبهذا يكون ذكر الممات مقصودا منه استيعاب جميع مدة الحياة ~~حتى زمن الإشراف على الموت . # ويجوز أن يكون المراد من الممات ما يحصل للرسول عليه الصلاة والسلام بعد ~~وفاته من توجهاته الروحية نحو أمته بالدعاء لهم والتسليم على من سلم عليه ~~منهم والظهور لخاصة أمته في المنام فإن للرسول بعد مماته أحكام الحياة ~~الروحية الكاملة كما ورد في الحديث : ( إذا ms2936 سلم علي أحد من أمتي رد الله ~~علي روحي فرددت عليه السلام ) وكذلك أعماله في الحشر من الشفاعة العامة ~~والسجود لله في عرصات القيامة فتلك أعمال خاصة به صلى الله عليه وسلم وهي ~~كلها لله تعالى لأنها لنفع عبيده أو لنفع أتباع دينه الذي ارتضاه لهم ، ~~فيكون قوله : { ومماتي } هنا ناظرا إلى قوله في الحديث : ( حياتي خير لكم ~~ومماتي خير لكم ) . # ويجوز أن يكون معنى مماته لله الشهادة في سبيل الله فإن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم سمته اليهودية بخيبر في لحم شاة أطعموه إياه حصل بعض منه في ~~إمعائه . ففي الحديث ( ما زالت أكلة خيبر تعتادني PageV08P202 كل عام حتى ~~كان هذا أوان قطع أبهري ) . # وبقوله : { ومحياي ومماتي لله رب العالمين } تحقق معنى الإسلام الذي أصله ~~الإلقاء بالنفس إلى المسلم له ، وهو المعنى الذي اقتضاه قوله : { فقل أسلمت ~~وجهي لله ومن اتبعن كما تقدم في سورة آل عمران ( 20 ) ، وهو معنى الحنيفية ~~الذي حكاه الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام في قوله : إذ قال له ربه أسلم ~~قال أسلمت لرب العالمين كما في سورة البقرة ( 131 ) . # وقوله : رب العالمين } صفة تشير إلى سبب استحقاقه أن يكون عمل مخلوقاته ~~له لا لغيره ، لأن غيره ليس له عليهم نعمة الإيجاد ، كما أشار إليه قوله في ~~أول السورة ( 1 ) : { الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات ~~والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون . # وجملة : لا شريك له } حال من اسم الجلالة مصرحة بما أفاده جمع التوكيد مع ~~لام الملك من إفادة القصر . والمقصود من الصفة والحال الرد على المشركين ~~بأنهم ما أخلصوا عملهم للذي خلقهم ، وبأنهم أشركوا معه غيره في الإلهية . # وقرأ نافع : { ومحياي } بسكون الياء الثانية إجراء للوصل مجرى الوقف وهو ~~نادر في النثر ، والرواية عن نافع أثبتته في هذه الآية ، ومعلوم أن الندرة ~~لا تناكد الفصاحة ولا يريبك ما ذكره ابن عطية عن أبي علي الفارسي : ( أنها ~~شاذة عن القياس لأنها جمعت بين ساكنين لأن سكون الألف قبل حرف ساكن ms2937 ليس مما ~~يثقل في النطق نحو عصاي ، ورؤياي ، ووجه إجراء الوصل مجرى الوقف هنا إرادة ~~التخفيف لأن توالي يائين مفتوحتين PageV08P203 فيه ثقل ، والألف الناشئة عن ~~الفتحة الأولى لا تعد حاجزا فعدل عن فتح الياء الثانية إلى إسكانها ) . ~~وقرأه البقية بفتح الياء وروي ذلك عن ورش ، وقال بعض أهل القراءة أن نافعا ~~رجع عن الإسكان إلى الفتح . # وجملة : { وبذلك أمرت } عطف على جملة { إن صلاتي } إلخ . فهذا مما أمر ~~بأن يقوله ، وحرف العطف ليس من المقول . # والإشارة في قوله : { وبذلك } إلى المذكور من قوله : { إن صلاتي ونسكي } ~~إلخ ، أي أن ذلك كان لله بهدي من الله وأمر منه ، فرجع إلى قوله : { إنني ~~هداني ربي إلى صراط مستقيم } ( الأنعام : 161 ) يعني أنه كما هداه أمره بما ~~هو شكر على تلك الهداية ، وإنما أعيد هنا لأنه لما أضاف الصلاة وما عطف ~~عليها لنفسه وجعلها لله تعالى أعقبها بأنه هدي من الله تعالى ، وهذا كقوله ~~تعالى : { قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين وأمرت لأن أكون أول ~~المسلمين } ( الزمر : 11 ، 12 ) . وتقديم الجار والمجرور للاهتمام بالمشار ~~إليه . # وقوله : { وأنا أول المسلمين } مثل قوله : { وبذلك أمرت } خبر مستعمل في ~~معناه الكنائي ، وهو لازم معناه ، يعني قبول الإسلام والثبات عليه ~~والاغتباط به ، لأن من أحب شيئا أسرع إليه فجاءه أول الناس ، وهذا بمنزلة ~~فعل السبق إذ يطلق في كلامهم على التمكن والترجح ، كما قال النابغة : # سبقت الرجال الباهشين إلى العلا # كسبق الجواد اصطاد قبل الطوارد # لا يريد أنه كان في المعالي أقدم من غيره لأن في أهل المعالي من هو أكبر ~~منه سنا ، ومن نال العلا قبل أن يولد الممدوح ، ولكنه أراد أنه تمكن من ~~نوال العلا وأصبح الحائز له والثابت عليه . # وفي الحديث : ( نحن الآخرون السابقون يوم القيامة ) . وهذا المعنى تأييس ~~للمشركين من الطمع في التنازل لهم في دينهم ولو أقل تنازلل . ومن استعمال ( ~~أول ) PageV08P204 في مثل هذا قوله تعالى : { ولا تكونوا أول كافر به ، كما ~~تقدم في سورة البقرة ( 41 ) . وليس المراد ms2938 معناه الصريح لقلة جدوى الخبر ~~بذلك ، لأن كل داع إلى شيء فهو أول أصحابه لا محالة ، فماذا يفيد ذلك ~~الأعداء والأتباع ، فإن أريد بالمسلمين الذين اتبعوا حقيقة الإسلام بمعنى ~~إسلام الوجه إلى الله تعالى لم يستقم ، لأن إبراهيم عليه السلام كان مسلما ~~وكان بنوه مسلمين ، كما حكى الله عنهم إذ قال إبراهيم عليه السلام : فلا ~~تموتن إلا وأنتم مسلمون } ( البقرة : 132 ) وكذلك أبناء يعقوب كانوا مسلمين ~~إذ قالوا : { ونحن له مسلمون } ( البقرة : 136 ) . # وقرأ نافع وأبو جعفر بإثبات ألف ( أنا ) إذا وقعت بعدها همزة ويجري مدها ~~على قاعدة المد ، وحذفها الباقون قبل الهمزة ، واتفق الجميع على حذفها قبل ~~غير الهمزة تخفيفا جرى عليه العرب في الفصيح من كلامهم نحو : ( أنا يوسف ) ~~واختلفوا فيه قبل الهمزة نحو أنا أفعل ، وأحسب أن الأفصح إثباتها مع الهمز ~~للتمكن من المد . # # | 2 ( 164 ) { قل أغير الله أبغى ربا وهو رب كل شىء ولا تكسب كل نفس إلا ~~عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه ~~تختلفون } . ) 2 # استئناف ثالث ، مفتتح بالأمر بالقول ، يتنزل منزلة النتيجة لما قبله ، ~~لأنه لما علم أن الله هداه إلى صراط مستقيم ، وأنقذه من الشرك ، وأمره بأن ~~يمحض عبادته وطاعته لربه تعالى ، شكرا على الهداية ، أتبع ذلك بأن ينكر أن ~~يعبد غير الله تعالى لأن واهب النعم هو مستحق الشكر ، والعبادة جماع مراتب ~~الشكر ، وفي هذا رجوع إلى بيان ضلالهم إذ عبدوا غيره وإعادة الأمر بالقول ~~تقدم بيان وجهه . PageV08P205 # والاستفهام إنكار عليهم لأنهم يرغبون أن يعترف بربوبية أصنامهم ، وقد ~~حاولوا منه ذلك غير مرة سواء كانوا حاولوا ذلك منه بقرب نزول هذه الآية أم ~~لم يحاولوه ، فهم دائمون على الرغبة في موافقتهم على دينهم ، حكى ابن عطية ~~عن النقاش أن الكفار قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ( ارجع إلى ديننا ~~واعبد آلهتنا ونحن نتكفل لك بكل تباعة تتوقعها في دنياك وآخرتك ) وأن هذه ~~الآية نزلت في ذلك . # وقدم المفعول على فعله لأنه المقصود من ms2939 الاستفهام الإنكاري ، لأن محل ~~الإنكار هو أن يكون غير الله يبتغى له ربا ، ولأن ذلك هو المقصود من الجواب ~~إذا صح أن المشركين دعوا النبي صلى الله عليه وسلم لعبادة آلهتهم فيكون ~~تقديمه على الفعل للاهتمام لموجب أو لموجبين ، كما تقدم في قوله تعالى : { ~~قل أغير الله أتخذ وليا في هذه السورة ( 14 ) . # وجملة : وهو رب كل شيء } في موضع الحال ، وهو حال معلل للإنكار ، أي أن ~~الله خالق كل شيء وذلك باعترافهم ، لأنهم لا يدعون أن الأصنام خالقة لشيء ، ~~كما قال تعالى : { لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له } ( الحج : 73 ) فلما ~~كان الله خالق كل شيء وربه فلا حق لغيره في أن يعبده الخلائق ، وعبادة غيره ~~ظلم عظيم ، وكفر بنعمة الربوبية ، وبقطع النظر عن كون الخلق نعمة ، لأن ~~الخلق إيجاد والوجود أفضل من العدم ، فإن مجرد الخلق موجب للعبادة لأجل ~~العبودية . # وإنما قيل : { وهو رب كل شسء } ، ولم يقل : وهو ربي ، لإثبات أنه ربه ~~بطريق الاستدلال لكونه إثبات حكم عام يشمل المقصود الخاص ، ولإفادة أن ~~أربابهم غير حقيقة بالربوبية لأنها مربوبة أيضا لله تعالى . # وقوله : { ولا تكسب كل نفس إلا عليها } من القول بالمأمور به ، مفيد ~~متاركة للمشركين ومقتا لهم بأن عنادهم لا يضره ، فإن ما اقترفوه من ~~PageV08P206 الشرك لا يناله منه شيء فإنما كسب كل نفس عليها ، وهم من جملة ~~الأنفس فكسبهم عليهم لا يتجاوزهم إلى غيرهم . فالتعميم في الحكم الواقع في ~~قوله : { كل شيء } فائدته مثل فائدة التعميم الواقع في قوله : { وهو رب كل ~~شيء } . # ودلت كلمة ( على ) على أن مفعول الكسب المحذوف تقديره : شرا ، أو إثما ، ~~أو نحو ذلك ، لأن شأن المخاطبين هو اكتساب الشر والإثم كقوله : { ما عليك ~~من حسابهم من شيء } ( الأنعام : 52 ) ولك أن تجعل في الكلام احتباكا تقديره ~~: ولا تكسب كل نفس إلا لها ولا تكتسب إلا عليها فحذف من الأول لدلالة ~~الثاني وبالعكس إذا جربت على أن ( كسب ) يغلب في تحصيل الخير ، وأن ( اكتسب ~~) يغلب في تحصيل الشر ، سواء اجتمع الفعلان ms2940 أم لم يجتمعا . ولا أحسب بين ~~الفعلين فرقا ، وقد تقدم عند قوله تعالى : { لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ~~} ( البقرة : 286 ) . والمعنى : أن ما يكتسبه المرء أو يكسبه لا يتعدى منه ~~شيء إلى غيره . # وقوله : { ولا تزر وازرة وزر أخرى } تكملة لمعنى قوله : { ولا تكسب كل ~~نفس إلا عليها } فكما أن ما تكسبه نفس لا يتعدى منه شيء إلى غيرها ، كذلك ~~لا تحمل نفس عن نفس شيئا ، والمعنى : ولا أحمل أوزاركم . # فقوله : { وازرة } صفة لموصوف محذوف تقديره : نفس ، دل عليه قوله : { ولا ~~تكسب كل مفس إلا عليها } ، أي لا تحمل نفس حاملة حمل أخرى . # والوزر : الحمل ، وهو ما يحمله المرء على ظهره ، قال تعالى : { ولكنا ~~حملنا أوزارا من زينة القوم } ( طه : 87 ) ، وقد تقدم عند قوله تعالى : { ~~وهم PageV08P207 يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون } ( الأنعام : ~~31 ) . وأما تسمية الإثم وزرا فلأنه يتخيل ثقيلا على نفس المؤمن . فمعنى { ~~لا تزر وازرة } لا تحمل حاملة ، أي لا تحمل نفس حين تحمل حمل أي نفس أخرى ~~غيرها ، فالمعنى لا تغني نفس عن نفس شيئا تحمله عنها ، أي كل نفس تزر وزر ~~نفسها ، فيفيد أن وزر كل أحد عليه وأنه لا يحمل غيره عنه شيئا من وزره الذي ~~وزره وأنه لا تبعة على أحد من وزر غيره من قريب أو صديق ، فلا تغني نفس عن ~~نفس شيئا ، ولا تتبع نفس بإثم غيرها ، فهي إن حملت لا تحمل حمل غيرها . ~~وهذا إتمام لمعنى المتاركة . # { ثم } للترتيب الرتبي . وهذا الكلام يحتمل أن يكون من جملة القول ~~المأمور به فيكون تعقيبا للمتاركة بما فيه تهديدهم ووعيدهم ، فكان موقع { ~~ثم } لأن هذا الخبر أهم . فالخطاب في قوله : { إلى ربكم مرجعكم } خطاب ~~للمشركين وكذلك الضميران في قوله : { بما كنتم فيه تختلفون } والمعنى : بما ~~كنتم فيه تختلفون مع المسلمين ، لأن الاختلاف واقع بينهم وبين المسلمين ، ~~وليس بين المشركين في أنفسهم اختلاف . فأدمج الوعيد بالوعيد . وقد جعلوا ~~هذه الجملة مع التي قبلها آية واحدة في المصاحف . # ويحتمل أن يكون ms2941 المقول قد انتهى عند قوله : { وزر أخرى } فيكون قوله : { ~~ثم إلى ربكم مرجعكم } استئناف كلام من الله تعالى خطابا للنبيء صلى الله ~~عليه وسلم وللمعاندين له . و ( ثم ) صالحة للاستئناف لأن الإستئناف ملائم ~~للترتيب الرتبي ، والكلام وعيد ووعد أيضا . ولا ينافي ذلك أن تكون مع التي ~~قبلها آية واحدة . PageV08P208 # والتنبئة : الإخبار ، والمراد بها إظهار آثار الإيمان والكفر واضحة يوم ~~الحساب ، فيعلموا أنهم كانوا ضالين ، فشبه ذلك العلم بأن الله أخبرهم بذلك ~~يومئذ وإلا فإن الله نبأهم بما اختلفوا فيه من زمن الحياة الدنيا ، أو ~~المراد ينبئكم مباشرة بدون واسطة الرسل إنباء لا يستطيع الكافر أن يقول : ~~هذا كذب على الله ، كما ورد في حديث الحشر : ( فيسمعهم الداعي ليس بينهم ~~وبين الله حجاب ) . # # | 2 ( 165 ) { وهو الذى جعلكم خلائف الارض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ~~ليبلوكم فى مآ آتاكم إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم } . ) 2 # يظهر أن هذا دليل على إمكان البعث ، وعلى وقوعه ، لأن الذي جعل بعض ~~الأجيال خلائف لما سبقها ، فعمروا الأرض جيلا بعد جيل ، لا يعجزه أن يحشرها ~~جميعا بعد انقضاء عالم حياتها الأولى . ثم إن الذي دبر ذلك وأتقنه لا يليق ~~به أن لا يقيم بينهم ميزان الجزاء على ما صنعوا في الحياة الأولى لئلا يذهب ~~المعتدون والظالمون فائزين بما جنوا ، وإذا كان يقيم ميزان الجزاء على ~~الظالمين فكيف يترك إثابة المحسنين ، وقد أشار إلى الشق الأول قوله : { وهو ~~الذي جعلكم خلائف الأرض } ، وأشار إلى الشق الثاني قوله : { ورفع بعضكم فوق ~~بعض درجات ليبلونكم في ما آتاكم } . ولذلك أعقبه بتذييله : { إن ربك سريع ~~العقاب وإنه لغفور رحيم } . # فالخطاب موجه إلى المشركين الذين أمر الرسول عليه الصلاة والسلام بأن ~~يقول لهم : { أغير الله أبغي ربا } ( الأنعام : 164 ) ؛ وذلك يذكر بأنهم ~~سيصيرون إلى ما صار إليه أولئك . PageV08P209 فموقع هذه عقب قوله : { ثم ~~إلى ربكم مرجعكم } ( الأنعام : 164 ) تذكير بالنعمة ، بعد الإنذار بسلبها ، ~~وتحريض على تدارك ما فات ، وهو يفتح أعينهم للنظر في عواقب الأمم وانقراضها ~~وبقائها . # ويجوز ms2942 أن يكون الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام والأمة الإسلامية ، ~~وتكون الإضافة على معنى اللام ، أي جعلكم خلائف الأمم التي ملكت الأرض ~~فأنتم خلائف للأرض ، فتكون بشارة للأمة بأنها آخر الأمم المجعولة من الله ~~لتعمير الأرض . والمراد : الأمم ذوات الشرائع الإلهية وأيا ما كان فهو ~~تذكير بعظيم صنع الله ومنته لاستدعاء الشكر والتحذير من الكفر . # والخلائف : جمع خليفة ، والخليفة : اسم لما يخلف به شيء ، أي يجعل خلفا ~~عنه ، أي عوضه ، يقال : خليفة وخلفة ، فهو فعيل بمعنى مفعول ، وظهرت فيه ~~التاء لأنهم لما صيروه اسما قطعوه عن موصوفه . # وإضافته إلى الأرض على معنى ( في ) على لوجه الأول ، وهو كون الخطاب ~~للمشركين ، أي خلائف فيها ، أي خلف بكم أمما مضت قبلكم كما قال تعالى حكاية ~~عن الرسل في مخاطبة أقوامهم : { واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح } ( ~~الأعراف : 69 ) { واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد } ( الأعراف : 74 ) { ~~عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون } ( الأعراف : ~~129 ) . والإضافة على معنى اللام على الوجه الثاني وهو كون الخطاب للمسلمين ~~. # وفي هذا أيضا تذكير بنعمة تتضمن عبرة وموعظة : وذلك أنه لما جعلهم خلائف ~~غيرهم فقد أنشأهم وأوجدهم على حين أعدم غيرهم ، فهذه نعمة ، لأنه لو قدر ~~بقاء الأمم التي قبلهم لما وجد هؤلاء . PageV08P210 # وعطف قوله : { ورفع بعضكم فوق بعض درجات } يجري على الاحتمالين في ~~المخاطب بقوله : { جعلكم خلائف الأرض } فهو أيضا عبرة وعظة ، لعدم الاغترار ~~بالقوة والرفعة ، ولجعل ذلك وسيلة لشكر تلك النعمة والسعي في زيادة الفضل ~~لمن قصر عنها والرفق بالضعيف وإنصاف المظلوم . # ولذلك عقبه بقوله : { ليبلونكم ما آتاكم } أي ليخبركم فيما أنعم به عليكم ~~من درجات النعم حتى يظهر للناس كيف يضع أهل النعمة أنفسهم في مواضعها ~~اللائقة بها وهي المعبر عنها بالدرجات . والدرجات مستعارة لتفاوت النعم . ~~وهي استعارة مبنية على تشبيه المعقول بالمحسوس لتقريبه . # والإيتاء مستعار لتكوين الرفعة في أربابها تشبيها للتكوين بإعطاء المعطي ~~شيئا لغيره . # والبلو : الاختبار ، وقد تقدم عند قوله تعالى : { ولنبلونكم بشيء من ~~الخوف ms2943 والجوع } ( البقرة : 155 ) . والمراد به ظهور موازين العقول في ~~الانتفاع والنفع بمواهب الله فيها وما يسره لها من الملائمات والمساعدات ، ~~فالله يعلم مراتب الناس ، ولكن سمى ذلك بلوى لأنها لا تظهر للعيان إلا بعد ~~العمل ، أي ليعلمه الله علم الواقعات بعد أن كان يعلمه علم المقدرات ، فهذا ~~موقع لام التعليل ، وقريب منه قول إياس بن قبيصة الطائي : # وأقبلت والخطي يخطر بيننا # لأعلم من جبانها من شجاعها # وجملة : { إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم } تذييل للكلام وإيذان بأن ~~المقصود منه العمل والامتثال فلذلك جمع هنا بين صفة { سريع العقاب } وصفة { ~~لغفور } ليناسب جميع ما حوته هذه السورة . PageV08P211 # واستعيرت السرعة لعدم التردد ولتمام المقدرة على العقاب ، لأن شأن ~~المتردد أو العاجز أن يتريث وأن يخشى غائلة المعاقب ، فالمراد سريع العقاب ~~في يوم العقاب ، وليس المراد سريعه من الآن حتى يؤول بمعنى : كل آت قريب ، ~~إذ لا موقع له هنا . # ومن لطائف القرآن الاقتصار في وصف ( سريع العقاب ) على موكد واحد ، ~~وتعزيز وصف ( الغفور الرحيم ) بمؤكدات ثلاثة وهي إن ، ولام الابتداء ، ~~والتوكيد اللفظي ؛ لأن ( الرحيم ) يؤكد معنى ( الغفور ) : ليطمئن أهل العمل ~~الصالح إلى مغفرة الله ورحمته ، وليستدعي أهل الإعراض والصدوف ، إلى ~~الإقلاع عما هم فيه . # PageV08P212 # | 1 ( سورة الأعراف ) 1 # هذا هو الاسم الذي عرفت به هذه السورة ، من عهد النبيء صلى الله عليه ~~وسلم أخرج النسائي ، من حديث ابن أبي مليكة ، عن عروة عن زيد بن ثابت : أنه ~~قال لمروان بن الحكم : ( ما لي أراك تقرأ في المغرب بقصار السور وقد رأيت ~~رسول الله عليه الصلاة والصلام يقرأ فيها بأطول الطوليين ) . قال مروان قلت ~~: ( يا أبا عبد الله ما أطول الطولين ) ، قال : ( الأعراف ) . وكذلك حديث ~~أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في المغرب ~~بطولي الطوليين . والمراد بالطوليين سورة الأعراف وسورة الأنعام ، فإن سورة ~~الأعراف أطول من سورة الأنعام ، باعتبار عدد الآيات . ويفسر ذلك حديث عائشة ~~رضي الله عنها . أخرج النسائي ، عن عروة عن عائشة ms2944 رضي الله عنها : أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قرأ في صلاة المغرب بسورة الأعراف فرقها في ركعتين ~~. # ووجه تسميتها أنها ذكر فيها لفظ الأعراف بقوله تعالى : { وبينهما حجاب ~~وعلى الأعراف رجال } ( الأعراف : 46 ) الآية . ولم يذكر في غيرها من سور ~~القرآن ، ولأنها ذكر فيها شأن أهل الأعراف في الآخرة ، ولم يذكر في غيرها ~~من السور بهذا اللفظ ، ولكنه ذكر بلفظ ( سور ) في قوله : { فضرب بينهم بسور ~~له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب في سورة الحديد ( 13 ) . # وربما تدعى بأسماء الحروف المقطعة التي في أولها وهي : ألف لام ميم صاد ~~أخرج النسائي من حديث أبي الأسود ، عن عروة ، عن زيد بن ثابت : أنه قال ~~لمروان : لقد رأيت رسول الله يقرأ في المغرب بأطول الطوليين : ألف ، لام ، ~~ميم ، صاد . وهو يجيء PageV08P005 على القول بأن الحروف المقطعة التي في ~~أوائل بعض السور هي أسماء للسور الواقعة فيها ، وهو ضعيف ، فلا يكون ( المص ~~) اسما للسورة ، وإطلاقه عليها إنما هو على تقدير التعريف بالإضافة إلى ~~السورة ذات ألمص ، وكذلك سماها الشيخ ابن أبي زيد في الرسالة } في باب سجود ~~القرآن . ولم يعدوا هذه السورة في السور ذات الأسماء المتعددة . وأما ما في ~~حديث زيد من أنها تدعى طولى الطوليين فعلى إرادة الوصف دون التلقيب . وذكر ~~الفيروز بادي في كتاب ( بصائر ذوي التمييز ) أن هذه السورة تسمى سورة ~~الميقات لاشتمالها على ذكر ميقات موسى في قوله : { ولما جاء موسى لميقاتنا ~~} ( الأعراف : 143 ) . وأنها تسمى سورة الميثاق لاشتمالها على حديث الميثاق ~~في قوله : { ألست بربكم قالوا بلى } ( الأعراف : 172 ) . # وهي مكية بلا خلاف . ثم قيل جميعها مكي ، وهو ظاهر رواية مجاهد وعطاء ~~الخراساني عن ابن عباس ، وكذلك نقل عن ابن الزبير ، وقيل نزل بعضها ~~بالمدينة ، قال قتادة آية : { واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر } ( ~~الأعراف : 163 ) نزلت بالمدينة ، وقال مقاتل من قوله : { واسألهم عن القرية ~~} إلى قوله وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم ( الأعراف : 172 ) ~~نزلت بالمدينة ، فإذا ms2945 صح هذا احتمل أن تكون السورة نزلت بمكة ثم ألحق بها ~~الآيتان المذكورتان ، واحتمل أنها نزلت بمكة وأكمل منها بقيتها تانك ~~الآيتان . # ولم أقف على ما يضبط به تاريخ نزولها ؛ وعن جابر بن زيد أنها نزلت بعد ~~سورة { ص } وقبل سورة { قل أوحي } ( الجن : 1 ) ، وظاهر حديث ابن عباس في ( ~~صحيح البخاري ) أن سورة { قل أوحي } أنزلت في أول الإسلام حين PageV08P006 ~~ظهور دعوة محمد صلى الله عليه وسلم وذلك في أيام الحج ، ورسول الله صلى ~~الله عليه وسلم متوجه بأصحابه إلى سوق عكاظ ، فلعل ذلك في السنة الثانية من ~~البعثة ، ولا أحسب أن تكون سورة الأعراف قد نزلت في تلك المدة لأن السور ~~الطوال يظهر أنها لم تنزل في أول البعثة . ولم أقف على هاتين التسميتين في ~~كلام غيره . # وهي من السبع الطوال التي جعلت في أول القرآن لطولها وهي سور : البقرة ، ~~وآل عمران ، والنساء ، والمائدة ، والأنعام ، والأعراف ، وبراءة ، وقدم ~~المدني منها وهي سور : البقرة ، وآل عمران ، والنساء ، والمائدة ، ثم ذكر ~~المكي وهو : الأنعام ، والأعراف على ترتيب المصحف العثماني اعتبارا بأن ~~سورة الأنعام أنزلت بمكة بعد سورة الأعراف فهي أقرب إلى المدني من السور ~~الطوال . # وهي معدودة التاسعة والثلاثين في ترتيب نزول السور عند جابر بن زيد عن ~~ابن عباس ، نزلت بعد سورة { ص وقبل سورة الجن ، كما تقدم ، قالوا جعلها ابن ~~مسعود في مصحفه عقب سورة البقرة وجعل بعدها سورة النساء ، ثم آل عمران ، ~~ووقع في مصحف أبي بعد آل عمران الأنعام ثم الأعراف ، وسورة النساء هي التي ~~تلي سورة البقرة في الطول وسورة الأعراف تلي سورة النساء في الطول . # وعد آي سورة الأعراف مائتان وست آيات في عد أهل المدينة والكوفة ، ~~ومائتان وخمس في عد أهل الشام والبصرة ، قال في الإتقان } وقيل مائتان وسبع ~~. # أغراضها # افتتحت هذه السورة بالتنويه بالقرآن والوعد بتيسيره على النبي صلى الله ~~عليه وسلم ليبلغه وكان افتتاحها كلاما جامعا وهو مناسب PageV08P007 لما ~~اشتملت عليه السورة من المقاصد فهو افتتاح وارد على أحسن وجوه البيان ms2946 ~~وأكملها شأن سور القرآن . # وتدور مقاصد هذه السورة على محور مقاصد ؛ منها : # النهي عن اتخاذ الشركاء من دون الله . # وإنذار المشركين عن سوء عاقبة الشرك في الدنيا والآخرة . # ووصف ما حل بالمشركين والذين كذبوا الرسل : من سوء العذاب في الدنيا ، ~~وما سيحل بهم في الآخرة . # تذكير الناس بنعمة خلق الأرض ، وتمكين النوع الإنساني من خيرات الأرض ، ~~وبنعمة الله على هذا النوع بخلق أصله وتفضيله . # وما نشأ من عداوة جنس الشيطان لنوع الإنسان . # وتحذير الناس من التلبس ببقايا مكر الشيطان من تسويله إياهم حرمان أنفسهم ~~الطيبات ، ومن الوقوع فيما يزج بهم في العذاب في الآخرة . # ووصف أهوال يوم الجزاء للمجرمين وكراماته للمتقين . # والتذكير بالبعث وتقريب دليله . # والنهي عن الفساد في الأرض التي أصلحها الله لفائدة الإنسان . # والتذكير ببديع ما أوجده الله لاصلاحها وإحيائها . # والتذكير بما أودع الله في فطرة الإنسان من وقت تكوين أصله أن يقبلوا ~~دعوة رسل الله إلى التقوى والإصلاح . # وأفاض في أحوال الرسل مع أقوامهم المشركين ، وما لاقوه من عنادهم وأذاهم ~~، وأنذر بعدم الاغترار بإمهال الله الناس قبل أن ينزل بهم العذاب ، إعذارا ~~لهم أن يقلعوا عن كفرهم وعنادهم ، فإن العذاب يأتيهم بغتة بعد ذلك الإمهال ~~. PageV08P008 # وأطال القول في قصة موسى عليه السلام مع فرعون ، وفي تصرفات بني إسرائيل ~~مع موسى عليه السلام . # وتخلل قصته بشارة الله ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم وصفة أمته وفضل ~~دينه . # ثم تخلص إلى موعظة المشركين كيف بدلوا الحنيفية وتقلدوا الشرك ، وضرب لهم ~~مثلا بمن آتاه الله الآيات فوسوس له الشيطان فانسلخ عن الهدى . # ووصف حال أهل الضلالة ووصف تكذيبهم بما جاء به الرسول ووصف آلهتهم بما ~~ينافي الإلاهية وأن لله الصفات الحسنى صفات الكمال . # ثم أمر الله رسوله عليه الصلاة والسلام والمسلمين بسعة الصدر والمداومة ~~على الدعوة وحذرهم من مداخل الشيطان بمراقبة الله بذكره سرا وجهرا والاقبال ~~على عبادته . # $ 2 ( 1 ) { ال & # 1764 م & # 1764 ص & # 1764 } . ) 2 $ # هذه الحروف الأربعة المقطعة التي افتتحت بها هاته السورة ، ينطق بأسمائها ~~( ألف لام ms2947 ميم صاد ) كما ينطق بالحروف ملقن المتعلمين للهجاء في المكتب ، ~~لأن المقصود بها أسماء الحروف لا مسمياتها وأشكالها ، كما أنك إذا أخبرت عن ~~أحد بخبر تذكر اسم المخبر عنه دون أن تعرض صورته أو ذاته ، فتقول مثلا : ~~لقيت زيدا ، ولا تقول : لقيت هذه الصورة ، ولا لقيت هذه الذات . # فالنطق بأسماء الحروف هو مقتضى وقوعها في أوائل السور التي افتتحت بها ، ~~لقصد التعريض بتعجيز الذين أنكروا نزول القرآن من عند الله تعالى ، أي ~~تعجيز بلغائهم عن معارضته بمثله كما تقدم في سورة البقرة . PageV08P009 # وإنما رسموها في المصاحف بصور الحروف دون أسمائها ، أي بمسميات الحروف ~~التي ينطق بأسمائها ولم يرسموها بما تقرأ به أسماؤها ، مراعاة لحالة التهجي ~~( فيما أحسب ) ، أنهم لو رسموها بالحروف التي ينطق بها عند ذكر أسمائها ~~خشوا أن يلتبس مجموع حروف الأسماء بكلمات مثل ( ياسين ) ، لو رسمت بأسماء ~~حروفها أن تلتبس بنداء من اسمه سين . # فعدلوا إلى رسم الحروف علما بأن القارىء في المصحف إذا وجد صورة الحرف ~~نطق باسم تلك الصورة . على معتادهم في التهجي طردا للرسم على وتيرة واحدة . # على أن رسم المصحف سنة سنها كتاب المصاحف فأقرت . وإنما العمدة في النطق ~~بالقرآن على الرواية والتلقي ، وما جعلت كتابة المصحف إلا تذكرة وعونا ~~للمتلقي . # وتقدم هذا في أول سورة البقرة وفيما هنا زيادة عليه . # # | 2 ( 2 ) { كتاب أنزل إليك فلا يكن فى صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى ~~للمؤمنين } . ) 2 # ذكرنا في طالعة سورة البقرة أن الحروف المقطعة في أوائل السور أعقبت بذكر ~~القرآن أو الوحي أو ما في معنى ذلك ، وذلك يرجح أن المقصود من هذه الحروف ~~التهجي ، إبلاغا في التحدي للعرب بالعجز عن الإتيان بمثل القرآن وتخفيفا ~~للعبء عن النبيء صلى الله عليه وسلم فتلك جملة مستقلة وهي هنا معدودة آية ~~ولم تعد في بعض السور . # فقوله : { كتب } مبتدأ ووقع الابتداء ، بالنكرة إما لأنها أريد ~~PageV08P010 بها النوع لا الفرد فلم يكن في الحكم عليها إبهام وذلك كقولهم ~~: رجل جاءني ، أي لا امرأة ، وتمرة خير من ms2948 جرادة ، وفائدة إرادة النوع الرد ~~على المشركين إنكارهم أن يكون القرآن من عند الله ، واستبعادهم ذلك ، ~~فذكرهم الله بأنه كتاب من نوع الكتب المنزلة على الأنبياء ، فكما نزلت صحف ~~إبراهيم وكتاب موسى كذلك نزل هذا القرآن ، فيكون تنكير النوعية لدفع ~~الاستبعاد ، ونظيره قوله تعالى : { قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض } ~~( ص : 22 ) فالتنكير للنوعية . # وإما لأن التنكير أريد به التعظيم كقولهم : ( شر أهر ذا ناب ) أي شر عظيم ~~. وقول عويف القوافي : # خبر أتاني عن عيينة موجع # كادت عليه تصدع الأكباد # أي هو كتاب عظيم تنويها بشأنه فصار التنكير في معنى التوصيف . # وإما لأنه أريد بالتنكير التعجيب من شأن هذا الكتاب في جميع ما حف به من ~~البلاغة والفصاحة والإعجاز والإرشاد ، وكونه نازلا على رجل أمي . # وقوله : { أنزل إليك } يجوز أن يكون صفة ل { كتاب } فيكون مسوغا ثانيا ~~للابتداء بالنكرة ويجوز أن يكون هو الخبر فيجوز أن يكون المقصود من الأخبار ~~تذكير المنكرين والمكابرين ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ~~يعلمون أنه أنزل من عند الله ، فلا يحتاجون إلى الإخبار به ، فالخبر مستعمل ~~في التعريض بتغليط المشركين والمكابرين والقاصدين إغاظة الرسول عليه الصلاة ~~والسلام بالإعراض ، ويجوز أن يكون المقصود من الخبر الامتنان والتذكير ~~بالنعمة ، فيكون الخبر مستعملا في الامتنان على طريقة المجاز المرسل المركب ~~. # ويجوز أن يجعل الخبر هو قوله : { أنزل إليك } مع ما انضم إليه من ~~PageV08P011 التفريع والتعليل ، أي هو كتاب أنزل إليك فكن منشرح الصدر به ، ~~فإنه أنزل إليك لتنذر به الكافرين وتذكر المؤمنين ، والمقصود : تسكين نفس ~~النبي صلى الله عليه وسلم وإغاظة الكافرين ، وتأنيس المؤمنين ، أي : هو ~~كتاب أنزل لفائدة ، وقد حصلت الفائدة فلا يكن في صرك حرج إن كذبوا . وبهذه ~~الاعتبارات وبعدم منافاة بعضها لبعض يحمل الكلام على إرادة جميعها وذلك من ~~مطالع السور العجيبة البيان . # ومن المفسرين من قدروا مبتدأ محذوفا ، وجعلوا { كتب } خبرا عنه ، أي هذا ~~كتاب ، أي أن المشار إليه القرآن الحاضر في الذهن ، أو المشار إليه السورة ~~أطلق عليها كتاب ms2949 ، ومنهم من جعل { كتاب أنزل إليك فلا يكن فى صدرك حرج منه ~~لتنذر به وذكرى للمؤمنين } خبرا عن كلمة { آلمص } ( الأعراف : 1 ) وكل ذلك ~~بمعزل عن متانة المعنى . # وصيغ فعل : { أنزل } بصيغة النائب عن الفاعل اختصارا ، للعلم بفاعل ~~الإنزال ، لأن الذي ينزل الكتب على الرسل هو الله تعالى ، ولما في مادة ~~الإنزال من الإشعار بأنه من الوحي لملائكة العوالم السماوية . # والفاء في قوله : { فلا يكن في صدرك } اعتراضية إذ الجملة معترضة بين فعل ~~{ أنزل } ومتعلقة وهو { لتنذر به } ، فإن الاعتراض يكون مقترنا بالفاء كما ~~يكون مقترنا بالواو كما في قوله تعالى : { هذا فليذوقوه حميم وغساف } ( ص : ~~57 ) وقوله : { إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى } ( ~~النساء : 135 ) . وقول الشاعر وهو من الشواهد : # اعلم فعلم المرء ينفعه # أن سوف يأتي كل ما قدرا # وقول بشار بن برد : # كقائلة إن الحمار فنحه # عن القت أهل السمسم المتهذب # وليست الفاء زائدة للاعتراض ولكنها ترجع إلى معنى التسبب ، وإنما ~~PageV08P012 الاعتراض حصل بتقديم جملتها بين شيئين متصلين مبادرة من ~~المتكلم بإفادته لأهميته ، وأصل ترتيب الكلام هنا : كتاب أنزل إليك لتنذر ~~به وذكرى للمؤمنين فلا يكن في صدرك حرج منه ، وقد ذكر في ( مغني اللبيب ) ~~دخول الفاء في الجملة المعترضة ولم يذكر ذلك في معاني الفاء فتوهم متوهمون ~~أن الفاء لا تقع في الجملة المعترضة . # والمعنى أن الله أنزله إليك لا ليكون في صدرك حرج ، بل لينشرح صدرك به . ~~ولذلك جاء في نفي الحرج بصيغة نهي الحرج عن أن يحصل في صدر النبيء صلى الله ~~عليه وسلم ليكون النهي نهي تكوين ، بمعنى تكوين النفي ، عكس أمر التكوين ~~الذي هو بمعنى تكوين الإثبات . مثل تكوين نفي الحرج عن صدره بحالة نهي ~~العاقل المدرك للخطاب ، عن الحصول في المكان . وجعل صاحب ( الكشاف ) النهي ~~متوجها في الحقيقة إلى النبي صلى الله عليه وسلم أي نهيه عن المبالاة ~~بالمكذبين بالقرآن ، والغم من صنيعهم ، وجعل النهي في ظاهر اللفظ متوجها ~~إلى الحرج للمبالغة في التكليف ، باقتلاعه من ms2950 أصله على طريقة قول العرب : ( ~~لا أرينك ههنا ) أي لا تحضر فأراك ، وقولهم : ( لا أعرفنك تفعل كذا ) أي لا ~~تفعله فأعرفك به ، نهيا بطريق الكناية ، وأيا ما كان فالتفريع مناسب لمعاني ~~التنكير المفروض في قوله : { كتاب } ، أي فلا يكن في صدرك حرج منه من جهة ~~ما جره نزوله إليك من تكذيب قومك وإنكارهم نزوله ، فلا يكن في صدرك حرج منه ~~من عظم أمره وجلالته ، ولا يكن في صدرك حرج منه فإنه سبب شرح صدرك بمعانيه ~~وبلاغته . # و ( من ) ابتدائية ، أي حرج ينشأ ويسري من جراء المذكور ، أي من تكذيب ~~المكذبين به ، فلما كان التكذيب به من جملة شؤونه ، وهو سبب الحرج ، صح أن ~~يجعل الحرج مسببا عن الكتاب بواسطة . والمعنى على تقدير مضاف أي حرج من ~~إنكاره أي إنكار إنزاله من الله . # والحرج حقيقته المكان الضيق من الغابات الكثيرة الأشجار ، بحيث ~~PageV08P013 يعسر السلوك فيه ، ويستعار لحالة النفس عند الحزن والغضب ~~والأسف ، لأنهم تخيلوا للغاضب والآسف ضيقا في صدره لما وجدوه يعسر منه ~~التنفس من انقباض أعصاب مجاري النفس ، وفي معنى الآية قوله تعالى : { فلعلك ~~تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء ~~معه ملك إنما أنت نذير } ( هود : 12 ) . # و { لتنذر } متعلق ب { أنزل } على معنى المفعول لأجله ، واقترانه بلام ~~التعليل دون الإتيان بمصدر منصوب لاختلاف فاعل العامل وفاعل الإنذار . وجعل ~~الإنذار به مقدما في التعليل لأنه الغرض الأهم لإبطال ما عليه المشركون من ~~الباطل وما يخلفونه في الناس من العوائد الباطلة التي تعاني أزالتها من ~~الناس بعد إسلامهم . # { ذكرى } يجوز أن يكون معطوفا على { لتنذر به } ، باعتبار انسباكه بمصدر ~~فيكون في محل جر ، ويجوز أن يكون العطف عطف جملة ، ويكون { ذكرى } مصدرا ~~بدلا من فعله ، والتقدير : وذكر ذكرى للمؤمنين ، فيكون في محل نصب فيكون ~~اعتراضا . # وحذف متعلق { تنذر } ، وصرح بمتعلق { ذكرى } لظهور تقدير المحذوف من ذكر ~~مقابله المذكور ، والتقدير : لتنذر به الكافرين ، وصرح بمتعلق الذكرى دون ~~متعلق { تنذر } تنويها بشأن المؤمنين ms2951 وتعريضا بتحقير الكافرين تجاه ذكر ~~المؤمنين . # # | 2 ( 3 ) { اتبعوا مآ أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أوليآء ~~قليلا ما تذكرون } . ) 2 # بيان لجملة : { لتنذر به } ( الأعراف : 2 ) بقرينة تذييلها بقوله : قليلا ~~ما تذكرون . فالخطاب موجه للمشركين ويندرج فيه المسلمون بالأولى ، فبعد ~~PageV08P014 أن نوه الله بالكتاب المنزل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وبين أن حكمة إنزاله للإنذار والذكرى ، أمر الناس أن يتبعوا ما أنزل إليهم ~~، كل يتبع ما هو به أعلق ، والمشركون أنزل إليهم الزجر عن الشرك والاحتجاج ~~على ضلالهم ، والمسلمون أنزل إليهم الأمر والنهي والتكليف ، فكل مأمور ~~باتباع ما أنزل إليه ، والمقصود الأجدر هم المشركون تعريضا بأنهم كفروا ~~بنعمة ربهم ، فوصف ( الرب ) هنا دون اسم الجلالة : للتذكير بوجوب اتباع ~~أمره ، لأن وصف الربوبية يقتضي الامتثال لأوامره ، ونهاهم عن اتباع ~~أوليائهم الذين جعلوهم آلهة دونه ، والموجه إليهم النهي هم المشركون بقرينة ~~قوله : { قليلا ما تذكرون } . # والاتباع حقيقته المشي وراء ماشش ، فمعناه يقتضي ذاتين : تابعا ومتوبعا ، ~~يقال : اتبع وتبع ، ويستعار للعمل بأمر الآمر نحو : { ما منعك إذ رأيتهم ~~ضلوا أن لا تتبعني أفعصيت أمري } ( طه : 92 ، 93 ) وهو استعارة تمثيلية ~~مبنية على تشبيه حالتين ، ويستعار للاقتداء بسيرة أو قول نحو : { ولا ~~تتبعوا خطوات الشيطان } ( البقرة : 168 ) وهو استعارة مصرحة تنبني على ~~تشبيه المحسوس بالمعقول مثل قوله تعالى : { إن أتبع إلا ما يوحى إلي } ( ~~الأنعام : 50 ) ، ومنه قوله هنا : { اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم } . # والمراد بما أنزل هو الكتاب المذكور بقوله : { كتاب أنزل إليك } ( ~~الأعراف : 2 ) . # وقوله : { ولا تتبعوا من دونه أولياء } تصريح بما تضمنه : { اتبعوا ما ~~أنزل إليكم من ربكم } لأن فيما أنزل إليهم من ربهم أن الله إله واحد لا ~~شريك له ، وأنه الولي ، وأن الذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم ، ~~أي مجازيهم لا يخفى عليه فعلهم ، وغير ذلك من آي القرآن ؛ والمقصود من هذا ~~النهي تأكيد مقتضى الأمر باتباع ما أنزل إليهم اهتماما بهذا الجانب مما ~~أنزل إليهم ، وتسجيلا على المشركين ، وقطعا لمعاذيرهم أن ms2952 يقولوا إننا ~~اتبعنا ما أنزل إلينا ، وما نرى أولياءنا إلا شفعاء لنا عند الله فما ~~نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ، فإنهم كانوا يموهون PageV08P015 بمثل ~~ذلك ، ألا ترى أنهم كانوا يقولون في تلبيتهم : ( لبيك لا شريك لك إلا شريكا ~~هو لك تملكه وما ملك ) فموقع قوله : { اتبعوا ما أنزل إليكم } موقع الفصل ~~الجامع من الحد ، وموقع { ولا تتبعوا } موقع الفصل المانع في الحد . # والأولياء جمع ولي ، وهو الموالي ، أي الملازم والمعاون ، فيطلق على ~~الناصر ، والحليف ، والصاحب الصادق المودة ، واستعير هنا للمعبود وللإله : ~~لأن العبادة أقوى أحوال الموالاة ، قال تعالى : { أم اتخذوا من دونه أولياء ~~فالله هو الولي } ( الشورى : 9 ) وقد تقدم عند قوله تعالى : { قل أغير الله ~~أتخذ وليا في سورة الأنعام ( 14 ) ، وهذا هو المراد هنا . # والاتباع في قوله : ولا تتبعوا من دونه أولياء } يجوز أن يكون مستعملا في ~~المعنى الذي استعمل فيه الاتباع في قوله : { اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ~~} وذلك على تقدير : لا تتبعوا ما يأتيكم من أولياء دون الله ، فإن المشركين ~~ينسبون ما هم عليه من الديانة الضالة إلى الآلهة الباطلة ، أو إلى سدنة ~~الآلهة وكهانها ، كما تقدم عند قوله تعالى : { وكذلك زين لكثير من المشركين ~~قتل أولادهم شركاؤهم } ( الأنعام : 137 ) ، وقوله : { فقالوا هذا لله ~~بزعمهم وهذا لشركائنا كما في سورة الأنعام ( 136 ) ، وعلى تلك الاعتبارات ~~يجري التقدير في قوله : أولياء } أي لا تمتثلوا للأولياء أو أمرهم أو لدعاة ~~الأولياء وسدنتهم . # ويجوز أن يكون الاتباع مستعارا للطلب والاتخاذ ، أي ولا تتخذوا أولياء ~~غيره نحو قولهم : هو يتبع زلة فلان . وفي الحديث : ( يتبع بها شعف الجبال ~~ومواقع القطر ) أي يتطلبها . # و ( من ) في قوله : { من دونه } ابتدائية ، و ( دون ) ظرف للمكان المجاوز ~~المنفصل ، وقد جر بمن الجارة للظروف ، وهو استعارة للترك والإعراض . ~~PageV08P016 والمجرور في موضع الحال من فاعل { تتبعوا } ، أي لا تتبعوا ~~أولياء متخذينها دونه ، فإن المشركين وإن كانوا قد اعترفوا لله بالإلهية ~~واتبعوا أمره بزعمهم في كثير من أعمالهم : كالحج ومناسكه ، والحلف باسمه ، ~~فهم أيضا ms2953 اتبعوا الأصنام بعبادتها أو نسبة الدين إليها ، فكل عمل تقربوا به ~~إلى الأصنام ، وكل عمل عملوه امتثالا لأمر ينسب إلى الأصنام ، فهم عند عمله ~~يكونون متبعين اتباعا فيه اعراض عن الله وترك للتقرب إليه ، فيكون اتباعا ~~من دون الله ، فيدخل في النهي ، وبهذا النهي قد سدت عليهم أبواب الشرك ~~وتأويلاته كقولهم : { ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى } ( الزمر : 3 ~~) فقد جاء قوله : { ولا تتبعوا من دونه أولياء } في أعلى درجة من الايجاز ~~واستيعاب المقصود . # وأفاد مجموع قوله : { اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه ~~أولياء } مفاد صيغة قصر ، كأنه قال : لا تتبعوا إلا ما أمر به ربكم ، أي ~~دون ما يأمركم به أولياؤكم ، فعدل عن طريق القصر لتكون جملة : { ولا تتبعوا ~~من دونه أولياء } مستقلة صريحة الدلالة اهتماما بمضمونها على نحو قول ~~السموأل أو الحارثي : # تسيل على حد الظبات نفوسنا # وليست على غير الظبات تسيل # وجملة : { قليلا ما تذكرون } هي في موضع الحال من { لا تتبعوا } ، وهي ~~حال سببية وكاشفة لصاحبها ، وليست مقيدة للنهي : لظهور أن المتبعين أولياء ~~من دون الله ليسوا إلا قليلي التذكر . ويجوز جعل الجملة اعتراضا تذييليا . ~~ولفظ ( قليلا ) يجوز أن يحمل على حقيقته لأنهم قد يتذكرون ثم يعرضون عن ~~التذكر في أكثر أحوالهم فهم في غفلة معرضون ، ويجوز أن يكون ( قليلا ) ~~مستعارا لمعنى النفي والعدم على وجه التلميح كقوله تعالى : { فقليلا ما ~~يؤمنون } ( البقرة : 88 ) ( فإن الإيمان لا يوصف بالقلة والكثرة ) . # والتذكر مصدر الذكر بضم الذال وهو حضور الصورة في الذهن . PageV08P017 # وقليل مستعمل في العدم على طريقة التهكم بالمضيع للأمر النافع يقال له : ~~إنك قليل الإتيان بالأمر النافع ، تنبيها له على خطئه ، وإنه إن كان في ذلك ~~تفريط فلا ينبغي أن يتجاوز حد التقليل دون التضييع له كله . # و ( ما ) مصدرية والتقدير : قليلا تذكركم ، ويجوز أن يكون { قليلا } صفة ~~مصدر محذوف دل عليه { تذكرون } و ( ما ) مزيدة لتوكيد القلة ، أي نوع قلة ~~ضعيف ، نحو قوله تعالى : { أن يضرب مثلا ما } ( البقرة : 26 ms2954 ) . وتقدم ~~القول في نظيره عند قوله تعالى : { فقليلا ما يؤمنون } في سورة البقرة ( 88 ~~) . والمعنى : لو تذكرتم لما اتبعتم من دونه أولياء ولما احتجتم إلى النهي ~~عن أن تتبعوا من دونه أولياء ، وهذا نداء على إضاعتهم النظر والاستدلال في ~~صفات الله وفي نقائص أوليائهم المزعومين . # وقرأ الجمهور : { ما تذكرون } بفوقية واحدة وتشديد الذال على أن أصله ~~تتذكرون بتاءين فوقيتين فقلبت ثانيتهما ذالا لتقارب مخرجيهما ليتأتى تخفيفه ~~بالإدغام . # وقرأه حمزة ، والكسائي ، وحفص عن عاصم ، وخلف بتخفيف الذال على حذف إحدى ~~التاءين اختصارا . وقرأه ابن عامر : { يتذكرون } بتحتية في أوله ثم فوقية ، ~~والضمير عائد إلى المشركين على طريقة الالتفات من الخطاب إلى الغيبة ، أعرض ~~عنهم ووجه الكلام على غيرهم من السامعين : إلى النبيء صلى الله عليه وسلم ~~والمسلمين . # $ 2 ( 4 ، 5 ) { وكم من قرية أهلكناها فجآءها بأسنا بياتا أو هم قآئلون * ~~فما كان دعواهم إذ جآءهم بأسنآ إلا أن قالو & # 1764 ا إنا كنا ظالمين } . ) 2 $ PageV08P018 # عطف على جملة : { ولا تتبعوا } ( الأعراف : 3 ) وهذا الخبر مستعمل في ~~التهديد للمشركين الذين وجه إليهم التعريض في الآية الأولى والذين قصدوا من ~~العموم . وقد ثلث هنا بتمحيض التوجيه إليهم . # وإنما خص بالذكر إهلاك القرى ، دون ذكر الأمم كما في قوله : { فأما ثمود ~~فأهلكوا بالطاغية وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية } ( الحاقة : 5 ، 6 ) ، ~~لأن المواجهين بالتعريض هم أهل مكة وهي أم القرى ، فناسب أن يكون تهديد ~~أهلها بما أصاب القرى وأهلها ولأن تعليق فعل { أهلكنا } بالقرية دون أهلها ~~لقصد الإحاطة والشمول ، فهو مغن عن أدوات الشمول ، فالسامع يعلم أن المراد ~~من القرية أهلها لأن العبرة والموعظة إنما هي بما حصل لأهل القرية ، ~~ونظيرها قوله تعالى : { واسأل القرية التي كنا فيها } ( يوسف : 82 ) ~~ونظيرهما معا قوله : { ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون } ( ~~الأنبياء : 6 ) ، فكل هذا من الإيجاز البديع ، والمعنى على تقدير المضاف ، ~~وهو تقدير معنى . # وأجرى الضميران في قوله : { أهلكناها فجاءها بأسنا } على الإفراد ~~والتأنيث مراعاة للفظ قرية ، ليحصل التماثل بين لفظ المعاد ms2955 ولفظ ضميره في ~~كلام متصلل القرب ، ثم أجريت ضمائر القرية على صيغة الجمع في الجملة ~~المفرعة عن الأولى في قوله : { أو هم قائلون فما كان دعواهم إذ جاءهم } إلخ ~~لحصول الفصل بين الضمير ولفظ معاده بجملة فيها ضمير معاده غير لفظ القرية ، ~~وهو { بأسنا بياتا } لأن ( بياتا ) متحمل لضمير البأس ، أي مبيتا لهم ، ~~وانتقل منه إلى ضمير القرية باعتبار أهلها فقال : { أو هم قائلون فما كان ~~دعواهم إذ جاءهم } . و ( كم ) اسم حال على عدد كثير وهو هنا خبر عن الكثرة ~~وتقدم في أول سورة الأنعام . # والإهلاك : الإفناء والاستئصال . وفعل { أهلكناها } يجوز أن يكون مستعملا ~~في معنى الإرادة بحصول مدلوله ويجوز أن يكون مستعملا في ظاهر معناه . ~~PageV08P019 # والفاء في قوله : { فجاءها بأسنا } عاطفة جملة : { فجاءها بأسنا } على ~~جملة : { أهلكناها } ، وأصل العاطفة أن تفيد ترتيب حصول معطوفها بعد حصول ~~المعطوف عليه ، ولما كان مجيء البأس حاصلا مع حصول الإهلاك أو قبله ، إذ هو ~~سبب الإهلاك ، عسر على جمع من المسفرين معنى موقع الفاء هنا ، حتى قال ~~الفراء إن الفاء لا تفيد الترتيب مطلقا ، وعنه أيضا إذا كان معنى الفعلين ~~واحدا أو كالواحد قدمت أيهما شئت مثل شتمني فأساء وأساء فشتمني . وعن بعضهم ~~أن الكلام جرى على طريقة القلب ، والأصل : جاءها بأسنا فأهلكناها ، وهو قلب ~~خلي عن النكتة فهو مردود ، والذي فسر به الجمهور : أن فعل ( أهلكناها ) ~~مستعمل في معنى إرادة الفعل كقوله تعالى : { فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله ~~من الشيطان الرجيم } ( النحل : 98 ) وقوله : { إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ~~وجوهكم } ( المائدة : 6 ) الآية أي فإذا أردت القراءة ، وإذا أردتم القيام ~~إلى الصلاة ، واستعمال الفعل في معنى إرادة وقوع معناه من المجاز المرسل ~~عند السكاكي قال : ومن أمثلة المجاز قوله تعالى : { فإذا قرأت القرآن ~~فاستعذ بالله } ( النحل : 98 ) استعمل { قرأت } مكان أردت القراءة لكون ~~القراءة مسببة عن إرادتها استعمالا مجازيا بقرينة الفاء في { فاستعذ بالله ~~} ، وقوله : { وكم من قرية أهلكناها } في موضع أردنا إهلاكها بقرينة { ~~فجاءها بأسنا } والبأس الإهلاك . # والتعبير عن إرادة ms2956 الفعل بذكر الصيغة التي تدل على وقوع الفعل يكون ~~لإفادة عزم الفاعل على الفعل ، عزما لا يتأخر عنه العمل ، بحيث يستعار ~~اللفظ الدال على حصول المراد ، للإرادة لتشابههما ، وإما الإتيان بحرف ~~التعقيب بعد ذلك فللدلالة على عدم التريث ، فدل الكلام كله : على أنه تعالى ~~يريد فيخلق أسباب الفعل المراد فيحصل الفعل ، كل ذلك يحصل كالأشياء ~~المتقارنة ، وقد استفيد هذا التقارن بالتعبير عن الإرادة بصيغة تقتضي وقوع ~~الفعل ، والتعبير عن حصول السبب بحرف التعقيب ، والغرض من ذلك تهديد ~~السامعين المعاندين وتحذيرهم من أن يحل غضب PageV08P020 الله عليهم فيريد ~~إهلاكهم ، فضيق عليهم المهلة لئلا يتباطأوا في تدارك أمرهم والتعجيل ~~بالتوبة . والذي عليه المحققون أن الترتيب في فاء العطف قد يكون الترتيب ~~الذكري ، أي ترتيب الإخبار بشيء عن الإخبار بالمعطوف عليه . ففي الآية أخبر ~~عن كيفية إهلاكهم بعد الخبر بالإهلاك ، وهذا الترتيب هو في الغالب تفصيل ~~بعد إجمال ، فيكون من عطف المفصل على المجمل ، وبذلك سماه ابن مالك في ( ~~التسهيل ) ، ومثل له بقوله تعالى : { إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارا ~~عربا } ( الواقعة : 35 ، 37 ) الآية . ومنه قوله تعالى : { ادخلوا أبواب ~~جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين } ( الزمر : 72 ) أو قوله { فأزلهما ~~الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه } ( البقرة : 36 ) لأن الإزلال عن ~~الجنة فصل بأنه الإخراج ، وقوله تعالى : { كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا ~~وقالوا مجنون وازدجر } ( القمر : 54 ) وهذا من أساليب الإطناب وقد يغفل عنه ~~. # والبأس ما يحصل به الألم ، وأكثر إطلاقه على شدة الحساب ولذلك سميت الحرب ~~البأساء ، وقد مضى عند قوله تعالى : { والصابرين في البأساء والضراء وحين ~~البأس في سورة البقرة ( 177 ) ، والمراد به هنا عذاب الدنيا . # واستعير المجيء لحدوث الشيء وحصوله بعد أن لم يكن تشبيها لحلول الشيء ~~بوصول القادم من مكان إلى مكان بتنقل خطواته ، وقد تقدم نظير هذا في قوله ~~تعالى : فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا في سورة الأنعام ( 43 ) . # والبيات مصدر بات ، وهو هنا منصوب على الحال من البأس ، أي جاءهم البأس ~~مبيتا لهم ، أي جاءهم ليلا ms2957 ، ويطلق البيات على ضرب من الغارة تقع ليلا ، ~~فإذا كان المراد من البأس الاستعارة لشدة الحرب كما المراد من البيات حالة ~~من حال الحرب ، هي أشد على المغزو ، فكان ترشيحا للاستعارة التمثيلية ، ~~ويجوز أن يكون بياتا } منصوبا على النيابة عن ظرف الزمان أي في وقت البيات ~~. PageV08P021 # وجملة { هم قائلون } حال أيضا لعطفها على { بياتا } بأو ، وقد كفى هذا ~~الحرف العاطف عن ربط جملة الحال بواو الحال ، ولولا العطف لكان تجرد مثل ~~هذه الجملة عن الواو غير حسن ، كما قال في ( الكشاف ) ، وهو متابع لعبد ~~القاهر . # وأقول : إن جملة الحال ، إذا كانت جملة اسمية ، فإما أن تكون منحلة إلى ~~مفردين : أحدهما وصف صاحب الحال ، فهذه تجردها عن الواو قبيح ، كما صرح به ~~عبد القاهر وحققه التفتزاني في ( المطول ) ، لأن فصيح الكلام أن يجاء ~~بالحال مفردة إذ لا داعي للجملة ، نحو جاءني زيد هو فارس ، إذ يغني أن تقول ~~: فارسا . # وأما إذا كانت الجملة اسمية فيها زيادة على وصف صاحب الحال ، وفيها ضمير ~~صاحب الحال ، فخلوها عن الواو حسن نحو قوله تعالى : { قلنا اهبطوا منها ~~جميعا بعضكم لبعض عدو } ( طه : 123 ) فإن هذه حالة لكلا الفريقين ، وهذا ~~التحقيق هو الذي يظهر به الفرق بين قوله : { بعضكم لبعض عدو } ( طه : 123 ) ~~وقولهم ، في المثال : جاءني زيد هو فارس ، وهو خير مما أجاب به الطيبي وما ~~ساقه من عبارة ( المفتاح ) وعبارة ابن الحاجب فتأمله . وعلل حذف واو الحال ~~بدفع استثقال توالي حرفين من نوع واحد . # و ( أو ) لتقسيم القرى المهلكة : إلى مهلكة في الليل ، ومهلكة في النهار ~~، والمقصود من هذا التقسيم تهديد أهل مكة حتى يكونوا على وجل في كل وقت لا ~~يدرون متى يحل بهم العذاب ، بحيث لا يأمنون في وقت ما . # ومعنى : { قائلون } كائنون في وقت القيلولة ، وهي القائلة ، وهي اسم ~~للوقت المبتدىء من نصف النهار المنتهي بالعصر ، وفعله : قال يقيل فهو قائل ~~، والمقيل الراحة في ذلك الوقت ، ويطلق المقيل على القائلة أيضا . # وخص هذان الوقتان من بين أوقات الليل والنهار : لأنهما ms2958 اللذان ~~PageV08P022 يطلب فيهما الناس الراحة والدعة ، فوقوع العذاب فيهما أشد على ~~الناس ، ولأن التذكير بالعذاب فيهما ينغص على المكذبين تخيل نعيم الوقتين . # والمعنى : وكم من أهلل قرية مشركين أهلكناهم جزاء على شركهم ، فكونوا يا ~~معشر أهل مكة على حذر أن نصيبكم مثل ما أصابهم فإنكم وإياهم سواء . # وقوله : { فما كان دعواهم } يصح أن تكون الفاء فيه للترتيب الذكري تبعا ~~للفاء في قوله : { فجاءها بأسنا } لأنه من بقية المذكور ، ويصح أن يكون ~~للترتيب المعنوي لأن دعواهم ترتبت على مجيء البأس . # والدعوى اسم بمعنى الدعاء كقوله : { دعواهم فيها سبحانك اللهم } ( يونس : ~~10 ) وهو كثير في القرآن ، والدعاء هنا لرفع العذاب أي الاستغاثة عند حلول ~~البأس وظهور أسباب العذاب ، وذلك أن شأن الناس إذا حل بهم العذاب أن يجأروا ~~إلى الله بالاستغاثة ، ومعنى الحصر أنهم لم يستغيثوا الله ولا توجهوا إليه ~~بالدعاء ولكنهم وضعوا الاعتراف بالظلم موضع الاستغاثة فلذلك استثناه الله ~~من الدعوى . # ويجوز أن تكون الدعوى بمعنى الادعاء أي : انقطعت كل الدعاوي التي كانوا ~~يدعونها من تحقيق تعدد الآلهة وأن دينهم حق ، فلم تبق لهم دعوى ، بل ~~اعترفوا بأنهم مبطلون ، فيكون الاستثناء منقطعا لأن اعترافهم ليس بدعوى . # واقتصارهم على قولهم : { إنا كنا ظالمين } إما لأن ذلك القول مقدمة ~~التوبة لأن التوبة يتقدمها الاعتراف بالذنب ، فهم اعترفوا على نية أن ~~ينتقلوا من الاعتراف إلى طلب العفو ، فعوجلوا بالعذاب ، فكان اعترافهم آخر ~~قولهم في الدنيا مقدمة لشهادة ألسنتهم عليهم في PageV08P023 الحشر ، وإما ~~لأن الله أجرى ذلك على ألسنتهم وصرفهم عن الدعاء إلى الله ليحرمهم موجبات ~~تخفيف العذاب . # وأيا ما كان فإن جريان هذا القول على ألسنتهم كان نتيجة تفكرهم في ظلمهم ~~في مدة سلامتهم ، ولكن العناد والكبرياء يصدانهم عن الإقلاع عنه ، ومن شأن ~~من تصيبه شدة أن يجري على لسانه كلام ، فمن اعتاد قول الخير نطق به ، ومن ~~اعتاد ضده جرى على لسانه كلام التسخط ومنكر القول ، فلذلك جرى على لسانهم ~~ما كثر جولانه في أفكارهم . # والمراد بقولهم : { كنا ظالمين } أنهم ظلموا أنفسهم بالعناد ms2959 ، وتكذيب ~~الرسل ، والإعراض عن الآيات ، وصم الأذان عن الوعيد والوعظ ، وذلك يجمعه ~~الإشراك بالله ، قال تعالى : { إن الشرك لظلم عظيم } ( لقمان : 13 ) ، وذلك ~~موضع الاعتبار للمخاطبين بقوله : { ولا تتبعوا من دونه أولياء } ( الأعراف ~~: 3 ) أي أن الله لم يظلمهم ، وهو يحتمل أنهم علموا ذلك بمشاهدة العذاب ~~وإلهامهم أن مثل ذلك العذاب لا ينزل إلا بالظالمين ، أو بوجدانهم إياه على ~~الصفة الموعود بها على ألسنة رسلهم ، فيكون الكلام إقرارا محضا أقروا به في ~~أنفسهم ، فصيغة الخبر مستعملة في إنشاء الإقرار ، ويحتمل أنهم كانوا يعلمون ~~أنهم ظالمون ، من قبل نزول العذاب ، وكانوا مصرين عليه ومكابرين ، فلما ~~رأوا العذاب ندموا وأنصفوا من أنفسهم ، فيكون الكلام ، إقرارا مشوبا بحسرة ~~وندامة ، فالخبر مستعمل في معناه المجازي الصريح ومعناه الكنائي ، والمعنى ~~المجازي يجتمع مع الكناية باعتبار كونه مجازا صريحا . # وهذا القول يقولونه لغير مخاطب معين ، كشأن الكلام الذي يجري على اللسان ~~عند الشدائد ، مثل الويل والثبور ، فيكون الكلام مستعملا في معناه المجازي ~~، أو يقوله بعضهم لبعض ، بينهم ، على معنى التوبيخ ، PageV08P024 والتوقيف ~~على الخطأ ، وإنشاء الندامة ، فيكون مستعملا في المعنى المجازي الصريح ، ~~والمعنى الكنائي ، على نحو ما قررته آنفا . # والتوكيد بإن لتحقيق للنفس أو للمخاطبين على الوجهين المتقدمين أو يكون ~~قولهم ذلك في أنفسهم ، أو بين جماعتهم ، جاريا مجرى التعليل لنزول البأس ~~بهم والاعتراف بأنهم جديرون به ، ولذلك أطلقوا على الشرك حينئذ الاسم ~~المشعر بمذمته الذي لم يكونوا يطلقونه على دينهم من قبل . # واسم كان هو : { أن قالوا } المفرغ له عمل كان ، و { دعواهم } خبر ( كان ~~) مقدم ، لقرينة عدم اتصال كان بتاء التأنيث ، ولو كان : ( دعوى ) هو اسمها ~~لكان اتصالها بتاء التأنيث أحسن ، وللجري على نظائره في القرآن وكلام العرب ~~في كل موضع جاء فيه المصدر المؤول من أن والفعل محصورا بعد كان ، نحو قوله ~~تعالى : { فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم } ( الأعراف : ~~82 ) { وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا } ( آل عمران : ~~147 ) وغير ذلك ، وهو استعمال ملتزم ، غريب ms2960 ، مطرد في كل ما وقع فيه جزء ~~الإسناد ذاتين أريد حصر تحقق أحدهما في تحقق الآخر لأنهما لما اتحدا في ~~الماصدق ، واستويا في التعريف كان المحصور أولى باعتبار التقدم الرتبي ، ~~ويتعين تأخيره في اللفظ ، لأن المحصور لا يكون إلا في آخر الجزأين ، ألا ~~ترى إلى لزوم تأخير المبتدأ المحصور . واعلم أن كون أحد الجزأين محصورا دون ~~الآخر في مثل هذا ، مما الجزآن فيه متحدا الماصدق ، إنما هو منوط باعتبار ~~المتكلم أحدهما هو الأصل والآخر الفرع ، ففي مثل هذه الآية اعتبر قولهم هو ~~المترقب من السامع للقصة ابتداء ، واعتبر الدعاء هو المترقب ثانيا ، كأن ~~السامع يسأل : ماذا قالوا لما جاءهم البأس ، فقيل له : كان قولهم : { إنا ~~كنا ظالمين } دعاءهم ، فأفيد القول وزيد بأنهم فرطوا في الدعاء ، وهذه نكتة ~~دقيقة تنفعك PageV08P025 في نظائر هذه الآية ، مثل قوله : { فما كان جواب ~~قومه إلا أن قالوا أخرجوهم } ( الأعراف : 82 ) ، على أنه قد قيل : إنه ~~لاطراد هذا الاعتبار مع المصدر المؤول من ( أن ) والفعل علة لفظية : وهي ~~كون المصدر المؤول يشبه الضمير في أنه لا يوصف ، فكان أعرف من غيره ، فلذلك ~~كان حقيقا بأن يكون هو الاسم ، لأن الأصل أن الاعرف من الجزأين وهو الذي ~~يكون مسندا إليه . # # | 2 ( 6 ، 7 ) { فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين * فلنقصن ~~عليهم بعلم وما كنا غآئبين } . ) 2 # الفاء في قوله : { فلنسألن } عاطفة ، لترتيب الأخبار لأن وجود لام القسم ~~علامة على أنه كلام أنف انتقال من خبر إلى خبر ، ومن قصة إلى قصة وهو ~~انتقال من الخبر عن حالتهم الدنيوية إلى الخبر عن أحوالهم في الآخرة . # وأكد الخبر بلام القسم ونون التوكيد لإزالة الشك في ذلك . # وسؤال الذين أرسل إليهم سؤال عن بلوغ الرسالة . وهو سؤال تقريع في ذلك ~~المحشر ، قال تعالى : { ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين } ( القصص ~~: 65 ) . # وسؤال المرسلين عن تبليغهم الرسالة سؤال إرهاب لأممهم ، لأنهم إذا سمعوا ~~شهادة رسلهم عليهم أيقنوا بأنهم مسوقون إلى العذاب ، وقد تقدم ذلك في قوله ~~: { فكيف إذا جئنا من كل ms2961 أمة بشهيد } ( النساء : 41 ) وقوله { يوم يجمع ~~الله الرسل فيقول ماذا أجبتم } ( المائدة : 109 ) . # و { الذين أرسل إليهم } ، هم أمم الرسل ، وعبر عنهم بالموصول لما تدل ~~عليه الصلة من التعليل ، فإن فائدة الإرسال هي إجابة الرسل ، فلا ~~PageV08P026 جرم أن يسأل عن ذلك المرسل إليهم ، ولما كان المقصود الأهم من ~~السؤال هو الأمم ، لإقامة الحجة عليهم في استحقاق العقاب ، قدم ذكرهم على ~~ذكر الرسل ، ولما تدل عليه صلة ( الذي ) وصلة ( ال ) من أن المسؤول عنه هو ~~ما يتعلق بأمر الرسالة ، وهو سؤال الفريقين عن وقوع التبليغ . # ولما دل على هذا المعنى التعبير : ب { الذين أرسل إليهم } والتعبير : ب { ~~المرسلين } لم يحتج إلى ذكر جواب المسؤولين لظهور أنه إثبات التبليغ ~~والبلاغ . # والفاء في قوله : { فلنقصن عليهم } للتفريع والترتيب على قوله : { ~~فلنسألن } ، أي لنسألنهم ثم نخبرهم بتفصيل ماأجمله جوابهم ، أي فلنقصن ~~عليهم تفاصيل أحوالهم ، أي فعلمنا غني عن جوابهم ولكن السؤال لغرض آخر . # وقد دل على إرادة التفصيل تنكير علم في قوله : { بعلم } أي علم عظيم ، ~~فإن تنوين ( علم ) للتعظيم ، وكمال العلم إنما يظهر في العلم بالأمور ~~الكثيرة ، وزاد ذلك بيانا قوله : { وما كنا غائبين } الذي هو بمعنى : لا ~~يعزب عن علمنا شيء يغيب عنا ونغيب عنه . # والقص : الاخبار ، يقال : قص عليه ، بمعنى أخبره ، وتقدم في قوله تعالى : ~~{ يقص الحق } في سورة الأنعام ( 57 ) . # وجملة : { وما كنا غائبين } معطوف على { فلنقصن عليهم بعلم } ، وهي في ~~موقع التذييل . # والغائب ضد الحاضر ، وهو هنا كناية عن الجاهل ، لأن الغيبة تستلزم ~~الجهالة عرفا ، أي الجهالة بأحوال المغيب عنه ، فإنها ولو بلغته ~~PageV08P027 بالأخبار لا تكون تامة عنده مثل المشاهد ، أي : وما كنا جاهلين ~~بشيء من أحوالهم ، لأننا مطلعون عليهم ، وهذا النفي للغيبة مثل إثبات ~~المعية في قوله تعالى : { وهو معكم أينما كنتم } ( الحديد : 4 ) . # وإثبات سؤال الأمم هنا لا ينافي نفيه في قوله تعالى : { ولا يسأل عن ~~ذنوبهم المجرمون } ( القصص : 78 ) وقوله { فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا ~~جان } ( الرحمن : 39 ) لأن المسؤول عنه هنا هو ms2962 التبليغ والمنفي في الآيتين ~~الآخريين هو السؤال لمعرفة تفاصيل ذنوبهم ، وهو الذي أريد هنا في قوله : { ~~وما كنا غائبين } . # $ 2 ( 8 ، 9 ) { والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولائك هم المفلحون ~~* ومن خفت موازينه فأول & # 1764 ائك الذين خسرو & # 1764 ا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون } . ) 2 $ # عطف جملة : { والوزن يومئذ الحق } على جملة { فلنقصن } ( الأعراف : 7 ) ، ~~لما تضمنته المعطوف عليها من العلم بحسنات الناس وسيئاتهم ، فلا جرم أشعرت ~~بأن مظهر ذلك العلم وأثره هو الثواب والعقاب ، وتفاوت درجات العاملين ~~ودركاتهم تفاوتا لا يظلم العامل فيه مثقال ذرة ، ولا يفوت ما يستحقه إلا أن ~~يتفضل الله على أحد برفع درجة أو مغفرة زلة لأجل سلامة قلب أو شفاعة أو نحو ~~ذلك ، مما الله أعلم به من عباده ، فلذلك عقبت جملة : { فلنقصن } ( الأعراف ~~: 7 ) بجملة : { والوزن يومئذ الحق } فكأنه قيل : فلنقصن عليهم بعلم ~~ولنجازينهم على أعمالهم جزاء لا غبن فيه على أحد . # والتنوين في قوله : { يومئذ } عوض عن مضاف إليه دل عليه : { فلنسألن ~~PageV08P028 الذين أرسل إليهم } ( الأعراف : 6 ) وما عطف عليه بالواو ~~وبالفاء ، والتقدير : يوم إذ نسألهم ونسأل رسلهم ونقص ذنوبهم عليهم . # والوزن حقيقته معادلة جسم بآخر لمعرفة ثقل أحد الجسمين أو كليهما في ~~تعادلهما أو تفاوتهما في المقدار ، وإذ قد كان تساوي الجسمين الموزونين ~~نادر الحصول تعين جعلت أجسام أخرى يعرف بها مقدار التفاوت ، فلا بد من آلة ~~توضع فيها الأشياء ، وتسمى الميزان ولها أشكال مختلفة شكلا واتساعا . # والأجسام التي تجعل لتعيين المقادير تسمى موازين ، واحدها ميزان أيضا ~~وتسمى أوزانا واحدها وزن ، ويطلق الوزن على معرفة مقدار حال في فضل ونحوه ~~قال تعالى : { فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا } ( الكهف : 105 ) وفي حديث ~~أبي هريرة ، في ( الصحيحين ) : ( إنه ليؤتى بالعظيم السمين يوم القيامة لا ~~يزن عند الله جناح بعوضة ) . ويستعار استعارة تمثيلية للتدبير في أحوال ، ~~كقول الراعي : # وزنت أمية أمرها فدعت له # من لم يكن غمرا ولا مجهولا # فالوزن في هذه الآية يراد به تعيين مقادير ما تستحقه الأعمال من ms2963 الثواب ~~والعقاب تعيينا لا إجحاف فيه ، كتعيين الميزان على حسب ما عين الله من ثواب ~~أو عقاب على الأعمال ، وذلك مما يعلمه الله تعالى : ككون العمل الصالح لله ~~وكونه رياء ، وككون الجهاد لإعلاء كلمة الله أو كونه لمجرد الطمع في ~~الغنيمة ، فيكون الجزاء على قدر العمل ، فالوزن استعارة ، ويجوز أن يراد به ~~الحقيقة فقد قيل توضع الصحائف التي كتبتها الملائكة للأعمال في شيء خلقه ~~الله ليجعله الله يوم القيامة ، ينطق أو يتكيف بكيفية فيدل على مقادير ~~الأعمال لأربابها ، وذلك ممكن ، وقد وردت أخبار في صفة هذا الميزان لم يصح ~~شيء منها . # والعبارات في مثل هذا المقام قاصرة عن وصف الواقعات ، لأنها من خوارق ~~المتعارف ، فلا تعدو العبارات فيها تقريب الحقائق وتمثيلها بأقصى ~~PageV08P029 ما تعارفه أهل اللغة ، فما جاء منها بصيغة المصدر غير متعلق ~~بفعل يقتضي آلة فحمله على المجاز المشهور كقوله تعالى : { فلا نقيم لهم يوم ~~القيامة وزنا } ( الكهف : 105 ) . وما جاء منها على صيغة الاسماء فهو محتمل ~~مثل ما هنا لقوله : { فمن ثقلت موازينه } إلخ ومثل قول النبيء صلى الله ~~عليه وسلم ( كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان ) وما تعلق بفعل ~~مقتض آلة فحمله على التمثيل أو على مخلوق من أمور الآخرة مثل قوله تعالى : ~~{ ونضع الموازين القسط ليوم القيامة } ( الأنبياء : 47 ) . وقد ورد في ~~السنة ذكر الميزان في حديث البطاقة التي فيها كلمة شهادة الإسلام ، عند ~~الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، وحديث قول النبيء صلى الله عليه ~~وسلم لأنس بن مالك : ( فاطلبني عند الميزان ) خرجه الترمذي . # وقد اختلف السلف في وجود مخلوق يبين مقدار الجزاء من العمل يسمى بالميزان ~~توزن فيه الأعمال حقيقة ، فاثبت ذلك الجمهور ونفاه جماعة منهم الضحاك ~~ومجاهد والأعمش ، وقالوا : هو القضاء السوي ، وقد تبع اختلافهم المتأخرون ~~فذهب جمهور الأشاعرة وبعض المعتزلة إلى تفسير الجمهور ، وذهب بعض الأشاعرة ~~المتأخرين وجمهور المعتزلة إلى ما ذهب إليه مجاهد والضحاك والأعمش ، والأمر ~~هين ، والاستدلال ليس ببين والمقصود المعنى وليس المقصود آلته . # والإخبار عن الوزن ms2964 بقوله : { الحق } إن كان الوزن مجازا عن تعيين مقادير ~~الجزاء فالحق بمعنى العدل ، أي الجزاء عادل غير جائز ، لأنه من أنواع ~~القضاء والحكم ، وإن كان الوزن تمثيلا بهيئة الميزان ، فالعدل بمعنى السوي ~~، أي والوزن يومئذ مساو للأعمال لا يرجح ولا يحجف . # وعلى الوجهين فالإخبار عنه بالمصدر مبالغة في كونه محقا . # وتفرع على كونه الحق قوله : { فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون } ، ~~فهو تفصيل للوزن ببيان أثره على قدر الموزون . ومحل التفريع هو قوله : { ~~فأولئك هم المفلحون } وقوله : فأولئك الذين خسروا أنفسهم إذ ذلك ~~PageV08P030 مفرع على قوله : { فمن ثقلت موازينه } وقوله : ومن خفت موازينه ~~. # وثقل الميزان في المعنى الحقيقي رجحان الميزان بالشيء الموزون ، وهو هنا ~~مستعار لاعتبار الأعمال الصالحة غالبة ووافرة ، أي من ثقلت موازينه ~~الصالحات ، وإنما لم يذكر ما ثقلت به الموازين لأنه معلوم من اعتبار الوزن ~~، لأن متعارف الناس أنهم يزنون الأشياء المرغوب في شرائها المتنافس في ضبط ~~مقاديرها والتي يتغابن الناس فيها . # والثقل مع تلك الاستعارة هو أيضا ترشيح لاستعارة الوزن للجزاء ، ثم الخفة ~~مستعارة لعدم الأعمال الصالحة أخذا بغاية الخفة على وزان عكس الثقل ، وهي ~~أيضا ترشيح ثان لاستعارة الميزان ، والمراد هنا الخفة الشديدة وهي انعدام ~~الأعمال الصالحة لقوله : { بما كانوا بآياتنا يظلمون } . والفلاح حصول ~~الخير وإدراك المطلوب . # والتعريف في { المفلحون } للجنس أو العهد وقد تقدم في قوله تعالى : { ~~وأولئك هم المفلحون في سورة البقرة ( 5 ) . # وما صدق ( من ) واحد لقوله : موازينه } ، وإذ قد كان هذا الواحد غير معين ~~، بل هو كل من تحقق فيه مضمون جملة الشرط ، فهو عام صح اعتباره جماعة في ~~الإشارة والضميرين من قوله : { فأولئك هم المفلحون } . # والاتيان بالإشارة للتنبيه على أنهم إنما حصلوا الفلاح لأجل ثقل موازينهم ~~، واختير اسم إشارة البعد تنبيها على البعد المعنوي الاعتباري . # وضمير الفصل لقصد الانحصار أي هم الذين انحصر فيهم تحقق المفلحين ، أي إن ~~علمت جماعة تعرف بالمفلحين فهم هم . # والخسران حقيقته ضد الربح ، وهو عدم تحصيل التاجر على ما يستفضله من بيعه ~~، ويستعار لفقدان نفع ما ms2965 يرجى منه النفع ، فمعنى { خسرو & # 1764 ا أنفسهم } PageV08P031 فقدوا فوائدها ، فإن كل أحد يرجو من مواهبه ~~، وهي مجموع نفسه ، أن تجلب له النفع وتدفع عنه الضر : بالرأي السديد ، ~~وابتكار العمل المفيد ، ونفوس المشركين قد سولت لهم أعمالا كانت سبب خفة ~~موازين أعمالهم ، أي سبب فقد الأعمال الصالحة منهم ، فكانت نفوسهم كرأسس ~~مال التاجر الذي رجا منه زيادة الرزق فأضاعه كله فهو خاسر له ، فكذلك هؤلاء ~~خسروا أنفسهم إذ أوقعتهم في العذاب المقيم ، وانظر ما تقدم في قوله تعالى : ~~{ الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون في سورة الأنعام ( 20 ) . وقوله تعالى ~~: فما ربحت تجارتهم في سورة البقرة ( 16 ) . # والباء في قوله : بما كانوا } باء السببية ، وما مصدرية أي بكونهم ظلموا ~~بآياتنا في الدنيا ، فصيغة المضارع في قوله : { يظلمون } لحكاية حالهم في ~~تجدد الظلم فيما مضى كقوله تعالى : { والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا ~~فسقناه } ( فاطر : 9 ) . # والظلم هنا ضد العدل : أي يظلمون الآيات فلا ينصفونها حقها من الصدق . ~~وضمن { يظلمون } معنى يكذبون ، فلذلك عدي بالباء ، فكأنه قيل : بما كانوا ~~يظلمون فيكذبون بآياتنا على حد قوله تعالى : { وجحدوا بها واستيقنتها ~~أنفسهم ظلما وعلوا } ( النمل : 14 ) . # وإنما جعل تكذيبهم ظلما لأنه تكذيب ما قامت الأدلة على صدقه فتكذيبه ظلم ~~للأدلة بدحضها وعدم إعمالها . # وتقديم المجرور في قوله : { بآياتنا } على عامله ، وهو { يظلمون } ، ~~للاهتمام بالآيات . وقد ذكرت الآية حال المؤمنين الصالحين وحال المكذبين ~~المشركين إذ كان الناس يوم نزول الآية فريقين : فريق المؤمنين ، وهم كلهم ~~عاملون بالصالحات ، مستكثرون منها ، وفريق المشركين وهم أخلياء من الصالحات ~~، وبقي بين ذلك فريق من المؤمنين الذين يخلطون PageV08P032 عملا صالحا وآخر ~~سيئا وذلك لم تتعرض له هذه الآية ، إذ ليس من غرض المقام ، وتعرضت له آيات ~~آخرى . # # | 2 ( 10 ) { ولقد مكناكم فى الارض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما ~~تشكرون } . ) 2 # عطف على جملة : { ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون } ( الأعراف ~~: 3 ) فهذا تذكير لهم بأن الله هو ولي الخلق ، لأنه خالقهم على وجه الأرض ، ~~وخالق ما ms2966 به عيشهم الذي به بقاء وجودهم إلى أجل معلوم ، وتوبيخ على قلة ~~شكرها ، كما دل عليه تذييل الجملة بقوله : { قليلا ما تشكرون } فإن النفوس ~~التي لا يزجرها التهديد قد تنفعها الذكريات الصالحة ، وقد قال أحد الخوارج ~~وطلب منه أن يخرج إلى قتال الحجاج بن يوسف وكان قد أسدى إليه نعما : # أأقاتل الحجاج عن سلطانه # بيد تقر بأنها مولاته # وتأكيد الخبر بلام القسم وقد ، المفيد للتحقيقق ، تنزيل للذين هم المقصود ~~من الخطاب منزلة من ينكر مضمون الخبر لأنهم لما عبدوا غير الله كان حالهم ~~كحال من ينكر أن الله هو الذي مكنهم من الأرض ، أو كحال من ينكر وقوع ~~التمكين من أصله . # والتمكين جعل الشيء في مكان ، وهو يطلق على الإقدار على التصرف ، على ~~سبيل الكناية ، وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى : { مكناهم في الأرض ما لم ~~نمكن لكم في سورة الأنعام ( 6 ) وهو مستعمل هنا في معناه الكنائي لا الصريح ~~، أي جعلنا لكم قدرة ، أي أقدرناكم على أمور الأرض وخولناكم التصرف في ~~مخلوقاتها ، وذلك بما أودع الله في البشر من قوة العقل والتفكير ~~PageV08P033 التي أهلته لسيادة هذا العالم والتغلب على مصاعبه ، وليس ~~المراد من التمكين هنا القوة والحكم كالمراد في قوله تعالى : إنا مكنا له ~~في الأرض } ( الكهف : 84 ) لأن ذلك ليس حاصلا بجميع البشر إلا على تأويل ، ~~وليس المراد بالتمكين أيضا معناه الحقيقي وهو جعل المكان في الأرض لأن قوله ~~: { في الأرض } يمنع من ذلك ، لأنه لو كان كذلك لقال ولقد مكناكم الأرض ، ~~وقد قال تعالى عن عاد : { ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه } ( الأحقاف : 26 ~~) أي جعلنا ما أقررناهم عليه أعظم مما أقدرناكم عليه ، أي في آثارهم في ~~الأرض أما أصل القرار في الأرض فهو صراط بينهما . # ومعايش جمع معيشه ، وهي ما يعيش به الحي من الطعام والشراب ، مشتقة من ~~العيش وهو الحياة ، وأصل المعيشة اسم مصدر عاش قال تعالى : { فإن له معيشة ~~ضنكا } ( طه : 124 ) سمي به الشيء الذي يحصل به العيش ، تسمية للشيء باسم ~~سببه على ms2967 طريقة المجاز الذي غلب حتى صار مساويا للحقيقة . # وياء ( معايش ) أصل في الكلمة لأنها عين الكلمة من المصدر ( عيش ) فوزن ~~معيشة مفعلة ومعايش مفاعل ، فحقها أن ينطق بها في الجمع ياء وأن لا تقلب ~~همزة . لأن استعمال العرب في حرف المد الذي في المفرد أنهم إذا جمعوه جمعا ~~بألف زائدة ردوه إلى أصله واوا أو ياء بعد ألف الجمع ، مثل : مفازة ومفاوز ~~، فيما أصله واو من الفوز ومعيبة ومعايب فيما أصله الياء ، فإذا كان حرف ~~المد في المفرد غير أصلي فإنهم إذا جمعوه جمعا بألف زائدة قلبوا حرف المد ~~همزة نحو قلادة وقلائد ، وعجوز وعجائز ، وصحيفه وصحائف ، وهذا الاستعمال من ~~لطائف التفرقه بين حرف المد الأصلي والمد الزائد واتفق القراء على قراءته ~~بالياء ، وروى خارجة بن مصعب ، وحميد بن عمير ، عن نافع أنه قرأ : معائش ~~بهمز بعد الألف ، وهي رواية شاذة عنه لا يعبأ بها ، وقرىء في الشاذ : ~~بالهمز ، رواه عن الأعرج ، وفي ( الكشاف ) نسبة هذه القراءة إلى ابن عامر ~~وهو سهو من الزمخشري . PageV08P034 # وقوله : { قليلا ما تشكرون } هو كقوله في أول السورة { قليلا ما تذكرون } ~~( الأعراف : 3 ) ونظائره . # والخطاب للمشركين خاصة ، لأنهم الذين قل شكرهم لله تعالى إذا اتخذوا معه ~~آلهة . # ووصف قليل يستعمل في معنى المعدوم كما تقدم آنفا في أول السورة ، ويجوز ~~أن يكون على حقيقته أي إن شكركم الله قليل . لأنهم لما عرفوا أنه ربهم فقد ~~شكروه ، ولكن أكثر أحوالهم هو الإعراض عن شكره والإقبال على عبادة الأصنام ~~وما يتبعها ، ويجوز أن تكون القلة كناية عن العدم على طريقة الكلام المقتصد ~~استنزالا لتذكرهم . # وانتصب ( قليلا ) على الحال من ضمير المخاطبين و ( ما ) مصدرية ، والمصدر ~~المؤول في محل الفاعل بقليلا فهي حال سببية . # وفي التعقيب بهذه الآية لآية : { وكم من قرية أهلكناها } ( الأعراف : 4 ) ~~إيماء إلى أن إهمال شكر النعمة يعرض صاحبها لزوالها ، وهو ما دل عليه قوله ~~: { أهلكناها } . # $ 2 ( 11 13 ) { ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لأدم ~~فسجدو & # 1764 ا إلا إبليس لم ms2968 يكن من الساجدين * قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك ~~قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين * قال فاهبط منها فما يكون لك ~~أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين } . ) 2 $ # عطف على جملة : { ولقد مكناكم في الأرض } ( الأعراف : 10 ) تذكيرا بنعمة ~~إيجاد النوع ، وهي نعمة عناية ، لأن الوجود أشرف من العدم ، بقطع النظر عما ~~قد PageV08P035 يعرض للموجود من الأكدار والمتاعب ، وبنعمة تفضيله على ~~النوع بأن أمر الملائكة بالسجود لأصله ، وأدمج في هذا الامتنان تنبيه ~~وإيقاظ إلى عداوة الشيطان لنوع الإنسان من القدم ، ليكون ذلك تمهيدا ~~للتحذير من وسوسه وتضليله ، وإغراء بالإقلاع عما أوقع فيه الناس من الشرك ~~والضلالة ، وهو غرض السورة ، وذلك عند قوله تعالى : { يا بني آدم لا ~~يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة } ( الأعراف : 27 ) وما تلاه من ~~الآيات ، فلذلك كان هذا بمنزلة الاستدلال وسط في خلال الموعظة . # والخطاب للناس كلهم ، والمقصود منه المشركون ، لأنهم الغرض في هذه السورة ~~. # وتأكيد الخبر باللام و ( قد ) للوجه الذي تقدم في قوله : { ولقد خلقناكم ~~} ، وتعدية فعلي الخلق والتصوير إلى ضمير المخاطبين ، لما كان على معنى خلق ~~النوع الذي هم من أفراد تعين أن يكون المعنى : خلقنا أصلكم ثم صورناه ، وهو ~~آدم ، كما أفصح عنه قوله : { ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم } . # والخلق الإيجاد وإبراز الشيء إلى الوجود ، وهذا الإطلاق هو المراد منه ~~عند إسناده إلى الله تعالى أو وصف الله به . # والتصوير جعل الشيء صورة ، والصورة الشكل الذي يشكل به الجسم كما يشكل ~~الطين بصورة نوع من الأنواع . # وعطفت جملة { صورناكم } بحرف ( ثم ) الدالة على تراخي رتبة التصوير عن ~~رتبة الخلق ، لأن التصوير حالة كمال في الخلق بأن كان الإنسان على الصورة ~~الإنسانية المتقنة حسنا وشرفا ، بما فيها من مشاعر الإدراك والتدبير ، سواء ~~كان التصوير مقارنا للخلق كما في خلق آدم ، أم كان بعد الخلق بمدة ، كما في ~~تصوير الأجنة من عظام ولحم وعصب وعروق ومشاعر ، كقوله تعالى : { فخلقنا ~~المضغة عظاما فكسونا العظام لحما } ( المؤمنون : 14 ) . PageV08P036 # وتعدية ms2969 فعلي ( خلقنا ) و ( صورنا ) إلى ضمير الخطاب ينتظم في سلك ما عاد ~~إليه الضمير قبله في قوله : { ولقد مكناكم في الأرض } ( الأعراف : 10 ) ~~الآية فالخطاب للناس كلهم توطئة لقوله فيما يأتي : { يا بني آدم لا يفتننكم ~~الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة } ( الأعراف : 27 ) والمقصود بالخصوص منه ~~المشركون لأنهم الذين سول لهم الشيطان كفران هذه النعم لقوله تعالى عقب ذلك ~~: { وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا } ( الأعراف : 28 ) وقوله ~~فيما تقدم : { اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء ~~قليلا ما تذكرون } ( الأعراف : 3 ) . # وأما تعلق فعلي الخلق والتصوير بضمير المخاطبين فمراد منه أصل نوعهم ~~الأول وهو آدم بقرينة تعقيبه بقوله : ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فنزل ~~خلق أصل نوعهم منزلة خلق أفراد النوع الذين منهم المخاطبون لأن المقصود ~~التذكير بنعمة الإيجاد ليشكروا موجدهم ونظيره قوله تعالى : { إنا لما طغا ~~الماء حملناكم في الجارية } ( الحاقة : 11 ) أي حملنا أصولكم وهم الذين ~~كانوا مع نوح وتناسل منهم الناس بعد الطوفان ، لأن المقصود الامتنان على ~~المخاطبين بإنجاء أصولهم الذين تناسلوا منهم ، ويجوز أن يؤول فعلا الخلق ~~والتصوير بمعنى إرادة حصول ذلك ، كقوله تعالى : حكاية عن كلام الملائكة مع ~~إبراهيم : { فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين } ( الذاريات : 35 ) أي أردنا ~~إخراج من كان فيها ، فإن هذا الكلام وقع قبل أمر لوط ومن آمن به بالخروج من ~~القرية . # ودل قوله : { ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم } على أن المخلوق والمصور هو ~~آدم ، ومعنى الكلام خلقنا أصلكم وصورناه فبرز موجودا معينا مسمى بآدم ، فإن ~~التسمية طريق لتعيين المسمى ، ثم أظهرنا فضله وبديع صنعنا فيه فقلنا ~~للملائكة اسجدوا له فوقع إيجاز بديع في نسج الكلام . # و ( ثم ) في قوله : { ثم قال للملائكة اسجدوا لآدم } عاطفة الجملة ~~PageV08P037 على الجملة فهي مقيدة للتراخي الرتبي لا للتراخي الزماني وذلك ~~أن مضمون الجملة المعطوفة هنا أرقى رتبة من مضمون الجملة المعطوف عليها . # وقوله : { ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم } ، تقدم تفسيره ، وبيان ما تقدم ~~أمر الله الملائكة بالسجود ms2970 لآدم ، من ظهور فضل ما علمه الله من الأسماء ما ~~لم يعلمه الملائكة ، عند قوله تعالى : { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ~~فسجدوا إلا إبليس في سورة البقرة ( 34 ) . # وتعريف الملائكة } للجنس فلا يلزم أن يكون الأمر عاما لجميع الملائكة ، ~~بل يجوز أن يكون المأمورون هم الملائكة ، الذين كانوا في المكان الذي خلق ~~فيه آدم ، ونقل ذلك عن ابن عباس ، ويحتمل الاستغراق لجميع الملائكة . وطريق ~~أمرهم جميعا وسجودهم جميعا لآدم لا يعلمه إلا الله ، لأن طرق علمهم بمراد ~~الله عنهم في العالم العلوي لا تقاس على المألوف في عالم الأرض . # واعلم أن أمر الله الملائكة بالسجود لآدم لا يقتضي أن يكون آدم قد خلق في ~~العالم الذي فيه الملائكة بل ذلك محتمل ، ويحتمل أن الله لما خلق آدم حشر ~~الملائكة ، وأطلعهم على هذا الخلق العجيب ، فإن الملائكة ينتقلون من مكان ~~إلى مكان فالآية ليست نصا في أن آدم خلق في السماوات ولا أنه في الجنة التي ~~هي دار الثواب والعقاب ، وإن كان ظاهرها يقتضي ذلك ، وبهذا الظاهر أخذ ~~جمهور أهل السنة ، وتقدم ذلك في سورة البقرة . واستثناء إبليس من الساجدين ~~في قوله : { إلا إبليس } يدل على أنه كان في عداد الملائكة لأنه كان مختلطا ~~بهم . وقال السكاكي في ( المفتاح ) عد إبليس من الملائكة بحكم التغليب . # وجملة : عغتاة ، { لم يكن من الساجدين } حال من ( إبليس ) ، وهي حال ~~مؤكدة لمضمون عاملها وهو ما دلت عليه أداة الاستثناء ، لما فيها من معنى : ~~PageV08P038 أستثني ، لأن الاستثناء يقتضي ثبوت نقيض حكم المستثنى منه ~~للمستثنى ، وهو عين مدلول : لم يكن من الساجدين فكانت الحال تأكيدا . وفي ~~اختيار الاخبار عن نفي سجوده بجعله من غير الساجدين : إشارة إلى أنه انتفى ~~عنه السجود انتفاء شديدا لأن قولك لم يكن فلان من المهتدين يفيد من النفي ~~أشد مما يفيده قولك لم يكن مهتديا كما في قوله تعالى : { قل لا أتبع ~~أهواءكم قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين في سورة الأنعام ( 56 ) . # ففي الآية إشارة إلى أن الله تعالى خلق ms2971 في نفس إبليس جبلة تدفعه إلى ~~العصيان عندما لا يوافق الأمر هواه ، وجعل له هوى ورأيا ، فكانت جبلته ~~مخالفة لجبلة الملائكة . وإنما استمر في عداد الملائكة لأنه لم يحدث من ~~الأمر ما يخالف هواه ، فلما حدث الأمر بالسجود ظهر خلق العصيان الكامن فيه ~~، فكان قوله تعالى : لم يكن من الساجدين } إشارة إلى أنه لم يقدر له أن ~~يكون من الطائفة الساجدين ، أي انتفى سجوده انتفاء لارجاء في حصوله بعد ، ~~وقد علم أنه أبى السجود إباء وذلك تمهيدا لحكاية السؤال والجواب في قوله : ~~{ قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك } ابتداء المحاورة ، لأن ترك إبليس السجود ~~لآدم بمنزلة جواب عن قول الله : { أسجدوا لآدم } ، فكان بحيث يتوجه إليه ~~استفسار عن سبب تركه السجود ، وضمير : { قال } عائد إلى معلوم من المقام أي ~~قال الله تعالى بقرينة قوله : { ثم قلنا للملائكة اسجدوا } ، وكان مقتضى ~~الظاهر أن يقال : قلنا ، فكان العدول إلى ضمير الغائب التفاتا ، نكتته ~~تحويل مقام الكلام ، إذ كان المقام مقام أمر للملائكة ومن في زمرتهم فصار ~~مقام توبيخ لإبليس خاصة . # و { ما } للاستفهام ، وهو استفهام ظاهره حقيقي ، ومشوب بتوبيخ ، والمقصود ~~من الاستفهام إظهار مقصد إبليس للملائكة . # و { منعك } معناه صدك وكفك عن السجود فكان مقتضى الظاهر أن يقال : ~~PageV08P039 ما منعك أن تسجد لأنه إنما كف عن السجود لا عن نفي السجود فقد ~~قال تعالى في الآية الأخرى : { ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي } ( ص : 75 ) ~~، فلذلك كان ذكر ( لا ) هنا على خلاف مقتضى الظاهر ، فقيل هي مزيدة للتأكيد ~~، ولا تفيد نفيا ، لأن الحرف المزيد للتأكيد لا يفيد معنى غير التأكيد . و ~~( لا ) من جملة الحروف التي يؤكد بها الكلام كما في قوله تعالى : { لا أقسم ~~بهذا البلد } ( البلد : 1 ) وقوله { لئلا يعلم أهل الكتاب أن لا يقدرون على ~~شيء من فضل الله } ( الحديد : 29 ) أي ليعلم أهل الكتاب علما محققا . وقوله ~~تعالى : { وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون } ( الأنبياء : 95 ) أي ~~ممنوع أنهم يرجعون منعا محققا ، وهذا تأويل الكسائي ms2972 ، والفراء ، والزجاج ، ~~والزمخشري ، وفي توجيه معنى التأكيد إلى الفعل مع كونن السجود غير واقعع ~~فلا ينبغي تأكيده خفاء لأن التوكيد تحقيق حصول الفعل المؤكد ، فلا ينبغي ~~التعويل على هذا التأويل . # وقيل ( لا ) نافية ، ووجودها يؤذن بفعل مقدر دل عليه { منعك } لأن المانع ~~من شيء يدعو لضده ، فكأنه قيل : ما منعك أن تسجد فدعاك إلى أن لا تسجد ، ~~فإما أن يكون { منعك } مستعملا في معنى دعاك ، على سبيل المجاز ، و ( لا ) ~~هي قرينة المجاز ، وهذا تأويل السكاكي في ( المفتاح ) في فصل المجاز اللغوي ~~، وقريب منه لعبد الجبار فيما نقله الفخر عنه ، وهو أحسن تأويلا ، وإما أن ~~يكون قد أريد الفعلان ، فذكر أحدهما وحذف الآخر ، وأشير إلى المحذوف ~~بمتعلقه الصالح له فيكون من إيجاز الحذف ، وهو اختيار الطبري ومن تبعه . # وانظر ما قلته عند قوله تعالى : { قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ~~أن لا تتبعني في سورة طه ( 92 ، 93 ) . # وقوله : إذ أمرتك } ظرف ل { تسجد } ، وتعليق ضميره بالأمر يقتضي أن أمر ~~الملائكة شامل له ، إما لأنه صنف من الملائكة ، فخلق الله إبليس أصلا ~~PageV08P040 للجن ليجعل منه صنفا متميزا عن بقية الملائكة بقبوله للمعصية ، ~~وهذا هو ظاهر القرآن ، وإليه ذهب كثير من الفقهاء ، وقد قال الله تعالى : { ~~إلا إبليس كان من الجن } ( الكهف : 50 ) الآية ، وإما لأن الجن نوع آخر من ~~المجردات ، وإبليس أصل ذلك النوع ، جعله الله في عداد الملائكة ، فكان ~~أمرهم شاملا له بناء على أن الملائكة خلقوا من النور وأن الجن خلقوا من ~~النار ، وفي ( صحيح مسلم ) ، عن عائشة رضي الله عنها : أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال : ( خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار ) ~~وإلى هذا ذهب المعتزله وبعض الأشاعرة ، وقد يكون المراد من النار نورا ~~مخلوطا بالمادة ، ويكون المراد بالنور نورا مجردا ، فيكون الجن نوعا من جنس ~~الملائكة أحط ، كما كان الإنسان نوعا من جنس الحيوان أرقى . # وفصل : { قال أنا خير منه } لوقوعه على طريقة المحاورات . # وبين مانعه من السجود ms2973 بأنه رأى نفسه خيرا من آدم ، فلم يمتثل لأمر الله ~~تعالى إياه بالسجود لآدم ، وهذا معصية صريحة ، وقوله : { أنا خير منه } ~~مسوق مساق التعليل للامتناع ولذلك حذف منه اللام . # وجملة : { خلقتني من نار } بيان لجملة : { أنا خير منه } فلذلك فصلت ، ~~لأنها بمنزلة عطف البيان من المبين . # وحصل لإبليس العلم بكونه مخلوقا من نار ، بإخبار من الملائكة الذين شهدوا ~~خلقه ، أو بإخبار من الله تعالى . # وكونه مخلوقا من النار ثابت قال تعالى : { خلق الإنسان من صلصال كالفخار ~~وخلق الجان من مارج من نار } ( الرحمن : 14 ، 15 ) وإبليس من جنس الجن قال ~~تعالى في سورة الكهف ( 50 ) : { فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ~~ربه . # واستند في تفضيل نفسه إلى فضيلة العنصر الذي خلق منه على العنصر الذي خلق ~~منه آدم . PageV08P041 # والنار هي الحرارة البالغة لشدتها الالتهاب الكائنة في الأجسام المصهورة ~~بأصل الخلقة ، كالنار التي في الشمس ، وإذا بلغت الحرارة الالتهام عرضت ~~النارية للجسم من معدن أو نبات أو تراب مثل النار الباقية في الرماد . # والنار أفضل من التراب لقوة تأثيرها وتسلطها على الأجسام التي تلاقيها ، ~~ولأنها تضيء ، ولأنها زكية لا تلصق بها الأقذار ، والتراب لا يشاركها في ~~ذلك وقد اشتركا في أن كليهما تتكون منه الأجسام الحية كلها . # وأما النور الذي خلق منه الملك فهو أخلص من الشعاع الذي يبين من النار ~~مجردا عن ما في النار من الأخلاط الجثمانيه . # والطين التراب المختلط بالماء ، والماء عنصر آخر تتوقف عليه الحياة ~~الحيوانية مع النار والتراب ، وظاهر القرآن في آيات هذه القصة كلها أن شرف ~~النار على التراب مقرر ، وأن إبليس أوخذ بعصيان أمر الله عصيانا باتا ، ~~والله تعالى لما أمر الملائكة بالسجود لآدم قد علم استحقاق آدم ذلك بما ~~أودع الله فيه من القوة التي قد تبلغ به إلى مبلغ الملائكة في الزكاء ~~والتقديس ، فأما إبليس فغره زكاء عنصره وذلك ليس كافيا في التفضيل وحده ، ~~ما لم يكن كيانه من ذلك العنصر مهيئا إياه لبلوغ الكمالات ، لأن العبرة ~~بكيفية التركيب ms2974 ، واعتبار خصائص المادة المركب منها بعد التركيب ، بحسب ~~مقصد الخالق عند التركيب ، ولا عبرة بحالة المادة المجردة ، فالله تعالى ~~ركب إبليس من عنصر النار على هيئة تجعله يستخدم آثار القوة العنصرية في ~~الفساد والاندفاع إليه بالطبع دون نظر ، بحسب خصائص المادة المركب هو منها ~~، وركب آدم من عنصر التراب على هيئة تجعله يستخدم آثار القوة العنصرية في ~~الخبر والصلاح والاندفاع إلى ازدياد الكمال بمحض الاختيار والنظر ، بحسب ما ~~تسمح به خصائص المادة المركب هو منها ، وكل ذلك منوط بحكمة الخالق للتركيب ~~، وركب الملائكة من عنصر النور على هيئة تجعلهم يستخدمون قواهم العنصرية في ~~الخيرات المحضة ، والاندفاع PageV08P042 إلى ذلك بالطبع دون اختيار ولا نظر ~~، بحسب خصايص عنصرهم ، ولذلك كان بلوغ الإنسان إلى الفضائل الملكية أعلى ~~وأعجب ، وكان مبلغه إلى الرذائل الشيطانية أحط وأسهل ، ومن أجل ذلك خوطب ~~بالتكليف . # ولأجل هذا المعنى أمر الله الملائكة بالسجود لآدم أصل النوع البشري لأنه ~~سجود اعتراف لله تعالى بمظهر قدرته العظيمة ، وأمر إبليس بالسجود له كذلك ، ~~فأما الملائكة فامتثلوا أمر الله ولم يعلموا حكمته ، وانتظروا البيان ، كما ~~حكى عنهم بقوله : قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم ~~الحكيم } ( البقرة : 32 ) فجاءهم البيان مجملا بقوله : { إني أعلم ما لا ~~تعلمون } ( البقرة : 30 ) ثم مفصلا بقصة قوله : { ثم عرضهم على الملائكة ~~فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين } ( البقرة : 31 ) إلى قوله { ~~وما كنتم تكتمون في سورة البقرة ( 33 ) . # وقد عاقبه الله على عصيانه بإخراجه من المكان الذي كان فيه في اعتلاء وهو ~~السماء ، وأحل الملائكة فيه ، وجعله مكانا مقدسا فاضلا على الأرض فإن ذلك ~~كله بجعل آلهي بإفاضة الأنوار وملازمة الملائكة ، فقال له : فاهبط منها فما ~~يكون لك أن تتكبر فيها } . # والتعبير بالهبوط إما حقيقة إن كان المكان عاليا ، وإما استعارة للبعد عن ~~المكان المشرف ، بتشبيه البعد عنه بالنزول من مكان مرتفع وقد تقدم ذلك في ~~سورة البقرة . # والفاء في جملة : { فاهبط } لترتيب الأمر بالهبوط على جواب إبليس ، فهو ~~من عطف كلام ms2975 متكلم على كلام متكلم آخر ، لأن الكلامين بمنزلة الكلام الواحد ~~في مقام المحاورة ، كالعطف الذي في قوله تعالى : { قال إني جاعلك للناس ~~إماما قال ومن ذريتي } ( البقرة : 124 ) . # والفاء دالة على أن أمره بالهبوط مسبب عن جوابه . # وضمير المؤنث المجرور بمن في قوله : { منها } عائد على المعلوم بين ~~PageV08P043 المتكلم والمخاطب ، وتأنيثه إما رعي لمعناه بتأويل البقعة ، أو ~~للفظ السماء لأنها مكان الملائكة ، وقد تكرر في القرآن ذكر هذا الضمير ~~بالتأنيث . # وقوله : { فما يكون لك أن تتكبر فيها } الفاء للسببية والتفريع تعليلا ~~للأمر بالهبوط ، وهو عقوبة خاصه عقوبة إبعاد عن المكان المقدس ، لأنه قد ~~صار خلقه غير ملائم لما جعل الله ذلك المكان له ، وذلك خلق التكبر لأن ~~المكان كان مكانا مقدسا فاضلا لا يكون إلا مطهرا من كل ما له وصف ينافيه ~~وهذا مبدأ حاوله الحكماء الباحثون عن المدينة الفاضلة وقد قال مالك رحمه ~~الله : لا تحدثوا بدعة في بلدنا . وهذه الآية أصل في ثبوت الحق لأهل المحلة ~~أن يخرجوا من محلتهم من يخشى من سيرته فشو الفساد بينهم . # ودل قوله : { ما يكون لك } على أن ذلك الوصف لا يغتفر منه ، لأن النفي ~~بصيغة ( ما يكون لك ) كذا أشد من النفي ب ( ليس لك كذا ) كما تقدم عند قوله ~~تعالى : { ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب الآية في آل عمران ( 79 ) ، ~~وهو يستلزم هنا نهيا لأنه نفاه عنه مع وقوعه ، وعليه فتقييد نفي التكبر عنه ~~بالكون في السماء لوقوعه علة للعقوبة الخاصة وهي عقوبة الطرد من السماء ، ~~فلا دلالة لذلك القيد على أنه يكون له أن يتكبر في غيرها ، وكيف وقد علم أن ~~التكبر معصية لا تليق بأهل العالم العلوي . # وقوله : فاخرج } تأكيد لجملة { فاهبط } بمرادفها ، وأعيدت الفاء مع ~~الجملة الثانية لزيادة تأكيد تسبب الكبر في إخراجه من الجنة . # وجملة : { إنك من الصاغرين } يجوز أن تكون مستأنفة استينافا بيانيا ، إذا ~~كان المراد من الخبر الإخبار عن تكوين الصغار فيه بجعل الله تعالى إياه ~~صاغرا حقيرا حيثما حل ، ففصلها عن ms2976 التي قبلها للاستيناف ، ويجوز أن تكون ~~واقعة موقع التعليل للإخراج على طريقة استعمال ( إن ) في مثل هذا ~~PageV08P044 المقام استعمال فاء التعليل ، فهذا إذا كان المراد من الخبر ~~إظهار ما فيه من الصغار والحقارة التي غفل عنها فذهبت به الغفلة عنها إلى ~~التكبر . # وقوله : { إنك من الصاغرين } أشد في إثبات الصغار له من نحو : إنك صاغر ، ~~أو قد صغرت ، كما تقدم في قوله تعالى : { قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين ~~في سورة الأنعام ( 56 ) ، وقوله آنفا : لم يكن من الساجدين } . والصاغر ~~المتصف بالصغار وهو الذل والحقارة ، وإنما يكون له الصغار عند الله لأن ~~جبلته صارت على غير ما يرضي الله ، وهو صغار الغواية ، ولذلك قال بعد هذا : ~~{ فبما أغويتني } ( الأعراف : 16 ) . # # | 2 ( 14 ، 15 ) { قال أنظرنى إلى يوم يبعثون * قال إنك من المنظرين } . ~~) 2 # لما كون الله فيه الصغار والحقارة بعد عزة الملكية وشرفها انقلبت مرامي ~~همته إلى التعلق بالسفاسف ( إذا ما لم تكن إبل فمعزى ) فسأل النظرة بطول ~~الحياة إلى يوم البعث ، إذ كان يعلم قبل ذلك أنه من الحوادث الباقية لأنه ~~من أهل العالم الباقي ، فلما أهبط إلى العالم الأرضي ظن أنه صائر إلى العدم ~~فلذلك سأل النظرة إبقاء لما كان له من قبل ، وإذ قد كان ذلك بتقدير الله ~~تعالى وعلمه ، وبدر من إبليس طلب النظرة ، قال الله تعالى : { إنك من ~~المنظرين } أي إنك من المخلوقات الباقية . # وقد أفاد التأكيد بإن والإخبار بصيغة { من المنظرين } أن إنظاره أمر قد ~~قضاه الله وقدره من قبلل سؤاله ، أي تحقق كونك من الفريق الذين أنظروا إلى ~~يوم البعث ، أي أن الله خلق خلقا وقدر بقاءهم إلى يوم البعث ، فكشف لإبليس ~~أنه بعض من جملة المنظرين من قبل حدوث المعصية منه ، وإن الله ليس بمغير ما ~~قدره له ، فجواب الله تعالى لإبليس إخبار عن أمر تحقق ، وليس PageV08P045 ~~إجابة لطلبة إبليس ، لأنه أهون على الله من أن يجيب له طلبا ، وهذه هي ~~النكتة في العدول عن أن يكون الجواب : أنظرتك أو أجبت ms2977 لك مما يدل على تكرمة ~~باستجابة طلبه ، ولكنه أعلمه أن ما سأله أمر حاصل فسؤاله تحصيل حاصل . # # | 2 ( 16 ، 17 ) { قال فبمآ أغويتنى لأقعدن لهم صراطك المستقيم * ثم ~~لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمآئلهم ولا تجد أكثرهم ~~شاكرين } . ) 2 # الفاء للترتيب والتسبب على قوله : { إنك من الصاغرين } ( الأعراف : 13 ) ~~ثم قوله { إنك من المنظرين } ( الأعراف : 15 ) . # فقد دل مضمون ذينك الكلامين أن الله خلق في نفس إبليس مقدرة على إغواء ~~الناس بقوله : { إنك من الصاغرين } ( الأعراف : 13 ) وإنه جعله باقيا ~~متصرفا بقواه الشريرة إلى يوم البعث ، فأحس إبليس أنه سيكون داعية إلى ~~الضلال والكفر ، بجبلة قلبه الله إليها قلبا وهو من المسخ النفساني ، وإنه ~~فاعل ذلك لا محالة مع علمه بأن ما يصدر عنه هو ضلال وفساد ، فصدور ذلك منه ~~كصدور النهش من الحية ، وكتحرك الأجفان عند مرور شيء على العين ، وإن كان ~~صاحب العين لا يريد تحريكهما . # والباء في قوله : { فبما أغويتني } سببية وهي ظرف مستقر واقع موقع الحال ~~من فاعل { لأقعدن } ، أي أقسم لهم حال كون ذلك مني بسبب إغوائك إياي . ~~واللام في { لأقعدن } لام القسم : قصد تأكيد حصول ذلك وتحقيق العزم عليه . ~~PageV08P046 # وقدم المجرور على عامله لإفادة معنى التعليل ، وهو قريب من الشرط فلذلك ~~استحق التقديم فإن المجرور إذا قدم قد يفيد معنى قريبا من الشرطية ، كما في ~~قول النبيء صلى الله عليه وسلم ( كما تكونوا يولى عليكم ) وفي رواية جزم ~~تكونوا مع عدم معاملة عامله معاملة جواب الشرط بعلامة الجزم فلم يرو ( يولى ~~) إلا بالألف في آخره على عدم اعتبار الجزم . وذلك يحصل من الاهتمام ~~بالمتعلق ، إذ كان هو السبب في حصول المتعلق به ، فالتقديم للاهتمام ، ~~ولذلك لم يكن هذا التقديم منافيا لتصدير لام القسم في جملتها ، على أنا لا ~~نلتزم ذلك فقد خولف في كثير من كلام العرب . وما مصدرية ، والقعود كناية عن ~~الملازمة كما في قول النابغة : # قعودا لدى أبياتهم يثمدونهم # رمى الله في تلك الأكف الكوانع # أي ملازمين أبياتا ms2978 لغيرهم يرد الجلوس ، إذ قد يكونون يسألون واقفين ، ~~وماشين ، ووجه الكناية هو أن ملازمة المكان تستلزم الإعياء من الوقوف عنده ~~، فيقعد الملازم طلبا للراحة ، ومن ثم أطلق على المستجير اسم القعيد ، ومن ~~إطلاق القعيد على الملازم قوله تعالى : { إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن ~~الشمال قعيد } ( ق : 17 ) أي ملازم إذ الملك لا يوصف بقعود ولا قيام . # ولما ضمن فعل : { لأقعدن } معنى الملازمة انتصب { صراطك } على المفعولية ~~، أو على تقدير فعل تضمنه معنى لأقعدن تقديره : فامنعن صراطك أو فأقطعن ~~عنهم صراطك ، واللام في لهم للأجل كقوله : { واقعدوا لهم كل مرصد } ( ~~التوبة : 5 ) . # وإضافة الصراط إلى اسم الجلالة على تقدير اللام أي الصراط الذي هو لك أي ~~الذي جعلته طريقا لك ، والطريق لله هو العمل الذي يحصل به ما يرضي الله ~~بامتثال أمره ، وهو فعل الخيرات ، وترك السيئات ، فالكلام تمثيل هيئة ~~العازمين على فعل الخير ، وعزمهم عليه ، وتعرض الشيطان لهم بالمنع من فعله ~~، بهيئة الساعي في طريق إلى مقصد ينفعه وسعيه إذا اعترضه في طريقه قاطع ~~طريق منعه من المرور فيه . PageV08P047 # والضمير في { لهم } ضمير الإنس الذين دل عليهم مقام المحاورة ، التي ~~اختصرت هنا اختصارا دعا إليه الاقتصار على المقصود منها ، وهو الامتنان ~~بنعمة الخلق ، والتحذير من كيد عدو الجنس ، فتفصيل المحاورة مشعر بأن الله ~~لما خلق آدم خاطب أهل الملإ الأعلى بأنه خلقه ليعمر به وبنسله الأرض ، كما ~~أنبأ بذلك قوله تعالى : { وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة } ~~( البقرة : 30 ) فالأرض مخلوقة يومئذ ، وخلق الله آدم ليعمرها بذريته وعلم ~~إبليس ذلك من إخبار الله تعالى الملائكة فحكى الله من كلامه ما به الحاجة ~~هنا : وهو قوله : { لأقعدن لهم صراطك المستقيم } الآية وقد دلت آية سورة ~~الحجر على أن إبليس ذكر في محاورته ما دل على أنه يريد إغواء أهل الأرض في ~~قوله تعالى : { قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين ~~إلا عبادك منهم المخلصين } ( الحجر : 39 ، 40 ) فإن كان آدم قد خلق في ~~الجنة ms2979 في السماء ثم أهبط إلى الأرض فإن علم إبليس بأن آدم يصير إلى الأرض ~~قد حصل من إخبار الله تعالى بأن يجعله في الأرض خليفة ، فعلم أنه صائر إلى ~~الأرض بعد حين ، وإن كان آدم قد خلق في جنة من جنات الأرض فالأمر ظاهر ، ~~وتقدم ذلك في سورة البقرة . # وهذا الكلام يدل على أن إبليس علم أن الله خلق البشر للصلاح والنفعع ، ~~وأنه أودع فيهم معرفة الكمال ، وأعانهم على بلوغه بالإرشاد ، فلذلك سميت ~~أعمال الخير ، في حكاية كلام إبليس ، صراطا مستقيما ، وإضافه إلى ضمير ~~الجلالة ، لأن الله دعا إليه وارد من الناس سلوكه ، ولذلك أيضا ألزم { ~~لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لأتيناهم من بين أيديهم ومن خلفهم } . # وبهذا الاعتبار كان إبليس عدوا لبني آدم ، لأنه يطلب منهم ما لم يخلقوا ~~لأجله وما هو منافف للفطرة التي فطر الله عليها البشر ، فالعداوة متأصلة ~~وجبلية بين طبع الشيطان وفطرة الإنسان السالمة من التغيير ، وذلك ما أفصح ~~عنه الجعل الإلهي المشار إليه بقوله : { بعضكم لبعض عدو } ( البقرة : 36 ) ~~، PageV08P048 وبه سيتضح كيف انقلبت العداوة ولاية بين الشياطين وبين البشر ~~الذين استحبوا الضلال والكفر على الإيمان والصلاح . # وجملة : { ثم لأتيناهم } ( ثم ) فيها للترتيب الرتبي ، وهو التدرج في ~~الأخبار إلى خبر أهم لأن مضمون الجملة المعطوفة أوقع في غرض الكلام من ~~مضمون الجملة المعطوف عليها ، لأن الجملة الأولى أفادت الترصد للبشر ~~بالإغواء ، والجملة المعطوفة أفادت التهجم عليهم بشتى الوسائل . # وكما ضرب المثل لهيئة الحرص على الإغواء بالقعود على الطريق ، كذلك مثلت ~~هيئة التوسل إلى الإغواء بكل وسيلة بهيئة الباحث الحريص على أخذ العدو إذ ~~يأتيه من كل جهة حتى يصادف الجهة التي يتمكن فيها من أخذه ، فهو يأتيه من ~~بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله حتى تخور قوة مدافعته ، فالكلام ~~تمثيل ، وليس للشيطان مسلك للإنسان إلا من نفسه وعقله بإلقاء الوسوسة في ~~نفسه ، وليست الجهات الأربع المذكوره في الآية بحقيقه ، ولكنها مجاز تمثيلي ~~بما هو متعارف في محاولة الناس ومخاتلتهم ، ولذلك لم يذكر في ms2980 الآية الإتيان ~~من فوقهم ومن تحتهم إذ ليس ذلك من شأن الناس في المخاتلة وإلا المهاجمة . # وعلق { بين أيديهم } و { خلفهم } بحرف ( من ) وعلق { أيمانهم } و { ~~شمالهم } بحرف عن جريا على ما هو شائع في ( لسان العرب ) في تعدية الأفعال ~~إلى أسماء الجهات ، وأصل ( عن ) في قولهم : عن يمينه وعن شماله المجاوزة : ~~أي من جهة يمينه مجاوزا له ومجافيا له ، ثم شاع ذلك حتى صارت ( عن ) بمعنى ~~على ، فكما يقولون : جلس على يمينه يقولون : جلس عن يمينه ، وكذلك ( من ) ~~في قولهم من بين يديه أصلها الابتدا يقال : أتاه من بين يديه ، أي من ~~المكان المواجه له ، ثم شاع ذلك حتى صارت ( من ) بمنزلة الحرف الزائد يجر ~~بها الظرف فلذلك جرت بها الظروف الملازمة للظرفية مثل عند ، لأن ~~PageV08P049 وجود ( من ) كالعدم ، وقد قال الحريري في ( المقامة النحوية ) ~~( ما منصوب على الظرف لا يخفضه سوى حرف : ( فهي هنا زائدة ويجوز اعتبارها ~~ابتدائية . # والأيمان جمع يمين ، واليمين هنا جانب من جسم الإنسان يكون من جهة القطب ~~الجنوبي إذا استقبل المرء مشرق الشمس ، تعارفه الناس ، فشاعت معرفته ولا ~~يشعرون بتطبيق الضابط الذي ذكرناه ، فاليمين جهة يتعرف بها مواقع الأعضاء ~~من البدن يقال العين اليمنى واليد اليمنى ونحو ذلك . وتتعرف بها مواقع من ~~غيرها قال تعالى : { قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين } ( الصافات : 28 ) ~~. وقال امرؤ القيس : # على قطنن بالشيمم أيمن صوبه # لذلك قال أيمة اللغة سميت بلاد اليمن يمنا لأنه عن يمين الكعبة ، ~~فاعتبروا الكعبة كشخص مستقبلل مشرق الشمس فالركن اليماني منها وهو زاوية ~~الجدار الذي فيه الحجر الأسود باعتبار اليد اليمنى من الإنسان ، ولا يدري ~~أصل اشتقاق كلمة ( يمين ) ، ولا أن اليمن أصل لها أو فرع عنها ، والأيمان ~~جمع قياسي . # والشمائل جمع شمال وهي الجهة التي تكون شمالا لمستقبلل مشرق الشمس ، وهو ~~جمع على غير قياس . # وقوله : { ولا تجد أكثرهم شاكرين } زيادة في بيان قوة إضلاله بحيث لا ~~يفلت من الوقوع في حبائله إلا القليل من الناس ، وقد علم ذلك بعلم الحدس ~~وترتيب ms2981 المسببات . # وكني بنفي الشكر عن الكفر إذ لا واسطة بينهما كما قال تعالى : { واشكروا ~~لي ولا تكفرون } ( البقرة : 152 ) ووجه هذه الكناية ، إن كانت محكية كما ~~صدرت من كلام إبليس ، أنه أراد الأدب مع الله تعالى فلم يصرح بين يديه بكفر ~~أتباعه المقتضي أنه يأمرهم بالكفر ، وإن كانت من كلام الله PageV08P050 ~~تعالى ففيها تنبيه على أن المشركين بالله قد أتوا أمرا شنيعا إذ لم يشكروا ~~نعمه الجمة عليهم . # # | 2 ( 18 ) { قال اخرج منها مذءوما مدحورا لمن تبعك منهم لأملأن جهنم ~~منكم أجمعين } . ) 2 # أعاد الله أمره بالخروج من السماء تأكيدا للأمرين الأولل والثاني : قال : ~~{ اهبط منها } إلى قوله { فاخرج } ( الأعراف : 13 ) . # ومذءوم اسم مفعول من ذأمه مهموزا إذا عابه وذمه ذأما وقد تسهل همزة ذأم ~~فتصير ألفا فيقال ذام ولا تسهل في بقية تصاريفه . # مدحور مفعول من دحره إذا أبعده وأقصاه ، أي : أخرج خروج مذموم مطرود ، ~~فالذم لما اتصف به من الرذائل ، والطرد لتنزيه عالم القدس عن مخالطته . # واللام في { لمن تبعك } موطئة للقسم . # و ( من ) شرطية ، واللام في لأملأن لام جواب القسم ، والجواب ساد مسد ~~جواب الشرط ، والتقدير : أقسم من تبعك منهم لأملأن جهنم منهم ومنك ، وغلب ~~في الضمير حال الخطاب لأن الفرد الموجود من هذا العموم هو المخاطب ، وهو ~~إبليس ، ولأنه المقصود ابتداء من هذا الوعيد لأنه وعيد على فعله ، وأما ~~وعيد اتباعه فبالتبع له ، بخلاف الضمير في آية الحجر ( 43 ) وهو قوله : { ~~وإن جهنم لموعدهم أجمعين } ( الحجر : 43 ) لأنه جاء بعد الإعراض عن وعيده ~~بفعله والاهتمام ببيان مرتبة عباد الله المخلصين الذين ليس لإبليس عليهم ~~سلطان ثم الإهتمام بوعيد الغاوين . # وهذا كقوله تعالى في سورة الحجر ( 41 43 ) : { قال هذا صراط علي مستقيم ~~PageV08P051 إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين وإن جهنم ~~لموعدهم أجمعين . # والتأكيد بأجمعين } للتنصيص على العموم لئلا يحمل على التغليب ، وذلك أن ~~الكلام جرى على أمة بعنوان كونهم إتباعا لواحد ، والعرب قد تجري العموم في ~~مثل هذا على المجموع دون ms2982 الجمع ، كما يقولون : قتلت تميم فلانا ، وإنما ~~قتله بعضهم ، قال النابغة في شأن بني حن ( بحاء مهملة مضمومه ) : # وهم قتلوا الطاءى بالجو عنوة # # | 2 ( 19 ) { ويائادم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا ~~هاذه الشجرة فتكونا من الظالمين } . ) 2 # الواو من قوله : { ويا آدم } عاطفة على جملة : { أخرج منها مذءوما مدحورا ~~} ( الأعراف : 18 ) الآية ، فهذه الواو من المحكي لا من الحكاية ، فالنداء ~~والأمر من جملة المقول المحكي يقال : أي قال الله لإبليس اخرج منها وقال ~~لآدم { ويا آدم اسكن } ، وهذا من عطف المتكلم بعض كلامه على بعض ، إذا كان ~~لبعض كلامه اتصال وتناسب مع بعضه الآخر ، ولم يكن أحد الكلامين موجها إلى ~~الذي وجه إليه الكلام الآخر ، مع اتحاد مقام الكلام ، كما يفعل المتكلم مع ~~متعددين في مجلس واحد فيقبل على كل مخاطب منهم بكلام يخصه ومنه قول النبيء ~~صلى الله عليه وسلم في قضية الرجل والأنصاري الذي كان ابن الرجل عسيفا عليه ~~: ( والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله عز وجل أما الغنم والجارية ~~فرد عليك وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام ، واغد يا أنيس على زوجة هذا فإن ~~اعترفت فارجمها ) ، ومن أسلوب هذه الآية ما في قوله تعالى : { قال إنه من ~~كيدكن إن كيدكن عظيم يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك } ( يوسف : 28 ، 29 ) ~~حكاية لكلام العزيز ، أي العزيز عطف خطاب امرأته على خطابه ليوسف . ~~PageV08P052 # فليست الواو في قوله : { ويا آدم اسكن } بعاطفة على أفعال القول التي ~~قبلها حتى يكون تقدير الكلام : وقلنا يا آدم اسكن ، لأن ذلك يفيت النكت ~~التي ذكرناها ، وذلك في حضرة واحدة كان فيها آدم والملائكة وإبليس حضورا . # وفي توجيه الخطاب لآدم بهذه الفضيلة بحضور إبليس بعد طرده زيادة إهانة ، ~~لأن إعطاء النعم لمرضي عليه في حين عقاب من استأهل العقاب زيادة حسرة على ~~المعاقب ، وإظهارا للتفاوت بين مستحق الإنعام ومستحق العقوبة فلا يفيد ~~الكلام من المعاني ما أفاده العطف على المقول المحكي ، ولأنه لو أريد ذلك ~~لأعيد فعل القول . ثم ms2983 إن كان آدم خلق في الجنة ، فكان مستقرا بها من قبل ، ~~فالأمر في قوله : { اسكن } إنما هو أمر تقرير : أي أبق في الحنة ، وإن كان ~~آدم قد خلق خارج الجنة فالأمر للإذن تكريما له ، وأيا ما كان ففي هذا الأمر ~~، بمسمع من إبليس ، مقمعة لإبليس ، لأنه إن كان إبليس مستقرا في الجنة من ~~قبل فالقمع ظاهر إذ أطرده الله وأسكن الذي تكبر هو عن السجود إليه في ~~المكان المشرف الذي كان له قبل تكبره ، وإن لم يكن إبليس ساكنا في الجنة ~~قبل فإكرام الذي احتقره وترفع عليه قمع له ، فقد دل موقع هذا الكلام ، في ~~هذه السورة ، على معنى عظيم من قمع إبليس ، زائد على ما في آية سورة البقرة ~~، وإن كانتا متماثلتين في اللفظ ، ولكن هذا المعنى البديع استفيد من الموقع ~~وهذا من بدائع إعجاز القرآن . # ووجد إيثار هذه الآية بهذه الخصوصية إن هذا الكلام مسوق إلى المشركين ~~الذين اتخذوا الشيطان وليا من دون الله ، فأما ما في سورة البقرة فإنه ~~لموعظة بني إسرائيل ، وهم ممن يحذر الشيطان ولا يتبع خطواته . # والنداء للإقبال على آدم والتنويه بذكره في ذلك الملا . والإتيان بالضمير ~~المنفصل بعد الأمر ، لقصد زيادة التنكيل بإبليس لأن ذكر ضميره في مقام ~~العطف يذكر غيره بأنه ليس مثله ، إذ الضمير وإن كان من قبيل اللقب وليس له ~~مفهوم مخالفة فإنه قد يفيد الاحتراز عن غير صاحب الضمير بالقرينة على طريقة ~~التعريض ولا يمنع من هذا الاعتبار في الضمير كون إظهاره لأجل تحسينن أو ~~تصحيح العطف على الضمير المرفوع المستتر ، لأن PageV08P053 تصحيح أو تحسين ~~العطف يحصل بكل فاصل بين الفعل الرافع للمستتر وبين المعطوف ، لا خصوص ~~الضمير ، كأن يقال : ويا آدم اسكن الجنة وزوجك ، فما اختير الفصل بالضمير ~~المنفصل إلا لما يفيد من التعريض بغيره . وهذه نكتة فاتني العلم بها في آية ~~سورة البقرة فضمها إليها أيضا . # والكلام على قوله : { اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا ~~هذه الشجرة فتكونا من الظالمين } يعلم مما مضى ms2984 من الكلام على نظيره من سورة ~~البقرة . # سوى أن الذي وقع في سورة البقرة ( 35 ) { وكلا بالواو وهنا بالفاء ، ~~والعطف بالواو أعم ، فالآية هنا أفادت أن الله تعالى أذن آدم بأن يتمتع ~~بثمار الجنة عقب أمره بسكنى الجنة . وتلك منة عاجلة تؤذن بتمام الإكرام ، ~~ولما كان ذلك حاصلا في تلك الحضرة ، وكان فيه زيادة تنغيص لإبليس ، الذي ~~تكبر وفضل نفسه عليه ، كان الحال مقتضيا إعلام السامعين به في المقام الذي ~~حكي فيه الغضب على إبليس وطرده ، وأما آية البقرة فإنما أفادت السامعين أن ~~الله امتن على آدم بمنة سكنى الجنة والتمتع بثمارها ، لأن المقام هنالك ~~لتذكير بني إسرائيل بفضل آدم وبذنبه وتوبته ، والتحذير من كيد الشيطان ذلك ~~الكيد الذي هم واقعون في شيء منه عظيم . # على أن آية البقرة ( 35 ) لم تخل عن ذكر ما فيه تكرمة له وهو قوله : رغدا ~~} لأنه مدح للممتن به أو دعاء لآدم ، فحصل من مجموع الآيتين عدة مكارم لآدم ~~، وقد وزعت على عادة القرآن في توزيع أغراض القصص على مواقعها ، ليحصل ~~تجديد الفائدة ، تنشيطا للسامع ، وتفننا في أساليب الحكاية ، لأن الغرض ~~الأهم من القصص في القرآن إنما هو العبرة والموعظة والتأسي . # وقوله : { ولا تقربا هذه الشجرة } أشد في التحذير من أن ينهى عن الأكل ~~منها ، لأن النهي عن قربانها سد لذريعة الأكل منها وقد تقدم نظيره في سورة ~~البقرة . PageV08P054 # والنهي عن قربان شجرة خاصة من شجر الجنة : يحتمل أن يكون نهي ابتلاء . ~~جعل الله شجرة مستثناة من شجر الجنة من الإذن بالأكل منها تهيئة للتكليف ~~بمقاومة الشهوة لامتثال النهي . فلذلك جعل النهي عن تناولها محفوفة ~~بالأشجار المأذون فيها ليلتفت إليها ذهنهما بتركها ، وهذا هو الظاهر ليتكون ~~مختلف القوى العقلية في عقل النوع بتأسيسها في أصل النوع ، فتنتقل بعده إلى ~~نسله ، وذلك من اللطف الإلهي في تكوين النوع ومن مظاهر حقيقة الربوبية ~~والمربوبية ، حتى تحصل جميع القوى بالتدريج فلا يشق وضعها دفعة على قابلية ~~العقل ، وقد دلت الآيات على أن آدم لما ظهر منه خاطر ms2985 المخالفة أكل من ~~الشجرة المنهي عنها ، فأعقبه الأكل حدوث خاطر الشعور بما فيه من نقايص ~~أدركها بالفطرة ، فمعناه أنه زالت منه البساطة والسذاجة . ويحتمل أن يكون ~~ذلك لخصوصية في طبع تلك الشجرة أن تثير في النفس علم الخير والشر كما جاء ~~في التوراة أن الله نهاه عن أكل شجرة معرفة الخير والشر ، وهذا عندي بعيد ، ~~وإنما حكى الله لنا هيئة تطور العقل البشري في خلقة أصل النوع البشري نظير ~~صنعه في قوله : { وعلم آدم الأسماء كلها } ( البقرة : 31 ) . # والإشارة إلى شجرة مشاهدة وقد رويت روايات ضعيفة في تعيين نوعها وذلك مما ~~تقدم في سورة البقرة . # وانتصب : { فتكونا } على جواب النهي ، والكون من الظالمين متسبب على ~~القرب المنهي عنه ، لا على النهي ، وذلك هو الأصل في النصب في جواب النهي ~~كجواب النفي ، أن يعتبر التسبب على الفعل المنفي أو المنهي ، بخلاف الجزم ~~في جواب النهي فإنه إنما يجزم المسبب على إنشاء النهي لا على الفعل المنهي ~~، والفرق بينهما : أن النصب على اعتبار التسبب ، والتسبب ينشأ عن الفعل لا ~~عن الإخبار والإنشاء بخلاف الجزم فإنه على اعتبار الجواب ، تشبيها بالشرط ، ~~فاعتبر فيه معنى إنشاء النهي تشبيها للإنشاء بالاشتراط . PageV08P055 # والمراد ب { الظالمين } الذين يحق عليهم وصف الظلم : إما لظلمهم أنفسهم ~~وإلقائها في العواقب السيئة ، وإما لاعتدائهم على حق غيرهم فإن العصيان ظلم ~~لحق الرب الواجب طاعته . # # | 2 ( 20 ، 21 ) { لله فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من ~~سوءاتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هاذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا ~~من الخالدين * وقاسمهمآ إني لكما لمن الناصحين } . ) 2 # كانت وسوسة الشيطان بقرب نهي آدم عن الأكل من الشجرة ، فعبر عن القرب ~~بحرف التعقيب إشارة إلى أنه قرب قريب ، لأن تعقيب كل شيء بحسبه . # والوسوسة الكلام الخفي الذي لا يسمعه إلا المداني للمتكلم ، قال رؤبة يصف ~~صائدا : # وسوس يدعو جاهدا رب الفلق # سرا وقد أون تأوين العقق # وسمي إلقاء الشيطان وسوسة : لأنه ألقى إليهما تسويلا خفيا من كلامم ~~كلمهما أو انفعالل ms2986 في أنفسهما . كهيئة الغاش الماكر إذ يخفي كلاما عن ~~الحاضرين كيلا يفسدوا عليه غشه بفضح مضاره فألقى لهما كلاما في صورة ~~التخافت ليوهمهما أنه ناصح لهما وأنه يخافت الكلام ، وقد وقع في الآية ~~الأخرى التعبير عن تسويل الشيطان بالقول : { فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم ~~هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى } ( طه : 120 ) ثم درج اصطلاح القرآن ~~وكلام الرسول عليه الصلاة والسلام على تسمية إلقاء الشيطان في نفوس الناس ~~خواطر PageV08P056 فاسدة ، وسوسة تقريبا لمعنى ذلك الإلقاء للأفهام كما في ~~قوله : { من شر الوسواس الخناس } ( الناس : 4 ) وهذا التفصيل لإلقاء ~~الشيطان كيده انفردت به هذه الآية عن آية سورة البقرة لأن هذه خطاب شامل ~~للمشركين وهم أخلياء عن العلم بذلك فناسب تفظيع أعمال الشيطان بمسمع منهم . # واللام في : { ليبدي } لام العاقبة إذا كان الشيطان لا يعلم أن العصيان ~~يفضي بهما إلى حدوث خاطر الشر في النفوس وظهور السوآت ، فشبه حصول الأثر ~~عقب الفعل بحصول المعلول بعد العلة كقوله تعالى : { فالتقطه آل فرعون ليكون ~~لهم عدوا وحزنا } ( القصص : 8 ) وإنما التقطوه ليكون لهم قرة عين ، وحسن ~~ذلك أن بدو سوآتهما مما يرضي الشيطان . ويجوز أن تكون لام العلة الباعثة ~~إذا كان الشيطان يعلم ذلك بالإلهام أو بالنظر ، فالشيطان وسوس لآدم وزوجه ~~لغرض إيقاعهما في المعصية ابتداء ، لأن ذلك طبعه الذي جبل على عمله ، ثم ~~لغرض الإضرار بهما ، إذ كان يعلم أنهما يعصيان الله بالأكل من الشجرة ، ~~ولما كان عدوا لهما كان يسعى إلى ما يؤذيهما ، ويحسدهما على رضى الله عنهما ~~، ويعلم أن العصيان يفضي بهما إلى سوء الحال على الإجمال ، فكان مظهر ذلك ~~السوء إبداء السوآت ، فجعل مفصل العلة المجملة عند الفاعل هو العلة ، وإن ~~لم تخطر بباله ، ويحتمل أن يكون الشيطان قد علم ذلك بعلم حصل له من قبل . ~~والحاصل أنه أراد الإضرار ، لأنه قد استقر في طبعه عداوة البشر ، كما سيصرح ~~به فيما بعد ، وفي قوله تعالى : { إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا } ( ~~فاطر : 6 ) . # والإبداء ضد الإخفاء ms2987 ، فالإبداء كشف الشيء وإظهاره ، ويطلق مجازا على ~~معرفة الشيء بعد جهله يقال : بدا لي أن أفعل كذا . # وأسند إبداء السوآت إلى الشيطان لأنه المتسبب فيه على طريقة المجاز ~~العقلي والسوآت جمع سوأة وهي اسم لما يسوء ويتعير به من النقايص ، ومن ~~PageV08P057 سب العرب قولهم : سوأة لك ، ومن تلهفهم : يا سوأتا . ويكنى ~~بالسوأة عن العورة . ومعنى ووري عنهما حجب عنهما وأخفي ، مشتقا من المواراة ~~وهي التغطية والإخفاء وتطلق المواراة مجازا على صرف المرء عن علم شيء ~~بالكتمان أو التلبيس . # والسوآت هنا يجوز أن تكون جمع السوأة للخصلة الذميمة كما في قول أبي زبيد ~~: # لم يهب حرمة النديم وحقت # يا لقومي للسوأة السوآء # فتكون صيغة الجمع على حقيقتها ، والسوآت حينئذ مستعمل في صريحه ، ويجوز ~~أن تكون جمع السوأة ، المكنى بها عن العورة ، وقد روي تفسيرها بذلك عن ابن ~~عباس كقوله تعالى : { قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم } ( الأعراف : 26 ~~) وعلى هذا فصيغة الجمع مستعملة في الاثنين للتخفيف كقوله تعالى : { فقد ~~صغت قلوبكما } ( التحريم : 4 ) . وسيجيء تحقيق معنى هذا الإبداء عند قوله ~~تعالى بعد هذا : { فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما } ( الأعراف : 22 ) . # وعطف جملة : { وقال ما نهاكما ربكما } على جملة { فوسوس } يدل على أن ~~الشيطان وسوس لهما وسوسة غير قوله : { ما نهاكما } إلخ ثم ثنى وسوسته بأن ~~قال ما نهاكما ، ولو كانت جملة : { ما نهاكما } إلى آخرها بيانا لجملة { ~~فوسوس } لكانت جملة : { وقال ما نهاكما } بدون عاطف ، لأن البيان لا يعطف ~~على المبين . وفي هذا العطف إشعار بأن آدم وزوجه ترددا في الأخذ بوسوسة ~~الشيطان فأخذ الشيطان يراودهما . ألا ترى أنه لم يعطف قوله ، في سورة طه ( ~~120 ) : { فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا ~~يبلى . فإن ذلك حكاية لابتداء وسوسته فابتدأ الوسوسة بالإجمال فلم يعين ~~لآدم الشجرة المنهي عن الأكل منها استنزالا لطاعته ، واستزلالا لقدمه ، ثم ~~أخذ في تأويل نهي الله إياهما عن الأكل منها فقال ما حكي عنه في ~~PageV08P058 سورة الأعراف : ما نهاكما ربكما ms2988 عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ~~ملكين } الآية فأشار إلى الشجرة بعد أن صارت معروفة لهما زيادة في إغرائهما ~~بالمعصية بالأكل من الشجرة ، فقد وزعت الوسوسة وتذييلها على السورتين على ~~عادة القرآن في الاختصار في سوق القصص اكتفاء بالمقصود من مغزى القصة لئلا ~~يصير القصص مقصدا أصليا للتنزيل . # والإشارة بقوله : { عن هذه لشجرة } إلى شجرة معينة قد تبين لآدم بعد أن ~~وسوس إليه الشيطان أنها الشجرة التي نهاه الله عنها ، فأراد إبليس إقدامه ~~على المعصية وإزالة خوفه بإساءة ظنه في مراد الله تعالى من النهي . # والاستثناء في قوله : { إلا أن تكونا ملكين } استثناء من علل ، أي ما ~~نهاكما لعلة وغرض إلا لغرض أن تكونا ملكين ، فتعين تقدير لام التعليل قبل ( ~~أن ) وحذف حروف الجر الداخلة على ( أن ) مطرد في كلام العرب عند أمن اللبس ~~. # وكونهما ملكين أو خالدين علة للنهي : أي كونكما ملكين هو باعث النهي ، ~~إلا أنه باعث باعتبار نفي حصوله لا باعتبار حصوله ، أي هو علة في الجملة ، ~~ولذلك تأوله سيبويه والزمخشري بتقدير : كراهة أن تكونا . وهو تقدير معنى لا ~~تقدير إعراب ، كما تقدم في سورة الأنعام ، وقيل حذفت ( لا ) بعد ( أن ) ~~وحذفها موجود ، وبذلك تأول الكوفيون وقد تقدم القول فيه . وقد أوهم إبليس ~~آدم وزوجه أنهما متمكنان أن يصيرا ملكين من الملائكة ، إذا أكلا من الشجرة ~~، وهذا من تدجيله وتلبيسه إذ ألفى آدم وزوجه غير متبصرين في حقائق الأشياء ~~، ولا عالمين المقدار الممكن في انقلاب الأعيان وتطور الموجودات ، وكانا ~~يشاهدان تفضيل الملائكة عند الله تعالى وزلفاهم وسعة مقدرتهم ، فأطمعهما ~~إبليس أن يصيرا من الملائكة إذا أكلا من الشجرة ، وقيل المراد التشبيه ~~البليغ أي إلا أن تكونا في القرب والزلفى كالملكين ، وقد مثل لهما بما ~~يعرفان من كمال الملائكة . PageV08P059 # وقوله : { أو تكونا من الخالدين } عطف على : { أن تكونا ملكين } وأصل ( ~~أو ) الدلالة على الترديد بين أحد الشيئين أو الأشياء ، سواء كان مع تجويز ~~حصول المتعاطفات كلها فتكون للإباحة بعد الطلب ، وللتجويز بعد الخبر أو ~~للشك ؛ أم كان مع ms2989 منع البعض عند تجويز البعض فتكون للتخيير بعد الطلب وللشك ~~أو الترديد بعد الخبر ، والترديد لا ينافي الجزم بأن أحد الأمرين واقع لا ~~محالة كما هنا ، فمعنى الكلام أن الآكل من هذه الشجرة يكون ملكا وخالدا ، ~~كما قال عنه في سورة طه ( 120 ) : { هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى ~~فجعل نهي الله لهما عن الأكل لا يعدو إرادة أحد الأمرين ، ويستفاد من ~~المقام أنه قد يريد حرمانهما من الأمرين جميعا بدلالة الفحوى ، ولم يكن آدم ~~قد علم حينئذ أن الخلود متعذر ، وأن الموت والحشر والبعث مكتوب على الناس ، ~~فإن ذلك يتلقى من الوحي كما في قوله تعالى لهما في الآية الأخرى : ولكم في ~~الأرض مستقر ومتاع إلى حين } ( البقرة : 36 ) . # { وقاسمهما } أي حلف لهما بما يوهم صدقه ، والمقاسمة مفاعلة من أقسم إذا ~~حلف ، حذفت منه الهمزة عند صوغ المفاعلة ، كما حذفت في المكارمة ، ~~والمفاعلة هنا للمبالغة في الفعل ، وليست لحصول الفعل من الجانبين ، ~~ونظيرها : عافاه الله ، وجعله في ( الكشاف ) : كأنهما قالا له تقسم بالله ~~إنك لمن الناصحين فأقسم فجعل طلبهما القسم بمنزلة القسم ، أي فتكون ~~المفاعلة مجازا ، قال أو أقسم لهما بالنصيحة وأقسما له بقبولها ، فتكون ~~المفاعلة على بابها ، وتأكيد إخباره عن نفسه بالنصح لهما بثلاث مؤكدات دليل ~~على مبلغ شك آدم وزوجه في نصحه لهما ، وما رأى عليهما من مخائل التردد في ~~صدقه ، وإنما شكا في نصحه لأنهما وجدا ما يأمرهما مخالفا لما أمرهما الله ~~الذي يعلمان إرادته بهما الخير علما حاصلا بالفطرة . # # | 2 ( 22 ) { فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما وطفقا ~~يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهمآ ألم أنهكما عن تلكما الشجرة ~~وأقل لكمآ إن الشيطان لكما عدو مبين } . ) 2 # PageV08P060 ( هذه الآية مكررة : # { فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما ~~من ورق الجنة وناداهما ربهمآ ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكمآ إن ~~الشيطان لكما عدو مبين } . ) # تفريع على جملة : { فوسوس لهما الشيطان } ( الأعراف : 20 ) وما عطف عليها ~~. # ومعنى ms2990 { فدلاهما } أقدمهما ففعلا فعلا يطمعان به في نفع فخابا فيه ، وأصل ~~دلى ، تمثيل حال من يطلب شيئا من مظنته فلا يجده بحال من يدلي دلوه أو ~~رجليه في البئر ليستقي من مائها فلا يجد فيها ماء فيقال : دلى فلان ، يقال ~~دلى كما يقال أدلى . # والباء للملابسة أي دلاهما ملابسا للغرور أي لاستيلاء الغرور عليه إذ ~~الغرور هو اعتقاد الشيء نافعا بحسب ظاهر حاله ولا نفع فيه عند تجربته ، ~~وعلى هذا القياس يقال دلاه بغرور إذا أوقعه في الطمع فيما لا نفع فيه ، كما ~~في هذه الآية وقول أبي جندب الهذلي ( هو ابن مرة ولم أقف على تعريفه فإن ~~كان إسلاميا كان قد أخذ قوله كمن يدلى بالغرور من القرآن ، وإلا كان مثلا ~~مستعملا من قبل ) : # أحص فلا أجير ومن أجره # فليس كمن يدلى بالغرور # وعلى هذا الاستعمال ففعل دلى يستعمل قاصرا ، ويستعمل متعديا إذا جعل غيره ~~مدليا ، هذا ما يؤخذ من كلام أهل اللغة في هذا اللفظ ، وفيه تفسيرات أخرى ~~لا جدوى في ذكرها . # ودل قوله : { فدلهما بغرور } على أنهما فعلا ما وسوس لهما الشيطان ، ~~فأكلا من الشجرة ، فقوله : { فلما ذاقا الشجرة } ترتيب على دلاهما بغرور ~~فحذفت الجملة واستغني عنها بإيراد الاسم الظاهر في جملة شرط لما ، والتقدير ~~: فأكلا منها ، كما ورد مصرحا به في سورة البقرة ، فلما ذاقاها بدت لهما ~~سوآتهما . # والذوق إدراك طعم المأكول أو المشروب باللسان ، وهو يحصل عند PageV08P061 ~~ابتداء الأكل أو الشرب ، ودلت هذه الآية على أن بدو سوآتهما حصل عند أول ~~إدراك طعم الشجرة ، دلالة على سرعة ترتب الأمر المحذور عند أول المخالفة ، ~~فزادت هذه الآية على آية البقرة . # وهذه أول وسوسة صدرت عن الشيطان . وأول تضليل منه للإنسان . # وقد أفادت ( لما ) توقيت بدو سوآتهما بوقت ذوقهما الشجرة ، لأن ( لما ) ~~حرف يدل على وجود شيء عند وجود غيره ، فهي لمجرد توقيت مضمون جوابها بزمان ~~وجود شرطها ، وهذا معنى قولهم : حرف وجود لوجود ( فاللام في قولهم لوجود ~~بمعنى ( عند ) ولذلك قال بعضهم هي ظرف بمعنى حين ms2991 ، يريد باعتبار أصلها ، ~~وإذ قد التزموا فيها تقديم ما يدل على الوقت لا على الموقت ، شابهت أدوات ~~الشرط فقالوا حرف وجود لوجود كما قالوا في ( لو ) حرف امتناعع لامتناعع ، ~~وفي ( لولا ) حرف امتناع لوجود ، ولكن اللام في عبارة النحاة في تفسير معنى ~~لو ولولا ، هي لام التعليل ، بخلافها في عبارتهم في ( لما ) لأن ( لما ) لا ~~دلالة لها على سبب ، ألا ترى قوله تعالى : { فلما نجاكم إلى البر أعرضتم } ~~( الإسراء : 67 ) إذ ليس الإنجاء بسبب للإعراض ، ولكن لما كان بين السبب ~~والمسبب تقارن كثر في شرط ( لما ) وجوابها معنى السببية دون اطراد ، فقوله ~~تعالى : { فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما } لا يدل على أكثر من حصول ~~ظهور السوآت عند ذوق الشجرة ، أي أن الله جعل الأمرين مقترنين في الوقت ، ~~ولكن هذا التقارن هو لكون الأمرين مسببين عن سبب واحد ، وهو خاطر السوء ~~الذي نفثه الشيطان فيهما ، فسبب الإقدام على المخالفة للتعاليم الصالحة ، ~~والشعور بالنقيصة : فقد كان آدم وزوجه في طور سذاجة العلم ، وسلامة الفطرة ~~، شبيهين بالملائكة لا يقدمان على مفسدة PageV08P062 ولا مضرة ، ولا يعرضان ~~عن نصح ناصح علما صدقه ، إلى خبر مخبر يشكان في صدقه ، ويتوقعان غروره ، ~~ولا يشعران بالسوء في الأفعال ، ولا في ذرائعها ومقارناتها . لأن الله ~~خلقهما في عالم ملكي . ثم تطورت عقليتهما إلى طور التصرف في تغيير الوجدان ~~. فتكون فيهما فعل ما نهيا عنه . ونشأ من ذلك التطور الشعور بالسوء للغير ، ~~وبالسوء للنفس ، والشعور بالأشياء التي تؤدي إلى السوء . وتقارن السوء ~~وتلازمه . # ثم إن كان ( السوآت ) بمعنى ما يسوء من النقائص ، أو كان بمعنى العورات ~~كما تقدم في قوله تعالى : { ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما } ( ~~الأعراف : 20 ) فبدو ذلك لهما مقارن ذوق الشجرة الذي هو أثر الإقدام على ~~المعصية ونبذ النصيحة إلى الاقتداء بالغرور والاغترار بقسمه ، فإنهما لما ~~نشأت فيهما فكرة السوء في العمل ، وإرادة الإقدام عليه ، قارنت تلك الكيفية ~~الباعثة على الفعل نشأة الانفعال بالأشياء السيئة ، وهي الأشياء التي تظهر ~~بها الأفعال السيئة ، أو تكون ms2992 ذريعة إليها ، كما تنشأ معرفة آلة القطع عند ~~العزم على القتل ، ومن فكرة السرقة معرفة المكان الذي يختفى فيه ، وكذلك ~~تنشأ معرفة الأشياء التي تلازم السوء وتقارنه ، وإن لم تكن سيئة في ذاتها ، ~~كما تنشأ معرفة الليل من فكرة السرقة أو الفرار ، فتنشأ في نفوسس الناسس ~~كراهيته ونسبته إلى إصدار الشرور ، فالسوآت إن كان معناه مطلق ما يسوء ~~منهما ونقائصهما فهي من قبيل القسمين ، وإن كان معناه العورة فهي من قبيل ~~القسم الثاني ، أعني الشيء المقارن لما يسوء ، لأن العورة تقارن فعلا سيئا ~~من النقائص المحسوسة ، والله أوجدها سبب مصالح ، فلم يشعر آدم وزوجه بشيء ~~مما خلقت لأجله ، وإنما شعرا بمقارنة شيء مكروه لذلك وكل ذلك نشأ بإلهام من ~~الله تعالى ، وهذا التطور ، الذي أشارت إليه الآية ، قد جعله الله تطورا ~~فطريا في ذرية آدم ، فالطفل في أول عمره يكون بريئا من خواطر السوء فلا ~~يستاء من تلقاء نفسه إلا إذا لحق به مؤلم خارجي ، PageV08P063 ثم إذا ترعرع ~~أخذت خواطر السوء تنتابه في باطن نفسه فيفرضها ويولدها ، وينفعل بها أو ~~يفعل بما تشير به عليه . # وقوله : { وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة } حكاية لابتداء عمل الإنسان ~~لستر نقائصه ، وتحيله على تجنب ما يكرهه ، وعلى تحسين حاله بحسب ما يخيل ~~إليه خياله ، وهذا أول مظهر من مظاهر الحضارة أنشأه الله في عقلي أصلي ~~البشر ، فإنهما لما شعرا بسوآتهما بكلا المعنيين ، عرفا بعض جزئياتها ، وهي ~~العورة وحدث في نفوسهما الشعور بقبح بروزها ، فشرعا يخفيانها عن أنظارهما ~~استبشاعا وكراهية ، وإذ قد شعرا بذلك بالإلهام الفطري ، حيث لا ملقن ~~يلقنهما ذلك ، ولا تعليم يعلمهما ، تقرر في نفوس الناس أن كشف العورة قبيح ~~في الفطرة ، وأن سترها متعين ، وهذا من حكم القوة الواهمة الذي قارن البشر ~~في نشأته ، فدل على أنه وهم فطري متأصل ، فلذلك جاء دين الفطرة بتقرير ستر ~~العورة ، مشايعة لما استقر في نفوس البشر ، وقد جعل الله للقوة الواهمة ~~سلطانا على نفوس البشر في عصور طويلة ، لأن في اتباعها عونا على تهذيب ms2993 ~~طباعه ، ونزعع الجلافة الحيوانية من النوع ، لأن الواهمة لا توجد في ~~الحيوان ، ثم أخذت الشرائع ، ووصايا الحكماء ، وآداب المربين ، تزيل من ~~عقول البشر متابعة الأوهام تدريجا مع الزمان ، ولا يبقون منها إلا ما لا بد ~~منه لاستبقاء الفضيلة في العادة بين البشر ، حتى جاء الإسلام وهو الشريعة ~~الخاتمة فكان نوط الأحكام في دين الإسلام بالأمور الوهمية ملغى في غالب ~~الأحكام ، كما فصلته في كتاب ( مقاصد الشريعة ) وكتاب ( أصول نظام الاجتماع ~~في الإسلام ) . # والخصف حقيقته تقوية الطبقة من النعل بطبقة أخرى لتشتد ، ويستعمل مجازا ~~مرسلا في مطلق التقوية للخرقة والثوب ، ومنه ثوب خصيف أي مخصوف أي غليظ ~~النسج لا يشف عما تحته ، فمعنى يخصفان يضعان على عوراتهما الورق بعضه على ~~بعض كفعل الخاصف ، وضعا ملزقا متمكنا ، وهذا هو الظاهر هنا إذ لم يقل ~~يخصفان ورق الجنة . PageV08P064 # و ( من ) في قوله : { من ورق الجنة } يجوز كونها اسما بمعنى بعض في موضع ~~مفعول { يخصفان } أي يخصفان بعض ورق الجنة ، كما في قوله : { من الذين ~~هادوا يحرفون } ، ويجوز كونها بيانية لمفعول محذوف يقتضيه : ( { يخصفان } ~~والتقدير : يخصفان خصفا من ورق الجنة . # # | 2 ( 23 ) { وناداهما ربهمآ ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكمآ إن ~~الشيطان لكما عدو مبين } { قالا ربنا ظلمنآ أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا ~~لنكونن من الخاسرين } . ) 2 # عطف على جواب ( لما ) ، فهو مما حصل عند ذوق الشجرة ، وقد رتب الإخبار عن ~~الأمور الحاصلة عند ذوق الشجرة على حسب ترتيب حصولها في الوجود . فإنهما ~~بدت لهما سوآتهما فطفقا يخصفان . وأعقب ذلك نداء الله إياهما . # وهذا أصل في ترتيب الجمل في صناعة الإنشاء ، إلا إذا اقتضى المقام العدول ~~عن ذلك ، ونظير هذا الترتيب ما في قوله تعالى : { ولما جاءت رسلنا لوطا سيء ~~بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب } ( هود : 77 ) وقد بينته في كتاب ( ~~أصول الإنشاء والخطابة ) ولم أعلم أني سبقت إلى الاهتداء إليه . # وقد تأخر نداء الرب إياهما إلى أن بدت لهما سوآتهما ، وتحيلا لستر ~~عوراتهما ليكون للتوبيخ وقع مكين من ms2994 نفوسهما ، حين يقع بعد أن تظهر لهما ~~مفاسد عصيانهما ، فيعلما أن الخير في طاعة الله ، وأن في عصيانه ضرا . # والنداء حقيقته ارتفاع الصوت وهو مشتق من الندى بفتح النون والقصر وهو ~~بعد الصوت ، قال مدثار بن شيبان النمري : # فقلت ادعي وأدعوا إن أندى # لصوتت أن ينادي داعيان PageV08P065 # وهو مجاز مشهور في الكلام الذي يراد به طلب إقبال أحد إليك ، وله حروف ~~معروفة في العربية : تدل على طلب الإقبال ، وقد شاع إطلاق النداء على هذا ~~حتى صار من الحقيقة ، وتفرع عنه طلب الإصغاء وإقبال الذهن من القريب منك ، ~~وهو إقبال مجازي . # { وناداهما ربهما } مستعمل في المعنى المشهور : وهو طلب الإقبال ، على أن ~~الإقبال مجازي لا محالة فيكون كقوله تعالى : { وزكرياء إذا نادى ربه } ( ~~الأنبياء : 89 ) وهو كثير في الكلام . # ويجوز أن يكون مستعملا في الكلام بصوت مرتفع كقوله تعالى : { كمثل الذي ~~ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء } ( البقرة : 171 ) وقوله : { ونودوا أن ~~تلكم الجنة أورثتموها } ( الأعراف : 43 ) وقول بشار : # ناديت إن الحب أشعرني # قتلا وما أحدثت من ذنب # ورفع الصوت يكون لأغراض ، ومحمله هنا على أنه صوت غضب وتوبيخ . # وظاهر إسناد النداء إلى الله أن الله ناداهما بكلام بدون واسطة ملك مرسل ~~، مثلل الكلام الذي كلم الله به موسى ، وهذا واقع قبل الهبوط إلى الأرض ، ~~فلا ينافي ما ورد من أن موسى هو أول نبيء كلمه الله تعالى بلا واسطة ، ~~ويجوز أن يكون نداء آدم بواسطة أحد الملائكة . # وجملة : { ألم أنهاكما } في موضع البيان لجملة ( ناداهما ) ، ولهذا فصلت ~~الجملة عن التي قبلها . # والاستفهام في { ألم أنهاكما } للتقرير والتوبيخ ، وأولي حرف النفي زيادة ~~في التقرير ، لأن نهي الله إياهما واقع فانتفاؤه منتفا ، فإذا أدخلت أداة ~~التقرير وأقر المقرر بضد النفي كان إقراره أقوى في المؤاخذة بموجبه ، لأنه ~~قد هييء له سبيل الإنكار ، لو كان يستطيع إنكارا ، كما تقدم عند قوله تعالى ~~: { يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم الآية في سورة الأنعام ( 130 ) ~~، ولذلك اعترفا بأنهما ظلما أنفسهما . PageV08P066 # وعطف جملة ms2995 : وأقل لكما } على جملة : { أنهكما } للمبالغة في التوبيخ ، ~~لأن النهي كان مشفوعا بالتحذير من الشيطان الذي هو المغري لهما بالأكل من ~~الشجرة ، فهما قد أضاعا وصيتين . والمقصود من حكاية هذا القول هنا تذكير ~~الأمة بعداوة الشيطان لأصل نوع البشر ، فيعلموا أنها عداوة بين النوعين ، ~~فيحذروا من كل ما هو منسوب إلى الشيطان ومعدود من وسوسته ، فإنه لما جبل ~~على الخبث والخري كان يدعو إلى ذلك بطبعه وكان لا يهنأ له بال ما دام عدوه ~~ومحسوده في حالة حسنة . # والمبين أصله المظهر ، أي للعداوة بحيث لا تخفى على من يتتبع آثار وسوسته ~~وتغريره ، وما عامل به آدم من حين خلقه إلى حين غروره به ففي ذلك كله إبانة ~~عن عداوته ، ووجه تلك العداوة أن طبعه ينافي ما في الإنسان من الكمال ~~الفطري المؤيد بالتوفيق والإرشاد الإلهي ، فلا يحب أن يكون الإنسان إلا في ~~حالة الضلال والفساد . ويجوز أن يكون المبين مستعملا مجازا في القوي الشديد ~~لأن شأن الوصف الشديد أن يظهر للعيان . # وقد قالا : { ربنا ظلمنا أنفسنا } اعترافا بالعصيان ، وبأنهما علما أن ضر ~~المعصية عاد عليهما ، فكانا ظالمين لأنفسهما إذ جرا على أنفسهما الدخول في ~~طور ظهور السوآت ، ومشقة اتخاذ ما يستر عوراتهما ، وبأنهما جرا على أنفسهما ~~غضب الله تعالى ، فهما في توقع حقوق العذاب ، وقد جزما بأنهما يكونان من ~~الخاسرين إن لم يغفر الله لهما ، إما بطريق الإلهام أو نوع من الوحي ، وإما ~~بالاستدلال على العواقب بالمبادىء ، فإنهما رأيا من العصيان بوادىء الضر ~~والشر ، فعلما أنه من غضب الله ومن مخالفة وصايته ، وقد أكدا جملة جواب ~~الشرط بلام القسم ونون التوكيد إظهارا لتحقيق الخسران استرحاما واستغفارا ~~من الله تعالى . # # | 2 ( 24 ) { قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم فى الارض مستقر ومتاع إلى ~~حين } . ) 2 # PageV08P067 # طوى القرآن هنا ذكر التوبة على آدم : لأن المقصود من القصة في هذه السورة ~~التذكير بعداوة الشيطان وتحذير الناس من اتباع وسوسته ، وإظهار ما يعقبه ~~اتباعه من الخسران والفساد ، ومقام هذه الموعظة يقتضي الإعراض عن ذكر ms2996 ~~التوبة للاقتصار على أسباب الخسارة ، وقد ذكرت التوبة في آية البقرة ~~المقصود منها بيان فضل آدم وكرامته عند ربه ، ولكل مقام مقال . والخطاب ~~لآدم وزوجه وإبليس . والأمر تكويني ، وبه صار آدم وزوجه وإبليس من سكان ~~الأرض . # وجملة : { بعضكم لبعض عدو } في موضع الحال من ضمير : { اهبطوا } المرفوعع ~~بالأمر التكويني فهذه الحال أيضا تفيد معنى تكوينيا وهو مقارنة العداوة ~~بينهم لوجودهما في الأرض ، وهذا التكوين تأكدت به العداوة الجبلية السابقة ~~فرسخت وزادت ، والمراد بالبعض البعض المخالف في الجنس ، فأحد البعضين هو ~~آدم وزوجه ، والبعض الآخر هو إبليس ، وإذ قد كانت هذه العداوة تكوينية بين ~~أصلي الجنسين ، كانت موروثة في نسليهما ، والمقصود تذكير بني آدم بعداوة ~~الشيطان لهم ولأصلهم ليتهموا كل وسوسة تأتيهم من قبله ، وقد نشأت هذه ~~العداوة عن حسد إبليس ، ثم سرت وتشجرت فصارت عداوة تامة في سائر نواحي ~~الوجود ، فهي منبثة في التفكير والجسد ، ومقتضية تمام التنافر بين النوعين ~~. # وإذ قد كانت نفوس الشياطين داعية إلى الشر بالجبلة تعين أن عقل الإنسان ~~منصرف بجبلته إلى الخير ، ولكنه معرض لوسوسة الشياطين فيقع في شذوذ عن أصل ~~فطرته ، وفي هذا ما يكون مفتاحا لمعنى كون الناس يولدون على الفطرة ، وكون ~~الإسلام دين الفطرة ، وكون الأصل في الناس الخير . أما كون الأصل في الناس ~~العدالة أو الجرح فذلك منظور فيه إلى خشية الوقوع في الشذوذ ، من حيث لا ~~يدري الحاكم ولا الراوي ، لأن أحوال الوقوع في ذلك الشذوذ مبهمة فوجب ~~التبصر في جميع الأحوال . PageV08P068 # وعطفت جملة : { ولكم في الأرض مستقر } على جملة : { بعضكم لبعض عدو } . # والمستقر مصدر ميمي والاستقرار هو المكث وقد تقدم القول فيه عند قوله ~~تعالى : { لكل نبإ مستقر } ( الأنعام : 67 ) وقوله { فمستقر ومستودع في ~~سورة الأنعام ( 98 ) . # والمراد به الوجود أي وجود نوع الإنسان وبخصائصه وليس المراد به الدفن ~~كما فسر به بعض المفسرين لأن قوله ومتاع يصد عن ذلك ولأن الشياطين والجن لا ~~يدفنون في الأرض . # والمتاع والتمتع : نيل الملذات والمرغوبات غير الدائمة ، ويطلق المتاع ~~على ما يتمتع ms2997 به وينتفع به من الأشياء ، وتقدم في قوله تعالى : لو تغفلون ~~عن أسلحتكم وأمتعتكم في سورة النساء ( 102 ) . # والحين المدة من الزمن ، طويلة أو قصيرة ، وقد نكر هنا ولم يحدد لاختلاف ~~مقداره باختلاف الأجناس والأفراد ، والمراد به زمن الحياة التي تخول صاحبها ~~إدراك اللذات ، وفيه يحصل بقاء الذات غير متفرقة ولا متلاشية ولا معدومة ، ~~وهذا الزمن المقارن لحالة الحياة والإدراك هو المسمى بالأجل ، أي المدة ~~التي يبلغ إليها الحي بحياته في علم الله تعالى وتكوينه ، فإذا انتهى الأجل ~~وانعدمت الحياة انقطع المستقر والمتاع ، وهذا إعلام من الله بما قدره ~~للنوعين ، وليس فيه امتنان ولا تنكيل بهم . # # | 2 ( 25 ) قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون } . ) 2 # أعيد فعل القول في هذه الجملة مستأنفا غير مقترن بعاطف ، ولا مستغنى عن ~~فعل القول بواو عطف ، مع كون القائل واحدا ، والغرضض متحدا ، خروجا عن ~~مقتضى الظاهر لأن مقتضى الظاهر في مثله هو العطف ، وقد أهمل توجيه ترك ~~العطف جمهور الحذاق من المفسرين : الزمخشري وغيره ، ولعله رأى ذلك أسلوبا ~~من أساليب الحكاية ، وأول من رأيته حاول توجيه ترك العطف هو الشيخ محمد بن ~~عرفة التونسي في ( املاءات التفسير ) المروية PageV08P069 عنه ، فإنه قال ~~في قوله تعالى الآتي في هذه السورة ( 140 ) : { قال أغير الله أبغيكم إلها ~~بعد قوله : قال إنكم قوم تجهلون } ( الأعراف : 138 ) إذ جعل وجه إعادة لفظ ~~قال هو ما بين المقالين من البون ، فالأول راجع إلى مجرد الإخبار ببطلان ~~عبادة الأصنام في ذاته ، والثاني إلى الاستدلال على بطلانه ، وقد ذكر معناه ~~الخفاجي عند الكلام على الآية الآتية بعد هذه ، ولم ينسبه إلى ابن عرفة ~~فلعله من توارد الخواطر ؛ وقال أبو السعود : إعادة القول إما لإظهار ~~الاعتناء بمضمون ما بعده ، وهو قوله : { فيها تحيون } ( الأعراف : 25 ) ~~وإما للإيذان بكلام محذوف بين القولين كما في قوله تعالى : { قال فما خطبكم ~~} ( الحجر : 57 ) إثر قوله { قال ومن يقنط من رحمة ربه } ( الحجر : 56 ) ~~فإن الخليل خاطب الملائكة أولا بغير عنوان كونهم مرسلين ، ثم خاطبهم بعنوان ms2998 ~~كونهم مرسلين عند تبين أن مجيئهم ليس لمجرد البشارة ، فلذلك قال : { فما ~~خطبكم ، وكما في قوله تعالى : أرايتك هذا الذي كرمت علي } ( الإسراء : 62 ) ~~بعد قوله { قال أأسجد لمن خلقت طينا } ( الإسراء : 61 ) فإنه قال قوله ~~الثاني بعد الإنظار المترتب على استنظاره الذي لم يصرح به اكتفاء بما ذكر ~~في مواضع أخرى ، هذا حاصل كلامه في مواضع ، والتوجيه الثاني مردود إذ لا ~~يلزم في حكاية الأقوال الإحاطة ولا الاتصال . # والذي أراه أن هذا ليس أسلوبا في حكاية القول يتخير فيه البليغ ، وأنه ~~مساو للعطف بثم ، وللجمع بين حرف العطف وإعادة فعل القول ، كما في قوله ~~تعالى : { وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل } ( الأعراف : 39 ~~) بعد قوله { قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا } ( الأعراف : 38 ) ، ~~فإذا لم يكن كذلك كان توجيه إعادة فعل القول ، وكونه مستأنفا : أنه استئناف ~~ابتدائي للاهتمام بالخبر ، إيذانا بتغير الخطاب بأن يكون بين الخطابين ~~تخالف ما ، فالمخاطب بالأول آدم وزوجه والشيطان ، والمخاطب بالثاني آدم ~~وزوجه وأبناؤهما ، فإن كان هذا الخطاب قبل حدوث الذرية لهما كما هو ظاهر ~~السياق فهو خطاب لهما بإشعارهما أنهما أبوا خلق كثير : PageV08P070 كلهم ~~هذا حالهم ، وهو من تغليب الموجود على من لم يوجد ، وإن كان قد وقع بعد ~~وجود الذرية لهما فوجه الفصل أظهر وأجدر ، والقرينة على أن إبليس غير داخل ~~في الخطاب هو قوله : { ومنها تخرجون } لأن الإخراج من الأرض يقتضي سبق ~~الدخول في باطنها ، وذلك هو الدفن بعد الموت ، والشياطين لا يدفنون . وقد ~~أمهل الله إبليس بالحياة إلى يوم البعث فهو يحشر حينئذ أو يموت ويبعث ، ولا ~~يعلم ذلك إلا الله تعالى . # وقد جعل تغيير الأسلوب وسيلة للتخلص إلى توجيه الخطاب إلى بني آدم عقب ~~هذا . # وقد دل جمع الضمير على كلام مطوي بطريقة الإيجاز : وهو أن آدم وزوجه ~~استقرا في الأرض ، وتظهر لهما ذرية ، وأن الله أعلمهم بطريق من طرق الإعلام ~~الإلهي بأن الأرض قرارهم ، ومنها مبعثهم ، يشمل هذا الحكم الموجودين منهم ~~يوم الخطاب والذين سيوجدون من ms2999 بعد . # وقد يجعل سبب تغيير الأسلوب تخالف القولين بأن القول السابق قول مخاطبة ، ~~والقول الذي بعده قول تقدير وقضاء أي قدر الله تحيون فيها وتموتون فيها ~~وتخرجون منها . # وتقديم المجرورات الثلاثة على متعلقاتها للاهتمام بالأرض التي جعل فيها ~~قرارهم ومتاعهم ، إذ كانت هي مقر جميع أحوالهم . # وقد جعل هذا التقديم وسيلة إلى مراعاة النظير ، إذ جعلت الأرض جامعة ~~لهاته الأحوال ، فالأرض واحدة وقد تداولت فيها أحوال سكانها المتخالفة ~~تخالفا بعيدا . # وقرأ الجمهور : تخرجون بضم الفوقية وفتح الراء على البناء للمفعول ، ~~وقرأه حمزة ، والكسائي ، وابن ذكوان عن ابن عامر ، ويعقوب ، وخلف : بالبناء ~~للفاعل . # $ 2 ( 26 ) { يابنى & # 1764 آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يوارى سوءاتكم وريشا ولباس التقوى ذالك ~~خير ذالك من آيات الله لعلهم يذكرون } . ) 2 $ PageV08P071 # إذا جرينا على ظاهر التفاسير كان قوله : { يا بني آدم قد أنزلنا عليكم ~~لباسا } الآية استئنافا ابتدائيا ، عاد به الخطاب إلى سائر الناس الذين ~~خوطبوا في أول السورة بقوله : { اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم } ( الأعراف ~~: 3 ) الآيات ، وهم أمة الدعوة ، لأن الغرض من السورة إبطال ما كان عليه ~~مشركو العرب من الشرك وتوابعه من أحوال دينهم الجاهلي ، وكان قوله : { ولقد ~~خلقناكم ثم صورناكم } ( الأعراف : 11 ) استطرادا بذكر منة الله عليهم وهم ~~يكفرون به كما تقدم عند قوله تعالى : { ولقد خلقناكم } فخاطبت هذه الآية ~~جميع بني آدم بشيء من الأمور المقصودة من السورة فهذه الآية كالمقدمة للغرض ~~الذي يأتي في قوله : { يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد } ( الأعراف : ~~31 ) ووقوعها في أثناء آيات التحذير من كيد الشيطان جعلها بمنزلة الاستطراد ~~بين تلك الآيات وإن كانت هي من الغرض الأصلي . # ويجوز أن يكون قوله : { يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا } وما أشبهه ~~مما افتتح بقوله : { يا بني آدم } أربع مرات ، من جملة المقول المحكي بقوله ~~: { قال فيها تحيون } ( الأعراف : 25 ) فيكون مما خاطب الله به بني آدم في ~~ابتداء عهدهم بعمران الأرض على لسان أبيهم آدم ، أو بطريق من طرق الإعلام ~~الإلهي ، ولو ms3000 بالإلهام ، لما تنشأ به في نفوسهم هذه الحقائق ، فابتدأ ~~فأعلمهم بمنته عليهم أن أنزل لهم لباسا يواري سوآتهم ، ويتجملون به بمناسبة ~~ما قص الله عليهم من تعري أبويهم حين بدت لهما سوءاتهما ، ثم بتحذيرهم من ~~كيد الشيطان وفتنته بقوله : { يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان } ( الأعراف : ~~27 ) ثم بأن أمرهم بأخذ اللباس وهو زينة الإنسان عند مواقع العبادة لله ~~تعالى بقوله : { يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد } ( الأعراف : 31 ) ، ~~ثم بأن أخذ عليهم العهد بأن يصدقوا الرسل وينتفعوا بهديهم بقوله : { يا بني ~~آدم إما يأتينكم رسل منكم } ( الأعراف : 35 ) الآية ، واستطرد بين ذلك كله ~~بمواعظ تنفع الذين قصدوا من هذا القصص ، وهم المشركون المكذبون محمدا صلى ~~الله عليه وسلم فهم المقصود من هذا الكلام PageV08P072 كيفما تفننت أساليبه ~~وتناسق نظمه ، وأيا ما كان فالمقصود الأول من هذه الخطابات أو من حكايتها ~~هم مشركو العرب ومكذبو محمد صلى الله عليه وسلم ولذلك تخللت هذه الخطاباتت ~~مستطردات وتعريضات مناسبة لما وضعه المشركون من التكاذيب في نقض أمر الفطرة ~~. # والجمل الثلاث من قوله : { يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا } وقوله { ~~يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان } ( الأعراف : 27 ) وقوله { يا بني آدم خذوا ~~زينتكم عند كل مسجد } ( الأعراف : 31 ) متصلة تمام الاتصال بقصة فتنة ~~الشيطان لآدم وزوجه ، أو متصلة بالقول المحكي بجملة : { قال فيها تحيون } ( ~~الأعراف : 25 ) على طريقة تعداد المقول تعدادا يشبه التكرير . # وهذا الخطاب يشمل المؤمنين والمشركين ، ولكن الحظ الأوفر منه للمشركين : ~~لأن حظ المؤمنين منه هو الشكر على يقينهم بأنهم موافقون في شؤونهم لمرضاة ~~ربهم ، وأما حظ المشركين فهو الإنذار بأنهم كافرون بنعمة ربهم ، معرضون ~~لسخطه وعقابه . # وابتدىء الخطاب بالنداء ليقع إقبالهم على ما بعده بشراشر قلوبهم ، وكان ~~لاختيار استحضارهم عند الخطاب بعنوان بني آدم مرتين وقع عجيب ، بعد الفراغ ~~من ذكر قصة خلق آدم وما لقيه من وسوسة الشيطان : وذلك أن شأن الذرية أن ~~تثأر لآبائها ، وتعادي عدوهم ، وتحترس من الوقوع في شركه . # ولما كان إلهام الله ms3001 آدم أن يستر نفسه بورق الجنة منة عليه ، وقد تقلدها ~~بنوه ، خوطب الناس بشمول هذه المنة لهم بعنوان يدل على أنها منة موروثة ، ~~وهي أوقع وأدعى للشكر ، ولذلك سمى تيسير اللباس لهم وإلهامهم إياه إنزالا ، ~~لقصد تشريف هذا المظهر ، وهو أول مظاهر الحضارة ، بأنه منزل على الناس من ~~عند الله ، أو لأن الذي كان منه على آدم نزل به من الجنة إلى الأرض التي هو ~~فيها ، فكان له في معنى الإنزال مزيد اختصاص ، PageV08P073 على أن مجرد ~~الإلهام إلى استعماله بتسخير إلهي ، مع ما فيه من عظيم الجدوى على الناس ~~والنفع لهم ، يحسن استعارة فعل الإنزال إليه ، تشريفا لشأنه ، وشاركه في ~~هذا المعنى ما يكون من الملهمات عظيم النفع ، كما في قوله : { وأنزلنا ~~الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس } ( الحديد : 25 ) أي أنزلنا الإلهام إلى ~~استعماله والدفاعع به ، وكذلك قوله : { وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج ~~} ( الزمر : 6 ) أي : خلقها لكم في الأرض بتدبيره ، وعلمكم استخدامها ~~والانتفاع بما فيها ، ولا يطرد في جميع ما ألهم إليه البشر مما هو دون هذه ~~في الجدوى ، وقد كان ذلك اللباس الذي نزل به آدم هو أصل اللباس الذي ~~يستعمله البشر . # وهذا تنبيه إلى أن اللباس من أصل الفطرة الإنسانية ، والفطرة أول أصول ~~الإسلام ، وأنه مما كرم الله به النوع منذ ظهوره في الأرض ، وفي هذا تعريض ~~بالمشركين إذ جعلوا من قرباتهم نزع لباسهم بأن يحجوا عراة كما سيأتي عند ~~قوله : { قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده } ( الأعراف : 32 ) فخالفوا ~~الفطرة ، وقد كان الأمم يحتفلون في أعياد أديانهم بأحسن اللباس ، كما حكى ~~الله عن موسى عليه السلام وأهل مصر : { قال موعدكم يوم الزينة } ( طه : 59 ~~) . # واللباس اسم لما يلبسه الإنسان أي يستر به جزءا من جسده ، فالقميص لباس ، ~~والإزار لباس ، والعمامة لباس ، ويقال لبس التاج ولبس الخاتم قال تعالى : { ~~وتستخرجون حلية تلبسونها } ( فاطر : 12 ) ومصدر لبس اللبس بضم اللام . # وجملة : { يواري سوآتكم } صفة ( للباسا ) وهو صنف اللباس اللازم ، وهذه ~~الصفة صفة مدح اللباس ms3002 أي من شأنه ذلك وإن كان كثير من اللباس ليس لمواراة ~~السوآت مثل العمامة والبرد والقباء وفي الآيه إشارة إلى وجوب ستر العورة ~~المغلظة ، وهي السوأة ، وأما ستر ما عداها من الرجل والمرأة فلا تدل الآية ~~عليه ، وقد ثبت بعضه بالسنة ، وبعضه بالقياس والخوض في تفاصيلها وعللها من ~~مسائل الفقه . PageV08P074 # والريش لباس الزينة الزائد على ما يستر العورة ، وهو مستعار من ريش الطير ~~لأنه زينته ، ويقال للباس الزينة رياش . # وعطف ( ريشا ) على : { لباسايزارى سوآتكم } عطف صنف على صنف ، والمعنى ~~يسرنا لكم لباسا يستركم ولباسا تتزينون به . # وقوله : { ولباس التقوى } قرأه نافع ، وابن عامر ، والكسائي ، وأبو جعفر ~~: بالنصب ، عطفا على { لباسا } فيكون من اللباس المنزل أي الملهم ، فيتعين ~~أنه لباس حقيقة أي شيء يلبس . والتقوى ، على هذه القراءة ، مصدر بمعنى ~~الوقاية ، فالمراد : لبوس الحرب ، من الدروع والجواشن والمغافر . فيكون ~~كقوله تعالى : { وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم } ( النحل ~~: 81 ) . والإشارة باسم الإشارة المفرد بتأويل المذكور ، وهو اللباس ~~بأصنافه الثلاثة ، أي خير أعطاه الله بني آدم . فالجملة مستأنفة أو حال من ~~{ لباسا } وما عطف عليه . # وقرأه ابن كثير ، وعاصم ، وحمزة ، وأبو عمرو ، ويعقوب ، وخلف : برفع { ~~لباس التقوى } على أن الجملة معطوفة على جملة { قد أنزلنا عليكم لباسا } ، ~~فيجوز أن يكون المراد بلباس التقوى مثل ما يرد به في قراءة النصب ، ويجوز ~~أن يكون المراد بالتقوى تقوى الله وخشيته ، وأطلق عليها اللباس إما بتخييل ~~التقوى بلباس يلبس ، وإما بتشبيه ملازمة تقوى الله بملازمة اللابس لباسه ، ~~كقوله تعالى : { هن لباس لكم وأنتم لباس لهن } ( البقرة : 187 ) مع ما يحسن ~~هذا الإطلاق من المشاكلة . # وهذا المعنى الرفع أليق به . ويكون استطرادا للتحريض على تقوى الله ، ~~فإنها خير للناس من منافع الزينة ، واسم الإشارة على هذه القراءة لتعظيم ~~المشار إليه . # وجملة : { ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون } استئناف ثان على قراءة : { ~~ولباس التقوى } بالنصب بأن استأنف . بعد الامتنان بأصناف اللباس ، ~~استئنافين يؤذنان بعظيم النعمة : الأول بأن اللباس خير للناس ، والثاني بأن ~~اللباس آية من ms3003 آيات الله تدل على علمه ولطفه ، وتدل على PageV08P075 وجوده ~~، وفيها آية أخرى وهي الدلالة على علم الله تعالى بأن ستكون أمة يغلب عليها ~~الضلال فيكونون في حجهم عراة ، فلذلك أكد الوصاية به . والمشار إليه ، ~~بالإشارة التي في الجملة الثانية ، عين المشار إليه بالإشارة التي في ~~الجملة الأولى وللاهتمام بكلتا الجملتين جعلت الثانية مستقلة غير معطوفة . # وعلى قراءة رفع : { ولباس للتقوى } تكون جملة : ذلك من آيات الله استئناف ~~واحدا والإشارة التي في الجملة الثانية عائدة إلى المذكور قبل من أصناف ~~اللباس حتى المجازي على تفسير لباس التقوى بالمجازي . # وضمير الغيبة في : { لعلهم يذكرون } التفات أي جعل الله ذلك آية لعلكم ~~تتذكرون عظيم قدرة الله تعالى وانفراده بالخلق والتقدير واللطف ، وفي هذا ~~الإلتفات تعريض بمن لم يتذكر من بني آدم فكأنه غائب عن حضرة الخطاب ، على ~~أن ضمائر الغيبة ، في مثل هذا المقام في القرآن ، كثيرا ما يقصد بها مشركو ~~العرب . # $ 2 ( 27 ) { يابنى & # 1764 آدم لا يفتننكم الشيطان كمآ أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما ~~لباسهما ليريهما سوءاتهمآ إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا ~~الشياطين أوليآء للذين لا يؤمنون } . ) 2 $ # أعيد خطاب بني آدم ، فهذا النداء تكملة للآي قبله ، بني على التحذير من ~~متابعة الشيطان إلى إظهار كيده للناس من ابتداء خلقهم ، إذ كاد لأصلهم . # والنداء بعنوان بني آدم : للوجه الذي ذكرته في الآية قبلها ، مع زيادة ~~التنويه بمنة اللباس توكيدا للتعريض بحماقة الذين يحجون عراة . PageV08P076 ~~وقد نهوا عن أن يفتنهم الشيطان ، وفتون الشيطان حصول آثار وسوسته ، أي لا ~~تمكنوا الشيطان من أن يفتنكم ، والمعنى النهي عن طاعته ، وهذا من مبالغة ~~النهي ، ومنه قول العرب لا أعرفنك تفعل كذا : أي لا تفعلن فأعرف فعلك ، لا ~~أرينك هنا : أي لا تحضرن هنا فأراك ، فالمعنى لا تطيعوا الشيطان في فتنه ~~فيفتنكم ومثل هذا كناية عن النهي عن فعل والنهي عن التعرض لأسبابه . # وشبه الفتون الصادر من الشيطان للناس بفتنه آدم وزوجه إذ أقدمهما على ~~الأكل من الشجرة المنهي عنه ms3004 ، فأخرجهما من نعيم كانا فيه ، تذكيرا للبشر ~~بأعظم فتنة فتن الشيطان بها نوعهم ، وشملت كل أحد من النوع ، إذ حرم من ~~النعيم الذي كان يتحقق له لو بقي أبواه في الجنة وتناسلا فيها ، وفي ذلك ~~أيضا تذكير بأن عداوة البشر للشيطان موروثة ، فيكون أبعث لهم على الحذر من ~~كيده . # و ( ما ) في قوله : { كما أخرج } مصدرية ، والجار والمجرور في موضع الصفة ~~لمصدر محذوف هو مفعول مطلق ليفتننكم ، والتقدير : فتونا كإخراجه أبويكم من ~~الجنة ، فإن إخراجه إياهما من الجنة فتون عظيم يشبه به فتون الشيطان حين ~~يراد تقريب معناه للبشر وتخويفهم منه . # والأبوان تثنية الأب ، والمراد بهما الأب والأم على التغليب ، وهو تغليب ~~شائع في الكلام وتقدم عند قوله تعالى : { ولأبويه في سورة النساء ( 11 ) . ~~وأطلق الأب هنا عن الجد لأنه أب أعلى ، كما في قول النبي : أنا ابن عبد ~~المطلب . # وجملة : ينزع عنهما لباسهما } في موضع الحال المقارنة من الضمير المستتر ~~في : { أخرج } أو من : { أبويكم } والمقصود من هذه الحال تفظيع هيئة ~~الإخراج بكونها حاصلة في حال انكشاف سوآتهما لأن انكشاف السوءة PageV08P077 ~~من أعظم الفظائع في متعارف الناس . # والتعبير عما مضى بالفعل المضارع لاستحضار الصورة العجيبة من تمكنه من أن ~~يتركهما عريانين . # واللباس تقدم قريبا ، ويجوز هنا أن يكون حقيقة وهو لباس جللهما الله به ~~في تلك الجنة يحجب سوآتهما ، كما روي أنه حجاب من نور ، وروي أنه كقشر ~~الأظفار وهي روايات غير صحيحة . والأظهر أن نزع اللباس تمثيل لحال التسبب ~~في ظهور السوءة . # وكرر التنويه باللباس تمكينا للتمهيد لقوله تعالى بعده : { خذوا زينتكم ~~عند كل مسجد } ( الأعراف : 31 ) . # وإسناد الإخراج والنزع والإراءة إلى الشيطان مجاز عقلي ، مبني على ~~التسامح في الإسناد بتنزيل السبب منزلة الفاعل ، سواء اعتبر النزع حقيقة أم ~~تمثيلا ، فإن أطراف الإسناد المجازي العقلي تكون حقائق ، وتكون مجازات ، ~~وتكون مختلفة ، كما تقرر في علم المعاني . # واللام في قوله : { ليريهما سوآتهما } لام التعليل الادعائي ، تبعا ~~للمجاز العقلي ، لأنه لما أسند الإخراج والنزع والإراءة إليه على وجه ~~المجاز العقلي ms3005 ، فجعل كأنه فاعل الإخراجج ونزعع لباسهما وإراءتهما سوآتهما ~~، ناسب أن يجعل له غرض من تلك الأفعال وهو أن يريهما سوآتهما ليتم ادعاء ~~كونه فاعل تلك الأفعال المضرة ، وكونه قاصدا من ذلك الشناعة والفظاعة ، ~~كشأن الفاعلين أن تكون لهم علل غائية من أفعالهم إتماما للكيد ، وإنما ~~الشيطان في الواقع سبب لرؤيتهما سوآتهما ، فانتظم الإسناد الادعائي مع ~~التعليل الادعائي ، فكانت لام العلة تقوية للإسناد المجازي ، وترشيحا له ، ~~ولأجل هذه النكتة لم نجعل اللام هنا للعاقبة كما جعلناها في قوله : { فوسوس ~~لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما } ( الأعراف : 20 ) إذ ~~لم تقارن اللام هنالك إسنادا مجازيا . # وفي الآية إشارة إلى أن الشيطان يهتم بكشف سوأة ابن آدم لأنه يسره أن ~~يراه في حالة سوء وفظاعة . PageV08P078 # وجملة : { إنه يراكم هو وقبيله } واقعة موقع التعليل للنهي عن الافتتان ~~بفتنة الشيطان ، والتحذير من كيده ، لأن شأن الحذر أن يرصد الشيء المخوف ~~بنظره ليحترس منه إذا رأى بوادره ، فأخبر الله الناس بأن الشياطين ترى ~~البشر ، وأن البشر لا يرونها ، إظهارا للتفاوت بين جانب كيدهم وجانب حذر ~~الناس منهم ، فإن جانب كيدهم قوي متمكن وجانب حذر الناس منهم ضعيف ، لأنهم ~~يأتون المكيد من حيث لا يدري . # فليس المقصود من قوله : { إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم } تعليم ~~حقيقة من حقائق الأجسام الخفية عن الحواس وهي المسماة بالمجردات في اصطلاح ~~الحكماء ويسميها علماؤنا الأرواح السفلية إذ ليس من أغراض القرآن التصدي ~~لتعليم مثل هذا إلا ما له أثر في التزكية النفسية والموعظة . # والضمير الذي اتصلت به ( إن ) عائد إلى الشيطان وعطف : { وقبيله } على ~~الضمير المستتر في قوله : { يريكم } ولذلك فصل بالضمير المنفصل . وذكر ~~القبيل ، وهو بمعنى القبيلة ، للدلالة على أن له أنصارا ينصرونه على حين ~~غفلة من الناس ، وفي هذا المعنى تقريب حال عداوة الشياطين بما يعهده العرب ~~من شدة أخذ العدو عدوه على غرة من المأخوذ ، تقول العرب : أتاهم العدو وهم ~~غارون . # وتأكيد الخبر بحرف التوكيد لتنزيل المخاطبين في إعراضهم عن الحذر من ms3006 ~~الشيطان وفتنته منزلة من يترددون في أن الشيطان يراهم وفي أنهم لا يرونه . # و { من حيث لا ترونهم } ابتداء مكان مبهم تنتفي فيه رؤية البشر ، أي من ~~كل مكان لا ترونهم فيه ، فيفيد : إنه يراكم وقبيله وأنتم لا ترونه قريبا ~~كانوا أو بعيدا ، فكانت الشياطين محجوبين عن أبصار البشر ، فكان ذلك هو ~~المعتاد من الجنسين ، فرؤية ذوات الشياطين منتفية لا محالة ، وقد يخول الله ~~رؤية الشياطين أو الجن متشكلة في أشكال الجسمانيات ، PageV08P079 معجزة ~~للأنبياء كما ورد في الصحيح : ( إن عفريتا من الجن تفلت علي الليلة في ~~صلاتي فهممت أن أوثقه في سارية من المسجد ) الحديث ، أو كرامة للصالحين من ~~الأمم كما في حديث الذي جاء يسرق من زكاة الفطر عند أبي هريرة ، وقول ~~النبيء صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة : ( ذلك شيطان ) كما في ( الصحيحين ) ~~، ولا يكون ذلك إلا على تشكل الشيطانن أو الجن في صورة غير صورته الحقيقية ~~، بتسخير الله لتتمكن منه الرؤية البشرية ، فالمرئي في الحقيقة الشكل الذي ~~ماهية الشيطان من ورائه ، وذلك بمنزلة رؤية مكانن يعلم أن فيه شيطانا ، ~~وطريق العلم بذلك هو الخبر الصادق ، فلولا الخبر لما علم ذلك . # وجملة : { إنا جعلنا الشيطان أولياء للذين لا يؤمنون } مستأنفة استئنافا ~~ابتدائيا قصد منه الانتقال إلى أحوال المشركين في ائتمارهم بأمر الشيطان ، ~~تحذيرا للمؤمنين من الانتظام في سلكهم ، وتنفيرا من أحوالهم ، والمناسبة هي ~~التحذير وليس لهذه الجملة تعلق بجملة : { إنه يريكم هو وقبيله } . # وتأكيد الخبر بحرف التأكيد للاهتمام بالخبر بالنسبة لمن يسمعه من ~~المؤمنين . والجعل هنا جعل التكوين ، كما يعلم من قوله تعالى : { بعضكم ~~لبعض عدو } ( الأعراف : 24 ) بمعنى خلقنا الشياطين . # و { أولياء } حال من { الشياطين } وهي حال مقدرة أي خلقناهم مقدرة ~~ولايتهم للذين لا يؤمنون ، وذلك أن الله جبل أنواع المخلوقات وأجناسها على ~~طبائع لا تنتقل عنها ، ولا تقدر على التصرف بتغييرها : كالافتراس في الأسد ~~، واللسع في العقرب ، وخلق للإنسان العقل والفكر فجعله قادرا على اكتساب ما ~~يختار ، ولما كان من جبلة الشياطين حب ما هو فساد ms3007 ، وكان من قدرة الإنسان ~~وكسبه أنه قد يتطلب الأمر العائد بالفساد ، إذا كان له فيه عاجل شهوة أو ~~كان يشبه الأشياء PageV08P080 الصالحة في بادىء النظرة الحمقاء ، كان ~~الإنسان في هذه الحالة موافقا لطبع الشياطين ، ومؤتمرا بما تسوله إليه ، ثم ~~يغلب كسب الفساد والشر على الذين توغلوا فيه وتدرجوا إليه ، حتى صار المالك ~~لإراداتهم ، وتلك مرتبة المشركين ، وتتفاوت مراتب هذه الولاية ، فلا جرم ~~نشأت بينهم وبين الشياطين ولاية ووفاق لتقارب الدواعي ، فبذلك انقلبت ~~العداوة التي في الجبلة التي أثبتها قوله : { إن الشيطان لكما عدو مبين } ( ~~الأعراف : 22 ) وقوله { بعضكم لبعض عدو } ( الأعراف : 24 ) فصارت ولاية ~~ومحبة عند بلوغ ابن آدم آخر دركات الفساد ، وهو الشرك وما فيه ، فصار هذا ~~جعلا جديدا ناسخا للجعل الذي في قوله : { بعضكم لبعض عدو } كما تقدمت ~~الإشارة إليه هنالك ، فما في هذه الآية مقيد للإطلاق الذي في الآية الأخرى ~~تنبيها على أن من حق المؤمن أن لا يوالي الشيطان . # والمراد بالذين لا يؤمنون المشركون ، لأنهم المضادون للمؤمنين في مكة ، ~~وستجيء زيادة بيان لهذه الآية عند قوله تعالى : { يا بني آدم إما يأتينكم ~~رسل منكم في هذه السورة ( 35 ) . # # | 2 ( 28 ) وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليهآ ءاباءنا والله أمرنا بها ~~قل إن الله لا يأمر بالفحشآء أتقولون على الله ما لا تعلمون } . ) 2 # { وإذا فعلوا فاحشة } معطوف على { للذين لا يؤمنون } ( الأعراف : 27 ) ~~فهو من جملة الصلة ، وفيه إدماج لكشف باطلهم في تعللاتهم ومعاذيرهم الفاسدة ~~، أي للذين لا يقبلون الإيمان ويفعلون الفواحش ويعتذرون عن فعلها بأنهم ~~اتبعوا آباءهم وأن الله أمرهم بذلك ، وهذا خاص بأحوال المشركين المكذبين ، ~~بقرينة قوله : PageV08P081 { قل إن الله لا يأمر بالفحشاء } والمقصود من ~~جملتي الصلة : تفظيع حال دينهم بأنه ارتكاب فواحش ، وتفظيع حال استدلالهم ~~لها بما لا ينتهض عند أهل العقول . وجاء الشرط بحرف { إذا } الذي من شأنه ~~إفادة اليقين بوقوع الشرط ليشير إلى أن هذا حاصل منهم لا محالة . # والفاحشة في الأصل صفة لموصوف محذوف أي : فعلة فاحشة ثم نزل الوصف ms3008 منزلة ~~الاسم لكثرة دورانه ، فصارت الفاحشة اسما للعمل الذميم ، وهي مشتقة من ~~الفحش بضم الفاء وهو الكثرة والقوة في الشيء المذموم والمكروه ، وغلبت ~~الفاحشة في الأفعال الشديدة القبح وهي التي تنفر منها الفطرة السليمة ، أو ~~ينشأ عنها ضر وفساد بحيث يأباها أهل العقول الراجحة ، وينكرها أولو الأحلام ~~، ويستحيي فاعلها من الناس ، ويتستر من فعلها مثل البغاء والزنى والوأد ~~والسرقة ، ثم تنهى عنها الشرائع الحقة ، فالفعل يوصف بأنه فاحشة قبل ورود ~~الشرع ، كأفعال أهل الجاهلية ، مثل السجود للتماثيل والحجارة وطلب الشفاعة ~~منها وهي جماد ، ومثل العراء في الحج ، وترك تسمية الله على الذبائح ، وهي ~~من خلق الله وتسخيره ، والبغاء ، واستحلال أموال اليتامى والضعفاء ، وحرمان ~~الأقارب من الميراث ، واستشارة الأزلام في الإقدام على العمل أو تركه ، ~~وقتل غير القاتل لأنه من قبيلة القاتل ، وتحريمهم على أنفسهم كثيرا من ~~الطيبات التي أحلها الله وتحليلهم الخبائث مثل الميتة والدم . وقد روي عن ~~ابن عباس أن المراد بالفاحشة في الآية التعري في الحج ، وإنما محمل كلامه ~~على أن التعري في الحج من أول ما أريد بالفاحشة لاقصرها عليه فكأن أيمة ~~الشرك قد أعدوا لأتباعهم معاذير عن تلك الأعمال ولقنوها إياهم ، وجماعها أن ~~ينسبوها إلى آبائهم السالفين الذين هم قدوة لخلفهم ، واعتقدوا أن آباءهم ~~أعلم بما في طي تلك الأعمال من مصالح لو اطلع عليها المنكرون لعرفوا ما ~~أنكروا ، ثم عطفوا على ذلك أن الله أمر بذلك يعنون أن آباءهم ما رسموها من ~~تلقاء أنفسهم ، ولكنهم رسموها بأمر من الله تعالى ، ففهم منه أنهم اعتذروا ~~PageV08P082 لأنفسهم واعتذروا لآبائهم ، فمعنى قولهم : { والله أمرنا بها } ~~ليس ادعاء بلوغ أمر من الله إليهم ولكنهم أرادوا أن الله أمر آباءهم الذين ~~رسموا تلك الرسوم وسنوها فكان أمر الله آباءهم أمرا لهم ، لأنه أراد بقاء ~~ذلك في ذرياتهم ، فهذا معنى استدلالهم ، وقد أجمله إيجاز القرآن اعتمادا ~~على فطنة المخاطبين . # وأسند الفعل والقول إلى ضمير الذين لا يؤمنون في قوله : { وإذا فعلوا ~~فاحشة قالوا } : على معنى الإسناد إلى ضمير المجموع ، وقد يكون ms3009 القائل غير ~~الفاعل ، والفاعل غير قائل ، اعتدادا بأنهم لما صدق بعضهم بعضا في ذلك ~~فكأنهم فعلوه كلهم واعتذروا عنه كلهم . # وأفاد الشرط ربطا بين فعلهم الفاحشة وقولهم : { وجدنا عليها آباءنا } ~~باعتبا إيجاز في الكلام يدل عليه السياق ، إذ المفهوم أنهم إذا فعلوا فاحشة ~~فأنكرت عليهم أو نهوا عنها قالوا وجدنا عليها آباءنا ، وليس المراد ~~بالإنكار والنهي خصوص نهي الإسلام إياهم عن ضلالهم ، ولكن المراد نهي أي ~~ناه وإنكار أي منكر ، فقد كان ينكر عليهم الفواحش من لا يوافقونهم عليها من ~~القبائل ، فإن دين المشركين كان أشتاتا مختلفا ، وكان ينكر عليهم ذلك من ~~خلعوا الشرك من العرب مثل زيد بن عمرو بن نفيل ، وأمية ابن أبي الصلت ، وقد ~~قال لهم زيد بن عمرو : ( إن الله خلق الشاة وأنزل لها الماء من السماء ~~وأنبت لها العشب ثم أنتم تذبحونها لغيره ) وكان ينكر عليهم من يتحرج من ~~أفعالهم ثم لا يسعه إلا اتباعهم فيها إكراها . # وكان ينكر عليهم من لا توافق أعمالهم هواه : كما وقع لامرىء القيس ، حيث ~~عزم على قتال بني أسد بعد قتلهم أباه حجرا ، فقصد ذا الخلصة صنم خثعم ~~واستقسم عنده بالأزلام فخرج له الناهي فكسر الأزلام وقال : # لو كنت يا ذا الخلص الموتورا # مثلي وكان شيخك المقبورا # لم تنه عن قتل العداة زورا PageV08P083 # ثم جاء الإسلام فنعى عليهم أعمالهم الفاسدة ، وأسمعهم قوارع القرآن ~~فحينئذ تصدوا للاعتذار . وقد علم من السياق تشنيع معذرتهم وفساد حجتهم . # ودلت الآية على إنكار ما كان مماثلا لهذا الاستدلال وهو كل دليل توكأ على ~~اتباع الآباء في الأمور الظاهر فسادها وفحشها ، وكل دليل استند إلى ما لا ~~قبل للمستدل بعلمه ، فإن قولهم : { والله أمرنا بها } دعوى باطلة إذ لم ~~يبلغهم أمر الله بذلك بواسطة مبلغ ، فإنهم كانوا ينكرون النبوءة ، فمن أين ~~لهم تلقي مراد الله تعالى . # وقد رد الله ذلك عليهم بقوله لرسوله : { قل إن الله لا يأمرنا بالفحشاء } ~~فأعرض عن رد قولهم : { وجدنا عليها آباءنا } لأنه إن كان يراد رده من جهة ~~التكذيب فهم ms3010 غير كاذبين في قولهم ، لأن آباءهم كانوا يأتون تلك الفواحش ، ~~وإن كان يراد رده من جهة عدم صلاحيته للحجة فإن ذلك ظاهر ، لأن الإنكار ~~والنهي ظاهر انتقالهما إلى آبائهم ، إذ ما جاز على المثل يجوز على المماثل ~~، فصار رد هذه المقدمة من دليلهم بديهيا وكان أهم منه رد المقدمة الكبرى ، ~~وهي مناط الاستدلال ، أعني قولهم : { والله أمرنا بها } . # فقوله : { قل إن الله لا يأمر بالفحشاء } نقض لدعواهم أن الله أمرهم بها ~~أي بتلك الفواحش ، وهو رد عليهم ، وتعليم لهم ، وإفاقة لهم من غرورهم ، لأن ~~الله متصف بالكمال فلا يأمر بما هو نقص لم يرضه العقلاء وأنكروه ، فكون ~~الفعل فاحشة كاف في الدلالة على أن الله لا يأمر به لأن الله له الكمال ~~الأعلى ، وما كان اعتذارهم بأن الله أمر بذلك إلا عن جهل ، ولذلك وبخهم ~~الله بالاستفهام التوبيخي بقوله : { أتقولون على الله ما لا تعلمون } أي ما ~~لا تعلمون أن اللهأمر به ، فحذف المفعول لدلالة ما تقدم عليه ، لأنهم لم ~~يعلموا أن الله أمرهم بذلك إذ لا مستند لهم فيه ، وإنما قالوه PageV08P084 ~~عن مجرد التوهم ، ولأنهم لم يعلموا أن الله لا يليق بجلاله وكماله أن يأمر ~~بمثل تلك الرذائل . # وضمن : { تقولون } معنى تكذيون أو معنى تتقولون ، فلذلك عدي بعلى ، وكان ~~حقه أن يعدى بعن لو كان قولا صحيح النسبة ، وإذ كان التوبيخ واردا على أن ~~يقولوا على الله ما لا يعلمون كان القول على الله بما يتحقق عدم وروده من ~~الله أحرى . # وبهذا الرد تمحض عملهم تلك الفواحش للضلال والغرور واتباع وحي الشياطين ~~إلى أوليائهم أيمة الكفر ، وقادة الشرك : مثل عمرو بن لحي ، الذي وضع عبادة ~~الأصنام ، ومثل أبي كبشة ، الذي سن عبادة الشعري من الكواكب ، ومثل ظالم بن ~~أسعد ، الذي وضع عبادة العزى ، ومثل القلمسس ، الذي سن النسيء إلى ما اتصل ~~بذلك من موضوعات سدنة الأصنام وبيوتت الشرك . # واعلم أن ليس في الآية مستند لإبطال التقليد في الأمور الفرعية أو الأصول ~~الدينية لأن التقليد الذي نعاه الله على المشركين ms3011 هو تقليدهم من ليسوا أهلا ~~لأن يقلدوا ، لأنهم لا يرتفعون عن رتبة مقلديهم ، إلا بأنهم أقدم جيلا ، ~~وأنهم آباؤهم ، فإن المشركين لم يعتذروا بأنهم وجدوا عليه الصالحين وهداة ~~الأمة ، ولا بأنه مما كان عليه إبراهيم وأبناؤه ، ولأن التقليد الذي نعاه ~~الله عليهم تقليد في أعمال بديهية الفساد ، والتقليد في الفساد يستوي ، هو ~~وتسنينه ، في الذم ، على أن تسنين الفساد أشد مذمة من التقليد فيه كما أنبأ ~~عنه الحديث الصحيح : ( ما من نفس تقتل ظلما إلا كان على ابنن آدم الأولل ~~كفل من دمها ذلك لأنه أول من سن القتل ) وحديث : ( من سن سنة سيئة فعليه ~~وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ) . # فما فرضه الذين ينزعون إلى علم الكلام من المفسرين في هذه الآية من القول ~~في ذم التقليد ناظر إلى اعتبار الإشراك داخلا في فعل الفواحش . # PageV08P085 # | 2 ( 29 ، 30 ) { قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه ~~مخلصين له الدين كما بدأكم تعودون * فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة ~~إنهم اتخذوا الشياطين أوليآء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون } . ) 2 # بعد أن أبطل زعمهم أن الله أمرهم بما يفعلونه من الفواحش إبطالا عاما ~~بقوله : { قل إن الله لا يأمر بالفحشاء } ( الأعراف : 28 ) استأنف استئنافا ~~استطراديا بما فيه جماع مقومات الدين الحق الذي يجمعه معنى القسط أي العدل ~~تعليما لهم بنقيض جهلهم ، وتنويها بجلال الله تعالى ، بأن يعلموا ما شأنه ~~أن يأمر الله به . ولأهمية هذا الغرض ، ولمضادته لمدعاهم المنفي في جملة : ~~{ قل إن الله لا يأمر بالفحشاء } ( الأعراف : 28 ) فصلت هذه الجملة عن التي ~~قبلها ، ولم يعطف القول على القول ولا المقول على المقول : لأن في إعادة ~~فعل القول وفي ترك عطفه على نظيره لفتا للأذهان إليه . # والقسط : العدل وهو هنا العدل بمعناه الأعم ، أي الفعل الذي هو وسط بين ~~الإفراط والتفريط في الأشياء ، وهو الفضيلة من كل فعل ، فالله أمر بالفضائل ~~وبما تشهد العقول السليمة أنه صلاح محض وأنه حسن مستقيم ، نظير قوله : { ~~وكان بين ms3012 ذلك قواما } ( الفرقان : 67 ) فالتوحيد عدل بين الإشراك والتعطيل ~~، والقصاص من القاتل عدل بين إطلال الدماء وبين قتل الجماعة من قبيلة ~~القاتل لأجل جناية واحد من القبيلة لم يقدر عليه . وأمر الله بالإحسان ، ~~وهو عدل بين الشح والإسراف ، فالقسط صفة للفعل في ذاته بأن يكون ملائما ~~للصلاح عاجلا وآجلا ، أي سالما من عواقب الفساد ، وقد نقل عن ابن عباس أن ~~القسط قول لا إلاه إلا هو ، وإنما يعني بذلك أن التوحيد من أعظم القسط ، ~~وهذا إبطال للفواحش التي زعموا أن الله أمرهم بها لأن شيئا من تلك الفواحش ~~ليس PageV08P086 بقسط ، وكذلك اللباس فإن التعري تفريط ، والمبالغة في وضع ~~اللباس إفراط ، والعدل هو اللباس الذي يستر العورة ويدفع أذى القر أو الحر ~~، وكذلك الطعام فتحريم بعضه غلو ، والاسترسال فيه نهامة ، والوسط هو ~~الاعتدال ، فقوله : { أمر ربي بالقسط } كلام جامع لإبطال كل ما يزعمون أن ~~الله أمرهم به مما ليس من قبيل القسط . # ثم أعقبه بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم عن الله : { أقيموا ~~وجوهكم عند كل مسجد } فجملة : { وأقيموا } عطف على جملة : { أمر ربي بالقسط ~~} أي قل لأولئك المخاطبين أقيموا وجوهكم . والقصد الأول منه إبطال بعض مما ~~زعموا أن الله أمرهم به بطريق أمرهم بضد ما زعموه ليحصل أمرهم بما يرضي ~~الله بالتصريح . وإبطال شيء زعموا أن الله أمرهم به بالالتزام ، لأن الأمر ~~بالشيء نهي عن ضده ، وإن شئت قلت لأن من يريد النهي عن شيء وفعل ضده يأمر ~~بضده فيحصل الغرضان من أمره . # وإقامة الوجوه تمثيل لكمال الإقبال على عبادة الله تعالى ، في مواضع ~~عبادته ، بحال المتهيىء لمشاهدة أمر مهم حين يوجه وجهه إلى صوبه ، لا يلتفت ~~يمنة ولا يسرة ، فذلك التوجه المحض يطلق عليه إقامة لأنه جعل الوجه قائما ، ~~أي غير متغاضض ولا متوان في التوجه ، وهو في إطلاق القيام على القوة في ~~الفعل كما يقال : قامت السوق ، وقامت الصلاة ، وقد تقدم في أول سورة البقرة ~~( 3 ) عند قوله : { ويقيمون الصلاة ومنه قوله تعالى : فأقم وجهك ms3013 للدين ~~حنيفا } ( الروم : 30 ) فالمعنى أن الله أمر بإقامة الوجوه عند المساجد ، ~~لأن ذلك هو تعظيم المعبود ومكان العبادة ، ولم يأمر بتعظيمه ولا تعظيم ~~مساجده بما سوى ذلك مثل التعري ، وإشراك الله بغيره في العبادة مناف لها ~~أيضا ، وهذا كما ورد في الحديث : ( المصلي يناجي ربه فلا يبصقن قبل وجهه ) ~~فالنهي عن التعري PageV08P087 مقصود هنا لشمول اللفظ إياه ، ولدلالة السياق ~~عليه بتكرير الامتنان والأمر باللباس : ابتداء من قوله : { ليبدي لهما ما ~~ووري عنهما من سوآتهما } ( الأعراف : 20 ) إلى هنا . # ومعنى : { عند كل مسجد } عند كل مكان متخذ لعبادة الله تعالى ، واسم ~~المسجد منقول في الإسلام للمكان المعين المحدود المتخذ للصلاة وتقدم عند ~~قوله تعالى : { ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام في سورة ~~العقود ( 2 ) ، فالشعائر التي يوقعون فيها أعمالا من الحج كلها مساجد ، ولم ~~يكن لهم مساجد غير شعائر الحج ، فذكر المساجد في الآية يعين أن المراد ~~إقامة الوجوه عند التوجه إلى الله في الحج بأن لا يشركوا مع الله في ذلك ~~غيره من أصنامهم بالنية ، كما كانوا وضعوا ( هبل ) على سطح الكعبة ليكون ~~الطواف بالكعبة لله ولهبل ، ووضعوا ( إسافا ونائلة ) على الصفا والمروة ~~ليكون السعي لله ولهما . وكان فريق منهم يهلون إلى ( مناة ) عند ( المشلل ) ~~، فالأمر بإقامة الوجوه عند المساجد كلها أمر بالتزام التوحيد وكمال الحال ~~في شعائر الحج كلها ، فهذه مناسبة عطف قوله : وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد } ~~عقب إنكار أن يأمر الله بالفحشاء من أحوالهم ، وإثبات أنه أمر بالقسط مما ~~يضادها . وهذا الأمر وإن كان المقصود به المشركين لأنهم المتصفون بضده ، ~~فللمؤمنين منه حظ الدوام عليه ، كما كان للمشركين حظ الإعراض عنه والتفريط ~~فيه . # والدعاء في قوله : { وادعوه مخلصين له الدين } بمعنى العبادة أي اعبدوه ~~كقوله : { إن الذين تدعون من دون الله } ( الأعراف : 194 ) . والإخلاص ~~تمحيض الشيء من مخالطة غيره . والدين بمعنى الطاعة من قولهم دنت لفلان أي ~~أطعته . PageV08P088 # ومنه سمي الله تعالى : الديان ، أي القهار المذلل المطوع لسائر الموجودات ~~ونظير هذه الآية قوله ms3014 تعالى : { وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له ~~الدين } ( البينة : 5 ) ، والمقصد منها إبطال الشرك في عبادة الله تعالى ، ~~وفي إبطاله تحقيق لمعنى القسط الذي في قوله : { قل أمر ربي بالقسط } كما ~~قدمناه هنالك ، و { مخلصين } حال من الضمير في ادعوه . # وجملة : { كما بدأكم تعودون } في موضع الحال من الضمير المستتر في قوله : ~~{ مخلصين } وهي حال مقدرة أي : مقدرين عودكم إليه وأن عودكم كبدئكم ، وهذا ~~إنذار بأنهم مؤاخدون على عدم الإخلاص في العبادة ، فالمقصود منه هو قوله : ~~{ تعودون } أي إليه ، وأدمج فيه قوله : { كما بدأكم } تذكيرا بإمكان البعث ~~الذي أحالوه ؛ فكان هذا إنذارا لهم بأنهم عائدون إليه فمجازون عن إشراكهم ~~في عبادته ، وهو أيضا احتجاج عليهم على عدم جدوى عبادتهم غير الله ، وإثبات ~~للبعث الذي أنكروه بدفع موجب استبعادهم إياه ، حين يقولون : { أإذا متنا ~~وكنا ترابا وعظاما ءإنا لمبعوثون } ( الواقعة : 47 ) ويقولون { أينا ~~لمردودون في الحافرة أإذا كنا عظاما نخرة } ( النازعان : 10 ، 11 ) ونحو ~~ذلك ، بأن ذلك الخلق ليس بأعجب من خلقهم الأول كما قال تعالى : { أفعيينا ~~بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد } ( ق : 15 ) وكما قال : { وهو الذي ~~يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه } ( الروم : 27 ) أي بنقيض تقدير ~~استبعادهم الخلق الثاني ، وتذكير لهم بأن الله منفرد بخلقهم الثاني ، كما ~~انفرد بخلقهم الأول ، فهو منفرد بالجزاء فلا يغني عنهم آلهتهم شيئا . # فالكاف في قوله : { كما بدأكم تعودون } لتشبيه عود خلقهم ببدئه و ( ما ) ~~مصدرية والتقدير : تعودون عودا جديدا كبدئه إياكم ، فقدم المتعلق ، الدال ~~على التشبيه ، على فعله ، وهو تعودون ، للاهتمام به ، وقد فسرت الآية في ~~بعض الأقوال بمعان هي بعيدة عن سياقها ونظمها . PageV08P089 # و { فريقا } الأول والثاني منصوبان على الحال : إما من الضمير المرفوع في ~~{ تعودون } ، أي ترجعون إلى الله فريقين ، فاكتفي عن إجمال الفريقين ثم ~~تفصيلهما بالتفصيل الدال على الإجمال تعجيلا بذكر التفصيل لأن المقام مقام ~~ترغيب وترهيب ، ومعنى { فريقا هدى } : أن فريقا هداهم الله في الدنيا ~~وفريقا حق عليهم الضلالة ، أي في الدنيا ms3015 ، كما دل عليه التعليل بقوله : { ~~إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله } ، وإما من الضمير المستتر في ~~قوله : { مخلصين } أي ادعوه مخلصين حال كونكم فريقين : فريقا هداه الله ~~للإخلاص ونبذ الشرك ، وفريقا دام على الضلال ولازم الشرك . # وجملة : { هدى } في موضع الصفة لفريقا الأول ، وقد حذف الرابط المنصوب : ~~أي هداكم الله ، وجملة : { حق عليهم الضلالة } صفة { فريقا } الثاني . # وهذا كله إنذار من الوقوع في الضلالة ، وتحذير من اتباع الشيطان ، وتحريض ~~على توخي الاهتداء الذي هو من الله تعالى ، كما دل عليه إسناده إلى ضمير ~~الجلالة في قوله : { هدى } فيعلم السامعون أنهم إذا رجعوا إليه فريقين كان ~~الفريق المفلح هو الفريق الذين هداهم الله تعالى كما قال : { أولئك حزب ~~الله ألا إن حزب الله هم المفلحون } ( المجادلة : 22 ) وأن الفريق الخاسر ~~هم الذين حقت عليه الضلالة واتخذوا الشياطين أولياء من دون الله كما قال : ~~{ أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون } ( المجادلة : 19 ) . ~~وتقديم { فريقا الأول والثاني على عامليهما للاهتمام بالتفصيل . # ومعنى : حق عليهم الضلالة } ثبتت لهم الضلالة ولزموها . ولم يقلعوا عنها ~~، وذلك أن المخاطبين كانوا مشركين كلهم ، فلما أمروا بأن يعبدوا الله ~~مخلصين افترقوا فريقين : فريقا هداه الله إلى التوحيد ، وفريقا لازم الشرك ~~والضلالة ، فلم يطرأ عليهم حال جديد . وبذلك يظهر حسن موقع لفظ : { حق } ~~هنا دون أن يقال أضله الله ، لأن ضلالهم قديم مستمر اكتسبوه لأنفسهم ، كما ~~قال تعالى في نظيره : { فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عيله الضلالة } ( ~~النحل : 36 ) ثم قال { إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي PageV08P090 من ~~يضل } ( النحل : 37 ) ، فليس تغيير الأسلوب بين : { فريقا هدى } وبين { ~~وفريقا حق عليهم الضلالة } تحاشيا عن إسناد الإضلال إلى الله ، كما توهمه ~~صاحب ( الكشاف ) ، لأنه قد أسند الإضلال إلى الله في نظير هذه الآية كما ~~علمت وفي آيات كثيرة ، ولكن اختلاف الأسلوب لاختلاف الأحوال . # وجرد فعل حق عن علامة التأنيث لأن فاعله غير حقيقي التأنيث ، وقد أظهرت ~~علامة التأنيث في نظيره في قوله تعالى ms3016 : { ومنهم من حقت عليه الضلالة } ( ~~النحل : 36 ) . # وقوله : { إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله } استئناف مراد به ~~التعليل لجملة { حقت عليه الضلالة } ( النحل : 36 ) ، وهذا شأن ( إن ) إذا ~~وقعت في صدر جملة عقب جملة أخرى أن تكون للربط والتعليل وتغني غناء الفاء ، ~~كما تقدم غير مرة . # والمعنى أن هذا الفريق ، الذي حقت عليهم الضلالة ، لما سمعوا الدعوة إلى ~~التوحيد والإسلام ، لم يطلبوا النجاة ولم يتفكروا في ضلال الشرك البين ، ~~ولكنهم استوحوا شياطينهم ، وطابت نفوسهم بوسوستهم ، وائتمروا بأمرهم ، ~~واتخذوهم أولياء ، فلا جرم أن يدوموا على ضلالهم لأجل اتخاذهم الشياطين ~~أولياء من دون الله . # وعطف جملة : { ويحسبون } على جملة : { اتخذوا } فكان ضلالهم ضلالا مركبا ~~، إذ هم قد ضلوا في الائتمار بأمر أيمة الكفر وألياء الشياطين ، ولما سمعوا ~~داعي الهدى لم يتفكروا ، وأهملوا النظر ، لأنهم يحسبون أنهم مهتدون لا ~~يتطرق إليهم شك في أنهم مهتدون ، فلذلك لم تخطر ببالهم الحاجة إلى النظر في ~~صدق الرسول صلى الله عليه وسلم والحسبان الظن ، وهو هنا ظن مجرد عن دليل ، ~~وذلك أغلب ما يراد بالظن وما يرادفه في القرآن . PageV08P091 # وعطف هذه الجملة على التي قبلها ، واعتبارهما سواء في الإخبار عن الفريق ~~الذين حقت عليهم الضلالة ، لقصد الدلالة على أن ضلالهم حاصل في كل واحد من ~~الخبرين ، فولاية الشياطين ضلالة ، وحسبانهم ضلالهم هدى ضلالة أيضا ، سواء ~~كان ذلك كله عن خطأ أو عن عناد ، إذ لا عذر للضال في ضلاله بالخطأ ، لأن ~~الله نصب الأدلة على الحق وعلى التمييز بين الحق والباطل . # $ 2 ( 31 ) { يابنى & # 1764 ءادم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفو & # 1764 ا إنه لا يحب المسرفين } . ) 2 $ # إعادة النداء في صدر هذه الجملة للاهتمام ، وتعريف المنادى بطريق الإضافة ~~بوصف كونهم بني آدم متابعة للخطاب المتقدم في قوله : { يا بني آدم قد ~~أنزلنا عليكم لباسا } ( الأعراف : 26 ) . # وهذه الجملة تتنزل ، من التي بعدها ، وهي قوله : { قل من حرم زينة الله } ~~( الأعراف : 32 ) منزلة النتيجة من الجدل ، فقدمت على الجدل فصارت غرضا ms3017 ~~بمنزلة دعوى وجعل الجدل حجة على الدعوى ، وذلك طريق من طرق الإنشاء في ~~ترتيب المعاني ونتائجها . # فالمقصد من قوله : { خذوا زينتكم } إبطال ما زعمه المشركون من لزوم ~~التعري في الحج في أحوال خاصة ، وعند مساجد معينة ، فقد أخرج مسلم عن ابن ~~عباس ، قال : كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة وتقول من يعيرني تطوافا ~~تجعله على فرجها وتقول : # اليوم يبدو بعضه أو كله # وما بدا منه فلا أحله PageV08P092 # وأخرج مسلم عن عروة بن الزبير ، قال : كانت العرب تطوف بالبيت عراة إلا ~~الحمس ، والحمس قريش وما ولدت فكان غيرهم يطوفون عراة إلا أن يعطيهم الحمس ~~ثيابا فيعطي الرجال الرجال والنساء النساء ، وعنه : أنهم كانوا إذا وصلوا ~~إلى منى طرحوا ثيابهم وأتوا المسجد عراة . وروي أن الحمس كانوا يقولون نحن ~~أهل الحرم فلا ينبغي لأحد من العرب أن يطوف إلا في ثيابنا ولا يأكل إذا دخل ~~أرضنا إلا من طعامنا . فمن لم يكن له من العرب صديق بمكة يعيره ثوبا ولا ~~يجد من يستأجر به كان بين أحد أمرين إما أن يطوف بالبيت عريانا ، وإما أن ~~يطوف في ثيابه فإذا فرغ من طوافه ألقى ثوبه عنه فلم يمسه أحد وكان ذلك ~~الثوب يسمى : اللقى بفتح اللام قال شاعرهم : # كفى حزنا كري عليه كأنه # لقى بين أيدي الطائفين حرام # وفي ( الكشاف ) ، عن طاووس : كان أحدهم يطوف عريانا ويدع ثيابه وراء ~~المسجد وإن طاف وهي عليه ضرب وانتزعت منه لأنهم قالوا : لا نعبد الله في ~~ثيابب أذنبنا فيها ، وقد أبطله النبي صلى الله عليه وسلم إذ أمر أبا بكر ~~رضي الله عنه ، عام حجته سنة تسع ، أن ينادي في الموسم : ( أن لا يحج بعد ~~العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ) . # وعن السدي وابن عباس كان أهل الجاهلية التزموا تحريم اللم والودك في أيام ~~الموسم ، ولا يأكلون من الطعام إلا قوتا ، ولا يأكلون دسما ، ونسب في ( ~~الكشاف ) ذلك إلى بني عامر ، وكان الحمس يقولون : لا ينبغي لأحد إذا دخل ~~أرضنا أن يأكل إلا من طعامنا ، وفي ms3018 ( تفسير الطبري ) PageV08P093 عن جابر ~~بن زيد كانوا إذا حجوا حرموا الشاة ولبنها وسمنها . وفيه عن قتادة : أن ~~الآية أرادت ما حرموه على أنفسهم من البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي . # فالأمر في قوله : { خذوا زينتكم } للوجوب ، وفي قوله : { وكلوا واشربوا } ~~للإباحه لبني آدم الماضين والحاضرين . # والمقصود من توجيه الأمر أو من حكايته إبطال التحريم الذي جعله أهل ~~الجاهلية بأنهم نقضوا به ما تقرر في أصل الفطرة مما أمر الله به بني آدم ~~كلهم ، وامتن به عليهم ، إذ خلق لهم ما في الأرض جميعا . وهو شبيه بالأمر ~~الوارد بعد الحظر . فإن أصله إبطال التحريم وهو الإباحة كقوله تعالى : { ~~وإذا حللتم فاصطادوا } ( المائدة : 2 ) بعد قوله : { غير محلي الصيد وأنتم ~~حرم } ( المائدة : 1 ) وقد يعرض لما أبطل به التحريم أن يكون واجبا . فقد ~~ظهر من السياق والسباق في هذه الآيات أن كشف العورة من الفواحش ، فلا جرم ~~يكون اللباس في الحج منه واجب ، وهو ما يستر العورة ، وما زاد على ذلك مباح ~~مأذون فيه إبطالا لتحريمه ، وأما الأمر بالأكل والشرب فهو للإباحة إبطالا ~~للتحريم ، وليس يجب على أحد أكل اللحم والدسم . # وقوله : { عند كل مسجد } تعميم أي لا تخصوا بعض المساجد بالتعري مثل ~~المسجد الحرام ومسجد منى ، وقد تقدم نظيره في قوله : { وأقيموا وجوهكم عند ~~كل مسجد } ( الأعراف : 29 ) . وقد ظهرت مناسبة عطف الأمر بالأكل والشرب على ~~الأمر بأخذ الزينة مما مضى آنفا . PageV08P094 # والإسراف تقدم عند قوله تعالى : { ولا تأكلوها إسرافا في سورة النساء ( 6 ~~) ، وهو تجاوز الحد المتعارف في الشيء أي : ولا تسرفوا في الأكل بكثرة أكل ~~اللحوم والدسم لأن ذلك يعود بأضرار على البدن وتنشأ منه أمراض معضلة . # وقد قيل إن هذه الآية جمعت أصول حفظ الصحة من جانب الغذاء فالنهي عن ~~السرف نهي إرشاد لا نهي تحريم بقرينة الإباحة اللاحقة في قوله : قل من حرم ~~زينة الله إلى قوله والطيبات من الرزق } ( الأعراف : 32 ) ، ولأن مقدار ~~الإسراف لا ينضبط فلا يتعلق به التكليف ، ولكن يوكل إلى تدبير الناس ~~مصالحهم ، وهذا راجع ms3019 إلى معنى القسط الواقع في قوله سابقا : { قل أمر ربي ~~بالقسط } ( الأعراف : 29 ) فإن ترك السرف من معنى العدل . # وقوله : { إنه لا يحب المسرفين } تذييل ، وتقدم القول في نظيره في سورة ~~الأنعام . # $ 2 ( 32 ) { قل من حرم زينة الله التى & # 1764 أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هى للذين ءامنوا فى الحيواة ~~الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون } . ) 2 $ # استئناف معترض بين الخطابات المحكية والموجهة ، وهو موضع إبطال مزاعم أهل ~~الجاهلية فيما حرموه من اللباس والطعام وهي زيادة تأكيد لإباحة التستر في ~~المساجد ، فابتدىء الكلام السابق بأن اللباس نعمة من لله . وثني بالأمر ~~بإيجاب التستر عند كل مسجد ، وثلث بانكاران يوجد تحريم اللباس PageV08P095 ~~وافتتاح الجملة ب { قل } دلالة على أنه كلام مسوق للرد والإنكار والمحاورة ~~. # والاستفهام إنكاري قصد به التهكم إذ جعلهم بمنزلة أهل علم يطلب منهم ~~البيان والإفادة نظير قوله : { قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا } ( الأنعام ~~: 148 ) وقوله { نبئوني بعلم إن كنتم صادقين } ( الأنعام : 143 ) وقرينة ~~التهكم : إضافة الزينة إلى اسم الله ، وتعريفها بأنها أخرجها الله لعباده ، ~~ووصف الرزق بالطيبات ، وذلك يقتضي عدم التحريم ، فالاستفهام يؤول أيضا إلى ~~إنكار تحريمها . # ولوضوح انتفاء تحريمها ، وأنه لا يقوله عاقل ، وأن السؤال سؤال عالم لا ~~سؤال طالب علم ، أمر السائل بأن يجيب بنفسه سؤال نفسه ، فعقب ما هو في صورة ~~السؤال بقوله : { قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا } على طريقة قوله : { ~~قل لمن ما في السموات والأرض قل لله في سورة الأنعام ( 12 ) ، وقوله عم ~~يتساءلون عن النبإ العظيم } ( النبأ : 1 ، 2 ) فآل السؤال وجوابه إلى خبرين ~~. # وضمير : { هي } عائد إلى الزينة والطيبات بقطع النظر عن وصف تحريم من ~~حرمها ، أي : الزينة والطيبات من حيث هي هي حلال للذين آمنوا فمن حرمها على ~~أنفسهم فقد حرموا أنفسهم . # واللام في : { للذين آمنوا } لام الاختصاص وهو يدل على الإباحة ، فالمعنى ~~: ما هي بحرام ولكنها مباحة للذين آمنوا ، وإنما حرم المشركون أنفسهم من ~~أصناف منها في الحياة الدنيا كلها ms3020 مثل البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي ~~وما في بطونها ، وحرم بعض المشركين أنفسهم من أشياء في أوقات من الحياة ~~الدنيا مما حرموه على أنفسهم من اللباس في الطواف وفي منى ، ومن أكل اللحوم ~~والودك والسمن واللبن ، فكان الفوز للمؤمنين إذ اتبعوا أمر الله بتحليل ذلك ~~كله في جميع أوقات الحياة الدنيا . # وقوله : { خالصة يوم القيامة } قرأه نافع ، وحده : برفع خالصة على أنه ~~خبر ثان عن قوله : { هي } أي : هي لهم في الدنيا وهي لهم خالصة PageV08P096 ~~يوم القيامة ، وقرأه باقي العشرة : بالنصب على الحال من المبتدأ أي هي لهم ~~الآن حال كونها خالصة في الآخرة ومعنى القراءتين واحد ، وهو أن الزينة ~~والطيبات تكون خالصة للمؤمنين يوم القيامة . # والأظهر أن الضمير المستتر في { خالصة } عائد إلى الزينة والطيبات ~~الحاصلة في الحياة الدنيا بعينها ، أي هي خالصة لهم في الآخرة ، ولا شك أن ~~تلك الزينة والطيبات قد انقرضت في الدنيا ، فمعنى خلاصها صفاؤها ، وكونه في ~~يوم القيامة : هو أن يوم القيامة مظهر صفائها أي خلوصها من التبعات المنجرة ~~منها ، وهي تبعات تحريمها ، وتبعات تناول بعضها مع الكفر بالمنعم بها ، ~~فالمؤمنون لما تناولوها في الدنيا تناولوها بإذن ربهم ، بخلاف المشركين ~~فإنهم يسألون عنها فيعاقبون على ما تناولوه منها في الدنيا ، لأنهم كفروا ~~نعمة المنعم بها ، فأشركوا به غيره كما قال تعالى فيهم : { وتجعلون رزقكم ~~أنكم تكذبون } ( الواقعة : 82 ) وإلى هذا المعنى يشير تفسير سعيد بن جبير ، ~~والأمر فيه على قراءة رفع : { خالصة } أنه إخبار عن هذه الزينة والطيبات ~~بأنها لا تعقب المتمتعين بها تبعات ولا أضرارا ، وعلى قراءة النصب فهو نصب ~~على الحال المقدرة . # ويحتمل أن يكون الضمير في { خالصة } عائدا إلى الزينة والطيبات ، باعتبار ~~أنواعها لا باعتبار أعيانها ، فيكون المعنى : ولهم أمثالها يوم القيامة ~~خالصة . # ومعنى الخلاص التمحض وهو هنا التمحض عن مشاركة غيرهم من أهل يوم القيامة ~~، والمقصود أن المشركين وغيرهم من الكافرين لا زينة لهم ولا طيبات من الرزق ~~يوم القيامة ، أي أنها في الدنيا كانت لهم مع مشاركة المشركين إياهم فيها ms3021 ، ~~وهذا المعنى مروي عن ابن عباس وأصحابه . PageV08P097 # ومعنى : { كذلك نفصل الآيات } كهذا التفصيل المتبديء من قوله : { يا بني ~~آدم قد أنزلنا عليكم لباسا } ( الأعراف : 26 ) الآيات أو من قوله : { ~~اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم } ( الأعراف : 3 ) . وتقدم نظير هذا التركيب ~~في سورة الأنعام . # والمراد بالآيات الدلائل الدالة على عظيم قدرة الله تعالى ، وانفراده ~~بالإلهية ، والدالة على صدق رسوله محمد صلى الله عليه وسلم إذ بين فساد دين ~~أهل الجاهلية ، وعلم أهل الإسلام علما كاملا لا يختلط معه الصالح والفاسد ~~من الأعمال ، إذ قال : خذوا زينتكم ، وقال : { وكلوا واشربوا } ( الأعراف : ~~31 ) ، ثم قال : { ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين } ( الأعراف : 31 ) ، ~~وإذ عاقب المشركين على شركهم وعنادهم وتكذيبهم بعقاب في الدنيا ، فخذلهم ~~حتى وضعوا لأنفسهم شرعا حرمهم من طيبات كثيرة وشوه بهم بين الملإ في الحج ~~بالعراء فكانوا مثل سوء ثم عاقبهم على ذلك في الآخرة ، وإذ وفق المؤمنين ~~لما استعدوا لقبول دعوة رسوله فاتبعوه ، فمتعهم بجميع الطيبات في الدنيا ~~غير محرومين من شيء إلا أشياء فيها ضر علمه الله فحرمها عليهم ، وسلمهم من ~~العقاب عليها في الآخرة . # واللام في قوله : { لقوم يعلمون } لام العلة ، وهو متعلق بفعل { نفصل } ، ~~أي تفصيل الآيات لا يفهمه إلا قوم يعلمون ، فإن الله لما فصل الآيات يعلم ~~أن تفصيلها لقوم يعلمون ، ويجوز أن يكون الجار والمجرور ظرفا مستقرا في ~~موضع الحال من الآيات ، أي حال كونها دلائل لقوم يعلمون ، فإن غير الذين لا ~~يعلمون لا تكون آيات لهم إذ لا يفقهونها كقوله تعالى : { إن في ذلكم لآيات ~~لقوم يؤمنون في سورة الأنعام ( 99 ) ، أي كذلك التفصيل الذي فصلته لكم هنا ~~نفصل الآيات ويتجدد تفصلينا إياها حرصا على نفع قوم يعلمون . PageV08P098 # والمراد بقوم يعلمون } الثناء على المسلمين الذين فهموا الآيات وشكروا ~~عليها ، والتعريض بجهل وضلال عقول المشركين الذين استمروا على عنادهم ~~وضلالهم ، رغم ما فصل لهم من الآيات . # # | 2 ( 33 ) { قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغى ~~بغير الحق وأن ms3022 تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما ~~لا تعلمون } . ) 2 # لما أنبأ قوله : { قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده } ( الأعراف : ~~32 ) إلى آخره ، بأن أهل الجاهلية حرموا من الزينة والطيبات من الرزق ، ~~وأنبأ قوله تعالى قبل ذلك { وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا ~~والله أمرنا بها } ( الأعراف : 28 ) بأن أهل الجاهلية يعزون ضلالهم في ~~الدين إلى الله ، فأنتج ذلك أنهم ادعوا أن ما حرموه من الزينة والطيبات قد ~~حرمه الله عليهم ، أعقب مجادلتهم ببيان ما حرمه الله حقا وهم ملتبسون به ~~وعاكفون على فعله . # فالقصر المفاد من { إنما } قصر إضافي مفاده أن الله حرم الفواحش وما ذكر ~~معها لا ما حرمتموه من الزينة والطيبات ، فأفاد إبطال اعتقادهم ، ثم هو ~~يفيد بطريق التعريض أن ما عده الله من المحرمات الثابت تحريمها قد تلبسوا ~~بها ، لأنه لما عد أشياء ، وقد علم الناس أن المحرمات ليست محصورة فيها ، ~~علم السامع أن ما عينه مقصود به تعيين ما تلبسوا به فحصل بصيغة القصر رد ~~عليهم من جانبي ما في صيغة ( إنما ) من إثبات ونفي : إذ هي بمعنى ( ما وإلا ~~) ، فأفاد تحليل ما زعموه حراما وتحريم ما استباحوه من الفواحش وما معها . ~~PageV08P099 # والفواحش جمع فاحشة وقد تقدم ذكر معنى الفاحشة عند قوله تعالى : { إنه ~~كان فاحشة ومقتا في سورة النساء ( 22 ) وتقدم آنفا عند قوله تعالى : وإذا ~~فعلوا فاحشة } ( الأعراف : 28 ) . # و { ما ظهر منها } هو ما يظهره الناس بين قرنائهم وخاصتهم مثل البغاء ~~والمخادنة ، وما بطن هو ما لا يظهره الناس مثل الوأد والسرقة ، وقد تقدم ~~القول في نظيره عند قوله تعالى : { ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ~~في سورة الأنعام ( 151 ) . وقد كانوا في الجاهلية يستحلون هذه الفواحش وهي ~~مفاسد قبيحة لا يشك أولو الألباب ، لو سئلوا ، أن الله لا يرضى بها ، وقيل ~~المراد بالفواحش : الزنا ، وما ظهر منه وما بطن حالان من أحوال الزناة ، ~~وعلى هذا يتعين أن يكون الإتيان بصيغة الجمع ms3023 لاعتبار تعدد أفعاله وأحواله ~~وهو بعيد . # وأما الإثم فهو كل ذنب ، فهو أعم من الفواحش ، وتقدم في قوله تعالى : قل ~~فيهما إثم كبير في سورة البقرة ( 219 ) . وقوله : وذروا ظاهر الإثم وباطنه ~~في سورة الأنعام ( 120 ) ، فيكون ذكر الفواحش قبله للاهتمام بالتحذير منها ~~قبل التحذير من عموم الذنوب ، فهو من ذكر الخاص قبل العام للاهتمام ، كذكر ~~الخاص بعد العام ، إلا أن الاهتمام الحاصل بالتخصيص مع التقديم أقوى لأن ~~فيه اهتماما من جهتين . # وأما البغي فهو الاعتداء على حق الغير بسلب أموالهم أو بأذاهم ، والكبر ~~على الناس من البغي ، فما كان بوجه حق فلا يسمى بغيا ولكنه أذى ، قال الله ~~تعالى : والذان يأتيانها منكم فآذوهما } ( النساء : 16 ) وقد كان البغي ~~شائعا في الجاهلية فكان القوي يأكل الضعيف ، وذو البأس يغير على أنعام ~~الناس ويقتل أعداءه منهم ، ومن البغي أن يضربوا من يطوف بالبيت بثيابه إذا ~~كان من غير الحمس ، وأن يلزموه بأن لا يأكل غير طعام الحمس ، ولا يطوف إلا ~~في ثيابهم . PageV08P100 # وقوله : { بغير حق } صفة كاشفة للبغي مثل العشاء الآخرة لأن البغي لا ~~يكون إلا بغير حق . # وعطف { البغي } على { الإثم } من عطف الخاص على العام للاهتمام به ، لأن ~~البغي كان دأبهم في الجاهلية ، قال سوار بن المضرب السعدي : # وأني لا أزال أخا حروب # إذا لم أجنن كنت مجن جان # والإشراك معروف وقد حرمه الله تعالى على لسان جميع الأنبياء منذ خلق ~~البشر . # و { ما لم ينزل به سلطانا } موصول وصلته ، و ( ما ) مفعول { تشركوا بالله ~~} ، والسلطان البرهان والحجة ، والمجرور في قوله : { به } صفة ل { سلطانا } ~~، والباء للمصاحبة بمعنى معه أي لم ينزل حجة مصاحبة له ، وهي مصاحبة الحجة ~~للمدعي وهي مصاحبة مجازية ويجوز أن يكون الباء بمعنى على للاستعلاء المجازي ~~على حد قوله تعالى : { من إن تأمنه بقنطار } ( آل عمران : 75 ) أي سلطانا ~~عليه ، أي دليلا . وضمير ( به ) عائد إلى ( ما ) وهو الرابط للصلة . فمعنى ~~نفي تنزيل الحجة على الشركاء : نفي الحجة الدالة على إثبات صفة الشركة مع ~~الله ms3024 في الإلهية ، فهو من تعليق الحكم بالذات والمراد وصفها ، مثل حرمت ~~عليكم الميتة أي أكلها . وهذه الصلة مؤذنة بتخطئة المشركين ، ونفي معذرتهم ~~في الإشراك ، بأنه لا دليل يشتبه على الناس في عدم استحقاق الأصنام العبادة ~~، فعرف الشركاء المزعومين تعريفا لطريق الرسم بأن خاصتهم : أن لا سلطان على ~~شركتهم لله في الإلهية ، فكل صنم من أصنامهم واضحة فيه هذه الخاصة ، فإن ~~الموصول وصلته من طرق التعريف ، وليس ذلك كالوصف ، وليس للموصول وصلته ~~مفهوم مخالفة ، ولا الموصولات معدودة في صيغ المفاهيم ، فلا يتجه ما أورده ~~الفخر من أن يقول قائل : هذا يوهم أن من بين الشرك ما أنزل الله به سلطانا ~~واحتياجه إلى دفع هذا الإيهام ، ولا ما قفاه عليه صاحب ( الانتصاف ) من ~~تنظير نفي السلطان في هذه الآية بنحو قول امرىء القيس : # على لا حب لا يهتدى بمناره PageV08P101 # ولا يتجه ما نحاه صاحب ( الكشاف ) من إجراء هذه الصلة على طريقة التهكم . # وقوله : { وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } تقدم نظيره آنفا عند قوله ~~تعالى ، في هذه السورة : { قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ~~ما لا تعلمون } ( الأعراف : 28 ) . # وقد جمعت هذه الآية أصول أحوال أهل الجاهلية فيما تلبسوا به من الفواحش ~~والآثام ، وهم يزعمون أنهم يتورعون عن الطواف في الثياب ، وعن أكل بعض ~~الطيبات في الحج . وهذا من ناحية قوله تعالى : { يسألونك عن الشهر الحرام ~~قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج ~~أهله منه أكبر عنه الله والفتنة أكبر من القتل } ( البقرة : 217 ) . # # | 2 ( 34 ) { ولكل أمة أجل فإذا جآء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ~~} . ) 2 # اعتراض بين جملة : { يا بني آدم خذوا زينتكم } ( الأعراف : 31 ) وبين ~~جملة : { يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم } ( الأعراف : 35 ) لما نعى الله ~~على المشركين ضلالهم وتمردهم . بعد أن دعاهم إلى الإيمان ، وإعراضهم عنه ، ~~بالمجادلة والتوبيخ وإظهار نقائصهم بالحجة البينة ، وكان حالهم حال من لا ~~يقلع عما هم فيه ، أعقب ذلك ms3025 بإنذارهم ووعيدهم إقامة للحجة عليهم وإعذارا ~~لهم قبل حلول العذاب بهم . # وهذه الجملة تؤكد الغرض من جملة : { وكم من قرية أهلكناها } ( الأعراف : ~~4 ) وتحتمل معنيين : # أحدهما : أن يكون المقصود بهذا الخبر المشركين ، بأن أقبل الله على ~~خطابهم أو أمر نبيئه بأن يخاطبهم ، لأن هذا الخطاب خطاب وعيد وإنذار . ~~PageV08P102 # والمعنى الثاني : أن يكون المقصود بالخبر النبي صلى الله عليه وسلم فيكون ~~وعدا له بالنصر على مكذبيه ، وإعلاما له بأن سنته سنة غيره من الرسل بطريقة ~~جعل سنة أمته كسنة غيرها من الأمم . # وذكر عموم الأمم في هذا الوعيد ، مع أن المقصود هم المشركون من العرب ~~الذين لم يؤمنوا ، إنما هو مبالغة في الإنذار والوعيد بتقريب حصوله كما حصل ~~لغيرهم من الأمم على طريقة الاستشهاد بشواهد التاريخ في قياس الحاضر على ~~الماضي فيكون الوعيد خبرا معضودا بالدليل والحجة ، كما قال تعالى في آيات ~~كثيرة منها : { قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة ~~المكذبين } ( آل عمران : 137 ) أي : ما أنتم إلا أمة من الأمم المكذبين ~~ولكل أمة أجل فأنتم لكم أجل سيحين حينه . # وذكر الأجل هنا ، دون أن يقول لكل أمة عذاب أو استئصال ، إيقاظا لعقولهم ~~من أن يغرهم الإمهال فيحسبوا أن الله غير مؤاخذهم على تكذيبهم ، كما قالوا ~~: { اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ~~ائتنا بعذاب أليم } ( الأنفال : 32 ) ، وطمأنة للرسول عليه الصلاة والسلام ~~بأن تأخير العذاب عنهم إنما هو جري على عادة الله تعالى في إمهال الظالمين ~~على حد قوله : { حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا } ( ~~يوسف : 110 ) وقوله { لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل } ( ~~آل عمران : 196 ، 197 ) . # ومعنى : { لكل أمة أجل } لكل أمة مكذبة إمهال فحذف وصف أمة أي : مكذبة . # وجعل لذلك الزمان نهاية وهي الوقت المضروب لانقضاء الإمهال ، فالأجل يطلق ~~على مدة الإمهال ، ويطلق على الوقت المحدد به انتهاء الإمهال ، ولا شك أنه ~~وضع لأحد الأمرين ثم استعمل ms3026 في الآخرة على تأويل منتهى المدة أو تأخير ~~المنتهى وشاع الاستعمالان . فعلى الأول يقال قضى الأجل أي المدة كما قال ~~تعالى : { أيما الأجلين قضيت } ( القصص : 28 ) وعلى الثاني يقال : ( دنا ~~PageV08P103 أجل فلان ) وقوله تعالى : { وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا } ( ~~الأنعام : 128 ) والواقع في هذه الآية يصح للاستعمالين بأن يكون المراد ~~بالأجل الأول المدة ، وبالثاني الوقت المحدد لفعلل ما . # والمراد بالأمة هنا الجماعة التي اشتركت في عقيدة الإشراك أو في تكذيب ~~الرسل ، كما يدل عليه السياق من قوله تعالى : { وأن تشركوا بالله } ( ~~الأعراف : 33 ) إلخ وليس المراد بالأمة ، الجماعة التي يجمعها نسب أو لغة ~~إذ لا يتصور انقراضها عن بكرة أبيها ، ولم يقع في التاريخ انقراض إحداها ، ~~وإنما وقع في بعض الأمم أن انقرض غالب رجالها بحوادث عظيمة مثل ( طسم ) و ( ~~جديس ) و ( عدوان ) فتندمج بقاياها في أمم أخرى مجاورة لها فلا يقال لأمة ~~إن لها أجلا تنقرض فيه ، إلا بمعنى جماعة يجمعها أنها مرسل إليها رسول ~~فكذبته ، وكذلك كان ما صدق هذه الآية ، فإن العرب لما أرسل محمد صلى الله ~~عليه وسلم ابتدأ دعوته فيهم ولهم ، فآمن به من آمن ، وتلاحق المؤمنون ~~أفواجا ، وكذب به أهل مكة وتبعهم من حولهم ، وأمهل الله العرب بحكمته ~~وبرحمة نبيه صلى الله عليه وسلم إذ قال : ( لعل الله أن يخرج من أصلابهم من ~~يعبده ) فلطف الله بهم إذ جعلهم مختلطين مؤمنهم ومشركهم ، ثم هاجر المؤمنون ~~فبقيت مكة دار شرك وتمحض من علم الله أنهم لا يؤمنون فأرسل الله عليهم ~~عباده المؤمنين فاستأصلوهم فوجا بعد فوح ، في يوم بدر وما بعده من أيام ~~الإسلام ، إلى أن تم استئصال أهل الشرك بقتل بقية من قتل منهم في غزوة ~~الفتح ، مثل عبد الله بن خطل ومن قتل معه ، فلما فتحت مكة دان العرب ~~للإسلام وانقرض أهل الشرك ، ولم تقم للشرك قائمة بعد ذلك ، وأظهر الله ~~عنايته بالأمة العربية إذ كانت من أولل دعوة الرسول غير متمحضة للشرك ، بل ~~كان فيها مسلمون من أول يوم الدعوة ، وما زالوا ms3027 يتزايدون . # وليس المراد في الآية ، بأجل الأمة ، أجل أفرادها ، وهو مدة حياة كل واحد ~~منها ، لأنه لا علاقة له بالسياق ، ولأن إسناده إلى الأمة يعين PageV08P104 ~~أنه أجل مجموعها لا أفرادها ، ولو أريد آجال الأفراد لقال لكل أحد أو لكل ~~حي أجل . # و { إذا } ظرف زمان للمستقبل في الغالب ، وتتضمن معنى الشرط غالبا ، لأن ~~معاني الظروف قريبة من معاني الشرط لما فيها من التعليق ، وقد استغني بفاء ~~تفريع عامل الظرف هنا عن الإتيان بالفاء في جواب ( إذا ) لظهور معنى الربط ~~والتعليق بمجموع الظرفية والتفريع ، والمفرع هو : { جاء أجلهم } وإنما قدم ~~الظرف على عامله للاهتمام به ليتأكد بذلك التقديمم معنى التعليق . والمجيء ~~مجاز في الحلول المقدر له كقولهم جاء الشتاء . # وإفراد الأجل في قوله : { إذا جاء أجلهم } مراعى فيه الجنس ، الصادق ~~بالكثير ، بقرينة إضافته إلى ضمير الجمع . # وأظهر لفظ أجل في قوله : { إذا جاء أجلهم } ولم يكتف بضميره لزيادة تقرير ~~الحكم عليه ، ولتكون هذه الجملة مستقلة بنفسها غير متوقفة عن سماع غيرها ~~لأنها بحيث تجري مجرى المثل ، وإرسال الكلام الصالح لأن يكون مثلا طريق من ~~طرق البلاغة . # و { يستأخرون } : و { يستقدمون } بمعنى : يتأخرون ويتقدمون ، فالسين ~~والتاء فيهما للتأكيد مثل استجاب . # والمعنى : إنهم لا يتجاوزونه بتأخير ولا يتعجلونه بتقديم . والمقصود أنهم ~~لا يؤخرون عنه ، فعطف { ولا يستقدمون } لبيان أن ما علمه الله وقدره على ~~وفق علمه لا يقدر أحد على تغييره وصرفه ، فكان قوله : { ولا يستقدمون } لا ~~تعلق له بغرض التهديد . وقريب من هذا قول أبي الشيص : # وقف الهوى بي حيث أنتت فليس لي # متأخر عنه ولا متقدم PageV08P105 # وكل ذلك مبني على تمثيل حالة الذي لا يستطيع التخلص من وعيد أو نحوه ~~بهيئة من احتبس بمكان لا يستطيع تجاوزه إلى الأمام ولا إلى الوراء . # $ 2 ( 35 ، 36 ) { يابنى & # 1764 آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم ءاياتى فمن اتقى وأصلح فلا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون * والذين كذبوا بئاياتنا واستكبروا عنهآ أولائك ~~أصحاب النار هم فيها خالدون } . ) 2 $ # يجيء في موقع هذه الجملة ms3028 : من التأويل ، ما تقدم في القولل في نظيرتها ~~وهي قوله تعالى : { يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم } ( ~~الأعراف : 26 ) . # والتأويل الذي استظهرنا به هنالك يبدو في هذه النظيرة الرابعة أوضح . ~~وصيغة الجمع في قوله : { رسل } وقوله { يقصون } تقتضي توقع مجيء عدة رسل ، ~~وذلك منتف بعد بعثة الرسول الخاتم للرسل الحاشر العاقب عليه الصلاة والسلام ~~، فذلك يتأكد أن يكون هذا الخطاب لبني آدم الحاضرين وقت نزول القرآن ، ~~ويرجح أن تكون هذه النداآت الأربعة حكاية لقولل موجه إلى بني آدم الأولين ~~الذي أوله : { قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون } ( الأعراف : 25 ~~) . # قال ابن عطية : ( وكأن هذا خطاب لجميع الأمم ، قديمها وحديثها ، هو متمكن ~~لهم ، ومتحصل منه لحاضري محمد صلى الله عليه وسلم أن هذا حكم الله في ~~العالم منذ أنشأه ) يريد أن الله أبلغ الناس هذا الخطاب على لسان كل نبيء ، ~~من آدم إلى هلم جرا ، فما من نبيء أو رسول إلا وبلغه أمته ، PageV08P106 ~~وأمرهم بأن يبلغ الشاهد منهم الغائب ، حتى نزل في القرآن على محمد صلى الله ~~عليه وسلم فعلمت أمته أنها مشمولة في عموم بني آدم . # وإذا كان ذلك متعينا في هذه الآية أو كالمتعين تعين اعتبار مثله في ~~نظائرها الثلاث الماضية ، فشد به يدك . ولا تعبأ بمن حردك . # فأما إذا جعل الخطاب في هذه الآية موجها إلى المشركين في زمن النزول ، ~~بعنوان كونهم من بني آدم ، فهنالك يتعين صرف معنى الشرط إلى ما يأتي من ~~الزمان بعد نزول الآية لأن الشرط يقتضي الاستقبال غالبا . كأنه قيل إن ~~فاتكم اتباع ما أنزل إليكم فيما مضى لا يفتكم فيما بقي ، ويتعين تأويل ~~يأتينكم بمعنى يدعونكم ، ويتعين جعل جمع الرسل على إرادة رسول واحد ، ~~تعظيما له ، كما في قوله تعالى : { وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم } ( ~~الفرقان : 37 ) أي كذبوا رسوله نوحا ، وقوله : { كذبت قوم نوح المرسلين } ( ~~الشعراء : 105 ) وله نظائر كثيرة في القرآن . # وهذه الآية ، والتي بعدها متصلتا المعنى بمضمون قوله تعالى في أول السورة ~~: { وكم من ms3029 قرية أهلكناها } ( الأعراف : 4 ) الآية اتصال التفصيل بإجماله . # أكد به تحذيرهم من كيد الشيطان وفتونه ، وأراهم به مناهج الرشد التي تعين ~~على تجنب كيده ، بدعوة الرسل إياهم إلى التقوى والإصلاح ، كما أشار إليه ~~بقوله ، في الخطاب السابق : { يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج ~~أبويكم من الجنة } ( الأعراف : 27 ) وأنبأهم بأن الشيطان توعد نوع الإنسان ~~فيما حكى الله في قوله : { قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم } ( ~~الأعراف : 16 ) الآية فلذلك حذر الله بني آدم من كيد الشيطان ، وأشعرهم ~~بقوة الشيطان بقوله : { إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم } ( الأعراف ~~: 27 ) عسى أن يتخذوا العدة للنجاة من مخالب فتنته ، وأردف ذلك بالتحذير من ~~حزبه ودعاته الذين يفتنون المؤمنين ، ثم عزز ذلك بإعلامه إياهم أنه أعانهم ~~على الاحتراز PageV08P107 من الشيطان ، بأن يبعث إليهم قوما من حزب الله ~~يبلغونهم عن الله ما فيه منجاة لهم من كيد الشياطين ، بقوله : { يا بني آدم ~~إما يأتيكم رسل منكم } الآية فأوصاهم بتصديقهم والامتثال لهم . # و { إما } مركبة من ( إن ) الشرطية و ( ما ) الزائدة المؤكدة لمعنى ~~الشرطية ، واصطلح أيمة رسم الخط على كتابتها في صورة كلمة واحدة ، رعيا ~~لحالة النطق بها بإدغام النون في الميم ، والأظهر أنها تفيد مع التأكيد ~~عموم الشرط مثل أخواتها ( مهما ) و ( أينما ) ، فإذا اقترنت بإن الشرطية ~~اقترنت نون التوكيد بفعل الشرط كقوله تعالى : { فإما ترين من البشر أحدا ~~فقولي سورة مريم ( 26 ) لأن التوكيد الشرطي يشبه القسم ، وهذا الاقتران ~~بالنون غالب ، ولأنها لما وقعت توكيدا للشرط تنزلت من أداة الشرط منزلة جزء ~~الكلمة . # وقوله : منكم } أي من بني آدم ، وهذا تنبيه لبني آدم بأنهم لا يترقبون أن ~~تجيئهم رسل الله من الملائكة لأن المرسل يكون من جنس من أرسل إليهم ، وفي ~~هذا تعريض بالجهلة من الأمم الذين أنكروا رسالة الرسل لأنهم من جنسهم ، مثل ~~قوم نوح ، إذ قالوا : { ما نراك إلا بشرا مثلنا } ( هود : 27 ) ومثل ~~المشركين من أهل مكة إذ كذبوا رسالة محمد صلى الله عليه وسلم بأنه ms3030 بشر قال ~~تعالى : { وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله ~~بشرا رسولا قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من ~~السماء ملكا رسولا } ( الإسراء : 94 ، 95 ) . # ومعنى { يقصون عليكم آياتي } يتلونها ويحكونها ويجوز أن يكون بمعنى ~~يتبعون الآية بأخرى ويجوز أن يكون بمعنى يظهرون وكلها معان مجازية للقص لأن ~~حقيقة القص هي أن أصل القصص إتباع الحديث من اقتصاص أثر الأرجل واتباعه ~~لتعرف جهة الماشي ، فعلى المعنى الأول فهو كقوله في الآية الأخرى : { ألم ~~يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم } ( الزمر : 71 ) وأيا ما كان فهو ~~محتمل للحمل على جميعها من استعمال اللفظ في مجازيه . PageV08P108 # الآية أصلها العلامة الدالة على شيء ، من قول أو فعل ، وآيات الله ~~الدلائل التي جعلها دالة على وجوده ، أو على صفاته ، أو على صدق رسله ، كما ~~تقدم عند قوله تعالى : { والذين كفروا وكذبوا بآياتنا في سورة البقرة ( 39 ~~) ، وقوله تعالى : وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه في سورة الأنعام ( 37 ) ~~، ومنه آيات القرآن التي جعلها الله دلالة على مراده للناس ، للتعريض ~~بالمشركين من العرب ، الذين أنكروا رسالة محمد . ووجه دلالة الآيات على ذلك ~~إما لأنها جاءت على نظم يعجز البشر عن تأليف مثله ، وذلك من خصائص القرآن ، ~~وإما لأنها تشتمل على أحكام ومعان لا قبل لغير الله ورسوله بإدراك مثلها ، ~~أو لأنها تدعو إلى صلاح لم يعهده الناس . فيدل ما اشتملت عليه على أنه مما ~~أراده الله للناس ، مثل بقية الكتب التي جاءت بها الرسل ، وإما لأنها ~~قارنتها أمور خارقة للعادة تحدى بها الرسول المرسل بتلك الأقوال أمته ، ~~فهذا معنى تسميتها آيات ، ومعنى إضافتها إلى الله تعالى ، ويجوز أن يكون ~~المراد بالآيات ما يشمل المعجزاتت غير القولية ، مثل نبع الماء من بين ~~أصابع محمد ومثل قلب العصا حية لموسى عليه السلام . وابراء الأكمه لعيسى ~~عليه السلام ، ومعنى التكذيب بها العناد بإنكارها وجحدها . # وجملة : فمن اتقى وأصلح } جواب الشرط وبينها وبين جملة : { إما يأتينكم } ~~محذوف ms3031 تقديره : فاتقى منكم فريق وكذب فريق { فمن اتقى } إلخ ، وهذه الجملة ~~شرطية أيضا ، وجوابها { فلا خوف عليهم } ، أي فمن اتبع رسلي فاتقاني وأصلح ~~نفسه وعمله فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، ولما كان إتيان الرسل فائدته ~~لإصلاح الناس ، لا لنفع الرسل ، عدل عن جعل الجواب اتباع الرسل إلى جعله ~~التقوى والصلاح . إيماء إلى حكمة إرسال الرسل ، وتحريضا على اتباعهم بأن ~~فائدته للأمم لا للرسل ، كما قال شعيب : { وما أريد أن أخالفكم إلى ما ~~أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت } ( هود : 88 ) ، أي لا خوف ~~عليهم من عقوبة الله في الدنيا والآخرة ولا هم يحزنون من شيء PageV08P109 ~~من ذلك ، فالخوف والحزن المنفيان هما ما يوجبه العقاب ، وقد ينتفي عنهم ~~الخوف والحزن مطلقا بمقدار قوة التقوى والصلاح ، وهذا من الأسرار التي بين ~~الله وعباده الصالحين ، ومثله قوله تعالى : { ألا إن أولياء الله لا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا ~~وفي الآخرة } ( يونس : 62 64 ) . # وقد نفي الخوف نفي الجنس بلا النافية له ، وجيء باسمها مرفوعا لأن الرفع ~~يساوي البناء على الفتح في مثل هذا ، لأن الخوف من الأجناس المعنوية التي ~~لا يتوهم في نفيها أن يكون المراد نفي الفرد الواحد ، ولو فتح مثله لصح ، ~~ومنه قول الرابعة من نساء حديث أم زرع : ( زوجي كليلل تهامه ، لا حر ولا قر ~~ولا مخافة ولا سئامه ) فقد روي بالرفع وبالفتح . # و ( على ) في قوله : { فلا خوف عليهم } للاستعلاء المجازي ، وهو المقارنة ~~والملازمة ، أي لا خوف ينالهم . # وقوله : { ولا هم يحزنون } جملة عطفت على جملة : { فلا خوف عليهم } ، ~~وعدل عن عطف المفرد ، بأن يقال ولا حزن ، إلى الجملة : ليتأتى بذلك بناء ~~المسند الفعلي على ضميرهم ، فيدل على أن الحزن واقع بغيرهم ، وهم الذين ~~كفروا . فإن بناء الخبر الفعلي على المسند إليه المتقدم عليه يفيد تخصيص ~~المسند إليه بذلك الخبر ، نحو : ما أنا قلت هذا ، فإنه نفي صدور القول من ~~المتكلم مع كون القول واقعا من غيره ms3032 ، وعليه بيت ( دلائل الإعجاز ) ، ( وهو ~~للمتنبي ) : # وما أنا أسقمت جسمي به # ولا أنا أضرمت في القلب نارا # فيفيد أن الذين كفروا يحزنون إفادة بطريق المفهوم ، ليكون كالمقدمة للخبر ~~عنهم بعد ذلك بأنهم أصحاب النار هم فيها خالدون . PageV08P110 # وجملة : { والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار } معطوفة على ~~جملة { فمن اتقى وأصلح } . والرابط محذوف تقديره : والذين كفروا منكم ~~وكذبوا . # والاستكبار مبالغة في التكبر ، فالسين والتاء للمبالغة . وهو أن يعد ~~المرء نفسه كبيرا أي عظيما وما هو به ، فالسين والتاء لعد والحسبان ، وكلا ~~الأمرين يؤذن بإفراطهم في ذلك وأنهم عدوا قدرهم . # وضمن الاستكبار معنى الإعراض . فعلق به ضمير الآيات . والمعنى : ~~واستكبروا فأعرضوا عنها . # وأفاد تحقيق أنهم صائرون إلى النار بطريق قصر ملازمة النار عليهم في قوله ~~: { أولئك أصحاب النار } لأن لفظ أصحاب مؤذن بالملازمة . وبما تدل عليه ~~الجملة الاسمية من الدوام والثبات في قوله : { هم فيها خالدون } . # $ 2 ( 37 39 ) { فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بئاياته أولائك ~~ينالهم نصيبهم من الكتاب حتى إذا جآءتهم رسلنا يتوفونهم قالو & # 1764 ا أين ما كنتم تدعون من دون الله قالوا ضلوا عنا وشهدوا على أنفسهم ~~أنهم كانوا كافرين * قال ادخلوا فى & # 1764 أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس فى النار كلما دخلت أمة لعنت ~~أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لاولاهم ربنا هاؤلا & # 1764 ء أضلونا فئاتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولاكن لا تعلمون * ~~وقالت أولاهم لاخراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم ~~تكسبون } . ) 2 $ # الفاء للتفريع على جملة الكلام السابق ، وهذه كالفذلكة لما تقدم لتبين أن ~~صفات الضلال ، التي أبهم أصحابها ، هي جافة بالمشركين المكذبين PageV08P111 ~~برسالة محمد عليه الصلاة والسلام فإن الله ذكر أولياء الشياطين وبعض صفاتهم ~~بقوله : { إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون } ( الأعراف : 27 ) ~~وذكر أن الله عهد لبني آدم منذ القدم بأن يتبعوا من يجيئهم من الرسل عن ~~الله تعالى بآياته ليتقوا ويصلحوا ، ووعدهم على ms3033 اتباع ما جاءهم بيني الخوف ~~والحزن وأوعدهم على التكذيب والاستكبار بأن يكونوا أصحاب النار ، فقد أعذر ~~إليهم وبصرهم بالعواقب ، فتفرع على ذلك : أن من كذب على الله فزعم أن الله ~~أمره بالفواحش ، أو كذب بآيات الله التي جاء بها رسوله ، فقد ظلم نفسه ظلما ~~عظيما حتى يسأل عمن هو أظلم منه . # ولك أن تجعل جملة : { فمن أظلم ممن افترى } ( الأنعام : 144 ) إلخ معترضة ~~بين جملة : { أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } ( الأعراف : 36 ) وجملة : ~~{ أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب } كما سيأتي في موقع هذه الأخيرة ، وقد ~~تقدم الكلام على تركيب : { من أظلم ممن } عند قوله تعالى : { ومن أظلم ممن ~~منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه في سورة البقرة ( 114 ) ، وأن الاستفهام ~~للإنكار ، أي لا أحد أظلم . # والافتراء والكذب تقدم القول فيهما عند قوله تعالى : ولكن الذين كفروا ~~يفترون على الله الكذب في سورة العقود ( 103 ) . ولهذه الآية اتصال بآية : ~~وكم من قرية أهلكناها } ( الأعراف : 4 ) من حيث ما فيها من التهديد بوعيد ~~عذاب الآخرة وتفظيع أهواله . # و ( من ) استفهام إنكاري مستعمل في تهويل ظلم هذا الفريق ، المعبر عنه ~~بمن افترى على الله كذبا . و ( من ) الثانية موصولة ، وهي عامة لكل من ~~تتحقق فيه الصلة ، وإنما كانوا أظلم الناس ولم يكن أظلم منهم ، لأن الظلم ~~اعتداء على حق ، وأعظم الحقوق هي حقوق الله تعالى ، وأعظم الاعتداء على حق ~~الله الاعتداء عليه بالاستخفاف بصاحبه العظيم ، وذلك بأن يكذب بما جاءه من ~~قبله ، أو بأن يكذب عليه قيبلغ عنه ما لم يأمر به فإن جمع بين الأمرين فقد ~~عطل مراد الله تعالى من جهتين : جهة إبطال ما يدل على مراده ، وجهة إيهام ~~الناس بأن الله أراد منهم ما لا يريده الله . PageV08P112 # والمراد بهذا الفريق : هم المشركون من العرب ، فإنهم كذبوا بآيات الله ~~التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم وافتروا على الله الكذب فيما زعموا ~~أن الله أمرهم به من الفواحش ، كما تقدم آنفا عند قوله تعالى : { وإذا ~~فعلوا فاحشة قالوا ms3034 وجدنا عليها آباءنا } ( الأعراف : 28 ) . # و ( أو ) ظاهرها التقسيم فيكون الأظلم وهم المشركون فريقين : فريق افتروا ~~على الله الكذب ، وهم سادة أهل الشرك وكبراؤهم ، الذين شرعوا لهم من الدين ~~ما لم يأذن به الله ، ونسبوه إلى الله وهم يعلمون ، مثل عمرو بن لحي ، وأبي ~~كبشة ، ومن جاء بعدهما ، وأكثر هذا الفريق قد انقرضوا في وقت نزول الآية ، ~~وفريق كذبوا بآياتت ولم يفتروا على الله وهم عامة المشركين ، من أهل مكة ~~وما حولها ، وعلى هذا فكل واحد من الفريقين لا أظلم منه ، لأن الفريق الآخر ~~مساو له في الظلم وليس أظلم منه ، فأما من جمع بين الأمرين ممن لعلهم أن ~~يكونوا قد شرعوا للمشركين أمورا من الضلالات ، وكذبوا محمدا صلى الله عليه ~~وسلم فهم أشد ظلما ، ولكنهم لما كانوا لا يخلون عن الانتساب إلى كلا ~~الفريقين وجامعين للخصلتين لم يخرجوا من كونهم من الفريق الذين هم أظلم ~~الناس ، وهذا كقوله : { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ~~ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثلما أنزل الله } ( الأنعام : 93 ) ، فلا ~~شك أن الجامع بين الخصال الثلاث هو أظلم من كل من انفرد بخصلة منها ، وذلك ~~يوجب له زيادة في الأظلمية ، لأن كل شدة وصف قابلة للزيادة . # ولك أن تجعل ( أو ) بمعنى الواو ، فيكون الموصوف بأنه أظلم الناس هو من ~~اتصف بالأمرين الكذب والتكذيب ، ويكون صادقا على المشركين لأن جماعتهم لا ~~تخلو عن ذلك . # شيء باسم الإشارة في قوله : { أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب } ليدل على ~~أن المشار إليهم أحرياء بأن يصيبهم العذاب بناء على ما دل عليه التفريع ~~بالفاء . PageV08P113 # وجملة { أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب } يجوز أن تكون مستأنفة استئنافا ~~بيانيا ناشئا عن الاستفهام في قوله : { فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا } ~~الآية ، لأن التهويل المستفاد من الاستفهام يسترعي السامع أن يسأل عما ~~سيلاقونه من الله الذي افتروا عليه وكذبوا بآياته . # ويجوز أن تكون جملة : { أولئك ينالهم نصيبهم } عطف بيان لجملة : { أولئك ~~أصحاب النار هم فيها ms3035 خالدون } ( الأعراف : 36 ) أي خالدون الخلود الذي هو ~~نصيبهم من الكتاب . # وتكملة هذه الجملة هي جملة : { حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم } الآية ~~كما سيأتي . # ومادة النيل والنوال وردت واوية العين ويائية العين مختلطتين في دواوين ~~اللغة ، غير مفصحة عن توزيع مواقع استعمالها بين الواوي واليائي ، ويظهر أن ~~أكثر معاني المادتين مترادفة وأن ذلك نشأ من القلب في بعض التصاريف أو من ~~تداخل اللغات ، وتقول نلت بضم النون من نال ينول ، وتقول نلت بكسر النون من ~~نال ينيل ، وأصل النيل إصابة الإنسان شيئا لنفسه بيده ، ونوله أعطاه فنال ، ~~فالأصل أن تقول نال فلان كسبا ، وقد جاء هنا بعكس ذلك لأن النصيب من الكتاب ~~هو أمر معنوي ، فمقتضى الظاهر أن يكون النصيب منولا لا نائلا ، لأن النصيب ~~لا يحصل الذين افتروا على الله كذبا ، بل بالعكس : الذين افتروا يحصلونه ، ~~وقد جاء ذلك في آيات كثيرة كقوله تعالى : { لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ~~} ( الحج : 37 ) وقوله { سينالهم غضب من ربهم } ( الأعراف : 152 ) ، فتعين ~~أن يكون هذا إما مجازا مرسلا في معنى مطلق الإصابة ، وإما أن يكون استعارة ~~مبنية على عكس التشبيه بأن شبه النصيب بشخص طالب طلبة فنالها ، وإنما يصار ~~إلى هذا للتنبيه على أن الذي ينالهم شيء يكرهونه ، وهو يطلبهم وهم يفرون ~~منه ، كما يطلب العدو عدوه ، فقد صار النصيب من الكتاب كأنه يطلب أن يحصل ~~الفريق PageV08P114 الذين حق عليهم ويصادفهم ، وهو قريب من القلب المبني ~~على عكس التشبيه في قول رؤبة : # ومهمه مغبرة أرجاؤه # كأن لون أرضه سماؤه # وقولهم : ( عرضت الناقة على الحوض ) . # والنصيب الحظ الصائر لأحد المتقاسمين من الشيء المقسوم ، وقد تقدم عند ~~قوله تعالى : { أولئك لهم نصيب مما كسبوا في سورة البقرة ( 202 ) ، وقوله : ~~للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون في سورة النساء ( 7 ) . # والمراد بالكتاب ما تضمنه الكتاب ، فإن كان الكتاب مستعملا حقيقة فهو ~~القرآن ، ونصيبهم منه هو نصيبهم من وعيده ، مثل قوله تعالى آنفا : والذين ~~كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } ( ~~الأعراف ms3036 : 36 ) ، وإن كان الكتاب مجازا في الأمر الذي قضاه الله وقدره ، ~~على حد قوله : { لكل أجل كتاب } ( الرعد : 38 ) أي الكتاب الثابت في علم ~~الله من إحقاق كلمة العذاب عليهم ، فنصيبهم منه هو ما أخبر الله بأنه قدره ~~لهم من الخلود في العذاب ، وأنه لا يغفر لهم ، ويشمل ذلك ما سبق تقديره لهم ~~من الإمهال وذلك هو تأجيلهم إلى أجل أراده ثم استئصالهم بعده كما أخبر عن ~~ذلك آنفا بقوله : { ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون } ( الأعراف : 34 ) . وحمل كثير من المفسرين النصيب على ما ينالهم ~~من الرزق والإمهال في الدنيا قبل نزول العذاب بهم وهو بعيد من معنى الفاء ~~في قوله : { فمن أظلم } ولا أحسب الحادي لهم على ذلك إلا ليكون نوال النصيب ~~حاصلا في مدة ممتدة ليكون مجيء الملائكة لتوفيهم غاية لانتهاء ذلك النصيب ، ~~استبقاء لمعنى الغاية الحقيقية في ( حتى ) . وذلك غير ملتزم ، فإن حتى ~~الابتدائية لا تفيد من الغاية ما تفيده العاطفة كما سنذكره . # والمعنى : إما أن كل واحد من المشركين سيصيبه ما توعدهم الله به من ~~الوعيد على قدر عتوه في تكذيبه وإعراضه ، فنصيبه هو ما يناسب حاله ~~PageV08P115 عند الله من مقدار عذابه ، وإما أن مجموع المشركين سيصيبهم ما ~~قدر لأمثالهم من الأمم المكذبين للرسل المعرضين عن الآيات من عذاب الدنيا ، ~~فلا يغرنهم تأخير ذلك لأنه مصيبهم لا محالة عند حلول أجله ، فنصيبهم هو صفة ~~عذابهم من بين صفات العذاب التي عذبت بها الأمم . # وجملة : { حتى إذا جاءتهم رسلنا } تفصيل لمضمون جملة { ينالهم نصيبهم من ~~الكتاب } فالوقت الذي أفاده قوله : { إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم } هو مبدأ ~~وصف نصيبهم من الكتاب حين ينقطع عنهم الإمهال الذي لقوه في الدنيا . # و { حتى } ابتدائية لأن الواقع بعدها جملة فتفيد السببية ، فالمعنى : ف { ~~إذا جاءتهم رسلنا } إلخ ، و ( حتى ) الابتدائيه لها صدر الكلام فالغاية ~~التي تدل عليها هي غاية ما يخبر به المخبر ، وليست غاية ما يبلغ إليه ~~المعطوف عليه بحتى ، لأن ذلك إنما يلتزم ms3037 إذا كانت حتى عاطفة ، ولا تفيد إلا ~~السببية كما قال ابن الحاجب فهي لا تفيد أكثر من تسبب ما قبلها فيما بعدها ~~، قال الرضي ؛ قال المصنف : وإنما وجب مع الرفع السببية لأن الاتصال اللفظي ~~لما زال بسبب الاستئناف شرط السببية التي هي موجبة للاتصال المعنوي ، جبرا ~~لما فات من الاتصال اللفظي ، قال عمرو بن شأس : # نذود الملوك عنكم وتذودنا # ولا صلح حتى تضبعون ونضبعا # وقد تقدم بعض هذا عند قوله تعالى : { قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى ~~إذا جاءتهم الساعة في سورة الأنعام ( 31 ) و ( حتى ) الابتدائية تدل على أن ~~مضمون الكلام الذي بعدها أهم بالاعتناء للإلقاء عند المتكلم لأنه أجدى في ~~الغرض المسوق له الكلام ، وهذا الكلام الواقع هنا بعد ( حتى ) فيه تهويل ما ~~يصيبهم عند قبض أرواحهم ، وهو أدخل في تهديدهم وترويعهم وموعظتهم ، من ~~الوعيد المتعارف ، وقد هدد القرآن المشركين PageV08P116 بشدائد الموت عليهم ~~في آيات كثيرة لأنهم كانوا يرهبونه . والرسل هم الملائكة قال تعالى : قل ~~يتوفاكم ملك الموت } ( السجدة : 11 ) وقال { ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا ~~الملائكة } ( الأنفال : 50 ) . # وجملة : { يتوفونهم } في موضع الحال من { رسلنا } وهي حال معللة لعاملها ~~، كقوله : { ولكني رسول من رب العالمين أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم } ( ~~الأعراف : 61 ، 62 ) أي رسول لأبلغكم ولأنصح لكم . # والتوفي نزع الروح من الجسد ، وقد تقدم بيانه عند قوله تعالى : { إذ قال ~~الله يا عيسى إني متوفيك في سورة آل عمران ( 55 ) وهو المراد هنا ، ولا ~~جدوى في حمله على غير هذا المعنى ، مما تردد فيه المفسرون ، إلا أن ~~المحافظة على معنى الغاية لحرف ( حتى ) فتوفي الرسل يجوز أن يكون المراد ~~منه وقت أن يتوفوهم جميعا ، إن كان المراد بالنصيب من الكتاب الاستئصال ، ~~أي حين تبعث طوائف الملائكة لإهلاك جميع أمة الشرك . # ويجوز أن يكون المراد حتى يتوفون آحادهم في أوقات متفرقه إن كان المراد ~~بالنصيب من الكتاب وعيد العذاب ، وعلى الوجهين فالقول محكي على وجه الجمعع ~~والمراد منه التوزيع أي قال كل ملك لمن وكل ms3038 بتوفيه ، على طريقة : ركب القوم ~~دوابهم . وقد حكي كلام الرسل معهم وجوابهم إياهم بصيغة الماضي على طريقة ~~المحاورة ، لأن وجود ظرف المستقبل قرينة على المراد . # والاستفهام في قوله : أين ما كنتم تدعون من دون الله } مستعمل في التهكم ~~والتأييس . # و ( ما ) الواقعة بعد أين موصولة ، يعني : أين آلهتكم التي كنتم تزعمون ~~أنهم ينفعونكم عند الشدائد ويردون عنكم العذاب فإنهم لم يحضروكم ، وذلك حين ~~يشهدون العذاب عند قبض أوراحهم ، فقد جاء PageV08P117 في حديث ( الموطأ ) : ~~أن الميت يرى مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن ~~كان من أهل النار يقال له هذا مقعدك حتى يبعثك الله . وهذا خطاب للأرواح ~~التي بها الإدراك وهو قبل فتنة القبر . # وقولهم : { ضلوا عنا } أي أتلفوا مواقعنا وأضاعونا فلم يحضروا ، وهذا ~~يقتضي أنهم لما يعلموا أنهم لا يغنون عنهم شيئا من النفع ، فظنوا أنهم ~~أذهبهم ما أذهبهم وأبعدهم عنهم ما أبعدهم ، ولم يعلموا سببه ، لأن ذلك إنما ~~يتبين لهم يوم الحشر حين يرون إهانة أصنامهم وتعذيب كبرائهم ، ولذلك لم ~~ينكروا في جوابهم أنهم كانوا يدعونهم من دون الله بخلاف ما حكي عنهم في يوم ~~الحشر من قولهم : { والله ربنا ما كنا مشركين } ( الأنعام : 23 ) ولذلك قال ~~هنا : { وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين } ، وقال في الآخرى : { انظر ~~كيف كذبوا على أنفسهم } ( الأنعام : 24 ) . # والشهادة هنا شهادة ضمنية لأنهم لما لم ينفوا أن يكونوا يدعون من دون ~~الله وأجابوا بأنهم ضلوا عنهم قد اعترفوا بأنهم عبدوهم . # فأما قوله : { قال ادخلوا في أمم } فهذا قول آخر ، ليس هو من المحاورة ~~السابقة ، لأنه جاء بصيغة الإفراد ، والأقوال قبله مسندة إلى ضمائر الجمع ، ~~فتعين أن ضمير ( قال ) عائد إلى الله تعالى بقرينة المقام ، لأن مثل هذا ~~القول لا يصدر من أحد غير الله تعالى ، فهو استيناف كلام نشأ بمناسبة حكاية ~~حال المشركين حين أول قدومهم على الحياة الآخرة ، وهي حالة وفاة الواحد ~~منهم فيكون خطابا صدر من الله إليهم بواسطة أحد ملائكته ، أو بكلام سمعوه ~~وعلموا ms3039 أنه من قبل الله تعالى بحيث يوقنون منه أنهم داخلون إلى النار ، ~~فيكون هذا من أشد ما يرون فيه مقعدهم من النار عقوبة خاصة بهم . والأمر ~~مستعمل للوعيد فيتأخر تنجيزه إلى يوم القيامة . # ويجوز أن يكون المحكي به ما يصدر من الله تعالى يوم القيامة من حكم عليهم ~~بدخول النار مع الأمم السابقة ، فذكر عقب حكاية حال قبض PageV08P118 ~~أرواحهم إكمالا لذكر حال مصيرهم ، وتخلصا إلى وصف ما ينتظرهم من العذاب ~~ولذكر أحوال غيرهم . وأيا ما كان فالإتيان بفعل القول ، بصيغه الماضي : ~~للتنبيه على تحقيق وقوعه على خلاف مقتضى الظاهر . # ويجوز أن تكون جملة : { قال ادخلوا في أمم } في موضع عطف البيان لجملة { ~~ينالهم نصيبهم من الكتاب } أي : قال الله فيما كتبه لهم { ادخلوا في أمم قد ~~خلت من قبلكم } ( الأعراف : 34 ) أي أمثالكم ، والتعبير بفعل المضي جرى على ~~مقتضى الظاهر . # والأمم جمع الأمة بالمعنى الذي تقدم في قوله : { ولكل أمة أجل } . # و ( في ) من قوله : { في أمم } للظرفية المجازية ، وهي كونهم في حالة ~~واحدة وحكمم واحد ، سواء دخلوا النار في وسطهم أم دخلوا قبلهم أو بعدهم ، ~~وهي بمعنى ( مع ) في تفسير المعنى ، ونقل عن صاحب ( الكشاف ) أنه نظر ( في ~~) التي في هذه الآية بفي التي في قول عروة بن أذينة : # إن تكن عن حسن الصنيعة مأفو # كا ففي آخرين قد أفكوا # ومعنى : { قد خلت } قد مضت وانقرضت قبلكم ، كما في قوله تعالى : { تلك ~~أمة قد خلت في سورة البقرة ( 134 ) ، يعني : أن حالهم كحال الأمم المكذبين ~~قبلهم ، وهذا تذكير لهم بما حاق بأولئك الأمم من عذاب الدنيا كقوله : وتبين ~~لكم كيف فعلنا بهم } ( إبراهيم : 45 ) وتعريض بالوعيد بأن يحل بهم مثل ذلك ~~، وتصريح بأنهم في عذاب النار سواء . PageV08P119 # جملة : { كلما دخلت أمة لعنت أختها } مستأنفة استئنافا ابتدائيا ، لوصف ~~أحوالهم في النار ، وتفظيعها للسامع ، ليتعظ أمثالهم ويستبشر المؤمنين ~~بالسلامة مما أصابهم فتكون جملة { حتى إذا اداركوا } داخلة في حيز ~~الاستيناف . # ويجوز أن تكون جملة : { كلما دخلت أمة } معترضة بين جملة : { قال ms3040 ادخلوا ~~في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار } وبين جملة : { حتى إذا ~~أداركوا فيها } إلخ . على أن تكون جملة { حتى إذا اداركوا } مرتبطة بجملة { ~~ادخلوا في أمم } بتقدير محذوف تقديره : فيدخلون حتى إذا اداركوا . # و ( ما ) في قوله : { كلما } ظرفية مصدرية ، أي كل وقت دخول أمة لعنت ~~أختها . والتقدير : لعنت كل أمة منهم أختها في كل أوقات دخول الأمة منهم ، ~~فتفيد عموم الأزمنة . # و { أمة } نكرة وقعت في حيز عموم الأزمنة ، فتفيد العموم ، أي كل أمة ~~دخلت ، وكذلك : { أختها } نكرة لأنه مضاف إلى ضمير نكرة فلا يتعرف فتفيد ~~العموم أيضا ، أي كل أمة تدخل تلعن كل أخت لها ، والمراد بأختها المماثلة ~~لها في الدين الذي أوجب لها الدخول في النار ، كما يقال : هذه الأمة أخت ~~تلك الأمة إذا اشتركتا في النسب ، فيقال : بكر وأختها تغلب ، ومنه قول أبي ~~الطبيب : # وكطسم وأختها في البعاد # يريد : كطسم وجديس . # والمقام يعين جهة الأخوة ، وسبب اللعن أن كل أمة إنما تدخل النار بعد ~~مناقشة الحساب ، والأمر بإدخالهم النار ، وإنما يقع ذلك بعد أن يتبين لهم ~~PageV08P120 أن ما كانوا عليه من الدين هو ضلال وباطل ، وبذلك تقع في ~~نفوسهم كراهية ما كانوا عليه ، لأن النفوس تكره الضلال والباطل بعد تبينه ، ~~ولأنهم رأوا أن عاقبة ذلك كانت مجلبة العقاب لهم فيزدادون بذلك كراهية ~~لدينهم ، فإذا دخلوا النار فرأوا الأمم التي أدخلت النار قبلهم علموا ، ~~بوجه من وجوه العلم ، أنهم أدخلوا النار بذلك السبب فلعنوهم لكراهية دينهم ~~ومن اتبعوه . # وقيل : المراد بأختها أسلافها الذين أضلوها . # وأفادت { كلما } لما فيها من معنى التوقيت : أن ذلك اللعن يقع عند دخول ~~الأمة النار ، فيتعين إذن أن يكون التقدير : لعنت أختها السابقة إياها في ~~الدخول في النار ، فالأمة التي تدخل النار أول مرة قبل غيرها من الأمم لا ~~تلعن أختها ، ويعلم أنها تلعن من يدخل بعدها الثانية ، ومن بعدها بطريق ~~الأولى ، أو ترد اللعن على كل أخت لاعنة . والمعنى : كلما دخلت أمة منهم ~~بقرينة قوله : { لعنت أختها ms3041 } . # و ( حتى ) في قوله : { حتى إذا اداركوا } ابتدائية ، فهي جملة مستأنفة ~~وقد تقدم في الآية قبل هذه أن ( حتى ) الابتدائية تفيد معنى التسبب ، أي ~~تسبب مضمون ما قبلها في مضمون ما بعدها ، فيجوز أن تكون مترتبة في المعنى ~~على مضمون قوله : { قال أدخلوا في أمم قد خلت } إلخ ، ويجوز أن تكون مترتبة ~~على مضمون قوله : { كلما دخلت أمة لعنت أختها } . # و { اداركوا } أصله تداركوا فقلبت التاء دالا ليتأتى إدغامها في الدال ~~للتخفيف ، وسكنت ليتحقق معنى الإدغام المتحركين ، لثقل واجتلبت همزة الوصل ~~لأجل الابتداء بالساكن ، وهذا قلب ليس بمتعين ، وإنما هو مستحسن ، وليس هو ~~مثل قلب التاء في ادان وازداد وادكر : ومعناه : أدرك بعضهم بعضا ، فصيغ من ~~الإدراك وزن التفاعل ، والمعنى : تلاحقوا واجتمعوا في النار . وقوله : { ~~جميعا } حال من ضمير { اداركوا } لتحقيق استيعاب الاجتماع ، أي حتى إذا ~~اجتمعت أمم الضلال كلها . PageV08P121 # والمراد : ب { أخراهم } : الآخرة في الرتبة ، وهم الأتباع والرعية من كل ~~أمة من تلك الأمم ، لأن كل أمة في عصر لا تخلو من قادة ورعاع ، والمراد ~~بالأولى : الأولى في المرتبة والاعتبار ، وهم القادة والمتبوعون من كل أمة ~~أيضا ، فالأخرى والأولى هنا صفتان جرتا على موصوفين محذوفين ، أي أخرى ~~الطوائف لأولاهم ، وقيل : أريد بالأخرى المتأخرة في الزمان ، وبالأولى ~~أسلافهم ، لأنهم يقولون : { إنا وجدنا آباءنا على أمة } ( الزخرف : 23 ) . ~~وهذا لا يلائم ما يأتي بعده . # واللام في : { لأولاهم } لام العلة ، وليست اللام التي يتعدى بها فعل ~~القول ، لأن قول الطائفة الأخيرة موجه إلى الله تعالى ، بصريح قولهم : { ~~ربنا هؤلاء أضلونا } إلخ ، لا إلى الطائفة الأولى ، فهي كاللام في قوله ~~تعالى : { وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه } ( ~~الأحقاف : 11 ) . # والضعف بكسر الضاد المثل لمقدار الشيء ، وهو من الألفاظ الدالة على معنى ~~نسبي يقتضي وجود معنى آخر ، كالزوج والنصف ، ويختص بالمقدار والعدد ، هذا ~~قول أبي عبيدة والزجاج وأيمة اللغة ، وقد يستعمل فعله في مطلق التكثير وذلك ~~إذا أسند إلى ما لا يدخل تحت المقدار ، مثل العذاب في قوله تعالى ms3042 : { يضاعف ~~له العذاب يوم القيامة } ( الفرقان : 69 ) وقوله { يضاعف لها العذاب ضعفين ~~} ( الأحزاب : 30 ) أراد الكثرة القوية فقولهم هنا { فآتهم عذابا ضعفا } أي ~~أعطهم عذابا هو ضعف عذابب آخر ، فعلم أنه ، آتاهم عذابا ، وهم سألوا زيادة ~~قوة فيه تبلغ ما يعادل قوته ، ولذلك لما وصف بضعف علم أنه مثل لعذابب حصل ~~قبله إذ لا تقول : أكرمت فلان ضعفا ، إلا إذا كان إكرامك في مقابلة إكرامم ~~آخر ، فأنت تزيده ، فهم سألوا لهم مضاعفة العذاب لأنهم علموا أن الضلال سبب ~~العذاب ، فعلموا أن الذين شرعوا الضلال هم أولى بعقوبة أشد من عقوبة الذين ~~تقلدوه واتبعوهم ، كما PageV08P122 قال تعالى في الآية الآخرى : { يقول ~~الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين } ( سبأ : 31 ) . # وفعل : { قال } حكاية لجواب الله إياهم عن سؤالهم مضاعفة العذاب لقادتهم ~~، فلذلك فصل ولم يعطف جريا على طريقة حكاية الأقوال في المحاورات ، ~~والتنوين في قوله : { لكل } عوض عن المضاف إليه المحذوف ، والتقدير : لكل ~~أمة ، أو لكل طائفة ضعف ، أي زيادة عذاب مثل العذاب الذي هي معذبه أول ~~الأمر ، فأما مضاعفة العذاب للقادة فلأنهم سنوا الضلال أو أيدوه ونصروه ~~وذبوا عنه بالتمويه والمغالطات فأضلوا ، وأما مضاعفته للأتباع فلأنهم ضلوا ~~بإضلال قادتهم ، ولأنهم بطاعتهم العمياء لقادتهم ، وشكرهم إياهم على ما ~~يرسمون لهم ، وإعطائهم إياهم الأموال والرشى ، يزيدونهم طغيانا وجراءة على ~~الإضلال ويغرونهم بالازدياد منه . # والاستدراك في قوله : { ولكن لا تعلمون } لرفع ما توهمه التسوية بين ~~القادة والأتباع في مضاعفة العذاب : أن التغليظ على الأتباع بلا موجب ، ~~لأنهم لولا القادة لما ضلوا ، والمعنى : أنكم لا تعلمون الحقائق ولا تشعرون ~~بخفايا المعاني ، فلذلك ظننتم أن موجب مضاعفة العذاب لهم دونكم هو أنهم ~~علموكم الضلال ، ولو علمتم حق العلم لاطلعتم على ما كان لطاعتكم إياهم من ~~الأثر في إغرائهم بالازدياد من الإضلال . ومفعول { تعلمون } محذوف دل عليه ~~قوله : { لكلل ضعف } ، والتقدير : لا تعلمون سبب تضعيف العذاب لكل من ~~الطائفتين ، يعني لا تعلمون سبب تضعيفه لكم لظهور أنهم علموا سبب تضعيفه ~~للذين أضلوهم . # وقرأ الجمهور : { لا ms3043 تعلمون } بتاء الخطاب على أنه من تمام ما خاطب الله ~~به الأمة الأخرى ، وقرأه أبو بكر عن عاصم بياء الغيبة فيكون PageV08P123 ~~بمنزلة التذييل خطابا لسامعي القرآن ، أي قال الله لهم ذلك وهم لا يعلمون ~~أن لكل ضعفا فلذلك سألوا التغليظ على القادة فأجيبوا بأن التغليظ قد سلط ~~على الفريقين . # وعطفت جملة : { وقالت أولاهم لأخراهم } على جملة : { قالت آخراهم لأولاهم ~~} لأنهم لم يدخلوا في المحاورة ابتداء فلذلك لم تفصل الجملة . # والفاء في قولهم : { فما كان لكم علينا من فضل } فاء فصيحة ، مرتبة على ~~قول الله تعالى { لكل ضعف } حيث سوى بين الطائفتين في مضاعفة العذاب . و ( ~~ما ) نافية . و ( من ) زائدة لتأكيد نفي الفضل ، لأن إخبار الله تعالى ~~بقوله : { لكل ضعف } لا # وقوله : { فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون } يجوز أن يكون من كلام أولاهم ~~: عطفوا قولهم : { ذوقوا العذاب } على قولهم : { فما كان لكم علينا من فضل ~~} بفاء العطف الدالة على الترتب . فالتشفي منهم فيما نالهم من عذاب الضعف ~~ترتب على تحقق انتفاء الفضل بينهم في تضعيف العذاب الذي أفصح عنه إخبار ~~الله بأن لهم عذابا ضعفا . # وصيغة الأمر في قولهم : { فذوقوا } مستعملة في الإهانة والتشفي . # والذوق استعمل مجازا مرسلا في الإحساس بحاسة اللمس ، وقد تقدم نظائره غير ~~مرة . # والباء سببية ، أي بسبب ما كنتم تكسبون مما أوجب لكم مضاعفة العذاب ، ~~وعبر بالكسب دون الكفر لأنه أشمل لأحوالهم ، لأن إضلالهم لأعقابهم كان ~~بالكفر وبحب الفخر والاغراب بما علموهم وما سنوا لهم ، فشمل ذلك كله أنه ~~كسب . PageV08P124 # يجوز أن يكون قوله : { فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون } من كلام الله ~~تعالى ، مخاطبا به كلا الفريقين ، فيكون عطفا على قوله : { لكل ضعف ولكن لا ~~تعلمون } ويكون قوله : { وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل } ~~جملة معترضة بين الجملتين المتعاطفتين ، وعلى اعتباره يكون الأمر في قوله : ~~{ فذوقوا } للتكوين والإهانة . # وفيما قص الله من محاورة قادة الأمم وأتباعهم ما فيه موعظة وتحذير لقادة ~~المسلمين من الإيقاع بأتباعهم فيما يزج بهم في الضلالة ، ويحسن لهم هواهم ms3044 ، ~~وموعظة لعامتهم من الاسترسال في تأييد من يشايع هواهم ، ولا يبلغهم النصيحة ~~، وفي الحديث : ( كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ) . # # | 2 ( 40 ، 41 ) { إن الذين كذبوا بئاياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم ~~أبواب السمآء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل فى سم الخياط وكذالك نجزى ~~المجرمين * لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش وكذالك نجزى الظالمين } . ) 2 # استئناف ابتدائي مسوق لتحقيق خلود الفريقين في النار ، الواقعع في قوله : ~~{ والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } ~~( الأعراف : 36 ) فأخبر الله بأنه حرمهم أسباب النجاة ، فسد عليهم أبواب ~~الخير والصلاح ، وبأنه حرمهم من دخول الجنة . # وأكد الخبر ب { إن } لتأييسهم من دخول الجنة ، لدفع توهم أن يكون المراد ~~من الخلود المتقدم ذكره الكناية عن طول مدة البقاء في النار فإنه ورد في ~~مواضع كثيرة مرادا به هذا المعنى . PageV08P125 # ووقع الإظهار في مقام الإضمار لدفع احتمال أن يكون الضمير عائدا إلى إحدى ~~الطائفتين المتحاورتين في النار ، واختير من طرق الإظهار طريق التعريف ~~بالموصول إيذانا بما تومىء إليه الصلة من وجه بناء الخبر ، أي : إن ذلك ~~لأجل تكذيبهم بآيات الله واستكبارهم عنها ، كما تقدم في نظيرها السابق آنفا ~~. # والسماء أطلقت في القرآن على معانن ، والأكثر أن يراد بها العوالم العليا ~~غير الأرضية ، فالسماء مجموع العوالم العليا وهي مراتب وفيها عوالم القدس ~~الإلهية من الملائكة والروحانيات الصالحة النافعة ، ومصدر إفاضة الخيرات ~~الروحية والجثمانية على العالم الأرضي ، ومصدر المقادير المقدرة قال تعالى ~~: { وفي السماء رزقكم وما توعدون } ( الذاريات : 22 ) ، فالسماء هنا مراد ~~بها عالم القدس . # وأبواب السماء أسباب أمور عظيمة أطلق عليها اسم الأبواب لتقريب حقائقها ~~إلى الأذهان فمنها قبول الأعمال ، ومسالك وصول الأمور الخيرية الصادرة من ~~أهل الأرض ، وطرق قبولها ، وهو تمثيل لأسباب التزكية ، قال تعالى : { ~~والعمل الصالح يرفعه } ( فاطر : 10 ) ، وما يعلم حقائقها بالتفصيل إلا الله ~~تعالى ، لأنها محجوبة عنا ، فكما أن العفاة والشفعاء إذا وردوا المكان قد ~~يقبلون ويرضى عنهم فتفتح لهم أبواب القصور والقباب ويدخلون مكرمين ، وقد ~~يردون ms3045 ويسخطون فتوصد في وجوههم الأبواب ، مثل إقصاء المكذبين المستكبرين ~~وعدم الرضا عنهم في سائر الأحوال ، بحال من لا تفتح له أبواب المنازل ، ~~وأضيفت الأبواب إلى السماء ليظهر أن هذا تمثيل لحرمانهم من وسائل الخيرات ~~الإلهية الروحية ، فيشمل ذلك عدم استجابة الدعاء ، وعدم قبول الأعمال ~~والعبادات ، وحرمان أرواحهم بعد الموت مشاهدة مناظر الجنة ومقاعد المؤمنين ~~منها ، فقوله : { لا نفتح لهم أبواب السماء } كلمة جامعة لمعنى الحرمان من ~~الخيرات الإلهية المحضة ، وإن كانوا ينالون من نعم PageV08P126 الله ~~الجثمانية ما يناله غيرهم ، فيغاثون بالمطر ، ويأتيهم الرزق من الله ، وهذا ~~بيان لحال خذلانهم في الدنيا الحائل بينهم وبين وسائل دخول الجنة . كما قال ~~النبيء صلى الله عليه وسلم ( كل ميسر لما خلق له ) وقال تعالى : { فأما من ~~أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى ~~فسنيسره للعسرى } ( الليل : 5 10 ) . # وقرأ نافع ، وابن كثير ، وعاصم ، وابن عامر ، وأبو جعفر ، ويعقوب : { لا ~~تفتح } بضم التاء الأولى وفتح الفاء والتاء الثانية مشددة وهو مبالغة في ~~فتح ، فيفيد تحقيق نفي الفتح لهم ، أو أشير بتلك المبالغة إلى أن المنفي ~~فتح مخصوص وهو الفتح الذي يفتح للمؤمنين ، وهو فتح قوي ، فتكون تلك الإشارة ~~زيادة في نكايتهم . # وقرأ أبو عمرو بضم التاء الأولى وسكون الفاء وفتح التاء الثانية مخففة . ~~وقرأ حمزة ، والكسائي ، وخلف { لا يفتح } بمثناة تحتية في أوله مع تخفيف ~~المثناة الفوقيه مفتوحة على اعتبار تذكير الفعل لأجل كون الفاعل جمعا لمذكر ~~. # وقوله : { ولا يدخلون الجنة } اخبار عن حالهم في الآخرة وتحقيق لخلودهم ~~في النار . # وبعد أن حقق ذلك بتأكيد الخبر كله بحرف التوكيد ، زيد تأكيدا بطريق تأكيد ~~الشيء بما يشبه ضده ، المشتهر عند أهل البيان بتأكيد المدح بما يشبه الذم ، ~~وذلك بقوله تعالى : { حتى يلج الجمل في سم الخياط } فقد جعل لانتفاء دخولهم ~~الجنة امتدادا مستمرا ، إذ جعل غايته شيئا مستحيلا ، وهو أن يلج الجمل في ~~سم الخياط ، أي لو كانت لانتفاء دخولهم الجنة غاية لكانت غايته ولوج الجمل ~~وهو البعير في سم ms3046 الخياط ، وهو أمر لا يكون أبدا . # والجمل : البعير المعروف للعرب ، ضرب به المثل لأنه أشهر الأجسام في ~~الضخامة في عرف العرب . والخياط هو المخيط بكسر الميم وهو PageV08P127 آلة ~~الخياطة المسمى بالإبرة ، والفعال ورد اسما مرادفا للمفعل في الدلالة على ~~آلة الشيء كقولهم حزام ومحزم ، وإزار ومئزر ، ولحاف وملحف ، وقناع ومقنع . # والسم : الخرت الذي في الإبرة يدخل فيه خيط الخائط ، وهو ثقب ضيق ، وهو ~~بفتح السين في الآية بلغة قريش وتضم السين في لغة أهل العالية . وهي ما بين ~~نجد وبين حدود أرض مكة . # والقرآن أحال على ما هو معروف عند الناس من حقيقة الجمل وحقيقة الخياط ، ~~ليعلم أن دخول الجمل في خرت الإبرة محال متعذر ما داما على حاليهما ~~المتعارفين . # والإشارة في قوله : { وكذلك } إشارة إلى عدم تفتح أبواب السماء الذي ~~تضمنه قوله : { لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة } أي ، ومثل ذلك ~~الانتفاء ، أي الحرمان نجزي المجرمين لأنهم بإجرامهم ، الذي هو التكذيب ~~والإعراض ، جعلوا أنفسهم غير مكترثين بوسائل الخير والنجاة ، فلم يتوخوها ~~ولا تطلبوها ، فلذلك جزاهم الله عن استكبارهم أن أعرض عنهم ، وسد عليهم ~~أبواب الخيرات . # وجملة { وكذلك نجزي المجرمين } تذييل يؤذن بأن الإجرام هو الذي أوقعهم في ~~ذلك الجزاء ، فهم قد دخلوا في عموم المجرمين الذين يجزون بمثل ذلك الجزاء ، ~~وهم المقصود الأول منهم ، لأن عقاب المجرمين قد شبه بعقاب هؤلاء ، فعلم ~~أنهم مجرمون ، وأنهم في الرعيل الأول من المجرمين ، حتى شبه عقاب عموم ~~المجرمين بعقاب هؤلاء وكانوا مثلا لذلك العموم . # والإجرام : فعل الجرم بضم الجيم وهو الذنب ، وأصل : أجرم صار ذا جرم ، ~~كما يقال : ألبن وأتمر وأخصب . # والمهاد بكسر الميم ما يمهد أي يفرش ، و ( غواش ) جمع غاشية وهي ما يغشى ~~الإنسان ، أي يغطيه كاللحاف ، شبه ما هو تحتهم من النار PageV08P128 ~~بالمهاد ، وما هو فوقهم منها بالغواشي ، وذلك كناية عن انتفاء الراحة لهم ~~في جهنم ، فإن المرء يحتاج إلى المهاد والغاشية عند اضطجاعه للراحة ، فإذا ~~كان مهادهم وغاشيتهم النار . فقد انتفت راحتهم ، وهذا ذكر لعذابهم السوء ms3047 ~~بعد أن ذكر حرمانهم من الخير . # وقوله : { غواش } وصف لمقدر دل عليه قوله : { من جهنم } ، أي ومن فوقهم ~~نيران كالغواشي . وذيله بقوله : { وكذلك نجزي الظالمين } ليدل على أن سبب ~~ذلك الجزاء بالعقاب : هو الظلم . وهو الشرك . ولما كان جزاء الظالمين قد ~~شبه بجزاء الذين كذبوا بالآيات واستكبروا عنها ، علم أن هؤلاء المكذبين من ~~جملة الظالمين . وهم المقصود الأول من هذا التشبيه ، بحيث صاروا مثلا لعموم ~~الظالمين ، وبهذين العمومين كان الجملتان تذييلين . # وليس في هذه الجملة الثانية وضع الظاهر موضع المضمر : لأن الوصفين ، وإن ~~كانا صادقين معا على المكذبين المشبه عقاب أصحاب الوصفين بعقابهم . فوصف ~~المجرمين أعم مفهوما من وصف الظالمين ، لأن الإجرام يشمل التعطيل والمجوسية ~~بخلاف الإشراك . وحقيقة وضع المظهر موقع المضمر إنما تتقوم حيث لا يكون ~~للاسم الظاهر المذكور معنى زائد على معنى الضمير . # # | 2 ( 42 ) { والذين ءامنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها ~~أولائك أصحاب الجنة هم فيها خالدون } . ) 2 # أعقب الإنذار والوعيد للمكذبين ، بالبشارة والوعد للمؤمنين المصدقين على ~~عادة القرآن في تعقيب أحد الغرضين بالآخر . # وعطف على : { الذين كذبوا بآياتنا } ( الأعراف : 40 ) أي : وإن الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات إلخ ، لأن بين مضمون الجملتين مناسبة متوسطة بين ~~كمال الاتصال PageV08P129 وكمال الانقطاع ، وهو التضاد بين وصف المسند ~~إليهما في الجملتين ، وهو التكذيب بالآيات والإيمان بها ، وبين حكم ~~المسندين وهو العذاب والنعيم ، وهذا من قبيل الجامع الوهمي المذكور في ~~أحكام الفصل والوصل من علم المعاني . # ولم يذكر متعلق ل { آمنوا } لأن الإيمان صار كاللقب للإيمان الخاص الذي ~~جاء به دين الإسلام وهو الإيمان بالله وحده . # واسم الإشارة مبتدأ ثان ، و { أصحاب الجنة } خبره والجملة خبر عن { الذين ~~آمنوا } . وجملة { لا نكلف نفسا إلا وسعها } معترضة بين المسند إليه ~~والمسند على طريقة الإدماج . وفائدة هذا الإدماج الارتفاق بالمؤمنين ، لأنه ~~لما بشرهم بالجنة على فعل الصالحات أطمن قلوبهم بأن لا يطلبوا من الأعمال ~~الصالحة بما يخرج عن الطاقة ، حتى إذا لم يبلغوا إليه أيسوا من الجنة ، بل ~~إنما يطلبون منها بما ms3048 في وسعهم ، فإن ذلك يرضي ربهم . # وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه ، أنه قال ، في هذه الآية ، إلا يسرها لا ~~عسرها أي قاله على وجه التفسير لا أنه قراءة . # والوسع تقدم في قوله تعالى : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها في سورة ~~البقرة ( 286 ) . # ودل قوله : أولئك أصحاب الجنة } على قصر ملازمة الجنة عليهم ، دون غيرهم ~~، ففيه تأييس آخر للمشركين بحيث قويت نصية حرمانهم من الجنة ونعيمها ، ~~وجملة : { هم فيها خالدون } حال من اسم الإشارة في قوله : { أولئك أصحاب ~~الجنة } . # $ 2 ( 43 ) { ونزعنا ما فى صدورهم من غل تجرى من تحتهم الانهار وقالوا ~~الحمد لله الذى هدانا لهاذا وما كنا لنهتدى PageV08P130 لولا & # 1764 أن هدانا الله لقد جآءت رسل ربنا بالحق ونودو & # 1764 ا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون } . ) 2 $ # انتساق النظم يقتضي أن تكون جملة : { تجري من تحتهم الأنهار } حالا من ~~الضمير في قوله : { هم فيها خالدون } ( الأعراف : 42 ) ، وتكون جملة : { ~~ونزعنا } معترضة بين جملة : { أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون } ( ~~الأعراف : 42 ) ، وجملة : { وقالوا الحمد لله } إلخ ، اعترضا بين به حال ~~نفوسهم في المعاملة في الجنة ، ليقابل الاعتراض الذي أدمج في أثناء وصف ~~عذاب أهل النار ، والمبين به حال نفوسهم في المعاملة بقوله : { كلما دخلت ~~أمة لعنت أختها } ( الأعراف : 38 ) . # والتعبير عن المستقبل بلفظ الماضي للتنبيه على تحقق وقوعه ، أي : وننزع ~~ما في صدورهم من غل ، وهو تعبير معروف في القرآن كقوله تعالى : { أتى أمر ~~الله } ( النحل : 1 ) . # والنزع حقيقته قلع الشيء من موضعه وقد تقدم عند قوله تعالى : { وتنزع ~~الملك ممن تشاء في آل عمران ( 26 ) ، ونزع الغل من قلوب أهل الجنة : هو ~~إزالة ما كان في قلوبهم في الدنيا من الغل عند تلقي ما يسوء من الغير ، ~~بحيث طهر الله نفوسهم في حياتها الثانية عن الانفعال بالخواطر الشرية التي ~~منها الغل ، فزال ما كان في قلوبهم من غل بعضهم من بعض في الدنيا ، أي أزال ~~ما كان حاصلا من غل وأزال طباع الغل ms3049 التي في النفوس البشرية بحيث لا يخطر ~~في نفوسهم . # والغل : الحقد والإحنة والضغن ، التي تحصل في النفس عند إدراك ما يسوؤها ~~من عمل غيرها ، وليس الحسد من الغل بل هو إحساس باطني آخر . PageV08P131 # وجملة : تجري من تحتهم الأنهار } في موضع الحال ، أي هم في أمكنة عالية ~~تشرف على أنهار الجنة . # وجملة : { وقالوا الحمد لله } معطوفة على جملة : { أولئك أصحاب الجنة هم ~~فيها خالدون } ( الأعراف : 42 ) . # والتعبير بالماضي مراد به المستقبل أيضا كما في قوله : { ونزعنا } وهذا ~~القول يحتمل أن يكونوا يقولونه في خاصتهم ونفوسهم ، على معنى التقرب إلى ~~الله بحمده ، ويحتمل أن يكونوا يقولونه بينهم في مجامعهم . # والإشارة في قولهم : { لهذا } إلى جميع ما هو حاضر من النعيم في وقت ذلك ~~الحمد ، والهداية له هي الإرشاد إلى أسبابه ، وهي الإيمان والعمل الصالح ، ~~كما دل عليه قوله : { والذين آمنوا وعملوا الصالحات } ( الأعراف : 42 ) ، ~~وقال تعالى : { يهديهم ربهم بإيمانهم } ( يونس : 9 ) الآية ، وجعل الهداية ~~لنفس النعيم لأن الدلالة على ما يوصل إلى الشيء إنما هي هداية لأجل ذلك ~~الشيء ، وتقدم الكلام على فعل الهداية وتعديته في سورة الفاتحة ( 6 ) . # والمراد بهدي الله تعالى إياهم إرساله محمدا صلى الله عليه وسلم إليهم ~~فأيقظهم من غفلتهم فاتبعوه ، ولم يعاندوا ، ولم يستكبروا ، ودل عليه قولهم ~~: { لقد جاءت رسل ربنا بالحق } مع ما يسر الله لهم من قبولهم الدعوة ~~وامتثالهم الأمر ، فإنه من تمام المنة المحمود عليها ، وهذا التيسير هو ~~الذي حرمه المكذبون المستكبرون لأجل ابتدائهم بالتكذيب والاستكبار ، دون ~~النر والاعتبار . # وجملة { وما كنا لنهتدي } في موضع الحال من الضمير المنصوب ، أي هدانا في ~~هذه الحال حال بعدنا عن الاهتداء ، وذلك مما يؤذن بكبر منة الله تعالى ~~عليهم ، وبتعظيم حمدهم وتجزيله ، ولذلك جاءوا بجملة الحمد مشتملة على أقصى ~~ما تشتمل عليه من الخصائص التي تقدم بيانها في سورة الفاتحة ( 6 ) . ~~PageV08P132 # ودل قوله : { وما كنا لنهتدي } على بعد حالهم السالفة عن الاهتداء ، كما ~~أفاده نفي الكون مع لام الجحود ، حسبما تقدم عند قوله تعالى : { ما كان ~~لبشر ms3050 أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوءة الآية في سورة آل عمران ( 79 ) ~~، فإنهم كانوا منغمسين في ضلالات قديمة قد رسخت في أنفسهم ، فأما قادتهم ~~فقد زينها الشيطان لهم حتى اعتقدوها وسنوها لمن بعدهم ، وأما دهماؤهم ~~وأخلافهم فقد رأوا قدوتهم على تلك الضلالات . وتأصلت فيهم ، فما كان من ~~السهل اهتداؤهم ، لولا أن هداهم الله ببعثة الرسل وسياستهم في دعوتهم ، وأن ~~قذف في قلوبهم قبول الدعوة . # ولذلك عقبوا تحميدهم وثناءهم على الله بقولهم : لقد جاءت رسل ربنا بالحق ~~} فتلك جملة مستأنفة ، استئنافا ابتدائيا ، لصدورها عن ابتهاج نفوسهم ~~واغتباطهم بما جاءتهم به الرسل ، فجعلوا يتذكرون أسباب هدايتهم ويعتبرون ~~بذلك ويغتبطون . تلذذا بالتكلم به ، لأن تذكر الأمر المحبوب والحديث عنه ~~مما تلذ به النفوس ، مع قصد الثناء على الرسل . # وتأكيد الفعل بلام القسم وبقد ، مع أنهم غير منكرين لمجيء الرسل : إما ~~لأنه كناية عن الإعجاب بمطابقة ما وعدهم به الرسل من النعيم لما وجدوه مثل ~~قوله تعالى : { وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين } ( الزخرف : 71 ) وقول ~~النبيء صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى : ( أعددت لعبادي الصالحين ما ~~لاعين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ) . وإما لأنهم أرادوا بقولهم ~~هذا الثناء على الرسل والشهادة بصدقهم جمعا مع الثناء على الله ، فأتوا ~~بالخبر في صورة الشهادة المؤكدة التي لا تردد فيها . # وقرأ ابن عامر : { ما كنا لنهتدي } بدون واو قبل ( ما ) وكذلك كتبت في ~~المصحف الإمام الموجه إلى الشام ، وعلى هذه القراءة تكون هذه الجملة مفصولة ~~عن التي قبلها ، على اعتبار كونها كالتعليل للحمد ، والتنويه بأنه حمد عظيم ~~على نعمة عظيمة ، كما تقدم بيانه . PageV08P133 # وجملة : { ونودوا } معطوفة على جملة : { وقالوا } فتكون حالا أيضا ، لأن ~~هذا النداء جواب لثنائهم ، يدل على قبول ما أثنوا به ، وعلى رضى الله عنهم ~~، والنداء من قبل الله ، ولذلك بني فعله إلى المجهول لظهور المقصود . ~~والنداء إعلان الخطاب ، وهو أصل حقيقته في اللغة ، ويطلق النداء غالبا على ~~دعاء أحد ليقبل بذاته أو بفهمه لسماع كلام ، ولو لم يكن ms3051 برفع صوت : { إذ ~~نادى ربه نداء خفيا } ( مريم : 3 ) ولهذا المعنى حروف خاصة تدل عليه في ~~العربيه ، وتقدم عند قوله تعالى : { وناداهما ربهما في هذه السورة ( 22 ) . # و ( أن ) تفسير لنودوا } ، لأن النداء فيه معنى القول . والإشارة إلى ~~الجنة ب { تلكم } ، الذي حقه أن يستعمل في المشار إليه البعيد ، مع أن ~~الجنة حاضرة بين يديهم ، لقصد رفعة شأنها وتعظيم المنة بها . # والإرث حقيقته مصير مال الميت إلى أقرب الناس إليه ، ويقال : أورث الميت ~~أقرباءه ماله ، بمعنى جعلهم يرثونه عنه ، لأنه لما لم يصرفه عنهم بالوصية ~~لغيره فقد تركه لهم ، ويطلق مجازا على مصير شيء إلى حد بدون عوض ولا غصب ~~تشبيها بإرث الميت ، فمعنى قوله : { أورثتموها } أعطيتموها عطية هنيئة لا ~~تعب فيها ولا منازعة . # والباء في قوله : { بما كنتم تعملون } سببية أي بسبب أعمالكم ، وهي ~~الإيمان والعمل الصالح ، وهذا الكلام ثناء عليهم بأن الله شكر لهم أعمالهم ~~، فأعطاهم هذا النعيم الخالد لأجل أعمالهم ، وأنهم لما عملوا ما عملوه من ~~العمل ما كانوا ينوون بعملهم إلا السلامة من غضب ربهم وتطلب مرضاته شكرا له ~~على نعمائه ، وما كانوا يمتون بأن توصلهم أعمالهم إلى ما نالوه ، وذلك لا ~~ينافي الطمع في ثوابه والنجاة من عقابه ، وقد دل على ذلك الجمع بين { ~~أورثتموها } وبين باء السببية . # فالإيراث دل على أنها عطية بدون قصد تعاوضض ولا تعاقد ، وأنها فضل محض من ~~الله تعالى ، لأن إيمان العبد بربه وطاعته إياه لا يوجب عقلا ولا عدلا ~~PageV08P134 إلا نجاته من العقاب الذي من شأنه أن يترتب على الكفران ~~والعصيان ، وإلا حصول رضى ربه عنه ، ولا يوجب جزاء ولا عطاء ، لأن شكر ~~المنعم واجب ، فهذا الجزاء وعظمته مجرد فضل من الرب على عبده شكرا لإيمانه ~~به وطاعته ، ولكن لما كان سبب هذا الشكر عند الرب الشاكر هو عمل عبده بما ~~أمره به ، وقد تفضل الله به فوعد به من قبلل حصوله . فمن العجب قول ~~المعتزلة بوجوب الثواب عقلا ، ولعلهم أوقعهم فيه اشتباه حصول الثواب ~~بالسلامة من العقاب ، مع ms3052 أن الواسطة بين الحالين بينة لأولي الألباب . وهذا ~~أحسن مما يطيل به أصحابنا معهم في الجواب . # وباء السببية اقتضت الذي أعطاهم منازل الجنة أراد به شكر أعمالهم وثوابها ~~من غير قصد تعاوض ولا تقابل فجعلها كالشيء الذي استحقه العامل عوضا عن عمله ~~فاستعار لها باء السببية . # $ 2 ( 44 ، 45 ) { ونادى & # 1764 أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ~~ما وعد ربكم حقا قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين * ~~الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالاخرة كافرون } . ) 2 $ # جملة : { ونادى أصحاب الجنة } يجوز أن تكون معطوفة على جملة { وقالوا ~~الحمد لله الذي هدانا لهذا } ( الأعراف : 43 ) إلخ ، عطف القول على القول ، ~~إذ حكي قولهم المنبيء عن بهجتهم بما هم فيه من النعيم ، ثم حكي ما يقولونه ~~لأهل النار حينما يشاهدونهم . # ويجوز أن تكون معطوفة على جملة { ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها } ( ~~الأعراف : 43 ) عطف القصة على القصة بمناسبة الانتقال من ذكر نداء من قبل ~~الله إلى ذكر مناداة أهل الآخرة بعضهم بعضا ، فعلى الوجهين يكون التعبير ~~عنهم بأصحاب PageV08P135 الجنة دون ضميرهم توطئة لذكر نداء أصحاب الأعراف ~~ونداء أصحاب النار ، ليعبر عن كل فريق بعنوانه وليكون منه محسن الطباق في ~~مقابلته بقوله : { أصحاب النار } . # وهذا النداء خطاب من أصحاب الجنة ، عبر عنه بالنداء كناية عن بلوغه إلى ~~أسماع أصحاب النار من مسافة سحيقة البعد ، فإن سعة الجنة وسعة النار ~~تقتضيان ذلك لا سيما قوله : { وبينهما حجاب } ( الأعراف : 46 ) ، ووسيلة ~~بلوغ هذا الخطاب من الجنة إلى أصحاب النار وسيلة عجيبة غير متعارفة . وعلم ~~الله وقدرته لا حد لمتعلقاتهما . # و ( أن ) في قوله : { أن قد وجدنا تفسيرية للنداء . والخبر الذي هو قد ~~وجدنا ما وعدنا ربنا حقا } مستعمل في لازم معناه وهو الاغتباط بحالهم ، ~~وتنغيص أعدائهم بعلمهم برفاهية حالهم ، والتورك على الأعداء إذ كانوا ~~يحسبونهم قد ضلوا حين فارقوا دين آبائهم ، وأنهم حرموا أنفسهم طيبات الدنيا ~~بالانكفاف عن المعاصي ، وهذه معانن متعددة ms3053 كلها من لوازم الإخبار ، ~~والمعاني الكنائية لا يمتنع تعددها لأنها تبع للوازمم العقلية ، وهذه ~~الكناية جمع فيها بين المعنى الصريح والمعاني الكنائية ، ولكن المعاني ~~الكنائية هي المقصودة إذ ليس القصد أن يعلم أهل النار بما حصل لأهل الجنة ~~ولكن القصد ما يلزم عن ذلك . وأما المعاني الصريحة فمدلولة بالأصالة عند ~~عدم القرينة المانعة . # والاستفهام في جملة : { فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا } مستعمل مجازا مرسلا ~~بعلاقة اللزوم في توقيف المخاطبين على غلطهم ، واثارة ندامتهم وغمهم على ما ~~فرط منهم ، والشماتة بهم في عواقب عنادهم . والمعاني المجازية التي علاقتها ~~اللزوم يجوز تعددها مثل الكناية ، وقرينة المجاز هي : ظهور أن أصحاب الجنة ~~يعلمون أن أصحاب النار وجدوا وعده حقا . # والوجدان : إلفاء الشيء ولقيه ، قال تعالى : { فوجد فيها رجلين يقتتلان } ~~( القصص : 15 ) وفعله يتعدى إلى مفعول واحد ، قال تعالى : { ووجد الله عنده ~~} ( النور : 39 ) ويغلب أن PageV08P136 يذكر مع المفعول حاله ، فقوله : { ~~وجدنا ما وعدنا ربنا حقا } معناه ألفيناه حال كونه حقا لا تخلف في شيء منه ~~، فلا يدل قوله : { وجدنا } على سبق بحث أو تطلب للمطابقة كما قد يتوهم ، ~~وقد يستعمل الوجدان في الإدراك والظن مجازا ، وهو مجاز شائع . # و ( ما ) موصولة في قوله : { ما وعدنا ربنا } و { ما وعد ربكم } ودلت على ~~أن الصلة معلومة عند المخاطبين ، على تفاوت في الإجمال والتفصيل ، فقد ~~كانوا يعلمون أن الرسول عليه الصلاة والسلام وعد المؤمنين بنعيم عظيم ، ~~وتوعد الكافرين بعذاب أليم ، سمع بعضهم تفاصيل ذلك كلها أو بعضها ، وسمع ~~بعضهم إجمالها : مباشرة أو بالتناقل عن إخوانهم ، فكان للموصولية في قوله : ~~{ أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا } إيجاز بديع ، ~~والجواب بنعم تحقيق للمسؤول عنه بهل : لأن السؤال بهل يتضمن ترجيح السائل ~~وقوع المسؤول عنه ، فهو جواب المقر المتحسر المعترف ، وقد جاء الجواب صالحا ~~لظاهر السؤال وخفيه ، فالمقصود من الجواب بها تحقيق ما أريد بالسؤال من ~~المعاني حقيقة أو مجازا ، إذ ليست نعم خاصة بتحقيق المعاني الحقيقية . # وحذف مفعول ( وعد ms3054 ) الثاني في قوله : { ما وعد ربكم } لمجرد الإيجاز ~~لدلالة مقابله عليه في قوله : { ما وعدنا ربنا } لأن المقصود من السؤال ~~سؤالهم عما يخصهم . فالتقدير : فهل وجدتم ما وعدكم ربكم ، أي من العذاب لأن ~~الوعد يستعمل في الخير والشر . # ودلت الفاء في قوله : { فأذن مؤذن } على أن التأذين مسبب على المحاورة ~~تحقيقا لمقصد أهل الجنة من سؤال أهل النار من إظهار غلطهم وفساد معتقدهم . # والتأذين : رفع الصوت بالكلام رفعا يسمع البعيد بقدر الإمكان وهو مشتق من ~~الأذن بضم الهمزة جارحة السمع المعروفة ، وهذا التأذين إخبار باللعن وهو ~~الإبعاد عن الخير ، أي إعلام بأن أهل النار مبعدون عن PageV08P137 رحمة ~~الله ، زيادة في التأييس لهم ، أو دعاء عليهم بزيادة البعد عن الرحمة ، ~~بتضعيف العذاب أو تحقيق الخلود ، ووقوع هذا التأذين عقب المحاورة يعلم منه ~~أن المراد بالظالمين ، وما تبعه من الصفات والأفعال ، هم أصحاب النار ، ~~والمقصود من تلك الصفات تفظيع حالهم ، والنداء على خبثث نفوسهم ، وفساد ~~معتقدهم . # وقرأ نافع ، وأبو عمرو ، وعاصم ، وقنبل عن ابن كثير : { أن لعنة الله } ~~بتخفيف نون ( أن ) على أنها تفسيرية لفعل ( أذن ) ورفعع ( لعنة ) على ~~الابتداء والجملة تفسيرية ، وقرأه الباقون بتشديد النون وبنصب ( لعنة ) على ~~( أن ) الجملة مفعول ( أذن ) لتضمنه معنى القول ، والتقدير : قائلا أن لعنة ~~الله على الظالمين . # والتعبير عنهم بالظالمين تعريف لهم بوصف جرى مجرى اللقب تعرف به جماعتهم ~~، كما يقال : المؤمنين ، لأهل الإسلام ، فلا ينافي أنهم حين وصفوا به لم ~~يكونوا ظالمين ، لأنهم قد علموا بطلان الشرك حق العلم وشأن اسم الفاعل أن ~~يكون حقيقة في الحال مجازا في الاستقبال ، ولا يكون للماضي ، وأما إجراء ~~الصلة عليهم بالفعلين المضارعين في قوله : { يصدون } وقوله : { ويبغونها } ~~وشأن المضارع الدلالة على حدث حاصل في زمن الحال ، وهم في زمن التأذين لم ~~يكونوا متصفين بالصد عن سبيل الله ، ولا ببغي عوج السبيل ، فذلك لقصد ما ~~يفيده المضارع من تكرر حصول الفعل تبعا لمعنى التجدد ، والمعنى وصفهم بتكرر ~~ذلك منهم في الزمن الماضي ، وهو معنى قول علماء المعاني استحضار الحالة ms3055 ، ~~كقوله تعالى في الحكاية عن نوح : { ويصنع الفلك } ( هود : 38 ) مع أن زمن ~~صنع الفلك مضى ، وإنما قصد استحضار حالة التجدد ، وكذلك وصفهم باسم الفاعل ~~في قوله : { وهم بالآخرة كافرون } فإن حقه الدلالة على زمن الحال ، وقد ~~استعمل هنا في الماضي : أي كافرون بالآخرة فيما مضى من حياتهم الدنيا ، وكل ~~ذلك اعتماد على قرينة حال السامعين المانعة من إرادة المعنى الحقيقي من ~~صيغة المضارع وصيغة اسم الفاعل ، إذ قد علم كل سامع أن المقصودين صاروا غير ~~متلبسين بتلك الأحداث في وقت التأذين ، بل تلبسوا بنقائضها ، فإنهم ~~PageV08P138 حينئذ قد علموا الحق وشاهدوه كما دل عليه قولهم : { نعم } . ~~وإنما عرفوا بتلك الأحوال الماضية لأن النفوس البشرية تعرف بالأحوال التي ~~كانت متلبسة بها في مدة الحياة الأولى . فبالموت تنتهي أحوال الإنسان ~~فيستقر اتصاف نفسه بما عاشت عليه ، وفي الحديث : ( يبعث كل عبد على ما مات ~~عليه ) رواه مسلم ، ويجوز أن تكون هذه اللعنة كانت الملائكة يلعنونهم بها ~~في الدنيا . فجهروا بها في الآخرة ، لأنها صارت كالشعار للكفرة ينادون بها ~~، وهذا كما جاء في الحديث : ( يؤتى بالمؤذنين يوم القيامة يصرخون بالأذان ) ~~مع أن في ألفاظ الأذان ما لا يقصد معناه يومئذ وهو : ( حي على الصلاة حي ~~على الفلاح ) . وفي حكاية ذلك هنا إعلام لأصحاب هذه الصفات في الدنيا بأنهم ~~محقوقون بلعنة الله تعالى . # والمراد بالظالمين : المشركون ، وبالصد عن سبيل الله : إما تعرض المشركين ~~للراغبين في الإسلام بالأذى والصرف عن الدخول في الدين بوجوه مختلفة ، ~~وسبيل الله ما به الوصول إلى مرضاته وهو الإسلام ، فيكون الصد مرادا به ~~المتعدي إلى المفعول . وإما إعراضهم عن سماع دعوة الإسلام وسماع القرآن ، ~~فيكون الصد مرادا به القاصر ، الذي قيل : إن مضارعه بكسر الصاد ، أو إن حق ~~مضارعه كسر الصاد ، إذ قيل لم يسمع مكسور الصاد ، وإن كان القياس كسر الصاد ~~في اللازم وضمها في المتعدي . # والضمير المؤنث في قوله : { ويبغونها } عائد إلى { سبيل الله } . لأن ~~السبيل يذكر ويؤنث قال تعالى : { قل هذه سبيلي } ( يوسف : 108 ) وقال : { ~~وإن يروا ms3056 سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا } ( الأعراف : 146 ) . # والعوج : ضد الاستقامة ، وهو بفتح العين في الأجسام : وبكسر العين في ~~المعاني . وأصله أن يجوز فيه الفتح والكسر . ولكن الاستعمال خصص الحقيقة ~~بأحد الوجهين والمجاز بالوجه الآخر ، وذلك من محاسن الاستعمال ، فالإخبار ~~عن السبيل ( عوج ) إخبار بالمصدر للمبالغة ، أي ويرومون ويحاولون ~~PageV08P139 إظهار هذه السبيل عوجاء ، أي يختلقون لها نقائص يموهونها على ~~الناس تنفيرا عن الإسلام كقولهم : { هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ~~ممزق إنكم لفي خلق جديد أفترى على الله كذبا أم به جنة } ( سبأ : 7 ، 8 ) ، ~~وتقدم تفسيره عند قوله تعالى : { يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من ~~آمن تبغونها عوجا في سورة آل عمران ( 99 ) . # وورد وصفهم بالكفر بطريق الجملة الاسمية في قوله : وهم بالآخرة كافرون } ~~للدلالة على ثبات الكفر فيهم وتمكنه منهم ، لأن الكفر من الاعتقادات ~~العقلية التي لا يناسبها التكرر ، فلذلك خولف بينه وبين وصفهم بالصد عن ~~سبيل الله وبغي إظهار العوج فيها ، لأن ذينك من الأفعال القابلة للتكرير ، ~~بخلاف الكفر فإنه ليس من الأفعال ، ولكنه من الانفعالات ، ونظير ذلك قوله ~~تعالى : { يرزق من يشاء وهو القوي العزيز } ( الشورى : 19 ) . # # | 2 ( 46 ، 47 ) { وبينهما حجاب وعلى الاعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ~~ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون * وإذا صرفت ~~أبصارهم تلقآء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين } . ) 2 # تقديم { وبينهما } وهو خبر على المبتدأ للاهتمام بالمكان المتوسط بين ~~الجنة والنار وما ذكر من شأنه . وبهذا التقديم صح تصحيح الابتداء بالنكرة ، ~~والتنكير للتعظيم . # وضمير { بينهما } يعود إلى لفظي الجنة والنار الواقعين في قوله { ونادى ~~أصحاب الجنة أصحاب النار } ( الأعراف : 44 ) وهما اسما مكان ، فيصلح اعتبار ~~PageV08P140 التوسط بينهما . وجعل الحجاب فصلا بينهما . وتثنية الضمير تعين ~~هذا المعنى ، ولو أريد من الضمير فريقا أهلل الجنة وأهل النار ، لقال : ~~بينهم ، كما قال في سورة الحديد ( 13 ) { فضرب بينهم بسور الآية . # والحجاب : سور ضرب فاصلا بين مكان الجنة ومكان جهنم ، وقد سماه القرآن ms3057 ~~سورا في قوله : فضرب بينهم بسور له باب في سورة الحديد ( 13 ) ، وسمي السور ~~حجابا لأنه يقصد منه الحجب والمنع كما سمي سورا باعتبار الإحاطة . # والأعراف : جمع عرف بضم العين وسكون الراء ، وقد تضم الراء أيضا وهو أعلى ~~الشيء ومنه سمي عرف الفرس ، الشعر الذي في أعلى رقبته ، وسمي عرف الديك . ~~الريش الذي في أعلى رأسه . # و ( أل ) في الأعراف } للعهد . وهي الأعراف المعهودة التي تكون بارزة في ~~أعالي السور . ليرقب منها النظارة حركات العد وليشعروا به إذا داهمهم . ولم ~~يسبق ذكر للأعراف هنا حتى تعرف بلام العهد ، فتعين أنها ما يعهده الناس في ~~الأسوار . أو يجعل ( أل ) عوضا عن المضاف إليه : أي وعلى أعراف السور . ~~وهما وجهان في نظائر هذا التعريف كقوله تعالى : { فإن الجنة هي المأوى } ( ~~النازعات : 41 ) وأيا ما كان فنظم الآية يأبى أن يكون المراد من الأعراف ~~مكانا مخصوصا يتعرف منه أهل الجنة وأهل النار ، إذ لا وجه حينئذ لتعريفه مع ~~عدم سبق الحديث عنه . # وتقديم الجار والمجرور لتصحيح الابتداء بالنكرة ، إذ اقتضى المقام الحديث ~~عن رجال مجهولين يكونون على أعراف هذا الحجاب ، قبل أن يدخلوا الجنة ، ~~فيشهدون هنالك أحوال أهل الجنة وأحوال أهل النار ، ويعرفون رجالا من أهل ~~النار كانوا من أهل العزة والكبرياء في الدنيا ، وكانوا يكذبون وعد الله ~~المؤمنين بالجنة ، وليس تخصيص الرجال بالذكر بمقتض أن ليس في أهل الأعراف ~~نساء ، ولا اختصاص هؤلاء الرجال المتحدث PageV08P141 عنهم بذلك المكان دون ~~سواهم من الرجال ، ولكن هؤلاء رجال يقع لهم هذا الخبر ، فذكروا هنا ~~للاعتبار على وجه المصادفة ، لا لقصد تقسيم أهل الآخرة وأمكنتهم ، ولعل ~~توهم أن تخصيص الرجال بالذكر لقصد التقسيم قد أوقع بعض المفسرين في حيرة ~~لتطلب المعنى لأن ذلك يقتضي أن يكون أهل الأعراف قد استحقوا ذلك المكان ~~لأجل حالة لاحظ للنساء فيها ، فبعضهم حمل الرجال على الحقيقة فتطلب عملا ~~يعمله الرجال لاحظ للنساء فيه في الإسلام ، وليس إلا الجهاد ، فقال بعض ~~المفسرين : هؤلاء قوم جاهدوا وكانوا عاصين لآبائهم ، وبعض المفسرين حمل ms3058 ~~الرجال على المجاز بمعنى الأشخاص من الملائكة ، أطلق عليهم الرجال لأنهم ~~ليسوا إناثا كما أطلق على أشخاص الجن في قوله تعالى : { وأنه كان رجال من ~~الإنس يعوذون برجال من الجن } ( الجن : 6 ) فيظهر وجه لتخصيص الرجال بالذكر ~~تبعا لما في بعض تلك الأحاديث التي أشرنا إليها . # وأما ما نقل عن بعض السلف أن أهل الأعراف هم قوم استوت موازين حسناتهم مع ~~موازين سيئاتهم ، ويكون إطلاق الرجال عليهم تغليبا ، لأنه لا بد أن يكون ~~فيهم نساء ، ويروى فيه أخبار مسندة إلى النبيء صلى الله عليه وسلم لم تبلغ ~~مبلغ الصحيح ولم تنزل إلى رتبة الضعيف : روى بعضها ابن ماجة ، وبعضها ابن ~~مردويه ، وبعضها الطبري ، فإذا صحت فإن المراد منها أن من كانت تلك حالتهم ~~يكونون من جملة أهل الأعراف المخبر عنهم في القرآن بأنهم لم يدخلوا الجنة ~~وهم يطمعون . وليس المراد منها أنهم المقصود من هذه الآية كما لا يخفى على ~~المتأمل فيها . # والذي ينبغي تفسير الآية به : أن هذه الأعراف جعلها الله مكانا يوقف به ~~من جعله الله من أهل الجنة قبل دخوله إياها ، وذلك ضرب من العقاب خفيف ، ~~فجعل الداخلين إلى الجنة متفاوتين في السبق تفاوتا يعلم الله أسبابه ~~ومقاديره ، وقد قال تعالى : { لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل ~~أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى } ( ~~الحديد : 10 ) وخص الله PageV08P142 بالحديث في هذه الآيات رجالا من أصحاب ~~الأعراف . ثم يحتمل أن يكون أصحاب الأعراف من الأمة الإسلامية خاصة . ~~ويحتمل أن يكونوا من سائر الأمم المؤمنين برسلهم ، وأياما كان فالمقصود من ~~هذه الآيات هم من كان من الأمة المحمدية . # وتنوين { كلا } عوض عن المضاف إليه المعروف من الكلام المتقدم . أي كل ~~أهل الجنة وأهل النار . # والسيما بالقصر السمة أي العلامة ، أي بعلامة ميز الله بها أهل الجنة ~~وأهل النار ، وقد تقدم بيانها واشتقاقها عند قوله تعالى : { تعرفهم بسيماهم ~~في سورة البقرة ( 273 ) . # ونداؤهم أهل الجنة بالسلام يؤذن بأنهم في اتصال بعيد ms3059 من أهل الجنة ، فجعل ~~الله ذلك أمارة لهم بحسن عاقبتهم ترتاح لها نفوسهم . ويعلمون أنهم صائرون ~~إلى الجنة ، فلذلك حكى الله حالهم هذه للناس إيذانا بذلك وبأن طمعهم في ~~قوله : لم يدخلوها وهم يطمعون } هو طمع مستند إلى علامات وقوع المطموع فيه ~~، فهو من صنف الرجاء كقوله : { والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين } ( ~~الشعراء 82 ) . # و { أن } تفسير للنداء ، وهو القول { سلام عليكم } . و { سلام عليكم } ~~دعاء تحية وإكرام . # وجملة : { لم يدخلوها وهم يطمعون } مستأنفة للبيان ، لأن قوله { ونادوا ~~أصحاب الجنة } يثير سؤالا يبحث عن كونهم صائرين إلى الجنة أو إلى غيرها . ~~وجملة : { وهم يطمعون } حال من ضمير { يدخلوها } والجملتان معا معترضتان ~~بين جملة : { ونادوا أصحاب الجنة } وجملة { وإذا صرفت أبصارهم } . # وجملة : { وإذا صرفت أبصارهم } معطوفة على جملة : { ونادوا أصحاب الجنة } ~~. # والصرف : أمر الحال بمغادرة المكان . والصرف هنا مجاز في الإلتفات أو ~~استعارة . وإسناده إلى المجهول هنا جار على المتعارف في أمثاله من ~~PageV08P143 الأفعال التي لا يتطلب لها فاعل ، وقد تكون لهذا الإسناد هنا ~~فائدة زائدة وهي الإشارة إلى أنهم لا ينظرون إلى أهل النار إلا نظرا شبيها ~~بفعل من يحمله على الفعل حامل ، وذلك أن النفس وإن كانت تكره المناظر ~~السيئة فإن حب الاطلاع يحملها على أن توجه النظر إليها آونة لتحصيل ما هو ~~مجهول لديها . # والتلقاء : مكان وجود الشيء ، وهو منقول من المصدر الذي هو بمعنى اللقاء ~~، لأن محل الوجود ملاق للموجود فيه . # $ 2 ( 48 ، 49 ) { ونادى أصحاب الاعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم قالوا مآ ~~أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون * أه & # 1764 اؤلا & # 1764 ء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا ~~أنتم تحزنون } . ) 2 $ # التعريف في قوله : { أصحاب الأعراف } للعهد بقرينة تقدم ذكره في قوله : { ~~وعلى الأعراف رجال } ( الأعراف : 46 ) وبقرينة قوله هنا { رجالا يعرفونهم } ~~إذ لا يستقيم أن يكون أولئك الرجال يناديهم جميع من كان على الأعراف ، ولا ~~أن يعرفهم بسيماهم جميع الذين كانوا على الأعراف ، مع اختلاف العصور ms3060 والأمم ~~، فالمقصود بأصحاب الأعراف هم الرجال الذين ذكروا في الآية السابقة بقوله : ~~{ وعلى الأعراف رجال } ( الأعراف : 46 ) كأنه قيل : ونادى أولئك الرجال ~~الذين على الأعراف رجالا . والتعبير عنهم هنا بأصحاب الأعراف إظهار في مقام ~~الإضمار ، إذ كان مقتضى الظاهر أن يقال . ونادوا رجالا ، إلا أنه لما تعدد ~~في الآية السابقة ما يصلح لعود الضمائر إليه وقع الإظهار في مقام الإضمار ~~دفعا للالتباس . PageV08P144 # والنداء يؤذن ببعد المخاطب فيظهر أن أهل الأعراف لما تطلعوا بأبصارهم إلى ~~النار عرفوا رجالا ، أو قبل ذلك لما مر عليهم بأهل النار عرفوا رجالا كانوا ~~جبارين في الدنيا . والسيما هنا يتعين أن يكون المراد بها المشخصات الذاتية ~~التي تتميز بها الأشخاص ، وليست السيما التي يتميز بها أهل النار كلهم كما ~~هو في الآية السابقة . # فالمقصود بهذه الآية ذكر شيء من أمر الآخرة ، فيه نذارة وموعظة لجبابرة ~~المشركين من العرب الذين كانوا يحقرون المستضعفين من المؤمنين ، وفيهم عبيد ~~وفقراء فإذا سمعوا بشارات القرآن للمؤمنين بالجنة سكتوا عمن كان من أحرار ~~المسلمين وسادتهم . وأنكروا أن يكون أولئك الضعاف والعبيد من أهل الجنة ، ~~وذلك على سبيل الفرض ، أي لو فرضوا صدق وجود جنة ، فليس هؤلاء بأهل لسكنى ~~الجنة لأنهم ما كانوا يؤمنون بالجنة ، وقصدهم من هذا تكذيب النبيء صلى الله ~~عليه وسلم وإظهار ما يحسبونه خطلا من أقواله ، وذلك مثل قولهم : { هل ندلكم ~~على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد } ( سبأ : 7 ) فجعلوا ~~تمزق الأجساد وفناءها دليلا على إبطال الحشر ، وسكتوا عن حشر الأجساد التي ~~لم تمزق . وكل ذلك من سوء الفهم وضعف الإدراك والتخليط بين العاديات ~~والعقليات . قال ابن الكلبي : ( ينادي أهل الأعراف وهم على السور يا وليد ~~بن المغيرة يا أبا جهل بن هشام يا فلان ويا فلان ) فهؤلاء من الرجال الذين ~~يعرفونهم بسيماهم وكانوا من أهل العزة والكبرياء . # ومعنى { جمعكم } يحتمل أن يكون جمع الناس ، أي ما أغنت عنكم كثرتكم التي ~~تعتزون بها ، ويحتمل أن يراد من الجمع المصدر بمعنى اسم المفعول . أي ms3061 ما ~~جمعتموه من المال والثروة كقوله تعالى : { ما أغنى عني ماليه } ( الحاقة : ~~28 ) . PageV08P145 # و ( ما ) الأولى نافية ، ومعنى { ما أغنى } ما أجزى مصدره الغناء بفتح ~~الغين وبالمد . # والخبر مستعمل في الشماتة والتوقيف على الخطأ . # و ( ما ) الثانية مصدرية ، أي واستكباركم الذي مضى في الدنيا ، ووجه صوغه ~~بصيغة الفعل دون المصدر إذ لم يقل استكباركم ليتوسل بالفعل إلى كونه مضارعا ~~فيفيد أن الاستكبار كان دأبهم لا يفترون عنه . # وجملة { أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة } من كلام أصحاب ~~الأعراف . والاستفهام في قوله { أهؤلاء الذين أقسمتم } مستعمل في التقرير . # والإشارة ب { أهؤلاء } إلى قوم من أهل الجنة كانوا مستضعفين في الدنيا ~~ومحقرين عند المشركين بقرينة قوله : { الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة } ~~وقوله { ادخلوا الجنة } قال المفسرون هؤلاء مثل سلمان ، وبلال ، وخباب ، ~~وصهيب من ضعفاء المؤمنين ، فإما أن يكونوا حينئذ قد استقروا في الجنة ~~فجلاهم الله لأهل الأعراف وللرجال الذين خاطبوهم ، وإما أن يكون ذلك الحوار ~~قد وقع قبل إدخالهم الجنة . وقسمهم عليهم لإظهار تصلبهم في اعتقادهم وأنهم ~~لا يخامرهم شك في ذلك كقوله تعالى : { وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث ~~الله من يموت } ( النحل : 38 ) . # وقوله : { لا ينالهم الله برحمة } هو المقسم عليه ، وقد سلطوا النفي في ~~كلامهم على مراعاة نفي كلام يقوله الرسول عليه الصلاة والسلام أو المؤمنون ~~، وذلك أن بشارات القرآن أولئك الضعفاء ، ووعده إياهم بالجنة ، وثناءه ~~عليهم نزل منزلة كلام يقول : إن الله ينالهم برحمة ، أي بأن جعل إيواء الله ~~إياهم بدار رحمته ، أي الجنة ، بمنزلة النيل وهو حصول الأمر المحبوب ~~المبحوث عنه كما تقدم في قوله : { أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب } ( ~~الأعراف : 37 ) آنفا ، فأطلق على ذلك الإيواء فعل ( ينال ) على سبيل ~~الاستعارة . PageV08P146 وجعلت الرحمة بمنزلة الآلة للنيل كما يقال : نال ~~الثمرة بمحجن . فالباء للآلة . أو جعلت الرحمة ملابسة للنيل فالباء ~~للملابسة . والنيل هنا استعارة ، وقد عمدوا إلى هذا الكلام المقدر فنفوه ~~فقالوا : { لا ينالهم الله برحمة } . # وهذا النظم الذين حكي به قسمهم يؤذن بتهكمهم بضعفاء ms3062 المؤمنين في الدنيا ، ~~وقد أغفل المفسرون تفسير هذه الآية بحسب نظمها . # وجملة : { ادخلوا الجنة } قيل مقول قول محذوف اختصارا لدلالة السياق عليه ~~، وحذف القول في مثله كثير ولا سيما إذا كان المقول جملة إنشائية ، ~~والتقدير : قال لهم الله ادخلوا الجنة فكذب الله قسمكم وخيب ظنكم ، وهذا ~~كله من كلام أصحاب الأعراف ، والأظهر أن يكون الأمر في قوله : { ادخلوا ~~الجنة } للدعاء لأن المشار إليهم بهؤلاء هم أناس من أهل الجنة ، لأن ذلك ~~الحين قد استقر فيه أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار ، كما تقتضيه ~~الآيات السابقة من قوله : { ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم إلى قوله ~~القومم الظالمين } ( الأعراف : 46 ، 47 ) فلذلك يتعين جعل الأمر للدعاء كما ~~في قول المعري : # ابق في نعمة بقاء الدهور # نافذا لحكم في جميع الأمور # وإذ قد كان الدخول حاصلا فالدعاء به لإرادة الدوام كما يقول الداعي على ~~الخارج : أخرج غير مأسوفف عليك ، ومنه قوله تعالى : { وقال ادخلوا مصر إن ~~شاء الله آمنين } . # ورفع { خوف } مع ( لا ) لأن أسماء أجناس المعاني التي ليست لها أفراد في ~~الخارج يستوي في نفيها بلا الرفع والفتح ، كما تقدم عند قوله تعالى : { فمن ~~اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون } ( الأعراف : 35 ) . # $ 2 ( 50 ، 51 ) { لله ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من ~~المآء أو مما رزقكم الله قالو & # 1764 ا إن الله حرمهما على الكافرين PageV08P147 * الذين اتخذوا دينهم ~~لهوا ولعبا وغرتهم الحيواة الدنيا فاليوم ننساهم كما نسوا لقآء يومهم هاذا ~~وما كانوا بئاياتنا يجحدون } . ) 2 $ # { ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من المآء أو مما رزقكم ~~الله قالو & # 1764 ا إن الله حرمهما على الكافرين } { الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا ~~وغرتهم الحيواة الدنيا فاليوم ننساهم كما نسوا لقآء يومهم هاذا وما كانوا ~~بئاياتنا يجحدون } . # القول في { نادى } وفي { أن } التفسيرية كالقول في : { ونادى أصحاب الجنة ~~أصحاب النار أن قد وجدنا } ( الأعراف : 44 ) الآية . وأصحاب النار مراد بهم ~~من كان من مشركي أمة ms3063 الدعوة لأنهم المقصود كما تقدم ، وليوافق قوله بعد { ~~ولقد جئناهم بكتاب فصلناه } ( الأعراف : 52 ) . # فعل الفيض حقيقته سيلان الماء وانصبابه بقوة ويستعمل مجازا في الكثرة ، ~~ومنه ما في الحديث : ( ويفيض المال حتى لا يقبله أحد ) . ويجيء منه مجاز في ~~السخاء ووفرة العطاء ، ومنه ما في الحديث أنه قال لطلحة : ( أنت الفياض ) . ~~فالفيض في الآية إذا حمل على حقيقته كان أصحاب النار طالبين من أصحاب الجنة ~~أن يصبوا عليهم ماء ليشربوا منه ، وعلى هذا المعنى حمله المفسرون ، ولأجل ~~ذلك جعل الزمخشري عطف { ما رزقكم الله } عطفا على الجملة لا على المفرد . ~~فيقدر عامل بعد حرف العطف يناسب ما عدا الماء تقديره : أو أعطونا ، ونظره ~~بقول الشاعر ( أنشده الفراء ) : # علفتها تبنا وماء باردا # حتى شبت همالة عيناها # تقديره : علفتها وسقيتها ماء باردا ، وعلى هذا الوجه تكون ( من ) بمعنى ~~بعض ، أو صفة لموصوف محذوف تقديره : شيئا من الماء ، لأن : { أفيضوا } ~~يتعدى بنفسه . # ويجوز عندي أن يحمل الفيض على المعنى المجازي ، وهو سعة العطاء والسخاء ، ~~من الماء والرزق ، إذ ليس معنى الصب بمناسب بل المقصود الإرسال والتفضل ، ~~ويكون العطف عطف مفرد على مفرد وهو أصل العطف . ويكون سؤلهم من الطعام ~~مماثلا لسؤلهم من الماء في الكثرة ، فيكون في هذا الحمل PageV08P148 تعريض ~~بأن أصحاب الجنة أهل سخاء ، وتكون ( من ) على هذا الوجه بيانية لمعنى ~~الإفاضة ، ويكون فعل { أفيضوا } منزلا منزلة اللازم ، فتتعلق من بفعل { ~~أفيضوا } . # والرزق مراد به الطعام كما في قوله تعالى : { كلما رزقوا منها من ثمرة } ~~( البقرة : 25 ) الآية . # وضمير { قالوا } لأصحاب الجنة ، وهو جوابهم عن سؤال أصحاب النار ، ولذلك ~~فصل على طريقة المحاورة . # والتحريم في قوله : { حرمهما على الكافرين } مستعمل في معناه اللغوي وهو ~~المنع كقول عنترة : # حرمت علي وليتها لم تحرم # وقوله : { وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون } ( الأنبياء : 95 ) . # والمراد بالكافرين المشركون ، لأنهم قد عرفوا في القرآن بأنهم اتخذوا ~~دينهم لهوا ولعبا ، وعرفوا بإنكار لقاء يوم الحشر . # وقد تقدم القول في معنى اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا ms3064 ~~عند قوله تعالى : { وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة ~~الدنيا في سورة الأنعام ( 70 ) . # وظاهر النظم أن قوله : الذين اتخذوا دينهم } إلى قوله الحياة الدنيا هو ~~من حكاية كلام أهل الجنة ، فيكون : { اتخذوا دينهم لهوا } إلخ صفة للكافرين ~~. # وجوز أن يكون : { الذين اتخذوا دينهم لهوا } مبتدأ على أنه من كلام الله ~~تعالى ، وهو يفضي إلى جعل الفاء في قوله : { فاليوم ننساهم } داخلة على خبر ~~المبتدأ لتشبيه اسم الموصول بأسماء الشرط ، كقوله تعالى : { واللذان ~~PageV08P149 يأتيانها منكم فآذوهما } ( النساء : 16 ) وقد جعل قوله : { ~~الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا } إلى قوله وماكانوا بآياتنا يجحدون آية ~~واحدة في ترقيم أعداد آي المصاحف وليس بمتعين . # { فاليوم ننساهم كما نسوا لقآء يومهم هاذا وما كانوا بئاياتنا يجحدون } . # اعتراض حكي به كلام يعلن به ، من جانب الله تعالى ، يسمعه الفريقان . ~~وتغيير أسلوب الكلام هو القرينة على اختلاف المتكلم ، وهذا الأليق بما ~~رجحناه من جعل قوله : { الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا } إلى آخره حكاية ~~لكلام أصحاب الجنة . # والفاء للتفريع على قول أصحاب الجنة : { إن الله حرمهما على الكافرين ~~الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا } الآية ، وهذا العطف بالفاء من قبيل ما ~~يسمى بعطف التلقين الممثل له غالبا بمعطوف بالواو فهو عطف كلام . متكلم على ~~كلام متكلم آخر ، وتقدير الكلام : قال الله { فاليوم ننساهم } ، فحذف فعل ~~القول ، وهذا تصديق لأصحاب الجنة ، ومن جعلوا قوله : { الذين اتخذوا دينهم ~~لهوا ولعبا } كلاما مستأنفا من قبل الله تعالى تكون الفاء عندهم تفريعا في ~~كلام واحد . # والنسيان في الموضعين مستعمل مجازا في الإهمال والترك لأنه من لوازم ~~النسيان ، فإنهم لم يكونوا في الدنيا ناسين لقاء يوم القيامة ، فقد كانوا ~~يذكرونه ويتحدثون عنه حديث من لا يصدق بوقوعه . # وتعليق الظرف بفعل : { ننساهم } لإظهار أن حرمانهم من الرحمة كان في أشد ~~أوقات احتياجهم إليها . فكان لذكر اليوم أثر في إثارة تحسرهم وندامتهم ، ~~وذلك عذاب نفساني . PageV08P150 # ودل معنى كاف التشبيه في قوله : { كما نسوا } على أن حرمانهم من رحمة ~~الله كان مماثلا لإهمالهم التصديق باللقاء ms3065 ، وهي مماثلة جزاء العملل للعمل ~~، وهي مماثلة اعتبارية ، فلذلك يقال : إن الكاف في مثله للتعليل ، كما في ~~قوله تعالى : { واذكروه كما هداكم } ( البقرة : 198 ) وإنما التعليل معنى ~~يتولد من استعمال الكاف في التشبيه الاعتباري ، وليس هذا التشبيه بمجاز ، ~~ولكنه حقيقة خفية لخفاء وجه الشبه . # وقوله : { كما نسوا } ظرف مستقر في موضع الصفة لموصوف محذوف دل عليه { ~~ننساهم } أي نسيانا كما نسوا . # و ( ما ) في : { كما نسوا } وفي { وما كانوا } مصدرية أي كنسيانهم اللقاء ~~وكجحدهم بآيات الله . ومعنى جحد الآيات تقدم عند قوله تعالى : { ولكن ~~الظالمين بآيات الله يجحدون في سورة الأنعام ( 33 ) . # # | 2 ( 52 ) ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون } . ~~) 2 # الواو في { ولقد جئناهم } عاطفة هذه الجملة على جملة { ونادى أصحاب النار ~~أصحاب الجنة } ( الأعراف : 50 ) ، عطف القصة على القصة ، والغرضض على الغرض ~~، فهو كلام أنف انتقل به من غرض الخبر عن حال المشركين في الآخرة إلى غرض ~~وصف أحوالهم في الدنيا ، المستوجبين بها لما سيلاقونه في الآخرة ، وليس هو ~~من الكلام الذي عقب الله به كلام أصحاب الجنة في قوله : { فاليوم ننساهم ~~كما نسوا لقاء يومهم هذا } ( الأعراف : 51 ) لأن قوله هنا { هل ينظرون إلا ~~تأويله } ( الأعراف : 53 ) إلخ ، يقتضي أنه حديث عن إعراضهم عن القرآن في ~~الدنيا ، فضمير الغائبين في قوله : { جئناهم } عائد إلى الذين كذبوا في ~~قوله : { إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ~~} ( الأعراف : 40 ) الآية . # والمراد بالكتاب القرآن . PageV08P151 والباء في قوله : { بكتاب } لتعدية ~~فعل { جئناهم } ، مثل الباء في قوله : { ذهب الله بنورهم } ( البقرة : 17 ) ~~فمعناه : أجأناهم كتابا ، أي جعلناه جاء يا إياهم ، فيؤول إلى معنى ~~أبلغناهم إياه وأرسلناه إليهم . # وتأكيد هذا الفعل بلام القسم و ( قد ) إما باعتبار صفة ( كتاب ) ، وهي ~~جملة { فصلناه على علم هدى ورحمة } فيكون التأكيد جاريا على مقتضى الظاهر ، ~~لأن المشركين ينكرون أن يكون القرآن موصوفا بتلك الأوصاف ، وإما تأكيد لفعل ~~{ جئناهم بكتاب } وهو بلوغ الكتاب إليهم فيكون التأكيد خارجا على خلاف ms3066 ~~مقتضى الظاهر ، بتنزيل المبلغ إليهم منزلة من ينكر بلوغ الكتاب إليهم ، ~~لأنهم في إعراضهم عن النظر والتدبر في شأنه بمنزلة من لم يبلغه الكتاب ، ~~وقد يناسب هذا الاعتبار ظاهر قوله بعد : { يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت ~~رسل ربنا بالحق } ( الأعراف : 53 ) . # وتنكير ( كتاب ) ، وهو معروف ، قصد به تعظيم الكتاب ، أو قصد به النوعية ~~، أي ما هو إلا كتاب كالكتب التي أنزلت من قبل ، كما تقدم في قوله تعالى : ~~{ كتاب أنزل إليك في طالع هذه السورة ( 2 ) . # وفصلناه } أي بيناه أي بينا ما فيه ، والتفصيل تقدم عند قوله تعالى : { ~~وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين في سورة الأنعام ( 55 ) . # وعلى علم } ظرف مستقر في موضع الحال من فاعل { فصلناه } أي حال كوننا على ~~علم ، و ( على ) للاستعلاء المجازي ، تدل على التمكن من مجرورها ، كما في ~~قوله : { أولئك على هدى من ربهم } ( البقرة : 5 ) وقوله : { قل إني على ~~بينة من ربي في سورة الأنعام ( 57 ) . ومعنى هذا التمكنن أن علم الله تعالى ~~ذاتي لا يعزب عنه شيء من المعلومات . # وتنكير علم } للتعظيم ، أي عالمين أعظم العلم ، والعظمة هنا راجعة إلى ~~كمال الجنس في حقيقته ، وأعظم العلم هو العلم الذي لا يحتمل الخطأ ~~PageV08P152 ولا الخفاء أي عالمين علما ذاتيا لا يتخلف عنا ولا يختلف في ~~ذاته ، أي لا يحتمل الخطأ ولا التردد . # و { هدى ورحمة } حال من { كتاب } . أو من ضميره في قوله : { فصلناه } . ~~ووصف الكتاب بالمصدرين { هدى ورحمة } إشارة إلى قوة هديه الناس وجلب الرحمة ~~لهم . # وجملة { هدى ورحمة لقوم يؤمنون } إشارة إلى أن المؤمنين هم الذين توصلوا ~~للاهتداء به والرحمة . وأن من لم يؤمنوا قد حرموا الاهتداء والرحمة . وهذا ~~كقوله تعالى في سورة البقرة ( 2 ) : { هدى للمتقين . # $ 2 ( 53 ) هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتى تأويله يقول الذين نسوه من قبل ~~قد جآءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعآء فيشفعوا لنآ أو نرد فنعمل غير ~~الذى كنا نعمل قد خسرو & # 1764 ا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون ms3067 } . ) 2 $ # جملة { هل ينظرون إلا تأويله } مستأنفة استينافا بيانيا ، لأن قوله : { ~~ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون } يثير سؤال من ~~يسأل : فماذا يؤخرهم عن التصديق بهذا الكتاب الموصوف بتلك الصفات ؟ وهل ~~أعظم منه آية على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فكان قوله : { هل ينظرون } ~~كالجواب عن هذا السؤال ، الذي يجيش في نفس السامع . والاستفهام إنكاري ~~ولذلك جاء بعده الاستثناء . # ومعنى { ينظرون } ينتظرون من النظرة بمعنى الانتظار ، والاستثناء من عموم ~~الأشياء المنتظرات ، والمراد المنتظرات من هذا النوع وهو الآيات ، أي ~~PageV08P153 ما ينتظرون آية أعظم إلا تأويل الكتاب ، أي إلا ظهور ما توعدهم ~~به ، وإطلاق الانتظار هنا استعارة تهكمية : شبه حال تمهلهم إلى الوقت الذي ~~سيحل عليهم فيه ما أوعدهم به القرآن بحال المنتظرين ، وهم ليسوا بمنتظرين ~~ذلك إذ هم جاحدون وقوعه ، وهذا مثل قوله تعالى : { فهل ينظرون إلا الساعة ~~أن تأتيهم بغتة } ( محمد : 18 ) وقوله { فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين ~~خلوا من قبلهم } ( يونس : 102 ) والاستثناء على حقيقته وليس من تأكيد الشيء ~~بما يشبه ضده لأن المجاز في فعل { ينظرون } فقط . # والقصر إضافي ، أي بالنسبة إلى غير ذلك من أغراض نسيانهم وجحودهم بالآيات ~~، وقد مضى القول في نظير هذا التركيب عند قوله تعالى : { هل ينظرون إلا أن ~~تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك في سورة الأنعام ( 158 ) ~~. # والتأويل توضيح وتفسير ما خفي ، من مقصد كلام أو فعل ، وتحقيقه ، قال ~~تعالى : سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا } ( الكهف : 78 ) وقال : { ~~هذا تأويل رؤياي من قبل } ( يوسف : 100 ) وقال : { ذلك خير وأحسن تأويلا } ~~( النساء : 59 ) وقد تقدم اشتقاقه ومعناه في المقدمة الأولى من مقدمات هذا ~~التفسير . وضمير { تأويله } عائد إلى ( كتاب ) من قوله : { ولقد جئناهم ~~بكتاب فصلناه على علم } ( الأعراف : 52 ) . # وتأويله وضوح معنى ما عدوه محالا وكذبا ، من البعث والجزاء ورسالة رسول ~~من الله تعالى ووحدانية الإله والعقاب ، فذلك تأويل ما جاء به الكتاب أي ~~تحقيقه ووضوحه بالمشاهدة ، وما بعد العيان ms3068 بيان . # وقد بينته جملة { يوم يأتي تأويله يقول } إلخ ، فلذلك فصلت ، لأنها تتنزل ~~من التي قبلها منزلة البيان للمراد من تأويله ، وهو التأويل الذي سيظهر يوم ~~القيامة ، فالمراد باليوم يوم القيامة ، بدليل تعلقه بقوله : { يقول الذين ~~نسوه من قبل } الآية فإنهم لا يعلمون ذلك ولا يقولونه إلا يوم القيامة . ~~PageV08P154 وإتيان تأويله مجاز في ظهوره وتبينه بعلاقة لزوم ذلك للإتيان . ~~والتأويل مراد به ما به ظهور الأشياء الدالة على صدق القرآن . فيما أخبرهم ~~وما توعدهم . # و { الذين نسوه } هم المشركون ، وهم معاد ضمير { ينظرون } فكان مقتضى ~~الظاهر أن يقال : يقولون ، إلا أنه أظهر بالموصولية لقصد التسجيل عليهم ~~بأنهم نسوه وأعرضوا عنه وأنكروه ، تسجيلا مرادا به التنبيه على خطئهم ~~والنعي عليهم بأنهم يجرون بإعراضهم سوء العاقبه لأنفسهم . # والنسيان مستعمل في الإعراض والصد ، كما تقدم في قوله : { كما نسوا لقاء ~~يومهم هذا } ( الأعراف : 51 ) . # والمضاف إليه المقدر المنبيء عنه بناء ( قبل ) على الضم : هو التأويل ، ~~أو اليوم ، أي من قبل تأويله ، أو من قبل ذلك اليوم ، أي في الدنيا . ~~والقول هنا كناية عن العلم والاعتقاد ، لأن الأصل في الأخبار مطابقتها ~~لاعتقاد المخبر ، أي يتبين لهم الحق ويصرحون به . # وهذا القول يقوله بعضهم لبعض اعترافا بخطئهم في تكذيبهم الرسول صلى الله ~~عليه وسلم وما أخبر به عن الرسل من قبله ، ولذلك جمع الرسل هنا ، مع أن ~~الحديث عن المكذبين محمدا صلى الله عليه وسلم وذلك لأن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ضرب لهم الأمثال بالرسل السابقين ، وهم لما كذبوه جرأهم تكذيبه ~~على إنكار بعثة الرسل إذ قالوا { ما أنزل الله على بشر من شيء } ( الأنعام ~~: 91 ) أو لأنهم مشاهدون يومئذ ما هو عقاب الأمم السابقة على تكذيب رسلهم ، ~~فيصدر عنهم ذلك القول عن تأثر بجميع ما شاهدوه من التهديد الشامل لهم ولمن ~~عداهم من الأمم . # وقولهم : { قد جاءت رسل ربنا بالحق } خبر مستعمل في الإقرار بخطئهم في ~~تكذيب الرسل ، وإنشاء للحسرة على ذلك ، وإبداء الحيرة فيما ذا PageV08P155 ~~يصنعون . ولذلك رتبوا عليه وفرعوا بالفاء ms3069 قولهم : { فهل لنا من شفعاء } إلى ~~آخره . # والاستفهام يجوز أن يكون حقيقيا يقوله بعضهم لبعض ، لعل أحدهم يرشدهم إلى ~~مخلص لهم من تلك الورطة ، وهذا القول يقولونه في ابتداء رؤية ما يهددهم قبل ~~أن يوقنوا بانتفاء الشفعاء المحكي عنهم في قوله تعالى : { فما لنا من ~~شافعين ولا صديق حميم } ( الشعراء : 100 ، 101 ) ويجوز أن يكون الاستفهام ~~مستعملا في التمني ، ويجوز أن يكون مستعملا في النفي . على معنى التحسر ~~والتندم . و { من } زائدة للتوكيد . على جميع التقادير . فتفيد توكيد ~~العموم في المستفهم عنه ، ليفيد أنهم لا يسألون عمن توهموهم شفعاء من ~~أصنامهم ، إذ قد يئسوا منهم . كما قال تعالى : { وما نرى معكم شفعاءكم ~~الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء } ( الأعراف : 94 ) بل هم يتساءلون عن أي شفيع ~~يشفع لهم . ولو يكون الرسول عليه الصلاة والسلام الذي ناصبوه العداء في ~~الحياة الدنيا . ونظيره قوله تعالى في سورة المؤمن ( 11 ) { فهل إلى خروج ~~من سبيل . # وانتصب فيشفعوا } على جواب الاستفهام ، أو التمني ، أو النفي . # ( والشفعاء ) جمع شفيع وهو الذي يسعى بالشفاعة ، وهم يسمون أصنامهم شفعاء ~~قال تعالى : { ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله } ( يونس : 18 ) . # وتقدم معنى الشفاعة عند قوله تعالى : { ولا يقبل منها شفاعة في سورة ~~البقرة ( 48 ) . وعند قوله : من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا ~~شفاعة في سورة البقرة ( 254 ) وعند قوله : من يشفع شفاعة حسنة في سورة ~~النساء ( 85 ) . # وعطف فعل نرد } ب ( أو ) على مدخول الاستفهام ، فيكون الاستفهام عن أحد ~~الأمرين ، لأن أحدهما لا يجتمع مع الآخر ، فإذا حصلت الشفاعة فلا حاجة إلى ~~الرد ، وإذا حصل الرد استغني عن الشفاعة . PageV08P156 # وإذ كانت جملة { لنا من شفعاء } واقعة في حيز الاستفهام ، فالتي عطفت ~~عليها تكون واقعة في حيز الاستفهام ، فلذلك تعين رفع الفعل المضارع في ~~القراءات المشهورة ، ورفعه بتجرده عن عامل النصب وعامل الجزم ، فوقع موقع ~~الاسم كما قدره الزمخشري تبعا للفراء ، فهو مرفوع بنفسه من غير احتياج إلى ~~تأويل الجملة التي قبله ، بردها إلى جملة فعلية ms3070 ، بتقدير : هل يشفع لنا ~~شفعاء كما قدره الزجاج ، لعدم الملجىء إلى ذلك ، ولذلك انتصب : { فنعمل } ~~في جواب { نرد } كما انتصب { فيشفعوا } في جواب { فهل لنا من شفعاء } . # والمراد بالعمل في قولهم : { فنعمل } ما يشمل الإعتقاد ، وهو الأهم ، مثل ~~اعتقاد الوحدانيه والبعث وتصديق الرسول عليه الصلاة والسلام ، لأن الإعتقاد ~~عمل القلب ، ولأنه تترتب عليه آثار عملية ، من أقوال وأفعال وامتثال . ~~والمراد بالصلة في قوله : { الذي كنا نعمل } ما كانوا يعملونه من أمور ~~الدين بقرينة سياق قولهم : { قد جاءت رسل ربنا بالحق أي فنعمل ما يغاير ما ~~صممنا عليه بعد مجيء الرسول عليه الصلاة والسلام . # وجملة : قد خسروا أنفسهم } مستأنفة استئنافا ابتدائيا تذييلا وخلاصة ~~لقصتهم ، أي فكان حاصل أمرهم أنهم خسروا أنفسهم من الآن وضل عنهم ما كانوا ~~يفترون . # والخسارة مستعارة لعدم الانتفاع بما يرجى منه النفع ، وقد تقدم بيان ذلك ~~عند قوله تعالى : { الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون في سورة الأنعام ، ( ~~12 ) وقوله : فأولئك الذين خسروا أنفسهم في أول هذه السورة ( 9 ) . والمعنى ~~: أن ما أقحموا فيه نفوسهم من الشرك والتكذيب قد تبين أنه مفض بهم إلى تحقق ~~الوعيد فيهم ، يوم يأتي تأويل ما توعدهم به القرآن ، فبذلك تحقق أنهم خسروا ~~أنفسهم من الآن ، وإن كانوا لا يشعرون . PageV08P157 # وأما قوله : وضل عنهم ما كانوا يفترون } فالضلال مستعار للعدم طريقة ~~التهكم شبه عدم شفعائهم المزعومين بضلال الإبل عن أربابها تهكما عليهم ، ~~وهذا التهكم منظور فيه إلى محاكاة ظنهم يوم القيامة المحكي عنهم في قوله ~~قبل { قالوا ضلوا عنا } ( الأعراف : 37 ) . # و ( ما ) من قوله : { ما كانوا يفترون } موصولة ، ما صدقها الشفعاء الذين ~~كانوا يدعونهم من دون الله . وحذف عائد الصلة المنصوب ، أي ما كانوا ~~يفترونه ، أي يكذبونه إذ يقولون { هؤلاء شفعاؤنا } ( يونس : 18 ) ، وهم ~~جماد لاحظ لهم في شؤون العقلاء حتى يشفعوا ، فهم قد ضلوا عنهم من الآن ~~ولذلك عبر بالمضي لأن الضلال المستعار للعدم متحقق من ماضي الأزمنة . # # | 2 ( 54 ) { إن ربكم الله الذى خلق السماوات والارض في ستة أيام ms3071 ثم ~~استوى على العرش يغشى اليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم ~~مسخرات بأمره ألا له الخلق والامر تبارك الله رب العالمين } . ) 2 # جاءت أغراض هذه السورة متناسبة متماسكة ، فإنها ابتدئت بذكر القرآن ~~والأمر باتباعه ونبذ ما يصد عنه وهو اتباع الشرك ؛ ثم التذكير بالأمم التي ~~أعرضت عن طاعة رسل الله ، ثم الاستدلال على وحدانية الله ، والامتنانن بخلق ~~الأرض والتمكين منها ، وبخلق أصل البشر وخلقهم ، وخلل ذلك بالتذكير بعداوة ~~الشيطان لأصل البشر وللبشر في قوله : { لأقعدن لهم صراطك المستقيم } ( ~~الأعراف : 16 ) . وانتقل من ذلك إلى التنديد على المشركين فيما اتبعوا فيه ~~تسويل الشيطان من قوله : { وإذا فعلوا فاحشة } ( الأعراف : 28 ) ، ثم ~~بتذكيرهم بالعهد الذي أخذه الله على البشر في قوله : { يا بني آدم إما ~~يأتينكم رسل منكم } ( الأعراف : 35 ) الآية . PageV08P158 وبأن المشركين ~~ظلموا بنكث العهد بقوله : { فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب ~~بآياته } ( الأعراف : 37 ) وتوعدهم وذكرهم أحوال أهل الآخرة ، وعقب ذلك عاد ~~إلى ذكر القرآن بقوله : { ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم } ( الأعراف : ~~52 ) وأنهاه بالتذييل بقوله : { قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون ~~} ( الأعراف : 53 ) . # فلا جرم تهيأت الأسماع والقلوب لتلقي الحجة على أن الله إله واحد ، وأن ~~آلهة المشركين ضلال وباطل ، ثم لبيان عظيم قدرته ومجده فلذلك استؤنف بجملة ~~{ إن ربكم الله } الآية ، استئنافا ابتدائيا عاد به التذكير إلى صدر السورة ~~في قوله : { ولا تتبعوا من دونه أولياء } ( الأعراف : 3 ) ، فكان ما في صدر ~~السورة بمنزلة المطلوب المنطقي ، وكان ما بعده بمنزله البرهان ، وكان قوله ~~: { إن ربكم الله } بمنزلة النتيجة للبرهان ، والنتيجة مساوية للمطلوب إلا ~~أنها تؤخذ أوضح وأشد تفصيلا . # فالخطاب موجه إلى المشركين ابتداء ، ولذلك كان للتأكيد بحرف ( إن ) موقعه ~~لرد إنكار المشركين انفراد الله بالربوبيه . وإذ كان ما اشتملت عليه هذه ~~الآية يزيد المسلمين بصيرة بعظم مجد الله وسعة ملكه ، ويزيدهم ذكرى بدلائل ~~قدرته ، كان الخطاب صالحا لتناول المسلمين ، لصلاحية ضمير الخطاب لذلك ، ~~ولا يكون حرف ( إن ) بالنسبة إليهم سدى ، لأنه ms3072 يفيد الاهتمام بالخبر ، لأن ~~فيه حظا للفريقين ، ولأن بعض ما اشتمل عليه ( ما ) هو بالمؤمنين أعلق مثل { ~~ادعوا ربكم تضرعا وخفية } ( الأعراف : 55 ) وقوله : { إن رحمت الله قريب من ~~المحسنين } ( الأعراف : 56 ) وبعضه بالكافرين أنسب مثل قوله : { كذلك نخرج ~~الموتى لعلكم تذكرون } ( الأعراف : 57 ) . # وقد جعل المخبر عنه الرب ، والخبر اسم الجلالة : لأن المعنى أن الرب لكم ~~المعلوم عندكم هو الذي اسمه الدال على ذاته : الله ، لا غيره ممن ليس ~~PageV08P159 له هذا الاسم ، على ما هو الشأن ، فهي تعريف المسند في نحو : ~~أنا أخوك ، يقال لمن يعرف المتكلم ويعرف أن له أخا ولا يعرف أن المتكلم هو ~~أخوه . فالمقصود من تعريف المسند إفادة ما يسمى في المنطق بحمل المواطاة ، ~~وهو حمل ( هو هو ) ولذلك يخير المتكلم في جعل أحد الجزأين مسند إليه ، وجعل ~~الآخر مسندا ، لأن كليهما معروف عند المخاطب ، وإنما الشأن أن يجعل أقواهما ~~معرفة عند المخاطب هو المسند إليه . ليكون الحمل أجدى إفادة ، ومن هذا ~~القبيل قول المعري يصف فارسا في غارة : # يخوض بحرا نقعه ماؤه # يحمله السابح في لبده # إذ قد علم السامع أن للفارس عند الغارة نقعا . وعلم أن الشاعر أثبت ~~للفارس بحرا وأن للبحر ماء ، فقد صار النقع والبحر معلومين للسامع ، فأفاده ~~أن نقع الفارس هو ماء البحر المزعوم ، لأنه أجدى لمناسبة استعارة البحر ~~للنقع ، وإلا فما كان يعوز المعري أن يقول : ماؤه نقعه فمن انتقد البيت ~~فإنه لم ينصفه . PageV08P160 # وأكد هذا الخبر بحرف التوكيد ، وإن كان المشركون يثبتون الربوبية لله ، ~~والمسلمون لا يمترون في ذلك ، لتنزيل المشركين من المخاطبين منزلة من يتردد ~~في كون الله ربا لهم لكثرة إعراضهم عنه في عباداتهم وتوجهاتهم . # وقوله : { الذي خلق السموات والأرض } صفة لاسم الجلالة ، والصلة مؤذنة ~~بالإيماء إلى وجه بناء الخبر المتقدم ، وهو { إن ربكم الله } لأن خلق ~~السماوات والأرض يكفيهم دليلا على انفراده بالإلهية ، كما تقدم عند قوله ~~تعالى : { الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم ~~الذين كفروا بربهم يعدلون بسورة الأنعام ( 1 ms3073 ) . # وقوله : في ستة أيام ثم استوى على العرش } تعليم بعظيم قدرته ، ويحصل منه ~~للمشركين زيادة شعور بضلالهم في تشريك غيره في الإلهية ، فلا يدل قوله : { ~~في ستة أيام } على أن أهل مكة كانوا يعلمون ذلك ، وفيه تحد لأهل الكتاب كما ~~في قوله تعالى : { أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل } ( ~~الشعراء : 197 ) وليس القصد من قوله : { في ستة أيام } الاستدلال على ~~الواحدانية ، إذ لا دلالة فيه على ذلك . # وقد اقتضت حكمة الله تعالى أن يكون خلق السماوات والأرض مدرجا ، وأن لا ~~يكون دفعة ، لأنه جعل العوالم متولدا بعضها من بعض ، لتكون أتقن صنعا مما ~~لو خلقت دفعة ، وليكون هذا الخلق مظهرا لصفتي علمم الله تعالى وقدرته ، ~~فالقدرة صالحة لخلقها دفعة ، لكن العلم والحكمة اقتضيا هذا التدرج ، وكانت ~~تلك المدة أقل زمن يحصل فيه المراد من التولد بعظيم القدرة . ولعل تكرر ذكر ~~هذه الأيام في آيات كثيرة لقصد التنبيه إلى هذه النكتة البديعة ، من كونها ~~مظهر سعة العلم وسعة القدرة . PageV08P161 # وظاهر الآيات أن الأيام هي المعروفة للناس ، التي هي جمع اليوم الذي هو ~~مدة تقدر من مبدأ ظهور الشمس في المشرق إلى ظهورها في ذلك المكان ثانية ، ~~وعلى هذا التفسير فالتقدير في ما يماثل تلك المدة ست مرات ، لأن حقيقة ~~اليوم بهذا المعنى لم تتحقق إلا بعد تمام خلق السماء والأرض ، ليمكن ظهور ~~نور الشمس على نصف الكرة الأرضية وظهور الظلمة على ذلك النصف إلى ظهور ~~الشمس مرة ثانية ، وقد قيل : إن الأيام هنا جمع اليوم من أيام الله تعالى ~~الذي هو مدة ألف سنة ، فستة أيام عبارة عن ستة آلاف من السنين نظرا لقوله ~~تعالى : { وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون } ( الحج : 47 ) وقوله : { ~~يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة ~~مما تعدون } ( السجدة : 5 ) ، ونقل ذلك عن زيد بن أرقم واختاره النقاش ، ~~وما هو ببعيد ، وإن كان مخالفا لما في التوراة ، وقيل المراد : في ستة ~~أوقات ، فإن ms3074 اليوم يطلق على الوقت كما في قوله تعالى : { ومن يولهم يومئذ ~~دبره } ( الأنفال : 16 ) أي حين إذ يلقاهم زحفا ، ومقصود هذا القائل أن ~~السماوات والأرض خلقت عالما بعد عالم ولم يشترك جميعها في أوقات تكوينها ، ~~وأيا ما كان فالأيام مراد بها مقادير لا الأيام التي واحدها يوم الذي هو من ~~طلوع الشمس إلى غروبها إذ لم تكن شمس في بعض تلك المدة ، والتعمق في البحث ~~في هذا خروج عن غرض القرآن . # والاستواء حقيقته الاعتدال ، والذي يؤخذ من كلام المحققين من علماء اللغة ~~والمفسرين أنه حقيقة في الارتفاع والاعتلاء ، كما في قوله تعالى في صفة ~~جبريل { فاستوى وهو بالأفق الأعلى ثم دنا فتدلى } ( النجم : 6 8 ) . # والاستواء له معان متفرعة عن حقيقته ، أشهرها القصد والاعتلاء ، وقد ~~التزم هذا اللفظ في القرآن مسندا إلى ضمير الجلالة عند الإخبار عن أحوال ~~سماوية ، كما في هذا الآية . ونظائرها سبع آيات من القرآن : هنا . ~~PageV08P162 وفي يونس ، والرعد ، وطه ، والفرقان ، وألم السجدة ، والحديد ، ~~وفصلت . فظهر لي أن لهذا الفعل خصوصية في كلام العرب كان بسببها أجدر ~~بالدلالة على المعنى المراد تبليغه مجملا مما يليق بصفات الله ويقرب إلى ~~الأفهام من معنى عظمته ، ولذلك اختير في هذه الآيات دون غيره من الأفعال ~~التي فسره بها المفسرون . # فالاستواء يعبر عن شأن عظيم من شؤون عظمة الخالق تعالى ، اختير التعبير ~~به على طريق الاستعارة والتمثيل : لأن معناه أقرب معاني المواد العربية إلى ~~المعنى المعبر عنه من شؤونه تعالى ، فإن الله لما أراد تعليم معانن من عالم ~~الغيب لم يكن يتأتى ذلك في اللغة إلا بأمثلة معلومة من عالم الشهادة ، فلم ~~يكن بد من التعبير عن المعاني المغيبة بعبارات تقربها مما يعبر به عن عالم ~~الشهادة ، ولذلك يكثر في القرآن ذكر الاستعارات التمثيلية والتخييلية في ~~مثل هذا . # وقد كان السلف يتلقون أمثالها بلا بحثث ولا سؤال لأنهم علموا المقصود ~~الإجمالي منها فاقتنعوا بالمعنى مجملا ، ويسمون أمثالها بالمتشابهات ، ثم ~~لما ظهر عصر ابتداء البحث كانوا إذا سئلوا عن هذه الآية يقولون ms3075 : استوى ~~الله على العرش ولا نعرف لذلك كيفا ، وقد بينت أن مثل هذا من القسم الثاني ~~من المتشابه عند قوله تعالى : { وأخر متشابهات في سورة آل عمران ( 7 ) ، ~~فكانوا يأبون تأويلها . وقد حكى عياض في المدارك } عن سفيان بن عيينة أنه ~~قال : سأل رجل مالكا فقال : الرحمان على العرش استوى . كيف استوى يا أبا ~~عبد الله ؛ فسكت مالك مليا حتى علاه الرحضاء ثم سري عنه ، فقال : ( ~~الاستواء معلوم والكيف غير معقول والسؤال عن هذا بدعة والإيمان به واجب ~~وإني لأظنك ضالا ) واشتهر هذا عن مالك في روايات كثيرة ، وفي بعضها أنه قال ~~لمن سأله : ( وأظنك رجل سوء أخرجوه عني ) وأنه قال : PageV08P163 ( والسؤال ~~عنه بدعة ) . وعن سفيان الثوري أنه سئل عنها : ( فقال : فعل الله فعلا في ~~العرش سماه استواء ) . قد تأوله المتأخرون من الأشاعرة تأويلات ، أحسنها : ~~ما جنح إليه إمام الحرمين أن المراد بالاستواء الاستيلاء بقرينة تعديته ~~بحرف على ، وأنشدوا على وجه الاستيناس لذلك قول الأخطل : # قد استوى بشر على العراق # بغير سيف ودم مهراق # وأراه بعيدا ، لأن العرش ما هو إلا من مخلوقاته فلا وجه للإخبار ~~باستيلائه عليه ، مع احتمال أن يكون الأخطل قد انتزعه من هذه الآية ، وقد ~~قال أهل اللغة : إن معانيه تختلف باختلاف تعديته بعلى أو بإلى ، قال ~~البخاري ، عن مجاهد : استوى علا على العرش ، وعن أبي العالية : استوى إلى ~~السماء ارتفع فسوى خلقهن . # وأحسب أن استعارته تختلف بقرينة الحرف الذي يعدى به فعله ، فإن عدي بحرف ~~( على ) كما في هذه الآية ونظائرها فهو مستعار من معنى الاعتلاء ، مستعمل ~~في اعتلاء مجازي يدل على معنى التمكن ، فيحتمل أنه أريد منه التمثيل ، وهو ~~تمثيل شأنن تصرفه تعالى بتدبير العوالم ، ولذلك نجده بهذا التركيب في ~~الآيات السبع واقعا عقب ذكر خلق السماوات والأرض ، فالمعنى حينئذ : خلقها ~~ثم هو يدبر أمورها تدبير الملك أمور مملكته مستويا على عرشه . ومما يقرب ~~هذا المعنى قول النبيء صلى الله عليه وسلم ( يقبض الله الأرض ويطوي ~~السماوات يوم القيامة ثم يقول : أنا الملك أين ms3076 ملوك الأرض ) . ولذلك أيضا ~~عقب هذا التركيب في مواقعه كلها بما فيه معنى التصرف كقوله هنا { يغشى ~~الليل النهار الخ ، وقوله في سورة يونس ( 3 ) : يدبر الأمر ما من شفيع إلا ~~من بعد إذنه ، وقوله في سورة الرعد ( 2 ) : وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل ~~مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات . وقوله في سورة ألم السجدة ( 4 ، 5 ) : مالكم ~~من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون يدبر الأمر من السماء إلى الأرض } . ~~وكمال هذا PageV08P164 التمثيل يقتضي أن يكون كل جزء من أجزاء الهيئة ~~الممثلة مشبها بجزء من أجزاء الهيئة الممثل بها ، فيقتضي أن يكون ثمة موجود ~~من أجزاء الهيئة الممثلة مشابها لعرش الملك في العظمة ، وكونه مصدر التدبير ~~والتصرف الإلهي يفيض على العوالم قوى تدبيرها . وقد دلت الآثار الصحيحة من ~~أقوال الرسول عليه الصلاة والسلام على وجود هذا المخلوق العظيم المسمى ~~بالعرش كما سنبينه . # فأما إذا عدي فعل الاستواء بحرف اللام فهو مستعار من معنى القصد والتوجه ~~إلى معنى تعلق الإرادة ، كما في قوله : { ثم استوى إلى السماء } ( البقرة : ~~29 ) . وقد نحا صاحب ( الكشاف ) نحوا من هذا المعنى ، إلا أنه سلك به طريقة ~~الكناية عن الملك : يقولون استوى فلان على العرش يريدون ملك . # والعرش حقيقته الكرسي المرتفع الذي يجلس عليه الملك ، قال تعالى : { ولها ~~عرش عظيم } ( النما : 23 ) وقال : { ورفع أبويه على العرش } ( يوسف : 100 ) ~~، وهو في هذه الآية ونظائرها مستعمل جزءا من التشبيه المركب ، ومن بداعة ~~هذا التشبيه أن كان كل جزء من أجزاء الهيئة المشبهة مماثلا لجزء من أجزاء ~~الهيئة المشبه بها ، وذلك أكمل التمثيل في البلاغة العربية ، كما قدمته ~~آنفا . وإذ قد كان هذا التمثيل مقصودا لتقريب شأن من شؤون عظمة ملك الله ~~بحال هيئة من الهيئات المتعارفة ، ناسب أن يشتمل على ما هو شعار أعظم ~~المدبرين للأمور المتعارفة أعني الملوك ، وذلك شعار العرش الذي من حوله ~~تصدر تصرفات الملك ، فإن تدبير الله لمخلوقاته بأمر التكوين يكون صدوره ~~بواسطة الملائكة ، وقد بين القرآن عمل بعضهم مثل جبريل ms3077 عليه السلام وملكك ~~الموت ، وبينت السنة بعضها : فذكرت ملك الجبال ، وملك الرياح ، والملك الذي ~~يباشر تكوين الجنين ، ويكتب رزقه وأجله وعاقبته ، وكذلك أشار القرآن إلى أن ~~من الموجودات العلوية موجودا منوها به سماه العرش ذكره القرآن في آيات ~~كثيرة . ولما ذكر خلق السماوات والأرض وذكر العرش ذكره بما يشعر بأنه موجود ~~قبل هذا الخلق . وبينت السنة أن العرش أعظم PageV08P165 من السماوات وما ~~فيهن ، من ذلك حديث عمران بن حصين أن النبيء صلى الله عليه وسلم قال : ( ~~كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء ثم خلق السماوات والأرض ) ~~وحديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في حديث طويل : ( ~~فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة ، وأعلى الجنة وفوقه عرش ~~الرحمان ومنه تفجر أنهار الجنة ) وقد قيل إن العرشش هو الكرسي وأنه المراد ~~في قوله تعالى : { وسع كرسيه السماوات والأرض كما تقدم الكلام عليه في سورة ~~البقرة ( 255 ) . # وقد دلت ( ثم ) في قوله : ثم استوى على العرش } على التراخي الرتبي أي ~~وأعظم من خلق السماوات والأرض استواءه على العرش ، تنبيها على أن خلق ~~السماوات والأرض لم يحدث تغييرا في تصرفات الله بزيادة ولا نقصان ، ولذلك ~~ذكر الاستواء على العرش عقب ذكر خلق السماوات والأرض في آيات كثيرة ، ولعل ~~المقصد من ذلك إبطال ما يقوله اليهود : إن الله استراح في اليوم السابع فهو ~~كالمقصد من قوله تعالى : { ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة ~~أيام وما مسنا من لغوب ( ق : 38 ) . # وجملة يغشى الليل النهار } في موضع الحال من اسم الجلالة ، ذكر به شيء من ~~عموم تدبيره تعالى وتصرفه المضمن في الاستواء على العرش ، وتنبيه على ~~المقصود من الاستواء ، ولذلك جاء به في صورة الحال لا في صورة الخبر ، كما ~~ذكر بوجه العموم في آية سورة يونس ( 3 ) وسورة الرعد ( 2 ) بقوله : { يدبر ~~الأمر وخص هذا التصرف بالذكر لما يدل عليه من عظيم المقدرة ، وما فيه من ~~عبرة التغير ودليلل الحدوث ، ولكونه متكررا ms3078 حدوثه في مشاهدة الناس كلهم . ~~والإغشاء والتغشية : جعل الشيء غاشيا ، والغشي والغشيان حقيقته التغطية ~~والغم . # فمعنى : يغشى الليل النهار } أن الله يجعل أحدهما غاشيا الآخر . ~~PageV08P166 # والغشي مستعار للإخفاء ، لأن النهار يزيل أثر الليل والليل يزيل أثر ~~النهار ، ومن بديع الإيجاز ورشاقة التركيب : جعل الليل والنهار مفعولين ~~لفعل فاعل الإغشاء ، فهما مفعولان كلاهما صالح لأن يكون فاعل الغشي ، ولهذا ~~استغنى بقوله : { يغشى الليل النهار } عن ذكر عكسه ولم يقل : والنهار الليل ~~، كما في آية { يكور الليل على النهار ( الزمر : 5 ) لكن الأصل في ترتيب ~~المفاعيل في هذا الباب أن يكون الأول هو الفاعل في المعنى ، ويجوز العكس ~~إذا أمن اللبس ، وبالأحرى إذا استوى الاحتمالان . # وقرأ نافع ، وابن كثير ، وأبو عمرو ، وابن عامر ، وعاصم في رواية حفص ~~يغشي } بضم الياء وسكون الغين وتخفيف الشين . وقرأه حمزة ، والكسائي ، ~~وعاصم في رواية أبي بكر ، ويعقوب ، وخلف بضم الياء وفتح الغين وتشديد الشين ~~وهما بمعنى واحد في التعدية . # وجملة : { يطلبه } إن جعلت استينافا أو بدل اشتمال من جملة ( يغشي ) ~~فأمرها واضح ، واحتمل الضمير المنصوب في ( يطلبه ) أن يعود إلى الليل وإلى ~~النهار ، وإن جعلت حالا تعين أن تعتبر حالا من أحد المفعولين على السواء ~~فإن كلا الليل والنهار يعتبر طالبا ومطلوبا ، تبعا لاعتبار أحدهما مفعولا ~~أول أو ثانيا . # وشبه ظهور ظلام الليل في الأفق ممتدا من المشرق إلى المغرب عند الغروب ~~واختفاء نور النهار في الأفق ساقطا من المشرق إلى المغرب حتى يعم الظلام ~~الأفق بطلب الليل النهار ، على طريقة التمثيل ، وكذلك يفهم تشبيه امتداد ~~ضوء الفجر في الأفق من المشرق إلى المغرب واختفاء ظلام الليل في الأفق ~~ساقطا في المغرب حتى يعم الضياء الأفق : بطلب النهار الليل على وجه التمثيل ~~، ولا مانع من اعتبار التنازع للمفعولين في جملة الحال كما في قوله تعالى : ~~{ فأتت به قومها تحمله } ( مريم : 27 ) وقوله : { والشمس والقمر والنجوم ~~مسخرات بأمره } . PageV08P167 # والحثيث : المسرع ، وهو فعيل بمعنى مفعول ، من حثه إذا أعجله وكرر إعجاله ~~ليبادر بالعجلة ، وقريب من هذا قول سلامة ms3079 من جندل يذكر انتهاء شبابه ~~وابتداء عصر شيبه : # أودى الشباب الذي مجد عواقبه # فيه نلذ ولا لذاتت للشيب # ولى حثيثا وهذا الشيب يتبعه # لو كان يدركه ركض اليعاقيب # فالمعنى يطلبه سريعا مجدا في السرعة لأنه لا يلبث أن يعفى أثره . # { والشمس والقمر والنجوم } بالنصب في قراءة الجمهور معطوفات على السماوات ~~والأرض ، أي وخلق الشمس والقمر والنجوم ، وهي من أعظم المخلوقات التي ~~اشتملت عليها السماوات . و { مسخرات } حال من المذكورات . # وقرأ ابن عامر برفع { الشمس } وما عطف عليه ورفعع { مسخرات } ، فتكون ~~الجملة حالا من ضمير اسم الجلاله كقوله : { يغشى الليل النهار } . # وتقدم الكلام على الليل والنهار عند قوله تعالى : { إن في خلق السماوات ~~والأرض واختلاف الليل والنهار في سورة البقرة ( 164 ) ويأتي في سورة الشمس ~~. # والتسخير حقيقته تذليل ذي عمل شاقق أو شاغلل بقهر وتخويف أو بتعليم ~~وسياسة بدون عوض ، فمنه تسخير العبيد والأسرى ، ومنه تسخير الأفراس ~~والرواحل ، ومنه تسخير البقر للحلب ، والغنم للجز . ويستعمل مجازا في تصريف ~~الشيء غير ذي الإرادة في عمل عجيب أو عظيم من شأنه أن يصعب استعماله فيه ، ~~بحيلة أو إلهام تصريفا يصيره من خصائصه وشؤونه ، كتسخير الفلك للمخر في ~~البحر بالريح أو بالجذف ، وتسخير السحاب للأمطار ، وتسخير النهار للعمل ، ~~والليل للسكون ، وتسخير الليل للسير في الصيف ، والشمس للدفء في الشتاء ، ~~والظل للتبرد في الصيف ، وتسخير الشجر للأكل من ثماره حيث خلق مجردا عن ~~موانع تمنع PageV08P168 من اجتنائه مثل الشوك الشديد ، فالأسد غير مسخر ~~بهذا المعنى ولكنه بحيث يسخر إذا شاء الإنسان الانتفاع بلحمه أو جلده بحيلة ~~لصيده بزبية أو نحوها ، ولذلك قال الله تعالى : وسخر لكم ما في السماوات ~~وما في الأرض جميعا منه } ( الجاثية : 13 ) باعتبار هذا المجاز على تفاوت ~~في قوة العلاقة . فقوله : { والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره } أطلق ~~التسخير فيه مجازا على جعلها خاضعة للنظام الذي خلقها الله عليه بدون تغيير ~~، مع أن شأن عظمها أن لا يستطيع غيره تعالى وضعها على نظام محدود منضبط . # ولفظ الأمر في قوله : { بأمره } مستعمل مجازا ms3080 في التصريف بحسب القدرة ~~الجارية على وفق الإرادة . ومنه أمر التكوين المعبر عنه في القرآن بقوله : ~~{ إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون } ( يس : 82 ) لأن ( كن ) ~~تقريب لنفاذ القدرة المسمى بالتعلق التسخيري عند تعلق الإرادة التنجيزي ~~أيضا فالأمر هنا من ذلك ، وهو تصريف نظام الموجودات كلها . # وجملة : { ألا له الخلق والأمر } مستأنفة استئناف التذييل للكلام السابق ~~من قوله : { الذي خلق السموات والأرض } لإفادة تعميم الخلق . والتقدير : ~~لما ذكر آنفا ولغيره . فالخلق : إيجاد الموجودات ، والأمر تسخيرها للعمل ~~الذي خلقت لأجله . # وافتتحت الجملة بحرف التنبيه لتعي نفوس السامعين هذا الكلام الجامع . # واللام الجارة لضمير الجلالة لام الملك . وتقديم المسند هنا لتخصيصه ~~بالمسند إليه . # والتعريف في الخلق والأمر تعريف الجنس ، فتفيد الجملة قصر جنس الخلق وجنس ~~الأمر على الكون في ملك الله تعالى ، فليس لغيره شيء من هدا الجنس ، وهو ~~قصر إضافي معناه : ليس لآلهتهم شيء من الخلق ولا من الأمر ، وأما قصر الجنس ~~في الواقع على الكون في ملك الله تعالى فذلك يرجع فيه إلى القرائن ، فالخلق ~~مقصور حقيقة على الكون في ملكه تعالى ، وأما الأمر PageV08P169 فهو مقصور ~~على الكون في ملك الله قصرا ادعائيا لأن لكثير من الموجودات تدبير أمور ~~كثيرة ، ولكن لما كان المدبر مخلوقا لله تعالى كان تدبيره راجعا إلى تدبير ~~الله كما قيل في قصر جنس الحمد في قوله : { الحمد لله } ( الفاتحة : 2 ) . # وجملة { تبارك الله رب العالمين } تذييل معترضة بين جملة { إن ربكم الله ~~} وجملة { ادعوا ربكم تضرعا وخفية } ( الأعراف : 55 ) إذ قد تهيأ المقام ~~للتذكير بفضل الله على الناس ، وبنافع تصرفاته ، عقب ما أجرى من إخبار عن ~~عظيم قدرته وسعة علمه وإتقانن صنعه . # وفعل { تبارك } في صورة اشتقاقه يؤذن بإظهار الوصف على صاحبه المتصف به ~~مثل : تثاقل ، أظهر الثقل في العمل ، وتعالل ، أي أظهر العلة ، وتعاظم : ~~أظهر العظمة ، وقد يستعمل بمعنى ظهور الفعل على المتصف به ظهورا بينا حتى ~~كأن صاحبه يظهره ، ومنه : { تعالى الله } ( النمل : 63 ) أي ظهر علوه ، أي ~~شرفه ms3081 على الموجودات كلها ، ومنه { تبارك } أي ظهرت بركته . # والبركة : شدة الخير ، وقد تقدم الكلام عليها عند قوله تعالى : { إن أول ~~بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا في سورة آل عمران ( 96 ) ، وقوله : وهذا ~~كتاب أنزلناه مبارك في سورة الأنعام ( 92 ) . فبركة الله الموصوف بها هي ~~مجده ونزاهته وقدسه ، وذلك جامع صفات الكمال ، ومن ذلك أن له الخلق والأمر ~~. # وإتباع اسم الجلالة بالوصف وهو رب العالمين } في معنى البيان لاستحقاقه ~~البركة والمجد ، لأنه مفيض خيرات الإيجاد والإمداد ، ومدبر أحوال الموجودات ~~، بوصف كونه رب أنواع المخلوقات ، ومضى الكلام على { العالمين في سورة ~~الفاتحة ( 2 ) . # # | 2 ( 55 ) ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين } . ) 2 # استئناف جاء معترضا بين ذكر دلائل وحدانية الله تعالى بذكر عظيم قدرته ~~على تكوين أشياء لا يشاركه غيره في تكوينها . فالجملة معترضة بين ~~PageV08P170 جملة { يغشى الليل النهار } ( الأعراف : 54 ) وجملة : { وهو ~~الذي يرسل الرياح } ( الأعراف : 57 ) جرى هذا الاعتراض على عادة القرآن في ~~انتهاز فرص تهنؤ القلوب للذكرى . والخطاب ب { ادعوا } خاص بالمسلمين لأنه ~~تعليم لأدب دعاء الله تعالى وعبادته ، وليس المشركون بمتهيئين لمثل هذا ~~الخطاب ، وهو تقريب للؤمنين وإدناء لهم وتنبيه على رضى الله عنهم ومحبته ، ~~وشاهده قوله بعده : { إن رحمت الله قريب من المحسنين } ( الأعراف : 56 ) . ~~والخطاب موجه إلى المسلمين بقرينة السياق . # و ( الدعاء ) حقيقته النداء ، ويطلق أيضا على النداء لطلب مهم ، واستعمل ~~مجازا في العبادة لاشتمالها على الدعاء والطلب بالقول أو بلسان الحال ، كما ~~في الركوع والسجود ، مع مقارنتها للأقوال وهو إطلاق كثير في القرآن . # والظاهر أن المراد منه هنا الطلب والتوجه ، لأن المسلمين قد عبدوا الله ~~وأفردوه بالعبادة ، وإنما المهم إشعارهم بالقرب من رحمة ربهم وإدناء مقامهم ~~منها . # وجيء لتعريف الرب بطريق الإضافة دون ضمير الغائب ، مع وجود معاد قريب في ~~قوله : { تبارك الله } ( الأعراف : 54 ) ودون ضمير المتكلم ، لأن في لفظ ~~الرب إشعارا بتقريب المؤمنين بصلة المربوبية ، وليتوسل بإضافة الرب إلى ~~ضمير المخاطبين إلى تشريف المؤمنين وعناية الرب بهم كقوله : { بل الله ms3082 ~~مولاكم } ( آل عمران : 150 ) . # والتضرع : إظهار التذلل بهيئة خاصة ، ويطلق التضرع على الجهر بالدعاء لأن ~~الجهر من هيئة التضرع ، لأنه تذلل جهري ، وقد فسر في هذه الآية وفي قوله في ~~الأنعام ( 63 ) : { تدعونه تضرعا وخفية بالجهر بالدعاء ، وهو الذي نختاره ~~لأنه أنسب بمقابلته بالخفية ، فيكون أسلوبه وفقا لأسلوب نظيره في قوله ~~ادعوه خوفا وطمعا } ( الأعراف : 56 ) وتكون ، الواو للتقسيم بمنزلة ( أو ) ~~وقد قالوا : إنها فيه أجود من ( أو ) . ومن المفسرين من أبقى التضرع على ~~حقيقته وهو التذلل ، فيكون مصدرا بمعنى الحال ، أي متذللين ، PageV08P171 ~~أو مفعولا مطلقا ل { ادعوا ، لأن التذلل بعض أحوال الدعاء فكأنه نوع منه ، ~~وجعلوا قوله : وخفية } مأمورا به مقصودا بذاته ، أي ادعوه مخفين دعاءكم ، ~~حتى أوهم كلام بعضهم أن الإعلان بالدعاء منهي عنه أو غير مثوب عليه ، وهذا ~~خطأ : فإن النبيء صلى الله عليه وسلم دعا علنا غير مرة . وعلى المنبر بمسمع ~~من الناس وقال : ( اللهم اسقنا ) وقال : ( اللهم حوالينا ولا علينا ) وقال ~~: ( اللهم عليك بقريش ) الحديث . وما رويت أدعيته إلا لأنه جهر بها يسمعها ~~من رواها ، فالصواب أن قوله : { تضرعا } إذن بالدعاء بالجهر والإخفاء ، ~~وأما ما ورد من النهي عن الجهر فإنما هو عن الجهر الشديد الخارج عن حد ~~الخشوع . وقرأ الجمهور { وخفية } بضم الخاء وقرأه أبو بكر بكسر الخاء وتقدم ~~في الأنعام . # وجملة { إنه لا يحب المعتدين } واقعة موقع التعليل للأمر بالدعاء ، إشارة ~~إلى أنه أمر تكريم للمسلمين يتضمن رضى الله عنهم ، ولكن سلك في التعليل ~~طريق إثبات الشيء بإبطال ضده ، تنبيها على قصد الأمرين وإيجازا في الكلام . ~~ولكون الجملة واقعة موقع التعليل افتتحت ب ( إن ) المفيدة لمجرد الاهتمام ، ~~بقرينة خلو المخاطبين عن التردد في هذا الخبر ، ومن شأن ( إن ) إذا جاءت ~~على هذا الوجه أن تفيد التعليل والربط ، وتقوم مقام الفاء ، كما نبه عليه ~~الشيخ عبد القاهر . # وإطلاق المحبة وصفا لله تعالى ، في هذه الآية ونحوها ، إطلاق مجازي مراد ~~بها لازم معنى المحبة ، بناء على أن حقيقة المحبة انفعال نفساني ، وعندي ~~فيه احتمال ، فقالوا ms3083 : أريد لازم المحبة ، أي في المحبوب والمحب ، فيلزمها ~~اتصاف المحبوب بما يرضي المحب لتنشأ المحبة التي أصلها الاستحسان ، ويلزمها ~~رضى المحب عن محبوبه وإيصال النفع له . وهذان اللازمانن متلازمان في ~~أنفسهما . فإطلاق المحبة وصفا لله مجاز بهذا اللازم المركب . PageV08P172 # والمراد ب { المعتدين : المشركون ، لأن يرادف الظالمين . 6 # والمعنى : ادعوا ربكم لأنه يحبكم ولا يحب المعتدين ، كقوله : وقال ربكم ~~ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين } ( ~~غافر : 60 ) تعريض بالوعد بإجابة دعاء المؤمنين وأنه لا يستجيب دعاء ~~الكافرين ، قال تعالى : { وما دعاء الكافرين إلا في ضلال } ( الرعد : 14 ) ~~على أحد تأويلين فيها . وحمل بعض المفسرين التضرع على الخضوع ، فجعلوا ~~الآية مقصورة على طلب الدعاء الخفي حتى بالغ بعضهم فجعل الجهر بالدعاء ~~منهيا عنه ، وتجاوز بعضهم فجعل قوله : { إنه لا يحب المعتدين } تأكيدا ~~لمعنى الأمر بإخفاء الدعاء ، وجعل الجهر بالدعاء من الاعتداء والجاهرين به ~~من المعتدين الذين لا يحبهم الله . ونقل ذلك عن ابن جريج ، وأحسب أنه نقل ~~عنه غير مضبوط العبارة ، كيف وقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم جهرا ~~ودعا أصحابه . # # | 2 ( 56 ) { ولا تفسدوا فى الارض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمت ~~الله قريب من المحسنين } . ) 2 # عطف النهي عن الفساد في الأرض على جملة { إنه لا يحب المعتدين } ( ~~الأعراف : 55 ) عطفا على طريقة الاعتراض ، فإن الكلام لما أنبأ عن عناية ~~الله بالمسلمين وتقريبه إياهم إذ أمرهم بأن يدعوه وشرفهم بذلك العنوان ~~العظيم في قوله : { ربكم } ( الأعراف : 55 ) ، وعرض لهم بمحبته إياهم دون ~~أعدائهم المعتدين ، أعقبه بما يحول بينهم وبين الإدلال على الله بالاسترسال ~~فيما تمليه عليهم شهواتهم من ثوران القوتين الشهوية والغضبية ، فإنهما ~~تجنيان فسادا في الغالب ، فذكرهم بترك الإفساد ليكون صلاحهم منزها عن أن ~~يخالطه فساد ، فإنهم إن أفسدوا في الأرض أفسدوا مخلوقات كثيرة وأفسدوا ~~أنفسهم في ضمن ذلك الإفساد ، فأشبه موقع الاحتراس ، وكذلك دأب القرآن أن ~~يعقب الترغيب بالترهيب ، وبالعكس ، لئلا يقع الناس في اليأس أو الأمن . # والاهتمام بدرء الفساد ms3084 كان مقاما هنا مقتضيا التعجيل بهذا النهي معترضا ~~بين جملتي الأمر بالدعاء . PageV08P173 # وفي إيقاع هذا النهي عقب قوله { إنه لا يحب المعتدين } ( الأعراف : 55 ) ~~تعريض بأن المعتدين وهم المشركون مفسدون في الأرض ، وإرباء للمسلمين عن ~~مشابهتهم ، أي لا يليق بكم وأنتم المقربون من ربكم ، المأذون لكم بدعائه ، ~~أن تكونوا مثل المبعدين منه المبغضين . # والإفساد في الأرض والإصلاح تقدم الكلام عليهما عند قوله تعالى : { وإذا ~~قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون في سورة البقرة ( 11 ) ، ~~وبينا هنالك أصول الفساد وحقائق الإصلاح ، ومر هنالك القول في حذف مفعول ~~تفسدوا } مما هو نظير ما هنا . # و { الأرض } هنا هي الجسم الكروي المعبر عنه بالدنيا . # والإفساد في كل جزء من الأرض هو إفساد لمجموع الأرض ، وقد يكون بعض ~~الإفساد مؤديا إلى صلاح أعظم مما جره الإفساد من المضرة ، فيترجح الإفساد ~~إذا لم يمكن تحصيل صلاح ضروري إلا به ، فقد قطع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم نخل بني النضير ، ونهى أبو بكر رضي الله عنه عن قطع شجر العدو ، ~~لاختلاف الأحوال . # والبعدية في قوله : { بعد إصلاحها } بعدية حقيقية ، لأن الأرض خلقت من ~~أول أمرها على صلاح قال الله تعالى : { وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك ~~فيها وقدر فيها أقواتها } ( فصلت : 10 ) على نظام صالح بما تحتوي عليه ، ~~وبخاصة الإنسان الذي هو أشرف المخلوقات التي جعلها الله على الأرض ، وخلق ~~له ما في الأرض ، وعزز ذلك النظام بقوانين وضعها الله على ألسنة المرسلين ~~والصالحين والحكماء من عباده ، الذين أيدهم بالوحي والخطاب الإلهي ، أو ~~بالإلهام والتوفيق والحكمة ، فعلموا الناس كيف يستعملون ما في الأرض على ~~نظام يحصل به الانتفاع بنفع النافع وإزالة ما في بعض النافع من الضر وتجنب ~~ضر الضار ، فذلك النظام الأصلي ، والقانون المعزز له ، كلاهما PageV08P174 ~~إصلاح في الأرض ، لأن الأول إيجاد الشيء صالحا ، والثاني جعل الضار صالحا ~~بالتهذيب أو بالإزالة ، وقد مضى في قوله تعالى : { وإذا قيل لهم لا تفسدوا ~~في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون في سورة البقرة ms3085 ( 11 ) ، أن الإصلاح موضوع ~~للقدر المشترك بين إيجاد الشيء صالحا وبين جعل الفاسد صالحا . فالإصلاح هنا ~~مصدر في معنى الاسم الجامد ، وليس في معنى الفعل ، لأنه أريد به إصلاح حاصل ~~ثابت في الأرض لا إصلاح هو بصدد الحصول ، فإذا غير ذلك النظام فأفسد الصالح ~~، واستعمل الضار على ضره ، أو استبقى مع إمكان إزالته ، كان إفسادا بعد ~~إصلاح ، كما أشار إليه قوله تعالى : والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا ~~تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير } ( الأنفال : 73 ) . # والتصريح بالبعدية هنا تسجيل لفظاعة الإفساد بأنه إفساد لما هو حسن ونافع ~~، فلا معذرة لفاعله ولا مساغ لفعله عند أهل الأرض . # عود إلى أمر الدعاء لأن ما قبله من النهي عن الإفساد أشبه الاحتراس ~~المعترض بين أجزاء الكلام ، وأعيد الأمر بالدعاء ليبنى عليه قوله : { خوفا ~~وطمعا } قصدا لتعليم الباعث على الدعاء بعد أن علموا كيفيته ، وهذا الباعث ~~تنطوي تحته أغراض الدعاء وأنواعه ، فلا إشكال في عطف الأمر بالدعاء على ~~مثله لأنهما مختلفان باختلاف متعلقاتهما . # والخوف تقدم عند قوله تعالى : { إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله } ( ~~البقرة : 229 ) . # والطمع تقدم في قوله : { أفتطمعون أن يؤمنوا لكم في سورة البقرة ( 75 ) . # وانتصاب خوفا وطمعا } هنا على المفعول لأجله ، أي أن الدعاء يكون لأجل ~~خوف منه وطمع فيه ، فحذف متعلق الخوف والطمع لدلالة الضمير المنصوب في { ~~ادعوه } . PageV08P175 # والواو للتقسيم للدعاء بأنه يكون على نوعين : # فالخوف من غضبه وعقابه ، والطمع في رضاه وثوابه ، والدعاء لأجل الخوف نحو ~~الدعاء بالمغفرة ، والدعاء لأجل الطمع نحو الدعاء بالتوفيق وبالرحمة . وليس ~~المراد أن الدعاء يشتمل على خوف وطمع في ذاته كما فسر به الفخر في السؤال ~~الثالث لأن ذلك وإن صح في الطمع لا يصح في الخوف إلا بسماجة . وفي الأمر ~~بالدعاء خوفا وطمعا دليل على أن من حظوظ المكلفين في أعمالهم مراعاة جانب ~~الخوف من عقاب الله والطمعع في ثوابه ، وهذا مما طفحت به أدلة الكتاب ~~والسنة ، وقد أتى الفخر في السؤال الثاني في تفسير الآية بكلام غير ملاق ms3086 ~~للمعروف عند علماء الأمة ، ونزع به نزعة المتصوفة الغلاة . وتعقبه يطول ، ~~فدونك فانظره إن شئت . # وقد شمل الخوف والطمع جميع ما تتعلق به أغراض المسلمين نحو ربهم في ~~عاجلهم وآجلهم ، ليدعوا الله بأن ييسر لهم أسباب حصول ما يطمعون ، وأن ~~يجنبهم أسباب حصول ما يخافون . وهذا يقتضي توجه همتهم إلى اجتناب المنهيات ~~لأجل خوفهم من العقاب ، وإلى امتثال المأمورات لأجل الطمع في الثواب ، فلا ~~جرم أنه اقتضى الأمر بالإحسان ، وهو أن يعبدوا الله عبادة من هو حاضر بين ~~يديه فيستحيي من أن يعصيه ، فالتقدير : وادعوه خوفا وطمعا وأحسنوا بقرينة ~~تعقيبه بقوله : { إن رحمة الله قريب من المحسنين } . وهذا إيجاز . # وجملة : { إن رحمة الله قريب من المحسنين } واقعة موقع التفريع على جملة ~~{ وادعوه } ، فلذلك قرنت ب { إن } الدالة على التوكيد ، وهو لمجرد الاهتمام ~~بالخبر ، إذ ليس المخاطبون بمترددين في مضمون الخبر ، ومن شأن ( إن ) إذا ~~جاءت على هذا الوجه أن تفيد التعليل وربط مضمون جملتها بمضمون الجملة التي ~~قبلها ، فتغني عن فاء التفريع ، ولذلك فصلت الجملة عن التي قبلها فلم تعطف ~~لإغناء ( إن ) عن العاطف . PageV08P176 # و { رحمة الله } : إحسانه وإيتاؤه الخبر . # والقرب حقيقته دنو المكان وتجاوره ، ويطلق على الرجاء مجازا يقال : هذا ~~قريب ، أي ممكن مرجو ، ومنه قوله : { إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا } ( ~~المعارج : 6 ، 7 ) فإنهم كانوا ينكرون الحشر وهو عند الله واقع لا محالة ، ~~فالقريب هنا بمعنى المرجو الحصول وليس بقرب مكان . ودل قوله { قريب من ~~المحسنين } على مقدر في الكلام ، أي وأحسنوا لأنهم إذا دعوا خوفا وطعما فقد ~~تهيأوا لنبذ ما يوجب الخوف ، واكتساب ما يوجب الطمع ، لئلا يكون الخوف ~~والطمع كاذبين ، لأن من خاف لا يقدم على المخوف ، ومن طمع لا يترك طلب ~~المطموع ، ويتحقق ذلك بالإحسان في العمل ويلزم من الإحسان ترك السيئات ، ~~فلا جرم تكون رحمة الله قريبا منهم ، وسكت عن ضد المحسنين رفقا بالمؤمنين ~~وتعريضا بأنهم لا يظن بهم أن يسيئوا فتبعد الرحمة عنهم . # وعدم لحاق علامة التأنيث لوصفف { قريب } مع أن موصوفه مؤنث ms3087 اللفظ ، وجهه ~~علماء العربية بوجوه كثيرة ، وأشار إليها في ( الكشاف ) . # وجلها يحوم حول تأويل الاسم المؤنث بما يرادفه من اسمم مذكر ، أو ~~الاعتذار بأن بعض الموصوف به غير حقيقي التأنيث كما هنا ، وأحسنها عندي قول ~~الفراء وأبي عبيدة : أن قريبا أو بعيدا إذا أطلق على قرابة النسب أو بعد ~~النسب فهو مع المؤنث بتاء ولا بد ، وإذا أطلق على قرب المسافة أو بعدها جاز ~~فيه مطابقة موصوفه وجاز فيه التذكير على التأويل بالمكان ، وهو الأكثر ، ~~قال الله تعالى : { وما هي من الظالمين ببعيد } ( هود : 83 ) وقال : { وما ~~يدريك لعل الساعة تكون قريبا } ( الأحزاب : 63 ) . ولما كان إطلاقه في هذه ~~الآية على وجه الاستعارة من قرب المسافة جرى على الشائع في استعماله في ~~المعنى الحقيقي ، وهذا من لطيف الفروق العربية في استعمال المشترك إزالة ~~للإبهام بقدر الإمكان . # PageV08P177 # | 2 ( 57 ) { وهو الذى يرسل الرياح بشرى بين يدى رحمته حتى إذآ أقلت ~~سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به المآء فأخرجنا به من كل الثمرات ~~كذالك نخرج الموتى لعلكم تذكرون } . ) 2 # جملة : { وهو الذي يرسل الرياح } عطف على جملة : { يغشي الليل النهار } ( ~~الأعراف : 54 ) وقد حصلت المناسبة بين آخر الجمل المعترضة وبين الجملة ~~المعترض بينها وبين ما عطفت عليه بأنه لما ذكر قرب رحمته من المحسنين ذكر ~~بعضا من رحمته العامة وهو المطر . فذكر إرسال الرياح هو المقصود الأهم لأنه ~~دليل على عظم القدرة والتدبير ، ولذلك جعلناه معطوفا على جملة : { يغشي ~~الليل النهار } ( الأعراف : 54 ) أو على جملة : { ألا له الخلق والأمر } ( ~~الأعراف : 54 ) . وذكر بعض الأحوال المقارنة لإرسال الرياح يحصل منه إدماج ~~الامتنان في الاستدلال وذلك لا يقتضي أن الرياح لا ترسل إلا للتبشير بالمطر ~~، ولا أن المطر لا ينزل إلا عقب إرسال الرياح ، إذ ليس المقصود تعليم حوادث ~~الجو ، وإذ ليس في الكلام ما يقتضي انحصار الملازمة وفيه تعريض ببشارة ~~المؤمنين بإغداق الغيث عليهم ونذارة المشركين بالقحط والجوع كقوله { وأن لو ~~استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا } ( الجن : 16 ) وقوله { فارتقب ms3088 ~~يوم تأتي السماء بدخان مبين } ( الدخان : 10 ) . # وأطلق الإرسال على الانتقال على وجه الاستعارة ، فإرسال الرياح هبوبها من ~~المكان الذي تهب فيه ووصولها ، وحسن هذه الاستعارة أن الريح مسخرة إلى ~~المكان الذي يريد الله هبوبها فيه فشبهت بالعاقل المرسل إلى جهة ما ، ومن ~~بدائع هذه الاستعارة أن الريح لا تفارق كرة الهواء كما تقدم عند قوله تعالى ~~: { إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في ~~البحر بما ينفع الناس الآية في سورة البقرة ( 164 ) . فتصريف الرياح من جهة ~~إلى جهة أشبه بالإرسالل منه بالإيجاد . PageV08P178 والرياح : جمع ريح ، ~~وقد تقدم في سورة البقرة . # وقرأ الجمهور : الرياح } بصيغة الجمع وقرأ ابن كثير ، وحمزة ، والكسائي ، ~~وخلف : الريح بصيغة المفرد باعتبار الجنس ، فهو مساو لقراءة الجمع ، قال ~~ابن عطية : من قرأ بصيغة الجمع فقراءته أسعد ، لأن الرياح حيثما وقعت في ~~القرآن فهي مقترنة بالرحمة ، كقوله : { وأرسلنا الرياح لواقح } ( الحجر : ~~22 ) وأكثر ذكر الريح المفردة أن تكون مقترنة بالعذاب كقوله { ريح فيها ~~عذاب أليم } ( الأحقاف : 24 ) ونحو ذلك . ومن قرأ بالإفراد فتقييدها بالنشر ~~يزيل الاشتراك أي الإيهام . والتحقيق أن التعبير بصيغة الجمع قد يراد به ~~تعدد المهاب أو حصول الفترات في الهبوب ، وأن الإفراد قد يراد به أنها ~~مدفوعة دفعة واحدة قوية لا فترة بين هباتها . # وقوله : { نشرا } قرأه نافع ، وأبو عمرو ، وابن كثير ، وأبو جعفر : نشرا ~~بضم النون والشين على أنه جمع نشور بفتح النون كرسول ورسل ، وهو فعول بمعنى ~~فاعل ، والنشور الرياح الحية الطيبة لأنها تنثر السحاب ، أي تبثه وتكثره في ~~الجو ، كالشيء المنشور ، ويجوز أن يكون فعولا بمعنى مفعول ، أي منشورة ، أي ~~مبثوثة في الجهات ، متفرقة فيها ، لأن النشر هو التفريق في جهات كثيرة . ~~ومعنى ذلك أن ريح المطر تكون لينة ، تجيء مرة من الجنوب ومرة من الشمال ، ~~وتتفرق في الجهات حتى ينشأ بها السحاب ويتعدد سحابات مبثوثة ، كما قال ~~الكميت في السحاب : # مرته الجنوب بأنفاسها # وحلت عزاليه الشمأل # ومن أجل ذلك عبر عنها بصيغة الجمع لتعدد مهابها ms3089 ، ولذلك لم تجمع فيما لا ~~يحمد فيه تعود المهاب كقوله { وجرين بهم بريح طيبة } ( يونس : 22 ) من حيث ~~جري السفن إنما جيده بريح متصلة . # وقرأه ابن عامر { نشرا } بضم النون وسكون الشين وهو تخفيف نشر الذي هو ~~بضمتين كما يقال : رسل في رسل . وقرأ حمزة ، PageV08P179 والكسائي ، وخلف ~~بفتح النون ، وسكون الشين على أنه مصدر ، وانتصب إما على المفعولية المطلقة ~~لأنه مرادف ل ( أرسل ) بمعناه المجازي ، أي أرسلها إرسالا أو نشرها نشرا ، ~~وإما على الحال من الريح ، أي ناشرة أي السحاب ، أو من الضمير في ( أرسل ) ~~أي أرسلها ناشرا أي محييا بها الأرض الميتة ، أي محييا بآثارها وهي الأمطار ~~. # وقرأه عاصم بالباء الموحدة في موضع النون مضمومة وبسكون الشين وبالتنوين ~~وهو تخفيف ( بشرا ) بضمهما على أنه جمع بشير مثل نذر ونذير ، أي مبشرة ~~للناس باقتراب الغيث . # فحصل من مجموع هذه القراءات أن الرياح تنشر السحاب ، وأنها تأتي من جهات ~~مختلفة تتعاقب فيكون ذلك سبب امتلاء الأسحبة بالماء وأنها تحيي الأرض بعد ~~موتها ، وأنها تبشر الناس بهبوبها ، فيدخل عليهم بها سرور . # وأصل معنى قولهم : بين يدي فلان ، أنه يكون أمامه بقرب منه ( ولذلك قوبل ~~بالخلف في قوله تعالى : { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } ( البقرة : 255 ) ~~) فقصد قائله الكناية عن الأمام ، وليس صريحا ، حيث إن الأمام القريب أوسع ~~من الكون بين اليدين ، ثم لشهرة هذه الكناية وأغلبية موافقتها للمعنى ~~الصريح جعلت كالصريح ، وساغ أن تستعمل مجازا في التقدم والسبق القريب ، ~~كقوله تعالى : { إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد } ( سبأ : 46 ) ، ~~وفي تقدم شيء على شيء مع قربه منه من غير أن يكون أمامه ومن غير أن يكون ~~للمتقدم عليه يدان . وهكذا استعماله في هذه الآية ، أي يرسل الرياح سابقة ~~رحمته . # والرحمة هذه أريد بها المطر ، فهو من إطلاق المصدر على المفعول ، لأن ~~الله يرحم به . والقرينة على المراد بقية الكلام ، وليست الرحمة من أسماء ~~المطر في كلام العرب فإن ذلك لم يثبت ، وإضافة الرحمة إلى اسم الجلالة في ~~هذه ms3090 الآية تبعد دعوى من ادعاها من أسماء المطر . والمقصد الأول من قوله : ~~PageV08P180 { وهو الذي يرسل الرياح } تقريع المشركين وتفنيد إشراكهم ، ~~ويتبعه تذكير المؤمنين وإثارة اعتبارهم ، لأن الموصول دل على أن الصلة ~~معلومة الانتساب للموصول ، لأن المشركين يعلمون أن للرياح مصرفا وأن للمطر ~~منزلا ، غير أنهم يذهلون أو يتذاهلون عن تعيين ذلك الفاعل ، ولذلك يجيئون ~~في الكلام بأفعال نزول المطر مبنية إلى المجهول غالبا ، فيقولون : مطرنا ~~بنوء الثريا ويقولون : غثنا ما شئنا . مبنيا للمجهول أي أغثنا ، فأخبر الله ~~تعالى بأن فاعل تلك الأفعال هو الله ، وذلك بإسناد هذا الموصول إلى ضمير ~~الجلالة في قوله : { وهو الذي يرسل الرياح } أي الذي علمتم أنه يرسل الرياح ~~وينزل الماء ، هو الله تعالى كقوله { أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى } ~~( البقرة : 16 ) ، فالخبر مسوق لتعيين صاحب هذه الصلة . فهو بمنزلة الجواب ~~عن استفهام مقصود منه طلب التعيين في نحو قولهم : أراحل أنت أم ثاو ، ولذلك ~~لم يكن في هذا الإسناد قصر لأنه لم يقصد به رد اعتقاد ، فإنهم لم يكونوا ~~يزعمون أن غير الله يرسل الرياح ، ولكنهم كانوا كمن يجهل ذلك من جهة ~~إشراكهم معه غيره ، فروعي في هذا الإسناد حالهم ابتداء ، ويحصل رعي حال ~~المؤمنين تبعا ، لأن السياق مناسب لمخاطبة الفريقين كما تقدم في الآية ~~السابقة . # و { حتى } ابتدائية وهي غاية لمضمون قوله : { بشرا بين يدي رحمته } ، ~~الذي هو في معنى متقدمة رحمته ، أي تتقدمها مدة وتنشر أسحبتها حتى إذا أقلت ~~سحابا أنزلنا به الماء ، فإنزال الماء هو غاية تقدم الرياح وسبقها المطر ، ~~وكانت الغاية مجزأة أجزاء فأولها مضمون قوله : { أقلت } أي الرياح السحاب ، ~~ثم مضمون قوله : { ثقالا } ، ثم مضمون { سقناه } أي إلى البلد الذي أراد ~~الله غيثه ، ثم أن ينزل منه الماء . وكل ذلك غاية لتقدم الرياح ، لأن ~~المفرع عن الغاية هو غاية . # الثقال : البطيئة التنقل لما فيها من رطوبة الماء ، وهو البخار ، وهو ~~السحاب المرجو منه المطر ، ومن أحسن معاني أبي الطيب قوله في : ( حسن ~~الاعتذار ) : PageV08P181 # ومن الخير بطء سيبك عني # أسرع السحب ms3091 في المسير الجهام # وطوي بعض المغيا : وذلك أن الرياح تحرك الأبخرة التي على سطح الأرض ، ~~وتمدها برطوبات تسوقها إليها من الجهات الندية التي تمر عليها كالبحار ~~والأنهار ، والبحيرات والأراضين الندية ، ويجتمع بعض ذلك إلى بعض وهو ~~المعبر عنه بالإثارة في قوله تعالى : { فتثير سحابا } ( الروم : 48 ) فإذا ~~بلغ حد البخارية رفعته الرياح من سطح الأرض إلى الجو . # ومعنى { أقلت } ، حملت مشتق من القلة لأن الحامل يعد محموله قليلا ~~فالهمزة فيه للجعل . # وإقلال الريح السحاب هو أن الرياح تمر على سطح الأرض فيتجمع بها ما على ~~السطح من البخار ، وترفعه الرياح إلى العلو في الجو ، حتى يبلغ نقطة باردة ~~في أعلى الجو ، فهنالك ينقبض البخار وتتجمع أجزاؤه فيصير سحابات ، وكلما ~~انضمت سحابة إلى أخرى حصلت منهما سحابة أثقل من إحداهما حين كانت منفصلة عن ~~الأخرى ، فيقل انتشارها إلى أن تصير سحابا عظيما فيثقل ، فينماع ، ثم ينزل ~~مطرا . وقد تبين أن المراد من قوله : { أقلت } غير المراد من قوله في الآية ~~الأخرى { فتثير سحابا } ( الروم : 48 ) . # والسحاب اسم جمع لسحابة فلذلك جاز اجراؤه على اعتبار التذكير نظرا لتجرد ~~لفظه عن علامة التأنيث ، وجاز اعتبار التأنيث فيه نظرا لكونه في معنى الجمع ~~ولهذه النكتة وصف السحاب في ابتداء إرساله بأنها تثير ، ووصف بعد الغاية ~~بأنها ثقال ، وهذا من إعجاز القرآن العلمي ، وقد ورد الاعتبارانن في هذه ~~الآية فوصف السحاب بقوله : { ثقالا } اعتبارا بالجمع كما قال صلى الله عليه ~~وسلم و ( رأيت بقرا تذبح ) ، وأعيد الضمير إليه بالإفراد في قوله : { سقناه ~~} . # وحقيقة السوق أنه تسيير ما يمشي ومسيره وراءه يزجيه ويحثه ، وهو هنا ~~مستعار لتسير السحاب بأسبابه التي جعلها الله ، وقد يجعل تمثيلا إذا ~~PageV08P182 روعي قوله : { أقلت سحابا } أي : سقناه بتلك الريح إلى بلد ، ~~فيكون تمثيلا لحالة دفع الريح السحاب بحالة سوق السائق الدابة . # واللام في قوله : { لبلد } لام العلة ، أي لأجل بلد ميت ، وفي هذه اللام ~~دلالة على العناية الربانية بذلك البلد فلذلك عدل عن تعدية ( سقناه ) بحرف ~~( إلى ) . # والبلد : الساحة الواسعة من ms3092 الأرض . # والميت : مجاز أطلق على الجانب الذي انعدم منه النبات ، وإسناد الموت ~~المجازي إلى البلد هو أيضا مجاز عقلي ، لأن الميت إنما هو نباته وثمره ، ~~كما دل عليه التشبيه في قوله : { كذلك نخرج الموتى } . # والضمير المجرور بالباء في قوله : فأخرجنا به يجوز أن يعود إلى البلد ، ~~فيكون الباء بمعنى ( في ) ويجوز أن يعود إلى الماء فيكون الباء للآلة . # والاستغراق في { كل الثمرات } استغراق حقيقي ، لأن البلد الميت ليس معينا ~~بل يشمل كل بلد ميت ينزل عليه المطر ، فيحصل من جميع أفراد البلد الميت ~~جميع الثمرات قد أخرجها الله بواسطة الماء ، والبلد الواحد يخرج ثمراته ~~المعتادة فيه ، فإذا نظرت إلى ذلك البلد خاصة فاجعل استغراق كل الثمرات ~~استغراقا عرفيا ، أي من كل الثمرات المعروفة في ذلك البلد وحرف ( من ) ~~للتبعيض . # وجملة : { كذلك نخرج الموتى } معترضة استطرادا للموعظة والاستدلال على ~~تقريب البعث الذي يستبعدونه ، والإشارة ب ( كذلك ) إلى الإخراج المتضمن له ~~فعل { فأخرجنا } باعتبار ما قبله من كون البلد ميتا ، ثم إحيائه أي إحياء ~~ما فيه من أثر الزرع والثمر ، فوجه الشبه هو إحياء بعد موت ، ولا شك أن ~~لذلك الإحياء كيفية قدرها الله وأجمل ذكرها لقصور الإفهام عن تصورها . # وجملة : { لعلكم تذكرون } مستأنفة ، والرجاء ناشىء عن الجمل المتقدمة من ~~قوله : { وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته } لأن PageV08P183 ~~المراد التذكر الشامل الذي يزيد المؤمن عبرة وإيمانا ، والذي من شأنه أن ~~يقلع من المشرك اعتقاد الشرك ومن منكر البعث إنكاره . # وقرأ الجمهور { تذكرون } بتشديد الذال على إدغام التاء الثانية في الذال ~~بعد قلبها ذالا ، وقرأ عاصم في رواية حفص { تذكرون } بتخفيف الذال على حذف ~~إحدى التاءين . # # | 2 ( 58 ) { والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذى خبث لا يخرج إلا ~~نكدا كذالك نصرف الآيات لقوم يشكرون } . ) 2 # جملة معترضة بين جملة : { كذلك نخرج الموتى } ( الأعراف : 57 ) وبين جملة ~~: { لقد أرسلنا نوحا } ( الأعراف : 59 ) تتضمن تفصيلا لمضمون جملة : { ~~فأخرجنا به من كل الثمرات } ( الأعراف : 57 ) إذ قد بين فيها اختلاف حال ~~البلد الذي ms3093 يصيبه ماء السحاب ، دعا إلى هذا التفصيل أنه لما مثل إخراج ~~ثمرات الأرض بإخراج الموتى منها يوم البعث تذكيرا بذلك للمؤمنين ، وإبطالا ~~لإحالة البعث عند المشركين ، مثل هنا باختلاف حال إخراج النبات من الأرض ~~اختلاف حال الناس الأحياء في الانتفاع برحمة هدى الله ، فموقع قوله : { ~~والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه } كموقع قوله : { كذلك نخرج الموتى } ( ~~الأعراف : 57 ) ولذلك ذيل هذا بقوله : { كذلك نصرف الأيات لقوم يشكرون } ~~كما ذيل ما قبله بقوله : { كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون } ( الأعراف : 57 ~~) . # والمعنى : كذلك نخرج الموتى وكذلك ينتفع برحمة الهدي من خلقت فطرته طيبة ~~قابلة للهدى كالبلد الطيب ينتفع بالمطر ، ويحرم من الانتفاع بالهدى من خلقت ~~فطرته خبيثة كالأرض الخبيثة لا تنتفع بالمطر فلا تنبت نباتا نافعا ، ~~فالمقصود من هذه الآية التمثيل ، وليس المقصود مجرد تفصيل أحوال الأرض بعد ~~نزول المطر ، لأن الغرض المسوق له الكلام PageV08P184 يجمع أمرين : العبرة ~~بصنع الله ، والموعظة بما يماثل أحواله . فالمعنى : كما أن البلد الطيب ~~يخرج نباته سريعا بهجا عند نزول المطر ، والبلد الخبيث لا يكاد ينبت فإن ~~أنبت أخرج نبتا خبيثا لا خير فيه . # والطيب وصف على وزن فيعل وهي صيغة تدل على قوة الوصف في الموصوف مثل : ~~قيم ، وهو المتصف بالطيبب ، وقد تقدم تفسير الطيب عند قوله تعالى : { قل ~~أحل لكم الطيبات في سورة المائدة ( 4 ) ، وعند قوله : يأيها الناس كلوا مما ~~في الأرض حلالا طيبا في سورة البقرة ( 168 ) . # والبلد الطيب الأرض الموصوفة بالطيبب ، وطيبها زكاء تربتها وملاءمتها ~~لإخراج النبات الصالح وللزرع والغرس النافع وهي الأرض النقيه . # والذي خبث } ضد الطيب . # وقوله : { بإذن ربه } في موضع الحال من { نباته } والإذن : الأمر ، ~~والمراد به أمر العناية به كقوله : { لما خلقت بيدي } ( ص : 75 ) ليدل على ~~تشريف ذلك النبات ، فهو في معنى الوصف بالزكاء ، والمعنى : البلد الطيب ~~يخرج نباته طيبا زكيا مثله ، وقد أشار إلى طيب نباته بأن خروجه بإذن ربه ، ~~فأريد بهذا الإذن إذن خاص هو إذن عناية وتكريم ، وليس المراد إذن التقدير ~~والتكوين فإن ذلك ms3094 إذن معروف لا يتعلق الغرض ببيانه في مثل هذا المقام . # { والذي خبث } حمله جميع المفسرين على أنه وصف للبلد ، أي البلد الذي خبث ~~وهو مقابل البلد الطيب ، وفسروه بالأرض التي لا تنبت إلا نباتا لا ينفع ، ~~ولا يسرع إنباتها ، مثل السباخ ، وحملوا ضمير يخرج على أنه عائد للنبات ، ~~وجعلوا تقدير الكلام : والذي خبث لا ( يخرج ) نباته إلا نكدا ، فحذف المضاف ~~في التقدير ، وهو نبات ، وأقيم المضاف إليه مقامه ، وهو ضمير البلد الذي ~~خبث ، المستتر في فعل يخرج . PageV08P185 # والذي يظهر لي : أن يكون { الذي } صادقا على نبات الأرض ، والمعنى : ~~والنبت الذي خبث لا يخرج إلا نكدا ، ويكون في الكلام احتباك إذ لم يذكر وصف ~~الطيب بعد نبات البلد الطيب ، ولم تذكر الأرض الخبيثة قبل ذكر النبات ~~الخبيث ، لدلالة كلا الضدين على الآخر . والتقدير : والبلد الطيب يخرج ~~نباته طيبا بإذن ربه ، والنبات الذي خبث يخرج نكدا من البلد الخبيث ، وهذا ~~صنع دقيق لا يهمل في الكلام البليغ . # وقرأ الجميع { لا يخرج } بفتح التحتية وضم الراء إلا ابن وردان عن أبي ~~جعفر قرأ بضم التحتية وكسر الراء على خلاف المشهور عنه ، وقيل إن نسبة هذا ~~لابن وردان توهم . # والنكد وصف من النكد بفتح الكاف وهو مصدر نكد الشيء إذا كان غير صالح يجر ~~على مستعمله شرا . وقرأ أبو جعفر { إلا نكدا } ، بفتح الكاف . # وفي تفصيل معنى الآية جاء الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال : ( مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا ~~فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير ، وكانت منها أجادب ~~أمسكت الماء فنفع بها الله الناس فشربوا وسقوا وزرعوا ، وأصاب طائفة أخرى ~~إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ~~ما بعثني الله به فعلم وعلم ، ومثل من لم يرفع لذلك رأسا ولم يقبل هدى الله ~~الذي أرسلت به ) . # والإشارة بقوله : { كذلك نصرف الأيات } إلى تفنن الاستدلال بالدلائل ~~الدالة على عظيم ms3095 القدرة المقتضية الوحدانية ، والدالة أيضا على وقوع البعث ~~بعد الموت ، والدالة على اختلاف قابلية الناس للهدى والانتفاع به ~~بالاستدلال الواضحح البين المقرب في جميع ذلك ، فذلك تصريف أي تنويع وتفنين ~~للآيات PageV08P186 أي الدلائل . # والمراد بالقوم الذين يشكرون : المؤمنون : تنبيها على أنهم مورد التمثيل ~~بالبلد الطيب ، وأن غيرهم مورد التمثيل بالبلد الخبيث ، وهذا كقوله تعالى : ~~{ وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون } ( العنكبوت : 43 ) ~~. # $ 2 ( 59 ) { لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من ~~إلاه غيره إنى & # 1764 أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } . ) 2 $ # استئناف انتقل به الغرض من إقامة الحجة والمنة ( المبتدئة بقوله تعالى : ~~{ ولقد مكناكم في الأرض } ( الأعراف : 10 ) ، وتنبيه أهل الضلالة أنهم ~~غارقون في كيد الشيطان ، الذي هو عدو نوعهم ، من قوله : { قال فبما أغويتني ~~لأقعدن لهم صراطك المستقيم إلى قوله : وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } ~~( الأعراف : 16 33 ) ، ثم بالتهديد بوصف عذاب الآخرة وأحوال الناس فيه ، ~~وما تخلل ذلك من الأمثال والتعريض ) ؛ إلى غرض الاعتبار والموعظة بما حل ~~بالأمم الماضية . فهذا الاستئناف له مزيد اتصال بقوله في أوائل السورة ( 4 ~~) : { وكم من قرية أهلكناها الآية ، وقد أفيض القول فيه في معظم السورة ~~وتتبع هذا الاعتبار أغراض أخرى : وهي تسلية الرسول ، وتعليم أمته بتاريخ ~~الأمم التي قبلها من الأمم المرسل إليهم ، ليعلم المكذبون من العرب أن لا ~~غضاضة على محمد ولا على رسالته من تكذيبهم ، ولا يجعله ذلك دون غيره من ~~الرسل ، بله أن يؤيد زعمهم أنه لو كان صادقا في رسالته لأيده الله بعقاب ~~مكذيبه ( لما قالوا على سبيل التهكم أو الحجاج : اللهم إن كان هذا هو الحق ~~من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ) . وليعلم أهل ~~الكتاب وغيرهم أن ما لقيه محمد من قومه هو شنشنة أهل الشقاوة تلقاء دعوة ~~رسل الله . وأكد هذا الخبر بلام القسم وحرف التحقيق لأن الغرض من هذه ~~الأخبار PageV08P187 تنظير أحوال الأمم المكذبة رسلها بحال مشركي العرب في ~~تكذيبهم رسالة ms3096 محمد . # وكثر في الكلام اقتران جملة جواب القسم : بقد } لأن القسم يهيىء نفس ~~السامع لتوقع خبر مهم فيؤتى بقد لأنها تدل على تحقيق أمر متوقع ، كما أثبته ~~الخليل والزمخشري ، والتوقع قد يكون توقعا للمخبر به ، وقد يكون توقعا ~~للخبر كما هنا . # وتقدم التعريف بنوح عند قوله تعالى { إن الله اصطفى آدم ونوحا في سورة آل ~~عمران ( 33 ) . وكان قوم نوح يسكنون الجزيرة والعراق ، حسب ظن المؤرخين . ~~وعبر عنهم القرآن بطريق القومية المضافة إلى نوح إذ لم يكن لهم اسم خاص من ~~أسماء الأمم يعرفون به ، فالتعريف بالإضافة هنا لأنها أخصر طريق . # وعطف جملة فقال يا قوم } على جملة { أرسلنا } بالفاء إشعارا بأن ذلك ~~القول صدر منه بفور إرساله ، فهي مضمون ما أرسل به . # وخاطب نوح قومه كلهم لأن الدعوة لا تكون إلا عامة لهم ، وعبر في ندائهم ~~بوصف القوم لتذكيرهم بآصرة القرابة ، ليتحققوا أنه ناصح ومريد خيرهم ومشفق ~~عليهم ، وأضاف ( القوم ) إلى ضميره للتحبيب والترقيق لاستجلاب اهتدائهم . # وقوله لهم : { اعبدوا الله ما لكم من إله غيره } إبطال للحالة التي كانوا ~~عليها ، وهي تحتمل أن تكون حالة شرك كحالة العرب ، وتحتمل أن تكون حالة ~~وثنية باقتصارهم على عبادة لأصنام دون الله تعالى ، كحالة الصابئه وقدماء ~~اليونان ، وآيات القرآن صالحة للحالين ، والمنقول في القصص : أن قوم نوح ~~كانوا مشركين ، وهو الذي يقتضيه ما في ( صحيح البخاري ) عن ابن عباس أن ~~آلهة قوم نوح أسماء جماعة من صالحيهم فلما ماتوا قال PageV08P188 قومهم : ~~لو اتخذنا في مجالسهم أنصابا فاتخذوها وسموها بأسمائهم حتى إذا هلك أولئك ~~وتنسخ العلم عبدت . # وظاهر ما في سورة نوح أنهم كانوا لا يعبدون الله لقوله : { أن اعبدوا ~~الله واتقوه } ( نوح : 3 ) وظاهر ما في سورة فصلت أنهم يعترفون بالله ~~لقولهم : { لو شاء ربنا لأنزل ملائكة } ( فصلت : 14 ) مع احتمال أنه خرج ~~مخرج التسليم الجدلي فإن كانوا مشركين كان أمره إياهم بعبادة الله مقيدا ~~بمدلول قوله : { ما لكم من إله غيره } أي أفردوه بالعبادة ولا تشركوا معه ~~الأصنام ، وإن كانوا مقتصرين ms3097 على عبادة الأوثان كان قوله : { ما لكم من إله ~~غيره } تعليلا للاقبال على عبادة الله ، أي هو الإله لا أوثانكم . # وجملة : { ما لكم من إلاه غيره } على الوجه الأول بيان للعبادة التي ~~أمرهم بها ، أي أفردوه بالعبادة دون غيره ، إذ ليس غيره لكم بالإله . # وعلى الوجه الثاني يكون استئنافا بيانيا للأمر بالإقلاع عن عبادة غيره . # وقرأ الجمهور { غيره } بالرفع على الصفة ( لإله ) باعتبار محله لأنه في ~~محل رفع إذ هو مبتدأ وإنما جر لدخول حرف الجر الزائد ولا يعتد بجره ، وقرأه ~~الكسائي ، وأبو جعفر : بجر { غير } على النعت للفظ ( إلاه ) نظرا لحرف الجر ~~الزائد . # وجملة : { إني أخاف عليكم عذاب يوم } يجوز أن تكون في موقع التعليل ، كما ~~في ( الكشاف ) : أي لمضمون قوله : { ما لكم من إله غيره } كأنه قيل : ~~اتركوا عبادة غير الله خوفا من عذاب يوم عظيم ، وبني نظم الكلام على خوفف ~~المتكلم عليهم ، دلالة على إمحاضه النصح لهم وحرصه على سلامتهم ، حتى جعل ~~ما يضر بهم كأنه يضر به ، فهو يخافه كما يخافون على أنفسهم ، وذلك لأن قوله ~~هذا كان في مبدأ خطابهم بما أرسل به ، ويحتمل أنه قاله بعد أن ظهر منهم ~~التكذيب : أي إن كنتم لا تخافون عذابا فإني أخافه PageV08P189 عليكم ، وهذا ~~من رحمة الرسل بقومهم . # وفعل الخوف يتعدى بنفسه إلى الشيء المخوف منه ، ويتعدى إلى مفعول ثان ~~بحرف ( على ) إذا كان الخوف من ضر يلحق غير الخائف ، كما قال الأحوص : # فإذا تزول تزول على متخمط # تخشى بوادره على الأقران # ويجوز أن تكون مستأنفة ثانية بعد جملة { اعبدوا الله } لقصد الإرهاب ~~والإنذار ، ونكتة بناء نظم الكلام على خوف المتكلم عليهم هي هي . # والعذاب المخوف ويومه يحتمل أنهما في الآخرة أو في الدنيا ، والأظهر ~~الأول لأن جوابهم بأنه في ضلال مبين يشعر بأنهم أحالوا الوحدانية وأحالوا ~~البعث كما يدل عليه قوله في سورة نوح ( 17 ، 18 ) : { والله أنبتكم من ~~الأرض نباتا ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا فحالهم كحال مشركي العرب لأن ~~عبادة الأصنام تمحض أهلها للاقتصار على ms3098 أغراض الدنيا . # # | 2 ( 60 ) قال الملا من قومه إنا لنراك في ضلال مبين } . ) 2 # فصلت جملة { قال } على طريقة الفصل في المحاورات ، واقترن جوابهم بحرف ~~التأكيد للدلالة على أنهم حققوا وأكدوا اعتقادهم أن نوحا منغمس في الضلالة ~~. { الملأ } مهموز بغير مد : الجماعة الذين أمرهم واحد ورأيهم واحد لأنهم ~~يمالىء بعضهم بعضا ، أي يعاونه ويوافقه ، ويطلق الملأ على أشراف القوم ~~وقادتهم لأن شأنهم أن يكون رأيهم واحدا عن تشاور ، وهذا المعنى هو المناسب ~~في هذه الآية بقرينة ( من ) الدالة على التبعيض أي أن قادة القوم هم الذين ~~تصدوا لمجادلة نوح والمناضلة عن دينهم بمسمع من القوم الذين خاطب جميعهم ، ~~والرؤية قلبية بمعنى العلم ، أي أنا لنوقن أنك في ضلال مبين ولم يوصف الملأ ~~هنا بالذين كفروا ، أو بالذين استكبروا كما وصف الملأ في قصة هود بالذين ~~PageV08P190 كفروا استغناء بدلالة المقام على أنهم كذبوا وكفروا . # وظرفية { في ضلال } مجازية تعبيرا عن تمكن وصف الضلال منه حتى كأنه محيط ~~به من جوانبه إحاطة الظرف بالمظروف . # ( والضلال ) اسم مصدر ضل إذا أخطأ الطريق الموصل ، ( والمبين ) اسم فاعل ~~من أبان المرادفف بان ، وذلك هو الضلال البالغ الغاية في البعد عن طريق ~~الحق ، وهذه شبهة منهم فإنهم توهموا أن الحق هو ما هم عليه ، فلا عجب إذا ~~جعلوا ما بعد عنه بعدا عظيما ضلالا بينا لأنه خالفهم ، وجاء بما يعدونه من ~~المحال ، إذ نفى الإلهية عن آلهتهم ، فهذه مخالفة ، وأثبتها لله وحده ، فإن ~~كانوا وثنيين فهذه مخالفة أخرى ، وتوعدهم بعذاب على ذلك وهذه مخالفة أيضا ، ~~وإن كان العذاب الذي توعدهم به عذاب الآخرة فقد أخبرهم بأمر محال عندهم وهو ~~البعث ، فهي مخالفة أخرى ، فضلاله عندهم مبين ، وقد يتفاوت ظهوره ، وادعى ~~أن الله أرسله وهذا في زعمهم تعمد كذب وسفاهة عقل وادعاء محال كما حكي عنهم ~~في قوله تعالى : { قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا ~~لنظنك من الكاذبين } ( الأعراف : 66 ) وقوله هنا { أو عجبتم أن جاءكم ذكر ~~من ربكم } ( الأعراف : 63 ) الآية ms3099 . # # | 2 ( 61 63 ) { قال ياقوم ليس بى ضلالة ولكني رسول من رب العالمين * ~~أبلغكم رسالات ربى وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون * أو عجبتم أن ~~جآءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون } . ) 2 # فصلت جملة : { قال } على طريقة فصل المحاورات . والنداء في جوابه إياهم ~~للاهتمام بالخبر ، ولم يخص خطابه بالذين جاوبوه ، بل أعاد الخطاب إلى القوم ~~كلهم ، لأن جوابه مع كونه مجادلة PageV08P191 للملأ من قومه هو أيضا يتضمن ~~دعوة عامة ، كما هو بين ، وتقدم آنفا نكتة التعبير في ندائهم بوصف القوم ~~المضاف إلى ضميره ، فأعاد ذلك مرة ثانية استنزالا لطائر نفوسهم مما سيعقب ~~النداء من الرد عليهم وإبطال قولهم { إنا لنراك في ضلال مبين } ( الأعراف : ~~60 ) . # والضلالة مصدر مثل الضلال ، فتأنيثه لفظي محض ، والعرب يستشعرون التأنيث ~~غالبا في أسماء أجناس المعاني ، مثل الغواية والسفاهة ، فالتاء لمجرد تأنيث ~~اللفظ وليس في هذه التاء معنى الوحدة لأن أسماء أجناس المعاني لا تراعى ~~فيها المشخصات ، فليس الضلال بمنزلة اسم الجمع للضلالة ، خلافا لما في ( ~~الكشاف ) ، وكأنه حاول إثبات الفرق بين قول قومه له { إنا لنراك في ضلال } ~~( الأعراف : 60 ) ، وقوله هو : { ليس بي ضلالة } وتبعه فيه الفخر ، وابن ~~الأثير في ( المثل السائر ) ، وقد تكلف لتصحيحه التفتزاني ، ولا حاجة إلى ~~ذلك ، لأن التخالف بين كلمتي ضلال وضلالة اقتضاه التفنن حيث سبق لفظ ضلال ، ~~وموجب سبقه إرادة وصفه ب { مبين } ( الأعراف : 60 ) ، فلو عبر هنالك بلفظ ~~ضلالة لكان وصفها بمبينة غير مألوف الاستعمال ، ولما تقدم لفظ { ضلال } ( ~~الأعراف : 60 ) استحسن أن يعاد بلفظ يغايره في السورة دفعا لثقل الإعادة ؛ ~~فقوله : { ليس بي ضلالة } رد لقولهم : { إنا لنراك في ضلال مبين } ( ~~الأعراف : 60 ) بمساويه لا بأبلغ منه . # والباء في قوله : { بي } للمصاحبة أو الملابسة ، وهي تناقض معنى الظرفية ~~المجازية من قولهم { في ضلال } ( الأعراف : 60 ) فإنهم جعلوا الضلال متمكنا ~~منه ، فنفى هو أن يكون للضلال متلبس به . # وتجريد { ليس } من تاء التأنيث مع كون اسمها مؤنث اللفظ جرى على الجواز ms3100 ~~في تجريد الفعل من علامة التأنيث ، إذا كان مرفوعه غير حقيقي التأنيث ، ~~ولمكان الفصل بالمجرور . # والاستدراك الذي في قوله { ولكني رسول } لرفع ما توهموه من أنه في ضلال ~~حيث خالف دينهم ، أي هو في حال رسالة عن الله ، مع ما تقتضي الرسالة ~~PageV08P192 من التبليغ والنصح والإخبار بما لا يعلمونه ، وذلك ما حسبوه ~~ضلالا ، وشأن ( لكن ) أن تكون جملتها مفيدة معنى يغاير معنى الجملة الواقعة ~~قبلها ، ولا تدل عليه الجملة السابقة وذلك هو حقيقة الاستدراك الموضوعة له ~~( لكن ) فلا بد من مناسبة بين مضموني الجملتين : إما في المسند نحو { ولو ~~أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلم } ( الأنفال : 43 ) ~~أو في المسند إليه نحو { وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } ( الأنفال : 17 ~~) فلا يحسن أن تقول : ما سافرت ولكني مقيم ، وأكثر وقوعها بعد جملة منفية ، ~~لأن النفي معنى واسع ، فيكثر أن يحتاج المتكلم بعده إلى زيادة بيان ، فيأتي ~~بالاستدراك ، ومن قال : إن حقيقة الاستدراك هو رفع ما يتوهم السامع ثبوته ~~أو نفيه فإنما نظر إلى بعض أحوال الاستدراك أو إلى بعض أغراض وقوعه في ~~الكلام البليغ ، وليس مرادهم أن حقيقة الاستدراك لا تتقوم إلا بذلك . # واختيار طريق الإضافة في تعريف المرسل : لما تؤذن به من تفخيم المضاف ومن ~~وجوب طاعته على جميع الناس ، تعريضا بقومه إذ عصوه . # وجملة : { أبلغكم رسالات ربي } صفة لرسول ، أو مستأنفة ، والمقصود منها ~~إفادة التجدد ، وأنه غير تاركك التبليغ من أجل تكذيبهم تأييسا لهم من ~~متابعته إياهم ، ولولا هذا المقصد لكان معنى هذه الجملة حاصلا من معنى قوله ~~: { ولكني رسول } ، ولذلك جمع الرسالات لأن كل تبليغ يتضمن رسالة بما بلغه ~~، ثم إن اعتبرت جملة : { أبلغكم } صفة ، يكن العدول عن ضمير الغيبة إلى ~~ضمير التكلم في قوله : { أبلغكم } وقوله : { ربي } التفاتا ، باعتبار كون ~~الموصوف خبرا عن ضمير المتكلم ، وإن اعتبرت استينافا ، فلا التفات . # والتبليغ والإبلاغ : جعل الشيء بالغا ، أي واصلا إلى المكان المقصود ، ~~وهو هنا استعارة للإعلام بالأمر المقصود علمه ، فكأنه ينقله من مكان إلى ms3101 ~~مكان . PageV08P193 # وقرأ الجمهور : { أبلغكم } بفتح الموحدة وتشديد اللام وقرأه أبو عمرو ، ~~ويعقوب : بسكون الموحدة وتخفيف اللام من الإبلاغ والمعنى واحد . # ووجه العدول عن الإضمار إلى الإظهار في قوله : { رسالات ربي } هو ما تؤذن ~~به إضافة الرب إلى ضمير المتكلم من لزوم طاعته ، وأنه لا يسعه إلا تبليغ ما ~~أمره بتبليغه ، وإن كره قومه . # والنصح والنصيحة كلمة جامعة ، يعبر بها عن حسن النية وإرادة الخير من ~~قولل أو عملل ، وفي الحديث : ( الدين النصحية ) وأن تناصحوا من ولاه الله ~~أمركم . ويكثر إطلاق النصح على القول الذي فيه تنبيه للمخاطب إلى ما ينفعه ~~ويدفع عنه الضر . # وضده الغش . وأصل معناه أن يتعدى إلى المفعول بنفسه ، ويكثر أن يعدى إلى ~~المفعول بلام زائدة دالة على معنى الاختصاص للدلالة على أن الناصح أراد من ~~نصحه ذات المنصوح ، لا جلب خير لنفس الناصح ، ففي ذلك مبالغة ودلالة على ~~إمحاض النصيحة ، وأنها وقعت خالصة للمنصوح ، مقصودا بها جانبه لا غير ، فرب ~~نصيحة ينتفع بها الناصح فيقصد النفعين جميعا ، وربما يقع تفاوت بين النفعين ~~فيكون ترجيح نفع الناصح تقصيرا أو إجحافا بنفع المنصوح . # وفي الإتيان بالمضارع دلالة على تجديد النصح لهم ، وإنه غير تاركه من أجل ~~كراهيتهم أو بذاءتهم . # وعقب ذلك بقوله : { وأعلم من الله ما لا تعلمون } جمعا لمعان كثيرة مما ~~تتضمنه الرسالة وتأييدا لثباته على دوام التبليغ والنصح لهم ، والاستخفاف ~~بكراهيتهم وأذاهم ، لأنه يعلم ما لا يعلمونه مما يحمله على الاسترسال في ~~عمله ذلك ، فجاء بهذا الكلام الجامع ، ويتضمن هذا الإجمال البديع تهديدا ~~لهم بحلول عذاب بهم في العاجل والآجل ، وتنبيها للتأمل فيما PageV08P194 ~~أتاهم به ، وفتحا لبصائرهم أن تتطلب العلم بما لم يكونوا يعلمونه ، وكل ذلك ~~شأنه أن يبعثهم على تصديقه وقبولل ما جاءهم به . # و { من } ابتدائية أي : صار لي علم وارد من الله تعالى ، وهذه المعاني ~~التي تضمنها هذا الاستدراك هي ما يسلم كل عاقل أنها من الهدى والصلاح ، ~~وتلك هي أحواله ، وهم وصفوا حاله بأنه في ضلال مبين ، ففي هذا الاستدراك ~~نعي على ms3102 كمال سفاهة عقولهم . # وانتقل إلى كشف الخطأ في شبهتهم فعطف على كلامه قوله : { أو عجبتم أن ~~جاءكم ذكر من ربكم } مفتتحا الجملة بالاستفهام الإنكاري بعد واو العطف ، ~~وهذا مشعر بأنهم أحالوا أن يكون رسولا ، مستدلين بأنه بشر مثلهم ، كما وقعت ~~حكايته في آية أخرى { ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم } ( ~~المؤمنون : 24 ) . # واختير الاستفهام دون أن يقول : لا عجب ، إشارة إلى أن احتمال وقوع ذلك ~~منهم مما يتردد فيه ظن العاقل بالعقلاء . فقوله : { أو عجبتم } بمنزلة ~~المنع لقضية قولهم : { إنا لنراك في ضلالل مبين } ( الأعراف : 60 ) لأن ~~قولهم ذلك بمنزلة مقدمة دليل على بطلان ما يدعوهم إليه . # وحقيقة العجب أنه انفعال نفساني يحصل عند إدراك شيء غير مألوفف ، وقد ~~يكون العجب مشوبا بإنكار الشيء المتعجب منه واستبعاده واحالته ، كما في ~~قوله تعالى : { بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب ~~أإذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد } ( ق : 2 ، 3 ) وقد اجتمع المعنيان في ~~قوله تعالى : { وإن تعجب فعجب قولهم أإذا كنا ترابا إنا لفي خلق جديد أولئك ~~الذين كفروا بربهم } ( الرعد : 5 ) والذي في هذه الآية كناية عن الإنكار ~~كما في قوله تعالى : { قالوا أتعجبين من أمر الله } ( هود : 73 ) أنكروا ~~عليها أنها عدت ولادتها ولدا ، وهي عجوز ، محالا . # وتنكير { ذكر } و { رجل } للنوعية إذ لا خصوصية لذكر دون ذكر PageV08P195 ~~ولا لرجل دون رجل ، فإن الناس سواء ، والذكر سواء في قبوله لمن وفقه الله ~~ورده لمن حرم التوفيق ، أي هذا الحدث الذي عظمتموه وضججتم له ما هو إلا ذكر ~~من ربكم على رجل منكم . ووصف { رجل } بأنه منهم ، أي من جنسهم البشري فضح ~~لشبهتهم ، ومع ما في هذا الكلام من فضح شبهتهم فيه أيضا رد لها بأنهم أحقاء ~~بأن يكون ما جعلوه موجب استبعاد واستحالة هو موجب القبول والإيمان ، إذ ~~الشأن أن ينظروا في الذكر الذي جاءهم من ربهم وأن لا يسرعوا إلى تكذيب ~~الجائي به ، وأن يعلموا أن كون المذكر رجلا منهم ms3103 أقرب إلى التعقل من كون ~~مذكرهم من جنس آخر من ملك أو جني ، فكان هذا الكلام من جوامع الكلم في ~~إبطال دعوى الخصم والاستدلال لصدق دعوى المجادل ، وهو يتنزل منزلة سند ~~المنع في علم الجدل . # ومعنى ( على ) من قوله { على رجل منكم } يشعر بأن { جاءكم } ضمن معنى نزل ~~: أي نزل ذكر من ربكم على رجل منكم ، وهذا مختار ابن عطية ، وعن الفراء أن ~~( على ) بمعنى مع . # والمجرور في قوله : { لينذركم } ظرف مستقر في موضع الحال من رجل ، أو هو ~~ظرف لغو متعلق بقوله : { جاءكم } وهو زيادة في تشويه خطئهم إذ جعلوا ذلك ~~ضلالا مبينا ، وإنما هو هدى واضح لفائدتكم بتحذيركم من العقوبة ، وإرشادكم ~~إلى تقوى الله ، وتقريبكم من رحمته . # وقد رتبت الجمل على ترتيب حصول مضمونها في الوجود ، فإن الإنذار مقدم ~~لأنه حمل على الإقلاع عما هم عليه من الشرك أو الوثنية ، ثم يحصل بعده ~~العمل الصالح فترجى منه الرحمة . # والإنذار تقدم عند قوله تعالى : { إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا في ~~سورة البقرة ( 119 ) . # والتقوى تقدم عند قوله تعالى : هدى للمتقين في أول سورة البقرة ( 2 ) . ~~PageV08P196 # ومعنى ( لعل ) تقدم في قوله تعالى : لعلكم تتقون } في سورة البقرة ( 21 ) ~~. # والرحمة تقدمت عند قوله تعالى : { الرحمن الرحيم } في سورة الفاتحة ( 3 ) ~~. # # | 2 ( 64 ) { فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا ~~بئاياتنآ إنهم كانوا قوما عمين } . ) 2 # وقع التكذيب من جميع قومه : من قادتهم ، ودهمائهم ، عدا بعض أهل بيته ومن ~~آمن به عقب سماع قول نوح ، فعطف على كلامه بالفاء أي صدر منهم قول يقتضي ~~تكذيب دعوى أنه رسول من رب العالمين يبلغ وينصح ويعلم ما لا يعلمون ، فصار ~~تكذيبا أعم من التكذيب الأول ، فهو بالنسبة للملأ يؤول إلى معنى الاستمرار ~~على التكذيب ، وبالنسبة للعامة تكذيب أنف ، بعد سماع قول قادتهم وانتهاء ~~المجادلة بينهم وبين نوح ، فليس الفعل مستعملا في الاستمرار كما في قوله ~~تعالى : { يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله } ( النساء : 136 ) إذ لا داعي ~~إليه هنا ، وضمير الجمع عائد ms3104 إلى القوم ، والفاء في قوله : { فأنجيناه } ~~للتعقيب ، وهو تعقيب عرفي : لأن التكذيب حصل بعده الوحي إلى نوح بأنه لن ~~يؤمن من قومه إلا من قد آمن ، ولا يرجى زيادة مؤمن آخر ، وأمره بأن يدخل ~~الفلك ويحمل معه من آمن إلى آخر ما قصه الله في سورة هود . # وقدم الإخبار بالإنجاء على الإخبار بالإغراق ، مع أن مقتضى مقام العبرة ~~تقديم الإخبار بإغراق المنكرين ، فقدم الإنجاء للاهتمام بإنجاء المؤمنين ~~وتعجيلا لمسرة السامعين من المؤمنين بأن عادة الله إذا أهلك المشركين أن ~~ينجي الرسول والمؤمنين ، فذلك التقديم يفيد التعريض بالنذارة ، وإلا فإن ~~الإغراق وقع قبل الإنجاء ، إذ لا يظهر تحقق إنجاء نوح ومن معه إلا بعد حصول ~~العذاب لمن لم يؤمنوا به ، فالمعقب به التكذيب ابتداء هو PageV08P197 ~~الإغراق ، والإنجاء واقع بعده ، وليتأتى هذا التقديم عطف فعل الإنجاء ~~بالواو المفيدة لمطلق الجمع ، دون الفاء . # وقوله : { في الفلك } متعلق بمعنى قوله : { معه } لأن تقديره : استقروا ~~معه في الفلك ، وبهذا التعليق علم أن الله أمره أن يحمل في الفلك معشرا ، ~~وأنهم كانوا مصدقين له ، فكان هذا التعليق إيجازا بديعا . # والفلك تقدم في قوله تعالى : { إن في خلق السماوات والأرض في سورة البقرة ~~( 164 ) . # والذين معه } هم الذين آمنوا به ، وسنذكر تعيينهم عند الكلام على قصته في ~~سورة هود . # والإتيان بالموصول في قوله : { وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا } دون أن ~~يقال : وأغرقنا سائرهم ، أو بقيتهم ، لما تؤذن به الصلة من وجه تعليل الخبر ~~في قوله : { وأغرقنا } أي أغرقناهم لأجل تكذيبهم . # وجملة : { إنهم كانوا قوما عمين } تتنزل منزلة العلة لجملة { أغرقنا } ~~كما دل عليه حرف ( إن ) لأن حرف ( إن ) هنا لا يقصد به رد الشك والتردد ، ~~إذ لا شك فيه ، وإنما المقصود من الحرف الدلالة على الاهتمام بالخبر ، ومن ~~شأن ( إن ) إذا جاءت للاهتمام أن تقوم مقام فاء التفريع ، وتفيد التعليل ~~وربط الجملة بالتي قبلها . ففصل هذه الجملة كلا فصل . # و { عمين } جمع عمم جمع سلامة بواو ونون . وهو صفة على وزن فعل مثل أشر ، ~~مشتق من العمى ، وأصله ms3105 فقدان البصر ، ويطلق مجازا على فقدان الرأي النافع ، ~~ويقال : عمى القلبب ، وقد غلب في الكلام تخصيص الموصوف بالمعنى المجازي ~~بالصفة المشبهة لدلالتها على ثبوت الصفة ، وتمكنها بأن تكون سجية وإنما ~~يصدق ذلك في فقد الرأي ، لأن المرء يخلق عليه غالبا ، بخلاف فقد البصر ، ~~ولذلك قال تعالى هنا { عمين } ولم يقل عميا كما PageV08P198 قال في الآية ~~الأخرى { عميا وبكما وصما } ( الإسراء : 97 ) ومثله قول زهير : # ولكنني عن علمم ما في غد عم # والذين كذبوا كانوا عمين لأن قادتهم داعون إلى الضلالة مؤيدونها ، ~~ودهماؤهم متقبلون تلك الدعوة سماعون لها . # وقد دلت هذه القصة على معنى عظيم في إرادة الله تعالى تطور الخلق ~~الإنساني : فإن الله خلق الإنسان في أحسن تقويم ، وخلق له الحس الظاهر ~~والحس الباطن ، فانتفع باستعمال بعض قواه الحسية في إدراك أوائل العلوم ، ~~ولكنه استعمل بعض ذلك فيما جلب إليه الضر والضلال ، وذلك باستعمال القواعد ~~الحسية فيما غاب عن حسه وإعانتها بالقوى الوهمية والمخيلة ، ففكر في خالقه ~~وصفاته فتوهم له أندادا وأعوانا وعشيرة وأبناء وشركاء في ملكه ، وتفاقم ذلك ~~في الإنسان مع مرور الأزمان حتى عاد عليه بنسيان خالقه ، إذ لم يدخل العلم ~~به تحت حواسه الظاهرة ، وأقبل على عبادة الآلهة الموهومة حيث اتخذ لها صورا ~~محسوسة ، فأراد الله إصلاح البشر وتهذيب إدراكهم ، فأرسل إليهم نوحا فآمن ~~به قليل من قومه وكفر به جمهورهم ، فأراد الله انتخاب الصالحين من البشر ~~الذين قبلت عقولهم الهدى ، وهم نوح ومن آمن به ، واستيصال الذين تمكنت ~~الضلالة من عقولهم لينشىء من الصالحين ذرية صالحة ويكفي الإنسانية فساد ~~الضالين ، كما قال نوح : { إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا ~~كفارا } ( نوح : 27 ) ، فكانت بعثة نوح وما طرأ عليها تجديدا لصلاح البشر ~~وانتخابا للأصلح . # # | 2 ( 65 ، 66 ) { وإلى عاد أخاهم هودا قال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من ~~إلاه غيره أفلا تتقون * قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة ~~وإنا لنظنك من الكاذبين } . ) 2 # PageV08P199 # يجوز أن يكون العطف من عطف الجمل ms3106 بأن يقدر بعد واو العطف ( أرسلنا ) ~~لدلالة حرف ( إلى ) عليه ، مع دلالة سبق نظيره في الجملة المعطوف عليها ، ~~والتقدير وأرسلنا إلى عاد ، فتكون الواو لمجرد الجمع اللفظي من عطف القصة ~~على القصة وليس من عطف المفردات ، ويجوز أن يكون من عطف المفردات : عطفت ~~الواو { هودا } على { نوحا } ( الأعراف : 59 ) ، فتكون الواو نائية عن ~~العامل وهو { أرسلنا } ( الأعراف : 59 ) ، والتقدير : ( لقد أرسلنا نوحا ~~إلى قومه وهودا أخا عاد إليهم وقدمت ( إلى ) فهو من العطف على معمولي عامل ~~واحد ، وتقديم ( إلى ) اقتضاه حسن نظم الكلام في عود الضمائر ، والوجه ~~الأول أحسن . # وقدم المجرور على المفعول الأصلي ليتأتى الإيجاز بالإضمار حيث أريد وصف ~~هود بأنه من إخوة عاد ومن صميمهم ، من غير احتياج إلى إعادة لفظ عاد ، ومع ~~تجنب عود الضمير على متأخر لفظا ورتبة ، فقيل وإلى عاد أخاهم هودا و { هودا ~~} بدل أو بيان من { أخاهم } . # وعاد أمة عظيمة من العرب العاربة البائدة ، وكانوا عشر قبائل ، وقيل ثلاث ~~عشرة قبيلة وهم أبناء عاد بن عوص ، وعوص هو ابن إرم بن سام بنن نوح ، كذا ~~اصطلح المؤرخون . # وهود اختلف في نسبه ، فقيل : هو من ذرية عاد ، فقال القائلون بهذا : هو ~~ابن عبد الله بن رباح بن الخلود بن عاد ، وقيل : هو من ذرية سام جد عاد ، ~~وليس من ذرية عاد ، والقائلون بهذا قالوا هو هود بن شالخ بن أرفخشد بن سام ~~بن نوح ، وذكر البغوي عن علي : أن قبر هود بحضرموت في كثيب أحمر ، وعن عبد ~~الرحمان بن سابط : أن قبر هود بين الركن والمقام وزمزم . # وعاد أريد به القبيلة وساغ صرفه لأنه ثلاثي ساكن الوسط ، وكانت منازل عاد ~~ببلاد العرب بالشحر بكسر الشين المعجمة وسكون الحاء المهملة من أرض اليمن ~~وحضر موت وعمان والأحقافف ، وهي الرمال PageV08P200 التي بين حضر موت وعمان ~~. # والأخ هنا مستعمل في مطلق القريب ، على وجه المجاز المرسل ومنه قولهم يا ~~أخا العرب ، وقد كان هود من بني عاد ، وقيل : كان ابن عم إرم ، ويطلق الأخ ~~مجازا أيضا على ms3107 المصاحب الملازم ، كقولهم : هو أخو الحرب ، ومنه { إن ~~المبذرين كانوا إخوان الشياطين } ( الإسراء : 27 ) وقوله { وإخوانهم ~~يمدونهم في الغي } ( الأعراف : 202 ) . فالمراد أن هودا كان من ذوي نسب ~~قومه عاد ، وإنما وصف هود وغيره بذلك ، ولم يوصف نوح بأنه أخ لقومه : لأن ~~الناس في زمن نوح لم يكونوا قد انقسموا شعوبا وقبائل ، والعرب يقولون : ~~للواحد من القبيلة : أخو بني فلان ، قصدا لعزوه ونسبته تمييزا للناس إذ قد ~~يشتركون في الأعلام ، ويؤخذ من هذه الآية ونظائرها أن نظام القبائل ما حدث ~~إلا بعد الطوفان . # وفصلت جملة : { قال يا قوم } ولم تعطف بالفاء كما عطف نظيرها المتقدم في ~~قصة نوح ؛ لأن الحال اقتضى هنا أن تكون مستأنفة استئنافا بيانيا لأن قصة ~~هود لما وردت عقب قصة نوح المذكور فيها دعوته قومه صار السامع مترقبا معرفة ~~ما خاطب به هود قومه حيث بعثه الله إليهم ، فكان ذلك مثار سؤال في نفس ~~السامع أن يقول : فماذا دعا هود قومه وبماذا أجابوا ؟ فيقع الجواب بأنه قال ~~: يا قوم اعبدوا الله إلخ مع ما في هذا الاختلاف من التفنن في أساليب ~~الكلام ، ولأن الفعل المفرع عنه القول بالعطف لما كان محذوفا لم يكن ~~التفريع حسنا في صورة النظم . # والربط بين الجمل حاصل في الحالتين لأن فاء العطف رابط لفظي للمعطوف ~~بالمعطوف عليه ، وجواب السؤال رابط جملة الجواب بجملة مثار السؤال ربطا ~~معنويا . # وجملة : { ما لكم من إله غيره } مستأنفة ابتدائية . وقد شابهت دعوة هود ~~قومه دعوة نوح قومه في المهم من كلامها : لأن الرسل مرسلون PageV08P201 من ~~الله والحكمة من الإرسال واحدة ، فلا جرم أن تتشابه دعواتهم ، وفي الحديث : ~~( الأنبياء أبناء علات ) وقال تعالى : { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ~~والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى } ( الشورى : 13 ) . # وجملة : { أفلا تتقون } استفهامية إنكارية معطوفة بفاء التفريع على جملة ~~: { ما لكم من إله غيره } . والمراد بالتقوى الحذر من عقاب الله تعالى على ~~إشراكهم غيره في العبادة واعتقاد الإلهية . وفيه تعريض بوعيدهم إن استمروا ms3108 ~~على ذلك . وإنما ابتدأ بالإنكار عليهم إغلاظا في الدعوة وتهويلا لفظاعة ~~الشرك ، إن كان قال ذلك في ابتداء دعوته ، ويحتمل أن ذلك حكاية قولل من ~~أقواله في تكرير الدعوة بعد أن دعاهم المرة بعد المرة ووعظهم ، كما قال نوح ~~{ إني دعوت قومي ليلا ونهارا } ( نوح : 5 ) كما اقتضاه بعض توجيهات تجريد ~~حكاية كلامه عن فاء التفريع المذكور آنفا . # ووصف الملإ ب { الذين كفروا } هنا ، دون ما في قصة نوح ، وصف كاشف وليس ~~للتقييد تفننا في أساليب الحكاية ألا ترى أنه قد وصف ملأ قوم نوح ب { الذين ~~كفروا } في آية سورة هود ، والتوجيه الذي في ( الكشاف ) هنا غفلة عما في ~~سورة هود . # والرؤية قلبية ، أي أنا لنعلم أنك في سفاهة . # والسفاهة سخافة العقل ، وقد تقدم القول في هذه المادة عند قوله تعالى : { ~~قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء } ( البقرة : 13 ) وقوله { ومن يرغب عن ملة ~~إبراهيم إلا من سفه نفسه في سورة البقرة ( 130 ) . جعلوا قوله : ما لكم من ~~إله غيره } كلاما لا يصدر إلا عن مختل العقل لأنه من قول المحال عندهم . # وأطلقوا الظن على اليقين في قولهم : { وإنا لنظنك من الكاذبين } وهو ~~استعمال كثير كما في قوله تعالى : { الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وقد تقدم ~~في سورة البقرة ( 46 ) ، وأرادوا تكذيبه في قوله ما لكم من إله غيره } ، ~~وفيما يتضمنه قوله ذلك من كونه رسولا إليهم من الله . PageV08P202 # وقد تشابهت أقوال قوم هود وأقوال قوم نوح في تكذيب الرسول لأن ضلالة ~~المكذبين متحدة ، وشبهاتهم متحدة ، كما قال تعالى : { تشابهت قلوبهم } ( ~~البقرة : 118 ) فكأنهم لقن بعضهم بعضا كما قال تعالى : { أتواصوا به بل هم ~~قوم طاغون } ( الذاريات : 53 ) . # # | 2 ( 67 ، 68 ) { قال ياقوم ليس بى سفاهة ولكنى رسول من رب العالمين * ~~أبلغكم رسالات ربى وأنا لكم ناصح أمين } . ) 2 # فصلت جملة : { قال } لأنها على طريقة المحاورة ، وقد تقدم القول فيها ~~آنفا وفيما مضى . # وتفسير الآية تقدم في نظيرها آنفا في قصة نوح ، إلا أنه قال في قصة نوح { ~~وأنصح لكم ms3109 } ( الأعراف : 62 ) وقال في هذه { وأنا لكم ناصح أمين } فنوح قال ~~ما يدل على أنه غير مقلع عن النصح للوجه الذي تقدم ، وهود قال ما يدل على ~~أن نصحه لهم وصف ثابت فيه متمكن منه ، وأن ما زعموه سفاهة هو نصح . # وأتبع { ناصح } ب { آمين } وهو الموصوف بالأمانة لرد قولهم له : { لنظنك ~~من الكاذبين } ( الأعراف : 66 ) لأن الأمين هو الموصوف بالأمانة ، والأمانة ~~حالة في الإنسان تبعثه على حفظ ما يجب عليه من حق لغيره ، وتمنعه من إضاعته ~~، أو جعله لنفع نفسه ، وضدها الخيانة . # والأمانة من أعز أوصاف البشر ، وهي من أخلاق المسلمين ، وفي الحديث : ( ~~لا إيمان لمن لا أمان له ) وفي الحديث : ( إن الأمانة نزلت في جذر قلوب ~~الرجال ثم علموا من القرآن ثم علموا من السنة ثم قال ينام الرجل النومة ~~فتقبض الأمانة من قلبه إلى أن قال فيقال : إن في بني فلان رجلا أمينا ويقال ~~للرجل ما أعقله وما أظرفه وما أجلده وما في قلبه مثقال حبة من خردلل من ~~إيمان ) فذكر الإيمان في موضع الأمانة . والكذب من الخيانة ، PageV08P203 ~~والصدق من الأمانة ، لأن الكذب الخبر بأمر غير واقع في صورة توهم السامع ~~واقع ، فذلك خيانة للسامع ، والصدق إبلاغ الأمر الواقع كما هو فهو أداء ~~لأمانة ما علمه المخبر ، فقوله في الآية { أمين } وصف يجمع الصفات التي ~~تجعله بمحل الثقة من قومه ، ومن ذلك إبطال كونه من الكاذبين . # وتقديم { لكم } على عامله للإيذان باهتمامه بما ينفعهم . # $ 2 ( 69 ) { أو عجبتم أن جآءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم واذكرو ~~& # 1764 ا إذ جعلكم خلفآء من بعد قوم نوح وزادكم فى الخلق بسطة فاذكرو & # 1764 ا ءالآء الله لعلكم تفلحون } . ) 2 $ # { أو عجبتم أن جآءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم واذكرو & # 1764 ا إذ جعلكم خلفآء من بعد قوم نوح وزادكم فى الخلق بسطة فاذكرو & # 1764 ا ءالآء الله لعلكم تفلحون } . # هذا مماثل قول نوح لقومه وقد تقدم آنفا سبب المماثلة . وتقدم من قبل ~~تفسير نظيره . # { واذكرو ms3110 & # 1764 ا إذ جعلكم خلفآء من بعد قوم نوح وزادكم فى الخلق بسطة فاذكرو & # 1764 ا ءالآء الله لعلكم تفلحون } . # يجوز أن يكون قوله : { لينذركم } عطفا على قوله : { اعبدوا } ( الأعراف : ~~65 ) ويكون ما بينهما اعتراضا حكي به ما جرى بينه وبين قومه من المحاورة ~~التي قاطعوه بها عقب قوله لهم { اعبدوا الله } ( الأعراف : 65 ) ، فلما أتم ~~جوابهم عما قاطعوا به كلامه عاد إلى دعوته ، فيكون رجوعا إلى الدعوى ، ~~ويجوز أن يكون عطفا على قوله : { أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم } أي : لا ~~تنكروا أن جاءكم ذكر من ربكم واذكروا نعمته عليكم ، فيكون تكملة للاستدلال ~~، وإيا ما كان فالمآل واحد ، وانتقل من أمرهم بالتوحيد إلى تذكيرهم بنعمة ~~الله عليهم التي لا ينكرون أنها من نعم الله دون غيره ، لأن الخلق والأمر ~~لله لا لغيره . تذكيرا من شأنه إيصالهم إلى إفراد الله تعالى بالعبادة . ~~وإنما أمرهم PageV08P204 بالذكر ( بضم الذال ) لأن النفس تنسى النعم فتكفر ~~المنعم ، فإذا تذكرت النعمة رأت حقا عليها أن تشكر المنعم ، ولذلك كانت ~~مسألة شكر المنعم من أهم مسائل التكليف ، والاكتفاء بحسنه عقلا عند ~~المتكلمين سواء منهم من اكتفى بالحس العقلي ومن لم يكتف به واعتبر التوقف ~~على الخطاب الشرعي . # و { إذ } اسم زمان منصوب على المفعول به ، وليس ظرفا لعدم استقامة المعنى ~~على الظرفية ، والتحقيق أن ( إذ ) لا تلازم الظرفية بل هي ظرف متصرف ، وهو ~~مختار صاحب ( الكشاف ) ، والمعنى : اذكروا الوقت الذي ظهرت فيه خلافتكم عن ~~قوم نوح في تعمير الأرض والهيمنة على الأمم ، فإن عادا كانوا ذوي قوة ونعمة ~~عظيمة { وقالوا من أشد منا قوة } ( فصلت : 15 ) . # فالخلفاء جمع خليفة وهو الذي يخلف غيره في شيء ، أي يتولى عمل ما كان ~~يعمله الآخر ، وقد تقدم عند قوله تعالى : { إني جاعل في الأرض خليفة في ~~سورة البقرة ( 30 ) ، فالمراد : جعلكم خلفاء في تعمير الأرض ، ولما قال : ~~من بعد قوم نوح } علم أن المقصود أنهم خلفاء قوم نوح ، فعاد أول أمة اضطلعت ~~بالحضارة بعد الطوفان ، وكان بنو نوح ms3111 قد تكاثروا وانتشروا في الأرض ، في ~~أرمينية والموصل والعراق وبلاد العرب ، وكانوا أمما كثيرة ، أو كانت عاد ~~عظم تلك الأمم وأصحاب السيادة على سائر الأمم ، وليس المراد أنهم خلفوا قوم ~~نوح في ديارهم لأن منازل عاد غير منازل قوم نوح عند المؤرخين ، وهذا ~~التذكير تصريح بالنعمة ، وتعريض بالنذارة والوعيد بأن قوم نوح إنما ~~استأصلهم وأبادهم عذاب من الله على شركهم ، فمن اتبعهم في صنعهم يوشك أن ~~يحل به عذاب أيضا . # و { الخلق } يحتمل أن يكون مصدرا خالصا ، ويحتمل أن يكون بمعنى اسم ~~المفعول ، وهو يستعمل في المعنيين . # وقوله : { بصطة } ثبت في المصاحف بصاد قبل الطاء وهو مرادف بسطة ~~PageV08P205 الذي هو بسين قبل الطاء . ووقع في آيات أخرى . وأهمل الراغب ( ~~بصطة ) الذي بالصاد . وظاهر عبارة القرطبي أنه في هذه الآية بسين وليس كذلك ~~. # والبصطة : الوفرة والسعة في أمر من الآمور . # فإن كان ( الخلق ) بمعنى المصدر فالبصطة الزيادة في القوى الجبلية أي ~~زادهم قوة في عقولهم وأجسامهم فخلقهم عقلاء أصحاء ، وقد اشتهر عند العرب ~~نسبة العقول الراجحة إلى عاد ، ونسبة كمال قوى الأجسام إليهم قال النابغة : # أحلام عاد وأجسام مطهرة # من المعقة والآفات والإثم # وقال وداك بن ثميل المازتي في ( الحماسة ) : # وأحلام عاد لا يخاف جليسهم # ولو نطق العوار غرب لسان # وقال قيس بن عبادة : # وأن لا يقولوا غاب قيس وهذه # سراويل عادي نمته ثمود # وعلى هذه الوجه يكون قوله : { في الخلق } متعلقا ب { بصطة } ، وإن كان ~~الخلق بمعنى الناس فالمعنى : وزادكم بصطة في الناس بأن جعلكم أفضل منهم ~~فيما تتفاضل به الأمم من الأمور كلها ، فيشمل رجحان العقول وقوة الأجسام ~~وسلامتها من العاهات والآفات وقوة البأس ، وقد نسبت الدروع إلى عاد فيقال ~~لها : العادية ، وكذلك السيوف العادية ، وقد قال الله تعالى حكاية عنهم : { ~~وقالوا من أشد منا قوة } ( فصلت : 15 ) وحكى عن هود أنه قال لهم : { ~~وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون وإذا بطشتم بطشتم جبارين فاتقوا الله وأطيعون ~~واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون أمدكم بأنعام وبنين وجناتت وعيون } ( الشعراء ~~: 129 134 ) وعلى ms3112 هذا الوجه يكون قوله : { في الخلق } ظرفا مستقرا في موضع ~~الحال من ضمير المخاطبين . # والفاء في قوله : { فاذكروا آلاء الله } فصيحة ، أي : إن ذكرتم وقت جعلكم ~~الله خلفاء في الأرض ووقت زادكم بصطة فاذكروا نعمه الكثيرة تفصيلا ، ~~فالكلام جاء على طريقه القياس من الاستدلال بالجزئي على PageV08P206 إثبات ~~حكم كلي ، فإنه ذكرهم بنعمة واضحة وهي كونهم خلفاء ونعمم مجملة وهي زيادة ~~بصطتهم ، ثم ذكرهم بقية النعم بلفظ العموم وهو الجمع المضاف . # والآلاء جمع ( إلى ) ، والإلى : النعمة ، وهذا مثل جمع عنب على أعناب ، ~~ونظيره جمع إنى بالنون ، وهو الوقت ، على آناء قال تعالى : { غير ناظرين ~~إناه } ( الأحزاب : 53 ) أي وقته ، وقال { ومن آناء الليل فسبح } ( طه : ~~130 ) . # ورتب على ذكر نعم الله رجاء أن يفلحوا لأن ذكر النعم يؤدي إلى تكرير شكر ~~المنعم ، فيحمل المنعم عليه على مقابلة النعم بالطاعة . # $ 2 ( 70 ، 71 ) { لله قالو & # 1764 ا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد ءاباؤنا فأتنا بما تعدنآ ~~إن كنت من الصادقين * قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب أتجادلونني فى & # 1764 أسمآء سميتموهآ أنتم وءابآؤكم ما نزل الله بها من سلطان فانتظرو & # 1764 ا إنى معكم من المنتظرين } . ) 2 $ # جاوبوا هودا بما أنبأ عن ضياع حجته في جنب ضلالة عقولهم ومكابرة نفوسهم ، ~~ولذلك أعادوا تكذيبه بطريق الاستفهام الإنكاري على دعوته للتوحيد ، وهذا ~~الجواب أقل جفوة وغلظة من جوابهم الأول ، إذ قالوا : { إنا لنراك في سفاهة ~~وإنا لنظنك من الكاذبين } ( الأعراف : 66 ) كأنهم راموا استنزل نفس هود ~~ومحاولة إرجاعه عما دعاهم إليه ، فلذلك اقتصروا على الإنكار وذكروه بأن ~~الأمر الذي أنكره هو دين آباء الجميع تعريضا بأنه سفه آباءه ، وهذا المقصد ~~هو الذي اقتضى التعبير عن دينهم بطريق الموصولية في قولهم : { ما كان يعبد ~~آباؤنا } إيماء إلى وجه الإنكار عليه وإلى أنه حقيق بمتابعة دين آبائه ، ~~كما قال الملأ من قريش لأبي طالب حين PageV08P207 دعاه النبيء صلى الله ~~عليه وسلم أن يقول : ( لا إلاه إلا الله ) عند احتضاره فقالوا لأبي ms3113 طالب : ~~( أترغب عن ملة عبد المطلب ) . # واجتلاب ( كان ) لتدل على أن عبادتهم أمر قديم مضت عليه العصور . # والتعبير بالفعل وكونه مضارعا في قوله : { يعبد } ليدل على أن ذلك متكرر ~~من آبائهم ومتجدد وأنهم لا يفترون عنه . # ومعنى { أجئتنا } أقصدت واهتممت بنا لنعبد الله وحده فاستعير فعل المجيء ~~لمعنى الاهتمام والتحفز والتصلب ، كقول العرب : ذهب يفعل ، وفي القرآن : { ~~يأيها المدثر قم فأنذر } ( المدثر : 1 ، 2 ) وقال حكاية عن فرعون : { ثم ~~أدبر يسعى فحشر فنادى } ( النازعات : 22 ، 23 ) وفرعون لم يفارق مجلس ملكه ~~وإنما أريد أنه أعرض واهتم ومثله قولهم ذهب يفعل كذا قال النبهاني : # فإن كنت سيدنا سدتنا # وإن كنت للخال فاذهب فخل # فقصدوا مما دل عليه فعل المجيء زيادة الإنكار عليه وتسفيهه على اهتمامه ~~بأمر مثل ما دعاهم إليه . # و { وحده } حال من اسم الجلالة وهو اسم مصدر أوحده : إذا اعتقده واحدا ، ~~فقياس المصدر الإيجاد ، وانتصب هذا المصدر على الحال : إما من اسم الجلالة ~~بتأويل المصدر باسم المفعول عند الجمهور أي موحدا أي محكوما له بالوحدانيه ~~، وقال يونس : هو بمعنى اسم الفاعل أي موحدين له فهو حال من الضمير في { ~~لنعبد } . # وتقدم معنى : { ونذر } عند قوله تعالى : { وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ~~ولهوا في سورة الأنعام ( 70 ) . # والفاء في قوله : فأننا بما تعدنا } لتفريع طلب تحقيق ما توعدهم به ، ~~وتحديا لهود ، وإشعارا له بأنهم موقنون بأن لا صدق للوعيد الذي يتوعدهم ~~PageV08P208 فلا يخشون ما وعدهم به من العذاب . فالأمر في قولهم : { فأتنا ~~} للتعجيز . # والإتيان بالشيء حقيقته أن يجيء مصاحبا إياه ، ويستعمل مجازا في الإحضار ~~والإثبات كما هنا . والمعنى فعجل لنا ما تعدنا به من العذاب ، أو فحقق لنا ~~ما زعمت من وعيدنا . ونظيره الفعل المشتق من المجيء مثل { ما جئتنا ببينة } ~~( هود : 53 ) { الآن جئت بالحق } ( البقرة : 71 ) . # وأسندوا الفعل إلى ضميره تعريضا بأن ما توعدهم به هو شيء من مختلقاته ~~وليس من قبل الله تعالى ، لأنهم يزعمون أن الله لا يحب منهم الإقلاع عن ~~عبادة آلهتهم ، لأنه لا تتعلق ms3114 إرادته بطلب الضلال في زعمهم . # والوعد الذي أرادوه وعد بالشر ، وهو الوعيد ، ولم يتقدم ما يفيد أنه ~~توعدهم بسوء ، فيحتمل أن يكون وعيدا ضمنيا تضمنه قوله : { أفلا تتقون } ( ~~الأعراف : 65 ) لأن إنكاره عليهم انتفاء الاتقاء دليل على أن ثمة ما يحذر ~~منه ، ولأجل ذلك لم يعينوا وعيدا في كلامهم بل أبهموه بقولهم { بما تعدنا } ~~، ويحتمل أن يكون الوعيد تعريضا من قوله : { إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح ~~} ( الأعراف : 69 ) المؤذن بأن الله استأصل قوم نوح وأخلفهم بعاد ، فيوشك ~~أن يستأصل عادا ويخلفهم بغيرهم . # وعقبوا كلامهم بالشرط فقالوا : { إن كنت من الصادقين } استقصاء لمقدرته ~~قصدا منهم لإظهار عجزه عن الإتيان بالعذاب فلا يسعه إلا الاعتراف بأنه كاذب ~~، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله تقديره : أتيت به وإلا فلست بصادق . # فأجابهم بأن أخبرهم بأن الله قد غضب عليهم ، وأنهم وقع عليهم رجس من الله ~~. # والأظهر أن : { وقع } معناه حق وثبت ، من قولهم للأمر المحقق : هذا واقع ~~، وقولهم للأمر المكذوب : هذا غير واقع ، فالمعنى حق وقدر PageV08P209 ~~عليكم رجس وغضب . فالرجس هو الشيء الخبيث ، أطلق هنا مجازا على خبث الباطن ~~، أي فساد النفس كما في قوله تعالى : { فزادتهم رجسا إلى رجسهم } ( التوبة ~~: 125 ) وقوله { كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون } ( الأنعام : ~~125 ) . والمعنى أصاب الله نفوسهم بالفساد لكفرهم فلا يقبلون الخير ولا ~~يصيرون إليه ، وعن ابن عباس أنه فسر الرجس هنا باللعنة ، والجمهور فسروا ~~الرجس هنا بالعذاب ، فيكون فعل : { وقع } من استعمال صيغة المضي في معنى ~~الاستقبال ، إشعارا بتحقيق وقوعه ؟ ومنهم من فسر الرجس بالسخط ، وفسر الغضب ~~بالعذاب ، على أنه مجاز مرسل لأن العذاب أثر الغضب ، وقد أخبر هود بذلك عن ~~علم بوحي في ذلك الوقت أو من حين أرسله الله ، إذ أعلمه بأنهم إن لم يرجعوا ~~عن الشرك بعد أن يبلغهم الحجة فإن عدم رجوعهم علامة على أن خبث قلوبهم ~~متمكن لا يزول ، ولا يرجى منهم إيمان ، كما قال الله لنوح : { لن يؤمن من ~~قومك إلا من قد آمن ms3115 } ( هود : 136 ) . # وغضب الله تقديره : الإبعاد والعقوبة والتحقير ، وهي آثار الغضب في ~~الحوادث ، لأن حقيقة الغضب : انفعال تنشأ عنه كراهية المغضوب عليه وإبعاده ~~وإضراره . # وتأخير الغضب عن الرجس لأن الرجس ، وهو خبث نفوسهم ، قد دل على أن الله ~~فطرهم على خبث بحيث كان استمرارهم على الضلال أمرا جبليا ، فدل ذلك على أن ~~الله غضب عليهم . فوقوع الرجس والغضب عليهم حاصل في الزمن الماضي بالنسبة ~~لوقت قول هود . واقترانه ب { قد } للدلالة على تقريب زمن الماضي من الحال : ~~مثل قد قامت الصلاة . # وتقديم : { عليكم من ربكم } على فاعل الفعل للاهتمام بتعجيل ذكر المغضوب ~~والغاضب ، إيقاظا لبصائرهم لعلهم يبادرون بالتوبة ، ولأن المجرورين متعلقان ~~بالفعل فناسب إيلاؤهما إياه ، ولو ذكرا بعد الفاعل PageV08P210 لتوهم أنهما ~~صفتان له ، وقدم المجرور الذي هو ضميرهم ، على الذي هو وصف ربهم لأنهم ~~المقصود الأول بالفعل . # ولما قدم إنذارهم بغضب الله عاد إلى الاحتجاج عليهم بفساد معتقدهم فأنكر ~~عليهم أن يجادلوا في شأن أصنامهم . والمجادلة : المحاجة . # وعبر عن الأصنام بأنها أسماء ، أي هي مجرد أسماء ليست لها الحقائق التي ~~اعتقدوها ووضعوا لها الأسماء لأجل استحضارها ، فبذلك كانت تلك الأسماء ~~الموضوعة مجرد ألفاظ ، لانتفاء الحقائق التي وضعوا الأسماء لأجلها . فإن ~~الأسماء توضع للمسميات المقصودة من التسمية ، وهم إنما وضعوا لها الأسماء ~~واهتموا بها باعتبار كون الإلهية جزءا من المسمى الموضوع له الاسم ، وهو ~~الداعي إلى التسمية ، فمعاني الإلاهية وما يتبعها ملاحظة لمن وضع تلك ~~الأسماء ، فلما كانت المعاني المقصودة من تلك الأسماء منتفية كانت الأسماء ~~لا مسمياتت لها بذلك الاعتبار ، سواء في ذلك ما كان منها له ذوات وأجسام ~~كالتماثيل والأنصاب ، وما لم تكن له ذات ، فلعل بعص آلهة عاد كان مجرد اسم ~~يذكرونه بالإلهية ولا يجعلون له تمثالا ولا نصبا ، مثل ما كانت العزى عند ~~العرب ، فقد قيل : إنهم جعلوا لها بيتا ولم يجعلوا لها نصبا وقد قال الله ~~تعالى في ذلك : { إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها ~~من سلطان } ( النجم : 23 ) . # وذكر أهل ms3116 الأخبار أن عادا اتخذوا أصناما ثلاثة وهي ( صمود ) بفتح الصاد ~~المهملة بوزن زبور . و { صداء } بضم الصاد المهملة مضبوطا بخط الهمذاني ~~محشي ( الكشاف ) في نسخة من حاشيته المسماة ( توضيح المشكلات ) ومنسوخة ~~بخطه ، وبدال مهملة بعدها ألف ولم أقف على ضبط الدال بالتشديد أو بالتخفيف ~~: PageV08P211 وقد رأيت في نسخة من ( الكشاف ) مخطوطة موضوعا على الدال ~~علامة شد ، ولست على تمام الثقة بصحة النسخة ، وبعد الألف همزة كما هو في ~~نسخ ( الكشاف ) و ( تفسير البغوي ) ، وكذلك هو في أبيات موضوعة في قصة قوم ~~عاد في كتب القصص . ووقع في نسخة ( تفسير ابن عطية ) وفي ( مروج الذهب ) ~~للمسعودي ، وفي نسخه من شرح ابن بدرون على قصيدة ابن عبدون الأندلسي بدون ~~همزة بعد الألف ) . و ( الهباء ) بالمد في آخره مضبوطا بخط الهمذاني في ~~نسخة حاشيته على ( الكشاف ) ، وفي نسخة ( الكشاف ) المطبوعة ، وفي ( تفسيري ~~) البغوي والخازن ، وفي الأبيات المذكورة آنفا . ووقع في نسخة قلمية من ( ~~الكشاف ) بألف دون مد . ولم أقف على ضبط الهاء ، ولم أر ذكر صداء والهباء ~~فيما رأيت من كتب اللغة . # وعطف على ضمير المخاطبين : { وآباؤكم } لأن من آبائهم من وضع لهم تلك ~~الأسماء ، فالواضعون وضعوا وسموا ، والمقلدون سموا ولم يضعوا ، واشترك ~~الفريقان في أنهم يذكرون أسماء لا مسميات لها . # و { سميتموها } معناه : ذكرتموها بألسنتكم ، كما يقال : سم الله ، أي ~~ذاكر اسمه ، فيكون سمى بمعنى ذكر لفظ الاسم ، والألفاظ كلها أسماء ~~لمدلولاتها ، وأصل اللغة أسماء قال تعالى : { وعلم آدم الأسماء كلها } ( ~~البقرة : 31 ) ، وقال لبيد : # إلى الحول ثم اسم السلام عليكما # أي لفظه . وليس المراد من التسمية في الآية وضع الاسم للمسمى ، كما يقال ~~: سميت ولدي كذا ، لأن المخاطبين وكثيرا من آبائهم لاحظ لهم في تسمية ~~الأصنام ، وإنما ذلك من فعل بعض الآباء وهم الذين انتحلوا الشرك واتخذوه ~~دينا وعلموه أبناءهم وقومهم ، ولأجل هذا المعنى المقصود من التسمية لم يذكر ~~لفعل ( سميتم ) مفعول ثان ولا متعلق ، بل اقتصر على مفعول واحد . ~~PageV08P212 # والسلطان : الحجة التي يصدق بها المخالف ، سميت سلطانا لأنها تتسلط على ms3117 ~~نفس المعارض وتقنعه ، ونفى أن تكون الحجة منزلة من الله لأن شأن الحجة في ~~مثل هذا أن يكون مخبرا بها من جانب الله تعالى ، لأن أمور الغيب مما استأثر ~~الله بعلمه . وأعظم المغيبات ثبوت الإلهية لأنها قد يقصر العمل عن إدراكها ~~فمن شأنها أن تتلقى من قبل الوحي الإلهي . # والفاء في قوله : { فانتظروا } لتفريع هذا الإنذار والتهديد السابق ، لأن ~~وقوع الغضب والرجس عليهم ، ومكابرتهم واحتجاجهم لما لا حجة له ، ينشأ عن ~~ذلك التهديد بانتظار العذاب . # وصيغة الأمر للتهديد مثل : { اعملوا ما شئتم } ( فصلت : 40 ) . والانتظار ~~افتعال من النظر بمعنى الترقب ، كأن المخاطب أمر بالترقب فارتقب . # ومفعول : { انتظروا } محذوف دل عليه قوله : { رجس وغضب } أي فانتظروا ~~عقابا . # وقوله : { إني معكم من المنتظرين } استيناف بياني لأن تهديده إياهم يثير ~~سؤالا في نفوسهم أن يقولوا : إذا كنا ننتظر العذاب فماذا يكون حالك ، فبين ~~أنه ينتظر معهم ، وهذا مقام أدب مع الله تعالى كقوله تعالى تلقينا لرسوله ~~محمد صلى الله عليه وسلم ( وما أدري ما يفعل بي ولا بكم ) فهود يخاف أن ~~يشمله العذاب النازل بقومه وذلك جائز كما في الحديث : أن أم سلمة قالت : ( ~~أنهلك وفينا الصالحون ) قال : ( نعم إذا كثر الخبث ) . وفي الحديث الآخر : ~~( ثم يحشرون على نياتهم ) ويجوز أن ينزل بهم العذاب ويراه هود ولكنه لا ~~يصيبه ، وقد روي ذلك في قصته ويجوز أن يبعده الله وقد روي أيضا في قصته بأن ~~يأمره بمبارحة ديار قومه قبل نزول العذاب : # # | 2 ( 72 ) { فأنجيناه والذين معه برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا ~~بئاياتنا وما كانوا مؤمنين } . ) 2 # PageV08P213 # الفاء للتعقيب : أي فعجل الله استيصال عاد ونجى هودا والذين معه أي ~~المؤمنين من قومه ، فالمعقب به هو قطع دابر عاد ، وكان مقتضى الظاهر أن ~~يكون النظم هكذا : فقطعنا دابر الذين كذبوا إلخ ونجينا هودا إلخ ، ولكن جرى ~~النظم على خلاف مقتضى الظاهر للاهتمام بتعجيل الإخبار بنجاة هود ومن آمن ~~معه ، على نحو ما قررته في قوله تعالى : { فكذبوه فأنجيناه والذين معه في ~~الفلك وأغرقنا الذين ms3118 كذبوا بآياتنا } ( الأعراف : 64 ) في قصة نوح المتقدمة ~~، وكذلك القول في تعريف الموصولية في قوله : { والذين معه } . والذين معه ~~هم من آمن به من قومه ، فالمعية هي المصاحبة في الدين ، وهي معية مجازية ، ~~قيل إن الله تعالى أمر هودا ومن معه بالهجرة إلى مكة قبل أن يحل العذاب ~~بعاد ، وإنه توفي هنالك ودفن في الحجر ولا أحسب هذا ثابتا لأن مكة إنما ~~بناها إبراهيم وظاهر القرآن في سورة هود أن بين عاد وإبراهيم زمنا طويلا ~~لأنه حكى عن شعيب قوله لقومه : { أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود ~~أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد } ( هود : 89 ) فهو ظاهر في أن عادا ~~وثمودا كانوا بعيدين من زمن شعيب وأن قوم لوط غير بعيدين ، والبعد مراد به ~~بعد الزمان ، لأن أمكنة الجميع متقاربة ، وكان لوط في زمن إبراهيم فالأولى ~~أن لا نعين كيفية إنجاء هود ومن معه . والأظهر أنها بالأمر بالهجرة إلى ~~مكان بعيد عن العذاب ، وروي عن علي أن قبر هود بحضر موت وهذا أقرب . # وقوله : { برحمة منا } الباء فيه للسببية ، وتنكير { رحمة } للتعظيم ، ~~وكذلك وصفها بأنها من الله للدلالة على كمالها ، و ( من ) للابتداء ، ويجوز ~~أن تكون الباء للمصاحبة ، أي : فأنجيناه ورحمناه ، فكانت الرحمة مصاحبة لهم ~~إذ كانوا بمحل اللطف والرفق حيثما حلوا إلى انقضاء آجالهم ، وموقع ( منا ) ~~على هذا الوجه موقع رشيق جدا يؤذن بأن الرحمة غير منقطعة عنهم كقوله { فإنك ~~بأعيننا } ( الطور : 48 ) . PageV08P214 # وتفسير قوله : { وقطعنا دابر الذين كذبوا } نظير قوله تعالى : { فقطع ~~دابر القوم الذين ظلموا في سورة الأنعام ( 45 ) ، وقد أرسل عليهم الريح ~~الدبور فأفناهم جميعا ولم يبق منهم أحد . والظاهر أن الذين أنجاهم الله ~~منهم لم يكن لهم نسل . وأما الآية فلا تقتضي إلا انقراض نسل الذين كذبوا ~~ونزل بهم العذاب والتعريف بطريق الموصوليه تقدم في قوله : وأغرقنا الذين ~~كذبوا بآياتنا } ( الأعراف : 64 ) في قصة نوح آنفا ، فهو للإيماء إلى وجه ~~بناء الخبر وهو قطع دابرهم . # { وما كانوا مؤمنين } عطف ms3119 على { كذبوا } فهو من الصلة ، وفائدة عطفه ~~الإشارة إلى أن كلتا الصلتين موجب لقطع دابرهم : وهما التكذيب والإشراك ، ~~تعريضا بمشركي قريش ، ولموعظتهم ذكرت هذه القصص . وقد كان ما حل بعاد من ~~الاستيصال تطهيرا أول لبلاد العرب من الشرك ، وقطعا لدابر الضلال منها في ~~أول عصور عمرانها ، أعدادا لما أراد الله تعالى من انبثاق نور الدعوة ~~المحمدية فيها . # $ 2 ( 73 ) { وإلى ثمود أخاهم صالحا قال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من ~~إلاه غيره قد جآءتكم بينة من ربكم هاذه ناقة الله لكم ءاية فذروها تأكل فى ~~& # 1764 أرض الله ولا تمسوها بسو & # 1764 ء فيأخذكم عذاب أليم } . ) 2 $ # الواو في قوله : { وإلى ثمود } مثلها في قوله : { وإلى عاد أخاهم هودا } ~~( الأعراف : 65 ) ، وكذلك القول في تفسيرها إلى قوله تعالى : { من إله غيره ~~} . # وثمود أمة عظيمة من العرب البائدة وهم أبناء ثمود بن جاثر بجيم ومثلثة ~~كما في ( القاموس ) ابن إرم بن سام بن نوح فيلتقون مع عاد في ( إرم ) ~~PageV08P215 وكانت مساكنهم بالحجر بكسر الحاء وسكون الجيم بين الحجاز ~~والشام ، وهو المكان المسمى الآن مدائن صالح وسمي في حديث غزوة تبوك : حجر ~~ثمود . # وصالح هو ابن عبيل بلام في آخره وبفتح العين ابن آسف بن ماشج أو شالخ بن ~~عبيل بن جاثر ويقال كاثر ابن ثمود . وفي بعض هذه الأسماء اختلاف في حروفها ~~في كتب التاريخ وغيرها أحسبه من التحريف وهي غير مضبوطة سوى عبيل فإنه ~~مضبوط في سميه الذي هو جد قبيلة ، كما في ( القاموس ) . # وثمود هنا ممنوع من الصرف لأن المراد به القبيلة لا جدها . وأسماء ~~القبائل ممنوعة من الصرف على اعتبار التأنيث مع العلمية وهو الغالب في ~~القرآن ، وقد ورد في بعض آيات القرآن مصروفا كما في قوله تعالى : { ألا إن ~~ثمودا كفروا ربهم } ( هود : 68 ) على اعتبار الحي فينتفي موجب منع الصرف ~~لأن الاسم عربي . # وقوله : { ما لكم من إله غيره } يدل على أن ثمود كانوا مشركين ، وقد صرح ~~بذلك في آيات سورة هود وغيرها . والظاهر أنهم عبدوا ms3120 الأصنام التي عبدتها ~~عاد لأن ثمود وعادا أبناء نسب واحد ، فيشبه أن تكون عقائدهم متماثلة . وقد ~~قال المفسرون : أن ثمود قامت بعد عاد فنمت وعظمت واتسعت حضارتها ، وكانوا ~~موحدين ، ولعلهم اتعظوا بما حل بعاد ، ثم طالت مدتهم ونعم عيشهم فعتوا ~~ونسوا نعمة الله وعبدوا الأصنام فأرسل الله إليهم صالحا رسولا يدعوهم إلى ~~التوحيد فلم يتبعه إلا قليل منهم مستضعفون ، وعصاه سادتهم وكبراؤهم ، وذكر ~~في آية سورة هود أن قومه لم يغلظوا له القول كما أغلظت قوم نوح وقوم هود ~~لرسولهم ، فقد : { قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا أتنهانا أن ~~نعبد ما يعبد آباؤنا لفي شك مما تدعونا إليه مريب } ( هود : 62 ) . وتدل ~~آيات القرآن وما فسرت به من القصص على أن صالحا أجلهم مدة للتأمل وجعل ~~الناقة لهم آية ، وأنهم تاركوها ولم يهيجوها زمنا طويلا . PageV08P216 # فقد أشعرت مجادلتهم صالحا في أمر الدين على أن التعقل في المجادلة أخذ ~~يدب في نفوس البشر ، وأن غلواءهم في المكابرة أخذت تقصر ، وأن قناة بأسهم ~~ابتدأت تلين ، للفرق الواضح بين جواب قوم نوح وقومم هود ، وبين جواب قوم ~~صالح . ومن أجل ذلك أمهلهم الله ومادهم لينظروا ويفكروا فيما يدعوهم إليه ~~نبئهم وليزنوا أمرهم ، وجعل لهم الانكفاف عن مس الناقة بسوء علامة على ~~امتداد الإمهال ؛ لأن انكفافهم ذلك علامة على أن نفوسهم لم تحنق على رسولهم ~~، فرجاؤه إيمانهم مستمر ، والإمهال لهم أقطع لعذرهم ، وأنهض بالحجه عليهم ، ~~فلذلك أخر الله العذاب عنهم إكراما لنبيهم الحريص على إيمانهم بقدر الطاقة ~~، كما قال تعالى لنوح : { أنه لم يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما ~~كانوا يفعلون } ( هود : 36 ) . # وجملة : { قد جاءتكم بينة من ربكم } إلخ ، هي من مقولل صالحح في وقت غير ~~الوقت الذي ابتدأ فيه بالدعوة ، لأنه قد طوي هنا جواب قومه وسؤالهم إياه ~~آية كما دلت عليه آيات سورة هود وسورة الشعراء ، ففي سورة هود ( 61 ، 62 ) ~~: { قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من ms3121 الأرض ~~واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب قالوا يا صالح قد ~~كنت فينا مرجوا قبل هذا الآية . وفي سورة الشعراء ( 153 155 ) : قالوا إنما ~~أنت من المسحرين ما أنت إلا بشر مثلنا فأتت بآية إن كنت من الصادقين قال ~~هذه ناقة لها شرب الآية . # فجملة : قد جاءتكم بينة من ربكم } تعليل لجملة : { اعبدوا الله } ، أي ~~اعبدوه وحده لأنه جعل لكم آية على تصديقي فيما بلغت لكم ، وعلى انفراده ~~بالتصرف في المخلوقات . # وقوله : { هذه ناقة الله } يقتضي أن الناقة كانت حاضرة عند قوله : { قد ~~جاءتكم بينة من ربكم } لأنها نفس الآية . PageV08P217 # والبينة : الحجة على صدق الدعوى ، فهي ترادف الآية ، وقد عبر بها عن ~~الآية في قوله تعالى : { لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين ~~منفكين حتى تأتيهم البينة } ( البينة : 1 ) . # و { هذه } إشارة إلى الناقة التي جعلها الله آية لصدق صالح ولما كانت ~~الناقة هي البينة كانت جملة : { هذه ناقة الله لكم آية } منزلة من التي ~~قبلها منزلة عطف البيان . # وقوله : { آية } حال من اسم الإشارة في قوله : { هذه ناقة الله } لأن اسم ~~الإشارة فيه معنى الفعل ، واقترانه بحرف التنبيه يقوي شبهه بالفعل ، فلذلك ~~يكون عاملا في الحال بالاتفاق ، وتقدم عند قوله : { ذلك نتلوه عليك من ~~الآيات في سورة آل عمران ( 58 ) ، وسنذكر قصة في هذا عند تفسير قوله تعالى ~~: وهذا بعلي شيخا في سورة هود ( 72 ) . # وأكدت جملة : قد جاءتكم بينة } ، وزادت على التأكيد إفادة ما اقتضاه قوله ~~{ لكم } من التخصيص وتثبيت أنها آية ، وذلك معنى اللام ، أي هي آية مقنعة ~~لكم ومجعولة لأجلكم . # فقوله : { لكم } ظرف مستقر في موضع الحال من { آية } ، وأصله صفة فلما ~~قدم على موصوفه صار حالا ، وتقديمه للاهتمام بأنها كافية لهم على ما فيهم ~~من عناد . # وإضافة ناقة إلى اسم الله تعالى تشريف لها لأن الله أمر بالإحسان إليها ~~وعدم التعرض لها بسوء ، وعظم حرمتها ، كما يقال : الكعبة بيت الله ، أو ~~لأنها وجدت بكيفية خارقة للعادة ، فلانتفاء ما الشان أن ms3122 تضاف إليه من أسباب ~~وجود أمثالها أضيفت إلى اسم الجلالة كما قيل : عيسى عليه السلام كلمة الله ~~. # وأما إضافة { أرض } إلى اسم الجلالة فالمقصود منه أن للناقة حقا في الأكل ~~من نبات الأرض لأن الأرض لله وتلك الناقة من مخلوقاته فلها الحق ~~PageV08P218 في الانتفاع بما يصلح لانتفاعها . # وقوله : { هذا } مقدمة لقوله : { ولا تمسوها بسوء } أي بسوء يعوقها عن ~~الرعي إما بموت أو بجرح ، وإما لأنهم لما كذبوه وكذبوا معجزته راموا منع ~~الناقة من الرعي لتموت جوعا على معنى الإلجاء الناشىء عن الجهالة . # والأرض هنا مراد بها جنس الأرض كما تقتضيه الإضافة . # وقد جعل الله سلامة تلك الناقة علامة على سلامتهم من عذاب الاستيصال ~~للحكمة التي قدمتها آنفا ، وأن ما أوصى الله به في شأنها شبيه بالحرم ، ~~وشبيه بحمى الملوك لما فيه من الدلالة على تعظيم نفوس القوم لمن تنسب إليه ~~تلك الحرمة ، ولذلك قال لهم صالح : { فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها ~~بسوء } لأنهم إذا مسها أحد بسوء ، عن رضى من البقية ، فقد دلوا على أنهم ~~خلعوا حرمة الله تعالى وحنقوا على رسوله عليه السلام . # وجزم { تأكل } على أن أصله جواب الأمر بتقدير : إن تذروها تأكل ، فالمعنى ~~على الرفع والاستعمال على الجزم ، كما في قوله تعالى : { قل لعبادي الذين ~~آمنوا يقيموا الصلاة } ( إبراهيم : 31 ) أي يقيمون وهو كثير في الكلام ، ~~ويشبه أن أصل جزم أمثاله في الكلام العربي على التوهم لوجود فعل الطلب قبل ~~فعلل صالح للجزم ، ولعل منه قوله تعالى : { وأذن في الناس بالحج يأتوك ~~رجالا } ( الحج : 27 ) . # وانتصب قوله : { فيأخذكم } في جواب النهي ليعتبر الجواب للمنهي عنه لأن ~~حرف النهي لا أثر له : أي إن تمسوها بسوء يأخذكم عذاب . # وأنيط النهي بالمس بالسوء لأن المس يصدق على أقل اتصال شيء بالجسم ، فكل ~~ما ينالها مما يراد منه السوء فهو منهي عنه ، وذلك لأن الحيوان لا يسوؤه ~~إلا ما فيه ألم لذاته ، لأنه لا يفقه المعاني النفسانيه . # والباء في قوله : { بسوء } للملابسة ، وهي في موضع الحال من فاعل ms3123 تمسوها ~~أي بقصد سوء . # PageV08P219 $ 2 ( 74 ) { واذكرو & # 1764 ا إذ جعلكم خلفآء من بعد عاد وبوأكم فى الأرض تتخذون من سهولها ~~قصورا وتنحتون الجبال بيوتا فاذكرو & # 1764 ا ءالآء الله ولا تعثوا فى الارض مفسدين } . ) 2 $ # يجوز أن يكون عطفا على قوله : { اعبدوا الله } ( الأعراف : 73 ) وأن يكون ~~عطفا على قوله : { فذروها تأكل في أرض الله } ( الأعراف : 73 ) إلخ . ~~والقول فيه كالقول في قوله : { واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح } ( ~~الأعراف : 69 ) . # { وبوأكم } معناه أنزلكم ، مشتق من البوء وهو الرجوع ، لأن المرء يرجع ~~إلى منزله ومسكنه ، وتقدم في سورة آل عمران ( 121 ) ، { تبوىء المؤمنين ~~مقاعد للقتال . # وقوله : في الأرض } يجوز أن يكون تعريف الأرض للعهد ، أي في أرضكم هذه ، ~~وهي أرض الحجر ، ويجوز أن يكون للجنس لأنه لما بوأهم في أرض معينة فقد ~~بوأهم في جانب من جوانب الأرض . # و ( السهول ) جمع سهل ، وهو المستوي من الأرض ، وضده الجبل . # والقصور : جمع قصر وهو المسكن ، وهذا يدل على أنهم كانوا يشيدون القصور ، ~~وآثارهم تنطق بذلك . # و ( من ) في قوله : { من سهولها } للظرفية ، أي : تتخذون في سهولها قصورا ~~. # والنحت : بري الحجر والخشب بآلة على تقدير مخصوص . # والجبال : جمع جبل وهو الأرض الناتئة على غيرها مرتفعة ، والجبال : ضد ~~السهول . # والبيوت : جمع بيت وهو المكان المحدد المتخذ للسكنى ، سواء كان مبنيا من ~~حجر أم كان من أثواب شعر أو صوفف . وفعل النحت يتعلق PageV08P220 بالجبال ~~لأن النحت يتعلق بحجارة الجبال ، وانتصب { بيوتا } على الحال من الجبال ، ~~أي صائرة بعد النحت بيوتا ، كما يقال : خط هذا الثوب قميصا ، وابر هذه ~~القصبة قلما ، لأن الجبل لا يكون حاله حال البيوت وقت النحت ، ولكن يصير ~~بيوتا بعد النحت . # ومحل الامتنان هو أن جعل منازلهم قسمين : قسم صالح للبناء فيه ، وقسم ~~صالح لنحت البيوت ، قيل : كانوا يسكنون في الصيف القصور ، وفي الشتاء ~~البيوت المنحوتة في الجبال . # وتفريع الأمر بذكر آلاء الله على قوله : { واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد ~~عاد } تفريع الأعم على الأخص ، لأنه أمرهم بذكر ms3124 نعمتين ، ثم أمرهم بذكر ~~جميع النعم التي لا يحصونها ، فكان هذا بمنزلة التذييل . # وفعل : { اذكروا } مشتق من المصدر ، الذي هو بضم الذال ، وهو التذكر ~~بالعقل والنظر النفساني ، وتذكر الآلاء يبعث على الشكر والطاعة وترك الفساد ~~، فلذلك عطف نهيهم عن الفساد في الأرض على الأمر بذكر آلاء الله . # { ولا تعثوا } معناه ولا تفسدوا ، يقال : عثي كرضي ، وهذا الأفصح ، ولذلك ~~جاء في الآية بفتح الثاء حين أسند إلى واو الجماعة ، ويقال عثا يعثو من باب ~~سما عثوا وهي لغة دون الأولى ، وقال كراع ، كأنه مقلوب عاث . والعثي والعثو ~~كله بمعنى أفسد أشد الإفساد . # ومفسدين حال مؤكدة لمعنى { تعثوا } وهو وإن كان أعم من المؤكد فإن ~~التأكيد يحصل ببعض معنى المؤكد . # $ 2 ( 75 ، 76 ) { قال الملا الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن ~~ءامن منهم أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه قالو & # 1764 ا إنا بمآ PageV08P221 أرسل به مؤمنون * قال الذين استكبرو & # 1764 ا إنا بالذى & # 1764 ءامنتم به كافرون } . ) 2 $ # عدل الملأ الذين استكبروا عن مجادلة صالح عليه السلام إلى اختبار تصلب ~~الذين آمنوا به في إيمانهم ، ومحاولة إلقاء الشك في نفوسهم ، ولما كان ~~خطابهم للمؤمنين مقصودا به إفساد دعوة صالح عليه السلام كان خطابهم بمنزلة ~~المحاورة مع صالح عليه السلام ، فلذلك فصلت جملة حكاية قولهم على طريقة فصل ~~جمل حكاية المحاورات ، كما قدمناه غير مرة آنفا وفيما مضى . # وتقدم تفسير الملأ قريبا . # ووصفهم بالذين استكبروا هنا لتفظيع كبرهم وتعاظمهم على عامة قومهم ~~واستذلالهم إياهم . وللتنبيه على أن الذين آمنوا بما جاءهم به صالح عليه ~~السلام هم ضعفاء قومه . # واختيار طريق الموصولية في وصفهم ووصفف الآخرين بالذين استضعفوا لما ~~تومىء إليه الصلة من وجه صدور هذا الكلام منهم ، أي أن اسكبارهم هو صارفهم ~~عن طاعة نبيئهم ، وأن احتقارهم المؤمنين هو الذي لم يسغ عندهم سبقهم إياهم ~~إلى الخير والهدى ، كما حكى عن قوم نوح قولهم : { وما نراك اتبعك إلا الذين ~~هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل } ( هود : 27 ms3125 ) وكما حكى ~~عن كفار قريش بقوله : { وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما ~~سبقونا إليه وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم } ( الأحقاف : 11 ) ، ~~ولهذا لم يوصفوا بالكفر كما وصف به قوم هود . # والذين استضعفوا هم عامة الناس الذين أذلهم عظماؤهم واستعبدوهم لأن زعامة ~~الذين استكبروا كانت قائمة على السيادة الدنيوية الخلية عن PageV08P222 ~~خلال الفضيلة ، من العدل والرأفة وحب الإصلاح ، فلذلك وصف الملأ بالذين ~~استكبروا ، وأطلق على العامة وصف الذين استضعفوا . # واللام في قوله : { للذين استضعفوا } لتعدية فعل القول . # وقوله : { لمن آمن منهم } بدل من { للذين استضعفوا } بإعادة حرف الجر ~~الذي جر بمثله المبدل منه . # والاستفهام في { أتعلمون } للتشكيك والإنكار ، أي : ما نظنكم آمنتم ~~بصالحح عليه السلام عن علم بصدقه ، ولكنكم اتبعتموه عن عمى وضلال غير ~~موقنين ، كما قال قوم نوح عليه السلام : { وما نراك اتبعك إلا الذين هم ~~أراذلنا بادي الرأي } ( هود : 27 ) وفي ذلك شوب من الاستهزاء . # وقد جيء في جواب { الذين استضعفوا } بالجملة الاسمية للدلالة على أن ~~الإيمان متمكن منهم بمزيد الثبات ، فلم يتركوا للذين استكبروا مطمعا في ~~تشكيكهم ، بله صرفهم عن الإيمان برسولهم . # وأكد الخبر بحرف ( إن ) لإزالة ما توهموه من شك الذين استكبروا في صحة ~~إيمانهم ، والعدول في حكاية جواب الذين استضعفوا عن أن يكون بنعم إلى أن ~~يكون بالموصول صلته لأن الصلة تتضمن إدماجا بتصديقهم بما جاء به صالح من ~~نحو التوحيد وإثبات البعث ، والدلالة على تمكنهم من الإيمان بذلك كله بما ~~تفيده الجملة الاسمية من الثبات والدوام وهذا من بليغ الايجاز المناسب لكون ~~نسج هذه الجملة من حكاية القرآن لا من المحكي من كلامهم إذ لا يظن أن ~~كلامهم بلغ من البلاغة هذا المبلغ ، وليس هو من الأسلوب الحكيم كما فهمه ~~بعض المتأخرين . # ومراجعة الذين استكبروا بقولهم : { إنا بالذي آمنتم به كافرون } تدل على ~~تصلبهم في كفرهم وثباتهم فيه ، إذ صيغ كلامهم بالجملة الاسمية المؤكدة . # والموصول في قولهم : { بالذي آمنتم به } هو ما أرسل به صالح عليه السلام ~~. وهذا كلام ms3126 جامع لرد ما جمعه كلام المستضعفين حين { قالوا PageV08P223 إنا ~~بما أرسل به مؤمنون } فهو من بلاغة القرآن في حكاية كلامهم وليس من بلاغة ~~كلامهم . # ثم إن تقديم المجرورين في قوله : { بما أرسل به } و { بالذي آمنتم به } ~~على عامليهما يجوز أن يكون من نظم حكاية كلامهم وليس له معادل في كلامهم ~~المحكي ، وإنما هو لتتقوم الفاصلتان ، ويجوز أن يكون من المحكي : بأن يكون ~~في كلامهم ما دل على الاهتمام بمدلول الموصولين ، فجاء في نظم الآية مدلولا ~~عليه بتقديم المعمولين . # وقرأ الجمهور : { قال الملأ } بدون عطف جريا على طريقة أمثاله في حكاية ~~المحاورات . وقرأه ابن عامر : { وقال } بحرف العطف وثبتت الواو في المصحف ~~المبعوث إلى الشام خلافا لطريقة نظائرها ، وهو عطف على كلام مقدر دل عليه ~~قوله : { قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون } والتقدير : فآمن به بعض قومه ، ~~وقال الملأ من قومه إلخ ، أو هو عطف على : { قال يا قوم اعبدوا الله } ( ~~الأعراف : 73 ) الآية ، ومخالفة نظائره تفنن . # # | 2 ( 77 ، 78 ) { فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا ياصاح ائتنا ~~بما تعدنآ إن كنت من المرسلين * فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين } ~~. ) 2 # الفاء للتعقيب لحكاية قول الذين استكبروا : { إنا بالذي آمنتم به كافرون ~~} ( الأعراف : 76 ) ، أي قالوا ذلك فعقروا ، والتعقيب في كل شيء بحسبه ، ~~وذلك أنهم حين قالوا ذلك كانوا قد صدعوا بالتكذيب ، وصمموا عليه ، وعجزوا ~~عن المحاجة والاستدلال ، فعزموا على المصير إلى النكاية والإغاظة لصالح ~~عليه السلام ومن آمن به ، ورسموا لابتداء عملهم أن يعتدوا على الناقة ~~PageV08P224 التي جعلها صالح عليه السلام لهم ، وأقامها بينه وبينهم علامة ~~موادعة ما داموا غير متعرضين لها بسوء ، ومقصدهم من نيتهم إهلاك الناقة أن ~~يزيلوا آية صالح عليه السلام لئلا يزيد عدد المؤمنين به ، لأن مشاهدة آية ~~نبوءته سالمة بينهم تثير في نفوس كثير منهم الاستدلال على صدقه والاستئناس ~~لذلك بسكوت كبرائهم وتقريرهم لها على مرعاها وشربها ، ولأن في اعتدائهم ~~عليها إيذانا منهم بتحفزهم للإضرار بصالح عليه السلام وبمن آمن به بعد ذلك ms3127 ~~وليروا صالحا عليه السلام أنهم مستخفون بوعيده إذ قال لهم : { ولا تمسوها ~~بسوء فيأخذكم عذاب أليم } ( الأعراف : 73 ) . # والضمير في قوله : { فعقروا } عائد إلى { الذين استكبروا } ( الأعراف : ~~75 ) ، وقد أسند العقر إليهم وإن كان فاعله واحدا منهم لأنه كان عن تمالىء ~~ورضى من جميع الكبراء ، كما دل عليه قوله تعالى في سورة القمر ( 29 ) : { ~~فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر ، وهذا كقول النابغة في شأن بني حن : # وهم قتلوا الطاءي بالجو عنوة # وإنما قتله واحد منهم # وذكر في الأثر : أن الذي تولى عقر الناقة رجل من سادتهم اسمه ( قدار ) ~~بضم القاف ودال مهملة مخففة وراء في آخره ابن سالف . وفي حديث البخاري أن ~~النبي ذكر في خطبته الذي عقر الناقة فقال : انبعث لها رجل عزيز عارم منيع ~~في رهطه مثل أبي زمعة . # والعقر : حقيقته الجرح البليغ ، قال امرؤ القيس : # تقول وقد مال الغبيط بنا معا # عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزل # أي جرحته باحتكاك الغبيط في ظهره من ميله إلى جهة ، ويطلق العقر على قطع ~~عضو الحيوان ، ومنه قولهم ، عقر حمار وحش ، أي ضربه بالرمح PageV08P225 ~~فقطع منه عضوا ، وكانوا يعقرون البعير المراد نحره بقطع عضو منه حتى لا ~~يستطيع الهروب عند النحر ، فلذلك أطلق العقر عن النحر على وجه الكناية قال ~~امرؤ القيس : # ويوم عقرت للعذارى مطيتي # وما في هذه الآية كذلك . # والعتو تجاوز الحد في الكبر ، وتعديته ب ( من ) لتضمينه معنى الإعراض . # وأمر ربهم هو ما أمرهم به على لسان صالح عليه السلام من قوله : ولا ~~تمسوها بسوء } ( الأعراف : 73 ) فعبر عن النهي بالأمر لأن النهي عن الشيء ~~مقصود منه الأمر بفعل ضده ، ولذلك يقول علماء الأصول إن النهي عن الشيء ~~يستلزم الأمر بضده الذي يحصل به تحقق الكف عن المنهي عنه . # وأرادوا : { بما تعدنا } العذاب الذي توعدهم به مجملا . وجيء بالموصول ~~للدلالة على أنهم لا يخشون شيئا مما يريده من الوعيد المجمل . فالمراد بما ~~تتوعدنا به وصيغت صلة الموصول من مادة الوعد لأنه أخف من مادة الوعد . # وقد فرضوا كونه ms3128 من المرسلين بحرف ( إن ) الدال على الشك في حصول الشرط ، ~~أي إن كنت من الرسل عن الله فالمراد بالمرسلين من صدق عليهم هذا اللقب . ~~وهؤلاء لجهلهم بحقيقة تصرف الله تعالى وحكمته ، يحسبون أن تصرفات الله ~~كتصرفات الخلق ، فإذا أرسل رسولا ولم يصدقه المرسل إليهم غضب الله واندفع ~~إلى إنزال العقاب إليهم ، ولا يعلمون أن الله يمهل الظالمين ثم يأخذهم متى ~~شاء . # وجملة { فأخذتهم الرجفة } معترضة بين جملة { فعقروا الناقة } وبين جملة { ~~فتولى عنهم } ( الأعراف : 79 ) أريد باعتراضها التعجيل بالخبر عن نفاذ ~~الوعيد فيهم بعقب عتوهم ، فالتعقيب عرفي ، أي لم يكن بين العقر وبين الرجفة ~~زمن طويل ، كان بينهما ثلاثة أيام ، كما ورد في آية سورة هود ( 65 ) : ~~PageV08P226 { فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب ~~. # وأصل الأخذ تناول شيء باليد ، ويستعمل مجازا في ملك الشيء ، بعلاقة ~~اللزوم ، ويستعمل أيضا في القهر كقوله : فأخذهم الله بذنوبهم } ( الأنفال : ~~52 ) ، { فأخذهم أخذة رابية } ( الحاقة : 10 ) وأخذ الرجفة : إهلاكها إياهم ~~وإحاطتها بهم إحاطة الآخذ . ولا شك أن الله نجى صالحا عليه السلام والذين ~~آمنوا معه ، كما في آية سورة هود . وقد روي أنه خرج في مائة وعشرة من ~~المؤمنين ، فقيل : نزلوا رملة فلسطين ، وقيل : تباعدوا عن ديار قومهم بحيث ~~يرونها ، فلما أخذتهم الرجفة وهلكوا عاد صالح عليه السلام ومن آمن معه ~~فسكنوا ديارهم ، وقيل : سكنوا مكة وأن صالحا عليه السلام دفن بها ، وهذا ~~بعيد كما قلناه في عاد ، ومن أهل الأنساب من يقول : إن ثقيفا من بقايا ثمود ~~، أي من ذرية من نجا منهم من العذاب ، ولم يذكر القرآن أن ثمودا انقطع ~~دابرهم فيجوز أن تكون منهم بقية . # والرجفة : اضطراب الأرض وارتجاجها ، فتكون من حوادث سماوية كالرياح ~~العاصفة والصواعق ، وتكون من أسباب أرضية كالزلازل ، فالرجفة اسم للحالة ~~الحاصلة ، وقد سماها في سورة هود بالصيحة فعلمنا أن الذي أصاب ثمود هو ~~صاعقة أو صواعق متوالية رجفت أرضهم وأهلكتهم صعقين ، ويحتمل أن تقارنها ~~زلازل أرضية . # والدار : المكان الذي يحتله القوم ، وهو يفرد ويجمع ms3129 باعتبارين ، فلذلك ~~قال في آية سورة هود : { فأصبحوا في ديارهم جاثمين } . { فأصبحوا } هنا ~~بمعنى صاروا . # والجاثم : المكب على صدره في الأرض مع قبض ساقيه كما يجثو الأرنب ، ولما ~~كان ذلك أشد سكونا وانقطاعا عن اضطراب الأعضاء استعمل في الآية كناية عن ~~همود الجثة بالموت ، ويجوز أن يكون المراد تشبيه حالة وقوعهم على وجوههم ~~حين صعقوا بحالة الجاثم تفظيعا لهيئة ميتتهم ، والمعنى أنهم PageV08P227 ~~أصبحوا جثثا هامدة ميتة على أبشع منظر لميت . # # | 2 ( 79 ) { فتولى عنهم وقال ياقوم لقد أبلغتكم رسالة ربى ونصحت لكم ~~ولكن لا تحبون الناصحين } . ) 2 # والفاء في قوله : { فتولى عنهم } عاطفة على جملة : { فعقروا الناقة } ( ~~الأعراف : 77 ) والتولي الانصراف عن فراق وغضب ، ويطلق مجازا على عدم ~~الاكتراث بالشيء ، وهو هنا يحتمل أن يكون حقيقة فيكون المراد به أنه فارق ~~ديار قومه حين علم أن العذاب نازل بهم ، فيكون التعقيب لقوله : { فعقروا ~~الناقة } ( الأعراف : 77 ) لأن ظاهر تعقيب التولي عنهم وخطابه إياهم أن لا ~~يكون بعد أن تأخذهم الرجفة وأصبحوا جاثمين . # ويحتمل أن يكون مجازا بقرينة الخطاب أيضا ، أي فأعرض عن النظر إلى القرية ~~بعد اصابتها بالصاعقة ، أو فأعرض عن الحزن عليهم واشتغل بالمؤمنين كما قال ~~تعالى : { لعلك باخع نفسك أن لا يكونوا مؤمنين } ( الشعراء : 3 ) . # فعلى الوجه الأول يكون قوله : { يا قومم لقد أبلغتكم } إلخ مستعملا في ~~التوبيخ لهم والتسجيل عليهم ، وعلى الوجه الثاني يكون مستعملا في التحسر أو ~~في التبرىء منهم ، فيكون النداء تحسر فلا يقتضي كون أصحاب الاسم المنادى ~~ممن يعقل النداء حينئذ ، مثل ما تنادى الحسرة في : يا حسرة . # وقوله : { لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم } تفسيره مثل تفسير قوله في ~~قصة نوح عليه السلام : { أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم } ( الأعراف : 62 ) ~~واللام في ( لقد ) لام القسم ، وتقدم نظيره عند قوله : { لقد أرسلنا نوحا } ~~( الأعراف : 59 ) . # والاستدراك ب ( لكن ) ناشىء عن قوله : { لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ~~} لأنه مستعمل في التبرؤ من التقصير في معالجة كفرهم ، سواء كان بحيث هم ~~يسمعونه أم كان قاله ms3130 في نفسه ، فذلك التبرؤ يؤذن بدفع توهم تقصير في ~~الإبلاغ والنصيحة لإنعدام ظهور فائدة الابلاغ والنصيحة ، فاستدرك بقوله : { ~~ولكن لا تحبون الناصحين } ، أي تكرهون الناصحين فلا تطيعونهم في نصحهم ، ~~لأن المحب لمن يحب مطيع ، فأراد بذلك الكناية عن رفضهم النصيحة . ~~PageV08P228 # واستعمال المضارع في قوله : { لا تحبون } إن كان في حال سماعهم قوله فهو ~~للدلالة على التجديد والتكرير ، أي لم يزل هذا دأبكم فيكون ذلك آخر علاج ~~لإقلاعهم إن كانت فيهم بقيه للإقلاع عما هم فيه ، وإن كان بعد انقضاء ~~سماعهم فالمضارع لحكاية الحال الماضية مثلها في قوله تعالى : { والله الذي ~~أرسل الرياح فتثير سحابا } ( فاطر : 9 ) . # # | 2 ( 80 ، 81 ) { لله ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها ~~من أحد من العالمين * إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النسآء بل أنتم قوم ~~مسرفون } . ) 2 # عطف { ولوطا } على { نوحا } في قوله : { لقد أرسلنا نوحا } ( الأعراف : ~~59 ) فالتقدير : وأرسلنا لوطا ، وتغيير الأسلوب في ابتداء قصة لوط وقومه إذ ~~ابتدئت بذكر ( لوطا ) كما ابتدئت قصة بذكر نوح لأنه لم يكن لقوم لوط اسم ~~يعرفون به كما لم يكن لقوم نوح اسم يعرفون به . و ( إذ ) ظرف متعلق ب ( ~~أرسلنا ) المقدر يعني أرسلناه وقت قال لقومه وجعل وقت القول ظرفا للإرسال ~~لإفادة مبادرته بدعوة قومه إلى ما أرسله الله به ، والمقارنة التي تقتضيها ~~الظرفية بين وقت الإرسال ووقت قوله ، مقارنة عرفية بمعنى شدة القرب بأقصى ~~ما يستطاع من مبادرة التبليغ . # وقوم لوط كانوا خليطا من الكنعانيين وممن نزل حولهم . ولذلك لم يوصف بأنه ~~أخوهم إذ لم يكن من قبائلهم ، وإنما نزل فيهم واستوطن ديارهم . ولوط عليه ~~السلام هو ابن أخي إبراهيم عليه السلام كما تقدم في سورة الأنعام ، وكان ~~لوط عليه السلام قد نزل ببلاد ( سدوم ) ولم يكن بينهم وبينه قرابة . ~~PageV08P229 # والقوم الذين أرسل إليهم لوط عليه السلام هم أهل قرية ( سدوم ) و ( عمورة ~~) من أرض كنعان ، وربما أطلق اسم سدوم وعمورة على سكانهما . وهو أسلاف ~~الفنيقيين وكانتا على شاطىء السديم ، وهو بحر ms3131 الملح ، كما جاء في التوراة ~~وهو البحر الميت المدعو ( بحيرة لوط ) بقرب أرشليم . وكانت قرب سدوم ومن ~~معهم أحدثوا فاحشة استمتاع الرجال بالرجال ، فأمر الله لوطا عليه السلام ~~لما نزل بقريتهم سدوم في رحلته مع عمه إبراهيم عليه السلام أن ينهاهم ويغلظ ~~عليهم . # فالاستفهام في { أتأتون } إنكاري توبيخي ، والإتيان المستفهم عنه مجاز في ~~التلبس والعمل ، أي أتعملون الفاحشة ، وكني بالإتيان على العمل المخصوص وهي ~~كناية مشهورة . # والفاحشه : الفعل الدنيء الذميم ، وقد تقدم الكلام عليها عند تفسير قوله ~~تعالى : { وإذا فعلوا فاحشة } ( الأعراف : 28 ) : والمراد هنا فاحشة معروفة ~~، فالتعريف للعهد . # وجملة : { ما سبقكم بها من أحد من العالمين } مستأنفة استينافا ابتدائيا ~~، فإنه بعد أن أنكر عليهم إتيان الفاحشة ، وعبر عنها بالفاحشة ، وبخهم ~~بأنهم أحدثوها ، ولم تكن معروفة في البشر فقد سنوا سنة سيئة للفاحشين في ~~ذلك . # ويجوز أن تكون جملة : { ما سبقكم بها من أحد } صفة للفاحشة ، ويجوز أن ~~تكون حالا من ضمير : { تأتون } أو من : { الفاحشة } . # والسبق حقيقته : وصول الماشي إلى مكان مطلوب له ولغيره قبل وصول غيره ، ~~ويستعمل مجازا في التقدم في الزمان ، أي الأولية والابتداء ، وهو المراد ~~هنا ، والمقصود أنهم سبقوا الناس بهذه الفاحشة إذ لا يقصد بمثل هذا التركيب ~~أنهم ابتدأوا مع غيرهم في وقت واحد . PageV08P230 # والباء لتعدية فعل ( سبق ) لاستعماله بمعنى ( ابتدا ) فالباء ترشيح ~~للتبعية . و ( من ) الداخلة على ( أحد ) لتوكيد النفي للدلالة على معنى ~~الاستغراق في النفي . و ( من ) الداخلة على { العالمين } للتبعيض . # وجملة : { إنكم لتأتون الرجال } مبينة لجملة { أتأتون الفاحشة } ، ~~والتأكيد بإن واللام كناية عن التوبيخ لأنه مبني على تنزيلهم منزلة من ينكر ~~ذلك لكونهم مسترسلون عليه غير سامعين لنهي الناهي . والإتيان كناية عن عمل ~~الفاحشة . # وقرأ نافع ، والكسائي ، وحفص عن عاصم ، وأبو جعفر : { إنكم } بهمزة واحدة ~~مكسورة بصيغة الخبر ، فالبيان راجع إلى الشيء المنكر بهمزة الإنكار في { ~~أتأتون الفاحشة } ، وبه يعرف بيان الإنكار ، ويجوز اعتباره خبرا مستعملا في ~~التوبيخ ، ويجوز تقدير همزة استفهام حذفت للتخفيف ولدلالة ما قبلها عليها . ~~وقرأه البقية : { أإنكم } بهمزتين ms3132 على صيغة الاستفهام فالبيان للإنكار ، ~~وبه يعرف بيان المنكر ، فالقراءتان مستويتان . # والشهوة : الرغبة في تحصيل شيء مرغوب ، وهي مصدر شهي كرضى ، جاء على صيغة ~~الفعلة وليس مرادا به المرة . # وانتصب { شهوة } على المفعول لأجله . والمقصود من هذا المفعول تفظيع ~~الفاحشة وفاعليها بأنهم يشتهون ما هو حقيق بأن يكره ويستفظع . # وقوله : { من دون النساء } زيادة في التفظيع وقطعع للعذر في فعل هذه ~~الفاحشة ، وليس قيدا للإنكار ، فليس إتيان الرجال مع إتيان النساء بأقل من ~~الآخر فظاعة ، ولكن المراد أن إتيان الرجال كله واقع في حالة من حقها إتيان ~~النساء ، كما قال في الآية الأخرى : { وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم } ~~( الشعراء : 166 ) . # و { بل } للاضراب الانتقالي ، للانتقال من غرض الإنكار إلى غرض الذم ~~والتحقير والتنبيه إلى حقيقة حالهم . PageV08P231 # والإسراف مجاوزة العمل مقدار أمثاله في نوعه ، أي المسرفون في الباطل ~~والجرم ، وقد تقدم عند قوله تعالى : { ولا تأكلوها إسرافا في سورة النساء ( ~~6 ) وعند قوله تعالى : ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين في سورة الأنعام ( ~~141 ) . # ووصفهم بالإسراف بطريق الجملة الاسمية الدالة على الثبات ، أي أنتم قوم ~~تمكن منهم الإسراف في الشهوات فلذلك اشتهوا شهوة غريبة لما سئموا الشهوات ~~المعتادة . وهذه شنشنة الاسترسال في الشهوات حتى يصبح المرء لا يشفي شهوته ~~شيء ، ونحوه قوله عنهم في آية أخرى : بل أنتم قوم عادون } ( الشعراء : 166 ~~) . # ووجه تسمية هذا الفعل الشنيع فاحشة وإسرافا أنه يشتمل على مفاسد كثيرة : ~~منها استعمال الشهوة الحيوانية المغروزة في غير ما غرزت عليه ، لأن الله ~~خلق في الإنسان الشهوة الحيوانية لإرادة بقاء النوع بقانون التناسل ، حتى ~~يكون الداعي إليه قهري ينساق إليه الإنسان بطبعه ، فقضاء تلك الشهوة في غير ~~الغرض الذي وضعها الله لأجله اعتداء على الفطرة وعلى النوع ، ولأنه يغير ~~خصوصية الرجلة بالنسبة إلى المفعول به إذ يصير في غير المنزلة التي وضعه ~~الله فيها بخلقته ، ولأن فيه امتهانا محضا للمفعول به إذ يجعل آلة لقضاء ~~شهوة غيره على خلاف ما وضع الله في نظام الذكورة والأنوثة ms3133 من قضاء الشهوتين ~~معا ، ولأنه مفض إلى قطع النسل أو تقليله ، ولأن ذلك الفعل يجلب أضرارا ~~للفاعل والمفعول بسبب استعمال محلين في غير ما خلقا له . # وحدثت هذه الفاحشة بين المسلمين في خلافة أبي بكر من رجل يسمى الفجاءة ، ~~كتب فيه خالد بن الوليد إلى أبي بكر الصديق أنه عمل عمل قوم لوط وإذ لم ~~يحفظ عن النبيء صلى الله عليه وسلم فيها حد معروف جمع أبو بكر أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم واستشارهم فيه ، فقال علي : أرى أن يحرق بالنار ، ~~فاجتمع رأي الصحابة على ذلك فكتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد أن يحرقه ~~فأحرقه ، وكذلك قضى ابن الزبير PageV08P232 في جماعة عملوا الفاحشة في ~~زمانه ، وهشام بن الوليد ، وخالد القسري بالعراق ، ولعله قياس على أن الله ~~أمطر عليهم نارا كما سيأتي . # وقال مالك : يرجم الفاعل والمفعول به ، إذا أطاع الفاعل وكانا بالغين ، ~~رجم الزاني المحصن . سواء أحصنا أم لم يحصنا ، وقاس عقوبتهم على عقوبة الله ~~لقوم لوط إذ أمطر عليهم حجارة ، والذي يؤخذ من مذهب مالك أنه يجوز القياس ~~على ما فعله الله تعالى في الدنيا . وروي أنه أخذ في زمان ابن الزبير أربعة ~~عملوا عمل قوم لوط ، وقد أحصنوا . فأمر بهم فأخرجوا من الحرم فرجموا ~~بالحجارة حتى ماتوا ، وعنده ابن عمر وابن عباس فلم ينكرا عليه . # وقال أبو حنيفة : يعزر فاعله ولا يبلغ التعزير حد الزنى ، كذا عزا إليه ~~القرطبي ، والذي في كتب الحنفية أن أبا حنيفة يرى فيه التعزير إلا إذا تكرر ~~منه فيقتل ، وقال أبو يوسف ومحمد : فيه حد الزنى ، فإذا اعتاد ذلك ففيه ~~التعزير بالإحراق ، أو يهدم عليه جدار ، أو ينكس من مكان مرتفع ويتبع ~~بالأحجار ، أو يسجن حتى يموت أو يتوب . وذكر الغزنوي في ( الحاوي ) أن ~~الأصح عن أبي يوسف ومحمد التعزير بالجلد ( أي دون تفصيل بين الاعتياد وغيره ~~) وسياق كلامهم التسوية في العقوبة بين الفاعل والمفعول به . # وقال الشافعي : يحد حد الزاني : فإن كان محصنا فحد المحصن ، وإن كان غير ~~محصن فحد ms3134 غير المحصن . كذا حكاه القرطبي . وقال ابن هبيرة الحنبلي ، في ~~كتاب ( اختلاف الأيمة ) : إن للشافعي قولين : أحدهما هذا ، والآخر أنه يرجم ~~بكل حال ، ولم يذكر له ترجيحا ، وقال الغزالي ، في ( الوجيز ) : ( للواط ~~يوجب قتل الفاعل والمفعول على قول ، والرجم بكل حال على قول ، والتعزير على ~~قول ، وهو كالزني على قول ) وهذا كلام غير محرر . # وفي كتاب ( اختلاف الأيمة ) لابن هبيرة الحنبلي : أن أظهر الروايتين عن ~~أحمد أن في اللواط الرجم بكل حال ، أي محصنا كان أو غير محصن ، وفي رواية ~~عنه أنه كالزنى ، وقال ابن حزم ، في ( المحلى ) : إن مذهب داود PageV08P233 ~~وجميع أصحابه أن اللوطي يجلد دون الحد ، ولم يصرح ، فيما نقلوا عن أبي ~~حنيفة وصاحبيه ، ولا عن أحد ، ولا الشافعي بمساواة الفاعل والمفعول به في ~~الحكم إلا عند مالك ، ويؤخذ من حكاية ابن حزم في ( المحلى ) : أن أصحاب ~~المذاهب المختلفة في تعزير هذه الفاحشة لم يفرقوا بين الفاعل والمفعول إلا ~~قولا شاذا لأحد فقهاء الشافعية رأى أن المفعول أغلظ عقوبة من الفاعل . # وروى أبو داود والترمذي ، عن عكرمة عن ابن عباس ، والترمذي عن أبي هريرة ~~، وقال في إسناده ، مقال عن النبيء صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من ~~وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به ) وهو حديث غريب ( لم ~~يرو عن غير عكرمة عن ابن عباس ) وقد علمت استشارة أبي بكر في هذه الجريمة ، ~~ولو كان فيها سند صحيح لظهر يومئذ . # $ 2 ( 82 ) { وما كان جواب قومه إلا أن قالو & # 1764 ا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون } . ) 2 $ # عطفت جملة : { وما كان جواب قومه } على جملة : { قال لقومه } ( الأعراف : ~~80 ) . والتقدير : وإذ ما كان جواب قومه إلا أن قالوا إلخ ، والمعنى : أنهم ~~أفحموا عن ترويج شنعتهم والمجادلة في شأنها ، وابتدروا بالتآمر على إخراج ~~لوط عليه السلام وأهله من القرية ، لأن لوطا عليه السلام كان غريبا بينهم ~~وقد أرادوا الاستراحة من إنكاره عليهم شأن من يشعرون بفساد حالهم ، ~~الممنوعين بشهواتهم عن الإقلاع عن سيئاتهم ، المصممين على مداومة ms3135 ذنوبهم ، ~~فإن صدورهم تضيق عن تحمل الموعظة ، وأسماعهم تصم لقبولها ، ولم يزل من شأن ~~المنغمسين في الهوى تجهم حلول من لا يشاركهم بينهم . PageV08P234 # والجواب : الكلام الذي يقابل به كلام آخر : تقريرا ، أو ردا ، أو جزاء . # وانتصب قوله : { جواب } على أنه خبر ( كان ) مقدم على اسمها الواقعع بعد ~~أداة الاستثناء المفرغ ، وهذا هو الاستعمال الفصيح في مثل هذا التركيب ، ~~إذا كان أحد معمولي كان مصدرا منسبكا من ( أن ) والفعلل كما تقدم في سورة ~~آل عمران وسورة الأنعام ، ولذلك أجمعت القرءات المشهورة على نصب المعمول ~~الأول . # والضمير المنصوب في قوله : { أخرجوهم } عائد على محذوف علم من السياق ، ~~وهم لوط عليه السلام وأهله : وهم زوجه وابنتاه . # وجملة : { إنهم أناس يتطهرون } علة للأمر بالإخراج ، وذلك شأن ( إن ) إذا ~~جاءت في مقام لا شك فيه ولا إنكار ، بل كانت لمجرد الاهتمام فإنها تفيد ~~مفاد فاء التفريع وتدل على الربط والتعليل . # والتطهر تكلف الطهارة ، وحقيقتها النظافة ، وتطلق الطهارة مجازا على ~~تزكية النفس والحذر من الرذائل وهي المراد هنا ، وتلك صفة كمال ، لكن القوم ~~لما تمردوا على الفسوق كان يعدون الكمال منافرا لطباعهم ، فلا يطيقون ~~معاشرة أهل الكمال ، ويذمون ما لهم من الكمالات فيسمونها ثقلا ، ولذا وصفوا ~~تنزه لوط عليه السلام وآله تطهرا ، بصيغة التكلف والتصنع ، ويجوز أن يكون ~~حكاية لما في كلامهم من التهكم بلوط عليه السلام وآله ، وهذا من قلب ~~الحقائق لأجل مشايعة العوائد الذميمة ، وأهل المجون والانخلاع ، يسمون ~~المتعفف عن سيرتهم بالتائب أو نحو ذلك ، فقولهم : { إنهم أناس يتطهرون } ~~قصدوا به ذمهم . # وهم قد علموا هذا التطهر من خلق لوط عليه السلام وأهله لأنهم عاشروهم ، ~~ورأوا سيرتهم ، ولذلك جيء بالخبر جملة فعلية مضارعية لدلالتها على أن ~~التطهر متكرر منهم ، ومتجدد ، وذلك أدعى لمنافرتهم طباعهم PageV08P235 ~~والغضب عليهم وتجهم إنكار لوط عليه السلام عليهم . # # | 2 ( 83 ، 84 ) { فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين * وأمطرنا ~~عليهم مطرا فانظر كيف كان عاقبة المجرمين } . ) 2 # قوله تعالى : { فأنجيناه } تعقيب لجملة : { وما كان جواب قومه } ( ~~الأعراف : 82 ) أو لجملة ms3136 : { قال لقومه } ( الأعراف : 80 ) وهذا التعقيب ~~يؤذن بأن لوطا عليه السلام أرسل إلى قومه قبل حلول العذاب بهم بزمن قليل . # و { أنجيناه } مقدم من تأخير . والتقدير : فأمطرنا عليهم مطرا وأنجيناه ~~وأهله ، فقدم الخبر بإنجاء لوط عليه السلام على الخبر بإمطارهم مطر العذاب ~~، لقصد إظهار الاهتمام بأمر إنجاء لوط عليه السلام ، ولتعجيل المسرة ~~للسامعين من المؤمنين ، فتطمئن قلوبهم لحسن عواقب أسلافهم من مؤمني الأمم ~~الماضية ، فيعلموا أن تلك سنة الله في عباده ، وقد تقدم بيان ذلك عند قوله ~~تعالى : { فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك في هذه السورة ( 64 ) . # وأهل لوط عليه السلام هم زوجه وابنتان له بكران ، وكان له ابنتان ~~متزوجتان كما ورد في التوراة امتنع زوجاهما من الخروج مع لوط عليه السلام ~~فهلكتا مع أهل القرية . # وأما امرأة لوط عليه السلام فقد أخبر الله عنها هنا أن الله لم ينجها ، ~~فهلكت مع قوم لوط ، وذكر في سورة هود ما ظاهره أنها لم تمتثل ما أمر الله ~~لوطا عليه السلام أن لا يلتفت هو ولا أحد من أهله الخارجين معه إلى المدن ~~حين يصيبها العذاب فالتفتت امرأته فأصابها العذاب ، وذكر في سورة التحريم ~~أن امرأة لوط عليه السلام كانت كافرة . وقال المفسرون : كانت تسر الكفر ~~وتظهر الإيمان ، ولعل ذلك سبب التفاتها لأنها كانت غير موقنة بنزول العذاب ~~على قوم لوط ، ويحتمل أنها PageV08P236 لم تخرج مع لوط عليه السلام وإن ~~قوله : إلا امرأتك في سورة هود ( 81 ) ، استثناء من أهلك } لا من { أحد } . ~~لعل امرأة لوط عليه السلام كانت من أهل ( سدوم ) تزوجها لوط عليه السلام ~~هنالك بعد هجرته ، فإنه أقام في ( سدوم ) سنين طويلة بعد أن هلكت أم بناته ~~وقبل أن يرسل ، وليست هي أم بنتيه فإن التوراة لم تذكر امرأة لوط عليه ~~السلام إلا في آخر القصة . # ومعنى { من الغابرين } من الهالكين ، والغابر يطلق على المنقضي ، ويطلق ~~على الآتي ، فهو من أسماء الأضداد ، وأشهر إطلاقيه هو المنقضي ، ولذلك يقال ~~: غبر بمعنى هلك ، وهو المراد هنا : أي كانت من الهالكين ms3137 ، أي هلكت مع من ~~هلك من أهل ( سدوم ) . # والإمطار مشتق من المطر ، والمطر اسم للماء النازل من السحاب ، يقال : ~~مطرتهم السماء بدون همزة بمعنى نزل عليهم المطر ، كما يقال : غاثتهم ~~ووبلتهم ، ويقال : مكان ممطور ، أي أصابه المطر ، ولا يقال : ممطر ، ويقال ~~أمطروا بالهمزة بمعنى نزل عليهم من الجو ما يشبه المطر ، وليس هو بمطر ، ~~فلا يقال : هم ممطرون ، ولكن يقال : هم ممطرون ، كما قال تعالى : { وأمطرنا ~~عليهم حجارة من سجيل } ( هود : 82 ) وقال : { فأمطر علينا حجارة من السماء ~~} ( الأنفال : 32 ) ، كذا قال الزمخشري هنا وقال ، في سورة الأنفال : قد ~~كثر الإمطار في معنى العذاب ، وعن أبي عبيدة أن التفرقة بين مطر وأمطر ؛ أن ~~مطر للرحمة وأمطر للعذاب ، وأما قوله تعالى في سورة الأحقاف ( 24 ) : { ~~قالوا هذا عارض ممطرنا فهو يعكر على كلتا التفرقتين ، ويعين أن تكون ~~التفرقة أغلبية . # وكان الذي أصاب قوم لوط حجرا وكبريتا من أعلى القرى كما في التوراة وكان ~~الدخان يظهر من الأرض مثل دخان الأتون ، وقد ظن بعض الباحثين أن آبار الحمر ~~التي ورد في التوراة أنها كانت في عمق السديم ، كانت قابلة للالتهاب بسبب ~~زلازل أو سقوط صواعق عليها . وقد ذكر في PageV08P237 آية أخرى ، في القرآن ~~: أن الله جعل عالي تلك القرى سافلا ، وذلك هو الخسف وهو من آثار الزلازل . ~~ومن المستقرب أن يكون البحر الميت هنالك قد طغى على هذه الآبار أو البراكين ~~من آثار الزلزال . # وتنكير : مطرا } للتعظيم والتعجيب أي : مطرا عجيبا من شأنه أن يهلك القرى ~~. # وتفرع عن هذه القصة العجيبة الأمر بالنظر في عاقبتهم بقوله : { فانظر كيف ~~كان عاقبة المجرمين } فالأمر للارشاد والاعتبار . والخطاب يجوز أن يكون ~~لغير معين بل لكل من يتأتى منه الاعتبار ، كما هو شأن إيراد التذييل ~~بالاعتبار عقب الموعظة ، لأن المقصود بالخطاب كل من قصد بالموعظة ، ويجوز ~~أن يكون الخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم تسلية له على ما يلاقيه من قومه ~~الذين كذبوا بأنه لا ييأس من نصر الله ، وأن شأن الرسل انتظار العواقب . # والمجرمون فاعلوا ms3138 الجريمة ، وهي المعصية والسيئة ، وهذا ظاهر في أن الله ~~عاقبهم بذلك العقاب على هذه الفاحشة ، وأن لوطا عليه السلام أرسل لهم ~~لنهيهم عنها ، لا لأنهم مشركون بالله ، إذ لم يتعرض له في القرآن بخلاف ما ~~قص عن الأمم الأخرى ، لكن تمالئهم على فعل الفاحشة واستحلالهم إياها يدل ~~على أنهم لم يكونوا مؤمنين بالله ، وبذلك يؤذن قوله تعالى في سورة التحريم ~~( 10 ) : { ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط ، فيكون إرسال ~~لوط عليه السلام بإنكار تلك الفاحشة ابتداء بتطهير نفوسهم ، ثم يصف لهم ~~الإيمان ، إذ لا شك أن لوطا عليه السلام بلغهم الرسالة عن الله تعالى ، ~~وذلك يتضمن أنه دعاهم إلى الإيمان ، إلا أن اهتمامه الأول كان بإبطال هذه ~~الفاحشة ، ولذلك وقع الاقتصار في إنكاره عليهم ومجادلتهم إياه على ما يخص ~~تلك الفاحشة ، وقد علم أن الله أصابهم بالعذاب عقوبة ، على تلك الفاحشة ، ~~كما قال في PageV08P238 سورة العنكبوت : ( 34 ) : إنا منزلون على أهل هذه ~~القرية رجزا من السماء بما كانوا يفسقون وأنهم لو أقلعوا عنها لترك عذابهم ~~على الكفر إلى يوم آخر أو إلى اليومم الآخر . # $ 2 ( 85 87 ) وإلى مدين أخاهم شعيبا قال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من ~~إلاه غيره قد جآءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس ~~أشياءهم ولا تفسدوا فى الارض بعد إصلاحها ذالكم خير لكم إن كنتم مؤمنين * ~~ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من ءامن به وتبغونها عوجا ~~واذكرو & # 1764 ا إذ كنتم قليلا فكثركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين * وإن كان ~~طآئفة منكم ءامنوا بالذى & # 1764 أرسلت به وطآئفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير ~~الحاكمين } . ) 2 $ # تفسير صدر هذه الآية هو كتفسير نظيرها في قصة ثمود ، سوى أن تجريد فعل { ~~قال يا قوم } من الفاء هنا يترجح أنه للدلالة على أن كلامه هذا ليس هو الذي ~~فاتحهم به في ابتداء رسالته بل هو مما خاطبهم به بعد أن دعاهم مرارا ، وبعد ~~أن ms3139 آمن به من آمن منهم كما يأتي . # ومدين أمة سميت باسم جدها مدين بنن إبراهيم الخليلل عليه السلام ، من ~~زوجه الثالثة التي تزوجها في آخر عمره وهي سرية اسمها PageV08P239 قطورا . ~~وتزوج مدين ابنة لوط عليه السلام وولد له أبناء : هم ( عيفة ) و ( عفر ) و ~~( حنوك ) و ( أبيداع ) و ( ألدعة ) وقد أسكنهم إبراهيم عليه السلام في ~~ديارهم ، وسطا بين مسكن ابنه إسماعيل عليه السلام ومسكن ابنه إسحاق عليه ~~السلام ، ومن ذريتهم تفرعت بطون مدين ، وكانوا يعدون نحو خمسة وعشرين ألفا ~~، ومواطنهم بين الحجاز وخليج العقبة بقرب ساحل البحر الأحمر ، وقاعدة ~~بلادهم ( وج ) على البحر الأحمر وتنتهي أرضهم من الشمال إلى حدود معان من ~~بلاد الشام ، وإلى نحو تبوك من الحجاز ، وتسمى بلادهم ( الأيكة ) . ويقال : ~~إن الأيكة هي ( تبوك ) فعلى هذا هي من بلاد مدين ، وكانت بلادهم قرى وبوادي ~~، وكان شعيب عليه السلام من القرية وهي ( الأيكة ) ، وقد تعربوا بمجاورة ~~الأمم العربية وكانوا في مدة شعيب عليه السلام تحت ملوك مصر ، وقد اكتسبوا ~~بمجاورة قبائل العرب ومخالطتهم لكونهم في طريق مصر ، عربية فأصبحوا في عداد ~~العرب المستعربة ، مثل بني إسماعيل عليه السلام ، وقد كان شاعر في الجاهلية ~~يعرف بأبي الهميسع هو من شعراء مدين وهو القائل : # إن تمنعي صوبكك صوب المدمع # يجري على الخد كضئب الثغثع # من طمحة صبيرها جحلنجع # ويقال : إن الخط العربي أول ما ظهر في مدين . # وشعيب عليه السلام هو رسول لأهل مدين ، وهو من أنفسهم ، اسمه في العربيه ~~شعيب عليه السلام واسمه في التوراة : ( يثرون ) ويسمى أيضا ( رعوئيل ) وهو ~~ابن ( نويلى أو نويب ) بن ( رعويل ) بن ( عيفا ) بن ( مدين ) . وكان موسى ~~عليه السلام لما خرج من مصر نزل بلاد مدين وزوجه شعيب ابنته المسماة ( ~~صفوره ) وأقام موسى عليه السلام عنده عشر سنين أجيرا . # وقد خبط في نسب مدين ونسب شعيب عليه السلام جمع عظيم من PageV08P240 ~~المفسرين والمؤرخين ، فما وجدت مما يخالف هذا فانبذه . وعد الصفدي شعيبا في ~~العميان ، ولم أقف على ذلك في الكتب المعتمدة . وقد ابتدأ الدعوة ms3140 بالإيمان ~~لأن به صلاح الإعتقاد والقلب ، وإزالة الزيف من العقل . # وبينة شعيب عليه السلام التي جاءت في كلامه : يجوز أن تكون أطلقت على ~~الآية لمعجزة أظهرها لقومه عرفوها ولم يذكرها القرآن ، كما قال ذلك ~~المفسرون ، والأظهر عندي أن يكون المراد بالبينة حجة أقامها على بطلان ما ~~هم عليه من الشرك وسوء الفعل ، وعجزوا عن مجادلته فيها ، فقامت عليهم الحجة ~~مثل المجادلة التي حكيت في سورة هود فتكون البينة أطلقت على ما يبين صدق ~~الدعوى ، لا على خصوص خارق العادة ، أو أن يكون أراد بالبينة ما أشار إليه ~~بقوله : { فاصبروا حتى يحكم الله بيننا } أي يكون أنذرهم بعذاب يحل بهم إن ~~لم يؤمنوا ، كما قال في الآية الأخرى { فأسقط علينا كسفا من السماء إن كنت ~~من الصادقين } ( الشعراء : 187 ) فيكون التعبير بالماضي في قوله : { قد ~~جاءتكم } مرادا به المستقبل القريب ، تنبيها على تحقيق وقوعه ، أو أن يكون ~~عرض عليهم أن يظهر لهم آية ، أي معجزة ليؤمنوا ، فلم يسألوها وبادروا ~~بالتكذيب ، فيكون المعنى مثل ما حكاه الله تعالى عن موسى عليه السلام : { ~~قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني إسرائيل قال إن كنت جئت بآية فأتت ~~بها } ( الأعراف : 105 ، 106 ) الآية ، فيكون معنى : { قد جاءتكم } قد أعدت ~~لأن تجيئكم إذا كنتم تؤمنون عند مجيئها . # والفاء في قوله : { فأوفوا الكيل والميزان } للتفريع على مضمون معنى { ~~بينة } لأن البينة تدل على صدقه ، فلما قام الدليل على صدقه وكان قد أمرهم ~~بالتوحيد بادىء بدء ، لما فيه من صلاح القلب ، شرع يأمرهم بالشرائع من ~~الأعمال بعد الإيمان ، كما دل عليه قوله الآتي : { إن كنتم مؤمنين } فتلك ~~دعوة لمن آمن من قومه بأن يكملوا إيمانهم بالتزام الشرائع الفرعية ، وإبلاغ ~~لمن لم يؤمن بما يلزمهم بعد الإيمان بالله وحده . وفي دعوة شعيب عليه ~~السلام قومه إلى الأعمال الفرعية بعد أن استقرت الدعوة إلى PageV08P241 ~~التوحيد ما يؤذن بأن البشر في ذلك العصر قد تطورت نفوسهم تطورا هيأهم لقبول ~~الشرائع الفرعية ، فإن دعوة شعيب عليه السلام كانت أوسع من ms3141 دعوة الرسل من ~~قبله هود وصالحح عليهم السلام إذ كان فيها تشريع أحكام فرعية وقد كان عصر ~~شعيب عليه السلام قد أظل عصر موسى عليه السلام الذي جاء بشريعة عظيمة ماسة ~~نواحي الحياة كلها . # والبخس فسروه بالنقص ، وزاد الراغب في ( المفردات ) قيدا ، فقال : نقص ~~الشيء على سبيل الظلم ، وأحسن ما رأيت في تفسيره قول أبي بكر بن العربي في ~~( أحكام القرآن ) : ( البخس في لسان العرب هو النقص بالتعييب والتزهيد أو ~~المخادعة عن القيمة أو الاحتيال في التزيد في الكيل والنقصان منه ) فلنبن ~~على أساس كلامه فنقول : البخس هو إنقاص شيء من صفة أو مقدار هو حقيق بكمالل ~~في نوعه . ففيه معنى الظلم والتحيل ، وقد ذكر ابن سيدة في ( المخصص ) البخس ~~في باب الذهاب بحق الإنسان ، ولكنه عندما ذكره وقع فيما وقع فيه غيره من ~~مدوني اللغة ، فالبخس حدث يتصف به فاعل وليس صفة للشيء المبخوس في ذاته ، ~~إلا بمعنى الوصف بالمصدر ، كما قال تعالى : { وشروه بثمنن بخس } ( يوسف : ~~20 ) أي دون قيمة أمثاله ، ( أي تساهل بائعوه في ثمنه لأنهم حصلوه بغير عوض ~~ولا كلفة ) . وأعلم أنه قد يكون البخس متعلقا بالكمية كما يقول المشتري : ~~هذا النحي لا يزن أكثر من عشرة أرطال ، وهو يعلم أن مثله يزن اثني عشر رطلا ~~، أو يقول : ليس على هذا النخل أكثر من عشرة قناطير تمرا في حين أنه يعلم ~~أنه يبلغ عشرين قنطارا ، وقد يكون متعلقا بالصفة كما يقول : هذا البعير ~~شرود وهو من الرواحل ، ويكون طريق البخس قولا ، كما مثلنا ، وفعلا كما يكون ~~من بذل ثمنن رخيصص في شيء من شأنه أن يباع غاليا ، والمقصود من البخس أن ~~ينتفع الباخس الراغب في السلعة المبخوسة بأن يصرف الناس عن الرغبة فيها ~~فتبقى كلا على جالبها فيضطر إلى بيعها بثمن زهيد ، وقد يقصد منه إلقاء الشك ~~في نفس جالب PageV08P242 السلعة بأن سلعته هي دون ما هو رائج بين الناس ، ~~فيدخله اليأس من فوائد نتاجه فتكسل الهمم . # وما وقع في ( اللسان ) من معاني البخس : أنه الخسيس ms3142 فلعل ذلك على ضرب من ~~المجاز أو التوسع ، وبهذا تعلم أن البخس هو بمعنى النقص الذي هو فعل الفاعل ~~بالمفعول ، لا النقص الذي هو صفة الشيء الناقص ، فهو أخص من النقص في ~~الاستعمال ، وهو أخص منه في المعنى أيضا . # ثم إن حق فعله أن يتعدى إلى مفعول واحد ، كقوله تعالى : { ولا يبخس منه ~~شيئا } ( البقرة : 282 ) فإذا عدي إلى مفعولين كما في قوله هنا : { ولا ~~تبخسوا الناس أشياءهم } فذلك على معنى التحويل لتحصيل الإجمال ثم التفصيل ، ~~وأصل الكلام : ( ولا تبخسوا أشياء الناس ) فيكون قوله : { أشياءهم } بدل ~~اشتمال من قوله : { الناس } وعلى هذا فلو بني فعل { بخس } للمجهول لقلت بخس ~~فلان شيئه برفع فلان ورفع شيئه . وقد جعله أبو البقاء مفعولا ثانيا ، فعلى ~~إعرابه لو بني الفعل للمجهول لبقي ( أشياءهم ) منصوبا . وعلى إعرابنا لو ~~بني الفعل للمجهول لصار أشياؤهم مرفوعا على البدلية من الناس ، وبهذا تعلم ~~أن بين البخس والتطفيف فرقا قد خفي على كثير . # وحاصل ما أمر به شعيب عليه السلام قومه ، بعد الأمر بالتوحيد ينحصر في ~~ثلاثة أصول : هي حفظ حقوق المعاملة المالية ، وحفظ نظام الأمة ومصالحها ، ~~وحفظ حقوق حرية الاستهداء . # فالأول قوله : { فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم } ~~فإيفاء الكيل والميزان يرجع إلى حفظ حقوق المشترين ، لأن الكائل أو الوازن ~~هو البائع ، وهو الذي يحمله حب الاستفضال على تطفيف الكيل أو الوزن ، ليكون ~~باع الشيء الناقص بثمن الشيء الوافي ، كما يحسبه المشتري . # وأما النهي عن بخس الناس أشياءهم فيرجع إلى حفظ حقوق البائع لأن ~~PageV08P243 المشتري هو الذي يبخس شيء البائع ليهيئه لقبول الغبن في ثمن ~~شيئه ، وكلا هذين الأمرين حيلة وخداع لتحصيل ربح من المال . # والكيل مصدر ، ويطلق على ما يكال به ، وهو المكيال كقوله تعالى : { ~~ونزداد كيل بعير } ( يوسف : 65 ) وهو المراد هنا : لمقابلته بالميزان ، ~~ولقوله في الآية الأخرى : { ولا تنقصوا المكيال والميزان } ( هود : 84 ) ~~ومعنى . إيفاء المكيال والميزان أن تكون آلة الكيل وآلة الوزن بمقدار ما ~~يقدر بها من الأشياء المقدرة . وإنما خص هذين التحيلين ms3143 بالأمر والنهي ~~المذكورين : لأنهما كانا شائعين عند مدين ، ولأن التحيلات في المعاملة ~~المالية تنحصر فيهما إذ كان التعامل بين أهل البوادي منحصرا في المبادلات ~~بأعيان الأشياء : عرضا وطلبا . # وبهذا يظهر أن النهي في قوله : { ولا تبخسوا الناس أشياءهم } أفاد معنى ~~غير الذي أفاده الأمر في قوله : { فأوفوا الكيل والميزان } . وليس ذلك ~~النهي جاريا مجرى العلة للأمر ، أو التأكيد لمضمونه ، كما فسر به بعض ~~المفسرين . # وما جاء في هذا التشريع هو أصل من أصول رواج المعاملة بين الأمة لأن ~~المعاملات تعتمد الثقة المتبادلة بين الأمة ، وإنما تحصل بشيوع الأمانة ~~فيها ، فإذا حصل ذلك نشط الناس للتعامل فالمنتج يزداد إنتاجا وعرضا في ~~الأسواق ، والطالب من تاجر أو مستهلك يقبل على الأسواق آمنا لا يخشى غبنا ~~ولا خديعة ولا خلابة ، فتتوفر السلع في الأمة ، وتستغني عن اجتلاب أقواتها ~~وحاجياتها وتحسينياتها ، فيقوم نماء المدينة والحضارة على أساس متين ، ~~ويعيش الناس في رخاء وتحابب وتآخ ، وبضد ذلك يختل حال الأمة بمقدار تفشي ضد ~~ذلك . # وقوله : { ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها } هذا الأصل الثاني من أصول ~~دعوة شعيب عليه السلام للنهي عن كل ما يفضي إلى إفساد ما هو على ~~PageV08P244 حالة الصلاح في الأرض . وقد تقدم القول في نظير هذا التركيب ~~عند قوله تعالى : { ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا في ~~أوائل هذه السورة ( 56 ) . # والإشارة بذلكم } إلى مجموع ما تضمنه كلامه ، أي ذلك المذكور ، ولذا أفرد ~~اسم الإشارة . والمذكور : هو عبادة الله وحده ، وإيفاء الكيل والميزان ، ~~وتجنب بخس أشياء الناس ، وتجنب الفساد في الأرض . وقد أخبر عنه بأنه خير ~~لهم ، أي نفع وصلاح تنتظم به أمورهم كقوله تعالى : { والبدن جعلناها لكم من ~~شعائر الله لكم فيها خير } ( الحج : 36 ) . وإنما كان ما ذكر خيرا : لأنه ~~يوجب هناء العيش واستقرار الأمن وصفاء الود بين الأمة وزوال الإحن المفضية ~~إلى الخصومات والمقاتلات ، فإذا تم ذلك كثرت الأمة وعزت وهابها أعداؤها ~~وحسنت أحدوثتها وكثر مالها بسبب رغبة الناس في التجارة والزراعة لأمن صاحب ~~المال ms3144 من ابتزاز ماله . وفيه خير الآخرة لأن ذلك إن فعلوه امتثالا لأمر ~~الله تعالى بواسطة رسوله أكسبهم رضى الله ، فنجوا من العذاب ، وسكنوا دار ~~الثواب ، فالتنكير في قوله : { خير } للتعظيم والكمال لأنه جامع خيري ~~الدنيا والآخرة . # وقوله : { إن كنتم مؤمنين } شرط مقيد لقوله : { ذلكم خير لكم } والمؤمنون ~~لقب للمتصفين بالإيمان بالله وحده ، كما هو مصطلح الشرائع وحمل المؤمنين ~~على المصدقين لقوله ، ونصحه ، وأمانته : حمل على ما يأباه السياق ، بل ~~المعنى ، أنه يكون خيرا إن كنتم مؤمنين بالله وحده ، فهو رجوع إلى الدعوة ~~للتوحيد بمنزلة رد العجز على الصدر في كلامه ، ومعناه أن حصول الخير من ~~الأشياء المشار إليها لا يكون إلا مع الإيمان ، لأنهم إذا فعلوها وهم ~~مشركون لم يحصل منها الخير لأن مفاسد الشرك تفسد ما في الأفعال من الخير ، ~~أما في الآخرة فظاهر ، وأما في الدنيا فإن الشرك يدعو إلى أضداد تلك ~~الفضائل كما قال الله تعالى : { وما زادوهم غير تتبيب } ( هود : 101 ) ~~PageV08P245 أو يدعو إلى مفاسد لا يظهر معها نفع تلك المصالح . والحاصل أن ~~المراد بالتقييد نفي الخير الكامل عن تلك الأعمال الصالحة إن لم يكن ~~فاعلوها مؤمنين بالله حق الإيمان ، وهذا كقوله تعالى : { فك رقبة أو إطعام ~~في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة ثم كان من الذين آمنوا ~~} ( البلد : 13 17 ) وتأويل الآية بغير هذا عدول بها عن مهيع الوضوح . # وقوله : { ولا تقعدوا بكل صراط توعدون } هذا الأصل الثالث من دعوته وهو ~~النهي عن التعرض للناس دون الإيمان ، فإنه بعد أن أمرهم بالإيمان بالله وما ~~يتطلبه من الأعمال الصالحة ، وفي ذلك صلاح أنفسهم ، أي أصلحوا أنفسكم ولا ~~تمنعوا من يرغب في إصلاح نفسه ذلك أنهم كانوا يصدون وفود الناس عن الدخول ~~إلى المدينة التي كان بها شعيب عليه السلام لئلا يؤمنوا به . فالمراد ~~بالصراط الطريق الموصلة إلى لقاء شعيب عليه السلام . # والقعود مستعمل كناية عن لازمه وهو الملازمة والاستقرار ، وقد تقدم عند ~~قوله تعالى : { لأقعدن لهم صراطك المستقيم في هذه السورة ms3145 ( 16 ) . # و ( كل ) للعموم وهو عموم عرفي ، أي كل صراط مبلغ إلى القرية أو إلى منزل ~~شعيب عليه السلام ، ويجوز أن تكون كلمة ( كل ) مستعملة في الكثرة كما تقدم ~~. # والباء للإلصاق ، أو هي بمعنى ( في ) كشأنها إذا دخلت على أسماء المنازل ~~. كقول امرىء القيس : # بسقط اللوى # البيت . # وجملة : توعدون } حال من ضمير { تقعدوا } والإيعاد : الوعد بالشر . ~~والمقصود من الإيعاد الصد ، فيكون عطف جملة { وتصدون } عطف علة على معلول ، ~~أو أريد توعدون المصممين على اتباع الإيمان ، وتصدون الذين لم يصمموا فهو ~~عطف عام على خاص . PageV08P246 # و { من آمن } يتنازعه كل من { توعدون } وتصدون . # والتعبير بالماضي في قوله : { من آمن به } عوضا عن المضارع ، حيث المراد ~~بمن آمن قاصد الإيمان ، فالتعبير عنه بالماضي لتحقيق عزم القاصد على ~~الإيمان فهو لولا أنهم يصدونه لكان قد آمن . # و { سبيل الله } الدين لأنه مثل الطريق الموصل إلى الله ، أي إلى القرب ~~من مرضاته . # ومعنى { تبغونها عوجا } تبغون لسبيل الله عوجا إذ كانوا يزعمون أن ما ~~يدعو إليه شعيب باطل ، يقال : بغاه بمعنى طلب له ، فأصله بغى له فحذفوا حرف ~~الجر لكثرة الاستعمال أو لتضمين بغى معنى أعطى . # والعوج بكسر العين عدم الاستقامة في المعاني ، وبفتح العين : عدم استقامة ~~الذات ، والمعنى : تحاولون أن تصفوا دعوة شعيب المستقيمة بأنها باطل وضلال ~~، كمن يحاول اعوجاج عود مستقيم . وتقدم نظير هذا في هذه السورة في ذكر نداء ~~أصحاب الجنة أصحاب النار . # وإنما أخر النهي عن الصد عن سبيل الله ، بعد جملة { ذلكم خير لكم إن كنتم ~~مؤمنين } ولم يجعله في نسق الأوامر والنواهي الماضية ثم يعقبه بقوله : { ~~ذلكم خير لكم } لأنه رتب الكلام على الابتداء بالدعوة إلى التوحيد ، ثم إلى ~~الأعمال الصالحة لمناسبة أن الجميع فيه صلاح المخاطبين ، فاعقبها ببيان ~~أنها خير لهم إن كانوا مؤمنين فاعاد تنبيههم إلى الإيمان وإلى أنه شرط في ~~صلاح الأعمال ، وبمناسبة ذكر الإيمان عاد إلى النهي عن صد الراغبين فيه ، ~~فهذا مثل الترتيب في قول امرىء القيس : # كأني لم اركب جوادا للذة # ولم ms3146 أتبطن كاعبا ذات خلخال # ولم أسبأ الراح الكميت ولم أقل # لخيلي كري كرة بعد إجفال # روى الواحدي في ( شرح ديوان المتنبي ) أن المتنبي لما أنشد سيف الدولة ~~قوله فيه : PageV08P247 # وقفت وما في الموت شك لواقف # كأنك في جفن الردى وهو نائم # تمر بك الأبطال كلمي حزينة # ووجهك وضاح وثغرك باسم # أنكر عليه سيف الدولة تطبيق عجزي البيتين على صدريهما ، وقال له كان ~~ينبغي أن تجعل العجز الثاني عجزا اللأول والعكس وأنت في هذا مثل امرىء ~~القيس في قوله : # كأني لم أركب جوادا للذة # البيتين ، ووجه الكلام على ما قاله العلماء بالشعر : أن يكون عجز البيت ~~الأول للثاني وعجز البيت الثاني للأول ؛ ليكون ركوب الخيل مع الأمر للخيل ~~بالكر ، ويكون سباء الخمر مع تبطن الكاعب ، فقال أبو الطيب : ( إن صح أن ~~الذي استدرك على امرىء القيس هذا أعلم منه بالشعر فقد أخطأ امرؤ القيس ~~وأخطأت أنا ، ومولانا الأمير يعلم أن الثوب لا يعرفه البزاز معرفة الحائك ، ~~لأن البزاز لا يعرف إلا جملته ، والحائك يعرف جملته وتفصيله ، لأنه أخرجه ~~من الغزلية إلى الثوبية ، وإنما قرن امرؤ القيس لذة النساء بلذة الركوب ~~للصيد وقرن السماحة في شراء الخمر للأضياف بالشجاعة في منازلة الأعداء ، ~~وأنا لما ذكرت الموت في أول البيت أتبعته بذكر الردى لتجانسه ، ولما كان ~~وجه المنهزم لا يخلو من أن يكون عبوسا وعينه من أن تكون باكية قلت : ( ~~ووجهك وضاح وثغرك باسم ) لأجمع بين الأضداد في المعنى . # وهو يعني بهذا أن وجوه المناسبة في نظم الكلام تختلف وتتعدد ، وإن بعضا ~~يكون أرجح من بعض . # وذكرهم شعيب عليه السلام عقب ذلك بتكثير الله إياهم بعد أن كانوا قليلا ، ~~وهي نعمة عليهم ، إذ صاروا أمة بعد أن كانوا معشرا . # ومعنى تكثير الله إياهم تيسيره أسباب الكثرة لهم بأن قوى فيهم قوة ~~التناسل ، وحفظهم من أسباب الموتان ، ويسر لنسلهم اليفاعة حتى كثرت ~~مواليدهم وقلت وفياتهم ، فصاروا عددا كثيرا في زمن لا يعهد في مثله مصير ~~أمة إلى عددهم ، فيعد منعهم الناس من الدخول في ms3147 دين الله سعيا في تقليل حزب ~~الله ، وذلك كفران لنعمة الله عليهم بأن كثرهم ، وليقابلوا اعتبار ~~PageV08P248 هذه النعمة باعتبار نقمته تعالى من الذين غضب عليهم ، إذ ~~استأصلهم بعد أن كانوا كثيرا فذلك من تمايز الأشياء بأضدادها . # فلذلك أعقبه بقوله : { وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين } . وفي هذا ~~الكلام جمع بين طريقي الترغيب والترهيب . # وقليل وصف يلزم الإفراد والتذكير ، مثل كثير ، وقد تقدم ذلك عند قوله ~~تعالى : { وكأين من نبيء قتل معه ربيون كثير في سورة آل عمران ( 146 ) . # والمراد بالمفسدين } الذين أفسدوا أنفسهم بعقيدة الشرك وبأعمال الضلال ، ~~وأفسدوا المجتمع بخالفة الشرائع ، وأفسدوا الناس بإمدادهم بالضلال وصدهم عن ~~الهدى ، ولذلك لم يؤت : ل { المفسدين } بمتعلق لأنه اعتبر صفة ، وقطع عن ~~مشابهة الفعل ، أي الذين عرفوا بالإفساد . وهذا الخطاب مقصود منه الكافرون ~~من قومه ابتداء ، وفيه تذكير للمؤمنين منهم بنعمة الله ، فإنها تشملهم ~~وبالاعتبار بمن مضوا فإنه ينفعهم ، وفي هذا الكلام تعريض بالوعد للمسلمين ~~وبالتسلية لهم على ما يلاقونه من مفسدي أهل الشرك لانطباق حال الفريقين على ~~حال الفريقين من قوم شعيب عليه السلام . # و ( إذ ) في قوله : { إذ كنتم قليلا } اسم زمان ، غير ظرف فهو في محل ~~المفعول به أي اذكروا زمان كنتم قليلا فأعقبه بأن كثركم في مدة قريبة . # و { الطائفة } الجماعة ذات العدد الكثير وتقدمت عند قوله تعالى : { فلتقم ~~طائفة منهم معك في سورة النساء ( 102 ) . # والشرط في قوله : وإن كان طائفة } أفاد تعليق حصول مضمون الجزاء في ~~المستقبل ، أعني ما تضمنه الوعيد للكافرين به والوعد للمؤمنين ، على تحقق ~~حصول مضمون فعل الشرط ، لا على ترقب حصول مضمونه ، لأنه PageV08P249 معلوم ~~الحصول ، فالماضي الواقع فعلا للشرط هنا ماض حقيقي وليس مؤولا بالمستقبل ، ~~كما هو الغالب في وقوع الماضي في سياق الشرط بقرينة كونه معلوم الحصول ، ~~وبقرينة النفي بلم المعطوف على الشرط فإن ( لم ) صريحة في المضي ، وهذا مثل ~~قوله تعالى : { إن كنت قلته فقد علمته } ( المائدة : 116 ) بقرينة . ( قد ) ~~إذ الماضي المدخول لقد لا يقلب إلى معنى المستقبل . فالمعنى : إن تبين ms3148 أن ~~طائفة آمنوا وطائفة كفروا فسيحكم الله بيننا فاصبروا حتى يحكم ويؤول المعنى ~~: إن اختلفتم في تصديقي فسيظهر الحكم بأني صادق . # وليست ( إن ) بمفيدة الشك في وقوع الشرط كما هو الشان ، بل اجتلبت هنا ~~لأنها أصل أدوات الشرط ، وإنما يفيد معنى الشك أو ما يقرب منه إذا وقع ~~العدول عن اجتلاب ( إذا ) حين يصح اجتلابها ، فأما إذا لم يصح اجتلاب ( إذا ~~) فلا تدل ( إن ) على شك وكيف تفيد الشك مع تحقق المضي ، ونظيره قول ~~النابغة : # لئن كنت قد بلغت عني وشاية # لمبلغك الواشي أغش وأكذب # والصبر : حبس النفس في حال الترقب ، سواء كان ترقب محبوب أم ترقب مكروه ، ~~وأشهر استعماله أن يطلق على حبس النفس في حال فقدان الأمر المحبوب ، وقد ~~جاء في هذه الآية مستعملا في القدر المشترك لأنه خوطب به الفريقان : ~~المؤمنون والكافرون ، وصبر كل بما يناسبه ، ولعله رجح فيه حال المؤمنين ، ~~ففيه إيذان بأن الحكم المترقب هو في منفعة المؤمنين ، وقد قال بعض المفسرين ~~: إنه خطاب للمؤمنين خاصة . # و { حتى } تفيد غاية للصبر ، وهي مؤذنة بأن التقدير : وإن كان طائفة منكم ~~آمنوا وطائفة لم يؤمنوا فسيحكم الله بيننا فاصبروا حتى يحكم . # وحكم الله أريد به حكم في الدنيا بإظهار أثر غضبه على أحد الفريقين ورضاه ~~على الذين خالفوهم ، فيظهر المحق من المبطل ، وهذا صدر عن ثقة شعيب عليه ~~السلام بأن الله سيحكم بينه وبين قومه استنادا لوعد PageV08P250 الله إياه ~~بالنصر على قومه ، أو لعلمه بسنة الله في رسله ومن كذبهم بإخبار الله تعالى ~~إياه بذلك ، ولولا ذلك لجاز أن يتأخر الحكم بين الفريقين إلى يوم الحساب ، ~~وليس هو المراد من كلامه لأنه لا يناسب قوله : { فاصبروا } إذا كان خطابا ~~للفريقين ، فإن كان خطابا للمؤمنين خاصة صح إرادة الحكمين جميعا . # وأدخل نفسه في المحكوم بينهم بضمير المشاركة لأن الحكم المتعلق بالفريق ~~الذين آمنوا به يعتبر شاملا له لأنه مؤمن برسالة نفسه . # وجملة : { وهو خير الحاكمين } تذييل بالثناء على الله بأن حكمه عدل محض ~~لا يحتمل الظلم عمدا ولا ms3149 خطأ ، وغيره من الحاكمين يقع منه أحد الأمرين أو ~~كلاهما . # و { خير } : اسم تفضيل أصله أخير فخففوه لكثرة الاستعمال . # PageV08P251 # | 2 ( 88 ، 89 ) { قال الملا الذين استكبروا من قومه لنخرجنك ياشعيب ~~والذين ءامنوا معك من قريتنآ أو لتعودن في ملتنا قال أولو كنا كارهين * قد ~~افترينا على الله كذبا إن عدنا فى ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون ~~لنآ أن نعود فيهآ إلا أن يشآء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما على الله ~~توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين } . ) 2 # كان جوابهم عن حجة شعيب جواب المفحم عن الحجة ، الصائر إلى الشدة ، ~~المزدهي بالقوة ، المتوقعع أن يكثر معاندوه ، فلذلك عدلوا إلى إقصاء شعيب ~~وأتباعه عن بلادهم خشية ظهور دعوته بين قومهم ، وبث أتنباعه دعوته بين ~~الناس ، فلذلك قالوا : { لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا } . # وتفسير صدر الآية هو كتفسير نظيره من قصة ثمود . # وإيثار وصفهم بالاستكبار هنا دون الكفر ، مع أنه لم يحك عنم هنا خطاب ~~المستضعفين ، حتى يكون ذكر الاستكبار إشارة إلى أمهم استضعفوا المؤمنين كما ~~اقتضته قصة ثمود ، فاختير وصف الاستكبار هنا لمناسبة مخاطبتهم شعيبا ~~بالإخراج أو الإكراه على اتباع دينهم ، وذلك من فعل الجبارين أصحاب القوة . # وكان إخراج المغضوب عليه من ديار قبيلته عقوبة متبعة في العرب إذا أجمعت ~~القبيلة على ذلك ويسمى هذا الإخراج عند العرب بالخلع ، والمخرج يسمى خليعا ~~. # قال امرؤ القيس : # به الذئب يعوي كالخليع المعيل # وأكدوا التوعد بلام القسم ونون التوكيد : ليوقن شعيب بأنهم منجزو ذلك ~~الوعيد . PageV09P005 # وخطابهم إياه بالنداء جار على طريقة خطاب الغضب ، كما حكى الله قول آزر ~~خطابا لإبراهيم عليه السلام { أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم } ( مريم : 46 ~~) . # وقوله : { معك } متعلق ب { لنخرجنك } ، ومتعلق { آمنوا } محذوف ، أي بك ، ~~لأنهم لا يصفونهم بالإيمان الحق في اعتقادهم . # والقرية ( المدينة ) لأنها يجتمع بها السكان . والتقري : الاجتماع . وقد ~~تقدم عند قوله تعالى : { أو كالذي مر على قرية } ( البقرة : 259 ) ، ~~والمراد بقريتهم هنا هي ( الأيكة ) وهي ms3150 ( تبوك ) وقد رددوا أمر شعيب ومن ~~معه بين أن يخرجوا من القرية وبين العود إلى ملة الكفر . # وقد جعلوا عود شعيب والذين معه إلى ملة القوم مقسما عليه فقالوا : { أو ~~لتعودن } ولم يقولوا : لنخرجنكم من أرضنا أو تعودن في ملتنا ، لأنهم أرادوا ~~ترديد الأمرين في حيز القسم لأنهم فاعلون أحد الأمرين لا محالة وأنهم ملحون ~~في عودهم إلى ملتهم . # وكانوا يظنون اختياره العود إلى ملتهم ، فأكدوا هذا العود بالقسم للإشارة ~~إلى أنه لا محيد عن حصوله عوضا عن حصول الإخراج لأن أحد الأمرين مرضض ~~للمقسمين ، وأيضا فإن التوكيد مؤذن بأنهم إن أبوا الخروج من القرية فإنهم ~~يكرهون على العود إلى ملة القوم كما دل عليه قول شعيب في جوابهم : { أولو ~~كنا كارهين } ولما كان المقام للتوعد والتهديد كان ذكر الإخراج من أرضهم ~~أهم ، فلذلك قدموا القسم عليه ثم أعقبوه بالمعطوف بحرف ( أو ) . # والعود : الرجوع إلى ما كان فيه المرء من مكان أو عمل ، وجعلوا موافقة ~~شعيب إياهم على الكفر عودا لأنهم يحسبون شعيبا كان على دينهم ، حيث لم ~~يكونوا يعلمون منه ما يخالف ذلك ، فهم يحسبونه ، موافقا لهم من قبل أن يدعو ~~إلى ما دعا إليه . وشأن الذين أرادهم الله للنبوءة أن يكونوا غير مشاركين ~~لأهل الضلال من قومهم ولكنهم يكونون قبل أن يوحى إليهم في حالة خلو عن ~~الإيمان حتى يهديهم الله إليه تدريجا ، وقومهم لا يعلمون باطنهم فلا حيرة ~~في تسمية قومه موافقته إياهم عودا . # وهذا بناء على أن الأنبياء معصومون من الشرك قبل النبوءة ، وذلك قول جميع ~~المتكلمين من المسلمين ، وقد نبه على ذلك عياض في ( الشفاء ) في القسم ~~الثالث وأورد قول شعيب : { إن عدنا في ملتكم } ( الأعراف : 89 ) وتأول ~~العود بأنه المصير ، وذلك تأويل كثير PageV09P006 من المفسرين لهذه الآية . ~~ودليل العصمة من هذا هو كمالهم ، والدليل مبني على أن خلاف الكمال قبل ~~الوحي يعد نقصا ، وليس في الشريعة دليل قاطع على ذلك ، وإنما الإشكال في ~~قول شعيب { إن عدنا في ملتكم } ( الأعراف : 89 ) فوجهه أنه أجراه ms3151 على ~~المشاكلة والتغليب . وكلاهما مصحح لاستعمال لفظ العود في غير معناه بالنسبة ~~إليه خاصة ، وقد تولى شعيب الجواب عمن معه من المؤمنين ليقينه بصدق إيمانهم ~~. # والملة : الدين ، وقد تقدم في قوله تعالى : { ومن يرغب عن ملة إبراهيم ~~إلا من سفه نفسه في سورة البقرة ( 130 ) . # وفصل جملة : قال الملأ } لوقوعها في المحاورة على ما بيناه عند قوله ~~تعالى : { قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها في سورة البقرة ( 30 ) . # فصل جملة { قال . . } لوقوعها في سياق المحاورة . # والاستفهام مستعمل في التعجب تعجبا من قولهم : { أو لتعودن في ملتنا } ~~المؤذنن ما فيه من المؤكدات بأنهم يكرهونهم على المصير إلى ملة الكفر ، ~~وذلك التعجب تمهيد لبيان تصميمه ومن معه على الإيمان ، ليعلم قومه أنه أحاط ~~خبرا بما أرادوا من تخييره والمؤمنين معه بين الأمرين : الإخراج أو الرجوع ~~إلى ملة الكفر ، شأن الخصم اللبيب الذي يأتي في جوابه بما لا يغادر شيئا ~~مما أراده خصمه في حواره ، وفي كلامه تعريض بحماقة خصومه إذ يحاولون حمله ~~على ملتهم بالإكراه ، مع أن شأن المحق أن يشرك للحق سلطانه على النفوس ولا ~~يتوكأ على عصا الضغط والإكراه ، ولذا قال الله تعالى : { لا إكراه في الدين ~~قد تبين الرشد من الغي } ( البقرة : 256 ) . فإن التزام الدين عن إكراه لا ~~يأتي بالغرض المطلوب من التدين وهو تزكية النفس وتكثير جند الحق والصلاح ~~المطلوب . PageV09P007 # والكاره مشتق من كره الذي مصدره الكره بفتح الكاف وسكون الراء وهو ضد ~~المحبة ، فكاره الشيء لا يدانيه إلا مغصوبا ويقال للغصب إكراه ، أي ملجئين ~~ومغصوبين وتقدم في قوله تعالى : { كتب عليكم القتال وهو كره لكم } في سورة ~~البقرة ( 216 ) . # و ( لو ) وصلية تفيد أن شرطها هو أقصى الأحوال التي يحصل معها الفعل الذي ~~في جوابها ، فيكون ما بعدها أحرى بالتعجب . فالتقدير : أتعيدوننا إلى ملتكم ~~ولو كنا كارهين . وقد تقدم تفصيل ( لو ) هذه عند قوله تعالى : { فلن يقبل ~~من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به في سورة آل عمران ( 91 ) . وتقدم ~~معنى الواو الداخلة عليها وأنها ms3152 واو الحال . # واستأنف مرتقيا في الجواب ، فبين استحالة عودهم إلى ملة الكفر بأن العود ~~إليها يستلزم كذبه فيما بلغه عن الله تعالى من إرساله إليهم بالتوحيد فذلك ~~كذب على الله عن عمد ، لأن الذي يرسله الله لا يرجع إلى الكفر ، ويستلزم ~~كذب الذين آمنوا به على الله حيث أيقنوا بأن شعيبا مبعوث من الله بما دلهم ~~على ذلك من الدلائل ، ولذلك جاء بضمير المتكلم المشارك في كل من قوله : ~~افترينا } و { عدنا } و { نجانا } و { نعود } و { ربنا } و { توكلنا } . # والربط بين الشرط وجوابه ربط التبين والانكشاف . لأنه لا يصح تعليق حصول ~~الافتراء بالعود في ملة قومه ، فإن الافتراء المفروض بهذا المعنى سابق ~~متحقق وإنما يكشفه رجوعهم إلى ملة قومهم ، أي إن يقع عودنا في ملتكم فقد ~~تبين أننا افترينا على الله كذبا ، فالماضي في قوله : { افترينا } ماض ~~حقيقي كما يقتضيه دخول { قد } عليه ، وتقديمه على الشرط لأنه في الحالتين ~~لا تقلبه ( إن ) للاستقبال ، أما الماضي الواقع شرطا ل ( إن ) في قوله : { ~~إن عدنا } فهو بمعنى المستقبل لأن ( إن ) تقلب الماضي للمستقبل عكس ( لم ) ~~. # وقوله : { بعد إذ نجانا الله منها } على هذا الوجه ، معناه : بعد إذ ~~هدانا الله للدين الحق الذي اتبعناه بالوحي فنجانا من الكفر ، فذكر الإنجاء ~~لدلالته على الإهداء والإعلان بأن مفارقة الكفر نجاة ، فيكون في الكلام ~~إيجاز حذف أو كناية . # وهذه البعدية ليست قيدا ل { افترينا } ولا هي موجب كون العود في ملتهم ~~دالا على كذبه في الرسالة ، بل هذه البعدية متعلقة ب { عدنا } يقصد منها ~~تفظيع هذا العود وتأييس PageV09P008 الكافرين من عود شعيب وأتباعه إلى ملة ~~الكفر ، بخلاف حالهم الأولى قبل الإيمان فإنهم يوصفون بالكفر لا بالافتراء ~~إذ لم يظهر لهم وجه الحق ، ولذلك عقبه بقوله : { وما يكون لنا أن نعود فيها ~~} أي لأن ذلك لا يقصده العاقل فيلقي نفسه في الضلال والتعرض للعذاب . # وانتصاب { كذبا } على المفعولية المطلقة تأكيدا ل { افترينا } بنا هو ~~ماسو له أو أعم منه ، وقد تقدم نظيره في قوله تعالى : { ولكن ms3153 الذين كفروا ~~يفترون على الله الكذب } في سورة المائدة ( 103 ) . # وقد رتب على مقدمة لزوم الافتراء نتيجة تأييس قومه من أن يعود المؤمنون ~~إلى ملة الكفر بقوله : { وما يكون لنا أن نعود فيها } فنفي العود نفيا ~~مؤكدا بلام الجحود وقد تقدم بيان تأكيد النفي بلام الجحود في قوله تعالى : ~~{ ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب } الخ في سورة آل عمران ( 79 ) . # وقوله : { إلا أن يشاء الله ربنا } تأدب مع الله وتفويض أمره وأمر ~~المؤمنين إليه ، أي : إلا أن يقدر الله لنا العود في ملتكم فإنه لا يسأل ~~عما يفعل ، فأما عود المؤمنين إلى الكفر فممكن في العقل حصوله وليس في ~~الشرعع استحالته ، والارتداد وقع في طوائف من أمم . # وأما ارتداد شعيب بعد النبوءة فهو مستحيل شرعا لعصمة الله للأنبياء ، فلو ~~شاء الله سلب العصمة عن أحد منهم لما ترتب عليه محال عقلا ، ولكنه غير ممكن ~~شرعا ، وقد علمت آنفا عصمة الأنبياء من الشرك قبل النبوءة فعصمتهم منه بعد ~~النبوءة بالأولى ، قال تعالى : { لئن أشركت ليحبطن عملك } ( الزمر : 65 ) ~~على أحد التأويلين . # وفي قول شعيب : { إلا أن يشاء الله ربنا } تقييد عدم العود إلى الكفر ~~بمشيئة الله ، وهو يستلزم تقييد الدوام على الإيمان بمشيئة الله ، لأن عدم ~~العود إلى الكفر مساو للثبات على الإيمان ، وهو تقييد مقصود منه التأدب ~~وتفويض العلم بالمستقبل إلى الله ، والكناية عن سؤال الدوام على الإيمان من ~~الله تعالى كقوله : { ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا } ( آل عمران : 8 ) ~~. # ومن هنا يستدل لقول الأشعري وجماعة على رأسهم محمد بن عبدوس الفقيه ~~PageV09P009 المالكي الجليل أن المسلم يقول : أنا مؤمن إن شاء الله ، لأنه ~~لا يعلم ما يختم له به ، ويضعف قول الماتريدي وطائفة من علماء القيروان على ~~رأسهم محمد بن سحنون أن المسلم لا يقول : أنا مؤمن إن شاء الله ، لأنه ~~متحقق أنه مؤمن فلا يقول كلمة تنبىء عن الشك في إيمانه . # وقد تطاير شرر الخلاف بين ابن عبدوس وأصحابه من جهة ، وابن سحنون وأصحابه ~~من ms3154 جهة ، في القيروان زمانا طويلا ورمى كل فريق الفريق الآخر بما لا يليق ~~بهما ، وكان أصحاب ابن سحنون يدعون ابن عبدوس وأصحابه الشكوكية وتلقفت ~~العامة بالقيسروان هذا الخلاف على غير فهم فربما اجتروا على ابن عبدوس ~~وأصحابة اجتراء وافتراء ، كما ذكره مفصلا عياض في ( المدارك ) في ترجمة ~~محمد بن سحنون ، وترجمة ابن النبان ، والذي حققه الشيخ أبو محمد بن أبي زيد ~~وعياض أن الخلاف لفظي : فإن كان يقول : إن شاء الله ، وسريرته في الإيمان ~~مثل علانيته فلا بأس بذلك ، وإن كان شكا فهو شك في الإيمان ، وليس ذلك ما ~~يريده ابن عبدوس ، وقد قال المحققون : أن الخلاف بين الأشعري والماتريدي في ~~هذه المسألة من الخلاف اللفظي ، كما حققه تاج الدين السبكي في ( منظومته ~~النونية ) ، وتبعه تلميذه نور الدين الشيرازي في ( شرحه ) . ومما يجب ~~التنبيه له أن الخلاف في المسألة إنما هو مفروض في صحة قول المؤمن : أنا ~~مؤمن إن شاء الله ، وأن قوله ذلك هل ينبىء عن شكه في إيمانه ، وليس الخلاف ~~في أنه يجب عليه أن يقول أنا مؤمن إن شاء الله ، عند القائلين بذلك ، بدليل ~~أنهم كثيرا ما يقابلون قول القائلين بالمشيئة بقول الآخرين : أنا مؤمن عند ~~الله ، فرجعت المسألة إلى اختلاف النظر في حالة عقد القلب مع ما هو في علم ~~الله من خاتمته ، وبذلك سهل إرجاع الخلاف إلى الخلاف اللفظي . # والإتيان بوصف الرب وإضافته إلى ضمير المتكلم المشارك : إظهار لحضرة ~~الإطلاق ، وتعريض بأن الله مولى الذين آمنوا . # والخلاف بيننا وبين المعتزلة في جواز مشيئة الله تعالى الكفر والمعاصي ~~خلاف ناشىء عن الخلاف في تحقيق معنى المشيئة والإرادة ، ولكلا الفريقين ~~اصطلاح في PageV09P010 ذلك يخالف اصطلاح الآخر ، والمسألة طفيفة وإن هولها ~~الفريقان ، واصطلاحنا أسعد بالشريعة وأقرب إلى اللغة ، والمسألة كلها من ~~فروع مسألة التكليف وقدرة المكلف . # وقوله : { وسع ربنا كل شيء علما } تفويض لعلم الله ، أي إلا أن يشاء ذلك ~~فهو أعلم بمراده منا ، وإعادة وصف الربوبية إظهار في مقام الإضمار لزيادة ~~إظهار وصفه بالربوبية ، وتأكيد التعريض المتقدم ms3155 ، حتى يصير كالتصريح . # وانتصب { علما } على التمييز المحول عن الفاعل لقصد الإجمال ثم التفصيل ~~للاهتمام . # وانتصب { كل شيء } على المفعول به ل { وسع } ، أي : وسع علم ربنا كل شيء ~~. # والسعة : مستعملة مجازا في الإحاطة بكل شيء لأن الشيء الواسع يكون أكثر ~~إحاطة . # وفي هذه المجادلة إدماج تعليم بعض صفات الله لأتباعه وغيرهم على عادة ~~الخطباء في انتهاز الفرصة . # ثم أخبر بأنه ومن تبعه قد توكلوا على الله ، والتوكل : تفويض مباشرة صلاح ~~المرء إلى غيره ، وقد تقدم عند قوله تعالى : { فإذا عزمت فتوكل على الله في ~~آل عمران ( 159 ) ، وهذا تفويض يقتضي طلب الخير ، أي : رجونا أن لا يسلبنا ~~الإيمان الحق ولا يفسد خلق عقولنا وقلوبنا فلا نفتن ونضل ، ورجونا أن ~~يكفينا شر من يضمر لنا شرا وذلك شر الكفرة المضمر لهم ، وهو الفتنة في ~~الأهل بالإخراج ، وفي الدين بالإكراه على إتباع الكفر . # وتقديم الجار والمجرور على فعل توكلنا } لإفادة الاختصاص تحقيقا لمعنى ~~التوحيد ونبذ غير الله ، ولما في قوله : { على الله توكلنا } من التفويض ~~إليه في كفايتهم أمر أعدائهم ، صرح بما يزيد ذلك بقوله : { ربنا افتح بيننا ~~وبين قومنا بالحق } . وفسروا الفتح هنا بالقضاء والحكم ، وقالوا : هو لغة ~~أزد عمان من اليمن ، أي احكم بيننا وبينهم ، وهي مأخوذة من الفتح بمعنى ~~النصر لأن العرب كانوا لا يتحاكمون لغير السيف ، ويحسبون أن النصر حكم الله ~~للغالب على المغلوب . # وقوله : { وأنت خير الفاتحين } هو كقوله : { وهو خير الحاكمين } ( ~~الأعراف : 87 ) ، أي PageV09P011 وأنت خير الناصرين ، وخير الحاكمين هو ~~أفضل أهل هذا الوصف ، وهو الذي يتحقق فيه كمال هذا الوصف فيما يقصد منه وفي ~~فائدته بحيث لا يشتبه عليه الحق بالباطل ولا تروج عليه الترهات . والحكام ~~مراتب كثيرة ، فتبين وجه التفضيل في قوله : { وهو خير الحاكمين } ( الأعراف ~~: 87 ) وكذلك القياس في قوله : { خير الناصرين } ( آل عمران : 150 ) و { ~~خير الماكرين } ( آل عمران : 54 ) وقد تقدم في سورة آل عمران ( 150 ) : { ~~بل الله مولاكم وهو خير الناصرين . # # | 2 ( 90 92 ) وقال الملا الذين كفروا من ms3156 قومه لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا ~~لخاسرون * فأخذتهم الرجفة فأصبحوا فى دارهم جاثمين * الذين كذبوا شعيبا كأن ~~لم يغنوا فيها الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين } . ) 2 # عطفت جملة : { وقال الملأ } ولم تفصل كما فصلت التي قبلها لانتهاء ~~المحاورة المقتضية فصل الجمل في حكاية المحاورة ، وهذا قول أنف وجه فيه ~~الملأ خطابهم إلى عامة قومهم الباقين على الكفر تحذيرا لهم من اتباع شعيب ~~خشية عليهم من أن تحيك في نفوسهم دعوة شعيب وصدق مجادلته ، فلما رأوا حجته ~~ساطعة ولم يستطيعوا الفلج عليه في المجادلة ، وصمموا على كفرهم ، أقبلوا ~~على خطاب الحاضرين من قومهم ليحذروهم من متابعة شعيب ويهددوهم بالخسارة . # وذكر { الملأ } إظهار في مقام الإضمار لبعد المعاد . وإنما وصف الملأ ~~بالموصول وصلته دون أن يكتفي بحرف التعريف المقتضي أن الملأ الثاني هو ~~الملأ المذكور قبله ، لقصد زيادة ذم الملأ بوصف الكفر ، كما ذم فيما سبق ~~بوصف الاستكبار . # ووصف { الملأ } هنا بالكفر لمناسبة الكلام المحكي عنهم ، الدال على ~~تصلبهم في PageV09P012 كفرهم ، كما وصفوا في الآية السابقة بالاستكبار ~~لمناسبة حال مجادلتهم شعيبا ، كما تقدم ، فحصل من الآيتين أنهم مستكبرون ~~كافرون . # والمخاطب في قوله : { لئن اتبعتم شعيبا } هم الحاضرون حين الخطاب لدى ~~الملإ ، فحكي كلام الملأ كما صدر منهم ، والسياق يفسر المعنيين بالخطاب ، ~~أعني عامة قوم شعيب الباقين على الكفر . # ( واللام ) موطئة للقسم . و { إنكم إذا لخاسرون } جواب القسم وهو دليل ~~على جواب الشرط محذوف ، كما هو الشأن في مثل هذا التركيب . # والخسران تقدم عند قوله تعالى : { قد خسر الذين قتلوا أولادهم في سورة ~~الأنعام ( 140 ) . وهو مستعار لحصول الضر من حيث أريد النفع ، والمراد به ~~هنا التحذير من أضرار تحصل لهم في الدنيا من جراء غضب آلهتهم عليهم ، لأن ~~الظاهر أنهم لا يعتقدون البعث ، فإن كانوا يعتقدونه ، فالمراد الخسران ~~الأعم ، ولكن الأهم عندهم هو الدنيوي . # ( والفاء ) في : فأخذتهم الرجفة } للتعقيب ، أي : كان أخذ الرجفة إياهم ~~عقب قولهم لقومهم ما قالوا . # وتقدم تفسير : { فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين } في نظيرها من ~~قصة ms3157 ثمود . # والرجفة التي أصابت أهل مدين هي صواعق خرجت من ظلة ، وهي السحابة ، قال ~~تعالى في سورة الشعراء ( 189 ) . { فأخذهم عذاب يوم الظلة } ، وقد عبر عن ~~الرجفة في سورة هود بالصيحة فتعين أن تكون من نوع الأصوات المنشقة عن قالع ~~ومقلوع لا عن قارع ومقروع وهو الزلزال ، والأظهر أن يكون أصابهم زلزال ~~وصواعق فتكون الرجفة الزلزال والصيحة الصاعقة كما يدل عليه قوله : { كأن لم ~~يغنوا فيها } . # وجملة : { الذين كذبوا شعيبا } مستأنفة ابتدائية ، والتعريف بالموصولية ~~للإيماء إلى وجه بناء الخبر ، وهو أن اضمحلالهم وانقطاع دابرهم كان جزاء ~~لهم على تكذيبهم شعيبا . PageV09P013 # ومعنى : { كأن لم يغنوا فيها } تشبيه حالة استيصالهم وعفاء آثارهم بحال ~~من لم تسبق لهم حياة ، يقال : غنى بالمكان كرضي أقام ، ولذلك سمي مكان ~~القوم مغنى . قال ابن عطية : ( الذي استقريت من أشعار العرب أن غنى معناه : ~~أقام إقامة مقترنة بتنعم عيش ويشبه أن تكون مأخوذة من الاستغناء ) أي كأن ~~لم تكن لهم إقامة ، وهذا إنما يعنى به انمحاء آثارهم كما قال : { فجعلناها ~~حصيدا كأن لم تغن بالأمس } ( يونس : 24 ) ، وهو يرجح أن يكون أصابهم زلزال ~~مع الصواعق بحيث احترقت أجسادهم وخسف لهم في الأرض وانقلبت ديارهم في باطن ~~الأرض ولم يبق شيء أو بقي شيء قليل . فهذا هو وجه التشبيه ، وليس وجه ~~التشبيه حالة موتهم لأن ذلك حاصل في كل ميت ولا يختص بأمثال مدين ، وهذا ~~مثل قوله تعالى : { فهل ترى لهم من باقية } ( الحاقة : 8 ) . # وتقديم المسند إليه في قوله : { الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين } ~~إذا اعتبرت { كانوا } فعلا ، واعتبر المسند فعليا فهو تقديم لإفادة تقوي ~~الحكم ، وإن اعتبرت ( كان ) بمنزلة الرابطة ، وهو الظاهر ، فالتقوي حاصل من ~~معنى الثبوت الذي تفيده الجملة الاسمية . # والتكرير لقوله : { الذين كذبوا شعيبا } للتعديد وإيقاظ السامعين ، وهم ~~مشركو العرب ، ليتقوا عاقبة أمثالهم في الشرك والتكذيب على طريقة التعريض ، ~~كما وقع التصريح بذلك في قوله تعالى : { وللكافرين أمثالها } ( محمد : 10 ) ~~. # وضمير الفصل في قوله : { كانوا هم الخاسرين } يفيد القصر وهو قصر إضافي ، ~~أي ms3158 دون الذين اتبعوا شعيبا ، وذلك لإظهار سفه قول الملإ للعامة { لئن ~~اتبعتم شعيبا إنكم إذن لخاسرون } توقيفا للمعتبرين بهم على تهافت أقوالهم ~~وسفاهة رأيهم ، وتحذيرا لأمثالهم من الوقوع في ذلك الضلال . # # | 2 ( 93 ) { فتولى عنهم وقال ياقوم لقد أبلغتكم رسالات ربى ونصحت لكم ~~فكيف ءاسى على قوم كافرين } . ) 2 # تقدم تفسير نظير هذه الآية إلى قوله : { ونصحت لكم } من قصة ثمود ، وتقدم ~~PageV09P014 وجه التعبير ب { رسالات } بصيغة الجمع في نظيرها من قصة قوم ~~نوح . # ونداؤه قومه نداء تحسر وتبرىء من عملهم ، وهو مثل قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم بعد وقعة بدر ، حين وقف على القليب الذي ألقي فيه قتلى المشركين ~~فناداهم بأسماء صناديدهم ثم قال : ( لقد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ~~ما وعدكم ربكم حقا ) وجاء بالاستفهام الإنكاري في قوله : { فكيف آسى على ~~قوم كافرين } مخاطبا نفسه على طريقة التجريد ، إذ خطر له خاطر الحزن عليهم ~~فدفعه عن نفسه بأنهم لا يستحقون أن يؤسف عليهم لأنهم اختاروا ذلك لأنفسهم ، ~~ولأنه لم يترك من تحذيرهم ما لو ألقاه إليهم لأقلعوا عما هم فيه فلم يبق ما ~~يوجب أسفه وندامته كقوله تعالى : { فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم ~~يؤمنوا بهذا الحديث أسفا } ( الكهف : 6 ) وقوله : { فلا تذهب نفسك عليهم ~~حسرات } ( فاطر : 8 ) . # فالفاء في { فكيف آسى على قوم كافرين } للتفريع على قوله : { لقد أبلغتكم ~~} الخ . . . فرع الاسستفهام الإنكاري على ذلك لأنه لما أبلغهم ونصح لهم ~~وأعرضوا عنه ، فقد استحقوا غضب من يغضب لله ، وهو الرسول ، ويرى استحقاقهم ~~العقاب فكيف يحزن عليهم لما أصابهم من العقوبة . # والأسى : شدة الحزن ، وفعله كرضي ، و ( آسى ) مضارع مفتتح بهمزة التكلم ، ~~فاجتمع همزتان . # ويجوز أن يكون الاستفهام الإنكاري موجها إلى نفسه في الظاهر ، والمقصود ~~نهي من معه من المؤمنين عن الأسى على قومهم الهالكين ، إذ يجوز أن يحصل في ~~نفوسهم حزن على هلكى قومهم وإن كانوا قد استحقوا الهلاك . # وقوله : { على قوم كافرين } إظهار في مقام الإضمار : ليتأتى وصفهم بالكفر ~~زيادة في تعزية ms3159 نفسه وترك الحزن عليهم . # وقد نجى الله شعيبا مما حل بقومه بأن فارق ديار العذاب ، قيل : إنه خرج ~~مع من آمن به إلى مكة واستقروا بها إلى أن توفوا ، والأظهر أنهم سكنوا محلة ~~خاصة بهم في بلدهم رفع الله عنها العذاب ، فإن بقية مدين لم يزالوا بأرضهم ~~، وقد ذكرت التوراة أن شعيبا كان بأرض قومه حينما مرت بنو إسرائيل على ~~ديارهم في خروجهم من مصر . # PageV09P015 # | 2 ( 94 ، 95 ) { ومآ أرسلنا فى قرية من نبى إلا أخذنا أهلها بالبأسآء ~~والضرآء لعلهم يضرعون * ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس ~~ءاباءنا الضرآء والسرآء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون } . ) 2 # عطفت الواو جملة { ما أرسلنا } على جملة { وإلى مدين أخاهم شعيبا } ( ~~الأعراف : 85 ) ، عطف الأعم على الأخص . لأن ما ذكر من القصص ابتداء من ~~قوله تعالى : { لقد أرسلنا نوحا إلى قومه } ( الأعراف : 59 ) كله ، القصد ~~منه العبرة بالأمم الخالية موعظة لكفار العرب فلما تلا عليهم قصص خمس أمم ~~جاء الآن بحكم كلي يعم سائر الأمم المكذبة على طريقة قياس التمثيل ، أو ~~قياس الاستقراء الناقص ، وهو أشهر قياس يسلك في المقامات الخطابية ، وهذه ~~الجمل إلى قوله : { ثم بعثنا من بعدهم موسى } ( يونس : 75 ) كالمعترضة بين ~~القصص ، للتنبيه على موقع الموعظة ، وذلك هو المقصود من تلك القصص ، فهو ~~اعتراض ببيان المقصود من الكلام وهذا كثير الوقوع في اعتراض الكلام . # وعدي { أرسلنا } ب ( في ) دون ( إلى ) لأن المراد بالقرية حقيقتها ، وهي ~~لا يرسل إليها وإنما يرسل فيها إلى أهلها ، فالتقدير : وما أرسلنا في قرية ~~من نبيء إلى أهلها إلا أخذنا أهلها فهو كقوله تعالى : { وما كان ربك مهلك ~~القرى حتى يبعث في أمها رسولا } ( القصص : 59 ) ولا يجري في هذا من المعنى ~~ما يجري في قوله تعالى الآتي قريبا : { وأرسل في المدائن حاشرين } ( ~~الأعراف : 111 ) إذ لا داعي إليه هنا . # و { من } مزيد للتنصيص على العموم المستفاد من وقوع النكرة في سياق النفي ~~، وتخصيص القرى بإرسال الرسل فيها دون البوادي كما أشارت إليه ms3160 هذه الآية ~~وغيرها من آي القرآن ، وشهد به تاريخ الأديان ، ينبىء أن مراد الله تعالى ~~من إرسال الرسل هو بث الصلاح لأصحاب الحضارة التي يتطرق إليها الخلل بسبب ~~اجتماع الأصناف المختلفة ، وإن أهل البوادي لا يخلون عن الإنحياز إلى القرى ~~والإيواء في حاجاتهم المدنية إلى القرى القريبة ، فأما مجيء نبيء غير رسول ~~لأهل PageV09P016 البوادي فقد جاء خالد بن سنان نبيا في بني عبس ، وأما ~~حنظلة بن صفوان نبيء أهل الرس فالأظهر أنه رسول لأن الله ذكر أهل الرسل في ~~عداد الأمم المكذبة ، وقد قيل : إنه ظهر بقرية الرس التي تسمى أيضا ( فتح ) ~~بالمهملة أو ( فتخ ) بالمعجمة أو ( فيج ) بتحتية وجيم ، أو فلج ( بلام وجيم ~~) من اليمامة . # والاستثناء مفرغ من أحوال ، أي ما أرسلنا نبيا في قرية في حال من الأحوال ~~إلا في حال أننا أخذنا أهلها بالبأساء ، وقد وقع في الكلام إيجاز حذف دل ~~عليه قوله : { لعلهم يضرعون } فإنه يدل على أنهم لم يضرعوا قبل الأخذ ~~بالبأساء والضراء ، فالتقدير : وما أرسلنا في قرية من نبيء إلا كذبه أهل ~~القرية فخوفناهم لعلهم يذلون لله ويتركون العناد الخ . . . # والأخذ : هنا مجاز في التناول والإصابة بالمكروه الذي لا يستطاع دفعه ، ~~وهو معنى الغلبة ، كما تقدم في قوله تعالى : { ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك ~~فأخدناهم بالبأساء والضراء في سورة الأنعام ( 42 ) . # وقوله : بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون } تقدم ما يفسرها في قوله : { ~~ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون في ~~سورة الأنعام ( 42 ) . ويفسر بعضها أيضا في قوله : والصابرين في البأساء ~~والضراء في سورة البقرة ( 177 ) . # واستغنت جملة الحال الماضوية على الواو و ( قد ) بحرف الاستثناء ، فلا ~~يجتمع مع ( قد ) إلا نادرا ، أي : ابتدأناهم بالتخويف والمصائب لتفل من ~~حدتهم وتصرف تأملهم إلى تطلب أسباب المصائب فيعلموا أنها من غضب الله عليهم ~~فيتوبوا . # والتبديل : التعويض ، فحقه أن يتعدى إلى المفعول الثاني بالباء المفيدة ~~معنى البدلية ويكون ذلك المفعول الثاني المدخول للباء هو المتروك ، ~~والمفعول الأول هو المأخوذ ، كما في قوله تعالى ms3161 : قال أتستبدلون الذي هو ~~أدنى بالذي هو خير في سورة البقرة ( 61 ) ، وقوله : ولا تتبدلوا الخبيث ~~بالطيب في سورة النساء ( 2 ) ، لذلك انتصب الحسنة } هنا لأنها المأخوذة لهم ~~بعد السيئة فهي المفعول الأول والسيئة هي المتروكة ، وعدل عن جر السيئة ~~بالباء إلى لفظ يؤدي مؤدى باء البدلية وهو PageV09P017 لفظ ( مكان ) ~~المستعمل ظرفا مجازا عن الخلفية ، يقال خذ هذا مكان ذلك ، أي : خذه خلفا عن ~~ذلك لأن الخلف يحل في مكان المخلوف عنه ، ومن هذا القبيل قول امرىء القيس : # وبدلت قرحا داميا بعد نعمة # فجعل ( بعد ) عوضا عن باء البدلية . # فقوله : { مكان } منصوب على الظرفية مجازا ، أي : بدلناهم حسنة في مكان ~~السيئة ، والحسنة اسم اعتبر مؤنثا لتأويله بالحالة والحادثة وكذلك السيئة ~~فهما في الأصل صفتان لموصوف محذوف ، ثم كثر حذف الموصوف لقلة جدوى ذكره ~~فصارت الصفتان كالاسمين ، ولذلك عبر عن الحسنة في بعض الآيات بما يتلمح منه ~~معنى وصفيتها نحو قوله تعالى : { ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي ~~هي أحسن } ( فصلت : 34 ) أي : ادفع السيئة بالحسنة ، فلما جاء بطريقة ~~الموصولية والصلة بأفعل التفضيل تلمح معنى الوصفية فيهما ، وكذلك قوله ~~تعالى : { ادفع بالتي هي أحسن السيئة } ( فصلت : 34 ) . ومثلهما في هذا ~~المصيبة ، كما في قوله تعالى في سورة براءة ( 50 ) : { إن تصبك حسنة تسؤهم ~~وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل أي : بدلناهم حالة حسنة ~~بحالتهم السيئة وهي حالة البأساء والضراء . # فالتعريف تعريف الجنس ، وهو مشعر بأنهم أعطوا حالة حسنة بطيئة النفع لا ~~تبلغ مبلغ البركة . # وحتى } غاية لما يتضمنه { بدلنا } من استمرار ذلك وهي ابتدائية ، والجملة ~~التي بعدها لا محل لها . # و { عفوا } كثروا . يقال : عفا النبات ، إذا كثر ونما ، وعطف { وقالوا } ~~على { عفوا } فهو من بقية الغاية . # والسراء : النعمة ورخاء العيش ، وهي ضد الضراء . # والمعنى أنا نأخذهم بما يغير حالهم التي كانوا فيها من رخاء وصحة عسى أن ~~يعلموا أن سلب النعمة عنهم أمارة على غضب الله عليهم من جراء تكذيبهم ~~رسولهم فلا يهتدون ، ثم نردهم إلى ms3162 حالتهم الأولى إمهالا لهم واستدراجا ~~فيزدادون ضلالا ، فإذا رأوا ذلك تعللوا لما أصابهم من البؤس والضر بأن ذلك ~~التغيير إنما هو عارض من عوارض PageV09P018 الزمان وأنه قد أصاب أسلافهم من ~~قبلهم ولم يجئهم رسل . # وهذه عادة الله تعالى في تنبيه عباده ، فإنه يحب منهم التوسم في الأشياء ~~والاستدلال بالعقل والنظر بالمسببات على الأسباب ، كما قال تعالى : { أو لا ~~يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون } ( ~~التوبة : 126 ) لأن الله لما وهب الإنسان العقل فقد أحب منه أن يستعمله ~~فيما يبلغ به الكمال ويقيه الضلال . # وظاهر الآية : أن هذا القول صادر بألسنتهم وهو يكون دائرا فيما بين بعضهم ~~وبعض في مجادلتهم لرسلهم حينما يعظونهم بما حل بهم ويدعونهم إلى التوبة ~~والإيمان ليكشف عنهم الضر . # ويجوز أن يكون هذا القول أيضا : يجيش في نفوسهم ليدفعوا بذلك ما يخطر ~~ببالهم من توقع أن يكون ذلك الضر عقابا من الله تعالى ، وإذ قد كان محكيا ~~عن أمم كثيرة كانت له أحوال متعددة بتعدد ميادين النفوس والأحوال . # وحاصل ما دفعوا به دلالة الضراء على غضب الله أن مثل ذلك قد حل بآبائهم ~~الذين لم يدعهم رسول إلى توحيد الله ، وهذا من خطأ القياس وفساد الاستدلال ~~، وذلك بحصر الشيء ذي الأسباب المتعددة في سبب واحد ، والغفلة عن كون ~~الأسباب يخلف بعضها بعضا ، مع الغفلة عن الفارق في قياس حالهم على حال ~~آبائهم بأن آباءهم لم يأتهم رسل من الله ، وأما أقوام الرسل فإن الرسل ~~تحذرهم الغضب والبأساء والضراء فتحيق بهم ، أفلا يدلهم ذلك على أن ما حصل ~~لهم هو من غضب الله عليهم ، على أن غضب الله ليس منحصر الترتب على معصية ~~الرسول بل يكون أيضا عن الانغماس في الضلال المبين ، مع وضوح أدلة الهدى ~~للعقول ، فإن الإشراك ضلال ، وأدلة التوحيد واضحة للعقول ، فإذا تأيدت ~~الدلالة بإرسال الرسل المنذرين قويت الضلالة باستمرارها ، وانقطاع أعذارها ~~، ومثل هذا الخطأ يعرض للناس بداعي الهوى وإلف حال الضلال . # والفاء في قوله : { فأخذناهم ms3163 } للتعقيب عن قوله : { عفوا } ، و { قالوا } ~~، باعتبار كونهما غاية لإبدال الحسنة مكان السيئة ، ولا إشعار فيه بأن ~~قولهم ذلك هو سبب أخذهم PageV09P019 بغتة ولكنه دل على إصرارهم ، أي : فحصل ~~أخذنا إياهم عقب تحسن حالهم وبطرهم النعمة . # والتعقيب عرفي فيصدق بالمدة التي لا تعد طولا في العادة لحصول مثل هذه ~~الحوادث العظيمة . # والأخذ هنا بمعنى الإهلاك كما في قوله تعالى : { أخذهم بغتة فإذا هم ~~مبلسون في سورة الأنعام ( 44 ) . # والبغتة : الفجأة ، وتقدمت عند قوله تعالى : حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة ~~} ( الأنعام : 31 ) ، وفي قوله : { حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة ~~في سورة الأنعام ( 44 ) ، وتقدم هنالك وجه نصبها . # وجملة : وهم لا يشعرون } حال مؤكدة لمعنى { بغتة } . # # | 2 ( 96 99 ) { ولو أن أهل القرى ءامنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من ~~السمآء والارض ولاكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون * أفأمن أهل القرى أن ~~يأتيهم بأسنا بياتا وهم نآئمون * أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم ~~يلعبون * أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون } . ) 2 # عطفت جملة { ولو أن أهل القرى } على جملة : { وما أرسلنا في قرية من نبيء ~~إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء } ( الأعراف : 94 ) أي : ما أرسلنا في ~~قرية نبيئا فكذبه أهلها إلا نبهناهم واستدرجناهم ثم عاقبناهم ، ولو أن أهل ~~تلك القرى المهلكة آمنوا بما جاءهم به رسولهم واتقوا ربهم لما أصبناهم ~~بالبأساء ولأحييناهم حياة البركة ، أي : ما ظلمهم الله ولكنهم ظلموا أنفسهم ~~. # وشرط ( لو ) الامتناعية يحصل في الزمن الماضي ، ولما جاءت جملة شرطها ~~PageV09P020 مقترنة بحرف ( أن ) المفيد للتأكيد والمصدرية ، وكان خبر ( أن ~~) فعلا ماضيا توفر معنى المضي في جملة الشرط . والمعنى : لو حصل إيمانهم ~~فيما مضى لفتحنا عليهم بركات . # والتقوى : هي تقوى الله بالوقوف عند حدوده وذلك بعد الإيمان . # والتعريف في { القرى } تعريف العهد ، فإضافة { أهل } إليه تفيد عمومه ~~بقدر ما أضيف هو إليه ، وهذا تصريح بما أفهمه الإيجاز في قوله : { وما ~~أرسلنا في قرية من نبيء إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء } ( الأعراف : 94 ~~) الآية ms3164 كما تقدم ، وتعريض بإنذار الذين كذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم من ~~أهل مكة ، وتعريض ببشارة أهل القرى الذين يؤمنون كأهل المدينة ، وقد مضى في ~~صدر تفسير هذه السورة ما يقرب أنها من آخر ما نزل بمكة ، وقيل ، إن آيات ~~منها نزلت بالمدينة كما تقدم وبذلك يظهر موقع التعريض بالنذارة والبشارة ~~للفريقين من أهل القرى ، وقد أخذ الله أهل مكة بعد خروج المؤمنين منها ~~فأصابهم بسبع سنين من القحط ، وبارك لأهل المدينة وأغناهم وصرف عنهم الحمى ~~إلى الجحفة ، والجحفة يومئذ بلاد شرك . # والفتح : إزالة حجز شيء حاجز عن الدخول إلى مكان ، يقال : فتح الباب وفتح ~~البيت ، وتعديته إلى البيت على طريقة التوسع ، وأصله فتح للبيت ، وكذلك ~~قوله هنا : { لفتحنا عليهم بركات } وقوله : { ما يفتح الله للناس من رحمة ~~فلا ممسك لها } ( فاطر : 2 ) ، ويقال : فتح كوة ، أي : جعلها فتحة ، والفتح ~~هنا استعارة للتمكين ، كما تقدم في قوله تعالى : { فلما نسوا ما ذكروا به ~~فتحنا عليهم أبواب كل شيء في سورة الأنعام ( 44 ) . # وتعدية فعل الفتح إلى البركات هنا استعارة مكنية بتشبيه البركات بالبيوت ~~في الانتفاع بما تحتويه ، فهنا استعارتان مكنية وتبعية ، وقرأ ابن عامر : ~~لفتحنا } بتشديد التاء وهو يفيد المبالغة . # والبركات : جمع بركة ، والمقصود من الجمع تعددها ، باعتبار تعدد أصناف ~~الأشياء المباركة . وتقدم تفسير البركة عند قوله تعالى : { وهذا كتاب ~~أنزلناه مبارك } في سورة الأنعام ( 92 ) . وتقدم أيضا في قوله تعالى : { إن ~~أول بيت وضع للناس للذي PageV09P021 بمكة مباركا } في سورة آل عمران ( 96 ) ~~. وتقدم أيضا في قوله تعالى : { تبارك الله رب العالمين في هذه السورة ( 54 ~~) ، وجماع معناها هو الخير الصالح الذي لا تبعة عليه في الآخرة فهو أحسن ~~أحوال النعمة ، ولذلك عبر في جانب المغضوب عليهم المستدرجين بلفظ الحسنة } ~~بصيغة الإفراد في قوله : { مكان السيئة الحسنة وفي ج } ( الأعراف : 95 ) ~~انب المؤمنين بالبركات مجموعة . # وقوله : { من السماء والأرض } مراد به حقيقته ، لأن ما يناله الناس من ~~الخيرات الدنيوية لا يعدو أن يكون ناشئا من الأرض ، وذلك معظم المنافع ms3165 ، أو ~~من السماء مثل ماء المطر وشعاع الشمس وضوء القمر والنجوم والهواء والرياح ~~الصالحة . # وقوله : { ولكن كذبوا } استثناء لنقيض شرط ( لو ) فإن التكذيب هو عدم ~~الإيمان فهو قياس استثنائي . # وجملة : { فأخذناهم } متسببة على جملة : { ولكن كذبوا } وهو مثل نتيجة ~~القياس ، لأنه مساوي نقيضض التالي ، لأن أخذهم بما كسبوا فيه عدم فتح ~~البركات عليهم . # وتقدم معنى الأخذ آنفا في قوله تعالى : { فأخذناهم بغتة } ( الأعراف : 95 ~~) ، والمراد به أخذ الاستئصال . # والباء للسببية أي بسبب ما كسبوه من الكفر والعصيان . # ( والفاء ) في قوله : { أفأمن أهل القرى } عاطفة أفادت الترتب الذكري ، ~~فإنه لما ذكر من أحوال جميعهم ما هو مثار التعجيب من حالهم أعقبه بما يدل ~~عليه معطوفا بفاء الترتب . ومحل التعجيب هو تواطؤهم على هذا الغرور ، أي ~~يترتب على حكاية تكذيبهم وأخذهم استفهام التعجيب من غرورهم وأمنهم غضب ~~القادر العليم . # وقد تقدم الكلام على مثل هذا التركيب عند قوله تعالى : { أفكلما جاءكم ~~رسول } في سورة البقرة ( 87 ) . # وجيء بقوله : { يأتيهم } بصيغة المضارع لأن المراد حكاية أمنهم الذي مضى ~~من إتيان بأس الله في مستقبل ذلك الوقت . PageV09P022 # وقوله : { أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون } قرأه نافع ~~، وابن كثير ، وابن عامر ، وأبو جعفر بسكون الواو على أنه عطف بحرف ( أو ) ~~الذي هو لأحد الشيئين عطفا على التعجيب ، أي : هو تعجيب من أحد الحالين . ~~وقرأه الباقون بفتح الواو على أنه عطف بالواو مقدمة عليه همزة الاستفهام ، ~~فهو عطف استفهام ثان بالواو المفيدة للجمع ، فيكون كلا الاستفهامين مدخولا ~~لفاء التعقيب ، على قول جمهور النحاة ، وأما على رأي الزمخشري فيتعين أن ~~تكون الواو للتقسيم ، أي تقسيم الاستفهام إلى استفهامين ، وتقدم ذكر ~~الرأيين عند قوله تعالى : { أفكلما جاءكم رسول في سورة البقرة ( 87 ) . # وبياتا } تقدم معناه ووجه نصبه عند قوله تعالى : { وكم من قرية أهلكناها ~~فجاءها بأسنا بياتا في أول هذه السورة ( 4 ) . # والضحى بالضم مع القصر هو في الأصل اسم لضوء الشمس إذا أشرق وارتفع ، ~~وفسره الفقهاء بأن ترتفع الشمس قيد رمح ، ويرادفه الضحوة ms3166 والضحو . # والضحى يذكر ويؤنث ، وشاع التوقيت به عند العرب ومن قبلهم ، قال تعالى ~~حكاية عن موسى : قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى } ( طه : 59 ) . # وتقييد التعجيب من أمنهم مجيء البأس ، بوقتي البيات والضحى ، من بين سائر ~~الأوقات ، وبحالي النوم واللعب ، من بين سائر الأحوال ، لأن الوقتين أجدر ~~بأن يحذر حلول العذاب فيهما ، لأنهما وقتان للدعة ، فالبيات للنوم بعد ~~الفراغ من الشغل . والضحى للعب قبل استقبال الشغل ، فكان شأن أولي النهى ~~المعرضين عن دعوة رسل الله أن لا يأمنوا عذابه ، بخاصة في هذين الوقتين ~~والحالين . # وفي هذا التعجيب تعريض بالمشركين المكذبين للنبيء صلى الله عليه وسلم أن ~~يحل بهم ما حل بالأمم الماضية ، فكان ذكر وقت البيات ، ووقت اللعب ، أشد ~~مناسبة بالمعنى التعريضي ، . تهديدا لهم بأن يصيبهم العذاب بأفظع أحواله ، ~~إذ يكون حلوله بهم في ساعة دعتهم وساعة لهوهم نكاية بهم . # وقوله : { أفأمنوا مكر الله } تكرير لقوله : { أفأمن أهل القرى } قصد منه ~~تقرير التعجيب من غفلتهم ، وتقرير معنى التعريض بالسامعين من المشركين ، مع ~~زيادة PageV09P023 التذكير بأن ما حل بأولئك من عذاب الله يماثل هيئة مكر ~~الماكر بالممكور فلا يحسبوا الإمهال إعراضا عنهم ، وليحذروا أن يكون ذلك ~~كفعل الماكر بعدوه . # والمكر حقيقته : فعل يقصد به ضر أحد في هيئة تخفى أو هيئة يحسبها منفعة . ~~وهو هنا استعارة للإمهال والإنعام في حال الإمهال ، فهي تمثيلية ، شبه حال ~~الإنعام مع الإمهال وتعقيبه بالانتقام بحال المكر ، وتقدم في سورة آل عمران ~~( 54 ) عند قوله : { ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين } . # وقوله : { فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون } مترتب ومتفرع عن ~~التعجيب في قوله : { أفأمنوا مكر الله } لأن المقصود منه تفريع أن أهل ~~القرى المذكورين خاسرون لثبوت أنهم أمنوا مكر الله ، والتقدير : أفأمنوا ~~مكر الله فهم قوم خاسرون . # وإنما صيغ هذا التفريع بصيغة تعم المخبر عنهم وغيرهم ليجري مجرى المثل ~~ويصير تذييلا للكلام ، ويدخل فيه المعرض بهم في هذه الموعظة وهم المشركون ~~الحاضرون ، والتقدير : فهم قوم خاسرون ، إذ لا يأمن مكر الله إلا ms3167 القوم ~~الخاسرون . # والخسران هنا هو إضاعة ما فيه نفعهم بسوء اعتقادهم ، شبه ذلك بالخسران ~~وهو إضاعة التاجر رأس ماله بسوء تصرفه ، لأنهم باطمئنانهم إلى السلامة ~~الحاضرة ، وإعراضهم عن التفكر فيما يعقبها من الأخذ الشبيه بفعل الماكر قد ~~خسروا الانتفاع بعقولهم وخسروا أنفسهم . # وتقدم قوله تعالى : { الذين خسروا أنفسهم في سورة الأنعام ( 12 ) ، وقوله ~~: فأولئك الذين خسروا أنفسهم في أول السورة ( 9 ) . # وتقدم أن إطلاق المكر على أخذ الله مستحقي العقاب بعد إمهالهم : أن ذلك ~~تمثيل عند قوله تعالى : ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين } في سورة آل ~~عمران ( 54 ) . # واعلم أن المراد بأمن مكر الله في هذه الآية هو الأمن الذي من نوع أمن ~~أهل القرى المكذبين ، الذي ابتدىء الحديث عنه من قوله : { وما أرسلنا في ~~قرية من بنيء إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون } ( الأعراف : ~~94 ) ثم قوله : { أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا } الآياتت ، وهو ~~الأمن الناشىء عن تكذيب خبر الرسول صلى الله عليه وسلم ، وعن الغرور بأن ~~دين الشرك هو الحق فهو أمن PageV09P024 ناشىء عن كفر ، والمأمون منه هو ~~وعيد الرسل إياهم وما أطلق عليه أنه مكر الله . # ومن الأمن من عذاب الله أصناف أخرى تغاير هذا الأمن ، وتتقارب منه ، ~~وتتباعد ، بحسب اختلاف ضمائر الناس ومبالغ نياتهم ، فأما ما كان منها ~~مستندا لدليل شرعي فلا تبعة على صاحبه ، وذلك مثل أمن المسلمين من أمثال ~~عذاب الأمم الماضية المستند إلى قوله تعالى : { وما كان الله معذبهم وهم ~~يستغفرون } ( الأنفال : 33 ) ، وإلى قول النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل ~~قوله تعالى : { قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم } فقال ~~النبي عليه الصلاة والسلام : أعوذ بسبحات وجهك الكريم { أو من تحت أرجلكم } ~~فقال : أعوذ بسبحات وجهك الكريم { أو يلبسكم شيعا } ( الأنعام : 65 ) الآية ~~فقال : هذه أهون ) كما تقدم في تفسيرها في سورة الأنعام ومثل ، أمن أهل بدر ~~من عذاب الآخرة لقول النبي صلى الله عليه وسلم ( ما يدريك لعل الله اطلع ~~على أهل بدر ms3168 فقال : ( اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ) في قصة حاطب بن أبي ~~بلتعة . # ومثل إخبار النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن سلام أنه لا يزال آخذا ~~بالعروة الوثقى ، ومثل الأنبياء فإنهم آمنون من مكر الله بإخبار الله إياهم ~~بذلك ، وأولياء الله كذلك ، قال تعالى : { ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ~~ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون } ( يونس : 62 ، 63 ) فمن العجيب ~~ما ذكره الخفاجي أن الحنفية قالوا : الأمن من مكر الله كفر لقوله تعالى : { ~~فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون } . # والأمن مجمل ومكر الله تمثيل والخسران مشكك الحقيقة . وقال الخفاجي : ~~الأمن من مكر الله كبيرة عند الشافعية ، وهو الاسترسال على المعاصي اتكالا ~~على عفو الله وذلك مما نسبه الزركشي في ( شرح جمع الجوامع ) إلى ولي الدين ~~، وروى البزار وابن أبي حاتم عن ابن عباس : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~سئل : ما الكبائر فقال : الشرك بالله واليأس من روح الله والأمن من مكر ~~الله ) ، ولم أقف على مبلغ هذا الحديث من الصحة ، وقد ذكرنا غير مرة أن ما ~~يأتي في القرآن من الوعيد لأهل الكفر على أعمال لهم مراد منه أيضا تحذير ~~المسلمين مما يشبه تلك الأعمال بقدر اقتراب شبهه . # PageV09P025 # | 2 ( 100 ) { أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلهآ أن لو نشآء ~~أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون } . ) 2 # عطفت على جملة : { أفأمن أهل القرى } ( الأعراف : 97 ) لاشتراك مضمون ~~الجملتين في الاستفهام التعجيبي ، فانتقل عن التعجيب من حال الذين مضوا إلى ~~التعجيب من حال الأمة الحاضرة ، وهي الأمة العربية الذين ورثوا ديار الأمم ~~الماضية فسكنوها : مثل أهل نجران ، وأهل اليمن ، ومن سكنوا ديار ثمود مثل ~~بلي ، وكعب ، والضجاغم ، وبهراء ، ومن سكنوا ديار مدين مثل جهينة ، وجرم ، ~~وكذلك من صاروا قبائل عظيمة فنالوا السيادة على القبائل : مثل قريش ، وطي ، ~~وتميم ، وهذيل . فالموصول بمنزلة لام التعريف العهدي ، وقد يقصد بالذين ~~يرثون الأرض كل أمة خلفت أمة قبلها ، فيشمل عادا وثمودا ، فقد قال لكل ~~نبيهم ms3169 { واذكروا إذ جلعكم خلفاء } ( الأعراف : 74 ) الخ ولكن المشركين من ~~العرب يومئذ مقصودون في هذا ابتداء . فالموصول بمنزلة لام الجنس . # والاستفهام في قوله : { أو لم يهد } مستعمل في التعجيب . مثل الذي في ~~قوله : { أفأمن أهل القرى } ( الأعراف : 97 ) تعجيبا من شدة ضلالتهم إذ ~~عدموا الاهتداء والاتعاظ بحال من قبلهم من الأمم ، ونسوا أن الله قادر على ~~استئصالهم إذا شاءه . # والتعريف في الأرض تعريف الجنس ، أي يرثون أي أرض كانت منازل لقوم قبلهم ~~، وهذا إطلاق شائع في كلام العرب ، يقولون هذه أرض طيء ، وفي حديث الجنازة ~~( من أهل الأرض ) أي من السكان القاطنين بأرضهم لا من المسلمين الفاتحين ~~فالأرض بهذا المعنى اسم جنس صادق على شائع متعدد ، فتعريفه تعريف الجنس ، ~~وبهذا الإطلاق جمعت على أرضين ، فالمعنى : أو لم يهد للذين يرثون أرضا من ~~بعد أهلها . # والإرث : مصير مال الميت إلى من هو أولى به ، ويطلق مجازا على مماثلة ~~الحي ميتا في صفات كانت له ، من عزأ وسيادة ، كما فسر به قوله تعالى حكاية ~~عن زكرياء { فهب لي من لدنك وليا يرثني } ( مريم : 5 ، 6 ) أي يخلفني في ~~النبوءة ، وقد يطلق على القدر PageV09P026 المشترك بين المعنيين ، وهو مطلق ~~خلافة المنقرضض . وهو هنا محتمل للإطلاقين ، لأنه إن أريد بالكلام أهل مكة ~~فالإرث بمعناه المجازي ، وإن أريد أهل مكة والقبائل التي سكنت بلاد الأمم ~~الماضية فهو مستعمل في القدر المشترك ، وهو كقوله تعالى : { أن الأرض يرثها ~~عبادي الصالحون } ( الأنبياء : 105 ) وأيا ما كان فقيد { من بعد أهلها } ~~تأكيد لمعنى { يرثون } ، يراد منه تذكير السامعين بما كان فيه أهل الأرض ~~الموروثة من بحبوحة العيش ، ثم ما صاروا إليه من الهلاك الشامل العاجل ، ~~تصويرا للموعظة بأعظم صورة فهو كقوله تعالى : { ويستخلفكم في الأرض فينظر ~~كيف تعملون } ( الأعراف : 129 ) . # ومعنى { لم يهد } لم يرشد ويبين لهم ، فالهداية أصلها تبيين الطريق ~~للسائر ، واشتهر استعمالهم في مطلق الإرشاد : مجازا أو استعارة كقوله تعالى ~~: { اهدنا الصراط المستقيم } ( الفاتحة : 6 ) . وتقدم أن فعلها يتعدى إلى ~~مفعولين ، وأنه يتعدى إلى الأول منهما ms3170 بنفسه وإلى الثاني تارة بنفسه وأخرى ~~بالحرف : اللام أو ( إلى ) ، فلذلك كانت تعديته إلى المفعول الأول باللام ~~في هذه الآية إما لتضمينه معنى يبين ، وإما لتقوية تعلق معنى الفعل ~~بالمفعول كما في قولهم : شكرت له ، وقوله تعالى : { فهب لي من لدنك وليا } ~~( مريم : 5 ) ، ومثل قوله تعالى : { أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من ~~القرون يمشون في مساكنهم في سورة طه ( 128 ) . # وأن } مخففة من ( أن ) واسمها ضمير الشأن ، وجملة { لو نشاء } خبرها . ~~ولما كانت ( أن ) المفتوحة الهمزة من الحروف التي تفيد المصدرية على ~~التحقيق لأنها مركبة من ( إن ) المكسورة المشددة ، ومن ( أن ) المفتوحة ~~المخففة المصدرية لذلك عدت في الموصولات الحرفية وكان ما بعدها مؤولا بمصدر ~~منسبك من لفظ خبرها إن كان مفردا مشتقا ، أو من الكون إن كان خبرها جملة ، ~~فموقع { أن لو نشاء أصبناهم } موقع فاعل { يهد } ، والمعنى : أو لم يبين ~~للذين يخلفون في الأرض بعد أهلها كون الشأن المهم وهو لو نشاء أصبناهم ~~بذنوبهم كما أصبنا من قبلهم . # وهؤلاء هم الذين أشركوا بالله وكذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم # والإصابة : نوال الشيء المطلوب بتمكن فيه . فالمعنى : أن نأخذهم أخذا لا ~~يفلتون منه . والباء في { بذنوبهم } للسببية ، وليست لتعدية فعل { أصبناهم ~~} . PageV09P027 # وجملة : { أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم } واقعة موقع مفرد ، هو فاعل { يهد ~~} ، ف ( إن ) مخففة من الثقيلة وهي من حروف التأكيد والمصدرية واسمها في ~~حالة التخفيف ، ضمير شأن مقدر ، وجملة شرط ( لو ) وجوابه خبر ( أن ) . # و ( لو ) حرف شرط يفيد تعليق امتناع حصول جوابه لأجل امتناع حصول شرطه : ~~في الماضي ، أو في المستقبل ، وإذ قد كان فعل الشرط هنا مضارعا كان في معنى ~~الماضي ، إذ لا يجوز اختلاف زمني فعلي الشرط والجواب ، وإنما يخالف بينهما ~~في الصورة لمجرد التفنن كراهية تكرير الصورة الواحدة ، فتقدير قوله : { لو ~~نشاء أصبناهم } انتفى أخذنا إياهم في الماضي بذنوب تكذيبهم ، لأجل انتفاء ~~مشيئتنا ذلك لحكمة إمهالهم لا لكونهم أعز من الأمم البائدة أو أفضل حالا ~~منهم ، كما قال تعالى : { فينظروا كيف كان ms3171 عاقبة الذين كانوا من قبلهم ~~كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم } ( غافر : 21 ~~) الآية ، وفي هذا تهديد بأن الله قد يصيبهم بذنوبهم في المستقبل ، إذ لا ~~يصده عن ذلك غالب ، والمعنى : أغرهم تأخر العذاب مع تكذيبهم فحسبوا أنفسهم ~~في منعة منه ، ولم يهتدوا إلى أن انتفاء نزوله بهم معلق على انتفاء مشيئتنا ~~وقوعه لحكمة ، فما بينهم وبين العذاب إلا أن نشاء أخذهم ، والمصدر الذي ~~تفيده ( أن ) المخففة ، إذا كان اسمها ضمير شأن ، يقدر ثبوتا متصيدا مما في ~~( أن ) وخبرها من النسبة المؤكدة ، وهو فاعل { يهد } فالتقدير في الآية : ~~أو لم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها ثبوت هذا الخبر المهم وهو { لو ~~نشاء أصبناهم بذنوبهم } . # والمعنى : اعجبوا كيف لم يهتدوا إلى أن تأخير العذاب عنهم هو بمحض ~~مشيئتنا وأنه يحق عليهم عندما نشاؤه . # وجملة : { ونطبع على قلوبهم } ليست معطوفة على جملة : { أصبناهم } حتى ~~تكون في حكم جواب ( لو ) لأن هذا يفسد المعنى ، فإن هؤلا الذين ورثوا الأرض ~~من بعد أهلها قد طبع على قلوبهم فلذلك لم تجد فيهم دعوة محمد صلى الله عليه ~~وسلم منذ بعث إلى زمن نزول هذه السورة ، فلو كان جوابا ل ( لو ) لصار الطبع ~~على قلوبهم PageV09P028 ممتنعا وهذا فاسد ، فتعين : إما أن تكون جملة { ~~ونطبع } معطوفة على جملة الاستفهام برمتها فلها حكمها من العطف على أخبار ~~الأمم الماضية والحاضرة . # والتقدير : وطبعنا على قلوبهم ، ولكنه صيغ بصيغة المضارع للدلالة على ~~استمرار هذا الطبع وازدياده آنا فآنا ، وإما أن تجعل ( الواو ) للاستئناف ~~والجملة مستأنفة ، أي : ونحن نطبع على قلوبهم في المستقبل كما طبعنا عليها ~~في الماضي ، ويعرف الطبع عليها في الماضي بأخبار أخرى كقوله تعالى : { إن ~~الذين كفروا سواء عليهم } ( البقرة : 6 ) الآية ، فتكون الجملة تذييلا ~~لتنهية القصة ، ولكن موقع الواو في أول الجملة يرجح الوجه الأول ، وكأن ~~صاحب ( المفتاح ) يأبى اعتبار الاستئناف من معاني الواو . # وجملة : { فهم لا يسمعون } معطوفة بالفاء على { نطبع } متفرعا عليه ، ~~والمراد بالسماع فهم مغزى المسموعات لا ms3172 استكاك الآذان ، بقرينة قوله : { ~~ونطبع على قلوبهم } . وتقدم معنى الطبع عند قوله تعالى : { بل طبع الله ~~عليها بكفرهم في سورة النساء ( 155 ) . # # | 2 ( 101 ، 102 ) تلك القرى نقص عليك من أنبآئها ولقد جآءتهم رسلهم ~~بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على قلوب ~~الكافرين * وما وجدنا لاكثرهم من عهد وإن وجدنآ أكثرهم لفاسقين } . ) 2 # لما تكرر ذكر القرى التي كذب أهلها رسل الله بالتعيين وبالتعميم ، صارت ~~للسامعين كالحاضرة المشاهدة الصالحة لأن يشار إليها ، فجاء اسم الإشارة ~~لزيادة إحضارها في أذهان السامعين من قوم محمد صلى الله عليه وسلم ليعتبروا ~~حالهم بحال أهل القرى ، فيروا أنهم سواء فيفيئوا إلى الحق . # وجملة : { تلك القرى } مستأنفة استئناف الفذلكة لما قبلها من القصص من ~~قوله : { لقد أرسلنا نوحا إلى قومه } ( الأعراف : 59 ) ثم قوله تعالى : { ~~وما أرسلنا في قرية من نبيء } ( الأعراف : 94 ) الآية . # و { القرى } يجوز أن يكون خبرا عن اسم الإشارة لأن استحضار القرى في ~~PageV09P029 الذهن بحيث صارت كالمشاهد للسامع ، فكانت الإشارة إليها إشارة ~~عبرة بحالها ، وذلك مفيد للمقصود من الإخبار عنها باسمها لمن لا يجهل الخبر ~~كقوله تعالى : { هذا ما كنزتم لأنفسكم } ( التوبة : 35 ) أي هذا الذي ~~تشاهدونه تكوون به هو كنزكم ، وهم قد علموا أنه كنزهم ، وإنما أريد من ~~الإخبار بأنه كنزهم إظهار خطإ فعلهم ، ويجوز أن يكون القرى بيانا لاسم ~~الإشارة . # وجملة : { نقص عليك من أنبائها } إما حال من { القرى } على الوجه الأول . # وفائدة هذه الحال الامتنان بذكر قصصها ، والاستدلال على نبوءة محمد صلى ~~الله عليه وسلم إذ علمه الله من علم الأولين ما لم يسبق له علمه ، والوعد ~~بالزيادة من ذلك ، لما دل عليه قوله : { نقص } من التجدد والاستمرار ، ~~والتعريض بالمعرضين عن الإتعاظ بأخبارها . # وإما خبر عن اسم الإشارة على الوجه الثاني في محمل قوله : { القرى } . # و ( من ) تبعيضية لأن لها أنباء غير ما ذكر هنا مما ذكر بعضه في آيات ~~أخرى وطوى ذكر بعضه لعدم الحاجة إليه في التبليغ . # والأنباء : الأخبار ، وقد تقدم ms3173 في قوله تعالى : { ولقد جاءك من نبإ ~~المرسلين في سورة الأنعام ( 34 ) . # والمراد بالقرى وضمير أنبائها : أهلها ، كما دل عليه الضمير في قوله : ~~رسلهم . # وجملة : ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات } عطف على جملة : { تلك القرى } ~~لمناسبة ما في كلتا الجملتين من قصد التنظير بحال المكذبين بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم # وجمع ( البينات ) يشير إلى تكرر البينات مع كل رسول ، والبينات : الدلائل ~~الدالة على الصدق وقد تقدمت عند قوله تعالى : { قد جاءتكم بينة من ربكم } ~~في قصة ثمود في هذه السورة ( 73 ) . # ( والفاء ) في قوله : { فما كانوا ليؤمنوا } لترتيب الإخبار بانتفاء ~~إيمانهم عن الإخبار بمجيء الرسل إليهم بما من شأنه أن يحملهم على الإيمان . # وصيغة { ما كانوا ليؤمنوا } تفيد مبالغة النفي بلام الجحود الدالة على أن ~~حصول الإيمان كان منافيا لحالهم من التصلب في الكفر . وقد تقدم وجه دلالة ~~لام الجحود PageV09P030 على مبالغة النفي عند قوله تعالى : { ما كان لبشر ~~أن يؤتيه الله الكتاب الآية في سورة آل عمران ( 79 ) . والمعنى : فاستمر ~~عدم إيمانهم وتمكن منهم الكفر في حين كان الشأن أن يقلعوا عنه . # وما كذبوا } موصول وصلته وحذف العائد المجرور على طريقة حذف أمثاله إذا ~~جر الموصول بمثل الحرف المحذوف ، ولا يشترط اتحاد متعلقي الحرفين على ما ~~ذهب إليه المحققون منهم الرضي كما في هذه الآية . # وما صدق ( ما ) الموصولة : ما يدل عليه { كذبوا } ، أي : فما كانوا ~~ليؤمنوا بشيء كذبوا به من قبل مما دعوا إلى الإيمان به من التوحيد والبعث . ~~وشأن ( ما ) الموصولة أن يراد بها غير العاقل ، فلا يكون ما صدق ( ما ) هنا ~~الرسل ، بل ما جاءت به الرسل ، فلذلك كان فعل { كذبوا } هنا مقدرا متعلقه ~~لفظ ( به ) كما هو الفرق بين كذبه وكذب به ، قال تعالى : { فكذبوه فأنجيناه ~~} ( الأعراف : 64 ) وقال : { وكذب به قومك وهو الحق } ( الأنعام : 66 ) ~~وحذف المتعلق هنا إيجازا ، لأنه قد سبق ذكر تكذيب أهل القرى ، ابتداء من ~~قوله تعالى : { وما أرسلنا في قرية من بنيء إلا أخذنا أهلها بالبأساء ~~والضراء لعلهم يضرعون } ( الأعراف : 94 ms3174 ) وقد سبق في ذلك قوله : { ولكن ~~كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون } ( الأعراف : 96 ) ولهذا لم يحذف متعلق ~~فعل { كذبوا } في نظير هذه الآية من سورة يونس . # والمعنى : ما أفادتهم البينات أن يؤمنوا بشيء كان بدر منهم التكذيب به في ~~ابتداء الدعوة ، فالمضاف المحذوف الذي دل عليه بناء { قبل } على الضم ~~تقديره : من قبلل مجيء البينات . # وأسند نفي الإيمان إلى ضمير جميع أهل القرى باعتبار الغالب ، وهو استعمال ~~كثير ، وسيخرج المؤمنون منهم بقوله : { وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا ~~أكثرهم لفاسقين } . # ومعنى قولهن : { كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين } مثل ذلك الطبع ~~العجيب المستفاد من حكاية استمرارهم على الكفر ، والمؤذن به فعل { يطبع } ، ~~وقد تقدم نظائره غير مرة ، منها عند قوله تعالى : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا ~~في سورة البقرة ( 143 ) . # وتقدم معنى الطبع عند قوله تعالى : بل طبع الله عليها بكفرهم في سورة ~~النساء ( 155 ) . PageV09P031 # وإظهار المسند إليه في جملة يطبع الله } دون الإضمار : لما في إسناد ~~الطبع إلى الاسم العلم من صراحة التنبيه على أنه طبع رهيب لا يغادر للهدى ~~منفذا إلى قلوبهم كقوله تعالى : { هذا خلق الله } ( لقمان : 11 ) دون أن ~~يقول : هذا خلقي ، ولهذا اختير له الفعل المضارع الدال على استمرار الختم ~~وتجدده . # والقلوب : العقول ، والقلب ، في لسان العرب : من أسماء العقل ، وتقدم عند ~~قوله تعالى : { ختم الله على قلوبهم في سورة البقرة ( 7 ) . # والتعريف في الكافرين } تعريف الجنس ، مفيد للاستغراق ، أي : جميع ~~الكافرين ممن ذكر وغيرهم . # وفي قوله : { ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات } إلى آخر الآية ، تسلية لمحمد ~~صلى الله عليه وسلم بأن ما لقيه من قومه هو سنة الرسل السابقين ، وأن ذلك ~~ليس لتقصير منه ، ولا لضعف آياته ، ولكنه للختم على قلوب كثير من قومه . # وعطفت جملة : { وما وجدنا لأكثرهم من عهد } على جملة : { ولقد جاءتهم ~~رسلهم } وما رتب عليها من قوله : { فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل } ~~تنبيها على رسوخ الكفر من نفوسهم بحيث لم يقلعه منهم لا ما شاهدوه من ~~البينات ، ولا ما ms3175 وضعه الله في فطرة الإنسان من اعتقاد وجود إلاه واحد ~~وتصديق الرسل الداعين إليه ، ولا الوفاء بما عاهدوا عليه الرسل عند الدعوة ~~: إنهم إن أتوهم بالبينات يؤمنون بها . # والوجدان في الموضعين مجاز في العلم ، فصار من أفعال القلوب ، ونفيه في ~~الأول كناية عن انتفاء العهد بالمعنى المقصود ، أي : وفائه ، لأنه لو كان ~~موجودا لعلمه من شأنه أن يعلمه ويبحث عنه عند طلب الوفاء به ، لا سيما ~~والمتكلم هو الذي لا تخفى عليه خافية كقوله : { قل لا أجد فيما أوحي إلي ~~محرما } ( الأنعام : 145 ) الآية ، أي لا محرم إلا ما ذكر ، فمعنى { وما ~~وجدنا لأكثرهم من عهد } ما لأكثرهم عهد . # والعهد : الالتزام والوعد المؤكد وقوعه ، والموثق بما يمنع من إخلافه : ~~من يمين ، أو ضمان ، أو خشية مسبة ، وهو مشتق من عهد الشيء بمعنى عرفه ، ~~لأن الوعد المؤكد يعرفه ملتزمه ويحرص أن لا ينساه . # ويسمى إيقاع ما التزمه الملتزم من عهده الوفاء بالعهد ، فالعهد هنا يجوز ~~أن يراد PageV09P032 به الوعد الذي حققه الأمم لرسلهم مثل قولهم : فأننا ~~بآية إن كنت من الصادقين ، فإن معنى ذلك : إن أتيتنا بآية صدقناك . ويجوز ~~أن يراد به وعد وثقه أسلاف الأمم من عهد آدم أن لا يعبدوا إلا الله وهو ~~المذكور في قوله تعالى : { ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان ~~} ( يس : 60 ) الآية ، فكان لازما لأعقابهم . # ويجوز أن يراد به ما وعدت به أرواح البشر خالقها في الأزل المحكي في قوله ~~تعالى : { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ~~ألست بربكم قالوا بلى شهدنا } ( الأعراف : 172 ) الآية . وهو عبارة عن خلق ~~الله فطرة البشرية معتقدة وجود خالقها ووحدانيته ، ثم حرفتها النزعات ~~الوثنية والضلالات الشيطانية . # ووقوع اسم هذا الجنس في سياق النفي يقتضي انتفاءه بجميع المعاني الصادق ~~هو عليها . # ومعنى انتفاء وجدانه . هو انتفاء الوفاء به ، لأن أصل الوعد ثابت موجود ، ~~ولكنه لما كان تحققه لا يظهر إلا في المستقبل ، وهو الوفاء ، جعل انتفاء ~~الوفاء بمنزلة انتفاء الوقوع ms3176 ، والمعنى على تقدير مضاف ، أي : ما وجدنا ~~لأكثرهم من وفاء عهد . # وإنما عدي عدم وجدان الوفاء بالعهد في { أكثرهم } للإشارة إلى إخراج ~~مؤمني كل أمة من هذا الذم ، والمراد بأكثرهم ، أكثر كل أمة منهم ، لا أمة ~~واحدة قليلة من بين جميع الأمم . # وقوله : { وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين } إخبار بأن عدم الوفاء بالعهد من ~~أكثرهم كان منهم عن عمد ونكث ، ولكون ذلك معنى زائدا على ما في الجملة التي ~~قبلها عطفت ولم تجعل تأكيدا للتي قبلها أو بيانا ، لأن الفسق هو عصيان ~~الأمر ، وذلك أنهم كذبوا فيما وعدوا عن قصد للكفر . # و ( إن ) مخففة من الثقيلة ، وبعدها مبتدأ محذوف هو ضمير الشأن ، والجملة ~~خبر عنه تنويها بشأن هذا الخبر ليعلمه السامعون . # واللام الداخلة في خبر { وجدنا } لام ابتداء ، باعتبار كون ذلك الخبر ~~خبرا من جملة هي خبر عن الاسم الواقع بعد ( إن ) ، وجلبت اللام للتفرقة بين ~~المخففة والنافية . # وقد تقدم نظير هذا عند قوله تعالى : { وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين } ~~( آل عمران : 164 ) . PageV09P033 # وأسند حكم النكث إلى أكثر أهل القرى ، تبينا لكون ضمير { فما كانوا ~~ليؤمنوا } جرى على التغليب ، ولعل نكتة هذا التصريح في خصوص هذا الحكم أنه ~~حكم مذمة ومسبة ، فناسبت محاشاة من لم تلتصق به تلك المسبة . # # | 2 ( 103 ) { ثم بعثنا من بعدهم موسى بئاياتنآ إلى فرعون وملإيه فظلموا ~~بها فانظر كيف كان عاقبة المفسدين } . ) 2 # انتقال من أخبار الرسالات السابقة إلى أخبار رسالة عظيمة لأمة باقية إلى ~~وقت نزول القرآن فضلها الله بفضله فلم توف حق الشكر وتلقت رسولها بين طاعة ~~وإباء وانقياد ونفار ، فلم يعاملها الله بالاستيصال ولكنه أراها جزاء مختلف ~~أعمالها ، جزاء وفاقا ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر . # وخصت بالتفضيل قصة إرسال موسى لما تحتوي عليه من الحوادث العظيمة ، ~~والأنباء القيمة ، ولأن رسالته جاءت بأعظم شريعة بين يدي شريعة الإسلام ، ~~وأرسل رسولها هاديا وشارعا تمهيدا لشريعة تأتي لأمة أعظم منها تكون بعدها ، ~~ولأن حال المرسل إليهم أشبه بحال من أرسل إليهم محمد صلى ms3177 الله عليه وسلم ~~فإنهم كانوا فريقين كثيرين اتبع أحدهم موسى وكفر به الآخر ، كما اتبع محمدا ~~عليه السلام جمع عظيم وكفر به فريق كثير ، فأهلك الله من كفر ونصر من آمن . # وقد دلت { ثم } على المهلة : لأن موسى عليه السلام بعث بعد شعيب بزمن ~~طويل ، فإنه لما توجه إلى مدين حين خروجه من مصر ، رجا الله أن يهديه فوجد ~~شعيبا ، وكان اتصاله به ومصاهرته تدريجا له في سلم قبول الرسالة عن الله ~~تعالى فالمهلة باعتبار مجموع الأمم المحكي عنها قبل ، فإن منها ما بينه ~~وبين موسى قرون مثل قوم نوح ، ومثل عاد وثمود ، وقوم لوط ، فالمهلة التي ~~دلت عليها { ثم } متفاوتة المقدار ، مع ما يقتضيه عطف الجملة بحرف { ثم } ~~من التراخي الرتبي وهو ملازم لها إذا عطفت بها الجمل . فحرف ( ثم ) هنا ~~مستعمل في معنيي المهلة الحقيقي والمجازي . # والضمير في قوله : { من بعدهم } يعود إلى القرى ، باعتبار أهلها ، كما ~~عادت PageV09P034 عليهم الضمائر في قوله { ولقد جاءتهم رسلهم } الآيتين ( ~~الأعراف : 101 ) . # والباء في { بآياتنا } للملابسة ، وهي في موضع الحال من موسى ، أي : ~~مصحوبا بآيات منا ، والآيات : الدلائل على صدق الرسول ، وهي المعجزات ، قال ~~تعالى : { قال إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا ~~هي ثعبان مبين } ( الأعراف : 106 ، 107 ) . # و { فرعون } علم جنس لملك مصر في القديم ، أي : قبل أن يملكها اليونان ، ~~وهو اسم من لغة القبط . قيل : أصله في القبطية ( فاراه ) ولعل الهاء فيه ~~مبدلة عن العين فإن ( رع ) اسم الشمس فمعنى ( فاراه ) نور الشمس لأنهم ~~كانوا يعبدون الشمس فجعلوا ملك مصر بمنزلة نور الشمس ، لأنه يصلح الناس ، ~~نقل هذا الاسم عنهم في كتب اليهود وانتقل عنهم إلى العربية ، ولعله مما ~~أدخله الإسلام ، وهذا الاسم نظير ( كسرى ) لملك ملوك الفرس القدماء ، و ( ~~قيصر ) لملك الروم ، و ( نمروذ ) لملك كنعان ، و ( النجاشي ) لملك الحبش ، ~~و ( تبع ) لملك ملوك اليمن ، و ( خان ) لملك الترك . # واسم فرعون الذي أرسل موسى إليه : منفطاح الثاني ، أحد ملوك العائلة ~~التاسعة عشرة ms3178 من العائلات التي ملكت مصر ، على ترتيب المؤرخين من الإفرنج ~~وذلك في سنة 1491 قبل ميلاد المسيح . # والملأ : الجماعة من علية القوم ، وتقدم قريبا ، وهم وزراء فرعون وسادة ~~أهل مصر من الكهنة وقواد الجند ، وإنما خص فرعون وملأه لأنهم أهل الحل ~~والعقد الذين يأذنون في سراح بني إسرائيل ، فإن موسى بعثه الله إلى بني ~~إسرائيل ليحررهم من الرق الذي كانوا فيه بمصر ، ولما كان خروجهم من مصر ~~متوقفا على أمر فرعون وملئه بعثه الله إليهم ليعلموا أن الله أرسل موسى ~~بذلك ، وفي ضمن ذلك تحصل دعوة فرعون للهدى ، لأن كل نبيء يعلن التوحيد ~~ويأمر بالهدى ، وإن كان المأمور من غير المبعوث إليهم حرصا على الهدى إلا ~~أنه لا يقيم فيهم ولا يكرر ذلك ، والفاء في قوله : { فظلموا } للتعقيب أي ~~فبادروا بالتكذيب . # والظلم : الاعتداء على حق الغير ، فيجوز أن يكون { فظلموا } هنا على أصل ~~وضعه وتكون الباء للسببية ، وحذف مفعول ( ظلموا ) لقصد العموم ، والمعنى : ~~فظلموا كل من له حق في الانتفاع بالآيات ، أي منعوا الناس من التصديق بها ~~وآذوا الذين PageV09P035 آمنوا بموسى لما رأوا آياته ، كما قال تعالى : { ~~قال فرعون أآمنتم به قبل أن آذن لكم إلى قوله لأقطعن أيديكم وأرجلكم من ~~خلاف } ( الأعراف : 123 ، 124 ) الآية . # وظلموا أنفسهم إذ كابروا ولم يؤمنوا ، فكان الظلم بسبب الآيات أي بسبب ~~الاعتراف بها . # ويجوز أن يكون ضمن { ظلموا } معنى كفروا فعدي إلى الآيات بالباء ، ~~والتقدير : فظلموا إذ كفروا بها ، لأن الكفر بالآيات ظلم حقيقة ، إذ الظلم ~~الاعتداء على الحق فمن كفر بالدلائل الواضحة المسماة ( آيات ) فقد اعتدى ~~على حق التأمل والنظر . # والفاء في قوله : { فانظر } لتفريع الأمر على هذا الإخبار ، أي : لا ~~تتريث عند سماع خبر كفرهم عن أن تبادر بالتدبر فيما سنقص عليك من عاقبتهم . # والمنظور هو عاقبتهم التي دل عليها قوله : { فأغرقناهم في اليم بأنهم ~~كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين } ( الأعراف : 136 ) وهذا النظر نظر ~~العقل وهو الفكر المؤدي إلى العلم فهو من أفعال القلوب . # والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم ms3179 والمراد هو ومن يبلغه ، أو المخاطب ~~غير معين وهو كل من يتأتى منه النظر والاعتبار عند سماع هذه الآيات ، ~~فالتقدير : فانظر أيها الناظر ، وهذا استعمال شائع في كل كلام موجه لغير ~~معين . # ولما كان ما آل إليه أمر فرعون وملئه حالة عجيبة ، عبر عنه ب ( كيف ) ~~الموضوعة للسؤال عن الحال ، والاستفهام المستفاد من ( كيف ) يقتضي تقدير ~~شيء ، أي : انظر عاقبة المفسدين التي يسأل عنها بكيف . # وعلق فعل النظر عن العمل لمجيء الاستفهام بعده ، فصار التقدير : فانظر ، ~~ثم افتتح كلاما بجملة { كيف كان عاقبة المفسدين } ، والتقدير في أمثاله أن ~~يقدر : فانظر جواب كيف كان عاقبة المفسدين . # والعاقبة : آخر الأمر ونهايته ، وقد تقدم عند قوله تعالى : { قل سيروا في ~~الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين } في سورة الأنعام ( 11 ) . # والمراد بالمفسدين : فرعون وملأه ، فهو من الإظهار في مقام الإضمار ~~تنبيها على أنهم أصيبوا بسوء العاقبة لكفرهم وفسادهم ، والكفر أعظم الفساد ~~لأنه فساد PageV09P036 القلب ينشأ عنه فساد الأعمال ، وفي الحديث : ( ألا ~~وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي ~~القلب ) . # $ 2 ( 104 108 ) { لله وقال موسى يافرعون إنى رسول من رب العالمين * حقيق ~~على أن لا أقول على الله إلا الحق قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معى بنى & # 1764 إسراءيل * قال إن كنت جئت بئاية فأت بهآ إن كنت من الصادقين * فألقى ~~عصاه فإذا هى ثعبان مبين * ونزع يده فإذا هى بيضآء للناظرين } . ) 2 $ # عطف قول موسى بالواو ، ولم يفصل عما قبله ، مع أن جملة هذا القول بمنزلة ~~البيان لجملة { بعثنا من بعدهم موسى } ( الأعراف : 103 ) ، لأنه لما كان ~~قوله : { بآياتنا } ( الأعراف : 103 ) حالا من موسى فقد فهم أن المقصود ~~تنظير حال الذين أرسل إليهم موسى بحال الأمم التي مضى الإخبار عنها في ~~المكابرة على التكذيب ، مع ظهور آيات الصدق ، ليتم بذلك تشابه حال الماضين ~~مع حال الحاضرين المكذبين بمحمد صلى الله عليه وسلم فجعلت حكاية محاورة ~~موسى مع فرعون وملئه خبرا مستقلا ms3180 لأنه لم يحك فيه قوله المقارن لإظهار ~~الآية بل ذكرت الآية من قبل ، بخلاف ما حكي في القصص التي قبلها فإن حكاية ~~أقوال الرسل كانت قبل ذكر الآية ، ولأن القصة هنا قد حكي جميعها باختصار ~~بجمل { بعثنا } ( الأعراف : 103 ) ، { فظلموا } ( الأعراف : 103 ) ، { ~~فانظر } ( الأعراف : 103 ) ، فصارت جملة : { قال } تفصيلا لبعض ما تقدم ، ~~فلا تكون مفصولة لأن الفصل إنما يكون بين جملتين ، لا بين جملة وبين عدة ~~جمل أخرى . # والظاهر أن خطاب موسى فرعون بقوله : { يا فرعون } خطاب إكرام لأنه ناداه ~~بالاسم الدال على الملك والسلطان بحسب متعارف أمته فليس هو بترفع عليه لأن ~~الله تعالى قال له ولهارون { فقولا له قولا لينا } ( طه : 44 ) ، والظاهر ~~أيضا أن قول موسى هذا هو أول ما خاطب به فرعون كما دلت عليه سورة طه . ~~PageV09P037 # وصوغ حكاية كلام موسى بصيغة التأكيد بحرف ( إن ) لأن المخاطب مظنة ~~الإنكار أو التردد القوي في صحة الخبر . # واختيار صفة { رب العالمين } في الإعلام بالمرسل إبطال لاعتقاد فرعون أنه ~~رب مصر وأهلها فإنه قال لهم : { أنا ربكم الأعلى } ( النازعات : 24 ) فلما ~~وصف موسى مرسله بأنه رب العالمين شمل فرعون وأهل مملكته فتبطل دعوى فرعون ~~أنه إلاه مصر بطريق اللزوم ، ودخل في ذلك جميع البلاد والعباد الذين لم يكن ~~فرعون يدعي أنه إلههم مثل الفرس والأشوريين . # وقوله : { حقيق علي } قرأه نافع بالياء في آخر ( علي ) فهي ياء المتكلم ~~دخل عليها حرف ( على ) وتعدية حقيق بحرف ( على ) معروفة . قال تعالى : { ~~فحق علينا قول ربنا } ( الصافات : 31 ) ، ولأن حقيق بمعنى واجب فتعديته ~~بحرف على واضحة ، و { حقيق } خبر ثان عن { إني } ، فليس في ضمير المتكلم من ~~قوله : ( علي ) على قراءة نافع التفات ، بخلاف ما لو جعل قوله : { حقيق } ~~صفة ل { رسول } فحينئذ يكون مقتضى الظاهر الإتيان بضمير الغائب ، فيقول : ~~حقيق عليه ، فيكون العدول إلى التكلم التفاتا ، وفاعل { حقيق } هو المصدر ~~المأخوذ من قوله : { أن لا أقول } أي : حقيق علي عدم قولي على الله غير ~~الحق . # وحقيق فعيل بمعنى فاعل ، وهو مشتق من ms3181 ( حق ) بمعنى وجب وثبت أي : متعين ~~وواجب علي قول الحق على الله ، و ( على ) الأولى للاستعلاء المجازي و ( على ~~) الثانية بمعنى عن ، وقرأ الجمهور ( على ) بألف بعد اللام ، وهي ( على ) ~~الجارة . # ففي تعلق ( على ) ومجرورها الظاهر ب { حقيق } تأويل بوجوه أحسنها قول ~~الفراء ، وأبي علي الفارسي : أن ( على ) هنا بمعنى الباء وأن { حقيق } فعيل ~~بمعنى مفعول : أي محقوق بأن لا أقول على الله إلا الحق ، أي : مجعول قول ~~الحق حقا علي ، كقول الأعشى : # لمحقوقة أن تستجيبي لقوله # أي محقوقة بأن تستجيبي ، وقول سعيد بن زيد ( ولو أن أحدا انقض لما صنعتم ~~بعثمان لكان محقوقا بأن ينقض ) . PageV09P038 # ومنها ما قال صاحب ( الكشاف ) ( والأوجه الأدخل في نكت القرآن أن يغرق ~~موسى في وصف نفسه بالصدق في ذلك المقام فيقول : أنا حقيق على قولل الحق ، ~~أي : أنا واجب على قول الحق أن أكون أنا قائله والقائم به ) . قال شارحوه : ~~فالمعنى لو كان قول الحق شخصا عاقلا لكنت أنا واجبا عليه . أن لا يصدر إلا ~~عني وأن أكون قائله ، وهو على هذا استعارة بالكناية : شبه قول الحق ~~بالعقلاء الذين يختارون مواردهم ومصادرهم . ورمز إلى المشبه به بما هو من ~~روادفه ، وهو كون ما يناسبه متعينا عليه . # ومنها ما قيل : ضمن { حقيق } معنى حريص فعدي بعلى إشارة إلى ذلك التضمين ~~وأحسن من هذا أن يضمن { حقيق } معنى مكين وتكون ( على ) استعارة للاستعلاء ~~المجازي . # وجملة { قد جئتمكم ببينة } مستأنفة استئنافا بيانيا ، لأن مقام الإنكار ~~مما يثير سؤال سائل أن يقول هذه دعوى غريبة تحتاج إلى بينة . # والبينة : الحجة . وقد تقدم الكلام عليها عند قوله تعالى : { قل إني على ~~بينة من ربي } في سورة الأنعام ( 57 ) . والحجة هنا يجوز أن يكون المراد ~~بها البراهين العقلية على صدق ما جاء به موسى من التوحيد والهدى ، ويجوز أن ~~تكون المعجزة الدالة على صدق الرسول . فعلى الوجه الأول تكون الباء في قوله ~~: { ببينة } لتعدية فعل المجيء ، وعلى الوجه الثاني تكون الباء للملابسة ، ~~والمراد بالملابسة ملابسة التمكن من إظهار المعجزة التي ms3182 أظهرها الله له كما ~~في سورة طه ( 17 ) { وما تلك بيمينك يا موسى . ويحتمل المعنى الأعم الشامل ~~للنوعين على ما يحتمله كلام موسى المترجم عنه هنا . # والفاء في قوله فأرسل } لتفريع طلب تسريح بني إسرائيل على تحقق الرسالة ~~عن رب العالمين ، والاستعداد لإظهار البينة على ذلك ، وقد بنى موسى كلامه ~~على ما يثق به من صدق دعوته مع الاستعداد للتبيين على ذلك الصدق بالبراهين ~~أو المعجزة إن طلبها فرعون لأن شأن الرسل أن لا يبتدئوا بإظهار المعجزات ~~صونا لمقام الرسالة عن تعريضه للتكذيب ، كما بيناه عند قوله تعالى : { ~~وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها } الآيات في سورة ~~الأنعام ( 109 ) . # والإرسال : الإطلاق والتخلية ، كقولهم : أرسلها العراك ، وهو هنا مجاز ~~لغوي في الإذن لبني إسرائيل بالخروج ، المطلوب من فرعون . PageV09P039 # وتقييده ب { معي } لأن المقصود من إخراجهم من مصر أن يكونوا مع الرسول ~~ليرشدهم ويدبر شؤونهم . # وقول فرعون : { إن كنت جئت برية فأت بها } متعين لأن يكون معناه : إن كنت ~~جئت بمعجزة ، فإن أكثر موارد الآية في القرآن مراد فيه المعجزة ، وأكثر ~~موارد البينة مراد فيه الحجة ، فالمراد بالبينة في قول موسى { قد جئتكم ~~ببينة من ربكم } الحجة على إثبات الإلهية وعلى حقية ما جاء به من إرشاد ~~لقومه ، فكان فرعون غير مقتنع ببرهان العقل أو قاصرا عن النظر فيه فانتقل ~~إلى طلب خارق العادة ، فالمعنى : إن كنت جئتنا متمكنا من إظهار المعجزات ، ~~لأن فرعون قال ذلك قبل أن يظهر موسى عليه السلام معجزته ، فالباء في قوله : ~~{ بآية } للمعية التقديرية ، أي : متمكنا من آية ، أو الباء للملابسة ، ~~والملابسة معناها واسع ، أي : لك تمكين من إظهار آية . # وقوله : { فأت بها } استعمل الإتيان في الإظهار مجازا مرسلا ، فالباء في ~~قوله : { بها } لتعدية فعل الإتيان ، وبذلك يتضح ارتباط الجزاء بالشرط ، ~~لأن الإتيان بالآية المذكورة في الجزاء هو غير المجيء بالآية المذكورة في ~~الشرط ، أي : إن كنت جئت متمكنا من إظهار الآية فأظهر هذه الآية . # والإلقاء : الرمي على الأرض أو في الماء أو نحو ms3183 ذلك ، أي : فرمى عصاه من ~~يده . # و ( إذا ) للمفاجأة وهي حدوث الحادث عن غير ترقب . # والثعبان : حية عظيمة ، و { مبين } اسم فاعل من أبان القاصر المرادف لبان ~~، أي ظهر ، أي : الظاهر الذي لا شك فيه ولا تخيل . # ونزع : أزال اتصال شيء عن شيء ، ومنه نزع ثوبه ، والمعنى هنا أنه أخرج ~~يده من جيب قميصه بعد أن أدخلها في جيبه كما في سورة النمل وسورة القصص ~~فلما أخرجها صارت بيضاء ، أي بياضا من النور . # وقد دل على هذا البياض قوله : { للناظرين } ، أي بياضا يراه الناظرون ~~رؤية تعجب من بياضها . فالمقصود من ذكر قوله : { للناظرين } تتميم معنى ~~البياض . # واللام في قوله : { للناظرين } لم يعرج المفسرون على بيان معناها وموقعها ~~سوى أن صاحب ( الكشاف ) قال : ( يتعلق للناظرين ببيضاء ) دون أن يبين نوع ~~التعلق ولا معنى PageV09P040 اللام ، وسكت عليه ( شراحه ) والبيضاوي ، ~~وظاهر قوله يتعلق أنه ظرف لغو تعلق ببيضاء فلعله لما في بيضاء من معنى ~~الفعل كأنه قيل : ابيضت للناظرين كما يتعلق المجرور بالمشتق فتعين أن يكون ~~معنى اللام هو ما سماه ابن مالك بمعنى التعدية وهو يريد به تعدية خاصة ( لا ~~مطلق التعدية أي تعدية الفعل القاصر إلى ما لا يتعدى له بأصل وضعه لأن ذلك ~~حاصل في جميع حروف الجر ، فلا شك أنه أراد تعدية خاصة لم يبين حقيقتها . ~~وقد مثل لها في ( شرح الكافية ) بقوله تعالى : { فهب لي من لدنك وليا } ( ~~مريم : 5 ) وجعل في ( شرح التسهيل ) هذا المثال مثالا لمعنى شبه الملك ، ~~واختار ابن هشام أن يمثل للتعدية بنحو ما أضرب زيدا لعمرو . # ولم يفصحوا عن هذه التعدية الخاصة باللام ، ويظهر لي أنها عمل لفظي محض ، ~~أي لا يفيد معنى جزئيا كمعاني الحروف ، فتحصل أنهم في ارتباك في تحقيق معنى ~~التعدية ، وعندي أن قوله تعالى : { بيضاء للناظرين } أحسن ما يمثل به لكون ~~اللام للتعدية وأن نفسر هذا المعنى بأنه تقريب المتعلق بكسر اللام لمتعلق ~~بفتح اللام تقريبا لا يجعله في معنى المفعول به . # وإن شئت إرجاع معنى التعدية إلى أصل ms3184 من المعاني المشهورة للام ، فالظاهر ~~أنها من فروع معنى شبه الملك كما اقتضاه جعل ابن مالك المثال الذي مثل به ~~للتعدية مثالا لشبه الملك . # وأقرب من ذلك أن تكون اللام بمعنى ( عند ) ويكون مفاد قوله تعالى : { ~~بيضاء للناظرين } أنها بيضاء بياضا مستقرا في أنظار الناظرين ويكون الظرف ~~مستقرا يجعل حالا من ضمير يده . # $ 2 ( 109 112 ) { لله قال الملا من قوم فرعون إن هاذا لساحر عليم * يريد ~~أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون * قالو & # 1764 ا أرجه وأخاه وأرسل فى المدآئن حاشرين * يأتوك بكل ساحر عليم } . ) ~~2 $ # جرت جملة : { قال الملأ } على طريقة الفصل لأنها جرت في طريق المحاورة ~~الجارية بين موسى وبين فرعون وملئه فإنه حوار واحد . # وتقدم الكلام على الملإ آنفا في القصص الماضية ، فملأ قوم فرعون هم ~~سادتهم وهم أهل مجلس فرعون ومشورته ، وقد كانت دعوة موسى أول الأمر قاصرة ~~على PageV09P041 فرعون في مجلسه فلم يكن بمرأى ومسمع من العامة لأن الله ~~تعالى قال في آية أخرى { اذهبا إلى فرعون إنه طغى } ( طه : 43 ) وقال في ~~هذه الآية : { إلى فرعون وملائه } ( الأعراف : 103 ) وإنما أشهرت دعوته في ~~المرة الآتية بعد اجتماع السحرة . # وإنما قالوا هذا الكلام على وجه الشورى مع فرعون واستنباط الاعتذار ~~لأنفسهم عن قيام حجة موسى في وجوههم فاعتلوا لأنفسهم بعضهم لبعض بأن موسى ~~إنما هو ساحر عليم بالسحر أظهر لهم ما لا عهد لهم بمثله من أعمال السحرة ، ~~وهذا القول قد أعرب عن رأي جميع أهل مجلس فرعون ، ففرعون كان مشاركا لهم في ~~هذا لأن القرآن حكى عن فرعون في غير هذه السورة أنه قال للملإ حوله { إن ~~هذا لساحر عليم } ، وهذه المعذرة قد انتحلوها وتواطأوا عليها تبعوا فيها ~~ملكهم أو تبعهم فيها ، فكل واحد من أهل ذلك المجلس قد وطن نفسه على هذا ~~الاعتذار ولذلك فالخطاب في قوله : { يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون } خطاب ~~بعضهم لبعض وهو حاصل من طوائف ذلك الملأ لطوائف يرددونه بينهم ويقوله بعضهم ~~لبعض . # ووجه استفادتهم أن موسى يريد ms3185 إخراجهم من أرضهم ، إما أنهم قاسوا ذلك عن ~~قول موسى { فأرسل معى بني إسرائيل } ( الأعراف : 105 ) بقاعدة ما جاز على ~~المثل يجوز على المماثل ، يعنون أنه ما أظهر إخراج بني إسرائيل إلا ذريعة ~~لإخراج كل من يؤمن به ليتخدهم تبعا ويقيم بهم ملكا خارج مصر . فزعموا أن ~~تلك مكيدة من موسى لثلم ملك فرعون . # وإما أن يكون ملأ فرعون محتويا على رجال من بني إسرائيل كانوا مقربين عند ~~فرعون ومن أهل الرأي في المملكة ، فهم المقصود بالخطاب ، أي : يريد إخراج ~~قومكم من أرضكم التي استوطنتموها أربعة قرون وصارت لكم موطنا كما هي ~~للمصريين ، ومقصدهم من ذلك تذكيرهم بحب وطنهم ، وتقريبهم من أنفسهم ، ~~وإنساؤهم ما كانوا يلقون من اضطهاد القبط واستذلالهم ، شعورا منهم بحراجة ~~الموقف . # وإما إنهم علموا أنه إذا شاع في الأمة ظهور حجة موسى وعجز فرعون وملئه ~~أدخل ذلك فتنة في عامة الأمة فآمنوا بموسى وأصبح هو الملك على مصر فأخرج ~~فرعون وملأه منها . # ويجوز أن يكون الملأ خاطبوا بذلك فرعون . فجرت ضمائر الخطاب في قوله : { ~~أن يخرجكم من أرضكم } على صيغة الجمع تعظيما للملك كما في قوله تعالى : ~~PageV09P042 { قال رب ارجعون } ( المؤمنون : 99 ) وهذا استعمال مطرد . # والأمر حقيقته طلب الفعل ، فمعنى { فماذا تأمرون } ماذا تطلبون أن نفعل ، ~~وقال جماعة من أهل اللغة : غلب استعمال الأمر في الطلب الصادر من العلي إلى ~~من دونه فإذا التزم هذا كان إطلاقه هنا على وجه التلطف مع المخاطبين ، وأيا ~~ما كان فالمقصود منه الطلب على وجه الإفتاء والاشتوار لأن أمرهم لا يتعين ~~العمل به ، فإذا كان المخاطب فرعون على ما تقدم ، كان مرادا من الأمر الطلب ~~الذي يجب امتثاله كما قال ملأ بلقيس : { فانظري ماذا تأمرين } ( النمل : 33 ~~) . # والساحر فاعل السحر ، وتقدم الكلام على السحر عند قوله تعالى : { يعلمون ~~الناس السحر في سورة البقرة ( 102 ) . # وجملة : قالوا أرجه } جواب القوم المستشارين ، فتجر يدها من حرف العطف ~~لجريانها في طريق المحاورة ، أي : فأجاب بعض الملأ بإبداء رأي لفرعون فيما ~~يتعين عليه اتخاذه . ويجوز ms3186 أن تكون جملة : { قالوا أرجه } بدلا من جملة : { ~~قال الملأ من قوم فرعون } بإعادة فعل القول وهو العامل في المبدل منه إذا ~~كان فرعون هو المقصود بقولهم : { فماذا تأمرون } . # وفعل { أرجه } أمر من الإرجاء وهو التأخير . قرأه نافع ، وعاصم ، ~~والكسائي وأبو جعفر { أرجه } بجيم ثم هاء وأصله ( أرجئه ) بهمزة بعد الجيم ~~فسهلت الهمزة تخفيفا ، فصارت ياء ساكنة ، وعوملت معاملة حرف العلة في حالة ~~الأمر ، وقرأه الباقون بالهمز ساكنا على الأصل ولهم في حركات هاء الغيبة ~~وإشباعها وجوه مقررة في علم القراءات . # والمعنى : أخر المجادلة مع موسى إلى إحضار السحرة الذين يدافعون سحره ، ~~وحكى القرآن ذكر الأخ هنا للإشارة إلى أنه طوي ذكره في أول القصة ، وقد ذكر ~~في غير هذه القصة ابتداء . # وعدي فعل الإرسال ( بفي ) دون ( إلى ) لأن الفعل هنا غير مقصود تعديته ~~إلى المرسل إليهم بل المقصود منه المرسلون خاصة . وهو المفعول الأول . إذ ~~المعنى : وأرسل حاشرين في المدائن يأتوك بالسحرة ، فعلم أنهم مرسلون للبحث ~~والجلب . لا للإبلاغ PageV09P043 وهذا قريب من قوله تعالى : { فأرسلنا فيهم ~~رسولا منهم في سورة المؤمنين ( 32 ) ، قال في الكشاف } هنالك : ( لم يعد ~~الفعل بقي مثل ما يعدى بإلى ، ولكن الأمة جعلت موضعا للإرسال كما قال رؤبة ~~: # أرسلت فيها مصعبا ذا إقحام # وقد جاء ( بعث ) على ذلك في قوله : { ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا } ~~( الفرقان : 51 ) ، وقد تقدم آنفا قريب منه عند قوله تعالى : { وما أرسلنا ~~في قرية من نبي } ( الأعراف : 94 ) . # والمدائن : جمع مدينة ، وهي بوزن فعيلة ، مشتقة من مدن بالمكان إذا أقام ~~ولعل ( مدن ) هو المشتق من المدينة لا العكس ، وأيا ما كان فالأظهر أن ميم ~~مدينة أصلية ولذلك جمعت على مدائن بالهمزة كما قالوا ( صحائف ) جمع صحيفة . ~~ولو كانت مفعلة من دانه لقالوا في الجمع مداين بالياء مثل معايش . # ومداين مصر في ذلك الزمن كثيرة وسنذكر بعضها عند قوله تعالى : { فأرسل ~~فرعون في المدائن حاشرين في سورة الشعراء ( 53 ) . قيل أرادوا مدائن الصعيد ~~وكانت مقر العلماء بالسحر . والحاشرون الذين ms3187 يحشرون الناس ويجمعونهم . # والشأن أن يكون ملأ فرعون عقلاء أهل سياسة ، فعلموا أن أمر دعوة موسى لا ~~يكاد يخفى . وأن فرعون إن سجنه أو عاند ، تحقق الناس أن حجة موسى غلبت ، ~~فصار ذلك ذريعة للشك في دين فرعون ، فرأوا أن يلاينوا موسى ، وطمعوا أن ~~يوجد في سحرة مصر من يدافع آيات موسى ، فتكون الحجة عليه ظاهرة للناس . # وجزم يأتوك } على جواب الأمر للدلالة على شدة اتصال السببية بين الإرسال ~~والإتيان ، فالتقدير : إن ترسل يأتوك ، وقد قيل : في مثله إنه مجزوم بلام ~~الأمر محذوفة ، على أن الجملة بدل من { أرسل } بدل اشتمال . أي : أرسلهم ~~آمرا لهم فليأتوك بكل ساحر عليم ، وهذا الاستعمال كثير في كلام العرب مع ~~فعل القول نحو : PageV09P044 { قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة } ( ~~إبراهيم : 31 ) فكذلك ما كان فيه معنى القول كما هنا . # و ( كل ) مستعمل في معنى الكثرة ، أي : بجمع عظيم من السحرة يشبه أن يكون ~~جميع ذلك النوع . # وقرأ الجمهور : { بكل ساحر } وقرأ جمزة ، والكسائي ، وخلف : { بكل سحار } ~~، على المبالغة في معرفة السحر ، فيكون وصف { عليم } تأكيدا لمعنى المبالغة ~~لأن وصف { عليم } الذي هو من أمثلة المبالغة للدلالة على قوة المعرفة ~~بالسحر ، وحذف متعلق { عليم } لأنه صار بمنزلة أفعال السجايا . والمقام يدل ~~على أن المراد قوة علم السحر له . # $ 2 ( 113 116 ) { وجآء السحرة فرعون قالو & # 1764 ا إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين * قال نعم وإنكم لمن المقربين * ~~قالوا ياموسى إمآ أن تلقى وإمآ أن نكون نحن الملقين * قال ألقوا فلمآ ألقوا ~~سحرو & # 1764 ا أعين الناس واسترهبوهم وجآءو بسحر عظيم } . ) 2 $ # عطفت جملة { وجاء السحرة } على جملة : { قالوا أرجه وأخاه وأرسل في ~~المدائن حاشرين يأتوك بكل ساحر عليم } ( الأعراف : 111 ، 112 ) وفي الكلام ~~إيجاز حذف . والتقدير : قالوا أرجه وأخاه وأرسل الخ ، فأرسل فرعون في ~~المدائن حاشرين فحشروا وجاء السحرة من المدائن فحضروا عند فرعون . # فالتعريف في قوله : { السحرة } تعريف العهد . أي السحرة المذكورون ، وكان ~~حضور السحرة عند فرعون في اليوم الذي عينه موسى ms3188 للقاء السحرة وهو المذكور ~~في سورة طه . # وجملة : { قالوا إن لنا لأجرا } استئناف بياني بتقدير سؤال من يسأل : ~~ماذا صدر من السحرة حين مثلوا بين يدي فرعون ؟ . # وقرأ نافع ، وابن كثير ، وحفص ، وأبو جعفر { إن لنا لأجرا } ابتداء بحرف ~~( إن ) دون همزة استفهام ، وقرأه الباقون بهمزة استفهام قبل ( إن ) . ~~PageV09P045 # وعلى القراءتين فالمعنى على الاستفهام ، كما هو ظاهر الجواب ب { نعم } ، ~~وهمزة الاستفهام محذوفة تخفيفا على القراءة الأولى ، ويجوز أن يكون المعنى ~~عليها أيضا على الخبرية لأنهم وثقوا بحصول الأجر لهم ، حتى صيروه في حيز ~~المخبر به عن فرعون ، ويكون جواب فرعون ب { نعم } تقريرا لما أخبروا به عنه ~~. # وتنكير { أجرا } تنكير تعظيم بقرينة مقام الملك وعظم العمل ، وضمير { نحن ~~} تأكيد لضمير { كنا } إشعارا بجدارتهم بالغلب ، وثقتهم بأنهم أعلم الناس ~~بالسحر ، فأكدوا ضميرهم لزيادة تقرير مدلوله ، وليس هو بضمير فصل إذ لا ~~يقصد إرادة القصر ، لأن إخبارهم عن أنفسهم بالغالبين يغني عن القصر ، إذ ~~يتعين أن المغلوب في زعمهم هو موسى عليه السلام . # وقول فرعون { نعم } إجابة عما استفهموا ، أو تقرير لما توسموا : على ~~الاحتمالين المذكورين في قوله : { إن لنا لأجرا } آنفا ، فحرف ( نعم ) يقرر ~~مضمون الكلام الذي يجاب به ، فهو تصديق بعد الخبر ، وإعلام بعد الاستفهام ، ~~بحصول الجانب المستفهم عنه ، والمعنيان محتملان هنا على قراءة نافع ومن ~~وافقه ، وأما على قراءة غيرهم فيتعين المعنى الثاني . # وعطف جملة : { إنكم لمن المقربين } على ما تضمنه حرف الجواب إذ التقدير : ~~نعم لكم أجر وإنكم لمن المقربين ، وليس هو من عطف التلقين : لأن التلقين ~~إنما يعتبر في كلامين من متكلمين لا من متكلم واحد . # وفصلت جملة : { قالوا يا موسى } لوقوعها في طريقة المحاورة بينهم وبين ~~فرعون وموسى ، لأن هؤلاء هم أهل الكلام في ذلك المجمع . # و { إما } حرف يدل على الترديد بين أحد شيئين أو أشياء ، ولا عمل له ولا ~~هو معمول ، وما بعده يكون معمولا للعامل الذي في الكلام . ويكون ( إما ) ~~بمنزلة جزء كلمة مثل أل المعرفة ، كقول تأبط شرا : # هما خطتا إما ms3189 إسار ومنة # وإما دمم والموت بالحر أجدر # وقوله : { أن تلقي وقوله : أن نكون نحن الملقين } يجوز كونهما في موضع ~~رفع بالابتداء والخبر محذوف ، أي إما إلقاؤك مقدم وإما كوننا ملقين مقدم ، ~~وقد دل على PageV09P046 الخبر المقام لأنهم جاءوا لإلقاء آلات سحرهم ، ~~وزعموا أن موسى مثلهم . وفي ( الكشاف ) في سورة طه ، جعل { إما أن تلقي } ~~خبر مبتدأ محذوف تقديره الأمر إلقاؤك أو إلقاؤنا ، ولما كان الواقع لا يخلو ~~عن أحد هذين الأمرين لم يكن المقصود بالخبر الفائدة لأنها ضرورية ، فلا ~~يحسن الإخبار بها مثل : السماء فوقنا ، فتعين أن يكون الكلام مستعملا في ~~معنى غير الإخبار ، وذلك هو التخيير أي : إما أن تبتدىء بإلقاء آلات سحرك ~~وإما أن نبتدىء ، فاختر أنت أحد مرين ومن هنا جاز جعل المصدرين المنسبكين ~~في محل نصب بفعل تخيير محذوف ، كما قدره الفراء وجوزه في ( الكشاف ) في ~~سورة طه ، أي : اختر أن تلقي أو كوننا الملقين ، أي : في الأولية ، ابتدأ ~~السحرة موسى بالتخيير في التقدم إظهارا لثقتهم بمقدرتهم وإنهم الغالبون ، ~~سواء ابتدأ السحرة موسى بالأعمال أم كانوا هم المبتدئين ، ووجه دلالة ~~التخيير على ذلك أن التقدم في التخييلات والشعوذة أنجح للبادىء لأن بديهتها ~~تمضي في النفوس وتستقر فيها ، فتكون النفوس أشد تأثرا بها من تأثرها بما ~~يأتي بعدها ، ولعلهم مع ذلك أرادوا أن يسبروا مقدار ثقة موسى بمعرفته مما ~~يبدو منه من استواء الأمرين عنده أو من الحرص على أن يكون هو المقدم ، فإن ~~لاستضعاف النفس تأثيرا عظيما في استرهابها وإبطال حيلتها ، وقد جاءوا في ~~جانبهم بكلام يسترهب موسى ويهول شأنهم في نفسه ، إذ اعتنوا بما يدل على ~~ذواتهم بزيادة تقرير الدلالة في نفس السامع المعبر عنها في حكاية كلامهم ~~بتأكيد الضمير في قوله : { وإما أن نكون نحن الملقين } . # وبذلك تعلم أن المقام لا يصلح لاحتمال أنهم دلوا على رغبتهم في أن يلقوا ~~سحرهم قبل موسى ، لأن ذلك ينافي إظهار استواء الأمرين عندهم ، خلافا لما في ~~( الكشاف ) وغيره ، ولذلك كان في جواب موسى إياهم بقوله : { ألقوا } ~~استخفاف ms3190 بأمرهم إذ مكنهم من مباداة إظهار تخييلاتهم وسحرهم ، لأن الله قوى ~~نفس موسى بذلك الجواب لتكون غلبته عليهم بعد أن كانوا هم المبتدئين أوقع ~~حجة وأقطع معذرة ، وبهذا يظهر أن ليس في أمر موسى عليه السلام إياهم ~~بالتقدم ما يقتضي تسويغ معارضة دعوة الحق لأن القوم كانوا معروفين بالكفر ~~بما جاء به موسى فليس في معارضتهم إياه تجديد كفر ، ولأنهم جاءوا مصممين ~~على معارضته فليس الإذن لهم تسويغا ، ولكنهم خيروه في التقدم أو يتقدموا ~~فاختار أن يتقدموا PageV09P047 لحكمة إلهية تزيد المعجزة ظهورا ، ولأن في ~~تقديمه إياهم إبلاغا في إقامة الحجة عليهم ، ولعل الله ألقى في نفسه ذلك ، ~~وفي هذا دليل على جواز الابتداء بتقرير الشبهة للذي يثق بأنه سيدفعها . # وقوله { فلما ألقوا } عطف على محذوف للإيجاز ، والتقدير : فألقوا . لأن ~~قوله : { فلما ألقوا } يؤذن بهذا المحذوف ، وحذف مفعول { ألقوا } لظهوره ، ~~أي : ألقوا آلات سحرهم . # ومعنى { سحروا أعين الناس } : جعلوها متأثرة بالسحر بما ألقوا من ~~التخييلات والشعوذة . # وتعدية فعل { سحروا } إلى { أعين } مجاز عقلي لأن الأعين آلة إيصال ~~التخييلات إلى الإدراك ، وهم إنما سحروا العقول ، ولذلك لو قيل : سحروا ~~الناس لأفاد ذلك ، ولكن تفوت نكتة التنبيه على أن السحر إنما هو تخيلات ~~مرئية ، ومثل هذه الزيادة زيادة الأعين في قول الأعشى : # كذلك فافعل ما حييت إذا شتوا # وأقدم إذا ما أعين الناس تفرق # أي إذا ما الناس تفرق فرقا يحصل من رؤية الأخطار المخيفة . # والاسترهاب : طلب الرهب أي الخوف . وذلك أنهم عززوا تخيلات السحر بأمور ~~أخرى تثير خوف الناظرين ، لتزداد تمكن التخيلات من قلوبهم ، وتلك الأمور ~~أقوال وأفعال توهم أن سيقع شيء مخيف كأن يقولوا للناس : خذوا حذركم وحاذروا ~~، ولا تقتربوا ، وسيقع شيء عظيم ، وسيحضر كبير السحرة ، ونحو ذلك من ~~التمويهات ، والخزعبلات ، والصياح ، والتعجيب . # ولك أن تجعل السين والتاء في { واسترهبوهم } للتأكيد ، أي : أرهبوهم رهبا ~~شديدا ، كما يقال استكبر واستجاب . # وقد بينت في تفسير قوله تعالى : { يعلمون الناس السحر من سورة البقرة ( ~~102 ) أن مبنى السحر على التخييل والتخويف . PageV09P048 # ووصف السحر بالعظيم ms3191 لأنه من أعظم ما يفعله السحرة إذ كان مجموعا مما تفرق ~~بين سحرة المملكة من الخصائص المستورة بالتوهيم الخفية أسبابها عن العامة . # # | 2 ( 117 119 ) وأوحينآ إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هى تلقف ما يأفكون * ~~فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون * فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين } . ) 2 # جملة : { وأوحينا } معطوفة على جمل { سحروا أعين الناس ، واسترهبوهم ~~وجاءوا بسحر عظيم } ( الأعراف : 116 ) ، فهي في حيز جواب لما ، أي : لما ~~ألقوا سحروا ، وأوحينا إلى موسى أن الق لهم عصاك . # و { أن } تفسيرية لفعل { أوحينا } ، والفاء للتعقيب الدال على سرعة ~~مفاجأة شروعها في التلقف بمجرد إلقائها ، وقد دل السياق على جملتين ~~محذوفتين ، إذ التقدير : فألقاها فدبت فيها الحياة وانقلبت ثعبانا فإذا هي ~~تلقف ، دل على الجملة الأولى الأمر بالإلقاء ، وعلى الجملة الثانية التلقف ~~لأنه من شأن الحيوان ، والعصا إذا دبت فيها الحياة صارت ثعبانا بدون تبديل ~~شكل . # والتلقف : مبالغة في اللقف وهو الابتلاع والازدراد . # و { ما } موصولة والعائد محذوف أي : ما يأفكونه . والإفك : الصرف عن ~~الشيء ويسمى الزور إفكا ، والكذب المصنوع إفكا ، لأن فيه صرفا عن الحق ~~وإخفاء للواقع ، فلا يسمى إفكا إلا الكذب المصطنع المموه ، وإنما جعل السحر ~~إفكا لأن ما يظهر منه مخالف للواقع فشبه بالخبر الكاذب . # وقرأ الجمهور { تلقف } بقاف مشددة ، وأصله تتلقف ، أي تبالغ وتتكلف اللقف ~~ما استطاعت ، وقرأ حفص عن عاصم : بسكون اللام وتخفيف القاف على صيغة المجرد ~~. # والتعبير بصيغة المضارع في قوله : { تلقف } و { يأفكون } للدلالة على ~~التجديد والتكرير ، مع استحضار الصورة العجيبة ، أي : فإذا هي يتجدد تلقفها ~~لما يتجدد ويتكرر من إفكهم . وتسمية سحرهم إفكا دليل على أن السحر لا معمول ~~له وأنه مجرد تخييلات وتمويهات . PageV09P049 # وقوله { فوقع الحق } تفريع على { تلقف ما يأفكون } . والوقوع حقيقته سقوط ~~الشيء من أعلى إلى الأرض ، ومنه : وقع الطائر ، إذا نزل إلى الأرض ، ~~واستعير الوقوع لظهور أمر رفيع القدر ، لأن ظهوره كان بتأييد الهي فشبه ~~بشيء نزل من علو ، وقد يطلق الوقوع على الحصول لأن الشيء الحاصل يشبه ~~النازل على ms3192 الأرض ، وهي استعارة شائعة قال تعالى : { وإن الدين لواقع } ( ~~الذاريات : 6 ) أي : حاصل وكائن ، والمعنى فظهر الحق وحصل . # ولعل في اختيار لفظ ( وقع ) ، هنا دون ( نزل ) مراعاة لفعل الإلقاء لأن ~~الشيء الملقى يقع على الأرض فكان وقوع العصا على الأرض وظهور الحق مقترنين ~~. # و { الحق } : هو الأمر الثابت الموافق للبرهان ، وضده الباطل ، والحق هنا ~~أريد به صدق موسى وصحة معجزته وكون ما فعلته العصا هو من صنع الله تعالى ، ~~وأثر قدرته . # و { بطل } : حقيقته اضمحل . والمراد : اضمحلال المقصود منه وانتفاء أثر ~~مزعوم لشيء يقال : بطل سعيه ، أي : لم يأت بفائدة ، ويقال : بطل عمله ، أي ~~: ذهب ضياعا وخسر بلا أجر ، ومنه قوله تعالى : { ويبطل الباطل } ( الأنفال ~~: 8 ) أي : يزيل مفعوله وما قصدوه منه ، فالباطل هو الذي لا فائدة فيه ، أو ~~لا خير فيه ، ومنه سمي ضد الحق باطلا لأنه شيء لا يحصل منه الأثر المرجو ، ~~وهو القبول لدى العقول المستقيمة . وشاع هذا الإطلاق حتى صار الباطل كالاسم ~~الجامد ، مدلوله هو ضد الحق ، ويطلق الباطل اسم فاعل من بطل ، فيساوي ~~المصدر في اللفظ ، ويتعين المراد منهما بالقرينة ، فصوغ فعل بطل يكون مشتقا ~~من المصدر وهو البطلان ، وقد يكون مشتقا من الاسم وهو الباطل . فمعنى { بطل ~~} حينئذ وصف بأنه باطل مثل فهد وأسد ، ويصح تفسيره هنا بالمعنيين ، فعلى ~~الأول يكون المعنى : وانتفت حينئذ آثار ما كانوا يعملون ، وعلى الثاني يكون ~~المعنى : واتصف ما يعملون بأنه باطل ، وعلى هذا الوجه يتعين أن يكون المراد ~~من الفعل معنى الظهور لا الحدوث ، لأن كون ما يعملونه باطلا وصف ثابت له من ~~قبلل أن يلقي موسى عصاه ، ولكن عند إلقاء العصا ظهر كونه باطلا ، ويبعد هذا ~~أن استعمال صيغة الفعل في معنى ظهور حدثه لا في معنى وجوده وحدوثه ، خلاف ~~الأصل فلا يصار إليه بلا داع . PageV09P050 # وأما من فسر { بطل } بمعنى : العدم . وفسر { ما كانوا يعملون } بحبال ~~السحرة وعصيهم ففي تفسيره نبو عن الاستعمال ، وعن المقام . # وزيادة قوله : { وبطل ما كانوا يعملون } بعد قوله : { فوقع الحق } تقرير ms3193 ~~لمضمون جملة { فوقع الحق } لتسجيل ذم عملهم ، ونداء بخيبتهم ، تأنيسا ~~للمسلمين وتهديدا للمشركين وللكافرين أمثالها . # و { ما كانوا يعملون } هو السحر ، أي : بطلت تخيلات الناس أن عصي السحرة ~~وحبالهم تسعى كالحيات ، ولم يعبر عنه بالسحر إشارة إلى أنه كان سحرا عجيبا ~~تكلفوا له وأتوا بمنتهى ما يعرفونه . # وقد عطف عليه جملة { فغلبوا } بالفاء لحصول المغلوبية إثر تلقف العصا ~~لإفكهم . # و { هنالك } اسم إشارة المكان أي غلبوا في ذلك المكان فأفاد بداهة ~~مغلوبيتهم وظهورها لكل حاضر . # والانقلاب : مطاوع قلب والقلب تغيير الحال وتبدله ، والأكثر أن يكون ~~تغييرا من الحال المعتادة إلى حال غريبة . # ويطلق الانقلاب شائعا على الرجوع إلى المكان الذي يخرج منه ولأن الراجع ~~قد عكس حال خروجه . # وانقلب من الأفعال التي تجيء بمعنى ( صار ) وهو المراد هنا أي : صاروا ~~صاغرين . واختيار لفظ { انقلبوا } دون ( رجعوا ) أو ( صاروا ) لمناسبته ~~للفظ غلبوا في الصيغة ، ولما يشعر به أصل اشتقاقه من الرجوع إلى حال أدون ، ~~فكان لفظ ( انقلبوا ) أدخل في الفصاحة . # والصغار : المذلة ، وتلك المذلة هي مذلة ظهور عجزهم ، ومذلة خيبة رجائهم ~~ما أملوه من الأجر والقرب عند فرعون . # PageV09P051 $ 2 ( 120 126 ) { لله وألقى السحرة ساجدين * قالو & # 1764 ا ءامنا برب العالمين * رب موسى وهارون * قال فرعون ءامنتم به قبل ~~أن ءاذن لكم إن هاذا لمكر مكرتموه فى المدينة لتخرجوا منهآ أهلها فسوف ~~تعلمون * لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لاصلبنكم أجمعين * قالو & # 1764 ا إنآ إلى ربنا منقلبون * وما تنقم منآ إلا أن ءامنا بئايات ربنا ~~لما جآءتنا ربنآ أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين } . ) 2 $ # عطف على { فغلبوا وانقلبوا } ( الأعراف : 119 ) ، فهو في حيز فاء التعقيب ~~، أي : حصل ذلك كله عقب تلقف العصا ما يأفكون ، أي : بدون مهلة ، وتعقيب كل ~~شيء بحسبه ، فسجود السحرة متأخر عن مصيرهم صاغرين ، ولكنه متأخر بزمن قليل ~~وهو زمن انقداح الدليل على صدق موسى في نفوسهم ، فإنهم كانوا أعلم الناس ~~بالسحر فلا يخفى عليهم ما هو خارج عن الأعمال السحرية ، ولذلك لما رأوا ~~تلقف عصا موسى ms3194 لحبالهم وعصيهم جزموا بأن ذلك خارج عن طوق الساحر ، فعلموا ~~أنه تأييد من الله لموسى وأيقنوا أن ما دعاهم إليه موسى حق ، فلذلك سجدوا ، ~~وكان هذا خاصا بهم دون بقية الحاضرين ، فلذلك جيء بالاسم الظاهر دون الضمير ~~لئلا يلتبس بالضمير الذي قبله الذي هو شامل للسحرة وغيرهم . # والإلقاء : مستعمل في سرعة الهوي إلى الأرض ، أي : لم يتمالكوا أن سجدوا ~~بدون تريث ولا تردد . # وبني فعل الإلقاء للمجهول لظهور الفاعل ، وهو أنفسهم ، والتقدير : وألقوا ~~أنفسهم على الأرض . # و { ساجدين } حال ، والسجود هيئة خاصة لإلقاء المرء نفسه على الأرض يقصد ~~منها الإفراط في التعظيم ، وسجودهم كان لله الذي عرفوه حينئذ بظهور معجزة ~~موسى عليه السلام والداعي إليه بعنوان كونه رب العالمين . PageV09P052 # وجملة : { قالوا } بدل اشتمال من جملة : { ألقي السحرة } لأن الهوي ~~للسجود اشتمل على ذلك القول ، وهم قصدوا من قولهم ذلك الإعلان بإيمانهم ~~بالله لئلا يظن الناس أنهم سجدوا لفرعون ، إذ كانت عادة القبط السجود ~~لفرعون ، ولذلك وصفوا الله بأنه رب العالمين بالعنوان الذي دعا به موسى ~~عليه السلام ، ولعلهم لم يكونوا يعرفون اسما علما لله تعالى ، إذ لم يكن ~~لله اسم عندهم ، وقد علم بذلك أنهم كفروا بالإهية فرعون . # وزادوا هذا القصد بيانا بالإبدال من { رب العالمين } قولهم { رب موسى ~~وهارون } لئلا يتوهم المبالغة في وصف فرعون بأنه رب جميع العالمين ، وتعين ~~في تعريف البدل طريق تعريف الإضافة لأنها أخصر طريق ، وأوضحه هنا ، لاسيما ~~إذا لم يكونوا يعرفون اسما علما على الذات العلية . وهذا ما يقتضيه تعليم ~~الله اسمه لموسى حين كلمه فقال : { إنني أنا الله } في سورة طه ( 14 ) . ~~وفي سفر الخروج { وقال الله لموسى هكذا تقول لبني إسرائيل ( يهوه ) إلاه ~~آبائكم } الخ الإصحاح الثالث . # وفصلت جملة : { قال فرعون } لوقوعها في طريق المحاورة . # وقوله : { أآمنتم } قرأه الجمهور بصيغة الاستفهام بهمزتين فمنهم من حققها ~~، وهم : حمزة ، والكسائي ، وأبو بكر عن عاصم ، وروح عن يعقوب ، وخلف ، ~~ومنهم من سهل الثانية مدة ، فصار بعد الهمزة الأولى مدتان ، وهؤلاء هم : ~~نافع ، وأبو عمرو ، وابن ms3195 عامر ، وقرأه حفص عن عاصم بهمزة واحدة فيجوز أن ~~يكون إخبارا ، ويجوز أن تكون همزة الاستفهام محذوفة وما ذلك ببدع . # والاستفهام للإنكار والتهديد مجازا مرسلا مركبا ، والإخبار مستعمل كذلك ~~أيضا لظهور أنه لا يقصد حقيقة الاستفهام ولا حقيقة الإخبار لأن المخاطبين ~~صرحوا بذلك وعلموه ، والضمير المجرور بالباء عائد إلى موسى ، أي : آمنتم ~~بما قاله ، أو إلى رب موسى . # وجملة : { إن هذا لمكر } الخ . . . خبر مراد به لازم الفائدة أي : قد ~~علمت مرادكم لأن المخاطب لا يخبر بشيء صدر منه ، كقول عنترة : # إن كنتت أزمعتت الفراق فإنما # زمت ركابكم بليل مظلم # أي : إن كنت أخفيتت عني عزمك على الفراق فقد علمت أنكم شددتم رحالكم بليل ~~لترحلوا خفية . PageV09P053 # وقوله : { قبل أن آذن لكم } ترق في موجب التوبيخ ، أي لم يكفكم أنكم ~~آمنتم بغيري حتى فعلتم ذلك عن غير استئذان ، وفصلها عما قبلها لأنها تعداد ~~للتوبيخ . # والمكر تقدم عند قوله تعالى : { ومكروا ومكر الله في سورة آل عمران ( 54 ~~) ، وتقدم آنفا عند قوله تعالى : أفأمنوا مكر الله } ( الأعراف : 99 ) . # والضمير المنصوب في { مكرتموه } ضمير المصدر المؤكد لفعله . # و { في } ظرفية مجازية : جعل مكرهم كأنه موضوع في المدينة كما يوضع ~~العنصر المفسد ، أي : أردتم إضرار أهلها ، وليست ظرفية حقيقية لأنها لا ~~جدوى لها إذ معلوم لكل أحد أن مكرهم وقع في تلك المدينة ، وفسره في ( ~~الكشاف ) بأنهم دبروه في المدينة حين كانوا بها قبل الحضور إلى الصحراء ~~التي وقعت فيها المحاورة ، وقد تبين أن المراد بالظرفية ما ذكرناه بالتعليل ~~الذي بعدها في قوله : { لتخرجوا منها أهلها } والمراد هنا بعض أهلها ، وهم ~~بنو إسرائيل ، لأن موسى جاء طلبا لإخراج بني إسرائيل كما تقدم . # وقول فرعون هذا يحتمل أنه قاله موافقا لظنه على سبيل التهمة لهم لأنه لم ~~يكن له علم بدقائق علم السحر حتى يفرق بينه وبين المعجزة الخارقة للعادة ، ~~فظن أنها مكيدة دبرها موسى مع السحرة ، وأنه لكونه أعلمهم أو معلمهم أمرهم ~~فاتمروا بأمره ، كما في الآية الأخرى { إنه لكبيركم الذي علمكم السحر } ( ~~طه ms3196 : 71 ) . # ويحتمل أنه قاله تمويها وبهتانا ليصرف الناس عن اتباع السحرة ، وعن ~~التأثر بغلبة موسى إياهم فيدخل عليهم شكا في دلالة الغلبة واعتراف السحرة ~~بها ، وأن ذلك مواطاة بين الغالب والمغلوب لغاية مقصودة ، وهو موافق في ~~قوله هذا ، لما كان أشار به . # الملأ من قومه حين قالوا : { يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره } ( الشعراء ~~: 35 ) وأيا ما كان فعزمه على تعذيبهم مصير إلى الظلم والغشم لأنه ما كان ~~يحق له أن يأخذهم بالتهمة ، بله أن يعاقبهم على المصير إلى الحجة ، ولكنه ~~لما أعجزته الحجة صار إلى الجبروت . # وفرع على الإنكار والتوبيخ الوعيد بقوله : { فسوف تعلمون } ، وحذف مفعول ~~{ تعلمون } لقصد الإجمال في الوعيد لإدخال الرعب ، ثم بينه بجملة { لأقطعن ~~أيديكم وأرجلكم من خلاف } . ووقوع الجمع معرفا بالإضافة يكسبه العموم فيعم ~~PageV09P054 كل يد وكل رجل من أيدي وأرجل السحرة . # و { من } في قوله : { من خلاف } ابتدائية لبيان موضع القطع بالنسبة إلى ~~العضو الثاني ، وقد تقدم بيان نظيرها عند قوله تعالى : { أو تقطع أيديهم ~~وأرجلهم من خلاف في سورة المائدة ( 33 ) . فالمعنى : أنه يقطع من كل ساحر ~~يدا ورجلا متخالفتي الجهة غير متقابلتيها ، أي : إن قطع يده اليمنى قطع ~~رجله اليسرى والعكس ، وإنما لم يقطع القوائم الأربع لأن المقصود بقاء الشخص ~~متمكنا من المشي متوكئا على عود تحت اليد من جهة الرجل المقطوعة . # ودلت ثم } على الارتقاء في الوعيد بالثلب ، والمعروف أن الصلب أن يقتل ~~المرء مشدودا على خشبة ، وتقدم في قوله : { وما قتلوه وما صلبوه } في سورة ~~النساء ( 157 ) ، وعلى هذا يكون توعدهم بنوعين من العذاب . والوعيد موجه ~~إلى جماعتهم فعلم أنه جعلهم فريقين : فريق يعذب بالقطع من خلاف ، وفريق ~~يعذب بالصلب والقتل ، فعلى هذا ليس المعنى على أنه يصلبهم بعد أن يقطعهم ، ~~إذ لا فائدة في تقييد القطع بكونه من خلاف حينئذ ويحتمل أن يراد بالصلب : ~~الصلب دون قتل ، فيكون أراد صلبهم بعد القطع ليجعلهم نكالا ينذعر بهم الناس ~~، كيلا يقدم أحد على عصيان أمره من بعد ، فتكون ( ثم ) دالة على ms3197 الترتيب ~~والمهلة ، ولعل المهلة قصد منها مدة كي واندمال موضع القطع ، وهذا هو ~~المناسب لظاهر قوله : { أجمعين } المفيد أن الصلب ينالهم كلهم . # وفصلت جملة { قالوا إنا إلى ربنا منقلبون } لوقوعها في سياق المحاورة . # والانقلاب : الرجوع وقد تقدم قريبا . وهذا جواب عن وعيد فرعون بأنه وعيد ~~لا يضيرهم ، لأنهم يعلمون أنهم صائرون إلى الله رب الجميع ، وقد جاء هذا ~~الجواب موجزا إيجازا بديعا لأنه يتضمن أنهم يرجون ثواب الله على ما ينالهم ~~من عذاب فرعون ، ويرجون منه مغفرة ذنوبهم ، ويرجون العقاب لفرعون على ذلك ، ~~وإذا كان المراد بالصلب القتل وكان المراد تهديد جميع المؤمنين ، كان قولهم ~~: { إنا إلى ربنا منقلبون } تشوقا إلى حلول ذلك بهم محبة للقاء الله تعالى ~~، فإن الله تعالى لما هداهم إلى الإيمان أكسبهم محبة لقائه ، ثم بينوا أن ~~عقاب فرعون لا غضاضة عليهم منه ، لأنه لم يكن عن جناية تصمهم بل كان على ~~الإيمان بآيات لما ظهرت لهم . أي : فإنك لا PageV09P055 تعرف لنا سببا يوجب ~~العقوبة غير ذلك . # والنقم : بسكون القاف وبفتحها ، الإنكار على الفعل ، وكراهة صدوره وحقد ~~على فاعله ، ويكون باللسان وبالعمل ، وفعله من باب ضرب وتعب ، والأول أفصح ~~ولذلك قرأه الجميع { وما تنقم } بكسر القاف . # والاستثناء في قولهم : { إلا أن آمنا بآيات ربنا } متصل ، لأن الإيمان ~~ينقمه فرعون عليهم ، فليس في الكلام تأكيد الشيء بما يشبه ضده . # وجملة { ربنا أفرغ علينا صبرا } من تمام كلامهم ، وهي انتقال من خطابهم ~~فرعون إلى التوجه إلى دعاء الله تعالى ، ولذلك فصلت عن الجملة التي قبلها . # ومعنى قوله : { ربنا أفرغ علينا صبرا } اجعل لنا طاقة لتحمل ما توعدنا به ~~فرعون . # ولما كان ذلك الوعيد مما لا تطيقه النفوس سألوا الله أن يجعل لنفوسهم ~~صبرا قويا ، يفوق المتعارف ، فشه الصبر بماء تشبيه المعقول بالمحسوس ، على ~~طريقة الاستعارة المكنية ، وشبه خلقه في نفوسهم بإفراغ الماء من الإناء على ~~طريقة التخييلية ، فإن الإفراغ صب جميع ما في الإناء ، والمقصود من ذلك ~~الكناية عن قوة الصبر لأن إفراغ الإناء يستلزم أنه لم يبق ms3198 فيه شيء مما حواه ~~، فاشتملت هذه الجملة على مكنية وتخييلية وكناية . # وتقدم نظيره في قوله تعالى : { قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا في سورة ~~البقرة ( 250 ) . # ودعوا لأنفسهم بالوفاة على الإسلام إيذانا بأنهم غير راغبين في الحياة ، ~~ولا مبالين بوعيد فرعون ، وأن همتهم لا ترجو إلا النجاة في الآخرة ، والفوز ~~بما عند الله ، وقد انخذل بذلك فرعون ، وذهب وعيده باطلا ، ولعله لم يحقق ~~ما توعدهم به لأن الله أكرمهم فنجاهم من خزي الدنيا كما نجاهم من عذاب ~~الآخرة . # والقرآن لم يتعرض هنا ، ولا في سورة الشعراء ، ولا في سورة طه ، للإخبار ~~عن وقوع ما توعدهم به فرعون لأن غرض القصص القرآنية هو الاعتبار بمحل ~~العبرة وهو تأييد الله موسى وهداية السحرة وتصلبهم في إيمانهم بعد تعرضهم ~~للوعيد بنفوس مطمئنة . PageV09P056 # وليس من غرض القرآن معرفة الحوادث كما قال في سورة النازعات ( 26 ) إن في ~~ذلك لعبرة لمن يخشى ، فاختلاف المفسرين في البحث عن تحقيق وعيد فرعون زيادة ~~في تفسير الآية . # والظاهر أن فرعون أفحم لما رأى قلة مبالاتهم بوعيده فلم يرد جوابا . # وذكرهم الإسلام في دعائهم يدل على أن الله ألهمهم حقيقته التي كان عليها ~~النبيون والصديقون من عهد إبراهيم عليه السلام . # والظاهر أن كلمة مسلمين } تعبير القرآن عن دعائهم بأن يتوفاهم الله على ~~حالة الصديقين ، وهي التي يجمع لفظ الإسلام تفصيلها ، وقد تقدم شرح معنى ~~كون الإسلام وهو دين الأنبياء عند قوله : { فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون في ~~سورة البقرة ( 132 ) . # $ 2 ( 127 ، 128 ) وقال الملا من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا فى ~~الارض ويذرك وءالهتك قال سنقتل أبنآءهم ونستحيى نسآءهم وإنا فوقهم قاهرون * ~~قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبرو & # 1764 ا إن الأرض لله يورثها من يشآء من عباده والعاقبة للمتقين } . ) 2 $ # جملة : { قال الملأ } عطف على جملة : { قال فرعون آمنتم به } ( الأعراف : ~~123 ) أو على حملة { قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم } ( الأعراف ~~: 109 ) . وإنما عطفت ولم تفصل لأنها خارجة عن المحاورة التي بين فرعون ms3199 ومن ~~آمن من قومه بموسى وآياته ، لأن أولئك لم يعرجوا على ذكر ملأ فرعون ، بل هي ~~محاورة بين ملإ فرعون وبينه في وقت غير وقت المحاورة التي جرت بين فرعون ~~والسحرة ، فإنهم لما رأوا قلة اكتراث المؤمنين بوعيد فرعون ، ورأوا قلة ~~اكتراث المؤمنين بوعيد فرعون ، ورأوا نهوض حجتهم على فرعون وإفحامه . وأنه ~~لم يحر جوابا . راموا إيقاظ ذهنه ، وإسعار حميته ، فجاءوا بهذا الكلام ~~المثير لغضب فرعون ، ولعلهم رأوا منه تأثرا بمعجزة موسى وموعظة الذين آمنوا ~~من قومه PageV09P057 وتوقعوا عدوله عن تحقيق وعيده ، فهذه الجملة معترضة ~~بين ما قبلها وبين جملة : { قال موسى لقومه استعينوا بالله } . # والاستفهام في قوله : { أتذر موسى } مستعمل في الإغراء بإهلاك موسى وقومه ~~والإنكار على الإبطاء بإتلافهم ، وموسى مفعول { تذر } أي تتركه متصرفا ولا ~~تأخذ على يده . # والكلام على فعل { تذر } تقدم في قوله : { وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ~~في الأنعام ( 70 ) . # وقوم موسى هم من آمن به ، وأولئك هم بنوا إسرائيل كلهم ومن آمن من القبط ~~. # واللام في قوله : ليفسدوا } لام التعليل وهو مبالغة في الإنكار إذ جعلوا ~~ترك موسى وقومه معللا بالفساد ، وهذه اللام تسمى لام العاقبة ، وليست ~~العاقبة معنى من معاني اللام حقيقة ولكنها مجاز : شبه الحاصل عقب الفعل لا ~~محالة بالغرض الذي يفعل الفعل لتحصيله ، واستعير لذلك المعنى حرف اللام ~~عوضا عن فاء التعقيب كما في قوله تعالى : { فالتقطه آل فرعون ليكون لهم ~~عدوا وحزنا } ( القصص : 8 ) . # والإفساد عندهم هو إبطال أصول ديانتهم وما ينشأ عن ذلك من تفريق الجماعة ~~وحث بني إسرائيل على الحرية ، ومغادرة أرض الاستعباد . # و { الأرض } مملكة فرعون وهي قطر مصر . # وقوله : { ويذرك } عطف على { ليفسدوا } فهو داخلي التعليل المجازي ، لأن ~~هذا حاصل في بقائهم دون شك ، ومعنى تركهم فرعون ، تركهم تأليهه وتعظيمه ، ~~ومعنى ترك آلهته نبذهم عبادتها ونهيهم الناس عن عبادتها . # والآلهة جمع إلاه ، ووزنه أفعلة ، وكان القبط مشركين يعبدون آلهة متنوعة ~~من الكواكب والعناصر وصوروا لها صورا عديدة مختلفة باختلاف العصور والأقطار ~~، أشهرها ( فتاح ) وهو أعظمها عندهم ms3200 وكان يعبد بمدينة ( منفيس ) ، ومنها ( ~~رع ) وهو الشمس وتتفرع عنه آلهة باعتبار أوقات شعاع الشمس ، ومنها ( ازيريس ~~) و ( إزيس ) و ( هوروس ) وهذا عندهم ثالوث مجموع من أب وأم وابن ، ومنها ( ~~توت ) وهو القمر وكان عندهم رب الحكمة ، ومنها ( أمون رع ) فهذه الأصنام ~~المشهورة عندهم وهي أصل إضلال عقولهم . # وكانت لهم أصنام فرعية صغرى عديدة مثل العجل ( إيبيس ) ومثل الجعران وهو ~~الجعل . PageV09P058 # وكان أعظم هذه الأصنام هو الذي ينتسب فرعون إلى بنوته وخدمته ، وكان ~~فرعون معدودا ابن الآلهة وقد حلت فيه الإلهية على نحو عقيدة الحلول ، ~~ففرعون هو المنفذ للدين ، وكان يعد إلاه مصر ، وكانت طاعته طاعة للآلهة كما ~~حكى الله تعالى عنه : { فقال أنا ربكم الأعلى } ( النازعات : 24 ) { ما ~~علمت لكم من إلاه غيري } ( القصص : 38 ) . وتوعد فرعون موسى وقومه ~~بالاستئصال بقتل الأبناء والمراد الرجال بقرينة مقابلته بالنساء ، والضمير ~~المضاف إليه عائد على موسى وقومه ، فالإضافة على معنى ( من ) التبعيضية . # وقرأ نافع وابن كثير ، وأبو جعفر : { سنقتل } بفتح النون وسكون القاف وضم ~~التاء وقرأه البقية بضم النون وفتح القاف وتشديد التاء للمبالغة في القتل ~~مبالغة كثرة واستيعاب . # والاستحياء : مبالغة في الإحياء ، فالسين والتاء فيه للمبالغة ، وإخباره ~~ملأه باستحياء النساء تتميم لا أثر له في إجابة مقترح ملئه ، لأنهم اقترحوا ~~عليه أن لا يبقي موسى وقومه فأجابهم بما عزم عليه في هذا الشأن ، والغرض من ~~استبقاء النساء أن يتخذوهن سراري وخدما . # وجملة : { وإنا فوقهم قاهرون } اعتذار من فرعون للملإ من قومه عن إبطائه ~~باستئصال موسى وقومه ، أي : هم لا يقدرون أن يفسدوا في البلاد ولا أن ~~يخرجوا عن طاعتي والقاهر : الغالب بإذلال . # و { فوقهم } مستعمل مجازا في التمكن من الشيء وكلمة { فوقهم } مستعارة ~~لاستطاعة قهرهم لأن الاعتلاء على الشيء أقوى أحوال التمكن من قهره ، فهي ~~تمثيلية . # وجملة : { قال موسى لقومه } واقعة جوابا لقول قومه { إنا إلى ربنا ~~منقلبون } ( الأعراف : 125 ) إلى آخرها الذي أجابوا به عن وعيد فرعون ، ~~فكان موسى معدودا في المحاورة ، ولذلك نزل كلامه الذي خاطب به قومه منزلة ms3201 ~~جواب منه لفرعون ، لأنه في قوة التصريح بقلة الاكتراث بالوعيد ، وبدفع ذلك ~~بالتوكل على الله . # والتوكل هو جماع قوله : { استعينوا بالله واصبروا } وقد عبر عن ذلك بلفظ ~~التوكل في قوله : { وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن ~~كنتم مسلمين } في سورة يونس ( 84 ) ، فإن حقيقة التوكل أنه طلب نصر الله ~~وتأييده في الأمر الذي يرغب حصوله ، وذلك داخل في الاستعانة وهو يستلزم ~~الصبر على الضر لاعتقاد أنه زائل بإذن الله . PageV09P059 # وخاطب موسى قومه بذلك تطمينا لقلوبهم ، وتعليما لهم بنصر الله إياهم لأنه ~~علم لأنه بوحي الله إليه . # وجملة : { إن الأرض لله } تذييل وتعليل للأمر بالاستعانة بالله والصبر ، ~~أي : افعلوا ذلك لأن حكم الظلم لا يدوم ، ولأجل هذا المعنى فصلت الجملة . # وقوله : { إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده } كناية عن ترقب زوال ~~استعباد فرعون إياهم ، قصد منها صرف اليأس عن أنفسهم الناشىء عن مشاهدة قوة ~~فرعون وسلطانه ، بأن الله الذي خوله ذلك السلطان قادر على نزعه منه لأن ملك ~~الأرض كلها لله فهو الذي يقدر لمن يشاء ملك شيء منها وهو الذي يقدر نزعه . # فالمراد من الأرض هنا الدنيا لأنه أليق بالتذييل وأقوى في التعليل ، فهذا ~~إيماء إلى أنهم خارجون من مصر وسيملكون أرضا أخرى . # وجملة : { والعاقبة للمتقين } تذييل ، فيجوز أن تكون الواو اعتراضية ، أي ~~: عاطفة على ما في قوله : { إن الأرض لله } من معنى التعليل ، فيكون هذا ~~تعليلا ثانيا للأمر بالاستعانة والصبر ، وبهذا الاعتبار أوثر العطف بالواو ~~على فصل الجملة مع أن مقتضى التذييل أن تكون مفصولة . # والعاقبة حقيقتها نهاية أمر من الأمور وآخره ، كقوله تعالى : { فكان ~~عاقبتهما أنهما في النار } ( الحشر : 17 ) ، وقد تقدم ذكرها عند قوله تعالى ~~: { قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين } في أول سورة ~~الأنعام ( 11 ) ، فإذا عرفت العاقبة باللام كان المراد منها انتهاء أمر ~~الشيء بأحسن من أوله ولعل التعريف فيها من قبيل العلم بالغلبة . وذلك لأن ~~كل أحد يود أن يكون آخر أحواله خيرا ms3202 من أولها ؛ لكراهة مفارقة الملائم ، أو ~~للرغبة في زوال المنافر ، فلذلك أطلقت العاقبة معرفة على انتهاء الحال بما ~~يسر ويلائم ، كما قال تعالى : { والعاقبة للتقوى } ( طه : 132 ) . وفي حديث ~~أبي سفيان قول هرقل : ( وكذلك الرسل تبتلى ثم تكون لهم العاقبة ) فلا تطلق ~~المعرفة على عاقبة السوء . فالمراد بالعاقبة هنا عاقبة أمورهم في الحياة ~~الدنيا ليناسب قوله { إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده } PageV09P060 ~~وتشمل عاقبة الخير في الآخرة لأنها أهم ما يلاحظه المؤمنون . والمتقون : ~~المؤمنون العاملون . # وجيء في جملتي : { إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة ~~للمتقين } بلفظين عامين ، وهما : من يشاء من عباده والمتقين ، لتكون ~~الجملتان تذييلا للكلام وليحرص السامعون على أن يكونوا من المتقين . # وقد علم من قوله : { والعاقبة للمتقين } أن من يشاء الله أن يورثهم الأرض ~~هم المتقون إذا كان في الناس متقون وغيرهم ، وأن تمليك الأرض لغيرهم إما ~~عارض وإما لاستواء أهل الأرض في عدم التقوى . # $ 2 ( 129 ) { قالو & # 1764 ا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ربكم أن يهلك ~~عدوكم ويستخلفكم فى الارض فينظر كيف تعملون } . ) 2 $ # { قالوا } حكاية جواب قوم موسى إياه ، فلذلك فصلت جملة القول على طريقة ~~المحاورة ، وهذا الخبر مستعمل في الشكاية واستئثارتهم موسى ليدعو ربه أن ~~يفرج كربهم . # والإيذاء : الإصابة بالأذى ، والأذى ما يؤلم ويحزن من قول أو فعل ، وقد ~~تقدم عند قوله تعالى : { لن يضروكم إلا أذى } في سورة آل عمران ( 111 ) ، ~~وقوله : { فصبروا على ما كذبوا وأوذوا } في سورة الأنعام ( 34 ) ، وهو يكون ~~ضعيفا وقويا ، ومرادهم هنا القوي منه ، وهو ما لحقهم من الاستعباد وتكليفهم ~~الأعمال الشاقة عليهم في خدمة فرعون وما توعدهم به فرعون بعد بعثة موسى من ~~القطع والصلب وقتل الأبناء ، وكأنهم أرادوا التعريض بنفاد صبرهم وأن الأذى ~~الذي مسهم بعد بعثة موسى لم يكن بداية الأذى ، بل جاء بعد طول مدة في الأذى ~~، فلذلك جمعوا في كلامهم ما لحقهم قبل بعثة موسى . # وقد توهم بعض المفسرين أن هذا ms3203 امتعاض منهم مما لحقهم بسبب موسى وبواسطته ~~مستندا إلى أن قتل الذكور منهم كان قبل مجيء موسى بسبب توقع ولادة موسى ، ~~وكان الوعيد بمثله بعد مجيئه بسبب دعوته ، وليس ذلك بمتجه لأنه لو كان هو ~~المراد لما كان للتعبير بقوله : { من قبل أن تأتينا } موقع ، والإتيان ~~والمجيء مترادفان ، فذكر المجيء بعد الإتيان ليس لاختلاف المعنى ، ولكنه ~~للتفنن وكراهية إعادة اللفظ . PageV09P061 # والإتيان والمجيء مدلولهما واحد ، وهو بعثة موسى بالرسالة ، فجعل الفعل ~~المعبر عنه حين علق به ( قبل ) بصيغة المضارع المقترن ب ( أن ) الدالة على ~~الاستقبال والمصدرية لمناسبة لفظ ( قبل ) لأن ما يضاف إلى ( قبل ) مستقبل ~~بالنسبة لمدلولها ، وجعل حين علق به ( بعد ) بصيغة الماضي المقترن بحرف ( ~~ما ) المصدرية لأن ( ما ) المصدرية لا تفيد الاستقبال ليناسب لفظ ( بعد ) ~~لأن مضاف كلمة ( بعد ) ماض بالنسبة لمدلولها . # فأجابهم موسى بتقريب أن يكونوا هم الذين يرثون ملك الأرض والذين تكون لهم ~~العاقبة . # وجاء بفعل الرجاء دون الجزم تأدبا مع الله تعالى ، وإقصاء للاتكال على ~~أعمالهم ليزدادوا من التقوى والتعرض إلى رضى الله تعالى ونصره . فقوله : { ~~عسى ربكم أن يهلك عدوكم } ناظر إلى قوله : { إن الأرض لله } ( الأعراف : ~~128 ) وقوله : { ويستخلفكم في الأرض } ناظر إلى قوله { والعاقبة للمتقين } ~~( الأعراف : 128 ) . # والمراد بالعدو ، فرعون وحزبه ، فوصف عدو يوصف به الجمع قال تعالى : { هم ~~العدو } ( المنافقون : 4 ) . # والمراد بالاستخلاف : الاستخلاف عن الله في ملك الأرض . والاستخلاف إقامة ~~الخليفة ، فالسين والتاء لتأكيد الفعل مثل استجاب له ، أي جعلهم أحرارا ~~غالبين ومؤسسين ملكا في الأرض المقدسة . # ومعنى { فينظر كيف تعملون } التحذير من أن يعملوا ما لا يرضي الله تعالى ~~، والتحريض على الاستكثار من الطاعة ليستحقوا وصف المتقين ، تذكيرا لهم ~~بأنه عليم بما يعملونه . # فالنظر مستعمل في العلم بالمرئيات ، والمقصود بما { تعملون } عملهم مع ~~الناس في سياسة ما استخلفوا فيه ، وهو كله من الأمور التي تشاهد إذ لا دخل ~~للنيات والضمائر في السياسة وتدبير الممالك ، إلا بمقدار ما تدفع إليه ~~النيات الصالحة من الأعمال المناسبة لها ، فإذا صدرت الأعمال صالحة كما ms3204 ~~يرضي الله ، وما أوصى به ، حصل المقصود ، ولا يضرها ما تكنه نفس العامل . # و ( كيف ) يجوز كونها استفهاما فهي معلقة لفعل ( ينظر ) عن المفعول ، ~~فالتقدير فينظر جواب السؤال ب { كيف تعملون } ، ويجوز كونها مجردة عن معنى ~~الاستفهام دالة على مجرد الكيفية ، فهي مفعول به ل { ينظر } كما تقدم في ~~قوله تعالى : { هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء } في سورة آل عمران ( 6 ~~) ، وقوله تعالى : PageV09P062 { انظر كيف نبين لهم الآيات في سورة المائدة ~~( 75 ) وقد تقدم . # $ 2 ( 130 ، 131 ) ولقد أخذنآ ءال فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم ~~يذكرون * فإذا جآءتهم الحسنة قالوا لنا هاذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ~~ومن معه ألا & # 1764 إنما طائرهم عند الله ولاكن أكثرهم لا يعلمون } . ) 2 $ # هذا انتقال إلى ذكر المصائب التي أصاب الله بها فرعون وقومه ، وجعلها ~~آيات لموسى ، ليلجىء فرعون إلى الإذن لبني إسرائيل بالخروج ، وقد وقعت تلك ~~الآيات بعد المعجزة الكبرى التي أظهرها الله لموسى في مجمع السحرة ، ويظهر ~~أن فرعون أغضى عن تحقيق وعيده إبقاء على بني إسرائيل ، لأنهم كانوا يقومون ~~بالأشغال العظيمة لفرعون . # ويؤخذ من التوراة أن موسى بقي في قومه مدة يعيد محاولة فرعون أن يطلق بني ~~إسرائيل ، وفرعون يعد ويخلف ، ولم تضبط التوراة مدة مقام موسى كذلك ، ~~وظاهرها أن المدة لم تطل ، وليس قوله تعالى : { بالسنين } دليلا على أنها ~~طالت أعواما لأن السنين هنا جمع سنة بمعنى الجدب لا بمعنى الزمن المقدر من ~~الدهر . فالسنة في كلام العرب إذا عرفت باللام يراد بها سنة الجدب ، والقحط ~~، وهي حينئذ علم جنس بالغلبة ، ومن ثم اشتقوا منها : أسنت القوم ، إذا ~~أصابهم الجدب والقحط ، فالسنين في الآية مراد بها القحوط وجمعها باعتبار ~~كثرة مواقعها أي : أصابهم القحط في جميع الأرضين والبلدان ، فالمعنى : ولقد ~~أخذناهم بالقحوط العامة في كل أرض . # والأخذ : هنا مجاز في القهر والغلبة ، كقوله : { لا تأخذه سنة ولا نوم } ~~( البقرة : 255 ) . ويصح أن يكون هنا مجازا في الإصابة بالشدائد ، لأن ~~حقيقة الأخذ : تناول الشيء باليد ، وتعددت إطلاقاته ms3205 ، فأطلق كناية عن الملك ~~. # وأطلق استعارة للقهر والغلبة ، وللإهلاك . وقد تقدمت معانيه متفرقة في ~~السور الماضية . # وجملة { لعلهم يذكرون } في موضع التعليل لجملة { ولقد أخذنا } فلذلك فصلت ~~. PageV09P063 # ونقص الثمرات قلة إنتاجها قلة غير معتادة لهم . فتنوين { نقص } للتكثير ~~ولذلك نكر ( نقص ) ولم يضف إلى ( الثمرات ) لئلا تفوت الدلالة على الكثرة . # فالسنون تنتاب المزارع والحقول ، ونقص الثمرات ينتاب الجنات . # و ( لعل ) للرجاء ، أي مرجوا تذكرهم ، لأن المصائب والأضرار المقارنة ~~لتذكير موسى إياهم بربهم ، وتسريح عبيده ، من شأنها أن يكون أصحابها مرجوا ~~منهم أن يتذكروا بأن ذلك عقاب على إعراضهم وعلى عدم تذكرهم ، لأن الله نصب ~~العلامات للاهتداء إلى الخفيات كما قدمناه عند قوله تعالى : { وما أرسلنا ~~في قرية من نبيء } في هذه السورة ( 94 ) ، فشأن أهل الألباب أن يتذكروا ، ~~فإذا لم يتذكروا ، فقد خيبوا ظن من يظن بهم ذلك مثل موسى وهارون ، أما الله ~~تعالى فهو يعلم أنهم لا يتذكرون ولكنه أراد الإملاء لهم ، وقطع عذرهم ، ~~وذلك لا ينافي ما يدل عليه ( لعل ) من الرجاء لأن دلالتها على الراجي ~~والمرجو منه دلالة عرفية ، وقد تقدم الكلام على وقوع ( لعل ) في كلام الله ~~تعالى عند قوله تعالى : { يأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من ~~قبلكم لعلكم تتقون } في سورة البقرة ( 21 ) . # وفي هذه الآية تنبيه للأمة للنظر فيما يحيط بها من دلائل غضب الله فإن ~~سلب النعمة للمنعم عليهم تنبيه لهم على استحقاقهم إعراض الله تعالى عنهم . # والفاء في قوله : { فإذا جاءتهم الحسنة } لتفريع هذا الخبر على جملة { ~~أخذنا آل فرعون بالسنين } أي : فكان حالهم إذا جاءتهم الحسنة الخ . . . ~~والمعنى : فلم يتذكروا ولكنهم زادوا كفرا وغرورا . # والمجيء : الحصول والإصابة ، وإنما عبر في جانب الحسنة بالمجيء لأن ~~حصولها مرغوب ، فهي بحيث تترقب كما يترقب الجائي ، وعبر في جانب السيئة ~~بالإصابة لأنها تحصل فجأة من غير رغبة ولا ترقب . # وجيء في جانب الحسنة بإذا الشرطية لأن الغالب في ( إذا ) الدلالة على ~~اليقين بوقوع الشرط أو ما يقرب من اليقين كقولك : إذا طلعت الشمس ms3206 فعلت كذا ~~، ولذلك غلب أن يكون فعل الشرط مع ( إذا ) فعلا ماضيا لكون الماضي أقرب إلى ~~اليقين في الحصول من المستقبل ، كما في الآية ، فالحسنات أي : النعم كثيرة ~~الحصول PageV09P064 تنتابهم متوالية من صحة وخصب ورخاء ورفاهية . وجيء في ~~جانب السيئة بحرف ( إن ) لأن الغالب أن تدل ( إن ) على التردد في وقوع ~~الشرط ، أو على الشك ، ولكون الشيء النادر الحصول غير مجزوم بوقوعه ، ~~ومشكوكا فيه ، جيء في شرط إصابة السيئة بحرف ( إن ) لندرة وقوع السيئات أي ~~: المكروهات عليهم ، بالنسبة إلى الحسنات ، أي : النعم ، وفي ذلك تعريض بأن ~~نعم الله كانت متكاثرة لديهم وأنهم كانوا معرضين عن الشكر ، وتعريض بأن ~~إصابتهم بالسيئات نادرة وهم يعدون السيئات من جراء موسى ومن آمن معه ، فهم ~~في كلتا الحالتين بين كافرين بالنعمة وظالمين لموسى ومن معه ، ولهذين ~~الاعتبارين عرفت الحسنة تعريف الجنس المعروف في علم المعاني بالعهد الذهني ~~، أي : جاءتهم الحسنات ، لأن هذا الجنس محبوب مألوف كثير الحصول لديهم ، ~~ونكرت { سيئة } لندرة وقوعها عليهم ، ولأنها شيء غير مألوف حلوله بهم ، أي ~~: وإن تصبهم آية سيئة ، كذا في ( الكشاف ) و ( المفتاح ) . # واعلم أن التفرقة بين تعريف الجنس والتنكير من لطائف الاستعمال البلاغي ، ~~كما أشرنا إليه في قوله تعالى : { الحمد لله } في سورة الفاتحة ( 2 ) ، ~~وأما من جهة مفاد اللفظ ، فالمعرف بلام الجنس والمنكرة سواء ، فلا تظن أن ~~اللام للعهد لحسنة معهودة ووقوع المعرف بلام الجنس والنكرة في سياق الشرط ، ~~في هذه الآية يعم كل حسنة وكل سيئة . والحسنة والسيئة هنا مراد بهما الحالة ~~الحسنة والحالة السيئة . # واللام في قوله { لنا } هذه لام الاستحقاق أي : هذه الحسنة حق لنا ، ~~لأنهم بغرورهم يحسبون أنهم أحرياء بالنعم ، أي : فلا يرون تلك الحسنة فضلا ~~من الله ونعمة . # { ويطيروا } أصله يتطيروا ، وهو تفعل ، مشتق من اسم الطير ، كأنهم صاغوه ~~على وزن التفعل لما فيه من تكلف معرفة حظ المرء بدلالة حركات الطير ، أو هو ~~مطاوعة سمي بها ما يحصل من الانفعال من إثر طيران الطير . وكان العرب إذا ~~خرجوا في سفر ms3207 لحاجة ، نظروا إلى ما يلاقيهم أول سيرهم من طائر ، فكانوا ~~يزعمون أن في مروره علامات يمن وعلاماتت شؤم ، فالذي في طيرانه علامة بمنن ~~في إصطلاحهم يسمونه السانح ، وهو الذي ينهض فيطير من جهة اليمين للسائر ~~والذي علامته الشؤم هو البارح وهو الذي يمر على اليسار ، وإذا وجد السائر ~~طيرا جاثما آثاره لينظر أي جهة يطير ، وتسمى تلك الإثارة زجرا ، فمن الطير ~~ميمون ومنه مشؤوم PageV09P065 والعرب يدعون للمسافر بقولهم ( على الطائر ~~الميمون ) ، ثم غلب استعمال لفظ التطير في معنى التشاؤم خاصة ، يقال الطيرة ~~أيضا ، كما في الحديث ( لا طيرة وإنما الطيرة على من تطير ) أي : الشؤم يقع ~~على من يتشاءم ، جعل الله ذلك عقوبة له في الدنيا لسوء ظنه بالله ، وإنما ~~غلب لفظ الطيرة على التشاؤم لأن للأثر الحاصل من دلالة الطيران على الشؤم ~~دلالة أشد على النفس ، لأن توقع الضر أدخل في النفوس من رجاء النفع . ~~والمراد به في الآية أنهم يتشاءمون بموسى ومن معه فاستعمل التطير في ~~التشاؤم بدون دلالة من الطير ، لأن قوم فرعون لم يكونوا ممن يزجر الطير ~~فيما علمنا من أحوال تاريخهم ، ولكنهم زعموا أن دعوة موسى فيهم كانت سبب ~~مصائب حلت بهم ، فعبر عن ذلك بالتطير على طريقة التعبير العربي . # والتشاؤم : هو عد الشيء مشؤوما ، أي : يكون وجوده . سببا في وجود ما يحزن ~~ويضر ، فمعنى { يطيروا بموسى } يحسبون حلول ذلك بهم مسببا عن وجود موسى ومن ~~آمن به وذلك أن آل فرعون كانوا متعلقين بضلال دينهم ، وكانوا يحسبون أنهم ~~إذا حافظوا على إتباعه كانوا في سعادة عيش ، فحسبوا وجود من يخالف دينهم ~~بينهم سببا في حلول المصائب والإضرار بهم فتشاءموا بهم ، ولم يعلموا أن سبب ~~المصائب هو كفرهم وإعراضهم ، لأن حلول المصائب بهم يلزم أن يكون مسببا عن ~~أسباب فيهم لا في غيرهم . وهذا من العماية في الضلالة فيبقون منصرفين عن ~~معرفة الأسباب الحقيقية ، ولذلك كان التطير من شعار أهل الشرك لأنه مبني ~~على نسبة المسببات لغير أسبابها ، وذلك من مخترعات الذين وضعوا لهم ديانة ms3208 ~~الشرك وأوهامها . # في الحديث ( الطيرة شرك ) وتأويله أنها : من بقايا دين الشرك ، ويقع بعد ~~فعل التطير باء ، وهي باء السببية تدخل على موجب التطير ، وقد يقال أيضا : ~~تطير من كذا . # وعطف { ومن معه } ، أي : من آمنوا به ، لأن قوم فرعون يعدون موجب شؤم ~~موسى هو ما جاء به من الدين لأنه لا يرضي آلهتهم ودينهم ، ولولا دينه لم ~~يكن مشؤوما كما قال ثمود { قد كنت فينا مرجوا قبل هذا } ( هود : 62 ) . ~~PageV09P066 # و { ألا } حرف استفتاح يفيد الاهتمام بالخبر الوارد بعده . تعليما للأمة ~~، وتعريضا بمشركي العرب . # والطائر : اسم للطير الذي يثار ليتيمن به أو يتشاءم ، واستعير هنا للسبب ~~الحق لحلول المصائب بهم بعلاقة المشاكلة لقوله : { يطيروا } فشبه السبب ~~الحق ، وهو ما استحقوا به العذاب من غضب الله بالطائر . # و { عند } مستعملة في التصرف مجازا لأن الشيء المتصرف فيه كالمستقر في ~~مكان ، أي : سبب شؤمهم مقدر من الله ، وهذا كما وقع في الحديث : ( ولا طير ~~إلا طيرك ) ، فعبر عما قدره الله للناس ( بطير ) مشاكلة لقوله : ( ولا طير ~~) ومن فسر الطائر بالحظ فقد أبعد عن السياق . # والقصر المستفاد من { إنما } إضافي أي : سوء حالهم عقاب من الله ، لا من ~~عند موسى ومن معه ، فلا ينافي أن المؤمنين يعلمون أن سبب حلول المصائب بأهل ~~الشرك المعاندين للرسل ، هو شركهم وتكذيبهم الرسل : يعلمون ذلك بأخبار ~~الرسل ، أو بصدق الفراسة وحسن الاستدلال ، كما قال أبو سفيان ليلة الفتح ~~لما هداه الله ( لقد علمت أن لو كان معه إلاه آخر لقد أغنى عني شيئا ) . ~~فأما المشركون وأضرابهم من أهل العقائد الضالة ، فيسندون صدور الضرر والنفع ~~إلى أشياء تقارن حصول ضر ونفع ، فيتوهمون تلك المقارنة تسببا ، ولذلك تراهم ~~يتطلبون معرفة حصول الخير والشر من غير أسبابها ، ومن ذلك الاستقسام ~~بالأزلام كما تقدم في سورة العقود . # وجملة { ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون } معترضة ولذلك ~~فصلت ، والاستدراك المستفاد من { لكن } عما يوهمه الاهتمام بالخبر الذي ~~قبله لقرنه بأداة الاستفتاح ، واشتماله على صيغة القصر : من كون شأنه ms3209 أن لا ~~يجهله العقلاء ، فاستدرك بأن أكثر أولئك لا يعلمون . # فالضمير في قوله : { أكثرهم } عائد إلى الذين { قالوا لنا هذه } وإنما ~~نفي العلم عن أكثرهم تنبيها على أن قليلا منهم يعلمون خلاف ذلك ولكنهم ~~يشايعون مقالة الأكثرين . # PageV09P067 # | 2 ( 132 ، 133 ) { وقالوا مهما تأتنا به من ءاية لتسحرنا بها فما نحن ~~لك بمؤمنين * فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ءايات ~~مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين } . ) 2 # جملة : { وقالوا } معطوفة على جملة { ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين } ( ~~الأعراف : 130 ) الآية ، فهم قابلوا المصائب التي أصابهم الله بها ليذكروا ~~، بازدياد الغرور فأيسوا من التذكر بها ، وعاندوا موسى حين تحداهم بها ~~فقالوا : مهما تأتنا به من أعمال سحرك العجيبة فما نحن لك بمؤمنين ، أي : ~~فلا تتعب نفسك في السحر . # و { مهما } اسم مضمن معنى الشرط ، لأن أصله ( ما ) الموصولة أو النكرة ~~الدالة على العموم ، فركبت معها ( ما ) لتصييرها شرطية كما ركبت ( ما ) مع ~~( أي ) و ( متى ) و ( أين ) فصارت أسماء شرط ، وجعلت الألف الأولى هاء ~~استثقالا لتكرير المتجانسين ، ولقرب الهاء من الألف فصارت مهما ، ومعناها : ~~شيء ما ، وهي مبهمة فيؤتى بعدها بمن التبيينية ، أي : إن تأتنا بشيء من ~~الآيات فما نحن لك بمؤمنين . # و { مهما } في محل رفع بالابتداء ، والتقدير : أيما شيء تأتينا به ، ~~وخبره الشرط وجوابه ، ويجوز كونها في محل نصب لفعل محذوف يدل عليه { تأتنا ~~به } المذكور . والتقدير : أي شيء تحضرنا تأتينا به . # وذكر ضمير { به } رعيا للفظ { مهما } الذي هو في معنى أي شيء ، وأنث ضمير ~~{ بها } رعيا لوقوعه بعد بيان { مهما } باسم مؤنث هو { آية } . # و { من آية } بيان لإبهام { مهما } . # والآية : العلامة الدالة ، وقد تقدم الكلام عليها عند قوله تعالى : { ~~والذين كفروا وكذبوا بآياتا أولئك أصحاب النار في سورة البقرة ( 39 ) ، وفي ~~قوله تعالى : وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه في سورة الأنعام ( 37 ) . # وسموا ما جاء به موسى آية باعتبار الغرض الذي تحداهم به موسى حين الإتيان ~~بها ، لأن موسى يأتيهم بها استدلالا على صدق رسالته ms3210 ، وهم لا يعدونها آية ~~ولكنهم جاروا موسى في التسمية بقرينة قولهم لتسحرنا بها } ، وفي ذلك ~~PageV09P068 استهزاء كما حكى الله عن مشركي أهل مكة وقالوا : { يأيها الذي ~~نزل عليه الذكر إنك لمجنون } ( الحجر : 6 ) بقرينة قولهم : إنك لمجنون . # وجملة { فما نحن لك بمؤمنين } مفيدة المبالغة في القطع بانتفاء إيمانهم ~~بموسى لأنهم جاءوا في كلامهم بما حوته الجملة الاسمية التي حكته من الدلالة ~~على ثبوت هذا الانتفاء ودوامه . وبما تفيده الباء من توكيد النفي ، وما ~~يفيده تقديم متعلق مؤمنين من اهتمامهم بموسى في تعليق الإيمان به المنفي ~~باسمه . # والفاء في قوله : { فأرسلنا } لتفريع إصابتهم بهذه المصائب على عتوهم ~~وعنادهم . # والإرسال : حقيقته توجيه رسول أو رسالة فيعدى إلى المفعول الثاني ( بإلى ~~) ويضمن معنى الإرسال من فوق ، فيعدى إلى المفعول الثاني ( بعلى ) ، قال ~~تعالى : { وأرسل عليهم طيرا أبابيل } ( الفيل : 3 ) ، { وفي عاد إذ أرسلنا ~~عليهم الريح العقيم } ( الذاريات : 41 ) فحرف ( على ) دل على أن جملة ~~أرسلنا مفرعة تفريع العقاب لا تفريغ زيادة الآيات . # والطوفان : السيح الغالب من الماء الذي يغمر جهات كثيرة ويطغى على ~~المنازل والمزارع ، قيل هو مشتق من الطواف لأن الماء يطوف بالمنازل ، أي : ~~تتكرر جريته حولها ، ولم يدخل الطوفان الأرض التي كان بها بنو إسرائيل وهي ~~أرض ( جاسان ) . # والجراد : الحشرة الطائرة من فصيلة الصرصر والخنافس له أجنحة ستة ذات ~~ألوان صفر وحمر تنتشر عند طيرانه ، يكون جنودا كثيرة يسمى الجند منها رجلا ~~. وهو مهلك للزرع والشجر ، يأكل الورق والسنبل وورق الشجر وقشره ، فهو من ~~أسباب القحط . أصاب أرض قوم فرعون ولم يصب أرض بني إسرائيل . # والقمل : بضم القاف وتشديد الميم المفتوحة في القراءات المشهورة اسم نوع ~~من القراد عظيم يسمى الحمنان بضم الحاء المهملة وميم ساكنة ونونين واحدته ~~حمنانة وهو يمتص دم الإنسان ( وهو غير القمل بفتح القاف وسكون الميم الذي ~~هو من الحشرات الدقيقة التي تكون في شعر الرأس وفي جلد الجسد يتكون من تعفن ~~الجلد لوسخه ودسومته ومن تعفن جلد الرأس كثيرا ) ، أصاب القبط جند كثير من ~~الحمنان عسر ms3211 الاحتراز عنه ولعله أصاب مواشيهم . # والضفادع : جمع ضفدع وهو حيوان يمشي على أرجل أربع ويسحب بطنه على ~~PageV09P069 الأرض ويسبح في المياه ، ويكون في الغدران ومناقع المياه ، ~~صوته مثل القراقر يسمى نقيقا ، أصابهم جند كثير منه يقع في طعامهم يرتمي ~~إلى القدور ، ويقع في العيون والأسقية وفي البيوت فيفسد ما يقع فيه وتطؤه ~~أرجل الناس فتتقذر به البيوت ، وقد سلمت منه بلاد ( جاسان ) منزل بني ~~إسرائيل . # والدم معروف ، قيل : أصابهم رعاف متفش فيهم ، وقيل : صارت مياه القبط ~~كالدم في اللون ، كما في التوراة ، ولعل ذلك من حدوث دود أحمر في الماء ~~فشبه الماء بالدم ، وسلمت مياه ( جاسان ) قرية بني إسرائيل . # وسمى الله هاته { آيات } لأنها دلائل على صدق موسى لاقترانها بالتحدي ، ~~ولأنها دلائل على غضب الله عليهم لتظافرها عليهم حين صمموا الكفر والعناد . # وانتصب { آيات } على الحال من الطوفان وما عطف عليه ، و { مفصلات } اسم ~~مفعول من فصل المضاعف الدال على قوة الفصل . والفصل حقيقته التفرقة بين ~~الشيئين بحيث لا يختلط أحدهما بالآخر ، ويستعار الفصل لإزالة اللبس ~~والاختلاط في المعاني ف { مفصلات } وصف ل { آيات } ، فيكون مرادا منه معنى ~~الفصل المجازي وهو إزالة اللبس ، لأن ذلك هو الأنسب بالآيات والدلائل ، أي ~~: هي آيات لا شبهة في كونها كذلك لمن نظر نظر اعتبار . # وقيل : المراد أنها مفصول بعضها عن بعض في الزمان ، أي لم تحدث كلها في ~~وقت واحد ، بل حدث بعضها بعد بعض ، وعلى هذا فصيغة التفعيل للدلالة على ~~تراخي المدة بين الواحدة والأخرى ، ويجيء على هذا أن العذاب كان أشد وأطول ~~زمنا كما دل عليه قوله تعالى : { وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها } ~~( الزخرف : 48 ) ، قيل : كان بين الآية منها والأخرى مدة شهر أو مدة ثمانية ~~أيام ، وكانت تدوم الواحدة منها مدة ثمانية أيام وأكثر ، وعلى هذا الوجه ~~فالأنسب أن يجعل { مفصلات } حالا ثانية من الطوفان والجراد ، وأن لا يجعل ~~صفة { آيات } . # والفاء في قوله : { فاستكبروا } للتفريع والترتب ، أي : فتفرع على إرسال ~~الطوفان وما بعده استكبارهم ، كما ms3212 تفرع على أخذهم بالسنين غرورهم بأن ذلك ~~من شؤم موسى ومن معه ، فعلم أن من طبع تفكيرهم فساد الوضع ، وهو انتزاع ~~المدلولات PageV09P070 من أضداد أدلتها ، وذلك دليل على انغماسهم في ~~الضلالة والخذلان ، وبعدهم عن السعادة والتوفيق ، فلا يزالون مورطين في وحل ~~الشقاوة . # فالاستكبار : شدة التكبر كما دلت عليه السين والتاء ، أي : عد أنفسهم ~~كبراء ، أي تعاظمهم عن التصديق بموسى وإبطال دينهم إذ أعرضوا عن التصديق ~~بتلك الآيات المفصلات . # وجملة : { وكانوا قوما مجرمين } معطوفة على جملة { فاستكبروا } ، فالمعنى ~~: فاستكبروا عن الاعتراف بدلالة تلك الآيات وأجرموا ، وإنما صيغ الخبر عن ~~إجرامهم بصيغة الجملة الاسمية للدلالة على ثبات وصف الإجرام فيهم ، وتمكنه ~~منهم ، ورسوخه فيهم من قبل حدوث الاستكبار ، وفي ذلك تنبيه على أن وصف ~~الإجرام الراسخ فيهم هو علة للاستكبار الصادر منهم ، ف ( كان ) دالة على ~~استمرار الخبر وهو وصف الإجرام . والإجرام : فعل الجرم وقد تقدم عند قوله ~~تعالى : { وكذلك نجزي المجرمين في هذه السورة ( 40 ) . # $ 2 ( 134 ، 135 ) ولما وقع عليهم الرجز قالوا ياموسى ادع لنا ربك بما ~~عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بنى & # 1764 إسراءيل * فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون } ~~. ) 2 $ # الرجز العذاب فالتعريف باللام هنا للعهد أي العذاب المذكور وهو ما في ~~قوله تعالى : { فأرسلنا عليهم الطوفان } إلى قوله آيات مفصلات ( الأعراف : ~~133 ) والرجز من أسماء الطاعون ، وقد تقدم عند قولهم تعالى : { فأنزلنا على ~~الذين ظلموا رجزا من السماء في سورة البقرة ( 59 ) ، فيجوز أن يراد بالرجز ~~الطاعون أي أصابهم طاعون ألجأهم إلى التضرع بموسى عليه السلام ، فطوي ذكره ~~للإيجاز ، فالتقدير : وأرسلنا عليهم الرجز ولما وقع عليهم الخ . . . وإنما ~~لم يذكر الرجز في عداد الآيات التي في قوله : فأرسلنا عليهم الطوفان } ( ~~الأعراف : 133 ) الآية تخصيصا له بالذكر لأن له نبأ عجيبا فإنه كان ملجئهم ~~إلى الاعتراف بآيات موسى ووجود ربه تعالى . PageV09P071 # وهذا الطاعون هو الموتان الذي حكي في الإصحاح الحادي عشر من سفر الخروج ( ~~هكذا يقول الرب إني ms3213 أخرج نحو نصف الليل في وسط مصر فيموت كل بكر في أرض مصر ~~من بكر فرعون الجالس على كرسيه إلى بكر الجارية التي خلف الرحى وكل بكر ~~بهيمة ثم قالت في الإصحاح الثاني عشر فحدث في نصف الليل أن الرب ضرب كل بكر ~~في أرض مصر فقام فرعون ليلا هو وعبيده وجميع المصريين فدعا موسى وهارون ~~ليلا وقال قوموا اخرجوا أنتم وبنو إسرائيل جميعا واذهبوا اعبدوا ربكم ~~واذهبوا وباركوني ) الخ . . . قيل مات سبعون ألف رجل في ذلك اليوم من القبط ~~خاصة ، ولم يصب بني إسرائيل منه شيء . # وليس قولهم : { ادع لنا ربك } بإيمان بالله ورسالة موسى ، ولكنهم كانوا ~~مشركين وكانوا يجوزون تعدد الآلهة واختصاص بعض الأمم وبعض الأقطار بآلهة ~~لهم ، فهم قد خامرهم من كثرة ما رأوا من آيات موسى أن يكون لموسى رب له ~~تصرف وقدرة . وأنه أصابهم بالمصائب لأنهم أضروا عبيده ، فسألوا موسى أن يكف ~~عنهم ربه ويكون جزاؤه الإذن لبني إسرائيل بالخروج من مصر ليعبدوا ربهم ، ~~كما حكت التوراة في الإصحاح الثاني عشر عن فرعون ، ( فقال قوموا اخرجوا ~~أنتم وبنو إسرائيل جميعا واذهبوا اعبدوا ربكم ) وقد كان عبدة الأرباب ~~الكثيرين يجوز أن تغلب بعض الأرباب على بعض مثل ما يحدث بين الملوك كما تدل ~~عليه أساطير ( الميثولوجيا ) اليونانية ، وقصة الياذة ( هوميروس ) ، فبدا ~~لفرعون أن وجه الفصل مع بني إسرائيل أن يعبدوا ربهم في أرض غير أرض مصر ~~التي لها أرباب أخر ولذلك قال { ربك } ولم يقل ربنا . # وحذف متعلق فعل الدعاء لظهور المراد ، أي ادع لنا ربك بأن يكف عنا ، كما ~~دل عليه قوله بعد { لئن كشفت عنا الرجز } ووقع في التوراة في الإصحاح ~~الثاني عشر قول فرعون لموسى وهارون ( واذهبوا وباركوني أيضا ) . # وقد انبرم حال موسى على فرعون فلم يدر أهو رسول من إلاه غير آلهة القبط ~~فلذلك قال له { بما عهد عندك } ، أي : بما عرفك وأودع عندك من الأسرار ، ~~وهذه عبارة متحير في الأمر ملتبسة عليه الأدلة . # والباء في { بما عهد عندك } لتعدية فعل الدعاء ms3214 . و ( ما ) موصولة مبهمة ، ~~أي ادعه بما PageV09P072 علمك ربك من وسائل إجابة دعائك عند ربك ، وهذا ~~يقتضي أنهم جوزوا أن يكون موسى مبعوثا من رب له بناء على تجويزهم تعدد ~~الآلهة . # وجملة { لئن كشفت عنا الرجز } مستأنفة استئنافا بيانيا ، لأن طلبهم من ~~موسى الدعاء بكشف الرجز عنهم مع سابقية كفرهم به يثير سؤال موسى أن يقول : ~~فما الجزاء على ذلك . # واللام موطئة للقسم ، وجملة : { لنؤمنن } جواب القسم . # ووعدهم بالإيمان لموسى وعد بالإيمان بأنه صادق في أنه مرسل من رب بني ~~إسرائيل ليخرجهم من أرض مصر ، وليس وعدا باتباع الدين الذي جاء به موسى ~~عليه السلام ، لأنهم مكذبون به في ذلك وزاعمون أنه ساحر يريد إخراج الناس ~~من أرضهم ولذلك جاء فعل الإيمان متعلقا بموسى لا باسم الله ، وقد جاء هذا ~~الوعد على حسب ظنهم أن الرب الذي يدعو إليه موسى هو رب خاص به وبقومه ، كما ~~دل عليه قوله : { ادع لنا ربك بما عهد عندك } وقد وضحوا مرادهم بقولهم : { ~~ولنرسلن معك بني إسرائيل } . # وجملة { فلما كشفنا عنهم الرجز } دالة على أن موسى دعا الله برفع الطاعون ~~فارتقع وقد جاء ذلك صريحا في التوراة ، وحذف هنا للإيجاز . # وقوله : { إلى أجل هم بالغوه } متعلق ب { كشفنا } باعتبار كون كشف الرجز ~~إزالة للموتان الذي سببه الطاعون ، فإزالة الموتان مغياة إلى أجل هم بالغون ~~إليه وهو الأجل الذي قدره الله لهلاكهم فالغاية منظور فيها إلى فعل الكشف ~~لا إلى مفعوله ، وهو الرجز . # وجملة : { إذا هم ينكثون } جواب ( لما ) ، و ( إذا ) رابطة للجواب لوقوع ~~جواب الشرط جملة أسمية ، فلما كان ( إذا ) حرفا يدل على معنى المفاجأة كان ~~فيه معنى الفعل كأنه قيل فاجأوا بالنكث ، أي : بادروا به ولم يؤخروه . وهذا ~~وصف لهم بإضمار الكفر بموسى وإضمار النكث لليمين . # والنكث حقيقته نقض المفتول من حبل أو غزل ، قال تعالى : { ولا تكونوا ~~كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا } ( النحل : 92 ) واستعير النكث لعدم ~~الوفاء بالعهد ، كما استعير الحبل للعهد في قوله تعالى : { إلا بحبل من ~~الله ms3215 وحبل من الناس } ( آل عمران : 112 ) ففي قوله : { ينكثون } استعارة ~~تبعية . PageV09P073 # وهذا النكث هو أن فرعون بعد أن أذن لبني إسرائيل بالخروج وخرجوا من أرض ( ~~جاسان ) ليلا قال لفرعون بعض خاصته : ماذا فعلنا حتى أطلقنا إسرائيل من ~~خدمتنا فندم فرعون وجهز جيشا للالتحاق ببني إسرائيل ليردوهم إلى منازلهم ~~كما هو في الإصحاح الربع عشر من سفر الخروج . # # | 2 ( 136 ) { فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبوا بئاياتنا ~~وكانوا عنها غافلين } . ) 2 # هذا محل العبرة من القصة ، فهو مفرع عليها تفريع النتيجة على المقدمات ~~والفذلكة على القصة ، فإنه بعد أن وصف عناد فرعون وملئه وتكذيبهم رسالة ~~موسى واقتراحهم على موسى أن يجيء بآية ومشاهدتهم آية انقلاب العصا ثعبانا ، ~~وتغيير لون يده ، ورميهم موسى بالسحر ، وسوء المقصد ، ومعارضة السحرة معجزة ~~موسى وتغلب موسى عليهم ، وكيف أخذ الله آل فرعون بمصائب جعلها آيات على صدق ~~موسى ، وكيف كابروا وعاندوا ، حتى ألجئوا إلى أن وعدوا موسى بالإيمان ~~وتسريح بني إسرائيل معه وعاهدوه على ذلك ، فلما كشف عنهم الرجز نكثوا ، ~~فأخبر الله بأن ذلك ترتب عليه استئصال المستكبرين المعاندين ، وتحرير ~~المؤمنين الذين كانوا مستضعفين . # وذلك محل العبرة ، فلذلك كان الموقع في عطفه لفاء الترتيب والتسبب ، وقد ~~اتبع في هذا الختام الأسلوب التي اختتمت به القصص التي قبل هذا . # والانتقام افتعال ، وهو العقوبة الشديدة الشبيهة بالنقم . وهو غضب الحنق ~~على ذنبب اعتداء على المنتقمم ينكر ويكره فاعله . # وأصل صيغة الافتعال أن تكون لمطاوعة فعل المتعدي بحيث يكون فاعل المطاوعة ~~هو مفعول الفعل المجرد ، ولم يسمع أن قالوا نقمه فانتقم . أي أحفظه وأغضبه ~~فعاقب ، فهذه المطاوعة أميت فعلها المجرد ، وعدوه إلى المعاقب بمن ~~الابتدائية للدلالة على أنه منشأ العقوبة وسببها وأنه مستوجبها ، وتقدم ~~الكلام على المجرد من هذا الفعل عند قوله تعالى آنفا : { وما تنقم منا إلا ~~أن آمنا بآيات ربنا } ( الأعراف : 126 ) . PageV09P074 # وكان إغراقهم انتقاما من الله لذاته لأنهم جحدوا انفراد الله بالإلاهية ، ~~أو جحدوا إلاهيته أصلا ، وانتقاما أيضا لبني إسرائيل لأن فرعون وقومه ظلموا ~~بني ms3216 إسرائيل وأذلوهم واستعبدوهم باطلا . # والإغراق : الإلقاء في الماء المستبحر الذي يغمر الملقى فلا يترك له ~~تنفسا ، وهو بيان للانتقام وتفصيل لمجمله ، فالفاء في قوله : { فأغرقناهم } ~~للترتيب الذكري ، وهو عطف مفصل على مجمل كما في قوله تعالى : { فتوبوا إلى ~~بارئكم فاقتلوا أنفسكم } ( البقرة : 54 ) . # وحمل صاحب ( الكشاف ) الفعل المعطوف عليه هنا على معنى العزم فيكون ~~المعنى : فأردنا الانتقام منهم فأغرقناهم ، وقد تقدم تحقيقه عند قوله تعالى ~~: { فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم في سورة البقرة ( 54 ) . # واليم : البحر والنهر العظيم ، قيل هو كلمة عربية . وهو صنيع الكشاف } إذ ~~جعله مشتقا من التيمم لأنه يقصد للمنتفعين به ، وقال بعض اللغويين : هو ~~معرب عن السريانية وأصله فيها ( يما ) وقال شيدلة : هو من القبطية ، وقال ~~ابن الجوزي : هو من العبرية ، ولعله موجود في هذه اللغات . ولعل أصله عربي ~~وأخذته لغات أخرى سامية من العربية والمراد به هنا بحر القلزم ، المسمى في ~~التوراة بحر سوف ، وهو البحر الأحمر . وقد أطلق ( اليم ) على نهر النيل في ~~قوله تعالى : { أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم } ( طه : 39 ) وقوله ~~: { فإذا خفتت عليه فألقيه في اليم } ( القصص : 7 ) ، فالتعريف في قوله : { ~~اليم } هنا تعريف العهد الذهني عند علماء المعاني المعروف بتعريف الجنس عند ~~النحاة إذ ليس في العبرة اهتمام ببحر مخصوص ولكن بفرد من هذا النوع . # وقد أغرق فرعون وجنده في البحر الأحمر حين لحق بني إسرائيل يريد صدهم عن ~~الخروج من أرض مصر ، وتقدمت الإشارة إلى ذلك في سورة البقرة وسيأتي تفصيله ~~عند قوله تعالى : { حتى إذا أدركه الغرق في سورة يونس ( 90 ) . # والباء في بأنهم } للسببية ، أي : أغرقناهم جزاء على تكذيبهم بالآيات . # والغفلة ذهول الذهن عن تذكر شيء ، وتقدمت في قوله تعالى : { وإن كنا عن ~~دراستهم لغافلين } في سورة الأنعام ( 156 ) ، وأريد بها التغافل عن عمد وهو ~~الإعراض عن التفكر في الآيات ، وإباية النظر في دلالتها على صدق موسى ، ~~فإطلاق الغفلة على هذا مجاز ، PageV09P075 وهذا تعريض بمشركي العرب في ~~إعراضهم عن التفكر في صدق الرسول صلى الله ms3217 عليه وسلم ودلالة معجزة القرآن ، ~~فلذلك أعيد التصريح بتسبب الإعراض في غرقهم مع استفادته من التفريع بالفاء ~~في قوله : { فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم } تنبيها للسامعين للانتقال ~~من القصة إلى العبرة . # وقد صيغ الإخبار عن إعراضهم بصيغة الجملة الاسمية للدلالة على أن هذا ~~الإعراض ثابت لهم ، وراسخ فيهم ، وأنه هو علة التكذيب المصوغغ خبره بصيغة ~~الجملة الفعلية لإفادة تجدده عند تجدد الآيات . # $ 2 ( 137 ) { وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الارض ومغاربها ~~التى باركنا فيها وتمت كلمت ربك الحسنى على بنى & # 1764 إسرءيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون ~~} . ) 2 $ # عطف على { فانتقمنا منهم } ( الأعراف : 136 ) . والمعنى : فأخذناهم ~~بالعقاب الذي استحقوه وجازينا بني إسرائيل بنعمة عظيمة . # وتقدم ءانفا الكلام على معنى { أورثنا } عند قوله تعالى : { أو لم يهد ~~للذين يرثون الأرض من بعد أهلها } ( الأعراف : 100 ) والمراد هنا تمليك بني ~~إسرائيل جميع الأرض المقدسة بعد أهلها من الأمم التي كانت تملكها من ~~الكنعانيين وغيرهم . وقد قيل إن فرعون كان له سلطان على بلاد الشام ، ولا ~~حاجة إلى هذا إذ ليس في الآية تعيين الموروث عنه . # والقوم الذين كانوا يستضعفون هم بنو إسرائيل كما وقع في الآية الأخرى : { ~~كذلك وأورثناها بني إسرائيل } ( الشعراء : 59 ) ، وعدل عن تعريفهم بطريق ~~الإضافة إلى تعريفهم بطريق الموصولية لنكتتين : أولاهما : الإيماء إلى علة ~~الخبر ، أي أن الله ملكهم الأرض وجعلهم أمة حاكمة جزاء لهم على ما صبروا ~~على الاستعباد ، غيرة من الله على عبيده . # الثانية : التعريض ببشارة المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم بأنهم ستكون ~~لهم عاقبة السلطان كما كانت لبني إسرائيل ، جزاء على صبرهم على الأذى في ~~الله ، ونذارة المشركين بزوال سلطان دينهم . # ومعنى يستضعفون : يستعبدون ويهانون ، فالسين والتاء للحسبان مثل استنجب ، ~~أو للمبالغة كما في استجاب . PageV09P076 # والمشارق والمغارب جمع باعتبار تعدد الجهات ، لأن الجهة أمر نسبي تتعد ~~بتعدد الأمكنة المفروضة ، والمراد بهما إحاطة الأمكنة . # و { الأرض } أرض الشام وهي الأرض المقدسة وهي تبتدىء من السواحل الشرقية ~~الشمالية للبحر الأحمر ms3218 وتنتهي إلى سواحل بحر الروم وهو البحر المتوسط وإلى ~~حدود العراق وحدود بلاد العرب وحدود بلاد الترك . # و { التي باركنا فيها } صفة للأرض أو لمشارقها ومغاربها ؛ لأن ما صدقيهما ~~متحدان ، أي قدرنا لها البركة ، وقد مضى الكلام على البركة عند قوله تعالى ~~: { لفتحنا عليهم بركات في هذه السورة ( 96 ) . أي أعضناهم عن أرض مصر التي ~~أخرجوا منها أرضا هي خير من أرض مصر . # عطف على جملة : { وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون } الخ . . . ~~والمقصود من هذا الخبر هو قوله : { بما صبروا } تنويها بفضيلة الصبر وحسن ~~عاقبته ، وبذلك الاعتبار عطفت هذه الجملة على التي قبلها ، وإلا فإن كلمة ~~الله الحسنى على بني إسرائيل تشمل إيراثهم الأرض التي بارك الله فيها ، ~~فتتنزل من جملة : { وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون } إلى آخرها منزلة ~~التذييل الذي لا يعطف ، فكان مقتضى العطف هو قوله { بما صبروا } . # وكلمة : هي القول ، وهو هنا يحتمل أن يكون المراد به اللفظ الذي وعد الله ~~بني إسرائيل على لسان موسى في قوله : { عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم ~~في الأرض } ( الأعراف : 129 ) أو على لسان إبراهيم وهي وعد تمليكهم الأرض ~~المقدسة ، فتمام الكلمة تحقق وعدها ، شبه تحققها بالشيء إذا استوفى أجزاءه ~~، ويحتمل أنها كلمة الله في علمه وقدره وهي أرادة الله إطلاقهم من استعباد ~~القبط وإرادته تمليكهم الأرض المقدسة كقوله : { وكلمته ألقاها إلى مريم } ( ~~النساء : 171 ) . # وتمام الكلمة بهذا المعنى ظهور تعلقها التنجيزي في PageV09P077 الخارج ~~على نحو قول موسى { يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم } ( ~~المائدة : 21 ) وقد تقدم عند قوله تعالى : { وتمت كلمات ربك صدقا وعدلا في ~~سورة الأنعام ( 115 ) . # والحسنى } : صفة ل { كلمة } وهي صفة تشريف كما يقال : الأسماء الحسنى ، ~~أي كلمة ربك المنزهة عن الخلف ، ويحتمل أن يكون المراد حسنها لبني إسرائيل ~~، وإن كانت سيئة على فرعون وقومه ، لأن العدل حسن وإن كان فيه إضرار ~~بالمحكوم عليه . # والخطاب في قوله : { ربك } للنبيء صلى الله عليه وسلم أدمح في ذكر القصة ~~إشارة إلى أن الذي حقق ms3219 نصر موسى وأمته على عدوهم هو ربك فسينصرك وأمتك على ~~عدوكم ؛ لأنه ذلك الرب الذي نصر المؤمنين السابقين ، وتلك سنته وصنعه ، ~~وليس في الخطاب التفات من الغيبة إلى الخطاب لاختلاف المراد من الضمائر . # وعدي فعل التمام ( بعلى ) للإشارة إلى تضمين { تمت } معنى الإنعام ، أو ~~معنى حقت . # وباء { بما صبروا } للسببية ، و ( ما ) مصدرية أي بصبرهم على الأذى في ~~ذات الإلاه وفي ذلك تنبيه على فائدة الصبر وأن الصابر صائر إلى النصر ~~وتحقيق الأمل . # والتدمير : التخريب الشديد وهو مصدر دمر الشيء إذا جعله دامرا للتعدية ~~متصرف من الدمار بفتح الدال وهو مصدر قاصر ، يقال دمر القوم بفتح الميم ~~يدمرون بضم الميم دمارا ، إذا هلكوا جميعا ، فهم دامرون . والظاهر أن إطلاق ~~التدمير على إهلاك المصنوع مجازي علاقته الإطلاق لأن الظاهر أن التدمير ~~حقيقته إهلاك الإنسان . # و { ما كان يصنع فرعون } : ما شاده من المصانع ، وإسناد الصنع إليه مجاز ~~عقلي لأنه الآمر بالصنع ، وأما إسناده إلى قوم فرعون فهو على الحقيقة ~~العقلية بالنسبة إلى القوم لا بالنسبة إلى كل فرد على وجه التغليب . # و { يعرشون } ينشئون من الجنات ذات العرايش . والعريش : ما يرفع من دوالي ~~الكروم ، ويطلق أيضا على النخلات العديدة تربى في أصل واحد ، ولعل جنات ~~القبط كانت كذلك كما تشهد به بعض الصور المرسومة على هياكلهم نقشا ودهنا ، ~~وقد تقدم في قوله تعالى : { وهو الذي أنشأ حنات معروشات وغير معروشات في ~~سورة الأنعام ( 141 ) PageV09P078 وفعله عرش من بابي ضرب ونصر وبالأول قرأ ~~الجمهور ، وقرأ بالثاني ابن عامر ، وأبو بكر عن عاصم ، وذلك أن الله خرب ~~ديار فرعون وقومه المذكورين ، ودمر جناتهم بما ظلموا بالإهمال ، أو ~~بالزلزال ، أو على أيديهم جيوش أعدائهم الذين ملكوا مصر بعدهم ، ويجوز أن ~~يكون يعرشون } بمعنى يرفعون أي يشيدون من البناء مثل مباني الأهرام ~~والهياكل وهو المناسب لفعل { دمرنا } ، شبه البناء المرفوع بالعرش . ويجوز ~~أن يكون يعرشون استعارة لقوة الملك والدولة ويكون دمرنا ترشيحا للاستعارة . # وفعل { كان } في الصلتين دال على أن ذلك دأبه وهجيراه ، أي ما ms3220 عني به من ~~الصنائع والجنات . وصيغة المضارع في الخبرين عن ( كان ) للدلالة على التجدد ~~والتكرر . # $ 2 ( 138 140 ) { وجاوزنا ببنى & # 1764 إسرءيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا ياموسى اجعل ~~لنآ إلاها كما لهم ءالهة قال إنكم قوم تجهلون * إن هاؤلا & # 1764 ء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون * قال أغير الله أبغيكم ~~إلاها وهو فضلكم على العالمين } . ) 2 $ # لما تمت العبرة بقصة بعث موسى عليه السلام إلى فرعون وملئه ، وكيف نصره ~~الله على عدوه ، ونصر قومه بني إسرائيل ، وأهلك عدوهم كشأن سنة الله في نصر ~~الحق على الباطل ، استرسل الكلام إلى وصف تكوين أمة بني إسرائيل وما يحق أن ~~يعتبر به من الأحوال العارضة لهم في خلال ذلك مما فيه طمأنينة نفوس ~~المؤمنين الصالحين في صالح أعمالهم ، وتحذيرهم مما يرمي بهم إلى غضب الله ~~فيما يحقرون من المخالفات ، لما في ذلك كله من التشابه في تدبير الله تعالى ~~أمور عبيده ، وسنته في تأييد رسله وأتباعهم ، وإيقاظ نفوس الأمة إلى مراقبة ~~خواطرهم ومحاسبة نفوسهم في شكر النعمة ودحض الكفران . # والمجاوزة : البعد عن المكان عقب المرور فيه ، يقال : جاوز بمعنى جاز ، ~~كما يقال : عالى بمعنى علا ، وفعله متعد إلى واحد بنفسه وإلى المفعول ~~الثاني بالباء فإذا قلت : جزت به ، فأصل معناه أنك جزته مصاحبا في الجواز ~~به للمجرور بالباء ، ثم استعيرت الباء للتعدية يقال : جزت به الطريق إذا ~~سهلت له ذلك وإن لم تسر معه ، فهو PageV09P079 بمعنى أجزته ، كما قالوا : ~~ذهبت به بمعنى أذهبته ، فمعنى قوله هنا : { وجاوزنا ببني إسرائيل البحر } ~~قدرنا لهم جوازه ويسرناه لهم . # والبحر هو بحر القلزم المعروف اليوم بالبحر الأحمر وهو المراد باليم في ~~الآية السابقة ، فالتعريف للعهد الحضوري ، أي البحر المذكور كما هو شأن ~~المعرفة إذا أعيدت معرفة ، واختلاف اللفظ تفنن ، وتجنبا للإعادة ، والمعنى ~~: أنهم قطعوا البحر وخرجوا على شاطئه الشرقي . # و { أتوا على قوم } معناه أتوا قوما ، ولما ضمن { أتوا } معنى مروا عدي ~~بعلى ، لأنهم لم يقصدوا الإقامة في القوم ms3221 ، ولكنهم ألفوهم في طريقهم . # والقوم هم الكنعانيون ويقال لهم عند العرب العمالقة ويعرفون عند متأخري ~~المؤرخين بالفنيقيين . # والأصنام كانت صور البقر ، وقد كان البقر يعبد عند الكنعانيين ، أي ~~الفنيقيين باسم ( بعل ) ، وقد تقدم بيان ذلك عند قوله تعالى : { ثم اتخذتم ~~العجل من بعده في سورة البقرة ( 51 ) . # والعكوف : الملازمة بنية العبادة ، وقد تقدم عند قوله تعالى : ولا ~~تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد في سورة البقرة ( 187 ) ، وتعدية العكوف ~~بحرف ( على ) لما فيه من معنى النزول وتمكنه كقوله : قالوا لن نبرح عليه ~~عاكفين } ( طه : 91 ) . # وقريء { يعكفون } بضم الكاف للجمهور ، وبكسرها لحمزة والكسائي ، وخلف ، ~~وهما لغتان في مضارع عكف . # واختير طريق التنكير في أصنام ووصفه بأنها لهم ، أي القوم دون طريق ~~الإضافة ليتوسل بالتنكير إلى إرادة تحقير الأصنام وأنها مجهولة ، لأن ~~التنكير يستلزم خفاء المعرفة . # وإنما وصفت الأصنام بأنها لهم ولم يقتصر على قوله : { أصنام } قال ابن ~~عرفة التونسي : ( عادتهم يجيبون بأنه زيادة تشنيع بهم وتنبيه على جهلهم ~~وغوايتهم في أنهم يعبدون ما هو ملك لهم فيجعلون مملوكهم إلاههم ) . ~~PageV09P080 # وفصلت جملة { قالوا } ، فلم تعطف بالفاء : لأنها لما كانت افتتاح محاور ، ~~وكان شأن المحاورة أن تكون جملها مفصولة شاع فصلها ، ولو عطفت بالفاء لجاز ~~أيضا . # ونداؤهم موسى وهو معهم مستعمل في طلب الإصغاء لما يقولونه ، إظهارا ~~لرغبتهم فيما سيطلبون ، وسموا الصنم إلاها لجهلهم فهم يحسبون أن اتخاذ ~~الصنم يجدي صاحبه ، كما لو كان إلاهه معه ، وهذا يدل على أن بني إسرائيل قد ~~انخلعوا في مدة إقامتهم بمصر عن عقيدة التوحيد وحنيفية إبراهيم ويعقوب التي ~~وصى بها في قوله : { فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون } ( البقرة : 132 ) لأنهم ~~لما كانوا في حال ذل واستعباد ذهب علمهم وتاريخ مجدهم واندمجوا في ديانة ~~الغالبين لهم فلم تبق لهم ميزة تميزهم إلا أنهم خدمة وعبيد . # والتشبيه في قوله : { كما لهم آلهة } أرادوا به حض موسى على إجابة سؤالهم ~~، وابتهاجا بما رأوا من حال القوم الذين حلوا بين ظهرانيهم وكفى بالأمة خسة ~~عقول أن تعد القبيح حسنا ، وأن ms3222 تتخذ المظاهر المزينة قدوة لها ، وأن تنخلع ~~عن كمالها في اتباع نقائص غيرها . # و { ما } يجوز أن تكون صلة وتوكيدا كافة عمل حرف التشبيه ، ولذلك صار كاف ~~التشبيه داخلا على جملة لا على مفرد ، وهي جملة من خبر ومبتدأ ، ويجوز أن ~~تكون ( ما ) مصدرية غير زمانية ، والجملة بعدها في تأويل مصدر ، والتقدير ~~كوجود آلهة لهم ، وإن كان الغالب أن ( ما ) المصدرية لا تدخل إلا على الفعل ~~نحو قوله تعالى : { ودوا ما عنتم } ( آل عمران : 118 ) فيتعين تقدير فعل ~~يتعلق به المجرور في قوله : { لهم } أو يكتفى بالاستقرار الذي يقتضيه وقوع ~~الخبر جازا ومجرورا ، كقول نهشل بن جرير التميمي : # كما سيف عمرو لم تخنه مضاربه # وفصلت جملة { قال إنكم قوم تجهلون } لوقوعها في جواب المحاورة ، أي : ~~أجاب موسى كلامهم ، وكان جوابه بعنف وغلظة بقوله : { إنكم قوم تجهلون } لأن ~~ذلك هو المناسب لحالهم . PageV09P081 # والجهل : انتفاء العلم أو تصور الشيء على خلاف حقيقته ، وتقدم في قوله ~~تعالى : { للذين يعملون السوء بجهالة في سورة النساء ( 17 ) ، والمراد ~~جهلهم بمفاسد عبادة الأصنام ، وكان وصف موسى إياهم بالجهالة مؤكدا لما دلت ~~عليه الجملة الاسمية من كون الجهالة صفة ثابتة فيهم وراسخة من نفوسهم ، ~~ولولا ذلك لكان لهم في باديء النظر زاجر عن مثل هذا السؤال ، فالخبر مستعمل ~~في معنييه : الصريح والكناية ، مكنى به عن التعجب من فداحة جهلهم . # وفي الإتيان بلفظ قوم } وجعل ما هو مقصود بالإخبار وصفا لقوم ، تنبيه على ~~أن وصفهم بالجهالة كالمتحقق المعلوم الداخل في تقويم قوميتهم ، وفي الحكم ~~بالجهالة على القوم كلهم تأكيد للتعجب من حال جهالتهم وعمومها فيهم بحيث لا ~~يوجد فيهم من يشذ عن هذا الوصف مع كثرتهم ، ولأجل هذه الغرابة أكد الحكم ( ~~بإن ) لأن شأنه أن يتردد في ثبوته السامع . # وجملة { إن هؤلاء متبر ما هم فيه } بمعنى التعليل لمضمون جملة { إنكم قوم ~~تجهلون } فلذلك فصلت عنها وقد أكدت وجعلت اسمية لمثل الأغراض التي ذكرت في ~~أختها ، وقد عرف المسند إليه بالإشارة لتمييزهم بتلك الحالة التي هم ~~متلبسون بها ms3223 أكمل تمييز ، وللتنبيه على أنهم أحرياء بما يرد بعد اسم ~~الإشارة من الأوصاف وهي كونهم متبرا أمرهم وباطلا عملهم ، وقدم المسند وهو ~~{ متبر } على المسند إليه وهو { ما هم فيه } ليفيد تخصيصه بالمسند إليه أي ~~: هم المعرضون للتبار وأنه لا يعدوهم البتة ، وأنه لهم ضربة لازب ، ولا يصح ~~أن يجعل { متبر } مسندا إليه لأن المقصود بالإخبار هو ما هم فيه . # والمتبر : المدمر ، والتبار بفتح التاء الهلاك { ولا تزد الظالمين إلا ~~تبارا } ( نوح : 28 ) . يقال نبر الشيء كضرب وتعب وقتل وتبره تضعيف للتعدية ~~، أي أهلكه والتتبير مستعار هنا لفساد الحال ، فيبقى اسم المفعول على ~~حقيقته في أنه وصف للموصوف به في زمن الحال . # ويجوز أن يكون التتبير مستعارا لسوء العاقبة ، شبه حالهم المزخرف ظاهره ~~بحال الشيء البهيج الآيل إلى الدمار والكسر فيكون اسم المفعول مجازا في ~~الاستقبال ، أي PageV09P082 صائر إلى السوء . # و { ما هم فيه } هو حالهم ، وهو عبادة الأصنام وما تقتضيه من الضلالات ~~والسيئات ولذلك اختير في تعريفها طريق الموصولية لأن الصلة تحيط بأحوالهم ~~التي لا يحيط بها المتكلم ولا المخاطبون . # والظرفية مجازية مستعارة للملابسة ، تشبيها للتلبس باحتواء الظرف على ~~المظروف . # والباطل اسم لضد الحق فالإخبار به كالإخبار بالمصدر يفيد مبالغة في ~~بطلانه لأن المقام مقام التوبيخ والمبالغة في الإنكار ، وقد تقدم آنفا معنى ~~الباطل عند قوله تعالى : { فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون } ( الأعراف : ~~118 ) . # وفي تقديم المسند ، وهو { باطل } على المسند إليه وهو { ما كانوا يعملون ~~} ما في نظيره من قوله : { متبر ما هم فيه } . # وإعادة لفظ { قال } مستأنفا في حكاية تكملة جواب موسى بقوله تعالى : { ~~قال أغير الله أبغيكم } تقدم توجيه نظيره عند قوله تعالى : { قال اهبطوا ~~بعضكم لبعض عدو } إلى قوله { قال فيها تحيون من هذه السورة ( 24 ، 25 ) . # والذي يظهر أنه يعاد في حكاية الأقوال إذا طال المقول ، أو لأنه انتقال ~~من غرض التوبيخ على سؤالهم إلى غرض التذكير بنعمة الله عليهم ، وأن شكر ~~النعمة يقتضي زجرهم عن محاولة عبادة غير المنعم ، وهو من الارتقاء ms3224 في ~~الاستدلال على طريقة التسليم الجدلي ، أي : لو لم تكن تلك الآلهة باطلا ~~لكان في اشتغالكم بعبادتها والإعراض عن الإلاه الذي أنعم عليكم كفران ~~للنعمة ونداء على الحماقة وتنزه عن أن يشاركهم في حماقتهم . # والاستفهام بقوله : أغير الله أبغيكم إلاها } للإنكار والتعجب من طلبهم ~~أن يجعل لهم إلاها غير الله ، وقد أولي المستفهم عنه الهمزة للدلالة على أن ~~محل الإنكار هو اتخاذ غير الله إلاها ، فتقديم المفعول الثاني للاختصاص ، ~~للمبالغة في الإنكار أي : اختصاص الإنكار ببغي غير الله إلاها . # وهمزة { أبغيكم } همزة المتكلم للفعل المضارع ، وهو مضارع بغى بمعنى طلب ~~، ومصدره البغاء بضم الباء . PageV09P083 # وفعله يتعدى إلى مفعول واحد ، ومفعوله هو { غير الله } لأنه هو الذي ينكر ~~موسى أن يكون يبغيه لقومه . # وتعديته إلى ضمير المخاطبين على طريقة الحذف والإيصال ، وأصل الكلام : ~~أبغي لكم و { إلاها } تمييز ل { غير } . # وجملة : { وهو فضلكم على العالمين } في موضع الحال ، وحين كان عاملها محل ~~إنكار باعتبار معموله ، كانت الحال أيضا داخلة في حيز الإنكار ، ومقررة ~~لجهته . # وظاهر صوغ الكلام على هذا الأسلوب أن تفضيلهم على العالمين كان معلوما ~~عندهم لأن ذلك هو المناسب للإنكار ، ويحتمل أنه أراد إعلامهم بذلك وأنه أمر ~~محقق . # ومجيء المسند فعليا : ليفيد تقديم المسند إليه عليه تخصيصه بذلك الخبر ~~الفعلي أي : وهو فضلكم ، لم تفضلكم الأصنام ، فكان الإنكار عليهم تحميقا ~~لهم في أنهم مغمورون في نعمة الله ويطلبون عبادة ما لا ينعم . # والمراد بالعالمين : أمم عصرهم ، وتفضيلهم عليهم بأنهم ذرية رسول وأنبياء ~~، وبأن منهم رسلا وأنبياء ، وبأن الله هداهم إلى التوحيد والخلاص من دين ~~فرعون بعد أن تخبطوا فيه ، وبأنه جعلهم أحرارا بعد أن كانوا عبيدا ، وساقهم ~~إلى امتلاك أرض مباركة وأيدهم بنصره وآياته ، وبعث فيهم رسولا ليقيم لهم ~~الشريعة . وهذه الفضائل لم تجتمع لأمة غيرهم يومئذ ، ومن جملة العالمين ~~هؤلاء القوم الذين أتوا عليهم ، وذلك كناية عن إنكار طلبهم اتخاذ أصنام ~~مثلهم ، لأن شأن الفاضل أن لا يقلد المفضول ، لأن اقتباس أحوال الغير يتضمن ~~اعترافا بأنه أرجح رأيا ms3225 وأحسن حالا ، في تلك الناحية . # $ 2 ( 141 ) { وإذ أنجيناكم من ءال فرعون يسومونكم سو & # 1764 ء العذاب يقتلون أبنآءكم ويستحيون نسآءكم وفي ذالكم بلا & # 1764 ء من ربكم عظيم } . ) 2 $ # من تتمة كلام موسى عليه السلام كما يقتضيه السياق ، ويعضده قراءة ابن ~~عامر : { واذ أنجاكم } والمعنى : أأبتغي لكم إلاها غير الله في حال أنه ~~فضلكم على العالمين ، PageV09P084 وفي زمان أنجاكم فيه من آل فرعون بواسطتي ~~، فابتغاء إلاه غيره كفران لنعمته ، فضمير المتكلم المشارك يعود إلى الله ~~وموسى ، ومعاده يدل عليه قوله : { أغير الله أبغيكم إلاها } ( الأعراف : ~~140 ) . # ويجوز أن يكون هذا امتنانا من الله اعترضه بين القصة وعدة موسى عليه ~~السلام انتقالا من الخبر والعبرة إلى النعمة والمنة ، فيكون الضمير ضمير ~~تعظيم ، وقرأ الجمهور : { أنجيناكم } بنون المتكلم المشارك ، وقرأه ابن ~~عامر : { وإذ أنجاكم } على إعادة الضمير إلى الله في قوله : { أغير الله ~~أبغيكم إلاها } ( الأعراف : 140 ) ، وكذلك هو مرسوم في مصحف الشام فيكون من ~~كلام موسى وبمجموع القراءتين يحصل المعنيان . # و { إذ } اسم زمان ، وهو مفعول به لفعل محذوف تقديره : واذكروا . # واختار الطبري وجماعة أن يكون قوله : { وإذ أنجيناكم } خطابا لليهود ~~الموجودين في زمن محمد صلى الله عليه وسلم فيكون ابتداء خطاب افتتح بكلمة ( ~~إذ ) ، والتعريض بتذكير المشركين من العرب قد انتهى عند قوله : { وهو فضلكم ~~على العالمين } ( الأعراف : 140 ) وسورة الأعراف مكية ولم يكن في المكي من ~~القرآن هو مجادلة مع اليهود . # وقوله : { يسومونكم سوء العذاب } إلى آخر الآية تقدم تفسير مشابهتها في ~~سورة البقرة . # # | 2 ( 142 ) { وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه ~~أربعين ليلة وقال موسى لاخيه هارون اخلفنى فى قومى وأصلح ولا تتبع سبيل ~~المفسدين } . ) 2 # عود إلى بقية حوادث بني إسرائيل ، بعد مجاوزتهم البحر ، فالجملة عطف على ~~جملة : { وجاوزنا ببني إسرائيل البحر } ( الأعراف : 138 ) . # وقد تقدم الكلام على معنى المواعدة في نظير هذه الآية في سورة البقرة ، ~~وقرأ أبو عمرو : ووعدنا . وحذف الموعود به اعتمادا على القرينة في قوله : { ~~ثلاثين ليلة } الخ ، و ms3226 { ثلاثين } منصوب على النيابة عن الظرف ، لأن تمييزه ~~ظرف للمواعد به وهو الحضور لتلقي الشريعة ، ودل عليه { واعدنا } لأن ~~المواعدة للقاء فالعامل { واعدنا } باعتبار المقدر ، أي حضورا مدة ثلاثين ~~ليلة . # وقد جعل الله مدة المناجاة ثلاثين ليلة تيسيرا عليه ، فلما قضاها وزادت ~~نفسه الزكية PageV09P085 تعلقا ورغبة في مناجاة الله وعبادته ، زاده الله ~~من هذا الفضل عشر ليال ، فصارت مدة المناجاة أربعين ليلة ، وقد ذكر بعض ~~المفسرين قصة في سبب زيادة عشر ليال ، لم تصح ، ولم يزده على أربعين ليلة : ~~إما لأنه قد بلغ أقصى ما تحتمله قوته البشرية فباعده الله من أن تعرض له ~~السآمة في عبادة ربه ، وذلك يجنب عنه المتقون بله الأنبياء ، وقد قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم { عليكم من الأعمال بما تطيقون فإن الله لا يمل حتى ~~تملوا } ، وإما لأن زيادة مغيبه عن قومه تفضي إلى أضرار ، كما قيل : إنهم ~~عبدوا العجل في العشر الليالي الأخيرة من الأربعين ليلة ، وسميت زيادة ~~الليالي العشر إتماما إشارة إلى أن الله تعالى أراد أن تكون مناجاة موسى ~~أربعين ليلة ، ولكنه لما أمره بها أمره بها مفرقة ، إما لحكمة الاستيناس ، ~~وإما لتكون تلك العشر عبادة أخرى فيتكرر الثواب ، والمراد الليالي بأيامها ~~فاقتصر على الليالي ؛ لأن المواعدة كانت لأجل الانقطاع للعبادة وتلقي ~~المناجاة . # والنفس في الليل أكثر تجردا للكمالات النفسانية ، والأحوال الملكية ، ~~منها في النهار ، إذ قد اعتادت النفوس بحسب أصل التكوين الاستيناس بنور ~~الشمس والنشاط به للشغل ، فلا يفارقها في النهار الاشتغال بالدنيا ولو ~~بالتفكر وبمشاهدة الموجودات ، وذلك ينحط في الليل والظلمة ، وتنعكس تفكرات ~~النفس إلى داخلها ، ولذلك لم تزل الشريعة تحرض على قيام الليل وعلى ~~الابتهال فيه إلى الله تعالى ، قال : { تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ~~ربهم خوفا وطمعا } ( السجدة : 16 ) الآية ، وقال : { وبالأسحار هم يستغفرون ~~} ، وفي الحديث : ( ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا في ثلث الليل ~~الأخير فيقول هل من مستغفر فأغفر له ، هل من داع فأستجيب له ) ولم يزل ~~الشغل في السهر من شعار الحكماء والمرتاضين ms3227 لأن السهر يلطف سلطان القوة ~~الحيوانية كما يلطفها الصوم قال في ( هياكل النور ) ( النفوس الناطقة من ~~عالم الملكوت ، وإنما شغلها عن عالمها القوى البدنية ومشاغلتها فإذا قويت ~~النفس بالفضائل الروحانية وضعف سلطان القوى البدنية بتقليل الطعام وتكثير ~~السهر تتخلص أحيانا إلى عالم القدس وتتصل بربها وتتلقى منه المعارف ) . # على أن الغالب في الكلام العربي التوقيت بالليالي ، ويريدون أنها بأيامها ~~، لأن الأشهر العربية تبتدأ بالليالي إذ هي منوطة بظهور الأهلة . # وقوله { فتم ميقات ربه أربعين ليلة } فذلكة الحساب كما في قوله : { فصيام ~~ثلاثة PageV09P086 أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة } ( البقرة ~~: 196 ) ، فالفاء للتفريع . # والتمام الذي في قوله : { فتم ميقات ربه } مستعمل في معنى النماء والتفوق ~~فكان ميقاتا أكمل وأفضل كقوله تعالى : { تماما على الذي أحسن } ( الأنعام : ~~154 ) إلى قوله : { وأتممت عليكم نعمتي } ( المائدة : 3 ) إشارة إلى أن ~~زيادة العشر كانت لحكمة عظيمة تكون مدة الثلاثين بدونها غير بالغة أقصى ~~الكمال ، وأن الله قدر المناجاة أربعين ليلة ، ولكنه أبرز الأمر لموسى ~~مفرقا وتيسيرا عليه ، ليكون إقباله على إتمام الأربعين باشتياق وقوة . # وانتصب { أربعين } على الحال بتأويل : بالغا أربعين . # والميقات قيل : مرادف للوقت ، وقيل هو وقت قدر فيه عمل ما ، وقد تقدم في ~~قوله تعالى : { قل هي مواقيت للناس والحج في سورة البقرة ( 189 ) . # وإضافته إلى ربه } للتشريف ، وللتعريض بتحميق بعض قومه حين تأخر مغيب ~~موسى عنهم في المناجاة بعد الثلاثين ، فزعموا أن موسى هلك في الجبل كما ~~رواه ابن جريج ، ويشهد لبعضه كلام التوراة في الإصحاح الثاني والثلاثين من ~~سفر الخروج . # أي : قال موسى لأخيه عند العزم على الصعود إلى الجبل للمناجاة فإنه صعد ~~وحده ومعه غلامه يوشع بن نون . # ومعنى { اخلفني } كن خلفا عني وخليفة ، وهو الذي يتولى عمل غيره عند فقده ~~فتنتهي تلك الخلافة عند حضور المستخلف ، فالخلافة وكالة ، وفعل خلف مشتق من ~~الخلف بسكون اللام وهو ضد الإمام ، لأن الخليفة يقوم بعمل من خلفه عند ~~مغيبه ، والغائب يجعل مكانه وراءه . # وقد جمع له في وصيته ملاك ms3228 السياسة بقوله : { وأصلح ولا تتبع سبيل ~~المفسدين } فإن سياسة الأمة تدور حول محور الإصلاح ، وهو جعل الشيء صالحا ، ~~فجميع تصرفات الأمة وأحوالها يجب أن تكون صالحة ، وذلك بأن تكون الأعمال ~~عائدة PageV09P087 بالخير والصلاح لفاعلها ولغيره ، فإن عادت بالصلاح عليه ~~وبضده على غيره لم تعتبر صلاحا ، ولا تلبث أن تؤول فسادا على من لاحت عنده ~~صلاحا ، ثم إذا تردد فعل بين كونه خيرا من جهة وشرا من جهة أخرى وجب اعتبار ~~أقوى حالتيه فاعتبر بها إن تعذر العدول عنه إلى غيره مما هو أوفر صلاحا ، ~~وإن استوى جهتاه ألغي إن أمكن إلغاؤه وإلا تخير ، وهذا أمر لهارون جامع لما ~~يتعين عليه عمله من أعماله في سياسة الأمة . # وقوله : { ولا تتبع سبيل المفسدين } تحذير من الفساد بأبلغ صيغة لأنها ~~جامعة بين نهي والنهي عن فعل تنصرف صيغته أول وهلة إلى فساد المنهي عنه ~~وبين تعليق النهي باتباع سبيل المفسدين . # والإتباع أصله المشي على حلف ماش ، وهو هنا مستعار للمشاركة في عمل ~~المفسد ، فإن الطريق مستعار للعمل المؤدي إلى الفساد والمفسد من كان الفساد ~~صفته ، فلما تعلق النهي بسلوك طريق المفسدين كان تحذيرا من كل ما يستروح ~~منه مآل إلى فساد ، لأن المفسدين قد يعملون عملا لا فساد فيه ، فنهي عن ~~المشاركة في عمل من عرف بالفساد ، لأن صدوره عن المعروف بالفساد ، كافف في ~~توقع إفضائه إلى فساد . ففي هذا النهي سد ذريعة الفساد ، وسد ذرائع الفساد ~~من أصول الإسلام ، وقد عني بها مالك بن أنس وكررها في كتابه واشتهرت هذه ~~القاعدة في أصول مذهبه . # فلا جرم أن كان قوله تعالى : { ولا تتبع سبيل المفسدين } جامعا للنهي عن ~~ثلاث مراتب من مراتب الإفضاء إلى الفساد وهو العمل المعروف بالانتساب إلى ~~المفسد ، وعمل المفسد وإن لم يكن مما اعتاده ، وتجنب الاقتراب من المفسد ~~ومخالطته . # وقد أجرى الله على لسان رسوله موسى ، أو أعلمه ، ما يقتضي أن في رعية ~~هارون مفسدين ، وإنه يوشك إن سلكوا سبيل الفساد أن يسايرهم عليه لما يعلم ~~في نفس هارون ms3229 من اللين في سياسته ، والاحتياط من حدوث العصيان في قومه ، ~~كما حكى الله عنه في قوله : { إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني } ( ~~الأعراف : 150 ) وقوله : { إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل } ( طه : ~~94 ) . PageV09P088 # فليست جملة : { ولا تتبع سبيل المفسدين } مجرد تأكيد لمضمون جملة { وأصلح ~~} تأكيدا للشيء بنفي ضده مثل قوله : { أموات غير أحياء } ( النحل : 21 ) ~~لأنها لو كان ذلك هو المقصد منها لجردت من حرف العطف ، ولاقتصر على النهي ~~عن الإفساد فقيل : وأصلح لا تفسد ، نعم يحصل من معانيها ما فيه تأكيد ~~لمضمون جملة : { وأصلح } . # $ 2 ( 143 ، 144 ) { ولما جآء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرنى & # 1764 أنظر إليك قال لن ترانى ولاكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف ~~ترانى فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلمآ أفاق قال سبحانك ~~تبت إليك وأنا أول المؤمنين * قال ياموسى إنى اصطفيتك على الناس برسالاتي ~~وبكلامي فخذ مآ ءاتيتك وكن من الشاكرين } . ) 2 $ # جعل مجيء موسى في الوقت المعين أمرا حاصلا غير محتاج للإخبار عنه ، للعلم ~~بأن موسى لا يتأخر ولا يترك ذلك ، وجعل تكليم الله إياه في خلال ذلك ~~الميقات أيضا حاصلا غير محتاج للإخبار عن حلوله ، لظهور أن المواعدة ~~المتضمنة للملاقاة تتضمن الكلام ، لأن ملاقاة الله بالمعنى الحقيقي غير ~~ممكنة ، فليس يحصل من شؤون المواعدة إلا الكلام الصادر عن إرادة الله ~~وقدرته ، فلذلك كله جعل مجيء موسى للميقات وتكليم الله إياه شرطا لحرف ( ~~لما ) لأنه كالمعلوم ، وجعل الإخبار متعلقا بما بعد ذلك ، وهو اعتبار بعظمة ~~الله وجلاله ، فكان الكلام ضربا من الإيجاز بحذف الخبر عن جملتين اسغناء ~~عنهما بأنهما جعلتا شرطا للما . # ويجوز أن تجعل الواو في قوله : { وكلمه ربه } زائدة في جواب { لما } كما ~~قاله الأكثر في قول امرىء القيس : # فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى # بنا بطن خبت ذي حقاف عقنقل # أن جواب { لما } هو قوله وانتحى ، وجوزوه في قوله تعالى : { فلما أسلما ~~وتله للجبين وناديناه أن يا إبراهيم } ( الصافات : 103 ، 104 ) الآية ، أن ms3230 ~~يكون { وناديناه } هو جواب ( لما ) فيصير PageV09P089 التقدير : لما جاء ~~موسى لميقاتنا كلمه ربه ، فيكون إيجازا بحذف جملة واحدة ، ولا يستفاد من ~~معنى إنشاء التكليم الطمع في الرؤية إلا من لازم المواعدة . # واللام في قوله : { لميقاتنا } صنف من لام الاختصاص ، كما سماها في ( ~~الكشاف ) ومثلها بقولهم : أتيته لعشر خلون من الشهر ، يعني أنه اختصاص ما ، ~~وجعلها ابن هشام بمعنى عند ، وجعل ذلك من معاني اللام وهو أظهر ، والمعنى : ~~فلما جاء موسى مجيئا خاصا بالميقات أي : حاصلا عنده لا تأخير فيه ، كقوله ~~تعالى : { أقم الصلاة لدلوك الشمس } ( الإسراء : 78 ) وفي الحديث سئل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل فقال : ( الصلاة لوقتها ) أي عند ~~وقتها ومنه { فطلقوهن لعدتهن } ( الطلاق : 1 ) . # ويجوز جعل اللام للأجل والعلة ، أي جاء لأجل ميقاتنا ، وذلك لما قدمناه ~~من تضمن الميقات معنى الملاقاة والمناجاة ، أي جاء لأجل مناجاتنا . # والمجيء : انتقاله من بين قومه إلى جبل سينا المعين فيه مكان المناجاة . # والتكليم حقيقته النطق بالألفاظ المفيدة معاني بحسب وضع مصطلح عليه ، ~~وهذه الحقيقة مستحيلة على الله تعالى لأنها من أعراض الحوادث ، فتعين أن ~~يكون إسناد التكليم إلى الله مجازا مستعملا في الدلالة على مراد الله تعالى ~~بألفاظ من لغة المخاطب به بكيفية يوقن المخاطب به أن ذلك الكلام من أثر ~~قدرة الله على وفق الإرادة ووفقق العلم ، وهو تعلق تنجيزي بطريق غير معتاد ~~، فيجوز أن يخلق الله الكلام في شيء حادث سمعه موسى كما روي أن الله خلق ~~الكلام في الشجرة التي كان موسى حذوها ، وذلك أول كلام كلمه الله موسى في ~~أرض مدين في جبل ( حوريب ) ، ويجوز أن يخلق الله الكلام من خلال السحاب ~~وذلك الكلام الواقع في طور سينا ، وهو المراد هنا ، وهو المذكور في الإصحاح ~~19 من سفر الخروج . # والكلام بهذه الكيفية كان يسمعه موسى حين يكون بعيدا عن الناس في ~~المناجاة أو نحوها ، وهو أحد الأحوال الثلاثة التي يكلم الله بها أنبياءه ~~كما في قوله تعالى : { وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا ms3231 وحيا الآية في سورة ~~الشورى ( 51 ) ، وهو حادث لا محالة ونسبته إلى الله أنه صادر بكيفية غير ~~معتادة لا تكون إلا بإرادة الله أن يخالف PageV09P090 به المعتاد تشريفا له ~~، وهو المعبر عنه بقوله : أو من وراء حجاب } ( الشورى : 51 ) ، وقد كلم ~~الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء ، وأحسب الأحاديث ~~القدسية كلها أو معظمها مما كلم الله به محمدا صلى الله عليه وسلم وأما ~~إرسال الله جبريل بكلام إلى أحد أنبيائه ، فهي كيفية أخرى ، وذلك بإلقاء ~~الكلام في نفس الملك الذي يبلغه إلى النبي ، والقرآن كله من هذا النوع ، ~~وقد كان الوحي إلى موسى بواسطة الملك في أحوال كثيرة وهو الذي يعبر عنه في ~~التوراة بقولها : قال الله لموسى . # وقوله : { قال رب أرني } هو جواب { لما } على الأظهر ، فإن قدرنا الواو ~~في قوله : { وكلمه } زائدة في جواب لما كان قوله : { قال } واقعا في طريق ~~المحاورة فلذلك فصل . # وسؤال موسى رؤية الله تعالى تطلع إلى زيادة المعرفة بالجلال الإلاهي ، ~~لأنه لما كانت المواعدة تتضمن الملاقاة . وكانت الملاقاة تعتمد رؤية الذات ~~وسماع الحديث ، وحصل لموسى أحد ركني الملاقاة وهو التكليم ، أطمعه ذلك في ~~الركن الثاني وهو المشاهدة ، ومما يؤذن بأن التكليم هو الذي أطمع موسى في ~~حصول الرؤية جعل جملة { وكلمه ربه } شرطا لحرف ( لما ) لأن ( لما ) تدل على ~~شدة الارتباط بين شرطها وجوابها ، فلذلك يكثر أن يكون علة في حصول جوابها ~~كما تقدم في قوله تعالى : { فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما في هذه ~~السورة ( 22 ) ، هذا على جعل وكلمه } عطفا على شرط لما ، وليس جواب لما ، ~~ولا نشك في أنه سأل رؤية تليق بذات الله تعالى ، وهي مثل الرؤية الموعود ~~بها في الآخرة ، فكان موسى يحسب أن مثلها ممكن في الدنيا حتى أعلمه الله ~~بأن ذلك غير واقع في الدنيا ، ولا يمتنع على نبي عدم العلم بتفاصيل الشؤون ~~الإلاهية قبل أن يعلمها الله إياه ، وقد قال الله لرسوله محمد صلى الله ~~عليه وسلم { وقل رب زدني علما } ( طه ms3232 : 114 ) ، ولذلك كان أيمة أهل السنة ~~محقين في الاستدلال بسؤال موسى رؤية الله على إمكانها بكيفية تليق بصفات ~~الإلاهية لا نعلم كنهها وهو معنى قولهم : ( بلا كيف ) . # وكان المعتزلة غير محقين في استدلالهم بذلك على استحالتها بكل صفة . # وقد يؤول الخلاف بين الفريقين إلى اللفظ ، فإن الفريقين متفقان على ~~استحالة PageV09P091 إحاطة الإدراك بذات الله واستحالة التحيز ، وأهل السنة ~~قاطعون بأنها رؤية لا تنافي صفات الله تعالى ، وأما ما تبجح به الزمخشري في ~~( الكشاف ) فذلك من عدوان تعصبه على مخالفيه على عادته ، وما كان ينبغي ~~لعلماء طريقتنا التنازل لمهاجاته بمثل ما هاجاهم به ، ولكنه قال فأوجب . # وأعلم أن سؤال موسى رؤية الله تعالى طلب على حقيقته كما يؤذن به سياق ~~الآية وليس هو السؤال الذي سأله بنوا اسرائيل المحكي في سورة البقرة ( 55 ) ~~بقوله : { وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة } وما تمحل به في ~~( الكشاف ) من أنه هو ذلك السؤال تكلف لا داعي له . # ومفعول { أرني } محذوف لدلالة الضمير المجرور عليه في قوله : { إليك } . # وفصل قوله : { قال لن تراني } لأنه واقع في طريق المحاورة . # و { لن } يستعمل لتأبيد النفي ولتأكيد النفي في المستقبل ، وهما متقاربان ~~، وإنما يتعلق ذلك كله بهذه الحياة المعبر عنها بالأبد ، فنفت ( لن ) رؤية ~~موسى ربه نفيا لا طمع بعده للسائل في الإلحاح والمراجعة بحيث يعلم أن طلبته ~~متعذرة الحصول ، فلا دلالة في هذا النفي على استمراره في الدار الآخرة . # والاستدراك المستفاد من { لكن } لرفع توهم المخاطب الاقتصار على نفي ~~الرؤية بدون تعليل ولا إقناع ، أو أن يتوهم أن هذا المنع لغضب على السائل ~~ومنقصة فيه ، فلذلك يعلم من حرف الاستدراك أن بعض ما يتوهمه سيرفع ، وذلك ~~أنه أمره بالنظر إلى الجبل الذي هو فيه هل يثبت في مكانه ، وهذا يعلم منه ~~أن الجبل سيتوجه إليه شيء من شأن الجلال الإلاهي ، وأن قوة الجبل لا تستقر ~~عند ذلك التوجه العظيم ، فيعلم موسى أنه أحرى بتضاؤل قواه الفانية لو تجلى ~~له شيء من سبحات ms3233 الله تعالى . # وعلق الشرط بحرف ( إن ) لأن الغالب استعمالها في مقام ندرة وقوع الشرط أو ~~التعريض بتعذره ، ولما كان استقرار الجبل في مكانه معلوما لله انتفاؤه ، صح ~~تعليق الأمر المراد تعذر وقوعه عليه بقطع النظر عن دليل الانتفاء ، فلذلك ~~لم يكن في هذا التعليق حجة لأهل السنة على المعتزلة تقتضي أن رؤية الله ~~تعالى جائزة عليه تعالى ، خلافا لما اعتاد كثير من علمائنا من الاحتجاج ~~بذلك . PageV09P092 # وقوله : { فسوف تراني } ليس بوعد بالرؤية على الفرض لأن سبق قوله : { لن ~~تراني } أزال طماعية السائل الرؤية ، ولكنه إيذان بأن المقصود من نظره إلى ~~الجبل أن يرى رأي اليقين عجز القوة البشرية عن رؤية الله تعالى بالأحرى ، ~~من عدم ثبات قوة الجبل ، فصارت قوة الكلام : أن الجبل لا يستقر مكانه من ~~التجلي الذي يحصل عليه فلست أنت بالذي تراني ، لأنك لا تستطيع ذلك ، فمنزلة ~~الشرط هنا منزلة الشرط الامتناعي الحاصل بحرف ( لو ) بدلالة قرينة السابق . # والتجلي حقيقة الظهور وإزالة الحجاب ، وهو هنا مجاز ، ولعله أريد به ~~إزالة الحوائل المعتادة التي جعلها الله حجابا بين الموجودات الأرضية وبين ~~قوى الجبروت التي استأثر الله تعالى بتصريفها على مقادير مضبوطة ومتدرجة في ~~عوالم مترتبة ترتيبا يعلمه الله . # وتقريبه للإفهام شبيه بما اصطلح عليه الحكماء في ترتيب العقول العشرة ، ~~وتلك القوى تنسب إلى الله تعالى لكونها آثارا لقدرته بدون واسطة ، فإذا ~~أزال الله الحجاب المعتاد بين شيء من الأجسام الأرضية وبين شيء من تلك ~~القوى المؤثرة تأثيرا خارقا للعادة اتصلت القوة بالجسم اتصالا تظهر له آثار ~~مناسبة لنوع تلك القوة ، فتلك الإزالة هي التي استعير لها التجلي المسند ~~إلى الله تعالى تقريبا للإفهام ، فلما اتصلت قوة ربانية بالجبل تماثل اتصال ~~الرؤية اندك الجبل ، ومما يقرب هذا المعنى ، ما رواه الترمذي وغيره ، من ~~طرق عن أنس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ قوله تعالى : { فلما ~~تجلى ربه } فوضع إبهامه قريبا من طرف خنصره يقلل مقدار التجلي . # وصعق موسى من اندكاك الجبل فعلم موسى أنه لو توجه ذلك ms3234 التجلي إليه لانتثر ~~جسمه فضاضا . # وقرأ الجمهور { دكا } بالتنوين والدك مصدر وهو والدق مترادفان ، وهو الهد ~~وتفرق الأجزاء كقوله { وتخر الجبال هدا } ( مريم : 90 ) ، وقد أخبر عن ~~الجبل بأنه جعل دكا للمبالغة ، والمراد أنه مدكوك أي : مدقوق مهدوم . وقرأ ~~الكسائي ، وحمزة ، وخلف { دكاء } بمد بعد الكاف وتشديد الكاف والدكاء ~~الناقة التي لا سنام لها ، فهو تشبيه بليغ أي كالدكاء أي ذهبت قنته ، ~~والظاهر أن ذلك الذي اندك منه لم يرجع ولعل آثار ذلك الدك ظاهرة فيه إلى ~~الآن . PageV09P093 # والخرور السقوط على الأرض . # والصعق : وصف بمعنى المصعوق ، ومعناه المغشي عليه من صيحة ونحوها ، مشتق ~~من اسم الصاعقة وهي القطعة النارية التي تبلغ إلى الأرض من كهرباء البرق ، ~~فإذا أصابت جسما أحرقته ، وإذا أصابت الحيوان من قريب أماتته ، أو من بعيد ~~غشي عليه من رائحتها ، وسمي خويلد بن نفيل الصعق علما عليه بالغلبة ، وإنما ~~رجحنا أن الوصف والمصدر مشتقان من اسم الصاعقة دون أن نجعل الصاعقة مشتقا ~~من الصعق ؛ لأن أيمة اللغة قالوا : إن الصعق الغشي من صيحة ونحوها ، ولكن ~~توسعوا في إطلاق هذا الوصف على من غشي عليه بسبب هدة أو رجة ، وإن لم يكن ~~ذلك من الصاعقة . # والإفاقة : رجوع الإدراك بعد زواله بغشي ، أو نوم ، أو سكر ، أو تخبط ~~جنون . # و { سبحانك } مصدر جاء عوضا عن فعله أي أسبحك ، وهو هنا إنشاء ثناء على ~~الله وتنزيه عما لا يليق به ، لمناسبة سؤاله منه ما تبين له أنه لا يليق به ~~سؤاله دون استيذانه وتحققق إمكانه كما قال تعالى لنوح : { فلا تسألني ما ~~ليس لك به علم في سورة هود ( 46 ) . # وقوله : تبت إليك } إنشاء لتوبة من العود إلى مثل ذلك دون إذن من الله ، ~~وهذا كقول نوح عليه السلام : { رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم } ~~( هود : 47 ) وصيغة الماضي من قوله : { تبت } مستعملة في الإنشاء فهي ~~مستعملة في زمن الحال مثل صيغ العقود في قولهم بعت وزوجت . مبالغة في تحقق ~~العقد . # وقوله : { وأنا أول المؤمنين ms3235 } أطلق { الأول } على المبادر إلى الإيمان ، ~~وإطلاق الأول على المبادر مجاز شائع مساو للحقيقة ، والمراد به هنا وفي ~~نظائره الكناية عن قوة إيمانه ، حتى أنه يبادر إليه حين تردد غيره فيه ، ~~فهو للمبالغة ، وقد تقدم نظيره في قوله تعالى : { ولا تكونوا أول كافر به } ~~في سورة البقرة ( 41 ) ، وقوله : { وأنا أول المسلمين } في سورة الأنعام ( ~~163 ) . # والمراد بالمؤمنين من كان الإيمان وصفهم ولقبهم ، أي الإيمان بالله ~~وصفاته كما يليق به فالإيمان مستعمل في معناه اللقبي ، ولذلك شبه الوصف ~~بأفعال السجايا فلم يذكر له متعلق ، ومن ذهب من المفسرين يقدر له متعلقا ~~فقد خرج عن نهج المعنى . PageV09P094 # وفصلت جملة : { قال يا موسى } لوقوع القول في طريق المحاورة والمجاوبة ، ~~والنداء للتأنيس وإزالة الروع . # وتأكيد الخبر في قوله : { إني اصطفيك } للاهتمام به إذ ليس محلا للإنكار ~~. # والاصطفاء افتعال مبالغة في الاصفاء وهو مشتق من الصفو ، وهو الخلوص مما ~~يكدر ، وتقدم عند قوله تعالى : { إن الله اصطفى آدم ونوحا } في سورة آل ~~عمران ( 33 ) وضمن اصطفيتك معنى الإيثار والتفضيل فعدي بعلى . # والمراد بالناس : جميع الناس ، أي الموجودين في زمنه ، فالاستغراق في { ~~الناس } عرفي أي هو مفضل على الناس يومئذ لأنه رسول ، ولتفضيله بمزية ~~الكلام ، وقد يقال إن موسى أفضل جميع الناس الذين مضوا يومئذ ، وعلى ~~الاحتمالين : فهو أفضل من أخيه هارون ، لأن موسى أرسل بشريعة عظيمة ، وكلمه ~~الله ، وهارون أرسله الله معاونا لموسى ولم يكلمه الله ، ولذلك قال : { ~~برسالتي وبكلامي } وما ورد في الحديث من النهي عن التفضيل بين الأنبياء ~~محمول على التفضيل الذي لا يستند لدليل صريح ، أو على جعل التفضيل بين ~~الأنبياء شغلا للناس في نواديهم بدون مقتض معتبر للخوض في ذلك . وهذا ~~امتنان من الله وتعريف . # ثم فرع على ذلك قوله : { فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين } والأول تفريع ~~على الإرسال والتكليم . والثاني تفريع على الامتنان ، وما صدق { ما آتيتك } ~~قيل هو الشريعة والرسالة ، فالإيتاء مجاز أطلق على التعليم والإرشاد ، ~~والأخذ مجاز في التلقي والحفظ ، والأظهر أن يكون { ما آتيتك } إعطاء ms3236 ~~الألواح بقرينة قوله : { وكتبنا له في الألواح } ( الأعراف : 145 ) وقد فسر ~~بذلك ، فالإيتاء حقيقة ، والأخذ كذلك ، وهذا أليق بنظم الكلام مع قوله : { ~~فخذها بقوة } ( الأعراف : 145 ) ويحصل به أخذ الرسالة والكلام وزيادة . # والإخبار عن { كن } بقوله : { من الشاكرين } أبلغ من أن يقال كن شاكرا ~~كما تقدم في قوله : { قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين في سورة الأنعام ( ~~56 ) . # وقرأ نافع : وابن كثير ، وأبو جعفر ، وروح عن يعقوب : برسالتي } ، بصيغة ~~الإفراد وقرأ البقية { برسالاتي } بصيغة الجمع ، وهو على تأويله بتعدد ~~التكاليف والإرشاد التي أرسل بها . # PageV09P095 # | 2 ( 145 ) { وكتبنا له فى الالواح من كل شىء موعظة وتفصيلا لكل شىء ~~فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها سأوريكم دار الفاسقين } . ) 2 # عطف على جملة { قال يا موسى ، إني اصطفيتك على الناس برسالتي } ( الأعراف ~~: 144 ) إلى آخرها ، لأن فيها : { فخذ ما آتيتك } ( الأعراف : 144 ) والذي ~~آتاه هو ألواح الشريعة ، أو هو المقصود من قوله : { ما آتيتك } . # والتعريف في الألواح يجوز أن يكون تعريف العهد ، إن كان { ما آتيتك } ~~مرادا به الألواح التي أعطيها موسى في المناجاة ، فساغ أن تعرف تعريف العهد ~~، كأنه قيل : فخذ ألواحا آتيتكها ، ثم قيل : كتبنا له في الألواح ، وإذا ~~كان ما آتيتك مرادا به الرسالة والكلام كان التعريف في الألواح تعريف ~~الذهني ، أي : وكتبنا له في ألواح معينة من جنس الألواح . # والألواح جمع لوح بفتح اللام ، وهو قطعة مربعة من الخشب ، وكانوا يكتبون ~~على الألواح ، أو لأنها ألواح معهودة للمسلمين الذين سيقت إليهم تفاصيل ~~القصة ( وإن كان سوق مجمل القصة لتهديد المشركين بأن يحل بهم ما حصل ~~بالمكذبين بموسى ) . # وتسمية الألواح التي أعطاها الله موسى ألواحا مجاز بالصورة لأن الألواح ~~التي أعطيها موسى كانت من حجارة ، كما في التوراة في الإصحاح الرابع ~~والعشرين من سفر الخروج ، فتسميتها الألواح ؛ لأنها على صورة الألواح ، ~~والذي بالإصحاح الرابع والثلاثين أن اللوحين كتبت فيهما الوصايا العشر التي ~~ابتدأت بها شريعة موسى ، وكانا لوحين ، كما في التوراة ، فإطلاق الجمع ~~عليها هنا : إما من باب إطلاق ms3237 صيغة الجمع على المثنى بناء على أن أقل الجمع ~~اثنان ، وإما لأنهما كانا مكتوبين على كلا وجهيهما ، كما يقتضيه الإصحاح ~~الثاني والثلاثون من سفر الخروج ، فكانا بمنزلة أربعة ألواح . # وأسندت الكتابة إلى الله تعالى ؛ لأنها كانت مكتوبة نقشا في الحجر من غير ~~فعل إنسان بل بمحض قدرة الله تعالى ، كما يفهم من الإصحاح الثاني والثلاثين ~~، كما أسند الكلام إلى الله في قوله : { وبكلامي } ( الأعراف : 144 ) . ~~PageV09P096 # و ( من ) التي في قوله : { من كل شيء } تبعيضية متعلقة ب { كتبنا } ~~ومفعول { كتبنا } محذوف دل عليه فعل كتبنا أي مكتوبا ، ويجوز جعل ( من ) ~~اسما بمعنى بعض فيكون منصوبا على المفعول به بكتبنا ، أي كتبنا له بعضا من ~~كل شيء ، وهذا كقوله تعالى في سورة النمل ( 16 ) { وأوتينا من كل شيء . # وكل شيء عام عموما عرفيا أي كل شيء تحتاج إليه الأمة في دينها على طريقة ~~قوله تعالى : ما فرطنا في الكتاب من شيء } ( الأنعام : 138 ) علئى أحد ~~تأويلين في أن المراد من الكتاب القرآن ، وعلى طريقة قوله تعالى : { اليوم ~~أكملت لكم دينكم } ( المائدة : 3 ) أي أصوله . # والذي كتب الله لموسى في الألواح هو أصول كليات هامة للشريعة التي أوحى ~~الله بها إلى موسى عليه السلام وهي ما في الإصحاح ( 20 ) من سفر الخروج ~~ونصها : أنا الرب إلاهك الذي اخرجك من أرض مصر من بيت العبودية ، لا يكن لك ~~ءالهة أخرى أمامي ، لا تصنع تمثالا منحوتا ، ولا صورة ما مما في السماء ، ~~من فوق ، وما في الأرض من تحت ، وما في الماء من تحت الأرض ، لا تسجد لهن ~~ولا تعبدهن لأني أنا الرب إلاهك غيور افتقد ذنوب الآباء في الأبناء في ~~الجيل الثالث والرابع من مبغضي واصنع إحسانا إلى ألوف من محبي وحافظي ~~وصاياي ، لا تنطق باسم الرب إلاهك باطلا لأن الرب لا يبرىء من نطق باسمه ~~باطلا ، اذكر يوم السبت لتقدسه ستة أيام تعمل وتصنع جميع عملك وأما اليوم ~~السابع ففيه سبت للرب إلاهك لا تصنع عملا ما أنت وابنك وابنتك وعبدك واختك ~~وبهيمتك ms3238 ونزيلك الذي داخل أبوابك ؛ لأن في ستة أيام صنع الرب السما والأرض ~~والبحر ، وكل ما فيها واستراح في اليوم السابع لذلك بارك الرب يوم السبت ~~وقدسه ، أكرم أباك وأمك ؛ لكي تطول أيامك على الأرض التي يعطيك الرب إلاهك ~~، لا تقتل ، لا تزنن لا تسرق ، لا تشهد ، على قريبك شهادة زور ، لا تشته ~~بيت قريبك ، لا تشته امرأة قريبك ولا عبده ولا أمته ، ولا ثوره ولا حماره ~~ولا شيئا مما لقريبك اه ، واشتهرت عند بني إسرائيل بالوصايا العشر ، ~~وبالكلمات العشر أي لجمل العشر . # وقد فصلت ( في ) من الإصحاح العشرين إلى نهاية الحادي والثلاثين من سفر ~~الخروج ، ومن جملتها الوصايا العشر التي كلم الله بها موسى في جبل سينا ~~PageV09P097 ووقع في الإصحاح الرابع والثلاثين إن الألواح لم تكتب فيها إلا ~~الكلمات العشر ، التي بالفقرات السبع عشرة منه ، وقوله هنا { موعظة وتفصيلا ~~} يقتضي الاعتماد على ما في الأصاحيح الثلاثة عشر . # والموعظة اسم مصدر الوعظ وهو نصح بإرشاد مشوب بتحذير من لحاق ضر في ~~العاقبة أو بتحريض على جلب نفع ، مغفول عنه ، وقد تقدم عند قوله تعالى : { ~~فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف في سورة البقرة ( 275 ) ، وقوله : ~~فأعرض عنهم وعظهم في سورة النساء ( 63 ) ، وسيجيء قوله : والموعظة الحسنة ~~في آخر سورة النحل ( 125 ) . # والتفصيل التبيين للمجملات ولعل الموعظة هي الكلمات العشر والتفصيل ما ~~ذكر بعدها من الأحكام في الإصحاحات التي ذكرناها . # وانتصب موعظة } على الحال من كل شيء ، أو على البدل من ( من ) إذا كانت ~~اسما إذا كان ابتداء التفصيل قد عقب كتابة الألواح بما كلمه الله به في ~~المناجاة مما تضمنه سفر الخروج من الإصحاح الحادي والعشرين إلى الإصحاح ~~الثاني والثلاثين ولما أوحي إليه إثر ذلك . # ولك أن تجعل { موعظة وتفصيلا } حالين من الضمير المرفوع في قوله : { ~~وكتبنا له } أي واعظين ومفصلين ، فموعظة حال مقارنة وتفصيلا حال مقدرة ، ~~وأما جعلهما بدلين من قوله : { من كل شيء } فلا يستقيم بالنسبة لقوله : { ~~وتفصيلا } . # وقوله : { فخذها } يتعين أن الفاء دالة على شيء ms3239 من معنى ما خاطب الله به ~~موسى ، ولما لم يقع فيما وليته ما يصلح لأن يتقرع عنه الأمر بأخذها بقوة . ~~تعين أن يكون قوله : { فخذها } بدلا من قوله : { فخذ ما آتيتك } ( الأعراف ~~: 144 ) بدل اشتمال لأن الأخذ بقوة يشتمل عليه الأخذ المطلق ، وقد اقتضاه ~~العود ، إلى ما خاطب الله به موسى إثر صعقته إتماما لذلك الخطاب فأعيد ~~مضمون ما سبق ليتصل ببقيته ، فيكون بمنزلة أن يقول فخذ ما آتيتك بقوة وكن ~~من الشاكرين ، ويكون ما بينهما بمنزلة اعتراض ، ولولا إعادة { فخذها } لكان ~~ما بين قوله : { من الشاكرين } ( الأعراف : 144 ) وقوله : { وأمر قومك ~~يأخذوا } اعتراضا على بابه ولما اقتضى المقام هذا الفصل ، وإعادة الأمر ~~بالأخذ ، اقتضى حسن ذلك أن يكون PageV09P098 في الإعادة زيادة ، فأخر مقيد ~~الأخذ ، وهو كونه بقوة ، عن التعلق بالأمر الأول ، وعلق بالأمر الثاني ~~الرابط للأمر الأول ، فليس قوله : { فخذها } بتأكيد ، وعلى هذا الوجه يكون ~~نظم حكاية الخطاب لموسى على هذا الأسلوب من نظم القرآن . # ويجوز أن يكون في أصل الخطاب المحكي إعادة ما يدل على الأمر بالأخذ لقصد ~~تأكيد هذا الأخذ ، فيكون توكيدا لفظيا ، ويكون تأخير القيد تحسينا للتوكيد ~~اللفظي ليكون معه زيادة فائدة ، ويكون الاعتراض قد وقع بين التوكيد والموكد ~~وعلى هذا الوجه يكون نظم الخطاب على هذا الأسلوب من نظم الكلام الذي كلم ~~الله به موسى حكي في القرآن على أسلوبه الصادر به . # والضمير المؤنث في قوله : { فخذها } عائد إلى الألواح باعتبار تقدم ذكرها ~~في قوله : { وكتبنا له في الألواح } . والمقول لموسى هو مرجع الضمير ، وفي ~~هذا الضمير تفسير للإجمال في قوله : { ما آتيتك } ( الأعراف : 144 ) وفي ~~هذا ترجيح كون ما صدق { ما آتيتك } هو الألواح ، ومن جعلوا ما صدق { ما ~~آتيتك } الرسالة والكلام جعلوا الفاء عاطفة لقول محذوف على جملة { وكتبنا } ~~والتقدير عندهم : وكتبنا فقلنا خذها بقوة ، وما اخترناه أحسن وأوفق بالنظم ~~. # والأخذ : تناول الشيء ، وهو هنا مجاز في التلقي والحفظ . # والباء في قوله : { بقوة } للمصاحبة . # والقوة حقيقتها حالة في الجسم يتأتى له بها أن ms3240 يعمل ما يشق عمله في ~~المعتاد فتكون في الأعضاء الظاهرة مثل قوة اليدين على الصنع الشديد ، ~~والرجلين على المشي الطويل ، والعينين على النظر للمرئيات الدقيقة . وتكون ~~في الأعضاء الباطنة مثل قوة الدماغ على التفكير الذي لا يستطيعه غالب الناس ~~، وعلى حفظ ما يعجز عن حفظه غالب الناس ومنه قولهم : قوة العقل . # وإطلاق اسم القوى على العقل وفيما أنشد ثعلب : # وصاحبين حازما قواهما # نبهت والرقاد قد علاهما # إلى أمونين فعدياهما PageV09P099 # وسمى الحكماء الحواس الخمس العقلية بالقوى الباطنية وهي الحافظة ، ~~والواهمة ، والمفكرة ، والمخيلة ، والحس المشترك . # فيقال : فرس قوي ، وجمل قوي على الحقيقة ، ويقال : عود قوي ، إذا كان ~~عسير الإنكسار ، وأسس قوي ، إذا كان لا ينخسف بما يبنى عليه من جدار ثقيل ، ~~إطلاقا قريبا من الحقيقة ، وهاته الحالة مقول عليها بالتشكيك لأنها في بعض ~~موصوفاتها أشد منها في بعض آخر ، ويظهر تفاوتها في تفاوت ما يستطيع موصوفها ~~أن يعمله من عمل مما هي حالة فيه ، ولما كان من لوازم القوة أن قدره صاحبها ~~على عمل ما يريده أشد مما هو المعتاد ، والأعمال عليه أيسر ، شاع إطلاقها ~~على الوسائل التي يستعين بها المرء على تذليل المصاعب مثل السلاح والعتاد ، ~~والمال ، والجاه ، وهو إطلاق كنائي قال تعالى : { قالوا نحن أولوا قوة } في ~~سورة النمل ( 33 ) . # ولكونها يلزمها الاقتدار على الفعل وصف الله تعالى باسم القوي أي الكامل ~~القدرة قال تعالى : { إن الله قوي شديد العقاب في سورة الأنفال ( 52 ) . # والقوة هنا في قوله : فخذها بقوة } تمثيل لحالة العزم على العمل بما في ~~الألواح ، بمنتهى الجد والحرص دون تأخير ولا تساهل ولا انقطاع عند المشقة ~~ولا ملل ، بحالة القوي الذي لا يستعصي عليه عمل يريده . ومنه قوله تعالى : ~~{ يا يحيى خذ الكتاب بقوة في سورة مريم ( 12 ) . # وهذا الأخذ هو حظ الرسول وأصحابه المبلغين للشريعة والمنفذين لها ، فالله ~~المشرع ، والرسول المنفذ ، وأصحابه وولاة الأمور هم أعوان على التنفيذ ، ~~وإنما اقتصر على أمر الرسول بهذا الأخذ لأنه من خصائصه من يقوم مقامه في ~~حضرته وعند مغيبه ، وهو ms3241 وهم فيما سوى ذلك كسائر الأمة . # فقوله : وأمر قومك يأخذوا بأحسنها } تعريج على ما هو حظ عموم الأمة من ~~الشريعة وهو التمسك بها ، فهذا الأخذ مجاز في التمسك والعمل ولذلك عدي ~~بالباء الدالة على اللصوق ، يقال : أخذ بكذا إذا تمسك به وقبض عليه ، كقوله ~~: { وأخذ برأس أخيه } ( الأعراف : 150 ) وقوله : { لا تأخذ بلحيتي ولا ~~برأسي } ( طه : 94 ) . ولم يعد فعل الأخذ بالباء في قوله : { فخذها } لأنه ~~مستعمل في معنى التلقي والحفظ لأنه أهم من الأخذ بمعنى التمسك والعمل ، فإن ~~الأول حظ ولي الأمر والثاني حظ جميع الأمة . PageV09P100 # وجزم { يأخذوا } جوابا لقوله : { وأمر } تحقيقا لحصول امتثالهم عندما ~~يأمرهم . # و { بأحسنها } وصف مسلوب المفاضلة مقصود به المبالغة في الحسن ، فإضافتها ~~إلى ضمير الألواح على معنى اللام ، أي : بالأحسن الذي هو لها وهو جميع ما ~~فيها ، لظهور أن ما فيها من الشرائع ليس بينه تفاضل بين أحسن ودون الأحسن ، ~~بل كله مرتبة واحدة فيما عين له ، ولظهور أنهم لا يؤمنون بالأخذ ببعض ~~الشريعة وترك بعضها ، ولأن الشريعة مفصل فيها مراتب الأعمال ، فلو أن بعض ~~الأعمال كان عندها أفضل من بعض ، كالمندوب بالنسبة إلى المباح ، وكالرخصة ~~بالنسبة إلى العزيمة ، كان الترغيب في العمل بالأفضل مذكورا في الشريعة ، ~~فكان ذلك من جملة الأخذ بها ، فقرائن سلب صيغة التفضيل عن المفاضلة قائمة ~~واضحة ، فلا وجه للتردد في تفسير الأحسن في هذه الآية والتعزب إلى التنظير ~~بتراكيب مصنوعة أو نادرة خارجة عن كلام الفصحاء ، وهذه الآية والتعزب إلى ~~التنظير بتراكيب مصنوعة أو نادرة خارجة عن كلام الفصحاء ، وهذه الآية نظير ~~قوله تعالى : { واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم في سورة الزمر ( 55 ) . ~~والمعنى : وامر قومك يأخذوا بما فيها لحسنها . # كلام موجه إلى موسى عليه السلام فيجوز أن يكون منفصلا عن الكلام الذي ~~قبله فيكون استئنافا ابتدائيا : هو وعد له بدخولهم الأرض الموعودة ، ويجوز ~~أن تكون الجملة متصلة بما قبلها فتكون من تمام جملة { وأمر قومك يأخذوا ~~باحسنها } على أنها تحذير من التفريط في شيء مما كتب ms3242 له في الألواح . ~~والمعنى سأبين لكم عقاب الذين لا يأخذون بها . # والدار المكان الذي تسكنه العائلة ، كما في قوله تعالى : { فخسفنا به ~~وبداره الأرض } في سورة القصص ( 81 ) والمكان الذي يحله الجماعة من حي أو ~~قبيلة كما قال تعالى : { فأصبحوا في دارهم جاثمين } ( الأعراف : 91 ) وقد ~~تقدم . وتطلق الدار على ما يكون عليه الناس أو المرء من حالة مستمرة ومنه ~~قوله تعالى : { فنعم عقبى الدار } ( الرعد : 24 ) ، وقد يراد بها مآل المرء ~~ومصيره ؛ لأنه بمنزلة الدار يأوي إليه في شأنه . وقد تقدم قريب من هذا عند ~~قوله تعالى : { فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار في سورة الأنعام ( 135 ~~) . # وخوطب بضمير الجمع باعتبار من معه من أصحابه شيوخ بني إسرائيل ، أو ~~باعتبار PageV09P101 جماعة قومه فالخطاب شامل لموسى ومن معه . # والإراءة من رأى البصرية ؛ لأنها عديت إلى مفعولين فقط . # وأوثر فعل أريكم } دون نحو : سأدخلكم ، لأن الله منع معظم القوم الذين ~~كانوا مع موسى من دخول الأرض المقدسة لما امتنعوا من قتال الكنعانيين كما ~~تقدم في قوله تعالى : { قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض ~~في سورة المائدة ( 26 ) . وجاء ذلك في التوراة في سفر التثنية الإصحاح ~~الأول : أن الله قال لموسى : وأنت لا تدخل إلى هناك وفي الإصحاح ( 34 ) ~~وصعد موسى إلى الجبل ( نبو ) فأراه الله جميع الأرض وقال له : هذه الأرض ~~التي أقسمت لإبراهيم قائلا لنسلك أعطيها قد أريتك إياها بعينيك ولكنك لا ~~تعبر . # ويجوز أن يكون سأريكم خطابا لقوم موسى ، فيكون فعل أريكم كناية عن الحلول ~~في دار الفاسقين ، والحلول في ديار قوم لا يكون إلا الفتح والغلبة ، ~~فالإراءة رمز إلى الوعد بفتح بلاد الفاسقين ، والمراد بالفاسقين المشركون ، ~~فالكلام وعد لموسى وقومه بأن يفتحوا ديار الأمم الحالة بالأرض المقدسة التي ~~وعدهم الله بها ، وهم المذكورون في التوراة في الإصحاح الثالث والثلاثين من ~~سفر الخروج خطابا للشعب إحفظ ما أنا موصيك به ها أنا طارد من قدامك ~~الأموريين ، والكنعانيين ، والحثيين ، والفرزيين ، والحويين ، واليبوسيين ، ~~احترز من أن تقطع ms3243 عهدا مع سكان الأرض التي أنت آت إليها لئلا يصيروا فخا في ~~وسطك بل تهدمون مذابحهم وتكسرون أنصابهم وتقطعون سواريهم فإنك لا تسجد ~~لإلاه آخر . # ويؤيده ما روي عن قتادة أن دار الفاسقين هي دار العمالقة والجبابرة ، وهي ~~الشام ، فمن الخطأ تفسير من فسروا دار الفاسقين بأنها أرض مصر فإنهم قد ~~كانوا بها وخرجوا منها ولم يرجعوا إليها ، ومن البعيد تفسير دار الفاسقين ~~بجهتهم ، وفي الإصحاح 34 من سفر الخروج احترز من أن تقطع عهدا مع سكان ~~الأرض التي أنت آت إليها فيزنون وراء آلهتهم ويذبحون لآلهتهم فتدعى وتأكل ~~من ذبيحتهم وتأخذ من بناتهم لبنيك فتزني بناتهم وراء آلهتهن ويجعلن بنيك ~~يزنون وراء آلهتهن ، ولا يخفى حسن مناسبة التعبير عن أولئك الأقوام ~~بالفاسقين على هذا الوجه . PageV09P102 # وقيل المراد بدار الفاسقين ديار الأمم الخالية مثل ديار ثمود وقوم لوط ~~الذين أهلكهم الله لكفرهم ، أي ستمرون عليهم فترون ديارهم فتتعظون بسوء ~~عاقبتهم لفسقهم ، وفيه بعد لأن بني إسرائيل لم يمروا مع موسى على هذه ~~البلاد . # والعدول عن تسمية الأمم بأسمائهم إلى التعبير عنهم بوصف الفاسقين ؛ لأنه ~~أدل على تسبب الوصف في المصير الذي صاروا إليه ، ولأنه أجمع وأوجز ، ~~واختيار وصف الفاسقين دون المشركين والظالمين الشائع في التعبير عن الشرك ~~في القرآن ؛ للتنبيه على أن عاقبتهم السوأى تسببت على الشرك وفاسد الأفعال ~~معا . # # | 2 ( 146 ) { سأصرف عن ءاياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن ~~يروا كل ءاية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا ~~سبيل الغى يتخذوه سبيلا ذالك بأنهم كذبوا بئاياتنا وكانوا عنها غافلين } . ~~) 2 # يجوز أن تكون هذه الآية تكملة لما خاطب الله به موسى وقومه ، فتكون جملة ~~{ سأصرف } الخ بأسهم ، استئنافا بيانيا ، لأن بني إسرائيل كانوا يهابون ~~أولئك الأقوام ويخشون ، فكأنهم تساءلوا كيف ترينا دارهم وتعدنا بها ، وهل ~~لا نهلك قبل الحلول بها ، كما حكى الله عنهم { قالوا يا موسى إن فيها قوما ~~جبارين } الآية في سورة العقود ( 22 ) وقد حكى ذلك في الإصحاح ms3244 الرابع عشر ~~من سفر العدد ، فاجيبوا بأن الله سيصرف أولئك عن آياته . # والصرف الدفع أي سأصد عن آياتي ، أي عن تعطيلها وإبطالها . # والآيات الشريعة ، ووعد الله أهلها بأن يورثهم أرض الشام ، فيكون المعنى ~~سأتولى دفعهم عنكم ، ويكون هذا مثل ما ورد في التوراة في الإصحاح الرابع ~~والثلاثين ( ها أنا طارد من قدامك الأموريين الخ ) ، فالصرف على هذا الوجه ~~عناية من الله بموسى وقومه بما يهيء لهم من أسباب النصر على أولئك الأقوام ~~الأقوياء ، كإلقاء الرعبب في قلوبهم ، وتشتيت كلمتهم ، وإيجاد الحوادث التي ~~تفت في ساعد عدتهم أو تكون الجملة جوابا لسؤال من يقول : إذا دخلنا أرض ~~العدو فلعلهم يؤمنون بهدينا ، ويتبعون ديننا ، فلا نحتاج إلى قتالهم ، ~~فأجيبوا بأن الله يصرفهم عن إتباع آياته ؛ لأنهم جبلوا على التكبر في الأرض ~~، والإعراضض عن الآيات ، فالصرف PageV09P103 هنا صرف تكويني في نفوس ~~الأقوام ، وعن الحسن : أن من الكفار من يبالغ في كفره وينتهي إلى حد إذا ~~وصل إليه مات قلبه . # وفي قص الله تعالى هذا الكلام على محمد صلى الله عليه وسلم تعريض بكفار ~~العرب بأن الله دافعهم عن تعطيل آياته ، وبأنه مانع كثيرا منهم عن الإيمان ~~بها لما ذكرناه آنفا . # ويجوز أن تكون جملة { سأصرف عن آياتي } من خطاب الله تعالى لرسوله محمد ~~صلى الله عليه وسلم روى الطبري ذلك عن سفيان بن عيينة ، فتكون الجملة ~~معترضة في أثناء قصة بني إسرائيل بمناسبة قوله : { سأريكم دار الفاسقين } ( ~~الأعراف : 145 ) تعريضا بأن حال مشركي العرب كحال أولئك الفاسقين ، وتصريحا ~~بسبب إدامتهم العناد والإعراض عن الإيمان ، فتكون الجملة مستأنفة استينافا ~~ابتدائيا ، وتأتي في معنى الصرف عن الآيات الوجوه السابقة واقتران فعل { ~~سأصرف } بسين الاستقبال القريب تنبهه على أن الله يعجل ذلك الصرف . # وتقديم المجرور على مفعول { أصرف } للاهتمام بالآيات ، ولأن ذكره عقب ~~الفعل المتعلق هو به أحسن . # وتعريف المصروفين عن الآيات بطريق الموصولية للإيماء بالصلة إلى علة ~~الصرف . وهي ما تضمنته الصلات المذكورة ، لأن من صارت تلك الصفات حالات له ~~ينصره الله ، أو لأنه إذا ms3245 صار ذلك حاله رين على قلبه ، فصرف قلبه عن إدراك ~~دلالة الآيات وزالت منه الأهلية لذلك الفهم الشريف . # والأوصاف التي تضمنتها الصلات في الآية تنطبق على مشركي أهل مكة أتم ~~الانطباق . # والتكبر الاتصاف بالكبر . وقد صيغ له الصيغة الدالة على التكلف ، وقد ~~بينا ذلك عند قوله تعالى : { أبى واستكبر } ( البقرة : 34 ) وقوله : { ~~استكبرتم في سورة البقرة ( 87 ) ، والمعنى : أنهم يعجبون بأنفسهم ، ويعدون ~~أنفسهم عظماء فلا يأتمرون لآمر ، ولا ينتصحون لناصح . # وزيادة قوله : في الأرض } لتفضيح تكبرهم ، والتشهير بهم بأن كبرهم مظروف ~~في الأرض ، أي ليس هو خفيا مقتصرا على أنفسهم ، بل هو مبثوث في الأرض ، أي ~~PageV09P104 مبثوث أثره ، فهو تكبر شائع في بقاع الأرض كقوله : { يبغون في ~~الأرض بغير الحق } ( يونس : 23 ) وقوله : { ويفسدون في الأرض أولئك هم ~~الخاسرون } ( البقرة : 27 ) وقوله : { ولا تمش في الأرض مرحا } ( الإسراء : ~~37 ) وقول مرة بن عداء الفقعسي : # فهلا أعدوني لمثلي تفاقدوا # وفي الأرض مبثوث شجاع وعقرب # وقوله : { بغير الحق } زيادة لتشنيع التكبر بذكر ما هو صفة لازمة له ، ~~وهو مغايرة الحق ، أي : باطل وهي حال لازمة للتكبر ، كاشفة لوصفه ، إذ ~~التكبر لا يكون بحق في جانب الخلق ، وإنما هو وصف لله بحق ؛ لأنه العظيم ~~على كل موجود ، وليس تكبر الله بمقصود أن يحترز عنه هنا حتى يجعل القيد { ~~بغير الحق } للاحتراز عنه ، كما في ( الكشاف ) . # ومن المفسرين من حاول جعل قوله : { بغير الحق } قيدا للتكبر ، وجعل من ~~التكبر ما هو حق ، لأن للمحق أن يتكبر على المبطل ، ومنه المقالة الشمهورة ~~( الكبر على المتكبر صدقة ) وهذه المقالة المستشهد بها جرت على المجاز أو ~~الغلط . # وقوله : { وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها } عطف على قوله : { يتكبرون } ~~فهو في حكم الصلة ، والقول فيه كالقول في قوله : { لا يؤمنون ولو جاءتهم كل ~~آية في سورة يونس ( 96 ، 97 ) وكل مستعملة في معنى الكثرة ، كما تقدم في ~~قوله تعالى : ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية في سورة البقرة ( 145 ) ~~. # والسبيل مستعار لوسيلة الشيء بقرينة إضافته إلى ms3246 الرشد وإلى الغي . ~~والرؤية مستعارة للإدراك . # والاتخاذ حقيقته مطاوع أخذه بالتشديد ، إذا جعله آخذا ، ثم أطلق على أخذ ~~الشيء ولو لم يعطه إياه غيره ، وهو هنا مستعار للملازمة ، أي لا يلازمون ~~طريق الرشد ، ويلازمون طريق الغي . # والرشد الصلاح وفعل النافع ، وقد تقدم في قوله تعالى : فإن آنستم منهم ~~رشدا } في سورة النساء ( 6 ) والمراد به هنا : الشيء الصالح كله من الإيمان ~~والأعمال الصالحة . # والغي الفساد والضلال ، وهو ضد الرشد بهذا المعنى ، كما أن السفه ضد ~~الرشد بمعنى حسن النظر في المال ، فالمعنى : أن يدركوا الشيء الصالح لم ~~يعملوا به . PageV09P105 لغلبة الهوى على قلوبهم ، وإن يدركوا الفساد عملوا ~~به لغلبة الهوى ، فالعمل به حمل للنفس على كلفة ، وذلك تأباه الأنفس التي ~~نشأت على متابعة مرغوبها ، وذلك شأن الناس الذين لم يروضوا أنفسهم بالهدى ~~الإلهي ، ولا بالحكمة ونصائح الحكماء والعقلاء ، بخلاف الغي ، فإنه ما ظهر ~~في العالم إلا من آثار شهوات النفوس ودعواتها التي يزين لها الظاهر العاجل ~~، وتجهل عواقب السوء الآجلة ، كما جاء في الحديث : { حفت الجنة بالمكاره ~~وحفت النار بالشهوات } . # والتعبير في الصلات الأربع بالأفعال المضارعة : لإفادة تجدد تلك الأفعال ~~منهم واستمرارهم عليها . # وقرأ الجمهور : { الرشد } بضم فسكون وقرأه حمزة ، والكسائي ، وخلف : ~~بفتحتين ، وهما لغتان فيه . # وجملة : { ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا } مستأنفة استئنافا بيانيا ، لأن ~~توسيمهم بتلك الصلات يثير سؤالا . # والمشار إليه بذلك ما تضمنه الكلام السابق ، نزل منزلة الموجود في الخارج ~~وهو ما تضمنه قوله : { سأصرف عن آياتي } إلى آخر الآية ، واستعمل له اسم ~~إشارة المفرد ؛ لتأويل المشار إليه بالمذكور كقوله تعالى : { والذين لا ~~يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا ~~يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما } ( الفرقان : 68 ) أي من يفعل المذكور ، ~~وهذا الاستعمال كثير في اسم الإشارة ، وألحق به الضمير كما تقدم في قوله ~~تعالى : { ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله } في سورة البقرة ( 61 ) . # والباء السببية أي : كبرهم . وعدم إيمانهم ، واتباعهم سبيل الغي ، ~~وإعراضهم عن سبيل الرشد سببه تكذيبهم ms3247 بالآيات ، فأفادت الجملة بيان سبب ~~الكبر ، وما عطف عليه من الأوصاف التي هي سبب صرفهم عن الآيات ، فكان ذلك ~~سبب السبب ، وهذا أحسن من إرجاع الإشارة إلى الصرف المأخوذة من { سأصرف } ~~لأن هذا المحمل يجعل التكذيب سببا ثانيا للصرف ، وجعله سببا للسبب أرشق . # واجتلبت ( أن ) الدالة على المصدرية والتوكيد ؛ لتحقيق هذا التسبب ~~وتأكيده ، لأنه محل عرابة . PageV09P106 # وجعل المسند فعلا ماضيا ، لإفادة أن وصف التكذيب قديم راسخ فيهم ، فكان ~~رسوخ ذلك فيهم سببا في أن خلق الطبع والختم على قلوبهم فلا يشعرون بنقائصهم ~~، ولا يصلحون أنفسهم ، فلا يزالون متكبرين معرضين غاوين . # ومعنى { كذبوا بآياتنا } إنهم ابتدأوا بالتكذيب ، ولم ينظروا ، ولم ~~يهتموا بالتأمل في الآيات فداموا على الكبر وما معه ، فصرف الله قلوبهم عن ~~الانتفاع بالآيات ، وليس المراد الإخبار بأنهم حصل منهم التكذيب ، لأن ذلك ~~قد علم من قوله : { وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها } . # والغفلة انصراف العقل والذهن عن تذكر شيء بقصد أو بغير قصد ، وأكثر ~~استعماله في القرآن فيما كان عن قصد بإعراض وتشاغل ، والمذموم منها ما كان ~~عن قصد ، وهو مناط التكليف والمؤاخذة ، فأما الغفلة عن غير قصد فلا مؤاخذة ~~عليها ، وهي المقصود من قول علماء أصول الفقه : يمتنع تكليف الغافل . # وللتنبيه على أن غفلتهم عن قصد صيغ الإخبار عنهم بصيغة { كانوا عنها ~~غافلين } للدلالة على استمرار غفلتهم . وكونها دأبا لهم ، وإنما تكون كذلك ~~إذا كانوا قد التزموها ، فأما لو كانت عن غير قصد . فإنها قد تعتريهم وقد ~~تفارقهم . # # | 2 ( 147 ) { والذين كذبوا بئاياتنا ولقآء الاخرة حبطت أعمالهم هل يجزون ~~إلا ما كانوا يعملون } . ) 2 # يجوز أن تكون هذه الجملة معطوفة على جملة { سأصرف عن آياتي } ( الأعراف : ~~146 ) إلى آخر الآيات على الوجهين السابقين ويجوز أن يكون معطوفة على جملة ~~{ ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا } ( الأعراف : 146 ) ، ويجوز أن تكون تذييلا ~~معترضا بين القصتين وتكون الواو اعتراضية ، وأيا ما كان فهي آثارها الإخبار ~~عنهم بأنهم إن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا ، فإن ذلك لما كان هو ~~الغالب على ms3248 المتكبرين الجاحدين للآيات ، وكأن لا تخلو جماعة المتكبرين من ~~فريق قليل يتخذ سبيل الرشد عن حلم وحب للمحمدة ، وهم بعض سادة المشركين ~~وعظماؤهم في كل عصر ، كانوا قد يحسب السامع أن ستنفعهم أعمالهم ، أزيل هذا ~~التوهم بأن أعمالهم لا تنفعهم مع التكذيب بآيات الله PageV09P107 ولقاء ~~الآخرة ، وأشير إلى أن التكذيب هو سبب حبط أعمالهم بتعريفهم بطريق ~~الموصولية ، دون الإضمار ، مع تقدم ذكرهم المقتضي بحسب الظاهر الإضمار ~~فخولف مقتضى الظاهر لذلك . # وإضافة { ولقاء } إلى { الآخرة } على معنى ( في ) لأنها إضافة إلى ظرف ~~المكان ، مثل { عقبى الدار } ( الرعد : 24 ) أي لقاء الله في الآخرة ، أي ~~لقاء وعده ووعيده . # والحبط فساد الشيء الذي كان صالحا ، وقد تقدم عند قوله تعالى : { ومن ~~يكفر بالإيمان فقد حبط عمله } في سورة المائدة ( 5 ) . # وجملة : { هل يجزون إلا ما كانوا يعملون } مستأنفة استينافا بيانيا ، ~~جوابا عن سؤال ينشأ عن قوله : { حبطت أعمالهم } إذ قد يقول سائل : كيف تحبط ~~أعمالهم الصالحة ، فأجيب بأنهم جوزوا كما كانوا يعملون ، فإنهم لما كذبوا ~~بآيات الله كانوا قد أحالوا الرسالة والتبليغ عن الله ، فمن أين جاءهم ~~العلم بأن لهم على أعمالهم الصالحة جزاء حسنا ، لأن ذلك لا يعرف إلا بإخبار ~~من الله تعالى ، وهم قد عطلوا طريق الإخبار وهو الرسالة ، ولأن الجزاء إنما ~~يظهر في الآخرة ، وهم قد كذبوا بلقاء الآخرة ، فقد قطعوا الصلة بينهم وبين ~~الجزاء ، فكان حبط أعمالهم الصالحة وفاقا لاعتقادهم . # والمراد ب { ما كانوا يعملون } ما كانوا يعتقدون ، فأطلق على التكذيب ~~بالآيات وبلقاء الآخرة فعل { يعملون } لأن آثار الإعتقاد تظهر في أقوال ~~المعتقد وأفعاله ، وهي من أعماله . # والاستفهام ب { هل } مشرب معنى النفي ، وقد جعل من معاني ( هل ) النفي ، ~~وقد بيناه عند قوله تعالى : { هل تجزون إلا ما كنتم تعملون في سورة النمل ( ~~90 ) ، فانظره هناك . # وما كانوا يعملون } مقدر فيه مضاف ، والتقدير مكافىء ما كانوا يعملون ~~بقرينة قوله : { يجزون } لأن الجزاء لا يكون نفس المجزي عليه ، فإن فعل جزى ~~يتعدى إلى العوض المجعول جزاء بنفسه ، ويتعدى إلى العمل ms3249 المجزي عليه بالباء ~~، كما قال تعالى : { وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا } ( الإنسان : 12 ) ونظير ~~هذه الآية قوله في سورة PageV09P108 الأنعام ( 139 ) { سيجزيهم وصفهم . # # | 2 ( 148 ) واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا ~~أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين } . ) 2 # عطف على جملة : { وواعدنا موسى } ( الأعراف : 142 ) عطف قصة على قصة ، ~~فذكر فيما تقدم قصة المناجاة ، وما حصل فيها من الآيات والعبر ، وذكر في ~~هذه الآية ما كان من قوم موسى ، في مدة مغيبه في المناجاة ، من الإشراك . # فقوله : { من بعده } أي من بعد مغيبه ، كما هو معلوم من قوله : { ولما ~~جاء موسى لميقاتنا } ( الأعراف : 143 ) ومن قوله : { وقال موسى لأخيه هارون ~~اخلفني في قومي } ( الأعراف : 142 ) . # وحذف المضاف مع ( بعد ) المضافة إلى اسم المتحدث عنه شائع في كلام العرب ~~، كما تقدم في نظيرها من سورة البقرة . # و ( من ) في مثله للابتداء ، وهو أصل معاني ( من ) وأما ( من ) في قوله : ~~{ من حليهم } فهي للتبعيض . # والحلي بضم الحاء وكسر اللام وتشديد المثناة التحتية ، جمع حلي ، بفتح ~~الحاء وسكون اللام وتخفيف التحتية ، ووزن هذا الجمع فعول كما جمع ثدي ، ~~ويجمع أيضا على حلي ، بكسر الحاء مع اللام ، مثل عصي وقسي اتباعا لحركة ~~العين ، وبالأول قرأ جمهور العشرة ، وبالثاني حمزة ، والكسائي ، وقرأ يعقوب ~~حليهم بفتح الحاء وسكون اللام على صيغة الإفراد ، أي اتخذوا من مصوغهم وفي ~~التوراة أنهم اتخذوه من ذهب ، نزعوا أقراط الذهب التي في آذان نسائهم ~~وبناتهم وبنيهم . # والعجل ولد البقرة قبل أن يصير ثورا ، وذكر في سورة طه أن صانع العجل رجل ~~يقال له السامري ، وفي التوراة أن صانعه هو هارون ، وهذا من تحريف الكلم عن ~~مواضعه الواقع في التوراة بعد موسى ، ولم يكن هارون صائغا ، ونسب الاتخاذ ~~إلى قوم موسى كلهم على طريقة المجاز العقلي ، لأنهم الآمرون باتخاذه ~~والحريصون عليه ، وهذا مجاز شائع في كلام العرب . # ومعنى اتخذوا عجلا صورة عجل ، وهذا من مجاز الصورة ، وهو شائع في الكلام ~~. PageV09P109 # والجسد الجسم ms3250 الذي لا روح فيه ، فهو خاص بجسم الحيوان إذا كان بلا روح ، ~~والمراد أنه كجسم العجل في الصورة والمقدار إلا أنه ليس بحي وما وقع في ~~القصص : إنه كان لحما ودما ويأكل ويشرب ، فهو من وضع القصاصين ، وكيف ~~والقرآنن يقول : { من حليهم } ، ويقول : { له خوار } ، فلو كان لحما ودما ~~لكان ذكره أدخل في التعجيب منه . # والخوار بالخاء المعجمة صوت البقر ، وقد جعل صانع العجل في باطنه تجويفا ~~على تقدير من الضيق مخصوص ، واتخذ له آلة نافخة خفية ، فإذا حركت آلة النفخ ~~انضغط الهواء في باطنه ، وخرج من المضيق ، فكان له صوت كالخوار ، وهذه صنعة ~~كصنعة الصفارة والمزمار ، وكان الكنعانيون يجعلون مثل ذلك لصنعهما المسمى ~~بعلا . # و { جسدا } نعت ل { عجلا } وكذلك { له خوار } . # وجملة : { ألم يروا أنه لا يكلمهم } مستأنفة استئنافا ابتدائيا ؛ لبيان ~~فساد نظرهم في اعتقادهم . # والاستفهام للتقرير وللتعجيب من حالهم ، ولذلك جعل الاستفهام عن نفي ~~الرؤية ، لأن نفي الرؤية هو غير الواقع من حالهم في نفس الأمر ، ولكن حالهم ~~يشبه حال من لا يرون عدم تكليمه ، فوقع الاستفهام عنه لعلهم لم يروا ذلك ، ~~مبالغة ، وهو للتعجيب وليس للإنكار ، إذ لا ينكر ما ليس بموجود ، وبهذا ~~يعلم أن معنى كونه في هذا المقام بمنزلة النفي للنفي إنما نشأ من تنزيل ~~المسؤول عنهم منزلة من لا يرى ، وقد تقدم بيان ذلك عند قوله تعالى : { ألم ~~تر إلى الذين خرجوا من ديارهم في سورة البقرة ( 243 ) . # والرؤية بصرية ، لأن عدم تكليم العجل إياهم مشاهد لهم ، لأن عدم الكلام ~~يرى من حال الشيء الذي لا يتكلم ، بانعدام آلة التكلم وهو الفم الصالح ~~للكلام ، وبتكرر دعائهم إياه وهو لا يجيب . # وقد سفه رأي الذين اتخذوا العجل إلاها ، بأنهم يشاهدون أنه لا يكلمهم ولا ~~يهديهم سبيلا ، ووجه الاستدلال بذلك على سفه رأيهم هو أنهم لا شبهة لهم في ~~اتخاذه إلاها بأن خصائصه خصائص العجماوات ، فجسمه جسم عجل ، وهو من نوع ليس ~~أرقى أنواع الموجودات المعروفة ، وصوته صوت البقر ، وهو صوت PageV09P110 لا ~~يفيد سامعه ، ولا ms3251 يبين خطابا ، وليس هو بالذي يهديهم إلى أمر يتبعونه حتى ~~تغني هدايتهم عن كلامه ، فهو من الموجودات المنحطة عنهم ، وهذا كقول ~~إبراهيم فاسالوهم إن كانوا ينطقون } ( الأنبياء : 63 ) فماذا رأوا منه مما ~~يستأهل الإلهية ، فضلا على أن ترتقي بهم إلى الصفات التي يستحقها الإله ~~الحق ، والذين عبدوه أشرف منه حالا وأهدى ، وليس المقصود من هذا الاستدلال ~~على الألوهية بالتكليم والهداية ، وإلا للزم إثبات الإلهية لحكماء البشر . # وجملة : { اتخذوه } مؤكدة لجملة { واتخذ قوم موسى } فلذلك فصلت ، والغرض ~~من التوكيد في مثل هذا المقام هو التكرير لأجل التعجيب ، كما يقال : نعم ~~اتخذوه ، ولتبنى عليه جملة { وكانوا ظالمين } فيظهر أنها متعلقة باتخاذ ~~العجل ، وذلك لبعد جملة : { واتخذ قوم موسى } بما وليها من الجملة وهذا ~~كقوله : { وليكتب بينكم كاتب بالعدل } إلى قوله { فليكتب } ( البقرة : 282 ~~) أعيد فليكتب لتبنى عليه جملة : { وليملل الذي عليه الحق } ( البقرة : 282 ~~) ، وهذا التكرير يفيد مع ذلك التوكيد وما يترتب على التوكيد . # وجملة : { وكانوا ظالمين } في موضع الحال من الضمير المرفوع في قوله : { ~~اتخذوه } وهذا كقوله في سورة البقرة ( 51 ) { ثم اتخذتم العجل من بعده ~~وأنتم ظالمون } . # $ 2 ( 149 ) { ولما سقط فى & # 1764 أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا ~~لنكونن من الخاسرين } . ) 2 $ # كان مقتضى الظاهر في ترتيب حكاية الحوادث أن يتأخر قوله : { ولما سقط في ~~أيديهم } الآية ، عن قوله : { ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا } ( ~~الأعراف : 150 ) لأنهم ما سقط في أيديهم إلا بعد أن رجع موسى ورأوا فرط ~~غضبه وسمعوا توبيخه أخاه وإياهم ، وإنما خولف مقتضى الترتيب تعجيلا بذكر ما ~~كان لاتخاذهم العجل من عاقبة الندامة وتبين الضلالة ، موعظة للسامعين لكيلا ~~يعجلوا في التحول عن سنتهم ، حتى يتبينوا عواقب ما هم متحولون إليه . # و { سقط في أيديهم } مبني للمجهول ، كلمة أجراها القرآن مجرى المثل إذا ~~أنظمت على إيجاز بديع وكناية واستعارة ، فإن اليد تستعار للقوة والنصرة إذ ~~بها PageV09P111 يضرب بالسيفف والرمح ، ولذلك حين يدعون على أنفسهم بالسوء ~~يقولون : ( شلت من يدي ms3252 الأنامل ) ، وهي آلة القدرة قال تعالى : { ذا الأيد ~~} ( ص : 17 ) ، ويقال : ما لي بذلك يد ، أو ما لي بذلك يدانن أي لا أستطيعه ~~، والمرء إذا حصل له شلل في عضد ولم يستطع تحريكه يحسن أن يقال : سقط في ~~يده ساقط ، أي نزل به نازل . # ولما كان ذكر فاعل السقوط المجهول لا يزيد على كونه مشتقا من فعله ، ساغ ~~أن يبنى فعله للمجهول فمعنى ( سقط في يده ) سقط في يده ساقط فأبطل حركة يده ~~، إذ المقصود أن حركة يده تعطلت بسبب غير معلوم ، إلا بأنه شيء دخل في يده ~~فصيرها عاجزة عن العمل وذلك كناية عن كونه قد فجأه ما أوجب حيرته في أمره ، ~~كما يقال : فت في ساعده . # وقد استعمل في الآية في معنى الندم وتبين الخطأ لهم ، فهو تمثيل لحالهم ~~بحال من سقط في يده حين العمل . فالمعنى أنهم تبين لهم خطأهم وسوء معاملتهم ~~ربهم ونبيهم ، فالندامة هي معنى التركيب كله ، وأما الكناية فهي في بعض ~~أجزاء المركب وهو سقط في اليد ، قال ابن عطية ( وحدثت عن أبي مروان بن سراج ~~) أنه كان يقول قول العرب : سقط في يده مما أعياني معناه ، وقال الزجاح هو ~~نظم لم يسمع قبل القرآن ، ولم تعرفه العرب . # قلت وهو القول الفصل ، فإني لم أره في شيء من كلامهم قبل القرآن ، فقول ~~ابن سراج : قول العرب سقط في يده ، لعله يريد العرب الذين بعد القرآن . # والمعنى لما رجع موسى إليهم وهددهم وأحرق العجل كما ذكر في سورة طه ، ~~وأوجز هنا إذ من المعلوم أنهم ما سقط في أيديهم ورأوا أنهم ضلوا بعد ~~تصميمهم وتصلبهم في عبادة العجل وقولهم : { لن نبرح عليه عاكفين } ( طه : ~~91 ) ، إلا بسبب حادث حدث ينكشف لهم بسببه ضلالهم ، فطي ذلك من قبيل ~~الإيجاز ليبنى عليه أن ضلالهم لم يلبث أن انكشف لهم ، ولذلك قرن بهذا حكاية ~~اتخاذهم العجل للمبادرة ببيان انكشاف PageV09P112 ضلالهم تنهية لقصة ضلالهم ~~، وكأنه قيل : فسقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا ثم قيل ولما سقط أيديهم ~~قالوا ms3253 . # وقولهم : { لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين } توبة ~~وإنابة ، وقد علموا أنهم أخطأوا خطيئة عظيمة ، ولذلك أكدوا التعليق الشرطي ~~بالقسم الذي وطأته اللام . وقدموا الرحمة على المغفرة ؛ لأنها سببها . # ومجيء خبر كان مقترنا بحرف ( من ) التبعيضية ؛ لأن ذلك أقوى في إثبات ~~الخسارة من لنكونن خاسرين كما تقدم في قوله تعالى : { قد ضللت إذا وما أنا ~~من المهتدين } ( الأنعام : 56 ) . # وقرأه الجمهور { يرحمنا ربنا ويغفر } بياء الغيبة في أول الفعلين وبرفع ~~ربنا ، وقرأ حمزة والكسائي وخلف بتاء الخطاب في أول الفعلين ونصب ربنا على ~~النداء ، أي قالوا ذلك كله لأنهم دعوا ربهم وتداولوا ذلك بينهم . # $ 2 ( 150 ، 151 ) { لله ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال بئسما ~~خلفتمونى من بعدى & # 1764 أعجلتم أمر ربكم وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه قال ابن أم ~~إن القوم استضعفونى وكادوا يقتلوننى فلا تشمت بى الأعدآء ولا تجعلنى مع ~~القوم الظالمين * قال رب اغفر لى ولأخى وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم ~~الراحمين } . ) 2 $ # جعل رجوع موسى إلى قومه غضبان كالأمر الذي وقع الإخبار عنه من قبل على ~~الأسلوب المبين في قوله : { ولما جاء موسى لميقاتنا } ( الأعراف : 143 ) ~~وقوله : { ولما سقط في أيديهم } ( الأعراف : 149 ) . فرجوع موسى معلوم من ~~تحقق انقضاء المدة الموعود بها ، وكونه رجع في حالة غضب مشعر بأن الله أوحى ~~إليه فأعلمه بما صنع قومه في مغيبه ، وقد صرح بذلك في سورة طه ( 85 ) { قال ~~فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري } ف { غضبان أسفا حالان من موسى ~~، فهما قيدانن لرجع } فعلم أن الغضب والأسف مقارنان للرجوع . # والغضب تقدم في قوله : { قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب في هذه ~~السورة ( 71 ) . PageV09P113 # والأسف بدون مد ، صيغة مبالغة للآسف بالمد الذي هو اسم فاعل للذي حل به ~~الأسف وهو الحزن الشديد ، أي رجع غضبان من عصيان قومه حزينا على فساد ~~أحوالهم ، وبئسما ضد نعما ، وقد مضى القول عليه في قوله تعالى : قل بئسما ~~يأمركم به إيمانكم في ms3254 سورة البقرة ( 93 ) ، والمعنى بئست خلافة خلفتمونيها ~~خلافتكم . # وتقدم الكلام على فعل خلف في قوله : اخلفني في قومي } ( الأعراف : 142 ) ~~قريبا . # وهذا خطاب لهارون ووجوه القوم ، لأنهم خلفاء موسى في قومهم فيكون { ~~خلفتموني } مستعملا في حقيقته ، ويجوز أن يكون الخطاب لجميع القوم ، فأما ~~هارون فلأنه لم يحسن الخلافة بسياسة الأمة كما كان يسوسها موسى ، وأما ~~القوم فلأنهم عبدوا العجل بعد غيبة موسى ، ومن لوازم الخلافة فعل ما كان ~~يفعله المخلوف عنه ، فهم لما تركوا ما كان يفعله موسى من عبادة الله وصاروا ~~إلى عبادة العجل فقد انحرفوا عن سيرته فلم يخلفوه في سيرته ، وإطلاق ~~الخلافة على هذا المعنى مجاز فيكون فعل { خلفتموني } مستعملا في حقيقته ~~ومجازه . # وزيادة { من بعدي } عقب { خلفتموني } للتذكير بالبون الشاسع بين حال ~~الخلف وحال المخلوف عنه تصوير لفظاعة ما خلفوه به أي بعدما سمعتم مني ~~التحذير من الإشراك وزجركم عن تقليد المشركين حين قلتم : اجعل لنا إلها كما ~~لهم آلهة ، فيكون قيد { من بعدي } للكشف وتصوير الحالة كقوله تعالى : { فخر ~~عليهم السقف من فوقهم } ( النحل : 26 ) ، ومعلوم أن السقف لا يكون إلا من ~~فوق ، ولكنه ذكر لتصوير حالة الخرور وتهويلها ، ونظيره قوله تعالى ، بعد ~~ذكر نفر من الأنبياء وصفاتهم ، { فخلف من بعدهم خلف } ( الأعراف : 169 ) أي ~~من بعد أولئك الموصوفين بتلك الصفات . # و ( عجل ) أكثر ما يستعمل قاصرا ، بمعنى فعل العجلة أي السرعة ، وقد ~~يتعدى إلى المعمول ( بعن ) فيقال : عجل عن كذا بمعنى لم يتمه بعد أن شرع ~~فيه ، وضده تم على الأمر إذا شرع فيه فأتمه ، ويستعمل عجل مضمنا معنى سبق ~~فعدي بنفسه على اعتبار هذا المعنى ، وهو استعمال كثير . # ومعنى ( عجل ) هنا يجوز أن يكون بمعنى لم يتم ، وتكون تعديته إلى المفعول ~~على نزع الخافض . PageV09P114 # والأمر يكون بمعنى التكليف وهو ما أمرهم الله به : من المحافظة على ~~الشريعة ، وانتظار رجوعه ، فلم يتموا ذلك واستعجلوا فبدلوا وغيروا ، ويجوز ~~أن يكون بمعنى سبق أي بادرتم فيكون الأمر بمعنى الشأن أي الغضب والسخط ~~كقوله : { أتى أمر الله ms3255 فلا تستعجلوه } ( النحل : 1 ) وقوله : { حتى إذا ~~جاء أمرنا وفار التنور } ( هود : 40 ) فالأمر هو الوعيد ، فإن الله حذرهم ~~من عبادة الأصنام وتوعدهم ، فكان الظن بهم إن وقع منهم ذلك إن يقع بعد طول ~~المدة ، فلما فعلوا ما نهوا عنه بحدثان عهد النهي ، جعلوا سابقين له على ~~طريقة الاستعارة : شبهوا في مبادرتهم إلى أسباب الغضب والسخط بسبق السابق ~~المسبوق ، وهذا هو المعنى الأوضح ، ويوضحه قوله ، في نظير هذه القصة في ~~سورة طه ( 86 ) ، حكاية عن موسى : { قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا ~~أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي } . ~~وقد تعرضت التوراة إلى شيء من هذا المعنى في الإصحاح الثاني والثلاثين من ~~سفر الخروج ( وقال الله لموسى رأيت هذا الشعب فإذا هو شعب صلب الرقبة فالآن ~~اتركني ليحمي غضبي عليهم فأفنيهم ) . # وإلقاء الألواح رميها من يده إلى الأرض ، وقد تقدم بيان الإلقاء آنفا . ~~وذلك يؤذن بأنه لما نزل من المناجاة كانت الألواح في يده كما صرح به في ~~التوراة . # ثم إن إلقاءه إياها إنما كان إظهارا للغضب ، أو أثرا من آثار فوران الغضب ~~لما شاهدهم على تلك الحالة ، وما ذكر القرآن ذلك الإلقاء إلا للدلالة على ~~هذا المعنى إذ ليس فيه من فوائد العبرة في القصة إلا ذلك ، فلا يستقيم قول ~~من فسرها بأن الإلقاء لأجل إشغال يده بجر رأس أخيه ، لأن ذكر ذلك لا جرور ~~فيه ، ولأنه لو كان كذلك لعطف ، وأخذ برأس أخيه بالفاء . # وروي أن موسى عليه السلام كان في خلقه ضيق ، وكان شديدا عند الغضب ، ~~ولذلك وكز القبطي فقضى عليه ، ولذلك أخذ برأس أخيه يجره إليه ، فهو دليل ~~على فظاعة الفعل الذي شاهده من قومه ، وذلك علامة على الفظاعة ، وتشنيع ~~عليهم ، وليس تأديبا لهم ، لأنه لا يكون تأديبهم بإلقاء ألواح كتب فيها ما ~~يصلحهم ، لأن ذلك لا يناسب تصرف النبوءة ( ولذلك جزمنا بأن إعراض رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن كتابة الكتاب الذي هم بكتابته قبيل وفاته ms3256 لم يكن ~~تأديبا للقوم على اختلافهم عنده ، كما هو ظاهر قول ابن عباس ، بل إنما كان ~~ذلك لما رأى من اختلافهم في ذلك ، فرأى أن الأولى ترك كتابته ، إذ لم يكن ~~الدين محتاجا إليه ) ووقع في التوراة أن PageV09P115 الألواح تكسرت حين ~~ألقاها ، وليس في القرآن ما يدل على ذلك سوى أن التعبير بالإلقاء الذي هو ~~الرمي ، وما روي من أن الألواح كانت من حجر ، يقتضي أنها اعتراها انكسار ، ~~ولكن ذلك الانكسار لا يذهب ما احتوت عليه من الكتابة ، وأما ما روي أنها ~~لما تكسرت ذهب ستة أسباعها ، أو ذهب تفصيلها وبقيت موعظتها ، فهو من وضع ~~القصاصين والله تعالى يقول : { ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي ~~نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون } ( الأعراف : 154 ) . # وأما أخذه برأس أخيه هارون يجره إليه ، أي إمساكه بشعر رأسه ، وذلك يولمه ~~، فذلك تأنيب لهارون على عدم أخذه بالشدة على عبدة العجل ، واقتصاره على ~~تغيير ذلك عليهم بالقول ، وذلك دليل على أنه غير معذور في اجتهاده الذي ~~أفصح عنه بقوله : { إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي } ~~( طه : 94 ) لأن ضعف مستنده جعله بحيث يستحق التأديب ، ولم يكن له عذرا ، ~~وكان موسى هو الرسول لبني إسرائيل ، وما هارون إلا من جملة قومه بهذا ~~الاعتبار ، وإنما كان هارون رسولا مع موسى لفرعون خاصة ، ولذلك لم يسع ~~هارون إلا الاعتذار والاستصفاح منه . # وفي هذا دليل على أن الخطأ في الاجتهاد مع وضوح الأدلة غير معذور فيه ~~صاحبه في إجراء الأحكام عليه ، وهو ما يسميه الفقهاء بالتأويل البعيد ولا ~~يظن بأن موسى عاقب هارون قبل تحقق التقصير . # وفصلت جملة : { قال ابن أم } لوقوعها جوابها لحوار مقدر دل عليه قوله { ~~وأخذ برأس أخيه يجره إليه } لأن الشأن أن ذلك لا يقع إلا مع كلام توبيخ ، ~~وهو ما حكي في سورة طه ( 92 ، 93 ) بقوله : { قال يا هارون ما منعك إذ ~~رأيتهم ضلوا ألا تتبعنن أفعصيت أمري } على عادة القرآن في توزيع القصة ، ~~واقتصارا ms3257 على موقع العبرة ؛ ليخالف أسلوب قصصه الذي قصد منه الموعظة أساليب ~~القصاصين الذين يقصدون الخبر بكل ما حدث . # و { ابن أم } منادى بحذف حرف النداء ، والنداء بهذا الوصف للترقيق ~~والاستشفاع ، وحذف حرف النداء لإظهار ما صاحب هارون من الرعب والاضطراب ، ~~أو لأن كلامه هذا وقع بعد كلام سبقه فيه حرف النداء وهو المحكي في سورة طه ~~( 94 ) { قال يا بن أم لا تأخذ PageV09P116 بلحيتي } ثم قال ، بعد ذلك { ~~ابن أم إن القوم استضعفوني } فهما كلامان متعاقبان ، ويظهر أن المحكي هنا ~~هو القول الثاني ، وأن ما في سورة طه هو الذي ابتدأ به هارون ، لأنه كان ~~جوابا عن قول موسى : { ما منعك إذ رأيتهم ضلوا أن لا تتبعن } ( طه : 92 ، ~~93 ) . # واختيار التعريف بالإضافة ؛ لتضمن المضاف إليه معنى التذكير بصلة الرحم ، ~~لأن إخوة الأم أشد أواصر القرابة ؛ لاشتراك الأخوين في الألف من وقت الصبا ~~والرضاع . # وفتح الميم في { ابن أم } قراءة نافع ، وابن كثير ، وأبي عمرو ، وحفص عن ~~عاصم ، وهي لغة مشهورة في المنادى المضاف إلى أم أو عم ، وذلك بحذف ياء ~~المتكلم وتعويض ألف عنها في آخر المنادى ، ثم يحذف ذلك الألف تخفيفا ، ~~ويجوز بقاء كسرة الميم على الأصل ، وهي لغة مشهورة أيضا ، وبها قرأ ابن ~~عامر ، وحمزة ، والكسائي ، وأبو بكر عن عاصم ، وخلف . # وتقدم الكلام على الأم عند قوله تعالى : { حرمت عليكم أمهاتكم } في سورة ~~النساء ( 23 ) . # وتأكيد الخبر ب { إن } لتحقيقه لدى موسى ، لأنه بحيث يتردد فيه قبل إخبار ~~المخبر به ، والتأكيد يستدعيه قبول الخبر للتردد من قبل إخبار المخبر به ، ~~وإن كان المخبر لا يظن به الكذب ، أو لئلا يظن به أنه توهم ذلك من حال قومه ~~، وكانت حالهم دون ذلك . # والسين والتاء في { استضعفوني } للحسبان أي حسبوني ضعيفا لا ناصر لي ، ~~لأنهم تمالؤوا على عبادة العجل ولم يخالفهم إلا هارون في شرذمة قليلة . # وقوله : { وكادوا يقتلونني } يدل على أنه عارضهم معارضة شديدة ثم سلم ~~خشية القتل . # والتفريع في قوله : { فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع ms3258 القوم الظالمين ~~} تفريع على تبين عذره في إقرارهم على ذلك ، فطلب من أخيه الكف عن عقابه ~~الذي يشمت به الأعداء لأجله ، ويجعله مع عداد الظالمين فطلب ذلك كناية عن ~~طلب الإعراض عن العقاب . # والشماتة : سرور النفس بما يصيب غيرها من الإضرار ، وإنما تحصل من ~~العداوة والحسد . وفعلها قاصر كفرح ، ومصدرها مخالف للقياس ، ويتعدى الفعل ~~إلى المفعول بالباء يقال : شمت به : أي : كان شامتا بسببه ، وأشمته به جعله ~~شامتا به ، وأراد بالأعداء PageV09P117 الذين دعوا إلى عبادة العجل ، لأن ~~هارون أنكره عليهم فكرهوه لذلك ، ويجوز أن تكون شماتة الأعداء كلمة جرت ~~مجرى المثل في الشيء الذي يلحق بالمرء سوءا شديدا ، سواء كان للمرء أعداء ~~أو لم يكونوا ، جريا على غالب العرف . # ومعنى { ولا تجعلني مع القوم الظالمين } لا تحسبني واحدا منهم ، ف ( جعل ~~) بمعنى ظن كقوله تعالى : { وجعلوا الملائكة الذين هم عند الرحمن إناثا } ( ~~الزخرف : 19 ) . والقوم الظالمون هم الذين أشركوا بالله عبادة العجل ، ~~ويجوز أن يكون المعنى : ولا تجعلني في العقوبة معهم ، لأن موسى قد أمر بقتل ~~الذين عبدوا العجل ، ف ( جعل ) على أصلها . # وجملة : { قال رب اغفر لي } جواب عن كلام هارون ، فلذلك فصلت . وابتدأ ~~موسى دعاءه فطلب المغفرة لنفسه تأدبا مع الله فيما ظهر عليه من الغضب ، ثم ~~طلب المغفرة لأخيه فيما عسى أن يكون قد ظهر منه من تفريط أو تساهل في ردع ~~عبدة العجل عن ذلك . # وذكر وصف الأخوة هناك زيادة في الاستعطاف عسى الله أن يكرم رسوله ~~بالمغفرة لأخيه كقول نوح : { رب إن ابني من أهلي } ( هود : 45 ) . # والإدخال في الرحمة استعارة لشمول الرحمة لهما في سائر أحوالهما ، بحيث ~~يكونان منها ، كالمستقر في بيت أو نحوه مما يحوي ، فالإدخال استعارة أصلية ~~وحرف ( في ) استعارة تبعية ، أوقع حرفه الظرفية موقع باء الملابسة . # وجملة : { وأنت أرحم الراحمين } تذييل ، والواو للحال أو اعتراضية ، و { ~~أرحم الراحمين } الأشد رحمة من كل راحم . # $ 2 ( 152 ، 153 ) { إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة فى ~~الحيواة الدنيا وكذالك نجزى المفترين ms3259 * والذين عملوا السيئات ثم تابوا من ~~بعدها وءامنو & # 1764 ا إن ربك من بعدها لغفور رحيم } . ) 2 $ # يجوز أن قوله : { إن الذين اتخذوا العجل } إلى قوله : { الدنيا } من تمام ~~كلام موسى ، فبعد أن دعا لأخيه بالمغفرة أخبر أن الله غضب على الذين عبدوا ~~العجل . وأنه سيظهر أثر عضبه عليهم ، وستنالهم ذلة في الدنيا وذلك بوحي ~~تلقاه ، وانتهى كلام PageV09P118 موسى عند قوله : { في الحياة الدنيا } ، ~~وأن جملة : { وكذلك نجزي المفترين } خطاب من جانب الله في القرآن ، فهو ~~اعتراض والواو اعتراضية ذيل الله بهذا الاعتراض حكاية كلام موسى فأخبر بأنه ~~يجازي كل مفتر بمثل ما أخبر به موسى عن مفتري قومه ، وأن جملة : { والذين ~~عملوا السيئات } إلى آخر الآية تكملة للفائدة ببيان حالة أضداد المتحدث ~~عنهم وعن أمثالهم . # ويجوز أن تكون جملة : { إن الذين اتخذوا العجل } إلى آخرها خطابا من الله ~~لموسى ، جوابا عن دعائه لأخيه بالمغفرة بتقدير فعلل قول محذوف : أي قلنا إن ~~الذين اتخذوا العجل إلى آخره ، مثل ما حكى الله تعالى عن إبراهيم في قوله ~~تعالى : { وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من ~~آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا } ( البقرة : 126 ) ~~الآية . # و { ينالهم } يصيبهم . # والنول والنيل : الأخذ وهو هنا استعارة للإصابة والتلبس كما في قوله ~~تعالى : { أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب في هذه السورة ( 37 ) ، والذين ~~اتخذوا العجل هم الذين عبدوه فالمفعول الثاني لاتخذوا } محذوف اختصارا ، أي ~~اتخذوه إلاها . # وتعريفهم بطريق الموصولية ، لأنها أخصر طريق في استحضارهم بصفة عرفوا بها ~~، ولأنه يؤذن بسببية ما نالهم من العقاب ، والمراد بالغضب ظهور أثره من ~~الخذلان ومنع العناية ، وأما نفس الغضب فهو حاصل في الحال . # وغضب الله تعالى إرادته السوء بعبده وعقابه في الدنيا والآخرة أو في ~~إحداهما . # والذلة : خضوع في النفس واستكانة من جراء العجز عن الدفع ، فمعنى : نيل ~~الذلة إياهم أنهم يصيرون مغلوبين لمن يغلبهم ، فقد يكون ذلك بتسليط العدو ~~عليهم ، أو بسلب الشجاعة من نفوسهم . بحيث يكونون خائفين ms3260 العدو ، ولو لم ~~يسلط عليهم ، أو ذلة الاغتراب إذ حرمهم الله ملك الأرض المقدسة فكانوا بلا ~~وطن طول حياتهم حتى انقرض ذلك الجيل كله ، وهذه الذلة عقوبة دنيوية قد لا ~~تمحوها التوبة ، فإن التوبة إنما تقتضي العفو عن عقاب التكليف ، ولا تقتضي ~~ترك المؤاخذة بمصائب الدنيا ، لأن العقوبات الدنيوية مسببات تنشأ عن ~~أسبابها ، فلا يلزم أن ترفعها التوبة إلا بعناية PageV09P119 إلهية خاصة ، ~~وهذا يشبه التفرقة بين خطاب الوضع وخطاب التكليف كما يؤخذ من حديث الإسراء ~~لما أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بإناءين أحدهما من لبن والآخر من خمر ~~، فاختار اللبن ، فقال جبريل : الحمد لله الذي هداك للفطرة لو أخذت الخمر ~~لغوت أمتك ، هذا وقد يمحو الله العقوبة الدنيوية إذا رضي عن الجاني والله ~~ذو فضل عظيم . # والقول في الإشارة من قوله : { وكذلك } تقدم في قوله { وكذلك جعلناكم أمة ~~وسطا } في سورة البقرة ( 143 ) ، أي ومثل ذلك الجزاء العظيم نجزي المفترين ~~. # والافتراء الكذب الذي لا شبهة لكاذبه في اختلاقه ، وقد مضى في قوله تعالى ~~: { ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون في سورة ~~المائدة ( 103 ) . # والمراد بالافتراء الاختلاق في أصول الدين بوضع عقائد لا تستند إلى دليل ~~صحيح من دلالة العقل أو من دلالة الوحي ، فإن موسى عليه السلام كان حذرهم ~~من عبادة الأصنام كما حكاه الله فيما مضى في قوله تعالى : وجاوزنا ببني ~~إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم . . . } ( الأعراف : 138 ~~140 ) الآيات الثلاث المتقدمة آنفا ، فجعل الله جزاءهم على الافتراء الغضب ~~والذلة ، وذلك إذا فعلوا مثله بعد أن جاءتهم الموعظة من الله ، ولذلك لم ~~يكن مشركو العرب أذلاء ، فلما جاء محمد صلى الله عليه وسلم وهداهم فاستمروا ~~على الافتراء عاقبهم الله بالذلة ، فأزال مهابتهم من قلوب العرب ، ~~واستأصلهم قتلا وأسرا ، وسلب ديارهم ، فلما أسلم منهم من أسلموا صاروا أعزة ~~بالإسلام . # ويؤخذ من هذه الآية أن الكذاب يرمى بالمذلة . # وقوله : { والذين عملوا السيئات ثم تابوا } الآية اعتراض بأنهم إن تابوا ~~وآمنوا يغفر ms3261 الله لهم على عادة القرآن من تعقيب التهديد بالترغيب ، ~~والمغفرة ترجع إلى عدم مؤاخذتهم بذنوبهم في عقاب الآخرة ، وإلى ارتفاع غضب ~~الله عنهم في المستقبل ، والمراد بالسيئات : ما يشمل الكفر ، وهو أعظم ~~السيئات . والتوبة منه هي الإيمان . # وفي قوله : { من بعدها } في الموضعين حذف مضاف قبل ما أضيفت إليه ( بعد ) ~~وقد شاع حذفه دل عليه { عملوا } أي من بعد عملها ، وقد تقدم الكلام على حذف ~~المضاف مع ( بعد ) و ( قبل ) المضافين إلى مضاف للمضاف إليه عند قوله تعالى ~~: { ثم اتخذتم العجل من بعده في سورة البقرة ( 51 ) . PageV09P120 # وحرف ( ثم ) هنا مفيد للتراخي ، وذلك إلجاء إلى قبول التوبة ، ولو بعد ~~زمان طويل مملوء بفعل السيئات . # وقوله : من بعدها } تأكيد لمفاد المهلة التي أفادها حرف ( ثم ) وهذا ~~تعريض للمشركين بأنهم إن آمنوا يغفر لهم ولو طال أمد الشرك عليهم . # وعطف الإيمان على التوبة ، مع أن التوبة تشمله من حيث إن الإيمان توبة من ~~الكفر ، إما للاهتمام به ، لأنه أصل الاعتداد بالأعمال الصالحة عند الله ~~تعالى كقوله : { وما أدراك ما العقبة فك رقبة إلى قوله : ثم كان من الذين ~~آمنوا } ( البلد : 12 17 ) . ولئلا يظن أن الإشراك لخطورته لا تنجي منه ~~التوبة . # وإما أن يراد بالإيمان إيمان خاص ، وهو الإيمان بإخلاص ، فيشمل عمل ~~الواجبات . # والخطاب في قوله : { إن ربك } لمحمد صلى الله عليه وسلم على الوجه الأظهر ~~، أو لموسى على جعل قوله : { إن الذين اتخذوا العجل } مقولا من الله لموسى ~~. # وفي تعريف المسند إليه بالإضافة توسل إلى تشريف المضاف إليه بأنه مربوب ~~لله تعالى ، وفي ذكر وصف الربوبية هنا تمهيد لوصف الرحمة . # وتأكيد الخبر بإن ولام التوكيد وصيغتي المبالغة في { غفور رحيم } لمزيد ~~الاهتمام به ترغيب للعصاة في التوبة ، وطردا للقنوط من نفوسهم ، وإن عظمت ~~ذنوبهم ، فلا يحسبوا تحديد التوبة بحد إذا تجاوزته الذنوب بالكثرة أو العظم ~~لم تقبل منه توبة . # وضمير : { من بعدها } الثاني مبالغة في الامتنان بقبول توبتهم بعد التملي ~~من السيئات . # وحذف متعلق { غفور رحيم } لظهوره من السياق ، والتقدير : لغفور ms3262 رحيم لهم ~~. أو لكل من عمل سيئة وتاب منها . # # | 2 ( 154 ) { ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الالواح وفى نسختها هدى ورحمة ~~للذين هم لربهم يرهبون } . ) 2 # نظم هذا الكلام مثل نظم قوله : { ولما سقط في أيديهم } ( الأعراف : 149 ) ~~وقوله : { ولما رجع موسى إلى قومه غضبان } ( الأعراف : 150 ) ، أي : ثم سكت ~~عن موسى الغضب ولما سكت عنه أخذ الألواح . PageV09P121 وهذه الجملة عطف على ~~جملة { ولما رجع موسى إلى قومه } ( الأعراف : 150 ) . # والسكوت مستعار لذهاب الغضب عنه ، شبه ثوران الغضب في نفس موسى المنشىء ~~خواطر العقوبة لأخيه ولقومه ، وإلقاء الألواح حتى انكسرت ، بكلام شخص يغريه ~~بذلك ، وحسن هذا التشبيه أن الغضبان يجيش في نفسه حديث للنفس يدفعه إلى ~~أفعال يطفىء بها ثوران غضبه ، فإذا سكن غضبه وهدأت نفسه كان ذلك بمنزلة ~~سكوت المغري ، فلذلك أطلق عليه السكوت ، وهذا يستلزم تشبيه الغضب بالناطق ~~المغري على طريقة المكنية ، فاجتمع استعارتان ، أو هو استعارة تمثيلية ~~مكنية ؛ لأنه لم تذكر الهيئة المشبه بها ورمز إليها بذكر شيء من روادفها ~~وهو السكوت ، وفي هذا ما يؤيد أن إلقاء الألواح كان أثر للغضب . # والتعريف في { الألواح } للعهد ، أي الألواح التي ألقاها ، وإنما أخذها ~~حفظا لها للعمل بها ، لأن انكسارها لا يضيع ما فيها من الكتابة . # والنسخة بمعنى المنسوخ ، كالخطبة والقبضة ، والنسخ هو نقلل مثل المكتوب ~~في لوح أو صحيفة أخرى ، وهذا يقتضي أن هذه الألواح أخذت منها نسخة ، لأن ~~النسخة أضيفت إلى ضمير الألواح ، وهذا من الإيجاز ، إذ التقدير : أخذ ~~الألواح فجعلت منها نسخة وفي نسختها هدى ورحمة ، وهذا يشير إلى ما في ~~التوراة في الإصحاح الرابع والثلاثين من سفر الخروج ( ثم قال الرب لموسى ~~إنحت لك لوحين من حجر مثل الأولين فأكتب أنا على اللوحين الكلمات التي كانت ~~على اللوحين الأولين اللذين كسرتهما ) ثم قال ( فنحت لوحين من حجر كالأولين ~~إلاهان ) قال ( وقال الرب لموسى أكتب لنفسك هذه الكلمات ) إلى أن قال ( ~~فكتب على اللوحين كلمات العهد الكلمات العشر ) . # فوصف النسخة بأن فيها هدى ورحمة يستلزم ms3263 الأصل المنتسخ بذلك ، لأن ما في ~~النسخة نظير ما في الأصل ، وإنما ذكر لفظ النسخة هنا إشارة إلى أن اللوحتين ~~الأصليين عوضا بنسخة لهما ، وقد قيل إن رضاض الألواح الأصلية وضعه في تابوت ~~العهد الذي أشار إليه قوله تعالى : { أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم ~~وبقية مما ترك آل موسى } في سورة البقرة ( 248 ) . # وقوله : { للذين هم لربهم يرهبون } يتنازع تعلقه كل من { هدى } و { رحمة ~~} ، واللام في قوله : { لربهم يرهبون } لام التقوية دخلت على المفعول لضعف ~~العامل PageV09P122 بتأخيره عن المعمول . # $ 2 ( 155 157 ) { واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم ~~الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياى أتهلكنا بما فعل السفهآء منآ إن ~~هى إلا فتنتك تضل بها من تشآء وتهدى من تشآء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا ~~وأنت خير الغافرين * واكتب لنا فى هاذه الدنيا حسنة وفي الاخرة إنا هدنآ ~~إليك قال عذابى & # 1764 أصيب به من أشآء ورحمتى وسعت كل شىء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون ~~الزكواة والذين هم بئاياتنا يؤمنون * الذين يتبعون الرسول النبى الأمى الذى ~~يجدونه مكتوبا عندهم فى التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن ~~المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والاغلال ~~التى كانت عليهم فالذين ءامنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذى & # 1764 أنزل معه أولائك هم المفلحون } . ) 2 $ # عطفت جملة { واختار موسى } على جملة : { واتخذ قوم موسى } ( الأعراف : ~~148 ) عطف القصة على القصة : لأن هذه القصة أيضا من مواقع الموعظة والعبرة ~~بين العبر المأخوذة من قصة موسى مع بني إسرائيل ، فإن في هذه عبرة بعظمة ~~الله تعالى ورحمته ، ودعاء موسى بما فيه جماع الخيرات والبشارة بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم وملاك شريعته . # والاختيار تمييز المرغوب من بين ما هو مخلوط من مرغوب وضده ، وهو زنة ~~افتعال من الخير صيغ الفعل من غير دلالة على مطاوعة لفعل ( خار ) . # وقوله : { سبعين رجلا } بدل من { قومه } بدل بعض من كل ، وقيل إنما نصب ~~قومه على حذف حرف الجر ، والتقدير ms3264 : اختار من قومه ، قالوا وحذف الجار من ~~المتعلق الذي هو في رتبة المفعول الثاني شائع في ثلاثة أفعال : اختار ، ~~واستغفر وأمر ، ومنه أمرتك الخير وعلى هذا يكون قوله : { سبعين } مفعولا ~~أول . وأيا ما كان فبناء نظم الكلام على ذكر القوم ابتداء دون الاقتصار على ~~سبعين رجلا اقتضاه حال الإيجاز في الحكاية ، وهو من مقاصد القرآن . # وهذا الاختيار وقع عندما أمره الله بالمجيىء للمناجاة التي تقدم ذكرها في ~~قوله تعالى : { وواعدنا موسى ثلاثين ليلة } ( الأعراف : 142 ) الآية ، فقد ~~جاء في التوراة في الإصحاح الرابع والعشرين من سفر الخروج : إن الله أمر ~~موسى أن يصعد طور سينا هو وهارون و ( ناداب ) و ( أبيهو ) و ( يشوع ) ~~وسبعون من شيوخ بني إسرائيل ويكون شيوخ بني إسرائيل في مكان معين من الجبل ~~ويتقد موسى حتى يدخل في السحاب ليسمع كلام PageV09P123 الله وأن الله لما ~~تجلى للجبل ارتجف الجبل ومكث موسى أربعين يوما . وجاء في الإصحاح الثاني ~~والثلاثين والذي يعده ، بعد ذكر عبادتهم العجل وكسر الألواح ، أن الله أمر ~~موسى بأن ينحت لوحين من حجر مثل الأولين ليكتب عليهما الكلمات العشر ~~المكتوبة على اللوحين المنكسرين وأن يصعد إلى طور سينا وذكرت صفة صعود ~~تقارب الصفة التي في الإصحاح الرابع والعشرين ، وأن الله قال لموسى من أخطأ ~~أمحوه من كتابي ، وأن موسى سجد لله تعالى واستغفر لقومه قلة امتثالهم وقال ~~فإن عفرت خطيئتهم وإلا فامحني من كتابك . وجاء في الإصحاح التاسع من سفر ~~التثنية : أن موسى لما صعد الطور في المناجاة الثانية صام أربعين يوما ~~وأربعين ليلة لا يأكل طعاما ولا يشرب ماء استغفارا لخطيئة قومه وطلبا للعفو ~~عنهم . فتبين مما في التوراة أن الله جعل لموسى ميقاتين للمناجاة ، وأنه ~~اختار سبعين رجلا للمناجاة الأولى ولم تذكر اختيارهم للمناجاة الثانية ، ~~ولما كانت المناجاة الثانية كالتكملة للأولى تعين أن موسى استصحب معه ~~السبعين المختارين ، ولذلك وقعت فيها الرجفة مثل المرة الأولى ، ولم يذكر ~~القرآن أن الرجفة أخذتهم في المرة الأولى ، وإنما ذكر أن موسى خر صعقا ، ~~ويتعين أن ms3265 يكون السبعون قد أصابهم ما أصاب موسى لأنهم كانوا في الجبل أيضا ~~، وذكر الرجفة في المرة الثانية ولم تذكرها التوراة . # والضمير في أخذتهم الرجفة للسبعين . فالظاهر أن المراد في هذه الآية هو ~~حكاية حال ميقات المناجاة الثانية التي وقع فيها الاستغفار لقومه ، وأن ~~الرجفة المحكية هنا رجفة أخذتهم مثل الرجفة التي أخذتهم في المناجاة الأولى ~~، لأن الرجفة تكون من تجلي أثر عظيم من آثار الصفات الإلهية كما تقدم ، فإن ~~قول موسى { اتهلكنا بما فعل السفهاء منا } يؤذن بأنه يعني به عبادتهم العجل ~~، وحضورهم ذلك . وسكوتهم ، وهي المعني بقوله : { إن هي إلا فتنتك } وقد خشي ~~موسى أن تلك الرجفة مقدمة عذاب كما كان محمد صلى الله عليه وسلم يخشى الريح ~~أن يكون مبدأ عذاب . # ويجوز أن يكون ذلك في المناجاة الأولى وأن قوله : { بما فعل السفهاء منا ~~} يعني به ما صدر من بني إسرائيل من التصلب قبل المناجاة ، كقولهم { لن ~~نصبر على طعام واحد } ( البقرة : 61 ) ، وسؤالهم رؤية الله تعالى . لكن ~~الظاهر أن مثل ذلك لا يطلق عليه ( فعل ) PageV09P124 في قوله : { بما فعل ~~السفهاء منا } . والحاصل أن موضع العبرة في هذه القصة هو التوقي من غضب ~~الله ، وخوف بطشه ، ومقام الرسل من الخشية ، ودعاء موسى ، إلخ . # وقد صيغ نظم الكلام في قوله : { فلما أخذتهم الرجفة } على نحو ما صيغ ~~عليه قوله : { ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا } ( الأعراف : 150 ) كما ~~تقدم . # والأخذ مجاز في الإصابة الشديدة المتمكنة تمكن الآخذ من المأخوذ . # و ( لو ) في قوله : { لو شئت أهلكتهم } يجوز أن تكون مستعملة في التمني ~~وهو معنى مجازي ناشىء من معنى الامتناع الذي هو معنى ( لو ) الأصلي ومنه ~~قول المثل ( لو ذات سوار لطمتني ) إذ تقدير الجواب . لو لطمتني لكان أهون ~~علي ، وقد صرح بالجواب في الآية وهو { شئت أهلكتهم } أي ليتك أردت إهلاكهم ~~أي السبعين الذين معه . فجملة أهلكتهم بدل اشتمال من جملة { شئت } من قبل ~~خطيئة القوم التي تسبب عنها الرجوع إلى المناجاة . # وعلى هذا التقدير في ( لو ) لا ms3266 يكون ، في قوله { أهلكتهم } حذف اللام ~~التي من شأنها أن تقترن بجواب ( لو ) وإنما قال : { أهلكتهم } وإياي ولم ~~يقل : أهلكتنا ، للتفرقة بين الإهلاكين لأن إهلاك السبعين لأجل سكوتهم على ~~عبادة العجل ، وإهلاك موسى ، قد يكون لأجل أن لا يشهد هلاك القوم ، قال ~~تعالى : { فلما جاء أمرنا نجينا هودا } ( هود : 58 ) الآية ونظائرها كثيرة ~~، وقد خشي موسى أن الله يهلك جميع القوم بتلك الرجفة لأن سائر القوم أجدر ~~بالإهلاك من السبعين ، وقد أشارت التوراة إلى هذا في الإصحاح ( فرجع موسى ~~إلى الله وقال إن الشعب قد أخطأ خطيئة عظيمة وصنعوا لأنفسهم آلهة فان غفرت ~~لهم خطيئتهم وإلا فامحني من كتابك الذي كتبت . فقال الله لموسى من أخطأ إلي ~~أمحوه من كتابي ) فالمحو من الكتاب هو محو تقدير الله له الحياة محو غضب ، ~~وهو المحكي في الآية بقوله { لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل ~~السفهاء منا } وقد خشي موسى أن تكون تلك الرجفة إمارة غضب ومقدمة إهلاك ~~عقوبة على عبادتهم العجل ، فلذلك قال { اتهلكنا بما فعل السفهاء منا } ~~فالسفهاء هم الذين عبدوا العجل وسمي شركهم سفها ؛ لأنه شرك مشوب بخسة عقل ~~إذ جعلوا صورة صنعوها بأنفسهم إلها لهم . PageV09P125 # ويجوز أن يكون حرف ( لو ) مستعملا في معناه الأصلي : من امتناع جوابه ~~لامتناع شرطه ، فيتجه أن يتساءل عن موجب حذف اللام من جواب ( لو ) ولم يقل ~~: لأهلكتهم مع أن الغالب في جوابها الماضي المثبت أن يقترن باللام فحذف ~~اللام هنا لنكتة أن التلازم بين شرط لو وجوابها هنا قوي لظهور أن الإهلاك ~~من فعل الله وحده فهو كقوله تعالى : { لو نشاء جعلناه أجاجا سورة الواقعة ( ~~70 ) وسيأتي بيانه . ويكون المعنى اعترافا بمنة العفو عنهم فيما سبق ، ~~وتمهيدا للتعريض بطلب العفو عنهم الآن ، وهو المقصود من قوله أتهلكنا بما ~~فعل السفهاء } أي أنك لم تشأ إهلاكهم حين تلبسوا بعبادة العجل فلا تهلكهم ~~الآن . # والاستفهام في قوله : { أتهلكنا } مستعمل في التفجع أي : أخشى ذلك ، لأن ~~القوم استحقوا العذاب ويخشى أن يشمل عذاب الله ms3267 من كان مع القوم المستحقين ~~وإن لم يشاركهم في سبب العذاب ، كما قال : { واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ~~ظلموا منكم خاصة } ( الأنفال : 25 ) وفي حديث أم سلمة أنها قالت : ( يا ~~رسول الله أنهلك وفينا الصالحون قال نعم إذا كثر الخبث ) وفي حديث آخر ، ( ~~ثم يحشرون على نياتهم ) وقد خشي موسى سوء الظنة لنفسه ولأخيه وللبراء من ~~قومه أن يظنهم الأمم التي يبلغها خبرهم أنهم مجرمون . # وإنما جمع الضمير في قوله : { أتهلكنا } لأن هذا الإهلاك هو الإهلاك ~~المتوقع من استمرار الرجفة ، وتوقعه واحد في زمن واحد ، بخلاف الإهلاك ~~المتقدم ذكره فسببه مختلف فناسب توزيع مفعوله . # وجملة : { أتهلكنا } مستأنفة على طريقة تقطيع كلام الحزين الخائف السائل ~~. وكذلك جملة : { إن هي إلا فتنتك } وجملة { أنت ولينا } . # وضمير { إن هي } راجع إلى ما فعل السفهاء لأن ما صدق ما فعل السفهاء هو ~~الفتنة ، والمعنى : ليست الفتنة الحاصلة بعبادة العجل إلا فتنة منك ، أي من ~~تقديرك وخلق أسبابب حدوثها ، مثل سخافة عقول القوم ، وإعجابهم بأصنام ~~الكنعانيين ، وعيبة موسى ، ولينن هارون ، وخشيته من القوم ، وخشية شيوخ ~~إسرائيل من عامتهم ، وغير ذلك مما يعلمه الله وأيقن موسى به إيقانا إجماليا ~~. # والخبر في قوله : { إن هي إلا فتنتك } الآية : مستعمل في إنشاء التمجيد ~~بسعة PageV09P126 العلم والقدرة ، والتعريض بطلب استبقائهم وهدايتهم ، وليس ~~مستعملا في الاعتذار لقومه بقرينة قوله : { تضل بها من تشاء } الذي هو في ~~موضع الحال من { فتنتك } فالإضلال بها حال من أحوالها . # ثم عرض بطلب الهداية لهم بقوله : { وتهدي من تشاء } والمجرور في قوله { ~~بها } متعلق بفعل { تضل } وحده ولا يتنازعه معه فعل { تهدي } لأن الفتنة لا ~~تكون سبب هداية بقرينة تسميتها فتنة ، فمن قدر في التفسير : وتهدي بها أو ~~نحوه ، فقد غفل . # والباء : إما للملابسة ، أي تضل من تشاء ملابسا لها ، وإما للسببية ، أي ~~تضل بسبب تلك الفتنة ، فهي من جهة فتنة ، ومن جهة سبب ضلال . # والفتنة ما يقع به اضطراب الأحوال ، ومرجها ، وتشتت البال ، وقد مضى ~~تفسيرها عند قوله تعالى : { وما يعلمان من أحد حتى ms3268 يقولا إنما نحن فتنة في ~~سورة البقرة ( 102 ) . وقوله : وحسبوا أن لا تكون فتنة في سورة العقود ( 71 ~~) وقوله : ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين } في ~~سورة الأنعام ( 23 ) . # والقصد من جملة : { أنت ولينا } الاعتراف بالانقطاع لعبادة الله تعالى ، ~~تمهيدا لمطلب المغفرة والرحمة ، لأن شأن الولي أن يرحم مولاه وينصره . # والولي : الذي له ولاية على أحد ، والولاية حلف أو عتق يقتضي النصرة ~~والإعانة ، فإن كان من جانبين متكافئين فكلا المتعاقدين يقال له مولى ، وإن ~~كان أحد الجانبين أقوى قيل للقوي ( ولي ) وللضعيف ( مولى ) وإذ قد كانت ~~الولاية غير قابلة للتعدد ، لأن المرء لا يتولى غير مواليه ، كان قوله : { ~~أنت ولينا } مقتضيا عدم الانتصار بغير الله . وفي صريحه صيغة قصر . # والتفريع عن الولاية في قوله : { فاغفر لنا } تفريع كلام على كلام وليس ~~المراد أن الولي يتعين عليه الغفران . # وقدم المغفرة على الرحمة لأن المغفرة سبب لرحمات كثيرة ، فإن المغفرة ~~تنهية لغضب الله المترتب على الذنب ، فإذا انتهى الغضب تسنى أن يخلفه الرضا ~~. والرضا يقتضي الإحسان . PageV09P127 # و { وخير الغافرين } الذي يغفر كثيرا ، وقد تقدم قريب منه في قوله تعالى ~~: { بل الله مولاكم وهو خير الناصرين } في سورة آل عمران ( 150 ) . # وإنما عطف جملة : { وأنت خير الغافرين } لأنه خبر في معنى طلب المغفرة ~~العظيمة ، فعطف على الدعاء ، كانه قيل : فاغفر لنا وارحمنا واغفر لنا جميع ~~ذنوبنا ، لأن الزيادة في المغفرة من آثار الرحمة . # و { اكتب } مستعار لمعنى العطاء المحقق حصوله ، المجدد مرة بعد مرة ، لأن ~~الذي يريد تحقيق عقد أو عدة ، أو عطاء ، وتعلقه بالتجدد في المستقبل يكتب ~~به في صحيفة ، فلا يقبل النكران ، ولا النقصان ، ولا الرجوع ، وتسمى تلك ~~الكتابة عهدا ، ومنه ما كتبوه في صحيفة القطيعة ، وما كتبوه من حلف ذي ~~المجاز ، قال الحارث بن حلزة : # حذر الجور والتطاخي وهل ينقض ما في المهارق الأهواء # ولو كان العطاء أو التعاقد لمرة واحدة لم يحتج للكتابة ، لأن الحوز أو ~~التمكين مغن عن الكتابة ، كما قال تعالى ms3269 : { إلا أن تكون تجارة حاضرة ~~تديرونها بينكم فليس عليكم جناح أن لا تكتبوها } ( البقرة : 282 ) فالمعنى ~~: آتنا الحسنة تلو الحسنة في أزمان حياتنا وفي يوم القيامة ، دل على هذا ~~المعنى لفظ { اكتب } ولولاه لكان دعاء صادقا باعطاء حسنة واحدة ، فيحتاج ~~إلى الاستعانة على العموم بقرينة الدعاء ، فإن النكرة يراد بها العموم في ~~سياق الدعاء كقول الحريري في المقامة الخامسة : # يا أهل ذا المغنى وقيتم ضرا # ( أي كل ضر وليس المراد وقيتم ضرا معينا ) . # والحسنة الحالة الحسنة ، وهي : في الدنيا المرضية للناس ، ولله تعالى ، ~~فتجمع خير الدنيا والدين ، وفي الآخرة حالة الكمال ، وقد تقدم بيانها في ~~تفسير قوله تعالى : { ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة في سورة ~~البقرة ( 201 ) . # وجملة : إنا هدنا إليك } مسوقة مساق التعليل للطلب والاستجابة ، ولذلك ~~فصلت ولان موقع حرف التأكيد في أولها موقع الاهتمام ، فيفيد التعليل والربط ~~، ويغني غناء فاء السببية كما تقدم غير مرة . # و { هدنا } معناه تبنا ، يقال : هاد يهود إذا رجع وتاب فهو مضموم الهاء ~~PageV09P128 في هذه الآية باتفاق القراءات المتواترة والمعنى تبنا مما عسى ~~أن نكون ألممنا به من ذنب وتقصير ، وهذا إخبار عن نفسه ، وعن المختارين من ~~قومه ، بما يعلم من صدق سرائرهم . # جملة : { قال } الخ جواب لكلام موسى عليه السلام ، فلذلك فصلت لوقوعها ~~على طريقة المحاورة ، كما تقدم غير مرة ، وكلام موسى ، وإن كان طلبا ، وهو ~~لا يستدعي جوابا ، فإن جواب الطالب عناية به وفضل . # والمراد بالعذاب هنا عذاب الدنيا ، لأن الكلام جواب لقول موسى : { ~~أتهلكنا بما فعل السفهاء منا } والإهلاك عذاب ، فبين الله له أن عذاب ~~الدنيا يصيب الله به من يشاء من عباده ، وقد اجمل الله سبب المشيئة وهو ~~أعلم به ، وموسى يعلمه إجمالا ، فالكلام يتضمن طمأنة موسى من أن يناله ~~العذاب هو والبزآء من قومه ، لأن الله أعظم من أن يعاملهم معاملة المجرمين ~~. والمعنى إني قادر على تخصيص العذاب بمن عصوا وتنجية من لم يشارك في ~~العصيان ، وجاء الكلام على طريقة مجملة شأن كلام من لا ms3270 يسأل عما يعقل . # وقوله : { ورحمتي وسعت كل شيء } مقابل قول موسى : { فاغفر لنا وارحمنا } ~~. وهو وعد تعريض بحصول الرحمة المسؤولة له ولمن معه من المختارين ، لأنها ~~لما PageV09P129 وسعت كل شيء فهم أرجى الناس بها ، وأن العاصين هم أيضا ~~مغمورون بالرحمة ، فمنها رحمة الإمهال والرزق ، ولكن رحمة الله عباده ذات ~~مراتب متفاوتة . # وقوله : { عذابي أصيب به من اشاء } إلى قوله { كل شيء } جواب إجمالي ، هو ~~تمهيد للجواب التفصيلي في قوله : { فسأكتبها } . # والتفريع في قوله : { فسأكتبها } تفريع على سعة الرحمة ، لأنها لما وسعت ~~كل شيء كان منها ما يكتب أي يعطى في المستقبل للذين أجريت عليهم الصفات ~~ويتضمن ذلك وعدا لموسى ولصلحاء قومه لتحقق تلك الصفات فيهم ، وهو وعد ناظر ~~إلى قول موسى { إنا هدنا إليك } والضمير المنصوب في { أكتبها } عائد إلى { ~~رحمتي } فهو ضمير جنس ، وهو مساو للمعرف بلام الجنس ، أي اكتب فردا من هذا ~~الجنس لأصحاب هذه الصفات ، وليس المراد أنه يكتب جميع الرحمة لهؤلاء لأن ~~هذا غير معروف في الاستعمال في الإخبار عن الأجناس ، لكن يعلم من السياق أن ~~هذا النوع من الرحمة نوع عظيم بقرينة الثناء على متعلقها بصفات توذن ~~باستحقاقها ، وبقرينة السكوت عن غيره ، فيعلم أن لهذا المتعلق رحمة خاصة ~~عظيمة وأن غيره داخل في بعض مراتب عموم الرحمة المعلومة من قوله : { وسعت ~~كل شيء } وقد أفصح عن هذا المعنى الحصر في قوله في آخر الآية { أولئك هم ~~المفلحون } . # وتقدم معنى { أكتبها } قريبا . # وقد تقدم معنى : { وسعت كل شيء } في قوله تعالى : { وسع ربنا كل شيء علما ~~في هذه السورة ( 89 ) . # والمعنى : أن الرحمة التي سألها موسى له ولقومه وعد الله بإعطائها لمن ~~كان منهم متصفا بأنه من المتقين والمؤتين الزكاة ، ولمن كان من المؤمنين ~~بآيات الله ، والآيات تصدق : بدلائل صدق الرسل ، وبكلمات الله التي شرع بها ~~للناس رشادهم وهديهم ، ولا سيما القرآن لأن كل مقدار ثلاث آيات منه هو آية ~~لأنه معجز فدال على صدق الرسول ، وهو المقصود هنا ، وهم الذين يتبعون ~~الرسول الامي إذا جاءهم ms3271 ، أي يطيعونه فيما يأمرهم ، ولما جعلت هذه الأشياء ~~بسبب تلك الرحمة PageV09P130 علم أن التحصيل على بعضها يحصل بعض تلك الرحمة ~~بما يناسبه ، بشرط الإيمان ، كما علم من آيات أخرى خاطب الله بها موسى ~~كقوله آنفا والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا } ( الأعراف : ~~153 ) فتشمل هذه الرحمة من اتقى وآمن وآتى الزكاة من بني إسرائيل قبل بعثة ~~محمد صلى الله عليه وسلم فإن أتباعهم إياه متعذر الحصول قبل بعثته ، ولكن ~~يجب أن يكونوا عازمين على اتباعه عند مجيئه إن كانوا عالمين بذلك كما قال ~~تعالى : { وإذ أخذ الله ميثاق النبيئين لما آتيناكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم ~~رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري ~~قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين فمن تولى بعد ذلك فأولئك ~~هم الفاسقون } ( آل عمران : 81 ، 82 ) . وتشمل الرحمة أيضا الذين يؤمنون ~~بآيات الله ، والمعنى بها الآيات التي ستجيء في المستقبل ، لأن آيات موسى ~~قد استقر الإيمان بها يومئذ ، وهذا موجب إعادة اسم الموصول في ذكر أصحاب ~~هذه الصلة ، للإشارة إلى أنهم طائفة أخرى ، وهم من يكون عند بعثة محمد عليه ~~الصلاة والسلام ، ولذلك أبدل منهم قوله : { الذين يتبعون الرسول } إلخ . ~~وهو إشارة إلى اليهود والنصارى الكائنين في زمن البعثة وبعدها لقوله : { ~~الذي يجدونه مكتوبا عندهم } ولقوله : { ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت ~~عليهم } فإنه يدل على أنهم كانوا أهل شريعة فيها شدة وحرج ، والمراد بآيات ~~الله : القرآن ، لأن ألفاظه هي المخصوصة باسم الآيات ، لأنها جعلت معجزات ~~للفصحاء عن معارضتها . ودالة على أنها من عند الله وعلى صدق رسوله ، كما ~~تقدم في المقدمة الثامنة . # وفي هذه الآية بشارة ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم وهي مشيرة إلى ما في ~~التوراة من الإصحاح العاشر حتى الرابع عشر ، والاصحاح الثامن عشر من سفر ~~التثنية : فإن موسى بعد أن ذكرهم بخطيئة عبادتهم العجل ، وذكر مناجاته لله ~~للدعاء لهم بالمغفرة ، كما تضمنه الاصحاح التاسع من ذلك السفر ، وذكرناه ~~آنفا في تفسير ms3272 قوله : { واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا } ، ثم ذكر ~~في الإصحاح العاشر أمرهم بالتقوى بقوله : ( فالآن يا إسرائيل ما يطلب منك ~~الرب إلا أن تتقي ربك لتسلك في طرقه وتحبه ) . ثم ذكر فيه وفي الثلاثة بعده ~~وصايا تفصيلا للتقوى ، ثم ذكر في الاصحاح الرابع عشر الزكاة فقال ( تعشيرا ~~تعشر كل محصول زرعك PageV09P131 سنة بسنة عشر حنطتك وخمرك وزيتك وأبكار ~~بقرك وغنمك ، وفي آخر ثلاث سنين تخرج كل عشر محصولك في تلك السنة فتضعه في ~~أبوابك فيأتي اللاوي والغريب واليتيم والأرملة الذين على أبوابك فيأكلون ~~ويشبعون ) إلخ . ثم ذكر أحكاما كثيرة في الإصحاحات الثلاثة بعده . # ثم في الإصحاح الثامن عشر قوله : ( يقيم لك الرب نبيا ومن وسط إخواتك ~~مثلي له تسمعون حسب كل ما طلبت من الرب في حوريب ( أي جبل الطور حين ~~المناجاة ) يوم الاجتماع قال لي الرب أقيم لهم نبيا من وسط إخوتهم مثلك ~~وأجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به ) فدل هذا على أن هذا النبي من ~~غير بني إسرائيل لقوله : ( من وسط أخوتك ) فإن الخطاب لبني إسرائيل ، ولا ~~يكونون إخوة لأنفسهم . وإخوتهم هم أبناء أخي أبيهم : إسماعيل أخي إسحاق ، ~~وهم العرب ، ولو كان المراد به نبيئا من بني إسرائيل مثل ( صمويل ) كما ~~يؤوله اليهود لقال : من بينكم أو من وسطكم ، وعلم أن النبي رسول بشرع جديد ~~من قوله : ( مثلك ) فإن موسى كان نبيا رسولا ، فقد جمع القرآن ذلك كله في ~~قوله : { للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون } إلخ . # ومن نكت القرآن الجمع في هذه الآية بين وصفي النبوة والرسالة للإشارة إلى ~~أن اليهود بدلوا وصف الرسول ، وعبروا عنه بالنبي ، ليصدق على أنبياء ليصدق ~~على أنبياء بني إسرائيل ، وغفلوا عن مفاد قوله مثلك ، وحذفوا وصف الأمي ، ~~وقد كانت هذه الآية سبب إسلام الحبر العظيم الأندلسي السموأل بن يحيى ~~اليهودي ، كما حكاه عن نفسه في كتابه الذي سماه ( غاية المقصود في الرد على ~~النصارى واليهود ) . # فهذه الرحمة العظيمة تختص بالذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه ms3273 وسلم من ~~اليهود والنصارى ، وتشمل الرسل والأنبياء الذين أخذ الله عليهم العهد ~~بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم فكانوا عالمين ببعثته يقينا فهم آمنوا ~~به ، وتنزلوا منزلة من اتبع ما جاء به ، لأنهم استعدوا لذلك ، وتشمل ~~المسلمين من العرب وغيرهم غير بني إسرائيل ، لأنهم ساروا من آمن بمحمد عليه ~~الصلاة والسلام من اليهود في اتباع الرسول النبي الأمي . PageV09P132 # وتقديم وصف الرسول لأنه الوصف الأخص الأهم ، ولأن في تقديمه زيادة تسجيل ~~لتحريف أهل الكتاب ، حيث حذفوا هذا الوصف ليصير كلام التوراة صادقا بمن أتى ~~بعد موسى من أنبياء بني إسرائيل ، ولأن محمدا صلى الله عليه وسلم اتشهر ~~بوصف النبي الأمي ، فصار هذا المركب كاللقب له ، فلذلك لا يغير عن شهرته ، ~~وكذلك هو حيثما ورد ذكره في القرآن . # والأمي : الذي لا يعرف الكتابة والقراءة ، قيل هو منسوب إلى الأم أي هو ~~أشبه بأمه منه بأبيه ، لأن النساء في العرب ما كن يعرفن القراءة والكتابة ، ~~وما تعلمنها إلا في الإسلام ، فصار تعلم القراءة والكتابة من شعار الحرائر ~~دون الإماء كما قال عبيد الراعي ، وهو إسلامي : # هن الحرائر لا ربات أخمرة # سود المحاجر لا يقرأن بالسور # أما الرجال ففيهم من يقرأ ويكتب . # وقيل : منسوب إلى الأمة أي الذي حاله حال معظم الأمة ، أي الأمة المعهودة ~~عندهم وهي العربية ، وكانوا في الجاهلية لا يعرف منهم القراءة والكتابة إلا ~~النادر منهم ، ولذلك يصفهم أهل الكتاب بالأميين ، لما حكى الله تعالى عنهم ~~في قوله : { ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل في آل عمران ( 75 ) ~~. # والأمية وصف خص الله به من رسله محمدا ، إتماما للإعجاز العلمي العقلي ~~الذي أيده الله به ، فجعل الأمية وصفا ذاتيا له ، ليتم بها وصفه الذاتي وهو ~~الرسالة ، ليظهر أن كماله النفساني كمال لدني إلهي ، لا واسطة فيه للأسباب ~~المتعارفة للكمالات ، وبذلك كانت الأمية وصف كمال فيه ، مع أنها في غيره ~~وصف نقصان ، لأنه لما حصل له من المعرفة وسداد العقل ما لا يحتمل الخطأ في ~~كل نواحي معرفة الكمالات الحق ، وكان ms3274 على يقين من علمه ، وبينة من أمره ، ~~ما هو أعظم مما حصل للمتعلمين ، صارت أميته آية على كون ما حصل له إنما هو ~~من فيوضات إلهية . # ومعنى : يجدونه مكتوبا } وجدان صفاته ونعوته ، التي لا يشبهه فيها غيره ، ~~فجعلت خاصته بمنزلة ذاته . وأطلق عليها ضمير الرسول النبي الأمي مجازا ~~بالاستخدام ، PageV09P133 وإنما الموجود نعته ووصفه ، والقرينة قوله : { ~~مكتوبا } فإن الذات لا تكتب ، وعدل عن التعبير بالوصف للدلالة على أنهم ~~يجدون وصفا لا يقبل الالتباس ، وهو : كونه أميا ، ويأمر بالمعروف ، وينهى ~~عن المنكر ، ويحل الطيبات ، ويحرم الخبائث ، ويضع عنهم إصرهم ، وشدة ~~شريعتهم . # وذكرالإنجيل هنا لأنه منزل لبني إسرائيل ، وقد آمن به جمع منهم ومن جاء ~~بعدهم من خلفهم ، وقد أعلم الله موسى بهذا . # والمكتوب في التوراة هو ما ذكرناه آنفا ، والمكتوب في الإنجيل بشارات جمة ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم وفي بعضها التصريح بأنه يبعث بعثة عامة ، ففي ~~إنجيل متى في الإصحاح الرابع والعشرين ( ويقوم أنبياء كذبة كثيرون ويضلون ~~كثيرون ، ولكن الذي يصبر إلى المنتهى ( أي يدوم شرعه إلى نهاية العالم ) ~~فهذا يخلص ويكرز ببشارة الملكوت هذه في كل المسكونة شهادة لجميع الأمم ثم ~~يأتي المنتهى ) ( أي منتهى الدنيا ) ، وفي إنجيل يوحنا في الإصحاح الرابع ~~عشر ( وإما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الأب باسمي فهو يعلمكم كل شيء ~~ويذكركم بكل ما قلته لكم ) ( ومعنى باسمي أي بمماثلتي وهو كونه رسولا مشرعا ~~لا نبيا موكدا ) . # وتقدم ذكر التوراة والإنجيل في أول سورة آل عمران . # وجملة : { يأمرهم بالمعروف } قال أبو علي الفارسي : ( هي بيان للمكتوب ~~عندهم ولا يجوز أن تكون حالا من ضمير { يجدونه } لأن الضمير راجع للذكر ~~والاسم . والذكر والاسم لا يأمران ) أي فتعين كون الضمير مجازا ، وكون ~~الآمر بالمعروف هو ذات الرسول لا وصفه وذكره ، ولا شك أن المقصود من هذه ~~الصفات تعريفهم بها ؛ لتدلهم على تعيين الرسول الأمي عند مجيئه بشريعة هذه ~~صفاتها . # وقد جعل الله المعروف والمنكر ، والطيبات ، والخبائث ، والإصر والأغلال ~~متعلقات لتشريع النبي الأمي وعلامات ، فوجب أن يكون المراد منها ms3275 ما يتبادر ~~من معاني ألفاظها للأفهام المستقيمة . PageV09P134 # فالمعروف شامل لكل ما تقبله العقول والفطر السليمة ، والمنكر ضده ، وقد ~~تقدم بيانهما عند قوله تعالى : { ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون ~~بالمعروف وينهون عن المنكر في سورة آل عمران ( 104 ) . # ويجمعها معنى : الفطرة ، التي هي قوام الشريعة المحمدية كما قال تعالى : # فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها } ( الروم : 30 ) ~~، وهذه أوضح علامة لتعرف أحكام الشريعة المحمدية . # والطيبات : جمع طيبة ، وقد روعي في التأنيث معنى الأكيلة ، أو معنى ~~الطعمة ، تنبيها على أن المراد الطيبات من المأكولات ، كما دل عليه قوله في ~~نظائرها نحو : { يأيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا في البقرة ( 168 ~~) وقوله : يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات في سورة المائدة ( 4 ) ~~، وليس المراد الأفعال الحسنة ؛ لأن الأفعال عرفت بوصف المعروف والمنكر . ~~والمأكولات لا تدخل في المعروف والمنكر ، إذ ليس للعقل حظ في التمييز بين ~~مقبولها ومرفوضها ، وإنما تمتلك الناس فيها عوائدهم ، ولما كان الإسلام دين ~~الفطرة ولا اعتداد بالعوائد فيه ، ناط حال المأكولات بالطيب وحرمتها بالخبث ~~، فالطيب ما لا ضر فيه ولا وخامة ولا قذارة ، والخبيث ما أضر ، أو كان وخيم ~~العاقبة ، أو كان مستقذرا لا يقبله العقلاء ، كالنجاسة ، وهذا ملاك المباح ~~والمحرم من المآكل ، فلا تدخل العادات إلا في اختيار أهلها ما شاءوا من ~~المباح ، فقد كانت قريش لا تأكل الضب ، وقد وضع على مائدة رسول الله فكره ~~أن يأكل منه ، وقال : ما هو بحرام ولكنه لم يكن من طعام قومي فأجدني أعافه ~~ولهذا فالوجه : إن كل ما لا ضر فيه ولا فساد ولا قذارة فهو مباح ، وقد يكون ~~مكروها اعتبارا بمضرة خفيفة ، فلذلك ورد النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع ~~، ومحمله عند مالك في أشهر الروايات عنه ، على الكراهة ، وهو الذي لا ينبغي ~~التردد فيه ، وأي ضر في أكل لحم الأسد ، وكذلك إباحة أكل الخشاش والحشرات ~~والزواحف البرية والبحرية ، لاختلاف عوائد الناس في أكلها وعدمه ، فقد كانت ~~جرم ms3276 لا يأكلون الدجاج ، وفقعس يأكلون الكلب ، فلا يحجر على قوم لأجل كراهية ~~غيرهم مما كرهه ذوقه أو عادة قومه ، وقد تقدم شيء من هذا في آية سورة ~~المائدة ، فعلى الفقيه أن يقصر النظر على طبائع PageV09P135 المأكولات ~~وصفاتها ، وما جهلت بعض صفاته وحرمته الشريعة مثل تحريم الخنزير . # ووضع الإصر إبطال تشريعه ، أي بنسخ ما كان فيه شدة من الشرايع الإلهية ~~السابقة ، وحقيقة الوضع الحط من علو إلى سفل ، وهو هنا مجاز في إبطال ~~التكليف بالأعمال الشاقة . # وحقه التعدية إلى المفعول الثاني بحرف ( في ) الظرفية ، فإذا عدي إليه ب ~~( عن ) دل على نقل المفعول الأول من مدخول ( عن ) وإذا عدي إلى المفعول ~~الثاني ب ( على ) كان دالا على حط المفعول الأول في مدخول ( على ) حطا ~~متمكنا ، فاستعير يضع عنهم } هنا إلى إزالة التكليفات التي هي كالإصر ~~والأغلال فيشمل الوضع معنى النسخ وغيره ، كما سيأتي . # و ( الإصر ) ظاهر كلام الزمخشري في ( الكشاف ) و ( الأساس ) إنه حقيقة في ~~الثقل ، ( بكسر الثاء ) الحسي بحيث يصعب معه التحرك ، ولم يقيده غيره من ~~أصحاب دواوين اللغة ، وهذا القيد من تحقيقاته ، وهو الذي جرى عليه ظاهر ~~كلام ابن العربي في ( الأحكام ) ، والمراد به هنا التكاليف الشاقة والحرج ~~في الدين ، فإن كان كما قيده الزمخشري يكن { ويضع عنهم أصرهم } تمثيلية ~~بتشبيه حال المزال عنه ما يحرجه من التكاليف بحال من كان محملا بثقل فأزيل ~~عن ظهره ثقله ، كما في قوله تعالى : { يحملون أوزارهم على ظهورهم } ( ~~الأنعام : 31 ) وإن لم يكن كذلك كان ( الإصر ) استعارة مكنية { ويضع } ~~تخييلا ، وهو أيضا استعارة تبعية للإزالة . # وقد كانت شريعة التوراة مشتملة على أحكام كثيرة شاقة مثل العقوبة بالقتل ~~على معاص كثيرة ، منها العمل يوم السبتت ، ومثل تحريم مأكولات كثيرة طيبة ~~وتغليظ التحريم في أمور هينة ، كالعمل يوم السبت ، وأشد ما في شريعة ~~التوراة من الإصر أنها لم تشرع فيها التوبة من الذنوب ، ولا استتابة المجرم ~~، والإصر قد تقدم في قوله تعالى : { ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته ~~على الذين من قبلنا في ms3277 سورة البقرة ( 286 ) وقرأ ابن عامر وحده في القراءات ~~المشهورة ، ( آصارهم ) بلفظ الجمع ، والجمع والإفراد في الأجناس سواء . # والأغلال } جمع غل بضم الغين وهو إطار من حديد يجعل في رقبة الأسير ~~PageV09P136 والجاني ويمسك بسير من جلد ، أو سلسلة من حديد بيد الموكل ~~بحراسة الأسير ، قال تعالى : { إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل } ( غافر : ~~71 ) ويستعار الغل للتكليف والعمل الذي يؤلم ولا يطاق فهو استعارة فإن ~~بنينا على كلام الزمخشري كان { الأغلال } تمثيلية بتشبيه حال المحرر من ~~الذل والإهانة بحال من أطلق من الأسر ، فتعين أن وضع الأغلال استعارة لما ~~يعانيه اليهود من المذلة بين الأمم الذين نزلوا في ديارهم بعد تخريب بيت ~~المقدس ، وزوال ملك يهوذا ، فإن الإسلام جاء بتسوية أتباعه في حقوقهم في ~~الجامعة الإسلامية ، فلا يبقى فيه ميز بين أصيل ودخيل ، وصميم ولصيق ، كما ~~كان الأمر في الجاهلية ، ومناسبة استعارة الأغلال للذلة أوضح ، لأن الأغلال ~~من شعار الإذلال في الأسر والقود ونحوهما . # وهذان الوصفان لهما مزيد اختصاص باليهود ، المتحدث عنهم في خطاب الله ~~تعالى لموسى ، ولا يتحققان في غيرهم ممن آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم لأن ~~اليهود قد كان لهم شرع ، وكان فيه تكاليف شاقة ، بخلاف غير اليهود من العرب ~~والفرس وغيرهم ، ولذلك أضاف الله الإصر إلى ضميرهم ، ووصف الأغلال بما فيه ~~ضميرهم ، على أنك إذا تأملت في حال الأمم كلهم قبل الإسلام لا تجد شرائعهم ~~وقوانينهم وأحوالهم خالية من إصر عليهم ، مثل تحريم بعض الطيبات في ~~الجاهلية ، ومثل تكاليف شاقة عند النصارى والمجوس لا تتلاقى مع السماحة ~~الفطرية ، وكذلك لا تجدها خالية من رهق الجبابرة ، وإذلال الرؤساء ، وشدة ~~الأقوياء على الضعفاء ، وما كان يحدث بينهم من التقاتل والغارات ، والتكايل ~~في الدماء ، وأكلهم أموالهم بالباطل ، فأرسل الله محمدا صلى الله عليه وسلم ~~بدينن من شأنه أن يخلص البشر من تلك الشدائد ، كما قال تعالى : { وما ~~أرسلناك إلا رحمة للعالمين } ( الأنبياء : 107 ) ولذلك فسرنا الوضع بما يعم ~~النسخ وغيره ، وفسرنا الأغلال بما يخالف المراد من الأصر ، ولا يناكد هذا ms3278 ~~ما في أديان الجاهلية والمجوسية وغيرها من التحلل في أحكام كثيرة ، فإنه ~~فساد عظيم لا يخفف وطأة ما فيها من الإصر ، وهو التحلل الذي نظر إليه أبو ~~خراش الهذلي في قوله ، يعني شريعة الإسلام : # فليس كعهد الدار يا أم مالك # ولكن أحاطت بالرقاب السلاسل # والفاء في قوله : { فالذين آمنوا به } فاء الفصيحة ، والمعنى : إذا كان ~~هذا النبي كما PageV09P137 علمتم من شهادة التوراة والإنجيل بنبوءته ، ومن ~~اتصاف شرعه بالصفة التي سمعتم ، علمتم أن الذين آمنوا به وعزروه ونصروه ~~واتبعوا هديه ، هم المفلحون . # والقصر المستفاد من تعريف المسند ومن ضمير الفصل قصر إضافي ، أي هم الذين ~~أفلحوا أي دون من كفر به بقرينة المقام ، لأن مقام دعاء موسى يقتضي أنه ~~أراد المغفرة والرحمة وكتابة الحسنة في الدنيا والآخرة لكل من اتبع دينه ، ~~ولا يريد موسى شمول ذلك لمن لا يتبع الإسلام بعد مجيء محمد صلى الله عليه ~~وسلم ولكن جرى القصر على معنى الاحتراس من الإيهام ، ويجوز أن يكون القصر ~~ادعائيا ، دالا على معنى كمال صفة الفلاح للذين يتبعون النبي الأمي ، ففلاح ~~غيرهم من الأمم المفلحين الذين سبقوهم كلا فلاح ، إذا نسب إلى فلاحهم ، أي ~~إن الأمة المحمدية أفضل الأمم على الجملة ، وإنهم الذين تنالهم الرحمة ~~الإلهية التي تسع كل شيء من شؤونهم قال تعالى : { وما أرسلناك إلا رحمة ~~للعالمين } ( الأنبياء : 107 ) . # ومعنى { عزروه } أيدوه وقووه ، وذلك بإظهار ما تضمنته كتبهم من البشارة ~~بصفاته ، وصفات شريعته ، وإعلان ذلك بين الناس ، وذلك شيء زائد على الإيمان ~~به ، كما فعل عبد الله بن سلام ، وكقول ورقة بن نوفل : ( هذا الناموس الذي ~~أنزل على موسى ) ، وهو أيضا مغاير للنصر ، لأن النصر هو الإعانة في الحرب ~~بالسلاح ، ومن أجل ذلك عطف عليه { ونصروه } . # واتباع النور تمثيل للاقتداء بما جاء به القرآن : شبه حال المقتدي بهدي ~~القرآن ، بحال الساري في الليل إذا رأى نورا يلوح له اتبعه ، لعلمه بأنه ~~يجد عنده منجاة من المخاوف وأضرار السير ، وأجزاء هذا التمثيل استعارات ، ~~فالإتباع يصلح مستعارا للاقتداء ، وهو مجاز شائع ms3279 فيه ، والنور يصلح مستعارا ~~للقرآن ؛ لأن الشيء الذي يعلم الحق والرشد يشبه بالنور ، وأحسن التمثيل ما ~~كان صالحا لاعتبار التشبيهات المفردة في أجزائه . # والإشارة في قوله : { أولئك هم المفلحون } للتنويه بشأنهم ، وللدلالة على ~~أن المشار إليهم بتلك الأوصاف صاروا أحرياء بما يخبر به عنهم بعد اسم ~~الإشارة كقوله : { أولئك على هدى من ربهم } ( البقرة : 5 ) . PageV09P138 # وفي هذه الآية تنويه بعظيم فضل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رضي الله ~~عنهم ، ويلحق بهم من نصر دينه بعدهم . # $ 2 ( 158 ) { قل ياأيها الناس إنى رسول الله إليكم جميعا الذى له ملك ~~السماوات والارض لا & # 1764 إلاه إلا هو يحى ويميت فئامنوا بالله ورسوله النبى الأمى الذى يؤمن ~~بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون } . ) 2 $ # هذه الجملة معترضة بين قصص بني إسرائيل جاءت مستطردة لمناسبة ذكر الرسول ~~الأمي ، تذكير لبني إسرائيل بما وعد الله به موسى عليه السلام ، وإيقاظا ~~لأفهامهم بأن محمدا صلى الله عليه وسلم هو مصداق الصفات التي علمها الله ~~موسى والخطاب ب { يا أيها الناس } لجميع البشر ، وضمير التكلم ضمير الرسول ~~محمد صلى الله عليه وسلم # وتأكيد الخبر ب ( إن ) باعتبار أن في جملة المخاطبين منكرين ومترددين ، ~~استقصاء في إبلاغ الدعوة إليهم . # وتأكيد ضمير المخاطبين بوصف { جميعا } الدال نصا على العموم ، لرفع ~~احتمال تخصيص رسالته بغير بني إسرائيل ، فإن من اليهود فريقا كانوا يزعمون ~~أن محمدا صلى الله عليه وسلم نبيء ، ويزعمون إنه نبيء العرب خاصة ، ولذلك ~~لما قال رسول الله لابن صياد وهو يهودي أتشهد أني رسول الله ، قال ابن صياد ~~: أشهد إنك رسول الأميين . وقد ثبت من مذاهب اليهود مذهب فريق من يهود ~~أصفهان يدعون بالعيسوية وهم أتباع أبي عيسى الأصفهاني اليهودي القائل بأن ~~محمدا رسول الله إلى العرب خاصة لا إلى بني إسرائيل ، لأن اليهود فريقان : ~~فريق يزعمون أن شريعة موسى لا تنسخ بغيرها ، وفريق يزعمون أنها لا تنسخ عن ~~بني إسرائيل ، ويجوز أن يبعث رسول لغير بني إسرائيل . # وانتصب { جميعا } على الحال من الضمير المجرور ، ب ( إلى ms3280 ) وهو فعيل ~~بمعنى مفعول أي مجموعين ، ولذلك لزم الإفراد ؛ لأنه لا يطابق موصوفه . ~~PageV09P139 # { الذي له ملك السماوات والأرض } نعت لاسم الجلالة ، دال على الثناء . # وتقديم المجرور للقصر ، أي : لا لغيره مما يعبده المشركون ، فهو قصر ~~إضافي للرد على المشركين . # وجملة : { لا إلاه إلا هو } حال من اسم الجلالة في قوة متفردا بالإلهية ، ~~وهذا قصر حقيقي لتحقيق صفة الوحدانية ، لا لقصد الرد على المشركين . # وجملة : { يحيي ويميت } حال ، # والمقصود من ذكر هذه الأوصاف الثلاثة : تذكير اليهود ، ووعظهم ، حيث ~~جحدوا نبوءة محمد صلى الله عليه وسلم وزعموا أنه لا رسول بعد موسى ، ~~واستعظموا دعوة محمد ، فكانوا يعتقدون أن موسى لا يشبهه رسول ، فذكروا بأن ~~الله مالك السماوات والأرض ، وهو واهب الفضائل ، فلا يستعظم أن يرسل رسولا ~~ثم يرسل رسولا آخر ، لأن الملك بيده ، وبأن الله هو الذي لا يشابهه أحد في ~~ألوهيته ، فلا يكون إلهان للخلق ، وأما مرتبة الرسالة فهي قابلة للتعدد ، ~~وبأن الله يحيي ويميت فكذلك هو يميت شريعة ويحيي شريعة أخرى ، وإحياء ~~الشريعة إيجادها بعد أن لم تكن : لأن الإحياء حقيقته إيجاد الحياة في ~~الموجود ، ثم يحصل من هذه الصفات إبطال عقيدة المشركين بتعدد الآلهة ~~وبإنكار الحشر . # وقد انتظم أن يفرع على هذه الصفات الثلاث الطلب الجازم بالإيمان بهذا ~~الرسول في قوله : { فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي } والمقصود طلب ~~الإيمان بالنبي الأمي ؛ لأنه الذي سيق الكلام لأجله ، ولكن لما صدر الأمر ~~بخطاب جميع البشر وكان فيهم من لا يؤمن بالله ، وفيهم من يؤمن بالله ولا ~~يؤمن بالنبي الأمي ، جمع بين الإيمان بالله والإيمان بالنبي الأمي في طلب ~~واحد ، ليكون هذا الطلب متوجها للفرق كلهم ، ليجمعوا في إيمانهم بين ~~الإيمان بالله والنبي الأمي ، مع قضاء حق التأدب مع الله بجعل الإيمان به ~~مقدما على طلب الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم للإشارة إلى أن الإيمان ~~بالرسول إنما هو لأجل الإيمان بالله ، على نحو ما أشار إليه قوله تعالى : { ~~ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله } ( النساء : 150 ) ، وهذا الأسلوب نظير ~~قوله تعالى ms3281 : { إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى ~~مريم وروح منه ، فآمنوا بالله ورسله ولا PageV09P140 تقولوا ثلاثة } ( ~~النساء : 171 ) فإنهم آمنوا بالله ورسله ، وإنما المقصود زيادة النهي عن ~~اعتقاد التثليث ، وهو المقصود من سياق الكلام . # والإيمان بالله الإيمان بأعظم صفاته وهي الإلهية المتضمن إياها اسم الذات ~~، والإيمان بالرسول الإيمان بأخص صفاته وهو الرسالة ، وذلك معلوم من إناطة ~~الإيمان بوصف الرسول دون اسمه العلم . # وفي قوله : { ورسوله النبي الأمي } التفات من التكلم إلى الغيبة لقصد ~~إعلان تحقق الصفة الموعود بها في التوراة في شخص محمد صلى الله عليه وسلم # ووصف النبي الأمي بالذي يؤمن بالله وكلماته ، بطريق الموصولية للإيماء ~~إلى وجه الأمر بالإيمان بالرسول ، وإنه لا معذرة لمن لا يؤمن به من أهل ~~الكتاب ، لأن هذا الرسول يؤمن بالله وبكلمات الله ، فقد اندرج في الإيمان ~~به الإيمان بسائر الأديان الإلهية الحق ، وهذا نظير قوله تعالى ، في تفضيل ~~المسلمين : { وتؤمنون بالكتاب كله } ( آل عمران : 119 ) وتقدم معنى الأمي ~~قريبا . # وكلمات جمع كلمة بمعنى الكلام مثل قوله تعالى : { كلا إنها كلمة هو ~~قائلها } ( المؤمنون : 100 ) أي قوله : { ربب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما ~~تركت } ( المؤمنون : 99 ، 100 ) . فكلمات الله تشمل كتبه ووحيه للرسل ، ~~وأوثر هنا التعبير بكلماته ، دون كتبه ، لأن المقصود الإيماء إلى إيمان ~~الرسول عليه الصلاة والسلام بأن عيسى كلمة الله ، أي أثر كلمته ، وهي أمر ~~التكوين ، إذ كان تكون عيسى عن غير سبب التكون المعتاد بل كان تكونه بقول ~~الله { كن } كما قال تعالى : { إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ~~ثم قال له كن فيكون } ( آل عمران : 59 ) ، فاقتضى أن الرسول عليه الصلاة ~~والسلام يؤمن بعيسى ، أي بكونه رسولا من الله ، وذلك قطع لمعذرة النصارى في ~~التردد في الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم واقتضى أن الرسول يؤمن بأن ~~عيسى كلمة الله ، وليس ابن الله ، وفي ذلك بيان للإيمان الحق ، ورد على ~~اليهود فيما نسبوه إليه ، ورد على النصارى فيما غلوا فيه . # والقول في معنى ms3282 الاتباع تقدم ، وكذلك القول في نحو { لعلكم تهتدون } . # # | 2 ( 159 ) { ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون } . ) 2 # { ومن قوم موسى } عطف على قوله : { واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا ~~} ( الأعراف : 148 ) PageV09P141 الآية ، فهذا تخصيص لظاهر العموم الذي في ~~قوله : { واتخذ قوم موسى } ( الأعراف : 148 ) قصد به الاحتراس لئلا يتوهم ~~أن ذلك قد عمله قوم موسى كلهم ، وللتنبيه على دفع هذا التوهم ، قدم { ومن ~~قوم موسى } على متعلقه . # وقوم موسى هم أتباع دينه من قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم فمن بقي ~~متمسكا بدين موسى ، بعد بلوغ دعوة الإسلام إليه ، فليس من قوم موسى ، ولكن ~~يقال هو من بني إسرائيل أو من اليهود ، لأن الإضافة في { قوم موسى } تؤذن ~~بأنهم متبعو دينه الذي من جملة أصوله ترقب مجيء الرسول الأمي صلى الله عليه ~~وسلم # و { أمة } : جماعة كثيرة متفقة في عمل يجمعها ، وقد تقدم ذلك عند قوله ~~تعالى : { أمة واحدة } في سورة البقرة ( 213 ) ، والمراد أن منهم في كل ~~زمان قبل الإسلام . # و { يهدون بالحق } أي يهدون الناس من بني إسرائيل أو من غيرهم ببث فضائل ~~الدين الإلهي ، وهو الذي سماه الله بالحق ويعدلون أي يحكمون حكما لا جور ~~فيه . # وتقديم المجرور في قوله : { وبه يعدلون } للاهتمام به ولرعاية الفاصلة ، ~~إذ لا مقتضي لإرادة القصر ، بقرينة قوله : { يهدون بالحق } حيث لم يقدم ~~المجرور ، والمعنى : إنهم يحكمون بالعدل على بصيرة وعلم ، وليس بمجرد ~~مصادفة الحق عن جهل ، فإن القاضي الجاهل إذا قضى بغير علم كان أحد القاضيين ~~اللذين في النار ، ولو صادف الحق ، لأنه بجهله قد استخف بحقوق الناس ولا ~~تنفعه مصادفة الحق ؛ لأن تلك المصادفة لا عمل له فيها . # $ 2 ( 160 ) { وقطعناهم اثنتى عشرة أسباطا أمما وأوحينآ إلى موسى إذ ~~استسقاه قومه أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل ~~أناس مشربهم وظللنا عليهم الغمام وأنزلنا عليهم المن والسلوى كلوا من طيبات ~~ما رزقناكم وما ظلمونا ولاكن كانو & # 1764 ا أنفسهم يظلمون ms3283 } . ) 2 $ # عطف على قوله { ومن قوم موسى أمة } ( الأعراف : 159 ) إلخ ، فإن ذلك ~~التقطيع وقع في الأمة الذين يهدون بالحق . # والتقطيع شدة في القطع وهو التفريق ، والمراد به التقسيم ، وليس المراد ~~بهذا الخبر الذم ، ولا بالتقطيع العقاب ، لأن ذلك التقطيع منة من الله ، ~~وهو من محاسن سياسة الشريعة الموسوية ، ومن مقدمات نظام الجماعة كما فصله ~~السفر الرابع ، وهو سفر عدد بني إسرائيل وتقسيمهم ، وهو نظير ما فعل عمر بن ~~الخطاب من تدوين PageV09P142 الديوان ، وهم كانوا منتسبين إلى أسباط إسحاق ~~، ولكنهم لم يكونوا مقسمين عشائر لما كانوا في مصر ، ولما اجتازوا البحر ، ~~فكان التقسيم بعد اجتيازهم البحر الأحمر ، وقبل انفجار العيون ، وهو ظاهر ~~القرآن في سورة البقرة وفي هذه السورة لقوله فيهما : { قد علم كل أناس ~~مشربهم } وذكره هنا الاستسقاء عقب الانقسام إلى اثنتي عشرة أمة ، وذلك ~~ضروري أن يكون قبل الاستسقاء ، لأنه لو وقع السقي قبل التقسيم لحصل من ~~التزاحم على الماء ما يفضي إلى الضر بالقوم ، وظاهر التوراة أنهم لما مروا ~~بحوريب ، وجاء شعيب للقاء موسى : إن شعيبا أشار على موسى أن يقيم لهم رؤساء ~~ألوف ، ورؤساء مئات ، ورؤساء خماسين ، ورؤساء عشرات ، حسب الإصحاح 18 من ~~الخروج ، وذلك يقتضي أن الأمة كانت منتسبة قبائل من قبل ، ليسهل وضع ~~الرؤساء على الأعداد ، ووقع في السنة الثانية من خروجهم أن الله أمر موسى ~~أن يحصي جميع بني إسرائيل ، وأن موسى وهارون جمعا جميع بني إسرائيل ~~فانتسبوا إلى عشائرهم وبيوت آبائهم ، كما في الإصحاح الأول من سفر العدد ، ~~وتقدم ذكر الأسباط عند قوله تعالى : { قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا في ~~سورة البقرة ( 136 ) . # وجيء باسم العدد بصيغه التأنيث في قوله : اثنتي عشرة } لأن السبط أطلق ~~هنا على الأمة فحذف تمييز العدد لدلالة قوله : { أمما } عليه . # و { أسباطا } حال من الضمير المنصوب في { وقطعناهم } ولا يجوز كونه ~~تمييزا لأن تمييز اثنتي عشرة ونحوه لا يكون إلا مفردا . # وقوله : { أمما } بدل من أسباط أو من أثنتي عشرة ، وعدل عن جعل أحد ~~الحالين تمييزا ms3284 في الكلام إيجازا وتنبيها على قصد المنة بكونهم أمما من ~~آباء أخوة . وأن كل سبط من أولئك قد صار أمة ، قال تعالى : { واذكروا إذ ~~كنتم قليلا فكثركم } ( الأعراف : 86 ) مع ما يذكر به لفظ أسباط من تفضيلهم ~~، لأن الأسباط أسباط إسحاق بن إبراهيم عليه السلام . # هذا مظهر من مظاهر حكمة تقسيمهم إلى اثني عشر سبطا ولم يعطف هذا الخبر ~~بالفاء لإفادة أنه منة مستقلة . PageV09P143 # وتفسير هذه الآية مضى في مشابهتها عند قوله : { وإذ استسقى موسى لقومه { ~~في سورة البقرة ( 60 ) . # { وانبجست } مطاوع بجس إذا شق ، والتعقيب الذي دلت عليه الفاء تعقيب ~~مجازي تشبيها لقصر المهلة بالتعقيب ونظايره كثيرة في القرآن ، ومنه ما وقع ~~في خبر الشرب إلى أم زرع قولها : ( فلقي امرأة معها ولدان كالفهدين يلعبان ~~من تحت خصرها برمانتين فطلقني ونكحها ) إذ التقدير فأعجبته فطلقني ونكحها . # ضمائر الغيبة راجعة إلى قوم موسى ، وهذه الآية نظير ما في سورة البقرة ~~سوى اختلاف بضميري الغيبة هنا وضميري الخطاب هناك لأن ما هنالك قصد به ~~التوبيخ . # وقد أسند فعل ( قيل ) في قوله : { وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية } ( ~~الأعراف : 161 ) إلى المجهول وأسند في سورة البقرة ( 58 ) إلى ضمير الجلالة ~~{ وإذ قلنا } لظهور أن هذا القول لا يصدر إلا من الله تعالى . # $ 2 ( 161 ، 162 ) { وإذ قيل لهم اسكنوا هاذه القرية وكلوا منها حيث شئتم ~~وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطي & # 1764 ئاتكم سنزيد المحسنين * فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذى قيل ~~لهم فأرسلنا عليهم رجزا من السمآء بما كانوا يظلمون } . ) 2 $ # هذه الآية أيضا نظير ما في سورة البقرة إلا أنه عبر في هذه الآية بقوله : ~~{ اسكنوا وفي سورة البقرة ( 58 ) بقوله : ادخلوا } لأن القولين قيلا لهم ، ~~أي قيل لهم : ادخلوا واسكنوها ففرق ذلك على القصتين على عادة القرآن في ~~تغيير أسلوب القصص استجدادا لنشاط السامع . PageV09P144 # وكذلك اختلاف التعبير في قوله هنا : { وكلوا وقوله في سورة البقرة ( 58 ) ~~فكلوا } فإنه قد قيل لهم بما يرادف فاء التعقيب ، كما ms3285 جاء في سورة البقرة ، ~~لأن التعقيب معنى زائد على مطلق الجمع الذي تفيده واو العطف ، واقتصر هنا ~~على حكاية أنه قيل لهم ، وكانت آية البقرة أولى بحكاية ما دلت عليه فاء ~~التعقيب ، لأن آية البقرة سيقت مساق التوبيخ فناسبها ما هو أدل على المنة ، ~~وهو تعجيل الانتفاع بخيرات القرية ، وآيات الأعراف سيقت لمجرد العبرة بقصة ~~بني إسرائيل . # ولأجل هذا الاختلاف ميزت آية البقرة بإعادة الموصول وصلته في قوله : { ~~فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا } ( البقرة : 59 ) وعوض عنه هنا بضمير الذين ~~ظلموا ، لأن القصد في آية البقرة بيان سبب إنزال العذاب عليهم مرتين أشير ~~إلى أولاهما بما يومىء إليه الموصول من علة الحكم ، وإلى الثانية بحرف ~~السببية ، واقتصر هنا على الثاني . # وقد وقع في سورة البقرة ( 59 ) لفظ { فأنزلنا } ووقع هنا لفظ { فأرسلنا } ~~ولما قيد كلاهما بقوله : { من السماء } كان مفادهما واحدا ، فالاختلاف ~~لمجرد التفنن بين القصتين . # وعبر هنا { بما كانوا يظلمون } وفي البقرة ( 59 ) { بما كانوا يفسقون ~~لأنه لما اقتضى الحال في القصتين تأكيد وصفهم بالظلم وأدي ذلك في البقرة ( ~~59 ) بقوله : فأنزلنا على الذين ظلموا ، استثقلت إعادة لفظ الظلم هنالك ~~ثالثة ، فعدل عنه إلى ما يفيد مفاده ، وهو الفسق ، وهو أيضا أعم ، فهو أنسب ~~بتذييل التوبيخ ، وجيء هنا بلفظ يظلمون } لئلا يفوت تسجيل الظلم عليهم مرة ~~ثالثة ، فكان تذييل آية البقرة أنسب بالتغليط في ذمهم ، لأن مقام التوبيخ ~~يقتضيه . # ووقع في هذه الآية { فبدل الذين ظلموا منهم } ولم يقع لفظ { منهم } في ~~سورة البقرة ، ووجه زيادتها هنا التصريح بأن تبديل القول لم يصدر من جميعهم ~~، وأجمل ذلك في سورة البقرة لأن آية البقرة لما سيقت مساق التوبيخ ناسب ~~إرهابهم بما يوهم أن الذين فعلوا ذلك هم جميع القوم ، لأن تبعات بعض ~~القبيلة تحمل على جماعتها . # وقدم في سورة البقرة ( 58 ) قوله : { وادخلوا الباب سجدا على قوله : ~~وقولوا حطة } ( البقرة : 58 ) وعكس هنا وهو اختلاف في الإخبار لمجرد التفنن ~~، فإن كلا القولين واقع قدم أو أخر . PageV09P145 # وذكر في البقرة ( 58 ms3286 ) : { وكلوا منها حيث شئتم رغدا ولم يذكر وصف رغدا ~~هنا ، وإنما حكي في سورة البقرة ، لأن زيادة المنة أدخل في تقوية التوبيخ . # وجملة سنزيد المحسنين } مستأنفة استئنافا بيانيا لأن قوله : { تغفر لكم } ~~في مقام الامتنان بإعطاء نعم كثيرة مما يثير سؤال سائل يقول : وهل الغفران ~~هو قصارى جزائهم ؟ فأجيب بأن بعده زيادة الأجر على الإحسان ، أي على ~~الامتثال . # وفي نظير هذه الآية من سورة البقرة ( 58 ) ذكرت جملة { وسنزيد المحسنين } ~~معطوفة بالواو على تقدير : قلنا لهم ذلك وقلنا لهم سنزيد المحسنين ، فالواو ~~هنالك لحكاية الأقوال ، فهي من الحكاية لا من المحكي أي قلنا وقلنا سنزيد . # وقرأ نافع ، وأبو جعفر ، ويعقوب { تغفر } بمثناة فوقية مبنيا للمجهول ، و ~~{ خطيئاتكم } بصيغة جمع السلامة للمؤنث وقرأه ابن كثير ، وعاصم ، وحمزة ، ~~والكسائي ، وخلف : { نغفر } بالنون مبنيا للفاعل و { خطيئاتكم } بصيغة جمع ~~المؤنث السالم أيضا وقرأه أبو عمرو { نغفر } بالنون و { خطاياكم } بصيغة ~~جمع التكسير ، مثل آية البقرة ، وقرأ ابن عامر : { تغفر } بالفوقية ~~وخطيئتكم بالإفراد . # والاختلاف بينها وبين آية البقرة في قراءة نافع ومن وافقه : تفنن في ~~حكاية القصة . # # | 2 ( 163 ) { وسئلهم عن القرية التى كانت حاضرة البحر إذ يعدون فى السبت ~~إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذالك نبلوهم ~~بما كانوا يفسقون } . ) 2 # غير أسلوب الخبر عن بني إسرائيل هنا : فابتدىء ذكر هذه القصة بطلب أن ~~يسأل سائل بني إسرائيل الحاضرين عنها ، فنعلم من ذلك أن لهذه القصص الآتية ~~شأنا غير شأن القصص الماضية ، ولا أحسب ذلك إلا من أجل أن هذه القصة ليست ~~مما كتب في توراة اليهود ولا في كتب أنبيائهم ، ولكنها مما كان مرويا عن ~~أحبارهم ، ولذلك افتتحت بالأمر بسؤالهم عنها ، لإشعار يهود العصر النبوي ~~بأن الله أطلع نبيه عليه الصلاة والسلام عليها ، وهم كانوا يكتمونها ، وذلك ~~أن الحوادث التي تكون مواعظ للأمة فيما PageV09P146 اجترحته من المخالفات ~~والمعاصي تبقي لها عقب الموعظة أثرا قد تعير الأمة به ، ولكن ذلك التعيير ~~لا يؤبه به في جانب ما يحصل ms3287 من النفع لها بالموعطة ، فالأمة في خويصتها لا ~~يهتم قادتها ونصحاؤها إلا بإصلاح الحال ، وإن كان في ذكر بعض تلك الأحوال ~~غضاضة عندها وامتعاض ، فإذا جاء حكم التاريخ العام بين الأمم تناولت الأمم ~~أحوال تلك الأمة بالحكم لها وعليها ، فبقيت حوادث فلتاتها مغمزا عليها ~~ومعرة تعير بها ، وكذلك كان شأن اليهود لما أضاعوا ملكهم ووطنهم وجاوروا ~~أمما أخرى فأصبحوا يكتمون عن أولئك الجيرة مساوي تاريخهم ، حتى أرسل الله ~~محمدا صلى الله عليه وسلم فعلمه من أحوالهم ما فيه معجزة لأسلافهم ، وما ~~بقي معرة لأخلافهم ، وذلك تحد لهم ، ووخز على سوء تلقيهم الدعوة المحمدية ~~بالمكر والحسد . # فالسؤال هنا في معنى التقرير لتقريع بني إسرائيل وتوبيخهم وعد سوابق ~~عصيانهم أي ليس عصيانهم إياك ببدع ، فإن ذلك شنشنة قديمة فيهم ، وليس سؤال ~~الاستفادة لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أعلم بذلك من جانب ربه تعالى ، ~~وهو نظير همزة الاستفهام التقريري فوزان { وأسألهم عن القرية } وزان : ~~أعدوتم في السبت ، فإن السؤال في كلام العرب على نوعين أشهرهما أن يسأل ~~السائل عما لا يعلمه ليعلمه ، والآخران يسأل على وجه التقرير حين يكون ~~السائل يعلم حصول المسؤول عنه ، ويعلم المسؤول أن السائل عالم وأنه إنما ~~سأله ليقرره . # وجملة : { واسألهم } عطف على جملة : { وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية } ( ~~الأعراف : 161 ) واقعة معترضة بين قصص الامتنان وقصص الانتقام الآتية في ~~قوله : { وقطعناهم } ( الأعراف : 168 ) ، ومناسبة الانتقال إلى هذه القصة ~~إن في كلتا القصتين حديثا يتعلق بأهل قرية من قرى بني إسرائيل . # وتقدم ذكر القرية عند قوله تعالى : { ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في ~~السبت الآية من سورة البقرة ( 65 ) . # وهذه القرية قيل : ( أيلة ) وهي المسماة اليوم ( العقبة ) وهي مدينة على ~~ساحل البحر الأحمر قرب شبه جزيرة طور سينا ، وهي مبدأ أرض الشام من جهة مصر ~~، وكانت من مملكة إسرائيل في زمان داود عليه السلام ، ووصفت بأنها حاضرة ~~البحر بمعنى الاتصال بالبحر والقربب منه ، لأن الحضور يستلزم القرب ، وكانت ~~( أيلة ) متصلة بخليج من البحر الأحمر وهو القلزم ms3288 . PageV09P147 # وقيل هي ( طبرية ) وكانت طبرية تدعى بحيرة طبرية ، وقد قال المفسرون : إن ~~هذه القصة التي أشير إليها في هذه الآية كانت في مدة داود . # وأطلقت القرية على أهلها بقرينة قوله : إذ يعدون } أي أهلها . # والمراد السؤال عن اعتدائهم في السبت بقرينة قوله : { إذ يعدون في السبت ~~} الخ فقوله : { إذ يعدون في السبت } بدل اشتمال من القرية وهو المقصود ~~بالحكم . فتقدير الكلام : وأسألهم إذ يعدو أهل القرية في السبت و { إذ } ~~فيه اسم زمان للماضي ، وليست ظرفا . # والعدوان الظلم ومخالفة الحق ، وهو مشتق من العدو وبسكون الدال وهو ~~التجاوز . # والسبت علم لليوم الواقع بعد يوم الجمعة ، وتقدم عند قوله تعالى : { ~~وقلنا لهم لا تعدوا في السبت في سورة النساء ( 154 ) . # واختيار صيغة المضارع للدلالة على تكرر ذلك منهم . # وتعدية فعل يعدون } إلى { في السبت } مؤذن بأن العدوان لأجل يوم السبت ، ~~نظرا إلى ما دلت عليه صيغة المضارع من التكرير المقتضي أن عدوانهم يتكرر في ~~كل سبت ، ونظرا إلى أن ذكر وقت العدوان لا يتعلق به غرض البليغ ما لم يكن ~~لذلك الوقت مزيد اختصاص بالفعل فيعلم أن الاعتداء كان منوطا بحق خاص بيوم ~~السبت ، وذلك هو حق عدم العمل فيه ، إذ ليس ليوم السبت حق في شريعة موسى ~~سوى أنه يحرم العمل فيه ، وهذا العمل هو الصيد كما تدل عليه بقية القصة . # وهدف { في } للظرفية ، لأن العدوان وقع في شأن نقص حرمة السبت . # وقوله : { إذ تأتيهم حيتانهم } ظرف ل { يعدون } أي يعدون حين تأتيهم ~~حيتانهم . # والحيتان جمع حوت ، وهو السمكة ، ويطلق الحوت على الجمع فهو مما استوى ~~فيه المفرد والجمع مثل فلك ، وأكثر ما يطلق الحوت على الواحد ، والجمع ~~حيتان . # وقوله : { شرعا } هو جمع شارع ، صفة للحوت الذي هو المفرد ، قال ابن عباس ~~: أي ظاهرة على الماء ، يعني أنها قريبة من سطح البحر آمنة من أن تصاد ، أي ~~أن الله ألهمها ذلك لتكون آية لبني إسرائيل على أن احترام السبت من العمل ~~فيه هو من أمر الله ، وقال الضحاك : { شرعا } متتابعة ms3289 مصطفة ، أي فهو كناية ~~عن كثرة ما يرد منها يوم السبت . PageV09P148 # وأحسب أن ذلك وصف من شرعت الإبل نحو الماء أي دخلت لتشرب ، وهي إذا رعها ~~الرعاة تسابقت إلى الماء فاكتظت وتراكمت وربما دخلت فيه ، فمثلت هيئة ~~الحيتان ، في كثرتها في الماء بالنعم الشارعة إلى الماء وحسن ذلك وجود ~~الماء في الحالتين ، وهذا أحسن تفسيرا . # والمعنى : أنهم يعدون في السبت ولم يمتثلوا أمر الله بترك العمل فيه ، ~~ولا اتعظوا بآية إلهام الحوت أن يكون آمنا فيه . # وقوله : { يوم سبتهم } يجوز أن يكون لفظ سبت مصدر سبت إذا قطع العمل ~~بقرينة ظاهر قوله : { ويوم لا يسبتون } فإنه مضارع سبت ، فيتطابق المثبت ~~والمنفي فيكون المعنى : إنهم إذا حفظوا حرمة السبت ، فأمسكوا عن الصيد في ~~يوم السبت ، جاءت الحيتان يومئذ شرعا آمنة ، وإذا بعثهم الطمع في ورفة ~~الصيد فأعدوا له آلاته ، وعزموا على الصيد لم تأتهم . # ويجوز أن يكون لفظ { سبتهم } بمعنى الاسم العلم لليوم المعروف بهذا الاسم ~~من أيام الأسبوع ، وإضافته إلى ضميرهم اختصاصه بهم بما أنهم يهود ، تعريضا ~~بهم لاستحلالهم حرمة السبت فإن الاسم العلم قد يضاف بهذا القصد ، كقول أحد ~~الطائين : # علا زيدنا يوم النقا رأس زيدكم # بأبيض ماضي الشفرتين يمان # وقول ربيعة بن ثابت الأسدي : # لشتان ما بين اليزيدين في الندى # يزيد سليم والأغر ابنن حاتم # وعلى الوجهين يجوز في قوله : { ويوم لا يسبتون } أن يكون المعنى والأيام ~~التي لا يحرم العمل فيها ، أي أيام الأسبوع ، لا تأتي فيها الحيتان ، وأن ~~يكون المعنى وأيام السبوت التي استحلوها فلم يكفوا عن الصيد فيها ينقطع ~~فيها إتيان الحيتان ، ولا يخفى أن لا يثار هذا الأسلوب في التعبير عن السبت ~~خصوصية بلاغية ، ترمي إلى إرادة كلا المعنيين . PageV09P149 # فالمقصود من الآية الموعظة والعبرة وليست منة عليهم ، وقرينته قوله تعالى ~~: { كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون } أي نمتحن طاعتهم بتعريضهم لداعي ~~العصيان وهو وجود المشتهى الممنوع . # وجملة { كذلك نبلوهم } مستأنفة استئنافا بيانيا لجواب سؤال من يقول : ما ~~فائدة هذه الآية مع علم الله بأنهم لا ms3290 يرعوون عن انتهاك حرمة السبت . # والإشارة إلى البلوى الدال عليها { نبلوهم } أي مثل هذا الابتلاء العظيم ~~نبلوهم ، وقد تقدم القول في نظيره من قوله تعالى : { وكذلك جعلناكم أمة ~~وسطا } في سورة البقرة ( 143 ) . # وأصل البلوى الاختبار ، والبلوى إذا أسندت إلى الله تعالى كانت مجازا ~~عقليا أي ليبلو الناس تمسكهم بشرائع دينهم . # والباء للسببية و ( ما ) مصدرية ، أي بفسقهم ، أي توغلهم في العصيان ~~أضراهم على الزيادة منه ، فإذا عرض لهم داعيه خفوا إليه ولم يرقبوا أمر ~~الله تعالى . # $ 2 ( 164 166 ) { وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو ~~معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون * فلما نسوا ما ~~ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السو & # 1764 ء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون * فلما عتوا عن ~~ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين } . ) 2 $ # جملة : { وإذ قالت أمة منهم } عطف على قوله : { إذ يعدون } ( الأعراف : ~~163 ) والتقدير : واسأل بني إسرائيل إذ قالت أمة منهم ، فإذ فيه اسم زمان ~~للماضي وليست ظرفا ، ولها حكم { إذ } ( الأعراف : 163 ) أختها ، المعطوفة ~~هي عليها ، فالتقدير : واسألهم عن وقت قالت أمة ، أي عن زمن قول أمة منهم ، ~~والضمير المجرور بمن عائد إلى ما عاد إليه ضمير { أسألهم } ( الأعراف : 163 ~~) وليس عائدا إلى القرية ، لأن المقصود توبيخ بني إسرائيل كلهم ، فإن كان ~~هذا القول حصل في تلك القرية كما ذكره المفسرون كان غير منظور إلى حصوله في ~~تلك القرية ، بل منظورا إليه بأنه مظهر آخر من مظاهر عصيانهم وعتوهم وقلة ~~جدوى الموعظة PageV09P150 فيهم ، وأن ذلك شأن معلوم منهم عند علمائهم ~~وصلحائهم ، ولذلك لما عطفت هذه القصة أعيد معها لفظ اسم الزمان فقيل : { ~~وإذ قالت أمة } ولم يقل : وقالت أمة . # والأمة الجماعة من الناس المشتركة في هذا القول ، قال المفسرون : إن أمة ~~من بني إسرائيل كانت دائبة على القيام بالموعظة والنهى عن المنكر ، وأمة ~~كانت قامت بذلك ثم أيست من إتعاظ الموعوظين وأيقنت أن قد حقت على الموعوظين ~~المصمين آذانهم ms3291 كلمة العذاب ، وأمة كانت سادرة في غلوائها ، لا ترعوي عن ~~ضلالتها ، ولا ترقب الله في أعمالها . # وقد أجملت الآية ما كان من الأمة القائلة إيجازا في الكلام ، اعتمادا على ~~القرينة لأن قولهم : { الله مهلكهم } يدل على أنهم كانوا منكرين على ~~الموعوظين ، وإنهم ما علموا أن الله مهلكهم إلا بعد أن مارسوا أمرهم ، ~~وسبروا غورهم ، ورأوا أنهم لا تغني معهم العظات ، ولا يكون ذلك إلا بعد ~~التقدم لهم بالموعظة ، وبقرينة قوله بعد ذلك { أنجينا الذين ينهون عن السوء ~~وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس } إذ جعل الناس فريقين ، فعلمنا أن القائلين ~~من الفريق الناجي ، لأنهم ليسوا بظالمين ، وعلمنا أنهم ينهون عن السوء . # وقد تقدم ذكر الوعظ عند قوله تعالى : { فأعرض عنهم وعظهم في سورة النساء ~~( 63 ) وعند قوله آنفا موعظة وتفصيلا لكل شيء في هذه السورة ( 145 ) . # واللام في لم تعظون } للتعليم ، فالمستفهم عنه من نوع العلل ، والاستفهام ~~إنكاري في معنى النفي ، فيدل على انتفاء جميع العلل التي من شأنها أن يوعظ ~~لتحصيلها ، وذلك يفضي إلى اليأس من حصول إتعاظهم ، والمخاطب ب { تعظون } ~~أمة أخرى . # ووصف القوم بأن الله مهلكهم : مبني على أنهم تحققت فيهم الحال التي أخبر ~~الله بأنه يهلك أو يعذب من تحققت فيه ، وقد أيقن القائلون بأنها قد تحققت ~~فيهم ، وأيقن المقول لهم بذلك حتى جاز أن يصفهم القائلون للمخاطبين بهذا ~~الوصف الكاشف لهم بأنهم موصوفون بالمصير إلى أحد الوعيدين . # واسما الفاعل في قوله : { مهلكهم أو معذبهم } مستعملان في معنى الاستقبال ~~بقرينة المقام ، وبقرينة التردد بين الإهلاك والعذاب ، فإنها تؤذن بأن أحد ~~الأمرين غير معين PageV09P151 الحصول ، لأنه مستقبل ولكن لا يخلو حالهم عن ~~أحدهما . # وفصلت جملة { قالوا } لوقوعها في سياق المحاورة ، كما تقدم غير مرة أي ~~قال المخاطبون ب { لم تعظون قوما } الخ . # والمعذرة بفتح الميم وكسر الذال مصدر ميمي لفعل ( اعتذر ) على غير قياس ، ~~ومعنى اعتذر أظهر العذر بضم العين وسكون الذال والعذر السبب الذي تبطل به ~~المؤاخذة بذنب أو تقصير ، فهو بمنزلة الحجة التي يبديها المؤاخذ بذنب ms3292 ؛ ~~ليظهر أنه بريء مما نسب إليه ، أو متأول فيه ، ويقال : عذره إذا قبل عذره ~~وتحقق براءته ، ويعدى فعل الاعتذار بإلى لما فيه من معنى الإنهاء والإبلاغ ~~. # وارتفع { معذرة } على أنه خبر لمبتدإ محذوف دل عليه قول السائلين { لم ~~تعظون } والتقدير موعظتنا معذرة منا إلى الله . # وبالرفع قرأه الجمهور ، وقرأه حفص عن عاصم بالنصب على المفعول لأجله أي ~~وعظناهم لأجل المعذرة . # وقوله : { ولعلهم يتقون } علة ثانية للاستمرار على الموعظة أي رجاء ~~لتأثير الموعظة فيهم بتكرارها . # فالمعنى : أن صلحاء القوم كانوا فريقين . فريق منهم أيس من نجاح الموعظة ~~وتحقق حلول الوعيد بالقوم ، لتوغلهم في المعاصي ، وفريق لم ينقطع رجاؤهم من ~~حصول أثر الموعظة بزيادة التكرار ، فأنكر الفريق الأول على الفريق الثاني ~~استمرارهم على كلفة الموعظة . واعتذر الفريق الثاني بقولهم : { معذرة إلى ~~ربكم ولعلهم يتقون } فالفريق الأول أخذوا بالطرف الراجح الموجب للظن . ~~والفريق الثاني أخذوا بالطرف المرجوح جمعا بينه وبين الراجح لقصد الاحتياط ~~، ليكون لهم عذرا عند الله إن سألهم لماذا أقلعتم عن الموعظة ولما عسى أن ~~يحصل من تقوى الموعوظين بزيادة الموعظة ، فاستعمال حرف الرجاء في موقعه ، ~~لأن الرجاء يقال على جنسه بالتشكيك فمنه قوي ومنه ضعيف . # وضمير { نسوا } عائد إلى { قوما } والنسيان مستعمل في الإعراض المفضي إلى ~~النسيان كما تقدم عند قوله تعالى : { فلما نسوا ما ذكروا به في سورة ~~الأنعام ( 44 ) . PageV09P152 # والذين ينهون عن السوء } هم الفريقان المذكوران في قوله آنفا { وإذ قالت ~~أمة منهم لم تعظون قوما } إلى قوله { ولعلهم يتقون } ، و { الذين ظلموا } ~~هم القوم المذكورون في قوله : { قوما الله مهلكهم } إلخ . # والظلم هنا بمعنى العصيان ، وهو ظلم النفس ، حق الله تعالى في عدم ~~الامتثال لأمره . # و { بيس } قرأه نافع وأبو جعفر بكسر الباء الموحدة مشبعة بياء تحتية ~~ساكنة وبتنوين السين على أن أصله بئس بسكون الهمزة فخففت الهمزة ياء مثل ~~قولهم : ذيب في ذئب . # وقرأه ابن عامر { بئس } بالهمزة الساكنة وإبقاء التنوين على أن أصله بئيس ~~. # وقرأه الجمهور { بئيس } بفتح الموحدة وهمزة مكسورة بعدها تحتية ساكنة ~~وتنوين ms3293 السين على أنه مثال مبالغة من فعل بؤس بفتح الموحدة وضم الهمزة إذا ~~أصابه البؤس ، وهو الشدة من الضر . أو على أنه مصدر مثل عذير ونكير . # وقرأه أبو بكر عن عاصم { بيئس } بوزن صيقل ، على أنه اسم للموصوف بفعل ~~البؤس مبالغة ، والمعنى ، على جميع القراءات : أنه عذاب شديد الضر . # وقوله : { بما كانوا يفسقون } تقدم القول في نظيره قريبا . # وقد أجمل هذا العذاب هنا ، فقيل هو عذاب غير المسخ المذكور بعده ، وهو ~~عذاب أصيب به الذين نسوا ما ذكروا به ، فيكون المسخ عذابا ثانيا أصيب به ~~فريق شاهدوا العذاب الذي حل بإخوانهم ، وهو عذاب أشد ، وقع بعد العذاب ~~البيس ، أي أن الله أعذر إليهم فابتدأهم بعذاب الشدة ، فلما لم ينتهوا ~~وعتوا ، سلط عليهم عذاب المسخ . # وقيل : العذاب البئس هو المسخ ، فيكون قوله : { فلما عتوا عما نهوا عنه } ~~بيانا ) جمال العذاب البئس ، ويكون قوله : { فلما عتوا } بمنزلة التأكيد ~~لقوله : { فلما نسوا } صيغ بهذا الأسلوب لتهويل النسيان والعتو ، ويكون ~~المعنى : أن النسيان ، وهو الإعراض ، وقع مقارنا للعتو . # و { ما ذكروا به } و { ما نهوا عنه } ما صدقهما شيء واحد ، فكان مقتضى ~~الظاهر PageV09P153 أن يقال : فلما نسوا وعتوا عما نهوا عنه وذكروا به قلنا ~~لهم الخ ، فعدل عن مقتضى الظاهر إلى هذا الأسلوب من الإطناب لتهويل أمر ~~العذاب ، وتكثير أشكاله ، ومقام التهويل من مقتضيات الأطناب ، وهذا كإعادة ~~التشبيه في قول لبيد : # فتنازعا سبطا يطير ظلاله # كدخان مشعلة يشب ضرامها # مشمولة غلثت بنابت عرفج # كدخان نار ساطع أسنامها # ولكن أسلوب الآية أبلغ وأوفر فائدة ، وأبعد عن التكرير اللفظي ، فما في ~~بيت لبيد كلام بليغ ، وما في الآية كلام معجز . # و ( العتو ) تقدم عند قوله تعالى : { فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم في ~~هذه السورة ( 77 ) . # وقوله : قلنا لهم كونوا قردة خاسئين } تقدم القول في نظيره عند قوله ~~تعالى : { ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة ~~خاسئين } في سورة البقرة ( 65 ) ، ولأجل التشابه بين الآيتين ، وذكر العدو ~~في السبت فيهما ، وذكره هنا ms3294 في الإخبار عن القرية ، جزم المفسرون بأن الذين ~~نسوا ما ذكروا به وعتوا عما نهوا عنه هم أهل هذه القرية ، وبأن الأمة ~~القائلة { لم تعظون قوما } هي أمة من هذه القرية فجزموا بأن القصة واحدة ، ~~وهذا وإن كان لا ينبو عنه المقام ، كما أنه لا يمنع تشابه فريقين في العذاب ~~، فقد بينت أن ذلك لا ينافي جعل القصة في معنى قصتين من جهة الاعتبار . # $ 2 ( 167 ) { وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سو & # 1764 ء العذاب إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم } . ) 2 $ # عطف على جملة : { واسألهم } ( الأعراف : 163 ) بتقدير اذكر ، وضمير { ~~عليهم } عائد إلى اليهود المتقدم ذكرهم بالضمير الراجع إليهم بدلالة المقام ~~في قوله تعالى : { واسألهم } ( الأعراف : 163 ) كما تقدم بيان ذلك كله ~~مسستوفى عند قوله : { واسألهم عن القرية } ( الأعراف : 163 ) فالمتحدث عنهم ~~بهذه الآية لا علاقة لهم بأهل القرية الذين عدوا في السبت . # و { تأذن } على اختلاف إطلاقاته ، ومما فيه هنا مشتق من الإذن وهو ~~PageV09P154 العلم ، يقال : أذن أي علم ، وأصله العلم بالخبر ، لأن مادة ~~هذا الفعل وتصاريفه جائية من الأذن ، اسم الجارحة التي هي آلة السمع ، فهذه ~~التصاريف مشتقة من الجامد نحو استحجر الطين أي صار حجرا ، واستنسر البغاث ~~أي صار نسرا ، فتأذن : بزنة تفعل الدالة على مطاوعة فعل ، والمطاوعة ~~مستعملة في معنى قوة حصول الفعل ، فقيل : هو هنا بمعنى أفعل كما يقال : ~~توعد بمعنى أوعد فمعنى { تأذن ربك } أعلم وأخبر ليبعثن ، فيكون فعل أعلم ~~معلقا عن العمل بلام القسم ، وإلى هذا مال الطبري ، قال ابن عطية : وهذا ~~قلق من جهة التصريف إذ نسبة تأذن إلى الفاعل غير نسبة أعلم ، ويتبين ذلك من ~~التعدي وغيره ، وعن مجاهد : { تأذن } تألى قال في ( الكشاف ) معناه عزم ربك ~~، لأن العازم على الأمر يحدث نفسه به ) أراد أن إشرابه معنى القسم ناشىء عن ~~مجاز فأطلق التأذن على العزم ، لأن العازم على الأمر يحدث به نفسه ، فهو ~~يؤذنها بفعله فتعزم نفسه ، ثم أجرى مجرى فعل القسم مثل ms3295 علم الله ، وشهد ~~الله . ولذلك أجيب بما يجاب به القسم . قال ابن عطية : ( وقادهم إلى هذا ~~القول دخول اللام في الجواب ، وأما اللفظة فبعيدة عن هذا ) وعن ابن عباس { ~~تأذن ربك } قال ربك يعني أن الله أعلن ذلك على لسان رسله . # وحاصل المعنى : أن الله أعلمهم بذلك وتوعدهم به ، وهذا كقوله تعالى : { ~~وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم في سورة إبراهيم ( 7 ) . # ومعنى البعث الإرسال وهو هنا مجاز في التقييض والإلهام ، وهو يؤذن بأن ~~ذلك في أوقات مختلفة وليس ذلك مستمرا يوما فيوما ، ولذلك اختبر فعل ليبعثن ~~} دون نحو ليلزمنهم ، وضمن معنى التسليط فعدي بعلى كقوله : { بعثنا عليكم ~~عبادا لنا } ( الإسراء : 5 ) وقوله : { فأرسلنا عليهم الطوفان } ( الأعراف ~~: 133 ) . # و { إلى يوم القيامة } غاية لما في القسم من معنى الاستقبال ، وهي غاية ~~مقصود منها جعل أزمنة المستقبل كله ظرفا للبعث ، لإخراج ما بعد الغاية . ~~وهذا الاستغراق لأزمنة البعث أي أن الله يسلط عليهم ذلك في خلال المستقبل ~~كله ، والبعث مطلق لا عام . # و { يسومهم } يفرض عليهم ، وحقيقة السوم أنه تقدير العوض الذي يستبدل ~~PageV09P155 به الشيء ، واستعمل مجازا في المعاملة اللازمة بتشبيهها بالسوم ~~المقدر للشيء ، وقد تقدم في سورة البقرة ( 49 ) { وإذ نجيناكم من آل فرعون ~~يسومونكم سوء العذاب وتقدم في هذه السورة نظيره ، فالمعنى يجعل سوء العذاب ~~كالقيمة لهم فهو حظهم . # وسوء العذاب أشده ، لأن العذاب كله سوء فسوءه الأشد فيه . # والآية تشير إلى وعيد الله إياهم بأن يسلط عليهم عدوهم كلما نقضوا ميثاق ~~الله تعالى ، وقد تكرر هذا الوعيد من عهد موسى عليه السلام إلى هلم جرا ، ~~كما في سفر التثنية في الثامن والعشرين ففيه إن لم تحرص لتعمل بجميع كلمات ~~هذا الناموس . . . ويبددك الله في جميع الشعوب وفي تلك الأمم لا تطمئن ~~وترتعب ليلا ونهارا ولا تأمن على حياتك وفي سفر يوشع الإصحاح 23 لتحفظوا ~~وتعملوا كل المكتوب في سفر شريعة موسى ولكن إذا رجعتم ولصفتم ببقية هؤلاء ~~الشعوب اعلموا يقينا أن الله يجعلهم لكم سوطا على جنوبكم وشوكا ms3296 في أعينكم ~~حتى تبيدوا حينما تتعدون عهد الرب إلهكم . # وأعظم هذه الوصايا هي العهد باتباع الرسول الذي يرسل إليهم ، كما تقدم ، ~~ولذلك كان قوله : ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب } ~~معناه ما داموا على إعراضهم وعنادهم وكونهم أتباع ملة اليهودية مع عدم ~~الوفاء بها ، فإذا أسلموا وآمنوا بالرسول النبي الأمي فقد خرجوا عن موجب ~~ذلك التأذن ودخلوا فيما وعد الله به المسلمين . # ولذلك ذيل هذا بقوله : { إن ربك لسريع العقاب } أي لهم ، والسرعة تقتضي ~~التحقق ، أي أن عقابه واقع وغير متأخر . لأن التأخر تقليل في التحقق إذ ~~التأخر استمرار العدم مدة ما . # وأول من سلط عليهم ( بختنصر ) ملك ( بابل ) . ثم توالت عليهم المصائب ~~فكان أعظمها خراب ( أرشليم ) في زمن ( إدريانوس ) انبراطور ( رومة ) ولم ~~تزل المصائب تنتابهم وينفس عليهم في فترات معروفة في التاريخ . # وأما قوله : { وإنه لغفور رحيم } فهو وعد بالإنجاء من ذلك إذا تابوا ~~واتبعوا PageV09P156 الإسلام ، أي لغفور لمن تاب ورجع إلى الحق ، وفيه ~~إيماء إلى أن الله قد ينفس عليهم في فترات من الزمن لأن رحمة الله سبقت ~~غضبه ، وقد ألم بمعنى هذه الآية قوله تعالى : { وقضينا إلى بني إسرائيل في ~~الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا فإذا جاء وعد أولاهما ~~بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأسس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا ~~ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموالل وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا إن ~~أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءموا وجوهكم ~~وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا عسى ربكم أن ~~يرحمكم وإن عدتم عدنا } ( الإسراء : 4 8 ) . # # | 2 ( 168 ) { وقطعناهم في الارض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذالك ~~وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون } . ) 2 # عطف قصة على قصة ، وهو عود إلى قصص الإخبار عن أحوالهم ، فيجوز أن يكون ~~الكلام إشارة إلى تفرقهم بعد الاجتماع ، والتقطيع التفريق ، فيكون محمودا ~~مثل { وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا } ( الأعراف : 160 ) ، ويكون مذموما ، ~~فالتعويل على القرينة لا على ms3297 لفظ التقطيع . # فالمراد من الأرض الجنس أي في أقطار الأرض . # و { أمما } جمع أمة بمعنى الجماعة ، فيجوز أن يكون المراد هنا تقطيعا ~~مذموما أي تفريقا بعد اجتماع أمتهم فيكون إشارة إلى أسر بني إسرائيل عندما ~~غزا مملكة إسرائيل ( شلمناصر ) ملك بابل . ونقلهم إلى جبال انشور وأرض بابل ~~سنة 721 قبل الميلاد . ثم أسر ( بختنصر ) مملكة يهوذا وملكها سنة 578 قبل ~~الميلاد ، ونقل اليهود من ( أرشليم ) ولم يبق إلا الفقراء والعجز . ثم ~~عادوا إلى أرشليم سنة 530 ، وبنوا البيت المقدس إلى أن أجلاهم ( طيطوس ) ~~الروماني ، وخرب بيت المقدس في أوائل القرن الثاني بعد الميلاد ، فلم تجتمع ~~أمتهم بعد ذلك فتمزقوا أيدي سبأ . # ووصف الأمم بأنهم { منهم الصالحون } إيذان بأن التفريق شمل المذنبين ~~وغيرهم ، وأن الله جعل للصالحين منزلة إكرام عند الأمم التي حلوا بينها ، ~~كما دل عليه قوله : { وبلوناهم بالحسنات والسيئات } . PageV09P157 # وشمل قوله : { ومنهم دون ذلك } كل من لم يكن صالحا على اختلاف مراتب ~~فقدان الصلاح منهم . # و { الصالحون } هم المتمسكون بشريعة موسى والمصدقون للأنبياء المبعوثين ~~من بعده والمؤمنون بعيسى بعد بعثته ، وأن بني إسرائيل كانوا بعد بعثة عيسى ~~غير صالحين إلا قليلا منهم : الذين آمنوا به ، وزادوا بعد بعثة محمد صلى ~~الله عليه وسلم وعدم إيمانهم به ، بعدا عن الصلاح إلا نفرا قليلا منهم مثل ~~عبد لله بن سلام ، ومخيريق . # وانتصب { دون ذلك } على الظرفية وصفا لمحذوف دل عليه قوله : { منهم } أي ~~ومنهم فريق دون ذلك ، ويجوز أن تكون ( من ) بمعنى بعض اسما عند من يجوز ذلك ~~، فهي مبتدأ ، و { دون } خبر عنه . # ويحتمل أن تكون الآية تشير إلى تفريقهم في الأرض في مدة ملوك بابل ، ~~وإنهم كانوا في مدة إقامتهم ببابل { منهم الصالحون } مثل ( دانيال ) وغيره ~~، ومنهم دون ذلك ، لأن التقسيم بمنهم مشعر بوفرة كلا الفريقين . # وقوله : { وبلوناهم بالحسنات والسيئات } أي أظهرنا مختلف حال بني إسرائيل ~~في الصبر والشكر ، أو في الجزع والكفر ، بسبب الحسنات والسيئات ، فهي جمع ~~حسنة وسيئة بمعنى التي تحسن والتي تسوء ، كما تقدم في قوله ms3298 : { فإذا جاءتهم ~~الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه } ( الأعراف : ~~131 ) وعلى هذا يكون الحسنات والسيئات تفصيلا للبلوى ، فالحسنات والسيئات ~~من فعل الله تعالى ، أي بالتي تحسن لفريق الصالحين وبالتي تسوء فريق غيرهم ~~، توزيعا لحال الضمير المنصوب في قوله : { بلوناهم } . # وجملة : { لعلهم يرجعون } استئناف بياني أي رجاء أن يتوبوا أي حين يذكرون ~~مدة الحسنات والسيئات ، أو حين يرون حسن حال الصالحين وسوء حال من هم دون ~~ذلك ، على حسب الوجهين المتقدمين . والرجوع هنا الرجوع عن نقض العهد وعن ~~العصيان ، وهو معنى التوبة . # هذا كله جري على تأويل المفسرين الآية في معنى { قطعناهم } . # ويجوز عندي أن يكون قوله : { وقطعناهم في الأرض أمما } ، عودا إلى أخبار ~~المنن عليهم ، فيكون كالبناء على قوله : { وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما ~~} ( الأعراف : 160 ) ، PageV09P158 فيكون تقطيعا محمودا ، والمراد بالأرض : ~~أرض القدس الموعودة لهم أي لكثرناهم فعمروها جميعها ، فيكون ذكر الأرض هنا ~~دون آية { وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما } ( الأعراف : 160 ) للدلالة ~~على أنهم عمروها كلها ، ويكون قوله : { منهم الصالحون } إنصافا لهم بعد ذكر ~~أحوال عدوان جماعاتهم وصم آذانهم عن الموعظة ، وقوله : { وبلوناهم } إشارة ~~إلى أن الله عاملهم مرة بالرحمة ومرة بالجزاء على أعمال دهمائهم . # # | 2 ( 169 ، 170 ) { فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هاذا ~~الادنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق ~~الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الاخرة خير ~~للذين يتقون أفلا تعقلون * والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلواة إنا لا ~~نضيع أجر المصلحين } . ) 2 # جملة { فخلف } تفريع على قوله : { وقطعناهم } ( الأعراف : 168 ) إن كان ~~المراد تقطيعهم في بلاد أعدائهم وإخراجهم من مملكتهم ، فتكون الآية مشيرة ~~إلى عودة بني إسرائيل إلى بلادهم في عهد الملك ( كورش ) ملك الفرس في حدود ~~سنة 530 قبل الميلاد ، فإنه لما فتح بلاد أشور أذن لليهود الذين أسرهم ( ~~بختنصر ) أن يرجعوا إلى بلادهم فرجعوا ، وبنوا بيت المقدس بعد خرابه على يد ~~( نحميا ) و ( عزرا ) كما ms3299 تضمنه سفر نحميا وسفر عزرا ، وكان من جملة ما ~~أحيوه أنهم أتوا بسفر شريعة موسى الذي كتبه عزرا وقرأوه على الشعب في ( ~~أورشليم ) فيكون المراد بالخلف ما أوله ذلك الفل من بني إسرائيل الذين ~~رجعوا من أسر الآشوريين . والمراد بإرث الكتاب إعادة مزاولتهم التوراة التي ~~أخرجها إليهم ( عزرا ) المعروف عند أهل الإسلام باسم عزير ، ويكون أخذهم ~~عرض الأدنى أخذ بعض الخلف لا جميعه ، لأن صدر ذلك الخلف كانوا تائبين وفيهم ~~أنبياء وصالحون . # وإن كان المراد من تقطيعهم في الأرض أمما تكثيرهم والامتنان عليهم ، كان ~~PageV09P159 قوله : { فخلف من بعدهم خلف } تفريعا على جميع القصص المتقدمة ~~التي هي قصص أسلافهم ، فيكون المراد بالخلف من نشأ من ذرية أولئك اليهود ~~بعد زوال الأمة وتفرقها ، منهم الذين كانوا عند ظهور الإسلام ، وهم اليهود ~~الذين كانوا بالمدينة ، وإلى هذا المعنى في ( الخلف ) نحا المفسرون . # والخلف بسكون اللام من يأتي بعد غيره سابقه في مكان أو عمل أو نسل ، ~~يبينه المقام أو القرينة ، ولا يغلب فيمن يخلف في أمر سيء ، قاله النضر بن ~~شميل ، خلافا لكثير من أهل اللغة إذ قالوا : الأكثر استعمال الخلف بسكون ~~اللام فيمن يخلف في الشر ، وبفتح اللام فيمن يخلف في الخير ، وقال البصريون ~~: يجوز التحريك والإسكان في الرديء ، وأما الحسن فبالتحريك فقط . # وهو مصدر أريد به اسم الفاعل أي خالف ، والخلف مأخوذ من الخلف ضد القدام ~~لأن من يجيء بعد قوم فكأنه جاء من ورائهم ، ولا حد لآخر الخلف ، بل يكون ~~تحديده بالقرائن ، فلا ينحصر في جيل ولا في قرن ، بل قد يكون الخلف ممتدا ، ~~قال تعالى بعد ذكر الأنبياء { فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا ~~الشهوات } ( مريم : 59 ) فيشمل من خلفهم من ذرياتهم من العرب واليهود ~~وغيرهم ، فإنه ذكر من أسلافهم إدريس وهو جد نوح . # و { ورثوا } مجاز في القيام مقام الغير كما تقدم في قوله تعالى : { ~~ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها في هذه السورة ( 43 ) وقوله فيها : أو لم ~~يهد الذين يرثون الأرض من بعد أهلها } ( الأعراف : 100 ms3300 ) فهو بمعنى الحلفية ~~، والمعنى : فخلف من بعدهم خلف في إرث الكتاب ، وهذا يجري على كلا القولين ~~في تخصيص الخلف ، لأنه بيان للفعل لا لاسم الخلف . # وجملة : { يأخذون عرض هذا الأدنى } حال من ضمير { ورثوا } ، والمقصود هو ~~ذم الخلف بأنهم يأخذون عرض الأدنى ويقولون سيغفر لنا ، ومهد لذلك بأنهم ~~ورثوا الكتاب ليدل على أنهم يفعلون ذلك عن علم لا عن جهل ، وذلك أشد مذمة ، ~~كما قال تعالى : { وأضله الله على علم } ( الجاثية : 23 ) . # ومعنى الأخذ هنا الملابسة والاستعمال فهو مجاز أي : يلابسونه ، ويجوز ~~كونه حقيقة كما سيأتي . PageV09P160 # والعرض بفتح العين وفتح الراء الأمر الذي يزول ولا يدوم . ويراد به المال ~~، ويراد به أيضا ما يعرض للمرء من الشهوات والمنافع . # والأدنى الأقرب من المكان ، والمراد به هنا الدنيا ، وفي اسم الإشارة ~~إيماء إلى تحقير هذا العرض الذي رغبوا فيه كالإشارة في قول قيس بن الخطيم : # متى يات هذا الموت لا يلفف حاجة # لنفسي إلا قد قضيت قضاءها # وقد قيل : أخذ عرض الدنيا أريد به ملابسة الذنوب ، وبذلك فسر سعيد بن ~~جبير ، ومجاهد ، وقتادة ، والطبري ، فيشمل كل ذنب ، ويكون الأخذ مستعملا في ~~المجاز وهو الملابسة ، فيصدق بالتناول باليد وبغير ذلك ، فهو من عموم ~~المجاز ، وقيل عرض الدنيا هو الرشا وبه فسرالسدي ، ومعظم المفسرين ، فيكون ~~الأخذ مستعملا في حقيقته وهو التناول ، وقد يترجح هذا التفسير بقوله { وإن ~~يأتهم عرض } كما سيأتي . # والقول في : { ويقولون } هو الكلام اللساني ، يقولون لمن ينكر عليهم ~~ملابسة الذنوب وتناول الشهوات ، لأن ( ما ) بعد يقولون يناسبه الكلام ~~اللفظي ، ويجوز أن يكون الكلام النفساني ، لأنه فرع عنه ، أي قولهم في ~~أنفسهم يعللونها به حين يجيش فيها وازع النهي ، فهو بنمزلة قوله تعالى : { ~~ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول } ( المجادلة : 8 ) وذلك من ~~غرورهم في الدين . # وبناء فعل ( يغفر ) على صيغة المجهول لأن الفاعل معروف ، وهو الله ، إذ ~~لا يصدر هذا الفعل إلا عنه ، وللدلالة على أنهم يقولون ذلك على وجه العموم ~~لا في خصوص الذنب الذي أنكر عليهم ، أو ms3301 الذي تلبسوا به حين القول ، ونائب ~~الفاعل محذوف لعلمه من السياق ، والتقدير : سيغفر لنا ذلك ، أو ذنوبنا ، ~~لأنهم يحسبون أن ذنوبهم كلها مغفورة { وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما ~~معدودة } كما تقدم في سورة البقرة ( 80 ) ، أي يغفر لنا بدون سبب المغفرة ، ~~وهو التوبة كما يعلم من السياق ، وهو جزمهم بذلك عقب ذكر الذنب دون ذكر ~~كفارة أو نحوها . # وقوله { لنا } لا يصلح للنيابة عن الفاعل ، لأنه ليس في معنى المفعول ، ~~إذ فعل PageV09P161 المغفرة يتعدى لمفعول واحد ، وأما المجرور بعده باللام ~~فهو في معنى المفعول لأجله ، يقال : غفر الله لك ذنبك ، كما قال تعالى : { ~~ألم نشرح لك صدرك } ( الشرح : 1 ) فلو بني شرح للمجهول لما صح أن يجعل { لك ~~} نائبا عن الفاعل . # وجملة : { ويقولون سيغفر لنا } معطوفة على جملة ، { يأخذون } لأن كلا ~~الخبرين يوجب الذم ، واجتماعهما أشد في ذلك . # وجملة : { وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه } معطوفة على التي قبلها ، واستعير ~~إتيان العرض لبذله لهم إن كان المراد بالعرض المال ، وقد يراد به خطور ~~شهوته في نفوسهم إن كان المراد بالعرض جميع الشهوات والملاذ المحرمة ، ~~واستعمال الإتيان في الذوات أنسب من استعماله في خطور الأعراض والأمور ~~المعنوية ، لقرب المشابهة في الأول دون الثاني . # والمعنى : أنهم يعصون ، ويزعمون أن سيئاتهم مغفورة ، ولا يقلعون عن ~~المعاصي . # وجملة : { ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب } جواب عن قولهم : { سيغفر لنا } ~~إبطالا لمضمونه ، لأن قولهم : { سيغفر لنا } يتضمن أنهم يزعمون أن الله ~~وعدهم بالمغفرة على ذلك ، والجملة معترضة في أثناء الإخبار عن الصالحين ~~وغيرهم ، والمقصود من هذه الجملة إعلام النبي صلى الله عليه وسلم ليحجهم ~~بها ، فهم المقصود بالكلام . كما تشهد به قراءة { أفلا تعقلون } بتاء ~~الخطاب . # والاستفهام للتقرير المقصود منه التوبيخ ، وهذا التقرير لا يسعهم إلا ~~الاعتراف به ، لأنه صريح كتابهم ، في الإصحاح الرابع من السفر الخامس ( لا ~~تزيدوا على الكلام الذي أوصيكم به ولا تنقصوا منه لكي تحفظوا وصايا الرب ) ~~ولا يجدون في الكتاب أنهم يغفر لهم ، وإنما يجدون فيه التوبة كما في ~~الإصحاح من ms3302 سفر التثنية ، وكما في سفر الملوك الأول في دعوة سليمان حين بنى ~~الهيكل في الإصحاح الثامن ، فقولهم : { سيغفر لنا } تقول على الله بما لم ~~يقله . # والميثاق : العهد ، وهو وصية موسى التي بلغها إليهم عن الله تعالى في ~~مواضع كثيرة ، وإضافة الميثاق إلى الكتاب على معنى ( في ) أو على معنى ~~اللام أي الميثاق PageV09P162 المعروف به ، والكتاب توراة موسى ، وأن لا ~~يقولوا هو مضمون ميثاق الكتاب فهو على حذف حرف الجر قبل ( أن ) الناصبة ، ~~والمعنى : بأن لا يقولوا ، أي بانتفاء قولهم على الله غير الحق ، ويجوز ~~كونه عطف بيان من ميثاق ، فلا يقدر حرف جر ، والتقدير : ميثاق الكتاب ~~انتفاء قولهم على الله الخ . # وفعل { درسوا } عطف على { يؤخذ } ، . لأن يؤخذ في معنى المضي ، لأجل دخول ~~لم عليه ، والتقدير : ألم يؤخذ ويدرسوا ، لأن المقصود تقريرهم بأنهم درسوا ~~الكتاب ، لا الإخبار عنهم بذلك كقوله تعالى : { ألم نجعل الأرض مهادا ~~والجبال أوتادا وخلقناكم أزواجا وجعلنا نومكم سباتا } إلى قوله { وأنزلنا ~~من المعصرات ماء ثجاجا } ( النبإ : 6 14 ) والتقدير : ومخلقكم أزواجا ونجعل ~~نومكم سباتا ، إلى آخر الآية . # والمعنى : أنهم قد أخذ عليهم الميثاق بأن لا يقولوا على الله إلا الحق ، ~~وهم عالمون بذلك الميثاق ، لأنهم درسوا ما في الكتاب فبمجموع الأمرين قامت ~~عليهم الحجة . # وجملة : { والدار الآخرة خير للذين يتقون } حالية من ضمير { يأخذون } أي ~~: يأخذون ذلك ويكذبون على الله ويصرون على الذنب وينبذون ميثاق الكتاب على ~~علم في حال أن الدار الآخرة خير مما تعجلوه ، وفي جعل الجملة في موضع الحال ~~تعريض بأنهم يعلمون ذلك أيضا فهم قد خيروا عليه عرض الدنيا قصدا ، وليس ذلك ~~عن غفلة صادفتهم فحرمتهم من خير الآخرة ، بل هم قد حرموا أنفسهم ، وقرينة ~~ذلك قوله : { أفلا تعقلون } المتفرع على قوله : { والدار الآخرة خير للذين ~~يتقون } وقد نزلوا في تخيرهم عرض الدينا بمنزلة من لا عقول لهم ، فخوطبوا ب ~~{ أفلا تعقلون } بالاستفهام الإنكاري ، وقد قريء بتاء الخطاب ، على ~~الإلتفات من الغيبة إلى الخطاب . ليكون أوقع في توجبه التوبيخ إليهم مواجهة ~~، وهي ms3303 قراءة نافع ، وابن عامر ، وابن ذكوان ، وحفص عن عاصم ، ويعقوب ، وأبي ~~جعفر ، وقرأ البقية بياء الغيبة ، فيكون توبيخهم تعريضيا . # وفي قوله : { والدار الآخرة خير للذين يتقون } كناية عن كونهم خسروا خير ~~الآخرة بأخذهم عرض الدنيا بتلك الكيفية ، لأن كون الدار الآخرة خيرا مما ~~أخذوه PageV09P163 يستلزم أن يكون ما أخذوه قد أفات عليهم خير الآخرة . # وفي جعل الآخرة خير للمتقين كناية عن كون الذين أخذوا عرض الدنيا بتلك ~~الكيفية لم يكونوا من المتقين ، لأن الكناية عن خسرانهم خير الآخرة مع ~~إثبات كون خير الآخرة للمتقين تستلزم أن الذين أضاعوا خير الآخرة ليسوا من ~~المتقين ، وهذه معان كثيرة جمعها قوله : { والدار الآخرة خير للذين يتقون ~~أفلا تعقلون } وهذا من حد الإعجاز العجيب . # ووقعت جملة : { والذين يمسكون بالكتاب } إلى آخرها عقب التي قبلها : لأن ~~مضمونها مقابل حكم التي قبلها إذ حصل من التي قبلها أن هؤلاء الخلف الذين ~~أخذوا عرض الأدني قد فرطوا في ميثاق الكتاب ، ولم يكونوا من المتقين ، فعقب ~~ذلك ببشارة من كانوا ضد أعمالهم ، وهم الآخذون بميثاق الكتاب والعاملون ~~ببشارته بالرسل ، وآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم فأولئك يستكملون أجرهم ~~لأنهم مصلحون . فكني عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم بإقامة الصلاة ، ~~لأن الصلاة شعار دين الإسلام ، حتى سمي أهل الإسلام أهل القبلة ، فالمراد ~~من هؤلاء هم من آمن من اليهود بعيسى في الجملة وإن لم يتبعوا النصرانية ، ~~لأنهم وجدوها مبدلة محرفة فبقوا في انتظار الرسول المخلص الذي بشرت به ~~التوراة والإنجيل ، ثم آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم حين بعث : مثل عبد ~~الله بن سلام . # ويحتمل أن المراد بالذين يمسكون بالكتاب : المسلمون ، ثناء عليهم بأنهم ~~الفائزون في الآخرة وتبشيرا لهم بأنهم لا يسلكون بكتابهم مسلك اليهود ~~بكتابهم . # وجملة : { إنا لا نضيع أجر المصلحين } خبر عن الذين يمسكون ، والمصلحون ~~هم ، والتقدير : إنا لا نضيع أجرهم لأنهم مصلحون ، فطوي ذكرهم اكتفاء بشمول ~~الوصف لهم وثناء عليهم على طريقة الإيجاز البديع . # $ 2 ( 171 ) { وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنو & # 1764 ا ms3304 أنه واقع بهم خذوا مآ ءاتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون } ~~. ) 2 $ # عاد الكلام إلى العبرة بقصص بني إسرائيل مع موسى عليه السلام ، لأن قصة ~~رفع الطور عليهم من أمهات قصصهم ، وليست مثل قصة القرية الذين اعتدوا في ~~PageV09P164 السبت ، ولا مثل خبر إيذانهم بمن يسومهم سوء العذاب . فضمائر ~~الجمع كلها هنا مراد بها بنو إسرائيل الذين كانوا مع موسى ، بقرينة المقام ~~. # والجملة معطوفة على الجمل قبلها . # و { إذ } متعلقة بمحذوف تقديره : واذكر إذ نتقنا الجبل فوقهم . # والنتق : الفصل والقلع . والجبل الطور . # وهذه آية أظهرها الله لهم تخويفا لهم ، لتكون مذكرة لهم ، فيعقب ذلك أخذ ~~العهد عليهم بعزيمة العمل بالتوراة ، فكان رفع الطور معجزة لموسى عليه ~~السلام تصديقا له فيما سيبلغهم عن الله من أخذ أحكام التوراة بعزيمة ~~ومداومة والقصة تقدمت في سورة البقرة ( 63 ) عند قوله تعالى : { وإذ أخذنا ~~ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور } . # والظلة السحابة ، وجملة : { خذوا ما آتيناكم } مقولة لقول محذوف يدل عليه ~~نظم الكلام ، وحذف القول في مثله شائع كثير ، وتقدم نظيرها في سورة البقرة ~~. # وعدي { واقع } بالباء : للدلالة على أنهم كانوا مستقرين في الجبل فهو إذا ~~ارتفع وقع ملابسا لهم ففتتهم ، فهم يرون أعلاه فوقهم وهم في سفحه ، وهذا ~~وجه الجمع بين قوله { فوقهم } وبين باء الملابسة . وجعل بعض المفسرين الباء ~~بمعنى ( على ) . # وجملة : { خذوا ما آتيناكم بقوة } مقول قول محذوف . وتقدم تفسير نظيرها ~~في سورة البقرة . # $ 2 ( 172 174 ) { وإذ أخذ ربك من بنى & # 1764 ءادم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى ~~شهدنآ أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هاذا غافلين * أو تقولو & # 1764 ا إنمآ أشرك ءاباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل ~~المبطلون * وكذالك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون } . ) 2 $ # هذا كلام مصروف إلى غير بني إسرائيل ، فإنهم لم يكونوا مشركين والله يقول ~~{ أو تقولوا إنما أشرك آباءنا من قبل } فهذا انتقال بالكلام إلى محاجة ~~المشركين من PageV09P165 العرب ، وهو المقصود من السورة ابتداء ونهاية ، ~~فكان هذا ms3305 الانتقال بمنزلة رد العجز على الصدر . جاء هذا الانتقال بمناسبة ~~ذكر العهد الذي أخذ الله على بني إسرائيل في وصية موسى ، وهو ميثاق الكتاب ~~، وفي يوم رفع الطور . وهو عهد حصل بالخطاب التكويني أي بجعل معناه في جبلة ~~كل نسمة وفطرتها ، فالجملة معطوفة على الجمل السابقة عطف القصة على القصة . ~~والمقصود به ابتداءهم المشركون . # وتبدل أسلوب القصة واضح إذ اشتملت هذه القصة على خطاب في قوله : { أن ~~تقولوا يوم القيامة } إلى آخر الآية . وإذ صرح فيها بمعاد ضمير الغيبة وهو ~~قوله { من بني آدم } فعموم الموعظة تابع لعموم العظة . فهذا ابتداء لتقريع ~~المشركين على الإشراك ، وما ذكر بعده إلى آخر السورة مناسب لأحوال المشركين ~~. # و { إذ } اسم للزمن الماضي ، وهو هنا مجرد عن الظرفية ، فهو مفعول به ~~لفعل ( اذكر ) محذوف . # وفعل { أخذ } يتعلق به { من بني آدم } وهو معدى إلى ذرياتهم ، فتعين أن ~~يكون المعنى : أخذ ربك كل فرد من أفراد الذرية . من كل فرد من أفراد بني ~~آدم ، فيحصل من ذلك أن كل فرد من أفراد بني آدم أقر على نفسه بالمربوبية ~~لله تعالى . # و ( من ) في قوله : { من بني آدم } وقوله : { من ظهورهم } ابتدائية فيهما ~~. # والذريات جمع ذرية ، والذرية اسم جمع لما يتولد من الإنسان ، وجمعه هنا ~~للتنصيص على العموم . # وأخذ العهد على الذرية المخرجين من ظهور بني آدم يقتضي أخذ العهد عى ~~الذرية الذين في ظهر آدم بدلالة الفحوى ، وإلا لكان أبناء آدم الأدنون ~~ليسوا مأخوذا عليهم العهد مع أنهم أولى بأخذ العهد عليهم في ظهر آدم . # ومما يثبت هذه الدلالة أخبار كثيرة رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن ~~جمع من أصحابه ، متفاوتة في القوة غير خالل واحد منها عن متكلم ، غير أن ~~كثرتها يؤيد بعضها بعضا ، وأوضحها ما روى مالك في ( الموطأ ) في ترجمة ~~PageV09P166 ( النهي عن القول بالقدر ) بسنده إلى عمر بن الخطاب قال : سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عن هذه الآية { وإذ أخذ ربك من بني آدم ~~من ظهورهم ذرياتهم ms3306 } فقال إن الله تعالى خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه حتى ~~استخرج منه ذرية فقال : خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ، ثم مسح ~~ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية فقال : خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار ~~يعملون وساق الحديث بما لا حاجة إليه في غرضنا ، ومحمل هذا الحديث على أنه ~~تصريح بمدلول الفحوى المذكور ، وليس تفسيرا لمنطوق الآية ، وبه صارت الآية ~~دالة على أمرين ، أحدهما : صريح وهو ما أفاده لفظها ، وثانيهما : مفهوم وهو ~~فحوى الخطاب . وجاء في الآية أن الله أخذ على الذريات العهد بالإقرار ~~بربوبية الله ، ولم يتعرض لذلك في الحديث ، وذكر فيه أنه ميز بين أهل الجنة ~~وأهل النار منهم ، ولعل الحديث اقتصار على بيان ما سأل عنه السائل فيكون ~~تفسيرا للأية تفسير تكميل لما لم يذكر فيها ، أو كان في الحديث اقتصار من ~~أحد رواته على بعض ما سمعه . # والأخذ مجاز في الإخراج والانتزاع قال الله تعالى : { قل أرأيتم إن أخذ ~~الله سمعكم وأبصاركم } ( الأنعام : 46 ) الآية . # وقوله : { من ظهورهم } بدل { من بني آدم } أبدل بعض من كل ، وقد أعيد حرف ~~الجر مع البدل للتأكيد كما تقدم في قوله تعالى : { ومن النخل من طلعها ~~قنوان دانية في سورة الأنعام ( 99 ) . # والإشهاد على الأنفس يطلق على ما يساوي الإقرار أو الحمل عليه ، وهو هنا ~~الحمل على الإقرار ، واستعير لحالة مغيبة تتضمن هذا الإقرار يعلمها الله ~~لاستقرار معنى هذا الاعتراف في فطرتهم . والضمير في أشهدهم } عائد على ~~الذرية باعتبار معناه ، لأنه اسم يدل على جمع . # والقول في { قالوا بلى } مستعار أيضا لدلالة حالهم على الإعتراف ~~بالربوبية لله تعالى . # وجملة { ألست بربكم } مقول لقول محذوف هو بيان لجملة { أشهدهم على أنفسهم ~~} أي قررهم بهذا القول وهو من أمر التكوين . والمعنى واحد ، لأن الذرية لما ~~أضيف إلى ضمير بني آدم كان على معنى التوزيع . PageV09P167 # والاستفهام في { ألست بربكم } تقريري ، ومثله يقال في تقرير من يظن به ~~الإنكار أو ينزل منزلة ذلك ، فلذلك يقرر على النفي استدراجا له حتى إذا كان ~~عاقدا ms3307 قلبه على النفي ظن أن المقرر يطلبه منه ، فأقدم على الجواب بالنفي ، ~~فأما إذا لم يكن عاقدا قلبه عليه فإنه يجيب بإبطال النفي ، فيتحقق أنه بريء ~~من نفي ذلك ، وعليه قوله تعالى : { ويوم يعرض الذين كفروا على النار أليس ~~هذا بالحق } ( الأحقاف : 34 ) تنزيلا لهم منزلة من يظنه ليس بحق ، لأنهم ~~كانوا ينكرونه في الدنيا ، وقد تقدم عند قوله تعالى : { يا معشر الجن ~~والإنس ألم ياتكم رسل منكم } في سورة الأنعام ( 130 ) . # والكلام تمثيل حال من أحوال الغيب ، من تسلط أمر التكوين الإلهي على ذوات ~~الكائنات وأعراضها عند إرادة تكوينها ، لا تبلغ النفوس إلى تصورها بالكنه ، ~~لأنها وراء المعتاد المألوف ، فيراد تقريبها بهذا التمثيل ، وحاصل المعنى : ~~أن الله خلق في الإنسان من وقت تكوينه إدراك أدلة الوحدانية ، وجعل في فطرة ~~حركة تفكير الإنسان التطلع إلى إدراك ذلك ، وتحصيل إدراكه إذا جرد نفسه من ~~العوارض التي تدخل على فطرته فتفسدها . # وجملة : { قالوا بلى } جواب عن الاستفهام التقريري ، وفصلت لأنها جاءت ~~على طريقة المحاورة كما تقدم في قوله تعالى : { قالوا أتجعل فيها من يفسد ~~فيها في سورة البقرة ( 30 ) . # وأطلق القول إما حقيقة فذلك قول خارق للعادة ، وإما مجازا على دلالة ~~حالهم على أنهم مربوبون لله تعالى ، كما أطلق القول على مثله في قوله تعالى ~~: فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين } ( فصلت : 11 ) ~~أي ظهرت فيهما آثار أمر التكوين . وقال أبو النجم : # قالت له الطير تقدم راشدا # إنك لا ترجع إلا حامدا # فهو من المجاز الذي كثر في كلام العرب . # و { بلى } حرف جواب لكلام فيه معنى النفي ، فيقتضي إبطال النفي وتقرير ~~المنفي ، ولذلك كان الجواب بها بعد النفي أصرح من الجواب بحرف ( نعم ) ، ~~لأن نعم تحتمل تقرير النفي وتقرير المنفي ، وهذا معنى ما نقل عن ابن عباس ~~في هذه الآية أنه قال : PageV09P168 ( لو قالوا نعم لكفروا ) أي لكان ~~جوابهم محتملا للكفر ، ولما كان المقام مقام إقرار كان الاحتمال فيه تفصيا ~~من الاعتراف . # وقرأ نافع ، وأبو عمرو ، وابن ms3308 عامر ، وأبو جعفر ، ويعقوب : { ذرياتهم } ، ~~بالجمع ، وقرأ الباقون { ذريتهم } ، بالإفراد . # وقولهم : { شهدنا } تأكيد لمضمون { بلى } والشهادة هنا أيضا بمعنى ~~الإقرار . # ووقع { أن تقولوا } في موقع التعليل لفعل الأخذ والإشهاد ، فهو على تقرير ~~لام التعليل الجارة ، وحذفها مع أن جار على المطرد الشائع . والمقصود ~~التعليل بنفي أن يقولوا { إنا كنا عن هذا غافلين } لا بإيقاع القول ، فحذف ~~حرف النفي جريا على شيوخ حذفه مع القول ، أو هو تعليل بأنهم يقولون ذلك ، ~~إن لم يقع إشهادهم على أنفسهم كما تقدم عند قوله تعالى : { أن تقولوا إنما ~~أنزل الكتاب في سورة الأنعام ( 156 ) . # وقرأ الجمهور : أن تقولوا بتاء الخطاب وقد حول الأسلوب من الغيبة إلى ~~الخطاب ، ثم من خطاب الرسول إلى خطاب قومه ، تصريحا بأن المقصود من قصة أخذ ~~العهد تذكير المشركين بما أودع الله في الفطرة من التوحيد ، وهذا الأسلوب ~~هو من تحويل الخطاب عن مخاطب إلى غيره ، وليس من الإلتفاف لاختلاف ~~المخاطبين . وقرأه أبو عمرو ، وحده : بياء الغيبة ، والضمير عائد إلى ذريات ~~بني آدم . # والإشارة بهذا } إلى مضمون الاستفهام وجوابه وهو الاعتراف بالربوبية لله ~~تعالى على تقديره بالمذكور . # والمعنى : أن ذلك لما جعل في الفطرة عند التكوين كانت عقول البشر منساقة ~~إليه ، فلا يغفل عنه أحد منهم فيعتذر يوم القيامة ، إذا سئل عن الإشراك ، ~~بعذر الغفلة ، فهذا إبطال للاعتذار بالغفلة ، ولذلك وقع تقدير حرف نفي أي ~~أن لا تقولوا إلخ . # وعطف عليه الاعتذار بالجهل دون الغفلة بأن يقولوا إننا اتبعنا آباءنا وما ~~ظننا الإشراك إلا حقا ، فلما كان في أصل الفطرة العلم بوحدانية الله بطل ~~الاعتذار PageV09P169 بالجهل به ، وكان الإشراك إما عن عمد وإما عن تقصير ، ~~وكلاهما لا ينهض عذرا ، وكل هذا إنما يصلح لخطاب المشركين دون بني إسرائيل ~~. # ومعنى : { وكنا ذرية من بعدهم } كنا على دينهم تبعا لهم لأننا ذرية لهم ، ~~وشأن الذرية الاقتداء بالآباء وإقامة عوائدهم فوقع إيجاز في الكلام وأقيم ~~التعليل مقام المعلل . # و { من بعدهم } نعت لذرية لما تؤذن به ذرية من الخلفية والقيام في مقامهم ~~. والاستفهام ms3309 في { أفتهلكنا } إنكاري ، والإهلاك هنا مستعار للعذاب ، ~~والمبطلون الآخذون بالباطل ، وهو في هذا المقام الإشراك . # وفي هذه الآية دليل على أن الإيمان بالإله الواحد مستقر في فطرة العقل ، ~~لو خلي ونفسه ، وتجرد من الشبهات الناشئة فيه من التقصير في النظر ، أو ~~الملقاة إليه من أهل الضلالة المستقرة فيهم الضلالة ، بقصد أو بغير قصد ، ~~ولذلك قال الماتريدي والمعتزلة : أن الإيمان بالإله الواحد واجب بالعقل ، ~~ونسب إلى أبي حنيفة وإلى الماوردي وبعضض الشافعية من أهل العراق ، وعليه ~~أنبتت مؤاخذة أهل الفترة على الإشراك ، وقال الأشعري : معرفة الله واجبة ~~بالشرع لا بالعقل تمسكا بقوله تعالى : { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } ( ~~الإسراء : 15 ) ولعله أرجع مؤاخذة أهل الفترة على الشرك إلى التواتر بمجيء ~~الرسل بالتوحيد . # وجملة : { وكذلك نفصل الآيات } معترضة بين القصتين ، والواو اعتراضية ، ~~وتسمى واو الاستئناف أي مثل هذا التفصيل نفصل الآيات أي آيات القرآن ، ~~وتقدم نظير هذا عند قوله تعالى : { وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل ~~المجرمين في سورة الأنعام ( 55 ) . وتفصيلها بيانها وتجريدها من الإلتباس . # وجملة : ولعلهم يرجعون } عطف على جملة : { وكذلك نفصل الآيات } فهي في ~~موقع الاعتراض ، وهذا إنشاء ترجي رجوعع المشركين إلى التوحيد ، وقد تقدم ~~القول في تأويل معنى الرجاء بالنسبة إلى صدوره من جانب الله تعالى عنه قوله ~~تعالى : { يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم ~~تتقون } في سورة البقرة ( 21 ) . PageV09P170 # والرجوع مستعار للإقلاع عن الشرك ، شبه الإقلاع عن الحالة التي هم ~~متلبسون بها بترك من حل في غير مقره الموضع الذي هو به ليرجع إلى مقره ، ~~وهذا التشبيه يقتضي تشبيه حال الإشراك بموضع الغربة ، لأن الشرك ليس من ~~مقتضى الفطرة فالتلبس به خروج عن أصل الخلقة كخروج المسافر عن موطنه ، ~~ويقتضي أيضا تشبيه حال التوحيد بمحل المرء وحيه الذي يأوي إليه ، وقد تكرر ~~في القرآن إطلاق الرجوع على إقلاع المشركين عن الشرك كقوله : { وإذ قال ~~إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين ~~وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم ms3310 يرجعون } ( الزخرف : 26 28 ) أي يرجعون عن ~~الشرك ، وهو تعريض بالعرب ، لأنهم المشركون من عقب إبراهيم ، وبقرينة قوله ~~: { بل متعت هؤلاء وآباءهم حتى جاءهم الحق ورسول مبين } ( الزخرف : 29 ) ، ~~فإني استقريت من اصطلاح القرآن أنه يشير بهؤلاء إلى العرب . # PageV09P171 PageV09P172 $ 2 ( 175 ، 176 ) { واتل عليهم نبأ الذى & # 1764 ءاتيناه ءاياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين * ولو ~~شئنا لرفعناه بها ولاكنه أخلد إلى الارض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن ~~تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذالك مثل القوم الذين كذبوا بثاياتنا فاقصص ~~القصص لعلهم يتفكرون } . ) 2 $ # أعقب ما يفيد أن التوحيد جعل في الفطرة بذكر حالة اهتداء بعض الناس إلى ~~نبذ الشرك في مبدأ أمره ثم تعرض وساوس الشيطان له بتحسين الشرك . # ومناسبتها للتي قبلها إشارة العبرة من حال أحد الذين أخذ الله عليهم ~~العهد بالتوحيد والامتثال لأمر الله ، وأمده الله بعلم يعينه على الوفاء ~~بما عاهد الله عليه في الفطرة ، ثم لم ينفعه ذلك كله حين لم يقدر الله له ~~الهدى المستمر . # وشأن القصص المفتتحة بقوله : { واتل عليهم } أن يقصد منها وعظ المشركين ~~بصاحب القصة بقرينة قوله : { ذلك مثل القوم } الخ ، ويحصل من ذلك أيضا ~~تعليم مثل قوله : { واتل عليهم نبأ نوح } ( يونس : 71 ) { واتل عليهم نبأ ~~إبراهيم } ( الشعراء : 69 ) { نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق } ( ~~القصص : 3 ) ونظائر ذلك ، فضمير { عليهم } راجع إلى المشركين الذين وجهت ~~إليهم العبر والمواعظ من أول هذه السورة ، وقصت عليهم PageV09P173 قصص ~~الأمم مع رسلهم ، على أن توجيه ضمائر الغيبة إليهم أسلوب متبع في مواقع ~~كثيرة من القرآن ، كما قدمناه غير مرة ، فهذا من قبيل رد العجز على الصدر . # ومناسبة فعل التلاوة لهم أنهم كانوا قوما تغلب عليهم الأمية فأراد الله ~~أن يبلغ إليهم من التعليم ما يساوون به حال أهل الكتاب في التلاوة ، ~~فالضمير المجرور ب ( على ) عائد إلى معلوم من السياق وهم المشركون ، وكثيرا ~~ما يجيء ضمير جمع الغائب في القرآن مرادا به المشركون كقوله : { عم ~~يتساءلون } ( النبأ : 1 ) . # والنبأ ms3311 الخبر المروي . # وظاهر اسم الموصول المفرد أن صاحب الصلة واحد معين ، وأن مضمون الصلة حال ~~من أحواله التي عرف بها ، والأقرب أن يكون صاحب هذا النبأ ممن للعرب إلمام ~~بمجمل خبره . # فقيل المعنى به أمية بن أبي الصلت الثقفي ، وروي هذا عن عبد الله بن عمرو ~~بن العاصي ، بأسانيد كثيرة عند الطبري ، وعن زيد بن أسلم ، وقال القرطبي في ~~( التفسير ) هو الأشهر ، وهو قول الأكثر ذلك أن أمية بن أبي الصلت الثقفي ~~كان ممن أراد اتباع دين غير الشرك طالبا دين الحق ، ونظر في التوراة ~~والإنجيل فلم ير النجاة في اليهودية ولا النصرانية ، وتزهد وتوخى الحنيفية ~~دين إبراهيم ، وأخبر أن الله يبعث نبيا في العرب ، فطمع أن يكونه ، ورفض ~~عبادة الأصنام ، وحرم الخمر ، وذكر في شعره أخبارا من قصص التوراة ، ويروى ~~أنه كانت له إلهامات ومكاشفات وكان يقول : # كل دين يوم القيامة عند # الله إلا دين الحنيفية زور # وله شعر كثير في أمور إلآهية ، فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم أسف أن ~~لم يكن هو الرسول المبعوث في العرب ، وقد اتفق أن خرج إلى البحرين قبل ~~البعثة وأقام هنالك ثمان سنين ثم رجع إلى مكة فوجد البعثة ، وتردد في ~~الإسلام ، ثم خرج إلى الشام ورجع بعد وقعة بدر فلم يؤمن بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم حسدا ، ورثى من قتل من المشركين يوم بدر ، وخرج إلى الطائف بلاد ~~قومه فمات كافرا . وكان يذكر في شعره الثواب والعقاب واسم الله وأسماء ~~الأنبياء ، وقد قال فيه النبي صلى الله PageV09P174 عليه وسلم ( كاد أمية ~~بن أبي الصلت أن يسلم ) وروي عن أمية أنه قال لما مرض مرض موته ( أنا أعلم ~~أن الحنيفية حق ، ولكن الشك يداخلني في محمد ) . # فمعنى { آتيناه آياتنا } أن الله ألهم أمية كراهية الشرك ، وألقى في نفسه ~~طلب الحق ، ويسر له قراءة كتب الأنبياء ، وحبب إليه الحنيفية ، فلما انفتح ~~له باب الهدى وأشرق نور الدعوة المحمدية كابر وحسد وأعرض عن الإسلام ، فلا ~~جرم أن كانت حاله أنه انسلخ عن جميع ms3312 ما يسر له ، ولم ينتفع به عند إبان ~~الانتفاع ، فكان الشيطان هو الذي صرفه عن الهدى فكان من الغاوين ، إذ مات ~~على الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم # وقال سعيد بن المسيب نزلت في أبي عامر بن صيفي الراهب ، واسمه النعمان ~~الخزرجي ، وكان يلقب بالراهب في الجاهلية لأنه قد تنصر في الجاهلية ، ولبس ~~المسوح وزعم أنه على الحنيفية ، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ~~دخل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( يا محمد ما الذي جئت به قال جئت ~~بالحنيفية دين إبراهيم قال فإني عليها فقال النبي لست عليها لأنك أدخلت ~~فيها ما ليس منها ) فكفر وخرج إلى مكة يحرض المشركين على قتال النبي صلى ~~الله عليه وسلم ويخرج معهم ، إلى أن قاتل في حنين بعد فتح مكة ، فلما ~~انهزمت هوازن يئس وخرج إلى الشام فمات هنالك . # وذهب كثير من المفسرين إلى أنها نزلت في رجل من الكنعانيين ، وكان في زمن ~~موسى عليه السلام يقال له : بلعام بن باعور ، وذكروا قصته فخلطوها وغيروها ~~واختلفوا فيها ، والتحقيق أن بلعام هذا كان من صالحي أهل مدين وعرافيهم في ~~زمن مرور بني إسرائيل على أرض ( مؤاب ) ولكنه لم يتغير عن حال الصلاح ، ~~وذلك مذكور في سفر العدد من التوراة في الاصحاحات 22 23 24 فلا ينبغي ~~الإلتفات إلى هذا القول لاضطرابه واختلاطه . # والإيتاء هنا مستعار للإطلاع وتيسير العلم مثل قوله { وآتاه الله الملك ~~والحكمة } ( البقرة : 251 ) . # و ( الآيات ) دلائل الوحدانية التي كرهت إليه الشرك وبعثته على تطلب ~~الحنيفية بالنسبة لأمية بن أبي الصلت ، أو دلائل الإنجيل على صفة محمد صلى ~~الله PageV09P175 عليه وسلم بالنسبة للراهب أبي عامر بن صيفي . # والانسلاخ حقيقته خروج جسد الحيوان من جلده حينما يسلخ عنه جلده ، والسلخ ~~إزالة جلد الحيوان الميت عن جسده ، واستعير في الآية للانفصال المعنوي ، ~~وهو ترك التلبس بالشيء أو عدم العمل به ، ومعنى الانسلاخ عن الآيات الإقلاع ~~عن العمل بما تقتضيه ، وذلك أن الآيات أعلمته بفساد دين الجاهلية . # وأتبعه بهمزة قطع وسكون ms3313 المثناة الفوقيه بمعنى لحقة غير مفلت كقوله : { ~~فأتبعه شهاب ثاقب } ( الصافات : 10 ) { فأتبعهم فرعون بجنوده } ( طه : 78 ) ~~وهذا أخص من اتبعه بتشديد المثناة ووصل الهمزة . # والمراد بالغاوين : المتصفين بالغي وهو الضلال { فكان من الغاوين } أشد ~~مبالغة في الاتصاف بالغواية من أن يقال : وغوى أو كان غاويا ، كما تقدم عند ~~قوله تعالى : { قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين في سورة الأنعام ( 56 ) . # ورتبت أفعال الانسلاخ والاتباع والكون من الغاوين بفاء العطف على حسب ~~ترتيبها في الحصول ، فإنه لما عاند ولم يعمل بما هداه الله إليه حصلت في ~~نفسه ظلمة شيطانية مكنت الشيطان من استخدامه وإدامة إضلاله ، فالانسلاخ على ~~الآيات أثر من وسوسة الشيطان ، وإذا أطاع المرء الوسوسة تمكن الشيطان من ~~مقاده ، فسخره وأدام إضلاله ، وهو المعبر عنه بأتبعه } فصار بذلك في زمرة ~~الغواة المتمكنين من الغواية . # وقوله تعالى : { ولو شئنا لرفعناه بها } أفاد أن تلك الآيات شأنها أن ~~تكون سببا للهداية والتزكية ، لو شاء الله له التوفيق وعصمه من كيد الشيطان ~~وفتنته فلم ينسلخ عنها ، وهذه عبرة للموفقين ليعلموا فضل الله عليهم في ~~توفيقهم ، فالمعنى : ولو شئنا لزاد في العمل بما آتيناه من الآيات فلرفعه ~~الله بعلمه . # والرفعة مستعارة لكمال النفس وزكائها ، لأن الصفات الحميدة تخيل صاحبها ~~مرتفعا على من دونه ، أي لو شئنا لاكتسب بعمله بالآيات فضلا وزكاء وتميزا ~~بالفضل ، فمعنى لرفعناه ليسرنا له العمل بها الذي يشرف به . # وقد وقع الاستدراك على مضمون قوله : { ولو شئنا لرفعناه بها } بذكر ما ~~يناقض PageV09P176 تلك المشيئة الممتنعة ، وهو الاستدراك بأنه انعكست حاله ~~فأخلد إلى الأرض ، أي ركن ومال إلى الأرض ، والكلام تمثيل لحال المتلبس ~~بالنقائص والكفر بعد الإيمان والتقوى ، بحال من كان مرتفعا عن الأرض فنزل ~~من اعتلاء إلى أسفل ، فبذكر الأرض علم أن الإخلاد هنا ركون إلى السفل أي ~~تلبس بالنقائص والمفاسد . # واتباع الهوى ترجيح ما يحسن لدى النفس من النقائص المحبوبة ، على ما يدعو ~~إليه الحق والرشد ، فالاتباع مستعار للاختيار والميل ، والهوى شاع في ~~المحبة المذمومة الخاسرة عاقبتها . # وقد ms3314 تفرع على هذه الحالة تمثيله بالكلب اللاهث ، لأن اتصافه بالحالة التي ~~صيرته شبيها بحال الكلب اللاهث تفرع على إخلاده إلى الأرض واتباع هواه ، ~~فالكلام في قوة أن يقال : ولكنه أخلد إلى الأرض فصار في شقاء وعناد ، كمثل ~~الكلب إلخ . # واستعمال القرآن لفظ المثل بعد كاف التشبيه مألوف بأنه يراد به تشبيه ~~الحالة بالحالة ، وتقدم قوله تعالى ؛ { مثلهم كمثل الذي استوقد نارا في ~~سورة البقرة ( 17 ) ، فلذلك تعين أن التشبيه هنا لا يخرج عن المتعارف في ~~التشبيه المركب ، فهذا الضال تحمل كلفة اتباع الدين الصالح وصار يطلبه في ~~حين كان غير مكلف بذلك في زمن الفترة فلقي من ذلك نصبا وعناء ، فلما حان ~~حين اتباع الحق ببعثة محمد تحمل مشقة العناد والإعراض عنه في وقت كان جديرا ~~فيه بأن يستريح من عنائه ؛ لحصول طلبته فكانت حالته شبيهة بحالة الكلب ~~الموصوف باللهث ، فهو يلهث في حالة وجود أسباب اللهث من الطرد والإرهاب ~~والمشقة وهي حالة الحمل عليه ، وفي حالة الخلو عن ذلك السبب وهي حالة تركه ~~في دعة ومسالمة ، والذي ينبه على هذا المعنى هو قوله أو تتركه } . # وليس لشيء من الحيوان حالة تصلح للتشبيه بها في الحالتين غير حالة الكلب ~~اللاهث ، لأنه يلهث إذا أتعب وإذا كان في دعة ، فاللهث في أصل خلقته . # وهذا التمثيل من مبتكرات القرآن فإن اللهث حالة تؤذن بحرج الكلب من جراء ~~عسر تنفسه عن اضطراب باطنه وإن لم يكن لاضطراب باطنه ، سبب آت من غيره ~~PageV09P177 فمعنى { إن تحمل عليه } إن تطارده وتهاجمه . مشتق من الحمل ~~الذي هو الهجوم على أحد لقتاله ، يقال حمل فلان على القوم حملة شعواء أو ~~حملة منكرة . وقد أغفل المفسرون توضيحه ، وأغفل الراغب في ( مفردات القرآن ~~) هذا المعنى لهذا الفعل . # فهذا تشبيه تمثيل مركب منتزعة فيه الحالة المشبهة والحالة المشبه بها من ~~متعدد ، ولما ذكر { تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث } في شق الحالة المشبه ~~بها ، تعين أن يكون لها مقابل في الحالة المشبهة ، وتتقابل أجزاء هذا ~~التمثيل بأن يشبه الضال بالكلب ms3315 ، ويشبه شقاؤه واضطراب أمره في مدة البحث عن ~~الدين بلهث الكلب في حالة تركه في دعة ، تشبيه المعقول بالمحسوس ، ويشبه ~~شقاؤه في إعراضه عن الدين الحق عند مجيئه بلهث الكلب في حالة طرده وضربه ~~تشبيه المعقول بالمحسوس . وقد أغفل هذا الذين فسروا هذه الآية فقرروا ~~التمثيل بتشبيه حالة بسيطة بحالة بسيطة في مجرد التشويه أو الخسة . فيؤول ~~إلى أن الغرض من تشبيهه بالكلب إظهار خسة المشبه ، كما درج عليه في ( ~~الكشاف ) ، ولو كان هذا هو المراد لما كان لذكر { إن تحمل عليه يلهث أو ~~تتركه يلهث } كبير جدوى ، بل يقتصر على أنه لتشويه الحالة المشبه بها ، ~~لتكتسب الحالة المشبهة تشويها ، وذلك تقصير في حق التمثيل . # والكلب حيوان من ذوات الأربع ذو أنياب وأظفار كثير النبح في الليل قليل ~~النوم فيه كثير النوم في النهار ، يألف من يعاشره ويحرس مكانه من الطارقين ~~الذين لا يألفهم ، ويحرس الأنعام التي يعاشرها ، ويعدو على الذئاب ، ويقبل ~~التعليم ، لأنه ذكي . # ويلهث إذا أتعب أو اشتد عليه الحر ، ويلهث بدون ذلك ، لأن في خلقته ضيقا ~~في مجاري النفس يرتاح له باللهث . # وجملة : { إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث } في موضع الحال من الكلب ~~والخطاب في { تحمل } وتترك لمخاطب غير معين ، والمعنى إن يحمل عليه حامل ، ~~أو يتركه تارك . # واللهث : سرعة التنفس مع امتداد اللسان لضيق النفس ، وفعله بفتح الهاء ~~وبكسرها ، ومضارعه بفتحها لا غير ، والمصدر اللهث بفتح اللام والهاء ويقال ~~PageV09P178 اللهاث بضم اللام ، لأنه من الأدواء ، وليس بصوت . # جملة مبينة لجملة : { واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا } الآيتين ، ~~والمثال الحال أي ذلك التمثيل مثل للمشركين المكذبين بالقرآن ، تشبيه بليغ ~~، لأن حالة الكلب المشتبه شبيهة بحال المكذبين وليست عينها . # والإشارة بذلك إلى { الذي آتيناه آياتنا } ، وهو صاحب القصة ، هو مثل ~~المشركين ، لأنهم شابهوه في أنهم أتوا القرآن فكذبوا به ، فكانت حالهم كحال ~~ذلك المكذب ، والأظهر أن تكون الإشارة إلى المثل في قوله : { كمثل الكلب } ~~أي حال الكلب المذكورة كحال المشركين المكذبين في أنهم كانوا يودون معرفة ms3316 ~~دين إبراهيم ، ويتمنون مساواة أهل الكتاب في العلم والفضل ، فكانوا بذلك في ~~عناء وحيرة في الجاهلية فلما جاءهم رسول منهم بكتاب مبين انتقلوا إلى عناء ~~معاندته كقوله تعالى : { أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى ~~منهم } ( الأنعام : 157 ) وهذا تأويل ما روي عن عبادة بن الصامت أن آية { ~~واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا } إلى آخرها نزلت في قريش . # وفرع على ذلك الأمر بقوله : { فاقصص القصص لعلهم يتفكرون } أي اقصص هذه ~~القصة وغيرها ، وهذا تذييل للقصة الممثل بها يشملها وغيرها من القصص التي ~~في القرآن ، فإن في القصص تفكرا وموعظة ، فيرجى منه تفكرهم وموعظتهم ، لأن ~~للأمثال واستحضار النظائر شانا عظيما في اهتداء النفوس بها وتقريب الأحوال ~~الخفية إلى النفوس الذاهلة أو المتغافلة ، لما في التنظير بالقصة المخصوصة ~~من تذكر مشاهدة الحالة بالحواس ، بخلاف التذكير المجرد عن التنظير بالشيء ~~المحسوس . # # | 2 ( 177 ) { سآء مثلا القوم الذين كذبوا بئاياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون ~~} . ) 2 # جملة مستأنفة لأنها جعلت إنشاء ذم لهم ، بأن كانوا في حالة شنيعة ~~PageV09P179 وظلموا أنفسهم . # والظلم هنا على حقيقته فإنهم ظلموا أنفسهم بما أحلوه بها من الكفر الذي ~~جعلهم مذمومين في الدنيا ومعذبين في الآخرة . # وتقديم المفعول للاختصاص ، أي ما ظلموا إلا أنفسهم ، وشأن العاقل أن لا ~~يؤذي نفسه ، وفيه إزالة تبجحهم بأنهم لم يتبعوا محمدا صلى الله عليه وسلم ~~ظنا منهم أن ذلك يغيظه ويغيظ المسلمين ، وإنما يضرون أنفسهم . # وجملة : { وأنفسهم كانوا يظلمون } يجوز أن تكون معطوفة على الصلة باعتبار ~~أنهم معروفون بمضمون هذه الجملة عند النبي والمسلمين ، ويجوز أن تكون ~~معطوفة على جملة : { ساء مثلا القوم } فتكون تذييلا للجملة التي قبلها ~~إخبارا عنهم بأنهم في تكذيبهم ، وإنتفاء من القصص ما ظلموا إلا أنفسهم . # وقوله : { كانوا يظلمون } أقوى في إفادة وصفهم بالظلم من أن يقال : ~~وظلموا أنفسهم ، كما تقدم في قوله تعالى : { وليكون من الموقنين في سورة ~~الأنعام ( 75 ) . # # | 2 ( 178 ) { من يهد الله فهو المهتدى ومن يضلل فأولائك هم الخاسرون } . ~~) 2 # هذه الجملة تذييل للقصة والمثل ms3317 وما أعقبا به من وصف حال المشركين ، فإن ~~هذه الجملة تحصل ذلك كله وتجري مجرى المثل ، وذلك أعلى أنواع التذييل ، ~~وفيها تنويه بشأن المهتدين وتلقين للمسلمين للتوجه إلى الله تعالى بطلب ~~الهداية منه والعصمة من مزالق الضلال ، أي فالذين لم يهتدوا إلى الحق بعد ~~أن جاءهم دلت حالهم على أن الله غضب عليهم فحرمهم التوفيق . # والهداية حقيقتها إبانة الطريق ، وتطلق على مطلق الإرشاد لما فيه النفع ~~سواء اهتدى المهدي إلى ما هدي إليه أم لم يهتد ، قال تعالى : { إنا هديناه ~~السبيل إما شاكرا وإما كفورا } ( الإنسان : 3 ) وقال : { وأما ثمود ~~فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى } ( فصلت : 17 ) . # ثم قد علم أن الفعل الذي يسند إلى الله تعالى إنما يراد به اتقن أنواع ~~تلك الماهية وأدومها ، ما لم تقم القرينة على خلاف ذلك ، فقوله : { من يهد ~~الله } يعنى به من يقدر الله اهتداءه ، وليس المعنى من يرشده الله بالأدلة ~~أو بواسطة الرسل ، PageV09P180 وقد استفيد ذلك من القصة المذيلة فإنه قال ~~فيها : { الذي آتيناه آياتنا } ( الأعراف : 175 ) فايتاء الآيات ضرب من ~~الهداية بالمعنى الأصلي ، ثم قال فيها { فانسلخ منها } ( الأعراف : 175 ) ~~وقال { ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه } ( الأعراف : 176 ) وقال : { ولو ~~شئنا لرفعناه بها } ( الأعراف : 176 ) فعلمنا أن الله أرشده ، ولم يقدر له ~~الاهتداء ، فالحالة التي كان عليها قبل أن يخلد إلى الأرض ليست حالة هدى ، ~~ولكنها حالة تردد وتجربة ، كما تكون حالة المنافق عند حضوره مع المسلمين إذ ~~يكون متلبسا بمحاسن الإسلام في الظاهر ، ولكنه غير مبطن لها كما قدمناه عند ~~قوله تعالى : { مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله ~~بنورهم } في سورة البقرة ( 17 ) ، فتعين أن يكون المعنى هنا : من يقدر الله ~~له أن يكون مهتديا فهو المهتدي . # والقصر المستفاد من تعريف جزأى الجملة { فهو المهتدي } قصر حقيقي ادعائي ~~باعتبار الكمال واستمرار الاهتداء إلى وفاة صاحبه ، وهي مسألة الموافاة عند ~~الأشاعرة ، أي وأما غيره فهو وإن بان مهتديا فليس بالمهتدي لينطبق هذا على ~~حال الذي ms3318 أوتي الآيات فانسلخ منها وكان الشأن أن يرفع بها . # وبهذا تعلم أن قوله { من يهد الله فهو المهتدي } ليس من باب قول أبي ~~النجم : # وشعري شعري # وقول النبي صلى الله عليه وسلم ( من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته ~~إلى الله ورسوله ) لأن ذلك فيما ليس في مفاد الثاني منه شيء زائد على مفاد ~~ما قبله بخلاف ما في الآية فإن فيها القصر . # وكذلك القول في { ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون } وزيد في جانب الخاسرين ~~الفصل باسم الإشارة لزيادة الاهتمام بتمييزهم بعنوان الخسران تحذيرا منه ، ~~فالقصر فيه مؤكد . # وجمع الوصف في الثاني مراعاة لمعنى ( من ) الشرطية ، وإنما روعي معنى ( ~~من ) الثانية دون الأولى ؛ لرعاية الفاصلة ولتبين أن ليس المراد ب ( من ) ~~الأولى مفردا . # وقد علم من مقابلة الهداية بالإضلال ، ومقابلة المهتدي بالخاسر أن ~~المهتدي فائز رابح فحذف ذكر ربحه إيجازا . # والخسران استعير لتحصيل ضد المقصود من العمل كما يستعار الربح لحصول ~~PageV09P181 الخير من العمل كما تقدم عند قوله تعالى : { ومن خفت موازينه ~~فأولئك الذين خسروا أنفسهم } في هذه السورة ( 9 ) ، وفي قوله : { فما ربحت ~~تجارتهم في سورة البقرة ( 16 ) . # # | 2 ( 179 ) ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون ~~بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم ءاذان لا يسمعون بهآ أولائك كالأنعام بل ~~هم أضل أولائك هم الغافلون } . ) 2 # عطف على جملة : { واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا } ( الأعراف : 175 ) ~~، والمناسبة أن صاحب القصة المعطوف عليها انتقل من صورة الهدى إلى الضلال ، ~~لأن الله لما خلقه خلقه ليكون من أهل جهنم ، مع مالها من المناسبة للتذييل ~~الذي ختمت به القصة وهو قوله : { من يهد الله فهو المهتدي } ( الأعراف : ~~178 ) الآية . # وتأكيد الخبر بلام القسم وبقد ؛ لقصد تحقيقه لأن غرابته تنزل سامعه خالي ~~الذهن منه منزلة المتردد في تأويله ، ولأن المخبر عنهم قد وصفوا ب { لهم ~~قلوب لا يفقهون بها } إلى قوله { بل هم أضل } ، والمعني بهم المشركون ، وهم ~~ينكرون أنهم في ضلال ويحسبون أنهم يحسنون صنعا ، وكانوا ms3319 يحسبون أنهم أصحاب ~~أحلام وأفهام ، ولذلك قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم في معرض التهكم { ~~قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر } ( فصلت : 5 ) . # والذرء الخلق وقد تقدم في قوله : { وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام ~~نصيبا في سورة الأنعام ( 136 ) . # واللام في لجهنم } للتعليل ، أي خلقنا كثيرا لأجل جهنم . # وجهنم مستعملة هنا في الأفعال الموجبة لها بعلاقة المسببية ، لأنهم خلقوا ~~لأعمال الضلالة المفضية إلى الكون في جهنم ، ولم يخلقوا لأجل جهنم ، لأن ~~جهنم لا يقصد إيجاد خلق لتعميرها ، وليست اللام لام العاقبة ؛ لعدم انطباق ~~حقيقتها عليها ، وفي ( الكشاف ) جعلهم لاغراقهم في الكفر ، وأنهم لا يأتي ~~منهم إلا أفعال أهل النار ، مخلوقين للنار دلالة على تمكنهم فيما يؤهلهم ~~لدخول النار اه ، وهذا PageV09P182 يقتضي أن تكون الاستعارة في { ذرأنا } ~~وهو تكلف راعى به قواعد الاعتزال في خلق أفعال العباد وفي نسبة ذلك إلى ~~الله تعالى . # وتقديم المجرور على المفعول في قوله : { لجهنم كثيرا } ليظهر تعلقه ب { ~~ذرأنا } . # ومعنى خلق الكثير لاعمال الشر المفضية إلى النار : أن الله خلق كثيرا ~~فجعل في نفوسهم قوى من شأنها إفساد ما أودعه في الناس من استقامة الفطرة ~~المشار إليها في قوله : { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم ~~وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى } ( الأعراف : 172 ) وهي قوى ~~الشهوة والغضب فخلقها أشد سلطانا على نفوسهم من القوة الفطرية المسماة ~~الحكمة ، فجعلت الشهوة والغضب المسمين بالهوى تغلب قوة الفطرة ، وهي الحكمة ~~والرشاد ، فترجح نفوسهم دواعي الشهوة والغضب فتتبعها وتعرض عن الفطرة ، ~~فدلائل الحق قائمة في نفوسهم ، ولكنهم ينصرفون عنها ؛ لغلبة الهوى عليهم ~~فبحسب خلقة نفوسهم غير ذات عزيمة على مقاومة الشهوات : جعلوا كأنهم خلقوا ~~لجهنم ، وكأنهم لم تخلق فيهم دواعي الحق في الفطرة . # والجن خلق غير مرئي لنا ، وظاهر القرآن أنهم عقلاء ، وأنهم مطبوعون على ~~ما خلقوا لأجله من نفع أو ضر ، وخير أو شر ، ومنهم الشياطين ، وهذا الخلق ~~لا قبل لنا بتفصيل نظامه ولا كيفيات تلقيه لمراد الله تعالى ms3320 منه . # وقوله : { لهم قلوب } حال أو صفة لخصوص الإنس ، لأنهم الذين لهم : قلوب ، ~~وعقول ، وعيون وآذان ، ولم يعرف للجن مثل ذلك ، وقد قدم الجن على الإنس في ~~الذكر ، ليتعين كون الصفات الواردة من بعد صفات للإنس وبقرينة قوله : { ~~أولئك كالأنعام } . # و { القلوب } اسم لموقع العقول في اللغة العربية ، وقد تقدم عند قوله ~~تعالى : { ختم الله على قلوبهم في سورة البقرة ( 7 ) . # والفقه تقدم عند قوله : لعلهم يفقهون } في سورة الأنعام ( 65 ) . # ومعنى نفي الفقه والإبصار والسمع عن آلالتها الكائنة فيهم أنهم عطلوا ~~أعمالها بترك استعمالها في أهم ما تصلح له : وهو معرفة ما يحصل به الخير ~~الأبدي ، PageV09P183 ويدفع به الضر الأبدي ، لأن الآت الإدراك والعلم ~~خلقها الله لتحصيل المنافع ودفع المضار ، فلما لم يستعملوها في جلب أفضل ~~المنافع ودفع أكبر المضار ، نفي عنهم عملها على وجه العموم للمبالغة ، لأن ~~الفعل في حيز النفي يعم ، مثل النكرة ، فهذا عام أريد به الخصوص للمبالغة ~~لعدم الاعتداد بما يعلمون من غير هذا ، فالنفي إستعارة بتشبيه بعض الموجود ~~بالمعدوم كله . # وليس في تقديم الأعين على الآذان مخالفة لما جرى عليه اصطلاح القرآن من ~~تقديم السمع على البصر لتشريف السمع يتلقى ما أمر الله به كما تقدم عند ~~قوله تعالى : { ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة } ( ~~البقرة : 7 ) لأن الترتيب في آية سورة الأعراف هذه سلك طريق الترقي من ~~القلوب التي هي مقر المدركات إلى الآت الإدراك الأعين ثم الآذان فللاذان ~~المرتبة الأولى في الارتقاء . # وجملة : { أولئك كالأنعام } مستأنفة لابتداء كلام بتفظيع حالهم فجعل ~~ابتداء كلام ليكون أدعى للسامعين . وعرفوا بالإشارة لزيادة تمييزهم بتلك ~~الصفات ، وللتنبيه على أنهم بسببها أحرياء بما سيذكر من تسويتهم بالأنعام ~~أو جعلهم أضل من الأنعام ، وتشبيههم بالأنعام في عدم الانتفاع بما ينتفع به ~~العقلاء فكأن قلوبهم وأعينهم وآذانهم ، قلوب الأنعام وأعينها وآذانها ، في ~~أنها لا تقيس الأشياء على أمثالها ، ولا تنتفع ببعض للدلائل العقلية فلا ~~تعرف كثيرا مما يفضي بها إلى سوء العاقبة . # و ( بل ) في قوله ms3321 : { بل هم أضل } للانتقال والترقي في التشبيه في الضلال ~~وعدم الانتفاع بما يمكن الانتفاع به ، ولما كان وجه الشبه المستفاد من قوله ~~: { كالأنعام } يؤول إلى معنى الضلال ، كان الارتقاء في التشبيه بطريقة اسم ~~التفضيل في الضلال . # ووجه كونهم أضل من الأنعام : أن الأنعام لا يبلغ بها ضلالها إلى إيقاعها ~~في مهاوي الشقاء الأبدي ، لأن لها إلهاما تتفصى به عن المهالك كالتردي من ~~الجبال والسقوط في الهوات ، هذا إذا حمل التفضيل في الضلال على التفضيل في ~~جنسه وهو الأظهر ، وإن حمل على التفضيل في كيفية الضلال ومقارناته كان وجهه ~~أن الأنعام قد خلق إدراكها محدودا لا يتجاوز ما خلقت لأجله ، فنقصان ~~انتفاعها بمشاعرها ليس عن تقصير منها ، فلا تكون بمحل الملامة ، وأما أهل ~~الضلالة فإنهم حجروا أنفسهم عن مدركاتهم ، بتقصير منهم وإعراض عن النظر ~~والاستدلال فهم أضل سبيلا من الأنعام . PageV09P184 # وجملة : { أولئك هم الغافلون } تعليل لكونهم أضل من الأنعام وهو بلوغهم ~~حد النهاية في الغفلة ، وبلوغهم هذا الحد أفيد بصيغة القصر الادعائي إذ ~~ادعي انحصار صفة الغفلة فيهم بحيث لا يوجد غافل غيرهم لعدم الاعتداد بغفلة ~~غيرهم كل غفلة في جانب غفلتهم كلا غفلة ، لأن غفلة هؤلاء تعلقت بأجدر ~~الأشياء بأن لا يغفل عنه ، وهو ما تقضي الغفلة عنه بالغافل إلى الشقاء ~~الأبدي ، فهي غفلة لا تدارك منها ، وعثرة لا لعى لها . # والغفلة عدم الشعور بما يحق الشعور به ، وأطلق على ضلالهم لفظ الغفلة ~~بناء على تشبيه الإيمان بأنه أمر بين واضح يعد عدم الشعور به غفلة ، ففي ~~قوله : { هم الغافلون } استعارة مكنية ضمنية ، والغفلة من روادف المشبه به ~~، وفي وصف { الغافلون } استعارة مصرحة بأنهم جاهلون أو منكرون . # وقد وقع التدرج في وصفهم بهذه الأوصاف من نفي انتفاعهم ، بمداركهم ثم ~~تشبيههم بالأنعام ، ثم الترقي إلى أنهم أضل من الأنعام ، ثم قصر الغفلة ~~عليهم . # $ 2 ( 180 ) { ولله الأسمآء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون فى & # 1764 أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون } . ) 2 $ # هذا خطاب للمسلمين ، فتوسطه في خلال مذام المشركين ؛ لمناسبة أن ms3322 أفظع ~~أحوال المعدودين لجنهم هو حال إشراكهم بالله غيره ، لأن في ذلك إبطالا لأخص ~~الصفات بمعنى الإلهية : وهي صفة الوحدانية وما في معناها من الصفات نحو ~~الفرد ، الصمد . وينضوي تحت الشرك تعطيل صفات كثيرة مثل : الباعث ، الحسيب ~~، والمعيد ، ونشأ عن عناد أهل الشرك إنكار صفة الرحمن . # فعقبت الآيات التي وصفت ضلال إشراكهم بتنبيه المسلمين للاقبال على دعاء ~~الله بأسمائه الدالة على عظيم صفات الإلهية ، والدوام على ذلك ، وأن يعرضوا ~~عن شغب المشركين وجدالهم في أسماء الله تعالى . # وقد كان من جملة ما يتورك به المشركون على النبي صلى الله عليه وسلم ~~والمسلمين ، أن أنكروا اسمه تعالى الرحمن ، وهو إنكار لم يقدمهم عليه جهلهم ~~بأن الله موصوف بما PageV09P185 يدل عليه وصف ( رحمان ) من شدة الرحمة ، ~~وإنما أقدمهم عليه ما يقدم كل معاند من تطلب التغليظ والتخطئة للمخالف ، ~~ولو فيما يعرف أنه حق ، وذكر ابن عطية ، وغيره . أنه روي في سبب نزول قوله ~~تعالى : { ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها } أن أبا جهل سمع بعض أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ فيذكر الله في قراءته ، ومرة يقرأ فيذكر ~~الرحمن فقال أبو جهل ( محمد يزعم أن الإله واحد وهو إنما يعبد آلهة كثيرة ) ~~فنزلت هذه الآية . # فعطف هذه الآية على التي قبلها عطف الإخبار عن أحوال المشركين وضلالهم ، ~~والغرض منها قوله : { وذروا الذين يلحدون في أسمائه } . # وتقديم المجرور المسند على المسند إليه ؛ لمجرد الاهتمام المفيد تأكيد ~~استحقاقه إياها ، المستفاد من اللام ، والمعنى أن اتسامه بها أمر ثابت ، ~~وذلك تمهيد لقوله : { فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه } ، وقد ~~التزم مثل هذا التقديم في جميع الآي التي في هذا الغرض مثل قوله في سورة ~~الإسراء ( 110 ) { فله الأسماء الحسنى } وسورة طه ( 8 ) { له الأسماء ~~الحسنى وفي سورة الحشر ( 24 ) له الأسماء الحسنى } ، وكل ذلك تأكيد للرد ~~على المشركين أن يكون بعض الأسماء الواردة في القرآن أو كلام النبي صلى ~~الله عليه وسلم أسماء لله تعالى بتخييلهم أن تعدد الاسم تعدد للمسمى تمويها ~~على الدهماء ms3323 . # والأسماء هي الألفاظ المجعولة أعلاما على الذات بالتخصيص أو بالغلبة فاسم ~~الجلالة وهو ( الله ) علم على ذات الإله الحق بالتخصيص ، شأن الأعلام ، و ( ~~الرحمن ) و ( الرحيم ) اسمان لله بالغلبة ، وكذلك كل لفظ مفرد دل على صفة ~~من صفات الله ، وأطلق إطلاق الأعلام نحو الرب ، والخالق ، والعزيز ، ~~والحكيم ، والغفور ، ولا يدخل في هذا ما كان مركبا إضافيا نحو : ذو الجلال ~~، ورب العرش ، فإن ذلك بالأوصاف أشبه ، وإن كان دالا على معنى لا يليق إلا ~~بالله نحو : { ملك يوم الدين } ( الفاتحة : 4 ) . # والحسنى مؤنث الأحسن ، وهو المتصف بالحسن الكامل في ذاته ، المقبول لدى ~~العقول السليمة المجردة عن الهوى ، وليس المراد بالحسن الملاءمة لجميع ~~الناس ، لأن الملاءمة وصف إضافة نسبي ، فقد يلائم زيدا ما لا يلائم عمرا ، ~~فلذلك فالحسن صفة ذاتية للشيء الحسن . PageV09P186 # ووصف الأسماء ب { الحسنى } : لأنها دالة على ثبوت صفات كمال حقيقي ، أما ~~بعضها فلأن معانيها الكاملة لم تثبت إلا لله نحو الحي ، والعزيز ، والحكيم ~~، والغني ، وأما البعض الآخر فلأن معانيها مطلقا لا يحسن الاتصاف بها إلا ~~في جانب الله نحو المتكبر ، والجبار ، لأن معاني هذه الصفات وأشباهها كانت ~~نقصا في المخلوق من حيث أن المتسم بها لم يكن مستحقا لها لعجزه أو لحاجته ، ~~بخلاف الإله ، لأنه الغني المطلق ، فكان اتصاف المخلوق بها منشأ فساد في ~~الأرض ، وكان اتصاف الخالق بها منشأ صلاح ، لأنها مصدر العدالة والجزاء ~~القسط . # والتفريع في قوله : { فادعوه بها } تفريع عن كونها أسماء له ، وعن كونها ~~حسنى ، أي فلا حرج في دعائه بها ؛ لأنها أسماء متعددة لمسمى واحد ، لا كما ~~يزعم المشركون ، ولأنها حسنى فلا ضير في دعاء الله تعالى بها . وذلك يشير ~~إلى أن الله يدعى بكل ما دل على صفاته وعلى أفعاله . # وقد دلت الآية على أن كل ما دل على صفة الله تعالى وشأن من شؤونه على وجه ~~التقريب للأفهام بحسب المعتاد يسوغ أن يطلق منه اسم لله تعالى ما لم يكن ~~مجيئه على وجه المجاز نحو { الله يستهزىء بهم } ( البقرة : 15 ) أو يوهم ms3324 ~~معنى نقص في متعارف الناس نحو الماكر من قوله : { والله خير الماكرين } ( ~~آل عمران : 54 ) . # وليست أسماء الله الحسنى منحصرة في التسعه والتسعين الواردة في الحديث ~~الصحيح عن الأعرج ، وعن أبي رافع ، وعن همام بن منبه ، عن أبي هريرة : أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن لله تسعة وتسعين أسما من أحصاها ~~دخل الجنة ) لأن الحديث الصحيح ليس فيه ما يقتضي حصر الأسماء في ذلك العدد ~~، ولكن تلك الأسماء ذات العدد لها تلك المزية ، وقد ثبت أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم دعا فقال يا حنان يا منان ولم يقع هذان الاسمان فيما روي من ~~التسعة والتسعين ، وليس في الحديث المروي بأسانيد صحية مشهورة تعيين ~~الأسماء التسعة والتسعين ، ووقع في ( جامع الترمذي ) من رواية شعيب بن أبي ~~حمزة ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة بعد قوله : ( دخل الجنة ) هو الله الذي لا ~~إله إلا هو الرحمن الرحيم إلى آخرها ، فعين صفات لله تعالى تسعا وتسعين ، ~~وهي المشهورة بين الذين تصدوا لبيانها ، قال الترمذي : ( هذا حديث غريب ~~حدثنا به غير واحد عن صفوان بن صالح وهو ثقة PageV09P187 عند أهل الحديث ، ~~ولا نعلم في شيء من الروايات لها إسناد صحيح ذكر الأسماء إلا في هذا الحديث ~~) . # وتعيين هذه الأسماء لا يقتضي أكثر من أن مزيتها أن من أحصاها وحفظها دخل ~~الجنة ، فلا يمنع أن تعد لله أسماء أخرى . وقد عد ابن برحان الإشبيلي في ~~كتابه ( أسماء الله الحسنى ) مائة واثنتين وثلاثين اسما مستخرجة من القرآن ~~والأحاديث المقبولة ، وذكر القرطبي : أن له كتابا سماه ( الأسنى في شرح ~~الأسماء الحسنى ) ذكر فيه من الأسماء ما ينيف على مائتي اسم ، وذكر أيضا أن ~~أبا بكر بن العربي ذكر عدة من أسمائه تعالى مثل متم نوره ، وخير الوارثين ، ~~وخير الماكرين ، ورابع ثلاثة ، وسادس خمسة ، والطيب ، والمعلم إلخ . # ولا تخفى سماجة عد نحو رابع ثلاثة ، وسادس خمسة ، فإنها وردت في القرآن ~~في سياق المجاز الواضح ولا مناص من تحكيم الذوق السليم ، وليس مجرد الوقوف ~~عند صورة ms3325 ظاهرة من اللفظ ، وذكر ابن كثير في ( تفسيره ) عن كتاب ( الأحوذي ~~في شرح الترمذي ) لعله يعني ( عارضة الأحوذي ) ( أن بعضهم جمع من الكتاب ~~والسنة من أسماء الله تعالى ألف اسم ) ولم أجده في نسخ ( عارضة الأحواذي ) ~~لابن العربي ، ولا ذكره القرطبي وهو من خاصة تلاميذ ابن العربي ، والموجود ~~في كتاب ( أحكام القرآن ) له أنه حضره منها مائة وستة وأربعون اسما وساقها ~~في كتاب ( الأحكام ) ، وسقط واحد منها في المطبوعة ، وذكر أنه أبلغها في ~~كتابه ( الآمد ) ( أي ( الامد الأقصى ) ) في شرح الأسماء إلى مائة وستة ~~وسبعين اسما . # قال ابن عطية : واختلف في الاسم الذي يقتضي مدحا خالصا ، ولا تتعلق به ~~شبهة ولا اشتراك إلا أنه لم يرد منصوصا هل يطلق ويسمى الله به ، فنص ~~الباقلاني على جواز ذلك ، ونص أبي الحسن الأشعري على منع ذلك ، والفقهاء ~~والجمهور على المنع ، والصواب : أن لا يسمى الله تعالى إلا باسم قد أطلقته ~~الشريعة ، وأن يكون مدحا خالصا لا شبهة فيه ولا اشتراك أمر لا يحسنه ، إلا ~~الأقل من أهل العلوم ، فإذا أبيح ذلك تسور عليه من يظن بنفسه الإحسان ، ~~فادخل في أسماء الله ما لا يجوز إجماعا . واختلف في الأفعال التي في القرآن ~~نحو { الله يستهزىء بهم } ( البقرة : 15 ) و { مكر الله } ( آل عمران : 54 ~~) ونحو ذلك هل يطلق منها اسم الفاعل ، فقالت فرقة : لا يطلق ذلك بوجه ، ~~وجوزت فرقة أن يقال ذلك مقيدا بسببه نحو : الله ماكر بالذين يمكرون بالدين ~~، وأما إطلاق ذلك PageV09P188 دون تقييد فممنوع إجماعا . # والمراد من ترك { الذين يلحدون في أسمائه } الإمساك عن الاسترسال في ~~محاجتهم لظهور أنهم غير قاصدين معرفة الحق ، أو ترك الإصغاء لكلامهم ؛ لئلا ~~يفتنوا عامة المؤمنين بشبهاتهم ، أي اتركوهم ولا تغلبوا أنفسكم في مجادلتهم ~~، فإني سأجزيهم وقد تقدم معنى ( ذر ) عند قوله تعالى : { وذر الذين اتخذوا ~~دينهم لعبا ولهوا في سورة الأنعام ( 70 ) . # والإلحاد : الميل عن وسط الشيء إلى جانبه ، وإلى هذا المعنى ترجع مشتقاته ~~كلها ، ولما كان وسط الشيء يشبه به الحق والصواب ، استتبع ذلك ms3326 تشبيه العدول ~~عن الحق إلى الباطل بالإلحاد ، فأطلق الإلحاد على الكفر والإفساد ، ويعدى ~~حينئذ ب ( في ) لتنزيل المجرور بها منزلة المكان للإلحاد ، والأكثر أن يكون ~~ذلك عن تعمد للإفساد ، ويقال : لحد وألحد ، والأشهر ألحد . # وقرأ من عدا حمزة يلحدون } بضم الياء وكسر الحاء من ألحد المهموز ، وقرأه ~~حمزة وحده : بفتح الياء والحاء ، من لحد المجرد . # وإضافة الأسماء إلى الله تؤذن بأن المقصود أسماؤه التي ورد في الشرع ما ~~يقتضي تسميته بها . # ومعنى الإلحاد في أسماء الله جعلها مظهرا من مظاهر الكفر ، وذلك بإنكار ~~تسميته تعالى بالأسماء الدالة على صفات ثابتة له ، وهو الأحق بكمال مدلولها ~~فإنهم أنكروا الرحمن ، كما تقدم ، وجعلوا تسميته به في القرآن وسيلة ~~للتشنيع ، ولمز النبي عليه الصلاة والسلام بأنه عدد الآلهة ، ولا أعظم من ~~هذا البهتان والجور في الجدال ، فحق بأن يسمى إلحادا ؛ لأنه عدول عن الحق ~~بقصد المكابرة والحسد . # وهذا يناسب أن يكون حرف ( في ) من قوله : { في أسمائه } مستعملا في معنى ~~التعليل كقول النبي صلى الله عليه وسلم ( دخلت امرأة النار في هرة ) الحديث ~~، وقول عمر بن أبي ربيعة : # وعصيت فيك أقاربي فتقطعت # بيني وبينهم عرى أسبابي PageV09P189 # وقد جوز المفسرون احتمالات أخرى في معنى الإلحاد في أسمائه : منها ثلاثة ~~ذكرها الفخر ، وأنا لا أراها ملاقية لإضافة الأسماء إلى ضميره تعالى ، كما ~~لا يخفى عن الناظر فيها . # وجملة : { سيجزون ما كانوا يعملون } تتنزل منزلة التعليل للأمر بترك ~~الملحدين ، فلذلك فصلت ، أي لا تهتموا بإلحادهم ولا تحزنوا له ، لأن الله ~~سيجزيهم بسوء صنيعهم ، وسمي إلحادهم عملا ؛ لأنه من أعمال قلوبهم وألسنتهم ~~. # و ( ما ) موصولة عامة أي سيجزون بجميع ما يعملونه من الكفر ، ومن جملة ~~ذلك إلحادهم في أسمائه . # والسين للاستقبال ، وهي تفيد تأكيد . # وقيل : { ما كانوا يعملون } دون ما عملوا أو ما يعملون للدلالة على أن ~~ذلك العمل سنة لهم ومتجدد منهم . # # | 2 ( 181 183 ) { وممن خلقنآ أمة يهدون بالحق وبه يعدلون * والذين كذبوا ~~بئاياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون * وأملى لهم إن كيدى متين } . ) 2 ms3327 # عطف على جملة : { ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس } ( الأعراف : ~~179 ) الآية ، والمقصود : التنويه بالمسلمين في هديهم واهتدائهم ، وذلك ~~مقابلة لحال المشركين في ضلالهم ، أي عرض عن المشركين ، فإن الله أغناك ~~عنهم بالمسلمين ، فما صدق ( الأمة ) هم المسلمون بقرينة السياق كما في قول ~~لبيد : # تراك أمكنة إذا لم أرضها # أو يعتلق بعض النفوس حمامها # يريد نفسه فإنها بعض النفوس . روى الطبري عن قتادة قال بلغنا أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا قرأ هذه الآية : ( هذه لكم وقد أعطي القوم ~~بين أيديكم مثلها ) . # وقوله : { ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون } وبقية ألفاظ الآية ~~عرف تفسيرها من نظره المتقدمة في هذه السورة . PageV09P190 # والذين كذبوا بالآيات هم المشركون الذين كذبوا بالقرآن ، وقد تقدم وجه ~~تعدية فعل التكذيب بالباء ؛ ليدل على معنى الإنكار عند قوله تعالى : { قل ~~إني على بينة من ربي وكذبتم به } في سورة الأنعام ( 57 ) . # والاستدراج مشتق من الدرجة بفتحتين وهي طبقة من البناء مرتفعة من الأرض ~~بقدر ما ترتفع الرجل للارتقاء منها إلى ما فوقها تيسيرا للصعود في مثل ~~العلو أو الصومعة أو البرج ، وهي أيضا واحدة الأعواد المصفوفة في السلم ~~يرتقى منها إلى التي فوقها ، وتسمى هذه الدرجة مرقاة ، فالسين والتاء في ~~فعل الاستدراج للطلب ، أي طلب منه أن يتدرج ، أي صاعدا أو نازلا ، والكلام ~~تمثيل لحال القاصد إبدال حال أحد إلى غيرها بدون إشعاره ، بحال من يطلب من ~~غيره أن ينزل من درجة إلى أخرى بحيث ينتهي إلى المكان الذي لا يستطيع ~~الوصول إليه بدون ذلك ، وهو تمثيل بديع يشتمل على تشبيهات كثيرة ، فإنه ~~مبني على تشبيه حسن الحال برفعة المكان وضده بسفالة المكان ، والقرينة تعين ~~المقصود من انتقال إلى حال أحسن أو أسوا . # ومما يشير إلى مراعاة هذا التمثيل في الآية قوله تعالى : { من حيث لا ~~يعلمون } ولما تضمن الاستدراج معنى الإيصال إلى المقصود علق بفعله مجرور ~~بمن الابتدائية أي مبتدئا استدراجهم من مكان لا يعلمون أنه مفض بهم إلى ~~المبلغ ms3328 الضار ، ف { حيث } هنا للمكان على أصلها ، أي من مكان لا يعلمون ما ~~يفضي إليه ، وحذف مفعول يعلمون لدلالة الاستدراج عليه ، والتقدير : لا ~~يعلمون تدرجه ، وهذا مؤذن بأنه استدراج عظيم لا يظن بالمفعول به أن يتفطن ~~له . # والإملاء إفعال وهو الإمهال ، وهمزة هذا المصدر منقلبة عن واو ، مشتق من ~~الملاوة مثلثة الميم ، وهي مدة الحياة يقال أملاه وملاه إذا أمهله وأخره ، ~~كلاهما بالألف دون همز فهو قريب من معنى عمره ، ولذلك يقال في الدعاء ~~بالحياة ملاك الله . # واللام في قوله : { لهم } هي اللام التي تسمى : لام التبيين ، ولها ~~استعمالات كثيرة فيها خفاء ومرجعها : إلى أنها يقصد منها تبيين اتصال ~~مدخولها بعامله لخفاء في ذلك الاتصال ، فإن اشتقاق أملى من الملو اشتقاق ~~غير مكين ، لأن المشتق PageV09P191 منه ليس فيه معنى الحدث ، فلم يجيء منه ~~فعل مجرد ، فاحتيج إلى اللام ، لتبيين تعلق المفعول بفعله . # وأما قولهم : أملى للبعير بمعنى أطال له في طوله في المرعى ، فهو جاء من ~~هذا المعنى بضرب من المجاز أو الاستعارة . # فجملة : { إن كيدي متين } في موضع العلة للجملتين قبلها ، فإن الاستدراج ~~والإملاء ضرب من الكيد ، وكيد الله متين أي قوي لا انفلات منه للمكيد . # وموقع ( إن ) هنا موقع التفريع والتعليل ، كما قال عبد القاهر : إنها ~~تغني في مثل هذا الموقع غناء الفاء ، وقد تقدم بيان ذلك عند قوله تعالى : { ~~إن أول بيتت وضع للناس } في سورة آل عمران ( 96 ) ، أي : يكون ذلك ~~الاستدراج وذلك الاملاء بالغين ما أردناه بهم لأن كيدي قوي . # ولما كان { أملي } معطوفا على { سنستدرجهم } ، فهو مشارك له في الدخول ~~تحت حكم الاستبقال ، أي : وسأملي لهم . # والمغايرة بين فعلي ( نستدرج ) و ( أملي ) في كون ثانيهما بهمزة المتكلم ~~، وأولهما بنون العظمة مغايرة اقتضتها الفصاحة من جهة ثقل الهمزة بين حرفين ~~متماثلين في النطق في { سنستدرجهم } وللتفنن والاكتفاء بحصول معنى التعظيم ~~الأول . # و ( الكيد ) لم يضبط تحديد معناه في كتب اللغة ، وظاهرها أنه يرادف المكر ~~والحيلة ، وقال الراغب : ( ضرب من الاحتيال ، وقد يكون مذموما وممدوحا وإن ms3329 ~~كان يستعمل في المذموم أكثر وهو يقتضي أن الكيد أخص من الاحتيال وما ذلك ~~إلا لأنه غلب استعماله في الاحتيال على تحصيل ما لو اطلع عليه المكيد ~~لاحترز منه ، فهو احتيال فيه مضرة ما على المفعول به ، فمراد الراغب ~~بالمذموم المذموم عند المكيد لا في نفس الأمر ) وقال ابن كمال باشا : الكيد ~~الأخذ على خفاء ، ولا يعتبر فيه إظهار الكائد خلاف ما يبطنه . # ويتحصل من هذه التدقيقات : أن الكيد أخص من الحيلة ومن الاستدراج . # ووقوع جملة : { إن كيدي متين } موقع التعليل يقتضي أن استدراجهم والإملاء ~~لهم كيد ، فيفيد أنه استدراج إلى ما يكرهونه ، وتأجيل لهم إلى حلول ما ~~يكرهونه ، PageV09P192 لأن مضمون الجملة الثانية على هذا شامل لمضمون ~~الجملة السابقة مع زيادة الوصف ، المتين ، ما لو حمل الكيد على معنى الأخذ ~~على خفاء بقطع النظر عن إظهار خلاف ما يخفيه ، فإن جملة : إن كيدي متين لا ~~تفيد إلا تعليل الاستدراج والإملاء بأنهما من فعل من يأخذ على خفاء دون ~~تلوين أخذه بما يغر المأخوذ ، فكأنه قال : سنستدرجهم من حيث لا يعلمون ~~كائدين لهم ، إن كيدي متين . # وإطلاقه هنا جاء على طريقة التمثيلية بتشبيه الحال التي يستدرج الله بها ~~المكذبين مع تأخير العذاب عنهم إلى أمد هم بالغوه ، بحال من يهيىء أخذا ~~لعدوه مع إظهار المصانعة والمحاسنة ؛ ليزيد عدوه غرورا ، وليكون وقوع ضر ~~الأخذ به أشد وأبعد عن الاستعداد لتلقيه . # و ( المتين ) القوي ، وحقيقته القوي المتن أي الظهر ، لأن قوة متنه تمكنه ~~من الأعمال الشديدة ، ومتن كل شيء عموده وما يتماسك به . # # | 2 ( 184 ) { أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن هو إلا نذير مبين } . ) ~~2 # لما كان تكذيبهم بالآيات منبعثا عن تكذيبهم من جاء بها ، وناشئا عن ظن أن ~~آيات الله لا يجيء بها البشر ، وأن من يدعي أنه مرسل من الله مجنون ، عقب ~~الإخبار عن المكذبين ووعيدهم بدعوتهم للنظر في حال الرسول ، وأنه ليس ~~بمجنون كما يزعمون . # واستعمال العرب همزة الاستفهام مع حروف العطف المشركة في الحكم استعمال ~~عجيب تقدم ms3330 بيانه عند قوله تعالى : { أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم ~~أستكبرتم } في سورة البقرة ( 87 ) . # والجملة مستأنفة ، وهي ابتداء كلام في محاجتهم وتنبيههم بعد الإخبار عنهم ~~بأنهم مستدرجون ومملى لهم . # والاستفهام للتعجيب من حالهم والانكار عليهم ، و ( ما ) في قوله : { ما ~~بصاحبهم من جنة } نافية كما يؤذن به دخول ( من ) على منفى ما ، لتأكيد ~~الاستغراق . # وفعل { يتفكروا } منزل منزلة اللازم ، فلا يقدر له متعلق للاستغناء عن ~~ذلك بما PageV09P193 دل عليه النفي في قوله : { ما بصاحبهم من جنة } أي ألم ~~يكونوا من المفكرين أهل النظر ، والفعل المعلق عن العمل لا يقدر له مفعول ~~ولا متعلق . # والمقصود من تعليق الفعل هو الانتقال من علم الظان إلى تحقيق الخبر ~~المظنون وجعله قضية مستقلة ، فيصير الكلام بمنزلة خبرين خبر من جانب الظان ~~ونحوه ، وخبر من جانب المتكلم دخل في قسم الواقعات فنحو قوله تعالى : { لقد ~~علمت ما هؤلاء ينطقون } ( الأنبياء : 65 ) هو في قوة أن يقال : لقد علمت لا ~~ينطقون ما هؤلاء ينطقون ، أي ذلك علمك وهذا علمي ، وقوله هنا : { أو لم ~~يتفكروا ما بصاحبهم من جنة } في قوة : أو لم يتفكروا صاحبهم غير مجنون ، ما ~~بصاحبهم من جنة . فتعليق أفعال القلب ضرب من ضروب الإيجاز ، وأحسب هذا هو ~~الغرض من أسلوب التعليق لم ينبه عليه علماء المعاني ، وأن خصائص العربية لا ~~تنحصر . # و ( الصاحب ) حقيقته الذي يلازم غيره في حالة من سفر أو نحوه ، ومنه قوله ~~تعالى : { يا صاحبي السجن } ( يوسف : 41 ) ، وسميت الزوجة صاحبة ، ويطلق ~~مجازا على الذي له مع غيره حادث عظيم وخبر ، تنزيلا لملازمة الذكر منزلة ~~ملازمة الذات ، ومنه قول أبي معبد الخزاعي لامرأته ، أم معبد ، لما أخبرته ~~بدخول النبي صلى الله عليه وسلم بيتها في طريق الهجرة ووصفت له هديه وبركته ~~: ( هذا صاحب قريش ) ، وقول الحجاج في بعض خطبه لأهل العراق ( ألستم أصحابي ~~بالأهواز حين رمتم الغدر واستبطنتم الكفر ) يريد أنهم الذين قاتلوه ~~بالأهواز ، فمعنى كونهم أصحابه أنه كثر اشتغاله بهم ، وقول الفضل بن عباس ~~اللهبي : # كل له ms3331 نية في بغض صاحبه # بنعمة الله نقليكم وتقلونا # فوصف الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه صاحب الذين كذبوا بالآيات : هو ~~بمعنى الذي اشتغلوا بشأنه ولزموا الخوض في أمره ، وقد تكرر ذلك في القرآن ~~كقوله تعالى : { وما صاحبكم بمجنون } ( التكوير : 22 ) . # والجنة بكسر الجيم اسم للجنون ، وهو الخبال الذي يعتري الإنسان من أثر مس ~~الجن إياه في عرف الناس ، ولذلك علقت الجنة بفعل الكون المقدر ، ~~PageV09P194 بحرف الباء الدال على الملابسة . وإنما أنكر عليهم وعجب من ~~إعراضهم عن التفكر في شأن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه غير مجنون ، ردا ~~عليهم وصفهم إياه بالجنون { وقالوا يأيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون } ~~( الحجر : 6 ) ، { وقالوا معلم مجنون } ( الدخان : 14 ) وهذا كقوله تعالى : ~~{ وما صاحبكم بمجنون } ( التكوير : 22 ) . # وجملة : { إن هو إلا نذير مبين } استئناف بياني لجواب سائل منهم يقول : ~~فماذا شأنه ، أو هي تقرير لحكم جملة : { ما بصاحبهم من جنة } ففصلت لكمال ~~الاتصال بينهما المغني عن العطف . # والنذير المحذر من شيء يضر ، وأصله الذي يخبر القوم بقدوم عدوهم ، ومنه ~~المثل ( أنا النذير العريان ) يقال أنذر نذارة بكسر النون مثل بشارة فهو ~~منذر ونذير . # وهذا مما جاء فيه فعيل في موضع مفعل ، مثل الحكيم ، بمعنى المحكم ، وقول ~~عمرو بن معديكرب : # أمن ريحانة الداعي السميع # أي المسمع . والمبين اسم فاعل من أبان إذا أوضح ، ووقع هذا الوصف عقب ~~الإخبار ب ( نذير ) يقتضي أنه وصف للخبر ، فالمعنى أنه النذير المبين ~~لنذارته بحيث لا يغادر شكا في صدقه ، ولا في تصوير الحال المحذر منها ، ~~فالغرض من اتباع ( النذير ) بوصف ( المبين ) التعريض بالذين لم ينصاعوا ~~لنذارته ، ولم يأخذوا حذرهم من شر ما حذرهم منه ، وذلك يقطع عذرهم . # ويجوز جعل { مبين } خبرا ثانيا عن ضمير صاحبهم ، والمعنى أنه نذير وأنه ~~مبين فيما يبلغه من نذارة وغيرها . # والقصر المستفاد من النفي والاستثناء قصر موصوف على صفة ، وهو يقتضي ~~انحصار أوصاف الرسول صلى الله عليه وسلم في النذارة والبيان ، وذلك قصر ~~إضافي ، هو قصر قلب ، أي هو نذير مبين لا مجنون ms3332 كما يزعمون ، وفي هذا ~~استغباء أو تسفيه لهم بأن حاله لا يلتبس بحال المجنون للبون الواضح بين حال ~~النذارة البينة وحال هذيان المجنون . فدعواهم جنونه : إما غباوة منهم بحيث ~~التبست عليهم الحقائق المتمايزة ، PageV09P195 وإما مكابرة وعناد وافتراء ~~على الرسول . # $ 2 ( 185 ) { أولم ينظروا فى ملكوت السماوات والارض وما خلق الله من شىء ~~وأن عسى & # 1764 ا أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون } . ) 2 $ # ترق في الإنكار والتعجيب من حالهم في إعراضهم عن النظر في حال رسولهم . ~~إلى الإنكار والتعجيب من إعراضهم عن النظر فيما هو أوضح من ذلك وأعم ، وهو ~~ملكوت السماوات والأرض ، وما خلق الله من شيء مما هو آيات من آيات وحدانية ~~الله تعالى التي دعاهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان بها . ~~والمناسبة بين الكلامين : أن دعوة الرسول إلى التوحيد وإبطال الشرك هو من ~~أكبر بواعثهم على تكذيبه { أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب } ( ص ~~: 5 ) . # وعدي فعل ( النظر ) إلى متعلقه بحرف الظرفية ، لأن المراد التامل بتدبر ، ~~وهو التفكر كقوله تعالى : { وفي أنفسكم أفلا تبصرون } ( الذاريات : 21 ) ~~وتقول نظرت في شأني ، فدل بحرف الظرفية على أن هذا التفكر عميق متغلغل في ~~أصناف الموجودات وهي ظرفية مجازية . # والملكوت الملك العظيم ، وقد مضى عند قوله تعالى : { وكذلك نري إبراهيم ~~ملكوت السماوات والأرض } في سورة الأنعام ( 75 ) . # وإضافته إلى السماء والأرض بيانية أي الملك الذي هو السماوات والأرض أي ~~ملك الله لهما ، فالمراد السماء بمجموعها والأرض بمجموعها الدالين على عظم ~~ملك الله تعالى . # وعطف { وما خلق الله من شيء } على { ملكوت } فقسم النظر إلى نظر في عظيم ~~ملك الله تعالى ، وإلى نظر في مخلوقاته ودقائق أحوالها الدالة على عظيم ~~قدرة الله تعالى ، فالنظر إلى عظمة السماوات والأرض دليل على عظم ملك الله ~~تعالى فهو الحقيق بالإلهية دون غيره ، والنظر إلى المخلوقات دليل على عظم ~~قدرته تعالى ، وأنه المنفرد بالصنع فهو الحقيق بالإلهية ، فلو نظروا في ذلك ~~نظر اعتبار ؛ لعلموا أن PageV09P196 صانع ذلك كله ليس ms3333 إلا إلاه واحد ، ~~فلزال إنكارهم دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إبطال الشرك . # وقوله : { وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم } معطوف على { وما خلق الله من ~~شيء } . # و { أن } هذه هي أن المفتوحه الهمزة المشددة النون خففت ، فكان اسمها ~~ضمير شأن مقدرا . وجملة : { عسى أن يكون } إلخ خبر ضمير الشأن . # و { أن } التي بعد عسى مصدرية هي التي تزاد بعد عسى غالبا في الاستعمال . # واسم { يكون } ضمير شأن أيضا محذوف ، لأن ما بعد ( يكون ) غير صالح لأن ~~يعتبر اسما لكان ، والمعنى ألم ينظروا في توقع قرب أجلهم . # وصيغ الكلام على هذا النظم ؛ لإفادة تهويل الأمر عليهم وتخويفهم ، بجعل ~~متعلق النظر من معنى الإخبار للدلالة على أنه أمر من شأنه أن يخطر في ~~النفوس ، وأن يتحدث به الناس ، وأنه قد صار حديثا وخبرا فكأنه أمر مسلم ~~مقرر . # وهذا موقع ضمير الشان حيثما ورد ، ولذلك يسمى : ضمير القصة اعتدادا بأن ~~جملة خبره قد صارت شيئا مقررا ومما يقصه الناس ويتحدثون به . # ومعنى النظر في توقع اقتراب الأجل ، التخوف من ذلك . # والأجل المضاف إلى ضمير المكذبين هو أجل الأمة لا أجل الأفراد ، لأن ~~الكلام تهديد بأجل غير متعارف ، نبههم إلى التفكر في توقع حلول الاستئصال ~~بهم وإهلاكهم كما هلك المكذبون من قبلهم ، لأنهم إذا تفكروا في أن صاحبهم ~~ليس بمجنون حصل لهم العلم بأنه من العقلاء ، فما كان العاقل بالذي يحدث ~~لقومه حادثا عظيما مثل هذا ، ويحدث لنفسه عناء كهذا العناء لغير أمر عظيم ~~جاء به ، وما كان ليدع الكذب على الناس ويكذب على الله ، وإذا نظروا في ~~ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء علموا أن الله الملك الأعظم ، ~~وأنه خالق المخلوقات ، فأيقنوا بأنه الإله الواحد ، فآل ذلك إلى تصديق ~~الرسول عليه الصلاة والسلام ، وإبطال معتقدهم تعدد الآلهة أو آل في أقل ~~الاحتمالات إلى الشك في ذلك ، فلا جرم أن يفضي بهم إلى النظر في توقع مصير ~~لهم مثل ما صار إليه المكذبون من قبلهم . # ويجوز أن يكون ms3334 المراد بالأجل مجيء الساعة ، وانقراض هذا العالم ، فهو ~~أجلهم PageV09P197 وأجل غيرهم من الناس فيكون تخويفا من يوم الجزاء . # ومن بديع نظم هذه الآيات : أنه لما أريد التبصر والتفكر في ثبوت الحقائق ~~والنسب في نفس الأمر جيء مع فعلى القلب بصيغة القضية والخبر في قوله : { ~~أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة } ( الأعراف : 184 ) وقوله : { وأن عسى أن ~~يكون قد اقترب أجلهم } ولما أريد التبصر والتفكر في صفات الذات جعل فعل ~~القلب متعلقا بأسماء الذوات في قوله : { أولم ينظروا في ملكوت السماوات ~~والأرض وما خلق الله من شيء } . # ثم فرع على التهديد والوعيد توبيخهم والإنكار عليهم بطريقة الاستفهام ~~التعجيبي المفيد للاستبعاد بقوله : { فبأي حديث بعده يؤمنون } فهو تعجيب ~~مشوب باستبعاد للإيمان بما أبلغ إليهم الله بلسان رسوله عليه الصلاة ~~والسلام ، وما نصب لهم من الآيات في أصناف المخلوقات ، فإن ذلك كله قد بلغ ~~منتهى البيان قولا ودلالة بحيث لا مطمع أن يكون غيره أدل منه . # و ( أي ) هنا اسم أشرب معنى الاستفهام ، وأصله اسم مبهم يفسره ما يضاف هو ~~إليه ، وهو اسم لحصة متميزة عما يشاركها في نوع من جنس أو صفة ، فإذا أشرب ~~( أي ) معنى الاستفهام ، كان للسؤال عن تعيينن مشارك لغيره في الوصف ~~المدلول عليه بما تضاف إليه ( أي ) طلبا لتعيينه ، فالمسؤول عنه بها مساو ~~لمماثل له معروف فقوله : { فبأي حديث } سؤال عن الحديث المجهول المماثل ~~للحديث المعروف بين السائل والمسؤول وسيأتي الكلام على ( أي ) عند قوله ~~تعالى : { فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون في سورة القلم ( 5 ، 6 ) . # والاستفهام هنا مستعمل في الإنكار ، أي لا يؤمنون بشيء من الحديث بعد هذا ~~الحديث . # وحقيقة الحديث أنه الخبر والقصة الحادثة هل أتاك حديث ضيف إبراهيم } ( ~~الذاريات : 24 ) ويطلق مجازا على الأمر الذي من شأنه أن يصير حديثا وهو أعم ~~من المعنى الحقيقي . # ف ( الحديث ) هنا إن حمل على حقيقته جاز أن يراد به القرآن ، كما في قوله ~~تعالى : { فليأتوا بحديثث مثله } ( الطور : 34 ) فيكون الضمير في قوله : { ~~بعده } بمعنى بعد القرآن ، أي بعد ms3335 نزوله ، وجاز أن يراد به دعوى محمد صلى ~~الله عليه وسلم الرسالة من عند الله ، وكلا الاحتمالين يناسب قوله : { أولم ~~يتفكروا ما بصاحبهم من جنة } ( الأعراف : 184 ) . PageV09P198 # والباء في قوله : { فبأي حديث } على هذا باء التعدية لتعدية فعل { يؤمنون ~~} ، وإن حمل على المجاز شمل القرآن وغيره من دلائل المصنوعات باعتبار أنها ~~من شأنها أن يتحدث الناس بها كما في قوله : { فبأي حديثث بعد الله وآياته ~~يؤمنون } ( الجاثية : 6 ) فيكون الضمير في قوله : { بعده } عائدا على معنى ~~المذكور أي ما ذكر من ملكوت السماوات والأرض ، وما خلق الله من شيء ، وأن ~~عسى أن يكون قد اقترب أجلهم ، وأفرد الضمير لتأويله بالمذكور كما في قوله ~~تعالى : { وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا في سورة ~~النساء ( 4 ) أي فبأي شيء يستدل عليهم غير ما ذكر بعد أن لم ينتفعوا بدلالة ~~ما ذكر ، ولم يؤمنوا له فلا يرجى منهم إيمان بعد ذلك . # والباء على هذا الوجه للسببية متعلقة بيؤمنون } و ( بعد ) هنا مستعارة ~~لمعنى غير ، لأن الظروف الدالة على المباعدة والمفارقة تستعمل استعمال ~~المغاير قال تعالى : { فمن يهديه من بعد الله } ( الجاثية : 23 ) وحمل ( ~~بعد ) على حقيقتها هنا يحوج إلى تأويل ، ويخرج الكلام عن سواء السبيل . # # | 2 ( 186 ) { من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم فى طغيانهم يعمهون } . ) ~~2 # هذه الجملة تعليل للإنكار في قوله : { فبأي حديث بعده يؤمنون } ( الأعراف ~~: 185 ) ، لإفادة أن ضلالهم أمر قدر الله دوامه ، فلا طمع لأحد في هديهم ، ~~ولما كان هذا الحكم حاقا على من اتصف بالتكذيب ، وعدم التفكر في حال الرسول ~~صلى الله عليه وسلم وعدم النظر في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله ، ~~وفي توقع اقتراب استيصالهم ، كان المحكوم عليهم بعدم الاهتداء فريقا غير ~~معروف للناس ، وإنما ينفرد الله بعلمه ويطلع عليه رسوله عليه الصلاة ~~والسلام ، وينكشف بعض ذلك عند موت بعضهم على الشرك ، وهذه هي المسألة ~~الملقبة بالموافاة عند علماء الكلام . # وعطف جملة : { ونذرهم في طغيانهم يعمهون } على جملة : { من يضلل ms3336 الله فلا ~~هادي له } للإشارة إلى استمرار ضلالهم وانتفاء هديهم في المستقبل كما وقع ~~في الماضي . # وتفسير : { نذرهم } تقدم في قوله تعالى : { وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ~~} PageV09P199 في سورة الأنعام ( 70 ) وتفسير ( طغيان ) و { يعمهون } تقدم ~~عند قوله : { في طغيانهم يعمهون } في سورة البقرة ( 15 ) . # وقرأ نافع ، وابن كثير ، وابن عامر : { نذرهم } بالنون وبالرفع ، على أنه ~~عطف جملة على جملة : { من يضلل الله } على طريقة الالتفات من الغيبة إلى ~~التكلم . # وقرأ حمزة ، والكسائي ، وخلف : بالياء التحتية والجزم ، على أنه عطف على ~~موضع { فلا هادي له } وهو جواب الشرط . # وقرأ أبو عمرو ، وعاصم ، ويعقوب : بالياء التحتية وبالرفع والوجه ظاهر . # # | 2 ( 187 ) { يسئلونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا ~~يجليها لوقتهآ إلا هو ثقلت فى السماوات والارض لا تأتيكم إلا بغتة يسئلونك ~~كأنك حفى عنها قل إنما علمها عند الله ولاكن أكثر الناس لا يعلمون } . ) 2 # استئناف ابتدائي يذكر به شيء من ضلالهم ومحاولة تعجيزهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم بتعيين وقت الساعة . # ومناسبة هذا الاستئناف هي التعرض لتوقع اقتراب أجلهم في قوله : { وأن عسى ~~أن يكون قد اقترب أجلهم } ( الأعراف : 185 ) سواء أفسر الأجل بأجل إذهاب ~~أهل الشرك من العرب في الدنيا ، وهو الاستئصال ، أم فسر بأجلهم وأجل بقية ~~الناس وهو قيام الساعة ، فإن الكلام على الساعة مناسبة لكلا الأجلين . # وقد عرف من شنشنة المشركين إنكارهم ، البعث وتهكمهم بالرسول عليه الصلاة ~~والسلام من أجل إخباره عن البعث { وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ~~ينبئكم إذا مزقتم كل ممزقق إنكم لفي خلقق جديد أفترى على الله كذبا أم به ~~جنة } ( سبأ : 7 ، 8 ) ، وقد جعلوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~الساعة ووقتها تعجيزا له ، لتوهمهم أنه لما أخبرهم بأمرها فهو يدعي العلم ~~بوقتها { ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين قل لكم ميعاد يومم لا ~~تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون } ( سبأ : 29 ، 30 ) . PageV09P200 # فالسائلون هم المشركون ، وروي ذلك عن قتادة ، والضمير يعود إلى الذين ~~كذبوا ms3337 بآياتنا ، وقد حكي عنهم مثل هذا السؤال في مواضع من القرآن ، كقوله ~~تعالى في سورة النازعات ( 42 ) { يسألونك عن الساعة أيان مرساها } وقوله { ~~عم يتساءلون عن النبإ العظيم الذي هم فيه مختلفون } ( النبأ : 1 3 ) يعني ~~البعث والساعة ، ومن المفسرين من قال : المعني بالسائلين اليهود أرادوا ~~امتحان رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه عن الساعة ، وهذا لا يكون سبب ~~نزول الآية ، لأن هذه السورة مكية ، قيل كلها ، وقيل إن آيتين منها نزلتا ~~بالمدينة ، ولم يعدوا هذه الآية ، فيما اختلف في مكان نزوله والسور التي ~~حكي فيها مثل هذا السؤال مكية أيضا نازلة قبل هذه السورة . # والساعة معرفة باللام علم بالغلبة في اصطلاح القرآن على وقت فناء هذا ~~العالم الدنيوي والدخول في العالم الأخروي ، وتسمى : يوم البعث ، ويوم ~~القيامة . # و { أيان } اسم يدل على السؤال عن الزمان وهو جامد غير متصرف مركب من ( ~~أي ) الاستفهامية و ( آن ) وهو الوقت ، ثم خففت ( أي ) وقلبت همزة ( آن ) ~~ياء ليتأتى الإدغام ، فصارت ( أيان ) بمعنى أي زمان ، ويتعين الزمان ~~المسؤول عنه بما بعد ( أيان ) ، ولذلك يتعين أن يكون اسم معنى لا اسم ذات ، ~~إذ لا يخبر بالزمان عن الذات ، وأما استعمالها اسم شرط لعموم الأزمنة فذلك ~~بالنقل من الاستفهام إلى الشرط كما نقلت ( متى ) من الاستفهام إلى الشرطية ~~، وهي توسيعات في اللغة تصير معاني متجددة ، وقد ذكروا في اشتقاق ( أيان ) ~~احتمالات يرجعون بها إلى معاني أفعال ، وكلها غير مرضية ، وما ارتأيناه هنا ~~أحسن منها . # فقوله : { أيان } خبر مقدم لصدارة الاستفهام ، و { مرساها } مبتدأ مؤخر ، ~~وهو في الأصل مضاف إليه آن إذ الأصل أي ( آن ) آن مرسى الساعة . # وجملة : { أيان مرساها } في موضع نصب بقول محذوف دل عليه فعل { يسألونك } ~~والتقدير : يقولون أيان مرساها ، وهو حكاية لقولهم بالمعنى ، ولذلك كانت ~~الجملة في معنى البدل عن جملة : { يسألونك عن الساعة } . # والمرسى مصدر ميمي من الإرساء وهو الإقرار يقال رسا الجبل ثبت ، وأرساه ~~أثبته وأقره ، والإرساء الاستقرار بعد السير كما قال الأخطل : PageV09P201 # وقال رائدهم أرسوا نزاولها # ومرسى ms3338 السفينة استقرارها بعد المخر قال تعالى : { بسم الله مجراها ~~ومرساها } ( هود : 41 ) ، وقد أطلق الإرساء هنا استعارة للوقوع تشبيها ~~لوقوع الأمر الذي كان مترقبا أو متردد فيه بوصول السائر في البر أو البحر ~~إلى المكان الذي يريده . # وقد أمر الله رسوله بجوابهم جواب جد وإغضاء عن سوء قصدهم بالسؤال التهكم ~~، إظهارا لنفي الوصمة عن وصف النبوءة من جراء عدم العلم بوقت الشاعة ، ~~وتعليما للذين يترقبون أن يحصل من جواب الرسول عن سؤال المشركين علم للجميع ~~بتعيين وقت الساعة فإذا أمر الساعة مما تتوجه النفوس إلى تطلبه . # فقد ورد في الصحيح أن رجلا من المسلمين سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال : { يا رسول الله متى الساعة ؟ فقال رسول الله ماذا أعددت لها ؟ فقال ~~ما أعددت لها كبير عمل إلا أني أحب الله ورسوله فقال أنت مع من أحببت } . # وعلم الساعة هو علم تحديد وقتها كما ينبىء عنه السؤال ، وقوله : { لا ~~يجليها لوقتها إلا هو } ، فإضافة علم إلى ضمير الساعة على تقدير مضاف ~~بينهما أي علم وقتها ، والإضافة من إضافة المصدر إلى مفعوله ، وظرفية ( عند ~~) مجازية استعملت في تحقيق تعلق علم الله بوقتها . # والحصر حقيقي : لأنه الأصل ، ولما دل عليه توكيده بعد في قوله : { قل ~~إنما علمها عند الله } ، والقصر الحقيقي يشتمل على معنى الإضافي وزيادة ، ~~لأن علم الساعة بالتحديد مقصور على الله تعالى . # والتعريف بوصف الرب وإضافته إلى ضمير المتكلم إيماء إلى الاستدلال على ~~استئثار الله تعالى بعلم وقت الساعة دون الرسول المسؤول ففيه إيماء إلى ~~خطإهم وإلى شبهة خطإهم . # و ( التجلية ) الكشف ، والمراد بها ما يشمل الكشف بالإخبار والتعيين ، ~~والكشف بالإيقاع ، وكلاهما منفي الإسناد عن غير الله تعالى ، فهو الذي يعلم ~~وقتها ، وهو الذي يظهرها إذا أراد ، فإذا أظهرها فقد أجلاها . # واللام في قوله : { لوقتها } للتوقيت كالتي في قوله تعالى : { أقم الصلاة ~~لدلوك الشمس } ( الإسراء : 78 ) . # ومعنى التوقيت ، قريب من معنى ( عند ) ، والتحقيق : أن معناه ناشىء عن ~~معنى لام الاختصاص . PageV09P202 # ومعنى اللام يناسب أحد معنيي الإجلاء ، وهو الإظهار ms3339 ، لأنه الذي إذا حصل ~~تم كشف أمرها ، وتحقق الناس أن القادر على إجلائها كان عالما بوقت حلولها . # وفصلت جملة : { لا يجليها لوقتها إلا هو } لأنها تتنزل من التي قبلها ~~منزلة التأكيد والتقرير . # وقدم المجرور وهو { لوقتها } على فاعل { يجليها } الواقع استثناء مفرغا ~~للاهتمام به تنبيها على أن تجلية أمرها تكون عند وقت حلولها لأنها تأتي ~~بغتة . # وجملة : { ثقلت في السماوات والأرض } معترضة لقصد الإفادة بهولها ، ~~والإيماء إلى حكمة إخفائها . # وفعل { ثقلت } يجوز أن يكون لمجرد الإخبار بشدة ، أمرها كقوله : { ويذرون ~~وراءهم يوما ثقيلا } . # ويجوز أن يكون تعجيبا بصيغة فعل بضم العين فتقدر الضمة ضمة تحويل الفعل ~~للتعجيب ، وإن كانت هي ضمة أصلية في الفعل ، فيكون من قبيل قوله : { كبرت ~~كلمة تخرج من أفواههم } ( الكهف : 5 ) . # والثقل مستعار للمشقة كما يستعار العظم والكبر ، لأن شدة وقع الشيء في ~~النفوس ومشقته عليها تخيل لمن خلت به أنه حامل شيئا ثقيلا ، ومنه قوله ~~تعالى : { إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا } ( المزمل : 5 ) أي شديدا تلقيه وهو ~~القرآن ، ووصف الساعة بالثقل باعتبار ما هو مظروف في وقتها من الحوادث ، ~~فوصفها بذلك مجاز عقلي ، والقرينة واضحة ، وهي كون الثقل بمعنى الشدة لا ~~يكون وصفا للزمان ، ولكنه وصف للأحداث ، فإذا أسند إلى الزمان ، فإسناده ~~إليه إنما هو باعتباره ظرفا للأحداث ، كقوله : { وقال هذا يوم عصيب } ( هود ~~: 77 ) . # وثقل الساعة أي شدتها هو عظم ما يحدث فيها من الحوادث المهولة في ~~السماوات والأرض ، من تصادم الكواكب ، وانخرام سيرها ، ومن زلازل الأرض ~~وفيضان البراكين ، والبحار ، وجفاف المياه ، ونحو ذلك مما ينشأ عن اختلال ~~النظام الذي مكان عليه سير العالم ، وذلك كله يحدث شدة عظيمة على كل ذي ~~إدراك من الموجودات . PageV09P203 # ومن بديع الإيجاز تعدية فعل { ثقلت } بحرف الظرفية الدال على مكان حلول ~~الفعل ، وحذف ما حقه أن يتعدى إليه وهو حرف ( إلى ) الذي يدل على ما يقع ~~عليه الفعل ، ليعم كل ما تحويه السماوات والأرض مما يقع عملية عملية الثقل ~~بمعنى الشدة . # وجملة : { لا تأتيكم إلا بغتة } مستأنفة جاءت ms3340 تكملة للإخبار عن وقت حلول ~~الساعة ، لأن الإتيان بغتة يحقق مضمون الإخبار عن وقتها بأنه غير معلوم إلا ~~لله ، وبأن الله غير مظهره لأحد ، فدل قوله : { لا تأتيكم إلا بغتة } على ~~أن انتفاء إظهار وقتها انتفاء متوغل في نوعه بحيث لا يحصل العلم لأحد ~~بحلولها بالكنه ولا بالإجمال ، وأما ما ذكر لها من أمارات في حديث سؤال ~~جبريل عن أماراتها فلا ينافي إتيانها بغتة ، لأن تلك الأمارات ممتدة ~~الأزمان بحيث لا يحصل معها تهيؤ للعلم بحلولها . # و ( البغتة ) مصدر على زنة المرة من البغت وهو المفاجأة أي الحصول بدون ~~تهيؤ له ، وقد مضى القول فيها عند قوله تعالى : { حتى إذا جاءتهم الساعة ~~بغتة في سورة الأنعام ( 31 ) . # وجملة : يسألونك كأنك حفي عنها } مؤكدة لجملة : { يسألونك عن الساعة } ~~ومبينة لكيفية سؤالهم فلذينك فصلت . # وحذف متعلق السؤال لعلمه من الجملة الأولى . # و { حفي } فعيل فيجوز أن يكون بمعنى فاعل مشتقا من حفي به ، مثل غني فهو ~~غني إذا أكثر السؤال عن حاله تلطفا ، ويكون المعنى كأنك أكثرت السؤال عن ~~وقتها حتى علمته ، فيكون وصف حفي كناية عن العالم بالشيء ، لأن كثرة السؤال ~~تقتضي حصول العلم بالمسؤول عنه ، وبهذا المعنى فسر في ( الكشاف ) فهو من ~~الكناية بالسؤال عن طلب العلم ، لأن السؤال سبب العلم ، كقول السموأل أو ~~عبد الملك بن عبد الرحيم الحارثي أو غيرهما : # سلي إن جهلت الناس عنا وعنهم # فليس سواء عالم وجهول # وقول عامر بن الطفيل : # طلقت إن لم تسألي أي فارس # حليلك إذ لاقى صداء وخثعها PageV09P204 # وقول أنيف بن زبان النبهاني : # فلما التقينا بين السيف بيننا # لسائلة عنا حفي سؤالها # ويجوز أن يكون مشتقا من أحفاه إذا ألح عليه في فعل ، فيكون فعيلا بمعنى ~~مفعل مثل حكيم ، أي كأنك ملح في السؤال عنها ، أي ملح على الله في سؤال ~~تعيين وقت الساعة كقوله تعالى : { إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا } ( محمد : ~~37 ) . # وقوله : { كأنك حفي } حال من ضمير المخاطب في قوله : { يسألونك } معترضة ~~بين { يسألونك } ومتعلقه . # ويتعلق قوله : { عنها } على الوجهين ms3341 بكل من { يسألونك } و { حفي } على ~~نحو من التنازع في التعليق . # ويجوز أن يكون { حفي } مشتقا من حفي به ، كرضي بمعنى بالغ في الإكرام ، ~~فيكون مستعملا في صريح معناه ، والتقدير : كأنك حفي بهم أي مكرم لهم وملاطف ~~فيكون تهكما بالمشركين ، أي يظهرون لك أنك كذلك ليستنزلوك للخوض معهم في ~~تعيين وقت الساعة ، روي عن ابن عباس : كأنك صديق لهم ، وقال قتادة : قالت ~~قريش لمحمد : إن بيننا قرابة فأسر إلينا متى الساعة فقال الله تعالى : { ~~يسألونك كأنك حفي عنها } وعلى هذا الوجه يتعلق { عنها } ب { يسألونك } وحذف ~~متعلق { حفي } لظهوره . # وبهذا تعلم أن تأخير { عنها } للإيفاء بهذه الاعتبارات . # وفي الآية إشارة إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا تتعلق همته بتعيين ~~وقت الساعة ، إذ لا فائدة له في ذلك ، ولأنه لو اهتم بذلك لكان في اهتمامه ~~تطلبا لإبطال الحكمة في إخفائها ، وفي هذا إشارة إلى أن انتفاء علمه بوقتها ~~لا ينافي كرامته على الله تعالى بأن الله أعطاه كمالا نفسيا يصرفه عن تطلب ~~ذلك ، ولو تطلبه لأعلمه الله به ، كما صرف موسى عليه السلام عن الاستمرار ~~على كراهة الموت حين حل أجله كيلا ينزع روحه وهو كاره ، وهذه سرائر عالية ~~بين الله وبين الصالحين من عباده . # وأكدت جملة الجواب الأولى بقوله : { قل إنما علمها عند الله } تأكيدا ~~لمعناها PageV09P205 ليعلم أن ذلك الجواب لا يرجى غيره وأن الحصر المشتمل ~~عليه قوله : { إنما علمها عند ربي } حصر حقيقي ثم عطف على جملة الجواب ~~استدراك عن الحصر في قوله : { قل إنما علمها عند الله } تأكيدا لكونه حصرا ~~حقيقيا ، وإبطالا لظن الذين يحسبون أن شأن الرسل أن يكونوا عالمين بكل ~~مجهول ، ومن ذلك وقت الساعة بالنسبة إلى أوقاتهم يستطيعون إعلام الناس ~~فيستدلون بعدم علم الساعة على عدم صدق مدعي الرسالة ، وهذا الإعتقاد ضلالة ~~ملازمة للعقول الأفنة ، فإنها تتوهم الحقائق على غير ما هي عليه ، وتوقن ~~بما يخيل إليها ، وتجعله أصولا تبني عليها معارفها ومعاملاتها ، وتجعلها ~~حكما في الأمور إثباتا ونفيا ، وهذا فرط ضلالة ، وإنه ms3342 لضغث على إبالة ~~بتشديد الباء وتخفيفها ، وقد حكي التاريخ القديم شاهدا مما قلناه وهو ما ~~جاء في سفر دانيال من كتب الأنبياء الملحقة بالتوراة أن ( بختنصر ) ملك ~~بابل رأى رؤيا أزعجته وتطلب تعبيرها ، فجمع العرافين والمنجمين والسحرة ~~وأمرهم أن يخبروه بصورة ما رآه في حلمه من دون أن يحكيه لهم ، فلما أجابوه ~~بأن هذا ليس في طاقة أحد من البشر ولا يطلع على ما في ضمير الملك إلا ~~الآلهة ، غضب ، واغتاظ ، وأمر بقتلهم ، وأنه أحضر دانيال النبي وكان من ~~جملة أسرى بني إسرائيل في ( بابل ) وهدده بالقتل إن لم ينبئه بصورة رؤياه ، ~~ثم بتعبيرها ، وأن دانيال استنظره مدة ، وأنه التجأ إلى الله بالدعاء هو ~~وأصحابه ( عزريا ) و ( ميشاييل ) و ( حننيا ) فدعوا الله لينقذ دانيال من ~~القتل ، وأن الله أوحى إلى دانيال بصورة ما رءاه الملك فأخبر دانيال الملك ~~بذلك ، ثم عبر له ، فنال حظوة لديه انظر الإصحاح الثاني من سفر دانيال . # $ 2 ( 188 ) { قل لا أملك لنفسى نفعا ولا ضرا إلا ما شآء الله ولو كنت ~~أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسنى السو & # 1764 ء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون } . ) 2 $ # هذا ارتقاء في التبرؤ من معرفة الغيب ومن التصرف في العالم ، وزيادة من ~~التعليم للأمة بشيء من حقيقة الرسالة والنبوة ، وتمييز ما هو من خصائصها ~~عما ليس منها . PageV09P206 # والجملة مستأنفة ابتدائية قصد من استينافها الاهتمام بمضمونها ، كي تتوجه ~~الأسماع إليها ، ولذلك أعيد الأمر بالقول مع تقدمه مرتين في قوله : { قل ~~إنما علمها عند ربي . . . قل إنما علمها عند الله } ( الأعراف : 187 ) ~~للاهتمام باستقلال المقول ، وأن لا يندرج في جملة المقول المحكي قبله ، وخص ~~هذا المقول بالإخبار عن حال الرسول عليه الصلاة والسلام نحو معرفة الغيب ~~ليقلع من عقول المشركين توهم ملازمة معرفة الغيب لصفة النبوة ، إعلانا ~~للمشركين بالتزام أنه لا يعلم الغيب ، وأن ذلك ليس بطاعن في نبوته حتى ~~يستيئسوا من تحديه بذلك ، وإعلاما للمسلمين بالتمييز بين ما تقتضيه النبوة ~~وما لا تقتضيه ، ولذلك نفى عن ms3343 نفسه معرفة أحواله المغيبة ، فضلا على معرفة ~~المغيبات من أحوال غيره إلا ما شاء الله . # في ( تفسير البغوي ) ، عن ابن عباس : أن أهل مكة قالوا يا محمد ألا يخبرك ~~ربك بالسعر الرخيص قبل أن يغلو فتشتري عند الغلاء ، وبالأرض التي تريد أن ~~تجدب فترتحل منها إلى التي قد أخصبت ، فأنزل الله تعالى : { قل لا أملك ~~لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله } فيكون هذا من جملة ما توركوا به مثل ~~السؤال عن الساعة ، وقد جمع رد القولين في قول . # ومعنى الملك هنا الاستطاعة والتمكن ، وقد تقدم بيانه عند قوله تعالى : { ~~قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا في سورة المائدة ( 76 ~~) ، والمقصود منه ، هنا : ما يشمل العلم بالنفع والضر ، لأن المقام لنفي ~~معرفة الغيب ، ولأن العلم بالشيء هو موجب توجه النفس إلى عمله . # وقدم النفع في الذكر هنا على الضر : لأن النفع أحب إلى الإنسان ، وعكس في ~~آية المائدة ؛ لأن المقصود تهوين أمر معبوداتهم ، وأنها لا يخشى غضبها . # وإنما عطف قوله : ولا ضرا } مع أن المرء لا يتطلب إضرار نفسه لأن المقصود ~~تعميم الأحوال إذ لا تعدو أحوال الإنسان عن نافع وضار ، فصار ذكر هذين ~~الضدين مثل ذكر المساء والصباح وذكر الليل والنهار والشر والخير وسيأتي ~~مزيد بيان لهذا عند قوله تعالى : { ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا } في ~~سورة الفرقان ( 3 ) ، وجعل نفي أن يملك لنفسه نفعا أو ضرا مقدمة لنفي العلم ~~بالغيب ، لأن غاية الناس من التطلع إلى معرفة PageV09P207 الغيب هو الإسراع ~~إلى الخيرات المستقبلة بتهيئة أسبابها وتقريبها ، وإلى التجنب لمواقع ~~الإضرار ، فنفي أن يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ، يعم سائر أنواع الملك وسائر ~~أنواع النفع والضر ، ومن جملة ذلك العموم ما يكون منه في المستقبل وهو من ~~الغيب . # والاستثناء من مجموع النفع والضر ، والأولى جعله متصلا ، أي إلا ما شاء ~~الله أن يملكنيه بأن يعلمنيه ويقدرني عليه ، فإن لم يشأ ذلك لم يطلعني على ~~مواقعه وخلق الموانع من أسباب تحصيل النفع ms3344 ، ومن أسباب اتقاء الضر ، وحمله ~~على الاتصال يناسب ثبوت قدرة للعبد بجعل الله تعالى وهي المسماة بالكسب ، ~~فإذا أراد الله أن يوجه نفس الرسول عليه الصلاة والسلام إلى معرفة شيء مغيب ~~أطلعه عليه لمصلحة الأمة أو لإكرام الأمة له كقوله تعالى : { إذ يريكهم ~~الله في منامك } إلى قوله : { ليقضي الله أمرا كان مفعولا } ( الأنفال : 44 ~~) . # وقوله : { ولو كنت أعلم الغيب } الخ تكملة للتبرؤ من معرفة الغيب ، سواء ~~منه ما كان يخص نفسه وما كان من شؤون غيره . # فحصل من مجموع الجملتين أنه لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ، في عالم ~~الشهادة وفي عالم الغيب ، وأنه لا يعلم شيئا من الغيب ، مما فيه نفعه وضره ~~وما عداه . # والاستدلال على انتفاء علمه بالغيب بانتفاء الاستكثار من الخير ، وتجنب ~~السوء ، استدلال بأخص ما لو علم المرء الغيب لعلمه ، أول ما يعلم وهو الغيب ~~الذي يهم نفسه ، ولأن الله لو أراد إطلاعه على الغيب ؛ لكان القصد من ذلك ~~إكرام الرسول صلى الله عليه وسلم فيكون إطلاعه على ما فيه راحته أول ما ~~ينبغي إطلاعه عليه ، فإذا انتفى ذلك كان انتفاء غيره أولى . # ودلي التالي ، في هذه القضية الشرطية ، هو المشاهدة من فوات خيرات دنيوية ~~لم يتهيأ لتحصيلها وحصول أسواء دنيوية ، وفيه تعريض لهم إذ كانوا يتعرضون ~~له السوء . # وجملة : { إن أنا إلا نذير وبشير } من تمام القول المأمور به وهي مستأنفة ~~ستينافا بيانيا ، ناشئا عن التبرؤ من أن يملك لنفسه نفعا أو ضرا لأن ~~السامعين يتوهمون ما نفاه عن نفسه أخص صفات النبي فمن شأنهم أن يتعجبوا من ~~نفيه ذلك عن PageV09P208 نفسه وهو يقول إنه رسول الله إليهم ، ويسألوا عن ~~عمله ما هو بعد أن نفي عنه ما نفي ، فبين لهم أن الرسالة منحصرة في النذارة ~~على المفاسد وعواقبها والبشارة بعواقب الانتهاء عنها واكتساب الخيرات . # وإنما قدم وصف النذير على وصف البشير ، هنا : لأن المقام خطاب المكذبين ~~المشركين ، فالنذارة أعلق بهم من البشارة . # وتقدم الكلام على النذير البشير عند قوله تعالى : { إنا أرسلناك بالحق ms3345 ~~بشيرا ونذيرا في سورة البقرة ( 119 ) . # وقوله : لقوم يؤمنون } يتنازع تعلقه كل من { نذير } و { بشير } : لأن ~~الانتفاع بالأمرين يختص بالذين تهيئوا إلى الإيمان بأن يتأملوا في الآيات ~~وينهوا من أنفسهم ويقولوا الحق على آبائهم ، دون الذين جعلوا ديدنهم ~~التكذيب والإعراض والمكابرة ، فالمضارع مراد به الحال والاستقبال كما هو ~~شأنه ، ليشمل من تهيأ للإيمان حالا ومآلا ، وأما شموله لمن آمنوا فيما مضى ~~فهو بدلالة فحوى الخطاب إذ هم أولى ، وهذا على حد قوله تعالى : { إنما أنت ~~منذر من يخشاها } ( النازعات : 45 ) . # وفي نظم الكلام على هذا الأسلوب من التنازع ، وإيلاء وصف ( البشير ) ب ( ~~قوم يؤمنون ) ، إيهام أن البشارة خاصة بالمؤمنين ، وأن متعلق النذارة ~~المتروك ذكره في النظم هو لأضداد المؤمنين ، أي المشركين ، وهذا المعنى ~~مقصود على نحو قوله تعالى : { لتنذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين } ( ~~الأحقاف : 12 ) . # وهذه المعاني المستتبعات مقصودة من القرآن ، وهي من وجوه إعجازه لأن فيها ~~استفادة معان وافرة من ألفاظ وجيزة . # # | 2 ( 189 ، 190 ) { هو الذى خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن ~~إليها فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلمآ أثقلت دعوا الله ربهما لئن ~~ءاتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين * فلمآ PageV09P209 ءاتاهما صالحا جعلا ~~له شركآء فيمآ ءاتاهما فتعالى الله عما يشركون } . ) 2 # جملة مستأنفة استئنافا ابتدائيا ، عاد بها الكلام إلى تقرير دليل التوحيد ~~وإبطال الشرك من الذي سلف ذكره في قوله : { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ~~ظهورهم ذرياتهم } ( الأعراف : 172 ) الآية ، وليست من القول المأمور به في ~~قوله : { قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا } ( الأعراف : 188 ) لأن ذلك ~~المقول قصد منه إبطال الملازمة بين وصف الرسالة وعلم الرسول بالغيب ، وقد ~~تم ذلك ، فالمناسب أن يكون الغرض الآخر كلاما موجها من الله تعالى إلى ~~المشركين لإقامة الحجة عليهم بفساد عقولهم في إشراكهم وإشراك آبائهم . # ومناسبة الانتقال جريان ذكر اسم الله في قوله : { إلا ما شاء الله } ( ~~الأعراف : 188 ) وضمير الخطاب في { خلقكم } للمشركين من العرب ، لأنهم ~~المقصود من هذه الحجج والتذكير ms3346 ، وإن كان حكم هذا الكلام يشمل جميع البشر ، ~~وقد صدر ذلك بالتذكير بنعمة خلق النوع المبتدأ بخلق أصله وهو ءادم وزوجه ~~حواء تمهيدا للمقصود . # وتعليق الفعل باسم الجمع ، في مثله ، في الاستعمال يقع على وجهين : ~~أحدهما : أن يكون المراد الكل المجموعي ، أي جملة ما يصدق عليه الضمير ، أي ~~خلق مجموع البشر من نفس واحدة فتكون النفس هي نفس آدم الذي تولد منه جميع ~~البشر . # وثانيهما : أن يكون المراد الكل الجميعي أي خلق كل أحد منكم من نفس واحدة ~~، فتكون النفس هي الأب ، أي أبو كل واحد من المخاطبين على نحو قوله تعالى : ~~{ يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى } ( الحجرات : 13 ) وقوله : { فجعل ~~منه الزوجين الذكر والأنثى } ( القيامة : 39 ) . # ولفظ { نفس واحدة } وحده يحتمل المعنيين ، لأن في كلا الخلقين امتنانا ، ~~وفي كليهما اعتبارا واتعاضا . # وقد جعل كثير من المفسرين النفس الواحدة آدم وبعض المحققين منهم جعلوا ~~الأب لكل أحد ، وهو المأثور عن الحسن ، وقتادة ، ومشى عليه الفخر ، ~~والبيضاوي PageV09P210 وابن كثير ، والأصم ، وابن المنير ، والجبائي . # ووصفت النفس بواحدة على أسلوب الإدماج بين العبرة والموعظة ، لأن كونها ~~واحدة أدعى للاعتبار إذ ينسل من الواحدة أبناء كثيرون حتى ربما صارت النفس ~~الواحدة قبيلة أو أمة ، ففي هذا الوصف تذكير بهذه الحالة العجيبة الدالة ~~على عظم القدرة وسعة العلم حيث بثه من نفس واحدة رجالا كثيرا ونساء ، وقد ~~تقدم القول في ذلك في طالعة سورة النساء . # والذي يظهر لي أن في الكلام استخداما في ضميري { تغشاها } وما بعده إلى ~~قوله : { فيما آتاهما } وبهذا يجمع تفسير الآية بين كلا الرأيين . # و ( من ) في قوله : { من نفس واحدة } ابتدائية . # وعبر في جانب الأنثى بفعل جعل ، لأن المقصود جعل الأنثى زوجا للذكر ، لا ~~الإخبار عن كون الله خلقها ، لأن ذلك قد علم من قوله : { هو الذي خلقكم من ~~نفس واحدة } . # و ( من ) في قوله : { وجعل منها } للتبعيض ، والمراد : من نوعها ، وقوله ~~: { منها } صفة ل { زوجها } قدمت على الموصوف للاهتمام بالامتنان بأن جعل ~~الزوج وهو الأنثى من نوع ms3347 ذكرها وهذه الحكمة مطردة في كل زوجين من الحيوان . # وقوله : { ليسكن إليها } تعليل لما أفادته ( من ) التبعيضية . # والسكون مجاز في الاطمئنان والتأنس أي : جعل من نوع الرجل زوجه ليألفها ~~ولا يجفو قربها ، ففي ذلك منة الإيناس بها ، وكثرة ممارستها لينساق إلى ~~غشيانها ، فلو جعل الله التناسل حاصلا بغير داعي الشهوة لكانت نفس الرجل ~~غير حريصة على الاستكثار من نسله ، ولو جعله حاصلا بحالة ألم لكانت نفس ~~الرجل مقلة منه ، بحيث لا تنصرف إليه إلا للاضطرار بعد التأمل والتردد ، ~~كما ينصرف إلى شرب الدواء ونحوه المعقبة منافع ، وفرع عنه بفاء التعقيب ما ~~يحدث عن بعض سكون الزوج إلى زوجه وهو الغشيان . # وصيغت هذه الكنابة بالفعل الدال على التكلف لإفادة قوة التمكن من ذلك لأن ~~التكلف يقتضي الرغبة . PageV09P211 # وذكر الضمير المرفوع في فعلي { يسكن } و ( تغشى ) : باعتبار كون ما صدق ~~المعاد ، وهو النفس الواحدة ، ذكرا ، وأنث الضمير المنصوب في { تغشاها } ، ~~والمرفوع في { حملت } . و ( مرت ) : باعتبار كون ما صدق المعاد وهو زوجها ~~أنثى ، وهو عكس بديع في نقل ترتيب الضمائر . # ووصف الحمل ب { خفيفا } إدماج ثان ، وهو حكاية للواقع ، فإن الحمل في ~~مبدئه لا تجد منه الحامل ألما ، وليس المراد هنا حملا خاصا ، ولكنه الخبر ~~عن كل حمل في أوله ، لأن المراد بالزوجين جنسهما ، فهذه حكاية حالة تحصل ~~منها عبرة أخرى ، وهي عبرة تطور الحمل كيف يبتدىء خفيفا كالعدم ، ثم يتزايد ~~رويدا رويدا حتى يثقل ، وفي ( الموطأ ) ( قال : مالك وكذلك ( أي كالمريض ~~غير المخوف والمريض المخوف ) ) : الحامل في أول حملها بشر وسرور وليس بمرض ~~ولا خوف ، لأن الله تبارك وتعالى قال في كتابه { فبشرناها بإسحاق } ( هود : ~~71 ) وقال : { حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن ~~آتينا صالحا لنكونن من الشاكرين } . # وحقيقة المرور : الاجتياز ، ويستعار للتغافل وعدم الاكتراث للشيء كقوله ~~تعالى : { فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه } ( يونس : 72 ) ~~أي : نسى دعاءنا ، وأعرض عن شكرنا لأن المار بالشيء لا يقف عنده ولا يسائله ~~، وقوله ms3348 : { وإذا مروا باللغو مروا كراما } ( الفرقان : 72 ) . # وقال تعالى : { وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها ~~معرضون } ( يوسف : 105 ) . # فمعنى { فمرت به } لم تتفطن له ، ولم تفكر في شأنه ، وكل هذا حكاية ~~للواقع ، وهو إدماج . # والإثقالل ثقل الحمل وكلفته ، يقال أثقلت الحامل فهي مثقل وأثقل المريض ~~فهو مثقل ، والهمزة للصيرورة مثل أورق الشجر ، فهو كما يقال أقربت الحامل ~~فهي مقرب إذا أقرب أبان وضعها . # وقد سلك في وصف تكوين النسل مسلك الإطناب : لما فيه من التذكير بتلك ~~الأطوار ، الدالة على دقيق حكمة الله وقدرته ، وبلطفه بالإنسان . ~~PageV09P212 # وظاهر قوله : { دعوا الله ربهما } أن كل أبوين يدعوان بذلك ، فإن حمل على ~~ظاهره قلنا لا يخلو أبواب مشركان من أن يتمنيا أن يكون لهما من الحمل مولود ~~صالح ، سواء نطقا بذلك أم أضمراه في نفوسهما ، فإن مدة الحمل طويلة ، لا ~~تخلو أن يحدث هذا التمني في خلالها ، وإنما يكون التمني منهم على الله ، ~~فإن المشركين يعترفون لله بالربوبية ، وبأنه هو خالق المخلوقات ومكونها ، ~~ولا حظ للآلهة إلا في التصرفات في أحوال المخلوقات ، كما دلت علبه محاجات ~~القرآن لهم نحو قوله تعالى : { قل هل من شركائكم من يبدؤا الخلق ثم يعيده } ~~( يونس : 34 ) وقد تقدم القول في هذا عند قوله تعالى : { ثم الذين كفروا ~~بربهم يعدلون في الأنعام ( 1 ) . # وإن حمل دعوا } على غير ظاهره فتأويله أنه مخصوص ببعض الأزواج الذين يخطر ~~بيبالهم الدعاء . # وإجراء صفة { ربهما } المؤذنة بالرفق والإيجاد : للإشارة إلى استحضار ~~الأبوين هذا الوصف عند دعائهما الله ، أي يذكر أنه باللفظ أو ما يفيد مفاده ~~، ولعل العرب كانوا إذا دعوا بصلاح الحمل قالوا : ربنا آتنا صالحا . # وجملة : { لئن آتيتنا صالحا } مبينة لجملة { دعوا الله } . # و { صالحا } وصف جرى على موصوف محذوف ، وظاهر التذكير أن المحذوف تقديره ~~: ( ذكرا ) وكان العرب يرغبون في ولادة الذكور وقال تعالى : { ويجعلون لله ~~البنات سبحانه ولهم ما يشتهون } ( النحل : 57 ) أي الذكور . # فالدعاء بأن يؤتيا ذكرا ، وأن يكون صالحا ، أي نافعا : لأنهم لا يعرفون ~~الصلاح ms3349 الحق ، وينذران : لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين . # ومعنى { فلما آتاهما صالحا لما أتى من أتاه منهم ولدا صالحا وضمير جعلا } ~~للنفس الواحدة وزوجها ، أي جعل الأبوان المشركان . # و ( الشرك ) مصدر شركه في كذا ، أي جعلا لله شركة ، والشركة تقتضي شريكا ~~أي جعلا لله شريكا فيما آتاهما الله ، والخبر مراد منه مع الإخبار التعجيب ~~من سفه آرائهم ، إذ لا يجعل رشيد الرأي شريكا لأحد في ملكه وصنعه بدون حق ، ~~فلذلك عرف المشروك فيه بالموصولية فقيل { فيما آتاهما } دون الإضمار بأن ~~يقال : PageV09P213 جعلا له شركا فيه : لما تؤذن به الصلة من فساد ذلك ~~الجعل ، وظلم جاعله ، وعدم استحقاق المجعول شريكا لما جعل له ، وكفران نعمة ~~ذلك الجاعل ، إذ شكر لمن لم يعطه ، وكفر من أعطاه ، وإخلاف الوعد المؤكد . # وجعل الموصول ( ما ) دون ( من ) باعتبار أنه عطية ، أو لأن حالة الطفولة ~~أشبه بغير العاقل . # وهذا الشرك لا يخلو عنه أحد من الكفار في العرب ، وبخاصة أهل مكة ، فإن ~~بعض المشركين يجعل ابنه سادنا لبيوت الأصنام ، وبعضهم يحجر ابنه إلى صنم ~~ليحفظه ويرعاه ، وخاصة في وقت الصبا ، وكل قبيلة تنتسب إلى صنمها الذي ~~تعبده ، وبعضهم يسمى ابنه : عبد كذا ، مضافا إلى اسم صنم كما سموا عبد ~~العزى ، وعبد شمس ، وعبد مناة ، وعبد يا ليل ، وعبد ضخم ، وكذلك امرؤ القيس ~~، وزيد مناءة ، لأن الإضافة على معنى التمليك والتعبيد ، وقد قال أبو سفيان ~~، يوم أحد : ( اعل هبل ) وقالت امرأة الطفيل لزوجها الطفيل بن عمرو الدوسي ~~حين أسلم وأمرها بأن تسلم ( لا نخشى على الصبية من ( ذي الشرى ) شيئا ) ذو ~~الشرى صنم . # وجملة : { فتعالى الله عما يشركون } أي : تنزه الله عن إشراكهم كله : ما ~~ذكر منه آنفا من إشراك الوالدين مع الله فيما آتاهما ، وما لم يذكر من ~~أصناف إشراكهم . # وموقع فاء التفريع في قوله : { فتعالى الله } موقع بديع ، لأن التنزيه ~~عما أحدثوه من الشرك يترتب على ما قبله من انفراده بالخلق العجيب ، والمنن ~~العظيمة ، فهو متعال عن إشراكهم لا يليق به ذلك ، وليس له شريك ms3350 بحق ، وهو ~~إنشاء تنزيه غير مقصود به مخاطب . # وضمير الجمع في قوله : { يشركون } عائد إلى المشركين الموجودين لأن ~~الجملة كالنتيجة لما سبقها من دليل خلق الله إياهم . # وقد روى الترمذي وأحمد : حديثا عن سمرة بن جندب ، في تسويل الشيطان لحواء ~~أن تسمي ولدها عبد الحارث ، والحارث اسم إبليس ، قال الترمذي PageV09P214 ~~حديث حسن غريب ، ووسمه ابن العربي في ( أحكام القرآن ) ، بالضعف ، وتبعه ~~تلميذه القرطبي وبين ابن كثير ما في سنده من العلل ، على أن المفسرين ~~ألصقوه بالآية وجعلوه تفسيرا لها ، وليس فيه على ضعفه أنه فسر به الآية ~~ولكن الترمذي جعله في باب تفسير سورة الأعراف من ( سننه ) . # وقال بعض المفسرين : الخطاب في { خلقكم من نفس واحدة } لقريش خاصة ، ~~والنفس الواحدة هو قصي بن كلاب تزوج امرأة من خزاعة فلما آتاهما الله ~~أولادا أربعة ذكورا سمى ثلاثة منهم عبد مناف ، وعبد العزى ، وعبد الدار ، ~~وسمى الرابع ( عبدا ) بدون إضافة وهو الذي يدعى بعبد قصي . # وقرأ نافع ، وعاصم في رواية أبي بكر عنه ، وأبو جعفر : شركا بكسر الشين ~~وسكون الراء أي اشتراكا مع الله ، والمفعول الثاني لفعل جعلا محذوف للعلم ~~به ، أي جعلا له الأصنام شركا ، وقرأ بقية العشرة شركاء بضم الشين جمع شريك ~~، والقراءتان متحدتان معنى . # وفي جملة : { فتعالى الله عما يشركون } محسن من البديع وهو مجيء الكلام ~~متزنا على ميزان الشعر ، من غير أن يكون قصيدة ، فإن هذه الجملة تدخل في ~~ميزان الرمل . # وفيها الالتفات من الخطاب الذي سبق في قوله : { هو الذي خلقكم من نفس ~~واحدة } وليس عائد إلى ما قبله ، لأن ما قبله كان بصيغة المثنى خمس مرات من ~~قوله : { دعوا الله ربهما } إلى قوله { فيما آتاهما } . # # | 2 ( 191 ، 192 ) { أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون * ولا يستطيعون ~~لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون } . ) 2 # هذه الآيات الثلاث كلام ( معترض بين الكلامين المسوقين لتوبيخ المشركين ~~وإقامة الحجة عليهم ، مخاطب بها النبي عليه الصلاة والسلام والمسلمون ، ~~للتعجيب من عقول المشركين ، وفيه تعريض بالرد عليهم لأنه يبلغ مسامعهم . # والاستفهام مستعمل ms3351 في التعجيب والإنكار . # وصيغة المضارع في يشركون دالة على تجدد هذا الإشراك منهم . ونفي المضارع ~~في قوله : { ما لا يخلق } للدلالة على تجدد نفي الخالقية عنهم . ~~PageV09P215 # وأصل معنى التجدد ، الذي يدل عليه المسند الفعلي ، هو حدوث معنى المسند ~~للمسند إليه ، وأنه ليس مجرد ثبوت وتقرر ، فيعلم منه : أنهم لا يخلقون في ~~الاستقبال ، وأنهم ما خلقوا شيئا في الماضي ، لأنه لو كان الخلق صفة ثابتة ~~لهم لكان متقررا في الماضي والحال والاستقبال . # وضمير الغيبة في { وهم يخلقون } يجوز عندي : أن يكون عائدا إلى ما عاد ~~إليه ضمير { يشركون } ( الأعراف : 190 ) ، أي : والمشركون يخلقون ، ومعنى ~~الحال زيادة تفظيع التعجيب من حالهم لإشراكهم بالله أصنافا لا تخلق شيئا في ~~حال أن المشركين يخلقون يوما فيوما ، أي يتجدد خلقهم ، والمشركون يشاهدون ~~الأصنام جاثمة في بيوتها ومواضعها لا تصنع شيئا فصيغة المضارع دالة على ~~الاستمرار بقرينة المقام . # ودلالة المضارع على الاستمرار والتكرر دلالة ناشئة عن معنى التجدد الذي ~~في أصل المسند الفعلي ، وهي دلالة من مستتبعات التركيب بحسب القرائن ~~المعينة لها ولا توصف بحقيقة ولا مجاز لذلك ، ومعنى تجدد مخلوقيتهم : هو أن ~~الضمير صادق بأمة وجماعة ، فالمخلوقية لا تفارقهم لأنها تتجدد آنا فآنا ~~بازدياد المواليد ، وتغير أحوال المواجيد ، كما قال تعالى { خلقا من بعد ~~خلق } ( الزمر : 6 ) فتكون جملة : { وهم يخلقون } حالا من ضمير { أيشركون } ~~. # والمفسرون أعادوا ضمير و { هم يخلقون } على ما لا يخلق ، أي الأصنام ، ~~ولم يبينوا معنى كون الأصنام مخلوقة وهي صور نحتها الناس ، وليست صورها ~~مخلوقة لله ، فيتعين أن المراد أن مادتها مخلوقة وهي الحجارة . # وجعلوا إجراء ضمائر العقلاء في قوله { وهم } وقوله { يخلقون } وما بعده ~~على الأصنام وهي جمادات لأنهم نزلوا منزلة العقلاء ، بناء على اعتقاد ~~المحجوجين فيهم ، ولا يظهر على لهذا التقدير وجه الاتيان بفعل يخلقون بصيغة ~~المضارع لأن هذا الخلق غير متجدد . # والضمير المجررو باللام في { لهم نصرا } عائد إلى المشركين ، لأن المجرور ~~باللام بعد فعل الاستطاعة ونحوه هو الذي لأجله يقع الفعل مثل { لا يملكون ~~لكم رزقا ms3352 } ( العنكبوت : 17 ) . PageV09P216 # وجملة : { ولا يستطيعون لهم نصرا } عطف على جملة : { مالا يخلق شيئا } ~~فتكون صلة ثانية . # والقول في الفعلين من { لا يستطيعون ولا أنفسهم ينصرون } كالقول في { ما ~~لا يخلق شيئا } . # وتقديم المفعول في { ولا أنفسهم ينصرون } للاهتمام بنفي هذا النصر عنهم ، ~~لأنه أدل على عجز تلك الآلهة لأن من يقصر في نصر غيره لا يقصر في نصر نفسه ~~لو قدر . # والمعنى : أن الأصنام لا ينصرون من يعبدونهم إذا احتاجوا لنصرهم ولا ~~ينصرون أنفسهم إن رام أحد الاعتداء عليها . # والظاهر أن تخصيص النصر من بين الأعمال التي يتخيلون أن تقوم بها الأصنام ~~مقصود منه تنبيه المشركين على انتفاء مقدرة الأصنام على نفعهم ، إذ كان ~~النصر أشد مرغوب لهم ، لأن العرب كانوا أهل غارات وقتال وتراث ، فالانتصار ~~من أهم الأمور لديهم قال تعالى : { واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون ~~لا يستطيعون نصرهم } ( يس : 74 ، 75 ) وقال تعالى : { واتخذوا من دون الله ~~آلهة ليكونوا لهم عزا كلا سيكفرون بعبادتهم } ( مريم : 81 ، 82 ) ، قال أبو ~~سفيان يوم أحد ( أعل هبل ) وقال أيضا ( { لنا العزى ولا عزى لكم وأن الله ~~أعلم المسلمين بذلك تعريضا بالبشارة بأن المشركين سيغلبون قال قل للذين ~~كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد } ( آل عمران : 12 ) وأنهم ~~سيمحقون الأصنام ولا يستطيع أحد الذب عنها . # # | 2 ( 193 ) { وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سوآء عليكم أدعوتموهم أم ~~أنتم صامتون } . ) 2 # يجوز أن يكون عطفا على جملة { أيشركون ما لا يخلق شيئا } ( الأعراف : 191 ~~) زيادة في التعجيب من حال المشركين بذكر تصميمهم على الشرك على ما فيه من ~~سخافة العقول ووهن الدليل ، بعد ذكر ما هو كاف لتزييفه . # فضمير الخطاب المرفوع في { وإن تدعوهم } موجه إلى المسلمين مع الرسول صلى ~~الله عليه وسلم وضمير جمع الغائب المنصوب عائد إلى المشركين كما عاد ~~PageV09P217 ضمير { أيشركون } ( الأعراف : 191 ) فبعد أن عجب الله المسلمين ~~من حال أهل الشرك أنبأهم بأنهم لا يقبلون الدعوة إلى الهدى . # ومعنى ذلك أنه بالنظر إلى الغالب منهم ، وإلا ms3353 فقد آمن بعضهم بعد حين ~~وتلاحقوا بالإيمان ، عدا من ماتوا على الشرك . # وهذا الوجه هو الأليق بقوله تعالى بعد ذلك { وإن تدعوهم إلى الهدى لا ~~يسمعوا } ( الأعراف : 198 ) الآية ليكون المخبر عنهم في هذه الآية غير ~~المخبر عنهم في الآية الآتية ، لظهر تفاوت الموقع بين { لا يتبعوكم } وبين ~~{ لا يسمعوا } ( الأعراف : 198 ) . # ويجوز أن تكون جملة { وإن تدعوهم إلى الهدى } إلخ معطوفة على جملة الصلة ~~في قوله : { لا يخلق شيئا وهم يخلقون } ( الأعراف : 191 ) فيكون ضمير ~~الخطاب في { تدعوهم } خطابا للمشركين الذين كان الحديث عنهم بضمائر الغيبة ~~من قوله : { فتعالى الله عما يشركون } ( الأعراف : 190 ) إلى هنا ، فمقتضى ~~الظاهر أن يقال : وإن يدعوهم إلى الهدى لا يتبعوهم ، فيكون العدول عن طريق ~~الغيبه إلى طريق الخطاب التفاتا من الغيبة إلى الخطاب توجها إليهم بالخطاب ~~، لأن الخطاب أوقع في الدمغ بالحجة . # و { الهدى } على هذا الوجه ما يهتدى إليه ، والمقصود من ذكره أنهم لا ~~يستجيبون إذا دعوتموهم إلى ما فيه خيرهم فيعلم أنهم لو دعوهم إلى غير ذلك ~~لكان عدم اتباعهم دعوتهم أولى . # وجملة : { سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون } مؤكدة لجملة { وإن ~~تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم } فلذلك فصلت . # و { سواء } اسم للشيء المساوي غيره أي ليس أولى منه في المعنى المسوق له ~~الكلام والهمزة التي بعد { سواء } يقال لها همزة التسوية ، وأصلها همزة ~~الاستفهام استعملت في التسوية ، كما تقدم عند قوله تعالى : { سواء عليهم ~~آنذرتهم أم لم تنذرهم } في سورة البقرة ( 6 ) ، أي سواء دعوتكم إياهم ~~وصمتكم عن الدعوة . # و ( على ) فيها للاستعلاء المجازي وهي بمعنى العندية أي : سواء عندهم . ~~وإنما جعل الأمران سواء على المخاطبين ولم يجعلا سواء على المدعوين فلم يقل ~~سواء عليهم ، وإن كان ذلك أيضا سواء عليهم ، لأن المقصود من الكلام هو ~~تأييس PageV09P218 المخاطبين من استجابة المدعوين إلى ما يدعونهم إليه لا ~~الإخبار ، وإن كان المعنيان متلازمين كما أنهما في قوله { سواء عليهم ~~آنذرتهم أم لم تنذرهم } ( البقرة : 6 ) متلازمان فإن الإنذار وعدمه سواء : ~~على المشركين ms3354 ، وعلى المؤمنين ، ولكن الغرض هنالك بيان انعدام انتفاعهم ~~بالهدى . # وهذا هو القانون للتفرقة بين ما يصح أن يسند فيه فعل التسويه إلى جانبين ~~وبين ما يتعين أن يسند فيه إلى جانب واحد إذا كانت التسوية لا تهم إلا ~~جانبا واحدا ، كما في قوله تعالى : { اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء ~~عليكم } ( الطور : 16 ) فإنه يتعين أن تجعل التسوية بالنسبة للمخاطبين ، ~~ولا يحسن أن يقال سواء علينا وكقوله : { سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا ~~من محيص } ( إبراهيم : 21 ) فإنه يتعين أن تكون التسوية بالنسبة إلى ~~المتكلمين . # ووقع قوله : { أم أنتم صامتون } معادل أدعوتموهم مع اختلاف الاسلوب بين ~~الجملتين بالفعلية والاسمية ، فلم يقل : أم صمتم ، ففي ( تفسير القرطبي ) ، ~~عن ثعلب : أن ذلك لأنه رأس آية ( أي لمجرد الرعاية على الفاصلة ) قال : ~~وصامتون وصمتم عند سيبويه واحد ، ( أي الفعل والوصف المشتق منه سواء ) يريد ~~لا تفاوت بينهما في أصل المعنى ، لأن ما بعد همزة التسوية لما كان في قوة ~~المصدر لم يكن فيه أثر للفرق بين الفعل والاسم إذ التقدير : سواء عليكم ~~دعوتكم إياهم وصمتكم عنهم ، فيكون العدول إلى الجملة الاسمية ليس له مقتض ~~من البلاغة بل هما عند البليغ سيان ، ولكن العدول إلى الاسمية من مقتضى ~~الفصاحة ، لأن الفواصل والأسجاع من أفانين الفصاحة ، وفيهما تظهر براعة ~~الكلام إذ يكون فيه إيفاء بحق الفاصلة مع السلامة من التكلف ، كما تظهر ~~براعة الشاعر في توفيته بحق القافية إذا سلم مع ذلك من التكلف ، قال ~~المرزوقي في ديباجة ( شرحه على الحماسة ) ( والقافية يجب أن تكون كالموعود ~~به المنتظر يتشوقها المعنى بحقه ، واللفظ بقسطه ، وإلا كانت قلقة في مقرها ~~مجتلبة لمستغن عنها ) . # والتحقيق أن الجملة الاسمية دلت على ثبوت الوصف المتضمنة ، مع عدم تقييد ~~بزمان ولا إفادة تجدد ، بخلاف الفعلية ، وهو صريح كلام الشيخ في ( دلائل ~~الاعجاز ) ، والسكاكي في ( المفتاح ) ، لكن كلام الزمخشري في هذه الآية ~~ينادي PageV09P219 على أن جملة : { أم أنتم صامتون } دالة على استمرار ~~صمتهم ، وكذلك كلام السكاكي في إبداء الفرق بين الجملتين ms3355 في قوله تعالى : { ~~ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين } ( البقرة : 8 ~~) وفي قوله تعالى : { قالوا آمنا } ( البقرة : 14 ) مع قوله عقبه : { قالوا ~~إنا معكم } ( البقرة : 14 ) ، وظاهر كلام الشيرازي في ( شرح المفتاح ) أن ~~الثبوت يستلزم الاستمرار ، وقال الشارح التفتازاني ، في ( شرح المفتاح ) : ~~الحق أن الجملة الاسمية التي تكون عدولا عن الفعلية تفيد الدوام الذي هو ~~كالثبوت ، وفسر في ( شرح تلخيص المفتاح ) الثبوت بمقارنة الدوام ، وأما ~~السيد في ( شرح المفتاح ) ، و ( حاشيته على المطول ) ، فقد جعل الجملة ~~الاسمية قد يقصد بها الدوام إثباتا ونفيا بحسب المقامات . # وعندي أن الجملة الاسمية لا تفيد أكثر من الثبوت المقابل للتجدد ، وأما ~~الاستمرار والدوام فهو معنى كنائي لها يحتاج في استفادته إلى القرينة ~~المعينة وهي منفية هنا ، فالمعنى : سواء عليكم أدعوتموهم دعوة متجددة أم ~~لازمتم الصمت ، وليس المعنى على الدوام ، وقد احتاج صاحب ( الكشاف ) إلى ~~بيانه بطريقة الدقة بإيراد السؤال والجواب على عادته ، وأيا ما كان فالعدول ~~عن الجملة الفعلية في معادل التسوية اقتضاه الحال البلاغي خلافا لثعلب . # # | 2 ( 194 ) { إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم ~~فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين } . ) 2 # هذه الجملة على الوجه الأول في كون المخاطب ، بقوله : { وإن تدعوهم إلى ~~الهدى لا يتبعوكم } ( الأعراف : 193 ) الآية ، النبي عليه الصلاة والسلام ~~والمسلمين أن تكون استئنافا ابتدائيا انتقل به إلى مخاطبة المشركين ، ولذلك ~~صدر بحرف التوكيد لأن المشركين ينكرون مساواة الأصنام إياهم في العبودية ، ~~وفيه الالتفات من الغيبة إلى الخطاب . # والمراد بالذين تدعون من دون الله : الأصنام ، فتعريفها بالموصول لتنبيه ~~المخاطبين على خطأ رأيهم في دعائهم إياها من دون الله ، في حين هي ليست ~~أهلا لذلك ، فهذا الموصول كالموصول في قول عبدة بن الطبيب : # إن الذين ترونهم إخوانكم # يشفي غليل صدورهم أن تصرعوا # ويجيء على الوجه الثاني في الخطاب السابق : أن تكون هذه الجملة بيانا ~~وتعليلا PageV09P220 لجملة { وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم } ( الأعراف ~~: 193 ) أي لأنهم عباد أي مخلوقون . # و ( العبد ) أصله المملوك ، ضد ms3356 الحر ، كما في قوله تعالى : { الحر بالحر ~~والعبد بالعبد } ( البقرة : 178 ) وقد أطلق في اللسان على المخلوق : كما في ~~قوله تعالى : { إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا } ( مريم ~~: 93 ) ولذلك يطلق العبد على الناس ، والمشهور أنه لا يطلق إلا على ~~المخلوقات من الآدميين فيكون إطلاق العباد على الأصنام كإطلاق ضمير جمع ~~العقلاء عليها بناء على الشائع في استعمال العرب يومئذ من الإطلاق ، وجعله ~~صاحب ( الكشاف ) اطلاق تهكم واستهزاء بالمشركين ، يعني أن قصارى أمرهم أن ~~يكونوا أحياء عقلاء فلو بلغوا تلك الحالة لما كانوا إلا مخلوقين مثلكم ، ~~قال ولذلك أبطل أن يكونوا عبادا بفوله { ألهم أرجل } ( الأعراف : 195 ) إلى ~~آخره . # والأحسن عندي أن يكون إطلاق العباد عليهم مجازا بعلاقة الإطلاق عن ~~التقييد روعي في حسنة المشاكلة التقديرية لأنه لما ماثلهم بالمخاطبين في ~~المخلوقية وكان المخاطبون عباد الله أطلق العباد على مماثليهم مشاكلة . # وفرع على المماثلة أمر التعجيز بقوله { فادعوهم } فإنه مستعمل في التعجيز ~~باعتبار ما تفرع عليه من قوله { فليستجيبوا لكم } المضمن إجابة الأصنام ~~إياهم ، لأن نفس الدعاء ممكن ولكن استجابته لهم ليست ممكنة ، فإذا دعوهم ~~فلم يستجيبوا لهم تبين عجز الآلهة عن الاستجابة لهم ، وعجز المشركين عن ~~تحصيلها مع حرصهم على تحصيلها لانهاض حجتهم ، فئال ظهور عجز الأصنام عن ~~الاستجابة لعبادها إلى إثبات عجز المشركين عن نهوض حجتهم لتلازم العجزين ، ~~قال تعالى : { أن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم } ( ~~فاطر : 14 ) . # والأظهر أن المراد بالدعوة المأمور بها الدعوة للنصر والنجدة كما قال ~~وذاك المازني إذا استنجدوا لم يسألوا من دعاهم لأية حرب أم بأي مكان . # وبهذا يظهر أن أمر التعجيز كناية عن ثبوت عجز الأصنام عن إجابتهم ، وعجز ~~المشركين عن إظهار دعاء للأصنام تعقبة الاستجابة . # والأمر باللام في قوله : { فليستجيبوا } أمر تعجيز للأصنام ، وهو أمر ~~الغائب فإن طريق أمر الغائب هو الأمر . PageV09P221 # ومعنى توجيه أمر الغائب السامع أنه مأمور بأن يبلغ الأمر للغائب . # وهذا أيضا كناية عن عجز الأصنام عن الاستجابه لعجزها عن ms3357 تلقي التبليغ من ~~عبدتها . # # | 2 ( 195 ) { ألهم أرجل يمشون بهآ أم لهم أيد يبطشون بهآ أم لهم أعين ~~يبصرون بهآ أم لهم ءاذان يسمعون بها قل ادعوا شركآءكم ثم كيدون فلا تنظرون ~~} . ) 2 # تأكيد لما تضمنته الجملة قبلها من أمر التعجيز وثبوت العجز ، لأنه إذا ~~انتفت عن الأصنام أسباب الاستجابة تحقق عجزها عن الإجابة ، وتأكد معنى أمر ~~التعجيز المكنى به عن عجز الأصنام وعجز عبدتها ، والاستفهام إنكاري وتقديم ~~المسند على المسند إليه للاهتمام بانتفاء الملك الذي دلت عليه اللام ~~كالتقديم في قول حسان : # له همم لا منتهى لكبارها # ووصف الأرجل ب { يمشون } والأيدي ب { يبطشون } والأعين ب { يبصرون } ~~والآذان ب { يسمعون } إما لزيادة تسجيل العجز عليهم فيما يحتاج إليه الناصر ~~، وإما لأن بعض تلك الأصنام كانت مجعولة على صور الآدميين مثل هبل ، وذي ~~الكفين ، وكعيب في صور الرجال ، ومثل سواع كان على صورة امرأة ، فإذا كان ~~لأمثال أولئك صور أرجل وأيد وأعين وآذان ، فإنها عديمة العمل الذي تختص به ~~الجوارح ، فلا يطمع طامع في نصرها ، وخص الأرجل والأيدي والأعين والآذان ، ~~لأنها آلات العلم والسعي والدفع للنصر ، ولهذا لم يذكر الألسن لما علمت من ~~أن الاستجابة مراد بها النجدة والنصرة ، ولم يكونوا يسألون عن سبب ~~الاستنجاد ، ولكنهم يسرعون إلى الإلتحاق بالمستنجد . # والمشي انتقال الرجلين من موضع انتقالا متواليا . # والبطش الأخذ باليد بقوة ، والإضرار باليد بقوة ، وقد جاء مضارعه بالكسر ~~والضم على الغالب . وقراءة الجمهور بالكسر ، وقرأ أبو جعفر : بضم الطاء ، ~~وهما لغتان . # و { أم } حرف بمعنى ( أو ) يختص بعطف الاستفهام ، وهي تكون مثل ( أو ) ~~لأحد الشيئين أو الأشياء ، وللتمييز بين الأشياء ، أو الإباحة أي الجمع ~~بينها ، فإذا وقعت PageV09P222 بعد همزة الاستفهام المطلوب بها التعيين ~~كانت مثل ( أو ) التي للتخيير ، كقوله تعالى { قل ءالله أذن لكم أم على ~~الله تفترون } ( يونس : 59 ) أي عينوا أحدهما ، وإن وقعت بعد استفهام غير ~~حقيقي كانت بمعنى ( أو ) التي للإباحة ، وتسمى ، حينئذ منقطعة ولذلك يقولون ~~إنها بمعنى ( بل ) الانتقالية وعلى كل حال فهي ملازمة لمعنى الاستفهام ms3358 ~~فكلما وقعت في الكلام قدر بعدها استفهام ، فالتقدير هنا ، بل ألهم أيد ~~يبطشون بها ، بل ألهم أعين يبصرون بها ، بل ألهم آذان يسمعون بها . # وترتيب هذه الجوارح الأربع على حسب ما في الآية ملحوظ فيه أهميتها بحسب ~~الغرض ، الذي هو النصر والنجدة ، فإن الرجلين تسرعان إلى الصريخ قبل التأمل ~~، واليدين تعملان عمل النصر وهو الطعن والضرب ، وأما الأعين والآذان فإنهما ~~وسيلتان لذلك كله فأخرا ، وإنما قدم ذكر الأعين هنا على خلاف معتاد القرءان ~~في تقديم السمع على البصر كما سبق في أول سورة البقرة لأن الترتيب هنا كان ~~بطريق الترقي . ( سقط : قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون ) # إذن من الله لرسوله بأن يتحداهم بأنهم إن استطاعوا استصرخوا أصنامهم ~~لتتألب على الكيد للرسول عليه السلام ، والمعنى ادعوا شركاءكم لينصروكم علي ~~فتستريحوا مني . # والكيد الإضرار الواقع في صورة عدم الإضرار ، كما تقدم عند قوله تعالى ~~آنفا { وأملي لهم إن كيدي متين } ( الأعراف : 183 ) . # والأمر والنهي في قوله : { كيدون فلا تنظرون } للتعجيز . # وقوله : { فلا تنظرون } تفريع على الأمر بالكيد ، أي فإذا تمكنتم من ~~اضراري فأعجلوا ولا تؤجلوني . # وفي هذا التحدي تعريض بأنه سيبلغهم وينتصر عليهم ويستأصل آلهتهم وقد ~~تحداهم بأتم أحوال النصر وهي الاستنصار بأقدر الموجودات في اعتقادهم ، وأن ~~يكون الاضرار به خفيا ، وأن لا يتلوم له ولا ينتظر ، فإذا لم يتمكنوا من ~~ذلك كان انتفاؤه أدل على عجزهم وعجز آلهتهم . # وحذفت ياء المتكلم من { كيدون } في حالتي الوقف والوصل ، في قراءة ~~الجمهور غير أبي عمرو ، وأما { تنظرون } فقرأه الجميع : بحذف الياء إلا ~~يعقوب أثبتها وصلا ووقفا ، وحذف ياء المتكلم بعد نون الوقاية جد فصيح . ~~PageV09P223 ( سقط : إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين ~~والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون ) . # هذا من المأمور بقوله ، وفصلت هذه الجملة عن جملة { ادعوا شركاءكم } ( ~~الأعراف : 195 ) لوقوعها موقع العلة لمضمون التحدي في قوله { ادعوا شركاءكم ~~} ( الأعراف : 195 ) الآية الذي هو تحقق عجزهم عن كيده ، فهذا تعليل لعدم ~~الاكتراث بتألبهم عليه ms3359 واستنصارهم بشركائهم ، ولثقته بأنه منتصر عليهم بما ~~دل عليه الأمر والنهي التعجيزيان . والتأكيد لرد الإنكار . # والولي الناصر والكافي ، وقد تقدم عند قوله تعالى : { قل أغير الله أتخذ ~~وليا } ( الأنعام : 14 ) . # وإجراء الصفة لاسم الله بالموصولية لما تدل عليه الصلة من علاقات الولاية ~~، فإن إنزال الكتاب عليه وهو أمي دليل اصطفائه وتوليه . # والتعريف في الكتاب للعهد ، أي الكتاب الذي عهدتموه وسمعتموه وعجزتم عن ~~معارضته وهو القرآن ، أي المقدار الذي نزل منه إلى حد نزول هذه الآية . # وجملة : { وهو يتولى الصالحين } معترضة والواو اعتراضيه . # ومجيء المسند فعلا مضارعا لقصد الدلالة على استمرار هذا التولي وتجدده ~~وأنه سنة إلهية ، فكما تولى النبي يتولى المؤمنين أيضا ، وهذه بشارة ~~للمسلمين المستقيمين على صراط نبيهم صلى الله عليه وسلم بأن ينصرهم الله ~~كما نصر نبيه وأولياءه . # والصالحون هم الذين صلحت أنفسهم بالإيمان والعمل الصالح . # وجملة : { والذين تدعون من دونه } عطف على جملة : { إن وليي الله } ، ~~وسلوك طريق الموصوليه في التعبير عن الأصنام للتنبيه على خطأ المخاطبين في ~~دعائهم إياها من دون الله مع ظهور عدم استحقاقها للعبادة ، بعجزها عن نصر ~~أتباعها وعن نصر أنفسها والقول في { لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون } ~~كالقول في نظيره السابق آنفا . # وأعيد لأنه هنا خطاب للمشركين وهنالك حكاية عنهم للنبيء والمسلمين ~~ولإبانة المضادة بين شأن ولي المؤمنين وحال أولياء المشركين وليكون الدليل ~~مستقلا في الموضعين مع ما يحصل في تكريره من تأكيد مضمونه . # PageV09P224 # | 2 ( 198 ) { وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا ~~يبصرون } . ) 2 # عطف على جملة { والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم } ( الأعراف : ~~197 ) الآية أي قل للمشركين : وإن تدعوا الذين تدعون من دون الله إلى الهدى ~~لا يسمعوا . # والضمير المرفوع للمشركين ، والضمير المنصوب عائد إلى الذين تدعون من ~~دونه ، أي الأصنام . # والهدى على هذا الوجه ما فيه رشد ونفع للمدعو . وذكر { إلى الهدى } ~~لتحقيق عدم سماع الأصنام ، وعدم إدراكها ، لأن عدم سماع دعوة ما ينفع لا ~~يكون إلا لعدم الإدراك . # ولهذا خولف بين ms3360 قوله هنا { لا يسمعوا } وقوله في الآية السابقة { لا ~~يتبعوكم } ( الأعراف : 193 ) لأن الأصنام لا يتأتى منها الاتباع ، إذ لا ~~يتأتى منها المشي الحقيقي ولا المجازي أي الامتثال . # والخطاب في قوله { وتراهم } لمن يصلح أن يخاطب فهو من خطاب غير المعين . # ومعنى ينظرون إليك على التشبيه البليغ ، أي تراهم كأنهم ينظرون إليك ، ~~لأن صور كثير من الأصنام كان على صور الأناسي وقد نحتوا لها أمثال الحدق ~~الناظرة إلى الواقف أمامها قال في ( الكشاف ) ( لأنهم صوروا أصنامهم بصورة ~~من قلب حدقته إلى الشيء ينظر إليه ) . # # | 2 ( 199 ) { خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين } . ) 2 # أشبعت هذه السورة من أفانين قوارع المشركين وعظتهم وإقامة الحجة عليهم ~~وبعثتهم على التأمل والنظر في دلائل وحدانية الله وصدق رسوله صلى الله عليه ~~وسلم وهدي دينه وكتابه وفضح ضلال المشركين وفساد معتقدهم والتشويه بشركائهم ~~، وقد تخلل ذلك كله التسجيل بمكابرتهم ، والتعجيب منهم كيف يركبون رؤوسهم ، ~~وكيف ينأون بجانبهم ، وكيف يصمون أسماعهم ، ويغمضون أبصارهم عما دعوا إلى ~~سماعه وإلى النظر فيه ، ونظرت أحوالهم بأحوال الأمم الذين كذبوا من قبلهم ، ~~PageV09P225 وكفروا نعمة الله فحل بهم ما حل من أصناف العذاب ، وأنذر هؤلاء ~~بأن يحل بهم ما حل بأولئك ، ثم أعلن باليأس من ارعوائهم ، وبانتظار ما سيحل ~~بهم من العذاب بأيدي المؤمنين ، وبتثبيت الرسول والمؤمنين وتبشيرهم والثناء ~~على ما هم عليه من الهدى ، فكان من ذلك كله عبرة للمتبصرين ، ومسلاة للنبيء ~~وللمسلمين ، وتنويه بفضلهم وإذ قد كان من شأن ذلك أن يثير في أنفس المسلمين ~~كراهية أهل الشرك وتحفزهم للانتقام منهم ومجافاتهم والإعراض عن دعائهم إلى ~~الخير ، لا جرم شرع في استيناف غرض جديد ، يكون ختاما لهذا الخوض البديع ، ~~وهو غرض أمر الرسول والمؤمنين بقلة المبالاة بجفاء المشركين وصلابتهم ، ~~وبأن يسعوهم من عفوهم والدأب على محاولة هديهم والتبليغ إليهم بقوله : { خذ ~~العفو وأمر بالعرف } الآيات . # والأخذ حقيقته تناول شيء للانتفاع به أو لإضراره ، كما يقال : أخذت العدو ~~من تلابيبه ، ولذلك يقال في الأسير أخيذ ، ويقال للقوم إذا أسروا ms3361 أخذوا ~~واستعمل هنا مجازا فاستعير للتلبس بالوصف والفعل من بين أفعال لو شاء لتلبس ~~بها ، فيشبه ذلك التلبس واختياره على تلبس آخر بأخذ شيء من بين عدة أشياء ، ~~فمعنى ( خذ العفو ) : عامل به واجعله وصفا ولا تتلبس بضده . وأحسب استعارة ~~الأخذ للعرف من مبتكرات القرآن ولذلك ارجع أن البيت المشهور وهو : # خذي العفو مني تستديمي مودتي # ولا تنطقي في سورتي حين أغضب # هو لأبي الأسود الدؤلي ، وأنه اتبع استعمال القرآن ، وأن نسبته إلى أسماء ~~بن خارجة الفزاري أو إلى حاتم الطائي غير صحيحة . # والعفو الصفح عن ذنب المذنب وعدم مؤاخذته بذنبه وقد تقدم عند قوله تعالى ~~: { ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو } ( البقرة : 219 ) وقوله : { فاعفوا ~~واصفحوا حتى يأتي الله بأمره في سورة البقرة ( 109 ) ، والمراد به هنا ما ~~يعم العفو عن المشركين وعدم مؤاخذتهم بجفائهم ومساءتهم الرسول والمؤمنين . # وقد عمت الآية صور العفو كلها : لأن التعريف في العفو تعريف الجنس فهو ~~مفيد للاستغراق إذا لم يصلح غيره من معنى الحقيقة والعهد ، فأمر الرسول بأن ~~PageV09P226 يعفو ويصفح وذلك بعدم المؤاخذة بجفائهم وسوء خلقهم ، فلا ~~يعاقبهم ولا يقابلهم بمثل صنيعهم كما قال تعالى : فبما رحمة من الله لنت ~~لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم } ( آل ~~عمران : 159 ) ، ولا يخرج عن هذا العموم من أنواع العفو أزمانه وأحواله إلا ~~ما أخرجته الأدلة الشرعية مثل العفو عن القاتل غيلة ، ومثل العفو عن انتهاك ~~حرمات الله ، والرسول أعلم بمقدار ما يخص من هذا العموم ، وقد يبينه الكتاب ~~والسنة وألحق به ما يقاس على ذلك المبين ، وفي قوله : { وأمر بالعرف } ضابط ~~عظيم لمقدار تخصيص الأمر بالعفو . # ثم العفو عن المشركين المقصود هنا أسبق أفراد هذا العموم إلى الذهن من ~~بقيتها ولم يفهم السلف من الآية غير العموم ففي ( صحيح البخاري ) عن ابن ~~عباس قال ( قدم عيينة بن حصن المدينة فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس ، وكان ~~الحر بن قيس من النفر الذين يدنيهم عمر ، وكان القراء أصحاب مجالس ms3362 عمر ~~ومشاورته ، فقال عيينة لابن أخيه لك وجه عند هذا الأمير فاستأذن لي عليه ~~فأستأذن الحر لعيينة فأذن له عمر ، فلما دخل عليه قال ( هيه يابن الخطاب ما ~~تعطينا الجزل ولا تحكم بيننا بالعدل ) فغضب عمر حتى هم أن يوقع به فقال له ~~الحر : ( يا أمير المؤمنين إن الله قال لنبيه : { خذ العفو وأمر بالعرف ~~وأعرض عن الجاهلين } وإن هذا من الجاهلين ، والله ما جاوزها عمر حين تلاها ~~عليه وكان وقافا عند كتاب الله ) وفيه عن عبد الله بن الزبير قال ( ما أنزل ~~الله ذلك إلا في أخلاق الناس ) ومن قال إن هذه الآية نسختها آيات القتال ~~فقد وهم : لأن العفو باب آخر ، وأما القتال فله أسبابه ولعله أراد من النسخ ~~ما يشمل معنى البيان أو التخصيص في اصطلاح أصول الفقه . # و { العرف } اسم مرادف للمعروف من الأعمال وهو الفعل الذي تعرفه النفوس ~~أي لا تنكره إذا خليت وشأنها بدون غرض لها في ضده ، وقد دل على مرادفته ~~للمعروف قول النابغة : # فلا النكر معروف ولا العرف ضايع # فقابل النكر بالعرف ، وقد تقدم بيانه عند قوله تعالى : { تأمرون بالمعروف ~~وتنهون عن المنكر } في سورة آل عمران ( 110 ) . PageV09P227 # والأمر يشمل النهي عن الضد ، فإن النهي عن المنكر أمر بالمعروف ، والأمر ~~بالمعروف نهي عن المنكر ، لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده ، فالاجتزاء بالأمر ~~بالعرف عن النهي عن المنكر من الايجاز ، وإنما اقتصر على الأمر بالعرف هنا ~~: لأنه الأهم في دعوة المشركين لأنه يدعوهم إلى أصول المعروف واحدا بعد ~~واحد ، كما ورد في حديث معاذ بن جبل حين أرسله إلى أهل اليمن فإنه أمره أن ~~يدعوهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله ثم قال : ( فإن هم طاعوا لك بذلك ~~فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات ) ولو كانت دعوة المشركين مبتدأة ~~بالنهي عن المنكر لنفروا ولمل الداعي ، لأن المناكير غالبة عليهم ومحدقة ~~بهم ، ويدخل في الأمر بالعرف الاتسام به والتخلق بخلقه : لأن شأن الآمر ~~بشيء أن يكون متصفا بمثله . وإلا فقد تعرض للاستخفاف ms3363 على أن الآمر يبدأ ~~بنفسه فيأمرها كما قال أبو الأسود : # يأيها الرجل المعلم غيره # هلا لنفسك كان ذا التعليم # على أن خطاب القرآن الناس بأن يأمروا بشيء يعتبر أمرا للمخاطب بذلك الشيء ~~وهي المسألة المترجمة في أصول الفقه بأن الأمر بالأمر بالشيء هو أمر بذلك ~~الشيء . # والتعريف في { العرف } كالتعريف في { العفو } يفيد الاستغراق . # وحذف مفعول الأمر لافادة عموم المأمورين { والله يدعو إلى دار السلام } ( ~~يونس : 25 ) ، أمر الله رسوله بأن يأمر الناس كلهم بكل خير وصلاح فيدخل في ~~هذا العموم المشركون دخولا أوليا لأنهم سبب الأمر بهذا العموم أي لا يصدنك ~~إعراضهم عن إعادة إرشادهم وهذا كقوله تعالى : { فأعرض عنهم وعظهم } ( ~~النساء : 63 ) . # والإعراض : إدارة الوجه عن النظر للشيء . مشتق من العارض وهو الخد ، فإن ~~الذي يلتفت لا ينظر إلى الشيء وقد فسر ذلك في قوله تعالى : { أعرض ونأى ~~بجانبه } ( الإسراء : 83 ) وهو هنا ، مستعار لعدم المؤاخذة بما يسوء من أحد ~~، شبه عدم المؤاخذة على العمل بعدم الالتفات إليه في كونه لا يترتب عليه ~~أثر العلم به لأن شأن العلم به أن تترتب عليه المؤاخذة . # و ( الجهل ) هنا ضد الحلم والرشد ، وهو أشهر إطلاق الجهل في كلام العرب ~~قبل الإسلام ، فالمراد بالجاهلين السفهاء كلهم لأن التعريف فيه للاستغراق ، ~~وأعظم PageV09P228 الجهل هو الإشراك ، إذ اتخاذ الحجر إلها سفاهة لا تعدلها ~~سفاهة ، ثم يشمل كل سفيه رأي . وكذلك فهم منها الحر بن قيس في الخبر ~~المتقدم آنفا ، وأقره عمر بن الخطاب على ذلك الفهم . # وقد جمعت هذه الآية مكارم الأخلاق لأن فضائل الأخلاق لا تعدو أن تكون ~~عفوا عن اعتداء فتدخل في { خذ العفو } ، أو إغضاء عما لا يلائم فتدخل في { ~~وأعرض عن الجاهلين } ، أو فعل خير واتساما بفضيلة فتدخل في { وأمر بالعرف } ~~كما تقدم من الأمر بالأمر بالشيء أمر بذلك الشيء ، وهذا معنى قول جعفر بن ~~محمد : ( في هذه الآية أمر الله نبيه بمكارم الأخلاق وليس في القرآن آية ~~أجمع لمكارم الأخلاق منها وهي صالحة لأن يبين بعضها بعضا ، فإن ms3364 الأمر يأخذ ~~العفو يتقيد بوجوب الأمر بالعرف ، وذلك في كل ما لا يقبل العفو والمسامحة ~~من الحقوق ، وكذلك الأمر بالعرف يتقيد بأخذ العفو وذلك بأن يدعو الناس إلى ~~الخير بلين ورفق . # # | 2 ( 200 ) { وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم } ~~. ) 2 # وهذا الأمر مراد به رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتداء وهو شامل لأمته ~~. # ( إما ) هذه هي ( إن ) الشرطية اتصلت بها ( ما ) الزايدة التي تزاد على ~~بعض الأسماء غير أدوات الشروط فتصيرها أدواتها ، نحو ( مهما ) فإن أصلها ~~ماما ، ونحو ( إذما ) و ( أينما ) و ( أيانما ) و ( حيثما ) و ( كيفما ) ~~فلا جرم أن ( ما ) إذا اقترنت بما يدل على الشرط أكتسبته قوة شرطية فلذلك ~~كتبت ( إما ) هذه على صورة النطق بها ولم تكتب مفصولة النون عن ( ما ) . # والنزغ النخس والغرز ، كذا فسره في ( الكشاف ) وهو التحقيق ، وأما الراغب ~~وابن عطية فقيداه بأنه دخول شيء في شيء لإفساده ، ( قلت : وقريب منه الفسخ ~~بالسين وهو الغرز بإبرة أو نحوها للوشم ) قال ابن عطية ( وقلما يستعمل في ~~غير فعل الشيطان { من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي } ( يوسف : 100 ) ~~. # وإطلاق النزغ هنا على وسوسة الشيطان استعارة : شبه حدوث الوسوسه ~~الشيطانية في النفس بنزغ الإبرة ونحوها في الجسم بجامع التأثير الخفي ، ~~وشاعت PageV09P229 هذه الاستعارة بعد نزول القرءان حتى صارت كالحقيقة . # والمعنى أن ألقى إليك الشيطان ما يخالف هذا الأمر بأن سول لك الأخذ ~~بالمعاقبة أو سول لك ترك أمرهم بالمعروف غضبا عليهم أو يأسا من هداهم ، ~~فاستعذ بالله منه ليدفع عنك حرجه ويشرح صدرك لمحبة العمل بما أمرت به . # والاستعاذة مصدر طلب العوذ ، فالسين والتاء فيها للطلب ، والعوذ : ~~الإلتجاء إلى شيء يدفع مكروها عن الملتجيء ، يقال : عاذ بفلان ، وعاذ ~~بالحرم ، وأعاذه إذا منعه من الضر الذي عاذ من أجله . # فأمر الله بدفع وسوسة الشيطان بالعوذ بالله ، والعوذ بالله هو الالتجاء ~~إليه بالدعاء بالعصمة ، أو استحضار ما حدده الله له من حدود الشريعة ، وهذا ~~أمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم على ms3365 الالتجاء إلى الله فيما عسر عليه ، ~~فإن ذلك شكر على نعمة الرسالة والعصمة ، فإن العصمة من الذنوب حاصلة له ، ~~ولكنه يشكر الله بإظهار الحاجة إليه لادامتها عليه ، وهذا مثل استغفار ~~الرسول عليه الصلاة والسلام في قوله في حديث ( صحيح مسلم ) ( إنه ليغان على ~~قلبي فاستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرة ) ، فالشيطان لا ييأس من ~~إلقاء الوسوسة للأنبياء لأنها تنبعث عنه بطبعه ، وإنما يترصد لهم مواقع ~~خفاء مقصده طمعا في زلة تصدر عن أحدهم ، وإن كان قد علم أنه لا يستطيع ~~إغواءهم ، ولكنه لا يفارقه رجاء حملهم على التقصير في مراتبهم ، ولكنه إذا ~~ما هم بالوسوسة شعروا بها فدفعوها ، ولذلك علم الله رسوله عليه الصلاة ~~والسلام الاستعانة على دفعها بالله تعالى . روى الدارقطني أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال : ( ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن ~~وقرينه من الملائكة قالوا وأنت يا رسول الله ، قال ( وأنا ولكن الله أعانني ~~عليه فأسلم ) روي قوله : ( فأسلم ) بفتح الميم بصيغة الماضي والهمزة أصلية ~~، صار الشيطان المقارن له مسلما ، وهي خصوصية للنبيء صلى الله عليه وسلم ~~وروي بضم الميم بصيغة المضارع ، والهمزة للمتكلم : أي فأنا أسلم من وسوسته ~~وأحسب أن سبب الاختلاف في الرواية أن النبي صلى الله عليه وسلم نطق به ~~موقوفا عليه . وهذا الأمر شامل للمؤمنين وحظ المؤمنين منه أقوى لأن نزغ ~~الشيطان إياهم أكثر ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم مؤيد بالعصمة فليس ~~للشيطان عليه سبيل . PageV09P230 # وجملة : { إنه سميع عليم } في موقع العلة للأمر بالاستعاذة من الشيطان ~~بالله على ما هو شأن حرف ( إن ) إذا جاء في غير مقام دفع الشك أو الإنكار ، ~~فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لا ينكر ذلك ولا يتردد فيه ، والمراد : ~~التعليل بلازم هذا الخبر ، وهو عوذه مما استعاذه منه ، أي : أمرناك بذلك ~~لأن ذلك يعصمك من وسوسته لأن الله سميع عليم . # و ( السميع ) : العالم بالمسموعات ، وهو مراد منه معناه الكنائي ، أي ~~عليم بدعائك مستجيب قابل للدعوة ، كقول أبي ذؤيب ms3366 : # دعاني إليها القلب إني لامره # سميع فما أدري أرشد طلابها # أي ممتثل ، فوصف { سميع } كناية عن وعد بالإجابة . # وإتباعه بوصف { عليم } زيادة في الإخبار بعموم علمه تعالى بالأحوال كلها ~~، لأن وصف { سميع } دل على أنه يعلم استعاذة الرسول عليه الصلاة والسلام ثم ~~أتبعه بما يدل على عموم العلم ، وللإشارة إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم ~~بمحل عنايه الله تعالى فهو يعلم ما يريد به الشيطان عدوه ، وهذا كناية عن ~~دفاع الله عن رسوله كقوله : { فإنك بأعيننا } ( الطور : 48 ) وأن أمره ~~بالاستعاذة وقوف عند الأدب والشكر وإظهار الحاجة إلى الله تعالى . # # | 2 ( 201 ) { إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم ~~مبصرون } . ) 2 # هذا تأكيد وتقرير للأمر بالاستعاذة من الشيطان ، فتتنزل جملة : { إن ~~الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون } إلى آخرها ~~منزلة التعليل للأمر بالاستعاذة من الشيطان إذا أحس بنزغ الشيطان ، ولذلك ~~افتتحت ب { إن } التي هي لمجرد الاهتمام لا لرد تردد أو إنكار ، كما افتتحت ~~بها سابقتها في قوله : { أنه سميع عليم } ( الأعراف : 200 ) فيكون الأمر ~~بالاستعاذة حينئذ قد علل بعلتين أولاهما أن الاستعاذة بالله منجاة للرسول ~~عليه الصلاة والسلام من نزغ الشيطان ، والثانية : أن في الاستعاذة بالله من ~~الشيطان تذكرا الواجب مجاهدة الشيطان والتيقظ لكيده ، وأن ذلك التيقظ سنة ~~المتقين ، فالرسول عليه الصلاة والسلام مأمور بمجاهدة الشيطان : لأنه متق ، ~~ولأنه يبتهج بمتابعه سيرة سلفه من المتقين كما قال تعالى : { أولئك الذين ~~هدى الله فبهداهم اقتده } ( الأنعام : 90 ) . PageV09P231 # وقد جاءت العلة هنا أعم من المعلل : لأن التذكر أعم من الاستعاذة . # ولعل الله ادخر خصوصية الاستعاذة لهذه الأمة ، فكثر في القرآن الأمر ~~بالاستعاذة من الشيطان ، وكثر ذلك في أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وجعل ~~للذين قبلهم الأمر بالتذكر ، كما ادخر لنا يوم الجمعة . # و ( التقوى ) تقدم بيانها عند قوله تعالى : { هدى للمتقين في سورة البقرة ~~( 2 ) ، والمراد بهم : الرسل وصالحو أممهم ، لأنه أريد جعلهم قدوة وأسوة ~~حسنة . # و ( المس ) حقيقته وضع ms3367 اليد على الجسم ، واستعير للإصابة أو لأدنى ~~الإصابة . # والطائف هو الذي يمشي حول المكان ينتظر الإذن له ، فهو النازل بالمكان ~~قبل دخوله المكان ، اطلق هنا على الخاطر الذي يخطر في النفس يبعث على فعل ~~شيء نهى الله عن فعله شبه ذلك الخاطر في مبدأ جولانه في النفس بحلول الطائف ~~قبل أن يستقر . # وكانت عادة العرب أن القادم إلى أهل البيت ، العائذ برب البيت ، المستأنس ~~للقرى يستانس ، فيطوف بالبيت ، ويستأذن ، كما ورد في قصة النابغة مع ~~النعمان بن المنذر حين أنشد أبياته التي أولها : # أصم أم يسمع رب القبه # وتقدمت في أول سورة الفاتحة ، ومن ذلك طواف القادمين إلى مكة بالكعبة ~~تشبها بالوافدين على المملوك ، فلذلك قدم الطواف على جميع المناسك وختمت ~~بالطواف أيضا ، فلعل كلمة طائف تستعمل في معنى الملم الخفي قال الأعشى : # وتصبح عن غب السري وكأنها # ألم بها من طائف الجن أولق # وقال تعالى : فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون } ( القلم : 19 ) . # وقراءة الجمهور : { طائف } ، بألف بعد الطاء وهمزة بعد الألف ، وقراءة ~~ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ويعقوب : ( طيف ) بدون ألف بعد الطاء وبياء ~~تحتية ساكنة بعد الطاء ، والطيف خيال يراك في النوم وهو شائع الذكر في ~~الشعر . # وفي كلمة ( إذا ) من قوله : { إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا } مع ~~التعبير بفعل { مسهم } الدال على إصابة غير مكينة ، إشارة إلى أن الفزع إلى ~~الله PageV09P232 من الشيطان ، عند ابتداء إلمام الخواطر الشيطانية بالنفس ~~، لأن تلك الخواطر إذا أمهلت لم تلبث أن تصير عزما ثم عملا . # والتعريف في { الشيطان } يجوز أن يكون تعريف الجنس : أي من الشياطين ~~ويجوز أن يكون تعريف العهد والمراد به إبليس باعتبار أن ما يوسوس به جنده ~~وأتباعه ، هو صادر عن أمره وسلطانه . # والتذكر استحضار المعلوم السابق ، والمراد : تذكروا أوامر الله ووصاياه ، ~~كقوله : { ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم } ( آل عمران : 135 ) ويشمل التذكر ~~تذكر الاستعاذة لمن أمر بها من الأمم الماضية ، إن كانت مشروعة لهم ، ومن ~~هذه الأمة ، فالاقتداء بالذين اتقوا يعم سائر أحوال التذكر للمأمورات ms3368 . # والفاء لتفريع الإبصار على التذكر . وأكد معنى ( فاء ) التعقيب ب ( إذا ) ~~الفجائية الدالة على حصول مضمون جملتها دفعة بدون تريث ، أي تذكروا تذكر ~~ذوي عزم فلم تتريث نفوسهم أن تبين لها الحق الوازع عن العمل بالخواطر ~~الشيطانية فابتعدت عنها ، وتمسكت بالحق ، وعملت بما تذكرت ، فإذا هم ثابتون ~~على هداهم وتقواهم . # وقد استعير الإبصار للاهتداء كما يستعار ضده العمى للضلال ، أي : فإذا هم ~~مهتدون ناجون من تضليل الشيطان ، لأن الشيطان أراد إضلالهم فسلموا من ذلك ~~ووصفهم باسم الفاعل دون الفعل للدلالة على أن الإبصار ثابت لهم من قبل ، ~~وليس شيئا متجددا ، ولذلك أخبر عنهم بالجملة الاسمية الدالة على الدوام ~~والثبات . # # | 2 ( 202 ) { وإخوانهم يمدونهم فى الغى ثم لا يقصرون } . ) 2 # عطف على جملة { الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا } ( الأعراف ~~: 201 ) عطف الضد على ضده ، فإن الضدية مناسبة يحسن بها عطف حال الضد على ~~ضده ، فلما ذكر شان المتقين في دفعهم طائف الشياطين ، ذكر شان اضدادهم من ~~أهل الشرك والضلال ، كما وقعت جملة : { إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم ~~PageV09P233 أم لم تنذرهم } ( البقرة : 6 ) من جملة { هدى للمتقين الذين ~~يؤمنون بالغيب في سورة البقرة ( 2 ، 3 ) . # وجعلها الزجاج عطفا على جملة ولا يستطيعون لهم نصرا ولا لأنفسهم ينصرون } ~~( الأعراف : 192 ) أي ويمدونهم في الغي ، يريد أن شركاءهم لا ينفعونهم بل ~~يضرونهم بزيادة الغي . والإخوان جمع أخ على وزن فعلان مثل جمع خرب و وهو ~~ذكر بزيادة الغي . # والإخوان جمع أخ على وزن فعلان مثل جمع خرب وهو ذكر الحبارى على خربان . # وحقيقة الأخ المشارك في بنوة الأم والأب أو في بنوة أحدهما ويطلق الأخ ~~مجازا على الصديق الودود ومنه ما آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين ~~المهاجرين والأنصار ، وقول أبي بكر للنبيء صلى الله عليه وسلم لما خطب ~~النبي منه عائشة ( إنما أنا أخوك فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أنت أخي ~~وهي حلال لي ) ويطلق الأخ على القرين كقولهم أخو الحرب ، وعلى التابع ~~الملازم كقول عبد ms3369 بني الحسحاس : # أخوكم ومولى خيركم وحليفكم # ومن قد ثوى فيكم وعاشركم دهرا # أراد أنه عبدهم ، وعلى النسب والقرب كقولهم : أخو العرب وأخو بني فلان . # فضمير { وإخوانهم } عائد إلى غير مذكور في الكلام ، إذ لا يصح أن يعود ~~إلى المذكور قبله قريبا : لأن الذي ذكر قبله { الذين اتقوا } فلا يصح أن ~~يكون الخبر ، وهو { يمدونهم في الغي } متعلقا بضمير يعود إلى { المتقين } ، ~~فتعين أن يتطلب السامع لضمير { وإخوانهم } معادا غير ما هو مذكور في الكلام ~~بقربه ، فيحتمل أن يكون الضمير عائدا على معلوم من السياق وهم الجماعة ~~المتحدث عنهم في هذه الآيات أعني المشركين المعنيين بقوله { فتعالى الله ~~عما يشركون أيشركون ما لا يخلق شيئا } إلى قوله { ولا يستطيعون لهم نصرا } ~~( الأعراف : 190 192 ) فيرد السامع الضمير إلى ما دل عليه السياق بقرينة ~~تقدم نظيره في أصل الكلام ، ولهذا قال الزجاج : هذه الآية متصلة في المعنى ~~بقوله : { ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون } ( الأعراف : 192 ) ، ~~أي وإخوان المشركين ، أي أقاربهم ومن هو من قبيلتهم وجماعة دينهم ، كقوله ~~تعالى : { وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض } ( آل عمران : 156 ) أي يمد ~~المشركون بعضهم بعضا في الغي ويتعاونون عليه فلا مخلص لهم من الغي . ~~PageV09P234 # ويجوز أن يعود الضميران إلى الشيطان المذكور آنفا باعتبار إرادة الجنس أو ~~الأتباع ، كما تقدم ، فالمعنى وإخوان الشياطين أي أتباعهم كقوله : { إن ~~المبذرين كانوا إخوان الشياطين } ( الإسراء : 27 ) أما الضميران المرفوعان ~~في قوله : { يمدونهم } وقوله : { لا يقصرون } فهما عائدان إلى ما عاد إليه ~~ضمير { إخوانهم } أي الشياطين ، وإلى هذا مال الجمهور من المفسرين ، ~~والمعنى : وإخوان الشياطين يمدهم الشياطين في الغي ، فجملة يمدونهم خبر عن ~~{ إخوانهم } وقد جرى الخبر على غير من هو له ولم يبرز فيه ضمير من هو له ~~حيث كان اللبس ما مونا وهذا كقول يزيد بن منقذ : # وهم إذا الخيل جالوا في كواثبها # فوارس الخيل لا ميل ولا قزم # فجملة ( جالوا ) خبر عن الخيل وضمير ( جالوا ) عائد على ما عاد عليه ضمير ~~( وهم ) لا على الخيل ms3370 . وقوله فوارس خبر ضمير الجمع . # ويجوز أن يكون المراد من الإخوان الأولياء ويكون الضميران للمشركين أيضا ~~، أي وإخوان المشركين وأولياؤهم ، فيكون ( الإخوان ) صادقا بالشياطين كما ~~فسر قتادة ، لأنه إذا كان المشركون إخوان الشياطين ، كما هو معلوم ، كان ~~الشياطين إخوانا للمشركين لأن نسبة الأخوة تقتضي جانبين ، وصادقا بعظماء ~~المشركين ، فالخبر جار على من هو له ، وقد كانت هذه المعاني مجتمعة في هذه ~~الآيات بسبب هذا النظم البديع . # وقرأ نافع ، وأبو جعفر : { يمدونهم } بضم الياء وكسر الميم من الامداد ~~وهو تقوية الشيء بالمدد والنجدة كقوله : { أمدكم بأنعام وبنين } ( الشعراء ~~: 133 ) ، وقرأه البقية : { يمدونهم } بفتح الياء وضم الميم من مد الحبل ~~يمده إذا طوله ، فيقال : مد له إذا أرخى له كقولهم : ( مد الله في عمرك ) ~~وقال أبو علي الفارسي في كتاب ( الحجة ) ( عامة ما جاء في التنزيل مما ~~يستحب أمددت على أفعلت كقوله : { أن ما نمدهم به من مالل وبنين } ( ~~المؤمنون : 55 ) { وأمددناهم بفاكهة } ( الطور : 22 ) و { أتمدونن بمال } ( ~~النمل : 36 ) ، وما كان بخلافه يجيء على مددت قال تعالى : { ويمدهم في ~~طغيانهم يعمهون } ( البقرة : 15 ) فهذا يدل على أن الوجه فتح الياء كما ذهب ~~إليه الأكثر من القراء والوجه في قراءة من قرأ يمدونهم أي بضم الياء أنه ~~مثل { فبشرهم بعذاب اليم } ( آل عمران : 21 ) ( أي هو استعارة تهكمية ~~والقرينه قوله في الغي كما أن القرينة في الآية الأخرى قوله بعذاب ) وقد ~~PageV09P235 علمت أن وقوع أحد الفعلين أكثر في أحد المعنيين لا يقتضي قصر ~~إطلاقه على ما غلب إطلاقه فيه عند البلغاء وقراءة الجمهور { يمدونهم } بفتح ~~التحتية تقتضي أن يعدى فعل { يمدونهم } إلى المفعول باللام ، يقال مد له ~~إلا أنه كثرت تعديته بنفسه على نزع الخافض كقوله تعالى : { ويمدهم في ~~طغيانهم } وقد تقدم في سورة البقرة ( 15 ) . # والغي الضلال وقد تقدم آنفا . # و ( في ) من قوله : { يمدونهم في الغي } على قراءة نافع وأبي جعفر ~~استعارة تبعيه بتشبيه الغي بمكان المحاربة ، وأما على قراءة الجمهور ~~فالمعنى : وإخوانهم يمدون لهم في الغي من مد للبعير ms3371 في الطول . # أي يطيلون لهم الحبل في الغي ، تشبيها لحال أهل الغواية وازديادهم فيها ~~بحال النعم المطال لها الطول في المرعى وهو الغي ، وهو تمثيل صالح لاعتبار ~~تفريق التشبيه في أجزاء الهيئة المركبة ، وهو أعلى أحوال التمثيل ويقرب من ~~هذا التمثيل قول طرفة : # لعمرك أن الموت ما أخطأ الفتى # لكالطول المرخى وثنياه باليد # وعليه جرى قولهم : مد الله لفلان في عمره ، أو في أجله ، أو في حياته ~~والإقصار الامساك عن الفعل مع قدره الممسك على أن يزيد . # و { ثم } للترتيب الرتبي أي وأعظم من الإمداد لهم في الغي أنهم لا ~~يألونهم جهدا في الازدياد من الإغواء ، فلذلك تجد إخوانهم أكبر الغاوين . # # | 2 ( 203 ) { وإذا لم تأتهم بئاية قالوا لولا اجتبيتها قل إنمآ أتبع ما ~~يوحى إلى من ربى هاذا بصآئر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون } . ) 2 # معطوفة على جملة : { وأعرض عن الجاهلين } ( الأعراف : 199 ) والمناسبة أن ~~مقالتهم هذه من جهالتهم والآية يجوز أن يراد بها خارق العادة أي هم لا ~~يقنعون بمعجزة القرآن فيسألون آيات كما يشاءون مثل قولهم ( فجر لنا من ~~الأرض ينبوعا ) وهذا المعنى هو الذي شرحناه عند قوله تعالى : { وأقسموا ~~بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن PageV09P236 بها في سورة الأنعام ~~( 109 ) . وروي هذا المعنى عن مجاهد ، والسدي ، والكلبي ويجوز أن يراد بآية ~~ءاية من القرآن يقترحون فيها مدحا لهم ولأصنامهم ، كما قال الله عنهم : قال ~~الذين لا يرجون لقاءنا ائتت بقرآن غير هذا أو بدله } ( يونس : 15 ) روي عن ~~جابر بن زيد وقتادة : كان المشركون إذا تأخر الوحي يقولون للنبيء هلا أتيت ~~بقرآن من عندك يريدون التهكم . # و { لولا } حرف تحضيض مثل ( هلا ) . # والاجتباء الاختيار ، والمعنى : هلا اخترت آية وسألت ربك أن يعطيكها ، أي ~~هلا أتيتنا بما سألناك غير آية القرآن فيجيبك الله إلى ما اجتبيت ، ومقصدهم ~~من ذلك نصب الدليل على أنه بخلاف ما يقول لهم إنه رسول الله ، وهذا من ~~الضلال الذي يعتري أهل العقول السخيفة في فهم الأشياء على خلاف حقائقها ~~وبحسب ms3372 من يتخيلون لها ويفرضون . # والجواب الذي أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يجيب به وهو قوله : { قل ~~إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي } صالح للمعنيين ، فالاتباع مستعمل في معنى ~~الاقتصار والوقوف عند الحد ، أي لا أطلب آية غير ما أوحى الله إلي ، ويعضد ~~هذا ما في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ما من ~~الأنبياء إلا أوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر وإنما كان الذي أوتيت ~~وحيا أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة ) ويكون ~~المعنى : إنما انتظر ما يوحى إلى ولا أستعجل نزول القرآن إذا تأخر نزوله ~~فيكون الاتباع متعلقا بالزمان . # مستأنفة لابتداء كلام في التنويه بشأن القرآن منقطعه عن المقول للانتقال ~~من غرض إلى غرض بمنزلة التذييل لمجموع أغراض السورة ، والخطاب للمسلمين . # ويجوز أن تكون من تمام القول المأمور بأن يجيبهم به ، فيكون الخطاب ~~للمشركين ثم وقع التخلص لذكر المؤمنين بقوله : { وهدى ورحمة لقوم يؤمنون } ~~. # والإشارة ب { بهذا بصائر } إلى القرآن ، ويجوز أن تكون الإشارة إلى ما ~~تقدم من السورة أو من المحاجة الأخيرة منها ، وإفراد اسم الإشارة لتأويل ~~المشار إليه بالمذكور . PageV09P237 # والبصائر جمع بصيرة وهي ما به اتضاح الحق وقد تقدم عند قوله تعالى : { قد ~~جاءكم بصائر من ربكم } في سورة الأنعام ( 104 ) ، وهذا تنويه بشأن القرآن ~~وأنه خير من الآيات التي يسألونها ، لأنه يجمع بين الدلالة على صدق الرسول ~~بواسطة دلالة الإعجاز وصدوره عن الأمي ، وبين الهداية والتعليم والإرشاد ، ~~والبقاء على العصور . # وإنما جمع ( البصائر ) لأن القرآن أنواعا من الهدى على حسب النواحي التي ~~يهدي إليها ، من تنوير العقل في إصلاح الإعتقاد ، وتسديد الفهم في الدين ، ~~ووضع القوانين للمعاملات والمعاشرة بين الناس ، والدلالة على طرق النجاح ~~والنجاة في الدنيا ، والتحذير من مهاوي الخسران . # وأفرد الهدى والرحمة ؛ لأنهما جنسان عامان يشملان أنواع البصائر فالهدى ~~يقارن البصائر والرحمة غاية للبصائر ، والمراد بالرحمة ما يشمل رحمة الدنيا ~~وهي استقامة أحوال الجماعة وانتظام المدنية ورحمة الآخرة وهي الفوز بالنعيم ms3373 ~~الدائم كقوله تعالى : { من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فنلحيينه ~~حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ماكانوا يعملون } ( النحل : 97 ) . # وقوله : { من ربكم } ترغيب للمؤمنين وتخويف للكافرين . # و { لقوم يؤمنون } يتنازعه ( بصائر ) و ( هدى ) و ( رحمة ) لأنه إما ~~ينتفع به المؤمنون ، فالمعنى هذا بصائر لكم وللمؤمنين ، و { هدى ورحمة لقوم ~~يؤمنون } خاصة إذ لم يهتدوا ، وهو تعريض بأن غير المؤمنين ليسوا أهلا ~~للانتفاع به وأنهم لهوا عن هديه بطلب خوارق العادات . # # | 2 ( 204 ) { وإذا قرىء القرءان فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون } . ) ~~2 # يؤذن العطف بأن الخطاب بالأمر في قوله : { فاستمعوا وأنصتوا } وفي قوله : ~~{ لعلكم } تابع للخطاب في قوله { هذا بصائر من ربكم } ( الأعراف : 203 ) ~~إلخ ، فقوله : { وإذا قرىء القرآن } من جملة ما أمر الرسول عليه الصلاة ~~والسلام بأن يقوله لهم وذلك إعادة تذكير للمشركين تصريحا أو تعريضا بأن لا ~~يعرضوا عن استماع القرآن وبأن يتأملوه ليعلموا أنه آية عظيمة ، وأنه بصائر ~~وهدى ورحمة ، لمن يؤمن به ولا يعاند ، وقد علم من أحوال المشركين أنهم ~~كانوا يتناهون عن الإنصات إلى القرآن { وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا ~~القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون } ( فصلت : 26 ) . PageV09P238 # وذكر اسم القرآن إظهار في مقام الإضمار ، لأن القرآن تقدم ذكره بواسطة ~~اسم الإشارة فنكتة هذا الإظهار : التنويه بهذا الأمر ، وجعل جملته مستقلة ~~بالدلالة غير متوقفة على غيرها ، وهذا من وجوه الاهتمام بالكلام ومن دواعي ~~الإظهار في مقام الإضمار استقريتة من كلام البلغاء . # والاستماع الإصغاء وصيغة الافتعال دالة على المبالغة في الفعل ، والإنصات ~~الاستماع مع ترك الكلام فهذا مؤكد ( لا تسمعوا ) . مع زيادة معنى . وذلك ~~مقابل قولهم : { لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه } ( فصلت : 26 ) ، ويجوز ~~أن يكون الاستماع مستعملا في معناه المجازي ، وهو الامتثال للعمل بما فيه ~~كما تقدم آنفا في قوله : { وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا } ( الأعراف : ~~198 ) ويكون الإنصات جامعا لمعنى الإصغاء وترك اللغو . # وهذا الخطاب شامل للكفار على وجه التبليغ ، وللمسلمين على وجه الارشاد ~~لأنهم أرجى للانتفاع بهديه لأن قبله ms3374 قوله : { وهدى ورحمة لقوم يؤمنون } ( ~~الأعراف : 203 ) . # ولا شبهة في أن هذه الآية نزلت في جملة الآيات التي قبلها وعلى مناسبتها ~~، سواء أريد بضمير الخطاب بها المشركون والمسلمون معا ، أم أريد المسلمون ~~تصريحا والمشركون تعريضا ، أم أريد المشركون للاهتداء والمسلمون بالأحرى ~~لزيادته . # فالاستماع والإنصات المأمور بهما هما المؤديان بالسامع إلى النظر ~~والاستدلال ، والاهتداء بما يحتوي عليه القرآن من الدلالة على صدق الرسول ~~صلى الله عليه وسلم المقضي إلى الإيمان به ، ولما جاء به من إصلاح النفوس ، ~~فالأمر بالاستماع مقصود به التبليغ واستدعاء النظر والعمل بما فيه ، ~~فالاستماع والإنصات مراتب بحسب مراتب المستمعين . # فهذه الآية مجملة في معنى الاستماع والإنصات وفي مقتضى الأمر من قوله : { ~~فاستمعوا له وأنصتوا } ، يبين بعض إجمالها سياق الكلام والحمل على ما يفسر ~~سببها من قوله تعالى : { وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغو فيه ~~} ( فصلت : 26 ) ، ويحال بيان مجملها فيما زاد على ذلك على أدلة أخرى . وقد ~~اتفق علماء الأمة على أن ظاهر الآية بمجرده في صور كثيرة مؤول ، فلا يقول ~~أحد منهم بأنه PageV09P239 يجب على كل مسلم إذا سمع أحدا يقرأ القرآن أن ~~يشتغل بالاستماع وينصت ، إذ قد يكون القارىء يقرأ بمحضر صانع في صنعته فلو ~~وجب عليه الاستماع لأمر بترك عمله ، ولكنهم اختلفوا في محمل تأويلها : ~~فمنهم من خصها بسبب رأوا أنه سبب نزولها ، فرووا عن أبي هريرة أنها نزلت في ~~قراءة الإمام في الجهر ، وروى بعضهم أن رجلا من الأنصار صلى وراء النبي صلى ~~الله عليه وسلم صلاة جهرية فكان يقرأ في الصلاة والنبي صلى الله عليه وسلم ~~يقرأ فنزلت هذه الآية في أمر الناس بالاستماع لقراءة الإمام . وهؤلاء قصروا ~~أمر الاستماع على قراءة خاصة دل عليها سبب النزول عندهم على نحو يقرب من ~~تخصيص العام بخصوص سببه ، عند من يخصص به ، وهذا تأويل ضعيف ، لأن نزول ~~الآية على هذا السبب لم يصح ، ولا هو مما يساعد عليه نظم الآية التي معها ، ~~وما قالوه في ذلك إنما هو تفسير وتأويل وليس فيه ms3375 شيء مأثور عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم # ومنهم من أبقى أمر الاستماع على إطلاقه القريب من العموم ، ولكنهم تأولوه ~~على أمر الندب ، وهذا الذي يؤخذ من كلام فقهاء المالكية ، ولو قالوا المراد ~~من قوله قرىء قراءة خاصة ، وهي أن يقرأه الرسول عليه الصلاة والسلام على ~~الناس لعلم ما فيه والعمل به للكافر والمسلم ، لكان أحسن تأويلا . # وفي ( تفسير القرطبي ) عن سعيد ( بن المسيب ) : كان المشركون يأتون رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى فيقول بعضهم لبعض لا تسمعوا لهذا القرآن ~~والغوا فيه فأنزل الله تعالى جوابا لهم { وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له ~~وأنصتوا } . # على أن ما تقدم من الاخبار في محمل سبب نزول هذه الآية لا يستقيم لأن ~~الآية مكية وتلك الحوادث حدثت في المدينة . أما استدلال أصحاب أبي حنيفة ~~على ترك قراءة المأموم إذا كان الإمام مسرا بالقراءة ، فالآية بمعزل عنه إذ ~~لا يتحقق في ذلك الترك معنى الإنصات . # ويجب التنبه إلى أن ليس في الآية صيغة من صيغ العموم لأن الذي فيها فعلان ~~هما ( قرىء ) ( واستمعوا ) والفعل لا عموم له في الإثبات . # ومعنى الشرط المستفاد من ( إذا ) يقتضي إلا عموم الأحوال أو الأزمان دون ~~PageV09P240 القراءات وعموم الأزمان أو الأحوالل لا يستلزم عموم الأشخاص ~~بخلاف العكس كما هو بين . # # | 2 ( 205 ) { واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو ~~والاصال ولا تكن من الغافلين } . ) 2 # إقبال بالخطاب على النبي صلى الله عليه وسلم فيما يختص به ، بعد أن أمر ~~بما أمر بتبليغه من الآيات المتقدمة ، والمناسبة في هذا الانتقال أن أمر ~~الناس باستماع القرآن يستلزم أمر الرسول عليه الصلاة والسلام بقراءة القرآن ~~عليهم قراءة جهرية يسمعونها ، فلما فرغ الكلام من حظ الناس نحو قراءة ~~الرسول عليه الصلاة والسلام ، أقبل على الكلام في حظ الرسول صلى الله عليه ~~وسلم من القرآن وغيره ، وهو التذكر الخاص به ، فأمر بأن يذكر الله ما ~~استطاع وكيفما تسنى له ، وفي أوقات النهار المختلفة ، فجملة { واذكر ربك } ~~معطوفة على الجمل ms3376 السابقة من قوله : { إن وليي الله } ( الأعراف : 196 ) ~~إلى هنا . # والنفس اسم للقوة التي بها الحياة ، فهي مرادفة الروح ، وتطلق على الذات ~~المركبة من الجسد والروح ، ولكون مقر النفس في باطن الإنسان أطلقت على أمور ~~باطن الإنسان من الإدراك والعقل كما في قوله تعالى حكاية عن عيسى { تعلم ما ~~في نفسي } ( المائدة : 116 ) وقد مضى في سورة المائدة ، ومن ذلك يتطرق إلى ~~إطلاقها على خويصة المرء ، ومنه قوله في الحديث القدسي في ( صحيح البخاري ) ~~وإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منهم ) ~~فقابل قوله : في نفسه بقوله : في ملإ . # والمعنى : اذكر ربك وأنت في خلوتك كما تذكره في مجامع الناس . # والذكر حقيقة في ذكر اللسان ، وهو المراد هنا ، ويعضده قوله : { ودون ~~الجهر من القول } وذلك يشمل قراءة القرآن وغير القرآن من الكلام الذي فيه ~~تمجيد الله وشكره ونحو ذلك ، مثل كلمة التوحيد والحوقلة والتسبيح والتكبير ~~والدعاء ونحو ذلك . # و ( التضرع ) التذلل ولما كان التذلل يستلزم الخطاب بالصوت المرتفع في ~~عادة العرب كني بالتضرع عن رفع الصوت مرادا به معناه الأصلي والكنائي ، ~~PageV09P241 ولذلك قوبل بالخفيه في قوله { ادعوا ربكم تضرعا وخفية في أوائل ~~هذه السورة ( 55 ) وقد تقدم . # وقوبل التضرع هنا بالخيفة وهي اسم مصدر الخوف ، فهو من المصادر التي جاءت ~~على صيغة الهيئة وليس المراد بها الهيئة ، مثل الشدة ، ولما كانت الخيفة ~~انفعالا نفسيا يجده الإنسان في خاصة نفسه كانت مستلزمة للتخافت بالكلام ~~خشية أن يشعر بالمرء من يخافه . فلذلك كني بها هنا عن الإسرار بالقول مع ~~الخوف من الله ، فمقابلتها بالتضرع طباق في معنيي اللفظين الصريحين ~~ومعنييهما الكناءين ، فكأنه قيل تضرعا وإعلانا وخيفة وإسرارا . # وقوله : ودون الجهر من القول } هو مقابل لكل من التضرع والخيفة وهو الذكر ~~المتوسط بين الجهر والإسرار ، والمقصود من ذلك استيعاب أحوال الذكر باللسان ~~، لأن بعضها قد تكون النفس أنشط إليه منها إلى البعض الآخر . # و ( الغدو ) اسم لزمن الصباح وهو النصف الأول من النهار . # و ( الآصال ms3377 ) جمع أصيل وهو العشي وهو النصف الثاني من النهار إلى الغروب ~~. # والمقصود استيعاب أجزاء النهار بحسب المتعارف ، فأما الليل فهو زمن النوم ~~، والأوقات التي تحصل فيها اليقظة خصت بأمر خاص مثل قوله تعالى : { قم ~~الليل إلا قليلا } ( المزمل : 2 ) على أنها تدخل في عموم قوله : { ولا تكن ~~من الغافلين } . # فدل قوله : { ولا تكن من الغافلين } على التحذير من الغفلة عن ذكر الله ~~ولاحد للغفلة ، فإنها تحدد بحال الرسول صلى الله عليه وسلم وهو أعلم بنفسه ~~. فإن له أوقاتا يتلقى فيها الوحي وأوقات شؤون جبلية كالطعام . # وهذا الأمر خاص بالرسول عليه الصلاة والسلام ، وكل ما خص به الرسول عليه ~~الصلاة والسلام من الوجوب يستحسن للأمة اقتداؤهم به فيه إلا ما نهوا عنه ~~مثل الوصال في الصوم . # وقد تقدم أن نحو { ولا تكن من الغافلين } أشد في الانتفاء وفي النهي من ~~نحو : ولا تغفل ، لأنه يفرض جماعة يحق عليهم وصف الغافلين فيحذر من أن يكون ~~في زمرتهم وذلك أبين للحالة المنهي عنها . # PageV09P242 # | 2 ( 206 ) { إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله ~~يسجدون } . ) 2 # تتنزل منزلة العلة للأمر بالذكر ، ولذلك صدرت ب { إن } التي هي لمجرد ~~الاهتمام بالخبر ، لا لرد تردد أو إنكار ، لأن المخاطب منزه عن أن يتردد في ~~خبر الله تعالى ، فحرف التوكيد في مثل هذا المقام يغني غناء فاء التفريع ، ~~ويفيد التعليل كما تقدم غير مرة ، والمعنى : الحث على تكرر ذكر الله في ~~مختلف الأحوال ، لأن المسلمين مأمورون بالاقتداء بأهل الكمال من الملإ ~~الأعلى ، وفيها تعريض بالمشركين المستكبرين عن عبادة الله بأنهم منحطون عن ~~تلك الدرجات . # والمراد ب { الذين عند ربك } الملائكة ، ووجه جعل حال الملائكة علة لأمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم بالذكر : أن مرتبة الرسالة تلحق صاحبها من البشر ~~برتبة الملائكة ، فهذا التعليل بمنزلة أن يقال : اذكر ربك لأن الذكر هو شان ~~قبيلك ، كقول ابن دارة سالم بن مسافع : # فإن تتقوا شرا فمثلكم اتقى # وإن تفعلوا خيرا فمثلكم فعل # فليس في هذا التعليل ما يقتضي ms3378 أن يكون الملائكة أفضل من الرسل ، كما ~~يتوهمه المعتزلة لأن التشبه بالملائكة من حيث كان الملائكة أسبق في هذا ~~المعنى ؛ لكونه حاصلا منهم بالجبلة فهم مثل فيه ، ولا شبهة في أن الفريق ~~الذين لم يكونوا مجبولين على ما جبلت عليه الملائكة ، إذا تخلقوا بمثل خلق ~~الملائكة ، كان سموهم إلى تلك المرتبة أعجب ، واستحقاقهم الشكر والفضل له ~~أجدر . # ووجه العدول عن لفظ الملائكة إلى الموصولية : ما تؤذن به الصلة من رفعة ~~منزلتهم ، فيتذرع بذلك إلى إيجاد المنافسة في التخلق بأحوالهم . # و { عند } مستعمل مجازا في رفعة المقدار ، والحظوة الآلهية . # وقوله : { لا يستكبرون عن عبادته } ليس المقصود به التنويه بشأن الملائكة ~~لأن التنويه بهم يكون بأفضل من ذلك ، وإنما أريد به التعريض بالمشركين ~~وأنهم على النقيض من أحوال الملائكة المقربين ، فخليق بهم أن يكونوا بعداء ~~عن منازل PageV09P243 الرفعة ، والمقصود هو قوله : { ويسبحونه } أي ينزهونه ~~بالقول والاعتقاد عن صفات النقص ، وهذه الصلة هي المقصودة من التعليل للأمر ~~بالذكر . # واختيار صيغة المضارع لدلالتها على التجديد والاستمرار ، أو كما هو ~~المقصود وتقديم المعمول من قوله : { وله يسجدون } للدلالة على الاختصاص أي ~~ولا يسجدون لغيره ، وهذا أيضا تعريض بالمشركين الذين يسجدون لغيره ، ~~والمضارع يفيد الاستمرار أيضا . # وهنا موضع سجود من سجود القرآن ، وهو أولها في ترتيب الصحف ، وهو من ~~المتفق على السجود فيه بين علماء الأمة ، ومقتضى السجدة هنا أن الآية جاءت ~~للحض على التخلق بأخلاق الملائكة في الذكر ، فلما أخبرت عن حالة من أحوالهم ~~في تعظيم الله وهو السجود لله ، أراد الرسول عليه الصلاة والسلام أن يبادر ~~بالتشبه بهم تحقيقا للمقصد الذي سبق هذا الخبر لأجله . # وأيضا جرى قبل ذلك ذكر اقتراح المشركين أن يأتيهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم بآية كما يقترحون فقال الله له : { قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي } ~~( الأعراف : 203 ) وبأن يأمرهم بالاستماع للقرآن وذكر أن الملائكة يسجدون ~~لله ، شرع الله عند هذه الآية سجودا ؛ ليظهر إيمان المؤمنين بالقرآن وجحود ~~الكافرين به حين سجد المؤمنون ، ويمسك المشركون الذين يحضرون ms3379 مجالس نزول ~~القرآن ، وقد دل استقراء مواقع سجود القرآن أنها لا تعدو أن تكون إغاظة ~~للمشركين أو اقتداء بالأنبياء أو المرسلين كما قال ابن عباس في سجدة ، { ~~فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب } ( ص : 24 ) أن الله تعالى قال : { فبهداهم ~~اقتده } ( الأنعام : 90 ) فداود ممن أمر محمد صلى الله عليه وسلم بأن يقتدي ~~به . # PageV09P244 # | 1 ( سورة الأنفال ) 1 # عرفت بهذا الاسم من عهد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم روى الواحدي ~~في ( أسباب النزول ) عن سعد بن أبي وقاص قال : ( لما كان يوم بدر قتل أخي ~~عمير وقتلت سعيد بن العاصي فاخذت سيفه فأتيت به النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال : اذهب القبض ( بفتحتين الموضع الذي تجمع فيه الغنائم ) فرجعت في ما ~~لا يعلمه إلا الله ، قتل أخي وأخذ سلبي فما جاوزت قريبا حتى نزلت سورة ~~الأنفال ) . # وأخرج البخاري ، عن سعيد بن جبير ، قال : ( قلت لابن عباس سورة الأنفال ) ~~قال ( نزلت في بدر ) فباسم الأنفال عرفت بين المسلمين وبه كتبت تسميتها في ~~المصحف حين كتبت أسماء السور في زمن الحجاج ، ولم يثبت في تسميتها حديث ، ~~وتسميتها سورة الأنفال من أنها افتتحت بآية فيها اسم الأنفال ، ومن أجل ~~أنها ذكر فيها حكم الأنفال كما سيأتي . # وتسمى أيضا ( سورة بدر ) ففي ( الإتقان ) أخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير ~~قال قلت لابن عباس ( سورة الأنفال ) قال ( تلك سورة بدر ) . # وقد اتفق رجال الأثر كلهم على أنها نزلت في غزوة بدر : قال ابن إسحاق ~~أنزلت في أمر بدر سورة الأنفال بأسرها ، وكانت غزوة بدر في رمضان من العام ~~الثاني للهجرة بعد عام ونصف من يوم الهجرة ، وذلك بعد تحويل القبلة بشهرين ~~، وكان ابتداء نزولها قبل الانصراف من بدر ، فإن الآية الأولى منها نزلت ~~والمسلمون في بدر قبل قسمة مغانمها ، كما دل عليه حديث سعد بن أبي وقاص ، ~~والظاهر أنها استمر نزولها إلى ما بعد الانصراف من بدر . # وفي كلام أهل أسباب النزول ما يقتضي أن آية { الآن خفف الله عنكم وعلم أن ~~فيكم ms3380 ضعفا إلى مع الصابرين } ( الأنفال : 66 ) نزلت بعد نزول السورة بمدة ~~طويلة ، كما روي عن ابن عباس ، وسيأتي تحقيقه هنالك . PageV09P245 # وقال جماعة من المفسرين إن آيات { يأيها النبي حسبك الله } إلى { لا ~~يفقهون } ( الأنفال : 64 ، 65 ) نزلت بالبيداء في غزوة بدر قبل ابتداء ~~القتال ، فتكون تلك الآية نزلت قبل نزول أول السورة . # نزلت هذه السورة بعد سورة البقرة ، ثم قيل هي الثانية نزولا بالمدينة ، ~~وقيل نزلت البقرة ثم آل عمران ثم الأنفال ، والأصح أنها ثانية السور ~~بالمدينة نزولا بعد سورة البقرة . # وقد بينت في المقدمات أن نزول سورة بعد أخرى لا يفهم منه أن التالية تنزل ~~بعد انقضاء نزول التي قبلها ، بل قد يبتدأ نزول سورة قبل انتهاء السورة ~~التي ابتدىء نزولها قبل ، ولعل سورة الأنفال قد انتهت قبل انتهاء نزول سورة ~~البقرة ، لأن الأحكام التي تضمنتها سورة الأنفال من جنس واحد وهي أحكام ~~المغانم والقتال ، وتفننت أحكام سورة البقرة أفانين كثيرة : من أحكام ~~المعاملات الاجتماعية ، ومن الجائز أن تكون البقرة نزلت بعد نزولها بقليل ~~سورة آل عمران ، وبعد نزول آل عمران بقليل نزلت الأنفال ، فكان ابتداء نزول ~~الأنفال قبل انتهاء نزول البقرة وآل عمران . # وفي ( تفسير ابن عطية ) عند قوله تعالى : { وما كان الله ليعذبهم وأنت ~~فيهم } من هذه السورة ( 33 ) قالت فرقة نزلت هذه الآية كلها بمكة قال ابن ~~أبزى نزل قوله : { وما كان الله ليعذبهم } بمكة إثر قولهم { أو ائتنا بعذاب ~~أليم } ( الأنفال : 32 ) ونزل قوله : { وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون } ~~( الأنفال : 33 ) عند خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، وقد ~~بقي بمكة مؤمنون يستغفرون ، ونزل قوله : { وما لهم أن لا يعذبهم الله } ( ~~الأنفال : 34 ) بعد بدر . # وقد عدت السورة التاسعة والثمانين في عداد نزول سور القرآن في رواية جابر ~~بن زيد عن ابن عباس ، وأنها نزلت بعد سورة آل عمران وقبل سورة الأحزاب . # وعدد آيها ، في عد أهل المدينة . وأهل مكة وأهلل البصرة : ست وسبعون ، ~~وفي عد أهل الشام سبع وسبعون ، وفي ms3381 عد أهل الكوفة خمس وسبعون . # ونزولها بسبب اختلاف أهل بدر في غنائم يوم بدر وأنفاله ، وقيل : بسبب ما ~~سأله بعض الغزاة النبي صلى الله عليه وسلم أن يعطيهم من الأنفال ، كما ~~سيأتي عند تفسير أول آية منها . PageV09P246 # أغراض هذه السورة # ابتدأت ببيان أحكام الأنفال وهي الغنائم وقسمتها ومصارفها . # والأمر بتقوى الله في ذلك وغيره . # والأمر بطاعة الله ورسوله ، في أمر الغنائم وغيرها . # وأمر المسلمين بإصلاح ذات بينهم ، وأن ذلك من مقومات معنى الإيمان الكامل ~~. # وذكر الخروج إلى غزوة بدر وبخوفهم من قوة عددهم وما لقوا فيها من نصر ~~وتأييد من الله ولطفه بهم . # وامتنان الله عليهم بأن جعلهم أقوياء . # ووعدهم بالنصر والهواية أن اتقوا بالثبات للعدو ، والصبر . # والأمر بالاستعداد لحرب الأعداء . # والأمر باجتماع الكلمة والنهي عن التنازع . # والأمر بأن يكون قصد النصرة للدين نصب أعينهم . # ووصف السبب الذي أخرج المسلمين إلى بدر . # وذكر مواقع الجيشين ، وصفات ما جرى من القتال . # وتذكير النبي صلى الله عليه وسلم بنعمة الله عليه إذ أنجاه من مكر ~~المشركين به بمكة وخلصه من عنادهم ، وأن مقامه بمكة كان أمانا لأهلها فلما ~~فارقهم فقد حق عليهم عذاب الدنيا بما اقترفوا من الصد عن المسجد الحرام . # ودعوة المشركين للانتهاء عن مناوأة الإسلام وإيذانهم بالقتال . # والتحذير من المنافقين . # وضرب المثل بالأمم الماضية التي عاندت رسل الله ولم يشكروا نعمة لله . # وأحكام العهد بين المسلمين والكفار وما يترتب على نقضهم العهد ، ومتى ~~يحسن السلم . # وأحكام الأسرى . # وأحكام المسلمين الذين تخلفوا في مكة بعد الهجرة . وولايتهم وما يترتب ~~على تلك الولاية . # PageV09P247 # | 2 ( 1 ) { يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله ~~وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين } . ) 2 # افتتاح السورة ب { يسألونك عن الأنفال } مؤذن بأن المسلمين لم يعلموا ~~ماذا يكون في شأن المسمى عندهم { الأنفال } وكان ذلك يوم بدر ، وأنهم ~~حاوروا رسول الله عليه الصلاة والسلام في ذلك ، فمنهم من يتكلم بصريح ~~السؤال ، ومنهم من يخاصم أو يجادل غيره بما يؤذن حاله بأنه يتطلب فهما ms3382 في ~~هذا الشأن ، وقد تكررت الحوادث يومئذ : ففي ( صحيح مسلم ) ، و ( جامع ~~الترمذي ) عن سعد بن أبي وقاص قال : ( لما كان يوم بدر أصبت سيفا لسعيد بن ~~العاصي فأتيت به النبي صلى الله عليه وسلم فقلت نفلنيه ، فقال : ضعه ( في ~~القبض ) ، ثم قلت : نفلنيه فقال ضعه حيث أخذته ، ثم قلت : نفلنيه فقال : ~~ضعه من حيث أخذته ، فنزلت { يسألونك عن الأنفال } ) وفي ( أسباب النزول ) ~~للواحدي ، و ( سيرة ابن إسحاق ) عن عبادة بن الصامت ، أنه سئل عن الأنفال ~~فقال : فينا معشر أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل يوم بدر فانتزعه ~~الله من أيدينا حين ساءت فيه أخلاقنا فرده على رسوله فقسمه بيننا على بواء ~~يقول على السواء ، وروى أبو داود ، عن ابن عباس ، قال : ( لما كان يوم بدر ~~ذهب الشبان للقتال وجلس الشيوخ تحت الرايات فلما كانت الغنيمة جاء الشبان ~~يطلبون نفلهم فقال الشيوخ : لا تستأثرون علينا فانا كنا تحت الرايات ولو ~~أنهزمتم لكنا ردءا لكم ، واختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله ~~تعالى : { يسألونك عن الأنفال } . # والسؤال حقيقته الطلب ، فإذا عدي ب ( عن ) فهو طلب معرفة المجرور ب ( عن ~~) وإذا عدي بنفسه فهو طلب إعطاء الشيء ، فالمعنى ، هنا : يسألونك معرفة ~~الأنفال ، أي معرفة حقها فهو من تعليق الفعل باسم ذات ، والمراد حالها بحسب ~~القرينة مثل { حرمت عليكم الميتة } ( المائدة : 3 ) وإنما سألوا عن حكمها ~~صراحة وضمنا في ضمن سؤالهم الأثرة ببعضها . # ومجيء الفعل بصيغة المضارع دال على تكرر السؤال ، إما بإعادته المرة بعد ~~الأخرى من سائلين متعددين ، وإما بكثرة السائلين عن ذلك حين المحاورة في ~~موقف واحد . # ولذلك كان قوله { يسألونك } موذنا بتنازع بين الجيش في استحقاق الأنفال ، ~~وقد كانت لهم عوائد متبعة في الجاهلية في الغنائم والأنفال أرادوا العمل ~~بها وتخالفوا في شأنها فسألوا ، PageV09P248 وضمير جمع الغائب إلى معروف ~~عند النبي وبين السامعين حين نزول الآية . # و ( الأنفال ) جمع نفل بالتحريك والنفل مشتق من النافلة وهي الزيادة في ~~العطاء ، وقد أطلق العرب في القديم الأنفال على الغنائم ms3383 في الحرب كأنهم ~~اعتبروها زيادة على المقصود من الحرب لأن المقصود الأهمم من الحرب هو إبادة ~~الأعداء ، ولذلك ربما كان صناديدهم يأبون أخذ الغنائم كما قال عنترة : # يخبرك من شهد الوقيعة أنني # أغشى الوغى وأعف عند المغنم # وأقوالهم في هذا كثيرة ، فإطلاق الأنفال في كلامهم على الغنائم مشهور قال ~~عنترة : # إنا إذا احمرا الوغى نروي القنا # ونعف عند مقاسم الأنفال # وقد قال في القصيدة الأخرى : # وأعف عند المغنم # فعلمنا أنه يريد من الأنفال المغانم وقال أوس بن حجر الأسدي وهو جاهلي : # نكصتم على أعقابكم ثم جئتمو # ترجون أنفال الخميس العرمرم # ويقولون نفلني كذا يريدون أغنمني ، حتى صار النفل يطلق على ما يعطاه ~~المقاتل من المغنم زيادة على قسطه من المغنم لمزية له في البلاء والغناء أو ~~على ما يعثر عليه من غير قتيله ، وهذا صنف من المغانم . # فالمغانم ، إذن ، تنقسم إلى : ما قصد المقاتل أخذه من مال العدو مثل ~~نعمهم ، ومثل ما على القتلى من لباس وسلاح بالنسبة إلى القاتل ، وفيما ما ~~لم يقصده المقاتلون مما عثروا عليه مثل لباس قتيل لم يعرف قاتله ، فاحتملت ~~الأنفال في هذه الآية أن تكون بمعنى المغانم مطلقا ، وأن تكون بمعنى ما ~~يزاد للمقاتل على حقه من المغنم ، فحديث سعد بن أبي وقاص كان سؤالا عن ~~تنفيل بمعنى زيادة ، وحديث ابن عباس حكى وقوع اختلاف في قسمة المغنم بين من ~~قاتل ومن لم يقاتل ، على أن طلب من لم يقاتلوا المشاركة في المغنم يرجع إلى ~~طلب تنفيل ، فيبقى النفل في معنى الزيادة . ولأجل التوسع في ألفاظ أموال ~~الغنائم تردد السلف في المعنى من الأنفال في هذه الآية ، وسئل ابن عباس عن ~~الأنفال فلم يزد على أن قال ( الفرس من النفل والدرع من النفل ) كما في ( ~~الموطأ ) ، وروي عنه أنه قال : ( والسلب من النفل ) كما في ( كتاب أبي عبيد ~~) وغيره . # وقد أطلقوا النفل أيضا على ما صار في أيدي المسلمين من أموال المشركين ~~بدون انتزاع ولا افتكاك كما يوجد الشيء لا يعرف من PageV09P249 غنمه ، وكما ms3384 ~~يوجد القتيل عليه ثيابه لا يعرف قاتله ، فيدخل بهذا الإطلاق تحت جنس الفيء ~~كما سماه الله تعالى في سورة الحشر ( 6 ، 7 ) بقوله : { وما أفاء الله على ~~رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيلل ولا ركابب ولكن الله يسلط رسله على من ~~يشاء } إلى قوله { بين الأغنياء منكم وذلك مثل أموال بني النضير التي ~~سلموها قبل القتال وفروا . # وبهذا تتحصل في أسماء الأموال المأخوذة من العدو في القتال ثلاثة أسماء : ~~المغنم ، والفيء ، وهما نوعان ، والنفل . وهو صورة من صور القسمة وكانت ~~متداخلة ، فلما استقر أمر الغزو في المسلمين خص كل اسم بصنف خاص قال ~~القرطبي في قوله تعالى : واعلموا أنما غنمتم من شيء } ( الأنفال : 41 ) ~~الآية ، ولا تقتضي اللغة هذا التخصيص أي تخصيص اسم الغنيمة بمال الكفار إذا ~~أخذه المسلمون على وجه الغلبة والقهر ، ولكن عرف الشرع قيد اللفظ بهذا ~~النوع فسمى الواصل من الكفار إلينا من الأموال باسمين ( أي لمعنيين مختلفين ~~) غنيمة وفيئا يعني وأما النفل فهو اسم لنوع من مقسوم الغنيمة لا لنوع من ~~المغنم . # والذي استقر عليه مذهب مالك أن النفل ما يعطيه الإمام من الخمس لمن يرى ~~إعطاءه إياه ، ممن لم يغنم ذلك بقتال . # فالأنفال في هذه الآية قال الجمهور : المراد بها ما كان زائدا على المغنم ~~. فيكون النظر فيه لأمير الجيش يصرفه لمصلحة المسلمين ، أو يعطيه لبعض أهل ~~الجيش لإظهار مزية البطل ، أو لخصلة عظيمة يأتي بها ، أو للتحريض على ~~النكاية في العدو . فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين : ( من ~~قتل قتيلا فله سلبه ) وقد جعلها القرآن لله وللرسول ، أي لما يأمر به الله ~~رسوله أو لما يراه الرسول صلى الله عليه وسلم قال مالك في ( الموطأ ) ( ولم ~~يبلغنا أن رسول الله قال : من قتل قتيلا فله سلبه إلا يوم حنين ، ولا بلغنا ~~عن الخلفاء من بعده ) ( يعني مع تكرر ما يقتضيه فأراد ذلك أن تلك قضية خاصة ~~بيوم حنين ) . # فالآية محكمة غير منسوخة بقوله : { واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن ms3385 لله ~~خمسه وللرسول } ( الأنفال : 41 ) فيكون لكل آية منهما حكمها إذ لا تداخل ~~بينهما ، قال القرطبي : وهو ما حكاه المازري عن كثير من أصحابنا . ~~PageV09P250 # وعن ابن عباس ، وعكرمة ، ومجاهد ، والضحاك ، وقتادة وعطاء : أن المراد ~~بالأنفال في هذه الآية الغنائم مطلقا . وجعلوا حكمها هنا أنها جعلت لله ~~وللرسول أي أن يقسمها الرسول صلى الله عليه وسلم بحسب ما يراه ، بلا تحديد ~~ولا اطراد ، وأن ذلك كان في أول قسمة وقعت ببدر كما في حديث ابن عباس ، ثم ~~نسخ ذلك بآية { واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول } ( ~~الأنفال : 41 ) الآية إذ كان قد عين أربعة الأخماس للجيش ، فجعل لله ~~وللرسول الخمس ، وجعل أربعة الأخماس حقا للمجاهدين . يعني وبقي حكم الفيء ~~المذكور في سورة الحشر غير منسوخ ولا ناسخ ، فلذلك قال مالك والجمهور : لا ~~نفل إلا من الخمس على الاجتهاد من الإمام وقال مالك : ( إعطاء السلب من ~~التنفيل ) ، وقال مجاهد : الأنفال هي خمس المغانم وهو المجعول لله والرسول ~~ولذي القربى . # واللام في قوله { لله } على القول الأول في معنى الأنفال : لام الملك ، ~~لأن النفل لا يحسب من الغنائم ، وليس هو من حق الغزاة فهو بمنزله مال لا ~~يعرف مستحقه ، فيقال هو ملك لله ولرسوله ، فيعطيه الرسول لمن شاء بأمر الله ~~أو باجتهاده ، وهذا ظاهر حديث سعد بن أبي وقاص في ( الترمذي ) إذ قال له ~~رسول الله عليه الصلاة والسلام سألتني هذا السيف معنى السيف الذي تقدم ذكره ~~في حديث مسلم ولم يكن لي وقد صار لي فهو لك ) . # وأما على القول الثاني ، الجامع لجميع المغانم ، فاللام للاختصاص ، أي : ~~الأنفال تختص بالله والرسول ، أي حكمها وصرفها ، فهي بمنزلة ( إلى ) . تقول ~~: هذا لك أي : إلى حكمك مردود ، وأن أصحاب ذلك القول رأوا أن المغانم لم ~~تكن في أول الأمر مخمسة بل كانت تقسم باجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم ثم ~~خمست بآية { واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول } ( الأنفال : ~~41 ) الآية . # وعطف ( وللرسول ) على اسم الله لأن المقصود : الأنفال ms3386 للرسول صلى الله ~~عليه وسلم يقسمها فذكر اسم الله قبل ذلك للدلالة على أنها ليس حقا للغزاة ~~وإنما هي لمن يعينه الله بوحيه فذكر اسم الله لفائدتين : أولاهما : أن ~~الرسول إنما يتصرف في الأنفال بإذن الله توقيفا أو تفويضا . والثانية : ~~لتشمل الآية تصرف أمراء الجيوش في غيبة الرسول أو بعد وفاته صلى الله عليه ~~وسلم لأن ما كان حقا لله كان التصرف فيه لخلفائه . PageV09P251 # واختلف الفقهاء في حكم الأنفال اختلافا ناشئا عن اختلاف اجتهادهم في ~~المراد من الآية ، وهو اختلاف يعذرون عليه لسعة الاطلاق في أسماء الأموال ~~الحاصلة للغزاة ، فقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وسعيد بن المسيب : النفل ~~إعطاء بعض الجيش أو جميعه زيادة على قسمة أخماسهم الأربعة من المغنم ، ~~فإنما يكون ذلك من خمس المغنم المجعول للرسول صلى الله عليه وسلم ولخلفائه ~~وأمرائه جمعا بين هذه الآية وبين قوله : { واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن ~~لله خمسه وللرسول } ( الأنفال : 41 ) الآية فلا نفل إلا من الخمس المجعول ~~لاجتهاد أمير الجيش وعلة ذلك تجنب إعطاء حق أحد لغيره ولأنه يفضي إلى إيقاد ~~الإحن في نفوس الجيش ، وقد يبعث الجيش على عصيان الأمير ، ولكن إذا رأى ~~الإمام مصلحة في تنفيل بعض الجيش ساغ له ذلك من الخمس الذي هو موكول إليه ، ~~كما سيأتي في آية المغانم ، لذلك قال مالك : لا يكون التنفيل قبل قسمة ~~المغنم وجعل ما صدر من النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين من قوله : ( من ~~قتل قتيلا فله سلبه ) خصوصيه للنبيء صلى الله عليه وسلم وهو ظاهر ، لأن ~~طاعة الناس للرسول أشد من طاعتهم لمن سواه لأنهم يؤمنون بأنه معصوم عن ~~الجور وبأنه لا يتصرف إلا بإذن الله ، قال مالك في ( الموطأ ) : ولم يبلغنا ~~أن رسول الله فعل ذلك غير يوم حنين ولا أن أبا بكر وعمر فعلاه في فتوحهما . # وإنما اختلفت الفقهاء : في أن النفل هل يبلغ جميع الخمس أو يخرج من خمس ~~الخمس ، فقال مالك من الخمس كله ولو استغرقه ، وقال سعيد بن المسيب ، وأبو ms3387 ~~حنيفة والشافعي : النفل من خمس الخمس . والخلاف مبني على اختلافهم في أن ~~خمس المغنم أهو مقسم على من سماه القرآن أم مختلط ، وسيجيء ذلك في آية ~~المغانم . والحجة لمالك حديث ابن عمر في ( الموطأ ) أنهم غزو مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قبل نجد فغنموا إبلا كثيرة فكانت سهمانهم اثني عشر ~~بعيرا ونفلوا بعيرا بعيرا فأعطي النفل جميع أهل الجيش وذلك أكثر من خمس ~~الخمس ، وقال جماعة يجوز التنفيل من جميع المغنم وهؤلاء يخصصون عموم آية { ~~واعلموا أنما غنمتم } ( الأنفال : 41 ) بآية { قل الأنفال لله والرسول } أي ~~فالمغانم المخمسة ما كان دون النفل ، والقول الأول أسد وأجرى على الأصول ~~وأوفق بالسنة ، والمسألة تبسط في الفقه وليس من غرض المفسر إلا الإلمام ~~بمعاقدها من الآية . # وتفريع { فاتقوا الله } على جملة { الأنفال لله والرسول } لأن في تلك ~~الجملة PageV09P252 رفعا للنزاع بينهم في استحقاق الأنفال ، أو في طلب ~~التنفيل ، فلما حكم بأنها ملك لله ورسوله أو بأن أمر قسمتها موكول لله ، ~~فقد وقع ذلك على كراهة كثير منهم ممن كانوا يحسبون أنهم أحق بتلك الأنفال ~~ممن أعطيها ، تبعا لعوائدهم السالفة في الجاهلية فذكرهم الله بأن قد وجب ~~الرضى بما يقسمه الرسول منها ، وهذا كله من المقول . # وقدم الأمر بالتقوى ، لأنها جامع الطاعات . # وعطف الأمر بإصلاح ذات البين ، لأنهم اختصموا واشتجروا في شأنها كما قال ~~عبادة بن الصامت : ( اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا ) فأمرهم الله ~~بالتصافح ، وختم بالأمر بالطاعة ، والمراد بها هنا الرضى بما قسم الله ~~ورسوله أي الطاعة التامة كما قال تعالى { ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما ~~قضيت } ( النساء : 65 ) . # والإصلاح : جعل الشيء صالحا ، وهو مؤذن بأنه كان غير صالح ، فالأمر ~~بالإصلاح دل على فساد ذات بينهم ، وهو فساد التنازع والتظالم . # و { ذات } يجوز أن تكون مؤنث ( ذو ) الذي هو بمعنى صاحب فتكون ألفها ~~مبدلة من الواو . ووقع في كلامهم مضافا إلى الجهات وإلى الأزمان وإلى ~~غيرهما ، يجرونه مجرى الصفة لموصوف يدل عليه السياق كقوله تعالى : { ~~ونقلبهم ذات اليمين ms3388 وذات الشمال } في سورة الكهف ( 18 ) ، على تأويل جهة ، ~~وتقول : لقيته ذات ليلة ، ولقيته ذات صباح ، على تأويل المقدر ساعة أو وقت ~~، وجرت مجرى المثل في ملازمتها هذا الاستعمال ، ويجوز أن تكون ( ذات ) ~~أصلية الألف كما يقال : أنا أعرف ذات فلان ، فالمعنى حقيقة الشيء وماهيته ، ~~كذا فسرها الزجاج والزمخشري ، فهو كقول ابن رواحة : # وذلك في ذاتت الإله وإن يشأ # يبارك على أوصال شلو ممزع # فتكون كلمة مقحمة لتحقيق الحقيقة ، جعلت مقدمة ، وحقها التأخير لأنها ~~للتأكيد مثل المعنى في قولهم : جاءني بذاته ، ومنه يقولون : ذات اليمين ~~وذات الشمال ، قال تعالى { إنه عليم بذات الصدور } . # فالمعنى : أصلحوا بينكم ، ولذا ف ( ذات ) مفعول به على أن ( بين ) في ~~الأصل ظرف فخرج عن الظرفية ، وجعل اسما منتصرفا ، كما قرىء { لقد تقطع ~~بينكم } ( الأنعام : 94 ) برفع بينكم في قراءة جماعة . فأضيفت إليه ( ذات ) ~~فصار المعنى : أصلحوا حقيقة بينكم PageV09P253 أي اجعلوا الأمر الذي يجمعكم ~~صالحا غير فاسد ، ويجوز مع هذا أن ينزل فعل { أصلحوا } منزلة الفعل اللازم ~~فلا يقدر له مفعول قصدا للأمر بإيجاد الصلاح لا بإصلاح شيء فاسد ، وتنصب ~~ذات على الظرفية لإضافتها إلى ظرف المكان والتقدير : وأوجدوا الصلاح بينكم ~~، كما قرأنا { لقد تقطع بينكم } ( الأنعام : 94 ) بنصب بينكم أي لقد وقع ~~التقطيع بينكم . # وأعلم أني لم أقف على استعمال ( ذات بين ) في كلام العرب فأحسب أنها من ~~مبتكرات القرآن . # وجواب شرط { إن كنتم مؤمنين } دلت عليه الجمل المتقدمة من قوله : { ~~فاتقوا الله } إلى آخرها ، لأن الشرط لما وقع عقب تلك الجمل كان راجعا إلى ~~جميعها على ما هو المقرر في الاستعمال ، فمعنى الشرط بعد تلك الجمل ~~الإنشائية : إنا أمرناكم بما ذكر إن كنتم مؤمنين ، لأنا لا نأمر بذلك غير ~~المؤمنين ، وهذا إلهاب لنفوسهم على الامتثال ، لظهور أن ليس المراد : فإن ~~لم تكونوا مؤمنين فلا تتقوا الله ورسوله ، ولا تصلحوا ذات بينكم ، ولا ~~تطيعوا الله ورسوله ، فإن هذا معنى لا يخطر ببال أهل اللسان ولا يسمح بمثله ~~الاستعمال . # وليس الإتيان في الشرط ب { بأن } تعريضا ms3389 بضعف إيمانهم ولا بأنه مما يشك ~~فيه من لا يعلم ما تخفي صدورهم ، بناء على أن شأن ( إن ) عدم الجرم بوقوع ~~الشرط بخلاف ( إذا ) على ما تقرر في المعاني ، ولكن اجتلاب ( إن ) في هذا ~~الشرط للتحريض على إظهار الخصال التي يتطلبها الإيمان وهي : التقوى الجامعة ~~لخصال الدين ، وإصلاح ذات بينهم ، والرضى بما فعله الرسول ، فالمقصود ~~التحريض على أن يكون إيمانهم في أحسن صوره ومظاهره ، ولذلك عقب هذا الشرط ~~بجملة القصر في قوله : { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم } ( ~~الأنفال : 2 ) كما سيأتي . # # | 2 ( 2 ) { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت ~~عليهم ءاياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون } . ) 2 # { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم ءاياته ~~زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون } . # موقع هذه الجملة وما عطف عليها موقع التعليل لوجوب تقوى الله وإصلاح ذات ~~بينهم وطاعتهم الله ورسوله ، لأن ما تضمنته هذه الجمل التي بعد { إنما } من ~~شأنه أن يحمل المتصفين به على الامتثال لما تضمنته جمل الأمر الثلاث ~~السابقة ، PageV09P254 وقد اقتضى ظاهر القصر المستفاد من { إنما } أن من لم ~~يجل قلبه إذا ذكر الله ، ولم تزده تلاوة آيات الله إيمانا مع إيمانه ، ولم ~~يتوكل على الله ، ولم يقم الصلاة ، ولم ينفق ، لم يكن موصوفا بصفة الإيمان ~~، فهذا ظاهر مؤول بما دلت عليه أدلة كثيرة من الكتاب والسنة من أن الإيمان ~~لا ينقضه الإخلال ببعض الواجبات كما سيأتي عند قوله تعالى : { أولئك هم ~~المؤمنون حقا } ( الأنفال : 4 ) فتعين أن القصر ادعائي بتنزيل الإيمان الذي ~~عدم الواجبات العظيمة منزلة العدم ، وهو قصر مجازي لابتنائه على التشبيه ، ~~فهو استعارة مكنية : شبه الجانب المنفي في صيغة القصر بمن ليس بمؤمن ، وطوي ~~ذكر المشبه به ورمز إليه بذكر لازمه وهو حصر الإيمان فيمن اتصف بالصفات ~~التي لم يتصف بها المشبه به ، ويئول هذا إلى معنى : إنما المؤمنون الكاملو ~~الإيمانن ، فالتعريف في { إنما المؤمنون } تعريف الجنس المفيد قصرا ادعائيا ~~على أصحاب هذه الصفات مبالغة ، وحرف ms3390 ( أل ) فيه هو ما يسمى بالدالة على ~~معنى الكمال . # وقد تكون جملة : { إنما المؤمنون } مستأنفة استينافا بيانيا لجواب سؤال ~~سائل يثيره الشرط وجزاؤه المقدر في قوله : { إن كنتم مؤمنين } ( الأنفال : ~~1 ) بأن يتساءلوا عن هذا الاشتراط بعد ما تحقق أنهم مؤمنون من قبل ، وهل ~~يمتري في أنهم مؤمنون ، فيجابوا بأن المؤمنين هم الذين صفتهم كيت وكيت ، ~~فيعلموا أن الإيمان المجعول شرطا هو الإيمان الكامل فتنبعث نفوسهم إلى ~~الاتسام به والتباعد عن موانع زيادته . # وإذ قد كان الاحتمالان غير متنافيين صح تحميل الآية إياهما توفيرا لمعاني ~~الكلام المعجز فإن علة الشيء مما يسأل عنه ، وإن بيان العلة مما يصح كونه ~~استينافا بيانيا . # وعلى كلا الاحتمالين وقعت الجملة مفصولة عن التي قبلها لاستغنائها عن ~~الربط وإن اختلف موجب الاستغناء باختلاف الاحتمالين ، والاعتبارات البلاغية ~~يصح تعدد أسبابها في الموقع الواحد لأنها اعتبارات معنوية وليست كيفيات ~~لفظية فتحققه حق تحققه . # والمعنى ليس المؤمنون الكامل إيمانهم إلا أصحاب هذه الصلة التي يعرف ~~المتصف بها تحققها فيه أو عدمه من عرض نفسه على حقيقتها ، فإنه لما كان ~~الكلام واردا PageV09P255 مورد الأمر بالتخلق بما يقتضيه الإيمان أحيلوا في ~~معرفة أمارات هذا التخلق على صفات يأنسونها من أنفسهم إذا علموها . # والذكر حقيقته التلفظ باللسان ، وإذا علق بما يدل على ذات فالمقصود من ~~الذات أسماؤها ، فالمراد من قوله : { إذا ذكر الله } إذا نطق ناطق باسم من ~~أسماء الله أو بشأن من شؤونه ، مثل أمره ونهيه ، لأن ذلك لا بد معه من ~~جريان اسمه أو ضميره أو موصوله أو إشارته أو نحو ذلك من دلائل ذاته . # والوجل خوف مع فزع فيكون لاستعظام الموجول منه . # وقد جاء فعل وجل في الفصيح بكسر العين في الماضي على طريقة الأفعال ~~الدالة على الانفعال الباطني مثل فرح ، وصدي ، وهوي ، وروي . # وأسند الوجل إلى القلوب لأن القلب يكثر إطلاقه في كلام العرب على إحساس ~~الإنسان وقرارة إدراكه ، وليس المراد به هذا العضو الصنوبري الذي يرسل الدم ~~إلى الشرايين . # وقد أجملت الآية ذكر الله إجمالا بديعا ms3391 ليناسب معنى الوجل ، فذكر الله ~~يكون : بذكر اسمه ، وبذكر عقابه ، وعظمته ، وبذكر ثوابه ورحمته ، وكل ذلك ~~يحصل معه الوجل في قلوب كمل المؤمنين ، لأنه يحصل معه استحضار جلال الله ~~وشدة بأسه وسعة ثوابه ، فينبعث عن ذلك الاستحضار توقع حلول بأسه ، وتوقع ~~انقطاع بعض ثوابه أو رحمته ، وهو وجل يبعث المؤمن إلى الاستكثار من الخير ~~وتوقي ما لا يرضي الله تعالى وملاحظة الوقوف عند حدود الله في أمره ونهيه ، ~~ولذلك روي عن عمر بن الخطاب أنه قال : ( أفضل من ذكر الله باللسان ذكر الله ~~عند أمره ونهيه ) . # وإذ قد كان المقصود من هذا الكلام حث المؤمنين على الرضى بما قسم النبي ~~صلى الله عليه وسلم من غنايم بدر ، وأن يتركوا التشاجر بينهم في ذلك ، ناسب ~~الاقتصار على وجل قلوب المؤمنين عند ذكر الله ، والوجل حالين يحصلان للمؤمن ~~عند ذكر الله والحال الآخر هو الأمل والطمع في الثواب فطوى ذكره هنا ~~اعتمادا على استلزام الوجل إياه ، لأن من الوجل أن يجل ، من فوات الثواب أو ~~نقصانه . # التلاوة : القراءة واستظهار ما يحفظه التالي من كلام له أو لغيره يحكيه ~~لسامعه ، PageV09P256 وقد تقدم عند قوله تعالى : { واتبعوا ما تتلوا ~~الشياطين على ملك سليمان في البقرة ( 102 ) . # وآيات الله القرآن ، سميت آيات ، لأن وحيها إلى النبي الأمي وعجز قومه ، ~~خاصتهم وعامتهم عن الإتيان بمثلها فيه دلالة على صدق من جاء بها فلذلك سميت ~~آيات . ويسمى القرآن كله آية أيضا باعتبار دلالة جملته على صدق محمد ، وقد ~~تقدم ذلك في المقدمة الثامنة من مقدمات هذا التفسير . # وإسناد فعل زيادة الإيمان إلى آيات الله لأنها سبب تلك الزيادة للإيمان ~~باعتبار حال من أحوالها ، وهو تلاوتها لاعتبار مجرد وجودها في صدر غير ~~المتلوة عليه . وهذا الإسناد من المجاز العقلي إذ جعلت الآيات بمنزلة فاعل ~~الزيادة في الإيمان . # فإنه لما لم يعرف الفاعل الحقيقي لزيادة الإيمان ، إذ تلك الزيادة كيفية ~~نفسية عارضة ، لليقين ، لا يعرف فاعل انقداحها في العقل ، وغاية ما يعرف أن ~~يقال : ازداد إيمان فلان ، أو ازداد ms3392 فلان إيمانا ، بطريق ما يدل على ~~المطاوعة ، ولا التفات في الاستعمال إلى أن الله هو خالق الأحوال ، كلها إذ ~~ليس ذلك معنى الفاعل الحقيقي في العرف ، ولو لوحظ ذلك لم ينقسم الكلام إلى ~~حقيقة ومجاز عقليين وإنما الفاعل الحقيقي هو من يأتي بالفعل ويصنعه كالكاتب ~~للكتابة والضارب بالسيف للقتل . # والإيمان : تصديق النفس بثبوت نسبة شيء لشيء ، أو بانتفاء نسبة شيء عن ~~شيء ، تصديقا جازما لا يحتمل نقيض تلك النسبة ، وقد اشتهر اسم الإيمان شرعا ~~في اليقين بالنسبة المقتضية وجود الله ووجود صفاته التي دلت عليها الأدلة ~~العقلية أو الشرعية ، والمقتضية مجيء رسول الله مخبرا عن الله الذي أرسله ~~وثبوت صفات الرسول عليه الصلاة والسلام التي لا يتم معنى رسالته عن الله ~~بدونها : مثل الصدق فيما يبلغ عن الله ، والعصمة عن اقتراف معصية الله ~~تعالى . # ومعنى زيادة الإيمان : قوة اليقين في نفس الموقن على حسب شدة الاستغناء ~~عن استحضار الأدلة في نفسه ، وعن إعادة النظر فيها ، ودفعع الشك العارض ~~للنفس ، فإنه كلما كانت الأدلة أكثر وأقوى وأجلى مقدمات كان اليقين أقوى ، ~~فتلك القوة هي المعبر عنها بالزيادة ، وتفاوتها تدرج في الزيادة ، ويجوز أن ~~تسمى قلة التدرج في الأدلة نقصا لكنه نقص عن الزيادة ، وذلك مع مراعاة وجود ~~أصل حقيقة PageV09P257 الإيمان ، لأنها لو نقصت عن اليقين لبطلت ماهية ~~الأيمان ، وقد أشار البخاري إلى هذا بقوله : باب زيادة الإيمان ونقصانه ~~فإذا ترك شيئا من الكمال فهو ناقص فلو أن نقص الأدلة بلغ بصاحبه إلى انخرام ~~اليقين لم يكن العلم الحاصل له إيمانا ، حتى يوصف بالنقص ، فهذا هو المراد ~~من وصف الإيمان بالزيادة ، في القرآن وكلام الرسول ، وهو بين . ولم يرد عن ~~الشريعة ذكر نقص الإيمان ، وذلك هو الذي يريده جمهور علماء الأمه إذا قالوا ~~الإيمان يزيد كما قال مالك بن أنس الإيمان يزيد ولا ينقص ، وهو عبارة كاملة ~~، وقد يطلق الإيمان على الأعمال التي تجب على المؤمن وهو إطلاق باعتبار كون ~~تلك الأعمال من شرائع الإيمان ، كما أطلق على الصلاة اسم الإيمان في ms3393 قوله ~~تعالى : وما كان الله ليضيع إيمانكم } ( البقرة : 143 ) ولكن الاسم المضبوط ~~لهذا المعنى هو اسم ( الإسلام ) كما يفصح عنه حديث سؤال جبريل عن الإيمان ~~والإسلام والإحسان ، فالإيمان قد يطلق على الإسلام وهو بهذا الاعتبار يوصف ~~بالنقص والزيادة باعتبار الإكثار من الأعمال والإقلال ، ولكنه ليس المراد ~~في هذه الآية ولا في نظائرها من آيات الكتاب وأقوالل النبيء صلى الله عليه ~~وسلم وقد يريده بعض علماء الأمة فيقول : الإيمان يزيد وينقص ، ولعل الذي ~~الجأهم إلى وصفه بالنقص هو ما اقتضاه الوصف بالزيادة . وهذا مذهب أشار إليه ~~البخاري في قوله ( باب من قال إن الإيمان هو العمل ) . وقال الشيخ ابن أبي ~~زيد ( وأن الإيمان قول باللسان واخلاص بالقلب وعمل بالجوارح يزيد بزيادة ~~الأعمال وينقص بنقص الأعمال فيكون فيها النقص وبها الزيادة ) ، وهو جار على ~~طريقة السلف من إقرار ظواهر القرآن والسنة ، في الأمور الاعتقادية ولكن وصف ~~الإيمان بالنقص لا داعي إليه لعدم وجود مقتضيه لعدم وصفه بالنقص في القرآن ~~والسنة ولهذا قال مالك الإيمان يزيد ولا ينقص . # وكيفية تأثير تلاوة الآيات في زيادة الإيمان : أن دقائق الإعجاز التي ~~تحتوي عليها آيات القرآن تزيد كل آية تنزل منها أو تتكرر على الأسماع ~~سامعها يقينا بأنها من عند الله ، فتزيده استدلالا على ما في نفسه ، وذلك ~~يقوي الإيمان حتى يصل إلى مرتبة تقرب من الضرورة على نحو ما يحصل في تواتر ~~الخبر من اليقين بصدق المخبرين ، ويحصل مع تلك الزيادة زيادة في الإقبال ~~عليها بشراشر القلوب ثم في PageV09P258 العمل بما تتضمنه من أمر أو نهي ، ~~حتى يحصل كمال التقوى ، فلا جرم كان لكل آية تتلى على المؤمنين زيادة في ~~عوارض الإيمان من قوة اليقين وتكثير الأعمال فهذا وصف راسخ للآيات ويجوز أن ~~تفسر زيادة الإيمان عند تلاوة الآيات بأنها زيادة إدراك للمعاني المؤمن بها ~~، كما فسرت زيادة الإيمان بالنسبة إلى الأعمال ، التي تجب على المؤمن إذ ~~تلك الإدراكات تعلقات بعضها حسي وبعضها عقلي . # وحظ المقام المتعلق بآحكام الأنفال من هذه الزيادة هو أن سماع ms3394 آيات حكم ~~الأنفال يزيد إيمان المؤمنين قوة ، بنبذ الشقاق والتشاجر الطارىء ببينهم في ~~أنفس الأموال عندهم ، وهو المال المكتسب من سيوفهم ، فإنه أحب أموالهم ~~إليهم . وفي الحديث ( وجعل رزقي تحت ظل رمحي ) وبذلك تتضح المناسبة بين ذكر ~~حكم الأنفال ، وتعقيبه بالأمر بالتقوى وإصلاح ذات البين والطاعة ، ثم تعليل ~~ذلك بأن شأن المؤمنين ازدياد إيمانهم عند تلاوة آيات الله . # صلة ثالثة ل { المؤمنون } أوحال منه ، وجعلت فعلا مضارعا للدلالة على ~~تكرر ذلك منهم ، ووصفهم بالتوكل على الله وهو الاعتماد على الله في الأحوال ~~والمساعي ليقدر للمتوكل تيسيرا مرة ويعوضه عن الكسب المنهي عنه بآحسن منه ~~من الحلال المأذون فيه . وتقدم تفسير التوكل عند قوله : { فإذا عزمت ، ~~فتوكل على الله } في سورة آل عمران ( 159 ) . # ومناسبة هذا الوصف للغرض : أنهم أمروا بالتخلي عن الأنفال ، والرضى بقسمة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم فيها ، فمن كان قد حرم من نفل قتيله يتوكل على ~~الله في تعويضه بأحسن منه . # وتقديم المجرور في قوله : { وعلى ربهم يتوكلون } إما للرعاية على الفاصلة ~~فهو من مقتضيات الفصاحة مع ما فيه من الاهتمام باسم الله ، وإما للتعريض ~~بالمشركين ، لأنهم يتوكلون على إعانة الأصنام ، قال تعالى : { واتخذوا من ~~دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا } ( مريم : 81 ) فيكون الكلام مدحا للمؤمنين ~~، وتعريضا بذم المشركين ، ثم فيه تحذير من أن تبقى في نفوس المؤمنين آثار ~~من التعلق بما نهوا عن التعلق به ، لتوهمهم أنهم إذا فوتوه فقد أضاعوا خيرا ~~من الدنيا . # PageV09P259 # | 2 ( 3 ) { الذين يقيمون الصلواة ومما رزقناهم ينفقون } . ) 2 # وصفهم بأنهم الذين يقيمون الصلاة وينفقون مما رزقهم الله جاء بإعادة ~~الموصول ، كما أعيد في قوله : { والذين يؤمنون بما أنزل إليك } في سورة ~~البقرة ( 4 ) ، وذلك للدلالة على الانتقال ، في وصفهم ، إلى غرض آخر غير ~~الغرض الذي اجتلب الموصول الأول لأجله ، وهو هنا غرض محافظتهم على ركني ~~الإيمان : وهما إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ، فلا علاقة للصلة المذكورة هنا ~~بأحكام الأنفال والرضى بقسمها ، ولكنه مجرد المدح ، وعبر في جانب الصلاة ~~بالإقامة للدلالة على ms3395 المحافظة عليها وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى : { ~~ويقيمون الصلاة } في سورة البقرة ( 3 ) . وجيء بالفعلين المضارعين في { ~~يقيمون } و { ينفقون } للدلالة على تكرر ذلك وتجدده . # واعلم أن مقتضى الاستعمال في الخبر بالصلات المتعاطفة ، التي موصولها خبر ~~عن مبتدأ أن تعتبر خبرا بعدة أشياء فهي بمنزلة أخبار متكررة ، ومقتضى ~~الاستعمال في الاخبار المتعددة أن كل واحد منها يعتبر خبرا مستقلا عن ~~المبتدأ فلذلك تكون كل صلة من هذه الصلات بمنزلة خبر عن المؤمنين وهي محصور ~~فيها المؤمنون أي حالهم فيكون المعنى ، إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله ~~وجلت قلوبهم ، إنما المؤمنون الذين إذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا . ~~وهكذا فمتى اختلت صفة من هذه الصفات اختل وصف الإيمان عن صاحبها ، فلذلك ~~تعين أن يكون المراد من القصر المبالغة الآيله إلى معنى قصر الإيمان ~~الكاملل على صاحب كل صلة من هذه الصلات ، وعلى صاحب الخبرين ، لظهور أن أصل ~~الإيمان لا يسلب من أحد ذكر الله عنده فلا يجل قلبه ، فإن أدلة قطعية من ~~أصول الدين تنافي هذا الاحتمال فتعين تأويل { المؤمنون } ( الأنفال : 2 ) ~~على إرادة أصحاب الإيمان الكامل . # # | 2 ( 4 ) { أولائك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم ~~} . ) 2 # جملة مؤكدة لمضمون جملة : { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله } ( ~~الأنفال : 2 ) إلى آخرها ولذلك فصلت . PageV09P260 # وعرف المسند إليه بالإشارة لوقوعه عقب صفات لتدل الإشارة على أنهم أحرياء ~~بالحكم المسند إلى اسم الإشارة من أجل تلك الصفات ، فكان المخبر عنهم قد ~~تميزوا للسامع بتلك الصفات فصاروا بحيث يشار إليهم . # وفي هذه الجملة قصر آخر يشبه القصر الذي قوله : { إنما المؤمنون } ( ~~الأنفال : 2 ) حيث قصر الإيمان مرة أخرى على أصحاب تلك الصفات ولكنه قرن ~~هنا بما فيه بيان المقصور وهو أنهم المؤمنون الأحقاء بوصف الإيمان . # والحق أصله مصدر حق بمعنى ثبت واستعمل استعمال الأسماء للشيء الثابت الذي ~~لا شك فيه قال تعالى : { وعد الله حقا ومن أصدق من الله قيلا } ( النساء : ~~122 ) . # ويطلق كثيرا ، على الكامل في نوعه ، الذي لاسترة ms3396 في تحقق ماهية نوعه فيه ~~، كما يقول أحد لابنه البار به : أنت ابني حقا ، وليس يريد أن غيره من ~~أبنائه ليسوا لرشدة ولكنه يريد أنت بنوتك واضحة آثارها ، ويطلق الحق على ~~الصواب والحكمة فاسم الحق يجمع معنى كمال النوع . # ولكل صيغة قصر : منطوق ومفهوم ، فمنطوقها هنا أن الذين جمعوا ما دلت عليه ~~تلك الصلات هم مؤمنون حقا ، ومفهومها أن من انتفى عنه أحد مدلولات تلك ~~الصلات لم يكن مؤمنا كاملا ، وليس المقصود أن من ثبتت له إحداها كان مؤمنا ~~كاملا ، إذا لم يتصف ببقية خصال المؤمنين الكاملين ، فمعنى أولئك هم ~~المؤمنون حقا : أن من كان على خلاف ذلك ليس بمؤمن حقا أي كاملا . # وهذا تأويل للكلام دعا إليه الجمع بين عديد الأدلة الواردة في الكتاب ~~والسنة القولية والفعلية من ثبوت وصف الإيمان لكل من أيقن بأن الله منفرد ~~بالإلهية وأن محمدا رسول الله إلى الناس كافة ، فتلك الأدلة بلغت مبلغ ~~التواتر المعنوي المحصل للعلم الضروري بأن الإخلال بالواجبات الدينية لا ~~يسلب صفة الإيمان والإسلام عن صاحبه ، فليس حمل القصر على الادعائي هنا ~~مجرد صنع باليد ، أو ذهاب مع الهوى على أن شأن الاتصاف ببعض صفات الفضائل ~~أن يتناسق مع نظائرها فمن كان بحيث إذا ذكر الله وجل قلبه لا بد أن يكون ~~بحيث إذا تليت عليه آيات الله زادته إيمانا ، فهذا تحقيق معنى القصرين . ~~PageV09P261 # ومما يزيد هذا المعنى وضوحا ما روى الطبراني ، عن الحارث بن مالك ~~الأنصاري ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للحارث بن مالك الأنصاري يا ~~حارث كيف أصبحت قال أصبحت مؤمنا حقا قال إعلم ما تقول أو انظر ما تقول إن ~~لكل شيء حقيقة فما حقيقة إيمانك قال عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي ، ~~وأظمأت نهاري ، وكأني أنظر إلى عرش ربي ، وكأني أنظر إلى أهل الجنة ~~يتزاورون ، وكأني أسمع عوراء أهل النار ، فقال له يا حارث عرفت فالزم ثلاثا ~~وهو حديث ضعيف وإن كثرت طرقه . # فقول الحارث ( أصبحت مؤمنا حقا ) ظاهر في أنه أراد منه مؤمنا ms3397 كاملا وكذلك ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم ( إن لكل شيء حقيقة فما حقيقة إيمانك ) ظاهر ~~في أنه سأله عن ماكان به إيمانه كاملا ولم يسأله عن أصل ماهية الإيمان لأنه ~~لم يكن يشك في أنه من عداد المؤمنين . # ومن هذا المعنى ما ذكره القرطبي وغيره أن رجلا سأل الحسن البصري فقال له ~~يا أبا سعيد أمومن أنت فقال : ( الإيمان إيمانانن فإن كنت تسألني عن ~~الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والجنة والنار والبعث والحساب ، فأنا ~~به مؤمن ، وإن كنت تسألني عن قول الله تبارك وتعالى : { إنما المؤمنون ~~الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم } إلى قوله { أولئك هم المؤمنون حقا } ( ~~الأنفال : 2 4 ) فوالله ما أدري أنا منهم أم لا ؟ . # وانتصب { حقا } على أنه مفعول مطلق صفة لمصدر محذوف دل عليه { المؤمنون } ~~أي إيمانا حقا ، أو على أنه موكد لمضمون جملة { أولئك هم المؤمنون } أي ~~ثبوت الإيمان لهم حق لا شبهة فيه ، وهو تحقيق لمعنى القصر بما هو عليه من ~~معنى المبالغة ، وليس تأكيدا لرفع المجاز عن القصر حتى يصير بالتأكيد قصرا ~~حقيقيا ، بل التأكيد بمعنى المبالغة اعتمادا على القرائن ، والأحسن أن يكون ~~منصوبا على الحال من ضمير { هم } فيكون المصدر مؤولا باسم الفاعل كما هو ~~الشأن في وقوع المصدر حالا مثل { أو تأتيهم الساعة بغتة } ( يوسف : 107 ) ، ~~أي محققين إيمانهم بجلائل أعمالهم ، وقد تقدم مثل هذا المصدر في قوله : { ~~خالدين فيها أبدا وعد الله حقا } في سورة النساء ( 122 ) . # وجملة : { لهم درجات } خبر ثان عن اسم الإشارة . PageV09P262 # واللام للاستحقاق ، أي درجات مستحقة لهم ، وذلك استعارة للشرف والكرامة ~~عند الله ، لأن الدرجات حقيقتها ما يتخذ من بناء أو أعواد لإمكان تخطي ~~الصاعد إلى مكان مرتفع منقطع عن الأرض ، كا تقدم عند قوله تعالى : { ~~وللرجال عليهن درجة } في سورة البقرة ( 228 ) ، وفي غير موضع ، وتستعار ~~الدرجة لعناية العظيم ببعض من يصطفيهم فتشبه العناية بالدرجة تشبيه معقول ~~بمحسوس ، لأن الدنو من العلو عرفا يكون بالصعود إليه في الدرجات ، فشبه ذلك ~~الدنو بدرجات وقوله ms3398 : { عند ربهم } قرينة المجاز . # ويجوز أن تستعار الدرجة هنا لمكان جلوس المرتفع كدرجة المنبر كما في قوله ~~تعالى : { وللرجال عليهن درجة } ( البقرة : 228 ) والقرينة هي . # وقد دل قوله : { عند ربهم } على الكرامة والشرف عند الله تعالى في الدنيا ~~بتوجيه عنايته في الدنيا ، وفي الآخرة بالنعيم العظيم . # وتنوين { درجات } للتعظيم لأنها مراتب متفاوتة . # والرزق اسم لما يرزق أي يعطى للانتفاع به ، ووصفه بكريم بمعنى النفيس فهو ~~وصف حقيقي للرزق ، وفعله كرم بضم العين ، والكرم في كل شيء الصفات ~~المحمودية في صنفه أو نوعه كما في قوله تعالى : { إني ألقي إلي كتاب كريم ~~في سورة النمل ( 29 ) ، ومنه إطلاق الكرم على السخاء والجود ، والوصف منه ~~كريم ، وتصح إرادته هنا على أن وصف الرزق به مجاز عقلي ، أي كريم رازقه ، ~~فإن الكريم يرزق بوفرة وبغير حساب . # # | 2 ( 5 ، 6 ) كمآ أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكرهون ~~* يجادلونك في الحق بعدما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون } . ) 2 # تشبيه حال بحال ، وهو متصل بما قبله : إما بتقدير مبتدأ محذوف ، هو اسم ~~إشارة لما ذكر قبله ، تقديره : هذا الحال كحال ما أخرجك ربك من بيتك بالحق ~~، ووجه الشبه هو كراهية المؤمنين في بادىء الأمر لما هو خير لهم في الواقع ~~PageV09P263 وإما بتقدير مصدر لفعل الاستقرار الذي يقتضيه الخبر بالمجرور ~~في قوله { الأنفال لله وللرسول } ( الأنفال : 1 ) إذ التقدير : استقرت لله ~~والرسول استقرارا كما أخرجك ربك ، أي فيما يلوح إلى الكراهية والامتعاض في ~~بادىء الأمر ، ثم نوالهم النصر والغنيمة في نهاية الأمر ، فالتشبيه تمثيلي ~~وليس مراعى فيه تشبيه بعض أجزاء الهيئة المشبهة ببعض أجزاء الهيئة المشبه ~~بها ، أي أن ما كرهتموه من قسمة الأنفال على خلاف مشتهاكم سيكون فيه خير ~~عظيم لكم ، حسب عادة الله تعالى بهم في أمره ونهيه ، وقد دل على ما في ~~الكلام من معنى مخالفة مشتهاهم قوله { فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم ~~وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم صادقين } ( الأنفال : 1 ) كما تقدم ، مع قوله ~~في هذه الجملة ms3399 { وإن فريقا من المؤمنين لكارهون } . # فجملة : { وإن فريقا } في موضع الحال والعامل فيها { أخرجك ربك } هذا وجه ~~اتصال كاف التشبيه بما قبلها على ما الأظهر ، وللمفسرين وجوه كثيرة بلغت ~~العشرين قد استقصاها ابن عادل ، وهي لا تخلو من تكلف ، وبعضها متحد المعنى ~~وبعضها مختلفه ، وأحسن الوجوه ما ذكره ابن عطية ومعناه قريب مما ذكرنا ~~وتقديره بعيد منه . # والمقصود من هذا الأسلوب : الانتقال إلى تذكيرهم بالخروج إلى بدر وما ظهر ~~فيه من دلائل عناية الله تعالى برسوله صلى الله عليه وسلم وبالمؤمنين . # و { ما } مصدرية . والإخراج : إما مراد به الأمر بالخروج للغزو ، وإما ~~تقدير الخروج لهم وتيسيره . # والخروج مفارقة المنزل والبلد إلى حينن الرجوع إلى المكان الذي خرج منه ، ~~أو إلى حينن البلوغ إلى الموضع المنتقل إليه . # والإخراج من البيت : هو الإخراج المعين الذي خرج به النبي صلى الله عليه ~~وسلم غازيا إلى بدر . # والباء في { بالحق } للمصاحبة أي إخراجا مصاحبا للحق ، والحق هنا الصواب ~~، لما تقدم آنفا من أن اسم الحق جامع لمعنى كمال كل شيء في محامد نوعه . # والمعنى أن الله أمره بالخروج إلى المشركين ببدر أمرا موافقا للمصلحة في ~~حال كراهة فريق من المؤمنين ذلك الخروج . PageV09P264 # وقد أشار هذا الكلام إلى السبب الذي خرج به المسلمون إلى بدر ، فكان ~~بينهم وبين المشركين يوم بدر ، وذلك أنه كان في أوائل رمضان في السنة ~~الثانية للهجرة إن قفلت عير لقريش فيها أموال وتجارة لهم من بلاد الشام ، ~~راجعة إلى مكة ، وفيها أبو سفيان بن حرب في زهاء ثلاثين رجلا من قريش ، ~~فلما بلغ خبر هذه العير رسول الله صلى الله عليه وسلم ندب المسلمين إليها ~~فانتدب بعضهم وتثاقل بعض ، وهم الذين كرهوا الخروج ، ولم ينتظر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من تثاقلوا ومن لم يحضر ظهرهم أي رواحلهم فسار وقد ~~اجتمع من المسلمين ثلاثمائة وبضعة عشر خرجوا يوم ثمانية من رمضان ، وكانوا ~~يحسبون أنهم لا يلقون حربا وأنهم يغيرون على العير ثم يرجعون ، وبلغ أبا ~~سفيان خبر خروج المسلمين ms3400 فأرسل صارخا يستصرخ قريشا لحماية العير ، فتجهز ~~منهم جيش ، ولما بلغ المسلمون وادي ذفران بلغهم خروج قريش لتلقي العير ، ~~فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشاروا عليه بالمضي في سبيله وكانت ~~العير يومئذ فاتتهم ، واطمأن أبو سفيان لذلك فأرسل إلى أهل مكة يقول إن ~~الله نجى عيركم فارجعوا ، فقال أبو جهل لا نرجع حتى نرد بدرا ( وكان بدر ~~موضع ماء فيه سوق للعرب في كل عام ) فنقيم ثلاثا ، فننحر الجزر ونسقي الخمر ~~وتعزف علينا القيان ، وتتسامع العرب بنا وبمسيرنا فلا يزالوا يهابوننا ~~ويعلموا أن محمدا لم يصب العير ، وأنا قد أعضضناه ، فسار المشركون إلى بدر ~~وتنبكت عيرهم على طريق الساحل وأعلم الله النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ~~فأعلم المسلمين ، فاستشارهم وقال : العير أحب إليكم أم النفير ، فقال ~~أكثرهم العير أحب إلينا من لقاء العدو ، فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ثم أعاد استشارتهم فأشار أكثرهم قائلين : عليك بالعير فإنا خرجنا ~~للعير فظهر الغضب على وجهه . فتكلم أبو بكر ، وعمر ، والمقداد بن الأسود ، ~~وسعد بن عبادة ، وأكثر الأنصار ، ففوضوا إلى رسول الله ما يرى أن يسير إليه ~~صلى الله عليه وسلم فأمرهم حينئذ أن يسيروا إلى القوم ببدر فساروا . وكان ~~النصر العظيم الذي هز به الإسلام رأسه . # فهذا ما أشار إليه قوله تعالى : { وإن فريقا من المؤمنين لكارهون } وذلك ~~أنهم خرجوا على نية التعرض للعير ، وأن ليس دون العير قتال ، فلما أخبرهم ~~عن تجمع قريش لقتالهم تكلم أبو بكر فأحسن ، وتكلم عمر فأحسن ، ثم قام ~~المقداد بن الأسود PageV09P265 فقال ( يا رسول الله امضض لما أراك الله ~~فنحن معك والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى اذهب أنت وربك ~~فقاتلا إنا ههنا قاعدون ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ، ~~نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك وخلفك ، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا ~~إلى ( بركك الغماد ) ( بفتح باء برك وغين الغماد ومعجمة مكسورة موضع باليمن ~~بعيد جدا عن مكة ) لجادلنا معك من دونه حتى ms3401 تبلغه . ثم قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ( أشيروا علي أيها الناس ) وإنما يريد الأنصار ، وذلك أنهم ~~حين بايعوه بالعقبة قالوا يومئذ ( إنا برءاء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا ~~فإذا وصلت إلينا فإنك في ذمتنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا ) فكان ~~رسول الله يتخوف أن يكون الأنصار لا يرون نصره إلا ممن دهمه بالمدينة ، وأن ~~ليس عليهم أن يسير بهم من بلادهم ، فلما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~( أشيروا علي قال له سعد بن معاذ ( والله لكأنك تريدنا يا رسول الله قال : ~~أجل قال : فقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ~~ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة فامض يا رسول الله لما أردت فنحن ~~معك فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخصته لخضناه معك وما تخلف ~~منا رجل واحد وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا إنا لصبر في الحرب صدق في ~~اللقاء لعل الله يريك بنا ما تقر به عينك فسر بنا على بركة الله ) فسر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : سيروا وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى ~~الطائفتين أي ولم يخص وعد النصر ، بتلقي العير فقط فما كان بعد ذلك إلا أن ~~زال من نفوس المؤمنين الكارهين للقتال ما كان في قلوبهم من الكراهية ، ~~وقوله { وإن فريقا من المؤمنين لكارهون } في موضع الحال من الإخراج الذي ~~أفادته ، ( ما ) المصدرية ، وهؤلاء هم الذين تثاقلوا وقت العزم على الخروج ~~من المدينة ، والذين اختاروا العير دون النفير حين استشارة وادي ذفران ، ~~لأن ذلك كله مقترن بالخروج لأن الخروج كان ممتدا في الزمان ، فجملة الحال ~~من قوله : { وإن فريقا من المؤمنين لكارهون } حال مقارنة لعاملها وهو { ~~أخرجك } . # وتأكيد خبر كراهية فريق من المؤمنين بإن ولام الابتداء مستعمل في التعجيب ~~من شأنهم بتنزيل السامع غير المنكر لوقوع الخبر منزلة المنكر لأن وقوع ذلك ~~مما PageV09P266 شأنه أن لا يقع ، إذ كان الشأن اتباع ما يحبه الرسول صلى ~~الله ms3402 عليه وسلم أو التفويض إليه ، وما كان ينبغي لهم أن يكرهوا لقاء العدو ~~. ويستلزم هذا التنزيل التعجيب من حال المخبر عنهم بهذه الكراهية فيكون ~~تأكيد الخبر كناية عن التعجيب من المخبر عنهم . # وجملة { يجادلونك } حال من { فريقا } فالضمير لفريق باعتبار معناه لأنه ~~يدل على جمع . وصيغة المضارع لحكاية حال المجادلة زيادة في التعجيب منها ، ~~وهذا التعجيب كالذي في قوله تعالى : { يجادلنا } من قوله : { فلما ذهب عن ~~إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط } ( هود : 74 ) إذ قال { ~~يجادلنا } ولم يقل ( جادلنا ) . # وقوله : { بعد ما تبين } لوم لهم على المجادلة في الخروج الخاص ، وهو ~~الخروج للنفير وترك العير ، بعد أن تبين أي ظهر أن الله قدر لهم النصر ، ~~وهذا التبين هو بين في ذاته سواء شعر به كلهم أو بعضهم فإنه بحيث لا ينبغي ~~الاختلاف فيه ، فإنهم كانوا عربا أذكياء ، وكانوا مؤمنين أصفياء ، وقد ~~أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم بأن الله ناصرهم على إحدى الطائفتين : ~~طائفة العير أو طائفة النفير ، فنصرهم إذن مضمون ، ثم أخبرهم بأن العير قد ~~أخطأتهم ، وقد بقي النفير ، فكان بينا أنهم إذا لقوا النفير ينصرهم الله ~~عليه ، ثم رأوا كراهة النبي صلى الله عليه وسلم لما اختاروا العير ، فكان ~~ذلك كافيا في اليقين بأنهم إذا لقوا المشركين ينتصرون عليهم لا محالة ، ~~ولكنهم فضلوا غنيمة العير على خضد شوكة أعدائهم ونهوضض شوكتهم بنصر بدر ، ~~فذلك معنى تبين الحق أي رجحان دليله في ذاته ، ومن خفي عليه هذا التبين من ~~المؤمنين لم يعذره الله في خفائه عليه . # ومن هذه الآية يؤخذ حكم مؤاخذة المجتهد إذا قصر في فهم ما هو مدلول لأهل ~~النظر ، وقد غضب النبي صلى الله عليه وسلم من سؤال الذي سأله عن ضالة الإبل ~~بعد أن سأله عن ضالة الغنم فأجابه هي لك أو لأخيك أو للذئب . فلما سأله بعد ~~ذلك عن ضالة الإبل تمعر وجهه وقال ( مالك ولها معها حذاؤها وسقاؤها تشرب ~~الماء وترعى الشجر حتى يلقاها ربها ) وروى مالك ، في ( الموطأ ) ، أن ms3403 أبا ~~هريرة مر بقوم محرمين فاستفتوه في لحم صيد وجدوا أناسا أحلة يأكلونه ~~فأفتاهم بالأكل منه ثم قدم المدينة فسأل عمر بن الخطاب عن PageV09P267 ذلك ~~فقال له عمر بم أفتيتهم قال : أفتيتهم بأكله فقال : ( لو أفتيتهم بغير ذلك ~~لأوجعتك ) . # وجملة : { كأنما يساقون إلى الموت } في موضع الحال من الضمير المرفوع في ~~{ يجادلونك } أي حالتهم في وقت مجادلتهم إياك تشبه حالتهم لو ساقهم سائق ~~إلى الموت ، والمراد بالموت الحالة المضادة للحياة وهو معنى تكرهه نفوس ~~البشر ، ويصوره كل عقل بما يتخيله من الفظاعة والبشاعة كما تصوره أبو ذؤيب ~~في صورة سبع في قوله : # وإذا المنية أنشبت أظفارها # وكما تخيل ، تأبط شرا الموت طامعا في اغتياله فنجا منه حين حاصره أعداؤه ~~في جحر في جبل : # فخالط سهل الأرض لم يكدح الصفا # به كدحة والموت خزيان ينظر # فقوله تعالى : { كأنما يساقون إلى الموت } تشبيه لحالهم ، في حين ~~المجادلة في اللحاق بالمشركين ، بحال من يجادل ويمانع من يسوقه إلى ذات ~~الموت . # وهذا التفسير أليق بالتشبيه لتحصل المخالفة المطلقة بين الحالة المشبهة ~~والحالة المشبه بها ، وإلا فإن أمرهم بقتال العدو الكثير العدد ، وهم في ~~قلة ، إرجاء بهم إلى الموت إلا أنه موت مظنون ، وبهذا التفسير يظهر حسن ~~موقع جملة : { وهم ينظرون } أما المفسرون فتأولوا الموت في الآية بأنه ~~الموت المتيقن فيكون التخالف بين المشبه والمشبه به تخالفا بالتقييد . # وجملة : { وهم ينظرون } حال من ضمير { يساقون } ومفعول { ينظرون } محذوف ~~دل عليه قوله : { إلى الموت } أي : وهم ينظرون الموت ، لأن حالة الخوف من ~~الشيء المخوف إذا كان منظورا إليه تكون أشد منها لو كان يعلم أنه يساق إليه ~~ولا يراه ، لأن للحس من التأثير على الإدراك ما ليس لمجرد التعقل ، وقريب ~~من هذا المعنى قول جعفر بن علبة : # يرى غمراتت الموت ثم يزورها # وفي عكسه في المسرة قوله تعالى : { وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون } ( ~~البقرة : 50 ) . # PageV09P268 # | 2 ( 7 ، 8 ) { وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ~~ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق ms3404 الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين * ~~ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون } . ) 2 # الأحسن أن تكون { وإذ يعدكم الله } معطوفا على { كما أخرجك } ( الأنفال : ~~5 ) عطف المفرد على المفرد فيكون المعطوف مشبها به التشبيه المفاد بالكاف ~~والمعنى : كاخراجك الله من بيتك وكوقتت يعدكم الله إحدى الطائفتين الآية ~~واسم الزمان إذا أضيف إلى الجملة كانت الجملة في تأويل المفرد فتؤول بمصدر ~~، والتقدير : وكوقت وعد الله إحدى الطائفتين ، ف { إذ } اسم زمان متصرف ~~مجرور بالعطف على مجرور كاف التشبيه ، وجعل صاحب ( الكشاف ) { إذ } مفعولا ~~لفعل ( اذكر ) محذوف شأن { إذ } الواقعة في مفتتح القصص ، فيكون عطف جملة ~~الأمر المقدر على جملة { قل الأنفال لله } ( الأنفال : 1 ) والمناسبة هي أن ~~كلا القولين فيه توقيفهم على خطأ رأيهم وأن ما كرهوه هو الخير لهم . # و ( الطائفة ) الجماعة من الناس ، وتقدم عند قوله { فلتقم طائفة منهم معك ~~} في سورة النساء ( 102 ) . # وجملة : { أنها لكم } في تأويل مصدر ، هو بدل اشتمال من إحدى الطائفتين ، ~~أي : يعدكم مصير إحدى الطائفتين لكم ، أي كونها معطاة لكم ، وهو إعطاء ~~النصر والغلبة عليها بين قتل وأسر وغنيمة . # واللام للملك وهو هنا ملك عرفي ، كما يقولون كان يوم كذا لبني فلان على ~~بني فلان ، فيعرف أنه كان لهم فيه غلبة حرب وهي بالقتل والأسر والغنيمة . # { وتودون } إما عطف على { يعدكم } أي إذ يقع الوعد من الله والود منكم ، ~~وإما في موضع الحال والواو واو الحال ، أي يعدكم الله إحدى الطائفتين في ~~حال ودكم لقاء الطائفة غير ذات الشوكة وهذا الود هو محل التشبيه الذي أفاده ~~عطف { وإذ يعدكم } ، مجرور الكاف في قوله : { كما أخرجك ربك من بيتك بالحق ~~} ( الأنفال : 5 ) فهو مما شبه PageV09P269 به حال سؤالهم عن الأنفال سؤالا ~~مشوبا بكراهية صرف الأنفال عن السائلين عنها الرائمين أخذها . # و ( الود ) المحبة و { ذات الشوكة } صاحبة الشوكة ووقع { ذات } صفة لمقدر ~~تقديره الطائفة غير ذات الشوكة ، أي الطائفة التي لا تستطيع القتال . # و { الشوكة } أصلها الواحدة من الشوك وهو ما يخرج في بعض ms3405 النبات من أعواد ~~دقيقة تكون محددة الأطراف كالإبر ، فإذا نزغت جلد الإنسان أدمته أو آلمته ، ~~وإذا علقت بثوب أمسكته ، وذلك مثل ما في ورق العرفج ، ويقال هذه شجرة شائكة ~~، ومن الكناية عن ظهور الشر قولهم : ( إن العوسج قد أورق ) ، وشوكة العقرب ~~البضعة التي في ذنبها تلسع بها . # وشاع استعارة الشوكة للبأس ، يقال : فلان ذو شوكة ، أي ذو بأس يتقى كما ~~يستعار القرن للباس في قولهم : أبدى قرنه ، والناب أيضا في قولهم : كشر عن ~~نابه ، وذلك من تشبيه المعقول بالمحسوس أي تودون الطائفة التي لا يخشى ~~بأسها تكون لكم أي ملككم فتأخذونهم . # وقد أشارت الآية إلى ما في قصة بدر حين أخبر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم المسلمين بانصراف عير قريش نحو الساحل وبمجيء نفيرهم إلى بدر ، ~~وأخبرهم أن الله وعدهم إحدى الطائفتين ، أي إما العير وإما النفير وعدا ~~معلقا على اختيارهم إحداهما ، ثم استشارهم في الأمر أيختارون اللحاق بالعير ~~أم يقصدون نفير قريش ، فقال الناس : إنما خرجنا لأجل العير ، وراموا اللحاق ~~بالعير واعتذروا بضعف استعدادهم وأنهم يخرجوا لمقاتلة جيش ، وكانت العير لا ~~تشتمل إلا على أربعين رجلا وكان النفير فيما قيل يشتمل على ألف رجل مسلح ، ~~فذلك معنى قوله تعالى : { وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم } أي تودون ~~غنيمة بدون حرب ، فلما لم يطمعوا بلقاء الجيش وراموا لقاء العير كانوا ~~يودون أن تحصل لهم غنيمة العير ولعل الاستشارة كانت صورية ، أمر الله بها ~~نبيه لتثبيت المسلمين لئلا تهن قوتهم النفسية إن أعلموا بأنهم سيلقون ذات ~~الشوكة . # وقوله : { ويريد الله أن يحق الحق بكلماته } عطف على جملة { وتودون } على ~~احتمالي PageV09P270 أن واوها للعطف أو للحال ، والمقصود من الإخبار بهذه ~~الجمل الثلاث إظهار أن ما يودونه ليس فيه كمال مصلحتهم ، وأن الله اختار ~~لهم ما فيه كمال مصلحتهم ، وإن كان يشق عليهم ويرهبهم فإنهم لم يطلعوا على ~~الأصلح بهم . فهذا تلطف من الله بهم . # والمراد من الإرادة هنا إرادة خاصة وهي المشيئة والتعلق التنجيزي للإرادة ~~التي هي صفة الذات . فهذا ms3406 كقوله : { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم ~~العسر } ( البقرة : 185 ) أي يسر بكم . # ومعنى { يحق الحق } : يثبت ما يسمى الحق وهو ضد الباطل يقال : حق الشيء ، ~~إذا ثبت قال تعالى : { أفمن حق عليه كلمة العذاب } ( الزمر : 19 ) . # والمراد بالحق . هنا : دين الحق وهو الإسلام ، وقد أطلق عليه اسم الحق في ~~مواضع كثيرة من القرآن كقوله : { حتى جاءهم الحق ورسول مبين } ( الزخرف : ~~29 ) الآية . # وإحقاقه باستيصال معانديه ، فأنتم تريدون نفعا قليلا عاجلا ، وأراد الله ~~نفعا عظيما في العاجل والآجل . والله يعلم وأنتم لا تعلمون . # وفي قوله : { ليحق الحق } جناس الاشتقاق . وفيه دلالة على أن أصل مادة ~~الحق هو فعل حق . وأن أصل مادة الباطل هي فعل بطل . ونظيره قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم للذين قالوا في التشهد السلام على الله فقال لهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن الله هو السلام . # وكلمات الله ما يدل على مراده وعلى كلامه النفسي ، حقيقه من أقوال لفظية ~~يخلقها خلقا غير متعارف ليفهمها أحد البشر ويبلغها عن الله ، مثل القرآن ، ~~أو مجازا من أدلة غير لفظية ، مثل ما يخاطب به الملائكة المحكي في قوله ~~تعالى : { حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي ~~الكبير } ( سبأ : 23 ) وفسره قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إذا قضى ~~الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على ~~صفوان فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قال للذي قال : الحق وهو ~~العلي الكبير . # والجمع المعرف بالإضافة يفيد العموم ، فقوله : { بكلماته } يعم أنواع ~~الكلام الذي يوحي به الله الدال على إرادته تثبيت الحق . مثل آيات القرآن ~~المنزلة في قتال الكفار وما أمر به الملائكة من نصرتهم المسلمين يوم بدر . ~~PageV09P271 # والباء في { بكلماته } للسببية ، وذكر هذا القيد للتنويه بإحقاق هذا الحق ~~وبيان أنه مما أراد الله ويسره وبينه للناس من الأمر ، ليقوم كل فريق من ~~المأمورين بما هو حظه من بعض تلك الأوامر ، وللتنبيه على أن ذلك واقع لا ms3407 ~~محالة لأن كلمات الله لا تتخلف كما قال تعالى : { يريدون أن يبدلو كلام ~~الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل } ( الفتح : 15 ) ، ولمدح هذا ~~الإحقاق بأنه حصل بسبب كلمات الله . # وقطع دابر الشيء إزالة الشيء كله إزالة تأتي على آخر فرد منه يكون في ~~مؤخرته من ورائه وتقدم في قوله { فقطع دابر القوم الذين ظلموا } في سورة ~~الأنعام ( 45 ) . # والمعنى : أردتم الغنيمة وأراد الله إظهار أمركم وخضذ شوكه عدوكم وإن كان ~~ذلك يحرمكم الغنى العارض فإن أمنكم واطمئنان بالكم خير لكم وأنتم تحسبون أن ~~لا تستطيعوا هزيمة عدوكم . # واللام في قوله : { ليحق الحق ويبطل الباطل } لام التعليل . وهي متعلقة ~~بقوله { ويريد الله أن يحق الحق بكلماته } أي إنما أراد ذلك وكون أسبابه ~~بكلماته لأجل تحقيقه الحق وإبطاله الباطل . # وإذ قد كان محصول هذا التعليل هو عين محصول المعلل في قوله : { ويريد ~~الله أن يحق الحق بكلماته } وشان العلة أن تكون مخالفة للمعلل ، ولو في ~~الجملة ، إذ فائدة التعليل إظهار الغرض الذي يقصده الفاعل من فعله ، فمقتضى ~~الظاهر أن لا يكون تعليل الفعل بعين ذلك الفعل ، لأن السامع لا يجهل أن ~~الفاعل المختار ما فعل فعلا إلا وهو مراد له ، فإذا سمعنا من كلام البليغ ~~تعليل الفعل بنفس ذلك الفعل ، كان ذلك كناية عن كونه ما فعل ذلك الفعل إلا ~~لذاتت الفعل ، لا لغرض آخر عائد عليه ، فإفادة التعليل حينئذ معنى الحصر ~~حاصلة من مجرد التعليل بنفس المعلل . # والحصر هنا من مستتبعات التركيب ، وليس من دلالة اللفظ ، فافهمه فإنه ~~دقيق وقد وقعت فيه غفلات . # ويجوز أن يكون الاختلاف بين المعلل والعلة بالعموم والخصوص أي يريد الله ~~أن يحق الحق في هذه الحادثة لأنه يريد إحقاق الحق عموما . # وأما قوله : { ويبطل الباطل } فهو ضد معنى قوله : { ليحق الحق } وهو من ~~لوازم PageV09P272 معنى ليحق الحق ، لأنه إذا حصل الحق ذهب الباطل كما قال ~~تعالى : { بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق } ( الأنبياء : 18 ~~) ، ولما كان الباطل ضد الحق لزم ms3408 من ثبوت أحدهما انتفاء الآخر . ومن لطائف ~~عبد الله بن عباس أنه قال لعمر بن أبي ربيعة : كم سنك فقال ابن أبي ربيعة ~~ولدت يوم مات عمر بن الخطاب ، فقال ابن عباس : ( أي حق رفع وأي باطل وضع ) ~~أي في ذلك اليوم ، ففائدة قوله : { ويبطل الباطل } التصريح بأن الله لا ~~يرضى بالباطل ، فكان ذكر بعد قوله : { ليحق الحق } بمنزلة التوكيد لقوله { ~~ليحق الحق } لأن ثبوت الشيء قد يؤكد بنفي ضده كقوله تعالى : { قد ضلوا وما ~~كانوا مهتدين } ( الأنعام : 140 ) . # ويجيء في قوله : { ويبطل الباطل } من معنى الكلام ، ومن جناس الاشتقاق ، ~~ما جاء في قوله : { أن يحق الحق } ثم في مقابلة قوله : { ليحق الحق } بقوله ~~{ ويبطل الباطل } محسن الطباق . # { ولو كره المجرمون } شرط اتصالي . و { لو } اتصالية تدل على المبالغة في ~~الأحوال ، وهو عطف على { يريد الله } ، أو على { ليحق الحق } أي يريد ذلك ~~لذلك لا لغيره ، ولا يصد مراده ما للمعاندين من قوة بأن يكرهه المجرمون وهم ~~المشركون . # والكراهة هنا كناية عن لوازمها وهي الاستعداد لمقاومة المراد من تلك ~~الإرادة ، فإن المشركين ، بكثرة عددهم وعددهم ، يريدون إحقاق الباطل ، ~~وإرادة الله تنفذ بالرغم على كراهة المجرمين ، وأما مجرد الكراهة فليس ~~صالحا أن يكون غاية للمبالغة في أحوال نفوذ مراد الله تعالى إحقاق الحق : ~~لأنه إحساس قاصر على صاحبه ، ولكنه إذا بعثه على مدافعة الأمر المكروه كانت ~~أسباب المدافعة هي الغاية لنفوذ الأمر المكروه على الكاره . # وتقدم الكلام على { لو } الاتصالية عند قوله تعالى : { ولو افتدى به } في ~~سورة آل عمران ( 91 ) وقوله تعالى : { أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا } في ~~سورة البقرة ( 170 ) . # # | 2 ( 9 ) { إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة ~~مردفين } . ) 2 # يتعلق ظرف { إذ تستغيثون ربكم } بفعل { يريد الله } ( الأنفال : 7 ) لأن ~~إرادة الله مستمر تعلقها PageV09P273 بأزمنة منها زمان استغاثة النبي صلى ~~الله عليه وسلم والمسلمين ربهم على عدوهم ، حين لقائهم مع عدوهم يوم بدر ، ~~فكانت استجابة الله لهم بإمدادهم بالملائكة ، من مظاهر إرادته تحقيق ms3409 الحق ~~فكانت الاستغاثة يوم القتال في بدر وإرادة الله أن يحق الحق حصلت في ~~المدينة يوم وعدهم الله إحدى الطائفتين ، ورشح لهم أن تكون إحدى الطائفتين ~~ذات الشوكة ، وبين وقت الإرادة ووقت الاستغاثة مدة أيام ، ولكن لما كانت ~~الإرادة مستمرة إلى حين النصر يوم بدر صح تعليق ظرف الاستغاثة بفعلها ، ~~لأنه اقترن ببعضها في امتدادها ، وهذا أحسن من الوجوه التي ذكروها في متعلق ~~هذا الظرف أو موقعه . # وقد أشارت الآية إلى دعاء النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر ، أخرج ~~الترمذي عن عمر بن الخطاب قال ( نظر نبيء الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا فاستقبل نبيء الله صلى ~~الله عليه وسلم القبلة ثم مد يديه وجعل يهتف بربه : اللهم أنجز لي ما ~~وعدتني اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام ( لا ) تعبد في الأرض فما ~~زال يهتف بربه مادا يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه فأتاه أبو ~~بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه فقال يا نبيء الله ~~كفاك مناشدة ربك فإنه سينجز لك ما وعدك ، فأنزل الله { إذ تستغيثون ربكم ~~فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين } أي فأنزل الله في حكاية ~~تلك الحالة . وعلى هذه الرواية يكون ضمير { تستغيثون } مرادا به النبي صلى ~~الله عليه وسلم وعبر عنه بضمير الجماعة لأنه كان يدعو لأجلهم ، ولأنه كان ~~معلنا بدعائه وهم يسمعونه ، فهم بحال من يدعون ، وقد جاء في ( السيرة ) أن ~~المسلمين لما نزلوا ببدر ورأوا كثرة المشركين استغاثوا الله تعالى فتكون ~~الاستغاثة في جميع الجيش والضمير شاملا لهم . # والاستغاثة : طلب الغوث ، وهو الإعانة على رفع الشدة والمشقة ولما كانوا ~~يومئذ في شدة ودعوا بطلب النصر على العدو القوي كان دعاؤهم استغاثة . # { فاستجاب لكم } أي وعدكم بالإغاثة . # وفعل استجاب يدل على قبول الطلب ، والسين والتاء فيه للمبالغة أي تحقيق ~~المطلوب . PageV09P274 # وقوله : { أني ممدكم بألف من الملائكة } هو الكلام المستجاب به ولذلك ~~قدره في ( الكشاف ) بأن ms3410 أصله بأني ممدكم أي فحذف الجار وسلط عليه { استجاب ~~} فنصب محله . # وأرى أن حرف ( أن ) المفتوحة الهمزة المشددة النون إذا وقعت بعد ( ما ) ~~فيه معنى القول دون حروفه أن تكون مفيدة للتفسير مع التأكيد كما كانت تفيد ~~معنى المصدرية مع التأكيد ، فمن البين أن ( أن ) المفتوحة الهمزة مركبة من ~~( أن ) المفتوحة الهمزة المخففة النون المصدرية في الغالب ، يجوز أن يعتبر ~~تركيبها من ( أن ) التفسيرية إذا وقعت بعد ( ما ) فيه معنى القول دون حروفه ~~، وذلك مظنة ( أن ) التفسيرية ، وأعتضد بما في ( اللسان ) من قول الفراء : ~~( إذا جاءت ( أن : ) بعد القول وما تصرف من القول كانت حكاية ، فلم يقع ~~عليها ( أي القول ) فهي مكسورة ، وإن كانت تفسيرا للقول نصبتها ومثله : قد ~~قلت لك كلاما حسنا أن أباك شريف ، فحت أن لأنها فسرت الكلام . قلت : ووقوع ~~( أن ) موقع التفسير كثير : في الكلام . وفي القرآن ، ومنه قوله تعالى : { ~~وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس } ( المائدة : 45 ) الآية ، ومن تأمل ~~بإنصاف وجد متانة معنى قوله : { أني ممدكم بألف من الملائكة } في كون ( أن ~~) تفسيرية ، دون كونها مجرورة بحرف جر محذوف . مع أن معنى ذلك الحرف غير ~~بين . # والإمداد إعطاء المدد وهو الزيادة من الشيء النافع . # وقرأ نافع ، وأبو جعفر ، ويعقوب : بفتح الدال من { مردفين } أي يرد فهم ~~غيرهم من الملائكة ، وقرأ البقية : بكسر الدال أي تكون الألف رادفا لغيرهم ~~قبلهم . # والإرداف الإتباع والإلحاق فيكون الوعد بألف وبغيرها على ما هو متعارف ~~عندهم من إعداد نجدة للجيش عند الحاجة تكون لهم مددا ، وذلك أن الله أمدهم ~~بآلاف من الملائكة بلغوا خمسة آلاف كما تقدم في سورة آل عمران ، ويجوز أن ~~يكون المراد بألف هنا مطلق الكثرة فيفسره قوله : { بثلاثة آلاف } في سورة ~~آل عمران ( 124 ) ، وهم مردفون بألفين ، فتلك خمسة آلاف ، وكانت عادتهم في ~~الحرب إذا كان الجيش عظيما أن يبعثوا طائفة منه ثم يعقبوها بأخرى لأن ذلك ~~أرهب للعدو . PageV09P275 # ويوجه سيوفهم ، وحلول الملائكة في المسلمين كان بكيفية يعلمها الله تعالى ~~: إما بتجسيم المجردات فيراهم من ms3411 أكرمه الله برؤيهم ، وإما بإراءة الله ~~الناس ما ليس من شأنه أن يرى عادة . # # | 2 ( 10 ) { وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من ~~عند الله إن الله عزيز حكيم } . ) 2 # عطف على { أني ممدكم بألفف من الملائكة مردفين } ( الأنفال : 9 ) فالضمير ~~المنصوب في قوله : { جعله } عائد إلى القول الذي تضمنه { فاستجاب لكم أني ~~ممدكم } ( الأنفال : 9 ) أي ما جعل جوابكم بهذا الكلام إلا ليبشركم ، وإلا ~~فقد كان يكفيكم أن يضمن لكم النصر دون أن يبين أنه بإمداد من الملائكة . # وفائدة التبشير بإمداد الملائكة أن يوم بدر كان في أول يوم لقي فيه ~~المسلمون عدوا قويا وجيشا عديدا ، فبشرهم الله بكيفية النصر الذي ضمنه لهم ~~بأنه بجيش من الملائكة ، لأن النفوس أميل إلى المحسوسات ، فالنصر معنى من ~~المعاني يدق إدراكه وسكون النفس لتصوره بخلاف الصور المحسوسة من تصوير مدد ~~الملائكة ورؤية أشكال بعضهم . # وتقدم القول في نظير هذه الآية في سورة آل عمران إلا لتعرض لما بين ~~الآيتين من اختلاف في ترتيب النظم وذلك في ثلاثة أمور : # أحدها : أنه قال في آل عمران ( 126 ) : { إلا بشرى لكم } وحذف ( لكم ) ~~هنا دفعا لتكرير لفظه لسبق كلمة { لكم } قريبا في قوله : { فاستجاب لكم } ( ~~الأنفال : 9 ) فعلم السامع أن البشرى لهم ، فأغنت { لكم } الأولى ، بلفظها ~~ومعناها ، عن ذكر { لكم } مرة ثانية ، ولأن آية آل عمران سيقت مساق ~~الامتنان والتذكير بنعمة النصر في حين القلة والضعف ، فكان تقييد { بشرى } ~~بأنها لأجلهم زيادة في المنة أي : جعل الله ذلك بشرى لأجلكم كقوله تعالى : ~~{ ألم نشرح لك صدرك } ( الشرح : 1 ) وأما آية الآنفال فهي مسوقة مساق ~~العتاب على كراهية الخروج إلى بدر في أول الأمر ، وعلى اختيار أن تكون ~~الطائفة التي تلاقيهم غير ذات الشوكة ، فجرد PageV09P276 { بشرى } عن أن ~~يعلق به { لكم } إذ كانت البشرى للنبيء صلى الله عليه وسلم ومن لم يترددوا ~~من المسلمين ، وقد تقدم ذلك في آل عمران . # ثانيها : تقديم المجرور هنا في قوله : { به قلوبكم } وهو يفيد الاختصاص ms3412 ، ~~فيكون المعنى : ولتطمئن به قلوبكم لا بغيره ، وفي هذا الاختصاص تعريض بما ~~اعتراهم من الوجل من الطائفة ذات الشوكة وقناعتهم بغنم العروض التي كانت مع ~~العير ، فعرض لهم بأنهم لم يتفهموا مراد الرسول صلى الله عليه وسلم حين ~~استشارهم ، وأخبرهم بأن العير سلكت طريق الساحل فكان ذلك كافيا في أن ~~يعلموا أن الطائفة الموعود بها تمحضت أنها طائفة النفير ، وكان الشأن أن ~~يظنوا بوعد الله أكمل الأحوال ، فلما أراد الله تسكين روعهم ، وعدهم بنصرة ~~الملائكة علما بأنه لا يطمئن قلوبهم إلا ذلك ، وجعل الفخر : التقديم هنا ~~لمجرد الاهتمام بذلك الوعد ، وذلك من وجوه التقديم لكنه وجه تأخيره في آل ~~عمران بما هو غير مقبول . # ثالثها : أنه قال في سورة آل عمران ( 126 ) { العزيز الحكيم فصاغ الصفتين ~~العليتين في صيغة النعت ، وجعلهما في هذه الآية في صيغة الخبر المؤكد ، إذ ~~قال : إن الله عزيز حكيم } فنزل المخاطبين منزلة من يتردد في أنه تعالى ~~موصوف بهاتين الصفتين : وهما العزة ، المقتضية أنه إذا وعد بالنصر لم يعجزه ~~شيء ، والحكمة ، فما يصدر من جانبه غوص الإفهام في تبين مقتضاءه ، فكيف لا ~~يهتدون إلى أن الله لما وعدهم الظفر بإحدى الطائفتين وقد فاتتهم العير أن ~~ذلك آيل إلى الوعد بالظفر بالنفير . # وجملة : { إن الله عزيز حكيم } مستأنفة استينافا ابتدائيا جعلت كالإخبار ~~بما ليس بمعلوم لهم . # # | 2 ( 11 ) { إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السمآء مآء ~~ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الاقدام } . ~~) 2 # لقد أبدع نظم الآيات في التنقل من قصة إلى أخرى من دلائل عناية الله ~~PageV09P277 تعالى برسوله صلى الله عليه وسلم وبالمؤمنين ، فقرنها ، في قرن ~~زمانها ، وجعل ينتقل من إحداها إلى الأخرى بواسطة إذ الزمانية ، وهذا من ~~أبدع التخلص ، وهو من مبتكرات القرآن فيما أحسب . # ولذلك فالوجه أن يكون هذا الظرف مفعولا فيه لقوله : { وما النصر } ( ~~الأنفال : 10 ) فإن إغشاءهم النعاس كان من أسباب النصر ، فلا جرم أن يكون ~~وقت حصوله طرفا للنصر . # والغشي والغشيان كون ms3413 الشيء غاشيا أي غاما ومغطيا ، فالنوم يغطي العقل . # والنعاس النوم غير الثقيل ، وهو مثل السنة . # وقرأ نافع ، وأبو جعفر : { يغشيكم } ، بضم التحتية وسكون الغين وتخفيف ~~الشين بعدها ياء مضارع أغشاه وبنصب { النعاس } والتقدير : إذ يغشيكم الله ~~النعاس ، والنعاس مفعول ثاني ليغشي بسبب تعدية الهمزة وقرأه ابن كثير ، ~~وأبو عمرو : بفتح التحتية وفتح الشين بعدها ألف ، وبرفع النعاس ، على أن ~~يغشاكم مضارع غشي والنعاس فاعل ، وقرأه الباقون : بضم التحتية وفتح الغين ~~وتشديد الشين ونصب النعاس ، على أنه مضارع غشاه المضاعف والنعاس مفعول ثان ~~. # فإسناد الإغشاء أو التغشية إلى الله لأنه الذي قدر أن يناموا في وقت لا ~~ينام في مثله الخائف ، ولا يكون عاما سائر الجيش ، فهو نوم منحهم الله إياه ~~لفائدتهم . # وإسناد الغشي إلى النعاس حقيقة على المتعارف وقد علم أنه من تقدير الله ~~بقوله { أمنة منه } . # و ( الأمنة ) الأمن ، وتقدم في آل عمران ، وهو منصوب على المفعول لأجله ~~على قراءة من نصب ( النعاس ) ، وعلى الحال على قراءة من رفع ( النعاس ) . # وإنما كان ( النعاس ) أمنا لهم لأنهم لما ناموا زال أثر الخوف من نفوسهم ~~في مدة النوم فتلك نعمة ، ولما استيقظوا وجدوا نشاطا ، ونشاط الأعصاب يكسب ~~صاحبه شجاعة ويزيل شعور الخوف الذي هو فتور الأعصاب . # وصيغة المضارع في { يغشيكم } لاستحضار الحالة . PageV09P278 # و ( من ) في قوله : { منه } للابتداء المجازي ، وهو وصف ل ( أمنة ) ~~لإفادة تشريف ذلك النعاس وأنه وارد من جانب القدس ، فهو لطف وسكينة ورحمة ~~ربانية ، ويتأكد به إسناد الإغشاء إلى الله ، على قراءة من نصبوا ( النعاس ~~) ، تنبيها على أنه إسناد مخصوص ، وليس الإسناد الذي يعم المقدورات كلها ، ~~وعلى قراءة من رفعوا ( النعاس ) يكون وصف الأمنة بأنها منه ساريا إلى الغشي ~~فيعلم أنه غشي خاص قدسي ، وليس مثل سائر غشيان النعاس فهو خارق للعادة كان ~~كرامة لهم وقد حصل ذلك للمسلمين يوم بدر كما هو صريح هذه الآية وحصل النعاس ~~يوم أحد لطائفة من الجيش قال تعالى : { ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة ~~نعاسا يغشى طائفة منكم وتقدم في ms3414 سورة آل عمران ( 154 ) ، وفي صحيح البخاري ~~} عن أبي طلحة قال : ( كنت فيمن تغشاه النعاس يوم أحد حتى سقط سيفي من يدي ~~مرارا ) . # وذكر الله منة أخرى جاءت في وقت الحاجة : وهي أنه أنزل عليهم المطر يوم ~~بدر ، فإسناد هذا الإنزال إلى الله تعالى للتنبيه على أنه أكرمهم به وذلك ~~لكونه نزل في وقت احتياجهم إلى الماء ، ولعله كان في غير الوقت المعتاد فيه ~~نزول الأمطار في أفقهم ، قال أهل السير : كان المسلمون حين اقتربوا من بدر ~~راموا أن يسبقوا جيش المشركين إلى ماء بدر ، وكان طريقهم دهساء أي رملا ~~لينا ، تسوخ فيه الأرجل فشق عليهم إسراع السير إلى الماء وكانت أرض طريق ~~المشركين ملبدة ، فلما أنزل الله المطر تلبدت الأرض فصار السير أمكن لهم ، ~~واستوحلت الأرض للمشركين فصار السير فيها متعبا ، فأمكن للمسلمين السبق إلى ~~الماء من بدر ونزلوا عليه وادخروا ماء كثيرا من ماء المطر ، وتطهروا وشربوا ~~، فذلك قوله تعالى : { ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان } . # و ( الرجز ) القذر ، والمراد الوسخ الحسي وهو النجس ، والمعنوي المعبر ~~عنه في كتب الفقه بالحدث . والمراد الجنابة ، وذلك هو الذي يعم الجيش كله ~~فلذلك قال : { ويذهب عنكم رجز الشيطان } ، وإضافته إلى الشيطان لأن غالب ~~الجيش لما ناموا احتلموا فأصبحوا على جنابة وذلك قد يكون خواطر الشيطان ~~يخيلها للنائم ليفسد عليه طهارته بدون اختيار طمعا في تثاقله عن الاغتسال ~~حتى يخرج وقت صلاة الصبح ، ولأن فقدان الماء يلجئهم إلى البقاء في تنجس ~~الثياب والأجساد PageV09P279 والنجاسة تلائم طبع الشيطان . # وتقدير المجرور في قوله : { عنكم رجز الشيطان } للرعاية على الفاصلة ، ~~لأنها بنيت على مد وحرف بعده في هذه الآيات والتي بعدها مع ما فيه من ~~الاهتمام بهم . # وقوله : { وليربط على قلوبكم } أي يؤمنكم بكونكم واثقين بوجود الماء لا ~~تخافون عطشا وتثبيت الأقدام هو التمكن من السير في الرمل ، بأن لا تسوخ في ~~ذلك الدهس الأرجل ، لأن هذا المعنى هو المناسب حصوله بالمطر . # و ( الربط ) حقيقته شد الوثاق على الشي وهو مجاز في التثبيت وإزالة ~~الاضطراب ms3415 ومنه قولهم : فلان رابط الجأش وله رباطة جأش . # و { على } مستعارة لتمكن الربط فهي ترشيح للمجاز . # # | 2 ( 12 ، 13 ) { إذ يوحى ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين ~~ءامنوا سألقى في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم ~~كل بنان * ذالك بأنهم شآقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله ~~شديد العقاب } . ) 2 # { إذ } ظرف متعلق بقوله : { فاستجاب لكم أني ممدكم بألفف من الملائكة ~~مردفين } ( الأنفال : 9 ) . # وجعل الخطاب هنا للنبيء صلى الله عليه وسلم تلطفا به ، إذ كانت هذه الآية ~~في تفصيل عمل الملائكة يوم بدر ، وما خاطبهم الله به فكان توجيه الخطاب ~~بذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم أولى لأنه أحق من يعلم مثل هذا العلم ~~ويحصل العلم للمسلمين تبعا له ، وأن الذي يهم المسلمين من ذلك هو نصر ~~الملائكة إياهم وقد حصل الإعلام بذلك من آية { إذ تستغيثون ربكم } ( ~~الأنفال : 9 ) ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان أول من استغاث الله ، ~~ولذلك عرف الله هنا باسم الرب وإضافته إلى ضمير النبي صلى الله عليه وسلم ~~ليوافق أسلوب { إذ تستغيثون ربكم } ( الأنفال : 9 ) ولما فيه من التنويه ~~بقدر نبيه صلى الله عليه وسلم إشارة إلى أنه فعل ذلك لطفا به ورفعا لشأنه . # والوحي إلى الملائكة المرسلين : إما بطريق إلقاء هذا الأمر في نفوسهم ~~بتكوين خاص ، وإما بإبلاغهم ذلك بواسطة . PageV09P280 # و { أني معكم } قيل هو في تأويل مصدر وذلك المصدر مفعول يوحي ، أي يوحي ~~إليهم ثبوت معيته لهم ، فيكون المصدر ، منصوبا على المفعول به ليوحي ، بهذا ~~التأويل وقيل على تقدير باء الجر . # وأنت على ذكر مما قدمناه قريبا في قوله تعالى : { أني ممدكم بألفف من ~~الملائكة } ( الأنفال : 9 ) من تحقيق أن تكون ( أن ) المفتوحة الهمزة ~~المشددة النونن مفيدة معنى ( أن ) التفسيرية ، إذا وقعت معمولة لما فيه ~~معنى القول دون حروفه . # والمعية حقيقتها هنا مستحيلة فتحمل على اللائقة بالله تعالى أعني المعية ~~المجازية ، فقد يكون معناها توجه عنايته إليهم وتيسير العمل لهم ، وقد تكرر ~~إطلاق ms3416 ( مع ) بمثل هذا في القرآن كقوله : { وهو معكم أينما كنتم } ( الحديد ~~: 4 ) . # وإيحاء الله إلى الملائكة بهذا مقصود منه تشريفهم وتشريف العمل الذي ~~سيكلفون به ، لأن المعية تؤذن إجمالا بوجود شيء يستدعي المصاحبة ، فكان ~~قوله لهم : { أني معكم } مقدمة للتكليف بعمل شريف ولذلك يذكر ما تتعلق به ~~المعية لأنه سيعلم من بقية الكلام ، أي أني معكم في عملكم الذي أكفلكم به . # ومن هنا ظهر موقع فاء الترتيب في قوله : { فثبتوا الذين آمنوا } من حيث ~~ما دل عليه { أني معكم } من التهيئة لتلقي التكليف بعمل عظيم وإنما كان هذا ~~العمل بهذه المثابة لأنه إبدال للحقائق الثابتة باقتلاعها ووضع أضدادها ~~لأنه يجعل الجبن شجاعة ، والخوف إقداما والهلع ثباتا ، في جانب المؤمنين ، ~~ويجعل العزة رعبا في قلوب المشركين ، ويقطع أعناقهم وأيديهم بدون سبب من ~~أسباب القطع المعتادة فكانت الأعمال التي عهد للملائكة عملها خوارق عادات . # والتثبيت هنا مجاز في إزالة الاضطراب النفساني مما ينشأ عن الخوف ومن عدم ~~استقرار الرأي واطمئنانه . # وعرف المثبتون بالموصول لما تومىء إليه صلة { آمنوا } من كون إيمانهم هو ~~الباعث على هذه العناية ، فتكون الملائكة بعناية المؤمنين لأجل وصف الإيمان ~~. # وتثبيت المؤمنين إيقاع ظن في نفوسهم بأنهم منصورون ويسمى ذلك إلهاما ~~وتثبيتا ، لأنه إرشاد إلى ما يطابق الواقع ، وإزالة للاضطراب الشيطاني ، ~~وإنما PageV09P281 يكون خيرا إذا كان جاريا على ما يحبه الله تعالى بحيث لا ~~يكون خاطرا كاذبا ، وإلا صار غرورا ، فتشجيع الخائف حيث يريد الله منه ~~الشجاعة خاطر ملكي وتشجيعه حيث ينبغي أن يتوقى ويخاف خاطر شيطاني ووسوسة ، ~~لأنه تضليل عن الواقع وتخذيل . # ولم يسند إلقاء الرعب في قلوب الذين كفروا إلى الملائكة بل أسنده الله ~~إلى نفسه وحده بقوله : { سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب } لأن أولئك ~~الملائكة المخاطبين كانوا ملائكة نصر وتأييد فلا يليق بقواهم إلقاء الرعب ، ~~لأن الرعب خاطر شيطاني ذميم ، فجعله الله في قلوب الذين كفروا بواسطة أخرى ~~غير الملائكة . # وأسند إلقاء الرعب في قلوب الذين كفروا إلى الله على طريقة الإجمال دون ~~بيان لكيفية ms3417 إلقائه ، وكل ما يقع في العالم هو من تقدير الله على حسب ~~إرادته ، وأشار ذلك إلى أنه رعب شديد قدره الله على كيفية خارقة للعادة ، ~~فإن خوارق العادات قد تصدر من القوى الشيطانية بإذن الله وهو ما يسمى في ~~اصطلاح المتكلمين بالإهانة وبالاستدراج ، ولا حاجة إلى قصد تحقير الشيطان ~~بإلقاء الرعب في قلوب المشركين كما قصد تشريف الملائكة ، لأن إلقاء الرعب ~~في قلوب المشركين يعود بالفائدة على المسلمين ، فهو مبارك أيضا ، وإنما كان ~~إلقاء الرعب في قلوب المشركين خارق عادة ، لأن أسباب ضده قائمة ، وهي وفرة ~~عددهم وعددهم وإقدامهم على الخروج إلى المسلمين ، وحرصهم على حماية أموالهم ~~التي جاءت بها العير . # فجملة : { سألقي في قلوب الذين كفروا } مستأنفة استئنافا ابتدائيا إخبارا ~~لهم بما يقتضي التخفيف عليهم في العمل الذي كلفهم الله به بأن الله كفاهم ~~تخذيل الكافرين بعمل آخر غير الذي كلف الملائكة بعمله ، فليست جملة { سألقي ~~} مفسرة لمعنى { أني معكم } . # ولم يقل سنلقي لئلا يتوهم أن للملائكة المخاطبين سببا في إلقاء الرعب في ~~قلوب الذين كفروا كما علمت آنفا . # وتفريع { فاضربوا فوق الأعناق } على جملة : { سألقي في قلوب الذين ~~PageV09P282 كفروا الرعب } المفرعة هنا أيضا على جملة : { فثبتوا الذين ~~آمنوا } في المعنى ، يؤذن بما اقتضته جملة { سألقي في قلوب الذين كفروا ~~الرعب } من تخفيف عمل الملائكة عليهم بعض التخفيف الذي دل عليه إجمالا قوله ~~: { أني معكم } كما تقدم { فوق الأعناق } على الظرفية لاضربوا . # و { الأعناق } أعناق المشركين وهو بين من السياق ، واللام فيه والمراد ~~بعض الجنس بالقرينة للجنس أو عوض عن المضاف إليه بقرينة قوله بعد : { ~~واضربوا منهم كل بنان } . # والبنان اسم جمع بنانة وهي الأصبع وقيل طرف الأصبع ، وإضافة ( كل ) إليه ~~لاستغراق أصحابها . # وإنما خصت الأعناق والبنان لأن ضرب الأعناق إتلاف لأجساد المشركين وضرب ~~البنان ، يبطل صلاحية المضروب للقتال ، لأن تناول السلاح إنما يكون ~~بالأصابع ، ومن ثم كثر في كلامهم الاستغناء بذكر ما تتناوله اليد أو ما ~~تتناوله الأصابع ، عن ذكر السيف ، قال النابغة : # وأن تلادي أن نظرت وشكتي ms3418 # ومهري وما ضمت إلي الأنامل # يعني سيفه ، وقال أبو الغول الطهوي : # فدت نفسي وما ملكت يميني # فوارس صدقت فيهم ظنوني # يريد السيف ومثل ذلك كثير في كلامهم فضرب البنان يحصل به تعطيل عمل اليد ~~فإذا ضربت اليد كلها فذلك أجدر . # وضرب الملائكة يجوز أن يكون مباشرة بتكوين قطع الأعناق والأصابع بواسطة ~~فعل الملائكة على كيفية خارقة للعادة وقد ورد في بعض الآثار عن بعض الصحابة ~~ما يشهد لهذا المعنى ، فإسناد الضرب حقيقة . ويجوز أن يكون بتسديد ضربات ~~المسلمين وتوجيه المشركين إلى جهاتها ، فإسناد الضرب إلى الملائكة مجاز ~~عقلي لأنهم سببه ، وقد قيل : الأمر بالضرب للمسلمين ، وهو بعيد ، لأن ~~السورة نزلت بعد انكشاف الملحمة . # وجملة : { ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله } تعليل لأن الباء في قوله { ~~بأنهم } باء السببية PageV09P283 فهي تفيد معنى التعليل ولهذا فصلت الجملة ~~. # والمخاطب بهذه الجملة : إما الملائكة ، فتكون من جملة الموحى به إليهم ~~إطلاعا لهم على حكمة فعل الله تعالى . لزيادة تقريبهم ، ولا يريبك إفراد ~~كاف الخطاب في اسم الإشارة لأن الأصل في الكاف مع اسم الإشارة الإفراد ~~والتذكير ، وإجراؤها على حسب حال المخاطب بالإشارة جائز وليس بالمتعين ، ~~وإما من تبلغهم الآية من المشركين الأحياء بعد يوم بدر ، ولذا فالجملة ~~معترضة للتحذير من الاستمرار على مشاقة الله ورسوله . والقول في إفراد ~~الكاف هو هو إذ الخطاب لغير معين والمراد نوع خاص ، ويجوز أن يكون المخاطب ~~به النبي صلى الله عليه وسلم # والمشار إليه ما أمروا به من ضرب الأعناق وقطع البنان . # وإفراد اسم الإشارة بتأويله بالمذكور ، وتقدم غير مرة . # والمشاقة العداوة بعصيان وعناد ، مشتقة من الشق بكسر الشين وهو الجانب ، ~~هو اسم بمعنى المشقوق أي المفرق ، ولما كان المخالف والمعادي يكون متباعدا ~~عن عدوه فقد جعل كأنه في شق آخر ، أي ناحية أخرى ، والتصريح بسبب الانتقام ~~تعريض للمؤمنين ليستزيدوا من طاعة الله ورسوله ، فإن المشيئة لما كانت سبب ~~هذا العقاب العظيم فيوشك ما هو مخالفة للرسول بدون مشاقة أن يوقع في عذاب ~~دون ذلك ، وخليق بأن يكون ضدها ms3419 وهو الطاعة موجبا للخير . # وجملة : { ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب } تذييل يعم كل من ~~يشاقق الله ويعم أصناف العقائد . # والمراد من قوله : { فإن الله شديد العقاب } الكناية عن عقاب المشاقين ~~وبذلك يظهر الارتباط بين الجزاء وبين الشرط باعتبار لازم الخبر وهو الكناية ~~عن تعلق مضمون ذلك الخبر بمن حصل منه مضمون الشرط ، كقول عنترة : # إن تغد في ، دوني القناع فإنني # طب بأخذ الفارس المستلئم # يريد فأني لا يخفى علي من يستر وجهه مني وأني أتوسمه وأعرفه . # # | 2 ( 14 ) { ذالكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار } . ) 2 # الخطاب في { ذلكم فذوقوه } للمشركين الذين قتلوا ، والذين قطعت بنانهم أي ~~يقال PageV09P284 لهم هذا الكلام حيث تضرب أعناقهم وبنانهم بأن يلقى في ~~نفوسهم حينما يصابون إن أصابتهم كانت لمشاقتهم الله ورسوله ، فإنهم كانوا ~~يسمعون توعد الله إياهم بالعذاب والبطش كقوله : { يوم نبطش البطشة الكبرى ~~إنا منتقمون } ( الدخان : 16 ) وقوله : { وما لهم ألا يعذبهم الله وهم ~~يصدون عن المسجد الحرام } ( الأنفال : 34 ) ونحو ذلك وكانوا لا يخلون من ~~اختلاج الشك نفوسهم ، فإذا رأوا القتل الذي لم يألفوه ، ورأى الواحد منهم ~~نفسه مضروبا بالسيف ، ضربا لا يستطيع له دفاعا ، علم أن وعيد الله تحقق فيه ~~، فجاش في نفسه أن ذلك لمشاقته الله ورسوله ، ولعلهم كانوا يرون إصابات ~~تصيبهم من غير مرئي ، فجملة : { ذلكم فذوقوه } مقول قول محذوف تقديره : ~~قائلين ، هو حال من ضمير { فاضربوا فوق الأعناق } ( الأنفال : 12 ) . # واسم الإشارة راجع إلى الضرب المأخوذ من قوله : { فاضربوا فوق الأعناق ~~وأضربوا منهم كل بنان } ( الأنفال : 12 ) وهو مبتدأ وخبره محذوف ، فإما أن ~~يقدر ذلك هو العقاب الموعود ، وإما أن يكون مما دل عليه قوله : { بأنهم ~~شاقوا الله ورسوله } ( الأنفال : 13 ) فالتقدير ذلك بأنكم شاققتم الله ~~ورسوله . # وتفريع { فذوقوه } على جملة : { ذلكم } بما قدر فيها تفريع للشماتة على ~~تحقيق الوعيد ، فصيغة الأمر مستعملة في الشماتة والإهانة ، وموقع { فذوقوه ~~} اعتراض بين الجملة والمعطوف في قوله : { وأن للكافرين } ، والاعتراض يكون ~~بالفاء كما في قول النابغة : # ضبابب بني الطوالة ms3420 فاعلميه # ولا يغررك نأيي واغترابي # قالواوفي قوله : { وأن للكافرين عذاب النار } للعطف على المقول فهو من ~~جملة القول ، والتعريف في { الكافرين } للاستغراق وهو تذييل . # والمعنى : ذلكم ، أي ضرب الأعناق ، عقاب الدنيا ، وأن لكم عذاب النار في ~~الآخرة مع جميع الكافرين ، والذوق مجاز في الإحساس والعلاقة الإطلاق . # وقوله : { وأن للكافرين عذاب النار } عطف على الخبر المحذوف أي ذلكم ~~العذاب وأن عذاب النار لجميع الكافرين . # PageV09P285 $ 2 ( 15 ، 16 ) { ياأيها الذين ءامنو & # 1764 ا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار * ومن يولهم يومئذ ~~دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد بآء بغضب من الله ومأواه جهنم ~~وبئس المصير } . ) 2 $ # لما ذكر الله المسلمين بما أيدهم يوم بدر بالملائكة والنصر من عنده ، ~~وأكرمهم بأن نصرهم على المشركين الذين كانوا أشد منهم وأكثر عددا وعددا ، ~~وأعقبه بأن أعلمهم أن ذلك شأنه مع الكافرين به اعترض في خلال ذلك بتحذيرهم ~~من الوهن والقرار ، فالجملة معترضة بين جملة : { إذ يوحي ربك إلى الملائكة ~~أني معكم } ( الأنفال : 12 ) وبين جملة { فلم تقتلوهم } ( الأنفال : 17 ) ~~الآية وفي هذا تدريب للمسلمين على الشجاعة والإقدام والثبات عند اللقاء ، ~~وهي خطة محمودة عند العرب لم يزدها الإسلام إلا تقوية ، قال الحصين بن ~~الحمام : # تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد لنفسي # حياة مثل أن أتقدما # وقد قيل : إن هذه الآية نزلت في قتال بدر ، ولعل مراد هذا القائل أن ~~حكمها نزل يوم بدر ثم أثبتت في سورة الأنفال النازلة بعد الملحمة ، أو أراد ~~أنها نزلت قبل الآيات التي صدرت بها سورة الأنفال ثم رتبت في التلاوة في ~~مكانها هذا ، والصحيح أنها نزلت بعد وقعة بدر كما سيأتي . # واللقاء غلب استعماله في كلامهم على مناجزة العدو في الحرب . # فالجملة استئناف ابتدائي ، والمناسبة واضحة ، وسيأتي عند قوله تعالى : { ~~يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا في هذه السورة ( 45 ) ، وأصل ~~اللقاء أنه الحضور لدى الغير . # والزحف أصله مصدر زحف من باب منع ، إذا انبعث من مكانه متنقلا على مقعدته ~~يجرر جيله كما ms3421 يزحف الصبي . # ثم أطلق على مشي المقاتل إلي عدوه في ساحة القتال زحف ؛ لأنه يدنو إلى ~~العدو باحتراس وترصد فرصة ، فكأنه يزحف إليه . PageV09P286 # ويطلق الزحف على الجيش الدهم ، أي الكثير عدد الرجال ، لأنه لكثرة الناس ~~فيه يثقل تنقله فوصف بالمصدر ، ثم غلب إطلاقه حتى صار معنى من معاني الزحف ~~ويجمع على زحوف . # وقد اختلفت طرق المفسرين في تفسير المراد من لفظ زحفا } في هذه الآية ~~فمنهم من فسره بالمعنى المصدري أي المشي في الحرب وجلعه وصفا لتلاحم ~~الجيشين عند القتال ، لأن المقاتلين يدبون إلى أقرانهم دبيبا ، ومنهم من ~~فسره بمعنى الجيش الدهم الكثير العدد ، وجعله وصفا لذات الجيش . # وعلى كلا التقديرين فهو : إما حال من ضمير { لقيتم } وإما من { الذين ~~كفروا } ، فعلى التفسير الأول هو نهي عن الانصراف من القتال فرارا إذا ~~التحم الجيشان ، سواء جعلت زحفا حالا من ضمير { لقيتم } أو من { الذين ~~كفروا } ، لأن مشي أحد الجيشين يستلزم مشي الآخر . # وعلى التفسير الثاني فإن جعل حالا من ضمير لقيتم كان نهيا عن الفرار إذا ~~كان المسلمون جيشا كثيرا ، ومفهومه أنهم إذا كانوا قلة فلا نهي ، وهذا ~~المفهوم مجمل يبينه قوله تعالى : { إن يكن منكم عشرون صابرون إلى مع ~~الصابرين } ( الأنفال : 65 ، 66 ) ، وإن جعل حالا من { الذين كفروا } كان ~~المعنى إذا لقيتموهم وهم كثيرون فلا تفروا ، فيفيد النهي عن الفرار إذا كان ~~الكفار قلة بفحوى الخطاب ، ويؤول إلى معنى لا تولوهم الأدبار في كل حال . # وهذه الآية عند جمهور أهل العلم نزلت بعد انقضاء وقعة بدر ، وهو القول ~~الذي لا ينبغي التردد في صحته كما تقدم آنفا ، فإن هذه السورة نزلت بسبب ~~الاختلاف في أنفال الجيش من أهل بدر عند قسمة مغانم بدر ، وما هذه الآية ~~إلا جزء من هذه السورة فحكم هذه الآية شرع شرعه الله على المسلمين بسبب تلك ~~الغزوة لتوقع حدوث غزوات يكون جيش المسلمين فيها قليلا كما كان يوم بدر ، ~~فنهاهم الله عن التقهقر إذا لاقوا العدو . # فأما يوم بدر فلم يكن حكم مشروع ms3422 في هذا الشأن ، فإن المسلمين وقعوا في ~~الحرب بغتة وتولى الله نصرهم . PageV09P287 # وحكم هذه الآية باق غير منسوخ عند جمهور أهل العلم ، وروي هذا عن ابن ~~عباس ، وبه قال مالك ، والشافعي ، وجمهور أهل العلم ، لكنهم جعلوا عموم هذه ~~الآية مخصوصا بآية { إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ~~مائة يغلبوا ألفا إلى قوله بإذن الله } ( الأنفال : 65 ، 66 ) . # والوجه في الاستدلال أن هذه الآية اشتملت على صيغ عموم في قوله : { ومن ~~يولهم يومئد دبره } إلى قوله { فقد باء بغضب من الله } وهي من جانب آخر ~~مطلقة في حالة اللقاء من قوله : { إذا لقيتم الذين كفروا زحفا } فتكون آيات ~~{ إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين إلى قوله يغلبوا ألفين } ( ~~الأنفال : 65 ، 66 ) مخصصة لعموم هاته الآية بمقدار العدد ومقيدة لإطلاقها ~~اللقاء بقيد حالة ذلك العدد ، وروي عن أبي سعيد الخدري ، وعطاء ، والحسن ، ~~ونافع ، وقتادة ، والضحاك : أن هذه الآية نزلت قبل وقعة بدر ، وقالوا إن ~~حكمها نسخ بآية الضعفاء آية { إن يكن منكم عشرون صابرون } ( الأنفال : 65 ) ~~الآية وبهذا قال أبو حنيفة ، ومآل القولين واحد بالنسبة لما بعد يوم بدر ، ~~ولذلك لم يختلفوا في فقه هذه الآية إلا ما روي عن عطاء كما سيأتي ، والصحيح ~~هو الأول كما يقتضيه سياق انتظام آي السورة ، ولو صح قول أصحاب الرأي ~~الثاني للزم أن تكون هذه الآية قد نزلت قبل الشروع في القتال يوم بدر ثم ~~نزلت سورة الأنفال فألحقت الآية بها ، وهذا ما لم يقله أحد من أصحاب الأثر ~~. # وذهب فريق ثالث : إلى أن قوله تعالى : { فلا تولوهم الأدبار } الآية محكم ~~عام في الأزمان ، لا يخصص بيوم بدر ولا بغيره ، ولا يخص بعدد دون عدد ، ~~ونسب ابن الفرس ، عن النحاس ، إلى عطاء بن أبي رباح ، وقال ابن الفرس قال ~~أبو بكر بن العربي هو الصحيح لأنه ظاهر القرآن والحديث ، ولم يذكر أين قال ~~ابن العربي ذلك ، وأنا لم أقف عليه . # ولم يستقر من عمل جيوش المسلمين ، في غزواتهم مع رسول ms3423 الله صلى الله عليه ~~وسلم ومع الأمراء الصالحين في زمن الخلفاء الراشدين ، ما ينضبط به مدى ~~الإذن أو المنع من الفرار ، وقد انكشف المسلمون يوم أحد فعنفهم الله تعالى ~~بقوله : { إن الذين تولوا منكم يوم التقي الجمعان إنما استزلهم الشيطان ~~ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم } ( آل عمران : 155 ) وما عفا عنهم إلا ~~بعد أن استحقوا الإثم ، ولما انكشفوا عند لقاء هوازن PageV09P288 يوم حنين ~~عنفهم الله بقوله : { ثم وليتم مدبرين } إلى قوله { ثم يتوب الله من بعد ~~ذلك على من يشاء والله غفور رحيم } في سورة براءة ( 25 27 ) وذكر التوبة ~~يقتضي سبق الإثم . # ومعنى { فلا تولوهم الأدبار } لا توجهوا إليهم أدباركم ، يقال : ولي وجهه ~~فلانا إذا أقبل عليه بوجهه ومنه قوله تعالى : { فول وجهك شطر المسجد الحرام ~~} ( البقرة : 144 ) فيعدى فعل ولى إلى مفعولين بسبب التضعيف ، ( ومجرده ولي ~~) إذا جعل شيئا واليا أي قريبا فيكون ولى المضاعف مثل قرب المضاعف ، فهذا ~~نظم هذا التركيب . # و ( الأدبار ) جمع دبر ، وهو ضد قبل الشيء وجهه ، وما يتوجه إليك منه عند ~~إقباله على شيء وجعله أمامه ، ودبره ظهره وما تراه منه حين انصرافه وجعله ~~إياك وراءه ، ومنه يقال استقبل واستدبر وأقبل وأدبر ، فمعنى توليتهم ~~الأدبار صرف الأدبار إليهم ، أي الرجوع عن استقبالهم ، وتولية الأدبار ~~كناية عن الفرار من العدو بقرينة ذكره في سياق لقاء العدو ، فهو مستعمل في ~~لازم معناه مع بعض المعنى الأصلي ، وإلا فإن صرف الظهر إلى العدو بعد النصر ~~لا بد منه وهو الانصراف إلى المعسكر ، إذ لا يفهم أحد النهي عن إدارة الوجه ~~عن العدو ، وإلا للزم أن يبقى الناس مستقبلين جيش عدوهم ، فلذلك تعين أن ~~المفاد من قوله : { فلا تولوهم الأدبار } النهي عن الفرار قبل النصر أو ~~القتل . # وعبر عن حين الزحف بلفظ اليوم في قوله { يومئذ } أي يوم الزحف أي يولهم ~~يوم الزحف دبره أي حين الزحف . # ومن ثم استثني منه حالة التحرف لأجل الحيلة الحربية والانحياز إلى فئة من ~~الجيش للاستنجاد بها أو لإنجادها ms3424 . # والمستثنى يجوز أن يكون ذاتا مستثنى من الموصول في قوله { ومن يولهم } ~~والتقدير : إلا رجلا متحرفا لقتال ، فحذف الموصوف وبقيت الصفة ، ويجوز أن ~~يكون المستثنى حالة من عموم الأحوال دل عليها الاستثناء أي إلا في حال ~~تحرفه لقتال . # و ( التحرف ) الانصراف إلى الحرف ، وهو المكان البعيد عن وسطه فالتحرف ~~مزايلة المكان المستقر فيه والعدول إلى أحد جوانبه ، وهو يستدعي تولية ~~الظهر لذلك المكان بمعنى الفرار منه . PageV09P289 # واللام للتعليل أي إلا في حال تحرف أي مجانبة لأجل القتال ، أي لأجل ~~أعماله إن كان المراد بالقتال الاسم ، أو لأجل إعادة المقاتلة إن كان ~~المراد بالقتال المصدر ، وتنكير قتال يرجح الوجه الثاني ، فالمراد بهذا ~~التحرف ما يعبر عنه بالفر لأجل الكر فإن الحرب كر وفر ، وقال عمرو بن ~~معديكرب : # ولقد أجمع رجلي بها # حذر الموت وإني لفرور # ولقد أعطفها كارهة # حين للنفس من الموت هرير # كل ما ذلك مني خلق # وبكلل أنا في الروع جدير # والتحيز طلب الحيز فيعل من الحوز ، فأصل إحدى ياءيه الواو ، فلما اجتمعت ~~الواو والياء وكانت السابقة ساكنة قلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء ، ~~ثم اشتقوا منه تحيز ، فوزنه تفيعل وهو مختار صاحب ( الكشاف ) جريا على ~~القياس بقدر الإمكان ، وجوز التفتازاني أن يكون وزنه تفعل بناء على اعتباره ~~مشتقا من الكلمة الواقع فيها الإبدال والإدغام وهي الحيز ، ونظره بقولهم : ~~( تدير ) بمعنى الإقامة في الدار ، فإن الدار مشتقة من الدوران ولذلك جمعت ~~على دور ، إلا أنه لما كثر في جمعها ديار وديرة عوملت معاملة ما عينه ياء ، ~~فقالوا من ذلك تدير بمعنى أقام في الدار وهو تفعل من الدار ، واحتج بكلام ~~ابن جني والمرزوقي في ( شرح الحماسة ) ، يعني ما قال ابن جني في ( شرح ~~الحماسة ) عند قول جابر بن حريش : # إذ لا تخاف حدوجنا قذف النوى # قبل الفساد إقامة وتديرا # ( التدير تفعل من الدار وقياسه تدور إلا أنه لما كثر استعمالهم ديار ~~أنسوا بالياء ووجدوا جانبها أوطا حسا وألين مسا فاجتروا عليها فقالوا تدير ~~) وما قال المرزوقي ( الأصل في ms3425 تدير الواو ولكنهم بنوه على ديار لإلفهم له ~~بكثرة تردده في كلامهم ) . # فمعنى { متحيزا إلى فئة } أن يكون رجع القهقرى ليلتحق بطائفة من أصحابه ~~فيتقوى بهم . # والفئة الجماعة من الناس ، وقد تقدم في سورة البقرة ( 249 ) في قوله : { ~~كم من PageV09P290 فئة قليلة وتطلق على مؤخرة الجيش لأنها يفيء إليها من ~~يحتاج إلى إصلاح أمره أو من عرض له ما يمنعه من القتال من مرض أو جراحة أو ~~يستنجد بهم ، فهو تول لمقصد القتال ، وليس المراد أن ينحاز إلى جماعة ~~مستريحين لأن ذلك من الفرار ، ويدخل في معنى التحيز إلى الفئة الرجوع إلى ~~مقر أمير الجيش للاستنجاد بفئة أخرى ، وكذلك القفول إلى مقر أمير المصر ~~الذي وجه الجيش للاستمداد بجيش آخر إذا رأى أمير الجيش ذلك من المصلحة كما ~~فعل المسلمون في فتح إفريقية وغيره في زمن الخلفاء ، ولما انهزم أبو عبيد ~~بن مسعود الثقفي يوم الجسر بالقادسية ، وقتل هو ومن معه من المسلمين ، قال ~~عمر بن الخطاب : هلا تحيز إلي فأنا فئته . # وباء } رجع . والمعنى أن الله غضب عليه في رجوعه ذلك فهو قد رجع ملابسا ~~لغضب الله تعالى عليه . ومناسبة ( باء ) هنا أنه يشير إلى أن سبب الغضب ~~عليه هو ذلك البوء الذي باءه . وهذا غضب الله عليه في الدنيا المستحق الذم ~~وغيره مما عسى أن يحرمه عناية الله تعالى في الدنيا ، ثم يترتب عليه المصير ~~إلى عذاب جهنم ، وهذا يدل على أن توليه الظهر إلى المشركين كبيرة عظيمة . ~~فالآية دالة على تحريم التولي عن مقابلة العدو حين الزحف . # والذي أرى في فقه هذه الآية أن ظاهر الآية هو تحريم التولي على آحادهم ~~وجماعتهم إذا التقوا مع أعدائهم في ملاحم القتال والمجالدة ، بحيث إن ~~المسلمين إذا توجهوا إلى قتال المشركين أو إذا نزل المشركون لمقاتلتهم ~~وعزموا على المقاتلة فإذا التقى الجيشان للقتال وجب على المسلمين الثبات ~~والصبر للقتال ، ولو كانوا أقل من جيش المشركين ، فإما أن ينتصروا ، وإما ~~أن يتشهدوا ، وعلى هذا فللمسلمين النظر قبل اللقاء هل هم بحيث ms3426 يستطيعون ~~الثبات وجهه أولا ، فإن وقت المجالدة يضيق عن التدبير ، فعلى الجيش النظر ~~في عدده وعدده ونسبة ذلك من جيش عدوهم ، فإذا أزمعوا الزحف وجب عليهم ~~الثبات ، وكذلك يكون شأنهم في مدة نزولهم بدار العدو ، فإذا رأوا للعدو ~~نجدة أو ازدياد قوة نظروا في أمرهم هل يثبتون لقتاله أو ينصرفون بإذن ~~أميرهم ، فإما أن يأمرهم بالكف عن متابعة ذلك PageV09P291 العدو ، وإما أن ~~يأمرهم بالاستنجاد والعودة إلى قتال العدو كما صنع المسلمون في غزوة ~~إفريقية الأولى ، وهذا هو الذي يشهد له قوله تعالى : { إذا لقيتم فئة ~~فاثبتوا } ( الأنفال : 45 ) وما ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~يوم الأحزاب قام في الناس فقال : ( يأيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو فإذا ~~لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف ) . ولعل حكمة ذلك أن ~~يمضي المسلمون في نصر الدين . وعلى هذا الوجه يكون لأمير الجيش ، إذا رأى ~~المصلحة في الانجلاء عن دار العدو وتركك قتالهم ، أن يغادر دار الحرب ويرجع ~~إلى مقره ، إذا أمن أن يلحق به العدو ، وكان له من القوة ما يستطيع به ~~دفاعهم إذا لحقوا به ، فذلك لا يسمى تولية أدبار ، بل هو رأي ومصلحة ، وهذا ~~عندي هو محمل ما روى أبو داود والترمذي ، عن عبد الله بن عمر : أنه كان في ~~سرية بعثها النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( فحاص الناس حيصة فكنت فيمن ~~حاص فلما برزنا قلنا كيف نصنع إذا دخلنا المدينة وقد فررنا من الزحف وبؤنا ~~بالغضب ثم قلنا لو عرضنا أنفسنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن كان ~~لنا توبة أقمنا ، وإن كان غير ذلك ذهبنا قال ( فجلسنا لرسول الله قبل صلاة ~~الفجر فلما خرج قمنا إليه فقلنا نحن الفرارون ، فأقبل إلينا فقال لا بل ~~أنتم العكارون ( أي الذين يكرون يعني أن فراركم من قبيل الفر للكر ، يقال ~~للرجل إذا ولى عن الحرب ثم كر راجعا إليها عكر أو اعتكر ) وأنا فئة ~~المسلمين ) يتأول لهم أن فرارهم من قبيل قوله تعالى : { أو ms3427 متحيزا إلى فئة ~~} قال ابن عمر { فدنونا فقبلنا يده } فيفهم منه أن فرار ابن عمر وأصحابه لم ~~يكن في وقت مجالدتهم المشركين ، ولكنه كان انسلالا لينحازوا إلى المدينة ~~فتلك فئتهم . # وإنما حرم الله الفرار في وقت مناجزة المشركين ومجالدتهم وهو وقت اللقاء ~~؛ لأن الفرار حينئذ يوقع في الهزيمة الشنيعة والتقتيل ، وذلك أن الله أوجب ~~على المسلمين قتال المشركين فإذا أقدم المسلمون على القتال لم يكن نصرهم ~~إلا بصبرهم وتأييد الله إياهم ، فلو انكشفوا بالفرار لأعمل المشركون الرماح ~~في ظهورهم فاستأصلوهم ، فلذلك أمرهم الله ورسوله بالصبر والثبات ، فيكون ما ~~في هذه الآية هو حكم الصبر عند اللقاء ، وبهذا يكون التقييد بحال الزحف ~~للإحتراز عن اللقاء في غير تلك الحالة . وأما آية { إن يكن منكم عشرون ~~صابرون يغلبوا مائتين } ( الأنفال : 65 ) فقد PageV09P292 بينت حكم العدد ~~الذين عليهم طلب جهاد المشركين بنسبة عددهم إلى عدد المشركين ، ولعل هذا ~~مراد ابن العربي من قوله : { لأنه ظاهر الكتاب والحديث } فيما نقله ابن ~~الفرس . # $ 2 ( 17 ) { فلم تقتلوهم ولاكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولاكن الله ~~رمى وليبلى المؤمنين منه بلا & # 1764 ء حسنا إن الله سميع عليم } . ) 2 $ # الأظهر أن الفاء فصيحة ناشئة عن جملة : { إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني ~~معكم } ( الأنفال : 12 ) تفصح عن مقدر قبلها شرط أو غيره والأكثر أن يكون ~~شرطا فتكون رابطة لجوابه ، والتقدير هنا إذا علمتم أن الله أوحى إلى ~~الملائكة بضرب أعناق المشركين وقطع إيديهم فلم تقتلوهم أنتم ولكن الله ~~قتلهم أي فقد تبين أنكم لم تقتلوهم أنتم ، وإلى هذا يشير كلام صاحب ( ~~الكشاف ) هنا وتبعه صاحب ( المفتاح ) في آخر باب النهي . # ويجوز أن تكون الفاء عاطفة على جملة : { يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم ~~الذي كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار } ( الأنفال : 15 ) أي يتفرع على النهي ~~عن أن تولوا المشركين الأدبار تنبيهكم إلى أن الله هو الذي دفع المشركين ~~عنكم وأنتم أقل منهم عددا وعدة ، والتفريع بالفاء تفريع العلة على المعلول ~~، فإن كون قتل المشركين ورميهم حاصلا ms3428 من الله لأمن المسلمين يفيد تعليلا ~~وتوجيها لنهيهم عن أن يولوهم الأدبار . ولأمرهم الصبر والثبات وهو تعريض ~~بضمان تأييد الله إياهم إن امتثلوا لقوله : { واصبروا إن الله مع الصابرين ~~} ( الأنفال 46 ) فإنهم إذا امتثلوا ما أمرهم الله كان الله ناصرهم ، وذلك ~~يؤكد الوعيد على تولية الأدبار ، لأنه يقطع عذر المتولين والفارين ، ولذلك ~~قال الله تعالى في وقعة أحد : { إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعانن ~~إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا } ( آل عمران : 155 ) . # وإذ قد تضمنت الجملة إخبارا عن حالة أفعال فعلها المخاطبون ، كان المقصود ~~اعلامهم بنفي ما يظنونه من أن حصول قتل المشركين يوم بدر كان بأسباب ضرب ~~سيوف المسلمين ، فأنباهم أن تلك السيوف ما كان يحق لها أن تؤثر ذلك التأثير ~~المصيب المطرد العام الذي حل بإبطال ذوي شجاعة ، وذوي شوكة وشكة ، وإنما ~~كان ضرب سيوف المسلمين صوريا ، أكرم الله المسلمين بمقارنته فعل الله تعالى ~~الخارق للعادة ، فالمنفي هو الضرب الكائن سبب القتل في العادة ، وبذلك كان ~~القتل الحاصل يومئذ معجزة للرسول صلى الله عليه وسلم وكرامة لأصحابه ، وليس ~~المنفي تأثير الضرب PageV09P293 في نفس الأمر بناء على القضاء والقدر ، ~~لأنه لو كان ذلك لم يكن للقتل الحاصل يوم بدر مزية على أي قتل يقع بالحق أو ~~بالباطل ، في جاهلية أو إسلام ، وذلك سياق الآية الذي هو تكريم المسلمين ~~وتعليل نهيهم عن الفرار إذا لقوا . وليس السياق لتعليم العقيدة الحق . # وأصل الخبر المنفي أن يدل على انتفاء صدور المسند عن المسند إليه ، لا أن ~~يدل على انتفاء وقوع المسند أصلا فلذلك صح النفي في قوله : { فلم تقتلوهم } ~~مع كون القتل حاصلا ، وإنما المنفي كونه صادرا عن أسبابهم . # ووجه الاستدراك المفاد ب { لكن } أن الخبر نفى أن يكون القتل الواقع ~~صادرا عن المخاطبين فكان السامع بحيث يتطلب أكان القتل حقيقة أم هو دون ~~القتل ، ومن كان فاعلا له ، فاحتيج إلى الاستدراك بقوله : { ولكن الله ~~قتلهم } . # وقدم المسند إليه على المسند الفعلي في قوله : { ولكن الله قتلهم } دون ~~أن يقال ms3429 ولكن قتلهم الله ، لمجرد الاهتمام لا الاختصاص ، لأن نفي اعتقاد ~~المخاطبين أنهم القاتلون قد حصل من جملة النفي ، فصار المخاطبون متطلبين ~~لمعرفة فاعل قتل المشركين فكان مهما عندهم تعجيل العلم به . # استطراد بذكر تأييد إلهي آخر لم يجر له ذكر في الكلام السابق ، وهو إشارة ~~إلى ما ذكره المفسرون وابن إسحاق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن ~~حرض المؤمنين على القتال يوم بدر أتاه جبريل فقال خذ قبضة من تراب فارمهم ~~بها فأخذ حفنة من الحصاء فاستقبل بها المشركين ثم قال : ( شاهت الوجوه ) ثم ~~نفحهم بها ثم أمر أصحابه فقال : شدوا فكانت الهزيمة على المشركين ، وقال ~~غيره لم يبق مشرك إلا أصابه شيء من الحصا في عينيه فشغل بعينيه فانهزموا ، ~~فلكون الرمي قصة مشهورة بينهم حذف مفعول الرمي في المواضع الثلاثة ، وهذا ~~أصح الروايات ، والمراد بالرمي رمي الحصباء في وجوه المشركين يوم بدر ، ~~وفيه روايات أخرى لا تناسب مهيع السورة ، فالخطاب في قوله : { رميت } ~~للنبيء صلى الله عليه وسلم # والرمي حقيقته إلقاء شيء أمسكته اليد ، ويطلق الرمي على الإصابة بسوء من ~~PageV09P294 فعل أو قول كما في قول النابغة : # رمى الله في تلك الأكفف الكوانع # أي أصابها بما يشلها وقول جميل : # رمى الله في عيني بثينة بالقذى # وفي الغر من أنيابها بالقوازح # وقوله تعالى : { والذين يرمون أزواجهم } ( النور : 6 ) فيجوز أن يكون { ~~رميت } الأول وقوله : { ولكن الله رمى } مستعملين في معناهما المجازي أي ~~وما أصبت أعينهم بالقذى ولكن الله أصابها به لأنها إصابة خارقة للعادة فهي ~~معجزة للنبيء صلى الله عليه وسلم وكرامة لأهل بدر فنفيت عن الرمي المعتاد ~~وأسندت إلى الله لأنها بتقدير خفي من الله ، ويكون قوله : { إذ رميت } ~~مستعملا في معناه الحقيقي ، وفي ( القرطبي ) عن ثعلب أن المعنى وما رميت ~~الفزع والرعب في قلوبهم إذ رميت بالحصباء فانهزموا ، وفيه عن أبي عبيدة أن ~~( رميت ) الأول والثاني ، و ( رمى ) مستعملة في معانيها الحقيقية ، وهو ما ~~درج عليه جمهور المفسرين وجعلوا المنفي هو الرمي الحقيقي والمثبت في ms3430 قوله : ~~{ إذ رميت } هو الرمي المجازي وجعله السكاكي من الحقيقة والمجاز العقليين ~~فجعل ما رميت نفيا للرمي الحقيقي وجعل ( إذ رميت ) للرمي المجازي . # وقوله : { إذ رميت } زيادة تقييد للرمي وأنه الرمي المعروف المشهور ، ~~وإنما احتيج إليه في هذا الخبر ولم يؤت بمثله في قوله : { فلم تقتلوهم } ~~لأن القتل لما كانت له أسباب كثيرة كان اختصاص سيوف المسلمين بتأثيره غير ~~مشاهد ، وكان من المعلوم أن الموت قد يحصل من غير فعل فاعل غير الله ، لم ~~يكن نفي ذلك التأثير ، وإسناد حصوله إلى مجرد فعل الله محتاجا إلى التأكيد ~~بخلاف كون رمي الحصى الحاصل بيد الرسول صلى الله عليه وسلم حاصلا منه ، فإن ~~ذلك أمر مشاهد لا يقبل الاحتمال ، فاحتيج في نفيه إلى التأكيد إبطالا ~~لاحتمال المجاز في النفي بأن يحمل على نفي رمي كامل ، فإن العرب قد ينفون ~~الفعل ومرادهم نفي كماله حتى قد يجمعون بين الشيء وإثباته أو نفي ضده بهذا ~~الاعتبار ، كقول عباس بن مرداس : # فلم أعط شيئا ولم أمنع # أي شيئا مجديا ، فدل قوله : { إذ رميت } على أن المراد بالنفي في قوله : ~~{ وما رميت } PageV09P295 هو الرمي بمعنى أثره وحصول المقصود منه ، وليس ~~المراد نفي وقوع الرمي مثل المراد في قوله : { فلم تقتلوهم } لأن الرمي ~~واقع من يد النبي صلى الله عليه وسلم ولكن المراد نفي تأثيره ، فإن المقصود ~~من ذلك الرمي إصابة عيون أهل جيش المشركين وما كان ذلك بالذي يحصل برمي ~~اليد ، لأن أثر رمي البشر لا يبلغ أثره مبلغ تلك الرمية ، فلما ظهر من ~~أثرها ما عم الجيش كلهم ، علم انتفاء أن تكون تلك الرمية مدفوعة بيد مخلوق ~~، ولكنها مدفوعة بقدرة الخالق الخارجة عن الحد المتعارف ، وأن المراد ~~بإثبات الرمي في قوله : { ولكن الله رمى } كالقول في { ولكن الله قتلهم } . # وقرأ نافع والجمهور { ولكن } بتشديد النون في الموضعين وقرأه ابن عامر ، ~~وحمزة ، والكسائي بسكون النون فيهما . # عطف على محذوف يؤذن به قوله : { فلم تقتلوهم } الآية وقوله { وما رميت } ~~الآية . # فإن قتلهم المشركين وإصابة أعينهم كانا الغرض ms3431 هزم المشركين فهو العلة ~~الأصلية ، وله علة أخرى وهي أن يبلي الله المؤمنين بلاء حسنا أي يعطيهم ~~عطاء حسنا يشكرونه عليه ، فيظهر ما يدل عن قيامهم بشكره مما تختبر به ~~طويتهم لمن لا يعرفها ، وهذا العطاء هو النصر والغنيمة في الدنيا والجنة في ~~الآخرة . # وأعلم أن أصل مادة هذا الفعل هي البلاء وجاء منه الإبلاء بالهمز وتصريف ~~هذا الفعل أغفله الراغب في ( المفردات ) ومن رأيت من المفسرين ، وهو مضارع ~~أبلاه إذا أحسن إليه مشتق من البلاء والبلوى الذي أصله الاختيار ثم أطلق ~~على إصابة أحد أحدا بشيء يظهر به مقدار تأثره ، والغالب أن الإصابة بشر ، ~~ثم توسع فيه فأطلق على ما يشمل الإصابة بخير قال تعالى : { ونبلوكم بالشر ~~والخير فتنة } ( الأنبياء : 35 ) وهو إطلاق كنائي وشاع ذلك الإطلاق الكنائي ~~حتى صار بمنزلة المعنى الصريح ، وبقي الفعل المجرد صالحا للإصابة بالشر ~~والخير ، واستعملوا أبلاه مهموز أي أصابة بخير قال ابن قتيبة : ( يقال من ~~الخير أبليته إبلاء ومن الشر بلوته أبلوه بلاء ) . # قلت : جعلوا الهمزة فيه دالة على الإزالة أي إزالة البلاء الذي غلب في ~~إصابة الشر ولهذا قال تعالى : { بلاء حسنا } وهو مفعول مطلق لفعل يبلي موكد ~~له ، لأن فعل يبلي دال على بلاء حسن PageV09P296 وضمير { منه } عائد إلى ~~اسم الجلالة و ( من ) الابتداء المجازي لتشريف ذلك الإبلاء ويجوز عود ~~الضمير إلى المذكور من القتل والرمي ويكون ( من ) للتعليل والسببية . # وقوله : { إن الله سميع عليم } تذييل للكلام و ( إن ) هذا مقيدة للتعليل ~~والربط أي فعل ذلك لأنه سميع عليم ، فقد سمع دعاء المؤمنين واستغاثتهم وعلم ~~أنهم لعنايته ونصره فقبل دعاءهم ونصرهم . # # | 2 ( 18 ) { ذالكم وأن الله موهن كيد الكافرين } . ) 2 # الإشارة ب { ذلكم } إلى البلاء الحسن وهذه الإشارة لمجرد تأكيد المقصود ~~من البلاء الحسن وأن ذلك البلاء علة للتوهين . # واسم الإشارة يفتتح به الكلام لمقاصد يجمعها التنبيه على أهمية ما يرد ~~بعده كقوله تعالى : { هذا وإن للطاغين لشر مئاب } ( ص : 55 ) ويجيء في ~~الكلام الوارد تعليلا كقوله تعالى : { ذلك بما قدمت ms3432 أيديكم } ( الأنفال : ~~51 ) . # وعليه فاسم الإشارة هنا مبتدأ حذف خبره وعطف عليه جملة : { وأن الله موهن ~~كيد الكافرين } . # وقوله : { وأن الله } بفتح همزة ( أن ) ، فما بعدها في تأويل مصدر ، ~~مجرور بلام التعليل محذوفة ، والتقدير ولتوهين كيد الكافرين . # ويجوز أن تكون الإشارة ب { ذلكم } إلى الأمرين ، وهو ما اقتضاه قوله : { ~~وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } ( الأنفال : 17 ) من تعليل الرمي بخذل ~~المشركين وهزمهم وإبلاء المؤمنين البلاء الحسن . # وإفراد اسم الإشارة مع كون المشار إليه اثنين على تأويل المشار إليه ~~بالمذكور كما تقدم في نظيره في سورة البقرة . # و { كيد الكافرين } هو قصدهم الإضرار بالمسلمين في صورة ليست ظاهرها ~~بمضرة ، وذلك أن جيش المشركين الذين جاءوا لإنقاذ العير لما علموا بنجاة ~~عيرهم ، وظنوا خيبة المسلمين الذين خرجوا في طلبها ، أبوا أن يرجعوا إلى ~~مكة ، وأقاموا على بدر لينحروا ويشربوا الخمر ويضربوا الدفوف فرحا وافتخارا ~~بنجاة عيرهم ، PageV09P297 وليس ذلك لمجرد اللهو ، ولكن ليتسامع العرب ~~فيتساءلوا عن سبب ذلك فيخبروا بأنهم غلبوا المسلمين فيصرفهم ذلك عن إتباع ~~الإسلام ، فأراد الله توهينهم بهزمهم تلك الهزيمة الشنعاء فهو موهن كيدهم ~~في الحال وتقدم تفسير ، الكيد عند قوله تعالى : { وأملي لهم إن كيدي متين } ~~في سورة الأعراف ( 183 ) . # وقرأ نافع وابن كثير ، وأبو عمرو ، وأبو جعفر ، { موهن } بفتح الواو ~~وبتشديد الهاء وبالتنوين ونصب { كيد } ، وقرأ ابن عامر ، وحمزة ، والكسائي ~~، وأبو بكر عن عاصم ، وخلف ، ويعقوب ، { موهن } بتسكين الواو وتخفيف الهاء ~~ونصب { كيد } والمعنى على القراءتين سواء ، وقرأ حفص عن عاصم بإضافة { موهن ~~} إلى { كيد } ، والمعنى وهي إضافة لفظية مساوية للتنكير . # # | 2 ( 19 ) { إن تستفتحوا فقد جآءكم الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم وإن ~~تعودوا نعد ولن تغنى عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين } . ) ~~2 # جمهور المفسرين جعلوا الخطاب موجها إلى المشركين ، فيكون الكلام اعتراضا ~~خوطب به المشركون في خلال خطبات المسلمين بمناسبة قوله : { ذلكم وأن الله ~~موهن كيد الكافرين } ( الأنفال : 18 ) والخطاب التفات من طريق الغيبة الذي ~~اقتضاه قوله : { وأن الله موهن ms3433 كيد الكافرين } ( الأنفال : 18 ) وذكر ~~المفسرون في سبب نزولها أن أبا جهل وأصحابه لما أزمعوا الخروج إلى بدر ~~استنصروا الله تجاه الكعبة ، وأنهم قبل أن يشرعوا في القتال يوم بدر ~~استنصروا الله أيضا وقالوا ربنا افتح بيننا وبين محمد وأصحابه ، فخوطبوا ~~بأن قد جاءهم الفتح على سبيل التهكم أي الفتح الذي هو نصر المسلمين عليهم . # وإنما كان تهكما لأن في معنى { جاءكم الفتح } استعارة المجيء للحصول ~~عندهم تشبيها بمجيء المنجد لأن جعل الفتح جاءيا إياهم . يقتضي أن النصر كان ~~في جانبهم ولمنفعتهم ، والواقع يخالف ذلك ، فعلم أن الخبر مستعمل في التهكم ~~بقرينة مخالفته الواقع بمسمع المخاطبين ومرآهم . # وحمل ابن عطية فعل { جاءكم } على معنى : فقد تبين لكم النصر ورأيتموه أنه ~~PageV09P298 عليكم لا لكم ، وعلى هذا يكون المجيء بمعنى الظهور : مثل { ~~وجاء ربك } ( الفجر : 22 ) ومثل { جاء الحق وزهق الباطل } ( الإسراء : 81 ) ~~ولا يكون في الكلام تهكم . # وصيغ { تستفتحوا } بصيغة المضارع مع أن الفعل مضى لقصد استحضار الحالة من ~~تكريرهم الدعاء بالنصر على المسلمين ، وبذلك تظهر مناسبة عطف { وإن تنتهوا ~~فهو خير لكم } إلى قوله { وأن الله مع المؤمنين } أي تنتهوا عن كفركم بعد ~~ظهور الحق في جانب المسلمين . # وعطف الوعيد على ذلك بقوله : { وإن تعودوا نعد } أي : إن تعودوا إلى ~~العناد والقتال نعد ، أي نعد إلى هزمكم كما فعلنا بكم يوم بدر . # ثم أيأسهم من الانتصار في المستقبل كله بقوله : { ولن تغني عنكم فئتكم ~~شيئا ولو كثرت } أي لا تنفعكم جماعتكم على كثرتها كما لم تغن عنكم يوم بدر ~~، فإن المشركين كانوا يومئذ واثقين بالنصر على المسلمين لكثرة عددهم وعددهم ~~. والظاهر أن جملة : { إن تعودوا } معطوفة على جملة الجزاء وهي : { فقد ~~جاءكم الفتح } . # و { لو } اتصالية أي { لن } تغني عنكم في حال من الأحوال ولو كانت في حال ~~كثرة على فئة أعدائكم ، وصاحب الحال المقترنة ب ( لو ) الاتصالية قد يكون ~~متصفا بمضمونها ، وقد يكون متصفا بنقيضه ، فإن كان المراد من العود في قوله ~~: { وإن تعودوا } العود إلى طلب النصر للمحق ms3434 فالمعنى واضح ، وإن كان المراد ~~منه العود إلى محاربة المسلمين فقد يشكل بأن المشركين انتصروا على المسلمين ~~يوم أحد فلم يتحقق معنى نعد ولا موقع لجملة : { ولن تغني عنكم فئتكم } فإن ~~فئتهم أغنت عنهم يوم أحد . # والجواب عن هذا إشكال أن الشرط لم يكن بأداة شرط مما يفيد العموم مثل ( ~~مهما ) فلا يبطله تخلف حصول مضمون الجزاء عن حصول الشرط في مرة ، أو نقول ~~إن الله قضى للمسلمين بالنصر يوم احد ، ونصرهم وعلم المشركون أنهم قد غلبوا ~~ثم دارت الهزيمة على المسلمين ؛ لأنهم لم يمتثلوا لأمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فبرحوا عن الموضع الذي أمرهم أن لا يبرحوا عنه طلبا للغنيمة ~~فعوقبوا بالهزيمة كما قال : { وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله } ( ~~آل عمران : 166 ) وقال { إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما ~~استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا . وقد مضى ذلك في سورة آل PageV09P299 عمران ~~( 155 ) ، وبعد ففي هذا الوعيد بشارة أن النصر الحاسم سيكون للمسلمين وهو ~~نصر يوم فتح مكة . # وجملة : وأن الله مع المؤمنين } على هذا التفسير زيادة في تأييس المشركين ~~من النصر ، وتنويه بفضل المؤمنين بأن النصر الذي انتصروه هو من الله لا ~~بأسبابهم فإنهم دون المشركين عددا وعدة . # ومن المفسرين من جعل الخطاب بهذه الآية للمسلمين ، ونسب إلى أبي بن كعب ~~وعطاء ، لكون خطاب المشركين بعد الهجرة قد صار نادرا ، لأنهم أصبحوا بعداء ~~عن سماع القرآن ، فتكون الجملة مستأنفة استينافا بيانيا فإنهم لما ذكروا ~~باستجابة دعائهم بقوله : { إذ تستغيثون ربكم } ( الأنفال : 9 ) الآيات ، ~~وأمروا بالثبات للمشركين ، وذكروا بنصر الله تعالى إياهم يوم بدر بقوله : { ~~فلم تقتلوهم إلى قوله موهن كيد الكافرين } ( الأنفال : 17 ، 18 ) كان ذلك ~~كله يثير سؤالا يختلج في نفوسهم أن يقولوا أيكون كذلك شأننا كلما جاهدنا أم ~~هذه مزية لوقعة بدر ، فكانت هذه الآية مفيدة جواب هذا التساؤل . فالمعنى : ~~إن تستنصروا في المستقبل قوله فقد جاءكم الفتح ، والتعبير بالفعل الماضي في ~~جواب الشرط للتنبيه على تحقيق وقوعه ، ويكون قوله { فقد ms3435 جاءكم الفتح } ~~دليلا على كلام محذوف ، والتقدير : إن تستنصروا في المستقبل ننصركم فقد ~~نصرناكم يوم بدر . # والاستفتاح على هذا التفسير كناية عن الخروج للجهاد ، لأن ذلك يستلزم طلب ~~النصر ومعنى { وإن تنتهوا فهو خير لكم } أي إن تمسكوا عن الجهاد حيث لا ~~يتعين فهو أي الإمساك ، خير لكم لتستجمعوا قوتكم وأعدادكم ، فأنتم في حال ~~الجهاد منتصرون ، وفي حال السلم قائمون بأمر الدين وتدبير شؤونكم الصالحة ، ~~فيكون كقول النبي صلى الله عليه وسلم لا تمنوا لقاء العدو ، وقيل المراد ~~وإن تنتهوا عن التشاجر في أمر الغنيمة أو عن التفاخر بانتصاركم يوم بدر فهو ~~خير لكم من وقوعه . وأما قوله : { وإن تعودوا نعد } على هذا التفسير فهو إن ~~تعودوا إلى طلب النصر نعد فننصركم أي لا ينقص ذلك من عطائنا كما قال زهير : # سألنا فأعطيتكم وعدنا فعدتم # ومن أكثر التسآل يوما سيحرم PageV09P300 # يعلمهم الله صدق التوجه إليه ، ويكون موقع { ولن تغني عنكم فئتكم شيئا } ~~زيادة تقرير لمضمون { إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح } وقوله : { وإن تعودوا ~~نعد } أي لا تعتمدوا إلا على نصر الله . # فموقع قوله : { ولن تغني عنكم فئتكم شيئا } بمنزلة التعليل لتعليق مجيء ~~الفتح على أن { تستفتحوا } المشعر بأن النصر غير مضمون الحصول إلا إذا ~~استنصروا بالله تعالى وجمله { ولو كثرت } في موضع الحال ، و { لو } اتصالية ~~، وصاحب الحال متصف بضد مضمونها ، أي : ولو كثرت فكيف وفئتكم قليلة ، وعلى ~~هذا الوجه يكون في قوله : { وأن الله مع المؤمنين } إظهار في مقام الإضمار ~~، لأن مقتضى الظاهر أن يقال : وإن الله معكم ، فعدل إلى الاسم الظاهر ~~للإيماء إلى أن سبب عناية الله بهم هو إيمانهم . فهذان تفسيران للآية ~~والوجدان يكون كلاهما مرادا . # والفتح حقيقته إزالة شيء مجعول حاجزا دون شيء آخر ، حفظا له من الضياع أو ~~الافتكاك والسرقة ، فالجدار حاجز ، والباب حاجز ، والسد حاجز ، والصندوق ~~حاجز ، والعدل تجعل فيه الثياب والمتاع حاجز ، فإذا أزيل الحاجز أو فرج فيه ~~فرجة يسلك منها إلى المحجوز سميت تلك الإزالة فتحا ، وذلك هو المعنى ~~الحقيقي ، إذ هو ms3436 المعنى الذي لا يخلو عن اعتباره جميع استعمال مادة الفتح ~~وهو بهذا المعنى يستعار لإعطاء الشيء العزيز النوال استعارة مفردة أو ~~تمثيلية وقد تقدم عند قوله تعالى : { فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم ~~أبواب كل شيء } ( الأنعام : 44 ) وقوله تعالى : { ولو أن أهل القرى آمنوا ~~واتقوا لفتحنا عليهم بركات الآية في سورة الأعراف ( 96 ) فالاستفتاح هنا ~~طلب الفتح أي النصر ، والمعنى إن تستنصروا الله فقد جاءكم النصر . # وكثر إطلاق الفتح على حلول قوم بأرض أو بلد غيرهم في حرب أو غارة ، وعلى ~~النصر ، وعلى الحكم ، وعلى معان أخر ، على وجه المجاز أو الكناية وقوله : ~~وأن الله مع المؤمنين } وقرأه نافع ، وابن عامر ، وحفص عن عاصم ، وأبو جعفر ~~، بفتح همزة { أن } على تقدير لام التعليل عطفا على قوله : { وأن الله موهن ~~كيد الكافرين } ( الأنفال : 18 ) . # وقرأه الباقون بكسر الهمزة ، فهو تذييل للآية في معنى التعليل ، لأن ~~التذييل لما فيه من العموم يصلح لإفادة تعليل المذيل ، لأنه بمنزلة المقدمة ~~الكبرى للمقدمة الصغرى . # PageV09P301 $ 2 ( 20 23 ) { ياأيها الذين ءامنو & # 1764 ا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون * ولا تكونوا ~~كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون * إن شر الدواب عند الله الصم البكم ~~الذين لا يعقلون * ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم ~~معرضون } . ) 2 $ # لما أراهم الله آيات لطفه وعنايته بهم ، ورأوا فوائد امتثال أمر الرسول ~~صلى الله عليه وسلم بالخروج إلى بدر ، وقد كانوا كارهين الخروج ، أعقب ذلك ~~بأن أمرهم بطاعة الله ورسوله شكرا على نعمة النصر ، واعتبارا بأن ما يأمرهم ~~به خير عواقبه ، وحذرهم من مخالفة أمر الله ورسول صلى الله عليه وسلم # وفي هذا رجوع إلى الأمر بالطاعة الذي افتتحت به السورة في قوله : { ~~وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين } ( الأنفال : 1 ) رجوع الخطيب إلى ~~مقدمة كلامه ودليله ليأخذها بعد الاستدلال في صورة نتيجة أسفر عنها احتجاجه ~~، لأن مطلوب القياس هو عين النتيجة ، فإنه لما ابتدأ فأمرهم بطاعة الله ~~ورسوله بقوله : { وأطيعوا الله ورسوله ms3437 إن كنتم مؤمنين } ( الأنفال : 1 ) في ~~سياق ترجيح ما أمرهم به الرسول عليه الصلاة والسلام على ما تهواه أنفسهم ، ~~وضرب لهم مثلا لذلك بحادثة كراهتهم الخروج إلى بدر في بدء الأمر ومجادلتهم ~~للرغبة في عدمه ، ثم حادثة اختيارهم لقاء العير دون لقاء النفير خشية ~~الهزيمة ، وما نجم عن طاعتهم الرسول عليه الصلاة والسلام ومخالفتهم هواهم ~~ذلك من النصر العظيم والغنم الوفير لهم مع نزارة الرزء ، ومن التأييد ~~المبين للرسول صلى الله عليه وسلم والتأسيسس لإقرار دينه { ويريد الله أن ~~يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين ليحق الحق ويبطل الباطل } ( الأنفال ~~: 7 ، 8 ) وكيف أمدهم الله بالنصر العجيب لما أطاعوه وانخلعوا عن هواهم ، ~~وكيف هزم المشركين ؛ لأنهم شاقوا الله ورسوله ، والمشاقة ضد الطاعة تعريضا ~~للمسلمين بوجوب التبرؤ مما فيه شائبة عصيان الرسول صلى الله عليه وسلم ثم ~~أمرهم بأمر شديد على النفوس ألا وهو { إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا ~~تولوهم الأدبار } ( الأنفال : 15 ) وأظهر لهم ما كان من عجيب النصر لما ~~ثبتوا كما أمرهم الله { فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم } ( الأنفال : 17 ) ، ~~وضمن لهم النصر إن هم أطاعوا الله ورسوله وطلبوا من الله النصر ، أعقب ذلك ~~بإعادة أمرهم بأن يطيعوا PageV09P302 الله ورسوله ولا يتولوا عنه ، فذلكة ~~للمقصود من الموعظة الواقعة بطولها عقب قوله : { وأطيعوا الله ورسوله إن ~~كنتم مؤمنين } ( الأنفال : 1 ) وذلك كله يقتضي فصل الجملة عما قبلها ، ~~ولذلك افتتحت ب { يا أيها الذين آمنوا } . # وافتتاح الخطاب بالنداء للاهتمام بما سيلقى إلى المخاطبين قصدا لإحضار ~~الذهن لوعي ما سيقال لهم ، فنزل الحاضر منزلة البعيد ، فطلب حضوره بحرف ~~النداء الموضوع لطلب الإقبال . # والتعريف بالموصولية في قوله : { يا أيها الذين آمنوا } للتنبيه على أن ~~الموصوفين بهذه الصلة من شأنهم أن يتقبلوا ما سيؤمرون به ، وأنه كما كان ~~الشرك مسببا لمشاقة لله ورسوله في قوله : { ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله } ~~( الأنفال : 13 ) ، فخليق بالإيمان أن يكون باعثا على طاعة الله ورسوله ، ~~فقوله هنا : { يأيها الذين آمنوا } يساوي قوله في الآية المردود إليها : { ~~إن ms3438 كنتم مؤمنين } ( الأنفال : 1 ) ، مع الإشارة هنا إلى تحقق وصف الإيمان ~~فيهم وأن إفراغه في صورة الشرط في الآية السابقة ما قصد منه إلا شحذ ~~العزائم ، وبذلك انتظم هذا الأسلوب البديع في المحاورة من أول السورة إلى ~~هنا انتظاما بديعا معجزا . # والطاعة امتثال الأمر والنهي . والتولي الانصراف ، وتقدم آنفا ، وهو ~~مستعار هنا للمخالفة والعصيان . # وإفراد الضمير المجرور ب ( عن ) لأنه راجع إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ~~إذ هذا المناسب للتولي بحسب الحقيقة . فإفراد الضمير هنا يشبه ترشيح ~~الاستعارة ، وقد علم أن النهي عن التولي عن الرسول نهي عن الإعراض عن أمر ~~الله لقوله : { من يطع الرسول فقد أطاع الله } ( الأعراف : 80 ) وأصل { ~~تولوا } تتولوا بتاءين حذفت إحداهما تخفيفا . # وجملة : { وأنتم تسمعون } في موضع الحال من ضمير { تولوا } والمقصود من ~~هذه الحال تشويه التولي المنهي عنه ، فإن العصيان مع توفر أسباب الطاعة أشد ~~منه في حين انخرام بعضها . فالمراد بالسمع هنا حقيقته أي في حال لا يعوزكم ~~ترك التولي بمعنى الإعراض وذلك لأن فائدة السمع العمل بالمسموع ، فمن سمع ~~الحق ولم يعمل به فهو الذي لا يسمع سواء في عدم الانتفاع بذلك المسموع ، ~~ولما كان الأمر بالطاعة كلام يطاع ظهر موقع { وأنتم تسمعون } فلما كان ~~الكلام الصادر من الله ورسوله PageV09P303 من شأنه أن يقبله أهل العقول كان ~~مجرد سماعه مقتضيا عدم التولي عنه ، ضمن تولى عنه بعد أن سمعه فأمر عجب ثم ~~زاد في تشويه التولي عن الرسول صلى الله عليه وسلم بالتحذير من التشبه بفئة ~~ذميمة يقولون للرسول عليه الصلاة والسلام : سمعنا ، وهم لا يصدقونه ولا ~~يعملون بما يأمرهم وينهاهم . # و ( إن ) للتمثيل والتنظير في الحسن والقبيح أثرا عظيما في حث النفس على ~~التشبه أو التجنب ، وهذا كقوله تعالى : { ولا تكونوا كالذين خرجوا من ~~ديارهم بطرا } ( الأنفال : 47 ) وسيأتي وأصحاب هذه الصلة معروفون عند ~~المؤمنين بمشاهدتهم ، وبإخبار القرآن عنهم ، فقد عرفوا ذلك من المشركين من ~~قبل ، قال تعالى : { وإذا تتلى عليهم آيتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا ~~مثل ms3439 هذا } ( الأنفال : 31 ) وقال : { ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على ~~قلوبهم أكنة } ( الأنعام : 25 ) ، وعن ابن عباس أن المراد بهم نفر من قريش ~~، وهم بنو عبد الدار بن قصي ، كانوا يقولون : نحن صم بكم عما جاء به محمد ، ~~فلم يسلم منهم إلا رجلان مصعب بن عمير وسويبط بن حرملة ، وبقيتهم قتلوا ~~جميعا في أحد ، وكانوا أصحاب اللواء في الجاهلية ، ولكن هؤلاء لم يقولوا ~~سمعنا بل قالوا : نحن صم بكم ، فلا يصح أن يكونوا هم المراد بهذه الآية بل ~~المراد طوائف من المشركين ، وقيل : المراد بهم اليهود ، وقد عرفوا بهذه ~~المقالة ، واجهوا بها النبي صلى الله عليه وسلم قال تعالى : { ويقولون ~~سمعنا وعصينا } ( النساء : 46 ) وقيل : أريد المنافقون قال تعالى : { ~~ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول } ( النساء ~~: 81 ) وإنما يقولون سمعنا لقصد إيهام الانتفاع بما سمعوا ، لأن السمع يكنى ~~به عن الانتفاع بالسموع وهو مضمون ما حكي عنهم من قولهم { طاعة } ولذلك نفي ~~عنهم السمع بهذا المعنى بقوله : { وهم لا يسمعون } أي لا ينتفعون بما سمعوه ~~، فالمعنى هو معنى السمع الذي أرادوه بقولهم : { سمعنا } وهو إيهامهم أنهم ~~مطيعون ، فالواو في قوله : { وهم لا يسمعون } واو الحال . # وتقديم المسند إليه على المسند الفعلي للاهتمام به ليتقرر مفهومه في ذهن ~~السامع فيرسخ اتصافه بمفهوم المسند ، وهو انتفاء السمع عنهم ، على أن ~~المقصود الأهم من قوله : { ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون } ~~هو التعريض بأهل هذه الصلة من الكافرين أو المنافقين لا خشية وقوع المؤمنين ~~في مثل ذلك . # وصيغ فعل { لا يسمعون } بصيغة المضارع لإفادة أنهم مستمرون على عدم السمع ~~، PageV09P304 فلذلك لم يقل وهم لم يسمعوا . # وجملة : { إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون } معترضة ، ~~وسوقها في هذا الموضع تعريض بالذين { قالوا سمعنا وهم لا يسمعون } بأنهم ~~يشبهون دواب صماء بكماء . # والتعريض قد يكون كناية وليس من أصنافها فإن بينه وبين الكناية عموما ~~وخصوصا وجهيا ، لأن التعريض كلام أريد به لازم مدلوله ، وأما ms3440 الكناية فهي ~~لفظ مفرد يراد به لازم معناه إما الحقيقي كقوله تعالى : { وأمرت لأن أكون ~~أول المسلمين } ( الزمر : 12 ) ، وإما المجازي نحو قولهم للجواد : جبان ~~الكلب إذا لم يكن له كلب ، فأما التعريض فليس إرادة لازم معنى لفظ مفرد ولا ~~لازم معنى تركيب ، وإنما هو إرادة لنطق المتكلم بكلامه ، قال في ( الكشاف ) ~~عند قوله تعالى : { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء } في سورة ~~البقرة ( 235 ) التعريض أن تذكر شيئا يدل به على شيء لم تذكره يريد أن تذكر ~~كلاما دالا كما يقول المحتاج لغيره جئت لأسلم عليك . # قلت : ومن أمثلة التعريض قول القائل حين يسمع رجلا يسب مسلما أو يضربه : ~~المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ، فكذلك قوله تعالى : { إن شر الدواب ~~عند الله الصم البكم } لم يرد به لازم معنى ألفاظ ولا لازم معنى الكلام ، ~~ولكن أريد به لازم النطق به في ذلك المكان بدون مقتض للإخبار من حقيقة ولا ~~مجاز ولا تمثيل . # والفرق بين التعريض وبين ضرب المثل : أن ضرب المثل ذكر كلام يدل على ~~تشبيه هيئة مضربه بهيئة مورده ، والتعريض ليس فيه تشبيه هيئة بهيئة . ~~فالتعريض كلام مستعمل في حقيقته أو مجازه ، ويحصل به قصد التعريض من قرينة ~~سوقه فالتعريض من مستتبعات التراكيب . # وهذه الآية تعريض بتشبيههم بالدواب ، فإن الدواب ضعيفة الإدراك ، فإذا ~~كانت صماء كانت مثلا في انتفاء الإدراك ، وإذا كانت مع ذلك بكما انعدم منها ~~ما انعدم منها ما يعرف به صاحبها ما بها ، فانضم عدم الإفهام إلى عدم الفهم ~~، فقوله : { الصم البكم } خبرانن عن الدواب بمعناهما الحقيقي ، وقوله : { ~~الذين لا يعقلون } خبر ثالث ، وهذا عدول عن التشبيه إلى التوصيف لأن { ~~الذين } PageV09P305 مما يناسب المشبهين إذ هو اسم موصول بصيغة جمع العقلاء ~~وهذا تخلص إلى أحوال المشبهين كما تخلص طرفة في قوله : # خذول تراعي ربربا بخميلة # تناول أطراف البرير وترتدي # وتبسم عن ألمى كأن منورا # توسط حر الرمل دعص له ندي # و { شر } اسم تفضيل ، وأصله ( أشر ) فحذفت همزته تخفيا كما ms3441 حذفت همزة خير ~~كقوله تعالى : { قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله } ( المائدة : 60 ~~) الآية . # والمراد بالدواب معناه الحقيقي ، وظاهر أن الدابة الصماء البكماء أخس ~~الدواب . # { عند الله } قيد أريد به زيادة تحقيق كونهم ، أشر الدواب بأن ذلك مقرر ~~في علم الله ، وليس مجرد اصطلاح ادعائي ، أي هذه هي الحقيقة في تفاضل ~~الأنواع لا في تسامح العرف والاصطلاح ، فالعرف يعد الإنسان أكمل من البهائم ~~، والحقيقة تفصل حالات الإنسان فالإنسان المنتفع بمواهبه فيما يبلغه إلى ~~الكمال هو بحق أفضل من العجم ، والإنسان الذي دلى بنفسه إلى حضيض تعطيل ~~انتفاعه بمواهبه السامية يصير أحط من العجماوات . # والمشبهون بالصم البكم هم الذين قالوا { سمعنا وهم لا يسمعون } ، شبهوا ~~بالصم في عدم الانتفاع بما سمعوا لأنه مما يكفي سماعه في قبوله والعمل به ~~وشبهوا بالبكم في انقطاع الحجة والعجز عن رد ما جاءهم به القرآن فهم ما ~~قبلوا ولا أظهروا عذرا عن عدم قبوله . # ولما وصفهم بانتهاء قبول المعقولات والعجز عن النطق بالحجة أتبعه بانتفاء ~~العقل عنهم أي عقل النظر والتأمل بله عقل التقبل ، وقد وصف بهذه الأوصاف في ~~القرآن كل من المشركين والمنافقين في مواضع كثيرة . # ولعل ما روي عن ابن عباس من قوله إن الآية نزلت في نفر من بني عبد الدار ~~كما تقدم آنفا إنما عنى بهم نزول قوله تعالى : { إن شر الدواب عند الله ~~الصم البكم الذين لا يعقلون } لأنهم الذين قالوا مقالة تقرب مما جاء في ~~الآية . # وجملة : { ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم } يجوز أن تكون معطوفة على ~~جملة : { إن شر الدواب عند الله الصم البكم } الخ باعتبار أن الدواب مشبه ~~به الذين قالوا { سمعنا وهم PageV09P306 لا يسمعون } ويجوز أن تكون معطوفة ~~على شبه الجملة في قوله : { كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون } وقد سكت ~~المفسرون عن موقع إعراب هذه الجملة وهو دقيق والمعنى أن جبلتهم لا تقبل ~~دعوة الخير والهداية والكمال ، فلذلك انتفى عنهم الانتفاع بما يسمعون من ~~الحكمة والموعظة والإرشاد ، فكانوا كالصم ، وانتفى عنهم ms3442 أن تصدر منهم ~~الدعوة إلى الخير والكلام بما يفيد كمالا نفسانيا فكانوا كالبكم ، فالمعنى ~~: لو علم الله في نفوسهم قابلية لتلقي الخير لتعلقت إرادته بخلق نفوذ الحق ~~في نفوسهم لأن تعلق الإرادة يجري على وفق التعلم ، ولكنهم انتفت قابلية ~~الخير عن جبلتهم التي جبلوا عليها فلم تنفذ دعوة الخير من أسماعهم إلى ~~تعقلهم ، أي بحيث لا يدخل الهدى إلى نفوسهم إلا بما يقلب قلوبهم من لطف إلا ~~هي بنحو اختراق أنوار نبوية إلى قلوبهم . # و { لو } حرف شرط يقتضي انتفاء مضمون جملة الشرط وانتفاء مضمون جملة ~~الجزاء لأجل انتفاء مضمون الشرط والاستدلال بانتفاء الجزاء على تحقق انتفاء ~~الشرط . # و ( في ) للظرفية المجازية التي هي في معنى الملابسة ، ومن لطائفها هنا ~~أنها تعبر عن ملابسه باطنية . # ولما كان ( لو ) حرفا يفيد امتناع حصول جوابه بسبب حصول شرطه ، كان أصل ~~معنى { لو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم } ولو كان في إدراكهم خير يعلمه الله ~~لقبلوا هديه ولكنهم لا خير في جبلة مداركهم فلا يعلم الله فيهم خيرا ، ~~فلذلك لم ينتفعوا بكلام الله فهم كمن لا يسمع . # فوقعت الكناية عن عدم استعداد مداركهم للخير ، بعلم الله عدم الخير فيهم ~~. ووقع تشبيه عدم انتفاعهم بفهم آيات القرآن بعدم إسماع الله إياهم ، لأن ~~الآيات كلام الله فإذا لم يقبلوها فكأن الله لم يسمعهم كلامه فالمراد ~~انتفاء الخير الجبلي عنهم ، وهو القابلية للخير ، ومعلوم أن انتفاء علم ~~الله بشيء يساوي علمه بعدمه لأن علم الله لا يختلف عن شيء . # فصار معنى { لو علم الله فيهم خيرا } لو كان في نفوسهم خير ، وعبر عن ~~قبولهم الخير المسموع وانفعالل نفوسهم به بإسماع الله إياهم ما يبلغهم ~~الرسول عليه الصلاة والسلام PageV09P307 من القرآن والمواعظ ، فالمراد ~~انتفاء الخير الانفعالي عنهم وهو التخلق والامتثال لما يسمعونه من الخير . # وحاصل المعنى : لو جبلهم الله على قبول الخير لجعلهم يسمعون أي يعملون ~~بما يدخل أصماخهم من الدعوة إلى الخير . فالكلام استدلال بانتفاء فرد من ~~أفراد جنس الخير . وذلك هو فرد الانتفاع بالمسموع الحق ms3443 ، على انتفاء جنس ~~الخير من نفوسهم ، فمناط الاستدلال هو إجراء أمرهم على المألوف من حكمة ~~الله في خلق أجناسس الصفات وأشخاصها ، وإن كان ذلك لا يخرج عن قدرة الله ~~تعالى لو شاء أن يجري أمرهم على غير المعتاد من أمثالهم . # وبهذا تعلم أن كل من لم يؤمن من المشركين حتى مات على الشرك فقد انتفت ~~مخالطة الخير نفسه ، وكل من آمن منهم فهو في وقت عناده وتصميمه على العناد ~~قد انتفت مخالطة الخير نفسه ولكن الخير يلمع عليه ، حتى إذا استولى نور ~~الخير في نفسه على ظلمة كفره ألقى الله في نفسه الخير فأصبح قابلا للإرشاد ~~والهدى ، فحق عليه أنه قد علم الله فيه خيرا حينئذ فأسمعه . فمثل ذلك مثل ~~أبي سفيان ، إذ كان فيما قبل ليلة فتح مكة قائد أهل الشرك فلما اقترب من ~~جيش الفتح وأدخل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له أما آن لك أن تشهد ~~أن لا إلاه إلا الله ، قال أبو سفيان : ( لقد علمت أن لو كان معه إلاه آخر ~~لقد أغنى عني شيئا ) ثم قال له الرسول عليه الصلاة والسلام : ( وأن تشهد ~~أني رسول الله ) فقال : أما هذه ففي القلب منها شيء ) فلم يكمل حينئذ إسماع ~~الله إياه ، ثم تم في نفسه الخير فلم يلبث أن أسلم فأصبح من خيرة المسلمين ~~. # وجملة : { ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون } معطوفة على جملة : { ولو علم ~~الله فيهم خيرا لأسمعهم } أي لأفهمهم ما يسمعون وهو ارتقاء في الأخبار عنهم ~~بانتفاء قابلية الاهتداء عن نفوسهم في أصل جبلتهم . فإنهم لما أخبر عنهم ~~بانتفاء تعلمهم الحكمة والهدى فلذلك انتفى عنهم الاهتداء ، ارتقى بالإخبار ~~في هذا المعنى بأنهم لو قبلوا فهم الموعظة والحكمة فيما يسمعونه من القرآن ~~وكلام النبوة لغلب ما في نفوسهم من التخلق بالباطل على ما خالطها من إدراك ~~الخير ، فحال ذلك التخلق بينهم وبين العمل بما علموا ، فتولوا وأعرضوا . ~~PageV09P308 # وهذا الحال المستقر في نفوس المشركين متفاوت القوة ، وبمقدار تفاوته ~~وبلوغه نهايته تكون مدة دوامهم على الشرك ms3444 ، فإذا انتهى إلى أجله الذي وضعه ~~الله في نفوسهم وكان انتهاؤه قبل انتهاء أجل الحياة استطاع الواحد منهم ~~الانتفاع بما يلقى إليه فاهتدى ، وعلى ذلك حال الذين اهتدوا منهم إلى ~~الإسلام بعد التريث على الكفر زمنا متفاوت الطول والقصر . # وأعلم أن ليس عطف جملة : { ولو أسمعهم لتولوا } على جملة : { ولو علم ~~الله فيهم خيرا لأسمعهم } بمقصود منه تفرع الثانية على الأولى تفرع القضايا ~~بعضها على بعض في تركيب القياس ، لأن ذلك لا يجيء في القياس الاستثنائي ولا ~~أنه من تفريع النتيجة على المقدمات لأن تفريع الأقيسة بتلك الطريقة التي ~~تشبه التفريع بالفاء ليس أسلوبا عربيا ، فالجملتان في هذه الآية كل واحدة ~~منهما مستقلة عن الأخرى ، ولا تجمع بينهما إلا مناسبة المعنى والغرض ، فليس ~~اقتران هاتين الجملتين هنا بمنزلة اقتران قولهم لو كانت الشمس طالعة لكان ~~النهار موجودا ، ولو كان النهار موجودا لدرجت الدواجن ، فإنه قد ينتج : لو ~~كانت الشمس طالعة لدرجت الدواجن ، بواسطة تدرج اللزومات في ذهن المحجوج ~~تقريبا لفهمه ، فإن ذلك بمنزلة التصريح بنتيحة ثم جعل تلك النتيجة الحاصلة ~~مقدمة قياس ثان فتطوى النتيجة لظهورها اختصارا ، وهذا ليس بأسلوب عربي إنما ~~الأسلوب العربي في إقامة الدليل بالشرطية أن يقتصر على مقدم وتال ، ثم ~~يستدرك عليه بالاستنتاج بذكر نقيض المقدم كقول أبي بنن سلمى بن ربيعة يصف ~~فرسه : # ولو طار ذو حافر قبلها # لطارت ولكنه لم يطر # وقول المعري : # ولو دامت الدولات كانوا كغيرهم # رعايا ولكن ما لهن دوام # أو بذكر مساوي نقيض المقدم كقول عمرو بن معديكرب : # فلو أن قومي أنطقتني رماحهم # نطقت ولكن الرماح أجرت # فإن إجرار اللسان يمنع نطقه ، فكان في معنى ولكن الرماح تنطقني . والأكثر ~~أنهم يستغنون عن هذا الاستدراك لظهور الاستنتاج من مجرد ذكر الشرط والجزاء ~~. PageV09P309 # واعلم أن ( لو ) الواقعة في هذه الجملة الثانية من قبيل ( لو ) المشتهرة ~~بين النحاة بلو الصهيبية ( بسبب وقوع التمثيل بها بينهم بقول عمر بن الخطاب ~~: ( نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه ) وذلك أن تستعمل ( لو ) لقصد ms3445 ~~الدلالة على أن مضمون الجزاء مستمر الوجود في جميع الأزمنة والأحوال عند ~~المتكلم ، فيأتي بجملة الشرط حينئذ متضمنة الحالة التي هي مظنة أن يتخلف ~~مضمون عند حصلها الجزاء لو كان ذلك مما يحتمل التخلف ، فقوله : ( لو لم يخف ~~الله لم يعصمه ) المقصود منه انتفاء العصيان في جميع الأزمنة والأحوال حتى ~~في حال أمنه من غضب الله ، فليس المراد أنه خاف فعصى ، ولكن المراد أنه لو ~~فرض عدم خوفه لما عصى ، ومن هذا القبيل قوله تعالى : { ولو أن ما في الأرض ~~من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله } ( لقمان ~~: 27 ) فالمقصود عدم انتهاء كلمات الله حتى في حالة ما لو كتبت بماء البحر ~~كله وجعلت لها أعواد الشجر كله أقلاما ، لا أن كلمات الله تنفد إن لم تكن ~~الأشجار أقلاما والأبحر مدادا ، وكذا قوله تعالى : { ولو أننا نزلنا إليهم ~~الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن ~~يشاء الله } ( الأنعام : 111 ) ليس المعنى لكن لم ننزل عليهم الملائكة ولا ~~كلمهم الموتى ولا حشرنا عليهم كل شيء فآمنوا بل المعنى أن إيمانهم منتف في ~~جميع الأحوال حتى في هذه الحالة التي شأنها أن لا ينتفي عندها الإيمان . # وفي هذا الاستعمال يضعف معنى الامتناع الموضوعة له ( لو ) وتصير ( لو ) ~~في مجرد الاستلزام على طريقة مستعملة المجاز المرسل وستجيء زيادة في ~~استعمال ( لو ) الصهيبية عند قوله تعالى : { ولو تواعدتم لاختلفتم في ~~الميعاد } في هذه السورة ( 42 ) . PageV09P310 # فهكذا تقرير التلازم في قوله تعالى هنا : { ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون ~~} ليس المعنى على أنه لم يسمعهم فلم يتولوا ، لأن توليهم ثابت ، بل المعنى ~~على أنهم يتولون حتى في حالة ما لو سمعهم الله الإسماع المخصوص ، وهو إسماع ~~الإفهام ، فكيف إذا لم يسمعوه . # وجملة : { وهم معرضون } حال من ضمير تولوا وهي مبينة للمراد من التولي ~~وهو معناه المجازي وصوغ هذه الجملة بصيغة الجملة الاسمية للدلالة على تمكن ~~إعراضهم أي إعراضا لا قبول بعده ، وهذا يفيد أن ms3446 من التولي ما يعقبه إقبال ، ~~وهو تولي الذين تولوا ثم أسلموا بعد ذلك مثل مصعب بن عمير . # $ 2 ( 24 ) { يأيها الذين ءامنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما ~~يحييكم واعلمو & # 1764 ا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون } . ) 2 $ # إعادة لمضمون قوله : { يأيها الذين ءامنوا أطيعوا الله ورسوله } ( ~~الأنفال : 20 ) الذي هو بمنزلة النتيجة من الدليل أو مقصد الخطبة من ~~مقدمتها كما تقدم هنالك . # فافتتاح السورة كان بالأمر بالطاعة والتقوى ، ثم بيان أن حق المؤمنين ~~الكمل أن يخافوا الله ويطيعوه ويمتثلوا أمره وإن كانوا كارهين ، وضرب لهم ~~مثلا بكراهتهم الخروج إلى بدر ، ثم بكراهتهم لقاء النفير وأوقفهم على ما ~~اجتنوه من بركات الامتثال وكيف أيدهم الله بنصره ونصب لهم عليه أمارة الوعد ~~بإمداد الملائكة ؛ لتطمئن قلوبهم بالنصر وما لطف بهم من الأحوال ، وجعل ذلك ~~كله إقناعا لهم بوجوب الثبات في وجه المشركين عند الزحف ثم عاد إلى الأمر ~~بالطاعة وحذرهم من أحوال الذين يقولون سمعنا وهم لا يسمعون ، وأعقب ذلك ~~بالأمر بالاستجابة للرسول إذا دعاهم إلى شيء ، فإن في دعوته إياهم إحياء ~~لنفوسهم وأعلمهم أن الله يكسب قلوبهم بتلك الاستجابة قوى قدسية . # واختير في تعريفهم ، عند النداء ، وصف الإيمان ليوميء إلى التعليل كما ~~تقدم في الآيات من قبل ، أي أن الإيمان هو الذي يقتضي أن يثقوا بعناية الله ~~بهم فيمتثلوا أمره إذا دعاهم . PageV09P311 # والاستجابة : الإجابة ، فالسين والتاء فيها للتأكيد ، وقد غلب استعمال ~~الاستجابة في إجابة طلب معين أو في الأعم ، فأما الإجابة فهي إجابة لنداء ~~وغلب أن يعدى باللام إذا اقترن بالسين والتاء ، وتقدم ذلك عند قوله تعالى : ~~{ فاستجاب لهم ربهم } في آل عمران ( 195 ) . # وإعادة حرف بعد واو العطف في قوله : { وللرسول } للإشارة إلى استقلال ~~المجرور بالتعلق بفعل الاستجابة ، تنبيها على أن استجابة الرسول صلى الله ~~عليه وسلم أعم من استجابة الله لأن الاستجابة لله لا تكون إلا بمعنى المجاز ~~وهو الطاعة بخلاف الاستجابة للرسول عليه الصلاة والسلام فإنها بالمعنى ~~الأعم الشامل للحقيقة وهو استجابة ندائه ms3447 ، وللمجاز وهو الطاعة فأريد أمرهم ~~بالاستجابة للرسول بالمعنيين كلما صدرت منه دعوة تقتضي أحدهما . # ألا ترى أنه لم يعد ذكر اللام في الموقع الذي كانت فيه الاستجابة لله ~~والرسول صلى الله عليه وسلم بمعنى واحد ، وهو الطاعة ، وذلك قوله تعالى : { ~~الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح } ( آل عمران : 172 ) ~~فإنها الطاعة للأمر باللحاق بجيش قريش في حمراء الأسد بعد الانصراف من أحد ~~، فهي استجابة لدعوة معينة . # وإفراد ضمير { دعاكم } لأن الدعاء من فعل الرسول مباشرة ، كما أفرد ~~الضمير في قوله : { ولا تولوا عنه } ( الأنفال : 20 ) وقد تقدم آنفا . # وليس قوله : { إذا دعاكم لما يحييكم } قيدا للأمر باستجابة ، ولكنه تنبيه ~~على أن دعاءه إياهم لا يكون إلا إلى ما فيه خير لهم وإحياء لأنفسهم . # واللام في { لما يحييكم } لام التعليل أي دعاكم لأجل ما هو سبب حياتكم ~~الروحية . # والإحياء تكوين الحياة في الجسد ، والحياة قوة بها يكون الإدراك والتحرك ~~بالاختيار ويستعار الإحياء تبعا لاستعارة الحياة للصفة أو القوة التي بها ~~كمال موصوفها فيما يراد منه مثل حياة الأرض بالإنبات وحياة العقل بالعلم ~~وسداد الرأي ، وضدها الموت في المعاني الحقيقية والمجازية ، قال تعالى : { ~~أموات غير أحياء } ( النحل : 21 ) { أو من كان ميتا فأحييناه } وقد تقدم في ~~سورة الأنعام ( 122 ) . # والإحياء والإماتة تكوين الحياة والموت . وتستعار الحياة والإحياء لبقاء ~~PageV09P312 الحياة واستبقائها بدفع العوادي عنها { ولكم في القصاص حياة } ~~( البقرة : 179 ) { ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا } ( المائدة : 32 ) ~~. # والإحياء هذا مستعار لما يشبه إحياء الميت ، وهو إعطاء الإنسان ما به ~~كمال الإنسان ، فيعم كل ما به ذلك الكمال من إنارة العقول بالاعتقاد الصحيح ~~والخلق الكريم ، والدلالة على الأعمال الصالحة وإصلاح الفرد والمجتمع ، وما ~~يتقوم به ذلك من الخلال الشريفة العظيمة ، فالشجاعة حياة للنفس ، ~~والاستقلال حياة ، والحرية حياة ، واستقامة أحوال العيش حياة . # ولما كان دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم لا يخلوا عن إفادة شيء من معاني ~~هذه الحياة أمر الله الأمة بالاستجابة له ، فالآية تقتضي الأمر بالامتثال ~~لما يدعو إليه ms3448 الرسول سواء دعا حقيقة بطلب القدوم ، أم طلب عملا من الأعمال ~~، فلذلك لم يكن قيد { لما يحييكم } مقصودا لتقييد الدعوة ببعض الأحوال بل ~~هو قيد كاشف ، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يدعوهم إلا وفي حضورهم ~~لديه حياة لهم ، ويكشف عن هذا المعنى في قيد { لما يحييكم } ما رواه أهل ~~الصحيح عن أبي سعيد بنن المعلى ، قال : كنت أصلي في المسجد فدعاني رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فلم أجبه ثم أتيته فقلت يا رسول الله إني كنت أصلي ~~فقال : ألم يقل الله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول ~~إذا دعاكم } ثم قال : ألا أعلمك صورة الحديث في فضل فاتحة الكتاب ، فوقفه ~~على قوله : { إذا دعاكم } يدل على أن { لما يحييكم } قيد كاشف وفي ( جامع ~~الترمذي ) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على أبي بن ~~كعب فقال : يا أبي وهو يصلي فالتفت أبي ولم يجبه وصلى أبي فخفف ثم انصرف ~~إلى رسول الله فقال : السلام عليك يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وعليك السلام ما منعك يا أبي أن تجيبني إذ دعوتك فقال : يا رسول ~~الله إني كنت في الصلاة فقال : أفلم تجد فيما أوحي إلي أن استجيبوا لله ~~وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم قال : بلى ولا أعود إن شاء الله ) الحديث ~~بمثل حديث أبي سعيد بن المعلى قال ابن عطية : وهو مروي أيضا من طريق مالك ~~بن أنس ( يريد حديث أبي بن كعب وهو عند مالك حضر منه عند الترمذي ) قال ابن ~~عطية وروي أنه وقع نحوه مع حذيفة بن اليمان في غزوة الخندق ، فتكون عدة ~~قضايا متماثلة ولا شك أن القصد منها PageV09P313 التنبيه على هذه الخصوصية ~~لدعاء الرسول صلى الله عليه وسلم # مقتضى ارتباط نظم الكلام يوجب أن يكون مضمون هذه الجملة مرتبطا بمضمون ~~الجملة التي قبلها فيكون عطفها عليها عطف التكملة على ما تكمله ، والجملتان ~~مجعولتان آية واحدة في المصحف . # وافتتحت الجملة باعلموا ؛ للاهتمام بما ms3449 تتضمنه وحث المخاطبين على التأمل ~~فيما بعده ، وذلك من أساليب الكلام البليغ أن يفتتح بعض الجمل المشتملة على ~~خبر أو طلبب فهم باعلم أو تعلم لفتا لذهن المخاطب . # وفيه تعريض غالبا بغفلة المخاطب عن أمر مهم فمن المعروف أن المخبر أو ~~الطالب ما يريد إلا علم المخاطب فالتصريح بالفعل الدال على طلب العلم مقصود ~~للاهتمام ، قال تعالى : { اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم } ~~( المائدة : 196 ) وقال { اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو } ( الحديد : ~~20 ) الآية وقال في الآية ، بعد هذه { واعلموا أن الله شديد العقاب } ( ~~الأنفال : 25 ) وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي مسعود ~~الأنصاري وقد رآه يضرب عبدا له ( أعلم أبا مسعود اعلم أبا مسعود : أن الله ~~أقدر عليك منك على هذا الغلام ) وقد يفتتحون بتعلم أو تعلمن قال زهير : # قلت تعلم أن للصيد غرة # وإلا تضيعها فإنك قاتله # وقال زياد بن سيار : # تعلم شفاء النفس قهر عدوها # فبالغ بلطف في التحيل والمكر # وقال بشر بن أبي خازم : # وإلا فاعلموا أنا وأنتم # بغاة ما بقينا في شقاق # و { أن } بعد هذا الفعل مفتوحة الهمزة حيثما وقعت ، والمصدر المؤول يسد ~~مسد مفعولي علم مع إفادة ( أن ) التأكيد . # والحول ، ويقال الحؤل : منع شيء اتصالا بين شيئين أو أشياء قال تعالى : { ~~وحال بينهما الموج } ( هود : 43 ) . PageV09P314 # وإسناد الحول إلى الله مجاز عقلي لأن الله منزه عن المكان ، والمعنى يحول ~~شأن من شؤون صفاته ، وهو تعلق صفة العلم بالإطلاع على ما يضمره المرء أو ~~تعلق صفة القدرة بتنفيذ ما عزم عليه المرء أو بصرفه عن فعله ، وليس المراد ~~بالقلب هنا البضعة الصنوبرية المستقرة في باطن الصدر ، وهي الآلة التي تدفع ~~الدم إلى عروق الجسم ، بل المراد عقل المرء وعزمه ، وهو إطلاق شائع في ~~العربية . # فلما كان مضمون هذه الجملة تكملة لمضمون الجملة التي قبلها يجوز أن يكون ~~المعنى : واعلموا أن علم الله يخلص بين المرء وعقله خلوص الحائلل بين شيئين ~~فإنه يكون شديد الاتصال بكليهما . # والمراد ms3450 ب { المرء } عمله وتصرفاته الجسمانية . # فالمعنى : أن الله يعلم عزم المرء ونيته قبل أن تنفعل بعزمه جوارحه ، ~~فشبه علم الله بذلك بالحائل بين شيئين في كونه أشد اتصالا بالمحول عنه من ~~أقرب الأشياء إليه على نحو قوله تعالى : { ونحن أقرب إليه من حبل الوريد . # وجيء بصيغة المضارع يحول } للدلالة على أن ذلك يتجدد ويستمر ، وهذا في ~~معنى قوله تعالى : { ونحن أقرب إليه من حبل الوريد } ( ق : 16 ) قاله قتادة ~~. # والمقصود من هذا تحذير المؤمنين من كل خاطر يخطر في النفوس : من التراخي ~~في الاستجابة إلى دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم والتنصل منها ، أو التستر ~~في مخالفته ، وهو معنى قوله : { واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه ~~} ( البقرة : 235 ) . # وبهذا يظهر وقع قوله : { وأنه إليه تحشرون } عقبه فكان ما قبله تحذيرا ~~وكان هو تهديدا وفي ( الكشاف ) ، و ( ابن عطية ) : قيل إن المراد الحث على ~~المبادرة بالامتثال وعدم إرجاء ذلك إلى وقت آخر خشية أن تعترض المرء موانع ~~من تنفيذ عزمه على الطاعة أي فيكون الكلام على حذف مضاف تقديره : إن أجل ~~الله يحول بين المرء وقلبه ، أي بين عمله وعزمه قال تعالى : { وأنفقوا مما ~~رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت } ( المنافقون : 10 ) الآية . # وهنالك أقوال أخرى للمفسرين يحتملها اللفظ ولا يساعد عليها ارتباط الكلام ~~والذي حملنا على تفسير الآية بهذا دون ما عداه أن ليس في جملة : { أن الله ~~PageV09P315 يحول بين المرء وقلبه } إلا تعلق شأن من شؤون الله بالمرء ~~وقلبه أي جثمانه وعقله دون شيء آخر خارج عنهما ، مثل دعوة الإيمان ودعوة ~~الكفر ، وأن كلمة { بين } تقتضي شيئين فما يكون تحول إلا إلى أحدهما لا إلى ~~أمر آخر خارج عنهما كالطبائع ، فإن ذلك تحويل وليس حؤلا . # وجملة : { وأنه إليه تحشرون } عطف على { أن الله يحول بين المرء وقلبه } ~~والضمير الواقع اسم ( أن ) ضمير اسم الجلالة ، وليس ضمير الشأن لعدم ~~مناسبته ، ولإجراء أسلوب الكلام على أسلوب قوله : { أن الله يحول } الخ . # وتقديم متعلق { تحشرون } عليه لإفادة الاختصاص أي ms3451 : إليه إلى غيره تحشرون ~~، وهذا الاختصاص للكناية عن انعدام ملجإ أو مخبإ تلتجئون إليه من الحشر إلى ~~الله فكني عن انتفاء المكان بانتفاء محشور إليه غير الله بأبدع أسلوب ، ~~وليس الاختصاص لرد اعتقاد ، لأن المخاطبين بذلك هم المؤمنون ، فلا مقتضى ~~لقصر الحشر على الكون إلى الله بالنسبة إليهم . # $ 2 ( 25 ) { واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خآصة واعلمو & # 1764 ا أن الله شديد العقاب } . ) 2 $ # عقب تحريض جميعهم على الاستجابة ، المستلزم تحذيرهم من ضدها بتحذير ~~المستجيبين من إعراض المعرضين ، ليعلموا أنهم قد يلحقهم أذى من جراء فعل ~~غيرهم إذا هم لم يقوموا عوج قومهم ، كيلا يحسبوا أن امتثالهم كاف إذا عصى ~~دهماؤهم ، فحذرهم فتنة تلحقهم فتعم الظالم وغيره . # فإن المسلمين إن لم يكونوا كلمة واحدة في الاستجابة لله وللرسول عليه ~~الصلاة والسلام دب بينهم الاختلاف واضطربت أحوالهم واختل نظام جماعتهم ~~باختلاف الآراء وذلك الحال هو المعبر عنه بالفتنة . # وحاصل معنى الفتنة يرجع إلى اضطراب الآراء ، واختلال السير ، وحلول الخوف ~~والحذر في نفوس الناس ، قال تعالى : { وفتناك فتونا } ( طه : 40 ) وقد تقدم ~~ذكر الفتنة في قوله : { والفتنة أشد من القتل في سورة البقرة ( 91 ) . ~~PageV09P316 # فعلى عقلاء الأقوام وأصحاب الأحلام منهم إذا رأوا دبيب الفساد في عامتهم ~~أن يبادروا للسعي إلى بيان ما حل بالناس من الضلال في نفوسهم ، وأن يكشفوا ~~لهم ماهيته وشبهته وعواقبه ، وأن يمنعوهم منه بما أوتوه من الموعظة ~~والسلطان ، ويزجروا المفسدين عن ذلك الفساد حتى يرتدعوا ، فإن هم تركوا ذلك ~~، وتوانوا فيه لم يلبث الفساد أن يسري في النفوس وينتقل بالعدوى من واحد ~~إلى غيره ، حتى يعم أو يكاد ، فيعسر اقتلاعه من النفوس ، وذلك الاختلال ~~يفسد على الصالحين صلاحهم وينكد عيشهم على الرغم من صلاحهم واستقامتهم ، ~~فظهر أن الفتنة إذا حلت بقوم لا تصيب الظالم خاصة بل تعمه والصالح ، فمن ~~أجل ذلك وجب اتقاؤها على الكل ، لأن إضرار حلولها تصيب جميعهم . # وبهذا تعلم أن الفتنة قد تكون عقابا من الله تعالى في الدنيا ، فهي تأخذ ~~حكم العقوبات ms3452 الدنيوية التي تصيب الأمم ، فإن من سنتها أن لا تخص المجرمين ~~إذا كان الغالب على الناس هو الفساد ، لأنها عقوبات تحصل بحوادث كونية ~~يستتب في نظام العالم الذي سنه الله تعالى في خلق هذا العالم أن يوزع على ~~الأشخاص كما ورد في حديث النهي عن المنكر في الصحيح : أن النبي قال : مثل ~~القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم ~~أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على ~~من فوقهم فقالوا : لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا فإن ~~يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا وفي ~~صحيح مسلم } عن زينب بنت جحش أنها قالت : ( يا رسول الله أنهلك وفينا ~~الصالحون قال : نعم إذا كثر الخبث ثم يحشرون على نياتهم ) . # وحرف { لا } في قوله : { لا تصيبن } نهي بقرينة اتصال مدخولها بنون ~~التوكيد المختصة بالإثبات في الخبر وبالطلب ، فالجملة الطلبية : إما نعت ل ~~{ فتنة } بتقدير قول محذوف ، ومثله وارد في كلام العرب كقول العجاج : # حتى إذا جن الظلام واختلط # جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قط # أي مقول فيه . وباب حذف القول باب متسع ، وقد اقتضاه مقام المبالغة في ~~PageV09P317 التحذير هنا والاتقاء من الفتنة فأكد الأمر باتقائها بنهيها هي ~~عن إصابتها إياهم ، لأن هذا النهي من أبلغ صيغ النهي بأن يوجه النهي إلى ~~غير المراد نهيه تنبيها له على تحذيره من الأمر المنهي عنه في اللفظ ، ~~والمقصود تحذير المخاطب بطريق الكناية لأن نهي ذلك المذكور في صيغة النهي ~~يستلزم تحذير المخاطب فكأن المتكلم يجمع بين نهيين ، ومنه قول العرب : لا ~~أعرفنك تفعل كذا ، فإنه في الظاهر المتكلمم نفسه عن فعل المخاطب ، ومنه ~~قوله تعالى : { لا يفتننكم الشيطان } ( الأعراف : 27 ) ويسمى هذا بالنهي ~~المحول ، فلا ضمير في النعت بالجملة الطلبية . # ويجوز أن تكون جملة : { لا تصيبن } نهيا مستأنفا تأكيدا للأمر باتقائها ~~مع زيادة التحذير بشمولها من لم يكن من الظالمين . # ولا يصح جعل جملة : { لا ms3453 تصيبن } جوابا للأمر في قوله : { واتقوا فتنة } ~~لأنه يمنع منه قوله : { الذين ظلموا منكم خاصة } وإنما كان يجوز لو قال : ( ~~لا تصيبنكم ) كما يظهر بالتأمل ، وقد أبطل في ( مغني اللبيب ) جعل ( لا ) ~~نافية هنا ، ورد على الزمخشري تجويزه ذلك . # و { خاصة } اسم فاعل مؤنث لجريانه على { فتنة } فهو منتصب على الحال من ~~ضمير { تصيبن } وهي حال مفيدة لأنها المقصود من التحذير . # وافتتاح جملة : { واعلموا أن الله شديد العقاب } بفعل الأمر بالعلم ~~للإهتمام لقصد شدة التحذير ، كما تقدم آنفا في قوله : { واعلموا أن الله ~~يحول بين المرء وقلبه } ( الأنفال : 24 ) والمعنى أنه شديد العقاب لمن ~~يخالف أمره ، وذلك يشمل من يخالف الأمر بالاستجابة . # $ 2 ( 26 ) { واذكرو & # 1764 ا إذ أنتم قليل مستضعفون فى الارض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم ~~وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون } . ) 2 $ # عطف على الأمر بالاستجابة لله فيما يدعوهم إليه ، وعلى إعلامهم بأن الله ~~لا تخفى عليه نياتهم ، وعلى التحذير من فتنة الخلاف على الرسول صلى الله ~~عليه وسلم PageV09P318 تذكيرهم بنعمة الله عليهم بالعزة والنصر ، بعد الضعف ~~والقلة والخوف ، ليذكروا كيف يسر الله لهم أسباب النصر من غير مظانها ، حتى ~~أوصلهم إلى مكافحة عدوهم وأن يتقي أعداؤهم بأسهم ، فكيف لا يستجيبون لله ~~فيما بعد ذلك ، وهم قد كثروا وعزوا وانتصروا ، فالخطاب للمؤمنين يومئذ ، ~~ومجيء هذه الخطابات بعد وصفهم بالذين آمنوا إيماء إلى أن الإيمان هو الذي ~~ساق لهم هذه الخيرات كلها ، وأنه سيكون هذا أثره فيهم كلما احتفظوا عليه ~~كفوه من قبلل سؤالهم ، ومن قبل تسديد حالهم ، فكيف لا يكونون بعد ترفه ~~حالهم أشد استجابة وأثبت قلوبا . # وفعل { واذكروا } مشتق من الذكر بضم الدال وهو التذكر لا ذكر اللسان ، أي ~~تذكروا . # و { إذ } اسم زمان مجرد عن الظرفية ، فهو منصوب على المفعول به ، أي ~~اذكروا زمن كنتم قليلا . # وجملة : { أنتم قليل } مضاف إليها { إذ } ليحصل تعريف المضاف ، وجيء ~~بالجملة اسمية للدلالة على ثبات وصف القلة والاستضعاف فيهم . # وأخبر ب { قليل } وهو مفرد عن ضمير الجماعة لأن ms3454 قليلا وكثيرا قد يجيئان ~~غير مطابقين لما جريا عليه ، كما تقدم عند قوله تعالى : { معه ربيون كثير } ~~في سورة آل عمران ( 146 ) . # والأرض يراد بها الدنيا كما تقدم عند قوله تعالى : { ولا تفسدوا في الأرض ~~} في سورة الأعراف ( 56 ) فالتعريف شبيه بتعريف الجنس ، أو أريد بها أرض ~~مكة ، فالتعريف للعهد ، والمعنى تذكير المؤمنين بأيام إقامتهم بمكة قليلا ~~مستضعفين بين المشركين ، فإنهم كانوا حينئذ طائفة قليلة العدد قد جفاهم ~~قومهم وعادوهم فصاروا لا قوم لهم وكانوا على دين لا يعرفه أحد من أهل ~~العالم فلا يطمعون في نصر موافق لهم في دينهم وإذا كانوا كذلك وهم في مكة ~~فهم كذلك في غيرها من الأرض فآواهم الله بأن صرف أهل مكة عن استيصالهم ثم ~~بأن قيض الإنصار أهل العقبة الأولى وأهل العقبة الثانية ، فأسلموا وصاروا ~~أنصارا لهم بيثرب ، ثم أخرجهم من مكة إلى بلاد الحبشة فئاواهم بها ، ثم ~~أمرهم بالهجرة إلى يثرب فئاواهم بها ، ثم صار جميع المؤمنين بها أعداء ~~للمشركين فنصرهم هنالك على المشركين يوم بدر ، فالله PageV09P319 الذي يسر ~~لهم ذلك كله قبل أن يكون لهم فيه كسب أو تعمل ، أفلا يكون ناصرا لهم بعد أن ~~ازدادوا وعزوا وسعوا للنصر بأسبابه ، وأفلا يستجيبونهم له إذا دعاهم لما ~~يحييهم وحالهم أقرب إلى النصر منها يوم كانوا قليلا مستضعفين . # والتخطف شدة الخطف ، والخطف : الأخذ بسرعة ، وقد تقدم عند قوله تعالى : { ~~يكاد البرق يخطف أبصارهم } ( البقرة : 20 ) وهو هنا مستعار للغلبة السريعة ~~لأن الغلبة شبه الأخذ ، فإذا كانت سريعة أشبهت الخطف ، قال تعالى : { ~~ويتخطف الناس من حولهم } ( العنكبوت : 27 ) أي يأخذكم أعداؤكم بدون كبرى ~~مشقة ، ولا طول محاربة إذ كنتم لقمة سايغة لهم ، وكانوا أشد منكم قوة ، ~~لولا أن الله صرفهم عنكم ، وقد كان المؤمنون خائفين في مكة ، وكانوا خائفين ~~في طرق هجرتيهم ، وكانوا خائفين يوم بدر ، حتى أذاقهم الله نعمة الأمن من ~~بعد النصر يوم بدر . # و { الناس } مراد بهم ناس معهودون وهم الأعداء ، المشركون من أهل مكة ~~وغيرهم ، أي طائفة معروفة من ms3455 جنس الناس من العراب الموالين لهم . # وما رزقهم الله من الطيبات : هي الأموال التي غنموها يوم بدر . # والإيواء : جعل الغير ءاويا ، أي راجعا إلى الذي يجعله ، فيؤول معناه إلى ~~الحفظ والرعاية . # والتأييد : التقوية أي جعل الشيء ذا أيد ، أي ذا قدرة على العمل ، لأن ~~اليد يكنى بها عن القدرة قال تعالى : { واذكر عبدنا داود ذا الأيد } ( ص : ~~17 ) . # وجملة : { ورزقكم من الطيبات } إدماج بذكر نعمة توفير الرزق في خلال ~~المنة بنعمة النصر وتوفير العدد بعد الضعف والقلة ، فإن الأمن ووفرة العدد ~~يجلبان سعة الرزق . # ومضمون هذه الآية صادق أيضا على المسلمين في كل عصر من عصور النبوة ~~والخلافة الراشدة ، فجماعتهم لم تزل في ازدياد عزة ومنعة ، ولم تزل منصورة ~~على الأمم العظيمة التي كانوا يخافونها من قبل أن يؤمنوا ، فقد نصرهم الله ~~على هوازن يوم حنين ، ونصرهم على الروم يوم تبوك ونصرهم على الفرس يوم ~~القادسية ، وعلى الروم في مصر ، وفي برقة ، وفي إفريقية ، وفي بلاد ~~الجلالقة ، وفي بلاد الفرنجة من أوروبا ، فلما زاغ المسلمون وتفرقوا أخذ ~~أمرهم يقف ثم ينقبض ابتداء من ظهور PageV09P320 الدعوة العباسية ، وهي أعظم ~~تفرق وقع في الدولة الإسلامية . # وقد نبههم الله تعالى بقوله : { لعلكم تشكرون } فلما أعطوا حق الشكر دام ~~أمرهم في تصاعد ، وحين نسوه أخذ أمرهم في تراجع ولله عاقبة الأمور . # ولم يزل النبي صلى الله عليه وسلم ينبه المسلمين بالموعظة أن لا يحيدوا ~~عن أسباب بقاء عزهم ، وفي الحديث ، عن حذيفة بن اليمان قال : ( قلت يا رسول ~~الله إنا كنا في جاهلية وشر ، فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من ~~شر ) ؟ قال : نعم ( قلت : وهل بعد ذلك الشر من خير ؟ قال : نعم وفيه دخن ) ~~الحديث ، وفي الحديث الآخر ( بدىء هذا الدين غريبا وسيعود كما بدىء ) . # $ 2 ( 27 ، 28 ) { يأيها الذين ءامنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونو & # 1764 ا أماناتكم وأنتم تعلمون * واعلمو & # 1764 ا أنمآ أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم } . ) 2 $ # استئناف خطاب للمؤمنين يحذرهم من العصيان الخفي ms3456 . بعد أن أمرهم بالطاعة ~~والاستجابة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم حذرهم من أن يظهروا الطاعة ~~والاستجابة في ظاهر أمرهم ويبطنوا المعصية والخلاف في باطنه ، ومناسبته لما ~~قبله ظاهرة وإن لم تسبق من المسلمين خيانة وإنما هو تحذير . # وذكر الواحدي في ( أسباب النزول ) وروى جمهور المفسرين وأهل السير ، عن ~~الزهري والكلبي ، وعبد الله بن أبي قتادة ، أنها نزلت في أبي لبابة بن عبد ~~المنذر الأنصاري لما حاصر المسلمون بني قريظة ، فسألت بنو قريظة الصلح فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ( تنزلون على حكم سعد بن معاذ ) فأبوا وقالوا ~~: ( أرسل إلينا أبا لبابة ) فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم أبا ~~لبابة وكان ولده وعياله وماله عندهم ، فلما جاءهم قالوا له ما ترى أننزل ~~على حكم سعد ، فأشار أبو لبابة بيده على حلقه : أنه الذبح ، ثم فطن أنه قد ~~خان الله ورسوله فنزلت فيه هذه الآية ، وهذا الخبر لم PageV09P321 يثبت في ~~الصحيح ، ولكنه اشتهر بين أهل السير والمفسرين ، فإذا صح ، وهو الأقرب كانت ~~الآية مما نزل بعد زمن طويل من وقت نزول الآيات التي قبلها ، المتعلقة ~~باختلاف المسلمين في أمر الأنفال فإن بين الحادثتين نحوا من ثلاث سنين ~~ويقرب هذا ما أشرنا إليه آنفا من انتفاء وقوع خيانة لله ورسوله بين ~~المسلمين . # والخون والخيانة : إبطال ونقض ما وقع عليه تعاقد من دون إعلان بذلك النقض ~~، قال تعالى : { وإما تخافن من قومم خيانة فانبذ إليهم على سواء } ( ~~الأنفال : 58 ) والخيانة ضد الوفاء قال الزمخشري : ( وأصل معنى الخون النقص ~~، كما أن أصل الوفاء التمام ، ثم استعمل الخون في ضد الوفاء لأنك إذا خنت ~~الرجل في شيء فقد أدخلت عليه النقصان فيه ) أي واستعمل الوفاء في الإتمام ~~بالعهد ، لأن من أنجز بما عاهد عليه فقد أتم عهده فلذلك يقال : أوفى بما ~~عاهد عليه . # فالإيمان والطاعة لله ورسوله عهد بين المؤمن وبين الله ورسوله ، فكما ~~حذروا من المعصية العلنية حذروا من المعصية الخفية . # وتشمل الخيانة كل معصية خفية ، فهي داخلة في { لا تخونوا ms3457 } ، لأن الفعل ~~في سياق النهي يعم ، فكل معصية خفية فهي مراد من هذا النهي ، فتشمل الغلول ~~الذي حاموا حوله في قضية الأنفال ، لأنهم لما سأل بعضهم النفل وكانوا قد ~~خرجوا يتتبعون آثار القتلى ليتنفلوا منهم ، تعين تحذيرهم من الغلول ، فذلك ~~مناسبة وقع هذه الآية من هذه الآيات سواء صح ما حكي في سبب النزول أم كانت ~~متصلة النزول بقريناتها . # وفعل ( الخيانة ) أصله أن يتعدى إلى مفعول واحد وهو المخون ، وقد يعدى ~~تعدية ثانية إلى ما وقع نقضه ، يقال : خان فلانا أمانته أو عهده ، وأصله ~~أنه نصب على نزع الخافض ، أي خانه في عهده أو في أمانته ، فاقتصر في هذه ~~الآية على المخوف ابتداء ، واقتصر على المخون فيه في قوله : { وتخونوا ~~أماناتكم } أي في أماناتكم أي وتخونوا الناس في أماناتكم . # والنهي عن خيانة الأمانة هنا : إن كانت الآية نازلة في قضية أبي لبابة : ~~إن ما صدر منه من إشارة إلى ما في تحكيم سعد بن معاذ من الضر عليهم يعتبر ~~خيانة لمن بعثه مستفسرا ، لأن حقه أن لا يشير عليهم بشيء ، إذ هو مبعوث ~~وليس بمستشار . PageV09P322 # وإن كانت الآية نزلت مع قريناتها فنهي المسلمين عن خيانة الأمانة استطراد ~~لاستكمال النهي عن أنواع الخيانة ، وقد عدل عن ذكر المفعول الأصلي ، إلى ~~ذكر المفعول المتسع فيه ، لقصد تبشيع الخيانة بأنها نقض للأمانة ، فإن ~~الأمانة وصف محمود مشهور بالحسن بين الناس ، فما يكون نقضا له يكون قبيحا ~~فظيعا ، ولأجل هذا لم يقل : وتخونوا الناس في أماناتهم فهذا حذف من الإيجاز ~~. # والأمانة اسم لما يحفظه المرء عند غيره مشتقة من الأمن ؛ لأنه يأمنه من ~~أن يضيعها ، والأمين الذي يحفظ حقوق من يواليه ، وإنما أضيفت الأمانات إلى ~~المخاطبين مبالغة في تفظيع الخيانة ، بأنها نقض لأمانة منسوبة إلى ناقضها ، ~~بمنزلة قوله : { ولا تقتلوا أنفسكم } ( النساء : 29 ) دون : ولا تقتلوا ~~النفس . # وللأمانة شأن عظيم في استقامة أحوال المسلمين ، ما ثبتوا عليها وتخلقوا ~~بها ، وهي دليل نزاهة النفس واعتدال أعمالها ، وقد حذر النبي صلى الله عليه ~~وسلم من إضاعتها ms3458 والتهاون بها ، وأشار إلى أن في إضاعتها انحلال أمر ~~المسلمين ، ففي ( صحيح البخاري ) عن حذيفة بن اليمان قال حدثنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حديثين : رأيت أحدهما وأنا انتظر الآخر ، حدثنا أن ~~الأمانة نزلت على جذر قلوب الرجال ثم علموا من القرآن ثم علموا من السنة ، ~~وحدثنا عن رفعها فقال : ينام الرجل النومة فتقبض من قلبه فيظل أثرها مثل ~~الوكت ، ثم ينام النومة فتقبض فيبقى أثرها مثل أثر المجل كجمر دحرجته على ~~رجلك فنفط فتراه منتبرا وليس فيه شيء ، ويصبح الناس يتبايعون ولا يكاد أحد ~~يؤدي الأمانة فيقال إن في بني فلان رجلا أمينا ، ويقال للرجل ما أعقله وما ~~أظرفه وما أجلده ، وما في قلبه مثقال حبه خردل من إيمان ) . # ( الوكت سواد يكون في البسر إذا قارب أن يصير رطبا ، والمجل غلظ الجلد من ~~أثر العمل والخدمة ، ونفط تقرح ومنتبرا منتفخا ) ، وقد جعلها النبي صلى ~~الله عليه وسلم من الإيمان إذ قال في آخر الأخبار عنها وما في قلبه مثقال ~~حبة خردل من إيمان ، وحسبك من رفع شأن الأمانة : أن كان صاحبها حقيقا ~~بولاية أمر المسلمين لأن ولاية أمر المسلمين ، أمانة لهم ونصح ، ولذلك قال ~~عمر بن الخطاب PageV09P323 حين أوصى بأن يكون الأمر شورى بين ستة ( ولو كان ~~أبو عبيدة بن الجراح حيا لعهدت إليه لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم له ~~إنه أمين هذه الأمة ) . # وقوله : { وتخونوا } عطف على قوله : { لا تخونوا } فهو في حيز النهي ، ~~والتقدير : ولا تخونوا أماناتكم ، وإنما أعيد فعل { تخونوا } ولم يكتف بحرف ~~العطف ، الصالح للنيابة عن العامل في المعطوف ، للتنبيه على نوع آخر من ~~الخيانة فإن خيانتهم الله ورسوله نقض الوفاء لهما بالطاعة والامتثال ، ~~وخيانة الأمانة نقض الوفاء بأداء ما ائتمنوا عليه . # وجملة { وأنتم تعلمون } في موضع الحال من ضمير { تخونوا } الأول والثاني ~~، وهي حال كاشفة والمقصود منها تشديد النهي ، أو تشنيع المنهي عنه لأن ~~النهي عن القبيح في حال معرفة المنهي أنه قبيح يكون أشد ، ولأن القبيح في ~~حال علم فاعله ms3459 بقبحه يكون أشنع ، فالحال هنا بمنزلة الصفة الكاشفة في قوله ~~تعالى : { ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه } ~~( المؤمنون : 117 ) وقوله { فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون } ( البقرة ~~: 22 ) وليس المراد تقييد النهي عن الخيانة بحالة العلم بها ، لأن ذلك قليل ~~الجدوى ، فإن كل تكليف مشروط بالعلم وكون الخيانة قبيحة أمر معلوم . # ولك أن تجعل فعل { تعلمون } منزلا منزلة اللازم ، فلا يقدر له مفعول ، ~~فيكون معناه ( وأنتم ذوو علم ) أي معرفة حقائق الأشياء ، أي وأنتم علماء لا ~~تجهلون الفرق بين المحاسن والقبائح ، فيكون كقوله : { فلا تجعلوا لله ~~أندادا وأنتم تعلمون } في سورة البقرة ( 22 ) . # ولك أن تقدر له هنا مفعولا دل عليه قوله : { وتخونوا أماناتكم } أي وأنتم ~~تعلمون خيانة الأمانة أي تعلمون قبحها فإن المسلمين قد تقرر عندهم في آداب ~~دينهم تقبيح الخيانة ، بل هو أمر معلوم للناس حتى في الجاهلية . # وابتداء جملة : { واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة } بفعل { اعلموا } ~~للاهتمام كما تقدم آنفا عند قوله : { واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه ~~} ( الأنفال : 24 ) وقوله { واعلموا أن الله شديد العقاب } ( الأنفال : 25 ~~) وهذا تنبيه على الحذر من الخيانة التي يحمل عليها المرء حب المال وهي ~~خيانة الغلول وغيرها ، فتقديم الأموال لأنها مظنة الحمل على الخيانة في هذا ~~المقام . PageV09P324 # وعطف الأولاد على الأموال لاستيفاء أقوى دواعي الخيانة ، فإن غرض جمهور ~~الناس في جمع الأموال أن يتركوها لابنائهم من بعدهم ، وقد كثر قرن الأموال ~~والأولاد في التحذير ، ونجده في القرآن ، قيل إن هاته الآية من جملة ما نزل ~~في أبي لبابة . # وجيء في الإخبار عن كون الأموال والأولاد فتنة بطريق القصر قصرا ادعائيا ~~لقصد المبالغة في إثبات أنهم فتنة . # وجعل نفس ( الأموال والأولاد ) فتنة لكثرة حدوث فتنة المرء من جراء ~~أحوالهما ، مبالغة في التحذير من تلك الأحوال وما ينشأ عنها ، فكأن وجود ~~الأموال والأولاد نفس الفتنة . # وعطف قوله : { وأن الله عنده أجر عظيم } على قوله : { أنما أموالكم ~~وأولادكم فتنة } للإشارة إلى أن ما عند ms3460 الله من الأجر على كف النفس عن ~~المنهيات هو خير من المنافع الحاصلة عن اقتحام المناهي لأجل الأموال ~~والأولاد . # $ 2 ( 29 ) { ياأيها الذين ءامنو & # 1764 ا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم ~~والله ذو الفضل العظيم } . ) 2 $ # استيناف ابتدائي متصل بالآيات السابقة ابتداء من قوله تعالى : { يأيها ~~الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه } ( الأنفال : 20 ) الآية ~~وما بعده من الآيات إلى هنا . # وافتتح بالنداء للاهتمام ، كما تقدم آنفا . # وخوطب المؤمنون بوصف الإيمان تذكيرا لهم بعهد الإيمان وما يقتضيه كما ~~تقدم آنفا في نظائره ، وعقب التحذير من العصيان والتنبيه على سوء عواقبه ، ~~بالترغيب في التقوى وبيان حسن عاقبتها وبالوعد بدوام النصر واستقامة ~~الأحوال إن هم داموا على التقوى . # ففعل الشرط مراد به الدوام ، فإنهم كانوا متقين ، ولكنهم لما حذروا من ~~المخالفة والخيانة ناسب أن تفرض لهم الطاعة في مقابل ذلك . # ولقد بدا حسن المناسبة إذ رتبتت على المنهيات تحذيرات من شرور وأضرار ~~PageV09P325 من قوله : { إن شر الدواب عند الله الصم البكم } ( الأنفال : ~~22 ) وقوله { واتقوا فتنة } ( الأنفال : 25 ) الآية ، ورتب على التقوى : ~~الوعد بالنصر ومغفرة الذنوب وسعة الفضل . # والفرقان أصله مصدر كالشكران والغفران والبتان ، وهو ما يفرق أي يميز بين ~~شيئين متشابهين ، وقد أطلق بالخصوص على أنواع من التفرقة فأطلق على النصر ، ~~لأنه يفرق بين حالين كانا محتملين قبل ظهور النصر ، ولقب القرآن بالفرقان ؛ ~~لأنه فرق بين الحق والباطل ، قال تعالى : { تبارك الذي نزل الفرقان على ~~عبده } ( الفرقان : 1 ) ولعل اختياره هنا لقصد شموله ما يصلح للمقام من ~~معانيه ، فقد فسر بالنصر ، وعن السدي ، والضحاك ، ومجاهد ، الفرقان المخرج ~~، وفي ( أحكام ابن العربي ) ، عن ابن وهب وابن القاسم وأشهب أنهم سألوا ~~مالكا عن قوله تعالى : { يجعل لكم فرقانا } قال مخرجا ثم قرأ : { ومن يتقق ~~الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه } ~~( الطلاق : 3 ) ، وفسر بالتمييز بينهم وبين الكفار في الأحوال التي يستحب ~~فيها التمايز في أحوال الدنيا ms3461 ، فيشمل ذلك أحوال النفس : من الهداية ، ~~والمعرفة ، والرضى ، وانشراح القلب ، وإزالة الحقد والغل والحسد بينهم ، ~~والمكر والخداعع وذميمم الخلائق . # وقد أشعر قوله : { لكم } أن الفرقان شيء نافع لهم فالظاهر أن المراد منه ~~كل ما فيه مخرج لهم ونجاة من التباس الأحوال وارتباك الأمور وانبهام ~~المقاصد ، فيؤول إلى استقامة أحوال الحياة ، حتى يكونوا مطمئني البالل ~~منشرحي الخاطر وذلك يستدعي أن يكونوا : منصورين ، غالبين ، بصراء بالأمور ، ~~كملة الأخلاق سائرين في طريق الحق والرشد ، وذلك هو ملاك استقامة الأمم ، ~~فاختيار الفرقان هنا ، لأنه اللفظ الذي لا يؤدي غيره مؤداه في هذا الغرض ~~وذلك من تمام الفصاحة . # والتقوى تشمل التوبة ، فتكفير السيئات يصح أن يكون المراد به تكفير ~~السيئات الفارطة التي تعقبها التقوى . ومفعول { يغفر لكم } ، محذوف وهو ما ~~يستحق الغفران وذلك هو الذنب ، ويتعين أن يحمل على نوع من الذنوب . وهو ~~الصغائر التي عبر عنها باللمم ، ويجوز العكس بأن يراد بالسيئات الصغائر ~~وبالمغفرة مغفرة الكبائر بالتوبة المعقبة لها ، وقيل التكفير الستر في ~~الدنيا ، والغفران عدم المؤاخذة بها في PageV09P326 الآخرة ، والحاصل أن ~~الإجمال مقصود للحث على التقوى وتحقق فائدتها والتعريض بالتحذير من التفريط ~~فيها ، فلا يحصل التكفير ولا المغفرة بأي احتمال . # وقوله : { والله ذو الفضل العظيم } تذييل وتكميل وهو كناية عن حصول منافع ~~أخرى لهم من جراء التقوى . # # | 2 ( 30 ) { وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ~~ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين } . ) 2 # يجوز أن يكون عطف قصة على قصة من قصص تأييد الله رسوله عليه الصلاة ~~والسلام والمؤمنين فيكون { إذ } متعلقا بفعل محذوف تقديره واذكر إذ يمكر بك ~~الذين كفروا ، على طريقة نظائره الكثيرة في القرآن . # ويجوز أن يكون عطفا على قوله : { إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض } ( ~~الأنفال : 26 ) فهو متعلق بفعل ( اذكروا ) من قوله { واذكروا إذ أنتم قليل ~~} ( الأنفال : 26 ) ، فإن المكر بالرسول عليه الصلاة والسلام مكر بالمسلمين ~~ويكون ما بينهما اعتراضا . فهذا تعداد لنعم النصر ، التي أنعم الله بها على ~~رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ms3462 ، في أحوال ما كان يظن الناس أن سيجدوا ~~منها مخلصا ، وهذه نعمة خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم والإنعام بحياته ~~وسلامته نعمة تشمل المسلمين كلهم ، وهذا تذكير بأيام مقامهم بمكة ، وما ~~لاقاه المسلمون عموما وما لاقاه النبي صلى الله عليه وسلم خصوصا وأن سلامة ~~النبي صلى الله عليه وسلم سلامة لأمته . # والمكر إيقاع الضر خفية ، وتقدم عند قوله تعالى : { ومكروا ومكر الله ~~والله خير الماكرين } في آل عمران ( 54 ) ، وعند قوله تعالى : { أفأمنوا ~~مكر الله } في سورة الأعراف ( 99 ) . # والإتيان بالمضارع في موضع الماضي الذي هو الغالب مع { إذ } استحضار ~~للحالة التي دبروا فيها المكر ، كما في قوله تعالى : { والله الذي أرسل ~~الرياح فتثير سحابا } ( فاطر : 9 ) . # ومعنى : { ليثبتوك } ليحبسوك يقال أثبته إذا حبسه ومنعه من الحركة وأوثقه ~~، والتعبير بالمضارع في { يثبتوك } ، و { يقتلوك } ، و { يخرجوك } ، لأن ~~تلك الأفعال مستقبلة بالنسبة لفعل المكر إذ غاية مكرهم تحصيل واحد من هذه ~~الأفعال . # وأشارت الآية إلى تردد قريش في أمر النبي صلى الله عليه وسلم حين اجتمعوا ~~PageV09P327 للتشاور في ذلك بدار الندوة في الأيام الأخيرة قبيل هجرته ، ~~فقال أبو البختري : إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق وسدوا عليه باب بيت غير كوة ~~تلقون إليه منها الطعام ، وقال أبو جهل : أرى أن نأخذ من كل بطن في قريش ~~فتى جلدا فيجتمعون ثم يأخذ كل واحد منهم سيفا ويأتون محمدا في بيته ~~فيضربونه ضربة رجل واحد فلا تقدر بنو هاشم على قتال قريش بأسرها فيأخذون ~~العقل ونستريح منه ، وقال هشام بن عمرو : الرأي أن تحملوه على جمل وتخرجوه ~~من بين أظهركم فلا يضركم ما صنع . # وموقع الواو في قوله { ويمكرون } لم أر أحدا من المفسرين عرج على بيانه ~~وهي تحتمل وجهين : # أحدهما : أن تكون واو الحال ، والجملة حال من { الذين كفروا } وهي حال ~~مؤسسة غير مؤكدة ، باعتبار ما اتصل بها من الجملة المعطوفة عليها ، وهي ~~جملة : { ويمكر الله } فقوله : { ويمكر الله } هو مناط الفائدة من الحال ~~وما قبله تمهيد له وتنصيص على أن مكرهم يقارنه مكر ms3463 الله بهم ، والمضارع في ~~{ يمكرون } و { يمكر } الله لاستحضار حالة المكر . # وثانيهما : أن تكون واو الاعتراض أي العطف الصوري ، ويكون المراد بالفعل ~~المعطوف الدوام أي هم مكروا بك لثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك وهم لا يزالون ~~يمكرون كقول كعب بن الأشرف لمحمد بن مسلمة ( وأيضا لتملنه ) يعني النبي ، ~~فتكون جملة { ويمكرون } معترضة ويكون جملة : { ويمكر الله } معطوفة على ~~جملة : { وإذ يمكر بك الذين كفروا } والمضارع في جملة : { ويمكرون } ~~للاستقبال والمضارع في { ويمكر الله } لاستحضار حالة مكر الله في وقت مكرهم ~~مثل المضارع المعطوف هو عليه . # وبيان معنى إسناد المكر إلى الله تقدم : في آية سورة آل عمران ( 54 ) ~~وآية سورة الأعراف ( 99 ) وكذلك قوله : { والله خير الماكرين } . # والذين تولوا المكر هم سادة المشركين وكبراؤهم وأعوان أولئك الذين كان ~~دأبهم الطعن في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وفي نزول القرآن عليه ، وإنما ~~أسند إلى جميع الكافرين لأن البقية كانوا أتباعا للزعماء يأتمرون بأمرهم ، ~~ومن هؤلاء PageV09P328 أبو جهل ، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة ، وأمية بن خلف ، ~~وأضرابهم . # # | 2 ( 31 ) { وإذا تتلى عليهم ءاياتنا قالوا قد سمعنا لو نشآء لقلنا مثل ~~هاذآ إن هاذآ إلا أساطير الأولين } . ) 2 # انتقال إلى ذكر بهتان آخر من حجاج هؤلاء المشركين ، لم تزل آيات هذه ~~السورة يتخللها أخبار كفرهم من قوله : { ويقطع دابر الكافرين } ( الأنفال : ~~7 ) وقوله { ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله } ( الأنفال : 13 ) وقوله { فلم ~~تقتلوهم ولكن الله قتلهم } ( الأنفال : 17 ) وقوله { ولا تكونوا كالذين ~~قالوا سمعنا وهم لا يسمعون } ( الأنفال : 21 ) ثم بقوله { وإذ يمكر بك ~~الذين كفروا } ( الأنفال : 30 ) . # وهذه الجمل عطف على جملة : { ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم } ( الأنفال ~~: 23 ) . # وهذا القول مقالة المتصدين للطعن على الرسول صلى الله عليه وسلم ومحاجته ~~، والتشغيب عليه : منهم النضر بن الحارث ، وطعمية بن عدي ، وعقبة بن أبي ~~معيط . # ومعنى { قد سمعنا } : قد فهمنا ما تحتوي عليه ، لو نشاء لقلنا مثلها ~~وإنما اهتموا بالقصص ولم يتبينوا مغزاها ولا ما في القرآن من الآداب ~~والحقائق ، فلذلك قال ms3464 الله تعالى عنهم { كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون ~~} ( الأنفال : 21 ) أي لا يفقهون ما سمعوا . # ومن عجيب بهتانهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم تحداهم بمعارضة سورة من ~~القرآن ، فعجزوا عن ذلك وأفحموا ، ثم اعتذروا بأن ما في القرآن أساطير ~~الأولين وأنهم قادرون على الإتيان بمثل ذلك قيل : قائل ذلك هو النضر بن ~~الحارث من بني عبد الدار ، كان رجلا من مردة قريش ومن المستهزئين ، وكان ~~كثير الأسفار إلى الحيره وإلى أطراف بلاد العجم في تجارته ، فكان يلقى ~~بالحيرة ناسا من العباد ( بتخفيف الباء اسم طائفة من النصارى ) فيحدثونه من ~~أخبار الإنجيل ويلقى من العرب من ينقل أسطورة حروب ( رستم ) و ( أسفندياذ ) ~~من ملوك الفرس في قصصهم الخرافي ، PageV09P329 وإنما كانت تلك الأخبار ~~تترجم للعرب باللسان ويستظهرها قصاصهم وأصحاب النوادر منهم ولم يذكر أحد أن ~~تلك الأخبار كانت مكتوبة بالعربية ، فيما أحسب ، إلا ما وقع في ( الكشاف ) ~~أن النضر بن الحارث جاء بنسخة من خبر ( رستم ) و ( اسفندياذ ) ولا يبعد أن ~~يكون بعض تلك الأخبار مكتوبا بالعربية كتبها القصاصون من أهل الحيرة ~~والأنبار تذكرة لأنفسهم ، وإنما هي أخبار لا حكمة فيها ولا موعظة ، وقد ~~أطال فيها الفردوسي في كتاب ( الشاهنامه ) تطويلا مملا على عادة أهل القصص ~~، وقال الفخر : اشترى النضر من الحيرة أحاديث كليلة ودمنة ، وكان يقعد مع ~~المستهزئين والمقتسمين وهو منهم فيقرأ عليهم أساطير الأولين ، فإسناد قول ~~النضر بن الحارث إلى جماعة المشركين : من حيث إنهم كانوا يؤيدونه ويحكونه ~~ويحاكونه ، ويحسبون فيه معذرة لهم عن العجز الذي تلبسوا به في معارضة ~~القرآن ، وأنه نفس عليهم بهذه الأغلوطة ، فإذا كان الذي ابتكره هو النضر بن ~~الحارث فليس يمتنع أن تصدر أمثال هذا القول من أمثاله وأتباعه ، فمن ضمنهم ~~مجلسه الذي جاء فيه بهذه النزاقة . # وقولهم : { لو نشاء لقلنا مثل هذا } إيهام بأنهم ترفعوا عن معارضته ، ~~وأنهم لو شاءوا لنقلوا من أساطير الأولين إلى العربية ما يوازي قصص القرآن ~~وهذه وقاحة ، وإلا فما منعهم أن يشاءوا معارضة من تحداهم وقرعهم بالعجز ms3465 ~~بقوله : { فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا } ( البقرة : 24 ) مع تحيزهم وتآمرهم ~~في إيجاد معذرة يعتذرون بها عن القرآن وإعجازه إياهم وتحديه لهم ، وما قاله ~~الوليد بن المغيرة في أمر القرآن . PageV09P330 # و ( الأساطير ) جمع أسطورة بضم الهمزة وهي القصة ، وتقدم عند قوله تعالى ~~: { حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين } ~~في سورة الأنعام ( 25 ) . # والمخالفة بين شرط { لو } وجوابها إذ جعل شرطها مضارعا والجزاء ماضيا جرى ~~على الاستعمال في ( لو ) غالبا ، لأنها موضوعة للماضي فلزم أن يكون أحد ~~جزأي جملتها ماضيا ، أو كلاهما . فإذا أريد التفنن خولف بينهما ، فالتقدير ~~: لو شئنا لقلنا ، ولا يبعد عندي في مثل هذا التركيب أن يكون احتباكا قائما ~~مقام شرطين وجزاءين فإحدى الجملتين مستقبلة والأخرى ماضية ، فالتقدير لو ~~نشاء أن نقول نقول ، ولو شئنا القول في الماضي لقلنا فيه ، فذلك أوعب ~~للأزمان ، ويكون هذا هو الفرق بين قوله : { ولو شئنا لآتينا كل نفسس هداها ~~} ( السجدة : 13 ) وقوله : { أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا } ( الرعد : ~~31 ) فهم لما قالوا : { لو نشاء لقلنا مثل هذا } ادعوا القدرة على قول مثله ~~في الماضي وفي المستقبل إغراقا في النفاجة والوقاحة . # # | 2 ( 32 ، 33 ) { وإذ قالوا اللهم إن كان هاذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم * وما كان الله ليعذبهم وأنت ~~فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون } . ) 2 # عطف على { وإذ يمكر بك الذين كفروا } ( الأنفال : 30 ) أو على { قالوا قد ~~سمعنا } ( الأنفال : 31 ) وقائل هذه المقالة هو النضر بن الحارث صاحب ~~المقالة السابقة ، وقالها أيضا أبو جهل وإسناد القول إلى جميع المشركين ~~للوجه الذي أسند له قول النضر { قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا } ( ~~الأنفال : 31 ) فارجع إليه ، وكذلك طريق حكاية كلامهم إنما هو جار على نحو ~~ما قررته هنالك من حكاية المعنى . # وكلامهم هذا جار مجرى القسم ، وذلك أنهم يقسمون بطريقة الدعاء على أنفسهم ~~إذا كان ما حصل في الوجود على خلاف ما يحكونه ms3466 أو يعتقدونه ، وهم يحسبون أن ~~دعوة المرء على نفسه مستجابة ، وهذه طريقة شهيرة في كلامهم قال النابغة : # ما إن أتيت بشيء أنت تكرهه # إذن فلا رفعت سوطي إلي يدي PageV09P331 # وقال معدان بن جواس الكندي ، أو حجية بن المضرب السكوني : # إن كان ما بلغت عني فلامني # صديقي وشلت من يدي الأنامل # وكفنت وحدي منذرا بردائه # وصادف حوطا من أعادي قاتل # وقال الأشتر النخعي : # بقيت وفري وانحرفت عن العلا # ولقيت أضيافي بوجه عبوس # إن لم أشن على ابن حرب غارة # لم تخل يوما من نهاب نفوس # وقد ضمن الحريري في ( المقامة العاشرة ) هذه الطريقة في حكاية يمين وجهها ~~أبو زيد السروجي على غلامه المزعوم لدى والي رحبة مالك بن طوق حتى اضطر ~~الغلام إلى أن يقول : ( الاصطلاء بالبلية ، ولا الابتلاء بهذه الإلية ) . # فمعنى كلامهم : إن هذا القرآن ليس حقا من عندك فإن كان حقا فأصبنا ~~بالعذاب ، وهذا يقتضي أنهم قد جزموا بأنه ليس بحق وليس الشرط على ظاهره حتى ~~يفيد ترددهم في كونه حقا ولكنه كناية عن اليمين وقد كانوا لجهلهم وضلالهم ~~يحسبون أن الله يتصدى لمخاطرتهم ، فإذا سألوه أن يمطر عليهم حجارة إن كان ~~القرآن حقا منه أمطر عليهم الحجارة وأرادوا أن يظهروا لقومهم صحة جزمهم ~~بعدم حقية القرآن فأعلنوا الدعاء على أنفسهم بأن يصيبهم عذاب عاجل إن كان ~~القرآن حقا من الله ليستدلوا بعدم نزول العذاب على أن القرآن ليس من عند ~~الله ، وذلك في معنى القسم كما علمت . # وتعليق الشرط بحرف { إن } لأن الأصل فيها عدم اليقين بوقوع الشرط ، فهم ~~غير جازمين بأن القرآن حق ومنزل من الله بل هم موقنون بأنه غير حق واليقين ~~بأنه غير حق أخص من عدم اليقين بأنه حق . # وضمير { هو } ضمير فصل فهو يقتضي تقوي الخبر أي : إن كان هذا حقا ومن ~~عندك بلا شك . # وتعريف المسند بلام الجنس يقتضي الحصر فاجتمع في التركيب تقو وحصر وذلك ~~تعبيرهم يحكون به أقوال القرآن المنوهة بصدقه كقوله تعالى : { إن هذا لهو ~~PageV09P332 القصص الحق } ( آل عمران ms3467 : 62 ) وهم إنما أرادوا إن كان القرآن ~~حقا ولا داعي لهم إلى نفي قوة حقيته ولا نفي انحصار الحقية فيه ، وإن كان ~~ذلك لازما لكونه حقا ، لأنه إذا كان حقا كان ما هم عليه باطلا فصح اعتبار ~~انحصار الحقية فيه انحصارا إضافيا ، إلا أنه لا داعي إليه لولا أنهم أرادوا ~~حكاية الكلام الذي يبطلونه . # وهذا الدعاء كناية منهم عن كون القرآن ليس كما يوصف به ، للتلازم بين ~~الدعاء على أنفسهم وبين الجزم بانتفاء ما جعلوه سبب الدعاء بحسب عرف كلامهم ~~واعتقادهم . # و { من عندك } حال من الحق أي منزلا من عندك فهم يطعنون في كونه حقا وفي ~~كونه منزلا من عند الله . # وقوله : { من السماء } وصف لحجارة أي حجارة مخلوقة لعذاب من تصيبه لأن ~~الشأن أن مطر السماء لا يكون بحجارة كقوله تعالى : { فصب عليهم ربك سوط ~~عذاب } ( الفجر : 13 ) ( والصب قريب من الأمطار ) . # وذكروا عذابا خاصا وهو مطر الحجارة ثم عمموا فقالوا : { أو ائتنا بعذاب ~~أليم } ويريدون بذلك كله عذاب الدنيا لأنهم لا يؤمنون بالآخرة . ووصفوا ~~العذاب بالأليم زيادة في تحقيق يقينهم بأن المحلوف عليه بهذا الدعاء ليس ~~منزلا من عند الله فلذلك عرضوا أنفسهم لخطر عظيم على تقدير أن يكون القرآن ~~حقا ومنزلا من عند الله . # وإذ كان هذا القول إنما يلزم قائله خاصة ومن شاركه فيه ونطق به مثل النضر ~~وأبي جهل ومن التزم ذلك وشارك فيه من أهل ناديهم ، كانوا قد عرضوا أنفسهم ~~به إلى تعذيب الله إياهم انتصارا لنبيه وكتابه ، وكانت الآية نزلت بعد أن ~~حق العذاب على قائلي هذا القول وهو عذاب القتل المهين بأيدي المسلمين يوم ~~بدر ، قال تعالى : { يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم } ( التوبة ~~: 14 ) وكان العذاب قد تأخر عنهم زمنا اقتضته حكمة الله ، بين الله لرسوله ~~في هذه الآية سبب تأخر العذاب عنهم حين قالوا ما قالوا ، وأيقظ النفوس إلى ~~حلوله بهم وهم لا يشعرون . # فقوله : { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم } كناية عن استحقاقهم ، وإعلام ~~بكرامة رسوله صلى الله ms3468 عليه وسلم عنده ، لأنه جعل وجوده بين ظهراني ~~المشركين مع استحقاقهم PageV09P333 العقاب سببا في تأخير العذاب عنهم ، ~~وهذه مكرمة أكرم الله بها نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم فجعل وجوده في ~~مكان مانعا من نزول العذاب على أهله ، فهذه الآية إخبار عما قدره الله فيما ~~مضى . # وقال ابن عطية قالت فرقه نزلت هذه الآية كلها بمكة ، وقال ابن أبزى نزل ~~قوله : { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم } بمكة إثر قولهم : { أو ائتنا ~~بعذاب أليم } ، ونزل قوله : { وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون } عند خروج ~~النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وقد بقي بمكة مؤمنون يستغفرون ، ونزل ~~قوله : { وما لهم أن لا يعذبهم الله } ( الأنفال : 34 ) بعد بدر . # وفي توجيه الخطاب بهذا إلى النبي صلى الله عليه وسلم واجتلاب ضمير خطابه ~~بقوله : { وأنت فيهم } لطيفة من التكرمة إذ لم يقل : وما كان الله ليعذبهم ~~وفيهم رسوله ، كما قال : { وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم ~~رسوله } ( آل عمران : 101 ) . # وأما قوله : { وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون } فقد أشكل على المفسرين ~~نظمها ، وحمل ذلك بعضهم على تفكيك الضمائر فجعل ضمائر الغيبة من { يعذبهم } ~~، و { فيهم } و { معذبهم } للمشركين ، وجعل ضمير { وهم يستغفرون } للمسلمين ~~، فيكون عائدا إلى مفهوم من الكلام يدل عليه { يستغفرون } فإنه لا يستغفر ~~الله إلا المسلمون وعلى تأويل الإسناد فإنه إسناد الاستغفار لمن حل بينهم ~~من المسلمين ، بناء على أن المشركين لا يستغفرون الله من الشرك . # فالذي يظهر أنها جملة معترضة انتهزت بها فرصة التهديد بتعقيبه بترغيب على ~~عادة القرآن في تعقيب الوعيد بالوعد ، فبعد أن هدد المشركين بالعذاب ذكرهم ~~بالتوبة من الشرك بطلب المغفرة من ربهم بأن يؤمنوا بأنه واحد ، ويصدقوا ~~رسوله ، فهو وعد بأن التوبة من الشرك تدفع عنهم العذاب وتكون لهم أمنا وذلك ~~هو المراد بالاستغفار ، إذ من البين أن ليس المراد ب { يستغفرون } أنهم ~~يقولون : غفرانك اللهم ونحوه ، إذ لا عبرة بالاستغفار بالقول والعمل يخالفه ~~فيكون قوله : { وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ms3469 } تحريضا وذلك في ~~الاستغفار وتلقينا للتوبة زيادة في الإعذار لهم على معنى قوله : { ما يفعل ~~الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم } ( النساء : 147 ) وقوله : { قل للذين كفروا ~~إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين } ( الأنفال ~~: 38 ) . PageV09P334 # وفي قوله : { وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون } تعريض بأنه يوشك أن ~~يعذبهم إن لم يستغفروا وهذا من الكناية العرضية . # وجملة { وهم يستغفرون } حال مقدرة أي إذا استغفروا الله من الشرك وحسن ~~موقعها هنا أنها جاءت قيدا لعامل منفي ، فالمعنى : وما كان الله معذبهم لو ~~استغفروا . # وبذلك يظهر أن جملة : { وما لهم أن لا يعذبهم الله } ( الأنفال : 34 ) ~~صادفت محزها من الكلام أي لم يسلكوا يحول بينهم وبين عذاب الله ، فليس لهم ~~أن ينتفي عنهم عذاب الله . # وقد دلت الآية على فضيلة الاستغفار وبركته بإثبات بأن المسلمين أمنوا من ~~العذاب الذي عذب الله به الأمم ؛ لأنهم استغفروا من الشرك بإتباعهم الإسلام ~~. روى الترمذي عن أبي موسى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أنزل ~~الله علي أمانين لأمتي { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله ~~معذبهم وهم يستغفرون } فإذا مضيت تركت فيهم الاستغفار إلى يوم القيامة . # $ 2 ( 34 ) { وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما ~~كانو & # 1764 ا أوليآءه إن أوليآؤه إلا المتقون ولاكن أكثرهم لا يعلمون } . ) 2 $ # عطف على قوله : { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم } ( الأنفال : 33 ) وهو ~~ارتقاء في بيان أنهم أحقاء بتعذيب الله إياهم ، بيانا بالصراحة . # و { ما } استفهامية ، والاستفهام إنكاري ، وهي في محل المبتدأ و { لهم } ~~خبره ، واللام للاستحقاق والتقدير ما الذي ثبت لهم لأن ينتفي عنهم عذاب ~~الله فكلمة ( ما ) اسم استفهام إنكاري ، والمعنى : لم يثبت لهم شيء . # و { أن لا يعذبهم } مجرور بلام جر محذوفة بعد ( إن ) على الشائع من حذف ~~الجر مع ( أن ) والتقدير : أي شيء كان لهم في عدم تعذيبهم أي لم يكن شيء في ~~عدم تعذيبهم أو من عدم تعذيبهم أي أنهم ms3470 لا شيء يمنعهم من العذاب ، والمقصود ~~الكناية عن استحقاقهم العذاب وحلوله بهم ، أو توقع حلوله بهم ، تقول العرب ~~: مالك أن لا تكرم ، أي : أنت حقيق بأن تكرم ولا يمنعك من الإكرام شيء ، ~~فاللفظ نفي لمانع الفعل ، والمقصود أن الفعل توفرت أسبابه ثم انتفت موانعه ~~، فلم يبق ما يحول بينك وبينه . PageV09P335 # وقد يتركون ( أن ) ويقولون : مالك لا تفعل فتكون الجملة المنفية بعد ~~الاستفهام في موضع الحال وتكون تلك الحال هي مثير الاستفهام الإنكاري ، ~~وهذا هو المعنى الجاري على الاستعمال . # وجوزوا أن تكون { ما } في الآية نافية فيكون { أن لا يعذبهم } اسمها و { ~~لهم } خبرها والتقدير وما عدم التعذيب كائنا لهم . # وجملة : { وهم يصدون عن المسجد الحرام } في موضع الحال على التقديرين . # والصد الصرف ، ومفعول { يصدون } محذوف دل عليه السياق ، أي يصدون ~~المؤمنين عن المسجد الحرام بقرينة قوله : { إن أولياؤه إلا المتقون } فكان ~~الصد عن المسجد الحرام جريمة عظيمة يستحق فاعلوه عذاب الدنيا قبيل عذاب ~~الآخرة ، لأنه يؤول إلى الصد عن التوحيد لأن ذلك المسجد بناه مؤسسه ليكون ~~علما على توحيد الله ومأوى للموحدين ، فصدهم المسلمين عنه ، لأنهم آمنوا ~~بإلاه واحد ، صرف له عن كونه علما على التوحيد ، إذ صار الموحدون معدودين ~~غير أهل لزيادته ، فقد جعلوا مضادين له ، فلزم أن يكون ذلك المسجد مضادا ~~للتوحيد وأهله ، ولذلك عقب بقوله : { وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا ~~المتقون } وهذا كقوله : { ومن يرد فيه بإلحاد بظلمم نذقه من عذابب أليم } ( ~~الحج : 25 ) ، والظلم الشرك لقوله : { إن الشرك لظلم عظيم } ( لقمان : 13 ) ~~. # وهذا الصد الذي ذكرته الآية : هو عزمهم على صد المسلمين المهاجرين عن أن ~~يحجوا ويعتمروا ، ولعلهم أعلنوا بذلك بحيث كان المسلمون لا يدخلون مكة . ~~وفي ( الكشاف ) : ( كانوا يقولون نحن ولاة البيت والحرم فنصد من نشاء وندخل ~~من نشاء ) . # قلت : ويشهد لذلك قضية سعد بن معاذ مع أبي جهل ففي ( صحيح البخاري ) عن ~~عبد الله بن مسعود ، أنه حدث عن سعد بن معاذ : ( أنه كان صديقا لأمية بن ~~خلف ، وكان أمية إذا مر بالمدينة ms3471 نزل على سعد ، وكان سعد إذا مر بمكة نزل ~~على أمية ، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة انطلق سعد ~~معتمرا فنزل على أمية بمكة فقال لأمية انظر لي ساعة خلوة لعلي أطوف بالبيت ~~فخرج قريبا من نصف النهار ، فلقيهما أبو جهل ، فقال : يا أبا صفوان من ( ~~كنية أمية بن خلف ) هذا معك فقال : هذا سعد ، فقال له أبو جهل : ألا أراك ~~تطوف بالبيت آمنا وقد PageV09P336 آويتم الصباة أما والله لولا أنك مع أبي ~~صفوان ما رجعت إلى أهلك سالما ) الحديث . # وقد أفادت الآية : أنهم استحقوا العذاب فنبهت على أن ما أصابهم يوم بدر ، ~~من القتل والأسر ، هو من العذاب ، ولكن الله قد رحم هذه الأمة تكرمة لنبيه ~~محمد صلى الله عليه وسلم فلم يؤاخذ عامتهم بظلم الخاصة بل سلط على كل أحد ~~من العذاب ما يجازي كفره وظلمه وإذايته النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين ~~، ولذلك عذب بالقتل والأسر والإهانة نفرا عرفوا بالغلو في كفرهم وأذاهم ، ~~مثل النضر بن الحارث ، وطعيمة بن عدي ، وعقبة بن أبي معيط ، وأبي جهل ، ~~وعذب بالخوف والجوع من كانوا دون هؤلاء كفرا واستبقاهم وأمهلهم فكان عاقبة ~~أمرهم أن أسلموا بقرب أو بعد وهؤلاء مثل أبي سفيان ، وحكيم بن حزام ، وخالد ~~بن الوليد ، فكان جزاؤه إياهم على حسب علمه ، وحقق بذلك رجاء رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إذ قال : ( لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده ) . # وجملة : { وما كانوا أولياءه } في موضع الحال من ضمير { يصدون } والمقصود ~~من هذه الحال إظهار اعتدائهم في صدهم عن المسجد الحرام ، فإن من صد عما هو ~~له من الخير كان ظالما ، ومن صد عما ليس من حقه كان أشد ظلما ، ولذلك قال ~~تعالى : { ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه } ( البقرة : 114 ~~) أي لا أظلم منه أحد لأنه منع شيئا عن مستحقه . # وجملة : { إن أولياؤه إلا المتقون } تعيين لأوليائه الحق ، وتقرير لمضمون ~~{ وما كانوا أولياءه } مع زيادة ما أفاده القصر من ms3472 تعيين أوليائه ، فهي ~~بمنزلة الدليل على نفي ولاية المشركين ، ولذلك فصلت . # وإنما لم يكتف بجملة القصر مع اقتضائه أن غير المتقين ليسوا أولياء ~~المسجد الحرام ، لقصد التصريح بظلم المشركين في صدهم المسلمين عن المسجد ~~الحرام بأنهم لا ولاية لهم عليه ، فكانت جملة : { وما كانوا أولياءه } أشد ~~تعلقا بجملة : { وهم يصدون عن المسجد الحرام } من جملة : { إن أولياؤه إلا ~~المتقون } وكانت جملة : { إن أولياءه إلا المتقون } كالدليل ، فانتظم ~~الاستدلال أبدع انتظام ، ولما في إناطة ولاية المسجد الحرام بالمتقين من ~~الإشارة إلى أن المشركين الذين سلبت عنهم ولايته ليسوا من المتقين ، فهو ~~مذمة لهم وتحقيق للنفي بحجة . PageV09P337 # والاستدراك الذي أفاده { لكن } ناشىء عن المقدمتين اللتين تضمنتهما جملتا ~~{ وما كانوا أولياءه ، إن أولياؤه إلا المتقون } لأن ذلك يثير فرض سائل ~~يسأل عن الموجب الذي أقحمهم في الصد عنن المسجد الحرام ، ويحسبون أنهم ~~حقيقون بولايته لما تقدم عن ( الكشاف ) ، فحذف مفعول { يعلمون } لدلالة ~~الاستدراك عليه لتعلق الاستدراك بقوله : { وما كانوا أولياءه } . # وإنما نفى العلم عن أكثرهم دون أن يقال ولكنهم لا يعلمون فاقتضى أن منهم ~~من يعلم أنهم ليسوا أولياء المسجد الحرام ، وهم من أيقنوا بصدق الرسول صلى ~~الله عليه وسلم واستفاقوا من غفلتهم القديمة ، ولكن حملهم على المشايعة ~~للصادين عن المسجد الحرام ، العناد وطلب الرئاسة ، وموافقة الدهماء على ~~ضلالهم ، وهؤلاء هم عقلاء أهل مكة ومن تهيأ للإيمان منهم مثل العباسس وعقيل ~~بن أبي طالب وأبي سفيان بن حرب وحكيم بن حزم وخالد بن الوليد ، ومن ~~استبقاهم الله للإسلام فكانوا من نصرائه من بعد نزول هذه الآية . # # | 2 ( 35 ) { وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكآء وتصدية فذوقوا العذاب ~~بما كنتم تكفرون } . ) 2 # معطوفة على جملة { وهم يصدون عن المسجد الحرام } ( الأنفال : 34 ) ~~فمضمونها سبب ثان لاستحقاقهم العذاب ، وموقعها ، عقب جملة : { وما كانوا ~~أولياءه } ( الأنفال : 34 ) يجعلها كالدليل المقرر لانتفاء ولايتهم للمسجد ~~الحرام ، لأن من كان يفعل مثل هذا عند مسجد الله لم يكن من المتقين ، فكان ~~حقيقا بسلب ولاية المسجد عنه ، فعطفت الجملة ms3473 باعتبارها سببا للعذاب ، ولو ~~فصلت باعتبارها مقررة لسلب أهلية الولاية عنهم لصح ذلك ، ولكن كان الاعتبار ~~الأول أرجح ؛ لأن العطف أدل عليه مع كون موقعها يفيد الاعتبار الثاني . # والمكآء على صيغة مصادر الأصوات كالرغاء والثغاء والبكاء والنواح ، يقال ~~: مكا يمكو إذا صفر بفيه ، ومنه سمي نوع من الطير المكاء بفتح الميم وتشديد ~~الكاف ، وجمعه مكاكيء بهمزة في آخره بعد الياء ، وهو طائر أبيض يكون ~~بالحجاز . PageV09P338 # وعن الأصمعي قلت لمنتجع بن نبهان ( ما تمكو ) فشبك بين أصابعه ثم وضعها ~~على فمه ونفخ . # والتصدية التصفيق مشتقا من الصدى وهو الصوت الذي يرده الهواء محاكيا لصوت ~~صالح في البراح من جهة مقابلة . # ولا تعرف للمشركين صلاة ، فتسمية مكائهم وتصديتهم صلاة مشاكلة تقديرية ؛ ~~لأنهم لما صدوا المسلمين عن الصلاة وقراءة القرآن في المسجد الحرام عند ~~البيت . كان من جملة طرائق صدهم إياهم تشغيبهم عليهم وسخريتهم بهم يحاكون ~~قراءة المسلمين وصلاتهم بالمكاء والتصدية ، قال مجاهد : ( فعل ذلك نفر من ~~بني عبد الدار يخلطون على محمد صلاته ) وبنو عبد الدار هم سدنة الكعبة وأهل ~~عمارة المسجد الحرام فلما فعلوا ذلك للاستسخار من الصلاة سمي فعلهم ذلك ~~صلاة على طريقة المشاكلة التقديرية ، والمشاكلة ترجع إلى استعارة علاقتها ~~المشاكلة اللفظية أو التقديرية فلم تكن للمشركين صلاة بالمكاء والتصدية ، ~~وهذا الذي نحاه حذاق المفسرين : مجاهد ، وابن جبير ، وقتادة ، ويؤيد هذا ~~قوله : { فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } ( الأحقاف : 34 ) لأن شأن ~~التفريع أن يكون جزاء على العمل المحكي قبله ، والمكاء والتصدية لا يعدان ~~كفرا إلا إذا كانا صادرين للسخرية بالنبي صلى الله عليه وسلم وبالدين ، ~~وأما لو أريد مجرد لهو عملوه في المسجد الحرام فليس بمقتض كونه كفرا إلا ~~على تأويله بأثر من آثار الكفر كقوله تعالى : { إنما النسيء زيادة في الكفر ~~} ( التوبة : 37 ) . # ومن المفسرين من ذكر أن المشركين كانوا يطوفون بالبيت عراة ويمكون ~~ويصفقون روي عن ابن عباس كانت قريش يطوفون بالبيت عراة يصفقون ويصغرون ، ~~وعليه فإطلاق الصلاة على المكاء والتصدية مجاز مرسل ، قال طلحة بن عمرو : ~~أراني ms3474 سعيد بن جبير المكان الذي كانوا يمكون فيه نحو أبي قبيس ، فإذا صح ~~الذي قاله طلحة بن عمرو فالعندية في قوله : { عند البيت } بمعنى مطلق ~~المقاربة وليست على حقيقة ما يفيده ( عند ) من شدة القرب . # ودل قوله : { فذوقوا العذاب } على عذاب واقع بهم ، إذ الأمر هنا للتوبيخ ~~والتغليظ وذلك هو العذاب الذي حل بهم يوم بدر ، من قتل وأسر وحرب ( بفتح ~~الراء ) . PageV09P339 # { بما كنتم تكفرون } أي بكفركم ف ( ما ) مصدرية ، و { كان } إذا جعل ~~خبرها جملة مضارعية أفادت الاستمرار والعادة ، كقول عايشة ، ( فكانوا لا ~~يقطعون السارق في الشيء التافه ) وقول سعيد بن المسيب في ( الموطأ ) : ( ~~كانوا يعطون النفل من الخمس ) . # وعبر هنا ب { تكفرون } وفي سورة الأعراف ( 39 ) ب { تكسبون لأن العذاب ~~المتحدث عنه هنال لأجل الكفر . والمتحدث عنه في الأعراف لأجل الكفر ~~والإضلال وما يجره الإضلال من الكبرياء الروئاسة . # $ 2 ( 36 ، 37 ) إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله ~~فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفرو & # 1764 ا إلى جهنم يحشرون * ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه ~~على بعض فيركمه جميعا فيجعله فى جهنم أولائك هم الخاسرون } . ) 2 $ # لما ذكر صدهم المسلمين عن المسجد الحرام الموجب لتعذيبهم ، عقب بذكر ~~محاولتهم استيصال المسلمين وصدهم عن الإسلام وهو المعني ب { سبيل الله } ~~وجعلت الجملة مستأنفة ، غير معطوفة ، اهتماما بها أي أنهم ينفقون أموالهم ~~وهي أعز الأشياء عليهم للصد عن الإسلام ، وأتى بصيغة المضارع في { ينفقون } ~~للإشارة إلى أن ذلك دأبهم وأن الإنفاق مستمر لإعداد العدد لغزو المسلمين ، ~~فإنفاقهم حصل في الماضي ويحصل في الحال والاستقبال ، وأشعرت لام التعليل ~~بأن الإنفاق مستمر لأنه منوط بعلة ملازمة لنفوسهم وهي بغض الإسلام وصدهم ~~الناس عنه . # وهذا الإنفاق : أنهم كانوا يطعمون جيشهم يوم بدر اللحم كل يوم ، وكان ~~المطعمون اثني عشر رجلا وهم أبو جهل ، وأمية بن خلف ، والعباس بن عبد ~~المطلب وعتبة بن ربيعة ، والحارث بن عامر بن نوفل ، وطعمية بن عدي بن نوفل ~~، وأبو البختري والعاصي بن ms3475 هاشم ، وحكيم بن حزام ، والنضر بن الحارث ، ~~ونبيه بن حجاج السهمي ، وأخوه منبه ، وسهيل بن عمرو العامري ، كانوا يطعمون ~~في كل يوم عشر جزائر . وهذا الإنفاق وقع يوم بدر ، وقد مضى ، فالتعبير عنه ~~بصيغة المضارع لاستحضار حالة الإنفاق وأنها حالة عجيبة في وفرة النفقات . # وهو جمع بالإضافة يجعله من صيغ العموم ، فكأنه قيل ينفقون أموالهم كلها ~~مبالغة ، وإلا فإنهم ينفقون بعض أموالهم . PageV09P340 # والفاء في { فسينفقونها } تفريع على العلة لأنهم لما كان الإنفاق دأبهم ~~لتلك العلة المذكورة ، كان مما يتفرع على ذلك تكرر هذا الانفاق في المستقبل ~~، أي ستكون لهم شدائد من بأس المسلمين تضطرهم إلى تكرير الانفاق على الجيوش ~~لدفاع قوة المسلمين . # وضمير { ينفقونها } راجع إلى الأموال لا بقيد كونها المنفقة بل الأموال ~~الباقية أو بما يكتسبونه . # و { ثم } للتراخي الحقيقي والرتبي ، أي وبعد ذلك تكون تلك الأموال التي ~~ينفقونها حسرة عليهم ، والحسرة شدة الندامة والتلهف على ما فات ، وأسندت ~~الحسرة إلى الأموال لأنها سبب الحسرة بإنفاقها . ثم إن الإخبار عنها بنفس ~~الحسرة مبالغة مثل الإخبار بالمصادر ، لأن الأموال سبب التحسر لا سبب ~~الحسرة نفسها . # وهذا إنذار بأنهم لا يحصلون من إنفاقهم على طائل فيما أنفقوا لأجله ، لأن ~~المنفق إنما يتحسر ويندم إذا لم يحصل له المقصود من إنفاقه . ومعنى ذلك ~~أنهم ينفقون ليغلبوا فلا يغلبون ، فقد أنفقوا بعد ذلك على الجيش يوم أحد : ~~استأجر أبو سفيان ألفين من الأحابيش لقتال المسلمين يوم أحد . والأحابيش : ~~فرق من كنانة تجمعت من أفذاذ شتى وحالفوا قريشا وسكنوا حول مكة سمو أحابيش ~~جمع أحبوش وهو الجماعة أي الجماعات فكان ما أحرزوه من النصر كفاء لنصر يوم ~~بدر ، بل كان نصر يوم بدر أعظم . ولذلك اقتنع أبو سيفيان يوم أحد أن يقول ( ~~يوم بيوم بدر والحرب سجال ) وكان يحسب أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قتل ~~وأن أبا بكر وعمر قتلا فخاب في حسابه ، ثم أنفقوا على الأحزاب حين هاجموا ~~المدينة ثم انصرفوا بلا طائل ، فكان إنفاقهم حسرة عليهم . # وقوله : { ثم يغلبون } ارتقاء ms3476 في الإنذار بخيبتهم وخذلانهم ، فإنهم بعد ~~أن لم يحصلوا من إنفاقهم على طائل توعدوا بأنهم سيغلبهم المسلمون بعد أن ~~غلبوهم أيضا يوم بدر ، وهو إنذار لهم بغلب فتح مكة وانقطاعع دابر أمرهم ، ~~وهذا كالإنذار في قوله : { قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس ~~المهاد } ( آل عمران : 12 ) وإسناد الفعل إلى المجهول لكون فاعل الفعل ~~معلوما بالسياق فإن أهل مكة ما كانوا يقاتلون غير PageV09P341 المسلمين ~~وكانت مكة لقاحا . # و { ثم } للتراخي الحقيقي والرتبي مثل التي قبلها . # كان مقتضى الظاهر أن يقال وإلى حهنم يحشرون كما قال في الآية الأخرى : { ~~قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد } ( آل عمران : 12 ) ~~فعدل عن الإضمار هنا إلى الإظهار تخريجا على خلاف مقتضى الظاهر ، للإفصاح ~~عن التشنيع بهم في هذا الإنذار حتى يعاد استحضار وصفهم بالكفر بإصرح عبارة ~~، وهذا كقول عويف القوافي : # اللؤم أكرم من وبر ووالده # واللؤم أكرم من وبر وما ولدا # لقصد زيادة تشنيع وبر المهجو بتقرير اسمه واسم اللؤم الذي شبه به تشبيها ~~بليغا . # وعرفوا بالموصولية إيماء إلى أن علة استحقاقهم الأمرين في الدنيا والآخرة ~~هو وصف الكفر ، فيعلم أن هذا يحصل لمن لم يقلعوا عن هذا الوصف قبل حلول ~~الأمرين بهم . # و { ليميز } متعلق ب { يحشرون } لبيان أن من حكمة حشرهم إلى جهنم أن ~~يتميز الفريق الخبيث من الناس من الفريق الطيب في يوم الحشر ، لأن العلة ~~غير المؤثرة تكون متعددة ، فتمييز الخبيث من الطيب من جملة الحكم لحشر ~~الكافرين إلى جهنم . # وقرأ الجمهور { ليميز } بفتح التحتية الأولى وكسر الميم وسكون التحتية ~~الثانية مضارع ماز بمعنى فرز وقرأ حمزة والكسائي ، ويعقوب ، وخلف : بضم ~~التحتية الأولى وفتح الميم التحتية وتشديد الثانية . مضارع ميز إذا محص ~~الفرز وإذ أسند هذا الفعل إلى الله تعالى استوت القراءتان . PageV09P342 # والخبيث الشيء الموصوف بالخبث والخباثة وحقيقة ذلك أنه حالة حشية لشيء ~~تجعله مكروها مثل القذر ، والوسخ ، ويطلق الخبث مجازا على الحالة المعنوية ~~من نحو ما ذكرنا تشبيها للمعقول بالمحسوس ، وهو مجاز مشهور ، والمراد به ms3477 ~~هنا خسة النفوس الصادرة عنها مفاسد الأعمال ، والطيب الموصوف بالطيب ضد ~~الخبث بإطلاقيه فالكفر خبث لأن أساسه الإعتقاد ، الفاسد ، فنفس صاحبه تتصور ~~الأشياء على خلاف حقايقها فلا جرم أن تأتي صاحبها بالأفعال على خلاف وجهها ~~، ثم إن شرائع أهل الكفر تأمر بالمفاسد والضلالات وتصرف عن المصالح ~~والهداية بسبب السلوك في طرائق الجهل وتقليبب حقائق الأمور ، وما من ضلالة ~~إلا وهي تفضي بصاحبها إلى أخرى مثلها ، والإيمان بخلاف ذلك . # و ( من ) في قوله : { من الطيب } للفصل ، وتقدم بيانها عند قوله تعالى : ~~{ والله يعلم المفسد من المصلح } في سورة البقرة ( 220 ) . # وجعل الخبيث بعضه على بعض : علة أخرى لحشر الكافرين إلى حهنم ولذلك عطف ~~بالواو فالمقصود جمع الخبيث وإن اختلفت أصنافه في مجمع واحد ، لزيادة ~~تمييزه عن الطيب ، ولتشهير من كانوا يسرون الكفر ويظهرون الإيمان ، وفي ~~جمعه بهذه الكيفية تذليل لهم وإيلام ، إذ يجعل بعضهم على بعض حتى يصيروا ~~ركاما . # والركم : ضم شيء أعلى إلى أسفل منه ، وقد وصف السحاب بقوله : { ثم يجعله ~~ركاما } ( النور : 43 ) . # واسم الإشارة ب { أولئك هم الخاسرون } للتنبيه على أن استحقاقهم الخبر ~~الواقع عن اسم الإشارة كان بسبب الصفات التي ذكرت قبل اسم الإشارة ، فإن من ~~كانت تلك حاله كان حقيقا بأنه قد خسر أعظم الخسران ، لأنه خسر منافع الدنيا ~~ومنافع الآخرة . # فصيغة القصر في قوله : { هم الخاسرون } هي للقصر الادعائي ، للمبالغة في ~~اتصافهم بالخسران ، حتى يعد خسران غيرهم كلا خسران وكأنهم انفردوا بالخسران ~~من بين الناس . # PageV09P343 $ 2 ( 38 ) { قل للذين كفرو & # 1764 ا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنت الاولين } . ~~) 2 $ # جرى هذا الكلام على عادة القرآن في تعقيب الترهيب بالترغيب ، والوعيد ~~بالوعد ، والعكس ، فأنذرهم بما أنذر ، وتوعدهم بما توعد ثم ذكرهم بأنهم ~~متمكنون من التدارك وإصلاح ما أفسدوا ، فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم ~~بأن يقول لهم ما يفتح لهم باب الإنابة . # والجملة استيناف يصح جعله بيانيا لأن ما تقدم بين يديه من الوعيد وقلة ~~الاكتراث بشأنهم ، وذكر ms3478 خيبة مساعيهم ، مما يثير في أنفس بعضهم والسامعين ~~أن يتساءلوا عما إذا بقي لهم مخلص ينجيهم من ورطتهم التي ارتبقوا فيها ، ~~فأمر الرسول بأن يقول لهم هذا المقال ليريهم أن باب التوبة مفتوح ، ~~والإقلاع في مكنتهم . # وأسند الفعل في الجملة المحكية بالقول إلى ضمير الغائبين لأنه حكاية ~~بالمعنى روعي فيها جانب المخاطب بالأمر تنبيها على أنه ليس حظه مجرد تبليغ ~~مقالة ، فجعل حظه حظ لمخبر بالقضية الذي يراد تقررها لديه قبل تبليغها ، ~~وهو إذا بلغ إليهم يبلغ إليهم ما أعلم به وبلغ إليه ، فيكون مخبرا بخبر ~~وليس مجرد حامل لرسالة . # والمراد بالانتهاء : الانتهاء عن شيء معلوم دل عليه وصف الكفر هنا وما ~~تقدمه من أمثاله وآثاره من الانفاق للصد عن سبيل الله ، أي إن ينتهوا عن ~~ذلك ، وإنما يكون الانتهاء عن ذلك كله بالإيمان . # و { ما قد سلف } هو ما أسلفوه من الكفر وآثاره ، وهذا ، وإن كان قضية ~~خاصة بالمشركين المخاطبين ، فهو شامل كل كافر لتساوي الحال . # ولفظ الغفران حقيقة شرعية في العفو عن جزاء الذنوب في الآخرة ، وذلك مهيع ~~الآية فهو معلوم منها بالقصد الأول لا محالة ، ويلحق به هنا عذاب الله في ~~الدنيا لقوله : { فقد مضت سنة الأولين } . # واستنبط أيمتنا من هذه الآية أحكاما للأفعال والتبعات التي قد تصدر من ~~الكافر في PageV09P344 حال كفره فإذا هو أسلم قبل أن يؤاخذ بها هل يسقط عنه ~~إسلامه التبعات بها . # وذلك يرجع إلى ما استقريته وأصلته في دلالة آي القرآن على ما يصح أن تدل ~~عليه ألفاظها وتراكيبها في المقدمة التاسعة من هذا التفسير ، فروى ابن ~~العربي في ( الأحكام ) أن ابن القاسم ، وأشهب ، وابن وهب ، رووا عن مالك في ~~هذه الآية : أن من طلق في الشرك ثم أسلم فلا طلاق عليه ، ومن حلف يمينا ثم ~~أسلم فلا حنث عليه فيها ، وروى عن مالك : إنما يعني عز وجل ما قد مضى قبل ~~الإسلام من مال أو دم أو شيء ، قال ابن العربي وهو الصواب لعموم قوله : { ~~إن ينتهوا يغفر لهم ما قد ms3479 سلف } ، وإن ابن القاسم ، وابن وهب ، رويا عن ~~مالك أن الكافر إذا افترى على مسلم أو سرق ثم أسلم يقام عليه الحد ، ولو ~~زنى ثم أسلم أو اغتصب مسلمة ثم أسلم لسقط عنه الحد تفرقة بين ما كان حقا ~~لله محضا وما كان فيه حق للناس . # وذكر القرطبي عن ابن المنذر : أنه حكى مثل ذلك عن الشافعي ، وأنه احتج ~~بهذه الآية ، وفي ( المدونة ) تسقط عنه الحدود كلها . # وذكر في ( الكشاف ) عن أبي حنيفة أن الحربي إذا أسلم لم تبق عليه تبعة ، ~~وأما الذمي فلا يلزمه قضاء حقوق الله وتبقى عليه حقوق الآدميين ، واحتج ~~بهذه الآية ، وفي كتب الفتوى لعلماء الحنفية بعض مخالفة لهذا ، وحكوا في ~~المرتد إذا تاب وعاد إلى الإسلام أنه لا يلزمه قضاء ما فاته من الصلاة ولا ~~غرم ما أصاب من جنايات ومتلفات . وعن الشافعي يلزم ذلك كله وهو ما نسبه ابن ~~العربي إلى الشافعي بخلاف ما نسبه إليه ابن المنذر كما تقدم وعن أبي حنيفة ~~يسقط عنه كل حق هو لله ولا يسقط عنه حق الناس وحجة الجميع هذه الآية تعميما ~~وتخصيصا بمخصصات أخرى . # وفي قوله تعالى : { إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف } محسن بديعي وهو ~~الاتزان لأنه في ميزان الرجز . # والمراد بالعود الرجوع إلى ما هم فيه من مناوأة الرسول صلى الله عليه ~~وسلم والمسلمين ، والتجهز لحربهم ، مثل صنعهم يوم بدر ، وليس المراد عودهم ~~إلى الكفر بعد الانتهاء لأن مقابلته بقوله : { إن ينتهوا } تقتضي أنه ترديد ~~بين حالتين لبيان ما يترتب على كل واحدة منهما وهذا كقول العرب بعضهم لبعض ~~: ( أسلم أنت أم حرب ) ولأن الذين كفروا PageV09P345 لما يفارقوا الكفر بعد ~~فلا يكون المراد بالعود عودهم إلى الكفر بعد أن يسلموا . # والسنة العادة المألوفة والسيرة . وقد تقدم في قوله تعالى : { قد خلت من ~~قبلكم سنن } في آل عمران ( 137 ) . # ومعنى { مضت } تقدمت وعرفها الناس . # وهذا الخبر تعريض بالوعيد بأنهم سيلقون ما لقيه الأولون ، والقرينة على ~~إرادة التعريض بالوعيد أن ظاهر الإخبار بمضي سنة الأولين ms3480 ، وهو من الإخبار ~~بشيء معلوم للمخبرين به ، وبهذا الاعتبار حسن تأكيده بقد إذ المراد تأكيد ~~المعنى التعريضي . # وبهذا الاعتبار صح وقوع قوله : { فقد مضت سنة الأولين } جزاء للشرط . ~~ولولا ذلك لما كان بين الشرط وجوابه ملازمة في شيء . # والأولون : السابقون المتقدمون في حالة ، والمراد هنا الأمم التي سبقت ~~وعرفوا أخبارهم أنهم كذبوا رسل الله فلقوا عذاب الاستيصال مثل عاد وثمود ~~قال تعالى : { فهل ينظرون إلا سنة الأولين } ( فاطر : 43 ) . # ويجوز أن المراد بالأولين أيضا السابقون للمخاطبين من قومهم من أهل مكة ~~الذين استأصلهم السيف يوم بدر ، وفي كل أولئك عبرة للحاضرين الباقين ، ~~وتهديد بأن يصيروا مصيرهم . # $ 2 ( 39 ، 40 ) { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن ~~انتهوا فإن الله بما يعملون بصير * وإن تولوا فاعلمو & # 1764 ا أن الله مولاكم نعم المولى ونعم النصير } . ) 2 $ # عطف على جملة { إن الذين كفروا ينفقون أموالهم } ( الأنفال : 36 ) الآية ~~، ويجوز أن تكون عطفا على جملة { فقد مضت سنة الأولين } ( الأنفال : 38 ) ~~فتكون مما يدخل في حكم جواب الشرط . والتقدير : فإن يعودوا فقاتلوهم ، ~~كقوله : { وإن عدتم عدنا } ( الإسراء : 8 ) وقوله { وإن توليتم فاعلموا ~~أنكم غير معجزي الله } ( التوبة : 3 ) والضمير عائد إلى مشركي مكة . # والفتنة اضطراب أمر الناس ومرجهم ، وقد تقدم بيانها غير مرة ، منها عند ~~قوله PageV09P346 تعالى : { إنما نحن فتنة فلا تكفر في سورة البقرة ( 102 ) ~~وقوله : وحسبوا أن لا تكون فتنة } في سورة العقود ( 71 ) . # والمراد هنا أن لا تكون فتنة من المشركين لأنه لما جعل انتفاء والفتنة ~~غاية لقتالهم ، وكان قتالهم مقصودا منه إعدامهم أو إسلامهم ، وبأحد هذين ~~يكون انتفاء الفتنة ، فنتج من ذلك أن الفتنة المراد نفيها كانت حاصلة منهم ~~وهي فتنتهم المسلمين لا محالة ، لأنهم إنما يفتنون من خالفهم في الدين فإذا ~~أسلموا حصل انتفاء فتنتهم وإذا أعدمهم الله فكذلك . # وهذه الآية دالة على ما ذهب إليه جمهور علماء الأمة من أن قتال المشركين ~~واجب حتى يسلموا ، وأنهم لا تقبل منهم الجزية ، ولذلك قال الله تعالى ms3481 هنا : ~~{ حتى لا تكون فتنة } وقال في الآية الأخرى { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ~~ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من ~~الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } ( التوبة : 29 ) . # وهي أيضا دالة على ما رآه المحققون من مؤرخينا : من أن قتال المسلمين ~~المشركين إنما كان أوله دفاعا لأذى المشركين ضعفاء المسلمين ، والتضييقق ~~عليهم حيثما حلوا ، فتلك الفتنة التي أشار إليها القرآن ولذلك قال في الآية ~~الأخرى : { واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من ~~القتل } ( البقرة : 191 ) . # والتعريف في { الدين } للجنس وتقدم الكلام على نظيرها في سورة البقرة ، ~~إلا أن هذه الآية زيد فيها اسم التأكيد وهو { كله } وذلك لأن هذه الآية ~~أسبق نزولا من آية البقرة فاحتيج فيها إلى تأكيد مفاد صيغة اختصاص جنس ~~الدين بأنه لله تعالى ، لئلا يتوهم الاقتناع بإسلام غالب المشركين فلما ~~تقرر معنى العموم وصار نصا من هذه الآية عدل عن إعادته في آية البقرة تطلبا ~~للإيجاز . # وقوله : { فإن الله بما يعملون بصير } أي عليم كناية عن حسن مجازاته ~~إياهم لأن القادر على نفع أوليائه ومطيعيه لا يحول بينه وبين إيصال النفع ~~إليهم الإخفاء حال من يخلص إليه ، فلما أخبروا بأن الله مطلع على انتهائهم ~~عن الكفر إن انتهوا عنه وكان ذلك لا يظن خلافه علم أن المقصود لازم ذلك . ~~PageV09P347 # وقرأ الجمهور : { يعلمون } بياء الغائب وقرأه رويس عن يعقوب بتاء الخطاب ~~. # والتولي : الإعراض وقد تقدم عند قوله تعالى : { فإن توليتم فاعلموا أنما ~~على رسولنا البلاغ المبين } في سورة العقود ( 92 ) . # والمولى الذي يتولى أمر غيره ويدفع عنه وفيه معنى النصر . # والمعنى وإن تولوا عن هاته الدعوة فالله مغن لكم عن ولائهم ، أي لا يضركم ~~توليهم فقوله : { أن الله مولاكم } يؤذن بجواب محذوف تقديره : فلا تخافوا ~~توليهم فإن الله مولاكم وهو يقدر لكم ما فيه نفعكم حتى لا تكون فتنة . وهذا ~~كقول النبي صلى الله عليه وسلم لمسيلمة الكذاب ( ولئن توليت ليعفرنك الله ms3482 ) ~~وإنما الخسارة عليهم إذ حرموا السلامة والكرامة . # وافتتاح جملة جواب الشرط ب { اعلموا } لقصد الاهتمام بهذا الخبر وتحقيقه ~~، أي لا تغفلوا عن ذلك ، كما مر آنفا عند قوله تعالى : { واعلموا أن الله ~~يحول بين المرء وقلبه } ( الأنفال : 24 ) . # وجملة : { نعم المولى ونعم النصير } مستأنفة لأنها إنشاء ثناء على الله ~~فكانت بمنزلة التذييل . # وعطف على { نعم المولى } قوله : { ونعم النصير } لما في المولى من معنى ~~النصر كما تقدم وقد تقدم بيان عطف قوله تعالى : { ونعم الوكيل } على قوله : ~~{ حسبنا الله } سورة آل عمران ( 173 ) . # PageV09P348 # | سورة الأنفال # # | 2 ( 41 ) # { واعلمو ا أنما غنمتم من شىء فأن لله خمسه وللرسول ولذى القربى واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل إن كنتم ءامنتم بالله ومآ أنزلنا على عبدنا يوم ~~الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شىء قدير } . ) 2 # # انتقال لبيان ما أجمل من حكم الأنفال ، الذي افتتحته السورة ، ناسب ~~الانتقال إليه ما جرى من الأمر بقتال المشركين إن عادوا إلى قتال المسلمين ~~. والجملة معطوفة على جملة { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة } ( الأنفال : 39 ) ~~. | # وافتتاحه ب { اعلموا } للاهتمام بشأنه ، والتنبيه على رعاية العمل به ، ~~كما تقدم في قوله : { واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه } ( الأنفال : ~~24 ) فإن المقصود بالعلم تقرر الجزم بأن ذلك حكم الله ، والعمل بذلك ~~المعلوم ، فيكون { اعلموا } كناية مرادا به صريحه ولازمه . والخطاب لجميع ~~المسلمين وبالخصوص جيش بدر ، وليس هذا نسخا لحكم الأنفال المذكور أول ~~السورة ، بل هو بيان لإجمال قوله : { لله . . وللرسول } وقال أبو عبيد : ~~إنها ناسخة ، وأن الله شرع ابتداء أن قسمة المغانم لرسوله صلى الله عليه ~~وسلم يريد أنها لاجتهاد الرسول بدون تعيين ، ثم شرع التخميس . وذكروا : أن ~~رسول الله لم يخمس مغانم بدر ، ثم خمس مغانم أخرى بعد بدر ، أي بعد نزول ~~آية سورة الأنفال ، وفي حديث علي : أن رسول الله أعطاه شارفا من الخمس يوم ~~بدر ، فاقتضت هذه الرواية أن مغانم بدر خمست . | PageV10P005 # وقد اضطربت أقوال المفسرين قديما في المراد من المغنم في هذه الآية ، ولم ~~تنضبط تقارير ms3483 أصحاب التفاسير في طريقة الجمع بين كلامهم على تفاوت بينهم في ~~ذلك ، ومنهم من خلطها مع آية سورة الحشر ، فجعل هذه ناسخة لآية الحشر ~~والعكس ، أو أن إحدى الآيتين مخصصة للأخرى : إما في السهام ، وإما في أنواع ~~المغانم ، وتفصيل ذلك يطول . وترددوا في مسمى الفيء فصارت ثلاثة أسماء ~~مجالا لاختلاف الأقوال : النفل ، والغنيمة ، والفيء . | # والوجه عندي في تفسير هذه الآية ، واتصالها بقوله : { يسألونك عن الأنفال ~~} ( الأنفال : 1 ) أن المراد بقوله : { ما غنمتم } في هذه الآية : ما حصلتم ~~من الغنائم من متاع الجيش ، وذلك ما سمي بالأنفال ، في أول السورة ، فالنفل ~~والغنيمة مترادفان ، وذلك مقتضى استعمال اللغة ، فعن ابن عباس ، ومجاهد ، ~~والضحاك ، وقتادة ، وعكرمة ، وعطاء : الأنفال الغنائم . وعليه فوجه ~~المخالفة بين اللفظين إذ قال تعالى هنا { غنمتم } وقال في أول السورة ( ~~الأنفال : 1 ) : { يسألونك عن الأنفال } لاقتضاء الحال التعبير هنا بفعلل ، ~~وليس في العربية فعل من مادة النفل يفيد إسناد معناه إلى من حصل له ، ولذلك ~~فآية { واعلموا أنما غنمتم } سيقت هنا بيانا لآية { يسألونك عن الأنفال ~~فإنهما وردتا في انتظام متصل من الكلام . ونرى أن تخصيص اسم النفل بما ~~يعطيه أمير الجيش أحد المقاتلين زائدا على سهمه من الغنيمة سواء كان سلبا ~~أو نحوه مما يسعه الخمس أو من أصل مال الغنيمة على الخلاف الآتي ، إنما هو ~~اصطلاح شاع بين أمراء الجيوش بعد نزول هذه الآية ، وقد وقع ذلك في كلام عبد ~~الله بن عمر ، وأما ما روي عن ابن عباس : أن الأنفال ما يصل إلى المسلمين ~~بغير قتال ، فجعلها بمعنى الفيء ، فمحمله على بيان الاصطلاح الذي اصطلحوا ~~عليه من بعد . | # وتعبيرات السلف في التفرقة بين الغنيمة والنفل غير مضبوطة ، وهذا ملاك ~~الفصل في هذا المقام لتمييز أصناف الأموال المأخوذة في القتال ، فأما صور ~~قسمتها فسيأتي بعضها في هذه الآية . | # فاصطلحوا على أن الغنيمة ، ويقال : لها المغنم ، ما يأخذه الغزاة من ~~أمتعة المقاتلين غصبا ، بقتل أو بأسر ، أو يقتحمون ديارهم غازين ، أو ~~مايتركه الأعداء PageV10P006 في ديارهم ، إذا فروا عند هجوم ms3484 الجيش عليهم ~~بعد ابتداء القتال . فأما ما يظفر به الجيش في غير حالة الغزو من مال العدو ~~، وما يتركه العدو من المتاع إذا أخلوا بلادهم قبل هجوم جيش المسلمين ، ~~فذلك الفيء وسيجيء في سورة الحشر . | # وقد اختلف فقهاء الأمصار في مقتضى هذه الآية مع آية يسألونك عن الأنفال } ~~( الأنفال : 1 ) إلخ . فقال مالك : ليس أموال العدو المقاتل حق لجيش ~~المسلمين إلا الغنيمة والفيء . وأما النفل فليس حقا مستقلا بالحكم ، ولكنه ~~ما يعطيه الإمام من الخمس لبعض المقاتلين زائدا على سهمه من الغنيمة ، على ~~ما يرى من الاجتهاد ، ولا تعيين لمقدار النفل في الخمس ولا حد له ، ولا ~~يكون فيما زاد على الخمس . هذا قول مالك ورواية عن الشافعي . وهو الجاري ~~على ما عمل به الخلفاء الثلاثة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال أبو ~~حنيفة ، والشافعي ، في أشهر الروايتين عنه ، وسعيد بن المسيب : النفل من ~~الخمس وهو خمس الخمس . | # وعن الأوزاعي ، ومكحول ، وجمهور الفقهاء : النفل ما يعطى من الغنيمة يخرج ~~من ثلث الخمس . | # و ( ما ) في قوله : { أنما } اسم موصول وهو اسم ( أن ) وكتبت هذه في ~~المصحف متصلة ب ( أن ) لأن زمان كتابة المصحف كان قبل استقرار قواعد الرسم ~~وضبط الفروق فيه بين ما يتشابه نطقه ويختلف معناه ، فالتفرقة في الرسم بين ~~( ما ) الكافة وغيرها لم ينضبط زمن كتابة المصاحف الأولى ، وبقيت كتابة ~~المصاحف على مثال المصحف الإمام مبالغة في احترام القرآن عن التغيير . | # و { من شيء } بيان لعموم ( ما ) لئلا يتوهم أن المقصود غنيمة معينة خاصة ~~. والفاء في قوله : { فأن لله خمسه } لما في الموصول من معنى الاشتراط ، ~~وما في الخبر من معنى المجازاة بتأويل : إن غنمتم فحق لله خمسه إلخ . | # والمصدر المؤول بعد ( أن ) في قوله : { فأن لله خمسه } مبتدأ حذف خبره ، ~~أو خبر حذف مبتدؤه ، وتقدير المحذوف بما يناسب المعنى الذي دلت عليه لام ~~الاستحقاق ، أي فحق لله خمسه . وإنما صيغ على هذا النظم ، مع كون معنى ~~اللام كافيا في الدلالة PageV10P007 على الأحقية ، كما قرىء في ms3485 الشاذ { ~~فلله خمسه } لما يفيده الإتيان بحرف ( أن ) من الإسناد مرتين تأكيدا ، ولأن ~~في حذف أحد ركني الإسناد تكثيرا لوجوه الاحتمال في المقدر ، من نحو تقدير : ~~حق ، أو ثبات ، أو لازم ، أو واجب . | # واللام للملك ، أو الاستحقاق ، وقد علم أن أربعة الأخماس للغزاة الصادق ~~عليهم ضمير { غنمتم } فثبت به أن الغنيمة لهم عدا خمسها . | # وقد جعل الله خمس الغنيمة حقا لله وللرسول ومن عطف عليهما ، وكان أمر ~~العرب في الجاهلية أن ربع الغنيمة يكون لقائد الجيش ، ويسمى ذلك ( المرباع ~~) بكسر الميم . | # وفي عرف الإسلام إذا جعل شيء حقا لله ، من غير ما فيه عبادة له : أن ذلك ~~يكون للذين يأمر الله بتسديد حاجتهم منه ، فلكل نوع من الأموال مستحقون ~~عينهم الشرع ، فالمعنى في قوله : { فأن لله خمسه } أن الابتداء باسم الله ~~تعالى للإشارة إلى أن ذلك الخمس حق الله يصرفه حيث يشاء ، وقد شاء فوكل ~~صرفه إلى رسوله صلى الله عليه وسلم ولمن يخلف رسوله من أئمة المسلمين . ~~وبهذا التأويل يكون الخمس مقسوما على خمسة أسهم ، وهذا قول عامة علماء ~~الإسلام وشذ أبو العالية رفيع الرياحي ولاء من التابعين ، فقال : إن الخمس ~~يقسم على خمسة أسهم فيعزل منها سهم فيضرب الأمير بيده على ذلك السهم الذي ~~عزله فما قبضت عليه يده من ذلك جعله للكعبة : أي على وجه يشبه القرعة ، ثم ~~يقسم بقية ذلك السهم على خمسة : سهم للنبيء صلى الله عليه وسلم وسهم لذوي ~~القربى ، وسهم لليتامى ، وسهم للمساكين ، وسهم لابن السبيل . ونسب أبو ~~العالية ذلك إلى فعل النبي صلى الله عليه وسلم | # وأما الرسول عليه الصلاة والسلام فلحقه حالتان : حالة تصرفه في مال الله ~~بما ائتمنه الله على سائر مصالح الأمة ، وحالة انتفاعه بما يحب انتفاعه به ~~من ذلك . فلذلك ثبت في الصحيح : أن النبي صلى PageV10P008 الله عليه وسلم ~~كان يأخذ من الخمس نفقته ونفقة عياله ، ويجعل الباقي مجعل مال الله . وفي ~~الصحيح : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الفيء ( مالي مما أفاء الله ~~عليكم إلا ms3486 الخمس والخمس مردود عليكم ) فيقاس عليه خمس الغنيمة ، وكذلك كان ~~شأن رسول الله في انتفاعه بما جعله الله له من الحق في مال الله . وأوضح ~~شيء في هذا الباب حديث عمر بن الخطاب في محاورته مع العباس وعلي ، حين ~~تحاكما إليه ، رواه مالك في ( الموطأ ) ورجال ( الصحيح ) ، قال عمر : ( إن ~~الله كان قد خص رسوله في هذا الفيء بشيء لم يعطه غيره قال { ما أفاء الله ~~على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين } ( ~~الحشر : 7 ) فكانت هذه خالصة لرسول الله ، ووالله ما احتازها دونكم ولا ~~استأثر بها عليكم قد أعطاكموها وبثها فيكم حتى بقي منها هذا المال . فكان ~~رسول الله ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال ثم يأخذ ما بقي فيجعله ~~مجعل مال الله ) . والغرض من جلب كلام عمر قوله : ( ثم يأخذ ما بقي فيجعله ~~مجعل مال الله ) . | # وأما ذو { القربى } ف ( أل ) في { القربى } عوض عن المضاف إليه كما في ~~قوله تعالى في سورة البقرة ( 177 ) { وآتى المال على حبه ذوي القربى أي ذوي ~~قرابة المؤتي المال . والمراد هنا هو ( الرسول ) المذكور قبله ، أي ولذوي ~~قربى الرسول ، والمراد ب ( ذي ) الجنس ، أي : ذوي قربى الرسول ، أي : ~~قرابته ، وذلك إكرام من الله لرسوله إذ جعل لأهل قرابته حقا في مال الله ، ~~لأن الله حرم عليهم أخذ الصدقات والزكاة . فلا جرم أنه أغناهم من مال الله ~~. ولذلك كان حقهم في الخمس ثابتا بوصف القرابة . | # فذو القربى مراد به كل من اتصف بقرابة الرسول عليه الصلاة والسلام فهو ~~عام في الأشخاص ، ولكن لفظ القربى } جنس فهو مجمل ، وأجملت رتبة القرابة ~~إحالة على المعروف في قربى الرجل ، وتلك هي قربى نسب الآباء دون الأمهات . ~~ثم إن نسب الآباء بين العرب يعد مشتركا إلى الحد الذي تنشق منه الفصائل ، ~~ومحملها الظاهر على عصبة الرجل من أبناء جده الأدنى . وأبناء أدنى أجداد ~~النبي صلى الله عليه وسلم هم بنو عبد المطلب بن هاشم ، وإن شئت فقل : هم ~~بنو هاشم ms3487 ، لأن هاشما لم يبق له عقب في زمن النبي صلى الله عليه وسلم إلا ~~من عبد المطلب ، فالأرجح أن قربى الرسول صلى الله عليه وسلم هم بنو هاشم ، ~~وهذا قول مالك PageV10P009 وجمهور أصحابه ، وهو إحدى روايتين عن أحمد بن ~~حنبل ، وقاله ابن عباس ، وعلي بن الحسين ، وعبد الله بن الحسن ، ومجاهد ، ~~والأوزاعي ، والثوري . وذهب الشافعي ، وأحمد في إحدى روايتين عنه ، التي ~~جرى عليها أصحابه ، وإسحاق وأبو ثور : أن القربى هنا : هم بنو هاشم وبنو ~~المطلب ، دون غيرهم من بني عبد مناف . ومال إليه من المالكية ابن العربي ، ~~ومتمسك هؤلاء ما رواه البخاري ، وأبو داود ، والنسائي ، عن جبير بن مطعم : ~~أنه قال : أتيت أنا وعثمان بن عفان رسول الله نكلمه فيما قسم من الخمس بين ~~بني هاشم وبني المطلب فقلت يا رسول الله : قسمت لإخواننا بني المطلب ولم ~~تعطنا شيئا ، وقرابتنا وقرابتهم واحدة فقال : ( إنما بنو هاشم وبنو المطلب ~~شيء واحد ) . وهو حديث صحيح لا نزاع فيه ، ولا في أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أعطى بني هاشم وبني المطلب دون غيرهم . ولكن فعل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فيه يحتمل العموم في الأموال المعطاة ويحتمل الخصوص لأمور : ~~أحدها : أن للنبيء صلى الله عليه وسلم في حياته سهما من الخمس فيحتمل أنه ~~أعطى بني المطلب عطاء من سهمه الخاص ، جزاء لهم على وفائهم له في الجاهلية ~~، وانتصارهم له ، وتلك منقبة شريفة أيدوا بها دعوة الدين وهم مشركون ، فلم ~~يضعها الله لهم ، وأمر رسوله بمواساتهم ، وذلك لا يكسبهم حقا مستمرا . | # ثانيها : أن الحقوق الشرعية تستند للأوصاف المنضبطة ، فالقربى هي النسب ، ~~ونسب رسول الله صلى الله عليه وسلم لهاشم ، وأما بنو المطلب فهم وبنو عبد ~~شمس وبنو نوفل في رتبة واحدة من قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن ~~آباءهم هم أبناء عبد مناف ، وأخوة لهاشم ، فالذين نصروا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وظاهروه في الجاهلية كانت لهم المزية ، وهم الذين أعطى رسول الله ~~أعيانهم ولم يثبت أنه أعطى ms3488 من نشأ بعدهم من أبنائهم الذين لم يحضروا ذلك ~~النصر ، فمن نشأ بعدهم في الإسلام يساوون أبناء نوفل وأبناء عبد شمس ، فلا ~~يكون في عطائه ذلك دليل على تأويل ذي القربى في الآية ببني هاشم وبني ~~المطلب . | # أما قول أبي حنيفة فقال الجصاص في ( أحكام القرآن ) : قال أبو حنيفة في ( ~~الجامع الصغير ) : يقسم الخمس على ثلاثة أسهم ( أي ولم يتعرض لسهم ذوي ~~القربى ) وروى PageV10P010 بشر بن الوليد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة قال : ~~خمس الله والرسول واحد ، وخمس لذي القربى فلكل صنف سماه الله تعالى في هذه ~~الآية خمس الخمس قال : وإن الخلفاء الأربعة متفقون على أن ذا القربى لا ~~يستحق إلا بالفقر . قال : وقد اختلف في ذوي القربى من هم ؟ فقال أصحابنا : ~~قرابة النبي صلى الله عليه وسلم الذين حرم عليهم الصدقة وهم ( آل علي ~~والعباس وآل جعفر وآل عقيل وولد الحارث بن عبد المطلب ) وقال آخرون : بنو ~~المطلب داخلون فيهم . | # وقال أصبغ من المالكية : ذوو القربى هم عشيرة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الأقربون الذين أمره الله بإنذارهم في قوله : { وأنذر عشيرتك الأقربين ~~} ( الشعراء : 214 ) وهم آل قصي . وعنه أنهم آل غالب بن فهر ، أي قريش ، ~~ونسب هذا إلى بعض السلف وأخرج أبو حنيفة من القربى بني أبي لهب قال : لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا قرابة بيني وبين أبي لهب فإنه آثر ~~علينا الأفجرين ) رواه الحنفية في كتاب الزكاة ، ولا يعرف لهذا الحديث سند ~~، وبعد فلا دلالة فيه ، لأن ذلك خاص بأبي لهب فلا يشمل أبناءه في الإسلام . ~~ذكر ابن حجر في { الإصابة } أن محمد بن إسحاق ، وغيره . روى عن سعيد ~~المقبري عن أبي هريرة قال : قدمت درة بنت أبي لهب إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقالت : إن الناس يصيحون بي ويقولون : إني بنت حطب النار ، فقام ~~رسول الله ؛ وهو مغضب شديد الغضب ، فقال : ( ما بال أقوام يؤذونني في نسبي ~~وذوي رحمي ألا ومن آذى نسبي وذوي رحمي فقد آذاني ومن ms3489 آذاني فقد آذى الله ) ~~. فوصف درة بأنها من نسبه . والجمهور على أن ذوي القربى يستحقون دون اشتراط ~~الفقر ، لأن ظاهر الآية أن وصف قربى النبي صلى الله عليه وسلم هو سبب ثبوت ~~الحق لهم في خمس المغنم دون تقييد بوصف فقرهم ، وهذا قول جمهور العلماء . | # وقال أبو حنيفة : لا يعطون إلا بوصف الفقر وروي عن عمر بن عبد العزيز . ~~ففائدة تعيين خمس الخمس لهم أن لا يحاصهم فيه من عداهم من الفقراء ، هذا هو ~~المشهور عن أبي حنيفة ، وبعض الحنفية يحكي عن أبي يوسف موافقة الجمهور في ~~عدم اشتراط الفقر فيهم . | PageV10P011 # وقد جعل الله الخمس لخمسة مصارف ولم يعين مقدار ما لكل مصرف منه ، ولا شك ~~أن الله أراد ذلك ؛ ليكون صرفه لمصارفه هذه موكولا إلى اجتهاد رسوله صلى ~~الله عليه وسلم وخلفائه من بعده ، فيقسم بحسب الحاجات والمصالح ، فيأخذ كل ~~مصرف منه ما يفي بحاجته على وجه لا ضر معه على أهل المصرف الآخر ، وهذا قول ~~مالك في قسمة الخمس ، وهو أصح الأقوال ، إذ ليس في الآية تعرض لمقدار ~~القسمة ، ولم يرد في السنة ما يصح التمسك به لذلك ، فوجب أن يناط بالحاجة ، ~~وبتقديم الأحوج والأهم عند التضايق ، والأمر فيه موكول إلى اجتهاد الإمام ، ~~وقد قال عمر : ( فكان رسول الله ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال ثم ~~يأخذ ما بقي فيجعله مجعل مال الله ) . | # وقال الشافعي : يقسم لكل مصرف الخمس من الخمس ، لأنها خمسة مصارف ، ~~فجعلها متساوية ، لأن التساوي هو الأصل في الشركة المجملة ولم يلتفت إلى ~~دليل المصلحة المقتضية للترجيح وإذ قد جعل ما لله ولرسوله خمسا واحدا تبعا ~~للجمهور فقد جعله بعد رسول الله لمصالح المسلمين . | # وقال أبو حنيفة : ارتفع سهم رسول الله وسهم قرابته بوفاته ، وبقي الخمس ~~لليتامى والمساكين وابن السبيل ، لأن رسول الله إنما أخذ سهما في المغنم ~~لأنه رسول الله ، لا لأنه إمام ، فلذلك لا يخلفه فيه غيره . | # وعند الجمهور أن سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يخلفه فيه الإمام ، ~~يبدأ ms3490 بنفقته ونفقة عياله بلا تقدير ، ويصرف الباقي في مصالح المسلمين . | # { واليتامى والمساكين وابن السبيل } تقدم تفسير معانيها عند قوله تعالى : ~~{ وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل } ( ~~البقرة : 177 ) وعند قوله تعالى : { واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ~~وبالوالدين إحسانا إلى قوله وابن السبيل } ( النساء : 36 ) . | # واليتامى وابن السبيل لا يعطون إلا إذا كانوا فقراء ففائدة تعيين خمس ~~الخمس لكل صنف من هؤلاء أن لا يحاصهم فيه غيرهم من الفقراء والشأن ، في ~~اليتامى في PageV10P012 الغالب أن لا تكون لهم سعة في المكاسب فهم مظنة ~~الحاجة ، ولكنها دون الفقر فجعل لهم حق في المغنم توفيرا عليهم في إقامة ~~شؤونهم ، فهم من الحاجة المالية أحسن حالا من المساكين ، وهم من حالة ~~المقدرة أضعف حالا منهم ، فلو كانوا أغنياء بأموال تركها لهم آباؤهم فلا ~~يعطون من الخمس شيئا . | # والمساكين الفقراء الشديدو الفقر جعل الله لهم خمس الخمس كما جعل لهم حقا ~~في الزكاة ، ولم يجعل للفقراء حقا في الخمس كما لم يجعل لليتامى حقا في ~~الزكاة . | # وابن السبيل أيضا في حاجة إلى الإعانة على البلاغ وتسديد شؤونه ، فهو ~~مظنة الحاجة ، فلو كان ابن السبيل ذا وفر وغنى لم يعط من الخمس ، ولذلك لم ~~يشترط مالك وبعض الفقهاء في اليتامى وأبناء السبيل الفقر ، بل مطلق الحاجة ~~. واشترط أبو حنيفة الفقر في ذوي القربى واليتامى وأبناء السبيل ، وجعل ~~ذكرهم دون الاكتفاء بالمساكين ؛ لتقرير استحقاقهم . | # وقوله : { إن كنتم آمنتم بالله } شرط يتعلق بما دل عليه قوله : { واعلموا ~~أنما غنمتم } لأن الأمر بالعلم لما كان المقصود به العمل بالمعلوم ~~والأمتثال لمقتضاه كما تقدم ، صح تعلق الشرط به ، فيكون قوله : { واعلموا } ~~دليلا على الجواب أو هو الجواب مقدما على شرطه ، والتقدير : إن كنتم آمنتم ~~بالله فاعلموا أن ما غنمتم إلخ . واعملوا بما علمتم فاقطعوا أطماعكم في ذلك ~~الخمس واقتنعوا بالأخماس الأربعة ، لأن الذي يتوقف على تحقق الإيمان بالله ~~وآياته هو العلم بأنه حكم الله مع العمل المترتب على ذلك العلم . مطلق ~~العلم بأن الرسول قال ms3491 ذلك . | # والشرط هنا محقق الوقوع إذ لا شك في أن المخاطبين مؤمنون بالله والمقصود ~~منه تحقق المشروط ، وهو مضمون جملة { واعلموا أن ما غنمتم من شيء } إلى ~~آخرها . وجيء في الشرط بحرف ( إن ) التي شأن شرطها أن يكون مشكوكا في وقوعه ~~زيادة في حثهم على الطاعة حيث يفرض حالهم في صورة المشكوك في حصول شرطه ~~إلهابا لهم ؛ ليبعثهم على إظهار تحقق الشرط فيهم ، فالمعنى : أنكم آمنتم ~~بالله والإيمان يرشد إلى اليقين بتمام العلم والقدرة له وآمنتم بما أنزل ~~الله على عبده يوم بدر حين فرق الله بين الحق والباطل فرأيتم ذلك رأي العين ~~وارتقى إيمانكم من مرتبة حق اليقين إلى مرتبة PageV10P013 عين اليقين ~~فعلمتم أن الله أعلم بنفعكم من أنفسكم إذ يعدكم إحدى الطائفتين أنها لكم ~~وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ، فكان ما دفعكم الله إليه أحفظ ~~لمصلحتكم وأشد تثبيتا لقوة دينكم . فمن رأوا ذلك وتحققوه فهم أحرياء بأن ~~يعلموا أن ما شرع الله لهم من قسمة الغنائم هو المصلحة ، ولم يعبأوا بما ~~يدخل عليهم من نقص في حظوظهم العاجلة ، علما بأن وراء ذلك مصالح جمة آجلة ~~في الدنيا والآخرة . | # وقوله : { وما أنزلنا } عطف على اسم الجلالة ، والمعنى : وآمنتم بما ~~أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان ، وهذا تخلص للتذكير بما حصل لهم من النصر ~~يوم بدر ، والإيمان به يجوز أن يكون الإعتقاد الجازم بحصوله ، ويجوز أن ~~يكون العلم به ، فيكون على الوجه الثاني من استعمال المشترك في معنييه ، أو ~~من عموم المشترك . | # وتخصيص { ما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان } بالذكر من بين جملة ~~المعلومات الراجعة للاعتقاد ، لأن لذلك المنزل مزيد تعلق بما أمروا به من ~~العمل المعبر عنه بالأمر بالعلم في قوله تعالى : { واعلموا } . | # والإنزال : هو إيصال شيء من علو إلى سفل ، وأطلق هنا على إبلاغ أمر من ~~الله ، ومن النعم الإلهية إلى الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين ، فيجوز ~~أن يكون هذا المنزل من قبيل الوحي ، أي والوحي الذي أنزلناه على عبدنا يوم ~~بدر ، لكنه الوحي المتضمن شيئا ms3492 يؤمنون به مثل قوله : { وإذ يعدكم الله إحدى ~~الطائفتين أنها لكم } ( الأنفال : 7 ) . | # ويجوز أن يكون من قبيل خوارق العادات ، والألطاف العجيبة ، مثل إنزال ~~الملائكة للنصر ، وإنزال المطر عند حاجة المسلمين إليه ، لتعبيد الطريق ، ~~وتثبيتت الأقدام ، والاستقاء . | # وإطلاق الإنزال على حصوله استعارة تشبيها له بالواصل إليهم من علو تشريفا ~~له كقوله تعالى : { فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين } ( الفتح : ~~26 ) . والتطهر ولا مانع من إرادة الجميع لأن غرض ذلك واحد ، وكذلك ما هو ~~من معناه مما نعلمه أو لما علمناه . | # و { يوم الفرقان } هو يوم بدر ، وهو اليوم السابع عشر من رمضان سنة ~~اثنتين سمي يوم الفرقان ؛ لأن الفرقان الفرق بين الحق والباطل كما تقدم ~~آنفا في قوله : { يا أيها PageV10P014 الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم ~~فرقانا } ( الأنفال : 29 ) وقد كان يوم بدر فارقا بين الحق والباطل ؛ لأنه ~~أول يوم ظهر فيه نصر المسلمين الضعفاء على المشركين الأقوياء ، وهو نصر ~~المحقين الأذلة على الأعزة المبطلين ، وكفى بذلك فرقانا وتمييزا بين من هم ~~على الحق ، ومن هم على الباطل . | # فإضافة { يوم } إلى { الفرقان } إضافة تنويه به وتشريف ، وقوله : { يوم ~~التقى الجمعان } بدل من { يوم الفرقان } فإضافة { يوم } إلى جملة : { التقى ~~الجمعان } للتذكير بذلك الإلتقاء العجيب الذي كان فيه نصرهم على عدوهم . ~~والتعريف في { الجمعان } للعهد . وهما جمع المسلمين وجمع المشركين . | # وقوله : { والله على كل شيء قدير } اعتراض بتذييل الآيات السابقة وهو ~~متعلق ببعض جملة الشرط في قوله : { وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم ~~التقى الجمعان } فإن ذلك دليل على أنه لا يتعاصى على قدرته شيء ، فإن ما ~~أسداه إليكم يوم بدر لم يكن جاريا على متعارف الأسباب المعتادة ، فقدرة ~~الله قلبت الأحوال وأنشأت الأشياء من غير مجاريها ولا يبعد أن يكون من سبب ~~تسمية ذلك اليوم { يوم الفرقان } أنه أضيف إلى الفرقان الذي هو لقب القرآن ~~، فإن المشهور أن ابتداء نزول القرآن كان يوم سبعة عشر من رمضان ، فيكون من ~~استعمال المشترك في معنييه . | # | 2 ( 42 ) { إذ أنتم ms3493 بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل ~~منكم ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولاكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا ~~ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حى عن بينة وإن الله لسميع عليم } . ) 2 # { إذ } بدل من { يوم التقى الجمعان } ( الأنفال : 41 ) فهو ظرف ب { ~~لأنزلنا } ( الأنفال : 41 ) أي زمن أنتم بالعدوة الدنيا ، وقد أريد من هذا ~~الظرف وما أضيف إليه تذكيرهم بحالة حرجة كان المسلمون PageV10P015 فيها ، ~~وتنبيههم للطف عظيم حفهم من الله تعالى ، وهي حالة موقع جيش المسلمين من ~~جيش المشركين ، وكيف التقى الجيشان في مكان واحد عن غير ميعاد ، ووجد ~~المسلمون أنفسهم أمام عدو قوي العدة والعدة والمكانة من حسن الموقع . ولولا ~~هذا المقصد من وصف هذه الهيئة لما كان من داع لهذا الإطناب إذ ليس من أغراض ~~القرآن وصف المنازل إذا لم تكن فيه عبرة . | # والعدوة بتثليث العين صفة الوادي وشاطئه ، والضم والكسر في العين أفصح ~~وعليهما القراءات المشهورة ، فقرأه الجمهور بضم العين ، وقرأه ابن كثير ، ~~وأبو عمرو ، و يعقوب بكسر العين . | # والمراد بها شاطىء وادي بدر . وبدر اسم ماء . { والدنيا } هي القريبة أي ~~العدوة التي من جهة المدينة ، فهي أقرب لجيش المسلمين من العدوة التي من ~~جهة مكة . و { العدوة القصوى } هي التي مما يلي مكة ، وهي كثيب ، وهي قصوى ~~بالنسبة لموقع بلد المسلمين . | # والوصف ب { الدنيا } و { القصوى } يشعر المخاطبون بفائدته ، وهي أن ~~المسلمين كانوا حريصين أن يسبقوا المشركين إلى العدوة القصوى ، لأنها أصلب ~~أرضا فليس للوصف بالدنو والقصو أثر في تفضيل إحدى العدوتين على الأخرى ، ~~ولكنه صادف أن كانت القصوى أسعد بنزول الجيش ، فلما سبق جيش المشركين إليها ~~اغتم المسلمون ، فلما نزل المسلمون بالعدوة الدنيا أرسل الله المطر وكان ~~الوادي دهسا فلبد المطر الأرض ولم يعقهم عن المسير وأصاب الأرض التي بها ~~قريش فعطلهم عن الرحيل ، فلم يبلغوا بدرا إلا بعد أن وصل المسلمون وتخيروا ~~أحسن موقع وسبقوا إلى الماء ، فاتخذوا حوضا يكفيهم وغوروا الماء ، فلما وصل ~~المشركون إلى الماء وجدوه قد احتازه المسلمون ms3494 ، فكان المسلمون يشربون ولا ~~يجد المشركون ماء . | # وضمير { وهم } عائد إلى ما في لفظ { الجمعان } من معنى : جمعكم وجمع ~~المشركين ، فلما قال : { إذ أنتم بالعدوة الدنيا } لم يبق معاد لضمير { وهم ~~} إلا الجمع الآخر وهو جمع المشركين . | # و { الركب } هو ركب قريش الراجعون من الشام ، وهو العير . { أسفل } من ~~الفريقين أي أخفض من منازلهما ، لأن العير كانوا سائرين في طريق الساحل ، ~~وقد PageV10P016 تركوا ماء بدر عن يسارهم . ذلك أن أبا سفيان لما بلغه أن ~~المسلمين خرجوا لتلقي عيره رجع بالعير عن الطريق التي تمر ببدر ، وسلك طريق ~~الساحل لينجو بالعير ، فكان مسيره في السهول المنخفضة ، وكان رجال الركب ~~أربعين رجلا . | # والمعنى : والركب بالجهة السفلى منكم ، وهي جهة البحر وضمير { منكم } ~~خطاب للمسلمين المخاطبين بقوله : { إذ أنتم بالعدوة الدنيا } والمعنى أن ~~جيش المسلمين كان بين جماعتين للمشركين ، وهما جيش أبي سفيان بالعدوة ~~القصوى ، وعير القوم أسفل من العدوة الدنيا ، فلو علم العدو بهذا الوضع ~~لطبق جماعتيه على جيش المسلمين ، ولكن الله صرفهم عن التفطن لذلك وصرف ~~المسلمين عن ذلك ، وقد كانوا يطمعون أن يصادفوا العير فينتهبوها كما قال ~~تعالى : { وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم } ( الأنفال : 7 ) ولو حاولوا ~~ذلك لوقعوا بين جماعتين من العدو . | # وانتصب { أسفل } على الظرفية المكانية وهو في محل رفع خبر عن ( الركب ) ~~أي والركب قد فاتكم وكنتم تأملون أن تدركوه فتنتهبوا ما فيه من المتاع . | # والغرض من التقييد بهذا الوقت ، وبتلك الحالة : إحضارها في ذكرهم ، لأجل ~~ما يلزم ذلك من شكر نعمة الله ، ومن حسن الظن بوعده والاعتماد عليه في ~~أمورهم ، فإنهم كانوا حينئذ في أشد ما يكون فيه جيش تجاه عدوه ، لأنهم ~~يعلمون أن تلك الحالة كان ظاهرها ملائما للعدو ، إذ كان العدو في شوكة ~~واكتمال عدة ، وقد تمهدت له أسباب الغلبة بحسن موقع جيشه ، إذ كان بالعدوة ~~التي فيها الماء لسقياهم والتي أرضها متوسطة الصلابة ، فأما جيش المسلمين ~~فقد وجدوا أنفسهم أمام العدو في عدوة تسوخ في أرضها الأرجل من لين رملها ، ~~مع ms3495 قلة مائها ، وكانت العير قد فاتت المسلمين وحلت وراء ظهور جيش المشركين ~~، فكانت في مأمن من أن ينالها المسلمون ، وكان المشركون واثقين بمكنة الذب ~~عن عيرهم ، فكانت ظاهرة هذه الحالة ظاهرة خيبة وخوف للمسلمين ، وظاهرة فوز ~~وقوة للمشركين ، فكان من عجيب عناية الله بالمسلمين أن قلب تلك الحالة رأسا ~~على عقب ، فأنزل من السماء مطرا تعبدت به الأرض لجيش المسلمين فساروا فيها ~~غير مشفوق عليهم ، وتطهروا وسقوا ، وصارت به الأرض لجيش المشركين وحلا يثقل ~~فيها السير وفاضت المياه عليهم ، وألقى الله في قلوبهم PageV10P017 تهوين ~~أمر المسلمين ، فلم يأخذوا حذرهم ولا أعدوا للحرب عدتها ، وجعلوا مقامهم ~~هنالك مقام لهو وطرب ، فجعل الله ذلك سببا لنصر المسلمين عليهم ، ورأوا كيف ~~أنجز الله لهم ما وعدهم من النصر الذي لم يكونوا يتوقعونه . فالذين خوطبوا ~~بهذه الآية هم أعلم السامعين بفائدة التوقيت الذي في قوله : { إذ أنتم ~~بالعدوة الدنيا } الآية . ولذلك تعين على المفسر وصف الحالة التي تضمنتها ~~الآية ، ولولا ذلك لكان هذا التقييد بالوقت قليل الجدوى . | # وجملة { ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد } في موضع الحال من { الجمعان } ~~( الأنفال : 41 ) وعامل الحال فعل { التقى } ( الأنفال : 41 ) أي في حال ~~لقاء على غير ميعاد ، قد جاء ألزم مما لو كان على ميعاد ، فإن اللقاء الذي ~~يكون موعودا قد يتأخر فيه أحد المتواعدين عن وقته ، وهذا اللقاء قد جاء في ~~إبان متحد وفي مكان متجاور متقابل . | # ومعنى الاختلاف في الميعاد : اختلاف وقته بأن يتأخر أحد الفريقين عن ~~الوقت المحدود فلم يأتوا على سواء . | # والتلازم بين شرط { لو } وجوابها خفي هنا وقد أشكل على المفسرين ، ومنهم ~~من اضطر إلى تقدير كلام محذوف تقديره : ثم علمتم قلتكم وكثرتكم ، وفيه أن ~~ذلك يفضي إلى التخلف عن الحضور لا إلى الاختلاف . ومنهم من قدر : وعلمتم ~~قلتكم وشعر المشركون بالخوف منكم لما ألقى الله في قلوبهم من الرعب ، أي ~~يجعل أحد الفريقين يتثاقل فلم تحضروا على ميعاد ، وهو يفضي إلى ما أفضى ~~إليه القول الذي قبله ، ومنهم من جعل ذلك لما ms3496 لا يخلو عنه الناس من عروض ~~العوارض والقواطع ، وهذا أقرب ، ومع ذلك لا ينثلج له الصدر . | # فالوجه في تفسير هذه الآية أن { لو } هذه من قبيل ( لو ) الصهيبية فإن ~~لها استعمالات ملاكها : أن لا يقصد من ( لو ) ربط انتفاء مضمون جوابها ~~بانتفاء مضمون شرطها ، أي ربط حصول نقيض مضمون الجواب بحصول نقيض مضمون ~~الشرط ، بل يقصد أن مضمون الجواب حاصل لا محالة ، سواء فرض حصول مضمون ~~شرطها أو فرض انتفاؤه ، إما لأن مضمون الجواب أولى بالحصول عند انتفاء ~~مضمون الشرط ، نحو قوله تعالى : { ولو سمعوا ما استجابوا لكم } ( فاطر : 14 ~~) ، وإما بقطع النظر عن أولوية مضمون PageV10P018 الجواب بالحصول عند ~~انتفاء مضمون الشرط نحو قوله تعالى : { ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه } ( ~~الأنعام : 28 ) . ومحصل هذا أن مضمون الجزاء مستمر الحصول في جميع الأحوال ~~في فرض المتكلم ، فيأتي بجملة الشرط متضمنة الحالة التي هي عند السامع مظنة ~~أن يحصل فيها نقيض مضمون الجواب . ومن هذا قول طفيل في الثناء على بني جعفر ~~بن كلاب : | # أبوا أن يملونا ولو أن أمنا | # تلاقي الذي لاقوه منا لملت | # أي فكيف بغير أمنا . | # وقد تقدمت الإشارة إلى هذا عند قوله تعالى : { ولو أسمعهم لتولوا وهم ~~معرضون في هذه السورة ( 23 ) ، وكنا أحلنا عليه وعلى ما في هذه الآية عند ~~قوله تعالى : ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة الآية في سورة الأنعام ( 111 ) ~~. | # والمعنى : لو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ، أي في وقت ما تواعدتم عليه ، ~~لأن غالب أحوال المتواعدين أن لا يستوي وفاؤهما بما تواعدا عليه في وقت ~~الوفاء به ، أي في وقت واحد ، لأن التوقيت كان في تلك الأزمان تقريبا ~~يقدرونه بأجزاء النهار كالضحى والعصر والغروب ، لا ينضبط بالدرج والدقائق ~~الفلكية ، والمعنى : فبالأحرى وأنتم لم تتواعدوا وقد أتيتم سواء في اتحاد ~~وقت حلولكم في العدوتين فاعلموا أن ذلك تيسير بقدر الله لأنه قدر ذلك ~~لتعلموا أن نصركم من عنده على نحو قوله : وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } ~~( الأنفال : 17 ) . | # وهذا غير ما يقال ، في ms3497 تقارب حصول حالل لأناس : ( كأنهم كانوا على ميعاد ~~) كما قال الأسود بن يعفر يرثي هلاك أحلافه وأنصاره . | # جرتت الرياح على محل ديارهم | # فكأنهم كانوا على ميعاد | # فإن ذلك تشبيه للحصول المتعاقب . | # وضمير { اختلفتم } على الوجوه كلها شامل للفريقين : المخاطبين والغائبين ~~، على تغليب المخاطبين ، كما هو الشأن في الضمائر مثله . | PageV10P019 # وقد ظهر موقع الاستدراك في قوله : { ولكن ليقضى الله أمرا كان مفعولا } ~~إذ التقدير : ولكن لم تتواعدوا وجئتم على غير اتعاد ليقضي الله أي ليحقق ~~وينجز ما أراده من نصركم على المشركين . ولما كان تعليل الاستدراك المفاد ~~بلكن قد وقع بفعلل مسند إلى الله كان مفيدا أن مجيئهم إلى العدوتين على غير ~~تواعد كان بتقدير من الله عناية بالمسلمين . | # ومعنى { أمرا } هنا الشيء العظيم ، فتنكيره للتعظيم ، أو يجعل بمعنى ~~الشأن وهم لا يطلقون ( الأمر ) بهذا المعنى إلا على شيء مهم ، ولعل سبب ذلك ~~أنه ما سمي ( أمرا ) لا باعتبار أنه مما يؤمر بفعله أو بعمله كقوله تعالى : ~~{ وكان أمرا مقضيا } ( مريم : 21 ) وقوله : { وكان أمر الله قدرا مقدورا } ~~( الأحزاب : 38 ) . | # و { كان } تدل على تحقق ثبوت معنى خبرها لاسمها من الماضي مثل { وكان حقا ~~علينا نصر المؤمنين } ( الروم : 47 ) أي ثبت له استحقاق الحقية علينا من ~~قديم الزمن . وكذلك قوله : { وكان أمرا مقضيا } ( مريم : 21 ) . فمعنى { ~~كان مفعولا } أنه ثبت له في علم الله أنه يفعل . فاشتق له صيغة مفعول من ~~فعل للدلالة على أنه حين قدرت مفعوليته فقد صار كأنه فعل ، فوصف لذلك باسم ~~المفعول الذي شأنه أن يطلق على من اتصف بتسلط الفعل في الحال لا في ~~الاستقبال . | # فحاصل المعنى : لينجز الله ويوقع حدثا عظيما متصفا منذ القدم بأنه محقق ~~الوقوع عند إبانه ، أي حقيقا بأن يفعل حتى كأنه قد فعل لأنه لا يمنعه ما ~~يحف به من الموانع المعتادة . | # وجملة : { ليهلك من هلك عن بينة } في موضع بدل الاشتمال من جملة : { ~~ليقضي الله أمرا كان مفعولا } لأن الأمر هو نصر المسلمين وقهر المشركين ~~وذلك قد اشتمل على إهلاك ms3498 المهزومين وإحياء المنصورين وحفه من الأحوال ~~الدالة على عناية الله بالمسلمين وإهانته المشركين ما فيه بينه للفريقين ~~تقطع عذر الهالكين ، وتقتضي شكر الأحياء . ودخول لام التعليل على فعل { ~~يهلك } تأكيد للام الداخلة على ل { يقضي } في الجملة المبدل منها . ولو لم ~~تدخل اللام لقيل : يهلك مرفوعا . | PageV10P020 # والهلاك : الموت والاضمحلال ، ولذلك قوبل بالحياة . والهلاك والحياة ~~مستعاران لمعنى ذهاب الشوكة ، ولمعنى نهوض الأمة وقوتها ، لأن حقيقة الهلاك ~~الموت ، وهو أشد الضر فلذلك يشبه بالهلاك كل ما كان ضرا شديدا ، قال تعالى ~~: { يهلكون أنفسهم } ( التوبة : 42 ) ، وبضده الحياة هي أنفع شيء في طبع ~~الإنسان فلذلك يشبه بها ما كان مرغوبا ، قال تعالى : { لينذر من كان حيا } ~~( يس : 70 ) وقد جمع التشبيهين قوله تعالى : { أو من كان ميتا فأحييناه } ( ~~الأنعام : 122 ) . فإن الكفار كانوا في عزة ومنعة ، وكان المسلمون في قلة ، ~~فلما قضى الله بالنصر للمسلمين يوم بدر أخفق أمر المشركين ووهنوا ، وصار ~~أمر المسلمين إلى جدة ونهوض ، وكان كل ذلك ، عن بينة ، أي عن حجة ظاهرة تدل ~~على تأييد الله قوما وخذله آخرين بدون ريبب . | # ومن البعيد حمل { يهلك } و { يحيى } على الحقيقة لأنه وإن تحمله المعنى ~~في قوله : { ليهلك من هلك } فلا يتحمله في قوله : { ويحيى ممن حي } لأن ~~حياة الأحياء ثابتة لهم من قبل يوم بدر . | # ودل معنى المجاوزة الذي في { عن } على أن المعنى ، أن يكون الهلاك ~~والحياة صادرين عن بينة وبارزين منها . | # وقرأ نافع ، والبزي عن ابن كثير ، وأبو بكر عن عاصم ، ويعقوب ، وخلف ( ~~حيي ) بإظهار الياءين ، وقرأه البقية : ( حي ) بإدغام إحدى الياءين في ~~الأخرى على قياس الإدغام وهما وجهان فصيحان . | # و { عن } للمجاوزة المجازية ، وهي بمعنى ( بعد ) ، أي : بعد بينة يتبين ~~بها سبب الأمرين : هلاك من هلك ، وحياة من حيي . | # وقوله : { وإن الله لسميع عليم } تذييل يشير إلى أن الله سميع دعاء ~~المسلمين طلب النصر ، وسميع ما جرى بينهم من الحوار في شأن الخروج إلى بدر ~~ومن مودتهم أن تكون غير ذات الشوكة هي إحدى الطائفتين التي يلاقونها ms3499 ، وغير ~~ذلك ، وعليم بما يجول في خواطرهم من غير الأمور المسموعة وبما يصلح بهم ~~ويبني عليه مجد مستقبلهم . | # | PageV10P021 # | 2 ( 43 ) { إذ يريكهم الله فى منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ~~ولتنازعتم فى الامر ولاكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور } . ) 2 # { إذ يريكهم الله } بدل من قوله : { إذ أنتم بالعدوة الدنيا } ( الأنفال ~~: 42 ) فإن هذه الرؤيا مما اشتمل عليه زمان كونهم بالعدوة الدنيا لوقوعها ~~في مدة نزول المسلمين بالعدوة من بدر ، فهو بدل من بدل . | # والمنام مصدر ميمي بمعنى النوم ، ويطلق على زمن النوم وعلى مكانه . | # ويتعلق قوله : { في منامك } بفعل { يريكهم } ، فالإراءة إراءة رؤيا ، ~~وأسندت الإراءة إلى الله تعالى ؛ لأن رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم وحي ~~بمدلولها ، كما دل عليه قوله تعالى ، حكاية عن إبراهيم وابنه { قال يا بني ~~إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبتت افعل ما تؤمر } ( ~~الصافات : 102 ) فإن أرواح الأنبياء لا تغلبها الأخلاط ، ولا تجول حواسهم ~~الباطنة في العبث ، فما رؤياهم إلا مكاشفات روحانية على عالم الحقائق . | # وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد رأى رؤيا منامم ، جيش المشركين قليلا ، ~~أي قليل العدد وأخبر برؤياه المسلمين فتشجعوا للقاء المشركين ، وحملوها على ~~ظاهرها ، وزال عنهم ما كان يخامرهم من تهيب جيش المشركين . فكانت تلك ~~الرؤيا من أسباب النصر ، وكانت تلك الرؤيا منة من الله على رسوله والمؤمنين ~~، وكانت قلة العدد في الرؤيا رمزا وكناية عن وهن أمر المشركين لا عن قلة ~~عددهم . | # ولذلك جعلها الله في رؤيا النوم دون الوحي ، لأن صور المرائي المنامية ~~تكون رموزا لمعان فلا تعد صورتها الظاهرية خلفا ، بخلاف الوحي بالكلام . | # وقد حكاها النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين ، فأخذوها على ظاهرها ، ~~لعلمهم أن رؤيا النبي وحي ، وقد يكون النبي قد أطلعه الله على تعبيرها ~~الصائب ، وقد يكون صرفه عن ذلك فظن كالمسلمين ظاهرها ، وكل ذلك للحكمة . ~~فرؤيا النبي PageV10P022 صلى الله عليه وسلم لم تخطىء ولكنها أوهمتهم قلة ~~العدد ، لأن ذلك مرغوبهم والمقصود منه حاصل ، وهو ms3500 تحقق النصر ، ولو أخبروا ~~بعدد المشركين كما هو لجبنوا عن اللقاء فضعفت أسباب النصر الظاهرة المعتادة ~~التي تكسبهم حسن الأحدوثة . ورؤيا النبي لا تخطىء ، ولكنها قد تكون جارية ~~على الصورة الحاصلة في الخارج ، كما ورد في حديث عائشة في بدء الوحي : أنه ~~كان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ، وهذا هو الغالب ، وخاصة قبل ~~ابتداء نزول الملك بالوحي ، وقد تكون رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم رمزية ~~وكناية كما في حديث رؤياه بقرا تذبح ، ويقال له : الله خير ، فلم يعلم ~~المراد حتى تبين له أنهم المؤمنون الذين قتلوا يوم أحد . فلما أراد الله ~~خذل المشركين وهزمهم أرى نبيئه المشركين قليلا كناية بأحد أسباب الانهزام ، ~~فإن الانهزام يجيء من قلة العدد . وقد يمسك النبي عليه الصلاة والسلام عن ~~بيان التعبير الصحيح لحكمة ، كما في حديث تعبير أبي بكر رؤيا الرجل الذي قص ~~رؤياه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقول النبي له : ( أصبت بعضا ~~وأخطأت بعضا ) وأبى أن يبين له ما أصاب منها وما أخطأ . ولو أخبر الله ~~رسوله ليخبر المؤمنين بأنهم غالبون المشركون لآمنوا بذلك إيمانا عقليا لا ~~يحصل منه ما يحصل من التصوير بالمحسوس ، ولو لم يخبره ولم يره تلك الرؤيا ~~لكان المسلمون يحسبون للمشركين حسابا كبيرا . لأنهم معروفون عندهم بأنهم ~~أقوى من المسلمين بكثير . | # وهذه الرؤيا قد مضت بالنسبة لزمن نزول الآية ، فالتعبير بالفعل المضارع ~~لاستحضار حالة الرؤيا العجيبة . | # والقليل هنا قليل العدد بقرينة قوله : { كثيرا } . أراه إياهم قليلي ~~العدد ، وجعل ذلك في المكاشفة النومية كناية عن الوهن والضعف . فإن لغة ~~العقول والأرواح أوسع من لغة التخاطب ، لأن طريق الاستفادة عندها عقلي ~~مستند إلى محسوس ، فهو واسطة بين الاستدلال العقلي المحض وبين الاستفادة ~~اللغوية . | # وأخبر ب ( قليل ) و ( كثير ) وكلاهما مفرد عن ضمير الجمع لما تقدم عند ~~قوله تعالى : { معه ربيون كثير } ( آل عمران : 146 ) . | PageV10P023 # ومعنى : { ولو أراكهم كثيرا لفشلتم } أنه لو أراكهم رؤيا مماثلة للحالة ~~التي تبصرها الأعين ؛ لدخل قلوب المسلمين الفشل ، أي إذا ms3501 حدثهم النبي بما ~~رأى ، فأراد الله إكرام المسلمين بأن لا يدخل نفوسهم هلع ، وإن كان النصر ~~مضمونا لهم . | # فإن قلت : هذا يقتضي أن الإراءة كانت متعينة ولم لم يترك الله إراءته جيش ~~العدو فلا تكون حاجة إلى تمثيلهم بعدد قليل ، قلت : يظهر أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم رجا أن يرى رؤيا تكشف له عن حال العدو ، فحقق الله رجاءه ، وجنبه ~~ما قد يفضي إلى كدر المسلمين ، أو لعل المسلمين سألوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن يستعلم ربه عن حال العدو . | # والفشل : الجبن والوهن . والتنازع : الاختلاف . والمراد بالأمر الخطة ~~التي يجب اتباعها في قتال العدو من ثبات أو انجلاء عن القتال . | # والتعريف في { الأمر } للعهد وهو أمر القتال وما يقتضيه . | # والاستدراك في قوله : { ولكن الله سلم } راجع إلى ما في جملة : { ولو ~~أراكهم كثيرا } من الإشعار بأن العدو كثير في نفس الأمر ، وأن الرؤيا قد ~~تحاكي الصورة التي في نفس الأمر ، وهو الأكثر في مرائي الأنبياء ، وقد ~~تحاكي المعنى الرمزي وهو الغالب في مرائي غير الأنبياء ، مثل رؤيا ملك مصر ~~سبع بقرات ، ورؤيا صاحبي يوسف في السجن ، وهو القليل في مرائي الأنبياء مثل ~~رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم أنه هز سيفا فانكسر في يده ، فمعنى ~~الاستدراك رفع ما فرض في قوله : { ولو أراكهم كثيرا } . فمفعول { سلم } ~~ومتعلقه محذوفان إيجازا إذ دل عليه قوله : { لفشلتم ولتنازعتم } والتقدير : ~~سلمكم من الفشل والتنازع بأن سلمكم من سببهما ، وهو إراءتكم واقع عدد ~~المشركين ، لأن الاطلاع على كثرة العدو يلقي في النفوس تهيبا له وتخوفا منه ~~، وذلك ينقص شجاعة المسلمين الذين أراد الله أن يوفر لهم منتهى الشجاعة . | # ووضع الظاهر موضع المضمر في قوله : { ولكن الله سلم } دون أن يقول : ~~ولكنه سلم ، لقصد زيادة إسناد ذلك إلى الله ، وأنه بعنايته ، واهتماما بهذا ~~الحادث . | PageV10P024 # وجملة : { إنه عليم بذات الصدور } تذييل للمنة ، أي : أوحى إلى رسوله ~~بتلك الرؤيا الرمزية ، لعلمه بما في الصدور البشرية من تأثر النفوس ~~بالمشاهدات والمحسوسات أكثر مما تتأثر بالاعتقادات ، فعلم ms3502 أنه لو أخبركم ~~بأن المشركين ينهزمون ، واعتقدتم ذلك لصدق إيمانكم ، لم يكن ذلك الإعتقاد ~~مثيرا في نفوسكم من الشجاعة والإقدام ما يثيره إعتقادي أن عددهم قليل ، لأن ~~الإعتقاد بأنهم ينهزمون لا ينافي توقع شدة تنزل بالمسلمين ، من موت وجراح ~~قبل الانتصار ، فأما اعتقاد قلة العدو فإنها تثير في النفوس إقداما ~~واطمئنان بال ، فلعلمه بذلك أراكهم الله في منامك قليلا . | # ومعنى { ذات الصدور } الأحوال المصاحبة لضمائر النفوس ، فالصدور أطلقت ~~على ما حل فيها من النوايا والمضمرات ، فكلمة { ذات } بمعنى صاحبة ، وهي ~~مؤنث ( ذو ) أحد الأسماء الخمسة ، فأصل ألفها الواو ووزنها ( ذوت ) انقلبت ~~واوها ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ، قال في ( الكشاف ) في تفسير سورة ~~فاطر ( 38 ) في قوله تعالى : { إنه عليم بذات الصدور هي تأنيث ذو ، وذو ~~موضوع لمعنى الصحبة من قوله : | # لتغني عني ذا إنائك أجمعا | # يعني أن ذات الصدور الحالة التي قرارتها الصدور فهي صاحبتها وساكنتها ، ~~فذات الصدور النوايا والخواطر وما يهم به المرء وما يدبره ويكيده . | # | 2 ( 44 ) وإذ يريكموهم إذ التقيتم فى أعينكم قليلا ويقللكم فى أعينهم ~~ليقضى الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع الأمور } . ) 2 # | $ # { وإذ يريكموهم } عطف على { إذ يريكهم الله } ( الأنفال : 43 ) وهذه رؤية ~~بصر أراها الله الفريقين على خلاف ما في نفس الأمر ، فكانت خطأ من الفريقين ~~، ولم يرها النبي صلى الله عليه وسلم ولذلك عديت رؤيا المنام الصادقة إلى ~~ضمير النبي ، في قوله : PageV10P025 { إذ يريكهم الله } ( الأنفال : 43 ) ~~وجعلت الرؤية البصرية الخاطئة مسندة إلى ضمائر الجمعين ، وظاهر الجمع يعم ~~النبي صلى الله عليه وسلم فيخص من العموم . أرى الله المسلمين أن المشركين ~~قليلون ، وأرى المشركين أن المسلمين قليلون . خيل الله لكلا الفريقين قلة ~~الفريق الآخر ، بإلقاء ذلك التخيل في نفوسهم ، وجعل الغاية من تينك ~~الرؤيتين نصر المسلمين ، وهذا من بديع صنع الله تعالى إذ جعل للشيء الواحد ~~أثرين مختلفين ، وجعل للأثرين المختلفين أثرا متحدا ، فكان تخيل المسلمين ~~قلة المشركين مقويا لقلوبهم ، وزائدا لشجاعتهم ، ومزيلا للرعب عنهم ، فعظم ~~بذلك بأسهم عند اللقاء ms3503 ، لأنهم ما كان ليفل من بأسهم إلا شعورهم بأنهم أضعف ~~من أعدائهم عددا وعددا ، فلما أزيل ذلك عنهم ، بتخييلهم قلة عدوهم ، خلصت ~~أسباب شدتهم مما يوهنها . وكان تخيل المشركين قلة المسلمين ، أي كونهم أقل ~~مما هم عليه في نفس الأمر ، بردا على غليان قلوبهم من الغيظ ، وغارا إياهم ~~بأنهم سينالون التغلب عليهم بأدنى قتال ، فكان صارفا إياهم عن التأهب لقتال ~~المسلمين ، حتى فاجأهم جيش المسلمين ، فكانت الدائرة على المشركين ، فنتج ~~عن تخيل القلتين انتصار المسلمين . | # وإنما لم يكن تخيل المسلمين قلة المشركين مثبطا عزيمتهم ، كما كان تخيل ~~المشركين قلة المسلمين مثبطا عزيمتهم ، لأن المسلمين كانت قلوبهم مفعمة ~~حنقا على المشركين ، وإيمانا بفساد شركهم ، وامتثالا أمر الله بقتالهم ، ~~فما كان بينهم وبين صب بأسهم على المشركين إلا صرف ما يثبط عزائمهم . فأما ~~المشركون ، فكانوا مزدهين بعدائهم وعنادهم ، وكانوا لا يرون المسلمين على ~~شيء ، فهم يحسبون أن أدنى جولة تجول بينهم يقبضون فيها على المسلمين قبضا ، ~~فلذلك لا يعبؤون بالتأهب لهم ، فكان تخييل ما يزيدهم تهاونا بالمسلمين يزيد ~~تواكلهم وإهمال إجماع أمرهم . | # قال أهل السير : كان المسلمون يحسبون عدد المشركين يتراوح بين السبعين ~~والمائة وكانوا في نفس الأمر زهاء ألف ، وكان المشركون يحسبون المسلمين ~~قليلا ، فقد قال أبو جهل لقومه ، وقد حزر المسلمين : إنما هم أكلة جزور ، ~~أي قرابة المائة ، وكانوا في نفس الأمر ثلاثمائة وبضعة عشر . | PageV10P026 # وهذا التخيل قد يحصل من انعكاس الأشعة واختلاف الظلال ، باعتبار مواقع ~~الرائين من ارتفاع المواقع وانخفاضها ، واختلاف أوقات الرؤية على حسب ~~ارتفاع الشمس ، وموقع الرائين من مواجهتها أو استدبارها ، وبعض ذلك يحصل ~~عند حدوث الآل والسراب ، أو عند حدوث ضباب أو نحو ذلك ، وإلقاء الله الخيال ~~في نفوس الفريقين أعظم من تلك الأسباب . | # وهذه الرؤية قد مضت بقرينة قوله : { إذ التقيتم } فالتعبير بالمضارع ~~لاستحضار الحالة العجيبة لهاته الإراءة ، كما تقدم في قوله تعالى : { إذ ~~يريكهم الله في منامك قليلا } ( الأنفال : 43 ) . | # و { إذ التقيتم } ظرف ل { يريكموهم } وقوله : { في أعينكم } تقييد ~~للإراءة بأنها في الأعين ms3504 ، لا غير ، وليس المرئي كذلك في نفس الأمر ، ويعلم ~~ذلك من تقييد الإراءة بأنها في الأعين ، لأنه لو لم يكن لمقصد لكان مستغنى ~~عنه ، مع ما فيه من الدلالة على أن الإراءة بصرية لا حلمية كقوله في الآية ~~الأخرى : { ترونهم مثليهم رأي العين } ( آل عمران : 13 ) . | # والالتقاء افتعال من اللقاء ، وصيغة الافتعال فيه دالة على المبالغة . ~~واللقاء والالتقاء في الأصل الحضور لدى الغير ، من صديق أو عدو ، وفي خير ~~أو شر ، وقد كثر إطلاقه على الحضور مع الأعداء في الحرب ، وقد تقدم عند ~~قوله تعالى في هذه السورة { يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا ~~زحفا } ( الأنفال : 15 ) الآية . | # { ويقللكم } يجعلكم قليلا ، لأن مادة التفعيل تدل على الجعل ، فإذا لم ~~يكن الجعل متعلقا بذات المفعول ، تعين أنه متعلق بالإخبار عنه ، كما ورد في ~~الحديث في يوم الجمعة : ( وفيه ساعة ) ، قال الراوي : يقللها ؛ أو متعلق ~~بالإراءة كما هنا ، وذلك هو الذي اقتضى زيادة قوله : { في أعينهم } ليعلم ~~أن التقليل ليس بالنقص من عدد المسلمين في نفس الأمر . | # وقوله : { ليقضي الله أمرا كان مفعولا } هو نظير قوله : { ولكن ليقضي ~~الله أمرا كان مفعولا } ( الأنفال : 42 ) المتقدم أعيد هنا لأنه علة إراءة ~~كلا الفريقين الفريق الآخر قليلا ، وأما السابق فهو علة لتلاقي الفريقين في ~~مكان واحد في وقت واحد . | PageV10P027 # ثم إن المشركين لما يرزوا لقتال المسلمين ظهر لهم كثرة المسلمين فبهتوا ، ~~وكغان ذلك بعد المناجزة ، فكان ملقيا الرعب في قلوبهم ، وذلك ما حكاه في ~~سورة آل عمران ( 13 ) قوله : { ترونهم مثليهم رأي العين . | # وخولف الأسلوب في حكاية إراءة المشركين ، وحكاية إراءة المسلمين ، لأن ~~المشركين كانوا عددا كثيرا فناسب أن يحكي تقليلهم بإراءتهم قليلا ، المؤذنة ~~بأنهم ليسوا بالقليل . وأما المسلمون فكانوا عددا قليلا بالنسبة لعدوهم ، ~~فكان المناسب لتقليلهم : أن يعبر عنه بأنه تقليل المؤذن بأنه زيادة في ~~قلتهم . | # وجملة : وإلى الله ترجع الأمور } تذييل معطوف على ما قبله عطفا اعتراضيا ~~، وهو اعتراض في آخر الكلام ، وهذا العطف يسمى : عطفا اعتراضيا ، لأنه عطف ~~صوري ms3505 ليست فيه مشاركة في الحكم ، وتسمى الواو اعتراضية . والتعريف في قوله ~~: { الأمور } للاستغراق ، أي جميع الأشياء . | # والرجوع هنا مستعمل في الأول وانتهاء الشيء ، والمراد رجوع أسبابها ، أي ~~إيجادها ، فإن الأسباب قد تلوح جارية بتصرف العباد وتأثير الحوادث ، ولكن ~~الأسباب العالية ، وهي الأسباب التي تتصاعد إليها الأسباب المعتادة ، لا ~~يتصرف فيها إلا الله وهو مؤثرها وموجدها . على أن جميع الأسباب ، عاليها ~~وقريبها ، متأثر بما أودع الله فيها من القوى والنواميس والطبائع ، فرجوع ~~الجميع إليه ، ولكنه رجوع متفاوت على حسب جريه على النظام المعتاد ، وعدم ~~جريه ، فإيجاد الأشياء قد يلوح حصوله بفعل بعض الحوادث والعباد ، وهو عند ~~التأمل الحق راجع إلى إيجاد الله تعالى خالق كل صانع . والذوات وأحوالها ~~كلها من الأمور ، ومآلها كله رجوع ، فهذا ليس رجوع ذوات ولكنه رجوع تصرف ، ~~كالذي في قوله : { إنا لله وإنا إليه راجعون } ( البقرة : 156 ) . | # والمعنى : ولا عجب في ما كونه الله من رؤية الجيشين على خلاف حالهما في ~~نفس الأمر ، فإن الإراءة المعتادة ترجع إلى ما وضعه الله من الأسباب ~~المعتادة ، والإراءة غير المعتادة راجعة إلى أسباب يضعها الله عند إرادته . ~~| PageV10P028 # وقرأ نافع ، وابن كثير ، وأبو عمرو ، ويعقوب { ترجع } بضم التاء وفتح ~~الجيم أي يرجعها ، راجع إلى الله ، والذي يرجعها هو الله فهو يرجعها إليه . ~~وقرأ البقية { ترجع } بفتح التاء وكسر الجيم أي : ترجع بنفسها إلى الله ، ~~ورجوعها هو برجوع أسبابها . | # | 2 ( 45 ، 46 ) { ياأيها الذين ءامنو ا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا ~~الله كثيرا لعلكم تفلحون * وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ~~ريحكم واصبرو ا إن الله مع الصابرين } . ) 2 # | $ # لما عرفهم الله بنعمه ودلائل عنايته ، وكشف لهم عن سر من أسرار نصره ~~إياهم ، وكيف خذل أعداءهم ، وصرفهم عن أذاهم ، فاستتب لهم النصر مع قلتهم ~~وكثرة أعدائهم ، أقبل في هذه الآية على أن يأمرهم بما يهيء لهم النصر في ~~المواقع كلها ، ويستدعي عناية الله بهم وتأييده إياهم ، فجمع لهم في هذه ~~الآية ما به قوام النصر في الحروب . وهذه الجمل معترضة بين ms3506 جملة : { وإذ ~~يريكموهم } ( الأنفال : 44 ) وجملة : { وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم } ( ~~الأنفال : 48 ) . | # وافتتحت هذه الوصايا بالنداء اهتماما بها ، وجعل طريق تعريف المنادى طريق ~~الموصولية لما تؤذن به الصلة من الاستعداد لامتثال ما يأمرهم به الله تعالى ~~، لأن ذلك أخص صفاتهم تلقاء أوامر الله تعالى ، كما قال تعالى : { إنما كان ~~قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا ~~} ( النور : 51 ) . | # واللقاء : أصله مصادفة الشخص ومواجهته ، باجتماع في مكان واحد ، كما تقدم ~~عند قوله تعالى : { فتلقى آدم من ربه كلمات } ( البقرة : 37 ) وقوله : { ~~واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه في سورة البقرة ( 223 ) . وقد غلب إطلاقه ~~على لقاء خاص وهو لقاء القتال ، فيرادف القتال والنزال . | PageV10P029 # وقد تقدم اللقاء قريبا في قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم ~~الذين كفروا } ( الأنفال : 15 ) وبهذا المعنى تعين أن المراد بالفئة : فئة ~~خاصة وهي فئة العدو ، يعني المشركين . | # و ( الفئة ) الجماعة من الناس ، وقد تقدم اشتقاقها عند قوله تعالى : { كم ~~من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة في سورة البقرة ( 249 ) . | # وذكر الله ، المأمور به هنا : هو ذكره باللسان ، لأنه يتضمن ذكر القلب ، ~~وزيادة فإنه إذا ذكر بلسانه فقد ذكر بقلبه وبلسانه ، وسمع الذكر بسمعه ، ~~وذكر من يليه بذلك الذكر ، ففيه فوائد زائدة على ذكر القلب المجرد ، وقرينة ~~إرادة ذكر اللسان ظاهر وصفه بكثير لأن الذكر بالقلب يوصف بالقوة ، والمقصود ~~تذكر أنه الناصر . وهذان أمران أمروا بهما وهما يخصان المجاهد في نفسه ، ~~ولذلك قال : لعلكم تفلحون } . فهما لإصلاح الأفراد ، ثم أمرهم بأعمال راجعة ~~إلى انتظام جيشهم وجماعتهم ، وهي علائق بعضهم مع بعض ، وهي الطاعة وترك ~~التنازع ، فأما طاعة الله ورسوله فتشمل اتباع سائر أحكام القتال المشروعة ~~بالتعيين ، مثل الغنائم . وكذلك ما يأمرهم به الرسول صلى الله عليه وسلم من ~~آراء الحرب ، كقوله للرماة يوم أحد : ( لا تبرحوا من مكانكم ولو تخطفنا ~~الطير ) . وتشمل طاعة الرسول عليه الصلاة والسلام طاعة أمرائه في حياته ، ~~لقوله : ( ومن أطاع أميري فقد أطاعني ) وتشمل طاعة أمراء ms3507 الجيوش بعد وفاة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم لمساواتهم لأمرائه الغائبين عنه في الغزوات ~~والسرايا في حكم الغيبة عن شخصه . | # وأما النهي عن التنازع فهو يقتضي الأمر بتحصيل أسباب ذلك : بالتفاهم ~~والتشاور ، ومراجعة بعضهم بعضا ، حتى يصدروا عن رأي واحد ، فإن تنازعوا في ~~شيء رجعوا إلى أمرائهم لقوله تعالى : { ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي ~~الأمر منهم } ( النساء : 83 ) . وقوله : { فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى ~~الله والرسول } ( النساء : 59 ) . والنهي عن التنازع أعم من PageV10P030 ~~الأمر بالطاعة لولاة الأمور : لأنهم إذا نهوا عن التنازع بينهم ، فالتنازع ~~مع ولي الأمر أولى بالنهي . | # ولما كان التنازع من شأنه أن ينشأ عن اختلاف الآراء ، وهو أمر مرتكز في ~~الفطرة بسط القرآن القول فيه ببيان سيىء آثاره ، فجاء بالتفريع بالفاء في ~~قوله : { فتفشلوا وتذهب ريحكم } فحذرهم أمرين معلوما سوء مغبتهما : وهما ~~الفشل وذهاب الريح . | # والفشل : انحطاط القوة وقد تقدم آنفا عند قوله : { ولو أراكهم كثيرا ~~لفشلتم } ( الأنفال : 43 ) وهو هنا مراد به حقيقة الفشل في خصوص القتال ~~ومدافعة العدو ، ويصح أن يكون تمثيلا لحال المتقاعس عن القتال بحال من خارت ~~قوته وفشلت أعضاؤه ، في انعدام إقدامه على العمل . وإنما كان التنازع مفضيا ~~إلى الفشل ؛ لأنه يثير التغاضب ويزيل التعاون بين القوم ، ويحدث فيهم أن ~~يتربص بعضهم ببعض الدوائر ، فيحدث في نفوسهم الإشتغال باتقاء بعضهم بعضا ، ~~وتوقع عدم إلفاء النصير عند مآزق القتال ، فيصرف الأمة عن التوجه إلى شغل ~~واحد فيما فيه نفع جميعهم ، ويصرف الجيش عن الإقدام على أعدائهم ، فيتمكن ~~منهم العدو ، كما قال في سورة آل عمران ( 152 ) { حتى إذا فشلتم وتنازعتم ~~في الأمر وعصيتم . | # والريح حقيقتها تحرك الهواء وتموجه ، واستعيرت هنا للغلبة ، وأحسب أن وجه ~~الشبه في هذه الاستعارة هو أن الريح لا يمانع جريها ولا عملها شيء فشبه بها ~~الغلب والحكم وأنشد ابن عطية ، لعبيد بن الأبرص : | # كما حميناك يوم النعب من شطب | # والفضل للقوم من ريح ومن عدد | # وفي الكشاف } قال سليك بن السلكة : | # يا صاحبي ألا لا حي بالوادي ms3508 | # إلا عبيد قعود بين أذواد | # هل تنظران قليلا ريث غفلتهم | # أو تعدوان فإن الريح للعادي | # وقال الحريري ، في ديباجة ( المقامات ) : ( قد جرى ببعض أندية الأدب الذي ~~ركدت في هذا العصر ريحه ) . | PageV10P031 # والمعنى : وتزول قوتكم ونفوذ أمركم ، وذلك لأن التنازع يفضي إلى التفرق ، ~~وهو يوهن أمر الأمة ، كما تقدم في معنى الفشل . | # ثم أمرهم الله بشيء يعم نفعه المرء في نفسه وفي علاقته مع أصحابه ، ويسهل ~~عليهم الأمور الأربعة ، التي أمروا بها آنفا في قوله : { فاثبتوا واذكروا ~~الله كثيرا } وفي قوله : { وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا } الآية . ألا ~~وهو الصبر ، فقال : { واصبروا } لأن الصبر هو تحمل المكروه ، وما هو شديد ~~على النفس ، وتلك المأمورات كلها تحتاج إلى تحمل المكاره ، فالصبر يجمع ~~تحمل الشدائد والمصاعب ، ولذلك كان قوله : { واصبروا } بمنزلة التذييل . | # وقوله : { إن الله مع الصابرين } إيماء إلى منفعة للصبر إلهية ، وهي ~~إعانة الله لمن صبر امتثالا لأمره ، وهذا مشاهد في تصرفات الحياة كلها . | # وجملة { إن الله مع الصابرين } قائمة مقام التعليل للأمر ، لأن حرف ~~التأكيد في مثل هذا قائم مقام فاء التفريع ، كما تقدم في مواضع . | # | 2 ( 47 ) { ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئآء الناس ويصدون ~~عن سبيل الله والله بما يعملون محيط } . ) 2 # جملة : { ولا تكونوا } معطوفة على { ولا تنازعوا } ( الأنفال : 46 ) عطف ~~نهي على نهي . | # ويصح أن تكون معطوفة على جملة { فاثبتوا } ( الأنفال : 45 ) عطف نهي على ~~أمر ، إكمالا لأسباب النجاح والفوز عند اللقاء ، بأن يتلبسوا بما يدنيهم من ~~النصر ، وأن يتجنبوا ما يفسد إخلاصهم في الجهاد . | # وجيء في نهيهم عن البطر والرئاء بطريقة النهي عن التشبه بالمشركين إدماجا ~~للتشنيع بالمشركين وأحوالهم ، وتكريها للمسلمين تلك الأحوال ، لأن الأحوال ~~الذميمة تتضح مذمتها ، وتنكشف مزيد الانكشاف إذا كانت من أحوال قوم مذمومين ~~PageV10P032 عند آخرين ، وذلك أبلغ في النهي ، وأكشف لقبح المنهي عنه . ~~ونظيره قوله تعالى : { ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون } ( ~~الأنفال : 21 ) وقد تقدم آنفا . فنهوا عن أن يشبهوا حال المشركين في خروجهم ~~لبدر إذ خرجوا ms3509 بطرا ورئاء الناس ، لأن حق كل مسلم أن يريد بكل قول وعمل وجه ~~الله ، والجهاد من أعظم الأعمال الدينية . | # والموصول مراد به جماعة خاصة ، وهم أبو جهل وأصحابه ، وقد مضى خبر خروجهم ~~إلى بدر ، فإنهم خرجوا من مكة بقصد حماية غيرهم فلما بلغوا الجحفة جاءهم ~~رسول أبي سفيان ، وهو كبير العير يخبرهم أن العير قد سلمت ، فقال أبو جهل : ~~( لا نرجع حتى نقدم بدرا نشرب بها وتعزف علينا القيان ونطعم من حضرنا من ~~العرب حتى يتسامع العرب بأننا غلبنا محمدا وأصحابه ) . فعبر عن تجاوزهم ~~الجحفة إلى بدر ، بالخروج لأنه تكملة لخروجهم من مكة . | # وانتصب { بطرا ورئاء الناس } على الحالية ، أي بطرين مرائين ، ووصفهم ~~بالمصدر للمبالغة في تمكن الصفتين منهم لأن البطر والرياء خلقان من خلقهم . ~~| # و ( البطر ) إعجاب المرء بما هو فيه من نعمة ، والاستكبار والفخر بها ، ~~فالمشركون لما خرجوا من الجحفة ، خرجوا عجبا بما هم فيه من القوة والجدة . ~~| # ( والرئاء ) بهمزتين أولاهما أصيلة والأخيرة مبدلة عن الياء لوقوعها ~~متطرفة أثر ألف زائدة . ووزنه فعال مصدر راءى فاعل من الرؤية ويقال : مراآة ~~، وصيغة المفاعلة فيه مبالغة ، أي بالغ في إراءة الناس عمله محبة أن يروه ~~ليفخر عليهم . | # و { سبيل الله } الطريق الموصلة إليه ، وهو الإسلام ، شبه الدين في ~~إبلاغه إلى رضى الله تعالى ، بالسبيل الموصل إلى بيت سيد الحي ليصفح عن ~~وارده أو يكرمه . | # وجيء في { يصدون } بصيغة الفعل المضارع للدلالة على حدوثث وتجدد صدهم ~~الناس عن سبيل الله ، وأنهم حين خرجوا صادين عن سبيل الله ومكررين ذلك ~~ومجددينه . وباعتبار الحدوث كانت الحال مقارنة ، وأما التجدد فمستفاد من ~~المضارعية ولا يجعل الحال مقدرة . | PageV10P033 # وقوله : { والله بما يعملون محيط } تذكير للمسلمين بصريحه ، ووعيد ~~للمشركين بالمعنى الكنائي ، لأن إحاطة العلم بما يعملون مجاز في عدم خفاء ~~شيء من عملهم عن علم الله تعالى ، ويلزمه أنه مجازيهم عن عملهم بما يجازي ~~به العليم القدير من اعتدى على حرمه ، والجملة حال من ضمير { الذين خرجوا } ~~( الأنفال : 47 ) . | # وإسناد الإحاطة إلى اسم الله تعالى مجاز ms3510 عقلي ، لأن المحيط هو علم الله ~~تعالى فإسناد الإحاطة إلى صاحب العلم مجاز . | # | 2 ( 48 ) { وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من ~~الناس وإني جار لكم فلما ترآءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني برى ء منكم ~~إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب } . ) 2 # | $ # { وإذ زين } عطف على { وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا } ( ~~الأنفال : 44 ) الآية . وما بينهما اعتراض ، رتب نظمه على أسلوبه العجيب ؛ ~~ليقع هذا الظرف عقب تلك الجمل المعترضة ، فيكون له إتمام المناسبة بحكاية ~~خروجهم وأحواله ، فإنه من عجيب صنع الله فيما عرض للمشركين من الأحوال في ~~خروجهم إلى بدر ، مما كان فيه سبب نصر المسلمين ، وليقع قوله : { ولا ~~تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم } ( الأنفال : 47 ) عقب أمر المسلمين بما ~~ينبغي لهم عند اللقاء ، ليجمع لهم بين الأمر بما ينبغي والتحذير مما لا ~~ينبغي ، وترك التشبه بمن لا يرتضى ، فيتم هذا الأسلوب البديع المحكم ~~الانتظامم . | # وأشارت هاته الآية إلى أمر عجيب كان من أسباب خذلان المشركين إذ صرف الله ~~عن المسلمين كيدا لهم حين وسوس الشيطان لسراقة بنن مالك بن جعشم الكناني أن ~~يجيء في جيش من قومه بني كنانة لنصر المشركين حين خرجوا للدفاع عن عيرهم ، ~~PageV10P034 فألقى الله في روع سراقة من الخوف ، ما أوجب انخزاله وجيشه عن ~~نصر المشركين ، وأفسد الله كيد الشيطان بما قذفه الله في نفس سراقة من ~~الخوف وذلك أن قريشا لما أجمعوا أمرهم على السير إلى إنقاذ العير ذكروا ما ~~كان بينهم وبين كنانة من الحرب فكاد أن يثبطهم عن الخروج ، فلقيهم في ~~مسيرهم سراقة بن مالك في جند معه راية وقال لهم : لا غالب لكم اليوم ، وإني ~~مجيركم من كنانة ، فقوي عزم قريش على المسير ، فلما أمعنوا السير وتقارب ~~المشركون من منازل جيش المسلمين ، ورأى سراقة الجيشين ، نكص سراقة بمن معه ~~وانطلقوا ، فقال له الحارث بن هشام ، أخو أبي جهل : ( إلى أين أتخذلنا في ~~هذه الحال ) فقال سراقة ( إني أرى ms3511 ما لا ترون ) فكان ذلك من أسباب عزم قريش ~~على الخروج والمسير ، حتى لقوا هزيمتهم التي كتب الله لهم في بدر ، وكان ~~خروج سراقة ومن معه بوسوسة من الشيطان ، لئلا ينثني قريش عن الخروج ، وكان ~~انخزال سراقة بتقدير من الله ليتم نصر المسلمين ، وكان خاطر رجوع سراقة ~~خاطرا ملكيا ساقه الله إليه ؛ لأن سراقة لم يزل يتردد في أن يسلم منذ يوم ~~لقائه رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريق الهجرة ، حين شاهد معجزة سوخ ~~قوائم فرسه في الأرض ، وأخذه الأمان من رسول الله صلى الله عليه وسلم ورويت ~~له أبيات خاطب بها أبا جهل في قضيته في يوم الهجرة ، وما زال به ذلك حتى ~~أسلم يوم الفتح . | # وتزيين الشيطان للمشركين أعمالهم ، يجوز أن يكون إسنادا مجازيا ، وإنما ~~المزين لهم سراقة بإغراء الشيطان ، بما سول إلى سراقة بن مالك من تثبيته ~~المشركين على المضي في طريقهم لإنقاذ عيرهم ، وأن لا يخشوا غدر كنانة بهم ، ~~وقيل تمثل الشيطان للمشركين في صورة سراقة ، وليس تمثل الشيطان وجنده بصورة ~~سراقة وجيشه بمروي عن النبي صلى الله عليه وسلم وإنما روي ذلك عن قول ابن ~~عباس ، وتأويل ذلك : أن ما صدر من سراقة كان بوسوسة من الشيطان ، ويجوز أن ~~يكون اسم الشيطان أطلق على سراقة لأنه فعل فعل الشيطان كما يقولون : فلان ~~من شياطين العرب ويجوز أن يكون إسنادا حقيقا أي زين لهم في نفوسهم بخواطر ~~وسوسته ، وكذلك إسناد قوله : { لا غالب لكم } إليه مجاز عقلي باعتبار صدور ~~القول والنكوص من سراقة المتأثر بوسوسة الشيطان . وكذلك قوله : { إني أرى ~~ما لا ترون } . | PageV10P035 # وقوله : { إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون } إن كان من الشيطان فهو قول ~~في نفسه ، وضمير الخطاب التفات استحضرهم كأنهم يسمعونه ، فقال قوله هذا ، ~~وتكون الرؤية بصرية يعني رأى نزول الملائكة وخاف أن يضروه بإذن الله وقوله ~~: { إني أخاف الله } بيان لقوله : { إني أرى ما لا ترون } أي أخاف عقاب ~~الله فيما رأيت من جنود الله . وإن كان ذلك ms3512 كله من قول سراقة فهو إعلان لهم ~~برد جواره إياهم لئلا يكون خائنا لهم ، لأن العرب كانوا إذا أرادوا نقض ~~جوار أعلنوا ذلك لمن أجاروه ، كما فعل ابن الدغنة حين أجار أبا بكر من أذى ~~قريش ثم رد جواره من أبي بكر ، ومنه قوله تعالى : { وإما تخافن من قوم ~~خيانة فانبذ إليهم على سوآء إن الله لا يحب الخائنين } ( الأنفال : 58 ) ~~فالمعنى : إني بريء من جواركم ، ولذلك قال له الحارث بن هشام : ( إلى أين ~~أتخذلنا ) فيكون قد اقتصر على تأمينهم من غدر قومه بني كنانة . وتكون ~~الرؤية علمية ومفعولها الثاني محذوفا اقتصارا . | # وأما قوله : { إني أخاف الله والله شديد العقاب } فعلى احتمال أن يكون ~~الإسناد إلى الشيطان حقيقة فالمراد من خوف الله توقع أن يصيبه الله بضر ، ~~من نحو الرجم بالشهب ، وإن كان مجازا عقليا وأن حقيقته قول سراقة فلعل ~~سراقة قال قولا في نفسه ، لأنه كان عاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~أن لا يدل عليه المشركين ، فلعله تذكر ذلك ورأى أن فيما وعد المشركين من ~~الإعانة ضربا من خيانة العهد فخاف سوء عاقبة الخيانة . | # و ( التزيين ) إظهار الشيء زينا ، أي حسنا ، وقد تقدم عند قوله تعالى : { ~~كذلك زينا لكل أمة عملهم في سورة الأنعام ( 108 ) ، وفي قوله : زين للذين ~~كفروا الحياة الدنيا في سورة البقرة ( 212 ) . والمعنى : أنه أراهم حسنا ما ~~يعملونه من الخروج إلى إنقاذ العير ، ثم من إزماع السير إلى بدر . | # وتراءت } مفاعلة من الرؤية ، أي رأت كلتا الفئتين الأخرى . | # و { نكص على عقبيه } رجع من حيث جاء . وعن مؤرج السدوسي : أن نكص رجع ~~بلغة سليم ، ومصدره النكوص وهو من باب رجع . | PageV10P036 # وقوله : { على عقبيه } مؤكد لمعنى نكص إذ النكوص لا يكون إلا على العقبين ~~، لأنه الرجوع إلى الوراء كقولهم : رجع القهقرى ، ونظيره قوله تعالى في ~~سورة المؤمنين ( 66 ) : { فكنتم على أعقابكم تنكصون . | # وعلى } مفيدة للتمكن من السير بالعقبين . والعقبان : تثنية العقب ، وهو ~~مؤخر الرجل ، وقد تقدم في قوله : { ونرد على أعقابنا في سورة ms3513 الأنعام ( 71 ~~) . | # والمقصود من ذكر العقبين تفظيع التقهقر لأن عقب الرجل أخس القوائم ~~لملاقاته الغبار والأوساخ . | # | 2 ( 49 ) إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هاؤلا ء دينهم ومن ~~يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم } . ) 2 # | $ # يتعلق { إذ يقول } بأقرب الأفعال إليه وهو قوله : { زين لهم الشيطان ~~أعمالهم } ( الأنفال : 48 ) مع ما عطف عليه من الأفعال ، لأن { إذ } لا ~~تقتضي أكثر من المقارنة في الزمان بين ما تضاف إليه وبين متعلقها ، فتعين ~~أن يكون قول المنافقين واقعا في وقت تزيين الشيطان أعمال المشركين فيتم ~~تعليق وقت قول المنافقين بوقت تزيين الشيطان أعمال المشركين ، وإنما تطلب ~~المناسبة لذكر هذا الخبر عقب الذي وليه هو ، وتلك هي أن كلا الخبرين يتضمن ~~قوة جيش المشركين ، وضعف جيش المسلمين ، ويقين أولياء الشيطان بأن النصر ~~سيكون للمشركين على المسلمين . فالخبر الأول عن طائفة أعانت المشركين ~~بتأمينهم من عدو يخشونه فانحازت إليهم علنا ، وذلك يستلزم تقبيح ما أقحم ~~المسلمون فيه أنفسهم إذ عمدوا إلى قتال قوم أقوياء . والخبر الثاني : عن ~~طائفتين شوهتا صنيع المسلمين حمقتاهم ونسبتاهم إلى الغرور فأسروا ذلك ولم ~~يبوحوا به ، وتحدثوا به فيما بينهم ، أو أسروه في نفوسهم . | # فنظم الكلام هكذا : وزين الشيطان للمشركين أعمالهم حين كان المنافقون ~~يقبحون أعمال المسلمين ويصفونهم بالغرور وقلة التدبير من اعتقادهم في دينهم ~~الذي أوقعهم في هذا الغرور ويجول في نفوس الذين في قلوبهم مرض مثل هذا . | ~~PageV10P037 # و ( القول ) هنا مستعمل في حقيقته ومجازه : الشامل لحديث النفس ، لأن ~~المنافقين يقولون ذلك بألسنتهم ، وأما الذين في قلوبهم مرض وهم طائفة غير ~~المنافقين ، بل هم من لم يتمكن الإيمان من قلوبهم . فيقولونه في أنفسهم لما ~~لهم من الشك في صدق وعد النبي صلى الله عليه وسلم لأنهم غير موالين ~~للمنافقين ، ويجوز أن يتحدثوا به بين جماعتهم . | # و ( المرض ) هنا مجاز في اختلال الإعتقاد ، شبه بالمرض بوجه سوء عاقبته ~~عليهم . وقد تقدم في قوله تعالى : { في قلوبهم مرض في أول البقرة ( 10 ) . ~~| # وأشاروا بهؤلاء } إلى المسلمين الذين خرجوا ms3514 إلى بدر ، وقد جرت الإشارة ~~على غير مشاهد ، لأنهم مذكورون في حديثهم أو مستحضرون في أذهانهم ، فكانوا ~~بمنزلة الحاضر المشاهد لهم وهم يتعارفون بمثل هذه الإشارة في حديثهم عن ~~المسلمين . | # والغرور : الإيقاع في المضرة بإيهام المنفعة ، وقد تقدم عند قوله تعالى : ~~{ لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد في سورة آل عمران ( 196 ) ، وقوله : ~~زخرف القول غرورا في سورة الأنعام ( 112 ) . | # والدين هو الإسلام ، وإسنادهم الغرور إلى الدين باعتبار ما فيه من الوعد ~~بالنصر من نحو قوله : إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين } ( الأنفال ~~: 65 ) الآية ، أي غرهم ذلك فخرجوا وهم عدد قليل للقاء جيش كثير ، والمعنى ~~: إذ يقولون ذلك عند اللقاء وقبل حصول النصر . فإطلاق الغرور هنا مجاز ، ~~وإسناده إلى الدين حقيقة عقلية . | # وجملة : { ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم } معطوفة على جملة : { ~~وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم } ( الأنفال : 48 ) لأنها من جملة الأخبار ~~المسوقة ؛ لبيان عناية الله تعالى بالمسلمين ، وللامتنان عليهم ، فالمناسبة ~~بينها وبين الجملة التي قبلها : أنها كالعلة لخيبة ظنون المشركين ونصرائهم ~~، أي أن الله خيب ظنونهم لأن المسلمين توكلوا عليه وهو عزيز لا يغلب ، فمن ~~تمسك بالاعتماد عليه نصره ، وهو حكيم يكون أسباب النصر من حيث يجهلها البشر ~~. | # والتوكل : الاستسلام والتفويض ، وقد تقدم عند قوله تعالى : { فإذا عزمت ~~فتوكل على الله في سورة آل عمران ( 159 ) . | PageV10P038 # وجعل قوله : { فإن الله عزيز حكيم } جوابا للشرط باعتبار لازمه وهو عزة ~~المتوكل على الله وإلفائه منجيا من مضيق أمره ، فهو كناية عن الجواب وهذا ~~من وجوه البيان وهو كثير الوقوع في القرآن ، وعليه قول زهير : | # من يلق يوما على علاته هرما | # يلق السماحة فيه والندى خلقا | # أي ينل من كرمه ولا يتخلف ذلك عنه في حال من الأحوال ، وقول الربيع بن ~~زياد العبسي : | # من كان مسرورا بمقتل مالك | # فليأت نسوتنا بوجه نهار | # يجد النساء حواسرا يندبنه | # بالليل قبل تبلج الأسفار | # أي من كان مسرورا بمقتله فسروره لا يدوم إلا بعض يوم ثم يحزنه أخذ الثأر ~~إما ms3515 من ذلك المسرور إن كان هو القاتل أو من أحد قومه وذلك يحزن قومه . | # | 2 ( 50 ، 51 ) { لله ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون ~~وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق * ذالك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس ~~بظلام للعبيد } . ) 2 # لما وفي وصف حال المشركين حقه ، وفصلت أحوال هزيمتهم ببدر ، وكيف أمكن ~~الله منهم المسلمين ، على ضعف هؤلاء وقوة أولئك ، بما شاهده كل حاضر حتى ~~ليوقن السامع أن ما نال المشركين يومئذ إنما هو خذلان من الله إياهم ، ~~وإيذان بأنهم لاقون هلاكهم ما داموا مناوئين لله ورسوله ، انتقل إلى وصف ما ~~لقيه من العذاب من قتل منهم يوم بدر ، مما هو مغيب عن الناس ، ليعلم ~~المؤمنون ويرتدع الكافرون ، والمراد بالذين كفروا هنا الذين قتلوا يوم بدر ~~، وتكون هذه الآية من تمام الخبر عن قوم بدر . | PageV10P039 # ويجوز أن يكون المراد بالذين كفروا جميع الكافرين حملا للموصول على معنى ~~العموم فتكون الآية اعتراضا مستطردا في خلال القصة بمناسبة وصف ما لقيه ~~المشركون في ذلك اليوم ، الذي عجل لهم فيه عذاب الموت . | # وابتدىء الخبر ب { ولو ترى } مخاطبا به غير معين ، ليعم كل مخاطب ، أي : ~~لو ترى أيها السامع ، إذ ليس المقصود بهذا الخبر خصوص النبي صلى الله عليه ~~وسلم حتى يحمل الخطاب على ظاهره ، بل غير النبي أولى به منه ، لأن الله ~~قادر أن يطلع نبيه على ذلك كما أراه الجنة في عرض الحائط . | # ثم إن كان المراد بالذين كفروا مشركي يوم بدر ، وكان ذلك قد مضى يكن ~~مقتضى الظاهر أن يقال : ولو رأيت إذ توفى الذين كفروا الملائكة . فالإتيان ~~بالمضارع في الموضعين مكان الماضي ؛ لقصد استحضار تلك الحالة العجيبة ، وهي ~~حالة ضرب الوجوه والأدبار ، ليخيل للسامع أنه يشاهد تلك الحالة ، وإن كان ~~المراد المشركين حيثما كانوا كان التعبير بالمضارع على مقتضى الظاهر . | # وجواب { لو } محذوف تقديره : لرأيت أمرا عجيبا . وقرأ الجمهور : يتوفى ~~بياء الغائب وقرأه ابن عامر : تتوفى بتاء التأنيث رعيا لصورة جمع الملائكة ~~. | # والتوفي : الإماتة سميت توفيا ؛ لأنها تنهي ms3516 حياة المرء أو تستوفيها { قل ~~يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم } ( السجدة : 11 ) . | # وجملة : { يضربون وجوههم وأدبارهم } في موضع الحال إن كان المراد من ~~التوفي قبض أرواح المشركين يوم بدر حين يقتلهم المسلمون ، أي : يزيدهم ~~الملائكة تعذيبا عند نزع أرواحهم ، وهي بدل اشتمال من جملة : { يتوفى } إن ~~كان المراد بالتوفي توفيا يتوفاه الملائكة الكافرين . | # وجملة : { وذوقوا عذاب الحريق } معطوفة على جملة : { يضربون } بتقدير ~~القول ، لأن هذه الجملة لا موقع لها مع التي قبلها ، إلا أن تكون من قول ~~الملائكة ، أي : ويقولون : ذوقوا عذاب الحريق كقوله : { وإذ يرفع إبراهيم ~~القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا } ( البقرة : 127 ) ، وقوله : { ~~ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا } ( السجدة ~~: 12 ) . | PageV10P040 # وذكر الوجوه والأدبار للتعميم ، أي : يضربون جميع أجسادهم . فالأدبار : ~~جمع دبر وهو ما دبر من الإنسان . ومنه قوله تعالى : { سيهزم الجمع ويولون ~~الدبر } ( القمر : 45 ) . وكذلك الوجوه كناية عما أقبل من الإنسان ، وهذا ~~كقول العرب : ضربته الظهر والبطن ، كناية عما أقبل وما أدبر أي ضربته في ~~جميع جسده . | # و ( الذوق ) مستعمل في مطلق الإحساس ، بعلاقة الإطلاق . | # وإضافة العذاب إلى الحريق من إضافة الجنس إلى نوعه ، لبيان النوع ، أي ~~عذابا هو الحريق ، فهي إضافة بيانية . | # و { الحريق هو اضطرام النار ، والمراد به جهنم ، فلعل الله عجل بأرواح ~~هؤلاء المشركين إلى النار قبل يوم الحساب ، فالأمر مستعمل في التكوين ، أي ~~: يذيقونهم ، أو مستعمل في التشفي ، أو المراد بقول الملائكة وذوقوا } ~~إنذارهم بأنهم سيذوقونه ، وإنما يقع الذوق يوم القيامة ، فيكون الأمر ~~مستعملا في الإنذار كقوله تعالى : { قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار } ( ~~إبراهيم : 30 ) بناء على أن التمتع يؤذن بشيء سيحدث بعد التمتع مضاد لما به ~~التمتع . | # واسم الإشارة { ذلك بما قدمت أيديكم } إلى ما يشاهدونه من العذاب ، وجيء ~~بإشارة البعيد لتعظيم ما يشاهدونه من الأهوال . | # والجملة مستأنفة لقصد التنكيل والتشفي . والباء للسببية ، وهي ، مع ~~المجرور ، خبر عن اسم الإشارة . | # و ( ما ) في قوله : { بما قدمت أيديكم } موصولة ، ومعنى { قدمت أيديكم } ~~أسلفته ms3517 من الأعمال فيما مضى ، أي من الشرك وفروعه من الفواحش . | # وذكر الأيدي استعارة مكنية بتشبيه الأعمال التي اقترفوها ، وهي ما صدق { ~~ما قدمت } بما يجتنيه المجتني من الثمر ، أو يقبضه البائع من الأثمان ، ~~تشبيه المعقول بالمحسوس ، وذكر رديف المشبه وهو الأيدي التي هي آلة ~~الاكتساب ، أي : بما قدمته أيديكم لكم . | PageV10P041 # وقوله : { وأن الله ليس بظالم للعبيد } عطف على { ما قدمت أيديكم } ~~والتقدير : وبأن الله ليس بظلام للعبيد ، وهذا علة ثانية لإيقاع تلك ~~العقوبة عليهم ، فالعلة الأولى ، المفادة من باء السببية تعليل لإيقاع ~~العقاب . والعلة الثانية ، المفادة من العطف على الباء ومجرورها ، تعليل ~~لصفة العذاب ؛ أي هو عذاب معادل لأعمالهم ، فمورد العلتين شيء واحد لكن ~~باختلاف الاعتبار . | # ونفي الظلم عن الله تعالى كناية عن عدله ، وأن الجزاء الأليم كان كفاء ~~للعمل المجازى عنه دون إفراط . | # وجعل صاحب ( الكشاف ) التعليلين لشيء واحد ، وهو ذلك العذاب ، فجعلهما ~~سببين لكفرهم ومعاصيهم ، وأن التعذيب من العدل مثل الإثابة ، وهو بعيد ، ~~لأن ترك الله المؤاخذة على الاعتداء على حقوقه إذا شاء ذلك ، ليس بظلم ، ~~والموضوع هو العقاب على الإشراك والفواحش ، وأما الاعتداء على حقوق الناس ~~فترك المؤاخذة به على تسليم أنه ليس بعدل ، وقد يعوض المعتدى عليه بترضية ~~من الله ، فلذلك كان ما في ( الكشاف ) غير خال عن تعسف حمله عليه الإسراع ~~لنصرة مذهب الاعتزال من استحالة العفو عن العصاة ، لأنه مناف للعدل أو ~~للحكمة . | # ونفي ظلام بصيغة المبالغة لا يفيد إثبات ظلم غير قوي ؛ لأن الصيغ لا ~~مفاهيم لها ، وجرت عادة العلماء أن يجيبوا بأن المبالغة منصرفة إلى النفي ~~كما جاء ذلك كثيرا في مثل هذا ، ويزاد هنا الجواب باحتمال أن الكثرة ~~باعتبار تعلق الظلم المنفي ، لو قدر ثبوته ، بالعبيد الكثيرين ، فعبر ~~بالمبالغة عن كثرة إعداد الظلم باعتبار تعدد أفراد معموله . | # والتعريف باللام في { العبيد } عوض عن المضاف إليه ، أي : لعبيده كقوله : ~~{ فإن الجنة هي المأوى } ( النازعات : 41 ) ويجوز أن يكون { العبيد } أطلق ~~على ما يرادف الناس كما أطلق العباد في قوله تعالى : { يا حسرة ms3518 على العباد ~~في سورة يس ( 30 ) . | # | PageV10P042 # | 2 ( 52 ) كدأب ءال فرعون والذين من قبلهم كفروا بآيات الله فأخذهم الله ~~بذنوبهم إن الله قوى شديد العقاب } . ) 2 # { كدأب } خبر مبتدأ محذوف ، وهو حذف تابع للاستعمال في مثله ، فإن العرب ~~إذا تحدثوا عن شيء ثم أتوا بخبر دون مبتدأ علم أن المبتدأ محذوف ، فقدر بما ~~يدل عليه الكلام السابق . | # فالتقدير هنا : دأبهم كدأب آلل فرعون والذين من قبلهم ، أي من الأمم ~~المكذبين برسل ربهم ، مثل عاد وثمود . | # والدأب : العادة والسيرة المألوفة ، وقد تقدم مثله في سورة آل عمران . ~~وتقدم وجه تخصيص آل فرعون بالذكر . ولا فرق بين الآيتين إلا اختلاف العبارة ~~، ففي سورة آل عمران ( 11 ) { كذبوا بآياتنا وهنا كفروا بآيات الله } ، ~~وهنالك { والله شديد العقاب } ( آل عمران 11 ) وهنا { إن الله قوي شديد ~~العقاب } . | # فأما المخالفة بين { كذبوا } ( آل عمران : 11 ) و { } كفروا فلأن قوم ~~فرعون والذين من قبلهم شاركوا المشركين في الكفر بالله وتكذيب رسله ، وفي ~~جحد دلالة الآيات على الوحدانية وعلى صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فذكروا ~~هنا ابتداء بالأفظع من الأمرين فعبر بالكفر بالآيات عن جحد الآيات الدالة ~~على وحدانية الله تعالى ، لأن الكفر أصرح في إنكار صفات الله تعالى . وقد ~~عقبت هذه الآية بالتي بعدها ، فذكر في التي بعدها التكذيب بالآيات ، أي ~~التكذيب بآيات صدق الرسول عليه الصلاة والسلام ، وجحد الآيات الدالة على ~~صدقه . فأما في سورة آل عمران ( 11 ) فقد ذكر تكذيبهم بالآيات ، أي الدالة ~~على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم لأن التكذيب متبادر في معنى تكذيب ~~المخبر ، لوقوع ذلك عقب ذكر تنزيل القرآن وتصديق من صدق به ، وإلحاد من قصد ~~الفتنة بمتشابهه ، فعبر عن الذين شابهوهم في تكذيب رسولهم بوصف التكذيب . | # فأما الإظهار هنا في مقام الإضمار ، فاقتضاه أن الكفر كفر بما يرجع إلى ~~صفات الله فأضيفت الآيات إلى اسم الجلالة ؛ ليدل على الذات بعنوان الإله ~~الحق وهو الوحدانية . | PageV10P043 # وأما الإضمار في آل عمران فلكون التكذيب تكذيبا لآيات دالة على ثبوت ~~رسالة محمد ms3519 صلى الله عليه وسلم فأضيفت الآيات إلى الضمير على الأصل في ~~التكلم . | # وأما الاختلاف بذكر حرف التأكيد هنا ، دونه في سورة آل عمران ( 11 ) ، ~~فلأنه قصد هنا التعريض بالمشركين ، وكانوا ينكرون قوة الله عليهم ، بمعنى ~~لازمها ، وهو إنزال الضر بهم ، وينكرون أنه شديد العقاب لهم ، فأكد الخبر ~~باعتبار لازمه التعريضي الذي هو إبلاغ هذا الإنذار إلى من بقي من المشركين ~~، وفي سورة آل عمران ( 11 ) لم يقصد إلا الإخبار عن كون الله شديد العقاب ~~إذا عاقب ، فهو تذكير للمسلمين وهم المقصود بالإخبار بقرينة قوله ، عقبه : ~~{ قل للذين كفروا ستغلبون } ( آل عمران : 12 ) الآية . | # وزيد وصف ( قوي ) هنا مبالغة في تهديد المشركين المقصودين بالإنذار ~~والتهديد . والقوي الموصوف بالقوة ، وحقيقتها كمال صلابة الأعضاء لأداء ~~الأعمال التي تراد منها ، وهي متفاوتة مقول عليها بالتشكيك . | # وقد تقدم عند قوله تعالى : { فخذها بقوة } ( الأعراف : 145 ) . وهي إذا ~~وصف الله بها مستعملة في معناها اللزومي وهي منتهى القدرة على فعل ما تتعلق ~~به إرادته تعالى من الممكنات . والمقصود من ذكر هذين الوصفين : الإيماء إلى ~~أن أخذهم كان قويا شديدا ، لأنه عقاب قوي شديد العقاب ، كقوله : { فأخذناهم ~~أخذ عزيز مقتدر } ( القمر : 42 ) ، وقوله : { إن أخذه أليم شديد } ( هود : ~~102 ) . | # | 2 ( 53 ) { ذالك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ~~ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم } . ) 2 # استئناف بياني . والإشارة إلى مضمون قوله : { فأخذهم الله بذنوبهم إن ~~الله قوي شديد العقاب } ( الأنفال : 52 ) أي ذلك المذكور بسبب أن الله لم ~~يك مغيرا إلخ أي ذلك الأخذ بسبب أعمالهم التي تسببوا بها في زوال نعمتهم . ~~| PageV10P044 # والإشارة تفيد العناية بالمخبر عنه ، وبالخبر . والتسبيب يقتضي أن آل ~~فرعون والذين من قبلهم كانوا في نعمة فغيرها الله عليهم بالنقمة ، وأن ذلك ~~جرى على سنة الله أنه لا يسلب نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ذلك بأنفسهم ~~، وأن قوم فرعون والذين من قبلهم كانوا من جملة الأقوام الذين أنعم الله ~~عليهم فتسببوا بأنفسهم في زوال النعمة كما قال تعالى ms3520 : { وكم أهلكنا من ~~قرية بطرت معيشتها } ( القصص : 58 ) . | # وهذا إنذار لقريش يحل بهم مثل ما حل بغيرهم من الأمم الذين بطروا النعمة ~~. فقوله : { لم يك مغيرا } مؤذن بأنه سنة الله ومقتضى حكمته ، لأن نفي ~~الكون بصيغة المضارع يقتضي تجدد النفي ومنفيه . | # و ( التغيير ) تبديل شيء بما يضاده فقد يكون تبديل صورة جسم كما يقال : ~~غيرت داري ، ويكون تغيير حال وصفة ومنه تغيير الشيب أي صباغه ، وكأنه مشتق ~~من الغير وهو المخالف ، فتغيير النعمة إبدالها بضدها وهو النقمة وسوء الحال ~~، أي تبديل حالة حسنة بحالة سيئة . | # ووصف النعمة ب { أنعمها على قوم } للتذكير بأن أصل النعمة من الله . | # و { ما بأنفسهم } موصول وصلة ، والباء للملابسة ، أي ما استقر وعلق بهم . ~~وما صدق { ما } النعمة التي أنعم الله عليهم كما يؤذن به قوله : { مغيرا ~~نعمة أنعمها على قوم } والمراد بهذا التغيير تغيير سببه . وهو الشكر بأن ~~يبدلوه بالكفران . | # ذلك أن الأمم تكون صالحة ثم تتغير أحوالها ببطر النعمة فيعظم فسادها ، ~~فذلك تغيير ما كانوا عليه ؛ فإذا أراد الله إصلاحهم أرسل إليهم هداة لهم ، ~~فإذا أصلحوا استمرت عليهم النعم مثل قوم يونس وهم أهل ( نينوى ) ، وإذا ~~كذبوا وبطروا النعمة غير الله ما بهم من النعمة إلى عذاب ونقمة . فالغاية ~~المستفادة من { حتى } لانتفاء تغيير نعمة الله على الأقوام هي غاية متسعة ، ~~لأن الأقوام إذا غيروا ما بأنفسهم من هدى ؛ أمهلهم الله زمنا ثم أرسل إليهم ~~الرسل فإذا أرسل إليهم الرسل فقد نبههم إلى اقتراب المؤاخذة ثم أمهلهم مدة ~~لتبليغ الدعوة والنظر فإذا أصروا على الكفر غير نعمته عليهم بإبدالها ~~بالعذاب أو الذل أو الأسر كما فعل ببني إسرائيل حين أفسدوا في الأرض فسلط ~~عليهم الأشوريين . | PageV10P045 # و { أن الله سميع عليم } عطف على قوله : { بأن الله لم يك مغيرا } أي ذلك ~~بأن الله يعلم ما يضمره الناس وما يعملونه ويعلم ما ينطقون به فهو يعاملهم ~~بما يعلم منهم . وذكر صفة { سميع } قبل صفة { عليم } يومىء إلى أن التغيير ~~الذي أحدثه المعرض بهم متعلق بأقوالهم ms3521 وهو دعوتهم آلهة غير الله تعالى . | # | 2 ( 54 ) { كدأب ءال فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم ~~بذنوبهم وأغرقنآ ءال فرعون وكل كانوا ظالمين } . ) 2 # تكرير لقوله : { كدأب آل فرعون } المذكور قبله لقصد التأكيد والتسميع ، ~~تقرير للإنذار والتهديد ، وخولف بين الجملتين تفننا في الأسلوب ، وزيادة ~~للفائدة ، بذكر التكذيب هنا بعد ذكر الكفر هناك ، وهما سببان للأخذ ~~والإهلاك كما قدمناه آنفا . | # وذكر وصف الربوبية هنا دون الاسم العلم لزيادة تفظيع تكذيبهم ، لأن ~~الاجتراء على الله مع ملاحظة كونه ربا للمجترىء ، يزيد جراءته قبحا لإشعاره ~~بأنها جراءة في موضع الشكر ، لأن الرب يستحق الشكر . | # وعبر بالإهلاك عوض الأخذ المتقدم ذكره ليفسر الأخذ بأنه آل إلى الإهلاك ، ~~وزيد الإهلاك بيانا بالنسبة إلى آل فرعون بأنه إهلاك الغرق . | # وتنوين { كل } للتعويض عن المضاف إليه ، أي : وكل المذكورين ، أي آل ~~فرعون والذين من قبلهم . | # | 2 ( 55 57 ) { إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون * ~~الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون * فإما تثقفنهم ~~فى الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون } . ) 2 # استئناف ابتدائي انتقل به من الكلام على عموم المشركين إلى ذكر كفار ~~آخرين هم الذين بينهم بقوله : { الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم } الآية ~~. وهؤلاء PageV10P046 عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم وهم على كفرهم ، ثم ~~نقضوا عهدهم ، وهم مستمرون على الكفر ، وإنما وصفهم ب { شر الدواب } لأن ~~دعوة الإسلام أظهر من دعوة الأديان السابقة ، ومعجزة الرسول صلى الله عليه ~~وسلم أسطع ، ولأن الدلالة على أحقية الإسلام دلالة عقلية بينة ، فمن يجحده ~~فهو أشبه بما لا عقل له ، وقد اندرج الفريقان من الكفار في جنس { شر الدواب ~~} . | # وتقدم آنفا الكلام على نظير قوله : { إن شر الدواب عند الله الصم البكم } ~~( الأنفال : 22 ) الآية . | # وتعريف المسند بالموصولية للإيماء إلى وجه بناء الخبر عنهم بأنهم شر ~~الدواب . | # والفاء في { فهم لا يؤمنون } عطفت صلة على صلة ، فأفادت أن الجملة ~~الثانية من الصلة ، وأنها تمام الصلة المقصودة للإيماء ms3522 ، أي : الذين كفروا ~~من قبل الإسلام فاستمر كفرهم فهم لا يؤمنون بعد سماع دعوة الإسلام . ولما ~~كان هذا الوصف هو الذي جعلهم شر الدواب عند الله عطف هنا بالفاء للإشارة ~~إلى أن سبب إجراء ذلك الحكم عليهم هو مجموع الوصفين ، وأتى بصلة { فهم لا ~~يؤمنون } جملة إسمية ؛ لإفادة ثبوت عدم إيمانهم وأنهم غير مرجو منهم ~~الإيمان . | # فإن تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي المنفي مع عدم إيلاء المسند إليه ~~حرف النفي ، لقصد إفادة تقوية نفي الإيمان عنهم ، أي الذين ينتفي الإيمان ~~منهم في المستقبل انتفاء قويا فهم بعداء عنه أشد الابتعاد . | # وليس التقديم هنا مفيدا للتخصيص ؛ لأن التخصيص لا أثر له في الصلة ، ولأن ~~الأكثر في تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي المنفي ، إذا لم يقع المسند ~~إليه عقب حرف النفي ، أن لا يفيد تقديمه إلا التقوي ، دون التخصيص ، وذلك ~~هو الأكثر في القرآن كقوله تعالى : { وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا ~~تظلمون } ( البقرة : 272 ) إذ لا يراد وأنتم دون غيركم لا تظلمون . | # فقوله : { الذين عاهدت منهم } بدل من { الذين كفروا } بدلا مطابقا ، ~~فالذين عاهدهم هم الذين كفروا ، فهم لا يؤمنون . وتعدية { عاهدت } ب { من } ~~للدلالة على أن العهد كان يتضمن التزاما من جانبهم ، لأنه يقال أخذت منه ~~عهدا ، أي التزاما ، PageV10P047 فلما ذكر فعل المفاعلة ، الدال على حصول ~~الفعل من الجانبين ، نبه على أن المقصود من المعاهدة التزامهم بأن لا ~~يعينوا عليه عدوا ، وليست { من تبعيضية لعدم متانة المعنى إذ يصير الذم ~~متوجها إلى بعض الذين كفروا ، فهم لا يؤمنون ، وهم الذين ينقضون عهدهم . | # وعن ابن عباس ، وقتادة : أن المراد بهم قريظة فإنهم عاهدوا النبي أن لا ~~يحاربوه ولا يعينوا عليه عدوه ، ثم نقضوا عهدهم فأمدوا المشركين بالسلاح ~~والعدة يوم بدر ، واعتذروا فقالوا : نسينا وأخطأنا ، ثم عاهدوه أن لا ~~يعودوا لمثل ذلك فنكثوا عهدهم يوم الخندق ، ومالوا مع الأحزاب ، وأمدوهم ~~بالسلاح والأدراع . | # والأظهر عندي أن يكون المراد بهم قريظة وغيرهم من بعض قبائل المشركين ، ~~وأخصها المنافقون فقد كانوا ms3523 يعاهدون النبي ثم ينقضون عهدهم كما قال تعالى : ~~وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم } ( التوبة : 12 ) الآية . وقد نقض عبد ~~الله بن أبي ومن معه عهد النصرة في أحد ، فانخزل بمن معه وكانوا ثلث الجيش ~~. وقد ذكر ، في أول سورة براءة عهد فرق من المشركين . وهذا هو الأنسب ~~بإجراء صلة الذين كفروا عليهم لأن الكفر غلب في اصطلاح القرآن إطلاقه على ~~المشركين . | # والتعبير ، في جانب نقضهم العهد ، بصيغة المضارع للدلالة على أن ذلك ~~يتجدد منهم ويتكرر ، بعد نزول هذه الآية ، وأنهم لا ينتهون عنه ، فهو تعريض ~~بالتأييس من وفائهم بعهدهم ، ولذلك فرع عليه قوله : { فإما تثقفنهم في ~~الحرب } إلخ . فالتقدير : ثم نقضوا عهدهم وينقضونه في كل مرة . | # والمراد ب { كل مرة } كل مرة من المرات التي يحق فيها الوفاء بما عاهدوه ~~عليه سواء تكرر العهد أم لم يتكرر ، لأن العهد الأول يقتضي الوفاء كلما دعا ~~داع إليه . | # والأظهر أن هذه الآية نزلت عقب وقعة بدر ، وقبل وقعة الخندق ، فالنقض ~~الحاصل منهم حصل مرة واحدة ، وأخبر عنه بأنه يتكرر مرات ، وإن كانت نزلت ~~بعد الخندق ، بأن امتد زمان نزول هذه السورة ، فالنقض منهم قد حصل مرتين ، ~~PageV10P048 والإخبار عنه بأنه يتكرر مرات هو هو ، فلا جدوى في ادعاء أن ~~الآية نزلت بعد وقعة الخندق . | # وجملة : { وهم لا يتقون } إما عطف على الصلة ، أو على الخبر ، أو في محل ~~الحال من ضمير { ينقضون } . وعلى جميع الاحتمالات فهي دالة على أن انتفاء ~~التقوى عنهم صفة متمكنة منهم ، وملكة فيهم ، بما دل عليه تقديم المسند إليه ~~على الخبر الفعلي المنفي من تقوي الحكم وتحقيقه ، كما تقدم في قوله : { فهم ~~لا يؤمنون } . | # ووقوع فعل { يتقون } في حيز النفي يعم سائر جنس الاتقاء وهو الجنس ~~المتعارف منه ، الذي يتهمم به أهل المروءات والمتدينون ، فيعم اتقاء الله ~~وخشية عقابه في الدنيا والآخرة ، ويعم اتقاء العار ، واتقاء المسبة واتقاء ~~سوء السمعة . فإن الخسيس بالعهد ، والغدر ، من القبائح عند جميع أهل ~~الأحلام ، وعند العرب أنفسهم ، ولأن من عرف بنقض العهد ms3524 عدم من يركن إلى ~~عهده وحلفه ، فيبقى في عزلة من الناس فهؤلاء الذين نقضوا عهدهم قد غلبهم ~~البغض في الدين ، فلم يعبأوا بما يجره نقض العهد ، من الأضرار لهم . | # وإذ قد تحقق منهم نقض العهد فيما مضى ، وهو متوقع منهم فيما يأتي ، لا ~~جرم تفرع عليه أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجعلهم نكالا لغيرهم ، ~~متى ظفر بهم في حرب يشهرونها عليه أو يعينون عليه عدوه . | # وجاء الشرط بحرف ( إن ) مزيدة بعدها ( ما ) لإفادة تأكيد وقوع الشرط ~~وبذلك تنسلخ ( إن ) عن الإشعار بعدم الجرم بوقوع الشرط وزيد التأكيد ~~باجتلاب نون التوكيد . وفي ( شرح الرضي على الحاجبية ) ، عن بعض النحاة : ~~لا يجيء ( إما ) إلا بنون التأكيد بعده كقوله تعالى : { فإما ترين } ( مريم ~~: 26 ) . وقال ابن عطية في قوله : { فإما تثقفنهم } دخلت النون مع إما : ~~إما للتأكيد أو للفرق بينها وبين إما التي هي حرف انفصال في قولك : جاءني ~~إما زيد وإما عمرو . | # وقلت : دخول نون التوكيد بعد ( إن ) المؤكدة بما ، غالب ، وليس بمطرد ، ~~فقد قال الأعشى : | # إما ترينا حفاة لا نعال لنا | # إنا كذلكك ما تحفى وننتعل | PageV10P049 # فلم يدخل على الفعل نون التوكيد . | # والثقف : الظفر بالمطلوب ، أي : فإن وجدتهم وظفرت بهم في حرب ، أي انتصرت ~~عليهم . | # والتشريد : التطريد والتفريق ، أي : فبعد بهم من خلفهم ، وقد يجعل ~~التشريد كناية عن التخويف والتنفير . | # وجعلت ذوات المتحدث عنهم سبب التشريد باعتبارها في حال التلبس بالهزيمة ~~والنكال ، فهو من إناطة الأحكام بالذوات والمراد أحوال الذوات مثل { حرمت ~~عليكم الميتة } ( المائدة : 3 ) . وقد علم أن متعلق تشريد { من خلفهم } هو ~~ما أوجب التنكيل بهم وهو نقض العهد . | # والخلف هنا مستعار للاقتداء بجامع الاتباع ، ونظيره ( الوراء ) . في قول ~~ضمام بن ثعلبة : | # ( وأنا رسول من ورائي ) . وقال وفد الأشعريين للنبيء صلى الله عليه وسلم ~~( فمرنا بأمر نأخذ به ونخبر به من وراءنا ) ، والمعنى : فاجعلهم مثلا وعبرة ~~لغيرهم من الكفار الذين يترقبون ماذا يجتني هؤلاء من نقض عهدهم فيفعلون مثل ~~فعلهم ، ولأجل هذا الأمر نكل النبي صلى ms3525 الله عليه وسلم بقريظة حين حاصرهم ~~ونزلوا على حكم سعد بن معاذ ، فحكم بأن تقتل المقاتلة وتسبى الذرية ، ~~فقتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة وكانوا أكثر من ثمانمائة رجل ~~. | # وقد أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر بالإغلاظ على العدو ~~لما في ذلك من مصلحة إرهاب أعدائه ، فإنهم كانوا يستضعفون المسلمين ، فكان ~~في هذا الإغلاظ على الناكثين تحريض على عقوبتهم ، لأنهم استحقوها . وفي ذلك ~~رحمة لغيرهم لأنه يصد أمثالهم عن النكث ويكفي المؤمنين شر الناكثين ~~الخائنين . فلا تخالف هذه الشدة كون الرسول صلى الله عليه وسلم أرسل رحمة ~~للعالمين ، لأن المراد أنه رحمة لعموم العالمين وإن كان ذلك لا يخلو من شدة ~~على قليل منهم كقوله تعالى : { ولكم في القصاص حياة } ( البقرة : 179 ) . | ~~PageV10P050 # وضمير الغيبة في { لعلهم يذكرون } راجع إلى { من } الموصولة باعتبار كون ~~مدلول صلتها جماعة من الناس . | # والتذكر تذكر حالة المثقفين في الحرب التي انجرت لهم من نقض العهد ، أي ~~لعل من خلفهم يتذكرون ما حل بناقضي العهد من النكال ، ، فلا يقدموا على نقض ~~العهد ، فآل معنى التذكر إلى لازمه وهو الاتعاظ والاعتبار ، وقد شاع إطلاق ~~التذكر وإرادة معناه الكنائي وغلب فيه . | # | 2 ( 58 ) { وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سوآء إن الله لا ~~يحب الخائنين } . ) 2 # عطف حكم عام لمعاملة جميع الأقوام الخائنين بعد الحكم الخاص بقوم معينين ~~الذين تلوح منهم بوارق الغدر والخيانة ، بحيث يبدو من أعمالهم ما فيه مخيلة ~~بعدم وفائهم ، فأمره الله أن يرد إليهم عهدهم ، إذ لا فائدة فيه وإذ هم ~~ينتفعون من مسالمة المؤمنين لهم ، ولا ينتفع المؤمنون من مسالمتهم عند ~~الحاجة . | # والخوف توقع ضر من شيء ، وهو الخوف الحق المحمود . وأما تخيل الضر بدون ~~أمارة فليس من الخوف وإنما هو الهوس والتوهم . وخوف الخيانة ظهور بوارقها . ~~وبلوغ إضمارهم إياها ، بما يتصل بالمسلمين من أخبار أولئك وما يأتي به تجسس ~~أحوالهم كقوله تعالى : { فإن خفتم أن لا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما ~~فيما افتدت ms3526 به } ( البقرة : 229 ) وقوله : { فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة ~~} ( النساء : 3 ) . | # وقد تقدم عند قوله تعالى : { فإن خفتم أن لا يقيما حدود الله في سورة ~~البقرة ( 229 ) . | # وقوم } نكرة في سياق الشرط فتفيد العموم ، أي كل قوم تخاف منهم خيانة . | # والخيانة : ضد الأمانة ، وهي هنا : نقض العهد ، لأن الوفاء من الأمانة . ~~وقد تقدم معنى الخيانة عند قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا ~~الله والرسول في هذه السورة ( 27 ) . | PageV10P051 # والنبذ : الطرح وإلقاء الشيء . وقد مضى عند قوله تعالى : أوكلما عاهدوا ~~عهدا نبذه فريق منهم في سورة البقرة ( 100 ) . | # وإنما رتب نبذ العهد على خوف الخيانة ، دون وقوعها ، لأن شؤون المعاملات ~~السياسية والحربية تجري على حسب الظنون ومخائل الأحوال ولا ينتظر تحقق وقوع ~~الأمر المظنون لأنه إذا تريث ولاة الأمور في ذلك يكونون قد عرضوا الأمة ~~للخطر ، أو للتورط في غفلة وضياع مصلحة ، ولا تدار سياسة الأمة بما يدار به ~~القضاء في الحقوق ، لأن الحقوق إذا فاتت كانت بليتها على واحد ، وأمكن ~~تدارك فائتها . ومصالح الأمة إذا فاتت تمكن منها عدوها ، فلذلك علق نبذ ~~العهد بتوقع خيانة المعاهدين من الأعداء ، ومن أمثال العرب : خذ اللص قبل ~~يأخذك ، أي وقد علمت أنه لص . | # وعلى سواء } صفة لمصدر محذوف ، أي نبذا على سواء ، أو حال من الضمير في ( ~~انبذ ) أي حالة كونك على سواء . | # و { على } فيه للاستعلاء المجازي فهي تؤذن بأن مدخولها مما شأنه أن يعتلى ~~عليه . و { سواء } وصف بمعنى مستو ، كما تقدم في قوله تعالى : { سواء عليهم ~~أأنذرتهم في سورة البقرة ( 6 ) . وإنما يصلح للاستواء مع معنى ( على ) ~~الطريق ، فعلم أن سواء } وصف لموصوف محذوف يدل عليه وصفه ، كما في قوله ~~تعالى : { على ذات ألواح } ( القمر : 13 ) ، أي سفينة ذات ألواح . وقوله ~~النابغة : | # كما لقيت ذات الصفا من حليفها | # أي الحية ذات الصفا . | # ووصف النبذ أو النابذ بأنه على سواء ، تمثيل بحال الماشي على طريق جادة ~~لا التواء فيها ، فلا مخاتلة لصاحبها كقوله تعالى : { فقل آذنتكم على سواء ms3527 ~~} ( الأنبياء : 109 ) وهذا كما يقال ، في ضده : هو يتبع بنيات الطريق ، أي ~~يراوغ ويخاتل . | # والمعنى : فانبذ إليهم نبذا واضحا علنا مكشوفا . | PageV10P052 # ومفعول ( انبذ ) محذوف بقرينة ما تقدم من قوله : { ثم ينقضون عهدهم } ( ~~الأنفال : 56 ) وقوله : { وإما تخافن من قوم خيانة } أي انبذ عهدهم . | # وعدي ( انبذ ) ب ( إلى ) لتضمينه معنى اردد إليهم عهدهم ، وقد فهم من ذلك ~~لا يستمر على عهدهم لئلا يقع في كيدهم وأنه لا يخونهم لأن أمره ينبذ عهده ~~معهم ليستلزم أنه لا يخونهم . | # وجملة : { إن الله لا يحب الخائنين } تذييل لما اقتضته جملة : { وإما ~~تخافن من قوم خيانة } إلخ تصريحا واستلزاما . والمعنى : لأن الله لا يحبهم ~~، لأنهم متصفون بالخيانة فلا تستمر على عهدهم فتكون معاهدا لمن لا يحبهم ~~الله ؛ ولأن الله لا يحب أن تكون أنت من الخائنين كما قال تعالى : { ولا ~~تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما في سورة ~~النساء ( 107 ) . وذكر القرطبي عن النحاس أنه قال : هذا من معجز ما جاء في ~~القرآن مما لا يوجد في الكلام مثله على اختصاره وكثرة معانيه . | # قلت : وموقع ( إن ) فيه موقع التعليل للأمر برد عهدهم ونبذه إليهم فهي ~~مغنية غناء فاء التفريع كما قال عبد القاهر ، وتقدم في غير موضع وهذا من ~~نكت الإعجاز . | # | 2 ( 59 ) ولا يحسبن الذين كفروا سبقو ا إنهم لا يعجزون } . ) 2 # | $ # تسلية النبي صلى الله عليه وسلم على ما بدأه به أعداؤه من الخيانة مثل ما ~~فعلت قريظة ، وما فعل عبد الله بن أبي سلول وغيرهم من فلول المشركين الذين ~~نجوا يوم بدر ، وطمأنة له وللمسلمين بأنهم سيدالون منهم ، ويأتون على ~~بقيتهم ، وتهديد للعدو بأن الله سيمكن منهم المسلمين . | # والسبق مستعار للنجاة ممن يطلب ، والتفلت من سلطته . شبه المتخلص من ~~طالبه بالسابق كقوله تعالى : { أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا } ( ~~العنكبوت : 4 ) وقال بعض بني فقعس : | # كأنك لم تسبق من الدهر مرة | # إذا أنت أدركت الذي كنت تطلب | PageV10P053 # أي كأنك لم يفتك ما فاتك إذا ms3528 أدركته بعد ذلك ، ولذلك قوبل السبق هنا ~~بقوله تعالى : { إنهم لا يعجزون } ، أي هم وإن ظهرت نجاتهم الآن ، فما هي ~~إلا نجاة في وقت قليل ، فهم لا يعجزون الله ، أو لا يعجزون المسلمين ، أي ~~لا يصيرون من أفلتوا منه عاجزا عن نوالهم ، كقول إياس بن قبيصة الطائي : | # ألم تر أن الأرض رحب فسيحة | # فهل تعج زني بقعة من بقاعها | # وحذف مفعول { يعجزون } لظهور المقصود . | # وقرأ الجمهور { ولا تحسبن } بالتاء الفوقية . وقرأه ابن عامر ، وحمزة ، ~~وحفص ، وأبو جعفر { ولا تحسبن } بالياء التحتية وهي قراءة مشكلة لعدم وجود ~~المفعول الأول لحسب ، فزعم أبو حاتم هذه القراءة لحنا ، وهذا اجتراء منه ~~على أولئك الايمة وصحة روايتهم ، واحتج لها أبو علي الفارسي بإضمار مفعول ~~أول يدل عليه قوله : { إنهم لا يعجزون } أي لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم ~~سبقوا ، واحتج لها الزجاج بتقدير ( أن ) قبل { سبقوا } فيكون المصدر سادا ~~مسد المفعولين ، وقيل : حذف الفاعل لدلالة الفعل عليه . والتقدير : ولا ~~يحسبن حاسب . | # وقوله : { إنهم لا يعجزون } قرأه الجمهور بكسر همزة { إنهم } استئناف ~~بياني جوابا عن سؤال تثيره جملة : { ولا تحسبن الذين كفروا سبقوا } وقرأ ~~ابن عامر { أنهم بفتح همزة ( أن ) على حذف لام التعليل فالجملة في تأويل ~~مصدر هو علة للنهي ، أي لأنهم لا يعجزون ، قال في الكشاف } : كل واحدة من ~~المكسورة والمفتوحة تعليل إلا أن المكسورة على طريقة الاستئناف والمفتوحة ~~تعليل صريح . | # | 2 ( 60 ) { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو ~~الله وعدوكم وءاخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شىء ~~فى سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون } . ) 2 # عطف جملة : { وأعدوا } على جملة : { فإما تثقفنهم في الحرب } ( الأنفال : ~~57 ) أو على جملة : { ولا تحسبن الذين كفروا سبقوا } ( الأنفال : 59 ) ، ~~فتفيد مفاد الاحتراس عن مفادها ، لأن قوله : PageV10P054 { ولا تحسبن الذين ~~كفروا سبقوا } يفيد توهينا لشأن المشركين ، فتعقيبه بالأمر بالاستعداد لهم ~~: لئلا يحسب المسلمون أن المشركين قد صاروا في مكنتهم ، ويلزم من ذلك ~~الاحتراسس أن الاستعداد لهم ms3529 هو سبب جعل الله إياهم لا يعجزون الله ورسوله ، ~~لأن الله هيأ أسباب استئصالهم ظاهرها وباطنها . | # والإعداد التهيئة والإحضار ، ودخل في { ما استطعتم } كل ما يدخل تحت قدرة ~~الناس اتخاذه من العدة . | # والخطاب لجماعة المسلمين وولاة الأمر منهم ، لأن ما يراد من الجماعة إنما ~~يقوم بتنفيذه ولاة الأمور الذين هم وكلاء الأمة على مصالحها . | # والقوة كمال صلاحية الأعضاء لعملها وقد تقدمت آنفا عند قوله : { إن الله ~~قوي شديد العقاب } ( الأنفال : 52 ) وعند قوله تعالى : { فخذها بقوة } ~~وتطلق القوة مجازا على شدة تأثير شيء ذي أثر ، وتطلق أيضا على سبب شدة ~~التأثير ، فقوة الجيش شدة وقعه على العدو ، وقوته أيضا سلاحه وعتاده ، وهو ~~المراد هنا ، فهو مجاز مرسل بواسطتين ، فاتخاذ السيوف والرماح والأقواس ~~والنبال من القوة في جيوش العصور الماضية ، واتخاذ الدبابات والمدافع ~~والطيارات والصواريخ من القوة في جيوش عصرنا . وبهذا الاعتبار يفسر ما روى ~~مسلم والترمذي عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه ~~الآية على المنبر ثم قال ( ألا إن القوة الرمي ) قالها ثلاثا ، أي أكمل ~~أفراد القوة آلة الرمي ، أي في ذلك العصر . وليس المراد حصر القوة في آلة ~~الرمي . | # وعطف { رباط الخيل } على { القوة } من عطف الخاص على العام ، للاهتمام ~~بذلك الخاص . | # و { الرباط } صيغة مفاعلة أتي بها هنا للمبالغة لتدل على قصد الكثرة من ~~ربط الخيل للغزو ، أي احتباسها وربطها انتظارا للغزو عليها ، كقول النبي ~~صلى الله عليه وسلم ( من ارتبط فرسا في سبيل الله كان روثها وبولها حسنات ~~له ) الحديث . يقال : ربط الفرس إذا شده في مكان حفظه ، وقد سموا المكان ~~الذي ترتبط فيه الخيل PageV10P055 رباطا ، لأنهم كانوا يحرسون الثغور ~~المخوفة راكبين على أفراسهم ، كما وصف ذلك لبيد في قوله : | # ولقد حميت الحي تحمل شكتي | # فرط وشاحي إن ركبت زمامها | # إلى أن قال : | # حتى إذا ألقت يدا في كافر | # وأجن عوراتت الثغور ظلامها | # أسهلت وانتصبت كجذع منيفة | # جرداء يحصر دونها جرامها | # ثم أطلق الرباط على محرس الثغر البحري ، وبه سموا ms3530 رباط ( دمياط ) بمصر ، ~~ورباط ( المنستير ) بتونس ، ورباط ( سلا ) بالمغرب الأقصى . | # وقد تقدم شيء من هذا عند قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا اصبروا ~~وصابروا ورابطوا في سورة آل عمران ( 200 ) . | # وجملة : ترهبون به عدو الله وعدوكم } إما مستأنفة استئنافا بيانيا ، ~~ناشئا عن تخصيص الرباط بالذكر بعد ذكر ما يعمه ، وهو القوة ، وإما في موضع ~~الحال من ضمير { وأعدوا } . | # وعدو الله وعدوهم : هم المشركون فكان تعريفهم بالإضافة ، لأنها أخصر طريق ~~لتعريفهم ، ولما تتضمنه من وجه قتالهم وإرهابهم ، ومن ذمهم ، أن كانوا ~~أعداء ربهم ، ومن تحريض المسلمين على قتالهم إذ عدوا أعداء لهم ، فهم أعداء ~~الله ؛ لأنهم أعداء توحيده وهم أعداء رسوله صلى الله عليه وسلم لأنهم ~~صارحوه بالعداوة ، وهم أعداء المسلمين ، لأن المسلمين أولياء دين الله ~~والقائمون به وأنصاره ، فعطف { وعدوكم } على { عدو الله } من عطف صفة موصوف ~~واحد مثل قول الشاعر ، وهو من شواهد أهل العربية : | # إلى الملك القرم وابن الهما | # م وليثث الكتيبة في المزدحم | # والإرهاب جعل الغير راهبا ، أي خائفا ، فإن العدو إذا علم استعداد عدوه ~~لقتاله خافه ، ولم يجرأ عليه ، فكان ذلك هناء للمسلمين وأمنا من أن يغزوهم ~~أعداؤهم ، PageV10P056 فيكون الغزو بأيديهم : يغزون الأعداء متى أرادوا ، ~~وكان الحال أوفق لهم ، وأيضا ذا رهبوهم تجنبوا إعانة الأعداء عليهم . | # والمراد ب { الآخرين من دونهم } أعداء لا يعرفهم المسلمون بالتعيين ولا ~~بالإجمال ، وهم من كان يضمر للمسلمين عداوة وكيدا ، ويتربص بهم الدوائر ، ~~مثل بعض القبائل . فقوله : { لا تعلمونهم } أي لم تكونوا تعلمونهم قبل هذا ~~الإعلام ، وقد علمتموهم الآن إجمالا ، أو أريد : لا تعلمونهم بالتفصيل ، ~~ولكنكم تعلمون وجودهم إجمالا مثل المنافقين ، فالعلم بمعنى المعرفة ، ولهذا ~~نصب مفعولا واحدا . | # وقوله : { من دونهم } مؤذن بأنهم قبائل من العرب كانوا ينتظرون ما تنكشف ~~عنه عاقبة المشركين من أهل مكة من حربهم مع المسلمين ، فقد كان ذلك دأب ~~كثير من القبائل كما ورد في السيرة ، ولذلك ذكر { من دونهم } بمعنى : من ~~جهات أخرى ، لأن أصل ( دون ) أنها للمكان المخالف ، وهذا أولى من حمله على ~~مطلق ms3531 المغايرة التي هي من إطلاقات كلمة ( دون ) لأن ذلك المعنى قد أغنى عنه ~~وصفهم ب { آخرين } . | # وجملة { الله يعلمهم } تعريض بالتهديد لهؤلاء الآخرين ، فالخبر مستعمل في ~~معناه الكنائي ، وهو تعقبهم والإغراء بهم ، وتعريض بالامتنان على المسلمين ~~بأنهم بمحل عناية الله فهو يحصي أعداءهم وينبههم إليهم . | # وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي : للتقوي ، أي تحقيق الخبر وتأكيده ~~، والمقصود تأكيد لازم معناه ، أما أصل المعنى فلا يحتاج إلى التأكيد إذ لا ~~ينكره أحد ، وأما حمل التقديم هنا على إرادة الاختصاص فلا يحسن للاستغناء ~~عن طريق القصر بجملة النفي في قوله : { لا تعلمونهم } فلو قيل : ويعلمهم ~~الله لحصل معنى القصر من مجموع الجملتين . | # وإذ قد كان إعداد القوة يستدعي إنفاقا ، وكانت النفوس شحيحة بالمال ، ~~تكفل الله للمنفقين في سبيله بإخلاف ما أنفقوه والإثابة عليه ، فقال : { ~~وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم } فسبيل الله هو الجهاد لإعلاء ~~كلمته . | PageV10P057 # والتوفية : أداء الحق كاملا ، جعل الله ذلك الإنفاق كالقرض لله ، وجعل ~~على الإنفاق جزاء ، فسمى جزاءه توفية على طريقة الاستعارة المكنية ، وتدل ~~التوفية على أنه يشمل الأجر في الدنيا مع أجر الآخرة ، ونقل ذلك عن ابن ~~عباس . | # وتعدية التوفية إلى الإنفاق بطريق بناء للفعل للنائب ، وإنما الذي يوفى ~~هو الجزاء على الإنفاق في سبيل الله ، للإشارة إلى أن الموفى هو الثواب . ~~والتوفية تكون على قدر الإنفاق وأنها مثله ، كما يقال : وفاه دينه ، وإنما ~~وفاه مماثلا لدينه . وقريب منه قولهم : قضى صلاة الظهر ، وإنما قضى صلاة ~~بمقدارها فالإسناد : إما مجاز عقلي ، أو هو مجاز بالحذف . | # والظلم : هنا مستعمل في النقص من الحق ، لأن نقص الحق ظلم ، وتسمية النقص ~~من الحق ظلما حقيقة . وليس هو كالذي في قوله تعالى : { كلتا الجنتين آتت ~~أكلها ولم تظلم منه شيئا } ( الكهف : 33 ) . | # | 2 ( 61 ) { وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع ~~العليم } . ) 2 # انتقال من بيان أحوال معاملة العدو في الحرب : من وفائهم بالعهد ، ~~وخيانتهم ، وكيف يحل المسلمون العهد معهم إن خافوا خيانتهم ، ومعاملتهم ms3532 إذا ~~ظفروا بالخائنين ، والأمر بالاستعداد لهم ؛ إلى بيان أحكام السلم إن طلبوا ~~السلم والمهادنة ، وكفوا عن حالة الحرب . فأمر الله المسلمين بأن لا يأنفوا ~~من السلم وأن يوافقوا من سأله منهم . | # والجنوح : الميل ، وهو مشتق من جناح الطائر : لأن الطائر إذا أراد النزول ~~مال بأحد جناحيه ، وهو جناح جانبه الذي ينزل منه ، قال النابغة يصف الطير ~~تتبع الجيش : | # جوانح قد أيقن أن قبيله | # إذا ما التقى الجمعان أول غالب | PageV10P058 # فمعنى { وإن جنحوا للسلم } إن مالوا إلى السلم ميل القاصد إليه ، كما ~~يميل الطائر الجانح . وإنما لم يقل : وإن طلبوا السلم فأجبهم إليهم ، ~~للتنبيه على أنه لا يسعفهم إلى السلم حتى يعلم أن حالهم حال الراغب ، لأنهم ~~قد يظهرون الميل إلى السلم كيدا ، فهذا مقابل قوله : { وإما تخافن من قوم ~~خيانة فانبذ إليهم على سواء } ( الأنفال : 58 ) فإن نبذ العهد نبذ لحال ~~السلم . | # واللام في قوله : { للسلم } واقعة موقع ( إلى ) لتقوية التنبيه على أن ~~ميلهم إلى السلم ميل حق ، أي : وإن مالوا لأجل السلم ورغبة فيه لا لغرض آخر ~~غيره ، لأن حق { جنح } أن يعدى ب ( إلى ) لأنه بمعنى مال الذي يعدى بإلى ~~فلا تكون تعديته باللام إلا لغرض ، وفي ( الكشاف ) : أنه يقال جنح له وإليه ~~. | # والسلم بفتح السين وكسرها ضد الحرب . وقرأه الجمهور بالفتح ، وقرأه حمزة ~~، وأبو بكر عن عاصم ، وخلف بكسر السين وحق لفظه التذكير ، ولكنه يؤنث حملا ~~على ضده الحرب وقد ورد مؤنثا في كلامهم كثيرا . | # والأمر بالتوكل على الله ، بعد الأمر بالجنوح إلى السلم ، ليكون النبي ~~صلى الله عليه وسلم معتمدا في جميع شأنه على الله تعالى ، ومفوضا إليه ~~تسيير أموره ، لتكون مدة السلم مدة تقو واستعداد ، وليكفيه الله شر عدوه ~~إذا نقضوا العهد ، ولذلك عقب الأمر بالتوكل بتذكيره بأن الله السميع العليم ~~، أي السميع لكلامهم في العهد ، العليم بضمائرهم ، فهو يعاملهم على ما يعلم ~~منهم . وقوله : { فاجنح لها } جيء بفعل { اجنح } لمشاكلة قوله { جنحوا . . ~~. } . | # وطريق القصر في قوله : { هو السميع العليم } أفاد قصر معنى الكمال في ms3533 ~~السمع والعلم ، أي : فهو سميع منهم ما لا تسمع ويعلم ما لا تعلم . وقصر ~~هذين الوصفين بهذا المعنى على الله تعالى عقب الأمر بالتوكل عليه يفضي إلى ~~الأمر بقصر التوكل عليه لا على غيره . وفي الجمع بين الأمر بقصر التوكل ~~عليه وبين الأمر بإعداد ما استطاع من القوة للعدو : دليل بين على أن التوكل ~~أمر غير تعاطي أسباب الأشياء ، فتعاطي الأسباب فيما هي من مقدور الناس ، ~~والتوكل فيما يخرج عن ذلك . | PageV10P059 # واعلم أن ضمير جمع الغائبين في قوله : { وإن جنحوا للسلم } وقع في هذه ~~الآية عقب ذكر طوائف في الآيات قبلها ، منهم مشركون في قوله تعالى : { وإذ ~~زين لهم الشيطان أعمالهم } ( الأنفال : 48 ) ، ومنهم من قيل : إنهم من أهل ~~الكتاب ، ومنهم من ترددت فيهم أقوال المفسرين : قيل : هم من أهل الكتاب ، ~~وقيل : هم من المشركين ، وذلك قوله : { إن شر الدوآب عند الله الذين كفروا ~~فهم لا يؤمنون الذين عاهدت منهم } ( الأنفال : 55 ، 56 ) الآية . قيل : هم ~~قريظة والنضير وبنو قينقاع ، وقيل : هم من المشركين ، فاحتمل أن يكون ضمير ~~{ جنحوا } عائدا إلى المشركين . أو عائدا إلى أهل الكتاب ، أو عائدا إلى ~~الفريقين كليهما . | # فقيل : عاد ضمير الغيبة في قوله : { وإن جنحوا للسلم } إلى المشركين ، ~~قاله قتادة ، وعكرمة ، والحسن ، وجابر بن زيد ، ورواه عطاء عن ابن عباس ، ~~وقيل : عاد إلى أهل الكتاب ، قاله مجاهد . | # فالذين قالوا : إن الضمير عائد إلى المشركين ، قالوا : كان هذا في أول ~~الأمر حين قلة المسلمين ، ثم نسخ بآية سورة براءة ( 5 ) { فاقتلوا المشركين ~~حيث وجدتموهم الآية . ومن قالوا الضمير عائد إلى أهل الكتاب قالوا هذا حكم ~~باق ، والجنوح إلى السلم إما بإعطاء الجزية أو بالموادعة . | # والوجه أن يعود الضمير إلى صنفي الكفار : من مشركين وأهل الكتاب ، إذ وقع ~~قبله ذكر الذين كفروا في قوله : إن شر الدواب عند الله الذين كفروا } ( ~~الأنفال : 55 ) فالمشركون من العرب لا يقبل منهم إلا الإسلام بعد نزول آية ~~براءة ، فهي مخصصة العموم الذي في ضمير { جنحوا } أو مبينة إجماله ، وليست ~~من ms3534 النسخ في شيء . قال أبو بكر بن العربي : ( أما من قال إنها منسوخة بقوله ~~: { فاقتلوا المشركين } ( التوبة : 5 ) فدعوى ، فإن شروط النسخ معدومة فيها ~~كما بيناه في موضعه ) . | # وهؤلاء قد انقضى أمرهم . وأما المشركون من غيرهم ، والمجوس ، وأهل الكتاب ~~، فيجري أمر المهادنة معهم على حسب حال قوة المسلمين ومصالحهم وأن الجمع ~~بين الآيتين أولى : فإن دعوا إلى السلم قبل منهم ، إذا كان فيه مصلحة ~~للمسلمين . قال ابن العربي : فإذا كان المسلمون في قوة ومنعة وعدة : | # فلا صلح حتى تطعن الخيل بالقنا | # وتضرب بالبيض الرقاق الجماجم | PageV10P060 # وإن كان للمسلمين مصلحة في الصلح لانتفاع يجلب به أو ضر يندفع بسببه فلا ~~بأس أن يبتدىء المسلمون به إذا احتاجوا إليه ، وأن يجيبوا إذا دعوا إليه . ~~قد صالح النبي صلى الله عليه وسلم أهل خيبر ، ووادع الضمري ، وصالح أكيد ~~ردومة ، وأهل نجران ، وهادن قريشا لعشرة أعوام حتى نقضوا عهده ) . | # أما ما هم به النبي صلى الله عليه وسلم من مصالحة عيينة بن حصن ، ومن معه ~~، على أن يعطيهم نصف ثمار المدينة فذلك قد عدل عنه النبي صلى الله عليه ~~وسلم بعد أن قال سعد بن عبادة ، وسعد بن معاذ ، في جماعة الأنصار : لا ~~نعطيهم إلا السيف . | # فهذا الأمر بقبول المهادنة من المشركين اقتضاه حال المسلمين وحاجتهم إلى ~~استجمام أمورهم وتجديد قوتهم ، ثم نسخ ذلك ، بالأمر بقتالهم المشركين حتى ~~يؤمنوا ، في آيات السيف . قال قتادة وعكرمة : نسخت براءة كل مواعدة وبقي ~~حكم التخيير بالنسبة لمن عدا مشركي العرب على حسب مصلحة المسلمين . | # | 2 ( 62 ، 63 ) { وإن يريدو ا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذى أيدك ~~بنصره وبالمؤمنين * وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما فى الارض جميعا مآ ألفت ~~بين قلوبهم ولاكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم } . ) 2 # | $ # لما كان طلب السلم والهدنة من العدو قد يكون خديعة حربية ، ليغروا ~~المسلمين بالمصالحة ثم يأخذوهم على غرة ، أيقظ الله رسوله لهذا الاحتمال ~~فأمره بأن يأخذ الأعداء على ظاهر حالهم ، ويحملهم على الصدق ، لأنه الخلق ~~الإسلامي ms3535 ، وشأن أهل المروءة ، ولا تكون الخديعة بمثل نكث العهد ، فإذا بعث ~~العدو كفرهم على ارتكاب مثل هذا التسفل ، فإن الله تكفل ، للوفي بعهده ، أن ~~يقيه شر خيانة الخائنين . وهذا PageV10P061 الأصل ، وهو أخذ الناس بظواهرهم ~~، شعبة من شعب دين الإسلام قال تعالى : { فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن ~~الله يحب المتقين } ( التوبة : 4 ) وفي الحديث : آية المنافق ثلاث ، منها : ~~وإذا وعد أخلف . ومن أحكام الجهاد عن المسلمين أن لا يخفر للعدو بعهد . | # والمعنى : إن كانوا يريدون من إظهار ميلهم إلى المسالمة خديعة فإن الله ~~كافيك شرهم . وليس هذا هو مقام نبذ العهد الذي في قوله : { وإما تخافن من ~~قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء } ( الأنفال : 58 ) فإن ذلك مقام ظهور ~~أمارات الخيانة من العدو ، وهذا مقام إضمارهم الغدر دون أمارة على ما ~~أضمروه . | # فجملة : { فإن حسبك الله } دلت على تكفل كفايته ، وقد أريد منه أيضا ~~الكناية عن عدم معاملتهم بهذا الاحتمال ، وأن لا يتوجس منه خيفة ، وأن ذلك ~~لا يضره . | # والخديعة تقدمت في قوله تعالى : { يخادعون الله من سورة البقرة ( 9 ) . | # وحسب معناه كاف وهو صفة مشبهة بمعنى اسم الفاعل ، أي حاسبك ، أي كافيك ~~وقد تقدم قوله تعالى : وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل في سورة آل عمران ( ~~173 ) . | # وتأكيد الخبر ب ( إن ) مراعى فيه تأكيد معناه الكنائي ، لأن معناه الصريح ~~مما لا يشك فيه أحد . | # وجعل حسبك } مسندا إليه ، مع أنه وصف ، وشأن الإسناد أن يكون للذات ، ~~باعتيار أن الذي يخطر بالبال باديء ذي بدء هو طلب من يكفيه . | # وجملة { هو الذي أيدك بنصره } مستأنفة مسوقة مساق الاستدلال : على أنه ~~حسبه ، وعلى المعنى التعريضي وهو عدم التحرج من احتمال قصدهم الخيانة ~~والتوجس من ذلك الاحتمال خيفة ، والمعنى : فإن الله قد نصرك من قبل وقد كنت ~~يومئذ أضعف منك اليوم ، فنصرك على العدو وهو مجاهر بعدوانه ، فنصره إياك ~~عليهم مع مخاتلتهم ، ومع كونك في قوة من المؤمنين الذين معك ، أولى وأقرب . ~~| # وتعدية فعل { يخدعوك } إلى ضمير النبي عليه الصلاة والسلام باعتبار كونه ms3536 ~~ولي أمر المسلمين ، والمقصود : وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله ، وقد ~~PageV10P062 بدل الأسلوب إلى خطاب النبي صلى الله عليه وسلم ليتوصل بذلك ~~إلى ذكر نصره من أول يوم حين دعا إلى الله وهو وحده مخالفا أمة كاملة . | # والتأييد التقوية بالإعانة على عمل . وتقدم في قوله : { وآتينا عيسى ابن ~~مريم البينات وأيدناه بروح القدس في سورة البقرة ( 87 ) . | # وجعلت التقوية بالنصر : لأن النصر يقوي العزيمة ، ويثبت رأي المنصور ، ~~وضده يشوش العقل ، ويوهن العزم ، قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه في بعض ~~خطبه وأفسدتم علي رأيي بالعصيان حتى قالت قريش : ابن أبي طالب رجل شجاع ~~ولكن لا معرفة له بالحرب . | # وإضافة النصر إلى الله : تنبيه على أنه نصر خارق للعادة ، وهو النصر ~~بالملائكة والخوارق ، من أول أيام الدعوة . | # وقوله : وبالمؤمنين } عطف على { بنصره } وأعيد حرف الجر بعد واو العطف ~~لدفع توهم أن يكون معطوفا على اسم الجلالة فيوهم أن المعنى ونصر المؤمنين ~~مع أن المقصود أن وجود المؤمنين تأييد من الله لرسوله إذ وفقهم لاتباعه ~~فشرح صدره بمشاهدة نجاح دعوته وتزايد أمته ولكون المؤمنين جيشا ثابتي ~~الجنان ، فجعل المؤمنون بذاتهم تأييدا . | # والتأليف بين قلوب المؤمنين منة أخرى على الرسول ، إذ جعل أتباعه متحابين ~~وذلك أعون له على سياستهم ، وأرجى لاجتناء النفع بهم ، إذ يكونون على قلب ~~رجل واحد ، وقد كان العرب يفضلون الجيش المؤلف من قبيلة واحدة ، لأن ذلك ~~أبعد عن حصول التنازع بينهم . | # وهو أيضا منة على المؤمنين إذ نزع من قلوبهم الأحقاد والإحن ، التي كانت ~~دأب الناس في الجاهلية ، فكانت سبب التقاتل بين القبائل ، بعضها مع بعض ، ~~وبين بطون القبيلة الواحدة . وأقوالهم في ذلك كثيرة . ومنها قول الفضل بن ~~العباس اللهبي : | # مهلا بني عمنا مهلا موالينا | # لا تنبشوا بيننا ما كان مدفونا | # الله يعلم أنا لا نحبكمو | # ولا نلومكمو أن لا تحبونا | PageV10P063 # فلما آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم انقلبت البغضاء بينهم مودة ، كما ~~قال تعالى : { واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم ~~فأصبحتم ms3537 بنعمته إخوانا } ( آل عمران : 103 ) ، وما كان ذلك التآلف والتحاب ~~إلا بتقدير الله تعالى فإنه لم يحصل من قبل بوشائج الأنساب ، ولا بدعوات ~~ذوي الألباب . | # ولذلك استأنف بعد قوله : { وألف بين قلوبهم } قوله : { لو أنفقت ما في ~~الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم } استئنافا ناشئا عن ~~مساق الامتنان بهذا الائتلاف ، فهو بياني ، أي : لو حاولت تأليفهم ببذل ~~المال العظيم ما حصل التآلف بينهم . | # فقوله : { ما في الأرض جميعا } مبالغة حسنة لوقوعها مع حرف ( لو ) الدال ~~على عدم الوقوع . وأما ترتب الجزاء على الشرط فلا مبالغة فيه ، فكان ~~التأليف بينهم من آيات هذا الدين ، لما نظم الله من ألفتهم ، وأماط عنهم من ~~التباغض . ومن أعظم مشاهد ذلك ما حدث بين الأوس والخزرج من الإحن قبل ~~الإسلام مما نشأت عنه حرب بعاث بينهم ، ثم أصبحوا بعد حين إخوانا أنصارا ~~لله تعالى ، وأزال الله من قلوبهم البغضاء بينهم . | # و { جميعا } منصوبا على الحال من { ما في الأرض } وهو اسم على وزن فعيل ~~بمعنى مجتمع ، وسيأتي بيانه عند قوله تعالى : { فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون ~~في سورة هود ( 55 ) . | # وموقع الاستدراك في قوله : ولكن الله ألف بينهم } لأجل ما يتوهم من تعذر ~~التأليف بينهم في قوله : { لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ~~} أي ولكن تكوين الله يلين به الصلب ويحصل به المتعذر . | # والخطاب في { أنفقت } و { ألفت } للرسول صلى الله عليه وسلم باعتبار أنه ~~أول من دعا إلى الله . وإذ كان هذا التكوين صنعا عجيبا ذيل الله الخبر عنه ~~بقوله : { إنه عزيز حكيم } أي قوي القدرة فلا يعجزه شيء ، محكم التكوين فهو ~~يكون المتعذر ، ويجعله كالأمر المسنون المألوف . | # والتأكيد ب ( إن ) لمجرد الاهتمام بالخبر باعتبار جعله دليلا على بديع ~~صنع الله تعالى . | # | PageV10P064 # | 2 ( 64 ) { ياأيها النبى حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين } . ) 2 # استئناف ابتدائي بالإقبال على خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم بأوامر ~~وتعاليم عظيمة ، مهد لقبولها وتسهيلها بما مضى من التذكير بعجيب صنع الله ms3538 ~~والامتنان بعنايته برسوله والمؤمنين ، وإظهار أن النجاح والخير في طاعته ~~وطاعة الله ، من أول السورة إلى هنا ، فموقع هذه الآية بعد التي قبلها كامل ~~الاتساق والانتظام ، فإنه لما أخبره بأنه حسبه وكافيه ، وبين ذلك بأنه أيده ~~بنصره فيما مضى وبالمؤمنين ، فقد صار للمؤمنين حظ في كفاية الله تعالى ~~رسوله صلى الله عليه وسلم فلا جرم أنتج ذلك أن حسبه الله والمؤمنون ، فكانت ~~جملة : { يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين } كالفذلكة للجملة ~~التي قبلها . | # وتخصيص النبي بهذه الكفاية لتشريف مقامه بأن الله يكفي الأمة لأجله . | # والقول في وقوع ( حسب ) مسندا إليه هنا كالقول في قوله آنفا { فإن حسبك ~~الله } ( الأنفال : 62 ) . | # وفي عطف المؤمنين ( على اسم الجلالة هنا : تنويه بشأن كفاية الله النبي ~~صلى الله عليه وسلم بهم ، إلا أن الكفاية مختلفة وهذا من عموم المشترك لا ~~من إطلاق المشترك على معنيين ، فهو كقوله : { إن الله وملائكة يصلون على ~~النبي } . | # وقيل يجعل { ومن اتبعك } مفعولا معه لقوله : { حسبك } بناء على قول ~~البصريين إنه لا يعطف على الضمير المجرور اسم ظاهر ، أو يجعل معطوفا على ~~رأي الكوفيين المجوزين لمثل هذا العطف . وعلى هذا التقدير يكون التنويه ~~بالمؤمنين في جعلهم مع النبي صلى الله عليه وسلم في هذا التشريف ، والتفسير ~~الأول أولى وأرشق . | # وقد روي عن ابن عباس : أن قوله : { يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من ~~المؤمنين } نزلت يوم أسلم عمر بن الخطاب . فتكون مكية ، وبقيت مقروءة غير ~~مندرجة في سورة ، ثم وقعت في هذا الموضع بإذن من النبي صلى الله عليه وسلم ~~لكونه أنسب لها . | PageV10P065 # وعن النقاش نزلت هذه الآية بالبيداء في بدر ، قبل ابتداء القتال ، فيكون ~~نزولها متقدما على أول السورة ثم جعلت في هذا الموضع من السورة . | # والتناسب بينها وبين الآية التي بعدها ظاهر مع اتفاقهم على أن الآية التي ~~بعدها نزلت مع تمام السورة فهي تمهيد لأمر المؤمنين بالقتال ليحققوا ~~كفايتهم الرسول . | # | 2 ( 65 ) { ياأيها النبى حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون ms3539 ~~صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبو ا ألفا من الذين كفروا بأنهم ~~قوم لا يفقهون } . ) 2 # | $ # أعيد نداء النبي صلى الله عليه وسلم للتنويه بشأن الكلام الوارد بعد ~~النداء وهذا الكلام في معنى المقصد بالنسبة للجملة التي قبله ، لأنه لما ~~تكفل الله له الكفاية ، وعطف المؤمنين في إسناد الكفاية إليهم ، احتيج إلى ~~بيان كيفية كفايتهم ، وتلك هي الكفاية بالذب عن الحوزة وقتال أعداء الله ، ~~فالتعريف في { القتال } للعهد ، وهو القتال الذي يعرفونه ، أعني : قتال ~~أعداء الدين . | # والتحريض : المبالغة في الطلب . | # ولما كان عموم الجنس الذي دل عليه تعريف القتال يقتضي عموم الأحوال ~~باعتبار المقاتلين بفتح التاء وكان في ذلك إجمال من الأحوال ، وقد يكون ~~العدو كثيرين ويكون المؤمنون أقل منهم ، بين هذا الإجمال بقوله : { إن يكن ~~منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين } الآية . | # وضمير { منكم } خطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين . | # وفصلت جملة { إن يكن منكم عشرون صابرون } لأنها لما جعلت بيانا لإجمال ~~كانت مستأنفة استئنافا بيانيا ، لأن الإجمال من شأنه أن يثير سؤال سائل عما ~~يعمل إذا كان عدد العدو كثيرا ، فقد صار المعنى : حرض المؤمنين على القتال ~~بهذه الكيفية . | PageV10P066 # و { صابرون } ثابتون في القتال ، لأن الثبات على الالآم صبر ، لأن أصل ~~الصبر تحمل المشاق ، والثبات منه ، قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا ~~اصبروا وصابروا ورابطوا } وفي الحديث : ( لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا ~~الله العافية فإذا لاقيتم فاصبروا ) . وقال النابغة : | # تجنب بني حن فإن لقاءهم | # كريه وإن لم تلق إلا بصابر | # وقال زفر بن الحارث الكلابي : | # سقيناهم كأسا سقونا بمثلها | # ولكنهم كانوا على الموت أصبرا | # والمعنى : عرفوا بالصبر والمقدرة عليه ، وذلك باستيفاء ما يقتضيه من ~~أحوال الجسد وأحوال النفس ، وفيه إيماء إلى توخي انتقاء الجيش ، فيكون قيدا ~~للتحريض ، أي : حرض المؤمنين الصابرين الذين لا يتزلزلون ، فالمقصود أن لا ~~يكون فيهم من هو ضعيف النفس فيفشل الجيش ، كقول طالوت { إن الله مبتليكم ~~بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني } ( البقرة : 249 ) . | # وذكر في جانب ms3540 جيش المسلمين في المرتين عدد العشرين وعدد المائة ، وفي ~~جانب جيش المشركين عدد المائتين وعدد الألف ، إيماء إلى قلة جيش المسلمين ~~في ذاته ، مع الإيماء إلى أن ثباتهم لا يختلف باختلاف حالة عددهم في أنفسهم ~~، فإن العادة أن زيادة عدد الجيش تقوي نفوس أهله ، ولو مع كون نسبة عددهم ~~من عدد عدوهم غير مختلفة ، فجعل الله الإيمان قوة لنفوس المسلمين تدفع عنهم ~~وهن استشعار قلة عدد جيشهم في ذاته . | # أما اختيار لفظ العشرين للتعبير عن مرتبة العشرات دون لفظ العشرة : فلعل ~~وجهه أن لفظ العشرين أسعد بتقابل السكنات في أواخر الكلم لأن للفظه مائتين ~~من المناسبة بسكنات كلمات الفواصل من السورة ، ولذلك ذكر المائة مع الألف ، ~~لأن بعدها ذكر مميز العدد بألفاظ تناسب سكنات الفاصلة ، وهو قوله : { لا ~~يفقهون } فتعين هذا اللفظ قضاء لحق الفصاحة . | PageV10P067 # فهذا الخبر كفالة للمسلمين بنصر العدد منهم على عشرة أمثاله ، من عددهم ~~وهو يستلزم وجوب ثبات العدد منهم ، لعشرة أمثاله ، وبذلك يفيد إطلاق الأمر ~~بالثبات للعدو الواقع في قوله : { يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة ~~فاثبتوا } ( الأنفال : 45 ) ، وإطلاق النهي عن الفرار الواقع في قوله : { ~~فلا تولوهم الأدبار } ( الأنفال : 15 ) الآية كما تقدم . وهو من هذه ~~الناحية التشريعية حكم شديد شاق اقتضته قلة عدد المسلمين يومئذ وكثرة عدد ~~المشركين ، ولم يصل إلينا أن المسلمين احتاجوا إلى العمل به في بعض غزواتهم ~~، وقصارى ما علمنا أنهم ثبتوا لثلاثة أمثالهم في وقعة بدر ، فقد كان ~~المسلمون زهاء ثلاثمائة وكان المشركون زهاء الألف ، ثم نزل التخفيف من بعد ~~ذلك بالآية التالية . | # والتعريف بالموصول في { الذين كفروا } للإيماء إلى وجه بناء الخير الآتي ~~: وهو سلب الفقاهة عنهم . | # والباء في قوله : { بأنهم } للسببية . أي بعدم فقههم . وإجراء نفي ~~الفقاهة صفة ل { قوم } دون أن يجعل خبرا فيقال : ذلك بأنهم لا يفقهون ، ~~لقصد إفادة أن عدم الفقاهة صفة ثابتة لهم بما هم قوم ، لئلا يتوهم أن نفي ~~الفقاهة عنهم في خصوص هذا الشأن ، وهو شأن الحرب المتحدث عنه ، للفرق بين ms3541 ~~قولك : حدثت فلانا حديثا فوجدته لا يفقه ، وبين قولك : فوجدته رجلا لا يفقه ~~. | # والفقه فهم الأمور الخفية ، والمراد نفي الفقه عنهم من جانب معرفة الله ~~تعالى بقرينة تعليق الحكم بهم بعد إجراء صلة الكفر عليهم . | # وإنما جعل الله الكفر سببا في انتفاء الفقاهة عنهم : لأن الكفر من شأنه ~~إنكار ما ليس بمحسوس فصاحبه ينشأ على إهمال النظر ، وعلى تعطيل حركات فكره ~~، فهم لا يؤمنون إلا بالأسباب الظاهرية ، فيحسبون أن كثرتهم توجب لهم النصر ~~على الأقلين لقولهم : ( إنما الغرة للكاثر ) ، ولأنهم لا يؤمنون بما بعد ~~الموت من نعيم وعذاب ، فهم يخشون الموت فإذا قاتلوا ما يقاتلون إلا في ~~الحالة التي يكون نصرهم فيها أرجح ، والمؤمنون يعولون على نصر الله ، ~~ويثبتون للعدو رجاء إعلاء كلمة الله ، ولا يهابون الموت في سبيل الله ، ~~لأنهم موقنون بالحياة الأبدية المسرة بعد الموت . | PageV10P068 # وقرأ الجمهور { إن يكن } بالتاء المثناة الفوقية نافع ، وابن كثير ، وابن ~~عامر ، وأبو جعفر ، وذلك الأصل ، لمراعاة تأنيث لفظ مائة . وقرأها الباقون ~~بالمثناة التحتية ، لأن التأنيث غير حقيقي ، فيجوز في فعله الاقتران بتاء ~~التأنيث وعدمه ، لا سيما وقد وقع الفصل بين فعله وبينه . والفصل مسوغ ~~لإجراء الفعل على صيغة التذكير . | # | 2 ( 66 ) { الئان خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة ~~صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبو ا ألفين بإذن الله والله مع ~~الصابرين } . ) 2 # | $ # هذه الآية نزلت بعد نزول الآية التي قبلها بمدة . قال في ( الكشاف ) : ( ~~وذلك بعد مدة طويلة ) . ولعله بعد نزول جميع سورة الأنفال ، ولعلها وضعت في ~~هذا الموضع لأنها نزلت مفردة غير متصلة بآيات سورة أخرى ، فجعل لها هذا ~~الموضع لأنه أنسب بها لتكون متصلة بالآية التي نسخت هي حكمها ، ولم أر من ~~عين زمن نزولها . ولا شك أنه كان قبل فتح مكة فهي مستأنفة استئنافا ~~ابتدائيا محضا لأنها آية مستقلة . | # و { الآن } اسم ظرف للزمان الحاضر . قيل : أصله أوان بمعنى زمان ، ولما ~~أريد تعيينه للزمان الحاضر لازمته لام التعريف بمعنى العهد الحضوري ، فصار ms3542 ~~مع اللام كلمة واحدة ولزمه النصب على الظرفية . | # وروى الطبري عن ابن عباس : ( كان لكل رجل من المسلمين عشرة لا ينبغي أن ~~يفر منهم ، وكانوا كذلك حتى أنزل الله { آلآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ~~ضعفا } ) الآية ، فعبأ لكل رجل من المسلمين رجلين من المشركين ، فهذا حكم ~~وجوب نسخ بالتخفيف الآتي ، قال ابن عطية : وذهب بعض الناس إلى أن ثبوت ~~الواحد للعشرة إنما كان على جهة ندب المؤمنين إليه ثم حط ذلك حين ثقل عليهم ~~إلى ثبوت الواحد للاثنين . وروي هذا عن ابن عباس أيضا . قلت : وكلام ابن ~~عباس المروي عند ابن جرير مناف لهذا القول . | PageV10P069 # والوقت المستحضر بقوله : { آلآن } هو زمن نزولها . وهو الوقت الذي علم ~~الله عنده انتهاء الحاجة إلى ثبات الواحد من المسلمين للعشرة من المشركين ، ~~بحيث صارت المصلحة في ثبات الواحد لاثنين ، لا أكثر ، رفقا بالمسلمين ~~واستبقاء لعددهم . | # فمعنى قوله : { آلآن خفف الله عنكم } أن التخفيف المناسب ليسر هذا الدين ~~روعي في هذا الوقت ، ولم يراع قبله لمانع منع من مراعاته فرجح إصلاح ~~مجموعهم . | # وفي قوله تعالى : { آلآن خفف الله عنكم } . وقوله : { وعلم أن فيكم ضعفا ~~} دلالة على أن ثبات الواحد من المسلمين للعشرة من المشرمكين كان وجوبا ~~وعزيمة وليس ندبا خلافا لما نقله ابن عطية عن بعض العلماء . ونسب أيضا إلى ~~ابن عباس كما تقدم آنفا ، لأن المندوب لا يثقل على المكلفين ، ولأن إبطال ~~مشروعية المندوب لا يسمى تخفيفا ، ثم إذا أبطل الندب لزم أن يصير ثبات ~~الواحد للعشرة مباحا مع أنه تعريض الأنفس للتهلكة . | # وجملة : { وعلم أن فيكم ضعفا } في موضع الحال ، أي : خفف الله عنكم وقد ~~علم من قبل أن فيكم ضعفا ، فالكلام كالاعتذار على ما في الحكم السابق من ~~المشقة بأنها مشقة اقتضاها استصلاح حالهم ، وجملة الحال المفتتحة بفعل مضي ~~يغلب اقترانها ب ( قد ) . وجعل المفسرون موقع و { علم أن فيكم ضعفا } موقع ~~العطف فنشأ إشكال أنه يوهم حدوث علم الله تعالى بضعفهم في ذلك الوقت ، مع ~~أن ضعفهم متحقق ، وتأولوا ms3543 المعنى على أنه طرأ عليهم ضعف ، لما كثر عددهم ، ~~وعلمه الله ، فخفف عنهم ، وهذا بعيد لأن الضعف في حالة القلة أشد . | # ويحتمل على هذا المحمل أن يكون الضعف حدث فيهم من تكرر ثبات الجمع القليل ~~منهم للكثير من المشركين ، فإن تكرر مزاولة العمل الشاق تفضي إلى الضجر . | # والضعف : عدم القدرة على الأعمال الشديدة والشاقة ، ويكون في عموم الجسد ~~وفي بعضه وتنكيره للتنويع ، وهو ضعف الرهبة من لقاء العدد الكثير في قلة ، ~~وجعله مدخول ( في ) الظرفية يومىء إلى تمكنه في نفوسهم فلذلك أوجب التخفيف ~~في الكليف . | PageV10P070 # ويجوز في ضاد ( ضعف ) الضم والفتح ، كالمكث والمكثث ، والفقر والفقر ، ~~وقد قرىء بهما ؛ فقرأه الجمهور بضم الضاد وقرأه عاصم ، وحمزة ، وخلف بفتح ~~الضاد . | # ووقع في كتاب ( فقه اللغة ) للثعالبي أن الفتح في وهن الرأي والعقلل ، ~~والضم في وهن الجسم ، وأحسب أنها تفرقة طارئة عند المولدين . | # وقرأ أبو جعفر { ضعفاء } بضم الضاد وبمد في آخره جمع ضعيف . | # والفاء في قوله : { فإن تكن منكم مائة صابرة } لتفريع التشريع على ~~التخفيف . | # وقرأ نافع ، وابن كثير ، وابن عامر ، وأبو عمرو ، ويعقوب { تكن } ~~بالمثناة الفوقية . وقرأه البقية بالتحتية للوجه المتقدم آنفا . | # وعبر عن وجوب ثبات العدد من المسلمين لمثليه من المشركين بلفظي عددين ~~معينين ومثليهما : ليجيء الناسخ على وفق المنسوخ ، فقوبل ثبات العشرين ~~للمائتين بنسخه إلى ثبات مائة واحدة للمائتين فأبقي مقدار عدد المشركين كما ~~كان عليه في الآية المنسوخة ، إيماء إلى أن موجب التخفيف كثرة المسلمين ، ~~لا قلة المشركين ، وقوبل ثبات عدد مائة من المسلمين لألف من المشركين بثبات ~~ألف من المسلمين لألفين من المشركين إيماء إلى أن المسلمين الذين كان جيشهم ~~لا يتجاوز مرتبة المئات صار جيشهم يعد بالآلاف . | # وأعيد وصف مائة المسلمين ب { صابرة } لأن المقام يقتضي التنويه بالاتصاف ~~بالثبات . | # ولم توصف مائة الكفار بالكفر وبأنهم قوم لا يفقهون : لأنه قد علم ، ولا ~~مقتضي لإعادته . | # و { إذن الله } أمره فيجوز أن يكون المراد أمره التكليفي ، باعتبار ما ~~تضمنه الخبر من الأمر ، كما تقدم ، ويجوز أن يراد أمره ms3544 التكويني باعتبار ~~صورة الخبر والوعد . | PageV10P071 # والمجرور في موقع الحال من ضمير { يغلبوا } الواقع في هذه الآية . وإذن ~~الله حاصل في كلتا الحالتين المنسوخة والناسخة . وإنما صرح به هنا ، دون ما ~~سبق ، لأن غلب الواحد للعشرة أظهر في الخرق للعادة ، فيعلم بدءا أنه بإذن ~~الله ، وأما غلب الواحد الاثنين فقد يحسب ناشئا عن قوة أجساد المسلمين ، ~~فنبه على أنه بإذن الله : ليعلم أنه مطرد في سائر الأحوال ، ولذلك ذيل ~~بقوله : { والله مع الصابرين } | # | 2 ( 67 ، 68 ) { ما كان لنبى أن يكون له أسرى حتى يثخن في الارض تريدون ~~عرض الدنيا والله يريد الاخرة والله عزيز حكيم * لولا كتاب من الله سبق ~~لمسكم فيمآ أخذتم عذاب عظيم } . ) 2 # استئناف ابتدائي مناسب لما قبله سواء نزل بعقبه أم تأخر نزوله عنه فكان ~~موقعه هنا بسبب موالاة نزوله لنزول ما قبله أو كان وضع الآية هنا بتوقيف ~~خاص . | # والمناسبة ذكر بعض أحكام الجهاد ، وكان أعظم جهاد مضى هو جهاد يوم بدر . ~~لا جرم نزلت هذه الآية بعد قضية فداء أسرى بدر مشيرة إليها . | # وعندي أن هذا تشريع مستقبل أخره الله تعالى رفقا بالمسلمين الذين انتصروا ~~ببدر وإكراما لهم على ذلك النصر المبين ، وسدا لخلتهم التي كانوا فيها ، ~~فنزلت لبيان الأمر الأجدر فيما جرى في شأن الأسرى في وقعة بدر . وذلك ما ~~رواه مسلم عن ابن عباس ، والترمذي عن ابن مسعود ، ما مختصره أن المسلمين ~~لما أسروا الأسارى يوم بدر وفيهم صناديد المشركين سأل المشركون رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن يفاديهم بالمال وعاهدوا على أن لا يعودوا إلى حربه ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين ( ما ترون في هؤلاء الأسارى ) ~~، قال أبو بكر : ( يا نبي الله هم بنو العم والعشيرة أرى أن تأخذ منهم فدية ~~فتكون لنا قوة على الكفار ، فعسى الله أن يهديهم للإسلام ) وقال عمر : أرى ~~أن تمكننا فنضرب أعناقهم فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها فهوي PageV10P072 ~~رسول الله ما قال أبو بكر فأخذ منهم الفداء كما رواه أحمد عن ms3545 ابن عباس ~~فأنزل الله { ما كان لنبي أن يكون له أسرى } الآية . | # ومعنى قوله : هوي رسول الله ما قال أبو بكر : أن رسول الله أحب واختار ~~ذلك ؛ لأنه من اليسر والرحمة بالمسلمين إذ كانوا في حاجة إلى المال ، وكان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم ~~يكن إثما . وروي أن ذلك كان رغبة أكثرهم وفيه نفع للمسلمين ، وهم في حاجة ~~إلى المال . ولما استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل مشورته تعين أنه ~~لم يوح الله إليه بشيء في ذلك ، وأن الله أوكل ذلك إلى اجتهاد رسوله عليه ~~الصلاة والسلام فرأى أن يستشير الناس ثم رجح أحد الرأيين باجتهاد ، وقد ~~أصاب الاجتهاد ، فإنهم قد أسلم منهم ، حينئذ ، سهيل بن بيضاء ، وأسلم من ~~بعد العباس وغيره ، وقد خفي على النبي صلى الله عليه وسلم شيء لم يعلمه إلا ~~الله وهو إضمار بعضهم بعد الرجوع إلى قومهم أن يتأهبوا لقتال المسلمين من ~~بعد . | # وربما كانوا يضمرون اللحاق بفل المشركين من موضع قريب ويعودون إلى القتال ~~فينقلب انتصار المسلمين هزيمة كما كان يوم أحد ، فلأجل هذا جاء قوله تعالى ~~: { ما كان لنبيء أن يكون له أسرى حت يثخن في الأرض } . قال ابن العربي في ~~( العارضة ) : روى عبيدة السلماني عن علي أن جبريل أتى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يوم بدر فخيره بين أن يقرب الأسارى فيضرب أعناقهم أو يقبلوا منهم ~~الفداء ، ويقتل منكم في العام المقبل بعدتهم ، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ( هذا جبريل يخيركم أن تقدموا الأسارى وتضربوا أعناقهم أو تقبلوا ~~منهم الفداء ويستشهد منكم في العام المقبل بعدتهم ) ، فقالوا : يا رسول ~~الله نأخذ الفداء فنقوى على عدونا ويقتل منا في العام المقبل بعدتهم ، ~~ففعلوا . | # والمعنى أن النبي إذا قاتل فقتاله متمحض لغاية واحدة ، هي نصر الدين ودفع ~~عدائه ، وليس قتاله للملك والسلطان فإذا كان أتباع الدين في قلة كان قتل ~~الأسرى تقليلا لعدد أعداء الدين حتى إذا انتشر الدين ms3546 وكثر أتباعه صلح ~~الفداء لنفع أتباعه بالمال ، وانتفاء خشية عود العدو إلى القوة . فهذا وجه ~~تقييد هذا الحكم بقوله : { ما كان لنبيء } . | PageV10P073 # والكلام موجه للمسلمين الذين أشاروا بالفداء ، وليس موجها للنبيء صلى ~~الله عليه وسلم لأنه ما فعل إلا ما أمره الله به من مشاورة أصحابه في قوله ~~تعالى : { وشاورهم في الأمر } ( آل عمران : 159 ) لا سيما على ما رواه ~~الترمذي من أن جبريل بلغ إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن يخير أصحابه ويدل ~~لذلك قوله : { تريدون عرض الدنيا } فإن الذين أرادوا عرض الدنيا هم الذين ~~أشاروا بالفداء ، وليس لرسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك حظ . | # فمعنى { ما كان لنبيء أن يكون له أسرى } نفي اتخاذ الأسرى عن استحقاق نبي ~~لذلك الكون . | # وجيء ب ( نبيء ) نكرة إشارة إلى أن هذا حكم سابق في حروب الأنبياء في بني ~~إسرائيل ، وهو في الإصحاح عشرين من سفر التثنية . | # ومثل هذا النفي في القرآن قد يجيء بمعنى النهي نحو { وما كان لكم أن ~~تؤذوا رسول الله } ( الأحزاب : 53 ) . وقد يجيء بمعنى أنه لا يصلح ، كما ~~هنا ، لأن هذا الكلام جاء تمهيدا للعتاب فتعين أن يكون مرادا منه ما لا ~~يصلح من حيث الرأي والسياسة . | # ومعنى هذا الكون المنفي بقوله : { ما كان لنبيء أن يكون له أسرى } هو ~~بقاؤهم في الأسر ، أي بقاؤهم أرقاء أو بقاء أعواضهم وهو الفداء . وليس ~~المراد أنه لا يصلح أن تقع في يد النبي أسرى ، لأن أخذ الأسرى من شؤون ~~الحرب ، وهو من شؤون الغلب ، إذا استسلم المقاتلون ، فلا يعقل أحد نفيه عن ~~النبي ، فتعين أن المراد نفي أثره ، وإذا نفي أثر الأسر صدق بأحد أمرين : ~~وهما المن عليهم بإطلاقهم ، أو قتلهم ، ولا يصلح المن هنا ، لأنه ينافي ~~الغاية وهي حتى يثخن في الأرض ، فتعين أن المقصود قتل الأسرى الحاصلين في ~~يده ، أي أن ذلك الأجدر به حين ضعف المؤمنين ، خضدا لشوكة أهل العناد ، وقد ~~صار حكم هذه الآية تشريعا للنبيء صلى الله عليه وسلم فيمن يأسرهم ms3547 في غزواته ~~. | PageV10P074 # والإثخان الشدة والغلظة في الأذى . يقال أثخنته الجراحة وأثخنه المرض إذا ~~ثقل عليه ، وقد شاع إطلاقه على شدة الجراحة على الجريح . وقد حمله بعض ~~المفسرين في هذه الآية على معنى الشدة والقوة . فالمعنى : حتى يتمكن في ~~الأرض ، أي يتمكن سلطانه وأمره . | # وقوله : { في الأرض } على هذا جار على حقيقة المعنى من الظرفية ، أي ~~يتمكن في الدنيا . وحمله في ( الكشاف ) على معنى إثخان الجراحة ، فيكون ~~جريا على طريقة التمثيل بتشبيه حال الرسول صلى الله عليه وسلم المقاتل الذي ~~يجرج قرنه جراحا قوية تثخنه ، أي حتى يثخن أعداءه فتصير له الغلبة عليهم في ~~معظم المواقع ، ويكون قوله : { في الأرض } قرينة التمثيلية . | # والكلام عتاب للذين أشاروا باختيار الفداء والميلل إليه ، وغض النظر عن ~~الأخذ بالحزم في قطع دابر صناديد المشركين ، فإن في هلاكهم خضدا لشوكة ~~قومهم فهذا ترجيح للمقتضى السياسي العرضي على المقتضى الذي بني عليه ~~الإسلام وهو التيسير والرفق في شؤون المسلمين بعضهم مع بعض كما قال تعالى : ~~{ أشداء على الكفار رحماء بينهم } ( الفتح : 29 ) . وقد كان هذا المسلك ~~السياسي خفيا حتى كأنه مما استأثر الله به ، وفي الترمذي ، عن الأعمش : ~~أنهم في يوم بدر سبقوا إلى الغنائم قبل أن تحل لهم ، وهذا قول غريب فقد ثبت ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم استشارهم ، وهو في الصحيح . | # وقرأ الجمهور { أن يكون له } بتحتية على أسلوب التذكير . وقرأه أبو عمرو ~~، ويعقوب ، وأبو جعفر بمثناة فوقية على صيغة التأنيث ، لأن ضمير جمع ~~التكسير يجوز تأنيثه بتأويل الجماعة . | # والخطاب في قوله : { تريدون } للفريق الذين أشاروا بأخذ الفداء وفيه ~~إشارة إلى أن الرسول عليه الصلاة والسلام غير معاتب لأنه إنما أخذ برأي ~~الجمهور وجملة : { تريدون } إلى آخرها واقعة موقع العلة للنهي الذي تضمنته ~~آية { ما كان لنبيء } فلذلك فصلت ، لأن العلة بمنزلة الجملة المبينة . | ~~PageV10P075 # و { عرض الدنيا } هو المال ، وإنما سمي عرضا لأن الانتفاع به قليل اللبث ~~، فأشبه الشيء العارض إذ العروض مرور الشيء وعدم مكثه لأنه يعرض للماشين ~~بدون تهيؤ . والمراد عرض الدنيا ms3548 المحض وهو أخذ المال لمجرد التمتع به . | # والإرادة هنا بمعنى المحبة ، أي : تحبون منافع الدنيا والله يحب ثواب ~~الآخرة ، ومعنى محبة الله إياها محبته ذلك للناس ، أي يحب لكم ثواب الآخرة ~~، فعلق فعل الإرادة بذات الآخرة ، والمقصود نفعها بقرينة قوله : { تريدون ~~عرض الدنيا } فهو حذف مضاف للإيجاز ، ومما يحسنه أن الآخرة المرادة للمؤمن ~~لا يخالط نفعها ضر ولا مشقة ، بخلاف نفع الدنيا . | # وإنما ذكر مع { الدنيا } المضاف ولم يحذف : لأن في ذكره إشعارا بعروضه ~~وسرعة زواله . | # وإنما أحب الله نفع الآخرة : لأنه نفع خالد ، ولأنه أثر الأعمال النافعة ~~للدين الحق ، وصلاح الفرد والجماعة . | # وقد نصب الله على نفع الآخرة أمارات ، هي أمارات أمره ونهيه ، فكل عرض من ~~أعراض الدنيا ليس فيه حظ من نفع الآخرة ، فهو غير محبوب لله تعالى ، وكل ~~عرض من الدنيا فيه نفع من الآخرة ففيه محبة من الله تعالى ، وهذا الفداء ~~الذي أحبوه لم يكن يحف به من الأمارات ما يدل على أن الله لا يحبه ، ولذلك ~~تعين أن عتاب المسلمين على اختيارهم إياه حين استشارهم الرسول عليه الصلاة ~~والسلام إنما هو عتاب على نوايا في نفوس جمهور الجيش ، حين تخيروا الفداء ~~أي أنهم ما راعوا فيه إلا محبة المال لنفع أنفسهم فعاتبهم الله على ذلك ~~لينبههم على أن حقيقا عليهم أن لا ينسوا في سائر أحوالهم وآرائهم ، ~~الالتفات إلى نفع الدين وما يعود عليه بالقوة ، فإن أبا بكر قال لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عند الاستشارة ( قومك وأهلك استبقهم لعل الله أن يتوب ~~عليهم وخذ منهم فدية تقوي بها أصحابك ) فنظر إلى مصلحة دينية من جهتين ولعل ~~هذا الملحظ لم يكن عند جمهور أهل الجيش . | # ويجوز عندي أن يكون قوله : { تريدون عرض الدنيا } مستعملا في معنى ~~الاستفهام الإنكاري ، والمعنى : لعلكم تحبون عرض الدنيا فإن الله يحب لكم ~~الثواب وقوة PageV10P076 الدين ، لأنه لو كان المنظور إليه هو النفع ~~الدنيوي ؛ لكان حفظ أنفس الناس مقدما على إسعافهم بالمال ، فلما وجب عليهم ~~بذل نفوسهم في الجهاد . فالمعنى ms3549 : يوشك أن تكون حالكم كحال من لا يحب إلا ~~عرض الدنيا ، تحذيرا لهم من التوغل في إيثار الحظوظ العاجلة . | # وجملة : { والله عزيز حكيم } عطف على جملة : { والله يريد الأخرة } عطفا ~~يؤذن بأن لهذين الوصفين أثرا في أنه يريد الآخرة ، فيكون كالتعليل ، وهو ~~يفيد أن حظ الآخرة هو الحظ الحق ، ولذلك يريده العزيز الحكيم . | # فوصف { العزيز } يدل على الاستغناء على الاحتياج ، وعلى الرفعة والمقدرة ~~، ولذلك لا يليق به إلا محبة الأمور النفيسة ، وهذا يومىء إلى أن أولياءه ~~ينبغي لهم أن يكونوا أعزاء كقوله في الآية الأخرى : { ولله العزة ولرسوله ~~وللمؤمنين } ( المنافقون : 8 ) فلأجل ذلك كان اللائق بهم أن يربأوا بنفوسهم ~~عن التعلق بسفاسف الأمور وأن يجنحوا إلى معاليها . | # ووصف الحكيم يقتضي أنه العالم بالمنافع الحق على ما هي عليه ، لأن الحكمة ~~العلم بحقائق الأشياء على ما هي عليه . | # وجملة : { لولا كتاب من الله سبق } إلخ مستأنفة استئنافا بيانيا ، لأن ~~الكلام السابق يؤذن بأن مفاداة الأسرى أمر مرهوب تخشى عواقبه ، فيستثير ~~سؤالا في نفوسهم عما يترقب من ذلك ، فبينه قوله : { لولا كتاب من الله سبق ~~} الآية . | # والمراد بالكتاب المكتوب ، وهو من الكتابة التي هي التعيين والتقدير ، ~~وقد نكر الكتاب تنكير نوعية وإبهام ، أي : لولا وجود سنة تشريع سبق عن الله ~~. وذلك الكتاب هو عذر المستشار وعذر المجتهد في اجتهاده إذا أخطأ ، فقد ~~استشارهم النبي صلى الله عليه وسلم فأشاروا بما فيه مصلحة رأوها وأخذ بما ~~أشاروا به ولولا ذلك لكانت مخالفتهم لما يحبه الله اجتراء على الله يوجب أن ~~يمسهم عذاب عظيم . | # وهذه الآية تدل على أن لله حكما في كل حادثة ، وأنه نصب على حكمه أمارة ~~هي دليل المجتهد وأن مخطئه من المجتهدين لا يأثم بل يؤجر . | # و ( في ) للتعليل ، والعذاب يجوز أن يكون عذاب الآخرة . | PageV10P077 # ويجوز أن يكون العذاب المنفي عذابا في الدنيا ، أي : لولا قدر من الله ~~سبق من لطفه بكم فصرف بلطفه وعنايته عن المؤمنين عذابا كان من شأن أخذهم ~~الفداء أن يسببه لهم ويوقعهم فيه . وهذا العذاب ms3550 عذاب دنيوي ، لأن عذاب ~~الآخرة لا يترتب إلا على مخالفة شرع سابق ، ولم يسبق من الشرع ما يحرم ~~عليهم أخذ الفداء ، كيف وقد خيروا فيه لما استشيروا ، وهو أيضا عذاب من ~~شأنه أن يجره عملهم جر الأسباب لمسبباتها ، وليس عذاب غضب من الله ، لأن ~~ذلك لا يترتب إلا على معاص عظيمة ، فالمراد بالعذاب أن أولئك الأسرى الذين ~~فادوهم كانوا صناديد المشركين وقد تخلصوا من القتل والأسر يحملون في صدورهم ~~حنقا فكان من معتاد أمثالهم في مثل ذلك أن يسعوا في قومهم إلى أخذ ثار ~~قتلاهم واسترداد أموالهم فلو فعلوا لكانت دائرة عظيمة على المسلمين ، ولكن ~~الله سلم المسلمين من ذلك فصرف المشركين عن محبة أخذ الثأر ، وألهاهم بما ~~شغلهم عن معاودة قتال المسلمين ، فذلك الصرف هو من الكتاب الذي سبق عند ~~الله تعالى . | # وقد حصل من هذه الآية تحذير المسلمين من العودة للفداء في مثل هذه الحالة ~~، وبذلك كانت تشريعا للمستقبل كما ذكرناه آنفا . | # | 2 ( 69 ) { فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا واتقوا الله إن الله غفور رحيم ~~} . ) 2 # الفاء تؤذن بتفريع هذا الكلام على ما قبله . وفي هذا التفريع وجهان : | # أحدهما : الذي جرى عليه كلام المفسرين أنه تفريع على قوله : { لولا كتاب ~~من الله سبق } ( الأنفال : 68 ) إلخ . . . أي لولا ما سبق من حل الغنائم ~~لكم لمسكم عذاب عظيم ، وإذ قد سبق الحل فلا تبعة عليكم في الانتفاع بمال ~~الفداء . وقد روي أنه لما نزل قوله تعالى : { ما كان لنبي أن يكون له أسرى ~~} ( الأنفال : 67 ) الآية ، أمسكوا عن الانتفاع بمال الفداء ، فنزل قوله ~~تعالى : { فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا } وعلى هذا الوجه قد سمي مال الفداء ~~غنيمة تسمية بالاسم اللغوي دون الاسم الشرعي ؛ لأن الغنيمة في اصطلاح الشرع ~~هي ما افتكه المسلمون من مال العدو بالإيجاف عليهم . | PageV10P078 # والوجه الثاني : يظهر لي أن التفريع ناشىء على التحذير من العود إلى مثل ~~ذلك في المستقبل ، وأن المعنى : فاكتفوا بما تغنمونه ولا تفادوا الأسرى إلى ~~أن تثخنوا في الأرض . وهذا هو المناسب ms3551 لإطلاق اسم الغنيمة هنا إذ لا ينبغي ~~صرفه عن معناه الشرعي . | # ولما تضمن قوله : { لولا كتاب من الله سبق } ( الأنفال : 68 ) امتنانا ~~عليهم بأنه صرف عنهم بأس العدو ، فرع على الامتنان الإذن لهم بأن ينتفعوا ~~بمال الفداء في مصالحهم ، ويتوسعوا به في نفقاتهم ، دون نكد ولا غصة ، ~~فإنهم استغنوا به مع الأمن من ضر العدو بفضل الله . فتلك نعمة لم يشبها أذى ~~. | # وعبر عن الانتفاع الهنيء بالأكل : لأن الأكل أقوى كيفيات الانتفاع بالشيء ~~، فإن الآكل ينعم بلذاذة المأكول وبدفع ألم الجوع عن نفسه ودفع الألم لذاذة ~~ويكسبه الأكل قوة وصحة والصحة مع القوة لذاذة أيضا . | # والأمر في { كلوا } مستعمل في المنة ولا يحمل على الإباحة هنا : لأن ~~إباحة المغانم مقررة من قبله يوم بدر ، وليكون قوله : { حلالا } حالا مؤسسة ~~لا مؤكدة لمعنى الإباحة . | # و { غنمتم } بمعنى فاديتم لأن الفداء عوض عن الأسرى والأسرى من المغانم . ~~| # والطيب : النفيس في نوعه ، أي حلالا من خير الحلال . | # وذيل ذلك بالأمر بالتقوى : لأن التقوى شكر الله على ما أنعم من دفع ~~العذاب عنهم . | # وجملة : { إن الله غفور رحيم } تعليل للأمر بالتقوى ، وتنبيه على أن ~~التقوى شكر على النعمة ، فحرف التأكيد للاهتمام ، وهو مغن غناء فاء التفريع ~~، كقول بشار : | # إن ذاك النجاح في التبكير | # وقد تقدم ذكره غير مرة . | PageV10P079 # وهذه القضية إحدى قضايا جاء فيها القرآن مؤيدا لرأي عمر بن الخطاب . فقد ~~روى مسلم عن عمر ، قال : ( وافقت ربي في ثلاث : في مقام إبراهيم ، وفي ~~الحجاب ، وفي أسارى بدر ) . | # | 2 ( 70 ) { ياأيها النبى قل لمن فى أيديكم من الاسرى إن يعلم الله في ~~قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا ممآ أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم } . ) 2 # | $ # استئناف ابتدائي ، وهو إقبال على خطاب النبي صلى الله عليه وسلم بشيء ~~يتعلق بحال سرائر بعض الأسرى ، بعد أن كان الخطاب متعلقا بالتحريض على ~~القتال وما يتبعه ، وقد كان العباس في جملة الأسرى وكان ظهر منه ميل إلى ~~الإسلام . قبل خروجه إلى بدر ، وكذلك كان عقيل بن أبي طالب ms3552 بن عبد المطلب ، ~~ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب ، وقد فدى العباس نفسه وفدى ابني أخويه : ~~عقيلا ونوفلا . وقال للنبيء صلى الله عليه وسلم تركتني أتكفف قريشا . فنزلت ~~هذه الآية في ذلك ، وهي ترغيب لهم في الإسلام في المستقبل ، ولذلك قيل لهم ~~هذا القول قبل أن يفارقوهم . | # فمعنى { من في أيديكم } من في ملكتكم ووثاقكم ، فالأيدي مستعارة للملك . ~~وجمعها باعتبار عدد المالكين . وكان الأسرى مشركين ، فإنهم ما فادوا أنفسهم ~~إلا لقصد الرجوع إلى أهل الشرك . | # والمراد بالخير محبة الإيمان والعزم عليه ، أي : فإذا آمنتم بعد هذا ~~الفداء يؤتكم الله خيرا مما أخذ منكم . وليس إيتاء الخير على مجرد محبة ~~الإيمان والميل إليه ، كما أخبر العباس عن نفسه ، بل المراد به ما يترتب ~~على تلك المحبة من الإسلام بقرينة قوله : { ويغفر لكم } . وكذلك ليس الخير ~~الذي في قلوبهم هو الجزم بالإيمان : لأن ذلك لم يدعوه ولا عرفوا به ، قال ~~ابن وهب عن مالك : كان أسرى بدر مشركين ففادوا ورجعوا ولو كانوا مسلمين ~~لأقاموا . | PageV10P080 # و ( ما أخذ ) هو مال الفداء ، والخير منه هو الأوفر من المال بأن ييسر ~~لهم أسباب الثروة بالعطاء من أموال الغنائم وغيرها . فقد أعطى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم العباس بعد إسلامه من فيء البحرين . وإنما حملنا الخير ~~على الأفضل من المال ؛ لأن ذلك هو الأصل في التفضيل بين شيئين أن يكون ~~تفضيلا في خصائص النوع ، ولأنه عطف عليه قوله : { ويغفر لكم } وذلك هو خير ~~الآخرة المترتب على الإيمان ، لأن المغفرة لا تحصل إلا للمؤمن . | # والتذييل بقوله : { والله غفور رحيم } للإيماء إلى عظم مغفرته التي يغفر ~~لهم ، لأنها مغفرة شديد الغفران رحيمم بعباده ، فمثال المبالغة وهو غفور ~~المقتضي قوة المغفرة وكثرتها ، مستعمل فيهما باعتبار كثرة المخاطبين وعظم ~~المغفرة لكل واحد منهم . | # وقرأ الجمهور { من الأسرى } بفتح الهمزة وراء بعد السين مثل أسرى الأولى ~~، وقرأها أبو عمرو ، وأبو جعفر { من الأسارى بضم الهمزة وألف بعد السين ~~وراءه فورود هما في هذه الآية تفنن . | # | 2 ( 71 ) وإن يريدوا خيانتك ms3553 فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم والله ~~عليم حكيم } . ) 2 # الضمير في { يريدوا } عائد إلى من في أيديكم من الأسرى . وهذا كلام خاطب ~~به الله رسوله صلى الله عليه وسلم اطمئنانا لنفسه ، وليبلغ مضمونه إلى ~~الأسرى ، ليعلموا أنهم لا يغلبون الله ورسوله . وفيه تقرير للمنة على ~~المسلمين التي أفادها قوله : { فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا } ( الأنفال : ~~69 ) ، فكل ذلك الإذن والتطييب بالتهنئة والطمأنة بأن ضمن لهم ، إن خانهم ~~الأسرى بعد رجوعهم إلى قومهم ونكثوا عهدهم وعادوا إلى القتال ، بأن الله ~~يمكن المسلمين منهم مرة أخرى ، كما أمكنهم منهم في هذه المرة ، أي : أن ~~ينووا من العهد بعدم العود إلى الغزو خيانتك ، وإنما وعدوا بذلك لينجوا من ~~القتل والرق ، فلا يضركم ذلك ، لأن الله ينصركم عليهم ثاني مرة . والخيانة ~~نقض العهد وما في معنى العهد كالأمانة . | PageV10P081 # فالعهد ، الذي أعطوه ، هو العهد بأن لا يعودوا إلى قتال المسلمين . وهذه ~~عادة معروفة في أسرى الحرب إذا أطلقوهم فمن الأسرى من يخون العهد ويرجع إلى ~~قتال من أطلقوه . | # وخيانتهم الله ، التي ذكرت في الآية ، يجوز أن يراد بها الشرك فإنه خيانة ~~للعهد الفطري الذي أخذه الله على بني آدم فيما حكاه بقوله : { وإذ أخذ ربك ~~من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم } ( الأعراف : 172 ) الآية فإن ذلك استقر في ~~الفطرة ، وما من نفس إلا وهي تشعر به ، ولكنها تغالبها ضلالات العادات ~~واتباع الكبراء من أهل الشرك كما تقدم . | # وأن يراد بها العهد المجمل المحكي في قوله : { دعوا الله ربهما لئن ~~آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما ~~آتاهما } ( الأعراف : 189 ، 190 ) . | # ويجوز أن يراد بالعهد ما نكثوا من التزامهم للنبيء صلى الله عليه وسلم ~~حين دعاهم إلى الإسلام من تصديقه إذا جاءهم ببينة ، فلما تحداهم بالقرآن ~~كفروا به وكابروا . | # وجواب الشرط محذوف دل عليه قوله : { فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم } ~~. وتقديره : فلا تضرك خيانتهم ، أو لا تهتم بها ، فإنهم إن فعلوا أعادهم ~~الله إلى يدك كما أمكنك ms3554 منهم من قبل . | # قوله : { فأمكن منهم } سكت معظم التفاسير وكتب اللغة عن تبيين حقيقة هذا ~~التركيب ، وبيان اشتقاقه ، وألم به بعضهم إلماما خفيفا ؛ بأن فسروا ( أمكن ~~) بأقدر ، فهل هو مشتق من المكان أو من الإمكان بمعنى الاستطاعة أو من ~~المكانة بمعنى الظفر . ووقع في ( الأساس ) ( أمكنني الأمر معناه أمكنني من ~~نفسه ) وفي ( المصباح ) ( مكنته من الشيء تمكينا وأمكنته جعلت له عليه قدرة ~~) . | # والذي أفهمه من تصاريف كلامهم أن هذا الفعل مشتق من المكان وأن الهمزة ~~فيه للجعل ، وأن معنى أمكنه من كذا جعل له منه مكانا أي مقرا ، وأن المكان ~~مجاز أو كناية عن كونه في تصرفه كما يكون المكان مجالا للكائن فيه . | ~~PageV10P082 # و ( من ) التي يتعدى بها فعل أمكن اتصالية مثل التي في قولهم : لست منك ~~ولست مني . فقوله تعالى : { فأمكن منهم } حذف مفعوله لدلالة السياق عليه ، ~~أي أمكنك منهم يوم بدر ، أي لم ينفلتوا منك . | # والمعنى : أنه أتاكم بهم إلى بدر على غير ترقب منكم فسلطكم عليهم . | # { والله عليم حكيم } تذييل ، أي عليم بما في قلوبهم حكيم في معاملتهم على ~~حسب ما يعلم منهم . | # | 2 ( 72 ) { إن الذين ءامنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم فى سبيل ~~الله والذين ءاووا ونصرو ا أولائك بعضهم أوليآء بعض والذين ءامنوا ولم ~~يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شىء حتى يهاجروا وإن استنصروكم فى الدين ~~فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير } . ) ~~2 # | $ # هذه الآيات استئناف ابتدائي للإعلام بأحكام موالاة المسلمين للمسلمين ~~الذين هاجروا والذين لم يهاجروا ، وعدم موالاتهم للذين كفروا ، نشأ عن قول ~~العباس بن عبد المطلب حين أسر ببدر أنه مسلم ، وأن المشركين أكرهوه على ~~الخروج إلى بدر ، ولعل بعض الأسرى غيره قد قال ذلك وكانوا صادقين ، فلعل ~~بعض المسلمين عطفوا عليهم وظنوهم أولياء لهم ، فأخبر الله المسلمين وغيرهم ~~بحكم من آمن واستمر على البقاء بدار الشرك . قال ابن عطية : ( مقصد هذه ~~الآية وما بعدها تبيين منازل المهاجرين والأنصار والمؤمنين الذين لم ~~يهاجروا والكفار ، والمهاجرين بعد ms3555 الحديبية وذكر نسب بعضهم عن بعض ) . | # وتعرضت الآية إلى مراتب الذين أسلموا فابتدأت ببيان فريقين اتحدت أحكامهم ~~في الولاية والمؤاساة حتى صاروا بمنزلة فريق واحد ، وهؤلاء هم فريقا ~~المهاجرين والأنصار PageV10P083 الذين امتازوا بتأييد الدين . فالمهاجرون ~~امتازوا بالسبق إلى الإسلام وتكبدوا مفارقة الوطن . والأنصار امتازوا ~~بإيوائهم ، وبمجموع العملين حصل إظهار البراءة من الشرك وأهله ، وقد اشترك ~~الفريقان في أنهم آمنوا وأنهم جاهدوا ، واختص المهاجرون بأنهم هاجروا واختص ~~الأنصار بأنهم آووا ونصروا ، وكان فضل المهاجرين أقوى ؛ لأنهم فضلوا ~~الإسلام على وطنهم وأهليهم ، وبادر إليه أكثرهم ، فكانوا قدوة ومثالا صالحا ~~للناس . | # والمهاجرة هجر البلاد ، أي الخروج منها وتركها ، قال عبدة بن الطبيب : | # إن التي ضربت بيتا مهاجرة | # بكوفة الجند غالت ودها غول | # وأصل الهجرة الترك واشتق منه صيغة المفاعلة لخصوص ترك الدار والقوم ، لأن ~~الغالب عندهم كان أنهم يتركون قومهم ، ويتركهم قومهم إذ لا يفارق أحد قومه ~~إلا لسوء معاشرة تنشأ بينه وبينهم . | # وقد كانت الهجرة من أشهر أحوال المخالفين لقومهم في الدين ، فقد هاجر ~~إبراهيم عليه السلام { وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين } ( الصافات : 99 ) . ~~وهاجر لوط عليه السلام : { وقال إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم } ~~( العنكبوت : 26 ) ، وهاجر موسى عليه السلام بقومه ، وهاجر محمد صلى الله ~~عليه وسلم وهاجر المسلمون بإذنه إلى الحبشة ، ثم إلى المدينة يثرب ، ولما ~~استقر المسلمون من أهل مكة بالمدينة غلب عليهم وصف المهاجرين وأصبحت الهجرة ~~صفة مدح في الدين ، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في مقام التفضيل : ~~( لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار ) وقال للأعرابي : ( ويحك إن شأنها ~~شديد وقال لا هجرة بعد الفتح ) . | # والإيواء تقدم عند قوله تعالى : { فآواكم وأيدكم بنصره في هذه السورة ( ~~26 ) . | # والنصر تقدم عند قوله تعالى : واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا إلى ~~قوله ولا هم ينصرون في سورة البقرة ( 123 ) . | # والمراد بالنصر في قوله : ونصروا } النصر الحاصل قبل الجهاد وهو نصر ~~النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين بأنهم يحمونهم بما يحمون به أهلهم ، ~~ولذلك ms3556 غلب على الأوس والخزرج وصف الأنصار . | PageV10P084 # واسم الإشارة في قوله : { أولئك بعضهم أولياء بعض } لإفادة الاهتمام ~~بتمييزهم للإخبار عنهم ، وللتعريض بالتعظيم لشأنهم ، ولذلك لم يؤت بمثله في ~~الإخبار عن أحوال الفرق الأخرى . | # ولما أطلق الله الولاية بينهم احتمل حملها على أقصى معانيها ، وإن كان ~~موردها في خصوص ولاية النصر ، فإن ذلك كورود العام على سبب خاص قال ابن ~~عباس : { أولئك بعضهم أولياء بعض } يعني في الميراث جعل بين المهاجرين ~~والأنصار دون ذوي الأرحام ، حتى أنزل الله قوله : { وأولوا الأرحام بعضهم ~~أولى ببعض في كتاب الله } ( الأنفال : 75 ) أي في الميراث فنسختها ، وسيأتي ~~الكلام على ذلك . فحملها ابن عباس على ما يشمل الميراث ، فقال : كانوا ~~يتوارثون بالهجرة ، وكان لا يرث من آمن ولم يهاجر الذي آمن وهاجر ، فنسخ ~~الله ذلك بقوله : { وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض } ( الأنفال : 75 ) . ~~وهذا قول مجاهد وعكرمة وقتادة والحسن . وروي عن عمر بن الخطاب وابن مسعود ، ~~وهو قول أبي حنيفة وأحمد ، وقال كثير من المفسرين هذه الولاية هي في ~~الموالاة والمؤازرة والمعاونة دون الميراث اعتدادا بأنها خاصة بهذا الغرض ، ~~وهو قول مالك بن أنس والشافعي . | # وروي عن أبي بكر الصديق وزيد بن ثابت وابن عمر وأهل المدينة ، ولا تشمل ~~هذه الآية المؤمنين غير المهاجرين والأنصار . قال ابن عباس : كان المهاجر ~~لا يتولى الأعرابي ولا يرثه ( وهو مؤمن ) ولا يرث الأعرابي المهاجر أي ولو ~~كان عاصبا . | # وقوله تعالى : { والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء } ~~جاء على أسلوب تقسيم الفرق فعطف كما عطفت الجمل بعده ، ومع ذلك قد جعل ~~تكملة لحكم الفرقة المذكورة قبله فصار له اعتباران ، وقد وقع في المصحف مع ~~الجملة التي قبله ، آية واحدة نهايتها قوله تعالى : { والله بما تعملون ~~بصير } . | # فإن وصف الإيمان أي الإيمان بالله وحده يقابله وصف الشرك ، وأن وصف ~~الهجرة يقابله وصف المكث بدار الشرك ، فلما بين أول الآية ما لأصحاب ~~الوصفين : الإيمان والهجرة ، من الفضل وما بينهم من الولاية انتقلت إلى ~~بيان حال الفريق الذي يقابل ms3557 أصحاب الوصفين وهو فريق ثالث ، فبينت حكم ~~المؤمنين الذين لم يهاجروا فأثبتت لهم وصف الإيمان ، وأمرت المهاجرين ~~والأنصار بالتبرئى من ولايتهم حتى يهاجروا ، PageV10P085 فلا يثبت بينهم ~~وبين أولئك حكم التوراث ولا النصر إلا إذا طلبوا النصر على قوم فتنوهم في ~~دينهم . | # وفي نفي ولاية المهاجرين والأنصار لهم ، مع السكوت عن كونهم أولياء للذين ~~كفروا ، دليل على أنهم معتبرون مسلمين ، ولكن الله أمر بمقاطعتهم حتى ~~يهاجروا ؛ ليكون ذلك باعثا لهم على الهجرة . | # و ( الولاية ) بفتح الواو في المشهور وكذلك قرأها جمهور القراء ، وهي اسم ~~لمصدر تولاه ، وقرأها حمزة وحده بكسر الواو . قال أبو علي : الفتح أجود هنا ~~، لأن الولاية التي بكسر الواو في السلطان يعني في ولايات الحكم والإمارة . ~~وقال الزجاج : قد يجوز فيها الكسر ، لأن في تولى بعض القوم بعضا جنسا من ~~الصناعة كالقصارة والخياطة ، وتبعه في ( الكشاف ) وأراد إبطال قول أبي علي ~~الفارسي أن الفتح هنا أجود . وما قاله أبو علي الفارسي باطل ، والفتح ~~والكسر وجهان متساويان مثل الدلالة بفتح الدال وكسرها . | # والظرفية التي دلت عليها ( في ) من قوله تعالى : { وإن استنصروكم في ~~الدين } ظرفية مجازية ، تؤول إلى معنى التعليل ، أي : طلبوا أن تنصروهم ~~لأجل الدين ، أي لرد الفتنة عنهم في دينهم إذ حاول المشركون إرجاعهم إلى ~~دين الشرك وجب نصرهم ؛ لأن نصرهم للدين ليس من الولاية لهم بل هو من ~~الولاية للدين ونصره ، وذلك واجب عليهم سواء استنصرهم الناس أم لم ~~يستنصروهم إذا توفر داعي القتال ، فجعل الله استنصار المسلمين الذين لم ~~يهاجروا من جملة دواعي الجهاد . | # و { عليكم النصر } من صيغ الوجوب ، أي : فواجب عليكم نصرهم ، وقدم الخبر ~~وهو { عليكم } للاهتمام به . | # و { أل في النصر } للعهد الذكري لأن { استنصروكم } يدل على طلب نصر ~~والمعنى : فعليكم نصرهم . | # والاستثناء في قوله : { إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق } استثناء من ~~متعلق النصر وهو المنصور عليهم ، ووجه ذلك أن الميثاق يقتضي عدم قتالهم إلا ~~إذا نكثوا عهدهم مع PageV10P086 المسلمين ، وعهدهم مع المسلمين لا يتعلق ~~إلا بالمسلمين المتميزين بجماعة ووطن واحد ms3558 ، وهم يومئذ المهاجرون والأنصار ~~، فأما المسلمون الذين أسلموا ولم يهاجروا من دار الشرك فلا يتحمل المسلمون ~~تبعاتهم ، ولا يدخلون فيما جروه لأنفسهم من عداوات وإحن ، لأنهم لم يصدروا ~~عن رأي جماعة المسلمين ، فما ينشأ بين الكفار المعاهدين للمسلمين ، وبين ~~المسلمين الباقين في دار الكفر لا يعد نكثا من الكفار لعهد المسلمين ، لأن ~~من عذرهم أن يقولوا : لا نعلم حين عاهدناكم أن هؤلاء منكم ، لأن الإيمان لا ~~يطلع عليه إلا بمعاشرة ، وهؤلاء ظاهر حالهم مع المشركين يساكنونهم ~~ويعاملونهم . | # وقوله : { والله بما تعملون بصير } تحذير للمسلمين لئلا يحملهم العطف على ~~المسلمين على أن يقاتلوا قوما بينهم وبينهم ميثاق . | # وفي هذا التحذير تنويه بشأن الوفاء بالعهد ، وأنه لا ينفضه إلا أمر صريح ~~في مخالفته . | # | 2 ( 73 ) { والذين كفروا بعضهم أوليآء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة فى ~~الارض وفساد كبير } . ) 2 # هذا بيان لحكم القسم المقابل لقوله : { إن الذين آمنوا وهاجروا } ( ~~الأنفال : 72 ) وما عطف عليه . والواو للتقسيم والإخبار عنهم بأن بعضهم ~~أولياء بعض خبر مستعمل في مدلوله الكنائي : وهو أنهم ليسوا بأولياء ~~للمسلمين ، لأن الإخبار عن ولاية بعضهم بعضا ليس صريحة مما يهم المسلمين ~~لولا أن القصد النهي عن موالاة المسلمين إياهم ، وبقرينة قوله : { إلا ~~تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير } أي : إن لا تفعلوا قطع الولاية معهم ~~، فضمير تفعلوه عائد إلى ما في قوله : { بعضهم أولياء بعض } بتأويل : ~~المذكور ، لظهور أن ليس المراد تكليف المسلمين بأن ينفذوا ولاية الذين ~~كفروا بعضهم بعضا ، لولا أن المقصود لازم ذلك وهو عدم موالاة المسلمين ~~إياهم . | PageV10P087 # والفتنة اختلال أحوال الناس ، وقد مضى القول فيها عند قوله : { حتى يقولا ~~إنما نحن فتنة فلا تكفر } ( البقرة : 102 ) وقوله { والفتنة أشد من القتل ~~في سورة البقرة ( 191 ) ، وقد تقدم القول فيها آنفا في هذه السورة . | # والفتنة تحصل من مخالطة المسلمين مع المشركين ، لأن الناس كانوا قريبي ~~عهد بالإسلام ، وكانت لهم مع المشركين أواصر قرابة وولاء ومودة ومصاهرة ~~ومخالطة ، وقد كان إسلام من أسلم مثيرا لحنق المشركين عليه ، فإذا ms3559 لم ينقطع ~~المسلمون عن موالاة المشركين يخشى على ضعفاء النفوس من المسلمين أن تجذبهم ~~تلك الأواصر وتفتنهم قوة المشركين وعزتهم ، ويقذف بها الشيطان في نفوسهم ، ~~فيحنوا إلى المشركين ويعودوا إلى الكفر . فكان إيجاب مقاطعتهم ؛ لقصد قطع ~~نفوسهم عن تذكر تلك الصلات ، وإنسائهم تلك الأحوال ، بحيث لا يشاهدون إلا ~~حال جماعة المسلمين ، ولا يشتغلوا إلا بما يقويها ، وليكونوا في مزاولتهم ~~أمور الإسلام عن تفرغ بال من تحسر أو تعطف على المشركين ، فإن الوسائل قد ~~يسري بعضها إلى بعض ، فتفضي وسائل الرأفة والقرابة إلى وسائل الموافقة في ~~الرأي ، فلذا كان هذا حسما لوسائل الفتنة . | # والتعريف في الأرض } للعهد والمراد أرض المسلمين . | # و ( الفساد ) ضد الصلاح ، وقد مضى عند قوله تعالى : { قالوا أتجعل فيها ~~من يفسد فيها في سورة البقرة ( 30 ) . | # والكبير حقيقته العظيم الجسم . وهو هنا مستعار للشديد القوي من نوعه مثل ~~قوله تعالى : كبرت كلمة تخرج من أفواههم } ( الكهف : 5 ) . | # والمراد بالفساد هنا : ضد صلاح اجتماع الكلمة ، فإن المسلمين إذا لم ~~يظهروا يدا واحدة على أهل الكفر لم تظهر شوكتهم ، ولأنه قد يحدث بينهم ~~الاختلاف من جراء اختلافهم في مقدار مواصلتهم للمشركين ، ويرمي بعضهم بعضا ~~بالكفر أو النفاق ، وذلك يفضي إلى تفرق جماعتهم ، وهذا فساد كبير ، ولأن ~~المقصود إيجاد الجامعة الإسلامية ، وإنما يظهر كمالها بالتفاف أهلها ~~التفافا واحدا ، وتجنب ما يضادها ، فإذا لم يقع ذلك ضعف شأن جامعتهم في ~~المرأى وفي القوة . وذلك فساد كبير . | # | PageV10P088 # | 2 ( 74 ) { والذين ءامنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين ءاووا ~~ونصرو ا أولائك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم } . ) 2 # | $ # الأظهر أن هذه جملة معترضة بين جملة { والذين كفروا بعضهم أولياء بعض } ( ~~الأنفال : 73 ) ، وجملة { والذين آمنوا من بعد وهاجروا } ( الأنفال : 75 ) ~~الآية ، والواو اعتراضية للتنويه بالمهاجرين والأنصار ، وبيان جزائهم ~~وثوابهم ، بعد بيان أحكام ولاية بعضهم لبعض بقوله : { إن الذين آمنوا ~~وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله } إلى قوله : { أولئك بعضهم ~~أولياء بعض } ( الأنفال : 72 ) فليست هذه تكريرا للأولى ، وإن تشابهت ~~ألفاظها : فالأولى ms3560 لبيان ولاية بعضهم لبعض ، وهذه واردة للثناء عليهم ~~والشهادة لهم بصدق الإيمان مع وعدهم بالجزاء . | # وجيء باسم الإشارة في قوله : { أولئك هم المؤمنون } لمثل الغرض الذي جيء ~~به لأجله في قوله : { أولئك بعضهم أولياء بعض } ( الأنفال : 72 ) كما تقدم ~~. | # وهذه الصيغة صيغة قصر ، أي قصر الإيمان عليهم دون غيرهم ممن لم يهاجروا ، ~~والقصر هنا مقيد بالحال في قوله : { حقا } . فقوله : { حقا } حال من { ~~المؤمنون } وهو مصدر جعل من صفتهم ، فالمعنى : أنهم حاقون ، أي محققون ~~لإيمانهم بأن عضدوه بالهجرة من دار الكفر ، وليس الحق هنا بمعنى المقابل ~~للباطل ، حتى يكون إيمان غيرهم ممن لم يهاجروا باطلا ، لأن قرينة قوله : { ~~والذين آمنوا ولم يهاجروا } ( الأنفال : 72 ) مانعة من ذلك ، إذ قد أثبت ~~لهم الإيمان ، ونفى عنهم استحقاق ولاية المؤمنين . | # والرزق الكريم هو الذي لا يخالط النفع به ضر ولا نكد ، فهو نفع محض لا ~~كدر فيه . | # | 2 ( 75 ) { والذين ءامنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولائك منكم ~~وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شىء عليم } ) 2 # { والذين ءامنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولائك منكم وأولوا ~~الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شىء عليم } . | # بعد أن منع الله ولاية المسلمين للذين آمنوا ولم يهجروا بالصراحة ، ~~ابتداء ونفى عن الذين لم يهاجروا تحقيق الإيمان ، وكان ذلك مثيرا في نفوس ~~السامعين أن يتساءلوا PageV10P089 هل لأولئك تمكن من تدارك أمرهم برأبب هذه ~~الثلمة عنهم ، ففتح الله باب التدارك بهذه الآية : { والذين آمنوا من بعد ~~وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم } . | # فكانت هذه الآية بيانا ، وكان مقتضى الظاهر أن تكون مفصولة غير معطوفة ، ~~ولكن عدل عن الفصل إلى العطف تغليبا لمقام التقسيم الذي استوعبته هذه ~~الآيات . | # ودخول الفاء على الخبر وهو { فأولئك منكم } لتضمين الموصول معنى الشرط من ~~جهة أنه جاء كالجواب عن سؤال السائل ، فكأنه قيل : وأما الذين آمنوا من بعد ~~وهاجروا الخ ، أي : مهما يكن من حال الذين آمنوا ولم يهاجروا ، ومن حال ~~الذين آمنوا وهاجروا ms3561 والذين آووا ونصروا ، ف { الذين آمنوا من بعد وهاجروا ~~وجاهدوا معكم فأولئك منكم } وبذلك صار فعل { آمنوا } تمهيدا لما بعده من { ~~هاجروا وجاهدوا } لأن قوله : { من بعد } قرينة على أن المراد : إذا حصل ~~منهم ما لم يكن حاصلا في وقت نزول الآيات السابقة ، ليكون أصحاب هذه الصلة ~~قسما مغايرا للأقسام السابقة . فليس المعنى أنهم آمنوا من بعد نزول هذه ~~الآية ، لأن الذين لم يكونوا مؤمنين ثم يؤمنون من بعد لا حاجة إلى بيان حكم ~~الاعتداد بإيمانهم ، فإن من المعلوم أن الإسلام يجب ما قبله ، وإنما ~~المقصود : بيان أنهم إن تداركوا أمرهم بأن هاجروا قبلوا وصاروا من المؤمنين ~~المهاجرين ، فيتعين أن المضاف إليه المحذوف الذي يشير إليه بناء { بعد } ~~على الضم أن تقديره : من بعد ما قلناه في الآيات السابقة ، وإلا صار هذا ~~الكلام إعادة لبعض ما تقدم ، وبذلك تسقط الاحتمالات التي تردد فيها بعض ~~المفسرين في تقدير ما أضيف إليه ( بعد ) . | # وفي قوله : { معكم } إيذان بأنهم دون المخاطبين الذين لم يستقروا بدار ~~الكفر بعد أن هاجر منها المؤمنون ، وأنهم فرطوا في الجهاد مدة . | # والإتيان باسم الإشارة للذين آمنوا من بعد وهاجروا ، دون الضمير ، ~~للاعتناء بالخبر وتمييزهم بذلك الحكم . | # و ( من ) في قوله : { منكم } تبعيضية ، ويعتبر الضمير المجرور بمن ، ~~جماعة المهاجرين أي فقد صاروا منكم ، أي من جماعتكم وبذلك يعلم أن ولايتهم ~~للمسلمين . | PageV10P090 # { وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شىء عليم } . ~~| # قال جمهور المفسرين قوله : { فأولئك منكم } أي مثلكم في النصر والموالاة ~~، قال مالك : إن الآية ليست في المواريث ، وقال أبو بكر بن العربي : قوله : ~~{ فأولئك منكم } ( يعني في الموالاة والميراث على اختلاف الأقوال ، أي ~~اختلاف القائلين في أن المهاجر يرث الأنصاري والعكس ، وهو قول فرقة . ~~وقالوا : إنها نسخت بآية المواريث . | # عطف جملة على جملة فلا يقتضي اتحادا بين المعطوفة والمعطوف عليها ، ولكن ~~وقوع هذه الآية بإثر التقاسيم يؤذن بأن لها حظا في إتمام التقسيم ، وقد ~~جعلت في المصاحف مع التي قبلها آية واحدة . | # فيظهر أن ms3562 التقاسيم السابقة لما أثبتت ولاية بين المؤمنين ، ونفت ولاية من ~~بينهم وبين الكافرين ، ومن بينهم وبين الذين آمنوا ولم يهاجروا حتى يهاجروا ~~، ثم عادت على الذين يهاجرون من المؤمنين بعد تقاعسهم عن الهجرة بالبقاء في ~~دار الكفر مدة ، فبينت أنهم إن تداركوا أمرهم وهاجروا يدخلون بذلك في ولاية ~~المسلمين ، وكان ذلك قد يشغل السامعين عن ولاية ذوي أرحامهم من المسلمين ، ~~جاءت هذه الآية تذكر بأن ولاية الأرحام قائمة وأنها مرجحة لغيرها من ~~الولاية فموقعها كموقع الشروط ، وشأن الصفات والغايات بعد الجمل المتعاطفة ~~أنها تعود إلى جميع تلك الجمل ، وعلى هذا الوجه لا تكون هذه الآية ناسخة ~~لما اقتضته الآيات قبلها من الولاية بين المهاجرين والأنصار بل مقيدة ~~الإطلاق الذي فيها . | # وظاهر لفظ { الأرحام } جمع رحم وهو مقر الولد في بطن أمه ، فمن العلماء ~~من أبقاه على ظاهره في اللغة ، فجعل المراد من أولي الأرحام ذوي القرابة ~~الناشئة عن الأمومة ، وهو ما درج عليه جمهور المفسرين ، ومنهم من جعل ~~المراد من الأرحام العصابات دون المولودين بالرحم . قاله القرطبي ، واستدل ~~له بأن لفظ الرحم يراد به العصابة ، كقول العرب في الدعاء ( وصلتك رحم ) ، ~~وكقول قتيلة بنتت النضر بن الحارث : | # ظلت سيوف بني أبيه تنوشه | # لله أرحام هناك تمزق | PageV10P091 # حيث عبرت عن نوش بني أبيه بتمزيق أرحام . | # وعلم من قوله : { أولى } هو صيغة تفضيل أن الولاية بين ذوي الأرحام لا ~~تعتبر إلا بالنسبة لمحل الولاية الشرعية فأولوا الأرحام أولى بالولاية ممن ~~ثبتت لهم ولاية تامة أو ناقصة كالذين آمنوا ولم يهاجروا في ولاية النصر في ~~الدين إذا لم يقم دونها مانع من كفر أو ترك هجرة ، فالمؤمنون بعضهم لبعض ~~أولياء ولاية الإيمان ، وأولو الأرحام منهم بعضهم لبعض أولياء ولاية النسب ~~، ولولاية الإسلام حقوق مبينة بالكتاب والسنة ، ولولاية الأرحام حقوق مبينة ~~أيضا ، بحيث لا تزاحم إحدى الولايتين الأخرى ، والاعتناء بهذا البيان مؤذن ~~بما لوشائج الأرحام من الاعتبار في نظر الشريعة ، فلذلك علقت أولوية ~~الأرحام بأنها كائنة في كتاب الله أي في حكمه . | # وكتاب الله ms3563 قضاؤه وشرعه ، وهو مصدر ، إما باق على معنى المصدرية ، أو هو ~~بمعنى المفعول ، أي مكتوبة كقول الراعي : | # كان كتابها مفعولا | # وجعل تلك الأولوية كائنة في كتاب الله كناية عن عدم تعبيره ، ا لأنهم ~~كانوا إذا أرادوا توكيد عهد كتبوه . قال الحارث بن حلزة : | # حذر الجور والتطاخي وهل ين | # قض ما في المهارق الأهواء | # فتقييد أولوية أولي الأرحام بأنها في كتاب الله للدلالة على أن ذلك حكم ~~فطري قدره الله وأثبته بما وضع في الناس من الميل إلى قراباتهم ، كما ورد ~~في الحديث : ( إن الله لما خلق الرحم أخذت بقائمة من قوائم العرش وقالت : ~~هذا مقام العائذ بك من القطيعة ) الحديث . فلما كانت ولاية الأرحام أمرا ~~مقررا في الفطرة ، ولم تكن ولاية الدين معروفة في الجاهلية بين الله أن ~~ولاية الدين لا تبطل ولاية الرحم إلا إذا تعارضتا ، لأن أواصر العقيدة ~~والرأي أقوى من أواصر الجسد ، فلا يغيره ما ورد هنا من أحكام ولاية الناس ~~بعضهم بعضا ، وبذلك الاعتبار الأصلي لولاية ذوي الأرحام كانوا مقدمين على ~~أهل الولاية ، حيث تكون الولاية ، وينتفي التفضيل بانتفاء أصلها ، فلا ~~ولاية لأولي الأرحام إذا كانوا غير مسلمين . | PageV10P092 # واختلف العلماء في أن ولاية الأرحام هنا هل تشمل ولاية الميراث : فقال ~~مالك بن أنس هذه الآية ليست في المواريث أي فهي ولاية النصر وحسن الصحبة ، ~~أي فنقصر على موردها ولم يرها مساوية للعام الوارد على سبب خاص إذ ليست ~~صيغتها صيغة عموم ، لأن مناط الحكم قوله : { أولى ببعض } . | # وقال جماعة تشمل ولاية الميراث ، ثم اختلفوا فمنهم من قال : نسخت هذه ~~الولاية بآية المواريث ، فبطل توريث ذوي الأرحام بقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم ( ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجلل ذكر ) فيكون تخصيصا ~~للعموم عندهم . | # وقال جماعة يرث ذوو الأرحام وهم مقدمون على أبناء الأعمام ، وهذا قول أبي ~~حنيفة وفقهاء الكوفة ، فتكون هذه الآية مقيدة لإطلاق آية المواريث ، وقد ~~علمت مما تقدم كله أن في هذه الآيات غموضا جعلها مرامي لمختلف الأفهام ~~والأقوال . وأياما كانت فقد جاء ms3564 بعدها من القرآن والسنة ما أغنى عن زيادة ~~البسط . | # وقوله : { إن الله بكل شيء عليم } تذييل هو مؤذن بالتعليل ؛ لتقرير ~~أولوية ذوي الأرحام بعضهم ببعض فيما فيه اعتداد بالولاية ، أي إنما اعتبرت ~~تلك الأولوية في الولاية ، لأن الله قد علم أن لآصرة الرحم حقا في الولاية ~~هو ثابت ما لم يمانعه مانع معتبر في الشرع ، لأن الله بكل شيء عليم وهذا ~~الحكم مما علم ، الله أن إثباته رفق ورأفة بالأمة . | PageV10P093 صفحة ~~فارغة . | # | PageV10P094 # | 1 ( سورة التوبة ) 1 # سميت هذه السورة ، في أكثر المصاحف ، وفي كلام السلف : سورة براءة ، ففي ~~الصحيح عن أبي هريرة ، في قصة حج أبي بكر بالناس ، قال أبو هريرة : ( فأذن ~~معنا علي بن أبي طالب في أهل منى ببراءة ) . وفي ( صحيح البخاري ) ، وعن ~~زيد بن ثابت قال : ( آخر سورة نزلت سورة براءة ) ، وبذلك ترجمها البخاري في ~~كتاب التفسير من ( صحيحه ) . وهي تسمية لها بأول كلمة منها . | # وتسمى ( سورة التوبة ) في كلام بعض السلف في مصاحف كثيرة ، فعن ابن عباس ~~( سورة التوبة هي الفاضحة ) ، وترجم لها الترمذي في ( جامعه ) باسم التوبة ~~. ووجه التسمية : أنها وردت فيها توبة الله تعالى عن الثلاثة الذين تخلفوا ~~عن غزوة تبوك ، وهو حدث عظيم . | # ووقع هذان الاسمان معا في حديث زيد بن ثابت ، في ( صحيح البخاري ) ، في ~~باب جمع القرآن ، قال زيد ( فتتبعت القرآن حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي ~~خزيمة الأنصاري : { لقد جاءكم رسول من أنفسكم ، حتى خاتمة سورة البراءة ( ~~128 ) . | # وهذان الاسمان هما الموجودان في المصاحف التي رأيناها . | # ولهذه السورة أسماء أخر ، وقعت في كلام السلف ، من الصحابة والتابعين ، ~~فروي عن ابن عمر ، عن ابن عباس : كنا ندعوها ( أي سورة براءة ) المقشقشة ( ~~بصيغة اسم الفاعل وتاء التأنيث من قشقشه إذا أبراه من المرض ) ، كان هذا ~~لقبا لها ولسورة الكافرون لأنهما تخلصان من آمن بما فيهما من النفاق والشرك ~~، لما فيهما من الدعاء إلى الإخلاص ، ولما فيهما من وصف أحوال المنافقين . ~~| PageV10P095 # وكان ابن عباس يدعوها الفاضحة : قال ما زال ينزل فيها ومنهم ms3565 ومنهم حتى ~~ظننا أنه لا يبقى أحد إلا ذكر فيها . | # وأحسب أن ما تحكيه من أحوال المنافقين يعرف به المتصفون بها أنهم المراد ~~فعرف المؤمنون كثيرا من أولئك مثل قوله تعالى : ومنهم من يقول ائذن لي ولا ~~تفتني } ( التوبة : 49 ) فقد قالها بعضهم وسمعت منهم ، وقوله : { ومنهم ~~الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن } ( التوبة : 61 ) فهؤلاء نقلت مقالتهم ~~بين المسلمين . وقوله : { وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم } ( ~~التوبة : 42 ) . | # وعن حذيفة : أنه سماها ( سورة العذاب ) لأنها نزلت بعذاب الكفار ، أي ~~عذاب القتل ، والأخذ حين يثقفون . | # وعن عبيد بن عمير أنه سماها ( المنقرة ) ( بكسر القاف مشددة ) لأنها نقرت ~~عما في قلوب المشركين ( لعله يعني من نوايا الغدر بالمسلمين والتمالي على ~~نقض العهد ، وهو من نقر الطائر إذا أنفى بمنقاره موضعا من الحصى ونحوه ~~ليبيض فيه ) . | # وعن المقداد بن الأسود ، وأبي أيوب الأنصاري : تمسيتها ( البحوث ) بباء ~~موحدة مفتوحة في أوله وبمثلثة في آخره بوزن فعول بمعنى الباحثة ، وهو مثل ~~تسميتها ( المنقرة ) . | # وعن الحسن البصري أنه دعاها ( الحافرة ) كأنها حفرت عما في قلوب ~~المنافقين من النفاق ، فأظهرته للمسلمين . | # وعن قتادة : أنها تسمى ( المثيرة ) لأنها أثارت عورات المنافقين وأظهرتها ~~. وعن ابن عباس أنه سماها ( المبعثرة ) لأنها بعثرت عن أسرار المنافقين ، ~~أي أخرجتها من مكانها . | # وفي ( الإتقان ) : أنها تسمى ( المخزية ) بالخاء والزاي المعجمة وتحتية ~~بعد الزاي وأحسب أن ذلك لقوله تعالى : { وأن الله مخزي الكافرين } ( التوبة ~~: 2 ) . | # وفي ( الإتقان ) أنها تسمى ( المنكلة ) ، أي بتشديد الكاف . وفيه أنها ~~تسمى ( المشددة ) . | PageV10P096 # وعن سفيان أنها تسمى ( المدمدمة ) بصيغة اسم الفاعل من دمدم إذا أهلك ، ~~لأنها كانت سبب هلاك المشركين . فهذه أربعة عشر اسما . | # وهي مدنية بالاتفاق . قال في ( الإتقان ) : واستثنى بعضهم قوله : { ما ~~كان للنبيء والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى } ( ~~التوبة : 113 ) الآية ففي ( صحيح البخاري ) أن أبا طالب لما حضرته الوفاة ~~دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( يا عم قل لا إلاه إلا الله ~~كلمة أحاج لك بها عند الله ) فقال ms3566 أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية ( يا أبا ~~طالب أترغب عن ملة عبد المطلب ) . فكان آخر قول أبي طالب : أنه على ملة عبد ~~المطلب ، فقال النبي : ( لأستغفرن لك ما لم أنه عنك ) . وتوفي أبو طالب ~~فنزلت { ما كان للنبيء والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين } ( التوبة : 113 ~~) . | # وشذ ما روي عن مقاتل : أن آيتين من آخرها مكيتان ، وهما { لقد جاءكم رسول ~~من أنفسكم } ( التوبة : 128 ) إلى آخر السورة . وسيأتي ما روي أن قوله ~~تعالى : { أجعلتم سقاية الحاج } ( التوبة : 19 ) الآية . نزل في العباس إذ ~~أسر يوم بدر فعيره علي بن أبي طالب بالكفر وقطيعة الرحم ، فقال : نحن نحجب ~~الكعبة إلخ . | # وهذه السورة آخر السور نزولا عند الجميع ، نزلت بعد سورة الفتح ، في قول ~~جابر بن زيد ، فهي السورة الرابعة عشرة بعد المائة في عداد نزول سور القرآن ~~. وروي : أنها نزلت في أول شوال سنة تسع ، وقيل آخر ذي القعدة سنة تسع ، ~~بعد خروج أبي بكر الصديق من المدينة للحجة التي أمره عليها النبي صلى الله ~~عليه وسلم وقيل : قبيل خروجه . | # والجمهور على أنها نزلت دفعة واحدة ، فتكون مثل سورة الأنعام بين السور ~~الطوال . | # وفسر كثير من المفسرين بعض آيات هذه السورة بما يقتضي أنها نزلت أوزاعا ~~في أوقات متباعدة ، كما سيأتي ، ولعل مراد من قال إنها نزلت غير متفرقة : ~~أنه يعني إنها لم يتخللها ابتداء نزول سورة أخرى . | # والذي يغلب على الظن أن ثلاث عشرة آية من أولها إلى قوله تعالى : { فالله ~~أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين } ( التوبة : 13 ) نزلت متتابعة ، كما سيأتي ~~في خبر بعث علي بن أبي طالب PageV10P097 ليؤذن بها في الموسم . وهذا ما ~~اتفقت عليه الروايات . وقد قيل : إن ثلاثين آية منها ، من أولها إلى قوله ~~تعالى : { قاتلهم الله أنى يؤفكون } ( التوبة : 30 ) أذن بها يوم الموسم ، ~~وقيل : أربعين آية : من أولها إلى قوله : { وكلمة الله هي العليا والله ~~عزيز حكيم } ( التوبة : 40 ) أذن به في الموسم ، كما سيأتي أيضا في مختلف ~~الروايات ، فالجمع بينها يغلب ms3567 الظن بأن أربعين آية نزلت متتابعة ، على أن ~~نزول جميع السورة دفعة واحدة ليس ببعيد عن الصحة . | # وعدد آيها ، في عد أهل المدينة ومكة والشام والبصرة : مائة وثلاثون آية ، ~~وفي عد أهل الكوفة مائة وتسع وعشرون آية . | # اتفقت الروايات على أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قفل من غزوة تبوك ، ~~في رمضان سنة تسع ، عقد العزم على أن يحج في شهر ذي الحجة من عامه ولكنه ~~كره ( عن اجتهاد أو بوحي من الله مخالطة المشركين في الحج معه ، وسماع ~~تلبيتهم التي تتضمن الاشراك ، أي قولهم في التلبية ( لبيك لا شريك لك إلا ~~شريكا هو لك تملكه وما ملك ) . وطوافهم عراة ، وكان بينه وبين المشركين عهد ~~لم يزل عاملا لم ينقض والمعنى أن مقام الرسالة يربأ عن أن يسمع منكرا من ~~الكفر ولا يغيره بيده ، لأن ذلك أقوى الإيمان فأمسك عن الحج تلك السنة ، ~~وأمر أبا بكر الصديق على أن يحج بالمسلمين ، وأمره أن يخبر المشركين بأن لا ~~يحج بعد عامه ذلك مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ، وأكثر الأقوال على أن براءة ~~نزلت قبل خروج أبي بكر من المدينة ، فكان ما صدر عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم صادرا عن وحي لقوله تعالى في هذه السورة { ما كان للمشركين أن يعمروا ~~مساجد الله إلى قوله أولئك أن يكونوا من المهتدين } ( التوبة : 17 ، 18 ) ~~وقوله { يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام ~~بعد عامهم هذا } ( التوبة : 28 ) الآية . وقد كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم صالح قريشا عام الحديبية على أن يضعوا الحرب عشر سنين يأمن فيها الناس ~~، ويكف بعضهم عن بعض فدخلت خزاعة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل ~~بنو بكر في عهد قريش ثم عدت بنو بكر على خزاعة بسبب دم كان لبني بكر عند ~~خزاعة قبل البعثة بمدة . واقتتلوا فكان ذلك نقضا للصلح . واستصرخت خزاعة ~~النبي صلى الله عليه وسلم فوعدهم بالنصر وتجهز رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لفتح ms3568 PageV10P098 مكة ثم حنين ثم الطائفف ، وحج بالمسلمين تلك السنة ~~سنة ثمان عتاب بن أسيد ، ثم كانت غزوة تبوك في رجب سنة تسع فلما انصرف رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من تبوك أمر أبا بكر الصديق على الحج وبعث معه ~~بأربعين آية من صدر سورة براءة ليقرأها على الناس . ثم أردفه بعلي بن أبي ~~طالب ليقرأ على الناس ذلك . | # وقد يقع خلط في الأخبار بين قضية بعث أبي بكر الصديق ليحج بالمسلمين عوضا ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم وبين قضية بعث علي بن أبي طالب ليؤذن في الناس ~~بسورة براءة في تلك الحجة اشتبه به الغرضان على من أراد أن يتلبس وعلى من ~~لبس عليه الأمر فأردنا إيقاظ البصائر لذلك . فهذا سبب نزولها ، وذكره أول ~~أغراضها . | # فافتتحت السورة بتحديد مدة العهود التي بين النبي صلى الله عليه وسلم ~~وبين المشركين وما يتبع ذلك من حالة حرب وأمن وفي خلال مدة الحرب مدة ~~تمكينهم من تلقي دعوة الدين وسماع القرآن . | # وأتبع بأحكام الوفاء والنكث وموالاتهم . | # ومنع المشركين من دخول المسجد الحرام وحضور مناسك الحج . | # وإبطال مناصب الجاهلية التي كانوا يعتزون بأنهم أهلها . | # وإعلان حالة الحرب بين المسلمين وبينهم . | # وإعلان الحرب على أهل الكتاب من العرب حتى يعطوا الجزية ، وأنهم ليسوا ~~بعيدا من أهل الشرك وأن الجميع لا تنفعهم قوتهم ولا أموالهم . | # وحرمة الأشهر الحرم . | # وضبط السنة الشرعية وإبطال النسيىء الذي كان عند الجاهلية . | # وتحريض المسلمين على المبادرة بالإجابة إلى النفير للقتال في سبيل الله ، ~~ونصر النبي صلى الله عليه وسلم وأن الله ناصر نبيه وناصر الذين ينصرونه ، ~~وتذكيرهم بنصر الله رسوله يوم حنين ، وبنصره إذ أنجاه من كيد المشركين بما ~~هيأ له من الهجرة إلى المدينة . | PageV10P099 # والإشارة إلى التجهيز بغزوة تبوك . | # وذم المنافقين المتثاقلين والمعتذرين والمستأذنين في التخلف بلا عذر . ~~وصفات أهل النفاق من جبن وبخل وحرص على أخذ الصدقات مع أنهم ليسوا ~~بمستحقيها . | # وذكر أذاهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالقول . وأيمانهم الكاذبة وأمرهم ~~بالمنكر ونهيهم عن المعروف وكذبهم ms3569 في عهودهم وسخريتهم بضعفاء المؤمنين . | # والأمر بضرب الجزية على أهل الكتاب . ومذمة ما أدخله الأحبار والرهبان في ~~دينهم من العقائد الباطلة ، ومن التكالب على الأموال . | # وأمر الله بجهاد الكفار والمنافقين . | # ونهي المؤمنين عن الاستعانة بهم في جهادهم والاستغفار لهم . | # ونهي نبيه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة على موتاهم . | # وضرب المثل بالأمم الماضية . | # وذكر الذين اتخذوا مسجد الضرار عن سوء نية ، وفضل مسجد قباء ومسجد الرسول ~~بالمدينة . | # وانتقل إلى وصف حالة الأعراب من محسنهم ومسيئهم ومهاجرهم ومتخلفهم . | # وقوبلت صفات أهل الكفر والنفاق بأضدادها صفات المسلمين ، وذكر ما أعد لهم ~~من الخير . | # وذكر في خلال ذلك فضل أبي بكر . وفضل المهاجرين والأنصار . | # والتحريض على الصدقة والتوبة والعمل الصالح . | # والجهاد وأنه فرض على الكفاية . والتذكير بنصر الله المؤمنين يوم حنين ~~بعد يأسهم . | # والتنويه بغزوة تبوك وجيشها . | # والذين تاب الله عليهم من المتخلفين عنها . | PageV10P100 # والامتنان على المسلمين بأن أرسل فيهم رسولا منهم جبله على صفات فيها كل ~~خير لهم . | # وشرع الزكاة ومصارفها والأمر بالفقه في الدين ونشر دعوة الدين . أعلم أنه ~~قد ترك الصحابة الذين كتبوا المصحف كتابة البسملة قبل سورة براءة ، كما ~~نبهت عليه عند الكلام على سورة الفاتحة . فجعلوا سورة براءة عقب سورة ~~الأنفال بدون بسملة بينهما ، وتردد العلماء في توجيه ذلك . وأوضح الأقوال ~~ما رواه الترمذي والنسائي ، عن ابن عباس ، قال : قلت لعثمان : ( ما حملكم ~~على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني ، وإلى براءة وهي من المئين ~~فقرنتم بينهما ولم تكتبوا سطر بسم الله الرحمن الرحيم . فقال عثمان : إن ~~رسول الله كان إذا نزل عليه الشيء يدعو بعض من يكتب عنده فيقول : ضعوا هذه ~~في السورة التي فيها كذا وكذا ، وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة ، ~~وبراءة من آخر القرآن وكانت قصتها شبيها بقصتها وقبض رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ولم يبين لنا أنها منها ، فظننت أنها منها فمن ثم قرنت بينهما ~~ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم ) . | # ونشأ من هذا قول آخر : وهو أن ms3570 كتبة المصاحف في زمن عثمان اختلفوا في ~~الأنفال . وبراءة ، هل هما سورة واحدة أو هما سورتان ، فتركوا فرجة فصلا ~~بينهما مراعاة لقول من عدهما سورتين ، ولم يكتبوا البسملة بينهما مراعاة ~~لقول من جعلهما سورة واحدة ، وروى أبو الشيخ ، عن ابن عباس ، عن علي بن أبي ~~طالب : أنهم إنما تركوا البسملة في أولها ؛ لأن البسملة أمان وبشارة ، ~~وسورة براءة نزلت بنبذ العهود والسيف ، فلذلك لم تبدأ بشعار الأمان ، وهذا ~~إنما يجري على قول من يجعلون البسملة آية من أول كل سورة عدا سورة براءة ، ~~ففي هذا رعي لبلاغة مقام الخطاب كما أن الخاطب المغضب يبدأ خطبته ( بأما ~~بعد ) دون استفتاح . وشأن العرب إذا كان بينهم عهد فأرادوا نقضه ، كتبوا ~~إلى القوم الذين ينبذون إليهم بالعهد كتابا ولم يفتتحوه بكلمة ( باسمك ~~اللهم ) فلما نزلت براءة بنقض العهد الذي كان بين النبي صلى الله عليه وسلم ~~وبين المشركين بعث عليا إلى الموسم فقرأ صدر براءة ولم يبسمل جريا على ~~عادتهم في رسائل نقض العهود ، وقال ابن العربي في ( الأحكام ) : قال مالك ~~فيما روى PageV10P101 عنه ابن وهب ، وابن القاسم ، وابن عبد الحكم : إنه ~~لما سقط أولها ، أي سورة براءة سقط بسم الله الرحمن الرحيم معه . ويفسر ~~كلامه ما قاله ابن عطية : روي عن مالك أنه قال : بلغنا أن سورة براءة كانت ~~نحو سورة البقرة ثم نسخ ورفع كثير منها وفيه البسملة فلم يروا بعد أن يضعوه ~~في غير موضعه . وما نسبه ابن عطية إلى مالك عزاه ابن العربي إلى ابن عجلان ~~فلعل في ( نسخة تفسير ابن عطيه ) نقصا . | # والذي وقفنا عليه من كلام مالك في ترك البسملة من سورة الأنفال وسورة ~~براءة : هو ما في سماع ابن القاسم في أوائل كتاب الجامع الأول من ( العتبية ~~) ( قال مالك في أول براءة إنما ترك من مضى أن يكتبوا في أول براءة بسم ~~الله الرحمن الرحيم ، كأنه رآه من وجه الاتباع في ذلك ، كانت في آخر ما نزل ~~من القرآن . وساق حديث ابن شهاب في سبب كتابة ms3571 المصحف في زمن أبي بكر وكيف ~~أخذ عثمان الصحف من حفصة أم المؤمنين وأرجعها إليها . قال ابن رشد في ( ~~البيان والتحصيل ) ( ما تأوله مالك من أنه إنما ترك من مضى أن يكتبوا في ~~أول براءة بسم الله الرحمن الرحيم من وجه الاتباع ، والمعنى فيه والله أعلم ~~أنه إنما ترك عثمان بن عفان ومن كان بحضرته من الصحابة المجتمعين على جمع ~~القرآن البسملة بين سورة الأنفال وبراءة ، وإن كانتا سورتين بدليل أن براءة ~~كانت آخر ما أنزل الله من القرآن ، وأن الأنفال أنزلت في بدر سنة أربع ، ~~اتباعا لما وجدوه في الصحف التي جمعت على عهد أبي بكر وكانت عند حفصة ) . ~~ولم يذكر ابن رشد عن مالك قولا غير هذا . | # | 2 ( 1 ) { برآءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين } . ) 2 # افتتحت السورة كما تفتتح العهود وصكوك العقود بأدل كلمة على الغرض الذي ~~يراد منها كما في قولهم : هذا ما عهد به فلان ، وهذا ما اصطلح عليه فلان ~~وفلان ، وقول الموثقين : باع أو وكل أو تزوج ، وذلك هو مقتضى الحال في ~~إنشاء الرسائل والمواثيق ونحوها . | PageV10P102 # وتنكير { براءة } تنكير التنويع ، وموقع { براءة } مبتدأ ، وسوغ الابتداء ~~به ما في التنكير من معنى التنويع للإشارة إلى أن هذا النوع كاف في فهم ~~المقصود كما تقدم في قوله تعالى : { المص كتاب أنزل إليك } ( الأعراف : 1 ، ~~2 ) . | # والمجروران في قوله : { من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم } في موضع الخبر ~~، لأنه المقصود من الفائدة أي : البراءة صدرت من الله ورسوله . | # و { من } ابتدائية ، و { إلى } للانتهاء لما أفاده حرف { من } من معنى ~~الابتداء . والمعنى أن هذه براءة أصدرها الله بواسطة رسوله إبلاغا إلى ~~الذين عاهدتم من المشركين . | # والبراءة الخروج والتفصي مما يتعب ورفع التبعة . ولما كان العهد يوجب على ~~المتعاهدين العمل بما تعاهدوا عليه ويعد الإخلاف بشيء منه غدرا على المخلف ~~، كان الإعلان بفسخ العهد براءة من التبعات التي كانت بحيث تنشأ عن إخلاف ~~العهد ، فلذلك كان لفظ { براءة } هنا مفيدا معنى فسخ العهد ونبذه ليأخذ ms3572 ~~المعاهدون حذرهم . وقد كان العرب ينبذون العهد ويردون الجوار إذا شاءوا ~~تنهية الالتزام بهما ، كما فعل ابن الدغنه في رد جوار أبي بكر عن قريش ، ~~وما فعل عثمان بن مظعون في رد جوار الوليد بن المغيرة إياه قائلا : ( رضيت ~~بجوار ربي ولا أريد أن أستجير غيره ) . وقال تعالى : { وإما تخافن من قوم ~~خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين } ( الأنفال : 58 ) أي ~~: ولا تخنهم لظنك أنهم يخونونك فإذا ظننته فافسخ عهدك معهم . | # ولما كان الجانب ، الذي ابتدأ بإبطال العهد وتنهيته ، هو جانب النبي صلى ~~الله عليه وسلم بإذن من الله ، جعلت هذه البراءة صادرة من الله ، لأنه ~~الآذن بها ، ومن رسوله ، لأنه المباشر لها . وجعل ذلك منهى إلى المعاهدين ~~من المشركين ، لأن المقصود إبلاغ ذلك الفسخ إليهم وإيصاله ليكونوا على ~~بصيرة فلا يكون ذلك الفسخ غدرا . | # والخطاب في قوله : { عاهدتم } للمؤمنين . فهذه البراءة مأمورون بإنفاذها ~~. | # واعلم أن العهد بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين المشركين كان قد انعقد ~~على صور مختلفة ، فكان بينه وبين أهل مكة ومن ظاهرهم عهد الحديبية : ~~PageV10P103 أن لا يصد أحد عن البيت إذا جاء ، وأن لا يخاف أحد في الشهر ~~الحرام ، وقد كان معظم قبائل العرب داخلا في عقد قريش الواقع في الحديبية ؛ ~~لأن قريشا كانوا يومئذ زعماء جميع العرب ، ولذلك كان من شروط الصلح يومئذ : ~~أن من أحب أن يدخل في عهد محمد دخل فيه ، ومن أحب أن يدخل في عهد قريش دخل ~~فيه ، وكان من شروط الصلح وضع الحرب عن الناس سنين يأمن فيها الناس ويكف ~~بعضهم عن بعض ، فالذين عاهدوا المسلمين من المشركين معروفون عند الناس يوم ~~نزول الآية . وهذا العهد ، وإن كان لفائدة المسلمين على المشركين ، فقد كان ~~عديله لازما لفائدة المشركين على المسلمين ، حين صار البيت بيد المسلمين ~~بعد فتح مكة ، فزال ما زال منه بعد فتح مكة وإسلام قريش وبعض أحلافهم . | # وكان بين المسلمين وبعض قبائل المشركين عهود ؛ كما أشارت إليه سورة ~~النساء ( 90 ) في قوله ms3573 تعالى : { إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ~~ميثاق الآية ، وكما أشارت إليه هذه السورة ( 4 ) في قوله تعالى : إلا الذين ~~عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا الآية . | # وبعض هذه العهود كان لغير أجل معين ، وبعضها كان لأجل قد انقضى ، وبعضها ~~لم ينقض أجله . فقد كان صلح الحديبية مؤجلا إلى عشر سنين في بعض الأقوال ~~وقيل : إلى أربع سنين ، وقيل : إلى سنتين . وقد كان عهد الحديبية في ذي ~~القعدة سنة ست ، فيكون قد انقضت مدته على بعض الأقوال ، ولم تنقض على بعضها ~~، حين نزول هذه الآية . وكانوا يحسبون أنه على حكم الاستمرار ، وكان بعض ~~تلك العهود مؤجلا إلى أجل لم يتم ، ولكن المشركين خفروا بالعهد في ممالاة ~~بعض المشركين غير العاهدين ، وفي إلحاق الأذى بالمسلمين ، فقد ذكر أنه لما ~~وقعت غزوة تبوك أرجف المنافقون أن المسلمين غلبوا فنقض كثير من المشركين ~~العهد ، وممن نقض العهد بعض خزاعة ، وبنو مدلج ، وبنو خزيمة أو جذيمة ، كما ~~دل عليه قوله تعالى : ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا } ( ~~التوبة : 4 ) فأعلن الله لهؤلاء هذه البراءة ليأخذوا حذرهم ، وفي ذلك تضييق ~~عليهم إن داموا على الشرك ، لأن الأرض صارت لأهل الإسلام كما دل عليه قوله ~~تعالى بعد : { فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي ~~الله } ( التوبة : 3 ) . | PageV10P104 # وإنما جعلت البراءة شأنا من شؤون الله ورسوله ، وأسند العهد إلى ضمير ~~المسلمين : للإشارة إلى أن العهود التي عقدها النبي صلى الله عليه وسلم ~~لازمة للمسلمين وهي بمنزلة ما عقدوه بأنفسهم ، لأن عهود النبي عليه الصلاة ~~والسلام إنما كانت لمصلحة المسلمين ، في وقت عدم استجماع قوتهم ، وأزمان ~~كانت بقية قوة للمشركين ، وإلا فإن أهل الشرك ما كانوا يستحقون من الله ~~ورسوله توسعة ولا عهدا لأن مصلحة الدين تكون أقوم إذا شدد المسلمون على ~~أعدائه ، فالآن لما كانت مصلحة الدين متمحضة في نبذ العهد الذي عاهده ~~المسلمون المشركين أذن الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالبراءة من ذلك ~~العهد ، فلا تبعة على ms3574 المسلمين في نبذه ، وإن كان العهد قد عقده النبي صلى ~~الله عليه وسلم ليعلموا أن ذلك توسعة على المسلمين ، على نحو ما جزى من ~~المحاورة بين عمر بن الخطاب وبين النبي صلى الله عليه وسلم يوم صلح ~~الحديبية ، وعلى نحو ما قال الله تعالى في ثبات الواحد من المسلمين لاثنين ~~من المشركين ، على أن في الكلام احتباكا ، لما هو معروف من أن المسلمين لا ~~يعملون عملا إلا عن أمر من الله ورسوله ، فصار الكلام في قوة براءة من الله ~~ورسوله ومنكم ، إلى الذين عاهد الله ورسوله وعاهدتم . فالقبائل التي كان ~~لها عهد مع المسلمين حين نزول هذه السورة قد جمعها كلها الموصول في قوله : ~~{ إلى الذين عاهدتم من المشركين } . فالتعريف بالموصولية هنا ، لأنها أخصر ~~طريق للتعبير عن المقصود ، مع الإشارة إلى أن هذه البراءة براءة من العهد ، ~~ثم بين بعضها بقوله : { إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا } ~~( التوبة : 4 ) الآية . | # | 2 ( 2 ) { فسيحوا فى الارض أربعة أشهر واعلمو ا أنكم غير معجزي الله ~~وأن الله مخزى الكافرين } ) 2 # | $ # الفاء للتفريع على معنى البراءة ، لأنها لما أمر الله بالإذان بها كانت ~~إعلاما للمشركين ، الذين هم المقصود من نقض العهد الذي كان بينهم وبين ~~المسلمين ، فضمير الخطاب في فعل الأمر معلوم منه أنهم الموجه إليهم الكلام ~~وذلك التفات . فالتقدير : فليسيحوا في الأرض ونكتة هذا الالتفات إبلاغ ~~الإنذار إليهم مباشرة . | # ويجوز تقدير قول محذوف مفرع على البراءة من عهودهم ، أي فقل لهم : سيحوا ~~في الأرض أربعة أشهر . | PageV10P105 # والسياحة حقيقتها السير في الأرض . ولما كان الأمر بهذا السير مفرعا على ~~البراءة من العهد ، ومقررا لحرمة الأشهر الحرام ، علم أن المراد السير بأمن ~~دون خوف في أي مكان من الأرض ، وليس هو سيرهم في أرض قومهم ، دل على ذلك ~~إطلاق السياحة وإطلاق الأرض ، فكان المعنى : فسيحوا آمنين حيثما شئتم من ~~الأرض . | # وهذا تأجيل خاص بعد البراءة كان ابتداؤه من شوال وقت نزول براءة ، ~~ونهايته نهاية محرم في آخر الأشهر الحرم المتوالية ، وهي ms3575 : ذو القعدة وذو ~~الحجة والمحرم . وهذا قول الجمهور قال ابن إسحاق : وأجل الناس أربعة أشهر ~~من يوم أذن فيهم ليرجع كل قوم إلى مأمنهم وقال بعضهم : هي أربعة أشهر ~~تبتدىء من عاشر ذي الحجة وتنتهي في عاشر ربيع الآخر ، فيكون قوله : { فإذا ~~انسلخ الأشهر الحرم } ( التوبة : 5 ) ( أي من ذلك العام ) تنهية لذلك الأجل ~~روعي فيها المدة الكافية لرجوع الناس إلى بلادهم ، وذلك نهاية المحرم . | # وقيل : الأشهر الأربعة هي المعروفة عندهم في جميع قبائل العرب وهي ذو ~~القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب ، أي فلم يبق للمشركين أمن إلا في الأشهر ~~الحرم وعلى هذا فليس في الآية تأجيل خاص لتأمينهم ، ولكنه التأمين المقرر ~~للأشهر الحرم فيكون المعنى : البراءة من العهد الذي بينهم فيما زاد على ~~الأمن المقرر للأشهر الحرم . وحكى السهيلي في ( الروض الأنف ) أنه قيل إنه ~~أراد بانسلاخ الأشهر الحرم ذا الحجة والمحرم من ذلك العام ، وأنه جعل ذلك ~~أجلا لمن لا عهد له من المشركين ومن كان له عهد جعل له عهد جعل له أربعة ~~أشهر أولها يوم النحر من ذلك العام . | # وفي هذا الأمر إيذان بفرض القتال في غير الأشهر الحرم ، وبأن ما دون تلك ~~الأشهر حرب بين المسلمين والمشركين ، وسيقع التصريح بذلك . | # { واعلمو ا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزى الكافرين } . | # عطف على { فسيحوا } داخل في حكم التفريع ، لأنه لما أنبأهم بالأمان في ~~أربعة الأشهر عقبه بالتخويف من بأس الله احتراسا من تطرق الغرور ، وتهديدا ~~بأن لا PageV10P106 يطمئنوا من أن يسلط الله المسلمين عليهم في غير الأشهر ~~الحرم ، وإن قبعوا في ديارهم . | # وافتتاح الكلام ب { واعلموا } للتنبيه على أنه مما يحق وعيه ، والتدبر ~~فيه ، كقوله : { واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه في سورة الأنفال ( ~~24 ) ، وقد تقدم التنبيه عليه . | # والمعجز اسم فاعل ، من أعجز فلانا إذا جعله عاجزا عن عمل ما ، فلذلك كان ~~بمعنى الغالب والفائت ، الخارج عن قدرة أحد ، فالمعنى : أنكم غير خارجين عن ~~قدرة الله ، ولكنه أمنكم وإذا شاء أوقعكم في الخوف والبأس ms3576 . | # وعطف قوله : وأن الله مخزي الكافرين } على قوله : { أنكم غير معجزي الله ~~} فهو داخل في عمل { واعلموا } فمقصود منه وعيه والعلم به كما تقدم آنفا . ~~| # وكان ذكر { الكافرين } إخراجا على خلاف مقتضى الظاهر : لأن مقتضى الظاهر ~~أن يقول : وإن الله مخزيكم ، ووجه تخريجه على الإظهار الدلالة على سبيبة ~~الكفر في الخزي . | # والإخزاء : الإذلال . والخزي بكسر الخاء الذل والهوان ، أي مقدر للكافرين ~~الإذلال : بالقتل ، والأسر ، وعذاب الآخرة ، ما داموا متلبسين بوصف الكفر . ~~| # | 2 ( 3 ) { وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الاكبر أن الله برى ~~ء من المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلمو ا أنكم غير ~~معجزى الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم } . ) 2 # | $ # عطف على جملة { براءة من الله ورسوله } ( التوبة : 1 ) وموقع لفظ { أذان ~~} كموقع لفظ { براءة } ( التوبة : 1 ) في التقدير ، وهذا إعلام للمشركين ~~الذين لهم عهد بأن عهدهم انتقض . | # والأذان اسم مصدر آذنه ، إذا أعلمه بإعلان ، مثل العطاء بمعنى الإعطاء ، ~~والأمان بمعنى الإيمان ، فهو بمعنى الإيذان . | PageV10P107 # وإضافة الأذان إلى الله ورسوله دون المسلمين ، لأنه تشريع وحكم في مصالح ~~الأمة ، فلا يكون إلا من الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم وهذا أمر ~~للمسلمين بأن يأذنوا المشركين بهذه البراءة ، لئلا يكونوا غادرين ، كما قال ~~تعالى : { وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب ~~الخائنين } ( الأنفال : 58 ) . والمراد بالناس جميع الناس من مؤمنين ~~ومشركين لأن العلم بهذا النداء يهم الناس كلهم . | # ويوم الحج الأكبر : قيل هو يوم عرفة ، لأنه يوم مجتمع الناس في صعيد واحد ~~، وهذا يروى عن عمر ، وعثمان ، وابن عباس ، وطاووس ، ومجاهد ، وابن سيرين . ~~وهو قول أبي حنيفة ، والشافعي ، وفي الحديث : ( الحج عرفة ) . | # وقيل : هو يوم النحر ، لأن الناس كانوا في يوم موقف عرفة مفترقين إذ كانت ~~الحمس يقفون بالمزدلفة ، ويقف بقية الناس بعرفة ، وكانوا جميعا يحضرون منى ~~يوم النحر ، فكان ذلك الاجتماع الأكبر ، ونسب ابن عطية هذا التعليل إلى ~~منذر بن سعيد ، وهذا قول علي ، وابن ms3577 عمر ، وابن مسعود ، والمغيرة بن شعبة ، ~~وابن عباس أيضا ، وابن أبي أوفى ، والزهري ، ورواه ابن وهب عن مالك ، قال ~~مالك : لا نشك أن يوم الحج الأكبر يوم النحر لأنه اليوم الذي ترمى فيه ~~الجمرة ، وينحر فيه الهدي ، وينقضي فيه الحج ، من أدرك ليلة النحر فوقف ~~بعرفة قبل الفجر أدرك الحج . | # وأقول : إن يوم عرفة يوم شغل بعبادة من وقوف بالموقف ومن سماع الخطبة . ~~فأما يوم منى فيوم عيدهم . | # و { الأكبر } بالجر نعت للحج ، باعتبار تجزئته إلى أعمال ، فوصف الأعظم ~~من تلك الأعمال بالأكبر ، ويظهر من اختلافهم في المراد من الحج الأكبر أن ~~هذا اللفظ لم يكن معروفا قبل نزول هذه الآية فمن ثم اختلف السلف في المراد ~~منه . | # وهذا الكلام إنشاء لهذا الأذان ، موقتا بيوم الحج الأكبر ، فيؤول إلى ~~معنى الأمر ، إذ المعنى آذنوا الناس يوم الحج الأكبر بأن الله ورسوله ~~بريئان من المشركين . | PageV10P108 # والمراد ب { الناس } جميع الناس الذين ضمهم الموسم ، ومن يبلغه ذلك منهم ~~: مؤمنهم ومشركهم ، لأن هذا الأذان مما يجب أن يعلمه المسلم والمشرك ، إذ ~~كان حكمه يلزم الفريقين . | # وقوله : { أن الله بريء من المشركين } يتعلق ب { أذان } بحذف حرف الجر ~~وهو باء التعدية أي إعلام بهذه البراءة المتقدمة في قوله : { براءة من الله ~~ورسوله } ( التوبة : 1 ) فإعادتها هنا لأن هذا الإعلام للمشركين المعاهدين ~~وغيرهم ، تقريرا لعدم غدر المسلمين ، والآية المتقدمة إعلام للمسلمين . | # وجاء التصريح بفعل البراءة مرة ثانية دون إضمار ولا اختصار بأن يقال : ~~وأذان إلى الناس بذلك ، أو بها ، أو بالبراءة ، لأن المقام مقام بيان ~~وإطناب لأجل اختلاف أفهام السامعين فيما يسمعونه ، ففيهم الذكي والغبي ، ~~ففي الإطناب والإيضاح قطع لمعاذيرهم واستقصاء في الإبلاغ لهم . | # وعطف { ورسوله } بالرفع ، عند القراء كلهم : لأنه من عطف الجملة ، لأن ~~السامع يعلم من الرفع أن تقديره : ورسوله بريء من المشركين ، ففي هذا الرفع ~~معنى بليغ من الإيضاح للمعنى مع الإيجاز في اللفظ ، وهذه نكتة قرآنية بليغة ~~، وقد اهتدى بها ضابىء بن الحارث في قوله : | # ومن يك أمسى بالمدينة رحله | # فإني ms3578 وقيار بها لغريب | # برفع ( قيار ) لأنه أراد أن يجعل غربة جمله المسمى ( قيارا ) غربة أخرى ~~غير تابعة لغربته . | # ومما يجب التنبيه له : ما في بعض التفاسير أنه روى عن الحسن قراءة { ~~ورسوله } بالجر ولم يصح نسبتها إلى الحسن ، وكيف يتصور جر { ورسوله } ولا ~~عامل بمقتضي جره ، ولكنها ذات قصة طريفة : أن أعرابيا سمع رجلا قرأ { أن ~~الله بريء من المشركين ورسوله } بجر ورسوله فقال الأعرابي : إن كان الله ~~بريئا من رسوله فأنا منه بريء . وإنما أراد التورك على القارىء ، فلببه ~~الرجل إلى عمر ، فحكى الأعرابي قراءته فعندها أمر عمر بتعلم العربية ، وروي ~~أيضا أن أبا الأسود الدؤلي سمع ذلك فرفع PageV10P109 الأمر إلى علي . فكان ~~ذلك سبب وضع النحو ، وقد ذكرت هذه القصة في بعض كتب النحو في ذكر سبب وضع ~~علم النحو . | # وهذا الأذان قد وقع في الحجة التي حجها أبو بكر بالناس ، إذ ألحق رسول ~~الله عليه الصلاة والسلام علي بن أبي طالب بأبي بكر ، موافيا الموسم ليؤذن ~~ببراءة ، فأذن بها علي يوم النحر بمنى ، من أولها إلى ثلاثين أو أربعين آية ~~منها ، كذا ثبت في الصحيح والسنن بطرق مختلفة يزيد بعضها على بعض . ولعل ~~قوله : ( أو أربعين آية ) شك من الراوي ، فما ورد في رواية النسائي ، أي عن ~~جابر : أن عليا قرأ على الناس براءة حتى ختمها ، فلعل معناه حتى ختم ما نزل ~~منها مما يتعلق بالبراءة من المشركين ، لأن سورة براءة لم يتم نزولها يومئذ ~~، فقد ثبت أن آخر آية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم هي آخر آية من ~~سورة براءة . | # وإنما ألحق النبي عليه الصلاة والسلام علي بن أبي طالب بأبي بكر الصديق ، ~~لأنه قيل لرسول الله إن العرب لا يرون أن ينقض أحد عهده مع من عاهده إلا ~~بنسفه أو برسول من ذي قرابة نسبه ، فأراد النبي عليه الصلاة والسلام أن لا ~~يترك للمشركين عذرا في علمهم بنبذ العهد الذي بينه وبينهم . | # وروي : أن عليا بعث أبا هريرة يطوف في منازل قبائل العرب ms3579 من منى ، يصيح ~~بآيات براءة حتى صحل صوته . وكان المشركون إذا سمعوا ذلك يقولون لعلي ( ~~سترون بعد الأربعة الأشهر فإنه لا عهد بيننا وبين ابن عمك إلا الطعن والضرب ~~) . | # التفريع على جملة : { أن الله بريء من المشركين } ، فيتفرع على ذلك ~~حالتان : حالة التوبة ، وحالة التولي . | PageV10P110 # والخطاب للمشركين الذين أوذنوا بالبراءة ، والمعنى : فإن آمنتم فالإيمان ~~خير لكم من العهد الذي كنتم عليه ، لأن الإيمان فيه النجاة في الدنيا ~~والآخرة ، والعهد فيه نجاة الدنيا لا غير . والمراد بالتولي : الإعراض عن ~~الإيمان . وأريد بفعل { توليتم } معنى الاستمرار ، أي : إن دمتم على الشرك ~~فاعلموا أنكم غير مفلتين من قدرة الله ، أي اعلموا أنكم قد وقعتم في مكنة ~~الله ، وأوشكتم على العذاب . | # وجملة : { وبشر الذين كفروا بعذاب أليم } معطوفة على جملة : { وأذن من ~~الله ورسوله } لما تتضمنه تلك الجملة من معنى الأمر ، فكأنه قيل : فآذنوا ~~الناس ببراءة الله ورسوله من المشركين ، وبأن من تاب منهم فقد نجا ومن أعرض ~~فقد أوشك على العذاب ، ثم قال : وبشر المعرضين المشركين بعذاب أليم . | # و ( البشارة ) أصلها الإخبار بما فيه مسرة ، وقد استعيرت هنا للإنذار ، ~~وهو الإخبار بما يسوء ، على طريقة التهكم ، كما تقدم في قوله تعالى : { ~~فبشرهم بعذاب أليم في سورة آل عمران ( 21 ) . | # والعذاب الأليم : هو عذاب القتل ، والأسر ، والسبي ، وفيء الأموال ، كما ~~قال تعالى : وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين } ( ~~التوبة : 26 ) فإن تعذيبهم يوم حنين بعضه بالقتل ، وبعضه بالأسر والسبي ~~وغنم الأموال ، أي : أنذر المشركين بأنك مقاتلهم وغالبهم بعد انقضاء الأشهر ~~الحرم ، كما يدل عليه قوله : { فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين ~~حيث وجدتموهم } ( التوبة : 5 ) الآية . | # | 2 ( 4 ) { إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم ~~يظاهروا عليكم أحدا فأتمو ا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين } . ~~) 2 # | $ # استثناء من المشركين في قوله : { أن الله بريء من المشركين } ( التوبة : ~~3 ) ، ومن { الذين كفروا } في قوله : { وبشر الذين كفروا بعذاب أليم } ( ~~التوبة : 3 ) لأن شأن الاستثناء إذا ms3580 ورد عقب جمل أن PageV10P111 يرجع إلى ~~ما تحتويه جميعها مما يصلح لذلك الاستثناء ، فهو استثناء لهؤلاء : من حكم ~~نقض العهد ، ومن حكم الإنذار بالقتال ، المترتبب على النقض ، فهذا الفريق ~~من المشركين باقون على حرمة عهدهم وعلى السلم معهم . | # والموصول هنا يعم كل من تحققت فيه الصلة ، وقد بين مدلول الاستثناء قوله ~~: { فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم } . | # وحرف ( ثم ) في قوله : { ثم لم ينقصوكم شيئا } للتراخي الرتبي ، لأن عدم ~~الإخلال بأقل شيء مما عاهدوا عليه أهم من الوفاء بالأمور العظيمة مما ~~عاهدوا عليه ، لأن عدم الإخلال بأقل شيء نادر الحصول . | # والنقص لشيء إزالة بعضه ، والمراد : أنهم لم يفرطوا في شيء مما عاهدوا ~~عليه . وفي هذا العطف إيذان بالتنويه بهذا الانتفاء لأن ( ثم ) إذا عطفت ~~الجمل أفادت معنى التراخي في الرتبة ، أي بعد مرتبة المعطوف من مرتبة ~~المعطوف عليه ، بعد كمال وارتفاع شأن . فإن من كمال العهد الحفاظ على ~~الوفاء به . | # وهؤلاء هم الذين احتفظوا بعهدهم مع المسلمين ، ووفوا به على أتم وجه ، ~~فلم يكيدوا المسلمين بكيد ، ولا ظاهروا عليهم عدوا سرا ، فهؤلاء أمر ~~المسلمون أن لا ينقضوا عهدهم إلى المدة التي عوهدوا عليها . ومن هؤلاء : ~~بنو ضمره ، وحيان من بني كنانة : هم بنو جذيمة ، وبنو الديل . ولا شك أنهم ~~ممن دخلوا في عهد الحديبية . | # وقد علم من هذا : أن الذين أمر الله بالبراءة من عهدهم هم ضد أولئك ، وهم ~~قوم نقصوا مما عاهدوا عليه ، أي كادوا ، وغدروا سرا ، أو ظاهروا العدو ~~بالمدد والجوسسة . | # ومن هؤلاء : قريظة أمدوا المشركين غير مرة ، وبنو بكر ، عدوا على خزاعة ~~أحلاف المسلمين كما تقدم فعبر عن فعلهم ذلك بالنقصص لأنهم لم ينقضوا العهد ~~علنا ، ولا أبطلوه ، ولكنهم أخلوا به ، مما استطاعوا أن يكيدوا ويمكروا ، ~~ولأنهم نقضوا بعض ما عاهدوا عليه . | PageV10P112 # وذكر كلمة { شيئا } للمبالغة في نفي الانتقاص ، لأن كلمة ( شيء ) نكرة ~~عامة ، فإذا وقعت في سياق النفي أفادت انتفاء كل ما يصدق عليه أنه موجود ، ~~كما تقدم في قوله تعالى : { وقالت اليهود ليست النصارى على شيء ms3581 في سورة ~~البقرة ( 113 ) . | # والمظاهرة : المعاونة ، يجوز أن يكون فعلها مشتقا من الاسم الجامد وهو ~~الظهر ، أي صلب الإنسان أو البعير ، لأن الظهر به قوة الإنسان في المشي ~~والتغلب ، وبه قوة البعير في الرحلة والحمل ، يقال : بعير ظهير ، أي قوي ~~على الرحلة ، مثل المعين لأحد على عمل بحال من يعطيه ظهره يحمل عليه ، ~~فكأنه يعيره ظهره ويعيره الآخر ظهره ، فمن ثم جاءت صيغة المفاعلة ، ومثله ~~المعاضدة مشتقة من العضد ، والمساعدة من الساعد ، والتأييد من اليد ، ~~والمكاتفة مشتقة من الكتف ، وكلها أعضاء العمل . | # ويجوز أن يكون فعله مشتقا من الظهور ، وهو مصدر ضد الخفاء ، لأن المرء ~~إذا انتصر على غيره ظهر حاله للناس ، فمثل بالشيء الذي ظهر بعد خفاء ، ~~ولذلك يعدى بحرف ( على ) للاستعلاء المجازي ، قال تعالى : وإن تظاهرا عليه ~~} ( التحريم : 4 ) وقال { كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة ~~} ( التوبة : 8 ) وقال { ليظهره على الدين كله } ( الفتح : 28 ) وقال { ~~والملائكة بعد ذلك ظهير } ( التحريم : 4 ) أي معين . | # والفاء في قوله : { فأتموا } تفريع على ما أفاده استثناء قوله : { إلا ~~الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا } إلخ ، وهو أنهم لا تشملهم ~~البراءة من العهد . | # والمدة : الأجل ، مشتقة من المد لأن الأجل مد في زمن العمل ، أي تطويل ، ~~ولذلك يقولون : ماد القوم غيرهم ، إذا أجلوا الحرب إلى أمد ، وإضافة المدة ~~إلى ضمير المعاهدين لأنها منعقدة معهم ، فإضافتها إليهم كإضافتها إلى ~~المسلمين ، ولكن رجح هنا جانبهم ، لأن انتفاعهم بالأجل أصبح أكثر من انتفاع ~~المسلمين به ، إذ صار المسلمون أقوى منهم ، وأقدر على حربهم . | # وجملة : { إن الله يحب المتقين } تذييل في معنى التعليل للأمر بإتمام ~~العهد إلى الأجل بأن ذلك من التقوى ، أي من امتثال الشرع الذي أمر الله به ~~، لأن الإخبار بمحبة الله المتقين عقب الأمر كناية عن كون المأمور به من ~~التقوى . | PageV10P113 # ثم إن قبائل العرب كلها رغبت في الإسلام فأسلموا في تلك المدة فانتهت ~~حرمة الأشهر الحرم في حكم الإسلام . | # | 2 ( 5 ) { فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا ms3582 المشركين حيث وجدتموهم ~~وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلواة وءاتوا ~~الزكواة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم } . ) 2 # تفريع على قوله : { فسيحوا في الأرض أربعة أشهر } ( التوبة : 2 ) فإن كان ~~المراد في الآية المعطوفف عليها بالأربعة الأشهر أربعة تبتدىء من وقت نزول ~~براءة كان قوله : { فإذا انسلخ الأشهر الحرم } تفريعا مرادا منه زيادة قيد ~~على قيد الظرف من قول : { أربعة أشهر } ( التوبة : 2 ) أي : فإذا انتهى أجل ~~الأربعة الأشهر وانسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين إلخ لانتهاء الإذن ~~الذي في قوله : { فسيحوا في الأرض أربعة أشهر } ( التوبة : 2 ) ، وإن كانت ~~الأربعة الأشهر مرادا بها الأشهر الحرم كان قوله : { فإذا انسلخ الأشهر ~~الحرم } تصريحا بمفهوم الإذن بالأمن أربعة أشهر ، المقتضي أنه لا أمن بعد ~~انقضاء الأربعة الأشهر ، فهو على حد قوله تعالى : { وإذا حللتم فاصطادوا } ~~( المائدة : 2 ) ، بعد قوله { غير محلي الصيد وأنتم حرم } ( المائدة : 1 ) ~~فيكون تأجيلا لهم إلى انقضاء شهر المحرم من سنة عشر ، ثم تحذيرا من خرق ~~حرمة شهر رجب ، وكذلك يستمر الحال في كل عام إلى نسخ تأمين الأشهر الحرم ~~كما سيأتي عند قوله تعالى : { منها أربعة حرم . . . فلا تظلموا فيهن أنفسكم ~~} ( التوبة : 36 ) . | # وانسلاخ الأشهر انقضاؤها وتمامها وهو مطاوع سلخ . وهو في الأصل استعارة ~~من سلخ جلد الحيوان ، أي إزالته . ثم شاع هذا الإطلاق حتى صار حقيقة . | # والحرم جمع حرام وهو سماعي لأن فعلا بضم الفاء والعين إنما ينقاس في ~~الاسم الرباعي ذي مد زائد . وحرام صفة . وقال الرضي في باب الجمع من ( شرح ~~الشافية ) إن جموع التكسير أكثرها محتاج إلى السماع ، وقد تقدم عند قوله ~~تعالى : { الشهر الحرام بالشهر الحرام في سورة البقرة ( 194 ) . وهي ذو ~~القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب . | PageV10P114 # وانسلاخها انقضاء المدة المتتابعة منها ، وقد بقيت حرمتها ما بقي من ~~المشركين قبيلة ، لمصلحة الفريقين ، فلما آمن جميع العرب بطل حكم حرمة ~~الأشهر الحرم ، لأن حرمة المحارم الإسلامية أغنت عنها . | # والأمر في فاقتلوا المشركين } للإذن والإباحة باعتبار كل واحد من ~~المأمورات ms3583 على حدة ، أي فقد أذن لكل في قتلهم ، وفي أخذهم ، وفي حصارهم ، ~~وفي منعهم من المرور بالأرض التي تحت حكم الإسلام ، وقد يعرض الوجوب إذا ~~ظهرت مصلحة عظيمة ، ومن صور الوجوب ما يأتي في قوله : { وإن نكثوا أيمانهم ~~من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر } ( التوبة : 12 ) ~~والمقصود هنا : أن حرمة العهد قد زالت . | # وفي هذه الآية شرع الجهاد والإذن فيه والإشارة إلى أنهم لا يقبل منهم غير ~~الإسلام . وهذه الآية نسخت آيات الموادعة والمعاهدة . وقد عمت الآية جميع ~~المشركين وعمت البقاع إلا ما خصصته الأدلة من الكتاب والسنة . | # والأخذ : الأسر . | # والحصر : المنع من دخول أرض الإسلام إلا بإذن من المسلمين . | # والقعود مجاز في الثبات في المكان ، والملازمة له ، لأن القعود ثبوت شديد ~~وطويل . | # فمعنى القعود في الآية المرابطة في مظان تطرق العدو المشركين إلى بلاد ~~الإسلام ، وفي مظان وجود جيش العدو وعدته . | # والمرصد مكان الرصد . والرصد : المراقبة وتتبع النظر . | # و { كل } مستعملة في تعميم المراصد المظنون مرورهم بها ، تحذيرا للمسلمين ~~من إضاعتهم الحراسة في المراصد فيأتيهم العدو منها ، أو من التفريط في بعض ~~ممار العدو فينطلق الأعداء آمنين فيستخفوا بالمسلمين ويتسامع جماعات ~~المشركين أن المسلمين ليسوا بذوي بأس ولا يقظة ، فيؤول معنى { كل } هنا إلى ~~معنى الكثرة للتنبيه على الاجتهاد في استقصاء المراصد كقول النابغة : | # بها كل ذيال وخنساء ترعوي | # إلى كل رجاف من الرمل فارد | PageV10P115 # وانتصب { كل مرصد } إما على المفعول به بتضمين { اقعدوا } معنى ( الزموا ~~) كقوله تعالى : { لأقعدن لهم صراطك المستقيم } ( الأعراف : 16 ) ، وإما ~~على التشبيه بالظرف لأنه من حق فعل القعود أن يتعدى إليه ب ( في ) الظرفية ~~فشبه بالظرف وحذفت ( في ) للتوسع . | # وتقدم ذكر ( كل ) عند قوله تعالى : { وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها في ~~سورة الأنعام ( 25 ) . | # تفريع على الأفعال المتقدمة في قوله : { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ~~وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم } . | # والتوبة عن الشرك هي الإيمان ، أي فإن آمنوا إيمانا صادقا ، بأن أقاموا ~~الصلاة الدالة إقامتها على أن صاحبها لم يكن كاذبا ms3584 في إيمانه ، وبأن آتوا ~~الزكاة الدال إيتاؤها على أنهم مؤمنون حقا ، لأن بذل المال للمسلمين أمارة ~~صدق النية فيما بذل فيه فإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة شرط في كف القتال عنهم ~~إذا آمنوا ، وليس في هذا دلالة على أن الصلاة والزكاة جزء من الإيمان . | # وحقيقة { خلوا سبيلهم } اتركوا طريقهم الذي يمرون به ، أي اتركوا لهم كل ~~طريق أمرتم برصدهم فيه أي اتركوهم يسيرون مجتازين أو قادمين عليكم ، إذ لا ~~بأس عليكم منهم في الحالتين ، فإنهم صاروا إخوانكم ، كما قال في الآية ~~الآتية { فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين } ( ~~التوبة : 11 ) . | # وهذا المركب مستعمل هنا تمثيلا في عدم الإضرار بهم ومتاركتهم ، يقال : خل ~~سبيلي ، أي دعني وشأني ، كما قال جرير : | # خل السبيل لمن يبني المنار به | # وأبرز ببرزة حيث اضطرك القدر | PageV10P116 # وهو مقابل للتمثيل الذي في قوله : { واقعدوا لهم كل مرصد } . | # وجملة : { إن الله غفور رحيم } تذييل أريد به حث المسلمين على عدم التعرض ~~بالسوء للذين يسلمون من المشركين ، وعدمم مؤاخذتهم لما فرط منهم ، فالمعنى ~~اغفروا لهم ، لأن الله غفر لهم وهو غفور رحيم ، أو اقتدوا بفعل الله إذ غفر ~~لهم ما فرط منهم كما تعلمون فكونوا أنتم بتلك المثابة في الإغضاء عما مضى . ~~| # | 2 ( 6 ) { وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم ~~أبلغه مأمنه ذالك بأنهم قوم لا يعلمون } . ) 2 # عطف على جملة : { فإن تابوا } ( التوبة : 5 ) لتفصيل مفهوم الشرط ، أو ~~عطف على جملة { فاقتلوا المشركين } ( التوبة : 5 ) لتخصيص عمومه ، أي إلا ~~مشركا استجارك لمصلحة للسفارة عن قومه أو لمعرفة شرائع الإسلام . وصيغ ~~الكلام بطريقة الشرط لتأكيد حكم الجواب ، وللإشارة إلى أن الشأن أن تقع ~~الرغبة في الجوار من جانب المشركين . | # وجيء بحرف { إن } التي شأنها أن يكون شرطها نادر الوقوع للتنبيه على أن ~~هذا شرط فرضي ؛ لكيلا يزعم المشركون أنهم لم يتمكنوا من لقاء النبي صلى ~~الله عليه وسلم فيتخذوه عذرا للاستمرار على الشرك إذا غزاهم المسلمون . | # ووقع في ( تفسير الفخر ) أنه نقل ms3585 عن ابن عباس قال : إن رجلا من المشركين ~~قال لعلي بن أبي طالب : أردنا أن نأتي الرسول بعد انقضاء هذا الأجل لسماع ~~كلام الله أو لحاجة أخرى فهل نقتل . فقال علي : لا إن الله تعالى قال : { ~~وإن أحد من المشركين استجارك فأجره } . أي فأمنه حتى يسمع كلام الله ، وهذا ~~لا يعارض ما رأيناه من أن الشرط في قوله تعالى : { وإن أحد من المشركين ~~استجارك } الخ ، شرط فرضي فإنه يقتضي أن مقالة هذا الرجل وقعت بعد نزول ~~الآية على أن هذا المروي لم أقف عليه . | # وجيء بلفظ أحد من المشركين دون لفظ مشرك للتنصيص على عموم الجنس ، لأن ~~النكرة في سياق الشرط مثلها في سياق النفي إذا لم تبن على الفتح احتملت ~~إرادة PageV10P117 عموم الجنس واحتملت بعض الأفراد ، فكان ذكر { أحد } في ~~سياق الشرط تنصيصا على العموم بمنزلة البناء على الفتح في سياق النفي بلا . ~~| # و { أحد } أصله ( واحد ) لأن همزته بدل من الواو ويستعمل بمعنى الجزئي من ~~الناس لأنه واحد ، كما استعمل له ( فرد ) في اصطلاح العلوم ، فمعنى { أحد ~~من المشركين } مشرك . | # وتقديم { أحد } على { استجارك } للاهتمام بالمسند إليه ، ليكون أول ما ~~يقرع السمع فيقع المسند بعد ذلك من نفس السامع موقع التمكن . | # وساغ الابتداء بالنكرة لأن المراد النوع ، أو لأن الشرط بمنزلة النفي في ~~إفادة العموم ، ولا مانع من دخول حرف الشرط على المبتدأ ، لأن وقوع الخبر ~~فعلا مقنع لحرف الشرط في اقتضائه الجملة الفعلية ، فيعلم أن الفاعل مقدم من ~~تأخير لغرض ما . ولذلك شاع عند النحاة أنه فاعل بفعل مقدر ، وإنما هو تقدير ~~اعتبار . ولعل المقصود من التنصيص على إفادة العموم ، ومن تقديم { أحد من ~~المشركين } على الفعل ، تأكيد بذل الأمان لمن يسأله من المشركين إذا كان ~~للقائه النبي صلى الله عليه وسلم ودخوله بلاد الإسلام مصلحة ، ولو كان أحد ~~من القبائل التي خانت العهد ، لئلا تحمل خيانتهم المسلمين على أن يخونوهم ~~أو يغدروا بهم فذلك كقوله تعالى : { ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن ~~المسجد الحرام أن ms3586 تعتدوا } ( المائدة : 2 ) ، وقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم ( ولا تخن من خانك ) . | # والاستجارة : طلب الجوار ، وهو الكون بالقرب ، وقد استعمل مجازا شائعا في ~~الأمن ، لأن المرء لا يستقر بمكان إلا إذا كان آمنا ، فمن ثم سموا المؤمن ~~جارا ، والحليف جارا ، وصار فعل أجار بمعنى أمن ، ولا يطلق بمعنى جعل شخصا ~~جارا له . والمعنى : إن أحد من المشركين استأمنك فأمنه . | # ولم يبين سبب الاستجارة ، لأن ذلك مختلف الغرض وهو موكول إلى مقاصد ~~العقلاء فإنه لا يستجير أحد إلا لغرض صحيح . | # ولما كانت إقامة المشرك المستجير عند النبي عليه الصلاة والسلام لا تخلو ~~من عرض الإسلام عليه وإسماعه القرآن ، سواء كانت استجارته لذلك أم لغرض آخر ~~، PageV10P118 لما هو معروف من شأن النبي صلى الله عليه وسلم من الحرص على ~~هدي الناس ، جعل سماع هذا المستجير القرآن غاية لإقامته الوقتية عند الرسول ~~صلى الله عليه وسلم فدلت هذه الغاية على كلام محذوف إيجازا ، وهو ما تشتمل ~~عليه إقامة المستجير من تفاوض في مهم ، أو طلب الدخول في الإسلام ، أو عرض ~~الإسلام عليه ، فإذا سمع كلام الله فقد تمت أغراض إقامته لأن بعضها من مقصد ~~المستجير وهو حريص على أن يبدأ بها ، وبعضها من مقصد النبي عليه الصلاة ~~والسلام وهو لا يتركه يعود حتى يعيد إرشاده ، ويكون آخر ما يدور معه في آخر ~~أزمان إقامته إسماعه كلام الله تعالى . | # وكلام الله : القرآن ، أضيف إلى اسم الجلالة لأنه كلام أوجده الله ليدل ~~على مراده من الناس وأبلغه إلى الرسول عليه الصلاة والسلام بواسطة الملك ، ~~فلم يكن من تأليف مخلوق ولكن الله أوجده بقدرته بدون صنع أحد ، بخلاف ~~الحديث القدسي . | # ولذلك أعقبه بحرف المهلة { ثم أبلغه مأمنه } للدلالة على وجوب استمرار ~~إجارته في أرض الإسلام إلى أن يبلغ المكان الذي يأمن فيه ، ولو بلغه بعد ~~مدة طويلة فحرف ( ثم ) هنا للتراخي الرتبي اهتماما بإبلاغه مأمنه . | # ومعنى { أبلغه مأمنه } أمهله ولا تهجه حتى يبلغ مأمنه ، فلما كان تأمين ~~النبي عليه الصلاة والسلام إياه سببا في بلوغه ms3587 مأمنه ، جعل التأمين إبلاغا ~~فأمر به النبي عليه الصلاة والسلام ، وهذا يتضمن أمر المسلمين بأن لا ~~يتعرضوا له بسوء حتى يبلغ بلاده التي يأمن فيها . وليس المراد أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم يتكلف ترحيله ويبعث من يبلغه ، فالمعنى : اتركه يبلغ مأمنه ~~، كما يقول العرب لمن يبادر أحد بالكلام قبل إنهاء كلامه : ( أبلعني ريقي ) ~~، أي أمهلني لحظة مقدار ما أبلع ريقي ثم أكلمك ، قال الزمخشري : قلت لبعض ~~أشياخي : ( أبلعني ريقي فقال قد أبلعتك الرافدين ) يعني دجلة والفرات . | # و ( المأمن ) مكان الأمن ، وهو المكان الذي يجد فيه المستجير أمنه السابق ~~، وذلك هو دار قومه حيث لا يستطيع أحد أن يناله بسوء . وقد أضيف المأمن إلى ~~ضمير المشرك PageV10P119 للإشارة إلى أنه مكان الأمن الخاص به ، فيعلم أنه ~~مقره الأصلي ، بخلاف دار الجوار فإنها مأمن عارض لا يضاف إلى المجار . | # وجملة : { ذلك بأنهم قوم لا يعلمون } في موضع التعليل لتأكيد الأمر ~~بالوفاء لهم بالإجارة إلى أن يصلوا ديارهم ، فلذلك فصلت عن الجملة التي ~~قبلها ، أي : أمرنا بذلك بسبب أنهم قوم لا يعلمون ، فالإشارة إلى مضمون ~~جملة : { فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه } أي لا تؤاخذهم في مدة ~~استجارتهم بما سبق من أذاهم لأنهم قوم لا يعلمون وهذه مذمة لهم بأن مثلهم ~~لا يقام له وزن وأوف لهم به إلى أن يصلوا ديارهم لأنهم قوم لا يعلمون ما ~~يحتوي عليه القرآن من الإرشاد والهدى ، فكان اسم الإشارة أصلح طرق التعريف ~~في هذا المقام ، جمعا للمعاني المقصودة ، وأوجزه . | # وفي الكلام تنويه بمعالي أخلاق المسلمين وغض من أخلاق أهل الشرك ، وأن ~~سبب ذلك الغض الإشراك الذي يفسد الأخلاق ، ولذلك جعلوا قوما لا يعلمون دون ~~أن يقال بأنهم لا يعلمون : للإشارة إلى أن نفي العلم مطرد فيهم ، فيشير إلى ~~أن سبب اطراده فيهم هو نشأته عن الفكرة الجامعة لأشتاتهم ، وهي عقيدة ~~الإشراك . | # والعلم ، في كلام العرب ، بمعنى العقل وأصالة الرأي ، وأن عقيدة الشرك ~~مضادة لذلك ، أي كيف يعبد ذو الرأي حجرا صنعه وهو يعلم أنه ms3588 لا يغني عنه . | # | 2 ( 7 ) { كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم ~~عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين } . ~~) 2 # استئناف بياني ، نشأ عن قوله : { براءة من الله ورسوله } ( التوبة : 1 ) ~~ثم عن قوله : { أن الله بريء من المشركين } ( التوبة : 3 ) وعن قوله { ~~فاقتلوا المشركين } ( التوبة : 5 ) التي كانت تدرجا في إبطال ما بينهم وبين ~~المسلمين من عهود سابقة ، لأن ذلك يثير سؤالا في نفوس السامعين من المسلمين ~~PageV10P120 الذين لم يطلعوا على دخيلة الأمر ، فلعل بعض قبائل العرب من ~~المشركين يتعجب من هذه البراءة ، ويسأل عن سببها ، وكيف أنهيت العهود ~~وأعلنت الحرب ، فكان المقام مقام بيان سبب ذلك ، وأنه أمران : بعد ما بين ~~العقائد ، وسبق الغدر . | # والاستفهام ب { كيف } : إنكاري إنكارا لحالة كيان العهد بين المشركين ~~وأهل الإسلام ، أي دوام العهد في المستقبل مع الذين عاهدوهم يوم الحديبية ~~وما بعده ففعل { يكون } مستعمل في معنى الدوام مثل قوله تعالى : { يا أيها ~~الذين آمنوا آمنوا بالله } ( النساء : 136 ) كما دل عليه قوله بعده { فما ~~استقاموا لكم فاستقيموا لهم } . وليس ذلك إنكارا على وقوع العهد ، فإن ~~العهد قد انعقد بإذن من الله ، وسماه الله فتحا في قوله : { إنا فتحنا لك ~~فتحا مبينا } ( الفتح : 1 ) وسمي رضى المؤمنين به يومئذ سكينة في قوله : { ~~هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين } ( الفتح : 4 ) . | # والمعنى : أن الشأن أن لا يكون لكم عهد مع أهل الشرك ، للبون العظيم بين ~~دين التوحيد ودين الشرك ، فكيف يمكن اتفاق أهليهما ، أي فما كان العهد ~~المنعقد معهم إلا أمرا موقتا بمصلحة . ففي وصفهم بالمشركين إيماء إلى علة ~~الإنكار على دوام العهد معهم . | # وهذا يؤيد ما فسرنا به وجه إضافة البراءة إلى الله ورسوله ، وإسناد العهد ~~إلى ضمير المسلمين ، في قوله تعالى : { براءة من الله ورسوله إلى الذين ~~عاهدتم } ( التوبة : 1 ) . | # ومعنى { عند } الاستقرار المجازي ، بمعنى الدوام أي إنما هو عهد موقت ، ~~وقد كانت قريش نكثوا عهدهم الذي عاهدوه يوم الحديبية ، إذ ms3589 أعانوا بني بكر ~~بالسلاح والرجال على خزاعة ، وكانت خزاعة داخلة في عهد النبي صلى الله عليه ~~وسلم وكان ذلك سبب التجهيز لغزوة فتح مكة . | # واستثناء { إلا الذين عاهدتم } ، من معنى النفي الذي استعمل فيه ~~الاستفهام ب { كيف يكون للمشركين عهد } ، أي لا يكون عهد المشركين إلا ~~المشركين الذين عاهدتم عند المسجد الحرام . | # والذين عاهدوهم عند المسجد الحرام : هم بنو ضمرة ، وبنو جذيمة بن الديل ، ~~من كنانة ؛ وبنو بكر من كنانة . | PageV10P121 # فالموصول هنا للعهد ، وهم أخص من الذين مضى فيهم قوله : { إلا الذين ~~عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا } ( التوبة : 4 ) . | # والمقصود من تخصيصهم بالذكر : التنويه بخصلة وفائهم بما عاهدوا عليه ~~ويتعين أن يكون هؤلاء عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم في عمرة القضاء عند ~~المسجد الحرام ، ودخلوا في الصلح الذي عقده مع قريش بخصوصهم ، زيادة على ~~دخولهم في الصلح الأعم ، ولم ينقضوا عهدهم ، ولا ظاهروا عدوا على المسلمين ~~، إلى وقت نزول براءة . على أن معاهدتهم عند المسجد الحرام أبعد عن مظنة ~~النكث لأن المعاهدة عنده أوقع في نفوس المشركين من الحلف المجرد ، كما قال ~~تعالى : { إنهم لا أيمان لهم } ( التوبة : 12 ) . | # وليس المراد كل من عاهد عند المسجد الحرام كما قد يتوهمه المتوهم ، لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن مأذونا بأن يعاهد فريقا آخر منهم . | # وقوله : { فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم } تفريع على الاستثناء . ~~فالتقدير : إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فاستقيموا لهم ما استقاموا ~~لكم ، أي ما داموا مستقيمين لكم . والظاهر أن استثناء هؤلاء ؛ لأن لعهدهم ~~حرمة زائدة لوقوعه عند المسجد الحرام حول الكعبة . | # و { ما } ظرفية مضمنة معنى الشرط ، والفاء الداخلة على فاء التفريع . ~~والفاء الواقعة في قوله : { فاستقيموا لهم } فاء جواب الشرط ، وأصل ذلك أن ~~الظرف والمجرور إذا قدم على متعلقه قد يشرب معنى الشرط فتدخل الفاء في ~~جوابه ، ومنه قوله تعالى : { وفي ذلك فليتنافس المتنافسون } ( المطففين : ~~26 ) لوجوب جعل الفاء غير تفريعية ، لأنه قد سبقها العطف بالواو ، وقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم ms3590 ( كما تكونوا يول عليكم ) بجزم الفعلين ، وقوله ~~لمن سأله أن يجاهد وسأله الرسول ( ألك أبوان ) قال : نعم قال : ( ففيهما ~~فجاهد ) في روايته بفاءين . | # والاستقامة : حقيقتها عدم الاعوجاج ، والسين والتاء للمبالغة مثل استجاب ~~واستحب ، وإذا قام الشيء انطلقت قامته ولم يكن فيه اعوجاج ، وهي هنا ~~مستعارة PageV10P122 لحسن المعاملة وترك القتال ، لأن سوء المعاملة يطلق ~~عليه الالتواء والاعوجاج ، فكذلك يطلق على ضده الاستقامة . | # وجملة : { إن الله يحب المتقين } تعليل للأمر بالاستقامة . وموقع { إن } ~~أولها ، للاهتمام وهو مؤذن بالتعليل لأن { إن } في مثل هذا تغني غناء فاء ، ~~وقد أنبأ ذلك ، التعليل ، أن الاستقامة لهم من التقوى وإلا لم تكن مناسبة ~~للإخبار بأن الله يحب المتقين . عقب الأمر بالاستقامة لهم ، وهذا من ~~الإيجاز . ولأن في الاستقامة لهم حفظا للعهد الذي هو من قبيل اليمين . | # | 2 ( 8 ) { كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم ~~بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون } . ) 2 # و { كيف } هذه مؤكدة ل { كيف } ( التوبة : 7 ) التي في الآية قبلها ، فهي ~~معترضة بين الجملتين وجملة : { وإن يظهروا عليكم } إلخ يجوز أن تكون جملة ~~حالية ، والواو للحال ويجوز أن يكون معطوفة على جملة { كيف يكون للمشركين ~~عهد } ( التوبة : 7 ) إخبارا عن دخائلهم . | # وفي إعادة الاستفهام إشعار بأن جملة الحال لها مزيد تعلق بتوجه الإنكار ~~على دوام العهد للمشركين ، حتى كأنها مستقلة بالإنكار ، لا مجرد قيد للأمر ~~الذي توجه إليه الإنكار ابتداء ، فيؤول المعنى الحاصل من هذا النظم إلى ~~إنكار دوام العهد مع المشركين في ذاته ، ابتداء ، لأنهم ليسوا أهلا لذلك ، ~~وإلى إنكار دوامه بالخصوص في هذه الحالة . وهي حالة ما يبطنونه من نية ~~الغدر إن ظهروا على المسلمين ، مما قامت عليه القرائن والأمارات ، كما فعلت ~~هوازن عقب فتح مكة . فجملة : { وإن يظهروا عليكم } معطوفة على جملة { كيف ~~يكون للمشركين عهد } ( التوبة : 7 ) . | # وضمير { يظهروا } عائد إلى المشركين في قوله : { كيف يكون للمشركين عهد ~~عند الله } ( التوبة : 7 ) ومعنى { وإن يظهروا } إن ينتصروا . وتقدم بيان ~~هذا الفعل آنفا عند قوله تعالى ms3591 : { ولم يظاهروا عليكم أحدا } ( التوبة : 4 ~~) . والمعنى : لو انتصر المشركون ، بعد ضعفهم ، وبعد أن جربوا من العهد ~~معكم أنه كان سببا في قوتكم ، لنقضوا العهد . وضمير { عليكم } خطاب ~~للمؤمنين . | PageV10P123 # ومعنى { لا يرقبوا } لا يوفوا ولا يراعوا ، يقال : رقب الشيء ، إذا نظر ~~إليه نظر تعهد ومراعاة ، ومنه سمي الرقيب ، وسمي المرقب مكان الحراسة ، وقد ~~أطلق هنا على المراعاة والوفاء بالعهد ، لأن من أبطل العمل بشيء فكأنه لم ~~يره وصرف نظره عنه . | # والإل : الحلف والعهد ؛ ويطلق الإل على النسب والقرابة . وقد كانت بين ~~المشركين وبين المسلمين أنساب وقرابات ، فيصح أن يراد هنا كلا معنييه . | # والذمة ما يمت به من الأواصر من صحبة وخلة وجوار مما يجب في المروءة أن ~~يحفظ ويحمى ، يقال : في ذمتي كذا ، أي ألتزم به وأحفظه . | # استئناف ابتدائي ، أي هم يقولون لكم ما يرضيكم ، كيدا ولو تمكنوا منكم لم ~~يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة . من يسمع كلاما فيأباه . | # والإباية : الامتناع من شيء مطلوب وإسناد الإباية إلى القلوب استعارة ، ~~فقلوبهم لما نوت الغدر شبهت بمن يطلب منه شيء فيأبى . | # وجملة : { وأكثرهم فاسقون } في موضع الحال من واو الجماعة في { يرضونكم } ~~مقصود منها الذم بأن أكثرهم موصوف ، مع ذلك ، بالخروج عن مهيع المروءة ~~والرجلة ، إذ نجد أكثرهم خالعين زمام الحياة ، فجمعوا المذمة الدينية ~~والمذمة العرفية . فالفسق هنا الخروج عن الكمال العرفي بين الناس ، وليس ~~المراد الخروج عن مهيع الدين لأن ذلك وصف لجميعهم لا لأكثرهم ، ولأنه قد ~~عرف من وصفهم بالكفر . | # | PageV10P124 # | 2 ( 9 ) { اشتروا بئايات الله ثمنا قليلا فصدوا عن سبيله إنهم سآء ما ~~كانوا يعملون } . ) 2 # موقع هذه الجملة موقع الاستئناف الابتدائي المشعر استئنافه بعجيب حالهم ~~فيصد استقلاله بالإخبار . وهذه الآية وصف القرآن فيها المشركين بمثل ما وصف ~~به أهل الكتاب في سورة البقرة : من الاشتراء بآيات الله ثمنا قليلا ، ثم لم ~~يوصفوا بمثل هذا في آية أخرى نزلت بعدها لأن نزولها كان في آخر عهد ~~المشركين بالشرك إذ لم تطل مدة حتى دخلوا في دين الله أفواجا ، سنة الوفود ms3592 ~~وما بعدها ، وفيها دلالة على هؤلاء الذين بقوا على الشرك من العرب ، بعد ~~فتح مكة وظهور الإسلام على معظم بلاد العرب ، ليس لهم افتراء في صحة ~~الإسلام ونهوض حجته ، ولكنه بقوا على الشرك لمنافع يجتنونها من عوائد قومهم ~~: من غارات يشنها بعضهم على بعض ، ومحبة الأحوالل الجاهلية من خمر وميسر ~~وزنى ، وغير ذلك من المذمات واللذات الفائدة ، وذلك شيء قليل ( آثروه على ~~الهدى والنجاة في الآخرة . فلكون آيات صدق القرآن أصبحت ثابتة عندهم جعلت ~~مثل مال بأيديهم ، بذلوه وفرطوا فيه لأجل اقتناء منافع قليلة ، فلذلك مثل ~~حالهم بحال من اشترى شيئا بشيء ، وقد مضى الكلام على مثل هذه الآية في سورة ~~البقرة ( 16 ) . | # والمراد ب ( الآيات ) الدلائل ، وهي دلائل الدعوة إلى الإسلام ، وأعظمها ~~القرآن لما اشتمل عليه من البراهين والحجاج والإعجاز والباء في قوله : { ~~بآيات الله } باء التعويض . وشأنها أن تدخل على ما هو عوض يبذله مالكه لأخذ ~~معوض يملكه غيره ، فجعلت آيات الله كالشيء المملوك لهم لأنها تقررت دلالتها ~~عندهم ثم أعرضوا عنها واستبدلوها باتباع هواهم . | # والتعبير عن العوض المشترى باسم ثمن الذي شأنه أن يكون مبذولا لا مقتنى ~~جار على طريق الاستعارة تشبيها لمنافع أهوائهم بالثمن المبذول فحصل من فعل ~~{ اشتروا } ومن لفظ { ثمنا } استعارتان باعتبارين . | PageV10P125 # وجملة : { فصدوا عن سبيله } مفرعة على جملة { اشتروا بآيات الله } لأن ~~إيثارهم البقاء على كفرهم يتسبب عليه أن يصدوا الناس عن اتباع الإسلام ، ~~فمثل حالهم بحال من يصد الناس عن السير في طريق تبلغ إلى المقصود . | # ومفعول { صدوا } محذوف لقصد العموم ، أي : صدوا كل قاصد . | # وجملة : { إنهم ساء ما كانوا يعملون } ابتدائية أيضا ، فصلت عن التي ~~قبلها ليظهر استقلالها بالإخبار ، وأنها لا ينبغي أن تعطف في الكلام ، إذ ~~العطف يجعل الجملة المعطوفة بمنزلة التكملة للمعطوفة عليها . | # وافتتحت بحرف التأكيد للاهتمام بهذا الذم لهم . | # و { ساء } من أفعال الذم ، من باب بئس ، و { ما كانوا يعملون } مخصوص ~~بالذم . | # وعبر عن عملهم ب { كانوا يعملون } للإشارة إلى أنه دأب لهم ومتكرر منهم . ~~| # | 2 ( 10 ms3593 ) { لا يرقبون فى مؤمن إلا ولا ذمة وأولائك هم المعتدون } . ) 2 # يجوز أن تكون هذه الجملة بدل اشتمال من جملة : { إنهم ساء ما كانوا ~~يعملون } ( التوبة : 9 ) لأن انتفاء مراعاة الإل والذمة مع المؤمنين مما ~~يشتمل عليه سوء عملهم ، ويجوز أن تكون استئنافا ابتدىء به للاهتمام بمضمون ~~الجملة . وقد أفادت معنى أعم وأوسع مما أفاده قوله : { وإن يظهروا عليكم لا ~~يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة } ( التوبة : 8 ) لأن إطلاق الحكم عن التقييد بشرط ~~{ إن يظهروا عليكم } ( التوبة : 8 ) يفيد أن عدم مراعاتهم حق الحلف والعهد ~~خلق متأصل فيهم ، سواء كانوا أقوياء أم مستضعفين ، وإن ذلك لسوء طويتهم ~~للمؤمنين لأجل إيمانهم . والإل والذمة تقدما قريبا . | PageV10P126 # عطف على جملة : { لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة } لمناسبة أن إثبات ~~الاعتداء العظيم لهم ، نشأ عن الحقد ، الشيء الذي أضمروه للمؤمنين ، لا ~~لشيء إلا لأنهم مؤمنون كقوله تعالى : { وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله ~~العزيز الحميد } ( البروج : 8 ) . | # والقصر إما أن يكون للمبالغة في اعتدائهم ، لأنه اعتداء عظيم باطني على ~~قوم حالفوهم وعاهدوهم ، ولم يلحقوا بهم ضر مع تمكنهم منه ، وإما أن يكون ~~قصر قلب ، أي : هم المعتدون لا أنتم لأنهم بدأوكم بنقض العهد في قضية خزاعة ~~وبني الديل من بكر بن وائل مما كان سببا في غزوة الفتح . | # | 2 ( 11 ) { فإن تابوا وأقاموا الصلواة وءااتوا الزكواة فإخوانكم في ~~الدين ونفصل الايات لقوم يعلمون } . ) 2 # تفريع حكم على حكم لتعقيب الشدة باللين إن هم أقلعوا عن عداوة المسلمين ~~بأن دخلوا في الإسلام لقصد محو أثر الحنق عليهم إذا هم أسلموا أعقب به جملة ~~: { إنهم ساء ما كانوا يعملون إلى قوله المعتدون } ( التوبة : 9 ، 10 ) ~~تنبيها لهم على أن تداركهم أمرهم هين عليهم ، وفرع على التوبة أنهم يصيرون ~~إخوانا للمؤمنين . ولما كان المقام هنا لذكر عداوتهم مع المؤمنين جعلت ~~توبتهم سببا للأخوة مع المؤمنين ، بخلاف مقام قوله قبله { فإن تابوا ~~وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم } ( التوبة : 5 ) حيث إن المعقب ~~بالتوبة هنالك هو ms3594 الأمر بقتالهم والترصد لهم ، فناسب أن يفرع على توبتهم ~~عدم التعرض لهم بسوء . وقد حصل من مجموع الآيتين أن توبتهم توجب أمنهم ~~وأخوتهم . | # ومن لطائف الآيتين أن جعلت الأخوة مذكورة ثانيا لأنها أخص الفائدتين من ~~توبتهم ، فكانت هذه الآية مؤكدة لأختها في أصل الحكم . | # وقوله : { فإخوانكم } خبر لمحذوف أي : فهم إخوانكم . وصيغ هذا الخبر ~~بالجملة الاسمية : للدلالة على أن إيمانهم يقتضي ثبات الأخوة ودوامها ، ~~تنبيها على أنهم يعودون كالمؤمنين السابقين من قبل في أصل الأخوة الدينية . ~~| PageV10P127 # والإخوان جمع أخ في الحقيقة والمجاز ، وأطلقت الأخوة هنا على المودة ~~والصداقة . | # والظرفية في قوله : { في الدين } مجازية : تشبيها للملابسة القوية بإحاطة ~~الظرف بالمظروف زيادة في الدلالة على التمكن من الإسلام وأنه يجب ما قبله . ~~| # اعتراض وتذييل ، والواو اعتراضية ، ومناسبة موقعه عقب قوله : { اشتروا ~~بآيات الله ثمنا قليلا } ( التوبة : 9 ) أنه تضمن أنهم لم يهتدوا بآيات ~~الله ونبذوها على علم بصحتها كقوله تعالى : { أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ~~وأضله الله على علم } ( الجاثية : 23 ) ، وباعتبار ما فيه من فرض توبتهم ~~وإيمانهم إذا أقلعوا عن إيثار الفساد على الصلاح ، فكان قوله : { ونفصل ~~الآيات لقوم يعلمون } جامعا للحالين ، دالا على أن الآيات المذكورة آنفا في ~~قوله : { اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا } ( التوبة : 9 ) آيات واضحة مفصلة ~~، وأن عدم اهتداء هؤلاء بها ليس لنقص فيها ولكنها إنما يهتدي بها قوم ~~يعلمون ، فإن آمنوا فقد كانوا من قوم يعلمون . ويفهم منه أنهم إن اشتروا ~~بها ثمنا قليلا فليسوا من قوم يعلمون ، فنزل علمهم حينئذ منزلة عدمه ~~لانعدام أثر العلم ، وهو العمل بالعلم ، وفيه نداء عليهم بمساواتهم لغير ~~أهل العقول كقوله : { وما يعقلها إلا العالمون } ( العنكبوت : 43 ) . | # وحذف مفعول { يعلمون } لتنزيل الفعل منزلة اللازم إذ أريد به : لقوم ذوي ~~علم وعقل . | # وعطف هذا التذييل على جملة : { فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~فإخوانكم في الدين } لأنه به أعلق ، لأنهم إن تابوا فقد صاروا إخوانا ~~للمسلمين ، فصاروا من قوم يعلمون ، إذ ساووا المسلمين في الاهتداء بالآيات ~~المفصلة . | # ومعنى التفصيل تقدم ms3595 في قوله تعالى : { وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل ~~المجرمين من سورة الأنعام ( 55 ) . | # | PageV10P128 # | 2 ( 12 ) وإن نكثو ا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا فى دينكم فقاتلو ا ~~أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون } . ) 2 # | $ # لما استوفى البيان لأصناف المشركين الذين أمر الله بالبراءة من عهدهم ~~بقوله : { أن الله بريء من المشركين إلى قوله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم ~~} ( التوبة : 3 ) وإنما كان ذلك لإبطانهم الغدر ، والذين أمر بإتمام عهدهم ~~إلى مدتهم ما استقاموا على العهد بقوله : { إلا الذين عاهدتم من المشركين ~~ثم لم ينقصوكم } ( التوبة : 4 ) الآيات ، والذين يستجيبون عطف على أولئك ~~بيان الذين يعلنون بنكث العهد ، ويعلنون بما يسخط المسلمين من قولهم ، وهذا ~~حال مضاد لحال قوله : { وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة ~~يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم } ( التوبة : 8 ) . | # والنكث تقدم عند قوله تعالى : { فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه ~~إذا هم ينكثون في الأعراف ( 135 ) . | # وعبر عن نقض العهد بنكث الأيمان تشنيعا للنكث ، لأن العهد كان يقارنه ~~اليمين على الوفاء ولذلك سمي العهد حلفا . | # وزيد قوله : من بعد عهدهم } زيادة في تسجيل شناعة نكثهم : بتذكير أنه غدر ~~لعهد ، وحنث باليمين . | # والطعن حقيقته خرق الجسم بشيء محدد كالرمح ، ويستعمل مجازا بمعنى الثلب . ~~والنسبة إلى النقص ، بتشبيه عرض المرء ، الذي كان ملتئما غير منقوص ، ~~بالجسد السليم . فإذا أظهرت نقائصه بالثلب والشتم شبه بالجلد الذي أفسد ~~التحامه . | # والأمر ، هنا : للوجوب ، وهي حالة من أحوال الإذن المتقدم في قوله تعالى ~~: { فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين } ( التوبة : 5 ) ففي هذه ~~الحالة يجب قتالهم ذبا عن حرمة الدين ، وقمعا لشرهم من قبل أن يتمردوا عليه ~~. | # و { أئمة } جمع إمام ، وهو ما يجعل قدوة في عمل يعمل على مثاله ، أو على ~~مثال عمله ، قال تعالى : { ونجعلهم أئمة } ( القصص : 5 ) أي مقتدى بهم ، ~~وقال لبيد : | # ولكل قوم سنة وإمامها | PageV10P129 # والإمام المثال الذي يصنع على شكله ، أو قدره ، مصنوع ، فأئمة الكفر ، ~~هنا : الذين بلغوا الغاية فيه ، بحيث صاروا قدوة ms3596 لأهل الكفر . | # والمراد بأئمة الكفر : المشركون الذين نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم ، فوضع ~~هذا الاسم موضع الضمير حين لم يقل : فقاتلوهم ، لزيادة التشنيع عليهم ~~ببلوغهم هذه المنزلة من الكفر ، وهي أنهم قدوة لغيرهم ، لأن الذين أضمروا ~~النكث يبقون مترددين بإظهاره ، فإذا ابتدأ بعضهم بإظهار النقض اقتدى بهم ~~الباقون ، فكان الناقضون أئمة للباقين . | # وجملة : { إنهم لا أيمان لهم } تعليل لقتالهم بأنهم استحقوه لأجل ~~استخفافهم بالأيمان التي حلفوها على السلم ، فغدروا ، وفيه بيان للمسلمين ~~كيلا يشرعوا في قتالهم غير مطلعين على حكمة الأمر به ، فيكون قتالهم لمجرد ~~الامتثال لأمر الله ، فلا يكون لهم من الغيظ على المشركين ما يشحذ شدتهم ~~عليهم . | # ونفي الأيمان لهم : نفي للماهية الحق لليمين ، وهي قصد تعظيمه والوفاء به ~~، فلما لم يوفوا بأيمانهم ، نزلت أيمانهم منزلة العدم لفقدان أخص أخواصها ~~وهو العمل بما اقتضته . | # وقرأ نافع ، وابن كثير ، وأبو عمرو ، ورويس عن يعقوب . { أيمة } بتسهيل ~~الهمزة الثانية بين الهمزة والياء . وقرأ البقية : بتحقيق الهمزتين . وقرأ ~~هشام عن عامر ، وأبو جعفر : بمد بين الهمزتين . | # وقرأ الجمهور { لا أيمان لهم } بفتح همزة { أيمان } على أنه جمع يمين . ~~وقرأه ابن عامر بكسر الهمزة ، أي ليسوا بمؤمنين ، ومن لا إيمان له لا عهد ~~له لانتفاء الوازع . | # وعطف { وطعنوا في دينكم } عطف قسيم على قسيمه ، فالواو فيه بمعنى ( أو ) ~~. فإنه إذا حصل أحد هذين الفعلين : الذين هما نكث الأيمان ، والطعن في ~~الدين ، كان حصول أحدهما موجبا لقتالهم ، أي دون مصالحة ، ولا عهد ، ولا ~~هدنة بعد ذلك . | # وذكر طعنهم في دين المسلمين ينبىء بأن ذلك الطعن كان من دأبهم في مدة ~~المعاهدة ، فأريد صدهم عن العود إليه . ولم أقف على أنه كان مشروطا على ~~المشركين PageV10P130 في عقود المصالحة والمعاهدة مع المسلمين أن لا يطعنوا ~~في الإسلام ، في غير هذه الآية ، فكان هذا شرطا عليهم من بعد ، لأن ~~المسلمين أصبحوا في قوة . | # وقوله : { فقاتلوا أئمة الكفر } أمر للوجوب . | # وجملة { لعلهم ينتهون } يجوز أن تكون تعليلا للجملة { فقاتلوا أئمة الكفر ~~} أي قتالهم لرجاء أن ينتهوا ، وظاهر ms3597 أن القتال يفني كثيرا منهم ، ~~فالانتهاء المرجو انتهاء الباقين أحياء بعد أن تضع الحرب أوزارها . | # ولم يذكر متعلق فعل { ينتهون } ولا يحتمل أن يكون الانتهاء عن نكث العهد ~~، لأن عهدهم لا يقبل بعد أن نكثوا لقول الله تعالى : { إنهم لا أيمان لهم } ~~، ولا أن يكون الانتهاء عن الطعن في الدين ، لأنه إن كان طعنهم في ديننا ~~حاصلا في مدة قتالهم فلا جدوى لرجاء انتهائهم عنه ، وإن كان بعد أن تضع ~~الحرب أوزارها فإنه لا يستقيم إذ لا غاية لتنهية القتل بين المسلمين وبينهم ~~، فتعين أن المراد : لعلهم ينتهون عن الكفر . | # ويجوز أن تكون الجملة استئنافا ابتدائيا لا اتصال لها بجملة { وإن نكثوا ~~أيمانهم } الآية ، بل ناشئة عن قوله : { فإن تابوا وأقاموا الصلاة إلى قوله ~~أئمة الكفر } ( التوبة : 5 12 ) . | # والمعنى : المرجو أنهم ينتهون عن الشرك ويسلمون ، وقد تحقق ذلك فإن هذه ~~الآية نزلت بعد فتح مكة ، وبعد حنين ، ولم يقع نكث بعد ذلك ، ودخل المشركون ~~في الإسلام أفواجا في سنة الوفود . | # | 2 ( 13 ) { ألا تقاتلون قوما نكثو ا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم ~~بدءوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين } . ) 2 # | $ # تحذير من التواني في قتالهم عدا ما استثني منهم بعد الأمر بقتلهم ، ~~وأسرهم ، وحصارهم ، وسد مسالك النجدة في وجوههم ، بقوله : { فاقتلوا ~~المشركين حيث وجدتموهم إلى قوله كل مرصد } ( التوبة : 5 ) . وبعد أن أثبتت ~~لهم ثمانية خلال تغري بعدم PageV10P131 الهوادة في قتالهم ، وهي قوله : { ~~كيف يكون للمشركين عهد } ( التوبة : 7 ) وقوله : { كيف وإن يظهروا عليكم } ~~( التوبة : 8 ) وقوله { يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم } ( التوبة : 8 ) ~~وقوله : { وأكثرهم فاسقون } ( التوبة : 8 ) وقوله : { اشتروا بآيات الله ~~ثمنا قليلا } ( التوبة : 9 ) وقوله : { لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة } ( ~~التوبة : 10 ) وقوله : { وأولئك هم المعتدون } ( التوبة : 10 ) وقوله : { ~~إنهم لا أيمان لهم } ( التوبة : 12 ) . | # فكانت جملة { ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم } تحذيرا من التراخي في ~~مبادرتهم بالقتال . | # ولفظ { ألا } يحتمل أن يكون مجموع حرفين : هما همزة الاستفهام ، و ( لا ) ~~النافية ms3598 ، ويحتمل أن يكون حرفا واحدا للتحضيض ، مثل قوله تعالى : { ألا ~~تحبون أن يغفر الله لكم } ( النور : 22 ) . فعلى الاحتمال الأول يجوز أن ~~يكون الاستفهام إنكاريا ، على انتفاء مقاتلة المشركين في المستقبل ، وهو ما ~~ذهب إليه البيضاوي ، فيكون دفعا لأن يتوهم المسلمون حرمة لتلك العهود . ~~ويجوز أن يكون الاستفهام تقريريا ، وهو ظاهر ما حمله عليه صاحب ( الكشاف ) ~~، تقريرا على النفي تنزيلا لهم منزلة من ترك القتال فاستوجب طلب إقراره ~~بتركه ، قال في ( الكشاف ) : ومعناه الحض على القتال على سبيل المبالغة ، ~~وفي ( مغني اللبيب ) أن { ألا التي للاستفهام عن النفي تختص بالدخول على ~~الجملة الاسمية ، وسلمه شارحاه ، ولا يخفى أن كلام الكشاف } ينادي على ~~خلافه . | # وعلى الاحتمال الثاني أن يكون { ألا } حرفا واحدا للتحضيض فهو تحضيض على ~~القتال . وجعل في ( المغني ) هذه الآية مثالا لهذا الاستعمال على طريقة ~~المبالغة في التحذير ولعل موجب هذا التفنن في التحذير من التهاون بقتالهم ~~مع بيان استحقاقهم إياه : أن كثيرا من المسلمين كانوا قد فرحوا بالنصر يوم ~~فتح مكة ومالوا إلى اجتناء ثمرة السلم ، بالإقبال على إصلاح أحوالهم ~~وأموالهم ، فلذلك لما أمروا بقتال هؤلاء المشركين كانوا مظنة التثاقل عنه ~~خشية الهزيمة ، بعد أن فازوا بسمعة النصر ، وفي قوله عقبه { أتخشونهم } ما ~~يزيد هذا وضوحا . | # أما نكثهم أيمانهم فظاهر مما تقدم عند قوله تعالى : { إلا الذين عاهدتم ~~من المشركين } ( التوبة : 4 ) وقوله { إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ~~ينقصوكم } ( التوبة : 4 ) الآية . وذلك نكثهم عهد الحديبية إذ أعانوا بني ~~بكر على خزاعة وكانت خزاعة من جانب عهد المسلمين كما تقدم . | PageV10P132 # وأما همهم بإخراج الرسول فظاهره أنه هم حصل مع نكث أيمانهم وأن المراد ~~إخراج الرسول من المدينة ، أي نفيه عنها لأن إخراجه من مكة أمر قد مضى منذ ~~سنين ، ولأن إلجاءه إلى القتال لا يعرف إطلاق الإخراج عليه فالظاهر أن همهم ~~هذا أضمروه في أنفسهم وعلمه الله تعالى ونبه المسلمين إليه . وهو أنهم لما ~~نكثوا العهد طمعوا في إعادة القتال وتوهموا أنفسهم منصورين وأنهم إن ~~انتصروا ms3599 أخرجوا الرسول عليه الصلاة والسلام من المدينة . | # و ( الهم ) هو العزم على فعل شيء ، سواء فعله أم انصرف عنه . ومؤاخذتهم ~~في هذه الآية على مجرد الهم بإخراج الرسول تدل على أنهم لم يخرجوه ، وإلا ~~لكان الأجدر أن ينعى عليهم الإخراج لا الهم به ، كما في قوله : { إذ أخرجه ~~الذين كفروا } ( التوبة : 40 ) وتدل على أنهم لم يرجعوا عما هموا به إلا ~~لما حيل بينهم وبين تنفيذه ، فعن الحسن : هموا بإخراج الرسول من المدينة ~~حين غزوه في أحد وحين غزوا غزوة الأحزاب ، أي فكفاه الله سوء ما هموا به ، ~~ولا يجوز أن يكون المراد إخراجه من مكة للهجرة لأن ذلك قد حدث قبل انعقاد ~~العهد بينهم وبين المسلمين في الحديبية ، فالوجه عندي : أن المعني بالذين ~~هموا بإخراج الرسول قبائل كانوا معاهدين للمسلمين ، فنكثوا العهد سنة ثمان ~~، يوم فتح مكة ، وهموا بنجدة أهل مكة يوم الفتح ، والغدر بالنبي عليه ~~الصلاة والسلام والمسلمين ، وأن يأتوهم وهم غارون ، فيكونوا هم وقريش ألبا ~~واحدا على المسلمين ، فيخرجون الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين من مكة ~~، ولكن الله صرفهم عن ذلك بعد أن هموا ، وفضح دخيلتهم للنبيء صلى الله عليه ~~وسلم وأمره بقتالهم ونبذ عهدهم في سنة تسع ، ولا ندري أقاتلهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية أم كان إعلان الأمر بقتالهم ( وهم ~~يعلمون أنهم المراد بهذا الأمر ) سببا في إسلامهم وتوبة الله عليهم ، ~~تحقيقا للرجاء الذي في قوله : { لعلهم ينتهون } ( التوبة : 12 ) ولعل بعض ~~هؤلاء كانوا قد أعلنوا الحرب على المسلمين يوم الفتح ناكثين العهد ، وأمدوا ~~قريشا بالعدد ، فلما لم تنشب حرب بين المسلمين والمشركين يومئذ أيسوا من ~~نصرتهم فرجعوا إلى ديارهم ، وأغضى النبي صلى الله عليه وسلم عنهم ، فلم ~~يؤاخذهم بغدرهم ، وبقي على مراعاة ذلك العهد ، فاستمر إلى وقت نزول هذه ~~الآية ، وذلك قوله : { وهم بدوءكم أول مرة } PageV10P133 أي كانوا البادئين ~~بالنكث ، وذلك أن قريشا انتصروا لأحلافهم من كنانة ، فقاتلوا خزاعة أحلاف ~~المسلمين . | # و { أول مرة } نصب على المصدرية . وإضافة { أول ms3600 } إلى { مرة } من إضافة ~~الصفة إلى الموصوف . والتقدير : مرة أولى والمرة الوحدة من حدث يحدث ، ~~فمعنى { بدءوكم أول مرة } بدأوكم أول بدء بالنكث ، أي بدءا أول ؛ فالمرة ~~اسم مبهم للوحدة من فعل ما ، والأغلب أن يفسر إبهامه بالمقام ، كما هنا ، ~~وقد يفسره اللفظ . | # و { أول } اسم تفضيل جاء بصيغة التذكير ، وإن كان موصوفه مؤنثا لفظا ، ~~لأن اسم التفضيل إذا أضيف إلى نكرة يلازم الإفراد والتذكير بدلالة المضاف ~~إليه ويقال : ثاني مرة وثالث مرة . | # والمقصود من هذا الكلام تهديدهم على النكث الذي أضمروه ، وأنه لا تسامح ~~فيه . وعلى كل فالمقصود من إخراج الرسول عليه الصلاة والسلام : إما إخراجه ~~من مكة منهزما بعد أن دخلها ظافرا ، وإما إخراجه من المدينة بعد أن رجع ~~إليها عقب الفتح ، بأن يكونوا قد هموا بغزو المدينة وإخراج الرسول ~~والمسلمين منها وتشتيت جامعة الإسلام . | # وجملة { أتخشونهم } بدل اشتمال من جملة { ألا تقاتلون } فالاستفهام فيها ~~إنكار أو تقرير على سبب التردد في قتالهم ، فالتقدير : أينتفي قتالكم إياهم ~~لخشيكم إياهم ، وهذا زيادة في التحريض على قتالهم . | # وفرع على هذا التقرير جملة { فالله أحق أن تخشوه } أي فالله الذي أمركم ~~بقتالهم أحق أن تخشوه إذا خطر في نفوسكم خاطر عدم الامتثال لأمره ، إن كنتم ~~مؤمنين ، لأن الإيمان يقتضي الخشية من الله وعدم التردد في نجاح الامتثال ~~له . | # وجيء بالشرط المتعلق بالمستقبل ، مع أنه لا شك فيه ، لقصد إثارة همتهم ~~الدينية فيبرهنوا على أنهم مؤمنون حقا يقدمون خشية الله على خشية الناس . | # | PageV10P134 # | 2 ( 14 ، 15 ) { قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ~~ويشف صدور قوم مؤمنين * ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشآء والله ~~عليم حكيم } . ) 2 # استئناف ابتدائي للعود من غرض التحذير ، إلى صريح الأمر بقتالهم الذي في ~~قوله : { فقاتلوا أئمة الكفر } ( التوبة : 12 ) وشأن مثل هذا العود في ~~الكلام أن يكون باستئناف كما وقع هنا . | # وجزم { يعذبهم } وما عطف عليه في جواب الأمر . وفي جعله جوابا وجزاء أن ~~الله ضمن للمسلمين من تلك المقاتلة خمس فوائد تنحل إلى ms3601 اثنتي عشرة إذ تشتمل ~~كل فائدة منها على كرامة للمؤمنين وإهانة لهؤلاء المشركين وروعي في كل ~~فائدة منها الغرض الأهم فصرح به وجعل ما عداه حاصلا بطريق الكناية . | # الفائدة الأولى تعذيب المشركين بأيدي المسلمين وهذه إهانة للمشركين ~~وكرامة للمسلمين . | # الثانية : خزي المشركين وهو يستلزم عزة المسلمين . | # الثالثة : نصر المسلمين ، وهذه كرامة صريحة لهم وتستلزم هزيمة المشركين ~~وهي إهانة لهم . | # الرابعة : شفاء صدور فريق من المؤمنين ، وهذه صريحة في شفاء صدور طائفة ~~من المؤمنين وهم خزاعة ، وتستلزم شفاء صدور المؤمنين كلهم ، وتستلزم حرج ~~صدور أعدائهم فهذه ثلاث فوائد في فائدة . | # الخامسة : إذهاب غيظ قلوب فريق من المؤمنين أو المؤمنين كلهم ، وهذه ~~تستلزم ذهاب غيظ بقية المؤمنين الذي تحملوه من إغاظة أحلامهم وتستلزم غيظ ~~قلوب أعدائهم ، فهذه ثلاث فوائد في فائدة . | # والتعذيب تعذيب القتل والجراحة . وأسند التعذيب إلى الله وجعلت أيدي ~~المسلمين آلة له تشريفا للمسلمين . | # والإخزاء : الإذلال ، وتقدم في البقرة . وهو هنا الإذلال بالأسر . | ~~PageV10P135 # والنصر حصول عاقبة القتال المرجوة . وتقدم في أول البقرة . | # والشفاء : زوال المرض ومعالجة زواله . أطلق هنا استعارة لإزالة ما في ~~النفوس من تعب الغيظ والحقد ، كما استعير ضده وهو المرض لما في النفوس من ~~الخواطر الفاسدة في قوله تعالى : { في قلوبهم مرض } ( البقرة : 10 ) قال ~~قيس بن زهير : | # شفيت النفس من حمل بنن يدر | # وسيفي من حذيفة قد شفاني | # وإضافة ال { صدور } إلى { قوم مؤمنين } دون ضمير المخاطبين يدل على أن ~~الذين يشفي الله صدورهم بنصر المؤمنين طائفة من المؤمنين المخاطبين بالقتال ~~، وهم أقوام كانت في قلوبهم إحن على بعض المشركين الذين آذوهم وأعانوا ~~عليهم ، ولكنهم كانوا محافظين على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فلا ~~يستطيعون مجازاتهم على سوء صنيعهم ، وكانوا يودون أن يؤذن لهم بقتالهم ، ~~فلما أمر الله بنقض عهود المشركين سروا بذلك وفرحوا ، فهؤلاء فريق تغاير ~~حالته حالة الفريق المخاطبين بالتحريض على القتال والتحذير من التهاون فيه ~~. فعن مجاهد ، والسدي أن القوم المؤمنين هم خزاعة حلفاء النبي صلى الله ~~عليه وسلم وكانت نفوس خزاعة ms3602 إحن على بني بكر بن كنانة ، الذين اعتدوا عليهم ~~بالقتال ، وفي ذكر هذا الفريق زيادة تحريض على القتال بزيادة ذكر فوائده ، ~~وبمقارنة حال الراغبين فيه بحال المحرضين عليه ، الملحوح عليهم الأمر ~~بالقتال . | # وعطف فعل { ويذهب غيظ قلوبهم } على فعل { ويشف صدور قوم مؤمنين } ، يؤذن ~~باختلاف المعطوف والمعطوف عليه ، ويكفي في الاختلاف بينهما اختلاف ~~المفهومين والحالين ، فيكون ذهاب غيظ القلوب مساويا لشفاء الصدور ، فيحصل ~~تأكيد الجملة الأولى بالجملة الثانية ، مع بيان متعلق الشفاء ويجوز أن يكون ~~الاختلاف بالماصدق مع اختلاف المفهوم ، فيكون المراد بشفاء الصدور ما يحصل ~~من المسرة والانشراح بالنصر ، والمراد بذهاب الغيظ استراحتهم من تعب الغيظ ~~، وتحرق الحقد . وضمير قلوبهم عائد إلى قوم مؤمنين فهم موعودون بالأمرين : ~~شفاء صدورهم من عدوهم ، وذهاب غيظ قلوبهم على نكث الذين نكثوا عهدهم . | # والغيظ : الغضب المشوب بإرادة الانتقام ، وتقدم في قوله تعالى : { عضوا ~~عليكم الأنامل من الغيظ في سورة آل عمران ( 119 ) . | PageV10P136 # جملة ابتدائية مستأنفة ، لأنه ابتداء كلام ليس مما يترتب على الأمر ~~بالقتال ، بل لذكر من لم يقتلوا ، ولذلك جاء الفعل فيها مرفوعا ، فدل هذا ~~النظم على أنها راجعة إلى قوم آخرين ، وهم المشركون الذين خانوا وغدروا ، ~~ولم يقتلوا ، بل أسلموا من قبل هذا الأمر أو بعده . وتوبة الله عليهم : هي ~~قبول إسلامهم أو دخولهم فيه ، وفي هذا إعذار وإمهال لمن تأخر . وإنما لم ~~تفصل الجملة : للإشارة إلى أن مضمونها من بقية أحوال المشركين ، فناسب ~~انتظامها مع ما قبلها . فقد تاب الله على أبي سفيان ، وعكرمة بن أبي جهل ، ~~وسليم بن أبي عمرو ( ذكر هذا الثالث القرطبي ولم أقف على اسمه في الصحابة ) ~~. | # والتذييل بجملة { والله عليم حكيم } لإفادة أن الله يعامل الناس بما يعلم ~~من نياتهم ، وأنه حكيم لا يأمر إلا بما فيه تحقيق الحكمة ، فوجب على الناس ~~امتثال أوامره ، وأنه يقبل توبة من تاب إليه تكثيرا للصلاح . | # | 2 ( 16 ) { أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم ~~يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة والله ms3603 خبير بما تعملون } ~~. ) 2 # { أم } منقطعة لإفادة الإضراب عن غرض من الكلام للانتقال إلى غرض آخر . | # والكلام بعد { أم } المنقطعة له حكم الاستفهام دائما ، فقوله : { حسبتم } ~~في قوة ( أحسبتم ) والاستفهام المقدر إنكاري . | # والخطاب للمسلمين ، على تفاوت مراتبهم في مدة إسلامهم ، فشمل المنافقين ~~لأنهم أظهروا الإسلام . | PageV10P137 # وحسبتم : ظننتم . ومصدر حسب ، بمعنى ظن الحسبان بكسر الحاء فأما مصدر حسب ~~بمعنى أحصى العدد فهو بضم الحاء . | # والترك افتقاد الشيء وتعهده ، أي : أن يترككم الله ، فحذف فاعل الترك ~~لظهوره . | # ولا بد لفعل الترك من تعليقه بمتعلق : من حال أو مجرور ، يدل على الحالة ~~التي يفارق فيها التارك متروكه ، كقوله تعالى : { أحسب الناس أن يتركوا أن ~~يقولوا آمنا وهم لا يفتنون } ( العنكبوت : 2 ) ومثل قول عنترة : | # فتركته جزر السباع ينشنه | # وقول كبشة بنت معد يكرب ، على لسان شقيقها عبد الله حين قتلته بنو مازن ~~بن زبيد في بلد صعدة من بلاد اليمن : | # وأترك في بيتت بصعدة مظلم | # وحذف متعلق { تتركوا } في الآية : لدلالة السياق عليه ، أي أن تتركوا دون ~~جهاد ، أي أن تتركوا في دعة بعد فتح مكة . | # والمعنى : كيف تحسبون أن تتركوا ، أي لا تحسبوا أن تتركوا دون جهاد ~~لأعداء الله ورسوله . | # وجملة { ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم } إلخ في موضع الحال من ضمير { ~~تتركوا } أي لا تظنوا أن تتركوا في حال عدم تعلق علم الله بوقوع ابتدار ~~المجاهدين للجهاد ، وحصول تثاقل من تثاقلوا ، وحصول ترك الجهاد من التاركين ~~. | # و { لما } حرف للنفي ، وهي أخت ( لم ) . وقد تقدم بيانها ، والفرق بينها ~~وبين ( لم ) عند قوله تعالى : { ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم } ( ~~البقرة : 214 ) وقوله تعالى : { ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم ~~الصابرين في سورة آل عمران } ( 142 ) . | # ومعنى علم الله بالذين جاهدوا : علمه بوقوع ذلك منهم وحصول امتثالهم ، ~~وهو من تعلق العلم الإلاهي بالأمور الواقعة ، وهو أخص من علمه تعالى الأزلي ~~بأن الشيء يقع أو لا يقع ، ويجدر أن يوصف بالتعلق التنجيزي وقد تقدم شيء من ~~ذلك عند قوله تعالى ms3604 : { ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم في سورة آل عمران ~~( 142 ) . | PageV10P138 # و ( الوليجة ) فعيلة بمعنى مفعولة ، أي الدخيلة ، وهي الفعلة التي يخفيها ~~فاعلها ، فكأنه يولجها ، أي يدخلها في مكمن بحيث لا تظهر ، والمراد بها هنا ~~: ما يشمل الخديعة وإغراء العدو بالمسلمين ، وما يشمل اتخاذ أولياء من ~~أعداء الإسلام يخلص إليهم ويفضى إليهم بسر المسلمين ، لأن تنكير وليجة } في ~~سياق النفي يعم سائر أفرادها . | # و { من دون الله } متعلق ب { وليجة } في موضع الحال المبينة . | # و { من } ابتدائية ، أي وليجة كائنة في حالة تشبيه المكان الذي هو مبدأ ~~للبعد من الله ورسوله والمؤمنين . | # وجملة { والله خبير بما تعملون } تذييل لإنكار ذلك الحسبان ، أي : لا ~~تحسبوا ذلك مع علمكم بأن الله خبير بكل ما تعملونه . | # | 2 ( 17 ) { ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شهدين على أنفسهم ~~بالكفر أولائك حبطت أعمالهم وفى النار هم خالدون } . ) 2 # هذا ابتداء غرض من أغراض معاملة المشركين ، وهو منع المشركين من دخول ~~المسجد الحرام في العام القابل ، وهو مرتبط بما تضمنته البراءة في قوله : { ~~براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين } ( التوبة : 1 ) ولما ~~اتصل بتلك الآية من بيان النبي صلى الله عليه وسلم الذي أرسل به مع أبي بكر ~~الصديق : أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان . وهو توطئة ~~لقوله : { يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام ~~بعد عامهم هذا } ( التوبة : 28 ) . | # وتركيب ( ما كان لهم أن يفعلوا ) يدل على أنهم بعداء من ذلك ، كما تقدم ~~عند قوله تعالى : { ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوءة في ~~سورة آل عمران ( 79 ) ، أي ليسوا بأهل لأن يعمروا مساجد الله بما تعمر به ~~من العبادات . | PageV10P139 # ومساجد الله } مواضع عبادته بالسجود والركوع : المراد المسجد الحرام وما ~~يتبعه من المسعى ، وعرفة ، والمشعر الحرام ، والجمرات ، والمنحر من منى . | # وعمر المساجد : العبادة فيها لأنها إنما وضعت للعبادة ، فعمرها بمن يحل ~~فيها من المتعبدين ، ومن ذلك اشتقت العمرة ، والمعنى : ما يحق ms3605 للمشركين أن ~~يعبدوا الله في مساجد الله . وإناطة هذا النفي بهم بوصف كونهم مشركين : ~~إيماء إلى أن الشرك موجب لحرمانهم من عمارة مساجد الله . | # وقد جاء الحال في قوله : { شاهدين على أنفسهم بالكفر } مبينا لسبب ~~براءتهم من أن يعمروا مساجد الله ، وهو حال من ضمير { يعمروا } فبين عامل ~~الضمير وهو { يعمروا } الداخل في حكم الانتفاء ، أي : انتفى تأهلهم لأن ~~يعمروا مساجد الله بحال شهادتهم على أنفسهم بالكفر ، فكان لهذه الحال مزيد ~~اختصاص بهذا الحرمان الخاص من عمارة مساجد الله ، وهو الحرمان الذي لا ~~استحقاق بعده . | # والمراد بالكفر : الكفر بالله ، أي بوحدانيته ، فالكفر مرادف للشرك ، ~~فالكفر في حد ذاته موجب للحرمان من عمارة أصحابه مساجد الله ، لأنها مساجد ~~الله فلا حق لغير الله فيها ، ثم هي قد أقيمت لعبادة الله لا لغيره ، وأقام ~~إبراهيم عليه السلام أول مسجد وهو الكعبة عنوانا على التوحيد ، وإعلانا به ~~، كما تقدم في قوله تعالى : { إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا في ~~سورة آل عمران ( 96 ) ، فهذه أول درجة من الحرمان . ثم كون كفرهم حاصلا ~~باعترافهم به موجب لانتفاء أقل حظ من هذه العمارة ، وللبراءة من استحقاقها ~~، وهذه درجة ثانية من الحرمان . | # وشهادتهم على أنفسهم بالكفر حاصلة في كثير من أقوالهم وأعمالهم ، بحيث لا ~~يستطيعون إنكار ذلك ، مثل قولهم في التلبية لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو ~~لك تملكه وما ملك ، ومثل سجودهم للأصنام ، وطوافهم بها ، ووضعهم إياها في ~~جوف الكعبة وحولها وعلى سطحها . | # وقرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، ويعقوب : بإفراد مسجد الله } أي المسجد ~~الحرام وهو المقصود ، أو التعريف بالإضافة للجنس . وقرأ الباقون : { مساجد ~~الله } ، فيعم المسجد الحرام وما عددناه معه آنفا . | PageV10P140 # وجملة { أولئك حبطت أعمالهم } ابتداء ذم لهم ، وجيء باسم الإشارة لأنهم ~~قد تميزوا بوصف الشهادة على أنفسهم بالكفر كما في قوله : { أولئك على هدى ~~من ربهم } ( البقرة : 5 ) بعد قوله : { هدى للمتقين } ( البقرة : 2 ) الآية ~~. | # و { حبطت } بطلت ، وقد تقدم في قوله تعالى : { ومن يرتدد منكم عن دينه ~~فيمت وهو ms3606 كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة في سورة البقرة ( 217 ~~) . | # وتقديم في النار } على { خالدون } للرعاية على الفاصلة ويحصل منه تعجيل ~~المساءة للكفار إذا سمعوه . | # | 2 ( 18 ) { إنما يعمر مساجد الله من ءامن بالله واليوم الاخر وأقام ~~الصلواة وءاتى الزكواة ولم يخش إلا الله فعسى أولائك أن يكونوا من المهتدين ~~} . ) 2 # موقع جملة { إنما يعمر مساجد الله } الاستئناف البياني ، لأن جملة : { ما ~~كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله } ( التوبة : 17 ) لما اقتضت إقصاء ~~المشركين عن العبادة في المساجد كانت بحيث تثير سؤالا في نفوس السامعين أن ~~يتطلبوا من هم الأحقاء بأن يعمروا المساجد ، فكانت هذه الجملة مفيدة جواب ~~هذا السائل . | # ومجيء صيغة القصر فيها مؤذن بأن المقصود إقصاء فرق أخرى عن أن يعمروا ~~مساجد الله ، غير المشركين الذين كان إقصاؤهم بالصريح ، فتعين أن يكون ~~المراد من الموصول وصلته خصوص المسلمين ، لأن مجموع الصفات المذكورة في ~~الصلة لا يثبت لغيرهم ، فاليهود والنصارى آمنوا بالله واليوم الآخر لكنهم ~~لم يقيموا الصلاة ولم يؤتوا الزكاة ، لأن المقصود بالصلاة والزكاة ~~العبادتان المعهودتان بهذين الاسمين والمفروضتان في الإسلام ، ألا ترى إلى ~~قوله تعالى : { قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين } ( المدثر : ~~43 ، 44 ) كناية عن أن لم يكونوا مسلمين . | # واستغني عن ذكر الإيمان برسوله محمد صلى الله عليه وسلم بما يدل عليه من ~~آثار شريعته : وهو الإيمان باليوم الآخر ، وإقام الصلاة : وإيتاء الزكاة . ~~| PageV10P141 # وقصر خشيتهم على التعلق بجانب الله تعالى بصيغة القصر ليس المراد منه ~~أنهم لا يخافون شيئا غير الله فإنهم قد يخافون الأسد ويخافون العدو ، ولكن ~~معناه إذا تردد الحال بين خشيتهم الله وخشيتهم غيره قدموا خشية الله على ~~خشية غيره كقوله آنفا { أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه } ( التوبة : 13 ) ، ~~فالقصر إضافي باعتبار تعارض خشيتين . | # وهذا من خصائص المؤمنين : فأما المشركون فهم يخشون شركاءهم وينتهكون ~~حرمات الله لإرضاء شركائهم ، وأما أهل الكتاب فيخشون الناس ويعصون الله ~~بتحريف كلمه ومجاراة أهواء العامة ، وقد ذكرهم الله بقوله : { فلا تخشوا ~~الناس واخشون } ( المائدة ms3607 : 44 ) . | # وفرع على وصف المسلمين بتلك الصفات رجاء أن يكونوا من المهتدين ، أي من ~~الفريق الموصوف بالمهتدين وهو الفريق الذي الاهتداء خلق لهم في هذه الأعمال ~~وفي غيرها . ووجه هذا الرجاء أنهم لما أتوا بما هو اهتداء لا محالة قوي ~~الأمل في أن يستقروا على ذلك ويصير خلقا لهم فيكونوا من أهله ، ولذلك قال : ~~{ أن يكونوا من المهتدين } ولم يقل أن يكونوا مهتدين . | # وفي هذا حث على الاستزادة من هذا الاهتداء وتحذير من الغرور والاعتماد ~~على بعض العمل الصالح باعتقاد أن بعض الأعمال يغني عن بقيتها . | # والتعبير عنهم باسم الإشارة للتنبيه على أنهم استحقوا هذا الأمل فيهم ~~بسبب تلك الأعمال التي عدت لهم . | # | 2 ( 19 ) { أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن ءامن بالله ~~واليوم الاخر وجاهد فى سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدى القوم ~~الظالمين } . ) 2 # ظاهر هذه الآية يقتضي أنها خطاب لقوم سووا بين سقاية الحاج وعمارة المسجد ~~الحرام ، وبين الجهاد والهجرة ، في أن كل ذلك من عمل البر ، فتؤذن بأنها ~~خطاب لقوم مؤمنين قعدوا عن الهجرة والجهاد ، بعلة اجتزائهم بالسقاية ~~والعمارة . ومناسبتها PageV10P142 للآيات التي قبلها : أنه لما وقع الكلام ~~على أن المؤمنين هم الأحقاء بعمارة المسجد الحرام من المشركين دل ذلك ~~الكلام على أن المسجد الحرام لا يحق لغير المسلم أن يباشر فيه عملا من ~~الأعمال الخاصة به ، فكان ذلك مثار ظن بأن القيام بشعائر المسجد الحرام ~~مساو للقيام بأفضل أعمال الإسلام . | # وأحسن ما روي في سبب نزول هذه الآية : ما رواه الطبري ، والواحدي ، عن ~~النعمان بن بشير ، قال : كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر ~~من أصحابه فقال رجل منهم ( ما أبالي أن لا أعمل عملا بعد الإسلام إلا أن ~~أسقي الحاج ) ؛ وقال آخر ( بل عمارة المسجد الحرام ) وقال آخر ( بل الجهاد ~~في سبيل الله خير مما قلتم ) فزجرهم عمر بن الخطاب وقال : ( لا ترفعوا ~~أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك يوم الجمعة ولكن إذا ms3608 ~~صليت الجمعة دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفيته فيما اختلفتم ~~فيه ) قال : فأنزل الله تعالى { أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام ~~كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله ~~لا يهدي القوم الظالمين } . | # وقد روي أنه سرى هذا التوهم إلى بعض المسلمين ، فروي أن العباس رام أن ~~يقيم بمكة ويترك الهجرة لأجل الشغل بسقاية الحاج والزائر ؛ وأن عثمان بن ~~طلحة رام مثل ذلك ، للقيام بحجابة البيت . وروى الطبري ، والواحدي : أن ~~مماراة جرت بين العباس وعلي بن أبي طالب ببدر ، وأن عليا عير العباس بالكفر ~~وقطيعة الرحم ، فقال العباس : ( ما لكم لا تذكرون محاسننا إنا لنعمر مسجد ~~الله ونحجب الكعبة ونسقي الحاج ) فأنزل الله { أجعلتم سقاية الحاج } الآية ~~. | # والاستفهام للإنكار . | # و ( السقاية ) صيغة للصناعة ، أي صناعة السقي ، وهي السقي من ماء زمزم ، ~~ولذلك أضيفت السقاية إلى الحاج . | # وكذلك ( العمارة ) صناعة التعمير ، أي القيام على تعمير شيء ، بالإصلاح ~~والحراسة ونحو ذلك ، وهي ، هنا : غير ما في قوله : { ما كان للمشركين أن ~~يعمروا مساجد الله } ( التوبة : 17 ) وقوله : { إنما يعمر مساجد الله } ( ~~التوبة : 18 ) وأضيفت إلى المسجد الحرام لأنها عمل في ذات المسجد . | # وتعريف الحاج تعريف الجنس . | PageV10P143 # وقد كانت سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام من أعظم مناصب قريش في ~~الجاهلية ، والمناصب عشرة ، وتسمى المآثر فكانت السقاية لبني هاشم بن عبد ~~مناف بن قصي وجاء الإسلام وهي للعباس بن عبد المطلب ، وكانت عمارة المسجد ، ~~وهي السدانة ، وتسمى الحجابة ، لبني عبد الدار بن قصي وجاء الإسلام وهي ~~لعثمان بن طلحة . | # وكانت لهم مناصب أخرى ثمانية أبطلها الإسلام رأيتها بخط جدي العلامة ~~الوزير وهي : الديات والحملات ، السفارة ، الراية ، الرفادة ، المشورة ، ~~الأعنة والقبة ، الحكومة وأموال الآلهة ، الأيسار . | # فأما الديات والحمالات : فجمع دية وهي عوض دم القتيلل خطأ أو عمدا إذا ~~صولح عليه ؛ وجمع حمالة بفتح الحاء المهملة وهي الغرامة التي يحملها قوم عن ~~قوم ، وكانت لبني تيم بن مرة بن كعب . ومرة جد قصي ، وجاء الإسلام وهي بيد ms3609 ~~أبي بكر الصديق . | # وأما السفارة بكسر السين وفتحها فهي السعي بالصلح بين القبائل . والقائم ~~بها يسمى سفيرا . وكانت لبني عدي بن كعب أبناء عم لقصي وجاء الإسلام وهي ~~بيد عمر بن الخطاب . | # وأما الراية ، وتسمى : العقاب بضم العين لأنها تخفق فوق الجيش كالعقاب ، ~~فهي راية جيش قريش . وكانت لبني أمية ، وجاء الإسلام وهي بيد أبي سفيان بن ~~حرب . | # وأما الرفادة : فهي أموال تخرجها قريش إكراما للحجيج فيطعمونهم جميع أيام ~~الموسم يشترون الجزر والطعام والزبيب للنبيذ وكانت لبني نوفل بن عبد مناف ، ~~وجاء الإسلام وهي بيد الحارث بن عامر بن نوفل . | # وأما المشورة : فهي ولاية دار الندوة وكانت لبني أسد بن عبد العزى بن قصي ~~. وجاء الإسلام وهي بيد زيد بن زمعة . | PageV10P144 # وأما الأعنة والقبة فقبة يضربونها يجتمعون إليها عند تجهيز الجيش وسميت ~~الأعنة وكانت لبني مخزوم . وهم أبناء عم قصي ، وجاء الإسلام وهي بيد خالد ~~بن الوليد . | # وأما الحكومة وأموال الآلاهة ولم أقف على حقيقتها فأحسب أن تسميتها ~~الحكومة لأن المال المتجمع بها هو ما يحصل من جزاء الصيد في الحرم أو في ~~الإحرام . وأما تسميتها أموال الآلهة لأنها أموال تحصل من نحو السائبة ~~والبحيرة وما يوهب للآلهة من سلاح ومتاع . فكانت لبني سهم وهم أبناء عم ~~لقصي . وجاء الإسلام وهي بيد الحارث بن قيس بن سهم . | # وأما الأيسار وهي الأزلام التي يستقسمون بها فكانت لبني جمح وهم أبناء عم ~~لقصي ، وجاء الإسلام وهي بيد صفوان بن أمية بنن خلف . | # وقد أبطل الإسلام جميع هذه المناصب ، عدا السدانة والسقاية ، لقول النبي ~~صلى الله عليه وسلم في خطبة حجة الوداع ( ألا إن كل مأثرة من مآثر الجاهلية ~~تحت قدمي هاتين إلا سقاية الحاج وسدانة البيت ) . | # وكانت مناصب العرب التي بيد قصي بن كلاب خمسة : الحجابة ، والسقاية ، ~~والرفادة ، والندوة ، واللواء فلما كبر قصي جعل المناصب لابنه عبد الدار ، ~~ثم اختصم أبناء قصي بعد موته وتداعوا للحرب ، ثم تداعوا للصلح ، على أن ~~يعطوا بني عبد الدار الحجابة واللواء والندوة ، وأن يعطوا بني عبد ms3610 مناف ~~السقاية والرفادة ، وأحدثت مناصب لبعضض من قريش غير أبناء قصي فانتهت ~~المناصب إلى عشرة كما ذكرنا . | # وذكر الإيمان بالله واليوم الآخر ليس لأنه محل التسوية المردودة عليهم ~~لأنهم لم يدعوا التسوية بين السقاية أو العمارة بدون الإيمان ، بل ذكر ~~الإيمان إدماج ، للإيماء إلى أن الجهاد أثر الإيمان ، وهو ملازم للإيمان ، ~~فلا يجوز للمؤمن التنصل منه بعلة اشتغاله بسقاية الحاج وعمارة المسجد ~~الحرام . وليس ذكر الإيمان بالله واليوم الآخر لكون الذين جعلوا مزية سقاية ~~الحاج وعمارة المسجد الحرام مثل مزية الإيمان PageV10P145 ليسوا بمؤمنين ~~لأنهم لو كانوا غير مؤمنين لما جعلوا مناصب دينهم مساوية للإيمان ، بل ~~لجعلوها أعظم . وإنما توهموا أنهما عملان يعدلانن الجهاد ، وفي الشغل بهما ~~عذر للتخلف عن الجهاد ، أو مزية دينية تساوي مزية المجاهدين . | # وقد دل ذكر السقاية والعمارة في جانب المشبه ، وذكر من آمن وجاهد في جانب ~~المشبه به ، على أن العملين ومن عملهما لا يساويان العملين الآخرين ومن ~~عملهما . فوقع احتباك في طرفي التشبيه ، أي لا يستوي العملان مع العملين ~~ولا عاملوا هذين بعاملي ذينك العملين . والتقدير : أجعلتم سقاية الحاج ~~وعمارة المسجد الحرام كالإيمان بالله واليوم الآخر والجهاد في سبيل الله ، ~~وجعلتم سقاية الحاج وعمار المسجد كالمؤمنين والمجاهدين في سبيل الله . ولما ~~ذكرت التسوية في قوله : { لا يستوون عند الله } أسندت إلى ضمير العاملين ، ~~دون الأعمال : لأن التسوية لم يشتهر في الكلام تعليقها بالمعاني بل بالذوات ~~. | # وجملة { لا يستوون } مستأنفة استئنافا بيانيا : لبيان ما يسأل عنه من ~~معنى الإنكار الذي في الاستفهام بقوله : { أجعلتم } الآية . | # وجملة { والله لا يهدي القوم الظالمين } تذييل لجملة { أجعلتم سقاية ~~الحاج } إلخ ، وموقعه هنا خفي إن كانت السورة قد نزلت بعد غزوة تبوك ، ~~وكانت هذه الآية مما نزل مع السورة ولم تنزل قبلها ، على ما رجحناه من ~~رواية النعمان بن بشير في سبب نزولها ، فإنه لم يبق يومئذ من يجعل سقاية ~~الحاج وعمارة البيت تساويان الإيمان والجهاد ، حتى يرد عليه بما يدل على ~~عدم اهتدائه . وقد تقدم ما روي عن عمر ms3611 بن الخطاب في سبب نزولها وهو يزيد ~~موقعها خفاء . | # فالوجه عندي في موقع جملة { والله لا يهدي القوم الظالمين } أن موقعها ~~الاعتراض بين جملة { أجعلتم سقاية الحاج } وجملة { الذين آمنوا وهاجروا ~~وجاهدوا } ( التوبة : 20 ) إلخ . | # والمقصود منها زيادة التنويه بشأن الإيمان ، إعلاما بأنه دليل إلى ~~الخيرات ، وقائد إليها . فالذين آمنوا قد هداهم إيمانهم إلى فضيلة الجهاد ، ~~والذين كفروا لم ينفعهم ما كانوا فيه من عمارة المسجد الحرام وسقاية الحاج ~~، فلم يهدهم الله إلى الخير ، وذلك PageV10P146 برهان على أن الإيمان هو ~~الأصل ، وأن شعبه المتولدة منه أفضل الأعمال ، وأن ما عداها من المكارم ~~والخيرات في الدرجة الثانية في الفضل ، لأنها ليست من شعب الإيمان ، وإن ~~كان كلا الصفتين لا ينفع إلا إذا كان مع الإيمان ، وخاصة الجهاد . | # وفيه إيماء إلى أنه : لولا الجهاد لما كان أهل السقاية وعمارة المسجد ~~الحرام مؤمنين ، فإن إيمانهم كان من آثار غزوة فتح مكة وجيشش الفتح إذ آمن ~~العباس بن عبد المطلب وهو صاحب السقاية ، وآمن عثمان بن طلحة وهو صاحب ~~عمارة المسجد الحرام . | # فأما ما رواه الطبري والواحدي عن ابن عباس : من أن نزول هذه الآية كان ~~يوم بدر ، بسبب المماراة التي وقعت بين علي بن أبي طالب والعباس ، فموقع ~~التذييل بقوله : { والله لا يهدي القوم الظالمين } واضح : أي لا يهدي ~~المشركين الذين يسقون الحاج ويعمرون المسجد الحرام ، إذ لا يجدي ذلك مع ~~الإشراك . فتبين أن ما توهموه من المساواة بين تلك الأعمال وبين الجهاد ، ~~وتنازعهم في ذلك ، خطأ من النظر ، إذ لا تستقيم تسوية التابع بالمتبوع ~~والفرعع بالأصل ، ولو كانت السقاية والعمارة مساويتين للجهاد لكان أصحابهما ~~قد اهتدوا إلى نصر الإيمان ، كما اهتدى إلى نصره المجاهدون ، والمشاهدة دلت ~~على خلاف ذلك : فإن المجاهدين كانوا مهتدين ولم يكن أهل السقاية والعمارة ~~بالمهتدين . فالهداية شاع إطلاقها مجازا باستعارتها لمعنى الإرشاد على ~~المطلوب ، وهي بحسب هذا الإطلاق مراد بها مطلوب خاص وهو ما يطلبه من يعمل ~~عملا يتقرب به إلى الله ، كما يقتضيه تعقيب ذكر سقاية الحاج ms3612 وعمارة المسجد ~~بهذه الجملة . | # وكني بنفي الهداية عن نفي حصول الغرض من العمل . | # والمعنى : والله لا يقبل من القوم المشركين أعمالهم . | # ونسب إلى ابن وردان أنه روي عن أبي جعفر أنه قرأ : { سقاة الحاج } بضم ~~السين جمع الساقي وقرأ { وعمرة } بالعين المفتوحة وبدون ألف وبفتح الراء ~~جمع عامر وقد اختلف فيها عن ابن وردان . | # | PageV10P147 # | 2 ( 20 ) { الذين ءامنوا وهاجروا وجاهدوا فى سبيل الله بأموالهم ~~وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولائك هم الفائزون } . ) 2 # هذه الجملة مبينة لنفي الاستواء الذي في جملة { لا يستون عند الله } ( ~~التوبة : 19 ) ومفصلة للجهاد الذي في قوله : { كمن آمن بالله واليوم الآخر ~~وجاهد في سبيل الله } ( التوبة : 19 ) بأنه الجهاد بالأموال والأنفس ، ~~وإدماج لبيان مزية المهاجرين من المجاهدين . | # و ( الذين هاجروا ) هم المؤمنون من أهل مكة وما حولها ، الذين هاجروا ~~منها إلى المدينة لما أذنهم النبي صلى الله عليه وسلم بالهجرة إليها بعد أن ~~أسلموا ، وذلك قبل فتح مكة . | # والمهاجرة : ترك الموطن والحلول ببلد آخر ، وهي مشتقة من الهجر وهو الترك ~~، واشتقت لها صيغة المفاعلة لاختصاصها بالهجر القوي وهو هجر الوطن ، ~~والمراد بها في عرف الشرع هجرة خاصة : وهي الهجرة من مكة إلى المدينة ، فلا ~~تشمل هجرة من هاجر من المسلمين إلى بلاد الحبشة لأنها لم تكن على نية ~~الاستيطان بل كانت هجرة مؤقته ، وتقدم ذكر الهجرة في آخر سورة الأنفال . | # والمفضل عليه محذوف لظهوره : أي أعظم درجة عند الله من أصحاب السقاية ~~والعمارة الذين آمنوا ولم يهاجروا ولم يجاهدوا الجهاد الكثير الذي جاهده ~~المسلمون أيام بقاء أولئك في الكفر ، والمقصود تفضيل خصالهم . | # والدرجة تقدمت عند قوله تعالى : { وللرجال عليهن درجة في سورة البقرة ( ~~228 ) . وقوله : لهم درجات عند ربهم في أوائل الأنفال ( 4 ) . وهي في كل ~~ذلك مستعارة لرفع المقدار . وعند الله } إشارة إلى أن رفعة مقدارهم رفعة ~~رضى من الله وتفضيل بالتشريف ، لأن أصل ( عند ) أنها ظرف للقرب . | # وجملة { وأولئك هم الفائزون } معطوفة على { أعظم درجة } أي : أعظم وهم ~~أصحاب الفوز . وتعريف المسند ms3613 باللام مفيد للقصر ، وهو قصر ادعائي للمبالغة ~~في عظم فوزهم حتى إن فوز غيرهم بالنسبة إلى فوزهم يعد كالمعدوم . | ~~PageV10P148 # والإتيان باسم الإشارة للتنبيه على أنهم استحقوا الفوز لأجل تلك الأوصاف ~~التي ميزتهم : وهي الإيمان والهجرة والجهاد بالأموال والأنفس . | # | 2 ( 21 ، 22 ) { يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم ~~مقيم * خالدين فيهآ أبدا إن الله عنده أجر عظيم } . ) 2 # بيان للدرجة العظيمة التي في قوله : { أعظم درجة عند الله } ( التوبة : ~~20 ) فتلك الدرجة هي عناية الله تعالى بهم بإدخال المسرة عليهم ، وتحقيق ~~فوزهم ، وتعريفهم برضوانه عليهم ، ورحمته بهم ، وبما أعد لهم من النعيم ~~الدائم . ومجموع هذه الأمور لم يمنحه غيرهم من أهل السقاية والعمارة ، ~~الذين وإن صلحوا لأن ينالوا بعض هذه المزايا فهم لم ينالوا جميعها . | # والتبشير : الإخبار بخير يحصل للمخبر لم يكن عالما به . | # فإسناد التبشير إلى اسم الجلالة بصيغة المضارع ، المفيد للتجدد ، مؤذن ~~بتعاقب الخيرات عليهم ، وتجدد إدخال السرور بذلك لهم ، لأن تجدد التبشير ~~يؤذن بأن المبشر به شيء لم يكن معلوما للمبشر ( بفتح الشين ) وإلا لكان ~~الإخبار به تحصيلا للحاصل . | # وكون المسند إليه لفظ الرب ، دون غيره مما يدل على الخالق سبحانه ، إيماء ~~إلى الرحمة بهم والعناية : لأن معنى الربوبية يرجع إلى تدبير المربوب ~~والرفق به واللطف به ، ولتحصل به الإضافة إلى ضميرهم إضافة تشريف . | # وتقدمت الرحمة في قوله : { الرحمن الرحيم } ( الفاتحة : 1 ) . | # والرضوان بكسر الراء وبضمها : الرضا الكامل الشديد ، لأن هذه الصيغة تشعر ~~بالمبالغة مثل الغفران والشكران والعصيان . | # والجنات تقدم الكلام عليها في ذكر الجنة في سورة البقرة ، وجمعها باعتبار ~~مراتبها وأنواعها وأنواع النعيم فيها . | PageV10P149 # والنعيم : ما به التذاذ النفس باللذات المحسوسة ، وهو أخص من النعمة ، ~~قال تعالى : { إن الأبرار لفي نعيم } ( الإنفطار : 13 ) وقال : { ثم لتسألن ~~يومئذ عن النعيم } ( التكاثر : 8 ) . | # والمقيم المستمر ، استعيرت الإقامة للدوام والاستمرار . | # والتنكير في { برحمة ، ورضوان ، وجنات ، ونعيم } للتعظيم ، بقرينة المقام ~~، وقرينة قوله { منه } وقرينة كون تلك مبشرا بها . | # وجملة { إن الله عنده أجر عظيم } تذييل وتنويه بشأن المؤمنين ms3614 المهاجرين ~~المجاهدين لأن مضمون هذه الجملة يعم مضمون ما قبلها وغيره ، وفي هذا ~~التذييل إفادة أن ما ذكر من عظيم درجات المؤمنين المهاجرين المجاهدين هو ~~بعض ما عند الله من الخيرات فيحصل من ذلك الترغيب في الازدياد من الأعمال ~~الصالحة ليزدادوا رفعة عند ربهم ، كما قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه ( ~~ما على من دعي من جميع تلك الأبواب من ضرورة ) . | # والأجر : العوض المعطى على عمل ، وتقدم في قوله : { إذا آتيتموهن أجورهن ~~في سورة العقود ( 5 ) . | # | 2 ( 23 ) ياأيها الذين ءامنوا لا تتخذو ا ءابآءكم وإخوانكم أوليآء إن ~~استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولائك هم الظالمون } . ) 2 # | $ # استئناف ابتدائي لافتتاح غرض آخر وهو تقريع المنافقين ومن يواليهم ، فإنه ~~لما كان أول السورة في تخطيط طريقة معاملة المظهرين للكفر ، لا جرم تهيأ ~~المتام لمثل ذلك بالنسبة إلى من أبطنوا الكفر وأظهروا الإيمان : المنافقين ~~من أهل المدينة ومن بقايا قبائل العرب ؛ ممن عرفوا بذلك ، أو لم يعرفوا ~~وأطلع الله عليهم نبيئه صلى الله عليه وسلم وحذر المؤمنين المطلعين عليهم ~~من بطانتهم وذوي قرابتهم PageV10P150 ومخالطتهم ، وأكثر ما كان ذلك في أهل ~~المدينة لأنهم الذين كان معظمهم مؤمنين خلصا ، وكانت من بينهم بقية من ~~المنافقين وهم من ذوي قرابتهم ، ولذلك افتتح الخطاب { يأيها الذين آمنوا } ~~إشعارا بأن ما سيلقى إليهم من الوصايا هو من مقتضيات الإيمان وشعاره . | # وقد أسفرت غزوة تبوك التي نزلت عقبها هذه السورة عن بقاء بقية من النفاق ~~في أهل المدينة والأعراب المجاورين لها كما في قوله تعالى : { وجاء ~~المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم } ( التوبة : 90 ) وقوله { وممن حولكم من ~~الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق } ( التوبة : 101 ) ~~ونظائرهما من الآيات . | # روى الطبري عن مجاهد ، والواحدي عن الكلبي أنهم لما أمروا بالهجرة وقال ~~العباس : أنا أسقي الحاج ، وقال طلحة أخو بني عبد الدار : أنا حاجب الكعبة ~~، فلا نهاجر ، تعلق بعض الأزواج والأبناء ببعض المؤمنين فقالوا ( أتضيعوننا ~~) فرقوا لهم وجلسوا معهم ، فنزلت هذه الآية . | # ومعنى { استحبوا الكفر ms3615 } أحبوه حبا متمكنا . فالسين والتاء للتأكيد ، مثل ~~ما في استقام واستبشر . | # حذر الله المؤمنين من موالاة من استحبوا الكفر على الإيمان ، في ظاهر ~~أمرهم أو باطنه ، إذا اطلعوا عليهم وبدت عليهم أمارات ذلك بما ذكر من ~~صفاتهم في هذه السورة ، وجعل التحذير من أولئك بخصوص كونهم آباء وإخوانا ~~تنبيها على أقصى الجدارة بالولاية ليعلم بفحوى الخطاب أن من دونهم أولى ~~بحكم النهي . ولم يذكر الأبناء والأزواج هنا لأنهم تابعون فلا يقعدون بعد ~~متبوعيهم . | # وقوله : { فأولئك هم الظالمون } أريد به الظالمون أنفسهم لأنهم وقعوا ~~فيما نهاهم الله ، فاستحقوا العقاب فظلموا أنفسهم بتسبب العذاب لها ، ~~فالظلم إذن بمعناه اللغوي وليس مرادا به الشرك . وصيغة الحصر للمبالغة ~~بمعنى أن ظلم غيرهم كلا ظلم بالنسبة لعظمة ظلمهم . ويجوز أن يكون هم { ~~الظالمون } عائدا إلى ما عاد إليه ضمير النصب في قوله : { ومن يتولهم } أي ~~إلى الآباء والإخوان الذين استحبوا الكفر على الإيمان ، PageV10P151 ~~والمعنى ومن يتولهم فقد تولى الظالمين فيكون الظلم على هذا مرادا به الشرك ~~، كما هو الكثير في إطلاقه في القرآن . | # والإتيان باسم الإشارة لزيادة تمييز هؤلاء أو هؤلاء ، وللتنبيه على أن ~~جدارتهم بالحكم المذكور بعد الإشارة كانت لأجل تلك الصفات أعني استحباب ~~الكفر على الإيمان . | # | 2 ( 24 ) { قل إن كان ءاباؤكم وأبنآؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم ~~وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونهآ أحب إليكم من الله ~~ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتى الله بأمره والله لا يهدى القوم ~~الفاسقين } . ) 2 # ارتقاء في التحذير من العلائق التي قد تفضي إلى التقصير في القيام ~~بواجبات الإسلام ، فلذلك جاءت زيادة تفصيل الأصناف من ذوي القرابة وأسبابب ~~المخالطة التي تكون بين المؤمنين وبين الكافرين ، ومن الأسباب التي تتعلق ~~بها نفوس الناس فيحول تعلقهم بها بينهم وبين الوفاء ببعض حقوق الإسلام ، ~~فلذلك ذكر الأبناء هنا لأن التعلق بهم أقوى من التعلق بالإخوان ، وذكر ~~غيرهم من قريب القرابة أيضا . | # وابتداء الخطاب ب { قل } يشير إلى غلظه والتوبيخ به . | # والمخاطب بضمائر جماعة المخاطبين : المؤمنون الذين قصروا في بعض ms3616 الواجب ~~أو المتوقع منهم ذلك ، كما يشعر به اقتران الشرط بحرف الشك وهو { إن } ~~ويفهم منه أن المسترسلين في ذلك الملابسين له هم أهل النفاق ، فهم المعرض ~~لهم بالتهديد في قوله : { فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم ~~الفاسقين } . | # وقد جمعت هذه الآية أصنافا من العلاقات وذويها ، من شأنها أن تألفها ~~النفوس وترغب في القرب منها وعدم مفارقتها ، فإذا كان الثبات على الإيمان ~~يجر إلى هجران بعضها كالآباء والإخوان الكافرين الذين يهجر بعضهم بعضا إذا ~~اختلفوا في الدين ، PageV10P152 وكالأبناء والأزواج والعشيرة الذين يألف ~~المرء البقاء بينهم ، فلعل ذلك يقعده عن الغزو ، وكالأموال والتجارة التي ~~تصد عن الغزو وعن الإنفاق في سبيل الله . وكذلك المساكن التي يألف المرء ~~الإقامة فيها فيصده إلفها عن الغزو . فإذا حصل التعارض والتدافع بين ما ~~أراده الله من المؤمنين وبين ما تجر إليه تلك العلائق وجب على المؤمن دحضها ~~وإرضاء ربه . | # وقد أفاد هذا المعنى التعبير ب { أحب } لأن التفضيل في المحبة يقتضي ~~إرضاء الأقوى من المحبوبين ، ففي هذا التعبير تحذير من التهاون بواجبات ~~الدين مع الكناية عن جعل ذلك التهاون مسببا على تقديم محبة تلك العلائق على ~~محبة الله ، ففيه إيقاظ إلى ما يؤول إليه ذلك من مهواة في الدين وهذا من ~~أبلغ التعبير . | # وخص الجهاد بالذكر من عموم ما يحبه الله منهم : تنويها بشأنه ، ولأن ما ~~فيه من الخطر على النفوس ومن إنفاق الأموال ومفارقة الإلف ، جعله أقوى مظنة ~~للتقاعس عنه ، لا سيما والسورة نزلت عقب غزوة تبوك التي تخلف عنها كثير من ~~المنافقين وبعض المسلمين . | # و ( العشيرة ) الأقارب الأدنون ، وكأنه مشتق من العشرة وهي الخلطة ~~والصحبة . | # وقرأ الجمهور { وعشيرتكم } بصيغة المفرد وقرأه أبو بكر عن عاصم { ~~وعشيراتكم جمع عشيرة ووجهه : أن لكل واحد من المخاطبين عشيرة ، وعن أبي ~~الحسن الأخفش : إنما تجمع العرب عشيرة على عشائر ولا تكاد تقول عشيرات ، ~~وهذه دعوى منه ، والقراءة رواية فهي تدفع دعواه . | # والاقتراف : الاكتساب ، وهو مشتق من قارف إذا قارب الشيء . | # والكساد ، قلة التبايع وهو ms3617 ضد الرولج والنفاق ، وذلك بمقاطعة طوائف من ~~المشركين الذين كانوا يتبايعون معهم ، وبالانقطاع عن الاتجار أيام الجهاد . ~~| # وجعل التفضيل في المحبة بين هذه الأصناف وبين محبة الله ورسوله والجهاد : ~~لأن تفضيل محبة الله ورسوله والجهاد يوجب الانقطاع عن هذه الأصناف ، فإيثار ~~هذه الأشياء على محبة الله يفضي موالاة إلى الذين يستحبون الكفر ، وإلى ~~القعود عن الجهاد . | PageV10P153 # والتربص : الانتظار ، وهذا أمر تهديد لأن المراد انتظار الشر . وهو ~~المراد بقوله : حتى يأتي الله بأمره } أي الأمر الذي يظهر به سوء عاقبة ~~إيثاركم محبة الأقارب والأموال والمساكين ، على محبة الله ورسوله والجهاد . ~~| # والأمر : اسم مبهم بمعنى الشيء والشأن ، والمقصود من هذا الإبهام التهويل ~~لتذهب نفوس المهددين كل مذهب محتمل ، فأمر الله : يحتمل أن يكون العذاب أو ~~القتل أو نحوهما ، ومن فسر أمر الله بفتح مكة فقد ذهل لأن هذه السورة نزلت ~~بعد الفتح . | # وجملة { والله لا يهدي القوم الفاسقين } تذييل ، والواو اعتراضية وهذا ~~تهديد بأنهم فضلوا قرابتهم وأموالهم على محبة الله ورسوله وعلى الجهاد فقد ~~تحقق أنهم فاسقون والله لا يهدي القوم الفاسقين فحصل بموقع التذييل تعريض ~~بهم بأنهم من الفاسقين . | # | 2 ( 25 ) { لقد نصركم الله فى مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم ~~فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين } . ) 2 # لما تضمنت الآيات السابقة الحث على قتال المشركين ابتداء من قوله تعالى : ~~{ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } ( التوبة : 5 ) ، وكان التمهيد للإقدام ~~على ذلك مدرجا بإبطال حرمة عهدهم ، لشركهم ، وبإظهار أنهم مضمرون العزم على ~~الابتداء بنقض العهود التي بينهم وبين المسلمين لو قدر لهم النصر على ~~المسلمين وآية ذلك : اعتداؤهم على خزاعة أحلاف المسلمين ، وهمهم بإخراج ~~الرسول عليه الصلاة والسلام من مكة بعد الفتح ، حتى إذا انتهى ذلك التمهيد ~~المدرج إلى الحث على قتالهم وضمان نصر الله المسلمين عليهم ، وما اتصل بذلك ~~مما يثير حماسة المسلمين جاء في هذه الآية بشواهد ما سبق من نصر الله ~~المسلمين في مواطن كثيرة ، وتذكير بمقارنة التأييد الإلاهي لحالة الامتثال ~~لأوامره ms3618 ، وإن في غزوة حنين شواهد تشهد للحالين . فالكلام استيناف ابتدائي ~~لمناسبة الغرض السابق . | PageV10P154 # وأسند النصر إلى الله بالصراحة لإظهار أن إيثار محبة الله وإن كان يفيت ~~بعض حظوظ الدنيا ، ففيه حظ الآخرة وفيه حظوظ أخرى من الدنيا وهي حظوظ النصر ~~بما فيه : من تأييد الجامعة ، ومن المغانم ، وحماية الأمة من اعتداء ~~أعدائها ، وذلك من فضل الله إذ آثروا محبته على محبة علائقهم الدنيوية . | # وأكد الكلام ب { قد } لتحقيق هذا النصر لأن القوم كأنهم نسوه أو شكوا فيه ~~فنزلوا منزلة من يحتاج إلى تأكيد الخبر . | # و { مواطن } : جمع موطن ، والموطن أصله مكان التوطن ، أي الإقامة . ويطلق ~~على مقام الحرب وموقفها ، أي نصركم في مواقع حروب كثيرة . | # و { يوم } معطوف على الجار والمجرور من قوله : { في مواطن } فهو متعلق ~~بما تعلق به المعطوف عليه وهو { نصركم } والتقدير : ونصركم يوم حنين وهو من ~~جملة المواطن ، لأن مواطن الحرب تقتضي أياما تقع فيها الحرب ، فتدل المواطن ~~على الأيام كما تدل الأيام على المواطن ، فلما أضيف اليوم إلى اسم مكانن ~~علم أنه موطن من مواطن النصر ولذلك عطف بالواو لأنه لو لم يعطف لتوهم أن ~~المواطن كلها في يوم حنين ، وليس هذا المراد . ولهذا فالتقدير : في مواطن ~~كثيرة وأيامم كثيرة منها موطن حنين ويوم حنين . | # وتخصيص يوم حنين بالذكر من بين أيام الحروب : لأن المسلمين انهزموا في ~~أثناء النصر ثم عاد إليهم النصر ، فتخصيصه بالذكر لما فيه من العبرة بحصول ~~النصر عند امتثال أمر الله ورسوله عليه الصلاة والسلام وحصول الهزيمة عند ~~إيثار الحظوظ العاجلة على الامتثال ، ففيه مثل وشاهد لحالتي الإيثارين ~~المذكورين آنفا في قوله تعالى : { أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله ~~} ( التوبة : 24 ) ليتنبهوا إلى أن هذا الإيثار قد يعرض في أثناء إيثار آخر ~~، فهم لما خرجوا إلى غزوة حنين كانوا قد آثروا محبة الجهاد على محبة ~~أسبابهم وعلاقاتهم ، ثم هم في أثناء الجهاد قد عاودهم إيثار الحظوظ العاجلة ~~على امتثال أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم الذي هو من ms3619 آثار إيثار ~~محبتها ، وهي عبرة دقيقة حصل فيها الضدان ولذلك كان موقع قوله : { إذ ~~أعجبتكم PageV10P155 كثرتكم } بديعا لأنه تنبيه على خطئهم في الأدب مع الله ~~المناسب لمقامهم أي : ما كان ينبغي لكم أن تعتمدوا على كثرتكم . | # و { حنين } اسم واد بين مكة والطائف قرب ذي المجاز ، كانت فيه وقعة عظيمة ~~عقب فتح مكة بين المسلمين مع النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا اثني عشر ~~ألفا ، وبين هوازن وثقيف وألفا فهما ، إذ نهضوا لقتال النبي صلى الله عليه ~~وسلم حمية وغضبا لهزيمة قريش ولفتح مكة ، وكان على هوازن مالك بن عوف ، أخو ~~بني نصر ، وعلى ثقيف عبد ياليل بن عمرو الثقفي ، وكانوا في عدد كثير وساروا ~~إلى مكة فخرج إليهم النبي صلى الله عليه وسلم حتى اجتمعوا بحنين فقال ~~المسلمون : لن نغلب اليوم من قلة ، ووثقوا بالنصر لقوتهم ، فحصلت لهم هزيمة ~~عند أول اللقاء كانت عتابا إلهيا على نسيانهم التوكل على الله في النصر ، ~~واعتمادهم على كثرتهم ، ولذلك روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سمع ~~قول بعض المسلمين ( لن نغلب من قلة ) ساءه ذلك ، فإنهم لما هبطوا وادي حنين ~~كان الأعداء قد كمنوا لهم في شعابه وأحنائه ، فما راع المسلمين وهم منحدرون ~~في الوادي إلا كتائب العدو وقد شدت عليهم وقيل : إن المسلمين حملوا على ~~العدو فانهزم العدو فلحقوهم يغنمون منهم ، وكانت هوازن قوما رماة فاكثبوا ~~المسلمين بالسهام فأدبر المسلمون راجعين لا يلوي أحد على أحد ، وتفرقوا في ~~الوادي ، وتطاول عليهم المشركون ورسول الله صلى الله عليه وسلم ثابت في ~~الجهة اليمنى من الوادي ومعه عشرة من المهاجرين والأنصار فأمر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم العباس عمه أن يصرخ في الناس : يا أصحاب الشجرة أو ~~السمرة يعني أهل بيعة الرضوان يا معشر المهاجرين يا أصحاب سورة البقرة يعني ~~الأنصار هلموا إلي ، فاجتمع إليه مائة ، وقاتلوا هوازن مع من بقي مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم واجتلد الناس ، وتراجع بقية المنهزمين واشتد القتال و ~~قال رسول الله صلى ms3620 الله عليه وسلم ( الآن حمي الوطيس ) فكانت الدائرة على ~~المشركين وهزموا شر هزيمة وغنمت أموالهم وسبيت نساؤهم . | # فذلك قوله تعالى : { وضاقت عليكم الأرض بما رحبت } وهذا التركيب تمثيل ~~لحال المسلمين لما اشتد عليهم البأس واضطربوا ولم يهتدوا لدفع العدو عنهم ، ~~بحال من يرى الأرض الواسعة ضيقة . | PageV10P156 # فالضيق غير حقيقي بقرينة قوله : { بما رحبت } استعير { وضاقت عليكم الأرض ~~بما رحبت } استعارة تمثيلية تمثيلا لحال من لا يستطيع الخلاص من شدة بسبب ~~اختلال قوة تفكيره ، بحال من هو في مكان ضيق من الأرض يريد أن يخرج منه فلا ~~يستطيع تجاوزه ولا الانتقال منه . | # فالباء للملابسة ، و { ما } مصدرية ، والتقدير : ضاقت عليكم الأرض حالة ~~كونها ملابسة لرحبها أي سعتها : أي في حالة كونها لا ضيق فيها وهذا المعنى ~~كقول الطرماح بن حكيم : | # ملأت عليه الأرض حتى كأنها | # من الضيق في عينيه كفة حابل | # قال الأعلم ( أي من الزعر ) هو مأخوذ من قول الآخر : | # كأن فجاج الأرض وهي عريضة | # على الخائف المطلوب كفة حابل | # وهذا أحسن من قول المفسرين أن معنى { وضاقت عليكم اورض بما رحبت } لم ~~تهتدوا إلى موضع من الأرض تفرون إليه فكأن الأرض ضاقت عليكم ، ومنهم من ~~أجمل فقال : أي لشدة الحال وصعوبتها . | # وموقع { ثم } في قوله : { ثم وليتم مدبرين } موقع التراخي الرتبي ، أي : ~~وأعظم مما نالكم من الشر أن وليتم مدبرين . | # والتولي : الرجوع ، و { مدبرين } حال : إما مؤكدة لمعنى { وليتم } أو ~~أريد بها إدبار أخص من التولي ، لأن التولي مطلق يكون للهروب ، ويكون للفر ~~في حيل الحروب ، والإدبار شائع في الفرار الذي لم يقصد به حيلة فيكون الفرق ~~بينه وبين التولي اصطلاحا حربيا . | # | 2 ( 26 ) { ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا ~~لم تروها وعذب الذين كفروا وذالك جزآء الكافرين } . ) 2 # عطف على قوله : { ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم } ( التوبة : 25 ) . | # و { ثم } دالة على التراخي الرتبي فإن نزول السكينة ونزول الملائكة أعظم ~~من النصر PageV10P157 الأول يوم حنين ، على أن التراخي الزمني مراد ؛ ~~تنزيلا لعظم الشدة وهول ms3621 المصيبة منزلة طول مدتها ، فإن أزمان الشدة تخيل ~~طويلة وإن قصرت . | # والسكينة : الثبات واطمئنان النفس وقد تقدم بيانها عند قوله تعالى : { أن ~~يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم في سورة البقرة ( 248 ) ، وتعليقها ~~بإنزال الله ، وإضافتها إلى ضميره : تنويه بشأنها وبركتها ، وإشارة إلى ~~أنها سكينة خارقة للعادة ليست لها أسباب ومقدمات ظاهرة ، وإنما حصلت بمحض ~~تقدير الله وتكوينه أنفا كرامة لنبيئه وإجابة لندائه الناس ، ولذلك قدم ذكر ~~الرسول قبل ذكر المؤمنين . | # وإعادة حرف على } بعد حرف العطف : تنبيه على تجديد تعليق الفعل بالمجرور ~~الثاني للإيماء إلى التفاوت بين السكينتين : فسكينة الرسول عليه الصلاة ~~والسلام سكينة اطمئنان على المسلمين الذين معه وثقة بالنصر ، وسكينة ~~المؤمنين سكينة ثبات وشجاعة بعد الجزع والخوف . | # والجنود جمع جند . والجند اسم جمع لا واحد له من لفظه ، وهو الجماعة ~~المهيئة للحرب ، وواحده بياء النسب : جندي ، وقد تقدم عند قوله تعالى : { ~~فلما فصل طالوت بالجنود في سورة البقرة ( 249 ) . وقد يطلق الجند على الأمة ~~العظيمة ذات القوة ، كما في قوله تعالى : هل أتاك حديث الجنود فرعون وثمود ~~في سورة البروج ( 17 ، 18 ) والمراد بالجنود هنا جماعات من الملائكة موكلون ~~بهزيمة المشركين كما دل عليه فعل أنزل ، أي أرسلها الله لنصرة المؤمنين ~~وإلقاء الرعب في قلوب المشركين ، ولذلك قال : لم تروها } ولكون الملائكة ~~ملائكة النصر أطلق عليها اسم الجنود . | # وتعذيبه الذين كفروا : هو تعذيب القتل والأسر والسبي . | # والإشارة ب { وذلك جزاء الكافرين } إلى العذاب المأخوذ من { عذب . | # | 2 ( 27 ) ثم يتوب الله من بعد ذالك على من يشآء والله غفور رحيم } . ) ~~2 # { ثم } للتراخي الرتبي ، عطف على جملة { ثم أنزل الله سكينته على رسوله ~~إلى قوله وذلك جزاء الكافرين } ( التوبة : 26 ) . وهذا إشارة إلى إسلام ~~هوازن بعد تلك الهزيمة فإنهم PageV10P158 جاؤوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مسلمين تائبين ، وسألوه أن يرد إليهم سبيهم وغنائمهم ، فذلك أكبر منة ~~في نصر المسلمين إذ أصبح الجند العدو لهم مسلمين معهم ، لا يخافونهم بعد ~~ذلك اليوم . | # والمعنى : ثم تاب الله عليهم ms3622 ، أي على الذين أسلموا منهم فقوله : { يتوب ~~الله من بعد ذلك } دليل المعطوف بثم ولذلك أتى بالمضارع في قوله : { يتوب ~~الله } دون الفعل الماضي : لأن المقصود ما يشمل توبة هوازن وتوبة غيرهم ، ~~للإشارة إلى إفادة تجدد التوبة على كل من تاب إلى الله لا يختص بها هوازن ~~فتوبته على هوازن قد عرفها المسلمون ، فأعلموا بأن الله يعامل بمثل ذلك كل ~~من ندم وتاب ، فالمعنى : ثم تاب الله عليهم ويتوب الله على من يشاء . | # وجملة : { والله غفور رحيم } تذييل للكلام لإفادة أن المغفرة من شأنه ~~تعالى ، وأنه رحيم بعباده إن أنابوا إليه وتركوا الإشراك به . | # | 2 ( 28 ) { ياأيها الذين ءامنو ا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد ~~الحرام بعد عامهم هاذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شآء إن ~~الله عليم حكيم } . ) 2 # | $ # { ياأيها الذين ءامنو ا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد ~~عامهم هاذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شآء إن الله عليم ~~حكيم } . | # استئناف ابتدائي للرجوع إلى غرض إقصاء المشركين عن المسجد الحرام المفاد ~~بقوله : { ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله } ( التوبة : 17 ) الآية ، ~~جيء به لتأكيد الأمر بإبعادهم عن المسجد الحرام مع تعليله بعلة أخرى تقتضي ~~إبعادهم عنه : وهي أنهم نجس ، فقد علل فيما مضى بأنهم شاهدون على أنفسهم ~~بالكفر ، فليسوا أهلا لتعمير المسجد المبني للتوحيد ، وعلل هنا بأنهم نجس ~~فلا يعمروا المسجد لطهارته . | # و { نجس } صفة مشبهة ، اسم للشيء الذي النجاسة صفة ملازمة له ، وقد أنيط ~~وصف النجاسة بهم بصفة الإشراك ، فعلمنا أنها نجاسة معنوية نفسانية وليست ~~نجاسة ذاتية . | PageV10P159 # والنجاسة المعنوية : هي اعتبار صاحب وصف من الأوصاف محقرا متجنبا من ~~الناس فلا يكون أهلا لفضل ما دام متلبسا بالصفة التي جعلته كذلك ، فالمشرك ~~نجس لأجل عقيدة إشراكه ، وقد يكون جسده نظيفا مطيبا لا يستقذر ، وقد يكون ~~مع ذلك مستقذر الجسد ملطخا بالنجاسات لأن دينه لا يطلب منه التطهر ، ولكن ~~تنظفهم يختلف باختلاف عوائدهم وبيئتهم . والمقصود من هذا ms3623 الوصف لهم في ~~الإسلام تحقيرهم وتبعيدهم عن مجامع الخير ، ولا شك أن خباثة الإعتقاد أدنى ~~بصاحبها إلى التحقير من قذارة الذات ، ولذلك أوجب الغسل على المشرك إذا ~~أسلم انخلاعا عن تلك القذارة المعنوية بالطهارة الحسية لإزالة خباثة نفسه ، ~~وإن طهارة الحدث لقريب من هذا . | # وقد فرع على نجاستهم بالشرك المنع من أن يقربوا المسجد الحرام ، أي المنع ~~من حضور موسم الحج بعد عامهم هذا . | # والإشارة إلى العام الذي نزلت فيه الآية وهو عام تسعة من الهجرة ، فقد ~~حضر المشركون موسم الحج فيه وأعلن لهم فيه أنهم لا يعودون إلى الحج بعد ذلك ~~العام ، وإنما أمهلوا إلى بقية العام لأنهم قد حصلوا في الموسم ، والرجوع ~~إلى آفاقهم متفاوت ( فأريد من العام موسم الحج ، وإلا فإن نهاية العام ~~بانسلاخ ذي الحجة وهم قد أمهلوا إلى نهاية المحرم بقوله تعالى : { فسيحوا ~~في الأرض أربعة أشهر } ( التوبة : 2 ) . | # وإضافة ( العام ) إلى ضمير ( هم ) لمزيد اختصاصهم بحكم هائل في ذلك العام ~~كقول أبي الطيب : | # فإن كان أعجبكم عامكم | # فعودوا إلى مصر في القابل | # وصيغة الحصر في قوله : { إنما المشركون نجس } لإفادة نفي التردد في ~~اعتبارهم نجسا ، فهو للمبالغة في اتصافهم بالنجاسة حتى كأنهم لا وصف لهم ~~إلا النجسية . | # ووصف ( العام ) باسم الإشارة لزيادة تمييزه وبيانه . | # وقوله : { فلا يقربوا المسجد } ظاهره نهي للمشركين عن القرب من المسجد ~~الحرام . ومواجهة المؤمنين بذلك تقتضي نهي المسلمين عن أن يقرب المشركون ~~المسجد الحرام . جعل النهي عن صورة نهي المشركين عن ذلك مبالغة في نهي ~~المؤمنين حين جعلوا PageV10P160 مكلفين بانكفاف المشركين عن الاقتراب من ~~المسجد الحرام من باب قول العرب : ( لا أرينك ههنا ) فليس النهي للمشركين ~~على ظاهره . | # والمقصود من النهي عن اقترابهم من المسجد الحرام النهي عن حضورهم الحج ~~لأن مناسك الحج كلها تتقدمها زيارة المسجد الحرام وتعقبها كذلك ، ولذلك لما ~~نزلت ( براءة ) أرسل النبي صلى الله عليه وسلم بأن ينادى في الموسم أن لا ~~يحج بعد العام مشرك وقرينة ذلك توقيت ابتداء النهي بما بعد عامهم الحاضر . ~~فدل ms3624 على أن النهي منظور فيه إلى عمل يكمل مع اقتراب اكتمال العام وذلك هو ~~الحج . ولولا إرادة ذلك لما كان في توقيت النهي عن اقتراب المسجد بانتهاء ~~العام حكمة ولكان النهي على الفور . | # { وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شآء إن الله عليم حكيم } . ~~| # عطف على جملة النهي . والمقصود من هذه الجملة : وعد المؤمنين بأن يغنيهم ~~الله عن المنافع التي تأتيهم من المشركين حين كانوا يفدون إلى الحج فينفقون ~~ويهدون الهدايا فتعود منهم منافع على أهل مكة وما حولها ، وقد أصبح أهلها ~~مسلمين فلا جرم أن ما يرد إليها من رزق يعود على المؤمنين . | # والعيلة : الاحتياج والفقر أي إن خطر في نفوسكم خوف الفقر من انقطاع ~~الإمداد عنكم بمنع قبائل كثيرة من الحج فإن الله سيغنيكم عن ذلك . وقد ~~أغناهم الله بأن هدى للإسلام أهل تبالة وجرش من بلاد اليمن ، فأسلموا عقب ~~ذلك ، وكانت بلادهم بلاد خصب وزرع فحملوا إلى مكة الطعام والميرة ، وأسلم ~~أيضا أهل جدة وبلدهم مرفأ ترد إليه الأقوات من مصر وغيرها ، فحملوا الطعام ~~إلى مكة ، وأسلم أهل صنعاء من اليمن ، وبلدهم تأتيه السفن من أقاليم كثيرة ~~من الهند وغيرها . | # وقوله : { إن شاء } يفتح لهم باب الرجاء مع التضرع إلى الله في تحقيق ~~وعده لأنه يفعل ما يشاء . | PageV10P161 # وقوله : { إن الله عليم حكيم } تعليل لقوله : { وإن خفتم عيلة } أي أن ~~الله يغنيكم لأنه يعلم ما لكم من المنافع من وفادة القبائل ، فلما منعكم من ~~تمكينهم من الحج لم يكن تاركا منفعتكم فقدر غناكم عنهم بوسائل أخرى علمها ~~وأحكم تدبيرها . | # | 2 ( 29 ) { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الاخر ولا يحرمون ~~ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا ~~الجزية عن يد وهم صاغرون } . ) 2 # الظاهر أن هذه الآية استيناف ابتدائي لا تتفرع على التي قبلها ، فالكلام ~~انتقال من غرض نبذ العهد مع المشركين وأحوال المعاملة بينهم وبين المسلمين ~~إلى غرض المعاملة بين المسلمين وأهل الكتاب من اليهود ms3625 والنصارى ، إذ كان ~~الفريقان مسالمين المسلمين في أول بدء الإسلام ، وكانوا يحسبون أن في ~~مدافعة المشركين للمسلمين ما يكفيهم أمر التصدي للطعن في الإسلام وتلاشي ~~أمره فلما أخذ الإسلام ينتشر في بلاد العرب يوما فيوما ، واستقل أمره ~~بالمدينة ، ابتدأ بعض اليهود يظهر إحنه نحو المسلمين ، فنشأ النفاق ~~بالمدينة وظاهرت قريظة والنضير أهل الأحزاب لما غزوا المدينة فأذهبهم الله ~~عنها . | # ثم لما اكتمل نصر الإسلام بفتح مكة والطائف وعمومه بلاد العرب بمجيء ~~وفودهم مسلمين ، وامتد إلى تخوم البلاد الشامية ، أوجست نصارى العرب خيفة ~~من تطرقه إليهم ، ولم تغمض عين دولة الروم حامية نصارى العرب عن تداني بلاد ~~الإسلام من بلادهم ، فأخذوا يستعدون لحرب المسلمين بواسطة ملوك غسان سادة ~~بلاد الشام في ملك الروم . ففي ( صحيح البخاري ) عن عمر بن الخطاب أنه قال ~~: ( كان لي صاحب من الأنصار إذا غبت أتاني بالخبر وإذا غاب كنت أنا آتيه ~~بالخبر ونحن نتخوف ملكا من ملوك غسان ذكر لنا أنه يريد أن يسير إلينا وأنهم ~~ينعلون الخيل لغزونا فإذا صاحبي الأنصاري يدق الباب فقال : افتح افتح . ~~فقلت : أجاء الغساني . قال : بل أشد من ذلك اعتزل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم نساءه إلى آخر الحديث . | PageV10P162 # فلا جرم لما أمن المسلمون بأس المشركين وأصبحوا في مأمن منهم ، أن يأخذوا ~~الأهبة ليأمنوا بأس أهل الكتاب من اليهود والنصارى ، فابتدأ ذلك بغزو خيبر ~~وقريظة والنضير وقد هزموا وكفى الله المسلمين بأسهم وأورثهم أرضهم فلم يقع ~~قتال معهم بعد ثم ثنى بغزوة تبوك التي هي من مشارف الشام . | # وعن مجاهد : أن هذه الآية نزلت في الأمر بغزوة تبوك فالمراد من الذين ~~أوتوا الكتاب خصوص النصارى ، وهذا لا يلاقي ما تظافرت عليه الأخبار من أن ~~السورة نزلت بعد تبوك . | # و { من } بيانية وهي تبين الموصول الذي قبلها . | # وظاهر الآية أن القوم المأمور بقتالهم ثبتت لهم معاني الأفعال الثلاثة ~~المتعاطفة في صلة الموصول ، وأن البيان الواقع بعد الصلة بقوله : { من ~~الذين أوتوا الكتاب } راجع إلى الموصول باعتبار كونه صاحب تلك الصلات ms3626 ، ~~فيقتضي أن الفريق المأمور بقتاله فريق واحد ، انتفى عنهم الإيمان بالله ~~واليوم الآخر ، وتحريم ما حرم الله ، والتدين بدين الحق . ولم يعرف أهل ~~الكتاب بأنهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر . فاليهود والنصارى مثبتون ~~لوجود الله تعالى ومؤمنون بيوم الجزاء . | # وبهذا الاعتبار تحير المفسرون في تفسير هذه الآية فلذلك تأولوها بأن ~~اليهود والنصارى ، وإن أثبتوا وجود الله واليوم الآخر ، فقد وصفوا الله ~~بصفات تنافي الإلهية فكأنهم ما آمنوا به ، إذ أثبت اليهود الجسمية لله ~~تعالى وقالوا : { يد الله مغلولة } ( المائدة : 64 ) . وقال كثير منهم : { ~~عزيز ابن الله } ( التوبة : 30 ) . | # وأثبت النصارى تعدد الإلاه بالتثليث فقاربوا قول المشركين فهم أبعد من ~~اليهود عن الإيمان الحق ، وأن قول الفريقين بإثبات اليوم الآخر قد ألصقوا ~~به تخيلات وأكذوبات تنافي حقيقة الجزاء : كقولهم : { لن تمسسنا النار إلا ~~أياما معدودة } ( البقرة : 80 ) فكأنهم لم يؤمنوا باليوم الآخر . وتكلف ~~المفسرون لدفع ما يرد على تأويلهم هذا من المنوع وذلك مبسوط في تفسير الفخر ~~وكله تعسفات . | PageV10P163 # والذي أراه في تفس ير هذه الآية أن المقصود الأهم منها قتال أهل الكتاب ~~من النصارى كما علمت ولكنها أدمجت معهم المشركين لئلا يتوهم أحد أن الأمر ~~بقتال أهل الكتاب يقتضي التفرغ لقتالهم ومتاركة قتال المشركين . | # فالمقصود من الآية هو الصفة الثالثة { ولا يدينون دين الحق } . | # وأما قوله : { الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر } إلى قوله { ~~ورسوله } فإدماج . فليس المقصود اقتصار القتال على من اجتمعت فيهم الصفات ~~الأربع بل كل الصفة المقصودة هي التي أردفت بالتبيين بقوله : { من الذين ~~أوتوا الكتاب } وما عداها إدماج وتأكيد لما مضى ، فالمشركون لا يؤمنون ~~بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون شيئا مما حرم الله ورسوله لأنهم لا ~~شريعة لهم فليس عندهم حلال وحرام ولا يدينون دين الحق وهو الإسلام وأما ~~اليهود والنصارى فيؤمنون بالله واليوم الآخر ويحرمون ما حرم الله في دينهم ~~ولكنهم لا يدينون دين الحق وهو الإسلام ويلحق بهم المجوس فقد كانت هذه ~~الأديان هي الغالبة على أممم المعروفف من العالم يومئذ ms3627 ، فقد كانت الروم ~~نصارى ، وكان في العرب النصارى في بلاد الشام وطي وكلب وقضاعة وتغلب وبكر ، ~~وكان المجوس ببلاد الفرس وكان فرق من المجوس في القبائل التي تتبع ملوك ~~الفرس من تميم وبكر والبحرين ، وكانت اليهود في خيبر وقريظة والنضير وأشتات ~~في بلاد اليمن وقد توفرت في أصحاب هذه الأديان من أسباب الأمر بقتالهم ما ~~أومأ إليه اختيار طريق الموصولية لتعريفهم بتلك الصلات لأن الموصولية أمكن ~~طريق في اللغة لحكاية أحوال كفرهم . | # ولا تحسبن أن عطف جمل على جملة الصلة يقتضي لزوم اجتماع تلك الصلات لكل ~~ما صدق عليه اسم الموصول ، فإن الواو لا تقيد إلا مطلق الجمع في الحكم فإن ~~اسم الموصول قد يكون مرادا به واحد فيكون كالمعهود باللام ، وقد يكون ~~المراد به جنسا PageV10P164 أو أجناسا مما يثبت له معنى الصلة أو الصلات ، ~~على أن حرف العطف نائب عن العامل فهو بمنزلة إعادة اسم الموصول سواء وقع ~~الاقتصار على حرف العطف كما في هذه الآية ، أم جمع بين حرف العطف وإعادة ~~اسم الموصول بعد حرف العطف كما في قوله تعالى : { وعباد الرحمن الذين يمشون ~~على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما والذين يبيتون لربهم سجدا ~~وقياما ، والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما إنها ~~ساءت مستقرا ومقاما ، والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك ~~قواما ، والذين لا يدعون مع الله إلاها آخر } ( الفرقان : 63 68 ) فقد عطفت ~~فيها ثمانية أسماء موصولة على اسم الموصول ولم يقتض ذلك أن كل موصول مختص ~~الماصدق على طائفة خاصة بل العبرة بالاتصاف بمضمون إحدى تلك الصلات جميعها ~~بالأولى ، والتعويل في مثل هذا على القرائن . | # وقوله : { من الذين أوتوا الكتاب } بيان لأقرب صلة منه وهي صلة { ولا ~~يدينون دين الحق } والأصل في البيان أن يكون بلصق المبين لأن البيان نظير ~~البدل المطابق وليس هذا من فروع مسألة الصفة ونحوها الواردة بعد جمل ~~متعاطفة مفرد وليس بيانا لجملة الصلة على أن القرينة ترده إلى مرده . ~~وفائدة ms3628 ذكره التنديد عليهم بأنهم أوتوا الكتاب ولم يدينوا دين الحق الذي ~~جاء به كتابهم ، وإنما دانوا بما حرفوا منه ، وما أنكروا منه ، وما ألصقوا ~~به ، ولو دانوا دين الحق لاتبعوا الإسلام ، لأن كتابهم الذي أوتوه أوصاهم ~~باتباع النبي الآتي من بعد { وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيناكم من ~~كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم ~~وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين فمن ~~تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون أفغير دين الله تبغون } ( آل عمران : 81 ~~83 ) . | # وقوله : { ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله } . بمعنى لا يجعلون حراما ما ~~حرمه الله فإن مادة فعل تستعمل في جعل المفعول متصفا بمصدر الفعل ، فيفيد ~~قوله : { ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله } أنهم يجعلونه غير حرام والمراد ~~أنهم يجعلونه مباحا . والمقصود من هذا تشنيع حالهم وإثارة كراهيتهم لهم ~~بأنهم يستبيحون ما حرمه الله على عباده ولما كان ما حرمه الله قبيحا منكرا ~~لقوله تعالى : { ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم PageV10P165 الخبائث } ( ~~الأعراف : 157 ) لا جرم أن الذين يستبيحونه دلوا على فساد عقولهم فكانوا ~~أهلا لردعهم عن باطلهم على أن ما حرم الله ورسوله شامل لكليات الشريعة ~~الضروريات كحفظ النفس والنسب والمال والعرض والمشركون لا يحرمون ذلك . | # والمراد ( برسوله ) محمد صلى الله عليه وسلم كما هو متعارف القرآن ولو ~~أريد غيره من الرسل لقال ورسله لأن الله ما حرم على لسان رسوله إلا ما هو ~~حقيق بالتحريم . | # وعلى هذا التفسير تكون هذه الآية تهيئة للمسلمين لأن يغزوا الروم والفرس ~~وما بقي من قبائل العرب الذين يستظلون بنصر إحدى هاتين الأمتين الذين تأخر ~~إسلامهم مثل قضاعة وتغلب بتخوم الشام حتى يؤمنوا أو يعطوا الجزية . | # و { حتى } غاية للقتال ، أي يستمر قتالكم إياهم إلى أن يعطوا الجزية . | # وضمير { يعطوا } عائد إلى { الذين أوتوا الكتاب } . | # والجزية اسم لمال يعطيه رجال قوم جزاء على الإبقاء بالحياة أو على ~~الإقرار بالأرض ، بنيت على وزن اسم الهيئة ، ولا مناسبة ms3629 في اعتبار الهيئة ~~هنا ، فلذلك كان الظاهر . هذا الاسم أنه معرب عن كلمة ( كزيت ) بالفارسية ~~بمعنى الخراج نقله المفسرون عن الخوارزمي ، ولم أقف على هذه الكلمة في كلام ~~العرب في الجاهلية ولم يعرج عليها الراغب في ( مفردات القرآن ) . ولم ~~يذكروها في ( معرب القرآن ) لوقوع التردد في ذلك لأنهم وجدوا مادة الاشتقاق ~~العربي صالحة فيها ولا شك أنها كانت معروفة المعنى للذين نزل القرآن بينهم ~~ولذلك عرفت في هذه الآية . | # وقوله : { عن يد } تأكيد لمعنى { يعطوا } للتنصيص على الإعطاء و { عن } ~~فيه للمجاوزة . أي يدفعوها بأيديهم ولا يقبل منهم إرسالها ولا الحوالة فيها ~~، ومحل المجرور الحال من الجزية . والمراد يد المعطي أي يعطوها غير ممتنعين ~~ولا منازعين في إعطائها وهذا كقول العرب ( أعطى بيده ) إذا انقاد . | # وجملة { وهم صاغرون } حال من ضمير يعطوا . | PageV10P166 # والصاغر اسم فاعل من صغر بكسر الغين صغرا بالتحريك وصغارا . إذا ذل ، ~~وتقدم ذكر الصغار في قوله تعالى : { سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله في ~~سورة الأنعام ( 124 ) ، أي وهم أذلاء وهذه حال لازمة لإعطاء الجزية عن يد : ~~والمقصود منه تعظيم أمر الحكم الإسلامي ، وتحقير أهل الكفر ليكون ذلك ~~ترغيبا لهم في الانخلاع عن دينهم الباطل واتباعهم دين الإسلام . وقد دلت ~~هذه الآية على أخذ الجزية من المجوس لأنهم أهل كتاب ونقل عن ابن المنذر : ~~لا أعلم خلافا في أن الجزية تؤخذ منهم ، وخالف ابن وهب من أصحاب مالك في ~~أخذ الجزية من مجوس العرب . وقال لا تقبل منهم جزية ولا بد من القتل أو ~~الإسلام كما دلت الآية على أخذ الجزية من نصارى العرب ، دون مشركي العرب : ~~لأن حكم قتالهم مضى في الآيات السالفة ولم يتعرض فيها إلى الجزية بل كانت ~~نهاية الأمر فيها قوله : فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا ~~سبيلهم } ( التوبة : 5 ) وقوله { فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~فإخوانكم } ( التوبة : 11 ) وقوله { ويتوب الله على من يشاء } ( التوبة : ~~15 ) . ولأنهم لو أخذت منهم الجزية لاقتضى ذلك إقرارهم في ديارهم لأن الله ~~لم يشرع ms3630 إجلاءهم عن ديارهم وذلك لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم | # | 2 ( 30 ) { وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ~~ذالك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى ~~يؤفكون } . ) 2 # عطف على جملة { ولا يدينون دين الحق } ( التوبة : 29 ) والتقدير : ويقول ~~اليهود منهم عزيز ابن الله ، ويقول النصارى منهم : المسيح ابن الله ، ~~تشنيعا على قائليهما من أهل الكتاب بأنهم بلغوا في الكفر غايته حتى ساووا ~~المشركين . | # وعزيز : اسم حبر كبير من أحبار اليهود الذين كانوا في الأسر البابلي ، ~~واسمه في العبرانية ( عزرا ) بكسر العين المهملة بن ( سرايا ) من سبط ~~اللاويين ، كان PageV10P167 حافظا للتوراة . وقد تفضل عليه ( كورش ) ملك ~~فارس فأطلقه من الأسر ، وأطلق معه بني إسرائيل من الأسر الذي كان عليهم في ~~بابل ، وأذنهم بالرجوع إلى أورشليم وبناء هيكلهم فيه ، وذلك في سنة 451 قبل ~~المسيح ، فكان عزرا زعيم أحبار اليهود الذين رجعوا بقومهم إلى أورشليم ~~وجددوا الهيكل وأعاد شريعة التوراة من حفظه ، فكان اليهود يعظمون عزرا إلى ~~حد أن ادعى عامتهم أن عزرا ابن الله ، غلوا منهم في تقديسه ، والذين وصفوه ~~بذلك جماعة من أحبار اليهود في المدينة ، وتبعهم كثير من عامتهم . وأحسب أن ~~الداعي لهم إلى هذا القول أن لا يكونوا أخلياء من نسبة أحد عظمائهم إلى ~~بنوة الله تعالى مثل قول النصارى في المسيح كما قال متقدموهم { اجعل لنا ~~إلاها كما لهم آلهة } ( الأعراف : 138 ) . | # قال بهذا القول فرقة من اليهود فألصق القول بهم جميعا لأن سكوت الباقين ~~عليه وعدم تغييره يلزمهم الموافقة عليه والرضا به ، وقد ذكر اسم عزرا في ~~الآية بصيغة التصغير ، فيحتمل أنه لما عرب عرب بصيغة تشبه صيغة التصغير ، ~~فيكون كذلك اسمه عند يهود المدينة ويحتمل أن تصغيره جرى على لسان يهود ~~المدينة تحبيبا فيه . | # قرأ الجمهور { عزير } ممنوعا من التنوين للعجمة وهو ما جزم به الزمخشري ~~وقرأه عاصم والكسائي ويعقوب : بالتنوين على اعتباره عربيا بسبب التصغير ~~الذي أدخل عليه لأن التصغير لا يدخل في الأعلام ms3631 العجمية ، وهو ما جزم به ~~عبد القاهر في فصل النظم من ( دلائل الإعجاز ) ، وتأول قراءة ترك التنوين ~~بوجهين لم يرتضهما الزمخشري . | # وأما قول النصارس ببنوة المسيح فهو معلوم مشهور . وقد مضى الكلام على ~~المسيح عند قوله تعالى : { وآتينا عيسى ابن مريم البينات في سورة البقرة ( ~~87 ) . وعند قوله تعالى : اسمه المسيح عيسى ابن مريم في سورة آل عمران ( 45 ~~) . | # والإشارة بذلك } إلى القول المستفاد من { قالت اليهود وقالت النصارى } . ~~والمقصود من الإشارة تشهير القول وتمييزه ، زيادة في تشنيعه عند المسلمين . ~~| # و { بأفواههم } حال من القول ، والمراد أنه قول لا يعدو الوجود في اللسان ~~وليس له ما يحققه في الواقع ، وهذا كناية عن كونه كاذبا كقوله تعالى : { ~~كبرت كلمة تخرج PageV10P168 من أفواههم إن يقولون إلا كذبا } ( الكهف : 5 ) ~~. وفي هذا أيضا إلزام لهم بهذا القول ، وسد باب تنصلهم منه إذ هو إقرارهم ~~بأفواههم وصريح كلامهم . | # والمضاهاة : المشابهة ، وإسنادها إلى القائلين : على تقدير مضاف ظاهر من ~~الكلام ، أي يضاهي قولهم . | # و { الذين كفروا من قبل } هم المشركون : من العرب ، ومن اليونان ، وغيرهم ~~، وكونهم من قبل النصارى ظاهر ، وأما كونهم من قبلل اليهود : فلأن اعتقاد ~~بنوة عزير طارىء في اليهود وليس من عقيدة قدمائهم . | # وجملة { قاتلهم الله } دعاء مستعمل في التعجيب ، وهو مركب يستعمل في ~~التعجب من عمل شنيع ، والمفاعلة فيه للمبالغة في الدعاء : أي قتلهم الله ~~قتلا شديدا . وجملة التعجيب مستأنفة كشأن التعجب . | # وجملة { أنى يؤفكون } مستأنفة . والاستفهام فيها مستعمل في التعجيب من ~~حالهم في الاتباع الباطل ، حتى شبه المكان الذي يصرفون إليه باعتقادهم ~~بمكان مجهول من شأنه أن يسأل عنه باسم الاستفهام عن المكان ، ومعنى { ~~يؤفكون } يصرفون . يقال : أفكه يأفكه إذا صرفه ، قال تعالى : { يؤفك عنه من ~~أفك } ( الذاريات : 9 ) والإفك بمعنى الكذب قد جاء من هذه المادة لأن ~~الكاذب يصرف السامع عن الصدق ، وقد تقدم ذلك غير مرة . | # | 2 ( 31 ) { اتخذو ا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن ~~مريم ومآ أمرو ا إلا ليعبدو ا إلاها واحدا لا ms3632 إلاه إلا هو سبحانه عما ~~يشركون } . ) 2 # | $ # الجملة تقرير لمضمون جملة { وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى ~~المسيح ابن الله } ( التوبة : 30 ) ليبنى على التقرير زيادة التشنيع بقوله ~~: { وما أمروا إلا ليعبدوا إلاها واحدا } إلخ ، فوزان هذه الجملة وزان جملة ~~{ اتخذوه وكانوا ظالمين } ( الأعراف : 148 ) بعد جملة { واتخذ قوم موسى من ~~بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار } ( الأعراف : 148 ) . والضمير لليهود ~~والنصارى . | PageV10P169 # والأحبار جمع حبر بفتح الحاء وهو العالم من علماء اليهود . | # الرهبان اسم جمع لراهب وهو التقي المنقطع لعبادة الله من أهل دين ~~النصرانية ، وإنما خص الحبر بعالم اليهود لأن عظماء دين اليهودية يشتغلون ~~بتحرير علوم شريعة التوراة فهم علماء في الدين وخص الراهب بعظيم دين ~~النصرانية لأن دين النصارى قائم على أصل الزهد في الدنيا والانقطاع للعبادة ~~. | # ومعنى اتخاذهم هؤلاء أربابا أن اليهود ادعوا لبعضهم بنوة الله تعالى وذلك ~~تأليه ، وأن النصارى أشد منهم في ذلك إذ كانوا يسجدون لصور عظماء ملتهم مثل ~~صورة مريم ، وصور الحواريين ، وصورة يحيى بن زكرياء ، والسجود من شعار ~~الربوبية ، وكانوا يستنصرون بهم في حروبهم ولا يستنصرون بالله . | # وهذا حال كثير من طوائفهم وفرقهم ، ولأنهم كانوا يأخذون بأقوال أحبارهم ~~ورهبانهم المخالفة لما هو معلوم بالضرورة أنه من الدين ، فكانوا يعتقدون أن ~~أحبارهم ورهبانهم يحللون ما حرم الله ، ويحرمون ما أحل الله ، وهذا مطرد في ~~جميع أهل الدينين ، ولذلك أفحم به النبي صلى الله عليه وسلم عديا بن حاتم ~~لما وفد عليه قبيل إسلامه لما سمع قوله تعالى : { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم ~~أربابا من دون الله } وقال عدي : لسنا نعبدهم فقال : ( أليس يحرمون ما أحل ~~الله فتحرمونه ويحلون ما حرم الله فتستحلونه فقلت : بلى قال : فتلك عبادتهم ~~) فحصل من مجموع أقوال اليهود والنصارى أنهم جعلوا لبعض أحبارهم ورهبانهم ~~مرتبة الربوبية في اعتقادهم فكانت الشناعة لازمة للأمتين ولو كان من بينهم ~~من لم يقل بمقالهم كما زعم عدي بن حاتم فإن الأمة تؤاخذ بما يصدر من ~~أفرادها إذا أقرته ولم تنكره ، ومعنى اتخاذهم أربابا ms3633 من دون الله أنهم ~~اتخذوهم أربابا دون أن يفردوا الله بالوحدانية ، وتخصيص المسيح بالذكر لأن ~~تأليه النصارى إياه أشنع وأشهر . | # وجملة { وما أمروا إلا ليعبدوا إلاها واحدا } في موضع الحال من ضمير { ~~اتخذوا أحبارهم } ، وهي محط زيادة التشنيع عليهم وإنكار صنيعهم بأنهم لا ~~عذر لهم فيما زعموا ، لأن وصايا كتب الملتين طافحة بالتحذير من عبادة ~~المخلوقات ومن إشراكها في خصائص الإلاهية . | PageV10P170 # وجملة { لا إلاه إلا هو } صفة ثانية ل { إلها واحدا } . | # وجملة { سبحانه عما يشركون } مستأنفة لقصد التنزيه والتبرىء مما افتروا ~~على الله تعالى ، ولذلك سمي ذلك إشراكا . | # | 2 ( 32 ) { يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم ~~نوره ولو كره الكافرون } . ) 2 # استئناف ابتدائي لزيادة إثارة غيظ المسلمين على أهل الكتاب ، بكشف ما ~~يضمرونه للإسلام من الممالاة ، والتألب على مناواة الدين ، حين تحققوا أنه ~~في انتشار وظهور ، فثار حسدهم وخشوا ظهور فضله على دينهم ، فالضمير في قوله ~~: { يريدون } عائد إلى { الذين أوتوا الكتاب } ( التوبة : 29 ) والإطفاء ~~إبطال الإسراج وإزالة النور بنفخ عليه ، أو هبوب رياح ، أو إراقة مياه على ~~الشيء المستنير من سراج أو جمر . | # والنور : الضوء وقد تقدم عند قوله تعالى : { نورا وهدى للناس في سورة ~~الأنعام ( 91 ) . والكلام تمثيل لحالهم في محاولة تكذيب النبي ، وصد الناس ~~عن اتباع الإسلام ، وإعانة المناوئين للإسلام بالقول والإرجاف ، والتحريض ~~على المقاومة . والانضمام إلى صفوف الأعداء في الحروب ، ومحاولة نصارى ~~الشام الهجوم على المدينة بحال من بيحاول إطفاء نور بنفخ فمه عليه ، فهذا ~~الكلام مركب مستعمل في غير ما وضع له على طريقة تشبيه الهيئة بالهيئة ، ومن ~~كمال بلاغته أنه صالح لتفكيك التشبيه بأن يشبه الإسلام وحده بالنور ، ويشبه ~~محاولو إبطاله بمريدي إطفاء النور ويشبه الإرجاف والتكذيب بالنفخ ، ومن ~~الرشاقة أن آلة النفخ وآلة التكذيب واحدة وهي الأفواه . والمثال المشهور ~~للتمثيل الصالحح لاعتباري التركيب والتفريق قول بشار : | # كأن مثار النقع فوق رؤوسنا | # وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه | # ولكن التفريق في تمثيلية الآية أشد استقلالا ، بخلاف بيت بشار ، كما يظهر ~~بالتأمل ms3634 . | PageV10P171 # وإضافة النور إلى اسم الجلالة إشارة إلى أن محاولة إطفائه عبث وأن أصحاب ~~تلك المحاولة لا يبلغون مرادهم . | # والإباء والإباية : الامتناع من الفعل ، وهو هنا تمثيل لإرادة الله تعالى ~~إتمام ظهور الإسلام بحال من يحاوله محاول على فعلل وهو يمتنع منه ، لأنهم ~~لما حاولوا طمس الإسلام كانوا في نفس الأمر محاولين إبطال مراد الله تعالى ~~، فكان حالهم ، في نفس الأمر ، كحال من يحاول من غيره فعلا وهو يأبى أن ~~يفعله . | # والاستثناء مفرغ وإن لم يسبقه نفي لأنه أجري فعل يأبى مجرى نفي الإرادة ، ~~كأنه قال : ولا يريد الله إلا أن يتم نوره ، ذلك أن فعل ( أبى ) ونحوه فيه ~~جانب نفي لأن إباية شيء جحد له ، فقوي جانب النفي هنا لوقوعه في مقابلة ~~قوله : يريدون أن يطفئوا نور الله } . فكان إباء ما يريدونه في معنى نفي ~~إرادة الله ما أرادوه . وبذلك يظهر الفرق بين هذه الآية وبين أن يقول قائل ~~( كرهت إلا أخاك ) . | # وجيء بهذا التركيب هنا لشدة مماحكة أهل الكتاب وتصلبهم في دينهم ، ولم ~~يجأ به في سورة الصف ( 8 ) إذ قال : { يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم ~~والله متم نوره لأن المنافقين كانوا يكيدون للمسلمين خفية وفي لين وتملق . ~~| # وذكر صاحب الكشاف } عند قوله تعالى : { فشربوا منه إلا قليل منهم في ~~قراءة الأعمش وأبي برفع قليل في سورة البقرة ( 249 ) : أن ارتفاع المستثنى ~~على البدلية من ضمير فشربوا } على اعتبار تضمين { شربوا } معنى ، فلم ~~يطعموه إلا قليل ، ميلا مع معنى الكلام . | # والإتمام مؤذن بالريادة والانتشار ولذلك لم يقل : ويأبى الله إلا أن يبقي ~~نوره . | # و { لو } في { ولو كره الكافرون } اتصالية ، وهي تفيد المبالغة بأن ما ~~بعدها أجدر بانتفاء ما قبلها لو كان منتفيا . والمبالغة بكراهية الكافرين ~~ترجع إلى المبالغة بآثار تلك الكراهية ، وهي التألب والتظاهر على مقاومة ~~الدين وإبطاله . وأما مجرد كراهيتهم فلا قيمة لها عند الله تعالى حتى يبالغ ~~بها ، والكافرون هم اليهود والنصارى . | # | PageV10P172 # | 2 ( 33 ) { هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ~~ولو ms3635 كره المشركون } . ) 2 # | $ # بيان لجملة { ويأبى الله إلا أن يتم نوره } ( التوبة : 32 ) بأنه أرسل ~~رسوله بهذا الدين ، فلا يريد إزالته ، ولا يجعل تقديره باطلا وعبثا . وفي ~~هذا البيان تنويه بشأن الرسول بعد التنويه بشأن الدين . | # وفي قوله : { هو الذي أرسل رسوله } صيغة قصر ، أي هو لا غيره أرسل رسوله ~~بهذا النور ، فكيف يترك معانديه يطفئونه . | # واجتلاب اسم الموصول : للإيماء إلى أن مضمون الصلة علة للجملة التي بنيت ~~عليها هذه الجملة وهي جملة : { ويأبى الله إلا أن يتم نوره } ( التوبة : 32 ~~) . | # وعبر عن الإسلام { بالهدى ودين الحق } تنويها بفضله ، وتعريضا بأن ما هم ~~عليه ليس بهدى ولا حق . | # وفعل الإظهار إذا عدي ب { على } كان مضمنا معنى النصر ، أو التفضيل ، أي ~~لينصره على الأديان كلها ، أي ليكون أشرف الأديان وأغلبها ، ومنه المظاهرة ~~أي المناصرة ، وقد تقدم ذكرها آنفا عند قوله : { ولم يظاهروا عليكم أحدا } ~~( التوبة : 4 ) . | # فالإسلام كان أشرف الأديان : لأن معجزة صدقه القرآن ، وهو معجزة تدرك ~~بالعقل ، ويستوي في إدراك إعجازها جميع العصور ، ولخلو هذا الدين عن جميع ~~العيوب في الإعتقاد والفعل ، فهو خلي عن إثبات ما لا يليق بالله تعالى ، ~~وخلي عن وضع التكاليف الشاقة ، وخلي عن الدعوة إلى الإعراض عن استقامة نظام ~~العالم ، وقد فصلت ذلك في الكتاب الذي سميته ( أصول النظام الاجتماعي في ~~الإسلام ) . | # وظهور الإسلام على الدين كله حصل في العالم باتباع أهل الملل إياه في ~~سائر الأقطار ، بالرغم على كراهية أقوامهم وعظماء مللهم ذلك ، ومقاومتهم ~~إياه بكل حيلة ومع ذلك فقد ظهر وعلا وبان فضله على الأديان التي جاورها ~~وسلامته من الخرافات PageV10P173 والأوهام التي تعلقوا بها ، وما صلحت بعض ~~أمورهم إلا فيما حاكوه من أحوال المسلمين وأسباب نهوضهم ، ولا يلزم من ~~إظهاره على الأديان أن تنقرض تلك الأديان . | # و { لو } في { ولو كره المشركون } وصلية مثل التي في نظيرتها . وذكر ~~المشركون هنا لأن ظهور دين الإسلام أشد حسرة عليهم من كل أمة ، لأنهم الذين ~~ابتدأوا بمعارضته وعداوته ودعوا الأمم للتألب عليه واستنصروا بهم فلم ms3636 يغنوا ~~عنهم شيئا ، ولأن أتم مظاهر انتصار الإسلام كان في جزيرة العرب وهي ديار ~~المشركين لأن الإسلام غلب عليها ، وزالت منها جميع الأديان الأخرى ، وقد ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا يبقى دينان في جزيرة العرب ) فلذلك ~~كانت كراهية المشركين ظهوره محل المبالغة في أحوال إظهاره على الدين كله ~~كما يظهر بالتأمل . | # | 2 ( 34 ) { ياأيها الذين ءامنوا إن كثيرا من الاحبار والرهبان ليأكلون ~~أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ~~ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم } . ) 2 # استئناف ابتدائي لتنبيه المسلمين على نقائص أهل الكتاب ، تحقيرا لهم في ~~نفوسهم ، ليكونوا أشداء عليهم في معاملتهم ، فبعد أن ذكر تأليه عامتهم ~~لأفاضل من أحبارهم ورهبانهم المتقدمين : مثلل عزير ، بين للمسلمين أن كثيرا ~~من الأحبار والرهبان المتأخرين ليسوا على حال كمال ، ولا يستحقون المقام ~~الديني الذي ينتحلونه ، والمقصود من هذا التنبيه أن يعلم المسلمون تمالىء ~~الخاصة والعامة من أهل الكتاب ، على الضلال وعلى مناواة الإسلام ، وأن ~~غرضهم من ذلك حب الخاصة الاستيثار بالسيادة ، وحب العامة الاستيثار بالمزية ~~بين العرب . | # وافتتاح الجملة بالنداء واقترانها بحرفي التأكيد ، للاهتمام بمضمونها ~~ورفع احتمال المبالغة فيه لغرابته . | # وتقدم ذكر الأحبار والرهبان آنفا . | PageV10P174 # وأسند الحكم إلى كثير منهم دون جميعهم لأنهم لم يخلوا من وجود الصالحين ~~فيهم مثل عبد الله بن سلام ومخيريق . | # والباطل ضد الحق ، أي يأكلون أموال الناس أكلا ملابسا للباطل ، أي أكلا ~~لا مبرر له ، وإطلاق الأكل على أخذ مال الغير إطلاق شائع قال تعالى : { ~~وتأكلون التراث أكلا لما } ( الفجر : 19 ) وقال { ولا تأكلوا أموالكم بينكم ~~بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم ~~تعلمون في سورة البقرة ( 188 ) وقد تقدم ، وكذلك الباطل تقدم هنالك . | # والباطل يشمل وجوها كثيرة ، منها تغيير الأحكام الدينية لموافقة أهواء ~~الناس ، ومنها القضاء بين الناس بغير إعطاء صاحبب الحق حقه المعين له في ~~الشريعة ، ومنها جحد الأمانات عن أربابها أو عن ورثتهم ، ومنها أكل أموال ~~اليتامى ، وأموال الأوقاف والصدقات ms3637 . | # وسبيل الله طريقه استعير لدينه الموصل إليه ، أي إلى رضاه ، والصد عن ~~سبيل الله الإعراض عن متابعة الدين الحق في خاصة النفس ، وإغراء الناس ~~بالإعراض عن ذلك . فيكون هذا بالنسبة لأحكام دينهم إذ يغيرون العمل بها ، ~~ويضللون العامة في حقيقتها حتى يعملوا بخلافها ، وهم يحسبون أنهم متبعون ~~لدينهم ، ويكون ذلك أيضا بالنسبة إلى دين الإسلام إذ ينكرون نبوءة محمد ~~ويعلمون أتباع ملتهم أن الإسلام ليس بدين الحق . | # والأجل ما في الصد من معنى صد الفاعل نفسه أتت صيغة مضارعه بضم العين : ~~اعتبارا بأنه مضاعف متعد ، ولذلك لم يجىء في القرآن إلا مضموم الصاد ولو في ~~المواضع التي لا يراد فيها أنه يصد غيره ، وتقدم ذكر شيء من هذا عند قوله ~~تعالى : الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا في سورة الأعراف ( 45 ) . ~~| PageV10P175 # جملة معطوفة على جملة { يأيها الذين آمنوا إن كثيرا } والمناسبة بين ~~الجملتين : أن كلتيهما تنبيه على مساوي أقوام يضعهم الناس في مقامات الرفعة ~~والسؤدد وليسوا أهلا لذلك ، فمضمون الجملة الأولى بيان مساوي أقوام رفع ~~الناس أقدارهم لعلمهم ودينهم ، وكانوا منطوين على خبائث خفية ، ومضمون ~~الجملة الثانية بيان مساوي أقوام رفعهم الناس لأجل أموالهم ، فبين الله أن ~~تلك الأموال إذا لم تنفق في سبيل الله لا تغني عنهم شيئا من العذاب . | # وأما وجه مناسبة نزول هذه الآية في هذه السورة : فذلك أن هذه السورة نزلت ~~إثر غزوة تبوك ، وكانت غزوة تبوك في وقت عسرة ، وكانت الحاجة إلى العدة ~~والظهر كثيرة ، كما أشارت إليه آية { ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم ~~قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا أن لا يجدوا ~~ما ينفقون } ( التوبة : 92 ) وقد ورد في ( السيرة ) أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حض أهل الغنى على النفقة والحملان في سبيل الله ، وقد أنفق عثمان ~~بن عفان ألف دينار ذهبا على جيش غزوة تبوك وحمل كثير من أهل الغنى فالذين ~~انكمشوا عن النفقة هم الذين عنتهم الآية ب { والذين يكنزون الذهب ms3638 والفضة ~~ولا ينفقونها في سبيل الله } ولا شك أنهم من المنافقين . | # والكنز بفتح الكاف مصدر كنز إذا ادخر مالا ، ويطلق على المال من الذهب ~~والفضة الذي يخزن ، من إطلاق المصدر على المفعول كالخلق بمعنى المخلوق . | # و { سبيل الله } هو الجهاد الإسلامي وهو المراد هنا . | # فالموصول مراد به قوم معهودون يعرفون أنهم المراد من الوعيد ، ويعرفهم ~~المسلمون فلذلك لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أنب قوما بأعيانهم . | ~~PageV10P176 # ومعنى { ولا ينفقونها في سبيل الله } انتفاء الإنفاق الواجب ، وهو ~~الصدقات الواجبة والنفقات الواجبة : إما وجوبا مستمرا كالزكاة ، وإما وجوبا ~~عارضا كالنفقة في الحج الواجبب ، والنفقة في نوائب المسلمين مما يدعو الناس ~~إليه ولاة العدل . | # والضمير المؤنث في قوله : { ينفقونها } عائد إلى الذهب والفضة . | # والوعيد منوط بالكنز وعدمم الإنفاق ، فليس الكنز وحده بمتوعد عليه ، ~~وليست الآية في معرض أحكام ادخار المال ، وفي معرض إيجاب الإنفاق ، ولا هي ~~في تعيين سبل البر والمعروف التي يجب الإخراج لأجلها من المال ، ولا داعي ~~إلى تأويل الكنز بالمال الذي لم تؤد زكاته حين وجوبها ، ولا إلى تأويل ~~الإنفاق بأداء الزكاة الواجبة ، ولا إلى تأويل { سبيل الله } بالصدقات ~~الواجبة ، لأنه ليس المراد باسم الموصول العموم بل أريد به العهد ، فلا ~~حاجة إلى ادعاء أنها نسختها آية وجوب الزكاة ، فإن وجوب الزكاة سابق على ~~وقت نزول هذه الآية . | # ووقع في ( الموطأ ) أن عبد الله بن عمر سئل عن الكنز ، أي المذموم ~~المتوعد عليه في آية { والذين يكنزون الذهب والفضة } الآية ما هو ؟ فقال : ~~هو المال الذي لا تؤدى منه الزكاة . وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من كان عنده مال لم يؤد زكاته مثل له يوم ~~القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يطوقه ثم يأخذ بلهزمتيه يعني شدقيه ثم يقول ~~: أنا مالك أنا كنزك ) فتأويله أن ذلك بعض ماله وبعض كنزه ، أي فهو الكنز ~~المذموم في الكتاب والسنة وليس كل كنز مذموما . | # وشذ أبو ذر فحمل الآية على عموم الكانزين في جميع ms3639 أحوال الكنز ، وعلى ~~عموم الإنفاق ، وحمل سبيل الله على وجوه البر ، فقال بتحريم كنز المال ، ~~وكأنه تأول { ولا ينفقونها } على معنى ما يسمى عطف التفسير ، أي على معنى ~~العطف لمجرد القرن بين اللفظين ، فكان أبو ذر بالشام ينهى الناس على الكنز ~~ويقول : بشر الكانزين بمكاو من نار تكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم ، فقال ~~له معاوية : وهو أمير الشام ، في خلافة عثمان : إنما نزلت الآية في أهل ~~الكتاب ، فقال أبو ذر : نزلت فيهم وفينا ، واشتد قول أبي ذر على الناس ~~ورأوه قولا لم يقله أحد في زمن رسول الله صلى الله PageV10P177 عليه وسلم ~~وصاحبيه فشكاه معاوية إلى عثمان ، فاستجلبه من الشام وخشي أبو ذر الفتنة في ~~المدينة فاعتزلها وسكن الربذة وثبت على رأيه وقوله . | # والفاء في قوله : { فبشرهم } داخلة على خبر الموصول ، لتنزيل الموصول ~~منزلة الشرط ، لما فيه من الإيماء إلى تعليل الصلة في الخبر ، فضمير الجمع ~~عائد إلى { الذين } ويجوز كون الضمير عائدا إلى الأحبار والرهبان والذين ~~يكنزون . والفاء للفصيحة بأن يكون بعد أن ذكر آكلي الأموال الصادين عن سبيل ~~الله وذكر الكانزين ، أمر رسوله بأن ينذر جميعهم بالعذاب ، فدلت الفاء على ~~شرط محذوف تقديره : إذا علمت أحوالهم هذه فبشرهم ، والتبشير مستعار للوعيد ~~على طريقة التهكم . | # | 2 ( 35 ) { يوم يحمى عليها فى نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم ~~وظهورهم هاذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون } . ) 2 # انتصب { يوم يحمى } على الظرفية ل { عذاب } ( التوبة : 34 ) ، لما في لفظ ~~عذاب من معنى يعذبون . وضمير { عليها عائد إلى الذهب والفضة } ( التوبة : ~~34 ) بتأويلهما بالدنانير والدراهم ، أو عائد إلى { أموال الناس } ( التوبة ~~: 34 ) و { الذهب والفضة } ( التوبة : 34 ) ، إن كان الضمير في قوله : { ~~فبشرهم } ( التوبة : 34 ) عائدا إلى { الأحبار والرهبان والذين يكنزون } ( ~~التوبة : 34 ) . | # والحمي شدة الحرارة . يقال : حمي الشيء إذا اشتد حره . | # والضمير المجرور بعلى عائد إلى { الذهب والفضة } ( التوبة : 34 ) باعتبار ~~أنها دنانير أو دراهم ، وهي متعددة وبني الفعل للمجهول لعدم تعلق الغرض ~~بالفاعل ، فكأنه قيل : يوم يحمي الحامون ms3640 عليها ، وأسند الفعل المبني ~~للمجهول إلى المجرور لعدم تعلق الغرض بذكر المفعول المحمي لظهوره : إذ هو ~~النار التي تحمى ، ولذلك لم يقرن بعلامة التأنيث ، عدي بعلى الدالة على ~~الاستعلاء المجازي لإفادة أن الحمي تمكن من الأموال بحيث تكتسب حرارة ~~المحمي كلها ، ثم أكد معنى التمكن بمعنى الظرفية التي في قوله : { في نار ~~جهنم } فصارت الأموال محمية عليها النار وموضوعة في النار . PageV10P178 ~~وبإضافة النار إلى جهنم علم أن المحمي هو نار جهنم التي هي أشد نار في ~~الحرارة فجاء تركيبا بديعا من البلاغة والمبالغة في إيجاز . | # والكي : أن يوضع على الجلد جمر أو شيء مشتعل . | # والجباه : جمع جبهة وهي أعلى الوجه مما يلي الرأس . | # والجنوب : جمع جنب وهو جانب الجسد من اليمين واليسار . | # والظهور : جمع ظهر وهو ما بين العنفقة إلى منتهى فقار العظم . | # والمعنى : تعميم جهات الأجساد بالكي فإن تلك الجهات متفاوتة ومختلفة في ~~الإحساس بألم الكي ، فيحصل مع تعميم الكي إذاقة لأصنافف من الآلام . | # وسلك في التعبير عن التعميم مسلك الإطناب بالتعداد لاستحضار حالة ذلك ~~العقاب الأليم ، تهويلا لشأنه ، فلذلك لم يقل : فتكوى بها أجسادهم . | # وكيفية إحضار تلك الدراهم والدنانير لتحمى من شؤون الآخرة الخارقة ~~للعادات المألوفة فبقدرة الله تحضر تلك الدنانير والدراهم أو أمثالها كما ~~ورد في حديث مانع الزكاة في ( الموطأ ) و ( الصحيحين ) أنه يمثل له ماله ~~شجاعا أقرع يأخذ بلهزمتيه يقول : ( أنا مالك أنا كنزلك ) وبقدرة الله يكوى ~~الممتنعون من إنفاقها في سبيل الله ، وإن كانت قد تداول أعيانها خلق كثير ~~في الدنيا بانتقالها من يد إلى يد ، ومن بلد إلى بلد ، ومن عصر إلى عصر . | # وجملة { هذا ما كنزتم لأنفسكم } مقول قول محذوف ، وحذف القول في مثله ~~كثير في القرآن ، والإشارة إلى المحمي ، وزيادة قوله : { لأنفسكم } للتنديم ~~والتغليظ ولام التعليل مؤذنة بقصد الانتفاع لأن الفعل الذي علل بها هو من ~~فعل المخاطب ، وهو لا يفعل شيئا لأجل نفسه إلا لأنه يريد به راحتها ونفعها ~~، فلما آل بهم الكنز إلى العذاب الأليم كانوا قد خابوا وخسروا ms3641 فيما انتفعوا ~~به من الذهب والفضة ، بما كان أضعافا مضاعفة من ألم العذاب وجملة { فذوقوا ~~ما كنتم تكنزون } توبيخ وتنديم . | # والفاء في { فذوقوا } لتفريع مضمون جملة التوبيخ على جملة التنديم الأولى ~~. | PageV10P179 # والذوق مجاز في الحس بعلاقة الإطلاق ، وتقدم عند قوله تعالى : { ليذوق ~~وبال أمره في سورة العقود ( 95 ) . | # وما كنتم تكنزون } مفعول لفعل الذوق على تقدير مضاف يعلم من المقام : أي ~~ذوقوا عذاب ما كنتم تكنزون . | # وعبر بالموصولية في قوله : { ما كنتم تكنزون } للتنبيه على غلطهم فيما ~~كنزوا لقصد التنديم . | # | 2 ( 36 ) { إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق ~~السماوات والارض منهآ أربعة حرم ذالك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم ~~وقاتلوا المشركين كآفة كما يقاتلونكم كآفة واعلمو ا أن الله مع المتقين } . ~~) 2 # | $ # استئناف ابتدائي لإقامة نظام التوقيت للأمة على الوجه الحق الصالح لجميع ~~البشر ، والمناسب لما وضع الله عليه نظام العالم الأرضي ، وما يتصل به من ~~نظام العوالم السماوية ، بوجه محكم لا مدخل لتحكمات الناس فيه ، وليوضح ~~تعيين الأشهر الحرم من قوله : { فإذا انسلخ الأشهر الحرم } ( التوبة : 5 ) ~~بعدما عقب ذلك من التفاضيل في أحكام الأمن والحرب مع فرق الكفار من ~~المشركين وغيرهم . | # والمقصود : ضبط الأشهر الحرم وإبطال ما أدخله المشركون فيها من النسيء ~~الذي أفسد أوقاتها ، وأفضى إلى اختلاطها ، وأزال حرمة ماله حرمة منها ، ~~وأكسب حرمة لما لا حرمة له منها . | # وإن ضبط التوقيت من أصول إقامة نظام الأمة ودفع الفوضى عن أحوالها . | # وافتتاح الكلام بحرف التوكيد للاهتمام بمضمونه لتتوجه أسماع الناس ~~وألبابهم إلى وعيه . | # والمراد بالشهور : الشهور القمرية بقرينة المقام ، لأنها المعروفة عند ~~العرب وعند أغلب الأمم ، وهي أقدم أشهر التوقيت في البشر وأضبطها لأن ~~اختلاف أحوال القمر PageV10P180 مساعد على اتخاذ تلك الأحوال مواقيت ~~للمواعيد والآجال ، وتاريخخ الحوادث الماضية ، بمجرد المشاهدة ، فإن القمر ~~كرة تابعة لنظام الأرض . قال تعالى : { لتعلموا عدد السنين والحساب } ( ~~يونس : 5 ) ولأن الاستناد إلى الأحوال السماوية أضبط وأبعد عن الخطأ ، ~~لأنها لا تتناولها أيدي الناس بالتغيير ms3642 والتبديل ، وما حدثت الأشهر الشمسية ~~وسنتها إلا بعد ظهور علم الفلك والميقات ، فانتفع الناس بنظام سير الشمس في ~~ضبط الفصول الأربعة ، وجعلوها حسابا لتوقيت الأعمال التي لا يصلح لها إلا ~~بعض الفصول ، مثل الحرث والحصاد وأحوال الماشية ، وقد كان الحساب الشمسي ~~معروفا عند القبط والكلدانيين ، وجاءت التوراة بتعيين الأوقات القمرية ~~للأشهر ، وتعيين الشمسية للأعياد ، ومعلوم أن الأعياد في الدرجة الثانية من ~~أحوال البشر لأنها راجعة إلى التحسين ، فأما ضبط الأشهر فيرجع إلى الحاجي . ~~فألهم الله البشر ، فيما ألهمهم من تأسيس أصول حضارتهم ، أن اتخذوا نظاما ~~لتوقيت أعمالهم المحتاجة للتوقيت ، وأن جعلوه مستندا إلى مشاهدات بينة ~~واضحة لسائر الناس ، لا تنحجب عنهم إلا قليلا في قليل ، ثم لا تلبث أن تلوح ~~لهم واضحة باهرة ، وألهمهم أن اهتدوا إلى ظواهر مما خلق الله له نظاما ~~مطردا . وذلك كواكب السماء ومنازلها ، كما قال في بيان حكمة ذلك { هو الذي ~~جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق ~~الله ذلك إلا بالحق } ( يونس : 5 ) ، وإن جعلوا توقيتهم اليومي مستندا إلى ~~ظهور نور الشمس ومغيبه عنهم ، لأنهم وجدوه على نظام لا يتغير ، ولاشتراك ~~الناس في مشاهدة ذلك ، وبذلك تنظم اليوم والليلة ، وجعلوا توقيتهم الشهري ~~بابتداء ظهور أول أجزاء القمر وهو المسمى هلالا إلى انتهاء محاقه فإذا عاد ~~إلى مثل الظهور الأول فذلك ابتداء شهر آخر ، وجعلوا مراتب أعداد أجزاء ~~المدة المسماة بالشهر مرتبة بتزايد ضوء النصف المضيء من القمر كل ليلة ، ~~وبإعانة منازل ظهور القمر كل ليلة حذو شكل من النجوم سموه بالمنازل . وقد ~~وجدوا ذلك على نظام مطرد ، ثم ألهمهم فرقبوا المدة التي عاد فيها الثمر أو ~~الكلأ الذي ابتدأوا في مثله العد وهي أوقات الفصول الأربعة ، فوجدوها قد ~~احتوت على اثني عشر شهرا فسموا تلك المدة عاما ، فكانت الأشهر لذلك اثني ~~عشر شهرا ، لأن ما زاد على ذلك يعود إلى مثل الوقت الذي ابتدأوا فيه الحساب ~~أول مرة ، ودعوها بأسماء لتمييز بعضها عن بعض دفعا للغلط ، وجعلوا لابتداء ms3643 ~~السنين بالحوادث على حسب اشتهارها PageV10P181 عندهم ، إن أرادوا ذلك وذلك ~~واسع عليهم ، فلما أراد الله أن يجعل للناس عبادات ومواسم وأعيادا دورية ~~تكون مرة في كل سنة ، أمرهم أن يجعلوا العبادة في الوقت المماثل لوقت أختها ~~ففرض على إبراهيم وبنيه حج البيت كل سنة في الشهر الثاني عشر ، وجعل لهم ~~زمنا محترما بينهم يأمنون فيه على نفوسهم وأموالهم ويستطيعون فيه السفر ~~البعيد وهي الأشهر الحرم ، فلما حصل ذلك كله بمجموع تكوين الله تعالى ~~للكواكب ، وإيداعه الإلهام بالتفطن لحكمتها ، والتمكن من ضبط مطرد أحوالها ~~، وتعيينه ما عين من العبادات والأعمال بمواقيتها ، كان ذلك كله مرادا عنده ~~فلذلك قال : { إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق ~~السماوات والأرض } . | # فمعنى قوله : { إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا } : أنها كذلك في ~~النظام الذي وضع عليه هذه الأرض التي جعلها مقر البشر باعتبار تمايز كل ~~واحد فيها عن الآخر ، فإذا تجاوزت الاثني عشر صار ما زاد على الاثني عشر ~~مماثلا لنظير له في وقت حلوله فاعتبر شيئا مكررا . | # و { عند الله } معناه في حكمه وتقديره ، فالعندية مجاز في الاعتبار ~~والاعتداد ، وهو ظرف معمول ل { عدة } أو حال من { عدة } و { في كتاب الله } ~~صفة ل { اثنا عشر شهرا } . | # ومعنى { في كتاب الله } في تقديره ، وهو التقدير الذي به وجدت المقدورات ~~، أعني تعلق القدرة بها تعلقا تنجيزيا كقوله : { كتابا مؤجلا } ( آل عمران ~~: 145 ) أي قدرا محددا ، فكتاب هنا مصدر . | # بيان ذلك أنه لما خلق القمر على ذلك النظام أراد من حكمته أن يكون طريقا ~~لحساب الزمان كما قال : { وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب } ( يونس ~~: 5 ) ولذلك قال هنا { يوم خلق السماوات والأرض } ف { يوم } ظرف ل { كتاب ~~الله } بمعنى التقدير الخاص ، فإنه لما خلق السماوات والأرض كان مما خلق ~~هذا النظام المنتسب بين القمر والأرض . | # ولهذا الوجه ذكرت الأرض مع السماوات دون الاقتصار على السماوات ، لأن تلك ~~الظواهر التي للقمر ، وكان بها القمر مجزءا أجزاء ، منذ كونه ms3644 هلالا ، إلى ~~ربعه الأول ، إلى البدر ، إلى الربع الثالث ، إلى المحاق ، وهي مقادير ~~الأسابيع ، إنما هي PageV10P182 مظاهر بحسب سمته من الأرض وانطباع ضوء ~~الشمس على المقدار البادي منه للأرض . ولأن المنازل التي يحل فيها بعدد ~~ليالي الشهر هي منازل فرضية بمرأى العين على حسب مسامتته الأرض من ناحية ~~إحدى تلك الكتل من الكواكب ، التي تبدو للعين مجتمعة ، وهي في نفس الأمر ~~لها أبعاد متفاوتة لا تآلف بينها ولا اجتماع ، ولأن طلوع الهلال في مثل ~~الوقت الذي طلع فيه قبل أحد عشر طلوعا من أي وقت ابتدىء منه العد من أوقات ~~الفصول ، إنما هو باعتبار أحوال أرضية . | # فلا جرم كان نظام الأشهر القمرية وسنتها حاصلا من مجموع نظام خلق الأرض ~~وخلق السماوات ، أي الأجرام السماوية وأحوالها في أفلاكها ، ولذلك ذكرت ~~الأرض والسماوات معا . | # وهذه الأشهر معلومة بأسمائها عند العرب ، وقد اصطلحوا على أن جعلوا ~~ابتداء حسابها بعد موسم الحج ، فمبدأ السنة عندهم هو ظهور الهلال الذي بعد ~~انتهاء الحج وذلك هلال المحرم ، فلذلك كان أول السنة العربية شهر المحرم ~~بلا شك ، ألا ترى قول لبيد : | # حتى إذا سلخا جمادى ستة | # جزءا فطال صيامه وصيامها | # أراد جمادى الثانية فوصفه بستة لأنه الشهر السادس من السنة العربية . | # وقرأ الجمهور { اثنا عشر } بفتح شين { عشر } وقرأه أبو جعفر { اثنا عشر } ~~بسكون عين { عشر } مع مد ألف اثنا مشبعا . | # والأربعة الحرم هي المعروفة عندهم : ثلاثة منها متوالية لا اختلاف فيها ~~بين العرب وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ، والرابع فرد وهو رجب عند ~~جمهور العرب ، إلا ربيعة فهم يجعلون الرابع رمضان ويسمونه رجبا ، وأحسب ~~أنهم يصفونه بالثاني مثل ربيع وجمادى ، ولا اعتداد بهؤلاء لأنهم شذوا كما ~~لم يعتد بالقبيلة التي كانت تحل أشهر السنة كلها ، وهي قضاعة . وقد بين ~~إجمال هذه الآية النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة حجة الوداع بقوله : { ~~منها أربعة حرم } ( ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى ~~وشعبان ) . | PageV10P183 # وتحريم هذه الأشهر الأربعة مما شرعه الله لإبراهيم عليه ms3645 السلام لمصلحة ~~الناس ، وإقامة الحج ، كما قال تعالى : { جعل الله الكعبة البيت الحرام ~~قياما للناس والشهر الحرام } ( المائدة : 97 ) . | # واعلم أن تفضيل الأوقات والبقاع يشبه تفضيل الناس ، فتفضيل الناس بما ~~يصدر عنهم من الأعمال الصالحة ، والأخلاق الكريمة ، وتفضيل غيرهم مما لا ~~إرادة له بما يقارنه من الفضائل ، الواقعة فيه ، أو المقارنة له . فتفضيل ~~الأوقات والبقاع إنما يكون بجعل الله تعالى بخبر منه ، أو بإطلاع على مراده ~~، لأن الله إذا فضلها جعلها مظان لتطلب رضاه ، مثل كونها مظان إجابة ~~الدعوات ، أو مضاعفة الحسنات ، كما قال تعالى : { ليلة القدر خير من ألف ~~شهر } ( القدر : 3 ) أي من عبادة ألف شهر لمن قبلنا من الأمم ، وقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم ( صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا ~~المسجد الحرام ) والله العليم بالحكمة التي لأجلها فضل زمن على زمن ، وفضل ~~مكان على مكان والأمور المجعولة من الله تعالى هي شؤون وأحوال أرادها الله ~~، فقدرها ، فأشبهت الأمور الكونيه ، فلا يبطلها إلا إبطال من الله تعالى ، ~~كما أبطل تقديس السبت بالجمعة ، وليس للناس أن يجعلوا تفضيلا في أوقات ~~دينية : لأن الأمور التي يجعلها الناس تشبه المصنوعات اليدوية ، ولا يكون ~~لها اعتبار إلا إذا أريدت بها مقاصد صالحة فليس للناس أن يغيروا ما جعله ~~الله تعالى من الفضل لأزمنة أو أمكنة أو ناس . | # { ذالك الدين القيم } . | # الإشارة بقوله : { ذلك } إلى المذكور : من عدة الشهور الاثني عشر ، وعدة ~~الأشهر الحرم . أي ذلك التقسيم هو الدين الكامل ، وما عداه لا يخلو من أن ~~اعتراه التبديل أو التحكم فيه لاختصاص بعض الناس بمعرفته على تفاوتهم في ~~صحة المعرفة . | # والدين : النظام المنسوب إلى الخالق الذي يدان الناس به ، أي يعاملون ~~بقوانينه . وتقدم عند قوله تعالى : { إن الدين عند الله الإسلام في سورة آل ~~عمران ( 19 ) ، كما وصف PageV10P184 بذلك في قوله تعالى : فأقم وجهك للدين ~~حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ~~} ( الروم : 30 ) . | # فكون عدة الشهور اثني عشر تحقق ms3646 بأصل الخلقة لقوله عقبه { في كتاب الله ~~يوم خلق السماوات والأرض } . | # وكون أربعة من تلك الأشهر أشهرا حرما تحقق بالجعل التشريعي للإشارة عقبه ~~بقوله : { ذلك الدين القيم } ، فحصل من مجموع ذلك أن كون الشهور اثني عشر ~~وأن منها أربعة حرما اعتبر من دين الإسلام وبذلك نسخ ما كان في شريعة ~~التوراة من ضبط مواقيت الأعياد الدينية بالتاريخ الشمسي ، وأبطل ما كان ~~عليه أهل الجاهلية . | # وجملة : { ذلك الدين القيم } معترضة بين جملة { إن عدة الشهور } وجملة { ~~فلا تظلموا فيهن أنفسكم } . | # { فلا تظلموا فيهن أنفسكم } . | # تفريع على { منها أربعة حرم } فإنها ، لما كانت حرمتها مما شرعه الله ، ~~أوجب الله على الناس تعظيم حرمتها بأن يتجنبوا الأعمال السيئة فيها . | # فالضمير المجرور ب { في } عائد إلى الأربعة الحرم : لأنها أقرب مذكور ، ~~ولأنه أنسب بسياق التحذير من ارتكاب الظلم فيها ، وإلا لكان مجرد اقتضاب ~~بلا مناسبة ، ولأن الكسائي والفراء ادعيا أن الاستعمال جرى أن يكون ضمير ~~جمع القلة من المؤنث مثل هن كما قال هنا { فيهن } إن ضمير جمع الكثرة من ~~المؤنث مثل ( ها ) يعاملان معاملة الواحد كما قال : { منها أربعة حرم } ~~ومعلوم أن جموع غير العاقل تعامل معاملة التأنيث ، وقال الكسائي : إنه من ~~عجائب الاستعمال العربي ولذلك يقولون فيما دون العشر من الليالي ( خلون ) ~~وفيما فوقها ( خلت ) . وعن ابن عباس أنه فسر ضمير فيهن بالأشهر الاثني عشر ~~فالمعنى عنده : فلا تظلموا أنفسكم بالمعاصي في جميع السنة يعني أن حرمة ~~الدين أعظم من حرمة الأشهر الأربعة PageV10P185 في الجاهلية ، وهذا يقتضي ~~عدم التفرقة في ضمائر التأنيث بين { فيها } و { فيهن } وأن الاختلاف بينهما ~~في الآية تفنن وظلم النفس هو فعل ما نهى الله عنه وتوعد عليه ، فإن فعله ~~إلقاء بالنفس إلى العذاب ، فكان ظلما للنفس قال تعالى : { ولو أنهم إذ ~~ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله } ( النساء : 64 ) الآية وقال : { ومن ~~يعمل سوءا أو يظلم نفسه } ( النساء : 110 ) . | # والأنفس تحتمل أنها أنفس الظالمين في قوله : { فلا تظلموا } أي لا يظلم ~~كل واحد نفسه . ووجه تخصيص المعاصي في ms3647 هذه الأشهر بالنهي : أن الله جعلها ~~مواقيت للعبادة ، فإن لم يكن أحد متلبسا بالعبادة فيها فليكن غير متلبس ~~بالمعاصي ، وليس النهي عن المعاصي فيها بمقتض أن المعاصي في غير هذه الأشهر ~~ليست منهيا عنها ، بل المراد أن المعصية فيها أعظم وأن العمل الصالح فيها ~~أكثر أجرا ، ونظيره قوله تعالى : { ولا فسوق ولا جدال في الحج } ( البقرة : ~~197 ) فإن الفسوق منهي عنه في الحج وفي غيره . | # ويجوز أن يكون الظلم بمعنى الاعتداء ، ويكون المراد بالأنفس أنفس غير ~~الظالمين ، وإضافتها إلى ضمير المخاطبين للتنبيه على أن الأمة كالنفس من ~~الجسد على حد قوله تعالى : { فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم } ( النور ~~: 61 ) ، أي على الناس الذين فيها على أرجح التأويلين في تلك الآية ، ~~وكقوله : { إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم } ( آل عمران : 164 ) والمراد على ~~هذا تأكيد حكم الأمن في هذه الأشهر ، أي لا يعتدي أحد على آخر بالقتال ~~كقوله تعالى : { جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام } ~~( المائدة : 97 ) وإنما يستقيم هذا المعنى بالنسبة لمعاملة المسلمين مع ~~المشركين فيكون هذا تأكيدا لمنطوق قوله : { فسيحوا في الأرض أربعة أشهر } ( ~~التوبة : 2 ) ولمفهوم قوله : { فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين } ~~( التوبة : 5 ) وهي مقيدة بقوله : { فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم } ( ~~التوبة : 7 ) وقوله : { الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن ~~اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } ( البقرة : 194 ) . ولذلك ~~لا يشكل الأمر بمقاتلة الرسول عليه الصلاة والسلام هوازن أياما من ذي ~~القعدة لأنهم ابتدأوا بقتال المسلمين قبل دخول الأشهر الحرم ، فاستمرت ~~الحرب إلى أن دخلوا في شهر ذي القعدة ، وما كان ليكف القتال عند مشارفة ~~هزيمة المشركين وهم بدأوهم أول مرة ، وعلى هذا المحمل يكون حكم هذه الآية ~~قد انتهى بانقراض المشركين من بلاد العرب بعد سنة الوفود . | PageV10P186 # والمحمل الأول للآية أخذ به الجمهور ، وأخذ بالمحمل الثاني جماعة : فقال ~~ابن المسيب ، وابن شهاب ، وقتادة ، وعطاء الخراساني حرمت الآية القتال في ~~الأشهر الحرم ثم نسخت بإباحة الجهاد في جميع الأوقات ms3648 ، فتكون هذه الآية ~~مكملة لما بقي من مدة حرمة الأشهر الحرم ، حتى يعم جميع بلاد العرب حكم ~~الإسلام بإسلام جمهور القبائل وضربب الجزية على بعض قبائل العرب وهم ~~النصارى واليهود . وقال عطاء بن أبي رباح : يحرم الغزو في الأشهر الحرم إلا ~~أن يبدأ العدو فيها بالقتال ولا نسخ في الآية . | # { وقاتلوا المشركين كآفة كما يقاتلونكم كآفة واعلمو ا أن الله مع المتقين ~~} . | # أحسب أن موقع هذه الآية موقع الاحتراس من ظن أن النهي عن انتهاء الأشهر ~~الحرم يقتضي النهي عن قتال المشركين فيها إذا بدأوا بقتال المسلمين ، وبهذا ~~يؤذن التشبيه التعليلي في قوله : { كما يقاتلونكم كافة } فيكون المعنى فلا ~~تنتهكوا حرمة الأشهر الحرم بالمعاصي ، أو باعتدائكم على أعدائكم ، فإن هم ~~بادأوكم بالقتال فقاتلوهم على نحو قوله تعالى : { الشهر الحرام بالشهر ~~الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } ~~( البقرة : 194 ) فمقصود الكلام هو الأمر بقتال المشركين الذين يقاتلون ~~المسلمين في الأشهر الحرم ، وتعليله بأنهم يستحلون تلك الأشهر في قتالهم ~~المسلمين . | # و { كافة } كلمة تدل على العموم والشمول بمنزلة ( كل ) لا يختلف لفظها ~~باختلاف المؤكد من أفراد وتثنية وجمع ، ولا من تذكير وتأنيث ، وكأنه مشتق ~~من الكف عن استثناء بعض الأفراد ، ومحلها نصب على الحال من المؤكد بها ، ~~فهي في الأول تأكيد لقوله { المشركين } وفي الثاني تأكيد لضمير المخاطبين ، ~~والمقصود من تعميم الذوات تعميم الأحوال لأنه تبع لعموم الذوات ، أي كل فرق ~~المشركين ، فكل فريق وجد في حالة ما ، وكان قد بادأ المسلمين بالقتال ، ~~فالمسلمون مأمورون PageV10P187 بقتاله ، فمن ذلك : كل فريق يكون كذلك في ~~الأشهر الحرم ، وكل فريق يكون كذلك في الحرم . | # والكاف في { كما يقاتلونكم } أصلها كاف التشبيه استعيرت للتعليل بتشبيه ~~الشيء المعلول بعلته ، لأنه يقع على مثالها ومنه قوله تعالى : { واذكروه ~~كما هداكم } ( البقرة : 198 ) . | # وجملة { واعلموا أن الله مع المتقين } تأييد وضمان بالنصر عند قتالهم ~~المشركين ، لأن المعية هنا معية تأييد على العمل ، وليست معية علم ، إذ لا ~~تختص معية العلم بالمتقين . | # وابتدئت الجملة ms3649 ب { اعلموا } للاهتمام بمضمونها كما تقدم في قوله تعالى : ~~{ واعلموا أن ما غنمتم من شيء } ( الأنفال : 41 ) الآية ، بحيث يجب أن ~~يعلموه ويعوه . | # والجملة بمنزلة التذييل لما قبلها من أجل ما فيها من العموم في المتقين ، ~~دون أن يقال واعلموا أن الله معكم ليحصل من ذكر الاسم الظاهر معنى العموم ، ~~فيفيد أن المتصفين بالحال المحكية في الكلام السابق معدودون من جملة ~~المتقين ، لئلا يكون ذكر جملة { واعلموا أن الله مع المتقين } غريبا عن ~~السياق ، فيحصل من ذلك كلام مستقل يجري مجرى المثل وإيجاز يفيد أنهم حينئذ ~~من المتقين ، وأن الله يؤيدهم لتقواهم ، وأن القتال في الأشهر الحرم في تلك ~~الحالة طاعة لله وتقوى ، وأن المشركين حينئذ هم المعتدون على حرمة الأشهر ، ~~وهم الحاملون على المقابلة بالمثل للدفاع عن النفس . | # | 2 ( 37 ) { إنما النسى ء زيادة فى الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه ~~عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم ~~سو ء أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين } . ) 2 # | $ # استئناف بياني ناشىء عن قوله تعالى : { إن عدة الشهور عند الله } ( ~~التوبة : 36 ) الآية لأن ذلك كالمقدمة إلى المقصود وهو إبطال النسيء ~~وتشنيعه . | PageV10P188 # والنسيء يطلق على الشهر الحرام الذي أرجئت حرمته وجعلت لشهر آخر فالنسيء ~~فعيل بمعنى مفعول من نسأ المهموز اللام ، ويطلق مصدرا بوزن فعيل مثل نذير ~~من قوله : { كيف نذير } ( الملك : 17 ) ، ومثل النكير والعذر وفعله نسأ ~~المهموز ، أي أخر ، فالنسيء بهمزة بعد الياء في المشهور . وبذلك قرأه جمهور ~~العشرة . وقرأه ورش عن نافع بياء مشددة في آخره على تخفيف الهمزة ياء ~~وإدغامها في أختها ، والإخبار عن النسيء بأنه زيادة إخبار بالمصدر كما أخبر ~~عن هاروت وماروت بالفتنة في قوله : { إنما نحن فتنة } ( البقرة : 102 ) . | # والنسيء عند العرب تأخير يجعلونه لشهر حرام فيصيرونه حلالا ويحرمون شهرا ~~آخر من الأشهر الحلال عوضا عنه في عامه . | # والداعي الذي دعا العرب إلى وضع النسيء أن العرب سنتهم قمرية تبعا للأشهر ~~، فكانت سنتهم اثني عشر شهرا قمرية ms3650 تامة ، وداموا على ذلك قرونا طويلة ثم ~~بدا لهم فجعلوا النسيء . | # وأحسن ما روي في صفة ذلك قول أبي وائل أن العرب كانوا أصحاب حروب وغارات ~~فكان يشق عليهم أن يمكثوا ثلاثة أشهر متوالية لا يغيرون فيها فقالوا لئن ~~توالت علينا ثلاثة أشهر لا نصيب فيها شيئا لنهلكن . وسكت المفسرون عما نشأ ~~بعد قول العرب هذا ، ووقع في بعض ما رواه الطبري والقرطبي ما يوهم أن أول ~~من نسأ لهم النسيء هو جنادة بن عوف وليس الأمر ذلك لأن جنادة بن عوف أدرك ~~الإسلام وأمر النسيء متوغل في القدم والذي يجب اعتماده أن أول من نسأ ~~النسيء هو حذيفة بن عبد نعيم أو فقيم ( ولعل نعيم تحريف فقيم لقول ابن عطية ~~اسم نعيم لم يعرف في هذا ) . وهو الملقب بالقلمس ولا يوجد ذكر بني فقيم في ~~( جمهرة ابن حزم ) وقد ذكره صاحب ( القاموس ) وابن عطية . قال ابن حزم أول ~~من نسأ الشهور سرير ( كذا ولعله سري ) بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة ~~ثم ابن أخيه عدي بن عامر بن ثعلبة . وفي ابن عطية خلاف ذلك قال : انتدب ~~القلمس وهو حذيفة بن عبد فقيم فنسأ PageV10P189 لهم الشهور . ثم خلفه ابنه ~~عباد . ثم ابنه قلع ، ثم ابنه أمية ، ثم ابنه عوف ، ثم ابنه أبو ثمامة ~~جنادة وعليه قام الإسلام قال ابن عطية كان بنو فقيم أهل دين في العرب ~~وتمسكك بشرع إبراهيم فانتدب منهم القلمس وهو حذيفة بن عبد فقيم فنسأ الشهور ~~للعرب . وفي ( تفسير القرطبي ) عن الضحاك عن ابن عباس أول من نسأ عمرو بن ~~لحي ( أي الذي أدخل عبادة الأصنام في العرب وبحر البحيرة وسيب السائبة ) . ~~وقال الكلبي أول من نسأ رجل من بني كنانة يقال له نعيم بن ثعلبة . | # قال ابن حزم : كل من صارت إليه هذه المرتبة ( أي مرتبة النسيء ) كان يسمى ~~القلمس . وقال القرطبي : كان الذي يلي النسيء يظفر بالرئاسة لترييس العرب ~~إياه . وكان القلمس يقف عند جمرة العقبة ويقول : اللهم إني ناسىء الشهور ~~وواضعها ms3651 مواضعها ولا أعاب ولا أجاب . اللهم أني قد أحللت أحد الصفرين وحرمت ~~صفر المؤخر انفروا على اسم الله تعالى . وكان آخر النسأة جنادة بن عوف ~~ويكنى أبا ثمامة وكان ذا رأي فيهم وكان يحضر الموسم على حمار له فينادي ~~أيها الناس ألا إن أبا ثمامة لا يعاب ولا يجاب . ولا مرد لما يقول فيقولون ~~أنسئنا شهرا ، أي أخر عنا حرمة المحرم واجعلها في صفر فيحل لهم المحرم ~~وينادي : ألا إن آلهتكم قد حرمت العام صفر فيحرمونه ذلك العام فإذا حجوا في ~~ذي الحجة تركوا المحرم وسموه صفرا فإذا انسلخ ذو الحجة خرجوا في محرم وغزوا ~~فيه وأغاروا وغنموا لأنه صار صفرا فيكون لهم في عامهم ذلك صفران وفي العام ~~القابل يصير ذو الحجة بالنسبة إليهم ذا القعدة ويصير محرم ذا الحجة فيحجون ~~في محرم يفعلون ذلك عامين متتابعين ثم يبدلون فيحجون في شهر صفر عامين ولاء ~~ثم كذلك . | # وقال السهيلي في ( الروض الأنف ) إن تأخير بعض الشهور بعد مدة لقصد تأخير ~~الحج عن وقته القمري ، تحريا منهم للسنة الشمسية ، فكانوا يؤخرونه في كل ~~عام أحد عشر يوما أو أكثر قليلا ، حتى يعود الدور إلى ثلاث وثلاثين سنة ، ~~فيعود إلى وقته ونسب إلى شيخه أبي بكر بن العربي أن ذلك اعتبار منهم ~~بالشهور العجمية ولعله تبع في هذا قول إياس بن معاوية الذي ذكره القرطبي ، ~~وأحسب أنه اشتباه . | PageV10P190 # وكان النسيء بأيدي بني فقيم من كنانة وأول من نسأ الشهور هو حذيفة بن عبد ~~بن فقيم . | # وتقريب زمن ابتداء العمل بالنسيء أنه في أواخر القرن الثالث قبل الهجرة ، ~~أي في حدود سنة عشرين ومائتين قبل الهجرة . | # وصيغة القصر في قوله : { إنما النسىء زيادة في الكفر } تقتضي أنه لا يعدو ~~كونه من أثر الكفر لمحبة الاعتداء والغارات فهو قصر حقيقي ، ويلزم من كونه ~~زيادة في الكفر أن الذين وضعوه ليسوا إلا كافرين وما هم بمصلحين ، وما ~~الذين تابعوهم إلا كافرون كذلك وما هم بمتقين . | # ووجه كونه كفرا أنهم يعلمون أن الله شرع لهم ms3652 الحج ووقته بشهر من الشهور ~~القمرية المعدودة المسماة بأسماء تميزها عن الاختلاط ، فلما وضعوا النسيء ~~قد علموا أنهم يجعلون بعض الشهور في غير موقعه ، ويسمونه بغير اسمه ، ~~ويصادفون إيقاع الحج في غير الشهر المعين له ، أعني شهر ذي الحجة ولذلك ~~سموه النسيء اسما مشتقا من مادة النساء وهو التأخير ، فهم قد اعترفوا بأنه ~~تأخير شيء عن وقته ، وهم في ذلك مستخفون بشرع الله تعالى ، ومخالفون لما ~~وقت لهم عن تعمد مثبتين الحل لشهر حرام والحرمة لشهر غير حرام ، وذلك جرأة ~~على دين الله واستخفاف به ، فلذلك يشبه جعلهم لله شركاء ، فكما جعلوا لله ~~شركاء في الإلهية جعلوا من أنفسهم شركاء لله في التشريع يخالفونه فيما شرعه ~~فهو بهذا الاعتبار كالكفر ، فلا دلالة في الآية على أن الأعمال السيئة توجب ~~كفر فاعلها ولكن كفر هؤلاء أوجب عملهم الباطل . | # وحرف { في } المفيد الظرفية متعلق ( بزيادة ) لأن الزيادة تتعدى بفي { ~~يزيد في الخلق ما يشاء } ( فاطر : 1 ) فالزيادة في الأجسام تقتضي حلول تلك ~~الزيادة في الجسم المشابه للظرف ويجوز أن يكون تأويله أنه لما كان إحداثه ~~من أعمال المشركين في شؤون ديانتهم وكان فيه إبطال لمواقيت الحج ولحرمة ~~الشهر الحرام اعتبر زيادة في الكفر بمعنى في أعمال الكفر وإن لم يكن في ~~ذاته كفرا وهذا كما يقول السلف : إن الإيمان يزيد وينقص يريدون به يزيد ~~بزيادة الأعمال الصالحة وينقص بنقصها مع الجزم بأن ماهية PageV10P191 ~~الإيمان لا تزيد ولا تنقص وهذا كقوله تعالى : { وما كان الله ليضيع إيمانكم ~~} ( البقرة : 143 ) ، أي صلاتكم . على أن إطلاق اسم الإيمان على أعمال دين ~~الإسلام وإطلاق اسم الكفر على أعمال الجاهلية مما طفحت به أقوال الكتاب ~~والسنة مع اتفاق جمهور علماء الأمة على أن الأعمال غير الإعتقاد لا تقتضي ~~إيمانا ولا كفرا . | # وعلى الاحتمال الثاني فتأويله بتقدير مضاف ، أي زيادة في أحوال أهل الكفر ~~، أي أمر من الضلال زيد على ما هم فيه من الكفر بضد قوله تعالى : { ويزيد ~~الله الذين اهتدوا هدى } ( مريم : 76 ) . وهذان التأويلان متقاربان ms3653 لا خلاف ~~بينهما إلا بالاعتبار ، فالتأويل الأول يقتضي أن إطلاق الكفر فيه مجاز مرسل ~~والتأويل الثاني يقتضي أن إطلاق الكفر فيه إيجاز حذف بتقدير مضاف . | # وجملة { يضل به الذين كفروا } خبر ثان عن النسيء أي هو ضلال مستمر ، لما ~~اقتضاه الفعل المضارع من التجدد . | # وجملة { يحلونه عاما ويحرمونه عاما } بيان لسبب كونه ضلالا . | # وقد اختير المضارع لهذه الأفعال لدلالته على التجدد والاستمرار ، أي هم ~~في ضلال متجدد مستمر بتجدد سببه ، وهو تحليله تارة وتحريمه أخرى ، ومواطأة ~~عدة ما حرم الله . | # وإسناد الضلال إلى الذين كفروا يقتضي أن النسيء كان عمله مطردا بين جميع ~~المشركين من العرب فما وقع في ( تفسير الطبري ) عن ابن عباس والضحاك من ~~قولهما وكانت هوازن وغطفان وبنو سليم يفعلونه ويعظمونه ليس معناه اختصاصهم ~~بالنسيء ولكنهم ابتدأوا بمتابعته . | # وقرأ الجمهور { يضل } بفتح التحتية وقرأه حفص عن عاصم ، وحمزة ، والكسائي ~~وخلف ، ويعقوب بضم التحتية على أنهم يضلون غيرهم . | # والتنكير والوحدة في قوله : { عاما } في الموضعين للنوعية ، أي يحلونه في ~~بعض الأعوام ويحرمونه في بعض الأعوام ، فهو كالوحدة في قول الشاعر : | # يوما بحزوى ويوما بالعقيق | PageV10P192 # وليس المراد أن ذلك يوما غب يوم ، فكذلك في الآية ليس المراد أن النسيء ~~يقع عاما غب عام كما ظنه بعض المفسرين . ونظيره قول أبي الطيب : | # فيوما بخيل تطرد الروم عنهم | # ويوما بجود تطرد الفقر والجدبا | # ( يريد تارة تدفع عنهم العدو وتارة تدفع عنهم الفقر والجدب ) وإنما يكون ~~ذلك حين حلول العدو بهم وإصابة الفقر والجدب بلادهم ، ولذلك فسره المعري في ~~كتاب ( معجز أحمد ) بأن قال : ( فإن قصدهم الروم طردتهم بخيلك وإن نازلهم ~~فقر وجدب كشفته عنهم بجودك وإفضالك ) . | # وقد أبقي الكلام مجملا لعدم تعلق الغرض في هذا المقام ببيان كيفية عمل ~~النسيء ، ولعل لهم فيه كيفيات مختلفة هي معروفة عند السامعين . | # ومحل الذم هو ما يحصل في عمل النسيء من تغيير أوقات الحج المعينة من الله ~~في غير أيامها في سنين كثيرة ، ومن تغيير حرمة بعض الأشهر الحرم في سنين ~~كثيرة ويتعلق قوله ms3654 : { ليواطئوا عدة ما حرم الله } بقوله : { يحلونه عاما ~~ويحرمونه عاما } أي يفعلون ذلك ليوافقوا عدد الأشهر الحرم فتبقى أربعة . | # والموطأة الموافقة ، وهي مفاعلة عن الوطىء شبه التماثل في المقدار وفي ~~الفعل بالتوافق ( في ) وطيء الأرجل ومن هذا قولهم ( وقوع الحافر على الحافر ~~) . | # و { عدة ما حرم الله } هي عدة الأشهر الحرم الأربعة . | # وظاهر هذا أنه تأويل عنهم وضرب من المعذرة ، فلا يناسب عده في سياق ~~التشنيع بعملهم والتوبيخ لهم ، ولكن ذكره ليرتب عليه قوله : { فيحلوا ما ~~حرم الله } فإنه يتفرع على محاولتهم موافقة عدة ما حرم الله أن يحلوا ما ~~حرم الله ، وهذا نداء على فساد دينهم واضطرابه فإنهم يحتفظون بعدد الأشهر ~~الحرم الذي ليس له مزيد أثر في الدين ، وإنما هو عدد تابع لتعيين الأشهر ~~الحرم ، ويفرطون في نفس الحرمة فيحلون الشهر الحرام ، ثم يزيدون باطلا آخر ~~فيحرمون الشهر الحلال . فقد احتفظوا بالعدد وأفسدوا المعدود . | ~~PageV10P193 # وتوجيه عطف { فيحلوا } على مجرور لام التعليل في قوله : { ليواطئوا عدة ~~ما حرم الله } هو تنزيل الأمر المترتب على العلة منزلة المقصود من التعليل ~~وإن لم يكن قصد صاحبه به التعليل ، على طريقة التهكم والتخطئة مثل قوله ~~تعالى : { فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا } ( القصص : 8 ) . | # والإتيان بالموصول في قوله : { عدة ما حرم الله } دون أن يعبر بنحو عدة ~~الأشهر الحرم ، للإشارة إلى تعليل عملهم في اعتقادهم بأنهم حافظوا على عدة ~~الأشهر التي حرمها الله تعظيما . ففيه تعريض بالتهكم بهم . | # والإظهار في قوله : { فيحلوا ما حرم الله } دون أن يقال فيحلوه ، لزيادة ~~التصريح بتسجيل شناعة عملهم ، وهو مخالفتهم أمر الله تعالى وإبطالهم حرمة ~~بعض الأشهر الحرم ، تلك الحرمة التي لأجلها زعموا أنهم يحرمون بعض الأشهر ~~الحلال حفاظا على عدة الأشهر التي حرمها الله تعالى . | # وجملة { زين لهم سوء أعمالهم } مستأنفة استئنافا بيانيا : لأن ما حكي من ~~اضطراب حالهم يثير سؤال السائلين عن سبب هذا الضغث من الضلال الذي تملأوه ~~فقيل : لأنهم زين لهم سوء أعمالهم ، أي لأن الشيطان زين لهم سوء أعمالهم ~~فحسن ms3655 لهم القبيح . | # والتزيين التحسين ، أي جعل شيء زينا ، وهو إذا يسند إلى ما لا تتغير ~~حقيقته فلا يصير حسنا ، يؤذن بأن التحسين تلبيس . وتقدم التزيين في قوله ~~تعالى : { زين للذين كفروا الحياة الدنيا في سورة البقرة ( 212 ) . وقوله : ~~كذلك زينا لكل أمة عملهم في سورة الأنعام ( 108 ) . | # وفي هذا الاستئناف معنى التعليل لحالهم العجيبة حتى يزول تعجب السامع ~~منها . | # وجملة والله لا يهدي القوم الكافرين } عطف على جملة { زين لهم سوء ~~أعمالهم } فهي مشمولة لمعنى الاستئناف البياني المراد منه التعليل لتلك ~~الحالة الغريبة ، لأن التعجيب من تلك الحالة يستلزم التعجيب من دوامهم على ~~ضلالهم وعدم اهتدائهم إلى ما في صنيعهم من الاضطراب ، حتى يقلعوا عن ضلالهم ~~، فبعد أن أفيد السائل بأن PageV10P194 سبب ذلك الاضطراب هو تزيين الشيطان ~~لهم سوء أعمالهم ، أفيد بأن دوامهم عليه لأن الله أمسك عنهم اللطف والتوفيق ~~، الذين بهما يتفطن الضال لضلاله فيقلع عنه ، جزاءا لهم على ما أسلفوه من ~~الكفر ، فلم يزالوا في دركات الضلال إلى أقصى غاية . | # والإظهار في مقام الإضمار بقوله : { القوم الكافرين } لقصد إفادة التعميم ~~الذي يشملهم وغيرهم ، أي : هذا شأن الله مع جميع الكافرين . | # واعلم أن حرمة الأزمان والبقاع إنما تتلقى عن الوحي الإلاهي لأن الله ~~الذي خلق هذا العالم هو الذي يسن له نظامه فبذلك تستقر حرمة كل ذي حرمة في ~~نفوس جميع الناس إذ ليس في ذلك عمل لبعضهم دون بعض ، فإذا أدخل على ما جعله ~~الله من ذلك تغيير تقشعت الحرمة من النفوس فلا يرضى فريق بما وضعه غيره من ~~الفرق ، فلذلك كان النسيء زيادة في الكفر لأنه من الأوضاع التي اصطلح عليها ~~الناس ، كما اصطلحوا على عبادة الأصنام بتلقين عمرو ابن لحي . | # وقد أوحى الله لرسوله صلى الله عليه وسلم أن العام الذي يحج فيه يصادف ~~يوم الحج منه يوم تسعة من ذي الحجة ، على الحساب الذي يتسلسل من يوم خلق ~~الله السماوات والأرض ، وأن فيه يندحض أثر النسيء ولذلك قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم في خطبة ms3656 حجة الوداع ( إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله ~~السماوات والأرض ) ، قالوا فصادفت حجة أبي بكر سنة تسع أنها وقعت في شهر ذي ~~القعدة بحساب النسيء ، فجاءت حجة النبي صلى الله عليه وسلم في شهر ذي الحجة ~~في الحساب الذي جعله الله يوم خلق السماوات والأرض . | # | 2 ( 38 39 ) { ياأيها الذين ءامنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا فى سبيل ~~الله اثاقلتم إلى الارض أرضيتم بالحيواة الدنيا من الاخرة فما متاع الحياة ~~الدنيا فى الاخرة إلا قليل * إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما ~~غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شىء قدير } . ) 2 # هذا ابتداء خطاب للمؤمنين للتحريض على الجهاد في سبيل الله ، بطريقة ~~العتاب على التباطىء بإجابة دعوة النفير إلى الجهاد ، والمقصود بذلك غزوة ~~تبوك . قال ابن PageV10P195 عطية : ( لا اختلاف بين العلماء في أن هذه ~~الآية نزلت عتابا على تخلف من تخلف عن غزوة تبوك ، إذ تخلف عنها قبائل ~~ورجال من المؤمنين والمنافقون ) فالكلام متصل بقوله : { وقاتلوا المشركين ~~كافة } ( التوبة : 36 ) وبقوله { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم ~~الآخر إلى قوله فذوقوا ما كنتم تكنزون } ( التوبة : 29 35 ) كما أشرنا إليه ~~في تفسير تلك الآيات . | # وهو خطاب للذين حصل منهم التثاقل ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~استنفر المسلمين إلى تلك الغزوة ، وكان ذلك في وقت حر شديد ، واستقبل سفرا ~~بعيدا ومفازا ، حين نضجت الثمار ، وطابت الظلال ، وكان المسلمون يومئذ في ~~شدة حاجة إلى الظهر والعدة . فلذلك سميت غزوة العسرة كما سيأتي في هذه ~~السورة ، فجلى رسول الله للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة عدوهم ، وأخبرهم ~~بوجهه الذي يريد ، وكان قبل ذلك لا يريد غزوة إلا ورى بما يوهم مكانا غير ~~المكان المقصود ، فحصل لبعض المسلمين تثاقل ، ومن بعضهم تخلف ، فوجه الله ~~إليهم هذا الملام المعقب بالوعيد . | # فإن نحن جرينا على أن نزول السورة كان دفعة واحدة ، وأنه بعد غزوة تبوك ، ~~كما هو الأرجح ، وهو قول جمهور المفسرين ، كان محمل هذه الآية أنها عتاب ~~على ما مضى ms3657 وكانت { إذا } مستعملة ظرفا للماضي ، على خلاف غالب استعمالها ، ~~كقوله تعالى : { وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها } ( الجمعة : 11 ) ~~وقوله : { ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد } ( التوبة : 92 ) ~~الآية ، فإن قوله : { وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله } ( النساء : 75 ) ~~صالح لإفادة ذلك ، وتحذير من العودة إليه ، لأن قوله : { إلا تنفروا } و { ~~إلا تنصروه } و { انفروا خفافا } مراد به ما يستقبل حين يدعون إلى غزوة ~~أخرى ، وسنبين ذلك مفصلا في مواضعه من الآيات . | # وإن جرينا على ما عزاه ابن عطية إلى النقاش : أن قوله تعالى : { يا أيها ~~الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض } ~~هي أول آية نزلت من سورة براءة ، كانت الآية عتابا على تكاسلل وتثاقلل ظهرا ~~على بعض الناس ، فكانت { إذا } ظرفا للمستقبل ، على ما هو الغالب فيها ، ~~وكان قوله : { إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما } ( التوبة : 39 ) تحذيرا من ~~ترك الخروج إلى غزوة تبوك ، وهذا كله بعيد مما ثبت في ( السيرة ) وما ترجح ~~في نزول هذه السورة . | PageV10P196 # و { ما } في قوله : و { ما لكم } اسم استفهام إنكاري ، والمعنى : أي شيء ~~، و { لكم خبر عن الاستفهام أي : أي شيء ثبت لكم . | # وإذا } ظرف تعلق بمعنى الاستفهام الإنكاري على معنى : أن الإنكار حاصل في ~~ذلك الزمان الذي قيل لهم فيه : انفروا ، وليس مضمنا معنى الشرط لأنه ظرف ~~مضي . | # وجملة { اثاقلتم } في موضع الحال من ضمير الجماعة ، وتلك الحالة هي محل ~~الإنكار ، أي : ما لكم متثاقلين . يقال : ما لك فعلت كذا ، وما لك تفعل كذا ~~كقوله : { ما لكم لا تناصرون } ( الصافات : 25 ) ، وما لك فاعلا ، كقوله : ~~{ فما لكم في المنافقين فئتين } ( النساء : 88 ) . | # والنفر : الخروج السريع من موضع إلى غيره لأمر يحدث ، وأكثر ما يطلق على ~~الخروج إلى الحرب ، ومصدره حينئذ النفير . | # وسبيل الله : الجهاد ، سمي بذلك لأنه كالطريق الموصل إلى الله ، أي إلى ~~رضاه . | # و { اثاقلتم } أصله تثاقلتم قلبت التاء المثناة ثاء مثلثة لتقارب ~~مخرجيهما طلبا للإدغام ، واجتلبت ms3658 همزة الوصل لإمكان تسكين الحرف الأول من ~~الكلمة عند إدغامه . | # ( والتثاقل ) تكلف الثقل ، أي إظهار أنه ثقيل لا يستطيع النهوض . | # والثقل حالة في الجسم تقتضي شدة تطلبه للنزول إلى أسفل ، وعسر انتقاله ، ~~وهو مستعمل هنا في البطء مجازا مرسلا ، وفيه تعريض بأن بطأهم ليس عن عجز ، ~~ولكنه عن تعلق بالإقامة في بلادهم وأموالهم . | # وعدي التثاقل ب { إلى } لأنه ضمن معنى الميل والإخلاد ، كأنه تثاقل يطلب ~~فاعله الوصول إلى الأرض للقعود والسكون بها . | # والأرض ما يمشي عليه الناس . | # ومجموع قوله : { اثاقلتم إلى الأرض } تمثيل لحال الكارهين للغزو ~~المتطلبين للعذر عن الجهاد كسلا وجبنا بحال من يطلب منه النهوض والخروج ، ~~فيقابل PageV10P197 ذلك الطلب بالالتصاق بالأرض ، والتمكن من القعود ، ~~فيأبى النهوض فضلا عن السير . | # وقوله : { إلى الأرض } كلام موجه بديع : لأن تباطؤهم عن الغزو ، وتطلبهم ~~العذر ، كان أعظم بواعثه رغبتهم البقاء في حوائطهم وثمارهم ، حتى جعل بعض ~~المفسرين معنى اثاقلتم إلى الأرض : ملتم إلى أرضكم ودياركم . | # والاستفهام في { أرضيتم بالحياة الدنيا } إنكاري توبيخي ، إذ لا يليق ذلك ~~بالمؤمنين . | # و { من } في { من الآخرة } للبدل : أي كيف ترضون بالحياة الدنيا بدلا عن ~~الآخرة . ومثل ذلك لا يرضى به والمراد بالحياة الدنيا ، وبالآخرة : ~~منافعهما ، فإنهم لما حاولوا التخلف عن الجهاد قد آثروا الراحة في الدنيا ~~على الثواب الحاصل للمجاهدين في الآخرة . | # واختير فعل { رضيتم } دون نحو آثرتم أو فضلتم : مبالغة في الإنكار ، لأن ~~فعل ( رضي بكذا ) يدل على انشراح النفس ، ومنه قول أبي بكر الصديق في حديث ~~الغار ( فشرب حتى رضيت ) . | # والمتاع : اسم مصدر تمتع ، فهو الالتذاذ والتنعم ، كقوله : { متاعا لكم ~~ولأنعامكم } ( عبس : 32 ) ووصفه ب { قليل } بمعنى ضعيف ودنيء استعير القليل ~~للتافه . | # ويحتمل أن يكون المتاع هنا مرادا به الشيء المتمتع به ، من إطلاق المصدر ~~على المفعول ، كالخلق بمعنى المخلوق فالإخبار عنه بالقليل حقيقة . | # وحرف { في } من قوله : { في الآخرة } دال على معنى المقايسة ، وقد جعلوا ~~المقايسة من معاني { في } كما في ( التسهيل ) و ( المغني ) ، واستشهدوا ~~بهذه الآية أخذا من ( الكشاف ) ولم يتكلم على ms3659 هذا المعنى شارحوهما ولا ~~شارحو ( الكشاف ) ، وقد تكرر نظيره في القرآن كقوله في سورة الرعد ( 26 ) { ~~وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع ، وقوله في حديث مسلم ما الدنيا في ~~الآخرة إلا كمثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بم يرجع وهو في ~~التحقيق ( من ) الظرفية المجازية : أي متاع الحياة الدنيا إذا أقحم في ~~خيرات الآخرة كان قليلا بالنسبة إلى كثرة خيرات الآخرة ، فلزم أنه ما ظهرت ~~قلته إلا عندما قيس بخيرات عظيمة ونسب إليها ، فالتحقيق أن المقايسة معنى ~~حاصل لاستعمالل حرف الظرفية ، وليس معنى موضوعا له حرف ( في ) . | ~~PageV10P198 # ( 39 ) إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا ~~والله على كل شىء قدير } . | # هذا وعيد وتهديد عقب به الملام السابق ، لأن اللوم وقع على تثاقل حصل ، ~~ولما كان التثاقل مفضيا إلى التخلف عن القتال ، صرح بالوعيد والتهديد أن ~~يعودوا لمثل ذلك التثاقل ، فهو متعلق بالمستقبل كما هو مقتضى أداة الشرط . ~~فالجملة مستأنفة لغرض الإنكار بعد اللوم . فإن كان هذا وعيدا فقد اقتضى أن ~~خروج المخاطبين إلى الجهاد الذي استنفرهم إليه الرسول صلى الله عليه وسلم ~~قد وجب على أعيانهم كلهم بحيث لا يغني بعضهم عن بعض ، أي تعين الوجوب عليهم ~~، فيحتمل أن يكون التعيين بسبب تعيين الرسول صلى الله عليه وسلم إياهم ~~للخروج بسبب النفير العام ، وأن يكون بسبب كثرة العدو الذي استنفروا لقتاله ~~، بحيث وجب خروج جميع القادرين من المسلمين لأن جيش العدو مثلي عدد جيش ~~الملسمين . وعن ابن عباس أن هذا الحكم منسوخ نسخه قوله تعالى : { وما كان ~~المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة } ( التوبة : 122 ) ~~فيكون الجهاد قد سبق له حكم فرض العين ثم نقل إلى فرض الكفاية . | # وهذا بناء على أن المراد بالعذاب الأليم في قوله : { يعذبكم عذابا أليما ~~} هو عذاب الآخرة كما هو المعتاد في إطلاق العذاب ووصفه بالأليم ، وقيل : ~~المراد بالعذاب الأليم عذاب الدنيا كقوله : { أن يصيبكم الله بعذاب من عنده ~~أو بأيدينا } ( التوبة : 52 ) فلا ms3660 يكون في الآية حجة على كون ذلك الجهاد ~~واجبا على الأعيان ، ولكن الله توعدهم ، إن لم يمتثلوا أمر الرسول عليه ~~الصلاة والسلام ، بأن يصيبهم بعذاب في الدنيا ، فيكون الكلام تهديدا لا ~~وعيدا . وقد يرجح هذا الوجه بأنه قرن بعواقب دنيوية في قوله : { ويستبدل ~~قوما غيركم } . والعقوبات الدنيوية مصائب تترتب على إهمال أسباب النجاح ~~وبخاصة ترك الانتصاح بنصائح الرسول عليه الصلاة والسلام ، كما أصابهم يوم ~~أحد ، فالمقصود تهديدهم بأنهم إن تقاعدوا عن النفير هاجمهم العدو في ديارهم ~~فاستأصلوهم وأتى الله بقوم غيرهم . | PageV10P199 # والأليم المؤلم ، فهو فعيل مأخوذ من الرباعي على خلاف القياس كقوله تعالى ~~: { تلك آيات الكتاب الحكيم } ( لقمان : 2 ) ، وقول عمرو بن معد يكرب : | # أمن ريحانة الداعي السميع | # أي المسمع . | # وكتب في المصاحف { إلا } من قوله : { إلا تنفروا } بهمزة بعدها لام ألف ~~على كيفية النطق بها مدغمة ، والقياس أن يكتب ( إن لا ) بنون بعد الهمزة ثم ~~لام ألف . | # والضمير المستتر في { يعذبكم } عائد إلى الله لتقدمه في قوله : { في سبيل ~~الله } ( التوبة : 38 ) . وتنكير { قوما } للنوعية إذ لا تعين لهؤلاء القوم ~~ضرورة أنه معلق على شرط عدم النفير وهم قد نفروا لما استنفروا إلا عددا غير ~~كثير وهم المخلفون . | # و { يستبدل } يبدل ، فالسين والتاء للتأكيد والبدل هو المأخوذ عوضا كقوله ~~: { ومن يتبدل الكفر بالإيمان } ( البقرة : 108 ) أي ويستبدل بكم غيركم . | # والضمير في { تضروه } عائد إلى ما عاد إليه ضمير { يعذبكم } والواو للحال ~~: أي يعذبكم ويستبدل قوما غيركم في حال أن لا تضروا الله شيئا بقعودكم ، أي ~~يصبكم الضر ولا يصب الذي استنفركم في سبيله ضر ، فصار الكلام في قوة الحصر ~~، كأنه قيل : إلا تنفروا لا تضروا إلا أنفسكم . | # وجملة { والله على كل شيء قدير } تذييل للكلام لأنه يحقق مضمون لحاق الضر ~~بهم لأنه قدير عليهم في جملة كل شيء ، وعدم لحاق الضر به لأنه قدير على كل ~~شيء فدخلت الأشياء التي من شأنها الضر . | # | 2 ( 40 ) { إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين ~~إذ هما فى ms3661 الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته ~~عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هى ~~العليا والله عزيز حكيم } . ) 2 # استئناف بياني لقوله : { ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير } ( ~~التوبة : 39 ) لأن نفي أن يكون قعودهم عن النفير مضرا بالله ورسوله ، يثير ~~في نفس السامع سؤالا عن PageV10P200 حصول النصر بدون نصير ، فبين بأن الله ~~ينصره كما نصره حين كان ثاني اثنين لا جيش معه ، فالذي نصره حين كان ثاني ~~اثنين قدير على نصره وهو في جيش عظيم ، فتبين أن تقدير قعودهم عن النفير لا ~~يضر الله شيئا . | # والضمير المنصوب ب { تنصروه } عائد إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإن لم ~~يتقدم له ذكر ، لأنه واضح من المقام . | # وجملة { فقد نصره الله } جواب للشرط ، جعلت جوابا له لأنها دليل على معنى ~~الجواب المقدر لكونها في معنى العلة للجواب المحذوف : فإن مضمون { فقد نصره ~~الله } قد حصل في الماضي فلا يكون جوابا للشرط الموضوع للمستقبل ، فالتقدير ~~: إن لا تنصروه فهو غني عن نصرتكم بنصر الله إياه إذ قد نصره في حين لم يكن ~~معه إلا واحد لا يكون به نصر فكما نصره يومئذ ينصره حين لا تنصرونه . ~~وسيجيء في الكلام بيان هذا النصر بقوله : { فأنزل الله سكينته عليه وأيده ~~بجنود لم تروها } الآية . | # ويتعلق { إذ أخرجه } ب { نصره } أي زمن إخراج الكفار إياه ، أي من مكة ، ~~والمراد خروجه مهاجرا . وأسند الإخراج إلى الذين كفروا لأنهم تسببوا فيه ~~بأن دبروا لخروجه غير مرة كما قال تعالى : { وإذ يمكر بك الذين كفروا ~~ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك } ( الأنفال : 30 ) ، وبأن آذوه وضايقوه في ~~الدعوة إلى الدين ، وضايقوا المسلمين بالأذى والمقاطعة ، فتوفرت أسباب ~~خروجه ولكنهم كانوا مع ذلك يترددون في تمكينه من الخروج خشية أن يظهر أمر ~~الإسلام بين ظهراني قوم آخرين ، فلذلك كانوا في آخر الأمر مصممين على منعه ~~من الخروج ، وأقاموا عليه من يرقبه وحاولوا الإرسال وراءه ليردوه إليهم ، ~~وجعلوا لمن ms3662 يظفر به جزاء جزلا ، كما جاء في حديث سراقة بن جعشم . | # كتب في المصاحف { إلا } من قوله : { إلا تنصروه } بهمزة بعدها لام ألف ، ~~على كيفية النطق بها مدغمة ، والقياس أن تكتب ( إن لا ) بهمزة فنون فلام ~~ألف لأنهما حرفان : ( إن ) الشرطية و ( لا ) النافية ، ولكن رسم المصحف سنة ~~متبعة ، ولم تكن للرسم في القرن الأول قواعد متفق عليها ، ومثل ذلك كتب { ~~إلا تفعلوه تكن PageV10P201 فتنة في الأرض في سورة الأنفال ( 73 ) . وهم ~~كتبوا قوله : بل ران في سورة المطففين ( 14 ) بلام بعد الباء وراء بعدها ، ~~ولم يكتبوها بباء وراء مشددة بعدها . | # وقد أثار رسم إلا تنصروه } بهذه الصورة في المصحف خشية توهم متوهم أن { ~~إلا } هي حرف الاستثناء فقال ابن هشام في ( مغني اللبيب ) : ( تنبيه ليس من ~~أقسام ( إلا ) ، ( إلا ) التي في نحو { إلا تنصروه فقد نصره الله } وإنما ~~هذه كلمتان ( إن ) الشرطية و ( لا ) النافية ، ومن العجب أن ابن مالك على ~~إمامته ذكرها في ( شرح التسهيل ) من أقسام إلا ، ولم يتبعه الدماميني في ~~شروحه الثلاثة على ( المغني ) ولا الشمني . وقال الشيخ محمد الرصاع في كتاب ~~( الجامع الغريب لترتيب آي مغني اللبيب ) ( وقد رأيت لبعض أهل العصر ~~المشارقة ممن اعتنى بشرح هذا الكتاب أي ( التسهيل ) أخذ يعتذر عن ابن مالك ~~والانصاف أن فيه بعض الإشكال ) . وقال الشيخ محمد الأمير في تعليقه على ( ~~المغني ) ( ليس ما في ( شرح التسهيل ) نصا في ذلك وهو يوهمه فإنه عرف ~~المستثنى بالمخرج ب ( إلا ) وقال ( واحترزت عن ( إلا ) بمعنى إن لم ومثل ~~بالآية ، أي فلا إخراج فيها ) . وقلت عبارة متن ( التسهيل ) ( المستثنى هو ~~المخرج تحقيقا أو تقديرا من مذكور أو متروك بإلا أو ما بمعناها ) ، ولم ~~يعرج شارحه المرادي ولا شارحه الدماميني على كلامه الذي احترز به في شرحه ~~ولم نقف على شرح ابن مالك على ( تسهيله ) ، وعندي أن الذي دعا ابن مالك إلى ~~هذا الاحتراز هو ما وقع للأزهري من قوله : ( إلا تكون استثناء وتكون حرف ~~جزاء أصلها ( إن لا ) نقله صاحب ( لسان العرب ms3663 ) . وصدوره من مثله يستدعي ~~التنبيه عليه . | # و { ثاني اثنين } حال من ضمير النصب في { أخرجه } ، والثاني كل من به كان ~~العدد اثنين فالثاني اسم فاعل أضيف إلى الاثنين على معنى { من } ، أي ثانيا ~~من اثنين ، والاثنان هما النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر : بتواتر الخبر ~~، وإجماع المسلمين كلهم . ولكون الثاني معلوما للسامعين كلهم لم يحتج إلى ~~ذكره ، وأيضا لأن المقصود تعظيم هذا النصر مع قلة العدد . | # و { إذ } التي في قوله : { إذ هما في الغار } بدل من { إذ } التي في قوله ~~: { إذ أخرجه } فهو زمن واحد وقع فيه الإخراج ، باعتبار الخروج ، والكون في ~~الغار . | PageV10P202 # والتعريف في الغار للعهد ، لغار يعلمه المخاطبون ، وهو الذي اختفى فيه ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر حين خروجهما مهاجرين إلى المدينة ، وهو ~~غار في جبل ثور خارج مكة إلى جنوبيها ، بينه وبين مكة نحو خمسة أميال ، في ~~طريق جبلي . | # والغار الثقب في التراب أو الصخر . | # و { إذ } المضافة إلى جملة { يقول } بدل من { إذ } المضافة إلى جملة { ~~هما في الغار } بدل اشتمال . | # والصاحب هو { ثاني اثنين } وهو أبو بكر الصديق . ومعنى الصاحب : المتصف ~~بالصحبة ، وهي المعية في غالب الأحوال ، ومنه سميت الزوجة صاحبة ، كما تقدم ~~في قوله تعالى : { ولم تكن له صاحبة في سورة الأنعام ( 101 ) . وهذا القول ~~صدر من النبي لأبي بكر حين كانا مختفيين في غار ثور ، فكان أبو بكر حزينا ~~إشفاقا على النبي أن يشعر به المشركون ، فيصيبوه بمضرة ، أو يرجعوه إلى مكة ~~. | # والمعية هنا : معية الإعانة والعناية ، كما حكى الله تعالى عن موسى ~~وهارون : قال لا تخافا إنني معكما } ( طه : 46 ) وقوله { إذ يوحي ربك إلى ~~الملائكة أني معكم } ( الأنفال : 12 ) . | # { فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا ~~السفلى وكلمة الله هى العليا والله عزيز حكيم } . | # التفريع مؤذن بأن السكينة أنزلت عقب الحلول في الغار ، وأنها من النصر ، ~~إذ هي نصر نفساني ، وإنما كان التأييد بجنود لم يروها نصرا جثمانيا . وليس ~~يلزم أن يكون ms3664 نزول السكينة عقب قوله : { لا تحزن إن الله معنا } بل إن قوله ~~ذلك هو من آثار سكينة الله التي أنزلت عليه ، وتلك السكينة هي مظهر من ~~مظاهر نصر الله إياه ، فيكون تقدير الكلام : فقد نصره الله فأنزل السكينة ~~عليه وأيده بجنود حين أخرجه الذين كفروا ، وحين كان في الغار ، وحين قال ~~لصاحبه : لا تحزن إن الله معنا . فتلك PageV10P203 الظروف الثلاثة متعلقة ~~بفعل { نصره } على الترتيب المتقدم ، وهي كالاعتراض بين المفرع عنه ~~والتفريع ، وجاء نظم الكلام على هذا السبك البديع للمبادأة بالدلالة على أن ~~النصر حصل في أزمان وأحوال ما كان النصر ليحصل في أمثالها لغيره لولا عناية ~~الله به ، وأن نصره كان معجزة خارقا للعادة . | # وبهذا البيان تندفع الحيرة التي حصلت للمفسرين في معنى الآية ، حتى أغرب ~~كثير منهم فأرجع الضمير المجرور من قوله : { فأنزل الله سكينته عليه } إلى ~~أبي بكر ، مع الجزم بأن الضمير المنصوب في { أيده } راجع إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فنشأ تشتيت الضمائر ، وانفكاك الأسلوب بذكر حالة أبي بكر ، ~~مع أن المقام لذكر ثباتت النبي صلى الله عليه وسلم وتأييد الله إياه ، وما ~~جاء ذكر أبي بكر إلا تبعا لذكر ثبات النبي عليه الصلاة والسلام ، وتلك ~~الحيرة نشأت عن جعل { فأنزل الله } مفرعا على { إذ يقول لصاحبه لا تحزن } ~~وألجأهم إلى تأويل قوله : { وأيده بجنود لم تروها } إنها جنود الملائكة يوم ~~بدر ، وكل ذلك وقوف مع ظاهر ترتيب الجمل ، مع الغفلة عن أسلوب النظم ~~المقتضي تقديما وتأخيرا . | # والسكينة : اطمئنان النفس عند الأحوال المخوفة ، مشتقة من السكون ، وقد ~~تقدم ذكرها عند قوله تعالى : { فيه سكينة من ربكم في سورة البقرة ( 248 ) . ~~| # والتأييد : التقوية والنصر ، وهو مشتق من اسم اليد ، وقد تقدم عند قوله ~~تعالى وأيدناه بروح القدس في سورة البقرة ( 87 ) . | # والجنود : جمع جند بمعنى الجيش ، وقد تقدم عند قوله تعالى : فلما فصل ~~طالوت بالجنود في سورة البقرة ( 249 ) ، وتقدم آنفا في هذه السورة . | # ثم جوز أن تكون جملة وأيده بجنود } معطوفة على جملة { فأنزل الله ms3665 سكينته ~~عليه } عطف تفسير فيكون المراد بالجنود الملائكة الذين ألقوا الحيرة في ~~نفوس المشركين فصرفوهم عن استقصاء البحث عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وإكثار الطلب وراءه والترصد له في الطرق المؤدية والسبل الموصلة ، لا سيما ~~ومن الظاهر أنه قصد يثرب مهاجر أصحابه ، ومدينة أنصاره ، فكان سهلا عليهم ~~أن يرصدوا له طرق الوصول إلى المدينة . | PageV10P204 # ويحتمل أن تكون معطوفة على جملة { أخرجه والتقدير : وإذ أيده بجنود لم ~~تروها أي بالملائكة ، ويوم بدر ، ويوم الأحزاب ، ويوم حنين ، كما مر في ~~قوله : ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها ~~} ( التوبة : 26 ) . | # ( والكلمة ) أصلها اللفظة من الكلام ، ثم أطلقت على الأمر والشأن ونحو ~~ذلك من كل ما يتحدث به الناس ويخبر المرء به عن نفسه من شأنه ، قال تعالى : ~~{ وجعلها كلمة باقية في عقبه } ( الزخرف : 28 ) ( أي أبقى التبرىء من ~~الأصنام والتوحيد لله شأن عقبه وشعارهم ) وقال { وإذ ابتلى إبراهيم ربه ~~بكلمات } ( البقرة : 124 ) أي بأشياء من التكاليف كذبح ولده ، واختتانه ، ~~وقال لمريم { إن الله يبشرك بكلمة منه } ( آل عمران : 45 ) أي بأمر عجيب ، ~~أو بولد عجيب ، وقال { وتمت كلمات ربك صدقا وعدلا } ( الأنعام : 115 ) أي ~~أحكامه ووعوده ومنه قولهم : لا تفرق بين كلمة المسلمين ، أي بين أمرهم ~~واتفاقهم ، وجمع الله كلمة المسلمين ، فكلمة الذين كفروا شأنهم وكيدهم وما ~~دبروه من أنواع المكر . | # ومعنى السفلى الحقيرة لأن السفل يكنى به عن الحقارة ، وعكسه قوله : { ~~وكلمة الله هي العليا } فهي الدين وشأن رسوله والمؤمنين ، وأشعر قوله : { ~~وجعل كلمة الذين كفروا السفلى } أن أمر المشركين كان بمظنة القوة والشدة ~~لأنهم أصحاب عدد كثير وفيهم أهل الرأي والذكاء ، ولكنهم لما شاقوا الله ~~ورسوله خذلهم الله وقلب حالهم من علو إلى سفل . | # وجملة { وكلمة الله هي العليا } مستأنفة بمنزلة التذييل للكلام لأنه لما ~~أخبر عن كلمة الذين كفروا بأنها صارت سفلى أفاد أن العلاء انحصر في دين ~~الله وشأنه . فضمير الفصل مفيد للقصر ، ولذلك لم تعطف كلمة الله على كلمة ~~الذين كفروا ms3666 ، إذ ليس المقصود إفادة جعل كلمة الله عليا ، لما يشعر به ~~الجعل من إحداث الحالة ، بل إفادة أن العلاء ثابت لها ومقصور عليها ، فكانت ~~الجملة كالتذييل لجعل كلمة الذين كفروا سفلى . | # ومعنى جعلها كذلك : أنه لما تصادمت الكلمتان وتناقضتا بطلت كلمة الذين ~~كفروا واستقر ثبوت كلمة الله . | PageV10P205 # وقرأ يعقوب ، وحده { وكلمة الله } بنصب ( كلمة ) عطفا على { كلمة الذين ~~كفروا السفلى } فتكون كلمة الله عليا بجعل الله وتقديره . | # وجملة { والله عزيز حكيم } تذييل لمضمون الجملتين : لأن العزيز لا يغلبه ~~شيء ، والحكيم لا يفوته مقصد ، فلا جرم تكون كلمته العليا وكلمة ضده السفلى ~~. | # | 2 ( 41 ) { انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم فى سبيل الله ~~ذالكم خير لكم إن كنتم تعلمون } . ) 2 # الخطاب للمؤمنين الذين سبق لومهم بقوله : { يا أيها الذين آمنوا ما لكم ~~إذ قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض } ( التوبة : 38 ) ، ~~فالنفير المأمور به ما يستقبل من الجهاد . وقد قدمنا أن الاستنفار إلى غزوة ~~تبوك كان عاما لكل قادر على الغزو : لأنها كانت في زمن مشقة ، وكان المغزو ~~عدوا عظيما ، فالضمير في { انفروا } عام للذين استنفروا فتثاقلوا ، وإنما ~~استنفر القادرون ، وكان الاستنفار على قدر حاجة الغزو ، فلا يقتضي هذا ~~الأمر توجه وجوب النفير على كل مسلم في كل غزوة ، ولا على المسلم العاجز ~~لعمى أو زمانة أو مرض ، وإنما يجري العمل في كل غزوة على حسب ما يقتضيه ~~حالها وما يصدر إليهم من نفير . وفي الحديث : ( وإذا استنفرتم فانفروا ) . ~~| # و { خفافا } جمع خفيف وهو صفة مشبهة من الخفة ، وهي حالة للجسم تقتضي قلة ~~كمية أجزائه بالنسبة إلى أجسام أخرى متعارفة ، فيكون سهل التنقل سهل الحمل ~~. والثقال ضد ذلك . وتقدم الثقل آنفا عند قوله : { اثاقلتم إلى الأرض } ( ~~التوبة : 38 ) . | # والخفاف والثقال هنا مستعاران لما يشابههما من أحوال الجيش وعلائقهم ، ~~فالخفة تستعار للإسراع إلى الحرب ، وكانوا يتمادحون بذلك لدلالتها على ~~الشجاعة والنجدة ، قال قريط بن أنيف العنبري : | # قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم | # طاروا إليه زرافات ووحدانا | PageV10P206 # فالثقل الذي يناسب ms3667 هذا هو الثبات في القتال كما في قول أبي الطيب : | # ثقال إذا لاقوا خفاف إذا دعوا | # وتستعار الخفة لقلة العدد ، والثقل لكثرة عدد الجيش كما في قول قريط : ( ~~زرافات ووحدانا ) . | # وتستعار الخفة لتكرير الهجوم على الأعداء ، والثقل للتثبت في الهجوم . ~~وتستعار الخفة لقلة الأزواد أو قلة السلاح ، والثقل لضد ذلك . وتستعار ~~الخفة لقلة العيال ، والثقل لضد ذلك وتستعار الخفة للركوب لأن الراكب أخف ~~سيرا ، والثقل للمشي على الأرجل وذلك في وقت القتال . قال النابغة : | # على عارفاتت للطعان عوابس | # بهن كلوم بين دامم وجالب | # إذ استنزلوا عنهن للضرب ارقلوا | # إلى الموت ارقال الجمال المصاعب | # وكل هذه المعاني صالحة للإرادة من الآية ولما وقع { خفافا وثقالا } حالا ~~من فاعل { انفروا } ، كان محمل بعض معانيهما على أن تكون الحال مقدرة ~~والواو العاطفة لإحدى الصفتين على الأخرى للتقسيم ، فهي بمعنى ( أو ) ، ~~والمقصود الأمر بالنفير في جميع الأحوال . | # والمجاهدة : المغالبة للعدو ، وهي مشتقة من الجهد بضم الجيم أي بذل ~~الاستطاعة في المغالبة ، وهو حقيقة في المدافعة بالسلاح ، فإطلاقه على بذل ~~المال في الغزو من إنفاقق على الجيش واشتراء الكراع والسلاح ، مجاز بعلاقة ~~السببية . | # وقد أمر الله بكلا الأمرين فمن استطاعهما معا وجبا عليه ، ومن لم يستطع ~~إلا واحدا منهما وجب عليه الذي استطاعه منهما . | # وتقديم الأموال على الأنفس هنا : لأن الجهاد بالأموال أقل حضورا بالذهن ~~عند سماع الأمر بالجهاد ، فكان ذكره أهم بعد ذكر الجهاد مجملا . | # والإشارة ب { ذلكم } إلى الجهاد المستفاد من { وجاهدوا } . | PageV10P207 # وإبهام { خير } لقصد توقع خير الدنيا والآخرة من شعب كثيرة أهمها ~~الاطمئنان من أن يغزوهم الروم ولذلك عقب بقوله : { إن كنتم تعلمون } أي إن ~~كنتم تعلمون ذلك الخير وشعبه . وفي اختيار فعل العلم دون الإيمان مثلا ~~للإشارة إلى أن من هذا الخير ما يخفى فيحتاج متطلب تعيين شعبه إلى اعمال ~~النظر والعلم . | # | 2 ( 42 ) { لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولاكن بعدت عليهم ~~الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم ~~إنهم لكاذبون } . ) 2 # استئناف لابتداء الكلام ms3668 على حال المنافقين وغزوة تبوك حين تخلفوا واستأذن ~~كثير منهم في التخلف واعتلوا بعلل كاذبة ، وهو ناشىء عن قوله : { ما لكم ~~إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض } ( التوبة : 38 ) . | # وانتقل من الخطاب إلى الغيبة لأن المتحدث عنهم هنا بعض المتثاقلين لا ~~محالة بدليل قوله بعد هذا { إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم ~~الآخر وارتابت قلوبهم } ( التوبة : 45 ) . ومن هذه الآيات ابتدأ إشعار ~~المنافقين بأن الله أطلع رسوله صلى الله عليه وسلم على دخائلهم . | # والعرض ما يعرض للناس من متاع الدنيا وتقدم في قوله تعالى : { يأخذون عرض ~~هذا الأدنى في سورة الأعراف ( 169 ) وقوله : تريدون عرض الدنيا في سورة ~~الأنفال ( 67 ) والمراد به الغنيمة . | # والقريب : الكائن على مسافة قصيرة ، وهو هنا مجاز في السهل حصوله . ~~وقاصدا } أي وسطا في المسافة غير بعيد . واسم كان محذوف دل عليه الخبر : أي ~~لو كان العرض عرضا قريبا ، والسفر سفرا متوسطا ، أو : لو كان ما تدعوهم ~~إليه عرضا قريبا وسفرا . | # والشقة بضم الشين المسافة الطويلة . | PageV10P208 # وتعدية { بعدت } بحرف ( على ) لتضمنه معنى ثقلت ، ولذلك حسن الجمع بين ~~فعل { بعدت } وفاعله { الشقة } مع تقارب معنييهما ، فكأنه قيل : ولكن بعد ~~منهم المكان لأنه شقة ، فثقل عليهم السفر ، فجاء الكلام موجزا . | # وقوله : { وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يؤذن بأن الآية نزلت ~~قبل الرجوع من غزوة تبوك ، فإن حلفهم إنما كان بعد الرجوع وذلك حين ~~استشعروا أن الرسول عليه الصلاة والسلام ظان كذبهم في أعذارهم . | # والاستطاعة القدرة : أي لسنا مستطيعين الخروج ، وهذا اعتذار منهم وتأكيد ~~لاعتذارهم . | # وجملة لخرجنا معكم } جواب { لو } . | # والخروج الانتقال من المقر إلى مكان آخر قريب أو بعيد ويعدى إلى المكان ~~المقصود ب ( إلى ) ، وإلى المكان المتروك ب ( من ) ، وشاع إطلاق الخروج على ~~السفر للغزو . وتقييده بالمعية إشعار بأن أمر الغزو لا يهمهم ابتداء ، ~~وأنهم إنما يخرجون لو خرجوا إجابة لاستنفار النبي صلى الله عليه وسلم خروج ~~الناصر لغيره ، تقول العرب : خرج بنو فلان وخرج معهم بنو فلان ، إذا كانوا ~~قاصدين ms3669 نصرهم . | # وجملة { يهلكون أنفسهم } حال ، أي يحلفون مهلكين أنفسهم ، أي موقعينها في ~~الهلك . والهلك : الفناء والموت ، ويطلق على الأضرار الجسيمة وهو المناسب ~~هنا ، أي يتسببون في ضر أنفسهم بالأيمان الكاذبة ، وهو ضر الدنيا وعذاب ~~الآخرة . | # وفي هذه الآية دلالة على أن تعمد اليمين الفاجرة يفضي إلى الهلاك ، ~~ويؤيده ما رواه البخاري في كتاب الديات من خبر الهذليين الذين حلفوا أيمان ~~القسامة في زمن عمر ، وتعمدوا الكذب ، فأصابهم مطر فدخلوا غارا في جبل ~~فانهجم عليهم الغار فماتوا جميعا . | # وجملة { والله يعلم إنهم لكاذبون } حال ، أي هم يفعلون ذلك في حال عدم ~~جدواه عليهم ، لأن الله يعلم كذبهم ، أي ويطلع رسوله على كذبهم ، فما جنوا ~~من الحلف إلا هلاك أنفسهم . | # وجملة { إنهم لكاذبون } سدت مسد مفعولي { يعلم . | # | PageV10P209 # | 2 ( 43 ) { عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم ~~الكاذبين } . ) 2 # استأذن فريق من المنافقين النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخلفوا عن الغزوة ~~، منهم عبد الله بن أبي ابن سلول ، والجد بن قيس ، ورفاعة بن التابوت ، ~~وكانوا تسعة وثلاثين واعتذروا بأعذار كاذبة وأذن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لمن استأذنه حملا للناس على الصدق ، إذ كان ظاهر حالهم الإيمان ، وعلما بأن ~~المعتذرين إذا ألجئوا إلى الخروج لا يغنون شيئا ، كما قال تعالى : { لو ~~خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا } ( التوبة : 47 ) فعاتب الله نبيئه صلى ~~الله عليه وسلم في أن أذن لهم ، لأنه لو لم يأذن لهم لقعدوا ، فيكون ذلك ~~دليلا للنبيء صلى الله عليه وسلم على نفاقهم وكذبهم في دعوى الإيمان ، كما ~~قال الله تعالى : { ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم } ( محمد : 30 ) . ~~| # والجملة مستأنفة استئنافا ابتدائيا لأنه غرض أنف . | # وافتتاح العتاب بالإعلام بالعفو إكرام عظيم ، ولطافة شريفة ، فأخبره ~~بالعفو قبل أن يباشره بالعتاب . وفي هذا الافتتاح كناية عن خفة موجب العتاب ~~لأنه بمنزلة أن يقال : ما كان ينبغي ، وتسمية الصفح عن ذلك عفوا ناظر إلى ~~مغزى قول أهل الحقيقة : حسنات الأبرار سيئات المقربين . | # وألقي إليه العتاب بصيغة الاستفهام ms3670 عن العلة إيماء إلى أنه ما أذن لهم ~~إلا لسبب تأوله ورجا منه الصلاح على الجلمة بحيث يسأل عن مثله في استعمال ~~السؤال من سائل يطلب العلم وهذا من صيغ التلطف في الإنكار أو اللوم ، بأن ~~يظهر المنكر نفسه كالسائل عن العلة التي خفيت عليه ، ثم أعقبه بأن ترك ~~الإذن كان أجدر بتبيين حالهم ، وهو غرض آخر لم يتعلق به قصد النبي صلى الله ~~عليه وسلم | # وحذف متعلق { أذنت } لظهوره من السياق ، أي لم أذنت لهم في القعود ~~والتخلف . | PageV10P210 # و { حتى } غاية لفعل { أذنت } لأنه لما وقع في حيز الاستفهام الإنكاري ~~كان في حكم المنفي فالمعنى : لا مقتضي للإذن لهم إلى أن يتبين الصادق من ~~الكاذب . | # وفي زيادة { لك } بعد قوله : { يتبين } زيادة ملاطفة بأن العتاب ما كان ~~إلا عن تفريط في شيء يعود نفعه إليه ، والمراد بالذين صدقوا : الصادقون في ~~إيمانهم ، وبالكافرين الكاذبين فيما أظهروه من الإيمان ، وهم المنافقون . ~~فالمراد بالذين صدقوا المؤمنون . | # | 2 ( 44 ) { لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الاخر أن يجاهدوا ~~بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين } . ) 2 # هذه الجملة واقعة موقع البيان لجملة { حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم ~~الكاذبين } ( التوبة : 43 ) . وموقع التعليل لجملة { لم أذنت لهم } ( ~~التوبة : 43 ) أو هي استئناف بياني لما تثيره جملة { حتى يتبين لك الذين ~~صدقوا وتعلم الكاذبين } ( التوبة : 43 ) والاعتبارات متقاربة ومآلها واحد . ~~| # والمعنى : إن شأن المؤمنين الذين استنفروا أن لا يستأذنوا النبي صلى الله ~~عليه وسلم في التخلف عن الجهاد ، فأما أهل الأعذار : كالعمي ، فهم لا ~~يستنفرهم النبي صلى الله عليه وسلم وأما الذين تخلفوا من المؤمنين فقد ~~تخلفوا ولم يستأذنوا في التخلف ، لأنهم كانوا على نية اللحاق بالجيش بعد ~~خروجه . | # والاستئذان : طلب الإذن ، أي في إباحة عمل وترك ضده ، لأن شأن الإباحة أن ~~تقتضي التخيير بين أحد أمرين متضادين . | # والاستئذان يعدى ب ( في ) . فقوله : { أن يجاهدوا } في محل جر ب ( في ) ~~المحذوفة ، وحذف الجار مع { أن } مطرد شائع . | # ولما كان الاستئذان يستلزم شيئين متضادين ، كما قلنا ، جاز ms3671 أن يقال : ~~استأذنت في كذا واستأذنت في ترك كذا . وإنما يذكر غالبا مع فعل الاستئذان ~~الأمر الذي يرغب المستأذن الإذن فيه دون ضده وإن كان ذكر كليهما صحيحا . | ~~PageV10P211 # ولما كان شأن المؤمنين الرغبة في الجهاد كان المذكور مع استئذان المؤمنين ~~، في الآية أن يجاهدوا دون أن لا يجاهدوا ، إذ لا يليق بالمؤمنين الاستئذان ~~في ترك الجهاد ، فإذا انتفى أن يستأذنوا في أن يجاهدوا ثبت أنهم يجاهدون ~~دون استئذان ، وهذا من لطائف بلاغة هذه الآية التي لم يعرج عليها المفسرون ~~وتكلفوا في إقامة نظم الآية . | # وجملة { والله عليم بالمتقين } معترضة لفائدة التنبيه على أن الله مطلع ~~على أسرار المؤمنين إذ هم المراد بالمتقين كما تقدم في قوله في سورة البقرة ~~( 2 ، 3 ) { هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب . | # | 2 ( 45 ) { إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الاخر وارتابت ~~قلوبهم فهم فى ريبهم يترددون } . ) 2 # الجملة مستأنفة استئنافا بيانيا نشأ عن تبرئة المؤمنين من أن يستأذنوا في ~~الجهاد : ببيان الذين شأنهم الاستئذان في هذا الشأن ، وأنهم الذين لا ~~يؤمنون بالله واليوم الآخر في باطن أمرهم لأن انتفاء إيمانهم ينفي رجاءهم ~~في ثواب الجهاد ، فلذلك لا يعرضون أنفسهم له . | # وأفادت { إنما } القصر . ولما كان القصر يفيد مفاد خبرين بإثبات شيء ونفي ~~ضده كانت صيغة القصر هنا دالة باعتبار أحد مفاديها على تأكيد جملة { لا ~~يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر } ( التوبة : 44 ) وقد كانت مغنية ~~عن الجملة المؤكدة لولا أن المراد من تقديم تلك الجملة التنويه بفضيلة ~~المؤمنين ، فالكلام إطناب لقصد التنويه ، والتنويه من مقامات الإطناب . | # وحذف متعلق { يستأذنك } هنا لظهوره مما قبله مما يؤذن به فعل الاستئذان ~~في قوله : { لا يستئذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا } ( ~~التوبة : 44 ) والتقدير : إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون في أن لا يجاهدوا ، ~~ولذلك حذف متعلق يستأذنك هنا . | PageV10P212 # والسامع البليغ يقدر لكل كلام ما يناسب إرادة المتكلم البليغ ، وكل على ~~منواله ينسج . | # وعطف { وارتابت قلوبهم } على الصلة وهي { لا يؤمنون بالله واليوم الآخر } ~~يدل على ms3672 أن المراد بالارتياب الإرتياب في ظهور أمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم فلأجل ذلك الارتياب كانوا ذوي وجهين معه فأظهروا الإسلام لئلا يفوتهم ~~ما يحصل للمسلمين من العز والنفع ، على تقدير ظهور أمر الإسلام ، وأبطنوا ~~الكفر حفاظا على دينهم الفاسد وعلى صلتهم بأهل ملتهم ، كما قال الله تعالى ~~فيهم : { الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم ~~وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين } ( ~~النساء : 141 ) . | # ولعل أعظم ارتيابهم كان في عاقبة غزوة تبوك لأنهم لكفرهم ما كانوا يقدرون ~~أن المسلمين يغلبون الروم ، هذا هو الوجه في تفسير قوله : { وارتابت قلوبهم ~~} كما آذن به قوله : { فهم في ريبهم يترددون } . | # وجيء في قوله : { لا يؤمنون } بصيغة المضارع للدلالة على تجدد نفي ~~إيمانهم ، وفي { وارتابت قلوبهم } بصيغة الماضي للدلالة على قدم ذلك ~~الارتياب ورسوخه فلذلك كان أثره استمرار انتفاء إيمانهم ، ولما كان ~~الارتياب ملازما لانتفاء الإيمان كان في الكلام شبه الاحتباك إذ يصير ~~بمنزلة أن يقال : الذين لم يؤمنوا ولا يؤمنون وارتابت وترتاب قلوبهم . | # وفرع قوله : { فهم في ريبهم يترددون } على { وارتابت قلوبهم } تفريع ~~المسبب على السبب : لأن الارتياب هو الشك في الأمر بسبب التردد في تحصيله ، ~~فلترددهم لم يصارحوا النبي صلى الله عليه وسلم بالعصيان لاستنفاره ، ولم ~~يمتثلوا له فسلكوا مسلكا يصلح للأمرين ، وهو مسلك الاستئذان في القعود ، ~~فالاستئذان مسبب على التردد ، والتردد مسبب على الارتياب وقد دل هذا على أن ~~المقصود من صلة الموصول في قوله : { الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر } ~~. هو قوله : { وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون } . لأنه المنتج ~~لانحصار الاستئذان فيهم . | PageV10P213 # و { في ريبهم } ظرف مستقر ، خبر عن ضمير الجماعة ، والظرفية مجازية مفيدة ~~إحاطة الريب بهم ، أي تمكنه من نفوسهم ، وليس قوله : { في ريبهم } متعلقا ب ~~{ يترددون } . | # والتردد حقيقته ذهاب ورجوع متكرر إلى محل واحد ، وهو هنا تمثيل لحال ~~المتحير بين الفعل وعدمه بحال الماشي والراجعع . وقريب منه قولهم : يقدم ~~رجلا ويؤخر أخرى . | # والمعنى : أنهم لم يعزموا ms3673 على الخروج إلى الغزو . وفي هذه الآية تصريح ~~للمنافقين بأنهم كافرون ، وأن الله أطلع رسوله عليه الصلاة والسلام ~~والمؤمنين على كفرهم ، لأن أمر استئذانهم في التخلف قد عرفه الناس . | # | 2 ( 46 ) { ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولاكن كره الله انبعاثهم ~~فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين } . ) 2 # عطف على جملة { فهم في ريبهم يترددون } ( التوبة : 45 ) لأن معنى المعطوف ~~عليها : أنهم لم يريدوا الخروج إلى الغزو ، وهذا استدلال على عدم إرادتهم ~~الخروج إذ لو أرادوه لأعدوا له عدته . وهذا تكذيب لزعمهم أنهم تهيأوا للغزو ~~ثم عرضت لهم الأعذار فاستأذنوا في القعود لأن عدم إعدادهم العدة للجهاد دل ~~على انتفاء إرادتهم الخروج إلى الغزو . | # والعدة بضم العين : ما يحتاج إليه من الأشياء ، كالسلاح للمحارب ، والزاد ~~للمسافر ، مشتقة من الإعداد وهو التهيئة . | # والخروج تقدم آنفا . | # والاستدراك في قوله : { ولكن كره الله انبعاثهم } استدراك على ما دل عليه ~~شرط { لو } من فرض إرادتهم الخروج تأكيد الانتفاء وقوعه بإثبات ضده ، وعبر ~~عن ضد PageV10P214 الخروج بتثبيط الله إياهم لأنه في السبب الإلهي ضد ~~الخروج فعبر به عن مسببه ، واستعمال الاستدراك كذلك بعد { لو } استعمال ~~معروف في كلامهم كقول أبي بن سلمى الضبي : | # فلو طار ذو حافر قبلها | # لطارت ولكنه لم يطر | # وقول الغطمشش الضبي : | # أخلاي لو غير الحمام أصابكم | # عتبت ولكن ما على الموت معتب | # إلا أن استدراك ضد الشرط في الآية كان بذكر ما يساوي الضد : وهو تثبيط ~~الله إياهم ، توفيرا لفائدة الاستدراك ببيان سبب الأمر المستدرك ، وجعل هذا ~~السبب مفرعا على علته : وهي أن الله كره انبعاثهم ، فصيغ الاستدراك بذكر ~~علته اهتماما بها ، وتنبيها على أن عدم إرادتهم الخروج كان حرمانا من الله ~~إياهم ، وعناية بالمسلمين فجاء الكلام بنسج بديع وحصل التأكيد مع فوائد ~~زائدة . | # وكراهة الله انبعاثهم مفسرة في الآية بعدها بقوله : { لو خرجوا فيكم ما ~~زادوكم إلا خبالا } ( التوبة : 47 ) . | # والانبعاث : مطاوع بعثه إذا أرسله . | # والتثبيط : إزالة العزم . وتثبيط الله إياهم : أن خلق فيهم الكسل وضعف ~~العزيمة على الغزو . | # والقعود : مستعمل ms3674 في ترك الغزو تشبيها للترك بالجلوس . | # والقول : الذي في { وقيل اقعدوا } قول أمر التكوين : أي كون فيهم القعود ~~عن الغزو . | # وزيادة قوله : { مع القاعدين } مذمة لهم : لأن القاعدين هم الذين شأنهم ~~القعود عن الغزو ، وهم الضعفاء من صبيان ونساء كالعمي والزمنى . | # | PageV10P215 # | 2 ( 47 ) { لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولاوضعوا خلالكم يبغونكم ~~الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين } . ) 2 # استئناف بياني لجملة { كره الله انبعاثهم فثبطهم } ( التوبة : 46 ) لبيان ~~الحكمة من كراهية الله انبعاثهم ، وهي إرادة الله سلامة المسلمين من أضرار ~~وجود هؤلاء بينهم ، لأنهم كانوا يضمرون المكر للمسلمين فيخرجون مرغمين ، ~~ولا فائدة في جيش يغزو بدون اعتقاد أنه على الحق ، وتعدية فعل ( الخروج ) ~~بفي شائعة في الخروج مع الجيش . | # والزيادة : التوفير . | # وحذف مفعول { زادوكم } لدلالة الخروج عليه ، أي ما زادوكم قوة أو شيئا ~~مما تفيد زيادته في الغزو نصرا على العدو ، ثم استثني من المفعول المحذوف ~~الخبال على طريقة التهكم بتأكيد الشيء بما يشبه ضده فإن الخبال في الحرب ~~بعض من عدم الزيادة في قوة الجيش ، بل هو أشد عدما للزيادة ، ولكنه ادعي ~~أنه من نوع الزيادة في فوائد الحرب ، وأنه يجب استثناؤه من ذلك النفي ، على ~~طريقة التهكم . | # والخبال : الفساد ، وتفكك الشيء الملتحم الملتئم ، فأطلق هنا على اضطراب ~~الجيش واختلال نظامه . | # وحقيقة { أوضعوا } أسرعوا سير الركاب . يقال : وضع البعير وضعا ، إذا ~~أسرع ويقال : أوضعت بعيري ، أي سيرته سيرا سريعا . وهذا الفعل مختص بسير ~~الإبل فلذلك ينزل فعل أوضع منزلة القاصر لأن مفعوله معلوم من مادة فعله . ~~وهو هنا تمثيل لحالة المنافقين حين يبذلون جهدهم لإيقاع التخاذل والخوف بين ~~رجال الجيش ، وإلقاء الأخبار الكاذبة عن قوة العدو ، بحال من يجهد بعيره ~~بالسير لإبلاغ خبر مهم أو إيصال تجارة لسوق ، وقريب من هذا التمثيل قوله ~~تعالى : { فجاسوا خلال الديار } ( الإسراء : 5 ) وقوله : { وترى كثيرا منهم ~~يسارعون في الإثم والعدوان } ( المائدة : 62 ) . وأصله قولهم : يسعى لكذا ، ~~إلا أنه لما شاع إطلاق السعي في الحرص على الشيء خفيت ملاحظة تمثيل ms3675 الحالة ~~عند إطلاقه لكثرة الاستعمال فلذلك اختير هنا ذكر الإيضاع لعزة هذا المعنى ، ~~ولما فيه من الصلاحية لتفكيك الهيئة بأن يشبه الفاتنون بالركب ، ووسائل ~~الفتنة بالرواحل . | PageV10P216 # وفي ذكر { خلالكم } ما يصلح لتشبيه استقرائهم الجماعات والأفراد بتغلغل ~~الرواحل في خلال الطرق والشعاب . | # والخلال : جمع خلل بالتحريك . وهو الفرجة بين شيئين واستعير هنا لمعنى ~~بينكم تشبيها لجماعات الجيش بالأجزاء المتفرقة . | # وكتب كلمة { ولا أوضعوا } في المصحف بألف بعد همزة أوضعوا التي في اللام ~~ألف بحيث وقع بعد اللام ألفان فأشبهت اللام ألف لا النافية لفعل { أوضعوا } ~~ولا ينطق بالألف الثانية في القراءة فلا يقع التباس في ألفاظ الآية . قال ~~الزجاج : وإنما وقعوا في ذلك لأن الفتحة في العبرانية وكثير من الألسنة ~~تكتب ألفا . وتبعه الزمخشري ، وقال ابن عطية : ( يحتمل أن تمطل حركة اللام ~~فتحدث ألف بين اللام والهمزة التي من أوضع ، وقيل : ذلك لخشونة هجاء ~~الأولين ) ، يعني لعدم تهذيب الرسم عند الأقدمين من العرب . قال الزمخشري : ~~ومثل ذلك كتبوا { لا اذبحنه في سورة النمل ( 21 ) قلت : و كتبوا لأعذبنه } ~~( النمل : 21 ) بلام ألف لا غير وهي بلصق كلمة { أو لأذبحنه } ( النمل : 21 ~~) ، ولا في نحو { وإذا لاتخذوك خليلا } ( الإسراء : 73 ) فلا أراهم كتبوا ~~ألفا بعد اللام ألف فيما كتبوها فيه إلا لمقصد ، ولعلهم أرادوا التنبيه على ~~أن الهمزة مفتوحة وعلى أنها همزة قطع . | # وجملة { يبغونكم الفتنة } في موضع الحال من ضمير { ولو أرادوا الخروج } ( ~~التوبة : 46 ) العائد على الذين لا يؤمنون بالله في قوله تعالى : { إنما ~~يستئذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر } ( التوبة : 45 ) المراد بهم ~~المنافقون كما تقدم . | # وبغى يتعدى إلى مفعول واحد لأنه بمعنى طلب ، وتقدم في قوله تعالى : { ~~أفغير دين الله يبغون في سورة آل عمران ( 83 ) . وعدي يبغونكم } إلى ضمير ~~المخاطبين هنا على طريقة نزع الخافض ، وأصله يبغون لكم الفتنة . وهو ~~استعمال شائع في فعل بغي بمعنى طلب . | # والفتنة : اختلال الأمور وفساد الرأي ، وتقدمت في قوله : { وحسبوا أن لا ~~تكون فتنة في سورة المائدة ( 71 ) . | PageV10P217 # وقوله : وفيكم ms3676 سماعون لهم } أي في جماعة المسلمين ، أي من بين المسلمين { ~~سماعون لهم } فيجوز أن يكون هؤلاء السماعون مسلمين يصدقون ما يسمعونه من ~~المنافقين . ويجوز أن يكون السماعون منافقين مبثوثين بين المسلمين . | # وهذه الجملة اعتراض للتنبيه على أن بغيهم الفتنة أشد خطرا على المسلمين ~~لأن في المسلمين فريقا تنطلي عليهم حيلهم ، وهؤلاء هم سذج المسلمين الذين ~~يعجبون من أخبارهم ويتأثرون ولا يبلغون إلى تمييز التمويهات والمكائد عن ~~الصدق والحق . | # وجاء { سماعون } بصيغة المبالغة للدلالة على أن استماعهم تام وهو ~~الاستماع الذي يقارنه اعتقاد ما يسمع كقوله : { سماعون للكذب سماعون لقوم ~~آخرين } ( المائدة : 41 ) وعن الحسن ، ومجاهد ، وابن زيد : معنى { سماعون ~~لهم } ، أي جواسيس يستمعون الأخبار وينقلونها إليهم ، وقال قتادة وجهور ~~المفسرين : معناه وفيكم من يقبل منهم قولهم ويطيعهم ، قال النحاس الاغلب أن ~~معنى سماع يسمع الكلام ومثله { سماعون للكذب } ( المائدة : 41 ) . وأما من ~~يقبل ما يسمعه فلا يكاد يقال فيه إلا سامع مثل قائل . | # وجيء بحرف ( في ) من قوله : { وفيكم سماعون لهم } الدال على الظرفية دون ~~حرف ( من ) فلم يقل ومنكم سماعون لهم أو ومنهم سماعون ، لئلا يتوهم تخصيص ~~السماعين بجماعة من أحد الفريقين دون الآخر لأن المقصود أن السماعين لهم ~~فريقان فريق من المؤمنين وفريق من المنافقين أنفسهم مبثوثون بين المؤمنين ~~لإلقاء الأراجيف والفتنة وهم الأكثر فكان اجتلاب حرف ( في ) إيفاء بحق هذا ~~الإيجاز البديع ولأن ذلك هو الملائم لمحملي لفظ { سماعون } فقد حصلت به ~~فائدتان . | # وجملة { والله عليم بالظالمين } تذييل قصد منه إعلام المسلمين بأن الله ~~يعلم أحوال المنافقين الظالمين ليكونوا منهم على حذر ، وليتوسموا فيهم ما ~~وسمهم القرآن به ، وليعلموا أن الاستماع لهم هو ضرب من الظلم . | # والظلم هنا الكفر والشرك { إن الشرك لظلم عظيم } ( لقمان : 13 ) . | # | PageV10P218 # | 2 ( 48 ) { لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جآء الحق ~~وظهر أمر الله وهم كارهون } . ) 2 # الجملة تعليل لقوله : { يبغونكم الفتنة } ( التوبة : 47 ) لأنها دليل بأن ~~ذلك ديدن لهم من قبل ، إذ ابتغوا الفتنة للمسلمين وذلك يوم أحد ms3677 إذ انخزل ~~عبد الله بن أبي ابن سلول ومن معه من المنافقين بعد أن وصلوا إلى أحد ، ~~وكانوا ثلث الجيش قصدوا إلقاء الخوف في نفوس المسلمين حين يرون انخزال بعض ~~جيشهم وقال ابن جريج : الذين ابتغوا الفتنة اثنا عشر رجلا من المنافقين ، ~~وقفوا على ثنية الوداع ليلة العقبة ليفتكوا بالنبي صلى الله عليه وسلم | # و { قلبوا } بتشديد اللام مضاعف قلب المخفف ، والمضاعفة للدلالة على قوة ~~الفعل . فيجوز أن يكون من قلب الشيء إذا تأمل باطنه وظاهره ليطلع على دقائق ~~صفاته فتكون المبالغة راجعة إلى الكم أي كثرة التقليب ، أي ترددوا آراءهم ~~وأعملوا المكائد والحيل للإضرار بالنبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين . | # ويجوز أن يكون { قلبوا } من قلب بمعنى فتش وبحث ، استعير التقليب للبحث ~~والتفتيش لمشابهة التفتيش للتقليب في الإحاطة بحال الشيء كقوله تعالى : { ~~فأصبح يقلب كفيه } ( الكهف : 42 ) فيكون المعنى ، أنهم بحثوا وتجسسوا ~~للاطلاع على شأن المسلمين وإخبار العدو به . | # واللام في قوله : { لك } على هذين الوجهين لام العلة ، أي لأجلك وهو مجمل ~~يبينه قوله : { لقد ابتغوا الفتنة من قبل } ( التوبة : 48 ) . فالمعنى ~~اتبعوا فتنة تظهر منك ، أي في أحوالك وفي أحوال المسلمين . | # ويجوز أن يكون { قلبوا } مبالغة في قلب الأمر إذا أخفى ما كان ظاهرا منه ~~وأبدى ما كان خفيا ، كقولهم : قلب له ظهر المجن . وتعديته باللام في قوله { ~~لك } ظاهرة . | PageV10P219 # و { الأمور } جمع أمر ، وهو اسم مبهم مثل شيء كما في قول الموصلي : | # ولكن مقادير جرت وأمور | # والألف واللام فيه للجنس ، أي أمورا تعرفون بعضها ولا تعرفون بعضا . | # و { حتى } غاية لتقليبهم الأمور . | # ومجيء الحق حصوله واستقراره والمراد بذلك زوال ضعف المسلمين وانكشاف أمر ~~المنافقين . | # والمراد بظهور أمر الله نصر المسلمين بفتح مكة ودخول الناس في الدين ~~أفواجا وذلك يكرهه المنافقون . | # الظهور والغلبة والنصر . | # و { أمر الله } دينه ، أي فلما جاء الحق وظهر أمر الله علموا أن فتنتهم ~~لا تضر المسلمين ، فلذلك لم يروا فائدة في الخروج معهم إلى غزوة تبوك ~~فاعتذروا عن الخروج من أول الأمر . | # | 2 ms3678 ( 49 ) { ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتنى ألا فى الفتنة سقطوا وإن ~~جهنم لمحيطة بالكافرين } . ) 2 # نزلت في بعض المنافقين استأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم في التخلف عن ~~تبوك ولم يبدوا عذرا يمنعهم من الغزو ، ولكنهم صرحوا بأن الخروج إلى الغزو ~~يفتنهم لمحبة أموالهم وأهليهم ، ففضح الله أمرهم بأنهم منافقون : لأن ضمير ~~الجمع المجرور عائد إلى { الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر } ( التوبة : ~~45 ) ، وقيل : قال جماعة منهم : ائذن لنا لأنا قاعدون أذنت لنا أم لم تأذن ~~فأذن لنا لئلا نقع في المعصية . وهذا من أكبر الوقاحة لأن الإذن في هذه ~~الحالة كلا إذنن ، ولعلهم قالوا ذلك لعلمهم برفق النبي صلى الله عليه وسلم ~~وقيل : إن الجد بن قيس قال : يا رسول الله لقد علم الناس PageV10P220 أني ~~مستهتر بالنساء فإني إذا رأيت نساء بني الأصفر افتتنت بهن فأذن لي في ~~التخلف ولا تفتني وأنا أعينك بمالي ، فأذن لهم . ولعل كل ذلك كان . | # والإتيان بأداة الاستفتاح في جملة { ألا في الفتنة سقطوا } للتنبيه على ~~ما بعدها من عجيب حالهم إذ عاملهم الله بنقيض مقصودهم فهم احترزوا عن فتنة ~~فوقعوا في الفتنة . فالتعريف في الفتنة ليس تعريف العهد إذ لا معهود هنا ، ~~ولكنه تعريف الجنس المؤذن بكمال المعرف في جنسه ، أي في الفتنة العظيمة ~~سقطوا ، فأي وجه فرض في المراد من الفتنة حين قال قائلهم { ولا تفتنى } كان ~~ما وقع فيه أشد مما تفصى منه ، فإن أراد فتنة الدين فهو واقع في أعظم ~~الفتنة بالشرك والنفاق ، وإن أراد فتنة سوء السمعة بالتخلف فقد وقع في أعظم ~~بافتضاح أمر نفاقهم ، وإن أراد فتنة النكد بفراق الأهل والمال فقد وقع في ~~أعظم نكد بكونه ملعونا مبغوضا للناس . وتقدم بيان { الفتنة } قريبا . | # والسقوط مستعمل مجازا في الكون فجأة على وجه الاستعارة : شبه ذلك الكون ~~بالسقوط في عدم التهيؤ له وفي المفاجأة باعتبار أنهم حصلوا في الفتنة في ~~حال أمنهم من الوقوع فيها ، فهم كالساقط في هوة على حينن ظن أنه ماش في ~~طريق ms3679 سهل ومن كلام العرب ( على الخبير سقطت ) . | # وتقديم المجرور على عامله ، للاهتمام به لأنه المقصود من الجملة . | # وهذه الجملة تسير مسرى المثل . | # وجملة { وإن جهنم لمحيطة بالكافرين } معترضة والواو اعتراضية ، أي وقعوا ~~في الفتنة المفضية إلى الكفر . والكفر يستحق جهنم . | # وإحاطة جهنم مراد منها عدم إفلاتهم منها ، فالإحاطة كناية عن عدم الإفلات ~~. والمراد بالكافرين : جميع الكافرين فيشمل المتحدث عنهم لثبوت كفرهم بقوله ~~: { إنما يستئذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر } ( التوبة : 45 ) . ~~| # ووجه العدول عن الإتيان بضميرهم إلى الإتيان بالاسم الظاهر في قوله : { ~~لمحيطة بالكافرين } إثبات إحاطة جهنم بهم بطريق شبيه بالاستدلال ، لأن شمول ~~الاسم الكلي لبعض جزئياته أشهر أنواع الاستدلال . | # | PageV10P221 # | 2 ( 50 ) { إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا ~~من قبل ويتولوا وهم فرحون } . ) 2 # تتنزل هذه الجملة منزلة البيان لجملة { إنما يستئذنك الذين لا يؤمنون ~~بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون } ( التوبة : 45 ) ~~، وما بين الجملتين استدلال على كذبهم في ما اعتذروا به وأظهروا الاستيذان ~~لأجله ، وبين هنا أن ترددهم هو أنهم يخشون ظهور أمر المسلمين ، فلذلك لا ~~يصارحونهم بالإعراض ويودون خيبة المؤمنين ، فلذلك لا يحبون الخروج معهم . | # والحسنة : الحادثة التي تحسن لمن حلت به واعترته . والمراد بها هنا النصر ~~والغنيمة . | # والمصيبة مشتقة من أصاب بمعنى حل ونال وصادف ، وخصت المصيبة في اللغة ~~بالحادثة التي تعتري الإنسان فتسوءه وتحزنه . ولذلك عبر عنها بالسيئة في ~~قوله تعالى ، في سورة آل عمران ( 120 ) : { إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم ~~سيئة يفرحوا بها . والمراد بها الهزيمة في الموضعين ، وقد تقدم ذلك في قوله ~~تعالى : ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة في سورة الأعراف ( 95 ) . | # وقولهم : قد أخذنا أمرنا من قبل } ابتهاج منهم بمصادفة أعمالهم ما فيه ~~سلامتهم فيزعمون أن يقظتهم وحزمهم قد صادفا المحز ، إذ احتاطوا له قبل ~~الوقوع في الضر . | # والأخذ حقيقته التناول ، وهو هنا مستعار للاستعداد والتلافي . | # والأمر الحال المهم صاحبه ، أي : قد استعددنا لما يهمنا فلم نقع في ~~المصيبة . | # والتولي حقيقته الرجوع ms3680 ، وتقدم في قوله تعالى : { وإذا تولى سعى في الأرض ~~في سورة البقرة ( 205 ) . وهو هنا تمثيل لحالهم في تخلصهم من المصيبة ، ~~التي قد كانت تحل بهم لو خرجوا مع المسلمين ، بحال من أشرفوا على خطر ثم ~~سلموا منه ورجعوا فارحين مسرورين بسلامتهم وبإصابة أعدائهم . | # | PageV10P222 # | 2 ( 51 ) { قل لن يصيبنآ إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله ~~فليتوكل المؤمنون } . ) 2 # تلقين جواب لقولهم : { قد أخذنا أمرنا من قبل } ( التوبة : 50 ) المنبىء ~~عن فرحهم بما ينال المسلمين من مصيبة بإثبات عدم اكتراث المسلمين بالمصيبة ~~وانتفاء حزنهم عليها لأنهم يعلمون أن ما أصابهم ما كان إلا بتقدير الله ~~لمصلحة المسلمين في ذلك ، فهو نفع محض كما تدل عليه تعدية فعل { كتب } ~~باللام المؤذنة بأنه كتب ذلك لنفعهم وموقع هذا الجواب هو أن العدو يفرح ~~بمصاب عدوه لأنه ينكد عدوه ويحزنه ، فإذا علموا أن النبي لا يحزن لما أصابه ~~زال فرحهم . | # وفيه تعليم للمسلمين التخلق بهذا الخلق : وهو أن لا يحزنوا لما يصيبهم ~~لئلا يهنو وتذهب قوتهم ، كما قال تعالى : { ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم ~~الأعلون إن كنتم مؤمنين إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله } ( آل عمران ~~: 139 ، 140 ) . وأن يرضوا بما قدر الله لهم ويرجوا رضى ربهم لأنهم واثقون ~~بأن الله يريد نصر دينه . | # وجملة { هو مولانا } في موضع الحال من اسم الجلالة ، أو معترضة أي لا ~~يصيبنا إلا ما قدره الله لنا ، ولنا الرجاء بأنه لا يكتب لنا إلا ما فيه ~~خيرنا العاجل أو الآجل ، لأن المولى لا يرضى لمولاه الخزي . | # وجملة { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } يجوز أن تكون معطوفة على جملة { قل ~~} فهي من كلام الله تعالى خبرا في معنى الأمر ، أي قل ذلك ولا تتوكلوا إلا ~~على الله دون نصرة هؤلاء ، أي اعتمدوا على فضله عليكم . | # ويجوز أن تكون معطوفة على جملة { لن يصيبنا } أي قل ذلك لهم ، وقل لهم إن ~~المؤمنين لا يتوكلون إلا على الله ، أي يؤمنون بأنه مؤيدهم ، وليس تأييدهم ~~بإعانتكم ، وتفصيل هذا ms3681 الإجمال في الجملة التي بعدها . والفاء الداخلة على ~~{ فليتوكل المؤمنون } فاء تدل على محذوف مفرع عليه اقتضاه تقديم المعمول ، ~~أي على الله فليتوكل المؤمنون . | # | PageV10P223 # | 2 ( 52 ) { قل هل تربصون بنآ إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن ~~يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصو ا إنا معكم متربصون } . ) 2 # | $ # تتنزل هذه الجملة منزلة البيان لما تضمنته جملة { قل لن يصيبنا إلا ما ~~كتب الله لنا ( التوبة : 51 ) الآية ، ولذلك لم تعطف عليها ، والمبين هو ~~إجمال ما كتب الله لنا هو مولانا } ( التوبة : 51 ) كما تقدم . | # والمعنى لا تنتظرون من حالنا إلا حسنة عاجلة أو حسنة آجلة فأما نحن ~~فننتظر من حالكم أن يعذبكم الله في الآخرة بعذاب النار ، أو في الدنيا ~~بعذاب على غير أيدينا من عذاب الله في الدنيا : كالجوع والخوف ، أو بعذابب ~~بأيدينا ، وهو عذاب القتل ، إذا أذن الله بحربكم ، كما في قوله : { لئن لم ~~ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم } ( ~~الأحزاب : 60 ) الآية . | # والاستفهام مستعمل في النفي بقرينة الاستثناء . ومعنى الكلام توبيخ لهم ~~وتخطئة لتربصهم لأنهم يتربصون بالمسلمين أن يقتلوا ، ويغفلون عن احتمال أن ~~ينصروا فكان المعنى : لا تتربصون بنا إلا أن نقتل أو نغلب وذلك إحدى ~~الحسنين . | # والتربص : انتظار حصول شيء مرغوب حصوله ، وأكثر استعماله . أن يكون ~~انتظار حصول شيء لغير المنتظر ( بكسر الظاء ) ولذلك كثرت تعدية فعل التربص ~~بالباء لأن المتربص ينتظر شيئا مصاحبا لآخر هو الذي لأجله الانتظار . وأما ~~قوله : { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } ( البقرة : 228 ) فقد نزلت ~~{ أنفسهن } منزلة المغاير للمبالغة في وجوب التربص ، ولذلك قال في ( الكشاف ~~) : ( في ذكر الأنفس تهييج لهن على التربص وزيادة بعث ) . وقد تقدم ذلك ~~هنالك ، وأما قوله : { للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر } ( البقرة : ~~226 ) فهو على أصل الاستعمال لأنه تربص بأزواجهم . | # وجملة { ونحن نتربص بكم } معطوفة على جملة الاستفهام عطف الخبر على ~~الإنشاء : بل على خبر في صورة الإنشاء ، فهي من مقول القول وليس فيها معنى ~~PageV10P224 الاستفهام . والمعنى ms3682 : وجود البون بين الفريقين في عاقبة الحرب ~~في حالي الغلبة والهزيمة . | # وجعلت جملة { ونحن نتربص } اسمية فلم يقل ونتربص بكم بخلاف الجملة ~~المعطوف عليها : لإفادة تقوية التربص ، وكناية عن تقوية حصول المتربص لأن ~~تقوية التربص تفيد قوة الرجاء في حصول المتربص فتفيد قوة حصوله وهو المكنى ~~عنه . | # وتفرع على جملة { هل تربصون بنا } جملة { فتربصوا إنا معكم متربصون } ~~لأنه إذا كان تربص كل من الفريقين مسفرا عن إحدى الحالتين المذكورتين كان ~~فريق المؤمنين أرضى الفريقين بالمتربصين لأن فيهما نفعه وضر عدوه . | # والأمر في قوله : { تربصوا } للتحضيض المجازي المفيد قلة الإكتراث ~~بتربصهم كقول طريف بن تميم العنبري : | # فتوسموني إنني أنا ذلكم | # شاكي سلاحي في الحوادث معلم | # وجملة { إنا معكم متربصون } تهديد للمخاطبين والمعية هنا : معية في ~~التربص ، أو في زمانه ، وفصلت هذه الجملة عن التي قبلها لأنها كالعلة للحض ~~. | # | 2 ( 53 ) { قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما ~~فاسقين } . ) 2 # ابتداء كلام هو جواب عن قول بعض المستأذنين منهم في التخلف ( وأنا أعينك ~~بمالي ) . روي أن قائل ذلك هو الجد بن قيس ، أحد بني سلمة ، الذي نزل فيه ~~قوله تعالى : { ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني } ( التوبة : 49 ) كما ~~تقدم ، وكان منافقا . وكأنهم قالوا ذلك مع شدة شحهم لأنهم ظنوا أن ذلك يرضي ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن قعودهم عن الجهاد . | # وقوله : { طوعا أو كرها } أي بمال تبذلونه عوضا عن الغزو ، أو بمال ~~تنفقونه طوعا مع خروجكم إلى الغزو ، فقوله : { طوعا } إدماج لتعميم أحوال ~~الإنفاق في عدم PageV10P225 القبول فإنهم لا ينفقون إلا كرها لقوله تعالى ~~بعد هذا : { ولا ينفقون إلا وهم كارهون } ( التوبة : 54 ) . | # والأمر في { أنفقوا } للتسوية أي : أنفقوا أو لا تنفقوا ، كما دلت عليه { ~~أو } في قوله { طوعا أو كرها } وهو في معنى الخبر الشرطي لأنه في قوة أن ~~يقال : لن يتقبل منكم إن أنفقتم طوعا أو أنفقتم كرها ، ألا ترى أنه قد يجيء ~~بعد أمثاله الشرط في معناه كقوله تعالى : { استغفر لهم ms3683 أو لا تستغفر لهم إن ~~تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم } ( التوبة : 80 ) . | # والكره أشد الإلزام ، وبينه وبين الطوع مراتب تعلم إرادتها بالأولى ، ~~وانتصب { طوعا أو كرها } على النيابة عن المفعول المطلق بتقدير : إنفاق طوع ~~أو إنفاق كره . ونائت فاعل يتقبل : هو { منكم } أي لا يتقبل منكم شيء وليس ~~المقدر الإنفاق المأخوذ من { أنفقوا } بل المقصود العموم . | # وجملة { إنكم كنتم قوما فاسقين } في موضع العلة لنفي التقبل ، ولذلك وقعت ~~فيها ( إن ) المفيدة لمعنى فاء التعليل ، لأن الكافر لا يتقبل منه عمل البر ~~. والمراد بالفاسقين : الكافرون ، ولذلك أعقب بقوله : { وما منعهم أن تقبل ~~منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله } ( التوبة : 54 ) . وإنما ~~اختير وصف الفاسقين دون الكافرين لأنهم يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر ، ~~فكانوا كالمائلين عن الإسلام إلى الكفر . والمقصود من هذا تأييسهم من ~~الانتفاع بما بذلوه من أموالهم ، فلعلهم كانوا يحسبون أن الإنفاق في الغزو ~~ينفعهم على تقدير صدق دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا من شكهم في أمر ~~الدين ، فتوهموا أنهم يعملون أعمالا تنفع المسلمين يجدونها عند الحشر على ~~فرض ظهور صدق الرسول . ويبقون على دينهم فلا يتعرضون للمهالك في الغزو ولا ~~للمشاق ، وهذا من سوء نظر أهل الضلالة كما حكى الله تعالى عن بعضهم : { ~~أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا } ( مريم : 77 ) إذ حسب ~~أنه يحشر يوم البعث بحالته التي كان فيها في الحياة إذا صدق إخبار الرسول ~~بالبعث . | # | PageV10P226 # | 2 ( 54 ) { وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله ~~وبرسوله ولا يأتون الصلواة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون } . ) ~~2 # عطف على جملة { إنكم كنتم قوما فاسقين } ( التوبة : 53 ) لأن هذا بيان ~~للتعليل لعدم قبول نفقاتهم بزيادة ذكر سببين آخرين مانعين من قبول أعمالهم ~~هما من آثار الكفر والفسوق . وهما : أنهم لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ، ~~وأنهم لا ينفقون إلا وهم كارهون . والكفر وإن كان وحده كافيا في عدم القبول ~~، إلا أن ذكر هذين السببين إشارة إلى تمكن ms3684 الكفر من قلوبهم وإلى مذمتهم ~~بالنفاق الدال على الجبن والتردد . فذكر الكفر بيان لذكر الفسوق ، وذكر ~~التكاسل عن الصلاة لإظهار أنهم متهاونون بأعظم عبادة فكيف يكون إنفاقهم عن ~~إخلاص ورغبة . وذكر الكراهية في الإنفاق لإظهار عدم الإخلاص في هذه الخصلة ~~المتحدث عنها . | # وقرأ حمزة والكسائي : { أن يقبل منهم } بالمثناة التحتية لأن جمع غير ~~المؤنث الحقيقي يجوز فيه التذكير وضده . | # | 2 ( 55 ) { فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها ~~في الحيواة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون } . ) 2 # تفريع على مذمة حالهم في أموالهم ، وأن وفرة أموالهم لا توجب لهم طمأنينة ~~بال ، بإعلام المسلمين أن ما يرون بعض هؤلاء المنافقين فيه من متاع الحياة ~~الدنيا لا ينبغي أن يكون محل إعجاب المؤمنين ، وأن يحسبوا المنافقين قد ~~نالوا شيئا من الحظ العاجل ببيان أن ذلك سبب في عذابهم في الدنيا . | # فالخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم والمراد تعليم الأمة . | PageV10P227 # ومعنى هذه الآية : أن الله كشف سرا من أسرار نفوس المنافقين بأنه خلق في ~~نفوسهم شحا وحرصا على المال وفتنة بتوفيره والإشفاق من ضياعه ، فجعلهم بسبب ~~ذلك في عناء وعذاب من جراء أموالهم ، فهم في كبد من جمعها . وفي خوف عليها ~~من النقصان ، وفي ألم من إنفاق ما يلجئهم الحال إلى إنفاقه منها ، فقد أراد ~~الله تعذيبهم في الدنيا بما الشأن أن يكون سبب نعيم وراحة ، وتم مراده . ~~وهذا من أشد العقوبات الدنيوية وهذا شأن البخلاء وأهل الشح مطلقا ، إلا أن ~~المؤمنين منهم لهم مسلاة عن الرزايا بما يرجون من الثواب على الإنفاق أو ~~على الصبر . ثم يجوز أن يكون هذا الخلق قد جبلهم الله عليه من وقت وجودهم ~~فيكون ذلك من جملة بواعث كفرهم ونفاقهم ، إذ الخلق السيء يدعو بعضه بعضا ، ~~فإن الكفر خلق سيء فلا عجب أن تنساق إليه نفس البخيل الشحيح ، والنفاق يبعث ~~عليه الخلق السيء من الجبن والبخل ، ليتقي صاحبه المخاطر ، وكذلك الشأن في ~~أولادهم إذ كانوا في فتنة من الخوف على إيمان بعض أولادهم ، وعلى خلاف ms3685 ~~بينهم وبين بعض أولادهم الموفقين إلى الإسلام : مثل حنظلة : ابن أبي عامر ~~الملقبب غسيل الملائكة ، وعبد الله بنن عبد الله بنن أبي فكان ذلك من تعذيب ~~أبويهما . | # ولكون ذكر الأولاد كالتكملة هنا لزيادة بيان عدم انتفاعهم بكل ما هو مظنة ~~أن ينتفع به الناس ، عطف الأولاد بإعادة حرف النفي بعد العاطف ، إيماء إلى ~~أن ذكرهم كالتكملة والاستطراد . | # واللام في { ليعذبهم } للتعليل : تعلقت بفعل الإرادة للدلالة على أن ~~المراد حكمة وعلة فتغني عن مفعول الإرادة ، وأصل فعل الإرادة أن يعدى بنفسه ~~كقوله تعالى : { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } ( البقرة : 185 ~~) ويعدى غالبا باللام كما في هذه الآية وقوله تعالى : { يريد الله ليبين ~~لكم في سورة النساء ( 26 ) وقول كثير : | # أريد لأنسى حبها فكأنما | # تمثل لي ليلى بكل مكان | # وربما عدوه باللام وكي مبالغة في التعليل كقول قيس بن عبادة : | # أردت لكيما يعلم الناس أنها | # سراويل قيس والوفود شهود | PageV10P228 # وهذه اللام كثير وقوعها بعد مادة الإرادة ومادة الأمر . وبعض القراء ~~سماها ( لام أن ) بفتح الهمزة وتقدم عند قوله تعالى : يريد الله ليبين لكم ~~في سورة النساء ( 26 ) . | # فقوله : في الحياة الدنيا } متعلق ب { يعذبهم } ومحاولة التقديم والتأخير ~~تعسف وعطف { وتزهق } على { ليعذبهم } باعتبار كونه أراده الله لهم عندما ~~رزقهم الأموال والأولاد فيعلم منه : أنه أراد موتهم على الكفر ، فيستغرق ~~التعذيب بأموالهم وأولادهم حياتهم كلها ، لأنهم لو آمنوا في جزء من آخر ~~حياتهم لحصل لهم في ذلك الزمن انتفاع ما بأموالهم ولو مع الشح . | # وجملة : { وهم كافرون } في موضع الحال من الضمير المضاف إليه لأنه إذا ~~زهقت النفس في حال الكفر فقد مات كافرا . | # والإعجاب استحسان مشوب باستغراب وسرور من المرئي قال تعالى : { ولو أعجبك ~~كثرة الخبيث } ( المائدة : 100 ) أي استحسنت مرأى وفرة عدده . | # و ( الزهوق ) الخروج بشدة وضيق ، وقد شاع ذكره في خروج الروح من الجسد ، ~~وسيأتي مثل هذه الآية في هذه السورة . | # | 2 ( 56 ) { ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولاكنهم قوم يفرقون } ~~. ) 2 # هذه الجملة معطوفة ms3686 على ما قبلها من أخبار أهل النفاق . وضمائر الجمع ~~عائدة إليهم ، قصد منها إبطال ما يموهون به على المسلمين من تأكيد كونهم ~~مؤمنين بالقسم على أنهم من المؤمنين . | # فمعنى : { إنهم لمنكم } أي بعض من المخاطبين ولما كان المخاطبون مؤمنين ، ~~كان التبعيض على اعتبار اتصافهم بالإيمان ، بقرينة القسم لأنهم توجسوا شك ~~المؤمنين في أنهم مثلهم . | PageV10P229 # والفرق : الخوف الشديد . | # واختيار صيغة المضارع في قوله : { ويحلفون } وقوله : { يفرقون } للدلالة ~~على التجدد وأن ذلك دأبهم . | # ومقتضى الاستدراك : أن يكون المستدرك أنهم ليسوا منكم ، أي كافرون ، فحذف ~~المستدرك استغناء بأداة الإستدراك ، وذكر ما هو كالجواب عن ظاهر حالهم من ~~الإيمان بأنه تظاهر باطل وبأن الذي دعاهم إلى التظاهر بالإيمان في حال ~~كفرهم : هم أنهم يفرقون من المؤمنين ، فحصل إيجاز بديع في الكلام إذ استغني ~~بالمذكور عن جملتين محذوفتين . | # وحذف متعلق { يفرقون } لظهوره ، أي يخافون من عداوة المسلمين لهم وقتالهم ~~إياهم أو إخراجهم ، كما قال تعالى : { لئن لم ينته المنافقون والذين في ~~قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا ~~قليلا ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا } ( الأحزاب : 60 ، 61 ) . ~~| # وقوله : { وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون كلام موجه لصلاحيته لأن يكون ~~معناه أيضا وما هم منكم ولكنهم قوم متصفون بصفة الجبن ، والمؤمنون من صفتهم ~~الشجاعة والعزة ، فالذين يفرقون لا يكونون من المؤمنين ، وفي معنى هذا قوله ~~تعالى : قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح } ( هود : 46 ) وقول ~~مساور بن هند في ذم بني أسد : | # زعمتم أن إخوتكم قريش | # لهم إلف وليس لكم إلاف | # أولئك أومنوا جوعا وخوفا | # وقد جاعت بنو أسد وخافوا | # فيكون توجيها بالثناء على المؤمنين ، وربما كانت الآية المذكورة عقبها ~~أوفق بهذا المعنى . وفي هذه الآية دلالة على أن اختلاف الخلق مانع من ~~المواصلة والموافقة . | # | PageV10P230 # | 2 ( 57 ) { لو يجدون ملجئا أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون } ~~. ) 2 # بيان لجملة : { ولكنهم قوم يفرقون } ( التوبة : 56 ) . | # والملجأ : مكان اللجإ ، وهو الإيواء والاعتصام . | # والمغارات : جمع مغارة ms3687 ، وهي الغار المتسع الذي يستطيع الإنسان الولوج ~~فيه ، ولذلك اشتق لها المفعل : الدال على مكان الفعل ، من غار الشيء إذا ~~دخل في الأرض . والمدخل مفتعل اسم مكان للإدخال الذي هو افتعال من الدخول . ~~قلبت تاء الافتعال دالا لوقوعها بعد الدال ، كما أبدلت في ادان ، وبذلك ~~قرأه الجمهور . وقرأ يعقوب وحده { أو مدخلا } بفتح الميم وسكون الدال اسم ~~مكان من دخل . | # ومعنى { لولوا إليه } لانصرفوا إلى أحد المذكورات وأصل ولى أعرض ولما كان ~~الإعراض يقتضي جهتين : جهة ينصرف عنها ، وجهة ينصرف إليها ، كانت تعديته ~~بأحد الحرفين تعين المراد . | # والجموح : حقيقته النفور ، واستعمل هنا تمثيلا للسرعة مع الخوف . | # والمعنى : أنهم لخوفهم من الخروج إلى الغزو لو وجدوا مكانا مما يختفي فيه ~~المختفي فلا يشعر به الناس لقصدوه مسرعين خشية أن يعزم عليهم الخروج إلى ~~الغزو . | # | 2 ( 58 ) { ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم ~~يعطوا منها إذا هم يسخطون } . ) 2 # عرف المنافقون بالشح كما قال الله تعالى : { أشحة عليكم } ( الأحزاب : 19 ~~) وقال { أشحة على الخير } ( الأحزاب : 19 ) ومن شحهم أنهم يودون أن ~~الصدقات توزع عليهم فإذا رأوها توزع PageV10P231 على غيرهم طعنوا في ~~إعطائها بمطاعن يلقونها في أحاديثهم ، ويظهرون أنهم يغارون على مستحقيها ، ~~ويشمئزون من صرفها في غير أهلها ، وإنما يرومون بذلك أن تقصر عليهم . | # روي أن أبا الجواظ ، من المنافقين ، طعن في أن أعطى النبي صلى الله عليه ~~وسلم من أموالل الصدقات بعض ضعفاء الأعراب رعاء الغنم ، إعانة لهم ، ~~وتأليفا لقلوبهم ، فقال : ما هذا بالعدل أن يضع صدقاتكم في رعاء الغنم ، ~~وقد أمر أن يقسمها في الفقراء والمساكين ، وقد روي أنه شافه بذلك النبي صلى ~~الله عليه وسلم | # وعن أبي سعيد الخدري : أنها نزلت في ذي الخويصرة التميمي الذي قال للنبيء ~~صلى الله عليه وسلم اعدل ، وكان ذلك في قسمة ذهب جاء من اليمن سنة تسع ، ~~فلعل السبب تكرر ، وقد كان ذو الخويصرة من المنافقين من الأعراب . | # واللمز القدح والتعييب ، مضارعه من باب يضرب ، وبه قرأ الجمهور ، ومن ms3688 باب ~~ينصر ، وبه قرأ يعقوب وحده . | # وأدخلت { في } على الصدقات ، وإنما اللمز في توزيعها لا في ذواتها : لأن ~~الاستعمال يدل على المراد ، فهذا من إسناد الحكم إلى الأعيان والمراد ~~أحوالها . | # ثم إن قوله : { فإن أعطوا منها رضوا } يحتمل : أن المراد ظاهر الضمير أن ~~يعود على المذكور ، أي إن أعطي اللامزون ، أي إن الطاعنين يطمعون أن يأخذوا ~~من أموال الصدقات بوجه هدية وإعانة ، فيكون ذلك من بلوغهم الغاية في الحرص ~~والطمع ، ويحتمل أن الضمير راجع إلى ما رجع إليه ضمير { منهم } أي : فإن ~~أعطي المنافقون رضي اللامزون ، وإن أعطي غيرهم سخطوا ، فالمعنى أنهم يرومون ~~أن لا تقسم الصدقات إلا على فقرائهم ولذلك كره أبو الجواظ أن يعطى الأعراب ~~من الصدقات . | # ولم يذكر متعلق { رضوا } ، لأن المراد صاروا راضين ، أي عنك . | # ودلت { إذا } الفجائية على أن سخطهم أمر يفاجىء العاقل حين يشهده لأنه ~~يكون في غير مظنة سخط ، وشأن الأمور المفاجئة أن تكون غريبة في بابها . | # | PageV10P232 # | 2 ( 59 ) { ولو أنهم رضوا مآ ءاتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله ~~سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنآ إلى الله راغبون } . ) 2 # جملة معطوفة على جملة : { ومنهم من يلمزك في الصدقات } ( التوبة : 58 ) ~~باعتبار ما تفرع عليها من قوله : { فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها ~~إذا هم يسخطون } ( التوبة : 58 ) عطفا ينبىء عن الحالة المحمودة ، بعد ذكر ~~الحالة المذمومة . | # وجواب { لو } محذوف دل عليه المعطوف عليه ، وتقديره : لكان ذلك خيرا لهم ~~. | # والإيتاء : الإعطاء ، وحقيقته إعطاء الذوات ويطلق مجازا على تعيين ~~المواهب كما في { وآتاه الله الملك والحكمة } ( البقرة : 251 ) وفي { ذلك ~~فضل الله يؤتيه من يشاء } ( المائدة : 54 ) . | # وقوله : { ما آتاهم الله } من هذا القبيل ، أي ما عينه لهم ، أي لجماعتهم ~~من الصدقات بنوطها بأوصاف تحققت فيهم كقوله : { إنما الصدقات للفقراء } ( ~~التوبة : 60 ) الآية . | # وإيتاء الرسول صلى الله عليه وسلم إعطاؤه المال لمن يرى أن يعطيه مما جعل ~~الله له التصرف فيه ، مثل النفل في المغانم ، والسلب ، والجوائز ، والصلات ~~، ونحو ذلك ، ومنه إعطاؤه من ms3689 جعل الله لهم الحق في الصدقات . | # ويجوز أن يكون إيتاء الله عين إيتاء الرسول عليه الصلاة والسلام وإنما ~~ذكر إيتاء الله للإشارة إلى أن ما عينه لهم الرسول صلى الله عليه وسلم هو ~~ما عينه الله لهم ، كما في قوله : { سيؤتينا الله من فضله ورسوله } أي ما ~~أوحى الله به إلى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يعطيهم وقوله : { قل الأنفال ~~لله والرسول } ( الأنفال : 1 ) . | # وحسب : اسم بمعنى الكافي ، والكفاية تستعمل بمعنى الاجتزاء ، وتستعمل ~~بمعنى ولي مهم المكفي ، كما في قوله تعالى : { وقالوا حسبنا الله } وهي هنا ~~من المعنى الأول . | # ورضي إذا تعدى إلى المفعول دل على اختيار المرضي ، وإذا عدي بالباء دل ~~على أنه صار راضيا بسبب ما دخلت عليه الباء ، كقوله : { أرضيتم بالحياة ~~الدنيا من PageV10P233 الآخرة } ( التوبة : 38 ) . وإذا عدي ب ( عن ) ~~فمعناه أنه تجاوز عن تقصيره أو عن ذنبه { فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى ~~عن القوم الفاسقين } ( التوبة : 96 ) . | # فالقول هنا مراد به الكلام مع الإعتقاد ، فهو كناية عن اللازم مع جواز ~~إرادة الملزوم ، فإذا أضمروا ذلك في أنفسهم فذلك من الحالة الممدوحة ولكن ~~لما وقع هذا الكلام في مقابلة حكاية اللمز في الصدقات ، واللمز يكون ~~بالكلام دلالة على الكراهية ، جعل ما يدل على الرضا من الكلام كناية عن ~~الرضى . | # وجملة { سيؤتينا الله من فضله ورسوله } بيان لجملة { حسبنا الله } لأن ~~كفاية المهم تقتضي تعهد المكفي بالعوائد ودفع الحاجة ، والإيتاء فيه بمعنى ~~إعطاء الذوات . | # والفضل زيادة الخير والمنافع { إن الله لذو فضل على الناس } ( غافر : 61 ~~) والفضل هنا المعطى : من إطلاق المصدر وإرادة المفعول ، بقرينة من ~~التبعيضية ، ولو جعلت { من } ابتدائية لصحت إرادة معنى المصدر . | # وجملة { إنا إلى الله راغبون } تعليل . أي لأننا راغبون فضله . | # وتقديم المجرور لإفادة القصر ، أي إلى الله راغبون لا إلى غيره ، والكلام ~~على حذف مضاف ، تقديره : إنا راغبون إلى ما عينه الله لنا لا نطلب إعطاء ما ~~ليس من حقنا . | # والرغبة الطلب بتأدب . | # | 2 ( 60 ) { إنما الصدقات للفقرآء والمساكين والعاملين ms3690 عليها والمؤلفة ~~قلوبهم وفى الرقاب والغارمين وفى سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله ~~والله عليم حكيم } . ) 2 # هذه الآية اعتراض بين جملة : { ومنهم من يلمزك في الصدقات } ( التوبة : ~~58 ) وجملة { ومنهم الذين يؤذون النبي } ( التوبة : 61 ) الآية . وهو ~~استطراد نشأ عن ذكر اللمز في الصدقات أدمج فيه تبيين مصارف الصدقات . | ~~PageV10P234 # والمقصود من أداة الحصر : أن ليس شيء من الصدقات بمستحق للذين لمزوا في ~~الصدقات ، وحصر الصدقات في كونها مستحقة للأصناف المذكورة في هذه الآية ، ~~فهو قصر إضافي أي الصدقات لهؤلاء لا لكم . | # وأما انحصارها في الأصناف الثمانية دون صنف آخر فيستفاد من الاقتصار ~~عليها في مقام البيان إذ لا تكون صيغة القصر مستعملة للحقيقي والإضافي معا ~~إلا على طريقة استعمال المشترك في معنييه . | # والفقير صفة مشبهة أي المتصف بالفقر وهو عدم امتلاك ما به كفاية لوازم ~~الإنسان في عيشه ، وضده الغني . وقد تقدم عند قوله تعالى : { إن يكن غنيا ~~أو فقيرا فالله أولى بهما في سورة النساء ( 135 ) . | # والمسكين ذو المسكنة ، وهي المذلة التي تحصل بسبب الفقر ، ولا شك أن ذكر ~~أحدهما يغني عن ذكر الآخر ، وإنما النظر فيما إذا جمع ذكرهما في كلام واحد ~~؛ فقيل : هو من قبيل التأكيد ، ونسب إلى أبي يوسف ومحمد بن الحسن وأبي علي ~~الجبائي ، وقيل : يراد بكل من الكلمتين معنى غير المراد من الأخرى ، واختلف ~~في تفسير ذلك على أقوال كثيرة : الأوضح منها أن يكون المراد بالفقير ~~المحتاج احتياجا لا يبلغ بصاحبه إلى الضراعة والمذلة . والمسكين المحتاج ~~احتياجا يلجئه إلى الضراعة والمذلة ، ونسب هذا إلى مالك ، وأبي حنيفة ، ~~وابن عباس ، والزهري ، وابن السكيت ، ويونس بن حبيب ؛ فالمسكين أشد حاجة ~~لأن الضراعة تكون عند ضعف الصبر عن تحمل ألم الخصاصة ، والأكثر إنما يكون ~~ذلك من شدة الحاجة على نفس المحتاج . وقد تقدم الكلام عليهما عند قوله ~~تعالى : وبذي القربى واليتامى والمساكين في سورة النساء ( 36 ) . | # والعاملين عليها } معناه العاملون لأجلها ، أي لأجل الصدقات فحرف ( على ) ~~للتعليل كما في قوله : { ولتكبروا الله على ما هداكم ms3691 } ( البقرة : 185 ) أي ~~لأجل هدايته إياكم . ومعنى العمل السعي والخدمة وهؤلاء هم الساعون على ~~الأحياء لجمع زكاة الماشية واختيار حرف ( على ) في هذا المقام لما يشعر به ~~أصل معناه من التمكن ، أي العاملين لأجلها عملا قويا لأن السعاة يتجشمون ~~مشقة وعملا عظيما ، ولعل الإشعار بذلك لقصد الإيماء إلى أن PageV10P235 علة ~~استحقاقهم مركبة من أمرين : كون عملهم لفائدة الصدقة ، وكونه شاقا ، ويجوز ~~أن تكون ( على ) دالة على الاستعلاء المجازي ، وهو استعلاء التصرف كما يقال ~~: هو عامل على المدينة ، أي العاملين للنبيء أو للخليفة على الصدقات أي ~~متمكنين من العمل فيها . | # وممن كان على الصدقة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم حمل بن مالك بن ~~النابغة الهذلي كان على صدقات هذيل . | # { والمؤلفة قلوبهم } هم الذين تؤلف ، أي تؤنس نفوسهم للإسلام من الذين ~~دخلوا في الإسلام بحدثان عهد ، أو من الذين يرغبون في الدخول في الإسلام ، ~~لأنهم قاربوا أن يسلموا . | # والتأليف : إيجاد الألفة وهي التأنس . | # فالقلوب بمعنى النفوس . وإطلاق القلب على ما به إدراك الإعتقاد شائع في ~~العربية . | # وللمؤلفة قلوبهم أحوال : فمنهم من كان حديث عهد بالإسلام ، وعرف ضعف ~~حينئذ في إسلامه ، مثل : أبي سفيان بن حرب ، والحارث بن هشام ، من مسلمة ~~الفتح ؛ ومنهم من هم كفار أشداء ، مثل : عامر بن الطفيل ، ومنهم من هم كفار ~~، وظهر منهم ميل إلى الإسلام ، مثل : صفوان بن أمية . فمثل هؤلاء أعطاهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم من أموال الصدقات وغيرها يتألفهم على الإسلام ، ~~وقد بلغ عدد من عدهم ابن العربي في ( الأحكام ) من المؤلفة قلوبهم : تسعة ~~وثلاثين رجلا ، قال ابن العربي : وعد منهم أبو إسحاق يعني القاضي إسماعيل ~~بن إسحاق معاوية بن أبي سفيان ، ولم يكن منهم وكيف يكون ذلك ، وقد ائتمنه ~~النبي صلى الله عليه وسلم على وحي الله وقرآنه وخلطه بنفسه . | # و { الرقاب } العبيد جمع رقبة وتطلق على العبد . قال تعالى : { فتحرير ~~رقبة مؤمنة } ( النساء : 92 ) . | # و { في } للظرفية المجازية وهي مغنية عن تقدير ( فك الرقاب ) لأن الظرفية ~~جعلت الرقاب كأنها وضعت الأموال ms3692 في جماعتها ، ولم يجر باللام لئلا يتوهم أن ~~الرقاب تدفع إليهم أموال الصدقات ، ولكن تبذل تلك الأموال في عتق الرقاب ~~بشراء أو إعانة PageV10P236 على نجوم كتابة ، أو فداء أسرى مسلمين ، لأن ~~الأسرى عبيد لمن أسروهم ، وقد مضى في سورة البقرة ( 177 ) قوله : { ~~والسائلين وفي الرقاب . | # والغارمين } المدينون الذين ضاقت أموالهم عن أداء ما عليهم من الديون ، ~~بحيث يرزأ دائنوهم شيئا من أموالهم ، أو يرزأ المدينون ما بقي لهم من مال ~~لإقامة أود الحياة ، فيكون من صرف أموالل من الصدقات في ذلك رحمة للدائن ~~والمدين . | # و { سبيل الله } الجهاد ، أي يصرف من أموال الصدقات ما تقام به وسائل ~~الجهاد من آلات وحراسة في الثغور ، كل ذلك برا وبحرا . | # و { ابن السبيل } الغريب بغير قومه ، أضيف إلى { السبيل } بمعنى الطريق : ~~لأنه أولده الطريق الذي أتى به ، ولم يكن مولودا في القوم ، فلهذا المعنى ~~أطلق عليه لفظ ابن السبيل . | # ولفقهاء الأمة في الأحكام المستمدة من هذه الآية طرائق جمة ، وأفهام مهمة ~~، ينبغي أن نلم بالمشهور منها بما لا يفضي بنا إلى الإطالة ، وإن معانيها ~~لأوفر مما تفي به المقالة . | # فأما ما يتعلق بجعل الصدقات لهؤلاء الأصناف فبقطع النظر عن حمل اللام في ~~قوله : { للفقراء } على معنى الملك أو الإستحقاق ، فقد اختلف العلماء في ~~استحقاق المستحقين من هذه الصدقات هل يجب إعطاء كل صنف مقدارا من الصدقات ، ~~وهل تجب التسوية بين الأصناف فيما يعطى كل صنف من مقدارها ، والذي عليه ~~جمهور العلماء أنه لا يجب الإعطاء لجميع الأصناف ، بل التوزيع موكول ~~لاجتهاد ولاة الأمور يضعونها على حسب حاجة الأصناف وسعة الأموال ، وهذا قول ~~عمر بن الخطاب ، وعلي ، وحذيفة ، وابن عباس ، وسعيد بن جبير ، وأبي العالية ~~، والنخعي ، والحسن ، ومالك ، وأبي حنيفة . وعن مالك أن ذلك مما أجمع عليه ~~الصحابة ، قال ابن عبد البر : ولا نعلم مخالفا في ذلك من الصحابة ، وعن ~~حذيفة . إنما ذكر الله هذه الأصناف لتعرف وأي صنف أعطيت منها أجزأك . قال ~~الطبري : الصدقة لسد خلة المسلمين أو لسد خلة الإسلام ، وذلك مفهوم ms3693 من مآخذ ~~القرآن في بيان الأصناف وتعدادهم . قلت وهذا الذي اختاره حذاق النظار من ~~العلماء ، مثل ابن العربي ، وفخر الدين الرازي . | PageV10P237 # وذهب عكرمة ، والزهري ، وعمر بن عبد العزيز ، والشافعي : إلى وجوب صرف ~~الصدقات لجميع الأصناف الثمانية لكل صنف ثمن الصدقات فإن انعدم أحد الأصناف ~~قسمت الصدقات إلى كسور بعدد ما بقي من الأصناف . واتفقوا على أنه لا يجب ~~توزيع ما يعطى إلى أحد الأصناف على جميع أفراد ذلك الصنف . | # وأما ما يرجع إلى تحقيق معاني الأصناف ، وتحديد صفاتها : فالأظهر في ~~تحقيق وصف الفقير والمسكين أنه موكول إلى العرف ، وأن الخصاصة متفاوتة وقد ~~تقدم آنفا . واختلف العلماء في ضبط المكاسب التي لا يكون صاحبها فقيرا ، ~~واتفقوا على أن دار السكنى والخادم لا يعدانن مالا يرفع عن صاحبه وصف الفقر ~~. | # وأما القدرة على التكسب ، فقيل : لا يعد القادر عليه فقيرا ولا يستحق ~~الصدقة بالفقر وبه قال الشافعي ، وأبو ثور ، وابن خويز منداد ، ويحيى بن ~~عمر من المالكية . . . ورويت في ذلك أحاديث رواها الدارقطني ، والترمذي ، ~~وأبو داود . وقيل : إذا كان قويا ولا مال له جاز له أخذ الصدقة ، وهو ~~المنقول عن مالك واختاره الترمذي . والكيا الطبري من الشافعية . | # وأما العاملون عليها فهم يتعينون بتعيين الأمير ، وعن ابن عمر يعطون على ~~قدر عملهم من الأجرة . وهو قول مالك وأبي حنيفة . | # وأما المؤلفة قلوبهم فقد أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم عطايا متفاوتة ~~من الصدقات وغيرها . فأما الصدقات فلهم حق فيها بنص القرآن ، وأما غير ~~الصدقات فبفعل النبي صلى الله عليه وسلم واستمر عطاؤهم في خلافة أبي بكر ، ~~وزمنن من خلافة عمر ، وكانوا يعطون بالاجتهاد ، ولم يكونوا يعينون لهم ثمن ~~الصدقات ثم اختلف العلماء في استمرار هذا المصرف ، وهي مسألة غريبة لأنها ~~مبنية على جواز النسخ بدليل العقل وقياس الاستنباط أي دون وجود أصل يقاس ~~عليه نظيره وفي كونها مبنية على هذا الأصل نظر . وإنما بناؤها على أنه إذا ~~تعطل المصرف فلمن يرد سهمه وينبغي أن تقاس على حكم سهم من مات من أهل الحبس ms3694 ~~أن نصيبه يصير إلى بقية المحبس عليهم . وعن عمر بن الخطاب أنه انقطع سهمهم ~~بعزة الإسلام ، وبه قال الحسن ، والشعبي ، ومالك بن أنس وأبو حنيفة ، وقد ~~قيل : إن الصحابة أجمعوا على PageV10P238 سقوط سهم المؤلفة قلوبهم من عهد ~~خلافة أبي بكر حكاه القرطبي ، ولا شك أن عمر قطع إعطاء المؤلفة قلوبهم مع ~~أن صنفهم لا يزال موجودا ، رأى أن الله أغنى دين الإسلام بكثرة أتباعه فلا ~~مصلحة للإسلام في دفع أموال المسلمين لتأليف قلوب من لم يتمكن الإسلام من ~~قلوبهم ، ومن العلماء من جعل فعل عمر وسكوت الصحابة عليه إجماعا سكوتيا ~~فجعلوا ذلك ناسخا لبعض هذه الآية وهو من النسخ بالإجماع ، وفي عد الإجماع ~~السكوتي في قوة الإجماع القولي نزاع بين أئمة الأصول وفي هذا البناء نظر ، ~~كما علمت آنفا وقال كثير من العلماء : هم باقون إذا وجدوا فإن الإمام ربما ~~احتاج إلى أن يستألف على الإسلام ، وبه قال الزهري ، وعمر بن عبد العزيز ، ~~والشافعي ، وأحمد بن حنبل ، واختاره عبد الوهاب ، وابن العربي ، من ~~المالكية قال ابن العربي : ( الصحيح عندي أنه إن قوي الإسلام زالوا وإن ~~احتيج إليهم أعطوا ) . أي فهو يرى بقاء هذا المصرف ويرى أن عدم إعطائهم في ~~زمن عمر لأجل عزة الإسلام ، وهذا هو الذي صححه المتأخرون . قال ابن الحاجب ~~في ( المختصر ) ( والصحيح بقاء حكمهم إن احتيج إليهم ) . وهذا الذي لا ~~ينبغي تقلد غيره . | # وأما الرقاب فالجمهور على أن معنى { وفي الرقاب } في شراء الرقيق للعتق ، ~~ودفع ما على المكاتب من مال تحصل به حريته ، وهو رواية المدنيين عن مالك ، ~~وقيل لا يعان بها المكاتب ولو كان آخر نجم تحصل به حريته ، وروي عن مالك من ~~رواية غير المدنيين عنه . وقيل : لا تعطى إلا في إعانة المكاتب على نجومه ، ~~دون العتق ، وهو قول الليث ، والنخعي ، والشافعي . واختلف في دفع ذلك في ~~عتق بعض عبد أو نجوم كتابة ليس بها تمام حرية المكاتب ، فقيل : لا يجوز ، ~~وبه قال مالك والزهري وقيل يجوز ذلك . وفداء الأسرى من فك الرقاب على ms3695 الأصح ~~من المذهب ، وهو لابن عبد الحكم ، وابن حبيب ، خلافا لأصبغ ، من المالكية . ~~| # وأما الغارمون فشرطهم أن لا يكون دينهم في معصية إلا أن يتوبوا . والميت ~~المدين الذي لا وفاء لدينه في تركته يعد من الغارمين عند ابن حبيب ، خلافا ~~لابن المواز . | # وسبيل الله لم يختلف أن الغزو هو المقصود ، فيعطى الغزاة المحتاجون في ~~بلد الغزو ، وإن كانوا أغنياء في بلدهم ، وأما الغزاة الأغنياء في بلد ~~الغزو فالجمهور أنهم PageV10P239 يعطون . وبه قال مالك ، والشافعي ، وإسحاق ~~، وقال أبو حنيفة : لا يعطون . والحق أن سبيل الله يشمل شراء العدة للجهاد ~~من سلاح ، وخيل ، ومراكب بحرية ، ونوتيه ، ومجانيق ، وللحملان ، ولبناء ~~الحصون ، وحفر الخنادق ، وللجواسيس الذين يأتون بأخبار العدو ، قاله محمد ~~بن عبد الحكم من المالكية ولم يذكر أن له مخالفا ، وأشعر كلام القرطبي في ~~التفسير أن قول ابن عبد الحكم مخالف لقول الجمهور . وذهب بعض السلف أن الحج ~~من سبيل الله يدخل في مصارف الصدقات ، وروي عن ابن عمر ، وأحمد ، وإسحاق . ~~وهذا اجتهاد وتأويل ، قال ابن العربي : ( وما جاء أثر قط بإعطاء الزكاة في ~~الحج ) . | # وأما ابن السبيل فلم يختلف في الغريب المحتاج في بلد غربته أنه مراد ولو ~~وجد من يسلفه ، إذ ليس يلزمه أن يدخل نفسه تحت منة . واختلف في الغني : ~~فالجمهور قالوا : لا يعطى ؛ وهو قول مالك ، وقال الشافعي وأصبغ : يعطى ولو ~~كان غنيا في بلد غربته . | # وقوله : { فريضة من الله } منصوب على أنه مصدر مؤكد لمصدر محذوف يدل عليه ~~قوله : { إنما الصدقات } لأنه يفيد معنى فرض الله أو أوجب ، فأكد بفريضة من ~~لفظ المقدر ومعناه . | # والمقصود من هذا تعظيم شأن هذا الحكم والأمر بالوقوف عنده . | # وجملة { والله عليم حكيم } تذييل إما أفاده الحصر ب { إنما } في قوله : { ~~إنما الصدقات للفقراء والمساكين } إلخ ، أي : والله عليم حكيم في قصر ~~الصدقات على هؤلاء ، أي أنه صادر عن العليم الذي يعلم ما يناسب في الأحكام ~~، والحكيمم الذي أحكم الأشياء التي خلقها أو شرعها . والواو اعتراضية لأن ~~الاعتراض يكون في آخر الكلام على ms3696 رأي المحققين . | # | PageV10P240 # | 2 ( 61 ) { ومنهم الذين يؤذون النبى ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم ~~يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين ءامنوا منكم والذين يؤذون رسول الله ~~لهم عذاب أليم } . ) 2 # عطف ذكر فيه خلق آخر من أخلاق المنافقين : وهو تعللهم على ما يعاملهم به ~~النبي والمسلمون من الحذر ، وما يطلعون عليه من فلتات نفاقهم ، يزعمون أن ~~ذلك إرجاف من المرجفين بهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأنه يصدق القالة ~~فيهم ، ويتهمهم بما يبلغه عنهم مما هم منه برآء يعتذرون بذلك للمسلمين ، ~~وفيه زيادة في الأذى للرسول صلى الله عليه وسلم وإلقاء الشك في نفوس ~~المسلمين في كمالات نبيئهم عليه الصلاة والسلام . | # والتعبير بالنبي إظهار في مقام الإضمار لأن قبله { ومنهم من يلمزك في ~~الصدقات } ( التوبة : 58 ) فكان مقتضى الظاهر أن يقال : ( ومنهم الذين ~~يؤذونك ) فعدل عن الإضمار إلى إظهار وصف النبي للإيذان بشناعة قولهم ~~ولزيادة تنزيه النبي بالثناء عليه بوصف النبوءة بحيث لا تحكى مقالتهم فيه ~~إلا بعد تقديم ما يشير إلى تنزيهه والتعريض بجرمهم فيما قالوه . | # وهؤلاء فريق كانوا يقولون في حق النبي صلى الله عليه وسلم ما يؤذيه إذا ~~بلغه . وقد عد من هؤلاء المنافقين ، القائلين ذلك : الجلاس بن سويد ، قبل ~~توبته ، ونبتل بن الحارث ، وعتاب بن قشير ، ووديعة بن ثابت . فمنهم من قال ~~: إن كان ما يقول محمد حقا فنحن شر من الحمير ، وقال بعضهم : نقول فيه ما ~~شئنا ثم نذهب إليه ونحلف له أنا ما قلنا فيقبل قولنا . | # والأذى : الإضرار الخفيف ، وأكثر ما يطلق على الضر بالقول والدسائس ، ~~ومنه قوله تعالى : { لن يضروكم إلا أذى وقد تقدم في سورة آل عمران ( 111 ) ~~، وعند قوله تعالى : وأوذوا حتى أتاهم نصرنا في سورة الأنعام ( 34 ) . | # ومضمون جملة : ويقولون هو أذن } عطف خاص على عام ، لأن قولهم ذلك هو من ~~الأذى . | PageV10P241 # والأذن الجارحة التي بها حاسة السمع . ومعنى { هو أذن } الإخبار عنه بأنه ~~آلة سمع . | # والإخبار ب { هو أذن } من صيغ التشبيه البليغ ، أي كالأذن في تلقي ms3697 ~~المسموعات لا يرد منها شيئا ، وهو كناية عن تصديقه بكل ما يسمع من دون ~~تمييز بين المقبول والمردود . روي أن قائل هذا هو نبتل بن الحارث أحد ~~المنافقين . | # وجملة : { قل أذن خير لكم } جملة { قل } مستأنفة استينافا ابتدائيا ، على ~~طريقة المقاولة والمحاورة ، لإبطال قولهم بقلب مقصدهم إغاظة لهم ، وكمدا ~~لمقاصدهم ، وهو من الأسلوب الحكيم الذي يحمل فيه المخاطب كلام المتكلم على ~~غير ما يريده ، تنبيها له على أنه الأولى بأن يراد ، وقد مضى عند قوله ~~تعالى : { يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج } ( البقرة : 189 ) ~~ومنه ما جرى بين الحجاج والقبعثرى إذ قال له الحجاج متوعدا إياه ( لأحملنك ~~على الأدهم ( أراد لألزمنك القيد لا تفارقه ) فقال القبعثري : ( مثل الأمير ~~يحمل على الأدهم والأشهب ) فصرف مراده إلى أنه أراد بالحمل معنى الركوب ~~وإلى إرادة الفرس الذي هو أدهم اللون من كلمة الأدهم . وهذا من غيرة الله ~~على رسوله عليه الصلاة والسلام ، ولذلك لم يعقبه بالرد والزجر ، كما أعقب ~~ما قبله من قوله : { ومنهم من يقول ائذن لي } ( التوبة : 49 ) . إلى هنا بل ~~أعقبه ببيان بطلانه فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يبلغهم ما هو إبطال ~~لزعمهم من أصله بصرف مقالتهم إلى معنى لائق بالرسول ، حتى لا يبقى للمحكي ~~أثر ، وهذا من لطائف القرآن . | # ومعنى { أذن خير } أنه يسمع ما يبلغه عنكم ولا يؤاخذكم ؛ ويسمع معاذيركم ~~ويقبلها منكم ، فقبوله ما يسمعه ينفعكم ولا يضركم فهذا أذن في الخبر ، أي ~~في سماعه والمعاملة به وليس أذنا في الشر . | # وهذا الكلام إبطال لأن يكون { أذن } بالمعنى الذي أرادوه من الذم فإن ~~الوصف بالأذن لا يختص بمن يقبل الكلام المفضي إلى شر بل هو أعم ، فلذلك صح ~~تخصيصه هنا بما فيه خير . وهذا إعمال في غير المراد منه . وهو ضرب من ~~المجاز المرسل بعلاقة الإطلاق والتقييد في أحد الجانبين ، فلا يشكل عليك ~~بأن وصف { أذن } إذا كان مقصودا به الذم كيف يضاف إلى الخير ، لأن محل الذم ~~في هذا الوصف هو قبول كل ms3698 ما يسمع PageV10P242 مما يترتب عليه شر أو خير ، ~~بدون تمييز ، لأن ذلك يوقع صاحبه في اضطراب أعماله ومعاملاته ، فأما إذا ~~كان صاحبه لا يقبل إلا الخير ، ويرفض ما هو شر من القول ، فقد صار الوصف ~~نافعا ، لأن صاحبه التزم أن لا يقبل إلا الخير ، وأن يحمل الناس عليه . هذا ~~تحقيق معنى المقابلة ، وتصحيح إضافة هذا الوصف إلى الخير ، فأما حمله على ~~غير هذا المعنى فيصيره إلى أنه من طريقة القول بالموجب على وجه التنازل ~~وإرخاء العنان ، أي هو أذن كما قلتم وقد انتفعتم بوصفه ذلك إذ قبل منكم ~~معاذيركم وتبرؤكم مما يبلغه عنكم ، وهذا ليس بالرشيق لأن ما كان خيرا لهم ~~قد يكون شرا لغيرهم . | # وقرأ نافع وحده { أذن } بسكون الذال فيهما وقرأ الباقون بضم الذال فيهما ~~. | # وجملة { يؤمن بالله } تمهيد لقوله بعده { ويؤمن للمؤمنين } إذ هو المقصود ~~من الجواب لتمحضه للخير وبعده عن الشر بأنه يؤمن بالله فهو يعامل الناس بما ~~أمر الله به من المعاملة بالعفو ، والصفح ، والأمر بالمعروف ، والإعراض عن ~~الجاهلين ، وبأن لا يؤاخذ أحد إلا ببينة ، فالناس في أمن من جانبه فيما ~~يبلغ إليه لأنه لا يعامل إلا بالوجه المعروف فكونه يؤمن بالله وازع له عن ~~المؤاخذة بالظنة والتهمة . | # والإيمان للمؤمنين تصديقهم في ما يخبرونه ، يقال : آمن لفلان بمعنى صدقه ~~، ولذلك عدي باللام دون الباء كما في قوله تعالى : { وما أنت بمؤمن لنا ولو ~~كنا صادقين } ( يوسف : 17 ) فتصديقه إياهم لأنهم صادقون لا يكذبون ، لأن ~~الإيمان وازع لهم عن أن يخبروه الكذب ، فكما أن الرسول لا يؤاخذ أحدا بخبر ~~الكاذب فهو يعامل الناس بشهادة المؤمنين ، فقوله : { ويؤمن للمؤمنين } ثناء ~~عليه بذلك يتضمن الأمر به ، فهو ضد قوله : { يأيها الذين آمنو إن جاءكم ~~فاسق بنبأ فتبينوا } ( الحجرات : 6 ) . | # وعطف جملة { ورحمة } على جملتي { يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين } لأن كونه ~~رحمة للذين يؤمنون بعد علمه بنفاقهم أثر لإغضائه عن إجرامهم ولإمهالهم حتى ~~يتمكن من الإيمان من وفقه الله للإيمان منهم ، ولو آخذهم بحالهم دون مهل ~~لكان من سبقق ms3699 السيفف العذل ، فالمراد من الإيمان في قوله : { آمنوا } ~~الإيمان بالفعل ، لا التظاهر PageV10P243 بالإيمان ، كما فسر به المفسرون ، ~~يعنون بالمؤمنين المتظاهرين بالإيمان المبطنين للكفر ، وهم المنافقون . | # وقرأ حمزة بجر { ورحمة } عطفا على خير ، أي أذن رحمة ، والمآل واحد . | # وقد جاء ذكر هذه الخصلة مع الخصلتين الأخريين على عادة القرآن في انتهاز ~~فرصة الإرشاد إلى الخير ، بالترغيب والترهيب ، فرغبهم في الإيمان ليكفروا ~~عن سيئاتهم الفارطة ، ثم أعقب الترغيب بالترهيب من عواقب إيذاء الرسول ~~بقوله : { والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم } وهو إنذار بعذاب الآخرة ~~وعذاب الدنيا . وفي ذكر النبي بوصف { رسول الله } إيماء إلى استحقاق مؤذيه ~~العذاب الأليم ، فهو من تعليق الحكم بالمشتق المؤذن بالعلية . | # وفي الموصول إيماء إلى أن علة العذاب هي الإيذاء ، فالعلة مركبة . | # | 2 ( 62 ) { يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن ~~كانوا مؤمنين } . ) 2 # عدل عن أسلوب الحكاية عنهم بكلمة ومنهم ، لأن ما حكي هنا حال من أحوال ~~جميعهم . | # فالجملة مستأنفة استئنافا ابتدائيا ، لإعلام الرسول صلى الله عليه وسلم ~~والمؤمنين بأن المنافقين يحلفون الأيمان الكاذبة ، فلا تغرهم أيمانهم ، ~~فضمير يحلفون عائد إلى الذين يؤذون النبي . | # والمراد : الحلف الكاذب ، بقرينة قوله : { والله ورسوله أحق أن يرضوه } ، ~~أي بتركهم الأمور التي حلفوا لأجلها ، على أنه قد علم أن أيمانهم كاذبة مما ~~تقدم في قوله : { وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم ~~والله يعلم إنهم لكاذبون } ( التوبة : 42 ) . | PageV10P244 # فكاف الخطاب للمسلمين ، وذلك يدل على أن المنافقين يحلفون على التبرئي ، ~~مما يبلغ المسلمين من أقوالهم المؤذية للرسول عليه الصلاة والسلام ، وذلك ~~يغيظ المسلمين وينكرهم عليهم ، والنبي صلى الله عليه وسلم يغضي عن ذلك ، ~~فلذلك قال الله تعالى : { والله ورسوله أحق أن يرضوه } أي أحق منكم بأن ~~يرضوهما ، وسيأتي تعليل أحقية الله ورسوله بأن يرضوهما في الآية التي بعدها ~~فإرضاء الله بالإيمان به وبرسوله وتعظيمم رسوله ، وإرضاء الرسول بتصديقه ~~ومحبته وإكرامه . | # وإنما أفرد الضمير في قوله : { أن يرضوه } مع أن المعاد اثنان لأنه أريد ~~عود الضمير إلى أول ms3700 الاسمين ، واعتبار العطف من عطف الجمل بتقدير : والله ~~أحق أن يرضوه ورسوله كذلك ، فيكون الكلام جملتين ثانيتهما كالاحتراس وحذف ~~الخبر إيجاز . ومن نكتة ذلك الإشارة إلى التفرقة بين الإرضاءين ، ومنه قول ~~ضابىء بن الحارث : | # ومن يك أمسى بالمدينة رحله | # فإني وقيار بها لغريب | # التقدير : فإني لغريب وقيار بها غريب أيضا . لأن إحدى الغربتين مخالفة ~~لأخراهما . | # والضمير المنصوب في { يرضوه } عائد إلى اسم الجلالة ، لأنه الأهم في ~~الخبر ، ولذلك ابتدىء به ، ألا ترى أن بيت ضابىء قد جاء في خبره المذكور ~~لام الابتداء الذي هو من علائق ( إن ) الكائنة في الجملة الأولى ، دون ~~الجملة الثانية ، وهذا الاستعمال هو الغالب . | # وشرط { إن كانوا مؤمنين } ، مستعمل للحث والتوقع لإيمانهم ، لأن ما حكي ~~عنهم من الأحوال لا يبقى معه احتمال في إيمانهم ، فاستعمل الشرط للتوقع ~~وللحث على الإيمان . وفيه أيضا تسجيل عليهم ، إن أعادوا مثل صنيعهم ، بأنهم ~~كافرون بالله ورسوله ، وفيه تعليم للمؤمنين وتحذير من غضب الله ورسوله . | # | PageV10P245 # | 2 ( 63 ) { ألم يعلمو ا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم ~~خالدا فيها ذالك الخزى العظيم } . ) 2 # | $ # هذه الجملة تتنزل من جملة { والله ورسوله أحق أن يرضوه } ( التوبة : 62 ) ~~منزلة التعليل ، لأن العاقل لا يرضى لنفسه عملا يؤول به إلى مثل هذا العذاب ~~، فلا يقدم على ذلك إلا من لا يعلم أن من يحادد الله ورسوله يصير إلى هذا ~~المصير السيىء . | # والاستفهام مستعمل في الإنكار والتشنيع ، لأن عدم علمهم بذلك محقق بضرورة ~~أنهم كافرون بالرسول ، وبأن رضى الله عند رضاه ولكن لما كان عدم علمهم بذلك ~~غريبا لوجود الدلائل المقتضية أنه مما يحق أن يعلموه ، كان حال عدم العلم ~~به حالا منكرا . وقد كثر استعمال هذا ونحوه في الإعلام بأمر مهم ، كقوله في ~~هذه السورة : { ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده } ( التوبة : ~~104 ) وقوله : { ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم } ( التوبة : 78 ) ~~وقول مويال بن جهم المذحجي ، أو مبشر بن هذيل الفزاري : | # ألم تعلمي يا عمركك الله أنني | # كريم ms3701 على حين الكرام قليل | # فكأنه قيل : فليعلموا أنه من يحادد الله الخ . | # والضمير المنصوب ب { أنه } ضمير الشأن ، وفسر الضمير بجملة { من يحادد ~~الله } إلى آخرها . | # والمعنى : ألم يعلموا شأنا عظيما هو من يحادد الله ورسوله له نار جهنم . ~~| # وفك الدالان من { يحادد } ولم يدغما لأنه وقع مجزوما فجاز فيه الفك ~~والإدغام ، والفك أشهر وأكثر في القرآن ، وهو لغة أهل الحجاز ، وقد ورد فيه ~~الإدغام نحو قوله : { ومن يشاق الله في سورة الحشر ( 4 ) في قراءة جميع ~~العشرة وهو لغة تميم . | # والمحادة : المعاداة والمخالفة . | # والفاء في فأن له نار جهنم } لربط جواب شرط { من } . | PageV10P246 # وأعيدت { أن } في الجواب لتوكيد { أن } المذكورة قبل الشرط توكيدا لفظيا ~~، فإنها لما دخلت على ضمير الشأن وكانت جملة الشرط وجوابه تفسيرا لضمير ~~الشأن ، كان حكم { أن } ساريا في الجملتين بحيث لو لم تذكر في الجواب لعلم ~~أن فيه معناها ، فلما ذكرت كان ذكرها توكيدا لها ، ولا ضير في الفصل بين ~~التأكيد والمؤكد بجملة الشرط ، والفصل بين فاء الجواب ومدخولها بحرفف ، إذ ~~لا مانع من ذلك ، ومن هذا القبيل قوله تعالى : { ثم إن ربك للذين عملوا ~~السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم } ( ~~النحل : 119 ) وقول الحماسي ، وهو أحد الأعراب : | # وإن امرءا دامت مواثيق عهده | # على مثل هذا إنه لكريم | # و { جهنم } تقدم ذكرها عند قوله تعالى : { فحسبه جهنم وبئس المهاد في ~~سورة البقرة ( 206 ) . | # والإشارة بذلك إلى المذكور من العذاب أو إلى ضمير الشأن باعتبار تفسيره . ~~والمقصود من الإشارة : تمييزه ليتقرر معناه في ذهن السامع . | # والخزي } الذل والهوان ، وتقدم عند قوله تعالى : { فما جزاء من يفعل ذلك ~~منكم إلا خزي في الحياة الدنيا في سورة البقرة ( 85 ) . | # | 2 ( 64 ) يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل ~~استهزءو ا إن الله مخرج ما تحذرون } . ) 2 # | $ # استئناف ابتدائي لذكر حال من أحوال جميع المنافقين كما تقدم في قوله : { ~~يحلفون بالله لكم } ( التوبة : 62 ) وهو إظهارهم الإيمان ms3702 بالمعجزات وإخبار ~~الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالمغيبات . | # وظاهر الكلام أن الحذر صادر منهم وهذا الظاهر ينافي كونهم لا يصدقون بأن ~~نزول القرآن من الله وأن خبره صدق فلذلك تردد المفسرون في تأويل هذه الآية ~~. وأحسن ما قيل في ذلك قول أبي مسلم الأصفهاني ( هو حذر يظهره المنافقون ~~على PageV10P247 وجه الاستهزاء . فأخبر الله رسوله بذلك وأمره أن يعلمهم ~~بأنه يظهر سرهم الذي حذروا ظهوره . وفي قوله : { استهزءوا } دلالة على ما ~~ذكرناه ، أي هم يظهرون ذلك يريدون به إيهام المسلمين بصدق إيمانهم وما هم ~~إلا مستهزئون بالمسلمين فيما بينهم ، وليس المراد بما في قلوبهم الكفر ؛ ~~لأنهم لا يظهرون أن ذلك مفروض ففعل { يحذر } فأطلق على التظاهر بالحذر ، أي ~~مجاز مرسل بعلاقة الصورة ، والقرينة قوله : { قل استهزءوا } إذ لا مناسبة ~~بين الحذر الحق وبين الاستهزاء لولا ذلك ، فإن المنافقين لما كانوا مبطنين ~~الكفر لم يكن من شأنهم الحذر من نزول القرآن بكشف ما في ضمائرهم ، لأنهم لا ~~يصدقون بذلك فتعين صرف فعل { يحذر } إلى معنى : يتظاهرون بالحذر وعلى هذا ~~القول يكون إطلاق الفعل على التظاهر بمدلوله من غرائب المجاز . وتأول ~~الزجاج الآية بأن { يحذر } خبر مستعمل في الأمر ، أي ليحذر . وعلى تأويله ~~تكون جملة { قل استهزءوا } استئنافا ابتدائيا لا علاقة لها بجملة { يحذر ~~المنافقون } . ولهم وجوه أخرى في تفسير الآية بعيدة عن مهيعها ، ذكرها ~~الفخر . | # وضميرا { عليهم } و { تنبئهم } يجوز أن يعودا إلى المنافقين ، وهو ظاهر ~~تناسق الضمائر ومعادها . وتكون ( على ) بمعنى لام التعليل أي تنزل لأجل ~~أحوالهم كقوله تعالى : { ولتكبروا الله على ما هداكم } ( البقرة : 185 ) . ~~| # وهو كثير في الكلام ، وتكون تعدية { تنبئهم } إلى ضمير المنافقين : على ~~نزع الخافض ، أي تنبيء عنهم ، أي تنبىء الرسول بما في قلوبهم . | # ويجوز أن يكون تاء { تنبئهم } تاء الخطاب ، والخطاب للرسول صلى الله عليه ~~وسلم أي : تنبئهم أنت بما في قلوبهم ، فيكون جملة { تنبئهم بما في قلوبهم } ~~في محل الصفة ل { سورة } والرابط محذوف تقديره : تنبئهم بها ، وهذا وصف ~~للسورة في نفس الأمر ، لا ms3703 في اعتقاد المنافقين ، فموقع جملة { تنبئهم بما ~~في قلوبهم } استطراد . | # ويجوز أن يعود الضميرانن للمسلمين ، ولا يضر تخالف الضميرين مع ضمير { ~~قلوبهم } الذي هو للمنافقين لا محالة ، لأن المعنى يرد كل ضمير إلى ما يليق ~~بأن يعود إليه . | PageV10P248 # واختيرت صيغة المضارع في { يحذر } لما تشعر به من استحضار الحالة كقوله ~~تعالى : { فتثير سحابا } ( الروم : 48 ) وقوله : { يجاد لنا في قوم لوط } ( ~~هود : 74 ) . | # والسورة : طائفة معينة من آيات القرآن ذات مبدأ ونهاية وقد تقدم بيانها ~~عند تفسير طالعة سورة فاتحة الكتاب . | # والتنبئة الإخبار والإعلام مصدر نبأ الخبر ، وتقدم في قوله تعالى : { ~~ولقد جاءك من نبإ المرسلين في سورة الأنعام ( 34 ) . | # والاستهزاء : تقدم في قوله : إنما نحن مستهزئون في أول البقرة ( 14 ) . | # والإخراج : مستعمل في الإظهار مجازا ، والمعنى : أن الله مظهر ما في ~~قلوبكم بإنزال السور : مثل سورة المنافقين ، وهذه السورة سورة براءة ، حتى ~~سميت الفاضحة لما فيها من تعداد أحوالهم بقوله تعالى : ومنهم ، ومنهم ، ~~ومنهم . | # والعدول إلى التعبير بالموصول في قوله : ما تحذرون } دون أن يقال : إن ~~الله مخرج سورة تنبئكم بما في قلوبكم : لأن الأهم من تهديدهم هو إظهار ~~سرائرهم لا إنزال السورة ، فذكر الصلة وافف بالأمرين : إظهار سرائرهم ، ~~وكونه في سورة تنزل ، وهو أنكى لهم ، ففيه إيجاز بديع كقوله تعالى في سورة ~~كهيعص ( 80 ) { ونرثه ما يقول بعد قوله : وقال لأوتين مالا وولدا } ( مريم ~~: 77 ) أي نرثه ماله وولده . | # | 2 ( 65 ) { ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وءاياته ~~ورسوله كنتم تستهزءون } . ) 2 # الظاهر أنها معطوفة على جملة : { يحلفون بالله لكم ليرضوكم } ( التوبة : ~~62 ) أو على جملة { ومنهم الذين يؤذون النبي } ( التوبة : 61 ) ، فيكون ~~المراد بجملة : { يحلفون بالله لكم } ( التوبة : 62 ) أنهم يحلفون إن لم ~~تسألهم . فالحلف الصادر منهم حلف على الأعم من براءتهم من النفاق والطعن ، ~~وجواب السؤال عن أمور خاصة يتهمون بها جواب يراد منه أن ما صدر منهم ليس من ~~جنس PageV10P249 ما يتهمون به ، فإذا سئلوا عن حديث يجري بينهم يستراب منهم ~~أجابوا ms3704 بأنه خوض ولعب ، يريدون أنه استجمام للراحة بين أتعاب السفر لما ~~يحتاجه الكاد عملا شاقا من الراحة بالمزح واللعب . وروي أن المقصود من هذه ~~الآية : أن ركبا من المنافقين الذين خرجوا في غزوة تبوك نفاقا ، منهم : ~~وديعة بن ثابت العوفي ، ومخشي بن حمير الأشجعي ، حليف بني سلمة ، وقفوا على ~~عقبة في الطريق ينظرون جيش المسلمين فقالوا انظروا إلى هذا الرجل يريد أن ~~يفتتح حصون الشام هيهات هيهات فسألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن مناجاتهم ~~فأجابوا ( إنما كنا نخوض ونلعب ) . | # وعندي أن هذا لا يتجه لأن صيغة الشرط مستقبلة فالآية نزلت فيما هو أعم ، ~~مما يسألون عنه في المستقبل ، إخبارا بما سيجيبون ، فهم يسألون عما يتحدثون ~~في مجالسهم ونواديهم ، التي ذكرها الله تعالى في قوله : { وإذا خلوا إلى ~~شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون } ( البقرة : 14 ) لأنهم كانوا ~~كثيري الإنفراد عن مجالس المسلمين . وحذف متعلق السؤال لظهوره من قرينة ~~قوله : { إنما كنا نخوض ونلعب } . والتقدير : ولئن سألتهم عن حديثهم في ~~خلواتهم ، أعلم الله رسوله بذلك وفيه شيء من دلائل النبوءة . ويجوز أن تكون ~~الآية قد نزلت قبل أن يسألهم الرسول ، وأنه لما سألهم بعدها أجابوا بما ~~أخبرت به الآية . | # والقصر للتعيين : أي ما تحدثنا إلا في خوض ولعب دون ما ظننته بنا من ~~الطعن والأذى . | # والخوض : تقدم في قوله تعالى : { وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا في ~~سورة الأنعام ( 68 ) . | # واللعب تقدم في قوله : وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو في الأنعام ( 32 ) ~~، ولما كان اللعب يشمل الاستهزاء بالغير جاء الجواب عن اعتذارهم بقوله : ~~كنتم تستهزءون } فلما كان اعتذارهم مبهما رد عليهم ذلك إذ أمر الله رسوله ~~صلى الله عليه وسلم أن يجيبهم جواب الموقن بحالهم بعد أن أعلمه بما ~~سيعتذرون به فقال لهم { أبالله وآياته PageV10P250 ورسوله كنتم تستهزءون } ~~، على نحو قوله تعالى : { فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة } ( ~~الإسراء : 51 ) . | # والاستفهام إنكاري توبيخي . وتقديم المعمول وهو { أبالله } على فعله ~~العامل فيه لقصد قصر التعيين لأنهم لما ms3705 أتوا في اعتذارهم بصيغة قصر تعيين ~~جيء في الرد عليهم بصيغة قصر تعيين لإبطال مغالطتهم في الجواب ، فاعلمهم ~~بأن لعبهم الذي اعترفوا به ما كان إلا استهزاء بالله وآياته ورسوله لا بغير ~~أولئك ، فقصر الاستهزاء على تعلقه بمن ذكر اقتضى أن الاستهزاء واقع لا ~~محالة لأن القصر قيد في الخبر الفعلي ، فيقتضي وقوع الفعل ، على ما قرره ~~عبد القاهر في معنى القصر الواقع في قول القائل : أنا سعيت في حاجتك وأنه ~~يؤكد بنحو : وحدي ، أو لا غيري ، وأنه يقتضي وقوع الفعل فلا يقال : ما أنا ~~قلت هذا ولا غيري ، أي ولا يقال : أنا سعيت في حاجتك وغيري ، وكذلك هنا لا ~~يصح أن يفهم أبالله كنتم تستهزئون أم لم تكونوا مستهزئين . | # والاستهزاء بالله وبآياته إلزام لهم : لأنهم استهزأوا برسوله وبدينه ، ~~فلزمهم الاستهزاء بالذي أرسله بآيات صدقه . | # | 2 ( 66 ) { لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طآئفة منكم نعذب ~~طآئفة بأنهم كانوا مجرمين } . ) 2 # لما كان قولهم : { إنما كنا نخوض ونلعب } ( التوبة : 65 ) اعتذارا عن ~~مناجاتهم ، أي إظهارا للعذر الذي تناجوا من أجله ، وأنه ما يحتاجه المتعب : ~~من الارتياح إلى المزح والحديثث في غير الجد ، فلما كشف الله أمر استهزائهم ~~، أردفه بإظهار قلة جدوى اعتذارهم إذ قد تلبسوا بما هو أشنع وأكبر مما ~~اعتذروا عنه ، وهو التباسهم بالكفر بعد إظهار الإيمان . فإن الله لما أظهر ~~نفاقهم . كان ما يصدر عنهم من الاستهزاء أهون فجملة { لا تعتذروا } من جملة ~~القول الذي أمر الرسول أن يقوله ، وهي ارتقاء في توبيخهم ، فهي متضمنة ~~توكيدا لمضمون جملة { أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون } ( التوبة : 65 ~~) ، مع زيادة ارتقاء في التوبيخ وارتقاء في مثالبهم بأنهم تلبسوا بما هو ~~أشد وهو الكفر ، فلذلك قطعت الجملة عن التي قبلها ، على أن شأن الجمل ~~الواقعة في مقام التوبيخ أن PageV10P251 تقطع ولا تعطف لأن التوبيخ يقتضي ~~التعداد ، فتقع الجمل الموبخ بها موقع الأعداد المحسوبة نحو واحد ، اثنان ، ~~فالمعنى لا حاجة بكم للإعتذار عن التناجي فإنكم قد عرفتم بما هو أعظم ms3706 وأشنع ~~. | # والنهي مستعمل في التسوية وعدم الجدوى . | # وجملة : { قد كفرتم بعد إيمانكم } في موضع العلة من جملة : { لا تعتذروا ~~} تعليلا للنهي المستعمل في التسوية وعدم الجدوى . | # وقوله : { قد كفرتم } يدل على وقوع الكفر في الماضي ، أي قبل الاستهزاء ، ~~وذلك أنه قد عرف كفرهم من قبل . والمراد بإسناد الإيمان إليهم : إظهار ~~الإيمان ، وإلا فهم لم يؤمنوا إيمانا صادقا . والمراد بإيمانهم : إظهارهم ~~الإيمان ، لا وقوع حقيقته . وقد أنبأ عن ذلك إضافة الإيمان إلى ضميرهم دون ~~تعريف الإيمان باللام المفيدة للحقيقة ، أي بعد إيمان هو من شأنكم ، وهذا ~~تعريض بأنه الإيمان الصوري غير الحق ونظيره قوله تعالى الآتي { وكفروا بعد ~~إسلامهم } ( التوبة : 74 ) وهذا من لطائف القرآن . | # { إن نعف عن طآئفة منكم نعذب طآئفة بأنهم كانوا مجرمين } . | # جاءت هذه الجملة على عادة القرآن في تعقيب النذارة بالتبشير للراغب في ~~التوبة تذكيرا له بإمكان تدارك حاله . | # ولما كان حال المنافقين عجيبا كانت البشارة لهم مخلوطة ببقية النذارة ، ~~فأنبأهم أن طائفة منهم قد يعفى عنها إذا طلبت سبب العفو : بإخلاص الإيمان ، ~~وأن طائفة تبقى في حالة العذاب ، والمقام دال على أن ذلك لا يكون عبثا ولا ~~ترجيحا بدون مرجح ، فما هو إلا أن طائفة مرجوة الإيمان ، فيغفر عما قدمته ~~من النفاق ، وأخرى تصر على النفاق حتى الموت ، فتصير إلى العذاب . والآيات ~~الواردة بعد هذه تزيد ما دل عليه المقام وضوحا من قوله : { نسوا الله ~~فنسيهم إلى قوله عذاب مقيم } ( التوبة : 67 ، 68 ) . وقوله PageV10P252 بعد ~~ذلك : { فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في ~~الدنيا والآخرة } ( التوبة : 74 ) . | # وقد آمن بعض المنافقين بعد نزول هذه الآية ، وذكر المفسرون من هذه ~~الطائفة مخشيا بن حمير الأشجعي لما سمع هذه الآية تاب من النفاق ، وحسن ~~إسلامه ، فعد من الصحابة ، وقد جاهد يوم اليمامة واستشهد فيه ، وقد قيل : ~~إنه المقصود ( بالطائفة ) دون غيره فيكون من باب إطلاق لفظ الجماعة على ~~الواحد في مقام الإخفاء والتعمية كقوله صلى الله عليه وسلم ( ما بال أقوام ~~يشترطون شروطا ms3707 ليست في كتاب الله ) . وقد توفي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وفي المدينة بقية من المنافقين وكان عمر بن الخطاب في خلافته يتوسمهم ~~. | # والباء في { بأنهم كانوا مجرمين } للسببية ، والمجرم الكافر . | # وقرأ الجمهور { يعف وتعذب } ببناء الفعلين إلى النائب ، وقرأه عاصم ~~بالبناء للفاعل وبنون العظمة في الفعلين ونصب { طائفة } الثاني . | # | 2 ( 67 ) { المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون ~~عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون } . ~~) 2 # يظهر أن تكون هذه الآية احتراسا عن أن يظن المنافقون أن العفو المفروض ~~لطائفة منهم هو عفو ينال فريقا منهم باقين على نفاقهم ، فعقب ذلك ببيان أن ~~النفاق حالة واحدة وأن أصحابه سواء ، ليعلم بذلك أن افتراق أحوالهم بين عفو ~~وعذاب لا يكون إلا إذا اختلفت أحوالهم بالإيمان والبقاء على النفاق ، إلى ~~ما أفادته الآية أيضا من إيضاح بعض PageV10P253 أحوال النفاق وآثاره الدالة ~~على استحقاق العذاب ، ففصل هاته الجملة عن التي قبلها : إما لأنها كالبيان ~~للطائفة المستحقة العذاب ، وإما أن تكون استئنافا ابتدائيا في حكم الاعتراض ~~كما سيأتي عند قوله تعالى : { كالذين من قبلكم } ( التوبة : 69 ) وإما أن ~~تكون اعتراضا هي والتي بعدها بين الجملة المتقدمة وبين جملة { كالذين من ~~قبلكم كانوا أشد منكم قوة } ( التوبة : 69 ) كما سيأتي هنالك . | # وزيد في هذه الآية ذكر { المنافقات } تنصيصا على تسوية الأحكام لجميع ~~المتصفين بالنفاق : ذكورهم وإناثهم ، كيلا يخطر بالبال أن العفو يصادف ~~نساءهم ، والمؤاخذة خاصة بذكرانهم ، ليعلم الناس أن لنساء المنافقين حظا من ~~مشاركة رجالهن في النفاق فيحذروهن . | # و { من } في قوله : { بعضهم من بعض } اتصالية دالة على معنى اتصال شيء ~~بشيء وهو تبعيض مجازي معناه الوصلة والولاية ، ولم يطلق على ذلك اسم ~~الولاية كما أطلق على اتصال المؤمنين بعضهم ببعض في قوله : { والمؤمنون ~~والمؤمنات بعضهم أولياء بعض } ( التوبة : 71 ) لما سيأتي هنالك . | # وقد شمل قوله : { بعضهم من بعض } جميع المنافقين والمنافقات ، لأن كل فرد ~~هو بعض من الجميع ، فإذا كان كل بعض متصلا ببعض آخر ، علم أنهم ms3708 سواء في ~~الأحوال . | # وجملة { يأمرون بالمنكر } مبينة لمعنى الاتصال والاستواء في الأحوال . | # والمنكر : المعاصي لأنها ينكرها الإسلام . | # والمعروف : ضدها ، لأن الدين يعرفه ، أي يرضاه ، وقد تقدما في قوله تعالى ~~: { ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر في ~~سورة آل عمران ( 104 ) . | # وقبض الأيدي : كناية عن الشح ، وهو وصف ذم لدلالته على القسوة ، لأن ~~المراد الشح على الفقراء . | PageV10P254 # والنسيان منهم مستعار للإشراك بالله ، أو للإعراض عن ابتغاء مرضاته ~~وامتثالل ما أمر به ، لأن الإهمال والإعراض يشبه نسيان المعرض عنه . | # ونسيان الله إياهم مشاكلة أي حرمانه إياهم مما أعد للمؤمنين ، لأن ذلك ~~يشبه النسيان عند قسمة الحظوظ . | # وجملة : إن المنافقين هم الفاسقون } فذلكة للتي قبلها فلذلك فصلت لأنها ~~كالبيان الجامع . | # وصيغة القصر في { إن المنافقين هم الفاسقون } قصر ادعائي للمبالغة لأنهم ~~لما بلغوا النهاية في الفسوق جعل غيرهم كمن ليس بفاسق . | # والإظهار في مقام الإضمار في قوله : { إن المنافقين } لزيادة تقريرهم في ~~الذهن لهذا الحكم . ولتكون الجملة مستقلة حتى تكون كالمثل . | # | 2 ( 68 ) { وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين ~~فيها هى حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم } . ) 2 # هذه الجملة إما استئناف بياني ناشيء عن قوله : { إن المنافقين هم ~~الفاسقون } ( التوبة : 67 ) ، وإما مبينة لجملة { فنسيهم } ( التوبة : 67 ) ~~لأن الخلود في جهنم واللعن بيان للمراد من نسيان الله إياهم . | # والوعد أعم من الوعيد ، فهو يطلق على الإخبار بالتزام المخبر للمخبر بشيء ~~في المستقبل نافع أو ضار أو لا نفع فيه ولا ضر { هذا ما وعد الرحمن } ( يس ~~: 52 ) . والوعيد خاص بالضار . | # وفعل المضي هنا : إما للإخبار عن وعيد تقدم وعده الله المنافقين ~~والمنافقات تذكيرا به لزيادة تحقيقه وإما لصوغ الوعيد في الصيغة التي تنشأ ~~بها العقود مثل ( بعت ووهبت ) إشعارا بأنه وعيد لا يتخلف مثل العقد ~~والالتزام . | PageV10P255 # والإظهار في مقام الإضمار لتقرير المحكوم عليه في ذهن السامع حتى يتمكن ~~اتصافهم بالحكم . | # وزيادة ذكر { الكفار } هنا للدلالة على أن المنافقين ليسوا بأهون حالا من ~~المشركين إذ قد ms3709 جمع الكفر الفريقين . | # ومعنى { هي حسبهم } أنها ملازمة لهم . وأصل حسب أنه بمعنى الكافي ، ولما ~~كان الكافي يلازمه المكفي كني به هنا عن الملازمة ، ويجوز أن يكون { حسب } ~~على أصله ويكون ذكره في هذا المقام تهكما بهم ، كأنهم طلبوا النعيم ، فقيل ~~: حسبهم نار جهنم . | # واللعن : الإبعاد عن الرحمة والتحقير والغضب . | # والعذاب المقيم : إن كان المراد به عذاب جهنم فهو تأكيد لقوله : { خالدين ~~فيها هي حسبهم } لدفع احتمال إطلاق الخلود على طول المدة ، وتأكيد للكناية ~~في قوله : { هي حسبهم } وإن كان المراد به عذابا آخر تعين أنه عذاب في ~~الدنيا وهي عذاب الخزي والمذلة بين الناس . | # وفي هذه الآية زيادة تقرير لاستحقاق المنافقين العذاب ، وأنهم الطائفة ~~التي تعذب إذا بقوا على نفاقهم ، فتعين أن الطائفة المعفو عنها هم الذين ~~يؤمنون منهم . | # | 2 ( 69 ) { كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا ~~فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم ~~وخضتم كالذي خاضو ا أولائك حبطت أعمالهم في الدنيا والاخرة وأولائك هم ~~الخاسرون } . ) 2 # | $ # قيل هذا الخطاب التفات ، عن ضمائر الغيبة الراجعة إلى المنافقين ، إلى ~~خطابهم لقصد التفريع والتهديد بالموعظة ، والتذكير عن الغرور بما هم فيه من ~~نعمة الإمهال بأن آخر ذلك حبط الأعمال في الدنيا والآخرة ، وأن يحق عليهم ~~الخسران . | PageV10P256 # فكاف التشبيه في موضع الخبر عن مبتدأ محذوف دل عليه ضمير الخطاب ، تقديره ~~: أنتم كالذين من قبلكم ، أو الكاف في موضع نصب بفعل مقدر ، أي : فعلتم ~~كفعل الذين من قبلكم ، فهو في موضع المفعول المطلق الدال على فعله ، ومثله ~~في حذف الفعل والإتيان بما هو مفعول الفعل المحذوف قول النمر بن تولب : | # حتى إذا الكلاب قال لها | # كاليومم مطلوبا ولا طالبا | # أراد : لم أر كاليوم ، إلا أن عامل النصب مختلف بين الآية والبيت . | # وقيل هذا من بقية المقول المأمور بأن يبلغه النبي صلى الله عليه وسلم ~~إياهم من قوله : { قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون } ( التوبة : 65 ~~) الآية . فيكون ما بينهما اعتراضا بقوله : { المنافقون والمنافقات بعضهم ~~من ms3710 بعض } ( التوبة : 67 ) إلخ فضمير الخطاب لهم جار على مقتضى الظاهر بدون ~~التفات والكلام مسوق لتشبيه حالهم في مصيرهم إلى النار . | # والإتيان بالموصول لأنه أشمل وأجمع للأمم التي تقدمت مثل عاد وثمود ممن ~~ضرب العرب بهم المثل في القوة . | # و { أشد } معناه أقوى ، والقوة هنا القدرة على الأعمال الصعبة كقوله : { ~~أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة } ( فصلت : 15 ) أو يراد بها ~~العزة وعدة الغلب باستكمال العدد والعدد ، وبهذا المعنى أوقعت القوة تمييز ~~ال { أشد } كما أوقعت مضافا إليه شديد في قوله تعالى : { علمه شديد القوى } ~~( النجم : 5 ) . | # وكثرة الأموال لها أسباب كثيرة : منها طيب الأرض للزرع والغرس ورعي ~~الأنعام والنحلل ، ومنها وفرة التجارة بحسن موقع الموطن بين مواطن الأمم ، ~~ومنها الاقتراب من البحار للسفر إلى الأقطار وصيد البحر ، ومنها اشتمال ~~الأرض على المعادن من الذهب والفضة والحديد والمواد الصناعية والغذائية من ~~النبات ، كأشجار التوابل ولحاء الدبغ والصبغ والأدوية والزراريع والزيوت . ~~| # وكثرة الأولاد تأتي من الأمن بسبب بقاء الأنفس ، ومن الخصب المؤثر قوة ~~الأبدان والسلامة من المجاعات المعقبة للموتان ، ومن حسن المناخ بالسلامة ~~من الأوبئة المهلكة ، ومن الثروة بكثرة الأزواج والسراري والمراضع . | ~~PageV10P257 # والاستمتاع : التمتع ، وهو نوال أحد المتاع الذي به التذاذ الإنسان ~~وملائمه وتقدم عند قوله تعالى : { ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين في ~~سورة الأعراف ( 24 ) . | # والسين والتاء فيه للمبالغة في قوة التمتع . | # والخلاق : الحظ من الخير وقد تقدم عند قوله تعالى : فمن الناس من يقول ~~ربنا آتنا في الدنيا وماله في الآخرة من خلاق في سورة البقرة ( 200 ) . | # وتفرع فاستمتعوا بخلاقهم } على { كانوا أشد } : لأن المقصود إدخاله في ~~الحالة المشبه بها كما سيأتي . | # وتفرع { فاستمتعتم بخلاقكم } على ما أفاده حرف الكاف بقوله : { كالذين من ~~قبلكم } من معنى التشبيه ، ولذلك لم تعطف جملة { فاستمتعتم } بواو العطف ، ~~فإن هذه الجملة هي المقصد من التشبيه وما تفرع عليه ، وقد كان ذكر هذه ~~الجملة يغني عن ذكر جملة : { فاستمتعوا بخلاقهم } لولا قصد الموعظة ~~بالفريقين : المشبه بهم ، والمشبهين ، في ms3711 إعراض كليهما عن أخذ العدة للحياة ~~الدائمة وفي انصبابهما على التمتع العاجل فلم يكتف في الكلام بالاقتصار على ~~حال أحد الفريقين ، قصدا للاعتناء بكليهما فذلك الذي اقتضى هذا الاطناب ولو ~~اقتصر على قوله : { فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم } ~~ولم يذكر قبله { فاستمتعوا بخلاقهم } لحصل أصل المعنى ولم يستفد قصد ~~الاهتمام بكلا الفريقين . | # ولذلك لما تقرر هذا المقصد في أنفس السامعين لم يحتج إلى نسج مثل هذا ~~النظم في قوله : { وخضتم كالذي خاضوا } . | # وقوله : { كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم } تأكيد للتشبيه الواقع في ~~قوله : { كالذين من قبلكم } إلى قوله فاستمتعتم بخلاقكم للتنبيه على أن ذلك ~~الجزء بخصوصه ، من بين الحالة المشبهة والحالة المشبه بها ، هو محل الموعظة ~~والتذكير ، فلا يغرهم ما هم فيه من نعمة الإمهال والاستدراج ، فقدم قوله : ~~{ فاستمتعوا بخلاقهم } وأتى بقوله : { كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم } ~~مؤكدا له دون أن يقتصر على هذا التشبيه الأخير ، ليتأتى التأكيد ، ولأن ~~تقديم ما يتمم تصوير الحالة المشبه بها المركبة ، قبل إيقاع التشبيه ، أشد ~~تمكينا لمعنى المشابهة عند السامع . | PageV10P258 # وقوله : { كالذي خاضوا } تشبيه لخوض المنافقين بخوض أولئك وهو الخوض الذي ~~حكي عنهم في قوله : { ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب } ( التوبة : 65 ) ~~ولبساطة هذا التشبيه لم يؤت فيه بمثل الأسلوب الذي أتي به في التشبيه ~~السابق له . أي : وخضتم في الكفر والاستهزاء بآيات الله ورسوله كالخوض الذي ~~خاضوه في ذلك ، فأنتم وهم سواء ، فيوشك أن يحيق بكم ما حاق بهم ، وكلامنا ~~في هذين التشبيهين أدق ما كتب فيهما . | # و { الذي } اسم موصول ، مفرد ، وإذ كان عائد الصلة هنا ضمير جمع تعين أن ~~يكون المراد ب { الذي } : تأويله بالفريق أو الجمع ، ويجوز أن يكون { الذي ~~} هنا أصله الذين فخفف بحذف النون على لغة هذيل وتميم كقول الأشهب بن زميلة ~~النهشلي : | # وإن الذي حانت بفلج دماؤهم | # هم القوم كل القومم يا أم خالد | # ونحاة البصرة يرون هذا الاستعمال خاصا بحالة أن تطول الصلة كالبيت فلا ~~ينطبق عندهم على الآية ، ونحاة الكوفة ms3712 يجوزونه ولو لم تطل الصلة ، كما في ~~الآية ، وقد ادعى الفراء : أن { الذي } يكون موصولا حرفيا مؤولا بالمصدر ، ~~واستشهد له بهذه الآية ، وهو ضعيف . | # ولما وصفت حالة المشبه بهم من الأمم البائدة أعقب ذلك بالإشارة إليهم ~~للتنبيه على أنهم بسبب ذلك كانوا جديرين بما سيخبر به عنهم ، فقال تعالى : ~~{ أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون } وفيه تعريض ~~بأن الذين شابهوهم في أحوالهم أحرياء بأن يحل بهم ما حل بأولئك ، وفي هذا ~~التعريض من التهديد والنذارة معنى عظيم . | # والخوض : تقدمت الحوالة على معرفته آنفا . | # والحبط : الزوال والبطلان ، وتقدم في قوله تعالى : { فأولئك حبطت أعمالهم ~~في الدنيا والآخرة في سورة البقرة ( 217 ) . | # والمراد بأعمالهم : ما كانوا يعملونه ويكدحون فيه : من معالجة الأموال ~~والعيال والانكباب عليهما ، ومعنى حبطها في الدنيا استئصالها وإتلافها ~~بحلول مختلف العذاب PageV10P259 بأولئك الأمم ، وفي الآخرة بعدم تعويضها ~~لهم ، كقوله تعالى : ونرثه ما يقول } ( مريم : 80 ) أي في الدنيا { ويأتينا ~~فردا } ( مريم : 80 ) أي في الآخرة لا مال له ولا ولد ، كقوله : { ما أغنى ~~عني ماليه هلك عني سلطانيه } ( الحاقة : 28 ، 29 ) . | # وفي هذا كله تذكرة للنبيء صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بأن لا يظنوا أن ~~الله لما أمهل المنافقين قد عفا عنهم . | # ولما كانت خسارتهم جسيمة جعل غيرهم من الخاسرين كلا خاسرين فحصرت الخسارة ~~في هؤلاء بقوله : { وأولئك هم الخاسرون } قصرا مقصودا به المبالغة . | # وإعادة اسم الإشارة للاهتمام بتمييز المتحدث عنهم لزيادة تقرير أحوالهم ~~في ذهن السامع . | # | 2 ( 70 ) { ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم ~~إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ~~ولاكن كانو ا أنفسهم يظلمون } . ) 2 # | $ # عاد الكلام على المنافقين : فضمير { ألم يأتهم } و { من قبلهم } عائدانن ~~إلى المنافقين الذين عاد عليهم الضمير في قوله : { ولئن سألتهم ليقولن إنما ~~كنا نخوض ونلعب } ( التوبة : 65 ) ، أو الضمير في قوله : { ولهم عذاب مقيم ~~} ( التوبة : 68 ) . | # والاستفهام موجه للمخاطب تقريرا عنهم ، بحيث يكون كالاستشهاد عليهم بأنهم ~~أتاهم نبأ ms3713 الذين من قبلهم . | # والإتيان مستعمل في بلوغ الخبر كقوله تعالى : { يقولون إن أوتيتم هذا ~~فخذوه وقد تقدم في سورة العقود ( 41 ) ، شبه حصول الخبر عند المخبر بإتيان ~~الشخص ، بجامع الحصول بعد عدمه ، ومن هذا القبيل قولهم : بلغه الخبر ، قال ~~تعالى : لأنذركم به ومن بلغ في سورة الأنعام ( 19 ) . | PageV10P260 # والنبأ : الخبر وقد تقدم في قوله تعالى : ولقد جاءك من نبإ المرسلين في ~~سورة الأنعام ( 34 ) . | # وقوم نوح تقدم الكلام عليهم عند قوله تعالى : لقد أرسلنا نوحا إلى قومه ~~في سورة الأعراف ( 59 ) . | # ونوح : تقدم ذكره عند قوله تعالى : إن الله اصطفى آدم ونوحا في سورة آل ~~عمران ( 33 ) . | # وعاد : تقدم الكلام عليهم عند قوله تعالى : وإلى عاد أخاهم هودا في سورة ~~الأعراف ( 65 ) . | # وكذلك ثمود . وقوم إبراهيم هم الكلدانيون ، وتقدم الكلام على إبراهيم ~~وعليهم عند قوله تعالى : وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات في سورة البقرة ( ~~124 ) . | # وإضافة أصحاب } إلى { مدين } باعتبار إطلاق اسم مدين على الأرض التي كان ~~يقطنها بنو مدين ، فكما أن مدين اسم للقبيلة كما في قوله تعالى : { وإلى ~~مدين أخاهم شعيبا } ( الأعراف : 85 ) كذلك هو اسم لموطن تلك القبيلة . وقد ~~تقدم ذكر مدين عند قوله : { وإلى مدين أخاهم شعيبا في الأعراف ( 85 ) . | # والمؤتفكات } عطف على { أصحاب مدين } ، أي نبأ المؤتفكات ، وهو جمع ~~مؤتفكة : اسم فاعلل من الائتفاك وهو الانقلاب . أي القرى التي انقلبت ~~والمراد بها : قرى صغيرة كانت مساكن قوم لوط وهي : سدوم ، وعمورة ، وأدمة ، ~~وصبويم وكانت قرى متجاورة فخسف بها وصار عاليها سافلها . وكانت في جهات ~~الأردن حول البحر الميت ، ونبأ هؤلاء مشهور معلوم ، وهو خبر هلاكهم ~~واستئصالهم بحوادث مهولة . | # وجملة : { أتتهم رسلهم } تعليل أو استئناف بياني نشأ عن قوله : { نبأ ~~الذين من قبلهم } أي أتتهم رسلهم بدلائل الصدق والحق . | # وجملة { فما كان الله ليظلمهم } تفريع على جملة { أتتهم رسلهم } ، ~~والمفرع هو مجموع الجملة إلى قوله : { يظلمون } لأن الذي تفرع على إتيان ~~الرسل : أنهم ظلموا أنفسهم بالعناد ، والمكابرة ، والتكذيب للرسل ، وصم ~~الآذان عن الحق ، فأخذهم PageV10P261 الله بذلك ms3714 ، ولكن نظم الكلام على هذا ~~الأسلوب البديع إذا ابتدىء فيه بنفي أن يكون الله ظلمهم اهتماما بذلك لفرط ~~التسجيل عليهم بسوء صنعهم حتى جعل ذلك كأنه هو المفرع وجعل المفرع بحسب ~~المعنى في صورة الاستدراك . | # ونفي الظلم عن الله تعالى بأبلغ وجه ، وهو النفي المقترن بلام الجحود ، ~~بعد فعل الكون المنفي ، وقد تقدم الكلام عليه عند قوله تعالى : { ما يريد ~~الله ليجعل عليكم من حرج من سورة العقود ( 6 ) . | # وأثبت ظلمهم أنفسهم لهم بأبلغ وجه إذ أسند إليهم بصيغة الكون الماضي ، ~~الدال على تمكن الظلم منهم منذ زمان مضى ، وصيغ الظلم الكائن في ذلك الزمان ~~بصيغة المضارع للدلالة على التجدد والتكرر ، أي على تكرير ظلمهم أنفسهم في ~~الأزمنة الماضية . | # | 2 ( 71 ) { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أوليآء بعض يأمرون بالمعروف ~~وينهون عن المنكر ويقيمون الصلواة ويؤتون الزكواة ويطيعون الله ورسوله ~~أولائك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم } . ) 2 # هذه تقابل قوله : { المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض } ( التوبة : 67 ) ~~لبيان أن الطائفة التي ينالها العفو هي الملتحقة بالمؤمنين . | # فالجملة معطوفة على جملة : { المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض } ( ~~التوبة : 67 ) وما بينهما جمل تسلسل بعضها عن بعض . | # وقوله : { بعضهم أولياء بعض } مقابل قوله : في المنافقين { بعضهم من بعض ~~} ( التوبة : 67 ) . وعبر في جانب المؤمنين والمؤمنات بأنهم أولياء بعضض ~~للإشارة إلى أن اللحمة الجامعة بينهم هي ولاية الإسلام ، فهم فيها على ~~السواء ليس واحد منهم مقلدا للآخر ولا تابعا له على غير بصيرة لما في معنى ~~الولاية من الإشعار بالإخلاص والتناصر بخلاف المنافقين فكأن بعضهم ناشىء من ~~بعض في مذامهم . | PageV10P262 # وزيد في وصف المؤمنين هنا { يقيمون الصلاة } تنويها بأن الصلاة هي أعظم ~~المعروف . | # وقوله : { ويؤتون الزكاة } مقابل قوله في المنافقين { ويقبضون أيديهم } ( ~~التوبة : 67 ) . | # وقوله { ويطيعون الله ورسوله } مقابل قوله في المنافقين { نسوا الله } ( ~~التوبة : 67 ) لأن الطاعة تقتضي مراقبة المطاع فهي ضد النسيان . | # وقوله : { أولئك سيرحمهم الله } مقابل قوله في المنافقين { فنسيهم } ( ~~التوبة : 67 ) . | # والسين لتأكيد حصول الرحمة في المستقبل ، فحرف الاستقبال يفيد مع ms3715 المضارع ~~ما تفيد ( قد ) مع الماضي كقوله : { ولسوف يعطيك ربك فترضى } ( الضحى : 5 ) ~~. | # والإشارة للدلالة على أن ما سيرد بعد اسم الإشارة صاروا أحرياء به من ~~أجلل الأوصاف المذكورة قبل اسم الإشارة . | # وجملة : { إن الله عزيز حكيم } تعليل لجملة { سيرحمهم الله } أي : أنه ~~تعالى لعزته ينفع أولياءه وأنه لحكمته يضع الجزاء لمستحقه . | # | 2 ( 72 ) { وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها ومساكن طيبة فى جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذالك هو الفوز ~~العظيم } . ) 2 # موقع هذه الجملة بعد قوله : { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض } ( ~~التوبة : 71 ) ، كموقع جملة : { وعد الله المنافقين والمنافقات } ( التوبة ~~: 68 ) بعد قوله : { المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض } ( التوبة : 67 ) ~~الآية . وهي أيضا كالاستئناف البياني الناشىء عن قوله : { أولئك سيرحمهم ~~الله } ( التوبة : 71 ) مثل قوله في الآية السابقة { يبشرهم ربهم برحمة منه ~~ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم } ( التوبة : 21 ) الآية . | PageV10P263 # وفعل المضي في قوله : { وعد الله } إما لأنه إخبار عن وعد تقدم في آي ~~القرآن قصد من الإخبار به التذكير به لتحقيقه ، وإما أن يكون قد صيغ هذا ~~الوعد بلفظ المضي على طريقة صيغ العقود مثل بعت وتصدقت ، لكون تلك الصيغة ~~معهودة في الالتزام الذي لا يتخلف . وقد تقدم نظيره آنفا في قوله : { وعد ~~الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم } ( التوبة : 68 ) . | # والإظهار في مقام الإضمار دون أن يقال : وعدهم الله : لتقريرهم في ذهن ~~السامع ليتمكن تعلق الفعل بهم فضل تمكن في ذهن السامع . | # وتقدم الكلام على نحو قوله : { جنات تجري من تحتها الأنهار } عند قوله ~~تعالى : { وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار في سورة البقرة ( 25 ) . | # وعطف ومساكن طيبة في جنات عدن } على { جنات } للدلالة على أن لهم في ~~الجنات قصورا ومساكن طيبة ، أي ليس فيها شيء من خبث المساكن من الأوساخ ~~وآثار علاج الطبخ ونحوه نظير قوله : { ولهم فيها أزواج مطهرة } ( البقرة : ~~25 ) . | # و ( العدن ) : الخلد والاستقرار المستمر ، فجنات عدن هي الجنات المذكورة ms3716 ~~قبل ، فذكرها بهذا اللفظ من الإظهار في مقام الإضمار مع التفنن في التعبير ~~والتنويه بالجنات ، ولذلك لم يقل : ومساكن طيبة فيها . | # وجملة : { ورضوان من الله أكبر } معطوفة على جملة { وعد الله المؤمنين } ~~. والرضوان بكسر الراء ويجوز ضمها . وكسر الراء لغة أهل الحجاز ، وضمها لغة ~~تميم . وقرأه الجمهور بكسر الراء وقرأه أبو بكر عن عاصم بضم الراء ونظيره ~~بالكسر قليل في المصادر ذات الألف والنون . وهو مصدر كالرضى وزيادة الألف ~~والنون فيه تدل على قوته ، كالغفران والشكران . | # والتنكير في { رضوان } للتنويع ، يدل على جنس الرضوان ، وإنما لم يقرن ~~بلام تعريف الجنس ليتوسل بالتنكير إلى الإشعار بالتعظيم فإن رضوان الله ~~تعالى عظيم . | PageV10P264 # و { أكبر } تفضيل لم يذكر معه المفضل عليه لظهوره من المقام ، أي أكبر من ~~الجنات لأن رضوان الله أصل لجميع الخيرات . وفيه دليل على أن السعادات ~~الروحانية أعلى وأشرف من الجثمانية . | # و { ذلك } إشارة إلى جميع ما ذكر من الجنات والمساكن وصفاتهما والرضوانن ~~الإلهي . | # والقصر في { هو الفوز العظيم } قصر حقيقي باعتبار وصف الفوز بعظيم . | # | 2 ( 73 ) { ياأيها النبى جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم ~~جهنم وبئس المصير } . ) 2 # لما أشعر قوله تعالى في الآية السابقة { وعد الله المنافقين والمنافقات ~~والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم } ( ~~التوبة : 68 ) . بأن لهم عذابين عذابا أخرويا وهو نار جهنم ، تعين أن ~~العذاب الثاني عذاب دنيوي وهو عذاب القتل ، فلما أعقب ذلك بشنائع المنافقين ~~وبضرب المثل لهم بالأمم البائدة ، أمر نبيئه بجهاد المنافقين وهذا هو ~~الجهاد الذي أنذروا به في سورة الأحزاب ( 60 ، 61 ) في قوله : { ثم لا ~~يجاورونك فيها إلا قليلا ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا فبعد أن ~~أنذرهم الله بذلك فلم يرتدعوا ومضى عليهم من المدة ما كشفت فيه دخيلتهم بما ~~تكرر منهم من بوادر الكفر والكيد للمسلمين ، أنجز الله ما أنذرهم به بأن ~~أمر رسوله بجهادهم . والجهاد القتال لنصر الدين ، وتقدم في قوله تعالى : ~~يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لآئم في سورة ms3717 العقود ( 54 ) . | # وقرن المنافقون هنا بالكفار : تنبيها على أن سبب الأمر بجهاد الكفار قد ~~تحقق في المنافقين ، فجهادهم كجهاد الكفار ، ولأن الله لما قرنهم في الوعيد ~~بعذاب الآخرة إذ قال : وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم } ( ~~التوبة : 68 ) وأومأ قوله هنالك بأن لهم عذابا آخر ، لا جرم جمعهم عند شرع ~~هذا العذاب الآخر لهم . | PageV10P265 # فالجهاد المأمور للفريقين مختلف ، ولفظ ( الجهاد ) مستعمل في حقيقته ~~ومجازه . وفائدة القرن بين الكفار والمنافقين في الجهاد : إلقاء الرعب في ~~قلوبهم ، فإن كل واحد منهم يخشى أن يظهر أمره فيعامل معاملة الكفار ~~المحاربين فيكون ذلك خاضدا شوكتهم . | # وأما جهادهم بالفعل فمتعذر ، لأنهم غير مظهرين الكفر ، ولذلك تأول أكثر ~~المفسرين الجهاد بالنسبة إلى المنافقين بالمقاومة بالحجة وإقامة الحدود عند ~~ظهور ما يقتضيها ، وكان غالب من أقيم عليه الحد في عهد النبوءة من ~~المنافقين . وقال بعض السلف جهادهم ينتهي إلى الكشر في وجوههم . وحملها ~~الزجاج والطبري على ظاهر الأمر بالجهاد ، ونسبه الطبري إلى عبد الله بن ~~مسعود ، ولكنهما لم يأتيا بمقنع من تحقيق المعنى . | # وهذه الآية إيذان للمنافقين بأن النفاق يوجب جهادهم قطعا لشأفتهم من بين ~~المسلمين ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمهم ويعرفهم لحذيفة بن ~~اليمان ، وكان المسلمون يعرفون منهم من تكررت بوادر أحواله ، وفلتات مقاله ~~. وإنما كان النبي ممسكا عن قتلهم سدا لذريعة دخول الشك في الأمان على ~~الداخلين في الإسلام كما قال لعمر : ( لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ~~) لأن العامة والغائبين عن المدينة لا يبلغون بعلمهم إلى معرفة حقائق ~~الأمور الجارية بالمدينة ، فيستطيع دعاة الفتنة أن يشوهوا الأعمال النافعة ~~بما فيها من صورة بشيعة عند من لا يعلم الحقيقة ، فلما كثر الداخلون في ~~الإسلام واشتهر من أمان المسلمين ما لا شك معه في وفاء المسلمين ، وشاع من ~~أمر المنافقين وخيانتهم ما تسامعته القبائل وتحققه المسلم والكافر ، تمحضت ~~المصلحة في استئصال شافتهم ، وانتفت ذريعة تطرق الشك في أمان المسلمين ، ~~وعلم الله أن أجل رسوله عليه الصلاة والسلام قد اقترب ، وأنه إن ms3718 بقيت بعده ~~هذه الفئة ذات الفتنة تفاقم أمرها وعسر تداركها ، واقتدى بها كل من في قلبه ~~مرض ، لا جرم آذنهم بحرب ليرتدعوا ويقلعوا عن النفاق . والذي يوجب قتالهم ~~أنهم صرحوا بكلمات الكفر ، أي صرح كل واحد بما يدل على إبطانه الكفر وسمعها ~~الآخرون فرضوا بها ، وصدرت من فريق منهم أقوال وأفعال تدل على أنهم مستخفون ~~بالدين ، PageV10P266 وقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم بقرب نزول هذه ~~الآية . ولعل من حكمة الإعلام بهذا الجهاد تهيئة المسلمين لجهاد كل قوم ~~ينقضون عرى الإسلام وهم يزعمون أنهم مسلمون ، كما فعل الذين منعوا الزكاة ~~وزعموا أنهم لم يكفروا وإنما الزكاة حق الرسول في حياته ، وما ذلك إلا نفاق ~~من قادتهم اتبعه دهماؤهم ، ولعل هذه الآية كانت سببا في انزجار معظم ~~المنافقين عن النفار وإخلاصهم الإيمان كما ورد في قصة الجلاس بن سويد . ~~وكان قد كفى الله شر متولي كبر النفاق عبد الله بنن أبي بنن سلول بموته ~~فكان كل ذلك كافيا عن إعمال الأمر بجهادهم في هذه الآية { وكفى الله ~~المؤمنين القتال } ( الأحزاب : 25 ) . | # وهذه الآية تدل على التكفير بما يدل على الكفر من قائله أو فاعله دلالة ~~بينة ، وإن لم يكن أعلن الكفر . | # { واغلظ عليهم } أمر بأن يكون غليظا معهم . والغلظة يأتي معناها عند قوله ~~: { وليجدوا فيكم غلظة في هذه السورة ( 123 ) . | # وإنما وجه هذا الأمر إلى الرسول عليه الصلاة والسلام لأنه جبل على الرحمة ~~فأمر بأن يتخلى عن جبلته في حق الكفار والمنافقين وأن لا يغضي عنهم كما كان ~~شأنه من قبل . | # وهذه الآية تقتضي نسخ إعطاء الكفار المؤلفة قلوبهم على الإسلام وإنما ~~يبقى ذلك للداخلين في الإسلام حديثا . | # وجملة : وبئس المصير } تذييل . وتقدم نظيره مرات . والمأوى ما يأوي إليه ~~المرء من المكان ، أي يرجع إليه . | # والمصير المكان الذي يصير إليه المرء ، أي يرجع فالاختلاف بينه وبين ~~المأوى بالاعتبار ، والجمع بينهما هنا تفنن . | # | PageV10P267 # | 2 ( 74 ) { يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد ~~إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما ms3719 نقمو ا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله ~~فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما فى الدنيا ~~والاخرة وما لهم فى الارض من ولي ولا نصير } . ) 2 # | $ # { يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا ~~بما لم ينالوا وما نقمو ا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فإن يتوبوا يك ~~خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما فى الدنيا والاخرة وما لهم فى ~~الارض من ولي ولا نصير } . | # لما كان معظم ما أخذ على المنافقين هو كلماتت دالة على الطعن في الرسول ~~صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك من دلائل الكفر وكانوا إذا نقل ذلك عنهم ~~تنصلوا منه بالأيمان الكاذبة ، عقبت آية الأمر بجهادهم بالتنبيه على أن ما ~~يتنصلون به تنصل كاذب وأن لا ثقة بحلفهم ، وعلى إثبات أنهم قالوا ما هو ~~صريح في كفرهم . فجملة { يحلفون } مستأنفة استئنافا بيانيا يثيره الأمر ~~بجهادهم مع مشاهدة ظاهر أحوالهم من التنصل مما نقل عنهم ، إن اعتبر المقصود ~~من الجملة تكذيبهم في حلفهم . | # وقد تكون الجملة في محل التعليل للأمر بالجهاد إن اعتبر المقصود منها ~~قوله : { ولقد قالوا كلمة الكفر } وما بعده ، وأن ذلك إنما أخر للاهتمام ~~بتكذيب أيمانهم ابتداء ، وأتي بالمقصود في صورة جملة حالية . ومعلوم أن ~~القيد هو المقصود من الكلام المقيد . ويرجح هذا أن معظم ما في الجملة هو ~~شواهد كفرهم ونقضهم عهد الإسلام ، إذ لو كان المقصود خصوص تكذيبهم فيما ~~حلفوا لاقتصر على إثبات مقابله وهو { ولقد قالوا كلمة الكفر } ، ولم يكن ~~لما بعده مزيد اتصال به . | # وأيا ما كان فالجملة مستحقة الفصل دون العطف . | # ومفعول ما قالوا محذوف دل عليه قوله : { ولقد قالوا كلمة الكفر } . | # وأكد صدور كلمة الكفر منهم ، في مقابلة تأكيدهم نفي صدورها ، بصيغة القسم ~~ليكون تكذيب قولهم مساويا لقولهم في التأكيد . | # وكلمة الكفر الكلام الدال عليه ، وأصل الكلمة اللفظ الواحد الذي يتركب ~~منه ومن مثله الكلام المفيد ، وتطلق الكلمة على الكلام إذا كان كلاما ms3720 جامعا ~~موجزا كما في قوله تعالى : { كلا إنها كلمة هو قائلها } ( المؤمنون : 8 ) ~~وفي الحديث : ( أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد : PageV10P268 ألا كل شيء ~~ما خلا الله باطل ) . | # فكلمة الكفر جنس لكل كلام فيه تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم كما أطلقت ~~كلمة الإسلام على شهادة أن لا إلاه إلا الله وأن محمدا رسول الله . ~~فالكلمات الصادرة عنهم على اختلافها ، ما هي إلا أفراد من هذا الجنس كما دل ~~عليه إسناد القول إلى ضمير جماعة المنافقين . فعن قتادة : لا علم لنا بأن ~~ذلك من أي إذ كان لا خبر يوجب الحجة ونتوصل به إلى العلم . | # وقيل : المراد كلمة صدرت من بعض المنافقين تدل على تكذيب النبي صلى الله ~~عليه وسلم فعن عروة بن الزبير ، ومجاهد ، وابن إسحاق أن الجلاس بضم الجيم ~~وتخفيف اللام بن سويد بنن الصامت قال : لئن كان ما يقول محمد حقا لنحن أشر ~~من حميرنا هذه التي نحن عليها ، فأخبر عنه ربيبه النبي فدعاه النبي وسأله ~~عن مقالته ، فحلف بالله ما قال ذلك ، وقيل : بل نزلت في عبد الله بن أبي بن ~~سلول لقوله الذي حكاه الله عنه بقوله : { يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ~~ليخرجن الأعز منها الأذل } ( المنافقون : 8 ) فسعى به رجل من المسلمين ~~فأرسل إليه رسول الله فسأله فجعل يحلف بالله ما قال ذلك . | # فعلى هذه الروايات يكون إسناد القول إلى ضمير جمعع كناية عن إخفاء اسم ~~القائل كما يقال ما بال أقوام يفعلون كذا . وقد فعله واحد ، أو باعتبار ~~قولل واحد وسماع البقية فجعلوا مشاركين في التبعة كما يقال : بنو فلان ~~قتلوا فلانا وإنما قتله واحد من القبيلة ، وعلى فرض صحة وقوع كلمة من واحد ~~معين فذلك لا يقتضي أنه لم يشاركه فيها غيره لأنهم كانوا يتآمرون على ما ~~يختلقونه . وكان ما يصدر من واحد منهم يتلقفه جلساؤه وأصحابه ويشاركونه فيه ~~. | # وأما إسناد الكفر إلى الجمع في قوله : { وكفروا بعد إسلامهم } فكذلك . | # ومعنى { بعد إسلامهم } بعد أن أظهروا الإسلام في الصورة ، ولذلك أضيف ~~الإسلام ms3721 إليهم كما تقدم في قوله تعالى : { لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ~~} ( التوبة : 66 ) . | # والهم : نية الفعل سواء فعل أم لم يفعل . | PageV10P269 # ونوال الشيء حصوله ، أي هموا بشيء لم يحصلوه والذي هموا به هو الفتك ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم عند مرجعه من تبوك تواثق خمسة عشر منهم على ~~أن يترصدوا له في عقبة بالطريق تحتها وادد فإذا اعتلاها ليلا يدفعونه عن ~~راحلته إلى الوادي وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم سائرا وقد أخذ عمار ~~بن ياسر بخطام راحلته يقودها . وكان حذيفة بن اليمان يسوقها فأحس حذيفة بهم ~~فصاح بهم فهربوا . | # وجملة : { وما نقموا } عطف على { ولقد قالوا } أي والحال أنهم ما ينقمون ~~على النبي صلى الله عليه وسلم ولا على دخول الإسلامم المدينة شيئا يدعوهم ~~إلى ما يصنعونه من آثار الكراهية والعداوة . | # والنقم الامتعاض من الشيء واستنكاره وتقدم في قوله تعالى : { وما تنقم ~~منا إلا أن آمنا بآيات ربنا في سورة الأعراف ( 126 ) . | # وقوله : إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله } استثناء تهكمي . وهو من ~~تأكيد الشيء بما يشبه ضده كقول النابغة : | # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم | # بهن فلول من قراع الكتائب | # ونكتته أن المتكلم يظهر كأنه يبحث عن شيء ينقض حكمه الخبري ونحوه فيذكر ~~شيئا هو من مؤكدات الحكم للإشارة إلى أنه استقصى فلم يجد ما ينقضه . | # وإنما أغناهم الله ورسوله بما جلبه حلول النبي عليه الصلاة والسلام بينهم ~~من أسباب الرزق بكثرة عمل المهاجرين وبوفرة الغنائم في الغزوات وبالأمن ~~الذي أدخله الإسلام فيهم إذ جعل المؤمنين إخوة فانتفت الضغائن بينهم ~~والثارات ، وقد كان الأوس والخزرج قبل الإسلام أعداء وكانت بينهم حروب ~~تفانوا فيها قبيل الهجرة وهي حروب بعاث . | # والفضل : الزيادة في البذل والسخاء . و { من } ابتدائية . وفي جعل ~~الإغناء من الفضل كناية عن وفرة الشيء المغنى به لأن ذا الفضلل يعطي الجزل ~~. | # وعطف الرسول على اسم الجلالة في فعل الإغناء لأنه السبب الظاهر المباشر . ~~| PageV10P270 # ( 74 ) { فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله ms3722 عذابا أليما فى ~~الدنيا والاخرة وما لهم فى الارض من ولي ولا نصير } . | # التفريع على قوله : { جاهد الكفار والمنافقين } ( التوبة : 73 ) على عادة ~~القرآن في تعقيب الوعيد بالوعد والعكس فلما أمر بجهادهم والغلظة عليهم ~~وتوعدهم بالمصير إلى النار ، فرع على ذلك الإخبار بأن التوبة مفتوحة لهم ~~وأن تدارك أمرهم في مكنتهم ، لأن المقصود من الأمر بجهادهم قطع شافة مضرتهم ~~أو أن يصلح حالهم . | # والتوبة هي إخلاصهم الأيمان . والضمير يعود إلى الكفار والمنافقين ، ~~والضمير في { يك } عائد إلى مصدر { يتوبوا } وهو التوب . | # والتولي : الإعراض والمراد به الإعراض عن التوبة . والعذاب في الدنيا ~~عذاب الجهاد والأسر ، وفي الآخرة عذاب النار . | # وجيء بفعل { يك } في جواب الشرط دون أن يقال فإن يتوبوا فهو خير لهم ~~لتأكيد وقوع الخير عند التوبة ، والإيماء إلى أنه لا يحصل الخير إلا عند ~~التوبة لأن فعل التكوين مؤذن بذلك . | # وحذف نون ( يكن ) للتخفيف لأنها لسكونها تهيأت للحذف وحسنه وقوع حركة ~~بعدها والحركة ثقيلة فلذلك شاع حذف هذه النون في كلامهم كقوله : { وإن تك ~~حسنة يضاعفها في سورة النساء ( 40 ) . | # وجملة : وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير } عطف على جملة { يعذبهم الله ~~} الخ فتكون جوابا ثانيا للشرط ، ولا يريبك أنها جملة اسمية لا تصلح ~~لمباشرة أداة الشرط بدون فاء رابطة . لأنه يغتفر في التوابع ما لا يغتفر في ~~المتبوعات فإن حرف العطف كاف في ربط الجملة تبعا للجملة المعطوف عليها . | # والمعنى أنهم إن تولوا لم يجدوا من ينصرهم من القبائل إذ لم يبق من العرب ~~من لم يدخل في الإسلام إلا من لا يعبأ بهم عددا وعددا ، والمراد نفي الولي ~~النافع كما هو مفهوم الولي وأما من لا ينفع فهو حبيب وودود وليس بالولي . | # | PageV10P271 # | 2 ( 75 77 ) { ومنهم من عاهد الله لئن ءاتانا من فضله لنصدقن ولنكونن ~~من الصالحين * فلمآ ءاتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون * فأعقبهم ~~نفاقا فى قلوبهم إلى يوم يلقونه بمآ أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا ~~يكذبون } . ) 2 # قيل : نزلت في ms3723 ثعلبة بن حاطب من المنافقين سأل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يدعو له بسعة الرزق فدعا له فأثرى إثراء كثيرا فلما جاءه المصدقون ~~ليعطي زكاة أنعامه امتنع من ذلك ثم ندم فجاء بصدقته فأبى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن يقبلها منه . وذكروا من قصته أنه تاب ولكن لم تقبل صدقته ~~في زمن النبي ولا في زمن الخلفاء الثلاثة بعده عقوبة له وإظهارا للاستغناء ~~عنه حتى مات في خلافة عثمان ، وقد قيل : إن قائل ذلك هو معتب بن قشير ، ~~وعلى هذا فضمائر الجمع في لنصدقن وما بعده مراد بها واحد وإنما نسبت الفعل ~~إلى جماعة المنافقين على طريقة العرب في إلصاق فعل الواحد بقبيلته . ويحتمل ~~أن ثعلبة سأل ذلك فتبعه بعض أصحابه مثل معتب بن قشير فأوتي مثل ما أوتي ~~ثعلبة وبخل مثل ما بخل وإن لم تجىء فيه قصة كما تقدم آنفا . | # وجملة { لنصدقن } بيان لجملة { عاهد الله } وفعل { لنصدقن } أصله لنتصدقن ~~فأدغم للتخفيف . | # والإعراض : إعراضهم عن عهدهم وعن شكر نعمة ربهم . | # و { أعقبهم نفاقا } جعل نفاقا عقب ذلك أي إثره ولما ضمن أعقب معنى أعطى ~~نصب مفعولين والأصل أعقبهم بنفاق . | # والضمير المستتر في أعقبهم للمذكور من أحوالهم ، أو للبخل المأخوذ من ~~بخلوا ، فإسناد الإعقاب مجاز عقلي ، أو يعود إلى اسم الله تعالى في قوله { ~~من عاهد الله } أي جعل فعلهم ذلك سببا في بقاء النفاق في قلوبهم إلى موتهم ~~، PageV10P272 وذلك جزاء تمردهم على النفاق . وهذا يقتضي إلى أن ثعلبة أو ~~معتبا مات على الكفر وأن حرصه على دفع صدقته رياء وتقية وكيف وقد عد كلاهما ~~في الصحابة وأولهما فيمن شهد بدرا ، وقيل : هما آخران غيرهما وافقا في ~~الاسم . فيحتمل أن يكون أطلق النفاق على ارتكاب المعاصي في حالة الإسلام ~~وهو إطلاق موجود في عصر النبوءة كقول حنظلة بن الربيع للنبيء صلى الله عليه ~~وسلم يا رسول الله ( نافق حنظلة ) . وذكر ارتكابه في خاصته ما ظنه معصية ~~ولم يغير عليه النبي صلى الله عليه وسلم ولكن ms3724 بين له أن ما توهمه ليس كما ~~توهمه ، فيكون المعنى أنهم أسلموا وبقوا يرتكبون المعاصي خلاف حال أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقد يومىء إلى هذا تنكير { نفاقا } المفيد أنه ~~نفاق جديد وإلا فقد ذكروا منافقين فكيف يكون النفاق حاصلا لهم عقب فعلهم ~~هذا . | # واللقاء مصادفة الشيء شيئا في مكان واحد . فمعنى إلى يوم يلقونه إلى يوم ~~الحشر لأنه يوم لقاء الله للحساب ، أو إلى يوم الموت لأن الموت لقاء الله ~~كما في الحديث ( من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ) ، وفسره بأنه محبة تعرض ~~للمؤمن عند الاحتضار . وقال بعض المتقدمين من المتكلمين : إن اللقاء يقتضي ~~الرؤية ، فاستدل على ثبوت رؤية الله تعالى بقوله تعالى : { تحيتهم يوم ~~يلقونه سلام من سورة الأحزاب ( 44 ) فنقض عليهم الجبائي بقول : إلى يوم ~~يلقونه } في هذه الآية فإن الاتفاق على أن المنافقين لا يرون الله . وقد ~~تصدى الفخر لإبطال النقض بما يصير الاستدلال ضعيفا ، والحق أن اللقاء لا ~~يستلزم الرؤية . وقد ذكر في ( نفح الطيب ) في ترجمة أبي بكر بن العربي قصة ~~في الاستدلال بآية الأحزاب على بعض معتزلة الحنابلة ونقض الحنبلي المعتزلي ~~عليه بهذه الآية . | # والباء للسببية أو للتعليل ، أي بسبب إخلافهم وعد ربهم وكذبهم . | # وعبر عن كذبهم بصيغة { كانوا يكذبون } لدلالة كان على أن الكذب كائن فيهم ~~ومتمكن منهم ودلالة المضارع على تكرره وتجدده . | # وفي هذا دلالة على وجوب الحذر من إحداث الأفعال الذميمة فإنها تفسد ~~الأخلاق الصالحة ويزداد الفساد تمكنا من النفس بطبيعة التولد الذي هو ناموس ~~الوجود . | # | PageV10P273 # | 2 ( 78 ) { ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب ~~} . ) 2 # استئناف لأجل التقرير . والكلام تقرير للمخاطب عنهم لأن كونهم عالمين ~~بذلك معروف لدى كل سامع . والسر ما يخفيه المرء من كلام وما يضمر في نفسه ~~فلا يطلع عليه الناس وتقدم في قوله { سرا وعلانية في سورة البقرة ( 274 ) . ~~| # والنجوى : المحادثة بخفاء أي يعلم ما يضمرونه في أنفسهم وما يتحادثون به ~~حديث سر لئلا يطلع عليه غيرهم . | # وإنما عطفت ms3725 النجوى على السر مع أنه أعم منها لينبئهم باطلاعه على ما ~~يتناجون به من الكيد والطعن . | # ثم عمم ذلك بقوله : وأن الله علام الغيوب } أي قوي علمه لجميع الغيوب . | # والغيوب : جمع غيب وهو ما خفي وغاب عن العيان . وتقدم قوله : { الذين ~~يؤمنون بالغيب في سورة البقرة ( 3 ) . | # | 2 ( 79 ) الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا ~~يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم } . ) 2 # استئناف ابتدائي ، نزلت بسبب حادث حدث في مدة نزول السورة ، ذلك أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم حث الناس على الصدقة فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة ~~آلاف درهم ، وجاء عاصم بن عدي بأوسقق كثيرة من تمر ، وجاء أبو عقيل بصاع من ~~تمر ، فقال المنافقون : ما أعطى عبد الرحمن وعاصم إلا رياء وأحب أبو عقيل ~~أن يذكر بنفسه ليعطى من الصدقات فأنزل الله فيهم هذه الآية . | PageV10P274 # فالذين يلمزون مبتدأ وخبره جملة { سخر الله منهم . | # واللمز : الطعن . وتقدم في هذه السورة في قوله : ومنهم من يلمزك في ~~الصدقات } ( التوبة : 58 ) . وقرأه يعقوب بضم الميم كما قرأ قوله : { ومنهم ~~من يلمزك في الصدقات } ( التوبة : 58 ) . | # و { المطوعين } أصله المتطوعين ، أدغمت التاء في الطاء لقرب مخرجيهما . | # و { في } للظرفية المجازية بجعل سبب اللمز كالظرف للمسبب . | # وعطف الذين لا يجدون إلا جهدهم على المطوعين وهم منهم ، اهتماما بشأنهم ~~والجهد بضم الجيم الطاقة . وأطلقت الطاقة على مسببها الناشىء عنها . | # وحذف مفعول { يجدون } لظهوره من قوله : { الصدقات } أي لا يجدون ما ~~يتصدقون به إلا جهدهم . | # والمراد لا يجدون سبيلا إلى إيجاد ما يتصدقون به إلا طاقتهم ، أي جهد ~~أبدانهم . أو يكون وجد هنا هو الذي بمعنى كان ذا جدة ، أي غنى فلا يقدر له ~~مفعول ، أي الذين لا مال لهم إلا جهدهم وهذا أحسن . | # وفيه ثناء على قوة البدن والعمل وأنها تقوم مقام المال . | # وهذا أصل عظيم في اعتبار أصول الثروة العامة والتنويه بشأن العامل . | # والسخرية : الاستهزاء . يقال : سخر منه ، أي حصلت السخرية له من كذا ms3726 ، ~~فمن اتصالية . | # واختير المضارع في يلمزون ويسخرون للدلالة على التكرر . | # وإسناد سخر إلى الله تعالى على سبيل المجاز الذي حسنته المشاكلة لفعلهم ، ~~والمعنى أن الله عاملهم معاملة تشبه سخرية الساخر ، على طريقة التمثيل ، ~~وذلك في أن أمر نبيه بإجراء أحكام المسلمين على ظاهرهم زمنا ثم أمره بفضحهم ~~. | # ويجوز أن يكون إطلاق سخر الله منهم على طريقة المجاز المرسل ، أي احتقرهم ~~ولعنهم ولما كان كل ذلك حاصلا من قبل عبر عنه بالماضي في { سخر الله منهم | ~~PageV10P275 # وجملة : ولهم عذاب أليم } عطف على الخبر ، أي سخر منهم وقضى عليهم ~~بالعذاب في الآخرة . | # | 2 ( 80 ) { استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن ~~يغفر الله لهم ذالك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين ~~} . ) 2 # هذا استئناف ابتدائي ليس متصلا بالكلام السابق ، وإنما كان نزوله لسبب ~~حدث في أحوال المنافقين المحكية بالآيات السالفة ، فكان من جملة شرح ~~أحوالهم وأحكامهم ، وفي الآية ما يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~يستغفر لهم . | # روى المفسرون عن ابن عباس أنه لما نزلت بعض الآيات السابقة في أحوالهم ~~إلى قوله : { سخر الله منهم ولهم عذاب أليم } ( التوبة : 79 ) . قال فريق ~~منهم : استغفر لنا يا رسول الله ، أي ممن صدر منه عمل وبخوا عليه في القرآن ~~دون تصريح بأن فاعله منافق فوعدهم النبي عليه الصلاة والسلام بأن يستغفر ~~للذين سألوه . وقال الحسن : كانوا يأتون رسول الله فيعتذرون إليه ، ويقولون ~~: إن أردنا إلا الحسنى . وذلك في معنى الاستغفار ، أي طلب محوما عد عليهم ~~أنه ذنب ، يريدون أنه استغفار من ظاهر إيهام أفعالهم . وعن الأصم أن عبد ~~الله بن أبي بن سلول لما ظهر ما ظهر من نفاقه وتنكر الناس له من كل جهة ~~لقيه رجل من قومه فقال له : ارجع إلى رسول الله يستغفر لك ، فقال : ما ~~أبالي استغفر لي أم لم يستغفر لي . فنزل فيه قوله تعالى في سورة المنافقين ~~( 5 ، 6 ) : { وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله ms3727 لووا رؤوسهم ~~ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن ~~يغفر الله لهم يعني فتكون هذه الآية مؤكدة لآية سورة المنافقين عند حدوث ~~مثل السبب الذي نزلت فيه آية سورة المنافقين جمعا بين الروايات . | ~~PageV10P276 # وعن الشعبي ، وعروة ، ومجاهد ، وابن جبير ، وقتادة أن عبد الله بن أبي بن ~~سلول مرض فسأل ابنه عبد الله بن عبد الله النبي أن يستغفر له ففعل . فنزلت ~~. فقال النبي إن الله قد رخص لي فسأزيد على السبعين فنزلت سواء عليهم ~~أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم } ( المنافقون : 6 ) . | # والذي يظهر لي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أوحي إليه بآية سورة ~~المنافقين ، وفيها أن استغفاره وعدمه سواء في حقهم . تأول ذلك على ~~الاستغفار غير المؤكد وبعثته رحمته بالناس وحرصه على هداهم وتكدره من ~~اعتراضهم عن الإيمانن أن يستغفر للمنافقين استغفارا مكررا مؤكدا عسى أن ~~يغفر الله لهم ويزول عنهم غضبه تعالى فيهديهم إلى الإيمان الحق . بما أن ~~مخالطتهم لأحوال الإيمان ولو في ظاهر الحال قد يجر إلى تعلق هديه بقلوبهم ~~بأقل سبب ، فيكون نزول هذه الآية تأييسا من رضى الله عنهم ، أي عن البقية ~~الباقية منهم تأييسا لهم ولمن كان على شاكلتهم ممن اطلع على دخائلهم فاغتبط ~~بحالهم بأنهم انتفعوا بصحبة المسلمين والكفار ، فالآية تأييس من غير تعيين ~~. | # وصيغة الأمر في قوله : { استغفر } مستعملة في معنى التسوية المراد منها ~~لازمها وهو عدم الحذر من الأمر المباح ، والمقصود من ذلك إفادة معنى ~~التسوية التي ترد صيغة الأمر لإفادتها كثيرا ، وعد علماء أصول الفقه في ~~معاني صيغة الأمر معنى التسوية ومثلوه بقوله تعالى : { اصلوها فاصبروا أو ~~لا تصبروا } ( الطور : 16 ) . | # فأما قوله : { أو لا تستغفر لهم } فموقعه غريب ولم يعن المفسرون ~~والمعربون ببيانه فإن كونه بعد { لا } مجزوما يجعله في صورة النهي ، ومعنى ~~النهي لا يستقيم في هذا المقام إذ لا يستعمل النهي في معنى التخيير ~~والإباحة . فلا يتأتى منه معنى يعادل معنى التسوية التي استعمل ms3728 فيها الأمر ~~. ولذلك لم نر علماء الأصول يذكرون التسوية في معاني صيغة النهي كما ذكروها ~~في معاني صيغة الأمر | # وتأويل الآية : | # إما أن تكون { لا } نافية ويكون جزم الفعل بعدها لكونه معطوفا على فعل ~~الأمر فإن فعل الأمر مجزوم بلام الأمر المقدرة على التحقيق وهو مذهب ~~الكوفيين واختاره PageV10P277 الأخفش من البصريين ، وابن هشام الأنصاري ~~وأبو علي بن الأحوص ، شيخ أبي حيان ، وهو الحق لأنه لو كان مبنيا للزم حالة ~~واحدة ، ولأن أحوال آخره جارية على أحوال علامات الجزم فلا يبعد أن يكون ~~ذلك التقدير ملاحظا في كلامهم فيعطف عليه بالجزم على التوهم . | # ولا يصح كون هذا من عطف الجمل لأنه لا وجه لجزم الفعل لو كان كذلك ، لا ~~سيما والأمر مؤول بالخبر ، ثم إن ما أفاده حرف التخيير قد دل على تخيير ~~المخاطب في أحد الأمرين مع انتفاء الفائدة على كليهما . | # وإما أن تكون صيغة النهي استعملت لمعنى التسوية لأنها قارنت الأمر الدال ~~على إرادة التسوية ويكون المعنى : أمرك بالاستغفار لهم ونهيك عنه سواء ، ~~وذلك كناية عن كون الآمر والناهي ليس بمغير مراده فيهم سواء فعل المأمور أو ~~فعل المنهي ويجوز أن يكون الفعلان معمولين لفعل قول محذوف . والتقدير : ~~نقول لك : استغفر لهم ، أو نقول لا تستغفر لهم . | # و { سبعين مرة } غير مراد به المقدار من العدد بل هذا الاسم من أسماء ~~العدد التي تستعمل في معنى الكثرة . قال ( الكشاف ) : ( السبعون جار مجرى ~~المثل في كلامهم للتكثر ) . ويدل له قول النبي صلى الله عليه وسلم ( لو ~~أعلم أني لو زدت على السبعين غفر له لزدت ) . وهو ما رواه البخاري والترمذي ~~من حديث عمر بن الخطاب . وأما ما رواه البخاري من حديث أنس بن عياض وأبي ~~أسامة عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ~~( وسأزيد على السبعين ) فهو توهم من الراوي لمنافاته رواية عمر بن الخطاب ، ~~ورواية عمر أرجح لأنه صاحب القصة ، ولأن تلك الزيادة لم ترو من حديث يحيى ~~بن سعيد عن ms3729 عبيد الله عن نافع عن ابن عمر عند الترمذي وابن ماجة والنسائي . ~~| # وانتصب { سبعين مرة } على المفعولية المطلقة لبيان العدد . وتقدم الكلام ~~على لفظ مرة عند قوله تعالى : { وهم بدأوكم أول مرة في هذه السورة ( 13 ) . ~~| # وضمائر الغيبة راجعة إلى المنافقين الذين علم الله نفاقهم وأعلم نبيئه ~~عليه الصلاة والسلام بهم . وكان المسلمون يحسبونهم مسلمين اغترارا بظاهر ~~حالهم . PageV10P278 وكان النبي يجري عليهم أحكام ظاهر حالهم بين عامة ~~المسلمين ، والقرآن ينعتهم بسيماهم كيلا يطمئن لهم المسلمون وليأخذوا الحذر ~~منهم ، فبذلك قضي حق المصالح كلها . | # ومن أجل هذا الجري على ظاهر الحال اختلف أسلوب التأييس من المغفرة بين ما ~~في هذه الآية وبين ما في آية ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا ~~للمشركين } ( التوبة : 113 ) لأن المشركين كفرهم ظاهر فجاء النهي عن ~~الاستغفار لهم صريحا ، وكفر المنافقين خفي فجاء التأييس من المغفزة لهم ~~منوطا بوصف يعلمونه في أنفسهم ويعلمه الرسول عليه الصلاة والسلام ولأجل هذا ~~كان يستغفر لمن يسأله الاستغفار من المنافقين لئلا يكون امتناعه من ~~الاستغفار له إعلاما بباطن حاله الذي اقتضت حكمة الشريعة عدم كشفه . وقال ~~في أبي طالب : ( لأستغفرن لك ما لم أنه عنك ) فلما نهاه الله عن ذلك أمسك ~~عن الاستغفار له . | # وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة الجنازة على من مات من ~~المنافقين لأن صلاة الجنازة من الاستغفار ولما مات عبد الله بن أبي بن سلول ~~رأس المنافقين بعد نزول هذه الآية وسأل ابنه عبد الله بن عبد الله النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن يصلي عليه ، فصلى عليه كرامة لابنه وقال عمر للنبيء ~~صلى الله عليه وسلم قد نهاك ربك أن تصلي عليه ، قال له على سبيل الرد ( ~~إنما خيرني الله ) ، أي ليس في هذه الآية نهي عن الاستغفار ، فكان لصلاته ~~عليهم واستغفاره لهم حكمة غير حصول المغفرة بل لمصالح أخرى ، ولعل النبي ~~صلى الله عليه وسلم أخذ بأضعف الاحتمالين في صيغة { استغفر لهم أو لا ~~تستغفر لهم } وكذلك في لفظ عدد { سبعين ms3730 مرة } استقصاء لمظنة الرحمة على نحو ~~ما أصلناه في المقدمة التاسعة من مقدمات هذا التفسير . | # والإشارة في قوله : { ذلك بأنهم كفروا } لانتفاء الغفران المستفاد من ~~قوله : { فلن يغفر الله لهم } . | # والباء للسببية ، وكفرهم بالله هو الشرك . وكفرهم برسوله جحدهم رسالته ~~صلى الله عليه وسلم وفي هذه الآية دليل على أن جاحد نبوءة محمد صلى الله ~~عليه وسلم يطلق عليه كافر . | PageV10P279 # ومعنى { والله لا يهدي القوم الفاسقين } أن الله لا يقدر لهم الهدي إلى ~~الإيمان لأجل فسقهم ، أي بعدهم عن التأمل في أدلة النبوءة ، وعن الإنصاف في ~~الاعتراف بالحق فمن كان ذلك ديدنه طبع على قلبه فلا يقبل الهدى فمعنى { لا ~~يهدي } لا يخلق الهدى في قلوبهم . | # | 2 ( 81 ) { فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهو ا أن يجاهدوا ~~بأموالهم وأنفسهم فى سبيل الله وقالوا لا تنفروا فى الحر قل نار جهنم أشد ~~حرا لو كانوا يفقهون } . ) 2 # | $ # استئناف ابتدائي . وهذه الآية تشير إلى ما حصل للمنافقين عند الاستنفار ~~لغزوة تبوك فيكون المراد بالمخلفين خصوص من تخلف عن غزوة تبوك من المنافقين ~~. | # ومناسبة وقوعها في هذا الموضع أن فرحهم بتخلفهم قد قوي لما استغفر لهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم وظنوا أنهم استغفلوه فقضوا مأربهم ثم حصلوا ~~الاستغفار ظنا منهم بأن معاملة الله إياهم تجري على ظواهر الأمور . | # فالمخلفون هم الذين تخلفوا عن غزوة تبوك استأذنوا النبي صلى الله عليه ~~وسلم فأذن لهم وكانوا من المنافقين فلذلك أطلق عليهم في الآية وصف المخلفين ~~بصيغة اسم المفعول لأن النبي خلفهم ، وفيه إيماء إلى أنه ما أذن لهم في ~~التخلف إلا لعلمه بفساد قلوبهم ، وأنهم لا يغنون عن المسلمين شيئا كما قال ~~: { لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا } ( التوبة : 47 ) . | # وذكر فرحهم دلالة على نفاقهم لأنهم لو كانوا مؤمنين لكان التخلف نكدا ~~عليهم ونغصا كما وقع للثلاثة الذين خلفوا فتاب الله عليهم . | # والمقعد هنا مصدر ميمي أي بقعودهم . | # و { خلاف } لغة في خلف . يقال : أقام خلاف الحي بمعنى بعدهم ، أي ظعنوا ~~ولم ms3731 يظعن . ومن نكتة اختيار لفظ خلاف دون خلف أنه يشير إلى أن قعودهم كان ~~PageV10P280 مخالفة لإرادة رسول الله حين استنفر الناس كلهم للغزو . ولذلك ~~جعله بعض المفسرين منصوبا على المفعول له ، أي بمقعدهم لمخالفة أمر الرسول ~~. | # وكراهيتهم الجهاد بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله خصلة أخرى من خصال ~~النفاق لأن الله أمر بذلك في الآية المتقدمة { وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في ~~سبيل الله } ( التوبة : 41 ) الآية ، ولكونها خصلة أخرى جعلت جملتها معطوفة ~~ولم تجعل مقترنة بلام التعليل مع أن فرحهم بالقعود سببه هو الكراهية للجهاد ~~. | # وقولهم : { لا تنفروا في الحر } خطاب بعضهم بعضا وكانت غزوة تبوك في وقت ~~الحر حين طابت الظلال . | # وجملة : { قل نار جهنم أشد حرا } مستأنفة ابتدائية خطاب للنبيء صلى الله ~~عليه وسلم والمقصود قرع أسماعهم بهذا الكلام . | # وكون نار جهنم أشد حرا من حر القيظ أمر معلوم لا يتعلق الغرض بالإخبار ~~عنه . فتعين أن الخبر مستعمل في التذكير بما هو معلوم تعريضا بتجهيلهم ~~لأنهم حذروا من حر قليل وأقحموا أنفسهم فيما يصير بهم إلى حر أشد . فيكون ~~هذا التذكير كناية عن كونهم واقعين في نار جهنم لأجل قعودهم عن الغزو في ~~الحر ، وفيه كناية عرضية عن كونهم صائرين إلى نار جهنم . | # وجملة : { لو كانوا يفقهون } تتميم ، للتجهيل والتذكير ، أي يقال لهم ذلك ~~لو كانوا يفقهون الذكرى ، ولكنهم لا يفقهون ، فلا تجدي فيهم الذكرى ~~والموعظة ، إذا ليس المراد لو كانوا يفقهون أن نار جهنم أشد حرا لأنه لا ~~يخفى عليهم ولو كانوا يفقهون أنهم صائرون إلى النار ولكنهم لا يفقهون ذلك . ~~| # | 2 ( 82 ) { فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزآء بما كانوا يكسبون } . ) ~~2 # تفريع كلام على الكلام السابق من ذكر فرحهم ، ومن إفادة قوله : { قل نار ~~جهنم أشد حرا } ( التوبة : 81 ) من التعريض بأنهم أهلها وصائرون إليها . | ~~PageV10P281 # والضحك هنا كناية عن الفرح أو أريد ضحكهم فرحا لاعتقادهم ترويج حيلتهم ~~على النبي صلى الله عليه وسلم إذ أذن لهم بالتخلف . | # والبكاء : كناية عن حزنهم في الآخرة فالأمر بالضحك وبالبكاء مستعمل في ms3732 ~~الإخبار بحصولهما قطعا إذ جعلا من أمر الله أو هو أمر تكوين مثل قوله : { ~~فقال لهم الله موتوا } ( البقرة : 243 ) والمعنى أن فرحهم زائل وأن بكاءهم ~~دائم . | # والضحك : كيفية في الفم تتمدد منها الشفتان وربما أسفرتا عن الأسنان وهي ~~كيفية تعرض عند السرور والتعجب من الحسن . | # والبكاء : كيفية في الوجه والعينين تنقبض بها الوجنتان والأسارير والأنف ~~. ويسيل الدمع من العينين ، وذلك يعرض عند الحزن والعجز عن مقاومة الغلب . ~~| # وقوله : { جزاء بما كانوا يكسبون } حال من ضميرهم ، أي جزاء لهم ، ~~والمجعول جزاء هو البكاء المعاقب للضحك القليل لأنه سلب نعمة بنقمة عظيمة . ~~| # وما كانوا يكسبون هو أعمال نفاقهم ، واختير الموصول في التعبير عنه لأنه ~~أشمل مع الإيجاز . | # وفي ذكر فعل الكون ، وصيغة المضارع في { يكسبون } ما تقدم في قوله : { ~~ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } ( التوبة : 70 ) . | # | 2 ( 83 ) { فإن رجعك الله إلى طآئفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن ~~تخرجوا معى أبدا ولن تقاتلوا معى عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا ~~مع الخالفين } . ) 2 # الفاء للتفريع على ما آذن به قوله : { قل نار جهنم أشد حرا } ( التوبة : ~~81 ) إذ فرع على الغضب عليهم وتهديدهم عقاب آخر لهم ، بإبعادهم عن مشاركة ~~المسلمين في غزواتهم . | # وفعل رجع يكون قاصرا ومتعديا مرادفا لأرجع . وهو هنا متعد ، أي أرجعك ~~الله . | PageV10P282 # وجعل الإرجاع إلى طائفة من المنافقين المخلفين على وجه الإيجاز لأن ~~المقصود الإرجاع إلى الحديث معهم في مثل القصة المتحدث عنها بقرينة قوله : ~~{ فاستئذنوك للخروج } ولما كان المقصود بيان معاملته مع طائفة ، اختصر ~~الكلام ، فقيل : { فإن رجعك الله إلى طائفة منهم } ، وليس المراد الإرجاع ~~الحقيقي كما جرت عليه عبارات أكثر المفسرين وجعلوه الإرجاع من سفر تبوك مع ~~أن السورة كلها نزلت بعد غزوة تبوك بل المراد المجازي ، أي تكرر الخوض معهم ~~مرة أخرى . | # والطائفة : الجماعة وتقدمت في قوله تعالى : { يغشى طائفة منكم في سورة آل ~~عمران ( 154 ) . أو قوله : فلتقم طائفة منهم معك في سورة النساء ( 102 ) . ~~| # والمراد بالطائفة هنا جماعة من المخلفين دل عليها قوله ms3733 : فاستئذنوك ~~للخروج } أي إلى طائفة منهم يبتغون الخروج للغزو ، فيجوز أن تكون هذه ~~الطائفة من المنافقين أرادوا الخروج للغزو طمعا في الغنيمة أو نحو ذلك . ~~ويجوز أن يكون طائفة من المخلفين تابوا وأسلموا فاستأذنوا للخروج للغزو . ~~وعلى الوجهين يحتمل أن منعهم من الخروج للخوف من غدرهم إن كانوا منافقين أو ~~لمجرد التأديب لهم إن كانوا قد تابوا وآمنوا . | # وما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقوله لهم صالح للوجهين . | # والجمع بين النفي ب { لن } وبين كلمة { أبدا } تأكيد لمعنى لن لانتفاء ~~خروجهم في المستقبل إلى الغزو مع المسلمين . | # وجملة : { إنكم رضيتم بالقعود أول مرة } مستأنفة للتعداد عليهم والتوبيخ ~~، أي إنكم تحبون القعود وترضون به فقد زدتكم منه . | # وفعل : { رضيتم } يدل على أن ما ارتكبوه من القعود عمل من شأنه أن يأباه ~~الناس حتى أطلق على ارتكابه فعل رضي المشعر بالمحاولة والمراوضة . جعلوا ~~كالذي يحاول نفسه على عمل وتأبى حتى يرضيها كقوله تعالى : { أرضيتم بالحياة ~~الدنيا من الآخرة } ( التوبة : 38 ) وقد تقدم ذلك . | # وانتصب { أول مرة } هنا على الظرفية لأن المرة هنا لما كانت في زمن معروف ~~لهم وهو زمن الخروج إلى تبوك ضمنت معنى الزمان . وانتصاب المصدر بالنيابة ~~عن PageV10P283 اسم الزمان شائع في كلامهم ، بخلاف انتصابها في قوله : { ~~وهم بدأوكم أول مرة } ( التوبة : 13 ) وفي قوله : { إن تستغفر لهم سبعين ~~مرة } ( التوبة : 80 ) كما تقدم . و { أول مرة } هي غزوة تبوك التي تخلفوا ~~عنها . | # وأفعل التفضيل إذا أضيف إلى نكرة اقتصر على الإفراد والتذكير ولو كان ~~المضاف إليه غير مفرد ولا مذكر لأن في المضاف إليه دلالة على المقصود كافية ~~. | # والفاء في { فاقعدوا } تفريع على { إنكم رضيتم بالقعود } ، أي لما اخترتم ~~القعود لأنفسكم فاقعدوا الآن لأنكم تحبون التخلف . | # و { الخالفين } جمع خالف وهو الذي يخلف الغازي في أهله وكانوا يتركون ~~لذلك . | # من لا غناء له في الحرب . فكونهم مع الخالفين تعيير لهم . | # | 2 ( 84 ) { ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا ~~بالله ورسوله ms3734 وماتوا وهم فاسقون } . ) 2 # لما انقضى الكلام على الاستغفار للمنافقين الناشىء ، عن الاعتذار والحلف ~~الكاذبين وكان الإعلام بأن الله لا يغفر لهم مشوبا بصورة التخيير في ~~الاستغفار لهم ، وكان ذلك يبقي شيئا من طمعهم في الانتفاع بالاستغفار لأنهم ~~يحسبون المعاملة الربانية تجري على ظواهر الأعمال والألفاظ كما قدمناه في ~~قوله : { فرح المخلفون } ( التوبة : 81 ) ، تهيأ الحال للتصريح بالنهي عن ~~الاستغفار لهم والصلاة على موتاهم ، فإن الصلاة على الميت استغفار . | # فجملة { ولا تصل } عطف على جملة { استغفر لهم أو لا تستغفر لهم } ( ~~التوبة : 80 ) عطف كلام مراد إلحاقه بكلام آخر لأن القرآن ينزل مراعى فيه ~~مواقع وضع الآي . | # وضمير { منهم } عائد إلى المنافقين الذين عرفوا بسيماهم وأعمالهم الماضية ~~الذكر . | # وسبب نزول هذه الآية ما رواه البخاري والترمذي من حديث عبد الله بن عباس ~~عن عمر بن الخطاب قال : ( لما مات عبد الله بن أبي بن سلول دعي له رسول ~~الله PageV10P284 ليصلي عليه ، فلما قام رسول الله وثبت إليه فقلت : يا ~~رسول الله أتصلي على ابن أبي وقد قال يوم كذا وكذا ، كذا وكذا أعدد عليه ~~قوله ، فتبسم رسول الله وقال : ( أخر عني يا عمر ) فلما أكثرت عليه قال : ( ~~إني خيرت فاخترت ، لو أعلم أني لو زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها ) . ~~قال : فصلى عليه رسول الله ثم انصرف فلم يمكث إلا يسيرا حتى نزلت الآيتان ~~من براءة { ولا تصل على أحد منهم مات أبدا } إلى قوله : { وهم فاسقون } قال ~~: فعجبت بعد من جرأتي على رسول الله والله ورسوله أعلم اه ) . وفي رواية ~~أخرى فلم يصل رسول الله على أحد منهم بعد هذه الآية حتى قبض صلى الله عليه ~~وسلم وإنما صلى عليه وأعطاه قميصه ليكفن فيه إكراما لابنه عبد الله وتأليفا ~~للخزرج . | # وقوله : { منهم } صفة { أحد } . وجملة { مات } صفة ثانية ل { أحد } . | # ومعنى { ولا تقم على قبره } لا تقف عليه عند دفنه لأن المشاركة في دفن ~~المسلم حق على المسلم على الكفاية كالصلاة عليه فترك النبي صلى الله عليه ~~وسلم ms3735 الصلاة عليهم وحضور دفنهم إعلان بكفر من ترك ذلك له . | # وجملة : { إنهم كفروا بالله ورسوله } تعليلية ولذلك لم تعطف وقد أغنى ~~وجود ( إن ) في أولها عن فاء التفريع كما هو الاستعمال . | # والفسق مراد به الكفر فالتعبير ب { فاسقون } عوض ( كافرون ) مجرد تفنن . ~~والأحسن أن يفسر الفسق هنا بالخروج عن الإيمان بعد التلبس به ، أي بصورة ~~الإيمان فيكون المراد من الفسق معنى أشنع من الكفر . | # وضمائر { إنهم كفروا وماتوا وهم فاسقون } عائد إلى { أحد } لأنه عام ~~لكونه نكرة في سياق النهي والنهي كالنفي . وأما وصفه بالإفراد في قوله { ~~مات } فجرى على لفظ الموصوف لأن أصل الصفة مطابقة الموصوف . | # | PageV10P285 # | 2 ( 85 ) { ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها ~~فى الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون } . ) 2 # الخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم والمقصود به المسلمون ، أي لا تعجبكم ، ~~والجملة معطوفة على جملة النهي عن الصلاة عليهم . | # ومناسبة ذكر هذا الكلام هنا أنه لما ذكر ما يدل على شقاوتهم في الحياة ~~الآخرة كان ذلك قد يثير في نفوس الناس أن المنافقين حصلوا سعادة الحياة ~~الدنيا بكثرة الأموال والأولاد وخسروا الآخرة . وربما كان في ذلك حيرة لبعض ~~المسلمين أن يقولوا : كيف من الله عليهم بالأموال والأولاد وهم أعداؤه ~~وبغضاء نبيئه . وربما كان في ذلك أيضا مسلاة لهم بين المسلمين ، فأعلم الله ~~المسلمين أن تلك الأموال والأولاد وإن كانت في صورة النعمة فهي لهم نقمة ~~وعذاب ، وأن الله عذبهم بها في الدنيا بأن سلبهم طمأنينة البال عليها لأنهم ~~لما اكتسبوا عداوة الرسول والمسلمين كانوا يحذرون أن يغري الله رسوله بهم ~~فيستأصلهم ، كما قال : { لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض ~~والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ملعونين ~~أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا } ( الأحزاب : 60 ، 61 ) ، ثم جعل ذلك ~~مستمرا إلى موتهم على الكفر الذي يصيرون به إلى العذاب الأبدي . | # وقد تقدم نظير هذه الآية في هذه السورة عند ذكر شحهم بالنفقة في قوله : { ~~قل أنفقوا طوعا أو ms3736 كرها } ( التوبة : 53 ) الآيتين ، فأفيد هنالك عدم ~~انتفاعهم بأموالهم وأنها عذاب عليهم في الدنيا ، ثم أعيدت الآية بغالب ~~ألفاظها هنا تأكيدا للمعنى الذي اشتملت عليه إبلاغا في نفي الفتنة والحيرة ~~عن الناس . | # ولكن هذه الآية خالفت السابقة بأمور : | # أحدها : أن هذه جاء العطف في أولها بالواو والأخرى عطفت بالفاء . ومناسبة ~~التفريع هنالك تقدم بيانها ، ومناسبة عدم التفريع هنا أن معنى الآية هذه ~~ليس مفرعا على معنى الجملة المعطوف عليها ولكن بينهما مناسبة فقط . | ~~PageV10P286 # ثانيها : أن هذه الآية عطف فيها الأولاد على الأموال بدون إعادة حرف ~~النفي ، وفي الآية السالفة أعيدت ( لا ) النافية ، ووجه ذلك أن ذكر الأولاد ~~في الآية السالفة لمجرد التكملة والاستطراد إذ المقام مقام ذم أموالهم إذ ~~لم ينتفعوا بها فلما كان ذكر الأولاد تكملة كان شبيها بالأمر المستقل فأعيد ~~حرف النفي في عطفه ، بخلاف مقام هذه الآية فإن أموالهم وأولادهم معا مقصود ~~تحقيرهما في نظر المسلمين . | # ثالثها : أنه جاء هنا قوله : { إنما يريد الله أن يعذبهم } بإظهار { أن } ~~دون لام ، وفي الآية السالفة { إنما يريد الله ليعذبهم } ( التوبة : 55 ) ~~بذكر لام التعليل وحذف ( أن ) بعدها وقد اجتمع الاستعمالان في قوله تعالى : ~~{ يريد الله ليبين لكم إلى قوله والله يريد أن يتوب عليكم في سورة النساء ( ~~26 ، 27 ) . وحذف حرف الجر مع ( أن ) كثير . وهنالك قدرت أن بعد اللام ~~وتقدير ( أن ) بعد اللام كثير . ومن محاسن التأكيد الاختلاف في اللفظ وهو ~~تفنن على أن تلك اللام ونحوها قد اختلف فيها فقيل هي زائدة ، وقيل : تفيد ~~التعليل . وسماها بعض أهل اللغة ( لام أن ) ، وتقدم الكلام عليها عند قوله ~~تعالى : يريد الله ليبين لكم في سورة النساء ( 26 ) . | # رابعها : } أنه جاء في هذه الآية { أن يعذبهم بها في الدنيا } وجاء في ~~الآية السالفة { في الحياة الدنيا } ( التوبة : 55 ) ونكتة ذلك أن الآية ~~السالفة ذكرت حالة أموالهم في حياتهم فلم تكن حاجة إلى ذكر الحياة . وهنا ~~ذكرت حالة أموالهم بعد مماتهم لقوله : { ولا تصل على أحد منهم مات أبدا } ( ~~التوبة : 84 ms3737 ) فقد صاروا إلى حياة أخرى وانقطعت حياتهم الدنيا وأصبحت حديثا ~~. | # وبقية تفسير هذه الآية كتفسير سالفتها | # | 2 ( 86 ) { وإذآ أنزلت سورة أن ءامنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك ~~أولوا الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين } . ) 2 # هذا عطف غرض على غرض قصد به الانتقال إلى تقسيم فرق المتخلفين عن الجهاد ~~من المنافقين وغيرهم وأنواع معاذيرهم ومراتبها في القبول . دعا إليه ~~الإغلاظ PageV10P287 في تقريع المتخلفين عن الجهاد نفاقا وتخذيلا للمسلمين ~~، ابتداء من قوله : { يأيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل ~~الله اثاقلتم إلى الأرض } ( التوبة : 38 ) ثم قوله : { لو كان عرضا قريبا } ~~( التوبة : 42 ) وكل ذلك مقصود به المنافقون . | # ولأجل كون هذه الآية غرضا جديدا ابتدأت بذكر نزول سورة داعية إلى الإيمان ~~والجهاد . والمراد بها هذه السورة ، أي سورة براءة ، وإطلاق اسم السورة ~~عليها في أثنائها قبل إكمالها مجاز متسع فيه كإطلاق الكتاب على القرآن في ~~أثناء نزوله في نحو قوله : { ذلك الكتاب لا ريب فيه } ( البقرة : 2 ) وقوله ~~: { وهذا كتاب أنزلناه مبارك } ( الأنعام : 92 ) فهذا الوصف وصف مقدر شبيه ~~بالحال المقدرة . | # وابتدأ بذكر المتخلفين من المنافقين بقوله : { استأذنك أولوا الطول منهم ~~} . | # والسورة طائفة معينة من آيات القرآن لها مبدأ ونهاية وقد مضى الكلام ~~عليها آنفا وقبيل هذا . | # ولما كانت السورة ألفاظا وأقوالا صح بيانها ببعض ما حوته وهو الأمر ~~بالإيمان والجهاد فقوله : { أن آمنوا بالله } تفسير للسورة و { أن } فيه ~~تفسيرية كالتي في قوله تعالى حكاية عن عيسى { ما قلت لهم إلا ما أمرتني به ~~أن اعبدوا الله ربي وربكم } ( المائدة : 117 ) ويجوز تفسير الشيء ببعضه شبه ~~بدل البعض من الكل . | # وليس المراد لفظ { آمنوا } وما عطف عليه بل ما يراد فهما مثل قوله : { ~~يأيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله } ( التوبة : 38 ~~) الآيات وقوله : { لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا ~~بأموالهم وأنفسهم } ( التوبة : 44 ) . | # والطول : السعة في المال قال تعالى : { ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح ~~المحصنات ms3738 المؤمنات } ( النساء : 25 ) وقد تقدم . والاقتصار على الطول يدل ~~على أن أولي الطول مراد بهم من له قدرة على الجهاد بصحة البدن . فبوجود ~~الطول انتفى عذرهم إذ من لم يكن قادرا ببدنه لا ينظر إلى كونه ذا طول كما ~~يدل عليه قوله بعد { ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج } ( التوبة : 91 ~~) . | PageV10P288 # والمراد بأولي الطول أمثال عبد الله بن أبي بن سلول ، ومعتب بن قشير ، ~~والجد بن قيس . | # وعطف { وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين } على { استئذنك } لما بينهما من ~~المغايرة في الجملة بزيادة في المعطوف لأن الاستئذان مجمل ، وقولهم المحكي ~~فيه بيان ما استأذنوا فيه وهو القعود . وفي نظمه إيذان بتلفيق معذرتهم وأن ~~الحقيقة هي رغبتهم في القعود ولذلك حكي قولهم بأن ابتدىء ب { ذرنا } ~~المقتضي الرغبة في تركهم بالمدينة . وبأن يكونوا تبعا للقاعدين الذين فيهم ~~العجز والضعفاء والجبناء ، لما تؤذن به كلمة { مع } من الإلحاق والتبعية . ~~| # وقد تقدم أن ( ذر ) أمر من فعل ممات وهو ( وذر ) استغنوا عنه بمرادفه وهو ~~( ترك ) في قوله تعالى : { وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا في سورة ~~الأنعام ( 70 ) . | # | 2 ( 87 ) { رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون ~~} . ) 2 # استئناف قصد منه التعجيب من دناءة نفوسهم وقلة رجلتهم بأنهم رضوا لأنفسهم ~~بأن يكونوا تبعا للنساء . وفي اختيار فعل { رضوا } إشعار بأن ما تلبسوا به ~~من الحال من شأنه أن يتردد العاقل في قبوله كما تقدم في قوله تعالى : { ~~أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة } ( التوبة : 38 ) وقوله : { إنكم رضيتم ~~بالقعود أول مرة } ( التوبة : 83 ) . | # والخوالف : جمع خالفة وهي المرأة التي تتخلف في البيت بعد سفر زوجها فإن ~~سافرت معه فهي الظعينة ، أي رضوا بالبقاء مع النساء . | # والطبع تمثيل لحال قلوبهم في عدم قبول الهدى بالإناء أو الكتاب المختوم . ~~والطبع مرادف الختم . وقد تقدم بيانه عند قوله تعالى : { ختم الله على ~~قلوبهم في سورة البقرة ( 7 ) . وأسند الطبع إلى المجهول إما للعلم بفاعله ~~وهو الله ، وإما للإشارة إلى أنهم خلقوا كذلك ms3739 وجبلوا عليه وفرع على الطبع ~~انعدام علمهم بالأمور التي يختص بعلمها أهل PageV10P289 الأفهام ، وهو ~~العلم المعبر عنه بالفقه ، أي إدراك الأشياء الخفية ، أي فآثروا نعمة الدعة ~~على سمعة الشجاعة وعلى ثواب الجهاد إذ لم يدركوا إلا المحسوسات فلذلك لم ~~يكونوا فاقهين وذلك أصل جميع المضار في الدارين . | # وجيء في إسناد نفي الفقاهة عنهم بالمسند الفعلي للدلالة على تقوي الخبر ~~وتحقيق نسبته إلى المخبر عنهم وتمكنه منهم . | # | 2 ( 88 ) { لاكن الرسول والذين ءامنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم ~~وأولائك لهم الخيرات وأولائك هم المفلحون } . ) 2 # افتتاح الكلام بحرف الاستدراك يؤذن بأن مضمون هذا الكلام نقيض مضمون ~~الكلام الذي قبله أصلا وتفريعا . فلما كان قعود المنافقين عن الجهاد مسببا ~~على كفرهم بالرسول صلى الله عليه وسلم كان المؤمنون على الضد من ذلك . ~~وابتدىء وصف أحوالهم بوصف حال الرسول لأن تعلقهم به واتباعهم إياه هو أصل ~~كمالهم وخيرهم ، فقيل : { لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا } . | # وقوله : { بأموالهم وأنفسهم } مقابل قوله : { استأذنك أولوا الطول منهم } ~~( التوبة : 86 ) . | # وقوله : { وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون } مقابل قوله : { وطبع ~~على قلوبهم فهم لا يفقهون } ( التوبة : 87 ) كما تقدم . | # وفي حرفف الاستدراك إشارة إلى الاستغناء عن نصرة المنافقين بنصرة ~~المؤمنين الرسول كقوله : { فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا ~~بها بكافرين } ( الأنعام : 89 ) . | # وقد مضى الكلام على الجهاد بالأموال عند قوله تعالى : { انفروا خفافا ~~وثقالا وجاهدوا بأموالهم وأنفسكم } ( التوبة : 41 ) . | # وفي قوله : { والذين آمنوا معه } تعريض بأن الذين لم يجاهدوا دون عذر ~~ليسوا بمؤمنين . | PageV10P290 # و { معه } في موضع الحال من { الذين } لتدل على أنهم أتباع له في كل حال ~~وفي كل أمر ، فإيمانهم معه لأنهم آمنوا به عند دعوته إياهم ، وجهادهم ~~بأموالهم وأنفسهم معه ، وفيه إشارة إلى أن الخيرات المبثوثة لهم في الدنيا ~~والآخرة تابعة لخيراته ومقاماته . | # وعطفت جملة : { وأولئك لهم الخيرات } على جملة { جاهدوا } ولم تفصل مع ~~جواز الفصل ليدل بالعطف على أنها خبر عن الذين آمنوا ، أي على أنها من ~~أوصافهم وأحوالهم لأن تلك ms3740 أدل على تمكن مضمونها فيهم من أن يؤتى بها ~~مستأنفة كأنها إخبار مستأنف . | # والإتيان باسم الإشارة لإفادة أن استحقاقهم الخيرات والفلاح كان لأجل ~~جهادهم . | # والخيرات : جمع خير على غير قياس . فهو مما جاء على صيغة جمع التأنيث مع ~~عدم التأنيث ولا علامته مثل سرادقات وحمامات . | # وجعله كثير من اللغويين جمع ( خيرة ) بتخفيف الياء مخفف ( خيرة ) المشدد ~~الياء التي هي أنثى ( خير ) ، أو هي مؤنث ( خير ) المخفف الياء الذي هو ~~بمعنى أخير . وإنما أنثوا وصف المرأة منه لأنهم لم يريدوا به التفضيل ، ~~وعلى هذا كله يكون خيرات هنا مؤولا بالخصال الخيرة ، وكل ذلك تكلف لا داعي ~~إليه مع استقامة الحمل على الظاهر . والمراد منافع الدنيا والآخرة . فاللام ~~فيه للاستغراق . والقول في { وأولئك هم المفلحون كالقول في نظيره في أول ~~سورة البقرة . | # | 2 ( 89 ) { أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها ذالك ~~الفوز العظيم } . ) 2 # استئناف بياني لجواب سؤال ينشأ عن الإخبار ب { وأولئك لهم الخيرات } ( ~~التوبة : 88 ) . | # والإعداد : التهيئة . وفيه إشعار بالعناية والتهمم بشأنهم . وتقدم القول ~~في نظير هذه الآية في قوله قبل { وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة } ( التوبة : 72 ) الآية . | # | PageV10P291 # | 2 ( 90 ) { وجآء المعذرون من الاعراب ليؤذن لهم وقعد الذين كذبوا الله ~~ورسوله سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم } . ) 2 # عطفت جملة : { وجاء المعذرون } على جملة { استأذنك أولوا الطول منهم } ( ~~التوبة : 86 ) ، وما بينهما اعتراض ، فالمراد بالمعذرين فريق من المؤمنين ~~الصادقين من الأعراب ، كما تدل عليه المقابلة بقوله : { وقعد الذين كذبوا ~~الله ورسوله } . وعلى هذا المعنى فسر ابن عباس ، ومجاهد ، وكثير . وجعلوا ~~من هؤلاء غفارا ، وخالفهم قتادة فجعلهم المعتذرين كذبا ، وهم بنو عامر رهط ~~عامر بن الطفيل ، قالوا للنبيء صلى الله عليه وسلم إن خرجنا معك أغارت ~~أعراب طيء على بيوتنا . ومن المعذرين الكاذبين أسد ، وغطفان . | # وعلى الوجهين في التفسير يختلف التقدير في قوله : { المعذورون } فإن ~~كانوا المحقين في العذر فتقدير { المعذرون } أن أصله المعتذرون ، من اعتذر ~~أدغمت التاء ms3741 في الذال لتقارب المخرجين لقصد التخفيف ، كما أدغمت التاء في ~~الصاد في قوله : { وهم يخصمون } ( يس : 49 ) ، أي يختصمون . | # وإن كانوا الكاذبين في عذرهم فتقدير المعذرون : أنه اسم فاعل من عذر ~~بمعنى تكلف العذر فعن ابن عباس : لعن الله المعذرين . قال الأزهري : ذهب ~~إلى أنهم الذين يعتذرون بلا عذر فكأن الأمر عنده أن المعذر بالتشديد هو ~~المظهر للعذر اعتلالا وهو لا عذر له اه . وقال شارح ( ديوان النابغة ) عند ~~قول النابغة : | # ودع أمامة والتوديع تعذير | # أي لا يجد عذرا غير التوديع . | # ويجوز أن يكون اختيار صيغة المعذرين من لطائف القرآن لتشمل الذين صدقوا ~~في العذر والذين كذبوا فيه . | # والاعتذار افتعال من باب ما استعمل فيه مادة الافتعال للتكلف في الفعل ~~والتصرف مثل الاكتساب والاختلاق . وليس لهذا المزيد فعل مجرد بمعناه وإنما ~~المجرد هو عذر PageV10P292 بمعنى قبل العذر . والعذر البينة والحالة التي ~~يتنصل المحتج بها من تبعة أو ملام عند من يعتذر إليه . | # وقرأ يعقوب { المعذرون } بسكون العين وتخفيف الذال ، من أعذر إذا بالغ في ~~الاعتذار . | # والأعراب اسم جمع يقال في الواحد : أعرابي بياء النسب نسبة إلى اسم الجمع ~~كما يقال مجوسي لواحد المجوس . وصيغة الأعراب من صيغ الجموع ولكنه لم يكن ~~جمعا لأنه لا واحد له من لفظ جمعه فلذلك جعل اسم جمع . وهم سكان البادية . ~~| # وأما قوله : { وقعد الذين كذبوا الله ورسوله } فهم الذين أعلنوا بالعصيان ~~في أمر الخروج إلى الغزو من الأعراب أيضا كما ينبىء عنه السياق ، أي قعدوا ~~دون اعتذار . فالقعود هو عدم الخروج إلى الغزو . وعلم أن المراد القعود دون ~~اعتذار من مقابلته بقوله : { وجاء المعذرون من الأعراب } . | # وجملة : { وقعد الذين كذبوا الله ورسوله } عطف على جملة : { وجاء ~~المعذرون من الأعراب } وهذا فريق آخر من الأعراب خليط من مسلمين ومنافقين { ~~كذبوا } بالتخفيف ، أي كانوا كاذبين ، والمراد أنهم كذبوا في الإيمان الذي ~~أظهروه من قبل ، ويحتمل أنهم كذبوا في وعدهم النصر ثم قعدوا دون اعتذار ~~بحيث لم يكن تخلفهم مترقبا لأن الذين اعتذروا قد علم النبي عليه ms3742 الصلاة ~~والسلام أنهم غير خارجين معه بخلاف الآخرين فكانوا محسوبين في جملة الجيش . ~~وتخلفهم أشد إضرار لأنه قد يفل من حدة كثير من الغزاة . | # وجملة : { سيصيب الذين كفروا } مستأنفة لابتداء وعيد . | # وضمير { منهم } يعود إلى المذكورين فهو شامل للذين كذبوا الله ورسوله ~~ولمن كان عذره ناشئا عن نفاق وكذب . | # وتنكير عذاب للتهويل والمراد به عذاب جهنم . | # | PageV10P293 # | 2 ( 91 ) { ليس على الضعفآء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ~~ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم ~~} . ) 2 # استئناف بياني لجواب سؤال مقدر ينشأ عن تهويل القعود عن الغزو وما توجه ~~إلى المخلفين من الوعيد . استيفاء لأقسام المخلفين من ملوم ومعذور من ~~الأعراب أو من غيرهم . | # وإعادة حرف النفي في عطف الضعفاء والمرضى لتوكيد نفي المؤاخذة عن كل فريق ~~بخصوصه . | # والضعفاء : جمع ضعيف وهو الذي به الضعف وهو وهن القوة البدنية من غير مرض ~~. | # والمرضى : جمع مريض وهو الذي به مرض . والمرض تغير النظام المعتاد بالبدن ~~بسبب اختلال يطرأ في بعض أجزاء المزاج ، ومن المرض المزمن كالعمى والزمانة ~~وتقدم في قوله : { وإن كنتم مرضى أو على سفر في سورة النساء ( 43 ) . | # والحرج : الضيق ويراد به ضيق التكليف ، أي النهي . | # والنصح : العمل النافع للمنصوح وقد تقدم عند قوله تعالى : لقد أبلغتكم ~~رسالة ربي ونصحت لكم في سورة الأعراف ( 79 ) وتقدم وجه تعديته باللام وأطلق ~~هنا على الإيمان والسعي في مرضاة الله ورسوله والامتثال والسعي لما ينفع ~~المسلمين ، فإن ذلك يشبه فعل الموالي الناصح لمنصوحه . | # وجملة : ما على المحسنين من سبيل } واقعة موقع التعليل لنفي الحرج عنهم ~~وهذه الجملة نظمت نظم الأمثال . فقوله : { ما على المحسنين من سبيل } دليل ~~على علة محذوفة . والمعنى ليس على الضعفاء ولا على من عطف عليهم حرج إذا ~~نصحوا لله ورسوله لأنهم محسنون غير مسيئين وما على المحسنين من سبيل ، أي ~~مؤاخذة أو معاقبة والمحسنون الذين فعلوا الإحسان وهو ما فيه النفع التام . ~~| PageV10P294 # والسبيل : أصله الطريق ويطلق على وسائل وأسباب ms3743 المؤاخذة باللوم والعقاب ~~لأن تلك الوسائل تشبه الطريق الذي يصل منه طالب الحق إلى مكان المحقوق ، ~~ولمراعاة هذا الإطلاق جعل حرف الاستعلاء في الخبر عن السبيل دون حرف الغاية ~~. ونظيره قوله تعالى : { فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا } ( النساء : 34 ~~) وقوله : { فما جعل الله لكم عليهم سبيلا كلاهما في سورة النساء ( 90 ) . ~~فدخل في المحسنين هؤلاء الذين نصحوا لله ورسوله . وليس ذلك من وضع المظهر ~~موضع المضمر لأن هذا مرمى آخر هو أسمى وأبعد غاية . | # ومن } مؤكدة لشمول النفي لكل سبيل . | # وجملة { والله غفور رحيم } تذييل والواو اعتراضية ، أي شديد المغفرة ومن ~~مغفرته أن لم يؤاخذ أهل الأعذار بالقعود عن الجهاد . شديد الرحمة بالناس ~~ومن رحمته أن لم يكلف أهل الأعذار ما يشق عليهم . | # | 2 ( 92 ) { ولا على الذين إذا مآ أتوك لتحملهم قلت لا أجد مآ أحملكم ~~عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون } . ) 2 # عطف على { الضعفاء والمرضى } ( التوبة : 91 ) وإعادة حرف النفي بعد ~~العاطف للنكتة المتقدمة هنالك . | # والحمل يطلق على إعطاء ما يحمل عليه ، أي إذا أتوك لتعطيهم الحمولة ، أي ~~ما يركبونه ويحملون عليه سلاحهم ومؤنهم من الإبل . | # وجملة : { فلت لا أجد } إلخ إما حال من ضمير المخاطب في { أتوك } وإما ~~بدل اشتمال من فعل { أتوك } لأن إتيانهم لأجل الحمل يشتمل على إجابة ، وعلى ~~منع . | # وجملة { تولوا } جواب { إذا } والمجموع صلة الذين . | # والتولي الرجوع . وقد تقدم عند قوله تعالى : { ما ولاهم عن قبلتهم } ( ~~البقرة : 142 ) وقوله : { وإذا تولى سعى في الأرض في سورة البقرة ( 205 ) . ~~| PageV10P295 # والفيض والفيضان : خروج الماء ونحوه من قراره ووعائه ، ويسند إلى المائع ~~حقيقة . وكثيرا ما يسند إلى وعاء المائع ، فيقال : فاض الوادي ، وفاض ~~الإناء . ومنه فاضت العين دمعا وهو أبلغ من فاض دمعها ، لأن العين جعلت ~~كأنها كلها دمع فائض ، فقوله : تفيض من الدمع } جرى على هذا الأسلوب . | # و { من } لبيان ما منه الفيض . والمجرور بها في معنى التمييز . وقد تقدم ~~في قوله تعالى : { ترى أعينهم تفيض من الدمع ms3744 في سورة المائدة ( 83 ) . | # وحزنا } نصب على المفعول لأجله ، و { أن لا يجدوا ما ينفقون } مجرور بلام ~~جر محذوف أي حزنوا لأنهم لا يجدون ما ينفقون . | # والآية نزلت في نفر من الأنصار سبعة وقيل : فيهم من غير الأنصار واختلف ~~أيضا في أسمائهم بما لا حاجة إلى ذكره ولقبوا بالبكائين لأنهم بكوا لما لم ~~يجدوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم الحملان حزنا على حرمانهم من ~~الجهاد . وقيل : نزلت في أبي موسى الأشعري ورهط من الأشعريين أتوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك يستحملونه فلم يجد لهم حمولة وصادفوا ~~ساعة غضب من النبي صلى الله عليه وسلم فحلف أن لا يحملهم ثم جاءه نهب إبل ~~فدعاهم وحملهم وقالوا : استغفلنا رسول الله يمينه لا نفلح أبدا ، فرجعوا ~~وأخبروه فقال : ( ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم وإني والله لا أحلف على ~~يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يميني وفعلت الذي هو خير ) والظاهر ~~أن هؤلاء غير المعنيين في هذه الآية لأن الأشعريين قد حملهم النبي عليه ~~الصلاة والسلام وعن مجاهد أنهم بنو مقرن من مزينة ، وهم الذين قيل : إنه ~~نزل فيهم قوله تعالى : { ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر } ( ~~التوبة : 99 ) الآية . | # | PageV10P296 # | 2 ( 93 ) { إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنيآء رضوا بأن ~~يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون } ) 2 # لما نفت الآيتان السابقتان أن يكون سبيل على المؤمنين الضعفاء والمرضى ~~والذين لا يجدون ما ينفقون والذين لم يجدوا حمولة ، حصرت هذه الآية السبيل ~~في كونه على الذين يستأذنون في التخلف وهم أغنياء ، وهو انتقال بالتخلص إلى ~~العودة إلى أحوال المنافقين كما دل عليه قوله بعد { يعتذرون إليكم إذا ~~رجعتم إليهم } ( التوبة : 94 ) ، فالقصر إضافي بالنسبة للأصناف الذين نفي ~~أن يكون عليهم سبيل . | # وفي هذا الحصر تأكيد للنفي السابق ، أي لا سبيل عقابب إلا على الذين ~~يستأذنونك وهم أغنياء . والمراد بهم المنافقون بالمدينة الذين يكرهون ~~الجهاد إذ لا يؤمنون بما وعد الله ms3745 عليه من الخيرات وهم أولو الطول ~~المذكورون في قوله : { وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله } ( التوبة : 86 ) ~~الآية . | # والسبيل : حقيقته الطريق . ومر في قوله : { ما على المحسنين من سبيل } ( ~~التوبة : 91 ) . وقوله : { إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء } ~~مستعار لمعنى السلطان والمؤاخذة بالتبعة ، شبه السلطان والمؤاخذة بالطريق ~~لأن السلطة يتوصل بها من هي له إلى تنفيذ المؤاخذة في الغير . ولذلك عدي ~~بحرف ( على ) المفيد لمعنى الاستعلاء ، وهو استعلاء مجازي بمعنى التمكن من ~~التصرف في مدخول ( على ) . فكان هذا التركيب استعارة مكنية رمز إليها بما ~~هو من ملائمات المشبه به وهو حرف ( على ) . وفيه استعارة تبعية . | # والتعريف باللام في قوله : { إنما السبيل } تعريف العهد ، والمعهود هو ~~السبيل المنفي في قوله تعالى : { ما على المحسنين من سبيل } ( التوبة : 91 ~~) على قاعدة النكرة PageV11P005 إذا أعيدت معرفة ، أي إنما السبيل المنفي ~~عن المحسنين مثبت للذين يستأذنونك وهم أغنياء . ونظير هذا قوله تعالى : { ~~إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم ~~عذاب أليم في سورة الشورى ( 42 ) . فدل ذلك على أن المراد بالسبيل العذاب . ~~| # والمعنى ليست التبعة والمؤاخذة إلا على الذين يستأذنونك وهم أغنياء ، ~~الذين أرادوا أن يتخلفوا عن غزوة تبوك ولا عذر لهم يخولهم التخلف . وقد ~~سبقت آية فما جعل الله لكم عليهم سبيلا من سورة النساء ( 90 ) ، وأحيل ~~هنالك تفسيرها على ما ذكرناه في هذه الآية . | # وجملة : رضوا بأن يكونوا مع الخوالف } مستأنفة لجواب سؤال ينشأ عن علة ~~استيذانهم في التخلف وهم أغنياء ، أي بعثهم على ذلك رضاهم بأن يكونوا مع ~~الخوالف من النساء . وقد تقدم القول في نظيره آنفا . | # وأسند الطبع على قلوبهم إلى الله في هذه الآية بخلاف ما في الآية السابقة ~~{ وطبع على قلوبهم } ( التوبة : 87 ) لعله للإشارة إلى أنه طبع غير الطبع ~~الذي جبلوا عليه بل هو طبع على طبع أنشأه الله في قلوبهم لغضبه عليهم ~~فحرمهم النجاة من الطبع الأصلي وزادهم عماية ، ولأجل هذا المعنى فرع عليه { ~~فهم لا يعلمون } لنفي أصل ms3746 العلم عنهم ، أي يكادون أن يساووا العجماوات . | # | 2 ( 94 ) { يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم ~~قد نبأنا الله من أخباركم وسيرى الله عملكم ورسوله ثم تردون إلى عالم الغيب ~~والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون } ) 2 # استئناف ابتدائي لأن هذا الاعتذار ليس قاصرا على الذين يستأذنون في ~~التخلف فإن الإذن لهم يغنيهم عن التبرؤ بالحلف الكاذب ، فضمير { يعتذرون } ~~عائد إلى أقرب PageV11P006 معاد وهو قوله : { وقعد الذين كذبوا الله ورسوله ~~} ( التوبة : 90 ) فإنهم فريق من المنافقين فهم الذين اعتذروا بعد رجوع ~~الناس من غزوة تبوك وجعل المسند فعلا مضارعا لإفادة التجدد والتكرير . | # و { إذا } هنا مستعملة للزمان الماضي لأن السورة نزلت بعد القفول من غزوة ~~تبوك وجعل الرجوع إلى المنافقين لأنهم المقصود من الخبر عند الرجوع . | # والخطاب للمسلمين لأن المنافقين يقصدون بأعذارهم إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم ويعيدونها مع جماعات المسلمين . والنهي في قوله : { لا تعتذروا } ~~مستعمل في التأييس . | # وجملة : { لن نؤمن } في موضع التعليل للنهي عن الاعتذار لعدم جدوى ~~الاعتذار ، يقال : آمن له إذا صدقه . وقد تقدم في هذه السورة ( 61 ) قوله ~~تعالى : { ويؤمن للمؤمنين . | # وجملة : قد نبأنا الله من أخباركم } تعليل لنفي تصديقهم ، أي قد نبأنا ~~الله من أخباركم بما يقتضي تكذيبكم ، فالإبهام في المفعول الثاني ل { نبأنا ~~} الساد مسد مفعولين تعويل على أن المقام يبينه . | # و { من } اسم بمعنى بعض ، أو هي صفة لمحذوف تقديره : قد نبأنا الله ~~اليقين من أخباركم . | # وجملة : { وسيرى الله عملكم } عطف على جملة { لا تعتذروا } ، أي لا فائدة ~~في اعتذاركم فإن خشيتم المؤاخذة فاعملوا الخير للمستقبل فسيرى الله عملكم ~~ورسوله إن أحسنتم ؛ فالمقصود فتح باب التوبة لهم ، والتنبيه إلى المكنة من ~~استدراك أمرهم . وفي ذلك تهديد بالوعيد إن لم يتوبوا . | # فالإخبار برؤية الله ورسوله عملهم في المستقبل مستعمل في الكناية عن ~~الترغيب في العمل الصالح ، والترهيب من الدوام على حالهم . والمراد : ~~تمكنهم من إصلاح ظاهر PageV11P007 أعمالهم ، ولذلك أردف بقوله : { ثم تردون ~~إلى عالم الغيب والشهادة } ، أي تصيرون بعد ms3747 الموت إلى الله . فالرد بمعنى ~~الإرجاع ، كما في قوله تعالى : { ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق في سورة ~~الأنعام ( 62 ) . | # والرد : الإرجاع . والمراد به هنا مصير النفوس إلى عالم الخلد الذي لا ~~تصرف فيه لغير الله ولو في ظاهر الأمر . ولما كانت النفوس من خلق الله وقد ~~أنزلها إلى عالم الفناء الدنيوي فاستقلت بأعمالها مدة العمر كان مصيرها بعد ~~الموت أو عند البعث إلى تصرف الله فيها شبيها برد شيء إلى مقره أو إرجاعه ~~إلى مالكه . | # والغيب : ما غاب عن علم الناس . والشهادة : المشاهدة . واللام في الغيب } ~~و { الشهادة } للاستغراق ، أي كل غيب وكل شهادة . | # والعدول عن أن يقال : لم تردون إليه ، أي إلى الله ، لما في الإظهار من ~~التنبيه على أنه لا يعزب عنه شيء من أعمالهم ، زيادة في الترغيب والترهيب ~~ليعلموا أنه لا يخفى على الله شيء . | # والإنباء : الإخبار . وما كنتم تعملون : علم كل عمل عملوه . | # واستعمل { فينبئكم بما كنتم تعملون } في لازم معناه ، وهو المجازاة على ~~كل ما عملوه ، أي فتجدونه عالما بكل ما عملتموه . وهو كناية ؛ لأن ذكر ~~المجازاة في مقام الإجرام والجناية لازم لعموم علم ملك يوم الدين بكل ما ~~عملوه . | # | 2 ( 95 ) { سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا ~~عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزآء بما كانوا يكسبون } ) 2 # الجملة مستأنفة ابتدائية تعداد لأحوالهم . ومعناها ناشىء عن مضمون جملة { ~~لن نؤمن لكم } ( التوبة : 94 ) تنبيها على أنهم لا يرعوون عن الكذب ومخادعة ~~المسلمين ، فإذا قيل لهم { لن نؤمن لكم } ( التوبة : 94 ) حلفوا على أنهم ~~صادقون ترويجا لخداعهم : PageV11P008 وهذا إخبار بما سيلاقي به المنافقون ~~المسلمين قبل وقوعه وبعد رجوع المسلمين من الغزو . | # و { إذا } هنا ظرف للزمن الماضي . وحذف المحلوف عليه لظهوره ، ولتقدم ~~نظيره في قوله : { وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم } ( التوبة : 42 ~~) إلا أن ما تقدم في حلفهم قبل الخروج . | # والانقلاب : الرجوع ، وتقدم في قوله { انقلبتم على أعقابكم في آل عمران ( ~~144 ) . | # وصرح بعلة الحلف هنا أنه لقصد إعراض المسلمين عنهم ms3748 ، أي عن عتابهم ~~وتقريعهم ، للإشارة إلى أنهم لا يقصدون تطييب خواطر المسلمين ولكن أرادوا ~~التملص من مسبة العتاب ولذعه . ولذلك قال في الآيتين الأخريين يحلفون بالله ~~لكم ليرضوكم } ( التوبة : 62 ) { يحلفون لكم لترضوا عنهم } ( التوبة : 96 ) ~~لأن ذلك كان قبل الخروج إلى الغزو فلما فات الأمر وعلموا أن حلفهم لم يصدقه ~~المسلمون صاروا يحلفون لقصد أن يعرض المسلمون عنهم . | # وأدخل حرف ( عن ) على ضمير المنافقين بتقدير مضاف يدل عليه السياق لظهور ~~أنهم يريدون الإعراض عن لومهم . ففي حذف المضاف تهيئة لتفريع التقريع ~~الواقع بعده بقوله : { فأعرضوا عنهم } ، أي فإذا كانوا يرومون الإعراض عنهم ~~فأعرضوا عنهم تماما . | # وهذا ضرب من التقريع فيه إطماع للمغضوب عليه الطالب بأنه أجيبت طلبته حتى ~~إذا تأمل وجد ما طمع فيه قد انقلب عكس المطلوب فصار يأسا لأنهم أرادوا ~~الإعراض عن المعاتبة بالإمساك عنها واستدامة معاملتهم معاملة المسلمين ، ~~فإذا بهم يواجهون بالإعراض عن مكالمتهم ومخالطتهم وذلك أشد مما حلفوا ~~للتفادي عنه . فهم من تأكيد الشيء بما يشبه ضده أو من القول بالموجب . | # وجملة : { إنهم رجس } تعليل للأمر بالإعراض . ووقوع ( إن ) في أولها مؤذن ~~بمعنى التعليل . | PageV11P009 # والرجس : الخبث . والمراد تشبيههم بالرجس في الدناءة ودنس النفوس . فهو ~~رجس معنوي . كقوله : { إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل ~~الشيطان } ( المائدة : 90 ) . | # والمأوى : المصير والمرجع . | # و { جزاء } حال من { جهنم } ، أي مجازاة لهم على ما كانوا يعملون . | # | 2 ( 96 ) { يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن ~~القوم الفاسقين } ) 2 # هذه الجملة بدل اشتمال من جملة : { سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم ~~} ( التوبة : 95 ) لأنهم إذا حلفوا لأجل أن يعرض عنهم المسلمون فلا يلوموهم ~~، فإن ذلك يتضمن طلبهم رضى المسلمين . | # وقد فرع الله على ذلك أنه إن رضي المسلمون عنهم وأعرضوا عن لومهم فإن ~~الله لا يرضى عن المنافقين . وهذا تحذير للمسلمين من الرضى عن المنافقين ~~بطريق الكناية إذ قد علم المسلمون أن ما لا يرضي الله لا يكون للمسلمين أن ~~يرضوا به . | # والقوم الفاسقون ms3749 هم هؤلاء المنافقون . والعدول عن الإتيان بضمير ( هم ) ~~إلى التعبير بصفتهم للدلالة على ذمهم وتعليل عدم الرضى عنهم ، فالكلام ~~مشتمل على خبر وعلى دليله فأفاد مفاد كلامين لأنه ينحل إلى : فإن ترضوا ~~عنهم فإن الله لا يرضى عنهم لأن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين . | # | 2 ( 97 ) { الاعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود مآ أنزل ~~الله على رسوله والله عليم حكيم } ) 2 # استئناف ابتدائي رجع به الكلام إلى أحوال المعذرين من الأعراب والذين ~~كذبوا الله ورسوله منهم ، وما بين ذلك استطراد دعا إليه قرن الذين كذبوا ~~الله ورسوله في PageV11P010 الذكر مع الأعراب . فلما تقضى الكلام على أولئك ~~تخلص إلى بقية أحوال الأعراب . وللتنبيه على اتصال الغرضين وقع تقديم ~~المسند إليه ، وهو لفظ ( الأعراب ) للاهتمام به من هذه الجهة ، ومن وراء ~~ذلك تنبيه المسلمين لأحوال الأعراب لأنهم لبعدهم عن الاحتكاك بهم والمخالطة ~~معهم قد تخفى عليهم أحوالهم ويظنون بجميعهم خيرا . | # و ( أشد ) و ( أجدر ) اسما تفضيل ولم يذكر معهما ما يدل على مفضل عليه ، ~~فيجوز أن يكونا على ظاهرهما فيكون المفضل عليه أهل الحضر ، أي كفار ومنافقي ~~المدينة . وهذا هو الذي تواطأ عليه جميع المفسرين . | # وازديادهم في الكفر والنفاق هو بالنسبة لكفار ومنافقي المدينة . ~~ومنافقوهم أشد نفاقا من منافقي المدينة . وهذا الازدياد راجع إلى تمكن ~~الوصفين من نفوسهم ، أي كفرهم أمكن في النفوس من كفر كفار المدينة ، ~~ونفاقهم أمكن من نفوسهم كذلك ، أي أمكن في جانب الكفر منه والبعد عن ~~الإقلاع عنه وظهور بوادر الشر منهم ، وذلك أن غلظ القلوب وجلافة الطبع تزيد ~~النفوس السيئة وحشة ونفورا . ألا تعلم أن ذا الخويصرة التميمي ، وكان يدعى ~~الإسلام ، لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم أعطى الأقرع بن حابس ومن معه ~~من صناديد العرب من ذهب قسمه قال ذو الخويصرة مواجها النبي صلى الله عليه ~~وسلم ( اعدل ) فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ( ويحك ومن يعدل إن لم ~~أعدل ) . | # فإن الأعراب لنشأتهم في البادية كانوا بعداء عن مخالطة أهل العقول ms3750 ~~المستقيمة وكانت أذهانهم أبعد عن معرفة الحقائق وأملأ بالأوهام ، وهم ~~لبعدهم عن مشاهدة أنوار النبي صلى الله عليه وسلم وأخلاقه وآدابه وعن تلقي ~~الهدى صباح مساء أجهل بأمور الديانة وما به تهذيب النفوس ، وهم لتوارثهم ~~أخلاق أسلافهم وبعدهم عن التطورات المدنية التي تؤثر سموا في النفوس ~~البشرية ، وإتقانا في وضع الأشياء في مواضعها ، وحكمة تقليدية تتدرج ~~بالأزمان ، يكونون أقرب سيرة PageV11P011 بالتوحش وأكثر غلظة في المعاملة ~~وأضيع للتراث العلمي والخلقي ؛ ولذلك قال عثمان لأبي ذر لما عزم على سكنى ~~الربذة : تعهد المدينة كيلا ترتد أعرابيا . | # فأما في الأخلاق التي تحمد فيها الخشونة والغلظة والاستخفاف بالعظائم مثل ~~الشجاعة ؛ والصراحة وإباء الضيم والكرم فإنها تكون أقوى في الأعراب بالجبلة ~~، ولذلك يكونون أقرب إلى الخير إذا اعتقدوه وآمنوا به . | # ويجوز أن يكون { أشد } و { أجدر } مسلوبي المفاضلة مستعملين لقوة الوصفين ~~في الموصوفين بهما على طريقة قوله تعالى : { قال رب السجن أحب إلي مما ~~يدعونني إليه } ( يوسف : 33 ) . فالمعنى أن كفرهم شديد التمكن من نفوسهم ~~ونفاقهم كذلك ، من غير إرادة أنهم أشد كفرا ونفاقا من كفار أهل المدينة ~~ومنافقيها . وعلى كلا الوجهين فإن { كفرا ونفاقا } منصوبان على التمييز ~~لبيان الإبهام الذي في وصف { أشد } . سلك مسلك الإجمال ثم التفصيل ليتمكن ~~المعنى أكمل تمكن . | # والأجدر : الأحق . والجدارة : الأولوية . وإنما كانوا أجدر بعدم العلم ~~بالشريعة لأنهم يبعدون عن مجالس التذكير ومنازل الوحي ، ولقلة مخالطتهم أهل ~~العلم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وحذفت الباء التي يتعدى بها ~~فعل الجدارة على طريقة حذف حرف الجر مع ( أن ) المصدرية . | # والحدود : المقادير والفواصل بين الأشياء . والمعنى أنهم لا يعلمون فواصل ~~الأحكام وضوابط تمييز متشابهها . | # وفي هذا الوصف يظهر تفاوت أهل العلم والمعرفة . وهو المعبر عنه في اصطلاح ~~العلماء بالتحقيق أو بالحكمة المفسرة بمعرفة حقائق الأشياء على ما هي عليه ~~، فزيادة قيد ( على ما هي عليه ) للدلالة على التمييز بين المختلطات ~~والمتشابهات والخفيات . | PageV11P012 # وجملة : { والله عليم حكيم } تذييل لهذا الإفصاح عن دخيلة الأعراب وخلقهم ~~، أي عليم بهم وبغيرهم ، وحكيم ms3751 في تمييز مراتبهم . | # | 2 ( 98 ) { ومن الاعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم الدوائر ~~عليهم دآئرة السوء والله سميع عليم } . ) 2 # هذا فريق من الأعراب يظهر الإيمان وينفق في سبيل الله . وإنما يفعلون ذلك ~~تقية وخوفا من الغزو أو حبا للمحمدة وسلوكا في مسلك الجماعة ، وهم يبطنون ~~الكفر وينتظرون الفرصة التي تمكنهم من الانقلاب على أعقابهم . وهؤلاء وإن ~~كانوا من جملة منافقي الأعراب فتخصيصهم بالتقسيم هنا منظور فيه إلى ما ~~اختصوا به من أحوال النفاق ، لأن التقاسيم في المقامات الخطابية والمجادلات ~~تعتمد اختلافا ما في أحوال المقسم ، ولا يعبأ فيها بدخول القسم في قسيمه . ~~| # فقوله : { ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما } هو في التقسيم كقوله : { ~~ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر } ( التوبة : 99 ) . ومعنى { يتخذ ~~} يعد ويجعل ، لأن اتخذ من أخوات جعل . والجعل يطلق بمعنى التغيير من حالة ~~إلى حالة نحو جعلت الشقة بردا . ويطلق بمعنى العد والحسبان نحو { وقد جعلتم ~~الله عليكم كفيلا } ( النحل : 91 ) فكذلك { يتخذ } هنا . | # والمغرم : ما يدفع من المال قهرا وظلما ، فهؤلاء الأعراب يؤتون الزكاة ~~وينفقون في سبيل الله ويعدون ذلك كالأتاوات المالية والرزايا يدفعونها تقية ~~. ومن هؤلاء من امتنعوا من إعطاء الزكاة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وقال قائلهم من طيء في زمن أبي بكر لما جاءهم الساعي لإحصاء زكاة ~~الأنعام : | # فقولا لهذا المرء ذو جاء ساعيا | # هلم فإن المشرفي الفرائض | # أي فرائض الزكاة هي السيف ، أي يعطون الساعي ضرب السيف بدلا عن الزكاة . ~~| # والتربص : الانتظار . والدوائر : جمع دائرة وهي تغير الحالة من استقامة ~~إلى اختلال . وتقدم الكلام عليها عند قوله تعالى : { يقولون نخشى أن تصيبنا ~~دائرة في سورة العقود ( 52 ) . | PageV11P013 # والباء للسببية كقوله تعالى : نتربص به ريب المنون } ( الطور : 30 ) وجعل ~~المجرور بالباء ضمير المخاطبين على تقدير مضاف . والتقدير : ويتربص بسبب ~~حالتكم الدوائر عليكم لظهور أن الدوائر لا تكون سببا لانتظار الانقلاب بل ~~حالهم هي سبب تربصهم أن تنقلب عليهم الحال لأن حالتهم الحاضرة شديدة عليهم ~~. | # فالمعنى ms3752 أنهم ينتظرون ضعفكم وهزيمتكم أو ينتظرون وفاة نبيكم فيظهرون ما ~~هو كامن فيهم من الكفر . وقد أنبأ الله بحالهم التي ظهرت عقب وفاة النبي ~~صلى الله عليه وسلم وهم أهل الردة من العرب . | # وجملة : { عليهم دائرة السوء } دعاء عليهم وتحقير ، ولذلك فصلت . والدعاء ~~من الله على خلقه : تكوين وتقدير مشوب بإهانة لأنه لا يعجزه شيء فلا يحتاج ~~إلى تمني ما يريده . وقد تقدم الكلام عليه عند قوله تعالى : { فلعنة الله ~~على الكافرين في سورة البقرة ( 89 ) . | # وقد كانت على الأعراب دائرة السوء إذ قاتلهم المسلمون في خلافة أبي بكر ~~عام الردة وهزموهم فرجعوا خائبين . وإضافة دائرة } إلى { السوء } من ~~الإضافة إلى الوصف اللازم كقولهم : عشاء الآخرة . إذ الدائرة لا تكون إلا ~~في السوء . قال أبو علي الفارسي : لو لم تضف الدائرة إلى السوء عرف منها ~~معنى السوء لأن دائرة الدهر لا تستعمل إلا في المكروه . ونظيره إضافة السوء ~~إلى ذئب في قول الفرزدق : | # فكنت كذئب السوء حين رأى دما | # بصاحبه يوما أحال على الدم | # إذ الذئب متمحض للسوء إذ لا خير فيه للناس . والسوء بفتح السين المصدر ، ~~وبضمها الاسم . وقد قرأ الجمهور بفتح السين . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ~~وحدهما بضم السين . والمعنى واحد . | # وجملة : { والله سميع عليم } تذييل ، أي سميع ما يتناجون به وما يدبرونه ~~من الترصد ، عليم بما يبطنونه ويقصدون إخفاءه . | # | PageV11P014 # | 2 ( 99 ) { ومن الاعراب من يؤمن بالله واليوم الاخر ويتخذ ما ينفق ~~قربات عند الله وصلوات الرسول ألا إنها قربة لهم سيدخلهم الله فى رحمته إن ~~الله غفور رحيم } ) 2 # | $ # هؤلاء هم المؤمنون من الأعراب وفاهم الله حقهم من الثناء عليهم ، وهم ~~أضداد الفريقين الآخرين المذكورين في قوله : { الأعراب أشد كفرا ونفاقا } ( ~~التوبة : 97 ) وقوله { ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما } ( التوبة : 97 ~~) . قيل : هم بنو مقرن من مزينة الذين نزل فيهم قوله تعالى : { ولا على ~~الذين إذا ما أتوك لتحملهم } ( التوبة : 92 ) الآية كما تقدم . ومن هؤلاء ~~عبد الله ذو البجادين المزني هو ابن مغفل ms3753 . والإنفاق هنا هو الإنفاق هناك . ~~وتقدم قريبا معنى { يتخذ } . | # و { قربات } بضم القاف وضم الراء : جمع قربة بسكون الراء . وهي تطلق ~~بمعنى المصدر ، أي القرب وهو المراد هنا ، أي يتخذون ما ينفقون تقربا عند ~~الله . وجمع قربات باعتبار تعدد الإنفاق ، فكل إنفاق هو قربة عند الله لأنه ~~يوجب زيادة القرب . قال تعالى : { يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب } ( ~~الإسراء : 57 ) . ف { قربات } هنا مجاز مستعمل في رضى الله ورفع الدرجات في ~~الجنة ، فلذلك وصفت ب { عند } الدالة على مكان الدنو . و ( عند ) مجاز في ~~التشريف والعناية ، فإن الجنة تشبه بدار الكرامة عند الله . قال تعالى : { ~~إن المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر } ( القمر : 54 ، 55 ) ~~. | # و { وصلوات الرسول } دعواته . وأصل الصلاة الدعاء . وجمعت هنا لأن كل ~~إنفاق يقدمونه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو لهم بسببه دعوة ، فبتكرر ~~الإنفاق تتكرر الصلاة . وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي على كل من ~~يأتيه بصدقته وإنفاقه امتثالا لما أمره الله بقوله : { خذ من أموالهم صدقة ~~تطهرهم وتزكيهم PageV11P015 بها وصل عليهم } ( التوبة : 103 ) . وجاء في ~~حديث ابن أبي أوفى أنه لما جاء بصدقته قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ~~اللهم صل على آل أبي أوفى ) . | # ويجوز عطف { صلوات الرسول } على اسم الجلالة معمولا ل { عند } ، أي ~~يتخذون الإنفاق قربة عند صلوات الرسول ، أي يجعلونه تقربا كائنا في مكان ~~الدنو من صلوات الرسول تشبيها للتسبب في الشيء بالاقتراب منه ، أي يجعلون ~~الإنفاق سببا لدعاء الرسول لهم . فظرف ( عند ) مستعمل في معنيين مجازيين . ~~ويجوز أن يكون { وصلوات الرسول } عطفا على { قربات عند الله } ، أي يتخذ ما ~~ينفق دعوات الرسول . أخبر عن الإنفاق باتخاذه دعوات الرسول لأنه يتوسل ~~بالإنفاق إلى دعوات الرسول إذ أمر بذلك في قوله تعالى : { وصل عليهم } ( ~~التوبة : 103 ) . | # وجملة : { ألا إنها قربة لهم } مستأنفة مسوقة مساق البشارة لهم بقبول ما ~~رجوه . وافتتحت الجملة بحرف الاستفتاح للاهتمام بها ليعيها السامع ، وبحرف ~~التأكيد لتحقيق مضمونها ، والضمير الواقع اسم ms3754 ( إن ) عائد إلى ما ( ينفق ) ~~باعتبار النفقات . واللام للاختصاص ، أي هي قربة لهم ، أي عند الله وعند ~~صلوات الرسول . وحذف ذلك لدلالة سابق الكلام عليه . وتنكير { قربة } لعدم ~~الداعي إلى التعريف ، ولأن التنكير قد يفيد التعظيم . | # وجملة : { سيدخلهم الله في رحمته } واقعة موقع البيان لجملة { إنها قربة ~~لهم } ، لأن القربة عند الله هي الدرجات العلى ورضوانه ، وذلك من الرحمة . ~~والقربة عند صلوات الرسول صلى الله عليه وسلم إجابة صلاته . والصلاة التي ~~يدعو لهم طلب الرحمة ، فمآل الأمرين هو إدخال الله إياهم في رحمته . وأوثر ~~فعل الإدخال هنا لأنه المناسب للكون في الجنة ، إذ كثيرا ما يقال : دخل ~~الجنة . قال تعالى : { وادخلي جنتي } ( الفجر : 30 ) . | # وجملة : { إن الله غفور رحيم } تذييل مناسب لما رجوه وما استجيب لهم . ~~وأثبت بحرف التأكيد للاهتمام بهذا الخبر ، أي غفور لما مضى من كفرهم ، رحيم ~~بهم يفيض النعم عليهم . | PageV11P016 # وقرأ الجمهور { قربة } بسكون الراء ، وقرأه ورش وحده بضم الراء لاتباع ~~القاف . | # | 2 ( 100 ) { والسابقون الاولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم ~~بإحسان رضى الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين ~~فيهآ أبدا ذالك الفوز العظيم } ) 2 # عقب ذكر الفرق المتلبسة بالنقائص على تفاوت بينها في ذلك بذكر القدوة ~~الصالحة والمثل الكامل في الإيمان والفضائل والنصرة في سبيل الله ليحتذي ~~متطلب الصلاح حذوهم ، ولئلا يخلو تقسيم القبائل الساكنة بالمدينة وحواليها ~~وبواديها ، عن ذكر أفضل الأقسام تنويها به . وبهذا تم استقراء الفرق ~~وأحوالها . | # فالجملة عطف على جملة : { ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما } ( التوبة ~~: 98 ) . | # والمقصود بالسبق السبق في الإيمان ، لأن سياق الآيات قبلها في تمييز ~~أحوال المؤمنين الخالصين ، والكفار الصرحاء ، والكفار المنافقين ؛ فتعين أن ~~يراد الذين سبقوا غيرهم من صنفهم ، فالسابقون من المهاجرين هم الذين سبقوا ~~بالإيمان قبل أن يهاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، والسابقون ~~من الأنصار هم الذين سبقوا قومهم بالإيمان ، وهم أهل العقبتين الأولى ~~والثانية . | # وقد اختلف المفسرون في تحديد المدة التي عندها ينتهي وصف السابقين من ~~المهاجرين ms3755 والأنصار معا ، فقال أبو موسى وابن المسيب وابن سيرين وقتادة : ~~من صلى القبلتين . وقال عطاء : من شهد بدرا . وقال الشعبي : من أدركوا بيعة ~~الرضوان . وهذه الأقوال الثلاثة تعتبر الواو في قوله : { والأنصار } للجمع ~~في وصف السبق لأنه متحد بالنسبة إلى الفريقين ، وهذا يخص المهاجرين . وفي ( ~~أحكام ابن العربي ) ما يشبه أن رأيه أن السابقين أصحاب العقبتين ، وذلك يخص ~~الأنصار . وعن الجبائي : أن السابقين من PageV11P017 أسلموا قبل هجرة النبي ~~صلى الله عليه وسلم إلى المدينة . ولعله اختيار منه إذ لم يسنده إلى قائل . ~~| # واختار ابن عطية أن السابقين هم من هاجر قبل أن تنقطع الهجرة ، أي بفتح ~~مكة ، وهذا يقصر وصف السبق على المهاجرين . ولا يلاقي قراءة الجمهور بخفض { ~~الأنصار } . و { من } للتبعيض لا للبيان . | # والأنصار : جمع نصير ، وهو الناصر . والأنصار بهذا الجمع اسم غلب على ~~الأوس والخزرج الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم في حياته أو بعد ~~وفاته وعلى أبنائهم إلى آخر الزمان . دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم بهذا ~~الوصف ، فيطلق على أولاد المنافقين منهم الذين نشأوا في الإسلام كولد ابن ~~صياد . | # وقرأ الجمهور { والأنصار } بالخفض عطفا على المهاجرين ، فيكون وصف ~~السابقين صفة للمهاجرين والأنصار . وقرأ يعقوب { والأنصار } بالرفع ، فيكون ~~عطفا على وصف { السابقون } ويكون المقسم إلى سابقين وغيرهم خصوص المهاجرين ~~. | # والمراد بالذين اتبعوهم بقية المهاجرين وبقية الأنصار اتبعوهم في الإيمان ~~، أي آمنوا بعد السابقين : ممن آمنوا بعد فتح مكة ومن آمنوا من المنافقين ~~بعد مدة . | # والإحسان : هو العمل الصالح . والباء للملابسة . وإنما قيد هذا الفريق ~~خاصة لأن السابقين الأولين ما بعثهم على الإيمان إلا الإخلاص ، فهم محسنون ~~، وأما الذين اتبعوهم فمن بينهم من آمن اعتزازا بالمسلمين حين صاروا أكثر ~~أهل المدينة ، فمنهم من آمن وفي إيمانه ضعف وتردد ، مثل المؤلفة قلوبهم ، ~~فربما نزل بهم إلى النفاق وربما ارتقى بهم إلى الإيمان الكامل ، وهم ~~المذكورون مع المنافقين في قوله تعالى : { لئن لم ينته المنافقون والذين في ~~قلوبهم مرض } ( الأحزاب : 60 ) فإذا بلغوا رتبة الإحسان دخلوا في وعد الرضى ms3756 ~~من الله وإعداد الجنات . | # وجملة : { رضي الله عنهم } خبر عن { السابقون } . وتقديم المسند إليه على ~~خبره الفعلي لقصد التقوي والتأكيد . PageV11P018 ورضى الله عنهم عنايته بهم ~~وإكرامه إياهم ودفاعه أعداءهم ، وأما رضاهم عنه فهو كناية عن كثرة إحسانه ~~إليهم حتى رضيت نفوسهم لما أعطاهم ربهم . | # والإعداد : التهيئة . وفيه إشعار بالعناية والكرامة . وتقدم القول في ~~معنى جري الأنهار . | # وقد خالفت هذه الآية عند معظم القراء أخواتها فلم تذكر فيها ( من ) مع ( ~~تحتها ) في غالب المصاحف وفي رواية جمهور القراء ، فتكون خالية من التأكيد ~~إذ ليس لحرف ( من ) معنى مع أسماء الظروف إلا التأكيد ، ويكون خلو الجملة ~~من التأكيد لحصول ما يغني عنه من إفادة التقوي بتقديم المسند إليه على ~~الخبر الفعلي ، ومن فعل ( أعد ) المؤذن بكمال العناية فلا يكون المعد إلا ~~أكمل نوعه . | # وثبتت ( من ) في مصحف مكة ، وهي قراءة ابن كثير المكي ، فتكون مشتملة على ~~زيادة مؤكدين . | # | 2 ( 101 ) { وممن حولكم من الاعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على ~~النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم } ) 2 # كانت الأعراب الذين حول المدينة قد خلصوا للنبيء صلى الله عليه وسلم ~~وأطاعوه وهم جهينة ، وأسلم ، وأشجع ، وغفار ، ولحيان ، وعصية ، فأعلم الله ~~نبيه صلى الله عليه وسلم أن في هؤلاء منافقين لئلا يغتر بكل من يظهر له ~~المودة . | # وكانت المدينة قد خلص أهلها للنبيء صلى الله عليه وسلم وأطاعوه فأعلمه ~~الله أن فيهم بقية مردوا على النفاق لأنه تأصل فيهم من وقت دخول الإسلام ~~بينهم . | # وتقديم المجرور للتنبيه على أنه خبر ، لا نعت . و ( من ) في قوله { وممن ~~حولكم } للتبعيض و ( من ) في قوله : { من الأعراب } لبيان ( من ) الموصولة ~~. | PageV11P019 # و ( من ) في قوله : { ومن أهل المدينة } اسم بمعنى بعض . و { مردوا } ~~وخبر عنه ، أو تجعل ( من ) تبعيضية مؤذنة بمبعض محذوف ، تقديره : ومن أهل ~~المدينة جماعة مردوا ، كما في قوله تعالى : { من الذين هادوا يحرفون الكلم ~~عن مواضعه في سورة النساء ( 46 ) . ومعنى مرد على الأمر مرن عليه ودرب به ms3757 ، ~~ومنه الشيطان المارد ، أي في الشيطنة . | # وأشير بقوله : لا تعلمهم نحن نعلمهم } إلى أن هذا الفل الباقي من ~~المنافقين قد أراد الله الاستيثار بعلمه ولم يطلع عليهم رسوله صلى الله ~~عليه وسلم كما أطلعه على كثير من المنافقين من قبل . وإنما أعلمه بوجودهم ~~على الإجمال لئلا يغتر بهم المسلمون ، فالمقصود هو قوله : { لا تعلمهم } . ~~| # وجملة { نحن نعلمهم } مستأنفة . والخبر مستعمل في الوعيد ، كقوله : { ~~وسيرى الله عملكم ورسوله } ( التوبة : 94 ) ، وإلا فإن الحكم معلوم للمخاطب ~~فلا يحتاج إلى الإخبار به . وفيه إشارة إلى عدم الفائدة للرسول صلى الله ~~عليه وسلم في علمه بهم ، فإن علم الله بهم كاف . وفيه أيضا تمهيد لقوله ~~بعده { سنعذبهم مرتين } . | # وجملة : { سنعذبهم مرتين } استيناف بياني للجواب عن سؤال يثيره قوله : { ~~نحن نعلمهم } ، وهو أن يسأل سائل عن أثر كون الله تعالى يعلمهم . فأعلم أنه ~~سيعذبهم على نفاقهم ولا يفلتهم منه عدم علم الرسول عليه الصلاة والسلام بهم ~~. والعذاب الموصوف بمرتين عذاب في الدنيا لقوله بعده { ثم يردون إلى عذاب ~~عظيم } . | # وقد تحير المفسرون في تعيين المراد من المرتين . وحملوه كلهم على حقيقة ~~العدد . وذكروا وجوها لا ينشرح لها الصدر . والظاهر عندي أن العدد مستعمل ~~لمجرد قصد التكرير المفيد للتأكيد كقوله تعالى : { ثم ارجع البصر كرتين } ( ~~الملك : 4 ) أي تأمل تأملا متكررا . ومنه قول العرب : لبيك وسعديك ، فاسم ~~التثنية نائب مناب إعادة اللفظ . والمعنى : سنعذبهم عذابا شديدا متكررا ~~مضاعفا ، كقوله تعالى : { يضاعف لها العذاب ضعفين } ( الأحزاب : 30 ) . ~~وهذا التكرر تختلف أعداده باختلاف أحوال المنافقين واختلاف أزمان عذابهم . ~~| # والعذاب العظيم : هو عذاب جهنم في الآخرة . | # | PageV11P020 # | 2 ( 102 ) { وءاخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وءاخر سيئا عسى ~~الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم } ) 2 # الأظهر أن جملة : { وءاخرون اعترفوا } عطف على جملة : { وممن حولكم } ( ~~التوبة : 101 ) ، أي وممن حولكم من الأعراب منافقون ، ومن أهل المدينة ~~آخرون أذنبوا بالتخلف فاعترفوا { اعترفوا بذنوبهم } بذنوبهم بالتقصير . ~~فقوله : إيجاز لأنه يدل على أنهم أذنبوا واعترفوا بذنوبهم ولم يكونوا ~~منافقين لأن التعبير ms3758 بالذنوب بصيغة الجمع يقتضي أنها أعمال سيئة في حالة ~~الإيمان ، وكذلك التعبير عن ارتكاب الذنوب بخلط العمل الصالح بالسيىء . | # وكان من هؤلاء جماعة منهم الجد بن قيس ، وكردم ، وأرس بن ثعلبة ، ووديعة ~~بن حزام ، ومرداس ، وأبو قيس ، وأبو لبابة في عشرة نفر اعترفوا بذنبهم في ~~التخلف عن غزوة تبوك وتابوا إلى الله وربطوا أنفسهم في سوارى المسجد النبوي ~~أياما حتى نزلت هذه الآية في توبة الله عليهم . | # والاعتراف : افتعال من عرف . وهو للمبالغة في المعرفة ، ولذلك صار بمعنى ~~الإقرار بالشيء وترك إنكاره ، فالاعتراف بالذنب كناية عن التوبة منه ، لأن ~~الإقرار بالذنب الفائت إنما يكون عند الندم والعزم على عدم العود إليه ، ~~ولا يتصور فيه الإقلاع الذي هو من أركان التوبة لأنه ذنب مضى ، ولكن يشترط ~~فيه العزم على أن لا يعود . | # وخلطهم العمل الصالح والسيىء هو خلطهم حسنات أعمالهم بسيئات التخلف عن ~~الغزو وعدم الإنفاق على الجيش . | # وقوله : { خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا } جاء ذكر الشيئين المختلطين ~~بالعطف بالواو على اعتبار استوائهما في وقوع فعل الخلط عليهما . ويقال : ~~خلط كذا بكذا على اعتبار أحد الشيئين المختلطين متلابسين بالخلط ، ~~والتركيبان متساويان في المعنى ، ولكن العطف بالواو أوضح وأحسن فهو أفصح . ~~| PageV11P021 # وعسى : فعل رجاء . وهي من كلام الله تعالى المخاطب به النبي صلى الله ~~عليه وسلم فهي كناية عن وقوع المرجو ، وأن الله قد تاب عليهم ؛ ولكن ذكر ~~فعل الرجاء يستتبع معنى اختيار المتكلم في وقوع الشيء وعدم وقوعه . | # ومعنى : { أن يتوب عليهم } أي يقبل توبتهم ، وقد تقدم عند قوله تعالى : { ~~فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه في سورة البقرة ( 37 ) . | # وجملة : إن الله غفور رحيم } تذييل مناسب للمقام . | # | 2 ( 103 ) { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن ~~صلواتك سكن لهم والله سميع عليم } ) 2 # لما كان من شرط التوبة تدارك ما يمكن تداركه مما فات وكان التخلف عن ~~الغزو مشتملا على أمرين هما عدم المشاركة في الجهاد ، وعدم إنفاق المال في ~~الجهاد ، جاء في هذه الآية إرشاد ms3759 لطريق تداركهم ما يمكن تداركه مما فات وهو ~~نفع المسلمين بالمال ، فالانفاق العظيم على غزوة تبوك استنفد المال المعد ~~لنوائب المسلمين ، فإذا أخذ من المخلفين شيء من المال انجبر به بعض الثلم ~~الذي حل بمال المسلمين . | # فهذا وجه مناسبة ذكر هذه الآية عقب التي قبلها . وقد روي أن الذين ~~اعترفوا بذنوبهم قالوا للنبيء صلى الله عليه وسلم هذه أموالنا التي بسببها ~~تخلفنا عنك خذها فتصدق بها وطهرنا واستغفر لنا ، فقال لهم : لم أومر بأن ~~آخذ من أموالكم . حتى نزلت هذه الآية فأخذ منهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~صدقاتهم ، فالضمير عائد على آخرين اعترفوا بذنوبهم . | # والتاء في { تطهرهم } تحتمل أن تكون تاء الخطاب نظرا لقوله : { خذ } ، ~~وأن تكون تاء الغائبة عائدة إلى الصدقة . وأياما كان فالآية دالة على أن ~~الصدقة تطهر وتزكي . | PageV11P022 # والتزكية : جعل الشيء زكيا ، أي كثير الخيرات . فقوله : { تطهرهم } إشارة ~~إلى مقام التخلية عن السيئات . وقوله : { تزكيهم } إشارة إلى مقام التحلية ~~بالفضائل والحسنات . ولا جرم أن التخلية مقدمة على التحلية . فالمعنى أن ~~هذه الصدقة كفارة لذنوبهم ومجلبة للثواب العظيم . | # والصلاة عليهم : الدعاء لهم . وتقدم آنفا عند قوله تعالى : { وصلوات ~~الرسول } ( التوبة : 99 ) . وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه ~~الآية إذا جاءه أحد بصدقته يقول : اللهم صل على آل فلان . كما ورد في حديث ~~عبد الله بن أبي أوفى يجمع النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه في هذا الشأن ~~بين معنى الصلاة وبين لفظها فكان يسأل من الله تعالى أن يصلي على المتصدق . ~~والصلاة من الله الرحمة ، ومن النبي الدعاء . | # وجملة : { إن صلواتك سكن لهم } تعليل للأمر بالصلاة عليهم بأن دعاءه سكن ~~لهم ، أي سبب سكن لهم ، أي خير . فإطلاق السكن على هذا الدعاء مجاز مرسل . ~~| # والسكن : بفتحتين ما يسكن إليه ، أي يطمأن إليه ويرتاح به . وهو مشتق من ~~السكون بالمعنى المجازي ، وهو سكون النفس ، أي سلامتها من الخوف ونحوه ، ~~لأن الخوف يوجب كثرة الحذر واضطراب الرأي فتكون النفس كأنها غير مستقرة ، ~~ولذلك سمي ms3760 ذلك قلقا لأن القلق كثرة التحرك . وقال تعالى : { وجاعل الليل ~~سكنا } ( الأنعام : 96 ) وقال : { والله جعل لكم من بيوتكم سكنا } ( النحل ~~: 80 ) ، ومن أسماء الزوجة السكن ، أو لأن دعاءه لهم يزيد نفوسهم صلاحا ~~وسكونا إلى الصالحات لأن المعصية تردد واضطراب ، كما قال تعالى : { فهم في ~~ريبهم يترددون } ( التوبة : 45 ) ، والطاعة اطمئنان ويقين ، كما قال تعالى ~~: { ألا بذكر الله تطمئن القلوب } ( الرعد : 28 ) . | # وجملة : { والله سميع عليم } تذييل مناسب للأمر بالدعاء لهم . والمراد ~~بالسميع هنا المجيب للدعاء . وذكره للإشارة إلى قبول دعاء النبي صلى الله ~~عليه وسلم ففيه إيماء إلى التنويه بدعائه . وذكر العليم إيماء إلى أنه ما ~~أمره بالدعاء لهم إلا لأن في دعائه لهم خيرا عظيما وصلاحا في الأمور . | # وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر وأبو ~~جعفر ويعقوب { صلواتك } بصيغة الجمع . وقرأه حفص عن عاصم وحمزة والكسائي ~~وخلف PageV11P023 { صلاتك } بصيغة الإفراد . والقراءتان سواء ، لأن المقصود ~~جنس صلاته عليه الصلاة والسلام . فمن قرأ بالجمع أفاد جميع أفراد الجنس ~~بالمطابقة لأن الجمع المعرف بالإضافة يعم ، ومن قرأ بالإفراد فهمت أفراد ~~الجنس بالالتزام . | # | 2 ( 104 ) { ألم يعلمو ا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ ~~الصدقات وأن الله هو التواب الرحيم } ) 2 # | $ # إن كان الذين اعترفوا بذنوبهم وعرضوا أموالهم للصدقة قد بقي في نفوسهم ~~اضطراب من خوف أن لا تكون توبتهم مقبولة وأن لا يكون الرسول عليه الصلاة ~~والسلام قد رضي عنهم وكان قوله : { إن صلواتك سكن لهم } ( التوبة : 103 ) ~~مشيرا إلى ذلك ، وذلك الذي يشعر به اقتران قبول التوبة وقبول الصدقات هنا ~~ليناظر قوله : { اعترفوا بذنوبهم } ( التوبة : 102 ) وقوله : { خذ من ~~أموالهم صدقة } ( التوبة : 103 ) كانت جملة : { ألم يعلموا أن الله هو يقبل ~~التوبة } استينافا بيانيا ناشئا عن التعليل بقوله : { إن صلواتك سكن لهم } ~~( التوبة : 103 ) ، لأنه يثير سؤال من يسأل عن موجب اضطراب نفوسهم بعد أن ~~تابوا ، فيكون الاستفهام تقريرا مشوبا بتعجيبب من ترددهم في قبول توبتهم . ~~والمقصود منه التذكير بأمر معلوم ms3761 لأنهم جروا على حال نسيانه ، ويكون ضمير { ~~يعلموا } عائدا إلى الذين اعترفوا بذنوبهم . | # وإن كان الذين اعترفوا بذنوبهم لم يخطر ببالهم شك في قبول توبتهم وكان ~~قوله : { إن صلواتك سكن لهم } ( التوبة : 103 ) مجرد إرشاد من الله لرسوله ~~إلى حكمة دعائه لهم بأن دعاءه يصلح نفوسهم ويقوي إيمانهم كان الكلام عليهم ~~قد تم عند قوله : { والله سميع عليم } ( التوبة : 103 ) ، وكانت جملة : { ~~ألم يعلموا } مستأنفة استئنافا ابتدائيا على طريقة الاستطراد لترغيب أمثال ~~أولئك في التوبة ممن تأخروا عنها ، وكان ضمير { ألم يعلموا } عائدا إلى ما ~~هو معلوم من مقام التنزيل وهو الكلام على أحوال الأمة ، وكان الاستفهام ~~إنكاريا . | # ونزل جميعهم منزلة من لا يعلم قبول التوبة ، لأن حالهم حال من لا يعلم ~~ذلك سواء في ذلك من يعلم قبولها ومن لا يعلم حقيقة ، وكان الكلام أيضا ~~مسوقا للتحضيض . | PageV11P024 # وقوله : { وأن الله هو التواب الرحيم } عطف على { أن الله هو يقبل التوبة ~~} ، تنبيها على أنه كما يجب العلم بأن الله يفعل ذلك يجب العلم بأن من ~~صفاته العلى أنه التواب الرحيم ، أي الموصوف بالإكثار من قبول توبة ~~التائبين ، الرحيم لعباده ، ولا شك أن قبول التوبة من الرحمة فتعقيب { ~~التواب } ب { الرحيم } في غاية المناسبة . | # | 2 ( 105 ) { وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى ~~عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون } ) 2 # عطف على جملة : { ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة } ( التوبة : 104 ) ~~الذي هو في قوة إخبارهم بأن الله يقبل التوبة وقل لهم اعملوا ، أي بعد قبول ~~التوبة ، فإن التوبة إنما ترفع المؤاخذة بما مضى فوجب على المؤمن الراغب في ~~الكمال بعد توبته أن يزيد من الأعمال الصالحة ليجبر ما فاته من الأوقات ~~التي كانت حقيقة بأن يعمرها بالحسنات فعمرها بالسيئات فإذا وردت عليها ~~التوبة زالت السيئات وأصبحت تلك المدة فارغة من العمل الصالح ، فلذلك أمروا ~~بالعمل عقب الإعلام بقبول توبتهم لأنهم لما قبلت توبتهم كان حقا عليهم أن ~~يدلوا على صدق توبتهم وفرط رغبتهم في الارتقاء إلى ms3762 مراتب الكمال حتى يلحقوا ~~بالذين سبقوهم ، فهذا هو المقصود ، ولذلك كان حذف مفعول { اعملوا } لأجل ~~التعويل على القرينة ، ولأن الأمر من الله لا يكون بعمل غير صالح . والمراد ~~بالعمل ما يشمل العمل النفساني من الإعتقاد والنية . وإطلاق العمل على ما ~~يشمل ذلك تغليب . | # وتفريع { فسيرى الله عملكم } زيادة في التحضيض . وفيه تحذير من التقصير ~~أو من ارتكاب المعاصي لأن كون عملهم بمرأى من الله مما يبعث على جعله يرضي ~~الله تعالى . وذلك تذكير لهم باطلاع الله تعالى بعلمه على جميع الكائنات . ~~وهذا كقول النبي صلى الله عليه وسلم في بيان الإحسان : ( هو أن تعبد الله ~~كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) . | # وعطف { ورسوله } على اسم الجلالة لأنه عليه الصلاة والسلام هو المبلغ عن ~~الله وهو الذي يتولى معاملتهم على حسب أعمالهم . | PageV11P025 # وعطف { المؤمنون } أيضا لأنهم شهداء الله في أرضه ولأن هؤلاء لما تابوا ~~قد رجعوا إلى حضيرة جماعة الصحابة فإن عملوا مثلهم كانوا بمحل الكرامة منهم ~~وإلا كانوا ملحوظين منهم بعين الغضب والإنكار . وذلك مما يحذره كل أحد هو ~~من قوم يرمقونه شزرا ويرونه قد جاء نكرا . | # والرؤية المسندة إلى الله تعالى رؤية مجازية . وهي تعلق العلم بالواقعات ~~سواء كانت ذواتت مبصراتت أم كانت أحداثا مسموعات ومعاني مدركات ، وكذلك ~~الرؤية المسندة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين المعنى المجزى ~~لقوله : { عملكم } . | # وجملة : { وستردون إلى عالم الغيب والشهادة } من جملة المقول . وهو وعد ~~ووعيد معا على حسب الأعمال ، ولذلك جاء فيه { بما كنتم تعملون } وقد تقدم ~~القول في نظيره آنفا . | # | 2 ( 106 ) { وءاخرون مرجون لامر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله ~~عليم حكيم } ) 2 # هذا فريق آخر عطف خبره على خبر الفرق الآخرين . والمراد بهؤلاء من بقي من ~~المخلفين لم يتب الله عليه ، وكان أمرهم موقوفا إلى أن يقضي الله بما يشاء ~~. وهؤلاء نفر ثلاثة ، هم : كعب بن مالك ، وهلال بن أمية ، ومرارة بن الربيع ~~، وثلاثتهم قد تخلفوا عن غزوة تبوك . ولم يكن تخلفهم نفاقا ولا كراهية ms3763 ~~للجهاد ولكنهم شغلوا عند خروج الجيش وهم يحسبون أنهم يلحقونه وانقضت الأيام ~~وأيسوا من اللحاق . وسأل عنهم النبي صلى الله عليه وسلم وهو في تبوك . فلما ~~رجع النبي صلى الله عليه وسلم أتوه وصدقوه ، فلم يكلمهم ، ونهى المسلمين عن ~~كلامهم ومخالطتهم ، وأمرهم باعتزال نسائهم ، فامتثلوا وبقوا كذلك خمسين ~~ليلة ، فهم في تلك المدة مرجون لأمر الله . وفي تلك المدة نزلت هذه الآية { ~~ثم تاب الله عليهم } ( المائدة : 71 ) . وأنزل فيهم قوله : { لقد تاب الله ~~على النبي والمهاجرين والأنصار إلى قوله وكونوا مع الصادقين } ( التوبة : ~~117 119 ) . | # وعن كعب بن مالك في قصته هذه حديث طويل أغر في ( صحيح البخاري ) . ~~PageV11P026 على التوبة والتنبيه إلى فتح بابها . وقد جوز المفسرون عود ~~ضمير { ألم يعلموا } ( التوبة : 104 ) إلى الفريقين اللذين أشرنا إليهما . ~~| # وقوله : { هو يقبل التوبة } ( التوبة : 104 ) ( هو ) ضمير فصل مفيد ~~لتأكيد الخبر . و { عن عباده } ( التوبة : 104 ) متعلقة ب { يقبل } لتضمنه ~~معنى يتجاوز ، إشارة إلى أن قبول التوبة هو التجاوز عن المعاصي المتوب منها ~~. | # فكأنه قيل : يقبل التوبة ويتجاوز عن عباده . وكان حق تعدية فعل ( يقبل ) ~~أن يكون بحرف ( من ) . ونقل الفخر عن القاضي عبد الجبار أنه قال : لعل ( عن ~~) أبلغ لأنه ينبىء عن القبول مع تسهيل سبيله إلى التوبة التي قبلت . ولم ~~يبين وجه ذلك ، وأحسب أنه يريد ما أشرنا إليه من تضمين معنى التجاوز . | # وجيء بالخبر في صورة كلية لأن المقصود تعميم الخطاب ، فالمراد ب { عباده ~~} جميع الناس مؤمنهم وكافرهم لأن التوبة من الكفر هي الإيمان . | # والآية دليل على قبول التوبة قطعا إذا كانت توبة صحيحة لأن الله أخبر ~~بذلك في غير ما آية . وهذا متفق عليه بالنسبة لتوبة الكافر عن كفره لأن ~~الأدلة بلغت مبلغ التواتر بالقول والعمل . ومختلف فيه بالنسبة لتوبة المؤمن ~~من المعاصي لأن أدلته لا تعدو أن تكون دلالة ظواهر ؛ فقال المحققون من ~~الفقهاء والمحدثين والمتكلمين . مقبولة قطعا . ونقل عن الأشعري وهو قول ~~المعتزلة واختاره ابن عطية وأبوه وهو الحق . وادعى الإمام في ( المعالم ) ~~الإجماع ms3764 عليه وهي أولى بالقبول . وقال الباقلاني وإمام الحرمين والمازري : ~~إنما يقطع بقبول توبة طائفة غير معينة ، يعنون لأن أدلة قبول جنس التوبة ~~على الجملة متكاثرة متواترة بلغت مبلغ القطع ولا يقطع بقبول توبة تائب ~~بخصوصه . وكأن خلاف هؤلاء يرجع إلى عدم القطع بأن التائب المعين تاب توبة ~~نصوحا . وفي هذا نظر لأن الخلاف في توبة مستوفية أركانها وشروطها . وقد ~~تقدم ذلك عند قوله تعالى : { إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء ~~بجهالة الآية في سورة النساء ( 17 ) . | # والأخذ في قوله : ويأخذ الصدقات } ( التوبة : 104 ) مستعمل في معنى ~~القبول ، لظهور أن الله لا يأخذ الصدقة أخذا حقيقيا ، فهو مستعار للقبول ~~والجزاء على الصدقة . | PageV11P027 # وقرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم وأبو جعفر وخلف { مرجون } بسكون ~~الواو بدون همز على أنه اسم مفعول من أرجاه بالألف ، وهو مخفف أرجأه بالهمز ~~إذا أخره ، فيقال في مضارعه المخفف : أرجيته بالياء ، كقوله : { ترجي من ~~تشاء منهن } ( الأحزاب : 51 ) بالياء ، فأصل مرجون مرجيون . وقرأ البقية { ~~مرجئون } بهمز بعد الجيم على أصل الفعل كما قرىء { ترجيء من تشاء } ( ~~الأحزاب : 51 ) . واللام في قوله : { لأمر الله } للتعليل ، أي مؤخرون لأجل ~~أمر الله في شأنهم . وفيه حذف مضاف ، تقديره : لأجل انتظار أمر الله في ~~شأنهم لأن التأخير مشعر بانتظار شيء . | # وجملة : { إما يعذبهم وإما يتوب عليهم } بيان لجملة : { وآخرون مرجون } ~~باعتبار متعلق خبرها وهو { لأمر الله } ، أي أمر الله الذي هو إما تعذيبهم ~~، وإما توبته عليهم . ويفهم من قوله { يتوب عليهم } أنهم تابوا . | # والتعذيب مفيد عدم قبول توبتهم حينئذ لأن التعذيب لا يكون إلا عن ذنب ~~كبير . وذنبهم هو التخلف عن النفير العام ، كما تقدم عند قوله تعالى : { ~~يأيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله أثاقلتم إلى ~~الأرض } ( التوبة : 38 ) الآية . وقبول التوبة عما مضى فضل من الله . | # و { إما } حرف يدل على أحد شيئين أو أشياء . ومعناها قريب من معنى ( أو ) ~~التي للتخيير ، إلا أن ( إما ) تدخل على كلا الاسمين المخير بين مدلوليهما ms3765 ~~وتحتاج إلى أن تتلى بالواو ، و ( أو ) لا تدخل إلا على ثاني الاسمين . وكان ~~التساوي بين الأمرين مع ( إما ) أظهر منه مع ( أو ) لأن ( أو ) تشعر بأن ~~الاسم المعطوف عليه مقصود ابتداء . وتقدم الكلام عليها عند قوله تعالى : { ~~قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين في سورة الأعراف ( 115 ~~) . | # ويعذبهم ويتوب عليهم } فعلان في معنى المصدر حذفت ( أن ) المصدرية منهما ~~فارتفعا كارتفاع قولهم : ( تسمع بالمعيدي خير من أن تراه ) لأن موقع ما بعد ~~( إما ) للاسم نحو { إما العذاب وإما الساعة } ( مريم : 75 ) و { وإما أن ~~تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا } ( الكهف : 86 ) . | # وجملة : { والله عليم حكيم } تذييل مناسب لإبهام أمرهم على الناس ، أي ~~والله عليم بما يليق بهم من الأمرين ، محكم تقديره حين تتعلق به إرادته . | # | PageV11P028 # | 2 ( 107 ، 108 ) { لله والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين ~~المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى ~~والله يشهد إنهم لكاذبون * لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول ~~يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين } ) 2 # هذا كلام على فريق آخر من المؤاخذين بأعمال عملوها غضب الله عليهم من ~~أجلها ، وهم فريق من المنافقين بنوا مسجدا حول قباء لغرض سيء لينصرف ~~إخوانهم عن مسجد المؤمنين وينفردوا معهم بمسجد يخصهم . | # فالجملة مستأنفة ابتدائية على قراءة من قرأها غير مفتتحة بواو العطف ، ~~وهي قراءة نافع وابن عامر وأبي جعفر . ونكتة الاستئناف هنا التنبيه على ~~الاختلاف بين حال المراد بها وبين حال المراد بالجملة التي قبلها وهم ~~المرجون لأمر الله . وقرأها البقية بواو العطف في أولها ، فتكون معطوفة على ~~التي قبلها لأنها مثلها في ذكر فريق آخر مثل من ذكر فيما قبلها . وعلى كلتا ~~القراءتين فالكلام جملة أثر جملة وليس ما بعد الواو عطف مفرد . | # وقوله { الذين } مبتدأ وخبره جملة : { لا تقم فيه أبدا } كما قاله ~~الكسائي . والرابط هو الضمير المجرور من قوله : { لا تقم فيه ms3766 } لأن ذلك ~~الضمير عائد إلى المسجد وهو مفعول صلة الموصول فهو سببي للمبتدأ ، إذ ~~التقدير : لا تقم في مسجد اتخذوه ضرارا ، أو في مسجدهم ، كما قدره الكسائي ~~. ومن أعربوا { أفمن أسس بنيانه } ( التوبة : 109 ) خبرا فقد بعدوا عن ~~المعنى . | # والآية أشارت إلى قصة اتخاذ المنافقين مسجدا قرب مسجد قباء لقصد الضرار ، ~~وهم طائفة من بني غنم بن عوف وبني سالم بن عوف من أهل العوالي . كانوا اثني ~~عشر رجلا سماهم ابن عطية . وكان سبب بنائهم إياه أن أبا عامر PageV11P029 ~~واسمه عبد عمرو ، ويلقب بالراهب من بني غنم بن عوف كان قد تنصر في الجاهلية ~~فلما جاء الإسلام كان من المنافقين . ثم جاهر بالعداوة وخرج في جماعة من ~~المنافقين فحزب الأحزاب التي حاصرت المدينة في وقعة الخندق فلما هزمهم الله ~~أقام أبو عامر بمكة . ولما فتحت مكة هرب إلى الطائف ، فلما فتحت الطائف ~~وأسلمت ثقيف خرج أبو عامر إلى الشام يستنصر بقيصر ، وكتب إلى المنافقين من ~~قومه يأمرهم بأن يبنوا مسجدا ليخلصوا فيه بأنفسهم ، ويعدهم أنه سيأتي في ~~جيش من الروم ويخرج المسلمين من المدينة . فانتدب لذلك اثنا عشر رجلا من ~~المنافقين بعضهم من بني عمرو بن عوف وبعضهم من أحلافهم من بني ضبيعة بن زيد ~~وغيرهم ، فبنوه بجانب مسجد قباء ، وذلك قبيل مخرج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى تبوك . وأتوا النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا : بنينا مسجدا لذي ~~العلة والحاجة والليلة المطيرة ونحن نحب أن تصلي لنا فيه ، فقال لهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إني على جناح سفر وحال شغل وإذا قدمنا إن شاء الله ~~صلينا فيه . فلما قفل من غزوة تبوك سألوه أن يأتي مسجدهم فأنزل الله هذه ~~الآية ، وحلفوا أنهم ما أرادوا به إلا خيرا . | # والضرار : مصدر ضار مبالغة في ضر ، أي ضرارا لأهل الإسلام . والتفريق بين ~~المؤمنين هو ما قصدوه من صرف بني غنم وبني سالم عن قباء . | # والإرصاد : التهيئة . والمراد بمن حارب الله ورسوله أبو عامر الراهب ، ~~لأنه حارب رسول الله ms3767 صلى الله عليه وسلم مع الأحزاب وحاربه مع ثقيف وهوازن ~~، فقوله : { من قبل } إشارة إلى ذلك ، أي من قبل بناء المسجد . | # وجملة : { وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى } معترضة ، أو في موضع الحال . ~~والحسنى : الخير . | # وجملة : { والله يشهد إنهم لكاذبون } معترضة . | # وجملة : { لا تقم فيه أبدا } هي الخبر عن اسم الموصول كما قدمنا . ~~والمراد بالقيام الصلاة لأن أولها قيام . | PageV11P030 # ووجه النهي عن الصلاة فيه أن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم فيه تكسبه ~~يمنا وبركة فلا يرى المسلمون لمسجد قباء مزية عليه فيقتصر بنو غنم وبنو ~~سالم على الصلاة فيه لقربه من منازلهم ، وبذلك يحصل غرض المنافقين من وضعه ~~للتفريق بين جماعة المسلمين . فلما كانت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم فيه ~~مفضية إلى ترويج مقصدهم الفاسد صار ذلك وسيلة إلى مفسدة فتوجه النهي إليه . ~~وهذا لا يطلع على مثله إلا الله تعالى . وهذا النهي يعم جميع المسلمين لأنه ~~لما نهي النبي عن الصلاة فيه علم أن الله سلب عنه وصف المسجدية فصارت ~~الصلاة فيه باطلة لأن النهي يقتضي فساد المنهي عنه ، ولذلك أمر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عمار بن ياسر ووحشيا مولى المطعم بن عدي ومالك بن ~~الدخشم ومعن بن عدي فقال : ( انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه ~~وحرقوه ) ، ففعلوا . وتحريقه تحريق الأعواد التي يتخذ منها السقف ، ~~والجذوعع التي تجعل له أعمدة . | # وقوله : { لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه } احتراس مما ~~يستلزمه النهي عن الصلاة فيه من إضاعة عبادة في الوقت الذي رغبوه للصلاة ~~فيه فأمره الله بأن يصلي في ذلك الوقت الذي دعوه فيه للصلاة في مسجد الضرار ~~أن يصلي في مسجده أو في مسجد قباء ، لئلا يكون لامتناعه من الصلاة من حظوظ ~~الشيطان أن يكون صرفه عن صلاة في وقت دعي للصلاة فيه ، وهذا أدب نفساني ~~عظيم . | # وفيه أيضا دفع مكيدة المنافقين أن يطعنوا في الرسول صلى الله عليه وسلم ~~بأنه دعي إلى الصلاة في مسجدهم فامتنع ، فقوله : { أحق } وإن ms3768 كان اسم تفضيل ~~فهو مسلوب المفاضلة لأن النهي عن صلاته في مسجد الضرار أزال كونه حقيقا ~~بصلاته فيه أصلا . | # ولعل نكتة الإتيان باسم التفضيل أنه تهكم على المنافقين بمجازاتهم ظاهرا ~~في دعوتهم النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة فيه بأنه وإن كان حقيقا بصلاته ~~بمسجد أسس على التقوى أحق منه ، فيعرف من وصفه بأنه { أسس على التقوى } أن ~~هذا أسس على ضدها . | PageV11P031 # وثبت في ( صحيح مسلم ) وغيره عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم سئل عن المراد من المسجد الذي أسس على التقوى في هذه الآية فقال : ( ~~هو مسجدكم هذا ) . يعني المسجد النبوي بالمدينة . وثبت في الصحيح أيضا أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم بين الرجال الذين يحبون أن يتطهروا بأنهم بنو ~~عمرو بن عوف أصحاب مسجد قباء . وذلك يقتضي أن المسجد الذي أسس على التقوى ~~من أول يوم هو مسجدهم ، لقوله : { فيه رجال } . | # ووجه الجمع بين هذين عندي أن يكون المراد بقوله تعالى : { لمسجد أسس على ~~التقوى من أول يوم } المسجد الذي هذه صفته لا مسجدا واحدا معينا ، فيكون ~~هذا الوصف كليا انحصر في فردين المسجد النبوي ومسجد قباء ، فأيهما صلى فيه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في الوقت الذي دعوه فيه للصلاة في مسجد ~~الضرار كان ذلك أحق وأجدر ، فيحصل النجاء من حظ الشيطان في الامتناع من ~~الصلاة في مسجدهم ، ومن مطاعنهم أيضا ، ويحصل الجمع بين الحديثين الصحيحين ~~. وقد كان قيام الرسول في المسجد النبوي هو دأبه . | # ومن جليل المنازع من هذه الآية ما فيها من حجة لصحة آراء أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذ جعلوا العام الذي كان فيه يوم الهجرة مبدأ التاريخ ~~في الإسلام . وذلك ما انتزعه السهيلي في ( الروض الأنف ) في فصل تأسيس مسجد ~~قباء إذ قال : ( وفي قوله سبحانه : { من أول يوم } ( وقد علم أنه ليس أول ~~الأيام كلها ولا أضافه إلى شيء في اللفظ الظاهر فيه ) من الفقه صحة ما اتفق ~~عليه الصحابة رضوان الله عليهم مع ms3769 عمر حين شاورهم في التاريخ ، فاتفق رأيهم ~~أن يكون التاريخ من عام الهجرة لأنه الوقت الذي عز فيه الإسلام وأمن فيه ~~النبي صلى الله عليه وسلم فوافق هذا ظاهر التنزيل ) . | # وجملة : { فيه رجال يحبون أن يتطهروا } ثناء على مؤمني الأنصار الذين ~~يصلون بمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبمسجد قباء . وجاء الضمير مفردا ~~مراعاة للفظ ( مسجد ) الذي هو جنس ، كالإفراد في قوله تعالى : { وتؤمنون ~~بالكتاب كله } ( آل عمران : 119 ) . PageV11P032 وفيه تعريض بأن أهل مسجد ~~الضرار ليسوا كذلك . | # وقد كان المؤمنون من الأنصار يجمعون بين الاستجمار بالأحجار والغسل ~~بالماء كما دل عليه حديث رواه الدارقطني عن أبي أيوب وجابر بن عبد الله ~~وأنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية { فيه رجال ~~يحبون أن يتطهروا } فقال : ( يا معشر الأنصار إن الله قد أثنى عليكم خيرا ~~في الطهور فما طهوركم ؟ قالوا : إن أحدنا إذا خرج من الغائط أحب أن يستنجي ~~بالماء . قال : هو ذلك فعليكموه ) ، فهذا يعم الأنصار كلهم . ولا يعارضه ~~حديث أبي داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل أهل قباء عن طهارتهم ~~لأن أهل قباء هم أيضا من الأنصار ، فسؤاله إياهم لتحقق اطراد هذا التطهر في ~~قبائل الأنصار . | # وأطلقت المحبة في قوله : { يحبون } كناية عن عمل الشيء المحبوب لأن الذي ~~يحب شيئا ممكنا يعمله لا محالة . فقصد التنويه بهم بأنهم يتطهرون تقربا إلى ~~الله بالطهارة وإرضاء لمحبة نفوسهم إياها ، بحيث صارت الطهارة خلقا لهم فلو ~~لم تجب عليهم لفعلوها من تلقاء أنفسهم . | # وجملة : { والله يحب المطهرين } تذييل . وفيه إشارة إلى أن نفوسهم وافقت ~~خلقا يحبه الله تعالى . وكفى بذلك تنويها بزكاء أنفسهم . | # | 2 ( 109 ) { أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس ~~بنيانه على شفا جرف هار فانهار به فى نار جهنم والله لا يهدى القوم ~~الظالمين } ) 2 # تفريع على قوله : { لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه } ( ~~التوبة : 108 ) لزيادة بيان أحقية المسجد ms3770 المؤسس على التقوى بالصلاة فيه . ~~| # وبيان أن تفضيل ذلك المسجد في أنه حقيق بالصلاة فيه تفضيل مسلوب المشاركة ~~لأن مسجد الضرار ليس حقيقا بالصلاة فيه بعد النهي ، لأن صلاة النبي صلى ~~الله عليه PageV11P033 وسلم لو وقعت لأكسبت مقصد واضعيه رواجا بين الأمة ~~وهو غرضهم التفريق بين جماعات المسلمين كما تقدم . | # والفاء مؤخرة عن همزة الاستفهام لأحقية حرف الاستفهام بالتصدير . ~~والاستفهام تقريري . | # والتأسيس : بناء الأساس ، وهو قاعدة الجدار المبني من حجر وطين أو جص . | # والبنيان في الأصل مصدر بوزن الغفران والكفران ، اسم لإقامة البيت ووضعه ~~سواء كان البيت من أثواب أم من أدم أم كان من حجر وطين فكل ذلك بناء . ~~ويطلق البنيان على المبني من الحجر والطين خاصة . وهو هنا مطلق على المفعول ~~، أي المبني . وما صدق ( من ) صاحب البناء ومستحقه ، فإضافة البنيان إلى ~~ضمير ( من ) إضافة على معنى اللام . وشبه القصد الذي جعل البناء لأجله ~~بأساس البناء ، فاستعير له فعل { أسس } في الموضعين . | # ولما كان من شأن الأساس أن تطلب له صلابة الأرض لدوامه جعلت التقوى في ~~القصد الذي بني له أحد المسجدين ، فشبهت التقوى بما يرتكز عليه الأساس على ~~طريقة المكنية ، ورمز إلى المشبه به المحذوف بشيء من ملائماته وهو حرف ~~الاستعلاء . وفهم أن هذا المشبه به شيء راسخ ثابت بطريق المقابلة في تشبيه ~~الضد بما أسس على شفا جرف هار ، وذلك بأن شبه المقصد الفاسد بالبناء بجرف ~~جرف منهار في عدم ثبات ما يقام عليه من الأساس بله البناء على طريقة ~~الاستعارة التصريحية . وحرف الاستعلاء ترشيح . | # وفرع على هذه الاستعارة الأخيرة تمثيل حالة هدمه في الدنيا وإفضائه ~~ببانيه إلى جهنم في الآخرة بانهيار البناء المؤسس على شفا جرف هار بساكنه ~~في هوة . وجعل الانهيار به إلى نار جهنم إفضاء إلى الغاية من التشبيه . ~~فالهيئة المشبهة مركبة من محسوس ومعقول وكذلك الهيئة المشبه بها . ومقصود ~~أن البنيان الأول حصل منه غرض بانيه PageV11P034 لأن غرض الباني دوام ما ~~بناه . فهم لما بنوه لقصد التقوى ورضى الله تعالى ولم يذكر ms3771 ما يقتضي خيبتهم ~~فيه كما ذكر في مقابله علم أنهم قد اتقوا الله بذلك وأرضوه ففازوا بالجنة ، ~~كما دلت عليه المقابلة ، وأن البنيان الثاني لم يحصل غرض بانيه وهو الضرار ~~والتفريق فخابوا فيما قصدوه فلم يثبت المقصد ، وكان عدم ثباته مفضيا بهم ~~إلى النار كما يفضي البناء المنهار بساكنه إلى الهلاك . | # والشفا بفتح الشين وبالقصر : حرف البئر وحرف الحفرة . | # والجرف بضمتين : جانب الوادي وجانب الهوة . | # وهار : اسم مشتق من هار البناء إذا تصدع ، فقيل : أصله هور بفتحتين كما ~~قالوا خلف في خالف . وليست الألف التي بعد الهاء ألف فاعل بل هي عين الكلمة ~~منقلبة عن الواو لأن الواو متحركة وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا ، وقيل هو ~~اسم فاعل من هار البناء وأصل وزنه هاور ، فوقع فيه قلب بين عينه ولامه ~~تخفيفا . وقد وقع ذلك في ألفاظ كثيرة من اللغة مثل قولهم : شاكي السلاح ، ~~أصله شائك . ورجل صات عالي الصوت أصله صائت . ويدل لذلك قولهم : انهار ولم ~~يقولوا انهرى . وهر مبالغة في هار . | # وقرأ نافع وابن عامر وحدهما فعل { أسس } في الموضعين بصيغة البناء ~~للمفعول ورفع { بنيانه } في الموضعين . وقرأها الباقون بالبناء للفاعل ونصب ~~{ بنيانه } في الموضعين . | # وقرأ الجمهور { جرف } بضم الراء . وقرأه ابن عامر وحمزة وأبو بكر عن عاصم ~~وخلف بسكون الراء . | # وجملة : { والله لا يهدي القوم الظالمين } تذييل ، وهو عام يشمل هؤلاء ~~الظالمين الذين بنوا مسجد الضرار وغيرهم . | # | 2 ( 110 ) { لا يزال بنيانهم الذى بنوا ريبة فى قلوبهم إلا أن تقطع ~~قلوبهم والله عليم حكيم } ) 2 # جملة : { لا يزال بنيانهم } يجوز أن تكون مستأنفة لتعداد مساوي مسجد ~~الضرار بذكر سوء عواقبه بعد أن ذكر سوء الباعثث عليه وبعد أن ذكر سوء وقعه ~~في الإسلام PageV11P035 بأن نهى الله رسوله عن الصلاة فيه وأمره بهدمه ، ~~لأنه لما نهاه عن الصلاة فيه فقد صار المسلمون كلهم منهيين عن الصلاة فيه ، ~~فسلب عنه حكم المساجد ، ولذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بهدمه . ~~ويرجح هذا الوجه أنه لم يؤت بضمير المسجد أو ms3772 البنيان بل جيء باسمه الظاهر . ~~| # ويجوز أن تكون خبرا ثانيا عن { الذين اتخذوا مسجدا ضرارا } ( التوبة : ~~107 ) كأنه قيل : لا تقم فيه ولا يزال ريبة في قلوبهم ، ويكون إظهار لفظ { ~~بنيانهم } لزيادة إيضاحه . والرابط هو ضمير { قلوبهم } . | # والمعنى أن ذلك المسجد لما بنوه لغرض فاسد فقد جعله الله سببا لبقاء ~~النفاق في قلوبهم ما دامت قلوبهم في أجسادهم . | # وجعل البنيان ريبة مبالغة كالوصف بالمصدر . والمعنى أنه سبب للريبة في ~~قلوبهم . والريبة : الشك ، فإن النفاق شك في الدين ، لأن أصحابه يترددون ~~بين موالاة المسلمين والإخلاص للكافرين . | # وقوله : { إلا أن تقطع قلوبهم } استثناء تهكمي . وهو من قبيل تأكيد الشيء ~~بما يشبه ضده كقوله تعالى : { ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط ~~} ( الأعراف : 40 ) ، أي يبقى ريبة أبدا إلا أن تقطع قلوبهم منهم وما هي ~~بمقطعة . | # وجملة : { والله عليم حكيم } تذييل مناسب لهذا الجعل العجيب والإحكام ~~الرشيق . وهو أن يكون ذلك البناء سبب حسرة عليهم في الدنيا والآخرة . | # وقرأ الجمهور { تقطع } بضم التاء . وقرأه ابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم ~~وأبو جعفر ويعقوب { تقطع } بفتح التاء على أن أصله تتقطع . وقرأ يعقوب { ~~إلى أن تقطع } بحرف ( إلى ) التي للانتهاء . | # | PageV11P036 # | 2 ( 111 ) { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ~~يقاتلون فى سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل ~~والقرءان ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذى بايعتم به وذالك هو ~~الفوز العظيم } . ) 2 # استئناف ابتدائي للتنويه بأهل غزوة تبوك وهم جيش العسرة ، ليكون توطئة ~~وتمهيدا لذكر التوبة على الذين تخلفوا عن الغزوة وكانوا صادقين في أيمانهم ~~، وإنباء الذين أضمروا الكفر نفاقا بأنهم لا يتوب الله عليهم ولا يستغفر ~~لهم رسوله صلى الله عليه وسلم والمناسبة ما تقدم من ذكر أحوال المنافقين ~~الذين تسلسل الكلام عليهم ابتداء من قوله : { يأيها الذين آمنوا ما لكم إذا ~~قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض } ( التوبة : 38 ) الآيات ، ~~وما تولد على ذلك من ذكر مختلف أحوال المخلفين ms3773 عن الجهاد واعتلالهم وما عقب ~~ذلك من بناء مسجد الضرار . | # وافتتحت الجملة بحرف التوكيد للاهتمام بالخبر ، المتضمنة على أنه لما كان ~~فاتحة التحريض على الجهاد بصيغة الاستفهام الإنكاري وتمثيلهم بحال من ~~يستنهض لعمل فيتثاقل إلى الأرض في قوله تعالى : { مالكم إذا قيل لكم انفروا ~~في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض } ( التوبة : 38 ) ناسب أن ينزل المؤمنون ~~منزلة المتردد الطالب في كون جزاء الجهاد استحقاق الجنة . | # وجيء بالمسند جملة فعلية لإفادتها معنى المضي إشارة إلى أن ذلك أمر قد ~~استقر من قبل ، كما سيأتي في قوله : { وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل ~~والقرآن } ، وأنهم كالذين نسوه أو تناسوه حين لم يخفوا إلى النفير الذي ~~استنفروه إشارة إلى أن الوعد بذلك قديم متكرر معروف في الكتب السماوية . | # والاشتراء : مستعار للوعد بالجزاء عن الجهاد ، كما دل عليه قوله : { وعدا ~~عليه حقا } بمشابهة الوعد الاشتراء في أنه إعطاء شيء مقابل بذل من الجانب ~~الآخر . | PageV11P037 # ولما كان شأن الباء أن تدخل على الثمن في صيغ الاشتراء أدخلت هنا في { ~~بأن لهم الجنة } لمشابهة هذا الوعد الثمن . وليس في هذا التركيب تمثيل إذ ~~ليس ثمة هيئة مشبهة وأخرى مشبه بها . | # والمراد بالمؤمنين في الأظهر أن يكون مؤمني هذه الأمة . وهو المناسب ~~لقوله بعد : { فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به } . | # ويكون معنى قوله : { وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل } ما جاء في ~~التوراة والإنجيل من وصف أصحاب الرسول الذي يختم الرسالة . وهو ما أشار ~~إليه قوله تعالى : { والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم إلى قوله ذلك ~~مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل إلى قوله ليغيظ بهم الكفار } ( الفتح : ~~29 ) . | # ويجوز أن يكون جميع المؤمنين بالرسل عليهم الصلاة والسلام وهو أنسب لقوله ~~: { في التوراة والإنجيل } ، وحينئذ فالمراد الذين أمروا منهم بالجهاد ومن ~~أمروا بالصبر على اتباع الدين من أتباع دين المسيحية على وجهها الحق فإنهم ~~صبروا على القتل والتعذيب . فإطلاق المقاتلة في سبيل الله على صبرهم على ~~القتل ونحوه مجاز ، وبذلك يكون فعل { يقاتلون } مستعملا في حقيقته ومجازه ms3774 . ~~| # واللام في { لهم الجنة } للملك والاستحقاق . والمجرور مصدر ، والتقدير : ~~بتحقيق تملكهم الجنة ، وإنما لم يقل بالجنة لأن الثمن لما كان آجلا كان هذا ~~البيع من جنس السلم . | # وجملة : { يقاتلون في سبيل الله } مستأنفة استئنافا بيانيا ، لأن اشتراء ~~الأنفس والأموال لغرابته في الظاهر يثير سؤال من يقول : كيف يبذلون أنفسهم ~~وأموالهم ؟ فكان جوابه { يقاتلون في سبيل الله } الخ . | # قال الطيبي : ( فقوله { يقاتلون } بيان ، لأن مكان التسليم هو المعركة ، ~~لأن هذا البيع سلم ، ومن ثم قيل { بأن لهم الجنة } ولم يقل بالجنة . وأتي ~~بالأمر في صورة الخبر ثم ألزم الله البيع من جانبه وضمن إيصال الثمن إليهم ~~بقوله : { وعدا عليه حقا } ، أي لا إقالة PageV11P038 ولا استقالة من حضرة ~~العزة . ثم ما اكتفى بذلك بل عين الصكوك المثبت فيها هذه المبايعة وهي ~~التوراة والإنجيل والقرآن ) اه . وهو يرمي بهذا إلى أن تكون الآية تتضمن ~~تمثيلا عكس ما فسرنا به آنفا . | # وقوله : { فيقتلون ويقتلون } تفريع على { يقاتلون } ، لأن حال المقاتل لا ~~تخلو من أحد هذين الأمرين . وقرأ الجمهور { فيقتلون } بصيغة المبني للفاعل ~~وما بعده بصيغة المبني للمفعول . وقرأ حمزة والكسائي بالعكس . وفي قراءة ~~الجمهور اهتمام بجهادهم بقتل العدو ، وفي القراءة الأخرى اهتمام بسبب ~~الشهادة التي هي أدخل في استحقاق الجنة . | # و { وعدا } منصوب على المفعولية المطلقة من { اشترى } ، لأنه بمعنى وعد ~~إذ العوض مؤجل . و { حقا } صفة { وعدا } . و { عليه } ظرف لغو متعلق ب { ~~حقا } ، قدم على عامله للاهتمام بما دل عليه حرف ( على ) من معنى الوجوب . ~~| # وقوله : { في التوراة } حال من { وعدا } . والظرفية ظرفية الكتاب للمكتوب ~~، أي مكتوبا في التوارة والإنجيل والقرآن . | # وجملة : { ومن أوفى بعهده من الله } في موضع الحال من الضمير المجرور في ~~قوله : { وعدا عليه حقا } ، أي وعدا حقا عليه ولا أحد أوفى بعهده منه ، ~~فالاستفهام إنكاري بتنزيل السامع منزلة من يجعل هذا الوعد محتملا للوفاء ~~وعدمه كغالب الوعود فيقال : ومن أوفى بعهده من الله إنكارا عليه . | # و { أوفى } اسم تفضيل من وفى بالعهد إذا فعل ما عاهد على فعله ms3775 . | ~~PageV11P039 # و { من } تفضيلية ، وهي للابتداء عند سيبويه ، أي للابتداء المجازي . ~~وذكر اسم الجلالة عوضا عن ضميره لإحضار المعنى الجامع لصفات الكمال . ~~والعهد : الوعد بحلف والوعد الموكد ، والبيعة عهد ، والوصية عهد . | # وتفرع على كون الوعد حقا على الله ، وعلى أن الله أوفى بعهده من كل واعد ~~، أن يستبشر المؤمنون ببيعهم هذا ، فالخطاب للمؤمنين من هذه الأمة . وأضيف ~~البيع إلى ضميرهم إظهارا لاغتباطهم به . | # ووصفه بالموصول وصلته { الذي بايعتم به } تأكيدا لمعنى { بيعكم } ، فهو ~~تأكيد لفظي بلفظ مرادف . | # وجملة : { وذلك هو الفوز العظيم } تذييل جامع ، فإن اسم الإشارة الواقع ~~في أوله جامع لصفات ذلك البيع بعوضيه . وأكد بضمير الفصل وبالجملة الاسمية ~~والوصف ب { العظيم } المفيد للأهمية . | # | 2 ( 112 ) { التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون ~~الامرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين } ~~) 2 # اسماء الفاعلين هنا أوصاف للمؤمنين من قوله : { إن الله اشترى من ~~المؤمنين } ( التوبة : 111 ) فكان أصلها الجر ، ولكنها قطعت عن الوصفية ~~وجعلت أخبارا لمبتدأ محذوف هو ضمير الجمع اهتماما بهذه النعوت اهتماما ~~أخرجها عن الوصفية إلى الخبرية ، ويسمى هذا الاستعمال نعتا مقطوعا ، وما هو ~~بنعت اصطلاحي ولكنه نعت في المعنى . | # ف { التائبون } مراد منه أنهم مفارقون للذنوب سواء كان ذلك من غير ~~اقترافف ذنب يقتضي التوبة كما قال تعالى : { لقد تاب الله على النبي ~~والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه } ( التوبة : 117 ) الآية أم كان بعد ~~اقترافه كقوله تعالى : { فإن يتوبوا يك خيرا لهم } ( التوبة : 74 ) بعد ~~قوله : { ولقد قالوا PageV11P040 كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم } ( التوبة ~~: 74 ) الآية المتقدمة آنفا . وأول التوبة الإيمان لأنه إقلاع عن الشرك ، ~~ثم يدخل منهم من كان له ذنب مع الإيمان وتاب منه . وبذلك فارق النعت ~~المنعوت وهو { المؤمنين } ( التوبة : 111 ) . | # و { العابدون } : المؤدون لما أوجب الله عليهم . | # و { الحامدون } : المعترفون لله تعالى بنعمه عليهم الشاكرون له . | # و { السائحون } : مشتق من السياحة . وهي السير في الأرض . والمراد به سير ~~خاص محمود شرعا . وهو السفر الذي فيه قربة لله وامتثال لأمره ، مثل سفر ~~الهجرة من ms3776 دار الكفر أو السفر للحج أو السفر للجهاد . وحمله هنا على السفر ~~للجهاد أنسب بالمقام وأشمل للمؤمنين المأمورين بالجهاد بخلاف الهجرة والحج ~~. | # و { الراكعون الساجدون } : هم الجامعون بينهما ، أي المصلون ، إذ الصلاة ~~المفروضة لا تخلو من الركوع والسجود . | # و { الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر } : الذين يدعون الناس إلى ~~الهدى والرشاد وينهونهم عما ينكره الشرع ويأباه . وإنما ذكر الناهون عن ~~المنكر بحرف العطف دون بقية الصفات ، وإن كان العطف وتركه في الأخبار ~~ونحوها جائزين ، إلا أن المناسبة في عطف هذين دون غيرهما من الأوصاف أن ~~الصفات المذكورة قبلها في قوله : { الراكعون الساجدون } ظاهرة في استقلال ~~بعضها عن بعض . ثم لما ذكر { الراكعون الساجدون } علم أن المراد الجامعون ~~بينهما ، أي المصلون بالنسبة إلى المسلمين . ولأن الموصوفين بالركوع ~~والسجود ممن وعدهم الله في التوارة والإنجيل كانت صلاة بعضهم ركوعا فقط ، ~~قال تعالى في شأن داود عليه السلام : { وخر راكعا وأناب } ( ص : 24 ) ، ~~وبعض الصلوات سجودا فقط كبعض صلاة النصارى ، قال تعالى : { يا مريم اقنتي ~~لربك واسجدي واركعي مع الراكعين } ( آل عمران : 43 ) . ولما جاء بعده { ~~الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر } وكانا صفتين مستقلتين عطفتا بالواو ~~لئلا يتوهم اعتبار الجمع بينهما كالوصفين اللذين قبلهما وهما { الراكعون ~~الساجدون } فالواو هنا كالتي في قوله تعالى : { ثيبات وأبكارا } ( التوبة : ~~112 ) . | PageV11P041 # و { الحافظون لحدود الله } : صفة جامعة للعمل بالتكاليف الشرعية عند ~~توجهها . وحقيقة الحفظ توخي بقاء الشيء في المكان الذي يراد كونه فيه رغبة ~~صاحبه في بقائه ورعايته عن أن يضيع . ويطلق مجازا شائعا على ملازمة العمل ~~بما يؤمر به على نحو ما أمر به وهو المراد هنا ، أي والحافظون لما عين الله ~~لهم ، أي غير المضيعين لشيء من حدود الله . | # وأطلقت الحدود مجازا على الوصايا والأوامر . فالحدود تشمل العبادات ~~والمعاملات لما تقدم في قوله تعالى : { تلك حدود الله فلا تعتدوها في سورة ~~البقرة ( 229 ) . ولذلك ختمت بها هذه الأوصاف . وعطفت بالواو لئلا يوهم ترك ~~العطف أنها مع التي قبلها صفتان متلازمتان معدودتان بعد صفة الأمر بالمعروف ~~. | # وقال ms3777 جمع من العلماء : إن الواو في قوله : والناهون عن المنكر } واو يكثر ~~وقوعها في كلام العرب عند ذكر معدود ثامن ، وسموها واو الثمانية . قال ابن ~~عطية : ذكرها ابن خالويه في مناظرته لأبي علي الفارسي في معنى قوله تعالى : ~~{ حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها } ( الزمر : 73 ) . وأنكرها أبو علي ~~الفارسي . وقال ابن هشام في ( مغني اللبيب ) ( وذكرها جماعة من الأدباء ~~كالحريري ، ومن المفسرين كالثعلبي ، وزعموا أن العرب إذا عدوا قالوا : ستة ~~سبعة وثمانية ، إيذانا بأن السبعة عدد تام وأن ما بعدها عدد مستأنف ، ~~واستدلوا بآيات إحداها : { سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم إلى قوله سبحانه ~~سبعة وثامنهم كلبهم } ( الكهف : 22 ) . ثم قال : الثانية آية الزمر ( 71 ) ~~إذ قيل : { فتحت } في آية النار لأن أبواب جهنم سبعة ، { وفتحت } ( الزمر : ~~73 ) في آية الجنة إذ أبوابها ثمانية . ثم قال : الثالثة : { والناهون عن ~~المنكر } فإنه الوصف الثامن . ثم قال : والرابعة : { وأبكارا في آية ~~التحريم ( 5 ) ذكرها القاضي الفاضل وتبجح باستخراجها وقد سبقه إلى ذكرها ~~الثعلبي . . . وأما قول الثعلبي : أن منها الواو في قوله تعالى : سبع ليال ~~وثمانية أيام حسوما } ( الحاقة : 7 ) فسهو بين وإنما هذه واو العطف اه . ~~وأطال في خلال كلامه بردود ونقوض . | # وقال ابن عطية ( وحدثني أبي عن الأستاذ النحوي أبي عبد الله الكفيف ~~المالقي وأنه قال : هي لغة فصيحة لبعض العرب من شأنهم أن يقولوا إذا عدوا : ~~واحد ، اثنان ، PageV11P042 ثلاثة ، أربعة ، خمسة ، ستة ، سبعة ، وثمانية ، ~~تسعة ، عشرة ، فهكذا هي لغتهم . ومتى جاء في كلامهم أمر ثمانية أدخلوا ~~الواو ) اه . | # وقال القرطبي : هي لغة قريش . | # وأقول : كثر الخوض في هذا المعنى للواو إثباتا ونفيا ، وتوجيها ونقضا . ~~والوجه عندي أنه استعمال ثابت ، فأما في المعدود الثامن فقد اطرد في الآيات ~~القرآنية المستدل بها . ولا يريبك أن بعض المقترن بالواو فيها ليس بثامن في ~~العدة لأن العبرة بكونه ثامنا في الذكر لا في الرتبة . | # وأما اقتران الواو بالأمر الذي فيه معنى الثامن كما قالوا في قوله تعالى ~~: { وفتحت أبوابها } ( الزمر : 73 ) . فإن مجيء الواو لكون أبواب ms3778 الجنة ~~ثمانية ، فلا أحسبه إلا نكتة لطيفة جاءت اتفاقية . وسيجيء هذا عند قوله ~~تعالى في سورة الزمر { حتى إذا جاءها وفتحت أبوابها } ( الزمر : 73 ) . | # وجملة : { وبشر المؤمنين } عطف على جملة { إن الله اشترى من المؤمنين } ( ~~التوبة : 111 ) عطف إنشاء على خبر . ومما حسنه أن المقصود من الخبر ~~المعطوفف عليه العمل به فأشبه الأمر . والمقصود من الأمر بتبشيرهم إبلاغهم ~~فكان كلتا الجملتين مرادا منها معنيان خبري وإنشائي . فالمراد بالمؤمنين هم ~~المؤمنون المعهودون من قوله : { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم ~~} ( التوبة : 111 ) . | # والبشارة تقدمت مرارا . | # | 2 ( 113 ) { ما كان للنبى والذين ءامنو ا أن يستغفروا للمشركين ولو ~~كانو ا أولى قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم } ) 2 # | $ # استئناف نسخ به التخيير الواقع في قوله تعالى : { استغفر لهم أو لا ~~تستغفر لهم } ( التوبة : 80 ) فإن في ذلك تسوية بين أن يستغفر النبي صلى ~~الله عليه وسلم لهم وبين أن لا يستغفر في PageV11P043 انتفاء أهم الغرضين ~~من الاستغفار ، وهو حصول الغفران ، فبقي للتخيير غرض آخر وهو حسن القول لمن ~~يرى النبي صلى الله عليه وسلم أنه أهل للملاطفة لذاته أو لبعض أهله ، مثل ~~قصة عبد الله بنن عبد الله بنن أبي ، فأراد الله نسخ ذلك بعد أن درج في ~~تلقية على عادة التشريع في غالب الأحوال . ولعل الغرض الذي لأجله أبقي ~~التخيير في الاستغفار لهم قد ضعف ما فيه من المصلحة ورجح ما فيه من المفسدة ~~بانقراضض من هم أهل لحسن القول وغلبة الدهماء من المنافقين الذين يحسبون أن ~~استغفار النبي صلى الله عليه وسلم لهم يغفر لهم ذنوبهم فيصبحوا فرحين بأنهم ~~ربحوا الصفقتين وأرضوا الفريقين ، فنهى الله النبي صلى الله عليه وسلم ولعل ~~المسلمين لما سمعوا تخيير النبي في الاستغفار للمشركين ذهبوا يستغفرون ~~لأهليهم وأصحابهم من المشركين طمعا في إيصال النفع إليهم في الآخرة فأصبح ~~ذلك ذريعة إلى اعتقاد مساواة المشركين للمؤمنين في المغفرة فينتفي التفاضل ~~الباعث على الرغبة في الإيمان ، فنهى الله النبي صلى الله عليه وسلم ms3779 ~~والمؤمنين معا عن الاستغفار للمشركين بعد أن رخصه للنبيء صلى الله عليه ~~وسلم خاصة في قوله : { استغفر لهم أو لا تستغفر لهم } ( التوبة : 80 ) . | # وروى الترمذي والنسائي عن علي قال : سمعت رجلا يستغفر لأبويه المشركين ~~قال : فقلت له : أتستغفر لأبويك وهما مشركان ؟ فقال : أليس قد استغفر ~~إبراهيم لأبويه وهما مشركان ، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فنزلت هذه الآية ، إلى قوله تعالى : { إن إبراهيم لأواه حليم } ( التوبة : ~~114 ) . قال الترمذي : حديث حسن . | # وقال ابن العربي في ( العارضة ) : هو أضعف ما روي في هذا الباب . وأما ما ~~روي في أسباب النزول أن هذه الآية نزلت في استغفار النبي صلى الله عليه ~~وسلم لأبي طالب ، أو أنها نزلت في سؤاله ربه أن يستغفر لأمه آمنة حين زار ~~قبرها بالأبواء . فهما خبران واهيان لأن هذه السورة نزلت بعد ذلك بزمن طويل ~~. | # وجاءت صيغة النهي بطريق نفي الكون مع لام الجحود مبالغة في التنزه عن هذا ~~الاستغفار ، كما تقدم عند قوله تعالى : { قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ~~ليس لي بحق في آخر سورة العقود ( 116 ) . | PageV11P044 # ويدخل في المشركين المنافقون الذين علم النبي نفاقهم والذين علم المسلمون ~~نفاقهم بتحقق الصفات التي أعلنت عليهم في هذه السورة وغيرها . | # وزيادة ولو كانوا أولي قربى } للمبالغة في استقصاء أقرب الأحوال إلى ~~المعذرة ، كما هو مفاد ( لو ) الوصلية ، أي فأولى إن لم يكونوا أولي قربى . ~~وهذه المبالغة لقطع المعذرة عن المخالف ، وتمهيد لتعليم من اغتر بما حكاه ~~القرآن من استغفار إبراهيم لأبيه في نحو قوله تعالى : { واغفر لأبي إنه كان ~~من الضالين } ( الشعراء : 86 ) . ولذلك عقبه بقوله : { وما كان استغفار ~~إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه } ( التوبة : 114 ) الخ . | # وقد تقدم الكلام على ( لو ) الاتصالية عند قوله تعالى : { ولو افتدى به ~~في سورة آل عمران ( 91 ) . | # | 2 ( 114 ) وما كان استغفار إبراهيم لابيه إلا عن موعدة وعدهآ إياه فلما ~~تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم } ) 2 # معطوفة على ms3780 جملة { ما كان للنبيء } ( التوبة : 113 ) الخ . وهي من تمام ~~الآية باعتبار ما فيها من قوله : { ولو كانوا أولي قربى } ( التوبة : 113 ) ~~إذ كان شأن ما لا ينبغي لنبينا محمد عليه الصلاة والسلام أن لا ينبغي لغيره ~~من الرسل عليهم الصلاة والسلام لأن معظم أحكامهم متحدة إلا ما خص به نبينا ~~من زيادة الفضل . وهذه من مسألة ( أن شرع من قبلنا شرع لنا ) فلا جرم ما ~~كان ما ورد من استغفار إبراهيم قد يثير تعارضا بين الآيتين ، فلذلك تصدى ~~القرآن للجواب عنه . وقد تقدم آنفا ما روي أن هذه سبب نزول الآية . | # والموعدة : اسم للوعد . والوعد صدر من أبي إبراهيم لا محالة ، كما يدل ~~عليه الاعتذار لإبراهيم لأنه لو كان إبراهيم هو الذي وعد أباه بالاستغفار ~~وكان استغفاره له للوفاء بوعده لكان يتجه من السؤال على الوعد بذلك وعلى ~~الوفاء به ما اتجه على وقوع الاستغفار له . فالتفسير الصحيح أن أبا إبراهيم ~~وعد إبراهيم بالإيمان ، فكان بمنزلة المؤلفة قلوبهم بالاستغفار له لأنه ظنه ~~مترددا في عبادة الأصنام لما قال له : { واهجرني مليا } ( مريم : 46 ) فسأل ~~الله له المغفرة لعله يرفض عبادة الأصنام كما يدل عليه قوله : { فلما تبين ~~له أنه عدو لله تبرأ منه } . PageV11P045 وطريق تبين أنه عدو لله إما الوحي ~~بأن نهاه الله عن الاستغفار له ، وإما بعد أن مات على الشرك . | # والتبرؤ : تفعل من برىء من كذا إذا تنزه عنه ، فالتبرؤ مبالغة في البراءة ~~. | # وجملة : { إن إبراهيم لأواه حليم } استئناف ثناء على إبراهيم . و { أواه ~~} فسر بمعان ترجع إلى الشفقة إما على النفس فتفيد الضراعة إلى الله ~~والاستغفار ، وإما على الناس فتفيد الرحمة بهم والدعاء لهم . | # ولفظ { أواه } مثال مبالغة : الذي يكثر قول أوه بلغاته الثلاث عشرة التي ~~عدها في ( القاموس ) ، وأشهرها أوه بفتح الهمزة وواو مفتوحة مشددة وهاء ~~ساكنة . قال المرادي في ( شرح التسهيل ) : وهذه أشهر لغاتها . وهي اسم فعل ~~مضارع بمعنى أتوجع لإنشاء التوجع ، لكن الوصف ب { أواه } كناية عن الرأفة ~~ورقة القلب والتضرع حين يوصف ms3781 به من ليس به وجع . والفعل المشتق منه ( أواه ~~) حقه أن يكون ثلاثيا لأن أمثلة المبالغة تصاغ من الثلاثي . وقد اختلف في ~~استعمال فعلل ثلاثي له ، فأثبته قطرب وأنكره عليه غيره من النحاة . | # وإتباع ( لأواه ) بوصف ( حليم ) هنا وفي آيات كثيرة قرينة على الكناية ~~وإيذان بمثار التأوه عنده . | # والحليم : صاحب الحلم . والحلم بكسر الحاء : صفة في النفس وهي رجاحة ~~العقل وثباتة ورصانة وتباعد عن العدوان . فهو صفة تقتضي هذه الأمور ، ~~ويجمعها عدم القسوة . ولا تنافي الانتصار للحق لكن بدون تجاوز للقدر ~~المشروع في الشرائع أو عند ذوي العقول . | # قال : | # حليم إذا ما الحلم زين أهله | # مع الحلم في عين العدو مهيب | # | PageV11P046 # | 2 ( 115 ) { وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما ~~يتقون إن الله بكل شيء عليم } ) 2 # عطف على جملة : { وما كان استغفار إبراهيم } ( التوبة : 114 ) لاعتذار عن ~~النبي وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام في استغفارهما لمن استغفرا لهما من ~~أولي القربى كأبي طالب وآزر ومن الأمة كعبد الله بن أبي بن سلول بأن فعلهما ~~ذلك ما كان إلا رجاء منهما هدى من استغفرا له ، وإعانة له إن كان الله ~~يريده ، فلما تبين لهما الثابت على كفره إما بموته عليه أو باليأس من ~~إيمانه تركا الاستغفار له ، وذلك كله بعد أن أبلغا الرسالة ونصحا لمن ~~استغفرا له . ولأجل هذا المعنى مهد الله لهما الاعتذار من قبل بقوله : { من ~~بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم } ( التوبة : 113 ) وقوله : { فلما تبين ~~له أنه عدو لله تبرأ منه } ( التوبة : 114 ) . وفي ذلك معذرة للمؤمنين ~~المستغفرين للمشركين من أولي قرابتهم قبل هذا النهي . فهذا من باب { عفا ~~الله عنك لم أذنت لهم } ( التوبة : 43 ) . | # وفيه تسجيل أيضا لكون أولئك المشركين أحرياء بقطع الاستغفار لهم لأن ~~أنبياء الله ما قطعوه عنهم إلا بعد أن أمهلوهم ووعدوهم وبينوا لهم وأعانوهم ~~بالدعاء لهم فما زادهم ذلك إلا طغيانا . | # ومعنى : { وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون ms3782 إن ~~الله بكل شيء عليم } أن ليس من شأنه وعادة جلاله أن يكتب الضلال لقوم بعد ~~إذ هداهم بإرسال الرسل إليهم وإرشادهم إلى الحق حتى يبين لهم الأشياء التي ~~يريد منهم أن يتقوها ، أي يتجنبوها . فهنالك يبلغ رسله أن أولئك من أهل ~~الضلال حتى يتركوا طلب المغفرة لهم كما قال لنوح عليه السلام : { فلا ~~تسألنن ما ليس لك به علم } ( هود : 46 ) ولا كان من شأنه تعالى أن يكتب ~~الضلال لقوم بعد إذ هداهم للإيمان واهتدوا إليه لعمل عملوه حتى يبين لهم ~~أنه لا يرضى بذلك العمل . | # ثم إن لفظ الآية صالح لإفادة معنى أن الله لا يؤاخذ النبي صلى الله عليه ~~وسلم ولا إبراهيم عليه السلام ولا المسلمين باستغفارهم لمن استغفروا له من ~~قبل ورود النهي وظهور PageV11P047 دليل اليأس من المغفرة ، لأن الله لا ~~يؤاخذ قوما هداهم إلى الحق فيكتبهم ضلالا بالمعاصي حتى يبين لهم أن ما ~~عملوه معصية ، فموقع هذه الآية بعد جميع الكلام المتقدم صيرها كلاما جامعا ~~تذييلا . | # وجملة { إن الله بكل شيء عليم } تذييل مناسب للجملة السابقة ، ووقوع { إن ~~} في أولها يفيد معنى التفريع . والتعليل مضمون للجملة السابقة ، وهو أن ~~الله لا يضل قوما بعد أن هداهم حتى يبين لهم الحق . | # | 2 ( 116 ) { إن الله له ملك السماوات والارض يحى ويميت وما لكم من دون ~~الله من ولى ولا نصير } ) 2 # تذييل ثان في قوة التأكيد لقوله : { إن الله بكل شيء عليم } ( التوبة : ~~115 ) ، ولذلك فصل بدون عطف لأن ثبوت ملك السماوات والأرض لله تعالى يقتضي ~~أن يكون عليما بكل شيء لأن تخلف العلم عن التعلق ببعض المتملكات يفضى إلى ~~إضاعة شؤونها . | # فافتتاح الجملة ب ( إن ) مع عدم الشك في مضمون الخبر يعين أن ( إن ) ~~لمجرد الاهتمام فتكون مفيدة معنى التفريع بالفاء والتعليل . | # ومعنى الملك : التصرف والتدبير . وقد تقدم عند قوله تعالى : { ملك يوم ~~الدين } ( الفاتحة : 4 ) . | # وزيادة جملتي : { يحيي ويميت } لتصوير معنى الملك في أتم مظاهره المحسوسة ~~للناس المسلم بينهم أن ذلك من تصرف الله ms3783 تعالى لا يستطيع أحد دفع ذلك ولا ~~تأخيره . | # وعطف جملة : { وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير } لتأييد المسلمين ~~بأنهم منصورون في سائر الأحوال لأن الله وليهم فهو نصير لهم ، ولإعلامهم ~~بأنهم لا يخشون الكفار لأن الكافرين لا مولى لهم لأن الله غاضب عليهم فهو ~~لا ينصرهم . وذلك مناسب لغرض الكلام المتعلق باستغفارهم للمشركين بأنه لا ~~يفيدهم . | # وتقدم الكلام على الولي عند قوله تعالى : { قل أغير الله أتخذ وليا } في ~~أول سورة الأنعام ( 14 ) . | PageV11P048 # والنصير : الناصر . وتقدم معنى النصر عند قوله تعالى : { ولا يقبل منها ~~شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون } في سورة البقرة ( 48 ) . | # | 2 ( 117 ) { لقد تاب الله على النبى والمهاجرين والانصار الذين اتبعوه ~~فى ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم ~~رءوف رحيم } ) 2 # انتقال من التحريض على الجهاد والتحذير من التقاعس والتوبيخ على التخلف ، ~~وما طرأ على ذلك التحريض من بيان أحوال الناس تجاه ذلك التحريض وما عقبه من ~~أعمال المنافقين والضعفاء والجبناء إلى بيان فضيلة الذين انتدبوا للغزو ~~واقتحموا شدائده ، فالجملة استئناف ابتدائي . | # وافتتاحها بحرف التحقيق تأكيد لمضمونها المتقرر فيما مضى من الزمان حسبما ~~دل عليه الإتيان بالمسندات كلها أفعالا ماضية . | # ومن المحسنات افتتاح هذا الكلام بما يؤذن بالبشارة لرضى الله على ~~المؤمنين الذين غزوا تبوك . | # وتقديم النبي صلى الله عليه وسلم في تعلق فعل التوبة بالغزاة للتنويه ~~بشأن هذه التوبة وإتيانها على جميع الذنوب إذ قد علم المسلمون كلهم أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قد غفر الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر . | # ومعنى { تاب } عليه : غفر له ، أي لم يؤاخذه بالذنوب سواء كان مذنبا أم ~~لم يكنه ، كقوله تعالى : { علم أن لن تحصوه فتاب عليكم } ( المزمل : 20 ) ~~أي فغفر لكم وتجاوز عن تقصيركم وليس هنالك ذنب ولا توبة . فمعنى التوبة على ~~النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه أن الله لا يؤاخذهم بما قد يحسبون ~~أنه يسبب مؤاخذة كقول النبي صلى الله ms3784 عليه وسلم ( لعل الله اطلع على أهل ~~بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ) . | PageV11P049 # وأما توبة الله على الثلاثة الذين خلفوا فهي استجابته لتوبتهم من ذنبهم . ~~| # والمهاجرون والأنصار : هم مجموع أهل المدينة ، وكان جيش العسرة منهم ومن ~~غيرهم من القبائل التي حول المدينة ومكة ، ولكنهم خصوا بالثناء لأنهم لم ~~يترددوا ولم يتثاقلوا ولا شحوا بأموالهم ، فكانوا إسوة لمن اتسى بهم من ~~غيرهم من القبائل . | # ووصف المهاجرون والأنصار ب { الذين اتبعوه } للإيماء إلى أن لصلة الموصول ~~تسببا في هذه المغفرة . | # ومعنى { اتبعوه } أطاعوه ولم يخالفوا عليه ، فالاتباع مجازي . | # والساعة : الحصة من الزمن . | # والعسرة : اسم العسر ، زيدت فيه التاء للمبالغة وهي الشدة . وساعة العسرة ~~هي زمن استنفار النبي صلى الله عليه وسلم الناس إلى غزوة تبوك . فهو الذي ~~تقدمت الإشارة إليه بقوله : { يأيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا ~~في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض } ( التوبة : 38 ) فالذين انتدبوا وتأهبوا ~~وخرجوا هم الذين اتبعوه ، فأما ما بعد الخروج إلى الغزو فذلك ليس هو ~~الاتباع ولكنه الجهاد . ويدل لذلك قوله : { من بعد ما كاد تزيغ قلوب فريق ~~منهم } أي من المهاجرين والأنصار ، فإنه متعلق ب { اتبعوه } أي اتبعوا أمره ~~بعد أن خامر فريقا منهم خاطر التثاقل والقعود والمعصية بحيث يشبهون ~~المنافقين ، فإن ذلك لا يتصور وقوعه بعد الخروج ، وهذا الزيغ لم يقع ولكنه ~~قارب الوقوع . | # و { كاد } من أفعال المقاربة تعمل في اسمين عمل كان ، واسمها هنا ضمير ~~شأن مقدر ، وخبرها هو جملة الخبر عن ضمير الشأن ، وإنما جعل اسمها هنا ضمير ~~شأن لتهويل شأنهم حين أشرفوا على الزيغ . | # وقرأ الجمهور { تزيغ } بالمثناة الفوقية . وقرأه حمزة ، وحفص عن عاصم ، ~~وخلف بالمثناة التحتية . وهما وجهان في الفعل المسند لجمع تكسير ظاهر . ~~PageV11P050 والزيغ : الميل عن الطريق المقصود . وتقدم عند قوله تعالى : { ~~ربنا لا تزغ قلوبنا في سورة آل عمران ( 8 ) . | # وجملة ؛ ثم تاب عليهم } عطف على جملة { لقد تاب الله } أي تاب على غير ~~هذا الفريق مطلقا ، وتاب على هذا الفريق بعد ms3785 ما كادت قلوبهم تزيغ ، فتكون { ~~ثم } على أصلها من المهلة . وذلك كقوله في نظير هذه الآية { ثم تاب عليهم ~~ليتوبوا } ( التوبة : 118 ) . والمعنى تاب عليهم فأهموا به وخرجوا فلقوا ~~المشقة والعسر ، فالضمير في قوله { عليهم } لل { فريق } . وجوز كثير من ~~المفسرين أن تكون { ثم } للترتيب في الذكر ، والجملة بعدها توكيدا لجملة { ~~تاب الله } ، فالضمير للمهاجرين والأنصار كلهم . | # وجملة : { إنه بهم رءوف رحيم } تعليل لما قبلها على التفسيرين . | # | 2 ( 118 ) { وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما ~~رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنو ا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ~~ليتوبو ا إن الله هو التواب الرحيم } ) 2 # | $ # { وعلى الثلاثة } معطوف { على النبي } ( التوبة : 117 ) بإعادة حرف الجر ~~لبعد المعطوف عليه ، أي وتاب على الثلاثة الذين خلفوا . وهؤلاء فريق له ~~حالة خاصة من بين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك غير الذين ذكروا في قوله : { ~~فرح المخلفون بمقعدهم } ( التوبة : 81 ) الآية ، والذين ذكروا في قوله : { ~~وجاء المعذرون } ( التوبة : 90 ) الآية . | # والتعريف في { الثلاثة } تعريف العهد فإنهم كانوا معروفين بين الناس ، ~~وهم : كعب بن مالك من بني سلمة ، ومرارة بن الربيع العمري من بني عمرو بن ~~عوف ، وهلال بن أمية الواقفي من بني واقف ، كلهم من الأنصار تخلفوا عن غزوة ~~تبوك بدون عذر . ولما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك سألهم عن ~~تخلفهم فلم يكذبوه بالعذر ولكنهم اعترفوا بذنبهم وحزنوا . ونهى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم الناس عن كلامهم ، وأمرهم بأن يعتزلوا نساءهم . ثم عفا ~~الله عنهم بعد خمسين PageV11P051 ليلة . وحديث كعب بن مالك في قصته هذه مع ~~الآخرين في ( صحيح البخاري ) و ( صحيح مسلم ) طويل أغر وقد ذكره البغوي في ~~( تفسيره ) . | # و { خلفوا } بتشديد اللام مضاعف خلف المخفف الذي هو فعل قاصر ، معناه أنه ~~وراء غيره ، مشتق من الخلف بسكون اللام وهو الوراء . والمقصود بقي وراء ~~غيره . يقال : خلف عن أصحابه إذا تخلف عنهم في المشيء يخلف بضم اللام في ~~المضارع ، فمعنى ms3786 { خلفوا } خلفهم مخلف ، أي تركهم وراءه وهم لم يخلفهم أحد ~~وإنما تخلفوا بفعل أنفسهم . فيجوز أن يكون { خلفوا } بمعنى خلفوا أنفسهم ~~على طريقة التجريد . ويجوز أن يكون تخليفهم تخليفا مجازيا استعير لتأخير ~~البت في شأنهم ، أي الذين خلفوا عن القضاء في شأنهم فلم يعذرهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ولا آيسهم من التوبة كما آيس المنافقين . فالتخليف هنا ~~بمعنى الإرجاء . وبهذا التفسير فسره كعب بن مالك في حديثه المروي في ( ~~الصحيح ) فقال : وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو وإنما تخليفه إيانا ~~وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه . اه . | # يعني ليس المعنى أنهم خلفوا أنفسهم عن الغزو وإنما المعنى خلفهم أحد ، أي ~~جعلهم خلفا وهو تخليف مجازي ، أي لم يقض فيهم . وفاعل التخليف يجوز أن يراد ~~به النبي صلى الله عليه وسلم أو الله تعالى . | # وبناء فعل { خلفوا } للنائب على ظاهره ، فليس المراد أنهم خلفوا أنفسهم . ~~| # وتعليق التخليف بضمير { الثلاثة } من باب تعليق الحكم باسم الذات . ~~والمراد : تعليقه بحالل من أحوالها يعلم من السياق ، مثل { حرمت عليكم ~~الميتة } ( المائدة : 3 ) . | # وهذا الذي فسر كعب به هو المناسب للغاية بقوله : { حتى إذا ضاقت عليهم ~~الأرض بما رحبت } لأن تخيل ضيق الأرض عليهم وضيقق أنفسهم هو غاية لإرجاء ~~أمرهم انتهى عندها التخليف ، وليس غاية لتخلفهم عن الغزو ، لأن تخلفهم لا ~~انتهاء له . | PageV11P052 # وضيق الأرض : استعارة ، أي حتى كانت الأرض كالضيقة عليهم ، أي عندهم . ~~وذلك التشبيه كناية عن غمهم وتنكر المسلمين لهم . فالمعنى أنهم تخيلوا ~~الأرض في أعينهم كالضيقة كما قال الطرماح : | # ملأت عليه الأرض حتى كأنها | # من الضيق في عينيه كفة حابل | # وقوله : { بما رحبت } حال من { الأرض } . والباء للملابسة ، أي الأرض ~~الملابسة لسعتها المعروفة . و { ما } مصدرية . | # { ورحبت } اتسعت ، أي تخيلوا الأرض ضيقة وهي الأرض الموصوفة بسعتها ~~المعروفة . | # وضيق أنفسهم : استعارة للغم والحزن لأن الغم يكون في النفس بمنزلة الضيق ~~. ولذلك يقال للمحزون : ضاق صدره ، وللمسرور : شرح صدره . | # والظن مستعمل في اليقين والجزمم ، وهو من معانيه ms3787 الحقيقية . وقد تقدم عند ~~قوله تعالى : { الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون في سورة ~~البقرة ( 46 ) وعند قوله تعالى : وإنا لنظنك من الكاذبين في سورة الأعراف ( ~~66 ) ، أي وأيقنوا أن أمر التوبة عليهم موكول إلى الله دون غيره بما يوحي ~~به إلى رسوله ، أي التجأوا إلى الله دون غيره . وهذا كناية عن أنهم تابوا ~~إلى الله وانتظروا عفوه . | # وقوله : ثم تاب عليهم } عطف على ضاقت عليهم الأرض وما بعده ، أي حتى وقع ~~ذلك كله ثم تاب عليهم بعده . | # و { ثم } هنا للمهلة والتراخي الزمني وليست للتراخي الرتبي ، لأن ما ~~بعدها ليس أرفع درجة مما قبلها بقرينة السياق ، وهو مغن عن جواب ( إذا ) ~~لأنه يفيد معناه ، فهو باعتبار العطف تنهية للغاية ، وباعتبار المعطوف دال ~~على الجواب . | # واللام في { ليتوبوا } للتعليل ، أي تاب عليهم لأجل أن يكفوا عن المخالفة ~~ويتنزهوا عن الذنب ، أي ليدوموا على التوبة ، فالفعل مستعمل في معنى الدوام ~~على التلبس بالمصدر لا على إحداث المصدر . | PageV11P053 # وليس المراد ليذنبوا فيتوبوا ، إذ لا يناسب مقام التنويه بتوبته عليهم . ~~وجملة { إن الله هو التواب الرحيم } تذييل مفيد للامتنان . | # | 2 ( 119 ) { ي اأيها الذين ءامنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين } . ) ~~2 # | $ # الظاهر أن هذه الآية خاتمة للآي السابقة وليست فاتحة غرض جديد . ففي ( ~~صحيح البخاري ) من حديث كعب بن مالك حين تخلف عن غزوة تبوك أنه قال : ( ~~فوالله ما أعلم أحدا . . . أبلاه الله في صدق الحديث أحسن مما أبلاني ما ~~تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا كذبا وأنزل ~~الله على رسوله { لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار إلى قوله ~~وكونوا مع الصادقين } ( التوبة : 117 119 ) اه . فهذه الآية بمنزلة التذييل ~~للقصة فإن القصة مشتملة على ذكر قوم اتقوا الله فصدقوا في إيمانهم وجهادهم ~~فرضي الله عنهم ، وذكر قوم كذبوا في ذلك واختلقوا المعاذير وحلفوا كذبا ~~فغضب الله عليهم ، وقوم تخلفوا عن الجهاد وصدقوا في الاعتراف بعدم العذر ~~فتاب الله عليهم ، فلما كان سبب ms3788 فوز الفائزين في هذه الأحوال كلها هو الصدق ~~لا جرم أمر الله المؤمنين بتقواه وبأن يكونوا في زمرة الصادقين مثل أولئك ~~الصادقين الذين تضمنتهم القصة . | # والأمر ب { كونوا مع الصادقين } أبلغ في التخلق بالصدق من نحو : اصدقوا . ~~ونظيره { واركعوا مع الراكعين } ( البقرة : 43 ) . وكذلك جعله بعد ( من ) ~~التبعيضية وقد تقدم ذلك في قوله تعالى : { أبى واستكبر وكان من الكافرين } ~~( البقرة : 43 ) ومنه قوله : { قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين } ( ~~البقرة : 67 ) . | # | 2 ( 120 ) { ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الاعراب أن يتخلفوا عن ~~رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذالك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ~~ولا مخمصة فى سبيل الله ولا يطأون # PageV11P054 موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به ~~عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين } ) 2 # | | # استئناف ابتدائي لإيجاب الغزو على أهل المدينة ومن حولهم من أهل باديتها ~~الحافين بالمدينة إذا خرج النبي صلى الله عليه وسلم للغزو . فهذا وجوب عيني ~~على هؤلاء شرفهم الله بأن جعلهم جند النبي صلى الله عليه وسلم وحرس ذاته . ~~| # والذين هم حول المدينة من الأعراب هم : مزينة ، وأشجع ، وغفار ، وجهينة ، ~~وأسلم . | # وصيغة { ما كان لأهل المدينة } خبر مستعمل في إنشاء الأمر على طريق ~~المبالغة ، إذ جعل التخلف ليس مما ثبت لهم ، فهم برآء منه فيثبت لهم ضده ~~وهو الخروج مع النبي صلى الله عليه وسلم إذا غزا . | # فيه ثناء على أهل المدينة ومن حولهم من الأعراب لما قاموا به من غزو تبوك ~~، فهو يقتضي تحريضهم على ذلك كما دل عليه قوله : { ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ~~} الخ . | # وفيه تعريض بالذين تخلفوا من أهل المدينة ومن الأعراب . وذلك يدل على ~~إيجاب النفير عليهم إذا خرج النبي صلى الله عليه وسلم للغزو . وقال قتادة ~~وجماعة : هذا الحكم خاص بخروج النبي صلى الله عليه وسلم دون غيره من ~~الخلفاء والأمراء فهو محكم غير منسوخ . وبذلك جزم ابن بطال من المالكية . ~~قال زيد بن أسلم وجابر بن ms3789 زيد : كان هذا حكما عاما في قلة الإسلام واحتياجه ~~إلى كثرة الغزاة ثم نسخ لما قوي الإسلام بقوله تعالى : { وما كان المؤمنون ~~لينفروا كافة } ( التوبة : 122 ) فصار وجوب الجهاد على الكفاية . وقال ابن ~~عطية : هذا حكم من استنفرهم الإمام بالتعيين لأنه لو جاز لهؤلاء التخلف ~~لتعطل الخروج . واختاره فخر الدين . | # والتخلف : البقاء في المكان بعد الغير ممن كان معه فيه ، وقد تقدم عند ~~قوله : { فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله } ( التوبة : 81 ) . | ~~PageV11P055 # والرغبة تعدى بحرف ( في ) فتفيد معنى مودة تحصيل الشيء والحرص فيه ، ~~وتعدى بحرف ( عن ) فتفيد معنى المجافاة للشيء ، كما تقدم في قوله تعالى : { ~~ومن يرغب عن ملة إبراهيم } ( البقرة : 130 ) وهي هنا معداة ب ( عن ) . أريد ~~برغبتهم عن نفسه محبتهم أنفسهم وحرصهم على سلامتها دون الحرص على سلامة نفس ~~الرسول ، فكأنهم رغبوا عن نفسه إذ لم يخرجوا معه ملابسين لأنفسهم ، أي ~~محتفظين بها لأنهم بمقدار من يتخلف منهم يزداد تعرض نفس الرسول من التلف ~~قربا ، فتخلف واحد منهم عن الخروج معه عون على تقريب نفس الرسول عليه ~~الصلاة والسلام من التلف فلذلك استعير لهذا التخلف لفظ الرغبة عنه . | # والباء في قوله : { بأنفسهم } للملابسة وهي في موضع الحال . نزل الضن ~~بالأنفس والحذر من هلاكها بالتلبس بها في شدة التمكن فاستعمل له حرف باء ~~الملابسة . وهذه ملابسة خاصة وإن كانت النفوس في كل حال متلبسا بها . وهذا ~~تركيب بديع الإيجاز بالغ الإعجاز . | # قال في ( الكشاف ) : ( أمروا أن يلقوا أنفسهم من الشدائد ما تلقاه نفسه ~~علما بأنها أعز نفس عند الله وأكرمها عليه فإذا تعرضت مع كرامتها وعزتها ~~للخوض في شدة وهول وجب على سائر الأنفس أن تتهافت فيما تعرضت له ) اه . ~~وهذا نهي بليغ وتوبيخ لهم وتهييج لمتابعته بأنفة وحمية . | # والإشارة ب { ذلك } إلى نفي كون التخلف عن الرسول ثابتا لهم ، أي أن ما ~~ينالونه من فضل وثواب وأجر عظيم يقضي بأنه ما يكون لهم أن يتخلفوا عن رسول ~~الله . | # والباء في { بأنهم } للسببية . والظمأ : العطش ، والنصب : التعب ، ~~والمخمصة : الجوع ms3790 . وتقدم في قوله : { فمن اضطر في مخمصة في سورة العقود ( ~~3 ) . | # والوطء : الدوس بالأرجل . والموطىء : مصدر ميمي للوطء . والوطء في سبيل ~~الله هو الدوس بحوافر الخيل وأخفاف الإبل وأرجل الغزاة في أرض العدو ، فإنه ~~الذي يغيظ العدو ويغضبه لأنه يأنف من وطء أرضه بالجيش ، ويجوز أن يكون ~~الوطء هنا مستعارا لإذلال العدو وغلبته وإبادته ، كقول الحارث بن وعلة ~~الذهلي من شعراء الحماسة : | PageV11P056 # ووطئتنا وطئا على حنق | # وطء المقيد نابت الهرم | # وهو أوفق بإسناد الوطء إليهم . | # والنيل : مصدر ( ينالون ) . يقال : نال منه إذا أصابه برزء . وبذلك لا ~~يقدر له مفعول . وحرف ( من ) مستعمل في التبعيض المجازي المتحقق في الرزية ~~. ورزء العدو يكون من ذوات الأعداء بالأسر ، ويكون من متاعهم وأموالهم ~~بالسبي والغنم . | # والاستثناء مفرغ من عموم الأحوال . فجملة : كتب لهم به عمل صالح } في ~~موضع الحال ، وأغنى حرف الاستثناء عن اقترانها بقد . والضمير في ( به ) ~~عائد على ( نصب ) وما عطف عليه إما بتأويل المذكور وإما لأن إعادة حرف ~~النفي جعلت كل معطوف كالمستقل بالذكر ، فأعيد الضمير على كل واحد على البدل ~~كما يعاد الضمير مفردا على المتعاطفات ب ( أو ) باعتبار أن ذلك المتعدد لا ~~يكون في نفس الأمر إلا واحد منه . ومعنى : { كتب لهم به عمل صالح } أن يكتب ~~لهم بكل شيء من أنواع تلك الأعمال عمل صالح ، أي جعل الله كل عمل من تلك ~~الأعمال عملا صالحا وإن لم يقصد به عاملوه تقربا إلى الله فإن تلك الأعمال ~~تصدر عن أصحابها وهم ذاهلون في غالب الأزمان أو جميعها عن الغاية منها ~~فليست لهم نيات بالتقرب بها إلى الله ولكن الله تعالى بفضله جعلها لهم ~~قربات باعتبار شرف الغاية منها . وذلك بأن جعل لهم عليها ثوابا كما جعل ~~للأعمال المقصود بها القربة ، كما ورد أن نوم الصائم عبادة . | # وقد دل على هذا المعنى التذييل الذي أفاد التعليل بقوله : { إن الله لا ~~يضيع أجر المحسنين } . ودل هذا التذييل على أنهم كانوا بتلك الأعمال محسنين ~~فدخلوا في عموم قضية { إن الله لا يضيع ms3791 أجر المحسنين } بوجه الإيجاز . | # | 2 ( 121 ) { ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب ~~لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون } ) 2 # عطف على جملة { لا يصيبهم ظمأ } ، وهو انتقال من عداد الكلف التي تصدر ~~عنهم بلا قصد في سبيل الله إلى بعض الكلف التي لا تخلو عن استشعار من تحل ~~بهم بأنهم PageV11P057 لقوها في سبيل الله ، فالنفقة في سبيل الله لا تكون ~~إلا عن قصد يتذكر به المنفق أنه يسعى إلى ما هو وسيلة لنصر الدين ، والنفقة ~~الكبيرة أدخل في القصد ، فلذلك نبه عليها وعلى النفقة الصغيرة ليعلم بذكر ~~الكبيرة حكم النفقة الصغيرة لأن العلة في الكبيرة أظهر وكان هذا الإطناب في ~~عد مناقبهم في الغزو لتصوير ما بذلوه في سبيل الله . | # وقطع الوادي : هو اجتيازه . وحقيقة القطع : تفريق أجزاء الجسم . وأطلق ~~على الاجتياز على وجه الاستعارة . | # والوادي : المنفرج يكون بين جبال أو إكام فيكون منفذا لسيول المياه ، ~~ولذلك اشتق من ودى بمعنى سال . وقطع الوادي أثناء السير من شأنه أن يتذكر ~~السائرون بسببه أنهم سائرون إلى غرض ما لأنه يجدد حالة في السير لم تكن من ~~قبل . ومن أجل ذلك ندب الحجيج إلى تجديد التلبية عندما يصعدون شرفا أو ~~ينزلون واديا أو يلاقون رفاقا . | # والضمير في { كتب } عائد إلى { عمل صالح } ( التوبة : 120 ) . ولام ~~التعليل متعلقة ب ( كتب ) ، أي كتب الله لهم صالحا ليجزيهم عن أحسن أعمالهم ~~. | # ولما كان هذا جزاء عن عملهم المذكور علم أن عملهم هذا من أحسن أعمالهم . ~~| # وانتصب { أحسن } على نزع الخافض ، أي عن أحسنن ما كانوا يعملون أو بأحسن ~~ما كانوا يعملون كقوله تعالى : { ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من ~~فضله } ( النور : 38 ) وأما قوله : { ليجزيك أجر ما سقيت لنا } ( القصص : ~~25 ) فالظاهر أنه من غير هذا القبيل وأن ( أجر ) مفعول مطلق . | # وفي ذكر { كانوا } والإتيان بخبرها مضارعا إفادة أن مثل هذا العمل كان ~~ديدنهم . | # | 2 ( 122 ) { وما كان المؤمنون لينفروا كآفة فلولا نفر من كل فرقة منهم ~~طآئفة ms3792 ليتفقهوا فى الدين ولينذروا قومهم إذا رجعو ا إليهم لعلهم يحذرون } ) ~~2 # | $ # كان غالب ما تقدم من هذه السورة تحريضا على الجهاد وتنديدا على المقصرين ~~في شأنه ، وانتهى الكلام قبل هذا بتبرئة أهل المدينة والذين حولهم من ~~التخلف عن PageV11P058 رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا جرم كانت قوة ~~الكلام مؤذنة بوجوب تمحض المسلمين للغزو . وإذ قد كان من مقاصد الإسلام بث ~~علومه وآدابه بين الأمة وتكوين جماعات قائمة بعلم الدين وتثقيف أذهان ~~المسلمين كي تصلح سياسة الأمة على ما قصده الدين منها ، من أجل ذلك عقب ~~التحريض على الجهاد بما يبين أن ليس من المصلحة تمحض المسلمين كلهم لأن ~~يكونوا غزاة أو جندا ، وأن ليس حظ القائم بواجب التعليم دون حظ الغازي في ~~سبيل الله من حيث إن كليهما يقوم بعمل لتأييد الدين ، فهذا يؤيده بتوسع ~~سلطانه وتكثير أتباعه ، والآخر يؤيده بتثبيت ذلك السلطان وإعداده لأن يصدر ~~عنه ما يضمن انتظام أمره وطول دوامه ، فإن اتساع الفتوح وبسالة الأمة لا ~~يكفيان لاستبقاء سلطانها إذا هي خلت من جماعة صالحة من العلماء والساسة ~~وأولي الرأي المهتمين بتدبير ذلك السلطان ، ولذلك لم يثبت ملك اللمتونيين ~~في الأندلس إلا قليلا حتى تقلص ، ولم تثبت دولة التتار إلا بعد أن امتزجوا ~~بعلماء المدن التي فتحوها ووكلوا أمر الدولة إليهم . | # وإذ قد كانت الآية السابقة قد حرضت فريقا من المسلمين على الالتفاف حول ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغزو لمصلحة نشر الإسلام ناسب أن يذكر ~~عقبها نفر فريق من المؤمنين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم للتفقه في ~~الدين ليكونوا مرشدين لأقوامهم الذين دخلوا في الإسلام . | # ومن محاسن هذا البيان أن قابل صيغة التحريض على الغزو بمثلها في التحريض ~~على العلم إذ افتتحت صيغة تحريض الغزو بلام الجحود في قوله : { ما كان لأهل ~~المدينة ومن حولهم من الأعراب } ( التوبة : 120 ) الآية وافتتحت صيغة ~~التحريض على العلم والتفقه بمثل ذلك إذ يقول : { وما كان المؤمنون لينفروا ~~كافة } . | # وهذه الجملة معطوفة على مجموع ms3793 الكلام الذي قبلها فهي جملة ابتدائية ~~مستأنفة لغرض جديد ناشىء عن قوله : { مالكم إذا قيل لكم انفروا } ( التوبة ~~: 38 ) ثم عن قوله : { ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن ~~يتخلفوا } ( التوبة : 120 ) الخ . ومعنى { أن يتخلفوا } هو أن لا ينفروا ، ~~فناسب أن يذكر بعده { وما كان المؤمنون لينفروا كافة } . | PageV11P059 # والمراد بالنفير في قوله : { لينفروا } وقوله : { فلولا نفر من كل فرقة ~~منهم طائفة } الخروج إلى الغزو المأخوذ من قوله : { يأيها الذين آمنوا ما ~~لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض } ( التوبة : 38 ) ~~أي وما كان المؤمنون لينفروا ذلك النفر كلهم . | # فضمير { ليتفقهوا في الدين } يجوز أن يعود على قوله : { المؤمنون } ، أي ~~ليتفقه المؤمنون . والمراد ليتفقه منهم طائفة وهي الطائفة التي لم تنفر ، ~~كما اقتضاه قوله : { فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة } ، فهو عام مراد به ~~الخصوص . | # ويجوز أن يعود الضمير إلى مفهومم من الكلام من قوله : { فلولا نفر من كل ~~فرقة منهم طائفة } لأن مفهومه وبقيت طائفة ليتفقهوا في الدين ، فأعيد ~~الضمير على ( طائفة ) بصيغة الجمع نظرا إلى معنى طائفة ، كقوله تعالى : { ~~وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا } ( الحجرات : 9 ) على تأويل اقتتل جمعهم ~~. | # ويجوز أن يكون المراد من النفر في قوله : { لينفروا كافة فلولا نفر من كل ~~فرقة منهم طائفة } نفرا آخر غير النفر في سبيل الله ، وهو النفر للتفقه في ~~الدين ، وتكون إعادة فعل ( ينفروا ) و ( نفر ) من الاستخدام بقرينة قوله : ~~{ ليتفقهوا في الدين } فيكون الضمير في قوله : { ليتفقهوا } عائدا إلى { ~~طائفة } ويكون قوله : { وما كان المؤمنون لينفروا كافة } تمهيدا لقوله : { ~~فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة } . | # وقد نقل عن أيمة المفسرين وأسباب النزول أقوال تجري على الاحتمالين . ~~والاعتماد في مراجع الضمائر على قرائن الكلام على عادة العرب في الإيجاز ~~والاعتماد على فطنة السامع فإنهم أمة فطنة . | # والإتيان بصيغة لام الجحود تأكيد للنفي ، وهو خبر مستعمل في النهي ~~فتأكيده يفيد تأكيد النهي ، أي كونه نهيا جازما يقتضي التحريم . وذلك أنه ~~كما كان ms3794 النفر للغزو واجبا لأن في تركه إضاعة مصلحة الأمة كذلك كان تركه من ~~طائفة من المسلمين واجبا لأن في تمحض جميع المسلمين للغزو إضاعة مصلحة ~~للأمة أيضا ، فأفاد مجموع الكلامين أن النفر للغزو واجب على الكفاية أي على ~~طائفة كافية لتحصيل المقصد الشرعي منه ، PageV11P060 وأن تركه متعين على ~~طائفة كافية منهم لتحصيل المقصد الشرعي مما أمروا بالاشتغال به من العلم في ~~وقت اشتغال الطائفة الأخرى بالغزو . وهذا تقييد للإطلاق الذي في فعل ( ~~انفروا ) ، أو تخصيص للعموم الذي في ضمير ( انفروا ) . | # ولذلك كانت هذه الآية أصلا في وجوب طلب العلم على طائفة عظيمة من ~~المسلمين وجوبا على الكفاية ، أي على المقدار الكافي لتحصيل المقصد من ذلك ~~الإيجاب . وأشعر نفي وجوب النفر على جميع المسلمين وإثبات إيجابه على طائفة ~~من كل فرقة منهم بأن الذين يجب عليهم النفر ليسوا بأوفر عددا من الذين ~~يبقون للتفقه والإنذار ، وأن ليست إحدى الحالتين بأولى من الأخرى على ~~الإطلاق فيعلم أن ذلك منوط بمقدار الحاجة الداعية للنفر ، وأن البقية باقية ~~على الأصل ، فعلم منه أن النفير إلى الجهاد يكون بمقدار ما يقتضيه حال ~~العدو المغزو ، وأن الذين يبقون للتفقه يبقون بأكثر ما يستطاع ، وأن ذلك ~~سواء . ولا ينبغي الاعتماد على ما يخالف هذا التفسير من الأقوال في معنى ~~الآية وموقعها من الآي السالفة . | # ولولا : حرف تحضيض . | # والفرقة : الجماعة من الناس الذين تفرقوا عن غيرهم في المواطن ؛ فالقبيلة ~~فرقة ، وأهل البلاد الواحدة فرقة . | # والطائفة : الجماعة ، ولا تتقيد بعدد . وتقدم عند قوله : { فلتقم طائفة ~~منهم معك } في سورة النساء ( 102 ) . | # وتنكير { طائفة } مؤذن بأن النفر للتفقه في الدين وما يترتب عليه من ~~الإنذار واجب على الكفاية . وتعيين مقدار الطائفة وضبط حد التفقه موكول إلى ~~ولاة أمور الفرق فتتعين الطائفة بتعيينهم فهم أدرى بمقدار ما تتطلبه ~~المصلحة المنوط بها وجوب الكفاية . | # والتفقه : تكلف الفقاهة ، وهي مشتقة من فقه ( بكسر القاف ) إذا فهم ما ~~يدق فهمه فهو فاقه . فالفقه أخص من العلم ، ولذلك نجد في القرآن استعمال ~~الفقه فيما يخفى ms3795 علمه كقوله : { لا تفقهون تسبيحهم } ( الإسراء : 44 ) ، ~~ويجيء منه فقه بضم القاف إذا صار الفقه سجيته ، فقاهة فهو فقيه . | ~~PageV11P061 # ولما كان مصير الفقه سجية لا يحصل إلا بمزاولة ما يبلغ إلى ذلك كانت صيغة ~~التفعل المؤذنة بالتكلف متعينة لأن يكون المراد بها تكلف حصول الفقه ، أي ~~الفهم في الدين . وفي هذا إيماء إلى أن فهم الدين أمر دقيق المسلك لا يحصل ~~بسهولة ، ولذلك جاء في الحديث الصحيح ( من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ~~) ، ولذلك جزم العلماء بأن الفقه أفضل العلوم . | # وقد ضبط العلماء حقيقة الفقه بأنه العلم بالأحكام الشرعية العملية ~~المكتسب من أدلتها التفصيلية بالاجتهاد . | # والإنذار : الإخبار بما يتوقع منه شر . والمراد هنا الإنذار من المهلكات ~~في الآخرة . ومنه النذير . وتقدم في قوله تعالى : { إنا أرسلناك بالحق ~~بشيرا ونذيرا في سورة البقرة ( 119 ) ، فالإنذار هو الموعظة ، وإنما اقتصر ~~عليه لأنه أهم ، لأن التخلية مقدمة على التحلية ، ولأنه ما من إرشاد إلى ~~الخير إلا وهو يشتمل على إنذار من ضده . ويدخل في معنى الإنذار تعليم الناس ~~ما يميزون به بين الحق والباطل وبين الصواب والخطإ وذلك بأداء العالم بث ~~علوم الدين للمتعلمين . | # وحذف مفعول يحذرون } للتعميم ، أي يحذرون ما يحذر ، وهو فعل المحرمات ~~وترك الواجبات . واقتصر على الحذر دون العمل للإنذار لأن مقتضى الإنذار ~~التحذير ، وقد علمت أنه يفيد الأمرين . | # | 2 ( 123 ) { ياأيها الذين ءامنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار ~~وليجدوا فيكم غلظة واعلمو ا أن الله مع المتقين } ) 2 # | $ # كان جميع بلاد العرب خلص للإسلام قبل حجة الوداع ، فكانت تخوم بلاد ~~الإسلام مجاورة لبلاد الشام مقر نصارى العرب ، وكانوا تحت حكم الروم ، ~~فكانت غزوة تبوك أول غزوة للإسلام تجاوزت بلاد العرب إلى مشارف الشام ولم ~~يكن فيها قتال ولكن وضعت الجزية على أيلة وبصرى ، وكانت تلك الغزوة إرهابا ~~للنصارى ، ونزلت سورة PageV11P062 براءة عقبها فكانت هذه الآية كالوصية ~~بالاستمرار على غزو بلاد الكفر المجاورة لبلاد الإسلام بحيث كلما استقر بلد ~~للإسلام وكان تجاوره بلاد كفر كان حقا على المسلمين ms3796 غزو البلاد المجاورة . ~~ولذلك ابتدأ الخلفاء بفتح الشام ثم العراق ثم فارس ثم انثنوا إلى مصر ثم ~~إلى إفريقية ثم الأندلس . | # فالجملة مستأنفة استئنافا ابتدائيا تكملة للأمر بما يتعين على المسلمين ~~في ذيول غزوة تبوك . | # وفي توجيه الخطاب للذين آمنوا دون النبي إيماء إلى أن النبي عليه الصلاة ~~والسلام لا يغزو بعد ذلك وأن أجله الشريف قد اقترب . ولعل في قوله : { ~~واعلموا أن الله مع المتقين } إيماء إلى التسلية على فقد نبيهم عليه الصلاة ~~والسلام وأن الله معهم كقوله في الآية الأخرى { وسيجزي الله الشاكرين } ( ~~آل عمران : 144 ) . | # والغلظة بكسر الغين : الشدة الحسية والخشونة ، وهي مستعارة هنا للمعاملة ~~الضارة ، كقوله : { واغلظ عليهم } ( التوبة : 73 ) . قال في ( الكشاف ) : ~~وذلك يجمع الجرأة والصبر على القتال والعنف في القتل والأسر . اه . | # قلت : والمقصد من ذلك إلقاء الرعب في قلوب الأعداء حتى يخشوا عاقبة ~~التصدي لقتال المسلمين . | # ومعنى أمر المسلمين بحصول ما يجده الكافرون من غلظة المؤمنين عليهم هو ~~أمر المؤمنين بأن يكونوا أشداء في قتالهم . وهذه مبالغة في الأمر بالشدة ~~لأنه أمر لهم بأن يجد الكفار فيهم الشدة . وذلك الوجدان لا يتحقق إلا إذا ~~كانت الغلظة بحيث تظهر وتنال العدو فيحس بها ، كقوله تعالى لموسى : { فلا ~~يصدنك عنها من لا يؤمن بها } ( طه : 16 ) . وإنما وقعت هذه المبالغة لما ~~عليه العدو من القوة ، فإن المقصود من الكفار هنا هم نصارى العرب وأنصارهم ~~الروم ، وهم أصحاب عدد وعدد فلا يجدون الشدة من المؤمنين إلا إذا كانت شدة ~~عظيمة . | PageV11P063 # ومن وراء صريح هذا الكلام تعريض بالتهديد للمنافقين ، إذ قد ظهر على ~~كفرهم وهم أشد قربا من المؤمنين في المدينة . وفي هذا السياق جاء قوله ~~تعالى : { يأيها النبيء جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم } ( التوبة : ~~73 ) . | # وجملة : { واعلموا أن الله مع المتقين } تأييد وتشجيع ووعد بالنصر إن ~~اتقوا بامتثال الأمر بالجهاد . | # وافتتحت الجملة ب { اعلموا } للاهتمام بما يراد العلم به كما تقدم في ~~قوله تعالى : { واعلموا أنما غنمتم من شيء في سورة الأنفال ( 41 ) . ~~والمعية هنا معية ms3797 النصر والتأييد ، كقوله تعالى : إذ يقول لصاحبه لا تحزن ~~إن الله معنا } ( التوبة : 40 ) . وهذا تأييد لهم إذ قد علموا قوة الروم . ~~| # | 2 ( 124 ، 125 ) { وإذا مآ أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هاذه ~~إيمانا فأما الذين ءامنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون * وأما الذين فى ~~قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون } ) 2 # عطف على قوله : { وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله ~~استأذنك أولوا الطول منهم } ( التوبة : 86 ) وهذا عود إلى بيان أحوال ~~المنافقين وما بينهما اعتراضات . | # وهذه الآية زيدت فيها ( ما ) عقب ( إذا ) وزيادتها للتأكيد ، أي لتأكيد ~~معنى ( إذا ) وهو الشرط ، لأن هذا الخبر لغرابته كان خليقا بالتأكيد ، ولأن ~~المنافقين ينكرون صدوره منهم بخلاف الآية السابقة لأن مضمونها حكاية ~~استيذانهم وهم لا ينكرونه . | # ولم يذكر في هذه الآية إجمال ما اشتملت عليه السور التي أنزلت كما ذكر في ~~قوله : { وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله } ( التوبة : 86 ~~) . ووجه ذلك أن سور القرآن كلها لا تخلو عن دعاء إلى الإيمان والصالحات ~~والإعجاز ببلاغتها . فالمراد إذا أنزلت سورة ما من القرآن . وضمير { فمنهم ~~} عائد إلى المنافقين للعلم بالمعاد من المقام PageV11P064 ومن أواخر ~~الكلام في قوله : { وأما الذين في قلوبهم مرض } ، ولما في قوله قبل هذا : { ~~قاتلوا الذين يلونكم من الكفار } ( التوبة : 123 ) من التعريض بالمنافقين ~~كما تقدم ، فالمنافقون خاطرون بذهن السامع فيكون الإتيان بضمير يعود عليهم ~~تقوية لذلك التعريض . | # وقولهم : { أيكم زادته هذه إيمانا } خطاب بعضهم لبعض على سبيل التهكم ~~بالمؤمنين وبالقرآن ، لأن بعض آيات القرآن مصرحة بأن القرآن يزيد المؤمنين ~~إيمانا قال تعالى : { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا ~~تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا } ( الأنفال : 2 ) . ولعل المسلمين كانوا ~~إذا سمعوا القرآن قالوا : قد ازددنا إيمانا ، كقول معاذ بن جبل للأسود بن ~~هلال : اجلس بنا نؤمن ساعة ، يعني بمذاكرة القرآن وأمور الدين ( رواه ~~البخاري في كتاب الإيمان ) . | # ولما كان الاستفهام في قولهم : { أيكم } للاستهزاء كان متضمنا معنى إنكار ms3798 ~~أن يكون نزول سور القرآن يزيد سامعيها إيمانا توهما منهم بأن ما لا يزيدهم ~~إيمانا لا يزيد غيرهم إيمانا ، يقيسون على أحوال قلوبهم . | # والفاء في قوله : { فأما الذين آمنوا } للتفريع على حكاية استفهامهم ~~بحمله على ظاهر حاله وصرفه عن مقصدهم منه . وتلك طريقة الأسلوب الحكيم ، ~~وهو : تلقي المخاطب بغير ما يترقب بحمل كلامه على خلاف مراده لنكتة ، وهي ~~هنا إبطال ما قصدوه من نفي أن تكون السورة تزيد أحدا إيمانا قياسا على ~~أحوال قلوبهم فأجيب استفهامهم بهذا التفصيل المتفرع عليه ، فأثبت أن للسورة ~~زيادة في إيمان بعض الناس وأكثر من الزيادة ، وهو حصول البشر لهم . | # وارتقي في الجواب عن مقصدهم من الإنكار بأن السورة ليست منفيا عنها زيادة ~~في إيمان بعض الناس فقط بل الأمر أشد إذ هي زائدة في كفرهم ، فالقسم الأول ~~المؤمنون زادتهم إيمانا وأكسبتهم بشرى فحصل من السورة لهم نفعان عظيمان ، ~~والقسم الثاني الذين في قلوبهم مرض زادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم ~~كافرون . فالوجه أن تكون جملة { وهم يستبشرون } معطوفة على جملة : { ~~فزادتهم إيمانا } وأن PageV11P065 تكون جملة : { وماتوا وهم كافرون } ~~معطوفة على جملة : { فزادتهم رجسا } لأن مضمون كلتا الجملتين مما أثرته ~~السورة . أما جملة : { وهم كافرون } فهي حال من ضمير { ماتوا } . | # وقوبل قوله : { وهم يستبشرون } في جانب المؤمنين بقوله : { وماتوا وهم ~~كافرون } في جانب المنافقين تحسينا بالازدواج ، بحيث كانت للسورة فائدتان ~~للمؤمنين ومصيبتان على المنافقين ، فجعل موتهم على الكفر المتسبب على زيادة ~~السورة في كفرهم بمنزلة مصيبة أخرى غير الأولى وإن كانت في الحقيقة زيادة ~~في المصيبة الأولى . | # هذا وجه نظم الآية على هذا النسج من البلاغة والبديع ، وقد أغفل فيما ~~رأيت من التفاسير ، فمنها ما سكت عن بيانه . ومنها ما نشرت فيه معاني ~~المفردات وترك جانب نظم الكلام . | # والاستبشار : أثر البشرى في النفس ، فالسين والتاء للتأكيد مثل استعجم ، ~~وتقدم في قوله تعالى : { يستبشرون بنعمة من الله في آل عمران ( 171 ) ، ~~وتقدم آنفا في قوله : فاستبشروا ببيعكم } ( التوبة : 111 ) . | # والمراد بزيادة الإيمان وبزيادة الرجس الرسوخ والتمكن ms3799 من النفس . | # والرجس : هنا الكفر . وأصله الشيء الخبيث . كما تقدم عند قوله تعالى : { ~~رجس من عمل الشيطان في سورة العقود ( 90 ) . وقوله : كذلك يجعل الله الرجس ~~على الذين لا يؤمنون في سورة الأنعام ( 125 ) . | # والمرض في القلوب تقدم في قوله تعالى : في قلوبهم مرض في سورة البقرة ( ~~10 ) . | # وتعدية زادتهم } ب { إلى ) } لأن زاد قد ضمن معنى الضم . | # ومعنى قوله : { فأما الذين آمنوا } الخ مثل معنى قوله تعالى : { وننزل من ~~القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا } ( الإسراء ~~: 82 ) . | # | PageV11P066 # | 2 ( 126 ) { أولا يرون أنهم يفتنون فى كل عام مرة أو مرتين ثم لا ~~يتوبون ولا هم يذكرون } ) 2 # عطف على جملة { فزادتهم رجسا إلى رجسهم } ( التوبة : 125 ) إلى آخره فهي ~~من تمام التفصيل . | # وقدمت همزة الاستفهام على حرف العطف على طريقة تصدير أدوات الاستفهام . ~~والتصدير للتنبيه على أن الجملة في غرض الاستفهام . | # والاستفهام هنا إنكار وتعجيب لعدم رؤيتهم فتنتهم فلا تعقبها توبتهم ولا ~~تذكرهم أمر ربهم . والغرض من هذا الإنكار هو الاستدلال على ما تقدم من ~~ازدياد كفر المنافقين وتمكنه كلما نزلت سورة من القرآن بإيراد دليل واضح ~~ينزل منزلة المحسوس المرئي حتى يتوجه الإنكار على من لا يراه . | # والفتنة : اختلال نظام الحالة المعتادة للناس واضطراب أمرهم ، مثل ~~الأمراض المنتشرة ، والتقاتل ، واستمرار الخوف . وقد تقدم ذكرها عند قوله : ~~{ والفتنة أشد من القتل } ( البقرة : 191 ) وقوله : { وقاتلوهم حتى لا تكون ~~فتنة في سورة البقرة ( 193 ) . | # فمعنى أنهم يفتنون } أن الله يسلط عليهم المصائب والمضار تنال جماعتهم ~~مما لا يعتاد تكرر أمثاله في حياة الأمم بحيث يدل تكرر ذلك على أنه مراد ~~منه إيقاظ الله الناس إلى سوء سيرتهم في جانب الله تعالى ، بعدم اهتدائهم ~~إلى الإقلاع عما هم فيه من العناد للنبيء صلى الله عليه وسلم فإنهم لو ~~رزقوا التوفيق لأفاقوا من غفلتهم ، فعلموا أن ما يحل بهم كل عام ما طرأ ~~عليهم إلا من وقت تلبسهم بالنفاق . | # ولا شك أن الفتنة التي أشارت إليها الآية كانت ms3800 خاصة بأهل النفاق من أمراض ~~تحل بهم ، أو متالف تصيب أموالهم ، أو جوائح تصيب ثمارهم ، أو نقص من ~~أنفسهم ومواليدهم ؛ فإذا حصل شيئان من ذلك في السنة كانت الفتنة مرتين . | # وقرأ الجمهور { أولا يرون } بالمثناة التحتية . وقرأ حمزة ويعقوب { أولا ~~ترون } بالمثناة الفوقية على أن الخطاب للمسلمين ، فيكون من تنزيل الرائي ~~منزلة غيره حتى ينكر عليه عدم رؤيته ما لا يخفى . | PageV11P067 # و { ثم } للترتيب الرتبي لأن المعطوف بها هو زائد في رتبة التعجيب من ~~شأنه على المعطوف عليه ، فإن حصول الفتنة في ذاته عجيب ، وعدم اهتدائهم ~~للتدارك بالتوبة والتذكر أعجب . ولو كانت ( ثم ) للتراخي الحقيقي لكان محل ~~التعجيب من حالهم هو تأخر توبتهم وتذكرهم . | # وأتي بجملة { ولا هم يذكرون } مبتدأة باسم أسند إليه فعل ولم يقل : ولا ~~يذكرون ، قصدا لإفادة التقوي ، أي انتفاء تذكرهم محقق . | # | 2 ( 127 ) { وإذا مآ أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم ~~انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون } ) 2 # عطف على جملة : { وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه ~~إيمانا } ( التوبة : 124 ) والظاهر أن المقصود عطف جملة : { نظر بعضهم إلى ~~بعض } على جملة : { فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا } ( التوبة : 124 ~~) . وإنما أعيدت جملة الشرط لبعد ما بين الجملة المعطوفة وجملة الجزاء ، أو ~~للإشارة إلى اختلاف الوقت بالنسبة للنزول الذي يقولون عنده { أيكم زادته ~~هذه إيمانا } ( التوبة : 124 ) وبالنسبة للسورة التي عند نزولها ينظر بعضهم ~~إلى بعض ، أو لاختلاف السورتين بأن المراد هنا سورة فيها شيء خاص بهم . | # وموجب زيادة ( ما ) بعد ( إذا ) في الآيتين متحد لاتحاد مقتضيه . | # ونظر بعضهم إلى بعض عند نزول السورة يدل على أنهم كانوا حينئذ في مجلس ~~النبي صلى الله عليه وسلم لأن نظر بعضهم إلى بعض تعلقت به أداة الظرفية ، ~~وهي ( إذا ) . فتعين أن يكون نظر بعضهم إلى بعض حاصلا وقت نزول السورة . ~~ويدل لذلك أيضا قوله : { ثم انصرفوا } أي عن ذلك المجلس . ويدل أيضا على أن ~~السورة مشتملة على ms3801 كشف أسرارهم وفضح مكرهم لأن نظر بعضهم إلى بعض هو نظر ~~تعجب واستفهام . وقد قال تعالى في الآية السابقة : { يحذر المنافقون أن ~~تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزئوا إن الله مخرج ما تحذرون ~~} ( التوبة : 64 ) . ويدل أيضا على أنهم كاتمون تعجبهم من PageV11P068 ظهور ~~أحوالهم خشية الاعتراف بما نسب إليهم ولذلك اجتزوا بالتناظر دون الكلام . ~~فالنظر هنا نظر دال على ما في ضمير الناظر من التعجب والاستفهام . | # وجملة : { هل يراكم من أحد } بيان لجملة { نظر بعضهم إلى بعض } لأن النظر ~~تفاهموا به فيما هو سر بينهم ؛ فلما كان النظر نظر تفاهم صح بيان جملته بما ~~يدل على الاستفهام التعجيبي ، ففي هذا النظم إيجاز حذف بديع دلت عليه ~~القرينة . والتقدير : وإذا ما أنزلت سورة فيها فضيحة أمرهم نظر بعضهم إلى ~~بعض بخائنة الأعين مستفهمين متعجبين من اطلاع النبي صلى الله عليه وسلم على ~~أسرارهم ، أي هل يراكم من أحد إذا خلوتم ودبرتم أموركم ، لأنهم بكفرهم لا ~~يعتقدون أن الله أطلع نبيه عليه الصلاة والسلام على دخيلة أمرهم . | # وزيادة جملة : { ثم انصرفوا } لإفادة أنهم لم يكتسبوا من نزول السورة ~~التي أطلعت المؤمنين على أسرارهم عبرة ولا قربا من الإيمان ، بل كان قصارى ~~أمرهم التعجب والشك في أن يكون قد اطلع عليهم من يبوح بأسرارهم ثم انصرفوا ~~كأن لم تكن عبرة . وهذا من جملة الفتن التي تحل بهم ثم لا يتوبون ولا هم ~~يذكرون . | # وجملة : { صرف الله قلوبهم } مستأنفة استئنافا بيانيا ، لأن ما أفاده ~~قوله : { ثم انصرفوا } من عدم انتفاعهم بما في تلك السورة من الإخبار ~~بالمغيبات الدال على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم يثير سؤال من يسأل عن ~~سبب عدم انتفاعهم بذلك واهتدائهم ، فيجاب بأن الله صرف قلوبهم عن الفهم ~~بأمر تكويني فحرموا الانتفاع بأبلغ واعظ . وكان ذلك عقابا لهم بسبب أنهم { ~~قوم لا يفقهون } ، أي لا يفهمون الدلائل ، بمعنى لا يتطلبون الهدى بالتدبر ~~فيفهموا . | # وجعل جماعة من المفسرين قوله : { صرف الله قلوبهم } دعاء عليهم ، ولا ~~داعي إليه لأن ms3802 دعاء الله على مخلوقاته تكوين كما تقدم ، ولأنه يأباه تسبيبه ~~بقوله : { بأنهم قوم لا يفقهون } . | # وقد أعرض المفسرون عن تفسير هذه الآية تفسيرا يبين استفادة معانيها من ~~نظم الكلام فأتوا بكلام يخاله الناظر إكراها لها على المعنى المراد ~~وتقديرات لا ينثلج لها الفؤاد . | # | PageV11P069 # | 2 ( 128 ، 129 ) { لقد جآءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص ~~عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم * فإن تولوا فقل حسبى الله لا إلاه إلا هو عليه ~~توكلت وهو رب العرش العظيم } ) 2 # | $ # كانت هذه السورة سورة شدة وغلظة على المشركين وأهل الكتاب والمنافقين من ~~أهل المدينة ومن الأعراب ، وأمرا للمؤمنين بالجهاد ، وإنحاء على المقصرين ~~في شأنه . وتخلل ذلك تنويه بالمتصفين بضد ذلك من المؤمنين الذين هاجروا ~~والذين نصروا واتبعوا الرسول في ساعة العسرة . | # فجاءت خاتمة هذه السورة آيتين بتذكيرهم بالمنة ببعثة محمد صلى الله عليه ~~وسلم والتنويه بصفاته الجامعة للكمال . ومن أخصها حرصه على هداهم ، ورغبته ~~في إيمانهم ودخولهم في جامعة الإسلام ليكون رؤوفا رحيما بهم ليعلموا أن ما ~~لقيه المعرضون عن الإسلام من الإغلاظ عليهم بالقول والفعل ما هو إلا ~~استصلاح لحالهم . وهذا من مظاهر الرحمة التي جعلها الله تعالى مقارنة لبعثة ~~رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله : { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } ( ~~الأنبياء : 107 ) ، بحيث جاء في هاتين الآيتين بما شأنه أن يزيل الحرج من ~~قلوب الفرق التي نزلت فيهم آيات الشدة وعوملوا بالغلظة تعقيبا للشدة بالرفق ~~وللغلظة بالرحمة ، وكذلك عادة القرآن . فقد انفتح بهاتين الآيتين باب حظيرة ~~الإيمان والتوبة ليدخلها من وفقه الله إليها . | # فالجملة مستأنفة استئنافا ابتدائيا . وفي وقوعها آخر السورة ما يكسبها ~~معنى التذييل والخلاصة . | # فالخطاب بقوله : { جاءكم } وما تبعه من الخطاب موجه إلى جميع الأمة ~~المدعوة للإسلام . والمقصود بالخطاب بادىء ذي بدء هم المعرضون من المشركين ~~والمنافقين من العرب بقرينة قوله عقب الخطاب { بالمؤمنين رءوف رحيم } ~~وسيجيء أن المقصود العرب . | PageV11P070 # وافتتاحها بحرفي التأكيد وهما اللام و ( قد ) مع كون مضمونها مما لا ~~يتطرق إليه الإنكار لقصد الاهتمام بهذه الجملة لأهمية ms3803 الغرض الذي سيقت ~~لأجله وهو الذي سنذكره ، ولأن فيما تضمنته ما ينكره المنافقون وهو كونه ~~رسولا من الله ، ولأن في هذا التأكيد ما يجعل المخاطبين به منزلين منزلة ~~المنكرين لمجيئه من حيث إنهم لم ينفعوا أنفسهم بهذا المجيء ، ولأن في هذا ~~التأكيد تسجيلا عليهم مرادا به الإيماء إلى اقتراب الرحيل ، لأنه لما أعيد ~~الإخبار بمجيئه وهو حاصل منذ أعوام طويلة كان ذلك كناية عن اقتراب انتهائه ~~، وهو تسجيل منه على المؤمنين ، وإيداع للمنافقين ومن بقي من المشركين . ~~على أن آيات أخرى خوطب بها أهل الكتاب ونحوهم فأكدت بأقل من هذا التأكيد ~~كقوله تعالى : { يأهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم ~~تخفون من الكتاب ويعفوا عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين } ( ~~المائدة : 15 ) وكقوله تعالى : { يأيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم ~~وأنزلنا إليكم نورا مبينا } ( النساء : 174 ) فما زيدت الجملة في هذه ~~السورة مؤكدة إلا لغرض أهم من إزالة الإنكار . | # والمجيء : مستعمل مجازا في الخطاب بالدعوة إلى الدين . شبه توجهه إليهم ~~بالخطاب الذي لم يكونوا يترقبونه بمجيء الوافد إلى الناس من مكان آخر . وهو ~~استعمال شائع في القرآن . | # والأنفس : جمع نفس ، وهي الذات . ويضاف النفس إلى الضمير فيدل على قبيلة ~~معاد الضمير ، أي هو معدود من ذوي نسبهم وليس عداده فيهم بحلف أو ولاء أو ~~إلصاق . يقال : هو قريشي من أنفسهم ، ويقال : القريشي مولاهم أو حليفهم ، ~~فمعنى { من أنفسكم } من صميم نسبكم ، فتعين أن الخطاب للعرب لأن النازل ~~بينهم القرآن يومئذ لا يعدون العرب ومن حالفهم وتولاهم مثل سلمان الفارسي ~~وبلالل الحبشي ، وفيه امتنان على العرب وتنبيه على فضيلتهم ، وفيه أيضا ~~تعريض بتحريضهم على اتباعه وترك مناواته وأن الأجدر بهم الافتخار به ~~والالتفاف حوله كما قال تعالى في ذكر القرآن { وإنه لذكر لك ولقومك } ( ~~الزخرف : 44 ) أي يبقى منه لكم ذكر حسن . | PageV11P071 # والعزيز : الغالب . والعزة : الغلبة . يقال عزه إذا غلبه . ومنه { وعزني ~~في الخطاب } ( ص : 23 ) ، فإذا عدي بعلى دل على معنى الثقل والشدة ms3804 على ~~النفس . قال بشر بن عوانة في ذكر قتله الأسد ومصارعته إياه : | # فقلت له يعز علي أني | # قتلت مناسبي جلدا وقهرا | # و { ما } مصدرية . و { عنتم } : تعبتم . والعنت : التعب ، أي شاق عليه ~~حزنكم وشقاؤكم . وهذا كقوله : { لعلك باخع نفسك أن لا يكونوا مؤمنين } ( ~~الشعراء : 3 ) وذكر هذا في صفة الرسول عليه السلام يفيد أن هذا خلق له ~~فيكون أثر ظهوره الرفق بالأمة والحذر مما يلقي بهم إلى العذاب في الدنيا ~~والآخرة . ومن آثار ذلك شفاعته للناس كلهم في الموقف لتعجيل الحساب . ثم إن ~~ذلك يومىء إلى أن شرعه جاء مناسبا لخلقه فانتفى عنه الحرج والعسر قال تعالى ~~: { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } ( البقرة : 185 ) وقال : { ~~وما جعل عليكم في الدين من حرج } ( الحج : 78 ) . | # والعدول عن الإتيان بلفظ العنت الذي هو المصدر الصريح إلى الإتيان بالفعل ~~مع ( ما ) المصدرية السابكة للمصدر نكتة . وهي إفادة أنه قد عز عليه عنتهم ~~الحاصل في الزمن الذي مضى ، وذلك بما لقوه من قتل قومهم ، ومن الأسر في ~~الغزوات ، ومن قوارع الوعيد والتهديد في القرآن . فلو أتي بالمصدر لم يكن ~~مشيرا إلى عنتت معين ولا إلى عنت وقع لأن المصدر لا زمان له بل كان محتملا ~~أن يعز عليه بأن يجنبهم إياه ، ولكن مجيء المصدر منسبكا من الفعل الماضي ~~يجعله مصدرا مقيدا بالحصول في الماضي ، ألا ترى أنك تقدره هكذا : عزيز عليه ~~عنتكم الحاصل في ما مضى لتكون هذه الآية تنبيها على أن ما لقوه من الشدة ~~إنما هو لاستصلاح حالهم لعلهم يخفضون بعدها من غلوائهم ويرعوون عن غيهم ~~ويشعرون بصلاح أمرهم . | # والحرص : شدة الرغبة في الشيء والجشع إليه . ولما تعدى إلى ضمير ~~المخاطبين الدال على الذوات وليست الذوات هي متعلق الحرص هنا تعين تقدير ~~مضاف فهم من مقام التشريع ، فيقدر : على إيمانكم أو هديكم . | PageV11P072 # والرؤوف : الشديد الرأفة . والرحيم : الشديد الرحمة ، لأنهما صيغتا ~~مبالغة ، وهما يتنازعان المجرور المتعلق بهما وهو { بالمؤمنين } . | # والرأفة : رقة تنشأ عند حدوث ضر بالمرءوف به . يقال : رؤوف رحيم ms3805 . ~~والرحمة : رقة تقتضي الإحسان للمرحوم ، بينهما عموم وخصوص مطلق ، ولذلك جمع ~~بينهما هنا ولوازمهما مختلفة . وتقدمت الرأفة عند قوله تعالى : { وما كان ~~الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرءوف رحيم في سورة البقرة ( 143 ) ~~والرحمة في سورة الفاتحة ( 3 ) . | # وتقديم المتعلق على عامليه المتنازعينه في قوله : بالمؤمنين رءوف رحيم } ~~للاهتمام بالمؤمنين في توجه صفتي رأفته ورحمته بهم . وأما رحمته العامة ~~الثابتة بقوله تعالى : { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } ( الأنبياء : 107 ~~) فهي رحمة مشوبة بشدة على غير المؤمنين فهو بالنسبة لغير المؤمنين رائف ~~وراحم ، ولا يقال : بهم رؤوف رحيم . | # والفاء في قوله : { فإن تولوا } للتفريع على إرسال النبي صلى الله عليه ~~وسلم صاحب هذه الصفات إليهم فإن صفاته المذكورة تقتضي من كل ذي عقل سليم من ~~العرب الإيمان به واتباعه لأنه من أنفسهم ومحب لخيرهم رؤوف رحيم بمن يتبعه ~~منهم ، فتفرع عليه أنهم محقوقون بالإيمان به فإن آمنوا فذاك وإن لم يؤمنوا ~~فإن الله حسيبه وكافيه . وقد دل الشرط على مقابله لأن { فإن تولوا } يدل ~~على تقدير ضده وهو إن أذعنوا بالإيمان . | # وبعد التفريع التفت الكلام من خطاب العرب إلى خطاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم بما كان مقتضى الظاهر أن يخاطبوا هم به اعتمادا على قرينة حرف التفريع ~~فقيل له : { فإن تولوا فقل حسبي الله } . والتقدير : فإن توليتم عنه فحسبه ~~الله وقل حسبي الله . فجيء بهذا النظم البديع الإيجاز مع ما فيه من براعة ~~الإيماء إلى عدم تأهلهم لخطاب الله على تقدير حالة توليهم . | # والتولي : الإعراض والإدبار : وهو مستعار هنا للمكابرة والعناد . | ~~PageV11P073 # والحسب : الكافي ، أي كافيك شر إعراضهم لأنهم إن أعرضوا بعد هذا فقد ~~أعرضوا عن حسد وحنق . وتلك حالة مظنة السعي في الكيد والأذى . | # ومعنى الأمر بأن يقول : { حسبي الله } أن يقول ذلك قولا ناشئا عن عقد ~~القلب عليه ، أي فاعلم أن حسبك الله وقل حسبي الله ، لأن القول يؤكد ~~المعلوم ويرسخه في نفس العالم به ، ولأن في هذا القول إبلاغا للمعرضين عنه ~~بأن الله كافيه إياهم . | # والتوكل : التفويض ms3806 . وهو مبالغة في وكل . | # وهذه الآية تفيد التنويه بهذه الكلمة المباركة لأنه أمر بأن يقول هذه ~~الكلمة بعينها ولم يؤمر بمجرد التوكل كما أمر في قوله : { فتوكل على الله ~~إنك على الحق المبين } ( النمل : 79 ) . ولا أخبر بأن الله حسبه مجرد إخبار ~~كما في قوله : { فإن حسبك الله } ( الأنفال : 62 ) . | # وجملة : { لا إله إلا هو } مستأنفة للثناء ، أو في موضع الحال وهي ثناء ~~بالوحدانية . | # وعطفت عليها جملة : { وهو رب العرش العظيم } للثناء بعظيم القدرة لأن من ~~كان ربا للعرش العظيم ثبت أنه قدير ، لأنه قد اشتهر أن العرش أعظم ~~المخلوقات ، ولذلك وصف بالعظيم ، فالعظيم في هذه الآية صفة للعرش ، فهو ~~مجرور . | # وفي هاتين الآيتين إشعار بالإيداع والإعذار للناس ، وتنبيه إلى المبادرة ~~باغتنام وجود الرسول صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم ليتشرفوا بالإيمان به ~~وهم يشاهدونه ويقتبسون من أنوار هديه ، لأن الاهتداء بمشاهدته والتلقي منه ~~أرجى لحصول كمال الإيمان والانتفاع بقليل من الزمان لتحصيل وافر الخير الذي ~~لا يحصل مثله في أضعاف ذلك الزمان . | # وفيهما أيضا إيماء إلى اقتراب أجل النبي صلى الله عليه وسلم لأن التذكير ~~بقوله : { لقد جاءكم } يؤذن بأن هذا المجيء الذي مضى عليه زمن طويل يوشك أن ~~ينقضي ، لأن لكل وارد قفولا ، ولكل طالع أفولا . وقد روي عن أبي بن كعب ~~وقتادة أن هاتين الآيتين هما أحدث القرآن عهدا بالله عز وجل ، أي آخر ما ~~نزل من القرآن . PageV11P074 وقيل : إن آخر القرآن نزولا آية الكلالة خاتمة ~~سورة النساء . وقيل آخره نزولا قوله : { واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ~~ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون من سورة البقرة ( 281 ) . | # في صحيح البخاري } من طريق شعيب عن الزهري عن ابن السباق عن زيد بن ثابت ~~في حديث جمع القرآن في زمن أبي بكر رضي الله عنه قال زيد : ( حتى وجدت من ~~سورة التوبة آيتين مع خزيمة الأنصاري لم أجدهما مع أحد غيره { لقد جاءكم ~~رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم } إلى آخرهما . ومن ms3807 طريق ~~إبراهيم بن سعد عن الزهري مع أبي خزيمة الأنصاري . ومعنى ذلك أنه بحث عن ~~هاتين الآيتين في ما هو مكتوب من القرآن فلم يجدهما وهو يعلم أن في آخر ~~سورة التوبة آيتين خاتمتين أو هو يحفظهما ( فإن زيدا اعتنى في جمع القرآن ~~بحفظه وبتتبع ما هو مكتوب بإملاء النبي صلى الله عليه وسلم وبقراءة حفاظ ~~القرآن غيره ) فوجد خزيمة أو أبا خزيمة يحفظهما . فلما أملاهما خزيمة أو ~~أبو خزيمة عليه تذكر زيد لفظهما وتذكرهما من سمعهما من الصحابة حين قرأوهما ~~، كيف وقد قال أبي بن كعب : إنهما آخر ما أنزل ، فلفظهما ثابت بالإجماع ، ~~وتواترهما حاصل إذ لم يشك فيهما أحد وليس إثباتهما قاصرا على إخبار خزيمة ~~أو أبي خزيمة . | PageV11P075 صفحة فارغة . | PageV11P076 # | 1 ( سورة يونس ) 1 # سميت في المصاحف وفي كتب التفسير والسنة سورة يونس ؛ لأنها انفردت بذكر ~~خصوصية لقوم يونس ، أنهم آمنوا بعد أن توعدهم رسولهم بنزول العذاب فعفا ~~الله عنهم لما آمنوا . وذلك في قوله تعالى : { فلولا كانت قرية آمنت فنفعها ~~إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ~~ومتعناهم إلى حين } ( يونس : 98 ) . وتلك الخصوصية كرامة ليونس عليه السلام ~~وليس فيها ذكر ليونس غير ذلك . وقد ذكر يونس في سورة الصافات بأوسع مما في ~~هذه السورة ولكن وجه التسمية لا يوجبها . | # والأظهر عندي أنها أضيفت إلى يونس تمييزا لها عن أخواتها الأربع المفتتحة ~~ب ( ألر ) . ولذلك أضيفت كل واحدة منها إلى نبيء أو قوم نبيء عوضا عن أن ~~يقال : الر الأولى وألر الثانية . وهكذا فإن اشتهار السور بأسمائها أول ما ~~يشيع بين المسلمين بأولى الكلمات التي تقع فيها وخاصة إذا كانت فواتحها ~~حروفا مقطعة فكانوا يدعون تلك السور بآل حم وآل ألر ونحو ذلك . | # وهي مكية في قول الجمهور . وهو المروي عن ابن عباس في الأصح عنه . وفي ( ~~الإتقان ) عن عطاء عنه أنها مدنية . وفي ( القرطبي ) عن ابن عباس أن ثلاث ~~آيات منها مدنية وهي قوله تعالى : { فإن كنت في شك مما ms3808 أنزلنا إليك إلى ~~قوله : حتى يروا العذاب الأليم } ( يونس : 94 97 ) وجزم بذلك القمي ~~النيسابوري . وفي ( ابن عطية ) عن مقاتل إلا آيتين مدنيتين هما : { فإن كنت ~~في شك إلى قوله : من الخاسرين } ( يونس : 94 95 ) . وفيه عن الكلبي أن آية ~~واحدة نزلت بالمدينة وهي قوله تعالى : { ومنهم من يؤمن به إلى أعلم ~~بالمفسدين } ( ويونس : 40 ) نزلت في شأن اليهود . | PageV11P077 # وقال ابن عطية : قالت فرقة : نزل نحو من أربعين آية من أولها بمكة ونزل ~~باقيها بالمدينة . ولم ينسبه إلى معين . وأحسب أن هذه الأقوال ناشئة عن ظن ~~أن ما في القرآن من مجادلة مع أهل الكتاب لم ينزل إلا بالمدينة ، فإن كان ~~كذلك فظن هؤلاء مخطىء . وسيأتي التنبيه عليه . | # وعدد آيها مائة وتسع آيات في عد أكثر الأمصار ، ومائة وعشر في عد أهل ~~الشام . | # وهي السورة الحادية والخمسون في ترتيب نزول السور . نزلت بعد سورة بني ~~إسرائيل وقبل سورة هود . وأحسب أنها نزلت سنة إحدى عشرة بعد البعثة لما ~~سيأتي عند قوله تعالى : { وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم إذا لهم ~~مكر في آياتنا } ( يونس : 21 ) . | # # | أغراض السورة # ابتدئت بمقصد إثبات رسالة محمد صلى الله عليه وسلم بدلالة عجز المشركين ~~عن معارضة القرآن ، دلالة نبه عليها بأسلوب تعريضي دقيق بني على الكناية ~~بتهجية الحروف المقطعة في أول السورة كما تقدم في مفتتح سورة البقرة ، ~~ولذلك أتبعت تلك الحروف بقوله تعالى : { تلك آيات الكتاب الحكيم } ( يونس : ~~1 ) إشارة إلى أن إعجازه لهم هو الدليل على أنه من عند الله . وقد جاء ~~التصريح بما كني عنه هنا في قوله : { قل فأتوا بسورة مثله } ( يونس : 38 ) ~~. | # وأتبع بإثبات رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وإبطال إحالة المشركين أن ~~يرسل الله رسولا بشرا . | # وانتقل من ذلك إلى إثبات انفراد الله تعالى بالإلهية بدلالة أنه خالق ~~العالم ومدبره ، فأفضى ذلك إلى إبطال أن يكون لله شركاء في إلهيته ، وإلى ~~إبطال معاذير المشركين بأن أصنامهم شفعاء عند الله . | PageV11P078 # وأتبع ذلك بإثبات الحشر والجزاء . فذلك إبطال ms3809 أصول الشرك . | # وتخلل ذلك بذكر دلائل من المخلوقات ، وبيان حكمة الجزاء ، وصفة الجزاء ، ~~وما في دلائل المخلوقات من حكم ومنافع للناس . ووعيد منكري البعث المعرضين ~~عن آيات الله ، وبضد أولئك وعد الذين آمنوا . | # فكان معظم هذه السورة يدور حول محور تقرير هذه الأصول . | # فمن ذلك التنبيه على أن إمهال الله تعالى الكافرين دون تعجيل العذاب هو ~~حكمة منه . | # ومن ذلك التذكير بما حل بأهل القرون الماضية لما أشركوا وكذبوا الرسل . | # والاعتبار بما خلق الله للناس من مواهب القدرة على السير في البر والبحر ~~، وما في أحوال السير في البحر من الألطاف . | # وضرب المثل للدنيا وبهجتها وزوالها ، وأن الآخرة هي دار السلام . | # واختلاف أحوال المؤمنين والكافرين في الآخرة ، وتبرؤ الآلهة الباطلة من ~~عبدتها . | # وإبطال إلهية غير الله تعالى ، بدليل أنها لا تغني عن الناس شيئا في ~~الدنيا ولا في الآخرة . | # وإثبات أن القرآن منزل من الله ، وأن الدلائل على بطلان أن يكون مفترى ~~واضحة . | # وتحدي المشركين بأن يأتوا بسورة مثله ، ولكن الضلالة أعمت أبصار ~~المعاندين . | # وإنذار المشركين بعواقب ما حل بالأمم التي كذبت بالرسل ، وأنهم إن حل بهم ~~العذاب لا ينفعهم إيمانهم ، وأن ذلك لم يلحق قوم يونس لمصادفة مبادرتهم ~~بالإيمان قبل حلول العذاب . | # وتوبيخ المشركين على ما حرموه مما أحل الله من الرزق . | # وإثبات عموم العلم لله تعالى . | PageV11P079 # وتبشير أولياء الله في الحياة الدنيا وفي الآخرة . | # وتسلية الرسول عما يقوله الكافرون . | # وأنه لو شاء الله لآمن من في الأرض كلهم . | # ثم تخلص إلى الاعتبار بالرسل السابقين نوح ورسلل من بعده ثم موسى وهارون ~~. | # ثم استشهد على صدق رسالة محمد صلى الله عليه وسلم بشهادة أهل الكتاب . | # وختمت السورة بتلقين الرسول عليه الصلاة والسلام مما يعذر به لأهل الشك ~~في دين الإسلام ، وأن اهتداء من اهتدى لنفسه وضلال من ضل عليها ، وأن الله ~~سيحكم بينه وبين معانديه . | # | 2 ( 1 ) { ال ر تلك ءايات الكتاب الحكيم } ) 2 # | $ # تقدم القول في الحروف الواقعة في فواتح بعض السور في أول سورة البقرة فهي ~~بمنزلة ms3810 الأعداد المسرودة ، لا محل لها من الإعراب ، ولا ينطق بها إلا على ~~حال السكت ، وحال السكت يعامل معاملة الوقف ، فلذلك لا يمد اسم را في الآية ~~، وإن كان هو في اللغة بهمزة في آخره لأنه بالسكت تحذف الهمزة كما تحذف في ~~الوقف لثقل السكوت على الهمزة في الوقف والسكت ، فبذلك تصير الكلمة على ~~حرفين فلا تمد . ولذلك أجمع القراء على عدم مد الحروف : را . ها . يا . طا ~~. حا . التي في أوائل السور وإن كانت تلك الأسماء ممدودة في استعمال اللغة ~~. | # اسم الإشارة يجوز أن يكون مرادا به جميع آي القرآن التي نزلت قبل هذه ~~السورة باعتبار حضور تلك الآيات في أذهان الناس من المؤمنين وغيرهم ، ~~فكأنها منظورة مشاهدة ، فصحت الإشارة إليها إذ هي متلوة محفوظة فمن شاء أن ~~يسمعها ويتدبرها PageV11P080 أمكنه ذلك ولأن الخوض في شأنها هو حديث الناس ~~في نواديهم وأسمارهم وشغلهم وجدالهم ، فكانت بحيث تتبادر إلى الأذهان عند ~~ورود الإشارة إليها . | # واسم الإشارة يفسر المقصود منه خبره وهو { آيات الكتاب الحكيم } كما فسره ~~في قوله تعالى : { فهذا يوم البعث } ( الروم : 56 ) وقوله تعالى : { قال ~~هذا فراق بيني وبينك } ( الكهف : 78 ) . قال في ( الكشاف ) : تصور فراقا ~~بينهما سيقع قريبا فأشار إليه بهذا . | # وقد تقدم شيء من هذا المعنى عند قوله تعالى : { ذلك هدى الله يهدى به من ~~يشاء من عباده في سورة الأنعام ( 88 ) . فالمقصود من الإشارة إما الحث على ~~النظر في آيات القرآن ليتبين لهم أنه من عند الله ويعلموا صدق من جاءهم به ~~. وإما إقناعهم من الآيات الدالة على صدق النبي بآيات الكتاب الحكيم فإنهم ~~يسألون النبي آية على صدقه ، كما دل عليه قوله في هذه السورة ( يونس : 15 ) ~~وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائتت بقرآن غير ~~هذا أو بدله } فقيل لهم { تلك آيات الكتاب الحكيم } ، أي ما هو آية واحدة ~~بل آيات كثيرة ، فإن الإعجاز حاصل بكل سورة منه . | # ولأنه اشتمل على الحقائق السامية والهدى إلى الحق والحكمة ؛ فرجل أمي ~~ينشأ ms3811 في أمة جاهلة يجيء بمثل هذا الهدى والحكمة لا يكون إلا موحى إليه بوحي ~~إلهي ، كما دل عليه قوله تعالى : { وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه ~~بيمينك إذا لارتاب المبطلون } ( العنكبوت : 48 ) . | # وعليه فاسم الإشارة مبتدأ و { آيات } خبره . وإضافة { آيات } إلى { ~~الكتاب } إضافة شبيهة بالبيانية وإن كان الكتاب بمنزلة الظرف للآيات ~~باختلاف الاعتبار ، وهو معنى الإضافة البيانية عند التحقيق . | # ويجوز أن تجعل الإشارة ب { تلك } إلى حروف { ألر } لأن المختار في الحروف ~~المقطعة في فواتح السور أن المقصود من تعدادها التحدي بالإعجاز ، فهي ~~بمنزلة التهجي للمتعلم . فيصح أن يجعل ( ألر ) في محل ابتداء ويكون اسم ~~الإشارة خبرا عنه . والمعنى تلك الحروف PageV11P081 آيات الكتاب الحكيم ، ~~أي من جنسها حروف الكتاب الحكيم ، أي جميع تراكيبه من جنس تلك الحروف . | # والمقصود تسجيل عجزهم عن معارضته بأن آيات الكتاب الحكيم كلها من جنس ~~حروف كلامهم فما لكم لا تستطيعون معارضتها بمثلها إن كنتم تكذبون بأن ~~الكتاب منزل من عند الله ، فلولا أنه من عند الله لكان اختصاصه بهذا النظم ~~المعجز دون كلامهم محالا إذ هو مركب من حروف كلامهم . | # والكتاب : القرآن . فالتعريف فيه للعهد . ويجوز جعل التعريف دالا على ~~معنى الكمال في الجنس ، كما تقول : أنت الرجل . | # والحكيم : وصف إما بمعنى فاعل ، أي الحاكم على الكتب بتمييز صحيحها من ~~محرفها ، مثل قوله : { ومهيمنا عليه } ( المائدة : 48 ) ، وقوله : { وأنزل ~~معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه } ( البقرة : 213 ) . ~~| # وإما بمعنى مفعل بفتح العين ، أي محكم ، مثل عتيد ، بمعنى معد . | # وإما بمعنى ذي الحكمة لاشتماله على الحكمة والحق والحقائق العالية ، إذ ~~الحكمة هي إصابة الحق بالقول والعمل فوصف بوصف ذي الحكمة من الناس على سبيل ~~التوسع الناشىء عن البليغ كقول الأعشى : | # وغريبة تأتي الملوك حكيمة | # قد قلتها ليقال من ذا قالها | # وإما أن يكون وصف بوصف منزله المتكلم به ، كما مشى عليه صاحب ( الكشاف ) ~~عند قوله تعالى : { يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين } ( يس : 1 ، 3 ) . ~~| # واختيار وصف { الحكيم } من ms3812 بين أوصاف الكمال الثابتة للقرآن ؛ لأن لهذا ~~الوصف مزيد اختصاص بمقام إظهار الإعجاز من جهة المعنى بعد إظهار الإعجاز من ~~جهة اللفظ بقوله : { الر تلك آيات الكتاب الحكيم } ، ولما اشتملت عليه ~~السورة من براهين التوحيد وإبطال الشرك . | PageV11P082 # وإلى هذا المعنى يشير قوله بعد هذا : { قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ~~ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون } ( يونس 16 ) . | # | 2 ( 2 ) { أكان للناس عجبا أن أوحينآ إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر ~~الذين ءامنو ا أن لهم قدم صدق عند ربهم قال الكافرون إن هاذا لساحر مبين } ~~) 2 # | $ # الجملة مستأنفة استئنافا بيانيا لأن جملة { تلك آيات الكتاب الحكيم } ( ~~يونس : 1 ) بما فيها من إبهام الداعي إلى التوقف على آيات الكتاب الحكيم ~~تثير سؤالا عن ذلك الداعي فجاءت هذه الجملة تبين أن وجه ذلك هو استبعاد ~~الناس الوحي إلى رجل من الناس استبعاد إحالة . وجاءت على هذا النظم الجامع ~~بين بيان الداعي وبين إنكار السبب الذي دعا إليه وتجهيل المتسببين فيه ، ~~ولك أن تجعله استئنافا ابتدائيا ، لأنه مبدأ الغرض الذي جاءت له السورة ، ~~وهو الاستدلال على صدق الرسول وإثبات البعث . | # فالهمزة للاستفهام المستعمل في الإنكار ، أي كيف يتعجبون من ذلك تعجب ~~إحالة . | # وفائدة إدخال الاستفهام الإنكاري على ( كان ) دون أن يقال : أعجب الناس ، ~~هي الدلالة على التعجيب من تعجبهم المراد به إحالة الوحي إلى بشر . | # والمعنى : أحدث وتقرر فيهم التعجب من وحينا ، لأن فعل الكون يشعر ~~بالاستقرار والتمكن فإذا عبر به أشعر بأن هذا غير متوقع حصوله . | # و { للناس } متعلق ب { كان } لزيادة الدلالة على استقرار هذا التعجب فيهم ~~، لأن أصل اللام أن تفيد الملك ، ويستعار ذلك للتمكن ، أي لتمكن الكون عجبا ~~من نفوسهم . | # و { عجبا } خبر { كان } مقدم على اسمها للاهتمام به لأنه محل الإنكار . | # و { أن وأحينا } اسم كان ، وجيء فيه ب ( أن ) والفعل دون المصدر الصريح ~~وهو وحينا ليتوسل إلى ما يفيده الفعل من التجدد وصيغة المضي من الاستقرار ~~تحقيقا لوقوع الوحي ms3813 المتعجب منه وتجدده وذلك ما يزيدهم كمدا . | ~~PageV11P083 # والعجب : مصدر عجب ، إذا عد الشيء خارجا عن المألوف نادر الحصول . ولما ~~كان التعجب مبدأ للتكذيب وهم قد كذبوا بالوحي إليه ولم يقتصروا على كونه ~~عجيبا جاء الإنكار عليهم بإنكار تعجبهم من الإيحاء إلى رجل من البشر لأن ~~إنكار التعجب من ذلك يؤول إلى إنكار التكذيب بالأولى ويقلع التكذيب من ~~عروقه . | # ويجوز أن يكون العجب كناية عن إحالة الوقوع ، كما في قوله تعالى : { قالت ~~يا ويلتي أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب قالوا أتعجبين من ~~أمر الله في سورة هود ( 72 ، 73 ) وقوله : أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم ~~على رجل منكم لينذركم في سورة الأعراف ( 63 ) . وكانت حكاية تعجبهم بإدماج ~~ما يفيد الرد عليهم بأن الوحي كان إلى رجل من الناس وذلك شأن الرسالات كلها ~~كما قال تعالى : وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا يوحى إليهم } ( النحل : 43 ) ~~وقال : { ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا } ( الأنعام : 9 ) وقال : { قل لو ~~كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا } ( ~~الإسراء : 95 ) . | # وأطلق { الناس } على طائفة من البشر ، والمراد المشركون من أهل مكة لأنهم ~~المقصود من هذا الكلام . وهذا الإطلاق مثل ما في قوله : { إن الناس قد ~~جمعوا لكم } ( آل عمران : 173 ) . وعن ابن عباس أنكرت طائفة من العرب رسالة ~~محمد صلى الله عليه وسلم فقالوا : الله أعظم من أن يكون له رسول بشرا ، ~~فأنزل الله تعالى : { أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر ~~الناس } . | # و { أن } في قوله : { أن أنذر الناس } تفسيرية لفعل { أوحينا } لأن الوحي ~~فيه معنى القول . | # و { الناس } الثاني يعم جميع البشر الذين يمكن إنذارهم ، فهو عموم عرفي . ~~ولكون المراد ب { الناس } ثانيا غير المراد به أول ذكر بلفظه الظاهر دون أن ~~يقال : أن أنذرهم . | # ولما عطف على الأمر بالإنذار الأمر بالتبشير للذين آمنوا بقي { الناس } ~~المتعلق بهم الإنذار مخصوصا بغير المؤمنين . | PageV11P084 # وحذف المنذر به للتهويل ، ولأنه يعلم حاصله من ms3814 مقابلته بقوله : { وبشر ~~الذين آمنوا أن لهم قدم صدق } ، وفعل التبشير يتعدى بالباء ، فالتقدير : ~~وبشر الذين آمنوا بأن لهم قدم صدق ، فحذف حرف الجر مع ( أن ) جريا على ~~الغالب . | # والقدم : اسم لما تقدم وسلف ، فيكون في الخير والفضل وفي ضده . قال ذو ~~الرمة : | # لكم قدم لا ينكر الناس ألها | # مع الحسب العادي طمت على البحر | # وذكر المازري في ( المعلم ) عن ابن الأعرابي : أن القدم لا يعبر به إلا ~~عن معنى المقدم لكن في الشرف والجلالة . وهو فعل بمعنى فاعل مثل سلف وثقل . ~~قال ابن عطية : ومن هذه اللفظة قول النبي صلى الله عليه وسلم في صفة جهنم : ~~( حتى يضع رب العزة فيها قدمه فتقول قط قط ) يشير إلى حديث أنس بن مالك قال ~~نبيء الله صلى الله عليه وسلم ما تزال جهنم تقول هل من مزيد حتى يضع رب ~~العزة ( وفي رواية الجبار ) فيها قدمه فتقول قط قط ، وعزتك . ويزوى بعضها ~~إلى بعض . وهذا أحد تأويلين لمعنى ( قدمه ) . وأصل ذلك في ( المعلم على ~~صحيح مسلم ) للمازري وعزاه إلى النضر بن شميل . | # والمراد ب { قدم صدق } في الآية قدم خير ، وإضافة { قدم } إلى { صدق } من ~~إضافة الموصوف إلى الصفة . وأصله قدم صدق ، أي صادق وهو وصف بالمصدر : فعلى ~~قول الجمهور يكون وصف { صدق } ل { قدم } وصفا مقيدا . وعلى قول ابن ~~الأعرابي يكون وصفا كاشفا . | # والصدق : موافقة الشيء لاعتقاد المعتقد ، واشتهر في مطابقة الخبر . ويضاف ~~شيء إلى ( صدق ) بمعنى مصادفته للمأمول منه المرضي وأنه لا يخيب ظن آمل ~~كقوله : { ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق } ( يونس : 90 ) وقوله : { في ~~مقعد صدق عند مليك مقتدر } ( القمر : 55 ) . | # وقوله : { أن أنذر الناس } تفسير لفعل { أوحينا } . وإنما اقتصر على ذكر ~~هذا الموحى به لأن ذلك هو الذي حملهم على التكذيب إذ صادف صرفهم عن ضلاله ~~دينهم وسمعوا منه تفضيل المؤمنين عليهم . وإيضا في ذكر المفسر إدماج لبشارة ~~المؤمنين بهذه المزية . | PageV11P085 # { قال الكافرون إن هاذا لساحر مبين } | # هذه الجملة بدل اشتمال من جملة : { أكان للناس عجبا ms3815 } الخ . ووجه هذا ~~الإبدال أن قولهم هذا ينبىء عن بلوغ التعجب من دعوى الوحي والرسالة من ~~نفوسهم مزيد الإحالة والتكذيب حتى صاروا إلى القول : { إن هذا لسحر مبين } ~~( يونس : 76 ) أو { إن هذا لساحر مبين } فاسم الإشارة راجع إلى ما تضمنته ~~جملة { أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا } . | # وقرأه الجمهور ( لسحر ) بكسر السين وسكون الحاء على أن المراد به الحاصل ~~بالمصدر ، أي أن هذا الكلام كلام السحر ، أي أنه كلام يسحر به . فقد كان من ~~طرق السحر في أوهامهم أن يقول الساحر كلاما غير مفهوم للناس يوهمهم أن فيه ~~خصائص وأسماء غير معروفة لغير السحرة ، فالإشارة إلى الوحي . | # وقرأه ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي { لساحر } فالإشارة إلى رجل من قوله ~~: { إلى رجل منهم } وهو النبي صلى الله عليه وسلم وإن وصفهم إياه بالسحر ~~ينبىء بأنهم كذبوا بكونه من عند الله ولم يستطيعوا أن يدعوه هذيانا وباطلا ~~فهرعوا إلى ادعائه سحرا ، وقد كان من عقائدهم الضالة أن من طرائق السحر أن ~~يقول الساحر أقوالا تستنزل عقول المسحورين . وهذا من عجزهم من الطعن في ~~القرآن بمطاعن في لفظه ومعانيه . | # والسحر : تخييل ما ليس بكائن كائنا . وقد تقدم عند قوله تعالى : { يعلمون ~~الناس السحر في سورة البقرة ( 102 ) . | # والمبين : اسم فاعل من أبان الذي هو بمعنى بان ، أي ظهر ، أي سحر واضح ~~ظاهر . وهذا الوصف تلفيق منهم وبهتان لأنه ليس بواضح في ذلك بل هو الحق ~~المبين . | # | 2 ( 3 ) إن ربكم الله الذي خلق السماوات والارض فى ستة أيام # PageV11P086 ثم استوى على العرش يدبر الامر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ~~ذالكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون } ) 2 # | | # استئناف ابتدائي للاستدلال على تفرد الله تعالى بالإلهية . وإنما أوقع ~~هنا لأن أقوى شيء بعث المشركين على ادعاء أن ما جاء به النبي سحر هو أنه ~~أبطل الشركاء لله في الإلهية ونفاها عن آلهتهم التي أشركوا بها فقالوا : { ~~أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب } ( ص : 5 ) فلا جرم أن أعقب ~~إنكار إحالتهم ms3816 ذلك بإقامة الدليل على ثبوته . | # والخطاب للمشركين ، ولذلك أكد الخبر بحرف التوكيد ، وأوقع عقبه { أفلا ~~تذكرون } ( يونس : 2 ) ، فهو التفات من الغيبة في قوله : { أكان للناس عجبا ~~وقوله قال الكافرون } . وقد مضى القول في نظير صدر هذه الآية في سورة ~~الأعراف إلى قوله : { ثم استوى على العرش } . | # وقوله : { الله } خبر { إن } ، كما دل عليه قوله بعده : { ذالكم الله ~~ربكم فاعبدوه } . | # وجملة { يدبر الأمر } في موضع الحال من اسم الجلالة ، أو خبر ثان عن { ~~ربكم } . | # والتدبير : النظر في عواقب المقدرات وعوائقها لقصد إيقاعها تامة فيما ~~تقصد له محمودة العاقبة . | # والغاية من التدبير الإيجاد والعمل على وفق ما دبر . وتدبير الله الأمور ~~عبارة عن تمام العلم بما يخلقها عليه ، لأن لفظ التدبير هو أوفى الألفاظ ~~اللغوية بتقريب إتقان الخلق . | # والأمر : جنس يعم جميع الشؤون والأحوال في العالم . وتقدم في قوله { ~~وقلبوا لك الأمور في سورة براءة ( 48 ) . | # وفي إجراء هذه الصفات على الله تعالى تعريض بالرد على المشركين إذ جعلوا ~~لأنفسهم آلهة لا تخلق ولا تعلم ؛ كما قال تعالى : لا يخلقون شيئا وهم ~~يخلقون } ( النحل : 20 ) . PageV11P087 ولذلك حسن وقع جملة { ما من شفيع ~~إلا من بعد إذنه } عقب جملة : { الذي خلق } بتمامها ، لأن المشركين جعلوا ~~آلهتهم شفعاء فإذا أنذروا بغضب الله يقولون : { هؤلاء شفعاؤنا عند الله } ( ~~يونس : 18 ) ، أي حماتنا من غضبه . فبعد أن وصف الإله الحق بما هو منتف عن ~~آلهتهم نفي عن آلهتهم وصف الشفاعة عند الله وحماية المغضوب عليهم منه . | # وأكد النفي ب { من } التي تقع بعد حرف النفي لتأكيد النفي وانتفاء الوصف ~~عن جميع أفراد الجنس الذي دخلت ( من ) على اسمه بحيث لم تبق لآلهتهم خصوصية ~~. | # وزيادة { إلا من بعد إذنه } احتراس لإثبات شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم ~~بإذن الله ، قال تعالى : { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى } ( الأنبياء : 28 ) . ~~والمقصود من ذلك نفي الشفاعة لآلهتهم من حيث إنهم شركاء لله في الإلهية ، ~~فشفاعتهم عنده نافذة كشفاعة الند عند نده . والشفاعة تقدمت عند قوله تعالى ~~: { ولا يقبل منها ms3817 شفاعة في سورة البقرة ( 48 ) . وكذلك الشفيع تقدم عند ~~قوله : فهل لنا من شفعاء في سورة الأعراف ( 53 ) . | # وموقع جملة : ما من شفيع } مثل موقع جمله : { يدبر الأمر } . | # وجملة : { ذلكم الله ربكم } ابتدائية فذلكة للجمل التي قبلها ونتيجة لها ~~، وهي معترضة بين تلك الجمل وبين الجملة المفرعة عليها ، وهي جملة : { ~~فاعبدوه } ، وتأكيد لمضمون الجملة الأصلية وهي جملة : { إن ربكم الله } . | # والإتيان في صدرها باسم الإشارة لتمييزه أكمل تمييز ، لأنهم امتروا في ~~صفة الإلهية وضلوا فيها ضلالا مبينا ، فكانوا أحرياء بالإيقاظ بطريق اسم ~~الإشارة ، وللتنبيه على أن المشار إليه حقيق بما سيذكر بعد اسم الإشارة من ~~حيث إنه اتصف بتلك الأوصاف التي أشير إليه من أجلها ، فإن خالق العوالم ~~بغاية الإتقان والمقدرة ومالك أمرها ومدبر شؤونها والمتصرف المطلق مستحق ~~PageV11P088 للعبادة نظير الإشارة في قوله : { أولئك على هدى من ربهم } ( ~~البقرة : 5 ) بعد قوله : { للمتقين الذين يؤمنون بالغيب إلى قوله : هم ~~يوقنون } ( البقرة : 2 4 ) . | # وفرع على كونه ربهم أن أمروا بعبادته ، والمفرع هو المقصود من الجملة وما ~~قبله مؤكد لجملة : { إن ربكم الله } تأكيدا بفذلكة وتحصيل . والتقدير : إن ~~ربكم الله إلى قوله : { فاعبدوه } ، كقوله : { قل بفضل الله وبرحمته فبذلك ~~فليفرحوا } ( يونس : 58 ) إذ وقع قوله ( فبذلك ) تأكيدا لجملة بفضل الله ~~وبرحمته . وأوقع بعده الفرع وهو ( فليفرحوا ) . والتقدير : قل بفضل الله ~~وبرحمته فليفرحوا بذلك . | # والمقصود من العبادة العبادة الحق التي لا يشرك معه فيها غيره ، بقرينة ~~تفريع الأمر بها على الصفات المنفرد بها الله دون معبوداتهم . | # وجملة : { أفلا تذكرون } ابتدائية للتقريع . وهو غرض جديد ، فلذلك لم ~~تعطف ، فالاستفهام إنكار لانتفاء تذكرهم إذ أشركوا معه غيره ولم يتذكروا في ~~أنه المنفرد بخلق العوالم وبملكها وبتدبير أحوالها . | # والتذكر : التأمل . وهو بهذه الصيغة لا يطلق إلا على ذكر العقل لمعقولاته ~~، أي حركته في معلوماته ، فهو قريب من التفكر ؛ إلا أن التذكر لما كان ~~مشتقا من مادة الذكر التي هي في الأصل جريان اللفظ على اللسان ، والتي يعبر ~~بها أيضا عن خطور المعلوم في الذهن بعد ms3818 سهوه وغيبته عنه كان مشعرا بأنه ~~حركة الذهن في معلومات متقررة فيه من قبل . | # فلذلك أوثر هنا دون { لعلكم تتفكرون } ( البقرة : 219 ) للإشارة إلى أن ~~الاستدلال على وحدانية الله تعالى قد تقرر في النفوس بالفطرة ، وبما تقدم ~~لهم من الدعوة والأدلة فيكفي في الاستدلال مجرد إخطار هذه الأدلة في البال ~~. | # | PageV11P089 # | 2 ( 4 ) { إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ~~ليجزى الذين ءامنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم ~~وعذاب أليم بما كانوا يكفرون } ) 2 # وقع أمرهم بعبادته عقب ذكر الجزاء إنذارا وتبشيرا ، فالجملة كالدليل على ~~وجوب عبادته ، وهي بمنزلة النتيجة الناشئة عن إثبات خلقه السماوات والأرض ~~لأن الذي خلق مثل تلك العوالم من غير سابق وجود لا يعجزه أن يعيد بعض ~~الموجودات الكائنة في تلك العوالم خلقا ثانيا . ومما يشير إلى هذا قوله : { ~~إنه يبدأ الخلق ثم يعيده } ، فبدء الخلق هو ما سبق ذكره ، وإعادته هي ما ~~أفاده قوله : { إليه مرجعكم جميعا } ولذلك فصلت عن التي قبلها لما بينهما ~~من شبه كمال الاتصال ، على أنها يجوز كونها خبرا آخر عن قوله : { إن ربكم } ~~( يونس : 3 ) ، أو عن قوله : { ذلكم الله ربكم } ( يونس : 3 ) . | # وقد تضمنت هذه الجملة إثبات الحشر الذي أنكروه وكذبوا النبيء صلى الله ~~عليه وسلم لأجله . | # وفي تقديم المجرور في قوله : { إليه مرجعكم } إفادة القصر ، أي لا إلى ~~غيره ، قطعا لمطامع بعضهم القائلين في آلهتهم { هؤلاء شفعاؤنا عند الله } ( ~~يونس : 18 ) يريدون أنهم شفعاء على تسليم وقوع البعث للجزاء ، فإذا كان ~~الرجوع إليه لا إلى غيره كان حقيقا بالعبادة وكانت عبادة غيره باطلا . | # والمرجع : مصدر ميمي بمعنى الرجوع . وقد تقدم في قوله : { إلى الله ~~مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون في سورة العقود ( 105 ) . | # وجميعا } حال من ضمير المخاطبين المضاف إليه المصدر العامل فيه . | # وانتصب { وعد الله } على المفعولية المطلقة توكيدا لمضمون الجملة ~~المساوية له ، ويسمى موكدا لنفسه في اصطلاح النحاة ، لأن مضمون { إليه ~~مرجعكم } الوعد بإرجاعهم PageV11P090 إليه وهو مفاد وعد ms3819 الله ، ويقدر له ~~عامل محذوف لأن الجملة المؤكدة لا تصلح للعمل فيه . والتقدير : وعدكم الله ~~وعدا حقا . | # وانتصب { حقا } على المفعولية المطلقة المؤكدة لمضمون جملة { وعد الله } ~~باعتبار الفعل المحذوف . ويسمى في اصطلاح النحاة مؤكدا لغيره ، أي موكدا ~~لأحد معنيين تحتملهما الجملة المؤكدة . | # وجملة : { إنه يبدأ الخلق } واقعة موقع الدليل على وقوع البعث وإمكانه ~~بأنه قد ابتدأ خلق الناس ، وابتداء خلقهم يدل على إمكان إعادة خلقهم بعد ~~العدم ، وثبوت إمكانه يدفع تكذيب المشركين به ، فكان إمكانه دليلا لقوله : ~~{ إليه مرجعكم جميعا } ، وكان الاستدلال على إمكانه حاصلا من تقديم التذكير ~~ببدء خلق السماوات والأرض كقوله تعالى : { وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده ~~وهو أهون عليه } ( الروم : 27 ) . | # وموقع ( إن ) تأكيد الخبر نظرا لإنكارهم البعث ، فحصل التأكيد من قوله : ~~{ ثم يعيده } أما كونه بدأ الخلق فلا ينكرونه . | # وقرأ الجمهور { إنه يبدأ الخلق } بكسر همزة ( إنه ) . وقرأه أبو جعفر ~~بفتح الهمزة على تقدير لام التعليل محذوفة ، أي حق وعده بالبعث لأنه يبدأ ~~الخلق ثم يعيده فلا تعجزه الإعادة بعد الخلق الأول ، أو المصدر مفعول مطلق ~~منصوب بما نصب به { وعد الله } أي وعد الله وعدا بدء الخلق ثم إعادته فيكون ~~بدلا من { وعد الله } بدلا مطابقا أو عطف بيان . | # ويجوز أن يكون المصدر المنسبك من ( أن ) وما بعدها مرفوعا بالفعل المقدر ~~الذي انتصب ( حقا ) بإضماره . فالتقدير : حق حقا أنه يبدأ الخلق ، أي حق ~~بدؤه الخلق ثم إعادته . | # والتعليل بقوله : { ليجزى الذين آمنوا } الخ إبداء لحكمة البعث وهي ~~الجزاء على الأعمال المقترفة في الحياة الدنيا ، إذ لو أرسل الناس على ~~أعمالهم بغير جزاء على الحسن والقبيح لاستوى المحسن والمسيء ، وربما كان ~~بعض المسيئين في هذه الدنيا أحسن فيها حالا PageV11P091 من المحسنين . فكان ~~من الحكمة أن يلقى كل عامل جزاء عمله . ولم يكن هذا العالم صالحا لإظهار ~~ذلك لأنه وضع نظامه على قاعدة الكون والفساد ، قابلا لوقوع ما يخالف الحق ~~ولصرف الخيرات عن الصالحين وانهيالها على المفسدين والعكس لأسباب وآثار هي ~~أوفق بالحياة المقررة في ms3820 هذا العالم ، فكانت الحكمة قاضية بوجود عالم آخر ~~متمحض للكون والبقاء وموضوعا فيه كل صنف فيما يليق به لا يعدوه إلى غيره إذ ~~لا قبل فيه لتصرفات وتسببات تخالف الحق والاستحقاق . وقدم جزاء الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات لشرفه ولياقته بذلك العالم ، ولأنهم قد سلكوا في عالم ~~الحياة الدنيا ما خلق الله الناس لأجله ولم يتصرفوا فيه بتغليب الفساد على ~~الصلاح . | # والباء في { بالقسط } صالحة لإفادة معنى التعدية لفعل الجزاء ومعنى العوض ~~. والقسط : العدل . وهو التسوية بين شيئين في صفة والجزاء بما يساوي المجزي ~~عليه . وتقدم في قوله : { قائما بالقسط في أول آل عمران ( 18 ) . فتفيد ~~الباء أنهم يجزون بما يعادل أعمالهم الصالحة فيكون جزاؤهم صلاحا هنالك وهو ~~غاية النعيم ، وأن ذلك الجزاء مكافاة على قسطهم في أعمالهم في عدلهم فيها ~~بأن عملوا ما يساوي الصلاح المقصود من نظام هذا العالم . | # والإجمال هنا بين معنيي الباء مفيد لتعظيم شأن جزاء الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات مع الإشارة إلى أنه جزاء مماثل لصلاح أعمالهم . | # وإنما خص بذلك جزاء المؤمنين مع أن الجزاء كله عدل ، بل ربما كانت ~~الزيادة في ثواب المؤمنين فضلا زائدا على العدل لأمرين : أحدهما : } تأنيس ~~المؤمنين وإكرامهم بأن جزاءهم قداستحقوه بما عملوا ، كقوله : { ادخلوا ~~الجنة بما كنتم تعملون } ( النحل : 32 ) . ومن أعظم الكرم أن يوهم الكريم ~~أن ما تفضل به على المكرم هو حقه وأن لا فضل له فيه . | # الأمر الثاني : الإشارة إلى أن جزاء الكافرين دون ما يقتضيه العدل ، ففيه ~~تفضل بضرب من التخفيف لأنهم لو جوزوا على قدر جرمهم لكان عذابهم أشد ، ~~ولأجل هذا خولف PageV11P092 الأسلوب في ذكر جزاء الذين كفروا فجاء صريحا ~~بما يعم أحوال العذاب بقوله : { لهم شراب من حميم وعذاب أليم } ( الأنعام : ~~70 ) . وخص الشراب من الحميم بالذكر من بين أنواع العذاب الأليم لأنه أكره ~~أنواع العذاب في مألوف النفوس . | # { أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا ~~يكفرون في سورة الأنعام ( 70 ) . والباء في قوله : | # وشراب الحميم تقدم في ms3821 قوله تعالى : بما كانوا يكفرون } للعوض . | # وجملة : { والذين كفروا } إلى آخرها استئناف بياني لأنه لما ورد ذكر جزاء ~~المؤمنين على أنه العلة لرجوع الجميع إليه ولم يذكر في العلة ما هو جزاء ~~الجميع لا جرم يتشوف السامع إلى معرفة جزاء الكافرين فجاء الاستئناف ~~للإعلام بذلك . | # ونكتة تغيير الأسلوب حيث لم يعطف جزاء الكافرين على جزاء المؤمنين فيقال ~~: ويجزي الذين كفروا بعذاب الخ كما في قوله : { لينذر بأسا شديدا من لدنه ~~ويبشر المؤمنين } ( الكهف : 2 ) هو الإشارة إلى الاهتمام بجزاء المؤمنين ~~الصالحين وأنه الذي يبادر بالإعلام به وأن جزاء الكافرين جدير بالإعراض عن ~~ذكره لولا سؤال السامعين . | # | 2 ( 5 ) { هو الذى جعل الشمس ضيآء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد ~~السنين والحساب ما خلق الله ذالك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون } ) 2 # هذا استئناف ابتدائي أيضا ، فضمير ( هو ) عائد إلى اسم الجلالة في قوله : ~~{ إن ربكم الله } ( يونس : 3 ) . وهذا استدلال آخر على انفراده تعالى ~~بالتصرف في المخلوقات ، وهذا لون آخر من الاستدلال على الإلهية ممزوج ~~بالامتنان على المحجوجين به لأن الدليل السابق كان متضمنا لعظيم أمر الخلق ~~وسعة العلم والقدرة بذكر أشياء ليس للمخاطبين حظ في التمتع بها . وهذا ~~الدليل قد تضمن أشياء يأخذ المخاطبون بحظ عظيم من التمتع بها وهو خلق الشمس ~~PageV11P093 والقمر على صورتهما وتقدير تنقلاتهما تقديرا مضبوطا ألهم الله ~~البشر للانتفاع به في شؤون كثيرة من شؤون حياتهم . | # فجعل الشمسس ضياء لانتفاع الناس بضيائها في مشاهدة ما تهمهم مشاهدته بما ~~به قوام أعمال حياتهم في أوقات أشغالهم . وجعل القمر نورا للانتفاع بنوره ~~انتفاعا مناسبا للحاجة التي قد تعرض إلى طلب رؤية الأشياء في وقت الظلمة ~~وهو الليل . ولذلك جعل نوره أضعف لينتفع به بقدر ضرورة المنتفع ، فمن لم ~~يضطر إلى الانتفاع به لا يشعر بنوره ولا يصرفه ذلك عن سكونه الذي جعل ظلام ~~الليل لحصوله ، ولو جعلت الشمس دائمة الظهور للناس لاستووا في استدامة ~~الانتفاع بضيائها فيشغلهم ذلك عن السكون الذي يستجدون به ما فتر من ms3822 قواهم ~~العصبية التي بها نشاطهم وكمال حياتهم . | # والضياء : النور الساطع القوي ، لأنه يضيء للرائي . وهو اسم مشتق من ~~الضوء ، وهو النور الذي يوضح الأشياء ، فالضياء أقوى من الضوء . وياء ( ~~ضياء ) منقلبة عن الواو لوقوع الواو إثر كسرة الضاد فقلبت ياء للتخفيف . | # والنور : الشعاع ، وهو مشتق من اسم النار ، وهو أعم من الضياء ، يصدق على ~~الشعاع الضعيف والشعاع القوي ، فضياء الشمس نور ، ونور القمر ليس بضياء . ~~هذا هو الأصل في إطلاق هذه الأسماء ، ولكن يكثر في كلام العرب إطلاق بعض ~~هذه الكلمات في موضع بعض آخر بحيث يعسر انضباطه . ولما جعل النور في مقابلة ~~الضياء تعين أن المراد به نور ما . | # وقوله : { ضياء } و { نورا } حالان مشيران إلى الحكمة والنعمة في خلقهما ~~. والتقدير : جعل الأشياء على مقدار عند صنعها . | # والضمير المنصوب في ( قدره ) : إما عائد إلى النور فتكون المنازل بمعنى ~~المراتب ، وهي مراتب نور القمر في القوة والضعف التابعة لما يظهر للناس ~~نيرا من كرة القمر ، كما في قوله تعالى : { والقمر قدرناه منازل حتى عاد ~~كالعرجون القديم } ( يس : 39 ) . أي حتى نقص نوره PageV11P094 ليلة بعد ~~ليلة فعاد كالعرجون البالي . ويكون { منازل } في موضع الحال من الضمير ~~المنصوب في { قدره } فهو ظرف مستقر ، أي تقديرا على حسب المنازل ، فالنور ~~في كل منزلة له قدر غير قدره الذي في منزلة أخرى . وإما عائد إلى ( القمر ) ~~على تقدير مضاف ، أي وقدر سيره ، فتكون { منازل } منصوبا على الظرفية . | # والمنازل : جمع منزل ؛ وهو مكان النزول . والمراد بها هنا المواقع التي ~~يظهر القمر في جهتها كل ليلة من الشهر . وهي ثمان وعشرون منزلة على عدد ~~ليالي الشهر القمري . وإطلاق اسم المنازل عليها مجاز بالمشابهة وإنما هي ~~سموت يلوح للناس القمر كل ليلة في سمت منها ، كأنه ينزل بها . وقد رصدها ~~البشر فوجدوها لا تختلف . | # وعلم المهتدون منهم أنها ما وجدت على ذلك النظام إلا بصنع الخالق الحكيم ~~. | # وهذه المنازل أماراتها أنجم مجتمعة على شكل لا يختلف ، فوضع العلماء ~~السابقون لها أسماء . وهذه أسماؤها في العربية على ترتيبها ms3823 في الطلوع عند ~~الفجر في فصول السنة . والعرب يبتدئون ذكرها بالشرطانن وهكذا ، وذلك ~~باعتبار حلول القمر كل ليلة في سمت منزلة من هذه المنازل ، فأول ليلة من ~~ليالي الهلال للشرطان وهكذا . وهذه أسماؤها مرتبة على حسب تقسيمها على فصول ~~السنة الشمسية . وهي : العواء ، السماك الاعزل ، الغفر ، الزباني ، الإكليل ~~، القلب ، الشولة ، النعائم ، البلدة ، سعد الذابحح ، سعد بلع ، سعد السعود ~~، سعد الأخبية ، الفرغ الأعلى ، الفرغ الأسفل ، الحوت ، الشرطانن ، البطين ~~، الثريا ، الدبران ، الهقعة ، الهنعة ، ذراع الأسد ، النشرة ، الطرف ، ~~الجبهة ، الزبرة ، الصرفة . | # وهذه المنازل منقسمة على البروج الاثني عشر التي تحل فيها الشمس في فصول ~~السنة ، فلكل برج من الاثني عشر برجا منزلتان وثلث ، وهذا ضابط لمعرفة ~~نجومها ولا علاقة له باعتبارها منازل للقمر . | # وقد أنبأنا الله بعلة تقديره القمر منازل بأنها معرفة الناس عدد السنين ~~والحساب ، أي عدد السنين بحصول كل سنة باجتماع اثني عشر . | PageV11P095 # والحساب : مصدر حسب بمعنى عد . وهو معطوف على { عدد } ، أي ولتعلموا ~~الحساب . وتعريفه للعهد ، أي والحساب المعروف . والمراد به حساب الأيام ~~والأشهر لأن حساب السنين قد ذكر بخصوصه . ولما اقتصر في هذه الآية على ~~معرفة عدد السنين تعين أن المراد بالحساب حساب القمر ، لأن السنة الشرعية ~~قمرية ، ولأن ضمير { قدره } عائد على { القمر } وإن كان للشمس حساب آخر وهو ~~حساب الفصول . وقد تقدم في قوله تعالى : { والشمس والقمر حسبانا } ( ~~الأنعام : 96 ) . | # فمن معرفة الليالي تعرف الأشهر ، ومن معرفة الأشهر تعرف السنة . وفي ذلك ~~رفق بالناس في ضبط أمورهم وأسفارهم ومعاملات أموالهم وهو أصل الحضارة . وفي ~~هذه الآية إشارة إلى أن معرفة ضبط التاريخ نعمة أنعم الله بها على البشر . ~~| # وجملة : { ما خلق الله ذلك إلا بالحق } مستأنفة كالنتيجة للجملة السابقة ~~كلها لأنه لما أخبر بأنه الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وذكر حكمة بعض ~~ذلك أفضى إلى الغرض من ذكره وهو التنبيه إلى ما فيها من الحكمة ليستدل بذلك ~~على أن خالقهما فاعل مختار حكيم ليستفيق المشركون من غفلتهم عن تلك الحكم ، ~~كما قال تعالى في هذه السورة ms3824 ( 7 ) { والذين هم عن آياتنا غافلون . | # والباء للملابسة . و ( الحق ) هنا مقابل للباطل . فهو بمعنى الحكمة ~~والفائدة ، لأن الباطل من إطلاقاته أن يطلق على العبث وانتفاء الحكمة فكذلك ~~الحق يطلق على مقابل ذلك . وفي هذا رد على المشركين الذين لم يهتدوا لما في ~~ذلك من الحكمة الدالة على الوحدانية وأن الخالق لها ليس آلهتهم . قال تعالى ~~: وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا } ( ص : 27 ~~) . وقال : { وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا ~~بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون } ( الدخان : 38 39 ) . | # ولذلك أعقب هذا التنبيه بجملة { نفصل الآيات لقوم يعلمون } ، فهذه الجملة ~~مستأنفة ابتدائية مسوقة للامتنان بالنعمة ، ولتسجيل المؤاخذة على الذين لم ~~يهتدوا بهذه الدلائل إلى ما تحتوي عليه من البيان . ويجوز أن تكون الجملة ~~في موضع الحال من اسم الجلالة PageV11P096 في قوله : { ما خلق الله ذلك إلا ~~بالحق } . فعلى قراءة نفصل بالنون وهي لنافع والجمهور ورواية عن ابن كثير ~~ففي ضمير صاحب الحال التفات ، وعلى قراءة { يفصل } بالتحتية وهي لابن كثير ~~في المشهور عنه وأبي عمرو وابن عامر ويعقوب أمرها ظاهر . | # والتفصيل : التبيين ، لأن التبيين يأتي على فصول الشيء كلها . وقد تقدم ~~عند قوله تعالى : { وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين } في سورة ~~الأنعام ( 55 ) . والإتيان بالفعل المضارع لإفادة التكرار . | # وجعل التفصيل لأجل قوم يعلمون ، أي الذين من شأنهم العلم لما يؤذن به ~~المضارع من تجدد العلم ، وإنما يتجدد لمن هو ديدنه ودأبه ، فإن العلماء أهل ~~العقول الراجحة هم أهل الانتفاع بالأدلة والبراهين . | # وذكر لفظ ( قوم ) إيماء إلى أنهم رسخ فيهم وصف العلم ، فكان من مقومات ~~قوميتهم كما تقدم في قوله : { لآيات لقوم يعقلون في سورة البقرة ( 164 ) . ~~وفي هذا تعريض بأن الذين لم ينتفعوا بتفصيل الآيات ليسوا من الذين يعلمون ~~ولا ممن رسخ فيهم العلم . | # | 2 ( 6 ) إن فى اختلاف اليل والنهار وما خلق الله فى السماوات والارض ~~لآيات لقوم يتقون } ) 2 # استدلال آخر على انفراد الله تعالى بالخلق والتقدير . وهو ms3825 استدلال بأحوال ~~الضوء والظلمة وتعاقب الليل والنهار وفي ذلك عبرة عظيمة . وهو بما فيه من ~~عطف قوله : { وما خلق الله في السماوات والأرض } أعم من الدليل الأول ~~لشموله ما هو أكثر من خلق الشمس والقمر ومن خلق الليل والنهار ومن كل ما في ~~الأرض والسماء مما تبلغ إليه معرفة الناس في مختلف العصور وعلى تفاوت ~~مقادير الاستدلال من عقولهم . | # وتأكيد هذا الاستدلال بحرف { إن } لأجل تنزيل المخاطبين به الذين لم ~~يهتدوا بتلك الدلائل إلى التوحيد منزلة من ينكر أن في ذلك آيات على ~~الوحدانية بعدم جريهم على موجب العلم . | PageV11P097 # وتقدم القول في شبيهة هذه الآية وهو قوله : { إن في خلق السماوات والأرض ~~واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر الآية في سورة البقرة ( ~~164 ) وفي خواتم سورة آل عمران . | # وشمل قوله : وما خلق الله } الأجسام والأحوال كلها . | # وجعلت الآيات هنا لقوم يتقون وفي آية البقرة ( 164 ) { لقوم يعقلون وفي ~~آية آل عمران ( 190 ) لأولي الألباب لأن السياق هنا تعريض بالمشركين الذين ~~لم يهتدوا بالآيات ليعلموا أن بعدهم عن التقوى هو سبب حرمانهم من الانتفاع ~~بالآيات ، وأن نفعها حاصل للذين يتقون ، أي يحذرون الضلال . فالمتقون هم ~~المتصفون باتقاء ما يوقع في الخسران فيبعثهم على تطلب أسباب النجاح فيتوجه ~~الفكر إلى النظر والاستدلال بالدلائل . وقد مر تعليل ذلك عند قوله تعالى : ~~هدى للمتقين في أول البقرة ( 2 ) على أنه قد سبق قوله في الآية قبلها نفصل ~~الآيات لقوم يعلمون } ( يونس : 5 ) ، وأما آية البقرة وآية آل عمران فهما ~~واردتان في سياق شامل للناس على السواء . وذكر لفظ ( قوم ) تقدم في الآية ~~قبل هذه . | # | 2 ( 7 ، 8 ) { إن الذين لا يرجون لقآءنا ورضوا بالحيواة الدنيا ~~واطمأنوا بها والذين هم عن ءاياتنا غافلون * أولائك مأواهم النار بما كانوا ~~يكسبون } ) 2 # هذا استئناف وعيد للذين لم يؤمنوا بالبعث ولا فكروا في الحياة الآخرة ولم ~~ينظروا في الآيات نشأ عن الاستدلال على ما كفروا به من ذلك جمعا بين ~~الاستدلال المناسب لأهل العقول وبين الوعيد ms3826 المناسب للمعرضين عن الحق إشارة ~~إلى أن هؤلاء لا تنفعهم الأدلة وإنما ينتفع بها الذين يعلمون ويتقون وأما ~~هؤلاء فهم سادرون في غلوائهم حتى يلاقوا العذاب . وإذ قد تقرر الرجوع إليه ~~للجزاء تأتى الوعيد لمنكري البعث الذين لا يرجون لقاء ربهم والمصير إليه . ~~| PageV11P098 # ولوقوع هذه الجملة موقع الوعيد الصالح لأن يعلمه الناس كلهم مؤمنهم ~~وكافرهم عدل فيها عن طريقة الخطاب بالضمير إلى طريقة الإظهار ، وجيء ~~بالموصولية للإيماء إلى أن الصلة علة في حصول الخبر . | # وقد جعل عنوان الذين لا يرجون لقاءنا علامة عليهم فقد تكرر وقوعه في ~~القرآن . ومن المواقع ما لا يستقيم فيه اعتبار الموصولية إلا للاشتهار ~~بالصلة كما سنذكر عند قوله تعالى : { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال ~~الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا } في هذه السورة ( 15 ) . | # والرجاء : ظن وقوع الشيء من غير تقييد كون المظنون محبوبا وإن كان ذلك ~~كثيرا في كلامهم لكنه ليس بمتعين . فمعنى : { لا يرجون لقاءنا } لا يظنونه ~~ولا يتوقعونه . | # ومعنى : { رضوا بالحياة الدنيا } أنهم لم يعملوا النظر في حياة أخرى أرقى ~~وأبقى لأن الرضا بالحياة الدنيا والاقتناع بأنها كافية يصرف النظر عن أدلة ~~الحياة الآخرة ، وأهل الهدى يرون الحياة الدنيا حياة ناقصة فيشعرون بتطلب ~~حياة تكون أصفى من أكدارها فلا يلبثون أن تطلع لهم أدلة وجودها ، وناهيك ~~بإخبار الصادق بها ونصب الأدلة على تعين حصولها ، فلهذا جعل الرضى بالحياة ~~الدنيا مذمة وملقيا في مهواة الخسران . | # وفي الآية إشارة إلى أن البهجة بالحياة الدنيا والرضى بها يكون مقدار ~~التوغل فيهما بمقدار ما يصرف عن الاستعداد إلى الحياة الآخرة . وليس ذلك ~~بمقتض الإعراض عن الحياة الدنيا فإن الله أنعم على عباده بنعم كثيرة فيها ~~وجب الاعتراف بفضله بها وشكره عليها والتعرف بها إلى مراتب أعلى هي مراتب ~~حياة أخرى والتزود لها . وفي ذلك مقامات ودرجات بمقدار ما تهيأت له النفوس ~~العالية من لذات الكمالات الروحية ، وأعلاها مقام قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم ( فقلت ما لي وللدنيا ) . | # والاطمئنان : السكون يكون في الجسد ms3827 وفي النفس وهو الأكثر ، قال تعالى : { ~~يأيتها النفس المطئنة } ( الفجر : 27 ) . وقد تقدم تصريف هذا الفعل عند ~~قوله تعالى : { ولكن ليطمئن قلبي في سورة البقرة ( 260 ) . | PageV11P099 # ومعنى اطمئنوا بها } سكنت أنفسهم وصرفوا هممهم في تحصيل منافعها ولم ~~يسعوا لتحصيل ما ينفع في الحياة الآخرة ، لأن السكون عند الشيء يقتضي عدم ~~التحرك لغيره . وعن قتادة : إذا شئت رأيت هذا الموصوف صاحب دنيا ، لها يرضى ~~، ولها يغضب ، ولها يفرح ، ولها يهتم ويحزن . | # والذين هم غافلون هم عين الذين لا يرجون اللقاء ، ولكن أعيد الموصول ~~للاهتمام بالصلة والإيماء إلى أنها وحدها كافية في استحقاق ما سيذكر بعدها ~~من الخبر . وإنما لم يعد الموصول في قوله : { ورضوا بالحياة الدنيا } لأن ~~الرضى بالحياة الدنيا من تكملة معنى الصلة التي في قوله : { إن الذين لا ~~يرجون لقاءنا } . | # والمراد بالغفلة : إهمال النظر في الآيات أصلا ، بقرينة المقام والسياق ~~وبما تومىء إليه الصلة بالجملة الاسمية { هم عن آياتنا غافلون } الدالة على ~~الدوام ، وبتقديم المجرور في قوله { عن آياتنا غافلون } من كون غفلتهم غفلة ~~عن آيات الله خاصة دون غيرها من الأشياء فليسوا من أهل الغفلة عنها مما يدل ~~مجموعه على أن غفلتهم عن آيات الله دأب لهم وسجية ، وأنهم يعتمدونها فتؤول ~~إلى معنى الإعراض عن آيات الله وإباء النظر فيها عنادا ومكابرة . وليس ~~المراد من تعرض له الغفلة عن بعض الآيات في بعض الأوقات . | # وأعقب ذلك باسم الإشارة لزيادة إحضاء صفاتهم في أذهان السامعين ، ولما ~~يؤذن به مجيء اسم الإشارة مبتدأ عقب أوصاف من التنبيه على أن المشار إليه ~~جدير بالخبر من أجل تلك الأوصاف كقوله تعالى : { أولئك على هدى من ربهم في ~~سورة البقرة ( 5 ) . | # والمأوى : اسم مكان الإيواء ، أي الرجوع إلى مصيرهم ومرجعهم . | # والباء للسببية . والإتيان ب ( ما ) الموصولة في قوله : بما كسبوا } ~~للإيماء إلى علة الحكم ، أي أن مكسوبهم سبب في مصيرهم إلى النار ، فأفاد ~~تأكيد السببية المفادة بالباء . | # والإتيان ب ( كان ) للدلالة على أن هذا المكسوب ديدنهم . | # والإتيان بالمضارع للدلالة على التكرير ، فيكون ديدنهم ms3828 تكرير ذلك الذي ~~كسبوه . | # | PageV11P100 # | 2 ( 9 ، 10 ) { إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم ~~تجرى من تحتهم الانهار في جنات النعيم * دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم ~~فيها سلام وءاخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين } ) 2 # جاءت هذه الجملة مستأنفة استئنافا بيانيا لتكون أحوال المؤمنين مستقلة ~~بالذكر غير تابعة في اللفظ لأحوال الكافرين ، وهذا من طرق الاهتمام بالخبر ~~. ومناسبة ذكرها مقابلة أحوال الذين يكذبون بلقاء الله بأضدادها تنويها ~~بأهلها وإغاضة للكافرين . | # وتعريف المسند إليه بالموصولية هنا دون اللام للإيماء بالموصول إلى علة ~~بناء الخبر وهي أن إيمانهم وعملهم هو سبب حصول مضمون الخبر لهم . | # والهداية : الإرشاد على المقصد النافع والدلالة عليه . فمعنى { يهديهم ~~ربهم } يرشدهم إلى ما فيه خيرهم . والمقصود الإرشاد التكويني ، أي يخلق في ~~نفوسهم المعرفة بالأعمال النافعة وتسهيل الإكثار منها . وأما الإرشاد الذي ~~هو الدلالة بالقول والتعليم فالله يخاطب به المؤمنين والكافرين . | # والباء في { بإيمانهم } للسببية ، بحيث إن الإيمان يكون سببا في مضمون ~~الخبر وهو الهداية فتكون الباء لتأكيد السببية المستفادة من التعريف ~~بالموصولية نظير قوله : { إن الذين لا يرجون لقاءنا إلى بما كانوا يكسبون } ~~( يونس : 7 ، 8 ) في تكوين هدايتهم إلى الخيرات بجعل الله تعالى ، بأن يجعل ~~الله للإيمان نورا يوضع في عقل المؤمن ولذلك النور أشعة نورانية تتصل بين ~~نفس المؤمن وبين عوالم القدس فتكون سببا مغناطيسيا لانفعال النفس بالتوجه ~~إلى الخير والكمالل لا يزال يزداد يوما فيوما ، ولذلك يقترب من الإدراك ~~الصحيح المحفوظ من الضلال بمقدار مراتب الإيمان والعمل الصالح . وفي الحديث ~~: ( قد يكون في الأمم محدثون فإن يك في أمتي أحد فعمر بن الخطاب ) . قال ~~ابن وهب : تفسير محدثون ملهمون PageV11P101 الصواب ، وفي الحديث : ( اتقوا ~~فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله ) . ولأجل هذا النور كان أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم أكمل الناس إيمانا لأنهم لما تلقوا الإيمان عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كانت أنواره السارية في نفوسهم أقوى وأوسع . | # وفي العدول عن اسم الجلالة العلم إلى وصف الربوبية مضافا إلى ضمير { ~~الذين ms3829 آمنوا } تنويه بشأن المؤمنين وشأن هدايتهم بأنها جعل مولى لأوليائه ~~فشأنها أن تكون عطية كاملة مشوبة برحمة وكرامة . | # والإتيان بالمضارع للدلالة على أن هذه الهداية لا تزال متكررة متجددة . ~~وفي هذه الجملة ذكر تهيؤ نفوسهم في الدنيا لعروج مراتب الكمال . | # وجملة : { تجري من تحتها الأنهار في جنات النعيم } خبر ثان لذكر ما يحصل ~~لهم من النعيم في الآخرة بسبب هدايتهم الحاصلة لهم في الدنيا . وتقدم القول ~~في نظير { تجري من تحتها الأنهار في سورة البقرة ( 25 ) . والمراد من تحت ~~منازلهم . والجنات تقدم . والنعيم تقدم في قوله تعالى : لهم فيها نعيم مقيم ~~في سورة براءة ( 21 ) . | # وجملة : دعواهم فيها سبحانك اللهم } وما عطف عليها أحوال من ضمير { الذين ~~آمنوا } . | # والدعوى : هنا الدعاء . يقال : دعوة بالهاء ، ودعوى بألف التأنيث . | # وسبحان : مصدر بمعنى التسبيح ، أي التنزيه . وقد تقدم عند قوله تعالى : { ~~قالوا سبحانك لا علم لنا في سورة البقرة ( 32 ) . | # اللهم } نداء لله تعالى ، فيكون إطلاق الدعاء على هذا التسبيح من أجل أنه ~~أريد به خطاب الله لإنشاء تنزيهه ، فالدعاء فيه بالمعنى اللغوي . ويجوز أن ~~تكون تسمية هذا التسبيح دعاء من حيث إنه ثناء مسوق للتعرض إلى إفاضة ~~الرحمات والنعيم ، كما قال أمية بن أبي الصلت : | PageV11P102 # إذا أثنى عليك المرء يوما | # كفاه عن تعرضه الثناء | # واعلم أن الاقتصار على كون دعواهم فيها كلمة { سبحانك اللهم } يشعر بأنهم ~~لا دعوى لهم في الجنة غير ذلك القول ، لأن الاقتصار في مقام البيان يشعر ~~بالقصر ، ( وإن لم يكن هو من طرق القصر لكنه يستفاد من المقام ) ولكن قوله ~~: { وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين } يفيد أن هذا التحميد من دعواهم ~~، فتحصل من ذلك أن لهم دعوى وخاتمة دعوى . | # ووجه ذكر هذا في عدد أحوالهم أنها تدل على أن ما هم فيه من النعيم هو ~~غايات الراغبين بحيث إن أرادوا أن ينعموا بمقام دعاء ربهم الذي هو مقام ~~القرب لم يجدوا أنفسهم مشتاقين لشيء يسألونه فاعتاضوا عن السؤال بالثناء ~~على ربهم فألهموا إلى التزام التسبيح لأنه ms3830 أدل لفظ على التمجيد والتنزيه ، ~~فهو جامع للعبارة عن الكمالات . | # والتحية : اسم جنس لما يفاتح به عند اللقاء من كلمات التكرمة . وأصلها ~~مشتقة من مصدر حياه إذا قال له عند اللقاء أحياك الله . ثم غلبت في كل لفظ ~~يقال عند اللقاء ، كما غلب لفظ السلام ، فيشمل : نحو حياك الله ، وعم صباحا ~~، وعم مساء وصبحك الله بخير ، وبت بخير . وتقدم الكلام عليها عند قوله ~~تعالى : { وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها في سورة النساء ( 86 ) . | # ولهذا أخبر عن تحيتهم بأنها سلام ، أي لفظ سلام ، إخبارا عن الجنس بفرد ~~من أفراده ، أي جعل الله لهم لفظ السلام تحية لهم . | # والظاهر أن التحية بينهم هي كلمة ( سلام ) ، وأنها محكية هنا بلفظها دون ~~لفظ السلام عليكم أو سلام عليكم ، لأنه لو أريد ذلك لقيل وتحيتهم فيها ~~السلام بالتعريف ليتبادر من التعريف أنه السلام المعروف في الإسلام ، وهو ~~كلمة السلام عليكم . وكذلك سلام الله عليهم بهذا اللفظ قال تعالى : سلام ~~قولا من رب رحيم } ( يس : 58 ) وأما قوله : { والملائكة يدخلون عليهم من كل ~~باب سلام عليكم بما صبرتم } ( الرعد : 23 ، 24 ) فهو تلطف معهم بتحيتهم ~~التي جاءهم بها الإسلام . | PageV11P103 # ونكتة حذف كلمة ( عليكم ) في سلام أهل الجنة بعضهم على بعض أن التحية ~~بينهم مجرد إيناس وتكرمة فكانت أشبه بالخبر والشكر منها بالدعاء والتأمين ~~كأنهم يغتبطون بالسلامة الكاملة التي هم فيها في الجنة فتنطلق ألسنتهم عند ~~اللقاء معبرة عما في ضمائرهم ، بخلاف تحية أهل الدنيا فإنها تقع كثيرا بين ~~المتلاقين الذين لا يعرف بعضهم بعضا فكانت فيها بقية من المعنى الذي أحدث ~~البشر لأجله السلام ، وهو معنى تأمين الملاقي من الشر المتوقع من بين كثير ~~من المتناكرين . ولذلك كان اللفظ الشائع هو لفظ السلام الذي هو الأمان ، ~~فكان من المناسب التصريح بأن الأمان على المخاطب تحقيقا لمعنى تسكين روعه ، ~~وذلك شأن قديم أن الذي يضمر شرا لملاقيه لا يفاتحه بالسلام ، ولذلك جعل ~~السلام شعار المسلمين عند اللقاء تعميما للأمن بين الأمة الذي هو من آثار ~~الأخوة ms3831 الإسلامية . وكذلك شأن القرى في الحضارة القديمة فإن الطارق إذا كان ~~طارق شر أو حرب يمتنع عن قبول القرى ، كما حكى الله تعالى عن إبراهيم { ~~فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة } ( هود : 70 ) . | # وفيه تنويه بشأن هذا اللفظ الذي هو شعار المسلمين عند ملاقاتهم لما فيه ~~من المعاني الجامعة للإكرام ، إذ هو دعاء بالسلامة من كل ما يكدر ، فهو ~~أبلغ من أحياك الله لأنه دعاء بالحياة وقد لا تكون طيبة ، والسلام يجمع ~~الحياة والصفاء من الأكدار العارضة فيها . | # وإضافة التحية إلى ضمير ( هم ) معناها التحية التي تصدر منهم ، أي من ~~بعضهم لبعض . | # ووجه ذكر تحيتهم في هذه الآية الإشارة إلى أنهم في أنس وحبور ، وذلك من ~~أعظم لذات النفس . | # وجملة { وآخر دعواهم } بقية الجمل الحالية . وجعل حمد الله من دعائهم كما ~~اقتضته ( أن ) التفسيرية المفسرة به { آخر دعواهم } لأن في دعواهم معنى ~~القول إذ جعل آخر أقوال . | # ومعنى { آخر دعواهم } أنهم يختمون به دعاءهم فهم يكررون { سبحانك اللهم } ~~فإذا أرادوا الانتقال إلى حالة أخرى من أحوال النعيم نهوا دعاءهم بجملة { ~~الحمد لله رب العالمين } . | PageV11P104 # وسياق الكلام وترتيبه مشعر بأنهم يدعون مجتمعين ، ولذلك قرن ذكر دعائهم ~~بذكر تحيتهم ، فلعلهم إذا تراءوا ابتدروا إلى الدعاء بالتسبيح فإذا اقترب ~~بعضهم من بعض سلم بعضهم على بعض . ثم إذا راموا الافتراق ختموا دعاءهم ~~بالحمد ، فأن تفسيرية لآخر دعواهم ، وهي مؤذنة بأن آخر الدعاء هو نفس ~~الكلمة { الحمد لله رب العالمين } . | # وقد دل على فضل هاتين الكلمتين قول النبي صلى الله عليه وسلم ( كلمتان ~~حبيبتان إلى الرحمن خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان : سبحان الله ~~وبحمده ، سبحان الله العظيم ) . | # | 2 ( 11 ) { ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضى إليهم ~~أجلهم فنذر الذين لا يرجون لقآءنا فى طغيانهم يعمهون } ) 2 # مجيء حرف العطف في صدر هذه الآية يقتضي في علم البلاغة خصوصية لعطفها على ~~ما قبلها ومزيد اتصالها بما قبلها فتعين إيضاح مناسبة موقعها . والظاهر أن ~~المشركين كانوا من غرورهم يحسبون ms3832 تصرفات الله كتصرفات الناس من الاندفاع ~~إلى الانتقام عند الغضب اندفاعا سريعا ، ويحسبون الرسل مبعوثين لإظهار ~~الخوارق ونكاية المعارضين لهم ، ويسوون بينهم وبين المشعوذين والمتحدين ~~بالبطولة والعجائب ، فكانوا لما كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم وركبوا ~~رؤوسهم ولم تصبهم بأثر ذلك مصائب من عذاب شامل أو موتان عام ازدادوا غرورا ~~بباطلهم وإحالة لكون الرسول صلى الله عليه وسلم مرسلا من قبل الله تعالى . ~~وقد دلت آيات كثيرة من القرآن على هذا كقوله : { وإذ قالوا اللهم إن كان ~~هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم } ( ~~الأنفال : 32 ) وقوله : { يستعجلونك بالعذاب } ( الحج : 47 ) وقوله : { فإن ~~للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم فلا يستعجلون } ( الذاريات : 59 ) وقد ~~بينا ذلك في سورة الأنعام وفي سورة الأنفال . | PageV11P105 # وكان المؤمنون ربما تمنوا نزول العذاب بالمشركين واستبطأوا مجيء النصر ~~للنبيء عليه الصلاة والسلام وأصحابه كما جاء في الحديث : أن المسلمين قالوا ~~: ألا تستنصر . وربما عجب بعضهم من أن يرزق الله المشركين وهم يكفرون به . ~~فلما جاءت آيات هذه السورة بقوارع التهديد للمشركين أعقبت بما يزيل شبهاتهم ~~ويطمئن نفوس المؤمنين بما يجمعه قوله : { ولو يعجل الله للناس الشر ~~استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم } . | # وهو إجمال ينبىء بأن الله جعل نظام هذا العالم على الرفق بالمخلوقات ~~واستبقاء الأنواع إلى آجال أرادها ، وجعل لهذا البقاء وسائل الإمداد بالنعم ~~التي بها دوام الحياة ، فالخيرات المفاضة على المخلوقات في هذا العالم ~~كثيرة ، والشرور العارضة نادرة ومعظمها مسبب عن أسباب مجعولة في نظام الكون ~~وتصرفات أهله ، ومنها ما يأتي على خلاف العادة عند محل آجاله التي قدرها ~~الله تعالى بقوله : { لكل أمة أجل } ( يونس : 49 ) وقوله : { لكل أجل كتاب ~~} ( الرعد : 38 ) . | # فهذه الجملة معطوفة على جملة { إن الذين لا يرجون لقاءنا } ( يونس : 7 ) ~~الآية ، فحيث ذكر عذابهم الذي هم آيلون إليه ناسب أن يبين لهم سبب تأخير ~~العذاب عنهم في الدنيا لتكشف شبهة غرورهم وليعلم الذين آمنوا حكمة من حكم ~~تصرف الله في هذا الكون . والقرينة ms3833 على اتصال هذه الجملة بجملة { إن الذين ~~لا يرجون لقاءنا } ( يونس : 7 ) قوله في آخر هذه { فنذر الذين لا يرجون ~~لقاءنا في طغيانهم يعمهون } . | # فبينت هذه الآية أن الرفق جعله الله مستمرا على عباده غير منقطع عنهم ~~لأنه أقام عليه نظام العالم إذ أراد ثبات بنائه ، وأنه لم يقدر توازي الشر ~~في هذا العالم بالخير لطفا منه ورفقا ، فالله لطيف بعباده ، وفي ذلك منة ~~عظيمة عليهم ، وأن الذين يستحقون الشر لو عجل لهم ما استحقوه لبطل النظام ~~الذي وضع عليه العالم . | # والناس : اسم عام لجميع الناس ، ولكن لما كان الكلام على إبطال شبهة ~~المشركين وكانوا المستحقين للشر كانوا أول من يتبادر من عموم الناس ، كما ~~زاده تصريحا قوله : { فنذر الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون } . | ~~PageV11P106 # وقد جاء نظم الآية على إيجاز محكم بديع ، فذكر في جانب الشر { يعجل } ~~الدال على أصل جنس التعجيل ولو بأقل ما يتحقق فيه معناه ، وعبر عن تعجيل ~~الله الخير لهم بلفظ { استعجالهم } الدال على المبالغة في التعجيل بما ~~تفيده زياد السين والتاء لغير الطلب إذ لا يظهر الطلب هنا ، وهو نحو قولهم ~~: استأخر واستقدم واستجلب واستقام واستبان واستجاب واستمتع واستكبر واستخفى ~~وقوله تعالى : { واستغشوا ثيابهم } ( نوح : 7 ) . ومعناه : تعجلهم الخير ، ~~كما حمله عليه في ( الكشاف ) للإشارة إلى أن تعجيل الخير من لدنه . | # فليس الاستعجال هنا بمعنى طلب التعجيل لأن المشركين لم يسألوا تعجيل ~~الخير ولا سألوه فحصل ، بل هو بمعنى التعجل الكثير ، كما في قول سلمي بن ~~ربيعة : | # وإذا العذارى بالدخان تقنعت | # واستعجلت نصب القدور فملت | # ( أي تعجلت ) ، وهو في هذا الاستعمال مثله في الاستعمال الآخر يتعدى إلى ~~مفعول ، كما في البيت وكما في الحديث ( فاستعجل الموت ) . | # وانتصب { استعجالهم } على المفعولية المطلقة المفيدة للتشبيه ، والعامل ~~فيه { يعجل } . | # والمعنى : ولو يعجل الله للناس الشر كما يجعل لهم الخير كثيرا ، فقوله : ~~{ استعجالهم } مصدر مضاف إلى مفعوله لا إلى فاعله ، وفاعل الاستعجال هو ~~الله تعالى كما دل عليه قوله : { ولو يعجل الله } . | # والباء في قوله : { بالخير } لتأكيد ms3834 اللصوق ، كالتي في قوله تعالى : { ~~وامسحوا برؤوسكم } ( المائدة : 6 ) . وأصله : استعجالهم الخير ، فدلت ~~المبالغة بالسين والتاء وتأكيد اللصوق على الامتنان بأن الخير لهم كثير ~~ومكين . وقد كثر اقتران مفعول فعل الاستعجال بهذه الباء ولم ينبهوا عليه في ~~مواقعه المتعددة . وسيجيء في النحل . | # وقد جعل جواب ( لو ) قوله : { لقضي إليهم أجلهم } ، وشأن جواب ( لو ) أن ~~يكون في حيز الامتناع ، أي وذلك ممتنع لأن الله قدر لآجال انقراضهم ميقاتا ~~معينا { ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون } ( الحجر : 5 ) . | ~~PageV11P107 # والقضاء : التقدير . | # والأجل : المدة المعينة لبقاء قوم . والمعنى : لقضي إليهم حلول أجلهم . ~~ولما ضمن ( قضي ) معنى بلغ ووصل عدي ب ( إلى ) . فهذا وجه تفسير الآية وسر ~~نظمها ، ولا يلتفت إلى غيره في فهمها . وهذا المعنى مثل معنى { قل لو أن ~~عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم في سورة الأنعام ( 58 ) . | # وجملة : فنذر الذين لا يرجون لقاءنا } الخ مفرعة على جملة { ولو يعجل ~~الله للناس } إلى آخرها . | # وقرأ الجمهور { لقضي } بالبناء للنائب ورفعع { أجلهم } على أنه نائب ~~الفاعل . وقرأه ابن عامر ويعقوب بفتح القاف والضاد ونصب { أجلهم } على أن ~~في ( قضي ) ضميرا عائدا إلى اسم الجلالة في قوله : { ولو يجعل الله للناس ~~الشر } الخ . | # وجملة : { فنذر الذين لا يرجون لقاءنا } مفرعة على جملة ( لو ) وجوابها ~~المفيدة انتفاء أن يعجل الله للناس الشر بانتفاء لازمه وهو بلوغ أجلهم ~~إليهم ، أي فإذا انتفى التعجيل فنحن نذر الذين لا يرجون لقاءنا يعمهون ، أي ~~نتركهم في مدة تأخير العذاب عنهم متلبسين بطغيانهم ، أي فرط تكبرهم ~~وتعاظمهم . | # والعمه : عدم البصر . وإنما لم ينصب الفعل بعد الفاء لأن النصب يكون في ~~جواب النفي المحض ، وأما النفي المستفاد من ( لو ) فحاصل بالتضمن ، ولأن ~~شأن جواب النفي أن يكون مسببا على المنفي لا على النفي ، والتفريع هنا على ~~مستفاد من النفي . وأما المنفي فهو تعجيل الشر فهو لا يسبب أن يترك ~~الكافرين يعمهون ، وبذلك تعرف أن قوله : { فنذر } ليس معطوفا على كلام مقدر ~~وإنما التقدير تقدير معنى لا تقدير إعراب ms3835 ، أي فنترك المنكرين للبعث في ~~ضلالهم استدراجا لهم . | # وقوله : { في طغيانهم يعمهون } تقدم نظيره في قوله : { ويمدهم في طغيانهم ~~يعمهون في سورة البقرة ( 15 ) . والطغيان : الكفر . | PageV11P108 # والإتيان بالموصولية في تعريف الكافرين للدلالة على أن الطغيان أشده ~~إنكارهم البعث ، ولأنه صار كالعلامة عليهم كما تقدم آنفا . | # | 2 ( 12 ) وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قآئما فلما ~~كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنآ إلى ضر مسه كذالك زين للمسرفين ما كانوا ~~يعملون } ) 2 # عطف على جملة { ولو يعجل الله للناس الشر } ( يونس : 11 ) الآية ، لأن ~~الغرض الأهم من كلتيهما هو الاعتبار بذميم أحوال المشركين تفظيعا لحالهم ~~وتحذيرا من الوقوع في أمثالها بقرينة تنهية هذه الآية بجملة { كذلك زين ~~للمسرفين ما كانوا يعملون } . فلما بين في الآية السابقة وجه تأخير عذابب ~~الاستئصال عنهم وإرجاء جزائهم إلى الآخرة بين في هذه الآية حالهم عندما ~~يمسهم شيء من الضر وعندما يكشف الضر عنهم . | # فالإنسان مراد به الجنس ، والتعريف باللام يفيد الاستغراق العرفي ، أي ~~الإنسان الكافر ، لأن جمهور الناس حينئذ كافرون ، إذ كان المسلمون قبل ~~الهجرة لا يعدون بضعة وسبعين رجلا مع نسائهم وأبنائهم الذين هم تبع لهم . ~~وبهذا الاعتبار يكون المنظور إليهم في هذا الحكم هم الكافرون ، كما في قوله ~~تعالى : { ويقول الإنسان أئذا ما مت لسوف أخرج حيا } ( مريم : 66 ) وقوله : ~~{ يأيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك } ( الانفطار : 6 ، 7 ~~) . ويأخذ المسلمون من هذا الحكم ما يناسب مقدار ما في آحادهم من بقايا هذه ~~الحال الجاهلية فيفيق كل من غفلته . | # وعدل عن الإتيان بالضمير الراجع إلى ( الناس ) من قوله : { ولو يجعل الله ~~للناس الشر } ( يونس : 11 ) لأن في ذكر لفظ الإنسان إيماء إلى التذكير ~~بنعمة الله عليهم إذ جعلهم ، من أشرف الأنواع الموجودة على الأرض . ومن ~~المفسرين من جعل اللام في الإنسان للعهد وجعل المراد به أبا حذيفة بن ~~المغيرة المخزومي ، واسمه مهشم ، وكان مشركا ، وكان أصابه مرض . ~~PageV11P109 والضر تقدم في قوله : { وإن يمسسك الله بضر في ms3836 سورة الأنعام ( ~~17 ) . | # والدعاء : هنا الطلب والسؤال بتضرع . | # واللام في قوله : لجنبه } بمعنى ( على ) كقوله تعالى : { يخرون للأذقان } ~~( الإسراء : 109 ) وقوله : { وتله للجبين } ( الصافات : 103 ) . ألا ترى ~~أنه جاء في موضع اللام حرف ( على ) في قوله تعالى : { فاذكروا الله قياما ~~وقعودا وعلى جنوبكم } ( النساء : 103 ) وقوله : { الذين يذكرون الله قياما ~~وقعودا وعلى جنوبهم } ( آل عمران : 190 ) ونحوه قول جابر بن جني التغلبي : ~~| # تناوله بالرمح ثم انثنى به | # فخر صريعا لليدين وللفم | # أي على اليدين وعلى الفم ، وهو متولد من معنى الاختصاص الذي هو أعم معاني ~~اللام ، لأن الاختصاص بالشيء يقع بكيفيات كثيرة منها استعلاؤه عليه . | # وإنما سلك هنا حرف الاختصاص للإشارة إلى أن الجنب مختص بالدعاء عند الضر ~~ومتصل به فبالأولى غيره . وهذا الاستعمال منظور إليه في بيت جابر والآيتين ~~الأخريين كما يظهر بالتأمل ، فهذا وجه الفرق بين الاستعمالين . | # وموضع المجرور في موضع الحال ، ولذلك عطف { أو قاعدا أو قائما } بالنصب . ~~وإنما جعل الجنب مجرورا باللام ولم ينصب فيقال مثلا مضطجعا أو قاعدا أو ~~قائما لتمثيل التمكن من حالة الراحة بذكر شق من جسده لأن ذلك أظهر في تمكنه ~~، كما كان ذكر الإعطاء في الآيتين الأخريين وبيت جابر أظهر في تمثيل الحالة ~~بحيث جمع فيها بين ذكر الأعضاء وذكر الأفعال الدالة على أصل المعنى للدلالة ~~على أنه يدعو الله في أندر الأحوال ملابسة للدعاء ، وهي حالة تطلب الراحة ~~وملازمة السكون . ولذلك ابتدىء بذكر الجنب ، وأما زيادة قوله : { أو قاعدا ~~أو قائما } فلقصد تعميم الأحوال وتكميلها ، لأن المقام مقام الإطناب لزيادة ~~تمثيل الأحوال ، أي دعانا في سائر الأحوال لا يلهيه عن دعائنا شيء . | # والجنب : واحد الجنوب . وتقدم في قوله : { فتكوى بها جباههم وجنوبهم في ~~سورة براءة ( 35 ) . | PageV11P110 # والقعود : الجلوس . | # والقيام : الانتصاب . وتقدم في قوله : وإذا أظلم عليهم قاموا في سورة ~~البقرة ( 20 ) . | # و ( إذا ) ها لمجرد الظرفية وتوقيتت جوابها بشرطها ، وليست للاستقبال كما ~~هو غالب أحوالها لأن المقصود هنا حكاية حال المشركين في دعائهم الله عند ~~الاضطرار وإعراضهم عنه إلى عبادة ms3837 آلهتهم عند الرخاء ، بقرينة قوله : كذلك ~~زين للمسرفين ما كانوا يعملون } إذ جعلها حالا للمسرفين . وإذ عبر عن عملهم ~~بلفظ { كانوا } الدال على أنه عملهم في ماضي أزمانهم ، ولذلك جيء في شرطها ~~وجوابها وما عطف عليهما بأفعال المضي لأن كون ذلك حالهم فيما مضى أدخل في ~~تسجيله عليهم مما لو فرض ذلك من حالهم في المستقبل إذ لعل فيهم من يتعظ ~~بهذه الآية فيقطع عن عمله هذا أو يساق إلى النظر في الحقيقة . | # ولهذا فرع عليه جملة : { فلما كشفنا عنه ضره مر } لأن هذا التفريع هو ~~المقصود من الكلام إذ الحالة الأولى وهي المفرع عليها حالة محمودة لولا ما ~~يعقبها . | # والكشف : حقيقته إظهار شيء عليه ساتر أو غطاء . وشاع إطلاقه على مطلق ~~الإزالة . إما على طريقة المجاز المرسل بعلاقة الإطلاق ، وإما على طريقة ~~الاستعارة بتشبيه المزال بشيء ساتر لشيء . | # والمرور : هنا مجازي بمعنى استبدال حالة بغيرها . شبه الاستبدال ~~بالانتقال من مكان إلى آخر لأن الانتقال استبدال ، أي انتقل إلى حال كحال ~~من لم يسبق له دعاؤنا ، أي نسي حالة اضطراره واحتياجه إلينا فصار كأنه لم ~~يقع في ذلك الاحتياج . | # و ( كأن ) مخففة كأن ، واسمها ضمير الشأن حذف على ما هو الغالب . وعدي ~~الدعاء بحرف ( إلى ) في قوله : { إلى ضر } دون اللام كما هو الغالب في نحو ~~قوله : | # دعوت لما نابني مسورا | # على طريقة الاستعارة التبعية بتشبيه الضر بالعدو المفاجىء الذي يدعو إلى ~~من فاجأه ناصرا إلى دفعه . PageV11P111 وجعل ( إلى ) بمعنى اللام بعد عن ~~بلاغة هذا النظم وخلط للاعتبارات البلاغية . | # وجملة : { كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون } تذييل يعم ما تقدم وغيره ~~، أي هكذا التزيين الشيطاني زين لهم ما كانوا يعملون من أعمالهم في ماضي ~~أزمانهم في الدعاء وغيره من ضلالاتهم . | # وتقدم القول في معنى موقع ( كذلك ) في أمثال هذه الآية عند قوله تعالى : ~~{ وكذلك جعلناكم أمة وسطا في سورة البقرة ( 143 ) وقوله : كذلك زينا لكل ~~أمة عملهم في سورة الأنعام ( 108 ) ، فالإشارة إلى التزيين المستفاد هنا ~~وهو تزيين إعراضهم عن ms3838 دعاء الله في حالة الرخاء ، أي مثل هذا التزيين ~~العجيب زين لكل مسرف عمله . | # والإسراف : الإفراط والإكثار في شيء غير محمود . فالمراد بالمسرفين هنا ~~الكافرون . واختير لفظ المسرفين } لدلالته على مبالغتهم في كفرهم ، ~~فالتعريف في المسرفين للاستغراق ليشمل المتحدث عنهم وغيرهم . | # وأسند فعل التزيين إلى المجهول لأن المسلمين يعلمون أن المزين للمسرفين ~~خواطرهم الشيطانية ، فقد أسند فعل التزيين إلى الشيطان غير مرة ، أو لأن ~~معرفة المزين لهم غير مهمة ههنا وإنما المهم الاعتبار والاتعاظ باستحسانهم ~~أعمالهم الذميمة استحسانا شنيطا . | # والمعنى أن شأن الأعمال الذميمة القبيحة إذا تكررت من أصحابها أن تصير ~~لهم دربة تحسن عندهم قبائحها فلا يكادون يشعرون بقبحها فكيف يقلعون عنها ~~كما قيل : | # يقضى على المرء في أيام محنته | # حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن | # | 2 ( 13 ) { ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجآءتهم رسلهم ~~بالبينات وما كانوا ليؤمنوا كذالك نجزي القوم المجرمين } ) 2 # عاد الخطاب إلى المشركين عودا على بدئه في قوله : { إن ربكم الله إلى ~~قوله لتعلموا عدد السنين والحساب } ( يونس : 3 5 ) بمناسبة التماثل بينهم ~~وبين الأمم قبلهم في الغرور بتأخير العذاب PageV11P112 عنهم حتى حل بهم ~~الهلاك فجأة . وهذه الآية تهديد وموعظة بما حل بأمثالهم . | # والجملة معطوفة على جملة : { ولو يعجل الله للناس الشر } ( يونس : 11 ) ~~بما تضمنته من الإنذار بأن الشر قد ينزل بهم ولكن عذاب الله غير معجل ، ~~فضرب لهم مثلا بما نزل بالأمم من قبلهم فقضى إليهم بالعذاب أجلهم وقد كانوا ~~يعرفون أمما منهم أصابهم الاستيصال مثل عاد وثمود وقوم نوح . | # ولتوكيد التهديد والوعيد أكدت الجملة بلام القسم وقد التي للتحقيق . | # والإهلاك : الاستيصال والإفناء . | # والقرون : جمع قرن وأصله مدة طويلة من الزمان ، والمراد به هنا أهل ~~القرون . وتقدم بيانه عند قوله تعالى : { ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من ~~قرن في سورة الأنعام ( 6 ) . | # وقوله : من قبلكم } حال من القرون . | # و { لما } اسم زمان بمعنى حين على التحقيق ، وتضاف إلى الجملة . | # والعرب أكثروا في كلامهم تقديم ( لما ) في صدر جملتها فأشمت ms3839 بذلك التقديم ~~رائحة الشرطية فأشبهت الشروط لأنها تضاف إلى جملة فتشبه جملة الشرط ، ولأن ~~عاملها فعل مضي فبذلك اقتضت جملتين فأشبهت حروف الشرط . | # والمعنى : أهلكناهم حينما ظلموا ، أي أشركوا وجاءتهم رسلهم بالبينات مثل ~~هود وصالح ولم يؤمنوا . | # وجملة : { وجاءتهم } معطوفة على جملة { ظلموا } . | # والبينات : جمع بينة ، وهي الحجة على الصدق ، وقد تقدم عند قوله تعالى : ~~{ فقد جاءكم بينة من ربكم في سورة الأنعام ( 157 ) . | PageV11P113 # وجملة : وما كانوا ليؤمنوا } معطوفة عليها . ومجموع الجمل الثلاث هو ما ~~وقت به الإهلاك { وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا } ( القصص ~~: 59 ) . | # وعبر عن انتفاء إيمانهم بصيغة لام الجحود مبالغة في انتفائه إشارة إلى ~~اليأس من إيمانهم . | # وجملة : { كذلك نجزي القوم المجرمين } تذييل . والتعريف في { القوم ~~المجرمين } للاستغراق فلذلك عم القرون الماضية وعم المخاطبين ، وبذلك كان ~~إنذارا لقريش بأن ينالهم ما نال أولئك . والمراد بالإجرام أقصاه ، وهو ~~الشرك . | # والقول في { كذلك نجزي القوم المجرمين } كالقول في نظيره آنفا . وكذلك ~~ذكر لفظ ( القوم ) فهو كما في نظيره في هذه السورة وفي البقرة . | # | 2 ( 14 ) { ثم جعلناكم خلائف فى الارض من بعدهم لننظر كيف تعملون } ) 2 # عطف على { أهلكنا } ( يونس : 13 ) وحرف ( ثم ) مؤذن ببعد ما بين الزمنين ~~، أي ثم جعلناكم تخلفونهم في الأرض . وكون حرف ( ثم ) هنا عاطفا جملة على ~~جملة تقتضي التراخي الرتبي لأن جعلهم خلائف أهم من إهلاك القرون قبلهم لما ~~فيه من المنة عليهم ، ولأنه عوضهم بهم . | # والخلائف : جمع خليفة . وتقدم في قوله : { وهو الذي جعلكم خلائف الأرض في ~~سورة الأنعام ( 165 ) . والمراد بالأرض } بلاد العرب ، فالتعريف فيه للعهد ~~؛ لأن المخاطبين خلفوا عادا وثمودا وطسما وجديسا وجرهما في منازلهم على ~~الجملة . | PageV11P114 # والنظر : مستعمل في العلم المحقق ، لأن النظر أقوى طرق المعرفة ، فمعنى { ~~لننظر } لنتعلم ، أي لنعلم علما متعلقا بأعمالكم . فالمراد بالعلم تعلقه ~~التنجيزي . | # و { كيف } اسم استفهام معلق لفعل العلم عن العمل ، وهو منصوب ب { ننظر } ~~، والمعنى في مثله : لنعلم جواب كيف تعملون ، قال إياس بن قبيصة : | # وأقبلت والخطى يخطر ms3840 بيننا | # لا علم من جبانها من شجاعها | # أي ( لا علم ) جواب من ( جبانها ) . | # وإنما جعل استخلافهم في الأرض علة لعلم الله بأعمالهم كناية عن ظهور ~~أعمالهم في الواقع إن كانت مما يرضي الله أو مما لا يرضيه فإذا ظهرت ~~أعمالهم علمها الله علم الأشياء النافعة وإن كان يعلم أن ذلك سيقع علما ~~أزليا ، كما أن بيت إياس بن قبيصة معناه ليظهر الجبان من الشجاع . وليس ~~المقصود بتعليل الإقدام حصول علمه بالجبان والشجاع ولكنه كنى بذلك عن ظهور ~~الجبان والشجاع . وقد تقدم نظير هذا في قوله تعالى : { وليعلم الله الذين ~~آمنوا ويتخذ منكم شهداء في سورة آل عمران ( 140 ) . | # | 2 ( 15 ) وإذا تتلى عليهم ءاياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقآءنا ائت ~~بقرءان غير هاذآ أو بدله قل ما يكون لى أن أبدله من تلقآء نفسى إن أتبع إلا ~~ما يوحى إلى إنى أخاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم } ) 2 # | $ # عطف على جملة : { ولو يعجل الله للناس الشر } ( يونس : 11 ) الخ لأن ذلك ~~ناشىء عن قولهم : { اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من ~~السماء أو ايتنا بعذاب أليم } ( الأنفال : 32 ) كما تقدم فذلك أسلوب من ~~أساليب التكذيب . ثم حكي في هذه الآية أسلوب آخر من أساليب تكذيبهم ~~PageV11P115 النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون القرآن موحى إليه من الله ~~تعالى فهم يتوهمون أن القرآن وضعه النبي صلى الله عليه وسلم من تلقاء نفسه ~~، ولذلك جعلوا من تكذيبهم أن يقولوا له { ايت بقرآنن غير هذا أو بدله } ~~إطماعا له بأن يؤمنوا به مغايرا أو مبدلا إذا وافق هواهم . | # ومعنى { غير هذا } مخالفه . والمراد المخالفة للقرآن كله بالإعراض عنه ~~وابتداء كتاب آخر بأساليب أخرى ، كمثل كتب قصص الفرس وملاحمهم إذ لا يحتمل ~~كلامهم غير ذلك ، إذ ليس مرادهم أن يأتي بسور أخرى غير التي نزلت من قبل ~~لأن ذلك حاصل ، ولا غرض لهم فيه إذا كان معناها من نوع ما سبقها . | # ووصف الآيات ب { بينات } لزيادة التعجيب ms3841 من طلبهم تبديلها لا بطلب تبديله ~~إذ لا طمع في خير منه . | # والتبديل : التغيير . وقد يكون في الذوات ، كما تقول : بدلت الدنانير ~~دراهم . ويكون في الأوصاف ، كما تقول : بدلت الحلقة خاتما . فلما ذكر ~~الإتيان بغيره من قبل تعين أن المراد بالتبديل المعنى الآخر وهو تبديل ~~الوصف ، فكان المراد بالغير في قولهم : { غير هذا } كلاما غير الذي جاء به ~~من قبل لا يكون فيه ما يكرهونه ويغيظهم . والمراد بالتبديل أن يعمد إلى ~~القرآن الموجود فيغير الآيات المشتملة على عبارات ذم الشرك بمدحه ، وعبارات ~~ذم أصنامهم بالثناء عليها ، وعبارات البعث والنشر بضدها ، وعبارات الوعيد ~~لهم بعبارات بشارة . | # وسموا ما طلبوا الإتيان به قرآنا لأنه عوض عن المسمى بالقرآن ، فإن ~~القرآن علم على الكتاب الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم أي ائت بغير ~~هذا مما تسميه قرآنا . | # والضمير في { بدله } عائد إلى اسم الإشارة ، أي أو بدل هذا . وأجمل ~~المراد بالتبديل في الآية لأنه معلوم عند السامعين . | PageV11P116 # ثم إن قولهم يحتمل أن يكون جدا ، ويحتمل أن يريدوا به الاستهزاء ، وعلى ~~الاحتمالين فقد أمر الله نبيئه صلى الله عليه وسلم بأن يجيبهم بما يقلع ~~شبهتهم من نفوسهم إن كانوا جادين ، أو من نفوس من يسمعونهم من دهمائهم ~~فيحسبوا كلامهم جدا فيترقبوا تبديل القرآن . | # وضمير الغيبة في قوله : { وإذا تتلى عليهم } راجع إلى الناس المراد منهم ~~المشركون أو راجع إلى { الذين لا يرجون لقاءنا } في قوله : { إن الذين لا ~~يرجون لقاءنا } ( يونس : 7 ) . | # وتقديم الظرف في قوله : { إذا تتلى } على عامله وهو { قال الذين لا يرجون ~~لقاءنا } للاهتمام بذكر ذلك الوقت الذي تتلى فيه الآيات عليهم فيقولون فيه ~~هذا القول تعجيبا من كلامهم ووهن أحلامهم . | # ولكون العامل في الظرف فعلا ماضيا علم أن قولهم هذا واقع في الزمن الماضي ~~، فكانت إضافة الظرف المتعلق به إلى جملة فعلها مضارع وهو { تتلى } دالة ~~على أن ذلك المضارع لم يرد به الحال أو الاستقبال إذ لا يتصور أن يكون ~~الماضي واقعا في الحال أو الاستقبال فتعين ms3842 أن اجتلاب الفعل المضارع لمجرد ~~الدلالة على التكرر والتجدد ، أي ذلك قولهم كلما تتلى عليهم الآيات . | # وماصدق { الذين لا يرجون لقاءنا } هو ما صدق الضمير في قوله : ( عليهم ) ~~، فكان المقام للإضمار ، فما كان الإظهار بالموصولية إلا لأن الذين لا ~~يرجون لقاء الله اشتهر به المشركون فصارت هذه الصلة كالعلم عليهم . كما ~~أشرنا إليه عند قوله آنفا { إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا ~~} ( يونس : 7 ) ، وليس بين الصلة وبين الخبر هنا علاقة تعليل فلا يكون ~~الموصول للإيماء إلى وجه بناء الخبر . | # ولما كان لاقتراحهم معنى صريح ، وهو الإتيان بقرآن آخر أو تبديل آيات ~~القرآن الموجود ، ومعنى التزامي كنائي ، وهو أنه غير منزل من عند الله وأن ~~الذي جاء به غير مرسل من الله ، كان الجواب عن قولهم جوابين ، أحدهما : ما ~~لقنه الله بقوله : { قل ما PageV11P117 يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي } ~~وهو جواب عن صريح اقتراحهم ، وثانيهما : ما لقنه بقوله : { قل لو شاء الله ~~ما تلوته عليكم } ( يونس : 16 ) وهو جواب عن لازم كلامهم . | # وعن مجاهد تسمية أناس ممن قال هذه المقالة وهم خمسة : عبد الله بن أمية ، ~~والوليد بن المغيرة ، ومكرز بن حفص ، وعمرو بن عبد الله بن أبي قيس ، ~~والعاص بن عامر ، قالوا للنبيء صلى الله عليه وسلم ائت بقرآن ليس فيه ترك ~~عبادة الأصنام واللاتت والعزى ومناة وهبل ، وليس فيه عيبها . | # وقد جاء الجواب عن اقتراحهم كلاما جامعا قضاء لحق الإيجاز البديع ، ~~وتعويلا على أن السؤال يبين المراد من الجواب ، فأحسوا بامتناع تبديل ~~القرآن من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا جواب كاف ، لأن التبديل يشمل ~~الإتيان بغيره وتبديل بعض تراكيبه . على أنه إذا كان التبديل الذي هو تغيير ~~كلمات منه وأغراض ممتنعا كان إبطال جميعه والإتيان بغيره أجدر بالامتناع . ~~| # وقد جاء الجواب بأبلغ صيغ النفي وهو { ما يكون لي أن أبدله } أي ما يكون ~~التبديل ملكا بيدي . | # و { تلقاء } صيغة مصدر على وزن التفعال . وقياس وزن التفعال الشائع هو ~~فتح التاء وقد شذ ms3843 عن ذلك تلقاء ، وتبيان ، وتمثال ، بمعنى اللقاء والبيان ~~والمثول فجاءت بكسر التاء لا رابع لها ، ثم أطلق التلقاء على جهة التلاقي ~~ثم أطلق على الجهة والمكان مطلقا كقوله تعالى : { ولما توجه تلقاء مدين } ( ~~القصص : 22 ) . فمعنى { من تلقاء نفسي } من جهة نفسي . وهذا المجرور في ~~موضع الحال المؤكدة لجملة : { ما يكون لي أن أبدله } وهي المسماة مؤكدة ~~لغيرها إذ التبديل لا يكون إلا من فعل المبدل فليست تلك الحال للتقييد إذ ~~لا يجوز فرض أن يبدل من تلقاء الله تعالى التبديل الذي يرومونه ، فالمعنى ~~أنه مبلغ لا متصرف . | # وجملة : { إن أتبع إلا ما يوحى إلي } تعليل لجملة : { ما يكون لي أن ~~أبدله } أي ما أتبع إلا الوحي وليس لي تصرف بتغيير . و { ما } مصدرية . ~~واتباع الوحي : تبليغ الحاصل به ، وهو الموصى به . PageV11P118 والاتباع ~~مجاز في عدم التصرف ، بجامع مشابهة ذلك للاتباع الذي هو عدم تجاوز الاقتفاء ~~في المشي . | # واقتضت ( إن ) النافية وأداة الاستثناء قصر تعلق الاتباع على ما أوحى ~~الله وهو قصر إضافي ، أي لا أبلغ إلا ما أوحي إلي دون أن يكون المتبع شيئا ~~مخترعا حتى أتصرف فيه بالتغيير والتبديل ، وقرينة كونه إضافيا وقوعه جوابا ~~لرد اقتراحهم . | # فمن رام أن يحتج بهذا القصر على عدم جواز الاجتهاد للنبيء صلى الله عليه ~~وسلم فقد خرج بالكلام عن مهيعه . | # وجملة : { إني أخاف إن عصيت ربي } الخ في موضع التعليل لجملة : { إن أتبع ~~إلا ما يوحى إلي } ولذلك فصلت عنها . واقترنت بحرف ( إن ) للاهتمام ، و ( ~~إن ) تؤذن بالتعليل . | # وقوله : { إن عصيت ربي } ، أي عصيته بالإتيان بقرآن آخر وتبديله من تلقاء ~~نفسي . | # ودل سياق الكلام على أن الإتيان بقرآن آخر غير هذا بمعنى إبطال هذا ~~القرآن وتعويضه بغيره ، وأن تبديله بمعنى تغيير معاني وحقائق ما اشتمل عليه ~~ممتنع . | # ولذلك لم يلقن الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقول هنا : إلا ما شاء الله ~~، أو نحو ذلك . | # | 2 ( 16 ) { قل لو شآء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم ~~عمرا من ms3844 قبله أفلا تعقلون } ) 2 # هذا جواب عن لازم اقتراحهم وكنايته عن رميهم الرسول صلى الله عليه وسلم ~~بالكذب عن الله فيما ادعى من إرساله وإنزال القرآن عليه كما تقدم في الجواب ~~قبله . ولكونه جوابا مستقلا عن معنى قصدوه من كلامهم جاء الأمر به مفصولا ~~عن الأول غير معطوف عليه تنبيها على استقلاله وأنه ليس بتكملة للجواب الأول ~~. | PageV11P119 # وفي هذا الجواب استدلال على أنه مرسل من الله تعالى ، وأنه لم يختلق ~~القرآن من عنده بدليلل التفت في مطاويه أدلة ، وقد نظم فيه الدليل بانتفاء ~~نقيض المطلوب على إثبات المطلوب ، إذ قوله : { لو شاء الله ما تلوته } ~~تقديره لو شاء الله أن لا أتلوه عليكم ما تلوته . فإن فعل المشيئة يكثر حذف ~~مفعوله في جملة الشرط لدلالة الجزاء عليه ، وإنما بني الاستدلال على عدم ~~مشيئة الله نفي تلاوته لأن ذلك مدعى الكفار لزعمهم أنه ليس من عند الله ، ~~فكان الاستدلال إبطالا لدعواهم ابتداء وإثباتا لدعواه مآلا . وهذا الجمع ~~بين الأمرين من بديع الاستدلال ، أي لو شاء الله أن لا آتيكم بهذا القرآن ~~لما أرسلني به ولبقيت على الحالة التي كنت عليها من أول عمري . | # والدليل الثاني مطوي هو مقتضى جواب ( لو ) ، فإن جواب ( لو ) يقتضي ~~استدراكا مطردا في المعنى بأن يثبت نقيض الجواب ، فقد يستغنى عن ذكره وقد ~~يذكر ، كقول أبي بن سلمي بن ربيعة : | # فلو طار ذو حافر قبلها | # لطارت ولكنه لم يطر | # فتقديره هنا : لو شاء الله ما تلوته لكنني تلوته عليكم . وتلاوته هي دليل ~~الرسالة لأن تلاوته تتضمن إعجازه علميا إذ جاء به من لم يكن من أهل العلم ~~والحكمة ، وبلاغيا إذ جاء كلاما أعجز أهل اللغة كلهم مع تضافرهم في بلاغتهم ~~وتفاوت مراتبهم ، وليس من شأن أحد من الخلق أن يكون فائقا على جميعهم ولا ~~من شأن كلامه أن لا يستطيع مثله أحد منهم . | # ولذلك فرعت على الاستدلال جملة : { فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا ~~تعقلون } تذكيرا لهم بقديم حاله المعروفة بينهم وهي حال الأمية ، أي قد ms3845 كنت ~~بين ظهرانيكم مدة طويلة ، وهي أربعون سنة ، تشاهدون أطوار نشأتي فلا ترون ~~فيها حالة تشبه حالة العظمة ، والكمال المتناهي الذي صار إليه لما أوحى ~~الله إليه بالرسالة ، ولا بلاغة قول واشتهارا بمقاولة أهل البلاغة والخطابة ~~والشعر تشبه بلاغة القول الذي نطق به عن وحي القرآن ، إذ لو كانت حالته بعد ~~الوحي حالا معتادا وكانت بلاغة الكلام الذي PageV11P120 جاء به كذلك لكان ~~له من المقدمات من حين نشأته ما هو تهيئة لهذه الغاية وكان التخلق بذلك ~~أطوارا وتدرجا . فلا جرم دل عدم تشابه الحالين على أن هذا الحال الأخير حال ~~رباني محض ، وأن هذا الكلام موحى إليه من عند الله ليس له بذاته عمل فيه . ~~| # فما كان هذا الكلام دليلا على المشركين وإبطالا لادعائهم إلا لما بني على ~~تلاوة القرآن فكان ذكر القرآن في الاستدلال هو مناطه ، ثم لما فرع عليه ~~جملة : { فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون } إذ كان تذكيرا لهم ~~بحاله قبل أن يتلو عليهم القرآن ولولا ذانك الأمران لعاد الاستدلال مصادرة ~~، أي استدلالا بعين الدعوى لأنهم ينهض لهم أن يقولوا حينئذ : ما أرسلك الله ~~إلينا وقد شاء أن لا يرسلك إلينا ولكنك تقولت على الله ما لم يقله . | # فهذا بيان انتظام هذا الدليل من هذه الآية . | # وقد آل الدليل بهذا الوجه إلى الاستدلال عليهم بمعجزة القرآن والأمية . ~~ولكلمة { تلوته } هنا من الوقع ما ليس لغيرها لأنها تتضمن تاليا كلاما ، ~~ومتلوا ، وباعثا بذلك المتلو . | # فبالأول : تشير إلى معجزة المقدرة على تلاوة الكتاب مع تحقق الأمية لأن ~~أسلوب الكتب الدينية غير الأسلوب الذي عرفه العرب من شعرائهم وخطبائهم . | # وبالثاني : تشير إلى القرآن الذي هو معجزة دالة على صدق الآتي به لما فيه ~~من الحقائق والإرشاد الديني الذي هو من شأن أنبياء الأديان وعلمائها ، كما ~~قال تعالى : { وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذن لارتاب ~~المبطلون بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا ~~الظالمون ( العنكبوت : 48 ، 49 ) . | # وبالثالث ms3846 : } تشير إلى أنه كلام من عند الله تعالى ، فانتظمت بهذا ~~الاستدلال دلالة صدق النبي صلى الله عليه وسلم في رسالته عن الله تعالى . | # والتلاوة : قراءة المكتوب أو استعراض المحفوظ ، فهي مشعرة بإبلاغ كلام من ~~غير المبلغ . وقد تقدمت عند قوله تعالى : { واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ~~ملك سليمان في سورة البقرة ( 102 ) ، وعند قوله : وإذا تليت عليهم آياته ~~زادتهم إيمانا في سورة الأنفال ( 2 ) . | PageV11P121 # وأدراكم } عرفكم . وفعل الدراية إذا تعلق بذات يتعدى إليها بنفسه تارة ~~وبالباء أيضا ، يقال : دريته ودريت به . وقد جاء في هذه الآية على ~~الاستعمال الثاني وهو الأكثر في حكاية سيبويه . | # قرأ الجمهور { ولا أدراكم به } بحرف النفي عطفا على { ما تلوته عليكم } ~~أي لو شاء الله ما أمرني بتلاوة القرآن عليكم ولا أعلمكم الله به . وقرأه ~~البزي عن ابن كثير في إحدى روايتين عنه بلام ابتداء في موضع لا النافية ، ~~أي بدون ألف بعد اللام فتكون عطفا على جواب ( لو ) فتكون اللام لاما زائدة ~~للتوكيد كشأنها في جواب ( لو ) . والمعنى عليه : لو شاء الله ما تلوته ~~عليكم ولو شاء لجعلكم تدرون معانيه فلا تكذبوا . | # وتفريع جملة : { فقد لبثت فيكم } تفريع دليلل الجملة الشرطية وملازمتها ~~لطرفيها . | # والعمر : الحياة . اشتق من العمران لأن مدة الحياة يعمر بها الحي العالم ~~الدنيوي . ويطلق العمر على المدة الطويلة التي لو عاش المرء مقدارها لكان ~~قد أخذ حظه من البقاء . وهذا هو المراد هنا بدليل تنكير { عمرا } وليس ~~المراد لبثت مدة عمري ، لأن عمره لم ينته بل المراد مدة قدرها قدر عمر ~~متعارف ، أي بقدر مدة عمر أحد من الناس . والمعنى لبثت فيكم أربعين سنة قبل ~~نزول القرآن . | # وانتصب { عمرا } على النيابة عن ظرف الزمان ، لأنه أريد به مقدار من ~~الزمان . | # واللبث : الإقامة في المكان مدة . وتقدم في قوله تعالى : { قال كم لبثت ~~في سورة البقرة ( 259 ) . | # والظرفية في قوله فيكم } على معنى في جماعتكم ، أي بينكم . | # و ( قبل ) و ( بعد ) إذا أضيفا للذوات كان المراد بعض أحوال الذات مما ~~يدل عليه ms3847 المقام ، أي من قبلل نزوله . وضمير ( قبله ) عائد إلى القرآن . | # وتفريع جملة : { أفلا تعقلون } على جملة الشرط وما تفرع عليها تفريع ~~للإنكار والتعجب على نهوض الدليل عليهم ، إذ قد ظهر من حالهم ما يجعلهم كمن ~~لا يعقل . PageV11P122 ولذلك اختير لفظ { تعقلون } لأن العقل هو أول درجات ~~الإدراك . ومفعول { تعقلون } إما محذوف لدلالة الكلام السابق عليه . ~~والتقدير أفلا تعقلون أن مثل هذا الحال من الجمع بين الأمية والإتيان بهذا ~~الكتاب البديع في بلاغته ومعانيه لا يكون إلا حال من أفاض الله عليه رسالته ~~إذ لا يتأتى مثله في العادة لأحد ولا يتأتى ما يقاربه إلا بعد مدارسة ~~العلماء ومطالعة الكتب السالفة ومناظرة العلماء ومحاورة أهل البلاغة من ~~الخطباء والشعراء زمنا طويلا وعمرا مديدا ، فكيف تأتى ما هو أعظم من ذلك ~~المعتاد دفعة لمن قضى عمره بينهم في بلاده يرقبون أحواله صباح مساء ، وما ~~عرف بلدهم بمزاولة العلوم ولا كان فيهم من أهل الكتاب إلا من عكف على ~~العبادة وانقطع عن معاشرة الناس . | # وإما أن ينزل { تعقلون } منزلة اللازم فلا يقدر له مفعول ، أي أفلا ~~تكونون عاقلين ، أي فتعرفوا أن مثل هذا الحال لا يكون إلا من وحي الله . | # | 2 ( 17 ) { فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا ~~يفلح المجرمون } ) 2 # لما قامت الحجة عليها بما لا قبل لهم بالتنصل منه أعقبت بالتفريع على ~~افترائهم الكذب وذلك مما عرف من أحوالهم من اتخاذهم الشركاء له كما أشار ~~إليه قوله : { ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا أي أشركوا إلى قوله : ~~لننظر كيف تعملون } ( يونس : 13 ، 14 ) وتكذيبهم بآيات الله في قولهم : { ~~ائت بقرآن غير هذا أو بدله } ( يونس : 15 ) . وفي ذلك أيضا توجيه الكلام ~~بصلاحيته لأن يكون إنصافا بينه وبينهم إذ هم قد عرضوا بنسبته إلى الافتراء ~~على الله حين قالوا : { ائت بقرآن غير هذا } ( يونس : 15 ) ، وصرحوا بنفي ~~أن يكون القرآن من عند الله ، فلما أقام الحجة عليهم بأن ذلك من عند الله ~~وأنه ما يكون ms3848 له أن يأتي به من تلقاء نفسه فرع عليه أن المفتري على الله ~~كذبا والمكذبين بآياته كلاهما أظلم الناس لا أحد أظلم منهما ، وذلك من ~~مجاراة الخصم ليعثر ، يخيل إليه من الكلام أنه إنصاف بينهما فإذا حصحص ~~المعنى وجد انصبابه على الخصم وحده . | PageV11P123 # والتفريع صالح للمعنيين ، وهو تفريع على ما تقدم قبله مما تضمن أنهم ~~أشركوا بالله وكذبوا بالقرآن . | # ومحل ( أو ) على الوجهين هو التقسيم ، وهو إما تقسم أحوال ، وإما تقسم ~~أنواع . | # والاستفهام إنكاري . والظلم : هنا بمعنى الاعتداء . وإنما كان أحد ~~الأمرين أشد الظلم لأنه اعتداء على الخالق بالكذب عليه وبتكذيب آياته . | # وجملة : { إنه لا يفلح المجرمون } تذييل ، وموقعه يقتضي شمول عمومه ~~للمذكورين في الكلام المذيل ( بفتح التحتية ) فيقتضي أن أولئك مجرمون ، ~~وأنهم لا يفلحون . | # والفلاح تقدم في قوله تعالى : { وأولئك هم المفلحون في سورة البقرة ( 5 ) ~~. | # وتأكيد الجملة بحرف التأكيد ناظر إلى شمول عموم المجرمين للمخاطبين لأنهم ~~ينكرون أن يكونوا من المجرمين . | # وافتتاح الجملة بضمير الشأن لقصد الاهتمام بمضمونها . | # | 2 ( 18 ) ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هاؤلا ء ~~شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم فى السماوات ولا فى الارض ~~سبحانه وتعالى عما يشركون } ) 2 # | $ # عطف على جملة : { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات } ( يونس : 15 ) عطف ~~القصة على القصة . فهذه قصة أخرى من قصص أحوال كفرهم أن قالوا : { ائت ~~بقرآن غير هذا } ( يونس : 15 ) حين تتلى عليهم آيات القرآن ، ومن كفرهم ~~أنهم يعبدون الأصنام ويقولون : { هم شفعاؤنا عند الله } . | # والمناسبة بين القصتين أن في كلتيهما كفرا أظهروه في صورة السخرية ~~والاستهزاء وإيهام أن العذر لهم في الاسترسال على الكفر ، فلعلهم ( كما ~~أوهموا أنه إن أتاهم PageV11P124 قرآن غير المتلو عليهم أو بدل ما يرومون ~~تبديله آمنوا ) كانوا إذا أنذرهم النبي صلى الله عليه وسلم بعذاب الله ~~قالوا : تشفع لنا آلهتنا عند الله . وقد روى أنه قاله النضر بن الحارث ( ~~على معنى فرض ما لا يقع واقعا ) ( إذا كان يوم القيامة شفعت لي اللات ms3849 ~~والعزى ) . وهذا كقول العاص بن وائل ، وكان مشركا ، لخباب بن الأرت ، وهو ~~مسلم ، وقد تقاضاه أجرا له على سيف صنعه ( إذا كان يوم القيامة الذي يخبر ~~به صاحبك ( يعني النبي صلى الله عليه وسلم فسيكون لي مال فأقضيك منه ) . | # ( وفيه نزل قوله تعالى : { أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا ~~وولدا } ( مريم : 77 ) الآية ) . | # ويجوز أن تكون جملة : { ويعبدون } الخ عطفا على جملة : { فمن أظلم ممن ~~افترى على الله كذبا } ( يونس : 17 ) فإن عبادتهم ما لا يضرهم ولا ينفعهم ~~من الافتراء . | # وإيثار اسم الموصول في قوله : { ما لا يضرهم ولا ينفعهم } لما تؤذن به ~~صلة الموصول من التنبيه على أنهم مخطئون في عبادة ما لا يضر ولا ينفع ، ~~وفيه تمهيد لعطف { ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله } لتحقير رأيهم من رجاء ~~الشفاعة من تلك الأصنام ، فإنها لا تقدر على ضر ولا نفع في الدنيا فهي أضعف ~~مقدرة في الآخرة . | # واختيار صيغة المضارع في { يعبدون } و { يقولون } لاستحضار الحالة ~~العجيبة من استمرارهم على عبادتها ، أي عبدوا الأصنام ويعبدونها تعجيبا من ~~تصميمهم على ضلالهم ومن قولهم : { هؤلاء شفعاؤنا عند الله } فاعترفوا بأن ~~المتصرف هو الله . | # وقدم ذكر نفي الضر على نفي النفع لأن المطلوب من المشركين الإقلاع عن ~~عبادة الأصنام وقد كان سدنتها يخوفون عبدتها بأنها تلحق بهم وبصبيانهم الضر ~~، كما قالت امرأة طفيل بن عمرو الدوسي حين أخبرها أنه أسلم ودعاها إلى أن ~~تسلم فقالت : ( أما تخشى على الصبية من ذي الشرى ) . فأريد الابتداء بنفي ~~الضر لإزالة أوهام المشركين في ذلك الصادة لكثير منهم عن نبذ عبادة الأصنام ~~. | PageV11P125 # وقد أمر الله نبيه عليه الصلاة والسلام أن يرد عليهم بتهكم بهم بأنهم قد ~~أخبروا الله بأن لهم شفعاء لهم عنده . ومعنى ذلك أن هذا لما كان شيئا ~~اخترعوه وهو غير واقع جعل اختراعه بمنزلة أنهم أعلموا الله به وكان لا ~~يعلمه فصار ذلك كناية عن بطلانه لأن ما لم يعلم الله وقوعه فهو منتف . ومن ~~هذا قول من يريد نفي شيء عن نفسه ms3850 : ما علم الله هذا مني . وفي ضده قولهم في ~~تأكيد وقوع الشيء : يعلم الله كذا ، حتى صار عند العرب من صيغ اليمين . | # و { في السماوات ولا في الأرض } حال من الضمير المحذوف بعد { يعلم } ~~العائد على ( ما ) ، إذ التقدير : بما لا يعلمه ، أي كائنا في السماوات ولا ~~في الأرض . والمقصود من ذكرهما تعميم الأمكنة ، كما هو استعمال الجمع بين ~~المتقابلات مثل المشرق والمغرب . وأعيد حرف النفي بعد العاطف لزيادة ~~التنصيص على النفي . | # والاستفهام في { أتنبئون } للإنكار والتوبيخ . والإنباء : الإعلام . | # وجملة : { سبحانه وتعالى } إنشاء تنزيه ، فهي منقطعة عن التي قبلها فلذلك ~~فصلت . وتقدم الكلام على نظيره عند قوله : { وخرقوا له بنين وبنات بغير علم ~~سبحانه وتعالى عما يصفون في سورة الأنعام ( 100 ) . | # و ( ما ) في قوله : عما يشركون } مصدرية ، أي عن إشراكهم ، أي تعالى عن ~~أن يكون ذلك ثابتا له . | # وقرأ حمزة والكسائي وخلف { تشركون } بالمثناة الفوقية على أنه من جملة ~~المقول . وقرأه الباقون بالتحتية على أنها تعقيب للخطاب بجملة { قل } . ~~وعلى الوجهين فهي مستحقة للفصل لكمال الانقطاع . | # | 2 ( 19 ) { وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ~~ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون } ) 2 # | PageV11P126 # جملة معترضة بين جملة { يعبدون } ( يونس : 18 ) وجملة : { ويقولون لولا ~~أنزل عليه آية من ربه } ( يونس : 20 ) . ومناسبة الاعتراض قوله : { قل ~~أتنبئون الله بما لا يعلم } لأن عبادة الأصنام واختراع صفة الشفاعة لها هو ~~من الاختلاف الذي أحدثه ضلال البشر في العقيدة السليمة التي فطر الله الناس ~~عليها في أول النشأة ، فهي مما يشمله التوبيخ الذي في قوله : { أتنبئون ~~الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض } ( يونس : 18 ) . | # وصيغة القصر للمبالغة في تأكيد الخبر لأنه خبر مهم عجيب هو من الحكم ~~العمرانية والحقائق التاريخية بالمكان الأسمى ، إذ القصر تأكيد على تأكيد ~~باعتبار اشتماله على صيغتي إثبات للمثبت ونفي عما عداه ، فهو أقوى من تأكيد ~~رد الإنكار ، ولذلك يؤذن برد إنكار شديد . | # وحسن القصر هنا وقوعه عقب الجدال مع الذين غيروا الدين ms3851 الحق وروجوا ~~نحلتهم بالمعاذير الباطلة كقولهم : { هؤلاء شفعاؤنا عند الله } ( يونس : 18 ~~) ، وقوله : { ما نبعدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى } ( الزمر : 3 ) ، ~~بخلاف آية سورة البقرة ( 213 ) { كان الناس أمة واحدة فإنها وقعت في سياق ~~المجادلة مع أهل الكتاب لقوله : سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة } ( ~~البقرة : 211 ) وأهل الكتاب لا ينكرون أن الناس كانوا أمة واحدة . فآية هذه ~~السورة تشير إلى الوحدة الاعتقادية ولذلك عبر عن التفرق الطارىء عليها ~~باعتبار الاختلاف المشعر بالمذمة والمعقب بالتخويف في قوله : { ولولا كلمة ~~سبقت } إلى آخره ، وآية سورة البقرة تشير إلى الوحدة الشرعية التي تجمعها ~~الحنيفية الفطرية ، ولذلك عبر عن التفرق الذي طرأ عليها بأن الله بعث ~~النبيئين مبشرين ومنذرين ، ثم جاء ذكر الاختلاف عرضا عقب ذلك بقوله : { ~~وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه } ( البقرة : ~~213 ) . وأريد به الاختلاف بين أتباع الشرائع لقوله : { وما اختلف فيه إلا ~~الذين أوتوه } ( البقرة : 213 ) . | # وتقدم القول في { كان الناس أمة واحدة في سورة البقرة ( 213 ) . | # والناس : اسم جمع للبشر . وتعريفه للاستغراق . والأمة : الجماعة العظيمة ~~التي لها حال واحد في شيء ما . | PageV11P127 # والمراد هنا أمة واحدة في الدين . والسياق يدل على أن المراد أنها واحدة ~~في الدين الحق وهو التوحيد لأن الحق هو الذي يمكن اتفاق البشر عليه لأنه ~~ناشيء عن سلامة الإعتقاد من الضلال والتحريف . والإنسان لما أنشىء على فطرة ~~كاملة بعيدة عن التكلف . وإنما يتصور ذلك في معرفة الله تعالى دون الأعمال ~~، لأنها قد تختلف باختلاف الحاجات ، فإذا جاز أن يحدث في البشر الضلال ~~والخطأ فلا يكون الضلال عاما على عقولهم ، فتعين أن الناس في معرفة الله ~~تعالى كانوا أمة واحدة متفقين على التوحيد لأن الله لما فطر الإنسان فطره ~~على عقل سليم موافق للواقع ، ووضع في عقله الشعور بخالق وبأنه واحد وضعا ~~جبليا كما وضع الإلهامات في أصناف الحيوان . وتأيد ذلك بالوحي لأبي البشر ~~وهو آدم عليه السلام . | # ثم إن البشر أدخلوا على عقولهم الاختلاف البعيد عن الحق ms3852 بسبب الاختلاق ~~الباطل والتخيل والأوهام بالأقيسة الفاسدة . وهذا مما يدخل في معنى قوله ~~تعالى : لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات } ( التين : 4 6 ) ، فتعين أن المراد في هذه الآية ~~بكون الناس أمة واحدة الوحدة في الحق ، وأن المقصود مدح تلك الحالة لأن ~~المقصود من هذه الآية بيان فساد الشرك وإثبات خطأ منتحليه بأن سلفهم الأول ~~لم يكن مثلهم في فساد العقول ، وقد كان للمخاطبين تعظيم لما كان عليه ~~أسلافهم ، ولأن صيغة القصر تؤذن بأن المراد إبطال زعم من يزعم غير ذلك . | # ووقوعه عقب ذكر من يعبدون من دون الله أصناما لا تضرهم ولا تنفعهم يدل ~~على أنهم المقصود بالإبطال ، فإنهم كانوا يحسبون أن ما هم عليه من الضلال ~~هو دين الحق ، ولذلك صوروا إبراهيم وإسماعيل يستقسمان بالأزلام في الكعبة . ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح ( كذبوا والله إن استقسما بها قط ~~، وقرأ : { ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما ~~كان من المشركين } ( آل عمران : 67 ) ) وبهذا الوجه يجعل التعريف في { ~~الناس } للاستغراق . | # ويجوز أن يراد بالناس العرب خاصة بقرينة الخطاب ويكون المراد تذكيرهم ~~بعهد أبيهم إبراهيم عليه السلام إذ كان هو وأبناؤه وذريتهم على الحنيفية ~~والتوحيد PageV11P128 كما قال تعالى : { وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني ~~براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين وجعلها كلمة باقية في عقبه ~~لعلهم يرجعون } ( الزخرف : 26 28 ) ، أي في عقبه من العرب ، فيكون التعريف ~~للعهد . | # وجملة : { ولولا كلمة سبقت من ربك } إخبار بأن الحق واحد ، وأن ذلك ~~الاختلاف مذموم ، وأنه لولا أن الله أراد إمهال البشر إلى يوم الجزاء ~~لأراهم وجه الفصل في اختلافهم باستيصال المبطل وإبقاء المحق . وهذه الكلمة ~~أجملت هنا وأشير إليها في سورة الشورى ( 14 ) بقوله : { ولولا كلمة سبقت من ~~ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم . | # والأجل : هو أجل بقاء الأمم ، وذلك عند انقراض العالم ، فالقضاء بينهم ~~إذن مؤخر إلى يوم الحساب . وأصرح من ذلك في ms3853 بيان معنى ( الكلمة ) قوله في ~~سورة هود ( 118 ) ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا ~~من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ~~وسيأتي بيانها . | # وتقديم المجرور في قوله : فيما فيه يختلفون } للرعاية على الفاصلة . | # | 2 ( 20 ) { ويقولون لولا أنزل عليه ءاية من ربه فقل إنما الغيب لله ~~فانتظرو ا إنى معكم من المنتظرين } ) 2 # | $ # عطف على جملة : { ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم } ( يونس : ~~18 ) ، فبعد أن ذكر افتراءهم في جانب الإلهية نفى بهتانهم في جانب النبوءة ~~. | # والضمير في { عليه } عائد للنبيء صلى الله عليه وسلم وإن لم يجر له ذكر ~~قبل ذلك في الآية ، فإن معرفة المراد من الضمير مغنية عن ذكر المعاد . وقد ~~كان ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بينهم في نواديهم ومناجاتهم في أيام ~~مقامه بينهم بعد البعثة هو شغلهم الشاغل لهم ، قد أجرى في كلامهم ضمير ~~الغيبة بدون سبق معاد ، علم المتخاطبون أنه المقصود . ونظير هذا كثير في ~~القرآن . | PageV11P129 # و ( لولا ) في قوله : { لولا أنزل عليه آية من ربه } حرف تحضيض ، وشأن ~~التحضيض أن يواجه به المحضض لأن التحضيض من الطلب وشأن الطلب أن يواجه به ~~المطلوب ، ولذلك كان تعلق فعل الإنزال بضمير الغائب في هذه الآية مؤولا ~~بأحد وجهين : | # إما أن يكون التفاتا ، وأصل الكلام : لولا أنزل عليك ، وهو من حكاية ~~القول بالمعنى كقوله تعالى : { قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة } ( ~~إبراهيم : 31 ) أي قل لهم أقيموا ، ونكتة ذلك نكتة الالتفات لتجديد نشاط ~~السامع . | # وإما أن يكون هذا القول صدر منهم فيما بينهم ليبين بعضهم لبعض شبهة على ~~انتفاء رسالة محمد صلى الله عليه وسلم أو صدر منهم للمسلمين طمعا في أن ~~يردوهم إلى الكفر . | # والآية : علامة الصدق . وأرادوا خارقا للعادة على حسب اقتراحهم مثل قولهم ~~: { أو ترقى في السماء } ( الإسراء : 93 ) وقولهم : { لولا أوتي مثل ما ~~أوتي موسى } ( القصص : 48 ) وهذا من جهلهم بحقائق الأشياء وتحكيمهم الخيال ~~والوهم في ms3854 حقائق الأشياء ، فهم يفرضون أن الله حريص على إظهار صدق رسوله ~~صلى الله عليه وسلم وأنه يستفزه تكذيبهم إياه فيغضب ويسرع في مجاراة عنادهم ~~ليكفوا عنه ، فإن لم يفعل فقد أفحموه وأعجزوه وهو القادر ، فتوهموا أن مدعي ~~الرسالة عنه غير صادق في دعواه وما دروا أن الله قدر نظام الأمور تقديرا ، ~~ووضع الحقائق وأسبابها ، وأجرى الحوادث على النظام الذي قدره ، وجعل الأمور ~~بالغة مواقيتها التي حدد لها ، ولا يضره أن يكذب المكذبون أو يعاند ~~الجاهلون وقد وضع لهم ما يليق بهم من الزواجر في الآخرة لا محالة ، وفي ~~الدنيا تارات ، كل ذلك يجري على نظم اقتضتها الحكمة لا يحمله على تبديلها ~~سؤال سائل ولا تسفيه سفيه . وهو الحكيم العليم . | # فهم جعلوا استمرار الرسول صلى الله عليه وسلم على دعوتهم بالأدلة التي ~~أمره الله أن يدعوهم بها وعدم تبديله ذلك بآيات أخرى على حسب رغبتهم جعلوا ~~كل ذلك دليلا على أنه غير مؤيد من الله فاستدلوا بذلك على انتفاء أن يكون ~~الله أرسله ، لأنه لو أرسله لأيده بما يوجب له القبول عند المرسل إليهم . ~~وما درى المساكين أن الله إنما أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم رحمة بهم ~~PageV11P130 وطلبا لصلاحهم ، وأنه لا يضره عدم قبولهم رحمته وهدايته . ~~ولذلك أتى في حكاية كلامهم العدول عن اسم الجلالة إلى لفظ الرب المضاف إلى ~~ضمير الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله : { من ربه } إيماء إلى الربوبية ~~الخاصة بالتعلق بالرسول صلى الله عليه وسلم وهي ربوبية المصطفي ( بصيغة اسم ~~الفاعل ) للمصطفى ( بصيغة المفعول ) من بين بقية الخلق المقتضية الغضب ~~لغضبه لتوهمهم أن غضب الله مثل غضب الخلائق يستدعي الإسراع إلى الانتقام ~~وما علموا أسرار الحكمة الإلهية والحكم الإلهي والعلم الأعلى . | # وقد أمر الله رسوله بأن يجيب عن اقتراحهم بما هو الحقيقة المرشدة وإن ~~كانت أعلى من مداركهم جوابا فيه تعريض بالتهديد لهم وهو قوله : { فقل إنما ~~الغيب لله } ، فجاء بفاء التفريع هنا دون بعض نظائره للإشارة إلى تعقيب ~~كلامهم بالجواب شأن المتمكن من حاله ms3855 المتثبت في أمره . | # والغيب : ما غاب عن حواس الناس من الأشياء ، والمراد به هنا ما يتكون من ~~مخلوقات غير معتادة في العالم الدنيوي من المعجزات . وتفسير هذا قوله : { ~~قل إنما الآيات عند الله } ( الأنعام : 109 ) . | # واللام للملك ، أي الأمور المغيبة لا يقدر عليها إلا الله . وجاء الكلام ~~بصيغة القصر للرد عليهم في اعتقادهم أن في مكنة الرسول الحق أن يأتي بما ~~يسأله قومه من الخوارق ، فجعلوا عدم وقوع مقترحهم علامة على أنه ليس برسول ~~من الله ، فلذلك رد عليهم بصيغة القصر الدالة على أن الرسول ليس له تصرف في ~~إيقاع ما سألوه ليعلموا أنهم يرمون بسؤالهم إلى الجراءة على الله تعالى ~~بالإفحام . | # وجملة : { فانتظروا إني معكم من المنتظرين } تفريع على جملة : { إنما ~~الغيب لله } أي ليس دأبي ودأبكم إلا انتظار ما يأتي به الله إن شاء ، كقول ~~نوح لقومه : { إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين } ( هود : 33 ) ~~. | # وهذا تعريض بالتهديد لهم أن ما يأتي به الله لا يترقبون منه إلا شرا لهم ~~، كقوله تعالى : { وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ~~ثم لا ينظرون } ( الأنعام : 8 ) . | PageV11P131 # والمعية في قوله : { معكم } مجازية مستعملة في الإشراك في مطلق الانتظار ~~. | # | 2 ( 21 ) { وإذآ أذقنا الناس رحمة من بعد ضرآء مستهم إذا لهم مكر فى ~~ءاياتنا قل الله أسرع مكرا إن رسلنا يكتبون ما تمكرون } ) 2 # | $ # لما حكى تمرد المشركين بين هنا أنهم في ذلك لاهون ببطرهم وازدهائهم ~~بالنعمة والدعة فأنساهم ما هم فيه من النعمة أن يتوقعوا حدوث ضده فتفننوا ~~في التكذيب بوعيد الله أفانين الاستهزاء ، كما قال تعالى : { وذرني ~~والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا } ( المزمل : 11 ) . | # وجاء الكلام على طريقة الحكاية عن حالهم ، والملقى إليه الكلام هو النبي ~~صلى الله عليه وسلم والمؤمنون . وفيه تعريض بتذكير الكفار بحال حلول ~~المصائب بهم لعلهم يتذكرون ، فيعدوا عدة الخوف من حلول النقمة التي أنذرهم ~~بها في قوله { فانتظروا } ( يونس : 20 ) كما في الحديث : ( تعرف إلى الله ~~في الرخاء يعرفك ms3856 في الشدة ) . | # فالمراد ب { الناس } الناس المعهودون المتحدث عنهم بقرينة السياق على ~~الوجهين المتقدمين في قوله تعالى : { وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه } ( ~~يونس : 12 ) . | # وقد قيل : إن الآية تشير إلى ما أصاب قريشا من القحط سبع سنين بدعاء ~~النبي صلى الله عليه وسلم ثم كشف الله عنهم القحط وأنزل عليهم المطر ، فلما ~~حيوا طفقوا يطعنون في آيات الله ويعادون رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ويكيدون له . والقحط الذي أصاب قريشا هو المذكور في سورة الدخان . وقد ~~أنذروا فيها بالبطشة الكبرى . وقال ابن عباس : هي بطشة يوم بدر . فتكون هذه ~~الآية قد نزلت بعد انقراض السبع السنين التي هي كسني يوسف وبعد أن حيوا ، ~~فتكون قد نزلت بعد سنة عشر من البعثة أو سنة إحدى عشرة . | # والإذاقة : مستعملة في مطلق الإدراك استعارة أو مجازا ، كما تقدم في قوله ~~: { ليذوق وبال أمره في سورة العقود ( 95 ) . | PageV11P132 # والرحمة : هنا مطلقة على أثر الرحمة ، وهو النعمة والنفع ، كقوله : وينشر ~~رحمته } ( الشورى : 28 ) . | # والضراء : الضر . والمس : مستعمل في الإصابة . والمعنى إذا نالت الناس ~~نعمة بعد الضر ، كالمطر بعد القحط ، والأمن بعد الخوف ، والصحة بعد المرض . ~~| # و ( إذا ) في قوله : { إذا لهم مكر } للمفاجأة ، وهي رابطة لجواب ( إذا ) ~~الشرطية لوقوعه جملة اسمية وهي لا تصلح للاتصال بإذا الشرطية التي تلازمها ~~الأفعال إن وقعت ظرفا ثم إن وقعت شرطا فلا تصلح لأن تكون جوابا لها ، فلذلك ~~أدخل على جملة الجواب حرف ( إذا ) الفجائية ، لأن حرف المفاجأة يدل على ~~البدار والإسراع بمضمون الجملة ، فيفيد مفاد فاء التعقيب التي يؤتى بها ~~الربط جواب الشرط بشرطه ، فإذا جاء حرف المفاجأة أغنى عنها . | # والمكر : حقيقته إخفاء الإضرار وإبرازه في صورة المسألة ، وقد تقدم عند ~~قوله تعالى : { ومكروا ومكر الله في سورة آل عمران ( 54 ) . | # و ( في ) من قوله : في آياتنا } للظرفية المجازية المراد منها الملابسة ، ~~أي مكرهم المصاحب لآياتنا . ومعنى مكرهم في الآيات أنهم يمكرون مكرا يتعلق ~~بها ، وذلك أنهم يوهمون أن آيات القرآن غير دالة على صدق الرسول ms3857 ويزعمون ~~أنه لو أنزلت عليه آية أخرى لآمنوا بها وهم كاذبون في ذلك وإنما هم يكذبونه ~~عنادا ومكابرة وحفاظا على دينهم في الشرك . | # ولما كان الكلام متضمنا التعريض بإنذارهم ، أمر الرسول أن يعظهم بأن الله ~~أسرع مكرا ، أي منكم ، فجعل مكر الله بهم أسرع من مكرهم بآيات الله . | # ودل اسم التفضيل على أن مكر الكافرين سريع أيضا ، وذلك لما دل عليه حرف ~~المفاجأة من المبادرة وهي إسراع . والمعنى أن الله أعجل مكرا بكم منكم ~~بمكرمكم بآيات الله . | # وأسرع : مأخوذ من أسرع المزيد على غير قياس ، أو من سرع المجرد بناء على ~~وجوده في الكلام فيما حكاه الفارسي . | PageV11P133 # وأطلق على تأجيل الله عذابهم اسم المكر على وجه الاستعارة التمثيلية لأن ~~هيئة ذلك التأجيل في خفائه عنهم كهيئة فعل الماكر ، وحسنته المشاكلة كما ~~تقدم في آية آل عمران . | # وجملة : { إن رسلنا يكتبون ما تمكرون } استئناف خطاب للمشركين مباشرة ~~تهديدا من الله ، فلذلك فصلت على التي قبلها لاختلاف المخاطب . وتأكيد ~~الجملة لكون المخاطبين يعتقدون خلاف ذلك ، إذ كانوا يحسبون أنهم يمكرون ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم وأن مكرهم يتمشى عليه ولا يشعر به فأعلمهم الله ~~بأن الملائكة الموكلين بإحصاء الأعمال يكتبون ذلك . والمقصود من هذا أن ذلك ~~محصي معدود عليهم لا يهمل ، وهو إنذار بالعذاب عليه ، وهذا يستلزم علم الله ~~تعالى بذلك . | # وعبر بالمضارع في { يكتبون } و { يمكرون } للدلالة على التكرر ، أي تتكرر ~~كتابتهم كلما يتكرر مكرهم ، فليس في قوله : { ما تمكرون } التفات من الغيبة ~~إلى الخطاب لاختلاف معادي الضميرين . | # وقرأه الجمهور { ما تمكرون } بتاء الخطاب . وقرأه روح عن يعقوب { ما ~~يمكرون } بياء الغائب ، والضمير ل { الناس } في قوله : { وإذا أذقنا الناس ~~رحمة } . وعلى هذه القراءة فالكلام موجه للنبيء صلى الله عليه وسلم | # | 2 ( 22 ، 23 ) { هو الذى يسيركم فى البر والبحر حتى إذا كنتم فى الفلك ~~وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جآءتها ريح عاصف وجآءهم الموج من كل مكان ~~وظنو ا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا ms3858 من هاذه ~~لنكونن من الشاكرين * فلمآ PageV11P134 أنجاهم إذا هم يبغون فى الارض بغير ~~الحق ياأيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحيواة الدنيا ثم إلينا ~~مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون } ) 2 # | $ # هذه الجملة بدل اشمال من جملة { وإذا أذقنا الناس رحمة } ( يونس : 21 ) ~~إلى آخرها لأن البغي في الأرض اشتمل عليه المكر في آيات الله . والمقصود من ~~هذه الجملة هو قوله : { فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض } وما سواه ~~تمهيد وإدماج للامتنان . أعقب التهديد على كفران النعمة بذكر بعض نعم الله ~~عليهم ثم ضراء تعقب النعمة للابتلاء والتذكير بخالقهم ، ثم كيف تفرج عنهم ~~رحمة بهم فيكفر فريق منهم كلتا النعمتين ولا يتذكر ، فكان المقصود أن في ~~ذلك أعظم الآيات على الوحدانية فكيف يقولون : { لولا أنزل عليه آية من ربه ~~} ( يونس : 20 ) وفي كل شيء له آية ، وفي كل ذلك امتنان عليهم بالنعمة ~~وتسجيل لكفرانها ولتوارد الآيات عليهم ولكيلا يغتروا بالإمهال فيحسبوه رضى ~~بكفرهم أو عجزا عن أخذهم ، وهذا موقع رشيق جد الرشاقة لهذه الآية القرآنية ~~. | # وإسناد التسيير إلى الله تعالى باعتبار أنه سببه لأنه خالق إلهام التفكير ~~وقوى الحركة العقلية والجسدية ، فالإسناد مجاز عقلي ، فالقصر المفاد من ~~جملة : { هو الذي يسيركم } قصر ادعائي . والكلام مستعمل في الامتنان ~~والتعريض بإخلالهم بواجب الشكر . | # و { حتى } ابتدائية ، وهي غاية للتسيير في البحار خاصة . وإنما كانت غاية ~~باعتبار ما عطف على مدخولها من قوله : { دعوا الله } إلى قوله { بغير الحق ~~} ، والمغيا هو ما في قوله { يسيركم } من المنة المؤذنة بأنه تسيير رفق ~~ملائم للناس ، فكان ما بعد ( حتى ) ومعطوفاتها نهاية ذلك الرفق ، لأن تلك ~~الحالة التي بعد ( حتى ) ينتهي عندها السير المنعم به ويدخلون في حالة ~~البأساء والضراء ، وهذا النظم نسج بديع في أفانين الكلام . | # ومن بديع الأسلوب في الآية أنها لما كانت بصدد ذكر النعمة جاءت بضمائر ~~الخطاب الصالحة لجميع السامعين ، فلما تهيأت للانتقال إلى ذكر الضراء وقع ~~الانتقال من ضمائر الخطاب إلى ضمير الغيبة لتلوين الأسلوب بما يخلصه إلى ~~الإفضاء إلى ms3859 ما يخص المشركين فقال : { وجرين بهم } على طريقة الالتفات ، أي ~~وجرين بكم . وهكذا أجريت الضمائر جامعة للفريقين إلى أن قال : { فلما ~~أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق } فإن هذا ليس من شيم المؤمنين ~~فتمحض ضمير الغيبة هذا للمشركين ، فقد أخرج من الخبر من عدا الذين يبغون في ~~الأرض بغير الحق تعويلا على القرينة لأن الذين يبغون في الأرض بغير الحق لا ~~يشمل المسلمين . | # وهذا ضرب من الالتفات لم ينبه عليه أهل المعاني وهو كالتخصيص بطريق الرمز ~~. | PageV11P135 # وقد عدت هذه الآية من أمثلة الالتفات من الخطاب إلى الغيبة في ضمائر ~~الغيبة كلها تبعا ( للكشاف ) بناء على جعل ضمائر الخطاب للمشركين وجعل ~~ضمائر الغيبة لهم أيضا ، وما نحوته أنا أليق . | # وابتدىء الإتيان بضمير الغيبة من آخر ذكر النعمة عند قوله : { وجرين بهم ~~بريح طيبة } للتصريح بأن النعمة شملتهم ، وللإشارة إلى أن مجيء العاصفة ~~فجأة في حال الفرح مراد منه ابتلاؤهم وتخويفهم . فهو تمهيد لقوله : { ~~وجاءهم الموج من كل مكان } . | # والسير في البر معروف للعرب . وكذلك السير في البحر . كانوا يركبون البحر ~~إلى اليمن وإلى بلاد الحبشة . وكانت لقريش رحلة الشتاء إلى اليمن وقد ~~يركبون البحر لذلك . وقد وصف طرفة بن العبد السفن وسيرها ، وذكرها عمرو بن ~~كلثوم في معلقته ، والنابغة في داليته . | # وقرأ الجمهور { يسيركم } بتحتية في أوله مضمومة فسين مهملة بعدها تحتية ~~بعدها راء من السير ، أي يجعلكم تسيرون . وقرأه ابن عامر وأبو جعفر { ~~ينشركم } بتحتية مفتوحة في أوله بعدها نون ثم شين معجمة ثم راء من النشر ، ~~وهو التفريق على نحو قوله تعالى : { إذا أنتم بشر تنتشرون } ( الروم : 20 ) ~~وقوله : { فانتشروا في الأرض } ( الجمعة : 10 ) . قال ابن عطية عن عوف بن ~~أبي جميلة وأبي الزغل : كانوا ( أي أهل الكوفة ) يقرأون { ينشركم } فنظروا ~~في مصحف عثمان بن عفان فوجدوها { يسيركم } ( أي بتحتية فسين مهملة فتحتية ) ~~فأول من كتبها كذلك الحجاج بن يوسف ، أي أمر بكتبها في مصاحب أهل الكوفة . ~~| # و { حتى } غاية للتسيير . وهي هنا ابتدائية أعقبت بحرف المفاجأة ms3860 وجوابه ، ~~والجملة والغاية هي مفاد جواب { إذا } وهو قوله : { جاءتها ريح عاصف } ، ~~فمجيء الريح العاصف هو غاية التسيير الهنيء المنعم به ، إذ حينئذ ينقلب ~~التسيير كارثة ومصيبة . | # والفلك : اسم لمركب البحر ، واسم جمع له بصيغة واحدة . وقد تقدم عند قوله ~~تعالى : { والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس في سورة البقرة ( 164 ~~) . وهو هنا مراد به الجمع . | PageV11P136 # والجري : السير السريع في الأرض أو في البحر ، قال تعالى : باسم الله ~~مجراها } ( هود : 41 ) والظاهر أنه حقيقة فيهما . | # والريح مؤنثة في كلام العرب . وتقدم في قوله : { وهو الذي يرسل الرياح ~~نشرا بين يدي رحمته في سورة الأعراف ( 57 ) . والطيبة : الملائمة الرفيقة ~~بالراكبين . | # والطيب : الموصوف بالطيب الشديد . وأصل معنى الطيب الملاءمة فيما يراد من ~~الشيء ، كقوله تعالى : فلنحيينه حياة طيبة } ( النحل : 97 ) ، ويقال : طاب ~~له المقام في مكان كذا . ومنه سمي الشيء الذي له ريح وعرف طيبا . | # وجملة : { جاءتها ريح عاصف } جواب { إذا } . وفي ذكر جريهن بريح طيبة ~~وفرحهم بها إيماء إلى أن مجيء العاصفة حدث فجأة دون توقع من دلالة علامات ~~النوتية كما هو الغالب . وفيه إيماء إلى أن ذلك بتقدير مراد لله تعالى ~~ليخوفهم ويذكرهم بوحدانيته . وضمير { جاءتها } عائد إلى { الفلك } لأن جمع ~~غير العاقل يعامل معاملة المفرد المؤنث . | # والعاصف : وصف خاص بالريح ، أي شديدة السرعة . وإنما لم تلحقه علامة ~~التأنيث لأنه مختص بوصف الريح فاستغنى عن التأنيث ، مثل : نافس وحائض ومرضع ~~، فشاع استعماله كذلك ، وذكر وصفا للريح فبقي لا تلحقه التاء . وقالوا : ~~إنما لم تلحقه التاء لأنه في معنى النسب ، مثل : لابن ، وتامر . وفيه نظر . ~~| # ومعنى { من كل مكان } من كل جهة من جهات الفلك ، فالابتداء الذي تفيده ( ~~من ) ابتداء الأمكنة المتجهة إلى الفلك . | # ومعنى { أحيط بهم } أخذوا وأهلكوا ، فالعرب يقولون : أحاط العدو بالقبيلة ~~إذا تمكن منها وغلبها ، لأن الإحاطة بها تدل على الإحداق بها وتطويقها . ~~ولما كان ذلك هزيمة وامتلاكا لها صار ترتيب { أحيط بهم } استعارة تمثيلية ~~للهلاك كما تقدم في قوله تعالى : { والله محيط بالكافرين } ( البقرة : 19 ms3861 ) ~~وقوله تعالى : { لتأتنني به إلا أن يحاط بكم } ( يوسف : 66 ) وقوله : { ~~وأحيط بثمره } ( الكهف : 42 ) أي هلكت . فمعنى { وظنوا أنهم أحيط بهم } ~~ظنوا الهلاك . | PageV11P137 # وجملة : { دعوا الله مخلصين } جواب { إذا } . ومعنى مخلصين له الدين ~~ممحضين له العبادة في دعائهم ، أي دعوه ولم يدعوا معه أصنامهم . وليس ~~المراد أنهم أقلعوا عن الإشراك في جميع أحوالهم بل تلك حالتهم في الدعاء ~~عند الشدائد . وهذا إقامة حجة عليهم ببعض أحوالهم ، مثل قوله تعالى : { ~~أغير الله تدعون إن كنتم صادقين بل إياه تدعون } ( الأنعام : 40 ، 41 ) . | # وجملة : { لئن أنجيتنا } بيان لجملة { دعوا } لأن مضمونها هو الدعاء . | # والإشارة ب { هذه } إلى حالة حاضرة لهم ، وهي حالة إشرافهم على الغرق ، ~~فالمشار إليه هو الحالة المشاهدة لهم . | # وقد أكد وعدهم بالشكر بثلاث مؤكدات : لامم توطئة القسم ، ونونن التوكيد ، ~~والتعبير بصيغة { من الشاكرين } دون لنكونن شاكرين ، لما يفيده من كونهم من ~~هذه الزمرة التي ديدنها الشكر ، كما تقدم بيان خصوصية مثل هذا التركيب عند ~~قوله تعالى : { قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين في سورة الأنعام ( 56 ) . ~~| # وأتى بحرف ( إذا ) الفجائية في جواب ( لما ) للدلالة على تعجيلهم بالبغي ~~في الأرض عقب النجاة . | # والبغي : الاعتداء . وتقدم في قوله : والإثم والبغي بغير الحق في سورة ~~الأعراف ( 33 ) . والمراد به هنا الإشراك كما صرح به في نظيرها فلما نجاهم ~~إلى البر إذا هم يشركون } ( العنكبوت : 65 ) . وسمي الشرك بغيا لأنه اعتداء ~~على حق الخالق وهو أعظم اعتداء ، كما يسمى ظلما في آيات كثيرة منها قوله : ~~{ إن الشرك لظلم عظيم } ( لقمان : 13 ) . ولا يحسن تفسير البغي هنا بالظلم ~~والفساد في الأرض ، إذ ليس ذلك شأن جميعهم فإن منهم حلماء قومهم ، ولأنه لا ~~يناسب قوله بعد { إنما بغيكم على أنفسكم } . ولمعنى هذه الآية في القرآن ~~نظائر ، كقوله : { وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة ~~منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله } ( الزمر ~~: 8 ) الآية . | # وزيادة { في الأرض } لمجرد تأكيد تمكنهم من ms3862 النجاة . وهو كقوله تعالى : { ~~فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد } ( لقمان : 32 ) أي جعلوا مكان أثر ~~النعمة بالنجاة مكانا للبغي . | PageV11P138 # وكذلك قوله : { بغير الحق } هو قيد كاشف لمعنى البغي ، إذ البغي لا يكون ~~بحق ، فهو كالتقييد في قوله تعالى : { ومن أضل ممن أتبع هواه بغير هدى من ~~الله } ( القصص : 50 ) . | # استئناف خطاب للمشركين وهم الذين يبغون في الأرض بغير الحق . | # وافتتح الخطاب ب { يأيها الناس لاستصغاء أسماعهم . والمقصود من هذا تحذير ~~المشركين ثم تهديدهم . | # وصيغة قصر البغي على الكون مضرا بهم كما هو مفاد حرف الاستعلاء تنبيه على ~~حقيقة واقعية وموعظة لهم ليعلموا أن التحذير من الشرك والتهديد عليه لرعي ~~صلاحهم لا لأنهم يضرونه كقوله : ولا تضروه شيئا } ( التوبة : 39 ) . فمعنى ~~( على ) الاستعلاء المجازي المكنى به عن الإضرار لأن المستعلي الغالب يضر ~~بالمغلوب المستعلى عليه ، ولذلك يكثر أن يقولوا : هذا الشيء عليك ، وفي ضده ~~: هذا الشيء لك ، كقوله : { من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها } ( فصلت ~~: 46 ) . ويقول المقر : لك علي كذا . وقال توبة بن الحمير : | # وقد زعمت ليلى بأني فاجر | # لنفسي تقاها أو عليها فجورها | # وقال السموأل اليهودي : | # ألي الفضل أم علي إذا حو | # سبت أني على الحساب مقيت | # وذلك أن ( على ) تدل على الإلزام والإيجاب ، واللام تدل على الاستحقاق . ~~وفي الحديث : ( القرآن حجة لك أو عليك ) . | # فالمراد بالأنفس أنفس الباغين باعتبار التوزيع بين أفراد معاد ضمير ~~الجماعة المخاطبين في قوله : { بغيكم } وبين أفراد الأنفس ، كما في قولهم : ~~( ركب القوم دوابهم ) أي ، PageV11P139 ركب كل واحد دابته . فالمعنى إنما ~~بغي كل أحد على نفسه ، لأن الشرك لا يضر إلا بنفس المشرك باختلال تفكيره ~~وعمله ثم بوقوعه في العذاب . | # و { متاع } مرفوع في قراءة الجمهور على أنه خبر لمبتدأ محذوف ، أي هو ~~متاع الحياة الدنيا . وقرأه حفص عن عاصم بالنصب على الحال من ( بغيكم ) . ~~ويجوز أن يكون انتصابه على الظرفية للبغي ، لأن البغي مصدر مشتق فهو كالفعل ~~فناب المصدر عن الظرف بإضافته إلى ما فيه معنى المدة . وتوقيت البغي بهذه ~~المدة ms3863 باعتبار أنه ذكر في معرض الغضب عليهم ، فالمعنى أنه أمهلكم إمهالا ~~طويلا فهلا تتذكرون ؟ فلا تحسبون الإمهال رضى بفعلكم ولا عجزا وسيؤاخدكم به ~~في الآخرة . وفي كلتا القراءتين وجوه غير ما ذكرنا . | # والمتاع : ما ينتفع به انتفاعا غير دائم . وقد تقدم عند قوله تعالى : { ~~ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين في سورة الأعراف ( 24 ) . والمعنى على ~~كلتا القراءتين واحد ، أي أمهلناكم على إشراككم مدة الحياة لا غير ثم ~~نؤاخذكم على بغيكم عند مرجعكم إلينا . | # وجملة : ثم إلينا مرجعكم } عطفت ب ( ثم ) لإفادة التراخي الرتبي لأن ~~مضمون هذه الجملة أصرح تهديدا من مضمون جملة { إنما بغيكم على أنفسكم } . | # وتقديم المجرور في قوله : { إلينا مرجعكم } لإفادة الاختصاص ، أي ترجعون ~~إلينا لا إلى غيرنا تنزيلا للمخاطبين منزلة من يظن أنه يرجع إلى غير الله ~~لأن حالهم في التكذيب بآياته والإعراض عن عبادته إلى عبادة الأصنام كحال من ~~يظن أنه يحشر إلى الأصنام وإن كان المشركون ينكرون البعث من أصله . | # وتفريع { فننبئكم } على جملة : { إلينا مرجعكم } تفريع وعيد على تهديد . ~~واستعمل الإنباء كناية عن الجزاء لأن الإنباء يستلزم العلم بأعمالهم السيئة ~~، والقادر إذا علم بسوء صنيع عبده لا يمنعه من عقابه مانع . وفي ذكر { كنتم ~~} والفعل المضارع دلالة على تكرر عملهم وتمكنه منهم . والوعيد الذي جاءت به ~~هذه الآية وإن كان في شأن أعظم البغي فكان لكل آت من البغي بنصيب حظا من ~~هذا الوعيد . | # | PageV11P140 # | 2 ( 24 ) { إنما مثل الحيواة الدنيا كمآء أنزلناه من السمآء فاختلط به ~~نبات الارض مما يأكل الناس والانعام حتى إذآ أخذت الارض زخرفها وازينت وظن ~~أهلهآ أنهم قادرون عليهآ أتاهآ أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم ~~تغن بالامس كذالك نفصل الآيات لقوم يتفكرون } ) 2 # هذه الآية تتنزل منزلة البيان لجملة { متاع الحياة الدنيا } ( يونس : 23 ~~) المؤذنة بأن تمتعهم بالدنيا ما هو إلا لمدة قصيرة ، فبينت هذه الآية أن ~~التمتع صائر إلى زوال ، وأطنبت فشبهت هيئة التمتع بالدنيا لأصحابها بهيئة ~~الزرع في نضارته ثم في مصيره إلى ms3864 الحصد . | # والمثل : الحال الماثلة على هيئة خاصة ، كان التشبيه هنا تشبيه حالة ~~مركبة بحالة مركبة . عبر عن ذلك بلفظ المثل الذي شاع في التشبيه المركب كما ~~تقدم في أول سورة البقرة . | # وصيغة القصر لتأكيد المقصود من التشبيه وهو سرعة الانقضاء . ولتنزيل ~~السامعين منزلة من يحسب دوام بهجة الحياة الدنيا لأن حالهم في الانكباب على ~~نعيم الدنيا كحال من يحسب دوامه وينكر أن يكون له انقضاء سريع ومفاجىء . ~~والمعنى : قصر حالة الحياة الدنيا على مشابهة حالة النبات الموصوف ، فالقصر ~~قصر قلب ، بني على تنزيل المخاطبين منزلة من يعتقد عكس تلك الحالة . | # شبهت حالة الحياة في سرعة تقضيها وزوال نعيمها بعد البهجة به وتزايد ~~نضارتها بحال نبات الأرض في ذهابه حطاما ومصيره حصيدا . ومن بديع هذا ~~التشبيه تضمنه لتشبيهات مفرقة من أطوار الحالين المتشابهين بحيث يصلح كل ~~جزء من هذا التشبيه المركب لتشبيه جزء من الحالين المتشابهين ، ولذلك أطنب ~~وصف الحالين من ابتدائه . | PageV11P141 # فقوله : { كماء أنزلناه من السماء } شبه به ابتداء أطوار الحياة من وقت ~~الصبا إذ ليس ثمة سوى الأمل في نعيم العيش ونضارته ، فذلك الأمل يشبه حال ~~نزول المطر من السماء في كونه سبب ما يؤمل منه من زخرف الأرض ونضارتها . | # وقوله : { فاختلط به نبات الأرض } شبه به طور ابتداء نضارة العيش وإقبال ~~زهرة الحياة ، فذلك يشبه خروج الزرع بعيد المطر فيما يشاهد من بوارق ~~المأمول ، ولذلك عطف بفاء التعقيب للإيذان بسرعة ظهور النبات عقب المطر ~~فيؤذن بسرعة نماء الحياة في أول أطوارها . وعبر عنه بالاختلاط بالماء بحيث ~~ظهر قبل جفاف الماء ، أي فاختلط النبات بالماء أي جاوره وقارنه . | # وقوله : { مما يأكل الناس والأنعام } وصف لنبات الأرض الذي منه أصناف ~~يأكلها الناس من الخضروات والبقول ، وأصناف تأكلها الأنعام من العشب والكلأ ~~، وذلك يشبه به ما ينعم به الناس في الحياة من اللذات وما ينعم به الحيوان ~~، فإن له حظا في نعيم الحياة بمقدار نطاق حياته . | # ولما كان ذلك قد تضمن المأكول والآكل صح أن تشبه به رغبات الناس في تناول ms3865 ~~لذائذ الحياة على حسب اختلاف مراتب الهمم ، وذلك يتضمن تشبيه معالي الأمور ~~من نعم الدنيا التي تسمو إليها الهمم العوالي بالنبات الذي يقتاته الناس ، ~~وتشبيه سفاسف الأمور بالنبات الذي يأكله الأنعام ، ويتضمن تشبيه الذين ~~يجنحون إلى تلك السفاسف بالأنعام ، كقوله تعالى : { والذين كفروا يتمتعون ~~ويأكلون كما تأكل الأنعام } ( محمد : 12 ) . | # والقول في { حتى إذا أخذت الأرض زخرفها } كالقول في قوله : { حتى إذا ~~كنتم في الفلك } ( يونس : 22 ) ، وهو غاية شبه بها بلوغ الانتفاع بخيرات ~~الدنيا إلى أقصاه ونضوجه وتمامه وتكاثر أصنافه وانهماك الناس في تناولها ~~ونسيانهم المصير إلى الفناء . | # وأمر الله : تقديره وتكوينه . وإتيانه : إصابة تلك الأرض بالجوائح ~~المعجلة لها باليبس والفناء . PageV11P142 وفي معنى الغاية المستفاد من ( ~~حتى ) ما يؤذن بأن بين مبدأ ظهور لذات الحياة وبين منتهاها مراتب جمة ~~وأطوارا كثيرة ، فذلك طوي في معنى ( حتى ) . | # وقوله : { ليلا أو نهارا } ترديد في الوقت لإثارة التوقع من إمكان زوال ~~نضارة الحياة في جميع الأزمنة لأن الشيء الموقت بمعين من التوقيت يكون ~~الناس في أمن من حلوله في غير ذلك الوقت . | # والزخرف : اسم الذهب . وأطلق على ما يتزين به مما فيه ذهب وتلوين من ~~الثياب والحلي . | # وإطلاق أخذ الأرض زخرفها على حصول الزينة فيها استعارة مكنية . شبهت ~~الأرض بالمرأة حين تريد التزين فتحضر فاخر ثيابها من حلي وألوان . والعرب ~~يطلقون على ذلك التناول اسم الأخذ ، قال تعالى : { يا بني آدم خذوا زينتكم ~~عند كل مسجد } ( الأعراف : 31 ) ، وقال بشار بن برد : | # وخذي ملابس زينة | # ومصبغات وهي أفخر | # وذكر { ازينت } عقب { زخرفها } ترشيح للاستعارة ، لأن المرأة تأخذ زخرفها ~~للتزين . و { ازينت } أصله تزينت فقلبت التاء زايا ؛ لتدغم في الزاي فسكنت ~~وأدغمت واجتلبت همزة الوصل لأجل النطق بالساكن . | # واعلم أن في قوله تعالى : { أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا } ~~إشارة لإرادة الاستئصال فهو ينذر بالتهديد للكافرين ويجعل التمثيل أعلق ~~بحياتهم ، كقوله تعالى : { حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم ~~مبلسون } ( الأنعام : 44 ) لا سيما وقد ضرب هذا المثل لتمتع الكافرين ms3866 ~~ببغيهم وإمهالهم عليه ، ويزيد تلك الإشارة وضوحا قوله : { وظن أهلها أنهم ~~قادرون عليها } المؤذن بأن أهلها مقصودون بتلك الإصابة . | # ومعنى : { أنهم قادرون عليها } أنهم مستمرون على الانتفاع بها محصلون ~~لثمراتها ، فأطلق على التمكن من الانتفاع ودوامه لفظ القدرة على وجه ~~الاستعارة . | PageV11P143 # والحصيد : المحصود ، وهو الزرع المقطوع من منابته . والإخبار عن الأرض ~~بحصيد على طريقة المجاز العقلي وإنما المحصود نباتها . ومعنى { لم تغن } لم ~~تعمر ، أي لم تعمر بالزرع . يقال : غني المكان إذا عمر . ومنه المغنى ~~للمكان المأهول . وضد أغنى أقفر المكان . | # والباء في { بالأمس } للظرفية . والأمس : اليوم الذي قبل يومك . واللام ~~فيه مزيدة لتملية اللفظ مثل التي في كلمة الآن . والمراد بالأمس في الآية ~~مطلق الزمن الذي مضى لأن أمس يستعمل بمعنى ما مضى من الزمان ، كما يستعمل ~~الغد في معنى المستقبل واليوم في معنى الحال . وجمعها قول زهير : | # وأعلم علم اليوم والأمسس قبله | # ولكنني عن علم ما في غد عم | # وجملة : { كذلك نفصل الآيات } إلى آخرها تذييل جامع ، أي مثل هذا التفصيل ~~نفصل أي نبين الدلالات كلها الدالة على عموم العلم والقدرة وإتقان الصنع . ~~فهذه آية من الآيات المبينة وهي واحدة من عموم الآيات . وتقدم نظيره في ~~قوله تعالى : { وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين في سورة الأنعام ~~( 55 ) . | # واللام في لقوم يتفكرون } لام الأجل . | # والتفكر : التأمل والنظر ، وهو تفعل مشتق من الفكر ، وقد مر عند قوله ~~تعالى : { قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون في سورة الأنعام ( 50 ) ~~. وفيه تعريض بأن الذين لم ينتفعوا بالآيات ليسوا من أهل التفكر ولا كان ~~تفصيل الآيات لأجلهم . وتقدم ذكر لفظ القوم غير مرة في هذه السورة . | # | 2 ( 25 ) والله يدعو إلى دار السلام ويهدى من يشآء إلى صراط مستقيم } ) ~~2 # | $ # الجملة معطوفة على جملة { كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون } ( يونس : 24 ) ~~، أي نفصل الآيات التي منها آية حالة الدنيا وتقضيها ، وندعو إلى دار ~~السلام دار الخلد . ولما كانت جملة PageV11P144 { كذلك نفصل الآيات } ( ~~يونس : 24 ) تذييلا وكان شأن التذييل أن يكون كاملا ms3867 جامعا مستقلا جعلت ~~الجملة المعطوفة عليها مثلها في الاستقلال فعدل فيها عن الإضمار إلى ~~الإظهار إذ وضع قوله : { والله يدعو } موضع ندعو لأن الإضمار في الجملة ~~يجعلها محتاجة إلى الجملة التي فيها المعاد . | # وحذف مفعول { يدعو } لقصد التعميم ، أي يدعو كل أحد . والدعوة هي : الطلب ~~والتحريض . وهي هنا أوامر التكليف ونواهيه . | # ودار السلام : الجنة ، قال تعالى : { لهم دار السلام عند ربهم ، وقد تقدم ~~وجه تسميتها بذلك في سورة الأنعام ( 127 ) . | # والهداية : الدلالة على المقصود النافع ، والمراد بها هنا خلق الاهتداء ~~إلى المقصود بقرينة قوله : من يشاء } بعد قوله : { والله يدعو } المفيد ~~التعميم فإن الدعوة إلى الجنة دلالة عليها فهي هداية بالمعنى الأصلي فتعين ~~أن { يهدي } هنا معناه إيجاد الهداية بمعنى آخر ، وهي حصول الاهتداء بالفعل ~~، أي خلق حصوله بأمر التكوين ، كقوله : { فريقا هدى وفريقا حق عليهم ~~الضلالة } ( الأعراف : 30 ) وهذا التكوين يقع إما في كل جزئية من جزئيات ~~الاهتداء على طريقة الأشاعرة ، وإما بخلق الاستعداد له بحيث يقدر على ~~الاهتداء عند حصول الأدلة على طريقة المعتزلة وهما متقاربان في الحال ، ~~وشؤون الغيب خفية . وقد تقدم شيء من ذلك عند قوله تعالى : { اهدنا الصراط ~~المستقيم } ( الفاتحة : 6 ) . | # والصراط المستقيم : الطريق الموصل . | # | 2 ( 26 ) { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة ~~أولائك أصحاب الجنة هم فيها خالدون } ) 2 # هذه الجملة بدل اشتمال من جملة { ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم } ( يونس ~~: 25 ) لأن الهداية PageV11P145 بمن يشاء تفيد مهديا وغير مهدي . ففي هذه ~~الجملة ذكر ما يشتمل عليه كلا الفريقين ، ولك أن تجعلها بدل مفصل من مجمل . ~~| # ولما أوقع ذكر الذين أحسنوا في جملة البيان علم السامع أنهم هم الذين ~~هداهم الله إلى صراط مستقيم وأن الصراط المستقيم هو العمل الحسن ، وأن ~~الحسنى هي دار السلام . ويشرح هذه الآية قوله تعالى في سورة الأنعام ( 125 ~~127 ) : { فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل ~~صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس ms3868 على الذين لا ~~يؤمنون وهذا صراط ربك مستقيما قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون لهم دار السلام ~~عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون . | # والحسنى : في الأصل صفة أثنى الأحسن ، ثم عوملت معاملة الجنس فأدخلت ~~عليها لام تعريف الجنس فبعدت عن الوصفية ولم تتبع موصوفها . | # وتعريفها يفيد الاستغراق ، مثل البشرى ، ومثل الصالحة التي جمعها ~~الصالحات . والمعنى : للذين أحسنوا جنس الأحوال الحسنى عندهم ، أي لهم ذلك ~~في الآخرة . وبذلك تعين أن ماصدقها الذي أريد بها هو الجنة لأنها أحسن ~~مثوبة يصير إليها الذين أحسنوا وبذلك صيرها القرآن علما بالغلبة على الجنة ~~ونعيمها من حصول الملاذ العظيمة . | # والزيادة يتعين أنها زيادة لهم ليست داخلة في نوع الحسنى بالمعنى الذي ~~صار علما بالغلبة ، فلا ينبغي أن تفسر بنوع مما في الجنة لأنها تكون حينئذ ~~مما يستغرقه لفظ الحسنى فتعين أنها أمر يرجع إلى رفعة الأقدار ، فقيل : هي ~~رضى الله تعالى كما قال : ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر } ( ~~التوبة : 72 ) ، وقيل : هي رؤيتهم الله تعالى . وقد ورد ذلك عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم في ( صحيح مسلم ) و ( جامع الترمذي ) عن صهيب عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم في قوله تعالى : { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } قال : إذا ~~دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد : إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه ، ~~قالوا : ألم تبيض وجوهنا وتنجنا من النار وتدخلنا الجنة ، قال : فيكشف ~~الحجاب ، قال : فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من النظر إليه . وهو ~~أصرح ما ورد في تفسيرها . | PageV11P146 # والرهق : الغشيان . وفعله من باب فرح . | # والقتر : لون هو غبرة إلى السواد . ويقال له قترة والذي تخلص لي من كلام ~~الأيمة والاستعمال أن القترة لون يغشى جلدة الوجه من شدة البؤس والشقاء ~~والخوفف . وهو من آثار تهيج الكبد من ارتجاف الفؤاد خوفا وتوقعا . | # والذلة : الهوان . والمراد أثر الذلة الذي يبدو على وجه الذليل . والكلام ~~مستعمل في صريحه وكنايته ، أي لا تتشوه وجوههم بالقتر وأثر الذلة ولا يحصل ~~لهم ما يؤثر القتر ms3869 وهيئة الذلة . | # وليس معنى نفي القتر والذلة عنهم في جملة أوصافهم مديحا لهم لأن ذلك لا ~~يخطر بالبال وقوعا بعد أن أثبت لهم الحسنى وزيادة بل المعنى التعريض بالذين ~~لم يهدهم الله إلى صراط مستقيم وهم الذين كسبوا السيئات تعجيلا للمساءة ~~إليهم بطريق التعريض قبل التصريح الذي يأتي في قوله : { وترهقهم ذلة إلى ~~قوله : مظلما } ( يونس : 27 ) . | # وجملة : { أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون } نتيجة للمقدمة ، فبينها ~~وبين التي قبلها كمال الاتصال ولذلك فصلت عنها ولم تعطف . | # واسم الإشارة يرجع إلى { الذين أحسنوا } . وفيه تنبيه على أنهم استحقوا ~~الخلود لأجل إحسانهم نظير قوله : { أولئك على هدى من ربهم } ( البقرة : 5 ) ~~. | # | 2 ( 27 ) { والذين كسبوا السيئات جزآء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم ~~من الله من عاصم كأنما أغشيت وجوههم قطعا من اليل مظلما أولائك أصحاب النار ~~هم فيها خالدون } ) 2 # عطف على جملة { للذين أحسنوا الحسنى } ( يونس : 26 ) . وعبر في جانب ~~المسيئين بفعل { كسبوا السيئات } دون فعل أساءوا الذي عبر به في جانب الذين ~~أحسنوا للإشارة إلى أن إساءتهم من فعلهم وسعيهم فما ظلمهم الله ولكن أنفسهم ~~يظلمون . | PageV11P147 # والموصول مراد به خصوص المشركين لقوله بعده : { أولئك أصحاب النار هم ~~فيها خالدون } . فإن الخلود في النار لا يقع إلا للكافرين ، كما دلت عليه ~~الأدلة المتظافرة خلافا للمعتزلة والخوارج . | # وجملة : { جزاء سيئة بمثلها } خبر عن { الذين كسبوا السيئات } . وتنكير ( ~~سيئة ) للعموم ، أي جزاء كل سيئة بمثلها ، وهو وإن كان في سياق الإثبات ~~فالعموم مستفاد من المقام وهو مقام عموم المبتدأ . كقول الحريري : | # يا أهل ذا المغنى وقيتم ضرا | # أي كل ضر . وذلك العموم مغن عن الرابط بين الجملة الخبرية والمبتدأ ، أو ~~يقدر مجرور ، أي جزاء سيئة منهم ، كما قدر في قوله تعالى : { فمن كان منكم ~~مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام } ( البقرة : 196 ) أي فعليه . | # واقتصر على الذلة لهم دون زيادة ويرهقهم قتر ، لأنه سيجيء ما هو أشد منه ~~وهو قوله : { كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما } . | # وجملة ms3870 : { ما لهم من الله من عاصم } خبر ثان ، أو حال من { الذين كسبوا ~~السيئات } أو معترضة . وهو تهديد وتأييس . | # والعاصم : المانع والحافظ . ومعنى { من الله } من انتقامه وجزائه . وهذا ~~من تعليق الفعل باسم الذات ، والمراد بعض أحوال الذات مما يدل عليه السياق ~~مثل { حرمت عليكم الميتة } ( المائدة : 3 ) . | # وجملة { كأنما أغشيت وجوههم } الخ بيان لجملة : { ترهقهم ذلة } بيان ~~تمثيل ، أو حال من الضمير في قوله : { وترهقهم } . | # و { أغشيت } معدى غشي إذا أحاط وغطا ، فصار بالهمزة معدى إلى مفعولين من ~~باب كسا . وتقدم في قوله تعالى : { يغشي الليل النهار في الأعراف ( 54 ) ، ~~وقوله : إذ يغشيكم النعاس في الأنفال ( 11 ) . | PageV11P148 # والقطع بفتح الطاء في قراءة الجمهور : جمع قطعة ، وهي الجزء من الشيء ، ~~سمي قطعة لأنه يقتطع من كل غالبا ، فهي فعلة بمعنى مفعولة نقلت إلى الاسمية ~~. وقرأه ابن كثير والكسائي ويعقوب قطعا } بسكون الطاء . وهو اسم للجزء من ~~زمن الليل المظلم ، قال تعالى : { فاسر بأهلك بقطع من الليل } ( هود : 81 ) ~~. | # وقوله : { مظلما } حال من الليل . ووصف الليل وهو زمن الظلمة بكونه مظلما ~~لإفادة تمكن الوصف منه كقولهم : ليل أليل ، وظل ظليل ، وشعر شاعر ، فالمراد ~~من الليل الشديد الإظلام باحتجاب نجومه وتمكن ظلمته . وشبهت قترة وجوههم ~~بظلام الليل . | # وجملة : { أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } هي كجملة { أولئك أصحاب ~~الجنة هم فيها خالدون } ( يونس : 26 ) . | # | 2 ( 28 ، 29 ) { ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم ~~وشركآؤكم فزيلنا بينهم وقال شركآؤهم ما كنتم إيانا تعبدون * فكفى بالله ~~شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين } ) 2 # هذه الجملة معطوفة على جملة { والذين كسبوا السيئات } ( يونس : 27 ) ~~باعتبار كونها معطوفة على جملة { للذين أحسنوا الحسنى } ( يونس : 26 ) فإنه ~~لما ذكر في الجملتين السابقتين ما يختص به كل فريق من الفريقين من الجزاء ~~وسماته جاءت هذه الجملة بإجمالل حالة جامعة للفريقين ثم بتفصيل حالة يمتاز ~~بها المشركون ليحصل بذلك ذكر فظيع من أحوال الذين بلغوا الغاية في كسب ~~السيئات ، وهي سيئة الإشراك الذي هو ms3871 أكبر الكبائر ، وبذلك حصلت المناسبة مع ~~الجملة التي قبلها المقتضية عطفها عليها . | # والمقصود من الخبر هو ذكر حشرهم جميعا ، ثم ما يقع في ذلك الحشر من ~~افتضاح الذين أشركوا ، فكان مقتضى الظاهر أن يقال ، ونحشرهم جميعا . وإنما ~~زيد لفظ { يوم } PageV11P149 في صدر الجملة لأن ذلك اليوم لما كان هو زمن ~~الحشر وأعمالل عظيمة أريد التذكير به تهويلا وموعظة . | # وانتصاب { يوم نحشرهم } إما على المفعولية بتقدير : اذكر ، وإما على ~~الظرفية لفعل مقدر يدل عليه قوله : { ثم نقول للذين أشركوا مكانكم } ~~والتقدير : ونقول للذين أشركوا مكانكم يوم نحشر الناس جميعا . وضمير { ~~نحشرهم } للذين تقدم الكلام عليهم وهم الذين أحسنوا والذين كسبوا السيئات . ~~وقوله : { جميعا } حال من الضمير البارز في { نحشرهم } للتنصيص على إرادة ~~عموم الضمير . وذلك أن الحشر يعم الناس كلهم . ومن نكت ذكر حشر الجميع هنا ~~التنبيه على أن فظيع حال المشركين وافتضاحهم يكون بمرأى ومسمع من المؤمنين ~~، فتكون السلامة من تلك الحالة زيادة في النعمة على المسلمين وتقوية في ~~النكاية للمشركين . | # والحشر : الجمع من أمكنة إلى مكان واحد . وتقدم في قوله تعالى : { وحشرنا ~~عليهم كل شيء في سورة الأنعام ( 111 ) . | # وقوله : مكانكم } منصوب على المفعولية بفعل محذوف تقديره : الزموا مكانكم ~~، واستعماله هذا شائع في كلام العرب في الأمر بالملازمة مع التزام حذف ~~العامل فيه حتى صار بمنزلة أسماء الأفعال الموضوعة للأمر ، نحو : صه ، ~~ويقترن بضمير مناسب للمخاطب من إفراد وغيره ، قال عمرو بن الأطنابة : | # مكانكك تحمدي أو تستريحي | # وأمرهم بملازمة المكان تثقيف وحبس . وإذ قد جمع فيه المخاطبون وشركاؤهم ~~علم أن ذلك الحبس لأجل جريمة مشتركة بين الفريقين ، وهي كون أحد الفريقين ~~عابدا والآخر معبودا . | # وقوله : { أنتم } تأكيد للضمير المتصل المقدر في الفعل المقدر ، وهو ~~المسوغ للعطف عليه وبهذا العطف صار الشركاء مأمورين باللبث في المكان . | ~~PageV11P150 # والشركاء : الأصنام . وصفوا بالشركاء لاعتقاد المخاطبين ذلك ، ولذلك أضيف ~~إلى ضميرهم ، أي أنتم والذين زعمتم أنهم شركاء . فإضافة شركاء إلى ضمير ~~المخاطبين تهكم . | # وعطف { فزيلنا } بفاء التعقيب لإفادة حصول ذلك في عقب وقت الأمر ms3872 باللبث . ~~ولما كانت الفاء تقتضي الترتيب الزمني في حصول معطوفها إثر المعطوف عليه ~~وكان المقصود هنا أن التزييل حصل مقارنا لإلزامهم المكان عبر عن فعل ~~التزييل بصيغة الماضي لإفادة تحقيق وقوع التزييل كقوله : { أتى أمر الله } ~~( النحل : 1 ) . | # وزيل : مضاعف زال المتعدي . يقال : زاله عن موضعه يزيله بمعنى أزاله ~~فجعلوه يائي العين للتفرقة بينه وبين زال القاصر الذي هو واوي العين ، فزيل ~~فعل للمبالغة في الزيل مثل فرق مبالغة في فرق . والمعنى وقع بينهم تفريق ~~قوي بحيث انقطعت جميع الوصل التي كانت بينهم . والتزييل هنا مجازي فيشمل ~~اختلاف القول . | # وتعليق التزييل بالأصنام باعتبار خلق معناه فيها حين أنطقها الله بما ~~يخالف زعم عبادها . | # وجملة { وقال شركاؤهم } عطف على جملة : { فزيلنا } فهو في حيز التعقيب ، ~~ويجوز جعلها حالا . | # ويقول الشركاء هذا الكلام بخلق نطق فيها خارق للعادة يفهمه الناس لإشعار ~~أولئك العابدين بأن أصنامهم تبرأوا منهم ، وذلك مما يزيدهم ندامة . وكلام ~~الأصنام يفيد نفي أن يكونوا عبدوهم بل عبدوا غيرهم . وفي استقامة ذلك إشكال ~~لأن الواقع أنهم عبدوهم وعبدوا غيرهم فكيف ينفي كلامهم عبادتهم إياهم وهو ~~كلام خلقه الله فيهم فكيف يكون كذبا . وقد تأول المفسرون هذا بوجوه لا ~~ينثلج لها الصدر . | # والذي ظهر لي أن يكون آخر كلام الأصنام مبينا لما أجمله أوله بأنهم نفوا ~~أن يكونوا عبدوهم عبادة كاملة وهي العبادة التي يقصد منها العابد امتثال ~~أمر المعبود وإرضاءه فتقتضي أن يكون المعبود عالما وآمرا بتلك العبادة . ~~ولما كانت الأصنام غير PageV11P151 عالمين ولا آمرين استقام نفيهم أن يكون ~~عبدتهم قد عبدوهم تلك العبادة وإنما عبدوا غيرهم ممن أمروهم بالعبادة وهم ~~الشياطين ولذلك قالوا : { إن كنا عن عبادتكم لغافلين } كما تفسره الآية ~~الأخرى وهي قوله تعالى : { أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ~~ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون } ( سبأ : 40 ، 41 ~~) . | # فالمراد بالشركاء الأصنام لا غيرها ، ويجوز أن يكون نطقها بجحد عبادة ~~المشركين هو أن خلق لها عقولا فكانت عقولها مستحدثة يومئذ لم يتقرر فيها ms3873 ~~علم بأن المشركين عبدوها . ويفسر هذا قولهم بعد ذلك { إن كنا عن عبادتكم ~~لغافلين } . | # وجملة : { فكفى بالله شهيدا } مؤكدة بالقسم ليثبتوا البراءة مما ألصق بهم ~~. وجواب القسم { إن كنا عن عبادتكم لغافلين } . وليس قولهم : { كفى بالله ~~شهيدا } قسما على كلامهم المتقدم لأن شأن القسم أن يكون في صدر الجملة . | # وعطفت جملة القسم بالفاء للدلالة على أن القسم متفرع على الكلام المتقدم ~~لأن إخبارهم بنفي أن يكونوا يعبدونهم خبر غريب مخالف لما هو مشاهد فناسب أن ~~يفرع عليه ما يحققه ويبينه مع تأكيد ذلك بالقسم . والإتيان بفاء التفريع ~~عند تعقيب الكلام بجملة قسمية من فصيح الاستعمال ، كقوله تعالى : { كما ~~أنزلنا على المقتسمين الذين جعلوا القرآن عضين فوربك لنسألنهم أجمعين عما ~~كانوا يعملون } ( الحجر : 90 93 ) . ومن خصائصه أنه إذا عطف بفاء التفريع ~~كان مؤكدا لما قبله بطريق تفريع القسم عليه ومؤكدا لما بعده بطريق جواب ~~القسم به . وهذه الآية لم تفسر حق تفسيرها . | # والشهيد : الشاهد ، وهو المؤيد والمصدق لدعوى مدع ، كما تقدم في قوله ~~تعالى : { فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا } ( ~~النساء : 6 ) . | # و ( كفى ) بمعنى أجزأ وأغنى عن غيره . وتقدم في قوله تعالى : { وكفى ~~بالله وليا في سورة النساء ( 45 ) . وهو صيغة خبر مستعمل في إنشاء القسم . ~~والباء مزيدة للتأكيد . وأصله كفى الله شهيدا . | PageV11P152 # وانتصب : شهيدا } على التمييز لنسبة الكفاية إلى الله لما فيها من ~~الإجمال . | # وجملة : { إن كنا عن عبادتكم لغافلين } جواب للقسم . ( وإن ) مخففة من ( ~~إن ) . واسمها ضمير شأن ملتزم الحذف . | # وجملة : { كنا عن عبادتكم لغافلين } مفسرة لضمير الشأن . واللام فارقة ~~بين ( إن ) المؤكدة المخففة و ( إن ) النافية . | # وتقديم قوله : { عن عبادتكم } على عامله للاهتمام وللرعاية على الفاصلة . ~~| # | 2 ( 30 ) { هنالك تبلوا كل نفس مآ أسلفت وردو ا إلى الله مولاهم الحق ~~وضل عنهم ما كانوا يفترون } ) 2 # | $ # تذييل وفذلكة للجمل السابقة من قوله : { والله يدعو إلى دار السلام } ( ~~يونس : 25 ) إلى هنا . وهو اعتراض بين الجمل المتعاطفة . | # والإشارة إلى المكان الذي أنبأ عنه قوله ms3874 : { نحشرهم } ( يونس : 28 ) أي ~~في ذلك المكان الذي نحشرهم فيه . واسم الإشارة في محل نصب على الظرفية . ~~وعامله { تبلو } ، وقدم هذا الظرف للاهتمام به لأن الغرض الأهم من الكلام ~~لعظم ما يقع فيه . | # و { تبلو } تختبر ، وهو هنا كناية عن التحقق وعلم اليقين . و { أسلفت } ~~قدمت ، أي عملا أسلفته . والمعنى أنها تختبر حالته وثمرته فتعرف ما هو حسن ~~ونافع وما هو قبيح وضار إذ قد وضح لهم ما يفضي إلى النعيم بصاحبه ، وضده . ~~| # وقرأ الجمهور { تبلو } بموحدة بعد المثناة الفوقية . وقرأه حمزة والكسائي ~~وخلف بمثناة فوقية بعد المثناة الأولى على أنه من التلو وهو المتابعة ، أي ~~تتبع كل نفس ما قدمته من عمل فيسوقها إلى الجنة أو إلى النار . | ~~PageV11P153 # يجوز أن تكون معطوفة على جملة : { هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت } فتكون من ~~تمام التذييل ، ويكون ضمير ( ردوا ) عائدا إلى ( كل نفس ) . ويجوز أن تكون ~~معطوفة على قوله و { يوم نحشرهم جميعا } ( يونس : 28 ) الآية فلا تتصل ~~بالتذييل ، أي ونردهم إلينا ، ويكون ضمير ( ردوا ) عائدا إلى الذين أشركوا ~~خاصة . والمعنى تحقق عندهم الحشر الذي كانوا ينكرونه . ويناسب هذا المعنى ~~قوله : { مولاهم الحق } فإن فيه إشعارا بالتورك عليهم بإبطال مواليهم ~~الباطلة . | # والرد : الإرجاع . والإرجاع إلى الله الإرجاع إلى تصرفه بالجزاء على ما ~~يرضيه وما لا يرضيه وقد كانوا من قبل حين كانوا في الحياة الدنيا ممهلين ~~غير مجازين . | # والمولى : السيد ، لأن بينه وبين عبده ولاء عهد الملك . ويطلق على متولي ~~أمور غيره وموفر شؤونه . | # والحق : الموافق للواقع والصدق ، أي ردوا إلى الاله الحق دون الباطل . ~~والوصف بالحق هو وصف المصدر في معنى الحاق ، أي الحاق المولوية ، أي دون ~~الأولياء الذين زعموهم باطلا . | # { وضل عنهم ما كانوا يفترون } | # هذه الجملة مختصه بالمشركين كما هو واضح . | # والضلال : الضياع . | # و { ما كانوا يفترون } ما كانوا يكذبون من نسبتهم الإلهية إلى الأصنام ، ~~فيجوز أن يكون ماصدق ( ما ) الموصولة الأصنام ، فيكون قد حذف العائد مع حرف ~~الجر بدون أن يجر الموصول بمثل ما جر به العائد ms3875 والحق جوازه ، فالتقدير : ~~ما كانوا يكذبون عليه أو له . وضلاله : عدم وجوده على الوصف المزعوم له . | ~~PageV11P154 # ويجوز أن يكون ماصدق ( ما ) نفس الافتراء ، أي الافتراء الذي كانوا ~~يفترونه . وضلاله : ظهور نفيه وكذبه . | # | 2 ( 31 ) { قل من يرزقكم من السمآء والارض أمن يملك السمع والابصار ومن ~~يخرج الحى من الميت ويخرج الميت من الحى ومن يدبر الامر فسيقولون الله فقل ~~أفلا تتقون } ) 2 # انتقال من غرض إلى غرض في أفانين إبطال الشرك وإثبات توحد الله تعالى ~~بالإلهية . وهذه الجملة تتنزل منزلة الاستدلال لقوله : { مولاهم الحق } ( ~~يونس : 30 ) لأنها برهان على أنه المستحق للولاية . | # فاحتج على ذلك بمواهب الرزق الذي به قوام الحياة ، وبموهبة الحواس ، ~~وبنظام التناسل والتوالد الذي به بقاء الأنواع ، وبتدبير نظام العالم ~~وتقدير المقدرات ، فهذه كلها مواهب من الله وهم كانوا يعلمون أن جميع ما ~~ذكر لا يفعله إلا الله إذ لم يكونوا ينسبون إلى أصنامهم هذه الأمور ، فلا ~~جرم أن كان المختص بها هو مستحق الولاية والإلهية . | # والاستفهام تقريري . وجاء الاستدلال بطريقة الاستفهام والجوابب لأن ذلك ~~في صورة الحوار ، فيكون الدليل الحاصل به أوقع في نفوس السامعين ، ولذلك ~~كان من طرق التعليم مما يراد رسوخه من القواعد العلمية أن يؤتى به في صورة ~~السؤال والجواب . | # وقوله : { من السماء والأرض } تذكير بأحوال الرزق ؛ ليكون أقوى حضورا في ~~الذهن ، فالرزق من السماء المطر ، والرزق من الأرض النبات كله من حب وثمر ~~وكلأ . | # و ( أم ) في قوله : { أم من يملك السمع } للإضراب الانتقالي من استفهام ~~إلى آخر . | PageV11P155 # ومعنى : { يملك السمع والأبصار } يملك التصرف فيهما ، وهو ملك إيجاد تينك ~~الحاستين وذلك استدلال وتذكير بأنفع صنع وأدقه . | # وأفرد { السمع } لأنه مصدر فهو دال على الجنس الموجود في جميع حواس الناس ~~. | # وأما { الأبصار } فجيء به جمعا لأنه اسم ، فهو ليس نصا في إفادة العموم ~~لاحتمال توهم بصر مخصوص فكان الجمع أدل على قصد العموم وأنفى لاحتمال العهد ~~ونحوه بخلاف قوله : { إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا } ( ~~الإسراء : 36 ) لأن المراد الواحد ms3876 لكل مخاطب بقوله : { ولا تقف ما ليس لك ~~به علم } ( الإسراء : 36 ) . وقد تقدم عند قوله تعالى : { قل أرأيتم إن أخذ ~~الله سمعكم وأبصاركم في سورة الأنعام ( 46 ) . | # وإخراج الحي من الميت : هو تولد أطفال الحيوان من النطف ومن البيض ؛ ~~فالنطفة أو البيضة تكون لا حياة فيها ثم تتطور إلى الشكل القابل للحياة ثم ~~تكون فيها الحياة . و ( من ) في قوله : من الميت } للابتداء . وإخراج الميت ~~من الحي إخراج النطفة والبيضض من الحيوان . | # والتعريف في { الحي } و { الميت } في المرتين تعريف الجنس . | # وقد نظم هذا الاستدلال على ذلك الصنع العجيب بأسلوب الأحاجي والألغاز ~~وجعل بمحسن التضاد ، كل ذلك لزيادة التعجيب منه . وقد تقدم الكلام على ~~نظيره في قوله : { وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي في سورة آل ~~عمران ( 27 ) . غير أن ما هنا ليس فيه رمز إلى شيء . | # وقوله : ومن يدبر الأمر } تقدم القول في نظيره في أوائل هذه السورة . وهو ~~هنا تعميم بعد تخصيص ذكر ما فيه مزيد عبرة في أنفسهم كالعبرة في قوله : { ~~وفي أنفسكم أفلا تبصرون وفي السماء رزقكم وما توعدون } ( الذاريات : 21 ، ~~22 ) . | # والفاء في قوله : { فسيقولون الله } فاء السببية التي من شأنها أن تقترن ~~بجواب الشرط إذا كان غير صالح لمباشرة أداة الشرط ، وذلك أنه قصد تسبب ~~قولهم : { الله } على السؤال PageV11P156 المأمور به النبيء عليه الصلاة ~~والسلام ، فنزل فعل { قل } منزلة الشرط فكأنه قيل : إن تقل من يرزقكم من ~~السماء والأرض فسيقولون الله ، ومنه قوله تعالى : { قل كونوا حجارة أو ~~حديدا أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا } ( الإسراء : 51 ، ~~52 ) . وهذا الاستعمال نظير تنزيل الأمر من القول منزلة الشرط في جزم الفعل ~~المقول بتنزيله منزلة جواب الشرط كقوله تعالى : { قل لعبادي الذين آمنوا ~~يقيموا الصلاة } ( إبراهيم : 31 ) وقوله : { وقل لعبادي يقولوا التي هي ~~أحسن } ( الإسراء : 53 ) . التقدير : إن تقل لهم أقيموا الصلاة يقيموا وإن ~~تقل لهم قولوا التي هي أحسن يقولوا . وهو كثير في القرآن على رأي المحققين ~~من النحاة ms3877 وعادة المعربين أن يخرجوه على حذف شرط مقدر دل عليه الكلام . ~~والرأيان متقاربان إلا أن ما سلكه المحققون تقدير معنى والتقدير عندهم ~~اعتبار لا استعمال ، وما سلكه المعربون تقدير إعراب والمقدر عندهم كالمذكور ~~. | # ولو لم ينزل الأمر بمنزلة الشرط لما جاءت الفاء كما في قوله تعالى : { قل ~~لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله } ( المؤمنون : 84 ، 85 ) ~~الآيات . | # والفاء في قوله : { فقل } فاء الفصيحة ، أي إن قالوا ذلك فقل أفلا تتقون ~~. والفاء في قوله : { أفلا تتقون } فاء التفريع ، أي يتفرع على اعترافكم ~~بأنه الفاعل الواحد إنكار عدم التقوى عليكم . ومفعول { تتقون } محذوف ، ~~تقديره تتقونه ، أي بتنزيهه عن الشريك . | # وإنما أخبر الله عنهم بأنهم سيعترفون بأن الرازق والخالق والمدبر هو الله ~~لأنهم لم يكونوا يعتقدون غير ذلك كما تكرر الإخبار بذلك عنهم في آيات كثيرة ~~من القرآن . وفيه تحد لهم فإنهم لو استطاعوا لأنكروا أن يكون ما نسب إليهم ~~صحيحا ، ولكن خوفهم عار الكذب صرفهم عن ذلك فلذلك قامت عليهم الحجة بقوله : ~~{ فقل أفلا تتقون } . | # | PageV11P157 # | 2 ( 32 ) { فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى ~~تصرفون } ) 2 # الفاء للتفريع على الإنكار الذي في قوله : { أفلا تتقون } ( يونس 31 ) ، ~~فالمفرع من جملة المقول . واسم الإشارة عائد إلى اسم الجلالة للتنبيه على ~~أن المشار إليه جدير بالحكم الذي سيذكر بعد اسم الإشارة من أجل الأوصاف ~~المتقدمة على اسم الإشارة وهي كونه الرازق ، الواهب الإدراك ، الخالق ، ~~المدبر ، لأن اسم الإشارة قد جمعها . وأومأ إلى أن الحكم الذي يأتي بعده ~~معلل بمجموعها . واسم الجلالة بيان لاسم الإشارة لزيادة الإيضاح تعريضا ~~بقوة خطئهم وضلالهم في الإلهية . و { ربكم } خبر . و { الحق } صفة له . ~~وتقدم الوصف بالحق آنفا في الآية مثل هذه . | # والفاء في قوله : { فماذا بعد الحق إلا الضلال } تفريع للاستفهام ~~الإنكاري على الاستنتاج الواقع بعد الدليل ، فهو تفريع على تفريع وتقريع ~~بعد تقريع . | # و { ماذا } مركب من ( ما ) الاستفهامية و ( ذا ) الذي هو اسم إشارة . وهو ~~يقع بعد ( ما ) الاستفهامية كثيرا ms3878 . وأحسن الوجوه أنه بعد الاستفهام مزيد ~~لمجرد التأكيد . ويعبر عن زيادته بأنه ملغى تجنبا من إلزام أن يكون الاسم ~~مزيدا كما هنا . وقد يفيد معنى الموصولية كما تقدم في قوله تعالى : { ماذا ~~أراد الله بهذا مثلا في سورة البقرة ( 26 ) . وانظر ما يأتي عند قوله : ~~ماذا يستعجل منه المجرمون في هذه السورة ( 50 ) . | # والاستفهام هنا إنكاري في معنى النفي ، ولذلك وقع بعده الاستثناء في قوله ~~: إلا الضلال } . | # و { بعد } هنا مستعملة في معنى ( غير ) باعتبار أن المغاير يحصل إثر ~~مغايره وعند انتفائه . فالمعنى : ما الذي يكون إثر انتفاء الحق . | # ولما كان الاستفهام ليس على حقيقته لأنه لا تردد في المستفهم عنه تعين ~~أنه إنكار وإبطال فلذا وقع الاستثناء منه بقوله : { إلا الضلال } . فالمعنى ~~لا يكون إثر انتفاء الحق PageV11P158 إلا الضلال إذ لا واسطة بينهما . فلما ~~كان الله هو الرب الحق تعين أن غيره مما نسبت إليه الإلهية باطل . وعبر عن ~~الباطل بالضلال لأن الضلال أشنع أنواع الباطل . | # والفاء في { فأنى تصرفون } للتفريع أيضا ، أي لتفريع التصريح بالتوبيخ ~~على الإنكار والإبطال . | # و { أنى } استفهام عن المكان ، أي إلى مكان تصرفكم عقولكم . وهو مكان ~~اعتباري ، أي أنكم في ضلال وعماية كمن ضل عن الطريق ولا يجد إلا من ينعت له ~~طريقا غير موصلة فهو يصرف من ضلال إلى ضلال . قال ابن عطية : وعبارة القرآن ~~في سوق هذه المعاني تفوق كل تفسير براعة وإيجازا ووضوحا . | # وقد اشتملت هذه الآيات على تسع فاءات من قوله : { فسيقولون الله } : ~~الأولى جوابية ، والثانية فصيحة ، والبواقي تفريعية . | # | 2 ( 33 ) { كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقو ا أنهم لا يؤمنون } ) 2 # | $ # تذييل للتعجيب من استمرارهم على الكفر بعدما ظهر لهم من الحجج والآيات ، ~~وتأييس من إيمانهم بإفادة أن انتفاء الإيمان عنهم بتقدير من الله تعالى ~~عليهم فقد ظهر وقوع ما قدره من كلمته في الأزل . والكاف الداخلة قبل اسم ~~الإشارة كاف التشبيه . والمشبه به هو المشار إليه ، وهو حالهم وضلالهم ، أي ~~كما شاهدت حقت كلمة ربك ، يعني أن ms3879 فيما شاهدت ما يبين لك أن قد حقت كلمة ~~ربك عليهم أنهم لا يؤمنون . | # وقوله : { أنهم لا يؤمنون } بدل من ( كلمة ) أو { من كلمات . والمراد ~~مضمون جملة أنهم لا يؤمنون } . | # وقرأ نافع ، وابن عامر { كلمات ربك } بالجمع . وقرأها الباقون بالإفراد ، ~~والمعنى واحد لأن الكلمة تطلق على مجموع الكلام كقوله تعالى : { كلا إنها ~~كلمة هو قائلها } ( المؤمنون : 100 ) ، ولأن PageV11P159 الجمع يكون ~~باعتبار تعدد الكلمات أو باعتبار تكرر الكلمة الواحدة بالنسبة لأناس كثيرين ~~. | # والفسق : الخروج من المسلك الذي شأن الشيء سلوكه ، والمراد به فسق عن ~~تلقي دعوة الرسل وإعمال النظر ، وتقدم في قوله تعالى : { وما يضل به إلا ~~الفاسقين في سورة البقرة ( 26 ) . | # ثم يجوز أن يكون المراد بالذين فسقوا كل من استمر على فسقه فلا يؤمن ، ~~فتكون الجملة تذييلا لما فيها من العموم الشامل لهؤلاء المتحدث عنهم ، ~~كقوله تعالى : كذلك يضرب الله الحق والباطل } ( الرعد : 17 ) ، ويجوز أن ~~يكون المراد بالذين فسقوا المتحدث عنهم خاصة فيكون من الإظهار في مقام ~~الإضمار لإفادة أنهم مع صفاتهم السابقة قد اتصفوا بالفسق ، ولإفادة كون ~~فسقهم علة في أن حقت عليهم كلمة الله ، ويكون المشبه به هو الحق المأخوذ من ~~{ حقت } أي كذلك الحق حقت عليهم كلمة ربك مبالغة في ظهوره حتى أنه إذا أريد ~~تشبيهه وتقريبه لم يشبه إلا بنفسه على طريقة قوله تعالى : { وكذلك جعلناكم ~~أمة وسطا في سورة البقرة ( 143 ) . | # وهي مع ذلك تذييل لما فيه من الفذلكة والتعجيب . | # | 2 ( 34 ) قل هل من شركآئكم من يبدأ الخلق ثم يعيده قل الله يبدأ الخلق ~~ثم يعيده فأنى تؤفكون } ) 2 # استئناف على طريقة التكرير لقوله قبله { قل من يرزقكم من السماء والأرض } ~~( يونس : 31 ) . وهذا مقام تقرير وتعديد الاستدلال ، وهو من دواعي التكرير ~~وهو احتجاج عليهم بأن حال آلهتهم على الضد من صفات الله تعالى فبعد أن أقام ~~عليهم الدليل على انفراد الله تعالى بالرزق وخلق الحواس وخلق الأجناس ~~وتدبير جميع الأمور وأنه المستحق للإلهية بسبب PageV11P160 ذلك الانفراد ~~بين هنا أن آلهتهم مسلوبة ms3880 من صفات الكمال وأن الله متصف بها . وإنما لم ~~يعطف لأنه غرض آخر مستقل ، وموقع التكرير يزيده استقلالا . | # والاستفهام إنكار وتقرير بإنكار ذلك إذ ليس المتكلم بطالب للجواب ولا ~~يسعهم إلا الاعتراف بذلك فهو في معنى نفي أن يكون من آلهتهم من يبدأ الخلق ~~ثم يعيده ، فلذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يرتقي معهم في ~~الاستدلال بقوله : { الله يبدأ الخلق ثم يعيده } فصار مجموع الجملتين قصرا ~~لصفة بدء الخلق وإعادته على الله تعالى قصر إفراد ، أي دون شركائكم ، أي ~~فالأصنام لا تستحق الإلهية والله منفرد بها . | # وذكر إعادة الخلق في الموضعين مع أنهم لا يعترفون بها ضرب من الإدماج في ~~الحجاج وهو فن بديع . | # وإضافة الشركاء إلى ضمير المخاطبين تقدم وجهه آنفا عند قوله : { مكانكم ~~أنتم وشركاؤكم } ( يونس : 28 ) . | # وقوله : { فأنى تؤفكون } كقوله : { فأنى تصرفون } ( يونس : 32 ) . وأفكه ~~: قلبه . والمعنى : فإلى أي مكان تقلبون . والقلب مجازي وهو إفساد الرأي . ~~و ( أنى ) هنا استفهام عن مكان مجازي شبهت به الحقائق التي يحول فيها ~~التفكير . واستعارة المكان إليها مثل إطلاق الموضوع عليها والمجال أيضا . | # | 2 ( 35 ) { قل هل من شركآئكم من يهدى إلى الحق قل الله يهدى للحق أفمن ~~يهدى إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدى إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون } ) ~~2 # | $ # هذا تكرير آخر بعد قوله : { قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده } ( ~~يونس : 34 ) . وهذا استدلال بنقصان آلهتهم عن الإرشاد إلى الكمال النفساني ~~بنشر الحق ، وبأن الله تعالى PageV11P161 هو الهادي إلى الكمال والحق ، ~~ومجموع الجملتين مفيد قصر صفة الهداية إلى الحق على الله تعالى دون آلهتهم ~~قصر إفراد ، كما تقدم في نظيره آنفا . ومعلوم أن منة الهداية إلى الحق أعظم ~~المنن لأن بها صلاح المجتمع وسلامة أفراده من اعتداء قويهم على ضعيفهم ، ~~ولولا الهداية لكانت نعمة الإيجاد مختلة في مضمحلة . | # والمراد بالحق الدين ، وهو الأعمال الصالحة ، وأصوله وهي الإعتقاد الصحيح ~~. | # وقد أتبع الاستدلال على كمال الخالق ببدء الخلق وإعادته بالاستدلال على ~~كماله ms3881 بالهداية كما في قول إبراهيم عليه السلام { الذي خلقني فهو يهدين } ( ~~الشعراء : 78 ) وقول موسى عليه السلام { ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ~~} ( طه : 50 ) وقوله تعالى : { سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر ~~فهدى } ( الأعلى : 1 3 ) . وذلك أن الإنسان الذي هو أكمل ما على الأرض مركب ~~من جسد وروح ، فالاستدلال على وجود الخالق وكماله بإيجاد الأجساد وما فيها ~~هو الخلق ، والاستدلال عليه بنظام أحوال الأرواح وصلاحها هو الهداية . | # وقوله : { أفمن يهدي إلى الحق أحق من يتبع } إلى آخره تفريع استفهام ~~تقريري على ما أفادته الجملتان السابقتان من قصر الهداية إلى الحق على الله ~~تعالى دون آلهتهم . وهذا مما لا ينبغي أن يختلف فيه أهل العقول بأن الذي ~~يهدي إلى الحق يوصل إلى الكمال الروحاني وهو الكمال الباقي إلى الأبد وهو ~~الكون المصون عن الفساد فإن خلق الأجساد مقصود لأجل الأرواح ، والأرواح ~~مراد منها الاهتداء ، فالمقصود الأعلى هو الهداية . وإذ قد كانت العقول ~~عرضة للاضطراب والخطأ احتاجت النفوس إلى هدي يتلقى من الجانب المعصوم عن ~~الخطإ وهو جانب الله تعالى ، فلذلك كان الذي يهدي إلى الحق أحق أن يتبع ~~لأنه مصلح النفوس ومصلح نظام العالم البشري ، فاتباعه واجب عقلا واتباع ~~غيره لا مصحح له ، إذ لا غاية ترجى من اتباعه . وأفعال العقلاء تصان عن ~~العبث . | # وقوله : { أمن لا يهدي إلا أن يهدى } أي الذي لا يهتدي فضلا عن أن يهدي ~~غيره ، أي لا يقبل الهداية فكيف يهدي غيره فلا يحق له أن يتبع . | ~~PageV11P162 # والمراد ب { من لا يهدي } الأصنام فإنها لا تهتدي إلى شيء ، كما قال ~~إبراهيم { يا أبتت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا } ( مريم ~~: 42 ) . | # وقد اختلف القراء في قوله : { أمن لا يهدي } فقرأ نافع ، وابن كثير ، ~~وابن عامر ، وأبو عمرو بفتح التحتية وفتح الهاء على أن أصله يهتدي ، أبدلت ~~التاء دالا لتقارب مخرجيهما وأدغمت في الدال ونقلت حركة التاء إلى الهاء ~~الساكنة ( ولا أهمية إلى قراءة قالون ms3882 عن نافع إلى قراءة أبي عمرو بجعل فتح ~~الهاء مختلسا بين الفتح والسكون لأن ذلك من وجوه الأداء فلا يعد خلافا في ~~القراءة ) . | # وقرأ حفص عن عاصم ، ويعقوب بفتح الياء وكسر الهاء وتشديد الدال على ~~اعتبار طرح حركة التاء المدغمة واختلاف كسرة على الهاء على أصل التخلص من ~~التقاء الساكنين . وقرأ أبو بكر عن عاصم بكسر الباء وكسر الهاء بإتباع كسرة ~~الياء لكسرة الهاء . وقرأ حمزة والكسائي وخلف بفتح الياء وسكون الهاء ~~وتخفيف الدال على أنه مضارع هدى القاصر بمعنى اهتدى ، كما يقال : شرى بمعنى ~~اشترى . | # والاستثناء في قوله : { إلا أن يهدى } تهكم من تأكيد الشيء بما يشبه ضده ~~. وأريد بالهدي النقل من موضع إلى موضع أي لا تهتدي إلى مكان إلا إذا نقلها ~~الناس ووضعوها في المكان الذي يريدونه لها ، فيكون النقل من مكان إلى آخر ~~شبه بالسير فشبه المنقول بالسائر على طريقة المكنية ، ورمز إلى ذلك بما هو ~~من لوازم السير وهو الهداية في { لا يهدي إلا أن يهدى } . | # وجوز بعض المفسرين أن يكون فعل { إلا أن يهدى } بمعنى إهداء العروس ، أي ~~نقلها من بيت أهلها إلى بيت زوجها ، فيقال : هديت إلى زوجها . | # وجملة : { فمالكم كيف تحكمون } تفريع استفهام تعجيبي على اتباعهم من لا ~~يهتدي بحال . واتباعهم هو عبادتهم إياهم . | # ف { ما } استفهامية مبتدأ ، و { لكم } خبر ، واللام للاختصاص . والمعنى : ~~أي شيء ثبت لكم فاتبعتم من لا يهتدي بنفسه نقلا من مكان إلى مكان . | ~~PageV11P163 # وقوله العرب : مالك ؟ ونحوه استفهام يعامل معاملة الاستفهام في حقيقته ~~ومجازه . وفي الحديث أن رجلا قال للنبيء صلى الله عليه وسلم دلني على عمل ~~يدخلني الجنة ، فقال الناس : ( ما له ما له ) فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ( أرب ما له ) . فإذا كان المستفهم عنه حالا ظاهرة لم يحتج إلى ذكر ~~شيء بعد ( ما له ) كما وقع في الحديث . | # وجعل الزجاج هذه الآية منه فقال : { ما لكم } : كلام تام ، أي أي شيء لكم ~~في عبادة الأوثان . | # قال ابن عطية : ووقف القراء { فما لكم ms3883 } ثم يبدأ { كيف تحكمون } . | # وإذا كان بخلاف ذلك أتبعوا الاستفهام بحال وهو الغالب كقوله تعالى : { ما ~~لكم لا تناصرون } ( الصافات : 25 ) { فما لهم عن التذكرة معرضين } ( المدثر ~~: 49 ) ولذلك قال بعض النحاة : مثل هذا الكلام لا يتم بدون ذكر حال بعده ، ~~فالخلاف بين كلامهم وكلام الزجاج لفظي . | # وجملة : { كيف تحكمون } استفهام يتنزل منزلة البيان لما في جملة : { ما ~~لكم } من الإجمال ولذلك فصلت عنها فهو مثله استفهام تعجيبي من حكمهم الضال ~~إذ حكموا بإلهية من لا يهتدي فهو تعجيب على تعجيب . ولك أن تجعل هذه الجملة ~~دليلا على حال محذوفة . | # | 2 ( 36 ) { وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغنى من الحق شيئا إن ~~الله عليم بما يفعلون } ) 2 # عطف على جملة : { قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق } ( يونس : 35 ) ~~باعتبار عطف تلك على نظيرتيها المذكورتين قبلها ، فبعد أن أمر الله رسوله ~~بأن يحجهم فيما جعلوهم آلهة وهي لا تصرف ولا تدبير ولا هداية لها ، أعقب ~~ذلك بأن عبادتهم إياها اتباع لظن باطل ، أي لوهم ليس فيه شبهة حق . | ~~PageV11P164 # والضمير في قوله : { أكثرهم } عائد إلى أصحاب ضمير { شركائكم } ( يونس : ~~35 ) وضمير { ما لكم كيف تحكمون } ( يونس : 35 ) . | # وإنما عمهم في ضمائر { شركائكم و ما لكم كيف تحكمون } ، وخص بالحكم في ~~اتباعهم الظن أكثرهم ، لأن جميع المشركين اتفقوا في اتباع عبادة الأصنام . ~~وبين هنا أنهم ليسوا سواء في الإعتقاد الباعث لهم على عبادتها إيماء إلى أن ~~من بينهم عقلاء قليلين ارتقت مدارك أفهامهم فوق أن يعتقدوا أن للأصنام ~~تصرفا ولكنهم أظهروا عبادتها تبعا للهوى وحفظا للسيادة بين قومهم . ~~والمقصود من هذا ليس هو تبرئة للذين عبدوا الأصنام عن غير ظن بإلهيتها ~~فإنهم شر من الذين عبدوها عن تخيل ، ولكن المقصود هو زيادة الاستدلال على ~~بطلان عبادتها حتى أن من عبادها فريقا ليسوا مطمئنين لتحقق إلهيتها . ~~وبالتأمل يظهر أن هؤلاء هم خاصة القوم وأهل الأحلام منهم لأن المقام مقام ~~تخطئة ذلك الظن . ففيه إيقاظ لجمهورهم ، وفيه زيادة موعظة لخاصتهم ms3884 ليقلعوا ~~عن الاستمرار في عبادة ما لا تطمئن إليه قلوبهم . وهذا كقوله الآتي : { ~~ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به } ( يونس : 40 ) . | # والظن : يطلق على مراتب الإدراك ، فيطلق على الإعتقاد الجازم الذي لا ~~يشوبه شك ، كما في قوله تعالى : { وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين الذين ~~يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون } ( البقرة : 45 ، 46 ) ؛ ويطلق ~~على الإعتقاد المشوب بشك . ويظهر أنه حقيقة في هذا الثاني وأنه مجاز في ~~الأول لكنه في الأول شائع فصار كالمشترك . وقد تقدم في سورة البقرة عند ~~الكلام على الآية المذكورة . ومنه قوله تعالى : { قال الملأ الذين كفروا من ~~قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين في سورة الأعراف ( 66 ) ، ~~وقوله : وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه في سورة براءة ( 118 ) . | # وقد أطلق مجازا على الإعتقاد المخطىء ، كما في قوله تعالى : إن بعض الظن ~~إثم } ( الحجرات : 12 ) وقول النبي عليه الصلاة والسلام إياكم والظن فإن ~~الظن أكذب الحديث . | PageV11P165 # والظن كثر إطلاقه في القرآن والسنة على العلم المخطىء أو الجهل المركب ~~والتخيلات الباطلة ، قال النبي عليه الصلاة والسلام : ( إياكم والظن فإن ~~الظن أكذب الحديث ) . وقد يطلق على الظن الحصيبي كقوله تعالى : { ظن ~~المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا } ( النور : 12 ) وقوله تعالى : { إن بعض ~~الظن إثم } ( الحجرات : 12 ) . وهذا المعنى هو المصطلح عليه عند علماء أصول ~~الدين وأصول الفقه . وهو العلم المستند إلى دليل راجح مع احتمال الخطإ ~~احتمالا ضعيفا . وهذا الظن هو مناط التكليف بفروع الشريعة . | # فوجه الجمع بين هذه المتعارضات إعمال كل في مورده اللائق به بحسب مقامات ~~الكلام وسياقه ، فمحمل قوله هنا : { إن الظن لا يغني من الحق شيئا } أن ~~العلم المشوب بشك لا يغني شيئا في إثبات الحق المطلوب وذلك ما يطلب فيه ~~الجزم واليقين من العلوم الحاصلة بالدليل العقلي لأن الجزم فيها ممكن لمن ~~أعمل رأيه إعمالا صائبا إذ الأدلة العقلية يحصل منها اليقين ، فأما ما طريق ~~تحصيله الأدلة الظاهرة التي لا يتأتى اليقين بها في جميع ms3885 الأحوال فذلك ~~يكتفي فيه بالظن الراجح بعد إعمال النظر وهو ما يسمى بالاجتهاد . | # و { ظنا } منصوب على المفعولية به ل { يتبع } . ولما كان الظن يقتضي ~~مظنونا كان اتباع الظن اتباعا للمظنون أي يتبعون شيئا لا دليل عليه إلا ~~الظن ، أي الإعتقاد الباطل . | # وتنكير { ظنا } للتحقير ، أي ظنا واهيا . ودلت صيغة القصر على أنهم ليسوا ~~في عقائدهم المنافية للتوحيد على شيء من الحق ردا على اعتقادهم أنهم على ~~الحق . | # وجملة : { إن الظن لا يغني من الحق شيئا } تعليل لما دل عليه القصر من ~~كونهم ليسوا على شيء من الحق فكيف يزعمون أنهم على الحق . | # والحق : هو الثابت في نفس الأمر . والمراد به هنا معرفة الله وصفاته مما ~~دل عليها الدليل العقلي مثل وجوده وحياته ، وما دل عليها فعل الله مثل ~~العلم والقدرة والإرادة . | # و { شيئا } مفعول مطلق مؤكد لعامله ، أي لا يغني شيئا من الإغناء . | # و { من } للبدلية ، أي عوضا عن الحق . | # وجملة : { إن الله عليم بما يفعلون } استئناف للتهديد بالوعيد . | # | PageV11P166 # | 2 ( 37 ) { وما كان هاذا القرءان أن يفترى من دون الله ولاكن تصديق ~~الذى بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين } ) 2 # لما كان الغرض الأول في هذه السورة إبطال تعجب المشركين من الإيحاء ~~بالقرآن إلى النبي صلى الله عليه وسلم وتبيين عدم اهتدائهم إلى آياته ~~البينات الدالة على أنه من عند الله ، وكيف لم ينظروا في أحوال الرسول ~~الدالة على أن ما جاء به وحي من الله ، وكيف سألوه مع ذلك أن يأتي بقرآن ~~غيره أو يبدل آياته بما يوافق أهواءهم . ثم انتقل بعد ذلك إلى سؤالهم أن ~~تنزل عليه آية أخرى من عند الله غير القرآن ، وتخلل ذلك كله وصف افترائهم ~~الكذب في دعوى الشركاء لله وإقامة الأدلة على انفراد الله بالإلهية وعلى ~~إثبات البعث ، وإنذارهم بما نال الأمم من قبلهم ، وتذكيرهم بنعم الله عليهم ~~وإمهالهم ، وبيان خطئهم في اعتقاد الشرك اعتقادا مبنيا على سوء النظر ~~والقياس الفاسد ، لا جرم عاد الكلام إلى قولهم في ms3886 القرآن بإبطال رأيهم الذي ~~هو من الظن الباطل أيضا بقياسهم أحوال النبوءة والوحي بمقياس عاداتهم كما ~~قاسوا حقيقة الإلهية بمثل ذلك ، فقارعتهم هذه الآية بذكر صفات القرآن في ~~ذاته الدالة على أنه حق من الله وتحدتهم بالإعجاز عن الإتيان بمثله . | # فجملة : { وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله } يجوز أن تكون ~~معطوفة على جملة : { وما يتبع أكثرهم إلا ظنا } ( يونس : 36 ) بمناسبة ~~اتباعهم الظن في الأمرين : شؤون الإلهية وفي شؤون النبوءة ، ويجوز أن تكون ~~معطوفة على مجموع ما تقدم عطف الغرض على الغرض والقصة على القصة ، وهو مفيد ~~تفصيل ما أجمله ذكر PageV11P167 الحروف المقطعة في أول السورة والجمل ~~الثلاث التي بعد تلك الحروف . ويجوز أن تكون الجملة معطوفة على جملة : { قل ~~ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي } ( يونس : 15 ) تكملة للجواب عن قولهم ~~{ ائت بقرآن غير هذا أو بدله } ( يونس : 15 ) وهذا الكلام مسوق للتحدي ~~بإعجاز القرآن ، وهي مفيدة للمبالغة في نفي أن يكون مفترى من غير الله ، أي ~~منسوبا إلى الله كذبا وهو آتت من غيره ، فإن قوله : { ما كان هذا القرآن أن ~~يفترى } أبلغ من أن يقال : ما هو بمفترى ، لما يدل عليه فعل الكون من ~~الوجود ، أي ما وجد أن يفترى ، أي وجوده مناف لافترائه ، فدلالة ذاته كافية ~~في أنه غير مفترى ، أي لو تأمل المتأمل الفطن تأملا صادقا في سور القرآن ~~لعلم أنه من عند الله وأنه لا يجوز أن يكون من وضع البشر ، فتركيب ما كان ~~أن يفترى بمنزلة أن يقال : ما كان ليفترى ، بلام الجحود ، فحذف لام الجحود ~~على طريقة حذف الجار اطرادا مع ( أن ) ، ولما ظهرت ( أن ) هنا حذف لام ~~الجحود وإن كان الغالب أن يذكر لام الجحود وتقدر ( أن ) ولا تذكر ، فلما ~~ذكر فعل ( كان ) الذي شأنه أن يذكر مع لام الجحود استغني بذكره عن ذكر لام ~~الجحود قصدا للإيجاز . | # وإنما عدل عن الإتيان بلام الجحود بأن يقال : ما كان هذا القرآن ليفترى ، ~~لأن الغالب أن لام الجحود ms3887 تقع في نفي كون عن فاعل لا عن مفعول بما تدل عليه ~~اللام من معنى الملك . | # واعلم أن الإخبار ب { أن } والفعل يساوي الإخبار بالمصدر ، وهو مصدر ~~بمعنى المفعول لأن صلة { أن } هنا فعل مبني للنائب . والتقدير ما كان هذا ~~القرآن افتراء مفتر ، فآل إلى أن المصدر المنسبك من ( أن ) مصدر بمعنى ~~المفعول كالخلق بمعنى المخلوق ، وهو أيضا أقوى مبالغة من أن يقال : ما كان ~~مفترى ، فحصلت المبالغة في جهتين : جهة فعل ( كان ) وجهة ( أن ) المصدرية . ~~| # و ( من ) في قوله : { من دون الله } للابتداء المجازي متعلقة ب { يفترى } ~~أي أن يفتريه على الله مفتر . فقوله : { من دون الله } حال من ضمير { يفترى ~~} وهي في قوة الوصف الكاشف . | PageV11P168 # والافتراء : الكذب ، وتقدم في قوله : { ولكن الذين كفروا يفترون على الله ~~الكذب في سورة العقود ( 103 ) . | # ولما نفي عن القرآن الافتراء أخبر عنه بأنه تصديق وتفصيل ، فجرت أخباره ~~كلها بالمصدر تنويها ببلوغه الغاية في هذه المعاني حتى اتحد بأجناسها . | # وتصديق الذي بين يديه } كونه مصدقا للكتب السالفة ، أي مبينا للصادق منها ~~ومييزا له عما زيد فيها وأسيء من تأويلها كما قال تعالى : { مصدقا لما بين ~~يديه من الكتاب ومهيمنا عليه كما تقدم في سورة العقود ( 48 ) . وأيضا هو ~~مصدق ( بفتح الدال ) بشهادة الكتب السالفة فيما أخذت من العهد على أصحابها ~~أن يؤمنوا بالرسول الذي يجيء مصدقا وخاتما . فالوصف بالمصدر صالح للأمرين ~~لأن المصدر يقتضي فاعلا ومفعولا . | # والتفصيل : التبيين بأنواعه . والظاهر أن تعريف الكتاب } تعريف الجنس ~~فيستغرق الكتب كلها . ومعنى كون القرآن تفصيلا لها أنه مبين لما جاء مجملا ~~في الكتب السالفة ، وناسخ لما لا مصلحة للناس في دوام حكمه ، ودافع ~~للمتشابهات التي ضل بها أهل الكتاب ، فكل ذلك داخل في معنى التفصيل ، وهو ~~معنى قوله تعالى : { ومهيمنا عليه في سورة العقود ( 48 ) . وهذا غير معنى ~~قوله : وتفصيل كل شيء } ( يوسف : 111 ) في الآية الأخرى . | # وجملة : { لا ريب فيه مستأنفة ردت مزاعم الذين زعموا أنه مفترى باقتلاع ~~دعوى افترائه ، وأنها مما لا يروج على ms3888 أهل الفطن والعقولل العادلة ، فالريب ~~المنفي عنه هو أن يكون من أحواله في ذاته ومقارناته ما يثير الريب ، ولذلك ~~كان ريب المرتابين فيه ريبا مزعوما مدعى وهو لو راجعوا أنفسهم لوجدوها غير ~~مرتابة . وقد تقدم القول في نظير هذا في طالعة سورة البقرة ( 2 ) . | # وموقع قوله : من رب العالمين } محتمل وجوها أظهرها أنه ظرف مستقر في موضع ~~الخبر عن مبتدإ محذوف هو ضمير القرآن ، والجملة استئناف ثان ، و ( من ) ~~ابتدائية تؤذن بالمجيء ، أي هو وارد من رب العالمين ، أي من وحيه وكلامه ، ~~وهذا مقابل قوله : { من دون الله } . | # | PageV11P169 # | 2 ( 38 ) { أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من ~~دون الله إن كنتم صادقين } ) 2 # { أم } للإضراب الانتقالي من النفي إلى الاستفهام الإنكاري التعجيبي ، ~~وهو ارتقاء بإبطال دعواهم أن يكون القرآن مفترى من دون الله . | # ولما اختصت { أم } بعطف الاستفهام كان الاستفهام مقدرا معها حيثما وقعت ، ~~فالاستفهام الذي تشعر به ( أم ) استفهام تعجيبي إنكاري ، والمعنى : بل ~~أيقولون افتراه بعدما تبين لهم من الدلائل على صدقه وبراءته من الافتراء . ~~| # ومن بديع الأسلوب وبليغ الكلام أن قدم وصف القرآن بما يقتضي بعده عن ~~الافتراء وبما فيه من أجل صفات الكتب ، وبتشريف نسبته إلى الله تعالى ثم ~~أعقب ذلك بالاستفهام عن دعوى المشركين افتراء ليتلقى السامع هذه الدعوى ~~بمزيد الاشمئزاز والتعجب من حماقة أصحابها فلذلك جعلت دعواهم افتراءه في ~~حيز الاستفهام الإنكاري التعجيبي . | # وقد أمر الله نبيه أن يجيبهم عن دعوى الافتراء بتعجيزهم ، وأن يقطع ~~الاستدلال عليهم ، فأمرهم بأن يأتوا بسورة مثله . والأمر أمر تعجيز ، وقد ~~وقع التحدي بإتيانهم بسورة تماثل سور القرآن ، أي تشابهه في البلاغة وحسنن ~~النظم . وقد تقدم تقرير هذه المماثلة عند تفسير قوله تعالى : { وإن كنتم في ~~ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله في سورة البقرة ( 23 ) . | # وقوله : وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين هو كقوله في آية ~~البقرة ( 23 ) : وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين } ، ومعنى { ~~صادقين } هنا ms3889 ، أي قولكم أنه افترى ، لأنه إذا أمكنه أن يفتريه أمكنكم أنتم ~~معارضته فإنكم سواء في هذه اللغة العربية . | # وحذف مفعول { استطعتم } لظهوره من فعل ( ادعوا ) ، أي من استطعتم دعوته ~~لنصرتكم وإعانتكم على تأليف سورة مثل سور القرآن . | # | PageV11P170 # | 2 ( 39 ) { بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب ~~الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين } ) 2 # { بل } إضراب انتقالي لبيان كنه تكذيبهم ، وأن حالهم في المبادرة ~~بالتكذيب قبل التأمل أعجب من أصل التكذيب إذ إنهم بادروا إلى تكذيبه دون ~~نظر في أدلة صحته التي أشار إليها قوله : { وما كان هذا القرآن أن يفترى من ~~دون الله } ( يونس : 37 ) . | # والتكذيب : النسبة إلى الكذب ، أو الوصف بالكذب سواء كان من اعتقاد أم لم ~~يكنه . | # واختيار التعبير عن القرآن بطريق الموصولية في قوله : { بما لم يحيطوا ~~بعلمه } لما تؤذن به صلة الموصول من عجيب تلك الحالة المنافية لتسليط ~~التكذيب ، فهم قد كذبوا قبل أن يختبروا ، وهذا من شأن الحماقة والجهالة . | # والإحاطة بالشيء : الكون حوله كالحائط ، وقد تقدم آنفا في قوله : { وظنوا ~~أنهم أحيط بهم } ( يونس : 22 ) . ويكنى بها عن التمكن من الشيء بحيث لا ~~يفوت منه . ومنه قوله تعالى : { ولا يحيطون به علما } ( طه : 110 ) وقوله : ~~{ وأحاط بما لديهم } ( الجن : 28 ) أي علمه ، فمضى { بما لم يحيطوا بعلمه } ~~بما لم يتقنوا علمه . | # والباء للتعدية . وشأنها مع فعل الإحاطة أن تدخل على المحاط به وهو ~~المعلوم ، وهو هنا القرآن . وعدل عن أن يقال بما لم يحيطوا به علما أو بما ~~لم يحط علمهم به إلى { بما لم يحيطوا بعلمه } للمبالغة إذ جعل العلم معلوما ~~. فأصل العبارة قبل النفي أحاطوا بعلمه أي أتقنوا علمه أشد إتقان فلما نفي ~~صار لم يحيطوا بعلمه ، أي وكان الحق أن يحيطوا بعلمه لأن توفر أدلة صدقه ~~يحتاج إلى زيادة تأمل وتدقيق نظر بحيث يتعين على الناظر علم أدلته ثم إعادة ~~التأمل فيها وتسليط علم على علم ونظر على نظر بحيث تحصل الإحاطة بالعلم . ~~وفي هذا مبالغة ms3890 في فرط احتياجه إلى صدق التأمل ، ومبالغة في تجهيل الذين ~~بادروا إلى التكذيب من دون تأمل في شيء حقيق بالتأمل بعد التأمل . | ~~PageV11P171 # والمعنى أنهم سارعوا إلى التكذيب بالقرآن في بديهة السماع قبل أن يفقهوه ~~ويعلموا كنه أمره وقبل أن يتدبروه . وإنما يكون مثل هذا التكذيب عن مكابرة ~~وعداوة لا عن اعتقاد كونه مكذوبا . ثم إن عدم الإحاطة بعلمه متفاوت : فمنه ~~عدم بحت وهو حال الدهماء ، ومنه عدم في الجملة وهو ما يكون بضرب من الشبهة ~~والتردد أو يكون مع رجحان صدقه ولكن لا يحيط بما يؤدي إليه التكذيب من شديد ~~العقاب . ونظير هذه الآية في سورة النمل ( 84 ) { قال أكذبتم بآياتي ولم ~~تحيطوا بها علما أم ماذا كنتم تعملون . | # وجملة : ولما يأتهم تأويله } معطوفة على الصلة ، أي كذبوا بما لما يأتهم ~~تأويله . وهذا ارتقاء في وصفهم بقلة الأناة والتثبت ، أي لو انتظروا حتى ~~يأتيهم تأويل القرآن ، أي ما يحتاج منه إلى التأويل بل هم صمموا على ~~التكذيب قبل ظهور التأويل . | # والتأويل : مشتق من آل إذا رجع إلى الشيء . وهو يطلق على تفسير اللفظ ~~الذي خفي معناه تفسيرا يظهر المعنى ، فيؤول واضحا بعد أن كان خفيا ، ومنه ~~قوله تعالى : { وما يعلم تأويله إلا الله } ( آل عمران : 7 ) الآية . وهو ~~بهذا الإطلاق قريب من معنى التفسير . وقد مر في سورة آل عمران وفي المقدمة ~~الأولى من هذا التفسير . ويطلق التأويل على اتضاح ما خفي من معنى لفظ أو ~~إشارة ، كما في قوله تعالى : { هذا تأويل رؤياي من قبل } ( يوسف : 100 ) ~~وقوله : { هل ينظرون إلا تأويله } ( الأعراف : 53 ) أي ظهور ما أنذرهم به ~~من العذاب . والتأويل الذي في هذه الآية يحتمل المعنيين ولعل كليهما مراد ، ~~أي لما يأتهم تأويل ما يدعون أنهم لم يفهموه من معاني القرآن لعدم اعتيادهم ~~بمعرفة أمثالها ، مثل حكمة التشريع ، ووقوع البعث ، وتفضيل ضعفاء المؤمنين ~~على صناديد الكافرين ، وتنزيل القرآن منجما ، ونحو ذلك . فهم كانوا يعتبرون ~~الأمور بما ألفوه في المحسوسات وكانوا يقيسون الغائب على الشاهد فكذبوا ~~بذلك وأمثاله ms3891 قبل أن يأتيهم تأويله . ولو آمنوا ولازموا النبي صلى الله ~~عليه وسلم لعلموها واحدة بعد واحدة . وأيضا لما يأتهم تأويل ما حسبوا عدم ~~التعجيل به دليلا على الكذب كما قالوا : { إن كان هذا هو الحق من عندك ~~فأمطر علينا حجارة من السماء أو ايتنا بعذاب أليم } ( الأنفال : 32 ) ظنا ~~أنهم إن استغضبوا الله عجل لهم بالعذاب فظنوا تأخر حصول ذلك دليلا على أن ~~القرآن ليس حقا من عنده . وكذلك كانوا يسألون آيات من PageV11P172 الخوارق ~~، كقولهم : { لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا } ( الإسراء : 90 ) ~~الآية . ولو أسلموا ولازموا النبي عليه الصلاة والسلام لعلموا أن الله لا ~~يعبأ باقتراح الضلال . | # وعلى الوجهين فحرف { لما } موضوع لنفي الفعل في الماضي والدلالة على ~~استمرار النفي إلى وقت التكلم ، وذلك يقتضي أن المنفي بها متوقع الوقوع ، ~~ففي النفي بها هنا دلالة على أنه سيجيء بيان ما أجمل من المعاني فيما بعد ، ~~فهي بذلك وعد ، وأنه سيحل بهم ما توعدهم به ، كقوله : { يوم يأتي تأويله ~~يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا ~~لنا } ( الأعراف : 53 ) الآية . فهي بهذا التفسير وعيد . | # وجملة : { كذلك كذب الذين من قبلهم } استئناف . والخطاب للنبيء صلى الله ~~عليه وسلم أو لمن يتأتى منه السماع . والإشارة ب { كذلك } إلى تكذيبهم ~~المذكور ، أي كان تكذيب الذين من قبلهم كتكذيبهم ، والمراد بالذين من قبلهم ~~الأمم المكذبون رسلهم كما دل عليه المشبه به . | # ومما يقصد من هذا التشبيه أمور : | # أحدها : أن هذه عادة المعاندين الكافرين ليعلم المشركون أنهم مماثلون ~~للأمم التي كذبت الرسل فيعتبروا بذلك . | # الثاني : التعريض بالنذارة لهم بحلول العذاب بهم كما حل بأولئك الأمم ~~التي عرف السامعون مصيرها وشاهدوا ديارها . | # الثالث : تسلية النبي صلى الله عليه وسلم بأنه ما لقي من قومه إلا مثل ما ~~لقي الرسل السابقون من أقوامهم . | # ولذلك فرع على جملة التشبيه خطاب النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : { ~~فانظر كيف كان عاقبة الظالمين } أي عاقبة الأمم التي ظلمت بتكذيب ms3892 الرسل كما ~~كذب هؤلاء . | PageV11P173 # والأمر بالنظر في عاقبة الظالمين مقصود منه قياس أمثالهم في التكذيب ~~عليهم في ترقب أن يحل بهم من المصائب مثل ما حل بأولئك لتعلم عظمة ما ~~يلاقونك به من التكذيب فلا تحسبن أنهم مفلتون من العذاب . والنظر هنا بصري ~~. | # و { كيف } يجوز أن تكون مجردة عن الاستفهام ، فهي اسم مصدر للحالة ~~والكيفية ، كقولهم : كن كيف شئت . ومنه قوله تعالى : { هو الذي يصوركم في ~~الأرحام كيف يشاء في سورة آل عمران ( 6 ) . فكيف } مفعول به لفعل { انظر } ~~، وجملة : { كان عاقبة الظالمين } صفة { كيف } . والمعنى انظر بعينك حالة ~~صفتها كان عاقبة الظالمين ، وهي حالة خراب منازلهم خرابا نشأ من اضمحلال ~~أهلها . | # ويجوز أن تكون { كيف } اسم استفهام ، والمعنى فانظر هذا السؤال ، أي جواب ~~السؤال ، أي تدبره وتفكر فيه . و { كيف } خبر { كان } . وفعل النظر معلق عن ~~العمل في مفعوليه بما في { كيف } من معنى الاستفهام . | # | 2 ( 40 ) { ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم بالمفسدين ~~} ) 2 # عطف على جملة : { بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه } ( يونس : 39 ) لأن ~~الإخبار عن تكذيبهم بأنه دون الإحاطة بعلم ما كذبوا به يقتضي أن تكذيبهم به ~~ليس عن بصيرة وتأمل . وما كان بهاته المثابة كان حال المكذبين فيه متفاوتا ~~حتى يبلغ إلى أن يكون تكذيبا مع اعتقاد نفي الكذب عنه ، ولذلك جاء موقع هذه ~~الآية عقب الأخرى موقع التخصيص للعام في الظاهر أو البيان للمجملل من عدم ~~الإحاطة بعلمه ، كما تقدم بيانه في قوله : { بما لم يحيطوا بعلمه } ( يونس ~~: 39 ) . فكان حالهم في الإيمان بالقرآن كحالهم في اتباع الأصنام إذ قال ~~فيهم : { وما يتبع أكثرهم PageV11P174 إلا ظنا } ( يونس : 36 ) ، فأشعر لفظ ~~{ أكثرهم } بأن منهم من يعلم بطلان عبادة الأصنام ولكنهم يتبعونها مشايعة ~~لقومهم ومكابرة للحق ، وكذلك حالهم في التكذيب بنسبة القرآن إلى الله ، ~~فمنهم من يؤمن به ويكتم إيمانه مكابرة وعداء ، ومنهم من لا يؤمنون به ~~ويكذبون عن تقليد لكبرائهم . | # والفريقان مشتركان في التكذيب في الظاهر كما أنبأت ms3893 عنه ( من ) التبعيضية ~~، وضمير الجمع عائد إلى ما عادت إليه ضمائر { أم يقولون افتراه } ( يونس : ~~38 ) فمعنى يؤمن به يصدق بحقيته في نفسه ولكنه يظهر تكذيبه جمعا بين إسناد ~~الإيمان إليهم وبين جعلهم بعضا من الذين يقولون { افتراه } . | # واختيار المضارع للدلالة على استمرار الإيمان به من بعضهم مع المعاندة ، ~~واستمرار عدم الإيمان به من بعضهم أيضا . | # وجملة : { وربك أعلم بالمفسدين } معترضة في آخر الكلام على رأي المحققين ~~من علماء المعاني ، وهي تعريض بالوعيد والإنذار ، وبأنهم من المفسدين ، ~~للعلم بأنه ما ذكر { المفسدين } هنا إلا لأن هؤلاء منهم وإلا لم يكن لذكر { ~~المفسدين } مناسبة ، فالمعنى : وربك أعلم بهم لأنه أعلم بالمفسدين الذين هم ~~من زمرتهم . | # | 2 ( 41 ) { وإن كذبوك فقل لى عملى ولكم عملكم أنتم بري ئون ممآ أعمل ~~وأنا برى ء مما تعملون } ) 2 # | $ # لما كان العلم بتكذيبهم حاصلا مما تقدم من الآيات تعين أن التكذيب ~~المفروض هنا بواسطة أداة الشرط هو التكذيب في المستقبل ، أي الاستمرار على ~~التكذيب . وذلك أن كل ما تبين به صدق القرآن هو مثبت لصدق الرسول صلى الله ~~عليه وسلم الذي أتى به ، أي إن أصروا على التكذيب بعدما قارعتهم به من ~~الحجة فاعلم أنهم لا تنجع فيهم الحجج وأعلن لهم بالبراءة منهم كما تبرؤوا ~~منك . | PageV11P175 # ومعنى : { لي عملي ولكم عملكم } المتاركة . وهو مما أجري مجرى المثل ، ~~ولذلك بني على الاختصار ووفرة المعنى ، فأفيد فيه معنى الحصر بتقديم ~~المعمول وبالتعبير بالإضافة ب { عملي } و { عملكم } ، ولم يعبر بنحو لي ما ~~أعمل ولكم ما تعملون ، كما عبر به بعد . | # والبريء : الخلي عن التلبس بشيء وعن مخالطته . وهو فعيل من برأ المضاعف ~~على غير قياس . وفعل برأ مشتق من برىء بكسر الراء من كذا ، إذا خلت عنه ~~تبعته والمؤاخذة به . | # وهذا التركيب لا يراد به صريحه وإنما يراد به الكناية عن المباعدة . وقد ~~جاء هذا المكنى به مصرحا به في قوله تعالى : { فإن عصوك فقل إني بريء مما ~~تعملون } ( الشعراء : 216 ) ، ولذلك فجملة : { أنتم بريئون مما أعمل ms3894 } إلى ~~آخرها بيان لجملة : { لي عملي ولكم عملكم } ولذلك فصلت . | # وإنما عدل عن الإتيان بالعمل مصدرا كما أتي به في قوله : { لي عملي ولكم ~~عملكم } إلى الإتيان به فعلا صلة ل { ما } الموصولة للدلالة على البراءة من ~~كل عمل يحدث في الحال والاستقبال ، وأما العمل الماضي فلكونه قد انقضى لا ~~يتعلق الغرض بذكر البراءة منه . ولو عبر بالعمل لربما توهم أن المراد عمل ~~خاص لأن المصدر المضاف لا يعم ، ولتجنب إعادة اللفظ بعينه في الكلام الواحد ~~؛ لأن جملة البيان من تمام المبين ، ولأن هذا اللفظ أنسب بسلاسة النظم ، ~~لأن في ( ما ) في قوله : { مما أعمل } من المد ما يجعله أسعد بمد النفس في ~~آخر الآية والتهيئة للوقف على قوله : { مما تعملون } ، ولما في { تعملون } ~~من المد أيضا ، ولأنه يراعي الفاصلة . | # وهذا من دقائق فصاحة القرآن الخارجة عن الفصاحة المتعارفة بين الفصحاء . ~~| # | PageV11P176 # | 2 ( 42 ، 43 ) { ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا ~~يعقلون * ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدى العمى ولو كانوا لا يبصرون } ) 2 # لما سبق تقسيم المشركين بالنسبة إلى اعتقادهم في الأصنام إلى من يتبع ~~الظن ومن يوقن بأن الأصنام لا شيء ، وتقسيمهم بالنسبة لتصديق القرآن إلى ~~قسمين : من يؤمن بصدقه ومن لا يؤمن بصدقه ؛ كمل في هذه الآية تقسيمهم ~~بالنسبة للتلقي من النبي صلى الله عليه وسلم إلى قسمين : قسم يحضرون مجلسه ~~ويستمعون إلى كلامه ، وقسم لا يحضرون مجلسه وإنما يتوسمونه وينظرون سمته . ~~وفي كلا الحالين مسلك عظيم إلى الهدى لو كانوا مهتدين ؛ فإن سماع كلام ~~النبي وإرشاده ينير عقول القابلين للهداية ، فلا جرم أن كان استمرار ~~المشركين على كفرهم مع سماعهم كلام النبي أو رؤية هديه مؤذنا ببلوغهم ~~الغاية في الضلالة ميئوسا من نفوذ الحق إليهم ، وليس ذلك لقصور كلامه عن ~~قوة الإبلاغ إلى الاهتداء ، كما أن التوسم في سمته الشريف ودلائل نبوءته ~~الواضحة في جميع أحواله كاف في إقبال النفس عليه بشراشرها ، فما عدم انتفاع ~~الكفار الذين يعاينون ذاته الشريفة بمعاينتها إلا لشدة ms3895 بغضهم إياه وحسدهم ، ~~وقد أفاد سياق الكلام أنهم يستمعون إليه وينظرون إليه ولا ينتفعون بذلك من ~~جهة أن المستمعين إليه والناظرين إليه هنا استمروا على الكفر كما دل عليه ~~قوله : { ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون } في ~~الموضعين ، فطويت جملة : ولا ينتفعون أو نحوها للإيجاز بدلالة التقسيم . ~~وجيء بالفعل المضارع دون اسم الفاعل للدلالة على تكرر الاستماع والنظر . ~~والحرمان من الاهتداء مع ذلك التكرر أعجب . | # فجملة : { أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون } تفريع على جملة : { من ~~يستمعون إليك } مع ما طوي فيها . وفي هذا التفريع بيان لسبب عدم انتفاعهم ~~بسماع كلام النبي صلى الله عليه وسلم وتسلية له وتعليم للمسلمين ، فقربت ~~إليهم هذه الحالة الغريبة بأن أولئك المستمعين بمنزلة صم لا يعقلون في أنهم ~~حرموا التأثر بما يسمعون من الكلام PageV11P177 فساووا الصم الذين لا ~~يعقلون في ذلك ، وهذه استعارة مصرحة إذ جعلهم نفس الصم . | # وبني على ذلك استفهام عن التمكن من إسماع هؤلاء الصم وهدي هؤلاء العمي مع ~~أنهم قد ضموا إلى صممهم عدم العقل وضموا إلى عماهم عدم التبصر . وهذان ~~الاستفهامان مستعملان في التعجيب من حالهم إذ يستمعون إلى دعوة النبي صلى ~~الله عليه وسلم ولا يعقلونها ، وإذ ينظرون أعماله وسيرته ولا يهتدون بها ، ~~فليس في هذين الاستفهامين معنى الإنكار على محاولة النبي إبلاغهم وهديهم ~~لأن المقام ينبو عن ذلك . | # وهذه المعاني المجازية تختلف باختلاف المقام والقرائن ، فلذلك لم يكن ~~الاستفهامان إنكارا ، ولذلك لا يتوهم إشكال بأن موقع ( لو ) الوصلية هنا ~~بعدما هو بمعنى النفي بحيث تنتقض المبالغة التي اجتلبت لها ( لو ) الوصلية ~~، بل المعنى بالعكس . | # وفي هذين الاستفهامين ترشيح لاستعارة الصم والعمي لهؤلاء الكافرين ، أي ~~أن الله لما خلق نفوسهم مفطورة على المكابرة والعناد وبغضاء من أنعم الله ~~عليه وحسده كانت هاته الخصال حوائل بينهم وبين التأثر بالمسموعات والمبصرات ~~فجيء بصيغة الاستفهام التعجيبي المشتملة على تقوي الخبر بتقديم المسند إليه ~~على الخبر الفعلي بقوله : { أفأنت تسمع } وقوله : { أفأنت تهدي } دون أن ~~يقال ms3896 : { أتسمع الصم } و { أتهدي العمي } ، فكان هذا التعجيب مؤكدا مقوى . ~~| # و ( لو ) في قوله : { ولو كانوا لا يعقلون } وقوله : { ولو كانوا لا ~~يبصرون } ، وصلية دالة على المبالغة في الأحوال ، وهي التي يكون الذي بعدها ~~أقصى ما يعلق به الغرض . ولذلك يقدرون لتفسير معناها جملة قبل جملة ( لو ) ~~مضمونها ضد الجملة التي دخلت عليها ( لو ) ، فيقال هنا : أفأنت تسمع الصم ~~لو كانوا يعقلون بل ولو كانوا لا يعقلون . | # ولما كان الغرض هنا التعجيب من حالهم إذ لم يصلوا إلى الهدى كان عدم ~~فهمهم وعدم تبصرهم كناية عن كونهم لا يعقلون وكونهم لا بصائر لهم . فمعنى : ~~{ لا يعقلون } PageV11P178 ليس لهم إدراك العقول ، أي ولو انضم إلى صممهم ~~عدم عقولهم فإن الأصم العاقل ربما تفرس في مخاطبه واستدل بملامحه . | # وأما معنى : { لا يبصرون } فإنهم لا بصيرة لهم يتبصرون بها . وهو الذي ~~فسر به ( الكشاف ) وهو الوجه ، إذ بدونه يكون معنى : { لا يبصرون } مساويا ~~لمعنى العمى فلا تقع المبالغة ب ( لو ) الوصلية موقعها ، إذ يصير أفأنت ~~تهدي العمي ولو كانوا عميا . ومقتضى كلام ( الكشاف ) أنه يقال : أبصر إذا ~~استعمل بصيرته وهي التفكير والاعتبار بحقائق الأشياء . وكلام ( الأساس ) ~~يحوم حوله . وأيا ما كان فالمراد بقوله : { لا يبصرون } معنى التأمل ، أي ~~ولو انضم إلى عمى العمي عدم التفكير كما هو حال هؤلاء الذين ينظرون إليك ~~سواء كان ذلك مدلولا لفعل { يبصرون } بالوضع الحقيقي أو المجازي . فبهذا ~~النظم البديع المشتمل على الاستعارة في أوله وعلى الكناية في آخره وعلى ~~التعجيب وتقويته في وسطه حصل تحقيق أنهم لا ينتفعون بأسماعهم ولا بأبصارهم ~~وأنهم لا يعقلون ولا يتبصرون في الحقائق . | # وقد علم أن هذه الحالة التي اتصفوا بها هي حالة أصارهم الله إليها ~~بتكوينه وجعلها عقابا لهم في تمردهم في كفرهم وتصلبهم في شركهم وإعراضهم عن ~~دعوة رسوله ولذلك جعلهم صما وعميا . فليس المعنى أن الله هو الذي يسمعهم ~~ويهديهم لا أنت لأن هذا أمر معلوم لا يحتاج للعبارة . | # وقد أورد الشيخ ابن عرفة سؤالا عن وجه التفرقة بين ms3897 قوله : { من يستمعون } ~~وقوله : { من ينظر } إذ جيء بضمير الجمع في الأول وبضمير المفرد في الثاني ~~. وأجاب عنه بأن الإسماع يكون من الجهات كلها وأما النظر فإنما يكون من ~~الجهة المقابلة . وهو جواب غير واضح لأن تعدد الجهات الصالحة لأحد الفعلين ~~لا يؤثر إذا كان المستمعون والناظرون متحدين ولأن الجمع والإفراد هنا سواء ~~لأن مفاد ( من ) الموصولة فيهما هو من يصدر منهم الفعل وهم عدد وليس الناظر ~~شخصا واحدا . | # والوجه أن كلا الاستعمالين سواء في مراعاة لفظ ( من ) ومعناها ، فلعل ~~الابتداء بالجمع في صلة ( من ) الأولى الإشارة إلى أن المراد ب ( من ) غير ~~واحد معين وأن العدول PageV11P179 عن الجمع في صلة ( من ) الثانية هو ~~التفنن وكراهية إعادة صيغة الجمع لثقلها لا سيما بعد أن حصل فهم المراد ، ~~أو لعل اختلاف الصيغتين للمناسبة مع مادة فعلي ( يستمع ) و ( ينظر ) . ففعل ~~( ينظر ) لا تلائمه صيغة الجمع لأن حروفه أثقل من حروف ( يستمع ) فيكون ~~العدول استقصاء لمقتضى الفصاحة . | # | 2 ( 44 ) { إن الله لا يظلم الناس شيئا ولاكن الناس أنفسهم يظلمون } ) ~~2 # تذييل ، وشمل عموم الناس المشركين الذين يستمعون ولا يهتدون وينظرون ولا ~~يعتبرون . والمقصود من هذا التذييل التعريض بالوعيد بأن سينالهم ما نال ~~جميع الذين ظلموا أنفسهم بتكذيب رسل الله . وعموم { الناس } الأولل على ~~بابه وعموم { الناس } الثاني مراد به خصوص الناس الذين ظلموا أنفسهم بقرينة ~~الخبر . وإنما حسن الإتيان في جانب هؤلاء بصيغة العموم تنزيلا للكثرة منزلة ~~الإحاطة لأن ذلك غالب حال الناس في ذلك الوقت . | # وهذا الاستدراك أشعر بكلام مطوي بعد نفي الظلم عن الله ، وهو أن الله لا ~~يظلم الناس بعقابه من لم يستوجب العقاب ولكن الناس يظلمون فيستحقون العقاب ~~، فصار المعنى أن الله لا يظلم الناس بالعقاب ولكنهم يظلمون أنفسهم ~~بالاعتداء على ما أراد منهم فيعاقبهم عدلا لأنهم ظلموا فاستوجبوا العقاب . ~~| # وتقديم المفعول على عامله لإفادة تغليطهم بأنهم ما جنوا بكفرهم إلا على ~~أنفسهم وما ظلموا الله ولا رسله فما أضروا بعملهم إلا أنفسهم . | # وقرأ الجمهور بتشديد نون { لكن ms3898 } ونصب { الناس } . وقرأ حمزة والكسائي ~~وخلف بتخفيف النون ورفع { الناس } . | # | PageV11P180 # | 2 ( 45 ) { ويوم يحشرهم كأن لم يلبثو ا إلا ساعة من النهار يتعارفون ~~بينهم قد خسر الذين كذبوا بلقآء الله وما كانوا مهتدين } ) 2 # | $ # عطف على : { ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم } ( يونس : ~~28 ) عطف القصة على القصة عودا إلى غرض من الكلام بعد تفصيله وتفريعه وذم ~~المسوق إليهم وتقريعهم فإنه لما جاء فيما مضى ذكر يوم الحشر إذ هو حين ~~افتضاح ضلال المشركين ببراءة شركائهم منهم أتبع ذلك بالتقريع على عبادتهم ~~الأصنام مع وضوح براهين الوحدانية لله تعالى . وإذ كان القرآن قد أبلغهم ما ~~كان يعصمهم من ذلك الموقف الذليل لو اهتدوا به أتبع ذلك بالتنويه بالقرآن ~~وإثبات أنه خارج عن طوق البشر وتسفيه الذين كذبوه وتفننوا في الإعراض عنه ~~واستوفي الغرض حقه عاد الكلام إلى ذكر يوم الحشر مرة أخرى إذ هو حين خيبة ~~أولئك الذين كذبوا بالبعث وهم الذين أشركوا وظهر افتضاح شركهم في يوم الحشر ~~فكان مثل رد العجز على الصدر . | # وانتصب { يوم } على الظرفية لفعل { خسر } . والتقدير : وقد خسر الذين ~~كذبوا بلقاء الله يوم نحشرهم ، فارتباط الكلام هكذا : وردوا إلى الله ~~مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون وقد خسر الذين كذبوا بلقاء الله يوم ~~نحشرهم . وتقديم الظرف على عامله للاهتمام لأن المقصود الأهم تذكيرهم بذلك ~~اليوم وإثبات وقوعه مع تحذيرهم ووعيدهم بما يحصل لهم فيه . | # ولذلك عدل عن الإضمار إلى الموصولية في قوله : { قد خسر الذين كذبوا ~~بلقاء الله } دون قد خسروا ، للإيماء إلى أن سبب خسرانهم هو تكذيبهم بلقاء ~~الله وذلك التكذيب من آثار الشرك فارتبط بالجملة الأولى ، وهي جملة : { ~~ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم إلى قوله : وضل عنهم ما ~~كانوا يفترون } ( يونس : 28 30 ) . | # وقرأ الجمهور { نحشرهم } بنون العظمة ، وقرأه حفص عن عاصم بياء الغيبة ، ~~فالضمير يعود إلى اسم الجلالة في قوله قبله : { إن الله لا يظلم الناس شيئا ~~} ( يونس : 44 ) . | PageV11P181 # وجملة : { كأن لم يلبثوا إلا ساعة ms3899 من النهار } إما معترضة بين جملة : { ~~نحشرهم } وجملة { يتعارفون بينهم } ، وإما حال من الضمير المنصوب في { ~~نحشرهم } . | # و { كأن } مخففة ( كأن ) المشددة النون التي هي إحدى أخوات ( إن ) ، وهي ~~حرف تشبيه ، وإذا خففت يكون اسمها محذوفا غالبا ، والتقدير هنا : كأنهم لم ~~يلبثوا إلا ساعة من النهار . وقد دل على الاسم المحذوف ما تقدم من ضمائرهم ~~. | # والمعنى تشبيه المحشورين بعد أزمان مضت عليهم في القبور بأنفسهم لو لم ~~يلبثوا في القبور إلا ساعة من النهار . | # و { من النهار } ( من ) فيه تبعيضية صفة ل { ساعة } وهو وصف غير مراد منه ~~التقييد إذ لا فرق في الزمن القليل بين كونه من النهار أو من الليل وإنما ~~هذا وصف خرج مخرج الغالب لأن النهار هو الزمن الذي تستحضره الأذهان في ~~المتعارف ، مثل ذكر لفظ الرجل في الإخبار عن أحوال الإنسان كقوله تعالى : { ~~وعلى الأعراف رجال } ( الأعراف : 46 ) . ومن هذا ما وقع في الحديث ( وإنما ~~أحلت لي ساعة من نهار ) ، والمقصود ساعة من الزمان وهي الساعة التي يقع ~~فيها قتال أهل مكة من غير التفات إلى تقييد بكونه في النهار وإن كان صادف ~~أنه في النهار . | # والساعة : المقدار من الزمان ، والأكثر أن تطلق على الزمن القصير إلا ~~بقرينة ، وتقدم عند قوله تعالى : { لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون في سورة ~~الأعراف ( 34 ) . | # ووجه الشبه بين حال زمن لبثهم في القبور وبين لبثث ساعة من النهار وجوه : ~~هي التحقق والحصول ، بحيث لم يمنعهم طول الزمن من الحشر ، وأنهم حشروا ~~بصفاتهم التي عاشوا عليها في الدنيا فكأنهم لم يفنوا . وهذا اعتبار بعظيم ~~قدرة الله على إرجاعهم . | # والمقصود من التشبيه التعريض بإبطال دعوى المشركين إحالتهم البعث بشبهة ~~أن طول اللبث وتغير الأجساد ينافي إحياءها يقولون أئنا لمردودون في الحافرة ~~أإذا كنا عظاما نخرة } ( النازعات : 10 ، 11 ) . | PageV11P182 # وجملة : { يتعارفون بينهم } حال من الضمير المنصوب في { نحشرهم } . | # والتعارف : تفاعل من عرف ، أي يعرف كل واحد منهم يومئذ من كان يعرفه في ~~الدنيا ويعرفه الآخر كذلك . | # والمقصود من ذكر هذه الحال كالمقصود ms3900 من ذكر حالة { كأن لم يلبثوا إلا ~~ساعة من النهار } لتصوير أنهم حشروا على الحالة التي كانوا عليها في الدنيا ~~في أجسامهم وإدراكهم زيادة في بيان إبطال إحالتهم البعث بشبهة أنه ينافي ~~تمزق الأجسام في القبور وانطفاء العقول بالموت . | # فظهر خسرانهم يومئذ بأنهم نفوا البعث فلم يستعدوا ليومه بقبول ما دعاهم ~~إليه الرسول صلى الله عليه وسلم | # | 2 ( 46 ) { وإما نرينك بعض الذى نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم ثم ~~الله شهيد على ما يفعلون } ) 2 # كان ذكر تكذيبهم الذي جاء في صدر السورة بقوله : { قال الكافرون إن هذا ~~لسحر مبين } ( يونس : 2 ) ، ثم الوعيد عليه بعذاب يحل بهم ، والإشارة إلى ~~أنهم كذبوا بالوعيد في قوله : { ولو يعجل الله للناس الشر إلى قوله : لننظر ~~كيف تعملون } ( يونس : 11 14 ) منذرا بترقب عذاب يحل بهم في الدنيا كما حل ~~بالقرون الذين من قبلهم ، وكان معلوما من خلق النبي صلى الله عليه وسلم ~~رأفته بالناس ورغبته أن يتم هذا الدين وأن يهتدي جميع المدعوين إليه ، ~~فربما كان النبي يحذر أن ينزل بهم عذاب الاستئصال فيفوت اهتداؤهم . وكان ~~قوله : { ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم فنذر ~~الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون } ( يونس : 11 ) تصريحا بإمكان ~~استبقائهم وإيماء إلى إمهالهم . جاء هذا الكلام بيانا لذلك وإنذارا بأنهم ~~إن أمهلوا فأبقي عليهم في الدنيا فإنهم غير مفلتين من المصير إلى عقاب ~~الآخرة حين يرجعون إلى تصرف الله دون حائل . | PageV11P183 # وجاء الكلام على طريقة إبهام الحاصل من الحالين لإيقاع الناس بين الخوف ~~والرجاء وإن كان المخاطب به النبي صلى الله عليه وسلم | # والمراد ب { بعض الذي نعدهم } هو عذاب الدنيا فإنهم أوعدوا بعذاب الدنيا ~~وعذاب الآخرة ، قال تعالى : { وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك } . فالمعنى ~~إن وقع عذاب الدنيا بهم فرأيته أنت أو لم يقع فتوفاك الله فمصيرهم إلينا ~~على كل حال . | # فمضمون { أو نتوفينك } قسيم لمضمون { نرينك بعض الذي نعدهم } . | # والجملتان معا جملتا شرط ، وجواب الشرط قوله : { فإلينا مرجعهم } . | # ولما ms3901 جعل جواب الشرطين إرجاعهم إلى الله المكنى به عن العقاب الآجل ، ~~تعين أن التقسيم الواقع في الشرط ترديد بين حالتين لهما مناسبة بحالة تحقق ~~الإرجاع إلى عذاب الله على كلا التقديرين ، وهما حالة التعجيل لهم بالعذاب ~~في الدنيا وحالة تأخير العذاب إلى الآخرة . وأما إراءة الرسول تعذيبهم ~~وتوفيه بدون إرائته فلا مناسبة لهما بالإرجاع إلى الله على كلتيهما إلا ~~باعتبار مقارنة إحداهما لحالة التعجيل ومناسبة الأخرى لحالة التأخير . | # وإنما كني عن التعجيل بأن يريد الله الرسول للإيماء إلى أن حالة تعجيل ~~العذاب لا يريد الله منها إلا الانتصاف لرسوله بأن يريه عذاب معانديه ، ~~ولذلك بني على ضد ذلك ضد التعجيل فكني بتوفيه عن عدم تعجيل العذاب بل عن ~~تأخيره إذ كانت حكمة التعجيل هي الانتصاف للرسول صلى الله عليه وسلم | # ولما جعل مضمون جملة : { نتوفينك } قسيما لمضمون جملة : { نرينك } تعين ~~أن إراءته ما أوعدوا به من عذاب الدنيا إنما هو جزاء عن تكذيبهم إياه ~~وأذاهم له انتصارا له حتى يكون أمره جاريا على سنة الله في المرسلين ، كما ~~قال نوح : { رب انصرني بما كذبون } ( المؤمنون : 26 ) وقد أشار إلى هذا ~~قوله تعالى عقبه : { ولكل أمة رسول } ( يونس : 47 ) الآية وقوله : { ~~ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين } ( يونس : 48 ) . وقد أراه الله ~~تعالى بعض الذي توعدهم بما لقوا من PageV11P184 القحط سبع سنين بدعوته ~~عليهم ، وبما أصابهم يوم بدر من الإهانة ، وقتل صناديدهم ، كما أشار إليه ~~قوله تعالى : { فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس هذا عذاب ~~أليم ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين ~~ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون يوم ~~نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون } ( الدخان : 10 16 ) . | # والدخان هو ما كانوا يرونه في سنين القحط من شبه الدخان في الأرض . ~~والبطشة الكبرى : بطشة يوم بدر . | # وتأمل قوله : { ثم تولوا عنه } وقوله : { إنا منتقمون } . | # ثم كف الله عنهم عذاب الدنيا إرضاء له أيضا إذ كان يود ms3902 استبقاء بقيتهم ~~ويقول : لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده . | # فأما الكفر بالله فجزاؤه عذاب الآخرة . | # فطوي في الكلام جمل دلت عليها الجمل المذكورة إيجازا محكما وصارت قوة ~~الكلام هكذا : وإما نعجل لهم بعض العذاب فنرينك نزوله بهم ، أو نتوفينك ~~فنؤخر عنهم العذاب بعد وفاتك ، أي لانتفاء الحكمة في تعجيله فمرجعهم إلينا ~~، أي مرجعهم ثابت إلينا دوما فنحن أعلم بالحكمة المقتضية نفوذ الوعيد فيهم ~~في الوقت المناسب في الدنيا إن شئنا في حياتك أو بعدك أو في الآخرة . | # وكلمة { إما } هي ( إن ) الشرطية و ( ما ) المؤكدة للتعليق الشرطي . ~~وكتبت في المصحف بدون نون وبميم مشددة محاكاة لحالة النطق ، وقد أكد فعل ~~الشرط بنون التوكيد فإنه إذا أريد توكيد فعل الشرط بالنون وتعينت زيادة ( ~~ما ) بعد ( إن ) الشرطية فهما متلازمان عند المبرد والزجاج وصاحب ( الكشاف ~~) في تفسير قوله تعالى : { فإما نرينك في سورة غافر ( 77 ) ، فلا يقولون : ~~إن تكرمني أكرمك بنون التوكيد ولكن تقولون : إن تكرمني بدون PageV11P185 ~~نون التوكيد كما أنه لا يقال : إما تكرمني بدون نون التوكيد ولكن تقول : إن ~~تكرمني . وشذ قول الأعشى : | # فإما تريني ولي لمة | # فإن الحوادث أودى بها | # ثم أكد التعليق الشرطي تأكيدا ثانيا بنون التوكيد وتقديم المجرور على ~~عامله وهو مرجعهم } للاهتمام . وجملة : { إلينا مرجعهم } اسمية تفيد الدوام ~~والثبات ، أي ذلك أمر في تصرفنا دوما . | # وجملة : { ثم الله شهيد على ما يفعلون } معطوفة على جملة : { فإلينا ~~مرجعهم } . وحرف { ثم } للتراخي الرتبي كما هو شأن ( ثم ) في عطفها الجمل . ~~والتراخي الرتبي كون الجملة المعطوفة بها أعلى رتبة من المعطوفة عليها فإن ~~جملة : { ثم الله شهيد على ما يفعلون } لاشتمالها على التعريض بالجزاء على ~~سوء أفعالهم كانت أهم مرتبة في الغرض وهو غرض الإخبار بأن مرجعهم إلى الله ~~، لأن إرجاعهم إلى الله مجمل واطلاعه على أفعالهم المكنى به عن مؤاخذتهم ~~بها هو تفصيل للوعيد المجمل ، والتفصيل أهم من الإجمال . وقد حصل بالإجمال ~~ثم بتفصيله تمام تقرير الغرض المسوق له الكلام وتأكيد الوعيد . وأما كون ~~عذاب الآخرة ms3903 حاصلا بعد إرجاعهم إلى الله بمهلة جمع ما فيه من تكلف تقرر تلك ~~المهلة هو بحيث لا يناسب حمل الكلام البليغ على التصدي لذكره . | # وقوله : { الله شهيد على ما يفعلون } خبر مستعمل في معناه الكنائي ، إذ ~~هو كناية عن الوعيد بالجزاء على جميع ما فعلوه في الدنيا بحيث لا يغادر ~~شيئا . | # والشهيد : الشاهد ، وحقيقته : المخبر عن أمر فيه تصديق للمخبر ، واستعمل ~~هنا في العالم علم تحقيق . | # وعبر بالمضارع في قوله : { يفعلون } للإشارة إلى أنه عليم بما يحدث من ~~أفعالهم ، فأما ما مضى فهو بعلمه أجدر . | # | PageV11P186 # | 2 ( 47 ) { ولكل أمة رسول فإذا جآء رسولهم قضى بينهم بالقسط وهم لا ~~يظلمون } ) 2 # عطف على جملة : { وإما نرينك بعض الذي نعدهم } ( يونس : 46 ) ، وهي ~~بمنزلة السبب لمضمون الجملة التي قبلها . وهذه بينت أن مجيء الرسول للأمة ~~هي منتهى الإمهال ، وأن الأمة إن كذبت رسولها استحقت العقاب على ذلك . فهذا ~~إعلام بأن تكذيبهم الرسول هو الذي يجر عليهم الوعيد بالعقاب ، فهي ناظرة ~~إلى قوله تعالى : { وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو ~~عليهم آياتنا } ( القصص : 59 ) وقوله : { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } ~~( الإسراء : 15 ) . | # وجملة : { لكل أمة رسول } ليست هي المقصود من الإخبار بل هي تمهيد ~~للتفريع المفرع عليها بقوله : { فإذا جاء رسولهم } الخ ، فلذلك لا يؤخذ من ~~الجملة الأولى تعين أن يرسل رسول لكل أمة لأن تعيين الأمة بالزمن أو بالنسب ~~أو بالموطن لا ينضبط ، وقد تخلو قبيلة أو شعب أو عصر أو بلاد عن مجيء رسول ~~فيها ولو كان خلوها زمنا طويلا . وقد قال الله تعالى : { لتنذر قوما ما ~~أتاهم من نذير من قبلك } ( القصص : 46 ) . فالمعنى : ولكل أمة من الأمم ~~ذواتت الشرائع رسول معروف جاءها مثل عاد وثمود ومدين واليهود والكلدان . ~~والمقصود من هذا الكلام ما تفرع عليه من قوله : { فإذا جاء رسولهم قضي ~~بينهم بالقسط } . | # والفاء للتفريع و ( إذا ) للظرفية مجردة عن الاستقبال ، والمعنى : أن في ~~زمن مجيء الرسول يكون القضاء بينهم بالقسط . وتقديم الظرف ms3904 على عامله وهو ( ~~قضي ) للتشويف إلى تلقي الخبر . | # وكلمة ( بين ) تدل على توسط في شيئين أو أشياء ، فتعين أن الضمير الذي ~~أضيفت إليه هنا عائد إلى مجموع الأمة ورسولها ، أي قضي بين الأمة ورسولها ~~بالعدل ، أي قضى الله بينهم بحسب عملهم مع رسولهم . | PageV11P187 # والمعنى : أن الله يمهل الأمة على ما هي فيه من الضلال فإذا أرسل إليها ~~رسولا فإرساله أمارة على أن الله تعالى أراد إقلاعهم عن الضلال فانتهى أمد ~~الإمهال بإبلاغ الرسول إليهم مراد الله منهم فإن أطاعوه رضي الله عنهم ~~وربحوا ، وإن عصوه وشاقوه قضى الله بين الجميع بجزاء كل قضاء حق لا ظلم فيه ~~وهو قضاء في الدنيا . | # وقد أشعر قوله : { قضي بينهم } بحدوث مشاقة بين الكافرين وبين المؤمنين ~~وفيهم الرسول صلى الله عليه وسلم | # وهذا تحذير من مشاقة النبي صلى الله عليه وسلم وإنذار لأهل مكة بما نالهم ~~. وقد كان من بركة النبي صلى الله عليه وسلم ورغبته أن أبقى الله على العرب ~~فلم يستأصلهم ، ولكنه أراهم بطشته وأهلك قادتهم يوم بدر ، ثم ساقهم ~~بالتدريج إلى حظيرة الإسلام حتى عمهم وأصبحوا دعاته للأمم وحملة شريعته ~~للعالم . | # ولما أشعر قوله : { قضي بينهم } بأن القضاء قضاء زجر لهم على مخالفة ~~رسولهم وأنه عقاب شديد يكاد من يراه أو يسمعه أن يجول بخاطره أنه مبالغ فيه ~~أتي بجملة { وهم لا يظلمون } ، وهي حال مؤكدة لعاملها الذي هو { قضي بينهم ~~بالقسط } للإشعار بأن الذنب الذي قضي عليهم بسببه ذنب عظيم . | # | 2 ( 48 ، 49 ) { ويقولون متى هاذا الوعد إن كنتم صادقين * قل لا أملك ~~لنفسى ضرا ولا نفعا إلا ما شآء الله لكل أمة أجل إذا جآء أجلهم فلا ~~يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } ) 2 # عطف على جملة { وإما نرينك بعض الذي نعدهم } ( يونس : 46 ) ، والمناسبة ~~أنه لما بينت الآية السالفة أن تعجيل الوعيد في الدنيا لهم وتأخيره سواء ~~عند الله تعالى ، إذ الوعيد الأتم هو وعيد الآخرة ، أتبعت بهذه الآية حكاية ~~لتهكمهم على تأخير الوعيد . | PageV11P188 # وحكي قولهم بصيغة المضارع لقصد استحضار ms3905 الحالة ، كقوله تعالى : { ويصنع ~~الفلك } ( هود : 38 ) للدلالة على تكرر صدوره منهم ، وأطلق الوعد على ~~الموعود به ، فالسؤال عنه باسم الزمان مؤول بتقدير يدل عليه المقام ، أي ~~متى ظهوره . | # والسؤال مستعمل في الاستبطاء ، وهو كناية عن عدم اكتراثهم به وأنهم لا ~~يأبهون به لينتقل من ذلك إلى أنهم مكذبون بحصوله بطريق الإيماء بقرينة ~~قولهم : { إن كنتم صادقين } أي إن كنتم صادقين في أنه واقع فعينوا لنا وقته ~~، وهم يريدون أننا لا نصدقك حتى نرى ما وعدتنا كناية عن اعتقادهم عدم حلوله ~~وأنهم لا يصدقون به . والوعد المذكور هنا ما هددوا به من عذاب الدنيا . | # والخطاب بقولهم : { إن كنتم } للرسول ، فضمير التعظيم للتهكم كما في قوله ~~: { وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون } ( الحجر : 6 ) وقوله ~~: { وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام } ( الفرقان : 7 ) وقولل أبي بكر بن ~~الأسود الكناني : | # يخبرنا الرسول بأن سنحيا | # وكيف حياة أصداء وهام | # وهذا المحمل هو المناسب لجوابهم بقوله : { قل لا أملك } . ويجوز أن يكون ~~الخطاب للنبيء وللمسلمين ، جمعوهم في الخطاب لأن النبي أخبر به والمسلمين ~~آمنوا به فخاطبوهم بذلك جميعا لتكذيب النبي وإدخال الشك في نفوس المؤمنين ~~به . وإنما خص الرسول عليه الصلاة والسلام بالأمر بجوابهم لأنه الذي أخبرهم ~~بالوعيد وأما المؤمنون فتابعون له في ذلك . | # ومعنى : { لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا } : لا أستطيع ، كما تقدم في قوله ~~تعالى : { قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا في سورة ~~العقود ( 76 ) . | # وقدم الضر على النفع لأنه أنسب بالغرض لأنهم أظهروا استبطاء ما فيه ~~مضرتهم وهو الوعيد ولأن استطاعة الضر أهون من استطاعة النفع فيكون ذكر ~~النفع بعده ارتقاء . PageV11P189 والمقصود من جمع الأمرين الإحاطة بجنسي ~~الأحوال . وتقدم في سورة الأعراف وجه تقديم النفع على الضر في نظير هذه ~~الآية . | # وقوله : إلا ما شاء الله } استثناء منقطع بمعنى لكن ، أي لكن نفعي وضري ~~هو ما يشاءه الله لي . وهذا الجواب يقتضي إبطال كلامهم بالأسلوب المصطلح ~~على تلقيبه في فن البديع ms3906 بالمذهب الكلامي ، أي بطريق برهاني ، لأنه إذا كان ~~لا يستطيع لنفسه ضرا ولا نفعا فعدم استطاعته ما فيه ضر غيره بهذا الوعد ~~أولى من حيث إن أقرب الأشياء إلى مقدرة المرء هو ما له اختصاص بذاته ، لأن ~~الله أودع في الإنسان قدرة استعمال قواه وأعضائه ، فلو كان الله مقدرا إياه ~~على إيجاد شيء من المنافع والمضار في أحوال الكون لكان أقرب الأشياء إلى ~~إقداره ما له تعلق بأحوال ذاته ، لأن بعض أسبابها في مقدرته ، فلا جرم كان ~~الإنسان مسيرا في شؤونه بقدرة الله لأن معظم أسباب المنافع والمضار من ~~الحوادث منوط بعضه ببعض ، فموافقاته ومخالفاته خارجة عن مقدور الإنسان ، ~~فلذلك قد يقع ما يضره وهو عاجز عن دفعه . فكان معنى الجواب : أن الوعد من ~~الله لا مني وأنا لا أقدر على إنزاله بكم لأن له أجلا عند الله . | # وجملة : { لكل أمة أجل } من المقول المأمور به ، وموقعها من جملة : { لا ~~أملك لنفسي ضرا ولا نفعا } موقع العلة لأن جملة { لا أملك لنفسي } اقتضت ~~انتفاء القدرة على حلول الوعد . | # وجملة : { لكل أمة أجل } تتضمن أن سبب عدم المقدرة على ذلك هو أن الله ~~قدر آجال أحوال الأمم . ومن ذلك أجل حلول العقاب بهم بحكمة اقتضت تلك ~~الآجال فلا يحل العقاب بهم إلا عند مجيء في ذلك الأجل ، فلا يقدر أحد على ~~تغيير ما حدده الله . | # وصورة الاستدلال بالطريق البرهاني أن قضية { لكل أمة أجل } قضية كلية ~~تشمل كل أمة . ولما كان المخاطبون من جملة الأمم كانوا مشمولين لحكم هذه ~~القضية فكأنه قيل لهم : أنتم أمة من الأمم ولكل أمة أجل فأنتم لكم أجل ~~فترقبوا حلوله . | PageV11P190 # وجملة : { إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } صفة ل ( أجل ) ~~، أي أجل محدود لا يقبل التغير . وقد تقدم الكلام على نظيرها في سورة ~~الأعراف . | # و { إذا } في هذه الآية مشربة معنى الشرط ، فلذلك اقترنت جملة عاملها ~~بالفاء الرابطة للجواب معاملة للفعل العامل في ( إذا ) معاملة جواب الشرط . ~~| # | 2 ( 50 ، 51 ) { قل أرءيتم إن أتاكم ms3907 عذابه بياتا أو نهارا ماذا يستعجل ~~منه المجرمون * أثم إذا ما وقع ءامنتم به ءآلئن وقد كنتم به تستعجلون } ) 2 # هذا جواب ثان عن قولهم : { متى هذا الوعد إن كنتم صادقين } ( يونس : 48 ) ~~باعتبار ما يتضمنه قولهم من الوعد بأنهم يؤمنون إذا حق الوعد الذي توعدهم ~~به ، كما حكي عنهم في الآية الأخرى { وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من ~~الأرض ينبوعا إلى قوله : أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا } ( الإسراء : ~~90 92 ) ، وهذا الجواب إبداء لخلل كلامهم واضطراب استهزائهم ، وقع هذا ~~الأمر بأن يجيبهم هذا الجواب بعد أن أمر بأن يجيبهم بقوله : { قل لا أملك ~~لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله } ( يونس : 49 ) ، وهذا الجواب واقع ~~موقع التسليم الجدلي بعد أن يجاب المخطىء بالإبطال . وحاصل هذا الجواب إن ~~قدر حصول ما سألتم تعيين وقته ونزول كسف من السماء بكم أو نحوه ماذا يحصل ~~من فائدة لكم في طلب تعجيل حصوله إذ لا تخلون عن أن تكونوا تزعمون أنكم ~~تؤمنون حينئذ فذلك باطل لأن العذاب يعاجلكم بالهلاك فلا يحصل إيمانكم . ~~وهذا كما قال بعض الواعظين : نحن نريد أن لا نموت ؛ حتى نتوب ؛ ونحن لا ~~نتوب حتى نموت . | # ووقع في خلال هذا الجواب تفنن في تخييل التهويل لهذاالعذاب الموعود بقوله ~~: { إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا } تخييلا يناسب تحقق وقوعه فإن هاذين ~~الوقتين لا يخلو PageV11P191 حلول الحوادث عن أحدهما ، على أنه ترديد لمعنى ~~العذاب العاجل تعجيلا قريبا أو أقل قربا ، أي أتاكم في ليل هذا اليوم الذي ~~سألتموه أو في صبيحته ، على أن في ذكر هذين الوقتين تخييلا ما لصورة وقوع ~~العذاب استحضارا له لديهم على وجه يحصل به تذكيرهم انتهازا لفرصة الموعظة ، ~~كالتذكير به في قوله : { قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل ~~يهلك إلا القوم الظالمون } ( الأنعام : 47 ) . | # والبيات : اسم مصدر التبييت ، ليلا كالسلام للتسليم ، وذلك مباغتة . ~~وانتصب { بياتا } على الظرفية بتقدير مضاف ، أي وقت بيات . | # وجواب شرط { إن أتاكم عذابه } محذوف ms3908 دل عليه قوله : { ماذا يستعجل منه ~~المجرمون } الذي هو ساد مسد مفعولي ( أرأيتم ) إذ علقه عن العمل الاستفهام ~~ب ( ماذا ) . | # و { ماذا } كلمتان هما ( ما ) الاستفهامية و ( ذا ) . أصله إشارة مشار به ~~إلى مأخوذ من الكلام الواقع بعده . واستعمل ( ذا ) مع ( ما ) الاستفهامية ~~في معنى الذي لأنهم يراعون لفظ الذي محذوفا . وقد يظهر كقوله تعالى : { من ~~ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه } ( البقرة : 255 ) . وهذا الاستفهام مستعمل ~~في الإنكار عليهم ، وفي التعجيب من تعجلهم العذاب بنية أنهم يؤمنون به عند ~~نزوله . | # و ( من ) للتبعيض . والمعنى ما الذي يستعجله المجرمون من العذاب ، أي لا ~~شيء من العذاب بصالحح لاستعجالهم إياه لأن كل شيء منه مهلك حائل بينهم وبين ~~التمكن من الإيمان وقت حلوله . | # وفائدة الإشارة إليه ، تهويله أو تعظيمه أو التعجيب منه كقوله تعالى : { ~~ماذا أراد الله بهذا مثلا } ( البقرة : 26 ) ، فالمعنى ما هذا العذاب ~~العظيم في حال كونه يستعجله المجرمون ، فجملة { يستعجل منه } في موضع الحال ~~من اسم الإشارة ، أي أن مثله لا يستعجل بل شأنه أن يستأخر . | # و ( من ) بيانية ، والمعنى معها على معنى ما يسمى في فن البديع بالتجرد . ~~| PageV11P192 # واعلم أن النحاة يذكرون استعمال ( ماذا ) بمعنى ( ما الذي ) وإنما يعنون ~~بذلك بعض مواضع استعماله وليس استعمالا مطردا . وقد حقق ابن مالك في ( ~~الخلاصة ) إذ زاد قيدا في هذا الاستعمال فقال : | # ومثل ما ، ذا بعد ما استفهام | # أو من إذا لم تلغ في الكلام | # يريد إذا لم يكن مزيدا . وإنما عبر بالإلغاء فرارا من إيراد أن الأسماء ~~لا تزاد . والحق أن المراد بالزيادة أن اسم الإشارة غير مفيد معناه الموضوع ~~له ولا هو بمفيد تأسيس معنى في الكلام ولكنه للتقوية والتأكيد الحاصل من ~~الإشارة إلى ما يتضمنه الكلام ، وقد أشار إلى استعمالاته صاحب ( مغنى ~~اللبيب ) في فصل عقده ل ( ماذ ) وأكثر من المعاني ولم يحرر انتساب بعضها من ~~بعض . وانظر ما تقدم عند قوله تعالى : { فماذا بعد الحق إلا الضلال } ( ~~يونس : 32 ) المتقدم آنفا ، وقوله تعالى : { ماذا أراد الله ms3909 بهذا مثلا في ~~سورة البقرة ( 26 ) . | # والمجرمون : أصحاب الجرم وهو جرم الشرك . والمراد بهم الذين يقولون متى ~~هذا الوعد } ( يونس : 48 ) ، وهم مشركو مكة فوقع الإظهار في مقام الإضمار ~~عوض أن يقال ماذا يستعجلون منه لقصد التسجيل عليهم بالإجرام ، وللتنبيه على ~~خطئهم في استعجال الوعيد لأنه يأتي عليهم بالإهلاك فيصيرون إلى الآخرة حيث ~~يفضون إلى العذاب الخالد فشأنهم أن يستأخروا الوعد لا أن يستعجلوه ، فدل ~~ذلك على أن المعنى لا يستعجلون منه إلا شرا . | # وعطفت جملة : { أثم إذا ما وقع } بحرف المهلة للدلالة على التراخي الرتبي ~~كما هو شأن ( ثم ) في عطفها الجمل ، لأن إيمانهم بالعذاب الذي كانوا ينكرون ~~وقوعه حين وقوعه بهم أغرب وأهم من استعجالهم به . وهمزة الاستفهام مقدمة من ~~تأخير كما هو استعمالها مع حروف العطف المفيدة للتشريك . والتقدير : ثم ~~أإذا ما وقع ، وليس المراد الاستفهام عن المهلة . | # والمستفهم عنه هو حصول الإيمان في وقت وقوع العذاب ، وهذا الاستفهام ~~مستعمل في الإنكار بمعنى التغليط وإفساد رأيهم ، فإنهم وعدوا بالإيمان عند ~~نزول العذاب استهزاء PageV11P193 منهم فوقع الجواب بمجاراة ظاهر حالهم ~~وبيان أخطائهم ، أي أتؤمنون بالوعد عند وقوعه على طريقة الأسلوب الحكيم ، ~~كقوله تعالى : { يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج } ( البقرة : ~~189 ) . | # وكلمة { آلآن } استفهام إنكاري عن حصول إيمانهم عند حلول ما توعدهم ، ~~فعبر عن وقت وقوعه باسم الزمان الحاضر وهو ( الآن ) حكاية للسانن حالل منكر ~~عليهم في ذلك الوقت استحضر حال حلول الوعد كأنه حاضر في زمن التكلم ، وهذا ~~الاستحضار من تخييل الحالة المستقبلة واقعة . ولذلك يحسن أن نجعل ( آلآن ) ~~استعارة مكنية بتشبيه الزمن المستقبل بزمن الحال ، ووجه الشبه الاستحضار . ~~ورمز إلى المشبه به بذكر لفظ من روادفه ، وهو اسم الزمن الحاضر . | # وجملة : { وقد كنتم به تستعجلون } ترشيح ، وإما تقدير قول في الكلام ، أي ~~يقال لهم إذا آمنوا بعد نزول العذاب آلآن آمنتم ، كما ذهب إليه أكثر ~~المفسرين . فذلك تقدير معنى لا تقدير نظم وإعراب لأن نظم هذا الكلام أدق من ~~ذلك . | # ومعنى : { تستعجلون } تكذبون ، فعبر ms3910 عن التكذيب بالاستعجال حكاية لحاصل ~~قولهم { متى هذا الوعد } ( يونس : 48 ) الذي هو في صورة الاستعجال ، ~~والمراد منه التكذيب . | # وتقديم المجرور للاهتمام بالوعد الذي كذبوا به ، وللرعاية على الفاصلة . ~~| # | 2 ( 52 ) { ثم قيل للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد هل تجزون إلا بما كنتم ~~تكسبون } ) 2 # معطوفة على جملة : { قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا } ( يونس : ~~50 ) الآية . و ( ثم ) للتراخي الرتبي ، فهذا عذاب أعظم من العذاب الذي في ~~قوله : { قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو PageV11P194 نهارا } ( يونس : ~~50 ) فإن ذلك عذاب الدنيا وأما عذاب الخلد فهو عذاب الآخرة وهذا أعظم من ~~عذاب الدنيا ، فذلك موقع عطف جملته بحرف ( ثم ) . | # وصيغة المضي في قوله : { قيل للذين ظلموا } مستعملة في معنى المستقبل ~~تنبيها على تحقيق وقوعه مثل { أتى أمر الله } ( النحل : 1 ) . | # والذين ظلموا هم القائلون { متى هذا الوعد } ( يونس : 48 ) . وأظهر في ~~مقام الإضمار لتسجيل وصف الظلم عليهم وهو ظلم النفس بالإشراك . ومعنى ظلموا ~~: أشركوا . | # والذوق : مستعمل في الإحساس ، وهو مجاز مشهور بعلاقة الإطلاق . | # والاستفهام في { هل تجزون } إنكاري بمعنى النفي ، ولذلك جاء بعده ~~الاستثناء { إلا بما كنتم تكسبون } . | # وجملة : { هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون } استئناف بياني لأن جملة { ~~ذوقوا عذاب الخلد } تثير سؤالا في نفوسهم عن مقدار ذلك العذاب فيكون الجواب ~~على أنه على قدر فظاعة ما كسبوه من الأعمال مع إفادة تعليل تسليط العذاب ~~عليهم . | # | 2 ( 53 ) { ويستنبئونك أحق هو قل إى وربى إنه لحق ومآ أنتم بمعجزين } ) ~~2 # | $ # هذا حكاية فن من أفانين تكذيبهم ، فمرة يتظاهرون باستبطاء الوعد استخفافا ~~به ، ومرة يقبلون على الرسول في صورة المستفهم الطالب فيسألونه : أهذا ~~العذاب الخالد ، أي عذاب الآخرة ، حق . | # فالجملة معطوفة على جملة { ويقولون متى هذا الوعد } ( يونس : 48 ) ، ~~وضمير الجمع عائد إليهم فهم المستنبئون لا غيرهم ، وضمير ( هو ) عائد إلى { ~~عذاب الخلد } ( يونس : 52 ) . | PageV11P195 # والحق : الثابت الواقع ، فهو بمعنى حاق ، أي ثابت ، أي أن وقوعه ثابت ، ~~فأسند الثبوت لذات العذاب بتقدير مضاف يدل عليه السياق إذ ms3911 لا توصف الذات ~~بثبوت . | # وجملة : { أحق هو } استفهامية معلقة فعل { يستنبئونك } عن العمل في ~~المفعول الثاني ، والجملة بيان لجملة { يستنبئونك } لأن مضمونها هو ~~الاستثناء . | # والضمير يجوز كونه مبتدأ ، و { أحق } خبر مقدم . | # واستعملوا الاستفهام تبالها ، ولذلك اشتمل الجواب المأمور به على مراعاة ~~الحالتين فاعتبر أولا ظاهر حال سؤالهم فأجيبوا على طريقة الأسلوب الحكيم ~~بحمل كلامهم على خلاف مرادهم تنبيها على أن الأولى بهم سؤال الاسترشاد ~~تغليطا لهم واغتناما لفرصة الإرشاد بناء على ظاهر حال سؤالهم ، ولذلك أكد ~~الجواب بالتوكيد اللفظي إذ جمع بين حرف { إي } وهو حرف جواب يحقق به ~~المسؤول عنه ، وبين الجملة الدالة على ما دل عليه حرف الجواب ، وبالقسم ، ~~وإن ، ولام الابتداء ، وكلها مؤكدات . | # والاعتبار الثاني اعتبار قصدهم من استفهامهم فأجيبوا بقوله : { وما أنتم ~~بمعجزين } . فجملة : { وما أنتم بمعجزين } معطوفة على جملة جواب القسم ~~فمضمونها من المقسم عليه . ولما كان المقسم عليه جوابا عن استفهامهم كان ~~مضمون { ما أنتم بمعجزين } جوابا عن الاستفهام أيضا باعتبار ما أضمروه من ~~التكذيب ، أي هو واقع وأنتم مصابون به غير مفلتين منه . وليس فعل { ~~يستنبئونك } مستعملا في الظاهر بمعنى الفعل كما استعمل قوله : { يحذر ~~المنافقون أن تنزل عليهم سورة } ( التوبة : 64 ) ، كما تقدم في براءة لأن ~~حقيقة الاستنباء واقعة هنا إذ قد صرحوا بصورة الاستفهام . | # و { إي } بكسر الهمزة : حرف جواب لتحقيق ما تضمنه سؤال سائل ، فهو مرادف ~~( نعم ) ، ولكن من خصائص هذا الحرف أنه لا يقع إلا وبعده القسم . | # والمعجزون : الغالبون ، أي وما أنتم بغالبين الذي طلبكم ، أي بمفلتين . ~~وقد تقدم عند قوله تعالى : { إن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين في سورة ~~الأنعام ( 134 ) . | # | PageV11P196 # | 2 ( 54 ) ولو أن لكل نفس ظلمت ما فى الارض لافتدت به وأسروا الندامة ~~لما رأوا العذاب وقضى بينهم بالقسط وهم لا يظلمون } ) 2 # الأظهر أن هذه الجملة من بقية القول ، فهي عطف على جملة { إي وربي إنه ~~لحق } ( يونس : 53 ) إعلاما لهم بهول ذلك العذاب عساهم أن يحذروه ، ولذلك ~~حذف المتعلق الثاني لفعل ( افتدت ms3912 ) لأنه يقتضي مفديا به ومفديا منه ، أي ~~لافتدت به من العذاب . | # والمعنى أن هذا العذاب لا تتحمله أية نفس على تفاوت الأنفس في احتمال ~~الآلام ، ولذلك ذكر { كل نفس } دون أن يقال ولو أن لكم ما في الأرض ~~لافتديتم به . | # وجملة { أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض } واقعة موقع شرط ( لو ) . | # و { ما في الأرض } اسم ( أن ) . و { ولكل نفس } خبر ( أن ) وقدم على ~~الاسم للاهتمام بما فيه من العموم بحيث ينص على أنه لا تسلم نفس من ذلك . ~~وجملة { ظلمت } صفة ل { لنفس } . وجملة : { لافتدت به } جواب ( لو ) . | # فعموم { كل نفس } يشمل نفوس المخاطبين مع غيرهم . | # ومعنى { ظلمت } أشركت ، وهو ظلم النفس { إن الشرك لظلم عظيم } ( لقمان : ~~13 ) . | # و { ما في الأرض } يعم كل شيء في ظاهر الأرض وباطنها لأن الظرفية ظرفية ~~جمع واحتواء . | # و ( افتدى ) مرادف فدى . وفيه زيادة تاء الافتعال لتدل على زيادة المعنى ~~، أي لتكلفت فداءها به . | # جملة مستأنفة معطوفة عطف كلام على كلام . وضمير { أسروا } عائد إلى { كل ~~نفس } PageV11P197 باعتبار المعنى مع تغليب المذكر على المؤنث ، وعبر عن ~~الإسرار المستقبلي بلفظ الماضي تنبيها على تحقيق وقوعه حتى كأنه قد مضى ، ~~والمعنى : وسيسرون الندامة قطعا . وكذلك قوله : { وقضي بينهم } . | # والندامة : الندم ، وهو أسف يحصل في النفس على تفويت شيء ممكن عمله في ~~الماضي ، والندم من هواجس النفس ، فهو أمر غير ظاهر ولكنه كثير ، أي يصدر ~~عن صاحبه قول أو فعل يدل عليه ، فإذا تجلد صاحب الندم فلم يظهر قولا ولا ~~فعلا فقد أسر الندامة ، أي قصرها على سره فلم يظهرها بإظهار بعض آثارها ، ~~وإنما يكون ذلك من شدة الهول ؛ فإنما أسروا الندامة لأنهم دهشوا لرؤية ما ~~لم يكونوا يحتسبون فلم يطيقوا صراخا ولا عويلا . | # وجملة : { وقضي بينهم } عطف على جملة : { وأسروا } مستأنفة . | # ومعنى : { قضي بينهم } قضي فيهم ، أي قضي على كل واحد منهم بما يستحقه ~~بالعدل ، فالقضاء بالعدل وقع فيهم ، وليس المعنى أنه قضي بين كل واحد وآخر ~~لأن القضاء هنا ليس قضاء نزاع ولكنه ms3913 قضاء زجر وتأنيب ، إذ ليس الكلام هنا ~~إلا على المشركين وهم صنف واحد ، بخلاف قوله تعالى : { فإذا جاء رسولهم قضي ~~بينهم بالقسط } ( يونس : 47 ) فإن ذلك قضاء بين المرسل إليهم وبين الرسل ~~كما قال تعالى : { فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين فلنقصن عليهم ~~بعلم وما كنا غائبين } ( الأعراف : 6 ، 7 ) . | # وجملة : { وهم لا يظلمون } حالية . | # | 2 ( 55 ، 56 ) { ألا إن لله ما فى السماوات والارض ألا إن وعد الله حق ~~ولاكن أكثرهم لا يعلمون * هو يحى ويميت وإليه ترجعون } ) 2 # | $ # تذييل تنهية للكلام المتعلق بصدق الرسول والقرآن وما جاء به من الوعيد ~~وترقب يوم البعث ويوم نزول العذاب بالمشركين . وقد اشتمل هذا التذييل على ~~مجمل تفصيل ذلك الغرض ، وعلى تعليله بأن من هذه شؤونه لا يعجز عن تحقيق ما ~~أخبر بوقوعه . | PageV11P198 # فكان افتتاحه بأن الله هو المتوحد بملك ما في السماوات والأرض فهو يتصرف ~~في الناس وأحوالهم في الدنيا والآخرة تصرفا لا يشاركه فيه غيره ؛ فتصرفه في ~~أمور السماء شامل للمغيبات كلها ، ومنها إظهار الجزاء بدار الثواب ودار ~~العذاب ؛ وتصرفه في أمور الأرض شامل لتصرفه في الناس . ثم أعقب بتحقيق وعده ~~، وأعقب بتجهيل منكريه ، وأعقب بالتصريح بالمهم من ذلك وهو الإحياء ~~والإماتة والبعث . | # وافتتح هذا التذييل بحرف التنبيه ، وأعيد فيه حرف التنبيه للاستيعاء ~~لسماعه ، وللتنبيه على أنه كلام جامع هو حوصلة الغرض الذي سمعوا تفصيله ~~آنفا . | # وتأكيد الخبر بحرف { إن } للرد على المشركين لأنهم لما جعلوا لله شركاء ~~فقد جعلوها غير مملوكة لله . ولا يدفع عنهم ذلك أنهم يقولون : { ما نعبدهم ~~إلا ليقربونا إلى الله زلفى } لأن ذلك اضطراب وخبط . | # وقدم خبر { إن } على اسمها للاهتمام باسمه تعالى ولإفادة القصر لرد ~~اعتقادهم الشركة كما علمت . | # وأكد بحرف التوكيد بعد حرف التنبيه في الموضعين للاهتمام به ، ولرد إنكار ~~منكري بعضه والذين هم بمنزلة المنكرين بعضه الآخر . | # واللام في { لله } للملك ، و ( ما ) اسم موصول مفيد لعموم كل ما ثبتت له ~~صلة الموصول من الموجودات الظاهرة والخفية . | # ووعد الله : هو وعده بعذاب ms3914 المشركين ، وهو وعيد ، ويجوز أن يكون وعده ~~مرادا به البعث ، قال تعالى : { كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا ~~كنا فاعلين } ( الأنبياء : 104 ) فسمى إعادة الخلق وعدا . | # وأظهر اسم الجلالة في الجملة الثانية دون الإتيان بضميره لتكون الجملة ~~مستقلة لتجري مجرى المثل والكلام الجامع . | PageV11P199 # ووقع الاستدراك بقوله : { ولكن أكثرهم لا يعلمون } لأن الجملتين اللتين ~~قبله أريد بهما الرد على معتقدي خلافهما فصارتا في قوة نفي الشك عن ~~مضمونهما ، فكأنه قيل : لا شك يحق في ذلك ، ولكن أكثرهم لا يعلمون فلذلك ~~يشكون . | # وتقييد نفي العلم بالأكثر إشارة إلى أن منهم من يعلم ذلك ولكنه يجحده ~~مكابرة ، كما قال في الآية السابقة { ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به ~~} ( يونس : 40 ) . فضمير { أكثرهم } للمتحدث عنهم فيما تقدم . | # | 2 ( 57 ) { ياأيها الناس قد جآءتكم موعظة من ربكم وشفآء لما فى الصدور ~~وهدى ورحمة للمؤمنين } ) 2 # استئناف أو اعتراض ، يجوز أن يكون لابتداء غرض جديد وهو خطاب جميع الناس ~~بالتعريف بشأن القرآن وهديه ، بعد أن كان الكلام في جدال المشركين ~~والاحتجاج عليهم بإعجاز القرآن على أنه من عند الله وأن الآتي به صادق فيما ~~جاء به من تهديدهم وتخويفهم من عاقبة تكذيب الأمم رسلها ، وما ذيل به ذلك ~~من الوعيد وتحقيق ما توعدوا به ، فالكلام الآن منعطف إلى الغرض المفتتح ~~بقوله : { وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله إلى قوله : ولو كانوا ~~لا يبصرون } ( يونس : 37 43 ) . فعاد الكلام إلى خطاب جميع الناس لما في ~~القرآن من المنافع الصالحة لهم ، والإشارة إلى اختلافهم في مقدار الانتفاع ~~به ، ولذلك كان الخطاب هنا عاما لجميع الناس ولم يأت فيه ما يقتضي توجيهه ~~لخصوص المشركين من ضمائر تعود إليهم أو أوصاف لهم أو صلات موصول . وعلى هذا ~~الوجه فليس في الخطاب ب { يأيها الناس } التفات من الغيبة إلى الخطاب ، ~~والمعنى أن القرآن موعظة لجميع الناس وإنما انتفع بموعظته المؤمنون فاهتدوا ~~وكان لهم رحمة . | # ويجوز أن يكون خطابا للمشركين بناء على الأكثر في ms3915 خطاب القرآن ب { يأيها ~~الناس } فيكون ذكر الثناء على القرآن بأنه هدى ورحمة للمؤمنين إدماجا ~~وتسجيلا على المشركين PageV11P200 بأنهم حرموا أنفسهم الانتفاع بموعظة ~~القرآن وشفائه لما في الصدور ، فانتفع المؤمنون بذلك . | # وافتتاح الكلام ب { قد } لتأكيده ، لأن في المخاطبين كثيرا ممن ينكر هذه ~~الأوصاف للقرآن . | # والمجيء : مستعمل مجازا في الإعلام بالشيء ، كما استعمل للبلوغ أيضا ، ~~إلا أن البلوغ أشهر في هذا وأكثر ، يقال : بلغني خبر كذا ، ويقال أيضا : ~~جاءني خبر كذا أو أتاني خبر كذا . وإطلاق المجيء عليه في هذه الآية أعز . | # والمراد بما جاءهم وبلغهم هو ما أنزل من القرآن وقرىء عليهم ، وقد عبر ~~عنه بأربع صفات هي أصول كماله وخصائصه وهي : أنه موعظة ، وأنه شفاء لما في ~~الصدور ، وأنه هدى ، وأنه رحمة للمؤمنين . | # والموعظة : الوعظ ، وهو كلام فيه نصح وتحذير مما يضر . وقد مضى الكلام ~~عليها عند قوله تعالى : { فأعرض عنهم وعظهم في سورة النساء ( 63 ) ، وعند ~~قوله تعالى : موعظة وتفصيلا لكل شيء في سورة الأعراف ( 145 ) . ووصفها ب من ~~ربكم } للتنبيه على أنها بالغة غاية كمال أمثالها . | # والشفاء تقدم عند قوله تعالى : { ويشف صدور قوم مؤمنين في سورة براءة ( ~~14 ) . وحقيقته : زوال المرض والألم ، ومجازه : زوال النقائص والضلالات وما ~~فيه حرج على النفس ، وهذا هو المراد هنا . | # والمراد بالصدور النفوس كما هو شائع في الاستعمال . | # والهدى تقدم في قوله تعالى : هدى للمتقين في طالع سورة البقرة ( 2 ) ، ~~وأصله : الدالة على الطريق الموصل إلى المقصود . ومجازه : بيان وسائل ~~الحصول على المنافع الحقة . | # والرحمة تقدمت في تفسير البسملة . | PageV11P201 # وقد أومأ وصف القرآن بالشفاء إلى تمثيل حال النفوس بالنسبة إلى القرآن ، ~~وإلى ما جاء به بحال المعتل السقيم الذي تغير نظام مزاجه عن حالة الاستقامة ~~فأصبح مضطرب الأحوال خائر القوى فهو يترقب الطبيب الذي يدبر له بالشفاء ، ~~ولا بد للطبيب من موعظة للمريض يحذره بها مما هو سبب نشء علته ودوامها ، ثم ~~ينعت له الدواء الذي به شفاؤه من العلة ، ثم يصف له النظام الذي ينبغي له ~~سلوكه لتدوم له ms3916 الصحة والسلامة ولا ينتكس له المرض ، فإن هو انتصح بنصائح ~~الطبيب أصبح معافى سليما وحيي حياة طيبة لا يعتوره ألم ولا يشتكي وصبا ، ~~وقد كان هذا التمثيل لكماله قابلا لتفريق تشبيه أجزاء الهيئة المشبهة ~~بأجزاء الهيئة المشبه بها ، فزواجر القرآن ومواعظه يشبه بنصح الطبيب على ~~وجه المكنية ، وإبطاله العقائد الضالة يشبه بنعت الدواء للشفاء من المضار ~~على وجه التصريحية ، وتعاليمه الدينية وآدابه تشبه بقواعد حفظ الصحة على ~~وجه المكنية ، وعبر عنها بالهدى ، ورحمته للعالمين تشبه بالعيش في سلامة ~~على وجه المكنية . | # ومعلوم أن ألفاظ المكنية يصح أن تكون مستعملة في حقائق معانيها كما هنا ، ~~ويصح أن تجعل تخييلا كأظفار المنية . ثم إن ذلك يتضمن تشبيه شأن باعث ~~القرآن بالطبيب العليم بالأدواء وأدويتها ، ويقوم من ذلك تشبيه هيئة تلقي ~~الناس للقرآن وانتفاعهم به ومعالجة الرسول إياهم بتكرير النصح والإرشاد ~~بهيئة المرضى بين يدي الطبيب وهو يصف لهم ما فيه برؤهم وصلاح أمزجتهم فمنهم ~~القابل المنتفع ومنهم المتعاصي الممتنع . | # فالأوصاف الثلاثة الأول ؛ ثابتة للقرآن في ذاته سواء في ذلك من قبلها ~~وعمل بها ، ومن أعرض عنها ونبذها ، إلا أن وصفه بكونه هدى لما كان وصفا ~~بالمصدر المقتضي للمبالغة بحيث كأنه نفس الهدى كان الأنسب أن يراد به حصول ~~الهدى به بالفعل فيكون في قران الوصف الرابع . والوصف الرابع وهو الرحمة ، ~~خاص بمن عمل بمقتضى الأوصاف الثلاثة الأول ، فانتفع بها فكان القرآن رحمة ~~له في الدنيا والآخرة . وهو ينظر إلى قوله تعالى : وننزل من القرآن ما هو ~~شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا } ( الإسراء : 82 ) . | # فقيد { للمؤمنين } متعلق ب { رحمة } بلا شبهة وقد خصه به جمهور ~~PageV11P202 المفسرين . ومن المحققين من جعله قيدا ل { هدى ورحمة } ناظرا ~~إلى قوله تعالى : { هدى للمتقين } ( البقرة : 2 ) فإنه لم يجعله هدى لغير ~~المتقين وهم المؤمنون . | # والوجه أن كونه موعظة وصف ذاتي له ، لأن الموعظة هي الكلام المحذر من ~~الضر ولهذا عقبت بقوله : { من ربكم } فكانت عامة لمن خوطب ب { يأيها الناس ~~} . وأما كونه شفاء فهو ms3917 في ذاته صالح للشفاء لكن الشفاء بالدواء لا يحصل ~~إلا لمن استعمله . | # وأما كونه هدى ورحمة فإن تمام وصف القرآن بهما يكون بالنسبة لمن حصلت له ~~حقيقتهما ، وأما لمن لم تحصل له آثارهما ، فوصف القرآن بهما بمعنى صلاحيته ~~لذلك ، وهو الوصف بالقوة في اصطلاح أهل المنطق . وقد وقع التصريح في الآية ~~الأخرى بأنه { شفاء ورحمة للمؤمنين } ( الإسراء : 82 ) ، وصرح في آية ~~البقرة ( 2 ) بأنه { هدى للمتقين ، فالأظهر أن قيد للمؤمنين } راجع إلى { ~~هدى ورحمة } معا إلى قاعدة القيد الوارد بعد مفردات ، وأما رجوعه إلى { ~~شفاء } فمحتمل ، لأن وصف { شفاء } قد عقب بقيد { لما في الصدور } فانقطع عن ~~الوصفين اللذين بعده ، ولأن تعريف { الصدور } باللام يقتضي العموم ، فليحمل ~~الشفاء على معنى الدواء الذي هو صالح للشفاء للذي يتناوله . وهو إطلاق كثير ~~. وصدر به في ( اللسان ) و ( القاموس ) ، وجعلوا منه قوله تعالى في شأن ~~العسل { فيه شفاء للناس } ( النحل : 69 ) . | # وأما تعليق فعل المجيء بضمير الناس في قوله : { قد جاءتكم } فباعتبار ~~كونهم المقصود بإنزال القرآن في الجملة . ثم وقع التفصيل بالنسبة لما ~~اختلفت فيه أحوال تلقيهم وانتفاعهم ، كما دل عليه قوله بعده : { قل بفضل ~~الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا } ( يونس : 58 ) أي المؤمنون . وعبر عن الهدى ~~بالفضل في قوله تعالى : { يأيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا ~~إليكم نورا مبينا فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه ~~وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما } ( النساء : 174 ، 175 ) فعمم في مجيء ~~البرهان وإنزال النور جميع الناس ، وخصص في الرحمة والفضل والهداية ~~المؤمنين ، وهذا منتهى البلاغة وصحة التقسيم . | # | 2 ( 58 ) { قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون } ) ~~2 # يتفرع على كون القرآن هدى ورحمة للمؤمنين تنبيههم إلى أن ذلك فضل من الله ~~PageV11P203 عليهم ورحمة بهم يحق لهم أن يفرحوا بهما ، وأن يقدروا قدر ~~نعمتهما ، وأن يعلموا أنها نعمة تفوق نعمة المال التي حرم منها أكثر ~~المؤمنين ومنحها أكثر المشركين ، فكانت الجملة حقيقة بأن تفتتح بفاء ~~التفريع . | # وجيء بالأمر بالقول معترضا ms3918 بين الجملة المفرعة والجملة المفرع عليها ~~تنويها بالجملة المفرعة ، بحيث يؤمر الرسول أمرا خاصا بأن يقولها وإن كان ~~جميع ما ينزل عليه من القرآن مأمورا بأن يقوله . | # وتقدير نظم الكلام : قل لهم فليفرحوا بفضل الله وبرحمته بذلك ليفرحوا . | # فالفاء في قوله : { فليفرحوا } فاء التفريع ، و { بفضل الله وبرحمته } ~~مجرور متعلق بفعل { فليفرحوا } قدم على متعلقه للاهتمام به للمسلمين ~~ولإفادة القصر ، أي بفضل الله وبرحمته دون ما سواه مما دل عليه قوله : { هو ~~خير مما يجمعون } ، فهو قصر قلب تعريضي بالرد على المشركين الذين ابتهجوا ~~بعرض المال فقالوا : نحن أكثر أموالا وأولادا . | # والإشارة في قوله : { فبذلك } للمذكور ، وهو مجموع الفضل والرحمة ، ~~واختير للتعبير عنه اسم الإشارة لما فيه من الدلالة على التنويه والتعظيم ~~مع زيادة التمييز والاختصار . ولما قصد توكيد الجملة كلها بما فيها من صيغة ~~القصر قرن اسم الإشارة بالفاء تأكيدا لفاء التفريع التي في { فليفرحوا } ~~لأنه لما قدم على متعلقه قرن بالفاء لإظهار التفريع في ابتداء الجملة ، وقد ~~حذف فعل ( ليفرحوا ) فصار مفيدا مفاد جملتين متماثلتين مع إيجاز بديع . ~~وتقدير معنى الكلام : قل فليفرحوا بفضل الله وبرحمته لا سواهما فليفرحوا ~~بذلك لا سواه . | # والفرح : شدة السرور . | # ولك أن تجعل الكلام استئنافا ناشئا مما تقدم من النعمة على المؤمنين ~~بالقرآن . ولما قدم المجرور وهو { بفضل الله وبرحمته } حصل بتقديمه معنى ~~الشرط فقرنت الجملة بعده بالفاء التي تربط الجواب لقصد إفادة معنى الشرط . ~~وهذا كثير في الاستعمال كقوله PageV11P204 تعالى : { وفي ذلك فليتنافس ~~المتنافسون } ( المطففين : 26 ) ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم ( ففيهما ~~فجاهد ) ، وقوله : ( كما تكونوا يول عليكم ) بجزم ( تكونوا ) وجزم ( يول ) ~~. فالفاء في قوله : { فبذلك } رابطة للجواب ، والفاء في قوله : { فليفرحوا ~~} مؤكدة للربط . | # ولم يختلف المفسرون في أن القرآن مراد من فضل الله ورحمته . وقد روي حديث ~~عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : فضل الله القرآن . ~~ورحمته أن جعلكم من أهله ( يعني أن هداكم إلى اتباعه ) . ومثله عن أبي سعيد ~~الخدري والبراء موقوفا ، وهو ms3919 الذي يقتضيه اللفظ فإن الفضل هو هداية الله ~~التي في القرآن ، والرحمة هي التوفيق إلى اتباع الشريعة التي هي الرحمة في ~~الدنيا والآخرة . | # وجملة : { هو خير مما يجمعون } مبينة للمقصود من القصر المستفاد من تقديم ~~المجرورين . وأفرد الضمير بتأويل المذكور كما أفرد اسم الإشارة . والضمير ~~عائد إلى اسم الإشارة ، أي ذلك خير مما يجمعون . | # و { ما يجمعون } مراد به الأموال والمكاسب لأن فعل الجمع غلب في جمع ~~المال . قال تعالى : { الذي جمع مالا وعدده } ( الهمزة : 2 ) . ومن المعتاد ~~أن جامع المال يفرح بجمعه . | # وضمير { يجمعون } عائد إلى { الناس } في قوله : { يأيها الناس قد جاءتكم ~~موعظة } ( يونس : 57 ) بقرينة السياق وليس عائدا إلى ما عاد إليه ضمير { ~~يفرحوا } فإن القرائن تصرف الضمائر المتشابهة إلى مصارفها ، كقول عباس بن ~~مرداس : | # عدنا ولولا نحن أحدق جمعهم | # بالمسلمين وأحرزوا ما جمعوا | # ضمير ( أحرزوا ) عائد إلى المشركين الذين عاد إليهم الضمير في قوله : ( ~~جمعهم ) . وضمير ( جمعوا ) عائد إلى المسلمين ، أي لولا نحن لغنم المشركون ~~ما جمعه المسلمون من الغنائم ، ومنه قوله تعالى : { وعمروها أكثر مما ~~عمروها في سورة الروم ( 9 ) . | # وعلى هذا الوجه يظهر معنى القصر أتم الظهور ، وهو أيضا المناسب لحالة ~~المسلمين وحالة المشركين يومئذ ، فإن المسلمين كانوا في ضعف لأن أكثرهم من ~~ضعاف القوم PageV11P205 أو لأن أقاربهم من المشركين تسلطوا على أموالهم ~~ومنعوهم حقوقهم إلجاء لهم إلى العود إلى الكفر . وقد وصف الله المشركين ~~بالثروة في آيات كثيرة كقوله : وذرني والمكذبين أولي النعمة } ( المزمل : ~~11 ) وقال : { أن كان ذا مال وبنين إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير ~~الأولين } ( القلم : 14 ، 15 ) وقال : { لا يغرنك تقلب الذين كفروا في ~~البلاد متاع قليل } ( آل عمران : 196 ، 197 ) ، فلعل المشركين كانوا ~~يحتقرون المسلمين كما حكي عن قوم نوح قولهم : { وما نراك اتبعك إلا الذين ~~هم أراذلنا } ( هود : 27 ) . وقد قال الله للنبيء صلى الله عليه وسلم { ولا ~~تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي إلى قوله : أليس الله بأعلم ~~بالشاكرين } ( الأنعام : 52 ، 53 ) حين قال له المشركون ms3920 : لو طردت هؤلاء ~~العبيد من مجلسك لجلسنا إليك ، فكمدهم الله بأن المسلمين خير منهم لأنهم ~~كملت عقولهم بالعقائد الصحيحة والآداب الجليلة . وهذا الوجه هو المناسب ~~للإتيان بالمضارع في قوله : { يجمعون } المقتضي تجدد الجمع وتكرره ، وذلك ~~يقتضي عنايتهم بجمع الأموال ولم يكن المسلمون بتلك الحالة . | # والمعنى أن ذلك خير مما يجمعه المشركون مع اتصافهم بالشرك لأنهم وإن ~~حصلوا ما به بعض الراحة في الدنيا فهم شرار النفوس خساس المدارك . | # وقرأ الجمهور { يجمعون } بياء الغيبة فالضمير عائد على معلوم من الكلام ، ~~أي مما يجمع المشركون من الأموال . وقرأه ابن عامر وأبو جعفر ورويس عن ~~يعقوب { مما تجمعون } بتاء الخطاب فيكون خطابا للمشركين الذين شملهم الخطاب ~~في أول الآية بقوله : { يأيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم } ( يونس : 57 ~~) ، فإنه بعد أن عمم الخطاب خص المؤمنين بالذكر وبالجدارة بالفرح ، فبقي ~~الخطاب لمن عدا المسلمين وهم المشركون إذ ليس ثم غير هذين الفريقين من ~~الناس هنالك . ولا يناسب جعل الخطاب للمسلمين إذ ليس ذلك من شأنهم كما تقدم ~~آنفا ، ولأنه لا يظهر منه معنى التفضيل إلا بالاعتبار لأن المسلمين قد ~~نالوا الفضل والرحمة فإذا نالوا معهما المال لم ينقص ذلك من كمالهم بالفضل ~~والرحمة . | # وقد أجملت الآية وجه تفضيل هذا الفضل والرحمة على ما يجمعونه لقصد إعمال ~~النظر في وجوه تفضيله ، فإنها كثيرة ، منها واضح وخفي . وينبىء بوجه تفضيله ~~في PageV11P206 الجملة إضافته الفضل والرحمة إلى الله وإسناد فعل { يجمعون ~~} إلى ضمير { الناس } ( يونس : 57 ) . وهذا الفضل أخروي ودنيوي . أما ~~الأخروي فظاهر ، وأما الدنيوي فلأن كمال النفس وصحة الإعتقاد وتطلع النفس ~~إلى الكمالات وإقبالها على الأعمال الصالحة تكسب الراحة في الدنيا وعيشة ~~هنيئة . قال تعالى : { يأيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية } ~~( الفجر : 27 ، 28 ) فجعل رضاها حالا لها وقت رجوعها إلى ربها . قال فخر ~~الدين : ( والمقصود من الآية الإشارة إلى أن السعادات الروحانية أفضل من ~~السعادات الجسمانية ، فيجب أن لا يفرح الإنسان بشيء من الأحوال الجسمانية ~~لأن اللذات الجسمانية ليست غير دفع الآلام ms3921 عند جمع من الحكماء والمعنى ~~العدمي لا يستحق أن يفرح به . وعلى تقدير أن تكون هذه اللذات صفات ثبوتية ~~فإنها لا تكون خالصة البتة بل تكون ممزوجة بأنواع من المكاره وهي لا تكون ~~باقية ، فكلما كان الالتذاذ بها أكثر كانت الحسرات الحاصلة من خوف فواتها ~~أكثر وأشد ) . | # ثم إن عدم دوامها يقتضي قصر مدة التمتع بها بخلاف اللذات الروحانية . | # | 2 ( 59 ) { قل أرأيتم مآ أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا ~~قل ءآلله أذن لكم أم على الله تفترون } ) 2 # استئناف أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقوله للمشركين . وافتتاحه ب { ~~قل } لقصد توجه الأسماع إليه . ومناسبة وقوعه عقب ما تقدم أن الكلام ~~المتقدم حكى تكذيبهم بالقرآن وادعاءهم أنه مفترى وأنه ليس بحق ، ثم إبطال ~~أن يكون القرآن مفترى على الله لأنه اشتمل على تفصيل الشريعة وتصديق الكتب ~~السالفة ، ولأنه أعجز مكذبيه عن معارضته . فلما استوفى ذلك بأوضح حجة ، ~~وبانت لقاصد الاهتداء المحجة ، لا جرم دالت النوبة إلى إظهار خطل عقولهم ~~واختلال تكذيبهم ، فإنه بعد أن كان تكذيبا بما لم يحيطوا بعلمه فقد ارتبكوا ~~في دينهم بما يلزمهم منه مماثلة الحالة التي أنكروها ، فإنهم قد وضعوا دينا ~~فجعلوا بعض أرزاقهم حلالا لهم وبعضها حراما PageV11P207 عليهم فإن كان ذلك ~~حقا بزعمهم فمن الذي أبلغهم تلك الشرائع عن الله ولماذا تقبلوها عمن شرعها ~~لهم ولم يكذبوه وهم لا يستطيعون أن يلتزموا ذلك ، وإن كان ذلك من تلقاء ~~أنفسهم فقد افتروا على الله فلزمهم ما ألصقوه بالنبي صلى الله عليه وسلم ~~فعلق بهم وبرأ الله منه رسوله ، فهذا الاستدلال من الطريق المسمى بالقلب في ~~علم الجدل . | # ثم إن اختيار الاستدلال عليهم بشيء من تشريعهم في خصوص أرزاقهم يزيد هذا ~~الاستدلال مناسبة بآخر الكلام الذي قبله ليظهر ما فيه من حسن التخلص إليه ~~وذلك أن آخر الكلام المتقدم جملة { هو خير مما يجمعون } ( يونس : 58 ) ، أي ~~من أموالهم . وتلك الأموال هي التي رزقهم الله إياها فجعلوا منها حلالا ~~ومنها حراما وكفروا ms3922 نعمة الله إذ حرموا على أنفسهم من طيبات ما أعطاهم ربهم ~~، وحسبهم بذلك شناعة بهم ملصقة ، وأبوابا من الخير في وجوههم مغلقة . | # والاستفهام في { أرأيتم } و { ءالله أذن لكم أم على الله تفترون } تقريري ~~باعتبار إلزامهم بأحد الأمرين : إما أن يكون الله أذن لهم ، أو أن يكونوا ~~مفترين على الله ، وقد شيب التقرير في ذلك بالإنكار على الوجهين . | # والرؤية علمية ، و { ما أنزل الله لكم من رزق } هو المفعول الأول ل ( ~~رأيتم ) ، وجملة { فجعلتم منه } الخ معطوفة على صلة الموصول بفاء التفريع ، ~~أي الذي أنزل الله لكم فجعلتم منه . والاستفهام في { آلله أذن لكم أم على ~~الله تفترون } مفعول ثان ل ( رأيتم ) ، ورابط الجملة بالمفعول محذوف ، ~~تقديره : أذنكم بذلك ، دل عليه قوله : { فجعلتم منه حراما وحلالا } . | # و { قل } الثاني تأكيد ل { قل } الأول معترض بين جملة الاستفهام الأولى ~~وجملة الاستفهام الثانية لزيادة إشراف الأسماع عليه . وهي معادلة بهمزة ~~الاستفهام لأنها بين الجملتين المعمولتين لفعل { أرأيتم } . وفعل الرؤية ~~معلق عن العمل في المفعول الثاني ؛ لأن الأصح جواز التعليق عن المفعول ~~الثاني . وزعم الرضي أن الرؤية بصرية . وقد بسطت القول في ذلك عند قوله : { ~~أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه الآية في سورة الواقعة ( 58 ، 59 ) . | # وأم } متصلة وهي معادلة لهمزة الاستفهام لأن الاستفهام عن أحد الأمرين . ~~| PageV11P208 # والرزق : ما ينتفع به . وتقدم في قوله تعالى : { ومما رزقناهم ينفقون في ~~سورة البقرة ( 3 ) وفي قوله : أو مما رزقكم الله في الأعراف ( 50 ) . | # وعبر عن إعطاء الرزق بالإنزال ؛ لأن معظم أموالهم كانت الثمار والأعناب ~~والحبوب ، وكلها من آثار المطر الذي هو نازل من السحاب بتكوين الله ، فأسند ~~إنزاله إلى الله بهذا الاعتبار ، ومعظم أموالهم الأنعام ، وحياتها من العشب ~~والكلأ وهي من أثر المطر ، قال تعالى : فلينظر الإنسان إلى طعامه أنا صببنا ~~الماء صبا ثم شققنا الأرض شقا فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا ~~وحدائق غلبا وفاكهة وأبا متاعا لكم ولأنعامكم } ( عبس : 24 ، 32 ) . وقال : ~~{ وفي السماء رزقكم } ( الذاريات : 22 ) أي سبب رزقكم وهو المطر ms3923 . وقد عرف ~~العرب بأنهم بنو ماء السماء . وهو على المجاز في كلمة ( بني ) لأن الابن ~~يطلق مجازا على الملازم للشيء . وقد عبر عن إعطاء الأنعام بالإنزال في قوله ~~: { وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج } ( الزمر : 6 ) بهذا الاعتبار . | # والمجعول حراما هو ما حكى الله بعضه عنهم في قوله : { وقالوا هذه أنعام ~~وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم وأنعام حرمت ظهورها وقوله : وقالوا ~~ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا في سورة الأنعام ( ~~138 ، 139 ) . | # ومحل الإنكار ابتداء هو جعلهم بعض ما رزقهم الله حراما عليهم . وأما عطف ~~حلالا } على { حراما } فهو إنكار بالتبع لأنهم لما عمدوا إلى بعض ما أحل ~~الله لهم فجعلوه حراما وميزوه من جملة الرزق فقد جعلوا الحلال أيضا حلالا ، ~~أي بجعل جديد إذ قالوا هو حلال فجعلوا أنفسهم مهيمنين على أحكام الله إذ ~~عمدوا إلى الحلال منها فقلبوه حراما وأبقوا بعض الحلال على الحل ، فلولا ~~أنهم أبقوه على الحل لما بقي عندهم حلالا ولتعطل الانتفاع به فلذلك أنكر ~~عليهم جعل بعض الرزق حراما وبعضه حلالا ، وإلا فإنهم لم يجعلوا ما كان ~~حراما حلالا إذ لم يكن تحريم في الجاهلية . | # وقوله : { حلالا } عطف على { حراما } والتقدير : ومنه حلالا ، لأن جميع ~~ما رزقهم الله لا يعدو بينهم هذين القسمين ، وليس المعنى فجعلتم بعضه حراما ~~وحلالا ، وبعضه ليس بحرام ولا حلال لأن ذلك لا يستقيم . | PageV11P209 # وتقديم اسم الجلالة وهو مسند إليه على خبره الفعلي في قوله : { آلله أذن ~~لكم } لتقوية الحكم مع الاهتمام . وتقديم المجرور على عامله في قوله : { أم ~~على الله تفترون } للاهتمام بهذا المتعلق تشنيعا لتعليق الافتراء به . ~~وأظهر اسم الجلالة لتهويل الافتراء عليه . | # وحذف متعلق { أذن } لظهوره . والتقدير : آلله أذن لكم بذلك الجعل . | # | 2 ( 60 ) { وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة إن الله ~~لذو فضل على الناس ولاكن أكثرهم لا يشكرون } ) 2 # عطف على { جملة قل أرأيتم } ( يونس : 59 ) ، فهو كلام غير داخل في القول ~~المأمور به ، ولكنه ms3924 ابتداء خطاب لجميع الناس . و { ما } للاستفهام . ~~والاستفهام مستعمل في التعجيب من حالهم . والمقصود به التعريض بالمشركين ~~ليستفيقوا من غفلتهم ويحاسبوا أنفسهم . | # ولذلك كان مقتضى الظاهر أن يؤتى بضمير ( هم ) مضافا إليه الظن إما ضمير ~~خطاب أو غيبة . فيقال : وما ظنكم أو وما ظنهم ، فعدل عن مقتضى الظاهر إلى ~~الإتيان بالموصول بالصلة المختصة بهم للتنبيه على أن الترديد بين أن يكون ~~الله أذن لهم فيما حرموه وبين أن يكونوا مفترين عليه قد انحصر في القسم ~~الثاني ، وهو كونهم مفترين إذ لا مساغ لهم في ادعاء أنه أذن لهم ، فإذ تعين ~~أنهم مفترون فقد صار الافتراء حالهم المختص بهم . وفي الموصول إيذان بعلة ~~التعجيب من ظنهم بأنفسهم يوم القيامة . | # وحذف مفعولا الظن لقصد تعميم ما يصلح له ، أي ما ظنهم بحالهم وبجزائهم ~~وبأنفسهم . وانتصب { الكذب } على المفعول المطلق ، واللام فيه لتعريف الجنس ~~، كأنه قيل كذبا ، ولكنه عرف لتفظيع أمره ، أي هو الكذب المعروف عند الناس ~~المستقبح في العقول . | # و { يوم القيامة } منصوب على الظرفية وعامله الظن ، أي ما هو ظنهم في ذلك ~~اليوم أي إذا رأوا الغضب عليهم يومئذ ماذا يكون ظنهم أنهم لاقون ، وهذا ~~تهويل . | PageV11P210 # وجملة : { إن الله لذو فضل على الناس } تذييل للكلام المفتتح بقوله : { ~~يأيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور } ( يونس : 57 ) ~~. وفيه قطع لعذر المشركين ، وتسجيل عليهم بالتمرد بأن الله تفضل عليهم ~~بالرزق والموعظة والإرشاد فقابلوا ذلك بالكفر دون الشكر وجعلوا رزقهم أنهم ~~يكذبون في حين قابله المؤمنون بالفرح والشكر فانتفعوا به في الدنيا والآخرة ~~. | # | 2 ( 61 ) { وما تكون فى شأن وما تتلوا منه من قرءان ولا تعملون من عمل ~~إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الارض ~~ولا فى السمآء ولا أصغر من ذالك ولا أكبر إلا فى كتاب مبين } ) 2 # | $ # معطوفة على جملة { وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة } ( ~~يونس : 60 ) عطف غرض على غرض ، لأن فصل الغرض الأول ms3925 بالتذييل دليل على أن ~~الكلام قد نقل إلى غرض آخر ، وذلك الوعد بالثواب للرسول على ما هو قائم به ~~من تبليغ أمر الله وتدبير شؤون المسلمين وتأييد دين الإسلام ، وبالثواب ~~للمسلمين على اتباعهم الرسول فيما دعاهم إليه . وجاء هذا الوعد بطريقة ~~التعريض بحصول رضى الله تعالى عنهم في قوله : { إلا كنا عليكم شهودا } ~~لأنهم يعلمون أن عملهم وعمل النبي ما كان إلا في مرضاة الله ، فهو كقوله ~~تعالى : { الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين } . ويتضمن ذلك تنويها ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم في جليل أعماله وتسلية على ما يلاقيه من ~~المشركين من تكذيب وأذى ، لأن اطلاع الله على ذلك وعلمه بأنه في مرضاته كاف ~~في التسلية ، كقوله : { واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا } ( الطور : 48 ) ، ~~ولذلك توجه الخطاب ابتداء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثم توجه إليه وإلى ~~من معه من المسلمين . | # و { ما } الأولى و { ما } الثانية نافيتان . | PageV11P211 # والشأن : العمل المهم والحال المهم . و ( في ) للظرفية المجازية التي ~~بمعنى شدة التلبس . | # وضمير ( منه ) إما عائد إلى ( شأن ) ، أي وما تتلو من الشأن قرآنا فتكون ~~( من ) مبينة ل ( ما ) الموصولة أو تكون بمعنى لام التعليل ، أي تتلو من ~~أجل الشأن قرآنا . وعطف { وما تتلو } من عطف الخاص على العام للاهتمام به ، ~~فإن التلاوة أهم شؤون الرسول عليه الصلاة والسلام . | # وإما عائد إلى { قرآن } ، أي وما تتلو من القرآن قرآنا ، فتكون { منه } ~~للتبعيض ، والضمير عائد إلى مؤخر لتحصيل التشويق إليه حتى يتمكن في نفس ~~السامع . وواو ( تتلو ) لام الكلمة ، والفعل محتمل لضمير مفرد لخطاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم | # فيكون الكلام قد ابتدىء بشؤون النبي صلى الله عليه وسلم التي منها ما هو ~~من خواصه كقيام الليل ، وثني بما هو من شؤونه بالنسبة إلى الناس وهو تلاوة ~~القرآن على الناس ، وثلث بما هو من شؤون الأمة في قوله : { ولا تعملون من ~~عمل } فإنه وإن كان الخطاب فيه شاملا للنبيء صلى الله عليه وسلم إلا أن ~~تقديم ذكر شأن في أول ms3926 الآية يخصص عموم الخطاب في قوله : { تعملون } فلا ~~يبقى مرادا منه إلا ما يعمله بقية المسلمين . | # ووقع النفي مرتين بحرف ( ما ) ومرة أخرى بحرف ( لا ) لأن حرف ( ما ) أصله ~~أن يخلص المضارع للحال ، فقصد أولا استحضار الحال العظيم من شأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ومن قراءته القرآن ، ولما نفي عمل الأمة جيء بالحرف الذي ~~الأصل فيه تخليصه المضارع للاستقبال للتثنية من أول الكلام على استمرار ذلك ~~في الأزمنة كلها . | # ويعلم من قرينة العموم في الأفعال الثلاثة بواسطة النكرات الثلاث ~~المتعلقة بتلك الأفعال والواقعة في سياق النفي أن ما يحصل في الحال وما ~~يحصل في المستقبل من تلك الأفعال سواء ، وهذا من بديع الإيجاز والإعجاز . ~~وكذلك الجمع بين صيغ المضارع في الأفعال المعممة { تكون وتتلو وتعملون } ~~وبين صيغة الماضي في الفعل الواقع في موضع الحال منها { إلا كنا } للتنبيه ~~على أن ما حصل ويحصل وسيحصل سواء في علم PageV11P212 الله تعالى على طريقة ~~الاحتباس كأنه قيل : وما كنتم وتكون وهكذا ، إلا كنا ونكون عليكم شهودا . | # و { من عمل } مفعول { تعملون } فهو مصدر بمعنى المفعول وأدخلت عليه ( من ~~) للتنصيص على التعميم ليشمل العمل الجليل والحقير والخير والشر . | # والاستثناء في قوله : { إلا كنا عليكم شهودا } استثناء من عموم الأحوال ~~التي اقتضاها عموم الشأن وعموم التلاوة وعموم العمل ، أي إلا في حالة علمنا ~~بذلك ، فجملة { كنا عليكم } في موضع الحال . ووجود حرف الاستثناء أغنى عن ~~اتصال جملة الحال بحرف ( قد ) لأن الربط ظاهر بالاستثناء . | # والشهود : جمع شاهد . وأخبر بصيغة الجمع عن الواحد وهو الله تعالى تبعا ~~لضمير الجمع المستعمل للتعظيم ، ومثله قوله تعالى : { إنا كنا فاعلين } ( ~~الأنبياء : 104 ) . ونظيره في ضمير جماعة المخاطبين في خطاب الواحد في قول ~~جعفر بن علبة الحارثي : | # فلا تحسبي أني تخشعت بعدكم | # لشيء ولا أني من الموت أفرق | # وذلك استعارة بتشبيه الواحد بالجماعة في القوة لأن الجماعة لا تخلو من ~~مزايا كثيرة موزعة في أفرادها . | # والشاهد : الحاضر ، وأطلق على العالم بطريقة المجاز المرسل ولذلك عدي ~~بحرف ( على ) . | # و { إذ ms3927 } ظرف ، أي حين تفيضون . | # والإفاضة في العمل : الاندفاع فيه ، أي الشروع في العمل بقوة واهتمام ، ~~وهذه المادة مؤذنة بأن المراد أعمالهم في مرضاة الله ومصابرتهم على أذى ~~المشركين . وخصت هذه الحالة وهذا الزمان بالذكر بعد تعميم الأعمال اهتماما ~~بهذا النوع فهو كذكر الخاص بعد العام ، كأنه قيل : ولا تعملون من عملل ما ~~وعملل عظيمم تفيضون فيه إلا كنا عليكم شهودا حين تعملونه وحين تفيضون فيه . ~~| PageV11P213 # وجملة : { وما يعزب عن ربك } الخ عطف على جملة : { وما تكون في شأن } ، ~~وهي بمنزلة التذييل لما فيها من زيادة التعميم في تعلق علم الله تعالى ~~بجميع الموجودات بعد الكلام على تعلقه بعمل النبي صلى الله عليه وسلم ~~والمسلمين . | # والعزوب : البعد ، وهو مجاز هنا للخفاء وفواتت العلم ، لأن الخفاء لازم ~~للشيء البعيد ، ولذلك علق باسم الذات دون صفة العلم فقال : { عن ربك } . | # وقرأ الجمهور { يعزب } بضم الزاي ، وقرأه الكسائي بكسر الزاي وهما وجهان ~~في مضارع ( عزب ) . | # و ( من ) في قوله : { من مثقال ذرة } مزيدة لتأكيد عموم النفي الذي في { ~~ما يعزب } . | # والمثقال : اسم آلة لما يعرف به مقدار ثقل الشيء فهو وزن مفعال من ثقل ، ~~وهو اسم لصنج مقدر بقدر معين يوزن به الثقل . | # والذرة : النملة الصغيرة ، ويطلق على الهباءة التي ترى في ضوء الشمس ~~كغبار دقيق جدا ، والظاهر أن المراد في الآية الأول . وذكرت الذرة مبالغة ~~في الصغر والدقة للكناية بذلك عن إحاطة العلم بكل شيء فإن ما هو أعظم من ~~الذرة يكون أولى بالحكم . | # والمراد بالأرض والسماء هنا العالم السفلي والعالم العلوي . والمقصود ~~تعميم الجهات والأبعاد بأخصر عبارة . وتقديم الأرض هنا لأن ما فيها أعلق ~~بالغرض الذي فيه الكلام وهو أعمال الناس فإنهم من أهل الأرض بخلاف ما في ~~سورة سبأ ( 3 ) { عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في ~~الأرض } فإنه لما كان المقام لذكر علم الغيب والغيب ما غاب عن الناس ومعظمه ~~في السماء لاءم ذلك أن قدمت السماء على الأرض . | # وعطف { ولا أصغر من ذلك ولا أكبر ms3928 } على { ذرة } تصريحا بما كني عنه ~~بمثقال ذرة من جميع الأجرام . | # و { أصغر } بالفتح في قراءة الجمهور ممنوعا من الصرف لأنه معطوف على { ~~ذرة } PageV11P214 المجرور على أن { لا } مقحمة لتأكيد النفي . وجوز أن ~~يكون العطف عطف جملة وتكون { لا } نافية للجنس { وأصغر } اسمها مبنيا على ~~الفتح فيكون ابتداء كلام . | # وقرأ حمزة وخلف ويعقوب { ولا أصغر ولا أكبر } برفعهما باعتبار عطف { أصغر ~~} على محل { مثقال } لأنه فاعل { يعزب } في المعنى ، وكسرته كسرة جر الحرف ~~الزائد وهو وجه من فصيح الاستعمال ، أو باعتبار عطف الجملة على الجملة ~~وتكون { لا } نافية عاملة عمل ليس و { أصغر } اسمها . | # والاستثناء على الوجهين الأولين من قراءتي نصب { أصغر } ورفعه استثناء ~~منقطع بمعنى ( لكن ) ، أي لا يعزب ذلك ولكنه حاضر في كتاب ، وجوز أن يكون ~~استثناء متصلا من عموم أحوال عزوب مثقال الذرة وأصغر منها وأكبر . وتأويله ~~أن يكون من تأكيد الشيء بما يشبه ضده . والمعنى لا يعزب عنه شيء في الأرض ~~ولا في السماء إلا في حال كونه في كتاب مبين ، أي إلا معلوما مكتوبا ويعلم ~~السامع أن المكتوب في كتاب مبين لا يمكن أن يعزب ، فيكون انتفاء عزوبه ~~حاصلا بطريق برهاني . | # والمجرور على هذا كله في محل الحال ، وعلى الوجهين الأخيرين من القراءتين ~~يكون الاستثناء متصلا والمجرور ظرفا مستقلا في محل خبر ( لا ) النافية فهو ~~في محل رفع أو في محل نصب ، أي لا يوجد أصغر من الذرة ولا أكبر إلا في كتاب ~~مبين كقوله تعالى : { ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين } ( الأنعام : 59 ~~) . | # والكتاب : علم الله ، استعير له الكتاب لأنه ثابت لا يخالف الحق بزيادة ~~ولا نقصان . ومبين : اسم فاعل من أبان بمعنى بان ، أي واضح بين لا احتمال ~~فيه . | # | 2 ( 62 64 ) { ألا إن أوليآء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون * الذين ~~ءامنوا وكانوا يتقون * لهم البشرى في الحيواة الدنيا وفى الاخرة لا تبديل ~~لكلمات الله ذالك هو الفوز العظيم } ) 2 # | $ # استئناف للتصريح بوعد المؤمنين المعرض به في قوله : { إلا ms3929 كنا عليكم ~~شهودا إذ PageV11P215 تفيضون فيه وما يعزب عن ربك } ( يونس : 61 ) الآية ، ~~وبتسلية النبي صلى الله عليه وسلم على ما يلاقيه من الكفار من أذى وتهديد ، ~~إذ أعلن الله للنبيء والمؤمنين بالأمن من مخافة أعدائهم ، ومن الحزن من ~~جراء ذلك ، ولمح لهم بعاقبة النصر ، ووعدهم البشرى في الآخرة وعدا لا يقبل ~~التغيير ولا التخلف تطمينا لنفوسهم ، كما أشعر به قوله عقبه { لا تبديل ~~لكلمات الله } . | # وافتتاح الكلام بأداة التنبيه إيماء إلى أهمية شأنه ، كما تقدم في قوله : ~~{ ألا إنهم هم المفسدون في سورة البقرة ( 12 ) ، ولذلك أكدت الجملة بإن } ~~بعد أداة التنبيه . | # وفي التعبير ب { أولياء الله } دون أن يؤتى بضمير الخطاب كما هو مقتضى ~~وقوعه عقب قوله : { وما تعملون من عمل } ( يونس : 61 ) يؤذن بأن المخاطبين ~~قد حق لهم أنهم من أولياء الله مع إفادة حكم عام شملهم ويشمل من يأتي على ~~طريقتهم . | # وجملة : { لا خوف عليهم ولا هم يحزنون } خبر { إن } . | # والخوف : توقع حصول المكروه للمتوقع ، فيتعدى بنفسه إلى الشيء المتوقع ~~حصوله . فيقال : خاف الشيء ، قال تعالى : { فلا تخافوهم وخافون } ( آل ~~عمران : 175 ) . وإذا كان توقع حصول المكروه لغير المتوقع يقال للمتوقع : ~~خاف عليه ، كقوله تعالى : { إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } ( الشعراء : ~~135 ) . | # وقد اقتضى نظم الكلام نفي جنس الخوف لأن ( لا ) إذا دخلت على النكرة دلت ~~على نفي الجنس ، وأنها إذا بني الاسم بعدها على الفتح كان نفي الجنس نصا ~~وإذا لم يبن الاسم على الفتح كان نفي الجنس ظاهرا مع احتمال أن يراد نفي ~~واحد من ذلك الجنس إذا كان المقام صالحا لهذا الاحتمال ، وذلك في الأجناس ~~التي لها أفراد من الذوات مثل رجل ، فأما أجناس المعاني فلا يتطرق إليها ~~ذلك الاحتمال فيستوي فيها رفع اسم ( لا ) وبناؤه على الفتح ، كما في قول ~~إحدى نساء حديثث أم زرع ( زوجي كليلل تهامة لا حر ولا قر ولا مخافة ولا ~~سآمة ) فقد رويت هذه الأسماء بالرفع وبالبناء على الفتح . | PageV11P216 # فمعنى { لا خوف عليهم } أنهم بحيث لا ms3930 يخاف عليهم خائف ، أي هم بمأمنن من ~~أن يصيبهم مكروه يخاف من إصابة مثله ، فهم وإن كانوا قد يهجس في نفوسهم ~~الخوف من الأعداء هجسا من جبلة تأثر النفوس عند مشاهدة بوادر المخافة ، ~~فغيرهم ممن يعلم حالهم لا يخاف عليهم لأنه ينظر إلى الأحوال بنظر اليقين ~~سليما من التأثر بالمظاهر ، فحالهم حال من لا ينبغي أن يخاف ، ولذلك لا ~~يخاف عليهم أولياؤهم لأنهم يأمنون عليهم من عاقبة ما يتوجسون منه خيفة ، ~~فالخوف الذي هو مصدر في الآية يقدر مضافا إلى فاعله وهو غيرهم لا محالة ، ~~أي لا خوف يخافه خائف عليهم ، وهم أنفسهم إذا اعتراهم الخوف لا يلبث أن ~~ينقشع عنهم وتحل السكينة محله ، كما قال تعالى : { وضاقت عليكم الأرض بما ~~رحبت ثم وليتم مدبرين ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين } ( ~~التوبة : 25 ، 26 ) ، وقال لموسى : { لا تخاف دركا ولا تخشى } ( طه : 77 ) ~~، وقال : { إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ~~} . وكان النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر يدعو الله بالنصر ويكثر من ~~الدعاء ويقول : ( اللهم إن تهلك هذه العصابة لم تعبد في الأرض ) . ثم خرج ~~وهو يقول : { سيهزم الجمع ويولون الدبر } ( القمر : 45 ) . | # ولهذا المعنى الذي أشارت إليه الآية تغير الأسلوب في قوله : { ولا هم ~~يحزنون } فأسند فيه الحزن المنفي إلى ضمير { أولياء الله } مع الابتداء به ~~، وإيراد الفعل بعده مسندا مفيدا تقوي الحكم ، لأن الحزن هو انكسار النفس ~~من أثر حصول المكروه عندها فهو لا توجد حقيقته إلا بعد حصوله ، والخوف يكون ~~قبل حصوله ، ثم هم وإن كانوا يحزنون لما يصيبهم من أمور في الدنيا كقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم ( وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزنون ) فذلك حزن ~~وجداني لا يستقر بل يزول بالصبر ، ولكنهم لا يلحقهم الحزن الدائم وهو حزن ~~المذلة وغلبة العدو عليهم وزوال دينهم وسلطانهم ، ولذلك جيء في جانب نفي ~~الحزن عنهم بإدخال حرف النفي على تركيب مفيد لتقوي الحكم بقوله : { ولا هم ~~يحزنون } لأن جملة : { هم ms3931 يحزنون } يفيد تقديم المسند إليه فيها تقوي الحكم ~~الحاصل بالخبر الفعلي ، فالمعنى لا يحصل لهم خوف متمكن ثابت يبقى فيهم ولا ~~يجدون تخلصا منه . | PageV11P217 # فالكلام يفيد أن الله ضمن لأوليائه أن لا يحصل لهم ما يخافونه وأن لا يحل ~~بهم ما يحزنهم . ولما كان ما يخاف منه من شأنه أن يحزن من يصيبه كان نفي ~~الحزن عنهم مؤكدا لمعنى نفي خوف خائف عليهم . وجمهور المفسرين حملوا الخوف ~~والحزن المنفيين على ما يحصل لأهل الشقاوة في الآخرة بناء على أن الخوف ~~والحزن يحصلان في الدنيا ، كقوله : { فأوجس في نفسه خيفة موسى } ( طه : 67 ~~) . وقد علمت ما يغني عن هذا التأويل ، وهو يبعد عن مفاد قوله : { لهم ~~البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة } . | # والولي : الموالي ، أي المحالف والناصر . وكلها ترجع إلى معنى الولي ( ~~بسكون اللام ) ، وهو القرب وهو في معنى الولي كلها قرب مجازي . وتقدم في ~~قوله تعالى : { قل أغير الله اتخذ وليا في سورة الأنعام ( 14 ) . وهو قرب ~~من الجانبين ، ولذلك فسروه هنا بأنه الذي يتولى الله بالطاعة ويتولاه الله ~~بالكرامة . وقد بين أولياء الله في هذه الآية بأنهم الذين آمنوا واتقوا ، ~~فاسم الموصول وصلته خبر وما بينهما اعتراض ، أو يجعل جملة : لا خوف عليهم } ~~خبر { إن } ويجعل اسم الموصول خبر مبتدأ محذوف حذفا جاريا على الاستعمال ، ~~كما سماه السكاكي في حذف المسند إليه . 5 وأيا ما كان فهذا الخبر يفيد أن ~~يعرف السامع كنه معنى أولياء الله اعتناء بهم على نحو ما قيل في قول أوس بن ~~حجر : | # الألمعي الذي يظن بك الظن | # كأن قد رأى وقد سمعا | # ودل قوله : { وكانوا يتقون } على أن التقوى ملازمة لهم أخذا من صيغة { ~~كانوا } وأنها متجددة منهم أخذا من صيغة المضارع في قوله : { يتقون } . وقد ~~كنت أقول في المذاكرات منذ سنين خلت في أيام الطلب أن هذه الآية هي أقوى ما ~~يعتمد عليه في تفسير حقيقة الولي شرعا وأن على حقيقتها يحمل معنى قوله في ~~الحديث القدسي الذي رواه الترمذي عن النبي صلى ms3932 الله عليه وسلم قال : ( قال ~~الله تعالى : من عادى لي وليا فقد آذنته بحرب ) . | # وإشارة الآية إلى تولي الله إياهم بالكرامة بقوله : { لهم البشرى في ~~الحياة الدنيا وفي الآخرة } . وتعريف { البشرى } تعريف الجنس فهو صادق ~~ببشارات كثيرة . | PageV11P218 # و { في الحياة الدنيا وفي الآخرة } حال من { البشرى } . والمعنى : أنهم ~~يبشرون بخيرات قبل حصولها : في الدنيا بما يتكرر من البشارات الواردة في ~~كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم وفي الآخرة بما يتلقونه من ~~الملائكة وما يسمعونه من أمر الله بهم إلى النعيم المقيم ، كقوله : { وبشر ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات } ( البقرة : 25 ) . | # وروى الترمذي عن أبي الدرداء أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~قوله تعالى : { لهم البشرى في الحياة الدنيا } فقال : ( ما سألني عنها أحد ~~غيرك منذ أنزلت فهي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له ) قال الترمذي : ~~وليس فيه عطاء بن يسار أي ليس في الحديث أن أبا صالح يرويه عن عطاء بن يسار ~~كما هو المعروف في رواية أبي صالح إلى أبي الدرداء ، وعليه فالحديث منقطع ~~غير متصل السند . وقد رواه الترمذي بسندين آخرين فيهما عطاء بن يسار عن رجل ~~من أهل مصر عن أبي الدرداء وذلك سند فيه مجهول ، فحالة إسناد هذا الخبر ~~مضطربة لظهور أن عطاء لم يسمعه من أبي الدرداء . | # ومحمل هذا الخبر أن الرؤيا الصالحة من جملة البشرى في الحياة الدنيا ~~لأنها تؤذن صاحبها بخير مستقبل يحصل في الدنيا أحرى الآخرة ، أو كأن السائل ~~سأل عن بشرى الحياة فأما بشرى الآخرة فكانت معروفة بقوله : { يبشرهم ربهم ~~برحمة منه } ( التوبة : 21 ) الآية ونحوها من الآيات . | # وفي ( الموطأ ) عن هشام بن عروة عن أبيه كان يقول في هذه الآية { لهم ~~البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة } قال : هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل ~~أو ترى له . ومن البشرى الوعد بأن لهم عاقبة النصر على الأعداء ، وتمكينهم ~~من السلطان في الدنيا ، وأن لهم النعيم الخالد في الآخرة . ومقابلة الحزن ~~بالبشرى من محسنات ms3933 الطباق . | # وجملة : { لا تبديل لكلمات الله } مبينة لمعنى تأكيد الوعد الذي تضمنه ~~قوله : { لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة } ، تذكيرا لهم بأن ما ~~وعدهم الله به من البشائر مثل النصر PageV11P219 وحسن العاقبة أمر ثابت لا ~~يتخلف لأنه من كلمات الله ، وقد نفي التبديل بصيغة التبرئة الدالة على ~~انتفاء جنس التبديل . | # والتبديل : التغيير والإبطال ، لأن إبطال الشيء يستلزم إيجاد نقيضه . | # و { كلمات الله } الأقوال التي أوحى بها إلى الرسول في الوعد المشار إليه ~~، ويؤخذ من عموم { كلمات الله } وعموم نفي التبديل أن كل ما هو تبديل منفي ~~من أصله . | # روي أن الحجاج خطب فذكر عبد الله بن الزبير فقال : إنه قد بدل كتاب الله ~~. وكان ابن عمر حاضرا فقال له ابن عمر : لا تطيق ذلك أنت ولا ابن الزبير : ~~{ لا تبديل لكلمات الله } . | # وجملة { ذلك هو الفوز العظيم } مؤكدة لجملة { لهم البشرى } ومقررة ~~لمضمونها فلذلك فصلت . | # والإشارة بذلك إلى المذكور من مضمون الجمل الثلاث المتقدمة ، واختيار اسم ~~الإشارة لأنه أجمع لما ذكر ، وفيه كمال تمييز له لزيادة تقرير معناه . وذكر ~~ضمير الفصل بعد اسم الإشارة لزيادة التأكيد ولإفادة القصر ، أي هو الفوز ~~العظيم لا غيره مما يتقلب فيه المشركون في الحياة الدنيا من رزق ومنعة وقوة ~~، لأن ذلك لا يعد فوزا إذا عاقبته المذلة والإهانة في الدنيا وبعده العذاب ~~الخالد في الآخرة ، كما أشار إليه قوله تعالى : { لا يغرنك تقلب الذين ~~كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد } ( آل عمران : 196 ~~، 197 ) . | # | 2 ( 65 ) { ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا هو السميع العليم } ) 2 # الجملة معطوفة على جملة { ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ~~} ( يونس : 62 ) عطف الجزئي على الكلي لأن الحزن المذكور هنا نوع من أنواع ~~الحزن المنفي في قوله : { ولا هم يحزنون } ( يونس : 62 ) ، ولأن الرسول ~~عليه الصلاة والسلام من أولياء الله الذين لا خوف عليهم PageV11P220 ولا هم ~~يحزنون . فكان مقتضى الظاهر أن يعطف بفاء التفريع لأن دفع هذا الحزن ms3934 يتفرع ~~على ذلك النفي ولكن عدل إلى العطف بالواو ليعطي مضمون الجملة المعطوفة ~~استقلالا بالقصد إليه فيكون ابتداء كلام مع عدم فوات معنى التفريع لظهوره ~~من السياق . والحزن المنهي عن تطرقه هو الحزن الناشىء عن أذى المشركين ~~محمدا صلى الله عليه وسلم بأقوالهم البذيئة وتهديداتهم . ووجه الاقتصار على ~~دحضه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يلقى من المشركين محزنا إلا أذى ~~القول البذئي . | # وصيغة { لا يحزنك قولهم } خطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم وظاهر صيغته ~~أنه نهي عن أن يحزن النبي صلى الله عليه وسلم كلام المشركين ، مع أن شأن ~~النهي أن يتوجه الخطاب به إلى من فعل الفعل المنهي عنه ، ولكن المقصود من ~~مثل هذا التركيب نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن أن يتأثر بما شأنه أن ~~يحزن الناس من أقوالهم ، فلما وجه الخطاب إليه بالنهي عن عمل هو من عمل ~~غيره تعين أن المراد بذلك الكناية عن نهيه هو عن حصول ذلك الحزن في نفسه ~~بأن يصرف عن نفسه أسبابه وملزوماته فيؤول إلى معنى لا تترك أقوالهم تحزنك ، ~~وهذا كما يقولون : لا أرينك تفعل كذا ، ولا أعرفنك تفعل كذا ، فالمتكلم ~~ينهى المخاطب عن أن يراه المتكلم فاعلا كذا . والمراد نهيه عن فعل ذلك حتى ~~لا يراه المتكلم فهو من إطلاق الملزوم وإرادة اللازم . والمعنى : لا تفعلن ~~كذا فأراك تفعله . ومعنى { لا يحزنك قولهم } لا تحزن لقولهم فيحزنك . | # ومعلوم أن أقوال المشركين التي تحزن النبي هي أقوال التكذيب والاستهزاء ، ~~فلذلك حذف مفعول القول لأن المصدر هنا نزل منزلة مصدر الفعل اللازم . | # وجملة : { إن العزة لله جميعا } تعليل لدفع الحزن عنه ، ولذلك فصلت عن ~~جملة النهي كأن النبي يقول : كيف لا أحزن والمشركون يتطاولون علينا ~~ويتوعدوننا وهم أهل عزة ومنعة ، فأجيب بأن عزتهم كالعدم لأنها محدودة ~~وزائلة والعزة الحق لله الذي أرسلك . وهي أيضا في محل استئناف بياني . وكل ~~جملة كان مضمونها علة للتي قبلها تكون أيضا استئنافا بيانيا ، فالاستئناف ~~البياني أعم من التعليل . PageV11P221 وافتتحت بحرف التأكيد للاهتمام ms3935 بها ، ~~ولأنه يفيد مفاد لام التعليل وفاء التفريع في مثل هذا المقام الذي لا يقصد ~~فيه دفع إنكار من المخاطب . | # ويحسن الوقف على كلمة { قولهم } لكي لا يتوهم بعض من يسمع جملة { إن ~~العزة لله جميعا } فيحسبه مقولا لقولهم فيتطلب لماذا يكون هذا القول سببا ~~لحزن الرسول صلى الله عليه وسلم وكيف يحزن الرسول صلى الله عليه وسلم من ~~قولهم : { إن العزة لله } وإن كان في المقام ما يهدي السامع سريعا إلى ~~المقصود . | # ونظير هذا الإيهام ما حكي أن ابن قتيبة ( وهو عبد الله بن مسلم بن قتيبة ~~) ذكر قراءة أبي حيوة { أن العزة لله } بفتح همزة ( أن ) وأعرب بدلا من ( ~~قولهم ) فحكم أن هذه القراءة كفر . حكى ذلك عنه ابن عطية . وأشار إلى ذلك ~~في ( الكشاف ) فقال : ( ومن جعله بدلا من ( قولهم ) ثم أنكره فالمنكر هو ~~تخريجه ) . | # ولعل ابن قتيبة أراد أن كسر الهمزة وإن كان محتملا لأن تكون الجملة بعدها ~~معمولة ل { قولهم } لأن شأن ( إن ) بعد فعل القول أن لا تكون بفتح الهمزة ~~لكن ذلك احتمال غير متعين لأنه يحتمل أيضا أن تكون الجملة استئنافا ، ~~والسياق يعين الاحتمال الصحيح . | # فأما إذا فتحت الهمزة كما قرأ أبو حيوة فقد تعينت أن تكون معمولة لما ذكر ~~قبلها وهو لفظ { قولهم } ولا محمل لها عنده إلا أنها أي المصدر المنسبك . ~~منها بدل من كلمة { قولهم } ، فيصير المعنى : أن الله نهى نبيئه عن أن يحزن ~~من قول المشركين { العزة لله جميعا } وكيف وهو إنما يدعوهم لذلك . وإذ كان ~~النهي عن شيء يقتضي تجويز تلبس المنهي بالشيء المنهى عنه اقتضى ذلك تجويز ~~تلبس النبي عليه الصلاة والسلام بالحزن لمن يقول هذا القول وهذا التجويز ~~يؤول إلى كفر من يجوزه على طريقة التكفير باللازم ، ومقصده التشنيع على ~~صاحب هذه القراءة . | PageV11P222 # وإنما بنى ابن قتيبة كلامه على ظاهر لفظ القرآن دون تقدير حرف قبل ( أن ) ~~لعله راعى أن التقدير خلاف الأصل أو أنه غير كاف في دفع الإيهام . فالوجه ~~أن ابن قتيبة هول ما ms3936 له تأويل ، ورد العلماء عليه رد أصيل . | # والتعريف في { العزة } تعريف الجنس المفيد للاستغراق بقرينة السياق . | # واللام في قوله : { لله } للملك . وقد أفاد جعل جنس العزة ملكا لله أن ~~جميع أنواعها ثابت لله ، فيفيد أن له أقوى أنواعها وأقصاها . وبذلك يفيد أن ~~غير الله لا يملك منها إلا أنواعا قليلة ، فما من نوع من أنواع العزة يوجد ~~في ملك غيره فإن أعظم منه من نوعه ملك لله تعالى . فلذلك لا يكون لما يملكه ~~غير الله من العزة تأثير إذا صادم عزة الله تعالى ، وأنه لا يكون له تأثير ~~إلا إذا أمهله الله ، فكل عزة يستخدمها صاحبها في مناواة من أراد الله نصره ~~فهي مدحوضة مغلوبة ، كما قال تعالى : { كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله ~~قوي عزيز } ( المجادلة : 21 ) وإذ قد كان النبي عليه الصلاة والسلام يعلم ~~أن الله أرسله وأمره بزجر المشركين عما هم فيه كان بحيث يؤمن بالنصر إذا ~~أعلمه الله بأنه مراده ، ويعلم أن ما للمشركين من عزة هو في جانب عزة الله ~~تعالى كالعدم . | # و { جميعا } حال من { العزة } موكدة مضمون الجملة قبلها المفيد لاختصاصه ~~تعالى بجميع جنس العزة لدفع احتمال إرادة المبالغة في ملك ذلك الجنس . | # وجملة : { هو السميع العليم } مستأنفة وإجراء هذا الخبر على اسم الجلالة ~~الواقع ركنا في الجملة التعليلية يجر معنى التعليل إلى هذه الجملة فتفيد ~~الجملة تعليلا آخر أو تكملة للتعليل الأول ، لأنه إذا تذكر المخاطب أن صاحب ~~العزة يعلم أقوالهم وأحوالهم زاد ذلك قوة في دفع الحزن من أقوالهم عن نفسه ~~لأن الذي نهاه عن الحزن من أقوالهم وتطوالهم أشد منهم قوة ومحيط علمه بما ~~يقولونه وبأحوالهم . فهو إذا نهاك عن الحزن من أقوالهم ما نهاك إلا وقد ضمن ~~لك السلامة منهم مع ضعفك وقوتهم لأنه يمدك بقوته وهو أعلم بتكوين أسباب ~~نصرك عليهم . | PageV11P223 # والمراد ب { السميع } العالم بأقوالهم التي من شأنها أن تسمع ، وب { ~~العليم } ما هو أعم من أحوالهم التي ليست بمسموعات فلا يطلق على العلم بها ~~اسم ms3937 ( السميع ) . | # | 2 ( 66 ) { ألا إن لله من فى السماوات ومن فى الارض وما يتبع الذين ~~يدعون من دون الله شركآء إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون } ) 2 # | $ # المقصود بتوجيه هذا الكلام هم المشركون لتأييسهم من كل احتمال لانتصارهم ~~على النبيء عليه الصلاة والسلام والمسلمين ، فإن كثيرا منهم حين يفهم ما في ~~الآيات الخمس السابقة من قوله : { وما تكون في شأن } ( يونس : 61 ) إلى هنا ~~من التصريح بهوان ، شأنهم عند الله وعند رسوله ومن التعريض باقتراب حلول ~~الغلبة عليهم يخامرهم بعض الشك في صدق الرسول وأن ما توعدهم به حق ، ثم ~~يغالطون أنفسهم ويسلون قلوبهم بأنه إن تحقق ذلك سيجدون من آلهتهم وساطة في ~~دفع الضر عنهم ويقولون في أنفسهم : لمثل هذا عبدناهم ، وللشفاعة عند الله ~~أعددناهم ، فسيق هذا الكلام لقطع رجائهم منهم بالاستدلال على أنهم دون ما ~~يظن بهم . | # فالجملة مستأنفة استئنافا ابتدائيا ومناسبة وقوعها عقب جملة { ولا يحزنك ~~قولهم } ( يونس : 65 ) أن أقوالهم دحضت بمضمون هذه الجملة . وأما وقوعها ~~عقب جملة { إن العزة لله جميعا } ( يونس : 65 ) فلأنها حجة على أن العزة ~~لله لأن الذي له من في السماوات ومن في الأرض تكون له العزة الحق . | # وافتتاح الجملة بحرف التنبيه مقصود منه إظهار أهمية العلم بمضمونها ~~وتحقيقه ولذلك عقب بحرف التأكيد ، وزيد ذلك تأكيدا بتقديم الخبر في قوله : ~~{ لله من في السماوات ومن في الأرض } وباجتلاب لام الملك . | PageV11P224 # و { من } الموصولة شأنها أن تطلق على العقلاء وجيء بها هنا مع أن المقصد ~~الأول إثبات أن آلهتهم ملك لله تعالى ، وهي جمادات غير عاقلة ، تغليبا ~~ولاعتقادهم تلك الآلهة عقلاء وهذا من مجاراة الخصم في المناظرة لإلزامه ~~بنهوض الحجة عليه حتى على لازم اعتقاده . والحكم بكون الموجودات العاقلة في ~~السماوات والأرض ملكا لله تعالى يفيد بالأحرى أن تلك الحجارة ملك الله لأن ~~من يملك الأقوى أقدر على أن يملك الأضعف فإن من العرب من عبد الملائكة ، ~~ومنهم من عبدوا المسيح ، وهم نصارى العرب . | # وذكر السماوات والأرض لاستيعاب أمكنة الموجودات ms3938 فكأنه قيل : ألا إن لله ~~جميع الموجودات . | # وجملة : { وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء } الخ معطوفة على جملة ~~: { لله من في السماوات ومن في الأرض } . وهي كالنتيجة للجملة الأولى إذ ~~المعنى أن جميع الموجودات ملك لله ، واتباع المشركين أصنامهم اتباع خاطىء ~~باطل . | # و ( ما ) نافية لا محالة ، بقرينة تأكيدها ب ( إن ) النافية ، وإيراد ~~الاستثناء بعدهما . و { شركاء } مفعول { يدعون } الذي هو صلة { الذين } . | # وجملة : { إن يتبعون } توكيد لفظي لجملة { ما يتبع الذين يدعون } وأعيد ~~مضمونها قضاء لحق الفصاحة حيث حصل من البعد بين المستثنى والمستثنى منه ~~بسبب الصلة الطويلة ما يشبه التعقيد اللفظي وذلك لا يليق بأفصح كلام مع ~~إفادة تلك الإعادة مفاد التأكيد لأن المقام يقتضي الإمعان في إثبات الغرض . ~~| # و { الظن } مفعول لكلا فعلي { يتبع ، ويتبعون } فإنهما كفعل واحد . وليس ~~هذا من التنازع لأن فعل التوكيد اللفظي لا يطلب عملا لأن المقصود منه تكرير ~~اللفظ دون العمل فالتقدير : وما يتبع المشركون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ~~. | PageV11P225 # والظن : هنا اسم منزل منزلة اللازم لم يقصد تعليقه بمظنون معين ، أي ~~شأنهم اتباع الظنون . والمراد بالظن هنا العلم المخطىء . | # وقد بينت الجملة التي بعدها أن ظنهم لا دليل عليه بقوله : { وإن هم إلا ~~يخرصون } . | # والخرص : القول بالحزر والتخمين . وتقدم نظير هذه الآية في سورة الأنعام ~~( 116 ) وهو قوله : { وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن ~~يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون . | # | 2 ( 67 ) هو الذى جعل لكم اليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن فى ذالك ~~لآيات لقوم يسمعون } ) 2 # جملة معترضة بين جملة : { إن يتبعون إلا الظن } ( يونس : 66 ) وجملة : { ~~قالوا اتخذ الله ولدا } ( يونس : 68 ) جاءت مجيء الاستدلال على فساد ظنهم ~~وخرصهم بشواهد خلق الليل والنهار المشاهد في كل يوم من العمر مرتين وهم في ~~غفلة عن دلالته ، وهو خلق نظام النهار والليل . | # وكيف كان النهار وقتا ينتشر فيه النور فيناسب المشاهدة لاحتياج الناس في ~~حركات أعمالهم إلى إحساس البصر الذي به ms3939 تتبين ذوات الأشياء وأحوالها لتناول ~~، الصالح منها في العمل ونبذ غير الصالح للعمل . | # وكيف كان الليل وقتا تغشاه الظلمة فكان مناسبا للسكون لاحتياج الناس فيه ~~إلى الراحة من تعب الأعمال التي كدحوا لها في النهار . فاكانت الظلمة باعثة ~~الناس على الراحة ومحددة لهم إبانها بحيث يستوي في ذلك الفطن والغافل . | ~~PageV11P226 # ولما قابل السكون في جانب الليل بالإبصار في جانب النهار ، والليل ~~والنهار ضدان دل ذلك على أن علة السكون عدم الإبصار ، وأن الإبصار يقتضي ~~الحركة فكان في الكلام احتباك . | # ووصف النهار بمبصر مجاز عقلي للمبالغة في حصول الإبصار فيه حتى جعل ~~النهار هو المبصر . والمراد : مبصرا فيه الناس . | # ومن لطائف المناسبة أن النور الذي هو كيفية زمن النهار ، شيء وجودي ، ~~فكان زمانه حقيقا بأن يوصف بأوصاف العقلاء ، بخلاف الليل فإن ظلمته عدمية ~~فاقتصر في العبرة به على ذكر الفائدة الحاصلة فيه وهي أن يسكنوا فيه . | # وفي قوله : { هو الذي جعل لكم الليل } طريق من طرق القصر وهو تعريف ~~المسند والمسند إليه . وهو هنا قصر حقيقي وليس إضافيا كما توهمه بعض ~~الكاتبين إذ جعله قصر تعيين ، وهم معترفون به لا يستطيعون دفع هذا ~~الاستدلال ، فالمقصود الاستدلال على انفراده تعالى بخصائص الإلهية التي ~~منها الخلق والتقدير ، وأن آلهتهم انتفت عنها خصائص الإلهية ، وقد حصل مع ~~الاستدلال امتنان على الناس بجعل الليل والنهار على هذا النظام . وهذا ~~الامتنان مستفاد من قوله : { جعل لكم } ومن تعليل خلق الليل بعلة سكون ~~الناس فيه ، وخلق النهار بعلة إبصار الناس ، وكل الناس يعلمون ما في سكون ~~الليل من نعمة وما في إبصارهم بالنهار من نعمة كذلك ، فإن في العمل بالنهار ~~نعما جمة من تحصيل رغبات ، ومشاهدة محبوبات ، وتحصيل أموال وأقوات ، وأن في ~~السكون بالليل نعما جمة من استجمام القوى المنهوكة والإخلاد إلى محادثة ~~الأهل والأولاد ، على أن في اختلاف الأحوال ، ما يدفع عن المرء الملال . | # وفي إدماج الاستدلال بالامتنان تعريض بأن الذين جعلوا لله شركاء جمعوا ~~وصمتين هما : وصمة مخالفة الحق ، ووصمة كفران النعمة . | # وجملة : { إن في ms3940 ذلك لآيات } مستأنفة . والآيات : الدلائل الدالة على ~~وحدانية الله تعالى بالإلهية ، فإن النظام الذي نشأ عنه الليل والنهار ~~مشتمل على دقائق كثيرة من العلم والحكمة والقدرة وإتقان الصنع . | ~~PageV11P227 # فمن تلك الآيات : خلق الشمس ، وخلق الأرض ، وخلق النور في الشمس ، وخلق ~~الظلمة في الأرض ، ووصول شعاع الشمس إلى الأرض ، ودوران الأرض كل يوم بحيث ~~يكون نصف كرتها مواجها للشعاع ونصفها الآخر محجوبا عن الشعاع ، وخلق ~~الإنسان ؛ وجعلل نظام مزاجه العصبي متأثرا بالشعاع نشاطا ، وبالظلمة فتورا ~~، وخلق حاسة البصر ، وجعلها مقترنة بتأثر الضوء ؛ وجعل نظام العمل مرتبطا ~~بحاسة البصر ؛ وخلق نظام المزاج الإنساني مشتملا على قوى قابلة للقوة ~~والضعف ثم مدفوعا إلى استعمال قواه بقصد وبغير قصد بسبب نشاطه العصبي ، ثم ~~فاقدا بالعمل نصيبا من قواه محتاجا إلى الاعتياض بقوى تخلفها بالسكون ~~والفتور الذي يلجئه إلى تطلب الراحة . وأية آيات أعظم من هذه ، وأية منة ~~على الإنسان أعظم من إيداع الله فيه دواعي تسوقه إلى صلاحه وصلاح نوعه بداع ~~من نفسه . | # ووصف { قوم } بأنهم { يسمعون } إشارة إلى أن تلك الآيات والدلائل تنهض ~~دلالتها للعقول بالتأمل فيها ، وأن توجه التفكير إلى دلائلها غير محتاج إلا ~~إلى التنبيه عليها ولفته إليها ، فلما كان سماع تذكير الله بها هو الأصل ~~الأصيل في استخراج دلالتها وتفريع مدلولاتها على تفاوت الأذهان في الفطنة ~~وترتيب الأدلة جعل آيات دلالتها حاصلة للذين يسمعون . | # ويجوز أن يكون المراد يسمعون تفاصيل تلك الدلائل في تضاعيف سور القرآن ، ~~وعلى كلا الاحتمالين فالوصف بالسمع تعريض بأن الذين لم يهتدوا بها ولا ~~تفطنوا لدلالتها بمنزلة الصم ، كقوله تعالى : { أفأنت تسمع الصم أو تهدي ~~العمي } ( الزخرف : 40 ) . | # | PageV11P228 # | 2 ( 68 ) { قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ما فى السماوات ~~وما فى الارض إن عندكم من سلطان بهاذآ أتقولون على الله ما لا تعلمون } ) 2 # بيان لجملة { ألا إن لله من في السماوات ومن في الأرض } ( يونس : 66 ) ~~إلى آخرها ، وفي هذا البيان إدماج بحكاية فن من فنون كفرهم مغاير لادعاء ~~شركاء لله ، لأن هذا ms3941 كفر خفي من دينهم ، ولأن الاستدلال على إبطاله مغاير ~~للاستدلال على إبطال الشركاء . | # فضمير { قالوا } عائد إلى { الذين يدعون من دون الله شركاء } ( يونس : 66 ~~) أي قال المشركون { اتخذ الله ولدا } . وليس المراد من الضمير غيرهم من ~~النصارى لأن السورة مكية والقرآن المكي لم يتصد لإبطال زيغ عقائد أهل ~~الكتاب ، ذلك أن كثيرا منهم كانوا يزعمون أن لله بنات هم الملائكة ، وهم ~~بناته من سروات نساء الجن ، ولذلك عبدت فرق من العرب الجن قال تعالى : { ~~ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا ~~سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون } ( سبأ ~~: 40 ، 41 ) . | # والاتخاذ : جعل شيء لفائدة الجاعل ، وهو مشتق من الأخذ لأن المتخذ يأخذ ~~الشيء الذي يصطفيه . وقد تقدم في قوله تعالى : { أتتخذ أصناما آلهة في سورة ~~الأنعام ( 74 ) ، وقوله : وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا في الأعراف ~~( 146 ) ، فالاتخاذ يصدق على أخذ شيء موجود للاستئثار به ، ويصدق على تكوين ~~شيء للانتفاع به . وهو هنا صالح للمعنيين لأن منهم من يعتقد تولد الولد عن ~~الله تعالى ، ومنهم من يعتقد أن الله تبنى بعض مخلوقاته . | # والولد : اسم مصوغ على وزن فعل مثل عمد وعرب . وهو مأخوذ من الولادة ، أي ~~النتاج . يقال : ولدت المرأة والناقة ، ولعل أصل الولد مصدر PageV11P229 ~~ممات على وزن فعل مثل الفرح . ومن أجل ذلك أطلق على الواحد والجمع كما يوصف ~~بالمصدر . يقال : هؤلاء ولد فلان . وفي الحديث أنا سيد ولد آدم والمراد هنا ~~الجمع لأنهم قالوا : الملائكة بنات الله استولدها من سروات الجن قال تعالى ~~: ويجعلون لله البنات سبحانه } ( النحل : 57 ) . | # وجملة : { سبحانه } إنشاء تنزيه للرد عليهم ، فالجملة جواب لذلك المقال ~~ولذلك فصلت عن التي قبلها . وهو اسم مصدر ل ( سبح ) إذا نزه ، نائب عن ~~الفعل ، أي نسبحه . وتقدم عند قوله تعالى : { قالوا سبحانك لا علم لنا في ~~سورة البقرة ( 32 ) ، أي تنزيها لله عن هذا لأن ما قالوه يستلزم تنقيص الله ~~تعالى ، ولذلك بينت جملة التنزيه بجملة ms3942 : هو الغني } بيانا لوجه التنزيه ، ~~أي هو الغني عن اتخاذ الولد ، لأن الإلهية تقتضي الغنى المطلق عن كل احتياج ~~إلى مكمل نقص في الذات أو الأفعال ، واتخاذ الولد إما أن ينشأ عن اندفاع ~~طبيعي لقضاء الشهوة عن غير قصد التوليد وكونها نقصا غير خفي ، وإما أن ينشأ ~~عن القصد والتفكير في إيجاد الولد ، وذلك لا يكون إلا لسد ثلمة نقص من حاجة ~~إلى معنى في الحياة أو خلف بعد الممات . وكل ذلك مناف للإلهية التي تقتضي ~~الاتصاف بغاية الكمال في الذات والصفات والأفعال . | # والغني : الموصوف بالغنى ، فعيل للمبالغة في فعل ( غني ) عن كذا إذا كان ~~غير محتاج ، وغنى الله هو الغنى المطلق ، وفسر في أصول الدين الغنى المطلق ~~بأنه عدم الافتقار إلى المخصص وإلى المحل ، فالمخصص هو الذي يعين للممكن ~~إحدى صفتي الوجود أو العدم عوضا عن الأخرى ، فبذلك ثبت للإله الوجود الواجب ~~، أي الذي لا يتصور انتفاؤه ولذلك انتفى عنه التركيب من أجزاء وأبعاض ومن ~~أجل ذلك امتنع أن ينفصل عنه شيء منه ، والولد ينشأ من جزء منفصل عن الوالد ~~، فلا جرم أن كان الغني منزها عن الولد من جهة الانفصال ، ثم هو أيضا لا ~~يجوز أن يتخذ بعض المخلوقات ولدا له بالتبني لأجل كونه غنيا عن الحاجات ~~التي تبعث على اتخاذ الولد من طلب معونة أو إيناس أو خلف ، قال تعالى : { ~~وقالوا PageV11P230 اتخذ الله ولدا سبحانه بل عباد مكرمون } ( الأنبياء : ~~26 ) وقال : { بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد } ( الأنعام : 101 ) . ~~| # وجملة : { له ما في السماوات وما في الأرض } مقررة لوصف الغنى بأن ما في ~~السماوات وما في الأرض ملكه ، فهنو يسخر كل موجود لما خلقه لأجله ، فلا ~~يحتاج إلى إعانة ولد ، ولا إلى ترفيع رتبة أحد استصناعا له كما يفعل الملوك ~~لقواد جيوشهم وأمراء أقطارهم وممالكهم لاكتساب مودتهم وإخلاصهم . وهذا مساو ~~للاستدلال على نفي الشريك في قوله آنفا { ألا إن لله من في السماوات ومن في ~~الأرض وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء إن يتبعون ms3943 إلا الظن } ( يونس ~~: 66 ) ودل قوله : { له ما في السماوات وما في الأرض } على أن صفة العبودية ~~تنافي صفة البنوة وذلك مثل قوله : { وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل ~~عباد مكرمون } ( الأنبياء : 26 ) . | # ويؤخذ من هذا أن الولد لا يسترق لأبيه ولا لأمه ولذلك يعتق الولد على من ~~يملكه من أب أو أم وإن عليا . | # وجملة : { إن عندكم من سلطان بهذا } جواب ثان لقولهم : { اتخذ الله ولدا ~~} فلذلك فصلت كما فصلت جملة { سبحانه } ، فبعد أن استدل على إبطال قولهم ، ~~سجل عليهم أنهم لا حجة لهم في قولهم ذلك . | # و { إن } حرف نفي . و { من } مزيدة لتأكيد النفي بالاستغراق ، أي استغراق ~~نفي جميع أنواع الحجة قويها وضعيفها ، عقليها وشرعيها . | # و ( عند ) هنا مستعملة مجازا . شبه وجود الحجة للمحتج بالكون في مكانه ، ~~والمعنى : لا حجة لكم . | # و { سلطان } محله رفع بالابتداء ، وخبره { عندكم } واشتغل آخر المبتدأ عن ~~الضمة بكسرة حرف الجر الزائدة . | PageV11P231 # والسلطان : البرهان والحجة ، لأنه يكسب المستدل به سلطة على مخالفه ~~ومجادله . وقد تقدم عند قوله تعالى : { ما نزل الله بها من سلطان في سورة ~~الأعراف ( 71 ) . | # والباء للملابسة ، وهي في موضع صفة لسلطان } ، أي سلطان ملابس لهذا . ~~والإشارة إلى المقول . | # والمعنى : لا حجة لكم تصاحب مقولكم بأن الله اتخذ ولدا . | # وجملة : { أتقولون على الله ما لا تعلمون } جواب ثالث ناشيء عن الجوابين ~~لأنهم لما أبطل قولهم بالحجة . ونفي أن تكون لهم على قولهم حجة كانوا ~~أحرياء بالتوبيخ والتشنيع بأنهم يجترئون على جناب الله فيصفون الله بما لا ~~يعلمون ، أي بما لا يوقنون به ، ولكونها جوابا فصلت . فالاستفهام مستعمل في ~~التوبيخ ، لأن المذكور بعده شيء ذميم ، واجتراء عظيم وجهل كبير مركب . | # | 2 ( 69 ، 70 ) { قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون * متاع ~~فى الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون } ) 2 # استئناف افتتح بأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول لتنبيه السامعين ~~إلى وعي ما يرد بعد الأمر بالقول بأنه أمر مهم بحيث يطلب ms3944 تبليغه ، وذلك أن ~~المقول قضية عامة يحصل منها وعيد للذين قالوا : اتخذ الله ولدا ، على ~~مقالتهم تلك ، وعلى أمثالها كقولهم : { ما في بطون هذه الأنعام خالصة ~~لذكورنا ومحرم على أزواجنا } ( الأنعام : 139 ) وقولهم : ما كان لآلهتهم من ~~الحرث والأنعام لا يصل إلى الله وما كان لله من ذلك يصل إلى آلهتهم ، ~~وقولهم : { لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض PageV11P232 ينبوعا } ( ~~الإسراء : 90 ) وأمثال ذلك . فذلك كله افتراء على الله ، لأنهم يقولونه على ~~أنه دين ، وماهية الدين أنه وضع إلهي فهو منسوب إليه ، ويحصل من تلك القضية ~~وعيد لأمثال المشركين من كل من يفتري على الله ما لم يقله ، فالمقول لهم ~~ابتداءا هم المشركون . | # والفلاح : حصول ما قصده العامل من عمله بدون انتقاض ولا عاقبة سوء . ~~وتقدم في طالع سورة البقرة ( 5 ) . فنفي الفلاح هنا نفي لحصول مقصودهم من ~~الكذب وتكذيب محمد صلى الله عليه وسلم | # وجملة : { متاع في الدنيا } استئناف بياني ، لأن القضاء عليه بعدم الفلاح ~~يتوجه عليه أن يسأل سائل كيف نراهم في عزة وقدرة على أذى المسلمين وصد ~~الناس عن اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم فيجاب السائل بأن ذلك تمتيع في ~~الدنيا لا يعبأ به ، وإنما عدم الفلاح مظهره الآخرة ، ف { متاع } خبر مبتدأ ~~محذوف يعلم من الجملة السابقة ، أي أمرهم متاع . | # والمتاع : المنفعة القليلة في الدنيا إذ يقيمون بكذبهم سيادتهم وعزتهم ~~بين قومهم ثم يزول ذلك . | # ومادة ( متاع ) مؤذنة بأنه غير دائم كما تقدم في قوله تعالى : { ولكم في ~~الأرض مستقر ومتاع إلى حين في أوائل سورة الأعراف ( 24 ) . | # وتنكيره مؤذن بتقليله ، وتقييده بأنه في الدنيا مؤكد للزوال وللتقليل ، و ~~( ثم ) من قوله : ثم إلينا مرجعهم } للتراخي الرتبي لأن مضمونه هو محقة ~~أنهم لا يفلحون فهو أهم مرتبة من مضمون لا يفلحون . | # والمرجع : مصدر ميمي بمعنى الرجوع . ومعنى الرجوع إلى الله الرجوع إلى ~~وقت نفاذ حكمه المباشر فيهم . | # وتقديم { إلينا } على متعلقه وهو المرجع للاهتمام بالتذكير به واستحضاره ~~كقوله : { والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة إلى ms3945 قوله ووجد الله عنده فوفاه ~~حسابه } ( النور : 39 ) ويجوز أن يكون المرجع كناية عن الموت . | ~~PageV11P233 # وجملة : { ثم نذيقهم العذاب الشديد } بيان لجملة : { ثم إلينا مرجعهم } . ~~وحرف ( ثم ) هذا مؤكد لنظيره الذي في الجملة المبينة على أن المراد بالمرجع ~~الحصول في نفاذ حكم الله . | # والجمل الأربع هي من المقول المأمور به النبي صلى الله عليه وسلم تبليغا ~~عن الله تعالى . | # وإذاقة العذاب إيصاله إلى الإحساس ، أطلق عليه الإذاقة لتشبيهه بإحساس ~~الذوق في التمكن من أقوى أعضاء الجسم حاسية لمس وهو اللسان . | # والباء في { بما كانوا يكفرون } للتعليل . | # وقوله : { كانوا يكفرون } يؤذن بتكرر ذلك منهم وتجدده بأنواع الكفر . | # | 2 ( 71 ) { واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه ياقوم إن كان كبر عليكم ~~مقامى وتذكيرى بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعو ا أمركم وشركآءكم ثم لا ~~يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضو ا إلى ولا تنظرون } ) 2 # | $ # انتقال من مقارعة المشركين بالحجج الساطعة على بطلان دينهم ، وبالدلائل ~~الواضحة على تفنيد أكاذيبهم وتكذيبهم وما تخلل ذلك من الموعظة والوعيد ~~بالعذاب العاجل والآجل والإرهاب ، إلى التعريض لهم بذكر ما حل بالأمم ~~المماثلة أحوالها لأحوالهم ، استقصاء لطرائق الحجاج على أصحاب اللجاج ؛ فإن ~~نوحا عليه السلام مع قومه مثل لحال محمد صلى الله عليه وسلم مع المشركين من ~~قومه في ابتداء الأمر وتطوره ، ففي ذكر عاقبة قوم نوح عليه السلام تعريض ~~للمشركين بأن عاقبتهم كعاقبة أولئك أو أنهم إنما يمتعون قليلا ثم يؤخذون ~~أخذة رابية ، PageV11P234 كما متع قوم نوح زمنا طويلا ثم لم يفلتوا من ~~العذاب في الدنيا ، فذكر قصة نوح مع قومه عظة للمشركين وملقيا بالوجل ~~والذعر في قلوبهم ، وفي ذلك تأنيس للرسول صلى الله عليه وسلم وللمسلمين ~~بأنهم إسوة بالأنبياء ، والصالحين من أقوامهم ، وكذلك قصة موسى عليه السلام ~~عقبها كما ينبيء عن ذلك قوله في نهاية هذه القصص { أفأنت تكره الناس حتى ~~يكونوا مؤمنين } ( يونس : 99 ) الآيات . وقوله : { فإن كنت في شك مما ~~أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك } ( يونس : 94 ) الآيات . | # وبهذا ms3946 يظهر حسن موقع ( إذ ) من قوله : { إذ قال لقومه يا قوم } إلى آخره ~~، فإن تقييد النبأ بزمن قوله : { لقومه } إيماء إلى أن محاورته قومه ~~وإصرارهم على الإعراض هو محل العبرة ، لأنه وجه الشبه بين المشركين وبين ~~قوم نوح عليه السلام في صم آذانهم عن دعوة رسولهم ، وقوله ذلك لهم إنما كان ~~بعد أن كرر دعاءهم زمنا طويلا فكان ذلك آخر جدل بينه وبينهم ، والنبي صلى ~~الله عليه وسلم قد دعا أهل مكة سنين وقت نزول هذه السورة ثم حاورهم وجادلهم ~~ولأن ذلك الزمن هو أعظم موقف وقفه نوح عليه السلام مع قومه ، وكان هو ~~الموقف الفاصل الذي أعقبه العذاب بالغرق . | # و { إذا } اسم للزمن الماضي . وهو هنا بدل اشتمال من { نبأ } أو من { نوح ~~} . وفي ذكر قصة نوح عليه السلام وما بعدها تفصيل لما تقدم إجماله من قوله ~~تعالى : { ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات } ~~( يونس : 13 ) . | # وضمير { عليهم } عائد إلى { الذين يفترون على الله الكذب } ( يونس : 69 ) ~~. | # والتلاوة : القراءة . وتقدمت في سورة الأنفال . | # والنبأ : الخبر . وتقدم في قوله : { ولقد جاءك من نبأ المرسلين في سورة ~~الأنعام ( 34 ) . | PageV11P235 # والتعريف بنوح عليه السلام وتاريخه مضى في أول آل عمران . | # وتعريف قوم نوح بطريق الإضافة إلى ضمير نوح في قوله : إذ قال لقومه } إذ ~~ليس ثمة طريق لتعريفهم غير ذلك إذ لم يكن لتلك الأمة اسم تعرف به ، فإنهم ~~كانوا أمة واحدة في الأرض فلم يحصل داع إلى تسميتهم باسم جد أو أرض إذ لم ~~يكن ما يدعو إلى تمييزهم إذ ليس ثمة غيرهم ، ألا ترى إلى حكاية الله عن هود ~~في قوله لقومه { واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح } ( الأعراف : 69 ) ~~، ولما حكى عن صالح إذ قال لقومه : { واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد } ~~( الأعراف : 74 ) . | # وظرف { إذ } وما أضيف إليه في موضع الحال من { نبأ نوح } . | # وافتتاح خطاب نوح قومه ب { يا قوم } إيذان بأهيمة ما سيلقيه إليهم ، لأن ~~النداء طلب الإقبال . ولما ms3947 كان هنا ليس لطلب إقبال قومه إليه لأنه ما ابتدأ ~~خطابهم إلا في مجمعهم تعين أن النداء مستعمل مجازا في طلب الإقبال المجازي ~~، وهو توجيه أذهانهم إلى فهم ما سيقوله . | # واختيار التعبير عنهم بوصف كونهم قومه تحبيب لهم في نفسه ليأخذوا قوله ~~مأخذ قول الناصح المتطلب الخير لهم ، لأن المرء لا يريد لقومه إلا خيرا . ~~وحذفت ياء المتكلم من المنادى المضاف إليها على الاستعمال المشهور في نداء ~~المضاف إلى ياء المتكلم . | # ومعنى : { إن كان كبر عليكم مقامي } شق عليكم وأحرجكم . | # والكبر : وفرة حجم الجسم بالنسبة لأمثاله من أجسام نوعه ، ويستعار الكبر ~~لكون وصف من أوصاف الذوات أو المعاني أقوى فيه منه في أمثاله من نوعه ، فقد ~~يكون مدحا كقوله تعالى : { وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين } ( البقرة : 45 ~~) ، ويكون ذما كقوله : { كبرت كلمة تخرج من أفواههم } ( الكهف : 5 ) ، ~~ويستعار الكبر للمشقة والحرج ، كقوله تعالى : { كبر على المشركين ما تدعوهم ~~إليه } ( الشورى : 13 ) وقوله : { وإن كان كبر عليك إعراضهم } ( الأنعام : ~~35 ) وكذلك هنا . | PageV11P236 # والمقام مصدر ميمي مرادف للقيام . وقد استعمل هنا في معنى شأن المرء ~~وحاله كما في قوله تعالى : { ولمن خاف مقام ربه جنتان } ( الرحمن : 46 ) ، ~~وقوله : { قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاما } ( مريم : ~~73 ) أي خير حالة وشأنا . وهو استعمال من قبيل الكناية ، لأن مكان المرء ~~ومقامه من لوازم ذاته ، وفيهما مظاهر أحواله . | # وخص بالذكر من أحواله فيهم تذكيره إياهم بآيات الله ، لأن ذلك من أهم ~~شؤونه مع قومه ، فعطفه من عطف الخاص على العام . فمعنى : { كبر عليكم مقامي ~~وتذكيري } سئمتم أحوالي معكم وخاصة بتذكيري بآيات الله . | # وتجهم الحق على أمثالهم شنشنة المتوغلين في الفساد المأسورين للهوى إذ ~~تقع لديهم الدعوة إلى الإقلاع عنه والتثويب بهم إلى الرشاد موقعا مر المذاق ~~من نفوسهم ، شديد الإيلام لقلوبهم ، لما في منازعة الحق نفوسهم من صولة ~~عليها لا يستطيعون الاستخفاف بها ولا يطاوعهم هواهم على الإذعان إليها ، ~~فيتورطون في حيرة ومنازعة نفسانية تثقل عليهم ، وتشمئز منها نفوسهم ، وتكدر ~~عليهم صفو ms3948 انسياقهم مع هواهم . وإضافة التذكير إلى ضميره من إضافة المصدر ~~إلى فاعله . | # والباء في { بآيات الله } لتأكيد تعدية المصدر إلى مفعوله الثاني ، ~~والمفعول الأول محذوف ، والتقدير : تذكيري إياكم . | # و { آيات الله } مفعول ثان للتذكير . يقال : ذكرته أمرا نسيه ، فتعديته ~~بالباء لتأكيد التعدية كقوله تعالى : { وذكرهم بأيام الله } ( إبراهيم : 5 ~~) ، وقول مسور بن زيادة الحارثي : | # أذكر بالبقيا على من أصابني | # وبقياي أني جاهد غير مؤتلي | # ولذلك قالوا في قوله تعالى : { وامسحوا برؤوسكم } ( المائدة : 6 ) أن ~~الباء لتأكيد اللصوق أي لصوق الفعل بمفعوله . | PageV11P237 # وآيات الله : دلائل فضله عليهم ، ودلائل وحدانيته ، لأنهم لما أشركوا ~~بالله فقد نسوا تلك الدلائل ، فكان يذكرهم بها ، وذلك يبرمهم ويحرجهم . | # وجملة : { فعلى الله توكلت } جواب شرط { إن كان كبر عليكم مقامي } ~~باعتبار أن ذلك الشرط تضمن أن إنكاره عليهم قد بلغ من نفوسهم ما لا طاقة ~~لهم بحمله ، وأنهم متهيئون لمدافعته فأنبأهم أن احتمال صدور الدفاع منهم ، ~~وهم في كثرة ومنعة وهو في قلة وضعف ، لا يصده عن استمرار الدعوة ، وأنه وإن ~~كان بينهم وحيدا فذلك يوهنه لأنه متوكل على الله . ولأجل هذا قدم المجرور ~~على عامله في قوله : { فعلى الله توكلت } أي لا على غيره . | # والتوكل : التعويل على من يدبر أمره . وقد مر عند قوله : { فإذا عزمت ~~فتوكل على الله في سورة آل عمران ( 159 ) . | # والفاء في فأجمعوا أمركم } للتفريع على جملة { على الله توكلت } فللجملة ~~المفرعة حكم جواب الشرط لأنها مفرعة على جملة الجواب ، ألا ترى أنه لولا ~~قصده المبادرة بإعلامهم أنه غير مكترث بمناواتهم لكان مقتضى ظاهر الكلام أن ~~يقول : إن كان كبر عليكم مقامي الخ ، فأجمعوا أمركم فإني على الله توكلت ، ~~كما قال هود لقومه { فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون إني توكلت على الله ربي ~~وربكم } ( هود : 55 ، 56 ) . | # وإجماع الأمر : العزم على الفعل بعد التردد بين فعله وفعل ضده . وهو ~~مأخوذ من الجمع الذي هو ضد التفريق ، لأن المتردد في ماذا يعمله تكون عنده ~~أشياء متفرقة فهو يتدبر ويتأمل فإذا استقر رأيه على ms3949 شيء منها فقد جمع ما ~~كان متفرقا . فالهمزة فيه للجعل ، أي جعل أمره جمعا بعد أن كان متفرقا . | # ويقولون : جاؤوا وأمرهم جميع ، أي مجموع غير متفرق بوجوه الاختلاف . | # والأمر : هو شأنهم من قصد دفعه وأذاه وترددهم في وجوه ذلك ووسائله . | ~~PageV11P238 # و { شركاءكم } منصوب في قراءة الجمهور على أنه مفعول معه . والواو بمعنى ~~( مع ) أي أجمعوا أمركم ومعكم شركاؤكم الذين تستنصرون بهم . | # وقرأ يعقوب { وشركاؤكم } مرفوعا عطفا على ضمير { فأجمعوا } ، وسوغه الفصل ~~بين الضمير وما عطف عليه بالمفعول . والمعنى : وليجمع شركاؤكم أمرهم . | # وصيغة الأمر في قوله : { فأجمعوا } مستعملة في التسوية ، أي أن عزمهم لا ~~يضيره بحيث هو يغريهم بأخذ الأهبة التامة لمقاومته . وزاد ذكر شركائهم ~~للدلالة على أنه لا يخشاها لأنها في اعتقادهم أشد بطشا من القوم ، وذلك ~~تهكم بهم ، كما في قوله تعالى : { قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون } ~~( الأعراف : 195 ) . | # وعطف جملة : { ثم لا يكن أمركم عليكم غمة } ب { ثم } الدالة على التراخي ~~في الرتبة لما تتضمنه الجملة الثانية من الترقي في قلة مبالاته بما يهيئونه ~~له من الضر بحيث يتصدى لهم تصدي المشير بما يسهل لهم البلوغ إلى الإضرار به ~~الذي ينوونه وإزالة العوائق الحائلة دون مقصدهم . وجاء بما ظاهره نهي أمرهم ~~عن أن يكون غمة عليهم مبالغة في نهيهم عن التردد في تبين الوصول إلى قصدهم ~~حتى كأن شأنهم هو المنهي عن أن يكون التباسا عليهم ، أي اجتهدوا في أن لا ~~يكون ذلك . | # والغمة : اسم مصدر للغم . وهو الستر . والمراد بها في مثل هذا التركيب ~~الستر المجازي ، وهو انبهام الحال ، وعدم تبين السداد فيه ، ولعل هذا ~~التركيب جرى مجرى المثل فقد قال طرفة من قبل : | # لعمرك ما أمري علي بغمة | # نهاري ولا ليلي علي بسرمد | # وإظهار لفظ الأمر في قوله : { ثم لا يكن أمركم عليكم غمة } مع أنه عين ~~الذي في قوله : { فأجمعوا أمركم } لكون هذا التركيب مما جرى مجرى المثل ~~فيقتضي أن لا تغير ألفاظه . | PageV11P239 # و ( ثم ) في قوله : { ثم اقضوا إلي } للتراخي في الرتبة ms3950 ، فإن رتبة إنفاذ ~~الرأي بما يزمعون عليه من أذاه أقوى من تدبير ذلك ، ومن رتبة إجماع الرأي ~~عليه فهو ارتقاء من الشيء إلى أعلى منه ، فعطف ب ( ثم ) التي تفيد التراخي ~~في الرتبة في عطفها الجمل . | # و { اقضوا } أمر من القضاء ، فيجوز أن يكون من القضاء بمعنى الإتمام ~~والفصل ، أي انفذوا ما ترونه من الإضرار بي . ويجوز أن يكون من القضاء ~~بمعنى الحكم ، وهو قريب من الوجه الأول ، أي أنفذوا حكمكم . | # وعدي ب ( إلى ) دون ( على ) لأنه ضمن معنى الإبلاغ والإيصال تنصيصا على ~~معنى التنفيذ بالفعل ، لأن القضاء يكون بالقول فيعقبه التنفيذ أو الإرجاء ~~أو العفو ، ويكون بالفعل ، فهو قضاء بتنفيذ . ويسمى عند الفقهاء بالقضاء ~~الفعلي . | # وقوله : { ولا تنظرون } تأكيد المدلول التضمين المشار إليه بحرف ( إلى ) ~~. والإنظار التأخير ، وحذفت ياء المتكلم من { تنظرون } للتخفيف ، وهو حذف ~~كثير في فصيح الكلام ، وبقاء نون الوقاية مشعر بها . | # | 2 ( 72 ) { فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجرى إلا على الله وأمرت ~~أن أكون من المسلمين } ) 2 # الفاء لتفريع الكلام على الكلام فجملة الشرط وجوابه مفرعتان على الجملتين ~~السابقتين ، ولما كان توليهم عن دعوته قد وقع واستمر تعين أن جعل التولي في ~~جملة الشرط مراد به ما كان حصل ليرتب عليه جواب الشرط الذي هو شيء قد وقع ~~أيضا . وإنما قصد إقرارهم به قطعا لتعللاتهم واستقصاء لقطع معاذيرهم . ~~والمعنى : PageV11P240 فإن كنتم قد توليتم فقد علمتم أني ما سألتكم أجرا ~~فتتهموني برغبة في نفع ينجر لي من دعوتكم حتى تعرضوا عنها شحا بأموالكم أو ~~اتهاما بتكذيبي ، وهذا إلزام لهم بأن توليهم لم يكن فيه احتمال تهمتهم إياه ~~بتطلب نفع لنفسه . وبذلك برأ نفسه من أن يكون سببا لتوليهم ، وبهذا تعين أن ~~المعلق بهذا الشرط هو التحقق بين مضمون جملة الشرط وجملة الجزاء لا وقوع ~~جملة الجزاء عند وقوع جملة الشرط . وذلك مثل قوله تعالى : { إن كنت قلته ~~فقد علمته في آخر سورة العقود ( 116 ) . وقد تقدم عند قوله تعالى : وإن كان ~~طائفة منكم آمنوا ms3951 بالذي أرسلت به ، وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله ~~بيننا في سورة الأعراف ( 87 ) . | # وجملة : إن أجري إلا على الله } تعميم لنفي تطلبه أجرا على دعوتهم سواء ~~منهم أم من غيرهم ، فالقصر حقيقي وبه يحصل تأكيد جملة : { فما سألتكم من ~~أجر } مع زيادة التعميم . وطريق جزمه بأن الله يؤجره على ذلك هو وعد الله ~~إياه به بما أوحى إليه . | # وأتى بحرف ( على ) المفيد لكونه حقا له عند الله بناء على وعد الله إياه ~~وأعلمه بأن الله لا يخلف وعده ، فصار بالوعد حقا على الله التزم الله به . ~~| # والأجر : العوض الذي يعطى لأجل عمل يعمله آخذ العوض . | # وجملة : { وأمرت أن أكون من المسلمين } معطوفة على جملة الجواب ، ~~والتقدير فإن توليتم فأمرت أن أكون من المسلمين ، أي أمرني الله أن أتبع ~~الدين الحق ولو كنت وحدي . وهذا تأييس لهم بأن إجماعهم على التولي عنه لا ~~يفل حده ولا يصده عن مخالفة دينهم الضلال . | # وبني فعل { أمرت } للمجهول في اللفظ للعلم به ، إذ من المعلوم من سياق ~~الكلام أن الذي أمره هو الله تعالى . | # وقوله : { أن أكون من المسلمين } أي من الفئة التي يصدق عليها هذا الوصف ~~وهو الإسلام ، أي توحيد الله دون عبادة شريك ، لأنه مشتق من إسلام العبادة ~~PageV11P241 وتخليصها لله تعالى دون غيره . كما في قوله تعالى : { فقل ~~أسلمت وجهي لله ومن اتبعن } ( آل عمران : 20 ) . | # وقد سمي التوحيد ودين الحق الخالص إسلاما في مختلف العصور وسمى الله به ~~سنن الرسل فحكاه عن نوح عليه السلام هنا وعن إبراهيم بقوله تعالى : { إذ ~~قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين } ( البقرة : 131 ) ، وعن إسماعيل ~~{ ربنا واجعلنا مسلمين لك } ( البقرة : 128 ) ، ويعقوب وبنيه إذ حكى عنهم { ~~ونحن له مسلمون } ( البقرة : 133 ) ، وعن يوسف { توفني مسلما } ( يوسف : ~~101 ) ، وعن موسى { وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن ~~كنتم مسلمين } ( يونس : 8 ) ، وعن سليمان { أن لا تعلوا علي واتوني مسلمين ~~} ( النمل : 31 ) ، وعن عيسى والحواريين { قالوا آمنا واشهد بأننا ms3952 مسلمون } ~~( المائدة : 111 ) . وقد تقدم بيان ذلك مفصلا عند قوله تعالى : { ربنا ~~واجعلنا مسلمين لك في سورة البقرة ( 128 ) . | # وقوله : أن أكون من المسلمين } أقوى في الدلالة على الاتصاف بالإسلام من ~~: أن أكون مسلما ، كما تقدم عند قوله تعالى : { واركعوا مع الراكعين في ~~سورة البقرة ( 43 ) ، وعند قوله : يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع ~~الصادقين في سورة براءة ( 119 ) . | # | 2 ( 73 ) فكذبوه فنجيناه ومن معه فى الفلك وجعلناهم خلائف وأغرقنا ~~الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين } ) 2 # الفاء للتفريع الذكري ، أي تفريع ذكر هذه الجمل على ذكر الجمل السابقة ~~لأن الشأن أن تكون لما بعد الفاء مناسبة لما قبلها تقتضي أن يذكر بعدها ~~فيؤتى بالفاء للإشارة إلى تلك المناسبة ، كقوله تعالى : { ادخلوا أبواب ~~جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين } ( الزمر : 72 ) ، وإلا فإن تكذيب ~~قوم نوح حصل قبل أن يقول لهم : { إن كان كبر عليكم مقامي } ( يونس : 71 ) ~~الخ ، لأنه ما قال لهم ذلك إلا وقد رأى منهم تجهم دعوته . | PageV11P242 # ولك أن تجعل معنى فعل { كذبوه } الاستمرار على تكذيبه مثل فعل { آمنوا } ~~في قوله تعالى : { يأيها الذين آمنوا آمنوا بالله } ( النساء : 136 ) ، ~~فتكون الفاء لتفريع حصول ما بعدها على حصول ما قبلها . | # وأما الفاء التي في جملة : { فنجيناه } فهي للترتيب والتعقيب ، لأن تكذيب ~~قومه قد استمر إلى وقت إغراقهم وإنجاء نوح عليه السلام ومن اتبعه . وهذا ~~نظم بديع وإيجاز معجز إذ رجع الكلام إلى التصريح بتكذيب قومه الذي لم يذكر ~~قبل بل أشير له ضمنا بقوله : { إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي ~~} ( يونس : 71 ) الآية ، فكان كرد العجز على الصدر . ثم أشير إلى استمراره ~~في الأزمنة كلها حتى انتهى بإغراقهم ، فذكر إنجاء نوح وإغراق المكذبين له ، ~~وبذلك عاد الكلام إلى ما عقب مجادلة نوح الأخيرة قومه المنتهية بقوله : { ~~وأمرت أن أكون من المسلمين } ( يونس : 72 ) فكان تفننا بديعا في النظم مع ~~إيجاز بهيج . | # وتقدم ذكر إنجائه قبل ذكر الإغراق الذي وقع الإنجاء منه ms3953 للإشارة إلى أن ~~إنجاءه أهم عند الله تعالى من إغراق مكذبيه ، ولتعجيل المسرة للمسلمين ~~السامعين لهذه القصة . | # والفلك : السفينة ، وتقدم عند قوله تعالى : { والفلك التي تجري في البحر ~~في سورة البقرة ( 164 ) . | # والخلائف : جمع خليفة وهو اسم للذي يخلف غيره . وتقدم عند قوله تعالى : ~~إني جاعل في الأرض خليفة في سورة البقرة ( 30 ) . وصيغة الجمع هنا باعتبار ~~الذين معه في الفلك تفرع على كل زوجين منهم أمة . | # وتعريف قوم نوح بطريق الموصولية في قوله : وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا } ~~للإيماء إلى سبب تعذيبهم بالغرق ، وأنه التكذيب بآيات الله إنذارا للمشركين ~~من العرب ولذلك ذيل بقوله : { فانظر كيف كان عاقبة المنذرين } ، أي ~~المنذرين بالعذاب المكذبين بالإنذار . | PageV11P243 # والنظر : هنا نظر عين ، نزل خبرهم لوضوحه واليقين به منزلة المشاهد . | # والخطاب ب { انظر } يجوز أن يكون لكل من يسمع فلا يراد به مخاطب معين ~~ويجوز أن يكون خطابا لمحمد صلى الله عليه وسلم فخص بالخطاب تعظيما لشأنه ~~بأن الذين كذبوه يوشك أن يصيبهم من العذاب نحو مما أصاب قوم نوح عليه ~~السلام وفي ذلك تسلية له على ما يلاقيه من أذاهم وإظهار لعناية الله به . | # | 2 ( 74 ) { ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم فجآءوهم بالبينات فما ~~كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل كذلك نطبع على قلوب المعتدين } ) 2 # { ثم } للتراخي الرتبي ، لأن بعثة رسل كثيرين إلى أمم تلقوهم بمثل ما ~~تلقى به نوحا قومه أعجب من شأن قوم نوح حيث تمالأت تلك الأمم على طريقة ~~واحدة من الكفر . وليست ( ثم ) لإفادة التراخي في الزمن للاستغناء عن ذلك ~~بقوله : { من بعده } . | # وقد أبهم الرسل في هذه الآية . ووقع في آيات أخرى التصريح بأنهم : هود ~~وصالح ، وإبراهيم ، ولوط ، وشعيب . وقد يكون هنالك رسل آخرون كما قال تعالى ~~: { ورسلا لم نقصصهم عليك } ( النساء : 164 ) ، ويتعين أن يكون المقصود هنا ~~من كانوا قبل موسى لقوله : { ثم بعثنا من بعدهم موسى } ( يونس : 75 ) . وفي ~~الآية إشارة إلى أن نوحا أول الرسل . | # والبينات : هي الحجج الواضحة الدلالة على الصدق ms3954 . والفاء للتعقيب ، أي ~~أظهروا لهم المعجزات بإثر إرسالهم . والباء للملابسة ، أي جاءوا قومهم ~~مبلغين الرسالة ملابسين البينات . | PageV11P244 # وقد قوبل جمع الرسل بجمع ( البينات ) فكان صادقا ببينات كثيرة موزعة على ~~رسل كثيرين ، فقد يكون لكل نبيء من الأنبياء آيات كثيرة ، وقد يكون لبعض ~~الأنبياء آية واحدة مثل آية صالح وهي الناقة . | # والفاء في قوله : { فما كانوا ليؤمنوا } للتفريع ، أي فترتب على ذلك أنهم ~~لم يؤمنوا . | # وصيغ النفي بصيغة لام الجحود مبالغة في انتفاء الإيمان عنهم بأقصى أحوال ~~الانتفاء . حتى كأنهم لم يوجدوا لأن يؤمنوا بما كذبوا به ، أي لم يتزحزحوا ~~عنه . ودلت صيغة الجحود على أن الرسل حاولوا إيمانهم محاولة متكررة . | # ودل قوله : { بما كذبوا به من قبل } أن هنالك تكذيبا بادروا به لرسلهم ، ~~وأنهم لم يقلعوا عن تكذيبهم الذي قابلوا به الرسل ، لأن التكذيب إنما يكون ~~لخبر مخبر فقوله : { فجاءهم بالبينات } مؤذن بحصول التكذيب فلما كذبوهم ~~جاؤوهم بالبينات على صدقهم فاستمروا على التكذيب فما كانوا ليؤمنوا بما ~~كذبوا به من قبل . وهذا من إيجاز الحذف لجمل كثيرة . وهذا يقتضي تكرر ~~الدعوة وتكرر البينات وإلا لما كان لقوله : { فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا ~~به من قبل } وقع لأن التكذيب الذي حصل أول مرة إذا لم يطرأ عليه ما من شأنه ~~أن يقلعه كان تكذيبا واحدا منسيا . وهذا من بلاغة معاني القرآن . | # وبذلك يظهر وقع قوله عقبه { كذلك نطبع على قلوب المعتدين } فان الطبع ~~مؤذن بأن قلوبهم قد ورد عليها ما لو خلت عند وروده عن الطبع عليها لكان ~~شأنه أن يصل بهم إلى الإيمان ، ولكن الطبع على قلوبهم حال دون تأثير ~~البينات في قلوبهم . | # وقد جعل الطبع الذي وقع على قلوب هؤلاء مثلا لكيفيات الطبع على قلوب ~~المعتدين فقوله : { كذلك نطبع على قلوب المعتدين } ، أي مثل هذا الطبع ~~العجيب نطبع على قلوب المعتدين فتأملوه واعتبروا به . | PageV11P245 # والطبع : الختم . وهو استعارة لعدم دخول الإيمان قلوبهم . وتقدم في قوله ~~تعالى : { ختم الله على قلوبهم في سورة البقرة ( 7 ) . | # والاعتداء : افتعال من عدا عليه ms3955 ، إذا ظلمه ، فالمعتدين مرادف الظالمين ، ~~والمراد به المشركون لأن الشرك اعتداء ، فإنهم كذبوا الرسل فاعتدوا على ~~الصادقين بلمزهم بالكذب وقد جاء في نظير هذه الآية من سورة الأعراف ( 101 ) ~~كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين فهذا التحالف للتفنن في حكاية هذه العبرة ~~في الموضعين . | # | 2 ( 75 ) ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون إلى فرعون وملئه بآياتنا ~~فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين } ) 2 # { ثم } للتراخي الرتبي لأن بعثة موسى وهارون عليهما السلام كانت أعظم من ~~بعثة من سبقهما من الرسل ، وخصت بعثة موسى وهارون بالذكر لأنها كانت ~~إنقلابا عظيما وتطورا جديدا في تاريخ الشرائع وفي نظام الحضارة العقلية ~~والتشريعية فإن الرسل الذين كانوا قبل موسى إنما بعثوا في أمم مستقلة ، ~~وكانت أديانهم مقتصرة على الدعوة إلى إصلاح العقيدة ، وتهذيب النفوس ، ~~وإبطال ما عظم من مفاسد في المعاملات ، ولم تكن شرائع شاملة لجميع ما يحتاج ~~إليه من نظم الأمة وتقرير حاضرها ومستقبلها . | # فأما بعثة موسى فقد أتت بتكوين أمة ، وتحريرها من استعباد أمة أخرى إياها ~~، وتكوين وطن مستقل لها ، وتأسيس قواعد استقلالها ، وتأسيس جامعة كاملة لها ~~، ووضع نظام سياسة الأمة ، ووضع ساسة يدبرون شؤونها ، ونظام دفاع يدفع ~~المعتدين عليها من الأمم ، ويمكنها من اقتحام أوطان أمم أخرى ، وإعطاء كتاب ~~يشتمل على قوانين حياتها الاجتماعية من كثير نواحيها ، فبعثة موسى كانت أول ~~مظهر عام من مظاهر الشرائع لم يسبق له نظير في تاريخ الشرائع ولا في تاريخ ~~نظام الأمم ، PageV11P246 وهو مع تفوقه على جميع ما تقدمه من الشرائع قد ~~امتاز بكونه تلقينا من الله المطلع على حقائق الأمور ، المريد إقرار الصالح ~~وإزالة الفاسد . | # وجعل موسى وهارون مبعوثين كليهما من حيث إن الله استجاب طلب موسى أن يجعل ~~معه أخاه هارون مؤيدا ومعربا عن مقاصد موسى فكان بذلك مأمورا من الله ~~بالمشاركة في أعمال الرسالة ، وقد بينته سورة القصص ، فالمبعوث أصالة هو ~~موسى وأما هارون فبعث معينا له وناصرا ، لأن تلك الرسالة كانت أول رسالة ~~يصحبها تكوين أمة . | # وفرعون ملك مصر ، وقد مضى الكلام عليه ms3956 عند قوله تعالى : { ثم بعثنا من ~~بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملائه في سورة الأعراف ( 103 ) ، وعلى صفة ~~إرسال موسى إلى فرعون وملئه ، وفرعون هذا هو منفطاح الثاني أحد فراعنة ~~العائلة التاسعة عشرة من الأسر التي ملكت بلاد القبط . والمراد بالملأ خاصة ~~الناس وسادتهم وذلك أن موسى بعث إلى بني إسرائيل وبعث إلى فرعون وأهل دولته ~~ليطلقوا بني إسرائيل . | # والسين والتاء في استكبروا } للمبالغة في التكبر ، والمراد أنهم تكبروا ~~عن تلقي الدعوة من موسى ، لأنهم احتقروه وأحالوا أن يكون رسولا من الله وهو ~~من قوم مستعبدين استعبدهم فرعون وقومه ، وهذا وجه اختيار التعبير عن ~~إعراضهم عن دعوته بالاستكبار كما حكى الله عنهم فقالوا : { أنؤمن لبشرين ~~مثلنا وقومهما لنا عابدون } ( المؤمنون : 47 ) . وتفريع { استكبروا } على ~~جملة { بعثنا } يدل على أن كل إعراض منهم وإنكار في مدة الدعوة والبعثة هو ~~استكبار . | # وجملة : { وكانوا قوما مجرمين } في موضع الحال ، أي وقد كان الإجرام ~~دأبهم وخلقهم فكان استكبارهم على موسى من جملة إجرامهم . | PageV11P247 # والإجرام : فعل الجرم ، وهو الجناية والذنب العظيم . وقد تقدم عند قوله ~~تعالى : { وكذلك نجزي المجرمين في سورة الأعراف ( 40 ) . | # وقد كان الفراعنة طغاة جبابرة فكانوا يعتبرون أنفسهم آلهة للقبط وكانوا ~~قد وضعوا شرائع لا تخلو عن جور ، وكانوا يستعبدون الغرباء ، وقد استعبدوا ~~بني إسرائيل وأذلوهم قرونا فإذا سألوا حقهم استأصلوهم ومثلوا بهم وقتلوهم ، ~~كما حكى الله عنهم إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة ~~منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين } ( القصص : 4 ) ، ~~وكان القبط يعتقدون أوهاما ضالة وخرافات ، فلذلك قال الله تعالى : { وكانوا ~~قوما مجرمين } ، أي فلا يستغرب استكبارهم عن الحق والرشاد ، ألا ترى إلى ~~قولهم في موسى وهارون { إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم ~~بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى } ( طه : 63 ) فأغراهم الغرور على أن سموا ~~ضلالهم وخورهم طريقة مثلى . | # وعبر ب { قوما مجرمين } دون كانوا مجرمين للوجه الذي تقدم في سورة البقرة ~~وفي مواضع من هذه السورة . | # | 2 ( 76 ، 77 ) { فلما جآءهم ms3957 الحق من عندنا قالو ا إن هاذا لسحر مبين * ~~قال موسى أتقولون للحق لما جآءكم أسحر هاذا ولا يفلح الساحرون } ) 2 # | $ # أي لما رأوا المعجزات التي هي حق ثابت وليست بتخيلات وتمويهات ، وعلموا ~~أن موسى صادق فيما ادعاه ، تدرجوا من مجرد الإباء المنبعث عن الاستكبار إلى ~~البهتان المنبعث عن الشعور بالمغلوبية . | # والحق : يطلق اسما على ما قابل الباطل وهو العدل الصالح ، ويطلق وصفا على ~~الثابت الذي لا ريبة فيه ، كما يقال : أنت الصديق الحق . ويلازم الإفراد ~~لأنه PageV11P248 مصدر وصف به . والذي أثبت له المجيء هنا هو الآيات التي ~~أظهرها موسى إعجازا لهم لقوله قبله : { ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا } ( ~~الأعراف : 103 ) فكان جعل الحق جائيا بتلك الآيات صالحا لمعنيي الحق ، لأن ~~تلك الآيات لما كانت ثابتة لا ريبة فيها كانت في ذاتها حقا فمجيئها حصولها ~~وظهورها المقصود منه إثبات صدق موسى في رسالته فكان الحق جائيا معها ، ~~فمجيئه ثبوته كقوله تعالى : { وقل جاء الحق وزهق الباطل } ( الإسراء : 81 ) ~~وبهذا يظهر أن لكلمة { الحق } هنا من الوقع في الدلالة على تمام المعنى ~~المراد ، ولكلمة { من عندنا } ما ليس لغيرهما في الإيجاز ، وهذا من حد ~~الإعجاز . | # وبهذا تبين أن الآية دالة على أن آيات الصدق ظهرت وأن المحجوجين أيقنوا ~~بصدق موسى وأنه جاء بالحق . | # واعتذارهم عن ظهور الآيات بأنها سحر هو اعتذار المغلوب العديم الحجة الذي ~~قهرته الحجة وبهره سلطان الحق ، فلم يبق له منتشب من المعارضة المقبولة فهو ~~يهرع إلى انتحال معارضات بمعاذير لا تدخل تحت التمحيص ولا تثبت في محك ~~النقد . | # ( ولا بد للمغلوب من بارد العذر ) | # وإذ قد اشتهر بين الدهماء من ذوي الأوهام أن السحر يظهر الشيء في صورة ~~ضده ، ادعى هؤلاء أن ما ظهر من دلائل صدق موسى هو سحر ظهر به الباطل في ~~صورة الحق بتخييل السحر . | # ومعنى إدعاء الحق سحرا أن دلائله من قبيل التخيلات والتمويهات ، فكذلك ~~مدلوله هو مدلول السحر وهو إنشاء تخيل باطل في نفوس المسحورين ، وقد حملهم ~~استشعارهم وهن معذرتهم على ms3958 أن أبرزوا دعواهم في صورة الكلام المتثبت صاحبه ~~فأكدوا الكلام بما دل عليه حرف التوكيد ولام الابتداء { إن هذا لسحر } ، ~~وزادوا ذلك ترويجا بأن وصفوا السحر بكونه مبينا ، أي شديد الوضوح . والمبين ~~اسم فاعل من أبان القاصر ، مرادف بان : ظهر . | PageV11P249 # والإشارة بقوله : { إن هذا } إلى ما هو مشاهد بينهم حين إظهار المعجزة ~~مثل انقلاب العصا حية ، وخروج اليد بيضاء ، أي أن هذا العمل الذي تشاهدونه ~~سحر مبين . | # وجملة : { قال موسى } مجاوبة منه عن كلامهم ففصلت من العطف على الطريقة ~~التي استخرجناها في حكاية الأقوال ، كما تقدم في قوله تعالى : { وإذ قال ~~ربك للملائكة ، إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها } ( ~~البقرة : 30 ) ، ونظائره الكثيرة . تولى موسى وحده دون هارون مجادلتهم لأنه ~~المباشر للدعوة أصالة ، ولأن المعجزات ظهرت على يديه . | # واستفهام { أتقولون } إنكاري . واللام في { للحق } لام التعليل . وبعضهم ~~يسميها لام البيان . وبعضهم يسميها لام المجاوزة بمعنى ( عن ) . | # وجملة : { أسحر هذا } مستأنفة للتوبيخ والإنكار ، أنكر موسى عليهم وصفهم ~~الآيات الحق بأنها سحر . والإشارة تفيد التعريض بجهلهم وفساد قولهم ، بأن ~~الإشارة إلى تلك الآيات كافية في ظهور حقيقتها وأنها ليست من السحر في شيء ~~. ولذلك كان مفعول { أتقولون } محذوفا لدلالة الكلام عليه وهو { إن هذا ~~لسحر مبين } فالتقدير : أتقولون هذا القول للحق لما جاءكم . وقريب منه قوله ~~تعالى : { قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم } ( آل عمران : ~~183 ) وقوله : { بيت طائفة منهم غير الذي تقول } ( النساء : 81 ) . | # ولما نفى موسى عن آيات الله أن تكون سحرا ارتقى فأبان لهم فساد السحر ~~وسوء عاقبة معالجيه تحقيرا لهم ، لأنهم كانوا ينوهون بشأن السحر . فجملة : ~~{ ولا يفلح الساحرون } معطوفة على جملة : { أسحر هذا } . | # فالمعنى : هذا ليس بسحر وإنما أعلم أن الساحر لا يفلح ، أي لو كان ساحرا ~~لما شنع حال الساحرين ، إذ صاحب الصناعة لا يحقر صناعته لأنه لو رآها محقرة ~~لما التزمها . | # | PageV11P250 # | 2 ( 78 ) { قالو ا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه ءاباءنا وتكون لكما ~~الكبريآء فى الارض وما ms3959 نحن لكما بمؤمنين } ) 2 # | $ # الكلام على جملة : { قالوا أجئتنا } مثل الكلام على جملة : { قال موسى ~~أتقولون } ( يونس : 77 ) . | # والاستفهام في { أجئتنا } إنكاري ، بنوا إنكارهم على تخطئة موسى فيما جاء ~~به ، وعلى سوء ظنهم به وبهارون في الغاية التي يتطلبانها مما جاء به موسى . ~~وإنما واجهوا موسى بالخطاب لما تقدم من أنه الذي باشر الدعوة وأظهر المعجزة ~~، ثم أشركاه مع أخيه هارون في سوء ظنهم بهما في الغاية من عملهما . | # و { تلفتنا } مضارع لفت من باب ضرب متعديا : إذا صرف وجهه عن النظر إلى ~~شيء مقابل لوجهه . والفعل القاصر منه ليس إلا لا لمطاوعة . يقال : التفت . ~~وهو هنا مستعمل مجازا في التحويل عن العمل أو الإعتقاد إلى غيره تحويلا لا ~~يبقى بعده نظر إلى ما كان ينظره ، فأصله استعارة تمثيلية ثم غلبت حتى صارت ~~مساوية الحقيقة . | # وقد جمعت صلة { ما وجدنا عليه آباءنا } كل الأحوال التي كان آباؤهم ~~متلبسين بها . واختير التعبير ب { وجدنا } لما فيه من الإشارة إلى أنهم ~~نشأوا عليها وعقلوها ، وذلك مما يكسبهم تعلقا بها ، وأنها كانت أحوال ~~آبائهم وذلك مما يزيدهم تعلقا بها تبعا لمحبة آبائهم لأن محبة الشيء تقتضي ~~محبة أحواله وملابساته . | # وفي ذلك إشارة إلى أنها عندهم صواب وحق لأنهم قد اقتدوا بآبائهم كما قال ~~تعالى : { وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا ~~وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون } ( الزخرف : 23 ) . وقال عن ~~قوم إبراهيم عليه السلام : { قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين قال لقد كنتم ~~أنتم وآباؤكم في ضلال مبين } ( الأنبياء : 53 ، 54 ) ، وقد PageV11P251 ~~جاءهم موسى لقصد لفتهم عما وجدوا عليه آباءهم فكان ذلك محل الإنكار عندهم ~~لأن تغيير ذلك يحسبونه إفسادا { قال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ~~ليفسدوا في الأرض } ( الأعراف : 127 ) . والإتيان بحرف ( على ) للدلالة على ~~تمكن آبائهم من تلك الأحوال وملازمتهم لها . | # وعطف { وتكون لكما الكبرياء } على الفعل المعلل به ، والمعطوف هو العلة ~~في المعنى لأنهم أرادوا أنهم تفطنوا لغرض موسى وهارون ms3960 في مجيئهما إليهم بما ~~جاءوا به ، أي أنهما يحاولان نفعا لأنفسهما لا صلاحا للمدعوين ، وذلك النفع ~~هو الاستحواذ على سيادة مصر بالحيلة . | # والكبرياء : العظمة وإظهار التفوق على الناس . | # والأرض : هي المعهودة بينهم ، وهي أرض مصر ، كقوله : { يريد أن يخرجكم من ~~أرضكم } ( الأعراف : 110 ) . ولما كانوا ظنوا تطلبهما للسيادة أتوا في خطاب ~~موسى بضمير المثنى المخاطب لأن هارون كان حاضرا فالتفتوا عن خطاب الواحد ~~إلى خطاب الاثنين . وإنما شركوا هارون في هذا الظن من حيث إنه جاء مع موسى ~~ولم يباشر الدعوة فظنوا أنه جاء معه لينال من سيادة أخيه حظا لنفسه . | # وجملة : { وما نحن لكما بمؤمنين } عطف على جملة : { أجئتنا } . وهي في ~~قوة النتيجة لتلك الجملة بما معها من العلة ، أي لما تبين مقصدكما فما نحن ~~لكما بمؤمنين . وتقديم { لكما } على متعلقه لأن المخاطبين هما الأهم من ~~جملة النفي لأن انتفاء إيمانهم في زعمهم كان لأجل موسى وهارون إذ توهموهما ~~متطلبي نفع لأنفسهما . فالمراد من ضمير التثنية ذاتاهما باعتبار ما انطويا ~~عليه من قصد إبطال دين آباء القبط والاستيلاء على سيادة بلادهم . | # وصيغت جملة : { وما نحن لكما بمؤمنين } اسمية دون أن يقولوا وما نؤمن ~~لكما لإفادة الثبات والدوام وأن انتفاء إيمانهم بهما متقرر متمكن لا طماعية ~~لأحد في ضده . | # | PageV11P252 # | 2 ( 79 82 ) { وقال فرعون ائتونى بكل ساحر عليم * فلما جآء السحرة قال ~~لهم موسى ألقوا مآ أنتم ملقون * فلمآ ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر إن ~~الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين * ويحق الله الحق بكلماته ولو ~~كره المجرمون } ) 2 # جملة : { وقال فرعون } عطف على جملة : { قالوا إن هذا لسحر مبين } ( يونس ~~: 76 ) ، فهذه الجملة في حكم جواب ثان لحرف ( لما ) حكي أولا ما تلقى به ~~فرعون وملؤه دعوة موسى ومعجزته من منع أن يكون ما جاء به تأييدا من عند ~~الله . ثم حكي ثانيا ما تلقى به فرعون خاصة تلك الدعوة من محاولة تأييد ~~قولهم : { إن هذا لسحر مبين } ( يونس : 76 ) ليثبتوا أنهم قادرون على ~~الإتيان ms3961 بمثلها مما تحصيل أسبابه من خصائص فرعون ، لما فيه من الأمر لخاصة ~~الأمة بالاستعداد لإبطال ما يخشى منه . | # والمخاطب بقوله : { إيتوني } هم ملأ فرعون وخاصته الذين بيدهم تنفيذ أمره ~~. | # وأمر بإحضار جميع السحرة المتمكنين في علم السحر لأنهم أبصر بدقائقه ، ~~وأقدر على إظهار ما يفوق خوارق موسى في زعمه ، فحضورهم مغن عن حضور السحرة ~~الضعفاء في علم السحر لأن عملهم مظنة أن لا يوازي ما أظهره موسى من المعجزة ~~فإذا أتوا بما هو دون معجزة موسى كان ذلك مروجا لدعوة موسى بين دهماء الأمة ~~. | # والعموم في قوله : { بكل ساحر عليم } عموم عرفي ، أي بكل ساحر تعلمونه ~~وتظفرون به ، أو أريد { بكل } معنى الكثرة ، كما تقدم في قوله : { ولئن ~~أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية في سورة البقرة ( 45 ) . | # وجملة : فلما جاء السحرة } عطف على جملة : { وقال فرعون } ، عطف مجيء ~~السحرة وقول موسى لهم على جملة { قال فرعون } بفاء التعقيب للدلالة على ~~الفور في إحضارهم وهو تعقيب بحسب المتعارف في الإسراع بمثل الشيء المأمور ~~PageV11P253 به ، والمعطوف في المعنى محذوف لأن الذي يعقب قوله : { ائتوني ~~بكل ساحر } هو إتيانهم بهم ، ولكن ذلك لقلة جدواه في الغرض الذي سيقت القصة ~~لأجله حذف استغناء عنه بما يقتضيه ويدل عليه دلالة عقلية ولفظية من قوله : ~~{ جاء السحرة } على طريقة الإيجاز . والتقدير : فأتوه بهم فلما جاءوا قال ~~لهم موسى . والتعريف في { السحرة } تعريف العهد الذكري . | # وإنما أمرهم موسى بأن يبتدئوا بإلقاء سحرهم إظهارا لقوة حجته لأن شأن ~~المبتدىء بالعمل المتباري فيه أن يكون أمكن في ذلك العمل من مباريه ، ولا ~~سيما الأعمال التي قوامها التمويه والترهيب ، والتي يتطلب المستنصر فيها ~~السبق إلى تأثر الحاضرين وإعجابهم ، وقد ذكر القرآن في آيات أخرى أن السحرة ~~خيروا موسى بين أن يبتديء هو بإظهار معجزته وبين أن يبتدئوا ، وأن موسى ~~اختار أن يكونوا المبتدئين . | # وفعل الأمر في قوله : { ألقوا ما أنتم ملقون } مستعمل في التسوية المراد ~~منها الاختيار وإظهار قلة الاكتراث بأحد الأمرين . | # والإلقاء : رمي شيء في اليد إلى الأرض ms3962 . وإطلاق الإلقاء على عمل السحر ~~لأن أكثر تصاريف السحرة في أعمالهم السحرية يكون برمي أشياء إلى الأرض . ~~وقد ورد في آيات كثيرة أنهم ألقوا حبالهم وعصيهم ، وأنها يخيل من سحرهم ~~أنها تسعى ، وكان منتهى أعمال الساحر أن يخيل الجماد حيا . | # و { ما أنتم ملقون } قصد به التعميم البدلي ، أي شيء تلقونه ، وهذا زيادة ~~في إظهار عدم الاكتراث بمبلغ سحرهم ، وتهيئة للملأ الحاضرين أن يعلموا أن ~~الله مبطل سحرهم على يد رسوله . | # ولا يشكل أن يأمرهم موسى بإلقاء السحر بأنه أمر بمعصية لأن القوم كانوا ~~كافرين والكافر غير مخاطب بالشرائع الإلهية ، ولأن المقصود من الأمر ~~بإلقائه PageV11P254 إظهار بطلانه فذلك بمنزلة تقرير شبهة الملحد ممن يتصدى ~~لإبطالها بعد تقريرها مثل طريقة عضد الدين الأيجي في كتابه ( المواقف ) . | # وقد طوي ذكر صورة سحرهم في هذه الآية ، لأن الغرض من العبرة في هذه الآية ~~وصف إصرار فرعون وملئه على الإعراض عن الدعوة ، وما لقيه المستضعفون الذين ~~آمنوا بموسى عليه السلام من اعتلاء فرعون عليهم وكيف نصر الله رسوله ~~والمستضعفين معه ، وكيف كانت لهم العاقبة الحسنى ولمن كفروا عاقبة السوء ، ~~ليكونوا مثلا للمكذبين بمحمد صلى الله عليه وسلم ولذلك لم يعرج بالذكر إلا ~~على مقالة موسى عليه السلام حين رأى سحرهم الدالة على يقينه بربه ووعده ، ~~وبأن العاقبة للحق . وذلك أهم في هذا المقام من ذكر اندحاض سحرهم تجاه ~~معجزة موسى عليه السلام ، ولأجل هذا لم يذكر مفعول { ألقوا } لتنزيل فعل { ~~ألقوا } منزلة اللازم ، لعدم تعلق الغرض ببيان مفعوله . | # ومعنى { جئتم به } أظهرتموه لنا ، فالمجيء قد استعمل مجازا في الإظهار ، ~~لأن الذي يجيء بالشيء يظهره في المكان الذي جاءه ، فالملازمة عرفية . وليس ~~المراد أنهم جاؤوا من بقاع أخرى مصاحبين للسحر ، لأنه وإن كان كثير من ~~السحرة أو كلهم قد أقبلوا من مدن عديدة ، غير أن ذلك التقدير لا يطرد في كل ~~ما يعبر فيه بنحو : جاء بكذا ، فإنه وإن استقام في نحو { وجاءوا على قميصه ~~بدم كذب } ( يوسف : 18 ) لا يستقيم في نحو { إن الذين ms3963 جاءوا بالإفك } ( ~~النور : 11 ) . | # ونظم الكلام على هذا الأسلوب بجعلل { ما جئتم } مسندا إليه دون أن يجعل ~~مفعولا لفعلل { سيبطله } ، وبجعله اسما مبهما ، ثم تفسيره بجملة { جئتم به ~~} ثم بيانه بعطف البيان لقصد الاهتمام بذكره والتشويق إلى معرفة الخبر ، ~~وهو جملة { إن الله سيبطله } ثم مجيء ضمير السحر مفعولا لفعل { سيبطله } ، ~~كل ذلك إطناب وتخريج على خلاف مقتضى الظاهر ، ليتقرر الإخبار بثبوت حقيقة ~~في السحر له ويتمكن في أذهان السامعين فضل تمكن ويقع الرعب في نفوسهم . | ~~PageV11P255 # وقوله : { السحر } قرأه الجمهور بهمزة وصل في أوله هي همزة ( ال ) ، ~~فتكون ( ما ) في قوله : { ما جئتم به } اسم موصول ، والسحر عطف بيان لاسم ~~الموصول . وقرأه أبو عمرو ، وأبو جعفر { آلسحر } بهمزة استفهام في أوله ~~وبالمد لتسهيل الهمزة الثانية ، فتكون ( ما ) في قوله : { ما جئتم به } ~~استفهامية ويكون ( آلسحر ) استفهاما مبينا ل ( ما ) الاستفهامية . وهو ~~مستعم في التحقير . والمعنى : أنه أمر هين يستطيعه ناس كثيرون . | # و { إن الله سيبطله } خبر ( ما ) الموصولة على قراءة الجمهور ، واستئناف ~~بياني على قراءة أبي عمرو ومن وافقه وتأكيد الخبر ب ( إن ) زيادة في إلقاء ~~الروع في نفوسهم . | # وإبطاله : إظهار أنه تخييل ليس بحقيقة ، لأن إظهار ذلك إبطال لما أريد ~~منه ، أي أن الله سيبطل تأثيره على الناس بفضح سره ، وأشارت علامة ~~الاستقبال إلى قرب إبطاله ، وقد حصل ذلك العلم لموسى عليه السلام بطريق ~~الوحي الخاص في تلك القضية ، أو العام باندراجه تحت قاعدة كلية ، وهي مدلول ~~{ إن الله لا يصلح عمل المفسدين } . | # فجملة : { إن الله لا يصلح عمل المفسدين } معترضة ، وهي تعليل لمضمون ~~جملة { إن الله سيبطله } ، وتذييل للكلام بما فيه نفي الإصلاح . وتعريف { ~~المفسدين } بلام الجنس ، من التعميم في جنس الإصلاح المنفي وجنس المفسدين ~~ليعلم أن سحرهم هو من قبيل عمل المفسدين ، وإضافة { عمل } إلى { المفسدين } ~~يؤذن بأنه عمل فاسد ، لأنه فعل من شأنهم الإفساد فيكون نسجا على منوالهم ~~وسيرة على معتادهم ، والمراد بإصلاح عمل المفسدين الذي نفاه أنه لا يؤيده . ~~وليس المراد نفي تصييره صالحا ، لأن ms3964 ماهية الإفساد لا تقبل أن تصير صلاحا ~~حتى ينفى تصييرها كذلك عن الله ، وإنما إصلاحها هو إعطاؤها الصلاح ، فإذا ~~نفى الله إصلاحها فذلك بتركها وشأنها ، ومن شأن الفساد أن يتضاءل مع الزمان ~~حتى يضمحل . | PageV11P256 # ولما قدم قوله : { إن الله سيبطله } علم أن المراد من نفي إصلاحه تسليط ~~أسباب بطلانه عليه حتى يبطل تأثيره ، وأن عدم إصلاح أعمال أمثالهم هو إبطال ~~أغراضهم منها كقوله تعالى : { ويبطل الباطل } ( الأنفال : 8 ) أي يظهر ~~بطلانه . | # وإنما كان السحرة مفسدين لأن قصدهم تضليل عقول الناس ليكونوا مسخرين لهم ~~ولا يعلموا أسباب الأشياء فيبقوا ءالة فيما تأمرهم السحرة ، ولا يهتدوا إلى ~~إصلاح أنفسهم سبيلا . أما السحرة الذين خاطبهم موسى عليه السلام فإفسادهم ~~أظهر لأنهم يحاولون إبطال دعوة الحق والدين القويم وترويج الشرك والضلالات ~~. | # وجملة : { ويحق الله الحق } معطوفة على جملة : { إن الله سيبطله } أي ~~سيبطله ويحق الحق ، أي يثبت المعجزة . | # والإحقاق : التثبيت . ومنه سمي الحق حقا لأنه الثابت . | # وإظهار اسم الجلالة في هذه الجملة مع أن مقتضى الظاهر الإضمار لقصد تربية ~~المهابة في نفوسهم . والباء في { بكلماته } للسببية . | # والكلمات : مستعارة لتعلق قدرته تعالى بالإيجاد وهو التعلق المعبر عنه ~~بالتكوين الجاري على وفق إرادته وعلى وفق علمه . وهي استعارة رشيقة ، لأن ~~ذلك التعلق يشبه الكلام في أنه ينشأ عنه إدراك معنى ويدل على إرادة المتكلم ~~، وعلى علمه . | # وجملة : { ولو كره المجرمون } في موضع الحال ، و ( لو ) وصلية ، وهي ~~تقتضي أن الحالة التي بعدها غاية فيما يظن فيه تخلف حكم ما قبلها ، كما ~~تقدم عند قوله تعالى : { ولو افتدى به في سورة آل عمران ( 91 ) ، فيكون غير ~~ذلك من الأحوال أجدر وأولى بتحقيق الحكم السابق معه . وإنما كانت كراهية ~~المجرمين إحقاق الحق غاية لما يظن فيه تخلف الإحقاق لأن تلك الكراهية من ~~شأنها أن تبعثهم على PageV11P257 معارضة الحق الذي يسوءهم ومحاولة دحضه وهم ~~جماعة أقوياء يصعب عليهم الصعب فأعلمهم أن الله خاذلهم . | # وأراد ( بالمجرمين ) فرعون وملأه فعدل عن ضمير الخطاب إلى الاسم الظاهر ~~لما فيه من وصفهم بالإجرام ms3965 تعريضا بهم . وإنما لم يخاطبهم بصفة الإجرام بأن ~~يقول : وإن كرهتم أيها المجرمون عدولا عن مواجهتهم بالذم ، وقوفا عند أمر ~~الله تعالى إذ قال له : فقولا له قولا لينا } ( طه : 44 ) فأتى بالقضية في ~~صورة قضية كلية وهو يريد أنهم من جزئياتها بدون تصريح بذلك . وهذا بخلاف ~~مقام النبي محمد صلى الله عليه وسلم إذ قال الله له : { قل أفغير الله ~~تأمروني أعبد أيها الجاهلون } ( الزمر : 64 ) لأن ذلك كان بعد تكرير دعوتهم ~~، وموسى عليه السلام كان في ابتداء الدعوة . ولأن المشركين كانوا محاولين ~~من النبي أن يعبد آلهتهم ، فكان في مقام الإنكار بأبلغ الرد عليهم ، وموسى ~~كان محاولا فرعون وملأه أن يؤمنوا ، فكان في مقام الترغيب باللين . | # | 2 ( 83 ) { فمآ ءامن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئهم ~~أن يفتنهم وإن فرعون لعال في الارض وإنه لمن المسرفين } ) 2 # تفريع على ما تقدم من المحاورة ، أي فتفرع على ذلك أن فرعون وملأه لم ~~يؤمنوا بموسى لأن حصر المؤمنين في ذرية من قوم موسى يفيد أن غيرهم لم ~~يؤمنوا وهو المقصود ، فكانت صيغة القصر في هذا المقام إيجازا . والتقدير : ~~تفرع على ذلك تصميم على الإعراض . | # وقد طوي ما حدث بين المحاورة وبين تصميمهم على الإعراض ، وهو إلقاء موسى ~~عصاه والتقامها ما ألقوه من سحرهم ، لعدم تعلق الغرض ببيان ذلك إذ ~~PageV11P258 المقصود الإفضاء إلى أنهم صمموا على الإعراض لأن ذلك محل تمثيل ~~أعمالهم بحال مشركي أهل مكة . | # وفعل { آمن } أصله ( أأمن ) بهمزتين : إحداهما أصلية في الكلمة لأن ~~الكلمة مشتقة من الأمانة ، والثانية همزة مزيدة للتعدية ، أي جعله ذا أمانة ~~، أي غير كاذب فصار فعل { آمن } بمعنى صدق ، وحقه أن يعدى إلى المفعول ~~بنفسه ولكن عدي باللام للتفرقة بين ( آمن ) بمعنى صدق من الأمانة وبين ( ~~آمن ) بمعنى جعله في أمن ، أي لا خوف عليه منه . | # وهذه اللام سماها ابن مالك لام التبيين وتبعه ابن هشام ، وهي تدخل على ~~المفعول لتقوية معنى المفعولية ، ويؤكد قصد التقوية في مثل فعل ( آمن ms3966 ) ~~بمعنى صدق دفع أن يلتبس بفعل ( آمنه ) إذا جعله في أمن وسيأتي في قوله ~~تعالى : { وقالوا لن نؤمن لك في سورة الإسراء ( 90 ) . | # وقد يعدى بالباء لتضمنه معنى صدق كما في قوله تعالى : قال آمنت أنه لا ~~إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل } ( يونس : 90 ) . | # والذرية : الأبناء وتقدم في قوله : { ذرية بعضها من بعض } في سورة آل ~~عمران ( 34 ) . أي فما آمن بما جاء به موسى إلا أبناء بني إسرائيل ولم تبلغ ~~دعوته بقية قومه أو لم يؤمر بالتبليغ إليهم حينئذ . | # و ( على ) في قوله : { على خوف من فرعون } بمعنى ( مع ) مثل وآتى المال ~~على حبه أي آمنوا مع خوفهم ، وهي ظرف مستقر في موضع الحال من ( ذرية ) ، أي ~~في حال خوفهم المتمكن منهم . وهذا ثناء عليهم بأنهم آمنوا ولم يصدهم عن ~~الإيمان خوفهم من فرعون . | # والمعنى : أنهم آمنوا عند ظهور معجزته ، أي أعلنوا الإيمان به في ذلك ~~الموطن لأن الإيمان لا يعرف إلا بإظهاره ولا فائدة منه إلا ذلك الإظهار . ~~أي من الحاضرين PageV11P259 في ذلك المشهد من بني إسرائيل فإن عادة هذه ~~المجامع أن يغشاها الشباب واليافعون فعبر عنهم بالذرية أي الأبناء ، كما ~~يقال : الغلمان ، فيكونون قد آمنوا من تلقاء أنفسهم ، وكل هذا لا يقتضي أن ~~بقية قومه كفروا به ، إذ يحتمل أن يكونوا آمنوا به بعد ذلك لما بلغتهم ~~دعوته لأنه يكون قد ابتدأ بدعوة فرعون مبادرة لامتثال الأمر من الله بقوله ~~: { اذهبا إلى فرعون إنه طغى } ( طه : 43 ) فيكون المأمور به ابتداء هو ~~دعوة فرعون وتخليص بني إسرائيل من الأسر . | # و ( الملأ ) تقدم آنفا في هذه القصة ، وأضيف الملأ إلى ضمير الجمع وهو ~~عائد إلى الذرية ، أي على خوف من فرعون وعلى خوف من قومهم ، وهم بقية القوم ~~الذين لم يحضروا ذلك المشهد خشية أن يغضبوا عليهم ويؤذوهم لإيمانهم بموسى ~~لما يتوقعون من مؤاخذة فرعون بذلك جميع قبيلتهم على عادة الجبابرة في أخذ ~~القبيلة بفعلة من بعض رجالها . | # و ( الفتن ) ادخال الروع والاضطراب على العقل بسبب ms3967 تسليط ما لا تستطيع ~~النفس تحمله ، وتقدم في قوله تعالى : { والفتنة أشد من القتل في سورة ~~البقرة ( 191 ) . فهذا وجه تفسير الآية . | # وجملة : وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين } في موضع الحال فهي ~~عطف على قوله : { على خوف من فرعون } وهي تفيد معنى التعليل لخوفهم من ~~فرعون ، أي أنهم محقون في خوفهم الشديد ، فبعد أن أثنى عليهم بأنهم آمنوا ~~في حال شدة الخوف زاد فبين أنهم أحقاء بالخوف ، وفي هذا زيادة ثناء على قوة ~~إيمانهم إذ آمنوا في حال خوفهم من الملك مع قدرته على أذاهم ، ومن ملئهم ، ~~أي قومهم ، وهو خوف شديد ، لأن آثاره تتطرق المرء في جميع أحواله حتى في ~~خلوته وخويصته لشدة ملابسة قومه إياه في جميع تقلباته بحيث لا يجد مفرا ~~منهم ، ثم اتبعه ببيان اتساع مقدرة فرعون بيان تجاوزه الحد في الجور ، ومن ~~هذه حالته لا يزعه عن إلحاق الضر بأضداده وازع . | PageV11P260 # وتأكيد الخبر ب ( إن ) للاهتمام بتحقيق بطش فرعون . | # والعلو : مستعار للغلبة والاستبداد ، كقوله تعالى : { إن فرعون علا في ~~الأرض } وقوله : { أن لا تعلوا علي وأتوني مسلمين } ( النمل : 31 ) . | # والإسراف : تجاوز حد الاعتدال المعروف في فعل ، فهو تجاوز مذموم ، وأشهر ~~موارده في الإنفاق ، ولم يذكر متعلق الإفراط فتعين أن يكون إسرافا فيما عرف ~~به ملوك زمانهم من الصفات المكروهة عند الناس الملازمة للملوك في العادة . ~~| # وقوله : { من المسرفين } أبلغ في وصفه بالإسراف من أن يقال : وإنه لمسرف ~~لما تقدم عند قوله تعالى : { قد ضللت إذن وما أنا من المهتدين في الأنعام ( ~~56 ) . | # | 2 ( 84 86 ) وقال موسى ياقوم إن كنتم ءامنتم بالله فعليه توكلو ا إن ~~كنتم مسلمين * فقالوا على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ~~* ونجنا برحمتك من القوم الكافرين } ) 2 # | $ # عطف بقية القصة على أولها فهو عطف على جملة { وقال فرعون } ( يونس : 79 ) ~~، وهذا خطاب موسى لجميع قومه وهم بنو إسرائيل الذين بمصر ، وهو يدل على أنه ~~خاطبهم بذلك بعد أن دعاهم وآمنوا به كما يؤذن به قوله ms3968 : { إن كنتم آمنتم ~~بالله } . والغرض منه تثبيت الذين آمنوا به في حضرة فرعون على توكلهم ، ~~وأمر من عداهم الذين خاف ذريتهم أن يؤنبوهم على إظهار الإيمان بأن لا ~~يجبنوا أبناءهم ، وأن لا يخشوا فرعون ، ولذلك قال : { إن كنتم آمنتم بالله ~~فعليه توكلوا } . | # والمعنى : إن كنتم آمنتم بالله حقا كما أظهرته أقوالكم فعليه اعتمدوا في ~~نصركم ودفع الضر عنكم ولا تعتمدوا في ذلك على أنفسكم بمصانعة فرعون ولا على ~~فرعون بإظهار الولاء له . | PageV11P261 # وأراد إثارة صدق إيمانهم وإلهاب قلوبهم بجعل إيمانهم معلقا بالشرط محتمل ~~الوقوع ، حيث تخوفوا من فرعون أن يفتنهم فأرادوا أن يكتموا إيمانهم تقية من ~~فرعون وملئهم ، وإنما جعل عدم اكتراثهم ببطش فرعون علامة على إيمانهم لأن ~~الدعوة في أول أمرها لا تتقوم إلا بإظهار متبعيها جماعتهم ، فلا تغتفر فيها ~~التقية حينئذ . وبذلك عمل المسلمون الأولون مثل بلال ، وعمار ، وأبي بكر ، ~~فأعلنوا الإيمان وتحملوا الأذى ، وإنما سوغت التقية للآحاد من المؤمنين بعد ~~تقوم جامعة الإيمان فذلك محل قوله تعالى : { من كفر بالله من بعد إيمانه ~~إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان } ( النحل : 106 ) . | # فتقديم المجرور على متعلقه في قوله : { فعليه توكلوا } لإفادة القصر ، ~~وهو قصر إضافي يفسره قوله : { على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم } ( يونس ~~: 83 ) ، فآل المعنى إلى نهيهم عن مخافة فرعون . | # والتوكل : تقدم آنفا في قصة نوح . | # وجملة : { إن كنتم مسلمين } شرط ثان مؤكد لشرط { إن كنتم آمنتم بالله } ، ~~فحصل من مجموع الجملتين أن حصول هذا التوكل متوقف على حصول إيمانهم ~~وإسلامهم ، لمزيد الاعتناء بالتوكل وأنه ملازم للإيمان والإسلام ، ومبين ~~أيضا للشرط الأول ، أي إن كان إيمانكم إيمان مسلم لله ، أي مخلص له غير ~~شائب إياه بتردد في قدرة الله ولا في أن وعده حق ، فحصل من مجموع الشرطين ~~ما يقتضي تعليق كل من الشرطين على الشرط الآخر . | # وهذا من مسألة تعليق الشرط على الشرط ، والإيمان : تصديق الرسول فيما جاء ~~به وهو عمل قلبي ، ولا يعتبر شرعا إلا مع الإسلام ، والإسلام : النطق بما ~~يدل على الإيمان ms3969 ولا يعتبر شرعا إلا مع الإيمان ، فالإيمان انفعال قلبي ~~نفساني ، والإسلام عمل جسماني ، وهما متلازمان في الاعتداد بهما في اتباع ~~الدين إذ لا يعلم حصول تصديق القلب إلا بالقول والطاعة ، وإذ لا يكون القول ~~حقا إلا إذا وافق ما في PageV11P262 النفس ، قال تعالى : { قالت الأعراب ~~آمنا قل لم تومنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم } ( ~~الحجرات : 14 ) . وقد ورد ذلك صريحا في حديث سؤال جبريل في ( الصحيحين ) . ~~| # وليس المراد أنهم إن لم يتوكلوا كانوا مؤمنين غير مسلمين ، ولا أنهم إن ~~توكلوا كانوا مسلمين غير مؤمنين ، لأن ذلك لا يساعد عليه التدين بالدين . ~~ومن ثم كان قوله : { فعليه توكلوا } جوابا للشرطين كليهما . أي يقدر للشرط ~~الثاني جواب مماثل لجواب الشرط الأول . هذا هو محمل الآية وما حاوله كثير ~~من المفسرين خروج عن مهيع الكلام . | # وقد كان صادق إيمانهم مع نور الأمر النبوي الذي واجههم به نبيئهم مسرعا ~~بهم إلى التجرد عن التخوف والمصانعة ، وإلى عقد العزم على التوكل على الله ~~، فلذلك بادروا بجوابه بكلمة { على الله توكلنا } مشتملة على خصوصية القصر ~~المقتضي تجردهم عن التوكل على غير الله تعالى . | # وأشير إلى مبادرتهم بأن عطفت جملة قولهم ذلك على مقالة موسى بفاء التعقيب ~~خلافا للأسلوب الغالب في حكاية جمل الأقوال الجارية في المحاورات أن تكون ~~غير معطوفة ، فخولف مقتضى الظاهر لهذه النكتة . | # ثم ذيلوا كلمتهم بالتوجه إلى الله بسؤالهم منه أن يقيهم ضر فرعون ، ~~ناظرين في ذلك إلى مصلحة الدين قبل مصلحتهم لأنهم إن تمكن الكفرة من ~~إهلاكهم أو تعذيبهم قويت شوكة أنصار الكفار فيقولون في أنفسهم : لو كان ~~هؤلاء على الحق لما أصابهم ما أصابهم فيفتتن بذلك عامة الكفرة ويظنون أن ~~دينهم الحق . | # والفتنة : تقدم تفسيرها آنفا . وسموا ذلك فتنة لأنها تزيد الناس توغلا في ~~الكفر ، والكفر فتنة . والفتنة مصدر . فمعنى سؤالهم أن لا يجعلهم الله فتنة ~~هو أن لا يجعلهم سبب فتنة ، فتعدية فعل { تجعلنا } إلى ضميرهم المخبر عنه ~~بفتنة تعدية على طريقة المجاز PageV11P263 العقلي ، وليس الخبر بفتنة ms3970 من ~~الإخبار بالمصدر إذ لا يفرضون أن يكونوا فاتنين ولا يسمح المقام بأنهم ~~أرادوا لا تجعلنا مفتونين للقوم الظالمين . | # ووصفوا الكفار ب { الظالمين } لأن الشرك ظلم ، ولأنه يشعر بأنهم تلبسوا ~~بأنواع الظلم : ظلم أنفسهم ، وظلم الخلائق ، ثم سألوا ما فيه صلاحهم فطلبوا ~~النجاة من القوم الكافرين ، أي من بطشهم وإضرارهم . | # وزيادة { برحمتك } للتبرؤ من الإدلال بإيمانهم لأن المنة لله عليهم ، قال ~~تعالى : { قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن ~~كنتم صادقين } ( الحجرات : 17 ) . | # وذكر لفظ القوم في قوله : { للقوم الظالمين } وقوله : { من القوم ~~الكافرين } للوجه الذي أشرنا إليه في أواسط البقرة ، وفي هذه السورة غير ~~مرة . | # | 2 ( 87 ) { وأوحينآ إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا ~~واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلواة وبشر المؤمنين } ) 2 # يجوز أن يكون عطفا على جملة { وقال موسى يا قوم } ( يونس : 84 ) ، ويجوز ~~أن يكون عطف قصة على قصة ، أي على مجموع الكلام السابق ، لأن مجموعه قصص هي ~~حكاية أطوار لقصة موسى وقومه . | # ووقع الوحي بهذا الأمر إلى موسى وهارون عليهما السلام لأنه من الأعمال ~~الراجعة إلى تدبير أمر الأمة ، فيمكن الاشتراك فيها بين الرسول ومؤازره . | # والتبوؤ : اتخاذ مكان يسكنه ، وهو تفعل من البوء ، أي الرجوع ، كأن صاحب ~~المسكن يكلف نفسه الرجوع إلى محل سكنه ولو كان تباعد عنه في شؤون اكتسابه ~~بالسير إلى السوق أو الصيد أو الاحتطاب أو قطف الثمار أو نحو ذلك ، وتقدم ~~PageV11P264 عند قوله تعالى : { تبوىء المؤمنين مقاعد للقتال في آل عمران ( ~~121 ) . فمعنى تبوءا لقومكما } اجعلا قومكما متبوئين بيوتا . | # وفاعل هذا الفعل في الأصل هو الساكن بالمباءة ، وإنما أسند هنا إلى ضمير ~~موسى وهارون عليهما السلام على طريقة المجاز العقلي ، إذ كانا سبب تبوؤ ~~قومهما للبيوت . والقرينة قوله : { لقومكما } إذ جعل التبوؤ لأجل القوم . | # ومعنى تبوؤ البيوت لقومهما أن يأمرا قومهما باتخاذ البيوت على الوصف الذي ~~يأمرانهم به . وإذ قد كان لبني إسرائيل ديار في مصر من قبل ، إذ لا يكونون ~~قاطنين مصر بدون ms3971 مساكن ، وقد كانوا ساكنين أرض ( جاسان ) قرب مدينة ( منفيس ~~) قاعدة المملكة يومئذ في جنوب البلاد المصرية ، كما بيناه في سورة البقرة ~~، لا جرم أن تكون البيوت المأمور بتبوئها غير البيوت التي كانوا ساكنيها . ~~| # واضطرب المفسرون في المراد من هذه البيوت وذكروا روايات غير ملائمة لحالة ~~القوم يومئذ . فقيل : أريد بالبيوت بيوت العبادة أي مساجد يصلون فيها ، ~~وربما حمل على هذا التفسير من تأوله وقوع قوله : { وأقيموا الصلاة } عقبه . ~~وهذا بعيد لأن الله علم أن بني إسرائيل مفارقون مصر قريبا بإذنه . وقيل : ~~البيوت بيوت السكنى وأمسكوا عن المقصود من هذه البيوت . وهذا القول هو ~~المناسب للتبوؤ لأن التبوؤ السكنى ، والمناسب أيضا لإطلاق البيوت ، وكونها ~~بمصر . | # فالذي يظهر بناء عليه أن هذه البيوت خيام أو أخصاص أمرهم الله باتخاذها ~~تهيئة للارتحال وهي غير ديارهم التي كانوا يسكنونها في ( جاسان ) قرب مدينة ~~فرعون وقد جاء في التوراة ما يشهد بهذا التأويل في الفصل الرابع من سفر ~~الخروج : إن الله أمر موسى أن يخرج ببني إسرائيل إلى البادية ليعملوا عيد ~~الفصح ثلاثة أيام وأن ذلك أول ما سأله موسى من فرعون ، وأن فرعون منعهم من ~~ذلك ، وأن موسى كرر طلب ذلك من فرعون كل ذلك يمنعه كما في الفصل السابع ~~والفصل الثامن من سفر الخروج ، وقد صار لهم ذلك عيدا بعد خروجهم . | ~~PageV11P265 # وقوله : { واجعلوا بيوتكم قبلة } أي هذه الخيام أو الأخصاص التي تتخذونها ~~تجعلونها مفتوحة إلى القبلة . قاله ابن عطية عن ابن عباس . | # والقبلة : اسم في العربية لجهة الكعبة . وتلك الجهة هي ما بين المشرق ~~والمغرب لأن قبلة بلاد مصر كقبلة المدينة ما بين المشرق والمغرب وهي الجنوب ~~، فيجوز أن يكون التعبير عن تلك الجهة بالقبلة في الآية حكاية لتعبير موسى ~~عنها بما يدل على معنى التوجه إلى الجهة التي يصلون إليها ، وهي قبلة ~~إبراهيم ، فيكون أمر بني إسرائيل يومئذ جاريا على الملة الحنيفية قبل أن ~~ينسخ بالاستقبال إلى صخرة القدس ويجوز أن يكون موسى قد عبر بما يفيد معنى ~~الجنوب فحكيت عبارته في ms3972 القرآن باللفظ المرادف له الشائع في التعبير عن ~~الجنوب عند العرب وهو كلمة قبلة . | # والحكمة في جعل البيوت إلى القبلة أن الشمس تدخلها من أبوابها في غالب ~~أوقات النهار في جميع الفصول وفي ذلك منافع كثيرة | # والذين فسروا البيوت بأنها بيوت السكنى فسروا قبلة : إما بمعنى متقابلة ، ~~وإما بمعنى اجعلوا بيوتكم محل صلاتكم ، وكلا التفسيرين بعيد عن الاستعمال . ~~| # وأما الذين تأولوا البيوت بالمساجد فقد فسروا القبلة بأنها قبلة الصلاة ، ~~أي جهة الكعبة . | # وعن ابن عباس : كانت الكعبة قبلة موسى . وعن الحسن : كانت الكعبة قبلة كل ~~الأنبياء . وهذا التفسير يلائم تركيب { اجعلوا بيوتكم قبلة } لأن التركيب ~~اقتضى أن المجعول قبلة هو البيوت أنفسها لا أن تجعل الصلاة فيها إلى جهة ~~القبلة فإذا افتقدنا التأويلات كلها لا نجدها إلا مفككة متعسفة خلا التفسير ~~الذي عولنا عليه ، وقد اختلفوا فيه فهدانا الله إليه . | # وأسند فعل { اجعلوا } إلى ضمير الجماعة لأن ذلك الجعل من عمل موسى وأخيه ~~وقومهما إذ كل أحد مكلف بأن يجعل بيته قبلة . | PageV11P266 # وأمرهم بإقامة الصلاة ، أي التي فرضها الله عليهم على لسان موسى ، والتي ~~كانوا يصلونها من قبل مجيء موسى اتباعا لإبراهيم عليه السلام وأبنائه . ~~والظاهر أن الداعي إلى أمرهم بإقامة الصلاة أن اتخاذ البيوت كان في حالة ~~رحيل فكانت حالتهم مظنة الشغل عن إقامة الصلوات فلذلك أمروا بالمحافظة على ~~إقامة الصلاة في مدة رحلتهم . | # وعطف جملة : { وبشر المؤمنين } على ما قبلها يؤذن بأن ما أمروا به من ~~اتخاذ البيوت أمر بحالة مشعرة بترقب أخطار وتخوف فإنهم قالوا : { ربنا لا ~~تجعلنا فتنة } ( يونس : 85 ) فأمر موسى أن يبشرهم بحسن العاقبة ، وأنهم ~~منصورون على عدوهم وناجون منه والمؤمنون هم قوم موسى الذين ذكروا في قوله : ~~{ فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه } ( يونس : 83 ) وفي قوله : { إن كنتم ~~آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين فقالوا على الله توكلنا } ( يونس ~~: 84 ، 85 ) . | # | 2 ( 88 ) { وقال موسى ربنآ إنك ءاتيت فرعون وملاه زينة وأموالا فى ~~الحيواة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا ms3973 اطمس على أموالهم واشدد على ~~قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الاليم } ) 2 # عطف بقية ما جرى في القصة مما فيه عبرة وموعظة . وهذا مقدمة لخبر خروج ~~موسى ومن معه من أرض مصر . فهذه المقدمة لتعريف كرامة موسى عليه السلام على ~~ربه بأن استجاب له دعاءه ، وأنفذ برسالته مراده تعالى من إنقاذ بني إسرائيل ~~من الاستعباد . | # ومهد موسى لدعائه تمهيدا يدل على أن ما سأله من الله لزجر فرعون وملئه ~~إنما هو لمصلحة الدين لا للانتقام منه لقومه ولنفسه ، فسأل الله سلب النعمة ~~عن PageV11P267 فرعون وملئه وحلول العذاب بهم لخضد شوكتهم وتذليل تجبرهم ~~ليرجعوا عن ضلالهم ويسهل قبولهم الإيمان . | # ولما كانت النعمة مغرية بالطغيان لأهل الجهالة والخباثة جعل موسى إمداد ~~فرعون بالنعمة مغريا لفرعون بالاسترسال على الإعراض عن الدين فكان دعاء ~~موسى عليهم استصلاحا لهم وتطلبا لإيمانهم بوسائل التشديد عليهم ، ولكن الله ~~علم من قلوبهم ما لم يعلمه موسى وقضى عليهم بالاستئصال . | # وافتتح الدعاء بالنداء لمناسبته لمقام الدعاء . ونودي الله بوصف الربوبية ~~تذللا لإظهار العبودية . | # وقوله : { إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا } توطئة للدعاء عليهم فليس ~~المقصود به حقيقة الإخبار ضرورة أن موسى يوقن بأن الله يعلم ذلك فتعين أن ~~الخبر مستعمل في التمهيد لطلب سلب النعمة عنهم في قوله : { ليضلوا عن سبيلك ~~} . ثم الانتقال إلى الدعاء بسلب ما أوتوه . | # فاقتران الخبر بحرف ( إن ) في قوله : { إنك آتيت فرعون } الخ مقصود به ~~الاهتمام بهذا المعنى الذي استعمل فيه الخبر إذ ليس المقام مقام دفع تردد ~~أو دفع إنكار . | # وقد تردد المفسرون في محل اللام في قوله : { ليضلوا عن سبيلك } . والذي ~~سلكه أهل التدقيق منهم أن اللام لام العاقبة . ونقل ذلك عن نحاة البصرة : ~~الخليل وسيبويه ، والأخفش ، وأصحابهما ، على نحو اللام في قوله تعالى : { ~~فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا } ( القصص : 8 ) فاللام الموضوعة ~~للتعليل مستعارة لمعنى الترتب والتعقيب الموضوع له فاء التعقيب على طريقة ~~الاستعارة التبعية في متعلق معنى الحرف فشبه ترتب الشيء على شيء آخر ليس ~~علة فيه ms3974 بترتب المعلول على العلة للمبالغة في قوة الترتب حتى صار كأنه ~~مقصود لمن ظهر عنده أثره ، فالمعنى : إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا ~~فضلوا بذلك وأضلوا . | # وللمفسرين وجوه خمسة أخرى : | PageV11P268 # أحدها : أن يكون للتعليل ، وأن المعنى : إنك فعلت ذلك استدراجا لهم ، ~~ونسب إلى الفراء ، وفسر به الطبري . | # الثاني : أن الكلام على حذف حرف ، والتقدير : لئلا يضلوا عن سبيلك أي ~~فضلوا . حكاه الفخر . | # الثالث : أن اللام لام الدعاء . روي هذا عن الحسن . واقتصر عليه في ( ~~الكشاف ) . وقاله ابن الأنباري . وهو أبعد الوجوه وأثقلها . | # الرابع : أن يكون على حذف همزة الاستفهام . والتقدير : أليضلوا عن سبيلك ~~آتيناهم زينة وأموالا تقريرا للشنعة عليهم ، قاله ابن عطية . ويكون ~~الاستفهام مستعملا في التعجب ، قاله الفخر . | # الخامس : تأويل معنى الضلال بأنه الهلاك ، قاله الفخر . وهي وجوه ضعيفة ~~متفاوتة الضعف فلا نطيل بتقريرها . | # والزينة : ما يتزين به الناس ، وما يحسن في أنظارهم من طرائف الدنيا ، ~~كالحلي والجواهر والمباني الضخمة . قال تعالى : { زين للناس حب الشهوات } ( ~~آل عمران : 14 ) وقال : { المال والبنون زينة الحياة الدنيا } ( الكهف : 46 ~~) وقال : { ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون } ( النحل : 6 ) . | # والأموال : ما به قوام المعاش ، فالزينة تلهيهم عن اتباع المواعظ ، وتعظم ~~شأنهم في أنظار قومهم ، والأموال يسخرون بها الرعية لطاعتهم ، وقد كان ~~للفراعنة من سعة الرزق ورفاعية العيش ما سار ذكره في الآفاق . وظهرت مثل ~~منه في أهرامهم ونواويسهم . | # وأعيد النداء بين الجملة المعللة والجملة المعللة لتأكيد التذلل والتعرض ~~للإجابة ولإظهار التبرؤ من قصد الاعتراض . | # وقرأ نافع ، وابن كثير ، وأبو عمرو ، وابن عامر ، وأبو جعفر ، ويعقوب { ~~ليضلوا } بفتح الياء . وقرأ عاصم ، وحمزة ، والكسائي بضم الياء على معنى ~~سعيهم في تضليل الناس . | PageV11P269 # والمعنى الحاصل من القراءتين متحد لأنهم إذا ضلوا في أنفسهم وهم قادة ~~قومهم كان ضلالهم تضليلا لغيرهم ، وكذلك إذا أضلوا الناس فإنهم ما أضلوهم ~~إلا وهم ضالون مثلهم . وقد علمت آنفا أن الزينة سبب ضلالهم والأموال سبب ~~إضلال الناس . | # وأعيد النداء ثالث مرة ؛ لزيادة تأكيد التوجه والتضرع . | # وجملة : { اطمس على أموالهم ms3975 } هي المقصود من هذا الكلام ، والنداء يقوم ~~مقام وصل الجملة بما قبلها بمنزلة حرف العطف . | # والطمس : المحو والإزالة . وقد تقدم في قوله : { من قبل أن نطمس وجوها في ~~سورة النساء ( 47 ) . وفعله يتعدى بنفسه كما في آية سورة النساء ، ويعدى ~~بحرف ( على ) كما هنا . وقوله تعالى : ولو نشاء لطمسنا على أعينهم في سورة ~~يس ( 66 ) . ولعل تعديته ب ( على ) لإرادة تمكن الفعل من المفعول ، أو ~~لتضمين الطمس معنى الاعتلاء بآلة المحو والإزالة ، فطمس الأموال إتلافها ~~وإهلاكها . | # وأما قوله : واشدد } فأحسب أنه مشتق من الشد ، وهو العسر . ومنه الشدة ~~للمصيبة والتحرج ، ولو أريد غير ذلك لقيل : واطبع ، أو واختم ، أو نحوهما ، ~~فيكون شد بمعنى أدخل الشد أو استعمله مثل جد في كلامه ، أي استعمل الجد . | # وحرف ( على ) مستعار لمعنى الظرفية استعارة تبعية لإفادة تمكن الشدة . ~~والمعنى : أدخل الشدة في قلوبهم . | # والقلوب : النفوس والعقول . والمعنى : أنه يدعو عليهم بالأنكاد والأحزان ~~التي تجعل قلوبهم في ضيق وحرج أي اجعلهم في عناء وبلبلة بال ما داموا في ~~الكفر . وهذا حرص منه عليه السلام على وسائل هدايتهم رجاء أنهم إذا زالت ~~عنهم النعم وضاقت صدورهم بكروب PageV11P270 الحياة تفكروا في سبب ذلك ، ~~فعجلوا بالنوبة إلى الله كما هو معتاد النفوس الغافلة قال تعالى : { وإذا ~~مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه } ( الزمر : 8 ) . | # ويجوز أن يكون { اشدد } من الشد ، وهو الهجوم . يقال : شد عليه ، إذا هجم ~~، وذلك أن قلوبهم في حالة النعمة والدعة آمنة ساكنة فدعا الله أن يشد عليهم ~~بعذابه ، تمثيلا لحال إصابة نفوسهم بالأكدار والأحزان بحال من يشد على عدوه ~~ليقتله وهو معنى قوله تعالى : { وأجلب عليهم بخيلك ورجلك } ( الإسراء : 64 ~~) أي طوعهم لحكمك وسخرهم . | # وبهذا يظهر أن موقع الفاء في قوله : { فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ~~} أن تكون فاء السببية في جواب الدعاء ، أي افعل بهم ذلك ليؤمنوا . والفعل ~~منصوب بأن مضمرة إضمارا واجبا بعد فاء السببية . | # فقوله : { فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب } في قوة أن يقال : فيؤمنوا حين ~~يرون العذاب لا ms3976 قبل ذلك . | # وإنما عدل عن إيقاع جواب الدعاء بصيغة إثبات الإيمان ، إلى إيراده بصيغة ~~نفي مغيا بغاية هي رؤية العذاب سلوكا لأسلوب بديع في نظم الكلام لأنه أراد ~~أن يجمع بين ترتيب الجواب على الدعاء وبين ما استبان له من طبع نفوسهم بطبع ~~أنهم لا تنفع فيهم الحجج وأن قساوة قلوبهم وشراسة نفوسهم لا تذللها إلا ~~الآلام الجسدية والنفسانية ، وكل ذلك علاج بما هو مظنة إيصالهم من طرق ~~الضغط والشدة حيث لم تجد فيهم وسائل الحجة ، فقال : { فلا يؤمنوا حتى يروا ~~العذاب الأليم } أي أن شأنهم ذلك ، وهذا إيجاز بديع إذ جمع في هذا التركيب ~~جواب الدعاء وبيان علة الدعاء عليهم بذلك . وأصل الكلام : فيؤمنوا فإنهم لا ~~يؤمنون إلا إذا رأوا العذاب الأليم . | # والمقصود من جواب فعل الدعاء هو غاية الجواب التي بعد حتى ، فتلك هي مصب ~~الجواب . وهذا الوجه في تفسير الآية وجه لا ترهقه غبرة الإشكال ، ولا يعسر ~~PageV11P271 معه المنال ، ويجوز أن يكون قوله : { فلا يومنوا } الخ عطفا ~~على قوله : { ليضلوا عن سبيلك } وجملة الدعاء بينهما معترضة . | # والمعنى : ليضلوا عن سبيلك فيستمر ضلالهم حتى يروا العذاب الأليم . وهذا ~~تأويل المبرد والزجاج . والمراد بالعذاب الأليم عذاب الفقر والجوع وعذاب ~~النكد في النفس . | # والرؤية مستعملة في الإحساس على وجه المجاز المرسل ، أو مستعملة كناية عن ~~حلول العذاب بهم لأن المشاهدة ملازمة لحلول الشيء المشاهد . | # | 2 ( 89 ) { قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعآن سبيل الذين لا ~~يعلمون } ) 2 # جواب من الله لكلام موسى جرى على طريقة حكاية المحاورات أن لا تعطف جملها ~~كما تقدم غير مرة . | # وافتتاح الجملة ب { قد } والفعل الماضي يفيد تحقيق الحصول في المستقبل ، ~~فشبه بالمضي . | # وأضيفت الدعوة إلى ضمير التثنية المخاطب به موسى وهارون وإن كانت الدعوة ~~إنما حكيت عن موسى عليه السلام وحده لأن موسى عليه السلام دعا لما كان ~~هارون مواطئا له وقائلا بمثله لأن دعوتهما واحدة . وقيل : كان موسى عليه ~~السلام يدعو وهارون عليه السلام يؤمن . | # ومعنى إجابة الدعوة إعطاء ما سأله موسى ms3977 ربه أن يسلب عن فرعون وملئه النعم ~~، ويوالي عليهم المصائب حتى يسأموا مقاومة دعوة موسى وتنحط غلواؤهم ، ~~PageV11P272 قال تعالى : { ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقصص من الثمرات ~~لعلهم يذكرون } ( الأعراف : 130 ) وقال : { فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد ~~والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات } ( الأعراف : 133 ) . | # وفرع على إجابة دعوتهما أمرهما بالاستقامة ، فعلم أن الاستقامة شكر على ~~الكرامة فإن إجابة الله دعوة عبده إحسان للعبد وإكرام وتلك نعمة عظيمة ~~تستحق الشكر عليها وأعظم الشكر طاعة المنعم . | # وإذ قد كان موسى وهارون مستقيمين ، وناهيك باستقامة النبوءة كان أمرهما ~~بالاستقامة مستعملا في الأمر بالدوام عليها . وأعقب حثهما على الاستقامة ~~بالنهي عن اتباع طريق الذين لا يعلمون وإن كان ذلك مشمولا للاستقامة تنبيها ~~على توخي السلامة من العدول عن طريق الحق اهتماما بالتحذير من الفساد . | # والاستقامة : حقيقتها الاعتدال ، وهي ضد الاعوجاج ، وهي مستعملة كثيرا في ~~معنى ملازمة الحق والرشد ، لأنه شاع تشبيه الضلال والفساد بالاعوجاج ~~والالتواء . وقيل للحق : طريق مستقيم . وقد تقدم في قوله تعالى : { اهدنا ~~الصراط المستقيم } ( الفاتحة : 6 ) ، فكان أمرهما بالاستقامة جامعا لجميع ~~خصال الخير والصلاح . | # وفي حديث أبي عمرة الثقفي قال : قلت : يا رسول الله قل لي في الإسلام ~~قولا لا أسأل عنه أحدا غيرك . قال : قل : آمنت بالله ثم استقم . ومن ~~الاستقامة أن يستمرا على الدعوة إلى الدين ولا يضجرا . | # والسبيل : الطريق ، وهو هنا مستعمل للسيرة والعمل الغالب . | # وقوله : { ولا تتبعان } قرأه الجمهور بتشديد النون مكسورة . وهما نونان : ~~إحداهما نون المثنى والأخرى نون التوكيد . وقرأ ابن ذكوان عن ابن عامر { ~~ولا تتبعان } بنون خفيفة مكسورة . وهي نون رفع المثنى لا نون التوكيد ، ~~فتعين أن تكون ( لا ) على هاته القراءة نافية غير ناهية ، والجملة في موضع ~~الحال والواو واو الحال ، لأن جملة الحال المضارعة المفتتحة بحرف نفي يجوز ~~اقترانها بالواو وعدمه . | # | PageV11P273 # | 2 ( 90 ) { وجاوزنا ببنى إسراءيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا ~~وعدوا حتى إذآ أدركه الغرق قال ءامنت أنه لا إلاه إلا الذى ءامنت به بنو ا ~~إسراءيل وأنا من المسلمين } ) 2 # | $ # معطوفة ms3978 على جملة { وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تتبوءا لقومكما بمصر بيوتا ~~} ( يونس : 87 ) عطف الغرض على التمهيد ، أي ، أمرناهما باتخاذ تلك البيوت ~~تهيئة للسفر ومجاوزة البحر . | # وجاوزنا ، أي قطعنا بهم البحر ، والباء للتعدية ، أي أقطعناهم البحر ~~بمعنى جعلناهم قاطعين البحر . وتقدم نظيره في سورة الأعراف ( 138 ) . ~~ومجاوزتهم البحر تقتضي خوضهم فيه ، وذلك أن الله جعل لهم طرائق في البحر ~~يمرون منها . | # و { أتبعهم } بمعنى لحقهم . يقال : تبعه فأتبعه إذا سار خلفه فأدركه . ~~ومنه { فأتبعه شهاب ثاقب } ( الصافات : 10 ) . وقيل : أتبع مرادف تبع . | # والبغي : الظلم ، مصدر بغى . وتقدم عند قوله تعالى : { والإثم البغي بغير ~~الحق في الأعراف ( 33 ) . | # والعدو : مصدر عدا . وهو تجاوز الحد في الظلم ، وهو مسوق لتأكيد البغي . ~~وإنما عطف لما فيه من زيادة المعنى في الظلم باعتبار اشتقاق فعل عدا . | # والمعنى : أن فرعون دخل البحر يتقصى آثارهم فسار في تلك الطرائق يريد ~~الإحاطة بهم ومنعهم من السفر ، وإنما كان اتباعه إياهم ظلما وعدوانا إذ ليس ~~له فيه شائبة حق ، لأن بني إسرائيل أرادوا مفارقة بلاد فرعون وليست مفارقة ~~أحد بلده محظورة إن لم يكن لأحد عليه حق في البقاء ، فإن لذي الوطن حقا في ~~الإقامة في وطنه فإذا رام مغادرة وطنه فقد تخلى عن حق له ، وللإنسان أن ~~يتخلى عن حقه ، PageV11P274 فلذلك كان الخلع في الجاهلية عقابا ، وكان ~~النفي والتغريب في الإسلام عقوبة لا تقع إلا بموجب شرعي ، وكان الإمساك ~~بالمكان عقابا ، ومنه السجن ، فليس الخروج من الوطن طوعا بعدوان . فلما رام ~~فرعون منع بني إسرائيل من الخروج وشد للحاق بهم لردهم كرها كان في ذلك ~~ظالما معتديا ، لأنه يبتغي بذلك إكراههم على البقاء ولأن غرضه من ذلك ~~تسخيرهم . | # وحتى } ابتدائية لوقوع { إذا } الفجائية بعدها . وهي غاية للإتباع ، أي ~~استمر إتباعه إياهم إلى وقت إدراك الغرق إياه ، كل ذلك لا يفتأ يجد في ~~إدراكهم إلى أن أنجى الله بني إسرائيل فاخترقوا البحر ، ورد الله غمرة ~~الماء على فرعون وجنوده ، فغرقوا وهلك فرعون غريقا ، فمنتهى الغاية هو ~~الزمان المستفاد ms3979 من ( إذا ) ، والجملة المضافة هي إليها وفي ذلك إيجاز حذفف ~~. والتقدير : حتى أدركه الغرق فإذا أدركه الغرق قال آمنت ، لأن الكلام مسوق ~~لكون الغاية وهي إدراك الغرق إياه فعند ذلك انتهى الإتباع ، وليست الغاية ~~هي قوله : { آمنت } وإن كان الأمران متقارنين . | # والإدراك : اللحاق وانتهاء السير . وهو يؤذن بأن الغرق دنا منه تدريجيا ~~بهول البحر ومصارعته الموج ، وهو يأمل النجاة منه ، وأنه لم يظهر الإيمان ~~حتى أيس من النجاة وأيقن بالموت ، وذلك لتصلبه في الكفر . | # وتركيب الجملة إيجاز ، لأنها قامت مقام خمس جمل : | # جملة : تفيد أن فرعون حاول اللحاق ببني إسرائيل إلى أقصى أحوال الإمكان ~~والطمع في اللحاق . | # وجملة : تفيد أنه لم يلحقهم . | # وهاتان مستفادان من ( حتى ) ، وهاتان منة على بني إسرائيل . | # وجملة : تفيد أنه غمره الماء فغرق ، وهذه مستفادة من قوله : { أدركه ~~الغرق } وهي عقوبة له وكرامة لموسى عليه السلام . | PageV11P275 # وجملة : تفيد أنه لم يسعه إلا الإيمان بالله لأنه قهرته أدلة الإيمان . ~~وهذه مستفادة من ربط جملة إيمانه بالظرف في قوله : { إذا أدركه الغرق } . ~~وهذه منقبة للإيمان وأن الحق يغلب الباطل في النهاية . | # وجملة : تفيد أنه ما آمن حتى أيس من النجاة لتصلبه في الكفر ومع ذلك غلبه ~~الله . وهذه موعظة للكافرين وعزة لله تعالى . | # وقد بني نظم الكلام على جملة : { إذا أدركه الغرق } ، وجعل ما معها ~~كالوسيلة إليها ، فجعلت ( حتى ) لبيان غاية الإتباع وجعلت الغاية أن قال : ~~{ آمنت } لأن إتباعه بني إسرائيل كان مندفعا إليه بدافع حنقه عليهم لأجل ~~الدين الذي جاء به رسولهم ليخرجهم من أرضه ، فكانت غايته إيمانه بحقهم . ~~ولذلك قال : { الذي آمنت به بنو إسرائيل } ليفيد مع اعترافه بالله تصويبه ~~لبني إسرائيل فيما هدوا إليه ، فجعل الصلة طريقا لمعرفته بالله ، ولعدم ~~علمه بالصفات المختصة بالله إلا ما تضمنته الصلة إذ لم يتبصر في دعوة موسى ~~تمام التبصر ، ولذلك احتاج أن يزيد { وأنا من المسلمين } لأنه كان يسمع من ~~موسى دعوته لأن يكون مسلما فنطق بما كان يسمعه وجعل نفسه من زمرة الذين يحق ~~عليهم ذلك الوصف ms3980 ، ولذلك لم يقل : أسلمت ، بل قال أنا من المسلمين ، أي ~~يلزمني ما التزموه . جاء بإيمانه مجملا لضيق الوقت عن التفصيل ولعدم معرفته ~~تفصيله . | # وسيأتي قريبا في تفسير الآية التي بعد هذه تحقيق صفة غرق فرعون ، وما كان ~~في بقاء بدنه بعد غرقه . | # وقرأ الجمهور { آمنت أنه } بفتح همزة ( أنه ) على تقدير باء الجر محذوفة ~~. وقرأه حمزة والكسائي وخلف بكسر الهمزة على اعتبار ( إن ) واقعة في أول ~~جملة ، وأن جملتها بدل من جملة { آمنت } بحذف متعلق فعل { آمنت } لأن جملة ~~البدل تدل عليه . | # | PageV11P276 # | 2 ( 91 ، 92 ) { ءالئن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين * فاليوم ننجيك ~~ببدنك لتكون لمن خلفك ءاية وإن كثيرا من الناس عن ءاياتنا لغافلون } ) 2 # مقول لقول حذف لدلالة المقام عليه ، تقديره : قال الله . وهو جواب لقوله ~~: { آمنت } ( يونس : 90 ) لأنه قصد بقوله ذلك طلب الإنجاء من الغرق اعترافا ~~لله بالربوبية ، فكأنه وجه إليه كلاما . فأجابه الله بكلام . | # وقال الله هذا الكلام له على لسان الملك الموكل بتعذيبه تأييسا له من ~~النجاة في الدنيا وفي الآخرة ، تلك النجاة التي هي مأمولة حين قال : { آمنت ~~} ( يونس : 90 ) إلى آخره ، فإنه ما آمن إلا وقد تحقق بجميع ما قاله موسى ، ~~وعلم أن ما حل به كان بسبب غضب الله ، ورجا من اعترافه له بالوحدانية أن ~~يعفو عنه وينجيه من الغرق . ويدل على ذلك قول الله عقب كلامه { فاليوم ~~ننجيك ببدنك } كما سيأتي . | # والاستفهام في { ألآن } إنكاري . والآن : ظرف لفعل محذوف دل عليه قوله : ~~{ آمنت } ( يونس : 90 ) تقديره : الآن تؤمن ، أي هذا الوقت . ويقدر الفعل ~~مؤخرا ، لأن الظرف دل عليه ، ولأن محط الإنكار هو الظرف . | # والإنكار مؤذن بأن الوقت الذي علق به الإنكار ليس وقتا ينفع فيه الإيمان ~~لأن الاستفهام الإنكاري في قوة النفي ، فيكون المعنى : لا إيمان الآن . | # والمنفي هو إيمان ينجي من حصل منه في الدنيا والآخرة . وإنما لم ينفعه ~~إيمانه لأنه جاء به في وقت حصول الموت . وهو وقت لا يقبل فيه إيمان الكافر ~~ولا توبة العاصي ، كما ms3981 تقدم عند قوله تعالى : { وليست التوبة للذين يعملون ~~السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم ~~كفار } ( النساء : 18 ) . | PageV11P277 # و ( الآن ) اسم ظرف للزمان الحاضر . . . وقد تقدم عند قوله تعالى : { ~~الآن خفف الله عنكم في سورة الأنفال ( 66 ) . | # وجملة : وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين } في موضع الحال من معمول ( تؤمن ~~) المحذوف ، وهي موكدة لما في الاستفهام من معنى الإنكار ، فإن إيمانه في ~~ذلك الحين منكر ، ويزيده إنكارا أن صاحبه كان عاصيا لله ومفسدا للدين الذي ~~أرسله الله إليه ، ومفسدا في الأرض بالجور والظلم والتمويه بالسحر . | # وصيغة : { كنت من المفسدين } أبلغ في الوصف بالإفساد من : وكنت مفسدا ، ~~كما تقدم آنفا ، وبمقدار ما قدمه من الآثام والفساد يشدد عليه العذاب . | # والفاء التي في قوله : { فاليوم } فاء الفصيحة ، تفصح عن شرط مقدر في ~~الكلام يدل عليه السياق . والمعنى : فإن رمت بإيمانك بعد فوات وقته أن ~~أنجيك من الغرق فاليوم ننجيك ببدنك ، والكلام جار مجرى التهكم ، فإطلاق ~~الإنجاء على إخراجه من البحر استعارة تهكمية . | # وليس مسوغها التهكم المحض كما هو الغالب في نوعها ، بل فيها علاقة ~~المشابهة ، لأن إخراجه إلى البر كاملا بشكته يشبه الإنجاء ، ولكنه ضد ~~الإنجاء ، فكان بالمشابهة ، استعارة ، وبالضدية تهكما ، والمجرور في قوله : ~~{ ببدنك } حال . | # والأظهر أن الباء من قوله : { ببدنك } مزيدة للتأكيد ، أي تأكيد آية ~~إنجاء الجسد ، فيكون قوله : ( بدنك ) في معنى البدل المطابق من الكاف في { ~~ننجيك } كزيادة الباء في قول الحريري : ( فإذا هو أبو زيد بعينه ومينه ) . ~~| # والبدن : الجسم بدون روح وهذا احتراس من أن يظن المراد الإنجاء من الغرق ~~. والمعنى : ننجيك وأنت جسم . كما يقال : دخلت عليه فإذا هو جثة ، لأنه لو ~~لم يكن المقصود الاقتصار على تلك الحالة لما كان داع للبليغ أن يزيد ذلك ~~القيد ، PageV11P278 فإن كل زيادة في كلام البليغ يقصد منها معنى زائد ، ~~وإلا لكانت حشوا في الكلام والكلام البليغ موزون ، ولغة العرب مبنية على ~~أساس الإيجاز . | # و { لمن خلفك } أي من وراءك . والوراء : هنا مستعمل ms3982 في معنى المتأخر ~~والباقي ، أي من ليسوا معك . والمراد بهم من يخلفه من الفراعنة ومن معهم من ~~الكهنة والوزراء ، أي لتكون ذاته آية على أن الله غالب من أشركوا به ، وأن ~~الله أعظم وأقهر من فرعون وآلهته في اعتقاد القبط ، إذ يرون فرعون الإله ~~عندهم طريحا على شاطيء البحر غريقا . فتلك ميتة لا يستطيعون معها الدجل ~~بأنه رفع إلى السماء ، أو أنه لم يزل يتابع بني إسرائيل ، أو نحو ذلك من ~~التكاذيب لأنهم كانوا يزعمون أن فرعون لا يغلب ، وأن الفراعنة حين يموتون ~~إنما ينقلون إلى دار الخلود . ولذلك كانوا يموهون على الناس فيبنون له ~~البيوت في الأهرام ويودعون بها لباسه وطعامه ورياشه وأنفس الأشياء عنده ، ~~فموته بالغرق وهو يتبع أعداءه ميتة لا توول بشيء من ذلك ، فلذلك جعل كونه ~~آية لمن خلفه علة لإخراجه من غمرة الماء ميتا كاملا ، فهم مضطرون إلى ~~الاعتراف بأنه غرق إذا نظروا في تلك الآية . | # ولم يعدم فرعون فائدة من إيمانه ، فإن الله بحكمته قدر له الخروج من ~~غمرات الماء ، فلم يبق في الماء أكلة للحيتان ولكن لفظته الأمواج ، وتلك ~~حالة أقل خزيا من حالات سائر جيشه بها ظهر نفع ما له بما حصل لنفسه من ~~الإيمان في آخر أحواله . | # وكلمة { فاليوم } مستعملة في معنى ( الآن ) لأن اسم اليوم أطلق على جزء ~~من زمن الحال مجازا بعلاقة الكلية والجزئية . | # وجملة : { وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون } تذييل لموعظة المشركين ~~، والواو اعتراضية ، أو واو الحال . | PageV11P279 # والمراد منه : دفع توهم النقص عن آيات الله عندما يحرم كثير من الناس ~~الاهتداء بها ، فهي في ذاتها دلائل هدى سواء انتفع بها بعض الناس أم لم ~~ينتفعوا فالتقصير منهم . | # واعلم أن هذه الآية أصرح آية في القرآن دلالة على أن فرعون الذي أرسل ~~إليه موسى والذي أتبع بني إسرائيل بعد خروجهم من مصر قد أصابه الغرق . وقد ~~أشارت إليه آية سورة الأعراف وآية سورة البقرة . | # وفرعون هذا هو منفطاح الثاني ، ويقال له ( ميرنبتا ) بياء فارسية أو ( ~~منفتاح ) ، أو ms3983 ( منيفتا ) وهو ابن رعمسيس الثاني المعروف عند اليونان باسم ~~( سيزوستريس ) ، من ملوك العائلة التاسعة عشرة من الأسر الفرعونية ، وكانوا ~~في حدود سنة 1491 قبل المسيح . | # قال ابن جريج : كان فرعون هذا قصيرا أحمر فلا نشك في أن منفطاح الثاني ~~مات غريقا في البحر ، وأنه خرجت جثته بعد الغرق فدفن في وادي الملوك في ~~صعيد مصر . فذكر المنقبون عن الآثار أنه وجد قبره هناك ، وذلك يومىء إلى ~~قوله تعالى : { فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية } . ووجود قبر له إن ~~صح بوجه محقق ، لا ينافي أن يكون مات غريقا ، وإن كان مؤرخو القبط لم ~~يتعرضوا لصفة موته ، وما ذلك إلا لأن الكهنة أجمعوا على إخفائها كيلا يتطرق ~~الشك إلى الأمة فيما يمجد به الكهنة كل فرعون من صفات بنوة الآلهة . | # وخلفته في ملك مصر ابنته المسماة ( طوسير ) لأنه تركها وابنا صغيرا . | # وقد جاء ذكر غرق فرعون في التوراة في الإصحاح الرابع عشر من سفر الخروج ~~بعبارات مختلفة الصراحة والإغلاق . | # ومن دقائق القرآن قوله تعالى : { فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية ~~} وهي عبارة لم يأت مثلها فيما كتب من أخبار فرعون ، وإنها لمن الإعجاز ~~العلمي في PageV11P280 القرآن إذ كانت الآية منطبقة على الواقع التاريخي . ~~والظاهر أن الأمواج ألقت جثته على الساحل الغربي من البحر الأحمر فعثر عليه ~~الذين خرجوا يتقصون آثاره ممن بقوا بعده بمدينة مصر لما استبطأوا رجوعه ~~ورجوع جيشه ، فرفعوه إلى المدينة وكان عبرة لهم . | # | 2 ( 93 ) { ولقد بوأنا بنى إسراءيل مبوأ صدق ورزقناهم من الطيبات فما ~~اختلفوا حتى جآءهم العلم إن ربك يقضى بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه ~~يختلفون } ) 2 # | $ # عطف على الجمل الماضية فإن جميع تلك الجمل مقصود منها موعظة الكفار من ~~العرب بأحوال من سبقهم من الأمم في مشابهة كفرهم بكفرهم وبما حل بهم من ~~أنواع العذاب جزاء كفرهم كما قال تعالى : { أكفاركم خير من أولئكم } ( ~~القمر : 43 ) . | # فلما ضرب الله مثل السوء أتبعه بمثل الصلاح بحال الذين صدقوا الرسول ~~واتبعوه ، وكيف كانت عاقبتهم الحسنى ms3984 ليظهر الفرق بين مصيري فريقين جاءهم ~~رسول فآمن به فريق وكفر به فريق ، ليكون ذلك ترغيبا للمشركين في الإيمان ، ~~وبشارة للمؤمنين من أهل مكة . | # فالمراد ببني إسرائيل القوم المتحدث عنهم بقوله : { وجاوزنا ببني إسرائيل ~~البحر } ( يونس : 91 ) الآية وترتيب الإخبار يقتضي أن الله بوأهم مبوأ صدق ~~عقب مجاوزتهم البحر غرقق فرعون وجنوده ، فإنهم دخلوا بعد ذلك صحراء التيه ~~وأمنوا على أنفسهم وأقبلوا على تزكية نفوسهم وإصلاح شؤونهم ، ورزقوا المن ~~والسلوى ، وأعطوا النصر على الأمم التي تعرضت لهم تحاول منعهم من امتلاك ~~الأرض الطيبة . | # فما زالوا يتدرجون في مدارج الخير والإنعام فذلك مبوأ الصدق . | ~~PageV11P281 # والرزق : من الطيبات . | # فمعنى { فما اختلفوا } أولئك ولا من خلفهم من أبنائهم وأخلافهم . | # والتبوؤ تقدم آنفا ، والمبوأ : مكان البوء ، أي الرجوع ، والمراد المسكن ~~كما تقدم ، وإضافته إلى ( صدق ) من إضافة الموصوف إلى الصفة ، ويجوز أن ~~يكون المبوأ مصدرا ميميا . والصدق هنا بمعنى الخالص في نوعه . وتقدم عند ~~قوله تعالى : { أن لهم قدم صدق عند ربهم } ( يونس : 2 ) . والمراد بمبوأ ~~الصدق ما فتح الله عليهم من بلاد فلسطين وما فيها من خصب وثراء قال تعالى : ~~{ وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا ~~فيها وتمت كلمت ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا } ( الأعراف : 137 ) ~~. | # وتفريع قوله : { فما اختلفوا } على { بوأنا } وما عطف عليه تفريع ثناء ~~عليهم بأنهم شكروا تلك النعمة ولم يكفروها كما كفرها المشركون الذين بوأهم ~~الله حرما آمنا تجبى إليه ثمرات كل شيء ، فجعلوا لله شركاء ، ثم كفروا ~~بالرسول المرسل إليهم . فوقع في الكلام إيجاز حذف . وتقدير معناه : فشكروا ~~النعمة واتبعوا وصايا الأنبياء وما خالفوا ذلك إلا من بعد ما جاءهم العلم . ~~| # والاختلاف افتعال أريد به شدة التخالف ولا يعرف لمادة هذا المعنى فعل ~~مجرد . وهي مشتقة من الاسم الجامد وهو الخلف لمعنى الوراء فتعين أن زيادة ~~التاء للمبالغة مثل ( اكتسب ) مبالغة في ( كسب ) ، فيحمل على خلاف تشديد ~~وهو مضادة ما جاء به الدين وما دعا إليه الرسول صلى الله عليه وسلم وهو ms3985 ~~المناسب للسياق فإن الكلام ثناء مردف بغاية تؤذن أن ما بعد الغاية نهاية ~~للثناء وإثبات للوم إذ قد نفى عنهم الاختلاف إلى غاية تؤذن بحصول الاختلاف ~~منهم عند تلك الغاية فالذين لم يختلفوا هم الذين بوأهم الله مبوأ صدق . وقد ~~جاءوا بعدهم إلى أن جاء الذين اختلفوا على الأنبياء . وهؤلاء ما صدق ضمير ~~الرفع في قوله : { جاءهم العلم } ( آل عمران : 19 ) . | PageV11P282 # وما جاءهم من العلم يجوز أن يكون ما جاءهم به الأنبياء من شرع الله فلم ~~يعملوا بما جاؤوهم به ، وأعظم ذلك تكذيبهم بمحمد عليه الصلاة والسلام . | # فعن ابن عباس : هم اليهود الذين كانوا في زمن النبي محمد صلى الله عليه ~~وسلم كانوا قبل مبعثه مقرين بنبيء يأتي ، فلما جاءهم العلم ، وهو القرآن ~~اختلفوا في تصديق محمد عليه الصلاة والسلام ، قال ابن عباس : هم قريظة ~~والنضير وبنو قينقاع . | # ويجوز أن يكون العلم هو القرآن ، وعلى هذا الوجه يكون معنى الآية كمعنى ~~قوله : { إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من ~~بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم } ( آل عمران : 19 ) ، وقوله : { وما تفرق ~~الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة } ( البينة : 4 ) فإن ~~البينة هي محمد صلى الله عليه وسلم لأن قبل هذا قوله : { لم يكن الذين ~~كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة رسول من الله ~~يتلوا صحفا مطهرة } ( البينة : 1 ، 2 ) الآية . وقال تعالى : { فلما جاءهم ~~ما عرفوا كفروا به } ( البقرة : 89 ) . | # وهذا المحمل هو المناسب لحرف ( حتى ) في قوله تعالى : { فما اختلفوا حتى ~~جاءهم العلم } . | # وتعقيب { فما اختلفوا } بالغاية يؤذن بأن ما بعد الغاية منتهى حالة الشكر ~~، أي فبقوا في ذلك المبوأ ، وفي تلك النعمة ، حتى اختلفوا فسلبت نعمتهم فإن ~~الله سلبهم أوطانهم . | # وجملة : { إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة } تذييل وتوعد ، والمقصود منه : ~~أن أولئك قوم مضوا بما عملوا وأن أمرهم إلى ربهم كقوله : { تلك أمة قد خلت ~~لها ما كسبت ولكم ما كسبتم } ( البقرة : 134 ) ، وفيه إيماء إلى ms3986 أن على ~~الحاضرين اليوم أن يفكروا في وسائل الخلاص من الضلال والوقوع في المؤاخذة ~~يوم القيامة . | # و ( بين ) ظرف مكان للقضاء المأخوذ من فعل ( يقضي ) ففعل القضاء كأنه ~~متخلل بينهم لأنه متعلق بتبيين المحق والمبطل . | PageV11P283 # وضمير { بينهم } عائد إلى ما يفهم من قوله : { فما اختلفوا } من وجود ~~مخالف ( بكسر اللام ) ومخالف ( بفتحها ) . | # | 2 ( 94 ، 95 ) { فإن كنت في شك ممآ أنزلنآ إليك فاسأل الذين يقرءون ~~الكتاب من قبلك لقد جآءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين * ولا تكونن من ~~الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين } ) 2 # تفريع على سياق القصص التي جعلها الله مثلا لأهل مكة وعظة بما حل ~~بأمثالهم . انتقل بهذا التفريع من أسلوب إلى أسلوب كلاهما تعريض بالمكذبين ~~، فالأسلوب السابق تعريض بالتحذير من أن يحل ما حل بالأمم المماثلة لهم ، ~~وهذا الأسلوب الموالي تعريض لهم بشهادة أهل الكتاب على تلك الحوادث ، وما ~~في الكتب السابقة من الأنباء برسالة محمد صلى الله عليه وسلم فالمراد من { ~~ما أنزلنا إليك } هو المنزل الذي تفرع عليه هذا الكلام وهو ما أنزل في هذه ~~السورة من القصص . | # ثم أن الآية تحتمل معنيين لا يستقيم ما سواهما ؛ أولهما : أن تبقى ~~الظرفية التي دلت عليها ( في ) على حقيقتها ، ويكون الشك قد أطلق وأريد به ~~أصحابه ، أي فإن كنت في قوم أهل شك مما أنزلنا إليك ، أي يشكون في وقوع هذه ~~القصص ، كما يقال : دخل في الفتنة ، أي في أهلها . ويكون معنى { فاسأل ~~الذين يقرأون الكتاب من قبلك } فاسأل أهل الكتاب سؤال تقرير وإشهاد عن صفة ~~تلك الأخبار يخبروا بمثل ما أخبرتهم به ، فيزول الشك من نفوس أهل الشك إذ ~~لا يحتمل تواطؤك مع أهل الكتاب على صفة واحدة لتلك الأخبار . فالمقصود من ~~الآية إقامة الحجة على المشركين بشهادة أهل الكتاب من اليهود والنصارى قطعا ~~لمعذرتهم . | PageV11P284 # وثانيهما : أن تكون ( في ) للظرفية المجازية كالتي في قوله تعالى : { فلا ~~تك في مرية مما يعبد هؤلاء } ( هود : 109 ) ويكون سوق هذه المحاورة إلى ~~النبي صلى الله ms3987 عليه وسلم على طريقة التعريض لقصد أن يسمع ذلك المشركون ~~فيكون استقرار حاصل المحاورة في نفوسهم أمكن مما لو ألقي إليهم مواجهة . ~~وهذه طريقة في الإلقاء التعريضي يسلكها الحكماء وأصحاب الأخلاق متى كان ~~توجيه الكلام إلى الذي يقصد به مظنة نفور كما في قوله تعالى : { لئن أشركت ~~ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين } ( الزمر : 65 ) أو كان في ذلك الإلقاء ~~رفق بالذي يقصد سوق الكلام إليه كما في قصة الخصم من اللذين اختصما إلى ~~داود المذكورة في سورة ص . | # وكلا الاحتمالين يلاقي قوله : { فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك } ~~فإنه يقتضي أن المسؤول عنه مما لا يكتمه أهل الكتاب ، وأنهم يشهدون به ، ~~وإنما يستقيم ذلك في القصص الموافقة لما في كتبهم فإنهم لا يتحرجون من ~~إعلانها والشهادة بها . وغير هذين الاحتمالين يعكر عليه بعض ما في الآية ، ~~ويقتضي أن المخاطب النبي صلى الله عليه وسلم لمكان قوله : { من قبلك } . | # وليس المراد بضمائر الخطاب كل من يصح أن يخاطب ، لأن قوله : { مما أنزلنا ~~إليك } يناكد ذلك إلا بتعسف . | # وإنما تكون جملة : { فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك } جوابا للشرط ~~باعتبار ما تفيده مادة السؤال من كونهم يجيبون بما يزيل الشك ، فبذلك يلتئم ~~التلازم بين الشرط والجواب ، كما دلت عليه جملة : { لقد جاءك الحق من ربك } ~~. | # وقرأ الجمهور { فاسأل } بهمزة وصل وسكون السين وهمزة بعد السين . وقرأه ~~ابن كثير والكسائي { فسل } بفتح السين دون همزة الوصل وبحذف الهمزة التي ~~بعد السين مخفف سأل . | # فجملة : { لقد جاءك الحق من ربك } مستأنفة استئنافا بيانيا لجواب سؤال ~~ناشىء عن الشرط وجوابه ، كأن السامع يقول : فإذا سألتهم ماذا يكون ، فقيل : ~~لقد جاءك الحق من ربك . | PageV11P285 # ولما كان المقصود من ذلك علم السامعين بطريق التعريض لا علم الرسول عليه ~~الصلاة والسلام لأنه ليس بمحل الحاجة لإعلامه بأنه على الحق قرنت الجملة ~~بحرفي التأكيد ، وهما : لام القسم وقد ، لدفع إنكار المعرض بهم . | # وبذلك كان تفريع { فلا تكونن من الممترين } تعريضا أيضا بالمشركين بأنهم ~~بحيث يحذر الكون منهم . | # والامتراء : الشك ms3988 فيما لا شبهة للشك فيه . فهو أخص من الشك . | # وكذلك عطف { ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله } وهو أصرح في التعريض ~~بهم { فتكون من الخاسرين } . وهذا يقتضي أنهم خاسرون . ونظيره { لئن أشركت ~~ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين } ( الزمر : 65 ) ، وحاصل المعنى : فإن ~~كنتم شاكين في صدق ما أنزلنا على محمد مما أصاب المكذبين قبلكم فاسألوا أهل ~~الكتاب يخبروكم بأن ذلك صدق ، لقد جاءكم الحق من رب محمد صلى الله عليه ~~وسلم فلا تكونوا شاكين ولا تكذبوا بآيات الله فتكونوا خاسرين . | # | 2 ( 96 ، 97 ) { إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون * ولو جآءتهم ~~كل ءاية حتى يروا العذاب الاليم } ) 2 # تبين تناسب هذه الآية مع التي قبلها بما فسرنا به الآية السابقة فإنه لما ~~سبق التعريض إلى المشركين الشاكين في صدق النبي صلى الله عليه وسلم ~~والاستشهاد عليهم في صدقه بشهادة أهل الكتاب أعقب ذلك بأنهم من زمرة الفرق ~~الذين حقت عليهم كلمة الله أن لا يؤمنوا ، فهم لا تجدي فيهم الحجة لأنهم ~~أهل مكابرة ، وليسوا طالبين للحق لأن الفطرة التي فطرت عليها عقولهم غير ~~قابلة لحقائق الإيمان ، فالذين لم يؤمنوا بما يجيء من الآيات هم ممن علم ~~الله أنهم لا يؤمنون ، تلك أماراتهم . وهذا مسوق مساق التأييس من إيمانهم . ~~| PageV11P286 # ومعنى ( حقت ) ثبتت . و ( على ) للاستعلاء المجازي ، وهو تمكن الفعل الذي ~~تعلقت به . والمراد بكلمات الله : أمر التكوين ، وجمعت الكلمات بالنظر إلى ~~أن متعلقها ناس كثيرون ، فكل واحد منهم تحق عليه كلمة . | # وقرأ غير نافع ، وابن عامر { كلمة ربك } على مراعاة الجنس إذ تحق على كل ~~أمة كلمة ، وهذا الكلام عظة للمشركين . قال غيرهم : وتحذير من أن يكونوا ~~مظهرا لمن حقت عليهم كلمة الشقوة وإنذار بوشك حلول العذاب بهم . | # فالموصول على هذا التفسير مراد به معهود ، والجملة كلها مستأنفة ، و ( إن ~~) للتوكيد المقصود به التحقيق ، أي لا شك أن هؤلاء من أولئك فقد اتضح أمرهم ~~واليأس من إيمانهم . | # ويحتمل أن تجعل الجملة في موضع التعليل للقصص السابقة فتكون بمنزلة ms3989 ~~التذييل ، والموصول للعموم الجامع جميع الأمم التي هي بمثابة الأمم المتحدث ~~عنهم وتكون ( إن ) لمجرد الاهتمام بالخبر ، فتفيد التعليل والربط ، وتغني ~~عن فاء التفريع كالتي في قول بشار : | # إن ذاك النجاح في التبكير | # كما تقدم غير مرة ويكون في الآية تعريض آخر بالمشركين . | # و ( لو ) وصلية للمبالغة ، أي لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية فكيف إذا لم ~~تجئهم إلا بعض الآيات . | # و ( كل ) مستعملة في معنى الكثرة ، وهو استعمال كثير في القرآن . كما ~~سيأتي عند قوله تعالى : { وعلى كل ضامر في سورة الحج ( 31 ) وقوله : وعلم ~~آدم الأسماء كلها في سورة البقرة ( 27 ) ، أي ولو جاءتهم آيات كثيرة تشبه ~~في الكثرة استغراق جميع الآيات الممكن وقوعها . وقد تقدم نظير ذلك آنفا . | ~~PageV11P287 # ورؤية العذاب ، كناية عن حلوله بهم . | # والمعنى : أنهم لا يؤمنون إلا حين لا ينفعهم الإيمان ، لأن نزول العذاب ~~هو ابتداء مجازاتهم على كفرهم ، وليس بعد الشروع في المجازاة عفو . | # ومن بركة هذا الدين أن الذين كفروا به قد هداهم الله قبل أن ينزل بهم ~~عذابا . | # | 2 ( 98 ) فلولا كانت قرية ءامنت فنفعهآ إيمانها إلا قوم يونس لمآ ~~ءامنوا كشفنا عنهم عذاب الخزى فى الحيواة الدنيا ومتعناهم إلى حين } ) 2 # الفاء لتفريع التغليط على امتناع أهل القرى من الإيمان بالرسل قبل أن ~~ينزل بهم العذاب على الإخبار بأن الذين حقت عليهم كلمة الله أن لا يؤمنوا ~~لا يؤمنون حتى يروا العذاب فإن أهل القرى من جملة الذين حقت عليهم الكلمة ~~بأن لا يؤمنوا . والغرض من ذكر أهل القرى التعريض بالمقصود ، وهم أهل مكة ~~فإنهم أهل قرية فكان ذلك كالتخلص بالتعريض إلى المخصوصين به ، وللإفضاء به ~~إلى ذكر قوم يونس فإنهم أهل قرية . | # و ( لولا ) حرف يرد لمعان منها التوبيخ ، وهو هنا مستعمل في لازم التوبيخ ~~كناية عن التغليط ، لأن أهل القرى قد انقضوا ، وذلك أن أصل معنى ( لولا ) ~~التحضيض ، وهو طلب الفعل بحث ، فإذا دخلت على فعل قد فات وقوعه كانت ~~مستعملة في التغليط والتنديم والتوبيخ على تفويته ، ويكون ما ms3990 بعدها في هذا ~~الاستعمال فعل مضي مثل قوله تعالى : { ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا ~~أن نتكلم بهذا } ( النور : 16 ) . وإذا توجه الكلام الذي فيه ( لولا ) إلى ~~غير صاحب الفعل الذي دخلت عليه كانت مستعملة في التعجيب من حال المتحدث عنه ~~، كقوله : { لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء } ( النور : 13 ) PageV11P288 ~~وقوله : { فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا } ( الأنعام : 43 ) وهذه الآية أصرح ~~في ذلك لوجود ( كان ) الدالة على المضي والانقضاء . والمقصود : التعريض بأن ~~مشركي أهل مكة يوشك أن يكونوا على سنن أهل القرى . قال تعالى : { ما آمنت ~~قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون } ( الأنبياء : 6 ) ، ونظير هذه الآية ~~استعمالا ومعنى قوله تعالى : { فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ~~ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم } ( هود : 116 ) ، ~~وذلك تعريض بتحريض أهل مكة على الإيمان قبل نزول العذاب . | # والمستخلص من الروايات الواردة في قوم يونس أنهم بادروا إلى الإيمان بعد ~~أن فارقهم يونس ، توقعا لنزول العذاب ، وقبل أن ينزل بهم العذاب ، وذلك ~~دليل على أن معاملة الله إياهم ليست مخالفة لما عامل به غيرهم من أهل القرى ~~، وأن ليست لقوم يونس خصوصية ، وبذلك لا يكون استثنائهم استثناءا منقطعا . ~~| # وإذ كان الكلام تغليطا لأهل القرى المعرضين عن دعوة الرسل ، وتعريضا ~~بالتحذير مما وقعوا فيه . كان الكلام إثباتا صريحا ووقوع قرية وهو نكرة في ~~مساق الإثبات أفاد العموم بقرينة السياق مثل قول الحريري : ( يا أهل ذا ~~المغنى وقيتم ضرا ) أي كل ضر لا ضرا معينا ، وبقرينة الاستثناء فإنه معيار ~~العموم ، وهذا الاستثناء من كلام موجب فلذلك انتصب قوله : { إلا قوم يونس } ~~فهذا وجه تفسير الآية . وجرى عليه كلام العكبري في ( إعراب القرآن ) ، ~~والكواشي في ( التخليص ) وجمهور المفسرين جعلوا جملة : { فلولا كانت قرية ~~آمنت } في قوة المنفية ، وجعلوا الاستثناء منقطعا منصوبا ولا داعي إلى ذلك ~~. | # وجملة : { لما آمنوا } مستأنفة لتفصيل مجمل معنى الاستثناء . وفي الآية ~~إيماء إلى أن أهل مكة يعاملهم الله معاملة قوم يونس إذ آمنوا عند رؤية ~~العذاب ms3991 . وذلك حالهم عندما تسامعوا بقدوم جيش غزوة الفتح الذي لا قبل لهم ~~به عدة وعدة ، فيكاد يحل بهم عذاب استئصال لولا أنهم عجلوا بالإيمان يوم ~~الفتح . فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم ( أنتم الطلقاء ) . | ~~PageV11P289 # وقوم يونس هم أهل قرية نينوى من بلاد العراق . وهم خليط من الأشوريين ~~واليهود الذين كانوا في أسر ملوك بابل بعد بختنصر . وكانت بعثة يونس إليهم ~~في أول القرى الثامن قبل المسيح . وقد تقدم ذكر يونس وترجمته في سورة ~~الأنعام . | # ولما كذبه أهل نينوى توعدهم بخسف مدينتهم بعد أربعين يوما ، وخرج من ~~المدينة غاضبا عليهم ، فلما خرج خافوا نزول العذاب بهم فتابوا وآمنوا بالله ~~فقبل الله إيمانهم ولم يعذبهم . والمذكور أنهم رأوا غيما أسود بعد مضي خمسة ~~وثلاثين يوما من حين توعدهم يونس عليه السلام بحلول العذاب فعلموا أنه ~~مقدمة العذاب فآمنوا وخضعوا لله تعالى فأمسك عنهم العذاب . وسيجيء ذكر ما ~~حل بيونس عليه السلام في خروجه ذلك من ابتلاع الحوت إياه في سورة الأنبياء ~~. | # والكشف : إزالة ما هو ساتر لشيء ، وهو هنا مجاز في الرفع . والمراد : ~~تقدير الرفع وإبطال العذاب قبل وقوعه فعبر عنه بالكشف تنزيلا لمقاربة ~~الوقوع منزلة الوقوع . | # والخزي : الإهانة والذل . وإضافة العذاب إلى الخزي يجوز كونها بيانية لأن ~~العذاب كله خزي ، إذ هو حالة من الهلاك غير معتادة فإذا قدرها الله لقوم ~~فقد أراد إذلالهم ، ويجوز أن تكون الإضافة حقيقية للتخصيص ، ويكون المراد ~~من الخزي الحالة المتصورة من حلوله . وهي شناعة الحالة لمن يشاهدهم مثل ~~الخسف والحرق والغرق ، وأشنع الخزي ما كان بأيدي أناس مثلهم ، وهو عذاب ~~السيف الذي حل بصناديد قريش يوم بدر ، والذي كاد أن يحل بجميع قريش يوم فتح ~~مكة فنجاهم الله منه كما نجى قوم يونس . | PageV11P290 # و { في الحياة الدنيا } صفة ل { عذاب الخزي } للإشارة إلى أن العذاب الذي ~~يحل بالأمم الكافرة هو عقاب في الدنيا وبعده عقاب في الآخرة ، وأن الأمم ~~التي لم تعذب في الدنيا قد أدخر لها عذاب الآخرة . | # والتمتيع : الإمهال . | # وإبهام { حين } لأنه ms3992 مختلف باختلاف آجال أحادهم ، والمراد به التمتيع ~~بالحياة لا بكشف العذاب ، لأنهم بعد موتهم ناجون من العذاب إذ كانوا قد ~~آمنوا وأخلصوا . | # ولعل الحكمة في نجاة قوم يونس تتمثل في أمرين : | # أحدهما : أن الله علم أن تكذيبهم يونس عليه السلام في ابتداء دعوته لم ~~يكن ناشئا عن تصميم على الكفر واستخفاف بعظمة الله ، ولكنه كان شكا في صدق ~~يونس عليه السلام . ولعل ذلك أنهم كانوا على بقية من شريعة موسى عليه ~~السلام وإنما حرفوا وحادوا عن طريق الإيمان مما يعلمه الله ، فإن في نينوى ~~كثيرا من أسرى بني إسرائيل الذين كانوا في أسر الأشوريين كما علمت آنفا ، ~~فلما أوعدهم يونس عليه السلام بالعذاب بعد أربعين يوما ورأوا أماراته بعد ~~خمسة وثلاثين يوما اهتدوا وآمنوا إيمانا خالصا . | # وثانيهما : أن يونس عليه السلام لما صدرت منه فلتة المغاضبة كان قد خلط ~~في دعوته شيئا من حظ النفس وإن كان لفائدة الدين ، فقدر الله إيمان قومه ~~لعلمه كمال الإيمان والصبر والتسليم لله ، وهذا عتاب وتأديب بينه وبين ربه ~~، ولذلك حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمة من توهم أن ما جرى ليونس ~~عليه السلام من المغاضبة والمعاقبة ينقص من قدره فقال صلى الله عليه وسلم ( ~~لا ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى ) يعني في صحة الرسالة لا في ~~التفاضل فيها . | # وقد كان حال أهل مكة كحال قوم يونس إذ بادروا إلى الإيمان بمجرد دخول جيش ~~الفتح مكة وقبل أن يقعوا في قبضة الأسر ، ولذلك لم ينج منهم PageV11P291 ~~عبد الله بن خطل ، لأنه لم يأت مؤمنا قبل أن يتمكن منه المسلمون ولم ينفعه ~~التعلق بأستار الكعبة لأن ذلك التعلق ليس بإيمان وإنما هو من شعار العوذ في ~~الجاهلية بما أبطله الإسلام إذ قال النبي صلى الله عليه وسلم ( إن الحرم لا ~~يعيذ عاصيا ) . وقد بينا في آخر سورة غافر ( 84 ) عند قوله تعالى : { فلما ~~رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده إلى آخر السورة فانظره . | # | 2 ( 99 ) ولو شآء ربك ms3993 لآمن من فى الارض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس ~~حتى يكونوا مؤمنين } ) 2 # عطف على جملة { إن الذين حقت عليهم كلمات ربك لا يؤمنون } ( يونس : 97 ) ~~لتسلية النبي صلى الله عليه وسلم على ما لقيه من قومه . وهذا تذييل لما ~~تقدم من مشابهة حال قريش مع النبي صلى الله عليه وسلم بحال قوم نوح وقوم ~~موسى وقوم يونس . وهذه الجملة كالمقدمة الكلية للجملة التي بعدها ، وهي ~~جملة : { أفأنت تكره } المفرعة على الجملة الأولى ، وهي المقصود من التسلية ~~. | # والناس : العرب ، أو أهل مكة منهم ، وذلك إيماء إلى أنهم المقصود من سوق ~~القصص الماضية كما بيناه عند قوله تعالى : { واتل عليهم نبأ نوح } ( يونس : ~~71 ) . | # والتأكيد ب { كلهم } للتنصيص على العموم المستفاد من ( من ) الموصولة ~~فإنها للعموم ، والتأكيد ب { جميعا } لزيادة رفع احتمال العموم العرفي دون ~~الحقيقي . | # والمعنى : لو شاء الله لجعل مدارك الناس متساوية منساقة إلى الخير ، ~~فكانوا سواء في قبول الهدى والنظر الصحيح . | PageV11P292 # و ( لو ) تقتضي انتفاء جوابها لانتفاء شرطها . فالمعنى : لكنه لم يشأ ذلك ~~، فاقتضت حكمته أن خلق عقول الناس متأثرة ومنفعلة بمؤثرات التفاوت في إدراك ~~الحقائق فلم يتواطؤا على الإيمان ، وما كان لنفس أن تؤمن إلا إذا استكملت ~~خلقة عقلها ما يهيئها للنظر الصحيح وحسن الوعي لدعوة الخير ومغالبة الهدى ~~في الاعتراف بالحق . | # وجملة : { أفأنت تكره الناس } الخ مفرعة على التي قبلها ، لأنه لما تقرر ~~أن الله لم تتعلق مشيئته باتفاق الناس على الإيمان بالله تفرع على ذلك ~~إنكار ما هو كالمحاولة لتحصيل إيمانهم جميعا . | # والاستفهام في { أفأنت تكره الناس } إنكاري ، فنزل النبي صلى الله عليه ~~وسلم لحرصه على إيمان أهل مكة وحثيث سعيه لذلك بكل وسيلة صالحة منزلة من ~~يحاول إكراههم على الإيمان حتى ترتب على ذلك التنزيل إنكاره عليه . | # ولأجل كون هذا الحرص الشديد هو محل التنزيل ومصب الإنكار وقع تقديم ~~المسند إليه على المسند الفعلي ، فقيل : { أفأنت تكره الناس } دون أن يقال ~~: أفتكره الناس ، أو أفأنت مكره الناس ، لأن تقديم المسند إليه على مثل هذا ms3994 ~~المسند يفيد تقوي الحكم فيفيد تقوية صدور الإكراه من النبي صلى الله عليه ~~وسلم لتكون تلك التقوية محل الإنكار . وهذا تعريض بالثناء على النبي ومعذرة ~~له على عدم استجابتهم إياه ، ومن بلغ المجهود حق له العذر . | # وليس تقديم المسند إليه هنا مفيدا للتخصيص ، أي القصر ، لأن المقام غير ~~صالح لاعتبار القصر ، إذ مجرد تنزيل النبي صلى الله عليه وسلم منزلة من ~~يستطيع إكراه الناس على الإيمان كاف في الإشارة إلى تشبيه حرصه على إيمانهم ~~بحرص من يستطيع إكراههم عليه . فما وقع في ( الكشاف ) من الإشارة إلى معنى ~~الاختصاص غير وجيه ، لأن قرينة التقوي واضحة كما أشار إليه السكاكي . | # والإكراه : الإلجاء والقسر . | # | PageV11P293 # | 2 ( 100 ) { وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين ~~لا يعقلون } ) 2 # عطف على جملة : { أفأنت تكره الناس } ( يونس : 99 ) لتقرير مضمونها لأن ~~مضمونها إنكار أن يقدر النبي صلى الله عليه وسلم على إلجاء الناس إلى ~~الإيمان لأن الله هو الذي يقدر على ذلك . | # ويجوز أن تكون الواو للحال من ضمير المخاطب ، أي كيف يمكنك أن تكره الناس ~~على الإيمان والحال أنه لا تستطيع نفس أن تؤمن إلا بإذن الله لها بالإيمان ~~. | # والإذن : هنا إذن تكوين وتقدير . فهو خلق النفس مستعدة لقبول الحق مميزة ~~بين الحق والباطل ، والصلاح والفساد ، متوصلة بالنظر الصحيح إلى معرفة ما ~~ينبغي أن يتبع وما لا ينبغي ، متمكنة بصحة الإرادة من زجر داعية الهوى ~~والأعراض العاجلة ومن اتباع داعية الحق والعاقبة الدائمة حتى إذا وجه إليها ~~الإرشاد حصل فيها الهدى . | # ويومىء إلى هذا المعنى من الإذن قوله في مقابله { ويجعل الرجس على الذين ~~لا يعقلون } فقابل هذه الحالة بحالة الذين لا يعقلون فعلم أن حالة الإيمان ~~حالة من يعقلون ، فبينت آية { ولو شك ربك لآمن من في الأرض } ( يونس : 99 ) ~~أن إيمان من لم يؤمن هو لعدم مشيئة الله إيمانه . وبينت هذه الآية أن إيمان ~~من آمن هو بمشيئة الله إيمانه ، وكلاهما راجع إلى تقدير التكوين في النفوس ~~والعقول . | # والرجس ms3995 : حقيقته الخبث والفساد . وأطلق هنا على الكفر ، لأنه خبث نفساني ~~، والقرينة مقابلته بالإيمان كالمقابلة التي في قوله : { فأما الذين آمنوا ~~فزادتهم إيمانا إلى قوله : فزادتهم رجسا إلى رجسهم } ( التوبة : 124 ، 125 ~~) . والمعنى : ويوقع PageV11P294 الكفر على الذين لا يعقلون . والمراد نفي ~~العقل المستقيم ، أي الذين لا تهتدي عقولهم إلى إدراك الحق ولا يستعملون ~~عقولهم بالنظر في الأدلة . | # و { على } للاستعلاء المجازي المستعمل في التمكن . | # وقرأ الجمهور { ويجعل الرجس } بياء الغيبة ، والضمير عائد إلى اسم ~~الجلالة الذي قبله . وقرأه أبو بكر عن عاصم { ونجعل } بنون العظمة . | # | 2 ( 101 ) { قل انظروا ماذا فى السماوات والارض وما تغنى الآيات والنذر ~~عن قوم لا يؤمنون } ) 2 # استئناف ناشىء عن قوله : { ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا ~~أفأنت تكره الناس } ( يونس : 99 ) الخ . قسم الناس إلى قسمين : مؤمنين ~~وكافرين ، أي فادعهم إلى النظر في دلائل الوحدانية والإرشاد إلى تحصيل ~~أسباب الإيمان ودفع غشاوات الكفر ، وذلك بالإرشاد إلى النظر والاستدلال بما ~~هو حول الإنسان من أحوال الموجودات وتصاريفها الدالة على الوحدانية ، مثل ~~أجرام الكواكب ، وتقادير مسيرها ، وأحوال النور والظلمة والرياح والسحاب ~~والمطر ، وكذلك البحار والجبال . | # وافتتحت الجملة ب { قل } للاهتمام بمضمونها . وقد عمم ما في السماوات ~~والأرض لتتوجه كل نفس إلى ما هو أقرب إليها وأيسر استدلالا عليه لديها . | # والنظر : هنا مستعمل فيما يصلح للنظر القلبي والنظر البصري ، ولذلك عدل ~~عن إعماله عمل أحد الفعلين لكيلا يتمحض له ، فجيء بعده بالاستفهام المعلق ~~لكلا الفعلين بحيث أصبح حمل النظر على كليهما على حد السواء فصار صالحا ~~للمعنيين الحقيقي والمجازي ، وذلك من مقاصد القرآن . | PageV11P295 # و { ماذا } بمعنى ما الذي ، و ( ما ) استفهام ، و ( ذا ) أصله اسم إشارة ~~، وهو إذا وقع بعد ( ما ) قام مقام اسم موصول . و { في السماوات والأرض } ~~قائم مقام صلة الموصول . وأصل وضع التركيب : ما هذا في السماوات والأرض ، ~~أي ما المشار إليه حال كونه في السماوات والأرض ، فكثر استعماله حتى صار في ~~معنى : ما الذي . والمقصود : انظروا ما يدلكم على جواب هذا ms3996 الاستفهام ، فكل ~~شيء له حالة فهو مراد بالنظر العقلي بتركيبه في صورة مفعولين ، نحو : ~~انظروا الشمس طالعة ، وانظروا السحاب ممطرا ، وهكذا ، وكل شيء هو في ذاته ~~آية فهو مراد بالنظر البصري نحو : انظروا إنبات الأرض بعد جدبها فهو آية ~~على وقوع البعث . ف ( ذا ) لما قام مقام اسم الموصول صار من صيغ العموم ~~تشمل جميع الأجرام وأعراضها الدالة على وحدانية الله وحكمته ، وأخص ذلك ~~التأمل في خلق النبي صلى الله عليه وسلم ونشأة دعوته ، والنظر فيما جاء به ~~. فكل ذلك دلائل على كماله وصدقه . | # وقد طوي في الكلام جواب الأمر لوقوع الأمر عقب أسباب الإيمان ، فالتقدير ~~: انظروا تروا آيات موصلة إلى الإيمان . | # وجملة : { وما تغني الآيات } معترضة ذيلت بها جملة : { انظروا ماذا في ~~السماوات والأرض } فيجوز أن تكون متممة لمقول القول مما أمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن يقوله لهم ويجوز أن تكون استئناف كلام من الله تعالى . ~~والمعنى أبلغهم ما أمرت بتبليغه إليهم وليست تغني الآيات عن قوم لا يؤمنون ~~، أي الذين جعل الله نفوسهم لا تؤمن ، ولما كان قوله : { انظروا ماذا في ~~السماوات والأرض } مفيدا أن ذلك آيات كما تقدم حسن وقع التعبير عنها ~~بالآيات هنا ، فمعنى { وما تغني الآيات } : وما يغني ما في السماوات والأرض ~~عن قوم لا يؤمنون ، فكان التعبير بالآيات كالإظهار في مقام الإضمار . وزيدت ~~( النذر ) فعطفت على الآيات لزيادة التعميم في هذه الجملة حتى تكون أوسع ~~دلالة من التي قبلها لتكون كالتذييل لها ، وذلك أن PageV11P296 القرآن جاء ~~للناس بالاستدلال وبالتخويف ثم سجل على هذا الفريق بأنه لا تنجع فيه الآيات ~~والأدلة ولا النذر والمخوفات . | # ولفظ { قوم لا يؤمنون } يفيد أن انتفاء الإيمان عنهم وصف عرفوا به وأنه ~~مستقر من نفوسهم ، لأن اجتلاب لفظ { قوم } هنا مع صحة حلول غيره محله يشير ~~إلى أن الوصف المذكور بعده من مقومات قوميتهم لأنه صار من خصائصهم ، بخلاف ~~ما لو قيل : عمن لا يؤمنون . ألا ترى إلى قول العنبري : | # قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم | # طاروا إليه ms3997 زرافات ووحدانا | # أي قوم هذه سجيتهم . وقد تقدم عند قوله تعالى : { إن في خلق السماوات ~~والأرض واختلاف الليل والنهار إلى قوله : لآياتت لقوم يعقلون في سورة ~~البقرة ( 164 ) . وتقدم في هذه السورة غير مرة آنفا . وهو هنا أبدع لأنه ~~عدل به عن الإضمار . وهذا من بدائع الإعجاز هنا . | # | 2 ( 102 ، 103 ) فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم قل ~~فانتظرو ا إنى معكم من المنتظرين * ثم ننجى رسلنا والذين ءامنوا كذلك حقا ~~علينا ننج المؤمنين } . ) 2 # | $ # تفريع على جملة { ما تغني الآيات والنذر } ( يونس : 101 ) باعتبار ما ~~اشتملت عليه من ذكر النذر . فهي خطاب من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه ~~وسلم أي يتفرع على انتفاء انتفاعهم بالآيات والنذر وعلى إصرارهم أن يسأل ~~عنهم : ماذا ينتظرون ، ويجاب بأنهم ما ينتظرون إلا مثل ما حل بمن قبلهم ممن ~~سيقت قصصهم في الآيات الماضية ، ووقع الاستفهام ب { هل } لإفادتها تحقيق ~~السؤال وهو باعتبار تحقيق المسؤول عنه وأنه جدير بالجواب بالتحقيق . | ~~PageV11P297 # والاستفهام مجاز تهكمي إنكاري ، نزلوا منزلة من ينتظرون شيئا يأتيهم ~~ليؤمنوا ، وليس ثمة شيء يصلح لأن ينتظروه إلا أن ينتظروا حلول مثل أيام ~~الذين خلوا من قبلهم التي هلكوا فيها . وضمن الاستفهام معنى النفي بقرينة ~~الاستثناء المفرغ . والتقدير : فهل ينتظرون شيئا ما ينتظرون إلا مثل أيام ~~الذين خلوا من قبلهم . وأطلقت الأيام على ما يقع فيها من الأحداث العظيمة . ~~ومن هذا إطلاق ( أيام العرب ) على الوقائع الواقعة فيها . | # وجملة : { قل فانتظروا } مفرعة على جملة : { فهل ينتظرون } . وفصل بين ~~المفرع والمفرع عليه ب { قل } لزيادة الاهتمام . ولينتقل من مخاطبة الله ~~ورسوله صلى الله عليه وسلم إلى مخاطبة الرسول صلى الله عليه وسلم قومه ~~وبذلك يصير التفريع بين كلامين مختلفي القائل شبيها بعطف التلقين الذي في ~~قوله تعالى : { قال ومن ذريتي } ( البقرة : 124 ) . على أن الاختلاف بين ~~كلام الله وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم في مقام الوحي والتبليغ اختلاف ~~ضعيف لأنهما آئلان إلى كلام واحد . وهذا موقع غريب لفاء التفريع . | # وبهذا ms3998 النسج حصل إيجاز بديع لأنه بالتفريع اعتبر ناشئا عن كلام الله ~~تعالى فكأن الله بلغه النبي صلى الله عليه وسلم ثم أمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم بأن يبلغه قومه فليس له فيه إلا التبليغ ، وهو يتضمن وعد الله نبيئه ~~بأنه يرى ما ينتظرهم من العذاب ، فهو وعيد وهو يتضمن النصر عليهم . وسيصرح ~~بذلك في قوله : { ثم ننجي رسلنا } . | # وجملة : { إني معكم من المنتظرين } استئناف بياني ناشىء عن جملة : { ~~انتظروا } لأنها تثير سؤال سائل يقول : ها نحن أولاء ننتظر وأنت ماذا تفعل ~~. وهذا مستعمل كناية عن ترقبه النصر إذ لا يظن به أنه ينتظر سوءا فتعين أنه ~~PageV11P298 ينتظر من ذلك ضد ما يحصل لهم ، فالمعية في أصل الانتظار لا في ~~الحاصل بالانتظار . و ( مع ) حال مؤكدة . و { من المنتظرين } خبر ( إن ) ~~ومفاده مفاد ( مع ) إذ ماصدق المنتظرين هم المخاطبون المنتظرون . | # و { ثم ننجي رسلنا } عطف على جملة : { فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين ~~خلوا } لأن مثل تلك الأيام يوم عذاب . ولما كانوا مهددين بعذاب يحل بموضع ~~فيه الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنون عجل الله البشارة للرسول صلى الله ~~عليه وسلم والمؤمنين بأنه ينجيهم من ذلك العذاب بقدرته كما أنجى الرسل من ~~قبله . | # وجملة : { كذلك حقا علينا ننجي المؤمنين } تذييل . والإشارة ب { كذلك } ~~إلى الإنجاء المستفاد من { ثم ننجي } . | # و { حقا علينا } جملة معترضة لأن المصدر بدل من الفعل ، أي حق ذلك علينا ~~حقا . | # وجعله الله حقا عليه تحقيقا للتفضل به والكرامة حتى صار كالحق عليه . | # وقرأ الجمهور { ننجي المؤمنين } بفتح النون الثانية وتشديد الجيم على ~~وزان { ننجي رسلنا } . وقرأ الكسائي ، وحفص عن عاصم { ننجي المؤمنين } ~~بسكون النون الثانية وتخفيف الجيم من الإنجاء . فالمخالفة بينه وبين نظيره ~~الذي قبله تفنن ، والمعنى واحد . | # وكتب في المصحف { ننج المؤمنين } بدون ياء بعد الجيم على صورة النطق بها ~~لالتقاء الساكنين . | # | PageV11P299 # | 2 ( 104 ) { قل ياأيها الناس إن كنتم فى شك من دينى فلا أعبد الذين ~~تعبدون من دون الله ولاكن أعبد الله الذى يتوفاكم ms3999 وأمرت أن أكون من ~~المؤمنين } ) 2 # هذه الجملة متصلة المعنى بجملة : { قل انظروا ماذا في السماوات والأرض } ~~( يونس : 101 ) ، إذ المقصود من النظر المأمور به هنالك النظر للاستدلال ~~على إثبات الوحدانية ، فإن جحودهم إياها هو الذي أقدمهم على تكذيب الرسول ~~صلى الله عليه وسلم في قوله : إن الله بعثه بإثباتها وأبطل الإشراك ، فلما ~~أمرهم بالنظر المؤدي إلى إثبات انفراده تعالى بالإلهية أعقبه بأن يخبرهم ~~بأنهم إن استمروا على الشك فيما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فإن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ثابت على ما جاء به وأن دلائل صحة دينه بينة ~~للناظرين . والمراد ب ( الناس ) في هذا الخطاب المشركون من أهل مكة ، أو ~~جميع أمة الدعوة الذين لما يستجيبوا للدعوة . | # و ( في ) من قوله : { في شك } للظرفية المجازية المستعملة في التمكن ~~تشبيها لتمكن الصفة بتمكن الظرف من المظروف من جهة الإحاطة . | # وعلق الظرف بذات الدين ، والمراد الشك في حالة من أحواله وهي الحالة ~~الملتبسة بهم أعني حالة حقيته . | # و ( من ) في قوله : { من ديني } للابتداء المجازي ، أي شكك آتت من ديني . ~~وهو ابتداء يؤول إلى معنى السببية ، أي إن كنتم شاكين شكا سببه ديني ، أي ~~يتعلق بحقيته ، لأن الشك يحمل في كل مقام على ما يناسبه ، كقوله : { فإن ~~كنت في شك مما أنزلنا إليك } ( يونس : 94 ) . وقد تقدم آنفا . وقوله : { ~~وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا } ( البقرة : 23 ) . | PageV11P300 # والشك في الدين هو الشك في كونه حقا ، وكونه من عند الله . وإنما يكون ~~هذا الشك عند عدم تصور حقيقة هذا الدين بالكنه وعدم الاستدلال عليه ، فالشك ~~في صدقه يستلزم الشك في ماهيته لأنهم لو أدركوا كنهه لما شكوا في حقيته . | # وجملة : { فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله } واقعة موقع جواب الشرط ~~ودالة عليه في المعنى . فالتقدير الجواب : فأنا على يقين من فساد دينكم ، ~~فلا أتبعه ، فلا أعبد الذين تعبدونهم ولكن أعبد الله . | # ولما كان مضمون هذه الجملة هو أصل دين الإسلام . فيجوز أن يكون في الآية ms4000 ~~معنى ثان ، أي إن كنتم في شك من معرفة هذا الدين فخلاصته أني لا أعبد الذين ~~تعبدون من دون الله ولكني أعبد الله وحده ، فيكون في معنى قوله تعالى : { ~~قل يأيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون } ( الكافرون : 1 ، 2 ) ثم قوله : { ~~لكم دينكم ولي دين } ( الكافرون : 6 ) فيتأتى في هذه الآية غرضان . فيكون ~~المراد بالناس في قوله : { قل يأيها الناس } جميع أمة الدعوة الذين لم ~~يسلموا . | # والذين يعبدونهم الأصنام . وعوملت الأصنام معاملة العقلاء فأطلق عليها ~~اسم الموصول الذي لجماعة العقلاء مجاراة لما يعتقدونه فيها من العقل ~~والتدبير . ونظير هذا في القرآن كثير . | # واختيار صلة التوفي هنا في نعت اسم الجلالة لما فيها من الدلالة على كمال ~~التصرف في المخلوق فإن المشركين لم يبلغ بهم الإشراك إلى ادعاء أن الأصنام ~~تحيي وتميت . واختيار ذلك من بين الصفات الخاصة بالله تعالى تعريض بتذكيرهم ~~بأنهم معرضون للموت فيقصرون من طغيانهم . | # والجمع بين نفي أن يعبد الأصنام ، وبين إثبات أنه يعبد الله ؛ يقوم مقام ~~صيغة القصر لو قال : فلا أعبد إلا الله ، فوجه العدول عن صيغة القصر : أن ~~شأنها أن يطوى فيها الطرف المنفي للاستغناء عنه بالطرف المثبت لأنه ~~PageV11P301 المقصود . وذلك حين يكون الغرض الأصلي هو طرف الإثبات ، فأما ~~إذا كان طرف النفي هو الأهم كما هنا وهو إبطال عبادة الأصنام أولا عدل على ~~صيغة القصر إلى ذكر صيغتي نفي وإثبات . فهو إطناب اقتضاه المقام ، كقول عبد ~~الملك بن عبد الرحيم الحارثي أو السموأل : | # تسيل على حد الظبات نفوسنا | # وليست على غير الظبات تسيل | # و { أمرت } عطف على جملة : { فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله } . | # و { أن أكون } متعلق ب { أمرت } بحذف حرف الجر . وهو الباء التي هي ~~لتعدية فعل ( أمرت ) ، و ( أن ) مصدرية لأن نصب الفعل المضارع بعدها يعين ~~أنها مصدرية ويمنع احتمال أنها تفسيرية . | # وأريد بالمؤمنين عقائب هذا اللقب الذين آمنوا بالله وبرسوله صلى الله ~~عليه وسلم وبالقرآن والبعث فإذا أطلق لفظ المؤمنين انصرف إلى القوم الذين ~~اتصفوا بالإسلام ، ولذلك لا ms4001 يقدر للمؤمنين متعلق . وفي جعل النبي صلى الله ~~عليه وسلم من جملة المؤمنين تشريف لهذا الجمع وتنويه به . | # | 2 ( 105 ) { وأن أقم وجهك للدين حنيفا ولا تكونن من المشركين } ) 2 # موقع هذه الجملة معضل لأن الواو عاطفة على محالة ، ووقعت بعدها ( أن ) . ~~فالأظهر أن تكون ( أن ) مصدرية ، فوقوع فعل الطلب بعدها غير مألوف لأن حق ~~صلة ( أن ) أن تكون جملة خبرية . قال في ( الكشاف ) : قد سوغ سيبويه أن ~~توصف ( أن ) بالأمر والنهي ، لأن الغرض وصل ( أن ) بما تكون معه في معنى ~~المصدر ، وفعلا الأمر والنهي دالان على المصدر لأنه غيرهما من الأفعال اه . ~~يشير إلى ما في ( كتاب سيبويه ) ( باب تكون ( أن ) فيه بمنزلة ( أي ) ) . ~~فالمعنى : وأمرت بإقامة وجهي للدين حنيفا ، ويكون العطف عطف مفرد على مفرد ~~. | PageV11P302 # وقيل الواو عطفت فعلا مقدرا يدل عليه فعل ( أمرت ) . والتقدير : وأوحي ~~إلي ، وتكون ( أن ) مفسرة للفعل المقدر ، لأنه فيه معنى القول دون حروفه . ~~| # وعندي : أن أسلوب نظم الآية على هذا الوجه لم يقع إلا لمقتضى بلاغي ، فلا ~~بد من أن يكون لصيغة { أقم وجهك } خصوصية في هذا المقام ، فلنعرض عما وقع ~~في ( الكشاف ) وعن جعل الآية مثالا لما سوغه سيبويه ولنجعل الواو متوسعا في ~~استعمالها بأن استعملت نائبة مناب الفعل الذي عطفت عليه ، أي فعل { أمرت } ~~( يونس : 104 ) دون قصد تشريكها لمعطوفها مع المعطوف عليه بل استعملت لمجرد ~~تكريره . والتقدير : أمرت أن أقم وجهك فتكون ( أن ) تفسيرا لما في الواو من ~~تقدير لفظ فعل ( أمرت ) لقصد حكاية اللفظ الذي أمره الله به بلفظه ، ~~وليتأتى عطف { ولا تكونن من المشركين } عليه . وهذا من عطف الجمل لا من عطف ~~المفردات ، وقد سبق مثل هذا عند قوله تعالى : { وأن احكم بينهم بما أنزل ~~الله في سورة العقود ( 49 ) ، وهو هنا أوعب . | # والإقامة : جعل الشيء قائما . وهي هنا مستعارة لإفراد الوجه بالتوجه إلى ~~شيء معين لا يترك وجهه ينثني إلى شيء آخر . واللام للعلة ، أي لأجل الدين ، ~~فيصير المعنى : محض وجهك للدين لا تجعل لغير الدين شريكا ms4002 في توجهك . وهذه ~~التمثيلية كناية عن توجيه نفسه بأسرها لأجل ما أمره الله به من التبليغ ~~وإرشاد الأمة وإصلاحها . وقريب منه قوله : أسلمت وجهي لله في سورة آل عمران ~~( 20 ) . | # وحنيفا } حال من { الدين } وهو دين التوحيد ، لأنه حنف أي مال عن الآلهة ~~وتمحض لله . وقد تقدم عند قوله تعالى : { قل بل ملة إبراهيم حنيفا في سورة ~~البقرة ( 135 ) . | PageV11P303 { ولا تكونن من المشركين } # نهي مؤكد لمعنى الأمر الذي قبله تصريحا بمعنى { حنيفا } . وتأكيد الفعل ~~المنهي عنه بنون التوكيد للمبالغة في النهي عنه اعتناء بالتبرؤ من الشرك . ~~| # وقد تقدم غير مرة أن قوله : { من المشركين } ونحوه أبلغ في الاتصاف من ~~نحو : لا تكن مشركا ، لما فيه من التبرؤ من الطائفة ذات نحلة الإشراك . | # | 2 ( 106 ) { ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك ~~إذا من الظالمين } ) 2 # عطف على { ولا تكونن من المشركين } ( يونس : 105 ) . ولم يؤكد الفعل بنون ~~التوكيد ؛ لئلا يمنع وجودها من حذف حرف العلة بأن حذفه تخفيف وفصاحة ، ولأن ~~النهي لما اقترن بما يومىء إلى التعليل كان فيه غنية عن تأكيده لأن الموصول ~~في قوله : { ما لا ينفعك ولا يضرك } يومىء إلى وجه النهي عن دعائك ، إذ ~~دعاء أمثالها لا يقصده العاقل . | # و { من دون الله } اعتراض بين فعل { تدع } ومفعوله ، وهو إدماج للحث على ~~دعائه الله . | # وتفريع { فإن فعلت } على النهيين للإشارة إلى أنه لا معذرة لمن يأتي ما ~~نهي عنه بعد أن أكد نهيه وبينت علته ، فمن فعله فقد ظلم نفسه واعتدى على حق ~~ربه . | # وأكد الكون من الظالمين على ذلك التقدير ب ( إن ) لزيادة التحذير ، وأتي ~~ب ( إذن ) للإشارة إلى سؤال مقدر كأن سائلا سأل : فإن فعلت فماذا يكون ؟ . ~~| PageV11P304 # وفي قوله : { من الظالمين } من تأكيد مثل ما تقدم في قوله : { من ~~المشركين } ( يونس : 105 ) ونظائره . | # والمقصود من هذا الفرض تنبيه الناس على فظاعة عظم هذا الفعل حتى لو فعله ~~أشرف المخلوقين لكان من الظالمين ، على حد قوله تعالى : { ولقد أوحي ms4003 إليك ~~وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك } ( الزمر : 65 ) . | # | 2 ( 107 ) { وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا ~~رآد لفضله يصيب به من يشآء من عباده وهو الغفور الرحيم } . ) 2 # عطف على جملة : { ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك } ( يونس : ~~106 ) لقصد التعريض بإبطال عقيدة المشركين أن الأصنام شفعاء عند الله ، ~~فلما أبطلت الآية السابقة أن تكون الأصنام نافعة أو ضارة ، وكان إسناد ~~النفع أو الضر أكثر ما يقع على معنى صدورهما من فاعلهما ابتداء ، ولا ~~يتبادر من ذلك الإسناد معنى الوساطة في تحصيلهما من فاعل ، عقبت جملة { ولا ~~تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك } ( يونس : 106 ) بهذه الجملة ~~للإعلام بأن إرادة الله النفع أو الضر لأحد لا يستطيع غيره أن يصرفه عنها ~~أو يتعرض فيها إلا من جعل الله له ذلك بدعاء أو شفاعة . | # ووجه عطفها على الجملة السابقة لما بينهما من تغاير في المعنى بالتفصيل ~~والزيادة ، وبصيغتي العموم في قوله : { فلا كاشف له إلا هو } وفي قوله : { ~~فلا راد لفضله } الداخل فيهما أصنامهم وهي المقصودة ، كما صرح به في قوله ~~تعالى في سورة الزمر ( 38 ) { أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله ~~بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته . | PageV11P305 # وتوجيه الخطاب للنبيء لأنه أولى الناس بالخير ونفي الضر . فيعلم أن غيره ~~أولى بهذا الحكم وهذا المقصود . | # والمس : حقيقته وضع اليد على جسم لاختبار ملمسه ، وقد يطلق على الإصابة ~~مجازا مرسلا . وقد تقدم عند قوله تعالى : إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من ~~الشيطان في آخر سورة الأعراف ( 201 ) . | # والإرادة بالخير : تقديره والقصد إليه . ولما كان الذي لا يعجزه شيء ولا ~~يتردد علمه فإذا أراد شيئا فعله ، فإطلاق الإرادة هنا كناية عن الإصابة كما ~~يدل عليه قوله بعده : يصيب به من يشاء من عباده } . وقد عبر بالمس في موضع ~~الإرادة في نظيرها في سورة الأنعام ( 17 ) { وإن ms4004 يمسسك بخير فهو على كل شيء ~~قدير . ولكن عبر هنا بالإرادة مبالغة في سلب المقدرة عمن يريد معارضة مراده ~~تعالى كائنا من كان بحيث لا يستطيع التعرض لله في خيره ولو كان بمجرد ~~إرادته قبل حصول فعله ، فإن التعرض حينئذ أهون لأن الدفع أسهل من الرفع ، ~~وأما آية سورة الأنعام فسياقها في بيان قدرة الله تعالى لا في تنزيهه عن ~~المعارض والمعاند . | # والفضل : هو الخير ، ولذلك فإيقاعه موقع الضمير للدلالة على أن الخير ~~الواصل إلى الناس فضل من الله لا استحقاق لهم به لأنهم عبيد إليه يصيبهم ~~بما يشاء . | # وتنكير ( ضر ) و ( خير ) للنوعية الصالحة للقلة والكثرة . | # وكل من جملة ؛ فلا كاشف له إلا هو } وجملة : { فلا راد لفضله } جواب ~~للشرط المذكور معها ، وليس الجواب بمحذوف . | # وجملة : { يصيب به من يشاء من عباده } واقعة موقع البيان لما قبلها ~~والحوصلة له ، فلذلك فصلت عنها . | # والضمير المجرور بالباء عائد إلى الخير ، فيكون امتنانا وحثا على التعرض ~~لمرضاة الله حتى يكون مما حقت عليهم مشيئة الله أن يصيبهم بالخير ؛ أو يعود ~~PageV11P306 إلى ما تقدم من الضر ، والضمير باعتبار أنه مذكور فيكون تخويفا ~~وتبشيرا وتحذيرا وترغيبا . | # وقد أجملت المشيئة هنا ولم تبين أسبابها ليسلك لها الناس كل مسلك يأملون ~~منه تحصيلها في العطاء وكل مسلك يتقون بوقعهم فيها في الحرمان . | # والإصابة : اتصال شيء بآخر ووروده عليه ، وهي في معنى المس المتقدم ، ~~فقوله : { يصيب به من يشاء } هو في معنى قوله في سورة الأنعام ( 17 ) { وإن ~~يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير . | # والتذييل بجملة : وهو الغفور الرحيم } يشير إلى أن إعطاء الخير فضل من ~~الله ورحمة وتجاوز منه تعالى عن سيئات عباده الصالحين ، وتقصيرهم وغفلاتهم ~~، فلو شاء لما تجاوز لهم عن شيء من ذلك فتورطوا كلهم . | # ولولا غفرانه لما كانوا أهلا لإصابة الخير ، لأنهم مع تفاوتهم في الكمال ~~لا يخلون من قصور عن الفضل الخالد الذي هو الكمال عند الله ، كما أشار إليه ~~النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : ( إني ليغان على قلبي فأستغفر ms4005 الله في ~~اليوم سبعين مرة ) . | # ويشير أيضا إلى أن الله قد تجاوز عن كثير من سيئات عباده المسرفين ولم ~~يؤاخذهم إلا بما لا يرضى عنه بحال كما قال : { ولا يرضى لعباده الكفر } ( ~~الزمر : 7 ) ، وأنه لولا تجاوزه عن كثير لمسهم الله بضر شديد في الدنيا ~~والآخرة . | # | PageV11P307 # | 2 ( 108 ) { قل ياأيها الناس قد جآءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما ~~يهتدى لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ومآ أنا عليكم بوكيل } ) 2 # استئناف ابتدائي هو كذيل لما مضى في السورة كلها وحوصلة لما جرى من ~~الاستدلال والمجادلة والتخويف والترغيب ، ولذلك جاء ما في هذه الجملة كلاما ~~جامعا وموادعة قاطعة . | # وافتتاحها ب { قل } للتنبيه على أنه تبليغ عن الله تعالى فهو جدير ~~بالتلقي . | # وافتتاح المقول بالنداء لاستيعاء سماعهم لأهمية ما سيقال لهم ، والخطاب ~~لجميع الناس من مؤمن وكافر ، والمقصود منه ابتداء المشركون ، ولذلك أطيل ~~الكلام في شأنهم ، وقد ذكر معهم من اهتدى تشريفا لهم . | # وأكد الخبر بحرف { قد } تسجيلا عليهم بأن ما فيه الحق قد أبلغ إليهم ~~وتحقيقا لكونه حقا . | # والحق : هو الدين الذي جاء به القرآن ، ووصفه ب { من ربكم } للتنويه بأنه ~~حق مبين لا يخلطه باطل ولا ريب ، فهو معصوم من ذلك . | # واختيار وصف الرب المضاف إلى ضمير { الناس } على اسم الجلالة للتنبيه على ~~أنه إرشاد من الذي يحب صلاح عباده ويدعوهم إلى ما فيه نفعهم شأن من يرب ، ~~أي يسوس ويدبر . | # وتفريع جملة : { فمن اهتدى } على جملة : { قد جاءكم } للإشارة إلى أن ~~مجيء الحق الواضح يترتب عليه أن إتباعه غنم لمتبعه وليس مزية له على الله ، ~~ليتوصل من ذلك إلى أن المعرض عنه قد ظلم نفسه ، ورتب عليها تبعة الإعراض . ~~| PageV11P308 # واللام في قوله : { لنفسه } دالة على أن الاهتداء نعمة وغنى وأن الإعراض ~~ضر على صاحبه . | # ووجه الإتيان بطريقتي الحصر في { فإنما يهتدي لنفسه } وفي { فإنما يضل ~~عليها } للرد على المشركين إذ كانوا يتمطون في الاقتراح فيقولون : { لن ~~نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا } ( الإسراء : 90 ) ونحو ذلك ms4006 مما ~~يفيد أنهم يمنون عليه لو أسلموا ، وكان بعضهم يظهر أنه يغيظ النبي صلى الله ~~عليه وسلم بالبقاء على الكفر فكان القصر مفيدا أن اهتداءه مقصور على تعلق ~~اهتدائه بمعنى اللام في قوله : { لنفسه } أي بفائدة نفسه لا يتجاوزه إلى ~~التعلق بفائدتي . وأن ضلاله مقصور على التعلق بمعنى على نفسه ، أي لمضرتها ~~لا يتجاوزه إلى التعلق بمضرتي . | # وجملة { وما أنا عليكم بوكيل } معطوفة على جملة { من اهتدى } فهي داخلة ~~في حيز التفريع ، وإتمام للمفرع ، لأنه إذا كان اهتداء المهتدي لنفسه وضلال ~~الضال على نفسه تحقق أن النبي صلى الله عليه وسلم غير مأمور من الله بأكثر ~~من التبليغ وأنه لا نفع لنفسه في اهتدائهم ولا يضره ضلالهم ، فلا يحسبوا ~~حرصه لنفع نفسه أو دفع ضر عنها حتى يتمطوا ويشترطوا ، وأنه ناصح لهم ومبلغ ~~ما في اتباعه خيرهم والإعراض عنه ضرهم . | # والإتيان بالجملة الاسمية المنفية للدلالة على دوام انتفاء ذلك الحكم ~~وثباته في سائر الأحوال . | # ومعنى الوكيل : الموكول إليه تحصيل الأمر . و { عليكم } بمعنى على ~~اهتدائكم فدخل حرف الجر على الذات والمراد بعض أحوالها بقرينة المقام . | # | PageV11P309 # | 2 ( 109 ) { واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين ~~} ) 2 # عطف على { قل } أي بلغ الناس ذلك القول { واتبع ما يوحى إليك } ، أي اتبع ~~في نفسك وأصحابك ما يوحى إليك . و { اصبر } أي على معاندة الذين لم يؤمنوا ~~بقرينة الغاية بقوله : { حتى يحكم الله } فإنها غاية لهذا الصبر الخاص لا ~~لمطلق الصبر . | # ولما كان الحكم يقتضي فريقين حذف متعلقه تعويلا على قرينة السياق ، أي ~~حتى يحكم الله بينك وبينهم . | # وجملة : { وهو خير الحاكمين } ثناء وتذييل لما فيه من العموم ، أي وهو ~~خير الحاكمين بين كل خصمين في هذه القضية وفي غيرها ، فالتعريف في { ~~الحاكمين } للاستغراق بقرينة التذييل . | # و { خير } تفضيل ، أصله أخير فحذفت الهمزة لكثرة الاستعمال . والأخيرية ~~من الحاكمين أخيرية وفاء الإنصاف في إعطاء الحقوق . وهي هنا كناية عن ~~معاقبة الظالم ، لأن الأمر بالصبر مشعر بأن المأمور به معتدى عليه ، ففي ms4007 ~~الإخبار بأن الله خير الحاكمين إيماء بأن الله ناصر رسوله صلى الله عليه ~~وسلم والمؤمنين على الذين كذبوا وعاندوا . وهذا كلام جامع فيه براعة المقطع ~~. # | PageV11P310 # | 1 ( سورة هود ) 1 # سميت في جميع المصاحف وكتب التفسير والسنة سورة هود ، ولا يعرف لها اسم ~~غير ذلك ، وكذلك وردت هذه التسمية عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن ~~عباس أن أبا بكر قال : ( يا رسول الله قد شبت ؟ قال : شيبتني هود ، ~~والواقعة ، والمرسلات ، وعم يتساءلون ، وإذا الشمس كورت ) . رواه الترمذي ~~بسند حسن في كتاب التفسير من سورة الواقعة . وروي من طرق أخرى بألفاظ ~~متقاربة يزيد بعضها على بعض . | # وسميت باسم هود لتكرر اسمه فيها خمس مرات ، ولأن ما حكي عنه فيها أطول ~~مما حكي عنه في غيرها ، ولأن عادا وصفوا فيها بأنهم قوم هود في قوله : { ~~ألا بعدا لعاد قوم هود } ( هود : 60 ) ، وقد تقدم في تسمية سورة يونس وجه ~~آخر للتسمية ينطبق على هذه وهو تمييزها من بين السور ذوات الافتتاح ب { ألر ~~} . | # وهي مكية كلها عند الجمهور . وروي ذلك عن ابن عباس وابن الزبير ، وقتادة ~~إلا آية واحدة وهي { وأقم الصلاة طرفي النهار إلى قوله : للذاكرين } ( هود ~~: 114 ) . وقال ابن عطية : هي مكية إلا ثلاث آيات نزلت بالمدينة . وهي قوله ~~تعالى : { فلعلك PageV11P311 تارك بعض ما يوحى إليك } ( هود : 12 ) ، وقوله ~~: { أفمن كان على بينة من ربه إلى قوله أولئك يؤمنون به } ( هود : 17 ) قيل ~~نزلت في عبد الله بن سلام ، وقوله : { وأقم الصلاة طرفي النهار } ( هود : ~~114 ) الآية . قيل نزلت في قصة أبي اليسر كما سيأتي ، والأصح أنها كلها ~~مكية وأن ما روي من أسباب النزول في بعض آيها توهم لاشتباه الاستدلال بها ~~في قصة بأنها نزلت حينئذ كما يأتي ، على أن الآية الأولى من هذه الثلاث ~~واضح أنها مكية . | # نزلت هذه السورة بعد سورة يونس وقبل سورة يوسف . وقد عدت الثانية ~~والخمسين في ترتيب نزول السور . ونقل ابن عطية في أثناء تفسير هذه السورة ~~أنها نزلت قبل سورة ms4008 يونس لأن التحدي فيها وقع بعشر سور وفي سورة يونس وقع ~~التحدي بسورة ، وسيأتي بيان هذا . | # وقد عدت آياتها مائة وإحدى وعشرين في العدد المدني الأخير . وكانت آياتها ~~معدودة في المدني الأول مائة واثنتين وعشرين ، وهي كذلك في عدد أهل الشام ~~وفي عدد أهل البصرة وأهل الكوفة مائة وثلاث وعشرون . | # وأغراضها : ابتدأت بالإيماء إلى التحدي لمعارضة القرآن بما تومىء إليه ~~الحروف المقطعة في أول السورة . | # وباتلائها بالتنويه بالقرآن . | # وبالنهي عن عبادة غير الله تعالى . | # وبأن الرسول عليه الصلاة والسلام نذير للمشركين بعذاب يوم عظيم وبشير ~~للمؤمنين بمتاع حسن إلى أجل مسمى . | # وإثبات الحشر . | # والإعلام بأن الله مطلع على خفايا الناس . | PageV11P312 # وأن الله مدبر أمور كل حي على الأرض . | # وخلق العوالم بعد أن لم تكن . | # وأن مرجع الناس إليه ، وأنه ما خلقهم إلا للجزاء . | # وتثبيت النبي صلى الله عليه وسلم وتسليته عما يقوله المشركون وما ~~يقترحونه من آيات على وفق هواهم { أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ~~ملك } ( هود : 12 ) . | # وأن حسبهم آية القرآن الذي تحداهم بمعارضته تعجزوا عن معارضته فتبين ~~خذلانهم فهم أحقاء بالخسارة في الآخرة . | # وضرب مثل لفريقي المؤمنين والمشركين . | # وذكر نظرائهم من الأمم البائدة من قوم نوح وتفصيل ما حل بهم وعاد وثمود ، ~~وإبراهيم ، وقوم لوط ، ومدين ، ورسالة موسى ، تعريضا بما في جميع ذلك من ~~العبر وما ينبغي منه الحذر فإن أولئك لم تنفعهم آلهتهم التي يدعونها . | # وأن في تلك الأنباء عظة للمتبعين بسيرهم . | # وأن ملاك ضلال الضالين عدم خوفهم عذاب الله في الآخرة فلا شك في أن مشركي ~~العرب صائرون إلى ما صار إليه أولئك . | # وانفردت هذه السورة بتفصيل حادث الطوفان وغيضه . | # ثم عرض باستئناس النبي صلى الله عليه وسلم وتسليته باختلاف قوم موسى في ~~الكتاب الذي أوتيه فما على الرسول وأتباعه إلا أن يستقيم فيما أمره الله ~~وأن لا يركنوا إلى المشركين ، وأن عليهم بالصلاة والصبر والمضي في الدعوة ~~إلى الصلاح فإنه لا هلاك مع الصلاح . | # وقد تخلل ذلك عظات وعبر والأمر بإقامة ms4009 الصلاة . | # | PageV11P313 # | 2 ( 1 ) { ال ر كتاب أحكمت ءاياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير } ) 2 # | $ # تقدم القول على الحروف المقطعة الواقعة في أوائل السور في أول سورة ~~البقرة وغيرها من نظرائها وما سورة يونس ببعيد . | # { كتاب أحكمت اياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير } | # القول في الافتتاح بقوله : { كتاب } وتنكيره مماثل لما في قوله : { كتاب ~~أنزل إليك في سورة الأعراف ( 2 ) . | # والمعنى : أن القرآن كتاب من عند الله فلماذا يعجب المشركون من ذلك ~~ويكذبون به . ف ( كتاب ) مبتدأ ، سوغ الابتداء ما فيه من التنكير للنوعية . ~~| # ومن لدن حكيم خبير } خبر و { أحكمت آياته } صفة ل ( كتاب ) ، ولك أن تجعل ~~{ أحكمت آياته } صفة مخصصة ، وهي مسوغ الابتداء . ولك أن تجعل ( أحكمت ) هو ~~الخبر . وتجعل { من لدن حكيم خبير } ظرفا لغوا متعلقا ب { أحكمت } و { فصلت ~~} . | # والإحكام : إتقان الصنع ، مشتق من الحكمة بكسر الحاء وسكون الكاف . وهي ~~إتقان الأشياء بحيث تكون سالمة من الأخلال التي تعرض لنوعها ، أي جعلت ~~آياته كاملة في نوع الكلام بحيث سلمت من مخالفة الواقع ومن أخلال المعنى ~~واللفظ . وتقدم عند قوله تعالى : { منه آيات محكمات في أول سورة آل عمران ( ~~7 ) . وبهذا المعنى تنبىء المقابلة بقوله : من لدن حكيم } . | # وآيات القرآن : الجمل المستقلة بمعانيها المختتمة بفواصل . وقد تقدم وجه ~~تسمية جمل القرآن بالآيات عند قوله تعالى : { والذين كفروا وكذبوا بآياتنا ~~في أوائل سورة البقرة ( 39 ) ، وفي المقدمة الثامنة من مقدمات هذا التفسير ~~. | PageV11P314 # والتفصيل : التوضيح والبيان . وهو مشتق من الفصل بمعنى التفريق بين الشيء ~~وغيره بما يميزه ، فصار كناية مشهورة عن البيان لما فيه من فصل المعاني . ~~وقد تقدم عند قوله تعالى : وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين في ~~سورة الأنعام ( 55 ) . | # ونظيره : الفرق ، كنى به عن البيان فسمي القرآن فرقانا . وعن الفصل فسمي ~~يوم بدر يوم الفرقان ، ومنه في ذكر ليلة القدر فيها يفرق كل أمر حكيم } ( ~~الدخان : 4 ) . | # و ( ثم ) للتراخي في الرتبة كما هو شأنها في عطف الجمل لما في التفصيل من ~~الاهتمام لدى النفوس ms4010 لأن العقول ترتاح إلى البيان والإيضاح . | # و { من لدن حكيم خبير } أي من عند الموصوف بإبداع الصنع لحكمته ، وإيضاح ~~التبيين لقوة علمه . والخبير : العالم بخفايا الأشياء ، وكلما كثرت الأشياء ~~كانت الإحاطة بها أعز ، فالحكيم مقابل ل { أحكمت } ، والخبير مقابل ل { ~~فصلت } . وهما وإن كانا متعلق العلم ومتعلق القدرة إذ القدرة لا تجري إلا ~~على وفق العلم ، إلا أنه روعي في المقابلة الفعل الذي هو أثر إحدى الصفتين ~~أشد تبادرا فيه للناس من الآخر وهذا من بليغ المزاوجة . | # | 2 ( 2 ) { ألا تعبدو ا إلا الله إننى لكم منه نذير وبشير } ) 2 # | $ # ( أن ) تفسيرية لما في معنى { أحكمت آياته ثم فصلت } ( هود : 1 ) من ~~الدلالة على أقوال محكمة ومفصلة فكأنه قيل : أوحي إليك في هذا الكتاب أن لا ~~تعبدوا إلا الله ، فهذه الجملة تفسيرية لما أحكم من الآيات لأن النهي عن ~~عبادة غير الله وإيجاب عبادة الله هو أصل الدين ، وإليه مرجع جميع الصفات ~~التي ثبتت لله تعالى بالدليل ، وهو الذي يتفرع عنه جميع التفاصيل ، ولذلك ~~تكرر PageV11P315 الأمر بالتوحيد والاستدلال عليه في القرآن ، وأن أول آية ~~نزلت كان فيها الأمر بملابسة اسم الله لأول قراءة القرآن في قوله تعالى : { ~~اقرأ باسم ربك الذي خلق } ( العلق : 1 ) . | # والخطاب في { ألا تعبدوا } وضمائر الخطاب التي بعده موجهة إلى الذين لم ~~يؤمنوا وهم كل من يسمع هذا الكلام المأمور بإبلاغه إليهم . | # وجملة : { إنني لكم منه نذير وبشير } معترضة بين جملة { ألا تعبدوا إلا ~~الله } ( هود : 1 ) وجملة { وأن استغفروا ربكم } ( هود : 3 ) الآية ، وهو ~~اعتراض للتحذير من مخالفة النهي والتحريض على امتثاله . | # ووقوع هذا الاعتراض عقب الجملة الأولى التي هي من الآيات المحكمات إشعار ~~بأن مضمونه من الآيات المحكمات وإن لم تكن الجملة تفسيرية وذلك لأن شأن ~~الاعتراض أن يكون مناسبا لما وقع بعده وناشئا منه فإن مضمون البشير والنذير ~~هو جامع عمل الرسول صلى الله عليه وسلم في رسالته فهو بشير لمن آمن وأطاع ، ~~ونذير لمن أعرض وعصى ، وذلك أيضا جامع للأصول المتعلقة بالرسالة ms4011 وأحوال ~~الرسل وما أخبروا به من الغيب فاندرج في ذلك العقائد السمعية ، وهذا عين ~~الإحكام . | # و ( من ) في قوله : { إنني لكم منه } ابتدائية ، أي أني نذير وبشير لكم ~~جائيا من عند الله . | # والجمع بين النذارة والبشارة لمقابلة ما تضمنته الجملة الأولى من طلب ترك ~~عبادة غير الله بطريق النهي وطلب عبادة الله بطريق الاستثناء ، فالنذارة ~~ترجع إلى الجزء الأول ، والبشارة ترجع إلى الجزء الثاني . | # | PageV11P316 # | 2 ( 3 ) { وأن استغفروا ربكم ثم توبو ا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل ~~مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير } ) 2 # | $ # عطف على جلمة { لا تعبدوا إلا الله } ( هود : 2 ) وهو تفسير ثان يرجع إلى ~~ما في الجملة الأولى من لفظ التفصيل ، فهذا ابتداء التفصيل لأنه بيان ~~وإرشاد لوسائل نبذ عبادة ما عدا الله تعالى ، ودلائل على ذلك وأمثال ونذر ، ~~فالمقصود : تقسيم التفسير وهو وجه إعادة حرف التفسير في هذه الجملة وعدم ~~الاكتفاء بالذي في الجملة المعطوف عليها . | # والاستغفار : طلب المغفرة ، أي طلب عدم المؤاخذة بذنب مضى ، وذلك الندم . ~~| # والتوبة : الإقلاع عن عمل ذنب ، والعزم على أن لا يعود إليه . | # و ( ثم ) للترتيب الرتبي ، لأن الاعتراف بفساد ما هم فيه من عبادة ~~الأصنام أهم من طلب المغفرة ، فإن تصحيح العزم على عدم العودة إليها هو ~~مسمى التوبة ، وهذا ترغيب في نبذ عبادة الأصنام وبيان لما في ذلك من ~~الفوائد في الدنيا والآخرة . | # والمتاع : اسم مصدر التمتيع لما يتمتع به ، أي ينتفع . ويطلق على منافع ~~الدنيا . وقد تقدم عند قوله تعالى : { ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين ~~في سورة الأعراف ( 24 ) . | # والحسن : تقييد لنوع المتاع بأنه الحسن في نوعه ، أي خالصا من المكدرات ~~طويلا بقاؤه لصاحبه كما دل عليه قوله : إلى أجل مسمى } . والمراد بالمتاع : ~~الإبقاء ، أي الحياة ، والمعنى أنه لا يستأصلهم . ووصفه بالحسن لإفادة أنها ~~حياة طيبة . | PageV11P317 # و { إلى أجل } متعلق ب { يمتعكم } وهو غاية للتمتيع ، وذلك موعظة وتنبيه ~~على أن هذا المتاع له نهاية ، فعلم أنه ms4012 متاع الدنيا . والمقصود بالأجل : ~~أجل كل واحد وهو نهاية حياته ، وهذا وعد بأنه نعمة باقية طول الحياة . | # وجملة : { يؤت كل ذي فضل فضله } عطف على جملة : { يمتعكم } . والإيتاء : ~~الإعطاء ، وذلك يدل على أنه من المتاع الحسن ، فيعلم أنه إعطاء نعيم الآخرة ~~. والفضل : إعطاء الخير . سمي فضلا لأن الغالب أن فاعل الخير يفعله بما هو ~~فاضل عن حاجته ، ثم تنوسي ذلك فصار الفضل بمعنى إعطاء الخير . | # والفضل الأول : العمل الصالح ، بقرينة مقابلته بفضل الله الغني عن الناس ~~. | # والفضل الثاني المضاف إلى ضمير الجلالة هو ثواب الآخرة ، بقرينة مقابلته ~~بالمتاع في الدنيا . والمعنى : ويؤت الله فضله كل ذي فضل في عمله . | # ولما علق الإيتاء بالفضلين علم أن مقدار الجزاء بقدر المجزي عليه ، لأنه ~~علق بذي فضل وهو في قوة المشتق ، ففيه إشعار بالتعليل وبالتقدير . وضبط ذلك ~~لا يعلمه إلا الله ، وهو سر بين العبد وربه . ونظير هذا مع اختلاف في ~~التقديم والتأخير وزيادة بيانن ، قوله تعالى : { من عمل صالحا من ذكر أو ~~أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون } ~~( النحل : 97 ) . | # عطف على { وأن استغفروا ربكم } فهو من تمام ما جاء تفسيرا ل { أحكمت ~~آياته ثم فصلت } ( هود : 1 ) وهو مما أوحي به إلى الرسول صلى الله عليه ~~وسلم أن يبلغه إلى الناس . | # وتولوا : أصله تتولوا ، حذفت إحدى التائين تخفيفا . | PageV11P318 # وتأكيد جملة الجزاء ب { إن } وبكون المسند إليه فيها اسما مخبرا عنه ~~بالجملة الفعلية لقصد شدة تأكيد توقع العذاب . | # وتنكير { يوم } للتهويل ، لتذهب نفوسهم للاحتمال الممكن أن يكون يوما في ~~الدنيا أو في الآخرة ، لأنهم كانوا ينكرون الحشر ، فتخويفهم بعذاب الدنيا ~~أوقع في نفوسهم . وبذلك يكون تنكير { يوم } صالحا لإيقاعه مقابلا للجزاءين ~~في قوله : { يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله } ، فيقدر ~~السامع : إن توليتم فإني أخاف عليكم عذابين كما رجوت لكم إن استغفرتم ~~ثوابين . | # ووصفه بالكبير لزيادة تهويله ، والمراد بالكبر الكبر المعنوي ، وهو شدة ~~ما يقع فيه ، أعني العذاب ، فوصف اليوم بالكبر ms4013 مجاز عقلي . | # | 2 ( 4 ) { إلى الله مرجعكم وهو على كل شىء قدير } ) 2 # جملة في موضع التعليل للخوف عليهم ، فلذلك فصلت . والمعنى : أنكم صائرون ~~إلى الله ، أي إلى قدرته غير منفلتين منه فهو مجازيكم على توليكم عن أمره . ~~| # فالمرجع : مصدر ميمي بمعنى الرجوع . وهو مستعمل كناية عن لازمه العرفي ~~وهو عدم الانفلات وإن طال الزمن ، وذلك شامل للرجوع بعد الموت . وليس ~~المراد إياه خاصة لأن قوله : { وهو على كل شيء قدير } أنسب بالمصير الدنيوي ~~لأنه المسلم عندهم ، وأما المصير الأخروي فلو اعترفوا به لما كان هنالك قوي ~~مقتض لزيادة { وهو على كل شيء قدير } . | # وتقديم المجرور على عامله للاهتمام والتقوي ، وليس المراد منه الحصر إذ ~~هم لا يحسبون أنهم مرجعون بعد الموت بله أن يرجعوا إلى غيره . | ~~PageV11P319 # وجملة : { وهو على كل شيء قدير } معطوفة على جملة : { إلى الله مرجعكم } ~~، أي فما ظنكم برجوعكم إلى القادر على كل شيء وقد عصيتم أمره أليس يعذبكم ~~عذابا كبيرا . | # | 2 ( 5 ) { ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم ~~يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور } ) 2 # حول أسلوب الكلام عن مخاطبة النبي عليه الصلاة والسلام بما أمر بتبليغه ~~إلى إعلامه بحال من أحوال الذين أمر بالتبليغ إليهم في جهلهم بإحاطة علم ~~الله تعالى بكل حال من الكائنات من الذوات والأعمال ظاهرها وخفيها ، فقدم ~~لذلك إبطال وهم من أوهام أهل الشرك أنهم في مكنة من إخفاء بعض أحوالهم عن ~~الله تعالى ، فكان قوله : { ألا إنهم يثنون صدورهم } إلخ تمهيدا لقوله : { ~~يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور } ، جمعا بين إخبارهم ~~بإحاطة علم الله بالأشياء وبين إبطال توهماتهم وجهلهم بصفات الله . وقد نشأ ~~هذا الكلام عن قوله تعالى : { إلى الله مرجعكم وهو على كل شيء قدير } ( هود ~~: 4 ) لمناسبة أن المرجوع إليه لما كان موصوفا بتمام القدرة على كل شيء هو ~~أيضا موصوف بإحاطة علمه بكل شيء للتلازم بين تمام القدرة وتمام العلم . | # وافتتاح الكلام بحرف التنبيه { ألا } للاهتمام ms4014 بمضمونه لغرابة أمرهم ~~المحكي وللعناية بتعليم إحاطة علم الله تعالى . | # وضمائر الجماعة الغائبين عائدة إلى المشركين الذين أمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم بالإبلاغ إليهم في قوله : { أن لا تعبدوا إلا الله } ( هود : 2 ) ~~وليس بالتفات . وضمائر الغيبة للمفرد عائدة إلى اسم الجلالة في قوله : { ~~إلى الله مرجعكم } ( هود : 4 ) . | PageV11P320 # والثني : الطي ، وأصل اشتقاقه من اسم الاثنين . يقال : ثناه بالتخفيف ، ~~إذا جعله ثانيا ، يقال : هذا واحد فاثنه ، أي كن ثانيا له ، فالذي يطوي ~~الشيء يجعل أحد طاقيه ثانيا للذي قبله ؛ فثني الصدور : إمالتها وحنيها ~~تشبيها بالطي . ومعنى ذلك الطأطأة . | # وهذا الكلام يحتمل الإجراء على حقيقة ألفاظه من الثني والصدور . ويحتمل ~~أن يكون تمثيلا لهيئة نفسية بهيئة حسية . | # فعلى الاحتمال الأول : يكون ذلك تعجيبا من جهالة أهل الشرك إذ كانوا ~~يقيسون صفات الله تعالى على صفات الناس فيحسبون أن الله لا يطلع على ما ~~يحجبونه عنه . وقد روي أن الآية أشارت إلى ما يفعله المشركون أن أحدهم يدخل ~~بيته ويرخي الستر عليه ويستغشي ثوبه ويحني ظهره ويقول : هل يعلم الله ما في ~~قلبي ؟ وذلك من جهلهم بعظمة الله . | # ففي ( البخاري ) عن ابن مسعود : اجتمع عند البيت قريشيان وثقفي ، كثيرة ~~شحم بطونهم قليلة فقه قلوبهم ، فقال أحدهم : أترون أن الله يسمع ما نقول ؟ ~~قال الآخر : يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا . وقال الآخر : إن كان يسمع ~~إذا جهرنا فإنه يسمع إذا أخفينا . فأنزل الله تعالى : { وما كنتم تستترون ~~أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم ~~كثيرا مما تعملون وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين ~~} ( فصلت : 22 ، 23 ) . | # وجميع أخطاء أهل الضلالة في الجاهلية والأديان الماضية تسري إلى عقولهم ~~من النظر السقيم ، والأقيسة الفاسدة ، وتقدير الحقائق العالية بمقادير ~~متعارفهم وعوائدهم ، وقياس الغائب على الشاهد . وقد ضل كثير من فرق ~~المسلمين في هذه المسالك لولا أنهم ينتهون إلى معلومات ضرورية من الدين ~~تعصمهم عند الغاية عن الخروج عن دائرة الإسلام وقد جاء بعضهم ms4015 وأوشك أن يقع ~~. | PageV11P321 # وعلى الاحتمال الثاني : فهو تمثيل لحالة إضمارهم العداوة للنبيء صلى الله ~~عليه وسلم في نفوسهم وتمويه ذلك عليه وعلى المؤمنين به بحال من يثني صدره ~~ليخفيه ومن يستغشي ثوبه على ما يريد أن يستره به . وهذا الاحتمال لا يناسب ~~كون الآية مكية إذ لم يكن المشركون يومئذ بمصانعين للنبيء صلى الله عليه ~~وسلم وتأويلها بإرادة أهل النفاق يقتضي أن تكون الآية مدنية . وهذا نقله ~~أحد من المفسرين الأولين . وفي ( أسباب النزول ) للواحدي أنها نزلت في ~~الأخنس بن شريق الثقفي حليف بني زهرة وكان رجلا حلو المنطق ، وكان يظهر ~~المودة للنبيء صلى الله عليه وسلم وهو منطو على عداوته ، أي عداوة الدين ، ~~فضرب الله ثني الصدور مثلا لإضماره بغض النبي صلى الله عليه وسلم فهو تمثيل ~~وليس بحقيقة . وصيغة الجمع على هذا مستعملة في إرادة واحدة لقصد إبهامه على ~~نحو قوله : { الذين قال لهم الناس } ( آل عمران : 173 ) قيل فإنه هو الأخنس ~~بن شريق . | # ووقع في ( صحيح البخاري ) أن ابن عباس سئل عن هذه الآية فقال : كان ناس ~~من المسلمين يستخفون أن يتخلوا فيفضوا إلى السماء وأن يجامعوا نساءهم ~~فيفضوا إلى السماء فنزلت هذه الآية . وهذا التفسير لا يناسب موقع الآية ولا ~~اتساق الضمائر . فلعل مراد ابن عباس أن الآية تنطبق على صنيع هؤلاء وليس ~~فعلهم هو سبب نزولها . واعلم أن شأن دعوة الحق أن لا تذهب باطلا حتى عند من ~~لم يصدقوا بها ولم يتبعوها ، فإنها تلفت عقولهم إلى فرض صدقها أو الاستعداد ~~إلى دفعها ، وكل ذلك يثير حقيقتها ويشيع دراستها . وكم من معرضين عن دعوة ~~حق ما وسعهم إلا التحفز لشأنها والإفاقة من غفلتهم عنها . وكذلك كان شأن ~~المشركين حين سمعوا دعوة القرآن إذ أخذوا يتدبرون وسائل مقاومتها ونقضها ~~والتفهم في معانيها لإيجاد دفعها ، كحال العاصي بن وائل قال لخباب بن الأرت ~~حين تقاضاه أجر سيف صنعه فقال له : لا أقضيكه حتى تكفر بمحمد . فقال خباب : ~~لا أكفر به حتى يميتك الله ثم يحييك . فقال العاصي ms4016 له : إذا أحياني الله ~~بعد موتي فسيكون لي مال فأقضيك منه . فنزل PageV11P322 فيه قوله تعالى : { ~~أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا } ( مريم : 77 ) . وهذا من ~~سوء فهمه لمعنى البعث وتوهمه أنه يعاد لما كان حاله في الدنيا من أهل ومال ~~. | # والاستخفاء : الاختفاء ، فالسين والتاء فيه للتأكيد مثل استجاب واستأخر . ~~| # وجملة : { ألا حين يستغشون ثيابهم } الخ يجوز أن تكون إتماما لجملة { ألا ~~إنهم يثنون صدورهم } متصلة بها فيكون حرف { ألا } الثاني تأكيدا لنظيره ~~الذي في الجملة قبله لزيادة تحقيق الخبر ، فيتعلق ظرف ( حين ) بفعل { يثنون ~~صدورهم } ويتنازعه مع فعل { يعلم ما يسرون } وتكون الحالة الموصوفة حالة ~~واحدة مركبة من ثني الصدور واستغشاء الثياب . | # والاستغشاء : التغشي بما يغشي ، أي يستر ، فالسين والتاء فيه للتأكيد مثل ~~قوله : { واستغشوا ثيابهم } ( نوح : 7 ) ، مثل استجاب . | # وزيادة { وما يعلنون } تصريح بما فهم من الكلام السابق لدفع توهم علمه ~~بالخفيات دون الظاهر . | # وجملة : { إنه عليم بذات الصدور } نتيجة وتعليل للجملة قبله ، أي يعلم ~~سرهم وجهرهم لأنه شديد العلم بالخفي في النفوس وهو يعلم الجهر بالأولى . | # فذات الصدور صفة لمحذوف يعلم من السياق من قوله { عليم } أي الأشياء التي ~~هي صاحبة الصدور . | # وكلمة ( ذات ) مؤنث ( ذو ) يتوصل بها إلى الوصف بأسماء الأجناس ، وقد ~~تقدم الكلام على ذلك عند قوله تعالى : { إنه عليم بذات الصدور } ( الأنفال ~~: 43 ) وقوله : { وأصلحوا ذات بينكم في سورة الأنفال ( 1 ) . | # والصدور مراد بها النفوس لأن العرب يعبرون عن الحواس الباطنية بالصدر . | ~~PageV11P323 # واختيار مثال المبالغة وهو عليم } لاستقصاء التعبير عن إحاطة العلم بكل ~~ما تسعه اللغة الموضوعة لمتعارف الناس فتقصر عن ألفاظ تعبر عن الحقائق ~~العالية بغير طريقة استيعاب ما يصلح من المعبرات لتحصيل تقريب المعنى ~~المقصود . | # وذات الصدور : الأشياء المستقرة في النفوس التي لا تعدوها . فأضيفت إليها ~~. | # | PageV11P324 # | 2 ( 6 ) { وما من دآبة في الارض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ~~ومستودعها كل فى كتاب مبين } ) 2 # عطف على جملة : { يعلم ما يسرون وما يعلنون } ( هود : 5 ) . والتقدير : ~~وما من دابة إلا يعلم ms4017 مستقرها ومستودعها ، وإنما نظم الكلام على هذا ~~الأسلوب تفننا لإفادة التنصيص على العموم بالنفي المؤكد ب ( من ) ، ولإدماج ~~تعميم رزق الله كل دابة في الأرض في أثناء إفادة عموم علمه بأحوال كل دابة ~~، فلأجل ذلك أخر الفعل المعطوف لأن في التذكير بأن الله رازق الدواب التي ~~لا حيلة لها في الاكتساب استدلالا على أنه عليم بأحوالها ، فإن كونه رازقا ~~للدواب قضية من الأصول الموضوعة المقبولة عند عموم البشر ، فمن أجل ذلك جعل ~~رزق الله إياها دليلا على علمه بما تحتاجه . | # والدابة في اللغة : اسم لما يدب أي يمشي على الأرض غير الإنسان . | # وزيادة { في الأرض } تأكيد لمعنى { دابة } في التنصيص على أن العموم ~~مستعمل في حقيقته . | # والرزق : الطعام ، وتقدم في قوله تعالى : { وجد عندها رزقا } ( آل عمران ~~: 37 ) . | # والاستثناء من عموم الأحوال التابع لعموم الذوات والمدلول عليه بذكر ~~رزقها الذي هو من أحوالها . | # وتقديم { على الله } قبل متعلقه وهو { رزقها } لإفادة القصر ، أي على ~~الله لا على غيره ، ولإفادة تركيب { على الله رزقها } معنى أن الله تكفل ~~برزقها ولم PageV12P005 يهمله ، لأن ( على ) تدل على اللزوم والمحقوقية ، ~~ومعلوم أن الله لا يلزمه أحد شيئا ، فما أفاد معنى اللزوم فإنما هو التزامه ~~بنفسه بمقتضى صفاته المقتضية ذلك له كما أشار إليه قوله تعالى : { وعدا ~~علينا } ( الأنبياء : 104 ) وقوله : { حقا علينا } ( يونس : 103 ) . | # والاستثناء من عموم ما يسند إليه رزق الدواب في ظاهر ما يبدو للناس أنه ~~رزق من أصحاب الدواب ومن يربونها ، أي رزقها على الله لا على غيره . ~~فالمستثنى هو الكون على الله ، والمستثنى منه مطلق الكون مما يتخيل أنه ~~رزاق فحصر الرزق في الكون على الله مجاز عقلي في العرف باعتبار أن الله ~~مسبب ذلك الرزق ومقدره . | # وجملة { ويعلم مستقرها ومستودعها } عطف على جملة الاستثناء لا على ~~المستثنى ، أي والله يعلم مستقر كل دابة ومستودعها . فليس حكم هذه الجملة ~~بداخل في حيز الحصر . | # والمستقر : محل استقرارها . والمستودع : محل الإيداع ، والإيداع : الوضع ~~والدخر . والمراد به مستودعها في الرحم قبل بروزها إلى ms4018 الأرض كقوله : { وهو ~~الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع في سورة الأنعام ( 98 ) . | # وتنوين كل } تنوين عوض عن المضاف إليه اختصار ، أي كل رزقها ومستقرها ~~ومستودعها في كتاب مبين ، أي كتابة ، فالكتاب هنا مصدر كقوله : { كتاب الله ~~عليكم } ( النساء : 24 ) . وهو مستعمل في تقدير العلم وتحقيقه بحيث لا يقبل ~~زيادة ولا نقصانا ولا تخلفا . كما أن الكتابة يقصد منها أن لا يزاد في ~~الأمر ولا ينقص ولا يبطل . قال الحارث بن حلزة : | # حذر الجور والتطاخي وهل ينق | # ض ما في المهارق الأهواء | # والمبين : اسم فاعل أبان بمعنى : أظهر ، وهو تخييل لاستعارة الكتاب ~~للتقدير . وليس المراد أنه موضح لمن يطالعه لأن علم الله وقدره لا يطلع ~~عليه أحد . | # | PageV12P006 # | 2 ( 7 ) { وهو الذى خلق السماوات والارض فى ستة أيام وكان عرشه على ~~المآء ليبلوكم أيكم أحسن عملا ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن ~~الذين كفرو ا إن هاذآ إلا سحر مبين } ) 2 # | $ # عطف على جملة { وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها } ( هود : 6 ) . ~~والمناسبة أن خلق السماوات والأرض من أكبر مظاهر علم الله وتعلقات قدرته ~~وإتقان الصنع ، فالمقصود من هذا الخبر لازمه وهو الاعتبار بسعة علمه وقدرته ~~، وقد تقدم القول في نظيرها في قوله : { إن ربكم الله الذي خلق السموات ~~والأرض في ستة أيامم ثم استوى على العرش } في سورة الأعراف ( 54 ) . | # وجملة { وكان عرشه على الماء } يجوز أن تكون حالا وأن تكون اعتراضا بين ~~فعل ( خلق ) ولام التعليل . وأما كونها معطوفة على جملة { وما من دابة في ~~الأرض إلا على الله رزقها } ( هود : 6 ) المسوقة مساق الدليل على سعة علم ~~الله وقدرته فغير رشيق لأن مضمون هذه الجملة ليس محسوسا ولا متقررا لدى ~~المشركين إذ هو من المغيبات وبعضه طرأ عليه تغيير بخلق السموات فلا يحسن ~~جعله حجة على المشركين لإثبات سعة علم الله وقدرته المأخوذ من جملة { وما ~~من دابة في الأرض } ( هود : 6 ) الخ . والمعنى إن العرش كان مخلوقا قبل ~~السموات وكان محيطا ms4019 بالماء أو حاويا للماء . وحمل العرش على أنه ذات مخلوقة ~~فوق السموات هو ظاهر الآية . وذلك يقتضي أن العرش مخلوق قبل ذلك وأن الماء ~~مخلوق قبل السموات والأرض . وتفصيل ذلك وكيفيته وكيفية الاستعلاء مما لا ~~قبل للأفهام به إذ التعبير عنه تقريب . | # ويجوز أن يكون المراد من العرش ملك الله وحكمه تمثيلا بعرش السلطان ، أي ~~كان ملك الله قبل خلق السموات والأرض ملكا على الماء . | # وقوله : { ليبلوكم } متعلق ب { خلق } واللام للتعليل . والبلو : الابتلاء ~~، أي اختبار شيء لتحصيل علم بأحواله ، وهو مستعمل كناية عن ظهور آثار خلقه ~~PageV12P007 تعالى للمخلوقات ، لأن حقيقة البلو مستحيلة على الله لأنه ~~العليم بكل شيء ، فلا يحتاج إلى اختباره على نحو قوله : { إلا لنعلم من ~~يتبع الرسول } في سورة البقرة ( 143 ) . | # وجعل البلو علة لخلق السموات والأرض لكونه من حكمة خلق الأرض باعتبار كون ~~الأرض من مجموع هذا الخلق ، ثم إن خلق الأرض يستتبع خلق ما جعلت الأرض ~~عامرة به ، واختلاف أعمال المخاطبين من جملة الأحوال التي اقتضاها الخلق ~~فكانت من حكمة خلق السموات والأرض ، وكان التعليل هنا بمراتب كثيرة ، وعلة ~~العلة علة . | # و { أيكم } : اسم استفهام ، فهو مبتدأ ، وجملة المبتدأ والخبر سادة مسد ~~الحال اللازم ذكرها بعد ضمير الخطاب في { يبلوكم } ، نظرا إلى أن الابتلاء ~~لا يتعلق بالذوات ، فتعدية فعل ( يبلو ) إلى ضمير الذوات ليس فيه تمام ~~الفائدة فكان محتاجا إلى ذكر حال تقيد متعلق الابتلاء ، وهذا ضرب من ~~التعليق وليس عينه . | # وفي الآية إشارة إلى أن من حكمة خلق الأرض صدور الأعمال الفاضلة من شرف ~~المخلوقات فيها . ثم إن ذلك يقتضي الجزاء على الأعمال إكمالا لمقتضى الحكمة ~~ولذلك أعقبت بقوله : { ولئن قلت إنكم مبعوثون } الخ . | # { ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفرو ا إن هاذآ إلا ~~سحر مبين } | # يظهر أن الواو واو الحال والجملة حال من فاعل { خلق السماوات والأرض } ~~باعتبار ما تعلق بالفعل من قوله في { ستة أيام } ، وقوله : { ليبلوكم } ، ~~والتقدير : فعل ذلك الخلق العجيب والحال أنهم ينكرون ما هو ms4020 دون ذلك وهو ~~إعادة خلق الناس . ويجهلون أنه لولا الجزاء لكان هذا الخلق عبثا كما قال ~~تعالى : { وما PageV12P008 خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين } ( ~~الدخان : 38 ) . فإن حمل الخبر في قوله : { وهو الذي خلق السموات والأرض } ~~على ظاهر الإخبار كانت الحال مقدرة من فاعل { خلق } أي خلق ذلك مقدرا أنكم ~~تنكرون عظيم قدرته ، وإن حمل الخبر على أنه مستعمل في التنبيه والاعتبار ~~بقدرة الله كانت الحال مقارنة . | # ووجه جعلها جملة شرطية إفادة تجدد التكذيب عند كل إخبار بالبعث ، واللام ~~موطئة للقسم ، وجواب القسم { ليقولن } الخ ، فاللام فيه لام جواب القسم . ~~وجواب ( إن ) محذوف أغنى عنه جواب القسم كما هو الشأن عند اجتماع شرط وقسم ~~أن يحذف جواب المتأخر منهما . | # وتأكيد الجملة باللام الموطئة للقسم وما يتبعه من نون التوكيد لتنزيل ~~السامع منزلة المتردد في صدور هذا القول منهم لغرابة صدوره من العاقل ، ~~فيكون التأكيد القوي والتنزيل مستعملا في لازم معناه وهو التعجيب من حال ~~الذين كفروا أن يحيلوا إعادة الخلق وقد شاهدوا آثار بدء الخلق وهو أعظم ~~وأبدع . | # وقرأ الجمهور { إلا سحر } على أن { هذا } إشارة إلى المدلول عليه ب ( قلت ~~) ، ومعنى الإخبار عن القول بأنه سحر أنهم يزعمون أنه كلام من قبيل الأقوال ~~التي يقولها السحرة لخصائص تؤثر في النفوس . | # وقرأ حمزة ، والكسائي ، وخلف : { إلا ساحر } فالإشارة بقوله { هذا } إلى ~~الرسول صلى الله عليه وسلم المفهوم من ضمير { قلت } أي أنه يقول كلاما ~~يسحرنا بذلك . | # ووجه جعلهم هذا القول سحرا أن في معتقداتهم وخرافاتهم أن من وسائل السحر ~~الأقوال المستحيلة والتكاذيب البهتانية ، والمعنى أنهم يكذبون بالبعث كلما ~~أخبروا به لا يترددون في عدم إمكان حصوله بله إيمانهم به . | # و { مبين } اسم فاعل أبان المهموز الذي هو بمعنى بان المجرد ، أي بين ~~واضح أنه سحر أو أنه ساحر . | # | PageV12P009 # | 2 ( 8 ) { ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه ألا ~~يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون } . ) 2 # مناسبته لما قبله أن في كليهما وصف ms4021 فن من أفانين عناد المشركين وتهكمهم ~~بالدعوة الإسلامية ، فإذا خبرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالبعث وأن ~~شركهم سبب لتعذيبهم جعلوا كلامه سحرا ، وإذا أنذرهم بعقوبة العذاب على ~~الإشراك استعجلوه ، فإذا تأخر عنهم إلى أجل اقتضته الحكمة الربانية ~~استفهموا عن سبب حبسه عنهم استفهام تهكم ظنا أن تأخره عجز . | # واللام موطئة للقسم . وجملة { ليقولن ما يحبسه } جواب القسم مغنية من ~~جواب الشرط . | # والأمة : حقيقتها الجماعة الكثيرة من الناس الذين أمرهم واحد ، وتطلق على ~~المدة كأنهم راعوا أنها الأمد الذي يظهر فيه جيل فأطلقت على مطلق المدة ، ~~أي بعد مدة . | # و { معدودة } معناه مقدرة ، أي مؤجلة . وفيه إيماء إلى أنها ليست مديدة ~~لأنه شاع في كلام العرب إطلاق العد والحساب ونحوهما على التقليل ، لأن ~~الشيء القليل يمكن ضبطه بالعدد ، ولذلك يقولون في عكسه : بغير حساب ، مثل { ~~والله يرزق من يشاء بغير حساب } ( البقرة : 212 ) . | # والحبس : إلزام الشيء مكانا لا يتجاوزه . ولذلك يستعمل في معنى المنع كما ~~هنا ، أي ما يمنع أن يصل إلينا ويحل بنا وهم يريدون التهكم . | PageV12P010 # { ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون } . | # هذه الجملة واقعة موقع الجواب عن كلامهم إذ يقولون ما يحبس عنا العذاب ، ~~فلذلك فصلت كما تفصل المحاورة . وهذا تهديد وتخويف بأنه لا يصرف عنهم ولكنه ~~مؤخر . | # وافتتح الكلام بحرف التنبيه للاهتمام بالخبر لتحقيقه وإدخال الروع في ~~ضمائرهم . | # وتقديم الظرف للإيماء بأن إتيان العذاب لا شك فيه حتى أنه يوقت بوقت . | # والصرف : الدفع والإقصاء . | # والحوق : الإحاطة . | # والمعنى : أنه حال بهم حلولا لا مخلص منه بحال . | # وجملة { وحاق بهم } في موضع الحال أو معطوفة على خبر { ليس } . | # وصيغة المضي مستعملة في معنى التحقق ، وهذا عذاب القتل يوم بدر . | # وماصدق { ما كانوا به يستهزئون } هو العذاب ، وباء { به } سببية أي بسبب ~~ذكره فإن ذكر العذاب كان سببا لاستهزائهم حين توعدهم به النبيء صلى الله ~~عليه وسلم | # والإتيان بالموصول في موضع الضمير للإيماء إلى أن استهزاءهم كان من أسباب ~~غضب الله عليهم . وتقديره إحاطة ms4022 العذاب بهم بحيث لا يجدون منه مخلصا . | # | PageV12P011 # | 2 ( 9 ) { ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور ~~} . ) 2 # عطف على جملة { ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة } ( هود : 8 ) . ~~فإنه لما ذكر أن ما هم فيه متاع إلى أجل معلوم عند الله . وأنهم بطروا نعمة ~~التمتيع فسخروا بتأخير العذاب ، بينت هذه الآية أن أهل الضلالة راسخون في ~~ذلك لأنهم لا يفكرون في غير اللذات الدنيوية فتجري انفعالاتهم على حسب ذلك ~~دون رجاء لتغير الحال ، ولا يتفكرون في أسباب النعيم والبؤس وتصرفات خالق ~~الناس ومقدر أحوالهم ، ولا يتعظون بتقلبات أحوال الأمم ، فشأن أهل الضلالة ~~أنهم إن حلت بهم الضراء بعد النعمة ملكهم اليأس من الخير ونسوا النعمة ~~فجحدوها وكفروا منعمها ، فإن تأخير العذاب رحمة وإتيان العذاب نزع لتلك ~~الرحمة ، وهذه الجملة في قوة التذييل . فتعريف ( الإنسان ) تعريف الجنس ~~مراد به الاستغراق ، وبذلك اكتسبت الجملة قوة التذييل . فمعيار العموم ~~الاستثناء في قوله تعالى : { إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات } ( هود : 11 ~~) كما يأتي ، فيكون الاستغراق عرفيا جاريا على اصطلاح القرآن من إطلاق لفظ ~~الإنسان أو الناس ، ولأن وصفي { يؤوس كفور } يناسبان المشركين فيتخصص العام ~~بهم . | # وقيل التعريف في { الإنسان } للعهد مراد منه إنسان خاص ، فروى الواحدي عن ~~ابن عباس أنها نزلت في الوليد بن المغيرة . وعنه أنها نزلت في عبد الله بن ~~أبي أمية المخزومي . ويجوز أن يكون المراد كل إنسان إذا حل به مثل ذلك على ~~تفاوت في الناس في هذا اليأس . | # واللام موطئة للقسم . | # والإذاقة مستعملة في إيصال الإدراك على وجه المجاز ، واختيرت مادة ~~الإذاقة لما تشعر به من إدراك أمر محبوب لأن المرء لا يذوق إلا ما يشتهيه . ~~| PageV12P012 # والرحمة ، أريد بها : رحمة الدنيا . وأطلقت على أثرها وهو النعمة كالصحة ~~والأمن والعافية ، والمراد النعمة السابقة قبل نزول الضر . | # والنزع حقيقته : خلع الثوب عن الجسد . واستعمل هنا في سلب النعمة على ~~طريقة الاستعارة ، ولذلك عدي بحرف ( من ) دون ( عن ) لأن المعنى على السلب ~~والافتكاك ، فذكر ( من ) تجريد للمجاز ms4023 . | # وجملة { إنه ليؤوس كفور } جواب القسم ، وجردت من الافتتاح باللام استغناء ~~عنها بحرف التوكيد وبلام الابتداء في خبر ( إن ) . واستغني بجواب القسم عن ~~جواب الشرط المقارن له كما هو شأن الكلام المشتمل على شرط وقسم كما تقدم في ~~قوله : { ولئن أخرنا عنهم العذاب } ( هود : 8 ) إلى آخره . | # واليؤوس والكفور مثالا مبالغة في الآيس وكافر النعمة ، أي جاحدها ، ~~والمراد بالكفور : منكر نعمة الله لأنه تصدر منه أقوال وخواطر من السخط على ~~ما انتابه كأنه لم ينعم عليه قط . | # وتأكيد الجملة باللام الموطئة للقسم وبحرف التوكيد في جملة جواب القسم ~~لقصد تحقيق مضمونها وأنه حقيقة ثابتة لا مبالغة فيها ولا تغليب . | # | 2 ( 10 ) { ولئن أذقناه نعمآء بعد ضرآء مسته ليقولن ذهب السيئات عني ~~إنه لفرح فخور } . ) 2 # | $ # هذه الجملة تتميم للتي قبلها لأنها حكت حالة ضد الحالة في التي قبلها ، ~~وهي جملة قسم وشرط وجواب قسم كما تقدم في نظائرها . | # وضمير { أذقناه } المنصوب عائد إلى الإنسان فتعريفه كتعريف معاده ~~للاستغراق بالمعنى المتقدم . | PageV12P013 # والنعماء بفتح النون وبالمد النعمة واختير هذا اللفظ هنا وإن كان لفظ ~~النعمة أشهر لمحسن رعي النظير في زنة اللفظين النعماء والضراء . والمراد ~~هنا النعمة الحاصلة بعد الضراء . | # والمس مستعمل في مطلق الإصابة على وجه المجاز . واختيار فعل الإذاقة لما ~~تقدم ، واختيار فعل المس بالنسبة إلى إدراك الضراء إيماء إلى أن إصابة ~~الضراء أخف من إصابة النعماء ، وأن لطف الله شامل لعباده في كل حال . | # وأكدت الجملة باللام الموطئة للقسم وبنون التوكيد في جملة جواب القسم ~~لمثل الغرض الذي بيناه في الجملة السابقة . | # وجعل جواب القسم القول للإشارة إلى أنه تبجح وتفاخر ، فالخبر في قوله : { ~~ذهب السيئات عني } مستعمل في الازدهاء والإعجاب ، وذلك هو مقتضى زيادة { ~~عني } متعلقا ب { ذهب } للإشارة إلى اعتقاد كل واحد أنه حقيق بأن تذهب عنه ~~السيئات غرورا منه بنفسه ، كما في قوله : { ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ~~ضراء مسته ليقولن هذا لي وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي ~~عنده للحسنى ms4024 } ( فصلت : 50 ) . | # وجملة { إنه لفرح فخور } استئناف ابتدائي للتعجيب من حاله ، و ( فرح ~~وفخور ) مثالا مبالغة ، أي لشديد الفرح شديد الفخر . وشدة الفرح : تجاوزه ~~الحد وهو البطر والأشر ، كما في قوله : { إن الله لا يحب الفرحين } ( القصص ~~: 76 ) . | # والفخر : تباهي المرء على غيره بما له من الأشياء المحبوبة للناس . | # والمعنى أنه لا يشكر الله على النعمة بعد البأساء وما كان فيه من الضراء ~~فلا يتفكر في وجود خالق الأسباب وناقل الأحوال ، والمخالف بين أسبابها . ~~وفي معنى الآيتين قوله في سورة الشورى ( 48 ) { وإنا إذا أذقنا الإنسان منا ~~رحمة فرح بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور . | # | PageV12P014 # | 2 ( 11 ) إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولائك لهم مغفرة وأجر كبير ~~} . ) 2 # احتراس باستثناء من ( الإنسان ) . والمراد بالذين صبروا المؤمنون بالله ~~لأن الصبر من مقارنات الإيمان فكني بالذين صبروا عن المؤمنين فإن الإيمان ~~يروض صاحبه على مفارقة الهوى ونبذ معتاد الضلالة . قال تعالى : { إلا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر } ( العصر : 3 ) . | # ومن معاني الصبر انتظار الفرج ولذلك أوثر هنا وصف ( صبروا ) دون ( آمنوا ~~) لأن المراد مقابلة حالهم بحال الكفار في قوله : { إنه ليؤوس كفور } ( هود ~~: 9 ) . ودل الاستثناء على أنهم متصفون بضد صفات المستثنى منهم . وفي هذا ~~تحذير من الوقوع فيما يماثل صفات الكافرين على اختلاف مقادير . وقد نسجت ~~الآية على هذا المنوال من الإجمال لتذهب نفوس السامعين من المؤمنين في طرق ~~الحذر من صفتي اليأس وكفران النعمة ، ومن صفتي الفرح والفخر كل مذهب ممكن . ~~| # وجملة { أولئك لهم مغفرة وأجر كبير } مستأنفة ابتدائية . والإتيان باسم ~~الإشارة عقب وصفهم بما دل عليه الاستثناء وبالصبر وعمل الصالحات تنبيه على ~~أنهم استحقوا ما يذكر بعد اسم الإشارة لأجل ما ذكر قبله من الأوصاف كقوله : ~~{ أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون } ( البقرة : 5 ) . | # | 2 ( 12 ) { فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضآئق به صدرك أن يقولوا لولا ~~أنزل عليه كنز أو جآء معه ملك إنمآ أنت نذير والله على ms4025 كل شىء وكيل } . ) 2 # تفريع على قوله { ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت إلى قوله يستهزئون ~~} ( هود : 7 ، 8 ) من ذكر تكذيبهم وعنادهم . يشير هذا التفريع PageV12P015 ~~إلى أن مضمون الكلام المفرع عليه سبب لتوجيه هذا التوقع لأن من شأن المفرع ~~عليه اليأس من ارعوائهم لتكرر التكذيب والاستهزاء يأسا قد يبعث على ترك ~~دعائهم ، فذلك كله أفيد بفاء التفريع . | # والتوقع المستفاد من ( لعل ) مستعمل في تحذير من شأنه التبليغ . ويجوز أن ~~يقدر استفهام حذفت أداته . والتقدير : ألعلك تارك . ويكون الاستفهام ~~مستعملا في النفي للتحذير ، وذلك نظير قوله تعالى : { لعلك باخع نفسك ألا ~~يكونوا مؤمنين } ( الشعراء : 3 ) . | # والاستفهام كناية عن بلوغ الحالة حدا يوجب توقع الأمر المستفهم عنه حتى ~~أن المتكلم يستفهم عن حصوله . وهذا أسلوب يقصد به التحريك من همة المخاطب ~~وإلهاب همته لدفع الفتور عنه ، فليس في هذا تجويز ترك النبيء صلى الله عليه ~~وسلم تبليغ بعض ما يوحى إليه ، وذلك البعض هو ما فيه دعوتهم إلى الإيمان ~~وإنذارهم بالعذاب وإعلامهم بالبعث كما يدل عليه قوله تعالى في آية أخرى { ~~وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها } ( الأعراف : 203 ) . والمعنى ~~تحذيره من التأثر بعنادهم وتكذيبهم واستهزائهم ، ويستتبع ذلك تأييس ~~المشركين من تركه ذكر البعث والإنذار بالعذاب ، فالخطاب مستعمل في حقيقته ~~ومراد منه مع ذلك علم السامعين بمضمونه . | # { وضائق } : اسم فاعل من ضاق . وإنما عدل عن أن يقال ( ضيق ) هنا إلى { ~~ضائق } لمراعاة النظير مع قوله : ( تارك ) لأن ذلك أحسن فصاحة . ولأن { ~~ضائق } لا دلالة فيه على تمكن وصف الضيق من صدره بخلاف ضيق ، إذ هو صفة ~~مشبهة وهي دالة على تمكن الوصف من الموصوف ، إيماء إلى أن أقصى ما يتوهم ~~توقعه في جانبه صلى الله عليه وسلم هو ضيق قليل يعرض له . | # والضيق مستعمل مجازا في الغم والأسف ، كما استعمل ضده وهو الانشراح في ~~الفرح والمسرة . | PageV12P016 # و { ضائق } عطف على { تارك } فهو وفاعله جملة خبر عن ( لعلك ) فيتسلط ~~عليه التفريع . | # والباء في { به } للسببية ، والضمير المجرور بالباء عائد على ms4026 ما بعده وهو ~~{ أن يقولوا } . و { أن يقولوا } بدل من الضمير . ومثل ذلك مستعمل في ~~الكلام كقوله تعالى : { وأسروا النجوى الذين ظلموا } ( الأنبياء : 3 ) ، ~~فيكون تحذيرا من أن يضيق صدره لاقتراحهم الآيات بأن يقولوا : { لولا أنزل ~~عليه كنز أو جاء معه ملك ، ويحصل مع ذلك التحذير من أن يضيق صدره من قولهم ~~: إن هذا إلا سحر مبين } ( هود : 7 ) ، ومن قولهم : ما يحبس العذاب عنا ، ~~بواسطة كون { ضائق } داخلا في تفريع التحذير على قوليهم السابقين . وإنما ~~جيء بالضمير ثم أبدل منه لقصد الإجمال الذي يعقبه التفصيل ليكون أشد تمكنا ~~في الذهن ، ولقصد تقديم المجرور المتعلق باسم الفاعل على فاعله تنبيها على ~~الاهتمام بالمتعلق لأنه سبب صدور الفعل عن فاعله فجيء بالضمير المفسر فيما ~~بعد لما في لفظ التفسير من الطول ، فيحصل بذكره بعد بين اسم الفاعل ومرفوعه ~~، فلذلك اختصر في ضمير يعود عليه ، فحصل الاهتمام وقوي الاهتمام بما يدل ~~على تمكنه في الذهن . | # ومعظم المفسرين جعلوا ضمير { به } عائدا إلى { بعض ما يوحى إليك } . على ~~أن ما يوحى إليه سبب لضيق صدره ، أي لا يضيق له صدرك ، وجعلوا { أن يقولوا ~~} مجرورا بلام التعليل مقدرة . وعليه فالمضارع في قوله : { أن يقولوا } ~~بمعنى المضي لأنهم قالوا ذلك . واللام متعلقة ب { ضائق } وليس المعنى عليه ~~بالمتين . | # و { لولا } : للتحضيض ، والكنز : المال المكنوز أي المخبوء . | # وإنزاله : إتيانه من مكان عال أي من السماء . | # وهذا القول صدر من المشركين قبل نزول هذه الآية فلذلك فالفعل المضارع ~~مراد به تجدد هذا القول وتكرره منهم بقرينة العلم بأنه صدر منهم في ~~PageV12P017 الماضي ، وبقرينة التحذير من أن يكون ذلك سببا في ضيق صدره لأن ~~التحذير إنما يتعلق بالمستقبل . | # ومرادهم ب { جاء معه ملك } أن يجيء ملك من الملائكة شاهدا برسالته ، وهذا ~~من جهلهم بحقائق الأمور وتوهمهم أن الله يعبأ بإعراضهم ويتنازل لإجابة ~~مقترح عنادهم ، ومن قصورهم عن فهم المعجزات الإلهية ومدى التأييد الرباني . ~~| # وجملة { إنما أنت نذير } في موقع العلة للتحذير من تركه بعض ما يوحى إليه ~~وضيق ms4027 صدره من مقالتهم . فكأنه قيل لا تترك إبلاغهم بعض ما يوحى إليك ولا ~~يضق صدرك من مقالهم لأنك نذير لا وكيل على تحصيل إيمانهم ، حتى يترتب على ~~يأسك من إيمانهم ترك دعوتهم . | # والقصر المستفاد من { إنما } قصر إضافي ، أي أنت نذير لا موكل بإيقاع ~~الإيمان في قلوبهم إذ ليس ذلك إليك بل هو لله ، كما دل عليه قوله قبله { ~~فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك } فهو قصر قلب . وفيه تعريض ~~بالمشركين برد اعتقادهم أن الرسول يأتي بما يسأل عنه من الخوارق فإذا لم ~~يأتهم به جعلوا ذلك سندا لتكذيبهم إياه ردا حاصلا من مستتبعات الخطاب ، كما ~~تقدم عند قوله تعالى : { فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك } إذ كثر في القرآن ~~ذكر نحو هذه الجملة في مقام الرد على المشركين والكافرين الذين سألوا ~~الإتيان بمعجزات على وفق هواهم . | # وجملة { والله على كل شيء وكيل } تذييل لقوله : { فلعلك تارك بعض ما يوحى ~~إليك } إلى هنا ، وهي معطوفة على جملة { إنما أنت نذير } لما اقتضاه القصر ~~من إبطال أن يكون وكيلا على إلجائهم للإيمان . ومما شمله عموم { كل شيء } ~~أن الله وكيل على قلوب المكذبين وهم المقصود ، وإنما جاء الكلام بصيغة ~~العموم ليكون تذييلا وإتيانا للغرض بما هو كالدليل ، PageV12P018 ولينتقل ~~من ذلك العموم إلى تسلية النبي صلى الله عليه وسلم بأن الله مطلع على مكر ~~أولئك ، وأنه وكيل على جزائهم وأن الله عالم ببذل النبي جهده في التبليغ . ~~| # | 2 ( 13 ) { أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من ~~استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين } . ) 2 # { أم } هذه منقطعة بمعنى ( بل ) التي للإضراب للانتقال من غرض إلى آخر ، ~~إلا أن ( أم ) مختصة بالاستفهام فتقدر بعدها همزة الاستفهام . والتقدير : ~~بل أيقولون افتراه . والإضراب انتقالي في قوة الاستئناف الابتدائي ، ~~فللجملة حكم الاستئناف . والمناسبة ظاهرة ، لأن الكلام في إبطال مزاعم ~~المشركين ، فإنهم قالوا : هذا كلام مفترى ، وقرعهم بالحجة . والاستفهام ~~إنكاري . | # والافتراء : الكذب الذي لا شبهة لصاحبه ، فهو الكذب عن عمد ms4028 ، كما تقدم في ~~قوله : { ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب } في سورة العقود ( 103 ) ~~. | # وجملة { قل فأتوا } جواب لكلامهم فلذلك فصلت على ما هو مستعمل في ~~المحاورة سواء كانت حكاية المحاورة بصيغة حكاية القول أو كانت أمرا بالقول ~~كما تقدم عند قوله تعالى : { قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها } ( البقرة : ~~30 ) . والضمير المستتر في ( افتراه ) عائد إلى النبي عليه الصلاة والسلام ~~المذكور في قوله : { فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك } ( هود : 12 ) . وضمير ~~الغائب البارز المنصوب عائد إلى القرآن المفهوم من قوله : { بعض ما يوحى ~~إليك } ( هود : 12 ) . | # والاتيان بالشيء : جلبه ، سواء كان بالاسترفاد من الغير أم بالاختراع من ~~الجالب وهذا توسعة عليهم في التحدي . | PageV12P019 # وتحداهم هنا بأن يأتوا بعشر سور خلاف ما تحداهم في غير هذا المكان بأن ~~يأتوا بسورة مثله ، كما في سورة البقرة وسورة يونس . فقال ابن عباس وجمهور ~~المفسرين : كان التحدي أول الأمر بأن يأتوا بعشر سور مثل القرآن . وهو ما ~~وقع في سورة هود ، ثم نسخ بأن يأتوا بسورة واحدة كما وقع في سورة البقرة ~~وسورة يونس . فتخطى أصحاب هذا القول إلى أن قالوا إن سورة هود نزلت قبل ~~سورة يونس ، وهو الذي يعتمد عليه . | # وقال المبرد : تحداهم أولا بسورة ثم تحداهم هنا بعشر سور لأنهم قد وسع ~~عليهم هنا بالاكتفاء بسور مفتريات فلما وسع عليهم في صفتها أكثر عليهم ~~عددها . وما وقع من التحدي بسورة اعتبر فيه مماثلتها لسور القرآن في كمال ~~المعاني ، وليس بالقوي . | # ومعنى { مفتريات } أنها مفتريات المعاني كما تزعمون على القرآن أي بمثل ~~قصص أهل الجاهلية وتكاذيبهم . وهذا من إرخاء العنان والتسليم الجدلي ، ~~فالمماثلة في قوله { مثله } هي المماثلة في بلاغة الكلام وفصاحته لا في ~~سداد معانيه . قال علماؤنا : وفي هذا دليل على أن إعجازه وفصاحته بقطع ~~النظر عن علو معانيه وتصديق بعضه بعضا . وهو كذلك . | # والدعاء : النداء لعمل . وهو مستعمل في الطلب مجازا ولو بدون نداء . | # وحذف المتعلق لدلالة المقام ، أي وادعوا لذلك . والأمر فيه للإباحة ، أي ~~إن شئتم ms4029 حين تكونون قد عجزتم عن الإتيان بعشر سور من تلقاء أنفسكم فلكم أن ~~تدعوا من تتوسمون فيه المقدرة على ذلك ومن ترجون أن ينفحكم بتأييده من ~~آلهتكم وبتيسير الناس ليعاونوكم كقوله : { وادعوا شهداءكم من دون الله إن ~~كنتم صادقين } ( البقرة : 23 ) . | # و { من دون الله } وصف ل { من استطعتم } ، ونكتة ذكر هذا الوصف التذكير ~~بأنهم أنكروا أن يكون من عند الله ، فلما عمم لهم في الاستعانة بمن ~~PageV12P020 استطاعوا أكد أنهم دون الله فإن عجزوا عن الإتيان بعشر سور ~~مثله مع تمكنهم من الاستعانة بكل من عدا الله تبين أن هذا القرآن من عند ~~الله . | # ومعنى { إن كنتم صادقين } أي في قولكم { افتراه } ، وجواب الشرط هو قوله ~~: { فأتوا بعشر سور } . ووجه الملازمة بين الشرط وجزائه أنه إذا كان ~~الافتراء يأتي بهذا القرآن فما لكم لا تفترون أنتم مثله فتنهض حجتكم . | # | 2 ( 14 ) { فإلم يستجيبوا لكم فاعلمو ا أنمآ أنزل بعلم الله وأن لا ~~إلاه إلا هو فهل أنتم مسلمون } . ) 2 # | $ # تفريع على { وادعوا من استطعتم } ( هود : 13 ) أي فإن لم يستجب لكم من ~~تدعو لهم فأنتم أعجز منهم لأنكم ما تدعونهم إلا حين تشعرون بعجزكم دون ~~معاون فلا جرم يكون عجز هؤلاء موقعا في يأس الداعين من الإتيان بعشر سور . ~~| # والاستجابة : الإجابة ، والسين والتاء فيه للتأكيد . وهي مستعملة في ~~المعاونة والمظاهرة على الأمر المستعان فيه ، وهي مجاز مرسل لأن المعاونة ~~تنشأ عن النداء إلى الإعانة غالبا فإذا انتدب المستعان به إلى الإعانة أجاب ~~النداء بحضوره فسميت استجابة . | # والعلم : الإعتقاد اليقين ، أي فأيقنوا أن القرآن ما أنزل إلا بعلم الله ~~، أي ملابسا لعلم الله . أي لأثر العلم ، وهو جعله بهذا النظم للبشر لأن ~~ذلك الجعل أثر لقدرة الله الجارية على وفق علمه . وقد أفادت ( أنما ) الحصر ~~، أي حصر أحوال القرآن في حالة إنزاله من عند الله . و { أن لا إله إلا هو ~~} عطف على { أنما أنزل } لأنهم إذا عجزوا فقد ظهر أن من استنصروهم لا ~~يستطيعون نصرهم . ومن جملة من يستنصرونهم بطلب ms4030 الإعانة على المعارضة بين ~~الأصنام عن إعانة أتباعهم فدل ذلك على انتفاء الإلهية عنهم . | PageV12P021 # والفاء في { فهل أنتم مسلمون } للتفريع على { فاعلموا } . والاستفهام ~~مستعمل في الحث على الفعل وعدم تأخيره كقوله : { فهل أنتم منتهون } ( ~~المائدة : 91 ) أي عن شرب الخمر وفعل الميسر . والمعنى : فهل تسلمون بعد ~~تحققكم أن هذا القرآن من عند الله . | # وجيء بالجملة الاسمية الدالة على دوام الفعل وثباته . ولم يقل فهل تسلمون ~~لأن حالة عدم الاستجابة تكسب اليقين بصحة الإسلام فتقتضي تمكنه من النفوس ~~وذلك التمكن تدل عليه الجملة الاسمية . | # | 2 ( 15 ، 16 ) { من كان يريد الحيواة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم ~~فيها وهم فيها لا يبخسون * أولائك الذين ليس لهم فى الاخرة إلا النار وحبط ~~ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون } . ) 2 # استئناف اعتراضي بين الجملتين ناشىء عن جملة { فهل أنتم مسلمون } ( هود : ~~14 ) لأن تلك الجملة تفرعت على نهوض الحجة فإن كانوا طالبين الحق والفوز ~~فقد استتب لهم ما يقتضي تمكن الإسلام من نفوسهم ، وإن كانوا إنما يطلبون ~~الكبرياء والسيادة في الدنيا ويأنفون من أن يكونوا تبعا لغيرهم فهم مريدون ~~الدنيا فلذلك حذروا من أن يغتروا بالمتاع العاجل وأعلموا بأن وراء ذلك ~~العذاب الدائم وأنهم على الباطل ، فالمقصود من هذا الكلام هو الجملة ~~الثانية ، أعني جملة { أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار } الخ . . ~~. وما قبل ذلك تمهيد وتنبيه على بوارق الغرور ومزالق الذهول . | # ولما كان ذلك هو حالهم كان في هذا الاعتراض زيادة بيان لأسباب مكابرتهم ~~وبعدهم عن الإيمان ، وفيه تنبيه المسلمين بأن لا يغتروا بظاهر حسن ~~PageV12P022 حال الكافرين في الدنيا ، وأن لا يحسبوا أيضا أن الكفر يوجب ~~تعجيل العذاب فأوقظوا من هذا التوهم ، كما قال تعالى : { لا يغرنك تقلب ~~الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد } ( آل عمران ~~: 196 ، 197 ) . | # وفعل الشرط في المقام الخطابي يفيد اقتصار الفاعل على ذلك الفعل ، ~~فالمعنى من كان يريد الحياة الدنيا فقط بقرينة قوله : { أولئك الذين ليس ~~لهم في الآخرة إلا ms4031 النار } إذ حصر أمرهم في استحقاق النار وهو معنى الخلود ~~. ونظير هذه الآية { من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ~~ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو ~~مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا } ( الإسراء : 18 ، 19 ) . فالمعنى من كان لا ~~يطلب إلا منافع الحياة وزينتها . وهذا لا يصدر إلا عن الكافرين لأن المؤمن ~~لا يخلو من إرادة خير الآخرة وما آمن إلا لذلك ، فمورد هذه الآيات ونظائرها ~~في حال الكافرين الذين لا يؤمنون بالآخرة . | # فأما قوله تعالى : { يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة ~~الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا وإن كنتن تردن الله ~~ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما } ( الأحزاب : ~~28 ، 29 ) فذلك في معنى آخر من معاني الحياة وزينتها وهو ترف العيش وزينة ~~اللباس ، خلافا لما يقتضيه إعراض الرسول صلى الله عليه وسلم عن كثير من ذلك ~~الترف وتلك الزينة . | # وضمير { إليهم } عائد إلى { من } الموصولة لأن المراد بها الأقوام الذين ~~اتصفوا بمضمون الصلة . | # والتوفية : إعطاء الشيء وافيا ، أي كاملا غير منقوص ، أي نجعل أعمالهم في ~~الدنيا وافية ومعنى وفائها أنها غير مشوبة بطلب تكاليف الإيمان والجهاد ~~والقيام بالحق ، فإن كل ذلك لا يخلو من نقصان في تمتع أصحاب تلك الأعمال ~~PageV12P023 بأعمالهم وهو النقصان الناشىء عن معاكسة هوى النفس ، فالمراد ~~أنهم لا ينقصون من لذاتهم التي هيأوها لأنفسهم على اختلاف طبقاتهم في ~~التمتع بالدنيا ، بخلاف المؤمنين فإنهم تتهيأ لهم أسباب التمتع بالدنيا على ~~اختلاف درجاتهم في ذلك التهيؤ فيتركون كثيرا من ذلك لمراعاتهم مرضاة الله ~~تعالى وحذرهم من تبعات ذلك في الآخرة على اختلاف مراتبهم في هذه المراعاة . ~~| # وعدي فعل { نوف } بحرف ( إلى ) لتضمنه معنى نوصل أو نبلغ لإفادة معنيين . ~~| # فليس معنى الآية أن من أراد الحياة وزينتها أعطاه الله مراده لأن ألفاظ ~~الآية لا تفيد ذلك لقوله : { نوف إليهم أعمالهم } ، فالتوفية : عدم النقص . ~~وعلقت بالأعمال وهي المساعي . وإضافة الأعمال إلى ms4032 ضمير { هم } تفيد أنها ~~الأعمال التي عنوا بها وأعدوها لصالحهم أي نتركها لهم كما أرادوا لا ندخل ~~عليهم نقصا في ذلك . وهذه التوفية متفاوتة والقدر المشترك فيها بينهم هو ~~خلوهم من كلف الإيمان ومصاعب القيام بالحق والصبر على عصيان الهوى ، فكأنه ~~قيل نتركهم وشأنهم في ذلك . | # وقوله : { وهم فيها لا يبخسون } أي في الدنيا لا يجازون على كفرهم بجزاء ~~سلب بعض النعم عنهم بل يتركون وشأنهم استدراجا لهم وإمهالا . فهذا كالتكملة ~~لمعنى جملة { نوف إليهم أعمالهم فيها } ، إذ البخس هو الحط من الشيء والنقص ~~منه على ما ينبغي أن يكون عليه ظلما . وفي هذه الآية دليل لما رآه الأشعري ~~أن الكفر لا يمنع من نعمة الله . | # وضمير { فيها } يجوز أن يعود إلى { الحياة } وأن يعود إلى ( الأعمال ) . ~~| # وجملة { أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار } مستأنفة ، ولكن اسم ~~الإشارة يربط بين الجملتين ، وأتي باسم الإشارة لتمييزهم بتلك الصفات ~~المذكورة قبل اسم الإشارة . وفي اسم الإشارة تنبيه على أن المشار إليه ~~استحق ما يذكر PageV12P024 بعد اختياره من الحكم من أجل الصفات التي ذكرت ~~قبل اسم الإشارة كما تقدم في قوله : { أولئك على هدى من ربهم } في سورة ~~البقرة ( 5 ) . | # و { إلا النار } استثناء مفرغ من { ليس لهم } أي ليس لهم شيء مما يعطاه ~~الناس في الآخرة إلا النار . وهذا يدل على الخلود في النار فيدل على أن ~~هؤلاء كفار عندنا . | # والحبط : البطلان أي الانعدام . | # والمراد ب { ما صنعوا } ما عملوا ، ومن الإحسان من الدنيا كإطعام العفاة ~~ونحوه من مواساة بعضهم بعضا ، ولذلك عبر هنا ب { صنعوا } لأن الإحسان يسمى ~~صنيعة . | # وضمير { فيها } يجوز أن يعود إلى { الدنيا } المتحدث عنها فيتعلق المجرور ~~بفعل { صنعوا } . ويجوز أن يعود إلى { الآخرة } فيتعلق المجرور بفعل ( بطل ~~) ، أي انعدم أثره . ومعنى الكلام تنبيه على أن حظهم من النعمة هو ما يحصل ~~لهم في الدنيا وأن رحمة الله بهم لا تعدو ذلك . وقد قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم لعمر لما ذكر له فارس والروم وما ms4033 هم فيه من المتعة ( أولئك عجلت ~~لهم طيباتهم في الحياة الدنيا ) . | # والباطل : الشيء الذي يذهب ضياعا وخسرانا . | # | 2 ( 17 ) { أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب ~~موسى إماما ورحمة أولائك يؤمنون به ومن يكفر به من الاحزاب فالنار موعده ~~فلا تك فى مرية منه إنه الحق من ربك ولاكن أكثر الناس لا يؤمنون } . ) 2 # أغلقت معاني هذه الآية لكثرة الاحتمالات التي تعتورها من جهة معاد ~~الضمائر واسم الإشارة ، ومن جهة إجمال المراد من الموصول ، وموقع الاستفهام ~~، PageV12P025 وموقع فاء التفريع . وقد حكى ابن عطية وجوها كثيرة في تفسيره ~~بما لم يلخصه أحد مثله وتبعه القرطبي في حكاية بعضها . والاختلاف في ماصدق ~~{ من كان على بينة من ربه } . وفي المراد من { بينة من ربه } ، وفي المعني ~~ب { يتلوه } . وفي المراد من { شاهد } . وفي معاد الضمير المنصوب في قوله : ~~{ يتلوه } . وفي معنى ( من ) من قوله : { منه } ، وفي معاد الضمير المجرور ~~ب ( من ) . وفي موقع قوله : { من قبله } من قوله : { كتاب موسى } . وفي ~~مرجع اسم الإشارة من قوله : { أولئك يؤمنون به } . وفي معاد الضمير المجرور ~~بالباء من قوله : { يؤمنون به ومن يكفر به من الأحزاب } الخ فهذه مفاتيح ~~تفسير هذه الآية . | # والذي تخلص لي من ذلك ومما فتح الله به مما هو أوضح وجها وأقرب بالمعنى ~~المقصود شبها : أن الفاء للتفريع على جملة { أم يقولون افتراه إلى قوله : ~~فهل أنتم مسلمون } ( هود : 13 ، 14 ) وأن ما بينهما اعتراض لتقرير توغلهم ~~في المكابرة وابتعادهم عن الإيمان ، وهذا التفريع تفريع الضد على ضده في ~~إثبات ضد حكمه له ، أي إن كان حال أولئك المكذبين كما وصف فثم قوم هم بعكس ~~حالهم قد نفعتهم البينات والشواهد ، فهم يؤمنون بالقرآن وهم المسلمون وذلك ~~مقتضى قوله : { فهل أنتم مسلمون } ( هود : 14 ) ، أي كما أسلم من كانوا على ~~بينة من ربهم منكم ومن أهل الكتاب . | # والهمزة للاستفهام التقريري ، أي إن كفر به هؤلاء أفيؤمن به من كان على ~~بينة من ربه ، وهذا على نحو نظم ms4034 قوله تعالى : { أفمن حق عليه كلمة العذاب ~~أفأنت تنقذ من في النار } ( الزمر : 19 ) أي أنت تنقذ من النار الذي حق ~~عليه كلمة العذاب . | # و { من كان على بينة } لا يراد بها شخص معين . فكلمة ( من ) هنا تكون ~~كالمعرف بلام العهد الذهني صادقة على من تحققت له الصلة ، أعني أنه على ~~بينة من ربه . وبدون ذلك لا تستقيم الإشارة . وإفراد ضمائر { كان على بينة ~~من ربه } مراعاة للفظ ( من ) الموصولة وذلك أحد استعمالين . والجمع في قوله ~~: { أولئك يؤمنون } مراعاة لمعنى ( من ) الموصولة وذلك استعمال آخر . ~~والتقدير : PageV12P026 أفمن كانوا على بينة من ربهم أولئك يؤمنون به . ~~ونظير هذه الآية قوله تعالى : { أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء ~~عمله واتبعوا أهواءهم في سورة القتال ( 14 ) . | # والذين هم على بينة من ربهم يجوز أن يكونوا النصارى فقط فإنهم كانوا ~~منتشرين في العرب ويعرف أهل مكة كثيرا منهم ، وهم الذين عرفوا أحقية ~~الإسلام مثل ورقة بن نوفل ودحية الكلبي ، ويجوز أن يراد النصارى واليهود ~~مثل عبد الله بن سلام ممن آمن بعد الهجرة فدلوا على تمكنهم من معرفة البينة ~~لصحة أفهامهم ولوضوح دلالة البينة ، فأصحابها مؤمنون بها . | # والمراد بالبينة حجة مجيء الرسول المبشر به في التوراة والإنجيل . فكون ~~النصارى على بينة من ربهم قبل مجيء الإسلام ظاهر لأنهم لم يكذبوا رسولا ~~صادقا . وكون اليهود على بينة إنما هو بالنسبة لانتظارهم رسولا مبشرا به في ~~كتابهم وإن كانوا في كفرهم بعيسى عليه السلام ليسوا على بينة . فالمراد على ~~بينة خاصة يدل عليها سياق الكلام السابق من قوله : فاعلموا أنما أنزل بعلم ~~الله } ( هود : 14 ) ، ويعينها اللاحق من قوله : { أولئك يؤمنون به } أي ~~بالقرآن . | # و ( من ) في قوله : { من ربه } ابتدائية ابتداء مجازيا . ومعنى كونها من ~~ربه أنها من وحي الله ووصايته التي أشار إليها قوله تعالى : { وإذ أخذ الله ~~ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم ~~لتؤمنن به ولتنصرنه } ( آل عمران : 81 ) وقوله : { الذين يتبعون ms4035 الرسول ~~النبيء الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل } ( الأعراف : ~~157 ) . وذكر كتاب موسى وأنه من قبله يشير إلى أن البينة المذكورة هنا من ~~الأنجيل ، ويقوي أن المراد ب { من كان على بينة من ربه } النصارى . | # وفعل ( يتلوه ) مضارع التلو وهو الاتباع وليس من التلاوة ، أي يتبعه . ~~والاتباع مستعار للتأييد والاقتداء فإن الشاهد بالحق يحضر وراء المشهود له ~~. وضمير الغائب المنصوب في قوله : { يتلوه } عائد إلى { من كان على بينة من ~~ربه } . | PageV12P027 # والمراد ب { شاهد منه } شاهد من ربه ، أي شاهد من الله وهو القرآن لأنه ~~لإعجازه المعاندين عن الإتيان بعشر سور مثله كان حجة على أنه آت من جانب ~~الله . | # و { من } ابتدائية . وضمير { منه } عائد إلى { ربه } . ويجوز أن يعود إلى ~~{ شاهد } أي شاهد على صدقه كائن في ذاته وهو إعجازه إياهم عن الإتيان بمثله ~~. | # و { من قبله } حال من { كتاب موسى } . و { كتاب موسى } عطف على { شاهد ~~منه } والمراد تلوه في الاستدلال بطريق الارتقاء فإن النصارى يهتدون ~~بالإنجيل ثم يستظهرون على ما في الإنجيل بالتوراة لأنها أصله وفيها بيانه ، ~~ولذلك لما عطف { كتاب موسى } على { شاهد } الذي هو معمول { يتلوه } قيد ~~كتاب موسى بأنه من قبله ، أي ويتلوه شاهد منه . ويتلوه كتاب موسى حالة كونه ~~من قبل الشاهد أي سابقا عليه في النزول . وإذا كان المراد ب { من كان على ~~بينة من ربه } النصارى خاصة كان لذكر { كتاب موسى } إيماء إلى أن كتاب موسى ~~عليه السلام شاهد على صدق محمد صلى الله عليه وسلم ولم يذكر أهل ذلك الكتاب ~~وهم اليهود لأنهم لم يكونوا على بينة من ربهم كاملة من جهة عدم تصديقهم ~~بعيسى عليه السلام . | # و { إماما ورحمة } حالان ثناء على التوراة بما فيها من تفصيل الشريعة فهو ~~إمام يهتدى به ورحمة للناس يعملون بأحكامها فيرحمهم الله في الدنيا بإقامة ~~العدل وفي الآخرة بجزاء الاستقامة إذ الإمام ما يؤتم به ويعمل على مثاله . ~~| # والإشارة ب { أولئك } إلى { من كان على بينة من ربه } ، أي أولئك ms4036 الذين ~~كانوا على بينة من ربهم يؤمنون بالقرآن وليسوا مثلكم يا معشر المشركين ، ~~وذلك في معنى قوله تعالى : { فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا ~~بها بكافرين } ( الأنعام : 89 ) . | # وإقحام { أولئك } هنا يشبه إقحام ضمير الفصل ، وفيه تنبيه على أن ما بعده ~~من الخبر مسبب على ما قبل اسم الإشارة من الأوصاف وهي كونهم على بينة من ~~ربهم معضدة بشواهد من الأجيل والتوراة . | PageV12P028 # وجملة { أولئك يؤمنون به } خبر { من كان على بينة من ربه } . | # وضمير ( به ) عائد إلى القرآن المعلوم من المقام أو من تقدم ضميره في ~~قوله { أم يقولون افتراه } ( هود : 13 ) . | # وبه ينتظم الكلام مع قوله : { أم يقولون افتراه } إلى قوله : { فاعلموا ~~أنما أنزل بعلم الله } ( هود : 13 ، 14 ) أي يؤمنون بكون القرآن من عند ~~الله . | # والباء للتعدية لا للسببية ، فتعدية فعل ( يؤمنون ) إلى ضمير القرآن من ~~باب إضافة الحكم إلى الأعيان وإرادة أوصافها مثل { حرمت عليكم أمهاتكم } ( ~~النساء : 23 ) ، أي يؤمنون بما وصف به القرآن من أنه من عند الله . | # وحاصل معنى الآية وارتباطها بما قبلها { فهل أنتم مسلمون } ( هود : 14 ) ~~فإن الذين يؤمنون به هم الذين كانوا على بينة من ربهم مؤيدة بشاهد من ربهم ~~ومعضودة بكتاب موسى عليه السلام من قبل بينتهم . | # وقريب من معنى الآية قوله تعالى : { قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم ~~به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم } ( الأحقاف : 10 ) ~~فاستقام تفسير الآية تمام الاستقامة ، وأنت لا يعوزك تركيب الوجوه التي ~~تأول بها المفسرون مما يخالف ما ذكرناه كلا أو بعضا فبصرك فيها حديد ، ~~وبيدك لفتح مغالقها مقاليد . | # وجملة { ومن يكفر به من الأحزاب } عطف على جملة { أفمن كان على بينة من ~~ربه } لأنه لما حرض أهل مكة على الإسلام بقوله : { فهل أنتم مسلمون } ( هود ~~: 14 ) ، وأراهم القدوة بقوله : { أولئك يؤمنون به } ، عاد فحذر من الكفر ~~بالقرآن فقال : { ومن يكفر به من الأحزاب } ، وأعرض عما تبين له من بينة ~~ربه وشواهد رسله فالنار موعده . | # والأحزاب ms4037 : هم جماعات الأمم الذين يجمعهم أمر يجتمعون عليه ، فالمشركون ~~حزب ، واليهود حزب ، والنصارى حزب ، قال تعالى : { كذبت PageV12P029 قبلهم ~~قوم نوحح وعاد وفرعون ذو الأوتاد وثمود وقوم لوط وأصحاب ليكة أولئك الأحزاب ~~} ( ص : 12 ، 13 ) . | # والباء في { يكفر به } كالباء في { يؤمنون به } . | # والموعد : ظرف للوعد من مكان أو زمان . وأطلق هنا على المصير الصائر إليه ~~لأن شأن المكان المعين لعمل أن يعين به بوعد سابق . | # تفريع على جملة { ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده } والخطاب للنبيء ~~صلى الله عليه وسلم | # والنهي مستعمل كناية تعريضية بالكافرين بالقرآن لأن النهي يقتضي فساد ~~المنهي عنه ونقصه ، فمن لوازمه ذم المتلبس بالمنهي عنه . ولما كان المخاطب ~~غير مظنة للتلبس بالمنهي عنه فيطلب منه تركه ويكون النهي طلب تحصيل الحاصل ~~، تعين أن يكون النهي غير مراد به الكف والإقلاع عن المنهي عنه فيكون ~~مستعملا في لازم ذلك بقرينة المقام ، ومما يزيد ذلك وضوحا قوله تعالى في ~~سورة آلم السجدة ( 23 ) { ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه ~~} فإنه لو كان المقصود تحذير النبيء صلى الله عليه وسلم من الامتراء في ~~الوحي لما كان لتفريع ذلك على إيتاء موسى عليه السلام الكتاب ملازمة ، ولكن ~~لما كان المراد التعريض بالذين أنكروا الوحي قدم إليهم احتجاج سبق الوحي ~~لموسى عليه السلام . | # و { في } للظرفية المجازية المستعملة في تمكن التلبس نظرا لحال الذين ~~استعمل النهي كناية عن ذمهم فإنهم متلبسون بمزية شديدة في شأن القرآن . | ~~PageV12P030 # وضميرا الغيبة عائدان إلى القرآن الذي عاد إليه ضمير { افتراه } ( هود : ~~13 ) . | # وجملة { إنه الحق من ربك } مستأنفة تأكيد لما دلت عليه جملة { فلا تك في ~~مرية منه } من أنه لوضوح حقيته لا ينبغي أن يمترى في صدقه . وحرف التأكيد ~~يقوم مقام الأمر باعتقاد حقيته لما يدل عليه التأكيد من الاهتمام . | # والمرية : الشك . وهي مرادفة الامتراء المتقدم في أول الأنعام . واختير ~~النهي على المرية دون النهي عن اعتقاد أنه كذب كما هو حال المشركين ، لأن ~~النهي عن الامتراء فيه يقتضي ms4038 النهي عن الجزم بالكذب بالأولى ، وفيه تعريض ~~بأن ما فيه المشركون من اليقين بكذب القرآن أشد ذما وشناعة . | # و { من } ابتدائية ، أي في شك ناشىء عن القرآن ، وإنما ينشأ الشك عنه ~~باعتبار كونه شكا في ذاته وحقيقته لأن حقيقة القرآنية أنه كتاب من عند الله ~~، فالشك الناشىء على نزوله شك في مجموع حقيقته . وهذا مثل الضمير في قوله : ~~{ يؤمنون به } من غير احتياج إلى تقدير مضاف يؤول به إلى إضافة الحكم إلى ~~الأعيان المراد أوصافها . | # وتعريف { الحق } لإفادة قصر جنس الحق على القرآن . وهو قصر مبالغة لكمال ~~جنس الحق فيه حتى كأنه لا يوجد حق غيره مثل قولك : حاتم الجواد . | # والاستدراك بقوله : { ولكن أكثر الناس لا يؤمنون } ناشيء على حكم الحصر ، ~~فإن الحصر يقتضي أن يؤمن به كل من بلغه ولكن أكثر الناس لا يؤمنون . | # والإيمان هو التصديق بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من الدين . | # وحذف متعلق { يؤمنون } لأن المراد انتفاء حقيقة الإيمان عنهم في كل ما ~~طلب الإيمان به من الحق ، أي أن في طباع أكثر الناس تغليب الهوى على الحق ~~فإذا جاء ما يخالف هواهم لم يؤمنوا . | # | PageV12P031 # | 2 ( 18 ، 19 ) { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أولائك يعرضون على ~~ربهم ويقول الاشهاد هاؤلا ء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على ~~الظالمين * الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالاخرة هم كافرون ~~} . ) 2 # | $ # لما انقضى الكلام من إبطال زعمهم أن النبي صلى الله عليه وسلم افترى ~~القرآن ونسبه إلى الله ، وتعجيزهم عن برهان لما زعموه ، كر عليهم أن قد وضح ~~أنهم المفترون على الله عدة أكاذيب ، منها نفيهم أن يكون القرآن منزلا من ~~عنده . | # فعطفت جملة { ومن أظلم ممن افترى } على جملة { ومن يكفر به من الأحزاب ~~فالنار موعده } ( هود : 17 ) لبيان استحقاقهم النار على كفرهم بالقرآن ~~لأنهم كفروا به افتراء على الله إذ نسبوا القرآن إلى غير من أنزله ، وزعموا ~~أن الرسول صلى الله عليه وسلم افتراه ، فكانوا بالغين غاية الظلم ms4039 حتى لقد ~~يسأل عن وجود فريق أظلم منهم سؤال إنكار يؤول إلى معنى النفي ، أي لا أحد ~~أظلم . وقد تقدم نظيره في قوله تعالى : { ومن أظلم ممن منع مساجد الله } في ~~سورة البقرة ( 114 ) ، وفي سورة الأعراف ( 37 ) في قوله : { فمن أظلم ممن ~~افترى على الله كذبا أو كذب بآياته } . | # وافتراؤهم على الله هو ما وضعوه من دين الشرك ، كقولهم : إن الأصنام ~~شفعاؤهم عند الله ، وقولهم في كثير من أمور دينهم { والله أمرنا بها } ( ~~الأعراف : 28 ) . وقال تعالى : { ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ~~ولا حامم ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب } ( المائدة : 103 ) أي ~~إذ يقولون : أمرنا الله بذلك . | # وجملة { أولئك يعرضون على ربهم } استئناف . وتصديرها باسم الإشارة ~~للتنبيه على أنهم أحرياء بما سيرد بعد اسم الإشارة من الخبر بسبب ما قبل ~~اسم PageV12P032 الإشارة من الوصف ، وهذا أشد الظلم كما تقدم في { أولئك ~~على هدى من ربهم في سورة البقرة ( 5 ) . | # ولما يؤذن به اسم الإشارة من معنى تعليل ما قبله فيما بعده علم أن عرضهم ~~على ربهم عرض زجر وانتقام . | # والعرض إذا عدي بحرف ( على ) أفاد معنى الإحضار بإراءة . | # واختيار وصف السبب للإيماء إلى القدرة عليهم . | # وعطف فعل ( يقول ) على فعل ( يعرضون ) الذي هو خبر ، فهو عطف على جزء ~~الجملة السابقة وهو هنا ابتداء عطف جملة على جملة فكلا الفعلين مقصود ~~بالإخبار عن اسم الإشارة . | # والمعنى أولئك يعرضون على الله للعقاب ويعلن الأشهاد بأنهم كذبوا على ~~ربهم فضحا لهم . | # والأشهاد : جمع شاهد بمعنى حاضر ، أو جمع شهيد بمعنى المخبر بما عليهم من ~~الحق . وهؤلاء الأشهاد من الملائكة . | # واستحضارهم بطريق اسم الإشارة لتمييزهم للناس كلهم حتى يشتهر ما سيخبر به ~~عن حالهم ، والمقصود من ذلك شهرتهم بالسوء وافتضاحهم . | # والإتيان بالموصول في الخبر عنهم إيماء إلى سببية ذلك الوصف الذي في ~~الصلة فيما يرد عليهم من الحكم وهو ألا لعنة الله على الظالمين } ، على أن ~~المقصود تشهيرهم دون الشهادة . والمقصود من إعلان هذ الصفة التشهير والخزي ms4040 ~~لا إثبات كذبهم لأن إثبات ذلك حاصل في صحف أعمالهم ولذلك لم يسند العرض إلى ~~أعمالهم وأسند إلى ذواتهم في قوله : { أولئك يعرضون على ربهم } . | # وجملة { ألا لعنة الله على الظالمين } من بقية قول الأشهاد . وافتتاحها ~~بحرف التنبيه يناسب مقام التشهير ، والخبر مستعمل في الدعاء خزيا وتحقيرا ~~PageV12P033 لهم ، ومما يؤيد أنه من قول الأشهاد وقوع نظيره في سورة ~~الأعراف ( 44 ) مصرحا فيه بذلك { فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على ~~الظالمين } الآية . | # وقوله : { الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم كافرون ~~} تقدم نظيره في سورة الأعراف ( 45 ) . | # وضمير المؤنث في قوله : ( يبغونها ) عائد إلى سبيل الله لأن السبيل يجوز ~~اعتباره مؤنثا . | # والمعنى : أنهم يبغون أن تصير سبيل الله عوجاء ، فعلم أن سبيل الله ~~مستقيمة وأنهم يحاولون أن يصيروها عوجاء لأنهم يريدون أن يتبع النبي صلى ~~الله عليه وسلم دينهم ويغضبون من مخالفته إياه . وهنا انتهى كلام الأشهاد ~~لأن نظيره الذي في سورة الأعراف ( 44 ) في قوله : { فأذن مؤذن بينهم أن ~~لعنة الله على الظالمين } الآية انتهى بما يماثل آخر هذه الآية . | # واختصت هذه الآية على نظيرها في الأعراف بزيادة ( هم ) في قوله : { هم ~~كافرون } وهو توكيد يفيد تقوي الحكم لأن المقام هنا مقام تسجيل إنكارهم ~~البعث وتقريره إشعارا بما يترقبهم من العقاب المناسب فحكي به من كلام ~~الأشهاد ما يناسب هذا ، وما في سورة الأعراف حكاية لما قيل في شأن قوم ~~أدخلوا النار وظهر عقابهم فلا غرض لحكاية ما فيه تأكيد من كلام الأشهاد ، ~~وكلا المقالتين واقع وإنما يحكي البليغ فيما يحكيه ما له مناسبة لمقام ~~الحكاية . | # | 2 ( 20 ) { أولائك لم يكونوا معجزين فى الارض وما كان لهم من دون الله ~~من أوليآء يضاعف لهم العذاب ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون } . ~~) 2 # استئناف بياني ناشىء عن الاقتصار في تهديدهم على وصف بعض عقابهم في ~~الآخرة فإن ذلك يثير في نفس السامع أن يسأل : هل هم سالمون من عذاب الدنيا ~~. فأجيب بأنهم لم يكونوا معجزين في ms4041 الدنيا ، أي لا يخرجون عن مقدرة الله ~~على تعذيبهم في الدنيا إذا اقتضت حكمته تعجيل عذابهم . | PageV12P034 # وإعادة الإشارة إليهم بقوله : ( أولئك ) بعد أن أشير إليهم بقوله : { ~~أولئك يعرضون على ربهم } ( هود : 18 ) لتقرير فائدة اسم الإشارة السابق . ~~والمعنى : أنهم يصيرون إلى حكم ربهم في الآخرة ولم يكونوا معجزيه أن يعذبهم ~~في الدنيا متى شاء تعذيبهم ولكنه أراد إمهالهم . | # والمعجز هنا الذي أفلت ممن يروم إضراره . وتقدم بيانه عند قوله تعالى : { ~~إن ما توعدون لأت وما أنتم بمعجزين في سورة الأنعام ( 134 ) . | # والأرض : الدنيا . وفائدة ذكره أنهم لا ملجأ لهم من الله لو أراد ~~الانتقام منهم فلا يجدون موضعا من الأرض يستعصمون به . فهذا نفي للملاجيء ~~والمعاقل التي يستعصم فيها الهارب . وعندي أن مقارنة ( في الأرض ) ب ( ~~معجزين ) جرى مجرى المثل في القرآن كما في قوله تعالى : ومن لا يجب داعي ~~الله فليس بمعجز في الأرض } ( الأحقاف : 32 ) ولعله مما جرى كذلك في كلام ~~العرب كما يؤذن به قول إياس بن قبيصة الطائي من شعراء الجاهلية : | # ألم تر أن الأرض رحب فسيحة | # فهل تعجزني بقعة من بقاعها | # يجوز أن يكون المراد بالأول الأنصار ، أي ما لهم ناصر ينصرهم من دون الله ~~. فجمع لهم نفي سببي النجاة من عذاب القادر وهما المكان الذي لا يصل إليه ~~القادر أو معارضة قادر آخر إياه يمنعه من تسليط عقابه . و { من دون الله } ~~متعلق ب ( أولياء ) لما في الولي هنا من معاني الحائل والمباعد بقوله : { ~~ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا } ( النساء : 119 ~~) . | # ويجوز أن يراد بالأولياء الأصنام التي تولوها ، أي أخلصوا لها المحبة ~~والعبادة . | PageV12P035 # ومعنى نفي الأولياء عنهم بهذا المعنى نفي أثر هذا الوصف ، أي لم تنفعهم ~~أصنامهم وآلهتهم . | # و { من دون الله } على هذا الوجه بمعنى من غير الله ، ف ( دون ) اسم غير ~~ظرف ، و ( من ) الجارة ل ( دون ) زائدة تزاد في الظروف غير المتصرفة ، و ( ~~من ) الجارة ل ( أولياء ) زائدة لاستغراق الجنس المنفي ، أي ما كان لهم ms4042 فرد ~~من أفراد جنس الأولياء . | # والعذاب المضاعف هو عذاب الآخرة بقرينة قوله : { لم يكونوا معجزين في ~~الأرض } المشعر بتأخير العذاب عنهم في الدنيا لا عن عجز . | # خبر عن اسم الإشارة . ويجوز أن تكون جملة { لم يكونوا معجزين في الأرض } ~~خبرا أولا وجملة { يضاعف } خبرا ثانيا . ويجوز أن تكون جملة { لم يكونوا ~~معجزين } حالا وجملة { يضاعف } خبرا أول . | # يجوز أن يكون هذا خبرا عن اسم الإشارة أو حالا منه فتكون استطاعة السمع ~~المنفية عنهم مستعارة لكراهيتهم سماع القرآن وأقوال النبي صلى الله عليه ~~وسلم كما نفيت الإطاقة في قول الأعشى : | # وهل تطيق وداعا أيها الرجل | # أراد بنفي إطاقة الوداع عن نفسه أنه يحزن لذلك الحزن من الوداع فأشبه ~~الشيء غير المطاق وعبر هنا بالاستطاعة لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~PageV12P036 يدعوهم إلى استماع القرآن فيعرضون لأنهم يكرهون أن يسمعوه . ~~قال تعالى : { ويل لكل أفاكك أثيمم يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر ~~مستكبرا كأن لم يسمعها } ( الجاثية : 8 ) وقال : { وقال الذين كفروا لا ~~تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون } ( فصلت : 26 ) لأنهم لو ~~سمعوا ووعوا لاهتدوا لأن الكلام المسموع مشتمل على تركيب الأدلة ونتائجها ~~فسماعه كاف في حصول الاهتداء . | # والإبصار المنفي هو النظر في المصنوعات الدالة على الوحدانية ، أي ما ~~كانوا يوجهون أنظارهم إلى المصنوعات توجيه تأمل واعتبار بل ينظرون إليها ~~نظر الغافل عما فيها من الدقائق ، ولذلك لم يقل هنا : وما كانوا يستطيعون ~~أن يبصروا ، لأنهم كانوا يبصرونها ولكن مجرد الإبصار غير كاف في حصول ~~الاستدلال حتى يضم إليه عمل الفكر بخلاف السمع في قوله : { ما كانوا ~~يستطيعون السمع } . | # ويجوز أن تكون الجملة حالا ل ( أولياء ) ، وسوغ كونها حالا من النكرة أن ~~النكرة وقعت في سياق النفي . والمعنى : أنهم جعلوها آلهة لهم في حال أنها ~~لا تستطيع السمع ولا الإبصار . | # وإعادة ضمير جمع العقلاء على الأصنام على هذا الوجه منظور فيه إلى أن ~~المشركين اعتقدوها تعقل ، ففي هذا الإضمار مع نفي السمع والبصر عنها ضرب من ~~التهكم بهم ms4043 . | # والإتيان بأفعال الكون في هذه الجمل أربع مرات ابتداء من قوله : { أولئك ~~لم يكونوا معجزين إلى قوله وما كانوا يبصرون } لإفادة ما يدل عليه فعل ~~الكون من تمكن الحدث المخبر به فقوله : { لم يكونوا معجزين } آكد من : لا ~~يعجزون وكذلك أخواته . | # والاختلاف بين صيغ أفعال الكون إذ جاء أولها بصيغة المضارع والثلاثة بعده ~~بصيغة الماضي لأن المضارع المجزوم بحرف ( لم ) له معنى المضي فليس المخالفة ~~منها إلا تفننا . | # | PageV12P037 # | 2 ( 21 ، 22 ) { أولائك الذين خسرو ا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون ~~* لا جرم أنهم فى الاخرة هم الاخسرون } . ) 2 # | $ # استئناف ، واسم الإشارة هنا تأكيد ثان لاسم الإشارة في قوله : { أولئك ~~يعرضون على ربهم } ( هود : 18 ) . | # والموصول في { الذين خسروا أنفسهم } مراد به الجنس المعروف بهذه الصلة ، ~~أي إن بلغكم أن قوما خسروا أنفسهم فهم المفترون على الله كذبا ، وخسارة ~~أنفسهم عدم الانتفاع بها في الاهتداء ، فلما ضلوا فقد خسروها . | # وتقدم الكلام على { خسروا أنفسهم } عند قوله تعالى : { الذين خسروا ~~أنفسهم فهم لا يؤمنون } في سورة الأنعام ( 12 ) . | # والضلال : خطأ الطريق المقصود . | # و { ما كانوا يفترون } ما كانوا يزعمونه من أن الأصنام تشفع لهم وتدفع ~~عنهم الضر عند الشدائد ، قال تعالى : { فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون ~~الله قربانا آلهة بل ضلوا عنهم وذلك إفكهم وما كانوا يفترون } ( الأحقاف : ~~28 ) . | # وفي إسناد الضلال إلى الأصنام تهكم على أصحابها . شبهت أصنامهم بمن سلك ~~طريقا ليلحق بمن استنجد به فضل في طريقه . | # وجملة { لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون } مستأنفة فذلكة ونتيجة للجمل ~~المتقدمة من قوله : { أولئك يعرضون على ربهم } ( هود : 18 ) لأن ما جمع لهم ~~من الزج للعقوبة ومن افتضاح أمرهم ومن إعراضهم عن استماع النذر وعن النظر ~~في دلائل الوحدانية يوجب اليقين بأنهم الأخسرون في الآخرة . | # و ( لا جرم ) كلمة جزم ويقين جرت مجرى المثل ، وأحسب أن ( جرم ) مشتق مما ~~تنوسي ، وقد اختلف أيمة العربية في تركيبها ، وأظهر أقوالهم أن PageV12P038 ~~تكون ( لا ) من أول الجملة و ( جرم ) اسم بمعنى محالة ms4044 أي لا محالة أو بمعنى ~~بد أي لا بد . ثم يجيء بعدها أن واسمها وخبرها فتكون ( أن ) معمولة لحرف جر ~~محذوف . والتقدير : لا جرم من أن الأمر كذا . ولما فيها من معنى التحقيق ~~والتوثيق وتعامل معاملة القسم فيجيء بعدها في ما يصلح لجواب قسم نحو : لا ~~جرم لأفعلن . قاله عمرو بن معد يكرب لأبي بكر . | # وعبر عما لحقهم من الضر بالخسارة استعارة لأنه ضر أصابهم من حيث كانوا ~~يرجون المنفعة فهم مثل التجار الذين أصابتهم الخسارة من حيث أرادوا الربح . ~~| # وإنما كانوا أخسرين ، أي شديدي الخسارة لأنهم قد اجتمع لهم من أسباب ~~الشقاء والعذاب ما افترق بين الأمم الضالة . ولأنهم شقوا من حيث كانوا ~~يحسبونه سعادة قال تعالى : { قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم ~~في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا } ( الكهف : 103 ، 104 ) ~~فكانوا أخسرين لأنهم اجتمعت لهم خسارة الدنيا والآخرة . | # وضمير { هم الأخسرون } ضمير فصل يفيد القصر ، وهو قصر ادعائي ، لأنهم ~~بلغوا الحد الأقصى في الخسارة ، فكأنهم انفردوا بالأخسرية . | # | 2 ( 23 ) { إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات وأخبتو ا إلى ربهم أولائك ~~أصحاب الجنة هم فيها خالدون } . ) 2 # | $ # لما ذكر أحوال البالغين أقصى غايات الخسارة ذكر مقابلهم الذين بلغوا أعلى ~~درجات السعادة . فالجملة مستأنفة استئنافا بيانيا لأن النفوس تشرئب عند ~~سماع حكم الشيء إلى معرفة حكم ضده . | # والإخبات : الخضوع والتواضع ، أي أطاعوا ربهم أحسن طاعة . | # وموقع { أولئك } هنا مثل موقعه في الآية قبلها . | PageV12P039 # وجملة { هم فيها خالدون } في موقع البيان لجملة { أصحاب الجنة } لأن ~~الخلود في المكان هو أحق الأحوال بإطلاق وصف الصاحب على الحال بذلك المكان ~~إذ الأمكنة لا تقصد إلا لأجل الحلول فيها فتكون الجملة مستأنفة لبيان ما ~~قبلها فمنزلتها منزلة عطف البيان ، ولا تعرب في موضع خبر ثان عن اسم ~~الإشارة . وقد تقدم نظيرها في سورة البقرة ( 82 ) في قوله : { والذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون } . فعد إليه وزد إليه ~~ما هنا . | # | 2 ( 24 ) { مثل الفريقين كالاعمى والاصم والبصير ms4045 والسميع هل يستويان ~~مثلا أفلا تذكرون } . ) 2 # بعد أن تبين الاختلاف بين حال المشركين المفترين على الله كذبا وبين حال ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات في منازل الآخرة أعقب ببيان التنظير بين حالي ~~الفريقين المشركين والمؤمنين بطريقة تمثيل ما تستحقه من ذم ومدح . | # فالجملة فذلكة للكلام وتحصيل له وللتحذير من مواقعة سببه . | # والمثل ، بالتحريك : الحالة والصفة كما في قوله تعالى : { مثل الجنة التي ~~وعد المتقون } الآية من سورة الرعد ( 35 ) ، أي حالة الفريقين المشركين ~~والمؤمنين تشبه حال الأعمى الأصم من جهة وحال البصير السميع من الجهة ~~الأخرى ، فالكلام تشبيه وليس استعارة لوجود كاف التشبيه وهو أيضا تشبيه ~~مفرد لا مركب . | # والفريقان هما المعهودان في الذكر في هذا الكلام ، وهما فريق المشركين ~~وفريق المؤمنين ، إذ قد سبق ما يؤذن بهذين الفريقين من قوله : { ومن أظلم ~~ممن افترى على الله كذبا } ( هود : 18 ) . ثم قوله : { إن الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم } ( هود : 23 ) الآية . | PageV12P040 # والفريق : الجماعة التي تفارق ، أي يخالف حالها حال جماعة أخرى في عمل أو ~~نحلة . وتقدم عند قوله تعالى : { فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون ~~في سورة الأنعام ( 81 ) . | # شبه حال فريق الكفار في عدم الانتفاع بالنظر في دلائل وحدانية الله ~~الواضحة من مخلوقاته بحال الأعمى ، وشبهوا في عدم الانتفاع بأدلة القرآن ~~بحال من هو أصم . | # وشبه حال فريق المؤمنين في ضد ذلك بحال من كان سليم البصر ، سليم السمع ~~فهو في هدى ويقين من مدركاته . | # وترتيب الحالين المشبه بهما في الذكر على ترتيب ذكر الفريقين فيما تقدم ~~ينبىء بالمراد من كل فريق على طريقة النشر المرتب . والترتيب في اللف ~~والنشر هو الأصل والغالب . | # وقد علم أن المشبهين بالأعمى والأصم هم الفريق المقول فيهم ما كانوا ~~يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون } ( هود : 20 ) . | # والواو في قوله : { والأصم } للعطف على { الأعمى } عطف أحد المشبهين على ~~الآخر . وكذلك الواو في قوله : { والسميع } للعطف على { البصير } . | # وأما الواو في قوله : { والبصير } فهي لعطف التشبيه الثاني على الأول ، ~~وهو النشر بعد ms4046 اللف . فهي لعطف أحد الفريقين على الآخر ، والعطف بها ~~للتقسيم والقرينة واضحة . | # وقد يظن الناظر أن المناسب ترك عطف صفة { الأصم } على صفة { الأعمى } كما ~~لم يعطف نظيراهما في قوله تعالى : { صم بكم عمي في سورة البقرة ( 18 ) ظنا ~~بأن مورد الآيتين سواء في أن المراد تشبيه من جمعوا بين الصفتين . وذلك أحد ~~وجهين ذكرهما صاحب الكشاف . وقد أجاب أصحاب حواشي الكشاف بأن PageV12P041 ~~العطف مبني على تنزيل تغاير الصفات منزلة تغاير الذوات . ولم يذكروا لهذا ~~التنزيل نكتة ولعلهم أرادوا أنه مجرد استمال في الكلام كقول ابن زيابة : | # يا لهف زيابة للحارب ال | # صابح فالغانم فالآيب | # والوجه عندي في الداعي إلى عطف صفة الأصم } على صفة { الأعمى } أنه ملحوظ ~~فيه أن لفريق الكفار حالين كل حال منهما جدير بتشبيهه بصفة من تينك الصفتين ~~على حدة ، فهم يشبهون الأعمى في عدم الاهتداء إلى الدلائل التي طريق ~~إدراكها البصر ، ويشبهون الأصم في عدم فهم المواعظ النافعة التي طريق فهمها ~~السمع ، فهم في حالتين كل حال منهما مشبه به ، ففي قوله تعالى : { كالأعمى ~~والأصم } تشبيهان مفرقان كقول امرىء القيس : | # كأن قلوب الطير رطبا ويابسا | # لدى وكرها العناب والحشف البالي | # والذي في الآية تشبيه معقولين بمحسوسين ، واعتبار كل حال من حالي فريق ~~الكفار لا محيد عنه لأن حصول أحد الحالين كاف في جر الضلال إليهم بله ~~اجتماعهما ، إذ المشبه بهما أمر عدمي فهو في قوة المنفي . | # وأما الداعي إلى العطف في صفتي { البصير والسميع } بالنسبة لحال فريق ~~المؤمنين فبخلاف ما قررنا في حال فريق الكافرين لأن حال المؤمنين تشبه حالة ~~مجموع صفتي { البصير السميع } ، إذ الإهتداء يحصل بمجموع الصفتين فلو ثبتت ~~إحدى الصفتين وانتفت الأخرى لم يحصل الاهتداء إذ الأمران المشبه بهما أمران ~~وجوديان ، فهما في قوة الإثبات ؛ فتعين أن الكون الداعي إلى عطف { السميع } ~~على { البصير } في تشبيه حال فريق المؤمنين هو المزاوجة في العبارة لتكون ~~العبارة عن حال المؤمنين مماثلة للعبارة عن حال الكافرين في سياق الكلام ، ~~والمزاوجة من محسنات الكلام ومرجعها إلى ms4047 فصاحته . | PageV12P042 # وجملة { هل يستويان مثلا } واقعة موقع البيان للغرض من التشبيه وهو نفي ~~استواء حالهما ، ونفي الاستواء كناية عن التفضيل والمفضل منهما معلوم من ~~المقام ، أي معلوم تفضيل الفريق الممثل بالسميع والبصير على الفريق الممثل ~~بالأعمى والأصم . والاستفهام إنكاري . | # وانتصب { مثلا } على التمييز ، أي من جهة حالهما ، والمثل : الحال . | # والمقصود تنبيه المشركين لما هم فيه من الضلالة لعلهم يتداركون أمرهم ~~فلذلك فرع عليه بالفاء جملة { أفلا تذكرون } . | # والهمزة استفهام وإنكار انتفاء تذكرهم واستمرارهم في ضلالهم . | # وقرأ الجمهور ( تذكرون ) بتشديد الدال . وأصله تتذكرون ، فقلبت التاء ~~دالا لقرب مخرجيهما وليتأتى الإدغام تخفيفا . وقرأه حفص ، وحمزة ، والكسائي ~~بتخفيف الذال على حذف إحدى التاءين من أول الفعل . | # وفي مقابلة { الأعمى والأصم } ب { البصير والسميع } محسن الطباق . | # | 2 ( 25 ، 26 ) { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إنى لكم نذير مبين * أن لا ~~تعبدو ا إلا الله إنى أخاف عليكم عذاب يوم أليم } . ) 2 # | $ # انتقال من إنذار المشركين ووصف أحوالهم وما ناسب ذلك إلى موعظتهم بما ~~أصاب المكذبين قبلهم من المصائب ، وفي ذلك تسلية للنبيء صلى الله عليه وسلم ~~بما لاقاه الرسل عليهم السلام قبله من أقوامهم . | # فالعطف من عطف القصة على القصة وهي التي تسمى الواو الابتدائية . | # وأكدت الجملة بلام القسم و { قد } لأن المخاطبين لما غفلوا عن الحذر مما ~~بقوم نوح مع مماثلة حالهم نزلوا منزلة المنكر لوقوع رسالته . | PageV12P043 # وقرأ نافع ، وعاصم ، وابن عامر ، وحمزة { إني } بكسر الهمزة على أنه محكي ~~بفعل قول محذوف في محل حال ، أي قائلا . | # وقرأه ابن كثير ، وأبو عمرو ، والكسائي ، وأبو جعفر ، ويعقوب ، وخلف بفتح ~~الهمزة على تقدير حرف جر وهو الباء للملابسة ، أي أرسلناه متلبسا بذلك ، أي ~~بمعنى المصدر المنسبك من ( أني نذير ) ، أي متلبسا بالنذارة البينة . | # وتقدم الكلام على نوح عليه السلام وقومه عند قوله تعالى : { إن الله ~~اصطفى آدم ونوحا } في آل عمران ( 33 ) . وعند قوله : { لقد أرسلنا نوحا إلى ~~قومه } في سورة الأعراف ( 59 ) . | # وجملة { ألا تعبدوا إلا الله } مفسرة لجملة { أرسلنا } لأن الإرسال فيه ~~معنى ms4048 القول دون حروفه ، ويجوز كونها تفسيرا ل { نذير } لما في { نذير } من ~~معنى القول ، كقوله في سورة نوح ( 2 ، 3 ) { قال يا قوم إني لكم نذير مبين ~~أن اعبدوا الله واتقوه } . وهذا الوجه متعين على قراءة فتح همزة ( أني ) ~~إذا اعتبرت ( أن ) تفسيرية . ويجوز جعل ( أن ) مخففة من الثقيلة فيكون بدلا ~~من { أني لكم نذير مبين } على قراءة فتح الهمزة واسمها ضمير شأن محذوفا ، ~~أي أنه لا تعبدوا إلا الله . | # وجملة { إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم } تعليل ل { نذير } لأن شأن ~~النذارة أن تثقل على النفوس وتخزهم فكانت جديرة بالتعليل لدفع حرج ما ~~يلاقونه . | # ووصف اليوم بالأليم مجاز عقلي ، وهو أبلغ من أن يوصف العذاب بالأليم ، ~~لأن شدة العذاب لما بلغت الغاية جعل زمانه أليما ، أي مؤلما . | # وجملة { أخاف عليكم } ونحوها مثل أخشى عليك ، تستعمل للتوقع في الأمر ~~المظنون أو المقطوع به باعتبار إمكان الانفلات من المقطوع به ، كقول لبيد : ~~| # أخشى على أربد الحتوف ولا | # أخشى عليه الرياح والمطرا | # فيتعدى الفعل بنفسه إلى الخوف منه ويتعدى إلى المخوف عليه بحرف ( على ) ~~كما في الآية وبيت لبيد . | PageV12P044 # و ( العذاب ) هنا نكرة في المعنى ، لأنه أضيف إلى نكرة فكان محتملا لعذاب ~~الدنيا وعذاب الآخرة . فأما عذاب الدنيا فليس مقطوعا بنزوله بهم ولكنه ~~مظنون من نوح عليه السلام بناء على ما علمه من عناية الله بإيمان قومه وما ~~أوحي إليه من الحرص في التبليغ ، فعلم أن شأن ذلك أن لا يترك من عصوه دون ~~عقوبة . ولذلك قال في كلامه الآتي { إنما يأتيكم به الله إن شاء } ( هود : ~~33 ) على ما يأتي هنالك . وكان العذاب شاملا لعذاب الآخرة أيضا إن بقوا على ~~الكفر ، وهو مقطوع به لأن الله يقرن الوعيد بالدعوة ، فلذلك قال نوح عليه ~~السلام في كلامه الآتي { وما أنتم بمعجزين } ( هود : 33 ) ، وقد تبادر إلى ~~أذهان قومه عذاب الدنيا لأنهم لا يؤمنون بالبعث فلذلك قالوا في كلامهم ~~الآتي { فأتنا بما تعدنا إن كنتم من الصادقين } ( هود : 32 ) . ولعل في ~~كلام نوح ms4049 عليه السلام ما تفيدهم أنه توعدهم بعذاب في الدنيا وهو الطوفان . ~~| # | 2 ( 27 ) { فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا وما ~~نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادى الرأى وما نرى لكم علينا من فضل بل ~~نظنكم كاذبين } . ) 2 # عطف قول الملأ من قومه بالفاء على فعل { أرسلنا } ( هود : 25 ) للإشارة ~~إلى أنهم بادروه بالتكذيب والمجادلة الباطلة لما قال لهم : { إني لكم نذير ~~مبين } ( هود : 25 ) إلى آخره . ولم تقع حكاية ابتداء محاورتهم إياه ب ( ~~قال ) مجردا عن الفاء كما وقع في الأعراف لأن ابتداء محاورته إياهم هنا لم ~~يقع بلفظ القول فلم يحك جوابهم بطريقة المحاورات بخلاف آية الأعراف . | # والملأ : سادة القوم . وتقدم عند قوله تعالى : { قال الملأ من قومه إنا ~~لنراك في ضلال مبين } في سورة الأعراف ( 60 ) . | PageV12P045 # جزموا بتكذيبه فقدموا لذلك مقدمات استخلصوا منها تكذيبه ، وتلك مقدمات ~~باطلة أقاموها على ما شاع بينهم من المغالطات الباطلة التي روجها الإلف ~~والعادة فكانوا يعدون التفاضل بالسؤدد وهو شرف مصطلح عليه قوامه الشجاعة ~~والكرم ، وكانوا يجعلون أسباب السؤدد أسبابا مادية جسدية ، فيسودون أصحاب ~~الأجسام البهجة كأنهم خشب مسندة لأنهم ببساطة مداركهم العقلية يعظمون حسن ~~الذوات ، ويسودون أهل الغنى لأنهم يطمعون في نوالهم ، ويسودون الأبطال ~~لأنهم يعدونهم لدفاع أعدائهم . ثم هم يعرفون أصحاب تلك الخلال إما ~~بمخالطتهم وإما بمخالطة أتباعهم فإذا تسامعوا بسيد قوم ولم يعرفوه تعرفوا ~~أتباعه وأنصاره ، فإن كانوا من الأشراف والسادة علموا أنهم ما اتبعوه إلا ~~لما رأوا فيه من موجبات السيادة ؛ وهذه أسباب ملائمة لأحوال أهل الضلالة إذ ~~لا عناية لهم بالجانب النفساني من الهيكل الإنساني . | # فلما دعاهم نوح عليه السلام دعوة علموا منها أنه يقودهم إلى طاعته ففكروا ~~وقدروا فرأوا الأسباب المألوفة بينهم للسؤدد مفقودة من نوح عليه السلام ومن ~~الذين اتبعوه فجزموا بأنه غير حقيق بالسيادة عليهم فجزموا بتكذيبه فيما ~~ادعاه من الرسالة بسيادة للأمة وقيادة لها . | # وهؤلاء لقصود عقولهم وضعف مداركهم لم يبلغوا إدراك أسباب الكمال الحق ، ~~فذهبوا يتطلبون الكمال ms4050 من أعراض تعرض للناس بالصدفة من سعة مال ، أو قوة ~~أتباع ، أو عزة قبيلة . وتلك أشياء لا يطرد أثرها في جلب النفع العام ولا ~~إشعار لها بكمال صاحبها إذ يشاركه فيها أقل الناس عقولا ، والحيوان الأعجم ~~مثل البقرة بما في ضرعها من لبن ، والشاة بما على ظهرها من صوف ، بل غالب ~~حالها أنها بضد ذلك . | # وربما تطلبوا الكمال في أجناس غير مألوفة كالجن ، أو زيادة خلقة لا أثر ~~لها في عمل المتصف بها مثل جمال الصورة وكمال القامة ، وتلك وإن كانت ~~ملازمة لموصوفاتها لكنها لا تفيدهم أن يكونوا مصادر كمالات ، PageV12P046 ~~فقد يشاركهم فيها كثير من العجماوات كالظباء والمها والطواويس ، فإن ارتقوا ~~على ذلك تطلبوا الكمال في أسباب القوة والعزة من بسطة الجسم وإجادة الرماية ~~والمجالدة والشجاعة على لقاء العدو . وهذه أشبه بأن تعد في أسباب الكمال ~~ولكنها مكملات للكمال الإنساني لأنها آلات لإنقاذ المقاصد السامية عند أهل ~~العقول الراجحة والحكمة الإلهية كالأنبياء والملوك الصالحين ، وبدون ذلك ~~تكون آلات لإنفاذ المقاصد السيئة مثل شجاعة أهل الحرابة وقطاع الطريق ~~والشطار ، ومثل القوة على خلع الأبواب لاقتحام منازل الآمنين . | # وإنما الكمال الحق هو زكاء النفس واستقامة العقل ، فهما السبب المطرد ~~لإيصال المنافع العامة لما في هذا العالم ، ولهما تكون القوى المنفذة خادمة ~~كالشجاعة للمدافعين عن الحق والملجئين للطغاة على الخنوع إلى الدين ، على ~~أن ذلك معرض للخطأ وغيبة الصواب فلا يكون له العصمة من ذلك إلا إذا كان ~~محفوفا بالإرشاد الإلهي المعصوم ، وهو مقام النبوءة والرسالة . | # فهؤلاء الكفرة من قوم نوح لما قصروا عن إدراك أسباب الكمال وتطلبوا ~~الأسباب من غير مكانها نظروا نوحا عليه السلام وأتباعه فلم يروه من جنس غير ~~البشر ، وتأملوه وأتباعه فلم يروا في أجسامهم ما يميزهم عن الناس وربما كان ~~في عموم الأمة من هم أجمل وجوها أو أطول أجساما . | # من أجل ذلك أخطأوا الاستدلال فقالوا : { ما نراك إلا بشرا مثلنا } ~~فأسندوا الاستدلال إلى الرؤية . والرؤية هنا رؤية العين لأنهم جعلوا ~~استدلالهم ضروريا من المحسوس من أحوال الأجسام ms4051 ، أي ما نراك غير إنسان ، ~~وهو مماثل للناس لا يزيد عليهم جوارح أو قوائم زائدة . | # والبشر محركة : الإنسان ذكرا أو أنثى ، واحدا كان أو جمعا . قال الراغب : ~~( عبر عن الإنسان بالبشر اعتبارا بظهور بشرته وهي جلده من الشعر بخلاف ~~الحيوانات التي عليها الصوف والشعر والوبر ) أي والريش . والبشر مرادف ~~PageV12P047 الإنسان فيطلق كما يطلق الإنسان على الواحد والأكثر ، والمؤنث ~~والمذكر . وقد يثنى كما في قوله تعالى : { أنؤمن لبشرين مثلنا } ( المؤمنون ~~: 47 ) . | # وقالوا : { وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا } فجعلوا أتباع الناس ~~المعدودين في عادتهم أراذل محقورين دليلا على أنه لا ميزة له على سادتهم ~~الذين يلوذ بهم أشراف القوم وأقوياؤهم . فنفوا عنه سبب السيادة من جهتي ~~ذاته وأتباعه ، وذلك تعريض بأنهم لا يتبعونه لأنهم يترفعون عن مخالطة ~~أمثالهم وأنه لو أبعدهم عنه لاتبعوه ، ولذلك ورد بعده { وما أنا بطارد ~~الذين آمنوا } ( هود : 29 ) الآية . | # والأرذال : جمع أرذل المجعول اسما غير صفة كذلك على القياس ، أو جمع رذيل ~~على خلاف القياس . والرذيل : المحتقر . وأرادوا أنهم من لفيف القوم غير ~~سادة ولا أثرياء . وإضافة ( أراذل ) إلى ضمير جماعة المتكلمين لتعيين ~~القبيلة ، أي أراذل قومنا . وعبر عنهم بالموصول والصلة دون أن يقال : إلا ~~أراذلنا لحكاية أن في كلام الذين كفروا إيماء إلى شهرة أتباع نوح عليه ~~السلام بين قومهم بوصف الرذالة والحقارة ، وكان أتباع نوح عليه السلام من ~~ضعفاء القوم ولكنهم من أزكياء النفوس ممن سبق لهم الهدى . | # و { بادي } قرأه الجمهور بياء تحتية في آخره على أنه مشتق من بدا المقصور ~~إذا ظهر ، وألفه منقلبة عن الواو لما تحركت وانفتح ما قبلها ، فلما صيغ منه ~~وزن فاعل وقعت الواو متطرفة إثر كسرة فقلبت ياء . والمعنى فيما يبدو لهم من ~~الرأي دون بحث عن خفاياه ودقائقه . | # وقرأه أبو عمرو وحده بهمزة في آخره على أنه مشتق من البداء ، وهو أول ~~الشيء . | # والمعنى : فيما يقع أول الرأي ، أي دون إعادة النظر لمعرفة الحق من ~~التمويه ، ومآل المعنيين واحد . | # والرأي : نظر العقل ، مشتق من فعل ms4052 رأى ، كما استعمل رأى بمعنى ظن وعلم . ~~| PageV12P048 # يعنون أن هؤلاء قد غرتهم دعوتك فتسرعوا إلى متابعتك ولو أعادوا النظر ~~والتأمل لعلموا أنك لا تستحق أن تتبع . | # وانتصاب { بادى الرأي } بالنيابة عن الظرف ، أي في وقت الرأي دون بحث عن ~~خفيه ، أو في الرأي الأول دون إعادة نظر . | # وإضافة { بادى } إلى { الرأي } من إضافة الصفة إلى الموصوف ، ومعنى ~~كلامهم : لا يلبث أن يرجع إلى متبعيك رشدهم فيعيدوا التأمل في وقت آخر ~~ويكشف لهم خطؤهم . | # ولما وصفوا كل فريق من التابع والمتبوع بما ينفي سيادة المتبوع وتزكية ~~التابع جمعوا الوصف الشامل لهما . وهو المقصود من الوصفين المفرقين . وذلك ~~قولهم : { وما نرى لكم علينا من فضل } فنفوا أن يكون لنوح عليه السلام ~~وأتباعه فضل على الذين لم يؤمنوا به حتى يكون نوح عليه السلام سيدا لهم ~~ويكون أتباعه مفضلين بسيادة متبوعهم . | # والفضل : الزيادة في الشرف والكمال ، والمراد هنا آثاره وعلاماته لأنها ~~التي ترى ، فجعلوا عدم ظهور فضل لهم عليهم دليلا على انتفاء فضلهم ، لأن ~~الشيء الذي لا تخفى آثاره يصح أن يجعل انتفاء رؤيتها دليلا على انتفائها إذ ~~لو ثبتت لرئيت . | # وجملة { بل نظنكم كاذبين } إبطال للمنفي كله الدال على صدقه في دعواه ~~بإثبات ضد المنفي ، وهو ظنهم إياهم كاذبين لأنه إذا بطل الشيء ثبت ضده ، ~~فزعموا نوحا عليه السلام كاذبا في دعوى الرسالة وأتباعه كاذبين في دعوى ~~حصول اليقين بصدق نوح عليه السلام ، بل ذلك منهم اعتقاد باطل ، وهذا الظن ~~الذي زعموه مستند إلى الدليل المحسوس في اعتقادهم . | # واستعمل الظن هنا في العلم كقوله : { الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم } ( ~~البقرة : 46 ) وهو إطلاق شائع في الكلام . | # | PageV12P049 # | 2 ( 28 ) { قال ياقوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربى وءاتانى رحمة من ~~عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون } . ) 2 # | $ # فصلت جملة { قال يا قوم } عن التي قبلها على طريقة حكاية الأقوال في ~~المحاورات كما قدمناه عند قوله تعالى : { وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في ~~الأرض خليفة في سورة البقرة ( 30 ) ، فهذه لما ms4053 وقعت مقابلا لكلام محكي يقال ~~فصلت الجملة ولم تعطف بخلاف ما تقدم آنفا في قوله : فقال الملأ الذين كفروا ~~من قومه } ( هود : 27 ) . | # وافتتاح مراجعته بالنداء لطلب إقبال أذهانهم لوعي كلامه ، كما تقدم في ~~نظيرها في سورة الأعراف ، واختيار استحضارهم بعنوان قومه لاستنزال طائر ~~نفورهم تذكيرا لهم بأنه منهم فلا يريد لهم إلا خيرا . | # وإذ قد كان طعنهم في رسالته مدللا بأنهم ما رأوا له مزية وفضلا ، وما ~~رأوا أتباعه إلا ضعفاء قومهم وإن ذلك علامة كذبه وضلال أتباعه ، سلك نوح ~~عليه السلام في مجادلتهم مسلك إجمال لإبطال شبهتهم ثم مسلك تفصيل لرد ~~أقوالهم ، فأما مسلك الإجمال فسلك فيه مسلك القلب بأنهم إن لم يروا فيه وفي ~~أتباعه ما يحمل على التصديق برسالته ، فكذلك هو لا يستطيع أن يحملهم على ~~رؤية المعاني الدالة على صدقه ولا يستطيع منع الذين آمنوا به من متابعته ~~والاهتداء بالهدي الذي جاء به . | # فقوله : { أرأيتم إن كنت على بينة من ربي } إلى آخره . معناه إن كنت ذا ~~برهان واضح ، ومتصفا برحمة الله بالرسالة بالهدى فلم تظهر لكم الحجة ولا ~~دلائل الهدى ، فهل ألزمكم أنا وأتباعي بها ، أي بالإذعان إليها والتصديق ~~PageV12P050 بها إن أنتم تكرهون قبولها . وهذا تعريض بأنهم لو تأملوا تأملا ~~بريئا من الكراهية والعداوة لعلموا صدق دعوته . | # و { أرأيتم } ، استفهام عن الرؤية بمعنى الإعتقاد . وهو استفهام تقريري ~~إذا كان فعل الرؤية غير عامل في مفرد فهو تقرير على مضمون الجملة السادة ~~مسد مفعولي ( رأيتم ) ، ولذلك كان معناه آيلا إلى معنى أخبروني ، ولكنه لا ~~يستعمل إلا في طلب من حاله حال من يجحد الخبر ، وقد تقدم معناه في قوله ~~تعالى : { قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة } في سورة الأنعام ( ~~47 ) . | # وجملة { إن كنت على بينة من ربي إلى قوله فعميت عليكم } معترضة بين فعل { ~~أرأيتم } وما سد مسد مفعوليه . | # والاستفهام في { أنلزمكموها } إنكاري ، أي لا نكرهكم على قبولها ، فعلق ~~الإلزام بضمير البينة أو الرحمة . والمراد تعليقه بقبولها بدلالة القرينة . ~~| # والبينة : الحجة الواضحة ms4054 ، وتطلق على المعجزة ، فيجوز أن تكون معجزته ~~الطوفان ، ويجوز أن تكون له معجزات أخرى لم تذكر ، فإن بعثة الرسل عليهم ~~السلام لا تخلو من معجزات . | # والمراد بالرحمة نعمة النبوءة والتفضيل عليهم الذي أنكروه ، مع ما صحبها ~~من البينة لأنها من تمامها ، فعطف ( الرحمة ) على ( البينة ) يقتضي ~~المغايرة بينهما ، وهي مغايرة بالعموم والخصوص لأن الرحمة أعم من البينة إذ ~~البينة على صدقه من جملة الرحمة به ، ولذلك لما أعيد الضمير في قوله : { ~~فعميت } أعيد على ( الرحمة ) لأنها أعم . | # و { عليكم } متعلقة ب ( عميت ) وهو حرف تتعدى به الأفعال الدالة على معنى ~~الخفاء ، مثل : خفي عليك . ولما كان عمي في معنى خفي عدي ب ( على ) ، وهو ~~للاستعلاء المجازي أي التمكن ، أي قوة ملازمة البينة والرحمة له . | ~~PageV12P051 # واختيار وصف الرب دون اسم الجلالة للدلالة على أن إعطاءه البينة والرحمة ~~فضل من الله أراد به إظهار رفقه وعنايته به . | # ومعنى { فعميت } فخفيت ، وهو استعارة ، إذ شبهت الحجة التي لم يدركها ~~المخاطبون كالعمياء في أنها لم تصل إلى عقولهم كما أن الأعمى لا يهتدي ~~للوصول إلى مقصده فلا يصل إليه . ولما ضمن معنى : الخفاء عدي فعل ( عميت ) ~~بحرف ( على ) تجريدا للاستعارة . وفي ضد هذه الاستعارة جاء قوله تعالى : { ~~وآتينا ثمود الناقة مبصرة } ( الإسراء : 59 ) ، أي آتيناهم آية واضحة لا ~~يستطاع جحدها لأنها آية محسوسة ، ولذلك سمي جحدهم إياها ظلما فقال : { ~~فظلموا بها } ( الإسراء : 59 ) . | # ومن بديع هذه الاستعارة هنا أن فيها طباقا لمقابلة قولهم في مجادلتهم { ~~ما نراك إلا بشرا وما نراك اتبعك وما نرى لكم علينا من فضل } ( هود : 27 ) ~~. فقابل نوح عليه السلام كلامهم مقابلة بالمعنى واللفظ إذ جعل عدم رؤيتهم ~~من قبيل العمى . | # وعطف ( عميت ) بفاء التعقيب إيماء إلى عدم الفترة بين إيتائه البينة ~~والرحمة وبين خفائها عليهم . وهو تعريض لهم بأنهم بادروا بالإنكار قبل ~~التأمل . | # وجملة { أنلزمكموها } سادة مسد مفعولي { أرأيتم } لأن الفعل علق عن العمل ~~بدخول همزة الاستفهام . | # وجواب الشرط محذوف دل عليه فعل { أرأيتم } وما سد مسد مفعوليه . وتقدير ms4055 ~~الكلام : قال يا قوم إن كنت على بينة من ربي إلى آخره أترون أنلزمكم قبول ~~البينة وأنتم لها كارهون . | # وجيء بضمير المتكلم المشارك هنا للإشارة إلى أن الإلزام لو فرض وقوعه ~~لكان له أعوان عليه وهم أتباعه فأراد أن لا يهمل ذكر أتباعه وأنهم أنصار له ~~لو شاء أن يهيب بهم . والقصد من ذلك التنويه بشأنهم في مقابلة تحقير ~~الآخرين إياهم . | PageV12P052 # والاستفهام إنكاري ، أي ما كان لنا ذلك لأن الله لم يأمره بإكراههم ~~إعراضا عن العناية بهم فترك أمرهم إلى الله ، وذلك أشد في توقع العقاب ~~العظيم . | # والكاره : المبغض لشيء . وعدي باللام إلى مفعوله لزيادة تقوية تعلق ~~الكراهية بالرحمة أو البينة ، أي وأنتم مبغضون قبولها لأجل إعراضكم عن ~~التدبر فيها . | # وتقديم المجرور على { كارهون } لرعاية الفاصلة مع الاهتمام بشأنها . ~~والمقصود من كلامه بعثهم على إعادة التأمل في الآيات . وتخفيض نفوسهم . ~~واستنزالهم إلى الإنصاف . وليس المقصود معذرتهم بما صنعوا ولا العدول عن ~~تكرير دعوتهم . | # | 2 ( 29 ) { وياقوم لا أسألكم عليه مالا إن أجرى إلا على الله ومآ أنا ~~بطارد الذين ءامنو ا إنهم ملاقو ربهم ولاكنى أراكم قوما تجهلون } . ) 2 # | $ # إعادة الخطاب ب { يا قوم } تأكيد لما في الخطاب به أول مرة من المعاني ~~التي ذكرناها ، وأما عطف النداء بالواو مع أن المخاطب به واحد وشأن عطف ~~النداء أن يكون عند اختلاف المنادى ، كقول المعري : | # يا ساهر البرق أيقظن راقد السمر | # لعل بالجزع أعوانا على السهر | # ثم قال : | # ويا أسيرة حجليها أرى سفها | # حمل الحلي بمن أعيا عن النظر | # فأما إذا اتحد المنادى فالشأن عدم العطف كما في قصة إبراهيم عليه السلام ~~في سورة مريم ( 42 45 ) { إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ~~إلى قوله وليا } فقد تكرر النداء أربع مرات . | PageV12P053 # فتعين هنا أن يكون العطف من مقول نوح عليه السلام لا من حكاية الله عنه . ~~ثم يجوز أن يكون تنبيها على اتصال النداءات بعضها ببعض ، وأن أحدها لا يغني ~~عن الآخر ، ولا يكون ذلك ms4056 من قبيل الوصل لأن النداء افتتاح كلام فجملته ~~ابتدائية وعطفها إذا عطفت مجرد عطف لفظي . ويجوز أن يكون ذلك تفننا عربيا ~~في الكلام عند تكرر النداء استحسانا للمخالفة بين التأكيد والمؤكد . وسيجيء ~~نظير هذا قريبا في قصة هود عليه السلام وقصة شعيب عليه السلام . | # ومنه ما وقع في سورة المؤمن ( 30 33 ) في قوله : { وقال الذي آمن يا قوم ~~إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب مثل دأب قوم نوحح وعاد وثمود والذين من ~~بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد يوم ~~تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم ثم قال : وقال الذي آمن يا قوم ~~اتبعونن أهدكم سبيل الرشاد ، يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن ~~الآخرة هي دار القرار ، من عملئة فلا يجزى إلا مثلها ومن عمل صالحا من ذكر ~~أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حسابب ويا قوم ما ~~لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار } ( غافر : 38 41 ) . فعطف ( ويا ~~قوم ) تارة وترك العطف أخرى . | # وأما مع اختلاف الوصف المنادى به فقد جاء العطف وهو أظهر لما في اختلاف ~~وصف المنادى من شبه التغاير كقول قيس بن عاصم ، وقيل حاتم الطائيء : | # أيا ابنة عبد الله وابنة مالك | # ويا ابنة ذي البردين والفرس الورد | # فقوله : ( ويابنة ذي البردين ) عطف نداء على نداء والمنادى بهما واحد . | # لما أظهر لهم نوح عليه السلام أنه يجبرهم على إيمان يكرهونه انتقل إلى ~~تقريبهم من النظر في نزاهة ما جاءهم به ، وأنه لا يريد نفعا دنيويا بأنه لا ~~يسألهم على ما جاء به مالا يعطونه إياه ، فماذا يتهمونه حتى يقطعون بكذبه . ~~| PageV12P054 # والضمير في قوله : { عليه } عائد إلى المذكور بمنزلة اسم الإشارة في قوله ~~{ ومن يفعل ذلك } فإن الضمير يعامل معاملة اسم الإشارة . | # وجملة { إن أجري إلا على الله } احتراس لأنه لما نفى أن يسألهم مالا ، ~~والمال أجر ، نشأ توهم أنه لا يسأل جزاء على الدعوة فجاء بجملة { إن أجري ~~إلا على ms4057 الله } احتراسا . والمخالفة بين العبارتين في قوله : { مالا } و { ~~أجري } تفيد أنه لا يسأل من الله مالا ولكنه يسأل ثوابا . والأجر : العوض ~~على عمل . ويسمى ثواب الله أجرا لأنه جزاء على العمل الصالح . | # وعطف جملة { وما أنا بطارد الذين آمنوا } على جملة { لا أسألكم عليه مالا ~~} لأن مضمونها كالنتيجة لمضمون المعطوف عليها لأن نفي طمعه في المخاطبين ~~يقتضي أنه لا يؤذي أتباعه لأجل إرضاء هؤلاء . ولذلك عبر عن أتباعه بطريق ~~الموصولية بقوله : { الذين آمنوا } لما يؤذن به الموصول من تغليظ قومه في ~~تعريضهم له بأن يطردهم بما أنهم لا يجالسون أمثالهم إيذانا بأن إيمانهم ~~يوجب تفضيلهم على غيرهم الذين لم يؤمنوا به والرغبة فيهم فكيف يطردهم . ~~وهذا إبطال لما اقتضاه قولهم : { وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا } ( ~~هود : 27 ) من التعريض بأنهم لا يماثلونهم في متابعته . | # والطرد : الأمر بالبعد عن مكان الحضور تحقيرا أو زجرا . وتقدم عند قوله ~~تعالى : { ولا تطرد الذين يدعون ربهم في سورة الأنعام ( 52 ) . | # وجملة إنهم ملاقوا ربهم } في موضع التعليل لنفي أن يطردهم بأنهم صائرون ~~إلى الله في الآخرة فمحاسب من يطردهم ، هذا إذا كانت الملاقاة على الحقيقة ~~، أو أراد أنهم يدعون ربهم في صلاتهم فينتصر الله لهم إذا كانت الملاقاة ~~مجازية ، أو أنهم ملاقو ربهم حين يحضرون مجلس دعوتي لأني أدعو إلى الله لا ~~إلى شيء يخصني فهم عند ملاقاتي كمن يلاقون ربهم لأنهم يتلقون ما أوحى الله ~~إلي . وهذا كقول النبي صلى الله عليه وسلم في قصة النفر الثلاثة الذين ~~PageV12P055 حضروا مجلس النبي صلى الله عليه وسلم فجلس أحدهم ، واستحيا ~~أحدهم ، وأعرض الثالث ( أما الأول فآوى إلى الله فآواه الله ، وأما الثاني ~~فاستحيا فاستحيا الله منه ، وأما الثالث فأعرض فأعرض الله عنه ) . | # وتأكيد الخبر ب ( إن ) إن كان اللقاء حقيقة لرد إنكار قومه البعث ، وإن ~~كان اللقاء مجازا فالتأكيد للاهتمام بذلك اللقاء . وقد زيد هذا التأكيد ~~تأكيدا بجملة { ولكني أراكم قوما تجهلون } . | # وموقع الاستدراك هو أن مضمون الجملة ضد مضمون التي قبلها ms4058 وهي جملة { إنهم ~~ملاقوا ربهم } أي لا ريب في ذلك ولكنكم تجهلون فتحسبونهم لا حضرة لهم وأن ~~لا تبعة في طردهم . | # وحذف مفعول { تجهلون } للعلم به ، أي تجهلون ذلك . | # وزيادة قوله : { قوما } يدل على أن جهلهم صفة لازمة لهم كأنها من مقومات ~~قوميتهم كما تقدم عند قوله تعالى : { لآياتت لقومم يعقلون } في سورة البقرة ~~( 164 ) . | # | 2 ( 30 ) { وياقوم من ينصرنى من الله إن طردتهم أفلا تذكرون } . ) 2 # إعادة { ويا قوم } مثل إعادته في الآية قبلها . | # والاستفهام إنكاري . والنصر : إعانة المقاوم لضد أو عدو ، وضمن معنى ~~الإنجاء فعدي ب ( من ) أي من يخلصني ، أي ينجيني من الله ، أي من عقابه ، ~~لأن طردهم إهانة تؤذيهم بلا موجب معتبر عند الله ، والله لا يحب إهانة ~~أوليائه . | # وفرع على ذلك إنكارا على قومه في إهمالهم التذكر ، أي التأمل في الدلائل ~~ومدلولاتها ، والأسباب ومسبباتها . | # وقرأ الجمهور { تذكرون } بتشديد الذال . | PageV12P056 # وأصل { تذكرون } ، تتذكرون فأبدلت التاء ذالا وأدغمت في الذال . وقرأه ~~حفص ( تذكرون ) بتخفيف الذال وبحذف إحدى التاءين . والتذكر تقدم عند قوله : ~~{ إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا } في آخر سورة الأعراف ( ~~201 ) . | # | 2 ( 31 ) { ولا أقول لكم عندى خزآئن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إنى ~~ملك ولا أقول للذين تزدرى أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما فى ~~أنفسهم إنى إذا لمن الظالمين } . ) 2 # | $ # هذا تفصيل لما رد به مقالة قومه إجمالا ، فهم استدلوا على نفي نبوته ~~بأنهم لم يروا له فضلا عليهم ، فجاء هو في جوابهم بالقول بالموجب أنه لم ~~يدع فضلا غير الوحي إليه كما حكى الله عن أنبيائه عليهم السلام في قوله : { ~~قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده } ~~( إبراهيم : 11 ) ، ولذلك نفى أن يكون قد ادعى غير ذلك . واقتصر على بعض ما ~~يتوهمونه من لوازم النبوءة وهو أن يكون أغنى منهم ، أو أن يعلم الأمور ~~الغائبة . والقول بمعنى الدعوى ، وإنما نفى ذلك بصيغة المضارع للدلالة على ~~أنه منتف ms4059 عنه ذلك في الحال ، فأما انتفاؤه في الماضي فمعلوم لديهم حيث لم ~~يقله ، أي لا تظنوا أني مضمر ادعاء ذلك وإن لم أقله . | # والخزائن : جمع خزانة بكسر الخاء وهي بيت أو مشكاة كبيرة يجعل لها باب ، ~~وذلك لخزن المال أو الطعام ، أي حفظه من الضياع . وذكر الخزائن هنا استعارة ~~مكنية ؛ شبهت النعم والأشياء النافعة بالأموال النفيسة التي تدخر في ~~الخزائن ، ورمز إلى ذلك بذكر ما هو من روادف المشبه به وهو الخزائن . ~~وإضافة { خزائن } إلى { الله } لاختصاص الله بها . | PageV12P057 # وأما قوله : { ولا أقول إني ملك } فنفي لشبهة قولهم : { ما نراك إلا بشرا ~~مثلنا } ( هود : 27 ) ولذلك أعاد معه فعل القول ، لأنه إبطال دعوى أخرى ~~ألصقوها به ، وتأكيده ب ( إن ) لأنه قول لا يقوله قائله إلا مؤكدا لشدة ~~إنكاره لو ادعاه مدع ، فلما نفاه نفى صيغة إثباته . ولما أراد إبطال قولهم ~~: { وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا } ( هود : 27 ) أبطله بطريقة ~~التغليط لأنهم جعلوا ضعفهم وفقرهم سببا لانتفاء فضلهم ، فأبطله بأن ضعفهم ~~ليس بحائل بينهم وبين الخير من الله إذ لا ارتباط بين الضعف في الأمور ~~الدنيوية من فقر وقلة وبين الحرمان من نوال الكمالات النفسانية والدينية ، ~~وأعاد معه فعل القول لأنه أراد من القول معنى غير المراد منه فيما قيل ، ~~فالقول هنا كناية عن الإعتقاد لأن المرء إنما يقول ما يعتقد ، وهي تعريضية ~~بالمخاطبين لأنهم يضمون ذلك ويقدرونه . | # والازدراء : افتعال من الزري وهو الاحتقار وإلصاق العيب ، فأصله : ازتراء ~~، قلبت تاء الافتعال دالا بعد الزاي كما قلبت في الازدياد . | # وإسناد الازدراء إلى الأعين وإنما هو من أفعال النفس مجاز عقلي لأن ~~الأعين سبب الازدراء غالبا ، لأن الازدراء ينشأ عن مشاهدة الصفات الحقيرة ~~عند الناظر . ونظيره إسناد الفرق إلى الأعين في قول الأعشى : | # كذلك فافعل ما حييت إذا شتوا | # وأقدم إذا ما أعين الناس تفرق | # ونظيره قوله تعالى : { سحروا أعين الناس } ( الأعراف : 116 ) وإنما سحروا ~~عقولهم ولكن الأعين ترى حركات السحرة فتؤثر رؤيتها على عقول المبصرين . | # وجيء في النفي بحرف { لن ms4060 } الدالة على تأكيد نفي الفعل في المستقبل ~~تعريضا بقومه لأنهم جعلوا ضعف أتباع نوح عليه السلام وفقرهم دليلا على ~~انتفاء الخير عنهم فاقتضى دوام ذلك ما داموا ضعفاء فقراء ، فلسان حالهم ~~يقول : لن ينالوا خيرا ، فكان رده عليهم بأنه لا يقول : { لن يؤتيهم الله ~~خيرا } . | PageV12P058 # وجملة { الله أعلم بما في أنفسهم } تعليل لنفي أن يقول : { لن يؤتيهم ~~الله خيرا } . ولذلك فصلت الجملة ولم تعطف ، ومعنى { الله أعلم بما في ~~أنفسهم } أن أمرهم موكول إلى ربهم الذي علم ما أودعه في نفوسهم من الخير ~~والذي وفقهم إلى الإيمان ، أي فهو يعاملهم بما يعلم منهم . وتعليقه بالنفوس ~~تنبيه لقومه على غلطهم في قولهم : { وما نرى لكم علينا من فضل } ( هود : 27 ~~) بأنهم نظروا إلى الجانب الجثماني الدنيوي وجهلوا الفضائل والكمالات ~~النفسانية والعطايا اللدنية التي الله أعلم بها . | # واسم التفضيل هنا مسلوب المفاضلة مقصود منه شدة العلم . | # وجملة { إني إذن لمن الظالمين } تعليل ثان لنفي أن يقول : { لن يؤتيهم ~~الله خيرا } . و { إذن } حرف جواب وجزاء مجازاة للقول ، أي لو قلت ذلك لكنت ~~من الظالمين ، وذلك أنه يظلمهم بالقضاء عليهم بما لا يعلم من حقيقتهم ، ~~ويظلم نفسه باقتحام القول بما لا يصدق . | # وقوله : { لمن الظالمين } أبلغ في إثبات الظلم من : إني ظالم ، كما تقدم ~~في قوله تعالى : { قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين في سورة البقرة ( 67 ~~) . | # وأكده بثلاث مؤكدات : إن ولام الابتداء وحرف الجزاء ، تحقيقا لظلم الذين ~~رموا المؤمنين بالرذالة وسلبوا الفضل عنهم ، لأنه أراد التعريض بقومه في ~~ذلك . وسيجيء في سورة الشعراء ذكر موقف آخر لنوح عليه السلام مع قومه في ~~شأن هؤلاء المؤمنين . | # | PageV12P059 # | 2 ( 32 ، 33 ) قالوا يانوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنآ ~~إن كنت من الصادقين * قال إنما يأتيكم به الله إن شآء ومآ أنتم بمعجزين } . ~~) 2 # فصلت هذه الجملة فصلا على طريقة حكاية الأقوال في المحاورات كما تقدم في ~~قصة آدم عليه السلام من سورة البقرة . | # والمجادلة : المخاصمة بالقول وإيراد الحجة عليه ، فتكون في الخير ms4061 كقوله : ~~{ يجادلنا في قوم لوط } ( هود : 74 ) ، ويكون في الشر كقوله : { ولا جدال ~~في الحج } ( البقرة : 197 ) . وإنما أرادوا أنه جادلهم فيما هو شر فعبر عن ~~مرادهم بلفظ الجدال الموجه ، وقد مضى عند قوله تعالى : { ولا تجادل عن ~~الذين يختانون أنفسهم } في سورة النساء ( 107 ) . | # وهذا قول وقع عقب مجادلته المحكية في الآية قبل هذه ، فتعين أن تلك ~~المجادلة كانت آخر مجادلة جادلها قومه ، وأن ضجرهم وسآمتهم من تكرار ~~مجادلته حصل ساعتئذ فقالوا قولهم هذا ، فكانت كلها مجادلات مضت . وكانت ~~المجادلة الأخيرة هي التي استفزت امتعاضهم من قوارع جدله حتى سئموا من ~~تزييف معارضتهم وآرائهم شأن المبطل إذا دمغته الحجة ، ولذلك أرادوا طي بساط ~~الجدال ، وأرادوا إفحامه بأن طلبوا تعجيل ما توعدهم من عذاب ينزل بهم كقوله ~~آنفا : { إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم } ( هود : 26 ) . | # وقولهم : { فأكثرت جدالنا } خبر مستعمل في التذمر والتضجير والتأييس من ~~الاقتناع ، أجابهم بالمبادرة لبيان العذاب لأن ذلك أدخل في الموعظة فبادر ~~به ثم عاد إلى بيان مجادلته . | # والإتيان بالشيء : إحضاره . وأرادوا به تعجيله وعدم إنظاره . | ~~PageV12P060 # و { ما تعدنا } مصداقه { عذاب يوم أليم } ( هود : 26 ) . | # والقصر في قوله : { إنما يأتيكم به الله إن شاء } قصر قلب بناء على ظاهر ~~طلبهم ، حملا لكلامهم على ظاهره على طريقة مجاراة الخصم في المناظرة ، وإلا ~~فإنهم جازمون بتعذر أن يأتيهم بما وعدهم لأنهم يحسبونه كاذبا وهم جازمون ~~بأن الله لم يتوعدهم ، ولعلهم كانوا لا يؤمنون بوجود الله . وقوله : { إن ~~شاء } احتراس راجع إلى حمل العذاب على عذاب الدنيا . | # ومعنى { وما أنتم بمعجزين } ما أنتم بناجين وفالتين من الوعيد ، يريد أن ~~العذاب واقع لا محالة . ولعل نوحا عليه السلام لم يكن له وحي من الله بأن ~~يحل بهم عذاب الدنيا ، فلذلك فوضه إلى المشيئة ؛ أو لعله كان يوقن بنزوله ~~بهم فيكون التعليق ب { إن شاء } منظورا فيه إلى كون العذاب معجلا أو مؤخرا ~~. | # | 2 ( 34 ) { ولا ينفعكم نصحى إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن ~~يغويكم هو ms4062 ربكم وإليه ترجعون } . ) 2 # | $ # عطف على وعظهم بحلول العذاب وتوقعه بيان حال مجادلته إياهم التي امتعضوا ~~منها بأنها مجادلة لنفعهم وصلاحهم ، وفي ذلك تعريض بتحميقهم وتسفيه آرائهم ~~حيث كرهوا ما هو نفع لهم . | # والنصح : قول أو عمل يريد صاحبه صلاح المعمول لأجله . وأكثر ما يطلق على ~~الأقوال النافعة المنقذة من الأضرار . ويكون بالعمل كقوله تعالى : { إذا ~~نصحوا لله ورسوله } في سورة التوبة ( 91 ) . وفي الحديث : ( الدين النصيحة ~~لله ولرسوله ) أي الإخلاص في العمل لهما لأن الله لا ينبأ بشيء لا يعلمه . ~~وقد تقدم في قوله تعالى : { ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين في سورة ~~الأعراف ( 79 ) . فالمراد بالنصح هنا هو ما سماه قومه بالجدال ، أي هو أولى ~~بأن يسمى نصحا ، لأن الجدال يكون للخير والشر كما تقدم . | PageV12P061 # وجملة الشرط في قوله : إن كان الله يريد أن يغويكم } هي المقصود من ~~الكلام ، فجوابها في معنى قوله : { لا ينفعكم نصحي } ولكن نظم الكلام بني ~~على الإخبار بعدم نفع النصح اهتماما بذلك فجعل معطوفا على ما قبله وأتي ~~بالشرط قيدا له . | # وأما قوله : { إن أردت أن أنصح لكم } فهو شرط معترض بين الشرط وبين دليل ~~جوابه لأنه ليس هو المقصود من التعليق ولكنه تعليق على تعليق ، وغير مقصود ~~به التقييد أصلا ، فليس هذا من الشرط في الشروط المفروضة في مسائل الفقه ~~وأصوله في نحو قول القائل : إن أكلت ، إن شربت فأنت طالق ، لأنها مفروضة في ~~شرط مقيد لشرط آخر . على أن المقصود إذا اجتمع فعلا الشرطين حصل مضمون ~~جوابهما . ومثلوه بقول الشاعر : | # إن تستغيثوا بنا إن تذعروا تجدوا | # منا معاقل عز زانها كرم | # فأما قوله : { إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم } فكل من ~~الشرطين مقصود التعليق به . وقد حذف جواب أحدهما لدلالة جواب الآخر عليه . ~~| # والتعليق بالشرط في قوله : { إن أردت أن أنصح لكم } مؤذن بعزمه على تجديد ~~النصح في المستقبل لأن واجبه هو البلاغ وإن كرهوا ذلك . | # وأشار بقوله : { إن كان الله يريد أن يغويكم } إلى ما ms4063 هم فيه من كراهية ~~دعوة نوح عليه السلام سببه خذلان الله إياهم ولولاه لنفعهم نصحه ، ولكن ~~نوحا عليه السلام لا يعلم مراد الله من إغوائهم ولا مدى استمرار غوايتهم ~~فلذلك كان عليه أن ينصح لهم إلى نهاية الأمر . | # وتقدم الكلام على دخول اللام على مفعول ( نصح ) عند قوله تعالى : { إذا ~~نصحوا لله ورسوله في براءة ( 91 ) . | PageV12P062 # والإغواء : جعل الشخص ذا غواية ، وهي الضلال عن الحق والرشد . | # وجملة هو ربكم } ابتدائية لتعليمهم أن الله ربهم إن كانوا لا يؤمنون ~~بوجود الله ، أو لتذكيرهم بذلك إن كانوا يؤمنون بوجوده ويشركون معه ودا ، ~~وسواعا ، ويغوث ، ويعوق ، ونسرا . | # والتقديم في { وإليه ترجعون } للاهتمام ولرعاية الفاصلة وليس للقصر ، ~~لأنهم لا يؤمنون بالبعث أصلا بله أن يزعموا أنهم يحضرون إلى الله وإلى غيره ~~. | # وتمثلت فيما قصه الله من قصة نوح عليه السلام مع قومه صورة واضحة من ~~تفكير أهل العقول السخيفة التي ران عليها الضلال فقلب أفكارها إلى اعوجاج ~~فظيع ، وهي الصورة التي تتمثل في الأمم التي لم يثقف عقولها الإرشاد الديني ~~فغلب عليها الانسياق وراء داعي الهوى ، وامتلكها الغرور بظن الخطأ صوابا ، ~~ومصانعة من تصأصىء عين بصيرته بلائح من النور ، من يدعوه إلى إغماضها وعدمت ~~الوازع النفساني فلم تعبأ إلا بالصور المحوسة ولم تهتم إلا باللذات وحب ~~الذات ولا تزن بمعيار النقد الصحيح خلوص النفوس من دخل النقائص . | # | 2 ( 35 ) { أم يقولون افتراه قل إن افتريته فعلى إجرامى وأنا برى ء مما ~~تجرمون } . ) 2 # | $ # جملة معترضة بين جملة أجزاء القصة وليست من القصة ، ومن جعلها منها فقد ~~أبعد ، وهي تأكيد لنظيرها السابق في أول السورة . ومناسبة هذا الاعتراض أن ~~تفاصيل القصة التي لا يعلمها المخاطبون تفاصيل عجيبة تدعو المنكرين إلى أن ~~يتذكروا إنكارهم ويعيدوا ذكره . | PageV12P063 # وكون ذلك مطابقا لما حصل في زمن نوح عليه السلام وشاهدة بكتب بني إسرائيل ~~يدل على صدق النبي صلى الله عليه وسلم لأن علمه بذلك مع أميته وبعد قومه عن ~~أهل الكتاب آية على أنه وحي من الله لا يأتيه ms4064 الباطل من بين يديه ولا من ~~خلفه . | # فالاستفهام الذي يؤذن به حرف { أم } المختص بعطف الاستفهام استفهام ~~إنكاري . وموقع الإنكار بديع لتضمنه الحجة عليهم . | # و { أم } هنا للإضراب للانتقال من غرض لغرض . | # وضمير النصب عائد إلى القرآن المفهوم من السياق . | # وجملة { قل } مفصولة عن التي قبلها لوقوعها في سياق المحاورة كما تقدم ~~غير مرة . | # وأمر النبيء صلى الله عليه وسلم أن يعرض عن مجادلتهم بالدليل لأنهم ليسوا ~~بأهل لذلك إذ قد أقيمت عليهم الحجة غير مرة فلم تغن فيهم شيئا ، فلذلك ~~أجيبوا بأنه لو فرض ذلك لكانت تبعة افترائه على نفسه لا ينالهم منها شيء . ~~| # وتقديم ( علي ) مؤذن بالقصر ، أي إجرامي علي لا عليكم فلماذا تكثرون ~~ادعاء الافتراء كأنكم ستؤاخذون بتبعته . وهذا جار على طريقة الاستدراج لهم ~~والكلام المنصف . | # ومعنى جعل الافتراء فعلا للشرط : أنه إن كان وقع الافتراء كقوله : { إن ~~كنت قلته فقد علمته } ( المائدة : 116 ) . | # ولما كان الافتراء على الله إجراما عدل في الجواب عن التعبير بالافتراء ~~مع أنه المدعى إلى التعبير بالإجرام فلا حاجة إلى تقدير : فعلي إجرام ~~افترائي . | # وذكر حرف ( على ) مع الإجرام مؤذن بأن الإجرام مؤاخذ به كما تقتضيه مادة ~~الإجرام . | PageV12P064 # والإجرام : اكتساب الجرم وهو الذنب ، فهو يقتضي المؤاخذة لا محالة . | # وجملة { وأنا بريء مما تجرمون } معطوفة على جملة الشرط والجزاء ، فهي ~~ابتدائية . وظاهرها أنها تذييل للكلام وتأييده بمقابله ، أي فإجرامي علي لا ~~عليكم كما أن إجرامكم لا تنالني منه تبعة . ولا حاجة إلى تقدير المضاف في ~~قوله : { مما تجرمون } أي تبعته وإنما هو تقدير معنى لا تقدير إعراب ، ~~والشيء يؤكد بضده كقوله : { لا أعبد ما تبعدون ولا أنتم عابدون ما أعبد } ( ~~الكافرون : 2 ، 3 ) . | # وفي هذه الجملة توجيه بديع وهو إفادة تبرئة نفسه من أن يفتري القرآن فإن ~~افتراء القرآن دعوى باطلة ادعوها عليه فهي إجرام منهم عليه ، فيكون المعنى ~~وأنا بريء من قولكم الذي تجرمونه علي باطلا . | # | 2 ( 36 ) { وأوحى إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد ءامن فلا ~~تبتئس ms4065 بما كانوا يفعلون } . ) 2 # عطف على جملة { قالوا يا نوح قد جادلتنا } ( هود : 32 ) أي بعد ذلك أوحي ~~إلى نوح عليه السلام { أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن } . | # واسم ( أن ) ضمير الشأن دال على أن الجملة بعده أمرهم خطير لأنها تأييس ~~له من إيمان بقية قومه كما دل حرف { لن } المفيد تأبيد النفي في المستقبل ، ~~وذلك شديد عليه ولذلك عقب بتسليته بجملة { فلا تبتئس بما كانوا يفعلون } ~~فالفاء لتفريع التسلية على الخبر المحزن . | # والابتئاس افتعال من البؤس وهو الهم والحزن ، أي لا تحزن . | # ومعنى الافتعال هنا التأثر بالبؤس الذي أحدثه الخبر المذكور . { بما ~~كانوا يفعلون } هو إصرارهم على الكفر واعتراضهم عن النظر في الدعوة إلى وقت ~~أن PageV12P065 أوحي إليه هذا . قال الله تعالى حكاية عنه : { فلم يزدهم ~~دعائي إلا فرارا وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم ~~واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا } ( نوح : 6 ، 7 ) . | # وتأكيد الفعل ب { قد } في قوله : { من قد آمن } للتنصيص على أن المراد من ~~حصل منهم الإيمان يقينا دون الذين ترددوا . | # | 2 ( 37 ) { واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبنى فى الذين ظلمو ا ~~إنهم مغرقون } . ) 2 # | $ # لما كان نهيه عن الابتئاس بفعلهم مع شدة جرمهم مؤذنا بأن الله ينتصر له ، ~~أعقبه بالأمر بصنع الفلك لتهيئة نجاته ونجاة من قد آمن به من العذاب الذي ~~قدره الله لقومه ، كما حكى الله عنه { فدعا ربه أني مغلوب فانتصر ففتحنا ~~أبواب السماء بماء منهمر } ( القمر : 10 ، 11 ) الآية ، فجملة { واصنع ~~الفلك } عطف على جملة { فلا تبتئس } ( هود : 36 ) وهي بذلك داخلة في الموحى ~~به فتدل على أن الله أوحى إليه كيفية صنع الفلك كما دل عليه قوله : { ~~ووحينا } ، ولذلك فنوح عليه السلام أول من صنع الفلك ولم يكن ذلك معروفا ~~للبشر ، وكان ذلك منذ قرون لا يحصيها إلا الله تعالى ، ولا يعتد بما يوجد ~~في الإسرائيليات من إحصاء قرونها . | # والفلك اسم يستوي فيه المفرد والجمع . وقد تقدم عند قوله تعالى : { ~~والفلك التي تجري ms4066 في البحر بما ينفع الناس في سورة البقرة ( 164 ) . | # والباء في بأعيننا } للملابسة وهي في موضع الحال من ضمير ( اصنع ) . | # والأعين استعارة للمراقبة والملاحظة . وصيغة الجمع في { أعيننا } بمعنى ~~المثنى ، أي بعينينا ، كما في قوله : { واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا } ( ~~الطور : 48 ) . والمراد الكناية بالمعنى المجازي عن لازمه وهو الحفظ من ~~الخلل والخطأ في الصنع . | PageV12P066 # والمراد بالوحي هنا الوحي الذي به وصف كيفية صنع الفلك كما دل عليه عطفه ~~على المجرور بباء الملابسة المتعلقة بالأمر بالصنع . | # ودل النهي في قوله : { ولا تخاطبني في الذين ظلموا } ، على أن كفار قومه ~~سينزل بهم عقاب عظيم لأن المراد بالمخاطبة المنهي عنها المخاطبة التي ترفع ~~عقابهم فتكون لنفعهم كالشفاعة ، وطلب تخفيف العقاب لا مطلق المخاطبة . ولعل ~~هذا توطئة لنهيه عن مخاطبته في شأن ابنه الكافر قبل أن يخطر ببال نوح عليه ~~السلام سؤال نجاته حتى يكون الرد عليه حين السؤال ألطف . | # وجملة { إنهم مغرقون } إخبار بما سيقع وبيان لسبب الأمر بصنع الفلك . ~~وتأكيد الخبر بحرف التوكيد في هذه الآية مثال لتخريج الكلام على خلاف مقتضى ~~الظاهر بتنزيل غير السائل المتردد منزلة السائل إذا قدم إليه من الكلام ما ~~يلوح إلى جنس الخبر فيستشرفه لتعيينه استشرافا يشبه استشراف السائل عن عين ~~الخبر . | # | 2 ( 38 ، 39 ) { ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال ~~إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون * فسوف تعلمون من يأتيه عذاب ~~يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم } . ) 2 # عطف على جملة { واصنع الفلك } ( هود : 37 ) ، أي أوحي إليه { اصنع الفلك ~~} ، وصنع الفلك . وإنما عبر عن صنعه بصيغة المضارع لاستحضار الحالة لتخييل ~~السامع أن نوحا عليه السلام بصدد العمل ، كقوله : { والله الذي أرسل الرياح ~~فتثير سحابا } ( فاطر : 9 ) وقوله : { يجادلنا في قوم لوط } ( هود : 74 ) . ~~| # وجملة { وكلما مر عليه ملأ } في موضع الحال من ضمير { يصنع } . | ~~PageV12P067 # و { كلما } كلمة مركبة من ( كل ) و ( ما ) الظرفية المصدرية ، وانتصبت ( ~~كل ) على الظرفية لأنها اكتسبت الظرفية بالإضافة إلى الظرف ، وهو متعلق { ~~سخروا ms4067 } ، وهو جوابه من جهة أخرى . والمعنى : وسخر منه ملأ من قومه في كل ~~زمن مرورهم عليه . | # و ( لما ) في ( كلما ) من العموم مع الظرفية أشربت معنى الشرط مثل ( إذا ~~) فاحتاجت إلى جواب وهو { سخروا منه } . | # وجملة { قال إن تسخروا منا } حكاية لما يجيب به سخريتهم ، أجريت على ~~طريقة فعل القول إذا وقع في سياق المحاورة ، لأن جملة { سخروا } تتضمن ~~أقوالا تنبني عن سخريتهم أو تبين عن كلام في نفوسهم . | # وجمع الضمير في قوله : { منا } يشير إلى أنهم يسخرون منه في عمل السفينة ~~ومن الذين آمنوا به إذ كانوا حوله واثقين بأنه يعمل عملا عظيما ، وكذلك ~~جمعه في قوله : { فإنا نسخر منكم } . | # والسخرية : الاستهزاء ، وهو تعجب باحتقار واستحماق . وتقدم عند قوله ~~تعالى : { فحاق بالذين سخروا منهم } في أول سورة الأنعام ( 10 ) ، وفعلها ~~يتعدى ب ( من ) . | # وسخريتهم منه حمل فعله على العبث بناء على اعتقادهم أن ما يصنعه لا يأتي ~~بتصديق مدعاه . | # وسخرية نوح عليه السلام والمؤمنين ، من الكافرين من سفه عقولهم وجهلهم ~~بالله وصفاته . فالسخريتان مقترنتان في الزمن . | # وبذلك يتضح وجه التشبيه في قوله : { كما تسخرون } فهو تشبيه في السبب ~~الباعث على السخرية ، وإن كان بين السببين بون . | PageV12P068 # ويجوز أن تجعل كاف التشبيه مفيدة معنى التعليل كالتي في قوله تعالى : { ~~واذكروه كما هداكم } ( البقرة : 198 ) فيفيد التفاوت بين السخريتين ، لأن ~~السخرية المعللة أحق من الأخرى ، فالكفار سخروا من نوح عليه السلام لعمل ~~يجهلون غايته ، ونوح عليه السلام وأتباعه سخروا من الكفار لعلمهم بأنهم ~~جاهلون في غرور ، كما دل عليه قوله : { فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه } ~~فهو تفريع على جملة { فإنا نسخر منكم } أي سيظهر من هو الأحق بأن يسخر منه ~~. | # وفي إسناد ( العلم ) إلى ضمير المخاطبين دون الضمير المشارك بأن يقال : ~~فسوف نعلم ، إيماء إلى أن المخاطبين هم الأحق بعلم ذلك . وهذا يفيد أدبا ~~شريفا بأن الواثق بأنه على الحق لا يزعزع ثقته مقابلة السفهاء أعماله ~~النافعة بالسخرية ، وأن عليه وعلى أتباعه أن يسخروا من الساخرين . | # والخزي : الإهانة ، وقد تقدم ms4068 عند قوله تعالى : { ربنا إنك من تدخل النار ~~فقد أخزيته } في آخر سورة آل عمران ( 192 ) . | # والعذاب المقيم : عذاب الآخرة ، أي من يأتيه عذاب الخزي في الحياة الدنيا ~~، والعذاب الخالد في الآخرة . | # و { من } استفهامية معلقة لفعل العلم عن العمل ، وحلول العذاب : حصوله ؛ ~~شبه الحصول بحلول القادم إلى المكان وهو إطلاق شائع حتى ساوى الحقيقة . | # | 2 ( 40 ) { حتى إذا جآء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين ~~اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن ءامن ومآ ءامن معه إلا قليل } . ) 2 # { حتى } غاية ل { يصنع الفلك } ( هود : 38 ) أي يصنعه إلى زمن مجيء أمرنا ~~، ف { إذا } ظرف مضمن معنى الشرط ولذلك جيء له بجواب . وهو جملة { قلنا ~~احمل } . PageV12P069 وجعل الشرط وجوابه غاية باعتبار ما في حرف الشرط من ~~معنى الزمان وإضافته إلى جملة الشرط ، فحصل معنى الغاية عند حصول مضمون ~~جملة الجزاء ، وهو نظم بديع بإيجازه . | # و { حتى } ابتدائية . | # والأمر هنا يحتمل أمر التكوين بالطوفان ، ويحتمل الشأن وهو حادث الغرق ، ~~وإضافته إلى اسم الجلالة لتهويله بأنه فوق ما يعرفون . | # ومجيء الأمر : حصوله . | # والفوران : غليان القدر ، ويطلق على نبع الماء بشدة ، تشبيها بفوران ماء ~~في القدر إذا غلي ، وحملوه على ما جاء في آيات أخرى من قصة نوح عليه السلام ~~مثل قوله : { وفجرنا الأرض عيونا } ( القمر : 12 ) . ولذلك لم يتضح لهم ~~إسناده إلى التنور ، فإن التنور هو الموقد الذي ينضج فيه الخبز ، فكثرت ~~الأقوال في تفسير التنور ، بلغت نسبة أقوال منها ما لا ينبغي قبوله . ومنها ~~ما له وجه وهو متفاوت . | # فمن المفسرين من أبقى التنور على حقيقته ، فجعل الغوران خروج الماء من ~~أحد التنانير وأنه علامة جعلها الله لنوح عليه السلام إذ أفار الماء من ~~تنوره علم أن ذلك مبدأ الطوفان فركب الفلك وأركب من معه . | # ومنهم من حمل التنور على المجاز المفرد ففسره بسطح الأرض ، أي فار الماء ~~من جميع الأرض حتى صار بسطح الأرض كفوهة التنور . | # ومنهم من فسره بأعلى الأرض . | # ومنهم من حمل { فار ms4069 } و { التنور } على الحقيقة ، وأخرج الكلام مخرج ~~التمثيل لاشتداد الحال ، كما يقال : حمي الوطيس . وقع حكاية ذلك في ~~PageV12P070 تفسير ابن عطية في هذه الآية وفي الكشاف في تفسير سورة ~~المؤمنون : وأنشد الطبرسي قول الشاعر . وهو النابغة الجعدي : | # تفور علينا قدرهم فنديمها | # ونفثأها عنا إذا قدرها غلى | # يريد بالقدر الحرب ، ونفثأها ، أي نسكنها ، يقال : فثأ القدر إذا سكن ~~غليانها بصب الماء فيها . وهذا أحسن ما حكي عن المفسرين . | # والذي يظهر لي أن قوله : { وفار التنور } مثل لبلوغ الشيء إلى أقصى ما ~~يتحمل مثله ، كما يقال : بلغ السيل الزبى ، وامتلأ الصاع ، وفاضت الكأس ~~وتفاقم . | # والتنور : محفل الوادي ، أي ضفته ، فيكون مثل طما الوادي من قبيل بلغ ~~السيل الزبى . والمعنى : بأن نفاذ أمرنا فيهم وبلغوا من طول مدة الكفر ~~مبلغا لا يغتفر لهم بعد كما قال تعالى : { فلما آسفونا انتقمنا منهم } ( ~~الزخرف : 55 ) . | # والتنور : اسم لموقد النار للخبز . وزعمه . الليث مما اتفقت فيه اللغات ، ~~أي كالصابون والسمور . ونسب الخفاجي في شفاء الغليل هذا إلى ابن عباس . ~~وقال أبو منصور : كلام الليث يدل على أنه في الأصل أعجمي . | # والدليل على ذلك أنه فعول من تنر ولا نعرف تنر في كلام العرب لأنه مهمل ، ~~وقال غيره : ليس في كلام العرب نون قبل راء فإن نرجس معرب أيضا . وقد عد في ~~الألفاظ المعربة الواقعة في القرآن . ونظمها ابن السبكي في شرحه على مختصر ~~ابن الحاجب الأصلي ونسب ذلك إلى ابن دريد . قال أبو علي الفارسي : وزنه ~~فعول . وعن ثعلب أنه عربي ، قال : وزنه تفعول من النور ( أي فالتاء زايدة ) ~~وأصله تنوور بواوين ، فقلبت الواو الأولى همزة لانضمامها ثم حذفت الهمزة ~~تخفيفا ثم شددت النون عوضا عما حذف أي مثل قوله : تقضى البازي بمعنى تقضض . ~~| PageV12P071 # وقرأ الجمهور { من كل زوجين } بإضافة { كل } إلى { زوجين } . | # والزوج : شيء يكون ثانيا لآخر في حالة . وأصله اسم لما ينضم إلى فرد ~~فيصير زوجا له ، وكل منهما زوج للآخر . والمراد ب { زوجين } هنا الذكر ~~والأنثى من النوع ، كما يدل عليه إضافة { كل ms4070 } إلى { زوجين } ، أي احمل ~~فيها من أزواج جميع الأنواع . | # و { من } تبعيضية ، و { اثنين } مفعول { احمل } ، وهو بيان لئلا يتوهم أن ~~يحمل كل زوجين واحدا منهما لأن الزوج هو واحد من اثنين متصلين ، كما تقدم ~~في قوله تعالى : { ثمانية أزواج } في سورة الأنعام ( 143 ) . ولئلا يحمل ~~أكثر من اثنين من نوع لتضيق السفينة وتثقل . | # وقرأه حفص { من كل } بتنوين { كل } فيكون تنوين عوض عن مضاف إليه ، أي من ~~كل المخلوقات ، ويكون { زوجين } مفعول { احمل } ، ويكون { اثنين } صفة ل { ~~زوجين } أي لا تزد على اثنين . | # وأهل الرجل قرابته وأهل بيته وهو اسم جمع لا واحد له . وزوجه أول من ~~يبادر من اللفظ ، ويطلق لفظ الأهل على امرأة الرجل قال تعالى : { فلما قضى ~~موسى الأجل وسار بأهله } ( القصص : 29 ) ، وقال : { وإذ غدوت من أهلك } ( ~~آل عمران : 121 ) أي من عند عائشة رضي الله عنها . | # و { من سبق عليه القول } أي من مضى قول الله عليه ، أي وعيده . فالتعريف ~~في { القول } للعهد ، يعني إلا من كان من أهلك كافرا . ، وماصدق هذا إحدى ~~امرأتيه المذكورة في سورة التحريم وابنه منها المذكور في آخر هذه القصة . ~~وكان لنوح عليه السلام امرأتان . | # وعدي { سبق } بحرف { على } لتضمين { سبق } معنى : حكم ، كما عدي باللام ~~في قوله : { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين } ( الصافات : 171 ) ~~لتضمينه معنى الالتزام النافع . | PageV12P072 # و { من آمن } كل المؤمنين . | # وجملة { وما آمن معه إلا قليل } اعتراض لتكميل الفائدة من القصة في قلة ~~الصالحين . قيل : كان جميع المؤمنين به من أهله وغيرهم نيفا وسبعين بين ~~رجال ونساء ، فكان معظم حمولة السفينة من الحيوان . | # | 2 ( 41 ) { وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها إن ربى لغفور ~~رحيم } . ) 2 # عطف على جملة { قلنا احمل فيها } ( هود : 40 ) أي قلنا له ذلك . وقال نوح ~~عليه السلام لمن أمر بحمله { اركبوا } . | # وضمير { فيها } لمفهوم من المقام ، أي السفينة كقوله : { وحملناه على ذات ~~ألواحح ودسر } ( القمر : 13 ) أي سفينة . | # وعدي فعل { اركبوا } ب ( في ) جريا على الفصيح فإنه يقال : ركب ms4071 الدابة ~~إذا علاها . وأما ركوب الفلك فيعدى ب ( في ) لأن إطلاق الركوب عليه مجاز ، ~~وإنما هو جلوس واستقرار فلا يقال : ركب السفينة ، فأرادوا التفرقة بين ~~الركوب الحقيقي والركوب المشابه له ، وهي تفرقة حسنة . | # والباء في { باسم الله } للملابسة مثل ما تقدم في تفسير البسملة ، وهي في ~~موضع الحال من ضمير { اركبوا } أي ملابسين لاسم الله ، وهي ملابسة القول ~~لقائله ، أي قائلين : باسم الله . | # و { مجراها ومرساها } بضم الميمين فيهما في قراءة الجمهور . وهما مصدرا ، ~~أجرى السفينة إذا جعلها جارية ، أي سيرها بسرعة ، وأرساها إذا جعلها راسية ~~، أي واقفة على الشاطىء . يقال : رما إذا ثبت في المكان . | PageV12P073 # وقرأ حمزة ، والكسائي ، وحفص عن عاصم ، وخلف ( مجراها ) فقط بفتح الميم ~~على أنه مفعل للمصدر أو الزمان أو المكان . وأما { مرساها } فبضم الميم مثل ~~الجمهور ، لأنه لا يقال : مرساها بفتح الميم . والعدول عن الفتح في { ~~مرساها } في كلام العرب مع أنه في القياس مماثل ( مجراها ) وجهه دفع اللبس ~~لئلا يلتبس باسم المرسى الذي هو المكان المعد لرسو السفن . | # ويجوز أن يكون { مجراها ومرساها } في محل نصب بالنيابة عن ظرف الزمان ، ~~أي وقت إجرائها ووقت إرسائها . ويجوز أن يكون في محل رفع على الفاعلية ~~بالجار والمجرور لما فيه من معنى الفعل ، وهو رأي نحاة الكوفة ، وما هو ~~ببعيد . | # وجملة { إن ربي لغفور رحيم } تعليل للأمر بالركوب المقيد بالملابسة لذكر ~~اسم الله تعالى ، ففي التعليل بالمغفرة والرحمة رمز إلى أن الله وعده ~~بنجاتهم ، وذلك من غفرانه ورحمته . وأكد ب { إن } ولام الابتداء تحقيقا ~~لأتباعه بأن الله رحمهم بالإنجاء من الغرق . | # | 2 ( 42 ، 43 ) { وهى تجرى بهم فى موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان فى ~~معزل يابنى اركب معنا ولا تكن مع الكافرين * قال سآوى إلى جبل يعصمنى من ~~المآء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من ~~المغرقين } . ) 2 # جملة معترضة دعا إلى اعتراضها هنا ذكر ( مجراها ) إتماما للفائدة وصفا ~~لعظم اليوم وعجيب صنع الله تعالى في تيسير نجاتهم ms4072 . | # وقدم المسند إليه على الخبر الفعلي لتقوي الحكم وتحقيقه . | # وعدل عن الفعل الماضي إلى المضارع لاستحضار الحالة مثل قوله تعالى : { ~~والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا } ( فاطر : 9 ) . | # والموج : ما يرتفع من الماء على سطحه عند اضطرابه ، وتشبيهه بالجبال في ~~ضخامته . وذلك إما لكثرة الرياح التي تعلو الماء وإما لدفع دفقات الماء ~~PageV12P074 الواردة من السيول والتقاء الأودية الماء السابق لها ، فإن ~~حادث الطوفان ما كان إلا عن مثل زلازل تفجرت بها مياه الأرض وأمطار جمة ~~تلتقي سيولها مع مياه العيون فتختلط وتجتمع وتصب في الماء الذي كان قبلها ~~حتى عم الماء جميع الأرض التي أراد الله إغراق أهلها ، كما سيأتي . | # عطفت جملة { ونادى } على أعلق الجمل بها اتصالا وهي { وقال اركبوا فيها } ~~( هود : 41 ) لأن نداءه ابنه كان قبل جريان السفينة في موج كالجبال ، إذ ~~يتعذر إيقافها بعد جريها لأن الراكبين كلهم كانوا مستقرين في جوف السفينة . ~~| # وابن نوح هذا هو ابن رابع في أبنائه من زوج ثانية لنوح كان اسمها ( واعلة ~~) غرقت ، وأنها المذكورة في آخر سورة التحريم . قيل كان اسم ابنه ( ياما ) ~~وقيل اسمه ( كنعان ) وهو غير كنعان بن حام جد الكنعانيين . وقد أهملت ~~التوراة الموجودة الآن ذكر هذا الابن وقضية غرقه وهل كان ذا زوجة أو كان ~~عزبا . | # وجملة { وكان في معزل } حال من { ابنه } . والمعزل : مكان العزلة أي ~~الانفراد ، أي في معزل عن المؤمنين إما لأنه كان لم يؤمن بنوح عليه السلام ~~فلم يصدق بوقوع الطوفان ، وإما لأنه ارتد فأنكر وقوع الطوفان فكفر بذلك ~~لتكذيبه الرسول . | PageV12P075 # وجملة { يا بني اركب معنا } بيان لجملة { نادى } وهي إرشاد له ورفق به . ~~| # وأما جملة { ولا تكن مع الكافرين } فهي معطوفة على جملة { اركب معنا } ~~لإعلامه بأن إعراضه عن الركوب يجعله في صف الكفار إذ لا يكون إعراضه عن ~~الركوب إلا أثرا لتكذيبه بوقوع الطوفان . فقول نوح عليه السلام له { اركب ~~معنا } كناية عن دعوته إلى الإيمان بطريقة العرض والتحذير . وقد زاد ابنه ~~دلالة على عدم تصديقه بالطوفان قوله متهكما ms4073 { سآوي إلى جبل يعصمني من الماء ~~} . | # و ( بني ) تصغير ( ابن ) مضافا إلى ياء المتكلم . وتصغيره هنا تصغير شفقة ~~بحيث يجعل كالصغير في كونه محل الرحمة والشفقة . فأصله بنيو ، لأن أصل ابن ~~بنو ، فلما حذفوا منه الواو لثقلها في آخر كلمة ثلاثية نقص عن ثلاثة أحرف ~~فعوضوه همزة وصل في أوله ، ومهما عادت له الواو المحذوفة لزوال داعي الحذف ~~طرحت همزة الوصل ، ثم لما أريد إضافة المصغر إلى ياء المتكلم لزم كسر الواو ~~ليصير بنيوي ، فلما وقعت الواو بين عدوتيها الياءين قلبت ياء وأدغمت في ياء ~~التصغير فصار بنيي بياءين في آخره أولاهما مشددة ، ولما كان المنادى المضاف ~~إلى ياء المتكلم يجوز حذف ياء المتكلم منه وإبقاء الكسرة صار { بني } بكسر ~~الياء مشددة في قراءة الجمهور . وقرأه عاصم { بني } بفتح ياء المتكلم ~~المضاف إليها لأنها يجوز فتحها في النداء ، أصله يا بنيي بياءين أولاهما ~~مكسورة مشددة وهي ياء التصغير مع لام الكلمة التي أصلها الواو ثم اتصلت بها ~~ياء المتكلم وحذفت الياء الأصلية . | # وفصلت جملة { قال سآوي } وجملة { قال لا عاصم } لوقوعهما في سياق ~~المحاورة . | # وقوله : { سآوي إلى جبل } قد كان قبل أن يبلغ الماء أعالي الجبال . و ( ~~آوي ) : أنزل ، ومصدره : الأوي بضم الهمزة وكسر الواو وتشديد الياء . | ~~PageV12P076 # وجملة { يعصمني من الماء } إما صفة ل ( جبل ) أي جبل عال ، وإما استيناف ~~بياني ، لأنه استشعر أن نوحا عليه السلام يسأل لماذا يأوي إلى جبل إذ ابنه ~~قد سمعه حين ينذر الناس بطوفان عظيم فظن الابن أن أرفع الجبال لا يبلغه ~~الماء ، وأن أباه ما أراد إلا بلوغ الماء إلى غالب المرتفعات دون الجبال ~~الشامخات . | # ولذلك أجابه نوح عليه السلام بأنه { لا عاصم اليوم من أمر الله } ، أي ~~مأموره وهو الطوفان { إلا من رحم } . | # واستثناء { من رحم } من مفعول يتضمنه ( عاصم ) إذ العاصم يقتضي معصوما ~~وهو المستثنى منه . وأراد ب { من رحم } من قدر الله له النجاة من الغرق ~~برحمته . وهذا التقدير مظهره الوحي بصنع الفلك والإرشاد إلى كيفية ركوبه . ~~| # والموج : اسم جمع ms4074 موجة ، وهي : مقادير من ماء البحر أو النهر تتصاعد على ~~سطح الماء من اضطراب الماء بسبب شدة رياح ، أو تزايد مياه تنصب فيه ، ويقال ~~: ماج البحر إذا اضطرب ماؤه . وقالوا : ماج القوم ، تشبيها لاختلاط الناس ~~واضطرابهم باضطراب البحر . | # وحيلولة الموج بينهما في آخر المحاورة يشير إلى سرعة فيضان الماء في حين ~~المحاولة . | # وأفاد قوله : { فكان من المغرقين } أنه غرق وغرق معه من توعده بالغرق ، ~~فهو إيجاز بديع . | # | PageV12P077 # | 2 ( 44 ) { وقيل ياأرض ابلعى مآءك وياسمآء أقلعى وغيض المآء وقضى الامر ~~واستوت على الجودى وقيل بعدا للقوم الظالمين } . ) 2 # لما أفاد قوله : { فكان من المغرقين } ( هود : 43 ) وقوع الغرق الموعود ~~به على وجه الإيجاز كما علمت انتقل الكلام إلى انتهاء الطوفان . | # وبناء فعل { قيل } للمفعول هنا اختصار لظهور فاعل القول ، لأن مثله لا ~~يصدر إلا من الله . والقول هنا أمر التكوين . وخطاب الأرض والسماء بطريقة ~~النداء وبالأمر استعارة لتعلق أمر التكوين بكيفيات أفعال في ذاتيهما ~~وانفعالهما بذلك كما يخاطب العاقل بعمل يعمله فيقبله امتثالا وخشية . ~~فالاستعارة هنا في حرف النداء وهي تبعية . | # والبلع حقيقته اجتياز الطعام والشراب إلى الحلق بدون استقرار في الفم . ~~وهو هنا استعارة لإدخال الشيء في باطن شيء بسرعة ، ومعنى بلع الأرض ماءها : ~~دخوله في باطنها بسرعة كسرعة ازدراد البالع بحيث لم يكن جفاف الأرض بحرارة ~~شمس أو رياح بل كان بعمل أرضي عاجل . وقد يكون ذلك بإحداث الله زلازل وخسفا ~~انشقت به طبقة الأرض في مواضع كثيرة حتى غارت المياه التي كانت على سطح ~~الأرض . | # وإضافة { الماء } إلى ( الأرض ) لأدنى ملابسة لكونه في وجهها . | # وإقلاع السماء مستعار لكف نزول المطر منها لأنه إذا كف نزول المطر لم ~~يخلف الماء الذي غار في الأرض ، ولذلك قدم الأمر بالبلع لأنه السبب الأعظم ~~لغيض الماء . | # وفي قران الأرض والسماء محسن الطباق ، وفي مقابلة ( ابلعي ) ب { أقلعي } ~~محسن الجناس . | PageV12P078 # و { غيض الماء } مغن عن التعرض إلى كون السماء أقلعت والأرض بلعت ، وبني ~~فعل { غيض الماء } للنائب لمثل ما بني فعل { وقيل } باعتبار ms4075 سبب الغيض ، أو ~~لأنه لا فاعل له حقيقة لأن حصوله حصول مسبب عن سبب والغيض : نضوبه في الأرض ~~. والمراد : الماء الذي نشأ بالطوفان زائدا على بحار الأرض وأوديتها . ~~وقضاء الأمر : إتمامه . وبناء الفعل للنائب للعلم بأن فاعله ليس غير الله ~~تعالى . | # والاستواء : الاستقرار . | # والجودي : اسم جبل بين العراق وأرمينا ، يقال له اليوم ( أراراط ) . ~~وحكمة إرسائها على جبل أن جانب الجبل أمكن لاستقرار السفينة عند نزول ~~الراكبين لأنها تخف عندما ينزل معظمهم فإذا مالت استندت إلى حانب الجبل . | # و { بعدا } مصدر ( بعد ) على مثال كرم وفرح ، منصوب على المفعولية ~~المطلقة . وهو نائب عن الفعل كما هو الاستعمال في مقام الدعاء ونحوه ، ~~كالمدح والذم مثل : تبا له ، وسحقا ، وسقيا ، ورعيا ، وشكرا . والبعد كناية ~~عن التحقير بلازم كراهية الشيء ، فلذلك يقال : بعد أو نحوه لمن فقد ، إذا ~~كان مكروها كما هنا . ويقال : نفي البعد للمرغوب فيه وإن كان قد بعد ، ~~فيقال للميت العزيز كما قال مالك بن الريب : | # يقولون لا تبعد وهم يدفنوني | # وأين مكان البعد إلا مكانيا | # وقالت فاطمة بنت الأحجم : | # إخوتي لا تبعدوا أبدا | # وبلى والله قد بعدوا | # والأكثر أن يقال ( بعد ) بكسر العين في البعد المجازي بمعنى الهلاك ~~والموت ، و ( بعد ) المضموم العين في البعد الحقيقي . | # والقوم الظالمون هم الذين كفروا فغرقوا . والقائل ( بعدا ) قد يكون من ~~قول الله جريا على طريقة قوله : { وقيل يا أرض ابلعي ماءك } ويجوز أن يقوله ~~PageV12P079 المؤمنون تحقيرا للكفار وتشفيا منهم واستراحة ، فبني فعل { ~~وقيل } إلى المجهول لعدم الحاجة إلى معرفة قائله . | # قال في ( الكشاف ) بعد أن ذكر نكتا مما أتينا على أكثره ( ولما ذكرنا من ~~المعاني والنكت استفصح علماء البيان هذه الآية ورقصوا لها رؤوسهم لا لتجانس ~~الكلمتين { ابلعي } و { اقلعي } وإن كان لا يخلي الكلام من حسن فهو كغير ~~الملتفت إليه بإزاء تلك المحاسن التي هي اللب وما عداها قشور ) اه . | # وقد تصدى السكاكي في ( المفتاح ) في بحث البلاغة والفصاحة لبيان بعض ~~خصائص البلاغة في هذه الآية ، تقفية على كلام ( الكشاف ) فيما نرى ms4076 فقال : | # ( والنظر في هذه الآية من أربع جهات ، من جهة علم البيان ، ومن جهة علم ~~المعاني . . . ومن جهة الفصاحة المعنوية ومن جهة الفصاحة اللفظية . أما ~~النظر فيها من جهة علم البيان . . . فنقول : إنه عز وجل لما أراد أن يبين ~~معنى أردنا أن نرد ما انفجر من الأرض إلى بطنها . . وأن نقطع طوفان السماء ~~. . وأن نغيض الماء . . وأن نقضي أمر نوح عليه السلام وهو إنجاز ما كنا ~~وعدنا من إغراق قومه . . وأن نسوي السفينة على الجودي . . وأبقينا الظلمة ~~غرقى بني الكلام على تشبيه المراد بالمأمور . . . وتشبيه تكوين المراد ~~بالأمر . . وأن السماوات والأرض . . . تابعة لإرادته . . . كأنها عقلاء ~~مميزون . . . ثم بنى على تشبيهه هذا نظم الكلام فقال جل وعلا : { قيل } على ~~سبيل المجاز عن الإرادة الواقع بسببها قول القائل ، وجعل قرينة المجاز ~~الخطاب للجماد . . . فقال : { يا أرض ويا سماء } . . . ثم استعار لغور ~~الماء في الأرض البلع . . للشبه بينهما وهو الذهاب إلى مقر خفي ، ثم استعار ~~الماء للغذاء استعارة بالكناية تشبيها له بالغذاء لتقوي الأرض بالماء في ~~الإنبات . . . تقوي الآكل بالطعام ، وجعل قرينة الاستعارة لفظة ( ابلعي ) . ~~. . ثم أمر على PageV12P080 سبيل الاستعارة للشبه المقدم ذكره ، وخاطب في ~~الأمر ترشيحا لاستعارة النداء ، ثم قال { ماءك } بإضافة الماء إلى الأرض ~~على سبيل المجاز تشبيها لاتصال الماء بالأرض باتصال الملك بالمالك واختار ~~ضمير الخطاب لأجل الترشيح . ثم اختار لاحتباس المطر الإقلاع الذي هو ترك ~~الفاعل الفعل للشبه بينهما في عدم ما كان ، ثم أمر على سبيل الاستعارة ~~وخاطب في الأمر قائلا { أقلعي } لمثل ما تقدم في { ابلعي } ، ثم قال : { ~~وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي } . { وقيل بعدا } فلم يصرح بمن ~~غاض الماء ، ولا بمن قضى الأمر وسوى السفينة وقال { بعدا } ، كما لم يصرح ~~بقائل { يا أرض } و { يا سماء } في صدر الآية ، سلوكا في كل واحد من ذلك ~~لسبيل الكناية أن تلك الأمور العظام لا تتأتى إلا من ذي قدرة لا يكتنه قهار ~~لا يغالب ، فلا مجال لذهاب الوهم إلى أن يكون غيره جلت عظمته قائلا { يا ms4077 ~~أرض } و { يا سماء } ، ولا غائضا ما غاض ، ولا قاضيا مثل ذلك الأمر الهائل ~~، أو أن تكون تسوية السفينة وإقرارها بتسوية غيره وإقراره . | # ثم ختم الكلام بالتعريض تنبيها لسالكي مسلكهم في تكذيب الرسل ظلما ~~لأنفسهم لا غير ختم إظهار لمكان السخط ولجهة استحقاقهم إياه وأن قيامة ~~الطوفان وتلك الصورة الهائلة إنما كانت لظلمهم . | # وأما النظر فيها من حيث علم المعاني ، وهو النظر في إفادة كل كلمة فيها ، ~~وجهة كل تقديم وتأخير فيما بين جملها ، لذلك أنه اختير { يا } دون سائر ~~أخواتها لكونها أكثر في الاستعمال وأنها دالة على بعد المنادى الذي يستدعيه ~~مقام إظهار العظمة . . وهو تبعيد المنادى المؤذن بالتهاون به . . . | # واختير { ابلعي } على ابتلعي لكونه أخصر ، ولمجيء حظ التجانس بينه وبين { ~~أقلعي } أوفر . وقيل { ماءك } بالإفراد دون الجمع لما كان في الجمع من صورة ~~الاستكثار المتأتي عنها مقام إظهار الكبرياء والجبروت . . وإنما لم يقل { ~~ابلعي } بدون المفعول أن لا يستلزم تركه ما ليس بمراد من تعميم الابتلاع ~~PageV12P081 للجبال والتلال والبحار وساكنات الماء بأسرهن نظرا إلى مقام ~~ولأرود أمر الذي هو مقام عظمة وكبرياء . | # ثم إذ بين المراد اختصر الكلام مع { اقلعي } احترازا عن الحشو المستغنى ~~عنه ، وهو الوجه في أن لم يقل : قيل يا أرض ابلعي ماءك فبلعت ، ويا سماء ~~أقلعي فأقلعت . . وكذا الأمر دون أن يقال : أمر نوح عليه السلام وهو إنجاز ~~ما كان الله وعد نوحا عليه السلام من إهلاك قومه لقصد الاختصار والاستغناء ~~بحرف التعريف عن ذلك . | # ثم قيل : { بعدا للقوم الظالمين } دون أن يقال : ليبعد القوم ، طلبا ~~للتأكيد مع الاختصار وهو نزول { بعدا } منزلة ليبعدوا بعدا ، مع فائدة أخرى ~~وهي استعمال اللام مع ( بعدا ) الدال على معنى أن البعد يحق لهم . | # ثم أطلق الظلم ليتناول كل نوع حتى يدخل فيه ظلمهم أنفسهم لزيادة التنبيه ~~على فظاعة سوء اختيارهم في تكذيب الرسل . | # وأما من حيث النظر إلى ترتيب الجمل ، فذلك أنه قد قدم النداء على الأمر ، ~~فقيل : { يا أرض ابلعي ويا سماء أقلعي } دون أن يقال ms4078 : ابلعي يا أرض وأقلعي ~~يا سماء ، جريا على مقتضى اللازم فيمن كان مأمورا حقيقة من تقديم التنبيه ~~ليتمكن الأمر الوارد عقيبه في نفس المنادى قصدا بذلك لمعنى الترشيح . | # ثم قدم أمر الأرض على أمر السماء وابتدىء به لابتداء الطوفان منها ، ~~ونزولها لذلك في القصة منزلة الأصل ، والأصل بالتقديم أولى ، ثم أتبعها ~~قوله : { وغيض الماء } لاتصاله بغيضية الماء وأخذه بحجزتها ، ألا ترى أصل ~~الكلام : قيل يا أرض ابلعي ماءك فبلعت ماءها ويا سماء أقلعي عن إرسال الماء ~~فأقلعت عن إرساله ، وغيض الماء النازل من السماء فغاض ، ثم أتبعه ما هو ~~المقصود من القصة وهو قوله تعالى : { وقضي الأمر } أي أنجز الموعود . . ثم ~~أتبعه حديث السفينة وهو قوله : { واستوت على الجودي } ، ثم ختمت القصة بما ~~ختمت . . . PageV12P082 وأما النظر فيها من جانب الفصاحة المعنوية فهي كما ~~ترى نظم للمعاني لطيف وتأدية لها ملخصة مبينة ، لا تعقيد يعثر الفكر في طلب ~~المراد . ولا التواء يشيك الطريق إلى المرتاد ، بل إذا جربت نفسك عند ~~استماعها وجدت ألفاظها تطابق معانيها ومعانيها تطابق ألفاظها . | # وأما النظر فيها من جانب الفصاحة اللفظية فألفاظها على ما ترى عربية ~~مستعملة جارية على قوانين اللغة ، سليمة عن التنافر ، بعيدة عن البشاعة ، ~~عذبة على العذبات ، سلسة على الأسلات . . . ) . هذه نهاية كلام المفتاح . | # | 2 ( 45 47 ) { ونادى نوح ربه فقال رب إن ابنى من أهلى وإن وعدك الحق ~~وأنت أحكم الحاكمين * قال يانوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا ~~تسألنى ما ليس لك به علم إنى أعظك أن تكون من الجاهلين * قال رب إنى أعوذ ~~بك أن أسألك ما ليس لى به علم وإلا تغفر لى وترحمنى أكن من الخاسرين } . ) ~~2 # | $ # موقع الآية يقتضي أن نداء نوح عليه السلام هذا كان بعد استواء السفينة ~~على الجودي نداء دعاه إليه داعي الشفقة فأراد به نفع ابنه في الآخرة بعد ~~اليأس من نجاته في الدنيا ، لأن الله أعلمه أنه لا نجاة إلا للذين يركبون ~~السفينة ، ولأن نوحا عليه السلام لما دعا ابنه ms4079 إلى ركوب السفينة فأبى وجرت ~~السفينة قد علم أنه لا وسيلة إلى نجاته فكيف يسألها من الله فتعين أنه سأل ~~له المغفرة ، ويدل لذلك قوله تعالى : { فلا تسألني ما ليس لك به علم } كما ~~سيأتي . | # ويجوز أن يكون دعاء نوح عليه السلام هذا وقع قبل غرق الناس ، أي نادى ربه ~~أن ينجي ابنه من الغرق . | PageV12P083 # ويجوز أن يكون بعد غرق من غرقوا ، أي نادى ربه أن يغفر لابنه وأن لا ~~يعامله معاملة الكافرين في الآخرة . | # والنداء هنا نداء دعاء فكأنه قيل : ودعا نوح ربه ، لأن الدعاء يصدر ~~بالنداء غالبا ، والتعبير عن الجلالة بوصف الرب مضافا إلى نوح عليه السلام ~~تشريف لنوح وإيماء إلى رأفة الله به وأن نهيه الوارد بعده نهي عتاب . | # وجملة { فقال رب إن ابني من أهلي } بيان للنداء ، ومقتضى الظاهر أن لا ~~تعطف بفاء التفريع كما لم يعطف البيان في قوله تعالى : { إذ نادى ربه نداء ~~خفيا قال رب إني وهن العظم مني } ( مريم : 3 ، 4 ) ، وخولف ذلك هنا . ووجه ~~في ( الكشاف ) اقترانه بالفاء بأن فعل { نادى } مستعمل في إرادة النداء ، ~~أي مثل فعل ( قمتم ) في قوله تعالى : { يأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى ~~الصلاة فاغسلوا وجوهكم } ( المائدة : 6 ) الآية ، يريد أن ذلك إخراج للكلام ~~على خلاف مقتضى الظاهر فإن وجود الفاء في الجملة التي هي بيان للنداء قرينة ~~على أن فعل { نادى } مستعار لمعنى إرادة النداء ، أي أراد نداء ربه فأعقب ~~إرادته بإصدار النداء ، وهذا إشارة إلى أنه أراد النداء فتردد في الإقدام ~~عليه لما علم من قوله تعالى : { إلا من سبق عليه القول } ( هود : 40 ) فلم ~~يطل تردده لما غلبته الشفقة على ابنه فأقدم على نداء ربه ، ولذلك قدم ~~الاعتذار بقوله : { إن ابني من أهلي } . فقوله : { إن ابني من أهلي } خبر ~~مستعمل في الاعتذار والتمهيد لأنه يريد أن يسأل سؤالا لا يدري قبوله ولكنه ~~اقتحمه لأن المسؤول له من أهله فله عذر الشفقة عليه . وتأكيد الخبر ب { إن ~~} للاهتمام به . | # وكذلك جملة { وإن وعدك الحق ms4080 } خبر مستعمل في لازم الفائدة . وهو أنه يعلم ~~أن وعد الله حق . | # والمراد بالوعد ما في قوله تعالى : { إلا من سبق عليه القول منهم ولا ~~تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون } ( المؤمنون : 37 ) إذ أفاد ذلك أن ~~بعض أهله قد سبق PageV12P084 من الله تقدير بأنه لا يركب السفينة . وهذا ~~الموصول متعين لكونه صادقا على ابنه إذ ليس غيره من أهله طلب منه ركوب ~~السفينة وأبى ، وأن من سبق علم الله بأنه لا يركب السفينة من الناس فهو ~~ظالم ، أي كافر ، وأنه مغرق ، فكان عدم ركوبه السفينة وغرقه أمارة أنه كافر ~~. فالمعنى : أن نوحا عليه السلام لا يجهل أن ابنه كافر ، ولذلك فسؤال ~~المغفرة له عن علم بأنه كافر ، ولكنه يطمع لعل الله أن يعفو عنه لأجل ~~قرابته به ، فسؤاله له المغفرة بمنزلة الشفاعة له عند الله تعالى ، وذلك ~~أخذ بأقصى دواعي الشفقة والرحمة بابنه . | # وقرينة ذلك كله قوله : { وأنت أحكم الحاكمين } المفيد أنه لا راد لما حكم ~~به وقضاه ، وأنه لا دالة عليه لأحد من خلقه ، ولكنه مقام تضرع وسؤال ما ليس ~~بمحال . | # وقد كان نوح عليه السلام غير منهي عن ذلك ، ولم يكن تقرر في شرعه العلم ~~بعدم المغفرة للكافرين ، فكان حال نوح عليه السلام كحال النبي صلى الله ~~عليه وسلم حين قال لأبي طالب ( لأستغفرن لك ما لم أنه عنك ) قبل أن ينزل ~~قوله تعالى : { ما كان للنبيء والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين } ( ~~التوبة : 113 ) الآية . | # والاقتصار على هذه الجمل الثلاث في مقام الدعاء تعريض بالمطلوب لأنه لم ~~يذكره ، وذلك ضرب من ضروب التأدب والتردد في الإقدام على المسؤول استغناء ~~بعلم المسؤول كأنه يقول : أسألك أم أترك ، كقول أمية بن أبي الصلت : | # أأذكر حاجتي أم قد كفاني | # حياؤك أن شيمتك الحياء | # ومعنى { أحكم الحاكمين } أشدهم حكما . واسم التفضيل يتعلق بماهية الفعل ، ~~فيفيد أن حكمه لا يجور وأنه لا يبطله أحد . | # ومعنى قوله تعالى : { إنه ليس من أهلك } نفي أن يكون من أهل دينه ~~واعتقاده ، فليس ذلك إبطالا لقول ms4081 نوح عليه السلام : { إن ابني من أهلي } ~~ولكنه إعلام بأن قرابة الدين بالنسبة لأهل الإيمان هي القرابة ، وهذا ~~المعنى شائع في الاستعمال . | PageV12P085 # قال النابغة يخاطب عيينة بن حصن : | # إذا حاولت في أسد فجورا | # فإني لست منك ولست مني | # وقال تعالى : { ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون ~~} ( التوبة : 56 ) . | # وتأكيد الخبر لتحقيقه لغرابته . | # وجملة { إنه عمل غير صالح } تعليل لمضمون جملة { إنه ليس من أهلك } ف ( ~~إن ) فيه لمجرد الاهتمام . | # و { عمل } في قراءة الجمهور بفتح الميم وتنوين اللام مصدر أخبر به ~~للمبالغة وبرفع { غير } على أنه صفة ( عمل ) . وقرأه الكسائي ، ويعقوب { ~~عمل } بكسر الميم بصيغة الماضي وبنصب { غير } على المفعولية لفعل ( عمل ) . ~~ومعنى العمل غير الصالح الكفر ، وأطلق على الكفر ( عمل ) لأنه عمل القلب ، ~~ولأنه يظهر أثره في عمل صاحبه كامتناع ابن نوح من الركوب الدال على تكذيبه ~~بوعيد الطوفان . | # وتفرع على ذلك نهيه أن يسأل ما ليس له به علم نهي عتاب ، لأنه لما قيل له ~~{ إنه ليس من أهلك } بسبب تعليله بأنه عمل غير صالح ، سقط ما مهد به لإجابة ~~سؤاله ، فكان حقيقا بأن لا يسأله وأن يتدبر ما أراد أن يسأله من الله . | # وقرأه نافع ، وابن عامر ، وأبو جعفر ( فلا تسألني ) بتشديد النون وهي نون ~~التوكيد الخفيفة ونون الوقاية أدغمتا . وأثبت ياء المتكلم من عدا ابن كثير ~~من هؤلاء . أما ابن كثير فقرأ ( فلا تسألن ) بنون مشددة مفتوحة . وقرأه أبو ~~عمرو ، وعاصم ، وحمزة ، والكسائي ، ويعقوب ، وخلف ( فلا PageV12P086 تسألن ~~) بسكون اللام وكسر النون مخففة على أنه غير مؤكد بنون التوكيد ومعدى إلى ~~ياء المتكلم . | # وأكثرهم حذف الياء في حالة الوصل ، وأثبتها في الوصل ورش عن نافع وأبو ~~عمرو . | # ثم إن كان نوح عليه السلام لم يسبق له وحي من الله بأن الله لا يغفر ~~للمشركين في الآخرة كان نهيه عن أن يسأل ما ليس له به علم ، نهي تنزيه ~~لأمثاله لأن درجة النبوءة تقتضي أن لا يقدم على سؤال ربه سؤلا لا يعلم ~~إجابته ms4082 . وهذا كقوله تعالى : { ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له } ( ~~سبأ : 23 ) وقوله : { لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمان وقال صوابا } ( ~~النبإ : 38 ) ، وإن كان قد أوحي إليه بذلك من قبل ، كما دل عليه قوله : { ~~وإن وعدك الحق } ، وكان سؤاله المغفرة لابنه طلبا تخصيصه من العموم . وكان ~~نهيه نهي لوم وعتاب حيث لم يتبين من ربه جواز ذلك . | # وكان قوله : { ما ليس لك به علم } محتملا لظاهره ، ومحتملا لأن يكون ~~كناية عن العلم بضده ، أي فلا تسألني ما علمت أنه لا يقع . | # ثم إن كان قول نوح عليه السلام { إن ابني من أهلي } إلى آخره تعريضا ~~بالمسؤول كان النهي في قوله : { فلا تسألني ما ليس لك به علم } نهيا عن ~~الإلحاح أو العود إلى سؤاله ؛ وإن كان قول نوح عليه السلام مجرد تمهيد ~~للسؤال لاختبار حال إقبال الله على سؤاله كان قوله تعالى : { فلا تسألني } ~~نهيا عن الإفضاء بالسؤال الذي مهد له بكلامه . والمقصود من النهي تنزيهه عن ~~تعريض سؤاله للرد . | # وعلى كل الوجوه فقوله : { إني أعظك أن تكون من الجاهلية } موعظة على ترك ~~التثبت قبل الإقدام . | # والجهل فيه ضد العلم ، وهو المناسب لمقابلته بقوله : { ما ليس لك به علم ~~} . | PageV12P087 # فأجاب نوح عليه السلام كلام ربه بما يدل على التنصل مما سأل فاستعاذ أن ~~يسأل ما ليس له به علم ، فإن كان نوح عليه السلام أراد بكلامه الأول ~~التعريض بالسؤال فهو أمر قد وقع فالاستعاذة تتعلق بتبعة ذلك أو بالعود إلى ~~مثله في المستقبل ؛ وإن كان إنما أراد التمهيد للسؤال فالاستعاذة ظاهرة ، ~~أي الانكفاف عن الإفضاء بالسؤال . | # وقوله : { وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين } طلب المغفرة ابتداء ~~لأن التخلية مقدمة على التحلية ثم أعقبها بطلب الرحمة لأنه إذا كان بمحل ~~الرضى من الله كان أهلا للرحمة . | # وقد سلك المفسرون في تفسيرهم هذه الآيات مسلك كون سؤال نوح عليه السلام ~~سؤالا لإنجاء ابنه من الغرق فاعترضتهم سبل وعرة متنائية ، ولقوا عناء في ~~الاتصال بينها ، والآية بمعزل عنها ، ولعلنا ms4083 سلكنا الجادة في تفسيرها . | # | 2 ( 48 ) { قيل يانوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك ~~وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم } . ) 2 # فصلت الجملة ولم تعطف لوقوعها في سياق المحاورة بين نوح عليه السلام وربه ~~، فإن نوحا عليه السلام لما أجاب بقوله : { رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس ~~لي به علم } ( هود : 47 ) إلى آخره خاطبه ربه إتماما للمحاورة بما يسكن ~~جأشه . | # وكان مقتضى الظاهر أن يقول : قال يا نوح اهبط ، ولكنه عدل عنه إلى بناء ~~الفعل للنائب ليجيء على وتيرة حكاية أجزاء القصة المتقدمة من قوله : { وقيل ~~يا أرض ابلعي . . . وقيل بعدا للقوم الظالمين } ( هود : 44 ) فحصل بذلك ~~البناء قضاء حق الإشارة إلى جزء القصة ، كما حصل بالفصل قضاء حق الإشارة ~~إلى أن ذلك القول جزء المحاورة . | PageV12P088 # ونداء نوح عليه السلام للتنويه به بين الملأ . | # والهبوط : النزول . وتقدم في قوله : { اهبطوا مصرا } في سورة البقرة ( 61 ~~) . والمراد : النزول من السفينة لأنها كانت أعلى من الأرض . | # والسلام : التحية ، وهو مما يخاطب بها عند الوداع أيضا ، يقولون : اذهب ~~بسلام ، ومنه قول لبيد : | # إلى الحول ثم اسم السلام عليكما | # وخطابه بالسلام حينئذ إيماء إلى أنه كان في ضيافة الله تعالى لأنه كان ~~كافلا له النجاة ، كما قال تعالى : { وحملناه على ذات ألواحح ودسر تجري ~~بأعيننا } ( القمر : 13 ، 14 ) . | # وأصل السلام : السلامة ، فاستعمل عند اللقاء إيذانا بتأمين المرء ملاقيه ~~وأنه لا يضمر له سوءا ، ثم شاع فصار قولا عند اللقاء للإكرام . وبذلك نهى ~~النبي صلى الله عليه وسلم الذين قالوا : السلام على الله ، فقوله هنا : { ~~اهبط بسلام } نظير قوله : { ادخلوها بسلام آمنين } ( الحجر : 46 ) فإن ~~السلام ظاهر في التحية لتقييده ب ( آمنين ) . ولو كان السلام مرادا به ~~السلامة لكان التقييد ب ( آمنين ) توكيدا وهو خلاف الأصل . | # و { منا } تأكيد لتوجيه السلام إليه لأن ( من ) ابتدائية ، فالمعنى : ~~بسلام ناشىء من عندنا ، كقوله : { سلام قولا من ربب رحيم } ( يس : 58 ) . ~~وذلك كثير في كلامهم . وهذا التأكيد يراد به زيادة الصلة ms4084 والإكرام فهو أشد ~~مبالغة من الذي لا تذكر معه ( من ) . | # والباء للمصاحبة ، أي اهبط مصحوبا بسلام منا . ومصاحبة السلام الذي هو ~~التحية مصاحبة مجازية . | PageV12P089 # والبركات : الخيرات النامية ، واحدتها بركة ، وهي من كلمات التحية ~~مستعملة في الدعاء . | # ولما كان الداعون بلفظ التحية إنما يسألون الله بدعاء بعضهم لبعض فصدور ~~هذا الدعاء من لدنه قائم مقام إجابة الدعاء فهو إفاضة بركات على نوح عليه ~~السلام ومن معه ، فحصل بذلك تكريمهم وتأمينهم والإنعام عليهم . | # و ( عليك ) يتعلق ( بسلام ) و ( بركات ) وكذلك { وعلى أمم ممن معك } . | # والأمم : جمع أمة . والأمة : الجماعة الكثيرة من الناس التي يجمعها نسب ~~إلى جد واحد . يقال : أمة العرب ، أو لغة مثل أمة الترك ، أو موطن مثل أمة ~~أمريكا ، أو دين مثل الأمة الإسلامية ، ف { أمم } دال على عدد كثير من ~~الأمم يكون بعد نوح عليه السلام . وليس الذين ركبوا في السفينة أمما لقلة ~~عددهم لقوله : { وما آمن معه إلا قليل } ( هود : 40 ) . وتنكير { أمم } ~~لأنه لم يقصد به التعميم تمهيدا لقوله : { وأمم سنمتعهم } . | # و ( من ) في { ممن معك } ابتدائية ، و ( من ) الموصولة صادقة على الذين ~~ركبوا مع نوح عليه السلام في السفينة . ومنهم ابناؤه الثلاثة . فالكلام ~~بشارة لنوح عليه السلام ومن معه بأن الله يجعل منهم أمما كثيرة يكونون محل ~~كرامته وبركاته . وفيه إيذان بأن يجعل منهم أمما بخلاف ذلك ، ولذلك عطف على ~~هذه الجملة قوله : { وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم } . | # وهذا النظم يقتضي أن الله بدأ نوحا بالسلام والبركات وشرك معه فيهما أمما ~~ناشئين ممن هم معه ، وفيهم الناشئون من نوح عليه السلام لأن في جملة من معه ~~أبناءه الثلاثة الذين انحصر فيهم نسله من بعده . فتعين أن الذين معه يشملهم ~~السلام والبركات بادىء بدء قبل نسلهم إذ عنون عنهم بوصف معية نوح عليه ~~السلام تنبيها على سبب كرامتهم . وإذ كان التنويه بالناشئين PageV12P090 ~~عنهم إيماء إلى أن اختصاصهم بالكرامة لأجل كونهم ناشئين عن فئة مكرمة ~~بمصاحبة نوح عليه السلام ، فحصل تنويه نوح عليه السلام وصحبته ونسلهم ms4085 بطريق ~~إيجاز بديع . | # وجملة { وأمم سنمتعهم } إلخ ، عطف على جملة { اهبط بسلام منا } إلى آخرها ~~، وهي استئناف بياني لأنها تبيين لما أفاده التنكير في قوله : { وعلى أمم ~~ممن معك } من الاحتراز عن أمم آخرين . وهذه الواو تسمى استينافية وأصلها ~~الواو العاطفة وبعضهم يرجعها إلى الواو الزائدة ، ويجوز أن تكون الواو ~~للتقسيم ، والمقصود : تحذير قوم نوح من اتباع سبيل الذين أغرقوا ، والمقصود ~~من حكاية ذلك في القرآن التعريض بالمشركين من العرب فإنهم من ذرية نوح ولم ~~يتبعوا سبيل جدهم ، فأشعروا بأنهم من الأمم التي أنبأ الله نوحا بأنه ~~سيمتعهم ثم يمسهم عذاب أليم . ونظير هذا قوله تعالى : { ذرية من حملنا مع ~~نوح إنه كان عبدا شكورا } ( الإسراء : 3 ) أي وكان المتحدث عنهم غير شاكرين ~~للنعمة . | # وإطلاق المس على الإصابة القوية تقدم عند قوله تعالى : { وإن يمسسك الله ~~بضر فلا كاشف له إلا هو في الأنعام ( 17 ) . | # وذكر منا } مع { يمسهم } لمقابلة قوله في ضده { بسلام منا } ليعلموا أن ~~ما يصيب الأمة من الأحوال الزائدة على المعتاد في الخير والشر هو إعلام من ~~الله بالرضى أو الغضب لئلا يحسبوا ذلك من سنة ترتب المسببات العادية على ~~أسبابها ، إذ من حق الناس أن يتبصروا في الحوادث ويتوسموا في جريان أحوالهم ~~على مراد الله تعالى منهم ويعلموا أن الله يخاطبهم بدلالة الكائنات عند ~~انقطاع خطابه إياهم على ألسنة الرسل ، فإن الرسل يبينون لهم طرق الدلالة ~~ويكلون إليهم النظر في وضع المدلولات عند دلالاتها . ومثاله ما هنا فقد بين ~~لهم على لسان نوح عليه السلام أنه يمتع أمما ثم يمسهم عذاب أليم بما يصنعون ~~. | # | PageV12P091 # | 2 ( 49 ) { تلك من أنبآء الغيب نوحيهآ إليك ما كنت تعلمهآ أنت ولا قومك ~~من قبل هاذا فاصبر إن العاقبة للمتقين } . ) 2 # استئناف أريد منه الامتنان على النبي صلى الله عليه وسلم والموعظة ~~والتسلية . | # فالامتنان من قوله : { ما كنت تعلمها } . | # والموعظة من قوله : { فاصبر } إلخ . | # والتسلية من قوله : { إن العاقبة للمتقين } . | # والإشارة ب { تلك } إلى ما تقدم من خبر نوح عليه ms4086 السلام ، وتأنيث اسم ~~الإشارة بتأويل أن المشار إليه القصة . | # والأنباء : جمع نبأ ، وهو الخبر . وأنباء الغيب الأخبار المغيبة عن الناس ~~أو عن فريق منهم . فهذه الأنباء مغيبة بالنسبة إلى العرب كلهم لعدم علمهم ~~بأكثر من مجملاتها ، وهي أنه قد كان في الزمن الغابر نبيء يقال له : نوح ~~عليه السلام أصاب قومه طوفان ، وما عدا ذلك فهو غيب كما أشار إليه قوله : { ~~ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا } ، فإنهم لم ينكروا ذلك ولم يدعوا ~~علمه . على أن فيها ما هو غيب بالنسبة إلى جميع الأمم مثل قصة ابن نوح ~~الرابع وعصيانه أباه وإصابته بالغرق ، ومثل كلام الرب مع نوح عليه السلام ~~عند هبوطه من السفينة ، ومثل سخرية قومه به وهو يصنع الفلك ، وما دار بين ~~نوح عليه السلام وقومه من المحاورة ، فإن ذلك كله مما لم يذكر في كتب أهل ~~الكتاب . | # وجملة { من أنباء الغيب ونوحيها وما كنت تعلمها } أخبار عن اسم الإشارة ، ~~أو بعضها خبر وبعضها حال . وضمير { أنت } تصريح بالضمير المستتر في قوله : ~~{ تعلمها } لتصحيح العطف عليه . | PageV12P092 # وعطف { ولا قومك } من الترقي ، لأن في قومه من خالط أهل الكتاب ومن كان ~~يقرأ ويكتب ولا يعلم أحد منهم كثيرا مما أوحي إليه من هذه القصة . | # والإشارة بقوله : { من قبل هذا } إما إلى القرآن ، وإما إلى الوقت ~~باعتبار ما في هذه القصة من الزيادة على ما ذكر في أمثالها مما تقدم نزوله ~~عليها ، وإما إلى { تلك } بتأويل النبأ ، فيكون التذكير بعد التأنيث شبيها ~~بالالتفات . | # ووجه تفريع أمر الرسول بالصبر على هذه القصة أن فيها قياس حاله مع قومه ~~على حال نوح عليه السلام مع قومه ، فكما صبر نوح عليه السلام فكانت العاقبة ~~له كذلك تكون العاقبة لك على قومك . وخبر نوح عليه السلام مستفاد مما حكي ~~من مقاومة قومه ومن ثباته على دعوتهم ، لأن ذلك الثبات مع تلك المقاومة من ~~مسمى الصبر . | # وجملة { إن العاقبة للمتقين } علة للصبر المأمور به ، أي اصبر لأن داعي ~~الصبر قائم وهو أن ms4087 العاقبة الحسنة تكون للمتقين ، فستكون لك وللمؤمنين معك ~~. | # والعاقبة : الحالة التي تعقب حالة أخرى . وقد شاعت عند الإطلاق في حالة ~~الخير كقوله : { والعاقبة للتقوى } ( طه : 132 ) . | # والتعريف في { العاقبة } للجنس . | # واللام في { للمتقين } للاختصاص والملك ، فيقتضي ملك المتقين لجنس ~~العاقبة الحسنة ، فهي ثابتة لهم لا تفوتهم وهي منتفية عن أضدادهم . | # | PageV12P093 # | 2 ( 50 52 ) { لله وإلى عاد أخاهم هودا قال ياقوم اعبدوا الله ما لكم ~~من إلاه غيره إن أنتم إلا مفترون * ياقوم لا أسألكم عليه أجرا إن أجرى إلا ~~على الذى فطرنى أفلا تعقلون * وياقوم استغفروا ربكم ثم توبو ا إليه يرسل ~~السمآء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين } . ) 2 # | $ # عطف على { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه } ( هود : 25 ) ، فعطف { وإلى عاد } ~~على { إلى قومه } ( هود : 25 ) ، وعطف { أخاهم } على { نوحا } ( هود : 25 ) ~~، والتقدير : وأرسلنا إلى عاد أخاهم هودا . وهو من العطف على معمولي عامل ~~واحد . | # وتقديم المجرور للتنبيه على أن العطف من عطف المفردات لا من عطف الجمل ~~لأن الجار لا بد له من متعلق ، وقضاء لحق الإيجاز ليحضر ذكر عاد مرتين ~~بلفظه ثم بضميره . | # ووصف ( هود ) بأنه أخو عاد لأنه كان من نسبهم كما يقال : يا أخا العرب ، ~~أي يا عربي . | # وتقدم ذكر عاد وهود في سورة الأعراف . | # وجملة { قال } مبينة للجملة المقدرة وهي { أرسلنا } ( هود : 25 ) . | # ووجه التصريح بفعل القول لأن فعل ( أرسلنا ) محذوف ، فلو بين بجملة { يا ~~قوم اعبدوا } كما بين في قوله : { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير ~~مبين } ( هود : 25 ) لكان بيانا لمعدوم وهو غير جلي . | # وافتتاح دعوته بنداء قومه لاسترعاء أسماعهم إشارة إلى أهمية ما سيلقي ~~إليهم . | PageV12P094 # وجملة { ما لكم من إله غيره } حال من ضمير { اعبدوا } أو من اسم الجلالة ~~. والإتيان بالحال الاستقصاد إبطال شركهم بأنهم أشركوا غيره في عبادته في ~~حال أنهم لا إله لهم غيره ، أو في حال أنه لا إله لهم غيره . وذلك تشنيع ~~للشرك . | # وجملة { إن أنتم إلا مفترون } توبيخ وإنكار . فهي بيان ms4088 لجملة { ما لكم من ~~إله غيره } ، أي ما أنتم إلا كاذبون في ادعاء إلهية غير الله تعالى . | # وجملة { يا قوم لا أسألكم عليه أجرا } إن كان قالها مع الجملة التي قبلها ~~فإعادة النداء في أثناء الكلام تكرير للأهمية ، يقصد به تهويل الأمر ~~واسترعاء السمع اهتماما بما يستسمعونه ، والنداء هو الرابط بين الجملتين ؛ ~~وإن كانت مقولة في وقت غير الذي قيلت فيه الجملة الأولى ، فكونها ابتداء ~~كلام ظاهر . | # وتقدم تفسير { لا أسألكم عليه أجرا } في قصة نوح عليه السلام ، أي لا ~~أسألكم أجرا على ما قلته لكم . | # والتعبير بالموصول { الذي فطرني } دون الاسم العلم لزيادة تحقيق أنه لا ~~يسألهم على الإرشاد أجرا بأنه يعلم أن الذي خلقه يسوق إليه رزقه ، لأن ~~إظهار المتكلم علمه بالأسباب يكسب كلامه على المسببات قوة وتحقيقا . | # ولذلك عطف على ذلك قوله : { أفلا تعقلون } بفاء التفريع عاطفة استفهاما ~~إنكاريا عن عدم تعقلهم ، أي تأملهم في دلالة حاله على صدقه فيما يبلغ ونصحه ~~لهم فيما يأمرهم . والعقل : العلم . | # وعطف جملة { ويا قوم } مثل نظيرها في قصة نوح عليه السلام آنفا . | # والاستغفار : طلب المغفرة للذنب ، أي طلب عدم المؤاخذة بما مضى منهم من ~~الشرك ، وهو هنا مكنى به عن ترك عقيدة الشرك ، لأن استغفار الله يستلزم ~~الاعتراف PageV12P095 بوجوده ويستلزم اعتراف المستغفر بذنب في جانبه ولم ~~يكن لهم ذنب قبل مجيء هود عليه السلام إليهم غير ذنب الإشراك إذ لم يكن له ~~شرع من قبل . وأما ذنب الإشراك فهو متقرر من الشرائع السابقة جميعها فكان ~~معلوما بالضرورة فكان الأمر بالاستغفار جامعا لجميع هذه المعاني تصريحا ~~وتكنية . | # والتوبة : الإقلاع عن الذنب في المستقبل والندم على ما سلف منه . وفي ~~ماهية التوبة العزم على عدم العود إلى الذنب فيؤول إلى الأمر بالدوام على ~~التوحيد ونفي الإشراك . | # و { ثم } للترتيب الرتبي ، لأن الدوام على الإقلاع أهم من طلب العفو عما ~~سلف . | # و { يرسل السماء عليكم } جواب الأمر من { استغفروا } . | # والإرسال : بعث من مكان بعيد فأطلق الإرسال على نزول المطر لأنه حاصل ~~بتقدير الله ms4089 فشبه بإرسال شيء من مكان المرسل إلى المبعوث إليه . | # والسماء من أسماء المطر تسمية للشيء باسم مصدره . وفي الحديث : ( خطبنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم على أثر سماء ) . | # و { مدرارا } حال من السماء صيغة مبالغة من الدرور وهو الصب ، أي غزيرا . ~~جعل جزاءهم على الاستغفار والتوبة إمدادهم بالمطر لأن ذلك من أعظم النعم ~~عليهم في الدنيا إذ كانت عاد أهل زرع وكروم فكانوا بحاجة إلى الماء ، ~~وكانوا يجعلون السداد لخزن الماء . والأظهر أن الله أمسك عنهم المطر سنين ~~فتناقص نسلهم ورزقهم جزاء على الشرك بعد أن أرسل إليهم هودا عليه السلام ؛ ~~فيكون قوله : { يرسل السماء } وعدا وتنبيها على غضب الله عليهم ، وقد كانت ~~ديارهم من حضرموت إلى الأحقاف مدنا وحللا وقبابا . | # وكانوا أيضا معجبين بقوة أمتهم وقالوا : { من أشد منا قوة } ( فصلت : 15 ~~) فلذلك جعل الله لهم جزاء على ترك الشرك زيادة قوتهم بكثرة العدد وصحة ~~الأجسام وسعة PageV12P096 الأرزاق ، لأن كل ذلك قوة للأمة يجعلها في غنى عن ~~الأمم الأخرى وقادرة على حفظ استقلالها ويجعل أمما كثيرة تحتاج إليها . | # و { إلى قوتكم } متعلق ب { يزدكم } . وإنما عدي ب { إلى } لتضمينه معنى ~~يضم . وهذا وعد لهم بصلاح الحال في الدنيا رضي الله عنهم . | # وعطف عليه { ولا تتولوا مجرمين } تحذيرا من الرجوع إلى الشرك . | # والتولي : الانصراف . وهو هنا مجاز عن الإعراض . | # و { مجرمين } حال من ضمير { تتولوا } أي متصفين بالإجرام ، وهو الإعراض ~~عن قبول أمر الله تعالى . | # | 2 ( 53 56 ) { قالوا ياهود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركى ءالهتنا عن ~~قولك وما نحن لك بمؤمنين * إن نقول إلا اعتراك بعض ءالهتنا بسو ء قال إنى ~~أشهد الله واشهدو ا أنى برى ء مما تشركون * من دونه فكيدونى جميعا ثم لا ~~تنظرون * إنى توكلت على الله ربى وربكم ما من دآبة إلا هو ءاخذ بناصيتهآ إن ~~ربى على صراط مستقيم } . ) 2 # | $ # { قالوا ياهود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركى ءالهتنا عن قولك وما نحن لك ~~بمؤمنين } { إن نقول إلا اعتراك بعض ءالهتنا ms4090 بسو ء قال إنى أشهد الله ~~واشهدو ا أنى برى ء مما تشركون } . | # محاورة منهم لهود عليه السلام بجواب عن دعوته ، ولذلك جردت الجملة عن ~~العاطف . | # وافتتاح كلامهم بالنداء يشير إلى الاهتمام بما سيقولونه ، وأنه جدير بأن ~~يتنبه له لأنهم نزلوه منزلة البعيد لغفلته فنادوه ، فهو مستعمل في معناه ~~الكنائي أيضا . وقد يكون مرادا منه مع ذلك توبيخه ولومه فيكون كناية ثانية ~~، أو استعمال النداء في حقيقته ومجازه . | # وقولهم : { ما جئتنا ببينة } بهتان لأنه أتاهم بمعجزات لقوله تعالى : { ~~وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم } ( هود : 59 ) وإن كان القرآن لم يذكر آية ~~معينة لهود عليه PageV12P097 السلام . ولعل آيته أنه وعدهم عند بعثته بوفرة ~~الأرزاق والأولاد واطراد الخصب وفرة مطردة لا تنالهم في خلالها نكبة ولا ~~مصيبة بحيث كانت خارقة لعادة النعمة في الأمم ، كما يشير إليه قوله تعالى : ~~{ وقالوا من أشد منا قوة } ( فصلت : 15 ) . | # وفي الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ما من ~~الأنبياء نبيء إلا أوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر ) الحديث . | # وإنما أرادوا أن البينات التي جاءهم بها هود عليه السلام لم تكن طبقا ~~لمقترحاتهم . وجعلوا ذلك علة لتصميمهم على عبادة آلهتهم فقالوا : { وما نحن ~~بتاركي آلهتنا عن قولك } . ولم يجعلوا { وما نحن بتاركي } مفرعا على قولهم ~~: { ما جئتنا ببينة } . | # و { عن } في { عن قولك } للمجاوزة ، أي لا نتركها تركا صادرا عن قولك ، ~~كقوله : { وما فعلته عن أمري } ( الكهف : 82 ) . والمعنى على أن يكون كلامه ~~علة لتركهم آلهتهم . | # وجملة { إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء } استئناف بياني لأن قولهم : ~~{ وما نحن لك بمؤمنين } من شأنه أن يثير للسامع ومن معه في أنفسهم أن ~~يقولوا إن لم تؤمنوا بما جاء به أنه من عند الله فماذا تعدون دعوته فيكم ، ~~أي نقول إنك ممسوس من بعض آلهتنا ، وجعلوا ذلك من فعل بعض الآلهة تهديدا ~~للناس بأنه لو تصدى له جميع الآلهة لدكوه دكا . | # والاعتراء : النزول والإصابة . والباء للملابسة ، أي أصابك بسوء . ولا شك ms4091 ~~أنهم يعنون أن آلهتهم أصابته بمس من قبل أن يقوم بدعوة رفض عبادتها لسبب ~~آخر ، وهو كلام غير جار على انتظام الحجة ، لأنه كلام ملفق من نوع ما يصدر ~~عن السفسطائيين ، فجعلوه مجنونا وجعلوا سبب جنونه مسا من آلهتهم ، ولم ~~يتفطنوا إلى دخل كلامهم وهو أن الآلهة كيف تكون سببا في إثارة ثائر عليها . ~~| PageV12P098 # والقول مستعمل في المقول اللساني ، وهو يقتضي اعتقادهم ما يقولونه . | # { قال إنى أشهد الله واشهدو ا أنى برى ء مما تشركون } { من دونه فكيدونى ~~جميعا ثم لا تنظرون } { إنى توكلت على الله ربى وربكم ما من دآبة إلا هو ~~ءاخذ بناصيتهآ إن ربى على صراط مستقيم } . | # لما جاءوا في كلامهم برفض ما دعاهم إليه وبجحد آياته وبتصميمهم على ~~ملازمة عبادة أصنامهم وبالتنويه بتصرف آلهتهم أجابهم هود عليه السلام بأنه ~~يشهد الله عليهم أنه أبلغهم وأنهم كابروا وجحدوا آياته . | # وجملة { أشهد الله } إنشاء لإشهاد الله بصيغة الإخبار لأن كل إنشاء لا ~~يظهر أثره في الخلق من شأنه أن يقع بصيغة الخبر لما في الخبر من قصد إعلام ~~السامع بما يضمره المتكلم ، ولذلك كان معنى صيغ العقود إنشاء بلفظ الخبر . ~~ثم حملهم شهادة له بأنه بريء من شركائهم مبادرة بإنكار المنكر وإن كان ذلك ~~قد أتوا به استطرادا ، فلذلك كان تعرضه لإبطاله كالاعتراض بين جملة { إني ~~أشهد الله } وجملة { فإن تولوا } ( هود : 57 ) بناء على أن جملة { فإن ~~تولوا } إلى آخرها من كلام هود عليه السلام ، وسيأتي . ومعنى إشهاده فيراد ~~من شركائهم تحقيق ذلك وأنه لا يتردد على أمر جازم قد أوجبه المشهود عليه ~~على نفسه . وأتى في إشهادهم بصيغة الأمر لأنه أراد مزاجة إنشاء الإشهاد دون ~~رائحة معنى الإخبار . | # و ( ما ) في قوله : { مما تشركون } موصولة . والعائد محذوف . والتقدير : ~~مما يشركونه . | # وماصدق الموصول الأصنام ، كما دل عليه ضمير الجمع المؤكد في PageV12P099 ~~قوله : { فكيدوني جميعا } . ولما كانت البراءة من الشركاء تقتضي اعتقاد ~~عجزها عن إلحاق إضرار به فرع على البراءة جملة { فكيدوني جميعا } . وجعل ~~الخطاب لقومه لئلا يكون ms4092 خطابه لما لا يعقل ولا يسمع ، فأمر قومه بأن يكيدوه ~~. وأدخل في ضمير الكائدين أصنامهم مجاراة لاعتقادهم واستقصاء لتعجيزهم ، أي ~~أنتم وأصنامكم ، كما دل عليه التفريع على البراءة من أصنامهم . | # والأمر ب ( كيدوني ) مستعمل في الإباحة كناية عن التعجيز بالنسبة للأصنام ~~وبالنسبة لقومه ، كقوله تعالى : { فإن كان لكم كيد فكيدون } ( المرسلات : ~~39 ) . وهذا إبطال لقولهم : { إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء } . | # و { ثم } للتراخي الرتبي ؛ تحداهم بأن يكيدوه ثم ارتقى في رتبة التعجيز ~~والاحتقار فنهاهم عن التأخير بكيدهم إياه ، وذلك نهاية الاستخفاف بأصنامهم ~~وبهم وكناية عن كونهم لا يصلون إلى ذلك . | # وجملة { إني توكلت } تعليل لمضمون { فكيدوني } وهو التعجيز والاحتقار . ~~يعني : أنه واثق بعجزهم عن كيده لأنه متوكل على الله ، فهذا معنى ديني قديم ~~. | # وأجري على اسم الجلالة صفة الربوبية استدلالا على صحة التوكل عليه في دفع ~~ضرهم عنه ، لأنه مالكهم جميعا يدفع ظلم بعضهم بعضا . | # وجملة { ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها } في محل صفة لاسم الجلالة ، أو ~~حال منه ، والغرض منها مثل الغرض من صفة الربوبية . | # والأخذ : الإمساك . | # والناصية : ما انسدل على الجبهة من شعر الرأس . والأخذ بالناصية هنا ~~تمثيل للتمكن ، تشبيها بهيئة إمساك الإنسان من ناصيته حيث يكون رأسه بيد ~~آخذه فلا يستطيع انفلاتا . وإنما كان تمثيلا لأن دواب كثيرة لا نواصي لها ~~فلا يلتئم الأخذ بالناصية مع عموم { ما من دابة } ، ولكنه لما صار مثلا ~~PageV12P100 صار بمنزلة : ما من دابة إلا هو متصرف فيها . ومن بديع هذا ~~المثل أنه أشد اختصاصا بالنوع المقصود من بين عموم الدواب ، وهو نوع ~~الإنسان . والمقصود من ذلك أنه المالك القاهر لجميع ما يدب على الأرض ، ~~فكونه مالكا للكل يقتضي أن لا يفوته أحد منهم ، وكونه قاهرا لهم يقتضي أن ~~لا يعجزه أحد منهم . | # وجملة { إن ربي على صراط مستقيم } تعليل لجملة { إني توكلت على الله } ، ~~أي توكلت عليه لأنه أهل لتوكلي عليه ، لأنه متصف بإجراء أفعاله على طريق ~~العدل والتأييد لرسله . | # و { على للاستعلاء المجازي ، مثل أولئك على ms4093 هدى من ربهم } ( البقرة : 5 ) ~~مستعارة للتمكن المعنوي ، وهو الاتصاف الراسخ الذي لا يتغير . | # والصراط المستقيم مستعار للفعل الجاري على مقتضى العدل والحكمة لأن العدل ~~يشبه بالاستقامة والسواء . قال تعالى : { فاتبعني أهدك صراطا سويا } ( مريم ~~: 43 ) . فلا جرم لا يسلم المتوكل عليه للظالمين . | # | 2 ( 57 ) { فإن تولوا فقد أبلغتكم مآ أرسلت به إليكم ويستخلف ربى قوما ~~غيركم ولا تضرونه شيئا إن ربى على كل شىء حفيظ } . ) 2 # تفريع على جملة { إني أشهد الله } ( هود : 54 ) . وما بينهما اعتراض ~~أوجبه قصد المبادرة بإبطال باطلهم لأن مضمون هذه الجملة تفصيل لمضمون جملة ~~{ إني أشهد الله } ( هود : 54 ) بناء على أن هذا من كلام هود عليه السلام . ~~| # وعلى هذا الوجه يكون أصل { تولوا } تتولوا فحذفت إحدى التاءين اختصارا ، ~~فهو مضارع ، وهو خطاب هود عليه السلام لقومه ، وهو ظاهر إجراء الضمائر على ~~وتيرة واحدة . | PageV12P101 # ويجوز أن تكون فعلا ماضيا ، والواو لأهل مكة فيكون كالاعتراض في إجراء ~~القصة لقصد العبرة بمنزلة الاعتراض الواقع في قصة نوح عليه السلام بقوله : ~~{ أم يقولون افتراه قل إن افتريته } ( هود : 35 ) الآية . خاطب الله نبيه ~~صلى الله عليه وسلم وأمره بأن يقول لهم : { قد أبلغتكم } . والفاء الأولى ~~لتفريع الاعتبار على الموعظة وتكون جملة { فقد أبلغتكم } من كلام النبي صلى ~~الله عليه وسلم مقول قول مأمور به محذوف يدل عليه السياق . والتقدير : فقل ~~قد أبلغتكم . وهذا الأسلوب من قبيل الكلام الموجه المحتمل معنيين غير ~~متخالفين ، وهو من بديع أساليب الإعجاز ، ولأجله جاء فعل { تولوا } بتاء ~~واحدة بخلاف ما في قوله : { وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم } ( محمد : 38 ) ~~. | # والتولي : الإعراض . وقد تقدم في قوله تعالى : { ومن تولى فما أرسلناك ~~عليهم حفيظا ، في سورة النساء ( 80 ) . | # وجعل جواب شرط التولي قوله : فقد أبلغتكم } مع أن الإبلاغ سابق على ~~التولي المجعول شرطا لأن المقصود بهذا الجواب هو لازم ذلك الإبلاغ ، وهو ~~انتفاء تبعة توليهم عنه وبراءته من جرمهم لأنه أدى ما وجب عليه من الإبلاغ ~~، فإن كان من كلام هود عليه السلام ف ms4094 { ما أرسلت به } هو ما تقدم ، وإن كان ~~من كلام النبي صلى الله عليه وسلم فما أرسل به هو الموعظة بقصة قوم هود ~~عليه السلام . | # وعلى كلا الوجهين فهو كناية عن الإنذار بتبعة التولي عليهم ونزول العقاب ~~بهم ، ولذلك عطف { ويستخلف ربي قوما غيركم } أي يزيلكم ويخلفكم بقوم آخرين ~~لا يتولون عن رسولهم ، وهذا كقوله تعالى : { وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ~~ثم لا يكونوا أمثالكم } ( محمد : 38 ) . | # وارتفاع { يستخلف } في قراءة الكافة لأنه معطوف على الجواب مجاز فيه ~~الرفع والجزم . وإنما كان الرفع هنا أرجح لإعطاء الفعل حكم الكلام ~~PageV12P102 المستأنف ليكون مقصودا بذاته لا تبعا للجواب ، فبذلك يكون ~~مقصودا به إخبارهم لإنذارهم بالاستئصال . | # وكذلك جملة { ولا تضرونه شيئا } والمراد لا تضرون الله بتوليكم شيئا و { ~~شيئا } مصدر مؤكد لفعل { تضرونه } المنفي . | # وتنكيره للتقليل كما هو شأن تنكير لفظ الشيء غالبا . والمقصود من التأكيد ~~التنصيص على العموم بنفي الضر لأنه نكرة في حيز النفي ، أي فالله يلحق بكم ~~الاستئصال ، وهو أعظم الضر ، ولا تضرونه أقل ضر ؛ فإن المعروف في المقارعات ~~والخصومات أن الغالب المضر بعدوه لا يخلو من أن يلحقه بعض الضر من جراء ~~المقارعة والمحاربة . | # وجملة { إن ربي على كل شيء حفيظ } تعليل لجملة { ولا تضرونه شيئا } ، ~~فموقع { إن } فيها موقع فاء التفريع . | # والحفيظ : أصله مبالغة الحافظ ، وهو الذي يضع المحفوظ بحيث لا يناله أحد ~~غير حافظه ، وهو هنا كناية عن القدرة والقهر . | # | 2 ( 58 ) { ولما جآء أمرنا نجينا هودا والذين ءامنوا معه برحمة منا ~~ونجيناهم من عذاب غليظ } . ) 2 # استعمال الماضي في قوله : { جاء أمرنا } بمعنى اقتراب المجيء لأن الإنجاء ~~كان قبل حلول العذاب . | # والأمر أطلق على أثر الأمر ، وهو ما أمر الله به أمر تكوين ، أي لما ~~اقترب مجيء أثر أمرنا ، وهو العذاب ، أي الريح العظيم . | PageV12P103 # ومتعلق { نجينا } الأول محذوف ، أي من العذاب الدال عليه قوله : { ولما ~~جاء أمرنا } . وكيفية إنجاء هود عليه السلام ومن معه تقدم ذكرها في تفسير ~~سورة الأعراف . | # والباء في { برحمة منا } للسببية ، فكانت ms4095 رحمة الله بهم سببا في نجاتهم . ~~والمراد بالرحمة فضل الله عليهم لأنه لو لم يرحمهم لشملهم الاستئصال فكان ~~نقمة للكافرين وبلوى للمؤمنين . | # وجملة { ونجيناهم من عذاب غليظ } معطوفة على جملة { ولما جاء أمرنا } . ~~والتقدير وأيضا نجيناهم من عذاب شديد وهو الإنجاء من عذاب الآخرة وهو ~~العذاب الغليظ . ففي هذا منة ثانية على إنجاء ثان ، أي نجيناهم من عذاب ~~الدنيا برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ في الآخرة ، ولذلك عطف فعل { ~~نجيناهم } على { نجينا } ، وهذان الإنجاءان يقابلان جمع العذابين لعاد في ~~قوله : { وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة } ( هود : 60 ) . وقد ~~ذكر هنا متعلق الإنجاء وحذف السبب عكس ما في الجملة الأولى لظهور أن ~~الإنجاء من عذاب الآخرة كان بسبب الإيمان وطاعة الله كما دل عليه مقابلته ~~بقوله : { وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله } ( هود : 59 ) . | # والغليظ حقيقته : الخشن ضد الرقيق ، وهو مستعار للشديد . واستعمل الماضي ~~في { ونجيناهم } في معنى المستقبل لتحقق الوعد بوقوعه . | # | 2 ( 59 ، 60 ) { وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعو ا أمر كل ~~جبار عنيد * وأتبعوا فى هاذه الدنيا لعنة ويوم القيامة ألا إن عادا كفروا ~~ربهم ألا بعدا لعاد قوم هود } . ) 2 # | $ # الإشارة ب { تلك } حاضر في الذهن بسبب ما أجري عليه من الحديث حتى صار ~~كأنه حاضر في الحس والمشاهدة . كقوله تعالى : { تلك القرى نقص PageV12P104 ~~عليك من أنبائها } ( الأعراف : 101 ) وكقوله : { أولئك على هدى من ربهم } ( ~~البقرة : 5 ) ، وهو أيضا مثله في أن الإتيان به عقب الأخبار الماضية عن ~~المشار إليهم للتنبيه على أنهم جديرون بما يأتي بعد اسم الإشارة من الخبر ~~لأجل تلك الأوصاف المتقدمة . | # وتأنيث اسم الإشارة بتأويل الأمة . | # و { عاد } بيان من اسم الإشارة . | # وجملة { جحدوا } خبر عن اسم الإشارة . وهو وما بعده تمهيد للمعطوف وهو { ~~وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة } لزيادة تسجيل التمهيد بالأجرام السابقة ، وهو ~~الذي اقتضاه اسم الإشارة كما تقدم ، لأن جميع ذلك من أسباب جمع العذابين ~~لهم . | # والجحد : الإنكار الشديد ، مثل إنكار الواقعات والمشاهدات . وهذا ms4096 يدل على ~~أن هودا أتاهم بآيات فأنكروا دلالتها . وعدي { جحدوا } بالباء مع أنه متعد ~~بنفسه لتأكيد التعدية ، أو لتضمينه معنى كفروا فيكون بمنزلة ما لو قيل : ~~جحدوا آيات ربهم وكفروا بها ، كقوله : { وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم } ( ~~النمل : 14 ) . | # وجمع الرسل في قوله : { وعصوا رسله } وإنما عصوا رسولا واحدا ، وهو هود ~~عليه السلام لأن المراد ذكر إجرامهم فناسب أن يناط الجرم بعصيان جنس الرسل ~~لأن تكذيبهم هودا لم يكن خاصا بشخصه لأنهم قالوا له : { وما نحن بتاركي ~~آلهتنا عن قولك } ( هود : 53 ) ، فكل رسول جاء بأمر ترك عبادة الأصنام فهم ~~مكذبون به . ومثله قوله تعالى : { كذبت عاد المرسلين } ( الشعراء : 123 ) . ~~| # ومعنى اتباع الآمر : طاعة ما يأمرهم به ، فالاتباع تمثيل للعمل بما يملى ~~على المتبع ، لأن الآمر يشبه الهادي للسائر في الطريق ، والممتثل يشبه ~~المتبع للسائر . | PageV12P105 # والجبار : المتكبر . والعنيد : مبالغة في المعاندة . يقال : عند مثلث ~~النون إذا طغى ، ومن كان خلقه التجبر ، والعنود لا يأمر بخير ولا يدعو إلا ~~إلى باطل ، فدل اتباعهم أمر الجبابرة المعاندين على أنهم أطاعوا دعاة الكفر ~~والضلال والظلم . | # و { كل } من صيغ العموم ، فإن أريد كل جبار عنيد من قومهم فالعموم حقيقي ~~، وإن أريد جنس الجبابرة ف { كل } مستعملة في الكثرة كقول النابغة : | # بها كل ذيال وخنساء ترعوي | # ومنه قوله تعالى : { يأتوك رجالا وعلى كل ضامر في سورة الحج ( 27 ) . | # وإتباع اللعنة إياهم مستعار لإصابتها إياهم إصابة عاجلة دون تأخير كما ~~يتبع الماشي بمن يلحقه . ومما يزيد هذه الاستعارة حسنا ما فيها من المشاركة ~~ومن مماثلة العقاب للجرم لأنهم اتبعوا الملعونين فأتبعوا باللعنة . | # وبني فعل أتبعوا } للمجهول إذ لا غرض في بيان الفاعل ، ولم يسند الفعل ~~إلى اللعنة مع استيفائه ذلك على وجه المجاز ليدل على أن إتباعها لهم كان ~~بأمر فاعل للإشعار بأنها تبعتهم عقابا من الله لا مجرد مصادفة . | # واللعنة : الطرد بإهانة وتحقير . | # وقرن الدنيا باسم الإشارة لقصد تهوين أمرها بالنسبة إلى لعنة الآخرة ، ~~كما في قول قيس بن الخطيم : | # متى يأت هذا الموت لا ms4097 يلف حاجة | # لنفسي إلا قد قضيت قضاءها | # أومأ إلى أنه لا يكترث بالموت ولا يهابه . | # وجملة { ألا إن عادا كفروا ربهم } مستأنفة ابتدائية افتتحت بحرف التنبيه ~~لتهويل الخبر ومؤكدة بحرف { إن } لإفادة التعليل بجملة { وأتبعوا في هذه ~~الدنيا لعنة ويوم القيامة } تعريضا بالمشركين ليعتبروا بما أصاب عادا . | ~~PageV12P106 # وعدي { كفروا ربهم } بدون حرف الجر لتضمينه معنى عصوا في مقابلة { ~~واتبعوا أمر كل جبار عنيد } ، أو لأن المراد تقدير مضاف ، أي نعمة ربهم لأن ~~مادة الكفر لا تتعدى إلى الذات وإنما تتعدى إلى أمر معنوي . | # وجملة { ألا بعدا لعاد } ابتدائية لإنشاء ذم لهم . وتقدم الكلام على { ~~بعدا } عند قوله في قصة نوح عليه السلام { وقيل بعدا للقوم الظالمين } ( ~~هود : 44 ) . | # و { قوم هود } بيان ل ( عاد ) أو وصف ل ( عاد ) باعتبار ما في لفظ { قوم ~~} من معنى الوصفية . وفائدة ذكره الإيماء إلى أن له أثرا في الذم بإعراضهم ~~عن طاعة رسولهم ، فيكون تعريضا بالمشركين من العرب ، وليس ذكره للاحتراز عن ~~عاد أخرى وهم إرم كما جوزه صاحب ( الكشاف ) لأنه لا يعرف في العربب عاد غير ~~قوم هود وهم إرم ، قال تعالى : { ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد } ~~( الفجر : 6 ، 7 ) . | # | 2 ( 61 ) { وإلى ثمود أخاهم صالحا قال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من ~~إلاه غيره هو أنشأكم من الارض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبو ا إليه إن ~~ربى قريب مجيب } . ) 2 # | $ # قوله تعالى : { وإلى ثمود أخاهم صالحا إلى قوله غيره } الكلام فيه كالذي ~~في قوله : { وإلى عاد أخاهم هودا } ( هود : 50 ) إلخ . | # وذكر ثمود وصالح عليه السلام تقدم في سورة الأعراف . | # وثمود : اسم جد سميت به القبيلة ، فلذلك منع من الصرف بتأويل القبيلة . | # وجملة { هو أنشأكم من الأرض } في موضع التعليل للأمر بعبادة الله ونفي ~~إلهية غيره ، وكأنهم كانوا مثل مشركي قريش لا يدعون لأصنامهم خلقا ولا رزقا ~~، فلذلك كانت الحجة عليهم ناهضة واضحة . | PageV12P107 # والإنشاء : الإيجاد والإحداث ، وتقدم في قوله تعالى : { وأنشأنا من بعدهم ~~قرنا آخرين } في الأنعام ( 6 ms4098 ) . | # وجعل الخبرين عن الضمير فعلين دون : هو منشئكم ومستعمركم لإفادة القصر ، ~~أي لم ينشئكم من الأرض إلا هو ، ولم يستعمركم فيها غيره . | # والإنشاء من الأرض خلق آدم من الأرض لأن إنشاءه إنشاء لنسله ، وإنما ذكر ~~تعلق خلقهم بالأرض لأنهم كانوا أهل غرس وزرع ، كما قال في سورة الشعراء ( ~~146 148 ) { أتتركون فيما هاهنا آمنين في جناتت وعيونن وزروعع ونخلل طلعها ~~هضيم ولأنهم كانوا ينحتون من جبال الأرض بيوتا ويبنون في الأرض قصورا ، كما ~~قال في الآية الأخرى : وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون ~~الجبال بيوتا } ( الأعراف : 74 ) ، فكانت لهم منافع من الأرض تناسب نعمة ~~إنشائهم من الأرض فلأجل منافعهم في الأرض قيدت نعمة الخلق بأنها من الأرض ~~التي أنشئوا منها ، ولذلك عطف عليه { واستعمركم فيها } . | # والاستعمار : الإعمار ، أي جعلكم عامرينها ، فالسين والتاء للمبالغة ~~كالتي في استبقى واستفاق . ومعنى الإعمار أنهم جعلوا الأرض عامرة بالبناء ~~والغرس والزرع لأن ذلك يعد تعميرا للأرض حتى سمي الحرث عمارة لأن المقصود ~~منه عمر الأرض . | # وفرع على التذكير بهذه النعم أمرهم باستغفاره والتوبة إليه ، أي طلب ~~مغفرة أجرامهم ، والإقلاع عما لا يرضاه من الشرك والفساد . ومن تفنن ~~الأسلوب أن جعلت هذه النعم علة لأمرهم بعبادة الله وحده بطريق جملة التعليل ~~، وجعلت علة أيضا للأمر بالاستغفار والتوبة بطريق التفريع . | # وعطف الأمر بالتوبة بحرف التراخي للوجه المتقدم في قوله : { ويا قوم ~~استغفروا ربكم ثم توبوا إليه } ( هود : 51 ) في الآية المتقدمة . | ~~PageV12P108 # وجملة { إن ربي قريب مجيب } استئناف بياني كأنهم استعظموا أن يكون جرمهم ~~مما يقبل الاستغفار عنه ، فأجيبوا بأن الله قريب مجيب ، وبذلك ظهر أن ~~الجملة ليست بتعليل . وحرف { إن } فيها للتأكيد تنزيلا لهم في تعظيم جرمهم ~~منزلة من يشك في قبول استغفاره . | # والقرب : هنا مستعار للرأفة والإكرام ، لأن البعد يستعار للجفاء والإعراض ~~. قال جبير بن الأضبط : | # تباعد عني مطحل إذ دعوته | # أمين فزاد الله ما بيننا بعدا | # فكذلك يستعار ضده لضده ، وتقدم في قوله : { فإني قريب أجيب دعوة الداع في ~~سورة البقرة ( 186 ) . والمجيب ms4099 هنا : مجيب الدعاء ، وهو الاستغفار . وإجابة ~~الدعاء : إعطاء السائل مسؤوله . | # | 2 ( 62 ) قالوا ياصالح قد كنت فينا مرجوا قبل هاذا أتنهانآ أن نعبد ما ~~يعبد ءاباؤنا وإننا لفى شك مما تدعونآ إليه مريب } . ) 2 # هذا جوابهم عن دعوته البليغة الوجيزة الملأى إرشادا وهديا . وهو جواب ~~ملىء بالضلال والمكابرة وضعف الحجة . | # وافتتاح الكلام بالنداء لقصد التوبيخ أو الملام والتنبيه ، كما تقدم في ~~قوله : { قالوا يا هود ما جئتنا ببينة } ( هود : 53 ) . وقرينة التوبيخ هنا ~~أظهر ، وهي قولهم : { قد كنت فينا مرجوا قبل هذا } فإنه تعريض بخيبة رجائهم ~~فيه فهو تعنيف . | # و { قد } لتأكيد الخبر . | PageV12P109 # وحذف متعلق { مرجوا } لدلالة فعل الرجاء على أنه ترقب الخير ، أي مرجوا ~~للخير ، أي والآن وقع اليأس من خيرك . وهذا يفهم منه أنهم يعدون ما دعاهم ~~إليه شرا ، وإنما خاطبوه بمثل هذا لأنه بعث فيهم وهو شاب ( كذا قال البغوي ~~في تفسير سورة الأعراف ) أي كنت مرجوا لخصال السيادة وحماية العشيرة ونصرة ~~آلهتهم . | # والإشارة في { قبل هذا } إلى الكلام الذي خاطبهم به حين بعثه الله إليهم ~~. | # وجملة { أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا } بيان لجملة { قد كنت فينا ~~مرجوا } باعتبار دلالتها على التعنيف ، واشتمالها على اسم الإشارة الذي ~~تبينه أيضا جملة { أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا } . | # والاستفهام : إنكار وتوبيخ . | # وعبروا عن أصنامهم بالموصول لما في الصلة من الدلالة على استحقاق تلك ~~الأصنام أن يعبدوها في زعمهم اقتداء بآبائهم لأنهم أسوة لهم ، وذلك مما ~~يزيد الإنكار اتجاها في اعتقادهم . | # وجملة { وإننا لفي شك } معطوفة على جملة { يا صالح قد كنت فينا مرجوا } ، ~~فبعد أن ذكروا يأسهم من صلاح حاله ذكروا أنهم يشكون في صدق أنه مرسل إليهم ~~وزادوا ذلك تأكيدا بحرف التأكيد . ومن محاسن النكت هنا إثبات نون ( إن ) مع ~~نون ضمير الجمع لأن ذلك زيادة إظهار لحرف التوكيد والإظهار ضرب من التحقيق ~~بخلاف ما في سورة إبراهيم ( 9 ) من قول الأمم لرسلهم : { وإنا لفي شك مما ~~تدعوننا } لأن الحكاية فيها عن أمم مختلفة في درجات التكذيب ms4100 ، ولأن ما في ~~هاته الآية خطاب لواحد ، فكان { تدعونا } بنون واحدة هي نون المتكلم ومعه ~~غيره فلم يقع في الجملة أكثر من ثلاث نونات بخلاف ما في سورة إبراهيم لأن ~~الحكاية هنالك عن جمع من الرسل في ( تدعوننا ) فلو جاء ( إننا ) لاجتمع ~~أربع نونات . | PageV12P110 # والمريب : اسم فاعل من أراب إذا أوقع في الريب ، يقال : رابه وأرابه ~~بمعنى ، ووصف الشك بذلك تأكيد كقولهم : جد جده . | # | 2 ( 63 ) { قال ياقوم أرءيتم إن كنت على بينة من ربى وءاتانى منه رحمة ~~فمن ينصرنى من الله إن عصيته فما تزيدوننى غير تخسير } . ) 2 # جواب عن كلامهم فلذلك لم تعطف جملة { قال } وهو الشأن في حكاية المحاورات ~~كما تقدم غير مرة . | # وابتداء الجواب بالنداء لقصد التنبيه إلى ما سيقوله اهتماما بشأنه . | # وخاطبهم بوصف القومية له للغرض الذي تقدم في قصة نوح . | # والكلام في قوله : { أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة } ~~كالكلام على نظيرها في قصة نوح . | # وإنما يتجه هنا أن يسأل عن موجب تقديم { منه } على { رحمة } هنا ، وتأخير ~~{ من عنده } ( هود : 28 ) عن { رحمة } ( هود : 28 ) في قصة نوح السابقة . | # فالجواب لأن ذلك مع ما فيه من التفنن بعدم التزام طريقة واحدة في إعادة ~~الكلام المتماثل ، هو أيضا أسعد بالبيان في وضوح الدلالة ودفع اللبس . فلما ~~كان مجرور ( من ) الابتدائية ظرفا وهو ( عند ) كان صريحا في وصف الرحمة ~~بصفة تدل على الاعتناء الرباني بها وبمن أوتيها . ولما كان المجرور هنا ~~ضمير الجلالة كان الأحسن أن يقع عقب فعل { آتاني } ليكون تقييد الإيتاء ~~بأنه من الله مشير إلى إيتاء خاص ذي عناية بالمؤتى إذ لولا ذلك لكان كونه ~~من PageV12P111 الله تحصيلا لما أفيد من إسناد الإيتاء إليه ، فتعين أن ~~يكون المراد إيتاء خاصا ، ولو أوقع { منه } عقب { رحمة } لتوهم السامع أن ~~ذلك عوض عن الإضافة ، أي عن أن يقال : وآتاني رحمته ، كقوله : { ولنجعله ~~آية للناس ورحمة منا } ( مريم : 21 ) أي ورحمتنا لهم ، أي لنعظهم ونرحمهم . ~~| # وجملة { فمن ينصرني من الله } جواب ms4101 الشرط وهو { إن كنت على بينة } . | # والمعنى إلزام وجدل ، أي إن كنتم تنكرون نبوءتي وتوبخونني على دعوتكم ~~فأنا مؤمن بأني على بينة من ربي ، أفترون أني أعدل عن يقيني إلى شككم ، ~~وكيف تتوقعون مني ذلك وأنتم تعلمون أن يقيني بذلك يجعلني خائفا من عذاب ~~الله إن عصيته ولا أحد ينصرني . | # والكلام على قوله : { من ينصرني من الله إن عصيته } كالكلام على قوله : { ~~من ينصرني من الله إن طردتهم } ( هود : 30 ) في قصة نوح . | # وفرع على الاستفهام الإنكاري جملة : { فما تزيدونني غير تخسير } أي إذ ~~كان ذلك فما دعاؤكم إياي إلا سعي في خسراني . | # والمراد بالزيادة حدوث حال لم يكن موجودا لأن ذلك زيادة في أحوال الإنسان ~~، أي فما يحدث لي إن اتبعتكم وعصيت الله إلا الخسران ، كقوله تعالى حكاية ~~عن نوح عليه السلام : { فلم يزدهم دعائي إلا فرارا } ( نوح : 6 ) ، أي كنت ~~أدعوهم وهم يسمعون فلما كررت دعوتهم زادوا على ما كانوا عليه ففروا ، وليس ~~المعنى أنهم كانوا يفرون فزادوا في الفرار لأنه لو كان كذلك لقيل هنالك : ~~فلم يزدهم دعائي إلا من فرار ، ولقيل هنا : فما تزيدونني إلا من تخسير . | # والتخسير ، مصدر خسر ، إذا جعله خاسرا . | # | PageV12P112 # | 2 ( 64 ، 65 ) { وياقوم هاذه ناقة الله لكم ءاية فذروها تأكل فى أرض ~~الله ولا تمسوها بسو ء فيأخذكم عذاب قريب * فعقروها فقال تمتعوا فى داركم ~~ثلاثة أيام ذالك وعد غير مكذوب } . ) 2 # | $ # هذا جواب عن قولهم : { وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب } ( هود : 62 ) ~~فأتاهم بمعجزة تزيل الشك . | # وإعادة { ويا قوم } لمثل الغرض المتقدم في قوله في قصة نوح { ويا قوم من ~~ينصرني من الله إن طردتهم } ( هود : 30 ) . | # والإشارة بهذه إلى الناقة حين شاهدوا انفلاق الصخرة عنها . | # وإضافة الناقة إلى اسم الجلالة لأنها خلقت بقدرة الله الخارقة للعادة . | # و { آية } و { لكم } حالان من ناقة ، وتقدم نظير هذه الحال في سورة ~~الأعراف . وستجيء قصة في إعرابها عند قوله تعالى : { وهذا بعلي شيخا } في ~~هذه السورة ( 72 ) . | # وأوصاهم بتجنب الاعتداء عليها ms4102 لتوقعه أنهم يتصدون لها من تصلبهم في ~~عنادهم . وقد تقدم عقرها في سورة الأعراف . | # والتمتع : الانتفاع بالمتاع . وقد تقدم عند قوله تعالى : { ومتاع إلى حين ~~في سورة الأعراف ( 24 ) . | # والدار : البلد ، وتقدم في قوله تعالى : فأصبحوا في دارهم جاثمين في سورة ~~الأعراف ( 78 ) ، وذلك التأجيل استقصاء لهم في الدعوة إلى الحق . | # والمكذوب : الذي يخبر به الكاذب . يقال : كذب الخبر ، إذا اختلقه . | # | PageV12P113 # | 2 ( 66 68 ) فلما جآء أمرنا نجينا صالحا والذين ءامنوا معه برحمة منا ~~ومن خزى يومئذ إن ربك هو القوى العزيز * وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا ~~فى ديارهم جاثمين * كأن لم يغنوا فيهآ ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا ~~لثمود } . ) 2 # تقدم الكلام على نظائر بعض هذه الآية في قصة هود في سورة الأعراف . | # ومتعلق { نجينا } محذوف . | # وعطف { ومن خزي يومئذ } على متعلق { نجينا } المحذوف ، أي نجينا صالحا ~~عليه السلام ومن معه من عذاب الاستئصال ومن الخزي المكيف به العذاب فإن ~~العذاب يكون على كيفيات بعضها أخزى من بعض . فالمقصود من العطف عطف منة على ~~منة لا عطف إنجاء على إنجاء ، ولذلك عطف المتعلق ولم يعطف الفعل ، كما عطف ~~في قصة عاد { نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ ~~} ( هود : 58 ) لأن ذلك إنجاء من عذاب مغاير للمعطوف عليه . | # وتنوين { يومئذ } تنوين عوض عن المضاف إليه . والتقدير : يوم إذ جاء ~~أمرنا . | # والخزي : الذل ، وهو ذل العذاب ، وتقدم الكلام عليه قريبا . | # وجملة { إن ربك هو القوي العزيز } معترضة . | # وقد أكد الخبر بثلاث مؤكدات للاهتمام به . وعبر عن ثمود بالذين ظلموا ~~للإيماء بالموصول إلى علة ترتب الحكم ، أي لظلمهم وهو ظلم الشرك . وفيه ~~تعريض بمشركي أهل مكة بالتحذير من أن يصيبهم مثل ما أصاب أولئك لأنهم ~~ظالمون أيضا . | PageV12P114 # والصيحة : الصاعقة أصابتهم . | # ومعنى { كأن لم يغنوا فيها } كأن لم يقيموا . | # وتقدم شعيب في الأعراف . | # وقرأ الجمهور ( ألا إن ثمودا ) بالتنوين على اعتبار ثمود اسم جد الأمة . ~~وقرأه حمزة ، وحفص عن عاصم ، ويعقوب ، بدون تنوين على اعتباره اسما ms4103 للأمة ~~أو القبيلة . وهما طريقتان مشهورتان للعرب في أسماء القبائل المسماة بأسماء ~~الأجداد الأعلين . | # وتقدم الكلام على { بعدا } في قصة نوح { وقيل بعدا للقوم الظالمين } ( ~~هود : 44 ) . | # | 2 ( 69 73 ) { ولقد جآءت رسلنآ إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام ~~فما لبث أن جآء بعجل حنيذ * فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم ~~خيفة قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط * وامرأته قآئمة فضحكت فبشرناها ~~بإسحاق ومن ورآء إسحاق يعقوب * قالت ياويلتا ءألد وأنا عجوز وهاذا بعلى ~~شيخا إن هاذا لشىء عجيب * قالو ا أتعجبين من أمر الله رحمت الله وبركاته ~~عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد } . ) 2 # | $ # عطف قصة على قصة . | # وتأكيد الخبر بحرف ( قد ) للاهتمام به كما تقدم في قوله : { ولقد أرسلنا ~~نوحا إلى قومه } ( هود : 25 ) . | PageV12P115 # والغرض من هذه القصة هو : الموعظة بمصير قوم لوط إذ عصوا رسول ربهم فحل ~~بهم العذاب ولم تغن عنهم مجادلة إبراهيم . وقدمت قصة إبراهيم لذلك وللتنويه ~~بمقامه عند ربه على وجه الإدماج ، ولذلك غير أسلوب الحكاية في القصص التي ~~قبلها والتي بعدها نحو { وإلى عاد } ( هود : 50 ) إلخ . | # والرسل : الملائكة . قال تعالى : { جاعل الملائكة رسلا } ( فاطر : 1 ) . ~~| # والبشرى : اسم . للتبشير والبشارة . وتقدم عند قوله تعالى : { وبشر الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات في أول سورة البقرة ( 25 ) . هذه البشرى هي التي في ~~قوله : فبشرناها بإسحاق } لأن بشارة زوجه بابنن بشارة له أيضا . | # والباء في { بالبشرى } للمصاحبة لأنهم جاءوا لأجل البشرى فهي مصاحبة لهم ~~كمصاحبة الرسالة للمرسل بها . | # وجملة { قالوا سلاما } في موضع البيان ل { البشرى } ، لأن قولهم ذلك مبدأ ~~البشرى ، وإن ما اعترض بينها حكاية أحوال ، وقد انتهى إليها في قوله : { ~~فبشرناها بإسحاق إلى قوله إنه حميد مجيد } . | # والسلام : التحية . وتقدم في قوله : { وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا ~~فقل سلام عليكم في سورة الأنعام ( 54 ) . | # وسلاما } مفعول مطلق وقع بدلا من الفعل . والتقدير : سلمنا سلاما . | # و { سلام } المرفوع مصدر مرفوع على الخبر لمبتدأ محذوف ، تقديره : أمري ~~سلام ، أي لكم ، مثل { فصبر ms4104 جميل } ( يوسف : 18 ) . ورفع المصدر أبلغ من ~~نصبه ، لأن الرفع فيه تناسي معنى الفعل فهو أدل على الدوام والثبات . ولذلك ~~خالف بينهما للدلالة على أن إبراهيم عليه السلام رد السلام بعبارة أحسن من ~~عبارة الرسل زيادة في الإكرام . | # قال ابن عطية : حيا الخليل بأحسن مما حيي به ، أي نظرا إلى الأدب الإلهي ~~الذي علمه لنا في القرآن بقوله : { وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن ~~PageV12P116 منها أو ردوها } ( النساء : 86 ) ، فحكي ذلك بأوجز لفظ في ~~العربية أداء لمعنى كلام إبراهيم عليه السلام في الكلدانية . | # وقرأ الجمهور { قال سلام } بفتح السين وبألف بعد اللام . وقرأه حمزة ، ~~والكسائي ، وخلف : { قال سلم } بكسر السين وبدون ألف بعد اللام وهو اسم ~~المسالمة . وسميت به التحية كما سميت بمرادفه ( سلام ) فهو من باب اتحاد ~~وزن فعال وفعل في بعض الصفات مثل : حرام وحرم ، وحلال وحل . | # والفاء في قوله : { فما لبث } للدلالة على التعقيب إسراعا في إكرام الضيف ~~، وتعجيل القرى سنة عربية : ظنهم إبراهيم عليه السلام ناسا فبادر إلى قراهم ~~. | # واللبث في المكان يقتضي الانتقال عنه ، أي فما أبطأ . و { أن جاء } يجوز ~~أن يكون فاعل { لبث } ، أي فما لبث مجيئه بعجل حنيذ ، أي فما أبطأ مجيئه ~~مصاحبا له ، أي بل عجل . ويجوز جعل فاعل { لبث } ضمير إبراهيم عليه السلام ~~فيقدر جار ل { جاء } . والتقدير : فما لبث بأن جاء به . وانتفاء اللبث ~~مبالغة في العجل . | # والحنيذ : المشوي ، وهو المحنوذ . والشي أسرع من الطبخ ، فهو أعون على ~~تعجيل إحضار الطعام للضيف . | # و { لا تصل إليه } أشد في عدم الأخذ من ( لا تتناوله ) . | # ويقال : نكر الشيء إذا أنكره أي كرهه . | # وإنما نكرهم لأنه حسب أن إمساكهم عن الأكل لأجل التبرؤ من طعامه ، وإنما ~~يكون ذلك في عادة الناس في ذلك الزمان إذا كان النازل بالبيت يضمر شرا ~~لمضيفه ، لأن أكل طعام القرى كالعهد على السلامة من الأذى ، لأن الجزاء على ~~الإحسان بالإحسان مركوز في الفطرة ، فإذا انكف أحد عن تناول الإحسان فذلك ~~لأنه لا يريد المسالمة ولا يرضى أن يكون ms4105 كفورا للإحسان . | PageV12P117 # ولذلك عقب قوله { نكرهم } ب { أوجس منهم خيفة } ، أي أحس في نفسه خيفة ~~منهم وأضمر ذلك . ومصدره الإيجاس . وذلك أنه خشي أن يكونوا مضمرين شرا له ، ~~أي حسبهم قطاعا ، وكانوا ثلاثة وكان إبراهيم عليه السلام وحده . | # وجملة { قالوا لا تخف } مفصولة عما قبلها ، لأنها أشبهت الجواب ، لأنه ~~لما أوجس منهم خيفة ظهر أثرها على ملامحه ، فكان ظهور أثرها بمنزلة قوله ~~إني خفت منكم ، ولذلك أجابوا ما في نفسه بقولهم : { لا تخف } ، فحكي ذلك ~~عنهم بالطريقة التي تحكى بها المحاورات ، أو هو جواب كلام مقدر دل عليه ~~قوله : { وأوجس منهم خيفة } ، أي وقال لهم : إني خفت منكم ، كما حكي في ~~سورة الحجر ( 52 ) { قال إنا منكم وجلون } . ومن شأن الناس إذا امتنع أحد ~~من قبول طعامهم أن يقولوا له : لعلك غادر أو عدو ، وقد كانوا يقولون للوافد ~~: أحرب أم سلم . | # وقولهم : { إنا أرسلنا إلى قوم لوط } مكاشفة منهم إياه بأنهم ملائكة . ~~والجملة استئناف مبينة لسبب مجيئهم . | # والحكمة من ذلك كرامة إبراهيم عليه السلام وصدورهم عن علم منه . | # وحذف متعلق { أرسلنا } أي بأي شيء ، إيجازا لظهوره من هذه القصة وغيرها . ~~| # وعبر عن الأقوام المراد عذابهم بطريق الإضافة { قوم لوط } إذ لم يكن ~~لأولئك الأقوام اسم يجمعهم ولا يرجعون إلى نسب بل كانوا خليطا من فصائل ~~عرفوا بأسماء قراهم ، وأشهرها سدوم كما تقدم في الأعراف . | # وجملة { وامرأته قائمة فضحكت } في موضع الحال من ضمير { أوجس } ، لأن ~~امرأة إبراهيم عليه السلام كانت حاضرة تقدم الطعام إليهم ، فإن عادتهم ~~كعادة العرب من بعدهم أن ربة المنزل تكون خادمة القوم . وفي الحديث ( ~~والعروس خادمهم ) . وقال مرة بن محكان التميمي : | PageV12P118 # يا ربة البيت قومي غير صاغرة | # ضمي إليك رجال القوم والغربا | # وقد اختصرت القصة هنا اختصارا بديعا لوقوعها في خلال الحوار بين الرسل ~~وإبراهيم عليهم السلام ، وحكاية ذلك الحوار اقتضت إتمامه بحكاية قولهم : { ~~لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط } . وأما البشرى فقد حصلت قبل أن يخبروه ~~بأنهم أرسلوا إلى قوم لوط كما في آية ms4106 سورة الذاريات ( 28 ) { فأوجس منهم ~~خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلامم عليم . فلما اقتضى ترتيب المحاورة تقديم ~~جملة قالوا لا تخف } حكيت قصة البشرى وما تبعها من المحاورة بطريقة الحال ، ~~لأن الحال تصلح للقبلية وللمقارنة وللبعدية ، وهي الحال المقدرة . | # وإنما ضحكت امرأة إبراهيم عليه السلام من تبشير الملائكة إبراهيم عليه ~~السلام بغلام ، وكان ضحكها ضحك تعجب واستبعاد . وقد وقع في التوراة في ~~الإصحاح الثامن عشر من سفر التكوين ( وقالوا له : أين سارة امرأتك ؟ فقال : ~~ها هي في الخيمة . فقالوا : يكون لسارة امرأتك ابن ، وكانت سارة سامعة في ~~باب الخيمة فضحكت سارة في باطنها قائلة : أفبالحقيقة ألد وأنا قد شخت ؟ ~~فقال الرب : لماذا ضحكت سارة ؟ فأنكرت سارة قائلة لم أضحك ، لأنها خافت ، ~~قال : لا بل ضحكت ) . | # وتفريع { فبشرناها بإسحاق } على جملة { ضحكت } باعتبار المعطوف وهو { ومن ~~وراء إسحاق يعقوب } لأنها ما ضحكت إلا بعد أن بشرها الملائكة بابن ، فلما ~~تعجبت من ذلك بشروها بابن الابن زيادة في البشرى . والتعجيب بأن يولد لها ~~ابن ويعيش وتعيش هي حتى يولد لابنها ابن . وذلك أدخل في العجب لأن شأن ~~أبناء الشيوخ أن يكونوا مهزولين لا يعيشون غالبا إلا معلولين ، ولا يولد ~~لهم في الأكثر ولأن شأن الشيوخ الذين يولد لهم أن لا يدركوا يفع أولادهم ~~بله أولاد أولادهم . | # ولما بشروها بذلك صرحت بتعجبها الذي كتمته بالضحك ، فقالت : PageV12P119 ~~{ يا ويلتا أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب } ، فجملة { ~~قالت } جواب للبشارة . | # و ( يعقوب ) مبتدأ { ومن وراء إسحاق } خبر ، والجملة على هذا في محل ~~الحال . وهذه قراءة الجمهور . وقرأ ابن عامر ، وحمزة ، وحفص { يعقوب } ~~بفتحة وهو حينئذ عطف على { إسحاق } . وفصل بين حرف العطف والمعطوف بالظرف ~~وخطبه سهل وإن استعظمه ظاهرية النحاة كأبي حيان بقياس حرف العطف النائب هنا ~~مناب الجار على الجار نفسه ، وهو قياس ضعيف إذ كون لفظ بمعنى لفظ لا يقتضي ~~إعطاءه جميع أحكامه كما في ( مغني اللبيب ) . | # والنداء في { يا ويلتا } استعارة تبعية بتنزيل الويلة منزلة من يعقل حتى ms4107 ~~تنادى ، كأنها تقول : يا ويلتي احضر هنا فهذا موضعك . | # والويلة : الحادثة الفظيعة والفضيحة . ولعلها المرة من الويل . وتستعمل ~~في مقام التعجب ، يقال : يا ويلتي . | # واتفق القراء على قراءة { يا ويلتا } بفتحة مشبعة في آخره بألف . والألف ~~التي في آخر { يا ويلتا } هنا يجوز كونها عوضا عن ياء المتكلم في النداء . ~~والأظهر أنها ألف الاستغاثة الواقعة خلفا عن لام الاستغاثة . وأصله : يا ~~لويلة . وأكثر ما تجيء هذه الألف في التعجب بلفظ عجب ، نحو : يا عجبا ، ~~وباسم شيء متعجب منه ، نحو : يا عشبا . | # وكتب في المصحف بإمالة ولم يقرأ بالإمالة ، قال الزجاج : كتب بصورة الياء ~~على أصل ياء المتكلم . | # والاستفهام في { أألد وأنا عجوز } مستعمل في التعجب . وجملة { أنا عجوز } ~~في موضع الحال ، وهي مناط التعجب . | # والبعل : الزوج . وسيأتي بيانه عند تفسير قوله تعالى : { ولا يبدين ~~زينتهن إلا لبعولتهن } في سورة النور ( 31 ) ، فانظره . | PageV12P120 # وزادت تقرير التعجب بجملة { إن هذا لشيء عجيب } وهي جملة مؤكدة لصيغة ~~التعجب فلذلك فصلت عن التي قبلها لكمال الاتصال ، وكأنها كانت مترددة في ~~أنهم ملائكة فلم تطمئن لتحقيق بشراهم . | # وجملة { هذا بعلي } مركبة من مبتدأ وخبر لأن المعنى هذا المشار إليه هو ~~بعلي ، أي كيف يكون له ولد وهو كما ترى . وانتصب { شيخا } على الحال من اسم ~~الإشارة مبينة للمقصود من الإشارة . | # وقرأ ابن مسعود { وهذا بعلي شيخ } برفع شيخ على أن ( بعلي ) بيان من ( ~~هذا ) و ( شيخ ) خبر المبتدأ . ومعنى القراءتين واحد . | # وقد جرت على هذه القراءة النادرة لطيفة وهي : ما أخبرنا شيخنا الأستاذ ~~الجليل سالم بوحاجب أن أبا العباس المبرد دعي عند بعض الأعيان في بغداد إلى ~~مأدبة ، فلما فرغوا من الطعام غنت من وراء الستار جارية لرب المنزل ببيتين ~~: | # وقالوا لها هذا حبيبك معرض | # فقالت : ألا إعراضه أهون الخطب | # فما هي إلا نظرة وابتسامة | # فتصطك رجلاه ويسقط للجنب | # فطرب كل من بالمجلس إلا أبا العباس المبرد فلم يتحرك ، فقال له رب المنزل ~~: ما لك لم يطربك هذا ؟ . | # فقالت الجارية : معذور يحسبني لحنت في أن ms4108 قلت : معرض بالرفع ولم يعلم أن ~~عبد الله بن مسعود قرأ ( وهذا بعلي شيخ ) فطرب المبرد لهذا الجواب . | # وجواب الملائكة إياها بجملة { أتعجبين من أمر الله } إنكار لتعجبها لأنه ~~تعجب مراد منه الاستبعاد . و { أمر الله } هو أمر التكوين ، أي أتعجبين من ~~PageV12P121 قدرة الله على خرق العادات . وجوابهم جار على ثقتهم بأن خبرهم ~~حق منبىء عن أمر الله . | # وجملة { رحمت الله وبركاته عليكم } تعليل لإنكار تعجبها ، لأن الإنكار في ~~قوة النفي ، فصار المعنى : لا عجب من أمر الله لأن إعطاءك الولد رحمة من ~~الله وبركة ، فلا عجب في تعلق قدرة الله بها وأنتم أهل لتلك الرحمة والبركة ~~فلا عجب في وقوعها عندكم . | # ووجه تعليل نفي العجب بهذا أن التعجب إما أن يكون من صدور هذا من عند ~~الله وإما أن يكون في تخصيص الله به إبراهيم عليه السلام وامرأته فكان ~~قولهم { رحمت الله وبركاته عليكم } مفيدا تعليل انتفاء العجبين . | # وتعريف { البيت } تعريف جضور ، وهو البيت الحاضر بينهم الذي جرى فيه هذا ~~التحاور ، أي بيت إبراهيم عليه السلام . والمعنى أهل هذا البيت . | # والمقصود من النداء التنويه بهم ويجوز كونه اختصاصا لزيادة بيان المراد ~~من ضمير الخطاب . | # وجملة { إنه حميد مجيد } تعليل لتوجه رحمته وبركاته إليهم بأن الله يحمد ~~من يطيعه ، وبأنه مجيد ، أي عظيم الشأن لا حد لنعمه فلا يعظم عليه أن ~~يعطيها ولدا ، وفي اختيار وصف الحميد من بين الأسماء الحسنى كناية عن رضى ~~الله تعالى على إبراهيم عليه السلام وأهله . | # | PageV12P122 # | 2 ( 74 76 ) { فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجآءته البشرى يجادلنا فى قوم ~~لوط * إن إبراهيم لحليم أواه منيب * يإبراهيم أعرض عن هاذآ إنه قد جآء أمر ~~ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود } . ) 2 # التعريف في { الروع } وفي { البشرى } تعريف العهد الذكري ، وهما ~~المذكوران آنفا ، فالروع : مرادف الخيفة . | # وقوله : { يجادلنا } هو جواب { لما } صيغ بصيغة المضارع لاستحضار الحالة ~~العجيبة كقوله : { ويصنع الفلك } ( هود : 38 ) . والمجادلة : المحاورة . ~~وقد تقدمت في قوله : { ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم في سورة النساء ms4109 ( ~~107 ) . | # وقوله : في قوم لوط } على تقدير مضاف ، أي في عقاب قوم لوط . وهذا من ~~تعليق الحكم باسم الذات ، والمراد حال من أحوالها يعينه المقام ، كقوله : { ~~حرمت عليكم الميتة } ( المائدة : 3 ) أي أكلها . | # والمجادلة هنا : دعاء ومناجاة سأل بها إبراهيم عليه السلام ربه العفو عن ~~قوم لوط خشية إهلاك المؤمنين منهم . | # وقد تكون المجادلة مع الملائكة . وعديت إلى ضمير الجلالة لأن المقصود من ~~جدال الملائكة التعرض إلى أمر الله بصرف العذاب عن قوم لوط . | # وال { حليم } الموصوف بالحلم وهو صفة تقتضي الصفح واحتمال الأذى . | # وال { أواه } أصله الذي يكثر التأوه ، وهو قول : أوه . وأوه : اسم فعل ~~نائب مناب أتوجع ، وهو هنا كناية عن شدة اهتمامه بهموم الناس . | ~~PageV12P123 # وال { منيب } من أناب إذا رجع ، وهو مشتق من النوب وهو النزول . والمراد ~~التوبة من التقصير ، أي محاسب نفسه على ما يحذر منه . | # وحقيقة الإنابة : الرجوع إلى الشيء بعد مفارقته وتركه . | # وجملة { يا إبراهيم أعرض عن هذا } مقول محذوف دل عليه المقام وهو من بديع ~~الإيجاز ، وهو وحي من الله إلى إبراهيم عليه السلام ، أو جواب الملائكة ~~إبراهيم عليه السلام . فإذا كان من كلام الله فقوله : { أمر ربك } إظهار في ~~مقام الإضمار لإدخال الروع في ضمير السامع . | # و { أمر الله } قضاؤه ، أي أمر تكوينه . | # | 2 ( 77 ) { ولما جآءت رسلنا لوطا سى ء بهم وضاق بهم ذرعا وقال هاذا يوم ~~عصيب } . ) 2 # | $ # قد علم أن الملائكة ذاهبون إلى قوم لوط من قوله : { إنا أرسلنا إلى قوم ~~لوط } ( هود : 70 ) . فالتقدير : ففارقوا إبراهيم وذهبوا إلى لوط عليهما ~~السلام فلما جاءوا لوطا ، فحذف ما دل عليه المقام إيجازا قرآنيا بديعا . | # وقد جاءوا لوطا كما جاءوا إبراهيم عليهما السلام في صورة البشر ، فظنهم ~~ناسا وخشي أن يعتدي عليهم قومه بعادتهم الشنيعة ، فلذلك سيء بهم . | # ومعنى { ضاق بهم ذرعا } ضاق ذرعه بسببهم ، أي بسبب مجيئهم فحول الإسناد ~~إلى المضاف إليه وجعل المسند إليه تمييزا لأن إسناد الضيق إلى صاحب الذرع ~~أنسب بالمعنى المجازي ، وهو أشبه بتجريد الاستعارة التمثيلية ms4110 . | # والذرع : مد الذراع فإذا أسند إلى الآدمي فهو تقدير المسافة . وإذا أسند ~~إلى البعير فهو مد ذراعيه في السير على قدر سعة خطوته ، فيجوز أن يكون : ~~ضاق ذرعا PageV12P124 تمثيلا بحال الإنسان الذي يريد مد ذراعه فلا يستطيع ~~مدها كما يريد فيكون ذرعه أضيق من معتاده . ويجوز أن يكون تمثيلا بحال ~~البعير المثقل بالحمل أكثر من طاقته فلا يستطيع مد ذراعيه كما اعتاده . ~~وأيا ما كان فهو استعارة تمثيلية لحال من لم يجد حيلة في أمر يريد علمه ؟ ~~بحال الذي لم يستطع مد ذراعه كما يشاء . | # وقوله : { هذا يوم عصيب } قاله في نفسه كما يناجي المرء نفسه إذا اشتد ~~عليه أمر . | # والعصيب : الشديد فيما لا يرضي . يقال : يوم عصيب إذا حدث فيه أمر عظيم ~~من أحوال الناس أو أحوال الجو كشدة البرد وشدة الحر . وهو بزنة فعيل بمعنى ~~فاعل ولا يعرف له فعل مجرد وإنما يقال : اعصوصب الشر ؛ اشتد . قالوا : هو ~~مشتق من قولك : عصبت الشيء إذا شددته . وأصل هذه المادة يفيد الشد والضغط ، ~~يقال : عصب الشيء إذا لواه ، ومنه العصابة . ويقال : عصبتهم السنون إذا ~~أجاعتهم . ولم أقف على فعل مجرد لوصف اليوم بعصيب . وأراد : أنه سيكون ~~عصيبا لما يعلم من عادة قومه السيئة وهو مقتض أنهم جاءوه نهارا . | # ومن بديع ترتيب هذه الجمل أنها جاءت على ترتيب حصولها في الوجود ، فإن ~~أول ما يسبق إلى نفس الكاره للأمر أن يساء به ويتطلب المخلص منه ، فإذا علم ~~أنه لا مخلص منه ضاق به ذرعا ، ثم يصدر تعبيرا عن المعاني وترتيبا عنه ~~كلاما يريح به نفسه . | # وتصلح هذه الآية لأن تكون مثالا لإنشاء المنشىء إنشاءه على حسب ترتيب ~~الحصول في نفس الأمر ، هذا أصل الإنشاء ما لم تكن في الكلام دواعي التقديم ~~والتأخير ودواعي الحذف والزيادة . | # | PageV12P125 # | 2 ( 78 ) { وجآءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات قال ~~ياقوم هاؤلا ء بناتى هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون فى ضيفى أليس منكم ~~رجل رشيد } . ) 2 # | $ # أي جاءه بعض قومه . وإنما أسند ms4111 المجيء إلى القوم لأن مثل ذلك المجيء ~~دأبهم وقد تمالؤوا على مثله ، فإذا جاء بعضهم فسيعقبه مجيء بعض آخر في وقت ~~آخر . وهذا من إسناد الفعل إلى القبيلة إذا فعله بعضها ، كقول الحارث بن ~~وعلة الجرمي : | # قومي هم قتلوا أميمة أخي | # فإذا رميت يصيبني سهمي | # و { يهرعون } بضم الياء وفتح الراء على صيغة المبني للمفعول فسروه بالمشي ~~الشبيه بمشي المدفوع ، وهو بين الخبب والجمز ، فهو لا يكون إلا مبنيا ~~للمفعول لأن أصله مشي الأسير الذي يسرع به . وهذا البناء يقتضي أن الهرع هو ~~دفع الماشي حين مشيه ؛ إلا أن ذلك تنوسي ، وبقي أهرع بمعنى سار سيرا كسير ~~المدفوع ، ولذلك قال جمع من أهل اللغة : إنه من الأفعال التي التزموا فيها ~~صيغة المفعول لأنها في الأصل مسندة إلى فاعلل غير معلوم . وفسره في ( ~~الصحاح ) و ( القاموس ) بأنه الارتعاد من غضب أو خوف ، وعلى الوجهين فجملة ~~{ يهرعون } حال . | # وقد طوى القرآن ذكر الغرض الذي جاؤوا لأجله مع الإشارة إليه بقوله : { ~~ومن قبل كانوا يعملون السيئات } فقد صارت لهم دأبا لا يسعون إلا لأجله . | # وجملة { قال يا قوم } إلخ مستأنفة بيانيا ناشئا عن جملة { وجاءه قومه } ، ~~إذ قد علم السامع غرضهم من مجيئهم ، فهو بحيث يسأل عما تلقاهم به . | # وبادرهم لوط عليه السلام بقوله : { يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم } . ~~وافتتاح الكلام بالنداء وبأنهم قومه ترقيق لنفوسهم عليه ، لأنه يعلم تصلبهم ~~في عادتهم الفظيعة كما دل عليه قولهم : { لقد علمت ما لنا في بناتك من حق } ~~( هود : 79 ) ، كما سيأتي . | PageV12P126 # والإشارة ب { هؤلاء } إلى { بناتي } . و { بناتي } بدل من اسم الإشارة ، ~~والإشارة مستعملة في العرض ، والتقدير : فخذوهن . | # وجملة { هن أطهر لكم } تعليل للعرض . ومعنى { هن أطهر } أنهن حلال لكم ~~يحلن بينكم وبين الفاحشة ، فاسم التفضيل مسلوب المفاضلة قصد به قوة الطهارة ~~. | # و { هؤلاء } إشارة إلى جمع ، إذ بين بقوله : { بناتي } . | # وقد روي أنه لم يكن له إلا ابنتان ، فالظاهر أن إطلاق البنات هنا من قبيل ~~التشبيه البليغ ، أي هؤلاء نساؤهن كبناتي . وأراد ms4112 نساء من قومه بعدد القوم ~~الذين جاءوا يهرعون إليه . وهذا معنى ما فسر به مجاهد ، وابن جبير ، وقتادة ~~، وهو المناسب لجعلهن لقومه إذ قال : { هن أطهر لكم } ، فإن قومه الذين ~~حضروا عنده كثيرون ، فيكون المعنى : هؤلاء النساء فتزوجوهن . وهذا أحسن ~~المحامل . | # وقيل : أراد بنات صلبه ، وهو رواية عن قتادة . وإذ كان المشهور أن لوطا ~~عليه السلام له ابنتان صار الجمع مستعملا في الاثنين بناء على أن الاثنين ~~تعامل معاملة الجمع في الكلام كقوله تعالى : { فقد صغت قلوبكما } ( التحريم ~~: 4 ) . | # وقيل : كان له ثلاث بنات . | # وتعترض هذا المحمل عقبتان : | # الأولى : أن القوم كانوا عددا كثيرا فكيف تكفيهم بنتان أو ثلاث ؟ . | # الثانية : أن قوله : { هؤلاء بناتي } عرض عليهم كما علمت آنفا ، فكيف ~~كانت صفة هذه التخلية بين القوم وبين البنات وهم عدد كثير ، فإن كان تزويجا ~~لم يكفين القوم وإن كان غير تزويج فما هو ؟ . | # والجواب عن الأول : أنه يجوز أن يكون عدد القوم الذين جاؤوه بقدر عدد ~~بناته أو أن يكون مع بناته حتى من قومه . وعن الثاني : أنه يجوز أن يكون ~~تصرف PageV12P127 لوط عليه السلام في بناته بوصف الأبوة ، ويجوز أن يكون ~~تصرفا بوصف النبوءة بالوحي للمصلحة أن يكون من شرع لوط عليه السلام إباحة ~~تمليك الأب بناته إذا شاء ، فإن كان أولئك الرهط شركاء في ملك بناته كان ~~استمتاع كل واحد بكل واحدة منهن حلالا في شريعته على نحو ما كان البغاء من ~~بقايا الجاهلية في صدر الإسلام قبل أن ينسخ . | # وأما لحاق النسب في أولاد من تحمل منهن فيجوز أن يكون الولد لاحقا بالذي ~~تليطه أمه به من الرجال الذين دخلوا عليها ، كما كان الأمر في البغايا في ~~صدر الإسلام ، ويجوز أن لا يلحق الأولاد بآباء فيكونوا لاحقين بأمهاتهم مثل ~~ابن الزنى وولد اللعان ، ويكون هذا التحليل مباحا ارتكابا لأخف الضررين ، ~~وهو مما يشرع شرعا مؤقتا مثل ما شرع نكاح المتعة في أول الإسلام على القول ~~بأنه محرما وهو قول الجمهور . | # وقد اشتغل المفسرون عن تحرير هذا بمسألة ms4113 تزويج المؤمنات بالكفار وهو فضول ~~. | # وفرع على قوله : { هن أطهر لكم } أن أمرهم بتقوى الله لأنهم إذا امتثلوا ~~ما عرض لهم من النساء فاتقوا الله . | # وقرأ الجمهور { ولا تخزون } بحذف ياء المتكلم تخفيفا . وأثبتها أبو عمرو ~~. | # والخزي : الإهانة والمذلة . وتقدم آنفا . وأراد مذلته . | # و { في } للظرفية المجازية . جعل الضيف كالظرف ، أي لا تجعلوني مخزيا عند ~~ضيفي إذ يلحقهم أذى في ضيافتي ، لأن الضيافة جوار عند رب المنزل ، فإذا ~~لحقت الضيف إهانة كانت عارا على رب المنزل . | # والضيف : الضائف ، أي النازل في منزل أحد نزولا غير دائم ، لأجل مرور في ~~سفر أو إجابة دعوة . | PageV12P128 # وأصل ضيف مصدر فعل ضاف يضيف ، ولذلك يطلق على الواحد وأكثر ، وعلى المذكر ~~والمؤنث بلفظ واحد ، وقد يعامل معاملة غير المصدر فيجمع كما قال عمرو بن ~~كلثوم : | # نزلتم منزل الأضياف منا | # وقد ظن لوط عليه السلام الملائكة رجالا مارين ببيته فنزلوا عنده ~~للاستراحة والطعام والمبيت . | # والاستفهام في { أليس منكم رجل رشيد } إنكار وتوبيخ لأن إهانة الضيف مسبة ~~لا يفعلها إلا أهل السفاهة . | # وقوله : { منكم } بمعنى بعضكم أنكر عليهم تمالؤهم على الباطل وانعدام رجل ~~رشيد من بينهم ، وهذا إغراء لهم على التعقل ليظهر فيهم من يتفطن إلى فساد ~~ما هم فيه فينهاهم ، فإن ظهور الرشيد في الفئة الضالة يفتح باب الرشاد لهم ~~. وبالعكس تمالؤهم على الباطل يزيدهم ضراوة به . | # | 2 ( 79 ، 80 ) { قالوا لقد علمت ما لنا فى بناتك من حق وإنك لتعلم ما ~~نريد * قال لو أن لى بكم قوة أو آوى إلى ركن شديد } . ) 2 # | $ # فصلت جملة { قالوا } عن التي قبلها لوقوعها موقع المحاورة مع لوط عليه ~~السلام . | # و { لقد علمت } تأكيد لكونه يعلم . فأكد بتنزيله منزلة من ينكر أنه يعلم ~~لأن حالة في عرضه بناته عليهم كحال من لا يعلم خلقهم ، وكذلك التوكيد في { ~~وإنك لتعلم ما نريد } ، وكلا الخبرين مستعمل في لازم فائدة الخبر ، أي نحن ~~نعلم أنك قد علمت ما لنا رغبة في بناتك وإنك تعلم مرادنا . | PageV12P129 # ومثله قوله حكاية عن قوم إبراهيم ms4114 { لقد علمت ما هؤلاء ينطقون } ( ~~الأنبياء : 65 ) . | # و { ما } الأولى نافية معلقة لفعل العلم عن العمل ، و { ما } الثانية ~~موصولة . | # والحق : ما يحق ، أي يجب لأحد أو عليه ، فيقال : له حق في كذا ، إذا كان ~~مستحقا له ، ويقال : ما له حق في كذا ، بمعنى لا يستحقه ، فالظاهر أنه أطلق ~~هنا كناية عن عدم التعلق بالشيء وعن التجافي عنه . وهو إطلاق لم أر مثله ، ~~وقد تحير المفسرون في تقريره . والمعنى : ما لنا في بناتك رغبة . | # وجوابه ب { لو أن لي بكم قوة } جواب يائس من ارعوائهم . | # و { لو } مستعملة في التمني ، وهذا أقصى ما أمكنه في تغيير هذا المنكر . ~~| # والباء في { بكم } للاستعلاء ، أي عليكم . يقال : ما لي به قوة وما لي به ~~طاقة . ومنه قوله تعالى : { قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت } ( البقرة : ~~249 ) . | # ويقولون : ما لي بهذا الأمر يدان ، أي قدرة أو حيلة عليه . | # والمعنى : ليت لي قوة أدفعكم بها ، ويريد بذلك قوة أنصار لأنه كان غريبا ~~بينهم . | # ومعنى { أو آوى إلى ركن شديد } أو أعتصم بما فيه منعة ، أي بمكان أو ذي ~~سلطان يمنعني منكم . | # والركن : الشق من الجبل المتصل بالأرض . | # | PageV12P130 # | 2 ( 81 ) { قالوا يالوط إنا رسل ربك لن يصلو ا إليك فأسر بأهلك بقطع من ~~اليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها مآ أصابهم إن موعدهم الصبح ~~أليس الصبح بقريب } . ) 2 # | $ # هذا كلام الملائكة للوط عليه السلام كاشفوه بأنهم ملائكة مرسلون من الله ~~تعالى . وإذ قد كانوا في صورة البشر وكانوا حاضري المجادلة حكى كلامهم بمثل ~~ما تحكى به المحاورات فجاء قولهم بدون حرف العطف على نحو ما حكي قول : لوط ~~عليه السلام وقول قومه . وهذا الكلام الذي كلموا به لوطا عليه السلام وحي ~~أوحاه الله إلى لوط عليه السلام بواسطة الملائكة ، فإنه لما بلغ بلوط توقع ~~أذى ضيفه مبلغ الجزع ونفاد الحيلة جاءه نصر الله على سنة الله تعالى مع ~~رسله { حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا } ( يوسف : ~~110 ) . | # وابتدأ ms4115 الملائكة خطابهم لوطا عليه السلام بالتعريف بأنفسهم لتعجيل ~~الطمأنينة إلى نفسه لأنه إذا علم أنهم ملائكة علم أنهم ما نزلوا إلا لإظهار ~~الحق . قال تعالى : { ما تنزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين } ( ~~الحجر : 8 ) . ثم ألحقوا هذا التعريف بالبشارة بقولهم : { لن يصلوا إليك } ~~. وجيء بحرف تأكيد النفي للدلالة على أنهم خاطبوه بما يزيل الشك من نفسه . ~~وقد صرف الله الكفار عن لوط عليه السلام فرجعوا من حيث أتوا ، ولو أزال عن ~~الملائكة التشكل بالأجساد البشرية فأخفاهم عن عيون الكفار لحسبوا أن لوطا ~~عليه السلام أخفاهم فكانوا يؤذون لوطا عليه السلام . ولذلك قال له الملائكة ~~{ لن يصلوا إليك } ولم يقولوا لن ينالوا ، لأن ذلك معلوم فإنهم لما أعلموا ~~لوطا عليه السلام بأنهم ملائكة ما كان يشك في أن الكفار لا ينالونهم ، ~~ولكنه يخشى سورتهم أن يتهموه بأنه أخفاهم . | # ووقع في التوراة أن الله أعمى أبصار المراودين لوطا عليه السلام عن ~~PageV12P131 ضيفه حتى قالوا : إن ضيف لوط سحرة فانصرفوا . وذلك ظاهر قوله ~~تعالى : في سورة القمر ( 37 ) { ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم . | # وجملة لن يصلوا إليك } مبينة لإجمال جملة { إنا رسل ربك } ، فلذلك فصلت ~~فلم تعطف لأنها بمنزلة عطف البيان . | # وتفريع الأمر بالسرى على جملة { لن يصلوا إليك } لما في حرف { لن } من ~~ضمان سلامته في المستقبل كله . فلما رأى ابتداء سلامته منهم بانصرافهم حسن ~~أن يبين له وجه سلامته في المستقبل منهم باستئصالهم وبنجاته ، فذلك موقع ~~فاء التفريع . | # و ( أسر ) أمر بالسرى بضم السين والقصر . وهو اسم مصدر للسير في الليل ~~إلى الصباح . وفعله : سرى يقال بدون همزة في أوله ويقال : أسرى بالهمزة . | # قرأه نافع ، وابن كثير ، وأبو جعفر بهمزة وصل على أنه أمر من سرى . وقرأه ~~الباقون بهمزة قطع على أنه من أسرى . | # وقد جمعوه في الأمر مع أهله لأنه إذا سرى بهم فقد سرى بنفسه إذ لو بعث ~~أهله وبقي هو لما صح أن يقال : أسر بهم للفرق بين أذهبت زيدا وبين ذهبت به ~~. | # والقطع بكسر ms4116 القاف : الجزء من الليل . | # وجملة { ولا يلتفت منكم أحد } معترضة بين المستثنى والمستثنى منه . ~~والالتفات المنهي عنه هو الالتفات إلى المكان المأمور بمغادرته كما دلت ~~عليه القرينة . | # وسبب النهي عن الالتفات التقصي في تحقيق معنى الهجرة غضبا لحرمات الله ~~بحيث يقطع التعلق بالوطن ولو تعلق الرؤية . وكان تعيين الليل للخروج كيلا ~~يلاقي ممانعة من قومه أو من زوجه فيشق عليه دفاعهم . | PageV12P132 # و { إلا امرأتك } استثناء من { أهلك } ، وهو منصوب في قراءة الجمهور ~~اعتبارا بأنه مستثنى من { أهلك } وذلك كلام موجب ، والمعنى : لا تسر بها ، ~~أريد أن لا يعلمها بخروجه لأنها كانت مخلصة لقومها فتخبرهم عن زوجها . ~~وقرأه ابن كثير ، وأبو عمرو برفع { امرأتك } على أنه استثناء من { أحد } ~~الواقع في سياق النهي ، وهو في معنى النفي . قيل : إن امرأته خرجت معهم ثم ~~التفتت إلى المدينة فحنت إلى قومها فرجعت إليهم . والمعنى أنه نهاهم عن ~~الالتفات فامتثلوا ولم تمتثل امرأته للنهي فالتفتت ، وعلى هذا الوجه ~~فالاستثناء من كلام مقدر دل عليه النهي . والتقدير : فلا يلتفتون إلا ~~امرأتك تلتفت . | # وجملة { إنه مصيبها ما أصابهم } استئناف بياني ناشىء عن الاستثناء من ~~الكلام المقدر . | # وفي قوله : { ما أصابهم } استعمال فعل المضي في معنى الحال ، ومقتضى ~~الظاهر أن يقال : ما يصيبهم ، فاستعمال فعل المضي لتقريب زمن الماضي من ~~الحال نحو قوله تعالى : { إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم } ( المائدة ~~: 6 ) الآية ، أو في معنى الاستقبال تنبيها على تحقق وقوعه نحو قوله تعالى ~~: { أتى أمر الله } ( النحل : 1 ) . | # وجملة { إن موعدهم الصبح } مستأنفة ابتدائية قطعت عن التي قبلها اهتماما ~~وتهويلا . | # والموعد : وقت الوعد . والوعد أعم من الوعيد فيطلق على تعيين الشر في ~~المستقبل . والمراد بالموعد هنا موعد العذاب الذي علمه لوط عليه السلام إما ~~بوحي سابق ، وإما بقرينة الحال ، وإما بإخبار من الملائكة في ذلك المقام ~~طوته الآية هنا إيجازا ، وبهذه الاعتبارات صح تعريف الوعد بالإضافة إلى ~~ضميرهم . | # وجملة { أليس الصبح بقريب } استئناف بياني صدر من الملائكة جوابا عن سؤال ~~بجيش في نفسه من استبطاء نزول ms4117 العذاب . | PageV12P133 # والاستفهام تقريري ، ولذلك يقع في مثله التقرير على النفي إرخاء للعنان ~~مع المخاطب المقرر ليعرف خطأه . وإنما قالوا ذلك في أول الليل . | # | 2 ( 82 ، 83 ) { فلما جآء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها ~~حجارة من سجيل منضود * مسومة عند ربك وما هى من الظالمين ببعيد } . ) 2 # تقدم الكلام على نظير { فلما جاء أمرنا } . | # وقوله : { جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل } تعود ~~الضمائر الثلاثة المجرورة بالإضافة وبحرف ( على ) على القرية المفهومة من ~~السياق . | # والمعنى أن القرية انقلبت عليهم انقلاب خسفف حتى صار عالي البيوت سافلا ، ~~أي وسافلها عاليا ، وذلك من انقلاب الأرض بهم . | # وإنما اقتصر على ذكر جعل العالي سافلا لأنه أدخل في الإهانة . | # والسجيل : فسر بواد نار في جهنم يقال : سجيل باللام ، وسجين بالنون . و { ~~من } تبعيضية ، وهو تشبيه بليغ ، أي بحجارة كأنها من سجيل جهنم ، كقول كعب ~~بن زهير : | # وجلدها من أطوم البيت | # وقد جاء في التوراة : أن الله أرسل عليهم كبريتا ونارا من السماء . ولعل ~~الخسف فجر من الأرض براكين قذفت عليهم حجارة معادن محرقة كالكبريت ، أو لعل ~~بركانا كان قريبا من مدنهم انفجر باضطرابات أرضية ثم زال من ذلك ~~PageV12P134 المكان بحوادث تعاقبت في القرون ، أو طمى عليه البحر وبقي أثر ~~البحر عليها حتى الآن ، وهو المسمى بحيرة لوط أو البحر الميت . | # وقيل : سجيل معرب ( سنك جيل ) عن الفارسية أي حجر مخلوط بطين . | # والمنضود : الموضوع بعضه على بعض . والمعنى هنا أنها متتابعة متتالية في ~~النزول ليس بينها فترة . والمراد وصف الحجارة بذلك إلا أن الحجارة لما جعلت ~~من سجيل ، أجري الوصف على سجيل وهو يفضي إلى وصف الحجارة لأنها منه . | # والمسومة : التي لها سيما ، وهي العلامة . والعلامات توضع لأغراض ، منها ~~عدم الاشتباه ، ومنها سهولة الإحضار ، وهو هنا مكنى به عن المعدة المهيئة ~~لأن الإعداد من لوازم التوسيم بقرينة قوله : { عند ربك } لأن تسويمها عند ~~الله هو تقديره إياها لهم . | # وضمير { وما هي } يصلح لأن يعود إلى ما عادت إليه الضمائر المجرورة قبله ~~وهي المدينة ، فيكون ms4118 المعنى وما تلك القرية ببعيد من المشركين ، أي العرب ، ~~فمن شاء فليذهب إليها فينظر مصيرها ، فالمراد البعد المكاني . ويصلح لأن ~~يعود إلى الحجارة ، أي وما تلك الحجارة ببعيد ، أي أن الله قادر على أن ~~يرمي المشركين بمثلها . والبعد بمعنى تعذر الحصول ونفيه بإمكان حصوله . ~~وهذا من الكلام الموجه مع صحة المعنيين وهو بعيد . | # وجرد { بعيد } عن تاء التأنيث مع كونه خبرا عن الحجارة وهي مؤنث لفظا ، ~~ومع كون { بعيد } هنا بمعنى فاعل لا بمعنى مفعول ، فالشأن أن يطابق موصوفه ~~في تأنيثه ، ولكن العرب قد يجرون فعيلا الذي بمعنى فاعل مجرى الذي بمعنى ~~مفعول إذا جرى على مؤنث غير حقيقي التأنيث زيادة في التخفيف ، كقوله تعالى ~~في سورة الأعراف ( 56 ) { إن رحمت الله قريب من المحسنين } وقوله : { وما ~~يدريك لعل الساعة تكون قريبا } ( الأحزاب : 63 ) وقوله : { قال من يحيي ~~العظام وهي رميم } ( يس : 78 ) . وقيل : PageV12P135 إن قوله : { وما كانت ~~أمك بغيا } ( مريم : 28 ) من هذا القبيل ، أي باغية . وقيل : أصله فعول ~~بغوي فوقع إبدال وإدغام . وتأول الزمخشري ما هنا على أنه صفة لمحذوف ، أي ~~بمكان بعيد ، أو بشيء بعيد عن الاحتمالين في معاد ضمير { هي } . | # | 2 ( 84 86 ) { وإلى مدين أخاهم شعيبا قال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من ~~إلاه غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إنى أراكم بخير وإنى أخاف عليكم ~~عذاب يوم محيط * وياقوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس ~~أشيآءهم ولا تعثوا فى الارض مفسدين * بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين ومآ ~~أنا عليكم بحفيظ } . ) 2 # | $ # قوله : { وإلى مدين أخاهم شعيبا إلى قوله من إله غيره } نظير قوله : { ~~وإلى ثمود أخاهم صالحا } ( هود : 61 ) الخ . | # أمرهم بثلاثة أمور : | # أحدها : إصلاح الإعتقاد ، وهو من إصلاح العقول والفكر . | # وثالثها : صلاح الأعمال والتصرفات في العالم بأن لا يفسدوا في الأرض . | # ووسط بينهما الثاني : وهو شيء من صلاح العمل خص بالنهي لأن إقدامهم عليه ~~كان فاشيا فيهم حتى نسوا ما فيه من قبح وفساد ، وهذا هو الكف عن نقص ~~المكيال والميزان ms4119 . | # فابتدأ بالأمر بالتوحيد لأنه أصل الصلاح ثم أعقبه بالنهي عن مظلمة كانت ~~متفشية فيهم ، وهي خيانة المكيال والميزان . وقد تقدم ذلك في سورة ~~PageV12P136 الأعراف . وهي مفسدة عظيمة لأنها تجمع خصلتي السرقة والغدر ، ~~لأن المكتال مسترسل مستسلم . ونهاهم عن الإفساد في الأرض وعن نقص المكيال ~~والميزان فعززه بالأمر بضده وهو إيفاؤهما . | # وجملة { إني أراكم بخير } تعليل للنهي عن نقص المكيال والميزان . ~~والمقصود من { إني أراكم بخير } أنكم بخير . وإنما ذكر رؤيته ذلك لأنها في ~~معنى الشهادة عليهم بنعمة الله عليهم فحق عليهم شكرها . والباء في { بخير } ~~للملابسة . | # والخير : حسن الحالة . ويطلق على المال كقوله : { إن ترك خيرا } ( البقرة ~~: 180 ) . والأولى حمله عليه هنا ليكون أدخل في تعليل النهي ، أي أنكم في ~~غنى عن هذا التطفيف بما أوتيتم من النعمة والثروة . وهذا التعليل يقتضي قبح ~~ما يرتكبونه من التطفيف في نظر أهل المروءة ويقطع منهم العذر في ارتكابه . ~~وهذا حث على وسيلة بقاء النعمة . | # ثم ارتقى في تعليل النهي بأنه يخاف عليهم عذابا يحل بهم إما يوم القيامة ~~وإما في الدنيا . ولصلوحيته للأمرين أجمله بقوله : { عذاب يوم محيط } . ~~وهذا تحذير من عواقب كفران النعمة وعصيان واهبها . | # و { محيط } وصف ل { يوم } على وجه المجاز العقلي ، أي محيط عذابه ، ~~والقرينة هي إضافة العذاب إليه . | # وإعادة النداء في جملة { ويا قوم أوفوا المكيال } لزيادة الاهتمام ~~بالجملة والتنبيه لمضمونها ، وهو الأمر بإيفاء المكيال والميزان . وهذا ~~الأمر تأكيد للنهي عن نقصهما . والشيء يؤكد بنفي ضده ، كقوله تعالى : { ~~وأضل فرعون قومه وما هدى } ( طه : 79 ) . لزيادة الترغيب في الإيفاء بطلب ~~حصوله بعدالنهي عن ضده . | # والباء في قوله { بالقسط } للملابسة . وهو متعلق ب { أوفوا } فيفيد أن ~~الإيفاء PageV12P137 يلابسه القسط ، أي العدل تعليلا للأمر به ، لأن العدل ~~معروف حسن ، وتنبيها على أن ضده ظلم وجور وهو قبيح منكر . | # والقسط تقدم في قوله تعالى : { قائما بالقسط في آل عمران ( 18 ) . | # والبخس : النقص . وتقدم في قصته في سورة الأعراف مفسرا . وذكر ذلك بعد ~~النهي عن نقص المكيال والميزان تذييل بالتعميم بعد ms4120 تخصيص . لأن التطفيف من ~~بخس الناس في أشيائهم ، وتعدية تبخسوا } إلى مفعولين باعتباره ضد أعطى فهو ~~من باب كسا . | # والعثي بالياء من باب سعى ورمى ورضي ، وبالواو كدعا ، هو : الفساد . ~~ولذلك فقوله { مفسدين } حال مؤكدة لعاملها مثل التوكيد اللفظي مبالغة في ~~النهي عن الفساد . | # والمراد : النهي عن الفساد كله ، كما يدل عليه قوله : { في الأرض } ~~المقصود منه تعميم أماكن الفساد . | # والفساد تقدم في قوله تعالى : { وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض } في ~~أول سورة البقرة ( 11 ) . | # وقد حصل النهي عن الأعم بعد النهي عن العام ، وبه حصلت خمسة مؤكدات : ~~بالأمر بعد النهي عن الفساد الخاص ، ثم بالتعميم بعد التخصيص ، ثم بزيادة ~~التعميم ، ثم بتأكيد التعميم الأعم بتعميم المكان ، ثم بتأكيده بالمؤكد ~~اللفظي . | # وسلك في نهيهم عن الفساد مسلك التدرج فابتدأه بنهيهم عن نوح من الفساد ~~فاشش فيهم وهو التطفيف . ثم ارتقى فنهاهم عن جنس ذلك النوع وهو أكل أموال ~~الناس . ثم ارتقى فنهاهم عن الجنس الأعلى للفساد الشامل لجميع أنواع ~~المفاسد وهو الإفساد في الأرض كله . وهذا من أساليب الحكمة في تهيئة النفوس ~~بقبول الإرشاد والكمال . | PageV12P138 # وإذ قد كانت غاية المفسد من الإفساد اجتلاب ما فيه نفع عاجل له من نوال ~~ما يحبه أعقب شعيب موعظته بما ادخره الله من الثواب على امتثال أمره وهو ~~النفع الباقي هو خير لهم مما يقترفونه من المتاع العاجل . | # ولفظ { بقيت } كلمة جامعة لمعان في كلام العرب ، منها : الدوام ، ومؤذنة ~~بضده وهو الزوال ، فأفادت أن ما يقترفونه متاع زائل ، وما يدعوهم إليه حظ ~~باق غير زائل ، وبقاؤه دنيوي وأخروي . | # فأما كونه دنيويا فلأن الكسب الحلال ناشىء عن استحقاق شرعي فطري ، فهو ~~حاصل من تراض بين الأمة فلا يحنق المأخوذ منه على آخذه فيعاديه ويتربص به ~~الدوائر فبتجنب ذلك تبقى الأمة في أمن من توثب بعضها على بعض ، ومن أجل ذلك ~~قرن الأموال بالدماء في خطبة حجة الوداع إذ قال النبي صلى الله عليه وسلم ( ~~إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام ) فكما أن إهراق الدماء ms4121 بدون حق يفضي إلى ~~التقاتل والتفاني بين الأمة فكذلك انتزاع الأموال بدون وجهها يفضي إلى ~~التواثب والتثاور فتكون معرضة للابتزاز والزوال . وأيضا فلأن نوالها بدون ~~رضى الله عن وسائل أخذها كفران لله يعرض إلى تسليط عقابه بسلبها من أصحابها ~~. قال ابن عطاء الله : ( من لم يشكر النعم فقد تعرض لزوالها ومن شكرها فقد ~~قيدها بعقالها ) . | # وأما كونه أخرويا فلأن نهي الله عنها مقارن للوعد بالجزاء على تركها ، ~~وذلك الجزاء من النعيم الخالد كما في قوله تعالى : { والباقيات الصالحات ~~خير عند ربك ثوابا وخير مردا } ( مريم : 76 ) . | # على أن لفظ ( البقية ) يحتمل معنى آخر من الفضل في كلام العرب ، وهو معنى ~~الخير والبركة لأنه لا يبقى إلا ما يحتفظ به أصحابه وهو النفائس ، ولذلك ~~أطلقت ( البقية ) على الشيء النفيس المبارك كما في قوله تعالى : { فيه ~~سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون } ( البقرة : 248 ) ، وقوله ~~: { فلولا كان من القرون PageV12P139 من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد ~~في الأرض } ( هود : 116 ) وقال عمرو بن معد يكرب أو رويشد الطائي : | # إن تذنبوا ثم تأتيني بقيتكم | # فما علي بذنب منكم فوت | # قال المرزوقي : المعنى ثم يأتيني خياركم وأماثلكم يقيمون المعذرة وهذا ~~كما يقال : فلان من بقية أهل ، أي من أفاضلهم . | # وفي كلمة ( البقية ) معنى آخر وهو الإبقاء عليهم ، والعرب يقولون عند طلب ~~الكف عن القتال : ابقوا علينا ، ويقولون ( البقية البقية ) بالنصب على ~~الإغراء ، قال الأعشى : | # قالوا البقية والهندي يحصدهم | # ولا بقية إلا الثار وانكشفوا | # وقال مسور بن زيادة الحارثي : | # أذكر بالبقيا على من أصابني | # وبقياي أني جاهد غير مؤتلي | # والمعنى إبقاء الله عليكم ونجاتكم من عذاب الاستئصال خير لكم من هذه ~~الأعراض العاجلة السيئة العاقبة ، فيكون تعريضا بوعيد الاستئصال . وكل هذه ~~المعاني صالحة هنا . ولعل كلام شعيب عليه السلام قد اشتمل على جميعها فحكاه ~~القرآن بهذه الكلمة الجامعة . | # وإضافة ( بقية ) إلى اسم الجلالة على المعاني كلها جمعا وتفريقا إضافة ~~تشريف وتيمن . وهي إضافة على معنى اللام لأن البقية من فضله أو ms4122 مما أمر به ~~. | # ومعنى { إن كنتم مؤمنين } إن كنتم مصدقين بما أرسلت به إليكم ، لأنهم لا ~~يتركون مفاسدهم ويرتكبون ما أمروا به إلا إذا صدقوا بأن ذلك من عند الله ، ~~فهنالك تكون بقية الله خيرا لهم ، فموقع الشرط هو كون البقية خيرا لهم ، أي ~~لا تكون البقية خيرا إلا للمؤمنين . | PageV12P140 # وجاء باسم الفاعل الذي هو حقيقة في الاتصاف بالفعل في زمان الحال تقريبا ~~لإيمانهم بإظهار الحرص على حصوله في الحال واستعجالا بإيمانهم لئلا يفجأهم ~~العذاب فيفوت التدارك . | # وجملة { وما أنا عليكم بحفيظ } في موضع الحال من ضمير { اعبدوا } ونظائره ~~، أي افعلوا ذلك باختياركم لأنه لصلاحكم ولست مكرهكم على فعله . | # والحفيظ : المجبر ، كقوله : { فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا إن ~~عليك إلا البلاغ } ( الشورى : 48 ) وتقدم عند قوله تعالى : { وما جعلناك ~~عليهم حفيظا في سورة الأنعام ( 107 ) . والمقصود من ذلك استنزال طائرهم ~~لئلا يشمئزوا من الأمر . وهذا استقصاء في الترغيب وحسن الجدال . | # | 2 ( 87 ) قالوا ياشعيب أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد ءاباؤنآ أو أن ~~نفعل فى أموالنا ما نشؤا إنك لانت الحليم الرشيد } . ) 2 # | $ # كانت الصلاة من عماد الأديان كلها . وكان المكذبون الملحدون قد تمالؤوا ~~في كل أمة على إنكارها والاستهزاء بفاعلها { أتواصوا به بل هم قوم طاغون } ~~( الذاريات : 53 ) ، فلما كانت الصلاة أخص أعماله المخالفة لمعتادهم جعلوها ~~المشيرة عليه بما بلغه إليهم من أمور مخالفة لمعتادهم بناء على التناسب بين ~~السبب والمسبب في مخالفة المعتاد قصدا للتهكم به والسخرية عليه تكذيبا له ~~فيما جاءهم به ، فإسناد الأمر إلى الصلوات غير حقيقي إذ قد علم كل العقلاء ~~أن الأفعال لا تأمر . والمعنى أن صلاته تأمره بأنهم يتركون ، أي تأمره بأن ~~يحملهم على ترك ما يعبد آباؤهم . إذ معنى كونه مأمورا بعمل غيره أنه مأمور ~~بالسعي في ذلك بأن يأمرهم بأشياء . | PageV12P141 # و { ما } في قوله : { ما يعبد آباؤنا } موصولة صادقة على المعبودات . ~~ومعنى تركها ترك عبادتها كما يؤذن به فعل { يعبد } . ويجوز أن تكون { ما } ~~مصدرية بتقدير : أن نترك مثل عبادة ms4123 آبائنا . | # وقرأ الجمهور ( أصلواتك ) بصيغة جمع صلاة . وقرأه حمزة ، والكسائي ، وحفص ~~، وخلف ( أصلاتك ) بصيغة المفرد . | # و { أو } من قوله : { أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء } لتقسيم ما يأمرهم ~~به لأن منهم من لا يتجر فلا يطفف في الكيل والميزان فهو قسم آخر متميز عن ~~بقية الأمة بأنه مأمور بترك التطفيف . فقوله : { أن نفعل } عطف على { ما ~~يعبد آباؤنا } ، أي أن نترك فعل ما نشاء في أموالنا فنكون طوع أمرك نفعل ما ~~تأمرنا بفعله ونترك ما تأمرنا بتركه . | # وبهذا تعلم أن لا داعي إلى جعل { أو } بمعنى واو الجمع ، كما درج عليه ~~كثير من المفسرين مثل البيضاوي والكواشي وجعلوه عطفا على { نترك } فتوجسوا ~~عدم استقامة المعنى كما قال الطبري . وتأوله بوجهين : أحدهما عن أهل البصرة ~~والآخر عن أهل الكوفة ، أحدهما مبني على تقدير محذوف والآخر على تأويل فعل ~~{ تأمرك } وكلاهما تكلف . وأما الأكثر فصاروا إلى صرف { أو } عن متعارف ~~معناها وقد كانوا في سعة عن ذلك . وسكت عنه كثير مثل صاحب ( الكشاف ) . ~~وأومأ البغوي والنسفي إلى ما صرحنا به . | # وجملة { إنك لأنت الحليم الرشيد } استئناف تهكم آخر . وقد جاءت الجملة ~~مؤكدة بحرف ( إن ) ولام القسم ، وبصيغة القصر في جملة { لأنت الحليم الرشيد ~~} فاشتملت على أربعة مؤكدات . | # والحليم ، زيادة في التهكم : ذو الحلم أي العقل ، والرشيد : الحسن ~~التدبير في المال . | # | PageV12P142 # | 2 ( 88 ) { قال ياقوم أرءيتم إن كنت على بينة من ربى ورزقنى منه رزقا ~~حسنا ومآ أريد أن أخالفكم إلى مآ أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ~~وما توفيقى إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب } . ) 2 # | $ # تقدم نظير الآية في قصة نوح وقصة صالح عليهما السلام . | # والمراد بالرزق الحسن هنا مثل المراد من الرحمة في كلام نوح وكلام صالح ~~عليهما السلام وهو نعمة النبوءة ، وإنما عبر شعيب عليه السلام عن النبوءة ~~بالرزق على وجه التشبيه مشاكلة لقولهم : { أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء } ~~( هود : 87 ) لأن الأموال أرزاق . وجواب الشرط محذوف يدل عليه سياق الكلام ~~، أو يدل عليه ms4124 { إن كنت على بينة من ربي } . والتقدير : ماذا يسعكم في ~~تكذيبي ، أو ماذا ينجيكم من عاقبة تكذيبي ، وهو تحذير لهم على فرض احتمال ~~أن يكون صادقا ، أي فالحزم أن تأخذوا بهذا الاحتمال ، أو فالحزم أن تنظروا ~~في كنه ما نهيتكم عنه لتعلموا أنه لصلاحكم . | # ومعنى { وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه } عند جميع المفسرين من ~~التابعين فمن بعدهم : ما أريد مما نهيتكم عنه أن أمنعكم أفعالا وأنا أفعلها ~~، أي لم أكن لأنهاكم عن شيء وأنا أفعله . وبين في ( الكشاف ) إفادة التركيب ~~هذا المعنى بقوله ( يقال : خالفني فلان إلى كذا إذا قصده وأنت مول عنه . . ~~. ويلقاك الرجل صادرا عن الماء فتسأله عن صاحبه فيقول : خالفني إلى الماء ، ~~يريد أنه قد ذهب إليه واردا وأنا ذاهب عنه صادرا ) اه . | # وبيانه أن المخالفة تدل على الاتصاف بضد حاله ، فإذا ذكرت في غرض دلت على ~~الاتصاف بضده ، ثم يبين وجه المخالفة بذكر اسم الشيء الذي حصل PageV12P143 ~~به الخلاف مدخولا لحرف { إلى } الدال على الانتهاء إلى شيء كما في قولهم : ~~خالفني إلى الماء لتضمين { أخالفكم } معنى السعي إلى شيء . ويتعلق { إلى ما ~~أنهاكم } بفعل { أخالفكم } ، ويكون { أن أخالفكم } مفعول { أريد } . | # فقوله : { أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه } أي أن أفعل خلاف الأفعال التي ~~نهيتكم عنها بأن أصرفكم عنها وأنا أصير إليها . والمقصود : بيان أنه مأمور ~~بذلك أمرا يعم الأمة وإياه وذلك شأن الشرائع ، كما قال علماؤنا : إن خطاب ~~الأمة يشمل الرسول عليه الصلاة والسلام ما لم يدل دليل على تخصيصه بخلاف ~~ذلك ، ففي هذا إظهار أن ما نهاهم عنه ينهى أيضا نفسه عنه . وفي هذا تنبيه ~~لهم على ما في النهي من المصلحة ، وعلى أن شأنه ليس شأن الجبابرة الذين ~~ينهون عن أعمال وهم يأتونها ، لأن مثل ذلك ينبىء بعدم النصح فيما يأمرون ~~وينهون ، إذ لو كانوا يريدون النصح والخير في ذلك لاختاروه لأنفسهم وإلى ~~هذا المعنى يرمي التوبيخ في قوله تعالى : { أتأمرون الناس بالبر وتنسون ~~أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون } ( البقرة ms4125 : 44 ) أي وأنتم تتلون ~~كتاب الشريعة العامة لكم أفلا تعقلون فتعلموا أنكم أولى بجلب الخير لأنفسكم ~~. | # والذي يظهر لي في معنى الآية أن المراد من المخالفة المعاكسة والمنازعة ؛ ~~إما لأنه عرف من ملامح تكذيبهم أنهم توهموه ساعيا إلى التملك عليهم والتجبر ~~، وإما لأنه أراد أن يقلع من نفوسهم خواطر الشر قبل أن تهجس فيها . | # وهذا المحمل في الآية يسمح به استعمال التركيب ومقاصد الرسل وهو أشمل ~~للمعاني من تفسير المتقدمين ، فلا ينبغي قصر تفسير الآية على ما قالوه لأنه ~~لا يقابل قول قومه { أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في ~~أموالنا ما نشاء } ( هود : 87 ) ، فإنهم ظنوا به أنه ما قصد إلا مخالفتهم ~~وتخطئتهم ونفوا أن يكون له قصد صالح فيما دعاهم إليه ، فكان مقتضى إبطال ~~ظنتهم أن ينفي أن يريد مجرد مخالفتهم ، بدليل قوله عقبه { إن أريد إلا ~~الإصلاح ما استطعت } . | PageV12P144 # فمعنى قوله : { وما أريد أن أخالفكم } أنه ما يريد مجرد المخالفة كشأن ~~المنتقدين المتقعرين ولكن يخالفهم لمقصد سام وهو إرادة إصلاحهم . ومن هذا ~~الاستعمال ما ورد في الحديث لما جاء وفد فزارة إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال أبو بكر الصديق : ( أمر الأقرع بن حابس ، وقال عمر : أمر فلانا ، ~~فقال أبو بكر لعمر : ما أردت إلى خلافي ، فقال عمر : ما أردت إلى خلافك ) . ~~فهذا التفسير له وجه وجيه في هذه الآية . وفي هذا ما يدل على أن المنتقدين ~~قسمان قسم ينتقد الشيء ويقف عند حد النقد دون ارتقاء إلى بيان ما يصلح ~~المنقود . وقسم ينتقد ليبين وجه الخطأ ثم يعقبه ببيان ما يصلح خطأه . وعلى ~~هذا الوجه يتعلق { إلى ما أنهاكم } بفعل { أريد } وكذلك { أن أخالفكم } ~~يتعلق ب { أريد } على حذف حرف لام الجر . والتقدير : ما أريد إلى النهي ~~لأجل أن أخالفكم ، أي لمحبة خلافكم . | # وجملة { إن أريد إلا الإصلاح ما استعطعت } بيان لجملة { ما أريد أن ~~أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه } لأن انتفاء إرادة المخالفة إلى ما نهاهم عنه ~~مجمل فيما يريد ms4126 إثباته من أضداد المنفي فبينه بأن الضد المراد إثباته هو ~~الإصلاح في جميع أوقات استطاعته بتحصيل الإصلاح ، فالقصر قصر قلب . | # وأفادت صيغة القصر تأكيد ذلك لأن القصر قد كان يحصل بمجرد الاقتصار على ~~النفي والإثبات نحو أن يقول : ما أريد أن أخالفكم أريد الإصلاح ، كقول عبد ~~الملك بن عبد الرحيم الحارثي أو السموءل : | # تسيل على حد الظبات نفوسنا | # وليست على غير الظبات تسيل | # ولما بين لهم حقيقة عمله وكان في بيانه ما يجر الثناء على نفسه أعقبه ~~بإرجاع الفضل في ذلك إلى الله فقال : { وما توفيقي إلا بالله } فسمى إرادته ~~الإصلاح توفيقا وجعله من الله لا يحصل في وقت إلا بالله ، أي بإرادته وهديه ~~، فجملة { وما توفيقي إلا بالله } في موضع الحال من ضمير { أريد } . | ~~PageV12P145 # والتوفيق : جعل الشيء وفقا لآخر ، أي طبقا له ، ولذلك عرفوه بأنه خلق ~~القدرة والداعية إلى الطاعة . | # وجملة { عليه توكلت } في موضع الحال من اسم الجلالة ، أو من ياء المتكلم ~~في قوله : { توفيقي } لأن المضاف هنا كالجزء من المضاف إليه فيسوغ مجيء ~~الحال من المضاف إليه . | # والتوكل مضى عند قوله تعالى : { فإذا عزمت فتوكل على الله } في سورة آل ~~عمران ( 159 ) . | # والإنابة تقدمت آنفا في قوله : { إن إبراهيم لحليم أواه منيب } ( هود : ~~75 ) . | # | 2 ( 89 ، 90 ) { وياقوم لا يجرمنكم شقاقى أن يصيبكم مثل مآ أصاب قوم ~~نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد * واستغفروا ربكم ثم ~~توبو ا إليه إن ربى رحيم ودود } . ) 2 # | $ # تقدم الكلام على النكتة في إعادة النداء في الكلام الواحد لمخاطب متحد ~~قريبا . | # وتقدم الكلام على { لا يجرمنكم } عند قوله تعالى : { ولا يجرمنكم شنآن ~~قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا في أول العقود ( 2 ) ، أي لا ~~يكسبنكم . | # والشقاق : مصدر شاقه إذا عاداه . وقد مضت عند قوله تعالى : ذلك بأنهم ~~شاقوا الله ورسوله في أول الأنفال ( 13 ) . | # والمعنى : لا تجر إليكم عداوتكم إياي إصابتكم بمثل ما أصاب قوم نوح إلى ~~آخره ، فالكلام في ظاهره أنه ينهى ms4127 الشقاق أن يجر إليهم ذلك . والمقصود ~~PageV12P146 نهيهم عن أن يجعلوا الشقاق سببا للإعراض عن النظر في دعوته ، ~~فيوقعوا أنفسهم في أن يصيبهم عذاب مثل ما أصاب الأمم قبلهم فيحسبوا أنهم ~~يمكرون به بإعراضهم وما يمكرون إلا بأنفسهم . | # ولقد كان فضح سوء نواياهم الداعية لهم إلى الإعراض عن دعوته عقب إظهار ~~حسن نيته مما دعاهم إليه بقوله : وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن ~~أريد إلا الإصلاح ما استطعت } ( هود : 88 ) مصادفا محز جودة الخطابة إذ ~~رماهم بأنهم يعملون بضد ما يعاملهم به . | # وجملة { وما قوم لوط منكم ببعيد } في موضع الحال من ضمير النصب في قوله : ~~{ أن يصيبكم } والواو رابطة الجملة . ولمعنى الحال هنا مزيد مناسبة لمضمون ~~جملتها إذ اعتبر قرب زمانهم بالمخاطبين كأنه حالة من أحوال المخاطبين . | # والمراد بالبعد بعد الزمن والمكان والنسب ، فزمن لوط عليه السلام غير ~~بعيد في زمن شعيب عليه السلام ، والديار قريبة من ديارهم ، إذ منازل مدين ~~عند عقبة أيلة مجاورة معان مما يلي الحجاز ، وديار قوم لوط بناحية الأردن ~~إلى البحر الميت وكان مدين بن إبراهيم عليهما السلام وهو جد القبيلة ~~المسماة باسمه ، متزوجا بابنة لوط . | # وجملة { واستغفروا ربكم } عطف على جملة { لا يجرمنكم شقاقي } . | # وجملة { إن ربي رحيم ودود } تعليل الأمر باستغفاره والتوبة إليه ، وهو ~~تعليل لما يقتضيه الأمر من رجاء العفو عنهم إذا استغفروا وتابوا . | # وتفنن في إضافة الرب إلى ضمير نفسه مرة وإلى ضمير قومه أخرى لتذكيرهم ~~بأنه ربهم كيلا يستمروا على الإعراض وللتشرف بانتسابه إلى مخلوقيته . | # والرحيم تقدم . | PageV12P147 # والودود : مثال مبالغة من الود وهو المحبة . وقد تقدم عند قوله تعالى : { ~~ودوا لو تكفرون كما كفروا } في سورة النساء ( 89 ) . والمعنى : أن الله ~~شديد المحبة لمن يتقرب إليه بالتوبة . | # | 2 ( 91 ) { قالوا ياشعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ~~ولولا رهطك لرجمناك ومآ أنت علينا بعزيز } . ) 2 # والفقه : الفهم . وتقدم عند قوله تعالى : { فمال هؤلاء القوم لا يكادون ~~يفقهون حديثا في سورة النساء ( 78 ) ، وقوله : انظر ms4128 كيف نصرف الآيات لعلهم ~~يفقهون في سورة الأنعام ( 65 ) . | # ومرادهم من هذا يحتمل أن يكون قصد المباهتة كما حكى الله عن المشركين ~~وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر } ( فصلت : 5 ) ~~وقوله عن اليهود : { وقالوا قلوبنا غلف } ( البقرة : 88 ) . ويجوز أن يكون ~~المراد ما نتعقله لأنه عندهم كالمحال لمخالفته ما يألفون ، كما حكى الله عن ~~غيرهم بقوله : { أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب } ( ص : 5 ) ، ~~وليس المراد عدم فهم كلامه لأن شعيبا عليه السلام كان مقوالا فصيحا ، ووصفه ~~النبي صلى الله عليه وسلم بأنه خطيب الأنبياء . | # فالمعنى : أنك تقول ما لا نصدق به . وهذا مقدمة لإدانته واستحقاقه الذم ~~والعقاب عندهم في قولهم : { ولولا رهطك لرجمناك } ، ولذلك عطفوا عليه { ~~وإنا لنراك فينا ضعيفا } أي وإنك فينا لضعيف ، أي غير ذي قوة ولا منعة . ~~فالمراد الضعف عن المدافعة إذا راموا أذاه وذلك مما يرى لأنه ترى دلائله ~~وسماته . | # وذكر فعل الرؤية هنا للتحقيق ، كما تقدم في قوله تعالى : { ما نراك إلا ~~بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا } ( هود : 27 ) بحيث نزلوه ~~منزلة من PageV12P148 تظنون أنهم لا يرون ذلك بأبصارهم فصرحوا بفعل الرؤية ~~. وأكدوه ب ( إن ) ولام الابتداء مبالغة في تنزيله منزلة من يجهل أنهم ~~يعلمون ذلك فيه ، أو من ينكر ذلك . وفي هذا التنزيل تعريض بغباوته كما في ~~قول حجل بن نضلة : | # إن بني عمك فيهم رماح | # ومن فساد التفاسير تفسير الضعيف بفاقد البصر وأنه لغة حميرية فركبوا منه ~~أن شعيبا عليه السلام كان أعمى ، وتطرقوا من ذلك إلى فرض مسألة جواز العمى ~~على الأنبياء ، وهو بناء على أوهام . ولم يعرف من الأثر ولا من كتب الأولين ~~ما فيه أن شعيبا عليه السلام كان أعمى . | # وعطفوا على هذا قولهم : { ولولا رهطك لرجمناك } وهو المقصود مما مهد إليه ~~من المقدمات ، أي لا يصدنا عن رجمك شيء إلا مكان رهطك فينا ، لأنك أوجبت ~~رجمك بطعنك في ديننا . | # والرهط إذا أضيف إلى رجل أريد به القرابة الأدنون ms4129 لأنهم لا يكونون كثيرا ~~، فأطلقوا عليهم لفظ الرهط الذي أصله الطائفة القليلة من الثلاثة إلى ~~العشرة ، ولم يقولوا قومك ، لأن قومه قد نبذوه . وكان رهط شعيب عليه السلام ~~من خاصة أهل دين قومه فلذلك وقروهم بكف الأذى عن قريبهم لأنهم يكرهون ما ~~يؤذيه لقرابته . ولولا ذلك لما نصره رهطه لأنهم لا ينصرون من سخطه أهل ~~دينهم . على أن قرابته ما هم إلا عدد قليل لا يخشى بأسهم ولكن الإبقاء عليه ~~مجرد كرامة لقرابته لأنهم من المخلصين لدينهم . | # فالخبر المحذوف بعد { لولا } يقدر بما يدل على معنى الكرامة بقرينة قولهم ~~: { وما أنت علينا بعزيز } وقوله : { أرهطي أعز عليكم من الله } ( هود : 92 ~~) ، فلما نفوا أن يكون عزيزا وإنما عزة الرجل بحماته تعين أن وجود رهطه ~~المانع من رجمه وجود خاص وهو وجود التكريم والتوقير ، فالتقدير : ولولا ~~رهطك مكرمون عندنا لرجمناك . | PageV12P149 # والرجم : القتل بالحجارة رميا ، وهو قتلة حقارة وخزي . وفيه دلالة على أن ~~حكم من يخلع دينه الرجم في عوائدهم . | # وجملة { وما أنت علينا بعزيز } مؤكدة لمضمون { ولولا رهطك لرجمناك } لأنه ~~إذا انتفى كونه قويا في نفوسهم تعين أن كفهم عن رجمه مع استحقاقه إياه في ~~اعتقادهم ما كان إلا لأجل إكرامهم رهطه لا للخوف منهم . | # وإنما عطفت هذه الجملة على التي قبلها مع أن حق الجملة المؤكدة أن تفصل ~~ولا تعطف لأنها مع إفادتها تأكيد مضمون التي قبلها قد أفادت أيضا حكما يخص ~~المخاطب فكانت بهذا الاعتبار جديرة بأن تعطف على الجمل المفيدة أحواله مثل ~~جملة { ما نفقه كثيرا مما تقول } والجمل بعدها . | # والعزة : القوم والشدة والغلبة . والعزيز : وصف منه ، وتعديته بحرف ( على ~~) لما فيه من معنى الشدة والوقع على النفس كقوله تعالى : { عزيز عليه ما ~~عنتم } ( التوبة : 128 ) ، أي شديد على نفسه ، فمعنى { وما أنت علينا بعزيز ~~} أنك لا يعجزنا قتلك ولا يشتد على نفوسنا ، أي لأنك هين علينا ومحقر عندنا ~~وليس لك من ينصرك منا . وعزة المرء على قبيلة لا تكون غلبة ذاته إذ لا يغلب ~~واحد جماعة ، وإنما ms4130 عزته بقومه وقبيلته ، كما قال الأعشى : | # وإنما العزة للكاثر | # فمعنى { وما أنت علينا بعزيز } أنك لا تستطيع غلبتنا . | # وقصدهم من هذا الكلام تحذيره من الاستمرار على مخالفة رهطه بأنهم يوشك أن ~~يخلعوه ويبيحوا لهم رجمه . وهذه معان جد دقيقة وإيجاز جد بديع . | # وليس تقديم المسند إليه على المسند في قوله : { وما أنت علينا بعزيز } ~~بمفيد تخصيصا ولا تقويا . | # | PageV12P150 # | 2 ( 92 ) { قال ياقوم أرهطى أعز عليكم من الله واتخذتموه ورآءكم ظهريا ~~إن ربى بما تعملون محيط } . ) 2 # | $ # لما أرادوا بالكلام الذي وجهوه إليه تحذيره من الاستمرار على مخالفة ~~دينهم ، أجابهم بما يفيد أنه لم يكن قط معولا على عزة رهطه ولكنه متوكل على ~~الله الذي هو أعز من كل عزيز ، فالمقصود من الخبر لازمه وهو أنه يعلم مضمون ~~هذا الخبر وليس غافلا عنه ، أي لقد علمت ما رهطي أغلب لكم من الله فلا ~~أحتاج إلى أن تعاملوني بأني غير عزيز عليكم ولا بأن قرابتي فئة قليلة لا ~~تعجزكم لو شئتم رجمي . | # وإعادة النداء للتنبيه لكلامه وأنه متبصر فيه . والاستفهام إنكاري ، أي ~~الله أعز من رهطي ، وهو كناية عن اعتزازه بالله لا برهطه فلا يريبه عدم عزة ~~رهطه عليهم ، وهذا تهديد لهم بأن الله ناصره لأنه أرسله فعزته بعزة مرسله . ~~| # وجملة { واتخذتموه وراءكم ظهريا } في موضع الحال من اسم الجلالة ، أي ~~الله أعز في حال أنكم نسيتم ذلك . والاتخاذ : الجعل ، وتقدم في قوله : { ~~أتتخذ أصناما آلهة } في سورة الأنعام ( 74 ) . | # والظهري بكسر الظاء نسبة إلى الظهر على غير قياس ، والتغييرات في الكلم ~~لأجل النسبة كثيرة . والمراد بالظهري الكناية عن النسيان ، أو الاستعارة ~~لأن الشيء الموضوع بالوراء ينسى لقلة مشاهدته ، فهو يشبه الشيء المجعول خلف ~~الظهر في ذلك ، فوقع { ظهريا } حالا مؤكدة للظرف في قوله : { وراءكم } ~~إغراقا في معنى النسيان لأنهم اشتغلوا بالأصنام عن معرفة الله أو عن ملاحظة ~~صفاته . | # وجملة { إن ربي بما تعملون محيط } استئناف ، أو تعليل لمفهوم جملة { ~~أرهطي أعز عليكم من الله } الذي هو توكله عليه واستنصاره به . | ~~PageV12P151 # والمحيط ms4131 : الموصوف بأنه فاعل الإحاطة . وأصل الإحاطة : حصار شيء شيئا من ~~جميع جهاته مثل إحاطة الظرف بالمظروف والسور بالبلدة والسوار بالمعصم . وفي ~~( المقامات الحريرية ) : | # ( وقد أحاطت به أخلاط الزمر ، إحاطة الهالة بالقمر ، والأكمام بالثمر ) . ~~ويطلق مجازا في قولهم : أحاط علمه بكذا ، وأحاط بكل شيء علما ، بمعنى علم ~~كل ما يتضمن أن يعلم في ذلك ، ثم شاع ذلك فحذف التمييز وأسندت الإحاطة إلى ~~العالم بمعنى : إحاطة علمه ، أي شمول علمه لجميع ما يعلم في غرض ما ، قال ~~تعالى : { وأحاط بما لديهم } ( الجن : 28 ) أي علمه . ومنه قوله هنا : { إن ~~ربي بما تعملون محيط } والمراد إحاطة علمه . وهذا تعريض بالتهديد ، وأن ~~الله يوشك أن يعاقبهم على ما علمه من أعمالهم . | # | 2 ( 93 ) { وياقوم اعملوا على مكانتكم إنى عامل سوف تعلمون من يأتيه ~~عذاب يخزيه ومن هو كاذب وارتقبو ا إنى معكم رقيب } . ) 2 # | $ # عطف نداء على نداء زيادة في التنبيه ، والمقصود عطف ما بعد النداء الثاني ~~على ما بعد النداء الأول . | # وجملة { اعملوا على مكانتكم إني عامل سوف تعلمون } تقدم تفسير نظيرها في ~~سورة الأنعام . | # والأمر للتهديد . والمعنى : اعملوا متمكنين من مكانتكم ، أي حالكم التي ~~أنتم عليها ، أي اعملوا ما تحبون أن تعملوه بي . | # وجملة { إني عامل } مستأنفة . ولم يقرن حرف { سوف } في هذه الآية بالفاء ~~وقرن في آية سورة الأنعام بالفاء ؛ فجملة { سوف تعلمون } هنا جعلت مستأنفة ~~PageV12P152 استئنافا بيانيا إذ لما فاتحهم بالتهديد كان ذلك ينشىء سؤالا ~~في نفوسهم عما ينشأ على هذا التهديد فيجاب بالتهديد ب { سوف تعلمون } . ~~ولكونه كذلك كان مساويا للتفريع بالفاء الواقع في آية الأنعام في المآل ، ~~ولكنه أبلغ في الدلالة على نشأة مضمون الجملة المستأنفة عن مضمون التي ~~قبلها ؛ ففي خطاب شعيب عليه السلام قومه من الشدة ما ليس في الخطاب المأمور ~~به النبيء صلى الله عليه وسلم في سورة الأنعام جريا على ما أرسل الله به ~~رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم من اللين لهم { فبما رحمة من الله لنت لهم ~~} ( آل عمران : 159 ) . وكذلك التفاوت ms4132 بين معمولي { تعلمون } فهو هنا غليظ ~~شديد { من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب } وهو هنالك لين { من تكون له ~~عاقبة الدار } ( الأنعام : 135 ) . | # و { من } استفهام معلق لفعل العلم عن العمل ، أي تعلمون جواب هذا السؤال ~~. والعذاب : خزي لأنه إهانة . | # والارتقاب : الترقب ، وهو افتعال من رقبه إذا انتظره . | # والرقيب هنا فعيل بمعنى فاعل ، أي أني معكم راقب ، أي كل يرتقب ما يجازيه ~~الله به إن كان كاذبا أو مكذبا . | # | 2 ( 94 ، 95 ) { ولما جآء أمرنا نجينا شعيبا والذين ءامنوا معه برحمة ~~منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا فى ديارهم جاثمين * كأن لم يغنوا ~~فيهآ ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود } . ) 2 # عطف { لما جاء أمرنا } هنا وفي قوله في قصة عاد { ولما جاء أمرنا نجينا ~~هودا } ( هود : 59 ) بالواو فيهما وعطف نظيراهما في قصة ثمود { فلما جاء ~~أمرنا نجينا صالحا } ( هود : 66 ) وفي قصة قوم لوط { فلما جاء أمرنا جعلنا ~~عاليها سافلها } ( هود : 82 ) لأن قصتي ثمود وقوم لوط كان فيهما تعيين أجل ~~العذاب الذي توعد به النبيئان PageV12P153 قومهما ؛ ففي قصة ثمود { فقال ~~تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب } ( هود : 65 ) ، وفي قصة ~~قوم لوط { إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب } ( هود : 81 ) ؛ فكان المقام ~~مقتضيا ترقب السامع لما حل بهم عند ذلك الموعد فكان الموقع للفاء لتفريع ما ~~حل بهم على الوعيد به . وليس في قصة عاد وقصة مدين تعيين لموعد العذاب ولكن ~~الوعيد فيهما مجمل من قوله : { ويستخلف ربي قوما غيركم } ( هود : 57 ) ، ~~وقوله : { وارتقبوا إني معكم رقيب } ( هود : 93 ) . | # وتقدم القول في معنى { جاء أمرنا } إلى قوله : { ألا بعدا لمدين } في قصة ~~ثمود . وتقدم الكلام على { بعدا } في قصة نوح في قوله : { وقيل بعدا للقوم ~~الظالمين } ( هود : 44 ) . | # وأما قوله : { كما بعدت ثمود } فهو تشبيه البعد الذي هو انقراض مدين ~~بانقراض ثمود . ووجه الشبه التماثل في سبب عقابهم بالاستئصال ، وهو عذاب ~~الصيحة ، ويجوز أن يكون المقصود من التشبيه الاستطراد بذم ثمود لأنهم كانوا ms4133 ~~أشد جرأة في مناواة رسل الله ، فلما تهيأ المقام لاختتام الكلام في قصص ~~الأمم البائدة ناسب أن يعاد ذكر أشدها كفرا وعنادا فشبه هلك مدين بهلكهم . ~~| # والاستطراد فن من البديع . ومنه قول حسان في الاستطراد بالهجاء بالحارث ~~أخي أبي جهل : | # إن كنت كاذبة الذي حدثتني | # فنجوت منجى الحارث بن هشام | # ترك الأحبة أن يقاتل دونهم | # ونجا برأس طمرة ولجام | # | PageV12P154 # | 2 ( 96 ، 97 ) { ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين * إلى فرعون ~~وملإيه فاتبعو ا أمر فرعون ومآ أمر فرعون برشيد } . ) 2 # | $ # عطف قصة على قصة . وعقبت قصة مدين بذكر بعثة موسى عليه السلام لقرب ما ~~بين زمنيهما ، ولشدة الصلة بين النبيئين فإن موسى بعث في حياة شعيب عليهما ~~السلام وقد تزوج ابنة شعيب . | # وتأكيد الخبر ب ( قد ) مثل تأكيد خبر نوح عليه السلام في قوله تعالى : { ~~ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه } ( هود : 25 ) . | # والباء في { بآياتنا } للمصاحبة فإن ظهور الآيات كان مصاحبا لزمن الإرسال ~~إلى فرعون وهو مدة دعوة موسى عليه السلام فرعون وملأه . | # والسلطان : البرهان المبين ، أي المظهر صدق الجائي به وهو الحجة العقلية ~~أو التأييد الإلهي . وقد تقدم ذكر فرعون وملإه في سورة الأعراف . | # وعقب ذكر إرسال موسى عليه السلام بذكر اتباع الملإ أمر فرعون لأن اتباعهم ~~أمر فرعون حصل بإثر الإرسال ففهم منه أن فرعون أمرهم بتكذيب تلك الرسالة . ~~| # وإظهار اسم فرعون في المرة الثانية دون الضمير والمرة الثالثة للتشهير ~~بهم ، والإعلان بذمه وهو انتفاء الرشد عن أمره . | # وجملة { وما أمر فرعون برشيد } حال من { فرعون } . | # والرشيد : فعيل من رشد من باب نصر وفرح ، إذا اتصف بإصابة الصواب . يقال ~~: أرشدك الله . وأجري وصف رشيد على الأمر مجازا عقليا . وإنما الرشيد الآمر ~~مبالغة في اشتمال الأمر على ما يقتضي انتفاء الرشد فكأن الأمر هو الموصوف ~~PageV12P155 بعدم الرشد . والمقصود أن أمر فرعون سفه إذ لا واسطة بين الرشد ~~والسفه . ولكن عدل عن وصف أمره بالسفيه إلى نفي الرشد عنه تجهيلا للذين ~~اتبعوا أمره لأن شأن العقلاء أن يتطلبوا الاقتداء بما ms4134 فيه صلاح وأنهم ~~اتبعوا ما ليس فيه أمارة على سداده واستحقاقه لأن يتبع فماذا غرهم باتباعه ~~. | # | 2 ( 98 ، 99 ) { يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد ~~المورود * وأتبعوا فى هاذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود } . ) 2 # جملة { يقدم قومه } يجوز أن تكون في موضع الحال من { فرعون } ( هود : 97 ~~) المذكور في الجملة قبلها . ويجوز أن تكون استئنافا بيانيا . | # والإيراد : جعل الشيء واردا ، أي قاصدا الماء ، والذي يوردهم هو الفارط ، ~~ويقال له : الفرط . | # والورد بكسر الواو : الماء المورود ، وهو فعل بمعنى مفعول ، مثل دبح . ~~وفي قوله : { فأوردهم النار وبئس الورد المورود } استعارة الإيراد إلى ~~التقدم بالناس إلى العذاب ، وهي تهكمية لأن الإيراد يكون لأجل الانتفاع ~~بالسقي وأما التقدم بقومه إلى النار فهو ضد ذلك . | # و { يقدم } مضارع قدم بفتح الدال بمعنى تقدم المتعدي إذا كان متقدما غيره ~~. | # وإنما جاء { فأوردهم } بصيغة الماضي للتنبيه على تحقيق وقوع ذلك الإيراد ~~وإلا فقرينة قوله : { يوم القيامة } تدل على أنه لم يقع في الماضي : | ~~PageV12P156 # وجملة { وبئس الورد المورود } في موضع الحال والضمير المخصوص بالمدح ~~المحذوف هو الرابط وهو تجريد للاستعارة ، كقوله تعالى : { بئس الشراب } ( ~~الكهف : 29 ) ، لأن الورد المشبه به لا يكون مذموما . | # والإتباع : الإلحاق . | # واللعنة : هي لعنة العذاب في الدنيا وفي الآخرة . | # و { يوم القيامة } متعلق ب { أتبعوا } ، فعلم أنهم أتبعوا لعنة يوم ~~القيامة ، لأن اللعنة الأولى قيدت بالمجرور بحرف { في } الظرفية ، فتعين أن ~~الإتباع في يوم القيامة بلعنة أخرى . | # وجملة { بئس الرفد المرفود } مستأنفة لإنشاء ذم اللعنة . والمخصوص بالذم ~~محذوف دل عليه ذكر اللعنة ، أي بئس الرفد هي . | # والرفد بكسر الراء اسم على وزن فعل بمعنى مفعول مثل ذبح ، أي ما يرفد به ~~. أي يعطى . يقال : رفده إذا أعطاه ما يعينه به من مال ونحوه . | # وفي حذف المخصوص بالمدح إيجاز ليكون الذم متوجها لإحدى اللعنتين لا على ~~التعيين لأن كلتيهما بئيس . | # وإطلاق الرفد على اللعنة استعارة تهكمية ، كقول عمرو بن معد يكرب : | # تحية بينهم ضرب وجيع | # والمرفود : حقيقته المعطى شيئا . ووصف ms4135 الرفد بالمرفود لأن كلتا اللعنتين ~~معضودة بالأخرى ، فشبهت كل واحدة بمن أعطي عطاء فهي مرفودة . وإنما أجري ~~المرفود على التذكير باعتبار أنه أطلق عليه رفد . | # | PageV12P157 # | 2 ( 100 ، 101 ) { ذالك من أنبآء القرى نقصه عليك منها قآئم وحصيد * ~~وما ظلمناهم ولاكن ظلمو ا أنفسهم فما أغنت عنهم ءالهتهم التى يدعون من دون ~~الله من شىء لما جآء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب } . ) 2 # | $ # استئناف للتنويه بشأن الأنباء التي مر ذكرها . | # واسم الإشارة إلى المذكور كله من القصص من قصة نوح عليه السلام وما بعدها ~~. | # والأنباء : جمع نبأ ، وهو الخبر ، وتقدم في سورة الأنعام ( 34 ) في قوله ~~: { ولقد جاءك من نبأى المرسلين . وجملة نقصه عليك } حال من اسم الإشارة . ~~وعبر بالمضارع مع أن القصص مضى لاستحضار حالة هذا القصص البليغ . | # وجملة { منها قائم وحصيد } معترضة . حال من { القرى } . | # و { قائم } صفة لموصوف محذوف دل عليه عطف { وحصيد } ، والمعنى : منها زرع ~~قائم وزرع حصيد ، وهذا تشبيه بليغ . | # والقائم : الرزع المستقل على سوقه . والحصيد : الزرع المحصود ، فعيل ~~بمعنى مفعول . وكلاهما مشبه به للباقي من القرى والعافي . والمراد بالقائم ~~ما كان من القرى التي قصها الله في القرآن قرى قائما بعضها كآثار بلد فرعون ~~كالأهرام وبلهوبة ( وهو المعروف بأبي الهول ) وهيكل الكرنك بمصر ، ومثل ~~آثار نينوى بلد قوم يونس ، وأنطاكية قرية المرسلين الثلاثة ، وصنعاء بلد ~~قوم تبع ، وقرى بائدة مثل ديار عاد ، وقرى قوم لوط ، وقرية مدين . وليس ~~المراد القرى المذكورة في هذه السورة خاصة . والمقصود من هذه الجملة ~~الأعتبار . | PageV12P158 # وضمير الغيبة في { ظلمناهم } عائد إلى { القرى } باعتبار أهلها لأنهم ~~المقصود . | # وإنما لم يظلمهم الله تعالى لأن ما أصابهم به من العذاب جزاء عن سوء ~~أعمالهم فكانوا هم الظالمين أنفسهم إذ جروا لأنفسهم العذاب . | # وفرع على ظلمهم أنفسهم انتفاء إغناء آلهتهم عنهم شيئا ، ووجه ذلك الترتب ~~والتفريع أن ظلمهم أنفسهم مظهره في عبادتهم الأصنام ، وهم لما عبدوها كانوا ~~يعبدونها للخلاص من طوارق الحدثان ولتكون لهم شفعاء عند الله وكانوا في أمن ~~من أن ينالهم ms4136 بأس في الدنيا اعتمادا على دفع أصنامهم عنهم فلما جاء أمرهم ~~بضد ذلك كان ذلك الضد مضادا لتأميلهم وتقديرهم . | # والغرض من هذا التفريع التعريض بتحذير المشركين من العرب من الاعتماد على ~~نفع الأصنام ، فقد أيقن المشركون أن أولئك الأمم كانوا يعبدون الأصنام كيف ~~وهؤلاء اقتبسوا عبادة الأصنام من الأمم السابقين وأيقنوا أنهم قد حل بهم من ~~الاستئصال ما شاهدوا آثاره ، فذلك موعظة لهم لو كانوا مهتدين . | # وجملة { وما زادوهم غير تتبيب } علاوة وارتقاء على عدم نفعهم عند الحاجة ~~بأنهم لم يكن شأنهم عدم الإغناء عنهم فحسب ولكنهم زادتهم تتبيبا وخسرانا ، ~~أي زادتهم أسباب الخسران . | # والتتبيب : مصدر تببه إذا أوقعه في التباب وهو الخسارة . وظاهر هذا أن ~~أصنامهم زادتهم تتبيبا لما جاء أمر الله ، لأنه عطف على الفعل المقيد ب { ~~لما } التوقيتية المفيدة أن ذلك كان في وقت مجيء أمر الله وهو حلول العذاب ~~بهم . | # ووجه زيادتهم إياهم تتبيبا حينئذ أن تصميمهم على الطمع في إنقاذهم إياهم ~~من المصائب حالت دونهم ودون التوبة عند سماع الوعيد بالعذاب . | # ويجوز أن يكون العطف لمجرد المشاركة في الصفة دون قيدها ، أي زادوهم ~~تتبيبا قبل مجيء أمر الله بأن زادهم اعتقادهم فيها انصرافا عن النظر في ~~آيات PageV12P159 الرسل وزادهم تأميلهم الأصنام ، وقد كانت خرافات الأصنام ~~ومناقبها الباطلة مغرية لهم بارتكاب الفواحش والضلال وانحطاط الأخلاق وفساد ~~التفكير جرأة على رسل الله حتى حق عليهم غضب الله المستوجب حلول عذابه بهم ~~. | # | 2 ( 102 ) { وكذالك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهى ظالمة إن أخذه أليم شديد ~~} . ) 2 # الإشارة إلى المذكور من استئصال تلك القرى . وهو ما يدل عليه قوله : { ~~أخذ ربك } . والتقدير : وكذلك الأخذ الذي أخذنا به تلك القرى أخذ ربك إذا ~~أخذ القرى . والتشبيه في الكيفية والعاقبة . | # والمقصود من هذا التذييل تعريض بتهديد مشركي العرب من أهل مكة وغيرها . | # والظلم : الشرك . وجملة { إن أخذه أليم شديد } في موضع البيان لمضمون { ~~وكذلك أخذ ربك } . وفيه إشارة إلى وجه الشبه . | # | 2 ( 103 ، 104 ) { لله إن فى ذالك لآية لمن ms4137 خاف عذاب الاخرة ذالك يوم ~~مجموع له الناس وذالك يوم مشهود * وما نؤخره إلا لاجل معدود } . ) 2 # بيان للتعريض وتصريح بعد تلويح . والمعنى : وكذلك أخذ ربك فاحذروه وحذروا ~~ما هو أشد منه وهو عذاب الآخرة . والإشارة إلى الأخذ المتقدم . وفي هذا ~~تخلص إلى موعظة المسلمين والتعريض بمدحهم بأن مثلهم من ينتفع بالآيات ~~ويعتبر بالعبر كقوله : { وما يعقلها إلا العالمون } ( العنكبوت : 43 ) . | ~~PageV12P160 # وجعل عذاب الدنيا آية دالة على عذاب الآخرة لأن القرى الظالمة توعدها ~~الله بعذاب الدنيا وعذاب الآخرة كما في قوله تعالى : { وإن للذين ظلموا ~~عذابا دون ذلك } ( الطور : 47 ) فلما عاينوا عذاب الدنيا كان تحققه أمارة ~~على تحقق العذاب الآخر . | # وجملة { ذلك يوم مجموع له الناس } معترضة للتنويه بشأن هذا اليوم حتى أن ~~المتكلم يبتدىء كلاما لأجل وصفه . | # والإشارة ب { ذلك } إلى الآخرة لأن ماصدقها يوم القيامة ، فتذكير اسم ~~الإشارة مراعاة لمعنى الآخرة . | # واللام في { مجموع له } لام العلة ، أي مجموع الناس لأجله . | # ومجيء الخبر جملة اسمية في الإخبار عن اليوم يدل على معنى الثبات ، أي ~~ثابت جمع الله الناس لأجل ذلك اليوم ، فيدل على تمكن تعلق الجمع بالناس ~~وتمكن كون ذلك الجمع لأجل اليوم حتى لقب ذلك اليوم يوم الجمع في قوله تعالى ~~: { يوم يجمعكم ليوم الجمع } ( التغابن : 9 ) . | # وعطف جملة { وذلك يوم مشهود } على جملة { ذلك يوم مجموع له الناس } ~~لزيادة التهويل لليوم بأنه يشهد . وطوي ذكر الفاعل إذ المراد يشهده ~~الشاهدون ، إذ ليس القصد إلى شاهدين معينين . والإخبار عنه بهذا يؤذن بأنهم ~~يشهدونه شهودا خاصا وهو شهود الشيء المهول ، إذ من المعلوم أن لا يقصد ~~الإخبار عنه بمجرد كونه مرئيا لكن المراد كونه مرئيا رؤية خاصة . | # ويجوز أن يكون المشهود بمعنى المحقق أي مشهود بوقوعه ، كما يقال : حق ~~مشهود ، أي عليه شهود لا يستطاع إنكاره ، واضح للعيان . | # ويجوز أن يكون المشهود بمعنى كثير الشاهدين إياه لشهرته ، كقولهم : لفلان ~~مجلس مشهود ، كقول أم قيس الضبية : | PageV12P161 # ومشهد قد كفيت الناطقين به | # في محفل من نواصي الخيل مشهود | # فيكون ms4138 من نحو قوله تعالى : { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على ~~هؤلاء شهيدا يومئذ يود الذين كفروا } ( النساء : 41 ، 42 ) الآية . | # وجملة { وما نؤخره إلا لأجل معدود } معترضة بين جملة { ذلك يوم مجموع له ~~الناس } وبين جملة { يوم يأتي لا تكلم نفس } ( هود : 105 ) الخ . والمقصود ~~الرد على المنكرين للبعث مستدلين بتأخير وقوعه في حين تكذيبهم به يحسبون أن ~~تكذيبهم به يغيظ الله تعالى فيعجله لهم جهلا منهم بمقام الإلهية ، فبين ~~الله لهم أن تأخيره إلى أجل حدده الله له من يوم خلق العالم كما حدد آجال ~~الأحياء ، فيكون هذا كقوله تعالى : { ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ~~قل لكم ميعاد يومم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون } ( سبأ : 29 ، 30 ) ~~. | # والأجل : أصله المدة المنظر إليها في أمر ، ويطلق أيضا على نهاية تلك ~~المدة ، وهو المراد هنا بقرينة اللام ، كما أريد في قوله تعالى : { فإذا ~~جاء أجلهم } ( الأعراف : 34 ) . | # والمعدود : أصله المحسوب ، وأطلق هنا كناية عن المعين المضبوط بحيث لا ~~يتأخر ولا يتقدم لأن المعدود يلزمه التعين ، أو كناية عن القرب . | # | PageV12P162 # | 2 ( 105 108 ) { لله يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقى وسعيد * ~~فأما الذين شقوا ففى النار لهم فيها زفير وشهيق * خالدين فيها ما دامت ~~السماوات والارض إلا ما شآء ربك إن ربك فعال لما يريد * وأما الذين سعدوا ~~ففى الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والارض إلا ما شآء ربك عطآء غير ~~مجذوذ } . ) 2 # جملة { يوم يأتي لا تكلم نفس } تفصيل لمدلول جملة { ذلك يوم مجموع له ~~الناس } ( هود : 103 ) الآية ، وبينت عظمة ذلك اليوم في الشر والخير تبعا ~~لذلك التفصيل . فالقصد الأول من هذه الجملة هو قوله : { فمنهم شقي وسعيد } ~~وما بعده ، وأما ما قبله فتمهيد له أفصح عن عظمة ذلك اليوم . وقد جاء نظم ~~الكلام على تقديم وتأخير اقتضاه وضع الاستطراد بتعظيم هول اليوم في موضع ~~الكلام المتصل لأنه أسعد بتناسب أغراض الكلام ، والظروف صالحة لاتصال ~~الكلام كصلاحية الحروف العاطفة ms4139 وأدوات الشرط . | # و { يوم } من قوله : { يوم يأتي } مستعمل في معنى ( حين ) أو ( ساعة ) ، ~~وهو استعمال شائع في الكلام العربي في لفظ ( يوم ) و ( ليلة ) توسعا ~~بإطلاقهما على جزء من زمانهما إذ لا يخلو الزمان من أن يقع في نهار أو في ~~ليل فذلك يوم أو ليلة فإذا أطلقا هذا الإطلاق لم يستفد منهما إلا معنى ( ~~حين ) دون تقدير بمدة ولا بنهار ولا ليلل ، ألا ترى قول النابغة : | # تخيرن من أنهار يوم حليمة | # فأضاف ( أنهار ) جمع نهار إلى اليوم . وروي : من أزمان يوم حليمة . | # وقول توبة بن الحمير : | # كأن القلب ليلة قيل : يغدى | # بليلي الأخيلية أو يراح | PageV12P163 # أراد ساعة ، قيل : يغدى بليلى ، ولذلك قال : يغدى أو يراح ، فلم يراقب ما ~~يناسب لفظ ليلة من الرواح . | # فقوله تعالى : { يوم يأتي } معناه حين يأتي . وضمير ( يأتي ) عائد إلى { ~~يوم مشهود } ( هود : 103 ) وهو يوم القيامة . والمراد بإتيانه وقوعه وحلوله ~~كقوله : { هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم } ( الزخرف : 66 ) . | # فقوله : { يوم يأتي } ظرف متعلق بقوله : { لا تكلم نفس إلا بإذنه } . | # وجملة { لا تكلم نفس } مستأنفة ابتدائية . قدم الظرف على فعلها للغرض ~~المتقدم . والتقدير : لا تكلم نفس حين يحل اليوم المشهود . والضمير في { ~~بإذنه } عائد إلى الله تعالى المفهوم من المقام ومن ضمير { نؤخره } ( هود : ~~104 ) . والمعنى أنه لا يتكلم أحد إلا بإذن من الله ، كقوله : { يوم يقوم ~~الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمان وقال صوابا } ( ~~النبأ : 38 ) . والمقصود من هذا إبطال اعتقاد أهل الجاهلية أن الأصنام لها ~~حق الشفاعة عند الله . | # و { نفس } يعم جميع النفوس لوقوعه في سياق النفي ، فشمل النفوس البرة ~~والفاجرة ، وشمل كلام الشافع وكلام المجادل عن نفسه . وفصل عموم النفوس ~~باختلاف أحوالها . وهذا التفصيل مفيد تفصيل الناس في قوله : { مجموع له ~~الناس } ( هود : 103 ) ، ولكنه جاء على هذا النسج لأجل ما تخلل ذلك من شبه ~~الاعتراض بقوله : { وما نؤخره إلا لأجل معدود } ( هود : 104 ) إلى قوله : { ~~بإذنه } وذلك نسيج بديع . | # والشقي : فعيل صفة مشبهة من ms4140 شقي ، إذا تلبس بالشقاء والشقاوة ، أي سوء ~~الحالة وشرها وما ينافر طبع المتصف بها . | # والسعيد : ضد الشقي ، وهو المتلبس بالسعادة التي هي الأحوال الحسنة ~~الخيرة الملائمة للمتصف بها . والمعنى : فمنهم يومئذ من هو في عذاب وشدة ~~ومنهم من هو في نعمة ورخاء . | PageV12P164 # والشقاوة والسعادة من المواهي المقولة بالتشكيك فكلتاهما مراتب كثيرة ~~متفاوتة في قوة الوصف . وهذا إجمال تفصيله { فأما الذين شقوا } إلى آخره . ~~| # والزفير : إخراج الأنفاس بدفع وشدة بسبب ضغط التنفس . والشهيق : عكسه وهو ~~اجتلاب الهواء إلى الصدر بشدة لقوة الاحتياج إلى التنفس . | # وخص بالذكر من أحوالهم في جهنم الزفير والشهيق تنفيرا من أسباب المصير ~~إلى النار لما في ذكر هاتين الحالتين من التشويه بهم وذلك أخوف لهم من ~~الألم . | # ومعنى { ما دامت السماوات والأرض } التأييد لأنه جرى مجرى المثل ، وإلا ~~فإن السماوات والأرض المعروفة تضمحل يومئذ ، قال تعالى : { يوم تبدل الأرض ~~غير الأرض والسماوات } ( إبراهيم : 48 ) أو يراد سماوات الآخرة وأرضها . | # و { إلا ما شاء ربك } استثناء من الأزمان التي عمها الظرف في قوله : { ما ~~دامت } أي إلا الأزمان التي شاء الله فيها عدم خلودهم ، ويستتبع ذلك ~~استثناء بعض الخالدين تبعا للأزمان . وهذا بناء على غالب إطلاق { ما } ~~الموصولة أنها لغير العاقل . ويجوز أن يكون استثناء من ضمير { خالدين } لأن ~~{ ما } تطلق على العاقل كثيرا ، كقوله : { ما طاب لكم من النساء } ( النساء ~~: 3 ) . وقد تكرر هذا الاستثناء في الآية مرتين . | # فأما الأول منهما فالمقصود أن أهل النار مراتب في طول المدة فمنهم من ~~يعذب ثم يعفى عنه ، مثل أهل المعاصي من الموحدين ، كما جاء في الحديث : ~~أنهم يقال لهم الجهنميون في الجنة ، ومنهم الخالدون وهم المشركون والكفار . ~~| # وجملة { إن ربك فعال لما يريد } استئناف بياني ناشىء عن الاستثناء ، لأن ~~إجمال المستثنى ينشىء سؤالا في نفس السامع أن يقول : ما هو تعيين المستثنى ~~أو لماذا لم يكن الخلود عاما . وهذا مظهر من مظاهر التفويض إلى الله . | # وأما الاستثناء الثاني الواقع في جانب { الذين سعدوا } فيحتمل معنيين : | ~~PageV12P165 # أحدهما أن يراد : إلا ms4141 ما شاء ربك في أول أزمنة القيامة ، وهي المدة التي ~~يدخل فيها عصاة المؤمنين غير التائبين في العذاب إلى أن يعفو الله عنهم ~~بفضله بدون شفاعة ، أو بشفاعة كما في الصحيح من حديث أنس : ( يدخل ناس جنم ~~حتى إذا صاروا كالحممة أخرجوا وأدخلوا الجنة فيقال : هؤلاء الجهنميون ) . | # ويحتمل أن يقصد منه التحذير من توهم استحقاق أحد ذلك النعيم حقا على الله ~~بل هو مظهر من مظاهر الفضل والرحمة . | # وليس يلزم من الاستثناء المعلق على المشيئة وقوع المشيئة بل إنما يقتضي ~~أنها لو تعلقت المشيئة لوقع المستثنى ، وقد دلت الوعود الإلهية على أن الله ~~لا يشاء إخراج أهل الجنة منها . وأيا ما كان فهم إذا أدخلوا الجنة كانوا ~~خالدين فيها فلا ينقطع عنهم نعيمها . وهو معنى قوله : { عطاء غير مجذوذ } . ~~| # والمجذوذ : المقطوع . | # وقرأ الجمهور { سعدوا } بفتح السين ، وقرأه حمزة ، والكسائي ، وحفص عن ~~عاصم ، وخلف بضم السين على أنه مبني للنائب ، وإن كان أصل فعله قاصرا لا ~~مفعول له ؛ لكنه على معاملة القاصر معاملة المتعدي في معنى فعل به ما صيره ~~صاحب ذلك الفعل ، كقولهم : جن فلان ، إذا فعل به ما صار به ذا جنون ، ف { ~~سعدوا } بمعنى أسعدوا . وقيل : سعد متعد في لغة هذيل وتميم ، يقولون : سعده ~~الله بمعنى أسعده . وخرج أيضا على أن أصله أسعدوا ، فحذف همز الزيادة كما ~~قالوا مجنوب ( بموحدة في آخره ) ، ومنه قولهم : رجل مسعود . | # | PageV12P166 # | 2 ( 109 ) { فلا تك فى مرية مما يعبد هاؤلا ء ما يعبدون إلا كما يعبد ~~ءاباؤهم من قبل وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص } . ) 2 # | $ # تفريع على القصص الماضية فإنها تكسب سامعها يقينا بباطل ما عليه عبدة ~~الأصنام وبخيبة ما أملوه فيهم من الشفاعة في الدنيا وإن سابق شقائهم في ~~الدنيا بعذاب الاستئصال يؤذن بسوء حالهم في الآخرة ، ففرع على ذلك نهي ~~السامع أن يشك في سوء الشرك وفساده . | # والخطاب في نحو { فلا تك في مرية } يقصد به أي سامع لا سامع معين سواء ~~كان ممن يظن به أن يشك في ذلك أم ms4142 لا إذ ليس المقصود معينا . | # ويجوز أن يكون الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ويكون { فلا تك } مقصودا ~~به مجرد تحقيق الخبر فإنه جرى مجرى المثل في ذلك في كلام العرب مثل كلمة : ~~لا شك ، ولا محالة ، ولا أعرفنك ، ونحوها . | # ويجوز أن يكون تثبيتا للنبيء صلى الله عليه وسلم على ما يلقاه من قومه من ~~التصلب في الشرك ، أي لا تكن شاكا في أنك لقيت من قومك من التكذيب مثل ما ~~لقيه الرسل من أممهم فإن هؤلاء ما يعبدون إلا عبادة كما يعبد آباؤهم من قبل ~~متوارثينها عن أسلافهم من الأمم البائدة . | # و { في } للظرفية المجازية . | # والمرية بكسر الميم : الشك . وقد جاء فعلها على وزن فاعل أو تفاعل وافتعل ~~. ولم يجىء على وزن مجرد لأن أصل المراد المجادلة والمدافعة مستعارا من ~~مريت الشاة إذا استخرجت لبنها . ومنه قولهم : لا يجارى ولا يمارى . وفي ~~القرآن { أفتمارونه على ما يرى } ( النجم : 12 ) . وقد تقدم الامتراء عند ~~قوله : { ثم أنتم تمترون } في أول الأنعام ( 2 ) . | PageV12P167 # و { ما } في قوله : { ما يعبد } مصدرية ، أي لا تك في شك من عبادة هؤلاء ~~، والإشارة بهؤلاء إلى مشركي قريش . | # وقد تتبعت اصطلاح القرآن فوجدته عناهم باسم الإشارة هذا في نحو أحد عشر ~~موضعا وهو مما ألهمت إليه ونبهت عليه عند قوله تعالى : { وجئنا بك على ~~هؤلاء شهيدا } في سورة النساء ( 41 ) . | # ومعنى الشك في عبادتهم ليس إلا الشك في شأنها ، لأن عبادتهم معلومة ~~للنبيء صلى الله عليه وسلم فلا وجه لنفي مريته فيها ، وإنما المراد نفي ~~الشك فيما قد يعتريه من الشك من أنهم هل يعذبهم الله في الدنيا أو يتركهم ~~إلى عقاب الآخرة . | # وجملة { ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل } مستأنفة ، تعليلا ~~لانتفاء الشك في عاقبة أمرهم في الدنيا . | # ووجه كونه علة أنه لما كان دينهم عين دين من كان قبلهم من آبائهم وقد ~~بلغكم ما فعل الله بهم عقابا على دينهم فأنتم توقنون بأن جزاءهم سيكون ~~مماثلا لجزاء أسلافهم ، لأن حكمة الله تقتضي ms4143 المساواة في الجزاء على ~~الأعمال المتماثلة . | # والاستثناء بقوله : { إلا كما يعبد } استثناء من عموم المصادر . وكاف ~~التشبيه نائبة عن مصدر محذوف . التقدير : إلا عبادة كما يعبد آباؤهم . | # والآباء : أطلق على الأسلاف ، وهم عاد وثمود . وذلك أن العرب العدنانيين ~~كانت أمهم جرهمية ، وهي امرأة إسماعيل ، وجرهم من إخوة ثمود ، وثمود إخوة ~~لعاد ، ولأن قريشا كانت أمهم خزاعية وهي زوج قصي . وعبادة الأصنام في العرب ~~أتاهم بها عمرو بن يحيى ، وهو جد خزاعة . | # وعبر عن عبادة الآباء بالمضارع للدلالة على استمرارهم على تلك العبادة ، ~~أي إلا كما اعتاد آباؤهم عبادتهم . والقرينة على المضي قوله : { من قبل } ، ~~PageV12P168 فكأنه قيل : إلا كما كان يعبد آباؤهم . والمضاف إليه { قبل } ~~محذوف تقديره : من قبلهم ، تنصيصا على أنهم سلفهم في هذا الضلال وعلى أنهم ~~اقتدوا بهم . | # وجملة { وإنا لموفوهم نصيبهم } عطف على جملة التعليل ، والمعطوف هو ~~المعلول ، وقد تسلط عليه معنى كاف التشبيه لذلك . فالمعنى : وإنا لموفوهم ~~نصيبهم من العذاب كما وفينا أسلافهم . | # والتوفية : إكمال الشيء غير منقوص . | # والنصيب : أصله الحظ . وقد استعمل ( موفوهم ) و ( نصيبهم ) هنا استعمالا ~~تهكميا كأن لهم عطاء يسألونه فوفوه ، فوقع قوله { غير منقوص } حالا مؤكدة ~~لتحقيق التوفية زيادة في التهكم ، لأن من إكرام الموعود بالعطاء أن يؤكد له ~~الوعد ، ويسمى ذلك بالبشارة . | # والمراد نصيبهم من عذاب الآخرة ، فإن الله لم يستأصلهم كما استأصل الأمم ~~السابقة ببركة النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال : ( لعل الله أن يخرج من ~~أصلابهم من يعبده ) . | # | 2 ( 110 ) { ولقد ءاتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ~~ربك لقضى بينهم وإنهم لفى شك منه مريب } . ) 2 # اعتراض لتثبيت النبي صلى الله عليه وسلم وتسليته بأن أهل الكتاب وهم أحسن ~~حالا من أهل الشرك قد أوتوا الكتاب فاختلفوا فيه ، وهم أهل ملة واحدة فلا ~~تأس من اختلاف قومك عليك ، فالجملة عطف على جملة { فلا تك في مرية } ( هود ~~: 109 ) . | # ولأجل ما فيها من معنى التثبيت فرع عليها قوله : { فاستقم كما أمرت } ( ~~هود : 112 ) . | # وقوله : { فاختلف فيه } أي ms4144 في الكتاب ، وهو التوراة . ومعنى الاختلاف فيه ~~اختلاف أهل التوراة في تقرير بعضها وإبطال بعض ، وفي إظهار بعضها ~~PageV12P169 وإخفاء بعض مثل حكم الرجم ، وفي تأويل البعض على هواهم ، وفي ~~إلحاق أشياء بالكتاب على أنها منه ، كما قال تعالى : { فويل للذين يكتبون ~~الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله } ( البقرة : 79 ) . فهذا من ~~شأنه أن يقع من بعضهم لا من جميعهم فيقتضي الاختلاف بينهم بين مثبت ونافف ، ~~وهذا الاختلاف بأنواعه وأحواله يرجع إلى الاختلاف في شيء من الكتاب . فجمعت ~~هذه المعاني جمعا بديعا في تعدية الاختلاف بحرف ( في ) الدالة على الظرفية ~~المجازية وهي كالملابسة ، أي فاختلف اختلافا يلابسه ، أي يلابس الكتاب . | # ولأن الغرض لم يكن متعلقا ببيان المختلفين ولا بذمهم لأن منهم المذموم ~~وهم الذين أقدموا على إدخال الاختلاف ، ومنهم المحمود وهم المنكرون على ~~المبدلين كما قال تعالى : { منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون } ( ~~المائدة : 66 ) وسيجيء قوله : { وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم } ( هود ~~: 111 ) ، بل كان للتحذير من الوقوع في مثله . | # بني فعل ( اختلف ) للمجهول إذ لا غرض إلا في ذكر الفعل لا في فاعله . | # يجوز أن يكون عطفا على جملة { وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص } ( هود : ~~109 ) ويكون الاعتراض تم عند قوله : { فاختلف فيه } ، وعليه فضمير { بينهم ~~} عائد إلى اسم الإشارة من قوله : { مما يعبد هؤلاء } ( هود : 109 ) أي ~~ولولا ما سبق من حكمة الله أن يؤخر عنهم العذاب لقضي بينهم ، أي لقضى الله ~~بينهم ، فأهلك المشركين والمخالفين ونصر المؤمنين . | # فيكون { بينهم } هو نائب فاعل ( قضي ) . والتقدير : لوقع العذاب بينهم ، ~~أي فيهم . PageV12P170 | # ويجوز أن يكون عطفا على جملة { فاختلف فيه } فيكون ضمير { بينهم } عائدا ~~إلى ما يفهم من قوله : { فاختلف فيه } لأنه يقتضى جماعة مختلفين في أحكام ~~الكتاب . ويكون { بينهم } متعلقا ب ( قضي ) ، أي لحكم بينهم بإظهار المصيب ~~من المخطىء في أحكام الكتاب فيكون تحذيرا من الاختلاف ، أي أنه إن وقع أمهل ~~الله المختلفين فتركهم في شك . وليس من سنة الله أن يقضي بين المختلفين ms4145 ~~فيوقفهم على تمييز المحق من المبطل ، أي فعليكم بالحذر من الاختلاف في ~~كتابكم فإنكم إن اختلفتم بقيتم في شك ولحقكم جزاء أعمالكم . | # و { الكلمة } هي إرادة الله الأزلية وسنته في خلقه . وهي أنه وكل الناس ~~إلى إرشاد الرسل للدعوة إلى الله ، وإلى النظر في الآيات ، ثم إلى بذل ~~الاجتهاد التام في إصابة الحق ، والسعي إلى الاتفاق ونبذ الخلاف بصرف ~~الأفهام السديدة إلى المعاني ، وبالمراجعة فيما بينهم ، والتبصر في الحق ، ~~والإنصاف في الجدل والاستدلال ، وأن يجعلوا الحق غايتهم والاجتهاد دأبهم ~~وهجيراهم . وحكمة ذلك هي أن الفصل والاهتداء إلى الحق مصلحة للناس ومنفعة ~~لهم لا لله . وتمام المصلحة في ذلك يحصل بأن يبذلوا اجتهادهم ويستعملوا ~~أنظارهم لأن ذلك وسيلة إلى زيادة تعقلهم وتفكيرهم . وقد تقدم في قوله تعالى ~~: { وتمت كلمات ربك صدقا وعدلا في سورة الأنعام ( 115 ) وقوله : ويريد الله ~~أن يحق الحق بكلماته في سورة الأنفال ( 7 ) . | # ووصفها بالسبق لأنها أزلية ، باعتبار تعلق العلم بوقوعها ، وبأنها ترجع ~~إلى سنة كلية تقررت من قبل . | # ومعنى لقضي بينهم } أنه قضاء استئصال المبطل واستبقاء المحق ، كما قضى ~~الله بين الرسل والمكذبين ، ولكن إرادة الله اقتضت خلاف ذلك بالنسبة إلى ~~فهم الأمة كتابها . | # وضمير { بينهم } يعود إلى المختلفين المفاد من قوله : { فاختلف فيه } ~~والقرينة واضحة . | PageV12P171 # ومتعلق القضاء محذوف لظهوره ، أي لقضي بينهم فيما ختلفوا فيه كما قال في ~~الآية الأخرى { إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون } ~~( السجدة : 25 ) . | # يجوز أن يكون عطفا على جملة { وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص } ( هود : ~~109 ) فيكون ضمير { وإنهم } عائدا إلى ما عاد إليه ضمير { ما يعبدون } ( ~~هود : 109 ) الآية ، أي أن المشركين لفي شك من توفية نصيبهم لأنهم لا ~~يؤمنون بالبعث . ويلتئم مع قوله : { ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم } ~~على أول الوجهين وأولاهما ، فضمير { منه } عائد إلى { يوم } من قوله : { ~~يوم يأتت لا تكلم نفس } ( هود : 105 ) إلخ . | # ويجوز أن تكون عطفا على جملة { فاختلف فيه } ، أي فاختلف فيه أهله ، أي ~~أهل ms4146 الكتاب فضمير { وإنهم } عائد إلى ما عاد إليه ضمير { بينهم } على ثاني ~~الوجهين ، أي اختلف أهل الكتاب في كتابهم وإنهم لفي شك . | # أما ضمير { منه } فيجوز أن يعود إلى الكتاب ، أي أقدموا على ما أقدموا ~~عليه على شك وتردد في كتابهم ، أي دون علم يوجب اليقين مثل استقراء علمائنا ~~للأدلة الشرعية ، أو يوجب الظن القريب من اليقين ، كظن المجتهد فيما بلغ ~~إليه اجتهاده ، لأن الاستدلال الصحيح المستنبط من الكتاب لا يعد اختلافا في ~~الكتاب إذ الأصل متفق عليه . فمناط الذم هو الاختلاف في متن الكتاب لا في ~~التفريع من أدلته . ويجوز أن يكون ضمير { منه } عائدا إلى القرآن المفهوم ~~من المقام ومن قوله : { ذلك من أنباء القرى نقصه عليك } ( هود : 100 ) . | # والمريب : الموقع في الشك ، ووصف الشك بذلك تأكيد كقولهم : ليل أليل ، ~~وشعر شاعر . | # | PageV12P172 # | 2 ( 111 ) { وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم إنه بما يعملون خبير } . ~~) 2 # تذييل للأخبار السابقة . والواو اعتراضية . و ( إن ) مخففة من { إن } ~~الثقيلة في قراءة نافع ، وابن كثير ، وأبي بكر عن عاص ، وأعملت في اسمها ~~فانتصب بعدها . و ( إن ) المخففة إذا وقعت بعدها جملة اسمية يكثر إعمالها ~~ويكثر إهمالها قاله الخليل وسيبويه ونحاة البصرة وهو الحق . وقرأ الباقون ( ~~إن ) مشددة على الأصل . | # وبتنوين { كلا } عوض عن المضاف إليه . والتقدير : وإن كلهم ، أي كل ~~المذكورين آنفا من أهل القرى ، ومن المشركين المعرض بهم ، ومن المختلفين في ~~الكتاب من أتباع موسى عليه السلام . | # و ( لما ) مخففة في قراءة نافع ، وابن كثير ، وأبي عمرو ، والكسائي ، ~~فاللام الداخلة على ( ما ) لام الابتداء التي تدخل على خبر { إن } . واللام ~~الثانية الداخلة على { ليوفينهم } لام جواب القسم . و ( ما ) مزيدة للتأكيد ~~. والفصل بين اللامين دفعا لكراهة توالي مثلين . | # وقرأ ابن عامر ، وحمزة ، وعاصم ، وأبو جعفر ، وخلف بتشديد الميم من ( لما ~~) . فعند من قرأ ( إن ) مخففة وشدد الميم وهو أبو بكر عن عاصم تكون ( إن ) ~~مخففة من الثقيلة ، وأما من شدد النون ( إن ) وشدد الميم من ( لما ) وهم ~~ابن عامر ، وحمزة ، وحفص ms4147 عن عاصم ، وأبو جعفر ، وخلف فتوجيه قراءتهم وقراءة ~~أبي بكر ما قاله القراء : إنها بمعنى ( لمن ما ) فحذف إحدى الميمات الثلاث ~~، يريد أن ( لما ) ليست كلمة واحدة وإن كانت في صورتها كصورة حرف ( لما ) ~~في رسم المصحف ( لأنه اتبع فيه صورة النطق بها ) وإنما هي مركبة من لام ~~الابتداء و ( من ) الجارة التي تستعمل في معنى كثرة تكرر الفعل كالتي في ~~قول أبي حية النمري : | PageV12P173 # وإنا لمما نضرب الكبش ضربة | # على رأسه تلقي اللسان من الفم | # أي نكثر ضرب الكبش ، أي أمير جيش العدو على رأسه . وقول ابن عباس : كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يلاقي من الوحي شدة ، وكان مما يحرك لسانه ~~حين ينزل عليه القرآن ، فقال الله تعالى : { لا تحرك به لسانك لتعجل به } ( ~~القيامة : 16 ) الآية . فأصل هذه الكلمات في الآية على هذه القراءات : وإن ~~كلا لمن ما ليوفينهم ، فلما قلبت نون ( من ) ميما لإدغامها في ميم ( ما ) ~~اجتمع ثلاث ميمات فحذفت الميم الأولى تخفيفا وهي ميم ( من ) لوجود دليل ~~عليها وهو الميم الثانية لأن أصل الميم الثانية نون ( من ) فصار ( لما ) . ~~| # ولام { ليوفينهم } لام قسم . | # ومعنى الكثرة في هذه الآية الكناية عن عدم إفلات فريق من المختلفين في ~~الكتاب من إلحاق الجزاء عن عمله به . | # والمعنى : وإن جميعهم للاقون جزاء أعمالهم لا يفلت منهم أحد ، وإن توفية ~~الله إياهم أعمالهم حققه الله ولم يسامح فيه . فهذا التخريج هو أولى الوجوه ~~التي خرجت عليها هذه القراءة وهو مروي عن الفراء وتبعه المهدوي ونصر ~~الشيرازي النحوي ومشى عليه البيضاوي . وقد أنهاها أبو شامة في ( شرح منظومة ~~الشاطبي ) إلى ستة وجوه وأنهاها غيره إلى ثمانية وجوه . | # وفي تفسير الفخر : سمعت بعض الأفاضل قال : إن الله تعالى لما أخبر عن ~~توفية الأجزية على المستحقين في هذه الآية ذكر فيها سبعة أنواع من ~~التوكيدات ، أولها : كلمة ( إن ) وهي للتأكيد ، وثانيها ( كل ) وهي أيضا ~~للتأكيد ، وثالثها اللام الداخلة على خبر ( إن ) ، ورابعها حرف ( ما ) إذا ~~جعلناه موصولا على قول PageV12P174 الفراء ، وخامسها ms4148 القسم المضمر ، ~~وسادسها اللام الداخلة على جواب القسم ، وسابعها النون المؤكدة في قوله : { ~~ليوفينهم } . | # وتوفية أعمالهم بمعنى توفية جزاء الأعمال ، أي إعطاء الجزاء وافيا من ~~الخير على عمل الخير ومن السوء على عمل السوء . | # وجملة { إنه بما يعملون خبير } استئناف وتعليل للتوفية لأن إحاطة العلم ~~بأعمالهم مع آرادة جزائهم توجب أن يكون الجزاء مطابقا للعمل تمام المطابقة ~~. وذلك محقق التوفية . | # | 2 ( 112 ) { فاستقم كمآ أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون ~~بصير } . ) 2 # ترتب عن التسلية التي تضمنها قوله : { ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ~~} ( هود : 110 ) وعن التثبيت المفاد بقوله : { فلا تك في مرية مما يعبد ~~هؤلاء } ( هود : 109 ) الحض على الدوام على التمسك بالإسلام على وجه قويم . ~~وعبر عن ذلك بالاستقامة لإفادة الدوام على العمل بتعاليم الإسلام ، دواما ~~جماعه الاستقامة عليه والحذر من تغييره . | # ولما كان الاختلاف في كتاب موسى عليه السلام إنما جاء من أهل الكتاب عطف ~~على أمر النبيء صلى الله عليه وسلم بالاستقامة على كتابه أمر المؤمنين بتلك ~~الاستقامة أيضا ، لأن الاعوجاج من دواعي الاختلاف في الكتاب بنهوض فرق من ~~الأمة إلى تبديله لمجاراة أهوائهم ، ولأن مخالفة الأمة عمدا إلى أحكام ~~كتابها إن هو إلا ضرب من ضروب الاختلاف فيه ، لأنه اختلافها على أحكامه . ~~وفي الحديث : ( فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على ~~أنبيائهم ) ، فلا جرم أن كانت الاستقامة حائلا دون ذلك ، إذ الاستقامة هي ~~العمل بكمال الشريعة بحيث لا ينحرف عنها قيد شبر . ومتعلقها العمل بالشريعة ~~PageV12P175 بعد الإيمان لأن الإيمان أصل فلا تتعلق به الاستقامة . وقد ~~أشار إلى صحة هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي عمرة الثقفي ~~لما قال له : ( يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا غيرك ~~. قال : قل آمنت بالله ثم استقم ) فجعل الاستقامة شيئا بعد الإيمان . | # ووجه الأمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم تنويها بشأنه ليبني عليه قوله : ~~{ كما أمرت } فيشير إلى أنه المتلقي للأوامر الشرعية ابتداء . وهذا ms4149 تنويه ~~له بمقام رسالته ، ثم أعلم بخطاب أمته بذلك بقوله : { ومن تاب معك } . وكاف ~~التشبيه في قوله : { كما أمرت } في موضع الحال من الاستقامة المأخوذة من ( ~~استقم ) . ومعنى تشبيه الاستقامة المأمور بها بما أمر به النبي صلى الله ~~عليه وسلم لكون الاستقامة مماثلة لسائر ما أمر به ، وهو تشبيه المجمل ~~بالمفصل في تفصيله بأن يكون طبقه . ويؤول هذا المعنى إلى أن تكون الكاف في ~~معنى ( على ) كما يقال : كن كما أنت . أي لا تتغير ، ولتشبه أحوالك ~~المستقبلة حالتك هذه . | # { ومن تاب } عطف على الضمير المتصل في { أمرت } . ومصحح العطف موجود وهو ~~الفصل بالجار والمجرور . | # { ومن تاب } هم المؤمنون ، لأن الإيمان توبة من الشرك ، و { معك } حال من ~~{ تاب } وليس متعلقا ب { تاب } لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن من ~~المشركين . | # وقد جمع قوله : { فاستقم كما أمرت } أصول الصلاح الديني وفروعه لقوله : { ~~كما أمرت } . | # قال ابن عباس : ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية هي أشد ولا ~~أشق من هذه الآية عليه . ولذلك قال لأصحابه حين قالوا له : لقد أسرع إليك ~~الشيب ( شيبتني هود وأخواتها ) . وسئل عما في هود فقال : قوله { فاستقم كما ~~أمرت } . | PageV12P176 # الخطاب في قوله : { ولا تطغوا } موجه إلى المؤمنين الذين صدق عليهم { ومن ~~تاب معك } . | # والطغيان أصله التعاظم والجراءة وقلة الاكتراث ، وتقدم في قوله تعالى : { ~~ويمدهم في طغيانهم يعمهون } في سورة البقرة ( 15 ) . والمراد هنا الجراءة ~~على مخالفة ما أمروا به ، قال تعالى : { كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا ~~تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي } ( طه : 81 ) . فنهى الله المسلمين عن مخالفة ~~أحكام كتابه كما نهى بني إسرائيل . | # وقد شمل الطغيان أصول المفاسد ، فكانت الآية جامعة لإقامة المصالح ودرء ~~المفاسد ، فكان النهي عنه جامعا لأحوال مصادر الفساد من نفس المفسد وبقي ما ~~يخشى عليه من عدوى فساد خليطه فهو المنهى عنه بقوله بعد هذا : { ولا تركنوا ~~إلى الذين ظلموا فتمسكم النار } ( هود : 113 ) . | # وعن الحسن البصري : جعل الله الدين بين لاءين { ولا تطغوا } { ولا ms4150 تركنوا ~~} ( هود : 113 ) . | # وجملة { إنه بما تعملون بصير } استئناف لتحذير من أخفى الطغيان بأن الله ~~مطلع على كل عمل يعمله المسلمون ، ولذلك اختير وصف { بصير } من بين بقية ~~الأسماء الحسنى لدلالة مادته على العلم البين ودلالة صيغته على قوته . | # | 2 ( 113 ) { ولا تركنو ا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون ~~الله من أوليآء ثم لا تنصرون } . ) 2 # | $ # الركون : الميل والموافقة ، وفعله كعلم . ولعله مشتق من الركن بضم فسكون ~~وهو الجنب ، لأن المائل يدني جنبه إلى الشيء الممال إليه . وهو هنا مستعار ~~PageV12P177 للموافق ، فبعد أن نهاهم عن الطغيان نهاهم عن التقارب من ~~المشركين لئلا يضلوهم ويزلوهم عن الإسلام . | # و { الذين ظلموا } هم المشركون . وهذه الآية أصل في سد ذرائع الفساد ~~المحققة أو المظنونة . | # والمس : مستعمل في الإصابة كما تقدم في قوله تعالى : { إن الذين اتقوا ~~إذا مسهم طائف من الشيطان في آخر الأعراف ( 201 ) ، والمراد : نار العذاب ~~في جهنم . | # وجملة وما لكم من دون الله من أولياء } حال ، أي لا تجدون من يسعى لما ~~ينفعكم . | # و { ثم } للتراخي الرتبي ، أي ولا تجدون من ينصركم ، أي من يخفف عنكم مس ~~عذاب النار أو يخرجكم منها . | # و { من دون الله } متعلق بأولياء لتضمينه معنى الحماة والحائلين . | # وقد جمع قوله : { ولا تطغوا } ( هود : 112 ) وقوله : { ولا تركنوا إلى ~~الذين ظلموا } أصلي الدين ، وهما : الإيمان والعمل الصالح ، وتقدم آنفا قول ~~الحسن : ( جعل الله الدين بين لائين { ولا تطغوا } ، ولا تركنوا ) . | # | 2 ( 114 ) { وأقم الصلواة طرفى النهار وزلفا من اليل إن الحسنات يذهبن ~~السيئات ذالك ذكرى للذاكرين } . ) 2 # انتقل من خطاب المؤمنين إلى خطاب النبيء صلى الله عليه وسلم وهذا الخطاب ~~يتناول جميع الأمة بقرينة أن المأمور به من الواجبات على جميع PageV12P178 ~~المسلمين ، لا سيما وقد ذكر معه ما يناسب الأوقات المعينة للصلوات الخمس ، ~~وذلك ما اقتضاه حديث أبي اليسر الآتي . | # وطرف الشيء : منتهاه من أوله أو من آخره ، فالتثنية صريحة في أن المراد ~~أول النهار وآخره . | # و { النهار } : ما بين الفجر إلى ms4151 غروب الشمس ، سمي نهارا لأن الضياء ينهر ~~فيه ، أي يبرز كما يبرز النهر . | # والأمر بالإقامة يؤذن بأنه عمل واجب لأن الإقامة إيقاع العمل على ما ~~يستحقه ، فتقتضي أن المراد بالصلاة هنا الصلاة المفروضة ، فالطرفان ظرفان ~~لإقامة الصلاة المفروضة ، فعلم أن المأمور إيقاع صلاة في أول النهار وهي ~~الصبح وصلاة في آخره وهي العصر وقيل المغرب . | # والزلف : جمع زلفة مثل غرفة وغرف ، وهي الساعة القريبة من أختها ، فعلم ~~أن المأمور إيقاع الصلاة في زلف من الليل ، ولما لم تعين الصلوات المأمور ~~بإقامتها في هذه المدة من الزمان كان ذلك مجملا فبينته السنة والعمل ~~المتواتر بخمس صلوات هي الصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء ، وكان ذلك ~~بيانا لآيات كثيرة في القرآن كانت مجملة في تعيين أوقات الصلوات مثل قوله ~~تعالى : { أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر ~~كان مشهودا } ( الإسراء : 78 ) . | # والمقصود أن تكون الصلاة أول أعمال المسلم إذا أصبح وهي صلاة الصبح وآخر ~~أعماله إذا أمسى وهي صلاة العشاء لتكون السيئات الحاصلة فيما بين ذلك ممحوة ~~بالحسنات الحافة بها . وهذا مشير إلى حكمة كراهة الحديث بعد صلاة العشاء ~~للحث على الصلاة وخاصة ما كان منها في أوقات تعرض الغفلة عنها . وقد ثبت ~~وجوبهما بأدلة أخر وليس في هذه الآية ما يقتضي حصر الوجوب في المذكور فيها ~~. | PageV12P179 # وجملة { إن الحسنات يذهبن السيئات } مسوقة مساق التعليل للأمر بإقامة ~~الصلوات ، وتأكيد الجملة بحرف { إن } للاهتمام وتحقيق الخبر . و { إن } فيه ~~مفيدة معنى التعليل والتفريع ، وهذا التعليل مؤذن بأن الله جعل الحسنات ~~يذهبن السيئات ، والتعليل مشعر بعموم أصحاب الحسنات لأن الشأن أن تكون ~~العلة أعم من المعلول مع ما يقتضيه تعريف الجمع باللام من العموم . | # وإذهاب السيئات يشمل إذهاب وقوعها بأن يصير انسياق النفس إلى ترك السيئات ~~سهلا وهينا كقوله تعالى : { إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر } ( ~~العنكبوت : 45 ) ويكون هذا من خصائص الحسنات كلها . ويشمل أيضا محو إثمها ~~إذا وقعت ، ويكون هذا من خصائص الحسنات كلها فضلا من الله على ms4152 عباده ~~الصالحين . | # ومحمل السيئات هنا على السيئات الصغائر التي هي من اللمم حملا لمطلق هذه ~~الآية على مقيد آية { الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم } ( ~~النجم : 32 ) وقوله تعالى : { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم ~~سيئاتكم } ( النساء : 31 ) ، فيحصل من مجموع الآيات أن اجتناب الفواحش جعله ~~الله سببا لغفران الصغائر أو أن الإتيان بالحسنات يذهب أثر السيئات الصغائر ~~، وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى : { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر ~~عنكم سيئاتكم في سورة النساء ( 31 ) . | # روى البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : أن رجلا أصاب من امرأة ~~قبلة حرام فأتى النبي فذكرت ذلك فأنزلت عليه وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا ~~من الليل } . فقال الرجل : ألي هذه ؟ قال : لمن عمل بها من أمتي . | # وروى الترمذي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : جاء رجل إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال : إني عالجت امرأة في أقصى المدينة وإني أصبت منها ما ~~دون أن أمسها وها أنا ذا فاقض في ما شئت ، فلم يرد عليه رسول الله ~~PageV12P180 صلى الله عليه وسلم شيئا فانطلق الرجل فأتبعه رجلا فدعاه فتلا ~~عليه { وأقم الصلاة طرفي النهار } إلى آخر الآية ، فقال رجل من القوم : هذا ~~له خاصة ؟ قال : لا ، بل للناس كافة . قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح . ~~وأخرج الترمذي حديثين آخرين : أحدهما عن معاذ بن جبل ، والآخر عن أبي اليسر ~~وهو صاحب القصة وضعفهما . | # والظاهر أن المروي في هذه الآية هو الذي حمل ابن عباس وقتادة على القول ~~بأن هذه الآية مدنية دون بقية هذه السورة لأنه وقع عند البخاري والترمذي ~~قوله : ( فأنزلت عليه ) فإن كان كذلك كما ذكره الراوي فهذه الآية ألحقت ~~بهذه السورة في هذا المكان لمناسبة وقوع قوله : { فاستقم كما أمرت } ( هود ~~: 112 ) قبلها وقوله : PageV12P181 { واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ~~} ( هود : 115 ) بعدها . | # وأما الذين رجحوا أن السورة كلها مكية فقالوا : إن الآية نزلت في الأمر ~~بإقامة الصلوات وإن النبي صلى الله ms4153 عليه وسلم أخبر بها الذي سأله عن القبلة ~~الحرام وقد جاء تائبا ليعلمه بقوله : { إن الحسنات يذهبن السيئات } ، فيؤول ~~قول الراوي : فأنزلت عليه ، أنه أنزل عليه شمول عموم الحسنات والسيئات ~~لقضية السائل ولجميع ما يماثلها من إصابة الذنوب غير الفواحش . | # ويؤيد ذلك ما في رواية الترمذي عن علقمة والأسود عن ابن مسعود قوله : ~~فتلا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم { وأقم الصلاة } ، ولم يقولا : ~~فأنزل عليه . | # وقوله : { ذلك ذكرى للذاكرين } أي تذكرة للذي شأنه أن يذكر ولم يكن شأنه ~~الإعراض عن طلب الرشد والخير ، وهذا أفاد العموم نصا . وقوله : { ذلك } ~~الإشارة إلى المذكور قبله من قوله : { فاستقم كما أمرت } ( هود : 112 ) . | # | 2 ( 115 ) { واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } . ) 2 # عطف على جملة { فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء } ( هود : 109 ) الآيات ، ~~لأنها سيقت مساق التثبيت من جراء تأخير عقاب الذين كذبوا . | # ومناسبة وقوع الأمر بالصبر عقب الأمر بالاستقامة والنهي عن الركون إلى ~~الذين ظلموا ، أن المأمورات لا تخلو عن مشقة عظيمة ومخالفة لهوى كثير من ~~النفوس ، فناسب أن يكون الأمر بالصبر بعد ذلك ليكون الصبر على الجميع كل ~~بما يناسبه . | # وتوجيه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم تنويه به . والمقصود هو ~~وأمته بقرينة التعليل بقوله : { فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } لما فيه ~~من العموم والتفريع المقتضي جمعهما أن الصبر من حسنات المحسنين وإلا لما ~~كان للتفريع موقع . وحرف التأكيد مجلوب للاهتمام بالخبر . | # وسمي الثواب أجرا لوقوعه جزاء على الأعمال وموعودا به فأشبه الأجر . | # | 2 ( 116 ) { فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد ~~فى الارض إلا قليلا ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا مآ أترفوا فيه ~~وكانوا مجرمين } . ) 2 # هذا قوي الاتصال بقوله تعالى : { وكذلك أخذ ربك } ( هود : 102 ) فيجوز أن ~~يكون تفريعا عليه ويكون ما بينهما اعتراضا دعا إليه الانتقال الاستطرادي في ~~معان متماسكة . والمعنى فهلا كان في تلك الأمم أصحاب بقية من خير فنهوا ~~قومهم عن الفساد لما حل ms4154 بهم ما حل . وذلك إرشاد إلى وجوب النهي عن المنكر . ~~ويجوز أن PageV12P182 يكون تفريعا على قوله تعالى : { فاستقم كما أمرت } ( ~~هود : 112 ) والآية تفريع على الأمر بالاستقامة والنهي عن الطغيان وعن ~~الركون إلى الذين ظلموا ، إذ المعنى : ولا تكونوا كالأمم من قبلكم إذ عدموا ~~من ينهاهم عن الفساد في الأرض وينهاهم عن تكذيب الرسل فأسرفوا في غلوائهم ~~حتى حل عليهم غضب الله إلا قليلا منهم ، فإن تركتم ما أمرتم به كان حالكم ~~كحالهم ، ولأجل هذا المعنى أتي بفاء التفريع لأنه في موقع التفصيل والتعليل ~~لجملة { فاستقم كما أمرت } ( هود : 112 ) وما عطف عليها ؛ كأنه قيل : وإن ~~كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم فلولا كان منهم بقية ينهون عن الفساد في ~~الأرض إلى آخره ، أي فاحذروا أن تكونوا كما كانوا فيصيبكم ما أصابهم ، ~~وكونوا مستقيمين ولا تطغوا ولا تركنوا إلى الظالمين وأقيموا الصلاة ، فغير ~~نظم الكلام إلى هذا الأسلوب الذي في الآية لتفنن فوائده ودقائقه واستقلال ~~أغراضه مع كونها آيلة إلى غرض يعممها . وهذا من أبدع أساليب الإعجاز الذي ~~هو كرد العجز على الصدر من غير تكلف ولا ظهور قصد . | # ويقرب من هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم ( ما نهيتكم عنه ~~فاجتنبوه وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم فإنما أهلك الذين من قبلكم ~~كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم ) . | # و ( لولا ) حرف تحضيض بمعنى ( هلا ) . وتحضيض الفائت لا يقصد منه إلا ~~تحذير غيره من أن يقع فيما وقعوا فيه والعبرة بما أصابهم . | # والقرون : الأمم . وتقدم في أول الأنعام . | # والبقية : الفضل والخير . وأطلق على الفضل البقية كناية غلبت فسارت مسرى ~~الأمثال لأن شأن الشيء النفيس أن صاحبه لا يفرط فيه . | # وبقية الناس : سادتهم وأهل الفضل منهم ، قال رويشد بن كثير الطائي : | # إن تذنبوا ثم تأتيني بقيتكم | # فما علي بذنب منكم فوت | PageV12P183 # ومن أمثالهم ( في الزوايا خبايا وفي الرجال بقايا ) . فمن هنالك أطلقت ~~على الفضل والخير في صفات الناس فيقال : في فلان بقية ، والمعنى هنا : أولو ~~فضل ودين وعلم بالشريعة ، فليس المراد ms4155 الرسل ولكن أريد أتباع الرسل وحملة ~~الشرائع ينهون قومهم عن الفساد في الأرض . | # والفساد : المعاصي واختلاف الأحوال ، فنهيهم يردعهم عن الاستهتار في ~~المعاصي فتصلح أحوالهم فلا يحق عليهم الوهن والانحلال كما حل ببني إسرائيل ~~حين عدموا من ينهاهم . وفي هذا تنويه بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~فإنهم أولو بقية من قريش يدعونهم إلى الإيمان حتى آمن كلهم ، وأولو بقية ~~بين غيرهم من الأمم الذين اختلطوا بهم يدعونهم إلى الإيمان والاستقامة بعد ~~الدخول فيه ويعلمون الدين ، كما قال تعالى فيهم : { كنتم خير أمة أخرجت ~~للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر } ( آل عمران : 110 ) . | # وفي قوله : { من القرون من قبلكم } إشارة إلى البشارة بأن المسلمين لا ~~يكونون كذلك مما يومىء إليه قوله تعالى : { من قبلكم } . | # وقرأ ابن جماز عن أبي جعفر ( بقية ) بكسر الباء الموحدة وسكون القاف ~~وتخفيف التحتية فهي لغة ولم يذكرها أصحاب كتب اللغة ولعلها أجريت مجرى ~~الهيئة لما فيها من تخيل السمت والوقار . | # و { إلا قليلا } استثناء منقطع من { أولوا بقية } وهو يستتبع الاستثناء ~~من القرون إذ القرون الذين فيهم { أولوا بقية } ليسوا داخلين في حكم القرون ~~المذكورة من قبل ، وهو في معنى الاستدراك لأن معنى التحضيض متوجه إلى ~~القرون الذين لم يكن فيهم أولو بقية فهم الذين ينعى عليهم فقدان ذلك الصنف ~~منهم . وهؤلاء القرون ليس منهم من يستثنى إذ كلهم غير ناجين من عواقب ~~الفساد ، ولكن لما كان معنى التحضيض قد يوهم أن جميع القرون التي كانت قبل ~~المسلمين قد عدموا أولي بقية مع أن بعض القرون فيهم أولو بقية كان الموقع ~~للاستدراك PageV12P184 لرفع هذا الإيهام ، فصار المستثنى غير داخل في ~~المذكور من قبل ، فلذلك كان منقطعا ، وعلامة انقطاعه انتصابه لأن نصب ~~المستثنى بعد النفي إذا كان المستثنى منه غير منصوب أمارة على اعتبار ~~الانقطاع إذ هو الأفصح . وهل يجيء أفصح كلام إلا على أفصح إعراب ، ولو كان ~~معتبرا اتصاله لجاء مرفوعا على البدلية من المذكور قبله . | # و ( من ) في قوله : { ممن أنجينا } بيانية ، بيان للقليل ms4156 لأن الذين ~~أنجاهم الله من القرون هم القليل الذين ينهون عن الفساد ، وهم أتباع الرسل ~~. | # وفي البيان إشارة إلى أن نهيهم عن الفساد هو سبب إنجاء تلك القرون لأن ~~النهي سبب السبب إذ النهي يسبب الإقلاع عن المعاصي الذي هو سبب النجاة . | # ودل قوله : { ممن أنجينا منهم } على أن في الكلام إيجاز حذفف تقديره : ~~فكانوا يتوبون ويقلعون عن الفساد في الأرض فينجون من مس النار الذي لا دافع ~~له عنهم . | # وجملة { واتبع الذين ظلموا } معطوفة على ما أفاده الاستثناء من وجود قليل ~~ينهون عن الفساد ، فهو تصريح بمفهوم الاستثناء وتبيين لإجماله . والمعنى : ~~وأكثرهم لم ينهوا عن الفساد ولم ينتهوا هم ولا قومهم واتبعوا ما أترفوا فيه ~~كقوله تعالى : { فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين } ( البقرة ~~: 34 ) تفصيلا لمفهوم الاستثناء . | # وفي الآية عبرة وموعظة للعصاة من المسلمين لأنهم لا يخلون من ظلم أنفسهم ~~. | # واتباع ما أترفوا فيه هو الانقطاع له والإقبال عليه إقبال المتبع على ~~متبوعه . | # وأترفوا : أعطوا الترف ، وهو السعة والنعيم الذي سهله الله لهم فالله هو ~~الذي أترفهم فلم يشكروه . | PageV12P185 # و { كانوا مجرمين } أي في اتباع الترف فلم يكونوا شاكرين ، وذلك يحقق ~~معنى الاتباع لأن الأخذ بالترف مع الشكر لا يطلق عليه أنه اتباع بل هو تمحض ~~وانقطاع دون شوبه بغيره . وفي الكلام إيجاز حذف آخر ، والتقدير : فحق عليهم ~~هلاك المجرمين ، وبذلك تهيأ المقام لقوله بعده : { وما كان ربك ليهلك القرى ~~بظلم } ( هود : 117 ) . | # | 2 ( 117 ) { وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون } . ) 2 # عطف على جملة { واتبع الذين ظلموا ما أتفرفوا فيه } ( هود : 116 ) لما ~~يؤذنه به مضمون الجملة المعطوف عليها من تعرض المجرمين لحلول العقاب بهم ~~بناء على وصفهم بالظلم والإجرام ، فعقب ذلك بأن نزول العذاب ممن نزل به ~~منهم لم يكن ظلما من الله تعالى ولكنهم جروا لأنفسهم الهلاك بما أفسدوا في ~~الأرض والله لا يحب الفساد . | # وصيغة { وما كان ربك ليهلك } تدل على قوة انتفاء الفعل ، كما تقدم عند ~~قوله تعالى : { ما ms4157 كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب } الآية في آل عمران ( 79 ~~) ، وقوله : { قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق في آخر العقود ~~( 116 ) فارجع إلى ذينك الموضعين . | # والمراد بالقرى } أهلها ، على طريقة المجاز المرسل كقوله : { واسأل ~~القرية } ( يوسف : 82 ) . | # والباء في { بظلم } للملابسة ، وهي في محل الحال من { ربك } أي لما يهلك ~~الناس إهلاكا متلبسا بظلم . | # وجملة { وأهلها مصلحون } حال من { القرى } أي لا يقع إهلاك الله ظالما ~~لقوم مصلحين . | PageV12P186 # والمصلحون مقابل المفسدين في قوله قبله : { ينهون عن الفساد في الأرض ~~وقوله وكانوا مجرمين } ( هود : 116 ) ، فالله تعالى لا يهلك قوما ظالما لهم ~~ولكن يهلك قوما ظالمين أنفسهم . قال تعالى : { وما كنا مهلكي القرى إلا ~~وأهلها ظالمون } ( القصص : 59 ) . | # والمراد : الإهلاك العاجل الحال بهم في غير وقت حلول أمثاله دون الإهلاك ~~المكتوب على جميع الأمم وهو فناء أمة وقيام أخرى في مدد معلومة حسب سنن ~~معلومة . | # | 2 ( 118 ، 119 ) { ولو شآء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون ~~مختلفين * إلا من رحم ربك ولذالك خلقهم وتمت كلمة ربك لاملان جهنم من الجنة ~~والناس أجمعين } . ) 2 # لما كان النعي على الأمم الذين لم يقع فيهم من ينهون عن الفساد فاتبعوا ~~الإجرام ، وكان الإخبار عن إهلاكهم بأنه ليس ظلما من الله وأنهم لو كانوا ~~مصلحين لما أهلكوا ، لما كان ذلك كله قد يثير توهم أن تعاصي الأمم عما أراد ~~الله منهم خروج عن قبضة القدرة الإلهية أعقب ذلك بما يرفع هذا التوهم بأن ~~الله قادر أن يجعلهم أمة واحدة متفقة على الحق مستمرة عليه كما أمرهم أن ~~يكونوا . | # ولكن الحكمة التي أقيم عليها نظام هذا العالم اقتضت أن يكون نظام عقول ~~البشر قابلا للتطوح بهم في مسلك الضلالة أو في مسلك الهدى على مبلغ استقامة ~~التفكير والنظر ، والسلامة من حجب الضلالة ، وأن الله تعالى لما خلق العقول ~~صالحة لذلك جعل منها قبول الحق بحسب الفطرة التي هي سلامة العقول من عوارض ~~الجهالة والضلال وهي الفطرة الكاملة المشار إليها ms4158 بقوله تعالى : { كان ~~الناس أمة PageV12P187 واحدة } ، وتقدم الكلام عليها في سورة البقرة ( 213 ~~) . لم يدخرهم إرشادا أو نصحا بواسطة الرسل ودعاة الخير وملقنيه من أتباع ~~الرسل ، وهم أولو البقية الذين ينهون عن الفساد في الأرض ، فمن الناس مهتد ~~وكثير منهم فاسقون ولو شاء لخلق العقول البشرية على إلهام متحد لا تعدوه ~~كما خلق إدراك الحيوانات العجم على نظام لا تتخطاه من أول النشأة إلى ~~انقضاء العالم ، فنجد حال البعير والشاة في زمن آدم عليه السلام كحالهما في ~~زماننا هذا ، وكذلك يكون إلى انقراض العالم ، فلا شك أن حكمة الله اقتضت ~~هذا النظام في العقل الإنساني لأن ذلك أوفى بإقامة مراد الله تعالى من ~~مساعي البشر في هذه الحياة الدنيا الزائلة المخلوطة ، لينتقلوا منها إلى ~~عالم الحياة الأبدية الخالصة إن خيرا فخير وإن شرا فشر ، فلو خلق الإنسان ~~كذلك لما كان العمل الصالح مقتضيا ثواب النعيم ولا كان الفساد مقتضيا عقاب ~~الجحيم ، فلا جرم أن الله خلق البشر على نظام من شأنه طريان الاختلاف بينهم ~~في الأخور ، ومنها أمر الصلاح والفساد في الأرض وهو أهمها وأعظمها ليتفاوت ~~الناس في مدارج الارتقاء ويسموا إلى مراتب الزلفى فتتميز أفراد هذا النوع ~~في كل أنحاء الحياة حتى يعد الواحد بألف { ليميز الله الخبيث من الطيب } ( ~~الأنفال : 37 ) . | # وهذا وجه مناسبة عطف جملة { وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس ~~أجمعين } على جملتي { ولا يزالون مختلفين } { ولذلك خلقهم } . | # ومفعول فعل المشيئة محذوف لأن المراد منه ما يساوي مضمون جواب الشرط فحذف ~~إيجازا . والتقدير : ولو شاء ربك أن يجعل الناس أمة واحدة لجعلهم كذلك . | # والأمة : الطائفة من الناس الذين اتحدوا في أمر من عظائم أمور الحياة ~~كالموطن واللغة والنسب والدين . وقد تقدمت عند قوله تعالي : { كان الناس ~~أمة واحدة } في سورة البقرة ( 213 ) . فتفسر الأمة في كل مقام بما تدل عليه ~~إضافتها إلى شيء من أسباب تكوينها كما يقال : الأمة العربية والأمة ~~الإسلامية . | PageV12P188 # ومعنى كونها واحدة أن يكون البشر كلهم متفقين على اتباع دين الحق ms4159 كما يدل ~~عليه السياق ، فآل المعنى إلى : لو شاء ربك لجعل الناس أهل ملة واحدة ~~فكانوا أمة واحدة من حيث الدين الخالص . | # وفهم من شرط ( لو ) أن جعلهم أمة واحدة في الدين منتفية ، أي منتف دوامها ~~على الوحدة في الدين وإن كانوا قد وجدوا في أول النشأة متفقين فلم يلبثوا ~~حتى طرأ الاختلاف بين ابني آدم عليه السلام لقوله تعالى : { كان الناس أمة ~~واحدة } ( البقرة : 213 ) وقوله : { وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ~~} في سورة يونس ( 19 ) ؛ فعلم أن الناس قد اختلفوا فيما مضى فلم يكونوا أمة ~~واحدة ، ثم لا يدري هل يؤول أمرهم إلى الاتفاق في الدين فأعقب ذلك بأن ~~الاختلاف دائم بينهم لأنه من مقتضى ما جبلت عليه العقول . | # ولما أشعر الاختلاف بأنه اختلاف في الدين ، وأن معناه العدول عن الحق إلى ~~الباطل ، لأن الحق لا يقبل التعدد والاختلاف ، عقب عموم { ولا يزالون ~~مختلفين } باستثناء من ثبتوا على الدين الحق ولم يخالفوه بقوله : { إلا من ~~رحم ربك } ، أي فعصمهم من الاختلاف . | # وفهم من هذا أن الاختلاف المذموم المحذر منه هو الاختلاف في أصول الدين ~~الذي يترتب عليه اعتبار المخالف خارجا عن الدين وإن كان يزعم أنه من متبعيه ~~، فإذا طرأ هذا الاختلاف وجب على الأمة قصمه وبذل الوسع في إزالته من بينهم ~~بكل وسيلة من وسائل الحق والعدل بالإرشاد والمجادلة الحسنة والمناظرة ، فإن ~~لم ينجع ذلك فبالقتال كما فعل أبو بكر في قتال العرب الذين جحدوا وجوب ~~الزكاة ، وكما فعل علي كرم الله وجهه في قتال الحرورية الذين كفروا ~~المسلمين . وهذه الآية تحذير شديد من ذلك الاختلاف . | # وأما تعقيبه بقوله : { ولذلك خلقهم } فهو تأكيد بمضمون { ولا يزالون ~~مختلفين } . والإشارة إلى الاختلاف المأخوذ من قوله : { مختلفين } ، واللام ~~للتعليل لأنه PageV12P189 لما خلقهم على جبلة قاضية باختلاف الآراء ~~والنزعات وكان مريدا لمقتضى تلك الجبلة وعالما به كما بيناه آنفا كان ~~الاختلاف علة غائية لخلقهم ، والعلة الغائية لا يلزمها القصر عليها بل يكفي ~~أنها غاية الفعل ، وقد تكون معها غايات كثيرة ms4160 أخرى فلا ينافي ما هنا قوله : ~~{ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } ( الذاريات : 56 ) لأن القصر هنالك ~~إضافي ، أي إلا بحالة أن يعبدوني لا يشركوا ، والقصر الإضافي لا ينافي وجود ~~أحوال أخرى غير ما قصد الرد عليه بالقصر كما هو بين لمن مارس أساليب ~~البلاغة العربية . | # وتقديم المعمول على عامله في قوله : { ولذلك خلقهم } ليس للقصر بل ~~للاهتمام بهذه العلة ، وبهذا يندفع ما يوجب الحيرة في التفسير في الجمع بين ~~الآيتين . | # ثم أعقب ذلك بقوله : { وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ~~} لأن قوله : { إلا من رحم ربك } يؤذن بأن المستثنى منه قوم مختلفون ~~اختلافا لا رحمة لهم فيه ، فهو اختلاف مضاد للرحمة ، وضد النعمة النقمة فهو ~~اختلاف أوجب الانتقام . | # وتمام كلمة الرب مجاز في الصدق والتحقق ، كما تقدم عند قوله تعالى : { ~~وتمت كلمات ربك صدقا وعدلا في سورة الأنعام ( 115 ) ، فالمختلفون هم نصيب ~~جهنم . | # والكلمة هنا بمعنى الكلام . فكلمة الله : تقديره وإرادته . أطلق عليها ~~كلمة } مجازا لأنها سبب في صدور كلمة ( كن ) وهي أمر التكوين . وتقدم ~~تفصيله في قوله تعالى : { وتمت كلمات ربك صدقا وعدلا } في سورة الأنعام ( ~~115 ) . | # وجملة { لأملأن جهنم } تفسير للكلمة بمعنى الكلام . وذلك تعبير عن ~~الإرادة المعبر عنها بالكلام النفسي . | PageV12P190 # ويجوز أن تكون الكلمة كلاما خاطب به الملائكة قبل خلق الناس فيكون { ~~لأملأن جهنم } تفسيرا ل { كلمة } . | # و { من الجنة والناس } تبعيض ، أي لأملأن جهنم من الفريقين . و { أجمعين ~~} تأكيد لشمول تثنية كلا النوعين لا لشمول جميع الأفراد لمنافاته لمعنى ~~التبعيض الذي أفادته { من } . | # | 2 ( 120 ) { وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجآءك فى ~~هاذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين } . ) 2 # هذا تذييل وحوصلة لما تقدم من أنباء القرى وأنباء الرسل . . . | # فجملة { وكلا نقص عليك من أنباء الرسل } إلى آخرها عطف الإخبار على ~~الإخبار والقصة على القصة ، ولك أن تجعل الواو اعتراضية أو استئنافية . ~~وهذا تهيئة لاختتام السورة وفذلكة لما سيق فيها من القصص والمواعظ . | # وانتصف { كلا } على المفعولية لفعل ms4161 { نقص } . وتقديمه على فعله للاهتمام ~~ولما فيه من الإبهام ليأتي بيانه بعده فيكون أرسخ في ذهن السامع . | # وتنوين { كلا } تنوين عوض عن المضاف إليه المحذوف المبين بقوله : { من ~~أنباء الرسل } . فالتقدير : وكل نبأ عن الرسل نقصه عليك ، فقوله : { من ~~أنباء الرسل } بيان للتنوين الذي لحق ( كلا ) . و { ما نثبت به فؤادك } بدل ~~من { كلا } . | # والقصص يأتي عند قوله تعالى : { نحن نقص عليك أحسن القصص } في أول سورة ~~يوسف ( 3 ) . | # والتثبيت : حقيقته التسكين في المكان بحيث ينتفي الاضطراب والتزلزل . ~~وتقدم في قوله تعالى : { لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا } في سورة النساء ( 66 ~~) ، وقوله : PageV12P191 { فثبتوا الذين آمنوا في سورة الأنفال ( 12 ) ، ~~وهو هنا مستعار للتقرير كقوله : ولكن ليطمئن قلبي } ( البقرة : 260 ) . | # والفؤاد : أطلق على الإدراك كما هو الشائع في كلام العرب . | # وتثبيت فؤاد الرسول صلى الله عليه وسلم زيادة يقينه ومعلوماته بما وعده ~~الله لأن كل ما يعاد ذكره من قصص الأنبياء وأحوال أممهم معهم يزيده تذكرا ~~وعلما بأن حاله جار على سنن الأنبياء وازداد تذكرا بأن عاقبته النصر على ~~أعدائه ، وتجدد تسلية على ما يلقاه من قومه من التكذيب وذلك يزيده صبرا . ~~والصبر : تثبيت الفؤاد . | # وأن تماثل أحوال الأمم تلقاء دعوة أنبيائها مع اختلاف العصور يزيده علما ~~بأن مراتب العقول البشرية متفاوتة ، وأن قبول الهدي هو منتهى ارتقاء العقل ~~، فيعلم أن الاختلاف شنشنة قديمة في البشر ، وأن المصارعة بين الحق والباطل ~~شأن قديم ، وهي من النواميس التي جبل عليها النظام البشري ، فلا يحزنه ~~مخالفة قومه عليه ، ويزيده علما بسمو أتباعه الذين قبلوا هداه ، واعتصموا ~~من دينه بعراه ، فجاءه في مثل قصة موسى عليه السلام واختلاف أهل الكتاب فيه ~~بيان الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين فلا يقعوا فيما وقع فيه أهل الكتاب . | # والإشارة من قوله : { في هذه } قيل إلى السورة وروي عن ابن عباس ، فيقتضي ~~أن هذه السورة كانت أوفى بأنباء الرسل من السور النازلة قبلها وبهذا يجري ~~على قول من يقول : إنها نزلت قبل سورة يونس . والأظهر أن تكون الإشارة إلى ~~الآية ms4162 التي قبلها وهي { فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن ~~الفساد في الأرض إلى قوله من الجنة والناس أجمعين } ( هود : 116 119 ) . ~~فتكون هذه الآيات الثلاث أول ما نزل في شأن النهي عن المنكر . | # على أن قوله : { وجاءك في هذه الحق } ليس صريحا في أنه لم يجىء مثله قبل ~~هذه الآيات ، فتأمل . | PageV12P192 # ولعل المراد ب { الحق } تأمين الرسول من اختلاف أمته في كتابه بإشارة ~~قوله : { فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية } ( هود : 116 ) المفهم ~~أن المخاطبين ليسوا بتلك المثابة ، كما تقدمت الإشارة إليه آنفا . | # وتعريفه إشارة إلى حق معهود للنبيء ؛ إما بأن كان يتطلبه ، أو يسأل ربه . ~~| # والموعظة : اسم مصدر الوعظ ، وهو التذكير بما يصد المرء عن عمل مضر . | # والذكرى : مجرد التذكير بما ينفع . فهذه موعظة للمسلمين ليحذروا ذلك ~~وتذكيرا لهم بأحوال الأمم ليقيسوا عليها ويتبصروا في أحوالها . وتنكير { ~~موعظة وذكرى } للتعظيم . | # | 2 ( 121 ، 122 ) { وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون ~~* وانتظرو ا إنا منتظرون } . ) 2 # | $ # عطف على جملة { وجاءك في هذه الحق } ( هود : 120 ) الآية ، لأنها لما ~~اشتملت على أن في هذه القصة ذكرى للمؤمنين أمر بأن يخاطب الذين لا يؤمنون ~~بما فيها خطاب الآيس من انتفاعهم بالذكرى الذي لا يعبأ باعراضهم ولا يصده ~~عن دعوته إلى الحق تألبهم على باطلهم ومقاومتهم الحق . فلا جرم كان قوله : ~~{ وقل للذين لا يؤمنون } عديلا لقوله : { وموعظة وذكرى للمؤمنين } ( هود : ~~120 ) . وهذا القول مأمور أن بقوله على لسانه ولسان المؤمنين . | # وقوله : { اعملوا على مكانتكم إنا عاملون } هو نظير ما حكي عن شعيب عليه ~~السلام في هذه السورة آنفا . | # وضمائر { إنا عاملون } { وإنا منتظرون } للنبيء والمؤمنين الذين معه . | ~~PageV12P193 # وفي أمر الله رسوله بأن يقول ذلك على لسان المؤمنين شهادة من الله بصدق ~~إيمانهم . وفيه التفويض إلى رأس الأمة بأن يقطع أمرا عن أمته ثقة بأنهم لا ~~يردون فعله . كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لهوازن لما جاءوا تائبين ~~وطالبين رد سباياهم وغنائمهم ( اختاروا أحد ms4163 الأمرين السبي أو الأموال ) . ~~فلما اختاروا السبي رجع السبي إلى أهله ولم يستشر المسلمين ، ولكنه جعل لمن ~~يطيب ذلك لهوازن أن يكون على حقه في أول ما يجيء من السبي ، فقال المؤمنون ~~: طيبنا ذلك . | # وقوله : { وانتظروا إنا منتظرون } تهديد ووعيد ، كا يقال في الوعيد : سوف ~~ترى . | # | 2 ( 123 ) { ولله غيب السماوات والارض وإليه يرجع الامر كله فاعبده ~~وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون } . ) 2 # كلام جامع وهو تذييل للسورة مؤذن بختامها ، فهو من براعة المقطع . والواو ~~عاطفة كلاما على كلام ، أو واو الاعتراض في آخر الكلام ومثله كثير . | # واللام في { لله } للملك وهو ملك إحاطة العلم ، أي لله ما غاب عن علم ~~الناس في السماوات والأرض . وهذا كلام يجمع بشارة المؤمنين بما وعدوا من ~~النعيم المغيب عنهم ، ونذارة المشركين بما توعدوا به من العذاب المغيب عنهم ~~في الدنيا والآخرة . | # وتقديم المجرورين في { ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر } ~~لإفادة الاختصاص ، أي الله لا غيره يملك غيب السماوات والأرض ، لأن ذلك مما ~~لا يشاركه فيه أحد . وإلى الله لا إلى غيره يرجع الأمر كله ، وهو تعريض ~~PageV12P194 بفساد آراء الذين عبدوا غيره ، لأن من لم يكن كذلك لا يستحق أن ~~يعبد ، ومن كان كذلك كان حقيقا بأن يفرد بالعبادة . | # ومعنى إرجاع الأمر إليه : أن أمر التدبير والنصر والخذلان وغير ذلك يرجع ~~إلى الله ، أي إلى علمه وقدرته ، وإن حسب الناس وهيأوا فطالما كانت الأمور ~~حاصلة على خلاف ما استعد إليه المستعد ، وكثيرا ما اعتز العزيز بعزته فلقي ~~الخذلان من حيث لا يرتقب ، وربما كان المستضعفون بمحل العزة والنصرة على ~~أولي العزة والقوة . | # والتعريف في { الأمر } تعريف الجنس فيعم الأمور ، وتأكيد الأمر ب { كله } ~~للتنصيص على العموم . | # وقرأ من عدا نافعا { يرجع } ببناء الفعل بصيغة النائب ، أي يرجع كل ذي ~~أمر أمره إلى الله . وقرأه نافع بصيغة الفاعل على أن يكون ( الأمر ) هو ~~فاعل الرجوع ، أي يرجع هو إلى الله . | # وعلى كلتا القراءتين فالرجوع تمثيل لهيئة عجز الناس عن التصرف في ms4164 الأمور ~~حسب رغباتهم بهيئة متناول شيء للتصرف به ثم عدم استطاعته التصرف به فيرجعه ~~إلى الحري بالتصرف به ، أو تمثيل لهيئة خضوع الأمور إلى تصرف الله دون تصرف ~~المحاولين التصرف فيها بهيئة المتجول الباحث عن مكان يستقر به ثم إيوائه ~~إلى المقر اللائق به ورجوعه إليه ، فهي تمثيلية مكنية رمز إليها بفعل { ~~يرجع } وتعديته ب { إليه } . | # وتفريع أمر النبي صلى الله عليه وسلم بعبادة الله والتوكل عليه على رجوع ~~الأمر كله إليه ظاهر ، لأن الله هو الحقيق بأن يعبد وأن يتوكل عليه في كل ~~مهم . وهو تعريض بالتخطئة للذين عبدوا غيره وتوكلوا على شفاعة الآلهة ~~ونفعها . ويتضمن أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالدوام على العبادة ~~والتوكل . | PageV12P195 # والمراد أن يعبده دون غيره ويتوكل عليه دون غيره بقرينة { وإليه يرجع ~~الأمر كله } ، وبقرينة التفريع لأن الذي يرجع إليه كل أمر لا يعقل أن يصرف ~~شيء من العبادة ولا من التوكل إلى غيره ، فلذلك لم يؤت بصيغة تدل على ~~تخصيصه بالعبادة للاستغناء عن ذلك بوجوب سبب تخصيصه بهما . | # وجملة { وما ربك بغافل عما تعملون } فذلكة جامعة ، فهو تذييل لما تقدم . ~~والواو فيه كالواو في قوله : { ولله غيب السماوات والأرض } فإن عدم غفلته ~~عن أي عمل أنه يعطي كل عامل جزاء عمله إن خيرا فخير وإن شرا فشر ، ولذلك ~~علق وصف الغافل بالعمل ولم يعلق بالذوات نحو : بغافل عنكم ، إيماء إلى أن ~~على العمل جزاء . | # وقرأ نافع ، وابن عامر ، وحفص عن عاصم ، وأبو جعفر ، ويعقوب ( عما تعملون ~~) بتاء فوقية خطابا للنبيء صلى الله عليه وسلم والناس معه في الخطاب . وقرأ ~~من عداهم بالمثناة التحتية على أن يعود الضمير إلى الكفار فهو تسلية للنبيء ~~عليه الصلاة والسلام وتهديد للمشركين . | # | PageV12P196 # | 1 ( سورة يوسف ) 1 # الاسم الوحيد لهذه السورة اسم سورة يوسف ، فقد ذكر ابن حجر في كتاب ( ~~الإصابة ) في ترجمة رافع بن مالك الزرقي عن ابن إسحاق أن أبا رافع بن مالك ~~أول من قدم المدينة بسورة يوسف ، يعني بعد أن بايع النبي صلى الله عليه ms4165 ~~وسلم يوم العقبة . | # ووجه تسميتها ظاهر لأنها قصت قصة يوسف عليه السلام كلها ، ولم تذكر قصته ~~في غيرها . ولم يذكر اسمه في غيرها إلا في سورة الأنعام وغافر . | # وفي هذا الاسم تميز لها من بين السور المفتتحة بحروف ألر ، كما ذكرناه في ~~سورة يونس . | # وهي مكية على القول الذي لا ينبغي الالتفات إلى غيره . وقد قيل : إن ~~الآيات الثلاث من أولها مدنية . قال في ( الإتقان ) : وهو واه لا يلتفت ~~إليه . | # نزلت بعد سورة هود ، وقبل سورة الحجر . | # وهي السورة الثالثة والخمسون في ترتيب نزول السور على قول الجمهور . | # ولم تذكر قصة نبيء في القرآن بمثل ما ذكرت قصة يوسف عليه السلام هذه ~~السورة من الإطناب . | PageV12P197 # وعدد آيها مائة وإحدى عشرة آية باتفاق أصحاب العدد في الأمصار . | # # | من مقاصد هذه السورة # روى الواحدي والطبري يزيد أحدهما على الآخر عن سعد بن أبي وقاص أنه قال : ~~أنزل القرآن فتلاه رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه زمانا ، فقالوا ~~( أي المسلمون بمكة ) : يا رسول الله لو قصصت علينا ، فأنزل الله { ألر تلك ~~آيات الكتاب المبين إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون ( سورة يوسف : 1 ~~، 2 ) الآيات الثلاث . | # فأهم أغراضها : بيان قصة يوسف عليه السلام مع إخوته ، وما لقيه في حياته ~~، وما في ذلك من العبر من نواح مختلفة . | # وفيها إثبات أن بعض المرائي قد يكون إنباء بأمر مغيب ، وذلك من أصول ~~النبوءات وهو من أصول الحكمة المشرقية كما سيأتي عند قوله تعالى : إذ قال ~~يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا ( سورة يوسف : 4 ) الآيات . | # وأن تعبير الرؤيا علم يهبه الله لمن يشاء من صالحي عباده . | # وتحاسد القرابة بينهم . | # ولطف الله بمن يصطفيه من عباده . | # والعبرة بحسب العواقب ، والوفاء ، والأمانة ، والصدق ، والتوبة . | # وسكنى إسرائيل وبنيه بأرض مصر . | # وتسلية النبي بما لقيه يعقوب ويوسف عليهما السلام من آلهم من الأذى . وقد ~~لقي النبي من آله أشد ما لقيه من بعداء كفار قومه ، مثل عمه أبي لهب ، ~~والنضر بن الحارث ، PageV12P198 وأبي سفيان ms4166 بن الحارث بن عبد المطلب ، وإن ~~كان هذا قد أسلم بعد وحسن إسلامه ، فإن وقع أذى الأقارب في النفوس أشد من ~~وقع أذى البعداء ، كما قال طرفة : | # وظلم ذوي القربى أشد مضاضة | # على المرء من وقع الحسام المهند | # قال تعالى : لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين ( سورة يوسف : 7 ) . | # وفيها العبرة بصبر الأنبياء مثل يعقوب ويوسف عليهم السلام على البلوى . ~~وكيف تكون لهم العاقبة . | # وفيها العبرة بهجرة قوم النبي إلى البلد الذي حل به كما فعل يعقوب عليه ~~السلام وآله ، وذلك إيماء إلى أن قريشا ينتقلون إلى المدينة مهاجرين تبعا ~~لهجرة النبي . | # وفيها من عبر تاريخ الأمم والحضارة القديمة وقوانينها ونظام حكوماتها ~~وعقوباتها وتجارتها . واسترقاق الصبي اللقيط . واسترقاق السارق ، وأحوال ~~المساجين . ومراقبة المكاييل . | # وإن في هذه السورة أسلوبا خاصا من أساليب إعجاز القرآن وهو الإعجاز في ~~أسلوب القصص الذي كان خاصة أهل مكة يعجبون مما يتلقونه منه من بين أقاصيص ~~العجم والروم ، فقد كان النضر بن الحارث وغيره يفتنون قريشا بأن ما يقوله ~~القرآن في شأن الأمم هو أساطير الأولين اكتتبها محمد . | # وكان النضر يتردد على الحيرة فتعلم أحاديث ( رستم ) و ( اسفنديار ) من ~~أبطال فارس ، فكان يحدث قريشا بذلك ويقول لهم : أنا والله أحسن حديثا من ~~محمد فهلم أحدثكم أحسن من حديثه ، ثم يحدثهم بأخبار الفرس ، فكان ما في ~~بعضها من التطويل على عادة أهل الأخبار من الفرس يموه به عليهم بأنه ~~PageV12P199 أشبع للسامع ، فجاءت هذه السورة على أسلوب استيعاب القصة تحديا ~~لهم بالمعارضة . | # على أنها مع ذلك قد طوت كثيرا من القصة من كل ما ليس له كبير أثر في ~~العبرة . ولذلك ترى في خلال السورة وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ( سورة يوسف ~~: 56 ) مرتين كذلك كدنا ليوسف ( سورة يوسف : 76 ) فتلك عبر من أجزاء القصة ~~. | # وما تخلل ذلك من الحكمة في أقوال الصالحين كقوله : عليه توكلت وعليه ~~فليتوكل المتوكلون ( سورة يوسف : 67 ) ، وقوله : إنه من يتق ويصبر فإن الله ~~لا يضيع أجر المحسنين ( سورة يوسف : 90 ) . | # | 2 ms4167 ( 1 ) ال ر تلك ءايات الكتاب المبين } . ) 2 # | $ # تقدم الكلام على نظاير { الر } ونحوها في أول سورة البقرة . | # الكلام على { تلك آيات الكتاب } مضى في سورة يونس . ووصف الكتاب هنا ب { ~~المبين } ووصف به في طالعة سورة يونس ب { الحكيم } لأن ذكر وصف إبانته هنا ~~أنسب ، إذ كانت القصة التي تضمنتها هذه السورة مفصلة مبينة لأهم ما جرى في ~~مدة يوسف عليه السلام بمصر . فقصة يوسف عليه السلام لم تكن معروفة للعرب ~~قبل نزول القرآن إجمالا ولا تفصيلا ، بخلاف قصص الأنبياء : هود ، وصالح ، ~~وإبراهيم ، ولوط ، وشعيب عليهم السلام أجمعين ، إذ كانت معروفة لديهم ~~إجمالا ، فلذلك كان القرآن مبينا إياها ومفصلا . | PageV12P200 # ونزولها قبل اختلاط النبي صلى الله عليه وسلم باليهود في المدينة معجزة ~~عظيمة من إعلام الله تعالى إياه بعلوم الأولين ، وبذلك ساوى الصحابة علماء ~~بني إسرائيل في علم تاريخ الأديان والأنبياء وذلك من أهم ما يعلمه المشرعون ~~. | # فالمبين : اسم فاعل من أبان المتعدي . والمراد : الإبانة التامة باللفظ ~~والمعنى . | # | 2 ( 2 ) { إنآ أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون } . ) 2 # استئناف يفيد تعليل الإبانة من جهتي لفظه ومعناه ، فإن كونه قرآنا يدل ~~على إبانة المعاني ، لأنه ما جعل مقروءا إلا لما في تراكيبه من المعاني ~~المفيدة للقارىء . | # وكونه عربيا يفيد إبانة ألفاظه المعاني المقصودة للذين خوطبوا به ابتداء ~~، وهم العرب ، إذ لم يكونوا يتبينون شيئا من الأمم التي حولهم لأن كتبهم ~~كانت باللغات غير العربية . | # والتأكيد ب ( إن ) متوجه إلى خبرها وهو فعل { أنزلناه } ردا على الذين ~~أنكروا أن يكون منزلا من عند الله . | # وضمير { أنزلناه } عائد إلى { الكتاب } في قوله : { الكتاب المبين ( سورة ~~يوسف : 1 ) . | # وقرآنا } حال من الهاء في { أنزلناه } ، أي كتابا يقرأ ، أي منظما على ~~أسلوب معد لأن يقرأ لا كأسلوب الرسائل والخطب أو الأشعار ، بل هو أسلوب ~~كتاب نافع نفعا مستمرا يقرأه الناس . | # و { عربيا } صفة ل { قرآنا } . فهو كتاب بالعربية ليس كالكتب السالفة ~~فإنه لم يسبقه كتاب بلغة العرب . | PageV12P201 # وقد أفصح عن التعليل المقصود جملة { لعلكم تعقلون } ، أي ms4168 رجاء حصول العلم ~~لكم من لفظه ومعناه ، لأنكم عرب فنزوله بلغتكم مشتملا على ما فيه نفعكم هو ~~سبب لعقلكم ما يحتوي عليه ، وعبر عن العلم بالعقل للإشارة إلى أن دلالة ~~القرآن على هذا العلم قد بلغت في الوضوح حد أن ينزل من لم يحصل له العلم ~~منها منزلة من لا عقل له ، وأنهم ما داموا معرضين عنه فهم في عداد غير ~~العقلاء . | # وحذف مفعول { تعقلون } للإشارة إلى أن إنزاله كذلك هو سبب لحصول تعقل ~~لأشياء كثيرة من العلوم من إعجاز وغيره . | # وتقدم وجه وقوع ( لعل ) في كلام الله تعالى ، ومحمل الرجاء المفاد بها ~~على ما يؤول إلى التعليل عند قوله تعالى : { ثم عفونا عنكم من بعد ذلك ~~لعلكم تشكرون } في سورة البقرة ( 52 ) ، وفي آيات كثيرة بعدها بما لا ~~التباس بعده . | # | 2 ( 3 ) { نحن نقص عليك أحسن القصص بمآ أوحينآ إليك هاذا القرءان وإن ~~كنت من قبله لمن الغافلين } . ) 2 # هذه الجملة تتنزل من جملة { إنا أنزلناه قرآنا عربيا ( سورة يوسف : 2 ) ~~منزلة بدل الاشتمال لأن أحسن القصص مما يشتمل عليه إنزال القرآن . وكون ~~القصص من عند الله يتنزل منزلة الاشتمال من جملة تأكيد إنزاله من عند الله ~~. | # وقوله : بما أوحينا إليك هذا القرآن } يتضمن رابطا بين جملة البدل ~~والجملة المبدل منها . | # وافتتاح الجملة بضمير العظمة للتنويه بالخبر ، كما يقول كتاب ( الديوان ) ~~: أمير المؤمنين يأمر بكذا . | PageV12P202 # وتقديم الضمير على الخبر الفعلي يفيد الاختصاص ، أي نحن نقص لا غيرنا ، ~~ردا على من يطعن من المشركين في القرآن بقولهم : { إنما يعلمه بشر ( سورة ~~النحل : 103 ) وقولهم : أساطير الأولين اكتتبها ( سورة الفرقان : 5 ) ~~وقولهم : يعلمه رجل من أهل اليمامة اسمه الرحمان . وقول النضر بن الحارث ~~المتقدم ديباجة تفسير هذه السورة . | # وفي هذا الاختصاص توافق بين جملة البدل والجملة المبدل منها في تأكيد كون ~~القرآن من عند الله المفاد بقوله : إنا أنزلناه قرآنا عربيا ( سورة يوسف : ~~2 ) . | # ومعنى نقص } نخبر الأخبار السالفة . وهو منقول من قص الأثر إذا تتبع ~~مواقع الأقدام ليتعرف منتهى سير ms4169 صاحبها . ومصدره : القص بالإدغام ، والقصص ~~بالفك . قال تعالى : { فارتدا على آثارهما قصصا ( سورة الكهف : 64 ) . وذلك ~~أن حكاية أخبار الماضين تشبه اتباع خطاهم ، ألا ترى أنهم سموا الأعمال سيرة ~~وهي في الأصل هيئة السير ، وقالوا : سار فلان سيرة فلان ، أي فعل مثل فعله ~~، وقد فرقوا بين هذا الإطلاق المجازي وبين قص الأثر فخصوا المجازي بالصدر ~~المفكك وغلبوا المصدر المدغم على المعنى الحقيقي مع بقاء المصدر المفكك ~~أيضا كما في قوله : فارتدا على آثارهما قصصا } . | # ف { أحسن القصص } هنا إما مفعول مطلق مبين لنوع فعله ، وإما أن يكون ~~القصص بمعنى المفعول من إطلاق المصدر وإرادة المفعول ، كالخلق بمعنى ~~المخلوق ، وهو إطلاق للقصص شائع أيضا . قال تعالى : { لقد كان في قصصهم ~~عبرة لأولي الألباب ( سورة يوسف : 111 ) . وقد يكون وزن فعل بمعنى المفعول ~~كالنبأ والخبر بمعنى المنبأ به والمخبر به ، ومثله الحسب والنقض . | # وجعل هذا القصص أحسن القصص لأن بعض القصص لا يخلو عن حسن ترتاح له النفوس ~~. وقصص القرآن أحسن من قصص غيره من جهة حسن نظمه وإعجاز أسلوبه وبما يتضمنه ~~من العبر والحكم ، فكل قصص في القرآن هو أحسن القصص في بابه ، وكل قصة في ~~القرآن هي أحسن من كل ما يقصه PageV12P203 القاص في غير القرآن . وليس ~~المراد أحسن قصص القرآن حتى تكون قصة يوسف عليه السلام أحسن من بقية قصص ~~القرآن كما دل عليه قوله : بما أوحينا إليك هذا القرآن } . | # والباء في { بما أوحينا إليك } للسببية متعلقة ب { نقص } ، فإن القصص ~~الوارد في القرآن كان أحسن لأنه وارد من العليم الحكيم ، فهو يوحي ما يعلم ~~أنه أحسن نفعا للسامعين في أبدع الألفاظ والتراكيب ، فيحصل منه غذاء العقل ~~والروح وابتهاج النفس والذوق مما لا تأتي بمثله عقول البشر . | # واسم الإشارة لزيادة التمييز ، فقد تكرر ذكر القرآن بالتصريح والإضمار ~~واسم الإشارة ست مرات ، وجمع له طرق التعريف كلها وهي اللام والإضمار ~~والعلمية والإشارة والإضافة . | # وجملة { وإن كنت من قبله لمن الغافلين } في موضع الحال من كاف الخطاب . ~~وحرف { إن } مخفف من ms4170 الثقيلة ، واسمها ضمير شأن محذوف . | # وجملة { كنت من قبله لمن الغافلين } خبر عن ضمير الشأن المحذوف واللام ~~الداخلة على خبر { كنت } لام الفرق بين { إن } المخففة و ( إن ) النافية . ~~| # وأدخلت اللام في خبر كان لأنه جزء من الجملة الواقعة خبرا عن ( إن ) . | # والضمير في { قبله } عائد إلى القرآن . والمراد من قبل نزوله بقرينة ~~السياق . | # والغفلة : انتفاء العلم لعدم توجه الذهن إلى المعلوم ، والمعنى المقصود ~~من الغفلة ظاهر . ونكتة جعله من الغافلين دون أن يوصف وحده بالغفلة للإشارة ~~إلى تفضيله بالقرآن على كل من لم ينتفع بالقرآن فدخل في هذا الفضل أصحابه ~~والمسلمون على تفاوت مراتبهم في العلم . | # ومفهوم { من قبله } مقصود منه التعريض بالمشركين المعرضين عن هدي القرآن ~~. قال النبي صلى الله عليه وسلم ( مثل ما بعثني الله به من الهدى ~~PageV12P204 والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا فكان منها نقية قبلت الماء ~~فأنبتت الكلأ والعشب الكثير ، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها ~~الناس فشربوا وسقوا وزرعوا ، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ~~ماء ولا تنبت كلأ . فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به ~~فعلم وعلم . ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به ) ~~، أي المشركين الذين مثلهم كمثل من لا يرفع رأسه لينظر . | # | 2 ( 4 ) { إذ قال يوسف لابيه ياأبت إنى رأيت أحد عشر كوكبا والشمس ~~والقمر رأيتهم لى ساجدين } . ) 2 # { إذ قال } بدل اشتمال أو بعض من { أحسن القصص ( سورة يوسف : 3 ) على أن ~~يكون أحسن القصص بمعنى المفعول ، فإن أحسن القصص يشتمل على قصص كثير ، منه ~~قصص زمان قول يوسف عليه السلام لأبيه إني رأيت أحد عشر كوكبا } وما عقب ~~قوله ذلك من الحوادث . فإذا حمل { أحسن القصص ( سورة يوسف : 3 ) على المصدر ~~فالأحسن أن يكون إذ } منصوبا بفعل محذوف يدل عليه المقام ، والتقدير : اذكر ~~. | # ويوسف اسم عبراني تقدم ذكر اسمه عند قوله تعالى : { وتلك حجتنا آتيناها ~~إبراهيم على قومه } الخ في سورة ms4171 الأنعام ( 83 ) . وهو يوسف بن يعقوب بن ~~إسحاق من زوجه ( راحيل ) . وهو أحد الأسباط الذين تقدم ذكرهم في سورة ~~البقرة . وكان يوسف أحب أبناء يعقوب عليهما السلام إليه وكان فرط محبة أبيه ~~إياه سبب غيرة إخوته منه فكادوا له مكيدة فسألوا أباهم أن يتركه يخرج معهم ~~. فأخرجوه معهم بعلة اللعب والتفسح ، وألقوه في جب ، وأخبروا أباهم أنهم ~~فقدوه ، وأنهم وجدوا قميصه ملوثا بالدم ، وأروه قميصه بعد أن لطخوه بدم ، ~~والتقطه من البئر سيارة من العرب الإسماعيليين كانوا سائرين في طريقهم إلى ~~مصر ، وباعوه كرقيق في سوق عاصمة مصر PageV12P205 السفلى التي كانت يومئذ ~~في حكم أمة من الكنعانيين يعرفون بالعمالقة أو ( الهكصوص ) . وذلك في زمن ~~الملك ( أبو فيس ) أو ( ابيبي ) . ويقرب أن يكون ذلك في حدود سنة تسع ~~وعشرين وسبعمائة وألف قبل المسيح عليه السلام ، فاشتراه ( فوطيفار ) رئيس ~~شرطة فرعون الملقب في القرآن بالعزيز ، أي رئيس المدينة . وحدثت مكيدة له ~~من زوج سيده ألقي بسببها في السجن . وبسبب رؤيا رآها الملك وعبرها يوسف ~~عليه السلام وهو في السجن ، قربه الملك إليه زلفى ، وأولاه على جميع أرض ~~مصر ، وهو لقب العزيز وسماه ( صفنات فعنيج ) ، وزوجه ( أسنات ) بنت أحد ~~الكهنة وعمره يومئذ ثلاثون سنة . وفي مدة حكمه جلب أباه وأقاربه من البرية ~~إلى أرض مصر ، فذلك سبب استيطان بني إسرائيل أرض مصر . وتوفي بمصر في حدود ~~سنة خمس وثلاثين وستمائة وألف قبل ميلاد عيسى عليه السلام . وحنط على ~~الطريقة المصرية . ووضع في تابوت ، وأوصى قبل موته قومه بأنهم إذا خرجوا من ~~مصر يرفعون جسده معهم . ولما خرج بنو إسرائيل من مصر رفعوا تابوت يوسف عليه ~~السلام معهم وانتقلوه معهم في رحلتهم إلى أن دفنوه في ( شكيم ) في مدة يوشع ~~بن نون . | # والتاء في ( أبت ) تاء خاصة بكلمة الأب وكلمة الأم في النداء خاصة على ~~نية الإضافة إلى المتكلم ، فمفادها مفاد : يا أبي ، ولا يكاد العرب يقولون ~~: يا أبي . وورد في سلام ابن عمر على النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه حين ~~وقف على ms4172 قبورهم المنورة . وقد تحير أيمة اللغة في تعليل وصلها بآخر الكلمة ~~في النداء واختاروا أن أصلها تاء تأنيث بقرينة أنهم قد يجعلونها هاء في ~~الوقف ، وأنها جعلت عوضا عن ياء المتكلم لعلة غير وجيهة . والذي يظهر لي أن ~~أصلها هاء السكت جلبوها للوقف على آخر الأب لأنه نقص من لام الكلمة ، ثم ~~لما شابهت هاء التأنيث بكثرة الاستعمال عوملت معاملة آخر الكلمة إذا أضافوا ~~المنادى فقالوا : يا أبتي ، ثم استغنوا عن ياء الإضافة PageV12P206 بالكسرة ~~لكثرة الاستعمال . ويدل لذلك بقاء الياء في بعض الكلام كقول الشاعر الذي لا ~~نعرفه : | # أيا أبتي لا زلت فينا فإنما | # لنا أمل في العيش ما دمت عائشا | # ويجوز كسر هذه التاء وفتحها ، وبالكسر قرأها الجمهور ، وبفتح التاء قرأ ~~ابن عامر وأبو جعفر . | # والنداء في الآية مع كون المنادى حاضرا مقصود به الاهتمام بالخبر الذي ~~سيلقى إلى المخاطب فينزل المخاطب منزلة الغائب المطلوب حضوره ، وهو كناية ~~عن الاهتمام أو استعارة له . | # والكوكب : النجم ، تقدم عند قوله تعالى : { فلما جن عليه الليل رأى كوكبا ~~} في سورة الأنعام ( 76 ) . | # وجملة { رأيتهم } مؤكدة لجملة { رأيت أحد عشر كوكبا } ، جيء بها على ~~الاستعمال في حكاية المرائي الحلمية أن يعاد فعل الرؤية تأكيدا لفظيا أو ~~استئنافا بيانيا ، كأن سامع الرؤيا يستزيد الرائي أخبارا عما رأى . | # ومثال ذلك ما وقع في ( الموطأ ) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ~~أراني الليلة عند الكعبة فرأيت رجلا آدم ) الحديث . | # وفي البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( رأيت في المنام أني ~~أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل ، ورأيت فيها بقرا تذبح ، ورأيت . . والله ~~خير ) . وقد يكون لفظ آخر في الرؤيا غير فعلها كما في الحديث الطويل ( إنه ~~أتاني الليلة آتيان ، وإنهما ابتعثاني ، وإنهما قالا لي : انطلق ، وإني ~~انطلقت معهما ، وإنا أتينا على رجل مضطجع ) الحديث بتكرار كلمة ( إن ) ~~وكلمة ( إنا ) مرارا في هذا الحديث . | PageV12P207 # وقرأ الجمهور { أحد عشر } بفتح العين من { عشر } . وقرأه أبو جعفر بسكون ~~العين . | # واستعمل ضمير جمع المذكر للكواكب ms4173 والشمس والقمر في قوله : { رأيتهم لي ~~ساجدين } ، لأن كون ذلك للعقلاء غالب لا مطرد ، كما قال تعالى في الأصنام { ~~وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون ( سورة الأعراف : 198 ) ، وقال : يا أيها ~~النمل ادخلوا ( سورة النمل : 18 ) . | # وقال جماعة من المفسرين : إنه لما كانت الحالة المرئية من الكواكب والشمس ~~والقمر حالة العقلاء ، وهي حالة السجود نزلها منزلة العقلاء ، فأطلق عليها ~~ضمير ( هم ) وصيغة جمعهم . | # وتقديم المجرور على عامله في قوله : لي ساجدين } للاهتمام ، عبر به عن ~~معنى تضمنه كلام يوسف عليه السلام بلغته يدل على حالة في الكواكب من ~~التعظيم له تقتضي الاهتمام بذكره فأفاده تقديم المجرور في اللغة العربية . ~~| # وابتداء قصة يوسف عليه السلام بذكر رؤياه إشارة إلى أن الله هيأ نفسه ~~للنبوءة فابتدأه بالرؤيا الصادقة كما جاء في حديث عائشة ( أن أول ما ابتدىء ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة فكان لا يرى رؤيا ~~إلا جاءت مثل فلق الصبح ) . وفي ذلك تمهيد للمقصود من القصة وهو تقرير فضل ~~يوسف عليه السلام من طهارة وزكاء نفس وصبر . فذكر هذه الرؤيا في صدر القصة ~~كالمقدمة والتمهيد للقصة المقصودة . | # وجعل الله تلك الرؤيا تنبيها ليوسف عليه السلام بعلو شأنه ليتذكرها كلما ~~حلت به ضائقة فتطمئن بها نفسه أن عاقبته طيبة . | # وإنما أخبر يوسف عليه السلام أباه بهاته الرؤيا لأنه علم بإلهام أو ~~بتعليم سابق من أبيه أن للرؤيا تعبيرا ، وعلم أن الكواكب والشمس والقمر ~~كناية PageV12P208 عن موجودات شريفة ، وأن سجود المخلوقات الشريفة له كناية ~~عن عظمة شأنه . ولعله علم أن الكواكب كناية عن موجودات متماثلة ، وأن الشمس ~~والقمر كناية عن أصلين لتلك الموجودات فاستشعر على الإجمال دلالة رؤياه على ~~رفعة شأنه فأخبر بها أباه . | # وكانوا يعدون الرؤيا من طرق الإنباء بالغيب ، إذا سلمت من الاختلاط وكان ~~مزاج الزائي غير منحرف ولا مضطرب ، وكان الرائي قد اعتاد وقوع تأويل رؤياه ~~، وهو شيء ورثوه من صفاء نفوس أسلافهم إبراهيم وإسحاق عليهم السلام . فقد ~~كانوا آل بيت نبوءة وصفاء سريرة . | # ولما ms4174 كانت رؤيا الأنبياء وحيا ، وقد رأى إبراهيم عليه السلام في المنام ~~أنه يذبح ولد فلما أخبره { قال يا أبت افعل ما تؤمر ( سورة الصافات : 102 ) ~~. وإلى ذلك يشير قول أبي يوسف عليه السلام : ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب ~~كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق ( سورة يوسف : 6 ) . فلا جرم أن ~~تكون مرائي أبنائهم مكاشفة وحديثا ملكيا . | # وفي الحديث : لم يبق من المبشرات إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى ~~له . | # والاعتداد بالرؤيا من قديم أمور النبوءة . وقد جاء في التوراة أن الله ~~خاطب إبراهيم عليه السلام في رؤيا رآها وهو في طريقه ببلاد شاليم بلد ملكي ~~صادق وبشره بأنه يهبه نسلا كثيرا ، ويعطيه الأرض التي هو سائر فيها ( في ~~الإصحاح 15 من سفر التكوين ) . | # أما العرب فإنهم وإن لم يرد في كلامهم شيء يفيد اعتدادهم بالأحلام ، ولعل ~~قول كعب بن زهير : | # إن الأماني والأحلام تضليل | PageV12P209 # يفيد عدم اعتدادهم بالأحلام ، فإن الأحلام في البيت هي مرائي النوم . | # ولكن ذكر ابن إسحاق رؤيا عبد المطلب وهو قائم في الحجر أنه أتاه آت فأمره ~~بحفر بئر زمزم فوصف له مكانها ، وكانت جرهم سدموها عند خروجهم من مكة . ~~وذكر ابن إسحاق رؤيا عاتكة بنت عبد المطلب أن : راكبا أقبل على بعير فوقف ~~بالأبطح ثم صرخ : يا آل غدر أخرجوا إلى مصارعكم في ثلاث فكانت وقعة بدر ~~عقبها بثلاث ليال . | # وقد عدت المرائي النومية في أصول الحكمة الإشراقية وهي من تراثها عن حكمة ~~الأديان السالفة مثل الحنيفية . وبالغ في تقريبها بالأصول النفسية شهاب ~~الدين الحكيم السهروردي في هياكل النور وحكمة الإشراق ، وأبو علي بن سينا ~~في الإشارات بما حاصله : وأصله : أن النفس الناطقة ( وهي المعبر عنها ~~بالروح ) هي من الجواهر المجردة التي مقرها العالم العلوي ، فهي قابلة ~~لاكتشاف الكائنات على تفاوت في هذا القبول ، وأنها تودع في جسم الجنين عند ~~اكتمال طور المضغة ، وأن للنفس الناطقة آثارا من الانكشافات إذا ظهرت فقد ~~ينتقش بعضها بمدارك صاحب النفس في لوح حسه المشترك ، وقد ms4175 يصرفه عن الانتقاش ~~شاغلان : أحدهما } حسي خارجي ، والآخر باطني عقلي أو وهمي ، وقوى النفس ~~متجاذبة متنازعة فإذا اشتد بعضها ضعف البعض الآخر كما إذا هاج الغضب ضعفت ~~الشهوة ، فكذلك إن تجرد الحس الباطن للعمل شغل عن الحس الظاهر ، والنوم ~~شاغل للحس ، فإذا قلت شواغل الحواس الظاهرة فقد تتخلص النفس عن شغل ~~مخيلاتها ، فتطلع على أمور مغيبة ، فتكون المنامات الصادقة . | # والرؤيا الصادقة حالة يكرم الله بها بعض أصفيائه الذين زكت نفوسهم فتتصل ~~نفوسهم بتعلقات من علم الله وتعلقات من إرادته وقدرته وأمره التكويني ~~فتنكشف بها الأشياء المغيبة بالزمان قبل وقوعها ، أو المغيبة بالمكان قبل ~~اطلاع الناس عليها اطلاعا عاديا ، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~PageV12P210 ( الرؤيا الصالحة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا من ~~النبوءة ) . وقد بين تحديد هذه النسبة الواقعة في الحديث في شروح الحديث . ~~وقال : ( لم يبق من النبوءة إلا المبشرات وهي الرؤيا الصالحة للرجل الصالح ~~يراها أو ترى له ) . | # وإنما شرطت المرائي الصادقة بالناس الصالحين لأن الارتياض على الأعمال ~~الصالحة شاغل للنفس عن السيئات ، ولأن الأعمال الصالحات ارتقاءات وكمالات ~~فهي معينة لجوهر النفس على الاتصال بعالمها الذي خلقت فيه وأنزلت منه ، ~~وبعكس ذلك الأعمال السيئة تبعدها عن مألوفاتها وتبلدها وتذبذبها . | # والرؤيا مراتب : | # منها أن : ترى صور أفعال تتحقق أمثالها في الوجود مثل رؤيا النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه يهاجر من مكة إلى أرض ذات نخل ، وظنه أن تلك الأرض ~~اليمامة فظهر أنها المدينة ، ولا شك أنه لما رأى المدينة وجدها مطابقة ~~للصورة التي رآها ، ومثل رؤياه امرأة في سرقة من حرير فقيل له اكشفها فهي ~~زوجك فكشف فإذا هي عائشة ، فعلم أن سيتزوجها . وهذا النوع نادر وحالة الكشف ~~فيه قوية . | # ومنها أن ترى صور تكون رموزا للحقائق التي ستحصل أو التي حصلت في الواقع ~~، وتلك من قبيل مكاشفة النفس للمعاني والمواهي وتشكيل المخيلة تلك الحقائق ~~في أشكال محسوسة هي من مظاهر تلك المعاني ، وهو ضرب من ضروب التشبيه ~~والتمثيل الذي تخترعه ألباب الخطباء والشعراء ms4176 ، إلا أن هذا تخترعه الألباب ~~في حالة هدو الدماغ من الشواغل الشاغلة ، فيكون أتقن وأصدق . وهذا أكثر ~~أنواع المرائي . ومنه رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم أنه يشرب من قدح لبن ~~حتى رأى الري في أظفاره ثم أعطى فضله عمر بن الخطاب رضي الله عنه . وتعبيره ~~ذلك بأنه العلم . | PageV12P211 # وكذلك رؤياه امرأة سوداء ناشرة شعرها خارجة من المدينة إلى الجحفة ، ~~فعبرها بالحمى تنتقل من المدينة إلى الجحفة ، ورئي عبد الله بن سلام أنه في ~~روضة ، وأن فيها عمودا ، وأن فيه عروة ، وأنه أخذ بتلك العروة فارتقى إلى ~~أعلى العمود ، فعبره النبي صلى الله عليه وسلم بأنه لا يزال آخذا بالإيمان ~~الذي هو العروة الوثقى ، وأن الروضة هي الجنة ، فقد تطابق التمثيل النومي ~~مع التمثيل المتعارف في قوله تعالى : { فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد ~~استمسك بالعروة الوثقى ( سورة البقرة : 256 ) ، وفي قول النبي : ما بين ~~بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة . | # وسيأتي تأويل هذه الرؤيا عند قوله تعالى : وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي ~~من قبل ( سورة يوسف : 100 ) . | # | 2 ( 5 ) قال يابنى لا تقصص رءياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان ~~للإنسان عدو مبين } . ) 2 # جاءت الجملة مفصولة عن التي قبلها على طريقة المحاورات . وقد تقدمت عند ~~قوله تعالى : { قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها } في سورة البقرة ( 30 ) . | # والنداء مع حضور المخاطب مستعمل في طلب إحضار الذهن اهتماما بالغرض ~~المخاطب فيه . | # و { بني } بكسر الياء المشددة تصغير ابن مع إضافته إلى ياء المتكلم وأصله ~~بنيوي أو بنييي على الخلاف في أن لام ابن الملتزم عدم ظهورها هي واو أم ياء ~~. وعلى كلا التقديرين فإنها أدغمت فيها ياء التصغير بعد قلب الواو ياء ~~لتقارب الياء والواو ، أو لتماثلهما فصار ( بنيي ) . وقد اجتمع ثلاث ياءات ~~فلزم حذف واحدة منها فحذفت ياء المتكلم لزوما وألقيت الكسرة PageV12P212 ~~التي اجتلبت لأجلها على ياء التصغير دلالة على الياء المحذوفة . وحذف ياء ~~المتكلم من المنادى المضاف شائع ، وبخاصة إذا كان في إبقائها ثقل كما ms4177 هنا ، ~~لأن التقاء ياءات ثلاث فيه ثقل . | # وهذا التصغير كناية عن تحبيب وشفقة . نزل الكبير منزلة الصغير لأن شأن ~~الصغير أن يحب ويشفق عليه . وفي ذلك كناية عن إمحاض النصح له . | # والقص : حكاية الرؤيا . يقال : قص الرؤيا إذا حكاها وأخبر بها . وهو جاء ~~من القصص كما علمت آنفا . | # والرؤيا بألف التأنيث هي : رؤية الصور في النوم ، فرقوا بينها وبين رؤية ~~اليقظة باختلاف علامتي التأنيث ، وهي بوزن البشرى والبقيا . | # وقد علم يعقوب عليه السلام أن إخوة يوسف عليه السلام العشرة كانوا يغارون ~~منه لفرط فضله عليهم خلقا وخلقا ، وعلم أنهم يعبرون الرؤيا إجمالا وتفصيلا ~~، وعلم أن تلك الرؤيا تؤذن برفعة ينالها يوسف عليه السلام على إخوته الذين ~~هم أحد عشر فخشي إن قصها يوسف عليه السلام عليهم أن تشتد بهم الغيرة إلى حد ~~الحسد ، وأن يعبروها على وجهها فينشأ فيهم شر الحاسد إذا حسد ، فيكيدوا له ~~كيدا ليسلموا من تفوقه عليهم وفضله فيهم . | # والكيد : إخفاء عمل يضر المكيد . وتقدم عند قوله تعالى : { وأملي لهم إن ~~كيدي متين } في سورة الأعراف ( 183 ) . | # واللام في { لك } لتأكيد صلة الفعل بمفعوله كقوله : شكرت لك النعمى . | # وتنوين { كيدا } للتعظيم والتهويل زيادة في تحذيره من قص الرؤيا عليهم . ~~| # وقصد يعقوب عليه السلام من ذلك نجاة ابنه من أضرار تلحقه ، وليس قصده ~~إبطال ما دلت عليه الرؤيا فإنه يقع بعد أضرار ومشاق . وكان يعلم أن بنيه لم ~~يبلغوا في العلم مبلغ غوص النظر المفضي إلى أن الرؤيا إن كانت PageV12P213 ~~دالة على خير عظيم يناله فهي خبر إلهي ، وهو لا يجوز عليه عدم المطابقة ~~للواقع في المستقبل ، بل لعلهم يحسبونها من الإنذار بالأسباب الطبيعية التي ~~يزول تسببها بتعطيل بعضها . | # وقول يعقوب عليه السلام هذا لابنه تحذير له مع ثقته بأن التحذير لا يثير ~~في نفسه كراهة لإخوته لأنه وثق منه بكمال العقل ، وصفاء السريرة ، ومكارم ~~الخلق . ومن كان حاله هكذا كان سمحا ، عاذرا ، معرضا عن الزلات ، عالما ~~بأثر الصبر في رفعة الشأن ، ولذلك قال لإخوته { إنه من يتق ms4178 ويصبر فإن الله ~~لا يضيع أجر المحسنين ( سورة يوسف : 90 ) وقال : لا تثريب عليكم اليوم يغفر ~~الله لكم وهو أرحم الراحمين ( سورة يوسف : 92 ) . وقد قال أحد ابني آدم ~~عليه السلام لأخيه الذي قال له لأقتلنك حسدا لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما ~~أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين ( سورة المائدة : 28 ~~) . فلا يشكل كيف حذر يعقوب يوسف عليهما السلام من كيد إخوته ، ولذلك عقب ~~كلامه بقوله : إن الشيطان للإنسان عدو مبين } ليعلم أنه ما حذره إلا من نزغ ~~الشيطان في نفوس إخوته . وهذا كاعتذار النبي صلى الله عليه وسلم للرجلين من ~~الأنصار اللذين لقياه ليلا وهو يشيع زوجه أم المؤمنين إلى بيتها فلما رأياه ~~وليا ، فقال : ( على رسلكما إنها صفية ، فقالا : سبحان الله يا رسول الله ~~وأكبرا ذلك ، فقال لهما : إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم وإني خشيت ~~أن يقذف في نفوسكما ) . فهذه آية عبرة بتوسم يعقوب عليه السلام أحوال ~~أبنائه وارتيائه أن يكف كيد بعضهم لبعض . | # فجملة { إن الشيطان للإنسان } الخ واقعة موقع التعليل للنهي عن قص الرؤيا ~~على إخوته . وعداوة الشيطان لجنس الإنسان تحمله على أن يدفعهم إلى إضرار ~~بعضهم ببعض . | # وظاهر الآية أن يوسف عليه السلام لم يقص رؤياه على إخوته وهو PageV12P214 ~~المناسب لكماله الذي يبعثه على طاعة أمر أبيه . ووقع في الإسرائيليات أنه ~~قصها عليهم فحسدوه . | # | 2 ( 6 ) { وكذالك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الاحاديث ويتم نعمته عليك ~~وعلى ءال يعقوب كمآ أتمهآ على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق إن ربك عليم ~~حكيم } . ) 2 # عطف هذا الكلام على تحذيره من قص الرؤيا على إخوته إعلاما له بعلو قدره ~~ومستقبل كماله ، كي يزيد تمليا من سمو الأخلاق فيتسع صدره لاحتمال أذى ~~إخوته ، وصفحا عن غيرتهم منه وحسدهم إياه ليتمحض تحذيره للصلاح ، وتنتفي ~~عنه مفسدة إثارة البغضاء ونحوها ، حكمة نبوية عظيمة وطبا روحانيا ناجعا . | # والإشارة في قوله : { وكذلك } إلى ما دلت عليه الرؤيا من العناية ~~الربانية به ، أي ومثل ذلك الاجتباء ms4179 يجتبيك ربك في المستقبل ، والتشبيه هنا ~~تشبيه تعليل لأنه تشبيه أحد المعلولين بالآخر لاتحاد العلة . وموقع الجار ~~والمجرور موقع المفعول المطلق ل { يجتبيك } المبين لنوع الاجتباء ووجهه . | # والاجتباء : الاختيار والاصطفاء . وتقدم في قوله تعالى : { واجتبيناهم } ~~في سورة الأنعام ( 87 ) ، أي اختياره من بين إخوته ، أو من بين كثير من ~~خلقه . وقد علم يعقوب عليه السلام ذلك بتعبير الرؤيا ودلالتها على رفعة ~~شأنه في المستقبل فتلك إذا ضمت إلى ما هو عليه من الفضائل آلت إلى اجتباء ~~الله إياه ، وذلك يؤذن بنبوءته . وإنما علم يعقوب عليه السلام أن رفعة يوسف ~~عليه السلام في مستقبله رفعة إلهية لأنه علم أن نعم الله تعالى متناسبة ~~فلما كان ما ابتدأه به من النعم اجتباء وكمالا نفسيا تعين أن يكون ما يلحق ~~بها ، من نوعها . | PageV12P215 # ثم إن ذلك الارتقاء النفساني الذي هو من الواردات الإلهية غايته أن يبلغ ~~بصاحبه إلى النبوءة أو الحكمة فلذلك علم يعقوب عليه السلام أن الله سيعلم ~~يوسف عليه السلام من تأويل الأحاديث ، لأن مسبب الشيء مسبب عن سبب ذلك ~~الشيء ، فتعليم التأويل ناشىء عن التشبيه الذي تضمنه قوله : { وكذلك } ، ~~ولأن اهتمام يوسف عليه السلام برؤياه وعرضها على أبيه دل أباه على أن الله ~~أودع في نفس يوسف عليه السلام الاعتناء بتأويل الرؤيا وتعبيرها . وهذه آية ~~عبرة بحال يعقوب عليه السلام مع ابنه إذ أشعره بما توسمه من عناية الله به ~~ليزداد إقبالا على الكمال بقوله : { ويتم نعمته عليك } . | # والتأويل : إرجاع الشيء إلى حقيقته ودليله . وتقدم عند قوله تعالى : { ~~وما يعلم تأويله إلا الله ( سورة آل عمران : 7 ) . | # والأحاديث } : يصح أن يكون جمع حديث بمعنى الشيء الحادث ، فتأويل ~~الأحاديث : إرجاع الحوادث إلى عللها وأسبابها بإدراك حقائقها على التمام . ~~وهو المعنى بالحكمة ، وذلك بالاستدلال بأصناف الموجودات على قدرة الله ~~وحكمته ، ويصح أن يكون الأحاديث جمع حديث بمعنى الخبر المتحدث به ، ~~فالتأويل : تعبير الرؤيا . سميت أحاديث لأن المرائي يتحدث بها الراؤون وعلى ~~هذا المعنى حملها بعض المفسرين . واستدلوا بقوله في آخر القصة { وقال ms4180 يا ~~أبت هذا تأويل رؤياي من قبل ( سورة يوسف : 100 ) . ولعل كلا المعنيين مراد ~~بناء على صحة استعمال المشترك في معنييه وهو الأصح ، أو يكون اختيار هذا ~~اللفظ إيجازا معجزا ، إذ يكون قد حكي به كلام طويل صدر من يعقوب عليه ~~السلام بلغته يعبر عن تأويل الأشياء بجميع تلك المعاني . | # وإتمام النعمة عليه هو إعطاؤه أفضل النعم وهي نعمة النبوءة ، أو هو ضميمة ~~الملك إلى النبوءة والرسالة ، فيكون المراد إتمام نعمة الاجتباء الأخروي ~~بنعمة المجد الدنيوي . | PageV12P216 # وعلم يعقوب عليه السلام ذلك من دلالة الرؤيا على سجود الكواكب والنيرين ~~له ، وقد علم يعقوب عليه السلام تأويل تلك بإخوته وأبويه أو زوج أبيه وهي ~~خالة يوسف عليه السلام ، وعلم من تمثيلهم في الرؤيا أنهم حين يسجدون له ~~يكون أخوته قد نالوا النبوءة ، وبذلك علم أيضا أن الله يتم نعمته على إخوته ~~وعلى زوج يعقوب عليه السلام بالصديقية إذا كانت زوجة نبيء . فالمراد من آل ~~يعقوب خاصتهم وهم أنباؤه وزوجه ، وإن كان المراد بإتمام النعمة ليوسف عليه ~~السلام إعطاء الملك فإتمامها على آل يعقوب هو أن زادهم على ما أعطاهم من ~~الفضل نعمة قرابة الملك ، فيصح حينئذ أن يكون المراد من آله جميع قرابته . ~~| # والتشبيه في قوله : كما أتمها على أبويك من قبل } تذكير له بنعم سابقة ، ~~وليس مما دلت عليه الرؤيا . ثم إن كان المراد من إتمام النعمة النبوءة ~~فالتشبيه تام ، وإن كان المراد من إتمام النعمة الملك فالتشبيه في إتمام ~~النعمة على الإطلاق . | # وجعل إبراهيم وإسحاق عليهما السلام أبوين له لأن لهما ولادة عليه ، فهما ~~أبواه الأعليان بقرينة المقام كقول النبي صلى الله عليه وسلم ( أنا ابن عبد ~~المطلب ) . | # وجملة { إن ربك عليم حكيم } تذييل بتمجيد هذه النعم ، وأنها كائنة على ~~وفق علمه وحكمته ، فعلمه هو علمه بالنفوس الصالحة لهذه الفضائل ، لأنه ~~خلقها لقبول ذلك فعلمه بها سابق ، وحكمته وضع النعم في مواضعها المناسبة . ~~| # وتصدير الجملة ب { إن } للاهتمام لا للتأكيد إذ لا يشك يوسف عليه السلام ~~في علم الله وحكمته ms4181 . والاهتمام ذريعة إلى إفادة التعليل . والتفريع في ذلك ~~تعريض بالثناء على يوسف عليه السلام وتأهله لمثل تلك الفضائل . | # | PageV12P217 # | 2 ( 7 ) { لقد كان فى يوسف وإخوته ءايات للسآئلين } . ) 2 # جملة ابتدائية ، وهي مبدأ القصص المقصود ، إذ كان ما قبله كالمقدمة له ~~المنبئة بنباهة شأن صاحب القصة ، فليس هو من الحوادث التي لحقت يوسف عليه ~~السلام ولهذا كان أسلوب هذه الجملة كأسلوب القصص ، وهو قوله : { إذ قالوا ~~ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ( سورة يوسف : 8 ) نظير قوله تعالى : إن ~~يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين ~~( سورة ص : 70 ، 71 ) إلى آخر القصة . | # والظرفية المستفاد من في } ظرفية مجازية بتشبيه مقارنة الدليل للمدلول ~~بمقارنة المظروف للظرف ، أي لقد كان شأن يوسف عليه السلام وإخوته مقارنا ~~لدلائل عظيمة من العبر والمواعظ ، والتعريف بعظيم صنع الله تعالى وتقديره . ~~| # والآيات : الدلائل على ما تتطلب معرفته من الأمور الخفية . | # والآيات حقيقة في آيات الطريق ، وهي علامات يجعلونها في المفاوز تكون ~~بادية لا تغمرها الرمال لتكون مرشدة للسائرين ، ثم أطلقت على حجج الصدق ، ~~وأدلة المعلومات الدقيقة . وجمع الآيات هنا مراعى فيه تعددها وتعدد أنواعها ~~، ففي قصة يوسف عليه السلام دلائل على ما للصبر وحسن الطوية من عواقب الخير ~~والنصر ، أو على ما للحسد والإضرار بالناس من الخيبة والاندحار والهبوط . | # وفيها من الدلائل على صدق النبي صلى الله عليه وسلم ، وأن القرآن وحي من ~~الله ، إذ جاء في هذه السورة ما لا يعلمه إلا أحبار أهل الكتاب دون قراءة ~~ولا كتاب وذلك من المعجزات . | PageV12P218 # وفي بلاغة نظمها وفصاحتها من الإعجاز ما هو دليل على أن هذا الكلام من ~~صنع الله ألقاه إلى رسوله صلى الله عليه وسلم معجزة له على قومه أهل ~~الفصاحة والبلاغة . | # والسائلون : مراد منهم من يتوقع منه السؤال عن المواعظ والحكم كقوله ~~تعالى : { في أربعة أيامم سواء للسائلين ( سورة فصلت : 10 ) . ومثل هذا ~~يستعمل في كلام العرب للتشويق ، والحث على تطلب الخبر والقصة . قال طرفة ms4182 : ~~| # سائلوا عنا الذي يعرفنا | # بقوانا يوم تحلاق اللمم | # وقال السموءل أو عبد الملك الحارثي : | # سلي إن جهلت الناس عنا وعنهم | # فليس سواء عالم وجهول | # وقال عامر بن الطفيل : | # طلقتت إن لم تسألي أي فارس | # حليلك إذ لاقى صداء وخثعما | # وقال أنيف بن زبان النبهاني : | # فلما التقينا بين السيف بيننا | # لسائلة عنا حفي سؤالها | # وأكثر استعمال ذلك في كلامهم يكون توجيهه إلى ضمير الأنثى ، لأن النساء ~~يعنين بالسؤال عن الأخبار التي يتحدث الناس بها ، ولما جاء القرآن وكانت ~~أخباره التي يشوق إلى معرفتها أخبار علم وحكمة صرف ذلك الاستعمال عن ~~التوجيه إلى ضمير النسوة ، ووجه إلى ضمير المذكر كما في قوله : سأل سائل ~~بعذابب واقع ( سورة المعارج : 1 ) وقوله : عم يتساءلون ( سورة النبأ : 1 ) ~~. | # وقيل المراد ب ( السائلين ) اليهود إذ سأل فريق منهم النبي عن ذلك . وهذا ~~لا يستقيم لأن السورة مكية ولم يكن لليهود مخالطة للمسلمين بمكة . | # | PageV12P219 # | 2 ( 8 ) إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا ~~لفى ضلال مبين } . ) 2 # { إذ } ظرف متعلق ب ( كان ) من قوله : { لقد كان في يوسف وإخوته آيات ~~للسائلين ( سورة يوسف : 7 ) ، فإن ذلك الزمان موقع من مواقع الآيات فإن في ~~قولهم ذلك حينئذ عبرة من عبر الأخلاق التي تنشأ من حسد الإخوة والأقرباء ، ~~وعبرة من المجازفة في تغليطهم أباهم ، واستخفافهم برأيه غرورا منهم ، وغفلة ~~عن مراتب موجبات ميل الأب إلى بعض أبنائه . وتلك الآيات قائمة في الحكاية ~~عن ذلك الزمن . | # وهذا القول المحكي عنهم قول تآمر وتحاور . | # وافتتاح المقول بلام الابتداء المفيدة للتوكيد لقصد تحقيق الخبر . ~~والمراد : توكيد لازم الخبر إذ لم يكن فيهم من يشك في أن يوسف عليه السلام ~~وأخاه أحب إلى أبيهم من بقيتهم ولكنهم لم يكونوا سواء في الحسد لهما ~~والغيرة من تفضيل أبيهم إياهما على بقيتهم ، فأراد بعضهم إقناع بعض بذلك ~~ليتمالؤوا على الكيد ليوسف عليه السلام وأخيه ، كما سيأتي عند قوله : ونحن ~~عصبة } ، وقوله : { قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف ( سورة يوسف : 10 ms4183 ) ؛ ~~فقائل الكلام بعض إخوته ، أي جماعة منهم بقرينة قوله بعد اقتلوا يوسف ( ~~سورة يوسف : 9 ) وقولهم : قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف ( سورة يوسف : 10 ) ~~. | # وأخو يوسف عليه السلام أريد به ( بنيامين ) وإنما خصوه بالأخوة لأنه كان ~~شقيقه ، أمهما ( راحيل ) بنت ( لابان ) ، وكان بقية إخوته إخوة للأب ، أم ~~بعضهم ( ليئة ) بنت ( لابان ) ، وأم بعضهم ( بلهة ) جارية ( ليئة ) وهبتها ~~( ليئة ) لزوجها يعقوب عليه السلام . | # وأحب } اسم تفضيل ، وأفعل التفضيل يتعدى إلى المفضل ب ( من ) ، ويتعدى ~~إلى المفضل عنده ب ( إلى ) . | PageV12P220 # ودعواهم أن يوسف عليه السلام وأخاه أحب إلى يعقوب عليه السلام منهم يجوز ~~أن تكون دعوى باطلة أثار اعتقادها في نفوسهم شدة الغيرة من أفضلية يوسف ~~عليه السلام وأخيه عليهم في الكمالات وربما سمعوا ثناء أبيهم على يوسف عليه ~~السلام وأخيه في أعمال تصدر منهما أو شاهدوه يأخذ بإشارتهما أو رأوا منه ~~شفقة عليهما لصغرهما ووفاة أمهما فتوهموا من ذلك أنه أشد حبا إياهما منهم ~~توهما باطلا . ويجوز أن تكون دعواهم مطابقة للواقع وتكون زيادة محبته ~~إياهما أمرا لا يملك صرفه عن نفسه لأنه وجدان ولكنه لم يكن يؤثرهما عليهم ~~في المعاملات والأمور الظاهرية ويكون أبناؤه قد علموا فرط محبة أبيهم ~~إياهما من التوسم والقرائن لا من تفضيلهما في المعاملة فلا يكون يعقوب عليه ~~السلام مؤاخذا بشيء يفضي إلى التباغض بين الإخوة . | # وجملة { ونحن عصبة } في موضع الحال من { أحب } ، أي ونحن أكثر عددا . ~~والمقصود من الحال التعجب من تفضيلهما في الحب في حال أن رجاء انتفاعه من ~~إخوتهما أشد من رجائه منهما ، بناء على ما هو الشائع عند عامة أهل البدو من ~~الاعتزاز بالكثرة ، فظنوا مدارك يعقوب عليه السلام مساوية لمدارك الدهماء ، ~~والعقول قلما تدرك مراقي ما فوقها ، ولم يعلموا أن ما ينظر إليه أهل الكمال ~~من أسباب التفضيل غير ما ينظره من دونهم . | # وتكون جملة { إن أبانا لفي ضلال مبين } تعليلا للتعجب وتفريعا عليه ، ~~وضمير { ونحن عصبة } لجميع الإخوة عدا يوسف عليه السلام وأخاه . ويجوز أن ~~تكون جملة { ونحن ms4184 عصبة } عطفا على جملة { ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا } . ~~والمقصود لازم الخبر وهو تجرئة بعضهم بعضا عن إتيان العمل الذي سيغريهم به ~~في قولهم : { اقتلوا يوسف ( سورة يوسف : 9 ) ، أي إنا لا يعجزنا الكيد ~~ليوسف عليه السلام وأخيه فإنا عصبة والعصبة يهون عليهم العمل العظيم الذي ~~لا يستطيعه العدد القليل كقوله : قالوا لئن أكله الذئب PageV12P221 ونحن ~~عصبة إنا إذن لخاسرون ( سورة يوسف : 14 ) ، وتكون جملة إن أبانا } تعليلا ~~للإغراء وتفريعا عليه . | # و ( العصبة : اسم جمع لا واحد له من لفظه ، مثل أسماء الجماعات ، ويقال : ~~العصابة . قال جمهور اللغويين : تطلق العصبة على الجماعة من عشرة إلى ~~أربعين ) . وعن ابن عباس أنها من ثلاثة إلى عشرة ، وذهب إليه بعض أهل اللغة ~~وذكروا أن في مصحف حفصة قوله تعالى : ( إن الذين جاءوا بالإفك عصبة أربعة ~~منكم ) . | # وكان أبناء يعقوب عليه السلام اثني عشر ، وهم الأسباط . وقد تقدم الكلام ~~عليهم عند قوله تعالى : { أم يقولون إن إبراهيم الآية في سورة البقرة ( 140 ~~) . | # والضلال إخطاء مسلك الصواب . وإنما : أراد وأخطأ التدبير للعيش لا الخطأ ~~في الدين والاعتقاد . والتخطئة في أحوال الدنيا لا تنافي الاعتراف للمخطىء ~~بالنبوءة . | # | 2 ( 9 ) اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده ~~قوما صالحين } . ) 2 # جملة مستأنفة استئنافا بيانيا لأن الكلام المتقدم يثير سؤالا في نفوس ~~السامعين عن غرض القائلين مما قالوه فهذا المقصود للقائلين . وإنما جعلوا ~~له الكلام السابق كالمقدمة لتتأثر نفوس السامعين فإذا ألقي إليها المطلوب ~~كانت سريعة الامتثال إليه . | # وهذا فن من صناعة الخطابة أن يفتتح الخطيب كلامه بتهيئة نفوس السامعين ~~لتتأثر بالغرض المطلوب . فإن حالة تأثر النفوس تغني عن الخطيب PageV12P222 ~~غناء جمل كثيرة من بيان العلل والفوائد ، كما قال الحريري في المقامة ~~الحادية عشرة ( فلما دفنوا الميت ، وفات قول ليت ، أشرف شيخ من رباوة ، ~~متأبطا لهراوة ، فقال لمثل هذا فليعمل العاملون ) . وانهل في الخطب . | # والأمر مستعمل في الإرشاد . وأرادوا ارتكاب شيء يفرق بين يوسف وأبيه ~~عليهما السلام تفرقة لا يحاول من جرائها اقترابا ms4185 بأن يعدموه أو ينقلوه إلى ~~أرض أخرى فيهلك أو يفترس . | # وهذه آية من عبر الأخلاق السيئة وهي التخلص من مزاحمة الفاضل بفضله لمن ~~هو دونه فيه أو مساويه بإعدام صاحب الفضل وهي أكبر جريمة لاشتمالها على ~~الحسد ، والإضرار بالغير ، وانتهاك ما أمر الله بحفظه ، وهم قد كانوا أهل ~~دين ومن بيت نبوءة وقد أصلح الله حالهم من بعد وأثنى عليهم وسماهم الأسباط ~~. | # وانتصب { أرضا } على تضمين { اطرحوه } معنى أودعوه ، أو على نزع الخافض ، ~~أو على تشبيهه بالمفعول فيه لأن { أرضا } اسم مكان فلما كان غير محدود وزاد ~~إبهاما بالتنكير عومل معاملة أسماء الجهات ، وهذا أضعف الوجوه . وقد علم أن ~~المراد أرض مجهولة لأبيه . | # وجزم { يخل } في جواب الأمر ، أي إن فعلتم ذلك يخل لكم وجه أبيكم . | # والخلو : حقيقته الفراغ . وهو مستعمل هنا مجازا في عدم التوجه لمن لا ~~يرغبون توجهه له ، فكأن الوجه خلا من أشياء كانت حالة فيه . | # واللام في قوله { لكم } لام العلة ، أي يخل وجه أبيكم لأجلكم ، بمعنى أنه ~~يخلو ممن عداكم فينفرد لكم . | PageV12P223 # وهذا المعنى كناية تلويح عن خلوص محبته لهم دون مشارك . | # وعطف { وتكونوا من بعده } أي من بعد يوسف عليه السلام على { يخل } ليكون ~~من جملة الجواب للأمر . فالمراد كون ناشيء عن فعل المأمور به فتعين أن يكون ~~المراد من الصلاح فيه الصلاح الدنيوي ، أي صلاح الأحوال في عيشهم مع أبيهم ~~، وليس المراد الصلاح الديني . | # وأنما لم يدبروا شيئا في إعدام أخي يوسف عليه السلام شفقة عليه لصغره . | # وإقحام لفظ { قوما } بين كان وخبرها للإشارة إلى أن صلاح الحال صفة ~~متمكنة فيهم كأنه من مقومات قوميتهم . وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى { لآيات ~~لقوم يعقلون في سورة البقرة ( 164 ) وعند قوله تعالى : وما تغني الآيات ~~والنذر عن قوم لا يؤمنون } في سورة يونس ( 101 ) . | # وهذا الأمر صدر من قائله وسامعيه منهم قبل اتصافهم بالنبوءة أو بالولاية ~~لأن فيه ارتكاب كبيرة القتل أو التعذيب والاعتداء ، وكبيرة العقوق . | # | 2 ( 10 ) { قال قآئل منهم لا تقتلوا يوسف ms4186 وألقوه فى غيابة الجب يلتقطه ~~بعض السيارة إن كنتم فاعلين } . ) 2 # فصل جملة { قال قائل } جار على طريقة المقاولات والمحاورات ، كما تقدم في ~~قوله تعالى : { قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها في سورة البقرة ( 30 ) . | # وهذا القائل أحد الإخوة ولذلك وصف بأنه منهم . | # والعدول عن اسمه العلم إلى التنكير والوصفية لعدم الجدوى في معرفة شخصه ~~وإنما المهم أنه من جماعتهم . وتجنبا لما في اسمه العلم من الثقل ~~PageV12P224 اللفظي الذي لا داعي إلى ارتكابه . قيل : إنه ( يهوذا ) وقيل : ~~( شمعون ) وقيل ( روبين ) ، والذي في سفر التكوين من التوراة أنه ( راوبين ~~) صدهم عن قتله وأن يهوذا دل عليه السيارة كما في الإصحاح 37 . وعادة ~~القرآن أن لا يذكر إلا اسم المقصود من القصة دون أسماء الذين شملتهم ، مثل ~~قوله : وقال رجل مؤمن من آل فرعون ( سورة غافر : 28 ) . | # والإلقاء : الرمي . | # والغيابات : جمع غيابة ، وهي ما غاب عن البصر من شيء . فيقال : غيابة ~~الجب وغيابة القبر والمراد قعر الجب . | # والجب : البئر التي تحفر ولا تطوى . | # وقرأ نافع ، وأبو جعفر غيابات بالجمع . ومعناه جهات تلك الغيابة ، أو ~~يجعل الجمع للمبالغة في ماهية الاسم ، كقوله تعالى : أو كظلماتت في بحر لجي ~~( سورة النور : 40 ) وقرأ الباقون في غيابت الجب } بالإفراد . | # والتعريف في { الجب } تعريف العهد الذهني ، أي في غيابة جب من الجباب مثل ~~قولهم : ادخل السوق . وهو في المعنى كالنكرة . | # فلعلهم كانوا قد عهدوا جبابا كائنة على أبعاد متناسبة في طرق أسفارهم ~~يأوون إلى قربها في مراحلهم لسقي رواحلهم وشربهم ، وقد توخوا أن تكون ~~طرائقهم عليها ، وأحسب أنها كانت ينصب إليها ماء السيول ، وأنها لم تكن ~~بعيدة القعر حيث علموا أن إلقاءه في الجب لا يهشم عظامه ولا ماء فيه فيغرقه ~~. | # و { يلتقطه } جواب الأمر في قوله : { وألقوه } . والتقدير : إن تلقوه ~~يلتقطه . والمقصود من التسبب الذي يفيده جواب الأمر إظهار أن ما أشار به ~~PageV12P225 القائل من إلقاء يوسف عليه السلام في غيابة جب هو أمثل مما ~~أشار به الآخرون من قتله أو تركه بفيفاء مهلكة لأنه ms4187 يحصل به إبعاد يوسف ~~عليه السلام عن أبيه إبعادا لا يرجى بعده تلاقيهما دون إلحاق ضر الإعدام ~~بيوسف عليه السلام ؛ فإن التقاط السيارة إياه أبقى له وأدخل في الغرض من ~~المقصود لهم وهو إبعاده ، لأنه إذا التقطه السيارة أخذوه عندهم أو باعوه ~~فزاد بعدا على بعد . | # والالتقاط : تناول شيء من الأرض أو الطريق ، واستعير لأخذ شيء مضاع . | # والسيارة : الجماعة الموصوفة بحالة السير وكثرته ، فتأنيثه لتأويله ~~بالجماعة التي تسير مثل الفلاحة والبحارة . | # والتعريف فيه تعريف العهد الذهني لأنهم علموا أن الطريق لا تخلو من قوافل ~~بين الشام ومصر للتجارة والميرة . | # وجملة { إن كنتم فاعلين } شرط حذف جوابه لدلالة { وألقوه } ، أي إن كنتم ~~فاعلين إبعاده عن أبيه فألقوه في غيابات الجب ولا تقتلوه . | # وفيه تعريض بزيادة التريث فيما أضمروه لعلهم يرون الرجوع عنه أولى من ~~تنفيذه ، ولذلك جاء في شرطه بحرف الشرط وهو { إن } إيماء إلى أنه لا ينبغي ~~الجزم به ، فكان هذا القائل أمثل الإخوة رأيا وأقربهم إلى التقوى ، وقد ~~علموا أن السيارة يقصدون إلى جميع الجباب للاستقاء ، لأنها كانت محتفرة على ~~مسافات مراحل السفر . وفي هذا الرأي عبرة في الاقتصاد من الانتقام ~~والاكتفاء بما يحصل به الغرض دون إفراط . | # | PageV12P226 # | 2 ( 11 ، 12 ) { قالوا ياأبانا ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له ~~لناصحون * أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون } . ) 2 # استئناف بياني لأن سوق القصة يستدعي تساؤل السامع عما جرى بعد إشارة ~~أخيهم عليهم ، وهل رجعوا عما بيتوا وصمموا على ما أشار به أخوهم . | # وابتداء الكلام مع أبيهم بقولهم : { يا أبانا } يقضي أن تلك عادتهم في ~~خطاب الابن أباه . | # ولعل يعقوب عليه السلام كان لا يأذن ليوسف عليه السلام بالخروج مع إخوته ~~للرعي أو للسبق خوفا عليه من أن يصيبه سوء من كيدهم أو من غيرهم ، ولم يكن ~~يصرح لهم بأنه لا يأمنهم عليه ولكن حاله في منعه من الخروج كحال من لا ~~يأمنهم عليه فنزلوه منزلة من لا يأمنهم ، وأتوا بالاستفهام المستعمل في ~~الإنكار على نفي الائتمان ms4188 . | # وفي التوراة أن يعقوب عليه السلام أرسله إلى إخوته وكانوا قد خرجوا يرعون ~~، وإذا لم يكن تحريفا فلعل يعقوب عليه السلام بعد أن امتنع من خروج يوسف ~~عليه السلام معهم سمح له بذلك ، أو بعد أن سمع لومهم عليه سمح له بذلك . | # وتركيب { ما لك } لا تفعل . تقدم الكلام عليها عند قوله تعالى : { فما ~~لكم كيف تحكمون } في سورة يونس ( 35 ) ، وانظر قوله تعالى : { يأيها الذين ~~آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله أثاقلتم إلى الأرض } في سورة ~~براءة ( 38 ) . وقوله : { فما لكم في المنافقين فئتين } في سورة النساء ( ~~88 ) . | # واتفق القراء على قراءة { لا تأمنا } بنون مشددة مدغمة من نون أمن ونون ~~جماعة المتكلمين ، وهي مرسومة في المصحف بنون واحدة . واختفلوا PageV12P227 ~~في كيفية النطق بهذه النون بين إدغام محض ، وإدغام بإشمام ، وإخفاء بلا ~~إدغام ، وهذا الوجه الأخير مرجوح ، وأرجح الوجهين الآخرين الإدغام بإشمام ، ~~وهما طريقتان للكل وليسا مذهبين . | # وحرف { على } التي يتعدى بها فعل الأمن المنفي للاستعلاء المجازي بمعنى ~~التمكن من تعلق الائتمان بمدخول { على } . | # والنصح عمل أو قول فيه نفع للمنصوح ، وفعله يتعدى باللام غالبا وبنفسه . ~~وتقدم في قوله تعالى : { أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم } في سورة الأعراف ( ~~62 ) . | # وجملة { وإنا له لناصحون } معترضة بين جملتي { ما لك لا تأمنا } وجملة { ~~أرسله } . والمعنى هنا : أنهم يعملون ما فيه نفع ليوسف عليه السلام . | # وجملة { أرسله } مستأنفة استئنافا بيانيا لأن الإنكار المتقدم يثير ترقب ~~يعقوب عليه السلام لمعرفة ما يريدون منه ليوسف عليه السلام . | # و { يرتع } قرأه نافع ، وأبو جعفر ، ويعقوب بياء الغائب وكسر العين . ~~وقرأه ابن كثير بنون المتكلم المشارك وكسر العين وهو على قراءتي هؤلاء ~~الأربعة مضارع ارتعى وهو افتعال من الرعي للمبالغة فيه . | # فهو حقيقة في أكل المواشي والبهائم واستعير في كلامهم للأكل الكثير لأن ~~الناس إذا خرجوا إلى الرياض والأرياف للعب والسبق تقوى شهوة الأكل فيهم ~~فيأكلون أكلا ذريعا فلذلك شبه أكلهم بأكل الأنعام . وإنما ذكروا ذلك لأنه ~~يسر أباهم أن يكونوا فرحين ms4189 . | # وقرأه أبو عمرو ، وابن عامر بنون وسكون العين . وقرأه عاصم ، وحمزة ، ~~والكسائي ، وخلف بياء الغائب وسكون العين وهو على قراءتي هؤلاء الستة مضارع ~~رتع إذا أقام في خصب وسعة من الطعام . والتحقيق أن PageV12P228 هذا مستعار ~~من رتعت الدابة إذا أكلت في المرعى حتى شبعت . فمفاد المعنى على التأويلين ~~واحد . | # واللعب : فعل أو كلام لا يراد منه ما شأنه أن يراد بمثله نحو الجري ~~والقفز والسبق والمراماة ، نحو قول امرىء القيس : | # فظل العذارى يرتمين بشحمها | # يقصد منه الاستجمام ودفع السآمة . وهو مباح في الشرائع كلها إذا لم يصر ~~دأبا . فلا وجه لتساؤل صاحب ( الكشاف ) على استجازة يعقوب عليه السلام لهم ~~اللعب . | # والذين قرأوا { نرتع } بنون المشاركة قرأوا { ونلعب } بالنون أيضا . | # وجملة { وإنا له لحافظون } في موضع الحال مثل { وإنا له لناصحون ( سورة ~~يوسف : 10 ) . والتأكيد فيهما للتحقيق تنزيلا لأبيهم منزلة الشاك في أنهم ~~يحفظونه وينصحونه كما نزلوه منزلة من لا يأمنهم عليه من حيث إنه كان لا ~~يأذن له بالخروج معهم للرعي ونحوه . | # وتقديم له } في { له لناصحون } و { له لحافظون } يجوز أن يكون لأجل ~~الرعاية للفاصلة والاهتمام بشأن يوسف عليه السلام في ظاهر الأمر ، ويجوز أن ~~يكون للقصر الادعائي ؛ جعلوا أنفسهم لفرط عنايتهم به بمنزلة من لا يحفظ ~~غيره ولا ينصح غيره . | # وفي هذا القول الذي تواطأوا عليه عند أبيهم عبرة من تواطىء أهل الغرض ~~الواحد على التحيل لنصب الأحابيل لتحصيل غرض دنيء ، وكيف ابتدأوا ~~بالاستفهام عن عدم أمنه إياهم على أخيهم وإظهار أنهم نصحاء له ، وحققوا ذلك ~~بالجملة الاسمية وبحرف التوكيد ، ثم أظهروا أنهم ما حرصوا إلا على فائدة ~~أخيهم وأنهم حافظون له وأكدوا ذلك أيضا . | # | PageV12P229 # | 2 ( 13 ، 14 ) { قال إنى ليحزننى أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب ~~وأنتم عنه غافلون * قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنآ إذا لخاسرون } . ) ~~2 # | $ # فصل جملة { قال } جار على طريقة المحاورة . | # أظهر لهم سبب امتناعه من خروج يوسف عليه السلام معهم إلى الريف بأنه ~~يحزنه لبعده عنه أياما ، وبأنه يخشى عليه ms4190 الذئاب ، إذ كان يوسف عليه السلام ~~حينئذ غلاما ، وكان قد ربي في دعة فلم يكن مرنا بمقاومة الوحوش ، والذئاب ~~تجترىء على الذي تحس منه ضعفا في دفاعها . قال الربيع بن ضبع الفزاري يشكو ~~ضعف الشيخوخة : | # والذئب أخشاه إن مررت به | # وحدي وأخشى الرياح والمطرا | # وقال الفرزدق يذكر ذئبا : | # فقلت له لما تكشر ضاحكا | # وقائم سيفي من يدي بمكان | # تعش فإن عاهدتني لا تخونني | # نكن مثل من يا ذئب يصطحبان | # فذئاب بادية الشام كانت أشد خبثا من بقية الذئاب ، ولعلها كانت كذئاب ~~بلاد الروس . والعرب يقولون : إن الذئب إذا حورب ودافع عن نفسه حتى عض ~~الإنسان وأسال دمه أنه يضرى حين يرى الدم فيستأسد على الإنسان ، قال : | # فكنت كذئب السوء حين رأى دما | # بصاحبه يوما أحال على الدم | # وقد يتجمع سرب من الذئاب فتكون أشد خطرا على الواحد من الناس والصغير . | ~~PageV12P230 # والتعريف في { الذئب } تعريف الحقيقة والطبيعة ، ويسمى تعريف الجنس . وهو ~~هنا مراد به غير معين من نوع الذئب أو جماعة منه ، وليس الحكم على الجنس ~~بقرينة أن الأكل من أحوال الذوات لا من أحوال الجنس ، لكن المراد أية ذات ~~من هذا الجنس دون تعيين . ونظيره قوله تعالى : { كمثل الحمار يحمل أسفارا ( ~~سورة الجمعة : 5 ) أي فرد من الحمير غير معين ، وقرينة إرادة الفرد دون ~~الجنس إسناد حمل الأسفار إليه لأن الجنس لا يحمل . ومنه قولهم : ( ادخل ~~السوق ) إذا أردت فردا من الأسواق غير معين ، وقولك : ادخل ، قرينة على ما ~~ذكر . وهذا التعريف شبيه بالنكرة في المعنى إلا أنه مراد به فرد من الجنس . ~~وقريب من هذا التعريف باللام التعريف بعلم الجنس ، والفرق بين هذه اللام ~~وبين المنكر كالفرق بين علم الجنس والنكرة . | # فالمعنى : أخاف أن يأكله الذئب ، أي يقتله فيأكل منه فإنكم تبعدون عنه ، ~~لما يعلم من إمعانهم في اللعب والشغل باللهو والمسابقة ، فتجتري الذئاب على ~~يوسف عليه السلام . | # والذئب : حيوان من الفصيلة الكلبية ، وهو كلب بري وحشي . من خلقه ~~الاحتيال والنفور . وهو يفترس الغنم . وإذا قاتل الإنسان فجرحه ورأى ms4191 عليه ~~الدم ضرى به فربما مزقه . | # وإنما ذكر يعقوب عليه السلام أن ذهابهم به غدا يحدث به حزنا مستقبلا ~~ليصرفهم عن الإلحاح في طلب الخروج به لأن شأن الابن البار أن يتقي ما يحزن ~~أباه . | PageV12P231 # وتأكيد الجملة بحرف التأكيد لقطع إلحاحهم بتحقيق أن حزنه لفراقه ثابت ، ~~تنزيلا لهم منزلة من ينكر ذلك ، إذ رأى إلحاحهم . ويسري التأكيد إلى جملة ~~وأخاف أن يأكله الذئب } . | # فأبوا إلا المراجعة قالوا : { لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذن لخاسرون ~~} . | # واللام في { لئن أكله } موطئة للقسم ، أرادوا تأكيد الجواب باللام . وإن ~~ولام الابتداء وإذن الجوابية تحقيقا لحصول خسرانهم على تقدير حصول الشرط . ~~والمراد : الكناية عن عدم تفريطهم فيه وعن حفظهم إياه لأن المرء لا يرضى أن ~~يوصف بالخسران . | # والمراد بالخسران : انتفاء النفع المرجو من الرجال ، استعاروا له انتفاء ~~نفع التاجر من تجره ، وهو خيبة مذمومة ، أي إنا إذن لمسلوبون من صفات ~~الفتوة من قوة ومقدرة ويقظة . فكونهم عصبة يحول دون تواطيهم على ما يوجب ~~الخسران لجميعهم . وتقدم معنى العصبة آنفا ، وفي هذا عبرة من مقدار إظهار ~~الصلاح مع استبطان الضر والإهلاك . | # وقرأ الجمهور بتحقيق همزة { الذئب } على الأصل . وقرأه ورش عن نافع ، ~~والسوسي عن أبي عمرو ، والكسائي بتخفيف الهمزة ياء . وفي بعض التفاسير نسب ~~تخفيف الهمزة إلى خلف ، وأبي جعفر ، وذلك لا يعرف في كتب القراءات . وفي ~~البيضاوي أن أبا عمرو أظهر الهمزة في التوقف ، وأن حمزة أظهرها في الوصل . ~~| # | PageV12P232 # | 2 ( 15 ) { فلما ذهبوا به وأجمعو ا أن يجعلوه فى غيابة الجب وأوحينآ ~~إليه لتنبئنهم بأمرهم هاذا وهم لا يشعرون } . ) 2 # | $ # تفريع حكاية الذهاب به والعزم على إلقائه في الجب على حكاية المحاورة بين ~~يعقوب عليه السلام وبنيه في محاولة الخروج بيوسف عليه السلام إلى البادية ~~يؤذن بجمل محذوفة فيها ذكر أنهم ألحوا على يعقوب عليه السلام حتى أقنعوه ~~فأذن ليوسف عليه السلام بالخروج معهم ، وهو إيجاز . | # والمعنى : فلما أجابهم يعقوب عليه السلام إلى ما طلبوا ذهبوا به وبلغوا ~~المكان الذي فيه الجب . | # وفعل ( أجمع ms4192 ) يتعدى إلى المفعول بنفسه . ومعناه : صمم على الفعل ، فقوله ~~: { أن يجعلوه } هو مفعول { وأجمعوا } . | # وجواب ( لما ) محذوف دل عليه { أن يجعلوه في غيابت الجب } ، والتقدير : ~~جعلوه في الجب . ومثله كثير في القرآن . وهو من الإيجاز الخاص بالقرآن فهو ~~تقليل في اللفظ لظهور المعنى . | # وجملة { وأوحينا إليه } معطوفة على جملة { وأجمعوا أن يجعلوه في غيابت ~~الجب } ، لأن هذا الموحى من مهم عبر القصة . | # وقيل : الواو مزيدة وجملة { أوحينا } هو جواب ( لما ) ، وقد قيل بمثل ذلك ~~في قوله امرىء القيس : | # فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى | # . . . البيت . | # وقيل به في قوله تعالى : { فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن يا ~~إبراهيم ( سورة الصافات : 103 ، 104 ) الآية وفي جميع ذلك نظر . | ~~PageV12P233 # والضمير في قوله : إليه } عائد إلى يوسف عليه السلام في قول أكثر ~~المفسرين مقتصرين عليه . وذكر ابن عطية أنه قيل الضمير عائد إلى يعقوب عليه ~~السلام . | # وجملة { لتنبئنهم بأمرهم هذا } بيان لجلمة { أوحينا } . وأكدت باللام ~~ونون التوكيد لتحقيق مضمونها سواء كان المراد منها الإخبار عن المستقبل أو ~~الأمر في الحال . فعلى الأول فهذا الوحي يحتمل أن يكون إلهاما ألقاه الله ~~في نفس يوسف عليه السلام حين كيدهم له ، ويحتمل أنه وحي بواسطة الملك فيكون ~~إرهاصا ليوسف عليه السلام قبل النبوءة رحمة من الله ليزيل عنه كربه ، ~~فأعلمه بما يدل على أن الله سيخلصه من هذه المصيبة وتكون له العاقبة على ~~الذين كادوا له ، وإيذان بأنه سيؤانسه في وحشة الجب بالوحي والبشارة ، ~~وبأنه سينبىء في المستقبل إخوته بما فعلوه معه كما تؤذن به نون التوكيد إذا ~~اقترنت بالجملة الخبرية ، وذلك يستلزم نجاته وتمكنه من إخوته لأن الإنباء ~~بذلك لا يكون إلا في حال تمكن منهم وأمن من شرهم . | # ومعنى { بأمرهم } : بفعلهم العظيم في الإساءة . | # وجملة { وهم لا يشعرون } في موضع الحال ، أي لتخبرنهم بما فعلوا بك وهم ~~لا يشعرون أنك أخوهم بل في حالة يحسبونه مطلعا على المغيبات متكهنا بها ، ~~وذلك إخبار بما وقع بعد سنين مما حكي في هذه السورة بقوله تعالى : { قال هل ms4193 ~~علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه ( سورة يوسف : 89 ) الآيتين . | # وعلى احتمال عود ضمير إليه } على يعقوب عليه السلام فالوحي هو إلقاء الله ~~إليه ذلك بواسطة الملك ، والواو أظهر في العطف حينئذ فهو معطوف على جملة { ~~فلما ذهبوا به } إلى آخرها { وأوحينا إليه } قبل ذلك . و { لتنبئنهم } أمر ~~، أي أوحينا إليه نبئهم بأمرهم هذا ، أي أشعرهم بما كادوا ليوسف ~~PageV12P234 عليه السلام ، إشعارا بالتعريض ، وذلك في قوله : { وأخاف أن ~~يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون ( سورة يوسف : 13 ) . | # وجملة وهم لا يشعرون } على هذا التقدير حال من ضمير جمع الغائبين ، أي ~~وهم لا يشعرون أننا أوحينا إليه بذلك . | # وهذا الجب الذي ألقي فيه يوسف عليه السلام وقع في التوراة أنه في أرض ( ~~دوثان ) ، ودوثان كانت مدينة حصينة وصارت خرابا . والمراد : أنه كانت حوله ~~صحراء هي مرعى ومربع . ووصف الجب يقتضي أنه على طريق القوافل . واتفق واصفو ~~الجب على أنه بين ( بانياس ) و ( طبرية ) . وأنه على اثني عشر ميلا من ~~طبرية مما يلي دمشق ، وأنه قرب قرية يقال لها ( سنجل أو سنجيل ) . قال ~~قدامة : هي طريق البريد بين بعلبك وطبرية . | # ووصفها المتأخرون بالضبط المأخوذ من الأوصاف التاريخية القديمة أنه ~~الطريق الكبرى بين الشام ومصر . وكانت تجتاز الأردن تحت بحيرة طبرية وتمر ~~على ( دوثان ) وكانت تسلكها قوافل العرب التي تحمل الأطياب إلى المشرق ، ~~وفي هذه الطريق جباب كثيرة في ( دوثان ) . وجب يوسف معروف بين طبرية وصفد ، ~~بنيت عليه قبة في زمن الدولة الأيوبية بحسب التوسم وهي قائمة إلى الآن . | # | 2 ( 16 18 ) { وجآءو ا أباهم عشآء يبكون * قالوا ياأبانا إنا ذهبنا ~~نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب ومآ أنت بمؤمن لنا ولو كنا ~~صادقين * وجآءوا على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل ~~والله المستعان على ما تصفون } . ) 2 # | $ # عطف على جملة { فلما ذهبوا به ( سورة يوسف : 15 ) عطف جزء القصة . | ~~PageV12P235 # والعشاء : وقت غيبوبة الشفق الباقي من بقايا شعاع الشمس بعد غروبها . | # والبكاء : خروج الدموع من العينين عند الحزن والأسف ms4194 والقهر . وتقدم في ~~قوله تعالى : فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا ( سورة التوبة : 82 ) . وقد ~~أطلق هنا على البكاء المصطنع وهو التباكي . وإنما اصطنعوا البكاء تمويها ~~على أبيهم لئلا يظن بهم أنهم اغتالوا يوسف عليه السلام ، ولعلهم كانت لهم ~~مقدرة على البكاء مع عدم وجدان موجبه ، وفي الناس عجائب من التمويه والكيد ~~. ومن الناس من تتأثر أعصابهم بتخيل الشيء ومحاكاته فيعتريهم ما يعتري ~~الناس بالحقيقة . | # وبعض المتظلمين بالباطل يفعلون ذلك ، وفطنة الحاكم لا تنخدع لمثل هذه ~~الحيل ولا تنوط بها حكما ، وإنما يناط الحكم بالبينة . | # جاءت امرأة إلى شريح تخاصم في شيء وكانت مبطلة فجعلت تبكي ، وأظهر شريح ~~عدم الاطمئنان لدعواها ، فقيل له : أما تراها تبكي ؟ فقال : قد جاء إخوة ~~يوسف عليه السلام أباهم عشاء يبكون وهم ظلمة كذبة ، لا ينبغي لأحد أن يقضي ~~إلا بالحق . قال ابن العربي : قال علماؤنا : هذا يدل على أن بكاء المرء لا ~~يدل على صدق مقاله لاحتمال أن يكون تصنعا . ومن الخلق من لا يقدر على ذلك ~~ومنهم من يقدر . | # قلت : ومن الأمثال دموع الفاجر بيديه وهذه عبرة في هذه العبرة . | # والاستباق : افتعال من السبق وهو هنا بمعنى التسابق قال في الكشاف } : ( ~~والافتعال والتفاعل يشتركان كالانتضال والتناضل ، والارتماء والترامي ، أي ~~فهو بمعنى المفاعلة . ولذلك يقال : السباق أيضا . كما يقال النضال والرماء ~~) . والمراد : الاستباق بالجري على الأرجل ، وذلك من مرح الشباب ولعبهم . | # والمتاع : ما يتمتع أي ينتفع به . وتقدم قي قوله تعالى : { لو تغفلون عن ~~أسلحتكم وأمتعتكم في سورة النساء ( 102 ) . والمراد به هنا ثقلهم من الثياب ~~والآنية والزاد . | PageV12P236 # ومعنى فأكله الذئب } قتله وأكل منه ، وفعل الأكل يتعلق باسم الشيء . ~~والمراد بعضه . يقال أكله الأسد إذا أكل منه . قال تعالى : { وما أكل السبع ~~( سورة المائدة : 3 ) عطفا على المنهيات عن أن يؤكل منها ، أي بقتلها . | # ومن كلام عمر حين طعنه أبو لؤلؤة أكلني الكلب ، أي عضني . | # والمراد بالذئب جمع من الذئاب على ما عرفت آنفا عند قوله : وأخاف أن ~~يأكله الذئب ( سورة يوسف : 13 ) ؛ بحيث لم يترك ms4195 الذئاب منه ، ولذلك لم ~~يقولوا فدفناه . | # وقوله : وما أنت بمؤمن لنا } خبر مستعمل في لازم الفائدة . وهو أن ~~المتكلم علم بمضمون الخبر . وهو تعريض بأنهم صادقون فيما ادعوه لأنهم ~~يعلمون أباهم لا يصدقهم فيه ، فلم يكونوا طامعين بتصديقه إياهم . | # وفعل الإيمان يعدى باللام إلى المصدق بفتح الدال كقوله تعالى : { فآمن له ~~لوط ( سورة العنكبوت : 26 ) . وتقدم بيانه عند قوله تعالى : فما آمن لموسى ~~إلا ذرية من قومه في سورة يونس ( 83 ) . | # وجملة ولو كنا صادقين } في موضع الحال فالواو واو الحال . { ولو } ~~اتصالية ، وهي تفيد أنه مضمون ما بعدها هو أبعد الأحوال عن تحقق مضمون ما ~~قبلها في ذلك الحال . والتقدير : وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين في نفس ~~الأمر ، أي نحن نعلم انتفاء إيمانك لنا في الحالين فلا نطمع أن نموه عليك . ~~| # وليس يلزم تقدير شرط محذوف هو ضد الشرط المنطوق به لأن ذلك تقدير لمجرد ~~التنبيه على جعل الواو للحال مع ( لو وإن ) الوصليتين وليس يستقيم ذلك ~~التقدير في كل موضع ، ألا ترى قول المعري : | # وإني وإن كنت الأخير زمانه | # لآتت بما لم تستطعه الأوائل | # كيف لا يستقيم تقدير إني إن كنت المتقدم زمانه بل وإن كنت الأخير زمانه . ~~فشرط ( لو ) الوصلية و ( إن ) الوصلية ليس لهما مفهوم مخالفة ، PageV12P237 ~~لأن الشرط معهما ليس للتقييد . وتقدم ذكر ( لو ) الوصلية عند قوله تعالى : ~~{ أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون في سورة البقرة ( 170 ) ، ~~وعند قوله تعالى : فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا في سورة آل عمران ( 91 ~~) . | # وجملة وجاءوا على قميصه } في موضع الحال . ولما كان الدم ملطخا به القميص ~~وكانوا قد جاءوا مصاحبين للقميص فقد جاءوا بالدم على القميص . | # ووصف الدم بالكذب وصف بالمصدر ، والمصدر هنا بمعنى المفعول كالخلق بمعنى ~~المخلوق ، أي مكذوب كونه دم يوسف عليه السلام إذ هو دم جدي ، فهو دم حقا ~~لكنه ليس الدم المزعوم . ولا شك في أنهم لم يتركوا كيفية من كيفيات تمويه ~~الدم وحالة القميص بحال قميص ms4196 من يأكله الذئب من آثار تخريق وتمزيق مما لا ~~تخلو عنه حالة افتراس الذئب ، وأنهم أفطن من أن يفوتهم ذلك وهم عصبة لا ~~يعزب عن مجموعهم مثل ذلك . فما قاله بعض أصحاب التفسير من أن يعقوب عليه ~~السلام قال لأبنائه : ما رأيت كاليوم ذئبا أحلم من هذا ، أكل ابني ولم يمزق ~~قميصه ، فذلك من تظرفات القصص . | # وقوله : { على قميصه } حال من ( دم ) فقدم على صاحب الحال . | # حرف الإضراب إبطال لدعواهم أن الذئب أكله فقد صرح لهم بكذبهم . | # والتسويل : التسهيل وتزيين النفس ما تحرص على حصوله . | # والإبهام الذي في كلمة { أمرا } يحتمل عدة أشياء مما يمكن أن يؤذوا به ~~PageV12P238 يوسف عليه السلام : من قتل ، أو بيع ، أو تغريب ، لأنه لم يعلم ~~تعيين ما فعلوه . وتنكير { أمرا } للتهويل . | # وفرع على ذلك إنشاء التصبر { فصبر جميل } نائب مناب اصبر صبرا جميلا . ~~عدل به عن النصب إلى الرفع للدلالة على الثبات والدوام ، كما تقدم عند قوله ~~تعالى : { قالوا سلاما قال سلام في سورة هود ( 69 ) . ويكون ذلك اعتراضا في ~~أثناء خطاب أبنائه ، أو يكون تقدير : اصبر صبرا جميلا ، على أنه خطاب لنفسه ~~. ويجوز أن يكون فصبر جميل } خبر مبتدأ محذوف دل عليه السياق ، أي فأمري ~~صبر . أو مبتدأ خبره محذوف كذلك . والمعنى على الإنشاء أوقع ، وتقدم الصبر ~~عند قوله تعالى : { واستعينوا بالصبر والصلاة } في سورة البقرة ( 45 ) . | # ووصف { جميل } يحتمل أن يكون وصفا كاشفا إذ الصبر كله حسن دون الجزع . ~~كما قال إبراهيم بن كنيف النبهاني : | # تصبر فإن الصبر بالحر أجمل | # وليس على ريب الزمان معول | # أي أجمل من الجزع . | # ويحتمل أن يكون وصفا مخصصا . وقد فسر الصبر الجميل بالذي لا يخالطه جزع . ~~| # والجمال : حسن الشيء في صفات محاسن صنفه ، فجمال الصبر أحسن أحواله ، وهو ~~أن لا يقارنه شيء يقلل خصائص ماهيته . | # وفي الحديث الصحيح أن النبي عليه السلام مر بامرأة تبكي عند قبر فقال لها ~~: ( اتقي الله واصبري ) ، فقالت : إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي ولم تعرفه ~~فلما انصرف مر بها رجل ، فقال ms4197 لها : إنه النبيء صلى الله عليه وسلم فأتت ~~باب النبي صلى الله عليه وسلم PageV12P239 فقالت : لم أعرفك يا رسول الله ، ~~فقال : ( إنما الصبر عند الصدمة الأولى ) أي الصبر الكامل . | # وقوله : { والله المستعان على ما تصفون } عطف على جملة { فصبر جميل } ~~فتكون محتملة للمعنيين المذكورين من إنشاء الاستعانة أو الإخبار بحصول ~~استعانته بالله على تحمل الصبر على ذلك ، أو أراد الاستعانة بالله ليوسف ~~عليه السلام على الخلاص مما أحاط به . | # والتعبير عما أصاب يوسف عليه السلام ب { ما تصفون } في غاية البلاغة لأنه ~~كان واثقا بأنهم كاذبون في الصفة وواثقا بأنهم ألحقوا بيوسف عليه السلام ~~ضرا فلما لم يتعين عنده المصاب أجمل التعبير عنه إجمالا موجها لأنهم يحسبون ~~أن ما يصفونه هو موته بأكل الذئب إياه ويعقوب عليه السلام يريد أن ما ~~يصفونه هو المصاب الواقع الذي وصفوه وصفا كاذبا . فهو قريب من قوله تعالى : ~~{ سبحان ربك رب العزة عما يصفون ( سورة الصافات : 180 ) . | # وإنما فوض يعقوب عليه السلام الأمر إلى الله ولم يسع للكشف عن مصير يوسف ~~عليه السلام لأنه علم تعذر ذلك عليه لكبر سنه ، ولأنه لا عضد له يستعين به ~~على أبنائه أولئك . وقد صاروا هم الساعين في البعد بينه وبين يوسف عليه ~~السلام ، فأيس من استطاعة الكشف عن يوسف عليه السلام بدونهم ، ألا ترى أنه ~~لما وجد منهم فرصة قال لهم : اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ( سورة يوسف : ~~87 ) . | # | PageV12P240 # | 2 ( 19 ) { وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه قال يابشرى هاذا ~~غلام وأسروه بضاعة والله عليم بما يعملون } . ) 2 # عطف على { وجاءوا أباهم عشاء يبكون ( سورة يوسف : 16 ) عطف قصة على قصة . ~~وهذا رجوع إلى ما جرى في شأن يوسف عليه السلام ، والمعنى : وجاءت الجب . | # و ( السيارة ) تقدم آنفا . | # والوارد : الذي يرد الماء ليستقي للقوم . | # والإدلاء : إرسال الدلو في البئر لنزع الماء . | # والدلو : ظرف كبير من جلد مخيط له خرطوم في أسفله يكون مطويا على ظاهر ~~الظرف بسبب شده بحبل مقارن للحبل المعلقة فيه الدلو . والدلو مؤنثة . | # وجملة ms4198 قال يا بشراي مستأنفة استئنافا بيانيا لأن ذكر إدلاء الدلو يهيىء ~~السامع للسؤال عما جرى حينئذ فيقع جوابه قال يا بشراي . | # والبشرى : تقدمت في قوله تعالى : لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ~~في سورة يونس ( 64 ) . | # ونداء البشرى مجاز ، لأن البشرى لا تنادى ، ولكنها شبهت بالعاقل الغائب ~~الذي احتيج إليه فينادى كأنه يقال له : هذا آن حضورك . ومنه : يا حسرتا ، ~~ويا عجبا ، فهي مكنية وحرف النداء تخييل أو تبعية . | # والمعنى : أنه فرح وابتهج بالعثور على غلام . | # وقرأ الجمهور يا بشراي } بإضافة البشرى إلى ياء المتكلم . وقرأ عاصم ، ~~وحمزة ، والكسائي ، وخلف بدون إضافة . | PageV12P241 # واسم الإشارة عائد إلى ذات يوسف عليه السلام ؛ خاطب الوارد بقية السيارة ~~، ولم يكونوا يرون ذات يوسف عليه السلام حين أصعده الوارد من الجب ، إذ لو ~~كانوا يرونه لما كانت فائدة لتعريفهم بأنه غلام إذ المشاهدة كافية عن ~~الإعلام ، فتعين أيضا أنهم لم يكونوا مشاهدين شبح يوسف عليه السلام حين ظهر ~~من الجب ، فالظاهر أن اسم الإشارة في مثل هذا المقام لا يقصد به الدلالة ~~على ذات معينة مرئية بل يقصد به إشعار السامع بأنه قد حصل شيء فرح به غير ~~مترقب ، كما يقول الصائد لرفاقه : هذا غزال وكما يقول الغائص : هذه صدقة أو ~~لؤلؤة ويقول الحافر للبئر : هذا الماء قال النابغة يصف الصائد وكلابه وفرسه ~~: | # يقول راكبه الجني مرتفقا | # هذا لكن ولحم الشاة محجور | # وكان الغائصون إذا وجدوا لؤلؤة يصيحون . قال النابغة : | # أو درة صدفاته غواصها | # بهج متى يرها يهل ويسجد | # والمعنى : وجدت في البئر غلاما ، فهو لقطة ، فيكون عبدا لمن التقطه . ~~وذلك سبب ابتهاجه بقوله : { يا بشراي هذا غلام } . | # والغلام : من سنه بين العشر والعشرين . وكان سن يوسف عليه السلام يومئذ ~~سبع عشرة سنة . | # وكان هؤلاء السيارة من الإسماعيليين كما في التوراة ، أي أبناء إسماعيل ~~بن إبراهيم . وقيل : كانوا من أهل مدين وكان مجيئهم الجب للاستقاء منها ، ~~ولم يشعر بهم إخوة يوسف إذ كانوا قد ابتعدوا عن الجب . | # ومعنى { أسروه } أخفوه . والضمير للسيارة لا محالة ms4199 ، أي أخفوا يوسف عليه ~~السلام ، أي خبر التقاطه خشية أن يكون من ولدان بعض الأحياء القريبة من ~~الماء قد تردى في الجب ، فإذا علم أهله بخبره طلبوه وانتزعوه PageV12P242 ~~منهم لأنهم توسموا منه مخائل أبناء البيوت ، وكان الشأن أن يعرفوا من كان ~~قريبا من ذلك الجب ويعلنوا كما هو الشأن في التعريف باللقطة ، ولذلك كان ~~قوله : { وأسروه } مشعرا بأن يوسف عليه السلام أخبرهم بقصته ، فأعرضوا عن ~~ذلك طمعا في أن يبيعوه . وذلك من فقدان الدين بينهم أو لعدم العمل بالدين . ~~| # و { بضاعة } منصوب على الحال المقدرة من الضمير المنصوب في { أسروه } ، ~~أي جعلوه بضاعة . والبضاعة : عروض التجارة ومتاعها ، أي عزموا على بيعه . | # وجملة { والله عليم بما يعملون } معترضة ، أي والله عليم بما يعملون من ~~استرقاق من ليس لهم حق في استرقاقه ، ومن كان حقه أن يسألوا عن قومه ~~ويبلغوه إليهم ، لأنهم قد علموا خبره ، أو كان من حقهم أن يسألوه لأنه كان ~~مستطيعا أن يخبرهم بخبره . | # وفي عثور السيارة على الجب الذي فيه يوسف عليه السلام آية من لطف الله به ~~. | # | 2 ( 20 ) { وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين } . ) ~~2 # معنى { شروه } باعوه . يقال : شرى كما يقال : باع ، ويقال : اشترى كما ~~يقال : ابتاع . ومثلهما رهن وارتهن ، وعاوض واعتاض ، وكرى واكترى . | # والأصل في ذلك وأمثاله أن الفعل للحدث والافتعال لمطاوعة الحدث . | # ومن فسر { شروه } باشتروه أخطأ خطأ أوقعه فيه سوء تأويل قوله : { وكانوا ~~فيه من الزاهدين } . وما ادعاه بعض أهل اللغة أن شرى واشترى مترادفان في ~~معنييهما يغلب على ظني أنه وهم إذ لا دليل يدل عليه . | PageV12P243 # والبخس : أصله مصدر بخسه إذا نقصه عن قيمة شيئه . وهو هنا بمعنى المبخوس ~~كالخلق بمعنى المخلوق . وتقدم فعل البخس عند قوله تعالى : { ولا يبخس منه ~~شيئا } في سورة البقرة ( 282 ) . | # و { دراهم } بدل من { ثمن } وهي جمع درهم ، وهو المسكوك . وهو معرب عن ~~الفارسية كما في ( صحاح الجوهري ) . | # وقد أغفله الذين جمعوا ما هو معرب في القرآن كالسيوطي في ( الإتقان ) . | # و { معدودة ms4200 } كناية عن كونها قليلة لأن الشيء القليل يسهل عده فإذا كثر ~~صار تقديره بالوزن أو الكيل . ويقال في الكناية عن الكثرة : لا يعد . | # وضمائر الجمع كلها للسيارة على أصح التفاسير . | # والزهادة : قلة الرغبة في حصول الشيء الذي من شأنه أن يرغب فيه ، أو قلة ~~الرغبة في عوضه كما هنا ، أي كان السيارة غير راغبين في إغلاء ثمن يوسف ~~عليه السلام . ولعل سبب ذلك قلة معرفتهم بالأسعار . | # وصوغ الإخبار عن زهادتهم فيه بصيغة { من الزاهدين } أشد مبالغة مما لو ~~أخبر بكانوا فيه زاهدين ، لأن جعلهم من فريق زاهدين ينبىء بأنهم جروا في ~~زهدهم في أمثاله على سنن أمثالهم البسطاء الذين لا يقدرون قدر نفائس الأمور ~~. | # و { فيه } متعلق ب { الزاهدين } و ( أل ) حرف لتعريف الجنس ، وليست اسم ~~موصول خلافا لأكثر النحاة الذين يجعلون ( أل ) الداخلة على الأسماء المشتقة ~~اسم موصول ما لم يتحقق عهد وتمسكوا بعلل واهية وخالفهم الأخفش والمازني . | # وتقديم المجرور على عامله للتنويه بشأن المزهود فيه ، وللتنبيه على ضعف ~~توسمهم وبصارتهم مع الرعاية على الفاصلة . | # | PageV12P244 # | 2 ( 21 ) { وقال الذى اشتراه من مصر لامرأته أكرمى مثواه عسى أن ينفعنآ ~~أو نتخذه ولدا وكذالك مكنا ليوسف فى الارض ولنعلمه من تأويل الاحاديث والله ~~غالب على أمره ولاكن أكثر الناس لا يعلمون } . ) 2 # { وقال الذى اشتراه من مصر لامرأته أكرمى مثواه عسى أن ينفعنآ أو نتخذه ~~ولدا وكذالك مكنا ليوسف فى الارض ولنعلمه من تأويل الاحاديث والله غالب على ~~أمره ولاكن أكثر الناس لا يعلمون } . | # { الذي اشتراه } مراد منه الذي دفع الثمن فملكه وإن كان لم يتول الاشتراء ~~بنفسه ، فإن فعل الاشتراء لا يدل إلا على دفع العوض ، بحيث إن إسناد ~~الاشتراء لمن يتولى إعطاء الثمن وتسلم المبيع إذا لم يكن هو مالك الثمن ~~ومالك المبيع يكون إسنادا مجازيا ، ولذلك يكتب الموثقون في مثل هذا أن ~~شراءه لفلان . | # والذي اشترى يوسف عليه السلام رجل اسمه ( فوطيفار ) رئيس شرط ملك مصر ، ~~وهو والي مدينة مصر ، ولقب في هذه السورة بالعزيز ، وسيأتي . | # ومدينة مصر ms4201 هي ( منفيس ) ويقال : ( منف ) وهي قاعدة مصر السفلى التي ~~يحكمها قبائل من الكنعانيين عرفوا عند القبط باسم ( الهيكسوس ) أي الرعاة . ~~وكانت مصر العليا المعروفة اليوم بالصعيد تحت حكم فراعنة القبط . وكانت ~~مدينتها ( ثيبة أو طيبة ) ، وهي اليوم خراب وموضعها يسمى الأقصر ، جمع قصر ~~، لأن بها أطلال القصور القديمة ، أي الهياكل . وكانت حكومة مصر العليا ~~أيامئذ مستضعفة لغلبة الكنعانيين على معظم القطر وأجوده . | # وامرأته تسمى في كتب العرب ( زليخا ) بفتح الزاي وكسر اللام وقصر آخره ~~وسماها اليهود ( راعيل ) . و { من مصر } صفة ل { الذي اشتراه } . | # و { لامرأته } متعلق ب { قال } أو ب { اشتراه } أو يتنازعه كلا الفعلين ، ~~فيكون اشتراه ليهبه لها لتتخذه ولدا . وهذا يقتضي أنهما لم يكن لهما ولد . ~~| # وامرأته : معناه زوجه ، فإن الزوجة يطلق عليها اسم المرأة ويراد منه معنى ~~الزوجة . وقد تقدم عند قوله تعالى : { وامرأته قائمة فضحكت ( سورة هود : 71 ~~) . | PageV12P245 # والمثوى : حقيقته المحل الذي يثوي إليه المرء ، أي يرجع إليه . وتقدم عند ~~قوله تعالى : قال النار مثواكم } في سورة الأنعام ( 128 ) . وهو هنا كناية ~~عن حال الإقامة عندهما لأن المرء يثوى إلى منزل إقامته . | # فالمعنى : اجعلي إقامته عندك كريمة ، أي كاملة في نوعها . أراد أن يجعل ~~الإحسان إليه سببا في اجتلاب محبته إياهما ونصحه لهما فينفعهما ، أو ~~يتخذانه ولدا فيبر بهما وذلك أشد تقريبا . ولعله كان آيسا من ولادة زوجه . ~~وإنما قال ذلك لحسن تفرسه في ملامح يوسف عليه السلام المؤذنة بالكمال ، ~~وكيف لا يكون رجلا ذا فراسة وقد جعله الملك رئيس شرطته ، فقد كان الملوك ~~أهل حذر فلا يولون أمورهم غير الأكفاء . | # { وكذالك مكنا ليوسف فى الارض ولنعلمه من تأويل الاحاديث والله غالب على ~~أمره ولاكن أكثر الناس لا يعلمون } . | # إن أجرينا اسم الإشارة على قياس كثير من أمثاله في القرآن كقوله : { ~~وكذلك جعلناكم أمة وسطا } في سورة البقرة ( 143 ) كانت الإشارة إلى التمكين ~~المستفاد من { مكنا ليوسف } تنويها بأن ذلك التمكين بلغ غاية ما يطلب من ~~نوعه بحيث لو أريد تشبيهه بتمكين أتم منه لما ms4202 كان إلا أن يشبه بنفسه على ~~نحو قول النابغة : | # والسفاهة كاسمها | # فيكون الكاف في محل نصب على المفعول المطلق . والتقدير : مكنا ليوسف ~~تمكينا كذلك التمكين . | # وإن أجرينا على ما يحتمله اللفظ كانت لحاصل المذكور آنفا ، وهو ما يفيده ~~عثور السيارة عليه من أنه إنجاء له عجيب الحصول بمصادفة عدم PageV12P246 ~~الإسراع بانتشاله من الجب ، أي مكنا ليوسف عليه السلام تمكينا من صنعنا ، ~~مثل ذلك الإنجاء الذي نجيناه ، فتكون الكاف في موضع الحال من مصدر مأخوذ من ~~{ مكنا } . ونظيره { كذلك زينا لكل أمة عملهم } في سورة الأنعام ( 108 ) . ~~| # والتمكين في الأرض هنا مراد به ابتداؤه وتقدير أول أجزائه ، فيوسف عليه ~~السلام بحلوله محل العناية من عزيز مصر قد خط له مستقبل تمكينه من الأرض ~~بالوجه الأتم الذي أشير له بقوله تعالى بعد : { وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ~~يتبوأ منها حيث يشاء ( سورة يوسف : 56 ) ، فما ذكر هنالك هو كرد العجز على ~~الصدر مما هنا ، وهو تمامه . | # وعطف على وكذلك } علة لمعنى مستفاد من الكلام ، وهو الإيتاء ، تلك العلة ~~هي { ولنعلمه من تأويل الأحاديث } لأن الله لما قدر في سابق علمه أن يجعل ~~يوسف عليه السلام عالما بتأويل الرؤيا وأن يجعله نبيئا أنجاه من الهلاك ، ~~ومكن له في الأرض تهيئة لأسباب مراد الله . | # وتقدم معنى تأويل الأحاديث آنفا عند ذكر قول أبيه له : { ويعلمك من تأويل ~~الأحاديث ( سورة يوسف : 6 ) أي تعبير الرؤيا . | # وجملة والله غالب على أمره } معترضة في آخر الكلام ، وتذييل ، لأن ~~مفهومها عام يشمل غلب الله إخوة يوسف عليه السلام بإبطال كيدهم ، وضمير { ~~أمره } عائد لاسم الجلالة . | # وحرف { على } بعد مادة الغلب ونحوها يدخل على الشيء الذي يتوقع فيه ~~النزاع ، كقولهم : غلبناهم على الماء . | # و { أمر الله } هو ما قدره وأراده ، فمن سعى إلى عمل يخالف ما أراده الله ~~فحاله كحال المنازع على أن يحقق الأمر الذي أراده ويمنع حصول مراد الله ~~تعالى ولا يكون إلا ما أراده الله تعالى فشأن الله تعالى كحال الغالب ~~لمنازعه . والمعنى والله متمم ما ms4203 قدره ، ولذلك PageV12P247 عقبه بالاستدراك ~~بقوله : { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } استدراكا على ما يقتضيه هذا الحكم ~~من كونه حقيقة ثابتة شأنها أن لا تجعل لأن عليها شواهد من أحوال الحدثان ، ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون ذلك مع ظهوره . | # | 2 ( 22 ) { ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذالك نجزى المحسنين } . ~~) 2 # هذا إخبار عن اصطفاء يوسف عليه السلام للنبوءة . ذكر هنا في ذكر مبدأ ~~حلوله بمصر لمناسبة ذكر منة الله عليه بتمكينه في الأرض وتعليمه تأويل ~~الأحاديث . | # والأشد : القوة . وفسر ببلوغه ما بين خمس وثلاثين سنة إلى أربعين . | # والحكم والحكمة مترادفان ، وهو : علم حقائق الأشياء والعمل بالصالح ~~واجتناب ضده . وأريد به هنا النبوءة كما في قوله تعالى في ذكر داود وسليمان ~~عليهما السلام { وكلا آتينا حكما وعلما ( سورة الأنبياء : 79 ) . والمراد ~~بالعلم علم زائد على النبوءة . | # وتنكير علما } للنوعية ، أو للتعظيم . والمراد : علم تعبير الرؤيا ، كما ~~سيأتي في قوله تعالى عنه : { ذلكما مما علمني ربي ( سورة يوسف : 37 ) . | # وقال فخر الدين : الحكم : الحكمة العملية لأنها حكم على هدى النفس . ~~والعلم : الحكمة النظرية . | # والقول في وكذلك نجزي المحسنين } كالقول في نظيره ، وتقدم عند قوله تعالى ~~: { وكذلك جعلناكم أمة وسطا في سورة البقرة ( 143 ) . | # وفي ذكر المحسنين } إيماء إلى أن إحسانه هو سبب جزائه بتلك النعمة . | ~~PageV12P248 # وفي هذا الذي دبره الله تعالى تصريح بآية من الآيات التي كانت في يوسف ~~عليه السلام وإخوته . | # | 2 ( 23 29 ) { وراودته التى هو فى بيتها عن نفسه وغلقت الابواب وقالت ~~هيت لك قال معاذ الله إنه ربى أحسن مثواى إنه لا يفلح الظالمون * ولقد همت ~~به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذالك لنصرف عنه السو ء والفحشآء إنه من ~~عبادنا المخلصين * واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر وألفيا سيدها لدى الباب ~~قالت ما جزآء من أراد بأهلك سو ءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم * قال هى ~~راودتنى عن نفسى وشهد شاهد من أهلهآ إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من ~~الكاذبين * وإن ms4204 كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين * فلما رأى ~~قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم * يوسف أعرض عن هاذا ~~واستغفرى لذنبك إنك كنت من الخاطئين } . ) 2 # | $ # عطف قصة على قصة ، فلا يلزم أن تكون هذه القصة حاصلة في الوجود بعد التي ~~قبلها . وقد كان هذا الحادث قبل إيتائه النبوءة لأن إيتاء النبوءة غلب أن ~~يكون في سن الأربعين . والأظهر أنه أوتي النبوءة والرسالة بعد دخول أهله ~~إلى مصر وبعد وفاة أبيه . وقد تعرضت الآيات لتقرير ثبات يوسف عليه السلام ~~على العفاف والوفاء وكرم الخلق . | PageV12P249 # فالمراودة المقتضية تكرير المحاولة بصيغة المفاعلة ، والمفاعلة مستعملة ~~في التكرير . وقيل : المفاعلة تقديرية بأن اعتبر العمل من جانب والممانعة ~~من الجانب الآخر من العمل بمنزلة مقابلة العمل بمثله . والمراودة : مشتقة ~~من راد يرود ، إذا جاء وذهب . شبه حال المحاول أحدا على فعل شيء مكررا ذلك ~~. بحال من يذهب ويجيء في المعاودة إلى الشيء المذهوب عنه ، فأطلق راود ~~بمعنى حاول . | # و { عن } للمجاوزة ، أي راودته مباعدة له عن نفسه ، أي بأن يجعل نفسه لها ~~. والظاهر أن هذا التركيب من مبتكرات القرآن ، فالنفس هنا كناية عن غرض ~~المواقعة ، قاله ابن عطية ، أي فالنفس أريد بها عفافه وتمكينها منه لما ~~تريد ، فكأنها تراوده عن أن يسلم إليها إرادته وحكمه في نفسه . | # وأما تعديته ب ( على ) فذلك إلى الشيء المطلوب حصوله . ووقع في قول أبي ~~هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم يراود عمه أبا طالب على الإسلام : وفي ~~حديث الإسلاء ( فقال له موسى : قد والله راودت بني إسرائيل على أدنى من ذلك ~~فتركوه ) . | # والتعبير عن امرأة العزيز بطريق الموصولية في قوله : { التي هو في بيتها ~~} لقصد ما تؤذن به الصلة من تقرير عصمة يوسف عليه السلام لأن كونه في بيتها ~~من شأنه أن يطوعه لمرادها . | # و { بيتها } بيت سكناها الذي تبيت فيه . فمعنى { هو في بيتها } أنه كان ~~حينئذ في البيت الذي هي به ، ويجوز أن يكون المراد بالبيت : المنزل كله ، ~~وهو ms4205 قصر العزيز . ومنه قولهم : ربة البيت ، أي زوجة صاحب الدار ويكون معنى ~~{ هو في بيتها } أنه من جملة أتباع ذلك المنزل . | # وغلق الأبواب : جعل كل باب سادا للفرجة التي هو بها . | # وتضعيف { غلقت } لإفادة شدة الفعل وقوته ، أي أغلقت إغلاقا محكما . | ~~PageV12P250 # والأبواب : جمع باب . وتقدم في قوله تعالى : { ادخلوا عليهم الباب ( سورة ~~المائدة : 23 ) . | # وهيت } اسم فعل أمر بمعنى بادر . قيل أصلها من اللغة الحورانية ، وهي ~~نبطية . وقيل : هي من اللغة العبرانية . | # واللام في { لك } لزيادة بيان المقصود بالخطاب ، كما في قولهم : سقيا لك ~~وشكرا لك . وأصله : هيتك . ويظهر أنها طلبت منه أمرا كان غير بدع في قصورهم ~~بأن تستمتع المرأة بعبدها كما يستمتع الرجل بأمته ، ولذلك لم تتقدم إليه من ~~قبل بترغيب بل ابتدأته بالتمكين من نفسها . وسيأتي لهذا ما يزيده بيانا عند ~~قوله تعالى : { قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا } . | # وفي { هيت } لغات . قرأ نافع ، وابن ذكوان عن ابن عامر ، وأبو جعفر بكسر ~~الهاء وفتح المثناة الفوقية . وقرأه ابن كثير بفتح الهاء وسكون التحتية وضم ~~الفوقية . وقرأه الباقون بفتح الهاء وسكون التحتية وضم التاء الفوقية ، ~~والفتحة والضمة حركتا بناء . | # و { معاذ } مصدر أضيف إلى اسم الجلالة إضافة المصدر إلى معموله . وأصله : ~~أعوذ عوذا بالله ، أي أعتصم به مما تحاولين . وسيأتي بيانه عند قوله : { ~~قال معاذ الله أن نأخذ ( سورة يوسف : 79 ) في هذه السورة . | # و ( إن ) مفيدة تعليل ما أفاده معاذ الله } من الامتناع والاعتصام منه ~~بالله المقتضي أن الله أمر بذلك الاعتصام . | # وضمير { إنه } يجوز أن يعود إلى اسم الجلالة ، ويكون { ربي } بمعنى خالقي ~~. ويجوز أن يعود إلى معلوم من المقام وهو زوجها الذي لا يرضى بأن يمسها ~~غيره ، فهو معلوم بدلالة العرف ، ويكون { ربي } بمعنى سيدي ومالكي . | # وهذا من الكلام الموجه توجيها بليغا حكي به كلام يوسف عليه السلام إما ~~لأن يوسف عليه السلام أتى بمثل هذا التركيب في لغة PageV12P251 القبط ، ~~وإما لأنه أتى بتركيبين عذرين لامتناعه فحكاهما القرآن بطريقة الإيجاز ~~والتوجيه . | # وأيا ما كان ms4206 فالكلام تعليل لامتناعه وتعريض بها في خيانة عهدها . | # وفي هذا الكلام عبرة عظيمة من العفاف والتقوى وعصمة الأنبياء قبل النبوءة ~~من الكبائر . | # وذكر وصف الرب على الاحتمالين لما يؤذن به من وجوب طاعته وشكره على نعمة ~~الإيجاد بالنسبة إلى الله ، ونعمة التربية بالنسبة لمولاه العزيز . | # وأكد ذلك بوصفه بجملة { أحسن مثواي } ، أي جعل آخرتي حسنى ، إذ أنقذني من ~~الهلاك ، أو أكرم كفالتي . وتقدم آنفا تفسير المثوى . | # وجملة { إنه لا يفلح الظالمون } تعليل ثان للامتناع . والضمير المجعول ~~اسما ل ( إن ) ضمير الشأن يفيد أهمية الجملة المجعولة خبرا عنه لأنها موعظة ~~جامعة . وأشار إلى أن إجابتها لما راودته ظلم ، لأن فيها ظلم كليهما نفسه ~~بارتكاب معصية مما اتفقت الأديان على أنها كبيرة ، وظلم سيده الذي آمنه على ~~بينه وآمنها على نفسها إذ اتخذها زوجا وأحصنها . | # والهم : العزم على الفعل . وتقدم عند قوله تعالى : { وهموا بما لم ينالوا ~~} في سورة براءة ( 74 ) . وأكد همها ب { قد } ولام القسم ليفيد أنها عزمت ~~عزما محققا . | # وجملة { ولقد همت به } مستأنفة استئنافا ابتدائيا . والمقصود : أنها كانت ~~جادة فيما راودته لا مختبرة . والمقصود من ذكر همها به التمهيد إلى ذكر ~~انتفاء همه بها لبيان الفرق بين حاليهما في الدين فإنه معصوم . | # وجملة { وهم بها لولا أن رأى برهان ربه } معطوفة على جملة { ولقد همت به ~~} كلها . وليست معطوفة على جملة { همت } التي هي جواب القسم PageV12P252 ~~المدلول عليه باللام ، لأنه لما أردفت جملة { وهم بها } بجملة شرط { لولا } ~~المتمحض لكونه من أحوال يوسف عليه السلام وحده لا من أحوال امرأة العزيز ~~تعين أنه لا علاقة بين الجملتين ، فتعين أن الثانية مستقلة لاختصاص شرطها ~~بحال المسند إليه فيها . فالتقدير : ولولا أن رأى برهان ربه لهم بها ، فقدم ~~الجواب على شرطه للاهتمام به . ولم يقرن الجواب باللام التي يكثر اقتران ~~جواب { لولا } بها لأنه ليس لازما ولأنه لما قدم على { لولا } كره قرنه ~~باللام قبل ذكر حرف الشرط ، فيحسن الوقف على قوله : { ولقد همت به } ليظهر ~~معنى الابتداء بجملة { وهم ms4207 بها } واضحا . وبذلك يظهر أن يوسف عليه السلام ~~لم يخالطه هم بامرأة العزيز لأن الله عصمه من الهم بالمعصية بما أراه من ~~البرهان . | # قال أبو حاتم : كنت أقرأ غريب القرآن على أبي عبيدة فلما أتيت على قوله : ~~{ ولقد همت به وهم بها } الآية قال أبو عبيدة : هذا على التقديم والتأخير ، ~~أي تقديم الجواب وتأخير الشرط ، كأنه قال : ولقد همت به ولولا أن رأى برهان ~~ربه لهم بها . | # وطعن في هذا التأويل الطبري بأن جواب { لولا } لا يتقدم عليها . ويدفع ~~هذا الطعن أن أبا عبيدة لما قال ذلك علمنا أنه لا يرى منع تقديم جواب { ~~لولا } ، على أنه قد يجعل المذكور قبل { لولا } دليلا للجواب والجواب ~~محذوفا لدلالة ما قبل { لولا } عليه . ولا مفر من ذلك على كل تقدير فإن { ~~لولا } وشرطها تقييد لقوله : { وهم بها } على جميع التأويلات ، فما يقدر من ~~الجواب يقدر على جميع التأويلات . | # وقال جماعة : هم يوسف بأن يجيبها لما دعته إليه ثم ارعوى وانكف على ذلك ~~لما رأى برهان ربه . قاله ابن عباس ، وقتادة ، وابن أبي مليكة ، وثعلب . ~~وبيان هذا أنه انصرف عما هم به بحفظ الله أو بعصمته ، والهم بالسيئة مع ~~الكف عن إيقاعها ليس بكبيرة فلا ينافي عصمة الأنبياء من الكبائر قبل ~~النبوءة على قول من رأى عصمتهم منها قبل النبوءة ، وهو قول الجمهور ، ~~PageV12P253 وفيه خلاف ، ولذلك جوز ابن عباس ذلك على يوسف . وقال جماعة : ~~هم يوسف وأخذ في التهيؤ لذلك فرأى برهانا صرفه عن ذلك فأقلع عن ذلك . وهذا ~~قول السدي ، ورواية عن ابن عباس . وهو يرجع إلى ما بيناه في القول الذي ~~قبله . | # وقد خبط صاحب ( الكشاف ) في إلصاق هذه الروايات بمن يسميهم الحشوية ~~والمجبرة ، وهو يعني الأشاعرة ، وغض بصره عن أسماء من عزيت إليهم هذه ~~التأويلات ( رمتني بدائها وانسلت ) ولم يتعجب من إجماع الجميع على محاولة ~~إخوة يوسف عليه السلام قتله والقتل أشد . | # والرؤية : هنا علمية لأن البرهان من المعاني التي لا ترى بالبصر . | # والبرهان : الحجة . وهذا البرهان من جملته صرفه ms4208 عن الهم بها ، ولولا ذلك ~~لكان حال البشرية لا يسلم من الهم بمطاوعتها في تلك الحالة لتوفر دواعي ~~الهم من حسنها ، ورغبتها فيه ، واغتباط أمثاله بطاعتها ، والقرب منها ، ~~ودواعي الشباب المسولة لذلك ، فكان برهان الله هو الحائل بينه وبين الهم ~~بها دون شيء آخر . | # واختلف المفسرون في ما هو هذا البرهان ، فمنهم من يشير إلى أنه حجة نظرية ~~قبحت له هذا الفعل ، وقيل : هو وحي إلهي ، وقيل : حفظ إلهي ، وقيل : ~~مشاهدات تمثلت له . | # والإشارة في قوله : { كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء } إلى شيء مفهوم مما ~~قبله بتضمنه قوله : { رأى برهان ربه } ، وهو رأي البرهان ، أي أريناه كذلك ~~الرأي لنصرف عنه السوء . | # والصرف : نقل الشيء من مكان إلى مكان ، وهو هنا مجاز عن الحفظ من حلول ~~الشيء بالمحل الذي من شأنه أن يحل فيه . عبر به عن العصمة من شيء ~~PageV12P254 يوشك أن يلابس شيئا . والتعبير عن العصمة بالصرف يشير إلى أن ~~أسباب حصول السوء والفحشاء موجودة ولكن الله صرفهما عنه . | # والسوء : القبيح ، وهو خيانة من ائتمنه . والفحشاء : المعصية ، وهي الزنى ~~. وتقدم السوء والفحشاء عند قوله تعالى : { إنما يأمركم بالسوء والفحشاء } ~~في سورة البقرة ( 169 ) . ومعنى صرفهما عنه صرف ملابسته إياهما . | # وجملة { إنه من عبادنا المخلصين } تعليل لحكمة صرفه عن السوء والفحشاء ~~الصرف الخارق للعادة لئلا ينتقص اصطفاء الله إياه في هذه الشدة على النفس . ~~| # قرأ نافع ، وعاصم ، وحمزة ، والكسائي ، وأبو جعفر ، وخلف { المخلصين } ~~بفتح اللام أي الذين أخلصهم الله واصطفاهم . وقرأه ابن كثير ، وأبو عمرو ، ~~وابن عامر ، ويعقوب بكسر اللام على معنى المخلصين دينهم لله . ومعنى ~~التعليل على القراءتين واحد . | # والاستباق : افتعال من السبق . وتقدم آنفا ، وهو هنا إشارة إلى تكلفهما ~~السبق ، أي أن كل واحد منهما يحاول أن يكون هو السابق إلى الباب . | # وانتصب { الباب } على نزع الخافض . وأصله : واستبقا إلى الباب ، مثل { ~~واختار موسى قومه سبعين رجلا ( سورة الأعراف : 155 ) ، أي من قومه ، أو على ~~تضمين استبقا } معنى ابتدرا . | # والتعريف في ( الباب ) تعريف الجنس إذ كانت عدة أبواب مغلقة ms4209 . وذلك أن ~~يوسف عليه السلام فر من مراودتها إلى الباب يريد فتحه والخروج وهي تريد أن ~~تسبقه إلى الباب لتمنعه من فتحه . | # وجملة { وقدت قميصه } في موضع الحال . و { قدت } أي قطعت ، أي قطعت منه ~~قدا ، وذلك قبل الاستباق لا محالة . لأنه لو كان تمزيق القميص في حال ~~الاستباق لم تكن فيه قرينة على صدق يوسف عليه السلام أنها راودته ، إذ لا ~~يدل التمزيق في حال الاستباق على أكثر من أن يوسف عليه السلام سبقها مسرعا ~~إلى الباب ، فدل على أنها أمسكته من قميصه حين أعرض عنها تريد PageV12P255 ~~إكراهه على ما راودته فجذب نفسه فتخرق القميص من شدة الجذبة . وكان قطع ~~القميص من دبر لأنه كان موليا عنها معرضا فأمسكته منه لرده عن إعراضه . | # وقد أبدع إيجاز الآية في جمع هذه المعاني تحت جملة { استبقا الباب وقدت ~~قميصه } . | # وصادف أن ألفيا سيدها ، أي زوجها ، وهو العزيز ، عند الباب الخارجي يريد ~~الدخول إلى البيت من الباب الخارجي . وإطلاق السيد على الزوج قيل : إن ~~القرآن حكى به عادة القبط حينئذ ، كانوا يدعون الزوج سيدا . والظاهر أنه لم ~~يكن ذلك مستعملا في عادة العرب ، فالتعبير به هنا من دقائق التاريخ مثل ~~قوله الآتي { ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك ( سورة يوسف : 76 ) . ولعل ~~الزواج في مصر في ذلك العهد كان بطريق الملك غالبا . وقد علم من الكلام أن ~~يوسف عليه السلام فتح الأبواب التي غلقتها زليخا بابا بابا حتى بلغ الخارجي ~~، كل ذلك في حال استباقهما ، وهو إيجاز . | # والإلفاء : وجدان شيء على حالة خاصة من غير سعي لوجدانه ، فالأكثر أن ~~يكون مفاجئا ، أو حاصلا عن جهل بأول حصول ، كقوله تعالى : قالوا بل نتبع ما ~~ألفينا عليه آباءنا ( سورة البقرة : 170 ) . | # وجملة قالت ما جزاء } الخ مستأنفة بيانيا ، لأن السامع يسأل : ماذا حدث ~~عند مفاجأة سيدها وهما في تلك الحالة . | # وابتدرته بالكلام إمعانا في البهتان بحيث لم تتلعثم ، تخيل له أنها على ~~الحق ، وأفرغت الكلام في قالب كلي ليأخذ صيغة القانون ، وليكون قاعدة ms4210 لا ~~يعرف المقصود منها فلا يسع المخاطب إلا الإقرار لها . ولعلها كانت تخشى أن ~~تكون محبة العزيز ليوسف عليه السلام مانعة له من عقابه ، فأفرغت كلامها في ~~قالب كلي . وكانت تريد بذلك أن لا يشعر زوجها بأنها تهوى غير سيدها ، وأن ~~تخيف يوسف عليه السلام من كيدها لئلا يمتنع منها مرة أخرى . | PageV12P256 # ورددت يوسف عليه السلام بين صنفين من العقاب ، وهما : السجن ، أي الحبس . ~~وكان الحبس عقابا قديما في ذلك العصر ، واستمر إلى زمن موسى عليه السلام ، ~~فقد قال فرعون لموسى عليه السلام : { لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من ~~المسجونين ( سورة الشعراء : 29 ) . | # وأما العذاب فهو أنواع ، وهو عقاب أقدم في اصطلاح البشر . ومنه الضرب ~~والإيلام بالنار وبقطع الأعضاء . وسيأتي ذكر السجن في هذه السورة مرارا . | # وجملة قال هي راودتني عن نفسي } من قول يوسف عليه السلام ، وفصلت لأنها ~~جاءت على طريقة المحاورة مع كلامها . ومخالفة التعبير بين { أن يسجن أو ~~عذاب } دون أن يقول : إلا السجن أو عذاب ، لأن لفظ السجن يطلق على البيت ~~الذي يوضع فيه المسجون ويطلق على مصدر سجن ، فقوله : { أن يسجن } أوضح في ~~تسلط معنى الفعل عليه . | # وتقديم المبتدأ على خبره الذي هو فعل يفيد القصر ، وهو قصر قلب للرد ~~عليها . وكان مع العزيز رجل من أهل امرأته ، وهو الذي شهد وكان فطنا عارفا ~~بوجوه الدلالة . | # وسمي قوله شهادة لأنه يؤول إلى إظهار الحق في إثبات اعتداء يوسف عليه ~~السلام على سيدته أو دحضه . وهذا من القضاء بالقرينة البينة لأنها لو كانت ~~أمسكت ثوبه لأجل القبض عليه لعقابه لكان ذلك في حال استقباله له إياها فإذا ~~أراد الانفلات منها تخرق قميصه من قبل ، وبالعكس إن كان إمساكه في حال فرار ~~وإعراض . ولا شك أن الاستدلال بكيفية تمزيق القميص نشأ عن ذكر امرأة العزيز ~~وقوع تمزيق القميص تحاول أن تجعله حجة على أنها أمسكته لتعاقبه ، ولولا ذلك ~~ما خطر ببال الشاهد أن تمزيقا وقع وإلا فمن أين علم الشاهد تمزيق القميص . ~~والظاهر أن الشاهد كان يظن ms4211 صدقها فأراد أن يقيم دليلا على صدقها فوقع عكس ~~ذلك كرامة ليوسف عليه السلام . | PageV12P257 # وجملة { إن كان قميصه } مبينة لفعل { شهد } . | # وزيادة { وهو من الكاذبين } بعد { فصدقت } ، وزيادة { وهو من الصادقين } ~~بعد { فكذبت } تأكيد لزيادة تقرير الحق كما هو شأن الأحكام . | # وأدوات الشرط لا تدل على أكثر من الربط والتسبب بين مضمون شرطها ومضمون ~~جوابها من دون تقييد باستقبال ولا مضي . فمعنى { إن كان قميصه قد من قبل ~~فصدقت } وما بعدها : أنه إن كان ذلك حصل في الماضي فقد حصل صدقها في الماضي ~~. | # والذي رأى قميصه قد من دبر وقال : إنه من كيدكن ، هو العزيز لا محالة . ~~وقد استبان لديه براءة يوسف عليه السلام من الاعتداء على المرأة فاكتفى ~~بلوم زوجه بأن ادعاءها عليه من كيد النساء ؛ فضمير جمع الإناث خطاب لها ~~فدخل فيه من هن من صنفها بتنزيلهن منزلة الحواضر . | # والكيد : فعل شيء في صورة غير المقصودة للتوصل إلى مقصود . وقد تقدم عند ~~قوله تعالى : { إن كيدي متين } في سورة الأعراف ( 183 ) . | # ثم أمر يوسف عليه السلام بالإعراض عما رمته به ، أي عدم مؤاخذتها بذلك ، ~~وبالكف عن إعادة الخوض فيه . وأمر زوجه بالاستغفار من ذنبها ، أي في ~~اتهامها يوسف عليه السلام بالجرأة والاعتداء عليها . | # قال المفسرون : وكان العزيز قليل الغيرة . وقيل : كان حليما عاقلا . ~~ولعله كان مولعا بها ، أو كانت شبهة الملك تخفف مؤاخذة المرأة بمراودة ~~مملوكها . وهو الذي يؤذن به حال مراودتها يوسف عليه السلام حين بادرته ~~بقولها : { هيت لك } كما تقدم آنفا . | PageV12P258 # والخاطىء : فاعل الخطيئة ، وهي الجريمة . وجعلها من زمرة الذين خطئوا ~~تخفيفا في مؤاخذتها . وصيغة جمع المذكر تغليب . | # وجملة { يوسف أعرض عن هذا } من قول العزيز إذ هو صاحب الحكم . | # وجملة { واستغفري لذنبك } عطف على جملة { يوسف أعرض } في كلام العزيز عطف ~~أمر على أمر والمأمور مختلف . وكاف المؤنثة المخاطبة متعين أنه خطاب لامرأة ~~العزيز ، فالعزيز بعد أن خاطبها بأن ما دبرته هو من كيد النساء وجه الخطاب ~~إلى يوسف عليه السلام بالنداء ثم أعاد الخطاب ms4212 إلى المرأة . | # وهذا الأسلوب من الخطاب يسمى بالإقبال ، وقد يسمى بالالتفات بالمعنى ~~اللغوي عند الالتفات البلاغي ، وهو عزيز في الكلام البليغ . ومنه قول ~~الجرمي من طي من شعراء الحماسة : | # إخالك موعدي ببني جفيف | # وهالة إنني أنهاكك هالا | # قال المرزوقي في ( شرح الحماسة ) : والعرب تجمع في الخطاب والإخبار بين ~~عدة ثم تقبل أو تلتفت من بينهم إلى واحد لكونه أكبرهم أو أحسنهم سماعا ~~وأخصهم بالحال . | # | 2 ( 30 ) { وقال نسوة فى المدينة امرأت العزيز تراود فتاها عن نفسه قد ~~شغفها حبا إنا لنراها فى ضلال مبين } . ) 2 # النسوة : اسم جمع امرأة لا مفرد له ، وهو اسم جمع قلة مثله نساء . وتقدم ~~في قوله تعالى : { ونساءنا ونساءكم } في سورة آل عمران ( 61 ) . | # وقوله : { في المدينة } صفة لنسوة . والمقصود من ذكر هذه الصفة أنهن كن ~~متفرقات في ديار من المدينة . وهذه المدينة هي قاعدة مصر السفلى ~~PageV12P259 وهي مدينة ( منفيس ) حيث كان قصر العزيز ، فنقل الخبر في بيوت ~~المتصلين ببيت العزيز . وقيل : إن امرأة العزيز باحت بالسر لبعض خلائلها ~~فأفشينه كأنها أرادت التشاور معهن ، أو أرادت الارتياح بالحديث إليهن ( ومن ~~أحب شيئا أكثر من ذكره ) . وهذا الذي يقتضيه قوله : { وأعتدت لهن متكئا ( ~~سورة يوسف : 31 ) وقوله : ولئن لم يفعل ( سورة يوسف : 32 ) . | # والفتى : الذي في سن الشباب ، ويكنى به عن المملوك وعن الخادم كما يكنى ~~بالغلام والجارية وهو المراد هنا . وإضافته إلى ضمير امرأة العزيز } لأنه ~~غلام زوجها فهو غلام لها بالتبع ما دامت زوجة لمالكه . | # وشغف : فعل مشتق من اسم جامد ، وهو الشغاف بكسر الشين المعجمة وهو غلاف ~~القلب . وهذا الفعل مثل كبده ورآه وجبهه ، إذا أصاب كبده ورئته وجبهته . | # والضمير المستتر في { شغفها } ل { فتاها } . ولما فيه من الإجمال جيء ~~بالتمييز للنسبة بقوله : { حبا } . وأصله شغفها حبه ، أي أصاب حبه شغافها ، ~~أي اخترق الشغاف فبلغ القلب ، كناية عن التمكن . | # وتذكير الفعل في { وقال نسوة } لأن الفعل المسند إلى ألفاظ الجموع غير ~~الجمع المذكر السالم يجوز تجريده من التاء باعتبار الجمع ، وقرنه بالتاء ~~باعتبار ms4213 الجماعة مثل { وجاءت سيارة ( سورة يوسف : 19 ) . | # وأما الهاء التي في آخر نسوة } فليست علامة تأنيث بل هي هاء فعلة جمع ~~تكسير ، مثل صبية وغلمة . | # وقد تقدم وجه تسمية الذي اشترى يوسف عليه السلام باسم العزيز عند قوله ~~تعالى : { وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته ( سورة يوسف : 21 ) . وتقدم ذكر ~~اسمه واسمها في العربية وفي العبرانية . | PageV12P260 # ومجيء تراود } بصيغة المضارع مع كون المراودة مضت لقصد استحضار الحالة ~~العجيبة لقصد الإنكار عليها في أنفسهن ولومها على صنيعها . ونظيره في ~~استحضار الحالة قوله تعالى : { يجادلنا في قوم لوط ( سورة هود : 74 ) . | # وجملة قد شغفها حبا } في موضع التعليل لجملة { تراود فتاها } . | # وجملة { إنا لنراها في ضلال مبين } استئناف ابتدائي لإظهار اللوم ~~والإنكار عليها . والتأكيد ب ( إن ) واللام لتحقيق اعتقادهن ذلك ، وإبعادا ~~لتهمتهن بأنهن يحسدنها على ذلك الفتى . | # والضلال هنا : مخالفة طريق الصواب ، أي هي مفتونة العقل بحب هذا الفتى ، ~~وليس المراد الضلال الديني . وهذا كقوله تعالى آنفا : { إن أبانا لفي ضلال ~~مبين ( سورة يوسف : 8 ) . | # | 2 ( 31 ، 32 ) فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكئا وءاتت كل ~~واحدة منهن سكينا وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن ~~حاش لله ما هاذا بشرا إن هاذآ إلا ملك كريم * قالت فذالكن الذى لمتننى فيه ~~ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل مآ ءامره ليسجنن وليكونا من ~~الصاغرين } . ) 2 # حق سمع أن يعدى إلى المسموع بنفسه ، فتعديته بالباء هنا إما لأنه ضمن ~~معنى أخبرت ، كقول المثل : ( تسمع بالمعيدي خير من أن تراه ) أي تخبر عنه . ~~وإما أن تكون الباء مزيدة للتوكيد مثل قوله تعالى : { وامسحوا برؤوسكم ( ~~سورة المائدة : 6 ) . | PageV12P261 # وأطلق على كلامهن اسم المكر ، قيل : لأنهن أردن بذلك أن يبلغ قولهن إليها ~~فيغريها بعرضها يوسف عليه السلام عليهن فيرين جماله لأنهن أحببن أن يرينه . ~~وقيل : لأنهن قلنه خفية فأشبه المكر ، ويجوز أن يكون أطلق على قولهن اسم ~~المكر لأنهن قلنه في صورة الإنكار وهن يضمرن حسدها على اقتناء مثله ، إذ ~~يجوز ms4214 أن يكون الشغف بالعبد في عادتهم غير منكر . | # وأعتدت } : أصله أعددت ، أبدلت الدال الأولى تاء ، كما تقدم عند قوله ~~تعالى : { وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا في سورة النساء ( 37 ) . | # والمتكأ : محل الاتكاء . والاتكاء : جلسة قريبة من الاضطجاع على الجنب مع ~~انتصاب قليل في النصب الأعلى . وإنما يكون الاتكاء إذا أريد إطالة المكث ~~والاستراحة ، أي أحضرت لهن نمارق يتكئن عليها لتناول طعام . وكان أهل الترف ~~يأكلون متكئين كما كانت عادة للرومان ، ولم تزل أسرة اتكائهم موجودة في ~~ديار الآثار . وقال النبي : أما أنا فلا آكل متكئا . | # ومعنى آتت } أمرت خدمها بالإيتاء كقوله : { يا هامان ابن لي صرحا ( سورة ~~غافر : 36 ) . | # والسكين : آلة قطع اللحم وغيره . قيل : أحضرت لهن أترجا وموزا فحضرن ~~واتكأن ، وقد حذف هذان الفعلان إيجازا . وأعطت كل واحدة سكينا لقشر الثمار ~~. | # وقولها : أخرج عليهن } يقتضي أنه كان في بيت آخر وكان لا يدخل عليها إلا ~~بإذنها . وعدي فعل الخروج بحرف ( على ) لأنه ضمن معنى ( أدخل ) لأن المقصود ~~دخوله عليهن لا مجرد خروجه من البيت الذي هو فيه . | # ومعنى { أكبرنه } أعظمنه ، أي أعظمن جماله وشمائله ، فالهمزة فيه للعد ، ~~أي أعددنه كبيرا ، وأطلق الكبر على عظيم الصفات تشبيها لوفرة الصفات بعظم ~~الذات . | PageV12P262 # وتقطيع أيديهن كان من الذهول ، أي أجرين السكاكين على أيديهن يحسبن أنهن ~~يقطعن الفواكه . وأريد بالقطع الجرح ، أطلق عليه القطع مجازا للمبالغة في ~~شدته حتى كأنه قطع قطعة من لحم اليد . | # و { حاش لله } تركيب عربي جرى مجرى المثل يراد منه إبطال شيء عن شيء ~~وبراءته منه . وأصل ( حاشا ) فعل يدل على المباعدة عن شيء ، ثم يعامل ~~معاملة الحرف فيجر به في الاستثناء فيقتصر عليه تارة . وقد يوصل به اسم ~~الجلالة فيصير كاليمين على النفي يقال : حاشا الله ، أي أحاشيه عن أن يكذب ~~، كما يقال : لا أقسم . وقد تزاد فيه لام الجر فيقال : حاشا لله وحاش لله ، ~~بحذف الألف ، أي حاشا لأجله ، أي لخوفه أن أكذب . حكي بهذا التركيب كلام ~~قالته النسوة يدل على هذا المعنى في لغة القبط حكاية ms4215 بالمعنى . | # وقرأ أبو عمرو ( حاشا لله ) بإثبات ألف حاشا في الوصل ، وقرأ البقية ~~بحذفها فيه . واتفقوا على الحذف في حالة الوقف . | # وقولهن : { ما هذا بشرا } مبالغة في فوته محاسن البشر ، فمعناه التفضيل ~~في محاسن البشر ، وهو ضد معنى التشابه في باب التشبيه . | # ثم شبهنه بواحد من الملائكة بطريقة حصره في جنس الملائكة تشبيها بليغا ~~مؤكدا . وكان القبط يعتقدون وجود موجودات علوية هي من جنس الأرواح العلوية ~~، ويعبرون عنها بالآلهة أو قضاة يوم الجزاء ، ويجعلون لها صورا ، ولعلهم ~~كانوا يتوخون أن تكون ذواتا حسنة . ومنها ما هي مدافعة عن الميت يوم الجزاء ~~. فأطلق في الآية اسم الملك على ما كانت حقيقته مماثلة لحقيقة مسمى الملك ~~في اللغة العربية تقريبا لأفهام السامعين . | # فهذا التشبيه من تشبيه المحسوس بالمتخيل ، كقول امرىء القيس : | # ومسنونة زرق كأنياب أغوال | PageV12P263 # والفاء في { فذلكن } فاء الفصيحة ، أي إن كان هذا كما زعمتن ملكا فهو ~~الذي بلغكن خبره فلمتنني فيه . | # و { لمتنني فيه } ( في ) للتعليل ، مثل ( دخلت امرأة النار في هرة ) . ~~وهنالك مضاف محذوف ، والتقدير : في شأنه أو في محبته . | # والإشارة ب ( ذلكن ) لتمييز يوسف عليه السلام ، إذ كن لم يرينه قبل . ~~والتعبير عنه بالموصولية لعدم علم النسوة بشيء من معرفاته غير تلك الصلة ، ~~وقد باحت لهن بأنها راودته لأنها رأت منهن الافتتان به فعلمت أنهن قد ~~عذرنها . والظاهر أنهن كن خلائل لها فلم تكتم عنهن أمرها . | # واستعصم : مبالغة في عصم نفسه ، فالسين والتاء للمبالغة ، مثل : استمسك ~~واستجمع الرأي واستجاب . فالمعنى : أنه امتنع امتناع معصوم ، أي جاعلا ~~المراودة خطيئة عصم نفسه منها . | # ولم تزل مصممة على مراودته تصريحا بفرط حبها إياه ، واستشماخا بعظمتها ، ~~وأن لا يعصي أمرها ، فأكدت حصول سجنه بنوني التوكيد ، وقد قالت ذلك بمسمع ~~منه إرهابا له . | # وحذف عائد صلة { ما آمره } وهو ضمير مجرور بالباء على نزع الخافض مثل : ~~أمرتك الخير . . . | # والسجن بفتح السين : قياس مصدر سجنه ، بمعنى الحبس في مكان محيط لا يخرج ~~منه . ولم أره في كلامهم بفتح السين إلا في قراءة يعقوب هذه ms4216 الآية . والسجن ~~بكسر السين : اسم للبيت الذي يسجن فيه ، كأنهم سموه بصيغة المفعول كالذبح ~~وأرادوا المسجون فيه . وقد تقدم قولها آنفا : { إلا أن يسجن أو عذاب أليم ( ~~سورة يوسف : 25 ) . | # والصاغر : الذليل . وتركيب من الصاغرين } أقوى في معنى الوصف بالصغار من ~~أن يقال : وليكونن صاغرا ، كما تقدم عند قوله تعالى : { قال أعوذ ~~PageV12P264 بالله أن أكون من الجاهلين } في سورة البقرة ( 67 ) ، وقوله : ~~{ وكونوا مع الصادقين } في آخر سورة براءة ( 119 ) . | # وإعداد المتكأ لهن ، وبوحها بسرها لهن يدل على أنهن كن من خلائلها . | # | 2 ( 33 ، 34 ) { قال رب السجن أحب إلى مما يدعوننى إليه وإلا تصرف عنى ~~كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين * فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو ~~السميع العليم } . ) 2 # | $ # استئناف بياني ، لأن ما حكي قبله مقام شدة من شأنه أن يسأل سامعه عن حال ~~تلقي يوسف عليه السلام فيه لكلام امرأة العزيز . | # وهذا الكلام مناجاة لربه الذي هو شاهدهم ، فالظاهر أنه قال هذا القول في ~~نفسه . ويحتمل أنه جهر به في ملئهن تأييسا لهن من أن يفعل ما تأمره به . | # وقرأ الجمهور ( السجن ) بكسر السين . وقرأه يعقوب وحده بفتح السين على ~~معنى المصدر ، أي أن السجن أحب إلي . وفضل السجن مع ما فيه من الألم والشدة ~~وضيق النفس على ما يدعونه إليه من الاستمتاع بالمرأة الحسنة النفيسة على ما ~~فيه منا للذة ولكن كرهه لفعل الحرام فضل عنده مقاساة السجن . فلما علم أنه ~~لا محيص من أحد الأمرين صار السجن محبوبا إليه باعتبار أنه يخلصه من الوقوع ~~في الحرام فهي محبة ناشئة عن ملاءمة الفكر ، كمحبة الشجاع الحرب . | # فالإخبار بأن السجن أحب إليه من الاستمتاع بالمرأة مستعمل في إنشاء الرضى ~~بالسجن في مرضاة الله تعالى والتباعد عن محارمه ، إذ لا فائدة في إخبار من ~~يعلم ما في نفسه فاسم التفضيل على حقيقته ولا داعي إلى تأويله بمسلوب ~~المفاضلة . | PageV12P265 # وعبر عما عرضته المرأة بالموصولية لما في الصلة من الإيماء إلى كون ~~المطلوب حالة هي مظنة الطواعية ، لأن ms4217 تمالىء الناس على طلب الشيء من شأنه ~~أن يوطن نفس المطلوب للفعل ، فأظهر أن تمالئهن على طلبهن منه امتثال أمر ~~المرأة لم يفل من صارم عزمه على الممانعة ، وجعل ذلك تمهيدا لسؤال العصمة ~~من الوقوع في شرك كيدهن ، فانتقل من ذكر الرضى بوعيدها إلى سؤال العصمة من ~~كيدها . | # وأسند فعل { يدعونني } إلى نون النسوة ، فالواو الذي فيه هو حرف أصلي ~~وليست واو الجماعة ، والنون ليست نون رفع لأنه مبني لاتصاله بنون النسوة ، ~~ووزنه يفعلن . وأسند الفعل إلى ضمير جمع النساء مع أن التي دعته امرأة ~~واحدة ، إما لأن تلك الدعوة من رغبات صنف النساء فيكون على وزان جمع الضمير ~~في { كيدهن } ، وإما لأن النسوة اللاتي جمعتهن امرأة العزيز لما سمعن ~~كلامها تمالأن على لوم يوسف عليه السلام وتحريضه على إجابة الداعية ، ~~وتحذيره من وعيدها بالسجن . وعلى وزان هذا يكون القول في جمع الضمير في { ~~كيدهن ( سورة يوسف : 28 ) أي كيد صنف النساء ، مثل قول العزيز إن كيدكن ~~عظيم } ، أي كيد هؤلاء النسوة . | # وجملة { وإلا تصرف عني كيدهن } خبر مستعمل في التخوف والتوقع التجاء إلى ~~الله وملازمة للأدب نحو ربه بالتبرؤ من الحول والقوة والخشية من تقلب القلب ~~ومن الفتنة بالميل إلى اللذة الحرام . فالخبر مستعمل في الدعاء ، ولذلك فرع ~~عنه جملة { فاستجاب له ربه } . | # ومعنى { أصب } أمل . والصبو : الميل إلى المحبوب . | # والجاهلون : سفهاء الأحلام ، فالجهل هنا مقابل الحلم . والقول في أن ~~مبالغة { أكن من الجاهلين } أكثر من أكن جاهلا كالقول في { وليكونا من ~~الصاغرين ( سورة يوسف : 32 ) . | PageV12P266 # وعطف جملة فاستجاب } بفاء التعقيب إشارة إلى أن الله عجل إجابة دعائه ~~الذي تضمنه قوله : { وإلا تصرف عني كيدهن } . واستجاب : مبالغة في أجاب ، ~~كما تقدم في قوله : { فاستعصم ( سورة يوسف : 32 ) . | # وصرف كيدهن عنه صرف أثره ، وذلك بأن ثبته على العصمة فلم ينخدع لكيدها ~~ولا لكيد خلائلها في أضيق الأوقات . | # وجملة إنه هو السميع العليم } في موضع العلة ل { استجاب } المعطوف بفاء ~~التعقيب ، أي أجاب دعاءه بدون مهلة لأنه سريع الإجابة وعليم بالضمائر ms4218 ~~الخالصة . فالسمع مستعمل في إجابة المطلوب ، يقال : سمع الله لمن حمده . ~~وتأكيده بضمير الفصل لتحقيق ذلك المعنى . | # | 2 ( 35 ) { ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين } . ) 2 # { ثم } هنا للترتيب الرتبي ، كما هو شأنها في عطف الجمل فإن ما بدا لهم ~~أعجب بعد ما تحققت براءته . وإنما بدا لهم أن يسجنوا يوسف عليه السلام حين ~~شاعت القالة عن امرأة العزيز في شأنه فكان ذلك عقب انصراف النسوة لأنها ~~خشيت إن هن انصرفن أن تشيع القالة في شأنها وشأن براءة يوسف عليه السلام ~~فرامت أن تغطي ذلك بسجن يوسف عليه السلام حتى يظهر في صورة المجرمين ~~بإرادته السوء بامرأة العزيز ، وهي ترمي بذلك إلى تطويعه لها . ولعلها ~~أرادت أن توهم الناس بأن مراودته إياها وقعت يوم ذلك المجمع ، وأن توهم ~~أنهن شواهد على يوسف عليه السلام . | # والضمير في { لهم } لجماعة العزيز من مشير وآمر . | # وجملة { ليسجننه } جواب قسم محذوف ، وهي معلقة فعل { بدا } عن العمل فيما ~~بعده لأجل لام القسم لأن ما بعد لام القسم كلام مستأنف . وفيه PageV12P267 ~~دليل للمعمول المحذوف إذ التحقيق أن التعليق لا يختص بأفعال الظن ، وهو ~~مذهب يونس بن حبيب ، لأن سبب التعليق وجود أداة لها صدر الكلام . وفي هذه ~~الآية دليله . | # والتقدير : بدا لهم ما يدل عليه هذا القسم ، أي بدا لهم تأكيد أن يسجنوه ~~. | # وذكر في ( المغني ) في آخر الجمل التي لها محل من الإعراب : وقوع الخلاف ~~في الفاعل ونائب الفاعل ، هل يكون جملة ؟ فأجازه هشام وثعلب مطلقا ، وأجازه ~~الفراء وجماعة إذا كان الفعل قلبيا ووجد معلق ، وحملوا الآية عليه ، ونسب ~~إلى سيبويه . وهو يؤول إلى معنى التعليق ، والتعليق أنسب بالمعنى . | # والحين : زمن غير محدود ، فإن كان { حتى حين } من كلامهم كان المعنى : ~~أنهم أمروا بسجنه سجنا غير مؤجل المدة . وإن كان من الحكاية كان القرآن قد ~~أبهم المدة التي أذنوا بسجنه إليها إذ لا يتعلق فيها الغرض من القصة . | # والآيات : دلائل صدق يوسف عليه السلام وكذب امرأة العزيز . | # | 2 ( 36 ms4219 ) { ودخل معه السجن فتيان قال أحدهمآ إنى أرانى أعصر خمرا وقال ~~الآخر إنى أرانى أحمل فوق رأسى خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك ~~من المحسنين } . ) 2 # | $ # اتفق جميع القراء على كسر سين { السجن } هنا بمعنى البيت الذي يسجن فيه ، ~~لأن الدخول لا يناسب أن يتعلق إلا بالمكان لا بالمصدر . | # وهذان الفتيان هما ساقي الملك وخبازه غضب عليهما الملك فأمر بسجنهما . ~~قيل : اتهما بتسميم الملك في الشراب والطعام . | # وجملة { قال أحدهما } ابتداء محاورة ، كما دل عليه فعل القول . ~~PageV12P268 وكان تعبير الرؤيا من فنون علمائهم فلذلك أيد الله به يوسف ~~عليه السلام بينهم . | # وهذان الفتيان توسما من يوسف عليه السلام كمال العقل والفهم فظنا أنه ~~يحسن تعبير الرؤيا ولم يكونا علما منه ذلك من قبل ، وقد صادفا الصواب ، ~~ولذلك قالا : { إنا نراك من المحسنين } ، أي المحسنين التعبير ، أو ~~المحسنين الفهم . | # والإحسان : الإتقان ، يقال : هو لا يحسن القراءة ، أي لا يتقنها . ومن ~~عادة المساجين حكاية المرائي التي يرونها ، لفقدانهم الأخبار التي هي وسائل ~~المحادثة والمحاورة ، ولأنهم يتفاءلون بما عسى أن يبشرهم بالخلاص في ~~المستقبل . وكان علم تعبير الرؤيا من العلوم التي يشتغل بها كهنة المصريين ~~، كما دل عليه قوله تعالى حكاية عن ملك مصر { أفتوني في رؤياي إن كنتم ~~للرؤيا تعبرون ( سورة يوسف : 43 ) كما سيأتي . | # والعصر : الضغط باليد أو بحجر أو نحوه على شيء فيه رطوبة لإخراج ما فيه ~~من المائع زيتت أو ماء . والعصير : ما يستخرج من المعصور سمي باسم محله ، ~~أي معصور من كذا . | # والخبز : اسم لقطعة من دقيق البر أو الشعير أو نحوهما يعجن بالماء ويوضع ~~قرب النار حتى ينضج ليؤكل ، ويسمى رغيفا أيضا . | # والضمير في بتأويله } للمذكور ، أو للمرئي باعتبار الجنس . | PageV12P269 # وجملة { إنا نراك } تعليل لانتفاء المستفاد من { نبئنا } . | # | 2 ( 37 ، 38 ) { قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل ~~أن يأتيكما ذالكما مما علمنى ربى إنى تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم ~~بالاخرة هم كافرون * واتبعت ملة ءابآءي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان ms4220 لنآ ~~أن نشرك بالله من شىء ذالك من فضل الله علينا وعلى الناس ولاكن أكثر الناس ~~لا يشكرون } . ) 2 # | $ # جملة { قال لا يأتيكما } جواب عن كلامهما ففصلت على أسلوب حكاية جمل ~~التحاور . | # أراد بهذا الجواب أن يفترص إقبالهما عليه وملازمة الحديث معه إذ هما ~~يترقبان تعبيره الرؤيا فيدمج في ذلك دعوتهما إلى الإيمان الصحيح مع الوعد ~~بأنه يعبر لهما رؤياهما غير بعيد ، وجعل لذلك وقتا معلوما لهم ، وهو وقت ~~إحضار طعام المساجين إذ ليس لهم في السجن حوادث يوقتون بها ، ولأن انطباق ~~الأبواب وإحاطة الجدران يحول بينهم وبين رؤية الشمس ، فليس لهم إلا حوادث ~~أحوالهم من طعام أو نوم أو هبوب منه . | # ويظهر أن أمد إتيان الطعام حينئذ لم يكن بعيدا كما دل عليه قوله : { قبل ~~أن يأتيكما } من تعجيله لهما تأويل رؤياهما وأنه لا يتريث في ذلك . | # ووصف الطعام بجملة { ترزقانه } تصريح بالضبط بأنه طعام معلوم الوقت لا ~~ترقب طعام يهدى لهما بحيث لا ينضبط حصوله . | PageV12P270 # وحقيقة الرزق : ما به النفع ، ويطلق على الطعام كقوله : { وجد عندها رزقا ~~( سورة آل عمران : 37 ) أي طعاما ، وقوله في سورة الأعراف ( 50 ) أو مما ~~رزقكم الله } ، وقوله : { ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا ( سورة مريم : 62 ) . ~~ويطلق على الإنفاق المتعارف كقوله : وارزقوهم فيها واكسوهم ( سورة النساء : ~~5 ) . ومن هنا يطلق على العطاء الموقت ، يقال : كان بنو فلان من مرتزقة ~~الجند ، ورزق الجند كذا كل يوم . | # وضمير بتأويله } عائد إلى ما عاد إليه ضمير { بتأويله ( سورة يوسف : 36 ) ~~الأول ، وهو المرئي أو المنام . ولا ينبغي أن يعود إلى طعام إذ لا يحسن ~~إطلاق التأويل عن الأنباء بأسماء أصناف الطعام خلافا لما سلكه جمهور ~~المفسرين . | # والاستثناء في قوله : إلا نبأتكما بتأويله } استثناء من أحوال متعددة ~~تناسب الغرض ، وهي حال الإنباء بتأويل الرؤيا وحال عدمه ، أي لا يأتي ~~الطعام المعتاد إلا في حال أني قد نبأتكما بتأويل رؤياكما ، أي لا في حال ~~عدمه . فالقصر المستفاد من الاستثناء إضافي . | # وجردت جملة الحال من الواو ( وقد ) مع أنها ms4221 ماضية اكتفاء بربط الاستثناء ~~كقوله تعالى : { ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ( سورة التوبة : 121 ) . | # وجملة ذلكما مما علمني ربي } استئناف بياني ، لأن وعده بتأويل الرؤيا في ~~وقت قريب يثير عجب السائلين عن قوة علمه وعن الطريقة التي حصل بها هذا ~~العلم ، فيجيب بأن ذلك مما علمه الله تخلصا إلى دعوتهما للإيمان بإله واحد ~~. وكان القبط مشركين يدينون بتعدد الآلهة . | # وقوله : { مما علمني ربي } إيذان بأنه علمه علوما أخرى ، وهي علوم ~~الشريعة والحكمة والاقتصاد والأمانة كما قال : { اجعلني على خزائن الأرض ~~إني حفيظ عليم ( سورة يوسف : 55 ) . | # وزاد في الاستيناف البياني جملة إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله } لأن ~~الإخبار بأن الله علمه التأويل وعلوما أخرى مما يثير السؤال عن وسيلة ~~PageV12P271 حصول هذا العلم ، فأخبر بأن سبب عناية الله به أنه انفرد في ~~ذلك المكان بتوحيد الله وترك ملة أهل المدينة ، فأراد الله اختياره لديهم ، ~~ويجوز كون الجملة تعليلا . | # والملة : الدين ، تقدم في قوله : { دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا } في ~~سورة الأنعام ( 161 ) . | # وأراد بالقوم الذين لا يؤمنون بالله ما يشمل الكنعانيين الذين نشأ فيهم ~~والقبط الذين شب بينهم ، كما يدل عليه قوله : { ما تعبدون من دونه إلا ~~أسماء سميتموها ( سورة يوسف : 39 ) ، أو أراد الكنعانيين خاصة ، وهم الذين ~~نشأ فيهم تعريضا بالقبط الذين ماثلوهم في الإشراك . وأراد بهذا أن لا ~~يواجههم بالتشنيع استنزالا لطائر نفورهم من موعظته . | # وزيادة ضمير الفصل في قوله : هم كافرون } أراد به تخصيص قوم منهم بذلك ~~وهم الكنعانيون ، لأنهم كانوا ينكرون البعث مثل كفار العرب . وأراد بذلك ~~إخراج القبط لأن القبط وإن كانوا مشركين فقد كانوا يثبتون بعث الأرواح ~~والجزاء . | # والترك : عدم الأخذ للشيء مع إمكانه . أشار به إلى أنه لم يتبع ملة القبط ~~مع حلوله بينهم ، وكون مولاه متدينا بها . | # وذكر آباءه تعليما بفضلهم ، وإظهارا لسابقية الصلاح فيه ، وأنه متسلسل من ~~آبائه ، وقد عقله من أول نشأته ثم تأيد بما علمه ربه فحصل له بذلك الشرف ~~العظامي والشرف العصامي . ولذلك قال النبي صلى ms4222 الله عليه وسلم لما سئل عن ~~أكرم الناس : ( يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم نبيء ابن نبيء ابن نبيء ~~ابن نبيء ) . ومثل هذه السلسلة في النبوءة لم يجتمع لأحد غير يوسف عليه ~~السلام إذا كان المراد بالنبوءة أكملها وهو الرسالة ، أو إذا كان إخوة يوسف ~~عليه السلام غير أنبياء على رأي فريق من العلماء . | PageV12P272 # وأراد باتباع ملة آبائه اتباعها في أصولها قبل أن يعطى النبوءة إذا كان ~~فيما أوحي إليه زيادة على ما أوحي به إلى آبائه من تعبير الرؤيا والاقتصاد ~~؛ أو أن نبوءته كانت بوحي مثل ما أوحي به إلى آبائه ، كقوله تعالى : { شرع ~~لكم من الدين ما وصى به نوحا إلى قوله أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ( سورة ~~الشورى : 13 ) . | # وذكر السلف الصالح في الحق يزيد دليل الحق تمكنا ، وذكر ضدهم في الباطل ~~لقصد عدم الحجة بهم بمجردهم . كما في قوله الآتي : ما تعبدون من دونه إلا ~~أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ( سورة يوسف : 40 ) . | # وجملة ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء } في قوة البيان لما اقتضته جملة ~~{ واتبعت ملة آبائي } من كون التوحيد صار كالسجية لهم عرف بها أسلافه بين ~~الأمم ، وعرفهم بها لنفسه في هذه الفرصة . ولا يخفى ما تقتضيه صيغة الجحود ~~من مبالغة انتفاء الوصف على الموصوف ، كما تقدم في قوله تعالى : { ما كان ~~لبشر أن يؤتيه الله الكتاب } في سورة آل عمران ( 79 ) ، وعند قوله تعالى : ~~{ قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق } في آخر سورة العقود ( 116 ~~) . | # و { من } في قوله : { من شيء } مزيدة لتأكيد النفي . وأدخلت على المقصود ~~بالنفي . | # وجملة { ذلك من فضل الله علينا } زيادة في الاستئناف والبيان لقصد ~~الترغيب في اتباع دين التوحيد بأنه فضل . | # وقوله : { وعلى الناس } أي الذين يتبعونهم ، وهو المقصود من الترغيب ~~بالجملة . | # وأتى بالاستدراك بقوله : { ولكن أكثر الناس لا يشكرون } للتصريح بأن حال ~~المخاطبين في إشراكهم حال من يكفر نعمة الله ، لأن إرسال الهداة نعمة ينبغي ~~أن ينظر الناس فيها ms4223 فيعلموا أن ما يدعونهم إليه خير وإنقاذ لهم من ~~PageV12P273 الانحطاط في الدنيا والعذاب في الآخرة ، ولأن الإعراض عن النظر ~~في أدلة صدق الرسل كفر بنعمة العقل والنظر . | # | 2 ( 39 ، 40 ) { ياصاحبى السجن ءأرباب متفرقون خير أم الله الواحد ~~القهار * ما تعبدون من دونه إلا أسمآء سميتموهآ أنتم وءابآؤكم مآ أنزل الله ~~بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدو ا إلا إياه ذالك الدين القيم ~~ولاكن أكثر الناس لا يعلمون } . ) 2 # | $ # استيناف ابتدائي مصدر بتوجيه الخطاب إلى الفتيين بطريق النداء المسترعي ~~سمعهما إلى ما يقوله للاهتمام به . | # وعبر عنهما بوصف الصحبة في السجن دون اسميهما إما لجهل اسميهما عنده إذ ~~كانا قد دخلا السجن معه في تلك الساعة قبل أن تطول المعاشرة بينهما وبينه ، ~~وإما للإيذان بما حدث من الصلة بينهما وهي صلة المماثلة في الضراء الإلف في ~~الوحشة ، فإن الموافقة في الأحوال صلة تقوم مقام صلة القرابة أو تفوقها . | # واتفق القراء على كسر سين { السجن } هنا بمعنى البيت الذي يسجن فيه ~~المعاقبون ، لأن الصاحب لا يضاف إلى السجن إلا بمعنى المكان . | # والإضافة هنا على تقدير حرف الظرفية ، مثل : مكر الليل ، أي يا صاحبين في ~~السجن . | # وأراد بالكلام الذي كلمهما به تقريرهما بإبطال دينهما ، فالاستفهام ~~تقريري . وقد رتب لهما الاستدلال بوجه خطابي قريب من أفهام العامة ، إذ ~~PageV12P274 فرض لهما إلها واحدا مستفردا بالإلهية كما هو حال ملته التي ~~أخبرهم بها . وفرض لهما آلهة متفرقين كل إله منهم إنما يتصرف في أشياء ~~معينة من أنواع الموجودات تحت سلطانه لا يعدوها إلى ما هو من نطاق سلطان ~~غيره منهم ، وذلك حال ملة القبط . | # ثم فرض لهما مفاضلة بين مجموع الحالين حال الإله المنفرد بالإلهية ~~والأحوال المتفرقة للآلهة المتعددين ليصل بذلك إلى إقناعهما بأن حال ~~المنفرد بالإلهية أعظم وأغنى ، فيرجعان عن اعتقاد تعدد الآلهة . وليس ~~المراد من هذا الاستدلال وجود الحالين في الإلهية والمفاضلة بين أصحاب هذين ~~الحالين لأن المخاطبين لا يؤمنون بوجود الإله الواحد . | # هذا إذا حمل لفظ { خير } على ms4224 ظاهر المتعارف منه وهو التفضيل بين مشتركات ~~في صفة . ويجوز أن يكون { خير } مستعملا في معنى الخير عند العقل ، أي ~~الرجحان والقبول . والمعنى : اعتقاد وجود أرباب متفرقين أرجح أم اعتقاد أنه ~~لا يوجد إلا إله واحد ، ليستنزل بذلك طائر نظرهما واستدلالهما حتى ينجلي ~~لهما فساد اعتقاد تعدد الآلهة ، إذ يتبين لهما أن أربابا متفرقين لا يخلو ~~حالهم من تطرق الفساد والخلل في تصرفهم ، كما يومىء إليه وصف التفرق ~~بالنسبة للتعدد ووصف القهار بالنسبة للوحدانية . | # وكانت ديانة القبط في سائر العصور التي حفظها التاريخ وشهدت بها الآثار ~~ديانة شرك ، أي تعدد الآلهة . وبالرغم على ما يحاوله بعض المؤرخين المصريين ~~والإفرنج من إثبات اعتراف القبط بإله واحد وتأويلهم لهم تعدد الآلهة بأنها ~~رموز للعناصر فإنهم لم يستطيعوا أن يثبتوا إلا أن هذا الإله هو معطي التصرف ~~للآلهة الأخرى . وذلك هو شأن سائر أديان الشرك ، فإن الشرك ينشأ عن مثل ذلك ~~الخيال فيصبح تعدد آلهة . والأمم الجاهلة تتخيل هذه الاعتقادات من تخيلات ~~نظام ملوكها وسلاطينها وهو النظام الإقطاعي القديم . | PageV12P275 # نعم إن القبط بنوا تعدد الآلهة على تعدد القوى والعناصر وبعض الكواكب ذات ~~القوى . ومثلهم الإغريق فهم في ذلك أحسن حالا من مشركي العرب الذين ألهوا ~~الحجارة . وقصارى ما قسموه في عبادتها أن جعلوا بعضها آلهة لبعض القبائل ~~كما قال الشاعر : | # وفرت ثقيف إلى لاتها | # وأحسن حالا من الصابئة الكلدانيين والأشوريين الذين جعلوا الآلهة رموزا ~~للنجوم والكواكب . | # وكانت آلهة القبط نحوا من ثلاثين ربا أكبرها عندهم آمون رع . ومن أعظم ~~آلهتهم ثلاثة أخر وهي : أوزوريس ، وأزيس ، وهوروس . فلله بلاغة القرآن إذ ~~عبر عن تعددها بالتفرق فقال : { أأرباب متفرقون ( سورة يوسف : 39 ) . | # وبعد أن أثار لهما الشك في صحة إلهية آلهتهم المتعددين انتقل إلى إبطال ~~وجود تلك الآلهة على الحقيقة بقوله : ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها ~~أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان } ، يعني أن تلك الآلهة لا تحقق ~~لحقائقها في الوجود الخارجي بل هي توهمات تخيلوها . | # ومعنى قصرها على أنها أسماء ms4225 قصرا إضافيا ، أنها أسماء لا مسمياتت لها ~~فليس لها في الوجود إلا أسماؤها . | # وقوله : { أنتم وآباؤكم } جملة مفسرة للضمير المرفوع في { سميتموها } . ~~والمقصود من ذلك الرد على آبائهم سدا لمنافذ الاحتجاج لأحقيتها بأن تلك ~~الآلهة معبودات آبائهم ، وإدماجا لتلقين المعذرة لهما ليسهل لهما الإقلاع ~~عن عبادة آلهة متعددة . | # وإنزال السلطان : كناية عن إيجاد دليل إلهيتها في شواهد العالم . ~~والسلطان : الحجة . | PageV12P276 # وجملة { إن الحكم إلا لله } إبطال لجميع التصرفات المزعومة لآلهتهم بأنها ~~لا حكم لها فيما زعموا أنه من حكمها وتصرفها . | # وجملة { أمر أن لا تعبدوا إلا إياه } انتقال من أدلة إثبات انفراد الله ~~تعالى بالإلهية إلى التعليم بامتثال أمره ونهيه ، لأن ذلك نتيجة إثبات ~~الإلهية والوحدانية له ، فهي بيان لجملة { إن الحكم إلا لله } من حيث ما ~~فيها من معنى الحكم . | # وجملة { ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون } خلاصة لما تقدم من ~~الاستدلال ، أي ذلك الدين لا غيره مما أنتم عليه وغيركم . وهو بمنزلة رد ~~العجز على الصدر لقوله : { إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله إلى لا يشكرون ~~( سورة يوسف : 38 ) . | # | 2 ( 41 ) ياصاحبى السجن أمآ أحدكما فيسقى ربه خمرا وأما الاخر فيصلب ~~فتأكل الطير من رأسه قضى الامر الذى فيه تستفتيان } . ) 2 # افتتح خطابهما بالنداء اهتماما بما يلقيه إليهما من التعبير ، وخاطبهما ~~بوصف { صاحبي السجن } أيضا . | # ثم إذا كان الكلام المحكي عن يوسف عليه السلام في الآية صدر منه على نحو ~~النظم الذي نظم به في الآية وهو الظاهر كان جمع التأويل في عبارة واحدة ~~مجملة ، لأن في تأويل إحدى الرؤيين ما يسوء صاحبها قصدا لتلقيه ما يسوء بعد ~~تأمل قليل كيلا يفجأه من أول الكلام ، فإنه بعد التأمل يعلم أن الذي يسقي ~~ربه خمرا هو رائي عصر الخمر ، وأن الذي تأكل الطير من رأسه هو رائي أكل ~~الطير من خبز على رأسه . | PageV12P277 # وإذا كان نظم الآية على غير ما صدر من يوسف عليه السلام كان في الآية ~~إيجاز لحكاية كلام يوسف عليه السلام ، وكان كلاما ms4226 معينا فيه كل من الفتيين ~~بأن قال : أما أنت فكيت وكيت ، وأما أنت فكيت وكيت ، فحكي في الآية بالمعنى ~~. | # وجملة { قضي الأمر الذي فيه تستفتيان } تحقيق لما دلت عليه الرؤيا ، وأن ~~تعبيرها هو ما أخبرهما به فإنهما يستفتيان في دلالة الرؤيا على ما سيكون في ~~شأن سجنهما لأن ذلك أكبر همهما ، فالمراد بالأمر تعبير رؤياهما . | # والاستفتاء : مصدر استفتى إذا طلب الإفتاء . وهو : الإخبار بإزالة مشكل ، ~~أو إرشاد إلى إزالة حيرة . وفعله أفتى ملازم للهمز ولم يسمع له فعل مجرد ، ~~فدلا ذلك على أن همزه في الأصل مجتلب لمعنى ، قالوا : أصل اشتقاق أفتى من ~~الفتى وهو الشاب ، فكأن الذي يفتيه يقوي نهجه ببيانه فيصير بقوة بيانه فتيا ~~أي قويا . واسم الخبر الصادر من المفتي : فتوى بفتح الفاء وبضمها مع الواو ~~مقصورا ، وبضم الفاء مع الياء مقصورا . | # | 2 ( 42 ) { وقال للذى ظن أنه ناج منهما اذكرنى عند ربك فأنساه الشيطان ~~ذكر ربه فلبث فى السجن بضع سنين } . ) 2 # قال يوسف عليه السلام للذي ظن نجاته من الفتيين وهو الساقي . والظن هنا ~~مستعمل في القريب من القطع لأنه لا يشك في صحة تعبيره الرؤيا . وأراد بذكره ~~ذكر قضيته ومظلمته ، أي اذكرني لربك ، أي سيدك . وأراد بربه ملك مصر . | # وضميرا { فأنساه } و { ربه } يحتملان العود إلى { الذي } ، أي أنسى ~~الشيطان الذي نجا أن يذكره لربه ، فالذكر الثاني هو الذكر الأول . ويحتمل ~~أن يعود PageV12P278 الضميران إلى ما عاد إليه ضمير { وقال } أي يوسف عليه ~~السلام أنساه الشيطان ذكر الله ، فالذكر الثاني غير الذكر الأول . ولعل كلا ~~الاحتمالين مراد ، وهو من بديع الإيجاز . وذلك أن نسيان يوسف عليه السلام ~~أن يسأل الله إلهام الملك تذكر شأنه كان من إلقاء الشيطان في أمنيته ، وكان ~~ذلك سببا إلهيا في نسيان الساقي تذكير الملك ، وكان ذلك عتابا إلهيا ليوسف ~~عليه السلام على اشتغاله بعون العباد دون استعانة ربه على خلاصه . | # ولعل في إيراد هذا الكلام على هذا التوجيه تلطفا في الخبر عن يوسف عليه ~~السلام ، لأن الكلام الموجه في ms4227 المعاني الموجهة ألطف من الصريح . | # والبضع : من الثلاث إلى التسع . | # وفيما حكاه القرآن عن حال سجنهم ما ينبىء على أن السجن لم يكن مضبوطا ~~بسجل يذكر فيه أسماء المساجين ، وأسباب سجنهم ، والمدة المسجون إليها ، ولا ~~كان من وزعة السجون ولا ممن فوقهم من يتعهد أسباب السجن ويفتقد أمر ~~المساجين ويرفع إلى الملك في يوم من الأسبوع أو من العام . وهذا من الإهمال ~~والتهاون بحقوق الناس وقد أبطله الإسلام ، فإن من الشريعة أن ينظر القاضي ~~أول ما ينظر فيه كل يوم أمر المساجين . | # | 2 ( 43 45 ) { وقال الملك إنى أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع ~~سنبلات خضر وأخر يابسات ياأيها الملأ أفتونى فى رؤياى إن كنتم للرؤيا ~~تعبرون * قالو ا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الاحلام بعالمين * وقال الذى ~~نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون } . ) 2 # | $ # هذا عطف جزء من قصة على جزء منها تكملة لوصف خلاص يوسف عليه السلام من ~~السجن . | PageV12P279 # والتعريف في { الملك } للعهد ، أي ملك مصر . وسماه القرآن هنا ملكا ولم ~~يسمه فرعون لأن هذا الملك لم يكن من الفراعنة ملوك مصر القبط ، وإنما كان ~~ملكا لمصر أيام حكمها ( الهكسوس ) ، وهم العمالقة ، وهم من الكنعانيين ، أو ~~من العرب ، ويعبر عنهم مؤرخو الإغريق بملوك الرعاة ، أي البدو . وقد ملكوا ~~بمصر من عام 1900 إلى عام 1525 قبل ميلاد المسيح عليه السلام . وكان عصرهم ~~فيما بين مدة العائلة الثالثة عشرة والعائلة الثامنة عشرة من ملوك القبط ، ~~إذ كانت عائلات ملوك القبط قد بقي لها حكم في مصر العليا في مدينة ( طيبة ) ~~كما تقدم عند قوله تعالى : { وقال الذي اشتراه ( سورة يوسف : 21 ) . وكان ~~ملكهم في تلك المدة ضعيفا لأن السيادة كانت لملوك مصر السفلى . ويقدر ~~المؤرخون أن ملك مصر السفلى في زمن يوسف عليه السلام كان في مدة العائلة ~~السابعة عشرة . | # فالتعبير عنه بالملك في القرآن دون التعبير بفرعون مع أنه عبر عن ملك مصر ~~في زمن موسى عليه السلام بلقب فرعون هو من دقائق ms4228 إعجاز القرآن العلمي . وقد ~~وقع في التوراة إذ عبر فيها عن ملك مصر في زمن يوسف عليه السلام فرعون وما ~~هو بفرعون لأن أمته ما كانت تتكلم بالقبطية وإنما كانت لغتهم كنعانية قريبة ~~من الآرامية والعربية ، فيكون زمن يوسف عليه السلام في آخر أزمان حكم ملوك ~~الرعاة على اختلاف شديد في ذلك . | # وقوله : سمان } جمع سمينة وسمين ، مثل كرام ، وهو وصف ل { بقرات } . | # و { عجاف } جمع عجفاء . والقياس في جمع عجفاء عجف لكنه صيغ هنا بوزن فعال ~~لأجل المزاوجة لمقارنه وهو { سمان } . كما قال الشاعر : | # هتاك أخبية ولاج أبوية | # والقياس أبواب لكنه حمله على أخبية . | # والعجفاء : ذات العجف بفتحتين وهو الهزال الشديد . | PageV12P280 # و { وسبع سنبلات } معطوف على { سبع بقرات } . والسنبلة تقدمت في قوله ~~تعالى : { كمثل حبة أنبتت سبع سنابل } في سورة البقرة ( 261 ) . | # والملأ : أعيان الناس . وتقدم عند قوله تعالى : { قال الملأ من قومه } في ~~سورة الأعراف ( 60 ) . | # والإفتاء : الإخبار بالفتوى . وتقدمت آنفا عند قوله : { قضي الأمر الذي ~~فيه تستفتيان ( سورة يوسف : 41 ) . | # وفي } للظرفية المجازية التي هي بمعنى الملابسة ، أي أفتوني إفتاء ملابسا ~~لرؤياي ملابسة البيان للمجمل . | # وتقديم { للرؤيا } على عامله وهو { تعبرون } للرعاية على الفاصلة مع ~~الاهتمام بالرؤيا في التعبير . والتعريف في { للرؤيا } تعريف الجنس . | # واللام في { للرؤيا } لام التقوية لضعف العامل عن العمل بالتأخير عن ~~معموله . يقال : عبر الرؤيا من باب نصر . قال في ( الكشاف ) : وعبرت الرؤيا ~~بالتخفيف هو الذي اعتمده الأثبات . ورأيتهم ينكرون عبرت بالتشديد والتعبير ~~، وقد عثرت على بيت أنشده المبرد في كتاب ( الكامل ) لبعض الأعراب : | # رأيت رؤياي ثم عبرتها | # وكنت للأحلام عبارا | # والمعنى : فسر ما تدل عليه وأول إشاراتها ورموزها . | # وكان تعبير الرؤيا مما يشتغلون به . وكان الكهنة منهم يعدونه من علومهم ~~ولهم قواعد في حل رموز ما يراه النائم . وقد وجدت في آثار القبط أوراق من ~~البردي فيها ضوابط وقواعد لتعبير الرؤى ، فإن استفتاء صاحبي السجن يوسف ~~عليه السلام في رؤييهما ينبىء بأن ذلك شائع فيهم ، وسؤال الملك أهل ملأه ~~تعبير رؤياه ينبىء ms4229 عن احتواء ذلك الملأ على من يظن بهم علم تعبير الرؤيا ، ~~ولا يخلو ملأ الملك من حضور كهان من شأنهم تعبير الرؤيا . | PageV12P281 # وفي التوراة ( فأرسل ودعا جميع سحرة مصر وجميع حكمائها وقص عليهم حلمه ~~فلم يكن من يعبره له ) . وإنما كان مما يقصد فيه إلى الكهنة لأنه من ~~المغيبات . وقد ورد في أخبار السيرة النبوية أن كسرى أرسل إلى سطيح الكاهن ~~ليعبر له رؤيا أيام ولادة النبي صلى الله عليه وسلم وهي معدودة من ~~الإرهاصات النبوية . وحصل لكسرى فزع فأوفد إليه عبد المسيح . | # فالتعريف في قوله { للرؤيا } تعريف العهد ، والمعهود الرؤيا التي كان ~~يقصها عليهم على طريقة إعادة النكرة معرفة باللام أن تكون الثانية عين ~~الأولى . والمعنى : إن كنتم تعبرون هذه الرؤيا . | # والأضغاث : جمع ضغث بكسر الضاد المعجمة وهو : ما جمع في حزمة واحدة من ~~أخلاط النبات وأعواد الشجر ، وإضافته إلى الأحلام على تقدير اللام ، أي ~~أضغاث للأحلام . | # والأحلام : جمع حلم بضمتين وهو ما يراه النائم في نومه . والتقدير : هذه ~~الرؤيا أضغاث أحلام . شبهت تلك الرؤيا بالأضغاث في اختلاطها وعدم تميز ما ~~تحتويه لما أشكل عليهم تأويلها . | # والتعريف فيه أيضا تعريف العهد ، أي ما نحن بتأويل أحلامك هذه بعالمين . ~~وجمعت { أحلام } باعتبار تعدد الأشياء المرئية في ذلك الحلم ، فهي عدة رؤى ~~. | # والباء في { بتأويل الأحلام } لتأكيد اتصال العامل بالمفعول ، وهي من ~~قبيل باء الإلصاق مثل باء { وامسحوا برؤوسكم ( سورة المائدة : 6 ) ، لأنهم ~~نفوا التمكن من تأويل هذا الحلم . وتقديم هذا المعمول على الوصف العامل فيه ~~كتقديم المجرور في قوله : إن كنتم للرؤيا تعبرون } . | PageV12P282 # فلما ظهر عوص تعبير هذا الحلم تذكر ساقي الملك ما جرى له مع يوسف عليه ~~السلام فقال : { أنا أنبئكم بتأويله } . | # وابتداء كلامه بضميره وجعله مسندا إليه وخبره فعلي لقصد استجلاب تعجب ~~الملك من أن يكون الساقي ينبىء بتأويل رؤيا عوصت على علماء بلاط الملك ، مع ~~إفادة تقوي الحكم ، وهو إنباؤه إياهم بتأويلها ، لأن تقديم المسند إليه على ~~الخبر الفعلي في سياق الإثبات يفيد التقوي ، وإسناد الإنباء إليه ms4230 مجاز عقلي ~~لأنه سبب الإنباء ، ولذلك قال : { فأرسلون } . وفي ذلك ما يستفز الملك إلى ~~أن يأذن له بالذهاب إلى حيث يريد ليأتي بنبأ التأويل إذ لا يجوز لمثله أن ~~يغادر مجلس الملك دون إذن . وقد كان موقنا بأنه يجد يوسف عليه السلام في ~~السجن لأنه قال : { أنا أنبئكم بتأويله } دون تردد . ولعل سبب يقينه ببقاء ~~يوسف عليه السلام في السجن أنه كان سجن الخاصة فكان ما يحدث فيه من إطلاق ~~أو موت يبلغ مسامع الملك وشيعته . | # و { ادكر } بالدال المهملة أصله : اذتكر ، وهو افتعال من الذكر ، قلبت ~~تاء الافتعال دالا لثقلها ولتقارب مخرجيهما ثم قلبت الذال ليتأتى ادغامها ~~في الدال لأن الدال أخف من الذال . وهذا أفصح الإبدال في ادكر . وهو قراءة ~~النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : { فهل من مدكر ( سورة القمر : 15 ~~) كما في الصحيح . | # ومعنى بعد أمة } بعد زمن مضى على نسيانه وصاية يوسف عليه السلام . والأمة ~~: أطلقت هنا على المدة الطويلة ، وأصل إطلاق الأمة على المدة الطويلة هو ~~أنها زمن ينقرض في مثله جيل ، والجيل يسمى أمة ، كما في قوله تعالى : { ~~كنتم خير أمة أخرجت للناس ( سورة آل عمران : 110 ) على قول من حمله على ~~الصحابة . | # وإطلاقه في هذه الآية مبالغة في زمن نسيان الساقي . وفي التوراة كانت مدة ~~نسيانه سنتين . | # وضمائر جمع المخاطب في أنبئكم } { فأرسلون } مخاطب بها الملك على وجه ~~التعظيم كقوله تعالى : { قال رب ارجعون ( سورة المؤمنون : 99 ) . | ~~PageV12P283 # ولم يسم لهم المرسل إليه لأنه أراد أن يفاجئهم بخبر يوسف عليه السلام بعد ~~حصول تعبيره ليكون أوقع ، إذ ليس مثله مظنة أن يكون بين المساجين . | # | 2 ( 46 ) يوسف أيها الصديق أفتنا فى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف ~~وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلى أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون } . ) 2 # | $ # الخطاب بالنداء مؤذن بقول محذوف في الكلام ، وأنه من قول الذي نجا وادكر ~~بعد أمة . وحذف من الكلام ذكر إرساله ومشيه ووصوله ، إذ لا غرض فيه من ~~القصة . وهذا من بديع الإيجاز ms4231 . | # و { الصديق } أصله صفة مبالغة مشتقة من الصدق ، كما تقدم عند قوله تعالى ~~: { وأمه صديقة } في سورة العقود ( 75 ) ، وغلب استعمال وصف الصديق استعمال ~~اللقب الجامع لمعاني الكمال واستقامة السلوك في طاعة الله تعالى ، لأن تلك ~~المعاني لا تجتمع إلا لمن قوي صدقه في الوفاء بعهد الدين . | # وأحسن ما رأيت في هذا المعنى كلمة الراغب الأصفهاني في مفردات القرآن قال ~~: ( الصديقون هم دوين الأنبياء ) . وهذا ما يشهد به استعمال القرآن في آيات ~~كثيرة مثل قوله : { فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين ~~( سورة النساء : 69 ) الآية ، وقوله : وأمه صديقة ( سورة المائدة : 75 ) . ~~ومنه ما لقب النبيء أبا بكر بالصديق في قوله في حديث رجف جبل أحد أسكن أحد ~~فإنما عليك نبيء وصديق وشهيدان . من أجل ذلك أجمع أصحاب رسول الله ومنهم ~~علي بن أبي طالب كرم الله وجهه على أن أبا بكر رضي الله عنه أفضل الأمة بعد ~~النبي . وقد جمع الله هذا الوصف مع صفة النبوءة في قوله : واذكر في الكتاب ~~إدريس إنه كان صديقا نبيا } في سورة مريم ( 56 ) . | PageV12P284 # وقد يطلق الصديق على أصل وصفه ، كما في قوله تعالى : { والذين آمنوا ~~بالله ورسله أولئك هم الصديقون ( سورة الحديد : 19 ) على أحد تأويلين فيها ~~. | # فهذا الذي استفتى يوسف عليه السلام في رؤيا الملك وصف في كلامه يوسف عليه ~~السلام بمعنى يدل عليه وصف الصديق في اللسان العربي ، وإنما وصفه به عن ~~خبرة وتجربة اكتسبها من مخالطة يوسف عليه السلام في السجن . | # فضم ما ذكرناه هنا إلى ما تقدم عند قوله تعالى : وأمه صديقة } في سورة ~~العقود ( 75 ) ، وإلى قوله : { مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين ~~والصديقين } في سورة النساء ( 69 ) . | # وإعادة العبارات المحكية عن الملك بعينها إشارة إلى أنه بلغ السؤال كما ~~تلقاه ، وذلك تمام أمانة الناقل . | # و { الناس } تقدم في قوله : { ومن الناس من يقول آمنا بالله } في سورة ~~البقرة ( 8 ) . | # والمراد ب { الناس } بعضهم ، كقوله تعالى : { الذين قال لهم الناس إن ~~الناس قد جمعوا ms4232 لكم ( سورة آل عمران : 173 ) . والناس هنا هم الملك وأهل ~~مجلسه ، لأن تأويل تلك الرؤيا يهمهم جميعا ليعلم الملك تأويل رؤياه ويعلم ~~أهل مجلسه أن ما عجزوا عن تأويله قد علمه من هو أعلم منهم . وهذا وجه قوله ~~: لعلهم يعلمون } مع حذف معمول { يعلمون } لأن كل أحد يعلم ما يفيده علمه . ~~| # | PageV12P285 # | 2 ( 47 49 ) { قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه فى سنبله إلا ~~قليلا مما تأكلون * ثم يأتى من بعد ذالك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا ~~قليلا مما تحصنون * ثم يأتى من بعد ذالك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون } ~~. ) 2 # عبر الرؤيا بجميع ما دلت عليه ، فالبقرات لسنين الزراعة ، لأن البقرة ~~تتخذ للإثمار . والسمن رمز للخصب . والعجف رمز للقحط . والسنبلات رمز ~~للأقوات ؛ فالسنبلات الخضر رمز لطعام ينتفع به ، وكونها سبعا رمز للانتفاع ~~به في السبع السنين ، فكل سنبلة رمز لطعام سنة ، فذلك يقتاتونه في تلك ~~السنين جديدا . | # والسنبلات اليابسات رمز لما يدخر ، وكونها سبعا رمز لادخارها في سبع سنين ~~لأن البقرات العجاف أكلت البقرات السمان ، وتأويل ذلك : أن سني الجدب أتت ~~على ما أثمرته سنو الخصب . | # وقوله : { تزرعون } خبر عما يكون من عملهم ، وذلك أن الزرع عادتهم ، ~~فذكره إياه تمهيد للكلام الآتي ولذلك قيده ب { دأبا } . | # والدأب : العادة والاستمرار عليها . وتقدم في قوله : { كدأب آل فرعون } ~~في سورة آل عمران ( 11 ) . وهو منصوب على الحال من ضمير { يزرعون } ، أي ~~كدأبكم . وقد مزج تعبيره بإرشاد جليل لأحوال التموين والادخار لمصلحة الأمة ~~. وهو منام حكمته كانت رؤيا الملك لطفا من الله بالأمة التي آوت يوسف عليه ~~السلام ، ووحيا أوحاه الله إلى يوسف عليه السلام بواسطة رؤيا الملك ، كما ~~أوحى إلى سليمان عليه السلام بواسطة الطير . ولعل الملك قد استعد للصلاح ~~والإيمان . | PageV12P286 # وكان ما أشار به يوسف عليه السلام على الملك من الادخار تمهيدا لشرع ~~ادخار الأقوات للتموين ، كما كان الوفاء في الكيل والميزان ابتداء دعوة ~~شعيب عليه السلام ، وأشار إلى إبقاء ما فضل عن أقواتهم في سنبله ms4233 ليكون أسلم ~~له من إصابة السوس الذي يصيب الحب إذا تراكم بعضه على بعض فإذا كان في ~~سنبله دفع عنه السوس ، وأشار عليهم بتقليل ما يأكلون في سنوات الخصب لادخار ~~ما فضل عن ذلك لزمن الشدة ، فقال : { إلا قليلا مما تأكلون } . | # والشداد : وصف لسني الجدب ، لأن الجدب حاصل فيها ، فوصفها بالشدة على ~~طريقة المجاز العقلي . | # وأطلق الأكل في قوله : { يأكلن } على الإفناء ، كالذي في قوله : { ولا ~~تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ( سورة النساء : 2 ) . وإسناده بهذا الإطلاق ~~إلى السنين إسناد مجاز عقلي ، لأنهن زمن وقوع الفناء . | # والإحصان : الإحراز والادخار ، أي الوضع في الحصن وهو المطمور . والمعنى ~~: أن تلك السنين المجدبة يفنى فيها ما ادخر لها إلا قليلا منه يبقى في ~~الإهراء . وهذا تحريض على استكثار الادخار . | # وأما قوله : ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس } فهو بشارة وإدخال ~~المسرة والأمل بعد الكلام المؤيس ، وهو من لازم انتهاء مدة الشدة ، ومن سنن ~~الله تعالى في حصول اليسر بعد العسر . | # و { يغاث } معناه يعطون الغيث ، وهو المطر . والعصر : عصر الأعناب خمورا ~~. وتقدم آنفا في قوله : { أعصر خمرا ( سورة يوسف : 36 ) . | # | PageV12P287 # | 2 ( 50 ) وقال الملك ائتونى به فلما جآءه الرسول قال ارجع إلى ربك ~~فاسأله ما بال النسوة الاتى قطعن أيديهن إن ربى بكيدهن عليم } . ) 2 # قال الملك : ائتوني به لما أبلغه الساقي صورة التعبير . والخطاب للملأ ~~ليرسلوا من يعينونه لجلبه . ولذلك فرع عليه { فلما جاءه الرسول } . ~~فالتقدير : فأرسلوا رسولا منهم . وضميرا الغائب في قوله : { به } وقوله : { ~~جاءه } عائدان إلى يوسف عليه السلام . وضمير { قال } المستتر كذلك . | # وقد أبى يوسف عليه السلام الخروج من السجن قبل أن تثبت براءته مما رمي به ~~في بيت العزيز ، لأن ذلك قد بلغ الملك لا محالة لئلا يكون تبريزه في ~~التعبير الموجب لإطلاقه من السجن كالشفيع فيه فيبقى حديث قرفه بما قرف به ~~فاشيا في الناس فيتسلق به الحاسدون إلى انتقاص شأنه عند الملك يوما ما ، ~~فإن تبرئة العرض من التهم الباطلة مقصد شرعي ، وليكون حضوره ms4234 لدى الملك ~~مرموقا بعين لا تنظر إليه بشائبة نقص . | # وجعل طريق تقرير براءته مفتتحة بالسؤال عن الخبر لإعادة ذكره من أوله ، ~~فمعنى { فاسأله } بلغ إليه سؤالا من قبلي . وهذه حكمة عظيمة تحق بأن يؤتسى ~~بها . وهي تطلب المسجون باطلا أن يبقى في السجن حتى تتبين براءته من السبب ~~الذي سجن لأجله ، وهي راجعة إلى التحلي بالصبر حتى يظهر النصر . | # وقال النبي صلى الله عليه وسلم ( لو لبثت ما لبث يوسف في السجن لأجبت ~~الداعي ) ، أي داعي الملك وهو الرسول الذي في قوله تعالى : { فلما جاءه ~~الرسول } ، أي لما راجعت الملك . فهذه إحدى الآيات والعبر التي أشار إليها ~~قوله تعالى : { لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين ( سورة يوسف : 7 ) . ~~| PageV12P288 # والسؤال : مستعمل في التنبيه دون طلب الفهم ، لأن السائل عالم بالأمر ~~المسؤول عنه وإنما يريد السائل حث المسؤول عن علم الخبر . وقريب منه قوله ~~تعالى : عم يتساءلون ( سورة النبإ : 1 ) . | # وجعل السؤال عن النسوة اللاتي قطعن أيديهن دون امرأة العزيز تسهيلا للكشف ~~عن أمرها ، لأن ذكرها مع مكانة زوجها من الملك ربما يصرف الملك عن الكشف ~~رعيا للعزيز ، ولأن حديث المتكأ شاع بين الناس ، وأصبحت قضية يوسف عليه ~~السلام مشهورة بذلك اليوم ، كما تقدم عند قوله تعالى : ثم بدا لهم من بعد ~~ما رأوا الآيات ليسجننه ( سورة يوسف : 35 ) ، ولأن النسوة كن شواهد على ~~إقرار امرأة العزيم بأنها راودت يوسف عليه السلام عن نفسه . فلا جرم كان ~~طلب الكشف عن أولئك النسوة منتهى الحكمة في البحث وغاية الإيجاز في الخطاب ~~. | # وجملة إن ربي بكيدهن عليم } من كلام يوسف عليه السلام . وهي تذييل وتعريض ~~بأن الكشف المطلوب سينجلي عن براءته وظهور كيد الكائدات له ثقة بالله ربه ~~أنه ناصره . | # وإضافة كيد إلى ضمير النسوة لأدنى ملابسة لأن الكيد واقع من بعضهن ، وهي ~~امرأة العزيز في غرضها من جمع النسوة فأضيف إلى ضمير جماعتهن قصدا للإبهام ~~المعين على التبيان . | # | 2 ( 51 ) { قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن حاش لله ما ms4235 علمنا ~~عليه من سو ء قالت امرأت العزيز الئن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه ~~لمن الصادقين } . ) 2 # | $ # جملة { قال ما خطبكن } مستأنفة استئنافا بيانيا لأن الجمل التي سبقتها ~~تثير سؤالا في نفس السامع عما حصل من الملك لما أبلغ إليه اقتراح يوسف ~~PageV12P289 عليه السلام مع شدة تشوقه إلى حضوره بين يديه ، أي قال الملك ~~للنسوة . | # ووقوع هذا بعد جملة { ارجع إلى ربك ( سورة يوسف : 50 ) إلى آخرها مؤذن ~~بكلام محذوف ، تقديره : فرجع فأخبر الملك فأحضر الملك النسوة اللائي كانت ~~جمعتهن امرأة العزيز لما أعتدت لهن متكأ فقال لهن : ما خطبكن } إلى آخره . ~~| # واسندت المراودة إلى ضمير النسوة لوقوعها من بعضهن غير معين ، أو لأن ~~القالة التي شاعت في المدينة كانت مخلوطة ظنا أن المراودة وقعت في مجلس ~~المتكأ . | # والخطب : الشأن المهم من حالة أو حادثة . قيل : سمي خطبا لأنه يقتضي أن ~~يخاطب المرء صاحبه بالتساؤل عنه . وقيل : هو مأخوذ من الخطبة ، أي يخطب فيه ~~، وإنما تكون الخطبة في أمر عظيم ، فأصله مصدر بمعنى المفعول ، أي مخطوب ~~فيه . | # وجملة { قلن } مفصولة لأجل كونها حكاية جواب عن كلام الملك أي قالت ~~النسوة عدا امرأة العزيز ، بقرينة قوله بعد : { قالت امرأة العزيز } . | # و { حاش لله } مبالغة في النفي والتنزيه . والمقصود : التبرؤ مما نسب ~~إليهن من المراودة . وقد تقدم تفسيرها آنفا واختلاف القراء فيها . | # وجملة { ما علمنا عليه من سوء } مبينة لإجمال النفي الذي في { حاش لله } ~~. وهي جامعة لنفي مراودتهن إياه ومراودته إياهن لأن الحالتين من أحوال ~~السوء . | # ونفي علمهن ذلك كناية عن نفي دعوتهن إياه إلى السوء ونفي دعوته إياهن ~~إليه لأن ذلك لو وقع لكان معلوما عندهن ، ثم إنهن لم يزدن في الشهادة على ~~ما يتعلق بسؤال الملك فلم يتعرضن لإقرار امرأة العزيز في مجلسهن بأنها ~~راودته PageV12P290 عن نفسه فاستعصم ، خشية منها ، أو مودة لها ، فاقتصرن ~~على جواب ما سئلن عنه . | # وهذا يدل على كلام محذوف وهو أن امرأة العزيز كانت من جملة النسوة اللاتي ~~أحضرهن الملك . ولم يشملها ms4236 قول يوسف عليه السلام : { ما بال النسوة اللاتي ~~قطعن أيديهن ( سورة يوسف : 5 ) لأنها لم تقطع يدها معهن ، ولكن شملها كلام ~~الملك إذ قال : إذ راودتن يوسف عن نفسه } فإن المراودة إنما وقعت من امرأة ~~العزيز دون النسوة اللاتي أعدت لهن متكئا ، ففي الكلام إيجاز حذف . | # وجملة { قالت امرأة العزيز } مفصولة لأنها حكاية جواب عن سؤال الملك . | # والآن : ظرف للزمان الحاضر ، وقد تقدم عند قوله تعالى : { الآن خفف الله ~~عنكم } في سورة الأنفال ( 66 ) . | # و { حصحص } : ثبت واستقر . | # و { الحق } : هو براءة يوسف عليه السلام مما رمته به امرأة العزيز ، ~~وإنما ثبت حينئذ لأنه كان محل قيل وقال وشك ، فزال ذلك باعترافها بما وقع . ~~| # والتعبير بالماضي مع أنه لم يثبت إلا من إقرارها الذي لم يسبق لأنه قريب ~~الوقوع فهو لتقريب زمن الحال من المضي . | # ويجوز أن يكون المراد ثبوت الحق بقول النسوة { ما علمنا عليه من سوء } ~~فيكون الماضي على حقيقته . وتقديم اسم الزمان للدلالة على الاختصاص ، أي ~~الآن لا قبله للدلالة على أن ما قبل ذلك الزمان كان زمن باطل وهو زمن تهمة ~~يوسف عليه السلام بالمراودة ، فالقصر قصر تعيين إذ كان الملك لا يدري أي ~~الوقتين وقت الصدق أهو وقت اعتراف النسوة بنزاهة يوسف عليه السلام أم هو ~~وقت رمي امرأة العزيز إياه بالمراودة . | PageV12P291 # وتقديم المسند إليه على المسند الفعلي في جملة { أنا راودته } للقصر ، ~~لإبطال أن يكون النسوة راودنه . فهذا إقرار منها على نفسها ، وشهادة لغيرها ~~بالبراءة ، وزادت فأكدت صدقه ب ( إن ) واللام . | # وصيغة { من الصادقين } كما تقدم في نظائرها ، منها قوله تعالى : { قل لا ~~أتبع أهواءكم قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين } في سورة الأنعام ( 56 ) . ~~| # | 2 ( 52 ) { ذالك ليعلم أنى لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدى كيد ~~الخائنين } . ) 2 # ظاهر نظم الكلام أن الجملة من قول امرأة العزيز ، وعلى ذلك حمله الأقل من ~~المفسرين ، وعزاه ابن عطية إلى فرقة من أهل التأويل ، ونسب إلى الجبائي ، ~~واختاره الماوردي ، وهو في موقع العلة لما ms4237 تضمنته جملة { أنا راودته عن ~~نفسه ( سورة يوسف : 51 ) وما عطف عليها من إقرار ببراءة يوسف عليه السلام ~~بما كانت رمته به . فالإشارة بذلك إلى الإقرار المستفاد من جملة أنا راودته ~~} أي ذلك الإقرار ليعلم يوسف عليه السلام أني لم أخنه . | # واللام في { ليعلم } لام كي ، والفعل بعدها منصوب ب ( أن ) مضمرة ، فهو ~~في تأويل المصدر ، وهو خبر عن اسم الإشارة . | # والباء في { بالغيب } للملابسة أو الظرفية ، أي في غيبته ، أي لم أرمه ~~بما يقدح فيه في مغيبه . ومحل المجرور في محل الحال من الضمير المنصوب . | # والخيانة : هي تهمته بمحاولة السوء معها كذبا ، لأن الكذب ضد أمانة القول ~~بالحق . | # والتعريف في { الغيب } تعريف الجنس . تمدحت بعدم الخيانة على أبلغ وجه إذ ~~نفت الخيانة في المغيب وهو حائل بينه وبين دفاعه عن نفسه ، وحالة ~~PageV12P292 المغيب أمكن لمريد الخيانة أن يخون فيها من حالة الحضرة ، لأن ~~الحاضر قد يتفطن لقصد الخائن فيدفع خيانته بالحجة . | # و { أن الله لا يهدي كيد الخائنين } عطف على { ليعلم } وهو علة ثانية ~~لإصداعها بالحق ، أي ولأن الله لا يهدي كيد الخائنين . والخبر مستعمل في ~~لازم الفائدة وهو كون المتكلم عالما بمضمون الكلام ، لأن علة إقرارها هو ~~علمها بأن الله لا يهدي كيد الخائنين . | # ومعنى { لا يهدي كيد الخائنين } لا ينفذه ولا يسدده . فأطلقت الهداية ~~التي هي الإرشاد إلى الطريق الموصلة على تيسير الوصول ، وأطلق نفيها على ~~نفي ذلك التيسير ، أي أن سنة الله في الكون جرت على أن فنون الباطل وإن ~~راجت أوائلها لا تلبث أن تنقشع { بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو ~~زاهق ( سورة الأنبياء : 18 ) . | # والكيد : تقدم . | # | PageV12P293 # | 2 ( ( 53 ) ومآ أبرىء نفسى إن النفس لأمارة بالسو ء إلا ما رحم ربى إن ~~ربى غفور رحيم } ) 2 # | $ # ظاهر ترتيب الكلام أن هذا من كلام امرأة العزيز ، مضت في بقية إقرارها ~~فقالت : { وما أبرىء نفسي } . وذلك كالاحتراس مما يقتضيه قولها : { ذلك ~~ليعلم أني لم أخنه بالغيب ( سورة يوسف : 52 ) من أن تبرئة نفسها من هذا ms4238 ~~الذنب العظيم ادعاء بأن نفسها بريئة براءة عامة فقالت : وما أبرىء نفسي } ، ~~أي ما أبرىء نفسي من محاولة هذا الإثم لأن النفس أمارة بالسوء وقد أمرتني ~~بالسوء ولكنه لم يقع . | # فالواو التي في الجملة استئنافية ، والجملة ابتدائية . | # وجلمة { إن النفس لأمارة بالسوء } تعليل لجملة { وما أبرىء نفسي } ، أي ~~لا أدعي براءة نفسي من ارتكاب الذنب ، لأن النفوس كثيرة الأمر بالسوء . | # والاستثناء في { إلا ما رحم ربي } استثناء من عموم الأزمان ، أي أزمان ~~وقوع السوء ، بناء على أن أمر النفس به يبعث على ارتكابه في كل الأوقات إلا ~~وقت رحمة الله عبده ، أي رحمته بأن يقيض له ما يصرفه عن فعل السوء ، أو ~~يقيض حائلا بينه وبين فعل السوء ، كما جعل إباية يوسف عليه السلام من ~~إجابتها إلى ما دعته إليه حائلا بينها وبين التورط في هذا الإثم ، وذلك لطف ~~من الله بهما . | # ولذلك ذيلته بجملة { إن ربي غفور رحيم } ثناء على الله بأنه شديد المغفرة ~~لمن أذنب ، وشديد الرحمة لعبده إذا أراد صرفه عن الذنب . | PageV13P005 # وهذا يقتضي أن قومها يؤمنون بالله ويحرمون الحرام ، وذلك لا ينافي أنهم ~~كانوا مشركين فإن المشركين من العرب كانوا يؤمنون بالله أيضا ، قال تعالى : ~~{ ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله ( سورة العنكبوت : 61 ) ~~وكانوا يعرفون البر والذنب . | # وفي اعتراف امرأة العزيز بحضرة الملك عبرة بفضيلة الاعتراف بالحق ، ~~وتبرئة البريء مما ألصق به ، ومن خشية عقاب الله الخائنين . | # وقيل : هذا الكلام كلام يوسف عليه السلام متصل بقوله : ارجع إلى ربك ~~فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن الآية ( سورة يوسف : 50 ) . | # وقوله : قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف إلى قوله وأن الله لا يهدي كيد ~~الخائنين ( سورة يوسف : 51 52 ) اعتراض في خلال كلام يوسف عليه السلام . ~~وبذلك فسرها مجاهد وقتادة وأبو صالح وابن جريج والحسن والضحاك والسدي وابن ~~جبير ، واقتصر عليه الطبري . قال في الكشاف } : ( وكفى بالمعنى دليلا قائدا ~~إلى أن يجعل من كلام يوسف عليه السلام ، ونحوه قوله : { قال الملأ من قوم ms4239 ~~فرعون إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم ثم قال فماذا تأمرون ( ~~سورة الأعراف : 109 110 ) وهو من كلام فرعون يخاطبهم ويستشيرهم ) ا ه . ~~يريد أن معنى هذه الجملة أليق بأن يكون من كلام يوسف عليه السلام لأن من ~~شأنه أن يصدر عن قلب مليء بالمعرفة . | # وعلى هذا الوجه يكون ضمير الغيبة في قوله : لم أخنه ( سورة يوسف : 52 ) ~~عائدا إلى معلوم من مقام القضية وهو العزيز ، أي لم أخن سيدي في حرمته حال ~~مغيبه . | # ويكون معنى وما أبرىء نفسي } الخ . . مثل ما تقدم قصد به التواضع ، أي ~~لست أقول هذا ادعاء بأن نفسي بريئة من ارتكاب الذنوب إلا مدة رحمة الله ~~النفس بتوفيقها لأكف عن السوء ، أي أني لم أفعل ما اتهمت به وأنا لست ~~بمعصوم . | # | PageV13P006 # | 2 ( 54 ، 55 ) { وقال الملك ائتونى به أستخلصه لنفسى فلما كلمه قال إنك ~~اليوم لدينا مكين أمين * قال اجعلنى على خزآئن الارض إنى حفيظ عليم } ) 2 # السين والتاء في { أستخلصه } للمبالغة ، مثلها في استجاب واستأجر . ~~والمعنى أجعله خالصا لنفسي ، أي خاصا بي لا يشاركني فيه أحد . وهذا كناية ~~عن شدة اتصاله به والعمل معه . وقد دل الملك على استحقاق يوسف عليه السلام ~~تقريبه منه ما ظهر من حكمته وعلمه ، وصبره على تحمل المشاق ، وحسن خلقه ، ~~ونزاهته ، فكل ذلك أوجب اصطفاءه . | # وجملة { فلما كلمه } مفرعة على جملة محذوفة دل عليها { وقال الملك ائتوني ~~به } . والتقدير : فأتوه به ، أي بيوسف عليه السلام فحضر لديه وكلمه { فلما ~~كلمه } . | # والضمير المنصوب في { كلمه } عائد إلى الملك ، فالمكلم هو يوسف عليه ~~السلام . والمقصود من جملة { فلما كلمه } إفادة أن يوسف عليه السلام كلم ~~الملك كلاما أعجب الملك بما فيه من حكمة وأدب . ولذلك فجملة { قال إنك ~~اليوم لدينا مكين أمين } جواب ( لما ) . والقائل هو الملك لا محالة . | # والمكين : صفة مشبهة من مكن بضم الكاف إذا صار ذا مكانة ، وهي المرتبة ~~العظيمة ، وهي مشتقة من المكان . | # والأمين : فعيل بمعنى مفعول ، أي مأمون على شيء ، أي موثوق به ms4240 في حفظه . ~~| # وترتب هذا القول على تكليمه إياه دال على أن يوسف عليه السلام كلم الملك ~~كلام حكيم أديب فلما رأى حسن منطقه وبلاغة قوله وأصالة رأيه رآه أهلا لثقته ~~وتقريبه منه . | PageV13P007 # وهذه صيغة تولية جامعة لكل ما يحتاج إليه ولي الأمر من الخصال ، لأن ~~المكانة تقتضي العلم والقدرة ؛ إذ بالعلم يتمكن من معرفة الخير والقصد إليه ~~، وبالقدرة يستطيع فعل ما يبدو له من الخير ؛ والأمانة تستدعي الحكمة ~~والعدالة ، إذ بالحكمة يوثر الأفعال الصالحة ويترك الشهوات الباطلة ، ~~وبالعدالة يوصل الحقوق إلى أهلها . وهذا التنويه بشأنه والثناء عليه تعريض ~~بأنه يريد الاستعانة به في أمور مملكته وبأن يقترح عليه ما يرجو من خير ، ~~فلذلك أجابه بقوله : { اجعلني على خزائن الأرض } . | # وجملة { قال اجعلني على خزائن الأرض } حكاية جوابه لكلام الملك ولذلك ~~فصلت على طريقة المحاورات . | # و { على } هنا للاستعلاء المجازي ، وهو التصرف والتمكن ، أي اجعلني ~~متصرفا في خزائن الأرض . | # و { خزائن } جمع خزانة بكسر الخاء ، أي البيت الذي يختزن فيه الحبوب ~~والأموال . | # والتعريف في { الأرض } تعريف العهد ، وهي الأرض المعهودة لهم ، أي أرض ~~مصر . | # والمراد من { خزائن الأرض } خزائن كانت موجودة ، وهي خزائن الأموال ؛ إذ ~~لا يخلو سلطان من خزائن معدودة لنوائب بلاده لا الخزائن التي زيدت من بعد ~~لخزن الأقوات استعدادا للسنوات المعبر عنها بقوله : { مما تحصنون ( سورة ~~يوسف : 48 ) . | # واقتراح يوسف عليه السلام ذلك إعداد لنفسه للقيام بمصالح الأمة على سنة ~~أهل الفضل والكمال من ارتياح نفوسهم للعلم في المصالح ، ولذلك لم يسأل مالا ~~لنفسه ولا عرضا من متاع الدنيا ، ولكنه سأل أن يوليه خزائن المملكة ليحفظ ~~الأموال ويعدل في توزيعها ويرفق بالأمة في جمعها وإبلاغها لمحالها . | ~~PageV13P008 # وعلل طلبه ذلك بقوله : إني حفيظ عليم } المفيد تعليل ما قبلها لوقوع ( إن ~~) في صدر الجملة فإنه علم أنه اتصف بصفتين يعسر حصول إحداهما في الناس بله ~~كلتيهما ، وهما : الحفظ لما يليه ، والعلم بتدبير ما يتولاه ، ليعلم الملك ~~أن مكانته لديه وائتمانه إياه قد صادفا محلهما وأهلهما ، وأنه حقيق بهما ~~لأنه متصف ms4241 بما يفي بواجبهما ، وذلك صفة الحفظ المحقق للائتمان ، وصفة العلم ~~المحقق للمكانة . وفي هذا تعريف بفضله ليهتدي الناس إلى اتباعه وهذا من ~~قبيل الحسبة . | # وشبه ابن عطية بمقام يوسف عليه السلام هذا مقام أبي بكر رضي الله عنه في ~~دخوله في الخلافة مع نهيه المستشير له من الأنصار من أن يتأمر على اثنين . ~~قلت : وهو تشبيه رشيق ، إذ كلاهما صديق . | # وهذه الآية أصل لوجوب عرض المرء نفسه لولاية عمل من أمور الأمة إذا علم ~~أنه لا يصلح له غيره لأن ذلك من النصح للأمة ، وخاصة إذا لم يكن ممن يتهم ~~على إيثار منفعة نفسه على مصلحة الأمة . وقد علم يوسف عليه السلام أنه أفضل ~~الناس هنالك لأنه كان المؤمن الوحيد في ذلك القطر ، فهو لإيمانه بالله يبث ~~أصول الفضائل التي تقتضيها شريعة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم السلام ~~. فلا يعارض هذا ما جاء في ( صحيح مسلم ) عن عبد الرحمن بن سمرة قال : قال ~~لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ( يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة فإنك إن ~~أعطيتها عن مسألة وكلت إليها وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها ) ، لأن ~~عبد الرحمن بن سمرة لم يكن منفردا بالفضل من بين أمثاله ولا راجحا على ~~جميعهم . | # ومن هذه الآية أخذ فقهاء المذهب جواز طلب القضاء لمن يعلم أنه أهل وأنه ~~إن لم يول ضاعت الحقوق . قال المازري : ( يجب على من هو أهل الاجتهاد ~~والعدالة السعي في طلب القضاء إن علم أنه إن لم يله ضاعت الحقوق ~~PageV13P009 أو وليه من لا يحل أن يولى . وكذلك إن كان وليه من لا تحل ~~توليته ولا سبيل لعزله إلا بطلب أهله ) . | # وقال ابن مرزوق : لم أقف على هذا لأحد من قدماء أهل المذهب غير المازري . ~~| # وقال عياض في كتاب الإمارة ، أي من ( شرح صحيح مسلم ) ، ما ظاهره الاتفاق ~~على جواز الطلب في هذه الحالة ، وظاهر كلام ابن رشد في ( المقدمات ) حرمة ~~الطلب مطلقا . قال ابن مرزوق : وإنما رأيت مثل ما نقل المازري أو قريبا ms4242 منه ~~للغزالي في ( الوجيز ) . | # | 2 ( 56 ، 57 ) { وكذالك مكنا ليوسف فى الارض يتبوأ منها حيث يشآء نصيب ~~برحمتنا من نشآء ولا نضيع أجر المحسنين * ولاجر الاخرة خير للذين ءامنوا ~~وكانوا يتقون } ) 2 # تقدم تفسير آية { وكذلك مكنا ليوسف في الأرض } آنفا . | # والتبوؤ : اتخاذ مكان للبوء ، أي الرجوع ، فمعنى التبوؤ النزول والإقامة ~~. وتقدم في قوله تعالى : { أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا في ( سورة يونس : ~~87 ) . | # وقوله : يتبوأ منها حيث يشاء } كناية عن تصرفه في جميع مملكة مصر فهو عند ~~حلوله بمكان من المملكة لو شاء أن يحل بغيره لفعل ، فجملة { يتبوأ } يجوز ~~أن تكون حالا من { يوسف ، ويجوز أن تكون بيانا لجملة مكنا ليوسف في الأرض } ~~. | # وقرأ الجمهور { حيث يشاء } بياء الغيبة وقرأ ابن كثير { حيث نشاء } بنون ~~العظمة ، أي حيث يشاء الله ، أي حيث نأمره أو نلهمه . والمعنى متحد لأنه لا ~~يشاء إلا ما شاءه الله . | PageV13P010 # وجملة { نصيب برحمتنا من نشاء } إلى آخرها تذييل لمناسبة عمومه لخصوص ما ~~أصاب يوسف عليه السلام من الرحمة في أحواله في الدنيا وما كان له من مواقف ~~الإحسان التي كان ما أعطيه من النعم وشرف المنزلة جزاء لها في الدنيا ، لأن ~~الله لا يضيع أجر المحسنين . ولأجره في الآخرة خير من ذلك له ولكل من آمن ~~واتقى . | # والتعبير في جانب الإيمان بصيغة الماضي وفي جانب التقوى بصيغة المضارع ، ~~لأن الإيمان عقد القلب الجازم فهو حاصل دفعة واحدة وأما التقوى فهي متجددة ~~بتجدد أسباب الأمر والنهي واختلاف الأعمال والأزمان . | # | 2 ( 58 60 ) { وجآء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون * ولما ~~جهزهم بجهازهم قال ائتونى بأخ لكم من أبيكم ألا ترون أنى أوفى الكيل وأنا ~~خير المنزلين * فإن لم تأتونى به فلا كيل لكم عندى ولا تقربون } ) 2 # | $ # طوى القرآن أخرة أمر امرأة العزيز وحلول سني الخصب والادخار ثم اعتراء ~~سني القحط لقلة جدوى ذلك كله في الغرض الذي نزلت السورة لأجله ، وهو إظهار ~~ما يلقاه الأنبياء من ذويهم وكيف تكون لهم عاقبة النصر ms4243 والحسنى ، ولأنه ~~معلوم حصوله ، ولذلك انتقلت القصة إلى ما فيها من مصير إخوة يوسف عليه ~~السلام في حاجة إلى نعمته ، ومن جمع الله بينه وبين أخيه الذي يحبه ، ثم ~~بينه وبين أبويه ، ثم مظاهر عفوه عن إخوته وصلته رحمه ، لأن لذلك كله أثرا ~~في معرفة فضائله . | # وكان مجيء إخوة يوسف عليه السلام إلى مصر للميرة عند حلول القحط بأرض مصر ~~وما جاورها من بلاد فلسطين منازل آل يوسف عليه PageV13P011 السلام ، وكان ~~مجيئهم في السنة الثانية من سني القحط . وإنما جاء إخوته عدا بنيامين لصغره ~~، وإنما رحلوا للميرة كلهم لعل ذلك لأن التزويد من الطعام كان بتقدير يراعى ~~فيه عدد الممتارين ، وأيضا ليكونوا جماعة لا يطمع فيهم قطاع الطريق ، وكان ~~الذين جاءوا عشرة . وقد عرف أنهم جاءوا ممتارين من تقدم قوله : { قال ~~اجعلني على خزائن الأرض } ( يوسف : 55 ) وقوله الآتي : { ألا ترون أني أوفي ~~الكيل ( سورة يوسف : 59 ) . | # ودخولهم عليه يدل على أنه كان يراقب أمر بيع الطعام بحضوره ويأذن به في ~~مجلسه خشية إضاعة الأقوات لأن بها حياة الأمة . | # وعرف يوسف عليه السلام إخوته بعد مضي سنين على فراقهم لقوة فراسته وزكانة ~~عقله دونهم . | # وجملة وهم له منكرون } عطف على جملة { فعرفهم } . ووقع الإخبار عنهم ~~بالجملة الإسمية للدلالة على أن عدم معرفتهم به أمر ثابت متمكن منهم ، وكان ~~الإخبار عن معرفته إياهم بالجملة الفعلية المفيدة للتجدد للدلالة على أن ~~معرفته إياهم حصلت بحدثان رؤيته إياهم دون توسم وتأمل . وقرن مفعول { ~~منكرون } الذي هو ضمير يوسف عليه السلام بلام التقوية ولم يقل وهم منكرونه ~~لزيادة تقوية جهلهم بمعرفته . | # وتقديم المجرور بلام التقوية في { له منكرون } للرعاية على الفاصلة ، ~~وللاهتمام بتعلق نكرتهم إياه للتنبيه على أن ذلك من صنع الله تعالى وإلا ~~فإن شمائل يوسف عليه السلام ليست مما شأنه أن يجهل وينسى . | # والجهاز بفتح الجيم وكسرها ما يحتاج إليه المسافر ، وأوله ما سافر لأجله ~~من الأحمال . والتجهيز : إعطاء الجهاز . | # وقوله : { ايئتوني بأخ لكم } يقتضي وقوع حديث منهم عن أن لهم أخا ms4244 من ~~أبيهم لم يحضر معهم وإلا لكان إنباء يوسف عليه السلام لهم بهذا يشعرهم ~~PageV13P012 أنه يكلمهم عارفا بهم وهو لا يريد أن يكشف ذلك لهم . وفي ~~التوراة أن يوسف عليه السلام احتال لذلك بأن أوهمهم أنه اتهمهم أن يكونوا ~~جواسيس للعدو وأنهم تبرأوا من ذلك فعرفوه بمكانهم من قومهم وبأبيهم وعدد ~~عائلتهم ، فما ذكروا ذلك له أظهر أنه يأخذ أحدهم رهينة عنده إلى أن يرجعوا ~~ويأتوا بأخيهم الأصغر ليصدقوا قولهم فيما أخبروه ، ولذلك قال : { فإن لم ~~تأتوني به فلا كيل لكم عندي } . | # و { من أبيكم } حال من ( أخ لكم ) أي أخوته من جهة أبيكم ، وهذا من مفهوم ~~الاقتصار الدال على عدم إرادة غيره ، أي من أبيكم وليس من أمكم ، أي ليس ~~بشقيق . | # والعدول عن أن يقال : ايئتوني بأخيكم من أبيكم ، لأن المراد حكاية ما ~~اشتمل عليه كلام يوسف عليه السلام من إظهار عدم معرفته بأخيهم إلا من ذكرهم ~~إياه عنده ، فعدل عن الإضافة المقتضية المعرفة إلى التنكير تنابها في ~~التظاهر بجهله به . | # { ولا تقربون } أي لا تعودوا إلى مصر ، وقد علم أنهم لا يتركون أخاهم ~~رهينة . | # وقوله : { ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين } ترغيب لهم في ~~العود إليه ؛ وقد علم أنهم مضطرون إلى العود إليه لعدم كفاية الميرة التي ~~امتاروها لعائلة ذات عدد من الناس مثلهم ، كما دل عليه قولهم بعد { ذلك كيل ~~يسير ( سورة يوسف : 65 ) . | # ودل قوله : خير المنزلين } على أنه كان ينزل الممتارين في ضيافته لكثرة ~~الوافدين على مصر للميرة . والمنزل : المضيف . وهذه الجملة كناية عن الوعد ~~بأن يوفي لهم الكيل ويكرم ضيافتهم إن أتوا بأخيهم . والكيل في الموضعين ~~مراد منه المصدر . فمعنى { فلا كيل لكم عندي } أي لا يكال لكم ، كناية عن ~~منعهم من ابتياع الطعام . | # | PageV13P013 # | 2 ( 61 ) { قالوا سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون } ) 2 # وعد بأن يبذلوا قصارى جهدهم في الإتيان بأخيهم وإشعار بصعوبة ذلك . فمعنى ~~{ سنراود عنه أباه } سنحاول أن لا يشح به ، وقد تقدم عند قوله تعالى : { ~~وراودته التي هو في ms4245 بيتها عن نفسه ( سورة يوسف : 24 ) . | # وجملة وإنا لفاعلون } عطف على الوعد بتحقيق الموعود به ، فهو فعل ما ~~أمرهم به ، وأكدوا ذلك بالجملة الإسمية وحرف التأكيد . | # | 2 ( 62 ) { وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم فى رحالهم لعلهم يعرفونهآ إذا ~~انقلبو ا إلى أهلهم لعلهم يرجعون } ) 2 # | $ # قرأ الجمهور { لفتيته } بوزن فعلة جمع تكسير فتى مثل أخ وإخوة . | # وقرأ حمزة ، والكسائي ، وحفص عن عاصم ، وخلف { لفتيانه } بوزن إخوان . ~~والأول صيغة قلة والثاني صيغة كثرة وكلاهما يستعمل في الآخر . وعدد الفتيان ~~لا يختلف . | # والفتى : من كان في مبدإ الشباب ، ومؤنثه فتاة ، ويطلق على الخادم تلطفا ~~، لأنهم كانوا يستخفون بالشباب في الخدمة ، وكانوا أكثر ما يستخدمون العبيد ~~. | # والبضاعة : المال أو المتاع المعد للتجارة . والمراد بها هنا الدراهم ~~التي ابتاعوا بها الطعام كما في التوراة . | # وقوله : { لعلهم يعرفونها } رجاء أن يعرفوا أنها عين بضاعتهم إما بكونها ~~مسكوك سكة بلادهم وإما بمعرفة الصرر التي كانت مصرورة فيها كما في التوراة ~~، أي يعرفون أنها وضعت هنالك قصدا عطية من عزيز مصر . | PageV13P014 # والرحال : جمع رحل ، وهو ما يوضع على البعير من متاع الراكب ، ولذا سمي ~~البعير راحلة . | # والانقلاب : الرجوع ، وتقدم عند قوله تعالى : { انقلبتم على أعقابكم في ( ~~سورة آل عمران : 144 ) . | # وجملة لعلهم يرجعون } جواب للأمر في قوله : { اجعلوا بضاعتهم في رحالهم } ~~لأنه لما أمرهم بالرجوع استشعر بنفاذ رأيه أنهم قد يكونون غير واجدين بضاعة ~~ليبتاعوا بها الميرة لأنه رأى مخايل الضيق عليهم . | # | 2 ( 63 ، 64 ) { فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا ياأبانا منع منا الكيل ~~فأرسل معنآ أخانا نكتل وإنا له لحافظون * قال هل آمنكم عليه إلا كمآ أمنتكم ~~على أخيه من قبل فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين } ) 2 # معنى { منع منا الكيل } حيل بيننا وبين الكيل في المستقبل ، لأن رجوعهم ~~بالطعام المعبر عنه بالجهاز قرينة أن المنع من الكيل يقع في المستقبل ، ~~ولأن تركيب { منع منا } يؤذن بذلك ، إذ جعلوا الكيل ممنوع الابتداء منهم ~~لأن { من } حرف ابتداء . | # والكيل مصدر صالح لمعنى الفاعلية والمفعولية ، وهو هنا بمعنى ms4246 الإسناد إلى ~~الفاعل ، أي لن نكيل ، فالممنوع هو ابتداء الكيل منهم . ولما لم يكن بيدهم ~~ما يكال تعين تأويل الكيل بطلبه ، أي منع منا ذلك لعدم الفائدة لأننا لا ~~نمنحه إلا إذا وفينا بما وعدنا من إحضار أخينا . ولذلك صح تفريع { فأرسل ~~معنا أخانا } عليه ، فصار تقدير الكلام : منعنا من أن نطلب الكيل إلا إذا ~~حضر PageV13P015 معنا أخونا . فتعين أنه حكوا القصة لأبيهم مفصلة واختصرها ~~القرآن لظهور المرد . والمعنى : إن أرسلته معنا نرحل للاكتيال ونطلبه . ~~وإطلاق المنع على هذا المعنى مجاز ، لأنهم أنذروا بالحرمان فصار طلبهم ~~ممنوعا منهم لأن طلبه عبث . | # وقرأ الجمهور { نكتل } بنون المتكلم المشارك . وقرأه حمزة ، والكسائي ، ~~وخلف بتحتية عوض النون على أنه عائد إلى { أخانا } أي يكتل معنا . | # وجملة { وإنا له لحافظون } عطف على جملة { فأرسل } . وأكدوا حفظه بالجملة ~~الإسمية الدالة على الثبات وبحرف التوكيد . | # وجواب أبيهم كلام موجه يحتمل أن يكون معناه : { إني آمنكم عليه كما ~~أمنتكم على أخيه } ، وأن يكون معناه ماذا أفاد ائتمانكم على أخيه من قبل ~~حتى آمنكم عليه . | # والاستفهام إنكاري فيه معنى النفي ، فهو يستفهم عن وجه التأكيد في قولهم ~~: { وإنا له لحافظون } . والمقصود من الجملة على احتماليها هو التفريع الذي ~~في قوله : { فالله خير حفظا ( سورة يوسف : 64 ) ، أي خير حفظا منكم ، فإن ~~حفظه الله سلم وإن لم يحفظه لم يسلم كما لم يسلم أخوه من قبل حين أمنتكم ~~عليه . | # وهم قد اقتنعوا بجوابه وعلموا منه أنه مرسل معهم أخاهم ، ولذلك لم ~~يراجعوه في شأنه . | # وحفظا } مصدر منصوب على التمييز في قراءة الجمهور . وقرأه حمزة والكسائي ~~، وحفص { حافظا } على أنه حال من اسم الجلالة وهي حال لازمة . | # | PageV13P016 # | 2 ( 65 ) { ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم قالوا ياأبانا ~~ما نبغى هاذه بضاعتنا ردت إلينا ونمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير ~~ذالك كيل يسير } ) 2 # أصل المتاع ما يتمتع به من العروض والثياب . وتقدم عند قوله تعالى : { لو ~~تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم في سورة النساء ( 102 ) . وأطلق هنا على إعدال ms4247 ~~المتاع وإحماله من تسمية الشيء باسم الحال فيه . | # وجملة قالوا يا أبانا } مستأنفة استئنافا بيانيا لترقب السامع أن يعلم ~~ماذا صدر منهم حين فجأهم وجدان بضاعتهم في ضمن متاعهم لأنه مفاجأة غريبة ، ~~ولهذه النكتة لم يعطف بالفاء . | # و { ما } في قوله : { ما نبغي } يجوز أن يكون للاستفهام الإنكاري بتنزيل ~~المخاطب منزلة من يتطلب منهم تحصيل بغية فينكرون أن تكون لهم بغية أخرى ، ~~أي ماذا نطلب بعد هذا . ويجوز كون { ما } نافية ، والمعنى واحد لأن ~~الاستفهام الإنكاري في معنى النفي . | # وجملة { هذه بضاعتنا ردت إلينا } مبينة لجملة { ما نبغي } على الاحتمالين ~~. وإنما علموا أنها ردت إليهم بقرينة وضعها في العدل بعد وضع الطعام وهم قد ~~كانوا دفعوها إلى الكيالين ، أو بقرينة ما شاهدوا في يوسف عليه السلام من ~~العطف عليهم ، والوعد بالخير إن هم أتوا بأخيهم إذ قال لهم { ألا ترون أني ~~أوفي الكيل وأنا خير المنزلين ( سورة يوسف : 59 ) . | # وجملة ونمير أهلنا } معطوفة على جملة { هذه بضاعتنا ردت إلينا } ، لأنها ~~في قوة هذا ثمن ما نحتاجه من الميرة صار إلينا ونمير به أهلنا ، أي نأتيهم ~~بالميرة . | # والميرة بكسر الميم بعدها ياء ساكنة : هي الطعام المجلوب . | PageV13P017 # وجملة { ونحفظ أخانا } معطوفة على جملة { ونمير أهلنا } ، لأن المير ~~يقتضي ارتحالا للجلب ، وكانوا سألوا أباهم أن يكون أخوهم رفيقا لهم في ~~الارتحال الذكور ، فكانت المناسب بين جملة { ونمير أهلنا } وجملة { ونحفظ ~~أخانا } بهذا الاعتبار ، فذكروا ذلك تطمينا لخاطر فيهم . | # وجملة { ونزداد كيل بعير } زيادة في إظهار حرصهم على سلامة أخيهم لأن في ~~سلامته فائدة لهم بازدياد كيل بعير ، لأن يوسف عليه السلام لا يعطي الممتار ~~أكثر من حمل بعير من الطعام ، فإذا كان أخوهم معهم أعطاه حمل بعير في عداد ~~الإخوة . وبه تظهر المناسبة بين هذه الجملة والتي قبلها . | # وهذه الجمل مرتبة ترتيبا بديعا لأن بعضها متولد عن بعض . | # والإشارة في { ذلك كيل يسير } إلى الطعام الذي في متاعهم . وإطلاق الكيل ~~عليه من إطلاق المصدر على المفعول بقرينة الإشارة . | # قيل : إن يعقوب عليه السلام ms4248 قال لهم : لعلهم نسوا البضاعة فإذا قدمتم ~~عليهم فأخبروهم بأنكم وجدتموها في رحالكم . | # | 2 ( 66 ) { قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتننى به إلا ~~أن يحاط بكم فلمآ ءاتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل } ) 2 # اشتهر الإيتاء والإعطاء وما يراد بهما في إنشاء الحلف ليطمئن بصدق الحالف ~~غيره وهو المحلوف له . | # وفي حديث الحشر ( فيعطي الله من عهود ومواثيق أن لا يسأله غيره ) ، كما ~~أطلق فعل الأخذ على تلقي المحلوف له للحلف ، قال تعالى : { وأخذنا منكم ~~ميثاقا غليظا ( سورة النساء : 21 ) و قد أخذ عليكم موثقا من الله ( سورة ~~يوسف : 80 ) . | PageV13P018 # ولعل سبب إطلاق فعل الإعطاء أن الحالف كان في العصور القديمة يعطي ~~المحلوف له شيئا تذكرة لليمين مثل سوطه أو خاتمه ، أو أنهم كانوا يضعون عند ~~صاحب الحق ضمانا يكون رهينة عنده . وكانت الحمالة طريقة للتوثق فشبه اليمين ~~بالحمالة . وأثبت له الإعطاء والأخذ على طريقة المكنية ، وقد اشتهر ضد ذلك ~~في إبطال التوثق يقال : رد عليه حلفه . | # والموثق : أصله مصدر ميمي للتوثق ، أطلق هنا على المفعول وهو ما به ~~التوثق ، يعني اليمين . | # ومن الله } صفة ل { موثقا } ، و { من } للابتداء ، أي موثقا صادرا من ~~الله تعالى . ومعنى ذلك أن يجعلوا الله شاهدا عليهم فيما وعدوا به بأن ~~يحلفوا بالله فتصير شهادة الله عليهم كتوثق صادر من الله تعالى بهذا ~~الاعتبار . وذلك أن يقولوا : لك ميثاق الله أو عهد الله أو نحو ذلك ، وبهذا ~~يضاف الميثاق والعهد إلى اسم الجلالة كأن الحالف استودع الله ما به التوثق ~~للمحلوف له . | # وجملة { لتأتنني به } جواب لقسم محذوف دل عليه { موثقا } . وهو حكاية ~~لقول يقوله أبناؤه المطلوب منهم إيقاعه حكاية بالمعنى على طريقة حكاية ~~الأقوال لأنهم لو نطقوا بالقسم لقالوا : لنأتينك به ، فلما حكاه هو ركب ~~الحكاية بالجملة التي هي كلامهم وبالضمائر المناسبة لكلامه بخطابه إياهم . ~~| # ومن هذا النوع قوله تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام { ما قلت لهم إلا ما ~~أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم ms4249 ( سورة المائدة : 117 ) ، وإن ما أمره ~~الله : قل لهم أن يعبدوا ربك وربهم . | # ومعنى يحاط بكم } يحيط بكم محيط والإحاطة : الأخذ بأسر أو هلاك مما هو ~~خارج عن قدرتهم ، وأصله إحاطة الجيش في الحرب ، فاستعمل مجازا في الحالة ~~التي لا يستطاع التغلب عليها ، وقد تقدم عند قوله تعالى : { وظنوا أنهم ~~أحيط بهم ( سورة يونس : 22 ) . | PageV13P019 # والاستثناء في إلا أن يحاط بكم } استثناء من عموم أحوال ، فالمصدر ~~المنسبك من { أن } مع الفعل في موضع الحال ، وهو كالإخبار بالمصدر فتأويله ~~: إلا محاطا بكم . | # وقوله : { الله على ما نقول وكيل } تذكير لهم بأن الله رقيب على ما وقع ~~بينهم . وهذا توكيد للحلف . | # والوكيل : فعيل بمعنى مفعول ، أي موكول إليه ، وتقدم في { وقالوا حسبنا ~~الله ونعم الوكيل في سورة آل عمران ( 173 ) . | # | 2 ( 67 ) وقال يابنى لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة ~~ومآ أغنى عنكم من الله من شىء إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل ~~المتوكلون } ) 2 # { وقال يا بني } عطف على جملة { قال الله على ما نقول وكيل } ( يوسف : 66 ~~) . | # وإعادة فعل { قال } للإشارة إلى اختلاف زمن القولين وإن كانا معا مسببين ~~على إيتاء موثقهم ، لأنه اطمأن لرعايتهم ابنه وظهرت له المصلحة في سفرهم ~~للإمتار ، فقوله : { يا بني لا تدخلوا من باب واحد } صادر في وقت إزماعهم ~~الرحيل . والمقصود من حكاية قوله هذا العبرة بقوله : { وما أغني عنكم من ~~الله من شيء } الخ . | # والأبواب : أبواب المدينة . وتقدم ذكر الباب آنفا . وكانت مدينة ( منفيس ~~) من أعظم مدن العالم فهي ذات أبواب . وإنما نهاهم أن يدخلوها من باب واحد ~~خشية أن يسترعي عددهم أبصار أهل المدينة وحراسها وأزياؤهم أزياء الغرباء عن ~~أهل المدينة أن يوجسوا منهم خيفة من تجسس أو سرقة فربما سجنوهم PageV13P020 ~~أو رصدوا الأعين إليهم ، فيكون ذلك ضرا لهم وحائلا دون سرعة وصولهم إلى ~~يوسف عليه السلام ودون قضاء حاجتهم . وقد قيل في الحكمة : ( استعينوا على ~~قضاء حوائجكم بالكتمان ) . | # ولما كان شأن إقامة الحراس والأرصاد أن تكون على ms4250 أبواب المدينة اقتصر على ~~تحذيرهم من الدخول من باب واحد دون أن يحذرهم من المشي في سكة واحدة من سكك ~~المدينة ، ووثق بأنهم عارفون بسكك المدينة فلم يخش ضلالهم فيها ، وعلم أن ( ~~بنيامين ) يكون في صحبة أحد إخوته لئلا يضل في المدينة . | # والمتفرقة أراد بها المتعددة لأنه جعلها في مقابلة الواحد . ووجه العدول ~~عن المتعددة إلى المتفرقة الإيماء إلى علة الأمر وهي إخفاء كونهم جماعة ~~واحدة . | # وجملة { وما أغني عنكم من الله من شيء } معترضة في آخر الكلام ، أي وما ~~أغني عنكم بوصيتي هذه شيئا . و { من الله } متعلق ب { أغني } ، أي لا يكون ~~ما أمرتكم به مغنيا غناء مبتدئا من عند الله بل هو الأدب والوقوف عندما أمر ~~الله ، فإن صادف ما قدره فقد حصل فائدتان ، وإن خالف ما قدره حصلت فائدة ~~امتثال أوامره واقتناع النفس بعدم التفريط . | # وتقدم وجه تركيب { وما أغني عنكم من الله من شيء } عند قوله تعالى : { ~~ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا في سورة العقود ( 41 ) . | # وأراد بهذا تعليمهم الاعتماد على توفيق الله ولطفه مع الأخذ بالأسباب ~~المعتادة الظاهرة تأدبا مع واضع الأسباب ومقدر الألطاف في رعاية الحالين ، ~~لأنا لا نستطيع أن نطلع على مراد الله في الأعمال فعلينا أن نتعرفها ~~بعلاماتها ولا يكون ذلك إلا بالسعي لها . | # وهذا سر مسألة القدر كما أشار إليه قول النبي اعملوا فكل ميسر لما خلق له ~~، وفي الأثر إذا أراد الله أمرا يسر أسبابه PageV13P021 قال الله تعالى : ~~ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا ( سورة ~~الإسراء : 19 ) . ذلك أن شأن الأسباب أن تحصل عندها مسبباتها . وقد يتخلف ~~ذلك بمعارضة أسباب أخرى مضادة لتلك الأسباب حاصلة في وقت واحد ، أو لكون ~~السبب الواحد قد يكون سببا لأشياء متضادة باعتبارات فيخطىء تعاطي السبب في ~~مصادفة المسبب المقصود ، ولولا نظام الأسباب ومراعاتها لصار المجتمع البشري ~~هملا وهمجا . | # والإغناء : هنا مشتق من الغناء بفتح الغين وبالمد ، وهو الإجزاء ~~والاضطلاع وكفاية المهم ، وأصله ms4251 مرادف الغنى بكسر الغين والقصر وهما معا ضد ~~الفقر ، وكثر استعمال الغناء المفتوح الممدود في الإجزاء والكفاية على سبيل ~~المجاز المرسل لأن من أجزأ وكفى فقد أذهب عن نفسه الحاجة إلى المغنين وأذهب ~~عمن أجزأ عنه الاحتياج أيضا ، وشاع هذا الاستعمال المجازي حتى غلب على هذا ~~الفعل ، فلذلك كثر في الكلام تخصيص الغناء بالفتح والمد بهذا المعنى ، ~~وتخصيص الغنى بالكسر والقصر في معنى ضد الفقر ونحوه حتى صار الغناء الممدود ~~لا يكاد يسمع في معنى ضد الفقر . وهي تفرقة حسنة من دقائق استعمالهم في ~~تصاريف المترادفات . فما يوجد في كلام ابن بري من قوله : إن الغناء مصدر ~~ناشىء عن فعل أغنى المهموز بحذف الزائد الموهم أنه لا فعل له مجرد فإنما ~~عنى به أن استعمال فعل غني في هذا المعنى المجازي متروك ممات لا أنه ليس له ~~فعل مجرد . | # ولذلك فمعنى فعل ( أغنى ) بهذا الاستعمال معنى الأفعال القاصرة ، ولم ~~يفده الهمز تعدية ، فلعل همزته دالة على الصيرورة ذا غنى ، فلذلك كان حقه ~~أن لا ينصب المفعول به بل يكون في الغالب مرادفا لمفعول مطلق كقول عمرو بن ~~معديكرب : | # أغني غناء الذاهب | # ين أعد للحدثان عدا | PageV13P022 # ويقولون : أغنى فلان عن فلان ، أي في أجزاه عوضه وقام مقامه ، ويأتون ~~بمنصوب فهو تركيب غريب ، فإن حرف ( عن ) فيه للبدلية وهي المجاوزة المجازية ~~. جعل الشيء البدل عن الشيء مجاوزا له لأنه حل محله في حال غيبته فكأنه ~~جاوزه فسموا هذه المجاوزة بدلية وقالوا : إن ( عن ) تجيء للبدلية كما تجيء ~~لها الباء . فمعنى ما أغني عنكم } لا أجزي عنكم ، أي لا أكفي بدلا عن ~~إجزائكم لأنفسكم . | # و { من شيء } نائب مناب شيئا ، وزيدت { من } لتوكيد عموم شيء في سياق ~~النفي ، فهو كقوله تعالى : { لا تغني عني شفاعتهم شيئا ( سورة يس : 23 ) أي ~~من الضر . وجوز صاحب الكشاف في مثله أن يكون شيئا } مفعولا مطلقا ، أي شيئا ~~من الغناء وهو الظاهر ، فقال في قوله تعالى : { واتقوا يوما لا تجزي نفس عن ~~نفس شيئا ( سورة البقرة : 48 ms4252 ) ، قال : أي قليلا من الجزاء ، كقوله تعالى : ~~ولا يظلمون شيئا } ؛ لكنه جوز أن يكون { شيئا } مفعولا به وهو لا يستقيم ~~إلا على معنى التوسع بالحذف والإيصال ، أي بنزع الخافض . | # وجملة { إن الحكم إلا لله } في موضع التعليل لمضمون { وما أغني عنكم من ~~الله من شيء } . والحكم : هنا بمعنى التصرف والتقدير ، ومعنى الحصر أنه لا ~~يتم إلا ما أراده الله ، كما قال تعالى : { إن الله بالغ أمره ( سورة ~~الطلاق : 3 ) . وليس للعبد أن ينازع مراد الله في نفس الأمر ولكن واجبه أن ~~يتطلب الأمور من أسبابها لأن الله أمر بذلك ، وقد جمع هذين المعنيين قوله : ~~وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغني عنكم من الله من شيء } . | # وجملة { عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون } في موضع البيان لجملة { ~~وما أغني عنكم من الله من شيء } ليبين لهم أن وصيته بأخذ الأسباب مع ~~التنبيه على الاعتماد على الله هو معنى التوكل الذي يضل في فهمه كثير من ~~الناس اقتصارا وإنكارا ، ولذلك أتى بجملة { وعليه فليتوكل المتوكلون } أمرا ~~لهم PageV13P023 ولغيرهم على معنى أنه واجب الحاضرين والغائبين ، وأن مقامه ~~لا يختص بالصديقين بل هو واجب كل مؤمن كامل الإيمان لا يخلط إيمانه بأخطاء ~~الجاهليات . | # | 2 ( 68 ) { ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغنى عنهم من الله من ~~شىء إلا حاجة فى نفس يعقوب قضاها وإنه لذو علم لما علمناه ولاكن أكثر الناس ~~لا يعلمون } ) 2 # جملة معترضة ، والواو اعتراضية . | # ودلت { حيث } على الجهة ، أي لما دخلوا من الجهات التي أمرهم أبوهم ~~بالدخول منها . فالجملة التي تضاف إليها { حيث } هي التي تبين المراد من ~~الجهة . | # وقد أغنت جملة { ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم } عن جمل كثيرة ، وهي ~~أنهم ارتحلوا ودخلوا من حيث أمرهم أبوهم ، ولما دخلوا من حيث أمرهم سلموا ~~مما كان يخافه عليهم . وما كان دخولهم من حيث أمرهم يغني عنهم من الله من ~~شيء لو قدر الله أن يحاط بهم ، فالكلام إيجاز . ومعنى { ما كان يغني عنهم ~~من الله من شيء } أنه ms4253 ما كان يرد عنهم قضاء الله لولا أن الله قدر سلامتهم ~~. | # والاستثناء في قوله : { إلا حاجة } منقطع لأن الحاجة التي في نفس يعقوب ~~عليه السلام ليست بعضا من الشيء المنفي إغناؤه عنهم من الله ، فالتقدير : ~~لكن حاجة في نفس يعقوب عليه السلام قضاها . | # والقضاء : الإنفاذ ، ومعنى قضاها أنفذها . يقال : قضى حاجة لنفسه ، إذا ~~أنفذ ما أضمره في نفسه ، أي نصيحة لأبنائه أداها لهم ولم يدخرها عنهم ~~ليطمئن قلبه بأنه لم يترك شيئا يظنه نافعا لهم إلا أبلغه إليهم . | ~~PageV13P024 # والحاجة : الأمر المرغوب فيه . سمي حاجة لأنه محتاج إليه ، فهي من ~~التسمية باسم المصدر . والحاجة التي في نفس يعقوب عليه السلام هي حرصه على ~~تنبيههم للأخطار التي تعرض لأمثالهم في مثل هذه الرحلة إذا دخلوا من باب ~~واحد ، وتعليمهم الأخذ بالأسباب مع التوكل على الله . | # وجملة { وإنه لذو علم لما علمناه } معترضة بين جملة { ولما دخلوا من حيث ~~أمرهم أبوهم } الخ وبين جملة { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } . | # وهو ثناء على يعقوب عليه السلام بالعلم والتدبير ، وأن ما أسداه من النصح ~~لهم هو من العلم الذي آتاه الله وهو من علم النبوءة . | # وقوله : { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } استدراك نشأ عن جملة { ولما دخلوا ~~من حيث أمرهم أبوهم } الخ . والمعنى أن الله أمر يعقوب عليه السلام بأخذ ~~أسباب الاحتياط والنصيحة مع علمه بأن ذلك لا يغني عنهم من الله من شيء قدره ~~لهم ، فإن مراد الله تعالى خفي عن الناس ، وقد أمر بسلوك الأسباب المعتادة ~~، وعلم يعقوب عليه السلام ذلك ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون تطلب الأمرين ~~فيهملون أحدهما ، فمنهم من يهمل معرفة أن الأسباب الظاهرية لا تدفع أمرا ~~قدره الله وعلم أنه واقع ، ومنهم من يهمل الأسباب وهو لا يعلم أن الله أراد ~~في بعض الأحوال عدم تأثيرها . | # وقد دل { وإنه لذو علم لما علمناه } بصريحه على أن يعقوب عليه السلام عمل ~~بما علمه الله ، ودل قوله : { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } بتعريضه على أن ~~يعقوب عليه السلام من القليل من ms4254 الناس الذين علموا مراعاة الأمرين ليتقرر ~~الثناء على يعقوب عليه السلام باستفادته من الكلام مرتين : مرة بالصراحة ~~ومرة بالاستدراك . | # والمعنى : أن أكثر الناس في جهالة عن وضع هاته الحقائق موضعها ولا يخلون ~~عن مضيع لإحداهما ، ويفسر هذا المعنى قول عمر بن الخطاب رضي PageV13P025 ~~الله عنه لما أمر المسلمين بالقفول عن عمواس لما بلغه ظهور الطاعون بها ~~وقال له أبو عبيدة : أفرارا من قدر الله فقال عمر رضي الله عنه : لو غيرك ~~قالها يا أبا عبيدة ألسنا نفر من قدر الله إلى قدر الله . . . إلى آخر ~~الخبر . | # | 2 ( 69 ) { ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال إنى أنا أخوك فلا ~~تبتئس بما كانوا يعملون } ) 2 # | $ # موقع جملة { ولما دخلوا على يوسف } كموقع جملة { ولما دخلوا من حيث أمرهم ~~أبوهم ( سورة يوسف : 68 ) في إيجاز الحذف . | # والإيواء : الإرجاع . وتقدم في قوله تعالى : أولئك مأواهم النار في سورة ~~يونس ( 8 ) . | # وأطلق الإيواء هنا مجازا على الإدناء والتقريب كأنه إرجاع إلى مأوى ، ~~وإنما أدناه ليتمكن من الإسرار إليه بقوله : إني أنا أخوك } . | # وجملة { قال إني أنا أخوك } بدل اشتمال من جملة { آوى إليه أخاه } . ~~وكلمه بكلمة مختصرة بليغة إذ أفاده أنه هو أخوه الذي ظنه أكله الذئب . فأكد ~~الخبر ب ( إن ) وبالجملة الإسمية وبالقصر الذي أفاده ضمير الفصل ، أي أنا ~~مقصور على الكون أخاك لا أجنبي عنك ، فهو قصر قلب لاعتقاده أن الذي كلمه لا ~~قرابة بينه وبينه . | # وفرع على هذا الخبر { فلا تبتئس بما كانوا يعملون } . والابتئاس : مطاوعة ~~الإبئاس ، أي جعل أحد بائسا ، أي صاحب بؤس . | # والبؤس : هو الحزن والكدر . وتقدم نظير هذا التركيب في قصة نوح عليه ~~السلام من سورة هود . والضميران في { كانوا } و { يعملون } راجعان ~~PageV13P026 إلى إخوتهما بقرينة المقام ، وأراد بذلك ما كان يجده أخوه ( ~~بنيامين ) من الحزن لهلاك أخيه الشقيق وفظاظة إخوته وغيرتهم منه . | # والنهي عن الابتئاس مقتضض الكف عنه ، أي أزل عنك الحزن واعتض عنه بالسرور ~~. | # وأفاد فعل الكون في المضي أن المراد ما عملوه فيما مضى ms4255 . وأفاد صوغ { ~~يعملون } بصيغة المضارع أنه أعمال متكررة من الأذى . وفي هذا تهيئة لنفس ~~أخيه لتلقي حادث الصواع باطمئنان حتى لا يخشى أن يكون بمحل الريبة من يوسف ~~عليه السلام . | # | 2 ( 70 75 ) { لله فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية فى رحل أخيه ثم أذن ~~مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون * قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون * قالوا ~~نفقد صواع الملك ولمن جآء به حمل بعير وأنا به زعيم * قالوا تالله لقد ~~علمتم ما جئنا لنفسد فى الارض وما كنا سارقين * قالوا فما جزآؤه إن كنتم ~~كاذبين * قالوا جزؤه من وجد فى رحله فهو جزاؤه كذالك نجزى الظالمين } ) 2 # تقدم الكلام على نظير قوله : { فلما جهزهم بجهازهم } في الآيات قبل هذه . ~~وإسناد جعل السقاية إلى ضمير يوسف مجاز عقلي ، وإنما هو آمر بالجعل والذين ~~جعلوا السقاية هم العبيد الموكلون بالكيل . | # والسقاية : إناء كبير يسقى به الماء والخمر . والصواع : لغة في الصاع ، ~~وهو وعاء للكيل يقدر بوزن رطل وربع أو وثلث . وكانوا يشربون الخمر ~~PageV13P027 بالمقدار ، يقدر كل شارب لنفسه ما اعتاد أنه لا يصرعه ، ~~ويجعلون آنية الخمر مقدرة بمقادير مختلفة ، فيقول الشارب للساقي : رطلا أو ~~صاعا أو نحو ذلك . فتسمية هذا الإناء سقاية وتسميته صواعا جارية على ذلك . ~~وفي التوراة سمي طاسا ، ووصف بأنه من فضة . | # وتعريف { السقاية } تعريف العهد الذهني ، أي سقاية معروفة لا يخلو عن ~~مثلها مجلس العظيم . | # وإضافة الصواع إلى الملك لتشريفه ، وتهويل سرقته على وجه الحقيقة ، لأن ~~شؤون الدولة كلها للملك . ويجوز أن يكون أطلق الملك على يوسف عليه السلام ~~تعظيما له . | # والتأذين : النداء المكرر . وتقدم عند قوله تعالى : { فأذن مؤذن بينهم في ~~سورة الأعراف ( 44 ) . | # والعير : اسم للحمولة من إبل وحمير وما عليها من أحمال وما معها من ~~ركابها ، فهو اسم لمجموع هذه الثلاثة . وأسندت السرقة إلى جميعهم جريا على ~~المعتاد من مؤاخذة الجماعة بجرم الواحد منهم . | # وتأنيث اسم الإشارة وهو أيتها } لتأويل العير بمعنى الجماعة لأن الركاب ~~هم الأهم . | # وجملة { قالوا } جواب لنداء المنادي إياهم { إنكم لسارقون } ، ففصلت ms4256 ~~الجملة لأنها في طريقة المحاورة كما تكرر غير مرة . | # وضمير { قالوا } عائد إلى العير . | # وجملة { وأقبلوا عليهم } حال من ضمير { قالوا } . ومرجع ضمير { أقبلوا } ~~عائد إلى فتيان يوسف عليه السلام . وضمير { عليهم } راجع PageV13P028 إلى ~~ما رجع إليه ضمير { قالوا } ، أي وقد أقبل عليهم فتيان يوسف عليه السلام . ~~| # وجعلوا جعلا لمن يأتي بالصواع . والذي قال : { وأنا به زعيم } واحد من ~~المقبلين وهو كبيرهم . والزعيم : الكفيل . | # وهذه الآية قد جعلها الفقهاء أصلا لمشروعية الجعل والكفالة . وفيه نظر ، ~~لأن يوسف عليه السلام لم يكن يومئذ ذا شرع حتى يستأنس للأخذ ب ( أن شرع من ~~قبلنا شرع لنا ) : إذا حكاه كلام الله أو رسوله . ولو قدر أن يوسف عليه ~~السلام كان يومئذ نبيئا فلا يثبت أنه رسول بشرع ، إذ لم يثبت أنه بعث إلى ~~قوم فرعون ، ولم يكن ليوسف عليه السلام أتباع في مصر قبل ورود أبيه وإخوته ~~وأهليهم . فهذا مأخذ ضعيف . | # والتاء في { تالله } حرف قسم على المختار ، ويختص بالدخول على اسم الله ~~تعالى وعلى لفظ رب ، ويختص أيضا بالمقسم عليه العجيب . وسيجيء عند قوله ~~تعالى : { وتالله لأكيدن أصنامكم في ( سورة الأنبياء : 57 ) . | # وقولهم : لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين } . أكدوا ذلك ~~بالقسم لأنهم كانوا وفدوا على مصر مرة سابقة واتهموا بالجوسسة فتبينت ~~براءتهم بما صدقوا يوسف عليه السلام فيما وصفوه من حال أبيهم وأخيهم . ~~فالمراد ب { الأرض } المعهودة ، وهي مصر . | # وأما براءتهم من السرقة فبما أخبروا به عند قدومهم من وجدان بضاعتهم في ~~رحالهم ، ولعلها وقعت في رحالهم غلطا . | # على أنهم نفوا عن أنفسهم الاتصاف بالسرقة بأبلغ مما نفوا به الإفساد عنهم ~~، وذلك بنفي الكون سارقين دون أن يقولوا : وما جئنا لنسرق ، لأن السرقة وصف ~~يتعير به ، وأما الإفساد الذي نفوه ، أي التجسس فهو مما يقصده العدو على ~~عدوه فلا يكون عارا ، ولكنه اعتداء في نظر العدو . | PageV13P029 # وقول الفتيان { فما جزاؤه إن كنتم كاذبين } تحكيم ، لأنهم لا يسعهم إلا ~~أن يعينوا جزاء يؤخذون به ، فهذا تحكيم المرء في ms4257 ذنبه . | # ومعنى { ما جزاؤه } : ما عقابه . وضمير { جزاؤه } عائد إلى الصواع بتقدير ~~مضاف دل عليه المقام ، أي ما جزاء سارقه أو سرقته . | # ومعنى { إن كنتم كاذبين } إن تبين كذبكم بوجود الصواع في رحالكم . | # وقوله : { جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه } . { جزاؤه } الأول مبتدأ ، و ~~{ من } يجوز أن تكون شرطية وهي مبتدأ ثان وأن جملة { وجد في رحله } جملة ~~الشرط وجملة { فهو جزاؤه } جواب الشرط ، والفاء رابطة للجواب ، والجملة ~~المركبة من الشرط وجوابه خبر عن المبتدإ الأول . ويجوز أن تكون { من } ~~موصولة مبتدأ ثانيا ، وجملة { وجد في رحله } صلة الموصول . والمعنى أن من ~~وجد في رحله الصواع هو جزاء السرقة ، أي ذاته هي جزاء السرقة ، فالمعنى أن ~~ذاته تكون عوضا عن هذه الجريمة ، أي أن يصير رفيقا لصاحب الصواع ليتم معنى ~~الجزاء بذات أخرى . وهذا معلوم من السياق إذ ليس المراد إتلاف ذات السارق ~~لأن السرقة لا تبلغ عقوبتها حد القتل . | # فتكون جملة { فهو جزاؤه } توكيدا لفظيا لجملة { جزاؤه من وجد في رحله } ، ~~لتقرير الحكم وعدم الانفلات منه ، وتكون الفاء للتفريع تفريع التأكيد على ~~الموكد . وقد حكم إخوة يوسف عليه السلام على أنفسهم بذلك وتراضوا عليه ~~فلزمهم ما التزموه . | # ويظهر أن ذلك كان حكما مشهورا بين الأمم أن يسترق السارق . وهو قريب من ~~استرقاق المغلوب في القتال . ولعله كان حكما معروفا في مصر لما سيأتي قريبا ~~عند قوله تعالى : { ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك ( سورة يوسف : 76 ) . | # وجملة كذلك نجزي الظالمين } بقيمة كلام إخوة يوسف عليه السلام ، ~~PageV13P030 أي كذلك حكم قومنا في جزاء السارق الظالم بسرقته ؛ أو أرادوا ~~أنه حكم الإخوة على من يقدر منهم أن يظهر الصواع في رحله ، أي فهو حقيق لأن ~~نجزيه بذلك . | # والإشارة ب { كذلك } إلى الجزاء المأخوذ من { نجزي } ، أي نجزي الظالمين ~~جزاء كذلك الجزاء ، وهو من وجد في رحله . | # | 2 ( 76 ) { فبدأ بأوعيتهم قبل وعآء أخيه ثم استخرجها من وعآء أخيه ~~كذالك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه فى دين الملك إلا ms4258 أن يشآء الله نرفع ~~درجات من نشآء وفوق كل ذى علم عليم } ) 2 # { بدأ } أي أمر يوسف عليه السلام بالبداءة بأوعية بقية إخوته قبل وعاء ~~أخيه الشقيق . | # وأوعية : جمع وعاء ، وهو الظرف ، . مشتق من الوعي وهو الحفظ . والابتداء ~~بأوعية غير أخيه لإبعاد أن يكون الذي يوجد في وعائه هو المقصود من أول ~~الأمر . وتأنيث ضمير { استخرجها } للسقاية . وهذا التأنيث في تمام الرشاقة ~~إذ كانت الحقيقة أنها سقاية جعلت صواعا . فهو كرد العجز على الصدر . | # والقول في { كذلك كدنا ليوسف } كالقول في { كذلك نجزي الظالمين ( سورة ~~يوسف : 75 ) . | # والكيد : فعل يتوصل بظاهره إلى مقصد خفي . والكيد : هنا هو إلهام يوسف ~~عليه السلام لهذه الحيلة المحكمة في وضع الصواع وتفتيشه وإلهام إخوته إلى ~~ذلك الحكم المصمت . | # وأسند الكيد إلى الله لأنه ملهمه فهو مسببه . وجعل الكيد لأجل يوسف عليه ~~السلام لأنه لفائدته . | PageV13P031 # وجملة ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله } بيان للكيد ~~باعتبار جميع ما فيه من وضع السقاية ومن حكم إخوته على أنفسهم بما يلائم ~~مرغوب يوسف عليه السلام من إبقاء أخيه عنده ، ولولا ذلك لما كانت شريعة ~~القبط تخوله ذلك ، فقد قيل : إن شرعهم في جزاء السارق أن يؤخذ منه الشيء ~~ويضرب ويغرم ضعفي المسروق أو ضعفي قيمته . وعن مجاهد { في دين الملك } أي ~~حكمه وهو استرقاق السراق . وهو الذي يقتضيه ظاهر الآية لقوله : { ما كان ~~ليأخذ أخاه في دين الملك } أي لولا حيلة وضع الصواع في متاع أخيه . ولعل ~~ذلك كان حكما شائعا في كثير من الأمم ، ألا ترى إلى قولهم : { من وجد في ~~رحله فهو جزاؤه ( سورة يوسف : 75 ) كما تقدم ، أي أن ملك مصر كان عادلا فلا ~~يؤخذ أحد في بلاده بغير حق . ومثله ما كان في شرع الرومان من استرقاق ~~المدين ، فتعين أن المراد بالدين الشريعة لا مطلق السلطان . | # ومعنى لام الجحود هنا نفي أن يكون في نفس الأمر سبب يخول يوسف عليه ~~السلام أخذ أخيه عنده . | # والاستثناء من عموم أسباب أخذ ms4259 أخيه المنفية . وفي الكلام حرف جر محذوف ~~قبل أن } المصدرية ، وهو باء السببية التي يدل عليها نفي الأخذ ، أي أسبابه ~~. فالتقدير : إلا بأن يشاء الله ، أي يلهم تصوير حالته ويأذن ليوسف عليه ~~السلام في عمله باعتبار ما فيه من المصالح الجمة ليوسف وإخوته في الحال ~~والاستقبال لهم ولذريتهم . | # وجملة { نرفع درجات من نشاء } تذييل لقصة أخذ يوسف عليه السلام أخاه لأن ~~فيها رفع درجة يوسف عليه السلام في الحال بالتدبير الحكيم من وقت مناجاته ~~أخاه إلى وقت استخراج السقاية من رحله . ورفع درجة أخيه في الحال بإلحاقه ~~ليوسف عليه السلام في العيش الرفيه والكمال بتلقي الحكمة من فيه . ورفع ~~درجات إخوته وأبيه في الاستقبال بسبب رفع درجة يوسف عليه السلام وحنوه ~~عليهم . فالدرجات مستعارة لقوة الشرف من PageV13P032 استعارة المحسوس ~~للمعقول . وتقدم في قوله تعالى : { وللرجال عليهن درجة في سورة البقرة ( ~~228 ) ، وقوله : لهم درجات عند ربهم في سورة الأنفال ( 4 ) . | # وجملة وفوق كل ذي علم عليم } تذييل ثان لجملة { كذلك كدنا ليوسف } الآية ~~. | # وفيها شاهد لتفاوت الناس في العلم المؤذن بأن علم الذي خلق لهم العلم لا ~~ينحصر مداه ، وأنه فوق كل نهاية من علم الناس . | # والفوقية مجاز في شرف الحال ، لأن الشرف يشبه بالارتفاع . | # وعبر عن جنس المتفوق في العلم بوصف { عليم } باعتبار نسبته إلى من هو ~~فوقه إلى أن يبلغ إلى العليم المطلق سبحانه . | # وظاهر تنكير { عليم } أن يراد به الجنس فيعم كل موصوف بقوة العلم إلى أن ~~ينتهي إلى علم الله تعالى . فعموم هذا الحكم بالنسبة إلى المخلوقات لا ~~إشكال فيه . ويتعين تخصيص هذا العموم بالنسبة إلى الله تعالى بدليل العقل ~~إذ ليس فوق الله عليم . | # وقد يحمل التنكير على الوحدة ويكون المراد عليم واحد فيكون التنكير ~~للوحدة والتعظيم ، وهو الله تعالى فلا يحتاج إلى التخصيص . | # وقرأ الجمهور { درجات من نشاء } بإضافة { درجات } إلى { من نشاء } . ~~وقرأه حمزة ، وعاصم ، والكسائي ، وخلف بتنوين { درجات } على أنه تمييز ~~لتعلق فعل { نرفع } بمفعوله وهو { من نشاء } . | # | PageV13P033 # | 2 ( 77 ) { قالو ا ms4260 إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فأسرها يوسف فى نفسه ~~ولم يبدها لهم قال أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون } ) 2 # | $ # لما بهتوا بوجود الصواع في رحل أخيهم اعتراهم ما يعتري المبهوت فاعتذروا ~~عن دعواهم تنزههم عن السرقة ، إذ قالوا : { وما كنا سارقين ( سورة يوسف : ~~73 ) ، عذرا بأن أخاهم قد تسربت إليه خصلة السرقة من غير جانب أبيهم فزعموا ~~أن أخاه الذي أشيع فقده كان سرق من قبل ، وقد علم فتيان يوسف عليه السلام ~~أن المتهم أخ من أم أخرى ، فهذا اعتذار بتعريض بجانب أم أخويهم وهي زوجة ~~أبيهم وهي ( راحيل ) ابنة ( لابان ) خالل يعقوب عليه السلام . | # وكان ليعقوب عليه السلام أربع زوجات : ( راحيل ) هذه أم يوسف عليه السلام ~~وبنيامين ؛ و ( ليئة ) بنت لابان أخت راحيل وهي أم روبين ، وشمعون ، ولاوي ~~، ويهوذا ، وبساكر ، وزبولون ؛ و ( بلهة ) جارية راحيل وهي أم دانا ، ~~ونفتالي ؛ و ( زلفة ) جارية راحيل أيضا وهي أم جاد ، وأشير . | # وإنما قالوا : قد سرق أخ له من قبل } بهتانا ونفيا للمعرة عن أنفسهم . ~~وليس ليوسف عليه السلام سرقة من قبل ، ولم يكن إخوة يوسف عليه السلام يومئذ ~~أنبياء . وشتان بين السرقة وبين الكذب إذا لم تترتب عليه مضرة . | # وكان هذا الكلام بمسمع من يوسف عليه السلام في مجلس حكمه . | # وقوله : { فأسرها يوسف } يجوز أن يعود الضمير البارز إلى جملة { قالوا إن ~~يسرق فقد سرق أخ له من قبل } على تأويل ذلك القول بمعنى المقالة على نحو ~~قوله تعالى : { إنها كلمة هو قائلها بعد قوله : رب ارجعون لعلي أعمل صالحا ~~فيما تركت ( سورة المؤمنون : 99 ) . ويكون معنى أسرها في نفسه أنه تحملها ~~ولم يظهر PageV13P034 غضبا منها ، وأعرض عن زجرهم وعقابهم مع أنها طعن فيه ~~وكذب عليه . وإلى هذا التفسير ينحو أبو علي الفارسي وأبو حيان . ويكون قوله ~~: قال أنتم شر مكانا } كلاما مستأنفا حكاية لما أجابهم به يوسف عليه السلام ~~صراحة على طريقة حكاية المحاورة ، وهو كلام موجه لا يقتضي تقرير ما نسبوه ~~إلى أخي أخيهم ، أي ms4261 أنتم أشد شرا في حالتكم هذه لأن سرقتكم مشاهدة وأما ~~سرقة أخي أخيكم فمجرد دعوى ، وفعل { قال } يرجح هذا الوجه . | # ويجوز أن يكون ضمير الغيبة في { فأسرها } عائد إلى ما بعده وهو قوله : { ~~قال أنتم شر مكانا } . وبهذا فسر الزجاج والزمخشري ، أي قال في نفسه ، وهو ~~يشبه ضمير الشأن والقصة ، لكن تأنيثه بتأويل المقولة أو الكلمة ، وتكون ~~جملة { قال أنتم شر مكانا } تفسيرا للضمير في { أسرها } . | # والإسرار ، على هذا الوجه ، مستعمل في حقيقته ، وهو إخفاء الكلام عن أن ~~يسمعه سامع . | # وجملة { ولم يبدها لهم } قيل هي توكيد لجملة { فأسرها يوسف } . وشأن ~~التوكيد أن لا يعطف . ووجه عطفها ما فيها من المغايرة للتي قبلها بزيادة ~~قيد لهم المشعر بأنه أبدى لأخيه أنهم كاذبون . ويجوز أن يكون المراد لهم ~~يبد لهم غضبا ولا عقابا كما تقدم مبالغة في كظم غيظه ، فيكون في الكلام ~~تقدير مضاف مناسب ، أي لم يبد أثرها . | # و { شر } اسم تفضيل ، وأصله أشر ، و { مكانا } تمييز لنسبة الأشر . | # وأطلق المكان على الحالة على وجه الاستعارة ، والحالة هي السرقة ، وإطلاق ~~المكان والمكانة على الحالة شائع . وقد تقدم عند قوله تعالى : { قل يا قوم ~~اعملوا على مكانتكم في آخر سورة الأنعام ( 135 ) ، وهو تشبيه الاتصاف بوصف ~~ما بالحلول في مكان . والمعنى أنهم لما عللوا سرقة أخيهم بأن أخاه من قبل ~~قد سرق فإذا كانت سرقة سابقة من أخ أعدت أخاه الآخر للسرقة ، فهم وقد سبقهم ~~أخوان PageV13P035 بالسرقة أجدر بأن يكونوا سارقين من الذي سبقه أخ واحد . ~~والكلام قابل للحمل على معنى أنتم شر حالة من أخيكم هذا والذي قبله لأنهما ~~بريئان مما رميتموهما به وأنتم مجرمون عليهما إذ قذفتم أولهما في الجب ، ~~وأيدتم تهمة ثانيهما بالسرقة . | # ثم ذيله بجملة والله أعلم بما تصفون } ، وهو كلام جامع أي الله أعلم ~~بصدقكم فيما وصفتم أو بكذبكم . والمراد : أنه يعلم كذبهم ، فالمراد : أعلم ~~لحال ما تصفون . | # | 2 ( 78 ، 79 ) { قالوا ياأيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا ~~مكانه إنا نراك من المحسنين ms4262 * قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا ~~عنده إنآ إذا لظالمون } ) 2 # نادوا بوصف العزيز إما لأن كل رئيس ولاية مهمة يدعى بما يرادف العزيز ~~فيكون يوسف عليه السلام عزيزا ، كما أن رئيس الشرطة يدعى العزيز كما تقدم ~~في قوله تعالى : { امرأة العزيز ( سورة يوسف : 30 ) ؛ وإما لأن يوسف ضمت ~~إليه ولاية العزيز الذي اشتراه فجمع التصرفات وراجعوه في أخذ أخيهم . | # ووصفوا أباهم بثلاث صفات تقتضي الترقيق عليه ، وهي : حنان الأبوة ، وصفة ~~الشيخوخة ، واستحقاقه جبر خاطره لأنه كبير قومه أو لأنه انتهى في الكبر إلى ~~أقصاه ؛ فالأوصاف مسوقة للحث على سراح الابن لا لأصل الفائدة لأنهم قد ~~كانوا أخبروا يوسف عليه السلام بخبر أبيهم . | # والمراد بالكبير : إما كبير عشيرته فإساءته تسوءهم جميعا ومن عادة الولاة ~~استجلاب القبائل ، وإما أن يكون كبيرا } تأكيدا ل { شيخا } أي بلغ الغاية ~~في PageV13P036 الكبر من السن ، ولذلك فرعوا على ذلك { فخذ أحدنا مكانه } ، ~~إذ كان هو أصغر الإخوة ، والأصغر أقرب إلى رقة الأب عليه . | # وجملة { إنا نراك من المحسنين } تعليل لإجابة المطلوب لا للطلب . ~~والتقدير : فلا ترد سوءالنا لأنا نراك من المحسنين فمثلك لا يصدر منه ما ~~يسوء أبا شيخا كبيرا . | # والمكان : أصله محل الكون أي ما يستقر فيه الجسم ، وهو هنا مجاز في العوض ~~لأن العوض يضعه آخذه في مكان الشيء المعوض عنه كما في الحديث ( هذه مكان ~~حجتك ) . | # و { معاذ } مصدر ميمي اسم للعوذ ، وهو اللجأ إلى مكان للتحصن . وتقدم ~~قريبا عند قوله : { قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي ( سورة يوسف : 23 ) . ~~| # وانتصب هذا المصدر على المفعولية المطلقة نائبا عن فعله المحذوف . ~~والتقدير : أعوذ بالله معاذا ، فلما حذف الفعل جعل الاسم المجرور بباء ~~التعدية متصلا بالمصدر بطريق الإضافة فقيل : معاذ الله ، كما قالوا : سبحان ~~الله ، عوضا عن أسبح الله . والمستعاذ منه هو المصدر المنسبك من أن نأخذ ~~إلا من وجدنا متاعنا عنده } . والمعنى : الامتناع من ذلك ، أي نلجأ إلى ~~الله أن يعصمنا من أخذ من لا حق لنا في أخذه ms4263 ، أي أن يعصمنا من الظلم لأن ~~أخذ من وجد المتاع عنده صار حقا عليه بحكمه على نفسه ، لأن التحكيم له قوة ~~الشريعة . وأما أخذ غيره فلا يسوغ إذ ليس لأحد أن يسترق نفسه بغير حكم ، ~~ولذلك علل الامتناع من ذلك بأنه لو فعله لكان ذلك ظلما . | # ودليل التعليل شيئان : وقوع { إن } في صدر الجملة ، والإتيان بحرف الجزاء ~~وهو { إذن } . | # وضمائر { نأخذ } و { وجدنا } و { متاعنا } و { إنا } و { لظالمون } مراد ~~بها المتكلم وحده دون مشارك ، فيجوز أن يكون من استعمال ضمير الجمع في ~~PageV13P037 التعظيم حكاية لعبارته في اللغة التي تكلم بها فإنه كان عظيم ~~المدينة . ويجوز أن يكون استعمل ضمير المتكلم المشارك تواضعا منه تشبيها ~~لنفسه بمن له مشارك في الفعل وهو استعمال موجود في الكلام . ومنه قوله ~~تعالى حكاية عن الخضر عليه السلام { فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا فأردنا ~~أن يبدلهما ربهما الآية من سورة الكهف ( 80 ) . | # وإنما لم يكاشفهم يوسف عليه السلام بحاله ويأمرهم بجلب أبيهم يومئذ : إما ~~لأنه خشي إن هو تركهم إلى اختيارهم أن يكيدوا لبنيامين فيزعموا أنهم يرجعون ~~جميعا إلى أبيهم فإذا انفردوا ببنيامين أهلكوه في الطريق ، وإما لأنه قد ~~كان بين القبط وبين الكنعانيين في تلك المدة عداوة فخاف إن هو جلب عشيرته ~~إلى مصر أن تتطرق إليه وإليهم ظنون السوء من ملك مصر فتريث إلى أن يجد فرصة ~~لذلك ، وكان الملك قد أحسن إليه فلم يكن من الوفاء له أن يفعل ما يكرهه أو ~~يسيء ظنه ، فترقب وفاة الملك أو السعي في أرضائه بذلك ، أو أراد أن يستعلم ~~من أخيه في مدة الانفراد به أحوال أبيه وأهلهم لينظر كيف يأتي بهم أو ~~ببعضهم ، وسنذكره عند قوله : قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف ( سورة يوسف : 89 ~~) . | # | 2 ( 80 82 ) فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا قال كبيرهم ألم تعلمو ا أن ~~أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله ومن قبل ما فرطتم فى يوسف فلن أبرح الارض ~~حتى يأذن لى أبى أو يحكم الله لى ms4264 وهو خير الحاكمين * ارجعو ا إلى أبيكم ~~فقولوا ياأبانا إن ابنك سرق وما شهدنآ إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين ~~* واسئل القرية التى كنا فيها والعير التى أقبلنا فيها وإنا لصادقون } ) 2 # | $ PageV13P038 # { استيأسوا } بمعنى يئسوا فالسين والتاء للتأكيد ، ومثلها { فاستجاب له ~~ربه ( سورة يوسف : 34 ) واستعصم } . | # واليأس منه : اليأس من إطلاقه أخاهم ، فهو من تعليق الحكم بالذات . ~~والمراد بعض أحوالها بقرينة المقام للمبالغة . | # وقرأ الجمهور { استيأسوا } بتحتية بعد الفوقية وهمزة بعد التحتية على أصل ~~التصريف . وقرأه البزي عن ابن كثير بخلف عنه بألف بعد الفوقية ثم تحتية على ~~اعتبار القلب في المكان ثم إبدال الهمزة . | # و { خلصوا } بمعنى اعتزلوا وانفردوا . وأصله من الخلوص وهو الصفاء من ~~الأخلاط . ومنه قول عبد الرحمن بن عوف لعمر بن الخطاب رضي الله عنهما في ~~آخر حجة حجها حيث عزم عمر رضي الله عنه على أن يخطب في الناس فيحذرهم من ~~قوم يريدون المزاحمة في الخلافة بغير حق ، قال عبد الرحمن بن عوف رضي الله ~~عنه : ( يا أمير المؤمنين إن الموسم يجمع رعاع الناس فأمهل حتى تقدم ~~المدينة فتخلص بأهل الفقه . . . ) إلخ . | # والنجي : اسم من المناجاة ، وانتصابه على الحال . ولما كان الوصف بالمصدر ~~يلازم الإفراد والتذكير كقوله تعالى : { وإذ هم نجوى } . والمعنى : انفردوا ~~تناجيا . والتناجي : المحادثة سرا ، أي متناجين . | # وجملة { قال كبيرهم } بدل من جملة { خلصوا نجيا } وهو بدل اشتمال ، لأن ~~المناجاة تشتمل على أقوال كثيرة منها قول كبيرهم هذا ، وكبيرهم هو أكبرهم ~~سنا وهو روبين بكر يعقوب عليه السلام . | # والاستفهام في { ألم تعلموا } تقريري مستعمل في التذكير بعدم اطمئنان ~~أبيهم بحفظهم لابنه . | # وجملة { ومن قبل ما فرطتم } جملة معترضة . و { ما } مصدرية ، أي تفريطكم ~~في يوسف عليه السلام كان من قبل الموثق ، أي فهو غير مصدقكم فيما ~~PageV13P039 تخبرون به من أخذ بنيامين في سرقة الصواع . وفرع عليه كبيرهم ~~أنه يبقى في مصر ليكون بقاؤه علامة عند يعقوب عليه السلام يعرف بها صدقهم ~~في سبب تخلف بنيامين ، إذ لا يرضى لنفسه أن يبقى غريبا ms4265 لولا خوفه من أبيه ، ~~ولا يرضى بقية أشقائه أن يكيدوا له كما يكيدون لغير الشقيق . | # وقوله : { أو يحكم الله لي } ترديد بين ما رسمه هو لنفسه وبين ما عسى أن ~~يكون الله قد قدره له مما لا قبل له بدفعه ، فحذف متعلق { يحكم } المجرور ~~بالباء لتنزيل فعل { يحكم } منزلة ما لا يطلب متعلقا . | # واللام للأجل ، أي يحكم الله بما فيه نفعي . والمراد بالحكم التقدير . | # وجملة { وهو خير الحاكمين } تذييل . و { خير الحاكمين } إن كان على ~~التعميم فهو الذي حكمه لا جور فيه أو الذي حكمه لا يستطيع أحد نقضه ، وإن ~~كان على إرادة وهو خير الحاكمين لي فالخبر مستعمل في الثناء للتعريض ~~بالسؤال أن يقدر له ما فيه رأفة في رد غربته . | # وعدم التعرض لقول صدر من بنيامين يدافع به عن نفسه يدل على أنه لازم ~~السكوت لأنه كان مطلعا على مراد يوسف عليه السلام من استبقائه عنده ، كما ~~تقدم في قوله : { آوى إليه أخاه قال إني أنا أخوك ( يوسف : 69 ) . | # ثم لقنهم كبيرهم ما يقولون لأبيهم . ومعنى وما كنا للغيب حافظين } احتراس ~~من تحقق كونه سرق ، وهو إما لقصد التلطف مع أبيهم في نسبة ابنه إلى السرقة ~~وإما لأنهم علموا من أمانة أخيهم ما خالجهم به الشك في وقوع السرقة منه . | # والغيب : الأحوال الغائبة عن المرء . والحفظ : بمعنى العلم . | # وسؤال القرية مجاز عن سؤال أهلها . والمراد بها مدينة مصر . والمدينة ~~والقرية مترادفتان . وقد خصت المدينة في العرف بالقرية الكبيرة . | # والمراد بالعير التي كانوا فيها رفاقهم في عيرهم القادمين إلى مصر من ~~PageV13P040 أرض كنعان ، فأما سؤال العير فسهل وأما سؤال القرية فيكون ~~بالإرسال أو المراسلة أو الذهاب بنفسه إن أراد الاستثبات . | # | 2 ( 83 ) { قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل عسى الله أن يأتينى ~~بهم جميعا إنه هو العليم الحكيم } ) 2 # جعلت جملة { قال بل سولت } في صورة الجواب عن الكلام الذي لقنه أخوهم على ~~طريقة الإيجاز . والتقدير : فرجعوا إلى أبيهم فقالوا ذلك الكلام الذي لقنه ~~إياهم ( روبين ) قال ms4266 أبوهم : { بل سولت . . . } الخ . | # وقوله هنا كقوله لهم حين زعموا أن يوسف عليه السلام أكله الذئب ، فهو ~~تهمة لهم بالتغرير بأخيهم . قال ابن عطية : ظن بهم سوءا فصدق ظنه في زعمم ~~في يوسف عليه السلام ولم يتحقق ما ظنه في أمر بنيامين ، أي أخطأ في ظنه بهم ~~في قضية ( بنيامين ) ، ومستنده في هذا الظن علمه أن ابنه لا يسرق ، فعلم أن ~~في دعوى السرقة مكيدة . فظنه صادق على الجملة لا على التفصيل . وأما تهمته ~~أبناءه بأن يكونوا تمالؤوا على أخيهم بنيامين فهو ظن مستند إلى القياس على ~~ما سبق من أمرهم في قضية يوسف عليه السلام فإنه كان قال لهم : { هل آمنكم ~~عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل سورة يوسف ( 64 ) . ويجوز على النبي ~~الخطأ في الظن في أمور العادات كما جاء في حديث ترك إبار النخل . | # ولعله اتهم روبين أن يكون قد اختفى لترويج دعوى إخوته . وضمير بهم } ~~ليوسف عليه السلام وبنيامين وروبين . وهذا كشف منه إذ لم ييأس من حياة يوسف ~~عليه السلام . | # وجملة { إنه هو العليم الحكيم } تعليل لرجائه من الله بأن الله عليم فلا ~~تخفى عليه مواقعهم المتفرقة . حكيم فهو قادر على إيجاد أسباب جمعهم بعد ~~التفرق . | # | PageV13P041 # | 2 ( 85 86 ) { وتولى عنهم وقال ياأسفا على يوسف وابيضت عيناه من الحزن ~~فهو كظيم * قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين ~~* قال إنمآ أشكو بثى وحزنى إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون * يابنى ~~اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تايئسوا من روح الله إنه لا يايئس من روح ~~الله إلا القوم الكافرون } ) 2 # انتقال إلى حكاية حال يعقوب عليه السلام في انفراده عن أبنائه ومناجاته ~~نفسه ، فالتولي حاصل عقب المحاورة . و { تولى } : انصرف ، وهو انصراف غضب . ~~| # ولما كان التولي يقتضي الاختلاء بنفسه ذكر من أخواله تجدد أسفه على يوسف ~~عليه السلام فقال : { يا أسفى على يوسف } والأسف ؛ أشد الحزن ، أسف كحزن . ~~| # ونداء الأسف مجاز . نزل الأسف منزلة من يعقل ms4267 فيقول له : احضر فهذا أوان ~~حضورك ، وأضاف الأسف إلى ضمير نفسه لأن هذا الأسف جزئي مختص به من بين ~~جزئيات جنس الأسف . | # والألف عوض عن ياء المتكلم فإنها في النداء تبدل ألفا . | # وإنما ذكر القرآن تحسره على يوسف عليه السلام ولم يذكر تحسره على ابنيه ~~الآخرين لأن ذلك التحسر هو الذي يتعلق بهذه القصة فلا يقتضي ذكره أن يعقوب ~~عليه السلام لم يتحسر قط إلا على يوسف ، مع أن الواو لا تفيد ترتيب الجمل ~~المعطوفة بها . | PageV13P042 # وكذلك عطف جملة { وابيضت عيناه من الحزن } إذ لم يكن ابيضاض عينيه إلا في ~~مدة طويلة . فكل من التولي والتحسر واببيضاض العينين من أحواله إلا أنها ~~مختلفة الأزمان . | # وابيضاض العينين : ضعف البصر . وظاهره أنه تبدل لون سوادهما من الهزال . ~~ولذلك عبر ب { وابيضت عيناه } دون عميت عيناه . | # و { من } في قوله : { من الحزن } سببية . والحزن سبب البكاء الكثير الذي ~~هو سبب ابيضاض العينين . وعندي أن ابيضاض العينين كناية عن عدم الإبصار كما ~~قال الحارث بن حلزة : | # قبل ما اليوم بيضت بعيون الن | # اس فيها تغيض وإباء | # وأن الحزن هو السبب لعدم الإبصار كما هو الظاهر . فإن توالي إحساس الحزن ~~على الدماغ قد أفضى إلى تعطيل عمل عصب الإبصار ؛ على أن البكاء من الحزن ~~أمر جبلي فلا يستغرب صدوره من نبيء ، أو أن التصبر عند المصائب لم يكن من ~~سنة الشريعة الإسرائيلية بل كان من سننهم إظهار الحزن والجزع عند المصائب . ~~وقد حكت التوراة بكاء بني إسرائيل على موسى عليه السلام أربعين يوما ، وحكت ~~تمزيق بعض الأنبياء ثيابهم من الجزع . وإنما التصبر في المصيبة كمال بلغت ~~إليه الشريعة الإسلامية . | # والكظيم : مبالغة للكاظم . والكظم : الإمساك النفساني ، أي كاظم للحزن لا ~~يظهره بين الناس ، ويبكي في خلوته ، أو هو فعيل بمعنى مفعول ، أي محزون ~~كقوله : { وهو مكظوم . | # وجملة قالوا تالله } محاورة بنيه إياه عندما سمعوا قوله : { يا أسفى على ~~يوسف } وقد قالها في خلوته فسمعوها . | # والتاء حرف قسم ، وهي عوض عن واو القسم . قال في ( الكشاف ) في ms4268 سورة ~~الأنبياء : ( التاء فيها زيادة معنى وهو التعجب ) . وسلمه في ( مغني اللبيب ~~) ، PageV13P043 وفسره الطيبي بأن المقسم عليه بالتاء يكون نادر الوقوع لأن ~~الشيء المتعجب منه لا يكثر وقوعه ومن ثم قل استعمال التاء إلا مع اسم ~~الجلالة لأن القسم باسم الجلالة أقوى القسم . | # وجواب القسم هو { تفتأ تذكر يوسف } باعتبار ما بعده من الغاية ، لأن ~~المقصود من هذا اليمين الإشفاق عليه بأنه صائر إلى الهلاك بسبب عدم تناسيه ~~مصيبة يوسف عليه السلام وليس المقصود تحقيق أنه لا ينقطع عن تذكر يوسف . ~~وجواب القسم هنا فيه حرف النفي مقدر بقرينة عدم قرنه بنون التوكيد لأنه لو ~~كان مثبتا لوجب قرنه بنون التوكيد فحذف حرف النفي هنا . | # ومعنى { تفتأ } تفتر . يقال : فتىء من باب علم ، إذا فتر عن الشيء . ~~والمعنى : لا تفتر في حال كونك تذكر يوسف . ولملازمة النفي لهذا الفعل ~~ولزوم حال يعقب فاعله صار شبيها بالأفعال الناقصة . | # و { حرضا } مصدر هو شدة المرض المشفي على الهلاك ، وهو وصف بالمصدر ، أي ~~حتى تكون حرضا ، أي باليا لا شعور لك . ومقصودهم الإنكار عليه صدا له عن ~~مداومة ذكر يوسف عليه السلام على لسانه لأن ذكره باللسان يفضي إلى دوام ~~حضوره في ذهنه . | # وفي جعلهم الغاية الحرض أو الهلاك تعريض بأنه يذكر أمرا لا طمع في تداركه ~~، فأجابهم بأن ذكره يوسف عليه السلام موجه إلى الله دعاء بأن يرده عليه . ~~فقوله : { يا أسفى على يوسف } تعريض بدعاء الله أن يزيل أسفه برد يوسف عليه ~~السلام إليه لأنه كان يعلم أن يوسف لم يهلك ولكنه بأرض غربة مجهولة ، وعلم ~~ذلك بوحي أو بفراسة صادقة وهي المسماة بالإلهام عند الصوفية . | # فجملة { إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله } مفيدة قصر شكواه على التعلق ~~باسم الله ، أي يشكو إلى الله لا إلى نفسه ليجدد الحزن ، فصارت الشكوى بهذا ~~القصد ضراعة وهي عبادة لأن الدعاء عبادة ، وصار ابييضاض عينيه الناشىء عن ~~التذكر PageV13P044 الناشىء عن الشكوى أثرا جسديا ناشئا عن عبادة مثل تفطر ~~أقدام النبي صلى الله عليه وسلم ms4269 من قيام الليل . | # والبث : الهم الشديد ، وهو التفكير في الشيء المسيء . والحزن : الأسف على ~~فائت . فبين الهم والحزنن العموم والخصوص الوجهي ، وقد اجتمعا ليعقوب عليه ~~السلام لأنه كان مهتما بالتفكير في مصير يوسف عليه السلام وما يعترضه من ~~الكرب في غربته وكان آسفا على فراقه . | # وقد أعقب كلامه بقوله : { وأعلم من الله ما لا تعلمون } لينبههم إلى قصور ~~عقولهم عن إدراك المقاصد العالية ليعلموا أنهم دون مرتبة أن يعلموه أو ~~يلوموه ، أي أنا أعلم علما من عند الله علمنيه لا تعلمونه وهو علم النبوءة ~~. وقد تقدم نظير هذه الجملة في قصة نوح عليه السلام من سورة الأعراف فهي من ~~كلام النبوءة الأولى . وحكي مثلها عن شعيب عليه السلام في سورة الشعراء . | # وفي هذا تعريض برد تعرضهم بأنه يطمع في المحال بأن ما يحسبونه محالا سيقع ~~. | # ثم صرح لهم بشيء مما يعلمه وكاشفهم بما يحقق كذبهم ادعاء ائتكال الذئب ~~يوسف عليه السلام حين أذنه الله بذلك عند تقدير انتهاء البلوى فقال : { يا ~~بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه } . | # فجملة { يا بني اذهبوا } مستأنفة استئنافا بيانيا ، لأن في قوله : { ~~وأعلم من الله ما لا تعلمون } ما يثير في أنفسهم ترقب مكاشفته على كذبهم ~~فإن صاحب الكيد كثير الظنون { يحسبون كل صيحة عليهم ( المنافقون : 4 ) . | # والتحسس بالحاء المهملة : شدة التطلب والتعرف ، وهو أعم من التجسس بالجيم ~~فهو التطلب مع اختفاء وتستر . | # والروح بفتح الراء : النفس بفتح الفاء استعير لكشف الكرب لأن الكرب والهم ~~يطلق عليهما الغم وضيق النفس وضيق الصدر ، كذلك يطلق التنفس والتروح على ضد ~~ذلك ، ومنه استعارة قولهم : تنفس الصبح إذا زالت ظلمة الليل . | ~~PageV13P045 # وفي خطابهم بوصف البنوة منه ترقيق لهم وتلطف ليكون أبعث على الامتثال . | # وجملة إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون } تعليل للنهي عن ~~اليأس ، فموقع { إن } التعليل . والمعنى : لا تيأسوا من الظفر بيوسف عليه ~~السلام معتلين بطول مدة البعد التي يبعد معها اللقاء عادة . فإن الله إذا ~~شاء تفريج كربة هيأ لها أسبابها ، ومن كان ms4270 يؤمن بأن الله واسع القدرة لا ~~يحيل مثل ذلك فحقه أن يأخذ في سببه ويعتمد على الله في تيسيره ، وأما القوم ~~الكافرون بالله فهم يقتصرون على الأمور الغالبة في العادة وينكرون غيرها . ~~| # وقرأ البزي بخلف عنه { ولا تأيسوا } و { إنه لا يأيس } بتقديم الهمزة على ~~الياء الثانية ، وتقدم في قوله : { فلما استيأسوا منه ( سورة يوسف : 80 ) . ~~| # | 2 ( 88 ) فلما دخلوا عليه قالوا ياأيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ~~ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينآ إن الله يجزى المتصدقين } ) 2 # الفاء عاطفة على كلام مقدر دل عليه المقام ، أي فارتحلوا إلى مصر بقصد ~~استطلاق بنيامين من عزيز مصر ثم بالتعرض إلى التحسس من يوسف عليه السلام ، ~~فوصلوا مصر ، فدخلوا على يوسف ، { فلما دخلوا عليه } الخ . . . وقد تقدم ~~آنفا وجه دعائهم يوسف عليه السلام بوصف العزيز . | # وأرادوا بمس الضر إصابته . وقد تقدم إطلاق مس الضر على الإصابة عند قوله ~~تعالى : { وإن يمسسك الله بضر في سورة الأنعام ( 17 ) . | # والبضاعة تقدمت آنفا . والمزجاة : القليلة التي لا يرغب فيها فكأن صاحبها ~~يزجيها ، أي يدفعها بكفة ليقبلها المدفوعة إليه . والمراد بها مال ~~PageV13P046 قليل للامتيار ، ولذلك فرع عليه فأوف لنا الكيل } . وطلبوا ~~التصدق منه تعريضا بإطلاق أخيهم لأن ذلك فضل منه إذ صار مملوكا له كما تقدم ~~. | # وجملة { إن الله يجزي المتصدقين } تعليل لاستدعائهم التصدق عليهم . | # | 2 ( 89 93 ) { قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون * ~~قالو ا أءنك لانت يوسف قال أنا يوسف وهاذا أخى قد من الله علينآ إنه من يتق ~~ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين * قالوا تالله لقد آثرك الله علينا ~~وإن كنا لخاطئين * قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم ~~الراحمين * اذهبوا بقميصى هاذا فألقوه على وجه أبى يأت بصيرا وأتونى بأهلكم ~~أجمعين } ) 2 # | $ # الاستفهام مستعمل في التوبيخ . | # و { هل } مفيدة للتحقيق لأنها بمعنى { قد } في الاستفهام . فهو توبيخ على ~~ما يعلمونه محققا من أفعالهم مع يوسف عليه السلام وأخيه ، أي أفعالهم ~~الذميمة ms4271 بقرينة التوبيخ ، وهي بالنسبة ليوسف عليه السلام واضحة ، وأما ~~بالنسبة إلى بنيامين فهي ما كانوا يعاملونه به مع أخيه يوسف عليه السلام من ~~الإهانة التي تنافيها الأخوة ، ولذلك جعل ذلك الزمن زمن جهالتهم بقوله : { ~~إذ أنتم جاهلون } . | # وفيه تعريض بأنهم قد صلح حالهم من بعد . وذلك إما بوحي من الله إن كان ~~صار نبيئا أو بالفراسة لأنه لما رآهم حريصين على رغبات أبيهم في طلب ~~PageV13P047 فداء ( بنيامين ) حين أخذ في حكم تهمة السرقة وفي طلب سراحه في ~~هذا الموقف مع الإلحاح في ذلك وكان يعرف منهم معاكسة أبيهم في شأن بنيامين ~~علم أنهم ثابوا إلى صلاح . | # وإنما كاشفهم بحاله الآن لأن الاطلاع على حاله يقتضي استجلاب أبيه وأهله ~~إلى السكنى بأرض ولايته ، وذلك كان متوقفا على أشياء لعلها لم تتهيأ إلا ~~حينئذ . وقد أشرنا إلى ذلك عند قوله تعالى : { قال معاذ الله أن نأخذ إلا ~~من وجدنا متاعنا عنده ( يوسف : 79 ) فقد صار يوسف عليه السلام جد مكين عند ~~فرعون . | # وفي الإصحاح ( 45 ) من سفر التكوين أن يوسف عليه السلام قال لإخوته حينئذ ~~وهو أي الله قد جعلني أبا لفرعون وسيدا لكل بيته ومتسلطا على كل أرض مصر . ~~فالظاهر أن الملك الذي أطلق يوسف عليه السلام من السجن وجعله عزيز مصر قد ~~توفي وخلفه ابن له فجبه يوسف عليه السلام وصار للملك الشاب بمنزلة الأب ، ~~وصار متصرفا بما يريد ، فرأى الحال مساعدا لجلب عشيرته إلى أرض مصر . | # ولا تعرف أسماء ملوك مصر في هذا الزمن الذي كان فيه يوسف عليه السلام لأن ~~المملكة أيامئذ كانت منقسمة إلى مملكتين : إحداهما ملوكها من القبط وهم ~~الملوك الذين يقسهم المؤرخون الإفرنج إلى العائلات الخامسة عشرة ، والسادسة ~~عشرة ، والسابعة عشرة ، وبعض الثامنة عشرة . | # والمملكة الثانية ملوكها من الهكسوس ، ويقال لهم : العمالقة أو الرعاة ~~وهم عرب . | # ودام هذا الانقسام خمسمائة سنة وإحدى عشرة سنة من سنة ( 2214 ) قبل ~~المسيح إلى سنة ( 1703 ) قبل المسيح . | # وقولهم : أإنك لأنت يوسف } يدل على أنهم استشعروا من كلامه ثم ms4272 من ملامحه ~~ثم من تفهم قول أبيهم لهم : { وأعلم من الله ما لا تعلمون } إذ قد اتضح لهم ~~المعنى التعريضي من كلامه فعرفوا أنه يتكلم مريدا نفسه . | PageV13P048 # وتأكيد الجملة ب { إن } ولام الابتداء وضمير الفصل لشدة تحققهم أنه يوسف ~~عليه السلام . | # وأدخل الاستفهام التقريري على الجملة المؤكدة لأنهم تطلبوا تأييده لعلمهم ~~به . | # وقرأ ابن كثير { إنك } بغير استفهام على الخبرية ، والمراد لازم فائدة ~~الخبر ، أي عرفناك ، ألا ترى أن جوابه ب { أنا يوسف } مجرد عن التأكيد ~~لأنهم كانوا متحققين ذلك فلم يبق إلا تأييده لذلك . | # وقوله : { وهذا أخي } خبر مستعمل في التعجيب من جمع الله بينهما بعد طول ~~الفرقة ، فجملة { قد من الله علينا } بيان للمقصود من جملة { وهذا أخي } . ~~| # وجملة { إنه من يتق ويصبر } تعليل لجملة { من الله علينا } . فيوسف عليه ~~السلام اتقى الله وصبر وبنيامين صبر ولم يعص الله فكان تقيا . أراد يوسف ~~عليه السلام تعليمهم وسائل التعرض إلى نعم الله تعالى ، وحثهم على التقوى ~~والتخلق بالصبر تعريضا بأنهم لم يتقوا الله فيه وفي أخيه ولم يصبروا على ~~إيثار أبيهم إياهما عليهم . | # وهذا من أفانين الخطابة أن يغتنم الواعظ الفرصة لإلقاء الموعظة ، وهي ~~فرصة تأثر السامع وانفعاله وظهور شواهد صدق الواعظ في موعظته . | # وذكر المحسنين وضع للظاهر موضع المضمر إذ مقتضى الظاهر أن يقال : فإن ~~الله لا يضيع أجرهم . فعدل عنه إلى المحسنين للدلالة على أن ذلك من الإحسان ~~، وللتعميم في الحكم ليكون كالتذييل ، ويدخل في عمومه هو وأخوه . | # ثم إن هذا في مقام التحدث بالنعمة وإظهار الموعظة سائغ للأنبياء لأنه من ~~التبليغ كقول النبي صلى الله عليه وسلم ( إني لأتقاكم لله وأعلمكم به ) . | ~~PageV13P049 # والإيثار : التفضيل بالعطاء . وصيغة اليمين مستعملة في لازم الفائدة ، ~~وهي علمهم ويقينهم بأن ما ناله هو تفضيل من الله وأنهم عرفوا مرتبته ، وليس ~~المقصود إفادة تحصيل ذلك لأن يوسف عليه السلام يعلمه . والمراد : الإيثار ~~في الدنيا بما أعطاه الله من النعم . | # واعترفوا بذنبهم إذ قالوا : { وإن كنا لخاطئين } . والخاطىء : فاعل ~~الخطيئة ، أي الجريمة ، فنفعت ms4273 فيهم الموعظة . | # ولذلك أعلمهم بأن الذنب قد غفر فرفع عنهم الذم فقال : { لا تثريب عليكم } ~~. | # والتثريب : التوبيخ والتقريع . والظاهر أن منتهى الجملة هو قوله : { ~~عليكم } ، لأن مثل هذا القول مما يجري مجرى المثل فيبنى على الاختصار ~~فيكتفي ب { لا تثريب } مثل قولهم : لا بأس ، وقوله تعالى : { لا وزر ( ~~القيامة : 11 ) . | # وزيادة عليكم } للتأكيد مثل زيادة { لك } بعد ( سقيا ورعيا ) ، فلا يكون ~~قوله : { اليوم } من تمام الجملة ولكنه متعلق بفعل { يغفر الله لكم } . | # وأعقب ذلك بأن أعلمهم بأن الله يغفر لهم في تلك الساعة لأنها ساعة توبة ، ~~فالذنب مغفور لإخبار الله في شرائعه السالفة دون احتياج إلى وحي سوى أن ~~الوحي لمعرفة إخلاص توبتهم . | # وأطلق { اليوم } على الزمن ، وقد مضى عند قوله تعالى : { اليوم يئس الذين ~~كفروا من دينكم في أول سورة العقود ( 3 ) . | # وقوله : اذهبوا بقميصي هذا } يدل على أنه أعطاهم قميصا ، فلعله جعل قميصه ~~علامة لأبيه على حياته ، ولعل ذلك كان مصطلحا عليه بينهما . وكان للعائلات ~~في النظام القديم علامات يصطلحون عليها ويحتفظون بها لتكون وسائل للتعارف ~~بينهم عند الفتن والاغتراب ، إذ كانت تعتريهم حوادث الفقد والفراق بالغزو ~~والغارات وقطع الطريق ، وتلك العلامات من لباس ومن كلمات يتعارفون بها وهي ~~الشعار ، ومن علامات في البدن وشامات . | PageV13P050 # وفائدة إرساله إلى أبيه القميص أن يثق أبوه بحياته ووجوده في مصر ، فلا ~~يظن الدعوة إلى قدومه مكيدة من ملك مصر ، ولقصد تعجيل المسرة له . | # والأظهر أنه جعل إرسال قميصه علامة على صدق إخوته فيما يبلغونه إلى أبيهم ~~من أمر يوسف عليه السلام بجلبه فإن قمصان الملوك والكبراء تنسج إليهم خصيصا ~~ولا توجد أمثالها عند الناس وكان الملوك يخلعونها على خاصتهم ، فجعل يوسف ~~عليه السلام إرسال قميصه علامة لأبيه على صدق إخوته أنهم جاءوا من عند يوسف ~~عليه السلام بخبر صدق . | # ومن البعيد ما قيل : إن القميص كان قميص إبراهيم عليه السلام مع أن قميص ~~يوسف قد جاء به إخوته إلى أبيهم حين جاءوا عليه بدم كذب . | # وأما إلقاء القميص على وجه أبيه ms4274 فلقصد المفاجأة بالبشرى لأنه كان لا يبصر ~~من بعيد فلا يتبين رفعة القميص إلا من قرب . | # وأما كونه يصير بصيرا فحصل ليوسف عليه السلام بالوحي فبشرهم به من ذلك ~~الحين . ولعل يوسف عليه السلام نبيء ساعتئذ . | # وأدمج الأمر بالإتيان بأبيه في ضمن تبشيره بوجوده إدماجا بليغا إذ قال : ~~{ يأت بصيرا } ثم قال : { وأتوني بأهلكم أجمعين } لقصد صلة أرحام عشيرته . ~~قال المفسرون : وكانت عشيرة يعقوب عليه السلام ستا وسبعين نفسا بين رجال ~~ونساء . | # | PageV13P051 # | 2 ( 94 98 ) { ولما فصلت العير قال أبوهم إنى لأجد ريح يوسف لولا أن ~~تفندون * قالوا تالله إنك لفى ضلالك القديم * فلمآ أن جآء البشير ألقاه على ~~وجهه فارتد بصيرا قال ألم أقل لكم إنى أعلم من الله ما لا تعلمون * قالوا ~~ياأبانا استغفر لنا ذنوبنآ إنا كنا خاطئين * قال سوف أستغفر لكم ربى إنه هو ~~الغفور الرحيم } . ) 2 # | $ # التقدير : فخرجوا وارتحلوا في عير . | # ومعنى { فصلت } ابتعدت عن المكان ، كما تقدم في قوله تعالى : { فلما فصل ~~طالوت بالجنود في سورة البقرة ( 249 ) . | # والعير تقدم آنفا ، وهي العير التي أقبلوا فيها من فلسطين . | # ووجدان يعقوب ريح يوسف عليهما السلام إلهام خارق للعادة جعله الله بشارة ~~له إذ ذكره بشمه الريح الذي ضمخ به يوسف عليه السلام حين خروجه مع إخوته ~~وهذا من صنف الوحي بدون كلام ملك مرسل . وهو داخل في قوله تعالى : وما كان ~~لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا ( سورة الشورى : 51 ) . | # والريح : الرائحة ، وهي ما يعبق من طيب تدركه حاسة الشم . | # وأكد هذاالخبر بإن } واللام لأنه مظنة الإنكار ولذلك أعقبه ب { لولا أن ~~تفندون } . | # وجواب { لولا } محذوف دل عليه التأكيد ، أي لولا أن تفندوني لتحققتم ذلك ~~. | # والتفنيد : النسبة للفند بفتحتين ، وهو اختلال العقل من الخرف . | # وحذفت ياء المتكلم تخفيفا بعد نون الوقاية وبقيت الكسرة . | # والذين قالوا : { تالله إنك لفي ضلالك القديم } هم الحاضرون من أهله ولم ~~يسبق ذكرهم لظهور المراد منهم وليسوا أبناءه لأنهم كانوا سائرين في طريقهم ~~إليه . | PageV13P052 # والضلال : البعد عن الطريق الموصلة . والظرفية مجاز ms4275 في قوة الاتصاف ~~والتلبس وأنه كتلبس المظروف بالظرف . والمعنى : أنك مستمر على التلبس بتطلب ~~شيء من غير طريقه . أرادوا طمعه في لقاء يوسف عليه السلام . ووصفوا ذلك ~~بالقديم لطول مدته ، وكانت مدة غيبة يوسف عن أبيه عليهما السلام اثنتين ~~وعشرين سنة . وكان خطابهم إياه بهذا مشتملا على شيء من الخشونة إذ لم يكن ~~أدب عشيرته منافيا لذلك في عرفهم . | # و { أن } في قوله : { فلما أن جاء البشير } مزيدة للتأكيد . ووقوع { أن } ~~بعد { لما } التوقيتية كثير في الكلام كما في ( مغني اللبيب ) . | # وفائدة التأكيد في هذه الآية تحقيق هذه الكرامة الحاصلة ليعقوب عليه ~~السلام لأنها خارق عادة ، ولذلك لم يؤت ب { أن } في نظائر هذه الآية مما لم ~~يكن فيه داع للتأكيد . | # والبشير : فعيل بمعنى مفعل ، أي المبشر ، مثل السميع في قول عمرو بن ~~معديكرب : | # أمن ريحانة الداعي السميع | # والتبشير : المبادرة بإبلاغ الخبر المسر بقصد إدخال السرور . وتقدم عند ~~قوله تعالى : { يبشرهم ربهم برحمة منه في سورة براءة ( 21 ) . وهذا البشير ~~هو يهوذا بن يعقوب عليه السلام تقدم بين يدي العير ليكون أول من يخبر أباه ~~بخبر يوسف عليه السلام . | # وارتد : رجع ، وهو افتعال مطاوع رده ، أي رد الله إليه قوة بصره كرامة له ~~وليوسف عليهما السلام وخارق للعادة . وقد أشرت إلى ذلك عند قوله تعالى : ~~وابيضت عيناه من الحزن ( سورة يوسف : 84 ) . | PageV13P053 # قال ألم أقل لكم إنى أعلم من الله ما لا تعلمون * قالوا ياأبانا استغفر ~~لنا ذنوبنآ إنا كنا خاطئين * قال سوف أستغفر لكم ربى إنه هو الغفور الرحيم ~~} | # جواب للبشارة لأنها تضمنت القول ، ولذلك جاء فعل { قال } مفصولا غير ~~معطوف لأنه على طريقة المحاورات ، وكان بقية أبنائه قد دخلوا فخاطبهم بقوله ~~: { ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون } فبين لهم مجمل كلامه الذي ~~أجابهم به حين قالوا : { تالله تفتأ تذكر يوسف ( يوسف : 85 ) الخ . | # وقولهم : استغفر لنا ذنوبنا } توبة واعتراف بالذنب ، فسألوا أباهم أن ~~يطلب لهم المغفرة من الله . وإنما وعدهم بالاستغفار في المستقبل إذ ms4276 قال : { ~~سوف أستغفر لكم ربي } للدلالة على أنه يلازم الاستغفار لهم في أزمنة ~~المستقبل . ويعلم منه أنه استغفر لهم في الحال بدلالة الفحوى ؛ ولكنه أراد ~~أن ينبههم إلى عظم الذنب وعظمة الله تعالى وأنه سيكرر الاستغفار لهم في ~~أزمنة مستقبلة . وقيل : أخر الاستغفار لهم إلى ساعة هي مظنة الإجابة . وعن ~~ابن عباس مرفوعا أنه أخر إلى ليلة الجمعة ، رواه الطبري . وقال ابن كثير : ~~في رفعه نظر . | # وجملة { إنه هو الغفور الرحيم } في موضع التعليل لجملة { أستغفر لكم ربي ~~} . وأكد بضمير الفصل لتقوية الخبر . | # | 2 ( 99 ، 100 ) { فلما دخلوا على يوسف ءاوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر ~~إن شآء الله ءامنين * ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال ياأبت هاذا ~~تأويل رؤياى من قبل قد جعلها PageV13P054 ربى حقا وقد أحسن بى إذ أخرجنى من ~~السجن وجآء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بينى وبين إخوتى إن ربى ~~لطيف لما يشآء إنه هو العليم الحكيم } ) 2 # | $ # طوى ذكر سفرهم من بلادهم إلى دخولهم على يوسف عليه السلام إذ ليس فيه من ~~العبر شيء . | # وأبواه أحدهما يعقوب عليه السلام وأما الآخر فالصحيح أن أم يوسف عليه ~~السلام وهي ( راحيل ) توفيت قبل ذلك حين ولدت بنيامين ، ولذلك قال جمهور ~~المفسرين : أطلق الأبوان على الأب زوج الأب وهي ( ليئة ) خالة يوسف عليه ~~السلام وهي التي تولت تربيته على طريقة التغليب والتنزيل . | # وإعادة اسم يوسف عليه السلام لأجل بعد المعاد . | # وقوله : { ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين } جملة دعائية بقرينة قوله : { ~~إن شاء الله } لكونهم قد دخلوا مصر حينئذ . فالأمر في { ادخلوا } للدعاء ~~كالذي في قوله تعالى : { ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ( الأعراف : 49 ) . | # والمقصود : تقييد الدخول بآمنين } وهو مناط الدعاء . | # والأمن : حالة اطمئنان النفس وراحة البال وانتفاء الخوف من كل ما يخاف ~~منه ، وهو يجمع جميع الأحوال الصالحة للإنسان من الصحة والرزق ونحو ذلك . ~~ولذلك قالوا في دعوة إبراهيم عليه السلام { رب اجعل هذا البلد آمنا } إنه ~~جمع في هذه الجملة جميع ms4277 ما يطلب لخير البلد . | # وجملة { إن شاء الله } تأدب مع الله كالاحتراس في الدعاء الوارد بصيغة ~~الأمر وهو لمجرد التيمن ، فوقوعه في الوعد والعزم والدعاء بمنزلة وقوع ~~PageV13P055 التسمية في أول الكلام وليس هو من الاستثناء الوارد النهي عنه ~~في الحديث : أن لا يقول اغفر لي إن شئت ، فإنه لا مكره له لأن ذلك في ~~الدعاء المخاطب به الله صراحة . وجملة { إن شاء الله } معترضة بين جملة { ~~ادخلوا } والحال من ضميرها . | # والعرش : سرير للقعود فيكون مرتفعا على سوق ، وفيه سعة تمكن الجالس من ~~الاتكاء . والسجود : وضع الجبهة على الأرض تعظيما للذات أو لصورتها أو ~~لذكرها ، قال الأعشى : | # فلما أتانا بعيد الكرى | # سجدنا له ورفعنا العمار | # وفعله قاصر فيعدى إلى مفعوله باللام كما في الآية . | # والخرور : الهوي والسقوط من علو إلى الأرض . | # والذين خروا سجدا هم أبواه وإخوته كما يدل له قوله : { هذا تأويل رؤياي } ~~وهم أحد عشر وهم : رأوبين ، وشمعون ، ولاوي ، ويهوذا ، ويساكر ، وربولون ، ~~وجاد ، وأشير ، ودان ، ونفتالي ، وبنيامين . و { الشمس } ، و { القمر } ، ~~تعبيرهما أبواه يعقوب عليه السلام وراحيل . | # وكان السجود تحية الملوك وأضرابهم ، ولم يكن يومئذ ممنوعا في الشرائع ~~وإنما منعه الإسلام لغير الله تحقيقا لمعنى مساواة الناس في العبودية ~~والمخلوقية . ولذلك فلا يعد قبوله السجود من أبيه عقوقا لأنه لا غضاضة ~~عليهما منه إذ هو عادتهم . | # والأحسن أن تكون جملة { وخروا } حالية لأن التحية كانت قبل أن يرفع أبويه ~~على العرش ، على أن الواو لا تفيد ترتيبا . | # و { سجدا } حال مبينة لأن الخرور يقع بكيفيات كثيرة . | PageV13P056 # والإشارة في قوله : { هذا تأويل رؤياي } إشارة إلى سجود أبويه وإخوته له ~~هو مصداق رؤياه الشمس والقمر وأحد عشر كوكبا سجدا له . | # وتأويل الرؤيا تقدم عند قوله : { نبئنا بتأويله ( سورة يوسف : 36 ) . | # ومعنى قد جعلها ربي حقا } أنها كانت من الأخبار الرمزية التي يكاشف بها ~~العقل الحوادث المغيبة عن الحس ، أي ولم يجعلها باطلا من أضعاث الأحلام ~~الناشئة عن غلبة الأخلاط الغذائية أو الانحرافات الدماغية . | # ومعنى { أحسن بي } أحسن إلي . يقال : أحسن به ms4278 وأحسن إليه ، من غير تضمين ~~معنى فعل آخر . وقيل : هو بتضمين أحسن معنى لطف . وباء { بي } للملابسة أي ~~جعل إحسانه ملابسا لي ، وخص من إحسان الله إليه دون مطلق الحضور للامتيار ~~أو الزيادة إحسانين هما يوم أخرجه من السجن ومجيء عشيرته من البادية . | # فإن { إذ } ظرف زمان لفعل { أحسن } فهي بإضافتها إلى ذلك الفعل اقتضت ~~وقوع إحسان غير معدود ، فإن ذلك الوقت كان زمن ثبوت براءته من الإثم الذي ~~رمته به امرأة العزيز وتلك منة ، وزمن خلاصه من السجن فإن السجن عذاب النفس ~~بالانفصال عن الأصدقاء والأحبة ، وبخلطة من لا يشاكلونه ، وبشغله عن خلوة ~~نفسه بتلقي الآداب الإلهية ، وكان أيضا زمن إقبال الملك عليه . وأما مجيء ~~أهله فزوال ألم نفساني بوحشته في الانفراد عن قرابته وشوقه إلى لقائهم ، ~~فأفصح بذكر خروجه من السجن ، ومجيء أهله من البدو إلى حيث هو مكين قوي . | # وأشار إلى مصائبه السابقة من الإبقاء في الجب ، ومشاهدة مكر إخوته به ~~بقوله : { من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي } ، فكلمة { بعد } اقتضت ~~أن ذلك شيء انقضى أثره . وقد ألم به إجمالا اقتصارا على شكر النعمة وإعراضا ~~عن التذكير بتلك الحوادث المكدرة للصلة بينه وبين إخوته فمر بها مر الكرام ~~وباعدها عنهم بقدر الإمكان إذ ناطها بنزغ الشيطان . | PageV13P057 # والمجيء في قوله : { وجاء بكم من البدو } نعمة ، فأسنده إلى الله تعالى ~~وهو مجيئهم بقصد الاستيطان حيث هو . | # والبدو : ضد الحضر ، سمي بدوا لأن سكانه بادون ، أي ظاهرون لكل وارد ، إذ ~~لا تحجبهم جدران ولا تغلق عليهم أبواب . وذكر { من البدو } إظهار لتمام ~~النعمة ، لأن انتقال أهل البادية إلى المدينة ارتقاء في الحضارة . | # والنزغ : مجاز في إدخال الفساد في النفس . شبه بنزغ الراكب الدابة وهو ~~نخسها . وتقدم عند قوله تعالى : { وإما ينزغنك من الشيطان نزغ في سورة ~~الأعراف ( 200 ) . | # وجملة إن ربي لطيف لما يشاء } مستأنفة استئنافا ابتدائيا لقصد الاهتمام ~~بها وتعليم مضمونها . | # واللطف : تدبير الملائم . وهو يتعدى باللام على تقدير لطيف لأجل ما يشاء ~~اللطف به ، ويتعدى بالباء ms4279 قال تعالى : { الله لطيف بعباده ( الشورى : 19 ) ~~. وقد تقدم تحقيق معنى اللطف عند قوله تعالى : وهو اللطيف الخبير في سورة ~~الأنعام ( 103 ) . | # وجملة إنه هو العليم الحكيم } مستأنفة أيضا أو تعليل لجملة { إن ربي لطيف ~~لما يشاء } . وحرف التوكيد للاهتمام ، وتوسيط ضمير الفصل للتقوية . | # وتفسير { العليم } تقدم عند قوله تعالى : { إنك أنت العليم الحكيم في ~~سورة البقرة ( 32 ) . والحكيم } تقدم عند قوله : { فاعلموا أن الله عزيز ~~حكيم أواسط سورة البقرة ( 209 ) . | # | PageV13P058 # | 2 ( 101 ) { رب قد آتيتنى من الملك وعلمتنى من تأويل الاحاديث فاطر ~~السماوات والارض أنت ولى فى الدنيا والاخرة توفنى مسلما وألحقنى بالصالحين ~~} ) 2 # أعقب ذكر نعمة الله عليه بتوجهه إلى مناجاة ربه بالاعتراف بأعظم نعم ~~الدنيا والنعمة العظمى في الآخرة ، فذكر ثلاث نعم : اثنتان دنيويتان وهما : ~~نعمة الولاية على الأرض ونعمة العلم ، والثالثة : أخروية وهي نعمة الدين ~~الحق المعبر عنه بالإسلام وجعل الذي أوتيه بعضا من الملك ومن التأويل لأن ~~ما أوتيه بعض من جنس الملك وبعض من التأويل إشعارا بأن ذلك في جانب ملك ~~الله وفي جانب علمه شيء قليل . وعلى هذا يكون المراد بالملك التصرف العظيم ~~الشبيه بتصرف الملك إذ كان يوسف عليه السلام هو الذي يسير الملك برأيه . ~~ويجوز أن يراد بالملك حقيقته ويكون التبعيض حقيقيا ، أي آتيتني بعض الملك ~~لأن الملك مجموع تصرفات في أمر الرعية ، وكان ليوسف عليه السلام من ذلك ~~الحظ الأوفر ، وكذلك تأويل الأحاديث . | # وتقدم معنى تأويل الأحاديث عند قوله تعالى : { ويعلمك من تأويل الأحاديث ~~( يوسف : 6 ) في هذه السورة . | # وفاطر السماوات والأرض } نداء محذوف حرف ندائه . والفاطر : الخالق . ~~وتقدم عند قوله تعالى : { قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض في ~~سورة الأنعام ( 14 ) . | # والولي : الناصر ، وتقدم عند قوله تعالى : قل أغير الله أتخذ وليا } في ~~سورة الأنعام . | # وجملة { أنت ولي في الدنيا والآخرة } من قبيل الخبر في إنشاء الدعاء وإن ~~أمكن حمله على الإخبار بالنسبة لولاية الدنيا ، قيل لإثباته ذلك الشيء ~~لولاية الآخرة . فالمعنى : كن وليي في الدنيا والآخرة ms4280 . | PageV13P059 # وأشار بقوله : { توفني مسلما } إلى النعمة العظمى وهي نعمة الدين الحق ، ~~فإن طلب توفيه على الدين الحق يقتضي أنه متصف بالدين الحق المعبر عنه ~~بالإسلام من الآن ، فهو يسأل الدوام عليه إلى الوفاة . | # والمسلم : الذي اتصف بالإسلام ، وهو الدين الكامل ، وهو ما تعبد الله به ~~الأنبياء والرسل عليهم السلام . وقد تقدم عند قوله تعالى : { فلا تموتن إلا ~~وأنتم مسلمون في سورة آل عمران ( 102 ) . | # والإلحاق : حقيقته جعل الشيء لا حقا ، أي مدركا من سبقه في السير . وأطلق ~~هنا مجازا على المزيد في عداد قوم . | # والصالحون : المتصفون بالصلاح ، وهو التزام الطاعة . وأراد بهم الأنبياء ~~. فإن كان يوسف عليه السلام يومئذ نبيئا فدعاؤه لطلب الدوام على ذلك ، وإن ~~كان نبىء فيما بعد فهو دعاء لحصوله ، وقد صار نبيئا بعد ورسولا . | # | 2 ( 102 ) { ذلك من أنبآء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعو ا ~~أمرهم وهم يمكرون } ) 2 # | $ # تذييل للقصة عند انتهائها . والإشارة إلى ما ذكر من الحادث أي ذلك ~~المذكور . | # واسم الإشارة لتمييز الأنباء أكمل تمييز لتتمكن من عقول السامعين لما ~~فيها من المواعظ . | # و { الغيب } ما غاب عن علم الناس ، وأصله مصدر غاب فسمي به الشيء الذي لا ~~يشاهد . وتذكير ضمير { نوحيه } لأجل مراعاة اسم الإشارة . | PageV13P060 # وضمائر { لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون } عائدة إلى كل من صدر منه ~~ذلك في هذه القصة من الرجال والنساء على طريقة التغليب ، يشمل إخوة يوسف ~~عليه السلام والسيارة ، وامرأة العزيز ، ونسوتها . | # و { أجمعوا أمرهم } تفسيره مثل قوله : { وأجمعوا أن يجعلوه في غيابات ~~الجب ( يوسف : 15 ) . | # والمكر تقدم ، وهذه الجملة استخلاص لمواضع العبرة من القصة . وفيها منة ~~على النبي ، وتعريض للمشركين بتنبيههم لإعجاز القرآن من الجانب العلمي ، ~~فإن صدور ذلك من النبي الأمي آية كبرى على أنه وحي من الله تعالى . ولذلك ~~عقب بقوله : وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين } . | # وكان في قوله : { وما كنت لديهم } توركا على المشركين . وجملة { وما كنت ~~لديهم } في موضع الحال إذ هي تمام التعجيب . | # وجملة { وهم يمكرون } حال ms4281 من ضمير { أجمعوا } ، وأتي { يمكرون } بصيغة ~~المضارع لاستحضار الحالة العجيبة . | # | 2 ( 103 ، 104 ) { ومآ أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين * وما تسألهم عليه ~~من أجر إن هو إلا ذكر للعالمين } ) 2 # انتقال من سوق هذه القصة إلى العبرة بتصميم المشركين على التكذيب بعد هذه ~~الدلائل البينة ، فالواو للعطف على جملة { ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك ( ~~يوسف : 102 ) باعتبار إفادتها أن هذا القرآن وحي من الله وأنه حقيق بأن ~~يكون داعيا سامعيه إلى الإيمان بالنبي . ولما كان ذلك من شأنه أن ~~PageV13P061 يكون مطمعا في إيمانهم عقب بإعلام النبي بأن أكثرهم لا يؤمنون ~~. | # والناس } يجوز حمله على جميع جنس الناس ، ويجوز أن يراد به ناس معينون ~~وهم القوم الذين دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم بمكة وما حولها ، فيكون ~~عموما عرفيا . | # وجملة { ولو حرصت } في موضع الحال معترضة بين اسم { ما } وخبرها . | # { ولو } هذه وصلية ، وهي التي تفيد أن شرطها هو أقصى الأسباب لجوابها . ~~وقد تقدم بيانها عند قوله تعالى : { فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو ~~افتدى به في سورة آل عمران ( 91 ) . | # وجواب لو } هو { وما أكثر الناس } مقدم عليها أو دليل الجواب . | # والحرص : شدة الطلب لتحصيل شيء ومعاودته . وتقدم في قوله تعالى : { حريص ~~عليكم في آخر سورة براءة ( 128 ) . | # وجملة وما تسألهم عليه من أجر } معطوفة على جملة { وما أكثر الناس } إلى ~~آخرها باعتبار ما أفادته من التأييس من إيمان أكثرهم . أي لا يسوءك عدم ~~إيمانهم فلست تبتغي أن يكون إيمانهم جزاء على التبليغ بل إيمانهم لفائدتهم ~~، كقوله : { قل لا تمنوا علي إسلامكم ( سورة الحجرات : 17 ) . | # وضمير الجمع في قوله : وما تسألهم } عائد إلى الناس ، أي الذين أرسل ~~إليهم النبي صلى الله عليه وسلم | # وجملة { إن هو إلا ذكر للعالمين } بمنزلة التعليل لجملة { وما تسألهم ~~عليه من أجر } . والقصر إضافي ، أي ما هو إلا ذكر للعالمين لا لتحصيل أجر ~~مبلغه . | # وضمير { عليه } عائد إلى القرآن المعلوم من قوله : { ذلك من أنباء الغيب ~~نوحيه إليك ( يوسف : 102 ) . | # | PageV13P062 # | 2 ( 105 ms4282 ، 106 ) { وكأين من ءاية فى السماوات والارض يمرون عليها وهم ~~عنها معرضون * وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون } ) 2 # عطف على جملة { وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين } ( يوسف : 103 ) ، أي ~~ليس إعراضهم عن آية حصول العلم للأمي بما في الكتب السالفة فحسب بل هم ~~معرضون عن آيات كثيرة في السماوات والأرض . | # و { كأين } اسم يدل على كثرة العدد المبهم يبينه تمييز مجرور ب { من } . ~~وقد تقدم عند قوله تعالى : { وكأين من نبيء قاتل معه ربيون كثير في سورة آل ~~عمران ( 146 ) . | # والآية : العلامة ، والمراد هنا الدالة على وحدانية الله تعالى بقرينة ~~ذكر الإشراك بعدها . | # ومعنى يمرون عليها } يرونها ، والمرور مجاز مكنى به عن التحقق والمشاهدة ~~إذ لا يصح حمل المرور على المعنى الحقيقي بالنسبة لآيات السماوات ، فالمرور ~~هنا كالذي في قوله تعالى : { وإذا مروا باللغو مروا كراما ( الفرقان : 72 ) ~~. | # وضمير يمرون } عائد إلى الناس من قوله تعالى : { وما أكثر الناس ولو حرصت ~~بمؤمنين } . | # وجملة { وما يؤمن أكثرهم بالله } في موضع الحال من ضمير { يمرون } أي وما ~~يؤمن أكثر الناس إلا وهم مشركون ، والمراد ب { أكثر الناس } أهل الشرك من ~~العرب . وهذا إبطال لما يزعمونه من الاعتراف بأن الله خالقهم كما في قوله ~~تعالى : { ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله } ، وبأن ~~إيمانهم بالله كالعدم لأنهم لا يؤمنون بوجود الله إلا في تشريكهم معه غيره ~~في الإلاهية . | # والاستثناء من عموم الأحوال ، فجملة { وهم مشركون } حال من { أكثرهم } . ~~والمقصود من هذا تشنيع حالهم . والأظهر أن يكون هذا من قبيل تأكيد الشيء ~~PageV13P063 بما يشبه ضده على وجه التهكم . وإسناد هذا الحكم إلى { أكثرهم ~~} باعتبار أكثر أحوالهم وأقوالهم لأنهم قد تصدر عنهم أقوال خلية عن ذكر ~~الشريك . وليس المراد أن بعضا منهم يؤمن بالله غير مشرك معه إلاها آخر . | # | 2 ( 107 ) { أفأمنو ا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله أو تأتيهم الساعة ~~بغتة وهم لا يشعرون } ) 2 # | $ # اعتراض بالتفريع على ما دلت عليه الجملتان قبله من تفظيع حالهم وجرأتهم ~~على خالقهم ms4283 والاستمرار على ذلك دون إقلاع ، فكأنهم في إعراضهم عن توقع حصول ~~غضب الله بهم آمنون أن تأتيهم غاشية من عذابه في الدنيا أو تأتيهم الساعة ~~بغتة فتحول بينهم وبين التوبة ويصيرون إلى العذاب الخالد . | # والاستفهام مستعمل في التوبيخ . | # والغشي والغشيان : الإحاطة من كل جانب { وإذا غشيهم موج كالظلل ( سورة ~~لقمان : 32 ) . وتقدم في قوله تعالى يغشي الليل النهار في ( سورة الأعراف : ~~54 ) . | # والغاشية الحادثة التي تحيط بالناس . والعرب يؤنثون هذه الحوادث مثل ~~الطامة والصاخة والداهية والمصيبة والكارثة والحادثة والواقعة والحاقة . ~~والبغتة : الفجأة . وتقدمت عند قوله تعالى : حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة في ~~آخر سورة الأنعام ( 31 ) . | # | 2 ( 108 ) { قل هاذه سبيلى أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى ~~وسبحان الله ومآ أنا من المشركين } ) 2 # | $ # استئناف ابتدائي للانتقال من الاعتبار بدلالة نزول هذه القصة للنبيء صلى ~~الله عليه وسلم الأمي على صدق نبوءته وصدقه فيما جاء به من التوحيد إلى ~~PageV13P064 الاعتبار بجميع ما جاء به من هذه الشريعة عن الله تعالى ، وهو ~~المعبر عنه بالسبيل على وجه الاستعارة لإبلاغها إلى المطلوب وهو الفوز ~~الخالد كإبلاغ الطريق إلى المكان المقصود للسائر ، وهي استعارة متكررة في ~~القرآن وفي كلام العرب . | # والسبيل يؤنث كما في هذه الآية ، ويذكر أيضا كما تقدم عند قوله تعالى : { ~~وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا في سورة الأعراف ( 146 ) . | # والجملة استئناف ابتدائي معترضة بين الجمل المتعاطفة . | # والإشارة إلى الشريعة بتنزيل المعقول منزلة المحسوس لبلوغه من الوضوح ~~للعقول حدا لا يخفى فيه إلا عمن لا يعد مدركا . | # وما في جملة هذه سبيلي } من الإبهام قد فسرته جملة { ادعوا إلى الله على ~~بصيرة } . | # و { على } فيه للاستعلاء المجازي المراد به التمكن ، مثل ( على هدى من ~~ربهم ) . | # والبصيرة : فعيلة بمعنى فاعلة ، وهي الحجة الواضحة ، والمعنى : أدعو إلى ~~الله ببصيرة متمكنا منها ، ووصف الحجة ببصيرة مجاز عقلي ، والبصير : صاحب ~~الحجة لأنه بها صار بصيرا بالحقيقة . ومثله وصف الآية بمبصرة في قوله : { ~~فلما جاءتهم آياتنا مبصرة ( سورة النمل : 13 ) . وبعكسه يوصف ms4284 الخفاء بالعمى ~~كقوله : وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم ( سورة هود : 28 ) . | # وضمير أنا } تأكيد للضمير المستتر في { أدعوا } ، أتي به لتحسين العطف ~~بقوله : { ومن اتبعني } ، وهو تحسين واجب في اللغة . | # وفي الآية دلالة على أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين الذين ~~آمنوا به مأمورون بأن يدعوا إلى الإيمان بما يستطيعون . وقد قاموا بذلك ~~PageV13P065 بوسائل بث القرآن وأركان الإسلام والجهاد في سبيل الله . وقد ~~كانت الدعوة إلى الإسلام في صدر زمان البعثة المحمدية واجبا على الأعيان ~~لقول النبي صلى الله عليه وسلم ( بلغوا عني ولو آية ) أي بقدر الاستطاعة . ~~ثم لما ظهر الإسلام وبلغت دعوته الأسماع صارت الدعوة إليه واجبا على ~~الكفاية كما دل عليه قوله تعالى : { ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير الآية ~~في سورة آل عمران ( 104 ) . | # وعطفت جملة وسبحان الله } على جملة { أدعوا إلى الله } ، أي أدعو إلى ~~الله وأنزهه . | # وسبحان : مصدر التسبيح جاء بدلا عن الفعل للمبالغة . والتقدير : وأسبح ~~الله سبحانا ، أي أدعو الناس إلى توحيده وطاعته وأنزهه عن النقائص التي ~~يشرك بها المشركون من دعاء الشركاء ، والولد ، والصاحبة . | # وجملة { وما أنا من المشركين } بمنزلة التذييل لما قبلها لأنها تعم ما ~~تضمنته . | # | 2 ( 109 ، 110 ) { ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحى إليهم من أهل ~~القرى أفلم يسيروا فى الارض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ولدار ~~الاخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون * حتى إذا استيئس الرسل وظنو ا أنهم قد ~~كذبوا جآءهم نصرنا فنجى من نشآء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين } ) 2 # | $ # عطف على جملة { وما أكثر الناس ( سورة يوسف : 103 ) الخ . هاتان الآيتان ~~متصل معناهما بما تضمنه قوله تعالى : ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك ( سورة ~~يوسف : 102 ) إلى قوله : إن هو إلا ذكر للعالمين ( سورة يوسف : 104 ) وقوله ~~: قل هذه سبيلي الآية ( سورة يوسف : 108 ) ، فإن تلك الآي تضمنت الحجة ~~PageV13P066 على صدق الرسول عليه الصلاة والسلام فيما جاءهم به ، وتضمنت أن ~~الذين أشركوا غير مصدقينه عنادا وإعراضا عن آيات ms4285 الصدق . فالمعنى أن إرسال ~~الرسل عليهم السلام سنة إلاهية قديمة فلماذا يجعل المشركون نبوءتك أمرا ~~مستحيلا فلا يصدقون بها مع ما قارنها من آيات الصدق فيقولون : أبعث الله ~~بشرا رسولا } . وهل كان الرسل عليهم السلام السابقون إلا رجالا من أهل ~~القرى أوحى الله إليهم فبماذا امتازوا عليك ، فسلم المشركون ببعثتهم ~~وتحدثوا بقصصهم وأنكروا نبوءتك . | # وراء هذا معنى آخر من التذكير باستواء أحوال الرسل عليهم السلام وما لقوه ~~من أقوامهم فهو وعيد باستواء العاقبة للفريقين . | # و { من قبلك } يتعلق ب { أرسلنا } ف { من } لابتداء الأزمنة فصار ما صدق ~~القبل الأزمنة السابقة ، أي من أول أزمنة الإرسال . ولولا وجود { من } لكان ~~{ قبلك } في معنى الصفة للمرسلين المدلول عليهم بفعل الإرسال . | # والرجال : اسم جنس جامد لا مفهوم له . وأطلق هنا مرادا به أناسا كقوله ~~صلى الله عليه وسلم ( ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه ) ، أي إنسان أو شخص ~~، فليس المراد الاحتراز عن المرأة . واختير هنا دون غيره لمطابقته الواقع ~~فإن الله لم يرسل رسلا من النساء لحكمة قبول قيادتهم في نفوس الأقوام إذ ~~المرأة مستضعفة عند الرجال دون العكس ؛ ألا ترى إلى قول قيس بن عاصم حين ~~تنبأت سجاح : | # أضحت نبيئتنا أنثى نطيف بها | # وأصبحت أنبياء الناس ذكرانا | # وليس تخصيص الرجال وأنهم من أهل القرى لقصد الاحتراز عن النساء ومن أهل ~~البادية ولكنه لبيان المماثلة بين من سلموا برسالتهم وبين محمد صلى الله ~~عليه وسلم حين قالوا : { فليأتنا بآية كما أرسل الأولون } ( الأنبياء : 5 ) ~~و { قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى } ( القصص : 48 ) ، أي فما كان محمد ~~صلى الله عليه وسلم بدعا من الرسل حتى تبادروا بإنكار رسالته وتعرضوا عن ~~النظر في آياته . | PageV13P067 # فالقصر إضافي ، أي لم يكن الرسل عليهم السلام قبلك ملائكة أو ملوكا من ~~ملوك المدن الكبيرة فلا دلالة في الآية على نفي إرسال رسول من أهل البادية ~~مثل خالد بن سنان العبسي ، ويعقوب عليه السلام حين كان ساكنا في البدو كما ~~تقدم . | # وقرأ الجمهور ، { يوحى } بتحتية وبفتح الحاء مبنيا ms4286 للنائب ، وقرأه حفص ~~بنون على أنه مبني للفاعل والنون نون العظمة . | # وتفريع قوله : { أفلم يسيروا في الأرض } على ما دلت عليه جملة { وما ~~أرسلنا من قبلك إلا رجالا } من الأسوة ، أي فكذبهم أقوامهم من قبل قومك مثل ~~ما كذبك قومك وكانت عاقبتهم العقاب . أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان ~~عاقبة الأقوام السابقين ، أي فينظروا آثار آخر أحوالهم من الهلاك والعذاب ~~فيعلم قومك أن عاقبتهم على قياس عاقبة الذين كذبوا الرسل قبلهم ، فضمير { ~~يسيروا } عائد على معلوم من المقام الدال عليه { وما أنا من المشركين ( ~~سورة يوسف : 108 ) . | # والاستفهام إنكاري . فإن مجموع المتحدث عنهم ساروا في الأرض فرأوا عاقبة ~~المكذبين مثل عاد وثمود . | # وهذا التفريع اعتراض بالوعيد والتهديد . | # وكيف } استفهام معلق لفعل النظر عن مفعوله . | # وجملة { ولدار الآخرة } خبر . معطوفة على الاعتراض فلها حكمه ، وهو ~~اعتراض بالتبشير وحسن العاقبة للرسل عليهم السلام ومن آمن بهم وهم الذين ~~اتقوا . وهو تعريض بسلامة عاقبة المتقين في الدنيا . وتعريض أيضا بأن دار ~~الآخرة أشد أيضا على الذين من قبلهم من العاقبة التي كانت في الدنيا فحصل ~~إيجاز بحذف جملتين . | # وإضافة { دار } إلى { آخرة } من إضافة الموصوف إلى الصفة مثل ( يا نساء ~~المسلمات ) في الحديث . | PageV13P068 # وقرأ نافع ، وابن كثير ، وأبو عمرو ، وحفص عن عاصم ، وأبو جعفر ، ويعقوب ~~: { أفلا تعقلون } بتاء الخطاب على الالتفات ، لأن المعاندين لما جرى ذكرهم ~~وتكرر صاروا كالحاضرين فالتفت إليهم بالخطاب . وقرأه الباقون بياء الغيبة ~~على نسق ما قبله . | # و { حتى } من قوله : { حتى إذا استيأس الرسل } ابتدائية ، وهي عاطفة جملة ~~{ إذا استيأس الرسل } على جملة { وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم ~~} باعتبار أنها حجة على المكذبين ، فتقدير المعنى : وما أرسلنا من قبلك إلا ~~رجالا يوحى إليهم فكذبهم المرسل إليهم واستمروا على التكذيب حتى إذا استيئس ~~الرسل إلى آخره ، فإن { إذا } اسم زمان مضمن معنى الشرط فهو يلزم الإضافة ~~إلى جملة تبين الزمان ، وجملة { استيأس } مضاف إليها { إذا } ، وجملة { ~~جاءهم نصرنا } جواب { إذا } لأن هذا الترتيب في المعنى هو ms4287 المقصود من جلب { ~~إذا } في مثل هذا التركيب . والمراد بالرسل عليهم السلام غير المراد ب { ~~رجالا } ، فالتعريف في الرسل عليهم السلام تعريف العهد الذكري وهو من ~~الإظهار في مقام الإضمار لإعطاء الكلام استقلالا بالدلالة اهتماما بالجملة ~~. | # وآذن حرف الغاية بمعنى محذوف دل عليه جملة { وما أرسلنا من قبلك إلا ~~رجالا } بما قصد بها من معنى قصد الإسوة بسلفه من الرسل عليهم السلام . ~~والمعنى : فدام تكذيبهم وإعراضهم وتأخر تحقيق ما أنذروهم به من العذاب حتى ~~اطمأنوا بالسلامة وسخروا بالرسل وأيس الرسل عليهم السلام من إيمان قومهم . ~~| # و { استيأس } مبالغة في يئس ، كما تقدم آنفا في قوله : { ولا تيأسوا من ~~روح الله ( سورة يوسف : 87 ) . | # وتقدم أيضا قراءة البزي بخلاف عنه بتقديم الهمزة على الياء . فهذه أربع ~~كلمات في هذه السورة خالف فيها البزي رواية عنه . | PageV13P069 # وفي صحيح البخاري } عن عروة أنه سأل عائشة رضي الله عنها : ( أكذبوا أم ~~كذبوا أي بالخفيف أم بالشد ؛ قالت : كذبوا أي بالشد قال : فقد استيقنوا أن ~~قومهم كذبوهم فما هو بالظن فهي { قد كذبوا } أي بالتخفيف ، قالت : معاذ ~~الله لم يكن الرسل عليهم السلام تظن ذلك بربها وإنما هم أتباع الذين آمنوا ~~وصدقوا فطال عليهم البلاء واستأخر النصر حتى إذا استيأس الرسل عليهم السلام ~~من إيمان من كذبهم من قومهم ، وظنت الرسل عليهم السلام أن أتباعهم مكذبوهم ~~) ا ه . وهذا الكلام من عائشة رضي الله عنها رأي لها في التفسير وإنكارها ~~أن تكون { كذبوا } مخففة إنكار يستند بما يبدو من عود الضمائر إلى أقرب ~~مذكور وهو الرسل ، وذلك ليس بمتعين ، ولم تكن عائشة قد بلغتها رواية { ~~كذبوا } بالتخفيف . | # وتفريع { فننجي من نشاء } على { جاءهم نصرنا } لأن نصر الرسل عليهم ~~السلام هو تأييدهم بعقاب الذين كذبوهم بنزول العذاب وهو البأس ، فينجي الله ~~الذين آمنوا ولا يرد البأس عن القوم المجرمين . | # والبأس : هو عذاب المجرمين الذي هو نصر للرسل عليهم السلام . . | # والقوم المجرمون : الذين كذبوا الرسل . | # وقرأ الجمهور { فننجي } بنونين وتخفيف الجيم وسكون الياء مضارع أنجى . و ~~{ من ms4288 نشاء } مفعول { ننجي } . وقرأه ابن عامر وعاصم { فنجي } بنون واحدة ~~مضمومة وتشديد الجيم مكسورة وفتح التحتية على أنه ماضي { نجى المضاعف بني ~~للنائب ، وعليه فمن نشاء } هو نائب الفاعل ، والجمع بين الماضي في ( نجي ) ~~والمضارع في { نشاء } احتباك تقديره فنجي من شئنا ممن نجا في القرون ~~السالفة وننجي من نشاء في المستقبل من المكذبين . | # | PageV13P070 # | 2 ( 111 ) { لقد كان فى قصصهم عبرة لاولى الألباب ما كان حديثا يفترى ~~ولاكن تصديق الذى بين يديه وتفصيل كل شىء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون } ) 2 # هذا من رد العجز على الصدر فهي مرتبطة بجملة { ذلك من أنباء الغيب نوحيه ~~إليك ( سورة يوسف : 102 ) وهي تتنزل منها منزلة البيان لما تضمنه معنى ~~الإشارة في قوله : ذلك من أنباء الغيب } من التعجيب ، وما تضمنه معنى { وما ~~كنت لديهم } من الاستدلال على أنه وحي من الله مع دلالة الأمية . | # وهي أيضا تتنزل منزلة التذييل للجمل المستطرد بها لقصد الاعتبار بالقصة ~~ابتداء من قوله : { وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين ( يوسف : 103 ) . | # فلها مواقع ثلاثة عجيبة من النظم المعجز . | # وتأكيد الجملة ب ( قد ) واللام للتحقيق . | # وأولو الألباب : أصحاب العقول . وتقدم في قوله : واتقون يا أولي الألباب ~~في أواسط سورة البقرة ( 197 ) . | # والعبرة : اسم مصدر للاعتبار ، وهو التوصل بمعرفة المشاهد المعلوم إلى ~~معرفة الغائب وتطلق العبرة على ما يحصل به الاعتبار المذكور من إطلاق ~~المصدر على المفعول كما هنا . ومعنى كون العبرة في قصصهم أنها مظروفة فيه ~~ظرفية مجازية ، وهي ظرفية المدلول في الدليل فهي قارة في قصصهم سواء اعتبر ~~بها من وفق للاعتبار أم لم يعتبر لها بعض الناس . | # وجملة ما كان حديثا يفترى } إلى آخرها تعليل لجملة { لقد كان في قصصهم ~~عبرة } أي لأن ذلك القصص خبر صدق مطابق للواقع وما هو بقصة PageV13P071 ~~مخترعة . ووجه التعليل أن الاعتبار بالقصة لا يحصل إلا إذا كانت خبرا عن ~~أمر وقع ، لأن ترتب الآثار على الواقعات رتب طبيعي فمن شأنها أن تترتب ~~أمثالها على أمثالها كلما حصلت في الواقع ، ولأن حصولها ms4289 ممكن إذ الخارج لا ~~يقع فيه المحال ولا النادر وذلك بخلاف القصص الموضوعة بالخيال والتكاذيب ~~فإنها لا يحصل بها اعتبار لاستبعاد السامع وقوعها لأن أمثالها لا يعهد ، ~~مثل مبالغات الخرافات وأحاديث الجن والغول عند العرب وقصة رستم وأسفنديار ~~عند العجم ، فالسامع يتلقاها تلقي الفكاهات والخيالات اللذيذة ولا يتهيأ ~~للاعتبار بها إلا على سبيل الفرص والاحتمال وذلك لا تحتفظ به النفوس . | # وهذه الآية ناظرة إلى قوله تعالى في أول السورة { نحن نقص عليك أحسن ~~القصص ( يوسف : 3 ) فكما سماه الله أحسن القصص في أول السورة نفى عنه ~~الافتراء في هذه الآية تعريضا بالنضر بن الحارث وأضرابه . | # والافتراء تقدم في قوله : ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب في ~~سورة العقود ( 103 ) . | # والذي بين يديه } : الكتب الإلاهية السابقة . وضمير بين { يديه } عائد ~~إلى القرآن الذي من جملته هذه القصص . | # والتفصيل : التبيين . والمراد ب { كل شيء } الأشياء الكثيرة مما يرجع إلى ~~الاعتبار بالقصص . | # وإطلاق الكل على الكثرة مضى عند قوله تعالى : { وإن يروا كل آية لا ~~يؤمنوا بها في سورة الأنعام ( 31 ) . | # والهدى الذي في القصص : العبر الباعثة على الإيمان والتقوى بمشاهدة ما ~~جاء من الأدلة في أثناء القصص على أن المتصرف هو الله تعالى ، وعلى أن ~~التقوى هي أساس الخير في الدنيا والآخرة ، وكذلك الرحمة فإن في قصص أهل ~~الفضل PageV13P072 دلالة على رحمة الله لهم وعنايته بهم ، وذلك رحمة ~~للمؤمنين لأنهم باعتبارهم بها يأتون ويذرون ، فتصلح أحوالهم ويكونون في ~~اطمئنان بال ، وذلك رحمة من الله بهم في حياتهم وسبب لرحمته إياهم في ~~الآخرة كما قال تعالى : من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه ~~حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ( النحل : 97 ) . | ~~PageV13P073 صفحة فارغة . | PageV13P074 # | 1 ( سورة الرعد ) 1 # هكذا سميت من عهد السلف . وذلك يدل على أنها مسماة بذلك من عهد النبي إذ ~~لم يختلفوا في اسمها . | # وإنما سميت بإضافتها إلى الرعد لورود ذكر الرعد فيها بقوله تعالى : ويسبح ~~الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق ( الرعد : 13 ms4290 ) . فسميت ~~بالرعد لأن الرعد لم يذكر في سورة مثل هذه السورة ، فإن هذه السورة مكية ~~كلها أو معظمها . وإنما ذكر الرعد في سورة البقرة وهي نزلت بالمدينة وإذا ~~كانت آيات هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا إلى قوله : وهو شديد المحال ( ~~الرعد : 12 ) مما نزل بالمدينة ، كما سيأتي تعين أن ذلك نزل قبل نزول سورة ~~البقرة . | # وهذه السورة مكية في قول مجاهد وروايته عن ابن عباس ورواية علي بن أبي ~~طلحة وسعيد بن جبير عنه وهو قول قتادة . وعن أبي بشر قال : سألت سعيد بن ~~جبير عن قوله تعالى : ومن عنده علم الكتاب أي في آخر سورة الرعد ( 43 ) أهو ~~عبد الله بن سلام ؟ فقال : كيف وهذه سورة مكية ، وعن ابن جريج وقتادة في ~~رواية عنه وعن ابن عباس أيضا : أنها مدنية ، وهو عن عكرمة والحسن البصري ، ~~وعن عطاء عن ابن عباس . وجمع السيوطي وغيره بين الروايات بأنها مكية إلا ~~آيات منها نزلت بالمدينة يعني قوله : هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا إلى ~~قوله : شديد المحال وقوله : قل كفى بالله شهيدا بيني PageV13P075 وبينكم ~~ومن عنده علم الكتاب ( الرعد : 43 ) . قال ابن عطية : والظاهر أن المدني ~~فيها كثير ، وكل ما نزل في شأن عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة فهو مدني . | # وأقول أشبه آياتها بأن يكون مدنيا قوله : أو لم يروا أنا نأتي الأرض ~~ننقصها من أطرافها ( الرعد : 41 ) كما ستعلمه . وقوله تعالى : كذلك أرسلناك ~~في أمة إلى وإليه متاب ( سورة الرعد : 30 ) ، فقد قال مقاتل وابن جريج نزلت ~~في صلح الحديبية كما سيأتي عند تفسيرها . | # ومعانيها جارية على أسلوب معاني القرآن المكي من الاستدلال على الوحدانية ~~وتقريع المشركين وتهديدهم . والأسباب التي أثارت القول بأنها مدنية أخبار ~~واهية ، وسنذكرها في مواضعها من هذا التفسير ولا مانع من أن تكون مكية . ~~ومن آياتها آيات نزلت بالمدينة وألحقت بها . فإن ذلك وقع في بعض سور القرآن ~~، فالذين قالوا : هي مكية لم يذكروا موقعها من ترتيب المكيات سوى أنهم ~~ذكروها بعد سورة يوسف وذكروا ms4291 بعدها سورة إبراهيم . | # والذين جعلوها مدنية عدوها في النزول بعد سورة القتال وقبل سورة الرحمن ~~وعدوها سابعة وتسعين في عداد النزول . وإذ قد كانت سورة القتال نزلت عام ~~الحديبية أو عام الفتح تكون سورة الرعد بعدها . | # وعدت آياتها ثلاثا وأربعين من الكوفيين وأربعا وأربعين في عدد المدنيين ~~وخمسا وأربعين عند الشام . | # # | مقاصدها # أقيمت هذه السورة على أساس إثبات صدق الرسول فيما أوحي إليه من إفراد ~~الله بالإلهية والبعث وإبطالل أقوال المكذبين فلذلك تكررت حكاية أقوالهم ~~خمس مرات موزعة على السورة بدءا ونهاية . | # ومهد لذلك بالتنويه بالقرآن وأنه منزل من الله ، والاستدلال على تفرده ~~PageV13P076 تعالى بالإلهية بدلائل خلق العالمين ونظامهما الدال على ~~انفراده بتمام العلم والقدرة وإدماج الامتنان لما في ذلك من النعم على ~~الناس . | # ثم انتقل إلى تفنيد أقوال أهل الشرك ومزاعمهم في إنكار البعث . | # وتهديدهم أن يحل بهم ما حل بأمثالهم . | # والتذكير بنعم الله على الناس . | # وإثبات أن الله هو المستحق للعبادة دون آلهتهم . | # وأن الله العالم بالخفايا وأن الأصنام لا تعلم شيئا ولا تنعم بنعمة . | # والتهديد بالحوادث الجوية أن يكون منها عذاب للمكذبين كما حل بالأمم ~~قبلهم . | # والتخويف من يوم الجزاء . | # والتذكير بأن الدنيا ليست دار قرار . | # وبيان مكابرة المشركين في اقتراحهم مجيء الآيات على نحو مقترحاتهم . | # ومقابلة ذلك بيقين المؤمنين . وما أعد الله لهم من الخير . | # وأن الرسول ما لقي من قومه إلا كما لقي الرسل عليهم السلام من قبله . | # والثناء على فريق من أهل الكتب يؤمنون بأن القرآن منزل من عند الله . | # والإشارة إلى حقيقة القدر ومظاهر المحو والإثبات . | # وما تخلل ذلك من المواعظ والعبر والأمثال . | # | PageV13P077 # | 2 ( 1 ) { ال م ر تلك آيات الكتاب والذى أنزل إليك من ربك الحق ولاكن ~~أكثر الناس لا يؤمنون } ) 2 # | $ # { | # تقدم الكلام على نظائر { المر } مما وقع في أوائل بعض السور من الحروف ~~المقطعة . | # القول في { تلك آيات الكتاب } كالقول في نظيره من طالعة سورة يونس . | # والمشار إليه ب { تلك } هو ما سبق نزوله من القرآن قبل هذه الآية أخبر ms4292 ~~عنها بأنها آيات ، أي دلائل إعجاز ، ولذلك أشير إليه باسم إشارة المؤنث ~~مراعاة لتأنيث الخبر . | # وقوله : { والذي أنزل إليك من ربك الحق } يجوز أن يكون عطفا على جملة { ~~تلك آيات الكتاب } فيكون قوله : { والذي أنزل إليك } إظهار في مقام الإضمار ~~. ولم يكتف بعطف خبر على خبر اسم الإشارة بل جيء بجملة كاملة مبتدئة ~~بالموصول للتعريف بأن آيات الكتاب منزلة من عند الله لأنها لما تقرر أنها ~~آيات استلزم ذلك أنها منزلة من عند الله ولولا أنها كذلك لما كانت آيات . | # وأخبر عن الذي أنزل بأنه الحق بصيغة القصر ، أي هو الحق لا غيره من الكتب ~~، فالقصر إضافي بالنسبة إلى كتب معلومة عندهم مثل قصة رستم وإسفنديار ~~اللتين عرفهما النضر بن الحارث . فالمقصود الرد على المشركين الذين زعموه ~~كأساطير الأولين ؛ أو القصر حقيقي ادعائي مبالغة لعدم الاعتداد بغيره من ~~الكتب السابقة ، أي هو الحق الكامل ، لأن غيره من الكتب لم يستكمل منتهى ~~مراد PageV13P078 الله من الناس إذ كانت درجات موصلة إلى الدرجة العليا ، ~~فلذلك ما جاء منها كتاب إلا ونسخ العمل به أو عين لأمة خاصة ( إن الدين عند ~~الله الإسلام ) . | # ويجوز أن يكون عطف مفرد على قوله : { الكتاب } مفرد ، من باب عطف الصفة ~~على الاسم ، مثل ما أنشد الفراء : | # إلى الملك القرم وابن الهم | # أم وليث الكتيبة بالمزدحم | # والإتيان ب { ربك } دون اسم الجلالة للتلطف . والاستدراك بقوله : { ولكن ~~أكثر الناس لا يؤمنون } راجع إلى ما أفاده القصر من إبطال مساواة غيره له ~~في الحقية إبطالا يقتضي ارتفاع النزاع في أحقيته ، أي ولكن أكثر الناس لا ~~يؤمنون بما دلت الأدلة على الإيمان به ، فمن أجل هذا الخلق الذميم فيهم ~~يستمر النزاع منهم في كونه حقا . | # وابتداء السورة بهذا تنويه بما في القرآن الذي هذه السورة جزء منه مقصود ~~به تهيئة السامع للتأمل مما سيرد عليه من الكلام . | # | 2 ( 2 ) { الله الذى رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش ~~وسخر الشمس والقمر كل يجرى لأجل مسمى يدبر الامر يفصل الآيات ms4293 لعلكم بلقآء ~~ربكم توقنون } ) 2 # استئناف ابتدائي هو ابتداء المقصود من السورة وما قبله بمنزلة الديباجة ~~من الخطبة ، ولذا تجد الكلام في هذا الغرض قد طال واطرد . | # ومناسبة هذا الاستئناف لقوله : { ولكن أكثر الناس لا يؤمنون } لأن أصل ~~كفرهم بالقرآن ناشىء عن تمسكهم بالكفر وعن تطبعهم بالاستكبار والإعراض عن ~~دعوة الحق . | PageV13P079 # والافتتاح باسم الجلالة دون الضمير الذي يعود إلى { ربك } ( الرعد : 1 ) ~~لأنه معين به لا يشتبه غيره من آلهتهم ليكون الخبر المقصود جاريا على معين ~~لا يحتمل غيره إبلاغا في قطع شائبة الإشراك . | # و { الذي رفع } هو الخبر . وجعل اسم موصول لكون الصلة معلومة الدلالة على ~~أن من تثبت له هو المتوحد بالربوبية إذ لا يستطيع مثل تلك الصلة غير ~~المتوحد ولأنه مسلم له ذلك { ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن ~~الله ( لقمان : 25 ) . | # والسماوات تقدمت مرارا ، وهي الكواكب السيارة وطبقات الجو التي تسبح فيها ~~. | # ورفعها : خلقها مرتفعة ، كما يقال : وسع طوق الجبة وضيق كمها ، لا تريد ~~وسعه بعد أن كان ضيقا ولا ضيقه بعد أن كان واسعا وإنما يراد اجعله واسعا ~~واجعله ضيقا ، فليس المراد أنه رفعها بعد أن كانت منخفضة . | # والعمد : جمع عماد مثل إهاب وأهب ، والعماد : ما تقام عليه القبة والبيت ~~. وجملة ترونها } في موضع الحال من { السماوات } ، أي لا شبهة في كونها ~~بغير عمد . | # والقول في معنى { ثم استوى على العرش } تقدم في سورة الأعراف وفي سورة ~~يونس . | # وكذلك الكلام على { سخر الشمس والقمر } في قوله تعالى : { والشمس والقمر ~~والنجوم مسخرات بأمره في سورة الأعراف ( 54 ) . | # والجري : السير السريع . وسير الشمس والقمر والنجوم في مسافات شاسعة ، ~~فهو أسرع التنقلات في بابها وذلك سيرها في مداراتها . | PageV13P080 # واللام للعلة . والأجل : هو المدة التي قدرها الله لدوام سيرها ، وهي مدة ~~بقاء النظام الشمسي الذي إذا اختل انتثرت العوالم وقامت القيامة . | # والمسمى : أصله المعروف باسمه ، وهو هنا كناية عن المعين المحدد إذ ~~التسمية تستلزم التعيين والتمييز عن الاختلاط . | # يدبر الامر يفصل الآيات لعلكم بلقآء ربكم توقنون } | # جملة { يدبر ms4294 الأمر } في موضع الحال من اسم الجلالة . وجملة { يفصل الآيات ~~} حال ثانية ترك عطفها على التي قبلها لتكون على أسلوب التعداد والتوقيف ~~وذلك اهتمام باستقلالها . وتقدم القول على { يدبر الأمر } عند قوله : { ومن ~~يدبر الأمر في سورة يونس ( 3 ) . | # وتفصيل الآيات تقدم عند قوله : أحكمت آياته ثم فصلت في طالعة سورة هود ( ~~1 ) . | # ووجه الجمع بينهما هنا أن تدبير الأمر يشمل تقدير الخلق الأول والثاني ~~فهو إشارة إلى التصرف بالتكوين للعقول والعوالم ، وتفصيل الآيات مشير إلى ~~التصرف بإقامة الأدلة والبراهين ، وشأن مجموع الأمرين أن يفيد اهتداء الناس ~~إلى اليقين بأن بعد هذه الحياة حياة أخرى ، لأن النظر بالعقل في المصنوعات ~~وتدبيرها يهدي إلى ذلك ، وتفصيل الآيات والأدلة ينبه العقول ويعينها على ~~ذلك الاهتداء ويقربه . وهذا قريب من قوله في سورة يونس : يدبر الأمر ما من ~~شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون إليه مرجعكم ~~جميعا وعد الله حقا إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ( يونس : 3 ) . وهذا من إدماج ~~غرض في أثناء غرض آخر لأن الكلام جار على إثبات الوحدانية . وفي أدلة ~~الوحدانية دلالة على البعث أيضا . | PageV13P081 # وصيغ يدبر } و { يفصل } بالمضارع عكس قوله : { الله الذي رفع السماوات } ~~لأن التدبير والتفصيل متجدد متكرر بتجدد تعلق القدرة بالمقدورات . وأما رفع ~~السماوات وتسخير الشمس والقمر فقد تم واستقر دفعة واحدة . | # | 2 ( 3 ) { وهو الذى مد الارض وجعل فيها رواسى وأنهارا ومن كل الثمرات ~~جعل فيها زوجين اثنين يغشى اليل النهار إن فى ذالك لآيات لقوم يتفكرون * ~~وفى الارض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى ~~بمآء واحد ونفضل بعضها على بعض فى الاكل إن فى ذالك لآيات لقوم يعقلون } ) ~~2 # عطف على جملة { الله الذي رفع السماوات } فبين الجملتين شبه التضاد . ~~اشتملت الأولى على ذكر العوالم العلوية وأحوالها ، واشتملت الثانية على ذكر ~~العوالم السفلية . والمعنى : أنه خالق جميع العوالم وأعراضها . | # والمد : البسط والسعة ، ومنه : ظل مديد ، ومنه مد البحر وجزره ، ومد يده ~~إذا بسطها . والمعنى ms4295 : خلق الأرض ممدودة متسعة للسير والزرع لأنه لو خلقها ~~أسنمة من حجر أو جبالا شاهقة متلاصقة لما تيسر للأحياء التي عليها الانتفاع ~~بها والسير من مكان إلى آخر في طلب الرزق وغيره . وليس المراد أنها كانت ~~غير ممدودة فمدها بل هو كقوله : { الله الذي رفع السماوات } ، فهذه خلقة ~~دالة على القدرة وعلى اللطف بعباده فهي آية ومنة . | # والرواسي : جمع راسس ، وهو الثابت المستقر . أي جبالا رواسي . وقد حذف ~~موصوفه لظهوره فهو كقوله : { وله الجواري } ، أي السفن الجارية . وسيأتي في ~~قوله : { وألقى في الأرض رواسي في سورة النحل ( 15 ) بأبسط مما هنا . | # وجيء في جمع راسس بوزن فواعل لأن الموصوف به غير عاقل ، ووزن فواعل يطرد ~~فيما مفرده صفة لغير عاقل مثل : صاهل وبازل . | # والاستدلال بخلق الجبال على عظيم القدرة لما في خلقها من العظمة المشاهدة ~~بخلاف خلقة المعادن والتراب فهي خفية ، كما قال تعالى : وإلى الجبال كيف ~~نصبت ( الغاشية : 19 ) . | PageV13P082 # والأنهار : جمع نهر ، وهو الوادي العظيم . وتقدم في سورة البقرة : إن ~~الله مبتليكم بنهر ( 249 ) . | # وقوله : ومن كل الثمرات } عطف على { أنهارا } فهو معمول ل { جعل فيها ~~رواسي } . ودخول { من } على { كل } جرى على الاستعمال العربي في ذكر أجناس ~~غير العاقل كقوله : { وبث فيها من كل دابة } . و { من } هذه تحمل على ~~التبعيض لأن حقائق الأجناس لا تنحصر والموجود منها ما هو إلا بعض جزئيات ~~الماهية لأن منها جزئيات انقضت ومنها جزئيات ستوجد . | # والمراد ب { الثمرات } هي وأشجارها . وإنما ذكرت { الثمرات } لأنها موقع ~~منة مع العبرة كقوله : { فأخرجنا به من كل الثمرات ( سورة الأعراف : 57 ) . ~~فينبغي الوقف على ومن كل الثمرات } ، وبذلك انتهى تعداد المخلوقات المتصلة ~~بالأرض . وهذا أحسن تفسيرا . ويعضده نظيره في قوله تعالى : { ينبت لكم به ~~الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم ~~يتفكرون في سورة النحل ( 11 ) . | # وقيل إن قوله : ومن كل الثمرات } ابتداء كلام . | # وتتعلق { من كل الثمرات } ب { جعل فيها زوجين اثنين } ، وبهذا فسر أكثر ~~المفسرين . ويبعده أنه لا نكتة ms4296 في تقديم الجار والمجرور على عامله على ذلك ~~التقدير ، لأن جميع المذكور محل اهتمام فلا خصوصية للثمرات هنا ، ولأن ~~الثمرات لا يتحقق فيها وجود أزواج ولا كون الزوجين اثنين . وأيضا فيه فوات ~~المنة بخلق الحيوان وتناسله مع أن منه معظم نفعهم ومعاشهم . ومما يقرب ذلك ~~قوله تعالى في نحو هذا المعنى { ألم نجعل الأرض مهادا والجبال أوتادا ~~وخلقناكم أزواجا ( النبأ : 6 8 ) . والمعروف أن الزوجين هما الذكر والأنثى ~~قال تعالى : فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى ( سورة القيامة : 39 ) . | # والظاهر أن جملة جعل فيها زوجين } مستأنفة للاهتمام بهذا الجنس من ~~المخلوقات وهو جنس الحيوان المخلوق صنفين ذكرا وأنثى أحدهما زوج ~~PageV13P083 مع الآخر . وشاع إطلاق الزوج على الذكر والأنثى من الحيوان كما ~~تقدم في قوله تعالى : { وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة في سورة البقرة ~~( 35 ) ، وقوله : وخلق منها زوجها في أول سورة النساء ( 1 ) ، وقوله : قلنا ~~احمل فيها من كل زوجين اثنين } . وأما قوله تعالى : { وأنبتنا فيها من كل ~~زوج بهيج ( ق : 7 ) فذلك إطلاق الزوج على الصنف بناء على شيوع إطلاقه على ~~صنف الذكر وصنف الأنثى فأطلق مجازا على مطلق صنف من غير ما يتصف بالذكورة ~~والأنوثة بعلاقة الإطلاق ، والقرينة قوله : أنبتنا } مع عدم التثنية ، كذلك ~~قوله تعالى : { فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى في سورة طه ( 53 ) . | # وتنكير زوجين } للتنويع ، أي جعل زوجين من كل نوع . ومعنى التثنية في ~~زوجين أن كل فرد من الزوج يطلق عليه زوج كما تقدم في قوله تعالى : { ثمانية ~~أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين الآية في سورة الأنعام ( 143 ) . | # والوصف بقوله : اثنين } للتأكيد تحقيقا للامتنان . | # { يغشى اليل النهار إن فى ذالك لآيات لقوم يتفكرون } | # جملة { يغشي } حال من ضمير { جعل } . وجيء فيه بالمضارع لما يدل عليه من ~~التجدد لأن جعل الأشياء المتقدم ذكرها جعل ثابت مستمر ، وأما إغشاء الليل ~~والنهار فهو أمر متجدد كل يوم وليلة . وهذا استدلال بأعراض أحوال الأرض . ~~وذكره مع آيات العالم السفلي في غاية الدقة العلمية لأن ms4297 الليل والنهار من ~~أعراض الكرة الأرضية بحسب اتجاهها إلى الشمس وليسا من أحوال السماوات إذ ~~الشمس والكواكب لا يتغير حالها بضياء وظلمة . | # وتقدم الكلام على نظير قوله : { يغشي الليل والنهار في أوائل سورة ~~الأعراف ( 54 ) . | # وقرأه الجمهور بسكون الغين وتخفيف الشين مضارع أغشى . وقرأه حمزة ~~والكسائي ، وأبو بكر عن عاصم ، ويعقوب ، وخلف بتشديد الشين مضارع غشى . | ~~PageV13P084 # وقوله : إن في ذلك لآيات } الإشارة إلى ما تقدم من قوله : { الله الذي ~~رفع السماوات ( الرعد : 2 ) إلى هنا بتأويل المذكور . | # وجعل الأشياء المذكورات ظروفا لآيات } لأن كل واحدة من الأمور المذكورة ~~تتضمن آيات عظيمة يجلوها النظر الصحيح والتفكير المجرد عن الأوهام . ولذلك ~~أجرى صفة التفكير على لفظ قوم إشارة إلى أن التفكير المتكرر المتجدد هو صفة ~~راسخة فيهم بحيث جعلت من مقومات قوميتهم ، أي جبلتهم كما بيناه في دلالة ~~لفظ { قوم } على ذلك عند قوله تعالى : { لآيات لقوم يعقلون في سورة البقرة ~~( 164 ) . | # وفي هذا إيماء إلى أن الذين نسبوا أنفسهم إلى التفكير من الطبائعيين ~~فعللوا صدور الموجودات عن المادة ونفوا الفاعل المختار ما فكروا إلا تفكيرا ~~قاصرا مخلوطا بالأوهام ليس ما تقتضيه جبلة العقل إذ اشتبهت عليهم العلل ~~والمواليد ، بأصل الخلق والإيجاد . | # وجيء في التفكير بالصيغة الدالة على التكلف وبصيغة المضارع للإشارة إلى ~~تفكير شديد ومكرر . | # والتفكير تقدم عند قوله تعالى : أفلا تتفكرون في سورة الأنعام ( 50 ) . | # | 2 ( 4 ) { وفى الارض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان ~~وغير صنوان يسقى بمآء واحد ونفضل بعضها على بعض فى الاكل إن فى ذالك لآيات ~~لقوم يعقلون } ) 2 # بلاغة القرآن في تغيير الأسلوب عند الانتقال إلى ذكر النعم الدالة على ~~قدرة الله تعالى فيما ألهم الناس من العمل في الأرض بفلحها وزرعها وغرسها ~~PageV13P085 والقيام عليها ، فجاء ذلك معطوفا على الأشياء التي أسند جعلها ~~إلى الله تعالى ، ولكنه لم يسند إلى الله حتى بلغ إلى قوله : { ونفضل بعضها ~~على بعض في الأكل } ، لأن ذلك بأسرار أودعها الله تعالى فيها هي موجب ~~تفاضلها . وأمثال هذه ms4298 العبر ، ولفتت النظر مما انفرد به القرآن من بين سائر ~~الكتب . | # وأعيد اسم { الأرض } الظاهر دون ضميرها الذي هو المقتضى ليستقل الكلام ~~ويتجدد الأسلوب ، وأصل انتظام الكلام أن يقال : جعل فيها زوجين اثنين ، ~~وفيها قطع متجاورات ، فعدل إلى هذا توضيحا وإيجازا . | # والقطع : جمع قطعة بكسر القاف ، وهي الجزء من الشيء تشبيها لها بما يقتطع ~~. وليس وصف القطع بمتجاورات مقصودا بالذات في هذا المقام إذ ليس هو محل ~~العبرة بالآيات ، بل المقصود وصف محذوف دل عليه السياق تقديره ؛ مختلفات ~~الألوان والمنابت ، كما دل عليه قوله : { ونفضل بعضها على بعض في الأكل } . ~~| # وإنما وصفت بمتجاورات لأن اختلاف الألوان والمنابت مع التجاور أشد دلالة ~~على القدرة العظيمة ، وهذا كقوله تعالى : { ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ~~ألوانها وغرابيب سود ( فاطر : 27 ) . | # فمعنى قطع متجاورات } بقاع مختلفة مع كونها متجاورة متلاصقة . | # والاقتصار على ذكر الأرض وقطعها يشير إلى اختلاف حاصل فيها عن غير صنع ~~الناس وذلك اختلاف المراعي والكلأ . ومجرد ذكر القطع كاف في ذلك فأحالهم ~~على المشاهدة المعروفة من اختلاف منابت قطع الأرض من الأب والكلإ وهي مراعي ~~أنعامهم ودوابهم ، ولذلك لم يقع التعرض هنا لاختلاف أكله إذ لا مذاق للآدمي ~~فيه ولكنه يختلف شرعه بعض الحيوان على بعضه دون بعض . | # وتقدم الكلام على { وجنات من أعناب } عند قوله تعالى : { ومن النخل من ~~طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب ( الأنعام : 99 ) . | PageV13P086 # والزرع تقدم في قوله : والنخل والزرع مختلفا أكله ( الأنعام : 141 ) . | # والنخيل : اسم جمع نخلة مثل النخل ، وتقدم في تلك الآية ، وكلاهما في ~~سورة الأنعام . | # والزرع يكون في الجنات يزرع بين أشجارها . | # وقرأ الجمهور وزرع ونخيل } بالجر عطفا على { أعناب } ، وقرأ ابن كثير ، ~~وأبو عمرو ، وحفص ، ويعقوب بالرفع عطفا على { جنات } . والمعنى واحد لأن ~~الزرع الذي في الجنات مساو للذي في غيرها فاكتفي به قضاء لحق الإيجاز . ~~وكذلك على قراءة الرفع هو يغني عن ذكر الزرع الذي في الجنات ، والنخل لا ~~يكون إلا في جنات . | # وصنوان : جمع صنو بكسر الصاد في الأفصح فيهما ms4299 وهي لغة الحجاز ، وبضمها ~~فيهما أيضا وهي لغة تميم وقيسس . والصنو : النخلة المجتمعة مع نخلة أخرى ~~نابتتين في أصل واحد أو نخلات . الواحد صنو والمثنى صنوانن بدون تنوين ، ~~والجمع صنوان بالتنوين جمع تكسير . وهذه الزنة نادرة في صيغ أو الجموع في ~~العربية لم يحفظ منها إلا خمسة جموع : صنو وصنوان ، وقنو وقنوان ، وزيد ~~بمعنى مثل وزيدانن ، وشقذ ( بذال معجمة اسم الحرباء ) وشقذان ، وحش ( بمعنى ~~بستان ) وحشانن . | # وخص النخل بذكر صفة صنوان لأن العبرة بها أقوى . ووجه زيادة { وغير صنوان ~~} تجديد العبرة باختلاف الأحوال . | # وقرأ الجمهور { صنوان وغير صنوان } بجر { صنوان } وجر { وغير } عطفا على ~~{ زرع } . وقرأهما ابن كثير ، وأبو عمرو ، وحفص ، ويعقوب بالرفع عطفا على { ~~وجنات } . | # والسقي : إعطاء المشروب . والمراد بالماء هنا ماء المطر وماء الأنهار وهو ~~واحد بالنسبة للمسقى ببعضه . | PageV13P087 # والتفضيل : منة بالأفضل وعبرة به وبضده وكناية عن الاختلاف . | # وقرأ الجمهور { تسقى } بفوقية اعتبارا بجمع { جنات } ، وقرأه ابن عامر ، ~~وعاصم ، ويعقوب { يسقى } بتحتية على تأويل المذكور . | # وقرأ الجمهور { ونفضل } بنون العظمة ، وقرأه حمزة ، والكسائي ، وخلف { ~~ويفضل } بتحتية . والضمير عائد إلى اسم الجلالة في قوله : { الله الذي رفع ~~السماوات بغير عمد } . وتأنيث { بعضها } عند من قرأ { يسقى } بتحتية دون أن ~~يقول بعضه لأنه أريد يفضل بعض الجنات على بعض في الثمرة . | # والأكل : بضم الهمزة وسكون الكاف هو المأكول . ويجوز في اللغة ضم الكاف . ~~| # وظرفية التفضيل في { الأكل } ظرفية في معنى الملابسة لأن التفاضل يظهر ~~بالمأكول ، أي نفضل بعض الجنات على بعض أو بعض الأعناب والزرع والنخيل على ~~بعض من جنسه بما يثمره . والمعنى أن اختلاف طعومه وتفاضلها مع كون الأصل ~~واحدا والغذاء بالماء واحدا ما هو إلا لقوى خفية أودعها الله فيها فجاءت ~~آثارها مختلفة . | # ومن ثم جاءت جملة { إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون } مجيء التذييل . | # وأشار قوله : { ذلك } إلى جميع المذكور من قوله : { وهو الذي مد الأرض ( ~~سورة الرعد : 3 ) . وقد جعل جميع المذكور بمنزلة الظرف للآيات . وجعلت ~~دلالته على انفراده تعالى بالإلهية دلالات كثيرة إذ في كل ms4300 شيء منها آية تدل ~~على ذلك . | # ووصفت الآيات بأنها من اختصاص الذين يعقلون تعريضا بأن من لم تقنعهم تلك ~~الآيات منزلون منزلة من لا يعقل . وزيد في الدلالة على أن العقل سجية للذين ~~انتفعوا بتلك الآيات بإجراء وصف العقل على كلمة قوم } إيماء إلى أن العقل ~~من مقومات قوميتهم كما بيناه في الآية قبلها . | # | PageV13P088 # | 2 ( 5 ) { وإن تعجب فعجب قولهم أءذا كنا ترابا أءنا لفى خلق جديد ~~أولائك الذين كفروا بربهم وأولئك الاغلال فى أعناقهم وأولائك أصحاب النار ~~هم فيها خالدون } ) 2 # | $ # عطف على جملة { الله الذي رفع السماوات بغير عمد ( الرعد : 2 ) فلما قضي ~~حق الاستدلال على الوحدانية نقل الكلام إلى الرد على منكري البعث وهو غرض ~~مستقل مقصود من هذه السورة . وقد أدمج ابتداء خلال الاستدلال على الوحدانية ~~بقوله : لعلكم بلقاء ربكم توقنون ( الرعد : 2 ) تمهيدا لما هنا ، ثم نقل ~~الكلام إليه باستقلاله بمناسبة التدليل على عظيم القدرة مستخرجا من الأدلة ~~السابقة عليه أيضا كقوله : أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد ~~( ق : 15 ) وقوله : إنه على رجعه لقادر ( سورة الطارق : 8 ) فصيغ بصيغة ~~التعجيب من إنكار منكري البعث لأن الأدلة السالفة لم تبق عذرا لهم في ذلك ~~فصار في إنكارهم محل عجب المتعجب . | # فليس المقصود من الشرط في مثل هذا تعليق حصول مضمون جواب الشرط على حصول ~~فعل الشرط كما هو شأن الشروط لأن كون قولهم : أإذا كنا ترابا } عجبا أمر ~~ثابت سواء عجب منه المتعجب أم لم يعجب ، ولكن المقصود أنه إن كان اتصاف ~~بتعجب فقولهم ذلك هو أسبق من كل عجب لكل متعجب ، ولذلك فالخطاب يجوز أن ~~يكون موجها إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو المناسب بما وقع بعده من قوله ~~: { ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة ( الرعد : 6 ) وما بعده من الخطاب الذي ~~لا يصلح لغير النبي . ويجوز أن يكون الخطاب هنا لغير معين مثل ولو ترى إذ ~~المجرمون ناكسوا رؤوسهم ( السجدة : 12 ) . | # والفعل الواقع في سياق الشرط لا يقصد تعلقه بمعمول ms4301 معين فلا يقدر : إن ~~تعجب من قول أو إن تعجب من إنكار ، بل ينزل الفعل منزلة اللازم ولا يقدر له ~~مفعول . والتقدير : إن يكن منك تعجب فاعجب من قولهم الخ . . . . | ~~PageV13P089 # على أن وقوع الفعل في سياق الشرط يشبه وقوعه في سياق النفي فيكون لعموم ~~المفاعيل في المقام الخطابي ، أي إن تعجب من شيء فعجب قولهم . ويجوز أن ~~تكون جملة وإن تعجب } الخ عطفا على جملة { ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ( ~~سورة الرعد : 1 ) . فالتقدير : إن تعجب من عدم إيمانهم بأن القرآن منزل من ~~الله ، فعجب إنكارهم البعث . | # وفائدة هذا هو التشويق لمعرفة المتعجب منه تهويلا له أو نحوه ، ولذلك ~~فالتنكير في قوله : فعجب } للتنويع لأن المقصود أن قولهم ذلك صالح للتعجيب ~~منه ، ثم هو يفيد معنى التعظيم في بابه تبعا لما أفاده التعليق بالشرط من ~~التشويق . | # والاستفهام في { أإذا كنا ترابا } إنكاري ، لأنهم موقنون بأنهم لا يكونون ~~في خلق جديد بعد أن يكونوا ترابا . والقول المحكي عنهم فهو في معنى ~~الاستفهام عن مجموع أمرين وهما كونهم : ترابا ، وتجديد خلقهم ثانية . ~~والمقصود من ذلك العجب والإحالة . | # وقرأ الجمهور : { أإذا كنا } بهمزة استفهام في أوله قبل همزة { إذا } . ~~وقرأه ابن عامر بحذف همزة الاستفهام . | # وقرأ الجمهور : { أإنا لفي خلق جديد } بهمزة استفهام قبل همزة { إنا } . ~~وقرأه نافع وابن عامر وأبو جعفر بحذف همزة الاستفهام . | # والإشارة بقوله : { أولئك الذين كفروا بربهم } للتنبيه على أنهم أحرياء ~~بما سيرد بعد اسم الإشارة من الخبر لأجل ما سبق اسم الإشارة من قولهم : { ~~أإذا كنا ترابا أإنا لفي خلق جديد } بعد أن رأوا دلائل الخلق الأول فحق ~~عليهم بقولهم ذلك حكمان : أحدهما أنهم كفروا بربهم لأن قولهم : { أإذا كنا ~~ترابا أإنا لفي خلق جديد } لا يقوله إلا كافر بالله . أي بصفات إلاهيته إذ ~~جعلوه غير قادر على إعادة خلقه ؛ وثانيهما استحقاقهم العذاب . | ~~PageV13P090 # وعطف على هذه الجملة جملة { وأولئك الأغلال في أعناقهم } مفتتحة باسم ~~الإشارة لمثل الغرض الذي افتتحت به الجملة قبلها فإن مضمون الجملتين اللتين ~~قبلها يحقق ms4302 أنهم أحرياء بوضع الأغلال في أعناقهم وذلك جزاء الإهانة . وكذلك ~~عطف جملة { وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } . | # وقوله : { الأغلال في أعناقهم } وعيد بسوقهم إلى الحساب سوق المذلة ~~والقهر ، وكانوا يضعون الأغلال للأسرى المثقلين ، قال النابغة : | # أو حرة كمهاة الرمل قد كبلت | # فوق المعاصم منها والعراقيب | # تدعو قعينا وقد عض الحديد بها | # عض الثقاف على صم الأنابيب | # والأغلال : مع غل بضم الغين ، وهو القيد الذي يوضع في العنق ، وهو أشد ~~التقييد . قال تعالى : { إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل ( غافر : 71 ) . | # وإعادة اسم الإشارة ثلاثا للتهويل . | # وجملة هم فيها خالدون } بيان لجملة أصحاب النار . | # | 2 ( 6 ) { ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات وإن ~~ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب } ) 2 # جملة { ويستعجلونك } عطف على جملة { وإن تعجب } ( الرعد : 5 ) ، لأن كلتا ~~الجملتين حكاية لغريب أحوالهم في المكابرة والعناد والاستخفاف بالوعيد . ~~فابتدأ بذكر تكذيبهم بوعيد الآخرة لإنكارهم البعث ، ثم عطف عليه تكذيبهم ~~بوعيد الدنيا لتكذيبهم الرسول صلى الله عليه وسلم وفي الاستخفاف بوعيد نزول ~~العذاب وعدهم إياه مستحيلا في حال أنهم شاهدوا آثار العذاب النازل ~~PageV13P091 بالأمم قبلهم ، وما ذلك إلا لذهولهم عن قدرة الله تعالى التي ~~سيق الكلام للاستدلال عليها والتفريع عنها ، فهم يستعجلون بنزوله بهم ~~استخفافا واستهزاء كقولهم : { فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب ~~أليم ( الأنفال : 32 ) ، وقولهم : أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا ( ~~الإسراء : 93 ) . | # والباء في بالسيئة } لتعدية الفعل إلى ما لم يكن يتعدى إليه . وتقدم عند ~~قوله تعالى : { ما عندي ما تستعجلون به في سورة الأنعام ( 57 ) . | # والسيئة : الحالة السيئة . وهي هنا المصيبة التي تسوء من تحل به . ~~والحسنة ضدها ، أي أنهم سألوا من الآيات ما فيه عذاب بسوء ، كقولهم : إن ~~كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء } ( الأنفال : 32 ) ~~دون أن يسألوا آية من الحسنات . | # فهذه الآية نزلت حكاية لبعض أحوال سؤالهم الظانين أنه تعجيز ، والدالين ~~به على التهكم بالعذاب . | # وقبلية السيئة قبلية ms4303 اعتبارية ، أي مختارين السيئة دون الحسنة . وسيأتي ~~تحقيقه عند قوله تعالى : { قال يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة في ~~سورة النمل ( 46 ) فانظره . | # وجملة وقد خلت من قبلهم المثلات } في موضع الحال . وهو محل زيادة التعجيب ~~لأن ذلك قد يعذرون فيه لو كانوا لم يروا آثار الأمم المعذبة مثل عاد وثمود ~~. | # والمثلات بفتح الميم وضم المثلثة : جمع مثلة بفتح الميم وضم الثاء كسمرة ~~، وبضم الميم وسكون الثاء كعرفة : وهي العقوبة الشديدة التي تكون مثالا ~~تمثل به العقوبات . | # وجملة { وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم } عطف على جملة { وقد خلت من ~~قبلهم المثلات } . وهذا كشف لغرورهم بتأخير العذاب عنهم لأنهم لما ~~PageV13P092 استهزأوا بالنبي صلى الله عليه وسلم وتعرضوا لسؤال حلول العذاب ~~بهم ورأوا أنه لم يعجل لهم حلوله اعترتهم ضراوة بالتكذيب وحسبوا تأخير ~~العذاب عجزا من المتوعد وكذبوا النبي صلى الله عليه وسلم وهم يجهلون أن ~~الله حليم يمهل عباده لعلهم يرجعون ، فالمغفرة هنا مستعملة في المغفرة ~~الموقتة ، وهي التجاوز عن ضراوة تكذيبهم وتأخير العذاب إلى أجل ، كما قال ~~تعالى : { ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحسبه ألا يوم ~~يأتيهم ليس مصروفا عنهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون ( سورة النحل : 34 ) ~~. | # وقرينة ذلك أن الكلام جار على عذاب الدنيا وهو الذي يقبل التأخير كما قال ~~تعالى : إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون ( الدخان : 15 ) ، أي عذاب ~~الدنيا ، وهو الجوع الذي أصيب به قريش بعد أن كان يطعمهم من جوع . | # وعلى } في قوله : { على ظلمهم } بمعنى { مع } . | # وسياق الآية يدل على أن المراد بالمغفرة هنا التجاوز عن المشركين في ~~الدنيا بتأخير العقاب لهم إلى أجل أراده الله أو إلى يوم الحساب ، وأن ~~المراد بالعقاب في قوله : { وإن ربك لشديد العقاب } ضد تلك المغفرة وهو ~~العقاب المؤجل في الدنيا أو عقاب يوم الحساب ، فمحمل الظلم على ما هو ~~المشهور في اصطلاح القرآن من إطلاقه على الشرك . | # ويجوز أن يحمل الظلم على ارتكاب الذنوب بقرينة السياق كإطلاقه في ms4304 قوله ~~تعالى : { فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم ( سورة النساء ~~: 160 ) فلا تعارض أصلا بين هذا المحمل وبين قوله : إن الله لا يغفر أن ~~يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ( النساء : 48 ) كما هو ظاهر . | # وفائدة هذه العلاوة إظهار شدة رحمة الله بعباده في الدنيا كما قال : ولو ~~يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل ~~مسمى ( فاطر : 45 ) . | PageV13P093 # وجملة وإن ربك لشديد العقاب } احتراس لئلا يحسبوا أن المغفرة المذكورة ~~مغفرة دائمة تعريضا بأن العقاب حال بهم من بعد . | # | 2 ( 7 ) { ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه إنمآ أنت منذر ~~ولكل قوم هاد } ) 2 # | $ # عطف على جملة { ويستعجلونك بالسيئة } الآية . وهذه حالة من أعجوباتهم وهي ~~عدم اعتدادهم بالآيات التي تأيد بها محمد صلى الله عليه وسلم وأعظمها آيات ~~القرآن ، فلا يزالون يسألون آية كما يقترحونها ، فله اتصال بجملة { ولكن ~~أكثر الناس لا يؤمنون ( هود : 17 ) . | # ومرادهم بالآية في هذا خارق عادة على حساب ما يقترحون ، فهي مخالفة لما ~~تقدم في قوله : ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة } لأن تلك في تعجيل ما ~~توعدهم به ، وما هنا في مجيء آية تؤيده كقولهم : { لولا أنزل عليه ملك ( ~~الأنعام : 8 ) . | # ولكون اقتراحهم آية يشف عن إحالتهم حصولها لجهلهم بعظيم قدرة الله تعالى ~~سيق هذا في عداد نتائج عظيم القدرة ، كما دل عليه قوله تعالى في سورة ~~الأنعام : وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل ~~آية ولكن أكثرهم لا يعلمون ( الأنعام : 36 ) فبذلك انتظم تفرع الجمل بعضها ~~على بعض وتفرع جميعها على الغرض الأصلي . | # والذين كفروا هم عين أصحاب ضمير يستعجلونك } ، وإنما عدل عن ضميرهم إلى ~~اسم الموصول لزيادة تسجيل الكفر عليهم ، ولما يومىء إليه الموصول من تعليل ~~صدور قولهم ذلك . | PageV13P094 # وصيغة المضارع تدل على تجدد ذلك وتكرره . | # و { لولا } حرف تحضيض . يموهون بالتحضيض أنهم حريصون وراغبون في نزول آية ~~غير القرآن ليؤمنوا ، وهم ms4305 كاذبون في ذلك إذ لو أوتوا آية كما يقترحون ~~لكفروا بها ، كما قال تعالى : { وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها ~~الأولون ( الإسراء : 59 ) . | # وقد رد الله اقتراحهم من أصله بقوله : إنما أنت منذر } ، فقصر النبي صلى ~~الله عليه وسلم على صفة الإنذار وهو قصر إضافي ، أي أنت منذر لا موجد خوارق ~~عاد . وبهذا يظهر وجه قصره على الإنذار دون البشارة لأنه قصر إضافي بالنسبة ~~لأحواله نحو المشركين . | # وجملة { ولكل قوم هاد } تذييل بالأعم ، أي إنما أنت منذر لهؤلاء لهدايتهم ~~، ولكل قوم هاد أرسله الله ينذرهم لعلهم يهتدون ، فما كنت بدعا من الرسل ~~وما كان للرسل من قبلك آيات على مقترح أقوامهم بل كانت آياتهم بحسب ما أراد ~~الله أن يظهر على أيديهم . على أن معجزات الرسل تأتي على حسب ما يلائم حال ~~المرسل إليهم . | # ولما كان الذين ظهرت بينهم دعوة محمد صلى الله عليه وسلم عربا أهل فصاحة ~~وبلاغة جعل الله معجزته العظمى القرآن بلسان عربي مبين . وإلى هذا المعنى ~~يشير قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ؛ ( ما من الأنبياء ~~نبيء إلا أوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر وإنما كان الذي أوتيت وحيا ~~أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة ) . | # وبهذا العموم الحاصل بالتذييل والشامل للرسول عليه الصلاة والسلام صار ~~المعنى إنما أنت منذر لقومك هاد إياهم إلى الحق ، فإن الإنذار والهدي ~~متلازمان فما من إنذار إلا وهو هداية وما من هداية إلا وفيها إنذار ، ~~والهداية أعم من الإنذار ففي هذا احتباك بديع . | PageV13P095 # وقرأ الجمهور { هاد } بدون ياء في آخره في حالتي الوصل والوقف . أما في ~~الوصل فلالتقاء الساكنين سكون الياء وسكون التنوين الذي يجب النطق به في ~~حالة الوصل ، وأما في حالة الوقف فتبعا لحالة الوصل ، وهو لغة فصيحة وفيه ~~متابعة رسم المصحف . | # وقرأه ابن كثير في الوصل مثل الجمهور . وقرأه بإثبات الياء في الوقف ~~لزوال موجب حذف الياء وهو لغة صحيحة . | # | 2 ( 8 ، 9 ) { الله يعلم ما ms4306 تحمل كل أنثى وما تغيض الارحام وما تزداد ~~وكل شىء عنده بمقدار * عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال } ) 2 # انتقال إلى الاستدلال على تفرد الله تعالى بالإلهية ، فهو متصل بجملة { ~~الله الذي رفع السماوات ( الرعد : 2 ) الخ . | # وهذه الجملة استئناف ابتدائي . فلما قامت البراهين العديدة بالآيات ~~السابقة على وحدانية الله تعالى بالخلق والتدبير وعلى عظيم قدرته التي أودع ~~بها في المخلوقات دقائق الخلقة انتقل الكلام إلى إثبات العلم له تعالى علما ~~عاما بدقائق الأشياء وعظائمها ، ولذلك جاء افتتاحه على الأسلوب الذي افتتح ~~به الغرض السابق بأن ابتدىء باسم الجلالة كما ابتدىء به هنالك في قوله : ~~الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ( الرعد : 2 ) . | # وجعلت هذه الجملة في هذا الموقع لأن لها مناسبة بقولهم : لولا أنزل عليه ~~آية من ربه } ، فإن ما ذكر فيها من علم الله وعظيم صنعه صالح لأن يكون ~~دليلا على أنه لا يعجزه الإتيان بما اقترحوا من الآيات ؛ ولكن بعثة الرسول ~~ليس المقصد منها المنازعات بل هي دعوة للنظر في الأدلة . | PageV13P096 # وإذ قد كان خلق الله العوالم وغيرها معلوما لدى المشركين ولكن الإقبال ~~على عبادة الأصنام يذهلهم عن تذكره كانوا غير محتاجين لأكثر من التذكير ~~بذلك وبالتنبيه إلى ما قد يخفى من دقائق التكوين كقوله آنفا { بغير عمد } ( ~~الرعد : 2 ) وقوله : { وفي الأرض قطع متجاورات ( الرعد : 4 ) الخ ؛ صيغ ~~الإخبار عن الخلق في آية : الله الذي رفع السماوات } ( الرعد : 2 ) الخ ~~بطريقة الموصول للعلم بثبوت مضمون الصلة للمخبر عنه . | # وجيء في تلك الصلة بفعل المضي فقال : { الله الذي رفع السماوات كما أشرنا ~~إليه آنفا . فأما هنا فصيغ الخبر بصيغة المضارع المفيد للتجدد والتكرير ~~لإفادة أن ذلك العلم متكرر متجدد التعلق بمقتضى أحوال المعلومات المتنوعة ~~والمتكاثرة على نحو ما قرر في قوله : يدبر الأمر يفصل الآيات ( الرعد : 2 ) ~~. | # وذكر من معلومات الله ما لا نزاع في أنه لا يعلمه أحد من الخلق يومئذ ولا ~~تستشار فيه آلهتهم على وجه المثال بإثبات الجزئي لإثبات الكلي ، فما تحمل ~~كل أنثى ms4307 هي أجنة الإنسان والحيوان . ولذلك جيء بفعل الحمل دون الحبل ~~لاختصاص الحبل بحمل المرأة . | # وما } موصولة ، وعمومها يقتضي علم الله بحال الحل الموجود من ذكورة ~~وأنوثة ، وتمام ونقص ، وحسن وقبح ، وطول وقصر ، ولون . | # وتغيض : تنقص ، والظاهر أنه كناية عن العلوق لأن غيض الرحم انحباس دم ~~الحيض عنها ، وازديادها : فيضان الحيض منها . ويجوز أن يكون الغيض مستعارا ~~لعدم التعدد . | # والازدياد : التعدد أي ما يكون في الأرحام من جنين واحد أو عدة أجنة وذلك ~~في الإنسان والحيوان . | # وجملة { وكل شيء عنده بمقدار } معطوفة على جملة { يعلم ما تحمل كل أنثى } ~~. فالمراد بالشيء الشيء من المعلومات . و { عنده } يجوز أن يكون ~~PageV13P097 خبرا عن { وكل شيء } و { بمقدار } في موضع الحال من { وكل شيء ~~} . ويجوز أن يكون { بمقدار } في موضع الحال من مقدار ويكون { بمقدار } ~~خبرا عن { كل شيء } . | # والمقدار : مصدر ميمي بقرينة الباء ، أي بتقدير ، ومعناه : التحديد ~~والضبط . والمعنى أنه يعلم كل شيء علما مفصلا لا شيوع فيه ولا إبهام . وفي ~~هذا رد على الفلاسفة غير المسلمين القائلين أن واجب الوجود يعلم الكليات ~~ولا يعلم الجزئيات فرارا من تعلق العلم بالحوادث . وقد أبطل مذهبهم علماء ~~الكلام بما ليس فوقه مرام . وهذه قضية كلية أثبتت عموم علمه تعالى بعد أن ~~وقع إثبات العموم بطريقة التمثيل بعلمه بالجزئيات الخفية في قوله : { الله ~~يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد } . | # وجملة { عالم الغيب والشهادة } تذييل وفذلكة لتعميم العلم بالخفيات ~~والظواهر وهما قسما الموجودات . وقد تقدم ذكر { الغيب في صدر سورة البقرة ( ~~4 ) . | # وأما الشهادة } فهي هنا مصدر بمعنى المفعول ، أي الأشياء المشهودة ، وهي ~~الظاهرة المحسوسة ، المرئيات وغيرها من المحسوسات ، فالمقصود من { الغيب ~~والشهادة } تعميم الموجودات كقوله : { فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون ( ~~الحاقة : 38 39 ) . | # والكبير : مجاز في العظمة ، إذ قد شاع استعمال أسماء الكثرة وألفاظ الكبر ~~في العظمة تشبيها للمعقول بالمحسوس وشاع ذلك حتى صار كالحقيقة . والمتعالي ~~: المترفع . وصيغت الصفة بصيغة التفاعل للدلالة على أن العلو صفة ذاتية له ~~لا من ms4308 غيره ، أي الرفيع رفعة واجبة له عقلا . والمراد بالرفعة هنا المجاز ~~عن العزة التامة بحيث لا يستطيع موجود أن يغلبه أو يكرهه ، أو المنزه عن ~~النقائص كقوله عز وجل تعالى عما يشركون ( النحل : 3 ) . | # وحذف الياء من المتعال } لمرعاة الفواصل الساكنة لأن الأفصح في ~~PageV13P098 المنقوص غير المنون إثبات الياء في الوقف إلا إذا وقعت في ~~القافية أو في الفواصل كما في هذه الآية لمراعاة { من وال } ( الرعد : 11 ) ~~، و { الآصال } ( الرعد : 15 ) . | # وقد ذكر سيبويه أن ما يختار إثباته من الياءات والواوات يحذف في الفواصل ~~والقوافي ، والإثبات أقيس والحذف عربي كثير . | # | 2 ( 10 ) { سوآء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف باليل ~~وسارب بالنهار } ) 2 # موقع هذه الجملة استئناف بياني لأن مضمونها بمنزلة النتيجة لعموم علم ~~الله تعالى بالخفيات والظواهر . وعدل عن الغيبة المتبعة في الضمائر فيما ~~تقدم إلى الخطاب هنا في قوله : { سواء منكم } لأنه تعليم يصلح للمؤمنين ~~والكافرين . | # وفيها تعريض بالتهديد للمشركين المتآمرين على النبي صلى الله عليه وسلم | # و { سواء } اسم بمعنى مستو . وإنما يقع معناه بين شيئين فصاعدا . واستعمل ~~سواء في الكلام ملازما حالة واحدة فيقال : هما سواء وهم سواء ، قال تعالى : ~~{ فأنتم فيه سواء } . وموقع سواء هنا موقع المبتدأ . و { من أسر القول } ~~فاعل سد مسد الخبر ، ويجوز جعل { سواء } خبرا مقدما و { من أسر } مبتدأ ~~مؤخرا و { منكم } حال { من أسر } . | # والاستخفاء : هنا الخفاء ، فالسين والتاء للمبالغة في الفعل مثل استجاب . ~~| # والسارب : اسم فاعل من سرب إذا ذهب في السرب بفتح السين وسكون الراء وهو ~~الطريق . وهذا من الأفعال المشتقة من الأسماء الجامدة . وذكر الاستخفاء مع ~~الليل لكونه أشد خفاء ، وذكر السروب مع النهار لكونه أشد ظهورا . والمعنى : ~~أن هذين الصنفين سواء لدى علم الله تعالى . | PageV13P099 # والواو التي عطفت أسماء الموصول على الموصول الأول للتقسيم فهي بمعنى { ~~أو } . | # | 2 ( 11 ) { له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله إن ~~الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ms4309 وإذآ أراد الله بقوم سو ءا فلا ~~مرد له وما لهم من دونه من وال } ) 2 # | $ # جملة { له معقبات } إلى آخرها ، يجوز أن تكون متصلة ب { من } الموصولة من ~~قوله : { من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار ( ~~الرعد : 10 ) . على أن الجملة خبر ثانن عن من أسر القول } وما عطف عليه . | # والضمير في { له } والضمير المنصوب في { يحفظونه } ، وضميرا { من بين ~~يديه ومن خلفه } جاءت مفردة لأن كلا منها عائد إلى أحد أصحاب تلك الصلات ~~حيث إن ذكرهم ذكر أقسام من الذين جعلوا سواء في علم الله تعالى ، أي لكل من ~~أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار معقبات يحفظونه من ~~غوائل تلك الأوقات . | # ويجوز أن تتصل الجملة ب { من هو مستخف بالليل وسارب بالنهار ( الرعد : 10 ~~) ، وإفراد الضمير لمراعاة عطف صلة على صلة دون إعادة الموصول . والمعنى ~~كالوجه الأول . | # و ( المعقبات ) جمع معقبة بفتح العين وتشديد القاف مكسورة اسم فاعل عقبه ~~إذا تبعه . وصيغة التفعيل فيه للمبالغة في العقب . يقال : عقبه إذا اتبعه ~~واشتقاته من العقب يقال فكسر وهو اسم لمؤخر الرجل فهو فعل مشتق من الاسم ~~الجامد لأن الذي يتبع غيره كأنه يطأ على عقبه ، والمراد : ملائكة معقبات . ~~والواحد معقب . | # وإنما جمع جمع مؤنث بتأويل الجماعات . | PageV13P100 # والحفظ : المراقبة ، ومنه سمي الرقيب حفيظا . والمعنى : يراقبون كل أحد ~~في أحواله من إسرار وإعلان ، وسكون وحركة ، أي في أحوال ذلك ، قال تعالى : ~~وإن عليكم لحافظين } ( الانفطار : 10 ) . | # و { من بين يديه ومن خلفه } مستعمل في معنى الإحاطة من الجهات كلها . | # وقوله : { من أمر الله } صفة { معقبات } ، أي جماعات من جند الله وأمره ، ~~كقوله تعالى : { قل الروح من أمر ربي ( الإسراء : 85 ) وقوله : وكذلك ~~أوحينا إليك روحا من أمرنا } ( الشورى : 52 ) يعني القرآن . | # ويجوز أن يكون الحفظ على الوجه الثاني مرادا به الوقاية والصيانة ، أي ~~يحفظون من هو مستخف بالليل وسارب بالنهار ، أي يقونه أضرار الليل من اللصوص ~~وذوات السموم ، وأضرار النهار نحو ms4310 الزحام والقتال ، فيكون { من أمر الله } ~~جارا ومجرورا لغوا متعلقا ب { يحفظونه } ، أي يقونه من مخلوقات الله . وهذا ~~منة على العباد بلطف الله بهم وإلا لكان أدنى شيء يضر بهم . قال تعالى : { ~~الله لطيف بعباده ( سورة الشورى : 19 ) . | # جملة معترضة بين الجمل المتقدمة المسوقة للاستدلال على عظيم قدرة الله ~~تعالى وعلمه بمصنوعاته وبين التذكير بقوة قدرته وبين جملة هو الذي يريكم ~~البرق خوفا وطمعا ( سورة الرعد : 12 ) . والمقصود تحذيرهم من الإصرار على ~~الشرك بتحذيرهم من حلول العقاب في الدنيا في مقابلة استعجالهم بالسيئة قبل ~~الحسنة ، ذلك أنهم كانوا في نعمة من العيش فبطروا النعمة وقابلوا دعوة ~~الرسول بالهزء وعاملوا المؤمنين بالتحقير وقالوا لو نزل هذا القرآن على رجل ~~من القريتين عظيم ( الزخرف : 31 ) وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم ~~قليلا ( المزمل : 11 ) . | PageV13P101 # فذكرهم الله بنعمته عليهم ونبههم إلى أن زوالها لا يكون إلا بسبب أعمالهم ~~السيئة بعد ما أنذرهم ودعاهم . | # والتغيير : التبديل بالمغاير ، فلا جرم أنه تديد لأولي النعمة من ~~المشركين بأنهم قد تعرضوا لتغييرها . فما صدق ما إن الله لا يغير ما بقوم ~~حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذآ أراد الله بقوم سو ءا فلا مرد له وما لهم من ~~دونه من وال } الموصولة حالة ، والباء للملابسة ، أي حالة ملابسة لقوم ، أي ~~حالة نعمة لأنها محل التحذير من التغيير ، وأما غيرها فتغييره مطلوب . ~~وأطلق التغيير في قوله : { حتى يغيروا } على التسبب فيه على طريقة المجاز ~~العقلي . | # وجملة { وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له } تصريح بمفهوم الغاية ~~المستفاد من { حتى يغيروا ما بأنفسهم } تأكيدا للتحذير . لأن المقام لكونه ~~مقام خوف ووجل يقتضي التصريح دون التعريض ولا ما يقرب منه ، أي إذا أراد ~~الله أن يغير ما بقوم حين يغيرون ما بأنفهسم لا يرد إرادته شيء . وذلك ~~تحذير من الغرور أن يقولوا : سنسترسل على ما نحن فيه فإذا رأينا العذاب ~~آمنا . وهذا كقوله : { فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس ( ~~سورة يونس : 98 ) الآية . | # وجملة وما لهم من دونه ms4311 من وال } زيادة في التحذير من الغرور لئلا يحسبوا ~~أن أصنامهم شفعاؤهم عند الله . | # والوالي : الذي يلي أمر أحد ، أي يشتغل بأمره اشتغال تدبير ونفع ، مشتق ~~من ولي إذا قرب ، وهو قرب ملابسة ومعالجة . | # وقرأ الجمهور { من وال } بتنوين { وال } دون ياء في الوصل والوقف . وقرأه ~~ابن كثير بياء بعد اللام وقفا فقط دون الوصل كما علمته في قوله تعالى { ومن ~~يضلل الله فما له من هاد في هذه السورة الرعد ( 33 ) . | # | 2 ( 12 ، 13 ) { هو الذى يريكم البرق خوفا وطمعا وينشىء السحاب الثقال ~~* ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل # PageV13P102 الصواعق فيصيب بها من يشآء وهم يجادلون فى الله وهو شديد ~~المحال } ) 2 # | | # استئناف ابتدائي على أسلوب تعداد الحجج الواحدة تلوى الأخرى ، فلأجل ~~أسلوب التعداد إذ كان كالتكرير لم يعطف على جملة { سواء منكم من أسر القول ~~( الرعد : 10 ) . | # وقد أعرب هذا عن مظهر من مظاهر قدرة الله وعجيب صنعه . وفيه من المناسبة ~~للإنذار بقوله : إن الله لا يغير ما بقوم ( سورة الرعد : 11 ) الخ أنه مثال ~~لتصرف الله بالإنعام والانتقام في تصرف واحد مع تذكيرهم بالنعمة التي هم ~~فيها . وكل ذلك مناسب لمقاصد الآيات الماضية في قوله : الله يعلم ما تحمل ~~كل أنثى ( سورة الرعد : 8 ) وقوله : وكل شيء عنده بمقدار ( سورة الرعد : 8 ~~) ، فكانت هذه الجملة جديرة بالاستقلال وأن يجاء بها مستأنفة لتكون مستقلة ~~في عداد الجمل المستقلة الواردة في غرض السورة . | # وجاء هنا بطريق الخطاب على أسلوب قوله : سواء منكم من أسر القول ( سورة ~~الرعد : 10 ) لأن الخوف والطمع يصدران من المؤمنين ويهدد بهما الكفرة . | # وافتتحت الجملة بضمير الجلالة دون اسم الجلالة المفتتح به في الجمل ~~السابقة ، فجاءت على أسلوب مختلف . وأحسب أن ذلك مراعاة لكون هاته الجملة ~~مفرعة عن أغراض الجمل السابقة فإن جمل فواتح الأغراض افتتحت بالاسم العلم ~~كقوله : الله الذي رفع السماوات بغير عمد ( سورة الرعد : 2 ) وقوله : الله ~~يعلم ما تحمل كل أنثى ( سورة الرعد : 8 ) وقوله : إن الله لا يغير ما ms4312 بقوم ~~( سورة الرعد : 11 ) ، وجمل التفاريع افتتحت بالضمائر كقوله : يدبر الأمر ( ~~سورة الرعد : 4 ) وقوله : وهو الذي مد الأرض ( سورة الرعد : 3 ) وقوله : ~~جعل فيها زوجين . | # وخوفا وطمعا } مصدران بمعنى التخويف والإطماع ، فهما في محل المفعول ~~لأجله لظهور المراد . | PageV13P103 # وجعل البرق آية نذارة وبشارة معا لأنهم كانوا يسمون البرق فيتوسمون الغيث ~~وكانوا يخشون صواعقه . | # وإنشاء السحاب : تكوينه من عدم بإثارة الأبخرة التي تتجمع سحابا . | # والسحاب : اسم جمع لسحابة . والثقال : جمع ثقيلة . والثقل كون الجسم أكثر ~~كمية أجزاء من أمثاله ، فالثقل أمر نسبي يختلف باختلاف أنواع الأجسام ، فرب ~~شيء يعد ثقيلا في نوعه وهو خفيف بالنسبة لنوع آخر . والسحاب يكون ثقيلا ~~بمقدار ما في خلاله من البخار . وعلامة ثقله قربه من الأرض وبطء تنقله ~~بالرياح . والخفيف منه يسمى جهاما . | # وعطف الرعد على ذكر البرق والسحاب لأنه مقارنهما في كثير من الأحوال . | # ولما كان الرعد صوتا عظيما جعل ذكره عبرة للسامعين لدلالة الرعد بلوازم ~~عقلية على أن الله منزه عما يقوله المشركون من ادعاء الشركاء ، وكان شأن ~~تلك الدلالة أن تبعث الناظر فيها على تنزيه الله عن الشريك جعل صوت الرعد ~~دليلا على تنزيه الله تعالى ، فإسناد التسبيح إلى الرعد مجاز عقلي . ولك أن ~~تجعله استعارة مكنية بأن شبه الرعد بآدمي يسبح الله تعالى ، وأثبت شيء من ~~علائق المشبه به وهو التسبيح ، أي قول سبحان الله . | # والباء في { بحمده } للملابسة ، أي ينزه الله تنزيها ملابسا لحمده من حيث ~~إنه دال على اقتراب نزول الغيث وهو نعمة تستوجب الحمد . فالقول في ملابسة ~~الرعد للحمد مساو للقول في إسناد التسبيح إلى الرعد . فالملابسة مجازية ~~عقلية أو استعارة مكنية . | # و { الملائكة } عطف على الرعد ، أي وتسبح الملائكة من خيفته ، أي من خوف ~~الله . | # و { من } للتعليل ، أي ينزهون الله لأجل الخوف منه ، أي الخوف مما لا ~~يرضى به وهو التقصير في تنزيهه . | PageV13P104 # وهذا اعتراض بين تعداد المواعظ لمناسبة التعريض بالمشركين ، أي أن ~~التنزيه الذي دلت عليه آيات الجو يقوم به الملائكة ، فالله غني عن تنزيهكم ms4313 ~~إياه ، كقوله : { إن تكفروا فإن الله غني عنكم ( سورة الزمر : 7 ) ، وقوله ~~: وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد ( سورة ~~إبراهيم : 8 ) . | # واقتصر في العبرة بالصواعق على الإنذار بها لأنها لا نعمة فيها لأن ~~النعمة حاصلة بالسحاب وأما الرعد فآلة من آلات التخويف والإنذار . كما قال ~~في آية سورة البقرة أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم ~~في آذانهم من الصواعق حذر الموت ( سورة البقرة : 19 ) . وكان العرب يخافون ~~الصواعق . ولقبوا خويلد بن نفيل الصعق لأنه أصابته صاعقة أحرقته . | # ومن هذا القبيل قول النبي : إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يخوف ~~الله بهما عباده ، أي بكسوفهما فاقتصر في آيتهما على الإنذار إذ لا يترقب ~~الناس من كسوفهما نفعا . | # وجملة وهم يجادلون في الله } في موضع الحال لأنه من متممات التعجب الذي ~~في قوله : { وإن تعجب فعجب قولهم ( الرعد : 5 ) الخ . فضمائر الغيبة كلها ~~عائدة إلى الكفار الذين تقدم ذكرهم في صدر السورة بقوله : ولكن أكثر الناس ~~لا يؤمنون ( الرعد : 1 ) وقوله : أولئك الذين كفروا بربهم ( الرعد : 5 ) ~~وقوله : ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه ( الرعد : 7 ) . وقد ~~أعيد الأسلوب هنا إلى ضمائر الغيبة لانقضاء الكلام على ما يصلح لموعظة ~~المؤمنين والكافرين فتمحض تخويف الكافرين . | # والمجادلة : المخاصمة والمراجعة بالقول . وتقدم في قوله تعالى : ولا ~~تجادل عن الذين يختانون أنفسهم في سورة النساء ( 107 ) . | # وقد فهم أن مفعول يجادلون } هو النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون . ~~فالتقدير : يجادلونك أو يجادلونكم ، كقوله : { يجادلونك في الحق بعد ما ~~تبين في سورة الأنفال ( 6 ) . | PageV13P105 # والمجادلة إنما تكون في الشؤون والأحوال ، فتعليق اسم الجلالة المجرور ~~بفعل يجادلون } يتعين أن يكون على تقدير مضاف تدل عليه القرينة ، أي في ~~توحيد الله أو في قدرته على البعث . | # ومن جدلهم ما حكاه قوله : { أو لم يرى الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا ~~هو خصيم مبين وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم ms4314 . في ~~سورة يس ( 77 ، 78 ) . | # والمحال : بكسر الميم يحتمل هنا معنيين ، لأنه إن كانت الميم فيه أصلية ~~فهو فعال بمعنى الكيد وفعله محل ، ومنه قولهم تمحل إذا تحيل . جعل جدالهم ~~في الله جدال كيد لأنهم يبرزونه في صورة الاستفهام في نحو قولهم : من يحيي ~~العظام وهي رميم } فقوبل ب { شديد المحال } على طريقة المشاكلة ، أي وهو ~~شديد المحال لا يغلبونه ، ونظيره { ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين ( ~~سورة آل عمران : 54 ) . | # وقال نفطويه : هو من ماحل عن أمره ، أي جادل . والمعنى : وهو شديد ~~المجادلة ، أي قوي الحجة . | # وإن كانت الميم زائدة فهو مفعل من الحول بمعنى القوة ، وعلى هذا فإبدال ~~الواو ألفا على غير قياس لأنه لا موجب للقلب لأن ما قبل الواو ساكن سكونا ~~حيا . فلعلهم قلبوها ألفا للتفرقة بينه وبين محول بمعنى صبي ذي حول ، أي ~~سنة . | PageV13P106 # وذكر الواحدي والطبري أخبارا عن أنس وابن عباس رضي الله عنهما أن هذه ~~الآية نزلت في قضية عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة حين وردا المدينة ~~يشترطان لدخولهما في الإسلام شروطا لم يقبلها منهما النبي . فهم أربد بقتل ~~النبي فصرفه الله ، فخرج هو وعامر بن الطفيل قاصدين قومهما وتواعدا النبي ~~بأن يجلبا عليه خيل بني عامر . فأهلك الله أربد بصاعقة أصابته وأهلك عامرا ~~بغدة نبتت في جسمه فمات منها وهو في بيت امرأة من بني سلول في طريقه إلى ~~أرض قومه ، فنزلت في أربد ويرسل الصواعق } وفي عامر { وهم يجادلون في الله ~~} . | # وذكر الطبري عن صحار العبدي : أنها نزلت في جبار آخر . وعن مجاهد : أنها ~~نزلت في يهودي جادل في الله فأصابته صاعقة . | # ولما كان عامر بن الطفيل إنما جاء المدينة بعد الهجرة وكان جدال اليهود ~~لا يكون إلا بعد الهجرة أقدم أصحاب هذه الأخبار على القول بأن السورة مدنية ~~أو أن هذه الآيات منها مدنية ، وهي أخبار ترجع إلى قول بعض الناس بالرأي في ~~أسباب النزول . ولم يثبت في ذلك خبر صحيح صريح فلا اعتداد بما قالوه فيها ~~ولا يخرج ms4315 السورة عن عداد السور المكية . وفي هذه القصة أرسل عامر بن الطفيل ~~قوله : ( أغدة كغدة البعير وموت في بيت سلولية ) مثلا . ورثى لبيد بن ربيعة ~~أخاه أربد بأبيات منها : | # أخشى على أربد الحتوف ولا | # أرهب نوء السماك والأسد | # فجعني الرعد والصواعق بالف | # ارس يوم الكريهة النجد | # | 2 ( 14 ) { له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشىء ~~إلا كباسط كفيه إلى المآء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما دعآء الكافرين إلا ~~فى ضلال } ) 2 # استئناف ابتدائي بمنزلة النتيجة ونهوض المدلل عليه بالآيات السالفة التي ~~هي براهين الانفراد بالخلق الأول ، ثم الخلق الثاني ، وبالقدرة التامة التي ~~لا تدانيها قدرة قدير ، وبالعلم العام ، فلا جرم أن يكون صاحب تلك الصفات ~~هو المعبود بالحق وأن عبادة غيره ضلال . | # والدعوة : طلب الإقبال ، وكثر إطلاقها على طلب الإقبال للنجدة أو للبذل . ~~وذلك متعين فيها إذا أطلقت في جانب الله لاستحالة الإقبال الحقيقي فالمراد ~~طلب الإغاثة أو النعمة . | PageV13P107 # وإضافة الدعوة إلى الحق إما من إضافة الموصوف إلى الصفة إن كان الحق ~~بمعنى مصادفة الواقع ، أي الدعوة التي تصادف الواقع ، أي استحقاقه إياها ؛ ~~وإما من إضافة الشيء إلى منشئه كقولهم : برود اليمن ، أي الدعوة الصادرة عن ~~حق وهو ضد الباطل ، فإن دعاء الله يصدر عن اعتقاد الوحدانية وهو الحق ، ~~وعبادة الأصنام تصدر عن اعتقاد الشرك وهو الباطل . | # واللام للملك المجازي وهو الاستحقاق . وتقديم الجار والمجرور على المبتدإ ~~لإفادة التخصيص ، أي دعوة الحق ملكه لا ملك غيره ، وهو قصر إضافي . | # وقد صرح بمفهوم جملة القصر بجملة { والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم ~~بشيء ( سورة الرعد : 14 ) ، فكانت بيانا لها . وكان مقتضى الظاهر أن تفصل ~~ولا تعطف وإنما عطفت لما فيها من التفصيل والتمثيل ، فكانت زائدة على مقدار ~~البيان . والمقصود بيان عدم استحقاق الأصنام أن يدعوها الداعون . واسم ~~الموصول صادق على الأصنام . وضمير يدعون للمشركين } . ورابط الصلة ضمير نصب ~~محذوف . والتقدير : والذين يدعونهم من دونه لا يستجيبون لهم . | # وأجري على الأصنام ضمير العقلاء في قوله : { لا ms4316 يستجيبون } مجازاة ~~للاستعمال الشائع في كلام العرب لأنهم يعاملون الأصنام معاملة عاقلين . | # والاستجابة : إجابة نداء المنادي ودعوة الداعي ، فالسين والتاء لقوة ~~الفعل . | # والباء في بشيء لتعدية { يستجيبون } لأن فعل الإجابة يتعدى إلى الشيء ~~المجاب به بالباء ، وإذا أريد من الاستجابة تحقيق المأمول اقتصر على الفعل ~~. كقوله : { فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن ( سورة يوسف : 34 ) . | # فلما أريد هنا نفي إجداء دعائهم الأصنام جعل نفي الإجابة متعديا بالباء ~~إلى انتفاء أقل ما يجيب به المسؤول وهو الوعد بالعطاء أو الاعتذار عنه ، ~~فهم عاجزون عن ذلك وهم أعجز عما فوقه . | PageV13P108 # وتنكير شيء للتحقير . والمراد أقل ما يجاب به من الكلام . | # والاستثناء في إلا كباسط كفيه } من عموم أحوال الداعين والمستجيبين ~~والدعوة والاستجابة ، لأنه تشبيه هيئة فهو يسري إلى جميع أجزائها فلك أن ~~تقدر الكلام إلا كداع باسط أو إلا كحال باسط . والمعنى : لا يستجيبونهم في ~~حالل من أحوال الدعاء والاستجابة إلا في حالل لداعع ومستجيبب كحال باسط ~~كفيه إلى الماء . وهذا الاستثناء من تأكيد الشيء بما يشبه ضده فيؤول إلى ~~نفي الاستجابة في سائر الأحوال بطريق التمليح والكناية . | # والمراد ب ( باسط كفيه ) من يغترف ماء بكفين مبسوطتين غير مقبوضتين إذ ~~الماء لايستقر فيهما . وهذا كما يقال : هو كالقابض على الماء ، في تمثيل ~~إضاعة المطلوب . وأنشد أبو عبيدة : | # فأصبحت فيما كان بيني وبينها | # من الود مثل القابض الماء باليد | # و { إلى } للانتهاء لدلالة { باسط } على أنه مد إلى الماء كفيه مبسوطتين ~~. | # واللام في { ليبلغ } للعلة . وضمير { يبلغ } عائد إلى الماء . وكذلك ضمير ~~{ هو } والضمير المضاف إليه في ( بالغه ) للفم . | # والكلام تمثيلية . شبه حال المشركين في دعائهم الأصنام وجلب نفعهم وعدم ~~استجابة الأصنام لهم بشيء بحال الظمآن يبسط كفيه يبتغي أن يرتفع الماء في ~~كفيه المبسوطتين إلى فمه ليرويه وما هو ببالغ إلى فمه بذلك الطلب فيذهب ~~سعيه وتعبه باطلا مع ما فيه من كناية وتمليح كما ذكرناه . | # وجملة { وما دعاء الكافرين إلا في ضلال } عطف على جملة { والذين يدعون من ~~دونه } لاستيعاب حال ms4317 المدعو وحال الداعي . فبينت الجملة السابقة حال عجز ~~المدعو عن الإجابة وأعقبت بالتمثيل المشتمل على كناية وتمليح . واشتمل ذلك ~~أيضا بالكناية على خيبة الداعي . | PageV13P109 # وبينت هذه الجملة الثانية حال خيبة الداعي بالتصريح عقب تبيينه بالكناية ~~. فباختلاف الغرض والأسلوب حسن العطف ، وبالمآل حصل توكيد الجملة الأولى ~~وتقريرها وكانت الثانية كالفذلكة لتفصيل الجملة الأولى . | # والضلال : التلف والضياع . و { في } للظرفية المجازية للدلالة على التمكن ~~في الوصف ، أي إلا ضائع ضياعا شديدا . | # | 2 ( 15 ) { ولله يسجد من فى السماوات والارض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو ~~والاصال } ) 2 # عطف على جملة { له دعوة الحق ( سورة الرعد : 14 ) أي له دعوة الحق وله ~~يسجد من في السماوات والأرض وذلك شعار الإلهية ، فأما الدعوة فقد اختص ~~بالحقة منها دون الباطلة ، وأما السجود وهو الهوي إلى الأرض بقصد الخضوع ~~فقد اختص الله به على الإطلاق ، لأن الموجودات العليا والمؤمنين بالله ~~يسجدون له ، والمشركين لا يسجدون للأصنام ولا لله تعالى ، ولعلهم يسجدون ~~لله في بعض الأحوال . | # وعدل عن ضمير الجلالة إلى اسمه تعالى العلم تبعا للأسلوب السابق في ~~افتتاح الأغراض الأصلية . | # والعموم المستفاد من من } الموصولة عموم عرفي يراد به الكثرة الكاثرة . | # والمقصود من { طوعا وكرها } تقسيم أحوال الساجدين . والمراد بالطوع ~~الانسياق من النفس تقربا وزلفى لمحض التعظيم ومحبة الله . وبالكره الاضطرار ~~عند الشدة والحاجة كما في قوله تعالى : { ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون ( ~~سورة النحل : 53 ) . ومنه قولهم : مكره أخوك لا بطل ، أي مضطر إلى المقاتلة ~~PageV13P110 وليس المراد من الكره الضغط والإلجاء كما فسر به بعضهم فهو ~~بعيد عن الغرض كما سيأتي . | # والظلال : جمع ظل ، وهو صورة الجسم المنعكس إليه نور . | # والضمير راجع إلى من في السماوات والأرض } مخصوص بالصالح له من الأجسام ~~الكثيفة ذات الظل تخصيصا بالعقل والعادة ، وهو عطف على { من } ، أي يسجد من ~~في السماوات وتسجد ظلالهم . | # والغدو : الزمان الذي يغدو فيه الناس ، أي يخرجون إلى حوائجهم : إما ~~مصدرا على تقدير مضاف ، أي وقت الغدو ؛ وإما جمع غدوة ، فقد حكي جمعها على ~~غدو ، وتقدم ms4318 في آخر سورة الأعراف . | # والآصال : جمع أصيل ، وهو وقت اصفرار الشمس في آخر المساء ، والمقصود من ~~ذكرهما استيعاب أجزاء أزمنة الظل . | # ومعنى سجود الظلال أن الله خلقها من أعراض الأجسام الأرضية ، فهي مرتبطة ~~بنظام انعكاس أشعة الشمس عليها وانتهاء الأشعة إلى صلابة وجه الأرض حتى ~~تكون الظلال واقعة على الأرض وقوع الساجد ، فإذا كان من الناس من يأبى ~~السجود لله أو يتركه اشتغالا عنه بالسجود للأصنام فقد جعل الله مثاله شاهدا ~~على استحقاق الله السجود إليه شهادة رمزية . ولو جعل الله الشمس شمسين ~~متقابلتين على السواء لانعدمت الظلال ، ولو جعل وجه الأرض شفافا أو لامعا ~~كالماء لم يظهر الظل عليه بينا . فهذا من رموز الصنعة التي أوجدها الله ~~وأدقها دقة بديعة . وجعل نظام الموجودات الأرضية مهيئة لها في الخلقة لحكم ~~مجتمعة ، منها : أن تكون رموزا دالة على انفراده تعالى بالإلهية ، وعلى ~~حاجة المخلوقات إليه ، وجعل أكثرها في نوع الإنسان لأن نوعه مختص بالكفران ~~دون الحيوان . | PageV13P111 # والغرض من هذا الاستدلال الرمزي التنبيه لدقائق الصنع الإلهي كيف جاء على ~~نظام مطرد دال بعضه على بعض ، كما قيل : | # وفي كل شيء له آية تدل | # على أنه الواحد | # والاستدلال مع ذلك على أن الأشياء تسجد لله لأن ظلالها واقعة على الأرض ~~في كل مكان وما هي مساجد للأصنام وأن الأصنام لها أمكنة معينة هي حماها ~~وحريمها وأكثر الأصنام ، في البيوت مثل : العزى وذي الخلصة وذي الكعبات حيث ~~تنعدم الظلال في البيوت . | # وهذه الآية موضع سجود من سجود القرآن ، وهي السجدة الثانية في ترتيب ~~المصحف باتفاق الفقهاء . ومن حكمة السجود عند قراءتها أن يضع المسلم نفسه ~~في عداد ما يسجد لله طوعا بإيقاعه السجود . وهذا اعتراف فعلي بالعبودية لله ~~تعالى . | # { قل من رب السماوات والارض قل الله قل أفاتخذتم من دونه أوليآء لا ~~يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا قل هل يستوى الاعمى والبصير أم هل تستوى ~~الظلمات والنور أم جعلوا لله شركآء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله ~~خالق كل شىء وهو الواحد القهار ms4319 } | # لما نهضت الأدلة الصريحة بمظاهر الموجودات المتنوعة على انفراده بالإلهية ~~من قوله : { الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ( سورة الرعد : 2 ) ~~وقوله : وهو الذي مد الأرض ( سورة الرعد : 3 ) وقوله : الله يعلم ما تحمل ~~كل أنثى ( سورة الرعد : 8 ) وقوله : هو الذي يريكم البرق ( سورة الرعد : 12 ~~) الآيات ، وبما فيها من دلالة رمزية دقيقة من قوله : له دعوة الحق ( سورة ~~الرعد : 14 ) وقوله : ولله يسجد من في السماوات ( سورة الرعد : 15 ) إلى ~~آخرها لا جرم تهيأ المقام لتقرير المشركين تقريرا لا يجدون معه عن الإقرار ~~مندوحة ، ثم لتقريعهم على الإشراك تقريعا لا يسعهم إلا تجرع مرارته ، لذلك ~~استؤنف الكلام وافتتح بالأمر بالقول تنويها بوضوح الحجة . | PageV13P112 # ولكون الاستفهام غير حقيقي جاء جوابه من قبل المستفهم . وهذا كثير في ~~القرآن وهو من بديع أساليبه ، كقوله : عم يتساءلون عن النبأ العظيم ( سورة ~~النبأ : 1 2 ) . وتقدم عند قوله تعالى : قل لمن ما في السماوات والأرض قل ~~لله كتب على نفسه الرحمة في سورة الأنعام ( 12 ) . | # وإعادة فعل الأمر بالقول في قل أفاتخذتم من دونه أولياء } الذي هو تفريع ~~على الإقرار بأن الله رب السماوات والأرض لقصد الاهتمام بذلك التفريع لما ~~فيه من الحجة الواضحة . | # فالاستفهام تقرير وتوبيخ وتسفيه لرأيهم بناء على الإقرار المسلم . وفيه ~~استدلال آخر على عدم أهلية أصنامهم للإهلية فإن اتخاذهم أولياء من دونه ~~معلوم لا يحتاج إلى الاستفهام عنه . | # وجملة { لا يملكون } صفة ل { أولياء } ، والمقصود منها تنبيه السامعين ~~للنظر في تلك الصفة فإنهم إن تدبروا علموها وعلموا أن من كانت تلك صفته ~~فليس بأهل لأن يعبد . | # ومعنى الملك هنا القدرة كما في قوله تعالى : { قل أتعبدون من دون الله ما ~~لا يملك لكم ضرا ولا نفعا في سورة العقود ( 76 ) . وفي الحديث : أو أملك لك ~~أن نزع الله من قلبك الرحمة . | # وعطف الضر على النفع استقصاء في عجزهم لأن شأن الضر أنه أقرب للاستطاعة ~~وأسهل . | PageV13P113 # قل هل يستوى الاعمى والبصير أم هل تستوى الظلمات والنور } | # إعادة الأمر بالقول ms4320 للاهتمام الخاص بهذا الكلام لأن ما قبله إبطال ~~لاستحقاق آلهتهم العبادة . وهذا إظهار لمزية المؤمنين بالله على أهل الشرك ~~، ذلك أن قوله : { قل من رب السماوات والأرض قل الله } تضمن أن الرسول عليه ~~السلام دعا إلى إفراد الله بالربوبية وأن المخاطبين أثبتوا الربوبية ~~للأصنام فكان حالهم وحاله كحال الأعمى والبصير وحال الظلمات والنور . | # ونفي التسوية بين الحالين يتضمن تشبيها بالحالين وهذا من صيغ التشبيه ~~البليغ . | # و { أم } للإضراب الانتقالي في التشبيه . فهي لتشبيه آخر بمنزلة { أو } ~~في قول لبيد : | # أو رجع واشمة أسف نؤورها | # وقوله تعالى : { أو كصيب من السماء } . | # وأظهر حرف { هل } بعد { أم } لأن فيه إفادة تحقيق الاستفهام . وذلك ليس ~~مما تغني فيه دلالة { أم } على أصل الاستفهام ولذلك لا تظهر الهمزة بعد { ~~أم } اكتفاء بدلالة { أم } على تقدير استفهام . | # وجمع الظلمات وإفراد النور تقدم عند قوله تعالى : { وجعل الظلمات والنور ~~في أول سورة الأنعام ( 1 ) . | # واختير التشبيه في المتقابلات العمى والبصر ، والظلمة والنور ، لتمام ~~المناسبة لأن حال المشركين أصحاب العمى كحال الظلمة في انعدام إدراك ~~PageV13P114 المبصرات ، وحال المؤمنين كحال البصر في العلم وكحال النور في ~~الإفاضة والإرشاد . | # وقرأ الجمهور تستوى الظلمات } بفوقية في أوله مراعاة لتأنيث الظلمات . ~~وقرأ حمزة ، والكسائي ، وأبو بكر عن عاصم ، وخلف بتحتية في أوله وذلك وجه ~~في الجمع غير المذكر السالم . | # | 2 ( { قل من رب السماوات والارض قل الله قل أفاتخذتم من دونه أوليآء لا ~~يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا قل هل يستوى الاعمى والبصير أم هل تستوى ~~الظلمات والنور أم جعلوا لله شركآء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله ~~خالق كل شىء وهو الواحد القهار } ) 2 # { أم } للإضراب الانتقال في الاستفهام مقابل قوله : { أفأتخذتم من دونه ~~أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا } ، فالكلام بعد ( أم ) استفهام ~~حذفت أداته لدلالة ( أم ) عليها . والتقدير ؛ { أم جعلوا لله شركاء } . ~~والتفت عن الخطاب إلى الغيبة إعراضا عنهم لما مضى من ذكر ضلالهم . | # والاستفهام مستعمل في التهكم والتغليط . فالمعنى : لو جعلوا لله شركاء ~~يخلقون كما ms4321 يخلق الله لكانت لهم شبهة في الاغترار واتخاذهم آلهة ، أي فلا ~~عذر لهم في عبادتهم ، فجملة { خلقوا } صفة ل { شركاء } . | # وشبه جملة { كخلقه } في معنى المفعول المطلق ، أي خلقوا خلقا مثل ما خلق ~~الله . والخلق في الموضعين مصدر . | # وجملة { فتشابه } عطف على جملة { خلقوا كخلقه } فهي صفة ثانية ل { شركاء ~~} ، والرابط اللام في قوله : { الخلق } لأنها عوض عن الضمير المضاف إليه . ~~والتقدير : فتشابه خلقهم عليهم . والوصفان هما مصب التهكم والتغليط . | # وجملة { قل الله خالق كل شيء } فذلكة لما تقدم ونتيجة له ، فإنه لما جاء ~~الاستفهام التوبيخي في { أفاتخذتم من دونه أولياء ( سورة الرعد : 16 ) وفي ~~أم جعلوا PageV13P115 لله شركاء خلقوا كخلقه } كان بحيث ينتج أن أولئك ~~الذين اتخذوهم شركاء لله والذين تبين قصورهم عن أن يملكوا لأنفسهم نفعا أو ~~ضرا ، وأنهم لا يخلقون كخلق الله إن هم إلا مخلوقات لله تعالى ، وأن الله ~~خالق كل شيء ، وما أولئك الأصنام إلا أشياء داخلة في عموم { كل شيء } ؛ وأن ~~الله هو المتوحد بالخلق ، القهار لكل شيء دونه . ولتعين موضوع الوحدة ~~ومتعلق القهر حذف متعلقهما . والتقدير : الواحد بالخلق القهار للموجودات . ~~| # والقهر : الغلبة ، وتقدم عند قوله تعالى : { وهو القاهر فوق عباده في ~~سورة الأنعام ( 18 ) . | # | 2 ( 17 ) { أنزل من السمآء مآء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا ~~رابيا ومما يوقدون عليه فى النار ابتغآء حلية أو متاع زبد مثله كذالك يضرب ~~الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفآء وأما ما ينفع الناس فيمكث فى ~~الارض كذالك يضرب الله الامثال } ) 2 # جملة { أنزل من السماء ماء } استئناف ابتدائي أفاد تسجيل حرمان المشركين ~~من الانتفاع بدلائل الاهتداء التي من شأنها أن تهدي من لم يطبع الله على ~~قلبه فاهتدى بها المؤمنون . | # وجيء في هذا التسجيل بطريقة ضرب المثل بحالي فريقين في تلقي شيء واحد ~~انتفع فريق بما فيه من منافع وتعلق فريق بما فيه من مضار . وجيء في ذلك ~~التمثيل بحالة فيها دلالة على بديع تصرف الله تعالى ليحصل التخلص من ذكر ~~دلائل القدرة إلى ذكر ms4322 عبر الموعظة ، فالمركب مستعمل في التشبيه التمثيلي ~~بقرينة قوله : { كذلك يضرب الله الحق } الخ . | PageV13P116 # شبه إنزال القرآن الذي به الهدى من السماء بإنزال الماء الذي به النفع ~~والحياة من السماء . وشبه ورود القرآن على أسماع الناس بالسيل يمر على ~~مختلف الجهات فهو يمر على التلال والجبال فلا يستقر فيها ولكنه يمضي إلى ~~الأودية والوهاد فيأخذ منه كل بقدر سعته . وتلك السيول في حال نزولها تحمل ~~في أعاليها زبدا ، وهو رغوة الماء التي تربو وتطفو على سطح الماء ، فيذهب ~~الزبد غير منتفع به ويبقى الماء الخالص الصافي ينتفع به الناس للشراب ~~والسقي . | # ثم شبهت هيئة نزول الآيات وما تحتوي عليه من إيقاظ النظر فيها فينتفع به ~~من دخل الإيمان قلوبهم على مقادير قوة إيمانهم وعملهم ، ويمر على قلوب قوم ~~لا يشعرون به وهم المنكرون المعرضون ، ويخالط قلوب قوم فيتأملونه فيأخذون ~~منه ما يثير لهم شبهات وإلحادا . كقولهم : { هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا ~~مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد } . ومنه الأخذ بالمتشابه قال تعالى : { ~~فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء ~~تأويله ( سورة آل عمران : 7 ) . | # شبه ذلك كله بهيئة نزول الماء فانحداره على الجبال والتلال وسيلانه في ~~الأودية على اختلاف مقاديرها ، ثم ما يدفع من نفسه زبدا لا ينتفع به ثم لم ~~يلبث الزبد أن ذهب وفني والماء بقي في الأرض للنفع . | # ولما كان المقصود التشبيه بالهيئة كلها جيء في حكاية ما ترتب على إنزال ~~الماء بالعطف بفاء التفريع في قوله : فسالت } وقوله : { فاحتمل } فهذا ~~تمثيل صالح لتجزئة التشبيهات التي تركب منها وهو أبلغ التمثيل . | # وعلى نحو هذا التمثيل وتفسيره جاء ما يبينه من التمثيل الذي في قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم ( مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث ~~الكثير أصاب أرضا فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير ، ~~وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا ~~PageV13P117 وزرعوا ، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان ms4323 لا تمسك ماء ولا ~~نتنبت كلأ ، مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم ، ~~ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به ) . | # والأودية : جمع الوادي ، وهو الحفير المتسع الممتد من الأرض الذي يجري ~~فيه السيل . وتقدم في سورة براءة عند قوله تعالى : { ولا يقطعون واديا إلا ~~كتب لهم ( سورة التوبة : 121 ) . | # والقدر بفتحتين : التقدير ، فقوله : بقدرها } في موضع الحال من { أودية } ~~، وذكره لأنه من مواضع العبرة ، وهو أن كانت أخاديد الأودية على قدر ما ~~تحتمله من السيول بحيث لا تفيض عليها وهو غالب أحوال الأودية . وهذا الحال ~~مقصود في التمثيل لأنه حال انصراف الماء لنفعع لا ضر معه ، لأن من السيول ~~جواحف تجرف الزرع والبيوت والأنعام . | # وأيضا هو دال على تفاوت الأودية في مقادير المياه . ولذلك حظ من التشبيه ~~وهو اختلاف الناس في قابلية الانتفاع بما نزل من عند الله كاختلاف الأودية ~~في قبول الماء على حسب ما يسيل إليها من مصاب السيول ، وقد تم التمثيل هنا ~~. | # وجملة { ومما توقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زيد مثله } ~~معترضة بين جملة { فاحتمل } الخ وجملة { فأما الزبد } الخ . | # وهذا تمثيل آخر ورد استطرادا عقب ذكر نظيره يفيد تقريب التمثيل لقوم لم ~~يشاهدوا سيول الأودية من سكان القرى مثل أهل مكة وهم المقصود ، فقد كان لهم ~~في مكة صواغون كما دل عليه حديث الإذخر ، فقرب إليهم تمثيل عدم انتفاعهم ~~بما انتفع به غيرهم بمثل ما يصهر من الذهب والفضة في البواتق فإنه يقذف ~~زبدا ينتفي عنه وهو الخبث وهو غير صالح لشيء في حين صلاح معدنه لاتخاذه ~~حلية أو متاعا . وفي الحديث ( كما ينفي الكير PageV13P118 خبث الحديد ) . ~~فالكلام من قبيل تعدد التشبيه القريب ، كقوله تعالى : { مثلهم كمثل الذي ~~استوقد نارا ثم قوله : أو كصيب من السماء ( سورة البقرة : 19 ) . | # وأقرب إلى ما هنا قول لبيد : | # فتنازعا سبطا يطير ظلاله | # كدخان مشعلة يشب ضرامها | # مشمولة غلثت بنابتت عرفج | # كدخان نار ساطع إسنامها ms4324 | # وأفاد ذلك في هذه الآية قوله : زبد مثله } . | # وتقديم المسند على المسند إليه في هذه الجملة للاهتمام بالمسند لأنه موضع ~~اعتبار أيضا ببديع صنع الله تعالى إذ جعل الزبد يطفو على أرق الأجسام وهو ~~الماء وعلى أغلظها وهو المعدن فهو ناموس من نواميس الخلقة ، فبالتقديم يقع ~~تشويق السامع إلى ترقب المسند إليه . | # وهذا الاهتمام بالتشبيه يشبه الاهتمام بالاستفهام في قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم في وصف جهنم ( فإذا فيها كلاليب مثل حسك السعدان هل رأيتم حسك ~~السعدان ) . | # وعدل عن تسمية الذهب والفضة إلى الموصولية بقوله تعالى : { ومما توقدون ~~عليه في النار } لأنها أخصر وأجمع ، ولأن الغرض في ذكر الجملة المجعولة صلة ~~، فلو ذكرت بكيفية غير صلة كالوصفية مثلا لكانت بمنزلة الفضلة في الكلام ~~ولطال الكلام بذكر اسم المعدنين مع ذكر الصلة إذ لا محيد عن ذكر الوقود ~~لأنه سبب الزبد ، فكان الإتيان بالموصول قضاء لحق ذكر الجملة مع الاختصار ~~البديع . | # ولأن في العدول عن ذكر اسم الذهب والفضة إعراضا يؤذن بقلة الاكتراث بهما ~~ترفعا عن ولع الناس بهما فإن اسميهما قد اقترنا بالتعظيم في عرف الناس . | # و { من } في قوله : { ومما توقدون } ابتدائية . | PageV13P119 # و { ابتغاء حلية أو متاع } مفعول لأجله متعلق ب { توقدون } . ذكر لإيضاح ~~المراد من الصلة ولإدماج ما فيه من منة تسخير ذلك للناس . لشدة رغبتهم ~~فيهما . | # والحلية : ما يتحلى به ، أي يتزين وهو المصوغ . | # والمتاع : ما يتمتع به وينتفع ، وذلك المسكوك الذي يتعامل به الناس من ~~الذهب والفضة . | # وقرأ الجمهور { توقدون } بفوقية في أوله على الخطاب ، وقرأه حمزة ، ~~والكسائي ، وحفص عن عاصم ، وخلف بتحتية على الغيبة . | # وجملة { كذلك يضرب الله الحق والباطل } معترضة ، هي فذلكة التمثيل ببيان ~~الغرض منه ، أي مثل هذه الحالة يكون ضرب مثل للحق والباطل . فمعنى { يضرب } ~~يبين ويمثل . وقد تقدم معنى يضرب عند قوله تعالى : { إن الله لا يستحي أن ~~يضرب مثلا في سورة البقرة ( 26 ) . | # فحذف مضاف في قوله : يضرب الله الحق } ، والتقدير : يضرب الله مثل الحق ~~والباطل ، دلالة فعل { يضرب ms4325 } على تقدير هذا المضاف . | # وحذف الجار من { الحق } لتنزيل المضاف إليه منزلة المضاف المحذوف . | # وقد علم أن الزبد مثل للباطل وأن الماء مثل للحق ، فارتقى عند ذلك إلى ما ~~في المثلين من صفتي البقاء والزوال ليتوصل بذلك إلى البشارة والنذارة لأهل ~~الحق وأهل الباطل بأن الفريق الأول هو الباقي الدائم ، وأن الفريق الثاني ~~زائل بائد ، كقوله : { ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها ~~عبادي الصالحون إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين ( الأنبياء : 105 ، 106 ) ، ~~فصار التشبيه تعريضا وكناية عن البشارة والنذارة ، كما دل عليه قوله عقب ~~ذلك للذين استجابوا لربهم الحسنى والذين لم يستجيبوا له ( الرعد : 18 ) الخ ~~كما سيأتي قريبا . | # فجملة فأما الزبد } معطوفة على جملة { فاحتمل السيل زبدا رابيا } مفرعة ~~على التمثيل . وافتتحت ب { أما } للتوكيد وصرف ذهن السامع إلى الكلام ~~PageV13P120 لما فيه من خفي البشارة والنذارة ، ولأنه تمام التمثيل . ~~والتقدير : فذهب الزبد جفاء ومكث ما ينفع الناس في الأرض . | # والجفاء : الطريح المرمي ، وهذا وعيد للمشركين بأنهم سيبيدون بالقتل ~~ويبقى المؤمنون . | # وعبر عن الماء بما ينفع الناس للإيماء إلى وجه بناء الخبر وهو البقاء في ~~الأرض تعريضا للمشركين بأن يعرضوا أحوالهم على مضمون هذه الصلة ليعلموا ~~أنهم ليسوا ما ينفع الناس ، وهذه الصلة موازنة للوصف في قوله تعالى : { إن ~~الأرض يرثها عبادي الصالحون ( سورة الأنبياء : 105 ) . | # واكتفي بذكر وجه شبه النافع بالماء وغير النافع بالزبد عن ذكر وجه شبه ~~النافع بالذهب أو الفضة وغير النافع بزبدهما استغناء عنه . | # وجملة كذلك يضرب الله الأمثال } مستأنفة تذييلية لما في لفظ { الأمثال } ~~من العموم . فهو أعم من جملة { كذلك يضرب الله الحق والباطل } لدلالتها على ~~صنف من المثل دون جميع أصنافه فلما أعقب بمثل آخر وهو { فأما الزبد فيذهب ~~جفاء } جيء بالتنبيه إلى الفائدة العامة من ضرب الأمثال . وحصل أيضا توكيد ~~جملة { كذلك يضرب الله الحق والباطل } لأن العام يندرج فيه الخاص . | # فإشارة { كذلك } إلى التمثيل السابق في جملة { أنزل من السماء ماء } أي ~~مثل ذلك الضرب البديع ms4326 يضرب الله الأمثال ، وهو المقصود بهذا التذييل . | # والإشارة للتنويه بذلك المثل وتنبيه الأفهام إلى حكمته وحكمة التمثيل ، ~~وما فيه من المواعظ والعبر ، وما جمعه من التمثيل والكناية التعريضية ، ~~وإلى بلاغة القرآن وإعجازه ، وذلك تبهيج للمؤمنين وتحد للمشركين ، وليعلم ~~أن جملة { فأما الزبد فيذهب جفاء } لم يؤت بها لمجرد تشخيص دقائق القدرة ~~الإلهية والصنع البديع بل ولضرب المثل ، فيعلم لممثل له بطريق التعريض ~~بالمشركين PageV13P121 والمؤمنين ، فيكون الكلام قد تم عند قوله : { كذلك ~~يضرب الله الأمثال } كما في شأن التذييل . | # | 2 ( 18 ) { للذين استجابوا لربهم الحسنى والذين لم يستجيبوا له لو أن ~~لهم ما فى الارض جميعا ومثله معه لافتدوا به أولائك لهم سو ء الحساب ~~ومأواهم جهنم وبئس المهاد } ) 2 # | $ # استئناف بياني لجملة { كذلك يضرب الله الأمثال } ، أي فائدة هذه الأمثال ~~أن للذين استجابوا لربهم حين يضربها لهم الحسنى إلى آخره . | # فمناسبته لما تقدم من التمثيلين أنهما عائدان إلى أحوال المسلمين ~~والمشركين . ففي ذكر هذه الجملة زيادة تنبيه للتمثيل وللغرض منه مع ما في ~~ذلك من جزاء الفريقين لأن المؤمنين استجابوا لله بما عقلوا الأمثال فجوزوا ~~بالحسنى ، وأما المشركون فأعرضوا ولم يعقلوا الأمثال ، قال تعالى : { وما ~~يعقلها إلا العالمون ( سورة العنكبوت : 43 ) ، فكان جزاؤهم عذابا عظيما وهو ~~سوء الحساب الذي عاقبته المصير إلى جهنم . فمعنى استجابوا لربهم } استجابوا ~~لدعوته بما تضمنه المثل السابق وغيره . | # وقوله : { الحسنى } مبتدأ و { للذين استجابوا } خبره . وفي العدول إلى ~~الموصولين وصلتيهما في قوله : { للذين استجابوا } { والذين لم يستجيبوا } ~~إيماء إلى أن الصلتين سببان لما حصل للفريقين . | # وتقديم المسند في قوله : { للذين استجابوا لربهم الحسنى } لأنه الأهم لأن ~~الغرض التنويه بشأن الذين استجابوا مع جعل الحسنى في مرتبة المسند إليه ، ~~وفي ذلك تنويه بها أيضا . | PageV13P122 # وأما الخبر عن وعيد الذين لم يستجيبوا فقد أجري على أصل نظم الكلام في ~~التقديم والتأخير لقلة الاكتراث بهم . وتقدم نظير قوله : { لو أن لهم ما في ~~الأرض جميعا في سورة العقود ( 36 ) . | # وأتي باسم الإشارة في أولئك لهم سوء الحساب } للتنبيه ms4327 على أنهم أحرياء ~~بما بعد اسم الإشارة من الخبر بسبب ما قبل اسم الإشارة من الصلة . | # و { سوء الحساب } ما يحف بالحساب من إغلاظ وإهانة للمحساب . وأما أصل ~~الحساب فهو حسن لأنه عدل . | # | 2 ( 19 ) { أفمن يعلم أنمآ أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما ~~يتذكر أولوا الألباب } ) 2 # تفريع على جملة { للذين استجابوا لربهم الحسنى الآية ( سورة الرعد : 13 ) ~~. فالكلام لنفي استواء المؤمن والكافر في صورة الاستفهام تنبيها على غفلة ~~الضالين عن عدم الاستواء ، كقوله : أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون ~~( سورة السجدة : 18 ) . | # واستعير لمن لا يعلم أن القرآن حق اسم الأعمى لأنه انتفى علمه بشيء ظاهر ~~بين فأشبه الأعمى ، فالكاف للتشابه مستعمل في التماثل . والاستواء المراد ~~به التماثل في الفضل بقرينة ذكر العمى . ولهذه الجملة في المعنى اتصال ~~بقوله في أول السورة والذي أنزل إليك من ربك الحق إلى يؤمنون ( سورة الرعد ~~: 1 ) . | # وجملة إنما يتذكر أولوا الألباب } تعليل للإنكار الذي هو بمعنى الانتفاء ~~بأن سبب عدم علمهم بالحق أنهم ليسوا أهلا للتذكر لأن التذكر من شعار أولي ~~الألباب ، أي العقول . | # والقصر ب { إنما } إضافي ، أي لا غير أولي الألباب ، فهو تعريض بالمشركين ~~بأنهم لا عقول لهم إذ انتفت عنهم فائدة عقولهم . | PageV13P123 # والألباب : العقول . وتقدم في آخر سورة آل عمران . | # | 2 ( 20 ، 22 ) { الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق * والذين ~~يصلون مآ أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب * والذين ~~صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلواة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ~~ويدرءون بالحسنة السيئة أولائك لهم عقبى الدار } ) 2 # يجوز أن تكون { الذين يوفون } ابتداء كلام فهو استئناف ابتدائي جاء ~~لمناسبة ما أفادت الجملة التي قبلها من إنكار الاستواء بين فريقين . ولذلك ~~ذكر في هذه الجمل حال فريقين في المحامد والمساوي ليظهر أن نفي التسوية ~~بينهما في الجملة السابقة ذلك النفي المراد به تفضيل أحد الفريقين على ~~الآخر هو نفي مؤيد بالحجة ، وبذلك يصير موقع هذه الجملة مفيدا تعليلا ms4328 لنفي ~~التسوية المقصود منه تفضيل المؤمنين على المشركين ، فيكون قوله : { الذين ~~يوفون } مسندا إليه وكذلك ما عطف عليه . وجملة { أولئك لهم عقبى الدار } ~~مسندا . | # واجتلاب اسم الإشارة { أولئك لهم عقبى الدار } للتنبيه على أن المشار ~~إليهم جديرون بما بعد اسم الإشارة من أجل الأوصاف التي قبل اسم الإشارة ، ~~كقوله تعالى : { أولئك على هدى من ربهم في أول سورة البقرة ( 5 ) . | # ونظير هذه الجملة قوله تعالى : الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك ~~شر مكانا وأضل سبيلا ( سورة الفرقان : 34 ) من قوله : ولا يأتونك بمثل إلا ~~جئناك بالحق وأحسن تفسيرا ( سورة الفرقان : 33 ) . | PageV13P124 # وقد ظهر بهذه الجملة كلها وبموقعها تفضيل الذين يعلمون أن ما أنزل حق بما ~~لهم من صفات الكمال الموجبة للفضل في الدنيا وحسن المصير في الآخرة وبما ~~لأضدادهم من ضد ذلك في قوله : والذين ينقضون عهد الله إلى قوله : ولهم سوء ~~الدار ( سورة الرعد : 25 ) . | # والوفاء بالعهد : أن يحقق المرء ما عاهد على أن يعمله . ومعنى العهد : ~~الوعد الموثق بإظهار العزم على تحقيقه من يمين أو تأكيد . | # ويجوز أن يكون الذين يوفون بعهد الله } نعتا لقوله : { أولوا الألباب } ~~وتكون جملة { أولئك لهم عقبى الدار } نعتا ثانيا . والإتيان باسم الإشارة ~~للغرض المذكور آنفا . | # وعهد الله مصدر مضاف لمفعوله ، أي ما عاهدوا الله على فعله ، أو من إضافة ~~المصدر إلى فاعله ، أي ما عهد الله به إليهم . وعلى كلا الوجهين فالمراد به ~~الإيمان الذي أخذه الله على الخلق المشار إليه بقوله : { وإذ أخذ ربك من ~~بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى ، ~~وتقدم في سورة الأعراف ( 172 ) ، فذلك عهدهم ربهم . وأيضا بقوله : ألم أعهد ~~إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني ( ~~سورة يس : 60 61 ) ، وذلك عهد الله لهم بأن يعبدوه ولا يعبدوا غيره ، فحصل ~~العهد باعتبار إضافته إلى مفعوله وإلى فاعله . | # وذلك أمر أودعه الله في فطرة البشر فنشأ عليه أصلهم وتقلده ذريته ، ~~واستمر اعترافهم لله بأنه ms4329 خالقهم . وذلك من آثار عهد الله . وطرأ عليهم بعد ~~ذلك تحريف عهدهم فأخذوا يتناسون وتشتبه الأمور على بعضهم فطرأ عليهم ~~الإشراك لتفريطهم النظر في دلائل التوحيد ، ولأنه بذلك العهد قد أودع الله ~~في فطرة العقول السليمة دلائل الوحدانية لمن تأمل وأسلم للدليل ، ولكن ~~المشركين أعرضوا وكابروا PageV13P125 ذلك العهد القائم في الفطرة ، فلا جرم ~~أن كان الإشراك إبطالا للعهد ونقضا له ، ولذلك عطفت جملة ولا ينقضون ~~الميثاق } على جملة { يوفون بعهد الله } . | # والتعريف في { الميثاق } يحمل على تعريف الجنس فيستغرق جميع المواثيق ~~وبذلك يكون أعم من عهد الله فيشمل المواثيق الحاصلة بين الناس من عهود ~~وأيمان . | # وباعتبار هذا العموم حصلت مغايرة ما بينه وبين عهد الله . وتلك هي مسوغة ~~عطف { ولا ينقضون الميثاق } على { يوفون بعهد الله } مع حصول التأكيد لمعنى ~~الأولى بنفي ضدها ، وتعريضا بالمشركين لاتصافهم بضد ذلك الكمال ، فعطف ~~التأكيد باعتبار المغايرة بالعموم والخصوص . | # والميثاق والعهد مترادفان . والإيفاء ونفي النقض متحدا المعنى . وابتدىء ~~من الصفات بهذه الخصلة لأنها تنبىء عن الإيمان والإيمان أصل الخيرات ~~وطريقها ، ولذلك عطف على { يوفون بعهد الله } قوله : { ولا ينقضون الميثاق ~~} تحذيرا من كل ما فيه نقضه . | # وهذه الصلات صفات لأولي الألباب فعطفها من باب عطف الصفات للموصوف الواحد ~~، وليس من عطف الأصناف . وذلك مثل العطف في قول الشاعر الذي أنشده الفراء ~~في معاني القرآن : | # إلى الملك القرم وابن الهمام | # وليث الكتيبة في المزدحم | # فالمعنى : الذين يتصفون بمضمون كل صلة من هذه الصلات كلما عرض مقتض ~~لاتصافهم بها بحيث إذا وجد المقتضي ولم يتصفوا بمقتضاه كانوا غير متصفين ~~بتلك الفضائل ، فمنها ما يستلزم الاتصاف بالضد ، ومنها ما لا يستلزم إلا ~~التفريط في الفضل . | # وأعيد اسم الموصول هذا وما عطف عليه من الأسماء الموصولة ، للدلالة على ~~أنها صلاتها خصال عظيمة تقتضي الاهتمام بذكر من اتصف بها ، ولدفع توهم أن ~~عقبى الدار لا تتحقق لهم إلا إذا جمعوا كل هذه الصفات . | PageV13P126 # فالمراد ب { الذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل } ما يصدق على الفريق ~~الذين يوفون ms4330 بعهد الله . | # ومناسبة عطفه أن وصل ما أمر الله به أن يوصل أثر من آثار الوفاء بعهد ~~الله وهو عهد الطاعة الداخل في قوله : { وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم في ~~سورة يس ( 61 ) . | # والوصل : ضم شيء لشيء . وضده القطع . ويطلق مجازا على القرب وضده الهجر . ~~واشتهر مجازا أيضا في الإحسان والإكرام ومنه قولهم ، صلة الرحم ، أي ~~الإحسان لأجل الرحم ، أي لأجل القرابة الآتية من الأرحام مباشرة أو بواسط ، ~~وذلك النسب الجائي من الأمهات . وأطلقت على قرابة النسب من جانب الآباء ~~أيضا لأنها لا تخلو غالبا من اشتراك في الأمهات ولو بعدن . | # وما أمر الله به أن يوصل } عام في جميع الأواصر والعلائق التي أمر الله ~~بالمودة والإحسان لأصحابها . فمنها آصرة الإيمان ، ومنها آصرة القرابة وهي ~~صلة الرحم . وقد اتفق المفسرون على أنها مراد الله هنا ، وقد تقدم مثله عند ~~قوله تعالى : { وما يضل به إلا الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ~~ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل في سورة البقرة ( 26 ، 27 ) . | # وإنما أطنب في التعبير عنها بطريقة اسم الموصول ما أمر الله به أن يوصل } ~~لما في الصلة من التعريض بأن واصلها آتت بما يرضي الله لينتقل من ذلك إلى ~~التعريض بالمشركين الذين قطعوا أواصر القرابة بينهم وبين رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين وأساءوا إليهم في كل حال وكتبوا صحيفة ~~القطيعة مع بني هاشم . | # وفيها الثناء على المؤمنين بأنهم يصلون الأرحام ولم يقطعوا أرحام قومهم ~~المشركين إلا عندما حاربوهم وناووهم . | PageV13P127 # وقوله : { أن يوصل } بدل من ضمير { به } ، أي ما أمر الله بوصله . وجيء ~~بهذا النظم لزيادة تقرير المقصود وهو الأرحام بعد تقريره بالموصولية . | # والخشية : خوف بتعظيم المخوف منه وتقدمت في قوله تعالى : { وإنها لكبيرة ~~إلا على الخاشعين في سورة البقرة ( 45 ) . وتطلق على مطلق الخوف . | # والخوف : ظن وقوع المضرة من شيء . وتقدم في قوله تعالى : إلا أن يخافا ~~ألا يقيما حدود الله في سورة البقرة ( 229 ) . | # وسوء الحساب } ما يحف به ms4331 مما يسوء المحاسب ، وقد تقدم آنفا ، أي يخافون ~~وقوعه عليهم فيتركون العمل السيء . | # وجاءت الصلات { الذين يوفون } و { الذين يصلون } وما عطف عليهما بصيغة ~~المضارع في تلك الأفعال الخمسة لإفادة التجدد كناية عن الاستمرار . | # وجاءت صلة { والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم } وما عطف عليها وهو { وأقاموا ~~الصلاة وأنفقوا } بصيغة المضي لإفادة تحقق هذه الأفعال الثلاثة لهم وتمكنها ~~من أنفسهم تنويها بها لأنها أصول لفضائل الأعمال . | # فأما الصبر فلأنه ملاك استقامة الأعمال ومصدرها فإذا تخلق به المؤمن صدرت ~~عنها لحسنات والفضائل بسهولة ، ولذلك قال تعالى : { إن الإنسان لفي خسر إلا ~~الذين آمنوا و عملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ( سورة العصر : ~~2 3 ) . | # وأما الصلاة فلأنها عماد الدين وفيها ما في الصبر من الخاصية لقوله تعالى ~~: إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر وقوله تعالى : واستعينوا بالصبر ~~والصلاة ( سورة البقرة : 45 ) . | # وأما الإنفاق فأصله الزكاة ، وهي مقارنة للصلاة كلما ذكرت ، ولها الحظ ~~الأوفى من اعتناء الدين بها ، ومنها النفقات والعطايا كلها ، وهي أهم ~~PageV13P128 الأعمال ، لأن بذل المال يشق على النفوس فكان له من الأهمية ما ~~جعله ثانيا للصلاة . | # ثم أعيد أسلوب التعبير بالمضارع في المعطوف على الصلة وهو قوله : ويدرءون ~~بالحسنة السيئة } لاقتضاء المقام إفادة التجدد إيماء إلى أن تجدد هذا الدرء ~~ما يحرص عليه لأن الناس عرضة للسيئات على تفاوت ، فوصف لهم دواء ذلك بأن ~~يدعوا السيئات بالحسنات . | # والقول في عطف { والذين صبروا } وفي إعادة اسم الموصول كالقول في { ~~والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل } . | # والصبر : من المحامد . وتقدم في قوله تعالى : { واستعينوا بالصبر في سورة ~~البقرة ( 45 ) . والمراد الصبر على مشاق أفعال الخير ونصر الدين . | # وابتغاء وجه ربهم } مفعول لأجله ل { صبروا } . والابتغاء : الطلب . ومعنى ~~ابتغاء وجه الله ابتغاء رضاه كأنه فعل فعلا يطلب به إقباله عند لقائه ، ~~وتقدم في قوله تعالى : { وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله في آخر سورة ~~البقرة ( 272 ) . | # والمعنى أنهم صبروا لأجل أن الصبر مأمور به من الله لا لغرض آخر كالرياء ~~ليقال ms4332 ما أصبره على الشدائد ولاتقاء شماتة الأعداء . | # والسر والعلانية تقدم وجه ذكرهما في قوله تعالى : الذين ينفقون أموالهم ~~بالليل والنهار سرا وعلانية أواخر سورة البقرة ( 274 ) . | # والدرء : الدفع والطرد . وهو هنا مستعار لإزالة أثر الشيء فيكون بعد حصول ~~المدفوع وقبل حصوله بأن يعد ما يمنع حصوله ، فيصدق ذلك بأن يتبع السيئة إذا ~~صدرت منه بفعل الحسنات فإن ذلك كطرد السيئة . قال النبي : يا معاذ اتق الله ~~حيث كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها . وخاصة فيما بينه وبين ربه . | ~~PageV13P129 # ويصدق بأن لا يقابل من فعل معه سيئة بمثله بل يقابل ذلك بالإحسان ، قال ~~تعالى : ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ( ~~سورة فصلت : 34 ) بأن يصل من قطعه ويعطي من حرمه ويعفو عمن ظلمه وذلك فيما ~~بين الأفراد وكذلك بين الجماعات إذ لم يفض إلى استمرار الضر . قال تعالى في ~~ذلك : إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم ( سورة الأنفال : 3 ) . | # ويصدق بالعدول عن فعل السيئة بعد العزم فإن ذلك العدول حسنة درأت السيئة ~~المعزوم عليه . قال النبي عليه الصلاة والسلام : من هم بسيئة فلم يعملها ~~كتبها الله له حسنة . | # فقد جمع يدرءون } جميع هذه المعاني ولهذا لم يعقب بما يقتضي أن المراد ~~معاملة المسيء بالإحسان كما أتبع في قوله : { ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ~~ادفع بالتي هي أحسن في سورة فصلت ( 34 ) . وكما في قوله ادفع بالتي هي أحسن ~~السيئة نحن أعلم بما يصفون في سورة المؤمنون ( 96 ) . | # وجملة أولئك لهم عقبى الدار } خبر عن { الذين يوفون بعهد الله } . ودل ~~اسم الإشارة على أن المشار إليهم جديرون بالحكم الوارد بعد اسم الإشارة ~~لأجل ما وصف به المشار إليهم من الأوصاف ، كما في قوله : { أولئك على هدى ~~من ربهم في أول سورة البقرة ( 5 ) . | # ولهم عقبى الدار } جملة خبرا عن اسم الإشارة . وقدم المجرور على المبتدأ ~~للدلالة على القصر ، أي لهم عقبى الدار لا للمتصفين بإضداد صفاتهم ، فهو ~~قصر إضافي . | # والعقبى : العاقبة ، وهي الشيء الذي يعقب ، أي يقع ms4333 عقب شيء آخر . وقد ~~اشتهر استعمالها في آخرة الخير ، قال تعالى : { والعاقبة للمتقين ( سورة ~~القصص : 83 ) . ولذلك وقعت هنا في مقابلة ضدها في قوله : ولهم سوء الدار ( ~~سورة غافر : 52 ) . | # وأما قوله : وعقبى الكافرين النار ( سورة الرعد : 35 ) فهو مشاكلة كما ~~سيأتي في آخر السورة PageV13P130 عند قوله : وسيعلم الكافر لمن عقبى الدار ~~( سورة الرعد : 42 ) . وانظر ما ذكرته في تفسير قوله تعالى : ومن تكون له ~~عاقبة الدار في سورة القصص ( 37 ) فقد زدته بيانا . | # وإضافتها إلى الدار } من إضفة الصفة إلى الموصوف . والمعنى : لهم الدار ~~العاقبة ، أي الحسنة . | # | 2 ( 23 ، 24 ) { جنات عدن يدخلونها ومن صلح من ءابائهم وأزواجهم ~~وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب * سلام عليكم بما صبرتم فنعم ~~عقبى الدار } ) 2 # { جنات عدن } بدل من { عقبى الدار } . والعدن : الاستقرار . وتقدم في ~~قوله : { ومساكن طيبة في جنات عدن } في سورة براءة ( 72 ) . | # وذكر يدخلونها } لاستحضار الحالة البهيجة . والجملة حال من { جنات } أو ~~من ضمير { لهم عقبى الدار } ، والواو في { ومن صلح من آبائهم } واو المعية ~~وذلك زيادة الإكرام بأن جعل أصولهم وفروعهم وأزواجهم المتأهلين لدخول الجنة ~~لصلاحهم في الدرجة التي هم فيها ؛ فمن كانت مرتبته دون مراتبهم لحق بهم ، ~~ومن كانت مرتبته فوق مراتبهم لحقوا هم به ، فلهم الفضل في الحالين . وهذا ~~كعكسه في قوله تعالى : { احشروا الذين ظلموا وأزواجهم ( سورة الصافات : 22 ~~) الآية لأن مشاهدة عذاب الأقارب عذاب مضاعف . | # وفي هذه الآية بشرى لمن كان له سلف صالح أو خلف صالح أو زوج صالح ممن ~~تحققت فيهم هذه الصلاة أنه إذا صار إلى الجنة لحق بصالح أصوله أو فروعه أو ~~زوجه ، وما ذكر الله هذا إلا لهذه البشرى كما قال الله تعالى : والذين ~~آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم وما ألتناهم من عملهم من ~~شيء ( سورة الطور : 21 ) . | PageV13P131 # والآباء يشمل الأمهات على طريقة التغليب كما قالوا : الأبوين . | # وجملة والملائكة يدخلون عليهم من كل باب } عطف على { يدخلونها } فهي في ~~موقع الحال . وهذا من كرامتهم والتنويه بهم ms4334 ، فإن تردد رسل الله عليهم مظهر ~~من مظاهر إكرامه . | # وذكر { من كل باب } كناية عن كثرة غشيان الملائكة إياهم بحيث لا يخلو باب ~~من أبواب بيوتهم لا تدخل منه ملائكة . ذلك أن هذا الدخول لما كان مجلبة ~~مسرة كان كثيرا في الأمكنة . ويفهم منه أن ذلك كثير في الأزمنة فهو متكرر ~~لأنهم ما دخلوا من كل باب إلا لأن كل باب مشغول بطائفة منهم ، فكأنه قيل من ~~كل باب في كل آنن . | # وجملة { سلام عليكم } مقول قول محذوف لأن هذا لا يكون إلا كلاما من ~~الداخلين . وهذا تحية يقصد منها تأنيس أهل الجنة . | # والباء في { بما صبرتم } للسببية ، وهي متعلقة بالكون المستفاد من ~~المجرور وهو { عليكم } . والتقدير : نالكم هذا التكريم بالسلام بسبب صبركم ~~. ويجوز أن يكون متعلقا بمحذوف مستفاد من المقام ، أي هذا النعيم المشاهد ~~بما صبرتم . | # والمراد : الصبر على مشاق التكاليف وعلى ما جاهدوا بأموالهم وأنفسهم . | # وفرع على ذلك { فنعم عقبى الدار } تفريع ثناء على حسن عاقبتهم . والمخصوص ~~بالمدح محذوف لدلالة مقام الخطاب عليه . والتقدير : فنعم عقبى الدار دار ~~عقباكم . وتقدم معنى { عقبى الدار } آنفا . | # | PageV13P132 # | 2 ( 25 ) { والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون مآ أمر الله ~~به أن يوصل ويفسدون فى الارض أولائك لهم اللعنة ولهم سو ء الدار } ) 2 # | $ # هذا شرح حال أضداد الذين يوفون بعهد الله ، وهو ينظر إلى شرح مجمل قوله : ~~{ كمن هو أعمى } ( سورة الرعد : 19 ) . والجملة معطوفة على جملة { الذين ~~يوفون } ( الرعد : 20 ) . | # ونقض العهد : إبطاله وعدم الوفاء به . | # وزيادة من بعد ميثاقه } زيادة في تشنيع النقض ، أي من بعد توثيق العهد ~~وتأكيده . | # وتقدم نظير هذه الآية قوله تعالى : { وما يضل به إلا الفاسقين الذين ~~ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في ~~الأرض في أوائل سورة البقرة : 26 27 ) . | # وجملة أولئك لهم اللعنة } خبر عن { والذين ينقضون } وهي مقابل جملة { ~~أولئك لهم عقبى الدار } . | # والبعد عن الرحمة والخزي وإضافة سوء الدار كإضافة عقبى الدار ms4335 . والسوء ضد ~~العقبى كما تقدم . | # | 2 ( 26 ) { الله يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر وفرحوا بالحيواة الدنيا وما ~~الحيواة الدنيا فى الاخرة إلا متاع } ) 2 # هذه الجملة مستأنفة استئنافا بيانيا جوابا عما يهجس في نفوس السامعين من ~~المؤمنين والكافرين من سماع قوله : { أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار } ~~PageV13P133 المفيد أنهم مغضوب عليهم ، فأما المؤمنون فيقولون : كيف بسط ~~الله الرزق لهم في الدنيا فازدادوا به طغيانا وكفرا وهلا عذبهم في الدنيا ~~بالخصاصة كما قدر تعذيبهم في الآخرة ، وذلك مثل قول موسى عليه السلام { ~~ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن ~~سبيلك ( سورة يونس : 88 ) ، وأما الكافرون فيسخرون من الوعيد مزدهين بما ~~لهم من نعمة . فأجيب الفريقان بأن الله يشاء بسط الرزق لبعض عباده ونقصه ~~لبعض آخر لحكمة متصلة بأسباب العيش في الدنيا ، ولذلك اتصال بحال الكرامة ~~عنده في الآخرة . ولذلك جاء التعميم في قوله : لمن يشاء } ، ومشيئته تعالى ~~وأسبابها لا يطلع عليها أحد . | # وأفاد تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي في قوله : { الله يبسط } تقوية ~~للحكم وتأكيدا ، لأن المقصود أن يعلمه الناس ولفت العقول إليه على رأي ~~السكاكي في أمثاله . وليس المقام مقام إفادة الحصر كما درج عليه ( الكشاف ) ~~إذ ليس ثمة من يزعم الشركة لله في ذلك ، أو من يزعم أن الله لا يفعل ذلك ~~فيقصد الرد عليه بطريق القصر . | # والبسط : مستعار للكثرة وللدوام . والقدر : كناية عن القلة . | # ولما كان المقصود الأول من هذا الكلام تعليم المسلمين كان الكلام موجها ~~إليهم . | # وجيء في جانب الكافرين بضمير الغيبة إشارة إلى أنهم أقل من أن يفهموا هذه ~~الدقائق لعنجهية نفوسهم فهم فرحوا بما لهم في الحياة الدنيا وغفلوا عن ~~الآخرة ، فالفرح المذكور فرح بطر وطغيان كما في قوله تعالى في شأن قارون : ~~{ إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين ( سورة القصص : 76 ) ، ~~فالمعنى فرحوا بالحياة الدنيا دون اهتمام بالآخرة . وهذا المعنى أفاده ~~الاقتصار على ذكر الدنيا في حين ذكر الآخرة أيضا بقوله : وما ms4336 الحياة الدنيا ~~في الآخرة إلا متاع } . | PageV13P134 # والمراد بالحياة الدنيا وبالآخرة نعيمهما بقرينة السياق ، فالكلام من ~~إضافة الحكم إلى الذات والمراد أحوالها . | # و { في } ظرف مستقر حال من { الحياة الدنيا } . ومعنى { في } الظرفية ~~المجازية بمعنى المقايسة ، أي إذا نسبت أحوال الحياة الدنيا بأحوال الآخرة ~~ظهر أن أحوال الدنيا متاع قليل ، وتقدم عند قوله : { فما متاع الحياة ~~الدنيا في الآخرة إلا قليل في سورة براءة ( 38 ) . | # والمتاع : ما يتمتع به وينقضي . وتنكيره للتقليل كقوله : لا يغرنك تقلب ~~الذين كفروا في البلاد متاع قليل ( سورة آل عمران : 196 197 ) . | # | 2 ( 27 ) ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه ءاية من ربه قل إن الله يضل ~~من يشآء ويهدى إليه من أناب } ) 2 # | $ # عطف غرض على غرض وقصة على قصة . والمناسبة ذكر فرحهم بحياتهم الدنيا وقد ~~اغتروا بما هم عليه من الرزق فسألوا تعجيل الضر في قولهم : { اللهم إن كان ~~هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ( ~~سورة الأنفال : 32 ) . وهذه الجملة تكرير لنظيرتها السابقة ويقول الذين ~~كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه إنما أنت منذر ( سورة الرعد : 7 ) . ~~فأعيدت تلك الجملة إعادة الخطيب كلمة من خطبته ليأتي بما بقي عليه في ذلك ~~الغرض بعد أن يفصل بما اقتضى المقام الفصل به ثم يتفرغ إلى ما تركه من قبل ~~، فإنه بعد أن بينت الآيات السابقة أن الله قادر على أن يعجل لهم العذاب ~~ولكن حكمته اقتضت عدم التنازل ليتحدى عبيده فتبين ذلك كله كمال التبيين . ~~وكل ذلك لاحق بقوله : وإن تعجب فعجب قولهم أإذا كنا ترابا إنا لفي خلق جديد ~~( سورة الرعد : 5 ) ، وعود إلى المهم من غرض التنويه بآية القرآن ودلالته ~~على صدق الرسول ، ولهذا أطيل الكلام على هدي القرآن عقب هذه الجملة . | ~~PageV13P135 # ولذلك تعين أن موقع جملة إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب } موقع ~~الخبر المستعمل في تعجيب الرسول عليه الصلاة والسلام من شدة ضلالهم بحيث ~~يوقن من شاهد حالهم أن الضلال ms4337 والاهتداء بيد الله وأنهم لولا أنهم جبلوا من ~~خلقة عقولهم على اتباع الضلال لكانوا مهتدين لأن أسباب الهداية واضحة . | # وتحت هذا التعجيب معان أخرى : | # أحدها : أن آيات صدق النبي صلى الله عليه وسلم واضحة لولا أن عقولهم لم ~~تدركها لفساد إدراكهم . | # الثاني : أن الآيات الواضحة الحسية قد جاءت لأمم أخرى فرأوها ولم يؤمنوا ~~، كما قال تعالى : { وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون ~~وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها ( سورة الإسراء : 59 ) . | # الثالث : } أن لعدم إيمانهم أسبابا خفية يعلمها الله قد أبهمت بالتعليق ~~على المشيئة في قوله : { يضل من يشاء } منها ما يومىء إليه قوله في مقابلة ~~{ ويهدي إليه من أناب } . وذلك أنهم تكبروا وأعرضوا حين سمعوا الدعوة إلى ~~التوحيد فلم يتأملوا ، وقد ألقيت إليهم الأدلة القاطعة فأعرضوا عنها ولو ~~أنابوا وأذعنوا لهداهم الله ولكنهم نفروا . وبهذا يظهر موقع ما أمر الرسول ~~عليه الصلاة والسلام أن يجيب به عن قولهم : { لولا أنزل عليه آية من ربه } ~~بأن يقول : { إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب } ، وأن ذلك تعريض ~~بأنهم ممن شاء الله أن يكونوا ضالين وبأن حالهم مثار تعجب . | # والإنابة : حقيقتها الرجوع . وأطلقت هنا على الاعتراف بالحق عند ظهور ~~دلائله لأن النفس تنفر من الحق ابتداء ثم ترجع إليه ، فالإنابة هنا ضد ~~النفور . | # | PageV13P136 # | 2 ( 28 ، 29 ) { الذين ءامنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله ~~تطمئن القلوب * الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مئاب } ) 2 # استئناف اعتراضي مناسبته المضادة لحال الذين أضلهم الله ، والبيان لحال ~~الذين هداهم مع التنبيه على أن مثال الذين ضلوا هو عدم اطمئنان قلوبهم لذكر ~~الله ، وهو القرآن ، لأن قولهم : { لولا أنزل عليه آية من ربه } يتضمن أنهم ~~لم يعدوا القرآن آية من الله ، ثم التصريح بجنس عاقبة هؤلاء ، والتعريض بضد ~~ذلك لأولئك ، فذكرها عقب الجملة السابقة يفيد الغرضين ويشير إلى السببين . ~~ولذلك لم يجعل { الذين آمنوا } بدلا من { من أناب ( الرعد : 27 ) لأنه لو ~~كان كذلك لم تعطف على ms4338 الصلة جملة وتطمئن قلوبهم } ولا عطف { وعملوا ~~الصالحات } على الصلة الثانية . ف { الذين آمنوا } الأول مبتدأ ، وجملة { ~~ألا بذكر الله تطمئن القلوب } معترضة و { الذين آمنوا } الثاني بدل مطابق ~~من { الذين آمنوا } الأول ، وجملة { طوبى لهم } خبر المبدأ . | # والاطمئنان : السكون ، واستعير هنا لليقين وعدم الشك ، لأن الشك يستعار ~~له الاضطراب . وتقدم عند قوله تعالى : { ولكن ليطمئن قلبي في سورة البقرة ( ~~260 ) . | # و ( ذكر الله ) يجوز أن يراد به خشية الله ومراقبته بالوقوف عند أمره ~~ونهيه . ويجوز أن يراد به القرآن قال : وإنه لذكر لك ولقومك ( سورة الزخرف ~~: 44 ) ، وهو المناسب قولهم : لولا أنزل عليه آية من ربه } . وعلى هذا ~~المعنى جاء قوله تعالى في سورة الزمر : { فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله ~~( سورة الزمر : 22 ) ، أي للذين كان قد زادهم قسوة قلوب ، وقوله في آخرها : ~~ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ( سورة الزمر : 23 ) . | # والذكر من أسماء القرآن ، ويجوز أن يراد ذكر الله باللسان فإن إجراءه على ~~اللسان ينبه القلوب إلى مراقبته . | PageV13P137 # وهذا وصف لحسن حال المؤمنين ومقايسته بسوء حالة الكافرين الذين غمر الشك ~~قلوبهم ، قال تعالى : بل قلوبهم في غمرة من هذا ( سورة المؤمنون : 63 ) . | # واختير المضارع في تطمئن } مرتين لدلالته على تجدد الاطمئنان واستمراره ~~وأنه لا يتخلله شك ولا تردد . | # وافتتحت جملة { إلا بذكر الله } بحرف التنبيه اهتماما بمضمونها وإغراء ~~بوعيه . وهي بمنزلة التذييل لما في تعريف { القلوب } من التعميم . وفيه ~~إثارة الباقين على الكفر على أن يتسموا بسمة المؤمنين من التدبير في القرآن ~~لتطمئن قلوبهم ، كأنه يقول : إذا علمتم راحة بال المؤمنين فماذا يمنعكم بأن ~~تكونوا مثلهم فإن تلك في متناولكم لأن ذكر الله بمسامعكم . | # وطوبى : مصدر من طاب طيبا إذا حسن ، وهي بوزن البشرى والزلفى ، قلبت ~~ياؤها واوا لمناسبة الضمة ، أي لهم الخير الكامل لأنهم اطمأنت قلوبهم ~~بالذكر ، فهم في طيب حال : في الدنيا بالاطمئنان ، وفي الآخرة بالنعيم ~~الدائم وهو حسن المئاب وهو مرجعهم في آخر أمرهم . | # وإطلاق المآب عليه باعتبار أنه آخر أمرهم وقرارهم ms4339 كما أن قرار المرء بيته ~~يرجع إليه بعد الانتشار منه . على أنه يناسب ما تقرر أن الأرواح من أمر ~~الله ، أي من عالم الملكوت وهو عالم الخلد فمصيرها إلى الخلد رجوع إلى ~~عالمها الأول . وهذا مقابل قوله في المشركين { ولهم سوء الدار . | # واللام في قوله : لهم } للملك . | # | PageV13P138 # | 2 ( 30 ) { كذلك أرسلناك فى أمة قد خلت من قبلهآ أمم لتتلو عليهم الذى ~~أوحينآ إليك وهم يكفرون بالرحمان قل هو ربى لا إلاه إلا هو عليه توكلت ~~وإليه متاب } . ) 2 # | $ # هذا الجواب عن قولهم : { لولا أنزل عليه آية من ربه } لأن الجواب السابق ~~بقوله : { قل إن الله يضل من يشاء } جواب بالإعراض عن جهالتهم والتعجب من ~~ضلالهم وما هنا هو الجواب الراد لقولهم . فيجوز جعل هذه الجملة من مقول ~~القول ، ويجوز جعله مقطوعة عن جملة { قل إن الله يضل من يشاء } . وأيا ما ~~كان فهي بمنزلة البيان لجملة القول كلها ، أو البيان لجملة المقول وهو ~~التعجب . | # وفي افتتاحها بقوله : { كذلك } الذي هو اسم إشارة تأكيد للمشار إليه وهو ~~التعجب من ضلالتهم إذ عموا عن صفة الرسالة . | # والمشار إليه : الإرسال المأخوذ من فعل { أرسلناك } ، أي مثل الإرسال ~~البين أرسلناك ، فالمشبه به عين المشبه ، إشارة إلى أنه لوضوحه لا يبين ما ~~وضح من نفسه . وقد تقدم نظيره في قوله تعالى : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا في ~~سورة البقرة ( 143 ) . | # ولما كان الإرسال قد علق بقوله : في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلوا ~~عليهم الذي أوحينا إليك } صارت الإشارة أيضا متحملة لمعنى إرسال الرسل من ~~قبله إلى أمم يقتضي مرسلين ، أي ما كانت رسالتك إلا مثل رسالة الرسل من ~~قبلك . كقوله : { قل ما كنت بدعا من الرسل ( سورة الأحقاف : 9 ) وقوله : ~~وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ( ~~سورة الفرقان : 20 ) لإبطال توهم المشركين أن النبي لما لم يأتهم بما سألوه ~~فهو غير مرسل من الله . وفي هذا الاستدلال تمهيد لقوله : ولو أن قرآنا سيرت ~~PageV13P139 به الجبال ( سورة الرعد : 31 ms4340 ) الآيات . ولذلك أردفت الجملة ~~بقوله : لتتلوا عليهم الذي أوحينا إليك } . | # والأمة : هي أمة الدعوة { فمنهم من آمن ومنهم من كفر } . | # وتقدم معنى { قد خلت من قبلها أمم } في سورة آل عمران عند قوله : { قد ~~خلت من قبلكم سنن ( سورة آل عمران : 137 ) . ويتضمن قوله : قد خلت من قبلها ~~أمم } التعريض بالوعيد بمثل مصير الأمم الخالية التي كذبت رسلها . | # وتضمن لام التعليل في قوله : { لتتلوا عليهم } أن الإرسال لأجل الإرشاد ~~والهداية بما أمر الله لا لأجل الانتصاب لخوارق العادات . | # والتلاوة : القراءة . فالمقصود لتقرأ عليهم القرآن ، كقوله : { وأن أتلو ~~القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ( سورة النمل : 92 ) الآية . | # وفيه إيماء إلى أن القرآن هو معجزته لأنه ذكره في مقابلة إرسال الرسل ~~الأولين ومقابلة قوله : ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه ( ~~سورة الرعد : 7 ) . وقد جاء ذلك صريحا في قوله : أو لم يكفهم أنا أنزلنا ~~عليك الكتاب يتلى عليهم ( سورة العنكبوت : 51 ) . وقال النبي : ما من ~~الأنبياء نبي إلا أوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر ، وإنما كان الذي ~~أوتيت وحيا أوحاه الله إلي . | # وجملة وهم يكفرون بالرحمان } عطف على جملة { كذلك أرسلناك } ، أي أرسلناك ~~بأوضح الهداية وهم مستمرون على الكفر لم تدخل الهداية قلوبهم ، فالضمير ~~عائد إلى المشركين المفهومين من المقام لا إلى { أمة } لأن الأمة منها ~~مؤمنون . | # والتعبير بالمضارع في { يكفرون } للدلالة على تجدد ذلك واستمراره . ومعنى ~~كفرهم بالله إشراكهم معه غيره في الإلهية ، فقد أبطلوا حقيقة الإلهية ~~فكفروا به . | PageV13P140 # واختيار اسم ( الرحمن ) من بين أسمائه تعالى لأن كفرهم بهذا الاسم أشد ~~لأنهم أنكروا أن يكون الله رحمان . قال تعالى : { وإذا قيل لهم اسجدوا ~~للرحمان قالوا وما الرحمن في سورة الفرقان ( 60 ) ، فأشارت الآية إلى كفرين ~~من كفرهم : جحد الوحدانية ، وجحد اسم الرحمن ؛ ولأن لهذه الصفة مزيد اختصاص ~~بتكذيبهم الرسول عليه الصلاة والسلام وتأييده بالقرآن لأن القرآن هدى ورحمة ~~للناس . وقد أرادوا تعويضه بالخوارق التي لا تكسب هديا بذاتها ولكنها دالة ~~على صدق من جاء بها ms4341 . | # قال مقاتل وابن جريج : نزلت هذه الآية في صلح الحديبية حين أرادوا أن ~~يكتبوا كتاب الصلح فقال النبي للكاتب اكتب بسم الله الرحمن الرحيم فقال ~~سهيل بن عمرو : ما نعرف الرحمن إلا صاحب اليمامة ، يعني مسيلمة ، فقال ~~النبي اكتب باسمك اللهم . ويبعده أن السورة مكية كما تقدم . | # وعن ابن عباس نزلت في كفار قريش حين قال لهم النبي اسجدوا للرحمن قالوا ~~وما الرحمن فنزلت . | # وقد لقن النبي بإبطال كفرهم المحكي إبطالا جامعا بأن يقول : هو ربي } ، ~~فضمير { هو } عائد إلى ( الرحمن ) باعتبار المسمى بهذا الاسم ، أي المسمى ~~هو ربي وأن الرحمن اسمه . | # وقوله : { لا إلاه إلا هو } إبطال لإشراكهم معه في الإلهية غيره . وهذا ~~مما أمر الله نبيه أن يقوله ، فهو احتراس لرد قولهم : إن محمدا صلى الله ~~عليه وسلم يدعو إلى رب واحد وهو يقول : إن ربه الله وإن ربه الرحمن ، فكان ~~قوله : { لا إلاه إلا هو } دالا على أن المدعو بالرحمان هو المدعو بالله إذ ~~لا إلاه إلا إلاه واحد ، فليس قوله : { لا إلاه إلا هو } إخبارا من جانب ~~الله على طريقة الاعتراض . | PageV13P141 # وجملة { عليه توكلت وإليه متاب } هي نتيجة لكونه ربا واحدا . ولكنها ~~كالنتيجة لذلك فصلت عن التي قبلها لما بينهما من الاتصال . | # وتقديم المجرورين وهما { عليه } و { إليه } لإفادة اختصاص التوكل والمتاب ~~بالكون عليه ، أي لا على غيره ، لأنه لما توحد بالربوبية كان التوكل عليه ، ~~ولما اتصف بالرحمانية كان المتاب إليه ، لأن رحمانيته مظنة لقبوله توبة ~~عبده . | # والمتاب : مصدر ميمي على وزن مفعل ، أي التوبة ، يفيد المبالغة لأن الأصل ~~في المصادر الميمية أنها أسماء زمان جعلت كناية عن المصدر ، ثم شاع ~~استعمالها حتى صارت كالصريح . | # ولما كان المتاب متضمنا معنى الرجوع إلى ما يأمر الله به عدي المتاب بحرف ~~{ إلى . | # وأصل متاب } متابي بإضافة إلى ياء المتكلم فحذفت الياء تخفيفا وأبقيت ~~الكسرة دليلا على المحذوف كما حذف في النادى المضاف إلى الياء . | # | 2 ( 31 ) { ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الارض أو كلم ms4342 به ~~الموتى بل لله الامر جميعا أفلم يايئس الذين ءامنو ا أن لو يشآء الله لهدى ~~الناس جميعا ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من ~~دارهم حتى يأتى وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد } . ) 2 # | $ # { ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الارض أو كلم به الموتى بل لله ~~الامر جميعا أفلم يايئس الذين ءامنو ا أن لو يشآء الله لهدى الناس جميعا ~~ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى ~~يأتى وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد } . | # يجوز أن تكون عطفا على جملة { كذلك أرسلناك في أمة } لأن المقصود من ~~الجملة المعطوف عليها أن رسالته لم تكن إلا مثل رسالة غيره من الرسل عليهم ~~السلام كما أشار إليه صفة { أمة قد خلت من قبلها أمم } ، فتكون جملة { ولو ~~أن قرآنا } تتمة للجواب عن قولهم : { لولا أنزل عليه آية من ربه } . | ~~PageV13P142 # ويجوز أن تكون معترضة بين جملة { قل هو ربي } وبين جملة { أفمن هو قائم ~~على كل نفس ( سورة الرعد : 33 ) كما سيأتي هنالك . ويجوز أن تكون محكية ~~بالقول عطفا على جملة هو ربي لا إلاه إلا هو } . | # والمعنى : لو أن كتابا من الكتب السالفة اشتمل على أكثر من الهداية فكانت ~~مصادر لإيجاد العجائب لكان هذا القرآن كذلك ولكن لم يكن قرآن كذلك ، فهذا ~~القرآن لا يتطلب منه الاشتمال على ذلك إذ ليس ذلك من سنن الكتب الإلهية . | # وجواب { لو } محذوف لدلالة المقام عليه . وحذف جواب { لو } كثير في ~~القرآن كقوله : { ولو ترى إذ وقفوا على النار ( سورة الأنعام : 27 ) وقوله ~~: ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم ( سورة السجدة : 12 ) . | # ويفيد ذلك معنى تعريضيا بالنداء عليهم بنهاية ضلالتهم ، إذ لم يهتدوا ~~بهدي القرآن ودلائله والحال لو أن قرآنا أمر الجبال أن تسير والأرض أن ~~تتقطع والموتى أن تتكلم لكان هذا القرآن بالغا ذلك ولكن ذلك ليس من شأن ~~الكتب ، فيكون على حد قول أبي بن ms4343 سلمى من الحماسة : | # ولو طار ذو حافر قبلها | # لطارت ولكنه لم يطر | # ووجه تخصيص هذه الأشياء الثلاثة من بين الخوارق المفروضة ما رواه الواحدي ~~والطبري عن ابن عباس : أن كفار قريش ، أبا جهل وابن أبي أمية وغيرهما جلسوا ~~خلف الكعبة ثم أرسلوا إلى النبي فقالوا : لو وسعت لنا جبال مكة فسيرتها حتى ~~تتسع أرضنا فنحترثهما فإنها ضيقة ، أو قرب إلينا الشام فإنا نتجر إليها ، ~~أو أخرج قصيا نكلمه . | # وقد يؤيد هذه الرواية أنه تكرر فرض تكليم الموتى بقوله في سورة الأنعام ~~ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى ( سورة الأنعام : 111 ) ، ~~فكان في ذكر PageV13P143 هذه الأشياء إشارة إلى تهكمهم . وعلى هذا يكون ~~قطعت به الأرض } قطعت مسافات الأسفار كقوله تعالى : { لقد تقطع بينكم ( ~~سورة الأنعام : 94 ) . | # وجملة بل لله الأمر جميعا } عطف على { ولو أن قرآنا } بحرف الإضراب ، أي ~~ليس ذلك من شأن الكتب بل لله أمر كل محدث فهو الذي أنزل الكتاب وهو الذي ~~يخلق العجائب إن شاء ، وليس ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولا عند ~~سؤالكم ، فأمر الله نبيئه بأن يقول هذا الكلام إجراء لكلامهم على خلاف ~~مرادهم على طريقة الأسلوب الحكيم ، لأنهم ما أرادوا بما قالوه إلا التهكم ، ~~فحمل كلامهم على خلاف مرادهم تنبيها على أن الأولى بهم أن ينظروا هل كان في ~~الكتب السابقة قرآن يتأتى به مثل ما سألوه . | # ومثل ذلك قول الحجاج للقبعثري : لأحملنك على الأدهم ( يريد القيد ) . ~~فأجابه القبعثري بأن قال : مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب ، فصرفه إلى ~~لون فرس . | # والأمر هنا : التصرف التكويني ، أي ليس القرآن ولا غيره بمكون شيئا مما ~~سألتم بل الله الذي يكون الأشياء . | # وقد أفادت الجملتان المعطوفة والمعطوف عليها معنى القصر لأن العطف ب { بل ~~} من طرق القصر ، فاللام في قوله : { الأمر } للاستغراق ، و { جميعا } ~~تأكيد له . وتقديم المجرور على المبتدأ لمجرد الاهتمام لأن القصر أفيد ب { ~~بل } العاطفة . | # وفرع على الجملتين { أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس ~~جميعا } استفهاما إنكاريا ms4344 إنكارا لانتفاء يأسي الذين آمنوا ، أي فهم حقيقون ~~بزوال يأسهم وأن يعلموا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا . | # وفي هذا الكلام زيادة تقرير لمضمون جملة { قل إن الله يضل من يشاء ويهدي ~~إليه من أناب ( سورة الرعد : 27 ) . | PageV13P144 # وييأس } بمعنى يوقن ويعلم ، ولا يستعمل هذا الفعل إلا مع { أن } المصدرية ~~، وأصله مشتق من اليأس الذي هو تيقن عدم حصول المطلوب بعد البحث ، فاستعمل ~~في مطلق اليقين على طريقة المجاز المرسل بعلاقة اللزوم لتضمن معنى اليأس ~~معنى العلم وشاع ذلك حتى صار حقيقة ، ومنه قول سحيم بن وثيل الرياحي : | # أقول لهم بالشعب إذ ييسرونني | # ألم تأيسوا أني ابن فارس زهدم | # وشواهد أخرى . | # وقد قيل : إن استعمال يئس بمعنى علم لغة هوازن أو لغة بني وهبيل ( فخذ من ~~النخع سمي باسم جد ) . وليس هنالك ما يلجىء إلى هذا . هذا إذا جعل { أن لو ~~يشاء الله } مفعولا ل { ييأس } . ويجوز أن يكون متعلق { ييأس } محذوفا دل ~~عليه المقام . تقديره : من إيمان هؤلاء ، ويكون { أن لو يشاء الله } مجرورا ~~بلام تعليل محذوفة . والتقدير : لأنه لو يشاء الله لهدى الناس ، فيكون ~~تعليلا لإنكار عدم يأسهم على تقدير حصوله . | # { ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم ~~حتى يأتى وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد } . | # معطوفة على جملة { ولو أن قرآنا سيرت به الجبال } على بعض الوجوه في تلك ~~الجملة . وهي تهديد بالوعيد على تعنتهم وإصرارهم على عدم الاعتراف بمعجزة ~~القرآن ، وتهكمهم باستعجال العذاب الذي توعدوا به ، فهددوا بما سيحل بهم من ~~الخوف بحلول الكتائب والسرايا بهم تنال الذين حلت فيهم وتخيف من حولهم حتى ~~يأتي وعد الله بيوم بدر أو فتح مكة . | PageV13P145 # واستعمال { لا يزال } في أصلها تدل على الإخبار باستمرار شيء واقع ، فإذا ~~كانت هذه الآية مكية تعين أن تكون نزلت عند وقوع بعض الحوادث المؤلمة بقريش ~~من جوع أو مرض ، فتكون هذه الآية تنبيها لهم بأن ذلك عقاب من الله تعالى ~~ووعيد بأن ذلك دائم فيهم ms4345 حتى يأتي وعد لله . ولعلها نزلت في مدة إصابتهم ~~بالسنين السبع المشار إليها بقوله تعالى : { ولنبلونكم بشيء من الخوف ~~والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات ( سورة البقرة : 155 ) . | # ومن جعلوا هذه السورة مدنية فتأويل الآية عندهم أن القارعة السرية من ~~سرايا المسلمين التي تخرج لتهديد قريش ومن حولهم . وهو لا ملجىء إليه . | # والقارعة : في الأصل وصف من القرع ، وهو ضرب جسم بجسم آخر . يقال : قرع ~~الباب إذا ضربه بيده بحلقة . ولما كان القرع يحدث صوتا مباغتا يكون مزعجا ~~لأجل تلك البغتة صار القرع مجازا للمباغتة والمفاجأة ، ومثله الطرق . ~~وصاغوا من هذا الوصف صيغة تأنيث إشارة إلى موصوف ملتزم الحذف اختصارا لكثرة ~~الاستعمال ، وهو ما يؤول بالحادثة أو الكائنة أو النازلة ، كما قالوا : ~~داهية وكارثة ، أي نازلة موصوفة بالإزعاج فإن بغت المصائب أشد وقعا على ~~النفس . ومنه تسمية ساعة البعث بالقارعة . | # والمراد هنا الحادثة المفجعة بقرينة إسناد الإصابة إليها . وهي مثل ~~الغارة والكارثة تحل فيهم فيصيبهم عذابها ، أو تقع بالقرب منهم فيصيبهم ~~الخوف من تجاوزها إليهم ، فليس المراد بالقارعة الغزو والقتال لأنه لم ~~يتعارف إطلاق اسم القارعة على موقعة القتال ، ولذلك لم يكن في الآية ما يدل ~~على أنها مما نزل بالمدينة . | # ومعنى بما صنعوا } بسبب فعلهم وهو كفرهم وسوء معاملتهم نبيئهم . وأتي في ~~ذلك بالموصول لأنه أشمل لأعمالهم . | # وضمير { تحل } عائد إلى { قارعة } فيكون ترديدا لحالهم بين إصابة القوارع ~~إياهم وبين حلول القوارع قريبا من أرضهم فهم في رعب منها وفزع PageV13P146 ~~ويجوز أن يكون { تحل } خطابا للنبيء صلى الله عليه وسلم أي أو تحل أنت مع ~~الجيش قريبا من دارهم . والحلول : النزول . | # وتحل : بضم الحاء مضارع حل اللازم . وقد التزم فيه الضم . وهذا الفعل مما ~~استدركه بحرق اليمني على ابن مالك في شرح لامية الأفعال ، وهو وجيه . | # و { وعد الله } من إطلاق المصدر على المفعول ، أي موعود الله ، وهو ما ~~توعدهم به من العذاب ، كما في قوله : { قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى ~~جهنم وبئس المهاد ( سورة آل عمران : 12 ms4346 ) ، فأشارت الآية إلى استئصالهم ~~لأنها ذكرت الغلب ودخول جهنم ، فكان المعنى أنه غلب القتل بسيوف المسلمين ~~وهو البطشة الكبرى . ومن ذلك يوم بدر ويوم حنين ويوم الفتح . | # وإتيان الوعد : مجاز في وقوعه وحلوله . | # وجملة إن الله لا يخلف الميعاد } تذييل لجملة { حتى يأتي وعد الله } ~~إيذانا بأن إتيان الوعد المغيا به محقق وأن الغاية به غاية بأمر قريب ~~الوقوع . والتأكيد مراعاة لإنكار المشركين . | # | 2 ( 32 ) { ولقد استهزىء برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم ~~فكيف كان عقاب } . ) 2 # عطف على جملة { ولو أن قرآنا سيرت به الجبال ( سورة الرعد : 31 ) الخ ، ~~لأن تلك المثل الثلاثة التي فرضت أريد بها أمور سألها المشركون النبي ~~استهزاء وتعجيزا لا لترقب حصولها . | # وجاءت عقب الجملتين لما فيها من المناسبة لهما من جهة المثل التي في ~~الأولى ومن جهة الغاية التي في الثانية . | PageV13P147 # وقد استهزأ قوم نوح به عليه السلام وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه ~~( سورة هود : 38 ) ، واستهزأت عاد بهود عليه السلام فأسقط علينا كسفا من ~~السماء إن كنت من الصادقين ( سورة الشعراء : 187 ) ، واستهزأت ثمود بصالح ~~عليه السلام قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة ( سورة ~~الأعراف : 66 ) ، واستهزأوا بشعيب عليه السلام قالوا يا شعيب أصلواتك تأمرك ~~أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم ~~الرشيد ( سورة هود : 87 ) ، واستهزأ فرعون بموسى عليه السلام أم أنا خير من ~~هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين ( سورة الزخرف : 43 ) . | # والاستهزاء : مبالغة في الهزء مثل الاستسخار في السخرية . | # والإملاء : الإمهال والترك مدة . ومنه واهجرني مليا . وتقدم في قوله ~~تعالى : والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم في ( ~~سورة الأعراف : 182 ) . | # والاستفهام في فكيف كان عقاب للتعجيب . | # و عقاب أصله عقابي مثل ما تقدم آنفا في قوله : وإليه متاب } . | # والكلام تسلية للنبيء صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ، ووعيد للمشركين . | # | 2 ( 33 ) { أفمن هو قآئم على كل نفس بما كسبت ms4347 وجعلوا لله شركآء قل ~~سموهم أم تنبئونه بما لا يعلم فى الارض أم بظاهر من القول بل زين للذين ~~كفروا مكرهم وصدوا عن السبيل ومن يضلل الله فما له من هاد } . ) 2 # الفاء الواقعة بعد همزة الاستفهام مؤخرة من تقديم لأن همزة الاستفهام لها ~~الصدارة . فتقدير أصل النظم : فأمن هو قائم . فالفاء لتفريع الاستفهام ~~PageV13P148 وليس الاستفهام استفهاما على التفريع ، وذلك هو الوجه في وقوع ~~حروف العطف الثلاثة الواو والفاء وثم بعد الاستفهام وهو رأي المحقيقين ، ~~خلافا لمن يجعلون الاستفهام واردا على حرف العطف وما عطفه . | # فالفاء تفريع على جملة { قل هو ربي لا إلاه إلا هو عليه توكلت ( الرعد : ~~30 ) المجابب به حكاية كفرهم المضمن في جملة وهم يكفرون بالرحمان ( الرعد : ~~30 ) ، فالتفريع في المعنى على مجموع الأمرين : كفرهم بالله ، وإيمان النبي ~~بالله . | # ويجوز أن تكون تفريعا على جملة ولو أن قرآنا سيرت به الجبال ( الرعد : 31 ~~) ، فيكون ترقيا في إنكار سؤالهم إتيان معجزة غير القرآن ، أي إن تعجب من ~~إنكارهم آيات القرآن فإن أعجب منه جعلهم القائم على كل نفس بما كسبت مماثلا ~~لمن جعلوهم لله شركاء . | # واعترض أثر ذلك برد سؤالهم أن تسير الجبال أو تقطع الأرض أو تكلم الموتى ~~، وتذكيرهم بما حل بالمكذبين من قبلهم مع إدماج تسلية الرسول عليه الصلاة ~~والسلام ، ثم فرع على ذلك الاستفهام الإنكاري . | # وللمفسرين في تصوير نظم الآية محامل مختلفة وكثير منها متقاربة ، ومرجع ~~المتجه منها إلى أن في النظم حذفا يدل عليه ما هو مذكور فيه ، أو يدل عليه ~~السياق . والوجه في بيان النظم أن التفريع على مجموع قوله : وهم يكفرون ~~بالرحمان قل هو ربي لا إلاه إلا هو } أي أن كفرهم بالرحمان وإيمانك بأنه ~~ربك المقصورة عليه الربوبية يتفرع على مجموع ذلك استفهامهم استفهام إنكار ~~عليهم تسويتهم من هو قائم على كل نفس بمن ليس مثله من جعلوهم له شركاء ، أي ~~كيف يشركونهم وهم ليسوا سواء مع الله . | # وما صدق { من هو قائم على كل نفس } هو الله الإله الحق ms4348 الخالق المدبر . | ~~PageV13P149 # وخبر { من هو قائم } محذوف دلت عليه جملة { وجعلوا لله شركاء } . ~~والتقدير : أمن هو قائم على كل نفس ومن جعلوهم به شركاء سواء في استحقاق ~~العبادة . دل على تقديره ما تقتضيه الشركة في العبادة من التسوية في ~~الإلهية واستحقاق العبادة . والاستفهام إنكار لتلك التسوية المفاد من لفظ { ~~شركاء } . وبهذا المحذوف استغني عن تقدير معادل للهمزة كما نبه عليه صاحب ( ~~مغني اللبيب ) ، لأن هذا المقدر المدلول عليه بدليل خاص أقوى فائدة من ~~تقدير المعادل الذي حاصله أن يقدر : أم من ليس كذلك . وسيأتي قريبا بيان ~~موقع { وجعلوا لله شركاء } . | # والعدول عن اسم الجلالة إلى الموصول في قوله : { أفمن هو قائم } لأن في ~~الصلة دليلا على انتفاء المساواة ، وتخطئة لأهل الشرك في تشريك آلهتهم لله ~~تعالى في الإلهية ، ونداء على غباوتهم إذ هم معترفون بأن الله هو الخالق . ~~والمقدر باعتقادهم ذلك هو أصل إقامة الدليل عليهم بإقرارهم ولما في هذه ~~الصلة من التعريض لما سيأتي قريبا . | # والقائم على الشيء : الرقيب ، فيشمل الحفظ والإبقاء والإمداد ، ولتضمنه ~~معنى الرقيب عدي بحرف { على } المفيد للاستعلاء المجازي . وأصله من القيام ~~وهو الملازمة كقوله : { إلا ما دمت عليه قائما ( سورة آل عمران : 75 ) . ~~ويجيء من معنى القائم أنه العليم بحال كل شيء لأن تمام القيومية يتوقف على ~~إحاطة العلم . | # فمعنى قائم على كل نفس } متوليها ومدبرها في جميع شؤونها في الخلق والأجل ~~والرزق ، والعالم بأحوالها وأعمالها ، فكان إطلاق وصف { قائم } هنا من ~~إطلاق المشترك على معنييه . والمشكرون لا ينازعون في انفراد الله بهذا ~~القيام ولكنهم لا يراعون ذلك في عبادتهم غيره ، فمن أجل ذلك لزمتهم الحجة ~~ولمراعاة هذا المعنى تعلق قائم بقوله : { على كل نفس } ليعم القيام سائر ~~شؤونها . | # والباء في قوله : { بما كسبت } للملابسة . وهي في موقع الحال من { نفس } ~~PageV13P150 أو من { قائم } باعتبار ما يقتضيه القيام من العلم ، أي قياما ~~ملابسا لما عملته كل نفس ، أي قياما وفاقا لأعمالها من عمل خير يقتضي ~~القيام عليها باللطف والرضى فتظهر آثار ذلك في الدنيا والآخرة ms4349 لقوله : { من ~~عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم ~~بأحسن ما كانوا يعملون ( سورة النحل : 97 ) ، وقال : وعد الله الذين آمنوا ~~منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم ~~وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا ( سورة ~~النور : 55 ) ؛ أو من عمل شر يقتضي قيامه على النفس بالغضب والبلايا . ففي ~~هذه الصلة بعمومها تبشير وتهديد لمن تأمل من الفريقين . فهذا تعريض ~~بالأمرين للفريقين أفادته صلة الموصول . | # وجملة وجعلوا لله شركاء } في موضع الحال ، والواو للحال ، أي والحال ~~جعلوا له شركاء . | # وإظهار اسم الجلالة إظهار في مقام الإتيان بضمير { من هو قائم } . وفائدة ~~هذا الإظهار التعبير عن المسمى باسمه العلم الذي هو الأصل إذ كان قد وقع ~~الإيفاء بحق العدول عنه إلى الموصول في الجملة السابقة فتهيأ المقام للاسم ~~العلم ، وليكون تصريحا بأنه المراد من الموصول السابق زيادة في التصريح ~~بالحجة . | # وجملة { قل سموهم } استئناف أعيد معها الأمر بالقول لاسترعاء الأفهام ~~لوعي ما سيذكر . وهذه كلمة جامعة ، أعني جملة { سموهم } ، وقد تضمنت ردا ~~عليهم . فالمعنى : سموهم شركاء فليس لهم حظ إلا التسمية ، أي دون مسمى ~~الشريك ، فالأمر مستعمل في معنى الإباحة كناية عن قلة المبالاة بادعائهم ~~أنهم شركاء مثل { قل كونوا حجارة ( سورة الإسراء : 50 ) ، وكما تقول للذي ~~يخطىء في كلامه : قل ما شئت . والمعنى : إن هي إلا أسماء سميتموها لا ~~مسمياتت لها بوصف الإلهية لأنها حجارة لا صفات لها من صفات التصرف . وهذا ~~كقوله تعالى : ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما ~~PageV13P151 أنزل الله بها من سلطان ( سورة يوسف : 40 ) وقوله : إن هي إلا ~~أسماء سميتموها ( سورة النجم : 23 ) . وهذا إفحام لهم وتسفيه لأحلامهم ~~بأنهم ألهوا ما لا حقائق لها فلا شبهة لهم في ذلك ، كقوله تعالى : أم جعلوا ~~لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم ( سورة الرعد : 16 ) . وقد تمحل ~~المفسرون في تأويل قل سموهم } بما لا محصل له من المعنى . | # ثم أضرب ms4350 عن ذلك بجملة { أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض } وهي { أم } ~~المنقطعة . ودلت { أم } على أن ما بعدها في معنى الاستفهام ، وهو إنكاري ~~توبيخي ، أي ما كان لكم أن تفتروا على الله فتضعوا له شركاء لم ينبئكم ~~لوجودهم ، فقوله : { بما لا يعلم في الأرض } كناية عن غير الموجود لأن ما ~~لا يعلمه الله لا وجود له إذ لو كان موجودا لم يخف على علم العلام بكل شيء ~~. وتقييد ذلك ب { الأرض } لزيادة تجهيلهم لأنه لو كان يخفى عن علمه شيء ~~لخفي عنه ما لا يرى ولما خفيت عنه موجودات عظيمة بزعمكم . | # وفي سورة يونس ( 18 ) { قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في ~~الأرض زيادة في التعميم . | # وأم } الثانية متصلة هي معادلة همزة الاستفهام المقدرة في { أم تنبئونه } ~~. وإعادة الباء للتأكيد بعد { أم } العاطفة . والتقدير : بل أتنبئونه بما ~~لا يعلم في الأرض بل أتنبئونه بظاهر من القول . | # وليس الظاهر هنا مشتقا من الظهور بمعنى الوضوح بل هو مشتق من الظور بمعنى ~~الزوال كناية عن البطلان ، أي بمجرد قبول لا ثبات له وليس بحق ، كقول أبي ~~ذؤيب : | # وتلكك شكاة ظاهر عنكك عارها | # وقول سبرة بن عمرو الفقعسي : | # أعيرتنا ألبانها ولحومها | # وذلك عاريا يا ابن ريطة ظاهر | PageV13P152 # وقوله : { بل زين للذين كفروا مكرهم } إضراب عن الاحتجاج عليهم بإبطال ~~إلهية أصنامهم إلى كشف السبب ، وهو أن أيمة المشركين زينوا للذين كفروا ~~مكرهم بهم إذ وضعوا لهم عبادتها . | # والمكر : إخفاء وسائل الضر . وتقدم عند قوله تعالى : { ومكروا ومكر الله ~~والله خير الماكرين في أوائل سورة آل عمران ( 54 ) ، وعند قوله : أفأمنوا ~~مكر الله في سورة الأعراف ( 99 ) ، وعند قوله : وإذ يمكر بك الذين كفروا في ~~سورة الأنفال ( 30 ) . والمراد هنا أن أيمة الكفر مثل عمرو بن لحي وضعوا ~~للعرب عبادة الأصنام وحسنوها إليهم مظهرين لهم أنها حق ونفع وما أرادوا ~~بذلك إلا أن يكونوا قادة لهم ليسودوهم ويعبدوهم . | # فلما كان الفعل المبني للمجهول يقتضي فاعلا منويا كان قوله : زين للذين ~~كفروا ms4351 } في قوة قولك : زين لهم مزين . والشيء المزين ( بالفتح ) هو الذي ~~الكلام فيه وهو عبادة الأصنام فهي المفعول في المعنى لفعل التزيين المبني ~~للمجهول ، فتعين أن المرفوع بعد ذلك الفعل هو المفعول في المعنى ، فلا جرم ~~أن مكرهم هو المفعول في المعنى ، فتعين أن المكر مراد به عبادة الأصنام . ~~وبهذا يتجه أن يكون إضافة ( مكر ) إلى ضمير الكفار من إضافة المصدر إلى ما ~~هو في قوة المفعول وهو المجرور بباء التعدية ، أي المكر بهم ممن زينوا لهم ~~. | # وقد تضمن هذا الاحتجاح أساليب وخصوصيات : | # أحدها : توبيخهم على قياسهم أصنامهم على الله في إثبات الإلهية لها قياسا ~~فاسدا لانتفاء الجهة الجامعة فكيف يسوي من هو قائم على كل نفس بمن ليسوا في ~~شيء من ذلك . | # ثانيها : تبهيلهم في جعلهم أسماء لا مسمياتت لها آلهة . | # ثالثها : إبطال كون أصنامهم آلهة بأن الله لا يعلمها آلهة ، وهو كناية عن ~~انتفاء إلهيتها . | PageV13P153 # رابعها : أن ادعاءهم آلهة مجرد كلام لا انطباق له مع الواقع ، وهو قوله : ~~{ أم بظاهر من القول } . | # خامسها : أن ذلك تمويه باطل روجه فيهم دعاة الكفر ، وهو معنى تسميته مكرا ~~في قوله : { بل زين للذين كفروا مكرهم } . | # سادسها : أنهم يصدون الناس عن سبيل الهدى . | # وعطف { وصدوا عن السبيل } على جملة { زين للذين كفروا مكرهم } . وقرأه ~~الجمهور بفتح الصاد فهو باعتبار كون مضمون كلتا الجملتين من أحوال المشركين ~~: فالأولى باعتبار كونهم مفعولين ، والثانية باعتبار كونهم فاعلين للصد بعد ~~أن انفعلوا بالكفر . وقرأه عاصم ، وحمزة ، والكسائي ، وخلف { وصدوا } بضم ~~الصاد فهو كجملة { زين للذين كفروا } في كون مضمون كلتيهما جعل الذين كفروا ~~مفعولا للتزيين والصد . | # وجملة { ومن يضلل الله فما له من هاد } تذييل لما فيه من العموم . | # وتقدم الخلاف بين الجمهور وابن كثير في إثبات ياء { هاد } في حالة الوصل ~~عند قوله تعالى : { ولكل قوم هاد في هذه السورة ( 7 ) . | # | 2 ( 34 ) لهم عذاب فى الحيواة الدنيا ولعذاب الاخرة أشق وما لهم من ~~الله من واق } . ) 2 # استئناف بياني نشأ عن قوله : { ومن يضلل ms4352 الله فما له من هاد ( الرعد : 33 ~~) لأن هذا التبديد يومىء إلى وعيد يسال عنه السامع . وفيه تكملة للوعيد ~~المتقدم في قوله : ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة } مع زيادة ~~الوعيد بما بعد ذلك في الدار الآخرة . | # وتنكير { عذاب } للتعظيم ، وهو عذاب القتل والخزي والأسر . وإضافة { عذاب ~~} إلى { الآخرة } على معنى { في } . | PageV13P154 # و { من } الداخلة على اسم الجلالة لتعدية { واق } . و { من } الداخلة على ~~{ واق } لتأكيد النفي للتنصيص على العموم . | # والواقي : الحائل دون الضر . والوقاية من الله على حذف مضاف ، أي من ~~عذابه بقرينة ما ذكر قبله . | # | 2 ( 35 ) { مثل الجنة التى وعد المتقون تجرى من تحتها الأنهار أكلها ~~دآئم وظلها تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار } . ) 2 # استئناف ابتدائي يرتبط بقوله : { الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم ( ~~سورة الرعد : 29 ) . ذكر هنا بمناسبة ذكر ضده في قوله : ولعذاب الآخرة أشق ~~( الرعد : 34 ) . | # والمثل : هنا الصفة العجيبة ، قيل : هو حقيقة من معاني المثل ، كقوله ~~تعالى : ولله المثل الأعلى ( النحل : 60 ) ، وقيل : هو مستعار من المثل ~~الذي هو الشبيه في حالة عجيبة أطلق على الحالة العجيبة غير الشبيهة لأنها ~~جديرة بالتشبيه بها . | # وجملة تجري من تحتها الأنهار } خبر عن { مثل } باعتبار أنها من أحوال ~~المضاف إليه ، فهي من أحوال المضاف لشدة الملابسة بين المتضايفين ، كما ~~يقال : صفة زيد أسمر . | # وجملة { أكلها دائم } خبر ثان ، والأكل بالضم : المأكول ، وتقدم . | # ودوام الظل كناية عن التفاف الأشجار بحيث لا فراغ بينها تنفذ منه الشمس ، ~~كما قال تعالى : { وجنات ألفافا ( سورة النبأ : 16 ) ، وذلك من محامد ~~الجنات وملاذها . | # وجملة تلك عقبى الذين اتقوا } مستأنفة . | PageV13P155 # والإشارة إلى الجنة بصفاتها بحيث صارت كالمشاهدة ، والمعنى : تلك هي التي ~~سمعتم أنها عقبى الدار للذين يوفون بعهد الله إلى قوله : { ويدرأون بالحسنة ~~السيئة إلى قوله فنعم عقبى الدار ( سورة الرعد : 24 ) هي الجنة التي وعد ~~المتقون . وقد علم أن الذين اتقوا هم المؤمنون الصالحون كما تقدم . وأول ~~مراتب التقوى الإيمان . وجملة وعقبى الكافرين النار } مستأنفة للمناسبة ~~بالمضادة ms4353 . وهي كالبيان لجملة { ولهم سوء الدار . | # | 2 ( 36 ) { والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بمآ أنزل إليك ومن الاحزاب من ~~ينكر بعضه قل إنمآ أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه أدعو وإليه مآب } . ~~) 2 # | $ # الواو للاستئناف . وهذا استئناف ابتدائي انتقل به إلى فضل لبعض أهل ~~الكتاب في حسن تلقيهم للقرآن بعد الفراغ من ذكر أحوال المشركين من قوله : ~~كذلك أرسلناك في أمة ( سورة الرعد : 30 ) الخ ، ولذلك جاءت على أسلوبها في ~~التعقيب بجملة قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به ( سورة الرعد : 36 ) ~~. | # والمناسبة هي أن الذين أرسل إليهم بالقرآن انقسموا في التصديق بالقرآن ~~فرقا ؛ ففريق آمنوا بالله وهم المؤمنون ، وفريق كفروا به وهم مصداق قوله : ~~وهم يكفرون بالرحمان ( سورة الرعد : 30 ) ، كما تقدم أنه عائد إلى المشركين ~~المفهومين من المقام كما هو مصطلح القرآن . | # وهذا فريق آخر أيضا أهل الكتاب وهو منقسم أيضا في تلقي القرآن فرقتين : ~~فالفريق الأول صدقوا بالقرآن وفرحوا به وهم الذين ذكروا في قوله تعالى : ~~وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق ~~في سورة العقود ( 83 ) ، وكلهم من النصارى مثل ورقة بن نوفل وكذلك غيره ممن ~~بلغهم القرآن أيام مقام النبي بمكة قبل أن تبلغهم دعوة النبي فإن اليهود ~~PageV13P156 كانوا قد سروا بنزول القرآن مصدقا للتوراة ، وكانوا يحسبون ~~دعوة النبي مقصورة على العرب فكان اليهود يستظهرون بالقرآن على المشركين ، ~~قال تعالى : وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ( سورة البقرة : 89 ) ~~. وكان النصارى يستظهرون به على اليهود ؛ وفريق لم يثبت لهم الفرح بالقرآن ~~وهم معظم اليهود والنصارى البعداء عن مكة وما كفر الفريقان به إلا حين ~~علموا أن دعوة الإسلام عامة . | # وبهذا التفسير تظهر بلاغة التعبير عنهم بيفرحون والذين آتيناهم الكتاب ~~يفرحون بمآ أنزل إليك ومن الاحزاب من ينكر بعضه قل إنمآ أمرت أن أعبد الله ~~ولا أشرك به إليه أدعو وإليه مآب } دون { يؤمنون } . وإنما سلكنا هذا الوجه ~~بناء على أن هذه السورة مكية ms4354 كان نزولها قبل أن يسلم عبد الله بن سلام ~~وسلمان الفارسي وبعض نصارى نجران وبعض نصارى اليمن ، فإن كانت السورة مدنية ~~أو كان هذا من المدني فلا إشكال . فالمراد بالذين آتياناهم الكتاب الذين ~~أوتوه إيتاء كاملا ، وهو المجرد عن العصبية لما كانوا عليه وعن الحسد ، فهو ~~كقوله تعالى : { الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ( ~~سورة البقرة : 121 ) . | # فالأظهر أن المراد بالأحزاب أحزاب الذين أوتوا الكتاب ، كما جاء في قوله ~~تعالى : فاختلف الأحزاب من بينهم في سورة مريم ( 37 ) ، أي ومن أحزابهم من ~~ينكر بعض القرآن ، فاللام عوض عن المضاف إليه . ولعل هؤلاء هم خبثاؤهم ~~ودهاتهم الذين توسموا أن القرآن يبطل شرائعهم فأنكروا بعضه ، وهو ما فيه من ~~الإيماء إلى ذلك من إبطال أصول عقائدهم مثل عبودية عيسى عليه السلام ~~بالنسبة للنصارى ، ونبوءته بالنسبة لليهود . | # وفي التعبير عنهم بالأحزاب إيماء إلى أن هؤلاء هم المتحزبون المتصلبون ~~لقومهم ولما كانوا عليه . وهكذا كانت حالة اضطراب أهل الكتاب عندما دمغتهم ~~بعثة النبي وأخذ أمر الإسلام يفشو . | PageV13P157 # أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلن للفريقين بأنه ما أمر إلا بتوحيد ~~الله كما في الآية الأخرى : { قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا ~~وبينكم ( سورة آل عمران : 64 ) ، فمن فرح بالقرآن فليزدد فرحا ومن أنكر ~~بعضه فليأخذ بما لا ينكره وهو عدم الإشراك . وقد كان النصارى يتبرؤون من ~~الشرك ويعدون اعتقاد بنوة عيسى عليه السلام غير شرك . | # وهذه الآية من مجاراة الخصم واستنزال طائر نفسه كيلا ينفر من النظر . ~~وبهذا التفسير يظهر موقع جملة قل إنما أمرت أن أعبد الله } بعد جملة { ~~والذين آتيناهم الكتاب يفرحون } وأنها جواب للفريقين . | # وأفادت { إنما } أنه لم يؤمر إلا بأن يعبد الله ولا يشرك به ، أي لا بغير ~~ذلك مما عليه المشركون ، فهو قصر إضافي دلت عليه القرينة . | # ولما كان المأمور به مجموع شيئين : عبادة الله ، وعدم الإشراك به في ذلك ~~آل المعنى : أني ما أمرت إلا بتوحيد الله . | # ومن بلاغة الجدل القرآني ms4355 أنه لم يأت بذلك من أول الكلام بل أتى به متدرجا ~~فيه فقال : { أن أعبد الله } لأنه لا ينازع في ذلك أحد من أهل الكتاب ولا ~~المشركين ، ثم جاء بعده { ولا أشرك } به لإبطال إشراك المشركين وللتعريض ~~بإبطال إلاهية عيسى عليه السلام لأن ادعاء بنوته من الله تعالى يؤول إلى ~~الإشراك . | # وجملة { إليه أدعوا وإليه مآب } بيان لجملة { إنما أمرت أن أعبد الله ولا ~~أشرك به } ، أي أن أعبده وأن أدعو الناس إلى ذلك ، لأنه لما أمر بذلك من ~~قبل الله استفيد أنه مرسل من الله فهو مأمور بالدعوة إليه . | PageV13P158 # وتقديم المجرور في الموضعين للاختصاص ، أي إليه لا إلى غيره أدعو ، أي ~~بهذا القرآن ، وإليه لا إلى غيره مئابي ، فإن المشركين يرجعون في مهمهم إلى ~~الأصنام يستنصرونها ويستغيثونها ، وليس في قوله هذا ما ينكره أهل الكتاب إذ ~~هو مما كانوا فيه سواء مع الإسلام . على أن قوله : { وإليه مآب } يعم ~~الرجوع في الآخرة وهو البعث . وهذا من وجوه الوفاق في أصل الدين بين ~~الإسلام واليهودية والنصرانية . | # وحذف ياء المتكلم من { مآبي } كحذفها في قوله : { عليه توكلت وإليه متاب ~~( الرعد : 30 ) ، وقد مضى قريبا . | # | 2 ( 37 ) { وكذالك أنزلناه حكما عربيا ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جآءك ~~من العلم ما لك من الله من ولى ولا واق } . ) 2 # اعتراض وعطف على جملة { والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ( ~~الرعد : 36 ) لما ذكر حال تلقي أهل الكتابين للقرآن عند نزوله عرج على حال ~~العرب في ذلك بطريقة التعريض بسوء تلقي مشركيه له مع أنهم أولى الناس بحسن ~~تلقيه إذ نزل بلسانهم مشتملا على ما فيه صلاحهم وتنوير عقولهم . وقد جعل ~~أهم هذا الغرض التنويه بعلو شأن القرآن لفظا معنى . وأدمج في ذلك تعريض ~~بالمشركين من العرب . | # والقول في اسم الإشارة في قوله : وكذلك } مثل ما تقدم في قوله : { كذلك ~~أرسلناك في أمة ( سورة الرعد : 30 ) . | # وضمير الغائب في أنزلناه } عائد إلى { ما أنزل إليك } في قوله : { يفرحون ~~بما أنزل إليك } . | PageV13P159 # والجار والمجرور ms4356 من اسم الإشارة نائب عن المفعول المطلق . والتقدير ؛ ~~أنزلناه إنزالا كذلك الإنزال . | # و { حكما عربيا } حالان من ضمير { أنزلناه } . والحكم : هنا بمعنى الحكمة ~~كما في قوله : { وآتيناه الحكم صبيا ( سورة مريم : 12 ) . وجعل نفس الحكم ~~حالا منه مبالغة . والمراد أنه ذو حكم ، أي حكمة . والحكمة تقدمت . | # وعربيا } حال ثانية وليس صفة ل { حكما } إذ الحكمة لا توصف بالنسبة إلى ~~الأمم وإنما المعنى أنه حكمة معبر عنها بالعربية . والمقصود أنه بلغة العرب ~~التي هي أفصح اللغات وأجملها وأسهلها ، وفي ذلك إعجازه . فحصل لهذا الكتاب ~~كمالان : كمال من جهة معانيه ومقاصده وهو كونه حكما ، وكمال من جهة ألفاظه ~~وهو المكنى عنه بكونه عربيا ، وذلك ما لم يبلغ إليه كتاب قبله لأن الحكمة ~~أشرف المعقولات فيناسب شرفها أن يكون إبلاغها بأشرف لغة وأصلحها للتعبير عن ~~الحكمة ، قال تعالى : { وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على ~~قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين ( سورة الشعراء : 192 195 ) . | # ثم في كونه عربيا امتنان على العرب المخاطبين به ابتداء بأنه بلغتهم وبأن ~~في ذلك حسن سمعتهم ، ففيه تعريض بأفن رأي الكافرين منهم إذ لم يشكروا هذه ~~النعمة كما قال تعالى : لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون ( ~~سورة الأنبياء : 10 ) . قال مالك : فيه بقاء ذكركم . | # وجملة ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم } معترضة ، واللام موطئة ~~للقسم وضمير الجمع في قوله : { أهواءهم } عائد إلى معلوم من السياق وهم ~~المشركون الذين وجه إليهم الكلام . | # واتباع أهوائهم يحتمل السعي لإجابة طلبتهم إنزال آية غير القرآن تحذيرا ~~من أن يسأل الله إجابتهم لما طلبوه كما قال لنوح عليه السلام { فلا تسألني ~~ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين } . | PageV13P160 # ومعنى { ما جاءك من العلم } ما بلغك وعلمته ، فيحتمل أن يراد بالموصول ~~القرآن تنويها به ، أي لئن شايعتهم فسألتنا آية ير القرآن بعد أن نزل عليك ~~القرآن ، أو بعد أن أعلمناك أنا غير متنازلين لإجابة مقترحاتهم . ويحتمل ~~اتباع دينهم فإن دينهم أهواء ويكون ms4357 ما صدق { ما جاءك من العلم } هو دين ~~الإسلام . | # والولي : النصير . والواقي : المدافع . | # وجعل نفي الولي والنصير جوابا للشرط كناية عن الجواب ، وهو المؤاخذة ~~والعقوبة . | # والمقصود من هذا تحذير المسلمين من أن يركنوا إلى تمويهات المشركين ، ~~والتحذير من الرجوع إلى دينهم تهييجا لتصلبهم في دينهم على طريقة قوله ~~تعالى : { ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ( سورة ~~الزمر : 65 ) ، وتأييس المشركين من الطمع في مجيء آية توافق مقترحاتهم . | # ومن } الداخلة على اسم الجلالة تتعلق ب { ولي } و { واق } . و { من } ~~الداخلة على { ولي } لتأكيد النفي تنصيصا على العموم . وتقدم الخلاف بين ~~الجمهور وابن كثير في حذفهم ياء { واق } في حالتي الوصل والوقف وإثبات ابن ~~كثير الياء في حالة الوقف دون الوصل عند قوله تعالى : { ولكل قوم هاد في ~~هذه السورة ( الرعد : 7 ) . | # | 2 ( 38 ، 39 ) { ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية وما ~~كان لرسول أن يأتى بئاية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب * يمحو الله ما يشآء ~~ويثبت وعنده أم الكتاب } . ) 2 # هذا عود إلى الرد على المشركين في إنكارهم آية القرآن وتصميمهم على ~~المطالبة بآية من مقترحاتهم تماثل ما يؤثر من آيات موسى وآيات عيسى ~~PageV13P161 عليهما السلام ببيان أن الرسول لا يأتي بآيات إلا بإذن الله ، ~~وأن ذلك لا يكون عى مقترحات الأقوام ، وذلك قوله : { وما كان لرسول أن يأتي ~~بآية إلا بإذن الله } ، فالجملة عطف على جملة { وكذلك أنزلناه حكما عربيا ( ~~الرعد : 37 ) . | # وأدمج في هذا الرد إزالة شبهة قد تعرض أو قد عرضت لبعض المشركين فيطعنون ~~أو طعنوا في نبوءة محمد بأنه يتزوج النساء وأن شأن النبي أن لا يهتم ~~بالنساء . قال البغوي : روي أن اليهود وقيل إن المشركين قالوا : إن هذا ~~الرجل ليست له همة إلا في النساء اه . فتعين إن صحت الرواية في سبب النزول ~~أن القائلين هم المشركون إذ هذه السورة مكية ولم يكن لليهود حديث مع أهل ~~مكة ولا كان منهم في مكة أحد . وليس يلزم ms4358 أن يكون هذا نازلا على سبب . وقد ~~تزوج رسول الله خديجة ثم سودة رضي الله عنهما في مكة فاحتمل أن المشركين ~~قالوا قالة إنكار تعلقا بأوهن أسباب الطعن في النبوءة . وهذه شبهة تعرض ~~للسذج أو لأصحاب التمويه ، وقد يموه بها المبشرون من النصارى على ضعفاء ~~الإيمان فيفضلون عيسى عليه السلام على محمد بأن عيسى لم يتزوج النساء . ~~وهذا لا يروج على العقلاء لأن تلك بعض الحظوظ المباحة لا تقتضي تفضيلا . ~~وإنما التفاضل في كل عمل بمقادير الكمالات الداخلة في ذلك العمل . ولا يدري ~~أحد الحكمة التي لأجلها لم يتزوج عيسى عليه السلام امرأة . وقد كان يحيى ~~عليه السلام حصورا فلعل عيسى عليه السلام قد كان مثله لأن الله لا يكلفه ~~بما يشق عليه وبما لم يكلف به غيره من الأنبياء والرسل . وأما وصف الله ~~يحيى عليه السلام بقوله : وحصورا } فليس مقصودا منه أنه فضيلة ولكنه أعلم ~~أباه زكرياء عليه السلام بأنه لا يكون له نسل ليعلم أن الله أجاب دعوته ~~فوهب له يحيى عليه السلام كرامة له ، ثم قدر أنه لا يكون له نسل إنفاذا ~~لتقديره فجعل امرأته عاقرا . وقد تقدم بيان ذلك في تفسير سورة آل عمران . ~~وقد PageV13P162 كان لأكثر الرسل أزواج ولأكثرهم ذرية مثل نوح وإبراهيم ~~ولوط وموسى وداود وسليمان وغير هؤلاء عليهم السلام . | # والأزواج : جمع زوج ، وهو من مقابلة الجمع بالجمع ، فقد يكون لبعض الرسل ~~زوجة واحدة مثل : نوح ولوط عليهما السلام ، وقد يكون للبعض عدة زوجات مثل : ~~إبراهيم وموسى وداود وسليمان عليهم السلام . | # ولما كان المقصود من الرد هو عدم منافاة اتخاذ الزوجة لصفة الرسالة لم ~~يكن داع إلى تعداد بعضهم زوجات كثيرة . | # وتقدم الكلام على الزوج عند قوله تعالى : { وقلنا يآدم اسكن أنت وزوجك ~~الجنة في سورة البقرة ( 35 ) . | # والذرية : النسل . وتقدم عند قوله تعالى : قال ومن ذريتي في سورة البقرة ~~( 124 ) . | # وجملة وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله } هي المقصود وهي معطوفة ~~على جملة { ولقد أرسلنا رسلا من قبلك } . وتركيب { ما ms4359 كان } يدل على ~~المبالغة في النفي ، كما تقدم عند قوله : { قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ~~ما ليس لي بحق في سورة العقود ( 116 ) . والمعنى : أن شأنك شأن من سبق من ~~الرسل لا يأتون من الآيات إلا بما آتاهم الله . | # وإذن الله : هو إذن التكوين للآيات وإعلام الرسول بأن ستكون آية ، ~~فاستعير الإتيان للإظهار ، واستعير الإذن للخلق والتكوين . | PageV13P163 # | 2 ( 38 ، 39 ) { ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية وما ~~كان لرسول أن يأتى بئاية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب * يمحو الله ما يشآء ~~ويثبت وعنده أم الكتاب } . ) 2 # تذييل لأنه أفاد عموم الآجال فشمل أجل الإتيان بآية من قوله : { وما كان ~~لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله } . وذلك إبطال لتوهم المشركين أن تأخر ~~الوعيد يدل على عدم صدقه . وهذا ينظر إلى قوله تعالى : { ويستعجلونك ~~بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب ( سورة العنكبوت : 53 ) فقد قالوا : ~~اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء الآية ( ~~سورة الأنفال : 32 ) . | # وإذ قد كان ما سألوه من جملة الآيات وكان ما وعدوه آية على صدق الرسالة ~~ناسب أن يذكر هنا أن تأخير ذلك لا يدل على عدم حصوله ، فإن لذلك آجالا ~~أرادها الله واقتضتها حكمته وهو أعلم بخلقه وشؤونهم ولكن الجهلة يقيسون ~~تصرفات الله بمثل ما تجري به تصرفات الخلائق . | # والأجل : الوقت الموقت به عمل معزوم أو موعود . | # والكتاب : المكتوب ، وهو كناية عن التحديد والضبط ، لأن شأن الأشياء التي ~~يراد تحققها أن تكتب لئلا يخالف عليها . وفي هذا الرد تعريض بالوعيد . ~~والمعنى : لكل واقع أجل يقع عنده ، ولكل أجل كتاب ، أي تعيين وتحديد لا ~~يتقدمه ولا يتأخر عنه . | # وجملة يمحوا الله ما يشاء } مستأنفة استئنافا بيانيا لأن جملة { لكل أجل ~~كتاب } تقتضي أن الوعيد كائن وليس تأخيره مزيلا له . ولما كان في ذلك تأييس ~~للناس عقب بالإعلام بأن التوبة مقبولة وبإحلال الرجاء محل اليأس ، فجاءت ~~جملة { يمحوا الله ما يشاء ويثبت } احتراسا . | # وحقيقة المحو ms4360 : إزالة شيء ، وكثر في إزالة الخط أو الصورة ، ومرجع ذلك ~~إلى عدم المشاهدة ، قال تعالى : { فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار ~~PageV13P164 مبصرة ( سورة الإسراء : 12 ) . ويطلق مجازا على تغيير الأحوال ~~وتبديل المعاني كالأخبار والتكاليف والوعد والوعيد فإن لها نسبا ومفاهيم ~~إذا صادفت ما في الواقع كانت مطابقتها إثباتا لها وإذا لم تطابقه كان عدم ~~مطابقتها محوا لأنه إزالة لمدلولاتها . | # والتثبيت : حقيقته جعل الشيء ثابتا قارا في مكان ، قال تعالى : إذا لقيتم ~~فئة فاثبتوا ( سورة الأنفال : 45 ) . ويطلق مجازا على أضداد معاني المحو ~~المذكورة . فيندرج في ما تحتمله الآية عدة معان : منها أنه يعدم ما يشاء من ~~الموجودات ويبقي ما يشاء منها ، ويعفو عما يشاء من الوعيد ويقرر ، وينسخ ما ~~يشاء من التكاليف ويبقي ما يشاء . | # وكل ذلك مظاهر لتصرف حكمته وعلمه وقدرته . وإذ قد كانت تعلقات القدرة ~~الإلهية جارية على وفق علم الله تعالى كان ما في علمه لا يتغير فإنه إذا ~~أوجد شيئا كان عالما أنه سيوجده ، وإذا أزال شيئا كان عالما أنه سيزيله ~~وعالما بوقت ذلك . | # وأبهم الممحو والمثبت بقوله : ما يشاء } لتتوجه الأفهام إلى تعرف ذلك ~~والتدبر فيه لأن تحت ذا الموصول صورا لا تحصى ، وأسباب المشيئة لا تحصى . | # ومن مشيئة الله تعالى محو الوعيد أن يلهم المذنبين التوبة والإقلاع ويخلق ~~في قلوبهم داعية الامتثال . ومن مشيئة التثبيت أن يصرف قلوب قوم عن النظر ~~في تدارك أمورهم ، وكذلك القول في العكس من تثبيت الخير ومحوه . | # ومن آثار المحو تغير إجراء الأحكام على الأشخاص ، فبينما ترى المحارب ~~مبحوثا عنه مطلوبا للأخذ فإذا جاء تائبا قبل القدرة عليه قبل رجوعه ورفع ~~عنه ذلك الطلب ، وكذلك إجراء الأحكام على أهل الحرب إذا آمنوا ودخلوا تحت ~~أحكام الإسلام . | # وكذلك الشأن في ظهور آثار رضي الله أو غضبه على العبد فبينما ترى ~~PageV13P165 أحدا مغضوبا عليه مضروبا عليه المذلة لانغماسه في المعاصي إذا ~~بك تراه قد أقلع وتاب فأعزه الله ونصره . | # ومن آثار ذلك أيضا تقليب القلوب بأن يجعل الله البغضاء محبة ، كما ms4361 قالت ~~هند بنت عتبة للنبيء صلى الله عليه وسلم بعد أن أسلمت : ( ما كان أهل خباء ~~أحب إلي أن يذلوا من أهل خبائك واليوم أصبحت وما أهل خباء أحب إلي أن يعزوا ~~من أهل خبائك ) . | # وقد محا الله وعيد من بقي من أهل مكة فرفع عنهم السيف يوم فتح مكة قبل أن ~~يأتوا مسلمين ، ولو شاء لأمر النبي صلى الله عليه وسلم باستئصالهم حين ~~دخوله مكة فاتحا . | # وبهذا يتحصل أن لفظ { ما يشاء } عام يشمل كل ما يشاؤه الله تعالى ولكنه ~~مجمل في مشيئة الله بالمحو والإثبات ، وذلك لا تصل الأدلة العقلية إلى ~~بيانه ، ولم يرد في الأخبار المأثورة ما يبينه إلا القليل على تفاوت في صحة ~~أسانيده . ومن الصحيح فيما ورد من ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم ( إن ~~أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه ~~الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها . وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ~~ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها ) . | # والذي يلوح في معنى الآية أن ما في أم الكتاب لا يقبل محوا ، فهو ثابت ~~وهو قسيم لما يشاء الله محوه . | # ويجوز أن يكون ما في أم الكتاب هو عين ما يشاء الله محوه أو إثباته سواء ~~كان تعيينا بالأشخاص أو بالذوات أو بالأنواع وسواء كانت الأنواع من الذوات ~~أو من الأفعال ، وأن جملة { وعنده أم الكتاب } أفادت أن ذلك لا يطلع عليه ~~أحد . | PageV13P166 # ويجوز أن يكون قوله : { وعنده أم الكتاب } مرادا به الكتاب الذي كتبت به ~~الآجال وهو قوله : { لكل أجل كتاب } ، وأن المحو في غير الآجال . | # ويجوز أن يكون أم الكتاب مرادا به علم الله تعالى ، أي يمحو ويثبت وهو ~~عالم بأن الشيء سيمحى أو يثبت . وفي تفسير القرطبي عن ابن عمر قال سمعت ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( يمحو الله ما يشاء ويثبت إلا السعادة ~~والشقاوة والموت ) . وروى مثله عن مجاهد . وروى عن ابن عباس { يمحوا الله ms4362 ~~ما يشاء ويثبت } إلا أشياء الخلق بفتح الخاء وسكون اللام والخلق بضم الخاء ~~واللام والأجل والرزق والسعادة والشقاوة ، { وعنده أم الكتاب } الذي لا ~~يتغير منه شيء . قلت : وقد تفرع على هذا قول الأشعري : إن السعادة والشقاوة ~~لا يتبدلان خلافا للماتريدي . | # وعن عمر وابن مسعود ما يقتضي أن السعادة والشقاوة يقبلان المحو والإثبات ~~. | # فإذا حمل المحو على ما يجمع معاني الإزالة ، وحمل الإثبات على ما يجمع ~~معاني الإبقاء ، وإذا حمل معنى { أم الكتاب } على معنى ما لا يقبل إزالة ما ~~قرر أنه حاصل أو أنه موعود به ولا يقبل إثبات ما قرر انتفاؤه ، سواء في ذلك ~~الأخبار والأحكام ، كان ما في أم الكتاب قسيما لما يمحى ويثبت . | # وإذا حمل على أن ما يقبل المحو والإثبات معلوم لا يتغير علم الله به كان ~~ما في أم الكتاب تنبيها على أن التغييرات التي تطرأ على الأحكام أو على ~~الأخبار ما هي إلا تغييرات مقررة من قبل وإنما كان الإخبار عن إيجادها أو ~~عن إعدامها مظهرا لما اقتضته الحكمة الإلهية في وقت ما . | # و { أم الكتاب } لا محالة شيء مضاف إلى الكتاب الذي ذكر في قوله : { لكل ~~أجل كتاب } . فإن طريقة إعادة النكرة بحرف التعريف أن تكون PageV13P167 ~~المعادة عين الأولى بأن يجعل التعريف تعريف العهد ، أي وعنده أم ذلك الكتاب ~~، وهو كتاب الأجل . | # فكلمة { أم } مستعملة مجازا فيما يشبه الأم في كونها أصلا لما تضاف إليه ~~{ أم } لأن الأم يتولد منها المولود فكثر إطلاق أم الشيء على أصله ، فالأم ~~هنا مراد به ما هو أصل للمحو والإثبات اللذين هما من مظاهر قوله : { لكل ~~أجل كتاب } ، أي لما محو وإثبات المشيئات مظاهر له وصادرة عنه ، فأم الكتاب ~~هو علم الله تعالى بما سيريد محوه وما سيريد إثباته كما تقدم . | # والعندية عندية الاستئثار بالعلم وما يتصرف عنه ، أي وفي ملكه وعلمه أم ~~الكتاب لا يطلع عليها أحد . ولكن الناس يرون مظاهرها دون اطلاع على مدى ~~ثبات تلك المظاهر وزوالها ، أي أن الله المتصرف بتعيين الآجال والمواقيت ms4363 ~~فجعل لكل أجل حدا معينا ، فيكون أصل الكتاب على هذا التفسير بمعنى كله ~~وقاعدته . | # ويحتمل أن يكون التعريف في { الكتاب } الذي أضيف إليه { أم } أصل ما يكتب ~~، أي يقدر في علم الله من الحوادث فهو الذي لا يغير ، أي يمحو ما يشاء ~~ويثبت في الأخبار من وعد ووعيد ، وفي الآثار من ثواب وعقاب ، وعنده ثابت ~~التقادير كلها غير متغيرة . | # والعندية على هذا عندية الاختصاص ، أي العلم ، فالمعنى : أنه يمحو ما ~~يشاء ويثبت فيما يبلغ إلى الناس وهو يعلم ما ستكون عليه الأشياء وما تستقر ~~عليه ، فالله يأمر الناس بالإيمان وهو يعلم من سيؤمن منهم ومن لا يؤمن فلا ~~يفجؤه حادث . ويشمل ذلك نسخ الأحكام التكليفية فهو يشرعها لمصالح ثم ينسخها ~~لزوال أسباب شرعها وهو في حال شرعها يعلم أنها آيلة إلى أن تنسخ . | # وقرأ الجمهور { ويثبت } بتشديد الموحدة من ثبت المضاعف . وقرأه ~~PageV13P168 ابن كثير ، وأبو عمرو ، وعاصم ، ويعقوب { ويثبت } بسكون ~~المثلثة وتخفيف الموحدة . | # | 2 ( 40 ) { وإن ما نرينك بعض الذى نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ ~~وعلينا الحساب } . ) 2 # عطف على جملة { يمحوا الله ما يشاء ويثبت ( الرعد : 39 ) باعتبار ما ~~تفيده من إبهام مراد الله في آجال الوعيد ومواقيت إنزال الآيات ، فبينت هذه ~~الجملة أن النبي ليس مأمورا بالاشتغال بذلك ولا بترقبه وإنما هو مبلغ عن ~~الله لعباده والله يعلم ما يحاسب به عباده سواء شهد النبي ذلك أم لم يشهده ~~. | # وجعل التوفي كناية عن عدم رؤية حلول الوعيد بقرينة مقابلته بقوله : نرينك ~~} . والمعنى : ما عليك إلا البلاغ سواء رأيت عذابهم أم لم تره . | # وفي الإتيان بكلمة { بعض } إيماء إلى أنه يرى البعض . وفي هذا إنذار لهم ~~بأن الوعيد نازل بهم ولو تأخر ؛ وأن هذا الدين يستمر بعد وفاة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لأنه إذا كان الوعيد الذي أمر بإبلاغه واقعا ولو بعد ~~وفاته فبالأولى أن يكون شرعه الذي لأجله جاء وعيد الكافرين به شرعا مستمرا ~~بعده ، ضرورة أن الوسيلة لا تكون من الأهمية بأشد من المقصد ms4364 المقصودة لأجله ~~. | # وتأكيد الشرط بنون التوكيد و { ما } المزيدة بعد { إن } الشرطية مراد منه ~~تأكيد الربط بين هذا الشرط وجوابه وهو { إنما عليك البلاغ وعلينا الحساب } ~~. على أن نون التوكيد لا يقترن بها فعل الشرط إلا إذا زيدت { ما } ؛ بعد { ~~إن } الشرطية فتكون إرادة التأكيد مقتضية لاجتلاب مؤكدين ، فلا يكون ذلك ~~إلا لغرض تأكيد قوي . | PageV13P169 # وقد أرى الله نبيئه بعض ما توعد به المشركين من الهلاك بالسيف يوم بدر ~~ويوم الفتح ويوم حنين وغيرها من أيام الإسلام في حياة النبي صلى الله عليه ~~وسلم ولم يره بعضه مثل عذاب أهل الردة فإن معظمهم كان من المكذبين المبطنين ~~الكفر مثل : مسيلمة الكذاب . | # وفي الآية إيماء إلى أن العذاب الذي يحل بالمكذبين لرسوله صلى الله عليه ~~وسلم عذاب قاصر على المكذبين لا يصيب غير المكذب لأنه استئصال بالسيف قابل ~~للتجزئة واختلاف الأزمان رحمة من الله بأمة محمد صلى الله عليه وسلم | # و { على } في قوله : { عليك البلاغ وعلينا الحساب } مستعملة في الإيجاب ~~والإلزام ، وهو في الأول حقيقة وفي الثاني مجاز في الوجوب لله بالتزامه به ~~. | # و { إنما } للحصر ، والمحصور فيه هو البلاغ لأنه المتأخر في الذكر من ~~الجملة المدخولة لحرف الحصر ، والتقدير : عليك البلاغ لا غيره من إنزال ~~الآيات أو من تعجيل العذاب ، ولهذا قدم الخبر على المبتدأ لتعيين المحصور ~~فيه . | # وجملة { وعلينا الحساب } عطف على جملة { عليك البلاغ } فهي مدخولة في ~~المعنى لحرف الحصر . والتقدير : وإنما علينا الحساب ، أي محاسبتهم على ~~التكذيب لا غير الحساب من إجابة مقترحاتهم . | # | 2 ( 41 ) { أولم يروا أنا نأتى الارض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا ~~معقب لحكمه وهو سريع الحساب } . ) 2 # عطف على جملة { وإما نرينك بعض الذي نعدهم ( الرعد : 40 ) المتعلقة بجملة ~~لكل أجل كتاب } . عقبت بهذه الجملة لإنذار المكذبين بأن ملامح نصر النبي ~~صلى الله عليه وسلم قد لاحت وتباشير ظفره قد طلعت ليتدبروا في PageV13P170 ~~أمرهم ، فكان تعقيب المعطوف عليها بهذه الجملة للاحتراس من أن يتوهموا أن ~~العقاب بطيء وغير واقع بهم . وهي ms4365 أيضا بشارة للنبيء صلى الله عليه وسلم بأن ~~الله مظهر نصره في حياته وقد جاءت أشراطه ، فهي أيضا احتراس من أن ييأس ~~النبي صلى الله عليه وسلم من رؤية نصره مع علمه بأن الله متم نوره بهذا ~~الدين . | # والاستفهام في { أولم يروا أنا } إنكاري ، والضمير عائد إلى المكذبين ~~العائد إليهم ضمير { نعدهم } . والكلام تهديد لهم بإيقاظهم إلى ما دب إليهم ~~من أشباح الاضمحلال بإنقاص الأرض ، أي سكانها . | # والرؤية يجوز أن تكون بصرية . والمراد : رؤية آثار ذلك النقص ؛ ويجوز أن ~~تكون علمية ، أي ألم يعملوا ما حل بأرضي الأمم السابقة من نقص . | # وتعريف { الأرض } تعريف الجنس ، أي نأتي أية أرض من أرضي الأمم . وأطلقت ~~الأرض هنا على أهلها مجازا ، كما في قوله تعالى : { واسأل القرية ( سورة ~~يوسف : 82 ) بقرينة تعلق النقص بها ، لأن النقص لا يكون في ذات الأرض ولا ~~يرى نقص فيها ولكنه يقع فيمن عليها . وهذا من باب قوله تعالى : أولم يسيروا ~~في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم وللكافرين ~~أمثالها ( سورة محمد : 10 ) . | # وذهب كثير من المفسرين إلى أن المراد بالأرض } أرض الكافرين من قريش ~~فيكون التعريف للعهد ، وتكون الرؤية بصرية ، ويكون ذلك إيقاظا لهم لما غلب ~~عليه المسلمون من أرض العدو فخرجت من سلطانه فتنقص الأرض التي كانت في ~~تصرفهم وتزيد الأرض الخاضعة لأهل الإسلام . وبنوا على ذلك أن هذه الآية ~~نزلت بالمدينة وهو الذي حمل فريقا على القول بأن سورة الرعد مدنية فإذا ~~اعتبرت مدنية صح أن تفسر الأطراف بطرفين وهما مكة PageV13P171 والمدينة ~~فإنهما طرفا بلاد العرب ، فمكة طرفها من جهة اليمن ، والمدينة طرف البلاد ~~من جهة الشام ، ولم يزل عدد الكفار في البلدين في انتقاص بإسلام كفارها إلى ~~أن تمحضت المدينة للإسلام ثم تمحضت مكة له بعد يوم الفتح . | # وأيا ما كان تفسير الآية وسبب نزولها ومكانه فهي للإنذار بأنهم صائرون ~~إلى زوال وأنهم مغلوبون زائلون ، كقوله في الآية الأخرى في سورة الأنبياء : ~~{ أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من ms4366 أطرافها أفهم الغالبون ( سورة ~~الأنبياء : 51 ) ، أي ما هم الغالبون . وهذا إمهال لهم وإعذار لعلهم ~~يتداركون أمرهم . | # وجملة والله يحكم لا معقب لحكمه ( سورة الرعد : 41 ) عطف على جملة أولم ~~يروا أنا } مؤكدة للمقصود منها ، وهو الاستدلال على أن تأخير الوعيد لا يدل ~~على بطلانه ، فاستدل على ذلك بجملة { وإما نرينك بعض الذي نعدهم } ثم بجملة ~~{ أولم يروا أنا نأتي الأرض } ثم بجملة { والله يحكم } ، لأن المعنى : أن ~~ما حكم الله به من العقاب لا يبطله أحد وأنه واقع ولو تأخر . | # ولذلك فجملة { لا معقب لحكمه } في موضع الحال ، وهي المقيدة للفعل المراد ~~إذ هي مصب الكلام إذ ليس الغرض الإعلام بأن الله يحكم إذ لا يكاد يخفى ، ~~وإنما الغرض التنبيه إلى أنه لا معقب لحكمه . وأفاد نفي جنس المعقب انتفاء ~~كل ما من شأنه أن يكون معقبا من شريك أو شفيع أو داع أو راغب أو مستعصم أو ~~مفتد . | # والمعقب : الذي يعقب عملا فيبطله ، مشتق من العقب ، وهو استعارة غلبت حتى ~~صارت حقيقة . وتقدم عند قوله تعالى : { له معقبات ( سورة الرعد : 11 ) في ~~هذه السورة ، كأنه يجيء عقب الذي كان عمل العمل . | # وإظهار اسم الجلالة بعد الإضمار الذي في قوله : أنا نأتي الأرض } لتربية ~~المهابة ، وللتذكير بما يحتوي عليه الاسم العظيم من معنى الإلهية ~~PageV13P172 والوحدانية المقتضية عدم المنازع ، وأيضا لتكون الجملة مستقلة ~~بنفسها لأنها بمنزلة الحكمة والمثل . | # وجملة { وهو سريع الحساب } يجوز أن تكون عطفا على جملة { والله يحكم } ~~فتكون دليلا رابعا على أن وعده واقع وأن تأخره وإن طال فما هو إلا سريع ~~باعتبار تحقق وقوعه ؛ ويجوز أن يكون عطفا على جملة الحال . والمعنى : يحكم ~~غير منقوص حكمه وسريعا حسابه . ومآل التقديرين واحد . | # والحساب : كناية عن الجزاء والسرعة : العجلة ، وهي في كل شيء بحسبه . | # | 2 ( 42 ) { وقد مكر الذين من قبلهم فلله المكر جميعا يعلم ما تكسب كل ~~نفس وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار } . ) 2 # لما كان قوله : { أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها ( سورة ~~الرعد ms4367 : 41 ) تهديدا وإنذارا مثل قوله : فقد جاء أشراطها ( محمد : 18 ) وهو ~~إنذار بوعيد على تظاهرهم بطلب الآيات وهم يضمرون التصميم على التكذيب ~~والاستمرار عليه . شبه عملهم بالمكر وشبه بعمل المكذبين السابقين كقوله : ~~ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها ( سورة الأنبياء : 6 ) . وفي هذا التشبيه ~~رمز إلى أن عاقبتهم كعاقبة الأمم التي عرفوها . فنقص أرض هؤلاء من أطرافها ~~من مكر الله بهم جزاء مكرهم ، فلذلك أعقب بقوله : وقد مكر الذين من قبلهم } ~~أي كما مكر هؤلاء . فجملة { وقد مكر الذين من قبلهم } حال أو معترضة . | # وجملة { فلله المكر جميعا } تفريع على جملة { أولم يروا أنا نأتي الأرض ~~ننقصها من أطرافها ( الرعد : 41 ) وجملة والله يحكم لا معقب لحكمه ( الرعد ~~: 41 ) . | PageV13P173 # والمعنى : مكر هؤلاء ومكر الذين من قبلهم وحل العذاب بالذين من قبلهم ~~فمكر الله بهم وهو يمكر بهؤلاء مكرا عظيما كما مكر بمن قبلهم . | # وتقديم المجرور في قوله : فلله المكر جميعا } للاختصاص ، أي له لا لغيره ~~، لأن مكره لا يدفعه دافع فمكر غيره كلا مكر بقرينة أنه أثبت لهم مكرا ~~بقوله : { وقد مكر الذين من قبلهم } . وهذا بمعنى قوله تعالى : { والله خير ~~الماكرين } . | # وأكد مدلول الاختصاص بقوله : { جميعا } وهو حال من المكر . وتقدم في قوله ~~تعالى : { إليه مرجعكم جميعا في ( سورة يونس : 4 ) . | # وإنما جعل جميع المكر لله بتنزيل مكر غيره منزلة العدم ، فالقصر في قوله ~~: فلله المكر } ادعائي ، والعموم في قوله : { جميعا } تنزيلي . | # وجملة { يعلم ما تكسب كل نفس } بمنزلة العلة لجملة { فلله المكر جميعا } ~~، لأنه لما كان يعلم ما تكسب كل نفس من ظاهر الكسب وباطنه كان مكره أشد من ~~مكر كل نفس لأنه لا يفوته شيء مما تضمره النفوس من المكر فيبقى بعض مكرهم ~~دون مقابلة بأشد منه فإن القوي الشديد الذي لا يعلم الغيوب قد يكون عقابه ~~أشد ولكنه قد يفوقه الضعيف بحيلته . | # وجملة { وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار } عطف على جملة { فلله المكر جميعا ~~} . والمراد بالكافر الجنس ، أي الكفار ، و { عقبى الدار } تقدم آنفا ، أي ~~سيعلم ms4368 عقبى الدار للمؤمنين لا للكافرين ، فالكلام تعريض بالوعيد . | # وقرأ الجمهور : { وسيعلم الكافر } بإفراد الكافر . وقرأه ابن عامر ، ~~وعاصم ، وحمزة والكسائي ، وخلف { وسيعلم الكفار } بصيغة الجمع . والمفرد ~~والجمع سواء في المعرف بلام الجنس . | # | PageV13P174 # | 2 ( 43 ) { ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني ~~وبينكم ومن عنده علم الكتاب } . ) 2 # عطف على ما تضمنته جملة { وقد مكر الذين من قبلهم ( الرعد : 42 ) من ~~التعريض بأن قولهم : لولا أنزل عليه آية من ربه ( سورة الأنعام : 37 ) ضرب ~~من المكر بإظهارهم أنهم يتطلبون الآيات الدالة على صدق الرسول ، مظهرين ~~أنهم في شك من صدقه وهم يبطنون التصميم على التكذيب . فذكرت هذه الآية أنهم ~~قد أفصحوا تارات بما أبطنوه فنطقوا بصريح التكذيب وخرجوا من طور المكر إلى ~~طور المجاهرة بالكفر فقالوا : لست مرسلا } . | # وقد حكي قولهم بصيغة المضارع للدلالة على تكرر ذلك منهم ولاستحضار حالهم ~~العجيبة من الاستمرار على التكذيب بعد أن رأوا دلائل الصدق ، كما عبر ~~بالمضارع في قوله تعالى : { ويصنع الفلك ( سورة هود : 38 ) وقوله : يجادلنا ~~في قوم لوط ( سورة هود : 11 ) . | # ولما كانت مقالتهم المحكية هنا صريحة لا مواربة فيها أمر الرسول بجواب لا ~~جدال فيه وهو تحكيم الله بينه وبينهم . | # وقد أمر الرسول عليه الصلاة والسلام بأن يجيبهم جواب الواثق بصدقه ~~المستشهد على ذلك بشهادة الصدق من إشهاد الله تعالى وإشهاد العالمين بالكتب ~~والشرائع . | # ولما كانت الشهادة للرسول عليه الصلاة والسلام بالصدق شهادة على الذين ~~كفروا بأنهم كاذبون جعلت الشهادة بينه وبينهم . | # وإشهاد الله في معنى الحلف على الصدق كقول هود عليه السلام إني أشهد الله ~~( هود : 54 ) . | # والباء الداخلة على اسم الجلالة الذي هو فاعل كفى } في المعنى للتأكيد ~~PageV13P175 وأصل التركيب : كفى الله . و { شهيدا } حال لازمة أو تمييز ، ~~أي كفى الله من جهة الشاهد . | # { ومن عنده علم الكتاب } معطوف على اسم الجلالة . | # والموصول في { ومن عنده علم الكتاب } يجوز أن يراد به جنس من يتصف بالصلة ~~. والمعنى : وكل من عندهم علم الكتاب . وإفراد الضمير المضاف إليه { عند ms4369 } ~~لمراعاة لفظ { من } . وتعريف { الكتاب } تعريف للعهد ، وهو التوراة ، أي ~~وشهادة علماء الكتاب . وذلك أن اليهود كانوا قبل هجرة النبي صلى الله عليه ~~وسلم إلى المدينة يستظهرون على المشركين بمجيء النبي المصدق للتوراة . | # ويحتمل أن يكون المراد بمن عنده علم الكتاب معينا ، فهو ورقة بن نوفل إذ ~~علم أهل مكة أنه شهد بأن ما أوحي به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هو ~~الناموس الذي أنزل على موسى عليه السلام كما في حديث بدء الوحي في الصحيح . ~~وكان ورقة منفردا بمعرفة التوراة والإنجيل . وقد كان خبر قوله للنبيء صلى ~~الله عليه وسلم ما قاله معروفا عند قريش . | # . | # فالتعريف في { الكتاب } تعريف الجنس المنحصر في التوراة والإنجيل . | # وقيل : أريد به عبد الله بن سلام الذي آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم في ~~أول مقدمه المدينة . ويبعده أن السورة مكية كما تقدم . | # ووجه شهادة علماء الكتاب برسالة محمد صلى الله عليه وسلم وجدانهم البشارة ~~بنبيء خاتم للرسل صلى الله عليه وسلم ووجدانهم ما جاء في القرآن موافقا ~~لسنن الشرائع الإلهية ومفسرا للرموز الواردة في التوراة والإنجيل في صفة ~~النبي صلى الله عليه وسلم المصدق الموعود به . ولهذا المعنى كان التعبير في ~~هذه الآية ب { من عنده علم الكتاب } دون أهل الكتاب لأن تطبيق ذلك لا يدركه ~~إلا علماؤهم . قال تعالى : { أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل ~~( سورة الشعراء : 97 ) . | # | PageV13P176 # | 1 ( سورة إبراهيم ) 1 # أضيفت هذه السورة إلى اسم إبراهيم عليه السلام فكان ذلك اسما لها لا يعرف ~~لها غيره . ولم أقف على إطلاق هذا الاسم عليها في كلام النبي ولا في كلام ~~أصحابه في خبر مقبول . | # ووجه تسميتها بهذا وإن كان ذكر إبراهيم عليه السلام جرى في كثير من السور ~~أنها من السور ذوات الر } . وقد ميز بعضها عن بعض بالإضافة إلى أسماء ~~الأنبياء عليهم السلام التي جاءت قصصهم فيها ، أو إلى مكان بعثة بعضهم وهي ~~سورة الحجر ، ولذلك لم تضف سورة الرعد إلى مثل ذلك لأنها ms4370 متميزة بفاتحها ~~بزيادة حرف ميم على ألف ولام وراء . | # وهي مكية كلها عند الجمهور . وعن قتادة إلا آيتي { ألم تر إلى الذين ~~بدلوا نعمة الله كفرا إلى قوله وبئس القرار ( سورة إبراهيم : 28 ) ، وقيل : ~~إلى قوله : فإن مصيركم إلى النار ( سورة إبراهيم : 30 ) . نزل ذلك في ~~المشركين في قضية بدر ، وليس ذلك إلا توهما كما ستعرفه . | # نزلت هذه السور بعد سورة الشورى وقبل سورة الأنبياء . وقد عدت السبعين في ~~ترتيب السور في النزول . | # وعدت آياتها أربعا وخمسين عند المدنيين ، وخمسا وخمسين عند أهل الشام ، ~~وإحدى وخمسين عند أهل البصرة ، واثنتين وخمسين عند أهل الكوفة . . | ~~PageV13P177 # واشتملت من الأغراض على أنها ابتدئت بالتنبيه إلى إعجاز القرآن ، ~~وبالتنويه بشأنه ، وأنه أنزل لإخراج الناس من الضلالة . والامتنان بأن جعله ~~بلسان العرب . وتمجيد الله تعالى الذي أنزله ووعيد الذين كفروا به وبمن ~~أنزل عليه . | # وإيقاظ المعاندين بأن محمدا ما كان بدعا من الرسل . وأن كونه بشرا أمر ~~غير مناف لرسالته من عند الله كغيره من الرسل . | # وضرب له مثلا برسالة موسى عليه السلام إلى فرعون لإصلاح حال بني إسرائيل ~~وتذكيره قومه بنعم الله ووجوب شكرها وموعظته إياهم بما حل بقوم نوح وعاد ~~ومن بعدهم وما لاقته رسلهم من التكذيب . | # وكيف كانت عاقبة المكذبين . | # وإقامة الحجة على تفرد الله تعالى بالإلهية بدلائل مصنوعاته وذكر البعث ~~وتحذير الكفار من تغرير قادتهم وكبرائهم بهم من كيد الشيطان وكيف يتبرأون ~~منهم يوم الحشر ووصف حالهم وحال المؤمنين يومئذ وفضل كلمة الإسلام وخبث ~~كلمة الكفر ثم التعجيب من حال قوم كفروا نعمة الله وأوقعوا من تبعهم في دار ~~البوار بالإشراك والإيماء إلى مقابلته بحال المؤمنين . | # وعد بعض نعمه على الناس تفضيلا ثم جمعها إجمالا . | PageV13P178 # ثم ذكر الفريقين بحال إبراهيم عليه السلام ليعلم الفريقان من هو سالك ~~سبيل إبراهيم عليه السلام ومن هو ناكب عنه من ساكني البلد الحرام وتحذيرهم ~~من كفران النعمة . | # وإنذارهم أن يحل بهم ما حل بالذين ظلموا من قبل . | # وتثبيت النبي بوعد النصر وما تخلل ذلك من ms4371 الأمثال . | # وختمت بكلمات جامعة من قوله : هذا بلاغ للناس ( سورة إبراهيم : 52 ) إلى ~~آخرها . | # | 2 ( 1 ) { ال ر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور ~~بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد } . ) 2 # | $ # تقدم الكلام عى الحروف المقطعة في فاتحة سورة البقرة وعلى نظير هذه ~~الحروف في سورة يونس . | # الكلام على تركيب { الر كتاب أنزلته إليك } كالكلام على قوله تعالى : { ~~ألمص كتاب أنزل إليك ( سورة الأعراف : 1 2 ) عدا أن هذه الآية ذكر فيها ~~فاعل الإنزال وهو معلوم من مادة الإنزال المشعرة بأنه وارد من قبل العالم ~~العلوي ، فللعلم بمنزله حذف الفاعل في آية سورة الأعراف ، وهو مقتضى الظاهر ~~والإيجاز ؛ ولكنه ذكر هنا لأن المقام مقام الامتنان على الناس المستفاد من ~~التعليل بقوله : لتخرج الناس من الظلمات إلى النور } ، ومن ذكر صفة ~~الربوبية بقوله : { بإذن ربهم } ، بخلاف آية سورة الأعراف فإنها في مقام ~~الطمأنة والتصبير للنبيء عليه الصلاة والسلام المنزل إليه الكتاب ، فكان ~~التعرض لذكر المنزل إليه والاقتصار عليه أهم في ذلك المقام مع ما فيه من ~~قضاء حق الإيجاز . | PageV13P179 # أما التعرض للمنزل إليه هنا فللتنويه بشأنه ، وليجعل له حظ في هذه المنة ~~وهو حظ الوساطة ، كما دل عليه قوله : { لتخرج الناس من الظلمات إلى النور } ~~، ولما فيه من غم المعاندين والمبغضين للنبيء صلى الله عليه وسلم | # ولأجل هذا المقصد وقع إظهار صفات فاعل الإنزال ثلاث مرات في قوله : { ~~بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد } بعد أن كان المقام للإضمار تبعا لقوله ~~: { أنزلناه } . | # وإسناد الإخراج إلى النبي عليه الصلاة والسلام لأنه يبلغ هذا الكتاب ~~المشتمل على تبيين طرق الهداية إلى الإيمان وإظهار فساد الشرك والكفر ، وهو ~~مع التبليغ يبين للناس ويقرب إليهم معاني الكتاب بتفسيره وتبيينه ، ثم بما ~~يبنيه عليه من المواعظ والنذر والبشارة . وإذ قد أسند الإخراج إليه في سياق ~~تعليل إنزال الكتاب إليه علم أن إخراجه إياهم من الظلمات بسبب هذا الكتاب ~~المنزل ، أي بما يشتمل عليه من معاني الهداية . | # وتعليل الإنزال بالإخراج من الظلمات دل على ms4372 أن الهداية هي مراد الله ~~تعالى من الناس ، وأنه لم يتركهم في ضلالهم ، فمن اهتدى فبإرشاد الله ومن ~~ضل فبإيثار الضال هوى نفسه على دلائل الإرشاد ، وأمر الله لا يكون إلا لحكم ~~ومصالح بعضها أكبر من بعض . | # والإخراج : مستعار للنقل من حال إلى حال . شبه الانتقال بالخروج فشبه ~~النقل بالإخراج . | # و { الظلمات والنور } استعارة للكفر والإيمان ، لأن الكفر يجعل صاحبه في ~~حيرة فهو كالظلمة في ذلك ، والإيمان يرشد إلى الحق فهو كالنور في إيضاح ~~السبيل . وقد يستخلص السامع من ذلك تمثيل حال المنغمس في الكفر بالمتحير في ~~ظلمة ، وحال انتقاله إلى الإيمان بحال الخارج من ظلمة إلى مكانن نير . | ~~PageV13P180 # وجمع { الظلمات } وإفراد { النور } تقدم في أول سورة الأنعام ( 1 ) . | # والباء في { بإذن ربهم } للسببية ، والإذن : الأمر بفعل يتوقف على رضى ~~الآمر به ، وهو أمر الله إياه بإرساله إليهم لأنه هو الإذن الذي يتعلق ~~بجميع الناس ، كقوله : { وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله . ولما ~~كان الإرسال لمصلحتهم أضيف الإذن إلى وصف الرب المضاف إلى ضمير الناس ، أي ~~بإذن الذي يدبر مصالحهم . | # وقوله : إلى صراط العزيز الحميد ( سورة إبراهيم : 1 ) بدل من النور } ~~بإعادة الجار للمبدل منه لزيادة بيان المبدل منه اهتماما به ، وتأكيد ~~للعامل كقوله تعالى : { قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا ~~لمن آمن منهم في سورة الأعراف ( 88 ) . | # ومناسبة الصراط المستعار للدين الحق ، لاستعارة الإخراج والظلمات والنور ~~ولما يتضمنه من التمثيل ، ظاهرة . | # واختيار وصف العزيز الحميد } من بين الصفات العلى لمزيد مناسبتها للمقام ~~، لأن العزيز الذي لا يغلب . وإنزال الكتاب برهان على أحقية ما أراده الله ~~من الناس فهو به غالب للمخالفين مقيم الحجة عليهم . | # والحميد : بمعنى المحمود ، لأن في إنزال هذا الكتاب نعمة عظيمة ترشد إلى ~~حمده عليه ، وبذلك استوعب الوصفان الإشارة إلى الفريقين من كل منساق إلى ~~الاهتداء من أول وهلة ومن مجادل صائر إلى الاهتداء بعد قيام الحجة ونفاد ~~الحيلة . | # | 2 ( 2 ، 3 ) { الله الذى له ما فى السماوات وما فى الارض وويل ms4373 للكافرين ~~من عذاب شديد * الذين يستحبون الحيواة الدنيا على الاخرة ويصدون عن سبيل ~~الله ويبغونها عوجا أولائك فى ضلال بعيد } . ) 2 # قرأ نافع ، وابن عامر ، وأبو جعفر برفع اسم الجلالة على أنه خبر عن مبتدإ ~~محذوف . والتقدير : هو ( أي العزيز الحميد ) الله الموصوف PageV13P181 ~~بالذي له ما في السماوات الأرض . وهذا الحذف جار على حذف المسند إليه ~~المسمى عند علماء المعاني تبعا للسكاكي بالحذف لمتابعة الاستعمال ، أي ~~استعمال العرب عندما يجري ذكر موصوف بصفات أن ينتقلوا من ذلك إلى الإخبار ~~عنه بما هو أعظم مما تقدم ذكره ليكسب ذلك الانتقال تقريرا للغرض ، كقول ~~إبراهيم الصولي : | # سأشكر عمرا إن تراخت منيتي | # أيادي لم تمنن وإن هي جلت | # فتى غير محجوب الغنى عن صديقه | # ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت | # أي هو فتى من صفته كيت وكيت . | # وقرأه الباقون إلا رويسا عن يعقوب بالجر على البدلية من { العزيز الحميد ~~} ، وهي طريقة عربية . ومآل القراءتين واحد وكلتا الطريقتين تفيد أن ~~المنتقل إليه أجدر بالذكر عقب ما تقدمه ، فإن اسم الجلالة أعظم من بقية ~~الصفاتل أنه علم الذات الذي لا يشاركه موجود في إطلاقهه ولا في معناه ~~الأصلي المقول منه إلى العلمية إلا أن الرفع أقوى وأفخم . | وقرأه رويس عن ~~يعقوب - بالرفع - إذا وقف على قوله ' الحميد ' وابتدئ باسم ' الله ' فإذا ~~وصل ' الحميد ' باسم ' الله ' جر اسم الجلالة على البدلية . | وإجراء الوصف ~~بالموصول على اسم الجلالة لزيادة التفخيم لا للتعريف لأن ملك سائر ~~الموجودات صفة عظيمة والله معروف بها عند المخاطبين . وفيه تعريض بأن صراط ~~غير الله من طرق آلهتهم ليس بواصل إلى المقصود لنقصان ذويه . وفي ذكر هذه ~~الصلة إدماج تعريض بالمشركين الذين عبدوا ما ليس له السماوات والأرض . | ~~PageV13P182 # | 2 ( 2 ، 3 ) { الله الذى له ما فى السماوات وما فى الارض وويل للكافرين ~~من عذاب شديد * الذين يستحبون الحيواة الدنيا على الاخرة ويصدون عن سبيل ~~الله ويبغونها عوجا أولائك فى ضلال بعيد } . ) 2 # لما أفاد قوله : { إلى صراط العزيز الحميد الله الذي له ما ms4374 في السماوات ~~وما في الأرض } تعريضا بالمشركين الذين اتبعوا صراط غير الله الذي له ما في ~~السماوات وما في الأرض عطف الكلام إلى تهديدهم وإنذارهم بقوله : { وويل ~~للكافرين من عذاب شديد } ، أي للمشركين به آلهة أخرى . | # وجملة { وويل للكافرين } إنشاء دعاء عليهم في مقام الغضب والذم ، مثل ~~قولهم : ويحك ، فعطفه من عطف الإنشاء على الخبر . | # { وويل } مصدر لا يعرف له فعل ، ومعناه الهلاك وما يقرب منه من سوء ~~الحالة ، ولأنه لا يعرف له فعل كان اسم مصدر وعومل معاملة المصادر ، ينصب ~~على المفعولية المطلقة ويرفع لإفادة الثبات ، كما تقدم في رفع { الحمد لله ~~} في سورة الفاتحة . ويقال : ويل لك وويلك ، بالإضافة . ويقال : يا ويلك ، ~~بالنداء . وقد يذكر بعد هذا التركيب سببه فيؤتى به مجرورا بحرف { من } ~~الابتدائية كما في قوله هنا { من عذاب شديد } ، أي هلاكا ينجر لهم من ~~العذاب الشديد الذي يلاقونه وهو عذاب النار . وتقدم الويل عند قوله تعالى : ~~{ فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم في سورة البقرة ( 79 ) . | # والكافرون هم المعهودون وهم الذين لم يخرجوا من الظلمات إلى النور ، ولا ~~اتبعوا صراط العزيز الحميد ، ولا انتفعوا بالكتاب الذي أنزل لإخراجهم من ~~الظلمات إلى النور . | PageV13P183 # ويستحبون } بمعنى يحبون ، فالسين والتاء للتأكيد مثل استقدم واستأخر . ~~وضمن { يستحبون } معنى يؤثرون ، لأن المحبة تعدت إلى الحياة الدنيا عقب ذكر ~~العذاب الشديد لهم ، فأنبأ ذلك أنهم يحبون خير الدنيا دون خير الآخرة إذ ~~كان في الآخرة في شقاء ، فنشأ من هذا معنى الإيثار ، فضمنه فعدي إلى مفعول ~~آخر بواسطة حرف { على } في قوله : { على الآخرة } أي يؤثرونها عليها . | # وقوله : { ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا } تقدم نظيره في قوله : { ~~أن لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا في سورة ~~الأعراف ( 45 ) ، وعند قوله تعالى : يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله ~~من آمن تبغونها عوجا وأنتم شهداء في سورة آل عمران ( 99 ) ، فانظره هنالك . ~~| # والصد عن سبيل الله : منع الداخلين في الإسلام من الدخول فيه . شبه ذلك ~~بمن ms4375 يمنع المار من سلوك الطريق . وجعل الطريق طريق الله لأنه موصل إلى ~~مرضاته فكأنه موصل إليه ، أو يصدون أنفسهم عن سبيل الله لأنهم عطلوا ~~مواهبهم ومداركهم من تدبر آيات القرآن ، فكأنهم صدوها عن السير في سبيل ~~الله ويبغون السبيل العوجاء ، فعلم أن سبيل الله مستقيم ، قال تعالى : وأن ~~هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ( سورة الأنعام : 153 ) . | # والإشارة في قوله : أولئك في ضلال بعيد ( سورة إبراهيم : 3 ) للتنبيه على ~~أنهم أحرياء بما وصفوا به من الضلال بسبب صدهم عن سبيل الحق وابتغائهم سبيل ~~الباطل ، فأولئك } في محل مبتدأ و { في ضلال بعيد } خبر عنه . ودل حرف ~~الظرفية على أن الضلال محيط بهم فهم متمكنون منه . | # ووصف الضلال بالبعيد يجوز أن يكون على وجه المجاز العقلي ، وإنما البعيد ~~هم الضالون ، أي ضلالا بعدوا به عن الحق فأسند البعد إلى سببه . | # ويجوز أن يراد وصفه بالبعد على تشبيهه بالطريق الشاسعة التي يتعذر رجوع ~~سالكها ، أي ضلال قوي يعسر إقلاع صاحبه عنه . ففيه استبعاد PageV13P184 ~~لاهتداء أمثالهم كقوله : { ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد ( ~~سورة الشورى : 18 ) وقوله : بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال ~~البعيد ( سورة سبأ : 8 ) . وتقدم في قوله : ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا ~~بعيدا في سورة النساء ( 116 ) . | # | 2 ( 4 ) { ومآ أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من ~~يشآء ويهدى من يشآء وهو العزيز الحكيم } . ) 2 # إذا كانت صيغة القصر مستعملة في ظاهرها ومسلطة على متعلقي الفعل المقصور ~~كان قصرا إضافيا لقلب اعتقاد المخاطبين ، فيتعين أن يكون ردا على فريق من ~~المشركين قالوا : هلا أنزل القرآن بلغة العجم . وقد ذكر في ( الكشاف ) في ~~سورة فصلت عند قوله تعالى : { ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت ~~آياته أأعجمي وعربي ( سورة فصلت : 44 ) فقال : كانوا لتعنتهم يقولون : هلا ~~نزل القرآن بلغة العجم ، وهو مروي في تفسير الطبري } هنالك عن سعيد بن جبير ~~أن العرب قالوا ذلك . | # ثم يجوز أن يكون المراد بلغة العجم لغة غير ms4376 العرب مثل العبرانية أو ~~السريانية من اللغات التي أنزلت بها التوراة والإنجيل ، فكان من جملة ما ~~موت لهم أوهامهم أن حسبوا أن للكتب بالإلهية لغة خاصة تنزل بها ثم تفسر ~~للذين لا يعرفون تلك اللغة . وهذا اعتقاد فاش بين أهل العقول الضعيفة ، ~~فهؤلاء الذين يعالجون سر الحرف والطلسمات يموهون بأنها لا تكتب إلا باللغة ~~السريانية ويزعمون أنها لغة الملائكة ولغة الأرواح . وقد زعم السراج ~~البلقيني : أن سؤال القبر يكون باللغة السريانية وتلقاه عنه جلال الدين ~~السيوطي واستغربه فقال : | # ومن عجيب ما ترى العينان | # أن سؤال القبر بالسرياني | # أفتى بهذا شيخنا البلقيني | # ولم أره لغيره بعيني | PageV13P185 # وقد كان المتنصرون من العرب والمتهودون منهم مثل عرب اليمن تترجم لهم بعض ~~التوراة والإنجيل بالعربية كما ورد في حديث ورقة بن نوفل في كتاب بدء الوحي ~~من ( صحيح البخاري ) ، فاستقر في نفوس المشركين من جملة مطاعنهم أن القرآن ~~لو كان من عند الله لكان باللغة التي جاءت بها الكتب السالفة . فصارت ~~عربيته عندهم من وجوه الطعن في أنه منزل من الله ، فالقصر هنا لرد كلامهم ، ~~أي ما أرسلنا من رسول بلسان إلا لسان قومه المرسل إليهم لا بلسان قوم آخرين ~~. | # فموقع هذه الآية عقب آية { كتاب أنزلناه إليك } بين المناسبة . | # وتقدير النظم : كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور ، ~~وأنزلناه بلغة قومك لتبين لهم الذي أوحينا إليك وما أرسلنا من رسول إلا ~~بلسان قومه ليبين لهم فيخرجهم من الظلمات إلى النور . | # وإذا كانت صيغة القصر جارية على خلاف مقتضى الظاهر ولم يكن ردا لمقالة ~~بعض المشركين يكن تنزيلا للمشركين منزلة من ليسوا بعرب لعدم تأثرهم بآيات ~~القرآن ، ولقولهم : { قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه } وكان مناط القصر هو ~~ما بعد لام العلة . والمعنى : ما أرسلناك إلا لتبيين لهم وما أرسلنا من ~~رسول إلا ليبين لقومه ، وكان قوله : { إلا بلسان قومه } إدماجا في ~~الاستثناء المتسلط عليه القصر ؛ أو يكون متعلقا بفعل { ليبين } مقدما عليه ~~. والتقدير : ما أرسلناك إلا لتبين لهم بلسانهم ، وما أرسلنا ms4377 من رسول إلا ~~ليبين لقومه بلسانهم ، فما لقومك لم يهتدوا بهذا القرآن وهو بلسانهم ، ~~وبذلك يتضح موقع التفريع في قوله : { فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء } . ~~| # واللسان : اللغة وما به التخاطب . أطلق عليها اللسان من إطلاق اسم المحل ~~على الحال به ، مثل : سال الوادي . | # والباء للملابسة ، فلغة قومه ملابسة لكلامه والكتابب المنزل إليه ~~لإرشادهم . | PageV13P186 # والقوم : الأمة والجماعة ، فقوم كل أحد رهطه الذين جماعتهم واحدة ~~ويتكلمون بلغة واحدة ، وقوم كل رسول أمته المبعوث إليهم ، إذ كان الرسل ~~يبعثون إلى أقوامهم ، وقوم محمد صلى الله عليه وسلم هم العرب ، وأما أمته ~~فهم الأقوام المبعوث إليهم وهم الناس كافة . | # وإنما كان المخاطب أولا هم العرب الذين هو بين ظهرانيهم ونزل الكتاب ~~بلغتهم لتعذر نزوله بلغات الأمم كلها ، فاختار الله أن يكون رسوله عليه ~~الصلاة والسلام من أمة هي أفصح الأمم لسانا ، وأسرعهم أفهاما ، وألمعهم ~~ذكاء ، وأحسنهم استعدادا لقبول الهدى والإرشاد ، ولم يؤمن برسول من الرسل ~~في حياته عدد من الناس مثل الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم في حياته ~~فقد عم الإسلام بلاد العرب وقد حج مع النبي صلى الله عليه وسلم في حجة ~~الوداع نحو خمسين ألفا أو أكثر . وقيل مائة ألف وهم الرجال المستطيعون . | # واختار أن يكون الكتاب المنزل إليهم بلغة العرب ، لأنها أصلح اللغات جمع ~~معان ، وإيجاز عبارة ، وسهولة جري على الألسن ، وسرعة حفظ ، وجمال وقع في ~~الأسماع ، وجعلت الأمة العربية هي المتلقية للكتاب بادىء ذي بدء ، وعهد ~~إليها نشره بين الأمم . | # وفي التعليل بقوله : { ليبين لهم } إيماء إلى هذا المعنى ، لأنه لما كان ~~المقصود من التشريع البيان كانت أقرب اللغات إلى التبيين من بين لغات الأمم ~~المرسل إليهم هي اللغة التي هي أجدر بأن يأتي الكتاب بها ، قال تعالى : { ~~نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين ( سورة ~~الشعراء : 195 ) . فهذا كله من مطاوي هذه الآية . | # ولكن لما كان المقصود من سياقها الرد على طعنهم في القرآن بأنه نزل بلغة ~~لم ينزل بها ms4378 كتاب قبله اقتصر في رد خطئهم على أنه إنما كان كذلك ليبين لهم ~~لأن ذلك هو الذي يهمهم . | PageV13P187 # وتفريع قوله : فيضل الله من يشاء } الخ على مجموع جملة { وما أرسلنا من ~~رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم } ، ولذلك جاء فعل { يضل } مرفوعا غير منصوب ~~إذ ليس عطفا على فعل { ليبين } لأن الإضلال لا يكون معلولا للتبيين ولكنه ~~مفرع على الإرسال المعلل بالتبيين . والمعنى أن الإرسال بلسان قومه لحكمة ~~التبيين . وقد يحصل أثر التبيين بمعونة الاهتداء وقد لا يحصل أثره بسبب ~~ضلال المبين لهم . | # والإضلال والهدى من الله بما أعد في نفوس الناس من اختلاف الاستعداد . | # وجملة { وهو العزيز الحكيم } تذييل لأن العزيز قوي لا ينفلت شيء من قدرته ~~ولا يخرج عما خلق له ، والحكيم يضع الأشياء مواضعها ، فموضع الإرسال ~~والتبيين أتي على أكمل وجه من الإرشاد . وموقع الإضلال والهدى هو التكوين ~~الجاري على أنسب حال بأحوال المرسل إليهم ، فالتبيين من مقتضى أمر التشريع ~~والإضلال من مقتضى أمر التكوين . | # | 2 ( 5 ) { ولقد أرسلنا موسى بئاياتنآ أن أخرج قومك من الظلمات إلى ~~النور وذكرهم بأيام الله إن فى ذالك لآيات لكل صبار شكور } . ) 2 # لما كانت الآيات السابقة مسوقة للرد على من أنكروا أن القرآن منزل من ~~الله أعقب الرد بالتمثيل بالنظير وهو إرسال موسى عليه السلام إلى قومه بمثل ~~ما أرسل به محمد صلى الله عليه وسلم وبمثل الغاية التي أرسل لها محمد صلى ~~الله عليه وسلم ليخرج قومه من الظلمات إلى النور . | # وتأكيد الإخبار عن إرسال موسى عليه السلام بلام القسم وحرف التحقيق ~~لتنزيل المنكرين رسالة محمد صلى الله عليه وسلم منزلة من PageV13P188 ينكر ~~رسالة موسى عليه السلام لأن حالهم في التكذيب برسالة محمد صلى الله عليه ~~وسلم يقتضي ذلك التنزيل ، لأن ما جاز على المثل يجوز على المماثل ، على أن ~~منهم من قال : { ما أنزل الله على بشر من شيء . | # والباء في بآياتنا } للمصاحبة ، أي إرسالا مصاحبا للآيات الدالة على صدقه ~~في رسالته ، كما أرسل محمد صلى الله عليه ms4379 وسلم مصاحبا لآية القرآن الدال ~~على أنه من عند الله ، فقد تم التنظير وانتهض الدليل على المنكرين . | # و { أن } تفسيرية ، فسر الإرسال بجملة ( أخرج قومك ) الخ ، والإرسال فيه ~~معنى القول فكان حقيقا بموقع { أن } التفسيرية . | # و { الظلمات } مستعار للشرك والمعاصي ، و { النور } مستعار للإيمان الحق ~~والتقوى ، وذلك أن بني إسرائيل لما طال عليهم الأمد في مصر بعد وفاة يوسف ~~عليه السلام سرى إليهم الشرك واتبعوا دين القبط ، فكانت رسالة موسى عليه ~~السلام لإصلاح اعتقادهم مع دعوة فرعون وقومه للإيمان بالله الواحد ، وكانت ~~آيلة إلى إخراج بني إسرائيل من الشرك والفساد وإدخالهم في حظيرة الإيمان ~~والصلاح . | # والتذكير : إزالة نسيان شيء . ويستعمل في تعليم مجهول كان شأنه أن يعلم . ~~ولما ضمن التذكير معنى الإنذار والوعظ عدي بالباء ، أي ذكرهم تذكير عظة ~~بأيام الله . | # و { أيام الله } أيام ظهور بطشه وغلبه من عصوا أمره ، وتأييده المؤمنين ~~على عدوهم ، فإن ذلك كله مظهر من مظاهر عزة الله تعالى . وشاع إطلاق اسم ~~اليوم مضافا إلى اسم شخص أو قبيلة على يوم انتصر فيه مسمى المضاف إليه على ~~عدوه ، يقال : أيام تميم ، أي أيام انتصارهم ، { فأيام الله } أيام ظهور ~~قدرته وإهلاكه الكافرين به ونصره أولياءه والمطيعين له . | PageV13P189 # فالمراد ب { أيام الله } هنا الأيام التي أنجى الله فيها بني إسرائيل من ~~أعدائهم ونصرهم وسخر لهم أسباب الفوز والنصر وأغدق عليهم النعم في زمن موسى ~~عليه السلام ، فإن ذلك كله مما أمر موسى عليه السلام بأن يذكرهموه ، وكله ~~يصح أن يكون تفسيرا لمضمون الإرسال ، لأن إرسال موسى عليه السلام ممتد زمنه ~~، وكلما أوحى الله إليه بتذكير في مدة حياته فهو من مضمون الإرسال الذي جاء ~~به فهو مشمول لتفسير الإرسال . فقول موسى عليه السلام { يا قوم اذكروا نعمة ~~الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من ~~العالمين يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ( سورة المائدة : ~~20 ، 21 ) هو من التذكير المفسر به إرسال موسى عليه السلام . وهو وإن كان ms4380 ~~واقعا بعد ابتداء رسالته بأربعين سنة فما هو إلا تذكير صادر في زمن رسالته ~~، وهو من التذكير بأيام نعم الله العظيمة التي أعطاهم ، وما كانوا يحصلونها ~~لولا نصر الله إياهم ، وعنايته بهم ليعلموا أنه رب ضعيفف غلب قويا ونجا ~~بضعفه ما لم ينج مثله القوي في قوته . | # واسم الإشارة في قوله : إن في ذلك لآيات } عائد إلى ما ذكر من الإخراج ~~والتذكير ، فالإخراج من الظلمات بعد توغلهم فيها وانقضاء الأزمنة الطويلة ~~عليها آية من آيات قدرة الله تعالى . | # والتذكير بأيام الله يشتمل على آيات قدرة الله وعزته وتأييد من أطاعه ، ~~وكل ذلك آيات كائنة في الإخراج والتذكير على اختلاف أحواله . | # وقد أحاط بمعنى هذا الشمول حرف الظرفية من قوله : { في ذلك } لأن الظرفية ~~تجمع أشياء مختلفة يحتويها الظرف ، ولذلك كان لحرف الظرفية هنا موقع بليغ . ~~| # ولكون الآيات مختلفة ، بعضها آيات موعظة وزجر وبعضها آيات منة وترغيب ، ~~جعلت متعلقة ب { كل صبار شكور } إذ الصبر مناسب للزجر PageV13P190 لأن ~~التخويف يبعث النفس على تحمل معاكسة هواها خيفة الوقوع في سوء العاقبة ، ~~والإنعام يبعث النفس على الشكر ، فكان ذكر الصفتين توزيعا لما أجمله ذكر ~~أيام الله من أيام بؤس وأيام نعيم . | # | 2 ( 6 ) { وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من ءال ~~فرعون يسومونكم سو ء العذاب ويذبحون أبنآءكم ويستحيون نسآءكم وفى ذالكم بلا ~~ء من ربكم عظيم } . ) 2 # | $ # عطف على جملة { ولقد أرسلنا موسى بآياتنا } باعتبار غرض الجملتين ، وهو ~~التنظير بسنن ما جاء به الرسل السابقون من إرشاد الأمم وتذكيرها ، كما أنزل ~~القرآن لذلك . | # { وإذ } ظرف للماضي متعلق بفعل تقديره : اذكر ، دل عليه السياق الذي هو ~~ذكر شواهد التاريخ بأحوال الرسل عليهم السلام مع أممهم . والمعنى : واذكر ~~قول موسى لقومه الخ . | # وهذا مما قاله موسى لقومه بعد أن أنجاهم الله من استعباد القبط وإهانتهم ~~، فهو من تفاصيل ما فسر به إرسال موسى عليه السلام وهو من التذكير بأيام ~~الله الذي أمر الله موسى عليه السلام أن يذكره قومه . | # و ms4381 { إذ أنجاكم } ظرف للنعمة بمعنى الإنام ، أي الإنعام الحاصل في وقت ~~إنجائه إياكم من آل فرعون . وقد تقدم تفسير نظيرها في قوله تعالى : { وإذ ~~أنجيناكم من آل فرعون في سورة البقرة ( 49 ) ، وكذا في سورة الأعراف يقتلون ~~. سوى أن هذه الآية عطفت فيها جملة ويذبحون } على جملة { يسومونكم } وفي ~~آية البقرة والأعراف جعلت جملة { يذبحون } وجملة { يقتلون } بدون عطف على ~~أنها بدل اشتمال من جملة { يسومونكم PageV13P191 سوء العذاب } . فكان مضمون ~~جملة { وبذبحون } هنا مقصودا بالعد كأنه صنف آخر غير سوء العذاب اهتماما ~~بشأنه ، فعطفه من عطف الخاص على العام . وعلى كلا النظمين قد حصل الاهتمام ~~بهذا العذاب المخصوص بالذكر ، فالقرآن حكى مراد كلام موسى عليه السلام من ~~ذكر العذاب الأعم وذكر الأخص للاهتمام به ، وهو حاصل على كلا النظمين . ~~وإنما حكاه القرآن في كل موضع بطريقة تفننا في إعادة القصة بحصول اختلاف في ~~صورة النظم مع الحفاظ على المعنى المحكي ، وهو ذكر سوء العذاب مجملا ، وذكر ~~أفظع أنواعه مبينا . | # وأما عطف جملة { ويستحيون نساءكم } في الآيات الثلاث فلأن مضمونها ~~باستقلاله لا يصلح لبيان سوء العذاب ، لأن استحياء النساء في ذاته نعمة ~~ولكنه يصير من العذاب عند اقترانه بتذبيح الأبناء ، إذ يعلم أن مقصودهم من ~~استحياء النساء استرقاقهن وإهانتهن فصار الاستحياء بذلك القصد تهيئة ~~لتعذيبهن . ولذلك سمي جميع ذلك بلاء . | # وأصل البلاء : الاختبار . والبلاء هنا المصيبة بالشر ، سمي باسم الاختبار ~~لأنه اختبار لمقدار الصبر ، فالبلاء مستعمل في شدة المكروه من تسمية الشيء ~~باسم ما يؤول إليه على طريقة المجاز المرسل . وقد شاع إطلاق هذا بصيغة اسم ~~المصدر بحيث يكاد لا يطلق إلا على المكروه . وما ورد منه مستعملا في الخير ~~فإنما ورد بصيغة الفعل كقوله : { ونبلوكم بالشر والخير فتنة ( سورة ~~الأنبياء : 35 ) ، وقوله : ونبلو أخباركم ( سورة محمد : 31 ) . وتقدم في ~~نظيرها من سورة البقرة . | # وجعل هذا الضر الذي لحقهم واردا من جانب الله لأن تخليه آل فرعون لفعل ~~ذلك وعدم إلطافه ببني إسرائيل يجعله كالوارد من الله وهو جزاء على نبذ ms4382 بني ~~إسرائيل دينهم الحق الذي أوصى به إبراهيم بنيه ويعقوب عليهم السلام ~~واتباههم دين القبط وعبادة آلهتهم . | # واختيار وصف الرب هنا للإيماء إلى أنه أراد به صلاح مستقبلهم وتنبيههم ~~لاجتناب عبادة الأوثان وتحريف الدين كقوله : وإن عدتم عدنا ( سورة الإسراء ~~: 8 ) . | PageV13P192 # وهذه الآية تضمنت ما في فقرة ( 17 ) من الإصحاح } ( 12 ) . وفقرة ( 3 ) ~~من ( الإصحاح ) ( 13 ) من ( سفر الخروج ) . وما في فقرة ( 13 ) من الإصحاح ~~( 26 ) من ( سفر اللاويين ) . | # | 2 ( 7 ) { وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابى لشديد ~~} . ) 2 # عطف على { إذ أنجاكم من آل فرعون } فهو من كلام موسى عليه السلام ~~والتقدير : واذكروا نعمة الله عليكم إذ تأذن ربكم لئن شكرتم الخ ، لأن ~~الجزاء عن شكر النعمة بالزيادة منها نعمة وفضل من الله ، لأن شكر المنعم ~~واجب فلا يستحق جزاء لولا سعة فضل الله . وأما قوله : { ولئن كفرتم إن ~~عذابي لشديد } فجاءت به المقابلة . | # ويجوز أن يعطف { وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي ~~لشديد } على { نعمة الله عليكم } . فيكون التقدير : واذكروا إذ تأذن ربكم ، ~~على أن { إذ } منصوبة على المفعولية وليست ظرفا وذلك من استعمالاتها . وقد ~~تقدم عند قوله تعالى في سورة الأعراف ( 167 ) : { وإذ تأذن ربك ليبعثن ~~عليهم وقوله : واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم ( سورة الأعراف : 86 ) . | # ومعنى تأذن ربكم } تكلم كلاما علنا ، أي كلم موسى عليه السلام بما تضمنه ~~هذا الذي في الآية بمسمع من جماعة بني إسرائيل . ولعل هذا الكلام هو الذي ~~في الفقرات ( 9 20 ) من الإصحاح ( 19 ) من ( سفر الخروج ) ، والفقرات ( 1 ~~18 ، 22 ) من الإصحاح ( 20 ) منه ، والفقرات ( من 20 إلى 30 ) من الإصحاح ( ~~23 ) منه . | # والتأذن مبالغة في الأذان يقال : أذن وتأذن كما يقال : توعد وأوعد ، ~~وتفضل وأفضل . ففي صيغة تفعل زيادة معنى على صيغة أفعل . | # وجملة { لئن شكرتم } موطئة للقسم والقسم مستعلم في التأكيد . والشكر مؤذن ~~بالنعمة . فالمراد : شكر نعمة الإنجاء من آل فرعون وغيرها ، ولذلك حذف ~~مفعول { شكرتم } ومفعول { لأزيدنكم } ليقدر عاما ms4383 في الفعلين . | ~~PageV13P193 # والكفر مراد به كفر النعمة وهو مقابلة المنعم بالعصيان . وأعظم الكفر جحد ~~الخالق أو عبادة غيره معه وهو الإشراك ، كما أن الشكر مقابلة النعمة بإظهار ~~العبودية والطاعة . | # واستغنى ب { إن عذابي لشديد } عن { لأعذبنه عذابا شديدا ( النمل : 21 ) ~~لكونه أعم وأوجز ، ولكون إفادة الوعيد بضرب من التعريض أوقع في النفس . ~~والمعنى : إن عذابي لشديد لمن كفر فأنتم إذن منهم . | # | 2 ( 8 ) وقال موسى إن تكفرو ا أنتم ومن فى الارض جميعا فإن الله لغنى ~~حميد } . ) 2 # | $ # أعيد فعل القول في عطف بعض كلام موسى عليه السلام على بعض لئلا يتوهم أن ~~هذا مما تأذن به الرب وإنما هو تنبيه على كلام الله . وفي إعادة فعل القول ~~اهتمام بهذه الجملة وتنويه بها حتى تبرز مستقلة وحتى يصغي إليها السامعون ~~للقرآن . | # ووجه الاهتمام بها أن أكثر الكفار يحسبون أنهم يحسنون إلى الله بإيمانهم ~~، وأن أنبياءهم حين يلحون عليهم بالإيمان إنما يبتغون بذلك تعزيز جانبهم ~~والحرص على مصحلتهم . فلما وعدهم على الشكر بالزيادة وأوعدهم على الكفر ~~بالعقوبة خشي أن يحسبوا ذلك لانتقام المثيب بما أثاب عليه ، ولتضرره مما ~~عاقب عليه ، فنبههم إلى هذا الخاطر الشيطاني حتى لا يسري إلى نفوسهم ~~فيكسبهم إدلالا بالإيمان والشكر والإقلاع عن الكفر . | # و { أنتم } فصل بين المعطوف والمعطوف عليه إذ كان هذا المعطوف عليه ضميرا ~~متصلا . | PageV13P194 # و { جميعا } تأكيد لمن في الأرض للتنصيص على العموم . وتقدم نظيره ونصبه ~~غير بعيد . | # والغني : الذي لا حاجة له في شيء ، فدخل في عموم غناه أنه غني عن الذين ~~يكفرون به . | # والحميد : المحمود . والمعنى : أنه محمود من غيركم مستغن عن حمدكم ؛ على ~~أنهم لو كفروا به لكانوا حامدين بلسان حالهم كرها ، فإن كل نعمة تنالهم ~~فيحمدونها فإنما يحمدون الله تعالى ، كقوله تعالى : { ولله يسجد من في ~~السماوات والأرض طوعا وكرها ( سورة الرعد : 15 ) . وهذه الآية تضمنت ما في ~~الفقرات ( 30 إلى 33 ) من الإصحاح ( 32 ) من سفر الخروج } . | # | 2 ( 9 ) { ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود ms4384 والذين من ~~بعدهم لا يعلمهم إلا الله جآءتهم رسلهم بالبينات فردو ا أيديهم فى أفواههم ~~وقالو ا إنا كفرنا بمآ أرسلتم به وإنا لفى شك مما تدعوننآ إليه مريب } . ) ~~2 # | $ # هذا الكلام استئناف ابتدائي رجع به الخطاب إلى المشركين من العرب على ~~طريقة الالتفات في قوله : { ألم يأتكم } ، لأن الموجه إليه الخطاب هنا هم ~~الكافرون المعنيون بقوله : { وويل للكافرين من عذاب شديد ( سورة إبراهيم : ~~2 ) ، وهم معظم المعني من الناس في قوله : لتخرج الناس من الظلمات إلى ~~النور ( سورة إبراهيم : 1 ) ، فإنهم بعد أن أجمل لهم الكلام في قوله تعالى ~~: وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ( سورة إبراهيم : 4 ) الآية ~~، ثم فصل بأن ضرب المثل للإرسال إليهم لغرض الإخراج من الظلمات إلى النور ~~بإرسال موسى عليه السلام لإخراج قومه ، وقضي حق ذلك عقبه بكلام جامع لأحوال ~~الأمم ورسلهم ، فكان بمنزلة الحوصلة PageV13P195 والتذييل مع تمثيل حالهم ~~بحال الأمم السالفة وتشابه عقلياتهم في حججهم الباطلة ورد الرسل عليهم بمثل ~~ما رد به القرآن على المشركين في مواضع ، ثم ختم بالوعيد . | # والاستفام إنكاري لأنهم قد بلغتهم أخبارهم ، فأما قوم نوح فقد تواتر ~~خبرهم بين الأمم بسبب خبر الطوفان ، وأما عاد وثمود فهم من العرب ومساكنهم ~~في بلادهم وهم يمرون عليها ويخبر بعضهم بعضا بها ، قال تعالى : وسكنتم في ~~مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم ( سورة إبراهيم : 45 ) ~~وقال : وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون ( سورة الصافات : ~~137 ) . | # والذين من بعدهم } يشمل أهل مدين وأصحاب الرس وقوم تبع وغيرهم من أمم ~~انقرضوا وذهبت أخبارهم فلا يعلمهم إلا الله . وهذا كقوله تعالى : { وعادا ~~وثمودا وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا ( سورة الفرقان : 38 ) . | # وجملة لا يعلمهم إلا الله } معترضة بين { والذين من بعدهم } وبين جملة { ~~جاءتهم رسلهم بالبينات } الواقعة حالا من { والذين من بعدهم } ، وهو كناية ~~عن الكثرة التي يستلزمها انتفاء علم الناس بهم . | # ومعنى { جاءتهم رسلهم } جاء كل أمة رسولها . | # وضمائر { ردوا } و { أيديهم } و { أفواههم } عائد ms4385 جميعها إلى قوم نوح ~~والمعطوفات عليه . | # وهذا التركيب لا أعهد سبق مثله في كلام العرب فلعله من مبتكرات القرآن . ~~| # ومعنى { فردوا أيديهم في أفواههم } يحتمل عدة وجوه أنهاها في ( الكشاف ) ~~إلى سبعة وفي بعضها بعد ، وأولاها بالاستخلاص أن يكون المعنى : أنهم وضعوا ~~أيديهم على أفواههم إخفاء لشدة الضحك من كلام الرسل كراهية أن تظهر دواخل ~~أفواههم . وذلك تمثيل لحالة الاستهزاء بالرسل . | PageV13P196 # والرد : مستعمل في معنى تكرير جعل الأيدي في الأفواه كما أشار إليه ( ~~الراغب ) . أي وضعوا أيديهم على الأفواه ثم أزالوها ثم أعادوا وضعها فتلك ~~الإعادة رد . | # وحرف { في } للظرفية المجازية المراد بها التمكين ، فهي بمعنى { على } ~~كقوله : { أولئك في ضلال مبين ( سورة الزمر : 22 ) . فمعنى ردوا أيديهم في ~~أفواههم } جعلوا أيديهم على أفواههم . | # وعطفه بفاء التعقيب مشير إلى أنهم بادروا برد أيديهم في أفواههم بفور ~~تلقيهم دعوة رسلهم ، فيقتضي أن يكون رد الأيدي في الأفواه تمثيلا لحال ~~المتعجب المستهزىء ، فالكلام تمثيل للحالة المعتادة وليس المراد حقيقته ، ~~لأن وقوعه خبرا عن الأمم مع اختلاف عوائدهم وإشاراتهم واختلاف الأفراد في ~~حركاتهم عند التعجب قرينة على أنه ما أريد به إلا بيان عربي . | # ونظير هذا قوله تعالى حكاية عن أهل الجنة : { وقالوا الحمد لله الذي ~~صدقنا وعده وأورثنا الأرض ( سورة الزمر : 74 ) ، فميراث الأرض كناية عن حسن ~~العاقبة جريا على بيان العرب عند تنافس قبائلهم أن حسن العاقبة يكون لمن ~~أخذ أرض عدوه . | # وأكدوا كفرهم بما جاءت به الرسل بما دلت عليه إن } وفعل المضي في قوله : ~~{ إنا كفرنا } . وسموا ما كفروا به مرسلا به تهكما بالرسل ، كقوله تعالى : ~~{ وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون ( سورة الحجر : 6 ) ، ~~فمعنى ذلك : أنهم كفروا بأن ما جاءوا به مرسل به من الله ، أي كفروا بأن ~~الله أرسلهم . فهذا مما أيقنوا بتكذيبهم فيه . | # وأما قولهم : وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه } فذلك شك في صحة ما يدعونهم ~~إليه وسداده ، فهو عندهم معرض للنظر وتمييز صحيحه من سقيمه ، فمورد الشك ما ~~يدعونهم إليه ms4386 ، ومورد التكذيب نسبة دعوتهم إلى الله . فمرادهم : أنهم وإن ~~كانوا كاذبين في دعوى الرسالة فقد يكون في بعض ما يدعون إليه ما هو صدق وحق ~~فإن الكاذب قد يقول حقا . | PageV13P197 # وجعلوا الشك قويا فلذلك عبر عنه بأنهم مظروفون فيه ، أي هو محيط بهم ~~ومتمكن كمال التمكن . | # و { مريب } تأكيد لمعنى { في شك } ، والمريب : المتوقع في الريب ، وهو ~~مرادف الشك ، فوصف الشك بالمريب من تأكيد ماهيته ، كقولهم : ليل أليل ، ~~وشعر شاعر . | # وحذفت إحدى النونين من قوله : { إنا } تخفيفا تجنبا للثقل الناشىء من ~~وقوع نونين آخرين بعد في قوله : { تدعوننا } اللازم ذكرهما ، بخلاف آية ~~سورة هود ( 62 ) { وإننا لفي شك مما تدعونا : | # إذ لم يكن موجب للتخفيف لأن المخاطب فيها بقوله : تدعونا } واحد . | # | 2 ( 10 ) { قالت رسلهم أفى الله شك فاطر السماوات والارض يدعوكم ليغفر ~~لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى قالو ا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون ~~أن تصدونا عما كان يعبد ءابآؤنا فأتونا بسلطان مبين } . ) 2 # | $ # { قالت رسلهم أفى الله شك فاطر السماوات والارض يدعوكم ليغفر لكم من ~~ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى قالو ا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن ~~تصدونا عما كان يعبد ءابآؤنا فأتونا بسلطان مبين } . | # استفهام إنكاري . ومورد الإنكار هو وقوع الشك في وجود الله ، فقدم متعلق ~~الشك للاهتمام به ، ولو قال : أشك في الله ، لم يكن له هذا الوقع ، مثل قول ~~القطامي : | # أكفرا بعد رد الموت عني | # وبعد عطائك المائة الرتاعا | # فكان أبلغ له لو أمكنه أن يقول : أبعد رد الموت عني كفر . | # وعلق اسم الجلالة بالشك ، والاسم العلم يدل على الذات . والمراد إنكار ~~وقوع الشك في أهم الصفات الإلهية وهي صفة التفرد بالإلهية ، أي صفة ~~الوحدانية . | # وأتبع اسم الجلالة بالوصف الدال على وجوده وهو وجود السماوات والأرض ~~الدال على أن لهما خالقا حكيما لاستحالة صدور تلك المخلوقات PageV13P198 ~~العجيبة المنظمة عن غير فاعلل مختار ، وذلك معلوم بأدنى تأمل ، وذلك تأييد ~~لإنكار وقوع الشك في انفراده بالإلهية لأن انفراده بالخلق يقتضي انفراده ~~باستحقاقه ms4387 عبادة مخلوقاته . | # وجملة { يدعوكم } حال من اسم الجلالة ، أي يدعوكم أن تنبذوا الكفر ليغفر ~~لكم ما أسلفتم من الشرك ويدفع عنكم عذاب الاستئصال فيؤخركم في الحياة إلى ~~أجل معتاد . | # والدعاء : حقيقته النداء . فأطلق على الأمر والإرشاد مجازا لأن الآمر ~~ينادي المأمور . | # ويعدى فعل الدعاء إلى الشيء المدعو إليه بحرف الانتهاء غالبا وهو { إلى } ~~، نحو قوله تعالى حكاية عن مؤمن آل فرعون { ويا قوم ما لي أدعوكم إلى ~~النجاة وتدعونني إلى النار ( سورة غافر : 41 ) . | # وقد يعدى بلام التعليل داخلة على ما جعل سببا للدعوة فإن العلة تدل على ~~المعلول ، كقوله تعالى : وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم ( سورة نوح : 7 ) ، أي ~~دعوتهم إلى سبب المغفرة لتغفر ، أي دعوتهم إلى الإيمان لتغفر لهم ، وهو في ~~هذه الآية كذلك ، أي يدعوكم إلى التوحيد ليغفر لكم من ذنوبكم . | # وقد يعدى فعل الدعوة إلى المدعو إليه باللام تنزيلا للشيء الذي يدعى إلى ~~الوصول إليه منزلة الشيء الذي لأجله يدعى ، كقول أعرابي من بني أسد : | # دعوت لما نابني مسورا | # فلبى فلبي يدي مسور | PageV13P199 # قالو ا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد ءابآؤنا ~~فأتونا بسلطان مبين } . | # أرادوا إفحام الرسل بقطع المجادلة النظرية ، فنفوا اختصاص الرسل بشيء ~~زائد في صورتهم البشرية يعلم به أن الله اصطفاهم دون غيرهم بأن جعلهم رسلا ~~عنه ، وهؤلاء الأقوام يحسبون أن هذا أقطع لحجة الرسل لأن المماثلة بينهم ~~وبين قومهم محسوسة لا تحتاج إلى تطويل في الاحتجاج ، فلذلك طالبوا رسلهم أن ~~يأتوا بحجة محسوسة تثبت أن الله اختارهم للرسالة عنه ، وحسبانهم بذلك ~~التعجيز . | # فجملة { تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا } في موضع الحال ، وهي قيد ~~لما دل عليه الحصر في جملة { إن أنتم إلا بشر مثلنا } من جحد كونهم رسلا من ~~الله بالدين الذي جاءوهم به مخالفا لدينهم القديم ، فبذلك الاعتبار كان ~~موقع التفريع لجملة { فأتونا بسلطان مبين } لأن مجرد كونهم بشرا لا يقتضي ~~مطالبتهم بالإتيان بسلطان مبين وإنما اقتضاه أنهم جاءوهم بإبطال دين قومهم ~~، وهو مضمون ms4388 ما أرسلوا به . | # وقد عبروا عن دينهم بالموصولية لما تؤذن به الصلة من التنويه بدينهم بأنه ~~متقلد آبائهم الذين يحسبونهم معصومين من اتباع الباطل ، وللأمم تقديس ~~لأسلافها فلذلك عدلوا عن أن يقولوا : تريدون أن تصدونا عن ديننا . | # والسلطان : الحجة . وقد تقدم في قوله : { أتجادلونني في أسماء سميتموها ~~أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان في سورة الأعراف ( 71 ) . | # المبين الواضح الذي لا احتمال فيه لغير ما دل عليه . | # | PageV13P200 # | 2 ( 11 ، 12 ) قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولاكن الله يمن على ~~من يشآء من عباده وما كان لنآ أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله وعلى الله ~~فليتوكل المؤمنون * وما لنآ ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن ~~على مآ آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون } . ) 2 # قول الرسل { إن نحن إلا بشر مثلكم } جواب بطريق القول بالموجب في علم ~~آداب البحث ، وهو تسليم الدليل مع بقاء النزاع ببيان محل الاستدلال غير تام ~~الإنتاج ، وفيه إطماع في الموافقة . ثم كر على استدلالهم المقصود بالإبطال ~~بتبيين خطئهم . | # ونظيره قوله تعالى : { يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها ~~الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون ( سورة ~~المنافقون : 8 ) . | # وهذا النوع من القوادح في علم الجدل شديد الوقع على المناظر ، فليس قول ~~الرسل إن نحن إلا بشر مثلكم } تقريرا للدليل ولكنه تمهيد لبيان غلط المستدل ~~في الاستنتاج من دليله . ومحل البيان هوالاستدراك في قوله : { ولكن الله ~~يمن على من يشاء من عباده ( سورة إبراهيم : 11 ) . والمعنى : أن المماثلة ~~في البشرية لا تقتضي المماثلة في زائد عليها فالبشر كلهم عباد الله والله ~~يمن على من يشاء من عباده بنعم لم يعطها غيرهم . | # فالاستدراك رفع لما توهموه من كون المماثلة في البشرية مقتضى الاستواء في ~~كل خصلة . | # وأورد الشيخ محمد بن عرفة في التفسير } وجها للتفرقة بين هذه الآية إذ ~~زيد فيها كلمة { لهم } في قوله : { قالت لهم رسلهم ( سورة إبراهيم : 10 ) ~~وبين الآية التي قبلها إذ قال فيها قالت ms4389 رسلهم } بوجهين : | PageV13P201 # أحدهما : أن هذه المقالة خاصة بالمكذبين من قومهم يقولونها لغيرهم إذ هو ~~جواب عن كلام صدر منهم والمقالة الأولى يقولونها لهم ولغيرهم ، أي للمصدقين ~~والمكذبين . | # وثانيهما : أن وجود الله أمر نظري ، فكان كلام الرسل في شأنه خطابا لعموم ~~قومهم ، وأما بعثة الرسل فهي أمر ضروري ظاهر لا يحتاج إلى نظر ، فكأنه قال ~~: ما قالوا هذا إلا للمكذبين لغباوتهم وجهلهم لا لغيرهم . | # وأجاب الأبي أن { أفي الله شك } خطاب لمن عاند في أمر ضروري ، فكأن ~~المجيب عن ذلك يجيب به من حيث الجملة ولا يقبل بالجواب على المخاطب ~~لمعاندته فيجيب وهو معرض عنه بخلاف قولهم : { إن نحن إلا بشر مثلكم } فإنه ~~تقرير لمقالتهم فهم يقبلون عليهم بالجواب لأنهم لم يبطلوا كلامهم بالإطلاق ~~بل يقررونه ويزيدون فيه اه . | # والحاصل أن زيادة { لهم } تؤذن بالدلالة على توجه الرسل إلى قومهم ~~بالجواب لما في الجواب عن كلامهم من الدقة المحتاجة إلى الاهتمام بالجواب ~~بالإقبال عليهم إذ اللام الداخلة بعد فعل القول في نحو : أقول لك ، لام ~~تعليل ، أي أقول قولي لأجلك . | # ثم عطفوا على ذلك تبيين أن ما سأله القوم من الإتيان بسلطان مبين ليس ذلك ~~إليهم ولكنه بمشيئة الله وليس الله بمكره على إجابة من يتحداه . | # وجملة { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } أمر لمن آمن من قومهم بالتوكل على ~~الله ، وقصدوا به أنفسهم قصدا أوليا لأنهم أول المؤمنين بقرينة قولهم : { ~~وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا } إلى آخره . | # ولما كان حصول إذن الله تعالى بتأييد الرسل بالحجة المسؤولة غير معلوم ~~الميقات ولا متعين الوقوع وكانت مدة ترقب ذلك مظنة لتكذيب PageV13P202 ~~الذين كفروا رسلهم تكذيبا قاطعا وتوقع الرسل أذاه قومهم إياهم شأن القاطع ~~بكذب من زعم أنه مرسل من الله ، ولأنهم قد بدأوهم بالأذى كما دل عليه قولهم ~~: { ولنصبرن على ما آذيتمونا } . أظهر الرسل لقومهم أنهم غير غافلين عن ذلك ~~وأنهم يتلقون ما عسى أن يواجههم به المكذبون من أذى بتوكلهم على الله هم ~~ومن آمن معهم ؛ فابتدأوا بأن أمروا المؤمنين ms4390 بالتوكل تذكيرا لهم لئلا يتعرض ~~إيمانهم إلى زعزعة الشك حرصا على ثبات المؤمنين ، كقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم لعمر رضي الله عنه : ( أفي شك أنت يابن الخطاب ) . وفي ذلك الأمر ~~إيذان بأنهم لا يعبأون بما يضمره لهم الكافرون من الأذى ، كقول السحرة ~~لفرعون حين آمنوا { لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون ( سورة الشعراء : 50 ) . | # وتقديم المجرور في قوله : وعلى الله فليتوكل المؤمنون } مؤذن بالحصر ~~وأنهم لا يرجون نصرا من غير الله تعالى لضعفهم وقلة ناصرهم . وفيه إيماء ~~إلى أنهم واثقون بنصر الله . | # والجملة معطوفة بالواو عطف الإنشاء على الخبر . | # والفاء في قوله : { فليتوكل المؤمنون } رابطة لجملة ( ليتوكل المؤمنون ) ~~بما أفاده تقديم المجرور من معنى الشرط الذي يدل عليه المقام . والتقدير : ~~إن عجبتم من قلة اكتراثنا بتكذيبكم أيها الكافرون ، وإن خشيتم هؤلاء ~~المكذبين أيها المؤمنون فليتوكل المؤمنون على الله فإنهم لن يضيرهم عدوهم . ~~وهذا كقوله تعالى : { وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين كما تقدم في سورة ~~العقود ( 23 ) . | # والتوكل : الاعتماد وتفويض التدبير إلى الغير ثقة بأنه أعلم بما يصلح ، ~~فالتوكل على الله تحقق أنه أعلم بما ينفع أولياءه من خير الدنيا والآخرة . ~~وقد تقدم الكلام على التوكل عند قوله تعالى : فإذا عزمت فتوكل على الله في ~~سورة آل عمران ( 59 ) . | # وجملة وما لنا ألا نتوكل على الله } استدلال على صدق رأيهم في تفويض ~~PageV13P203 أمرهم إلى الله ، لأنهم رأوا بوارق عنايته بهم إذ هداهم إلى ~~طرائق النجاة والخير ، ومبادىء الأمور تدل على غاياتها . | # وأضافوا السبل إلى ضميرهم للاختصار لأن أمور دينهم صارت معروفة لدى ~~الجميع فجمعها قولهم : { سبلنا } . | # { وما لنا ألا نتوكل } استفهام إنكاري لانتفاء توكلهم على الله ، أتوا به ~~في صورة الإنكار بناء على ما هو معروف من استحماق الكفار إياهم في توكلهم ~~على الله ، فجاءوا بإنكار نفي التوكل على الله ، ومعنى { وما لنا ألا نتوكل ~~} ما ثبت لنا من عدم التوكل ، فاللام للاستحقاق . | # وزادوا قومهم تأييسا من التأثر بالأذى فأقسموا على أن صبرهم على أذى ~~قومهم سيستمر ، فصيغة الاستقبال ms4391 المستفادة من المضارع المؤكد بنون التوكيد ~~في { ولنصبرن } دلت على أذى مستقبل . ودلت صيغة المضي المنتزع منها المصدر ~~في قوله : { ما آذيتمونا } على أذى مضى . فحصل من ذلك معنى نصبر على أذى ~~متوقع كما صبرنا على أذى مضى . وهذا إيجاز بديع . | # وجملة { وعلى الله فليتوكل المتوكلون } يحتمل أن تكون من بقية كلام الرسل ~~فتكون تذييلا وتأكيدا لجملة { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } فكانت تذييلا ~~لما فيها من العموم الزائد في قوله : { المتوكلون } على عموم { فليتوكل ~~المؤمنون } . وكانت تأكيدا لأن المؤمنين من جملة المتوكلين . والمعنى : من ~~كان متوكلا في أمره على غيره فليتوكل على الله . | # ويحتمل أن تكون من كلام الله تعالى ، فهي تذييل للقصة وتنويه بشأن ~~المتوكلين على الله ، أي لا ينبني التوكل إلا عليه . | # | PageV13P204 # | 2 ( 13 ، 14 ) { وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنآ أو لتعودن ~~فى ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين * ولنسكننكم الارض من بعدهم ~~ذالك لمن خاف مقامى وخاف وعيد } . ) 2 # { وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنآ أو لتعودن فى ملتنا فأوحى ~~إليهم ربهم لنهلكن الظالمين } { ولنسكننكم الارض من بعدهم ذالك لمن خاف ~~مقامى وخاف وعيد } . | # تغيير أسلوب الحكاية بطريق الإظهار دون الإضمار يؤذن بأن المراد ب { ~~الذين كفروا } هنا غير الكافرين الذين تقدمت الحكاية عنهم فإن الحكاية عنهم ~~كانت بطريق الإضمار . فالظاهر عندي أن المراد ب { الذين كفروا } هنا كفار ~~قريش على طريقة التوجيه . وأن المراد ب { رسلهم } الرسول محمد صلى الله ~~عليه وسلم أجريت على وصفه صيغة الجمع على طريق قوله : { الذين كذبوا ~~بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون في سورة غافر ( 70 ) . فإن ~~المراد المشركون من أهل مكة كما هو مقتضى قوله : فسوف يعلمون وقوله : لقد ~~أرسلنا رسلنا بالبينات إلى قوله : وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع ~~للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب ( سورة الحديد : 25 ) ، فإن ~~المراد بالرسل في الموضعين الأخيرين الرسول محمد عليه الصلاة والسلام لأنه ~~الرسول الذي أنزل معه الحديد ، أي القتال بالسيف لأهل الدعوة المكذبين ، ~~وقوله : فكذبوا ms4392 رسلي في سورة سبأ ( 45 ) على أحد تفسيرين في المراد بهم وهو ~~أظهرهما . | # وإطلاق صيغة الجمع على الواحد مجاز : إما استعارة إن كان فيه مراعاة ~~تشبيه الواحد بالجمع تعظيما له كما في قوله تعالى : قال رب ارجعون ( سورة ~~المؤمنون : 99 ) . | # وإما مجاز مرسل إذا روعي فيه قصد التعمية ، فعلاقته الإطلاق والتقييد . ~~والعدول عن الحقيقة إليه لقصد التعمية . | # فلا جرم أن يكون المراد بالذين كفروا } هنا كفار مكة ويؤيده قوله بعد ذلك ~~{ ولنسكننكم الأرض من بعدهم } فإنه لا يعرف أن رسولا PageV13P205 من رسل ~~الأمم السالفة دخل أرض مكذبيه بعد هلاكهم وامتلكها إلا النبي محمدا صلى ~~الله عليه وسلم قال في حجة الوداع ( منزلنا إن شاء الله غدا بالخيف خيف بني ~~كنانة حيث تقاسموا على الكفر ) . | # وعلى تقدير أن يكون المراد ب { الذين كفروا } في هذه الآية نفس المراد من ~~الأقوام السالفين فالإظهار في مقام الإضمار لزيادة تسجيل اتصافهم بالكفر ~~حتى صار الخصلة التي يعرفون بها . وعلى هذا التقدير يكون المراد من الرسل ~~ظاهر الجمع فيكون هذا التوعد سنة الأمم ويكون الإيماء إليهم به سنة الله مع ~~رسله . | # وتأكيد توعدهم بالإخراج بلام القسم ونون التوكيد ضراوة في الشر . | # و ( أو ) لأحد الشيئين ، أقسموا على حصول أحد الأمرين لا محالة ، أحدهما ~~من فعل المقسمين ، والآخر من فعل من خوطب بالقسم ، وليست هي { أو } التي ~~بمعنى { إلى } أو بمعنى { إلا . | # والعود : الرجوع إلى شيء بعد مفارقته . ولم يكن أحد من الرسل متبعا ملة ~~الكفر بل كانوا منعزلين عن المشركين دون تغيير عليهم ، فكان المشركون ~~يحسبونهم موافقين لهم ، وكان الرسل يتجنبون مجتمعاتهم بدون أن يشعروا ~~بمجانبتهم ، فلما جاءوهم بالحق ظنوهم قد انتقلوا من موافقتهم إلى مخالفتهم ~~فطلبوا منهم أن يعودوا إلى ما كانوا يحسبونهم عليه . | # والظرفية في قوله : في ملتنا } مجازية مستعملة في التمكن من التلبس ~~بالشيء المتروك فكأنه عاد إليه . | # والملة : الدين . وقد تقدم عند قوله تعالى : { دينا قيما ملة إبراهيم ~~حنيفا في آخر سورة الأنعام ( 161 ) ، وانظر قوله : فاتبعوا ملة إبراهيم ~~حنيفا في ms4393 أوائل سورة آل عمران ( 95 ) . | PageV13P206 # وتفريع جملة فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين } على قول الذين كفروا ~~لرسلهم { لنخرجنكم من أرضنا ( سورة إبراهيم : 13 ) الخ تفريع على ما يقتضيه ~~قول الذين كفروا من العزم على إخراج الرسل من الأرض ، أي أوحى الله إلى ~~الرسل ما يثبت به قلوبهم ، وهو الوعد بإهلاك الظالمين . | # وجملة لنهلكن الظالمين } بيان لجملة ( أوحى . . ) . | # وإسكان الأرض : التمكين منها وتخويلها إياهم ، كقوله : { وأورثكم أرضهم ~~وديارهم ( سورة الأحزاب : 27 ) . | # والخطاب في لنسكننكم } للرسل والذين آمنوا بهم ، فلا يقتضي أن يسكن ~~الرسول بأرض عدوه بل يكفي أن يكون له السلطان عليها وأن يسكنها المؤمنون ، ~~كما مكن الله لرسوله مكة وأرض الحجاز وأسكنها الذين آمنوا بعد فتحها . | # { ذالك لمن خاف مقامى وخاف وعيد } . | # { ذلك } إشارة إلى المذكور من الإهلاك والإسكان المأخوذين من { لنهلكن } ~~، و { لنسكننكم } . عاد إليهما اسم الإشارة بالإفراد بتأويل المذكور ، ~~كقوله : { ومن يفعل ذلك يلق آثاما ( سورة الفرقان : 68 ) . | # واللام للملك ، أي ذلك عطاء وتمليك لمن خاف مقامي ، كقوله تعالى : ذلك ~~لمن خشي ربه ( سورة البينة : 8 ) . | # والمعنى : ذلك الوعد لمن خاف مقامي ، أي ذلك لكم لأنكم خفتم مقامي ، فعدل ~~عن ضمير الخطاب إلى من خاف مقامي } لدلالة الموصول على الإيماء إلى أن ~~الصلة علة في حصول تلك العطية . | PageV13P207 # ومعنى { خاف مقامي } خافني ، فلفظ { مقام } مقحم للمبالغة في تعلق الفعل ~~بمفعوله ، كقوله تعالى : { ولمن خاف مقام ربه جنتان ( الرحمن : 46 ) ، لأن ~~المقام أصله مكان القيام ، وأريد فيه بالقيام مطلق الوجود لأن الأشياء ~~تعتبر قائمة ، فإذا قيل خاف مقامي } كان فيه من المبالغة ما ليس في ( خافني ~~) بحيث إن الخوف يتعلق بمكان المخوف منه . كما يقال : قصر في جانبي . ومنه ~~قوله تعالى : { على ما فرطت في جنب الله ( سورة الزمر : 56 ) . وكل ذلك ~~كناية عن المضاف إليه كقول زياد الأعجم : | # إن السماحة والمروءة والندى | # في قبة ضربت على ابن الحشرج | # أي في ابن الحشرج من غير نظر إلى وجود قبة . ومنه ما في الحديث إن الله ~~لما خلق الرحم أخذت ms4394 بساق العرش وقالت : هذا مقام العائذ بك من القطيعة ، أي ~~هذا العائذ بك القطيعة . | # وخوف الله : هو خوف غضبه لأن غضب الله أمر مكروه لدى عبيده . | # وعطف جملة وخاف وعيد } على { خاف مقامي } مع إعادة فعل { خاف } دون ~~اكتفاء بعطف { وعيدي } على { مقامي } لأن هذه الصلة وإن كان صريحها ثناء ~~على المخاطبين فالمراد منها التعريض بالكافرين بأنهم لا يخافون وعيد الله ، ~~ولولا ذلك لكانت جملة { خاف مقامي } تغني عن هذه الجملة ، فإن المشركين لم ~~يعبأوا بوعيد الله وحسبوه عبثا ، قال تعالى : { ويستعجلونك بالعذاب ( سورة ~~الحج : 47 ) ، ولذلك لم يجمع بينهما في سورة البينة ( 8 ) ذلك لمن خشي ربه ~~، لأنه في سياق ذكر نعيم المؤمنين خاصة . | # وهذه الآية في ذكر إهلاك الظالمين وإسكان المؤمنين أرضهم فكان المقام ~~للفريقين ، فجمع في جزاء المؤمنين بإدماج التعريض بوعي الكافرين ، وفي ~~الجمع بينهما دلالة على أن من حق المؤمن أن يخاف غضب ربه وأن يخاف ~~PageV13P208 وعيده ، والذين يخافون غضب الله ووعيده هم المتقون الصالحون ، ~~فآل معنى الآية إلى معنى الآية الأخرى أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ( ~~سورة الأنبياء : 105 ) . | # وقرأ الجمهور وعيد } بدون ياء وصلا ووقفا . وقرأه ورش عن نافع بدون ياء ~~في الوقف وبإثباتها في الوصل . وقرأه يعقوب بإثبات الياء في حالي الوصل ~~والوقف . وكل ذلك جائز في ياء المتكلم الواقعة مضافا إليها في غير النداء . ~~وفيها في النداء لغتان أخريان . | # | 2 ( 15 17 ) { واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد * من ورآئه جهنم ويسقى من ~~مآء صديد * يتجرعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ~~ورآئه عذاب غليظ } ) 2 # جملة { واستفتحوا } يجوز أن تكون معطوفة على جملة { فأوحى إليهم ربهم } ، ~~أو معترضة بين جملة { ولنسكننكم الأرض من بعدهم } وبين جملة { وخاب كل جبار ~~عنيد } . والمعنى : أنهم استعجلوا النصر . وضمير { استفتحوا } عائد إلى ~~الرسل ، ويكون جملة { وخاب كل جبار عنيد } عطفا على جملة { فأوحى إليهم ~~ربهم } الخ ، أي فوعدهم الله النصر وخاب الذين كفروا ، أي لم يتحقق توعدهم ~~الرسل بقولهم : { لنخرجنكم ms4395 من أرضنا أو لتعودن في ملتنا } . ومقتضى الظاهر ~~أن يقال : وخاب الذين كفروا ، فعدل عنه إلى { كل جبار عنيد } للتنبيه على ~~أن الذين كفروا كانوا جبابرة عنداء وأن كل جبار عنيد يخيب . | # ويجوز أن تكون جملة { استفتحوا } عطفا على جملة { وقال الذين كفروا ~~لرسلهم } ويكون ضمير { استفتحوا } عائدا على الذين { كفروا } ، أي وطلبوا ~~النصر على رسلهم فخابوا في ذلك . ولكون في قوله : { وخاب كل جبار ~~PageV13P209 عنيد } إظهار في مقام الإضمار عدل عن أن يقال : وخابوا ، إلى ~~قوله : { كل جبار عنيد } لمثل الوجه الذي ذكر آنفا . | # والاستفتاح : طلب الفتح وهو النصر ، قال تعالى : { إن تستفتحوا فقد جاءكم ~~الفتح ( سورة الأنفال : 19 ) . | # والجبار : المتعاظم الشديد التكبر . | # والعنيد المعاند للحق . وتقدما في قوله : واتبعوا أمر كل جبار عنيد في ~~سورة هود ( 59 ) . والمراد بهم المشركون المتعاظمون ، فوصف جبار } خلق ~~نفساني ، ووصف { عنيد } من أثر وصف { جبار } لأن العنيد المكابر المعارض ~~للحجة . | # وبين { خاف وعيد } و { خاب كل جبار عنيد } جناس مصحف . | # وقوله : { من ورائه جهنم } صفة ل { جبار عنيد } ، أي خاب الجبار العنيد ~~في الدنيا وليس ذلك حظه من العقاب بل وراءه عقاب الآخرة . | # والوراء : مستعمل في معنى ما ينتظره ويحل به من بعد ، فاستعير لذلك بجامع ~~الغفلة عن الحصول كالشيء الذي يكون من وراء المرء لا يشعر به لأنه لا يراه ~~، كقوله تعالى : { وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا ( سورة الكهف : 79 ) ~~، أي وهم غافلون عنه ولو ظفر بهم لافتك سفينتهم ، وقول هدبة بن خشرم : | # عسى الكرب الذي أمسيت فيه | # يكون وراءه فرج قريب | # وأما إطلاق الوراء على معنى من بعد } فاستعمال آخر قريب من هذا وليس عينه ~~. | # والمعنى : أن جهنم تنتظره ، أي فهو صائر إليها بعد موته . | PageV13P210 # والصديد : المهلة ، أي مثل الماء يسيل من الدمل ونحوه ، وجعل الصديد ماء ~~على التشبيه البليغ في الإسقاء ، لأن شأن الماء أن يسقى . والمعنى : ويسقى ~~صديدا عوض الماء إن طلب الإسقاء ، ولذلك جعل { صديد } عطف بيان ل { ماء } . ~~وهذا من وجوه التشبيه البليغ . | # وعطف ms4396 جملة { يسقى } على جملة { من ورائه جهنم } لأن السقي من الصديد شيء ~~زائد على نار جهنم . | # والتجرع : تكلف الجرع ، والجرع ؛ بلع الماء . | # ومعنى { يسيغه } يفعل سوغه في حلقه . والسوغ ؛ انحدار الشراب في الحلق ~~بدون غصة ، وذلك إذا كان الشراب غير كريه الطعم ولا الريح ، يقال ساغ ~~الشراب ، وشراب سائغ . ومعنى { لا يكاد يسيغه } لا يقارب أن يسيغه فضلا عن ~~أن يسيغه بالفعل ، كما تقدم في قوله تعالى : { وما كادوا يفعلون في سورة ~~البقرة ( 71 ) . | # وإتيان الموت : حلوله ، أي حلول آلامه وسكراته ، قال قيس بن الخطيم : | # متى يأت هذا الموت لا يلف حاجة | # لنفسي إلا قد قضيت قضاءها | # بقرينة قوله : وما هو بميت } ، أي فيستريح . | # والكلام على قوله : { ومن وراءه عذاب غليظ } مثل الكلام في قوله : { من ~~ورائه جهنم } ، أي ينتظره عذاب آخر بعد العذاب الذي هو فيه . | # والغليظ : حقيقته الخشن الجسم ، وهو مستعمل هنا في القوة والشدة بجامع ~~الوفرة في كل ، أي عذاب ليس بأخف مما هو فيه . وتقدم عند قوله : { ونجيناهم ~~من عذاب غليظ في سورة هود ( 58 ) . | # | PageV13P211 # | 2 ( 18 ) مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم ~~عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شىء ذالك هو الضلال البعيد } . ) 2 # تمثيل لحال ما عمله المشركون من الخيرات حيث لم ينتفعوا بها يوم القيامة ~~. وقد أثار هذا التمثيل ما دل عليه الكلام السابق من شدة عذابهم ، فيخطر ~~ببالهم أو ببال من يسمع من المسلمين أن يسأل نفسه أن لهم أعمالا من الصلة ~~والمعروف من إطعام الفقراء ، ومن عتق رقاب ، وقرى ضيوف ، وحمالة ديات ، ~~وفداء أسارى ، واعتمار ، ورفادة الحجيج ، فهل يجدون ثواب ذلك ؟ وأن ~~المسلمين لما علموا أن ذلك لا ينفع الكافرين تطلبت نفوسهم وجه الجمع بين ~~وجود عمل صالح وبين عدم الانتفاع به عند الحاجة إليه ، فضرب هذا المثل ~~لبيان ما يكشف جميع حتمالات . | # والمثل : الحالة العجيبة ، أي حال الذين كفروا العجيبة أن أعمالهم كرماد ~~الخ . فالمعنى : حال أعمالهم ، بقرينة الجملة المخبر عنها لأنه مهما أطلق ~~مثل ms4397 كذا إلا والمراد حال خاصة من أحواله يفسرها الكلام ، فهو من الإيجاز ~~الملتزم في الكلام . | # فقوله : { أعمالهم } مبتدأ ثانن ، و { كرماد } خبر عنه ، والجملة خبر عن ~~المبتدإ الأول . | # ولما جعل الخبر عن { مثل الذين كفروا } ، { أعمالهم } آل الكلام إلى أن ~~مثل أعمال الذين كفروا كرماد . | # شبهت أعمالهم المتجمعة العديدة برماد مكدس فإذا اشتدت الرياح بالرماد ~~انتثر وتفرق تفرقا لا يرجى معه اجتماعه . ووجه الشبه هو الهيئة الحاصلة من ~~اضمحلال شيء كثير بعد تجمعه ، والهيئة المشبهة معقولة . | PageV13P212 # ووصف اليوم بالعاصف مجاز عقلي ، أي عاصف ريحه ، كما يقال : يوم ماطر ، أي ~~سحابه . | # والرماد : ما يبقى من احتراق الحطب والفحم . والعاصف تقدم في قوله : { ~~جاءتها ريح عاصف في سورة يونس ( 22 ) . | # ومن لطائف هذا التمثيل أن اختير له التشبيه بهيئة الرماد المتجمع ، لأن ~~الرماد أثر لأفضل أعمال الذين كفروا وأشيعها بينهم وهو قرى الضيف حتى صارت ~~كثرة الرماد كناية في لسانهم عن الكرم . | # وقرأ نافع وأبو جعفر اشتدت به الرياح } . وقرأه البقية { اشتدت به الريح ~~} بالإفراد ، وهما سواء لأن التعريف تعريف الجنس . | # وجملة { لا يقدرون مما كسبوا على شيء } بيان لجملة التشبيه ، أي ذهبت ~~أعمالهم سدى فلا يقدرون أن ينتفعوا بشيء منها . | # وجملة { ذلك هو الضلال البعيد } تذييل جامع لخلاصة حالهم ، وهي أنها ضلال ~~بعيد . | # والمراد بالبعيد البالغ نهاية ما تنتهي إليه ماهيته ، أي بعيد في مسافات ~~الضلال ، فهو كقولك : أقصى الضلال أو جد ضلال ، وقد تقدم في قوله تعالى : { ~~ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا في سورة النساء ( 116 ) . | # | 2 ( 19 ، 20 ) ألم تر أن الله خلق السماوات والأرض بالحق إن يشأ يذهبكم ~~ويأت بخلق جديد * وما ذالك على الله بعزيز } . ) 2 # استئناف بياني ناشىء عن جملة { فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين } فإن ~~هلاك فئة كاملة شديدة القوة والمرة أمر عجيب يثير في النفوس السؤال : ~~PageV13P213 كيف تهلك فئة مثل هؤلاء ؟ ؟ فيجاب بأن الله الذي قدر على خلق ~~السماوات والأرض في عظمتها قادر على إهلاك ما هو دونها ، فمبدأ الاستئناف ~~هو قوله ms4398 : { إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد } . | # وموقع جملة { ألم تر أن الله خلق السماوات والأرض بالحق } موقع التعليل ~~لجملة الاستئناف ، قدم عليها كما تجعل النتيجة مقدمة في الخطابة والجدال ~~على دليلها . وقد بيناه في كتاب ( أصول الخطابة ) . | # ومناسبة موقع هذا الاستئناف ما سبقه من تفرق الرماد في يوم عاصف . | # والخطاب في { ألم تر } لكل من يصلح للخطاب غير معين ، وكل من يظن به ~~التساؤل عن إمكان إهلاك المشركين . | # والرؤية : مستعملة في العلم الناشىء عن النظر والتأمل ، لأن السماوات ~~والأرض مشاهدة لكل ناظر ، وأما كونها مخلوقة لله فمحتاج إلى أقل تأمل ~~لسهولة الانتقال من المشاهدة إلى العلم ، وأما كون ذلك ملتبسا بالحق فمحتاج ~~إلى تأمل عميق . فلما كان أصل ذلك كله رؤية المخلوقات المذكورة علق ~~الاستدلال على الرؤية ، كقوله تعالى : { قل انظروا ماذا في السماوات والأرض ~~( سورة إبراهيم : 101 ) . | # والحق هنا : الحكمة ، أي ضد العبث ، بدليل مقابلته به في قوله تعالى : ~~وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون ( سورة الدخان : 38 ، 39 ) . | # وقرأه حمزة ، والكسائي ، وخلف خلق السماوات والأرض } بصيغة اسم الفاعل ~~مضاف إلى { السماوات } وبخفض { والأرض } . | PageV13P214 # والخطاب في { يذهبكم } لجماعة من جملتهم المخاطب ب { ألم تر } . والمقصود ~~: التعريض بالمشركين خاصة ، تأكيدا لوعيدهم الذي اقتضاه قوله : { لنهلكن ~~الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم } ، أي إن شاء أعدم الناس كلهم وخلق ~~ناسا آخرين . | # وقد جيء في الاستدلال على عظيم القدرة بالحكم الأعم إدماجا للتعليم ~~بالوعيد وإظهارا لعظيم القدرة . وفيه إيماء إلى أنه يذهب الجبابرة ~~المعاندين ويأتي في مكانهم في سيادة الأرض بالمؤمنين ليمكنهم من الأرض . | # وجملة { وما ذلك على الله بعزيز } عطف على جملة { إن يشأ يذهبكم } مؤكد ~~لمضمونها ، وإنما سلك بهذا التأكيد ملك العطف لما فيه من المغايرة للمؤكد ~~في الجملة بأنه يفيد أن هذا المشيء سهل عليه هين ، كقوله : { وهو الذي يبدأ ~~لخلق ثم يعيده وهو أهون عليه ( سورة الروم : 27 ) . | # والعزيز على أحد : المتعاصي عليه الممتنع بقوته وأنصاره . | # | 2 ( 21 ) وبرزوا لله ms4399 جميعا فقال الضعفاء للذين استكبرو ا إنا كنا لكم ~~تبعا فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شىء قالوا لو هدانا الله لهديناكم ~~سوآء علينآ أجزعنآ أم صبرنا ما لنا من محيص } . ) 2 # | $ # عطف على جملة { إن يشأ يذهبكم } ( إبراهيم : 20 ) باعتبار جواب الشرط وهو ~~الإذهاب ، وفي الكلام محذوف ، إذ التقدير : فأذهبهم وبرزوا لله جميعا ، أي ~~يوم القيامة . | # وكان مقتضى الظاهر أن يقول : ويبرزون لله ، فعدل عن المضارع إلى الماضي ~~للتنبيه على تحقيق وقوعه حتى كأنه قد وقع ، مثل قوله تعالى : { أتى أمر ~~الله ( سورة النحل : 1 ) . | PageV13P215 # والبروز : الخروج من مكان حاجب من بيت أو قرية . والمعنى : حشروا من ~~القبور . | # وجميعا } تأكيد ليشمل جميعهم من سادة ولفيفف . | # وقد جيء في هذه الآية بوصف حال الفرق يوم القيامة ، ومجادلة أهل الضلالة ~~مع قادتهم ، ومجادلة الجميع للشيطان ، وكون المؤمنين في شغل عن ذلك بنزل ~~الكرامة . والغرض من ذلك تنبيه الناس إلى تدارك شأنهم قبل الفوات . ~~فالمقصود : التحذير مما يفضي إلى سوء المصير . | # واللام الجارة لاسم الجلالة معدية فعل { برزوا } إلى المجرور . يقال : ~~برز لفلان ، إذا ظهر له ، أي حضر بين يديه ، كما يقال : ظهر له . | # والضعفاء : عوام الناس والأتباع . والذين استكبروا : السادة ، لأنهم ~~يتكبرون على العموم وكان التكبر شعار السادة . والسين والتاء للمبالغة في ~~الكبر . والتبع : اسم جمع التابع مثل الخدم والخول ، والفاء لتفريع ~~الاستكبار على التبعية لأنها سبب يقتضي الشفاعة لهم . | # وموجب تقديم المسند إليه على المسند في { فهل أنتم مغنون عنا } أن ~~المستفهم عنه كون المستكبرين يغنون عنهم لا أصل الغناء عنهم ، لأنهم آيسون ~~منه لما رأوا آثار الغضب الإلهي عليهم وعلى سادتهم . كما تدل عليه حكاية ~~قول المستكبرين { سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص } ، فعلموا ~~أنهم قد غروهم في الدنيا ، فتعين أن الاستفهام مستعمل في التورك والتوبيخ ~~والتبكيت ، أي فأظهروا مكانتكم عند الله التي كنتم تدعونها وتغروننا بها في ~~الدنيا . فإيلاء المسند إليه حرف الاستفهام قرينة على أنه استفهام غير ~~حقيقي ، وبينه ما في نظيره ms4400 من سورة غافر ( 47 ، 48 ) { وإذ يتحاجون في ~~النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا ~~نصيبا من النار قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد ~~. | # ومن } في قوله : { من عذاب الله } بدلية ، أي غناء بدلا عن عذاب الله . . ~~| PageV13P216 # و { من } في قوله : { من شيء } مزيدة لوقوع مدخولها في سياق الاستفهام ~~بحرف هل . و { شيء } في معنى المصدر ، وحقه النصب على أنه مفعول مطلق فوقع ~~جره بحرف الجر الزائد . والمعنى : هل تغنون عنا شيئا . | # وجواب المستكبرين اعتذار عن تغريرهم بأنهم ما قصدوا به توريط أتباعهم كيف ~~وقد ورطوا أنفسهم أيضا ، أي لو كنا نافعين لنفعنا أنفسنا . وهذا الجواب جار ~~على معنى الاستفهام التوبيخي العتابي إذ لم يجيبوهم بأنا لا نملك لكم غناء ~~ولكن ابتدأوا بالاعتذار عما صدر منهم نحوهم في الدنيا علما بأن الضعفاء ~~عالمون بأنهم لا يملكون لهم غناء من العذاب . | # وجملة { سواء علينا أجزعنا أم صبرنا } من كلام الذين استكبروا . وهي ~~مستأنفة تبيين عن سؤال من الضعفاء يستفتون المستكبرين أيصبرون أم يجزعون ~~تطلبا للخلاص من العذاب ، فأرادوا تأييسهم من ذلك يقولون : لا يفيدنا جزع ~~ولا صبر ، فلا نجاة من العذاب . فضمير المتكلم المشارك شامل للمتكلمين ~~والمجابين ، جمعوا أنفسهم إتماما للاعتذار عن توريطهم . | # والجزع : حزن مشوب باضطراب ، والصبر تقدم . | # وجملة { ما لنا من محيص } واقعة موقع التعليل لمعنى الاستواء ، أي حيث لا ~~محيص ولا نجاة فسواء الجزع والصبر . | # والمحيص : مصدر ميمي كالمغيب والمشيب وهو النجاة . يقال : حاص عنه ، أي ~~نجا منه . ويجوز أن يكون اسم مكان من حاص أيضا ، أي ما لنا ملجأ ومكان ننجو ~~فيه . | # | 2 ( 22 ) { وقال الشيطان لما قضى الامر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم ~~فأخلفتكم وما كان لى عليكم من سلطان # PageV13P217 إلا أن دعوتكم فاستجبتم لى فلا تلومونى ولومو ا أنفسكم مآ ~~أنا بمصرخكم ومآ أنتم بمصرخى إنى كفرت بمآ أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم ~~عذاب أليم } . ) 2 # | | # أفضت مجادلة الضعفاء وسادتهم في ms4401 تغريرهم بالضلالة إلى نطق مصدر الضلالة ~~وهو الشيطان ؛ إما لأنهم بعد أن اعتذر إليهم كبراؤهم بالحرمان من الهدى ~~علموا أن سبب إضلالهم هو الشيطان لأن نفي الاهتداء يرادفه الضلال ، وإما ~~لأن المستكبرين انتقلوا من الاعتذار للضعفاء إلى ملامة الشيطان الموسوس لهم ~~ما أوجب ضلالهم ، وكل ذلك بعلم يقع في نفوسهم كالوجدان . على أن قوله : { ~~فلا تلوموني } يظهر منه أنه توجه إليه ملام صريح ، ويحتمل أنه توقعه فدفعه ~~قبل وقوعه وأنه يتوجه إليه بطريقة التعريض ، فجملة { وقال الشيطان } عطف ~~على جملة { فقال الضعفاء . | # والمقصود من وصف هذا الموقف إثارة بغض الشيطان في نفوس أهل الكفر ليأخذوا ~~حذرهم بدفاع وسواسه لأن هذا الخطاب الذي يخاطبهم به الشيطان مليء بإضماره ~~الشر لا لهم فيما وعدهم في الدنيا مما شأنه أن يستفز غضبهم من كيده لهم ~~وسخريته بهم ، فيورثهم ذلك كراهية له وسوء ظنهم بما يتوقعون إتيانه إليهم ~~من قبله . وذلك أصل عظيم في الموعظة والتربية . | # ومعنى قضى الأمر } تمم الشأن ، أي إذن الله وحكمه . ومعنى إتمامه : ظهوره ~~، وهو أمره تعالى بتمييز أهل الضلالة وأهل الهداية ، قال تعالى : { ~~وامتازوا اليوم أيها المجرمون ( سورة يس : 59 ) ، وذلك بتوجيه كل فريق إلى ~~مقره الذي استحقه بعمله ، فيتصدى الشيطان للتخفيف عن الملام عن نفسه بتشريك ~~الذين أضلهم معه في تبعة ضلالهم ، وقد أنطقه الله بذلك لإعلان الحق ، ~~وشهادة عليهم بأن لهم كسبا في اختيار الانصياع إلى دعوة الضلال دون دعوة ~~الحق . فهذا PageV13P218 شبيه شهادة ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا ~~يعملون وقولها لهم : أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء } إظهارا للحقيقة ~~وتسجيلا على أهل الضلالة وقمعا لسفسطتهم . | # وأخبر الله بها الناس استقصاء في الإبلاغ ليحيط الناس علما بكل ما سيحل ~~بهم ، وإيقاظا لهم ليتأملوا الحقائق الخفية فتصبح بينة واضحة . فقول ~~الشيطان { فلا تلوموني ولوموا أنفسكم } إبطال لإفراده باللوم أو لابتداء ~~توجيه الملام إليه في حين أنهم أجدر باللوم أو بابتداء توجيهه . | # وأما وقع كلام الشيطان من نفوس الذين خاطبهم فهو موقع الحسرة من نفوسهم ~~زيادة في عذاب النفس ms4402 . | # وإضافة { وعد } إلى { الحق } من إضافة الموصوف إلى الصفة مبالغة في ~~الاتصاف ، أي الوعد الحق الذي لانقض له . | # والحق : هنا بمعنى الصدق والوفاء بالموعود به . وضده : الإخلاف ، ولذلك ~~قال : { ووعدتكم فأخلفتكم ( سورة إبراهيم : 22 ) ، أي كذبت موعدي . وشمل ~~وعد الحق جميع ما وعدهم الله بالقرآن على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام . ~~وشمل الخلف جميع ما كان يعدهم الشيطان على لسان أوليائه وما يعدهم إلا ~~غرورا . | # والسلطان : اسم مصدر تسلط عليه ، أي غلبه وقهره ، أي لم أكن مجبرا لكم ~~على اتباعي فيما أمرتكم . | # والاستثناء في إلا أن دعوتكم } استثناء منقطع لأن ما بعد حرف الاستثناء ~~ليس من جنس ما قبله . فالمعنى : لكني دعوتكم فاستجبتم لي . | # وتفرع على ذلك { فلا تلوموني ولوموا أنفسكم } . والمقصود : لوموا أنفسكم ~~، أي إذ قبلتم إشارتي ودعوتي . وقد تقدم بيانه صدر الكلام على الآية . | ~~PageV13P219 # ومجموع الجملتين يفيد معنى القصر ، كأنه قال : فلا تلوموا إلا أنفسكم ، ~~وهو في معنى قصر قلب بالنسبة إلى إفراده باللوم وحقهم التشريك فقلب ~~اعتقادهم إفراده دون اعتبار الشركة ، وهذا من نادر معاني القصر الإضافي ، ~~وهو مبني على اعتبار أجدر الطرفين بالرد ، وهو طرف اعتقاد العكس بحيث صار ~~التشريك كالملغى لأن الحظ الأوفر لأحد الشريكين . | # وجملة { ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي } ، بيان لجملة النهي عن لومه ~~لأن لومه فيه تعريض بأنهم يتطلبون منه حيلة لنجاتهم ، فنفي ذلك عن نفسه بعد ~~أن نهاهم عن أن يلوموه . | # والإصراخ : الإغاثة ، اشتق من الصراخ لأن المستغيث يصرخ بأعلى صوته ، ~~فقيل : أصرخه ، إذا أجاب صراخه ، كما قالوا : أعتبه ، إذا قبل استعتابه . ~~وأما عطف { وما أنتم بمصرخي } فالمقصود منه استقصاء عدم غناء أحدهما عن ~~الآخر . | # وقرأ الجمهور { بمصرخي } بفتح التحتية مشددة . وأصله بمصرخيي بياءين ~~أولاهما ياء جمع المذكر المجرور ، وثانيتهما ياء المتكلم ، وحقها السكون ~~فلما التقت الياءان ساكنتين وقع التخلص من التقاء الساكنين بالفتحة لخفة ~~الفتحة . | # وقرأ حمزة وخلف ( بمصرخي ) بكسر الياء تخلصا من التقاء الساكنين بالكسرة ~~لأن الكسر هو أصل التخلص من التقاء الساكنين . قال الفراء : تحريك الياء ~~بالكسر ms4403 لأنه الأصل في التخلص من التقاء الساكنين ، إلا أن كسر ياء المتكلم ~~في مثله نادر . وأنشد في تنظير هذا التخلص بالكسر قول الأغلب العجلي : | # قال لها هل لكك يا تا في | # قالت له : ما أنت بالمرضي | # أراد هل لكك في يا هذه . وقال أبو علي الفارسي : زعم قطرب أنها لغة بني ~~يربوع . وعن أبي عمرو بن العلاء أنه أجاز الكسر . واتفق الجميع على أن ~~التخلص بالفتحة في مثله أشهر من التخلص بالكسرة وإن كان التخلص بالكسرة ~~PageV13P220 هو القياس ، وقد أثبته سند قراءة حمزة . وقد تحامل عليه الزجاج ~~وتبعه الزمخشري وسبقهما في ذلك أبو عبيد والأخفش بن سعيد وابن النحاس ولم ~~يطلع الزجاج والزمخشري على نسبة ذلك البيت للأغلب العجلي . | # والذي يظهر لي أن هذه القراءة قرأ بها بنو يربوع من تميم ، وبنو عجل بن ~~لجيم من بكر بن وائل ، فقرأوا بلهجتهم أخذا بالرخصة للقبائل أن يقرأوا ~~القرآن بلهجاتهم وهي الرخصة التي أشار إليها قول النبي صلى الله عليه وسلم ~~( إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرأوا ما تيسر منه ) كما تقدم في ~~المقدمة السادسة من مقدمات هذا التفسير ، ثم نسخت تلك الرخصة بقراءة النبي ~~صلى الله عليه وسلم في الأعوام الأخيرة من حياته المباركة ولم يثبت مما ~~ينسخها في هذه الآية . واستقر الأمر على قبول كل قراءة صح سندها ووافقت ~~وجها في العربية ولم تخالف رسم المصحف الإمام . وهذه الشروط متوفرة في ~~قراءة حمزة هذه كما علمت آنفا فقصارى أمرها أنها تتنزل منزلة ما ينطق به ~~أحد فصحاء العرب على لغة بعض قبائلها بحيث لو قرىء بها في الصلاة لصحت عند ~~مالك وأصحابه . | # وجملة { إنى كفرت بما أشركتمون من قبل } استئناف تنصل آخر من تبعات ~~عبادتهم إياه قصد منه دفع زيادة العذاب عنه بإظهار الخضوع لله تعالى . ~~وأراد بقوله : { كفرت } شدة التبري من إشراكهم إياه في العبادة فإن أراد من ~~مضي { كفرت } مضي الأزمنة كلها ، أي كنت غير راضض بإشراككم إياي فهو كذب ~~منه أظهر به التذلل ؛ وإن كان ms4404 مراده من المضي إنشاء عدم الرضى بإشراكهم ~~إياه فهو ندامة بمنزلة التوبة حيث لا يقبل متاب . و { من قبل } على ~~التقديرين متعلق ب { أشركتمون } . | # والإشراك الذي كفر به إشراكهم إياه في العبادة بأن عبدوه مع الله لأن من ~~المشركين من يعبدون الشياطين والجن ، فهؤلاء يعبدون جنس الشيطان مباشرة ، ~~ومنهم من يعبدون الأصنام فهم يعبدون الشياطين بواسطة عبادة آلهته . | ~~PageV13P221 # وجملة { إن الظالمين لهم عذاب أليم } من الكلام المحكي عن الشيطان . وهي ~~في موقع التعليل لما تقدم من قوله : { ما أنا بمصرخكم } ، أي لأنه لا يدفع ~~عنكم العذاب دافع فهو واقع بكم . | # | 2 ( 23 ) { وأدخل الذين ءامنوا وعملوا الصالحات جنات تجرى من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها بإذن ربهم تحيتهم فيها سلام } . ) 2 # عطف على جملة { وبرزوا لله جميعا } ، وهو انتقال لوصف حال المؤمنين يومئذ ~~بمناسبة ذكر حال المشركين لأن حال المؤمنين يومئذ من جملة الأحوال المقصودة ~~بالوصف إظهارا لتفاوت الأحوال ، فلم يدخل المؤمنون يومئذ في المنازعة ~~والمجادلة تنزيها لهم عن الخوض في تلك الغمرة ، مع التنبيه على أنهم حينئذ ~~في سلامة ودعة . | # ويجوز جعل الواو للحال ، أي برزوا وقال الضعفاء وقال الكبراء وقال ~~الشيطان إلخ وقد أدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات ، فيكون إشارة إلى ~~أنهم فازوا بنزل الكرامة من أول وهلة . | # وقوله : { بإذن ربهم } إشارة إلى العناية والاهتمام ، فهو إذن أخص من أمر ~~القضاء العام . | # وقوله : { تحيتهم فيها سلام تقدم نظيره في أول سورة يونس . | # | 2 ( 24 26 ) ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت ~~وفرعها فى السمآء * تؤتى أكلها كل PageV13P222 حين بإذن ربها ويضرب الله ~~الأمثال للناس لعلهم يتذكرون * ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق ~~الارض ما لها من قرار } . ) 2 # | $ # استئناف ابتدائي اقتضته مناسبة ما حكي عن أحوال أهل الضلالة وأحوال أهل ~~الهداية ابتداء من قوله تعالى : { وبرزوا لله جميعا إلى قوله تحيتهم فيها ~~سلام } ، فضرب الله مثلا لكلمة الإيمان وكلمة الشرك . فقوله : { ألم تر كيف ~~ضرب الله مثلا إيقاظ للذهن ليترقب ms4405 ما يرد بعد هذا الكلام ، وذلك مثل قولهم ~~: ألم تعلم . ولم يكن هذا المثل مما سبق ضربه قبل نزول الآية بل الآية هي ~~التي جاءت به ، فالكلام تشويق إلى علم هذا المثل . وصوغ التشويق إليه في ~~صيغة الزمن الماضي الدال عليها حرف لم } التي هي لنفي الفعل في الزمن ~~الماضي والدال عليها فعل { ضرب } بصيغة الماضي لقصد الزيادة في التشويق ~~لمعرفة هذا المثل وما مثل به . | # والاستفهام في { ألم تر } إنكاري ، نزل المخاطب منزلة من لم يعلم فأنكر ~~عليه عدم العلم ، أو هو مستعمل في التعجيب من عدم العلم بذلك مع أنه مما ~~تتوفر الدواعي على علمه ، أو هو للتقرير ، ومثله في التقرير كثير ، وهو ~~كناية عن التحريض على العلم بذلك . | # والخطاب لكل من يصلح للخطاب . والرؤية علمية معلق فعلها عن العمل بما ~~وليها من الاستفهام ب { كيف } . وإيثار { كيف } هنا للدلالة على أن حالة ~~ضرب هذا المثل ذات كيفية عجيبة من بلاغته وانطباقه . | # وتقدم المثل في قوله : { مثلهم كمثل الذي استوقد نارا في سورة البقرة ( ~~17 ) . | # وضرب المثل : نظم تركيبه الدال على تشبيه الحالة . وتقدم عند قوله : أن ~~يضرب مثلا ما في سورة البقرة ( 26 ) . | PageV13P223 # وإسناد ضرب } إلى اسم الجلالة لأن الله أوحى به إلى رسوله عليه الصلاة ~~والسلام . | # والمثل لما كان معنى متضمنا عدة أشياء صح الاقتصار في تعليق فعل { ضرب } ~~به على وجه إجمال يفسره قوله : { كلمة طيبة كشجرة } إلى آخره ، فانتصب { ~~كلمة } على البدلية من { مثلا } بدل مفصل من مجمل ، لأن المثل يتعلق بها ~~لما تدل عليه الإضافة في نظيره في قوله : { ومثل كلمة خبيثة } . | # والكلمة الطيبة قيل : هي كلمة الإسلام ، وهي : شهادة أن لا إله إلا الله ~~وأن محمدا رسول الله والكلمة الخبيثة : كلمة الشرك . | # والطيبة : النافعة . استعير الطيب للنفع لحسن وقعه في النفوس كوقع ~~الروائح الذكية . وتقدم عند قوله تعالى : { وجرين بهم بريح طيبة في سورة ~~يونس ( 22 ) . | # والفرع : ما امتد من الشيء وعلا ، مشتق من الافتراع وهو الاعتلاء . وفرع ~~الشجرة غصنها ، وأصل الشجرة ms4406 : جذرها . | # والسماء مستعمل في الارتفاع ، وذلك مما يزيد الشجرة بهجة وحسن منظر . | # والأكل بضم الهمزة المأكول ، وإضافته إلى ضمير الشجرة على معنى اللام . ~~وتقدم عند قوله : ونفضل بعضها على بعض في الأكل في سورة الرعد ( 4 ) . | # فالمشبه هو الهيئة الحاصلة من البهجة في الحس والفرح في النفس ، وازدياد ~~أصول النفع باكتساب المنافع المتتالية بهيئة رسوخ الأصل ، وجمال المنظر ، ~~ونماء أغصان الأشجار . ووفرة الثمار ، ومتعة أكلها . وكل جزء من أجزاء إحدى ~~الهيئتين يقابله الجزء الآخر من الهيئة الأخرى ، وذلك أكمل أحوال التمثيل ~~أن يكون قابلا لجمع التشبيه وتفريقه . | # وكذلك القول في تمثيل حال الكلمة الخبيثة بالشجرة الخبيثة على الضد بجميع ~~الصفات الماضية من اضطراب الإعتقاد ، وضيق الصدر ، وكدر PageV13P224 ~~التفكير ، والضر المتعاقب . وقد اختصر فيها التمثيل اختصارا اكتفاء بالمضاد ~~، فانتفت عنها سائر المنافع للكلمة الطيبة . | # وفي جامع الترمذي } عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال : ( مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء ~~تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ) قال : هي النخلة ، { ومثل كلمة خبيثة كشجرة ~~خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار } قال : هي الحنظل . | # وجملة { اجتثت من فوق الأرض } صفة ل { شجرة خبيثة } لأن الناس لا ~~يتركونها تلتف على الأشجار فتقتلها . والاجتثاث : قطع الشيء كله ، مشتق من ~~الجثة وهي الذات . و { من فوق الأرض } تصوير ل { اجتثت } . وهذا مقابل قوله ~~في صفة الشجرة الطيبة { أصلها ثابت وفرعها في السماء . | # وجملة ما لها من قرار } تأكيد لمعنى الاجتثاث لأن الاجتثاث من انعدام ~~القرار . | # والأظهر أن المراد بالكلمة الطيبة القرآن وإرشاده ، وبالكلمة الخبيثة ~~تعاليم أهل الشرك وعقائدهم ، ف ( الكلمة ) في الموضعين مطلقة على القول ~~والكلام ، كما دل عليه قوله : { يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت } . ~~والمقصود مع التمثيل إظهار المقابلة بين الحالين إلا أن الغرض في هذا ~~المقام بتمثيل كل حالة على حدة بخلاف ما يأتي عند قوله تعالى في سورة النحل ~~{ ضرب الله مثلا عبدا مملوكا إلى قوله ومن ms4407 رزقناه منا رزقا حسنا ، فانظر ~~بيانه هنالك . | # وجملة ويضرب الله الأمثال للناس } معترضة بين الجملتين المتعاطفتين . ~~والواو واو الاعتراض . ومعنى ( لعل ) رجاء تذكرهم ، أي تهيئة التذكر لهم ، ~~وقد مضت نظائرها . | # | PageV13P225 # | 2 ( 27 ) { يثبت الله الذين ءامنوا بالقول الثابت فى الحيواة الدنيا ~~وفى الاخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشآء } . ) 2 # جملة مستأنفة استئنافا بيانيا ناشئا عما أثاره تمثيل الكلمة الطيبة ~~بالشجرة الثابتة الأصل بأن يسأل عن الثبات المشبه به : ما هو أثره في ~~الحالة المشبهة فيجاب بأن ذلك الثبات ظهر في قلوب أصحاب الحالة المشبهة وهم ~~الذين آمنوا إذ ثبتوا على الدين ولم يتزعزعوا فيه لأنهم استثمروا من شجرة ~~أصلها ثابت . | # والقول : الكلام . والثابت الصادق الذي لا شك فيه . والمراد به أقوال ~~القرآن لأنها صادقة المعاني واضحة الدليل ، فالتعريف في { القول } لاستغراق ~~الأقوال الثابتة . والباء في { بالقول } للسببية . | # ومعنى تثبيت الذين آمنوا بها أن الله يسر لهم فيهم الأقوال الإلهية على ~~وجهها وإدراك دلائلها حتى اطمأنت إليها قلوبهم ولم يخامرهم فيها شك فأصبحوا ~~ثابتين في إيمانهم غير مزعزعين وعاملين بها غير مترددين . | # وذلك في الحياة الدنيا ظاهر ، وأما في الآخرة فبإلفائهم الأحوال على نحو ~~مما علموه في الدنيا ، فلم تعترهم ندامة ولا لهف . ويكون ذلك بمظاهر كثيرة ~~يظهر فيها ثباتهم بالحق قولا وانسياقا ، وتظهر فيها فتنة غير المؤمنين في ~~الأحوال كلها . | # وتفسير ذلك بمقابلته بقوله : { ويضل الله الظالمين } ، أي المشركين ، أي ~~يجعلهم في حيرة وعماية في الدنيا وفي الآخرة . والضلال : اضطراب وارتباك ، ~~فهو الأثر المناسب لسببه ، أعني الكلمة التي اجتثت من فوق الأرض كما دلت ~~عليه المقابلة . | # والظالمون : المشركون ، قال تعالى : { إن الشرك لظلم عظيم ( سورة لقمان : ~~13 ) . | PageV13P226 # ومن مظاهر هذا التثبيت فيهما ما ورد من وصف فتنة سؤال القبر . روى ~~البخاري والترمذي عن البراء بن عازب أن رسول الله قال : المسلم إذا سئل في ~~القبر يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فذلك قوله تعالى : يثبت ~~الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي ms4408 الآخرة } . | # وجملة { ويفعل الله ما يشاء } كالتذليل لما قبلها . وتحت إبهام { ما يشاء ~~} وعمومه مطاو كثيرة من ارتباط ذلك بمراتب النفوس ، وصفاء النيات في تطلب ~~الإرشاد ، وتربية ذلك في النفوس بنمائه في الخير والشر حتى تبلغ بذور تينك ~~الشجرتين منتهى أمدهما من ارتفاع في السماء واجتثاث من فوق الأرض المعبر ~~عنها بالتثبيت والإضلال . وفي كل تلك الأحوال مراتب ودرجات لا تبلغ عقول ~~البشر تفصيلها . | # وإظهار اسم الجلالة في { ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء } لقصد ~~أن تكون كل جملة من الجمل الثلاث مستقلة بدلالتها حتى تسير مسير المثل . | # | 2 ( 28 ، 29 ) { ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا وأحلوا قومهم ~~دار البوار * جهنم يصلونها وبئس القرار } . ) 2 # أعقب تمثيل الدينين ببيان آثارهما في أصحابهما . وابتدىء بذكر أحوال ~~المشركين لأنها أعجب والعبرة بها أولى والحذر منها مقدم على التحلي بضدها ، ~~ثم أعقب بذكر أحوال المؤمنين بقوله : { قل لعبادي الذين آمنوا } الخ . | # والاستفهام مستعمل في التشويق إلى رؤية ذلك . | # والرؤية هنا بصرية لأن متعلقها مما يرى ، ولأن تعدية فعلها ب { إلى } ~~يرجح ذلك ، كما في قوله : { ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه ( سورة ~~البقرة : 258 ) . | PageV13P227 # وقد نزل المخاطب منزلة من لم ير . والخطاب لمن يصح منه النظر إلى حال ~~هؤلاء الذين بدلوا نعمة الله مع وضوح حالهم . | # والكفر : كفران النعمة ، وهو ضد الشكر ، والإشراك بالله من كفران نعمته . ~~| # وفي قوله : بدلوا نعمة الله كفرا } محسن الاحتباك . وتقدير الكلام : ~~بدلوا نعمة الله وشكرها كفرا بها ونقمة منه ، كما دل عليه قوله : { وأحلوا ~~قومهم دار البوار } الخ . | # واستعير التبديل لوضع الشيء في الموضع الذي يستحقه شيء آخر ، لأنه يشبه ~~تبديل الذات بالذات . | # والذين بدلوا هذا التبديل فريق معرفون ، بقرينة قوله : { ألم تر إلى ~~الذين } ، وهم الذين تلقوا الكلمة الخبيثة من الشيطان ، أي كلمة الشرك ، ~~وهم الذين استكبروا من مشركي أهل مكة فكابروا دعوة الإسلام وكذبوا النبي ~~صلى الله عليه وسلم وشردوا من استطاعوا ، وتسببوا في إحلال قومهم دار ~~البوار ، فإسناد ms4409 فعل { أحلوا } إليهم على طريقة المجاز العقلي . | # ونعمة الله التي بدلوها هي نعمة أن بوأهم حرمه ، وأمنهم في سفرهم ~~وإقامتهم ، وجعل أفئدة الناس تهوي إليهم ، وسلمهم مما أصاب غيرهم من الحروب ~~والغارات والعدوان ، فكفروا بمن وهبهم هذه النعم وعبدوا الحجارة . ثم أنعم ~~الله عليهم بأن بعث فيهم أفضل أنبيائه صلى الله عليهم جميعا وهداهم إلى ~~الحق ، وهيأ لهم أسباب السيادة والنجاة في الدنيا والآخرة ، فبدلو شكر ذلك ~~بالكفر به ، فنعمة الله الكبرى هي رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ودعوة ~~إبراهيم وبنيته عليهم السلام . | # وقومهم : هم الذين اتبعوهم في ملازمة الكفر حتى ماتوا كفارا ، فهم أحق ~~بأن يضافوا إليهم . | PageV13P228 # والبوار : الهلاك والخسران . وداره : محله الذي وقع فيه . | # والإحلال بها الإنزال فيها ، والمراد بالإحلال التسبب فيه ، أي كانوا ~~سببا لحلول قومهم بدار البوار ، وهي جهنم في الآخرة ، ومواقع القتل والخزي ~~في الدنيا مثل : موقع بدر ، فيجوز أن يكون { دار البوار } جهنم ، وبه فسر ~~علي وابن عباس وكثير من العلماء ، ويجوز أن تكون أرض بدر وهو رواية عن علي ~~وعن ابن عباس . | # واستعمال صيغة المضي في { أحلوا } لقصد التحقيق لأن الإحلال متأخر زمنه ~~فإن السورة مكية . | # والمراد ب { الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار } ~~صناديد المشركين من قريش ، فعلى تفسير { دار البوار } بدار البوار في ~~الآخرة يكون قوله { جهنم } بدلا من { دار البوار } وجملة { يصلونها } حالا ~~من { جهنم } ، فتخص { دار البوار } بأعظم أفرادها وهو النار ، ويجعل ذلك من ~~ذكر بعض الأفراد لأهميته . | # وعلى تفسير { دار البوار } بأرض بدر يكون قوله : { جهنم يصلونها } جملة ~~مستأنفة استئنافا ابتدائيا . وانتصاب جهنم على أنه مفعول لفعل محذوف يدل ~~عليه فعل { يصلونها } على طريقة الاشتغال . | # وما يروون عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعن علي كرم الله وجهه أن { ~~الذين بدلوا نعمة الله كفرا } هم الأفجران من قريش : بنو أمية وبنو المغيرة ~~بن مخزوم ، قال : فأما بنو أمية فمتعوا إلى حين وأما بنو المغيرة فكفيتموهم ~~يوم بدر . فلا أحسبه إلا من وضع بعض ms4410 المغرضين المضادين لبني أمية . وفي ~~روايات عن علي كرم الله وجهه أنه قال : هم كفار قريش ، ولا يريد عمر ولا ~~علي رضي الله عنهما من أسلموا من بني أمية فإن ذلك لا يقوله مسلم فاحذروا ~~الأفهام الخطئة . وكذا ما روي عن ابن عباس : PageV13P229 أنهم جبلة بن ~~الأيهم ومن اتبعه من العرب الذين تنصروا في زمن عمر وحلوا ببلاد الروم ، ~~فإذا صح عنه فكلامه على معنى التنظير والتمثيل وإلا فكيف يكون هو المراد من ~~الآية وإنما حدث ذلك في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه . | # وجملة { وبئس القرار } عطف على جملة { يصلونها } ، أو حال من { جهنم } . ~~والتقدير : وبئس القرار هي . | # | 2 ( 30 ) { وجعلوا لله أندادا ليضلوا عن سبيله قل تمتعوا فإن مصيركم ~~إلى النار } . ) 2 # عطف على { بدلوا } و { أحلوا } ، فالضمير راجع إلى { الذين } وهم أئمة ~~الشرك . والجعل يصدق باختراع ذلك ما فعل عمرو بن لحي وهو من خزاعة . ويصدق ~~بتقرير ذلك ونشره والاحتجاج له ، مثل وضع أهل مكة الأصنام في الكعبة ووضع ~~هبل على سطحها . | # والأنداد : جمع ند بكسر النون ، وهو المماثل في مجد ورفعة ، وتقدم عند ~~قوله تعالى : { فلا تجعلوا لله أندادا في سورة البقرة ( 22 ) . | # وقرأ الجمهور ليضلوا } بضم الياء التحتية من أضل غيره إذا جعله ضالا ، ~~فجعل الإضلال علة لجعلهم لله أندادا ، وإن كانوا لم يقصدوا تضليل الناس ~~وإنما قصدوا مقاصد هي مساوية للتضليل لأنها أوقعت الناس في الضلال ، فعبر ~~على مساوي التضليل بالتضليل لأنه آيل إليه وإن لم يقصدوه ، فكأنه قيل : ~~للضلال عن سبيله ، تشنيعا عليهم بغاية فعلهم وهم ما أضلوا إلا وقد ضلوا ، ~~فعلم أنهم ضلوا وأضلوا ، وذلك إيجاز . | # وقرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، ورويس عن يعقوب { ليضلو } بفتح الياء ~~والمعنى : ليستمر ضلالهم فإنهم حين جعلوا الأنداد كان ضلالهم حاصلا في ~~PageV13P230 زمن الحال . ومعنى لام التعليل أن تكون مستقبلة لأنها بتقدير { ~~أن } المصدرية بعد لام التعليل . | # ويعلم أنهم أضلوا الناس من قوله : { وأحلوا قومهم دار البوار } . | # وسبيل الله : كل عمل يجري على ما يرضي ms4411 الله . شبه العمل بالطريق الموصلة ~~إلى المحلة ، وقد تقدم غير مرة . | # وجملة { قل تمتعوا } مستأنفة استئنافا بيانيا لأن المخاطب ب { ألم تر إلى ~~الذين بدلوا } إذا علم هذه الأحوال يتساءل عن الجزاء المناسب لجرمهم وكيف ~~تركهم الله يرفلون في النعيم ، فأجيب بأنهم يصيرون إلى النار ، أي يموتون ~~فيصيرون إلى العذاب . | # وأمر بأن يبلغهم ذلك لأنهم كانوا يزدهون بأنهم في تنعم وسيادة ، وهذا ~~كقوله : { لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم ~~وبئس المهاد في سورة آل عمران ( 196 ، 197 ) . | # | 2 ( 31 ) قل لعبادى الذين ءامنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم ~~سرا وعلانية من قبل أن يأتى يوم لا بيع فيه ولا خلال } . ) 2 # استئناف نشأ عن ذكر حال الفريق الذي حقت عليه الكلمة الخبيثة بذكر حال ~~مقابله ، وهو الفريق الذي حقت عليه الكلمة الطيبة . فلما ابتدىء بالفريق ~~الأول لقصد الموعظة والتخلي ثني بالفريق الثاني على طريقة الاعتراض بين ~~أغراض الكلام كما سيأتي في الآية عقبها . | # ونظيره قوله تعالى في سورة الإسراء : { وقالوا أإذا كنا عظاما ورفاتا إنا ~~لمبعوثون خلقا جديدا قل كونوا حجارة إلى أن قال وقل لعبادي يقولوا التي هي ~~أحسن ( سورة الإسراء : 50 ، 52 ) . | PageV13P231 # ولما كانوا متحلين بالكمال صيغ الحديث عنهم بعنوان الوصف بالإيمان ، ~~وبصيغة الأمر بما هم فيه من صلاة وإنفاق لقصد الدوام على ذلك ، فحصلت بذلك ~~مناسبة وقع هذه الآية بعد التي قبلها لمناسبة تضاد الحالين . | # ولما كان المؤمنون يقيمون الصلاة من قبل وينفقون من قبل تعين أن المراد ~~الاستزادة من ذلك ، ولذلك اختير المضارع مع تقدير لام الأمر دون صيغة فعل ~~الأمر لأن المضارع دال على التجدد ، فهو مع لام الأمر يلاقي حال المتلبس ~~بالفعل الذي يؤمر به بخلاف صيغة ( افعل ) فإن أصلها طلب إيجاد الفعل ~~المأمور به من لم يكن ملتبسا به ، فأصل يقيموا الصلاة } ليقيموا ، فحذفت ~~لام الأمر تخفيفا . | # وهذه هي نكتة ورود مثل هذا التركيب في مواضع وروده ، كما في هذه الآية ~~وفي قوله { وقل لعبادي يقولوا التي ms4412 هي أحسن في سورة الإسراء ( 52 ) ، أي قل ~~لهم ليقيموا وليقولوا ، فحكي بالمعنى . | # وعندي : أن منه قوله تعالى : ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف ~~يعلمون في سورة الحجر ( 3 ) ، أي ذرهم ليأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل . فهو ~~أمر مستعمل في الإملاء والتهديد ، ولذلك نوقن بأن الأفعال هذه معمولة للام ~~أمر محذوفة . وهذا قول الكسائي إذا وقع الفعل المجزوم بلام الأمر محذوفة ~~بعد تقدم فعل قل } ، كما في ( مغني اللبيب ) ووافقه ابن مالك في ( شرح ~~الكافية ) . وقال بعضهم : جزم الفعل المضارع في جواب الأمر ب { قل } على ~~تقدير فعل محذوف هو المقول دل عليه ما بعده . والتقدير : قل لعبادي أقيموا ~~يقيموا وأنفقوا ينفقوا . وقال الكسائي وابن مالك إن ذلك خاص بما يقع بعد ~~الأمر بالقول كما في هذه الآية ، وفاتهم نحو آية { ذرهم يأكلوا ويتمتعوا . ~~| # وزيادة مما رزقناهم } للتذكير بالنعمة تحريضا على الإنفاق ليكون شكرا ~~للنعمة . | PageV13P232 # و { سرا وعلانية } حالان من ضمير { ينفقوا } ، وهما مصدران . وقد تقدم ~~عند قوله تعالى : { سرا وعلانية في سورة البقرة ( 274 ) . والمقصود تعميم ~~الأحوال في طلب الإنفاق لكيلا يظنوا أن الإعلان يجر إلى الرياء كما كان حال ~~الجاهلية ، أو أن الإنفاق سرا يفضي إلى إخفاء الغني نعمة الله فيجر إلى ~~كفران النعمة ، فربما توخى المرء أحد الحالين فأفضى إلى ترك الإنفاق في ~~الحال الآخر فتعطل نفع كثير وثواب جزيل ، فبين الله للناس أن الإنفاق بر لا ~~يكدره ما يحف به من الأحوال ، وإنما الأعمال بالنيات . وقد تقدم شيء من هذا ~~عند قوله : الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون ~~إلا جهدهم ( سورة التوبة : 79 ) الآية . | # وقيل المقصود من السر الإنفاق المتطوع به ، ومن العلانية الإنفاق الواجب ~~. | # وتقديم السر على العلانية تنبيه على أنه أولى الحالين لبعده عن خواطر ~~الرياء ، ولأن فيه استبقاء لبعض حياء المتصدق عليه . | # وقوله : من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه } الخ متعلق بفعل { يقيموا ~~الصلوات وينفقوا } ، أي ليفعلوا ذينك الأمرين قبل حلول اليوم الذي تتعذر ~~فيه المعاوضات والإنفاق . وهذا ms4413 كناية عن عظيم منافع إقامة الصلاة والإنفاق ~~قبل يوم الجزاء عنهما حين يتمنون أن يكونوا ازدادوا من ذينك لما يسرهم من ~~ثوابهما فلا يجدون سبيلا للاستزادة منهما ، إذ لا بيع يومئذ فيشترى الثواب ~~ولا خلال من شأنها الإرفاد والإسعاف بالثواب . فالمراد بالبيع المعاوضة ~~وبالخلال الكناية عن التبرع . | # ونظيره قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن ~~يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة في سورة البقرة ( 254 ) . | # وبهذا تبين أن المراد من الخلال هنا آثارها ، بقرينة المقام ، وليس ~~المراد نفي الخلة ، أي الصحبة والمودة لأن المودة ثابتة بين المتقين ، قال ~~تعالى : الأخلاء PageV13P233 يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين ( سورة ~~الزخرف : 67 ) . وقد كني بنفي البيع والخلال التي هي وسائل النوال والإرفاد ~~عن انتفاء الاستزادة . | # وإدخال حرف الجر على اسم الزمان وهو قبل } لتأكيد القبلية ليفهم معنى ~~المبادرة . | # وقرأ الجمهور { لا بيع } بالرفع . وقرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، ويعقوب ~~بالبناء على الفتح . وهما وجهان في نفي النكرة بحرف { لا . | # | 2 ( 32 34 ) الله الذى خلق السماوات والارض وأنزل من السمآء مآء فأخرج ~~به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجرى فى البحر بأمره وسخر لكم ~~الأنهار * وسخر لكم الشمس والقمر دآئبين وسخر لكم اليل والنهار * وآتاكم من ~~كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار } . ) ~~2 # استئناف واقع موقع الاستدلال على ما تضمنته جملة { وجعلوا لله أندادا } ~~الآية . وقد فصل بينه وبين المستدل عليه بجملة { قل لعبادي الذين آمنوا ~~يقيموا الصلوات } الآية . وأدمج في الاستدلال تعدادهم لنعم تستحق الشكر ~~عليها ليظهر حال الذين كفروها ، وبالضد حال الذين شكروا عليها ، وليزداد ~~الشاكرون شكرا . فالمقصود الأول هو الاستدلال على أهل الجاهلية ، كما يدل ~~عليه تعقيبه بقوله : { وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني ~~وبني أن نعبد الأصنام ( سورة إبراهيم : 35 ) . فجيء في هذه الآية بنعم عامة ~~مشهودة محسوسة لا يستطاع إنكارها إلا أنها محتاجة للتذكير بأن المنعم بها ~~وموجدها ms4414 هو الله تعالى . | PageV13P234 # وافتتح الكلام باسم الموجد لأن تعيينه هو الغرض الأهم . وأخبر عنه ~~بالموصول لأن الصلة معلومة الانتساب إليه والثبوت له ، إذ لا ينازع ~~المشركون في أن الله هو صاحب الخلق ولا يدعون أن الأصنام تخلق شيئا ، كما ~~قال : ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله ( سورة لقمان : 25 ) ~~، فخلق السماوات والأرض دليل على إلهية خالقهما وتمهيد للنعم المودعة فيهما ~~؛ فإنزال الماء من السماء إلى الأرض ، وإخراج الثمرات من الأرض ، والبحار ~~والأنهار من الأرض . والشمس والقمر من السماء ، والليل والنهار من السماء ~~ومن الأرض ، وقد مضى بيان هذه النعم في آيات مضت . | # والرزق القوت . والتسخير : حقيقته التذليل والتطويع ، وهو مجاز في جعل ~~الشيء قابلا لتصرف غيره فيه ، وقد تقدم عند قوله تعالى : والشمس والقمر ~~والنجوم مسخرات بأمره في سورة الأعراف ( 54 ) . وقوله : لتجري في البحر } ~~هو علة تسخير صنعها . | # ومعنى تسخير الفلك : تسخير ذاتها بإلهام البشر لصنعها وشكلها بكيفية تجري ~~في البحر بدون مانع . | # وقوله : { بأمره } متعلق ب { تجري } . | # والأمر هنا الإذن ، أي تيسير جريها في البحر ، وذلك بكف العواصف عنها ~~وبإعانتها بالريح الرخاء ، وهذا كقوله : { ألم تر أن الله سخر لكم ما في ~~الأرض والفلك تجري في البحر بأمره ( سورة الحج : 65 ) . وعبر عن هذا الأمر ~~بالنعمة في قوله : ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمة الله ( سورة لقمان ~~: 31 ) ، وقد بينته آية ومن آياته الجواري في البحر كالأعلام إن يشأ يسكن ~~الرياح فيظللن رواكد على ظهره الآية ( سورة الشورى : 32 33 ) . | # وتسخير الأنهار : خلقها على كيفية تقتضي انتقال الماء من مكان إلى مكان ~~وقراره في بعض المنخفضات فيستقى منه من تمر عليه وينزل على ضفافه ~~PageV13P235 حيث تستقر مياهه ، وخلق بعضها مستمرة القرار كالدجلة والفرات ~~والنيل للشرب ولسير السفن فيها . | # وتسخير الشمس والقمر خلقهما بأحوال ناسبت انتفاع البشر بضيائهما ، وضبط ~~أوقاتهم بسيرهما . | # ومعنى دائبين } دائبين على حالات لا تختلف إذ لو اختلفت لم يستطع البشر ~~ضبطها فوقعوا في حيرة وشك . | # والفلك : جمع لفظه كلفظ مفرده . وقد ms4415 تقدم عند قوله تعالى : { والفلك التي ~~تجري في البحر بما ينفع الناس في سورة البقرة ( 164 ) . | # ومعنى وآتاكم من كل ما سألتموه } أعطاكم بعضا من جميع مرغوباتكم الخارجة ~~عن اكتسابكم بحيث شأنكم فيها أن تسألوا الله إياها ، وذلك مثل توالد ~~الأنعام ، وإخراج الثمار والحب ، ودفع العوادي عن جميع ذلك : كدفع الأمراض ~~عن الأنعام ، ودفع الجوائح عن الثمار والحب . | # فجملة { وآتاكم من كل ما سألتموه } تعميم بعد خصوص ، فهي بمنزلة التذييل ~~لما قبلها لحكم يعلمها الله ولا يعلمونها { ولو بسط الله الرزق لعباده ~~لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير ( سورة الشورى ~~: 27 ) ، وأن الإنعام والامتنان يكون بمقدار البذل لا بمقدار الحرمان . ~~وبهذا يتبين تفسير الآية . | # وجملة وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } تأكيد للتذييل وزيادة في التعميم ~~، تنبيها على أن ما آتاهم الله كثير منه معلوم وكثير منه لا يحيطون بعلمه ~~أو لا يتذكرونه عند إرادة تعداد النعم . | # فمعنى { إن تعدوا } إن تحاولوا العد وتأخذوا فيه . وذلك مثل النعم ~~المعتاد بها التي ينسى الناس أنها من النعم ، كنعمة التنفس ، ونعمة الحواس ~~، ونعمة هضم الطعام والشراب ، ونعمة الدورة الدموية ، ونعمة الصحة . وللفخر ~~هنا تقرير نفيس فانظره . | PageV13P236 # والإحصاء : ضبط العدد ، وهو مشتق من الحصا اسما للعدد ، وهو منقول من ~~الحصى ، وهو صغار الحجارة لأنهم كانوا يعدون الأعداد الكثيرة بالحصى تجنبا ~~للغلط . | # وجملة { إن الإنسان لظلوم كفار } تأكيد لمعنى الاستفهام الإنكاري ~~المستعمل في تحقيق تبديل النعمة كفرا ، فلذلك فصلت عنها . | # والمراد ب { الإنسان } صنف منه ، وهو المتصف بمضمون الجملة المؤكدة ~~وتأكيدها ، فالإنسان هو المشرك ، مثل الذي في قوله تعالى : { ويقول الإنسان ~~أإذا ما مت لسوف أخرج حيا ( سورة مريم : 66 ) ، وهو استعمال كثير في القرآن ~~. | # وصيغتا المبالغة في ظلوم كفار } اقتضاهما كثرة النعم المفاد من قوله : { ~~وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } ، إذ بمقدار كثرة النعم يكثر كفر الكافرين ~~بها إذ أعرضوا عن عبادة المنعم وعبدوا ما لا يغني عنهم شيئا ، فأما ~~المؤمنون فلا يجحدون نعم الله ولا ms4416 يعبدون غيره . | # | 2 ( 35 ، 36 ) { وإذ قال إبراهيم رب اجعل هاذا البلد آمنا واجنبنى وبنى ~~أن نعبد الاصنام * رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعنى فإنه منى ومن ~~عصانى فإنك غفور رحيم } . ) 2 # عطف على جملة { ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا ( إبراهيم : 28 ) ~~فإنهم كما بدلوا نعمة الله كفرا أهملوا الشكر على ما بوأهم الله من النعم ~~بإجابة دعوة أبيهم إبراهيم عليه السلام ، وبدلوا اقتداءهم بسلفهم الصالح ~~اقتداء بأسلافهم من أهل الضلالة ، وبدلوا دعاء سلفهم الصالح لهم بالإنعام ~~عليهم كفرا بمفيض تلك النعم . | PageV13P237 # ويجوز أن تكون معطوفة على جملة الله الذي خلق السماوات والأرض } بأن ~~انتقل من ذكر النعم العامة للناس التي يدخل تحت منتها أهل مكة بحكم العموم ~~إلى ذكر النعم التي خص الله بها أهل مكة . وغير الأسلوب في الامتنان بها ~~إلى أسلوب الحكاية عن إبراهيم لإدماج التنويه بإبراهيم عليه السلام ~~والتعريض بذريته من المشركين . | # ( وإذا ) اسم زمان ماض منصوب على المفعولية لفعل محذوف شائع الحذف في ~~أمثاله ، تقديره : واذكر إذ قال إبراهيم ، زيادة في التعجيب من شأن ~~المشركين الذي مر في قوله : { ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا } ، ~~فموقع العبرة من الحالين واحد . | # و { رب } منادى محذوف منه حرف النداء . وأصله ( ربي ) ، حذفت ياء المتكلم ~~تخفيفا ، وهو كثير في المنادى المضاف إلى الياء . | # والبلد : المكان المعين من الأرض ، ويطلق على القرية . والتعريف في { ~~البلد } تعريف العهد لأنه معهود الحضور . و { البلد } بدل من اسم الإشارة . ~~| # وحكاية دعائه بدون بيان البلد إبهام يرد بعده البيان بقوله : { عند بيتك ~~المحرم ( سورة إبراهيم : 37 ) ، أو هو حوالة على ما في علم العرب من أنه ~~مكة . وقد مضى في سورة البقرة تفسير نظيره . والتعريف هنا للعهد ، والتنكير ~~في آية البقرة تنكير النوعية ، فهنا دعا للبلد بأن يكون آمنا ، وفي آية ~~سورة البقرة دعا لمشار إليه أن يجعله الله من نوع البلاد الآمنة ، فمآل ~~المفادين متحد . | # واجنبني } أمر من الثلاثي المجرد ، يقال : جنبه الشيء ، إذا جعله ms4417 جانبا ~~عنه ، أي باعده عنه ، وهي لغة أهل نجد . وأهل الحجاز يقولون : جنبه ~~بالتضعيف أو أجنبه بالهمز . وجاء القرآن هنا بلغة أهل نجد لأنها أخف . | # وأراد ببنيه أبناء صلبه ، وهم يومئذ إسماعيل وإسحاق ، فهو من استعمال ~~الجمع في التثنية ، أو أراد جميع نسله تعميما في الخير فاستجيب له في البعض ~~. | PageV13P238 # والأصنام : جمع صنم ، وهو صورة أو حجارة أو بناء يتخذ معبودا ويدعى إلها ~~. وأراد إبراهيم عليه السلام مثل ود وسواعع ويغوث ويعوق ونسر ، أصنام قوم ~~نوح . ومثل الأصنام التي عبدها قوم إبراهيم . | # وإعادة النداء في قوله : { رب إنهن أضللن كثيرا من الناس } لإنشاء التحسر ~~على ذلك . | # وجملة { إنهن أضللن كثيرا من الناس } تعليل للدعوة بإجنابه عبادتها بأنها ~~ضلال راج بين كثير من الناس ، فحق للمؤمن الضنين بإيمانه أن يخشى أن تجترفه ~~فتنتها ، فافتتاح الجملة بحرف التوكيد لما يفيده حرف ( إن ) في هذا المقام ~~من معنى التعليل . | # وذلك أن إبراهيم عليه السلام خرج من بلده أور الكلدانيين إنكارا على عبدة ~~الأصنام ، فقال : { إني ذاهب إلى ربي سيهدين ( سورة الصافات : 99 ) وقال ~~لقومه : وأعتزلكم وما تدعون من دون الله ( سورة مريم : 48 ) . فلما مر بمصر ~~وجدهم يعبدون الأصنام ثم دخل فلسطين فوجدهم عبدة أصنام ، ثم جاء عربة تهامة ~~فأسكن بها زوجه فوجدها خالية ووجد حولها جرهم قوما على الفطرة والسذاجة ~~فأسكن بها هاجر وابنه إسماعيل عليه السلام . ثم أقام هنالك معلم التوحيد . ~~وهو بيت الله الكعبة بناه هو وابنه إسماعيل ، وأراد أن يكون مأوى التوحيد ، ~~وأقام ابنه هنالك ليكون داعية للتوحيد . فلا جرم سأل أن يكون ذلك بلدا آمنا ~~حتى يسلم ساكنوه وحتى يأوي إليهم من إذا آوى إليهم لقنوه أصول التوحيد . | # ففرع على ذلك قوله : فمن تبعني فإنه مني } ، أي فمن تبعني من الناس فتجنب ~~عبادة الأصنام فهو مني ، فدخل في ذلك أبوه وقومه ، ويدخل فيه ذريته لأن ~~الشرط يصلح للماضي والمستقبل . | # و ( من ) في قوله : { مني } اتصالية . وأصلها التبعيض المجازي ، أي فإنه ~~متصل بي اتصال البعض بكله . | PageV13P239 # وقوله : { ومن عصاني ms4418 فإنك غفور رحيم } تأدب في مقام الدعاء ونفع للعصاة ~~من الناس بقدر ما يستطيعه . والمعنى ومن عصاني أفوض أمره إلى رحمتك وغفرانك ~~. وليس المقصود الدعاء بالمغفرة لمن عصى . وهذا من غلبة الحلم على إبراهيم ~~عليه السلام وخشية من استئصال عصاة ذريته . ولذلك متعهم الله قليلا في ~~الحياة الدنيا ، كما أشار إليه قوله تعالى : { قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم ~~أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير ( سورة البقرة : 126 ) وقوله : وإذ قال ~~إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين ~~وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون بل متعت هؤلاء وآباءهم حتى جاءهم ~~الحق ورسول مبين ( سورة الزخرف : 27 ) . وسوق هذه الدعوة هنا للتعريض ~~بالمشركين من العرب بأنهم لم يبروا بأبيهم إبراهيم عليه السلام . | # وإذ كان قوله : فإنك غفور رحيم } تفويضا لم يكن فيه دلالة على أن الله ~~يغفر لمن يشرك به . | # | 2 ( 37 ) { ربنآ إنى أسكنت من ذريتى بواد غير ذى زرع عند بيتك المحرم ~~ربنا ليقيموا الصلواة فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم وارزقهم من الثمرات ~~لعلهم يشكرون } . ) 2 # | $ # جملة { إني أسكنت من ذريتي } مستأنفة لابتداء دعاء آخر . وافتتحت بالنداء ~~لزيادة التضرع . وفي كون النداء تأكيدا لنداء سابق ضرب من الربط بين الجمل ~~المفتتحة بالنداء ربط المثل بمثله . | # وأضيف الرب هنا إلى ضمير الجمع خلافا لسابقيه لأن الدعاء الذي افتتح به ~~فيه حظ للداعي ولأبنائه . ولعل إسماعيل عليه السلام حاضر معه حين الدعاء ~~كما تدل له الآية الأخرى { وإذ يرفع إبراهيم القواعد PageV13P240 من البيت ~~وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم إلى قوله واجعلنا مسلمين لك ~~( سورة البقرة : 127 ) . وذلك من معنى الشكر المسؤول هنا . | # ومن } في قوله : { من ذريتي } بمعنى بعض ، يعني إسماعيل عليه السلام ، ~~وهو بعض ذريته ، فكأن هذا الدعاء صدر من إبراهيم عليه السلام بعد زمان من ~~بناء الكعبة وتقري مكة ، كما دل عليه قوله في دعائه هذا { الحمد لله الذي ~~وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق ( سورة إبراهيم : 39 ) ، فذكر ms4419 إسحاق عليه ~~السلام . | # والواد : الأرض بين الجبال ، وهو وادي مكة . وغير ذي زرع } صفة ، أي بواد ~~لا يصلح للنبت لأنه حجارة ، فإن كلمة { ذو } تدل على صاحبب ما أضيفت إليه ~~وتمكنه منه ، فإذا قيل : ذو مال ، فالمال ثابت له ، وإذا أريد ضد ذلك قيل ~~غير ذي كذا ، كقوله تعالى : { قرآنا عربيا غير ذي عوج ( سورة الزمر : 28 ) ~~، أي لا يعتريه شيء من العوج . ولأجل هذا الاستعمال لم يقل بواد لا يزرع ~~أولا زرع به . | # وعند بيتك } صفة ثانية لواد أو حال . | # والمحرم : الممنع من تناول الأيدي إياه بما يفسده أو يضر أهله بما جعل ~~الله له في نفوس الأمم من التوقير والتعظيم ، وبما شاهدوه من هلكة من يريد ~~فيه بإلحاد بظلم . وما أصحاب الفيل منهم ببعيد . | # وعلق { ليقيموا } ب { أسكنت } ، أي علة الإسكان بذلك الوادي عند ذلك ~~البيت أن لا يشغلهم عن إقامة الصلاة في ذلك البيت شاغل فيكون البيت معمورا ~~أبدا . | # وتوسيط النداء للاهتمام بمقدمة الدعاء زيادة في الضراعة . وتهيأ بذلك أن ~~يفرع عليه الدعاء لهم بأن يجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم ، لأن همة ~~الصالحين في إقامة الدين . | # والأفئدة : جمع فؤاد ، وهو القلب . والمراد به هنا النفس والعقل . | # والمراد فاجعل أناسا يهوون إليهم . فأقحم لفظ الأفئدة لإرادة أن يكون ~~مسير الناس إليهم عن شوق ومحبة حتى كأن المسرع هو الفؤاد لا الجسد ~~PageV13P241 فلما ذكر { أفئدة } لهذه النكتة حسن بيانه بأنهم { من الناس } ~~، ف { من } بيانية لا تبعيضية ، إذ لا طائل تحته . والمعنى : فاجعل أناسا ~~يقصدونهم بحبات قلوبهم . | # وتهوي مضارع هوى بفتح الواو : سقط . وأطلق هنا على الإسراع في المشي ~~استعارة ، كقول امرىء القيس : | # كجلمود صخر حطه السيل من عل | # ولذلك عدي باللام دون { على . | # والإسراع : جعل كناية عن المحبة والشوق إلى زيارتهم . | # والمقصود من هذا الدعاء تأنيس مكانهم بتردد الزائرين وقضاء حوائجهم منهم ~~. | # والتنكير مطلق يحمل على المتعارف في عمران المدن والأسواق بالواردين ، ~~فلذلك لم يقيده في الدعاء بما يدل على الكثرة اكتفاء بما هو معروف . | # ومحبة الناس ms4420 إياهم يحصل معها محبة البلد وتكرير زيارته ، وذلك سبب ~~لاستئناسهم به ورغبتهم في إقامة شعائره ، فيؤول إلى الدعوة إلى الدين . | # ورجاء شكرهم داخل في الدعاء لأنه جعل تكملة له تعرضا للإجابة وزيادة في ~~الدعاء لهم بأن يكونوا من الشاكرين . والمقصود : توفر أسباب الانقطاع إلى ~~العبادة وانتفاء ما يحول بينهم وبينها من فتنة الكدح للاكتساب . | # | 2 ( 38 ) ربنآ إنك تعلم ما نخفى وما نعلن وما يخفى على الله من شىء فى ~~الارض ولا فى السمآء } . ) 2 # جاء بهذا التوجه إلى الله جامعا لما في ضميره ، وفذلكة للجمل الماضية لما ~~اشتملت عليه من ذكر ضلال كثير من الناس ، وذكر من اتبع دعوته PageV13P242 ~~ومن عصاه ، وذكر أنه أراد من إسكان أبنائه بمكة رجاء أن يكونوا حراس بيت ~~الله ، وأن يقيموا الصلاة ، وأن يشكروا النعم المسؤولة لهم . وفيه تعليم ~~لأهله وأتباعه بعموم علم الله تعالى حتى يراقبوه في جميع الأحوال ويخلصوا ~~النية إليه . | # وجملة { وما يخفى على الله من شيء } تذييل لجملة { إنك تعلم ما نخفي وما ~~نعلن } ، أي تعلم أحوالنا وتعلم كل شيء . ولكونها تذييلا أظهر فيها اسم ~~الجلالة ليكون التذييل مستقلا بنفسه بمنزلة المثل والكلام الجامع . | # | 2 ( 39 ) { الحمد لله الذى وهب لى على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربى ~~لسميع الدعآء } . ) 2 # لما دعا الله لأهم ما يهمه وهو إقامة التوحيد وكان يرجو إجابة دعوته وأن ~~ذلك ليس بعجب في أمر الله خطر بباله نعمة الله عليه بما كان يسأله وهو أن ~~وهب له ولدين في إبان الكبر وحين اليأس من الولادة فناجى الله فحمده على ~~ذلك وأثنى عليه بأنه سميع الدعاء ، أي مجيب ، أي متصف بالإجابة وصفا ذاتيا ~~، تمهيدا لإجابة دعوته هذه كما أجاب دعوته سلفا . فهذا مناسبة موقع هذه ~~الجملة بعد ما قبلها بقرينة قوله : { إن ربي لسميع الدعاء } . | # واسم الموصول إيماء إلى وجه بناء الحمد . و { على } في قوله : { على ~~الكبر } للاستعلاء المجازي بمعنى { مع } ، أي وهب ذلك تعليا على الحالة ~~التي شأنها أن لا تسمح بذلك . ولذلك يفسرون ms4421 { على } هذه بمعنى { مع } ، أي ~~مع الكبر الذي لا تحصل معه الولادة . وكان عمر إبراهيم حين ولد له إسماعيل ~~عليهما السلام ستا وثمانين سنة ( 86 ) . وعمره حين ولد له إسحاق عليهما ~~السلام مائة سنة ( 100 ) . وكان لا يولد له من قبل . | # وجملة { إن ربي لسميع الدعاء } تعليل لجملة { وهب } ، أي وهب ذلك لأنه ~~سميع الدعاء . والسميع مستعمل في إجابة المطلوب كناية ، وصيغ PageV13P243 ~~بمثال المبالغة أو الصفة المشبهة ليدل على كثرة ذلك وأن ذلك شأنه ، فيفيد ~~أنه وصف ذاتي لله تعالى . | # | 2 ( 40 ، 41 ) { لله رب اجعلنى مقيم الصلواة ومن ذريتى ربنا وتقبل دعآء ~~* ربنا اغفر لى ولوالدى وللمؤمنين يوم يقوم الحساب } . ) 2 # جملة مستأنفة من تمام دعائه . وفعل { اجعلني } مستعمل في التكوين ، كما ~~تقدم آنفا ، أي اجعلني في المستقبل مقيم الصلاة . | # والإقامة : الإدامة ، وتقدم في صدر سورة البقرة . | # { ومن ذريتي } صفة لموصوف محذوف معطوف على ياء المتكلم . والتقدير واجعل ~~مقيمين للصلاة من ذريتي . | # و { من } ابتدائة وليست للتبعيض ، لأن إبراهيم عليه السلام لا يسأل الله ~~إلا أكمل ما يحبه لنفسه ولذريته . ويجوز أن تكون { من } للتبعيض بناء على ~~أن الله أعلمه بأن يكون من ذريته فريق يقيمون الصلاة وفريق لا يقيمونها ، ~~أي لا يؤمنون . وهذا وجه ضعيف لأنه يقتضي أن يكون الدعاء تحصيلا لحاصل ، ~~وهو بعيد ، وكيف وقد قال : { واجنبني وبني أن نعبد الأصنام ( سورة إبراهيم ~~: 35 ) ولم يقل : ومن بني . | # ودعاؤه بتقبل دعائه ضراعة بعد ضراعة . | # وحذفت ياء المتكلم في دعاء } في قراءة الجمهور تخفيفا كما تقدم في قوله ~~تعالى : { وإليه متاب في سورة الرعد ( 30 ) . | # وقرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، وحمزة بإثبات الياء ساكنة . | # ثم دعا بالمغفرة لنفسه وللمؤمنين ولوالديه ما تقدم منه ومن المؤمنين قبل ~~نبوءته وما استمر عليه أبوه بعد دعوته من الشرك ، أما أمه فلعلها توفيت ~~PageV13P244 قبل نبوءته . وهذا الدعاء لأبويه قبل أن يتبين له أن أباه عدو ~~لله كما في آية سورة براءة . | # ومعنى يقوم الحساب } : يثبت . استعير القيام للثبوت تبعا لتشبيه الحساب ~~بإنسان ms4422 قائم ، لأن حالة القيام أقوى أحوال الإنسان إذ هو انتصاب للعمل . ~~ومنه قولهم : قامت الحرب على ساق ، إذا قويت واشتدت . وقولهم : ترجلت الشمس ~~، إذا قوي ضوءها ، وتقدم عند قوله تعالى : { ويقيمون الصلاة في أول سورة ~~البقرة ( 4 ) . | # | 2 ( 42 ، 43 ) ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ~~ليوم تشخص فيه الأبصار * مهطعين مقنعى رءوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم ~~هوآء } . ) 2 # عطف على الجمل السابقة ، وله اتصال بجملة { قل تمتعوا فإن مصيركم إلى ~~النار ( سورة إبراهيم : 30 ) الذي هو وعيد للمشركين وإنذار لهم بأن لا ~~يغتروا بسلامتهم وأمنهم تنبيها لهم على أن ذلك متاع قليل زائل ، فأكد ذلك ~~الوعيد بهذه الآية ، مع إدماج تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام على ما ~~يتطاولون به من النعمة والدعة ، كما دل عليه التفريع في قوله فلا تحسبن ~~الله مخلف وعده رسله ( سورة إبراهيم : 47 ) . وفي معنى الآية قوله : وذرني ~~والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا ( سورة المزمل : 11 ) . | # وباعتبار ما فيه من زيادة معنى التسلية وما انضم إليه من وصف فظاعة حال ~~المشركين يوم الحشر حسن اقتران هذه الجملة بالعاطف ولم تفصل . | # وصيغة لا تحسبن } ظاهرها نهي عن حسبان ذلك . وهذا النهي كناية عن إثبات و ~~تحقيق ضد المنهي عنه في المقام الذي من شأنه أن يثير للناس ظن وقوع المنهي ~~عنه لقوة الأسباب المثيرة لذلك . وذلك أن إمهالهم وتأخير PageV13P245 ~~عقوبتهم يشبه حالة الغافل عن أعمالهم ، أي تحقق أن الله ليس بغافل ، وهو ~~كناية ثانية عن لازم عدم الغفلة وهو المؤاخذة ، فهو كناية بمرتبتين ، ذلك ~~لأن النهي عن الشيء يأذن بأن المنهي عنه بحيث يتلبس به المخاطب ، فنهيه عنه ~~تحذير من التلبس به بقطع النظر عن تقدير تلبس المخاطب بذلك الحسبان . وعلى ~~هذا الاستعمال جاءت الآية سواء جعلنا الخطاب لكل من يصح أن يخاطب فيدخل فيه ~~النبي عليه الصلاة والسلام أم جعلناه للنبي ابتداء ويدخل فيه أمته . | # ونفي الغفلة عن الله ليس جاريا على صريح معناه لأن ذلك لا يظنه مؤمن بل ~~هو ms4423 كناية عن النهي عن استعجال العذاب للظالمين . ومنه جاء معنى التسلية ~~للرسول صلى الله عليه وسلم | # والغفلة : الذهول ، وتقدم في قوله تعالى : { وإن كنا عن دراستهم لغافلين ~~في سورة الأنعام ( 156 ) . | # والمراد بالظلم هنا الشرك ، لأنه ظلم للنفس بإيقاعها في سبب العذاب ~~المؤلم ، وظلم لله بالاعتداء على ما يجب له من الاعتراف بالوحدانية . ويشمل ~~ذلك ما كان من الظلم دون الشرك مثل ظلم الناس بالاعتداء عليهم أو حرمانهم ~~حقوقهم فإن الله غير غافل عن ذلك . ولذلك قال سفيان بن عيينة هي تسلية ~~للمظلوم وتهديد للظالم . | # وقوله : فيه الأبصار } مبنية لجملة { ولا تحسبن الله غافلا } الخ . | # وشخوص البصر : ارتفاعه كنظر المبهوت الخائف . | # وأل في { الأبصار } للعموم ، أي تشخص فيه أبصار الناس من هول ما يرون . ~~ومن جملة ذلك مشاهدة هول أحوال الظالمين . | # والإهطاع : إسراع المشي مع مد العنق كالمتختل ، وهي هيئة الخائف . | # وإقناع الرأس : طأطأته من الذل ، وهو مشتق من قنع من باب منع إذا تذلل . ~~و { مهطعين مقنعي رؤوسهم } حالان . | PageV13P246 # وجملة { لا يرتد إليهم طرفهم } في موضع الحال أيضا . والطرف : تحرك جفن ~~العين . | # ومعنى { لا يرتد إليهم } لا يرجع إليهم ، أي لا يعود إلى معتاده ، أي لا ~~يستطيعون تحويله . فهو كناية عن هول ما شاهدوه بحيث يبقون ناظرين إليه لا ~~تطرف أعينهم . | # وقوله : { وأفئدتهم هواء } تشبيه بليغ ، إذ هي كالهواء في الخلو من ~~الإدراك لشدة الهول . | # والهواء في كلام العرب : الخلاء . وليس هو المعنى المصطلح عليه في علم ~~الطب وعلم الهيئة . | # | 2 ( 44 ، 45 ) { وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلمو ا ~~ربنآ أخرنآ إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل أولم تكونو ا أقسمتم من قبل ~~ما لكم من زوال * وسكنتم فى مساكن الذين ظلمو ا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا ~~بهم وضربنا لكم الأمثال } . ) 2 # | $ # { وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلمو ا ربنآ أخرنآ إلى أجل ~~قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل أولم تكونو ا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال } . ~~| # عطف على جملة { ولا ms4424 تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون ( إبراهيم : 42 ) ~~، أي تسل عنهم ولاتملل من د عوتهم وأنذرهم . | # والناس يعم جميع البشر . والمقصود : الكافرون ، بقرينة قوله : يوم يأتيهم ~~العذاب فيقول الذين ظلموا } . ولك أن تجعل الناس ناسا معهودين وهم المشركون ~~. | # و { يوم يأتيهم العذاب } . منصوب على أنه مفعول ثانن ل { أنذر } ، وهو ~~مضاف إلى الجملة . وفعل الإنذار يتعدى إلى مفعول ثانن على التوسع لتضمينه ~~معنى التحذير ، كما في الحديث ( ما من نبي إلا أنذر قومه الدجال ) . | # وإتيان العذاب مستعمل في معنى وقوعه مجازا مرسلا . | # والعذاب : عذاب الآخرة ، أو عذاب الدنيا الذي هدد به المشركون . و { ~~الذين ظلموا } : المشركون . | PageV13P247 # وطلب تأخير العذاب إن كان مرادا به عذاب الآخرة فالتأخير بمعنى تأخير ~~الحساب ، أي يقول الذين ظلموا : أرجعنا إلى الدنيا لنجيب دعوتك . وهذا كما ~~في قوله تعالى : { رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت ( سورة المؤمنون : ~~99 ، 100 ) ، فالتأخير مستعمل في الإعادة إلى الحياة الدنيا مجازا مرسلا ~~بعلاقة الأول . والرسل جميع الرسل الذي جاءوهم بدعوة الله . | # وإن حمل على عذاب الدنيا فالمعنى : أن المشركين يقولون ذلك حين يرون ~~ابتداء العذاب فيهم . فالتأخير على هذا حقيقة . والرسل على هذا المحمل ~~مستعمل في الواحد مجازا ، والمراد به محمد . | # والقريب : القليل الزمن . شبه الزمان بالمسافة ، أي أخرنا مقدار ما نجيب ~~به دعوتك . | # أولم تكونو ا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال } { وسكنتم فى مساكن الذين ~~ظلمو ا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال } | # لما ذكر قبل هذه الجملة طلب الذين ظلموا من ربهم تعين أن الكلام الواقع ~~بعدها يتضمن الجواب عن طلبهم فهو بتقدير قول محذوف ، أي يقال لهم . وقد عدل ~~عن الجواب بالإجابة أو الرفض إلى التقرير والتوبيخ لأن ذلك يستلزم رفض ما ~~سألوه . | # وافتتحت جملة الجواب بواو العطف تنبيها على معطوف عليه مقدر هو رفض ما ~~سألوه ، حذف إيجازا لأن شأن مستحق التوبيخ أن لا يعطى سؤله . التقدير كلا ~~وألم تكونوا أقسمتم . . الخ . | # والزوال : الانتقال من المكان . وأريد به هنا الزوال ms4425 من القبور إلى ~~الحساب . | PageV13P248 # وحذف متعلق { زوال } لظهور المراد ، قال تعالى : { وأقسموا بالله جهد ~~أيمانهم لا يبعث الله من يموت ( سورة النحل : 38 ) . | # وجملة ما لكم من زوال } بيان لجملة { أقسمتم } . وليست على تقدير قول ~~محذوف ولذلك لم يسرع فيها طريق ضمير المتكلم فلم يقل : ما لنا من زوال ، بل ~~جيء بضمير الخطاب المناسب لقوله : { أولم تكونوا أقسمتم } . | # وهذا القسم قد يكون صادر من جميع الظالمين حين كانوا في الدنيا لأنهم ~~كانوا يتلقون تعاليم واحدة في الشرك يتلقاها الخلف عن سلفهم . | # ويجوز أن يكون ذلك صادرا من معظم هذه الأمم أو بعضها ولكن بقيتهم مضمرون ~~لمعنى هذا القسم . | # وكذلك الخطاب في قوله : { وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم } فإنه يعم ~~جميع أمم الشرك عدا الأمة الأولى منهم . وهذا من تخصيص العموم بالعقل إذ لا ~~بد أن تكون الأمة الأولى من أهل الشرك لم تسكن في مساكن مشركين . | # والمراد بالسكنى : الحلول ، ولذلك عدي بحرف الظرفية خلافا لأصل فعله ~~المتعدي بنفسه . وكان العرب يمرون على ديار ثمود في رحلتهم إلى الشام ~~ويحطون الرحال هنالك ، ويمرون على ديار عاد في رحلتهم إلى اليمن . | # وتبين ما فعل الله بهم من العقاب حاصل من مشاهدة آثار العذاب من خسف ~~وفناء استئصال . | # وضرب الأمثال بأقوال المواعظ على ألسنة الرسل عليهم السلام ، ووصف ~~الأحوال الخفية . | # وقد جمع لهم في إقامة الحجة بين دلائل الآثار والمشاهدة ودلائل الموعظة . ~~. | # | PageV13P249 # | 2 ( 46 ) { وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه ~~الجبال } . ) 2 # يجوز أن يكون عطف خبر على خبر ، ويجوز أن يكون حالا من { الناس } في قوله ~~: { وأنذر الناس } ، أي أنذرهم في حال وقوع مكرهم . | # والمكر : تبييت فعل السوء بالغير وإضماره . وتقدم في قوله تعالى : { ~~ومكروا ومكر الله في سورة آل عمران ( 54 ) ، وفي قوله : أفأمنوا مكر الله ~~في سورة الأعراف ( 99 ) . | # وانتصب مكرهم } الأول على أنه مفعول مطلق لفعل { مكروا } لبيان النوع ، ~~أي المكر الذي اشتهروا به ، فإضافة { مكر } إلى ضمير { هم } من إضافة ~~المصدر إلى ms4426 فاعله . وكذلك إضافة { مكر } الثاني إلى ضمير { هم } . | # والعندية إما عندية علم ، أي وفي علم الله مكرهم ، فهو تعري بالوعيد ~~والتهديد بالمؤاخذة بسوء فعلهم ، وإما عندية تكوين ما سمي بمكر الله ~~وتقديره في إرادة الله فيكون وعيدا بالجزاء على مكرهم . | # وقرأ الجمهور { لتزول } بكسر اللام وبنصب الفعل المضارع بعدها فتكون ( إن ~~) نافية ولام { لتزول } لام الجحود ، أي وما كان مكرهم زائلة منه الجبال ، ~~وهو استخفاف بهم ، أي ليس مكرهم بمتجاوز مكر أمثالهم ، وما هو بالذي تزول ~~منه الجبال . وفي هذا تعريض بأن الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين الذين ~~يريد المشركون المكر بهم لا يزعزعهم مكرهم لأنهم كالجبال الرواسي . | # وقرأ الكسائي وحده بفتح اللام الأولى من { لتزول } ورفع اللام الثانية ~~على أن تكون { إن } مخففة من { إن } المؤكدة وقد أكمل إعمالها ، واللام ~~فارقة بينها وبين النافية ، فيكون الكلام إثباتا لزوال الجبال من مكرهم ، ~~أي هو PageV13P250 مكر عظيم لتزول منه الجبال لو كان لها أن تزول ، أي ~~جديرة ، فهو مستعمل في معنى الجدارة والتأهل للزوال لو كانت زائلة . وهذا ~~من المبالغة في حصول أمر شنيع أو شديد في نوعه على نحو قوله تعالى : { يكاد ~~السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا ( سورة مريم : 90 ) . | # | 2 ( 47 ) فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام } . ) ~~2 # تفريع على جميع ما تقدم من قوله : { ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل ~~الظالمون ( إبراهيم : 42 ) . وهذا محل التسلية . والخطاب للنبيء . وتقدم ~~نظيره آنفا عند قوله : ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون ، لأن تأخير ~~ما وعد الله رسوله عليه الصلاة والسلام من إنزال العقاب بأعدائه يشبه حال ~~المخلف وعده ، فلذلك نهي عن حسبانه . | # وأضيف مخلف } إلى مفعوله الثاني وهو { وعده } وإن كان المفعول الأول هو ~~الأصل في التقديم والإضافة إليه لأن الاهتمام بنفي إخلاف الوعد أشد ، فلذلك ~~قدم { وعده } على { رسله } . | # و { رسله } جمع مراد به النبي صلى الله عليه وسلم لا محالة ، فهو جمع ~~مستعمل في الواحد مجازا . وهذا تثبيت ms4427 للنبيء صلى الله عليه وسلم بأن الله ~~منجز له ما وعده من نصره على الكافرين به . فأما وعده للرسل السابقين فذلك ~~أمر قد تحقق فلا يناسب أن يكون مرادا من ظاهر جمع { رسله } . | # وجملة { إن الله عزيز ذو انتقام } تعليل للنهي عن حسبانه مخلف وعده . | # والعزة : القدرة . والمعنى : أن موجب إخلاف الوعد منتف عن الله تعالى لأن ~~إخلاف الوعد يكون إما عن عجز وإما عن عدم اعتياد الموعود به ، فالعزة ~~PageV13P251 تنفي الأول وكونه صاحب انتقام ينفي الثاني . وهذه الجملة تذييل ~~أيضا وبها تم الكلام . | # | 2 ( 48 51 ) { يوم تبدل الارض غير الارض والسماوات وبرزوا لله الواحد ~~القهار * وترى المجرمين يومئذ مقرنين فى الاصفاد * سرابيلهم من قطران وتغشى ~~وجوههم النار * ليجزى الله كل نفس ما كسبت إن الله سريع الحساب } . ) 2 # استئناف لزيادة الإنذار بيوم الحساب ، لأن في هذا تبيين بعض ما في ذلك ~~اليوم من الأهوال ؛ فلك أن تجعل { يوم تبدل الأرض } متعلقا بقوله : { سريع ~~الحساب } قدم عليه للاهتمام بوصف ما يحصل فيه ، فجاء على هذا النظم ليحصل ~~من التشويق إلى وصف هذا اليوم لما فيه من التهويل . | # ولك أن تجعله متعلقا بفعل محذوف تقديره : اذكر يوم تبدل الأرض ، وتجعل ~~جملة { إن الله سريع الحساب } على هذا تذييلا . | # ولك أن تجعله متعلقا بفعل محذوف دل عليه قوله : { ليجزي الله كل نفس ما ~~كسبت } . والتقدير يجزي الله كل نفس بما كسبت يوم تبدل الأرض . . الخ . | # وجملة { إن الله سريع الحساب } تذييل أيضا . | # والتبديل : التغيير في شيء إما بتغيير صفاته ، كقوله تعالى : { فأولئك ~~يبدل الله سيئاتهم حسنات ( سورة الفرقان : 70 ) ، وقولك : بدلت الحلقة ~~خاتما وإما بتغيير ذاته وإزالتها بذات أخرى ، كقوله تعالى : بدلناهم جلودا ~~غيرها ( سورة النساء : 56 ) ، وقوله : وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل ~~خمط ( سورة سبأ : 16 ) . | PageV13P252 # وتبديل الأرض والسماوات يوم القيامة : إما بتغيير الأوصاف التي كانت لها ~~وإبطال النظم المعروفة فيها في الحياة الدنيا ، وإما بإزالتها ووجدان أرض ~~وسماوات أخرى في العالم الأخروي . وحاصل المعنى استبدال العالم المعهود ~~بعالم جديد ms4428 . | # ومعنى وبرزوا لله الواحد القهار } مثل ما ذكر في قوله : { وبرزوا لله ~~جميعا ( سورة إبراهيم : 21 ) . والوصف بالواحد القهار } للرد على المشركين ~~الذين أثبتوا له شركاء وزعموا أنهم يدافعون عن أتباعهم . وضمير { برزوا } ~~عائد إلى معلوم من السياق ، أي وبرز الناس أو برز المشركون . | # والتقرين : وضع اثنين في قرن ، أي حبل . | # والأصفاد جمع صفاد بوزن كتاب ، وهو القيد والغل . | # والسرابيل : جمع سربال وهو القميص . وجملة { سرابيلهم من قطران } حال من ~~{ المجرمين } . | # والقطران : دهن من تركيب كيمياوي قديم عند البشر يصنعونه من إغلاء شجر ~~الأرز وشجر السرو وشجر الأبهل بضم الهمزة والهاء وبينهما موحدة ساكنة وهو ~~شجر من فصيلة العرعر . ومن شجر العرعر بأن تقطع الأخشاب وتجعل في قبة مبنية ~~على بلاط سوي وفي القبة قناة إلى خارج . وتوقد النار حول تلك الأخشاب فتصعد ~~الأبخرة منها ويسري ماء البخار في القناة فتصب في إناء آخر موضوع تحت ~~القناة فيتجمع منهماء أسود يعلوه زبد خاثر أسود . فالماء يعرف بالسائل ~~والزبد يعرف بالبرقي . ويتخذ للتداوي من الجرب للإبل ولغير ذلك مما هو ~~موصوف في كتب الطب وعلم الأقرباذين . | # وجعلت سرابيلهم من قطران لأنه شديد الحرارة فيؤلم الجلد الواقع هو عليه ، ~~فهو لباسهم قبل دخول النار ابتداء بالعذاب حتى يقعوا في النار . | ~~PageV13P253 # وجملة { إن الله سريع الحساب } مستأنفة ، إما لتحقيق أن ذلك واقع كقوله : ~~{ إنما توعدون لصادق وإن الدين لواقع ( سورة الذاريات : 5 ، 6 ) ، وإما ~~استئناف ابتدائي . وأخرت إلى آخر الكلام لتقديم يوم تبدل الأرض } إذا قدر ~~معمولا لها كما ذكرناه آنفا . | # | 2 ( 52 ) { هاذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلمو ا أنما هو إلاه واحد ~~وليذكر أولوا الألباب } . ) 2 # | $ # الإشارة إلى الكلام السابق في السورة كلها من أين ابتدأته أصبت مراد ~~الإشارة ، والأحسن أن يكون للسورة كلها . | # والبلاغ اسم مصدر التبليغ ، أي هذا المقدار من القرآن في هذه السورة ~~تبليغ للناس كلهم . | # واللام في { للناس } هي المعروفة بلام التبليغ ، وهي التي تدخل على اسم ~~من يسمع قولا أو ما في معناه . | # وعطف { ولينذروا } على ms4429 { بلاغ } عطف على كلام مقدر يدل عليه لفظ { بلاغ } ~~، إذ ليس في الجملة التي قبله ما يصلح لأن يعطف هذا عليه فإن وجود لام الجر ~~مع وجود واو العطف مانع من جعله عطفا على الخبر ، لأن المجرور إذا وقع خبر ~~عن المبتدإ اتصل به مباشرة دون عطف إذ هو بتقدير كائن أو مستقر ، وإنما ~~تعطف الأخبار إذا كانت أوصافا . والتقدير هذا بلاغ للناس ليستيقظوا من ~~غفلتهم ولينذروا به . | # واللام في { ولينذروا } لام كي . وقد تقدم قريب من نظم هذه الآية في قوله ~~تعالى { وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن ~~حولها في سورة الأنعام ( 92 ) . | PageV13P254 # والمعنى وليعلموا مما ذكر فيه من الأدلة ما الله إلا إله واحد ، أي مقصور ~~على الإلهية الموحدة . وهذا قصر موصوف على صفة وهو إضافي ، أي أنه تعالى لا ~~يتجاوز تلك الصفة إلى صفة التعدد بالكثرة أو التثليث ، كقوله : إنما الله ~~إله واحد سبحانه أن يكون له ولد ( سورة النساء : 171 ) . | # والتذكر : النظر في أدلة صدق الرسول عليه الصلاة والسلام ووجوب اتباعه ، ~~ولذلك خص بذوي الألباب تنزيلا لغيرهم منزلة من لا عقول لهم إن هم إلا ~~كالأنعام بل هم أضل سبيلا ( سورة الفرقان : 44 ) . | # وقد رتبت صفات الآيات المشار إليها باسم الإشارة على ترتيب عقلي بحسب ~~حصول بعضها عقب بعض ، فابتدىء بالصفة العامة وهي حصول التبليغ . ثم ما يعقب ~~حصول التبليغ من الإنذار ثم ما ينشأ عنه من العلم بالوحدانية لما في خلال ~~هذه السورة من الدلائل . ثم بالتذكير في ما جاء به ذلك البلاغ وهو تفاصيل ~~العلم والعمل . وهذه المراتب هي جامع حكمة مما جاء به الرسول صلى الله عليه ~~وسلم موزعة على من بلغ إليهم . ويختص المسلمون بمضمون قوله : وليذكروا ~~أولوا الألباب } . | # | PageV13P255 # | 1 ( سورة الحجر ) 1 # سميت هذه السورة سورة الحجر ، ولا يعرف لها اسم غيره . ووجه التسمية أن ~~اسم الحجر لم يذكر في غيرها . | # والحجر اسم البلاد المعروفة به وهو حجر ثمود . وثمود هم أصحاب الحجر . ~~وسيأتي الكلام ms4430 عليه عند قوله تعالى : { ولقد كذب أصحاب الحجر } . والمكتبون ~~في كتاتيب تونس يدعونها سورة { ربما } لأن كلمة ( ربما ) لم تقع في القرآن ~~كله إلا في أول هذه السورة . | # وهي مكية كلها وحكي الاتفاق عليه . | # وعن الحسن استثناء قوله تعالى : { ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن ~~العظيم } بناء على أن سبعا من المثاني هي سورة الفاتحة وعلى أنها مدنية . ~~وهذا لا يصح لأن الأصح أن الفاتحة مكية . | # واستثناء قوله تعالى : { كما أنزلنا على المقتسمين الذين جعلوا القرءان ~~عضين } بناء على تفسيرهم { المقتسمين } بأهل الكتاب وهو صحيح ، وتفسير { ~~جعلوا القرآن عضين } أنهم قالوا : ما وافق منه كتابنا فهو صدق وما خالف ~~كتابنا فهو كذب . ولم يقل ذلك إلا يهود المدينة ، وهذا لا نصححه كما نبينه ~~عند الكلام على تلك الآية . | PageV14P005 # ولو سلم هذا التفسير من جهتيه فقد يكون لأن اليهود سمعوا القرآن قبل هجرة ~~النبي صلى الله عليه وسلم بقليل فقالوا ذلك حينئذ ؛ على أنه قد روي أن ~~قريشا لما أهمهم أمر النبي صلى الله عليه وسلم استشاروا في أمره يهود ~~المدينة . | # وقال في ( الإتقان ) ينبغي استثناء قوله : { ولقد علمنا المستقدمين منكم ~~ولقد علمنا المستأخرين } لما أخرجه الترمذي وغيره في سبب نزولها وأنها في ~~صفوف الصلاة ا ه . | # وهو يشير بذلك إلى ما رواه الترمذي من طريق نوح بن قيس الجذامي عن أبي ~~الجوزاء عن ابن عباس قال : كانت امرأة تصلي خلف رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حسناء فكان بعض القوم يتقدم حتى يكون في الصف الأول لئلا يراها ، ~~ويستأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر ( أي من صفوف الرجال ) فإذا ركع نظر ~~من تحت إبطيه فأنزل الله تعالى : { ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا ~~المستأخرين } . قال الترمذي : ورواه جعفر بن سليمان ولم يذكر ابن عباس . ~~وهذا أشبه أن يكون أصح من حديث نوح ا ه . وهذا توهين لطريق نوح . | # قال ابن كثير في تفسيره : ( وهذا الحديث فيه نكارة شديدة . والظاهر أنه ~~من كلام أبي الجوزاء فقط ليس فيه لابن عباس ms4431 ذكر ، فلا اعتماد إلا على حديث ~~جعفر بن سليمان وهو مقطوع . | # وعلى تصحيح أنها مكية فقد عدت الرابعة والخمسين في عدد نزول السور ، نزلت ~~بعد سورة يوسف وقبل سورة الأنعام . | # ومن العجيب اختلافهم في وقت نزول هذه السورة وهي مشتملة على آية { فاصدع ~~بما تؤمر } وقد نزلت عند خروج النبي صلى الله عليه وسلم من دار الأرقم في ~~آخر السنة الرابعة من بعثته . | # وعدد آيها تسع وتسعون باتفاق العادين . | PageV14P006 # # | مقاصد هذه السورة # افتتحت بالحروف المقطعة التي فيها تعريض بالتحدي بإعجاز القرآن . وعلى ~~التنويه بفضل القرآن وهديه . | # وإنذار المشركين بندم يندمونه على عدم إسلامهم . | # وتوبيخهم بأنهم شغلهم عن الهدى انغماسهم في شهواتهم . | # وإنذارهم بالهلاك عند حلول إبان الوعيد الذي عينه الله في علمه . | # وتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم على عدم إيمان من لم يؤمنوا ، وما ~~يقولونه في شأنه وما يتوركون بطلبه منه ، وأن تلك عادة المكذبين مع رسلهم . ~~| # وأنهم لا تجدي فيهم الآيات والنذر لو أسعفوا بمجيء آيات حسب اقتراحهم به ~~وأن الله حافظ كتابه من كيدهم . | # ثم إقامة الحجة عليهم بعظيم صنع الله وما فيه من نعم عليهم . | # وذكر البعث ودلائل إمكانه . | # وانتقل إلى خلق نوع الإنسان وما شرف الله به هذا النوع . | # وقصة كفر الشيطان . | # ثم ذكر قصة إبراهيم ولوط عليهما السلام وأصحاب الأيكة وأصحاب الحجر . | # وختمت بتثبيت الرسول صلى الله عليه وسلم وانتظار ساعة النصر ، وأن يصفح ~~عن الذين يؤذونه ، ويكل أمرهم إلى الله ، ويشتغل بالمؤمنين ، وأن الله ~~كافيه أعداءه . | # مع ما تخلل ذلك من الاعتراض والإدماج من ذكر خلق الجن ، واستراقهم السمع ~~، ووصف أحوال المتقين ، والترغيب في المغفرة ، والترهيب من العذاب . | # | PageV14P007 # | 2 ( 1 ) { ال ر تلك ءايات الكتاب وقرءان مبين } ) 2 # | $ # تقدم الكلام على نظير فاتحة هذه السورة في أول سورة يونس . | # وتقدم في أول سورة البقرة ما في مثل هذه الفواتح من إعلان التحديد بإعجاز ~~القرآن . | # الإشارة إلى ما هو معروف قبل هذه السورة من مقدار ما نزل بالقرآن ، أي ~~الآيات المعروفة عندكم المتميزة لديكم ms4432 تميزا كتميز الشيء الذي تمكن الإشارة ~~إليه هي آيات الكتاب . وهذه الإشارة لتنزيل آيات القرآن منزلة الحاضر ~~المشاهد . | # و { الكتاب } علم بالغلبة على القرآن الذي أنزل على محمد صلى الله عليه ~~وسلم للهدى والإرشاد إلى الشريعة . وسمي كتابا لأنهم مأمورون بكتابة ما ~~ينزل منه لحفظه ومراجعته ؛ فقد سمي القرآن كتابا قبل أن يكتب ويجمع لأنه ~~بحيث يكون كتابا . | # ووقعت هذه الآية في مفتتح تهديد المكذبين بالقرآن لقصد الإعذار إليهم ~~باستدعائهم للنظر في دلائل صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وحقية دينه . | # ولما كان أصل التعريف باللام في الاسم المجعول علما بالغلبة جائيا من ~~التوسل بحرف التعريف إلى الدلالة على معنى كمالل الجنس في المعرف به لم ~~ينقطع عن العلم بالغلبة أنه فائق في جنسه بمعونة المقام ، فاقتضى أن تلك ~~الآيات هي آيات كتاب بالغ منتهى كمال جنسه ، أي من كتب الشرائع . | ~~PageV14P008 # وعطف { وقرآن } على { الكتاب } لأن اسم القرآن جعل علما على ما أنزل على ~~محمد صلى الله عليه وسلم للإعجاز والتشريع ، فهو الاسم العلم لكتاب الإسلام ~~مثل اسم التوراة والإنجيل والزبور للكتب المشتهرة بتلك الأسماء . | # فاسم القرآن أرسخ في التعريف به من الكتاب لأن العلم الأصلي أدخل في ~~تعريف المسمى من العلم بالغلبة ، فسواء نكر لفظ القرآن أو عرف باللام فهو ~~علم على كتاب الإسلام . فإن نكر فتنكيره على أصل الأعلام ، وإن عرف فتعريفه ~~للمح الأصل قبل العلمية كتعريف الأعلام المنقولة من أسماء الفاعلين لأن ( ~~القرآن ) منقول من المصدر الدال على القراءة ، أي المقروء الذي إذا قرىء ~~فهو منتهى القراءة . | # وفي التسمية بالمصدر من معنى قوة الاتصاف بمادة المصدر ما هو معلوم . | # وللإشارة إلى ما في كل من العلمين من معنى ليس في العلم الآخر حسن الجمع ~~بينهما بطريق العطف ، وهو من عطف ما يعبر عنه بعطف التفسير لأن ( قرآن ) ~~بمنزلة عطف البيان من ( كتاب ) وهو شبيه بعطف الصفة على الموصوف وما هو منه ~~، ولكنه أشبهه لأن المعطوف متبوع بوصف وهو { مبين } . وهذا كله اعتبار ~~بالمعنى . | # وابتدىء بالمعرف باللام لما ms4433 في التعريف من إيذان بالشهرة والوضوح وما فيه ~~من الدلالة على معنى الكمال ، ولأن المعرف هو أصل الإخبار والأوصاف . ثم ~~جيء بالمنكر لأنه أريد وصفه بالمبين ، والمنكر أنسب بإجراء الأوصاف عليه ، ~~ولأن التنكير يدل على التفخيم والتعظيم ، فوزعت الدلالتان على نكتة التعريف ~~ونكتة التنكير . | # فأما تقديم الكتاب على القرآن في الذكر فلأن سياق الكلام توبيخ الكافرين ~~وتهديدهم بأنهم سيجيء وقت يتمنون فيه أن لو كانوا مؤمنين . فلما كان الكلام ~~موجها إلى المنكرين ناسب أن يستحضر المنزل على محمد صلى PageV14P009 الله ~~عليه وسلم بعنوانه الأعم وهو كونه كتابا ، لأنهم حين جادلوا ما جالوا إلا ~~في كتاب فقالوا : { لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم ( الأنعام : ~~157 ) ولأنهم يعرفون ما عند الأمم الآخرين بعنوان كتاب ، ويعرفونهم بعنوان ~~أهل الكتاب . | # فأما عنوان القرآن فهو مناسب لكون الكتاب مقروءا مدروسا وإنما يقرأه ~~ويدرسه المؤمنون به . ولذلك قدم عنوان القرآن في سورة النمل كما سيأتي . | # والمبين : اسم فاعل من أبان القاصر الذي هو بمعنى بان مبالغة في ظهوره ، ~~أي ظهور قرآنيته العظيمة ، أي ظهور إعجازه الذي تحققه المعاندون وغيرهم . | # وإنما لم نجعل المبين بمعنى أبان المتعدي لأن كونه بينا في نفسه أشد في ~~توبيخ منكريه من وصفه بأنه مظهر لما اشتمل عليه . وسيجيء قريب من هذه الآية ~~في أول سورة النمل . | # | 2 ( 2 ) { ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين } ) 2 # استئناف ابتدائي وهو مفتتح الغرض وما قبله كالتنبيه والإنذار . | # و { ربما } مركبة من ( رب ) . وهو حرف يدل على تنكير مدخوله ويجر ويختص ~~بالأسماء . وهو بتخفيف الباء وتشديدها في جميع الأحوال . وفيها عدة لغات . ~~| # وقرأ نافع وعاصم وأبو جعفر بتخفيف الباء . وقرأ الباقون بتشديدها . | # واقترنت بها ( ما ) الكافة ل ( رب ) عن العمل . ودخول ( ما ) بعد ( رب ) ~~يكف عملها غالبا . وبذلك يصح دخولها على الأفعال . فإذا دخلت على الفعل ~~فالغالب أن يراد بها التقليل . | PageV14P010 # والأكثر أن يكون فعلا ماضيا ، وقد يكون مضارعا للدلالة على الاستقبال كما ~~هنا . ولا حاجة إلى تأويله بالماضي في التحقق . | # ومن ms4434 النحويين من أوجب دخولها على الماضي ، وتأول نحو الآية بأنه منزل ~~منزلة الماضي لتحققه . ومعنى الاستقبال هنا واضح لأن الكفار لم يودوا أن ~~يكونوا مسلمين قبل ظهور قوة الإسلام من وقت الهجرة . | # والكلام خبر مستعمل في التهديد والتهويل في عدم اتباعهم دين الإسلام . ~~والمعنى : قد يود الذين كفروا لو كانوا أسلموا . | # والتقليل هنا مستعمل في التهكم والتخويف ، أي احذروا ودادتكم أن تكونوا ~~مسلمين ، فلعلها أن تقع نادرا كما يقول العرب في التوبيخ : لعلك ستندم على ~~فعلك ، وهم لا يشكون في تندمه ، وإنما يريدون أنه لو كان الندم مشكوكا فيه ~~لكان حقا عليك أن تفعل ما قد تندم على التفريط فيه لكي لا تندم ، لأن ~~العاقل يتحرز من الضر المظنون كما يتحرز من المتيقن . | # والمعنى أنهم قد يودون أن يكونوا أسلموا ولكن بعد الفوات . | # والإتيان بفعل الكون الماضي للدلالة على أنهم يودون الإسلام بعد مضي وقت ~~التمكن من إيقاعه ، وذلك عندما يقتلون بأيدي المسلمين ، وعند حضور يوم ~~الجزاء ، وقد ود المشركون ذلك غير مرة في الحياة الدنيا حين شاهدوا نصر ~~المسلمين . | # وعن ابن مسعود : ود كفار قريش ذلك يوم بدر حين رأوا نصر المسلمين . ~~ويتمنون ذلك في الآخرة حين يساقون إلى النار لكفرهم ، قال تعالى : { ويوم ~~يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا ( سورة الفرقان : ~~27 ) . وكذلك إذا أخرج عصاة المسلمين من النار ود الذين كفروا في النار لو ~~كانوا مسلمين ، على أنهم قد ودوا ذلك غير مرة وكتموه في نفوسهم عنادا وكفرا ~~. قال تعالى : ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب ~~PageV14P011 بآيات ربنا ونكون من المؤمنين بل بدا لهم ما كانوا يخفون من ~~قبل ( سورة الأنعام : 27 ، 28 ) ، أي فلا يصرحون به . | # ولو } في { لو كانوا مسلمين } مستعملة في التمني لأن أصلها الشرطية إذ هي ~~حرف امتناع لامتناع ، فهي مناسبة لمعنى التمني الذي هو طلب الأمر الممتنع ~~الحصول ، فإذا وقعت بعد ما يدل على التمني استعملت في ذلك كأنها على تقدير ms4435 ~~قول محذوف يقوله المتمني ، ولما حذف فعل القول عدل في حكاية المقول إلى ~~حكايته بالمعنى . فأصل { لو كانوا مسلمين } لو كنا مسلمين . | # والتزم حذف جواب { لو } اكتفاء بدلالة المقام عليه ثم شاع حذف القول ، ~~فأفادت { لو } معنى المصدرية فصار المعنى : يود الذين كفروا كونهم مسلمين ، ~~ولذلك عدوها من حروف المصدرية وإنما المصدر معنى عارض في الكلام وليس ~~مدلولها بالوضع . | # | 2 ( 3 ) { ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الامل فسوف يعلمون } ) 2 # لما دلت ( رب ) على التقليل اقتضت أن استمرارهم على غلوائهم هو أكثر ~~حالهم ، وهو الإعراض عما يدعوهم إليه الإسلام من الكمال النفسي ، فبإعراضهم ~~عنه رضوا لأنفسهم بحياة الأنعام ، وهي الاقتصار على اللذات الجسدية ، فخوطب ~~الرسول صلى الله عليه وسلم بما يعرض لهم بذلك من أن حياتهم حياة أكل وشرب . ~~وذلك مما يتعيرون به في مجاري أقوالهم كما في قول الحطيئة : | # دع المكارم لا تنهض لبغيتها | # واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي | # وهم منغمسون فيما يتعيرون به في أعمالهم قال تعالى : { والذين كفروا ~~يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم ( سورة محمد : 12 ) . | ~~PageV14P012 # وذر } أمر لم يسمع له ماض في كلامهم . وهو بمعنى الترك . وتقدم في قوله : ~~{ وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا في سورة الأنعام ( 70 ) . | # والأمر بتركهم مستعمل في لازمه وهو قلة جدوى الحرص على إصلاحهم . وليس ~~مستعملا في الإذن بمتاركتهم لأن النبي مأمور بالدوام على دعائهم . قال ~~تعالى : وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا إلى قوله : وذكر به أن تبسل نفس بما ~~كسبت ( سورة الأنعام : 70 ) . فما أمره بتركهم إلا وقد أعقبه بأمره ~~بالتذكير بالقرآن ؛ فعلم أن الترك مستعمل في عدم الرجاء في صلاحهم . وهذا ~~كقول كبشة أخت عمرو بن معد يكرب في قتل أخيها عبد الله تستنهض أخاها عمرا ~~للأخذ بثأره : | # ودع عنك عمرا إن عمرا مسالم | # وهل بطن عمرو غير شبر لمطعم | # وقد يستعمل هذا الفعل وما يراد به كناية عن عدم الاحتياج إلى الإعانة أو ~~عن عدم قبول الوساطة كقوله تعالى : ذرني ومن خلقت وحيدا ( سورة المدثر ms4436 : 11 ~~) ، وقوله : وذرني والمكذبين ( سورة المزمل : 11 ) . | # وقد يستعمل في الترك المجازي بتنزيل المخاطب منزلة المتلبس بالضد كقول ~~أبي تمام : | # دعوني أنح من قبل نوح الحمائم | # ولا تجعلوني عرضة للوائم | # إذ مثل هذا يقال عند اليأس والقنوط عن صلاح المرء . | # وقد حذف متعلق الترك لأن الفعل نزل منزلة ما لا يحتاج إلى متعلق ، إذ ~~المعني به ترك الاشتغال بهم والبعد عنهم ، فلذلك عدي فعل الترك إلى ذواتهم ~~ليدل على اليأس منهم . | # ويأكلوا } مجزوم بلام الأمر محذوفة كما تقدم بيانه عند قوله تعالى : { قل ~~لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة في سورة إبراهيم ( 31 ) . وهو ~~PageV14P013 أمر للتوبيخ والتوعد والإنذار بقرينة قوله : فسوف يعلمون } . ~~وهو كقوله : { كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون ( سورة المرسلات : 46 ) . | # ولا يحسن جعله مجزوما في جواب ذرهم } لأنهم يأكلون ويتمتعون سواء ترك ~~الرسول صلى الله عليه وسلم دعوتهم أم دعاهم . | # والتمتع : الانتفاع بالمتاع . وقد تقدم غير مرة ، منها قوله : { ومتاع ~~إلى حين في سورة الأعراف ( 24 ) . | # وإلهاء الأمل إياهم : هو إنساؤه إياهم ما حقهم أن يتذكروه ؛ بأن يصرفهم ~~تطلب ما لا ينالون عن التفكير في البعث والحياة الآخرة . | # والأمل } : مصدر . وهو ظن حصول أمر مرغوب في حصوله مع استبعاد حصوله . ~~فهو واسطة بين الرجاء والطمع . ألا ترى إلى قول كعب : | # أرجو وآمل أن تدنو مودتها | # وما إخال لدينا منك تنويل | # وتفرع على التعريض التصريح بالوعيد بقوله : { فسوف يعلمون } بأنه مما ~~يستعمل في الوعيد كثيرا حتى صار كالحقيقة . وفيه إشارة إلى أن لإمهالهم ~~أجلا معلوما كقوله : { وسوف يعلمون حين يرون العذاب ( سورة الفرقان : 42 ) ~~. | # | 2 ( 4 5 ) ومآ أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم * ما تسبق من أمة ~~أجلها وما يستئخرون } ) 2 # اعتراض تذييلي لأن في هذه الجملة حكما يشملهم وهو حكم إمهال الأمم التي ~~حق عليها الهلاك ، أي ما أهلكنا أمة إلا وقد متعناها زمنا وكان لهلاكها أجل ~~ووقت محدود ، فهي ممتعة قبل حلوله ، وهي مأخوذة عند إبانه . | PageV14P014 # وهذا تعريض لتهديد ووعيد مؤيد بتنظيرهم بالمكذبين السالفين . | # وإنما ذكر ms4437 حال القرى التي أهلكت من قبل لتذكير هؤلاء بسنة الله في إمهال ~~الظالمين لئلا يغرهم ما هم فيه من التمتع فيحسبوا أنهم أفلتوا من الوعيد . ~~وهذا تهديد لا يقتضي أن المشركين قدر الله أجلا لهلاكهم ، فإن الله لم ~~يستأصلهم ولكن هدى كثيرا منهم إلى الإسلام بالسيف وأهلك سادتهم يوم بدر . | # والقرية : المدينة . وتقدمت عند قوله تعالى : { أو كالذي مر على قرية في ~~سورة البقرة ( 259 ) . | # والكتاب : القدر المحدود عند الله . شبه بالكتاب في أنه لا يقبل الزيادة ~~والنقص . وهو معلوم عند الله ، لا يضل ربي ولا ينسى . | # وجملة ولها كتاب معلوم } في موضع الحال ، وكفاك علما على ذلك اقترانها ~~بالواو فهي استثناء من عموم أحوال ، وصاحب الحال هو { قرية } وهو وإن كان ~~نكرة فإن وقوعها في سياق النفي سوغ مجيء الحال منه كما سوغ العموم صحة ~~الإخبار عن النكرة . | # وجملة { ما تسبق من أمة أجلها } بيان لجملة { ولها كتاب معلوم } لبيان ~~فائدة التحديد : أنه عدم المجاوزة بدءا ونهاية . | # ومعنى ( تسبق أجلها ) تفوته ، أي تعدم قبل حلوله ، شبه ذلك بالسبق . | # و { يستأخرون } : يتأخرون . فالسين والتاء للتأكيد . | # وأنث مفردا ضمير الأمة مرة مراعاة للفظ ، وجمع مذكرا مراعاة للمعنى . ~~وحذف متعلق { يستأخرون } للعلم به ، أي وما يستأخرون عنه . | # | PageV14P015 # | 2 ( 6 7 ) { وقالوا ياأيها الذى نزل عليه الذكر إنك لمجنون * لو ما ~~تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين } . ) 2 # عطف على جملة { ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ( سورة الحجر : 3 ) . والمناسبة أن ~~المعطوف عليها تضمنت انهماكهم في الملذات والآمال ، وهذه تضمنت توغلهم في ~~الكفر وتكذيبهم الرسالة المحمدية . | # والمعنى : ذرهم يكذبون ويقولون شتى القول من التكذيب والاستهزاء . | # والجملة كلها من مقولهم . | # والنداء في يأيها الذي نزل عليه الذكر } للتشهير بالوصف المنادى به ، ~~واختيار الموصولية لما في الصلة من المعنى الذي جعلوه سبب التهكم . وقرينة ~~التهكم قولهم : { إنك لمجنون } . وقد أرادوا الاستهزاء بوصفه فأنطقهم الله ~~بالحق فيه صرفا لألسنتهم عن الشتم . وهذا كما كانوا إذا شتموا النبي صلى ~~الله عليه وسلم أو هجوه يدعونه مذمما ؛ فقال النبي صلى ms4438 الله عليه وسلم ~~لعائشة : ( ألم تري كيف صرف الله عني أذى المشركين وسبهم ، يسبون مذمما ~~وأنا محمد ) . | # وفي هذا إسناد الصلة إلى الموصول بحسب ما يدعيه صاحب اسم الموصول ، لا ~~بحسب اعتقاد المتكلم على طريقة التهكم . | # و { الذكر } : مصدر ذكر ، إذا تلفظ . ومصدر ذكر إذا خطر بباله شيء . ~~فالذكر الكلام الموحى به ليتلى ويكرر ، فهو للتلاوة لأنه يذكر ويعاد ؛ إما ~~لأن فيه التذكير بالله واليوم الآخر ، وإما بمعنى أن به ذكرهم في الآخرين ، ~~وقد شملها قوله تعالى : { لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم ( سورة ~~الأنبياء : 10 ) وقال : وإنه لذكر لك ولقومك ( سورة الزخرف : 44 ) والمراد ~~به هنا القرآن . | PageV14P016 # فتسمية القرآن ذكرا تسمية جامعة عجيبة لم يكن للعرب علم بها من قبل أن ~~ترد في القرآن . | # وكذلك تسميته قرآنا لأنه قصد من إنزاله أن يقرأ ، فصار الذكر والقرآن ~~صنفين من أصناف الكلام الذي يلقى للناس لقصد وعيه وتلاوته ، كما كان من ~~أنواع الكلام الشعر والخطبة والقصة والأسطورة . | # ويدلك لهذا قوله تعالى : وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر ~~وقرءان مبين ( سورة يس : 69 ) ، فنفى أن يكون الكتاب المنزل على محمد شعرا ~~، ووصفه بأنه ذكر وقرآن ، ولا يخفى أن وصفه بذلك يقتضي مغايرة بين الموصوف ~~والصفة ، وهي مغايرة باعتبار ما في الصفتين من المعنى الذي أشرنا إليه . ~~فالمراد : أنه من صنف الذكر ومن صنف القرآن ، لا من صنف الشعر ولا من صنف ~~الأساطير . | # ثم صار القرآن بالتعريف باللام علما بالغلبة على الكتاب المنزل على محمد ~~كما علمت آنفا . | # وإنما وصفوه بالجنون لتوهمهم أن ادعاء نزول الوحي عليه لا يصدر من عاقل ، ~~لأن ذلك عندهم مخالف للواقع توهما منهم بأن ما لا تقبله عقولهم التي عليها ~~غشاوة ليس من شأنه أن يقبله العقلاء ، فالداعي به غير عاقل . | # والمجنون : الذي جن ، أي أصابه فساد في العقل من أثر مس الجن إياه في ~~اعتقادهم ، فالمجنون اسم مفعول مشتق من الفعل المبني للمجهول وهو من ~~الأفعال التي لم ترد إلا مسندة للمجهول . | # وتأكيد ms4439 الجملة ب ( إن ) واللام لقصدهم تحقيق ذلك له لعله يرتدع عن ~~الاستمرار فيه أو لقصدهم تحقيقه للسامعين حاضري مجالسهم . | PageV14P017 # وجملة لو ما تأتينا بالملائكة } استدلال على ما اقتضته الجملة قبلها ~~باعتبار أن المقصود منها تكذيب الرسول عليه الصلاة والسلام لأن ما يصدر من ~~المجنون من الكلام لا يكون جاريا على مطابقة الواقع فأكثره كذب . | # و { لو ما } حرف تحضيض بمنزلة لولا التحضيضية . ويلزم دخولها الجملة ~~الفعلية . | # والمراد بالإتيان بالملائكة حضورهم عندهم ليخبرهم بصدقه في الرسالة . ~~وهذا كما حكى الله في الآية الأخرى بقوله تعالى : { أو تأتي بالله ~~والملائكة قبيلا ( سورة الإسراء : 92 ) . | # ومن الصادقين } أي من الناس الذين صفتهم الصدق ، وهو أقوى من ( إن كنت ~~صادقا ) ، كما تقدم في قوله تعالى : { وكونوا مع الصادقين في سورة براءة ( ~~219 ) ، وفي قوله : قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين في سورة البقرة ( ~~67 ) . | # | 2 ( 8 ) ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين } . ) 2 # مستأنفة ابتدائية جوابا لكلامهم وشبهاتهم ومقترحاتهم . | # وابتدىء في الجواب بإزالة شبهتهم إذ قالوا : { لو ما تأتينا بالملائكة ( ~~سورة الحجر : 7 ) . أريد منه إزالة جهالتهم إذ سألوا نزول الملائكة علامة ~~على التصديق لأنهم وإن طلبوا ذلك بقصد التهكم فهم مع ذلك معتقدون أن نزول ~~الملائكة هو آية صدق الرسول ، فكان جوابهم مشوبا بطرف من الأسلوب الحكيم ، ~~وهو صرفهم إلى تعليمهم الميز بين آيات الرسل وبين آيات العذاب ، فأراد الله ~~أن لا يدخرهم هديا وإلا فهم أحرياء بأن لا يجابوا . | PageV14P018 # والنزول : التدلي من علو إلى سفل . والمراد به هنا انتقال الملائكة من ~~العالم العلوي إلى العالم الأرضي نزولا مخصوصا . وهو نزولهم لتنفيذ أمر ~~الله بعذاب يرسله على الكافرين ، كما أنزلوا إلى مدائن لوط عليه السلام . ~~وليس مثل نزول جبريل عليه السلام أو غيره من الملائكة إلى الرسل عليهم ~~السلام بالشرائع أو بالوحي . قال تعالى في ذكر زكرياء عليه السلام فنادته ~~الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى ( سورة آل عمران : ~~39 ) . | # والمراد ب الحق هنا الشيء ms4440 الحاق ، أي المقضي ، مثل إطلاق القضاء بمعنى ~~المقضي . وهو هنا صفة لمحذوف يعلم من المقام ، أي العذاب الحاق . قال تعالى ~~: وكثير حق عليه العذاب ( سورة الحج : 18 ) وبقرينة قوله : وما كانوا إذا ~~منظرين } ، أي لا تنزل الملائكة للناس غير الرسل والأنبياء . عليهم الصلاة ~~والسلام إلا مصاحبين للعذاب الحاق على الناس كما تنزلت الملائكة على قوم ~~لوط وهو عذاب الاستئصال . ولو تنزلت الملائكة لعجل للمنزل عليهم ولما ~~أمهلوا . | # ويفهم من هذا أن الله منظرهم ، لأنه لم يرد استئصالهم ، لأنه أراد أن ~~يكون نشر الدين بواسطتهم فأمهلهم حتى اهتدوا ، ولكنه أهلك كبراءهم ومدبريهم ~~. | # ونظير هذا قوله تعالى في سورة الأنعام ( 8 ) : { وقالوا لولا أنزل عليه ~~ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون . وقد نزلت الملائكة عليهم ~~يوم بدر يقطعون رؤوس المشركين . | # والإنظار : التأخير والتأجيل . | # وإذا } حرف جواب وجزاء . وقد وسطت هنا بين جزأي جوابها رعيا لمناسبة عطف ~~جوابها على قول : { ما تنزل الملائكة } . وكان شأن ( إذن ) أن تكون في صدر ~~جوابها . وجملتها هي الجواب المقصود لقولهم : { لو ما تأتينا بالملائكة ( ~~سورة الحجر : 7 ) . وجملة ما تنزل الملائكة إلا بالحق مقدمة من تأخير لأنها ~~تعليل للجواب ، فقدم لأنه أوقع في الرد ، ولأنه أسعد بإيجاز الجواب . | ~~PageV14P019 # وتقدير الكلام لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين إذن ما كنتم ~~منظرين بالحياة ولعجل لكم الاستئصال إذ ما تنزل الملائكة إلا مصحوبين ~~بالعذاب الحاق . وهذا المعنى وارد في قوله تعالى : ويستعجلونك بالعذاب ~~ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب ( سورة العنكبوت : 53 ) . | # وقرأ الجمهور ما تنزل } بفتح التاء على أن أصله ( تتنزل ) . | # وقرأ أبو بكر عن عاصم بضم التاء وفتح الزاي على البناء للمجهول ورفع ~~الملائكة على النيابة . | # وقرأ الكسائي ، وحفص عن عاصم ، وخلف { ما ننزل الملائكة } بنون في أوله ~~وكسر الزاي ونصب الملائكة على المفعولية . | # | 2 ( 9 ) { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } . ) 2 # استئناف ابتدائي لإبطال جزء من كلامهم المستهزئين به ، إذ قالوا : { ~~يأيها الذي نزل عليه الذكر ( سورة الحجر : 6 ) ، بعد أن ms4441 عجل كشف شبهتهم في ~~قولهم : لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين ( سورة الحجر : 7 ) . | # جاء نشر الجوابين على عكس لف المقالين اهتماما بالابتداء برد المقال ~~الثاني بما فيه من الشبهة بالتعجيز والإفحام ، ثم ثني العنان إلى رد ~~تعريضهم بالاستهزاء وسؤال رؤية الملائكة . | # وكان هذا الجواب من نوع القول بالموجب بتقرير إنزال الذكر على الرسول ~~مجاراة لظاهر كلامهم . والمقصود الرد عليهم في استهزائهم ، فأكد الخبر بإنا ~~} وضمير الفصل مع موافقته لما في الواقع كقوله : { قالوا نشهد إنك لرسول ~~الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ( سورة ~~المنافقون : 1 ) . | PageV14P020 # ثم زاد ذلك ارتقاء ونكاية لهم بأن منزل الذكر هو حافظه من كيد الأعداء ؛ ~~فجملة وإنا له لحافظون } معترضة ، والواو اعتراضية . | # والضمير المجرور باللام عائد إلى { الذكر } ، واللام لتقوية عمل العامل ~~لضعفه بالتأخير عن معموله . | # وشمل حفظه الحفظ من التلاشي ، والحفظ من الزيادة والنقصان فيه ، بأن يسر ~~تواتره وأسباب ذلك ، وسلمه من التبديل والتغيير حتى حفظته الأمة عن ظهور ~~قلوبها من حياة النبي صلى الله عليه وسلم فاستقر بين الأمة بمسمع من النبي ~~صلى الله عليه وسلم وصار حفاظه بالغين عدد التواتر في كل مصر . | # وقد حكى عياض في ( المدارك ) : أن القاضي إسماعيل بن إسحاق بن حماد ~~المالكي البصري سئل عن السر في تطرق التغيير للكتب السالفة وسلامة القرآن ~~من طرق التغيير له . فأجاب بأن الله أوكل للأحبار حفظ كتبهم فقال : { بما ~~استحفظوا من كتاب الله ( سورة المائدة : 44 ) وتولى حفظ القرآن بذاته تعالى ~~فقال : إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } . | # قال أبو الحسن بن المنتاب ذكرت هذا الكلام للمحاملي فقال لي : لا أحسن من ~~هذا الكلام . | PageV14P021 # وفي تفسير ( القرطبي ) في خبر رواه عن يحيى بن أكثم : أنه ذكر قصة إسلام ~~رجل يهودي في زمن المأمون ، وحدث بها سفيان بن عيينة فقال سفيان : قال الله ~~في التوراة والإنجيل { بما استحفظوا من كتاب الله } فجعل حفظه إليهم فضاع . ~~وقال عز وجل : { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ms4442 } فحفظه الله تعالى ~~علينا فلم يضع ) ا ه . ولعل هذا من توارد الخواطر . | # وفي هذا مع التنويه بشأن القرآن إغاظة للمشركين بأن أمر هذا الدين سيتم ~~وينتشر القرآن ويبقى على ممر الأزمان . وهذا من التحدي ليكون هذا الكلام ~~كالدليل على أن القرآن منزل من عند الله آية على صدق الرسول صلى الله عليه ~~وسلم لأنه لو كان من قول البشر أو لم يكن آية لتطرقت إليه الزيادة والنقصان ~~ولاشتمل على الاختلاف ، قال تعالى : { أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند ~~غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ( سورة النساء : 82 ) . | # | 2 ( 10 11 ) ولقد أرسلنا من قبلك فى شيع الاولين * وما يأتيهم من رسول ~~إلا كانوا به يستهزئون } . ) 2 # عطف على جملة { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ( الحجر : 9 ) ~~باعتبار أن تلك جواب عن استهزائهم في قولهم : يا أيها الذي نزل عليه الذكر ~~إنك لمجنون ( الحجر : 6 ) فإن جملة إنا نحن نزلنا الذكر } قول بموجب قولهم ~~: { يا أيها الذي نزل عليه الذكر } . وجملة { ولقد أرسلنا من قبلك في شيع ~~الأولين } إبطال لاستهزائهم على طريقة التمثيل بنظرائهم من الأمم السالفة . ~~| # وفي هذا التنظير تحقيق لكفرهم لأن كفر أولئك السالفين مقرر عند الأمم ~~ومتحدث به بينهم . | # وفيه أيضا تعريض بوعيد أمثالهم وإدماج بالكناية عن تسلية الرسول عليه ~~الصلاة والسلام . | PageV14P022 # والتأكيد بلام القسم و ( قد ) لتحقيق سبق الإرسال من الله ، مثل الإرسال ~~الذي جحدوه واستعجبوه كقوله : { أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم ( ~~سورة يونس : 2 ) . وذلك مقتضى موقع قوله : من قبلك } . | # والشيع جمع شيعة وهي الفرقة التي أمرها واحد ، وتقدم ذلك عند قوله تعالى ~~: { أو يلبسكم شيعا في سورة الأنعام ( 65 ) . ويأتي في قوله تعالى : ثم ~~لننزعن من كل شيعة في سورة مريم ( 69 ) ، أي في أمم الأولين ، أي القرون ~~الأولى فإن من الأمم من أرسل إليهم ومن الأمم من لم يرسل إليهم . فهذا وجه ~~إضافة شيع } إلى { الأولين } . | # و { كانوا به يستهزءون } يدل على تكرر ذلك منهم وأنه سنتهم ms4443 ، ف ( كان ) ~~دلت على أنه سجية لهم ، والمضارع دل على تكرره منهم . | # ومفعول { أرسلنا } محذوف دلت عليه صيغة الفعل ، أي رسلا ، ودل عليه قوله ~~: { من رسول } . | # وتقديم المجرور على { يستهزءون } يفيد القصر للمبالغة ، لأنهم لما كانوا ~~يكثرون الاستهزاء برسولهم وصار ذلك سجية لهم نزلوا منزلة من ليس له عمل إلا ~~الاستهزاء بالرسول . | # | 2 ( 12 ، 13 ) { كذلك نسلكه فى قلوب المجرمين * لا يؤمنون به وقد خلت ~~سنة الاولين } . ) 2 # استئناف بياني ناشىء عن سؤال يخطر ببال السامع لقوله { وما يأتيهم من ~~رسول إلا كانوا به يستهزءون ( سورة الحجر : 11 ) فيتساءل كيف تواردت هذه ~~الأمم على طريق واحد من الضلال فلم تفدهم دعوة الرسل عليهم السلام كما قال ~~تعالى : أتواصوا به بل هم قوم طاغون ( سورة الذاريات : 53 ) . | ~~PageV14P023 # والجملة مستأنفة استئنافا بيانيا ناشئا عن جملة وإنا له لحافظون ( سورة ~~الحجر : 9 ) ؛ إذ قد يخطر بالبال أن حفظ الذكر يقتضي أن لا يكفر به من كفر ~~. فأجيب بأن ذلك عقاب من الله لهم لإجرامهم وتلقيهم الحق بالسخرية وعدم ~~التدبر ، ولأجل هذا اختير لهم وصف المجرمين دون الكافرين لأن وصف الكفر صار ~~لهم كاللقب لا يشعر بمعنى التعليل . ونظيره قوله في الآية الأخرى وأما ~~الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم ( سورة التوبة : 125 ) . | # والتعبير بصيغة المضارع في نسلكه } للدلالة على أن المقصود إسلاك في زمن ~~الحال ، أي زمن نزول القرآن ، ليعلم أن المقصود بيان تلقي المشركين للقرآن ~~، فلا يتوهم أن المراد بالمجرمين شيع الأولين مع ما يفيده المضارع من ~~الدلالة على التجديد المناسب لقوله : { وقد خلت سنة الأولين } ، أي تجدد ~~لهؤلاء إبلاغ القرآن على سنة إبلاغ الرسالات لمن قبلهم . | # وفيه تعريض بأن ذلك إعذار لهم ليحل بهم العذاب كما حل بمن قبلهم . | # والمشار إليه بقوله : { كذلك } هو السلك المأخوذ من { نسلكه } على طريقة ~~أمثالها المقررة في قوله تعالى : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا في سورة البقرة ~~( 143 ) . | # والسلك : الإدخال . قال الأعشى : | # كما سلك السكي في الباب فيتق | # أي مثل السلك الذي سنصفه نسلك ms4444 الذكر في قلوب المجرمين ، أي هكذا نولج ~~القرآن في عقول المشركين ، فإنهم يسمعونه ويفهمونه إذ هو من كلامهم ويدركون ~~خصائصه ؛ ولكنه لا يستقر في عقولهم استقرار تصديق به بل هم مكذبون به ، كما ~~قال تعالى : وإذ ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما ~~الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم ~~رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون ( سورة التوبة : 124 125 ) . | ~~PageV14P024 # وبهذا السلوك تقوم الحجة عليهم بتبليغ القرآن إليهم ويعاد إسماعهم إياه ~~المرة بعد المرة لتقوم الحجة . | # فضمير نسلكه } و { به } عائدان إلى { الذكر } في قوله : { إنا نحن نزلنا ~~الذكر ( سورة الحجر : 9 ) أي القرآن . | # والمجرمون هم كفار قريش . | # وجملة لا يؤمنون به } بيان للسلك المشبه به أو حال من المجرمين ، أي تعيه ~~عقولهم ولا يؤمنون به . وهذا عام مراد به من ماتوا على الكفر منهم . ~~والمراد أنهم لا يؤمنون وقتا ما . | # وجملة { وقد خلت سنة الأولين } معترضة بين جملة { لا يؤمنون به } وجملة { ~~ولو فتحنا عليهم بابا من السماء } ( الحجر : 14 ) الخ . | # والكلام تعريض بالتهديد بأن يحل بهم ما حل بالأمم الماضية معاملة للنظير ~~بنظيره ، لأن كون سنة الأولين مضت أمر معلوم غير مفيد ذكره ، فكان الخبر ~~مستعملا في لازمه بقرينة تعذر الحمل على أصل الخبرية . | # والسنة : العادة المألوفة . وتقدم في قوله تعالى : { قد خلت من قبلكم سنن ~~في سورة آل عمران ( 137 ) . وإضافتها إلى الأولين } باعتبار تعلقها بهم ، ~~وإنما هي سنة الله فيهم لأنها المقصود هنا ، والإضافة لأدنى ملابسة . | # | 2 ( 14 ، 15 ) { ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون * ~~لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون } . ) 2 # عطف على جملة { لا يؤمنون به ( سورة الحجر : 13 ) وهو كلام جامع لإبطال ~~جميع معاذيرهم من قولهم : لو ما تأتينا بالملائكة سورة الحجر ( 7 ) وقولهم ~~؛ إنك لمجنون ( سورة الحجر : 6 ) PageV14P025 بأنهم لا يطلبون الدلالة على ~~صدقه ، لأن دلائل الصدق بينة ، ولكنهم ينتحلون المعاذير المختلفة . | # والكلام الجامع لإبطال معاذيرهم : أنهم لو ms4445 فتح الله بابا من السماء حين ~~سألوا آية على صدق الرسول ، أي بطلب من الرسول فاتصلوا بعالم القدس والنفوس ~~الملكية ورأوا ذلك رأي العين لاعتذروا بأنها تخيلات وأنهم سحروا فرأوا ما ~~ليس بشيء شيئا . | # ونظيره قوله : ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين ~~كفروا إن هذا إلا سحر مبين ( سورة الأنعام : 7 ) . | # و ( ظل ) تدل على الكون في النهار ، أي وكان ذلك في وضح النهار وتبين ~~الأشباح وعدم التردد في المرئي . | # والعروج : الصعود . ويجوز في مضارعه ضم الراء وبه القراءة وكسرها ، أي ~~فكانوا يصعدون في ذلك الباب نهارا . | # وسكرت } بضم السين وتشديد الكاف في قراءة الجمهور ، وبتخفيف الكاف في ~~قراءة ابن كثير . وهو مبني للمجهول على القراءتين ، أي سدت . يقال : سكر ~~الباب بالتشديد وسكره بالتخفيف إذا سده . | # والمعنى : لجحدوا أن يكونوا رأوا شيئا . | # وأتوا بصيغة الحصر للدلالة على أنهم قد بتوا القول في ذلك . ورد بعضهم ~~على بعض ظن أن يكونوا رأوا أبواب السماء وعرجوا فيها ، وزعموا أنهم ما ~~كانوا يبصرون ، ثم أضربوا عن ذلك إضراب المتردد المتحير ينتقل من فرض إلى ~~فرض فقالوا : { بل نحن قوم مسحورون } ، أي ما رأيناه هو تخيلات المسحور ، ~~أي فعادوا إلى إلقاء تبعة ذلك على الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه سحرهم ~~حين سأل لهم الله أن يفتح بابا من السماء ففتحه لهم . | PageV14P026 # وقد تقدم الكلام على السحر وأحواله عند قوله تعالى : { يعلمون الناس ~~السحر في سورة البقرة ( 102 ) . | # وإقحام كلمة قوم } هنا دون أن يقولوا : بل نحن مسحورون ، لأن ذكرها يقتضي ~~أن السحر قد تمكن منهم واستوى فيه جميعهم حتى صار من خصائص قوميتهم كما ~~تقدم تبيينه عند قوله تعالى : { لآيات لقوم يعقلون في سورة البقرة ( 164 ) ~~. وتكرر ذلك . | # | 2 ( 16 18 ) ولقد جعلنا فى السماء بروجا وزيناها للناظرين * وحفظناها ~~من كل شيطان رجيم * إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين } . ) 2 # لما جرى الكلام السابق في شأن تكذيب المشركين برسالة محمد صلى الله عليه ~~وسلم وما توركوا به في ms4446 ذلك ، وكان الأصل الأصيل الذي بنوا عليه صرح التكذيب ~~أصلين هما إبطاله إلهية أصنامهم ، وإثباته البعث ، انبرى القرآن يبين لهم ~~دلائل تفرد الله تعالى بالإلهية ، فذكر الدلائل الواضحة من خلق السماوات ~~والأرض ، ثم أعقبها بدلائل إمكان البعث من خلق الحياة والموت وانقراض أمم ~~وخلفها بأخرى في قوله تعالى : { وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون ( سورة ~~الحجر : 23 ) الآية . وصادف ذلك مناسبة ذكر فتح أبواب السماء في تصوير ~~غلوائهم بعنادهم ، فكان الانتقال إليه تخلصا بديعا . | # وفيه ضرب من الاستدلال على مكابرتهم فإنهم لو أرادوا الحق لكان لهم في ~~دلالة ما هو منهم غنية عن تطلب خوارق العادات . | # والخبر مستعمل في التذكير والاستدلال لأن مدلول هذه الأخبار معلوم لديهم ~~. | PageV14P027 # وافتتح الكلام بلام القسم وحرف التحقيق تنزيلا للمخاطبين الذاهلين عن ~~الاستدلال بذلك منزلة المتردد فأكد لهم الكلام بمؤكدين . ومرجع التأكيد إلى ~~تحقيق الاستدلال وإلى الإلجاء إلى الإقرار بذلك . | # والبروج : جمع برج بضم الباء . وحقيقته البناء الكبير المتخذ للسكنى أو ~~للتحصن . وهو يرادف القصر ، قال تعالى : ولو كنتم في بروج مشيدة في سورة ~~النساء ( 78 ) . | # وأطلق البرج على بقعة معينة من سمت طائفة من النجوم غير السيارة ( وتسمى ~~النجوم الثوابت ) متجمع بعضها بقرب بعض على أبعاد بينها لا تتغير فيما ~~يشاهد من الجو ، فتلك الطائفة تكون بشكل واحد يشابه نقطا لو خططت بينها ~~خطوط لخرج منها شبه صورة حيوان أو آلة سموا باسمها تلك النجوم المشابهة ~~لهيئتها وهي واقعة في خط سير الشمس . | # وقد سماها الأقدمون من علماء التوقيت بما يرادف معنى الدار أو المكان . ~~وسماها العرب بروجا ودارات على سبيل الاستعارة المجعولة سببا لوضع الاسم ؛ ~~تخيلوا أنها منازل للشمس لأنهم وقتوا بجهتها سمت موقع الشمس من قبة الجو ~~نهارا فيما يخيل للناظر أن الشمس تسير في شبه قوس الدائرة . وجعلوها اثني ~~عشر مكانا بعدد شهور السنة الشمسية وما هي في الحقيقة إلا سموت لجهاتت ~~تقابل كل جهة منها الأرض من جهة وراء الشمس مدة معينة . ثم إذا انتقل موقع ~~الأرض من مدارها كل ms4447 شهر من السنة تتغير الجهة المقابلة لها . فبما كان لها ~~من النظام تسنى أن تجعل علامات لمواقيت حلول الفصول الأربعة وحلول الأشهر ~~الاثني عشر ، فهم ضبطوا لتلك العلامات حدودا وهمية عينوا مكانها في الليل ~~من جهة موقع الشمس في النهار وأعادوا رصدها يوما فيوما ، وكلما مضت مدة شهر ~~من السنة ضبطوا للشهر الذي يليه علامات في الجهة المقابلة لموقع الشمس في ~~تلك المدة . وهكذا ، حتى رأوا بعد اثني عشر شهرا أنهم قد رجعوا إلى ~~PageV14P028 مقابلة الجهة التي ابتدأوا منها فجعلوا ذلك حولا كاملا . وتلك ~~المسافة التي تخال الشمس قد اجتازتها في مدة السنة سموها دائرة البروج أو ~~منطقة البروج . وللتمييز بين تلك الطوائف من النجوم جعلوا لها أسماء ~~الأشياء التي شبهوها بها وأضافوا البرج إليها . | # وهي على هذا الترتيب ابتداء من برج مدخل فصل الربيع : الحمل ، الثور ، ~~الجوزاء ، ( مشتقة من الجوز بفتح فسكون الوسط لأنها معترضة في وسط السماء ) ~~، السرطان ، الأسد ، السنبلة ، الميزان ، العقرب ، القوس ، الجدي ، الدلو ، ~~الحوت . | # فاعتبروا لبرج الحمل شهر ( أبرير ) وهكذا ، وذلك بمصادفة أن كانت الشمس ~~يومئذ في سمتت شكلل نجمي شبهوه بنقط خطوط صورة كبش . وبذلك يعتقد أن ~~الأقدمين ضبطوا السنة الشمسية وقسموها إلى الفصول الأربعة ، وإلى الأشهر ~~الاثني عشر قبل أن يضبطوا البروج . وإنما ضبطوا البروج لقصد توقيت ابتداء ~~الفصول بالضبط ليعرفوا ما مضى من مدتها وما بقي . | # وأول من رسم هذه الرسوم الكلدانيون ، ثم انتقل علمهم إلى بقية الأمم ؛ ~~ومنهم العرب فعرفوها وضبطوها وسموها بلغتهم . | # ولذلك أقام القرآن الاستدلال بالبروج على عظيم قدرته وانفراده بالخلق ~~لأنهم قد عرفوا دقائقها ونظامها الذي تهيأت به لأن تكون وسيلة ضبط المواقيت ~~بحيث لا تخلف ملاحظة راصدها . وما خلقها الله بتلك الحالة إلا ليجعلها ~~صالحة لضبط المواقيت كما قال تعالى : لتعلموا عدد السنين والحساب ( سورة ~~يونس : 5 ) . ثم ارتقى في الاستدلال بكون هذه البروج العظيمة الصنع قد جعلت ~~بأشكال تقع موقع الحسن في الأنظار فكانت زينة للناظرين يتمتعون بمشاهدتها ~~في الليل فكانت الفوائد منها عديدة . | # وأما قوله : وحفظناها ms4448 من كل شيطان رجيم } فهو إدماج للتعليم في أثناء ~~الاستدلال . وفيه التنويه بعصمة الوحي من أن يتطرقه الزيادة والنقص ، ~~PageV14P029 بأن العوالم التي يصدر منها الوحي وينتقل فيها محفوظة من ~~العناصر الخبيثة . فهو يرتبط بقوله : { وإنا له لحافظون ( سورة الحجر : 9 ) ~~. | # وكانوا يقولون : محمد كاهن ؛ ولذلك قال الوليد بن المغيرة لما حاورهم ~~فيما أعدوا من الاعتذار لوفود العرب في موسم الحج إذا سألوهم عن هذا الرجل ~~الذي ادعى النبوءة . وقد عرضوا عليه أن يقولوا هو كاهن ، فكان من كلام ~~الوليد أن قال . . ولا والله ما هو بكاهن لقد رأينا الكهان فما هو بزمزة ~~الكاهن ولا سجعه ، قال تعالى : ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون ( سورة ~~الحاقة : 42 ) . وكان الكهان يزعمون أن لهم شياطين تأتيهم بخبر السماء ، ~~وهم كاذبون ويتفاوتون في الكذب . | # والمراد بالحفظ من الشياطين الحفظ من استقرارها وتمكنها من السماوات . ~~والشيطان تقدم في سورة البقرة . | # والرجيم : المحقر ؛ لأن العرب كانوا إذا احتقروا أحدا حصبوه بالحصباء ، ~~كقوله تعالى : قال فاخرج منها فإنك رجيم ( سورة الحجر : 34 ) ، أي ذميم ~~محقر . | # والرجام بضم الراء الحجارة . قيل وهي أصل الاشتقاق . ويحتمل العكس . وقد ~~كان العرب يرجمون قبر أبي رغال الثقفي الذي كان دليل جيش الحبشة إلى مكة . ~~قال جرير : | # إذا مات الفرزدق فارجموه | # كما ترمون قبر أبي رغال | # والرجم عادة قديمة حكاها القرآن عن قوم نوح قالوا لئن لم تنته يا نوح ~~لتكونن من المرجومين ( سورة الشعراء : 116 ) . وعن أبي إبراهيم لئن لم تنته ~~لأرجمنك ( سورة مريم : 46 ) . وقال قوم شعيب : ولولا رهطك لرجمناك ( سورة ~~هود : 91 ) . | # وليس المراد به الرجم المذكور عقبه في قوله : فأتبعه شهاب مبين } لأن ~~الاستثناء يمنع من ذلك في قوله : { إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين } ~~. | PageV14P030 # واستراق السمع : سرقته . صيغ وزن الافتعال للتكلف . ومعنى استراقه ~~الاستماع بخفية من المتحدث كأن المستمع يسرق من المتكلم كلامه الذي يخفيه ~~عنه . | # و ( أتبعه ) بمعنى تبعه . والهمزة زائدة مثل همزة أبان بمعنى بان . وتقدم ~~في قوله تعالى : { فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ms4449 في سورة الأعراف ( 175 ) ~~. | # والمبين : الظاهر البين . | # وفيه تعليم لهم بأن الشهب التي يشاهدونها متساقطة في السماء هي رجوم ~~للشياطين المسترقة طردا لها عن استراق السمع كاملا ، فقد عرفوا ذلك من عهد ~~الجاهلية ولم يعرفوا سببه . | # والمقصود من منع الشياطين من ذلك منعهم الاطلاع على ما أراد الله عدم ~~اطلاعهم عليه من أمر التكوين ونحوه ؛ مما لو ألقته الشياطين في علم ~~أوليائهم لكان ذلك فسادا في الأرض . وربما استدرج الله الشياطين وأولياءهم ~~فلم يمنع الشياطين من استراق شيء قليل يلقونه إلى الكهان ، فلما أراد الله ~~عصمة الوحي منعهم من ذلك بتاتا فجعل للشهب قوة خرق التموجات التي تتلقى ~~منها الشياطين المسترقون السمع وتمزيقق تلك التدرجات الموصوفة في الحديث ~~الصحيح . | # ثم إن ظاهر الآية لا يقتضي أكثر من تحكك مسترق السمع على السماوات لتحصيل ~~انكشافات جبل المسترق على الحرص على تحصيلها . وفي آية الشعراء ما يقتضي أن ~~هذا المسترق يلقي ما تلقاه من الانكشافات إلى غيره لقوله : يلقون السمع ~~وأكثرهم كاذبون ( سورة الشعراء : 223 ) . | # ومقتضى تكوين الشهب للرجم أن هذا الاستراق قد منع عن الشياطين . | # وفي سورة الجن دلالة على أنه منع بعد البعثة ونزول القرآن إحكاما لحفظ ~~الوحي من أن يلتبس على الناس بالكهانة ، فيكون ما اقتضاه حديث عائشة وأبي ~~PageV14P031 هريرة رضي الله عنهم من استراق الجن السمع وصفا للكهانة ~~السابقة . ويكون قوله : ليسوا بشيء } وصفا لآخر أمرهم . | # وقد ثبت بالكتاب والسنة وجود مخلوقات تسمى بالجن وبالشياطين مع قوله : { ~~والشياطين كل بناء وغواص ( سورة ص : 37 ) الآية . والأكثر أن يخص باسم الجن ~~نوع لا يخالط خواطر البشر ، ويخص باسم الشياطين نوع دأبه الوسوسة في عقول ~~البشر بإلقاء الخواطر الفاسدة . | # وظواهر الأخبار الصحيحة من الكتاب والسنة تدل على أن هذه المخلوقات أصناف ~~، وأنها سابحة في الأجواء وفي طبقات مما وراء الهواء وتتصل بالأرض ، وأن ~~منها أصنافا لها اتصال بالنفوس البشرية دون الأجسام وهو الوسواس ولا يخلو ~~منه البشر . | # وبعض ظواهر الأخبار من السنة تقتضي أن صنفا له اتصال بنفوس ذات استعداد ms4450 ~~خاص لاستفادة معرفة الواقعات قبل وقوعها أو الواقعات التي يبعد في مجاري ~~العادات بلوغ وقوعها ، فتسبق بعض النفوس بمعرفتها قبل بلوغها المعتاد . ~~وهذه النفوس هي نفوس الكهان وأهل الشعوذة ، وهذا الصنف من المخلوقات من ~~الجن أوالشياطين هو المسمى بمسترق السمع وهو المستثنى بقوله تعالى : إلا من ~~استرق السمع } . فهذا الصنف إذا اتصل بتلك النفوس المستعدة للاختلاط به حجز ~~بعض قواها العقلية عن بعض فأكسب البعض المحجوز عنه ازدياد تأثير في وظائفه ~~بما يرتد عليه من جراء تفرغ القوة الذهنية من الاشتغال بمزاحمه إلى التوجه ~~إليه وحده ، فتكسبه قدرة على تجاوز الحد المعتاد لأمثاله ، فيخترق الحدود ~~المتعارفة لأمثاله اختراقا ما ، فربما خلصت إليه تموجات هي أوساط بين ~~تموجات كرة الهواء وتموجات الطبقات العليا المجاورة لها ، مما وراء الكرة ~~الهوائية . | # ولنفرض أن هذه الطبقة هي المسماة بالسماء الدنيا وأن هذه التموجات هي ~~تموجات الأثير فإنها تحفظ الأصوات مثلا . | PageV14P032 # ثم هذه التموجات التي تخلص إلى عقول أهل هذه النفوس المستعدة لها تخلص ~~إليها مقطعة مجملة فيستعين أصحاب تلك النفوس على تأليفها وتأويلها بما في ~~طباعهم من ذكاء وزكانة ، ويخبرون بحاصل ما استخلصوه من بين ما تلقفوه وما ~~ألفوه وما أولوه . وهم في مصادفة بعض الصدق متفاوتون على مقدار تفاوتهم في ~~حدة الذكاء وصفاء الفهم والمقارنة بين الأشياء ، وعلى مقدار دربتهم ورسوخهم ~~في معالجة مهنتهم وتقادم عهدهم فيها . فهؤلاء هم الكهان ، وكانوا كثيرين ~~بين قبائل العرب . وتختلف سمعتهم بين أقوامهم بمقدار مصادفتهم لما في عقول ~~أقوامهم . ولا شك أن لسذاجة عقول القوم أثرا ما ، وكان أقوامهم يعدون ~~المعمرين منهم أقرب إلى الإصابة فيما ينبئون به ، وهم بفرط فطنتهم ~~واستغفالهم البله من مريديهم لا يصدرون إلا كلاما مجملا موجها قابلا ~~للتأويل بعدة احتمالات ، بحيث لا يؤخذون بالتكذيب الصريح ، فيكلون تأويل ~~كلماتهم إلى ما يحدث للناس في مثل الأغراض الصادرة فيها تلك الكلمات ، ~~وكلامهم خلو من الإرشاد والحقائق الصالحة . | # وهم بحيلتهم واطلاعهم على ميادين النفوس ومؤثراتها التزموا أن يصوغوا ~~كلامهم الذي يخبرون به في صيغة خاصة ms4451 ملتزما فيها فقرات قصيرة مختتمة بأسجاع ~~، لأن الناس يحسبون مزاوجة الفقرة لأختها دليلا على مصادفتها الحق والواقع ~~، وأنها أمارة صدق . وكانوا في الغالب يلوذون بالعزلة ، ويكثرون النظر في ~~النجوم ليلا لتتفرغ أذهانهم . فهذا حال الكهان وهو قائم على أسس الدجل ~~والحيلة والشعوذة مع الاستعانة باستعداد خاص في النفس وقوة تخترق الحواجز ~~المألوفة . | # وهذا يفسره ما في كتاب الأدب من ( صحيح البخاري ) عن عائشة : أن ناسا ~~سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكهان فقال : ( ليسوا بشيء ( أي لا ~~وجود لما يزعمونه ) . فقيل : يا رسول الله فإنهم يحدثون أحيانا بالشيء ~~PageV14P033 يكون حقا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الكلمة من ~~الحق يخطفها الجني فيقرها في أذن وليه قر الدجاجة فيخلطون فيها أكثر من ~~مائة كذبة . | # وما في تفسير سورة الحجر من ( صحيح البخاري ) من حديث سفيان عن أبي هريرة ~~قال نبيء الله صلى الله عليه وسلم ( إذا قضى الله الأمر في السماء ( أي أمر ~~أو أوحى ) وضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله ( فإنهم المأمورون كل في ~~وظيفته ) كالسلسلة على صفوانن ينفذهم ذلك ( أي يحصل العلم لهم . وتقريبها ~~حركات آلة تلقي الرسائل البرقية تلغراف ) . . . فيسمعها مسترقو السمع ، ~~ومسترقو السمع هكذا واحد فوق آخر ( أي هي طبقات مفاوتة في العلو ) . ووصف ~~سفيان بيده فحرفها وفرج بين أصابع يده اليمنى نصبها بعضها فوق بعض ( فيسمع ~~المسترق الكلمة فيلقيها إلى من تحته ثم يلقيها الآخر إلى من تحته حتى ~~يلقيها على لسان الكاهن أو الساحر ) ، فربما أدرك الشهاب المستمع قبل أن ~~يلقيها ، وربما ألقاها قبل أن يدركها فيكذب معها مائة كذبة . فيقولون : ألم ~~يخبرنا يوم كذا وكذا يكون كذا وكذا فوجدناه حقا للكلمة التي سمعت من السماء ~~) . | # أما أخبار الكهان وقصصهم فأكثرها موضوعات وتكاذيب . وأصحها حديث سواد بن ~~قارب في قصة إسلام عمر رضي الله عنه من ( صحيح البخاري ) . | # وهذه الظواهر كلها لا تقتضي إلا إدراك المسموعات من كلام الملائكة . ولا ~~محالة أنها مقربة بالمسموعات ، لأنها دلالة على عزائم النفوس الملكية ~~وتوجهاتها نحو ms4452 مسخراتها . | # وعبر عنه بالسمع لأنه يؤول إلى الخبر ، فالذي يحصل لمسترق السمع شعور ما ~~تتوجه الملائكة لتسخيره ، والذي يحصل للكاهن كذلك . والمآل أن الكاهن يخبر ~~به فيؤول إلى مسموع . | # | PageV14P034 # | 2 ( 19 ، 20 ) { والارض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل ~~شىء موزون * وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين } ) 2 # انتقال من الاستدلال بالآيات السماوية إلى الاستدلال بالآيات الأرضية ~~لمناسبة المضادة . | # وتقدم الكلام على معنى { مددناها } وعلى ( الرواسي ) في سورة الرعد . | # والموزون : مستعار للمقدر المضبوط . | # و { معايش } : جمع معيشة . وبعد الألف ياء تحتية لا همزة كما تقدم في صدر ~~سورة الأعراف . | # { ومن لستم له برازقين } عطف على الضمير المجرور في { لكم } ، إذ لا يلزم ~~للعطف على الضمير المجرور المنفصل الفصل بضمير منفصل على التحقيق ، أي ~~جعلنا لكم أيها المخاطبين في الأرض معايش ، وجعلنا في الأرض معايش لمن لستم ~~له برازقين ، أي لمن لستم له بمطعمين . | # وما صدق { من } الذي يأكل طعامه مما في الأرض ، وهي الموجودات التي تقتات ~~من نبات الأرض ولا يعقلها الناس . | # والإتيان ب { من } التي الغالب استعمالها للعاقل للتغليب . | # ومعنى { لستم له برازقين } نفي أن يكونوا رازقيه لأن الرزق الإطعام . ~~ومصدر رزقه الرزق بفتح الراء . وأما الرزق بكسر الراء فهو الاسم وهو القوت ~~. | # | PageV14P035 # | 2 ( 21 ) { وإن من شىء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم } ) ~~2 # هذا اعتراض ناشىء عن قوله { وأنبتنا فيها من كل شيء موزون ( سورة الحجر : ~~19 ) الآية . وفي الكلام حذف الصفة كقوله تعالى يأخذ كل سفينة غصبا ( سورة ~~الكهف : 79 ) أي سفينة صالحة . | # والخزائن تمثيل لصلوحية القدرة الإلهية لتكوين الأشياء النافعة . شبهت ~~هيئة إيجاد الأشياء النافعة بهيئة إخراج المخزونات من الخزائن على طريقة ~~التمثيلية المكنية ، ورمز إلى الهيئة المشبه بها بما هو من لوازمها وهو ~~الخزائن . وتقدم عند قوله تعالى : قل لا أقول لكم عندي خزائن الله في سورة ~~الأنعام ( 50 ) . | # وشمل ذلك الأشياء المتفرقة في العالم التي تصل إلى الناس بدوافع وأسباب ~~تستتب في أحوال مخصوصة ، أو بتركيب شيء ms4453 مع شيء مثل نزول البرد من السحاب ~~وانفجار العيون من الأرض بقصد أو على وجه المصادفة . | # وقوله وما ننزله إلا بقدر معلوم } أطلق الإنزال على تمكين الناس من ~~الأمور التي خلقها الله لنفعهم ، قال تعالى { هو الذي خلق لكم ما في الأرض ~~جميعا في سورة البقرة ( 29 ) ، إطلاقا مجازيا لأن ما خلقه الله لما كان من ~~أثر أمر التكوين الإلهي شبه تمكين الناس منه بإنزال شيء من علو باعتبار أنه ~~من العالم اللدني ، وهو علو معنوي ، أو باعتبار أن تصاريف الأمور كائن في ~~العوالم العلوية ، وهذا كقوله تعالى وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج في ~~سورة الزمر ( 6 ) ، وقوله تعالى يتنزل الأمر بينهن في سورة الطلاق ( 12 ) . ~~| PageV14P036 # والقدر بفتح الدال : التقدير . وتقدم عند قوله تعالى فسالت أودية بقدرها ~~في سورة الرعد ( 17 ) . | # والمراد بمعلوم } أنه معلوم تقديره عند الله تعالى . | # | 2 ( 22 ) { وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السمآء ماء فأسقيناكموه ~~ومآ أنتم له بخازنين } ) 2 # انتقال من الاستدلال بظواهر السماء وظواهر الأرض إلى الاستدلال بظواهر ~~كرة الهواء الواقعة بين السماء والأرض ، وذلك للاستدلال بفعل الرياح والمنة ~~بما فيها من الفوائد . | # والإرسال : مجاز في نقل الشيء من مكان إلى مكان . وهذا يدل على أن الرياح ~~مستمرة الهبوب في الكرة الهوائية . وهي تظهر في مكان آتية إليه من مكان آخر ~~وهكذا . . . . | # و { لواقح } حال من { الرياح } . وقع هذا الحال إدماجا لإفادة معنيين كما ~~سيأتي عن مالك رحمه الله . | # و { لواقح } صالح لأن يكون جمع لاقح وهي الناقة الحبلى . واستعمل هنا ~~استعارة للريح المشتملة على الرطوبة التي تكون سببا في نزول المطر ، كما ~~استعمل في ضدها العقيم ضد اللاقح في قوله تعالى { إذ أرسلنا عليهم الريح ~~العقيم ( سورة الذاريات : 41 ) . | # وصالح لأن يكون جمع ملقح وهو الذي يجعل غيره لاقحا ، أي الفحل إذا ألقح ~~الناقة ، فإن فواعل يجيء جمع مفعل مذكر نادرا كقول الحارث أو ضرار النهشلي ~~: | PageV14P037 # لبيك يزيد ضارع لخصومة | # ومختبط مما تطيح الطوايح | # روعي فيه جواز تأنيث المشبه به . وهي جمع ms4454 الفحول لأن جمع ما لا يعقل يجوز ~~تأنيثه . | # ومعنى الإلقاح أن الرياح تلقح السحاب بالماء بتوجيه عمل الحرارة والبرودة ~~متعاقبين فينشأ عن ذلك البخار الذي يصير ماء في الجو ثم ينزل مطرا على ~~الأرض ؛ وأنها تلقح الشجر ذي الثمرة بأن تنقل إلى نوره غبرة دقيقة من نور ~~الشجر الذكر فتصلح ثمرته أو تثبت ، وبدون ذلك لا تثبت أو لا تصلح . وهذا هو ~~الإبار . وبعضه لا يحصل إلا بتعليق الطلع الذكر على الشجرة المثمرة . وبعضه ~~يكتفي منه بغرس شجرة ذكر في خلال شجر الثمر . | # ومن بلاغة الآية إيراد هذا الوصف لإفادة كلا العملين اللذين تعملهما ~~الرياح ، وقد فسرت الآية بهما . واقتصر جمهور المفسرين على أنها لواقح ~~السحاب بالمطر . | # وروى أبو بكر بن العربي عن مالك أنه قال : قال الله تعالى وأرسلنا الرياح ~~لواقح } فلقاح القمح عندي أن يحبب ويسنبل ولا أريد ما ييبس في أكمامه ولكن ~~يحبب حتى يكون لو يبس حينئذ لم يكن فسادا لا خير فيه . ولقاح الشجر كلها أن ~~تثمر ثم يسقط منها ما يسقط ويثبت ما يثبت . | # وفرع قوله { فأنزلنا من السماء ماء } على قوله { وأرسلنا الرياح } . | # وقرأ حمزة { وأرسلنا الريح لواقح } بإفراد ( الريح ) وجمع ( لواقح ) على ~~إرادة الجنس والجنس له عدة أفراد . | # و { أسقيناكموه } بمعنى جعلناه لكم سقيا ، فالهمزة فيه للجعل . وكثر ~~إطلاق أسقى بمعنى سقى . | PageV14P038 # واستعمل الخزن هنا في معنى الخزن في قوله آنفا { وإن من شيء إلا عندنا ~~خزائنه } ( سورة الحجر : 21 ) أي وما أنتم له بحافظين ومنشئين عندما تريدون ~~. | # | 2 ( 23 ) { وإنا لنحن نحى ونميت ونحن الوارثون } ) 2 # لما جرى ذكر إنزال المطر وكان مما يسبق إلى الأذهان عند ذكر المطر إحياء ~~الأرض به ناسب أن يذكر بعده جنس الإحياء كله لما فيه من غرض الاستدلال على ~~الغافلين عن الوحدانية ، ولأن فيه دليلا على إمكان البعث . والمقصود ذكر ~~الإحياء ولذلك قدم . وذكر الإماتة للتكميل . | # والجملة عطف على جملة { ولقد جعلنا في السماء بروجا ( سورة الحجر : 16 ) ~~للدلالة على القدرة وعموم التصرف . | # وضمير نحن ms4455 ضمير فصل دخلت عليه لام الابتداء . وأكد الخبر ب ( إن ) واللام ~~وضمير الفصل لتحقيقه وتنزيلا للمخاطبين في إشراكهم منزلة المنكرين للإحياء ~~والإماتة . | # والمراد بالإحياء تكوين الموجودات التي فيها الحياة وإحياؤهها أيضا بعد ~~فناء الأجسام . وقد أدمج في الاستدلال على تفرد الله تعالى بالتصرف إثبات ~~البعث ودفع استبعاد وقوعه واستحالته . | # ولما كان المشركون منكرين نوعا من الإحياء كان توكيد الخبر مستعملا في ~~معنييه الحقيقي والتنزيلي . | # وجملة ونحن الوارثون } عطف على جملة { وإنا لنحن نحي ونميت } . | # ومعنى الإرث هنا البقاء بعد الموجودات تشبيها للبقاء بالإرث وهو أخذ ما ~~يتركه الميت من أرض وغيرها . | # | PageV14P039 # | 2 ( 24 ، 25 ) { ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستئخرين * ~~وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم } ) 2 # لما ذكر الإحياء والإماتة وكان الإحياء بكسر الهمزة يذكر بالأحياء بفتحها ~~، وكانت الإماتة تذكر بالأموات الماضين تخلص من الاستدلال بالأحياء ~~والإماتة على عظم القدرة إلى الاستدلال بلازم ذلك على عظم علم الله وهو ~~علمه بالأمم البائدة وعلم الأمم الحاضرة ؛ فأريد بالمستقدمين الذين تقدموا ~~الأحياء إلى الموت أو إلى الآخرة ، فالتقدم فيه بمعنى المضي ؛ وبالمستأخرين ~~الذين تأخروا وهم الباقون بعد انقراض غيرهم إلى أجل يأتي . | # والسين والتاء في الوصفين للتأكيد مثل استجاب ؛ ولكن قولهم استقدم بمعنى ~~تقدم على خلاف القياس لأن فعله رباعي . وقد تقدم عند قوله تعالى { لا ~~يستأخرون ساعة ولا يستقدمون في سورة الأعراف ( 34 ) . | # وقد تقدم في طالع تفسير هذه السورة الخبر الذي أخرجه الترمذي في جامعه من ~~طريق نوح بن قيس ومن طريق جعفر بن سليمان في سبب نزول هذه الآية . وهو خبر ~~واه لا يلاقي انتظام هذه الآيات ولا يكون إلا من التفاسير الضعيفة . | # وجملة وإن ربك هو يحشرهم } نتيجة هذه الأدلة من قوله : { وإنا لنحن نحي ~~ونميت } ( سورة الحجر : 23 ) فإن الذي يحيي الحياة الأولى قادر على الحياة ~~الثانية بالأولى ، والذي قدر الموت ما قدره عبثا بعد أن أوجد الموجودات إلا ~~لتستقبلوا حياة أبدية ؛ ولولا ذلك لقدر الدوام على الحياة الأولى ، قال ~~تعالى : { الذي خلق الموت ms4456 والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا ( سورة الملك : 2 ~~) . | # وللإشارة إلى هذا المعنى من حكمة الإحياء والإماتة أتبعه بقوله : إنه ~~حكيم عليم } تعليلا لجملة { وإن ربك هو يحشرهم } لأن شأن { إن } إذا جاءت ~~في غير معنى الرد على المنكر أن تفيد معنى التعليل والربط بما قبلها . | ~~PageV14P040 # والحكيم الموصوف بالحكمة . وتقدم عند قوله تعالى : { يؤتي الحكمة من يشاء ~~( سورة البقرة : 269 ) وعند قوله تعالى : فاعلموا أن الله عزيز حكيم في ~~سورة البقرة ( 209 ) . | # و العليم الموصوف بالعلم العام ، أي المحيط . وتقدم عند قوله تعالى : ~~وليعلم الله الذين آمنوا في سورة آل عمران ( 140 ) . | # وقد أكدت جملة وإن ربك هو يحشرهم } بحرف التوكيد وبضمير الفصل لرد ~~إنكارهم الشديد للحشر . وقد أسند الحشر إلى الله بعنوان كونه رب محمد صلى ~~الله عليه وسلم تنويها بشأن النبي عليه الصلاة والسلام لأنهم كذبوه في ~~الخبر عن البعث { وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ~~ممزق إنكم لفي خلق جديد أفترى على الله كذبا أم به جنة ( سورة سبأ : 7 8 ) ~~أي فكيف ظنك بجزائه مكذبيك إذا حشرهم . | # | 2 ( 26 ، 27 ) ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون * والجآن ~~خلقناه من قبل من نار السموم } ) 2 # تكملة لإقامة الدليل على انفراده تعالى بخلق أجناس العوالم وما فيها . ~~ومنه يتخلص إلى التذكير بعداوة الشيطان للبشر ليأخذوا حذرهم منه ويحاسبوا ~~أنفسهم على ما يخامرها من وسواسه بما يرديهم . جاء بمناسبة ذكر الإحياء ~~والإماتة فإن أهم الإحياء هو إيجاد النوع الإنساني . ففي هذا الخبر استدلال ~~على عظيم القدرة والحكمة وعلى إمكان البعث ، وموعظة وذكرى . والمراد ~~بالإنسان آدم عليه السلام . | # والصلصال : الطين الذي يترك حتى ييبس فإذا يبس فهو صلصال وهو شبه الفخار ~~؛ إلا أن الفخار هو ما يبس بالطبخ بالنار . قال تعالى : { خلق الإنسان من ~~صلصال كالفخار ( سورة الرحمن : 14 ) . | PageV14P041 # والحمأ : الطين إذا اسود وكرهت رائحته . وقوله : من حمإ } صفة ل { صلصال ~~} و { مسنون } صفة ل { حمإ } أو ل { صلصال } . وإذ كان الصلصال من الحمأ ms4457 ~~فصفة أحدهما صفة للآخر . | # والمسنون : الذي طالت مدة مكثه ، وهواسم مفعول من فعل سنه إذا تركه مدة ~~طويلة تشبه السنة . وأحسب أن فعل ( سن ) بمعنى ترك شيئا مدة طويلة غير ~~مسموع . | # ولعل ( تسنه ) بمعنى تغير من طول المدة أصله مطاوع سنه ثم تنوسي منه معنى ~~المطاوعة . وقد تقدم قوله تعالى { لم يتسنه في سورة البقرة ( 259 ) . | # والمقصود من ذكر هذه الأشياء التنبيه على عجيب صنع الله تعالى إذ أخرج من ~~هذه الحالة المهينة نوعا هو سيد أنواع عالم المادة ذات الحياة . | # وفيه إشارة إلى أن ماهية الحياة تتقوم من الترابية والرطوبة والتعفن ، ~~وهو يعطي حرارة ضعيفة . ولذلك تنشأ في الأجرام المتعفنة حيوانات مثل الدود ~~، ولذلك أيضا تنشأ في الأمزجة المتعفنة الحمى . | # وفيه إشارة إلى الأطوار التي مرت على مادة خلق الإنسان . | # وتوكيد الجملة بلام القسم وبحرف ( قد ) لزيادة التحقيق تنبيها على أهمية ~~هذا الخلق وأنه بهذه الصفة . | # وعطف جملة والجان خلقناه } إدماج وتمهيد إلى بيان نشأة العداوة بين بني ~~آدم وجند إبليس . | # وأكدت جملة { والجان خلقناه } بصيغة الاشتغال التي هي تقوية للفعل بتقدير ~~نظيره المحذوف ، ولما فيها من الاهتمام بالإجمال ثم التفصيل لمثل الغرض ~~الذي أكدت به جملة { ولقد خلقنا الإنسان } الخ . | PageV14P042 # وفائدة قوله : { من قبل } أي من قبل خلق الإنسان تعليم أن خلق الجان أسبق ~~لأنه مخلوق من عنصر الحرارة والحرارة أسبق من الرطوبة . | # و { السموم } بفتح السين : الريح الحارة . فالجن مخلوق من النارية ~~والهوائية ليحصل الاعتدال في الحرارة فيقبل الحياة الخاصة اللائقة بخلقة ~~الجن ، فكما كون الله الحمأة الصلصال المسنون لخلق الإنسان ، كون ريحا حارة ~~وجعل منها الجن . فهو مكون من حرارة زائدة على مقدار حرارة الإنسان ومن ~~تهوية قوية . والحكمة كلها في إتقان المزج والتركيب . | # | 2 ( 28 35 ) { وإذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشرا من صلصال من حمإ ~~مسنون * فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين * فسجد الملائكة ~~كلهم أجمعون * إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين * قال ياإبليس ما لك ألا ~~تكون مع ms4458 الساجدين * قال لم أكن لاسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون * ~~قال فاخرج منها فإنك رجيم * وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين } ) 2 # عطف قصة على قصة . | # و { إذ } مفعول لفعل ( اذكر ) محذوف . وقد تقدم الكلام في نظائره في سورة ~~البقرة وفي سورة الأعراف . | # والبشر مرادف الإنسان ، أي أني خالق إنسانا . وقد فهم الملائكة الحقيقة ~~بما ألقى الله فيهم من العلم ، أو أن الله وصف لهم حقيقة الإنسان بالمعنى ~~الذي عبر عنه في القرآن بالعبارة الجامعة لذلك المعنى . | PageV14P043 # وإنما ذكر للملائكة المادة التي منها خلق البشر ليعلموا أن شرف الموجودات ~~بمزاياها لا بمادة تركيبها كما أومأ إلى ذلك قوله : { فإذا سويته ونفخت فيه ~~من روحي فقعوا له ساجدين } . | # والتسوية : تعديل ذات الشيء . وقد أطلقت هنا على اعتدال العناصر فيه ~~واكتمالها بحيث صارت قابلة لنفخ الروح . | # والنفخ : حقيقته إخراج الهواء مضغوطا بين الشفتين مضمومتين كالصفير ، ~~واستعير هنا لوضع قوة لطيفة السريان قوية التأثير دفعة واحدة ، وليس ثمة ~~نفخ ولا منفوخ . | # وتقريب نفخ الروح في الحي أنه تكون القوة البخارية أو الكهربائية ~~المنبعثة من القلب عند انتهاء استواء المزاج وتركيب أجزاء المزاج تكونا ~~سريعا دفعيا وجريان آثار تلك القوة في تجاويف الشرايين إلى أعماق البدن في ~~تجاويف جميع أعضائه الرئيسة وغيرها . | # وإسناد النفخ وإضافة الروح إلى ضمير اسم الجلالة تنويه بهذا المخلوق . ~~وفيه إيماء إلى أن حقائق العناصر عند الله تعالى لا تتفاضل إلا بتفاضل ~~آثارها وأعمالها ، وأن كراهة الذات أو الرائحة إلى حالة يكرهها بعض الناس ~~أو كلهم إنما هو تابع لما يلائم الإدراك الحسي أو ينافره تبعا لطباع ~~الأمزجة أو لإلفف العادة ولا يؤبه في علم الله تعالى . وهذا هو ضابط وصف ~~القذارة والنزاهة عند البشر . | # ألا ترى أن المني يستقذر في الحس البشري على أن منه تكوين نوعه ، ومنه ~~تخلقت أفاضل البشر . وكذلك المسك طيب في الحس البشري لملاءمة رائحته للشم ~~وما هو إلا غدة من خارجات بعض أنواع الغزال ، قال تعالى : { وبدأ خلق ~~الإنسان من طين ثم ms4459 جعل نسله من سلالة من ماء مهين ثم سواه ونفخ فيه من روحه ~~وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون ( سورة السجدة : 7 9 ) . ~~| PageV14P044 # وهذا تأصيل لكون عالم الحقائق غير خاضع لعالم الأوهام . وفي الحديث لخلوف ~~فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك . وفيه لا يكلم أحد في سبيل الله ؛ ~~والله أعلم بمن يكلم في سبيله إلا جاء يوم القيامة ودمه يشخب اللون لون ~~الدم والريح ريح المسك . | # ومعنى فقعوا له ساجدين } أسقطوا له ساجدين ، وهذه الحال لإفادة نوع ~~الوقوع ، وهو الوقوع لقصد التعظيم ، كقوله تعالى : { وخروا له سجدا ( سورة ~~يوسف : 100 ) . وهذا تمثيل لتعظيم يناسب أحوال الملائكة وأشكالهم تقديرا ~~لبديع الصنع والصلاحية لمختلف الأحوال الدال على تمام علم الله وعظيم قدرته ~~. | # وأمر الملائكة السجود لا ينافي تحريم السجود في الإسلام لغير الله من ~~وجوه : | # أحدها : } أن ذلك المنع لسد ذريعة الإشراك والملائكة معصومون من تطرق ذلك ~~إليهم . | # وثانيها : أن شريعة الإسلام امتازت بنهاية مبالغ الحق والصلاح ، فجاءت ~~بما لم تجىء به الشرائع السالفة لأن الله أراد بلوغ أتباعها أوج الكمال في ~~المدارك ، ولم يكن السجود من قبل محظورا فقد سجد يعقوب وأبناؤه ليوسف عليهم ~~السلام وكانوا أهل إيمان . | # وثالثها : أن هذا إخبار عن أحوال العالم العلوي ، و لا تقاس أحكامه على ~~تكاليف عالم الدنيا . | # وقوله : { فسجد الملائكة كلهم أجمعون } عنوان على طاعة الملائكة . | # و { كلهم أجمعون } تأكيد على تأكيد ، أي لم يتخلف عن السجود أحد منهم . | # وقوله : { إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين } تقدم القول على نظيره في ~~سورة البقرة وسورة الأعراف . | PageV14P045 # وقوله هنا { أن يكون مع الساجدين } بيان لقوله في سورة البقرة ( 34 ) { ~~واستكبر ، لأنه أبى أن يسجد وأن يساوي الملائكة في الرضى بالسجود . فدل هذا ~~على أنه عصى وأنه ترفع عن متابعة غيره . | # وجملة ما لك ألا تكون مع الساجدين } استفهام توبيخ . ومعناه أي شيء ثبت ~~لك ، أي متمكنا منك ، لأن اللام تفيد الملك . و { ألا تكون } معمول لحرف جر ~~محذوف تقديره ( في ) . وحذف ms4460 حرف الجر مطرد مع ( أن ) . وحرف ( أن ) يفيد ~~المصدرية . فالتقدير في انتفاء كونك من الساجدين . | # وقوله : { لم أكن لأسجد } جحود . وقد تقدم أنه أشد في النفي من ( لا أسجد ~~) في قوله تعالى : { ما يكون لي أن أقول في آخر العقود ( المائدة : 116 ) . ~~| # وقوله : لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون } تأييد لإبايته من السجود بأن ~~المخلوق من ذلك الطين حقير ذميم لا يستأهل السجود . وهذا ضلال نشأ عن تحكيم ~~الأوهام بإعطاء الشيء حكم وقعه في الحاسة الوهمية دون وقعه في الحاسة ~~العقلية ، وإعطاء حكم ما منه التكوين للشيء الكائن . فشتان بين ذكر ذلك في ~~قوله تعالى للملائكة : { إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون } وبين مقصد ~~الشيطان من حكاية ذلك في تعليل امتناعه من السجود للمخلوق منه بإعادة الله ~~الألفاظ التي وصف بها الملائكة . وزاد فقال ما حكي عنه في سورة ص ( 76 ) إذ ~~قال : { أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ولم يحك عنه هنا . | # وبمجموع ما حكي عنه هنا وهناك كان إبليس مصرحا بتخطئة الخالق ، كافرا ~~بصفاته ، فاستحق الطرد من عالم القدس . وقد بيناه في سورة ص . | # وعطفت جملة أمره بالخروج بالفاء لأن ذلك الأمر تفرع على جوابه المنبىء عن ~~كفره وعدم تأهله للبقاء في السماوات . | PageV14P046 # والفاء في فإنك رجيم } دالة على سبب إخراجه من السماوات . و ( إن ) مؤذنة ~~بالتعليل . وذلك إيماء إلى سبب إخراجه من عوالم القدس ، وهو ما يقتضيه وصفه ~~بالرجيم متلوث الطوية وخبث النفس ، أي حيث ظهر هذا فيك فقد خبثت نفسك خبثا ~~لا يرجى بعده صلاح فلا تبقى في عالم القدس والنزاهة . | # والرجيم : المطرود . وهو كناية عن الحقارة . وتقدم في أول هذه السورة { ~~وحفظناها من كل شيطان رجيم ( سورة الحجر : 17 ) . | # وضمير منها } عائد إلى السماوات وإن لم تذكر لدلالة ذكر الملائكة عليها . ~~وقيل : إلى الجنة . وقد اختلف علماؤنا في أنها موجودة . | # و { اللعنة } : السب بالطرد . و ( على ) مستعملة في الاستعلاء المجازي ؛ ~~وهو تمكن اللعنة والشتم منه حتى كأنه يقع فوقه ms4461 . | # وجعل { يوم الدين } وهو يوم الجزاء غاية للعن استعمالا في معنى الدوام ، ~~كأنه قيل أبدا . وليس ذلك بمقتضي أن اللعنة تنتهي يوم القيامة ويخلفها ضدها ~~، ولكن المراد أن اللعنة عليه في الدنيا إلى أن يلاقي جزاء عمله فذلك يومئذ ~~أشد من اللعنة . | # | 2 ( 36 38 ) { قال رب فأنظرنى إلى يوم يبعثون * قال فإنك من المنظرين * ~~إلى يوم الوقت المعلوم } ) 2 # سؤاله النظرة بعد إعلامه بأنه ملعون إلى يوم الدين فاض به خبث جبلته ~~البالغ نهاية الخباثة التي لا يشفيها إلا دوام الإفساد في هذا العالم ، ~~فكانت هذه الرغبة مجلبة لدوام شقوته . | PageV14P047 # ولما كانت اللعنة تستمر بعد انعدام الملعون إذا اشتهر بين الناس بسوء لم ~~يكن توقيتها بالأبد مقيدا حياة الملعون ، فلذلك لم يكن لإبليس غنى بقوله ~~تعالى { إلى يوم الدين } عن أن يسأل الإبقاء إلى يوم الدين ليكون مصدر ~~الشرور للنفوس قضاء لما جبل عليه من بث الخبث ؛ فكان بذلك حريصا على دوامها ~~بما يوجه إليه من اللعنة ، فسأل النظرة حبا للبقاء لما في البقاء من ~~استمرار عمله . | # وخاطب الله بصفة الربوبية تخضعا وحثا على الإجابة ، والفاء في { فأنظرني ~~} فاء التفريع . فرع السؤال عن الإخراج . | # ووسط النداء بين ذلك . | # وذكرت هذه الحالة من أوصاف نفسيته بعثا لكراهيته في نفوس البشر الذين ~~يرون أن حق النفس الأبية أن تأنف من الحياة الذميمة المحقرة ، وذلك شأن ~~العرب ، فإذا علموا هذا الحوص من حال إبليس أبغضوه واحتقروه فلم يرضوا بكل ~~عمل ينسب إليه . | # والإنظار : الإمهال والتأخير . وتقدم في قوله : { فنظرة إلى ميسرة في ~~سورة البقرة ( 280 ) . والمراد تأخير إماتته لأن الإنظار لا يكرن للذات ، ~~فتعين أنه لبعض أحوالها وهو الموت بقرينة السياق . | # وعبر عن يوم الدين ب يوم يبعثون } تمهيدا لما عقد عليه العزم من إغواء ~~البشر ، فأراد الإنظار إلى آخر مدة وجود نوع الإنسان في الدنيا . وخلق الله ~~فيه حب النظرة التي قدرها الله له وخلقه لأجلها وأجل آثارها ليحمل أوزار ~~تبعة ذلك بسبب كسبه واختياره تلك الحالة ، فإن ذلك الكسب والاختيار ms4462 هو الذي ~~يجعله ملائما لما خلق له ، كما أومأ إلى ذلك البيان النبوي بقوله : ( كل ~~ميسر لما خلق له ) . | PageV14P048 # وضمير { يبعثون } للبشر المعلومين من تركيب خلق آدم عليه السلام ، وأنه ~~يكون له نسل ولا سيما حيث خلقت زوجه حينئذ فإن ذلك يقتضي أن يكون منهما نسل ~~. | # وعبر عن يوم البعث ب { يوم الوقت المعلوم } تفننا تفاديا من إعادة اللفظ ~~قضاء لحق حسن النظم ، ولما فيه من التعليم بأن الله يعلم ذلك الأجل . ~~فالمراد : المعلوم لدينا . ويجوز أن يراد المعلوم للناس أيضا علما إجماليا ~~. | # وفيه تعريض بأن من لم يؤمنوا بذلك اليوم من الناس لا يعبأ بهم فهم كالعدم ~~. | # وهذا الإنظار رمز إلهي على أن ناموس الشر لا ينقضي من عالم الحياة الدنيا ~~وأن نظامها قائم على التصارع بين الخير والشر والأخيار والأشرار ، قال ~~تعالى : { بل نقذف بالحق على الباطل ( سورة الأنبياء : 18 ) وقال : كذلك ~~يضرب الله الحق والباطل ( سورة الرعد : 17 ) . فلذلك لم يستغن نظام العالم ~~عن إقامة قوانين العدل والصلاح وإيداعها إلى الكفاة لتنفيذها والذود عنها . ~~| # وعطفت مقولات هذه الأقوال بالفاء لأن كل قول منها أثاره الكلام الذي قبله ~~فتفرع عنه . | # | 2 ( 39 ، 40 ) قال رب بمآ أغويتنى لأزينن لهم فى الارض ولأغوينهم ~~أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين } ) 2 # الباء في { بما أغويتني } للسببية ، و ( ما ) موصولة ، أي بسبب إغوائك ~~إياي ، أي بسبب أن خلقتني غاويا فسأغوي الناس . | # واللام في { لأزينن } لام قسم محذوف مراد بها التأكيد ، وهو القسم المصرح ~~به في قوله : { قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين ( سورة ص : 82 ) . | ~~PageV14P049 # والتزيين : التحسين ، أي جعل الشيء زينا ، أي حسنا . وحذف مفعول لأزينن } ~~لظهوره من المقام ، أي لأزينن لهم الشر والسيئات فيرونها حسنة ، وأزين لهم ~~الإقبال على الملاذ التي تشغلهم عن الواجبات . وتقدم عند قوله تعالى : { ~~زين للذين كفروا الحياة الدنيا في سورة البقرة ( 212 ) . | # والإغواء : جعلهم غاوين . والغواية بفتح الغين : الضلال . والمعنى : ~~ولأضلنهم . وإغواء الناس كلهم هو أشد أحوال غاية المغوي إذ كانت غوايته ~~متعدية إلى إيجاد غواية غيره . | # وبهذا ms4463 يعلم أن قوله : بما أغويتني } إشارة إلى غواية يعلمها الله وهي ~~التي جبله عليها ، فلذلك اختير لحكايتها طريقة الموصولية ، ويعلم أن كلام ~~الشيطان هذا طفح بما في جبلته ، وليس هو تشفيا أو إغاظة لأن العظمة الإلهية ~~تصده عن ذلك . | # وزيادة { في الأرض } لأنها أول ما يخطر بباله عند خطور الغواية لاقتران ~~الغواية بالنزول إلى الأرض الذي دل عليه قوله تعالى : { فاخرج منها ( سورة ~~الحجر : 34 ) ، أي اخرج من الجنة إلى الأرض كما جاء في الآية الأخرى قال : ~~وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ( سورة البقرة : 2 ) ، ~~ولأن جعل التزيين في الأرض يفيد انتشاره في جميع ما على الأرض من الذوات ~~وأحوالها . | # وضمائر : لهم } ، و { لأغوينهم } و { منهم } ، لبني آدم ، لأنه قد علم ~~علما ألقي في وجدانه بأن آدم عليه السلام ستكون له ذرية ، أو اكتسب ذلك من ~~أخبار العالم العلوي أيام كان من أهله وملئه . | # وجعل المغوين هم الأصل ، واستثنى منهم عباد الله المخلصين لأن عزيمته ~~منصرفة إلى الإغواء ، فهو الملحوظ ابتداء عنده ، على أن المغوين هم الأكثر ~~. وعكسه قوله تعالى : { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك } ( سورة ~~الحجر : 42 ) . والاستثناء لا يشعر بقلة المستثنى بالنسبة للمستثنى منه ولا ~~العكس . | PageV14P050 # وقرىء { المخلصين } بفتح اللام لنافع وحمزة وعاصم والكسائي على معنى ~~الذين أخلصتهم وطهرتهم . و بكسر اللام لابن كثير وابن عامر وأبي عمرو ، أي ~~الذين أخلصوا لك في العمل . | # | 2 ( 41 44 ) { قال هذا صراط على مستقيم * إن عبادى ليس لك عليهم سلطان ~~إلا من اتبعك من الغاوين * وإن جهنم لموعدهم أجمعين * لها سبعة أبواب لكل ~~باب منهم جزء مقسوم } ) 2 # الصراط المستقيم : هو الخبر والرشاد . | # فالإشارة إلى ما يؤخذ من الجملة الواقعة بعد اسم الإشارة المبينة للإخبار ~~عن اسم الإشارة وهي جملة { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان } ، فتكون الإشارة ~~إلى غير مشاهد تنزيلا له منزلة المشاهد ، وتنزيلا للمسموع منزلة المرئي . | # ثم إن هذا المنزل منزلة المشاهد هو مع ذلك غير مذكور لقصد التشويق ms4464 إلى ~~سماعه عند ذكره . فاسم الإشارة هنا بمنزلة ضمير الشأن ، كما يكتب في العهود ~~والعقود : هذا ما قاضى عليه فلان فلانا أنه كيت وكيت ، أو هذا ما اشترى ~~فلان من فلان أنه باعه كذا وكذا . | # ويجوز أن تكون الإشارة إلى الاستثناء الذي سبق في حكاية كلام إبليس من ~~قوله : { إلا عبادك منهم المخلصين ( سورة الحجر : 40 ) لتضمنه أنه لا ~~يستطيع غواية العباد الذين أخلصهم الله للخير ، فتكون جملة إن عبادي ليس لك ~~عليهم سلطان } مستأنفة أفادت نفي سلطانه . | # والصراط : مستعار للعمل الذي يقصد منه عامله فائدة . شبه بالطريق الموصل ~~إلى المكان المطلوب وصوله إليه ، أي هذا هو السنة التي وضعتها PageV14P051 ~~في الناس وفي غوايتك إياهم وهي أنك لا تغوي إلا من اتبعك من الغاوين ، أو ~~أنك تغوي من عدا عبادي المخلصين . | # و { مستقيم } نعت ل { صراط } ، أي لا اعوجاج فيه . واستعيرت الاستقامة ~~لملازمة الحالة الكاملة . | # و { على } مستعملة في الوجوب المجازي ، وهو الفعل الدائم التي لا يتخلف ~~كقوله تعالى : { إن علينا للهدى ( سورة الليل : 12 ) ، أي أنا التزمنا ~~الهدى لا نحيد عنه لأنه مقتضى الحكمة وعظمة الإلهية . | # وهذه الجملة مما يرسل من الأمثال القرآنية . | # وقرأ الجمهور على } بفتح اللام وفتح الياء على أنها ( على ) اتصلت بها ~~ياء المتكلم . وقرأه يعقوب بكسر اللام وضم الياء وتنوينها على أنه وصف من ~~العلو وصف به صراط ، أي صراط شريف عظيم القدر . | # والمعنى أن الله وضع سنة في نفوس البشر أن الشيطان لا يتسلط إلا على من ~~كان غاويا ، أي مائلا للغواية مكتسبا لها دون من كبح نفسه عن الشر . فإن ~~العاقل إذا تعلق به وسواس الشيطان علم ما فيه من إضلال وعلم أن الهدى في ~~خلافه فإذا توفق وحمل نفسه على اختيار الهدى وصرف إليه عزمه قوي على ~~الشيطان فلم يكن له عليه سلطان ، وإذا مال إلى الضلال واستحسنه واختار ~~إرضاء شهوته صار متهيئا إلى الغواية فأغواه الشيطان فغوى . فالاتباع مجاز ~~بمعنى الطاعة واستحسان الرأي كقوله : { فاتبعوني يحببكم الله ( سورة آل ~~عمران : 31 ms4465 ) . | # وإطلاق الغاوين } من باب إطلاق اسم الفاعل على الحصول في المستقبل ~~بالقرينة لأنه لو كان غاويا بالفعل لم يكن لسلطان الشيطان عليه فائدة . وقد ~~دل على هذا المعنى تعلق نفي السلطان بجميع العباد ، ثم استثناء من كان ~~غاويا . فلما كان سلطان الشيطان لا يتسلط إلا على من كان غاويا علمنا أن ~~ثمة PageV14P052 وصفا بالغواية هو مهيىء تسلط سلطان الشيطان على موصوفه . ~~وذلك هو الموصوف بالغواية بالقوة لا بالفعل ، أي بالاستعداد للغواية لا ~~بوقوعها . | # فالإضافة في قوله تعالى : { عبادي } للعموم كما هو شأن الجمع المعرف ~~بالإضافة ، والاستثناء حقيقي ولا حيرة في ذلك . | # وضمير ( موعدهم ) عائد إلى { من اتبعك } ، والموعد مكان الوعد . وأطلق ~~هنا على المصير إلى الله استعير الموعد لمكان اللقاء تشبيها له بالمكان ~~المعين بين الناس للقاء معين وهو الوعد . | # ووجه الشبه تحقق المجيء بجامع الحرص عليه شأن المواعيد ، لأن إخلاف الوعد ~~محاور ، وفي ذلك تمليح بهم لأنهم ينكرون البعث والجزاء ، فجعلوا بمنزلة من ~~عين ذلك المكان للإتيان . | # وجملة { لها سبعة أبواب } مستأنفة لوصف حال جهنم وأبوابها لإعداد الناس ~~بحيث لا تضيق عن دخولهم . | # والظاهر أن السبعة مستعملة في الكثرة فيكون كقوله : { والملائكة يدخلون ~~عليهم من كل باب ( سورة الرعد : 23 ) ؛ أو أريد بالأبواب الكناية عن طبقات ~~جهنم لأن الأبواب تقتضي منازل فهي مراتب مناسبة لمراتب الإجرام بأن تكون ~~أصول الجرائم سبعة تتفرع عنها جميع المعاصي الكبائر . وعسى أن نتمكن من ~~تشجيرها في وقت آخر . | # وقد يكون من جملة طبقاتها طبقة النفاق قال تعالى : إن المنافقين في ~~الدركك الأسفل من النار ( سورة النساء : 145 ) . وانظر ما قدمناه من تفريع ~~ما ينشأ عن النفاق من المذام في قوله تعالى ومن الناس من يقول آمنا بالله ~~وباليوم الآخر في سورة البقرة ( 8 ) . | # وجملة لكل باب منهم جزء مقسوم } صفة ل { أبواب } وتقسيمها بالتعيين يعلمه ~~الله تعالى . وضمير { منهم } عائد ل { من اتبعك من الغاوين } ، أي ~~PageV14P053 لكل باب فريق يدخل منه ، أو لكل طبقة من النار قسم من أهل ~~النار مقسوم على طبقات ms4466 أقسام النار . | # واعلم أن هذه الأقوال التي صدرت من الشيطان لدى الحضرة القدسية هي انكشاف ~~لجبلة التطور الذي تكيفت به نفس إبليس من حين أبى من السجود وكيف تولد كل ~~فصل من ذلك التطور عما قبله حتى تقومت الماهية الشيطانية بمقوماتها كاملة ~~عندما صدر منه قوله : { لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك ~~منهم المخلصين ( سورة الحجر : 39 ، 40 ) ، فكلما حدث في جبلته فصل من تلك ~~الماهية صدر منه قول يدل عليه ؛ فهو شبيه بنطق الجوارح بالشهادة على أهل ~~الضلالة يوم الحساب . | # وأما الأقوال الإلهية التي أجيبت بها أقوال الشيطان فمظهر للأوامر ~~التكوينية التي قدرها الله تعالى في علمه لتطور أطوار إبليس المقومة لماهية ~~الشيطنة ، وللألطاف التي قدرها الله لمن يعتصم بها من عباده لمقاومة سلطان ~~الشيطان . وليست تلك الأقوال كلها بمناظرة بين الله وأحد مخلوقاته ولا ~~بغلبة من الشيطان لخالقه ، فإن ضعفه تجاه عزة خالقه لا يبلغ به إلى ذلك . | # | 2 ( 45 48 ) إن المتقين فى جنات وعيون * ادخلوها بسلام ءامنين * ونزعنا ~~ما فى صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين * لا يمسهم فيها نصب وما هم ~~منها بمخرجين } ) 2 # استئناف ابتدائي ، انتقال من وعيد المجرمين إلى بشارة المتقين على عادة ~~القرآن في التفنن . | # والمتقون : الموصوفون بالتقوى . وتقدمت عند صدر سورة البقرة . | ~~PageV14P054 # والجنات : جمع جنة . وقد تقدمت عند قوله تعالى { أن لهم جنات تجري من ~~تحتها الأنهار في أول سورة البقرة ( 25 ) . | # والعيون : جمع عين اسم لثقب أرضي يخرج منه الماء من الأرض . فقد يكون ~~انفجارها بدون عمل الإنسان . وأسبابه كثيرة تقدمت عند قوله تعالى : وإن من ~~الحجارة لما يتفجر منه الأنهار في سورة البقرة ( 74 ) . وقد يكون بفعل فاعل ~~وهو التفجير . | # وجملة ادخلوها } معمولة لقول محذوف يقدر حالا من { المتقين } والقرينة ~~ظاهرة . والتقدير : يقال لهم ادخلوها . والقائل هو الملائكة عند إدخال ~~المتقين الجنة . | # والباء من { بسلام } للمصاحبة . | # والسلام : التحية . وتقدم في قوله : { وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا ~~فقل سلام عليكم في سورة الأنعام ( 54 ) . | # والأمن النجاة من ms4467 الخوف . | # وجملة ونزعنا ما في صدورهم من غل } عطف على الخبر ، وهو { في جنات وعيون ~~} . والتقدير : إن المتقين نزعنا ما في صدورهم من غل . | # والغل بكسر الغين البغض . وتقدم في قوله تعالى : { ونزعنا ما في صدورهم ~~من غل تجري من تحتهم الأنهار في سورة الأعراف ( 43 ) ، أي ما كان بين بعضهم ~~من غل في الدنيا . | # وإخوانا } حال ، وهو على معنى التشبيه ، أي كالإخوان ، أي كحال الإخوان ~~في الدنيا . | # وأول من يدخل في هذا العموم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيما شجر ~~بينهم من الحوادث الدافع إليها اختلاف الاجتهاد في إقامة مصالح PageV14P055 ~~المسلمين ، والشدة في إقامة الحق على حسب اجتهادهم . كما روي عن علي كرم ~~الله وجهه أنه قال : إني لأرجو من أن أكون أنا وطلحة ممن قال الله تعالى : ~~{ ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا } . فقال جاهل من شيعة علي اسمه الحارث ~~بن الأعور الهمذاني : كلا ، الله أعدل من أن يجمعك وطلحة في مكان واحد . ~~فقال علي : ( فلمن هذه الآية لا أم لك بفيك التراب ) . | # والسرر : جمع سرير . وهو محمل كالكرسي متسع يمكن الاضطجاع عليه . ~~والاتكاء : مجلس أصحاب الدعة والرفاهية لتمكن الجالس عليه من التقلب كيف ~~شاء حتى إذا مل جلسة انقلب لغيرها . | # والتقابل : كون الواحد قبالة غيره ، وهو أدخل في التأنس بالرؤية ~~والمحادثة . | # والمس : كناية عن الإصابة . | # والنصب : التعب الناشىء عن استعمال الجهد . | # | 2 ( 49 ، 50 ) { نبىء عبادى أنى أنا الغفور الرحيم * وأن عذابى هو ~~العذاب الاليم } ) 2 # هذا تصدير لذكر القصص التي أريد من التذكير بها الموعظة بما حل بأهلها ، ~~وهي قصة قوم لوط وقصة أصحاب الأيكة وقصة ثمود . | # وابتدىء ذلك بقصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما فيها من كرامة الله له ~~تعريضا بالمشركين إذ لم يقتفوا آثاره في التوحيد . | # فالجملة مستأنفة استئنافا ابتدائيا وهو مرتبط بقوله في أوائل السورة : { ~~وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم ( سورة الحجر : 4 ) . | ~~PageV14P056 # وابتداء الكلام بفعل الإنباء لتشويق السامعين إلى ما بعده كقوله تعالى : ~~هل أتاك حديث الجنود ms4468 ( سورة البروج : 17 ) ونحوه . والمقصود هو قوله تعالى ~~الآتي : ونبئهم عن ضيف إبراهيم ( سورة الحجر : 51 ) . وإنما قدم الأمر ~~بإعلام الناس بمغفرة الله وعذابه ابتداء بالموعظة الأصلية قبل الموعظة ~~بجزئيات حوادث الانتقام من المعاندين وإنجاء من بينهم من المؤمنين لأن ذلك ~~دائر بين أثر الغفران وبين أثر العذاب . | # وقدمت المغفرة على العذاب لسبق رحمته غضبه . | # وضمير أنا } وضمير { هو } ضميرا فصل يفيدان تأكيد الخبر . | # واعلم أن في قوله تعالى : { نبىء عبادي } إلى { الرحيم } من المحسنات ~~البديعية محسن الاتزان إذا سكنت ياء { أني } على قراءة الجمهور بتسكينها ، ~~فإن الآية تأتي متزنة على ميزان بحر المجتث الذي لحقه الخبن في عروضه وضربه ~~فهو متفعلن فعلاتن مرتين . | # | 2 ( 51 56 ) { ونبئهم عن ضيف إبراهيم * إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال ~~إنا منكم وجلون * قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم * قال أبشرتمونى على ~~أن مسنى الكبر فبم تبشرون * قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين * قال ~~ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضآلون } ) 2 # هذا العطف مع اتحاد الفعل المعطوف بالفعل المعطوف عليه في الصيغة دليل ~~على أن المقصود الإنباء بكلا الأمرين لمناسبة ذكر القصة أنها من مظاهر ~~رحمته تعالى وعذابه . | PageV14P057 # و { ضيف إبراهيم } : الملائكة الذين تشكلوا بشكل أناس غرباء مارين ببيته ~~. وتقدمت القصة في سورة هود . | # وجملة { قال إنا منكم وجلون } جاءت مفصولة بدون عطف لأنها جواب عن جملة { ~~فقالوا سلاما } . وقد طوي ذكر رده السلام عليهم إيجازا لظهوره . صرح به في ~~قوله : { قال سلام قوم منكرون ( سورة الذاريات : 25 ) ، أي قال إنا منكم ~~وجلون بعد أن رد السلام . وفي سورة هود أنه أوجس منهم خيفة حين رآهم لم ~~يمدوا أيديهم للأكل . | # وضمير إنا } من كلام إبراهيم عليه السلام فهو يعني به نفسه وأهله ، لأن ~~الضيف طرقوا بيتهم في غير وقت طروق الضيف فظنهم يريدون به شرا ، فلما سلموا ~~عليه فاتحهم بطلب الأمن ، فقال : { إنا منكم وجلون } ، أي أخفتمونا . وفي ~~سورة الذاريات أنه قال لهم : { قوم منكرون ( سورة الحجر : 25 ) . | # والوجل : الخائف ms4469 . والوجل بفتح الجيم الخوف . ووقع في سورة هود ( 70 ) ~~نكرهم وأوجس منهم خيفة . | # وقد جمع في هذه الآية متفرق كلام الملائكة ، فاقتصر على مجاوبتهم إياه عن ~~قوله : إنا منكم وجلون } ، فنهاية الجواب هو { لا توجل } . | # وأما جملة { إنا نبشرك بغلام عليم } فهي استئناف كلام آخر بعد أن قدم ~~إليهم القرى وحضرت امرأته فبشروه بحضرتها كما فصل في سورة هود . | # والغلام العليم : إسحاق عليه السلام أي عليم بالشريعة بأن يكون نبيئا . | # وقد حكي هنا قولهم لإبراهيم عليه السلام ، وحكي في سورة هود قولهم ~~لامرأته لأن البشارة كانت لهما معا فقد تكون حاصلة في وقت واحد فهي بشارتان ~~باعتبار المبشر ، وقد تكون حصلت في وقتين متقاربين بشروه بانفراد ثم جاءت ~~امرأته فبشروها . | PageV14P058 # وقرأ الجمهور { نبشرك } بضم النون وفتح الموحدة وتشديد الشين المكسورة ~~مضارع بشر بالتشديد . وقرأ حمزة وحده { نبشرك } بفتح النون وسكون الموحدة ~~وضم الشين وهي لغة . يقال بشره يبشره من باب نصر . | # والاستفهام في { أبشرتموني } للتعجب . | # و { على } بمعنى ( مع ) : دالة على شدة اقتران البشارة بمس الكبر إياه . ~~| # والمس : الإصابة . والمعنى تعجب من بشارته بولد مع أن الكبر مسه . | # وأكد هذا التعجب بالاستفهام الثاني بقوله : { فبم تبشرون } استفهام تعجب ~~. نزل الأمر العجيب المعلوم منزلة الأمر غير المعلوم لأنه يكاد يكون غير ~~معلوم . | # وقد علم إبراهيم عليه السلام من البشارة أنهم ملائكة صادقون فتعين أن ~~الاستفهام للتعجب . | # وحذف مفعول ( بشرتموني ) لدلالة الكلام عليه . | # قرأ نافع { تبشرون } بكسر النون مخففة دون إشباع على حذف نون الرفع وحذف ~~ياء المتكلم وكل ذلك تخفيف فصيح . وقرأ ابن كثير بكسر النون مشددة على حذف ~~ياء المتكلم خاصة . وقرأ الباقون بفتح النون على حذف المفعول لظهوره من ~~المقام ، أي تبشرونني . | # وجواب الملائكة إياه بأنهم بشروه بالخبر الحق ، أي الثابت لا شك فيه ~~إبطالا لما اقتضاه استفهامه بقوله : { فبم تبشرون } من أن ما بشروه به أمر ~~يكاد أن يكون منتفيا وباطلا . فكلامهم رد لكلامه وليس جوابا على استفهامه ~~لأنه استفهام غير حقيقي . | # ثم نهوه عن استبعاد ذلك بأنه ms4470 استبعاد رحمة القدير بعد أن علم أن المبشرين ~~بها مرسلون إليه من الله فاستبعاد ذلك يفضي إلى القنوط من رحمة PageV14P059 ~~الله فقالوا : { فلا تكن من القانطين } . ذلك أنه لما استبعد ذلك استبعاد ~~المتعجب من حصوله كان ذلك أثرا من آثار رسوخ الأمور المعتادة في نفسه بحيث ~~لم يقلعه منها الخبر الذي يعلم صدقه فبقي في نفسه بقية من التردد في حصول ~~ذلك فقاربت حاله تلك حال الذين ييأسون من أمر الله . ولما كان إبراهيم عليه ~~السلام منزها عن القنوط من رحمة الله جاءوا في موعظته بطريقة الأدب المناسب ~~فنهوه عن أن يكون من زمرة القانطين تحذيرا له مما يدخله في تلك الزمرة ، ~~ولم يفرضوا أن يكون هو قانطا لرفعة مقام نبوءته عن ذلك . وهو في هذا المقام ~~كحاله في مقام ما حكاه الله عنه من قوله : { أرني كيف تحيي الموتى قال أو ~~لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ( سورة البقرة : 260 ) . | # وهذا النهي كقول الله تعالى لنوح عليه السلام إني أعظك أن تكون من ~~الجاهلين ( سورة هود : 46 ) . | # وقد ذكرته الموعظة مقاما نسيه فقال : ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون } ~~. وهو استفهام إنكار في معنى النفي ، ولذلك استثنى منه { إلا الضالون } . ~~يعني أنه لم يذهب عنه اجتناب القنوط من رحمة الله ، ولكنه امتلكه المعتاد ~~فتعجب فصار ذلك كالذهول عن المعلوم فلما نبهه الملائكة أدنى تنبيه تذكر . | # القنوط : اليأس . | # وقرأ الجمهور { ومن يقنط } بفتح النون . وقرأه أبو عمرو والكسائي ويعقوب ~~وخلف بكسر النون وهما لغتان في فعل قنط . | # قال أبو علي الفارسي : قنط يقنط بفتح النون في الماضي وكسرها في المستقبل ~~من أعلى اللغات . قال تعالى : { وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا ( ~~سورة الشورى : 28 ) . | # قلت : ومن فصاحة القرآن اختياره كل لغة في موضع كونها فيه أفصح ، فما جاء ~~فيه إلا الفتح في الماضي ، وجاء المضارع بالفتح والكسر على القراءتين . | # | PageV14P060 # | 2 ( 57 60 ) قال فما خطبكم أيها المرسلون * قالوا إنآ أرسلنآ إلى قوم ~~مجرمين * إلا ءال لوط ms4471 إنا لمنجوهم أجمعين * إلا امرأته قدرنآ إنها لمن ~~الغابرين } ) 2 # حكاية هذا الحوار بين إبراهيم والملائكة عليهم السلام لأنه يجمع بين بيان ~~فضل إبراهيم عليه السلام وبين موعظة قريش بما حل ببعض الأمم المكذبين ، ~~انتقل إبراهيم عليه السلام إلى سؤالهم عن سبب نزولهم إلى الأرض ، لأنه يعلم ~~أن الملائكة لا ينزلون إلا لأمر عظيم كما قال تعالى : { ما تنزل الملائكة ~~إلا بالحق ( سورة الحجر : 8 ) . وقد نزل الملائكة يوم بدر لاستئصال سادة ~~المشركين ورؤسائهم . | # والخطب تقدم في قوله تعالى قال ما خطبكن في ( سورة يوسف : 51 ) . | # والقوم المجرمون هم قوم لوط أهل سدوم وقراها . وتقدم ذكرهم في سورة هود . ~~| # والاستثناء في إلا آل لوط } منقطع لأنهم غير مجرمين . واستثناء { إلا ~~امرأته } متصل لأنها من آل لوط . | # وجملة { إنا لمنجوهم أجمعين } استئناف بياني لبيان الإجمال الذي في ~~استثناء آل لوط من متعلق فعل { أرسلنا } لدفع احتمال أنهم لم يرسلوا إليهم ~~ولا أمروا بإنجائهم . | # وفي قوله : { أرسلنا إلى قوم مجرمين } إيجاز حذف . وتقدير الكلام : إنا ~~أرسلنا إلى لوط لأجل قوم مجرمين ، أي لعذابهم . ودل على ذلك الاستثناء في { ~~إلا آل لوط } . | PageV14P061 # وقرأ الجمهور { لمنجوهم } بفتح النون وتشديد الجيم مضارع نجى المضاعف . ~~وقرأه حمزة والكسائي وخلف بسكون النون وتخفيف الجيم مضارع أنجى المهموز . | # وإسناد التقدير إلى ضمير الملائكة لأنهم مزمعون على سببه . وهو ما وكلوا ~~به من تحذير لوط عليه السلام وآله من الالتفات إلى العذاب ، وتركهم تحذير ~~امرأته حتى التفتت فحل بها ما حل بقوم لوط . | # وقرأ الجمهور { قدرنا } بتشديد الدال من التقدير . وقرأه أبو بكر عن عاصم ~~بتخفيف الدال من قدر المجرد وهما لغتان . | # وجملة { إنها لمن الغابرين } مستأنفة . و ( إن ) معلقة لفعل { قدرنا } عن ~~العمل في مفعوله . وأصل الكلام قدرنا غبورها ، أي ذهابها وهلاكها . | # والتعليق يطرأ على الأفعال كلها وإنما يكثر في أفعال القلوب ويقل في ~~غيرها . وليس من خصائصها على التحقيق . | # وتقدم ذكر الغابرين في سورة الأعراف . | # | 2 ( 61 65 ) { فلما جآء ءال لوط المرسلون * قال إنكم قوم منكرون ms4472 * ~~قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون * وآتيناك بالحق وإنا لصادقون * فأسر ~~بأهلك بقطع من اليل واتبع أدبارهم ولا يلتفت منكم أحد وامضوا حيث تؤمرون } ~~) 2 # تفريع على حكاية قصتهم مع إبراهيم وقد طوي ما هو معلوم من خروج الملائكة ~~من عند إبراهيم . والتقدير : ففارقوه وذهبوا إلى لوط فلما جاءوا لوطا . | ~~PageV14P062 # وعبر بآل لوط عليه السلام لأنهم نزلوا في منزلة بين أهله فجاءوا آله وإن ~~كان المقصود بالخطاب والمجيء هو لوط . | # وتولى لوط عليه السلام تلقيهم كما هو شأن كبير المنزل ولكنه وجدهم في شكل ~~غير معروف في القبائل التي كانت تمر بهم فألهم إلى أن لهم قصة غريبة ولذلك ~~قال لهم : { إنكم قوم منكرون } ، أي لا تعرف قبيلتكم . وتقدم عند قوله ~~تعالى : { نكرهم في سورة هود ( 70 ) . | # وقد أجابوه بما يزيل ذلك إذ قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون } ~~إضرابا عن قوله : { إنكم قوم منكرون } وإبطالا لما ظنه من كونهم من البشر ~~الذين لم يعرف قبيلتهم فلا يأمنهم أن يعاملوه بما يضره . | # وعبر عن العذاب ب ( ما كانوا فيه يمترون ) إيماء إلى وجه بناء الخبر وهو ~~التعذيب ، أي بالأمر الذي كان قومك يشكون في حلوله بهم وهو العذاب ، فعلم ~~أنهم ملائكة . | # والمراد بالحق الخبر الحق ، أي الصدق ، ولذلك ذيل بجملة { وإنا لصادقون } ~~. | # وقوله : { قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون وأتيناك بالحق وإنا ~~لصادقون } حكاية لخطاب الملائكة لوطا عليه السلام لمعنى عباراتهم محولة إلى ~~نظم عربي يفيد معنى كلامهم في نظم عربي بليغ ، فبنا أن نبين خصائص هذا ~~النظم العربي : | # فإعادة فعل { أتيناك } بعد واو العطف مع أن فعل { أتيناك } مرادف لفعل { ~~جئناك } دون أن يقول : و { بالحق } ، يحتمل أن يكون للتأكيد اللفظي ~~بالمرادف . والتعبير في أحد الفعلين بمادة المجيء وفي الفعل الآخر بمادة ~~الإتيان لمجرد التفنن لدفع تكرار الفعل الواحد ، كقوله تعالى في سورة ~~الفرقان ( 33 ) : { ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا . وعليه ~~تكون الباء في قوله : بما كانوا فيه يمترون } وقوله : { بالحق } للملابسة . ~~| PageV14P063 # ويحتمل ms4473 أن تكون لذكر الفعل الثاني وهو { وأتيناك } خصوصية لا تفي بها واو ~~العطف وهي مراعاة اختلاف المجرورين بالباء في مناسبة كل منهما للفعل الذي ~~تعلق هو به . فلما كان المتعلق بفعل { جئناك } أمرا حسيا وهو العذاب الذي ~~كانوا فيه يمترون ، وكان مما يصح أن يسند إليه المجيء بمعنى كالحقيقي ، إذ ~~هو مجيء مجازي مشهور مساو للحقيقي ، أوثر فعل { جئناك } ليسند إلى ضمير ~~المخاطبين ويعلق به ( ما كانوا فيه يمترون ) . وتكون الباء المتعلقة به ~~للتعدية لأنهم أجاءوا العذاب ، فموقع قوله تعالى : { بما كانوا فيه يمترون ~~} موقع مفعول به ، كما تقول ( ذهبت به ) بمعنى أذهبته وإن كنت لم تذهب معه ~~، ألا ترى إلى قوله تعالى : { فإما نذهبن بك ( سورة الزخرف : 41 ) أي نذهبك ~~من الدنيا ، أي نميتك . فهذه الباء للتعدية وهي بمنزلة همزة التعدية . | # وأما متعلق فعل أتيناك } وهو { بالحق } فهو أمر معنوي لا يقع منه الإتيان ~~فلا يتعلق بفعل الإتيان فغيرت مادة المجي إلى مادة الإتيان تنبيها على ~~إرادة معنى غير المراد بالفعل السابق ، أعني المجيء المجازي . فإن هذا ~~الإتيان مسند إلى الملائكة بمعناه الحقيقي ، وكانوا في إتيانهم ملابسين ~~للحق ، أي الصدق ، وليس الصدق مسندا إليه الإتيان . فالباء في قوله تعالى : ~~{ بالحق } للملابسة لا للتعدية . | # والقطع بكسر القاف وسكون الطاء الجزء الأخير من الليل . وتقدم عند قوله ~~تعالى : { قطعا من الليل مظلما في سورة يونس ( 27 ) . | # وأمروه أن يجعل أهله قدامه ويكون من خلفهم ، فهو يتبع أدبارهم ، أي ~~ظهورهم ليكون كالحائل بينهم وبين العذاب الذي يحل بقومه بعقب خروجه تنويها ~~ببركة الرسول عليه السلام ، ولأنهم أمروه أن لا يلتفت أحد من أهله إلى ديار ~~قومهم لأن العذاب يكون قد نزل بديارهم . فبكونه وراء أهله يخافون الالتفات ~~لأنه يراقبهم . وقد مضى تفصيل ذلك في سورة هود ، وأن امرأته التفتت فأصابها ~~العذاب . | PageV14P064 # وحيث تؤمرون } أي حيث تؤمرون بالمضي . ولم يبينوا له المكان الذي يقصده ~~إلا وقت الخروج ، وهو مدينة عمورية ، كما تقدم في سورة هود . | # | 2 ( 66 ) { وقضينآ إليه ذلك الامر أن دابر ms4474 هاؤلآء مقطوع مصبحين } ) 2 # { قضينا } قدرنا ، وضمن معنى أوحينا فعدي ب ( إلى ) . والتقدير : وقضينا ~~ذلك الأمر فأوحينا إليه ، أي إلى لوط عليه السلام ، أي أوحينا إليه بما ~~قضينا . | # و { ذلك الأمر } إبهام للتهويل . والإشارة للتعظيم ، أي الأمر العظيم . | # و { أن دابر هؤلاء مقطوع } جملة مفسرة ل { ذلك الأمر } وهي المناسبة ~~للفعل المضمن وهو ( أوحينا ) . فصار التقدير : وقضينا الأمر وأوحينا إليه ~~أن دابر هؤلاء مقطوع . فنظم الكلام هذا النظم البديع الوافر المعنى بما في ~~قوله : { ذلك الأمر } من الإبهام والتعظيم . | # ومجيء جملة { دابر } مفسرة مع صلوحية { أن } لبيان كل من إبهام الإشارة ~~ومن فعل ( أوحينا ) المقدر المضمن ، فتم بذلك إيجاز بديع معجز . | # والدابر : الآخر ، أي آخر شخص . | # وقطعه : إزالته . وهو كناية عن استئصالهم كلهم ، كما تقدم عند قوله تعالى ~~: { فقطع دابر القوم الذين ظلموا في سورة الأنعام ( 45 ) . | # وإشارة هؤلاء } إلى قومه . | # و { مصبحين } داخلين في الصباح ، أي في أول وقته ، وهو حال من اسم ~~الإشارة . ومبدأ الصباح وقت شروق الشمس ولذلك قال بعده { فأخذتهم الصيحة ~~مشرقين ( سورة الحجر : 73 ) . | # | PageV14P065 # | 2 ( 67 69 ) وجآء أهل المدينة يستبشرون * قال إن هاؤلآء ضيفى فلا ~~تفضحون * واتقوا الله ولا تخزون } ) 2 # عطف جزء من قصة قوم لوط وهو الجزء الأهم فيها . | # ومجيء أهل المدينة إليه ومحاورته معهم كان قبل أن يعلم أنهم ملائكة ولو ~~علم ذلك لما أشفق مما عزم عليه أهل المدينة لما علم بما عزموا عليه بعد ~~مجادلتهم معه ، كما جاء في قوله تعالى : { قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن ~~يصلوا إليك في سورة هود ( 81 ) . والواو لا تفيد ترتيب معطوفها . | # ويجوز جعل الجملة في موضع الحال من ضمير لوط المستتر في فعل قال إنكم قوم ~~منكرون } ( سورة الحجر : 62 ) ، أو من الهاء في { إليه } ، ولا إشكال حينئذ ~~. والمدينة هي سدوم . | # و { يستبشرون } يفرحون ويسرون . وهو مطاوع بشره فاستبشر ، قال تعالى : { ~~فاستبشروا ببيعكم في سورة براءة ( 111 ) . وصيغ بصيغة المضارع لإفادة ~~التجدد مبالغة في الفرح . ذلك أنهم علموا أن رجالا غرباء ms4475 حلوا ببيت لوط ~~عليه السلام ففرحوا بذلك ليغتصبوهم كعادتهم السيئة . وقد تقدمت القصة في ~~سورة هود . | # والفضح والفضيحة : شهرة حال شنيعة . وكانوا يتعيرون بإهانة الضيف ويعد ~~ذلك مذلة لمضيفه . وقد ذكرهم بالوازع الديني وإن كانوا كفارا استقصاء ~~للدعوة التي جاء بها ، وبالوازع العرفي فقال : واتقوا الله ولا تخزون } كما ~~في قول عبد بني الحسحاس : | # كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا | # والخزي : الذل والإهانة . وتقدم في قوله تعالى : { إلا خزي في الحياة ~~الدنيا في أوائل سورة البقرة ( 85 ) . وتقدم في مثل هذه القصة في سورة هود ~~. | # | PageV14P066 # | 2 ( 70 77 ) قالوا أولم ننهك عن العالمين * قال هاؤلآء بناتى إن كنتم ~~فاعلين * لعمرك إنهم لفى سكرتهم يعمهون * فأخذتهم الصيحة مشرقين * فجعلنا ~~عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل * إن فى ذلك لآيات للمتوسمين * ~~وإنها لبسبيل مقيم * إن فى ذلك لآية للمؤمنين } ) 2 # الواو في { أولم ننهك } عطف على كلام لوط عليه السلام جار على طريقة ~~العطف على كلام الغير كقوله تعالى : { قال ومن ذريتي } بعد قوله تعالى : { ~~قال إني جاعلك للناس إماما } في سورة البقرة ( 124 ) . | # والاستفهام إنكاري ، والمعطوف هو الإنكار . | # و { العالمين } الناس . وتعدية النهي إلى ذات العالمين على تقدير مضاف دل ~~عليه المقام ، أي ألم ننهك عن حماية الناس أو عن إجارتهم ، أي أن عليك أن ~~تخلي بيننا وبين عادتنا حتى لا يطمع المارون في حمايتك ، وقد كانوا يقطعون ~~السبيل يتعرضون للمارين على قراهم . و { العالمين } تقدم في الفاتحة . ~~وأرادوا به هنا أصناف القبائل لقصد التعميم . | # وعرض عليهم بناته ظنا أن ذلك يردعهم ويطفىء شبقهم . ولذلك قال : { إن ~~كنتم فاعلين } . | # وقد تقدم في سورة هود معنى عرضه بناته ، وأن قوله : { بناتي } يجوز أن ~~يراد به بنات صلبه وكن اثنتين أو ثلاثا ، ويجوز أن يراد به بنات القوم كلهم ~~تنزيلا لهم منزلة بناته لأن النبي كأب لأمته . | # وجملة { لعمرك إنهم لفي سكراتهم يعمهون } معترضة بين أجزاء القصة للعبرة ~~في عدم جدوى الموعظة فيمن يكون في سكرة هواه . | PageV14P067 # والمخاطب بها محمد صلى الله عليه ms4476 وسلم من قبل الله تعالى . وقيل هو من ~~كلام الملائكة بتقدير قول . | # وكلمة { لعمرك } صيغة قسم . واللام الداخلة على لفظ ( عمر ) لام القسم . ~~| # والعمر بفتح العين وسكون اللام أصله لغة في العمر بضم العين ، فخص ~~المفتوح بصيغة القسم لخفته بالفتح لأن القسم كثير الدوران في الكلام . فهو ~~قسم بحياة المخاطب به . وهو في الاستعمال إذا دخلت عليه لام القسم رفعوه ~~على الابتداء محذوف الخبر وجوبا . والتقدير : لعمرك قسمي . | # وهو من المواضع التي يحذف فيها الخبر حذفا لازما في استعمال العرب اكتفاء ~~بدلالة اللام على معنى القسم . وقد يستعملونه بغير اللام فحينئذ يقرنونه ~~باسم الجلالة وينصبونهما ، كقول عمر بن أبي ربيعة : | # عمرك الله كيف يلتقيان | # فنصب عمر بنزع الخافض وهو ياء القسم ونصب اسم الجلالة على أنه مفعول ~~المصدر ، أي بتعميرك الله بمعنى بتعظيمك الله ، أي قولك لله لعمرك تعظيما ~~لله لأن القسم باسم أحد تعظيم له ، فاستعمل لفظ القسم كناية عن التعظيم ، ~~كما استعمل لفظ التحية كناية عن التعظيم في كلمات التشهد ( التحيات لله ) ~~أي أقسم عليك بتعظيمك ربك . هذا ما يظهر لي في توجيه النصب ، وقد خالفت فيه ~~أقوال أهل اللغة بعض مخالفة لأدفع ما عرض لهم من إشكال . | # والسكرة : ذهاب العقل . مشتقة من السكر بفتح السين وهو السد والغلق . ~~وأطلقت هنا على الضلال تشبيها لغلبة دواعي الهوى على دواعي الرشاد بذهاب ~~العقل وغشيته . | # و { يعمهون } يتحيرون ولا يهتدون . وقد تقدم عند قوله تعالى : { ويمدهم ~~في طغيانهم يعمهون في سورة البقرة ( 15 ) . | PageV14P068 # وجملة فأخذتهم الصيحة مشرقين } تفريع على جملة { وقضينا إليه ذلك الأمر ( ~~سورة الحجر : 66 ) . | # والصيحة } : صعقة في الهواء ، وهي صواعق وزلازل وفيها حجارة من سجيل . ~~وقد مضى بيانها في سورة هود . | # وانتصب { مشرقين } على الحال من ضمير الغيبة . وهو اسم فاعل من أشرقوا ~~إذا دخلوا في وقت شروق الشمس . | # وضميرا { عاليها سافلها } للمدينة . وضمير { عليهم } عائد إلى ما عادت ~~عليه ضمائر الجمع قبله . | # وجملة { إن في ذلك لأيات للمتوسمين } : تذييل . والآيات : الأدلة ، أي ~~دلائل على حقائق من ms4477 الهداية وضدها ، وعلى تعرض المكذبين رسلهم لعقاب شديد . ~~| # والإشارة { في ذلك } إلى جميع ما تضمنته القصة المبدوءة بقوله تعالى : { ~~ونبئهم عن ضيف إبراهيم ( سورة الحجر : 51 ) . ففيها من الآيات آية نزول ~~الملائكة في بيت إبراهيم عليه السلام كرامة له ، وبشارته بغلام عليم ، ~~وإعلام الله إياه بما سيحل بقوم لوط كرامة لإبراهيم عليهما السلام ، ونصر ~~الله لوطا بالملائكة ، وإنجاء لوط عليه السلام وآله ، وإهلاك قومه وامرأته ~~لمناصرتها إياهم ، وآية عماية أهل الضلالة عن دلائل الإنابة ، وآية غضب ~~الله على المسترسلين في عصيان الرسل . | # وتقدم الكلام على لفظ آية عند قوله تعالى : والذين كفروا وكذبوا بآياتنا ~~في سورة البقرة ( 39 ) . وقوله : وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه في سورة ~~الأنعام ( 37 ) . | # والمتوسمون أصحاب التوسم وهو التأمل في السمة ، أي العلامة الدالة على ~~المعلم ، والمراد للمتأملين في الأسباب وعواقبها وأولئك هم المؤمنون . وهو ~~تعريض بالذين لم تردعهم العبر بأنهم دون مرتبة النظر تعريضا بالمشركين ~~PageV14P069 الذين لم يتعظوا ؛ بأن يحل بهم ما حل بالأمم من قبلهم التي ~~عرفوا أخبارها ورأوا آثارها . | # ولذلك أعقب الجملة بجملة وإنها لبسبيل مقيم } ، أي المدينة المذكورة آنفا ~~هي بطريق باقق يشاهد كثير منكم آثارها في بلاد فلسطين في طريق تجارتكم إلى ~~الشام وما حولها ، وهذا كقوله : { وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا ~~تعقلون ( سورة الصافات : 137 138 ) . | # والمقيم : أصله الشخص المستقر في مكانه غير مرتحل . وهو هنا مستعار لآثار ~~المدينة الباقية في المكان بتشبيهه بالشخص المقيم . | # وجملة إن في ذلك لآية للمؤمنين } تذييل . والإشارة إلى ما تقدم من قوله ~~من القصة مع ما انضم إليها من التذكير بأن قراهم واضحة فيها آثار الخسف ~~والأمطار بالحجارة المحماة . | # وعبر في التذييل بالمؤمنين للتنبيه على أن المتوسمين هم المؤمنون . | # وجعل ذلك ( آية ) بالإفراد تفننا لأن ( آية ) اسم جنس يصدق بالمتعدد ، ~~على أن مجموع ما حصل لهم آية على المقصود من القصة وهو عاقبة المكذبين . ~~وفي مطاوي تلك الآيات آيات . والذي في درة التنزيل ، أي الفرق بين جمع ~~الآيات في الأول ، وإفراده ms4478 ثانيا في هذه الآية بأن ما قص من حديث لوط وضيف ~~إبراهيم وما كان من عاقبة أمرهم كل جزء من ذلك في نفسه آية . فالمشار إليه ~~بذلك هو عدة آيات . وأما كون قرية لوط بسبيل مقيم فهو في جملته آية واحدة . ~~فتأمل . | # | 2 ( 78 ، 79 ) { وإن كان أصحاب الايكة لظالمين * فانتقمنا منهم وإنهما ~~لبإمام مبين } ) 2 # { وإن كان أصحاب الايكة لظالمين } { فانتقمنا منهم وإنهما لبإمام مبين } ~~. | # عطف قصة على قصة لما في كلتيهما من الموعظة . وذكر هاتين القصتين ~~المعطوفتين تكميل وإدماج ، إذ لا علاقة بينهما وبين ما قبلهما من قصة ~~إبراهيم PageV14P070 والملائكة . وخص بالذكر أصحاب الأيكة وأصحاب الحجر ~~لأنهم مثل قوم لوط في موعظة المشركين من الملائكة لأن أهل مكة يشاهدون ديار ~~هذه الأمم الثلاث . | # و { إن } مخففة ( إن ) وقد أهمل عملها بالتخفيف فدخلت على جملة فعلية . ~~واللام الداخلة على ( الظالمين ) اللام الفارقة بين ( إن ) التي أصلها ~~مشددة وبين ( إن ) النافية . | # و { الأيكة } : الغيضة من الأشجار الملتف بعضها ببعض . واسم الجمع ( أيك ~~) ، وأطلقت هنا مرادا بها الجنس إذ قد كانت منازلهم في غيضة من الأشجار ~~الكثيرة الورق . وقد تخفف الأيكة فيقال : ليكة . | # و { أصحاب الأيكة } : هم قوم شعيب عليه السلام وهم مدين . وقيل أصحاب ~~الأيكة فريق من قوم شعيب غير أهل مدين . فأهل مدين هم سكان الحاضرة وأصحاب ~~الأيكة هم باديتهم ، وكان شعيب رسولا إليهم جميعا . قال تعالى : { كذب ~~أصحاب ليكة المرسلين إذ قال لهم شعيب ألا تتقون ( سورة الشعراء : 176 177 ) ~~. وسيأتي الكلام على ذلك مستوفى في سورة الشعراء . | # والظالمون : المشركون . | # والانتقام : العقوبة لأجل ذنب ، مشتقة من النقم ، وهو الإنكار على الفعل ~~. يقال : نقم عليه كما في هذه الآية ، ونقم منه أيضا . وتقدم في قوله : وما ~~تنقم منا في سورة الأعراف ( 126 ) . وأجمل الانتقام في هذه الآية وبين في ~~آيات أخرى مثل آية هود . | # وإنهما لبإمام مبين } | # ضمير { إنهما } لقرية قوم لوط وأيكة قوم شعيب عليهما السلام . . | ~~PageV14P071 # والإمام : الطريق الواضح لأنه يأتم به السائر ، أي يعرف أنه يوصل إذ ms4479 لا ~~يخفى عنه شيء منه . والمبين : البين ، أي أن كلتا القريتين بطريق القوافل ~~بأهل مكة . | # وقد تقدم آنفا قوله : { وإنها لبسبيل مقيم ( سورة الحجر : 76 ) فإدخال ~~مدينة لوط عليه السلام في الضمير هنا تأكيد للأول . | # ويظهر أن ضمير التثنية عائد على أصحاب الأيكة باعتبار أنهم قبيلتان ، ~~وهما مدين وسكان الغيضة الأصليون الذين نزل مدين بجوارهم ، فإن إبراهيم ~~عليه السلام أسكن ابنه مدين في شرق بلاد الخليل ، ولا يكون إلا في أرض ~~مأهولة . وهذا عندي هو مقتضى ذكر قوم شعيب عليه السلام باسم مدين مرات ~~وباسم أصحاب الأيكة مرات . وسيأتي لذلك زيادة إيضاح في سورة الشعراء . | # | 2 ( 80 84 ) ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين * وءاتيناهم ءاياتنا فكانوا ~~عنها معرضين * وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا ءامنين * فأخذتهم الصيحة ~~مصبحين * فمآ أغنى عنهم ما كانوا يكسبون } ) 2 # جمعت قصص هؤلاء الأمم الثلاث : قومم لوط ، وأصحابب الأيكة ، وأصحاب الحجر ~~في نسق ، لتماثل حال العذاب الذي سلط عليها وهو عذاب الصيحة والرجفة ~~والصاعقة . | # وأصحاب الحجر هم ثمود كانوا ينزلون الحجر بكسر الحاء وسكون الجيم . ~~والحجر : المكان المحجور ، أي الممنوع من الناس بسبب اختصاص PageV14P072 به ~~، أو اشتق من الحجارة لأنهم كانوا ينحتون بيوتهم في صخر الجبل نحتا محكما . ~~وقد جعلت طبقات وفي وسطها بئر عظيمة وبئار كثيرة . | # والحجر هو المعروف بوادي القرى وهو بين المدينة والشام ، وهو المعروف ~~اليوم باسم مدائن صالح على الطريق من خيبر إلى تبوك . | # وأما حجر اليمامة مدينة بني حنيفة فهي بفتح الحاء وهي في بلاد نجد وتسمى ~~العروض وهي اليوم من بلاد البحرين . | # وقد توهم بعض المستشرقين من الإفرنج أن البيوت المنحوتة في ذلك الجبل ~~كانت قبورا ، وتعلقوا بحجج وهمية . ومما يفند أقوالهم خلو تلك الكهوف عن ~~أجساد آدمية . وإذا كانت تلك قبورا فأين كانت منازل الأحياء ؟ . | # والظاهر أن ثمود لما أخذتهم الصيحة كانوا منتشرين في خارج البيوت لقوله ~~تعالى : { فأخذتهم الصيحة مصبحين } . وقد وجدت في مداخل تلك البيوت نقر ~~صغيرة تدل على أنها مجعولة لوصد أبواب المداخل في الليل . | # وتعريف ms4480 { المرسلين } للجنس ، فيصدق بالواحد ، إذ المراد أنهم كذبوا صالحا ~~عليه السلام فهو كقوله تعالى : { كذبت قوم نوح المرسلين ( سورة الشعراء : ~~105 ) . وقد تقدم . وكذلك جمع الآيات في قوله : آياتنا } مراد به الجنس ، ~~وهي آية الناقة ، أو أريد أنها آية تشتمل على آيات في كيفية خروجها من صخرة ~~، وحياتها ، ورعيها ، وشربها . وقد روي أنها خرج معها فصيلها ، فهما آيتان ~~. | # وجملة { وكانوا ينحتون } معترضة . والنحت : بري الحجر أوالعود من وسطه أو ~~من جوانبه . | # و { من الجبال } تبعيض متعلق ب { ينحتون } . والمعنى من صخر الجبال ، لما ~~دل عليه فعل { ينحتون } . | PageV14P073 # و { آمنين } حال من ضمير { ينحتون } وهي حال مقدرة ، أي مقدرين أن يكونوا ~~آمنين عقب نحتها وسكناها . وكانت لهم بمنزلة الحصون لا ينالهم فيها العدو . ~~| # ولكنهم نسوا أنها لا تأمنهم من عذاب الله فلذلك قال : { فما أغنى عنهم ما ~~كانوا يكسبون } . | # والفاء في { فأخذتهم الصيحة } للتعقيب والسببية . و { مصبحين } حال ، أي ~~داخلين في وقت الصباح . | # و { ما كانوا يكسبون } أي يصنعون ، أي البيوت التي عنوا بتحصينها ~~وتحسينها كما دل عليه فعل { كانوا } . وصيغة المضارع في { يكسبون } ~~لدلالتها على التكرر والتجدد المكنى به عن إتقان الصنعة . وبذلك كان موقع ~~الموصول والصلة أبلغ من موقع لفظ ( بيوتهم ) مثلا ، ليدل على أن الذي لم ~~يغن عنهم شيء متخذ للإغناء ومن شأنه ذلك . | # | 2 ( 85 ، 86 ) { وما خلقنا السماوات والارض وما بينهمآ إلا بالحق وإن ~~الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل * إن ربك هو الخلاق العليم } ) 2 # موقع الواو في صدر هذه الجملة بديع . فهذه الجملة صالحة لأن تكون تذييلا ~~لقصص الأمم المعذبة ببيان أن ما أصابهم قد استحقوه فهو من عدل الله بالجزاء ~~على الأعمال بما يناسبها ، ولأن تكون تصديرا للجملة التي بعدها وهي جملة { ~~وإن الساعة لآتية } . والمراد ساعة جزاء المكذبين بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~أي ساعة البعث . فعلى الأول تكون الواو اعتراضية أو حالية ، وعلى الثاني ~~عاطفة جملة على جملة وخبرا على خبر . | PageV14P074 # على أنه قد يكون العطف في الحالين لجعلها مستقلة بإفادة مضمونها ms4481 لأهميته ~~مع كونها مكملة لغيرها ، وإنما أكسبها هذا الموقع البديع نظم الجمل المعجز ~~والتنقل من غرض إلى غرض بما بينها من المناسبة . | # وتشمل { السموات والأرض وما بينهما } أصناف المخلوقات من حيوان وجماد ، ~~فشمل الأمم التي على الأرض وما حل بها ، وشمل الملائكة الموكلين بإنزال ~~العذاب ، وشمل الحوادث الكونية التي حلت بالأمم من الزلازل والصواعق والكسف ~~. | # والباء في { إلا بالحق } للملابسة متعلقة ب { خلقنا } ، أي خلقا ملابسا ~~للحق ومقارنا له بحيث يكون الحق باديا في جميع أحوال المخلوقات . | # والملابسة هنا عرفية ؛ فقد يتأخر ظهور الحق عن خلق بعض الأحوال والحوادث ~~تأخرا متفاوتا . فالملابسة بين الخلق والحق تختلف باختلاف الأحوال من ظهور ~~الحق وخفائه ؛ على أنه لا يلبث أن يظهر في عاقبة الأمور كما دل عليه قوله ~~تعالى : { بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ( سورة الأنبياء : ~~18 ) . | # والحق : هنا هو إجراء أحوال المخلوقات على نظام ملائم للحكمة والمناسبة ~~في الخير والشر ، والكمال والنقص ، والسمو والخفض ، في كل نوع بما يليق ~~بماهيته وحقيقته وما يصلحه ، وما يصلح هو له ، بحسب ما يقتضيه النظام العام ~~لا بحسب الأميال والشهوات ، فإذا لاح ذلك الحق الموصوف مقارنا وجوده لوجود ~~محقوقه فالأمر واضح ، وإذا لاح تخلف شيء عن مناسبة فبالتأمل والبحث يتضح أن ~~وراء ذلك مناسبة قضت بتعطيل المقارنة المحقوقة ، ثم لا يتبدل الحق آخر ~~الأمر . | # وهذا التأويل يظهره موقع الآية عقب ذكر عقاب الأمم التي طغت وظلمت ، فإن ~~ذلك جزاء مناسب تمردها وفسادها ، وأنها وإن أمهلت حينا برحمة من الله لحكمة ~~استبقاء عمران جزء من العالم زمانا فهي لم تفلت من العذاب المستحق لها ، ~~وهو من الحق أيضا فما كان إمهالها PageV14P075 إلا حقا ، وما كان حلول ~~العذاب بها إلا حقا عند حلول أسبابه ، وهو التمرد على أنبيائهم . وكذلك ~~القول في جزاء الآخرة أن تعطل الجزاء في الدنيا بسبب عطل ما اقتضته الحكمة ~~العامة أو الخاصة . | # وموقع جملة وإن الساعة لآتية } في الكلام يجعلها بمنزلة نتيجة الاستدلال ~~، فمن عرف أن جميع المخلوقات خلقت خلقا ms4482 ملابسا للحق وأيقن به علم أن الحق ~~لا يتخلف عن مستحقه ولو غاب وتأخر ، وإن كان نظام حوادث الدنيا قد يعطل ~~ظهور الحق في نصابه وتخلفه عن أربابه . | # فعلم أن وراء هذا النظام نظاما مدخرا يتصل فيه الحق بكل مستحق إن خيرا ~~وإن شرا ، فلا يحسبن من فات من الذين ظلموا قبل حلول العذاب بهم مفلتا من ~~الجزاء فإن الله قد أعد عالما آخر يعطي فيه الأمور مستحقيها . | # فلذلك أعقب الله و { وما خلقنا السموات والأرض } بآية { وإن الساعة لأتية ~~} ، أي أن ساعة إنفاذ الحق آتية لا محالة فلا يريبك ما تراه من سلامة ~~مكذبيك وإمهالهم كما قال تعالى : { وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك ~~فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون ( سورة يونس : 41 ) . والمقصود ~~من هذا تسلية النبي على ما لقيه من أذى المشركين وتكذيبهم واستمرارهم على ~~ذلك إلى أمد معلوم . | # وقد كانت هذه الجملة في مقتضى الظاهر حرية بالفصل وعدم العطف لأن حقها ~~الاستئناف ولكنها عطفت لإبرازها في صورة الكلام المستقل اهتماما بمضمونها ، ~~ولأنها تسلية للرسول عليه الصلاة والسلام على ما يلقاه من قومه ، وليصح ~~تفريع أمره بالصفح عنهم في الدنيا لأن جزاءهم موكول إلى الوقت المقدر . | # وفي إمهال الله تعالى المشركين ثم في إنجائهم من عذاب الاستئصال حكمة ~~تحقق بها مراد الله من بقاء هذا الدين وانتشاره في العالم بتبليغ العرب ~~إياه وحمله إلى الأمم . | PageV14P076 # والمراد بالساعة ساعة البعث وذلك الذي افتتحت به السورة . وذلك انتقال من ~~تهديدهم ووعيدهم بعذاب الدنيا إلى تهديدهم بعذاب الآخرة . وفي معنى هذه ~~الآية قوله تعالى : ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل ~~مسمى والذين كفروا عما أنذروا معرضون في سورة الأحقاف ( 3 ) . | # وتفريع فاصفح الصفح الجميل } على قوله تعالى : { وما خلقنا السماوات ~~والأرض وما بينهما إلا بالحق } باعتبار المعنى الكنائي له ، وهو أن الجزاء ~~على أعمالهم موكول إلى الله تعالى فلذلك أمر نبيه صلى الله عليه وسلم ~~بالإعراض عن أذاهم وسوء تلقيهم للدعوة . | # و { الصفح } : العفو ms4483 . وقد تقدم في قوله تعالى : { فاعف عنهم واصفح في ~~سورة العقود ( 13 ) . وهو مستعمل هنا في لازمه وهو عدم الحزن والغضب من ~~صنيع أعداء الدين وحذف متعلق الصفح لظهوره ، أي عمن كذبك وآذاك . | # والجميل } : الحسن . والمراد الصفح الكامل . | # ثم إن في هذه الآية ضربا من رد العجز على الصدر ، إذ كان قد وقع ~~الاستدلال على المكذبين بالبعث بخلق السماوات والأرض عند قوله : { ولو ~~فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل ~~نحن قوم مسحورون ولقد جعلنا في السماء بروجا ( سورة الحجر : 14 16 ) الآيات ~~. وختمت بآية : وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون إلى قوله تعالى : وإن ~~ربك هو يحشرهم ( سورة الحجر : 23 25 ) . | # وانتقل هنالك إلى التذكير بخلق آدم عليه السلام وما فيه من العبر . ثم ~~إلى سوق قصص الأمم التي عقبت عصور الخلقة الأولى فآن الأوان للعود إلى حيث ~~افترق طريق النظم حيث ذكر خلق السماوات ودلالته على البعث بقوله تعالى : ~~وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق } الآيات ، فجاءت على وزان ~~قوله تعالى : { ولقد جعلنا في السماء بروجا ( سورة الحجر : 16 ) الآيات . ~~فإن ذلك خلق بديع . | PageV14P077 # وزيد هنا أن ذلك خلق بالحق . | # وكان قوله تعالى : وإن الساعة لأتية } فذلكة لقوله تعالى : { وإنا لنحن ~~نحيي ونميت إلى : وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم ( سورة الحجر : 25 ) ، ~~فعاد سياق الكلام إلى حيث فارق مهيعه . ولذلك تخلص إلى ذكر القرآن بقوله : ~~ولقد آتيناك سبعا من المثاني ( سورة الحجر : 87 ) الناظر إلى قوله تعالى : ~~إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ( سورة الحجر : 9 ) . | # وجملة إن ربك هو الخالق العليم } في موقع التعليل للأمر بالصفح عنهم ، أي ~~لأن في الصفح عنهم مصلحة لك ولهم يعلمها ربك ، فمصلحة النبي صلى الله عليه ~~وسلم في الصفح هي كمال أخلاقه ، ومصلحتهم في الصفح رجاء إيمانهم ، فالله ~~الخلاق لكم ولهم ولنفسك وأنفسهم ، العليم بما يأتيه كل منكم ، وهذا كقوله ~~تعالى : { فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما ms4484 يصنعون ( سورة فاطر ~~: 8 ) . | # ومناسبته لقوله تعالى : وإن الساعة لأتية } ظاهرة . | # وفي وصفه ب { الخالق العليم } إيماء إلى بشارة النبي صلى الله عليه وسلم ~~بأن الله يخلق من أولئك من يعلم أنهم يكونون أولياء للنبيء صلى الله عليه ~~وسلم وهم الذين آمنوا بعد نزول هذه الآية والذين ولدوا ، كقول النبي صلى ~~الله عليه وسلم ( لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده ) . | # وقال أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وكان في أيام الجاهلية من ~~المؤذين للنبيء صلى الله عليه وسلم | # دعاني داعع غير نفسي وردني | # إلى الله من أطردته كل مطرد | # يعني بالداعي النبي صلى الله عليه وسلم | # وتلك هي نكتة ذكر وصف { الخلاق } دون غيره من الأسماء الحسنى . | ~~PageV14P078 # والعدول إلى { إن ربك } دون ( إن الله ) للإشارة إلى أن الذي هو ربه ~~ومدبر أمره لا يأمره إلا بما فيه صلاحه ولا يقدر إلا ما فيه خيره . | # | 2 ( 87 ) { ولقد ءاتيناك سبعا من المثاني والقرءان العظيم } ) 2 # اعتراض بين جملة { فاصفح الصفح الجميل ( سورة الحجر : 85 ) وجملة ولقد ~~آتيناك سبعا } الآية . | # أتبع التسلية والوعد بالمنة ليذكر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بالنعمة ~~العظيمة فيطمئن بأنه كما أحسن إليه بالنعم الحاصلة فهو منجزه الوعود ~~الصادقة . | # وفي هذا الامتنان تعريض بالرد على المكذبين . وهو ناظر إلى قوله : { ~~وقالوا يأيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون إلى قوله تعالى : وإنا له ~~لحافظون ( سورة الحجر : 9 ) . | # فالجملة عطف على الجمل السابقة عطف الغرض على الغرض والقصة على القصة . ~~وهذا افتتاح غرض من التنويه بالقرآن والتحقير لعيش المشركين . | # وإيتاء القرآن : أي إعطاؤه ، وهو تنزيله عليه والوحي به إليه . | # وأوثر فعل آتيناك } دون ( أوحينا ) أو ( أنزلنا ) لأن الإعطاء أظهر في ~~الإكرام والمنة . | # وجعل { القرآن } معطوفا على { سبعا من المثاني } يشعر بأن السبع المثاني ~~من القرآن . وذلك ما درج عليه جمهور المفسرين ودل عليه الحديث الآتي . | # وقد وصف القرآن في سورة الزمر ( 23 ) بالمثاني في قوله تعالى : { الله ~~نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني ، فتعين أن ms4485 السبع هي أشياء تجري ~~PageV14P079 تسميتها على التأنيث لأنها أجري عليها اسم عدد المؤنث . ويتعين ~~أن المراد آيات أو سور من القرآن ، وأن من } تبعيضية . وذلك أيضا شأن { من ~~} إذا وقعت بعد اسم عدد . وأن المراد أجزاء من القرآن آيات أو سور لها مزية ~~اقتضت تخصيصها بالذكر من بين سائر القرآن ، وأن المثاني أسماء القرآن كما ~~دلت عليه آية الزمر ، وكما اقتضته { من } التبعيضية ، ولكون المثاني غير ~~السبع مغايرة بالكلية والجزئية تصحيحا للعطف . | # و { المثاني } يجوز أن يكون جمع مثنى بضم الميم وتشديد النون اسم مفعول ~~مشتقا من ثنى إذا كرر تكريرة . قيل { المثاني } جمع مثناة بفتح الميم وسكون ~~الثاء المثلثة وبهاء تأنيث في آخره . فهو مشتق من اسم الاثنين . | # والأصح أن السبع المثاني هي سورة فاتحة الكتاب لأنها يثنى بها ، أي تعاد ~~في كل ركعة من الصلاة فاشتقاقها من اسم الإثنين المراد به مطلق التكرير ، ~~فيكون استعماله هذا مجازا مرسلا بعلاقة الإطلاق ، أو كناية لأن التكرير ~~لازم كما استعملت صيغة التثنية فيه في قوله تعالى : { ثم ارجع البصر كرتين ~~( سورة الملك : 4 ) أي كرات وفي قولهم : لبيك وسعديك ودواليك . | # أو هو جمع مثناة مصدرا ميميا على وزن المفعلة أطلق المصدر على المفعول . ~~| # ثم إن كان المراد بالسبع سبع آيات فالمؤتى هو سورة الفاتحة لأنها سبع ~~آيات وهذا الذي ثبت عن رسول الله في حديث أبي سعيد بن المعلى وأبي بن كعب ~~وأبي هريرة في الصحيح عن رسول الله أن أم القرآن هي السبع المثاني فهو ~~الأولى بالاعتماد عليه . | # وقد تقدم ذلك في ذكر أسماء الفاتحة . ومعنى التكرير في الفاتحة أنها تكرر ~~في الصلاة . | # وعن ابن عباس : أن السبع المثاني هي السور السبع الطوال : أولاها البقرة ~~وآخرها براءة . وقيل : السور التي فوق ذوات المئين . | PageV14P080 # وعطف القرآن } على السبع من عطف الكل على الجزء لقصد التعميم ليعلم أن ~~إيتاء القرآن كله نعمة عظيمة . وفي حديث أبي سعيد بن المعلى قال : قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم ( والقرآن العظيم الذي أوتيته ) على تأويله ms4486 بأن ~~كلمة ( القرآن ) مرفوعة بالابتداء ( والذي أوتيته ) خبره . | # وأجري وصف { العظيم } على القرآن تنويها به . | # وإن كان المراد بالسبع سورا كما هو مروي من قول ابن عباس وكثير من ~~الصحابة والسلف واختلفوا في تعيينها بما لا ينثلج له الصدر ، فيكون إبهامها ~~مقصودا لصرف الناس للعناية بجميع ما نزل من سور القرآن كما أبهمت ليلة ~~القدر . | # | 2 ( 88 ، 89 ) { لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ولا تحزن ~~عليهم واخفض جناحك للمؤمنين * وقل إنى أنا النذير المبين } ) 2 # | $ # استئناف بياني لما يثيره المقصود من قوله تعالى : { وما خلقنا السماوات ~~والأرض وما بينهما إلا بالحق } ( سورة الحجر : 85 ) ، ومن تساؤل يجيش في ~~النفس عن الإملاء للمكذبين في النعمة والترف مع ما رمقوا به من الغضب ~~والوعيد فكانت جملة { لا تمدن عينيك } بيانا لما يختلج في نفس السامع من ~~ذلك ، ولكونها بهذه المثابة فصلت عن التي قبلها فصل البيان عن المبين . | # ولولا أن الجملة التي وقعت قبلها كانت بمنزلة التمهيد لها والإجمال ~~لمضمونها لعطفت هذه الجملة لأنها تكون حينئذ مجرد نهي لا اتصال له بما قبله ~~، كما عطفت نظيرتها في قوله تعالى في سورة طه ( 129 131 ) : { فاصبر على ما ~~يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن ءاناء الليل فسبح ~~وأطراف النهار لعلك ترضى ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا PageV14P081 به ~~أزواجا منهم زهرة الحياة الحياة . فلما فصلت الجملة هنا فهم أن الجملة التي ~~قبلها مقصودة التمهيد بهذه الجملة ولو عطفت هذه لما فهم هذا المعنى البديع ~~من النظم . | # والمد : أصله الزيادة . وأطلق على بسط الجسم وتطويله . يقال : مد يده إلى ~~كذا ، ومد رجله في الأرض . ثم استعير للزيادة من شيء . ومنه مدد الجيش ، ~~ومد البحر ، والمد في العمر . وتلك إطلاقات شائعة صارت حقيقة . واستعير ~~المد هنا إلى التحديق بالنظر والطموح به تشبيها له بمد اليد للمتناول ، لأن ~~المنهي عنه نظر الإعجاب مما هم فيه من حسن الحال في رفاهية عيشهم مع كفرهم ~~، أي فإن ما أوتيته أعظم ms4487 من ذلك فلو كانوا بمحل العناية لاتبعوا ما آتيناك ~~ولكنهم رضوا بالمتاع العاجل فليسوا ممن يعجب حالهم . | # والأزواج هنا يحتمل أن يكون على معناه المشهور ، أي الكفار ونسائهم . ~~ووجه تخصيصهم بالذكر أن حالتهم أتم أحوال التمتع لاستكمالها جميع اللذات ~~والأنس . ويحتمل أن يراد به المجاز عن الأصناف وهو استعمال أثبته الراغب . ~~فوجه ذكره في الآية أن التمتع الذي تمتد إلى مثله العين ليس ثابتا لجميع ~~الكفار بل هو شأن كبرائهم ، أي فإن فيهم من هم في حال خصاصة فاعتبر بهم كيف ~~جمع لهم الكفر وشظف العيش . | # والنهي عن الحزن عليهم شامل لكل حال من أحوالهم من شأنها أن تحزن الرسول ~~عليه الصلاة والسلام وتؤسفه . فمن ذلك كفرهم كما قال تعالى : فلعلك باخع ~~نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا ( سورة الكهف : 6 ) . ومنه ~~حلول العذاب بهم مثل ما حل بهم يوم بدر فإنهم سادة أهل مكة ، فلعل رسول ~~الله أن يتحسر على إصرارهم حتى حل بهم ما حل من العذاب . ففي هذا النهي ~~كناية عن قلة الاكتراث بهم وعن توعدهم بأن سيحل بهم ما يثير الحزن لهم ، ~~وكناية عن رحمة الرسول بالناس . | PageV14P082 # ولما كان هذا النهي يتضمن شدة قلب وغلظة لا جرم اعترضه بالأمر بالرفق ~~للمؤمنين بقوله واخفض جناحك للمؤمنين } . وهو اعتراض مراد منه الاحتراس . ~~وهذا كقوله : { أشداء على الكفار رحماء بينهم ( سورة الفتح : 29 ) . | # وخفض الجناح تمثيل للرفق والتواضع بحال الطائر إذا أراد أن ينحط للوقوع ~~حفض جناحه يريد الدنو ، وكذلك يصنع إذا لاعب أنثاه فهو راكن إلى المسالمة ~~والرفق ، أو الذي يتهيأ لحضن فراخه . وفي ضمن هذه التمثيلية استعارة مكنية ~~، والجناح تخييل . وقد بسطناه في سورة الإسراء في قوله : واخفض لهما جناح ~~الذل من الرحمة ( سورة الإسراء : 24 ) وقد شاعت هذه التمثيلية حتى صارت ~~كالمثل في التواضع واللين في المعاملة . وضد ذلك رفع الجناح تمثيل للجفاء ~~والشدة . | # ومن شعر العلامة الزمخشري يخاطب من كان متواضعا فظهر منه تكبر ( ذكره في ~~سورة الشعراء ) : | # وأنت الشهير بخفض الجناح ms4488 | # فلا تك في رفعه أجدلا | # وفي هذه الآية تمهيد لما يجيء بعدها من قوله تعالى : فاصدع بما تؤمر ~~وأعرض عن المشركين ( سورة الحجر : 94 ) . | # وجملة وقل إنى أنا النذير المبين } عطف على جملة { ولا تحزن عليهم } . ~~فالمقول لهم هذا القول هم المتحدث عنهم بالضمائر السابقة في قوله تعالى : { ~~منهم } وقوله : { عليهم } . فالتقدير : وقل لهم لأن هذا القول مراد منه ~~المتاركة ، أي ما علي إلا إنذاركم ، والقرينة هي ذكر النذارة دون البشارة ~~لأن النذارة تناسب المكذبين إذ النذارة هي الإعلام بحدث فيه ضر . | # والنذير : فعيل بمعنى مفعل مثل الحكيم بمعنى المحكم ، وضرب وجيع ، أي ~~موجع . | # والقصر المستفاد من ضمير الفصل ومن تعريف الجزءين قصر قلب ، أي لست كما ~~تحسبون أنكم تغيظونني بعدم إيمانكم فإني نذير مبين غير متقايض معكم لتحصيل ~~إيمانكم . | PageV14P083 # و { المبين } : الموضح المصرح . | # | 2 ( 90 ، 91 ) { كمآ أنزلنا على المقتسمين * الذين جعلوا القرءان عضين ~~} ) 2 # التشبيه الذي أفاده الكاف تشبيه بالذي أنزل على المقتسمين . | # و ( ما ) موصولة أو مصدرية ، وهي المشبه به . | # وأما المشبه فيجوز أن يكون الإيتاء المأخوذ من فعل { آتيناك سبعا من ~~المثاني ( سورة الحجر : 87 ) ، أي إيتاء كالذي أنزلنا أو كإنزالنا على ~~المقتسمين . شبه إيتاء بعض القرآن للنبيء بما أنزل عليه في شأن المقتسمين ، ~~أي أنزلناه على رسل المقتسمين بحسب التفسيرين الآتيين في معنى المقتسمين } ~~. | # ويجوز أن يكون المشبه الإنذار المأخوذ من قوله تعالى : { إني أنا النذير ~~المبين ( سورة الحجر : 89 ) ، أي الإنذار بالعقاب من قوله تعالى : فوربك ~~لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون ( سورة الحجر : 92 93 ) . | # وأسلوب الكلام على هذين الوجهين أسلوب تخلص من تسلية النبي إلى وعيد ~~المشركين الطاعنين في القرآن بأنهم سيحاسبون على مطاعنهم . | # وهو إما وعيد صريح إن أريد بالمقتسمين نفس المراد من الضميرين في قوله ~~تعالى : أزواجا منهم ولا تحزن عليهم ( سورة الحجر : 88 ) . | # وحرف على } هنا بمعنى لام التعليل كما في قوله تعالى : { ولتكبروا الله ~~على ما هداكم ( سورة البقرة : 185 ) وقوله : فكلوا مما أمسكن عليكم ( سورة ~~المائدة : 4 ) ، وقول ms4489 علقمة بن شيبان من بني تيم الله بن ثعلبة : | ~~PageV14P084 # ونطاعن الأعداء عن أبنانا | # وعلى بصائرنا وإن لم نبصر | # ولفظ المقتسمين } افتعال من قسم إذا جعل شيئا أقساما . وصيغة الافتعال ~~هنا تقتضي تكلف الفعل . | # والمقتسمون يجوز أن يراد بهم جمع من المشركين من قريش وهم ستة عشر رجلا ، ~~سنذكر أسماءهم ، فيكون المراد بالقرآن مسمى هذا الاسم العلم ، وهو كتاب ~~الإسلام . | # ويجوز أن يراد بهم طوائف أهل الكتاب قسموا كتابهم أقساما ، منها ما ~~أظهروه ومنها ما أنسوه ، فيكون القرآن مصدرا أطلق بمعناه اللغوي ، أي ~~المقروء من كتبهم ؛ أو قسموا كتاب الإسلام ، منه ما صدقوا به وهو ما وافق ~~دينهم ، ومنه ما كذبوا به وهو ما خالف ما هم عليه . | # وقد أجمل المراد بالمقتسمين إجمالا بينه وصفهم بالصلة في قوله تعالى : { ~~الذين جعلوا القرآن عضين } ؛ فلا يحتمل أن يكون المقتسمون غير الفريقين ~~المذكورين آنفا . | # ومعنى التقسيم والتجزئة هنا تفرقة الصفات والأحوال لا تجزئة الذات . | # و { القرآن } هنا يجوز أن يكون المراد به الاسم المجعول علما لكتاب ~~الإسلام . ويجوز أن يكون المراد به الكتاب المقروء فيصدق بالتوراة والإنجيل ~~. | # و { عضين } جمع عضة ، والعضة : الجزء والقطعة من الشيء . وأصلها عضو ~~فحذفت الواو التي هي لام الكلمة وعوض عنها الهاء مثل الهاء في سنة وشفة . ~~وحذف اللام قصد منه تخفيف الكلمة لأن الواو في آخر الكلمة تثقل عند الوقف ~~عليها ، فعوضوا عنها حرفا لئلا تبقى الكلمة على حرفين ، وجعلوا العوض هاء ~~لأنها أسعد الحروف بحالة الوقف . وجمع ( عضة ) على صيغة جمع المذكر السالم ~~على وجه شاذ . | PageV14P085 # وعلى الوجهين المتقدمين في المراد من القرآن في هذه الآية فالمقتسمون ~~الذين جعلوا القرآن عضين هم أهل الكتاب اليهود والنصارى فهم جحدوا بعض ما ~~أنزل إليهم من القرآن ، أطلق على كتابهم القرآن لأنه كتاب مقروء ، فأظهروا ~~بعضا وكتموا بعضا ، قال الله تعالى : { تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون ~~كثيرا ( سورة الأنعام : 91 ) فكانوا فيما كتموه شبيهين بالمشركين فيما ~~رفضوه من القرآن المنزل على محمد وهم أيضا جعلوا القرآن المنزل على محمد ~~عضين ms4490 فصدقوا بعضه وهو ما وافق أحوالهم ، وكذبوا بعضه المخالف لأهوائهم مثل ~~نسخ شريعتهم وإبطال بنوة عيسى لله تعالى ، فكانوا إذا سألهم المشركون : هل ~~القرآن صدق ؟ قالوا : بعضه صدق وبعضه كذب ، فأشبه اختلافهم اختلاف المشركين ~~في وصف القرآن بأوصاف مختلفة ، كقولهم : أساطير الأولين ( سورة الأنعام : ~~25 ) ، وقول كاهن ، وقول شاعر . | # وروي عن قتادة أن المقتسمين نفر من مشركي قريش جمعهم الوليد بن المغيرة ~~لما جاء وقت الحج فقال : إن وفود العرب ستقدم عليكم وقد سمعوا بأمر صاحبكم ~~هذا فأجمعوا فيه رأيا واحدا ، فانتدب لذلك ستة عشر رجلا فتقاسموا مداخل مكة ~~وطرقها لينفروا الناس عن الإسلام ، فبعضهم يقول : لا تغتروا بهذا القرآن ~~فهو سحر ، وبعضهم يقول : هو شعر ، وبعضهم يقول : كلام مجنون ، وبعضهم يقول ~~: قول كاهن ، وبعضهم يقول : هو أساطير الأولين اكتتبها ، فقد قسموا القرآن ~~أنواعا باعتبار اختلاف أوصافه . | # وهؤلاء النفر هم : حنظلة بن أبي سفيان ، وعتبة بن ربيعة ، وأخوه شيبة ، ~~والوليد بن المغيرة ، وأبو جهل بن هشام ، وأخوه العاص ، وأبو قيس بن الوليد ~~، وقيس بن الفاكه ، وزهير بن أمية ، وهلال بن عبد الأسود ، والسائب بن صيفي ~~، والنضر بن الحارث ، وأبو البختري بن هشام ، وزمعة بن الحجاج ، وأمية بن ~~خلف ، وأوس بن المغيرة . | PageV14P086 # واعلم أن معنى المقتسمين على الوجه المختار المقتسمون القرآن . وهذا هو ~~معنى جعلوا القرآن عضين } ، فكان ثاني الوصفين بيانا لأولهما وإنما اختلفت ~~العبارتان للتفنن . | # وأن ذم المشبه بهم يقتضي ذم المشبهين فعلم أن المشبهين قد تلقوا القرآن ~~العظيم بالرد والتكذيب . | # | 2 ( 92 ، 93 ) { فوربك لنسئلنهم أجمعين * عما كانوا يعملون } ) 2 # الفاء للتفريع ، وهذا تفريع على ما سبق من قوله تعالى : { وإن الساعة ~~لآتية فاصفح الصفح الجميل ( سورة الحجر : 85 ) . | # والواو للقسم ، فالمفرع هو القسم وجوابه . والمقصود بالقسم تأكيد الخبر . ~~وليس الرسول عليه الصلاة والسلام ممن يشك في صدق هذا الوعيد ؛ ولكن التأكيد ~~متسلط على ما في الخبر من تهديد معاد ضمير النصب في لنسألنهم } . | # ووصف الرب مضافا إلى ضمير النبي صلى الله عليه وسلم إيماء إلى أن في ~~السؤال ms4491 المقسم عليه حظا من التنويه به ، وهو سؤال الله المكذبين عن تكذيبهم ~~إياه سؤال رب يغضب لرسوله عليه الصلاة والسلام . | # والسؤال مستعمل في لازم معناه وهو عقاب المسؤول كقوله تعالى : { ثم ~~لتسألن يومئذ عن النعيم ( سورة التكاثر : 8 ) فهو وعيد للفريقين . | # | 2 ( 94 96 ) فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين * إنا كفيناك المستهزءين ~~* الذين يجعلون مع الله إلاها ءاخر فسوف يعملون } ) 2 # تفريع على جملة { ولقد آتيناك سبعا من المثاني ( سورة الحجر : 87 ) ~~بصريحه وكنايته عن التسلية على ما يلاقيه من تكذيب قومه . | PageV14P087 # نزلت هذه الآية في السنة الرابعة أو الخامسة من البعثة ورسول الله عليه ~~الصلاة والسلام مختف في دار الأرقم بن أبي الأرقم . روي عن عبد الله بن ~~مسعود قال : ما زال النبي مستخفيا حتى نزلت : فاصدع بما تؤمر } فخرج هو ~~وأصحابه . يعني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت سورة المدثر كان ~~يدعو الناس خفية وكان من أسلم من الناس إذا أراد الصلاة يذهب إلى بعض ~~الشعاب يستخفي بصلاته من المشركين ، فلحقهم المشركون يستهزئون بهم ويعيبون ~~صلاتهم ، فحدث تضارب بينهم وبين سعد بن أبي وقاص أدمى فيه سعد رجلا من ~~المشركين . فبعد تلك الوقعة دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه دار ~~الأرقم عند الصفا فكانوا يقيمون الصلاة بها واستمروا كذلك ثلاث سنين أو ~~تزيد ، فنزل قوله تعالى : { فاصدع بما تؤمر } الآية . وبنزولها ترك الرسول ~~صلى الله عليه وسلم الاختفاء بدار الأرقم وأعلن بالدعوة للإسلام جهرا . | # والصدع : الجهر والإعلان . وأصله الانشقاق . ومنه انصداع الإناء ، أي ~~انشقاقه . فاستعمل الصدع في لازم الانشقاق وهو ظهور الأمر المحجوب وراء ~~الشيء المنصدع ؛ فالمراد هنا الجهر والإعلان . | # وما صدق ( ما تؤمر ) هو الدعوة إلى الإسلام . | # وقصد شمول الأمر كل ما أمر الرسول عليه الصلاة والسلام بتبليغه هو نكتة ~~حذف متعلق { تؤمر } ، فلم يصرح بنحو بتبليغه أو بالأمر به أو بالدعوة إليه ~~. وهو إيجاز بديع . | # والإعراض عن المشركين الإعراض عن بعض أحوالهم لا عن ذواتهم . وذلك ~~إبايتهم الجهر بدعوة الإسلام ms4492 بين ظهرانيهم ، وعن استهزائهم ، وعن تصديهم ~~إلى أذى المسلمين . وليس المراد الإعراض عن دعوتهم لأن قوله تعالى : { ~~فاصدع بما تؤمر } مانع من ذلك ، وكذلك جملة { إنا كفيناك المستهزئين } . | ~~PageV14P088 # وجملة { إنا كفيناك المستهزئين } تعليل للأمر بالإعلان بما أمر به ، فإن ~~اختفاء النبي صلى الله عليه وسلم بدار الأرقم كان بأمر من الله تعالى لحكمة ~~علمها الله أهمها تعدد الداخلين في الإسلام في تلك المدة بحيث يغتاظ ~~المشركون من وفرة الداخلين في الدين مع أن دعوته مخفية ، ثم إن الله أمر ~~رسوله عليه الصلاة والسلام بإعلان دعوته لحكمة أعلى تهيأ اعتبارها في علمه ~~تعالى . | # والتعبير عنهم بوصف { المستهزئين } إيماء إلى أنه كفاه استهزاءهم وهو أقل ~~أنواع الأذى ، فكفايته ما هو أشد من الاستهزاء من الأذى مفهوم بطريق الأحرى ~~. | # وتأكيد الخبر ب ( إن ) لتحقيقه اهتماما بشأنه لا للشك في تحققه . | # والتعريف في { المستهزءين } للجنس فيفيد العموم ، أي كفيناك كل مستهزء . ~~وفي التعبير عنهم بهذا الوصف إيماء إلى أن قصارى ما يؤذونه به الاستهزاء ، ~~كقوله تعالى : { لن يضروكم إلا أذى ( سورة آل عمران : 111 ) ، فقد صرفهم ~~الله عن أن يؤذوا النبي بغير الاستهزاء . وذلك لطف من الله برسوله . | # ومعنى الكفاية تولي الكافي مهم المكفي ، فالكافي هو متولي عمل عن غيره ~~لأنه أقدر عليه أو لأنه يبتغي راحة المكفي . يقال : كفيت مهمك ، فيتعدى ~~الفعل إلى مفعولين ثانيهما هو المهم المكفي منه . فالأصل أن يكون مصدرا ~~فإذا كان اسم ذات فالمراد أحواله التي يدل عليها المقام ، فإذا قلت : كفيتك ~~عدوك ، فالمراد : كفيتك بأسه ، وإذا قلت : كفيتك غريمك ، فالمراد : كفيتك ~~مطالبته . فلما قال هنا كفيناك المستهزئين } فهم أن المراد كفيناك الانتقام ~~منهم وإراحتك من استهزائهم . وكانوا يستهزئون بصنوف من الاستهزاء كما تقدم ~~. | # ويأتي في آيات كثيرة من استهزائهم استهزاؤهم بأسماء سور القرآن مثل سورة ~~العنكبوت وسورة البقرة ، كما في ( الإتقان ) في ذكر أسماء السور . | ~~PageV14P089 # وعد من كبرائهم خمسة هم : الوليد بن المغيرة ، والأسود بن عبد يغوث ، ~~والأسود بن المطلب ، والحارث بن عيطلة ( ويقال ابن عيطل وهو اسم ms4493 أمه دعي ~~لها واسم أبيه قيس . وفي ( الكشاف ) و ( القرطبي ) أنه ابن الطلاطلة ، ~~ومثله في ( القاموس ) ، وهي بضم الطاء الأولى وكسر الطاء الثانية ) والعاصي ~~بن وائل ، هلكوا بمكة متتابعين ، وكان هلاكهم العجيب المحكي في كتب السيرة ~~صارفا أتباعهم عن الاستهزاء لانفراط عقدهم . | # وقد يكون من أسباب كفايتهم زيادة الداخلين في الإسلام بحيث صار بأس ~~المسلمين مخشيا ؛ وقد أسلم حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه فاعتز به ~~المسلمون ، ولم يبق من أذى المشركين إياهم إلا الاستهزاء ، ثم أسلم عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه فخشيه سفهاء المشركين ، وكان إسلامه في حدود سنة خمس ~~من البعثة . | # ووصفهم ب { الذين يجعلون مع الله إلاها آخر } للتشويه بحالهم ، ولتسلية ~~الرسول صلى الله عليه وسلم بأنهم ما اقتصروا على الافتراء عليه فقد افتروا ~~على الله . | # وصيغة المضارع في قوله تعالى : { يجعلون } للإشارة إلى أنهم مستمرون على ~~ذلك مجددون له . | # وفرع على الأمرين الوعيد بقوله تعالى : { فسوف يعلمون } . وحذف مفعول { ~~يعلمون } لدلالة المقام عليه ، أي فسوف يعلمون جزاء بهتانهم . | # | 2 ( 97 99 ) { ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون * فسبح بحمد ربك وكن ~~من الساجدين * واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } ) 2 # لما كان الوعيد مؤذنا بإمهالهم قليلا كما قال تعالى : { ومهلهم قليلا ( ~~سورة المزمل : 11 ) كما دل عليه حرف التنفيس في قوله تعالى : فسوف يعلمون ( ~~سورة الحجر : 96 ) طمأن الله نبيه PageV14P090 صلى عليه وسلم بأنه مطلع على ~~تحرجه من أذاهم وبهتانهم من أقوال الشرك وأقوال الاستهزاء فأمره بالثبات ~~والتفويض إلى ربه لأن الحكمة في إمهالهم ، ولذلك افتتحت الجملة بلام القسم ~~وحرف التحقيق . | # وليس المخاطب ممن يداخله الشك في خبر الله تعالى ولكن التحقيق كناية عن ~~الاهتمام بالمخبر وأنه بمحل العناية من الله ؛ فالجملة معطوفة على جملة إنا ~~كفيناك المستهزئين ( سورة الحجر : 95 ) أو حال . | # وضيق الصدر : مجاز عن كدر النفس . وقد تقدم في قوله تعالى : وضائق به ~~صدرك في سورة هود ( 12 ) . | # وفرع على جملة ولقد نعلم } أمره بتسبيح الله تعالى وتنزيهه عما يقولونه ~~من ms4494 نسبة الشريك ، أي عليك بتنزيه ربك فلا يضرك شركهم . على أن التسبيح قد ~~يستعمل في معناه الكنائي مع معناه الأصلي فيفيد الإنكار على المشركين فيما ~~يقولون ، أي فاقتصر في دفعهم على إنكار كلامهم . وهذا مثل قوله تعالى : { ~~قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا ( سورة الإسراء : 93 ) . | # والباء في بحمد ربك } للمصاحبة . والتقدير : فسبح ربك بحمده ؛ فحذف من ~~الأول لدلالة الثاني . وتسبيح الله تنزيهه بقول : سبحان الله . | # والأمر في { وكن من الساجدين واعبد ربك } مستعملان في طلب الدوام . | # و { من الساجدين } أبلغ في الاتصاف بالسجود من ( ساجدا ) كما تقدم في ~~قوله تعالى : { وكونوا مع الصادقين في سورة براءة ( 119 ) ، وقوله قال أعوذ ~~بالله أن أكون من الجاهلين في سورة البقرة ( 67 ) ونظائرهما . | # والساجدون : هم المصلون . فالمعنى : ودم على الصلاة أنت ومن معك . | # وليس هذا موضع سجدة من سجود التلاوة عند أحد من فقهاء المسلمين . وفي ~~تفسير القرطبي } عن أبي بكر النقاش أن أبا حذيفة ( لعله يعني به أبا حذيفة ~~اليمان PageV14P091 بن المغيرة البصري من أصحاب عكرمة وكان منكر الحديث ) ~~واليمان بن رئاب ( كذا ) رأياها سجدة تلاوة واجبة . | # قال ابن العربي : شاهدت الإمام بمحراب زكرياء من البيت المقدس سجد في هذا ~~الموضع حين قراءته في تراويح رمضان وسجدت معه فيها . وسجود الإمام عجيب ~~وسجود أبي بكر بن العربي معه أعجب للإجماع ؛ على أنه لا سجدة هنا ، فالسجود ~~فيها يعد زيادة وهي بدعة لا محالة . | # و { اليقين } : المقطوع به الذي لا شك فيه وهو النصر الذي وعده الله به . ~~| # | PageV14P092 # | 1 ( سورة النحل ) 1 # سميت هذه السورة عند السلف سورة النحل ، وهو اسمها المشهور في المصاحف ~~وكتب التفسير وكتب السنة . | # ووجه تسميتها بذلك أن لفظ النحل لم يذكر في سورة أخرى . | # وعن قتادة أنها تسمى سورة النعم أي بكسر النون وفتح العين . قال ابن عطية ~~: لما عدد الله فيها من النعم على عباده . | # وهي مكية في قول الجمهور وهو عن ابن عباس وابن الزبير . وقيل : إلا ثلاث ~~آيات نزلت بالمدينة منصرف النبي ms4495 صلى الله عليه وسلم من غزوة أحد ، وهي قوله ~~تعالى : { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ( سورة النحل : 126 ) إلى ~~آخر السورة . قيل : نزلت في نسخ عزم النبي على أن يمثل بسبعين من المشركين ~~إن أظفره الله بهم مكافأة على تمثيلهم بحمزة . | # وعن قتادة وجابر بن زيد أن أولها مكي إلى قوله تعالى : والذين هاجروا في ~~الله من بعد ما ظلموا ( سورة النحل : 41 ) فهو مدني إلى آخر السورة . | # وسيأتي في تفسير قوله تعالى : ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ( ~~سورة النحل : 79 ) ما يرجح أن بعض السورة مكي وبعضها مدني ، وبعضها نزل بعد ~~الهجرة PageV14P093 إلى الحبشة كما يدل عليه قوله تعالى : ثم إن ربك للذين ~~هاجروا من بعد ما فتنوا ( سورة النحل : 110 ) ، وبعضها متأخر النزول عن ~~سورة الأنعام لقوله في هذه وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل ( ~~سورة النحل : 118 ) ، يعني بما قص من قبل قوله تعالى : وعلى الذين هادوا ~~حرمنا كل ذي ظفر ( سورة الأنعام : 146 ) الآيات . | # وذكر القرطبي أنه روي عن عثمان بن مظعون : لما نزلت هذه الآية قرأتها على ~~أبي طالب فتعجب وقال : يا آل غالب اتبعوا ابن أخي تفلحوا فوالله إن الله ~~أرسله ليأمركم بمكارم الأخلاق . | # وروى أحمد عن ابن عباس أن عثمان بن مظعون لما نزلت هذه الآية كان جالسا ~~عند رسول الله قبل أن يسلم قال : فذلك حين استقر الإيمان في قلبي وأحببت ~~محمدا . | # وروي أن النبي أمره الله أن يضعها في موضعها هذا من هذه السورة . | # وهذه السورة نزلت بعد سورة الأنبياء وقبل سورة الم السجدة . وقد عدت ~~الثانية والسبعين في ترتيب نزول السور . | # وآيها مائة وثمان وعشرون بلا خلاف . ووقع للخفاجي عن الداني أنها نيف ~~وتسعون . ولعله خطأ أو تحريف أو نقص . | # # | أغراض هذه السورة # معظم ما اشتملت عليه السورة إكثار متنوع الأدلة على تفرد الله تعالى ~~بالإلهية ، والأدلة على فساد دين الشرك وإظهار شناعته . | # وأدلة إثبات رسالة محمد . | # وإنزال القرآن عليه عليه الصلاة ms4496 والسلام . | # وإن شريعة الإسلام قائمة على صول ملة إبراهيم عليه السلام . | ~~PageV14P094 # وإثبات البعث والجزاء ؛ فابتدئت بالإنذار بأنه قد اقترب حلول ما أنذر به ~~المشركون من عذاب الله الذي يستهزئون به ، وتلا ذلك قرع المشركين وزجرهم ~~على تصلبهم في شركهم وتكذيبهم . | # وانتقل إلى الاستدلال على إبطال عقيدة الشرك ؛ فابتدىء بالتذكير بخلق ~~السماوات والأرض ، وما في السماء من شمس وقمر ونجوم ، وما في الأرض من ناس ~~وحيوان ونبات وبحار وجبال ، وأعراض الليل والنهار . | # وما في أطوار الإنسان وأحواله من العبر . | # وخصت النحل وثمراتها بالذكر لوفرة منافعها والاعتبار بإلهامها إلى تدبير ~~بيوتها وإفراز شهدها . | # والتنويه القرآن وتنزيهه عن اقتراب الشيطان ، وإبطال افترائهم على القرآن ~~. | # والاستدلال على إمكان البعث وأنه تكوين كتكوين الموجودات . | # والتحذير مما حل بالأمم التي أشركت بالله وكذبت رسله عليهم السلام عذاب ~~الدنيا وما ينتظرهم من عذاب الآخرة . وقابل ذلك بضده من نعيم المتقين ~~المصدقين والصابرين على أذى المشركين والذين هاجروا في الله وظلموا . | # والتحذير من الارتداد عن الإسلام ، والترخيص لمن أكره على الكفر في ~~التقية من المكرهين . | # والأمر بأصول من الشريعة ؛ من تأصيل العدل ، والإحسان ، والمواساة ، ~~والوفاء بالعهد ، وإبطال الفحشاء والمنكر والبغي ، ونقض العهود ، وما على ~~ذلك من جزاء بالخير في الدنيا والآخرة . | PageV14P095 # وأدمج في ذلك ما فيها من العبر والدلائل ، والامتنان على الناس بما في ~~ذلك من المنافع الطيبات المنتظمة ، والمحاسن ، وحسن المناظر ، ومعرفة ~~الأوقات ، وعلامات السير في البر والبحر ، ومن ضرب الأمثال . | # ومقابلة الأعمال بأضدادها . | # والتحذير من الوقوع في حبائل الشيطان . | # والإنذار بعواقب كفران النعمة . | # ثم عرض لهم بالدعوة إلى التوبة ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ( ~~سورة النحل : 119 ) الخ . . . . | # وملاك طرائق دعوة الإسلام ادع إلى سبيل ربك بالحكمة ( سورة النحل : 125 ) ~~. | # وتثبيت الرسول عليه الصلاة والسلام ووعده بتأييد الله إياه . | # | 2 ( 1 ) { أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون } . ) 2 # لما كان معظم أغراض هذه السورة زجر المشركين عن الإشراك وتوابعه وإنذارهم ~~بسوء عاقبة ذلك ، وكان قد تكرر وعيدهم من قبل في آيات ms4497 كثيرة بيوم يكون ~~الفارق بين الحق والباطل فتزول فيه شوكتهم وتذهب شدتهم . وكانوا قد ~~استبطأوا ذلك اليوم حتى اطمأنوا أنه غير واقع فصاروا يهزأون بالنبي عليه ~~الصلاة والسلام والمسلمين فيستعجلون حلول ذلك اليوم . | # صدرت السورة بالوعيد المصوغ في صورة الخبر بأن قد حل ذلك المتوعد به . ~~فجيء بالماضي المراد به المستقبل المحقق الوقوع بقرينة تفريع { فلا ~~تستعجلوه } ، لأن النهي عن استعجال حلول ذلك اليوم يقتضي أنه لما يحل بعد . ~~| # والأمر : مصدر بمعنى المفعول ، كالوعد بمعنى الموعود ، أي ما أمر الله به ~~. والمراد من الأمر به تقديره وإرادة حصوله في الأجل المسمى الذي تقتضيه ~~الحكمة . | PageV14P096 # وفي التعبير عنه بأمر الله إبهام يفيد تهويله وعظمته لإضافته لمن لا يعظم ~~عليه شيء . وقد عبر عنه تارات بوعد الله ومرات بأجل الله ونحو ذلك . | # والخطاب للمشركين ابتداء لأن استعجال العذاب من خصالهم ، قال تعالى : { ~~ويستعجلونك بالعذاب ( سورة الحج : 47 ) . | # ويجوز أن يكون شاملا للمؤمنين لأن عذاب الله وإن كان الكافرون يستعجلون ~~به تهكما لظنهم أنه غير آتت ، فإن المؤمنين يضمرون في نفوسهم استبطاءه ~~ويحبون تعجيله للكافرين . | # فجملة فلا تستعجلوه } تفريع على { أتى أمر الله } وهي من المقصود ~~بالإنذار . | # والاستعجال : طلب تعجيل حصول شيء ، فمفعوله هو الذي يقع التعجيل به . ~~ويتعدى الفعل إلى أكثر من واحد بالباء فقالوا : استعجل بكذا . وقد مضى في ~~سورة الأنعام ( 57 ) قوله تعالى : { ما عندي ما تستعجلون به . | # فضمير تستعجلوه } إما عائد إلى الله تعالى ، أي فلا تستعجلوا الله . وحذف ~~المتعلق ب { تستعجلوه } لدلالة قوله : { أتى أمر الله } عليه . والتقدير ~~فلا تستعجلوا الله بأمره ، على نحو قوله تعالى : { سأريكم آياتي فلا ~~تستعجلون ( سورة الأنبياء : 37 ) . | # وقيل الضمير عائد إلى أمر الله } ، وعليه تكون تعدية فعل الاستعجال إليه ~~على نزع الخافض . | # والمراد من النهي هنا دقيق لم يذكروه في موارد صيغ النهي . ويجدر أن يكون ~~للتسوية كما ترد صيغة الأمر للتسوية ، أي لا جدوى في استعجاله لأنه لا يعجل ~~قبل وقته المؤجل له . | PageV14P097 | # | 2 ( 1 ) { أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه ms4498 وتعالى عما يشركون } . ) 2 # مستأنفة استئنافا ابتدائيا لأنها المقصود من الوعيد ، إذ الوعيد والزجر ~~إنما كانا لأجل إبطال الإشراك ، فكانت جملة { أتى أمر الله } كالمقدمة ، ~~وجملة { سبحانه وتعالى عما يشركون } كالمقصد . | # و ( ما ) في قوله : { عما يشركون } مصدرية ، أي عن إشراكهم غيره معه . | # وقرأ الجمهور { يشركون } بالتحتية على طريقة الالتفات ، فعدل عن الخطاب ~~ليختص التبرؤ من شأنهم أن ينزلوا عن شرف الخطاب إلى الغيبة . | # وقرأه حمزة والكسائي بالمثناة الفوقية تبعا لقوله : { فلا تستعجلوه } . | # | 2 ( 2 ) { ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشآء من عباده أن أنذرو ~~ا أنه لا إلاه إلا أنا فاتقون } . ) 2 # | $ # كان استعجالهم بالعذاب استهزاء بالرسول صلى الله عليه وسلم وتكذيبه ، ~~وكان ناشئا عن عقيدة الإشراك التي من أصولها استحالة إرسال الرسل من البشر ~~. | # وأتبع تحقيق مجيء العذاب بتنزيه الله عن الشريك فقفي ذلك بتبرئة الرسول ~~عليه الصلاة والسلام من الكذب فيما يبلغه عن ربه ووصف لهم الإرسال وصفا ~~موجزا . وهذا اعتراض في أثناء الاستدلال على التوحيد . | # والمراد بالملائكة الواحد منهم وهو جبرئيل عليه السلام . | # والروح : الوحي . أطلق عليه اسم الروح على وجه الاستعارة لأن الوحي به ~~هدي العقول إلى الحق ، فشبه الوحي بالروح كما يشبه العلم الحق بالحياة ، ~~وكما يشبه الجهل بالموت قال تعالى : { أومن كان ميتا فأحييناه ( سورة ~~الأنعام : 122 ) . | PageV14P098 # ووجه تشبيه الوحي بالروح أن الوحي إذا وعته العقول حلت بها الحياة ~~المعنوية وهو العلم ، كما أن الروح إذا حل في الجسم حلت به الحياة الحسية ، ~~قال تعالى : وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ( سورة الشورى : 52 ) . | # ومعنى من أمره } الجنس ، أي من أموره ، وهي شؤونه ومقدراته التي استأثر ~~بها . وذلك وجه إضافته إلى الله كما هنا وكما في قوله تعالى : { وكذلك ~~أوحينا إليك روحا من أمرنا } ، وقوله تعالى : { يحفظونه من أمر الله ( سورة ~~الرعد : 11 ) ، وقوله تعالى : قل الروح من أمر ربي ( سورة الإسراء : 85 ) ~~لما تفيده الإضافة من التخصيص . | # وقرأ الجمهور ينزل } بياء تحتية مضمومة وفتح النون وتشديد الزاي مكسورة . ~~وقرأه ابن ms4499 كثير وأبو عمرو ورويس عن يعقوب بسكون النون وتخفيف الزاي مكسورة ~~، و { الملائكة } منصوبا . | # وقرأه روح عن يعقوب بتاء فوقية مفتوحة وفتح النون وتشديد الزاي مفتوحة ~~ورفع { الملائكة } على أن أصله تتنزل . | # وقوله تعالى : { على من يشاء من عباده } رد على فنون من تكذيبهم ؛ فقد ~~قالوا : { لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ( سورة الزخرف : ~~31 ) وقالوا : فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب ( سورة الزخرف : 53 ) أي كان ~~ملكا ، وقالوا : ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ( سورة ~~الفرقان : 7 ) . ومشيئة الله جارية على وفق حكمته ، قال تعالى : الله أعلم ~~حيث يجعل رسالته ( سورة الأنعام : 124 ) . | # وأن أنذروا } تفسير لفعل { ينزل } لأنه في تقدير ينزل الملائكة بالوحي . ~~| # وقوله : { بالروح من أمره على من يشاء من عباده } اعتراض واستطراد بين ~~فعل { ينزل } ومفسره . | PageV14P099 # و { أنه لا إلاه إلا أنا } متعلق ب { أنذروا } على حذف حرف الجر حذفا ~~مطردا مع ( أن ) . والتقدير : أنذروا بأنه لا إله إلا أنا . والضمير ~~المنصوب ب ( أن ) ضمير الشأن . ولما كان هذا الخبر مسوقا للذين اتخذوا مع ~~الله آلهة أخرى وكان ذلك ضلالا يستحقون عليه العقاب جعل إخبارهم بضد ~~اعتقادهم وتحذيرهم مما هم فيه إنذارا . | # وفرع عليه { فاتقون } وهو أمر بالتقوى الشاملة لجميع الشريعة . | # وقد أحاطت جملة { أن أنذروا } إلى قوله تعالى : { فاتقون } بالشريعة كلها ~~، لأن جملة { أنذروا أنه لا إلاه إلا أنا } تنبيه على ما يرجع من الشريعة ~~إلى إصلاح الإعتقاد وهو الأمر بكمال القوة العقلية . | # وجملة { فاتقون } تنبيه على الاجتناب والامتثال اللذين هما منتهى كمال ~~القوة العملية . | # | 2 ( 3 ) { خلق السماوات والارض بالحق تعالى عما يشركون } ) 2 # استئناف بياني ناشىء عن قوله : { سبحانه وتعالى عما يشركون ( سورة النحل ~~: 1 ) لأنهم إذا سمعوا ذلك ترقبوا دليل تنزيه الله عن أن يكون له شركاء . ~~فابتدىء بالدلالة على اختصاصه بالخلق والتقدير ؛ وذلك دليل على أن ما يخلق ~~لا يوصف بالإلهية كما أنبأ عنه التفريع عقب هذه الأدلة بقوله الآتي : أفمن ~~يخلق كمن لا يخلق أفلا ms4500 تذكرون ( سورة النحل : 17 ) . | # وأعقب قوله : سبحانه } بقوله : { وتعالى عما يشركون } تحقيقا لنتيجة ~~الدليل ، كما يذكر المطلوب قبل ذكر القياس في صناعة المنطق ثم يذكر ذلك ~~المطلوب عقب القياس في صورة النتيجة تحقيقا للوحدانية ، لأن الضلال فيها هو ~~أصل انتقاض عقائد أهل الشرك ، ولأن إشراكهم هو الذي حداهم PageV14P100 إلى ~~إنكار نبوءة من جاء ينهاهم عن الشرك فلا جرم كان الاعتناء بإثبات الوحدانية ~~وإبطال الشرك مقدما على إثبات صدق الرسول عليه الصلاة والسلام المبدأ به في ~~أول السورة بقوله تعالى : { ينزل الملائكة بالروح من أمره ( سورة النحل : 2 ~~) . | # وعددت دلائل من الخلق كلها متضمنة نعما جمة على الناس إدماجا للامتنان ~~بنعم الله عليهم وتعريضا بأن المنعم عليهم الذين عبدوا غيره قد كفروا نعمته ~~عليهم ؛ إذ شكروا ما لم ينعم عليهم ونسوا من انفرد بالإنعام ، وذلك أعظم ~~الكفران ، كما دل على ذلك عطف وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ( سورة ~~إبراهيم : 34 ) على جملة أفمن يخلق كمن لا يخلق ( سورة النحل : 17 ) . | # والاستدلال بخلق السماوات والأرض أكبر من سائر الأدلة وأجمع لأنها محوية ~~لهما ، ولأنهما من أعظم الموجودات ، فلذلك ابتدىء بهما ، لكن ما فيه من ~~إجمال المحويات اقتضى أن يعقب بالاستدلال بأصناف الخلق والمخلوقات فثني ~~بخلق الإنسان وأطواره وهو أعجب الموجودات المشاهدة ، ثم بخلق الحيوان ~~وأحواله لأنه يجمع الأنواع التي تلي الإنسان في إتقان الصنع مع ما في ~~أنواعها من المنن ، ثم بخلق ما به حياة الإنسان والحيوان وهو الماء والنبات ~~، ثم بخلق أسباب الأزمنة والفصول والمواقيت ، ثم بخلق المعادن الأرضية ، ~~وانتقل إلى الاستدلال بخلق البحار ثم بخلق الجبال والأنهار والطرقات ~~وعلامات الاهتداء في السير . وسيأتي تفصيله . | # والباء في قوله : بالحق } للملابسة . وهي متعلقة ب { خلق } إذ الخلق هو ~~الملابس للحق . | # والحق : هنا ضد العبث ، فهو هنا بمعنى الحكمة والجد ؛ ألا ترى إلى قوله { ~~وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ( سورة ~~الأنبياء : 16 ) وقوله تعالى : وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ( ~~سورة ص : 27 ) . والحق والصدق ms4501 يطلقان وصفين لكمال الشيء في نوعه . | # وجملة تعالى عما يشركون } معترضة . | PageV14P101 # وقرأ حمزة والكسائي وخلف { تعالى عما تشركون } بمثناة فوقية . | # | 2 ( 4 ) { خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين } ) 2 # استئناف بياني أيضا . وهو استدلال آخر على انفراده تعالى بالإلهية ~~ووحدانيته فيها . وذلك أنه بعد أن استدل عليهم بخلق العوالم العليا والسفلى ~~وهي مشاهدة لديهم انتقل إلى الاستدلال عليهم بخلق أنفسهم المعلوم لهم . ~~وأيضا لما استدل على وحدانيته بخلق أعظم الأشياء المعلومة لهم استدل عليهم ~~أيضا بخلق أعجب الأشياء للمتأمل وهو الإنسان في طرفي أطواره من كونه نطفة ~~مهينة إلى كونه عاقلا فصيحا مبينا بمقاصده وعلومه . | # وتعريف { الإنسان } للعهد الذهني ، وهو تعريف الجنس ، أي خلق الجنس ~~المعلوم الذي تدعونه بالإنسان . | # وقد ذكر للاعتبار بخلق الإنسان ثلاثة اعتبارات : جنسه المعلوم بماهيته ~~وخواصه من الحيوانية والناطقية وحسن القوام ، وبقية أحوال كونه ، ومبدأ ~~خلقه وهو النطفة التي هي أمهن شيء نشأ منها أشرف نوع ، ومنتهى ما شرفه به ~~وهو العقل . وذلك في جملتين وشبه جملة { خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم ~~مبين } . | # والخصيم من صيغ المبالغة ، أي كثير الخصام . | # و { مبين } خبر ثانن عن ضمير { فإذا هو } ، أي فإذا هو متكلم مفصح عما في ~~ضميره ومراده بالحق أو بالباطل والمنطق بأنواع الحجة حتى السفسطة . | # والمراد : الخصام في إثبات الشركاء ، وإبطال الوحدانية ، وتكذيب من يدعون ~~إلى التوحيد ، كما دل عليه قوله تعالى في سورة يس ( 77 ، 78 ) : { أو لم ير ~~الإنسان أنا PageV14P102 خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين وضرب لنا مثلا ~~ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم ( سورة الحجر : 77 78 ) . | # والإتيان بحرف ( إذا ) المفاجأة استعارة تبعية . استعير الحرف الدال على ~~معنى المفاجأة لمعنى ترتب الشيء على غير ما يظن أن يترتب عليه . وهذا معنى ~~لم يوضع له حرف . ولا مفاجأة بالحقيقة هنا لأن الله لم يفجأه ذلك ولا فجأ ~~أحدا ، ولكن المعنى أنه بحيث لو تدبر الناظر في خلق الإنسان لترقب منه ~~الاعتراف بوحدانية خالقه وبقدرته على إعادة ms4502 خلقه ، فإذا سمع منه الإشراك ~~والمجادلة في إبطال الوحدانية وفي إنكار البعث كان كمن فجأة ذلك . ولما كان ~~حرف المفاجأة يدل على حصول الفجأة للمتكلم به تعين أن تكون المفاجأة ~~استعارة تبعية . | # فإقحام حرف المفاجأة جعل الكلام مفهما أمرين هما : التعجيب من تطور ~~الإنسان من أمهن حالة إلى أبدع حالة وهي حالة الخصومة والإبانة الناشئتين ~~عن التفكير والتعقل ، والدلالة على كفرانه النعمة وصرفه ما أنعم به عليه في ~~عصيان المنعم عليه . فالجملة في حد ذاتها تنويه ، وبضميمة حرف المفاجأة ~~أدمجت مع التنويه التعجيب . ولو قيل : فهو خصيم أو فكان خصيما لم يحصل هذا ~~المعنى البليغ . | # | 2 ( 5 7 ) { والانعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون * ولكم ~~فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون * وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا ~~بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرؤوف رحيم } ) 2 # يجوز أن يعطف { الأنعام } عطف المفرد على المفرد عطفا على { الإنسان ( ~~سورة النحل : 4 ) ، أي خلق الإنسان من نطفة والأنعام ، وهي أيضا مخلوقة من ~~نطفة ، فيحصل PageV14P103 اعتبار بهذا التكوين العجيب لشبهه بتكوين الإنسان ~~، وتكون جملة خلقها } بمتعلقاتها مستأنفة ، فيحصل بذلك الامتنان . | # ويجوز أن يكون عطف الجملة على الجملة ، فيكون نصب { الأنعام } بفعل مضمر ~~يفسره المذكور بعده على طريقة الاشتغال . والتقدير : وخلق الأنعام خلقها . ~~فيكون الكلام مفيدا للتأكيد لقصد تقوية الحكم اهتماما بما في الأنعام من ~~الفوائد ؛ فيكون امتنانا على المخاطبين ، وتعريضا بهم ، فإنهم كفروا نعمة ~~الله بخلقها فجعلوا من نتاجها لشركائهم وجعلوا لله نصيبا . وأي كفران أعظم ~~من أن يتقرب بالمخلوقات إلى غير من خلقها . وليس في الكلام حصر على كلا ~~التقديرين . | # وجملة { لكم فيها دفء } في موضع الحال من الضمير المنصوب في { خلقها } ~~على كلا التقديرين ؛ إلا أن الوجه الأول تمام مقابلة لقوله تعالى : { خلق ~~الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين ( سورة النحل : 4 ) من حيث حصول ~~الاعتبار ابتداء ثم التعريض بالكفران ثانيا ، بخلاف الوجه الثاني فإن صريحه ~~الامتنان ، ويحصل الاعتبار بطريق الكناية من الاهتمام . | # والمقصود من الاستدلال هو قوله ms4503 تعالى : والأنعام خلقها } وما بعده إدماج ~~للامتنان . | # و { الأنعام } : الإبل ، والبقر ، والغنم ، والمعز . وتقدم في سورة ~~الأنعام . وأشهر الأنعام عند العرب الإبل ، ولذلك يغلب أن يطلق لفظ الأنعام ~~عندهم على الإبل . | # والخطاب صالح لشمول المشركين ، وهم المقصود ابتداء من الاستدلال ، وأن ~~يشمل جميع الناس ولا سيما فيما تضمنه الكلام من الامتنان . | # وفيه التفات من طريق الغيبة الذي في قوله تعالى : { عما يشركون ( سورة ~~النحل : 3 ) باعتبار بعض المخاطبين . | # والدفء بكسر الدال اسم لما يتدفأ به كالملء و الحمل . وهو الثياب ~~المنسوجة من أوبار الأنعام وأصوافها وأشعارها تتخذ منها الخيام والملابس . ~~| PageV14P104 # فلما كانت تلك مادة النسج جعل المنسوج كأنه مظروف في الأنعام . | # وخص الدفء بالذكر من بين عموم المنافع للعناية به . | # وعطف منافع } على { دفء } من عطف العام على الخاص لأن أمر الدفء قلما ~~تستحضره الخواطر . | # ثم عطف الأكل منها لأنه من ذواتها لا من ثمراتها . | # وجملة { ولكم فيها جمال } عطف على جملة { لكم فيها دفء } . | # وجملة { ومنها تأكلون } عطف على جملة { لكم فيها دفء } . وهذا امتنان ~~بنعمة تسخيرها للأكل منها والتغذي ، واسترداد القوة لما يحصل من تغذيتها . ~~| # وتقديم المجرور في قوله تعالى : { ومنها تأكلون } للاهتمام ، لأنهم شديدو ~~الرغبة في أكل اللحوم ، وللرعاية على الفاصلة . والإتيان بالمضارع في { ~~تأكلون } لأن ذلك من الأعمال المتكررة . | # والإراحة : فعل الرواح ، وهو الرجوع إلى المعاطن ، يقال : أراح نعمه إذا ~~أعادها بعد السروح . | # والسروح : الإسامة ، أي الغدو بها إلى المراعي . يقال : سرحها بتخفيف ~~الراء سرحا وسروحا ، وسرحها بتشديد الراء تسريحا . | # وتقديم الإراحة على التسريح لأن الجمال عند الإراحة أقوى وأبهج ، لأنها ~~تقبل حينئذ ملأى البطون حافلة الضروع مرحة بمسرة الشبع ومحبة الرجوع إلى ~~منازلها من معاطن ومرابض . | # والإتيان بالمضارع في { تريحون } و { تسرحون } لأن ذلك من الأحوال ~~المتكررة . وفي تكررها تكرر النعمة بمناظرها . | # وجملة { وتحمل أثقالكم } معطوفة على { ولكم فيها جمال } فهي في موضع ~~الحال أيضا . والضمير عائد إلى أشهر الأنعام عندهم وهي الإبل ، كقولها ~~PageV14P105 في قصة أم زرع ( ركب شريا وأخذ خطيا فأراح علي نعما ms4504 ثريا ) ، ~~فإن النعم التي تؤخذ بالرمح هي الإبل لأنها تؤخذ بالغارة . | # وضمير { وتحمل } عائد إلى بعض الأنعام بالقرينة . واختيار الفعل المضارع ~~بتكرر ذلك الفعل . | # والأثقال : جمع ثقل بفتحتين وهو ما يثقل على الناس حمله بأنفسهم . | # والمراد ب { بلد } جنس البلد الذي يرتحلون إليه كالشام واليمن بالنسبة ~~إلى أهل الحجاز ، ومنهم أهل مكة في رحلة الصيف والشتاء والرحلة إلى الحج . ~~| # وقد أفاد { وتحمل أثقالكم } معنى تحملكم وتبلغكم ، بطريقة الكناية ~~القريبة من التصريح . ولذلك عقب بقوله تعالى : { لم تكونوا بالغيه إلا بشق ~~الأنفس } . | # وجملة { لم تكونوا بالغيه } صفة ل { بلد } ، وهي مفيدة معنى البعد ، لأن ~~بلوغ المسافر إلى بلد بمشقة هو من شأن البلد البعيد ، أي لا تبلغونه بدون ~~الأنعام الحاملة أثقالكم . | # والشق بكسر الشين في قراءة الجمهور : المشقة . والباء للملابسة . والمشقة ~~: التعب الشديد . | # وما بعد أداة الاستثناء مستثنى من أحوال لضمير المخاطبين . | # وقرأ أبو جعفر { إلا بشق الأنفس } بفتح الشين وهو لغة في الشق المكسور ~~الشين . | # وقد نفت الجملة أن يكونوا بالغيه إلا بمشقة ، فأفاد ظاهرها أنهم كانوا ~~يبلغونه بدون الرواحل بمشقة وليس مقصودا ، إذ كان الحمل على الأنعام مقارنا ~~للأسفار بالانتقال إلى البلاد البعيدة ، بل المراد : لم تكونوا بالغيه لولا ~~الإبل أو بدون الإبل ، فحذف لقرينة السياق . | PageV14P106 # وجملة { إن ربكم لرؤوف رحيم } تعليل لجملة { والأنعام خلقها } ، أي خلقها ~~لهذه المنافع لأنه رؤوف رحيم بكم . | # | 2 ( 8 ) { والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون } ~~. ) 2 # والخيل معطوف على { والأنعام خلقها ( سورة النحل : 5 ) . فالتقدير : وخلق ~~الخيل . | # والقول في مناط الاستدلال وما بعده من الامتنان والعبرة في كل كالقول ~~فيما تقدم من قوله تعالى : والأنعام خلقها لكم فيها دفء } الآية . | # والفعل المحذوف يتعلق به { لتركبوها وزينة } ، أي خلقها الله لتكون مراكب ~~للبشر ، ولولا ذلك لم تكن في وجودها فائدة لعمران العالم . | # وعطف { وزينة } بالنصب عطفا على شبه الجملة في { لتركبوها } ، فجنب قرنه ~~بلام التعليل من أجل توفر شرط انتصابه على المفعولية لأجله ، لأن فاعله ~~وفاعل عامله واحد ، فإن عامله فعل ms4505 { خلق } في قوله تعالى : { والأنعام ~~خلقها } إلى قوله تعالى : { والخيل والبغال } فذلك كله مفعول به لفعل { ~~خلقها } . | # ولا مرية في أن فاعل جعلها زينة هو الله تعالى ، لأن المقصود أنها في ~~ذاتها زينة ، أي خلقها تزين الأرض ، أو زين بها الأرض ، كقوله تعالى : { ~~ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح ( سورة الملك : 5 ) . | # وهذا النصب أوضح دليل على أن المفعول لأجله منصوب على تقدير لام التعليل ~~. | # وهذا واقع موقع الامتنان فكان مقتصرا على ما ينتفع به المخاطبون الأولون ~~في عادتهم . | # وقد اقتصر على منة الركوب على الخيل والبغال والحمير والزينة ، ولم يذكر ~~الحمل عليها كما قال في شأن الأنعام وتحمل أثقالكم ( سورة النحل : 7 ) ، ~~لأنهم لم تكن من PageV14P107 عادتهم الحمل على الخيل والبغال والحمير ، فإن ~~الخيل كانت تركب للغزو وللصيد ، والبغال تركب للمشي والغزو . والحمير تركب ~~للتنقل في القرى وشبهها . | # وفي حديث البخاري عن ابن عباس في حجة الوداع أنه قال جئت على حمار أتان ~~ورسول الله يصلي بالناس الحديث . | # وكان أبو سيارة يجيز بالناس من عرفة في الجاهلية على حمار وقال فيه : | # خلوا السبيل عن أبي سياره | # وعن مواليه بني فزاره | # حتى يجيز راكبا حماره | # مستقبل الكعبة يدعو جاره | # فلا يتعلق الامتنان بنعمة غير مستعملة عند المنعم عليهم ، وإن كان الشيء ~~المنعم به قد تكون له منافع لا يقصدها المخاطبون مثل الحرث بالإبل والخيل ~~والبغال والحمير ، وهو مما يفعله المسلمون ولا يعرف منكر عليهم . | # أو منافع لم يتفطن لها المخاطبون مثل ما ظهر من منافع الأدوية في الحيوان ~~مما لم يكن معروفا للناس من قبل ، فيدخل كل ذلك في عموم قوله تعالى : هو ~~الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا في سورة البقرة ( 29 ) ، فإنه عموم في ~~الذوات يستلزم عموم الأحوال عدا ما خصصه الدليل مما في آية الأنعام ( 145 ) ~~قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه الآية . | # وبهذا يعلم أن لا دليل في هذه الآية على تحريم أكل لحوم الخيل والبغال ~~والحمير لأن أكلها نادر الخطور بالبال ms4506 لقلته ، وكيف وقد أكل المسلمون لحوم ~~الحمر في غزوة خيبر بدون أن يستأذنوا النبي كانوا في حالة اضطرار ، وآية ~~سورة النحل يومئذ مقروءة منذ سنين كثيرة فلم ينكر عليهم أحد ولا أنكره ~~النبي . | # كما جاء في الصحيح : أنه أتي فقيل له : أكلت الحمر ، فسكت ، ثم أتي فقيل ~~: أكلت الحمر فسكت . ثم أتي فقيل : أفنيت الحمر فنادى منادي النبي صلى الله ~~PageV14P108 عليه وسلم أن الله ورسوله ينهيانكم عن أكل لحوم الحمر . فأهرقت ~~القدور . | # وأن الخيل والبغال والحمير سواء في أن الآية لا تشمل حكم أكلها . فالمصير ~~في جواز أكلها ومنعه إلى أدلة أخرى . | # فأما الخيل والبغال ففي جواز أكلها خلاف قوي بين أهل العلم ، وجمهورهم ~~أباحوا أكلها . وهو قول الشافعي وأحمد وأبي يوسف ومحمد بن الحسن والظاهري ، ~~وروي عن ابن مسعود وأسماء بنت أبي بكر وعطاء والزهري والنخعي وابن جبير . | # وقال مالك وأبو حنيفة : يحرم أكل لحوم الخيل ، وروي عن ابن عباس . واحتج ~~بقوله تعالى : لتركبوها وزينة } ، ولو كانت مباحة الأكل لامتن بأكلها كما ~~امتن في الأنعام بقوله : { ومنها تأكلون ( سورة النحل : 5 ) . وهو دليل لا ~~ينهض بمفرده . فيجاب عنه بما قررنا من جريان الكلام على مراعاة عادة ~~المخاطبين به . وقد ثبتت أحاديث كثيرة أن المسلمين أكلوا لحوم الخيل في زمن ~~رسول الله وعلمه . ولكنه كان نادرا في عادتهم . | # وعن مالك رضي الله عنه رواية بكراهة لحوم الخيل واختار ذلك القرطبي . | # وأما الحمير فقد ثبت أكل المسلمين لحومها يوم خيبر . ثم نهوا عن ذلك كما ~~في الحديث المتقدم . واختلف في محمل ذلك ، فحمله الجمهور على التحريم لذات ~~الحمير . وحمله بعضهم على تأويل أنها كانت حمولتهم يومئذ فلو استرسلوا على ~~أكلها لانقطعوا بذلك المكان فآبوا رجالا ولم يستطيعوا حمل أمتعتهم . وهذا ~~رأي فريق من السلف . وأخذ فريق من السلف بظاهر النهي فقالوا بتحريم أكل ~~لحوم الحمر الإنسية لأنها مورد النهي وأبقوا الوحشية على الإباحة الأصلية . ~~وهو قول جمهور الأيمة مالك وأبي حنيفة والشافعي رضي الله عنهم وغيرهم . | ~~PageV14P109 # وفي هذا إثبات حكم تعبدي ms4507 في التفرقة وهو مما لا ينبغي المصير إليه في ~~الاجتهاد إلا بنص لا يقبل التأويل كما بيناه في كتاب مقاصد الشريعة ~~الإسلامية . | # على أنه لا يعرف في الشريعة أن يحرم صنف إنسي لنوع من الحيوان دون وحشيه ~~. | # وأما البغال فالجمهور على تحريمها . فأما من قال بحرمة أكل الخيل فلأن ~~البغال صنف مركب من نوين محرمين ، فتعين أن يكون أكله حراما . ومن قال ~~بإباحة أكل الخيل فلتغليب تحريم أحد النوعين المركب منهما وهو الحمير على ~~تحليل النوع الآخر وهو الخيل . وعن عطاء أنه رآها حلالا . | # والخيل : اسم جمع لا واحد له من لفظه على الأصح . وقد تقدم عند قوله ~~تعالى : والخيل المسومة في سورة آل عمران ( 14 ) . | # والبغال } : جمع بغل . وهو اسم للذكر والأنثى من نوعع أمه من الخيل وأبوه ~~من الحمير . وهو من الأنواع النادرة والمتولدة من نوعين . وعكسه البرذون ، ~~ومن خصائص البغال عقم أنثاها بحيث لا تلد . | # و { الحمير } : جمع تكسير حمار وقد يجمع على أحمرة وعلى حمر . وهو غالب ~~للذكر من النوع ، وأما الأنثى فأتان . وقد روعي في الجمع التغليب . | # اعتراض في آخر الكلام أو في وسطه على ما سيأتي . | # و { يخلق } مضارع مراد به زمن الحال لا الاستقبال ، أي هو الآن يخلق ما ~~لا تعلمون أيها الناس مما هو مخلوق لنفعهم وهم لا يشعرون به ، فكما خلق لهم ~~الأنعام والكراع خلق لهم ويخلق لهم خلائق أخرى لا يعلمونها PageV14P110 ~~الآن ، فيدخل في ذلك ما هو غير معهود أو غير معلوم للمخاطبين وهو معلوم عند ~~أمم أخرى كالفيل عند الحبشة والهنود ، وما هو غير معلوم لأحد ثم يعلمه ~~الناس من بعد مثل دواب الجهات القطبية كالفقمة والدب الأبيض ، ودواب القارة ~~الأمريكية التي كانت مجهولة للناس في وقت نزول القرآن ، فيكون المضارع ~~مستعملا في الحال للتجديد ، أي هو خالق ويخلق . | # ويدخل فيه كما قيل ما يخلقه الله من المخلوقات في الجنة ، غير أن ذلك خاص ~~بالمؤمنين ، فالظاهر أنه غير مقصود من سياق الامتنان العام للناس المتوسل ~~به إلى إقامة الحجة ms4508 على كافري النعمة . | # فالذي يظهر لي أن هذه الآية من معجزات القرآن الغيبية العلمية ، وأنها ~~إيماء إلى أن الله سيلهم البشر اختراع مراكب هي أجدى عليهم من الخيل ~~والبغال والحمير ، وتلك العجلات التي يركبها الواحد ويحركها برجليه وتسمى ( ~~بسكلات ) ، وأرتال السكك الحديدية ، والسيارات المسيرة بمصفى النفط وتسمى ( ~~أطوموبيل ) ، ثم الطائرات التي تسير بالنفط المصفى في الهواء . فكل هذه ~~مخلوقات نشأت في عصور متتابعة لم يكن يعلمها من كانوا قبل عصر وجود كل منها ~~. | # وإلهام الله الناس لاختراعها هو ملحق بخلق الله ، فالله هو الذي ألهم ~~المخترعين من البشر بما فطرهم عليه من الذكاء والعلم وبما تدرجوا في سلم ~~الحضارة واقتباس بعضهم من بعض إلى اختراعها ، فهي بذلك مخلوقة لله تعالى ~~لأن الكل من نعمته . | # | 2 ( 9 ) { وعلى الله قصد السبيل ومنها جآئر ولو شآء لهداكم أجمعين } . ~~) 2 # جملة معترضة . . اقتضت اعتراضها مناسبة الامتنان بنعمة تيسير الأسفار ~~بالرواحل والخيل والبغال والحمير . | PageV14P111 # فلما ذكرت نعمة تيسير السبيل الموصلة إلى المقاصد الجثمانية ارتقي إلى ~~التذكير بسبيل الوصول إلى المقاصد الروحانية وهو سبيل الهدى ، فكان تعهد ~~الله بهذه السبيل نعمة أعظم من تيسير المسالك الجثمانية لأن سبيل الهدى ~~تحصل به السعادة الأبدية . وهذه السبيل هي موهبة العقل الإنساني الفارق بين ~~الحق والباطل ، وإرسال الرسل لدعوة الناس إلى الحق ، وتذكيرهم بما يغفلون ~~عنه ، وإرشادهم إلى ما لا تصل إليه عقولهم أو تصل إليه بمشقة على خطر من ~~التورط في بنيات الطريق . | # فالسبيل : مجاز لما يأتيه الناس من الأعمال من حيث هي موصلة إلى دار ~~الثواب أو دار العقاب ، كما في قوله : { قل هذه سبيلي ( سورة يوسف : 108 ) ~~. ويزيد هذه المناسبة بيانا أنه لما شرحت دلائل التوحيد ناسب التنبيه على ~~أن ذلك طريق للهدى ، وإزالة للعذر ، وأن من بين الطرق التي يسلكها الناس ~~طريق ضلال وجور . | # وقد استعير لتعهد الله بتبيين سبيل الهدى حرف على } المستعار كثيرا في ~~القرآن وكلام العرب لمعنى التعهد ، كقوله تعالى : { إن علينا للهدى } . شبه ~~التزام هذا البيان والتعهد به بالحق الواجب ms4509 على المحقوق به . | # والقصد : استقامة الطريق . وقع هنا وصفا للسبيل من قبيل الوصف بالمصدر ، ~~لأنه يقال : طريق قاصد ، أي مستقيم ، وطريق قصد ، وذلك أقوى في الوصف ~~بالاستقامة كشأن الوصف بالمصادر ، وإضافة { قصد } إلى { السبيل } من إضافة ~~الصفة إلى الموصوف ، وهي صفة مخصصة لأن التعريف في { السبيل } للجنس . ~~ويتعين تقدير مضاف لأن الذي تعهد الله به هو بيان السبيل لا ذات السبيل . | # وضمير { ومنها } عائد إلى { السبيل } على اعتبار جواز تأنيثه . | # و { جائر } وصف ل { السبيل } باعتبار استعماله مذكرا . أي من جنس السبيل ~~الذي منه أيضا قصد سبيل جائر غير قصد . | # والجائر : هو الحائد عن الاستقامة . وكني به عن طريق غير موصل إلى ~~المقصود ، أي إلى الخير ، وهو المفضي إلى ضر ، فهو جائر بسالكه . ووصفه ~~PageV14P112 بالجائر على طريقة المجاز العقلي . ولم يضف السبيل الجائر إلى ~~الله لأن سبيل الضلال اخترعها أهل الضلالة اختراعا لا يشهد له العقل الذي ~~فطر الله الناس عليه ، وقد نهى الله الناس عن سلوكها . | # وجملة { ولو شاء لهداكم أجمعين } تذييل . | # | 2 ( 10 ) { هو الذى أنزل من السماء مآء لكم منه شراب ومنه شجر فيه ~~تسيمون } ) 2 # | $ # استئناف لذكر دليل آخر من مظاهر بديع خلق الله تعالى أدمج فيه امتنان بما ~~يأتي به ذلك الماء العجيب من المنافع للناس من نعمة الشراب ونعمة الطعام ~~للحيوان الذي به قوام حياة الناس وللناس أنفسهم . | # وصيغة تعريف المسند إليه والمسند أفادت الحصر ، أي هو لا غيره . وهذا قصر ~~على خلاف مقتضى الظاهر ، لأن المخاطبين لا ينكرون ذلك ولا يدعون له شريكا ~~في ذلك ، ولكنهم لما عبدوا أصناما لم تنعم عليهم بذلك كان حالهم كحال من ~~يدعي أن الأصنام أنعمت عليهم بهذه النعم ، فنزلوا منزلة من يدعي الشركة لله ~~في الخلق ، فكان القصر قصر إفراد تخريجا للكلام على خلاف مقتضى الظاهر . | # وإنزال الماء من السماء تقدم معناه عند قوله تعالى : { وأنزل من السماء ~~ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم في سورة البقرة ( 22 ) . | # وذكر في الماء منتين : الشراب منه ، والإنبات للشجر ms4510 والزرع . | # وجملة لكم منه شراب } صفة ل { ماء } ، و { لكم } متعلق ب { شراب } قدم ~~عليه للاهتمام ، و { منه } خبر مقدم كذلك ، وتقديمه سوغ أن يكون المبتدأ ~~نكرة . | PageV14P113 # والشراب : اسم للمشروب ، وهو المائع الذي تشتفه الشفتان وتبلغه إلى الحلق ~~فيبلع دون مضغ . | # و ( من ) تبعيضية . وقوله تعالى : { ومنه شجر } نظير قوله : { منه شراب } ~~. وأعيد حرف ( من ) بعد واو العطف لأن حرف ( من ) هنا للابتداء ، أو ~~للسببية فلا يحسن عطف { شجر } على { شراب } . | # والشجر : يطلق على النبات ذي الساق الصلبة ، ويطلق على مطلق العشب والكلأ ~~تغليبا . | # وروعي هذا التغليب هنا لأنه غالب مرعى أنعام أهل الحجاز لقلة الكلأ في ~~أرضهم ، فهم يرعون الشعاري والغابات . وفي حديث ( ضالة الإبل تشرب الماء ~~وترعى الشجر حتى يأتيا ربها ) . | # ومن الدقائق البلاغية الإتيان بحرف ( في ) الظرفية ، فالإسامة فيه تكون ~~بالأكل منه والأكل مما تحته من العشب . | # والإسامة : إطلاق الإبل للسوم وهو الرعي . يقال : سامت الماشية فهي سائمة ~~وأسامها ربها . | # | 2 ( 11 ) { ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل ~~الثمرات إن فى ذلك لآية لقوم يتفكرون } . ) 2 # جملة { ينبت } حال من ضمير { أنزل ( سورة النحل : 10 ) ، أي ينبت الله ~~لكم . | # وإنما لم يعطف هذا على جملة لكم منه شراب ( سورة النحل : 10 ) لأنه ليس ~~مما يحصل بنزول الماء وحده بل لا بد معه من زرع وغرس . | # وهذا الإنبات من دلائل عظيم القدرة الربانية ، فالغرض منه الاستدلال ~~ممزوجا بالتذكير بالنعمة ، كما دل عليه قوله : لكم } على وزان PageV14P114 ~~ما تقدم في قوله تعالى : { والأنعام خلقها لكم فيها دفء ( سورة النحل : 5 ) ~~الآية ، وقوله تعالى : والخيل والبغال والحمير لتركبوها ( سورة النحل : 8 ) ~~الآية . | # وأسند الإنبات إلى الله لأنه الملهم لأسبابه والخالق لأصوله تنبيها للناس ~~على دفع غرورهم بقدرة أنفسهم ، ولذلك قال : إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون } ~~لكثرة ما تحت ذلك من الدقائق . | # وذكر الزرع والزيتون وما معهما تقدم غير مرة في سورة الأنعام . | # والتفكر تقدم عند قوله تعالى : { قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا ~~تتفكرون في سورة ms4511 الأنعام ( 50 ) . | # وإقحام لفظ قوم للدلالة على أن التفكر من سجاياهم ، كما تقدم عند قوله ~~تعالى : لآيات لقوم يعقلون في سورة البقرة ( 164 ) . | # ومن كل الثمرات } عطف على { الزرع والزيتون } ، أي وينبت لكم به من كل ~~الثمرات مما لم يذكر هنا . | # والتعريف تعريف الجنس . والمراد : أجناس ثمرات الأرض التي ينبتها الماء ، ~~ولكل قوم من الناس ثمرات أرضهم وجوهم . و { من } تبعيضية قصد منها تنويع ~~الامتنان على كل قوم بما نالهم من نعم الثمرات . وإنما لم تدخل على الزرع ~~وما عطف عليه لأنها من الثمرات التي تنبت في كل مكان . | # وجملة { إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون } تذييل . | # والآية : الدلالة على أنه تعالى المبدع الحكيم . وتلك هي إنبات أصناف ~~مختلفة من ماء واحد ، كما قال : { تسقى بماء واحد في سورة الرعد ( 4 ) . | # ونيطت دلالة هذه بوصف التفكير لأنها دلالة خفية لحصولها بالتدريج . وهو ~~تعريض بالمشركين الذين لم يهتدوا بما في ذلك من دلالة على تفرد الله ~~بالإلهية بأنهم قوم لا يتفكرون . | PageV14P115 # وقرأ الجمهور ينبت } بياء الغيبة . وقرأه أبو بكر عن عاصم بنون العظمة . ~~| # | 2 ( 12 ) { وسخر لكم اليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ~~إن فى ذلك لآيات لقوم يعقلون } ) 2 # آيات أخرى على دقيق صنع الله تعالى وعلمه ممزوجة بامتنان . | # وتقدم ما يفسر هذه الآية في صدر سورة يونس . وتسخير هذه الأشياء تقدم عند ~~قوله تعالى : { والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر في ~~أوائل سورة الأعراف ( 54 ) وفي أوائل سورة الرعد وفي سورة إبراهيم . | # وهذا انتقال للاستدلال بإتقان الصنع على وحدانية الصانع وعلمه ، وإدماج ~~بين الاستدلال والامتنان . ونيطت الدلالات بوصف العقل لأن أصل العقل كاف في ~~الاستدلال بها على الوحدانية والقدرة ، إذ هي دلائل بينة واضحة حاصلة ~~بالمشاهدة كل يوم وليلة . | # وتقدم وجه إقحام لفظ ( قوم ) آنفا ، وأن الجملة تذييل . | # وقرأ الجمهور جميع هذه الأسماء منصوبة على المفعولية لفعل سخر . وقرأ ابن ~~عامر والشمس والقمر والنجوم } بالرفع على الابتداء ورفع { مسخرات } على أنه ~~خبر عنها . فنكتة اختلاف ms4512 الإعراب الإشارة إلى الفرق بين التسخيرين . وقرأ ~~حفص برفع { النجوم } و { مسخرات } . ونكتة اختلاف الأسلوب الفرق بين ~~التسخيرين من حيث إن الأول واضح والآخر خفي لقلة من يرقب حركات النجوم . | # والمراد بأمره أمر التكوين للنظام الشمسي المعروف . | # وقد أبدى الفخر في كتاب ( درة التنزيل ) وجها للفرق بين إفراد آية في ~~المرة الأولى والثالثة وبين جمع آيات في المرة الثانية : بأن ما ذكر ~~PageV14P116 أول وثالثا يرجع إلى ما نجم من الأرض ، فجميعه آية واحدة تابعة ~~لخلق الأرض وما تحتويه ( أي وهو كله ذو حالة واحدة وهي حالة النبات في ~~الأرض في الأول وحالة واحدة وهي حالة الذرء في التناسل في الحيوان في الآية ~~الثالثة ) وأما ما ذكر في المرة الثانية فإنه راجع إلى اختلاف أحوال الشمس ~~والقمر والكواكب ، وفي كل واحد منها نظام يخصه ودلائل تخالف دلائل غيره ، ~~فكان ما ذكر في ذلك مجموع آيات ( أي لأن بعضها أعراض كالليل والنهار وبعضها ~~أجرام لها أنظمة مختلفة ودلالات متعددة ) . | # | 2 ( 13 ) { وما ذرأ لكم فى الارض مختلفا ألوانه إن فى ذلك لآية لقوم ~~يذكرون } . ) 2 # عطف على { الليل والنهار ( سورة النحل : 12 ) ، أي وسخر لكم ما ذرأ لكم ~~في الأرض . وهو دليل على دقيق الصنع والحكمة لقوله تعالى : مختلفا ألوانه ~~إن في ذلك لآية لقوم يذكرون } . وأومىء إلى ما فيه من منة بقوله { لكم } . ~~| # والذرء : الخلق بالتناسل والتولد بالحمل والتفريخ ، فليس الإنبات ذرءا ، ~~وهو شامل للأنعام والكراع ( وقد مضت المنة به ) ولغيرها مثل كلاب الصيد ~~والحراسة ، وجوارح الصيد ، والطيور ، والوحوش المأكولة ، ومن الشجر والنبات ~~. | # وزيد هنا وصف اختلاف ألوانه وهو زيادة للتعجيب ولا دخل له في الامتنان ، ~~فهو كقوله تعالى : { تسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل في سورة ~~الرعد ( 4 ) ، وقوله تعالى : ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها ~~وغرابيب سود ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه في سورة فاطر ( 27 ) ~~. وبذلك صار هذا آية مستقلة فلذلك ذيله بجملة إن في ذلك لآية لقوم يذكرون } ~~، ولكون محل الاستدلال هو ms4513 اختلاف الألوان مع اتحاد أصل الذرء أفردت الآية ~~في قوله تعالى : { إن في ذلك لآية } . | PageV14P117 # والألوان : جمع لون . وهو كيفية لسطوح الأجسام مدركة بالبصر تنشأ من ~~امتزاج بعض العناصر بالسطح بأصل الخلقة أو بصبغها بعنصر ذي لون معروف . ~~وتنشأ من اختلاط عنصرين فأكثر ألوان غير متناهية . وقد تقدم عند قوله تعالى ~~: { قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها في سورة البقرة ( 69 ) . | # ونيط الاستدلال باختلاف الألوان بوصف التذكر لأنه استدلال يحصل بمجرد ~~تذكر الألوان المختلفة إذ هي مشهورة . | # وإقحام لفظ ( قوم ) وكون الجملة تذييلا تقدم آنفا . | # وأبدى الفخر في درة التنزيل } وجها لاختلاف الأوصاف في قوله تعالى : { ~~لقوم يتفكرون ( سورة النحل : 11 ) وقوله : لقوم يعقلون ( سورة النحل : 12 ) ~~وقوله : لقوم يذكرون } : بأن ذلك لمراعاة اختلاف شدة الحاجة إلى قوة التأمل ~~بدلالة المخلوقات الناجمة عن الأرض يحتاج إلى التفكر ، وهو إعمال النظر ~~المؤدي إلى العلم . ودلالة ما ذرأه في الأرض من الحيوان محتاجة إلى مزيد ~~تأمل في التفكير للاستدلال على اختلاف أحوالها وتناسلها وفوائدها ، فكانت ~~بحاجة إلى التذكر ، وهو التفكر مع تذكر أجناسها واختلاف خصائصها . وأما ~~دلالة تسخير الليل والنهار والعوالم العلوية فلأنها أدق وأحوج إلى التعمق . ~~عبر عن المستدلين عليها بأنهم يعقلون ، والتعقل هو أعلى أحوال الاستدلال ا ~~ه . | # | 2 ( 14 ) { وهو الذى سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه ~~حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون } . ) ~~2 # القول في هذا الاستدلال وإدماج الامتنان فيه كالقول فيما سبق . | # وتقدم الكلام على تسخير الفلك في البحر وتسخير الأنهار في أثناء سورة ~~إبراهيم . | PageV14P118 # ومن تسخير البحر خلقه على هيئة يمكن معها السبح والسير بالفلك ، وتمكين ~~السابحين والماخرين من صيد الحيتان المخلوقة فيه والمسخرة لحيل الصائدين . ~~وزيد في الامتنان أن لحم صيده طري . | # و ( من ) ابتدائية ، أي تأكلوا لحما طريا صادرا من البحر . | # والطري : ضد اليابس . والمصدر : الطراوة . وفعله : طرو ، بوزن خشن . | # والحلية : ما يتحلى به الناس ، أي يتزينون . وتقدم في قوله تعالى { ~~ابتغاء حلية في سورة ms4514 الرعد ( 17 ) . وذلك اللؤلؤ والمرجان ؛ فاللؤلؤ يوجد ~~في بعض البحار مثل الخليج الفارسي ، والمرجان يوجد في جميع البحار ويكثر ~~ويقل . وسيأتي الكلام على اللؤلؤ في سورة الحج ، وفي سورة الرحمن . ويأتي ~~الكلام على المرجان في سورة الرحمن . | # والاستخراج : كثرة الإخراج ، فالسين والتاء للتأكيد مثل : استجاب لمعنى ~~أجاب . | # واللبس : جعل الثوب والعمامة والمصوغ على الجسد . يقال : لبس التاج ، ~~ولبس الخاتم ، ولبس القميص . وتقدم عند قوله تعالى : قد أنزلنا عليكم لباسا ~~في سورة الأعراف ( 26 ) . | # وإسناد لباس الحلية إلى ضمير جمع الذكور تغليب ، وإلا فإن غالب الحلية ~~يلبسها النساء عدا الخواتيم وحلية السيوف . | # وجملة وترى الفلك مواخر فيه } معترضة بين الجمل المتعاطفة مع إمكان العطف ~~لقصد مخالفة الأسلوب للتعجيب من تسخير السير في البحر باستحضار الحالة ~~العجيبة بواسطة فعل الرؤية . وهو يستعمل في التعجيب كثيرا بصيغ كثيرة نحو : ~~ولو ترى ، وأرأيت ، وماذا ترى . واجتلاب فعل الرؤية في أمثاله يفيد الحث ~~على معرفة ذلك . فهذا النظم للكلام لإفادة هذا المعنى ولولاها لكان الكلام ~~هكذا : وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وتبتغوا من فضله في فلكك مواخر . | ~~PageV14P119 # وعطف { ولتبتغوا } على { وتستخرجوا } ليكون من جملة النعم التي نشأت عن ~~حكمة تسخير البحر . ولم يجعل علة لمخر الفلك كما جعل في سورة فاطر ( 12 ) { ~~وترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله لأن تلك لم تصدر بمنة تسخير البحر بل ~~جاءت في غرض آخر . | # وأعيد حرف التعليل في قوله تعالى : ولتبتغوا من فضله } لأجل البعد بسبب ~~الجملة المعترضة . | # والابتغاء من فضل الله : التجارة كما عبر عنها بذلك في قوله تعالى { ليس ~~عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم في سورة البقرة ( 198 ) . | # وعطف ولعلكم تشكرون } على بقية العلل لأنه من الحكم التي سخر الله بها ~~البحر للناس حملا لهم على الاعتراف لله بالعبودية ونبذهم إشراك غير ربه ~~فيها . وهو تعريض بالذين أشركوا . | # | 2 ( 15 ، 16 ) { وألقى فى الارض رواسى أن تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم ~~تهتدون * وعلامات وبالنجم هم يهتدون } . ) 2 # انتقال إلى الاستدلال والامتنان بما على سطح الأرض ms4515 من المخلوقات العظيمة ~~التي في وجودها لطف بالإنسان . وهذه المخلوقات لما كانت مجعولة كالتكملة ~~للأرض وموضوعة على ظاهر سطحها عبر عن خلقها ووضعها بالإلقاء الذي هو رمي ~~شيء على الأرض . ولعل خلقها كان متأخرا عن خلق الأرض ، إذ لعل الجبال ~~انبثقت باضطرابات أرضية كالزلزال العظيم ثم حدثت الأنهار بتهاطل الأمطار . ~~وأما السبل والعلامات فتأخر وجودها ظاهر ، فصار خلق هذه الأربعة شبيها ~~بإلقاء شيء في شيء بعد تمامه . | # ولعل أصل تكوين الجبال كان من شظايا رمت بها الكواكب فصادفت سطح الأرض ، ~~كما أن الأمطار تهاطلت فكونت الأنهار ؛ فيكون تشبيه حصول PageV14P120 هذين ~~بالإلقاء بينا . وإطلاقه على وضع السبل والعلامات تغليب . ومن إطلاق ~~الإلقاء على الإعطاء ونحوه قوله تعالى : { ءألقي الذكر عليه من بيننا ( ~~سورة القمر : 25 ) . | # ورواسي } جمع راس . وهو وصف من الرسو بفتح الراء وسكون السين . ويقال بضم ~~الراء والسين مشددة وتشديد الواو . وهو الثبات والتمكن في المكان ، قال ~~تعالى : { وقدور راسيات ( سورة سبأ : 13 ) . | # ويطلق على الجبل راس بمنزلة الوصف الغالب . وجمعه على زنة فواعل على خلاف ~~القياس . وهو من النوادر مثل عواذل وفوارس . وتقدم بعض الكلام عليه في أول ~~الرعد . | # وقوله تعالى : أن تميد بكم } تعليل لإلقاء الرواسي في الأرض . والميد : ~~الاضطراب . وضمير { تميد } عائد إلى { الأرض } بقرينة قرنه بقوله تعالى : { ~~بكم } ، لأن الميد إذا عدي بالباء علم أن المجرور بالباء هو الشيء المستقر ~~في الظرف المائد ، والاضطراب يعطل مصالح الناس ويلحق بهم آلاما . | # ولما كان المقام مقام امتنان علم أن المعلل به هو انتفاء الميد لا وقوعه ~~. فالكلام جار على حذفف تقتضيه القرينة ، ومثله كثير في القرآن وكلام العرب ~~، قال عمرو بن كلثوم : | # فعجلنا القرى أن تشتمونا | # أراد أن لا تشتمونا . فالعلة هي انتفاء الشتم لا وقوعه . ونحاة الكوفة ~~يخرجون أمثال ذلك على حذف حرف النفي بعد { أن } . والتقدير : لأن لا تميد ~~بكم ولئلا تشتمونا ، وهو الظاهر . ونحاة البصرة يخرجون مثله على حذف مضاف ~~بين الفعل المعلل و { أن } . تقديره : كراهية أن تميد بكم . | # وهذا المعنى الذي أشارت ms4516 إليه الآية معنى غامض . ولعل الله جعل نتوء ~~الجبال على سطح الأرض معدلا لكرويتها بحيث لا تكون بحد من الملاسة يخفف ~~حركتها في الفضاء تخفيفا يوجب شدة اضطرابها . | PageV14P121 # ونعمة الأنهار عظيمة ، فإن منها شرابهم وسقي حرثهم ، وفيها تجري سفنهم ~~لأسفارهم . | # ولهذه المنة الأخيرة عطف عليها { وسبلا } جمع سبيل . وهو الطريق الذي ~~يسافر فيه برا . | # وجملة { لعلكم تهتدون } معترضة ، أي رجاء اهتدائكم . وهو كلام موجه يصلح ~~للاهتداء إلى المقاصد في الأسفار من رسم الطرق وإقامة المراسي على الأنهار ~~واعتبار المسافات . وكل ذلك من جعل الله تعالى لأن ذلك حاصل بإلهامه . ~~ويصلح للاهتداء إلى الدين الحق وهو دين التوحيد ، لأن في تلك الأشياء دلالة ~~على الخالق المتوحد بالخلق . | # والعلامات : الأمارات التي ألهم الله الناس أن يضعوها أو يتعارفوها لتكون ~~دلالة على المسافات والمسالك المأمونة في البر والبحر فتتبعها السابلة . | # وجملة { وبالنجم هم يهتدون } معطوفة على جملة { وألقى في الأرض رواسي } ، ~~لأنها في معنى : وهداكم بالنجم فأنتم تهتدون به . وهذه منة بالاهتداء في ~~الليل لأن السبيل والعلامات إنما تهدي في النهار ، وقد يضطر السالك إلى ~~السير ليلا ؛ فمواقع النجوم علامات لاهتداء الناس السائرين ليلا تعرف بها ~~السموات ، وأخص من يهتدي بها البحارة لأنهم لا يستطيعون الإرساء في كل ليلة ~~فهم مضطرون إلى السير ليلا ، وهي هداية عظيمة في وقت ارتباك الطريق على ~~السائر ، ولذلك قدم المتعلق في قوله تعالى : { وبالنجم } تقديما يفيد ~~الاهتمام ، وكذلك بالمسند الفعلي في قوله تعالى : { هم يهتدون } . | # وعدل عن الخطاب إلى الغيبة التفاتا يومىء إلى فريق خاص وهم السيارة ~~والملاحون فإن هدايتهم بهذه النجوم لا غير . | # والتعريف في ( النجم ) تعريف الجنس . والمقصود منه النجوم التي تعارفها ~~الناس للاهتداء بها مثل القطب . وتقدم في قوله تعالى : { وهو الذي جعل لكم ~~النجوم لتهتدوا بها في ( سورة الأنعام : 97 ) . | PageV14P122 # وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي في قوله تعالى هم يهتدون } لمجرد ~~تقوي الحكم ، إذ لا يسمح المقام بقصد القصر وإن تكلفه في ( الكشاف ) . | # | 2 ( 17 ، 18 ) { أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا ms4517 تذكرون * وإن تعدوا نعمة ~~الله لا تحصوهآ إن الله لغفور رحيم } . ) 2 # بعد أن أقيمت الدلائل على انفراد الله بالخلق ابتداء من قوله تعالى { خلق ~~السماوات والأرض بالحق ( سورة النحل : 3 ) وثبتت المنة وحق الشكر ، فرع على ~~ذلك هاتان الجملتان لتكونا كالنتيجتين للأدلة السابقة إنكارا على المشركين ~~. فالاستفهام عن المساواة إنكاري ، أي لا يستوي من يخلق بمن لا يخلق . ~~فالكاف للمماثلة ، وهي مورد الإنكار حيث جعلوا الأصنام آلهة شريكة لله ~~تعالى . ومن مضمون الصلتين يعرف أي الموصولين أولى بالإلهية فيظهر مورد ~~الإنكار . | # وحين كان المراد بمن لا يخلق الأصنام كان إطلاق من الغالبة في العاقل ~~مشاكلة لقوله أفمن يخلق } . | # وفرع على إنكار التسوية استفهام عن عدم التذكر في انتفائها . فالاستفهام ~~في قوله : { أفلا تذكرون } مستعمل في الإنكار على انتفاء التذكر ، وذلك ~~يختلف باختلاف المخاطبين ، فهو إنكار على إعراض المشركين عن التذكر في ذلك ~~. | # جملة { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } عطف على جملة { أفمن يخلق كمن لا ~~يخلق أفلا تذكرون } . وهي كالتكملة لها لأنها نتيجة لما تضمنته تلك الأدلة ~~من الامتنان كما تقدم . وهي بمنزلة التذييل للامتنان لأن فيها عموما يشمل ~~النعم المذكورة وغيرها . | # وهذا كلام جامع للتنبيه على وفرة نعم الله تعالى على الناس بحيث لا ~~يستطيع عدها العادون ، وإذا كانت كذلك فقد حصل التنبيه إلى كثرتها بمعرفة ~~أصولها وما يحويها من العوالم . | PageV14P123 # وفي هذا إيماء إلى الاستكثار من الشكر على مجمل النعم ، وتعريض بفظاعة ~~كفر من كفروا بهذا المنعم ، وتغليظ التهديد لهم . وتقدم نظيرها في سورة ~~إبراهيم . | # وجملة { إن الله لغفور رحيم } استئناف عقب به تغليظ الكفر والتهديد عليه ~~تنبيها على تمكنهم من تدارك أمرهم بأن يقلعوا عن الشرك ، ويتأهبوا للشكر ~~بما يطيقون ، على عادة القرآن من تعقيب الزواجر بالرغائب كيلا يقنط ~~المسرفون . | # وقد خولف بين ختام هذه الآية وختام آية سورة إبراهيم ، إذ وقع هنالك { ~~وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار ( سورة إبراهيم : 34 ~~) لأن تلك جاءت في سياق وعيد وتهديد عقب قوله ms4518 تعالى : ألم تر إلى الذين ~~بدلوا نعمة الله كفرا ( سورة إبراهيم : 28 ) فكان المناسب لها تسجيل ظلمهم ~~وكفرهم بنعمة الله . | # وأما هذه الآية فقد جاءت خطابا للفريقين كما كانت النعم المعدودة عليهم ~~منتفعا بها كلاهما . | # ثم كان من اللطائف أن قوبل الوصفان اللذان في آية سورة إبراهيم لظلوم ~~كفار } بوصفين هنا { لغفور رحيم } إشارة إلى أن تلك النعم كانت سببا لظلم ~~الإنسان وكفره وهي سبب لغفران الله ورحمته . والأمر في ذلك منوط بعمل ~~الإنسان . | # | 2 ( 19 ) { والله يعلم ما تسرون وما تعلنون } . ) 2 # عطف على جملة { أفمن يخلق كمن لا يخلق ( سورة النحل : 17 ) . فبعد أن ~~أثبت أن الله منفرد بصفة الخلق دون غيره بالأدلة العديدة ثم باستنتاج ذلك ~~بقوله : أفمن يخلق كمن لا يخلق } انتقل هنا إلى إثبات أنه منفرد بعموم ~~العلم . | # ولم يقدم لهذا الخبر استدلال ولا عقب بالدليل لأنه مما دلت عليه أدلة ~~الانفراد بالخلق ، لأن خالق أجزاء الإنسان الظاهرة والباطنة يجب له أن ~~PageV14P124 يكون عالما بدقائق حركات تلك الأجزاء وهي بين ظاهر وخفي ، ~~فلذلك قال : { والله يعلم ما تسرون وما تعلنون } . | # والمخاطب هنا هم المخاطبون بقوله تعالى : { أفلا تذكرون ( سورة النحل : ~~17 ) . وفيه تعريض بالتهديد والوعيد بأن الله محاسبهم على كفرهم . | # وفيه إعلام بأن أصنامهم بخلاف ذلك كما دل عليه تقديم المسند إليه على ~~الخبر الفعلي فإنه يفيد القصر لرد دعوى الشركة . | # وقرأ حفص ما يسرون وما يعلنون } بالتحتية فيهما ، وهو التفات من الخطاب ~~إلى الغيبة . وعلى قراءته تكون الجملة أظهر في التهديد منها في قصد التعليم ~~. | # | 2 ( 20 ، 21 ) { لله والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم ~~يخلقون * أموات غير أحيآء وما يشعرون أيان يبعثون } . ) 2 # عطف على جملة { أفمن يخلق كمن لا يخلق ( سورة النحل : 17 ) وجملة والله ~~يعلم ما تسرون ( سورة النحل : 19 ) . | # وما صدق الذين } الأصنام . وظاهر أن الخطاب هنا متمحض للمشركين وهم بعض ~~المخاطبين في الضمائر السابقة . | # والمقصود من هذه الجملة التصريح بما استفيد ضمنا مما قبلها وهو نفي ms4519 ~~الخالقية ونفي العلم عن الأصنام . | # فالخبر الأول وهو جملة { لا يخلقون شيئا } استفيد من جملة { أفمن يخلق ~~كمن لا يخلق . ( سورة النحل : 17 ) وعطف وهم يخلقون } ارتقاء في الاستدلال ~~على انتفاء إلهيتها . | # والخبر الثاني وهو جملة { أموات غير أحياء } تصريح بما استفيد من جملة { ~~والله يعلم ما تسرون وما تعلنون ( سورة النحل : 19 ) بطريقة نفي الشيء بنفي ~~ملزومه . PageV14P125 وهي طريقة الكناية التي هي كذكر الشيء بدليله . فنفي ~~الحياة عن الأصنام في قوله : غير أحياء } يستلزم نفي العلم عنها لأن الحياة ~~شرط في قبول العلم ، ولأن نفي أن يكونوا يعلمون ما هو من أحوالهم يستلزم ~~انتفاء أن يعلموا أحوال غيرهم بدلالة فحوى الخطاب ، ومن كان هكذا فهو غير ~~إله . | # وأسند { يخلقون } إلى النائب لظهور الفاعل من المقام ، أي وهم مخلوقون ~~لله تعالى ، فإنهم من الحجارة التي هي من خلق الله ، ولا يخرجها نحت البشر ~~إياها على صور وأشكال عن كون الأصل مخلوقا لله تعالى . كما قال تعالى حكاية ~~عن إبراهيم عليه السلام قوله : { والله خلقكم وما تعملون ( سورة الصافات : ~~96 ) . | # وجملة غير أحياء } تأكيد لمضمون جملة { أموات } ، للدلالة على عراقة وصف ~~الموت فيهم بأنه ليس فيه شائبة حياة لأنهم حجارة . | # ووصفت الحجارة بالموت باعتبار كون الموتت عدم الحياة . ولا يشترط في ~~الوصف بأسماء الأعدام قبول الموصوفات بها لملكاتها ، كما اصطلح عليه ~~الحكماء ، لأن ذلك اصطلاح منطقي دعا إليه تنظيم أصول المحاجة . | # وقرأ عاصم ويعقوب { يدعون } بالتحتية . وفيها زيادة تبيين لصرف الخطاب ~~إلى المشركين في قراءة الجمهور . | # وجملة { وما يشعرون أيان يبعثون } إدماج لإثبات البعث عقب الكلام على ~~إثبات الوحدانية لله تعالى ، لأن هذين هما أصل إبطال عقيدة المشركين ، ~~وتمهيد لوجه التلازم بين إنكار البعث وبين إنكار التوحيد في قوله تعالى { ~~فالذين لا يؤمنون بالأخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون ( سورة النحل : 22 ) . ~~ولذلك فالظاهر أن ضميري يشعرون } و { يبعثون } عائدان إلى الكفار على طريق ~~الالتفات في قراءة الجمهور ، وعلى تناسق الضمائر في قراءة عاصم ويعقوب . | # والمقصود من نفي شعورهم بالبعث تهديدهم بأن ms4520 البعث الذي أنكروه واقع وأنهم ~~لا يدرون متى يبغتهم ، كما قال تعالى : { لا تأتيكم إلا بغتة ( سورة ~~الأعراف : 187 ) . | PageV14P126 # والبعث : حقيقته الإرسال من مكان إلى آخر . ويطلق على إثارة الجاثم . ~~ومنه قولهم : بعثت البعير ، إذا أثرته من مبركه . ولعله من إطلاق اسم الشيء ~~على سببه . وقد غلب البعث في اصطلاح القرآن على إحضار الناس إلى الحساب بعد ~~الموت . فمن كان منهم ميتا فبعثه من جدثه ، ومن كان منهم حيا فصادفته ساعة ~~انتهاء الدنيا فمات ساعتئذ فبعثه هو إحياؤه عقب الموت ، وبذلك لا يعكر ~~إسناد نفي الشعور بوقت البعث عن الكفار الأحياء المهددين . ولا يستقيم أن ~~يكون ضمير يشعرون } عائدا إلى { الذين تدعون } ، أي الأصنام . | # و { أيان } اسم استفهام عن الزمان . مركبة من ( أي ) و ( آن ) بمعنى أي ~~زمن ، وهي معلقة لفعل { يشعرون } عن العمل بالاستفهام ، والمعنى : وما ~~يشعرون بزمن بعثهم . وتقدم { أيان } في قوله تعالى : { يسألونك عن الساعة ~~أيان مرساها في سورة الأعراف ( 187 ) . | # | 2 ( 22 ، 23 ) إلاهكم إلاه واحد فالذين لا يؤمنون بالاخرة قلوبهم منكرة ~~وهم مستكبرون * لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه لا يحب ~~المستكبرين } . ) 2 # استئناف نتيجة لحاصل المحاجة الماضية ، أي قد ثبت بما تقدم إبطال إلهية ~~غير الله ، فثبت أن لكم إلها واحدا لا شريك له ، ولكون ما مضى كافيا في ~~إبطال إنكارهم الوحدانية عريت الجملة عن المؤكد تنزيلا لحال المشركين بعدما ~~سمعوا من الأدلة منزلة من لا يظن به أنه يتردد في ذلك بخلاف قوله تعالى : { ~~إن إلاهكم إلاه واحد في سورة البقرة ( 163 ) خطاب لأهل الكتاب . | ~~PageV14P127 # وتفرع عليه الإخبار بجملة فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة } ، وهو ~~تفريع الأخبار عن الأخبار ، أي يتفرع على هذه القضية القاطعة بما تقدم من ~~الدلائل أنكم قلوبكم منكرة وأنتم مستكبرون وأن ذلك ناشىء عن عدم إيمانكم ~~بالآخرة . | # والتعبير عن المشركين بالموصول وصلته ( الذين لا يؤمنون بالآخرة ) لأنهم ~~قد عرفوا بمضمون الصلة واشتهروا بها اشتهار لمز وتنقيص عند المؤمنين ، ~~كقوله : { وقال الذين لا يرجون لقاءنا ms4521 لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ~~ربنا ( سورة الفرقان : 21 ) ، وللإيماء إلى أن لهذه الصلة ارتباطا ~~باستمرارهم على العناد ، لأن انتفاء إيمانهم بالبعث والحساب قد جرأهم على ~~نبذ دعوة الإسلام ظهريا فلم يتوقعوا مؤاخذة على نبذها ، على تقدير أنها حق ~~فينظروا في دلائل أحقيتها مع أنهم يؤمنون بالله ولكنهم لا يؤمنون بأنه أعد ~~للناس يوم جزاء على أعمالهم . | # ومعنى قلوبهم منكرة } جاحدة بما هو واقع . استعمل الإنكار في جحد الأمر ~~الواقع لأنه ضد الإقرار . فحذف متعلق { منكرة } لدلالة المقام عليه ، أي ~~منكرة للوحدانية . | # وعبر بالجملة الاسمية { قلوبهم منكرة } للدلالة على أن الإنكار ثابت لهم ~~دائم لاستمرارهم على الإنكار بعد ما تبين من الأدلة . وذلك يفيد أن الإنكار ~~صار لهم سجية وتمكن من نفوسهم لأنهم ضروا به من حيث إنهم لا يؤمنون بالآخرة ~~فاعتادوا عدم التبصر في العواقب . | # وكذلك جملة { وهم مستكبرون } بنيت على الاسمية للدلالة على تمكن ~~الاستكبار منهم . وقد خولف ذلك في آية سورة الفرقان ( 21 ) { لقد استكبروا ~~في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا لأن تلك الآية لم تتقدمها دلائل على الوحدانية ~~مثل الدلائل المذكورة في هذه الآية . | # وجملة لا جرم أن الله يعلم } معترضة بين الجملتين المتعاطفتين . | ~~PageV14P128 # والجرم بالتحريك : أصله البد . وكثر في الاستعمال حتى صار بمعنى حقا . ~~وقد تقدم عند قوله تعالى : { لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون في سورة ~~هود ( 22 ) . | # وقوله : أن الله يعلم } في موضع جر بحرف جر محذوف متعلق ب { جرم } . وخبر ~~{ لا } النافية محذوف لظهوره ، إذ التقدير : لا جرم موجود . وحذف الخبر في ~~مثله كثير . والتقدير : لا جرم في أن الله يعلم أو لا جرم من أنه يعلم ، أي ~~لا بد من أنه يعلم ، أي لا بد من علمه ، أي لا شك في ذلك . | # وجملة { أن الله يعلم } خبر مستعمل كناية عن الوعيد بالمؤاخذة بما يخفون ~~وما يظهرون من الإنكار والاستكبار وغيرهما بالمؤاخذة بما يخفون وما يظهرون ~~من الإنكار والاستكبار وغيرهما مؤاخذة عقاب وانتقام ، فلذلك عقب بجملة { ~~إنه لا يحب المستكبرين } الواقعة ms4522 موقع التعليل والتذييل لها ، لأن الذي لا ~~يحب فعلا وهو قادر يجازي فاعله بالسوء . | # والتعريف في { المستكبرين } للاستغراق ، لأن شأن التذييل العموم . ويشمل ~~هؤلاء المتحدث عنهم فيكون إثبات العقاب لهم كإثبات الشيء بدليله . | # | 2 ( 24 ، 25 ) { وإذا قيل لهم ماذآ أنزل ربكم قالو ا أساطير الاولين * ~~ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ~~سآء ما يزرون } . ) 2 # | $ # و { إذا قيل لهم } عطف على جملة { قلوبهم منكرة ( سورة النحل : 22 ) ، ~~لأن مضمون هذه من أحوالهم المتقدم بعضها ، فإنه ذكر استكبارهم وإنكارهم ~~الوحدانية ، وأتبع بمعاذيرهم الباطلة لإنكار نبوءة محمد وبصدهم الناس عن ~~اتباع الإسلام . والتقدير : قلوبهم منكرة ومستكبرة فلا يعترفون PageV14P129 ~~بالنبوءة ولا يخلون بينك وبين من يتطلب الهدى ، مضلون للناس صادونهم عن ~~الإسلام . | # وذكر فعل القول يقتضي صدوره عن قائل يسألهم عن أمر حدث بينهم وليس على ~~سبيل الفرض ، وأنهم يجيبون بما ذكر مكرا بالدين وتظاهرا بمظهر الناصحين ~~للمسترشدين المستنصحين بقرينة قوله تعالى : ومن أوزار الذين يضلونهم بغير ~~علم ( سورة النحل : 25 ) . | # وإذا } ظرف مضمن معنى الشرط . وهذا الشرط يؤذن بتكرر هذين القولين . وقد ~~ذكر المفسرون أن قريشا لما أهمهم أمر النبي صلى الله عليه وسلم ورأوا تأثير ~~القرآن في نفوس الناس ، وأخذ أتباع الإسلام يكثرون ، وصار الواردون إلى مكة ~~في موسم الحج وغيره يسألون الناس عن هذا القرآن ، و ماذا يدعو إليه ، دبر ~~لهم الوليد بن المغيرة معاذير واختلاقا يختلقونه ليقنعوا السائلين به ، ~~فندب منهم ستة عشر رجلا بعثهم أيام الموسم يقعدون في عقبات مكة وطرقها التي ~~يرد منها الناس ، يقولون لمن سألهم : لا تغتروا بهذا الذي يدعي أنه نبي ~~فإنه مجنون أو ساحر أو شاعر أو كاهن ، وأن الكلام الذي يقوله أساطير من ~~أساطير الأولين اكتتبها . وقد تقدم ذلك في آخر سورة الحجر . وكان النضر بن ~~الحارث يقول : أنا أقرأ عليكم ما هو أجمل من حديث محمد أحاديث رستم ~~وإسفنديار . وقد تقدم ذكره عند قوله تعالى : { ومن قال سأنزل مثل ما أنزل ~~الله في سورة ms4523 الأنعام ( 93 ) . | # ومساءلة العرب عن بعث النبي كثيرة واقعة . وأصرحها ما رواه البخاري عن ~~أبي ذر أنه قال : كنت رجلا من غفار فبلغنا أن رجلا قد خرج بمكة يزعم أنه ~~نبيء ، فقلت لأخي أنيس : انطلق إلى هذا الرجل كلمه وائتني بخبره ، فانطلق ~~فلقيه ثم رجع ، فقلت : ما عندك ؟ فقال : والله لقد رأيت رجلا يأمر بالخير ~~وينهى عن الشر . فقلت : لم تشفني من الخبر ، فأخذت جرابا وعصا ثم أقبلت إلى ~~مكة فجعلت لا أعرفه PageV14P130 وأكره أن أسأل عنه ، وأشرب من ماء زمزم ~~وأكون في المسجد . . . إلى آخر الحديث . | # وسؤال السائلين لطلب الخبر عن المنزل من الله يدل على أن سؤالهم سؤال ~~مسترشد عن دعوى بلغتهم وشاع خبرها في بلاد العرب ، وأنهم سألوا عن حسن طوية ~~، ويصوغون السؤال عن الخبر كما بلغتهم دعوته . | # وأما الجواب فهو جواب بليغ تضمن بيان نوع هذا الكلام ، وإبطال أن يكون ~~منزلا من عند الله لأن أساطير الأولين معروفة والمنزل من عند الله شأنه أن ~~يكون غير معروف من قبل . | # وماذا } كلمة مركبة من ( ما ) الاستفهامية واسم الإشارة ، ويقع بعدها فعل ~~هو صلة لموصول محذوف ناب عنه اسم الإشارة . والمعنى : ما هذا الذي أنزل . | # و ( ما ) يستفهم بها عن بيان الجنس ونحوه . وموضعها أنها خبر مقدم . ~~وموضع اسم الإشارة الابتداء . والتقدير : هذا الذي أنزل ربكم ما هو . وقد ~~تسامح النحويون فقالوا : إن ( ذا ) من قولهم ( ماذا ) صارت اسم موصول . ~~وتقدم عند قوله تعالى : { يسألونك ماذا ينفقون في سورة البقرة ( 215 ) . | # وأساطير الأولين } خبر مبتدأ محذوف دل عليه ما في السؤال . والتقدير : هو ~~أساطير الأولين ، أي المسؤول عنه أساطير الأولين . | # ويعلم من ذلك أنه ليس منزلا من ربهم لأن أساطير الأولين لا تكون منزلة من ~~الله كما قلناه آنفا . ولذلك لم يقع { أساطير الأولين } منصوبا لأنه لو نصب ~~لاقتضى التقدير : أنزل أساطير الأولين ، وهو كلام متناقض . لأن أساطير ~~الأولين السابقة لا تكون الذي أنزل الله الآن . | # والأساطير : جمع أسطار الذي هو جمع سطر . فأساطير جمع الجمع . وقال ~~المبرد ms4524 : جمع أسطورة بضم الهمزة كأرجوحة . وهي مؤنثة باعتبار أنها ~~PageV14P131 قصة مكتوبة . وهذا الذي ذكره المبرد أولى لأنها أساطير في ~~الأكثر يعني بها القصص لا كل كتاب مسطور . وقد تقدم عند قوله تعالى : { ~~يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين في سورة الأنعام ( 25 ) . | # واللام في ليحملوا أوزارهم } تعليل لفعل { قالوا } ، وهي غاية وليست بعلة ~~لأنهم لما قالوا { أساطير الأولين } لم يريدوا أن يكون قولهم سببا لأن ~~يحملوا أوزار الذين يضلونهم ، فاللام مستعملة مجازا في العاقبة مثل { ~~فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا ( سورة القصص : 8 ) . | # والتقدير : قالوا ذلك القول كحال من يغرى على ما يجر إليه زيادة الضر إذ ~~حملوا بذلك أوزار الذين يضلونهم زيادة على أوزارهم . | # والأوزار : حقيقتها الأثقال ، جمع وزر بكسر الواو وسكون الزاي وهو الثقل ~~. واستعمل في الجرم والذنب ، لأنه يثقل فاعله عن الخلاص من الألم والعناء ، ~~فأصل ذلك استعارة بتشبيه الجرم والذنب بالوزر . وشاعت هذه الاستعارة ، قال ~~تعالى : وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم في سورة الأنعام ( 31 ) . كما يعبر ~~عن الذنوب بالأثقال ، قال تعالى : وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم ( ~~سورة العنكبوت : 13 ) . | # وحمل الأوزار تمثيل لحالة وقوعهم في تبعات جرائمهم بحالة حامل الثقل لا ~~يستطيع تفصيا منه ، فلما شبه الإثم بالثقل فأطلق عليه الوزر شبه التورط في ~~تبعاته بحمل الثقل على طريقة التخييلية ، وحصل من الاستعارتين المفرقتين ~~استعارة تمثيلية للهيئة كلها . وهذا من أبدع التمثيل أن تكون الاستعارة ~~التمثيلية صالحة للتفريق إلى عدة تشابيه أو استعارات . | # وإضافة الأوزار إلى ضمير هم لأنهم مصدرها . | # ووصفت الأوزار بكاملة } تحقيقا لوفائها وشدة ثقلها ليسري ذلك إلى شدة ~~ارتباكهم في تبعاتها إذ هو المقصود من إضافة الحمل إلى الأوزار . | ~~PageV14P132 # و { من } في قوله تعالى : { ومن أوزار الذين يضلونهم } للسببية متعلقة ~~بفعل محذوف دل عليه حرف العطف وحرف الجر بعده إذ لا بد لحرف الجر من متعلق ~~. وتقديره : ويحملوا . ومفعول الفعل محذوف دل عليه مفعول نظيره . والتقدير ~~: ويحملوا أوزارا ناشئة عن أوزار الذين يضلونهم ، أي ناشئة لهم عن تسببهم ms4525 ~~في ضلال المضللين بفتح اللام ، فإن تسببهم في الضلال يقتضي مساواة المضلل ~~للضال في جريمة الضلال ، إذ لولا إضلاله إياه لاهتدى بنظره أو بسؤال ~~الناصحين . وفي الحديث الصحيح ( ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل ~~آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا ) . | # و { بغير علم } في موضع الحال من ضمير النصب في { يضلونهم } ، أي يضلون ~~ناسا غير عالمين يحسبون إضلالهم نصحا . والمقصود من هذا الحال تفظيع ~~التضليل لا تقييده فإن التضليل لا يكون إلا عن عدم علم كلا أو بعضا . | # وجملة { ألا ساء ما يزرون } تذييل . افتتح بحرف التنبيه اهتماما بما ~~تتضمنه للتحذير من الوقوع فيه أو للإقلاع عنه . | # | 2 ( 26 ) { قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر ~~عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون } . ) 2 # لما ذكر عاقبة إضلالهم وصدهم السائلين عن القرآن والإسلام في الآخرة أتبع ~~بالتهديد بأن يقع لهم ما وقع فيه أمثالهم في الدنيا من الخزي والعذاب مع ~~التأييس من أن يبلغوا بصنعهم ذلك مبلغ مرادهم ، وأنهم خائبون في صنعهم كما ~~خاب من قبلهم الذين مكروا برسلهم . | # ولما كان جوابهم السائلين عن القرآن بقولهم هو { أساطير الأولين ( سورة ~~النحل : 24 ) مظهرينه بمظهر النصيحة والإرشاد وهم يريدون الاستبقاء على ~~كفرهم ، سمي ذلك PageV14P133 مكرا بالمؤمنين ، إذ المكر إلحاق الضر بالغير ~~في صورة تمويهه بالنصح والنفع ، فنظر فعلهم بمكر من قبلهم ، أي من الأمم ~~السابقة الذين مكروا بغيرهم مثل قوم هود ، وقوم صالح ، وقوم لوط ، وقوم ~~فرعون ، قال تعالى في قوم صالح : ومكروا مكرا ومكرنا مكرا ( سورة النحل : ~~50 ) الآية ، وقال : وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها ~~وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون ( سورة الأنعام : 123 ) . | # فالتعريف بالموصول في قوله تعالى : الذين من قبلهم } مساو للتعريف بلام ~~الجنس . | # ومعنى ( أتى الله بنيانهم ) استعارة بتشبيه القاصد للانتقام بالجائي نحو ~~المنتقم منه ، ومنه قوله تعالى : { فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا ( سورة ~~الحشر : 2 ) . | # وقوله تعالى : فأتى ms4526 الله بنيانهم من القواعد } تمثيل لحالات استئصال ~~الأمم ، فالبنيان مصدر بمعنى المفعول . أي المبنى ، وهو هنا مستعار للقوة ~~والعزة والمنعة وعلو القدر . | # وإطلاق البناء على مثل هذا وارد في فصيح الكلام . قال عبدة بن الطبيب : | # فما كان قيس هلكه هلك واحد | # ولكنه بنيان قوم تهدما | # وقالت سعدة أم الكميت بن معروف : | # بنى لك معروف بناء هدمته | # وللشرف العادي بانن وهادم | # و { من القواعد } متعلق ب ( أتى ) . { ومن } ابتدائية ، ومجرورها هو مبدأ ~~الإتيان الذي هو بمعنى الاستئصال ، فهو في معنى هدمه . | # و { القواعد } : الأسس والأساطين التي تجعل عمدا للبناء يقام عليها السقف ~~. وهو تخييل أو ترشيح ، إذ ليس في الكلام شيء يشبه بالقواعد . | # والخرور : السقوط والهوي ، ففعل خر مستعار لزوال ما به المنعة نظير قوله ~~تعالى : { يخربون بيوتهم بأيديهم ( سورة الحشر : 2 ) . | PageV14P134 # والسقف } : حقيقته غطاء الفراغ الذي بين جدران البيت ، يجعل على الجدران ~~ويكون من حجر ومن أعواد ، وهو هنا مستعار لما استعير له البناء . | # و { من فوقهم } تأكيد لجملة { فسخر عليهم السقف } . | # ومن مجموع هذه الاستعارات تتركب الاستعارة التمثيلية . وهي تشبيه هيئة ~~القوم الذين مكروا في المنعة فأخذهم الله بسرعة وأزال تلك العزة بهيئة قوم ~~أقاموا بنيانا عظيما ذا دعائم وآووا إليه فاستأصله الله من قواعده فخر سقف ~~البناء دفعة على أصحابه فهلكوا جميعا . فهذا من أبدع التمثيلية لأنها تنحل ~~إلى عدة استعارات . | # وجملة { وأتاهم العذاب } عطف على جملة { فأتى الله بنيانهم من القواعد } ~~. وأل في { العذاب } للعهد فهي مفيدة مضمون قوله { من فوقهم } مع زيادة ~~قوله تعالى : { من حيث لا يشعرون } . فباعتبار هذه الزيادة وردت معطوفة ~~لحصول المغايرة وإلا فإن شأن الموكدة أن لا تعطف . والمعنى أن العذاب ~~المذكور حل بهم بغتة وهم لا يشعرون فإن الأخذ فجأ أشد نكاية لما يصحبه من ~~الرعب الشديد بخلاف الشيء الوارد تدريجا فإن النفس تتلقاه بصبر . | # | 2 ( 27 ) { ثم يوم القيامة يخزيهم ويقول أين شركآئى الذين كنتم تشاقون ~~فيهم قال الذين أوتوا العلم إن الخزى اليوم والسو ء على الكافرين } ) 2 # | $ # عطف ms4527 على { ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة } ( سورة النحل : 25 ) ، ~~لأن ذلك وعيد لهم وهذا تكملة له . | # وضمير الجمع في قوله تعالى : { يخزيهم } عائد إلى ما عاد إليه الضمير ~~المجرور باللام في قوله تعالى { وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم ( سورة النحل ~~: 24 ) . وذلك عائد إلى الذين لا يؤمنون بالآخرة ( سورة النحل : 22 ) . | ~~PageV14P135 # وثم } للترتيب الرتبي ، فإن خزي الآخرة أعظم من استئصال نعيم الدنيا . | # والخزي : الإهانة . وقد تقدم عند قوله تعالى : { فما جزاء من يفعل ذلك ~~منكم إلا خزي في الحياة الدنيا في سورة البقرة ( 85 ) . | # وتقديم الظرف للاهتمام بيوم القيامة لأنه يوم الأحوال الأبدية فما فيه من ~~العذاب مهول للسامعين . | # وأين } للاستفهام عن المكان ، وهو يقتضي العلم بوجود من يحل في المكان . ~~ولما كان المقام هنا مقام تهكم كان الاستفهام عن المكان مستعملا في التهكم ~~ليظهر لهم كالطماعية للبحث عن آلهتهم ، وهم علموا أن لا وجود لهم ولا مكان ~~لحلولهم . | # وإضافة الشركاء إلى ضمير الجلالة زيادة في التوبيخ ، لأن مظهر عظمة الله ~~تعالى يومئذ للعيان ينافي أن يكون له شريك ، فالمخاطبون عالمون حينئذ بتعذر ~~المشاركة . | # والموصول من قوله تعالى : { الذين كنتم تشاقون فيهم } للتنبيه على ضلالهم ~~وخطئهم في ادعاء المشاركة مثل الذي في قول عبدة : | # إن الذين ترونهم إخوانكم | # يشفي غليل صدورهم أن تصرعوا | # والمشاقة : المشادة في الخصومة ، كأنها خصومة لا سبيل معها إلى الوفاق ، ~~إذ قد صار كل خصم في شق غير شق الآخر . | # وقرأ نافع { تشقون } بكسر النون على حذف ياء المتكلم ، أي تعاندونني ، ~~وذلك بإنكارهم ما أمرهم الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم وقرأ ~~البقية { تشاقون } بفتح النون وحذف المفعول للعلم ، أي تعاندون من يدعوكم ~~إلى التوحيد . | # و ( في ) للظرفية المجازية مع حذف مضاف ، إذ المشاقة لا تكون في الذوات ~~بل في المعاني . والتقدير : في إلهيتهم أو في شأنهم . | PageV14P136 | # | 2 ( 27 ) { ثم يوم القيامة يخزيهم ويقول أين شركآئى الذين كنتم تشاقون ~~فيهم قال الذين أوتوا العلم إن الخزى اليوم والسو ء على الكافرين } ) 2 # $ # جملة ms4528 ابتدائية حكت قول أفاضل الخلائق حين يسمعون قول الله تعالى على لسان ~~ملائكة العذاب : { أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم } . | # وجيء بجملة { قال الذين أوتوا العلم } غير معطوفة لأنها واقعة موقع ~~الجواب لقوله : { أين شركائي } للتنبيه على أن الذين أوتوا العلم ابتدروا ~~الجواب لما وجم المشركون فلم يحيروا جوابا ، فأجاب الذين أوتوا العلم جوابا ~~جامعا لنفي أن يكون الشركاء المزعومون مغنين عن الذين أشركوا شيئا ، وأن ~~الخزي والسوء أحاطا بالكافرين . | # والتعبير بالماضي لتحقيق وقوع القول . | # والذين أوتوا العلم هم الذين آتاهم الله علم الحقائق من الرسل والأنبياء ~~عليهم الصلاة والسلام والمؤمنون ، كقوله تعالى : { وقال الذين أوتوا العلم ~~والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث ( سورة الروم : 56 ) ، أي ~~يقولون في ذلك الموقف من جراء ما يشاهدوا من مهيأ العذاب للكافرين كلاما ~~يدل على حصر الخزي والضر يوم القيامة في الكون على الكافرين . وهو قصر ~~ادعائي لبلوغ المعرف بلام الجنس حد النهاية في جنسه حتى كأن غيره من جنسه ~~ليس من ذلك الجنس . | # وتأكيد الجملة بحرف التوكيد وبصيغة القصر والإتيان بحرف الاستعلاء الدال ~~على تمكن الخزي والسوء منهم يفيد معنى التعجب من هول ما أعد لهم . | # | 2 ( 28 ، 29 ) { الذين تتوفاهم الملائكة ظالمى أنفسهم فألقوا السلم ما ~~كنا نعمل من سو ء بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون * PageV14P137 فادخلو ا ~~أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين } . ) 2 # | $ # القرينة ظاهرة على أن قوله تعالى : { الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي ~~أنفسهم } ليست من مقول الذين أوتوا العلم يوم القيامة ، إذ لا مناسبة لأن ~~يعرف الكافرون يوم القيامة بأنهم الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ؛ ~~فإن صيغة المضارع في قوله تعالى : { تتوفاهم الملائكة } قريبة من الصريح في ~~أن هذا التوفي محكي في حال حصوله وهم يوم القيامة مضت وفاتهم ولا فائدة ~~أخرى في ذكر ذلك يومئذ ، فالوجه أن يكون هذا كلاما مستأنفا . | # وعن عكرمة : نزلت هذه الآية بالمدينة في قوم أسلموا بمكة ولم يهاجروا ~~فأخرجهم قريش إلى بدر كرها فقتلوا ببدر . | # فالوجه ms4529 أن { الذين تتوفاهم الملائكة } بدل من { الذين } في قوله تعالى : ~~{ فالذين لا يؤمنون بالآخرة ( سورة النحل : 22 ) أو صفة لهم ، كما يومىء ~~إليه وصفهم في آخر الآية بالمتكبرين في قوله تعالى : فلبئس مثوى المتكبرين ~~} ، فهم الذين وصفوا فيما قبل بقوله تعالى : { وهم مستكبرون ( سورة النحل : ~~22 ) ، وما بينهما اعتراض . وإن أبيت ذلك لبعد ما بين المتبوع والتابع ~~فاجعل الذين تتوفاهم الملائكة } خبرا لمبتدإ محذوف . والتقدير : هم الذين ~~تتوفاهم الملائكة . | # وحذف المسند إليه جار على الاستعمال في أمثاله من كل مسند إليه جرى فيما ~~سلف من الكلام . أخبر عنه وحدث عن شأنه ، وهو ما يعرف عند السكاكي بالحذف ~~المتبع فيه الاستعمال . ويقابل هذا قوله تعالى فيما يأتي : { الذين تتوفاهم ~~الملائكة طيبين ( سورة النحل : 32 ) فإنه صفة للذين اتقوا ( سورة النحل : ~~30 ) فهذا نظيره . | # والمقصود من هذه الصلة وصف حالة الذين يموتون على الشرك ؛ فبعد أن ذكر ~~حال حلول العذاب بمن حل بهم الاستئصال وما يحل بهم يوم القيامة PageV14P138 ~~ذكرت حالة وفاتهم التي هي بين حالي الدنيا والآخرة ، وهي حال تعرض لجميعهم ~~سواء منهم من أدركه الاستئصال ومن هلك قبل ذلك . | # وأطبق من تصدى لربطه بما قبله من المفسرين ، على جعل الذين تتوفاهم ~~الملائكة ظالمي أنفسهم } الآية بدلا من { الكافرين } في قوله تعالى : { إن ~~الخزى اليوم والسوء على الكافرين ( سورة النحل : 27 ) ، أو صفة له . وسكت ~~عنه صاحب الكشاف } ( وهو سكوت من ذهب ) . وقال الخفاجي : ( وهو يصح فيه أن ~~يكون مقولا للقول وغير مندرج تحته ) . وقال ابن عطية : ( ويحتمل أن يكون { ~~الذين } مرتفعا بالابتداء منقطعا مما قبله وخبره في قوله : { فألقوا السلم ~~( سورة النحل : 28 ) ا ه . | # واقتران الفعل بتاء المضارعة التي للمؤنث في قراءة الجمهور باعتبار ~~إسناده إلى الجماعة . وقرأ حمزة وخلف يتوفاهم } بالتحتية على الأصل . | # وظلم النفس : الشرك . | # والإلقاء : مستعار إلى الإظهار المقترن بمذلة . شبه بإلقاء السلاح على ~~الأرض ، ذلك أنهم تركوا استكبارهم وإنكارهم وأسرعوا إلى الاعتراف والخضوع ~~لما ذاقوا عذاب انتزاع أرواحهم . | # والسلم بفتح السين وفتح اللام الاستسلام . وتقدم ms4530 الإلقاء والسلم عند قوله ~~تعالى : { وألقوا إليكم السلم في سورة النساء ( 90 ) . وتقدم الإلقاء ~~الحقيقي عند قوله تعالى : وألقى في الأرض رواسي في أول هذه السورة ( 15 ) . ~~| # ووصفهم بظالمي أنفسهم } يرمي إلى أن توفي الملائكة إياهم ملابس لغلظة ~~وتعذيب ، قال تعالى : { ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون ~~وجوههم وأدبارهم ( سورة الأنفال : 50 ) . | # وجملة ما كنا نعمل من سوء } مقول قول محذوف دل عليه { ألقوا السلم } ، ~~لأن إلقاء السلم أول مظاهره القول الدال على الخضوع . يقولون ذلك للملائكة ~~الذين ينتزعون أرواحهم ليكفوا عنهم تعذيب الانتزاع ، وهم من PageV14P139 ~~اضطراب عقولهم يحسبون الملائكة إنما يجربونهم بالعذاب ليطلعوا على دخيلة ~~أمرهم ، فيحسبون أنهم إن كذبوهم راج كذبهم على الملائكة فكفوا عنهم العذاب ~~، لذلك جحدوا أن يكونوا يعملون سوءا من قبل . | # ولذلك فجملة { بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون } جواب الملائكة لهم ، ~~ولذلك افتتحت بالحرف الذي يبطل به النفي وهو { بلى } . وقد جعلوا علم الله ~~بما كانوا يعملون كناية عن تكذيبهم في قولهم : { ما كنا نعمل من سوء } ، ~~وكناية على أنهم ما عاملوهم بالعذاب إلا بأمر من الله تعالى العالم بهم . | # وأسندوا العلم إلى الله دون أن يقولوا : إنا نعلم ما كنتم تعملون ، أدبا ~~مع الله وإشعارا بأنهم ما علموا ذلك إلا بتعليم من الله تعالى . | # وتفريع { فادخلوا أبواب جهنم } على إبطال نفيهم عمل السوء ظاهر ، لأن ~~إثبات كونهم كانوا يعملون السوء يقتضي استحقاقهم العذاب ، وذلك عندما كشف ~~لهم عن مقرهم الأخير ، كما جاء في الحديث ( القبر روضة من رياض الجنة أو ~~حفرة من حفر النار ) . ونظيره قوله تعالى : { ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا ~~الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق ( سورة الأنفال : 50 ) ~~. | # وجملة فلبئس مثوى المتكبرين } تذييل . يحتمل أن يكون حكاية كلام الملائكة ~~، والأظهر أنه من كلام الله الحكاية لا من المحكي ، ووصفهم بالمتكبرين يرجح ~~ذلك ، فإنه لربط هذه الصفة بالموصوف في قوله تعالى { قلوبهم منكرة وهم ~~مستكبرون ( سورة النحل : 22 ) . واللام الداخلة على بئس لام القسم . | # والمثوى . المرجع ms4531 . من ثوى إذا رجع ، أو المقام من ثوى إذا أقام . وتقدم ~~في قوله تعالى : قال النار مثواكم في سورة الأنعام ( 128 ) . | # ولم يعبر عن جهنم بالدار كما عبر عن الجنة فيما يأتي بقوله تعالى : ولنعم ~~دار المتقين ( سورة النحل : 30 ) تحقيرا لهم وأنهم ليسوا في جهنم بمنزلة ~~أهل الدار بل هم متراصون في النار وهم في مثوى ، أي محل ثواء . | # | PageV14P140 # | 2 ( 30 ، 31 ) { وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين ~~أحسنوا فى هاذه الدنيا حسنة ولدار الاخرة خير ولنعم دار المتقين * جنات عدن ~~يدخلونها تجرى من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشآءون كذلك يجزى الله المتقين ~~} . ) 2 # لما افتتحت صفة سيئات الكافرين وعواقبها بأنهم إذا قيل لهم { ماذا أنزل ~~ربكم ( سورة النحل : 24 ) قالوا : أساطير الأولين ( سورة النحل : 24 ) ، ~~جاءت هنا مقابلة حالهم بحال حسنات المؤمنين وحسن عواقبها ، فافتتح ذلك ~~بمقابل ما افتتحت به قصة الكافرين ، فجاء التنظير بين القصتين في أبدع نظم ~~. | # وهذه الجملة معطوفة على الجمل التي قبلها ، وهي معترضة في خلال أحوال ~~المشركين استطرادا . ولم تقترن هذه الجملة بأداة الشرط كما قرنت مقابلتها ~~بها وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم } ، لأن قولهم : { أساطير الأولين } لما ~~كان كذبا اختلقوه كان مظنة أن يقلع عنه قائله وأن يرعوي إلى الحق وأن لا ~~يجمع عليه القائلون ، قرن بأداة الشرط المقتضية تكرر ذلك للدلالة على ~~إصرارهم على الكفر ، بخلاف ما هنا فإن الصدق مظنة استمرار قائله عليه فليس ~~بحاجة إلى التنبيه على تكرره منه . | # والذين اتقوا : هم المؤمنون لأن الإيمان تقوى الله وخشية غضبه . والمراد ~~بهم المؤمنون المعهودون في مكة ، فالموصول للعهد . | # والمعنى أن المؤمنين سئلوا عن القرآن ، ومن جاء به ، فأرشدوا السائلين ~~ولم يترددوا في الكشف عن حقيقة القرآن بأوجز بيان وأجمعه ، وهو كلمة { خيرا ~~} المنصوبة ، فإن لفظها شامل لكل خير في الدنيا وكل خير في الآخرة ، ونصبها ~~دال على أنهم جعلوها معمولة ل { أنزل } الواقع في سؤال السائلين ، فدل ~~النصب على أنهم مصدقون بأن القرآن منزل من ms4532 عند الله ، وهذا وجه المخالفة ~~بين الرفع في جواب المشركين حين قيل لهم : { ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير ~~الأولين ( سورة النحل : 24 ) بالرفع وبين النصب في كلام المؤمنين حين قيل ~~لهم ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا } بالنصب . وقد تقدم ذلك آنفا عند قوله ~~تعالى : { قالوا أساطير الأولين } . | PageV14P141 # | 2 ( 30 ، 31 ) { وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين ~~أحسنوا فى هاذه الدنيا حسنة ولدار الاخرة خير ولنعم دار المتقين * جنات عدن ~~يدخلونها تجرى من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشآءون كذلك يجزى الله المتقين ~~} . ) 2 # مستأنفة ابتدائية ، وهي كلام من الله تعالى مثل نظيرها في آية { قل يا ~~عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وأرض الله ~~واسعة في سورة الزمر ( 10 ) ، وليست من حكاية قول الذين اتقوا . | # والذين أحسنوا : هم المتقون فهو من الإظهار في مقام الإضمار توصلا ~~بالإتيان بالموصول إلى الإيماء إلى وجه بناء الخبر ، أي جزاؤهم حسنة لأنهم ~~أحسنوا . | # وقوله تعالى : في هذه الدنيا جنات عدن يدخلونها تجرى من تحتها الأنهار ~~لهم فيها ما يشآءون كذلك يجزى الله المتقين } يجوز أن يتعلق بفعل { أحسنوا ~~} . ويجوز أن يكون ظرفا مستقرا حالا من { حسنة } . وانظر ما يأتي في نظر ~~هذه الآية من سورة الزمر من نكتة هذا التوسيط . | # ومعنى { ولدار الآخرة خير } أنها خير لهم من الدنيا فإذا كانت لهم في ~~الدنيا حسنة فلهم في الآخرة أحسن ، فكما كان للذين كفروا عذاب الدنيا وعذاب ~~جهنم كان للذين اتقوا خير الدنيا وخير الآخرة . فهذا مقابل قوله تعالى في ~~حق المشركين { ليحملوا أوزارهم كاملة } ( سورة النحل : 25 ) وقوله تعالى : ~~{ وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون ( سورة النحل : 26 ) . | # وحسنة الدنيا هي الحياة الطيبة وما فتح الله لهم من زهرة الدنيا مع نعمة ~~الإيمان . وخير الآخرة هو النعيم الدائم ، قال تعالى : من عمل صالحا ~~PageV14P142 من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم ~~بأحسن ما كانوا يعملون ( سورة النحل : 97 ) . | # وقوله تعالى : ولنعم دار المتقين ms4533 جنات عدن يدخلونها } مقابل قوله تعالى ~~في ضدهم { فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين ( سورة ~~النحل : 29 ) . | # وقد تقدم آنفا وجه تسمية جهنم مثوى والجنة دارا . | # و ( نعم ) فعل مدح غير متصرف ، ومرفوعه فاعل دال على جنس الممدوح ، ويذكر ~~بعده مرفوع آخر يسمى المخصوص بالمدح ، وهو مبتدأ محذوف الخبر ، أو خبر ~~محذوف المبتدإ . فإذا تقدم ما يدل على المخصوص بالمدح لم يذكر بعد ذلك كما ~~هنا ، فإن تقدم ولدار الآخرة } دل على أن المخصوص بالمدح هو دار الآخرة . ~~والمعنى : ولنعم دار المتقين دار الآخرة . | # وارتفع { جنات عدن } على أنه خبر لمبتدإ محذوف مما حذف فيه المسند إليه ~~جريا على الاستعمال في مسند إليه جرى كلام عليه من قبل ، كما تقدم في قوله ~~تعالى : { الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ( سورة النحل : 28 ) . ~~والتقدير : هي جنات عدن ، أي دار المتقين جنات عدن . | # وجملة يدخلونها } حال من { المتقين } . والمقصود من ذكره استحضار تلك ~~الحالة البديعة حالة دخولهم لدار الخير والحسنى والجنات . | # وجملة { لهم فيها ما يشاءون } حال من ضمير الرفع في { يدخلونها } . ~~ومضمونها مكمل لما في جملة { يدخلونها } من استحضار الحالة البديعة . | # وجملة { كذلك يجزي الله المتقين } مستأنفة ، والإتيان باسم الإشارة ~~لتمييز الجزاء والتنويه به . وجعل الجزاء لتمييزه وكماله بحيث يشبه به جزاء ~~المتقين . والتقدير : يجزي الله المتقين جزاء كذلك الجزاء الذي علمتموه . ~~وهو تذييل لأن التعريف في { المتقين } للعموم . | # | PageV14P143 # | 2 ( 32 ) { الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا ~~الجنة بما كنتم تعملون } . ) 2 # مقابل قوله في أضدادهم { الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم } ، فما ~~قيل في مقابله يقال فيه . | # وقرأ الجمهور { تتوفاهم } بفوقيتين ، مثل نظيره . وقرأه حمزة وخلف بتحتية ~~أولى كذلك . | # والطيب : بزنة فيعل ، مثل قيم وميت ، وهو مبالغة في الاتصاف بالطيب وهو ~~حسن الرائحة . ويطلق على محاسن الأخلاق وكمال النفس على وجه المجاز المشهور ~~فتوصف به المحسوسات كقوله تعالى : { حلالا طيبا ( سورة البقرة : 168 ) ~~والمعاني والنفسيات كقوله تعالى : سلام عليكم طبتم ( سورة الزمر : 73 ) . ~~وقولهم : طبت نفسا . ومنه قوله ms4534 تعالى : والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه ( ~~سورة الأعراف : 58 ) . وفي الحديث إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا أي مالا ~~طيبا حلالا . فقوله تعالى هنا طيبين } يجمع كل هذه المعاني ، أي تتوفاهم ~~الملائكة منزهين من الشرك مطمئني النفوس . وهذا مقابل قوله في أضدادهم { ~~الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم } ( سورة النحل : 28 ) . | # وجملة { يقولون سلام عليكم } حال من { الملائكة } وهي حال مقارنة ل { ~~تتوفاهم } ، أي يتوفونهم مسلمين عليهم ، وهو سلام تأنيس وإكرام حين مجيئهم ~~ليتوفوهم ، لأن فعل { تتوفاهم } يبتدىء من وقت حلول الملائكة إلى أن تنتزع ~~الأرواح وهي حصة قصيرة . | # وقولهم : { ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون } هو مقابل قولهم لأضدادهم { إن ~~الله عليم بما كنتم تعملون فادخلوا أبواب جهنم ( سورة النحل : 28 ، 29 ) . ~~والقول في الأمر بالدخول للجنة حين التوفي كالقول في ضده المتقدم آنفا . ~~وهو هنا نعيم المكاشفة . | # | PageV14P144 # | 2 ( 33 ، 34 ) هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتى أمر ربك كذلك ~~فعل الذين من قبلهم وما ظلمهم الله ولاكن كانوا أنفسهم يظلمون * فأصابهم ~~سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون } . ) 2 # استئناف بياني ناشىء عن جملة { قد مكر الذين من قبلهم ( سورة الرعد : 42 ~~) لأنها تثير سؤال من يسأل عن إبان حلول العذاب على هؤلاء كما حل بالذين من ~~قبلهم ، فقيل : ما ينظرون إلا أحد أمرين هما مجيء الملائكة لقبض أرواحهم ~~فيحق عليهم الوعيد المتقدم ، أو أن يأتي أمر الله . والمراد به الاستئصال ~~المعرض بالتهديد في قوله : فأتى الله بنيانهم من القواعد ( سورة النحل : 26 ~~) . | # والاستفهام إنكاري في معنى النفي ، ولذلك جاء بعده الاستثناء . | # وينظرون } هنا بمعنى الانتظار وهو النظرة . والكلام موجه إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم تذكيرا بتحقيق الوعيد وعدم استبطائه وتعريضا بالمشركين ~~بالتحذير من اغترارهم بتأخر الوعيد وحثا لهم على المبادرة بالإيمان . | # وإسناد الانتظار المذكور إليهم جار على خلاف مقتضى الظاهر بتنزيلهم منزلة ~~من ينتظر أحد الأمرين ، لأن حالهم من الإعراض عن الوعيد وعدم التفكر في ~~دلائل صدق الرسول صلى الله عليه وسلم ms4535 مع ظهور تلك الدلائل وإفادتها التحقق ~~كحال من أيقن حلول أحد الأمرين به فهو يترقب أحدهما ، كما تقول لمن لا يأخذ ~~حذره من العدو : ما تترقب إلا أن تقع أسيرا . ومنه قوله تعالى : { فهل ~~ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم ( سورة يونس : 102 ) وقوله تعالى ~~: إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين ( سورة ~~القصص : 19 ) . وهذا قريب من تأكيد الشيء بما يشبه ضده وما هو بذلك . | ~~PageV14P145 # وجملة كذلك فعل الذين من قبلهم } تنظير بأحوال الأمم الماضية تحقيقا ~~للغرضين . | # والإشارة إلى الانتظار المأخوذ من { ينظرون } المراد منه الإعراض ~~والإبطاء ، أي كإبطائهم فعل الذين من قبلهم ، فيوشك أن يأخذهم العذاب بغتة ~~كما أخذ الذين من قبلهم . وهذا تحذير لهم وقد رفع الله عذاب الاستئصال عن ~~أمة محمد عليه الصلاة والسلام ببركته ولإرادته انتشار دينه . | # و { الذين من قبلهم } هم المذكورن في قوله تعالى : { قد مكر الذين من ~~قبلهم ( سورة الرعد : 42 ) . | # وجملة وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } معترضة بين جملة { ~~الذين من قبلهم ( سورة النحل : 33 ) وجملة فأصابهم سيئات ما عملوا } . | # ووجه هذا الاعتراض أن التعرض إلى ما فعله الذين من قبلهم يشير إلى ما كان ~~من عاقبتهم وهو استئصالهم ، فعقب بقوله تعالى : { وما ظلمهم الله } ، أي ~~فيما أصابهم . | # ولما كان هذا الاعتراض مشتملا على أنهم ظلموا أنفسهم صار تفريع { فأصابهم ~~سيئات ما عملوا } عليه أو على ما قبله . وهو أسلوب من نظم الكلام عزيز . ~~وتقدير أصله : كذلك فعل الذين من قبلهم وظلموا أنفسهم فأصابهم سيئات ما ~~عملوا وما ظلمهم الله . ففي تغيير الأسلوب المتعارف تشويق إلى الخبر ، ~~وتهويل له بأنه ظلم أنفسهم ، وأن الله لم يظلمهم ، فيترقب السامع خبرا ~~مفظعا وهو { فأصابهم سيئات ما عملوا } . | # وإصابة السيئات إما بتقدير مضاف ، أي أصابهم جزاؤها ، أو جعلت أعمالهم ~~السيئة كأنها هي التي أصابتهم لأنها سبب ما أصابهم ، فهو مجاز عقلي . | # و { حاق } : أحاط . والحيق : الإحاطة . ثم خص الاستعمال الحيق بإحاطة ~~الشر . وقد ms4536 تقدم الكلام على ذلك عند قوله تعالى : { فحاق بالذين سخروا منهم ~~ما كانوا به يستهزئون في أوائل سورة الأنعام ( 10 ) . | PageV14P146 # وما } موصولة ، ما صدقها العذاب المتوعدون به . والباء في { به } للسببية ~~. وهو ظرف مستقر هو صفة لمفعول مطلق . والتقدير : الذي يستهزئون استهزاء ~~بسببه ، أي بسبب تكذيبهم وقوعه . وهذا استعمال في مثله . وقد تكرر في ~~القرآن ، من ذلك ما في سورة الأحقاف ، وليست الباء لتعدية فعل { يستهزءون } ~~وقدم المجرور على عامل موصوفه للرعاية على الفاصلة . | # | 2 ( 35 ) { وقال الذين أشركوا لو شآء الله ما عبدنا من دونه من شىء نحن ~~ولا ءاباؤنا ولا حرمنا من دونه من شىء كذالك فعل الذين من قبلهم فهل على ~~الرسل إلا البلاغ المبين } . ) 2 # | $ # عطف قصة على قصة لحكاية حال من أحوال شبهاتهم ومكابرتهم وباب من أبواب ~~تكذيبهم . | # وذلك أنهم كانوا يحاولون إفحام الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه يقول : إن ~~الله يعلم ما يسرون وما يعلنون ، وإنه القادر عليهم وعلى آلهتهم ، وإنه لا ~~يرضى بأن يعبد ما سواه ، وإنه ينهاهم عن البحيرة والسائبة ونحوهما ، فحسبوا ~~أنهم خصموا النبي صلى الله عليه وسلم وحاجوه فقالوا له : لو شاء الله أن لا ~~نعبد أصناما لما أقدرنا على عبادتها ، ولو شاء أن لا نحرم ما حرمنا من نحو ~~البحيرة والسائبة لما أقرنا على تحريم ذلك . وذلك قصد إفحام وتكذيب . | # وهذا رده الله عليهم بتنظير أعمالهم بأعمال الأمم الذين أهلكهم الله فلو ~~كان الله يرضى بما عملوه لما عاقبهم بالاستئصال ، فكانت عاقبتهم نزول ~~العذاب بقوله تعالى : { كذلك فعل الذين من قبلهم } ، ثم بقطع المحاجة بقوله ~~تعالى : { فهل على الرسل إلا البلاغ المبين } ، أي وليس من شأن الرسل عليهم ~~السلام المناظرة مع الأمة . | PageV14P147 # وقال في سورة الأنعام ( 148 ) { سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما ~~أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا ~~بأسنا ، فسمى قولهم هذا تكذيبا كتكذيب الذين من قبلهم لأن المقصود منه ~~التكذيب وتعضيد تكذيبهم بحجة أساءوا الفهم فيها ، فهم ms4537 يحسبون أن الله يتولى ~~تحريك الناس لأعمالهم كما يحرك صاحب خيال الظل ومحرك اللعب أشباحه وتماثيله ~~، وذلك جهل منهم بالفرق بين تكوين المخلوقات وبين ما يكسبونه بأنفسهم ، ~~وبالفرق بين أمر التكذيب وأمر التكليف ، وتخليط بين الرضى والإرادة ، ولولا ~~هذا التخليط لكان قولهم إيمانا . | # والإشارة بكذلك } إلى الإشراك وتحريم أشياء من تلقاء أنفسهم ، أي كفعل ~~هؤلاء فعل الذين من قبلهم وهم المذكورون فيما تقدم بقوله تعالى : { قد مكر ~~الذين من قبلهم ( سورة النحل : 26 ) وبقوله : كذلك فعل الذين من قبلهم وما ~~ظلمهم الله ( سورة النحل : 33 ) . والمقصود : أنهم فعلوا كفعلهم فكانت ~~عاقبتهم ما علمتم ، فلو كان فعلهم مرضيا لله لما أهلكهم ، فهلا استدلوا ~~بهلاكهم على أن الله غير راض بفعلهم ، فإن دلالة الانتقام أظهر من دلالة ~~الإملاء ، لأن دلالة الانتقام وجودية ودلالة الإمهال عدمية . | # وضمير نحن } تأكيد للضمير المتصل في { عبدنا } . وحصل به تصحيح العطف على ~~ضمير الرفع المتصل . وإعادة حرف النفي في قوله تعالى : { ولا آباؤنا } ~~لتأكيد { ما } النافية . | # وقد فرع على ذلك قطع المحاجة معهم وإعلامهم أن الرسل عليهم السلام ما ~~عليهم إلا البلاغ ومنهم محمد صلى الله عليه وسلم فاحذروا أن تكون عاقبتكم ~~عاقبة أقوام الرسل السالفين . وليس الرسل بمكلفين بإكراه الناس على الإيمان ~~حتى تسلكوا معهم التحكك بهم والإغاظة لهم . | # والبلاغ اسم مصدر الإبلاغ . والمبين : الموضح الصريح . | # والاستفهام ب ( هل ) إنكاري بمعنى النفي ، ولذلك جاء الاستثناء عقبه . | ~~PageV14P148 # والقصر المستفاد من النفي والاستثناء قصر إضافي لقلب اعتقاد المشركين من ~~معاملتهم الرسول صلى الله عليه وسلم أن للرسول غرضا شخصيا فيما يدعو إليه . ~~| # وأثبت الحكم لعموم الرسل عليهم السلام وإن كان المردود عليهم لم يخطر ~~ببالهم أمر الرسل الأولين لتكون الجملة تذييلا للمحاجة ، فتفيد ما هو أعم ~~من المردود . | # والكلام موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم تعليما وتسلية ، ويتضمن ~~تعريضا بإبلاغ المشركين . | # | 2 ( 36 ) { ولقد بعثنا فى كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا ~~الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا فى الارض ~~فانظروا ms4538 كيف كان عاقبة المكذبين } . ) 2 # عطف على جملة { كذلك فعل الذين من قبلهم ( سورة النحل : 35 ) . وهو تكملة ~~لإبطال شبهة المشركين إبطالا بطريقة التفصيل بعد الإجمال لزيادة تقرير ~~الحجة ، فقوله تعالى : ولقد بعثنا في كل أمة } بيان لمضمون جملة { فهل على ~~الرسل إلا البلاغ المبين ( النحل : 35 ) . | # وجملة فمنهم من هدى الله إلى آخرها بيان لمضمون جملة كذلك فعل الذين من ~~قبلهم } . | # والمعنى : أن الله بين للأمم على ألسنة الرسل عليهم السلام أنه يأمرهم ~~بعبادته واجتناب عبادة الأصنام ؛ فمن كل أمة أقوام هداهم الله فصدقوا ~~PageV14P149 وآمنوا ، ومنهم أقوام تمكنت منهم الضلالة فهلكوا . ومن سار في ~~الأرض رأى دلائل استئصالهم . | # و { أن } تفسيرية لجملة { بعثنا } لأن البعث يتضمن معنى القول ، إذ هو ~~بعث للتبليغ . | # و { الطاغوت } : جنس ما يعبد من دون الله من الأصنام . وقد يذكرونه بصيغة ~~الجمع ، فيقال : الطواغيت ، وهي الأصنام . وتقدم عند قوله تعالى : { يؤمنون ~~بالجبت والطاغوت في سورة النساء ( 51 ) . | # وأسندت هداية بعضهم إلى الله مع أنه أمر جميعهم بالهدى تنبيها للمشركين ~~على إزالة شبهتهم في قولهم : لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء ( سورة ~~النحل : 35 ) بأن الله بين لهم الهدى ، فاهتداء المهتدين بسبب بيانه ، فهو ~~الهادي لهم . | # والتعبير في جانب الضلالة بلفظ حقت عليهم دون إسناد الإضلال إلى الله ~~إشارة إلى أن الله لما نهاهم عن الضلالة فقد كان تصميمهم عليها إبقاء ~~لضلالتهم السابقة فحقت عليهم الضلالة ، أي ثبتت ولم ترتفع . | # وفي ذلك إيماء إلى أن بقاء الضلالة من كسب أنفسهم ؛ ولكن ورد في آيات ~~أخرى أن الله يضل الضالين ، كما في قوله : ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا ~~حرجا ( سورة الأنعام : 125 ) ، وقوله عقب هذا فإن الله لا يهدي من يضل ( ~~سورة النحل : 37 ) على قراءة الجمهور ، ليحصل من مجموع ذلك علم بأن الله ~~كون أسبابا عديدة بعضها جاء من توالد العقول والأمزجة واقتباس بعضها من بعض ~~، وبعضها تابع للدعوات الضالة بحيث تهيأت من اجتماع أمور شتى لا يحصيها إلا ~~الله ، أسباب ms4539 تامة تحول بين الضال وبين الهدى . فلا جرم كانت تلك الأسباب ~~هي سبب حق الضلالة عليهم ، فباعتبار الأسباب المباشرة كان ضلالهم من حالات ~~أنفسهم ، وباعتبار الأسباب العالية المتوالدة كان ضلالهم من لدن خالق تلك ~~الأسباب وخالق نواميسها في متقادم العصور . فافهم . | PageV14P150 # ثم فرع على ذلك الأمر بالسير في الأرض لينظروا آثار الأمم فيروا منها ~~آثار استئصال مخالف لأحوال الفناء المعتاد ، ولذلك كان الاستدلال بها ~~متوقفا على السير في الأرض ، ولو كان المراد مطلق الفناء لأمرهم بمشاهدة ~~المقابر وذكر السلف الأوائل . | # | 2 ( 37 ) إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدى من يضل وما لهم من ناصرين ~~} . ) 2 # استئناف بياني ، لأن تقسيم كل أمة ضالة إلى مهتد منها وباقق على الضلال ~~يثير سؤالا في نفس النبي صلى الله عليه وسلم عن حال هذه الأمة : أهو جار ~~على حال الأمم التي قبلها ، أو أن الله يهديهم جميعا . وذلك من حرصه على ~~خيرهم ورأفته بهم ، فأعلمه الله أنه مع حرصه على هداهم فإنهم سيبقى منهم ~~فريق على ضلاله . | # وفي الآية لطيفتان : | # الأولى : التعريض بالثناء على النبي صلى الله عليه وسلم في حرصه على ~~خيرهم مع ما لقيه منهم من الأذى الذي شأنه أن يثير الحنق في نفس من يلحقه ~~الأذى ؛ ولكن نفس محمد صلى الله عليه وسلم مطهرة من كل نقص ينشأ عن الأخلاق ~~الحيوانية . | # واللطيفة الثانية : الإيماء إلى أن غالب أمة الدعوة المحمدية سيكونون ~~مهتدين وأن الضلال منهم فئة قليلة ، وهم الذين لم يقدر الله هديهم في سابق ~~علمه بما نشأ عن خلقه وقدرته من الأسباب التي هيأت لهم البقاء في الضلال . ~~| # والحرص : فرط الإرادة الملحة في تحصيل المراد بالسعي في أسبابه . | # والشرط هنا ليس لتعليق حصول مضمون الجواب على حصول مضمون الشرط ، لأن ~~مضمون الشرط معلوم الحصول ، لأن علاماته ظاهرة بحيث يعلمه PageV14P151 ~~الناس ، كما قال تعالى : { حريص عليكم ( سورة التوبة : 128 ) ؛ وإنما هو ~~لتعليق العلم بمضمون الجواب على دوام حصول مضمون الشرط . فالمعنى : إن كنت ~~حريصا على هداهم حرصا مستمرا فاعلم ms4540 أن من أضله الله لا تستطيع هديه ولا تجد ~~لهديه وسيلة ولا يهديه أحد . فالمضارع مستعمل في معنى التجدد لا غير ، كقول ~~عنترة : | # إن تغد في دوني القناع فإنني | # طب بأخذ الفارس المستلئم | # وأظهر منه في هذا المعنى قوله أيضا : | # إن كنت أزمعتت الفراق فإنما | # زمت ركابكم بليلل مظلم | # فإن فعل الشرط في البيتين في معنى : إن كان ذلك تصميما ، وجواب الشرط ~~فيهما في معنى إفادة العلم . | # وجعل المسند إليه في جملة الإخبار عن استمرار ضلالهم اسم الجلالة للتهويل ~~المشوق إلى استطلاع الخبر . والخبر هو أن هداهم لا يحصل إلا إذا أراده الله ~~ولا يستطيع أحد تحصيله لا أنت ولا غيرك ، فمن قدر الله دوام ضلاله فلا هادي ~~له . ولولا هذه النكتة لكان مقتضى الظاهر أن يكون المسند إليه ضمير المتحدث ~~عنهم بأن يقال : فإنهم لا يهديهم غير الله . | # وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب لا يهدى } بضم ~~الياء وفتح الدال مبنيا للنائب ، وحذف الفاعل للتعميم ، أي لا يهديه هاد . ~~| # و { من } نائب فاعل ، وضمير { يضل } عائد إلى الله ، أي فإن الله لا يهدى ~~المضلل بفتح اللام منه . فالمسند سببي وحذف الضمير السببي المنصوب لظهوره ~~وهو في معنى قوله : { ومن يضلل الله فما له من هاد ( سورة الرعد : 33 ) ~~وقوله تعالى : من يضلل الله فلا هادي له ( سورة الأعراف : 186 ) . | # وقرأه عاصم وحمزة والكسائي وخلف لا يهدي } بفتح الياء بالبناء للفاعل ، ~~وضمير اسم الجلالة هو الفاعل ، و { من } مفعول { يهدي } ، والضمير ~~PageV14P152 في { يضل } لله ، والضمير السببي أيضا محذوف ، والمعنى : أن ~~الله لا يهدي من قدر دوام ضلاله ، كقوله تعالى : { وأضله الله على علم ( ~~سورة الجاثية : 23 ) إلى قوله : فمن يهديه من بعد الله ( سورة الجاثية : 23 ~~) . | # ومعنى وما لهم من ناصرين } ما لهم ناصر ينجيهم من العذاب ، أي كما أنهم ~~ما لهم منقذ من الضلال الواقعين فيه ما لهم ناصر يدفع عنهم عواقب الضلال . ~~| # | 2 ( 38 ) { وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت ms4541 بلى وعدا ~~عليه حقا ولاكن أكثر الناس لا يعلمون } . ) 2 # انتقال لحكاية مقالة أخرى من شنيع مقالاتهم في كفرهم ، واستدلال من أدلة ~~تكذيبهم الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يخبر به إظهارا لدعوته في مظهر ~~المحال ، وذلك إنكارهم الحياة الثانية ولبعث بعد الموت . وذلك لم يتقدم له ~~ذكر في هذه السورة سوى الاستطراد بقوله : { فالذين لا يؤمنون بالآخرة ( ~~سورة النحل : 22 ) . | # والقسم على نفي البعث أرادوا به الدلالة على يقينهم بانتفانه . | # وتقدم القول في جهد أيمانهم } عند قوله تعالى : { أهؤلاء الذين أقسموا ~~بالله جهد أيمانهم في سورة العقود ( 53 ) . | # وإنما أيقنوا بذلك وأقسموا عليه لأنهم توهموا أن سلامة الأجسام وعدم ~~انخرامها شرط لقبولها الحياة ، وقد رأوا أجساد الموتى معرضة للاضمحلال فكيف ~~تعاد كما كانت . | # وجملة لا يبعث الله من يموت } عطف بيان لجملة { أقسموا } وهي ما أقسموا ~~عليه . | # والبعث تقدم آنفا في قوله تعالى : { وما يشعرون أيان يبعثون ( سورة النمل ~~: 65 ) . | PageV14P153 # والعدول عن ( الموتى ) إلى من يموت } لقصد إيذان الصلة بتعليل نفي البعث ~~، فإن الصلة أقوى دلالة على التعليل من دلالة المشتق على علية الاشتقاق ، ~~فهم جعلوا الاضمحلال منافيا لإعادة الحياة ، كما حكي عنهم { وقال الذين ~~كفروا أإذا كنا ترابا وآباؤنا أإنا لمخرجون ( سورة النمل : 67 ) . | # وبلى } حرف لإبطال النفي في الخبر والاستفهام ، أي بل يبعثهم الله . ~~وانتصب { وعدا } على المفعول المطلق مؤكدا لما دل عليه حرف الإبطال من حصول ~~البعث بعد الموت . ويسمى هذا النوع من المفعول المطلق مؤكدا لنفسه ، أي ~~مؤكدا لمعنى فعل هو عين معنى المفعول المطلق . | # و { عليه } صفة ل { وعدا } ، أي وعدا كالواجب عليه في أنه لا يقبل الخلف ~~. ففي الكلام استعارة مكنية . شبه الوعد الذي وعده الله بمحض إرادته ~~واختياره بالحق الواجب عليه ورمز إليه بحرف الاستعلاء . | # و { حقا } صفة ثانية ل { وعدا } . والحق هنا بمعنى الصدق الذي لا يتخلف . ~~وقد تقدم نظيره في قوله تعالى : { وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل ~~والقرآن في سورة براءة ( 111 ) . | # والمراد بأكثر الناس المشركون ، وهم يومئذ أكثر ms4542 الناس . ومعنى لا يعلمون ~~} أنهم لا يعلمون كيفية ذلك فيقيمون من الاستبعاد دليل استحالة حصول البعث ~~بعد الفناء . | # والاستدراك ناشىء عن جعله وعدا على الله حقا ، إذ يتوهم السامع أن مثل ~~ذلك لا يجهله أحد فجاء الاستدراك لرفع هذا التوهم ، ولأن جملة { وعدا عليه ~~حقا } تقتضي إمكان وقوعه والناس يستبعدون ذلك . | # | PageV14P154 # | 2 ( 39 ) { ليبين لهم الذى يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا ~~كاذبين } . ) 2 # { ليبين } تعليل لقوله تعالى : { وعدا عليه حقا ( سورة النحل : 38 ) لقصد ~~بيان حكمة جعله وعدا لازما لا يتخلف ، لأنه منوط بحكمة ، والله تعالى حكيم ~~لا تجري أفعاله على خلاف الحكمة التامة ، أي جعل البعث ليبين للناس الشيء ~~الذي يختلفون فيه من الحق والباطل فيظهر حق المحق ويظهر باطل المبطل في ~~العقائد ونحوها من أصول الدين وما ألحق بها . | # وشمل قوله : يختلفون } كل معاني المحاسبة على الحقوق لأن تمييز الحقوق من ~~المظالم كله محل اختلاف الناس وتنازعهم . | # وعطف على هذه الحكمة العامة حكمة فرعية خاصة بالمردود عليهم هنا ، وهي ~~حصول العلم للذين كفروا بأنهم كانوا كاذبين فيما اخترعوه من الشرك وتحريم ~~الأشياء وإنكار البعث . | # وفي حصول علمهم بذلك يوم البعث مثار للندامة والتحسر على ما فرط منهم من ~~إنكاره . وقد تقدم بيان حكمة الجزاء في يوم البعث في أول سورة يونس . | # و { كانوا كاذبين } أقوى في الوصف بالكذب من ( كذبوا أو كاذبون ) ، لما ~~تدل عليه ( كان ) من الوجود زيادة على ما يقتضيه اسم الفاعل من الاتصاف ، ~~فكأنه قيل : وجد كذبهم ووصفوا به . وكذبهم يستلزم أنهم معذبون عقوبة على ~~كذبهم . ففيه شتم صريح تعريض بالعقاب . | # | 2 ( 40 ) { إنما قولنا لشىء إذآ أردناه أن نقول له كن فيكون } . ) 2 # هذه الجملة متصلة بجملة { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } ( سورة النحل : 38 ~~) لبيان أن جهلهم بمدى قدرة الله تعالى هو الذي جرأهم على إنكار البعث ~~واستحالته PageV14P155 عندهم ، فهي بيان للجملة التي قبلها ولذلك فصلت ، ~~ووقعت جملة { ليبين لهم الذين يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا ( سورة النحل ~~: 39 ) إلى آخرها ms4543 اعتراضا بين البيان والمبين . | # والمعنى أنه لا يتوقف تكوين شيء إذا أراده الله إلا على أن تتعلق قدرته ~~بتكوينه . وليس إحياء الأموات إلا من جملة الأشياء ، وما البعث إلا تكوين ، ~~فما بعث الأموات إلا من جملة تكوين الموجودات ، فلا يخرج عن قدرته . | # وأفادت إنما } قصرا هو قصر وقوع التكوين على صدور الأمر به ، وهو قصر قلب ~~لإبطال اعتقاد المشركين تعذر إحياء الموتى ظنا منهم أنه لا يحصل إلا إذا ~~سلمت الأجساد من الفساد كما تقدم آنفا ، فأريد ب { قولنا لشيء } تكويننا ~~شيئا ، أي تعلق القدرة بخلق شيء . وأريد بقوله : { إذا أردناه } إذا تعلقت ~~به الإرادة الإلهية تعلقا تنجيزيا ، فإذا كان سبب التكوين ليس زائدا على ~~قول { كن } فقد بطل تعذر إحياء الموتى . ولذلك كان هذا قصر قلب لإبطال ~~اعتقاد المشركين . | # والشيء : أطلق هنا على المعدوم باعتبار إرادة وجوده ، فهو من إطلاق اسم ~~ما يؤول إليه ، أو المراد بالشيء مطلق الحقيقة المعلومة وإن كانت معدومة ، ~~وإطلاق الشيء على المعدوم مستعمل . | # و { أن نقول له كن } خبر عن { قولنا } . | # والمراد بقول { كن } توجه القدرة إلى إيجاد المقدور . عبر عن ذلك التوجه ~~بالقول بالكلام كما عبر عنه بالأمر في قوله : { إنما أمره إذا أراد شيئا أن ~~يقول له كن فيكون ( سورة يس : 82 ) وشبه الشيء الممكن حصوله بشخص مأمور ، ~~وشبه انفعال الممكن لأمر التكوين بامتثال المأمور لأمر الآمر . وكل ذلك ~~تقريب للناس بما يعقلون ، وليس هو خطابا للمعدوم ولا أن للمعدوم سمعا يعقل ~~به الكلام فيمتثل للآمر . | PageV14P156 # و ( كان ) تامة . | # وقرأ الجمهور فيكون } بالرفع أي فهو يكون ، عطفا على الخبر وهو جملة { أن ~~نقول } . وقرأ ابن عامر والكسائي بالنصب عطفا على { نقول } ، أي أن نقول له ~~كن وأن يكون . | # | 2 ( 41 ، 42 ) { والذين هاجروا فى الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم فى ~~الدنيا حسنة ولاجر الاخرة أكبر لو كانوا يعلمون * الذين صبروا وعلى ربهم ~~يتوكلون } . ) 2 # لما ثبتت حكمة البعث بأنها تبيين الذي اختلف فيه الناس من هدى وضلالة ، ~~ومن ذلك أن يتبين ms4544 أن الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين يعلم منه أنه بتبيين ~~بالبعث أن الذين آمنوا كانوا صادقين بدلالة المضادة وأنهم مثابون ومكرمون . ~~فلما علم ذلك من السياق وقع التصريح به في هذه الآية . | # وأدمج مع ذلك وعدهم بحسن العاقبة في الدنيا مقابلة وعيد الكافرين بسوء ~~العاقبة فيها الواقع بالتعريض في قوله تعالى : { فسيروا في الأرض فانظروا ~~كيف كان عاقبة المكذبين ( سورة النحل : 36 ) . | # فالجملة معطوفة على جملة وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين ( سورة ~~النحل : 39 ) . | # والمهاجر : متاركة الديار لغرض ما . | # وفي } مستعملة في التعليل ، أي لأجل الله . والكلام على تقدير مضاف يظهر ~~من السياق . تقديره : هاجروا لأجل مرضاة الله . | # وإسناد فعل { ظلموا } إلى المجهول لظهور الفاعل من السياق وهو المشركون . ~~والظلم يشمل أصناف الاعتداء من الأذى والتعذيب . | PageV14P157 # والتبوئة : الإسكان . وأطلقت هنا على الجزاء بالحسنى على المهاجرة بطريق ~~المضادة للمهاجرة ، لأن المهاجرة الخروج من الديار فيضادها الإسكان . | # وفي الجمع بين { هاجروا } و { لنبوئنهم } محسن الطباق . والمعنى : ~~لنجازينهم جزاء حسنا . فعبر عن الجزاء بالتبوئة لأنه جزاء على ترك المباءة ~~. | # و { حسنة } صفة لمصدر محذوف جار على ( نبوئنهم ) ، أي تبوئة حسنة . | # وهذا الجزاء يجبر كل ما اشتملت عليه المهاجرة من الأضرار التي لقيها ~~المهاجرون من مفارقة ديارهم وأهليهم وأموالهم ، وما لاقوه من الأذى الذي ~~ألجأهم إلى المهاجرة من تعذيب واستهزاء ومذلة وفتنة ، فالحسنة تشتمل على ~~تعويضهم ديارا خيرا من ديارهم ، ووطنا خيرا من وطنهم ، وهو المدينة ، ~~وأموالا خيرا من أموالهم ، وهي ما نالوه من المغانم ومن الخراج . روي أن ~~عمر رضي الله عنه كان إذا أعطى رجلا من المهاجرين عطاء قال له : ( هذا ما ~~وعدك ربك في الدنيا ، وما ذخر لك في الآخرة أكبر ) ؛ وغلبة لأعدائهم في ~~الفتوح وأهمها فتح مكة ، وأمنا في حياتهم بما نالوه من السلطان ، قال تعالى ~~: { وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا ( سورة النور : 55 ) . وسبب النزول الذين ~~هاجروا إلى أرض الحبشة من المسلمين لا محالة ، أو الذين هاجروا إلى المدينة ~~الهجرة الأولى قبل هجرة النبي وبقية أصحابه رضي الله ms4545 عنهم مثل مصعب بن عمير ~~وأصحابه إن كانت هذه الآية نازلة بعد الهجرة الأولى إلى المدينة . وكلا ~~الاحتمالين لا ينافي كون السورة مكية . ولا يقتضي تخصيص أولئك بهذا الوعد . ~~| # ثم أعقب هذا الوعد بالوعد العظيم المقصود وهو قوله : ولأجر الآخرة أكبر } ~~. ومعنى { أكبر } أنه أهم وأنفع . وإضافته إلى { الآخرة } على معنى ( في ) ~~، أي الأمر الذي في الآخرة . | # وجملة { لو كانوا يعلمون } معترضة ، وهي استئناف بياني ناشىء عن جملة ~~الوعد كلها ، لأن ذلك الوعد العظيم بخير الدنيا والآخرة يثير في نفوس ~~PageV14P158 السامعين أن يسألوا كيف لم يقتد بهم من بقوا على الكفر فتقع ~~جملة { لو كانوا يعلمون } بيانا لما استبهم على السائل . والتقدير : لو ~~كانوا يعلمون ذلك لاقتدوا بهم ولكنهم لا يعلمون . فضمير { يعلمون } عائد ~~إلى { الذين كفروا } ( سورة النحل : 39 ) . | # ويجوز أن يكون السؤال المثار هو : كيف يحزن المهاجرون على ما تركوه من ~~ديارهم وأموالهم وأهليهم ، فيكون : المعنى لو كان المهاجرون يعلمون ما أعد ~~لهم علم مشاهدة لما حزنوا على مفارقة ديارهم ولكانت هجرتهم عن شوق إلى ما ~~يلاقونه بعد هجرتهم ، لأن تأثير العلم الحسي على المزاج الإنساني أقوى من ~~العلم العقلي لعدم احتياج العلم الحسي إلى استعمال نظر واستدلال ، ولعدم ~~اشتمال العلم العقلي على تفاصيل الكيفيات التي تحبها النفوس وترتمي إليها ~~الشهوات ، كما أشار إليه قوله تعالى : { قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ~~ليطمئن قلبي ( سورة البقرة : 260 ) . فليس المراد بقوله تعالى : لو كانوا ~~يعلمون } لو كانوا يعتقدون ويؤمنون ، لأن ذلك حاصل لا يناسب موقع { لو } ~~الامتناعية . | # فضمير { يعلمون } على هذا ( للذين هاجروا ) . وفي هذا الوجه تتناسق ~~الضمائر . | # و { الذين صبروا } صفة ( للذين هاجروا ) . والصبر : تحمل المشاق . ~~والتوكل : الاعتماد . | # وتقدم الصبر عند قوله تعالى : { واستعينوا بالصبر والصلاة أوائل سورة ~~البقرة ( 45 ) . والتوكل عند قوله تعالى : فإذا عزمت فتوكل على الله في ~~سورة آل عمران ( 159 ) . | # والتعبير في جانب الصبر بالمضي وفي جانب التوكل بالمضارع إيماء إلى أن ~~صبرهم قد آذن بالانقضاء لانقضاء أسبابه ، وأن الله قد جعل لهم ms4546 فرجا بالهجرة ~~الواقعة والهجرة المترقبة . فهذا بشارة لهم . | PageV14P159 # وأن التوكل ديدنهم لأنهم يستقبلون أعمالا جليلة تتم لهم بالتوكل على الله ~~في أمورهم فهم يكررونه . وفي هذا بشارة بضمان النجاح . | # وفي معنى هذه الآية قوله تعالى : للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وأرض ~~الله واسعة إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ( سورة الزمر : 10 ) . | # وتقديم المجرور في قوله تعالى : وعلى ربهم يتوكلون } للقصر ، أي لا ~~يتوكلون إلا على ربهم دون التوكل على سادة المشركين وولائهم . | # | 2 ( 43 ، 44 ) { ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحى إليهم فاسألوا أهل ~~الذكر إن كنتم لا تعلمون * بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ~~ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون } . ) 2 # | $ # { ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحى إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا ~~تعلمون } { بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ~~ولعلهم يتفكرون } . | # كانت الآيات السابقة جارية على حكاية تكذيب المشركين نبوءة محمد صلى الله ~~عليه وسلم وإنكارهم أنه مرسل من عند الله وأن القرآن وحي الله إليه ، ~~ابتداء من قوله تعالى : { وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير ~~الأولين ( سورة النحل : 24 ) ، ورد مزاعمهم الباطلة بالأدلة القارعة لهم ~~متخللا بما أدمج في أثنائه من معان أخرى تتعلق بذلك ، فعاد هنا إلى إبطال ~~شبهتهم في إنكار نبوءته من أنه بشر لا يليق بأن يكون سفيرا بين الله والناس ~~، إبطالا بقياس التمثيل بالرسل الأسبقين الذين لا تنكر قريش رسالتهم مثل ~~نوح وإبراهيم عليهما السلام . وهذا ينظر إلى قوله في أول السورة ينزل ~~الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده ( سورة النحل : 1 ) . | # وقد غير أسلوب نظم الكلام هنا بتوجيه الخطاب إلى النبي بعد أن كان جاريا ~~على أسلوب الغيبة ابتداء من قوله تعالى : فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم ~~منكرة ( سورة النحل : 22 ) ، وقوله تعالى وقال الذين أشركوا ( سورة النحل : ~~35 ) الآية ، تأنيسا للنبيء عليه الصلاة والسلام لأن فيما مضى من ~~PageV14P160 الكلام آنفا حكاية تكذيبهم إياه تصريحا وتعريضا ، فأقبل الله ms4547 ~~على الرسول بالخطاب لما في هذا الكلام من تنويه منزلته بأنه في منزلة الرسل ~~الأولين عليهم الصلاة والسلام . | # وفي هذا الخطاب تعريض بالمشركين ، ولذلك التفت إلى خطابهم بقوله تعالى : ~~فسألوا أهل الذكر } . | # وصيغة القصر لقلب اعتقاد المشركين وقولهم : { أبعث الله بشرا رسولا ( ~~سورة الإسراء : 94 ) ، فقصر الإرسال على التعلق برجال موصوفين بأنهم يوحى ~~إليهم . | # ثم أشهد على المشركين بشواهد الأمم الماضية وأقبل عليهم بالخطاب توبيخا ~~لهم لأن التوبيخ يناسبه الخطاب لكونه أوقع في نفس الموبخ ، فاحتج عليهم ~~بقوله : فسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } الخ . فهذا احتجاج بأهل ~~الأديان السابقين أهل الكتب اليهود والنصارى والصابئة . | # و { الذكر } : كتاب الشريعة . وقد تقدم عند قوله تعالى : { وقالوا يا ~~أيها الذي نزل عليه الذكر في أول سورة الحجر ( 6 ) . | # وفي قوله تعالى : إن كنتم لا تعلمون } إيماء إلى أنهم يعلمون ذلك ولكنهم ~~قصدوا المكابرة والتمويه لتضليل الدهماء ، فلذلك جيء في الشرط بحرف { إن } ~~التي ترد في الشرط المظنون عدم وجوده . | # وجملة { فسألوا أهل الذكر } معترضة بين جملة { وما أرسلنا } وبين قوله ~~تعالى : { بالبينات والزبر } . | # والجملة المعترضة تقترن بالفاء إذا كان معنى الجملة مفرعا على ما قبله ، ~~وقد جعلها في ( الكشاف ) معترضة على اعتبار وجوه ذكرها في متعلق قوله تعالى ~~: { بالبينات } . | # ونقل عنه في سورة الإنسان ( 29 ) عند قوله تعالى : { إن هذه تذكرة فمن ~~شاء اتخذ إلى ربه سبيلا أنه لا تقترن الجملة المعترضة بالفاء . وتردد صاحب ~~الكشاف } في صحة ذلك عنه لمخالفته كلامه في آية سورة النحل . | PageV14P161 # وقوله { بالبينات } متعلق بمستقر صفة أو حالا من { رجالا } . وفي تعلقه ~~وجوه أخر ذكرها في ( الكشاف ) ، والباء للمصاحبة ، أي مصحوبين بالبينات ~~والزبر ، فالبينات دلائل الصدق من معجزات أو أدلة عقلية . وقد اجتمع ذلك في ~~القرآن وافترق بين الرسل الأولين كما تفرق منه كثير لرسولنا صلى الله عليه ~~وسلم | # و { الزبر } : جمع زبور وهو مشتق من الزبر أي الكتابة ، ففعول بمعنى ~~مفعول . { والزبر } الكتب التي كتب فيها ما أوحي إلى الرسل مثل صحف إبراهيم ~~والتوراة وما ms4548 كتبه الحواريون من الوحي إلى عيسى عليه السلام وإن لم يكتبه ~~عيسى . | # ولعل عطف { الزبر } على { بالبينات } عطف تقسيم بقصد التوزيع ، أي بعضهم ~~مصحوب بالبينات وبعضهم بالأمرين لأنه قد تجيء رسل بدون كتب ، مثل حنظلة بن ~~صفوان رسول أهل الرس وخالد بن سنان رسول عبس . ولم يذكر الله لنوح عليه ~~السلام كتابا . | # وقد تجعل { الزبر } خاصة بالكتب الوجيزة التي ليست فيها شريعة واسعة مثل ~~صحف إبراهيم وزبور داود عليهما السلام والإنجيل كما فسروها به في سورة فاطر ~~. | # | 2 ( { وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون } ) ~~2 # لما اتضحت الحجة بشواهد التاريخ الذي لا ينكر ذكرت النتيجة المقصودة ، ~~وهو أن ما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم إنما هو ذكر وليس أساطير ~~الأولين . | PageV14P162 # والذكر الكلام الذي شأنه أن يذكر ، أي يتلى ويكرر . وقد تقدم عند قوله ~~تعالى : { وقالوا يأيها الذي نزل عليه الذكر في سورة الحجر ( 6 ) . أي ما ~~كنت بدعا من الرسل فقد أوحينا إليك الذكر . والذكر : ما أنزل ليقرأه الناس ~~ويتلونه تكرارا ليتذكروا ما اشتمل عليه . وتقديم المتعلق المجرور على ~~المفعول للاهتمام بضمير المخاطب . | # وفي الاقتصار على إنزال الذكر عقب قوله : بالبينات والزبر } إيماء إلى أن ~~الكتاب المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم هو بينة وزبور معا ، أي هو ~~معجزة وكتاب شرع . وذلك من مزايا القرآن التي لم يشاركه فيها كتاب آخر ، ~~ولا معجزة أخرى ، وقد قال الله تعالى : { وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ~~ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين أو لم يكفهم أنا أنزلنا ~~عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون سورة العنكبوت ( ~~50 ، 51 ) . وفي الحديث : أن النبي قال : ما من الأنبياء نبيء إلا أوتي من ~~الآيات ما مثله آمن عليه البشر وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحاه الله إلي ~~فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة . | # والتبيين : إيضاح المعنى . | # والتعريف في الناس للعموم . | # والإظهار في قوله تعالى : ما نزل إليهم } يقتضي أن ms4549 ما صدق الموصول غير ~~الذكر المتقدم ، إذ لو كان إياه لكان مقتضى الظاهر أن يقال لتبينه : للناس ~~. ولذا فالأحسن أن يكون المراد بما نزل إليهم الشرائع التي أرسل الله بها ~~محمدا صلى الله عليه وسلم فجعل القرآن جامعا لها ومبينا لها ببليغ نظمه ~~ووفرة معانيه ، فيكون في معنى قوله تعالى : { ونزلنا عليك الكتاب تبيانا ~~لكل شيء ( سورة النحل : 89 ) . | # وإسناد التبيين إلى النبي عليه الصلاة والسلام باعتبار أنه المبلغ للناس ~~هذا البيان . واللام على هذا الوجه لذكر العلة الأصلية في إنزال القرآن . | ~~PageV14P163 # وفسر ما نزل إليهم } بأنه عين الذكر المنزل ، أي أنزلنا إليك الذكر ~~لتبينه للناس ، فيكون إظهارا في مقام الإضمار لإفادة أن إنزال الذكر إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم هو إنزاله إلى الناس كقوله تعالى : { لقد أنزلنا ~~إليكم كتابا فيه ذكركم ( سورة الأنبياء : 10 ) . | # وإنما أتي بلفظه مرتين للإيماء إلى التفاوت بين الإنزالين : فإنزاله إلى ~~النبي مباشرة ، وإنزاله إلى إبلاغه إليهم . | # فالمراد بالتبيين على هذا تبيين ما في القرآن من المعاني ، وتكون اللام ~~لتعليل بعض الحكم الحافة بإنزال القرآن فإنها كثيرة ، فمنها أن يبينه النبي ~~فتحصل فوائد العلم والبيان ، كقوله تعالى : وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا ~~الكتاب لتبيننه للناس ( سورة آل عمران : 187 ) . | # وليس في هذه الآية دليل لمسائل تخصيص القرآن بالسنة ، وبيان مجمل القرآن ~~بالسنة ، وترجيح دليل السنة المتواترة على دليل الكتاب عند التعارض ~~المفروضات في أصول الفقه إذ كل من الكتاب والسنة هو من تبيين النبي إذ هو ~~واسطته . | # عطف لعلهم يتفكرون } حكمة أخرى من حكم إنزال القرآن ، وهي تهيئة تفكر ~~الناس فيه وتأملهم فيما يقربهم إلى رضى الله تعالى . فعلى الوجه الأول في ~~تفسير { لتبين للناس } يكون المراد أن يتفكروا بأنفسهم في معاني القرآن ~~وفهم فوائده ، وعلى الوجه الثاني أن يتفكروا في بيانك ويعوه بأفهامهم . | # | 2 ( 45 ) { أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الارض أو ~~يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون } . ) 2 # بعد أن ذكرت مساويهم ومكائدهم وبعد تهديدهم بعذاب يوم البعث ms4550 تصريحا ~~وبعذاب الدنيا تعريضا ، فرع على ذلك تهديدهم الصريح بعذاب الدنيا بطريق ~~استفهام التعجيب من استرسالهم في المعاندة غير مقدرين أن PageV14P164 يقع ~~ما يهددهم به الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم فلا يقلعون عن تدبير ~~المكر بالنبي صلى الله عليه وسلم فكانت حالهم في استرسالهم كحال من هم ~~آمنون بأس الله . فالاستفهام مستعمل في التعجيب المشوب بالتوبيخ . | # و { الذين مكروا } : هم المشركون . | # والمكر تقدم في قوله تعالى : { قد مكر الذين من قبلهم في هذه السورة . | # وقوله تعالى : السيئات } صفة لمصدر { مكروا } محذوفا يقدر مناسبا لتأنيث ~~صفته . فالتقدير : مكروا المكرات السيئات ، كما وصف المكر بالسيىء في قوله ~~تعالى : { ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله ( سورة فاطر : 43 ) . والتأنيث ~~في مثل هذا يقصد منه الدلالة على معنى الخصلة أو الفعلة ، كالغدرة للغدر . ~~| # ويجوز أن يضمن مكروا } معنى ( اقترفوا ) فانتصب { السيئات } على ~~المفعولية به . ويجوز أن يكون منصوبا على نزع الخافض وهو باء الجر التي ~~معناها الآلة . | # والخسف : زلزال شديد تنشق به الأرض فتحدث بانشقاقها هوة عظيمة تسقط فيها ~~الديار والناس ، ثم تنغلق الأرض على ما دخل فيها . وقد أصاب ذلك أهل بابل ، ~~ومكانهم يسمى خسف بابل . وأصاب قوم لوط إذ جعل الله عاليها سافلها . ~~وبلادهم مخسوفة اليوم في بحيرة لوط من فلسطين . | # وخسف من باب ضرب . ويستعمل قاصرا ومتعديا . يقال : خسفت الأرض ، ويقال : ~~خسف الله الأرض ، قال تعالى : { فخسفنا به وبداره الأرض ( سورة القصص : 81 ~~) ، ولا يتعدى إلى ما زاد على المفعول إلا بحرف التعدية ، والأكثر أن يعدى ~~بالباء كما هنا وقوله تعالى : فخسفنا به وبداره الأرض } ، أي جعلناها خاسفة ~~به ، فالباء للتعدية ، كما يقال : ذهب به . | # و { العذاب } يعم كل ما فيه تأليم يستمر زمنا ، فلذلك عطف على الخسف . ~~وإتيان العذاب إليهم : إصابته إياهم . شبه ذلك بالإتيان . | PageV14P165 # و { من حيث لا يشعرون } من مكان لا يترقبون أن يأتيهم منه ضر . فمعنى { ~~من حيث لا يشعرون } أنه يأتيهم بغتة لا يستطيعون دفعه ، لأنهم لبأسهم ~~ومنعتهم لا يبغتهم ما يحذرونه إذ ms4551 قد أعدوا له عدته ، فكان الآتي من حيث لا ~~يشعرون عذابا غير معهود . فوقع قوله : { من حيث لا يشعرون } كناية عن عذاب ~~لا يطيقون دفعه بحسب اللزوم العرفي ، وإلا فقد جاء العذاب عادا من مكان ~~يشعرون به ، قال تعالى : { فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ~~ممطرنا ( سورة الأحقاف : 24 ) . وحل بقوم نوح عذاب الطوفان وهم ينظرون ، ~~وكذلك عذاب الغرق لفرعون وقومه . | # | 2 ( 46 ، 47 ) أو يأخذهم فى تقلبهم فما هم بمعجزين * أو يأخذهم على ~~تخوف فإن ربكم لرؤوف رحيم } . ) 2 # الأخذ مستعار للإهلاك قال تعالى : { فأخذهم أخذة رابية ( سورة الحاقة : ~~10 ) . وتقدم عند قوله : أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون في سورة الأنعام ( 44 ~~) . | # والتقلب : السعي في شؤون الحياة من متاجرة ومعاملة وسفر ومحادثة ومزاحمة ~~. وأصله : الحركة إقبالا وإدبارا ، والمعنى : أن يهلكهم الله وهم شاعرون ~~بمجيء العذاب . | # وهذا قسيم قوله تعالى : أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون ( سورة النحل ~~: 45 ) . وفي معناه قوله تعالى : أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا ~~وهم نائمون أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون ( سورة ~~الأعراف : 98 ) . | # وتفريع فما هم بمعجزين } اعتراض ، أي لا يمنعهم من أخذه إياهم تقلبهم شيء ~~إذ لا يعجزه اجتماعهم وتعاونهم . | # و { في } للظرفية المجازية ، أي الملابسة ، وهي حال من الضمير المنصوب في ~~{ يأخذهم } . | PageV14P166 # والتخوف في اللغة يأتي مصدر تخوف القاصر بمعنى خاف ومصدر تخوف المتعدي ~~بمعنى تنقص ، وهذا الثاني لغة هذيل ، وهي من اللغات الفصيحة التي جاء بها ~~القرآن . | # فللآية معنيان : إما أن يكون المعنى يأخذهم وهم في حالة توقع نزول العذاب ~~بأن يريهم مقدماته مثل الرعد قبل الصواعق ، وإما أن يكون المعنى يأخذهم وهم ~~في حالة تنقص من قبل أن يتنقصهم قبل الأخذ بأن يكثر فيهم الموتان والفقر ~~والقحط . | # وحرف { على } مستعمل في التمكن على كلا المعنيين ، ومحل المجرور حال من ~~ضمير النصب في { يأخذهم } وهو كقولهم : أخذه على غرة . | # روى الزمخشري وابن عطية يزيد أحدهما على الآخر : أن عمر بن الخطاب رضي ms4552 ~~الله عنه خفي عليه معنى التخوف في هذه الآية وأراد أن يكتب إلى الأمصار ، ~~وأنه سأل الناس وهو على المنبر : ما تقولون فيها ؟ فقام شيخ من هذيل فقال : ~~هذه لغتنا . التخوف : التنقص . قال : فهل تعرف العرب ذلك في أشعارها ؟ قال ~~: نعم ، قال شاعرنا : | # تخوف الرحل منها تامكا قردا | # كما تخوف عود النبعة السفن | # فقال عمر رضي الله عنه : ( أيها الناس عليكم بديوانكم لا يضل ، قالوا وما ~~ديواننا ؟ قال شعر الجاهلية فإن فيه تفسير كتابكم ) . | # وتفرع { فإن ربكم لرؤوف رحيم } على الجمل الماضية تفريع العلة على المعلل ~~. وحرف ( إن ) هنا مفيد للتعليل ومغن عن فاء التفريع كما PageV14P167 بينه ~~عبد القاهر ، فهي مؤكدة لما أفادته الفاء . والتعليل هنا لما فهم من مجموع ~~المذكورات في الآية من أنه تعالى قادر على تعجيل هلاكهم وأنه أمهلهم حتى ~~نسوا بأس الله فصاروا كالآمنين منه بحيث يستفهم عنهم : أهم آمنون من ذلك أم ~~لا . | # | 2 ( 48 ) { أو لم يروا إلى ما خلق الله من شىء يتفيأ ظلاله عن اليمين ~~والشمآئل سجدا لله وهم داخرون } . ) 2 # بعد أن نهضت براهين انفراده تعالى بالخلق بما ذكر من تعداد مخلوقاته ~~العظيمة جاء الانتقال إلى دلالة من حال الأجسام التي على الأرض كلها مشعرة ~~بخضوعها لله تعالى خضوعا مقارنا لوجودها وتقلبها آنا فآنا علم بذلك من علمه ~~وجهله من جهله . وأنبأ عنه لسان الحال بالنسبة لما لا علم له ، وهو ما خلق ~~الله عليه النظام الأرضي خلقا ينطق لسان حاله بالعبودية لله تعالى ، وذلك ~~في أشد الأعراض ملازمة للذوات ، ومطابقة لأشكالها وهو الظل . | # وقد مضى تفصيل هذا الاستدلال عند قوله تعالى : { وظلالهم بالغدو والآصال ~~في سورة الرعد ( 15 ) . | # فالجملة معطوفة على الجمل التي قبلها عطف القصة على القصة . | # والاستفهام إنكاري ، أي قد رأوا ، والرؤية بصرية . | # وقرأ الجمهور أولم يروا } بتحتية . وقرأه حمزة والكسائي وخلف { أولم تروا ~~} بالمثناة الفوقية على الخطاب على طريقة الالتفات . | # و { من شيء } بيان للإبهام الذي في { ما } الموصولة ، وإنما كان بيانا ~~باعتبار ما جرى عليه من ms4553 الوصف بجملة { يتفيؤا ظلاله } الآية . | ~~PageV14P168 # والتفيؤ : تفعل من فاء الظل فيئا ، أي عاد بعد أن أزاله ضوء الشمس . لعل ~~أصله من فاء إذا رجع بعد مغادرة المكان ، وتفيؤ الظلال تنقلها من جهات بعد ~~شروق الشمس وبعد زوالها . | # وتقدم ذكر الظلال عند قوله : { وظلالهم بالغدو والآصال في سورة الرعد ( ~~15 ) . | # وقوله : عن اليمين والشمائل } ، أي عن جهات اليمين وجهات الشمائل مقصود ~~به إيضاح الحالة العجيبة للظل إذ يكون عن يمين الشخص مرة وعن شماله أخرى ، ~~أي إذا استقبل جهة ما ثم استدبرها . | # وليس المراد خصوص اليمين والشمال بل كذلك الأمام والخلف ، فاختصر الكلام ~~. | # وأفرد اليمين ، لأن المراد به جنس الجهة كما يقال المشرق . وجمع { ~~الشمائل } مرادا به تعدد جنس جهة الشمال بتعدد أصحابها ، كما قال : { فلا ~~أقسم برب المشارق ( سورة المعارج : 40 ) . فالمخالفة بالإفراد والجمع تفنن ~~. | # ومجيء فعل يتفيؤا } بتحتية في أوله على صيغة الإفراد جرى على أحد وجهين ~~في الفعل إذا كان فاعله جمعا غير جمع تصحيح ، وبذلك قرأ الجمهور . وقرأ أبو ~~عمرو ويعقوب { تتفيأ } بفوقيتين على الوجه الآخر . | # وأفرد الضمير المضاف إليه ( ظلال ) مراعاة للفظ { شيء } وإن كان في ~~المعنى متعددا ، وباعتبار المعنى أضيف إليه الجمع . | # و { سجدا } حال من ضمير { ظلاله } العائد إلى { من شيء } فهو قيد للتفيؤ ~~، أي أن ذلك التفيؤ يقارنه السجود مقارنة الحصول ضمنه . وقد مضى بيان ذلك ~~عند قوله تعالى : { وظلالهم بالغدو والآصال في سورة الرعد . | # وجملة وهم داخرون } في موضع الحال من الضمير في { ظلاله } لأنه في معنى ~~الجمع لرجوعه { ما خلق الله من شيء } . وجمع بصيغة الجمع الخاصة بالعقلاء ~~تغليبا لأن في جملة الخلائق العقلاء وهم الجنس الأهم . | PageV14P169 # والداخر : الخاضع الذليل ، أي داخرون لعظمة الله تعالى . | # | 2 ( 49 ، 50 ) { ولله يسجد ما فى السماوات وما فى الارض من دآبة ~~والملائكة وهم لا يستكبرون * يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون } . ) ~~2 # لما ذكر في الآية السابقة السجود القسري ذكر بعده هنا سجود آخر بعضه ~~اختيار وفي بعضه شبه اختيار . | # وتقديم المجرور على ms4554 فعله مؤذن بالحصر ، أي سجد لله لا لغيره ما في ~~السماوات وما في الأرض ، وهو تعريض بالمشركين إذ يسجدون للأصنام . | # وأوثرت { ما } الموصولة دون ( من ) تغليبا لكثرة غير العقلاء . | # و { من دابة } بيان ل { ما في الأرض } ، إذ الدابة ما يدب على الأرض غير ~~الإنسان . | # ومعنى سجود الدواب لله أن الله جعل في تفكيرها الإلهامي التذاذها بوجودها ~~وبما هي فيه من المرح والأكل والشرب ، وتطلب الدفع عن نفسها من المتغلب ومن ~~العوارض بالمدافعة أو بالتوقي ، ونحو ذلك من الملائمات . فحالها بذلك كحال ~~شاكر تتيسر تلك الملائمات لها ، وإنما تيسيرها لها ممن فطرها . وقد تصحب ~~أحوال تنعمها حركات تشبه إيماء الشاكر المقارب للسجود ، ولعل من حركاتها ما ~~لا يشعر به الناس لخفائه وجهلهم بأوقاته ، وإطلاق السجود على هذا مجاز . | # ويشمل { ما في السماوات } مخلوقاتت غير الملائكة ، مثل الأرواح ، أو يراد ~~بالسماوات الأجواء فيراد بما فيها الطيور والفراش . | PageV14P170 # وفي ذكر أشرف المخلوقات وأقلها تعريض بذم من نزل من البشر عن مرتبة ~~الدواب في كفران الخالق ، وبمدح من شابه من البشر حال الملائكة . | # وفي جعل الدواب والملائكة معمولين ل { يسجد } استعمال للفظ في حقيقته ~~ومجازه . | # ووصف الملائكة بأنهم { لا يستكبرون } تعريض ببعد المشركين عن أوج تلك ~~المرتبة الملكية . والجملة حال من { الملائكة } . | # وجملة { يخافون ربهم } بيان لجملة { وهم لا يستكبرون } . | # والفوقية في قوله : { من فوقهم } فوقية تصرف وملك وشرف كقوله تعالى : { ~~وهو القاهر فوق عباده ( سورة الأنعام : 18 ) وقوله وإنا فوقهم قاهرون ( ~~سورة الأعراف : 127 ) . | # وقوله تعالى : ويفعلون ما يؤمرون } ، أي يطيعون ولا تصدر منهم مخالفة . | # وهنا موضع سجود للقارىء بالاتفاق . وحكمته هنا إظهار المؤمن أنه من ~~الفريق الممدوح بأنه مشابه للملائكة في السجود لله تعالى . | # | 2 ( 51 ) { وقال الله لا تتخذوا إلاهين اثنين إنما هو إلاه واحد فإياي ~~فارهبون } . ) 2 # لما أشبع القول في إبطال تعدد الآلهة الشائع في جميع قبائل العرب ، وأتبع ~~بإبطال الاختلاق على الرسول صلى الله عليه وسلم والقرآن ، نقل الكلام إلى ~~إبطال نوع آخر من الشرك متبع عند ms4555 قبائل من العرب وهو الإشراك بإلهية أصلين ~~للخير والشر ، تقلدته قبائل العرب المجاورة بلاد فارس والساري فيهم سلطان ~~كسرى وعوائدهم ، مثل بني بكر بن وائل وبني تميم ، فقد دان منهم كثير ~~بالمجوسية ، أي المزدكية والمانوية في زمن كسرى أبرويش وفي زمن كسرى ~~أنوشروان ، والمجوسية تثبت عقيدة بإلهين : PageV14P171 إله للخير وهو النور ~~، وإله للشر وهو الظلمة ، فإله الخير لا يصدر منه إلا الخير والأنعام ، ~~وإله الشر لا يصدر عنه إلا الشر والآلام ، وسموا إله الخير ( يزدان ) ، ~~وسموا إله الشر ( اهرمن ) . وزعموا أن يزدان كان منفردا بالإلهية وكان لا ~~يخلق إلا الخير فلم يكن في العالم إلا الخير ، فخطر في نفسه مرة خاطر شر ~~فتولد عنه إله آخر شريك له هو إله الشر ، وقد حكى هذا المعري في لزومياته ~~بقوله : | # فكر يزدان على غرة | # فصيغ من تفكيره أهرمن | # ولم يكونوا يجعلون لهذين الأصلين صورا مجسمة ، فلذلك لم يكن دينهم من ~~عداد عبادة الطاغوت لاختصاص اسم الطاغوت بالصور والأجسام المعبودة . وهذا ~~الدين من هذه الجهة يشبه الأديان التي لا تعبد صورا محسوسة . وسيأتي الكلام ~~على المجوسية عند تفسير قوله تعالى : { إن الذين آمنوا والذين هادوا إلى ~~قوله والمجوس في سورة الحج ( 170 ) . | # ويدل على أن هذا الدين هو المراد التعقيب بآية ما بكم من نعمة فمن الله ~~ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون ( سورة النحل : 53 ) كما سيأتي . | # فقوله تعالى : وقال الله لا تتخذوا إلاهين اثنين } عطف قصة على قصة وهو ~~مرتبط بجملة { ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ~~( سورة النحل : 36 ) . | # ومعنى وقال الله لا تتخذوا إلاهين } أنه دعا الناس ونصب الأدلة على بطلان ~~اعتقاده . وهذا كقوله تعالى : { يريدون أن يبدلوا كلام الله ( سورة الفتح : ~~15 ) وقوله : كذلكم قال الله من قبل ( سورة الفتح : 15 ) . | # وصيغة التثنية من قوله : إلاهين } أكدت بلفظ { اثنين } للدلالة على أن ~~الإثنينية مقصودة بالنهي إبطالا لشرك مخصوص من إشراك المشركين ، وأن لا ~~PageV14P172 اكتفاء بالنهي عن تعدد الإله بل المقصود النهي عن التعدد ms4556 الخاص ~~وهو قول المجوس بإلهين . ووقع في ( الكشاف ) توجيه ذكر { اثنين } بأنه لدفع ~~احتمال إرادة الجنس حقيقة لا مجازا . | # وإذ نهوا عن اتخاذ إلهين فقد دل بدلالة الاقتضاء على إبطال اتخاذ آلهة ~~كثيرة . | # وجملة { إنما هو إلاه واحد } يجوز أن تكون بيانا لجملة { لا تتخذوا ~~إلاهين اثنين } ، فالجملة مقولة لفعل { وقال الله } لأن عطف البيان تابع ~~للمبين كموقع الجملة الثانية في قول الشاعر : | # أقول له ارحل لا تقيمن عندنا | # فلذلك فصلت ، وبذلك أفيد بالمنطوق ما أفيد قبل بدلالة الاقتضاء . | # والضمير من قوله تعالى : { إنما هو إلاه واحد } عائد إلى اسم الجلالة في ~~قوله : { وقال الله } ، أي قال الله إنما الله إله واحد ، وهذا جري على أحد ~~وجهين في حكاية القول وما في معناه بالمعنى كما هنا ، وقوله تعالى حكاية عن ~~عيسى عليه السلام { أن اعبدوا الله ربي وربكم ( سورة المائدة : 117 ) فأن ~~اعبدوا الله } مفسر ( أمرتني ) ، وفعل ( أمرتني ) فيه معنى القول ، والله ~~قال له : قل لهم اعبدوا الله ربك وربهم ، فحكاه بالمعنى ، فقال : ربي . | # والقصر في قوله : { إنما هو إلاه واحد } قصر موصوف على صفة ، أي الله ~~مختص بصفة توحد الإلهية ، وهو قصر قلب لإبطال دعوى تثنية الإله . | # ويجوز أن تكون جملة { إنما هو إلاه واحد } معترضة واقعة تعليلا لجملة { ~~لا تتخذوا إلاهين اثنين } أي نهى الله عن اتخاذ إلهين لأن الله واحد ، أي ~~والله هو مسمى إله فاتخاذ إلهين اثنين قلب لحقيقة الإلهية . | PageV14P173 # وحصر صفة الوحدانية في علم الجلالة بالنظر إلى أن مسمى ذلك العلم مساو ~~لمسمى إله ، إذ الإله منحصر في مسمى ذلك العلم . | # وتفريع { فإياي فارهبون } يجوز أن يكون تفريعا على جملة { لا تتخذوا ~~إلاهين اثنين } فيكون { فإياي فارهبون } من مقول القول ، ويكون في ضمير ~~المتكلم من قوله : { فارهبون } التفات من الغيبة إلى الخطاب . | # ويجوز أن يكون تفريعا على فعل { وقال الله } فلا يكون من مقول القول ، أي ~~قال الله لا تتخذوا إلهين فلا ترهبوا غيري . وليس في الكلام التفات على هذا ~~الوجه . | # وتفرع على ذلك قوله ms4557 تعالى : { فإياي فارهبون } بصيغة القصر ، أي قصر قلب ~~إضافيا ، أي قصر الرهبة التامة منه عليه فلا اعتداد بقدرة غيره على ضر أحد ~~. وهو رد على الذين يرهبون إله الشر فالمقصود هو المرهوب . | # والاقتصار على الأمر بالرهبة وقصرها على كونها من الله يفهم منه الأمر ~~بقصر الرغبة عليه لدلالة قصر الرهبة على اعتقاد قصر القدرة التامة عليه ~~تعالى فيفيد الرد على الذين يطمعون في إله الخير بطريق الأولى ، وإنما ~~اقتصر على الرهبة لأن شأن المزدكية أن تكون عبادتهم عن خوف إله الشر لأن ~~إله الخير هم في أمن منه فإنه مطبوع على الخير . | # ووقع في ضمير { فإياي } التفات من الغيبة إلى التكلم لمناسبة انتقال ~~الكلام من تقرير دليل وحدانية الله على وجه كلي إلى تعيين هذا الواحد أنه ~~الله منزل القرآن تحقيقا لتقرير العقيدة الأصلية . وفي هذا الالتفات اهتمام ~~بالرهبة لما في الالتفات من هز فهم المخاطبين . وتقدم تركيب نظيره بدون ~~التفات في سورة البقرة . | # واقتران فعل { فارهبون } بالفاء ليكون تفريعا على تفريع فيفيد مفاد ~~التأكيد لأن تعلق فعل ( ارهبون ) بالمفعول لفظا يجعل الضمير PageV14P174 ~~المنفصل المذكور قبله في تقدير معمول لفعل آخر ، فيكون التقدير : فإياي ~~ارهبوا فارهبون ، أي أمرتكم بأن تقصروا رهبتكم علي فارهبون امتثالا للأمر . ~~| # | 2 ( 52 ) { وله ما فى السماوات والارض وله الدين واصبا أفغير الله ~~تتقون } . ) 2 # مناسبة موقع جملة { وله ما في السماوات والأرض } بعد جملة { وقال الله لا ~~تتخذوا إلاهين اثنين ( سورة النحل : 51 ) أن الذين جعلوا إلهين جعلوهما ~~النور والظلمة . وإذ كان النور والظلمة مظهرين من مظاهر السماء والأرض كان ~~المعنى : أن ما تزعمونه إلها للخير وإلها للشر هما من مخلوقاته . | # وتقديم المجرور يفيد الحصر فدخل جميع ما في السماء والأرض في مفاد لام ~~الملك ، فأفاد أن ليس لغيره شيء من المخلوقات خيرها وشرها . فانتفى أن يكون ~~معه إله آخر لأنه لو كان معه إله آخر لكان له بعض المخلوقات إذ لا يعقل إله ~~بدون مخلوقات . | # وضمير له } عائد إلى اسم الجلالة من قوله : { وقال ms4558 الله لا تتخذوا إلاهين ~~} . | # فعطفه على جملة { إنما هو إلاه واحد ( سورة النحل : 51 ) لأن عظمة ~~الإلهية اقتضت الرهبة منه وقصرها عليه ، فناسب أن يشار إلى أن صفة المالكية ~~تقتضي إفراده بالعبادة . | # وأما قوله : وله الدين واصبا } فالدين يحتمل أن يكون المراد به الطاعة ، ~~من قولهم : دانت القبيلة للملك ، أي أطاعته ، فهو من متممات جملة { وله ما ~~في السماوات والأرض } ، لأنه لما قصر الموجودات على الكون في ملكه كان ~~حقيقا بقصر الطاعة عليه ، ولذلك قدم المجرور في هذه الجملة على فعله كما ~~وقع في التي قبلها . | PageV14P175 # ويجوز أن يكون { الدين } بمعنى الديانة ، فيكون تذييلا لجملة { وقال الله ~~لا تتخذوا إلاهين اثنين } ، لأن إبطال دين الشرك يناسبه أن لا يدين الناس ~~إلا بما يشرعه الله لهم ، أي هو الذي يشرع لكم الدين لا غيره من أيمة ~~الضلال مثل عمرو بن لحيي ، وزرادشت ، ومزدك ، وماني ، قال تعالى : { أم لهم ~~شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ( سورة الشورى : 21 ) . | # ويجوز أن يكون الدين بمعنى الجزاء كما في قوله تعالى : ملك يوم الدين ( ~~سورة الفاتحة : 4 ) ، فيكون إدماجا لإثبات البعث الذي ينكره أولئك أيضا . ~~والمعنى : له ما في السماوات والأرض وإليه يرجع من في السماوات والأرض لا ~~يرجعون إلى غيره ولا ينفعهم يومئذ أحد . | # والواصب : الثابت الدائم ، وهو صالح للاحتمالات الثلاثة ، ويزيد على ~~الاحتمال الثالث لأنه تأكيد لرد إنكارهم البعث . | # وتفرع على هاتين الجملتين التوبيخ على تقواهم غيره ، وذلك أنهم كانوا ~~يتقون إله الشر ويتقربون إليه ليأمنوا شره . | # | 2 ( 53 ، 54 ) وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجئرون ~~* ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون } . ) 2 # عطف خبر على خبر . وهو انتقال من الاستدلال بمصنوعات الله الكائنة في ذات ~~الإنسان وفيما يحيط به من الموجودات إلى الاستدلال بما ساق الله من النعم ، ~~فمن الناس معرضون عن التدبر فيها وعن شكرها وهم الكافرون ، فكان في الأدلة ~~الماضية القصد إلى الاستدلال ابتداء متبوعا بالامتنان ms4559 . | PageV14P176 # وتغير الأسلوب هنا فصار المقصود الأول هو الامتنان بالنعم مدمجا فيه ~~الاعتبار بالخلق . فالخطاب موجه إلى الأمة كلها ، ولذلك جاء عقبه قوله ~~تعالى : { إذا فريق منكم بربهم يشركون } . | # وابتدىء بالنعم على وجه العموم إجمالا ثم ذكرت مهمات منها . | # والخطاب موجه إلى المشركين تذكيرا لهم بأن الله هو ربهم لا غيره لأنه هو ~~المنعم . | # وموقع قوله تعالى : { وما بكم من نعمة فمن الله } هنا أنه لما أبطل في ~~الآية السابقة وجود إلهين اثنين ( أحدهما فعله الخير والآخر فعله الشر ) ~~أعقبه هنا بأن الخير والضر من تصرفات الله تعالى ، وهو يعطي النعمة وهو ~~كاشف الضر . | # والباء للملابسة ، أي ما لابسكم واستقر عندكم ، و { من نعمة } لبيان ~~إبهام { ما } الموصولة . | # و ( من ) في قوله تعالى : { فمن الله } ابتدائية ، أي واصلة إليكم من ~~الله ، أي من عطاء الله ، لأن النعمة لا تصدر عن ذات الله ولكن عن صفة ~~قدرته أو عن صفة فعله عند مثبتي صفات الأفعال . ولما كان { ما بكم من نعمة ~~مفيدا للعموم كان الإخبار عنه بأنه من عند الله مغنيا عن الإتيان بصيغة قصر ~~. | # وثم } في قوله تعالى : { ثم إذا مسكم الضر } للتراخي الرتبي كما هو شأنها ~~الغالب في عطفها الجمل ، لأن اللجأ إلى الله عند حصول الضر أعجب إخبارا من ~~الإخبار بأن النعم كلها من الله ، ومضمون الجملة المعطوفة أبعد في النظر من ~~مضمون المعطوف عليها . | # والمقصود : تقرير أن الله تعالى هو مدبر أسباب ما بهم من خير وشر ، وأنه ~~لا إله يخلق إلا هو ، وأنهم لا يلتجئون إلا إليه إذا أصابهم ضر ، وهو ضد ~~النعمة . | PageV14P177 # ومس الضر : حلوله . استعير المس للحصول الخفيف للإشارة إلى ضيق صبر ~~الإنسان بحيث إنه يجأر إلى الله بحصول أدنى شيء من الضر له . وتقدم استعمال ~~المس في الإصابة الخفيفة في قوله تعالى { وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له ~~إلا هو في سورة الأنعام ( 17 ) . | # وتجأرون } تصرخون بالتضرع . والمصدر : الجؤار ، بصيغة أسماء الأصوات . | # وأتبع هذه بنعمة أخرى وهي نعمة كاشف الضر عن الناس بقوله ms4560 تعالى : { ثم ~~إذا كشف الضر عنكم } الآية . | # و { ثم } للترتيب الرتبي كما هو شأنها في عطف الجمل . وجيء بحرف { ثم } ~~لأن مضمون الجملة المعطوفة أبعد في النظر من مضمون المعطوف عليها فإن ~~الإعراض عن المنعم بكشف الضر وإشراك غيره به في العبادة أعجب حالا وأبعد ~~حصولا من اللجأ إليه عند الشدة . | # والمقصود تسجيل كفران المشركين ، وإظهار رأفة الله بالخلق بكشف الضر عنهم ~~عند التجائهم إليه مع علمه بأن من أولئك من يشرك به ويستمر على شركه بعد ~~كشف الضر عنه . | # و { إذا } الأولى مضمنة معنى الشرط ، وهي ظرف . و { إذا } الثانية فجائية ~~. والإتيان بحرف المفاجأة للدلالة على إسراع هذا الفريق بالرجوع إلى الشرك ~~وأنه لا يتريث إلى أن يبعد العهد بنعمة كشف الضر عنه بحيث يفجأون بالكفر ~~دفعة دون أن يترقبه منهم مترقب ، فكان الفريق المعني في قوله تعالى : { إذا ~~فريق منكم } فريق المشركين . | # | 2 ( 55 ) { ليكفروا بمآ ءاتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون } . ) 2 # لام التعليل متعلقة بفعل { يشركون ( سورة النحل : 54 ) الذي هو من جواب ~~قوله تعالى : إذا كشف الضر عنكم ( سورة النحل : 54 ) . والكفر هنا كفر ~~النعمة ، ولذلك علق به قوله تعالى : PageV14P178 بما آتيناهم } أي من النعم ~~. وكفر النعمة ليس هو الباعث على الإشراك فإن إشراكهم سابق على ذلك وقد ~~استصحبوه عقب كشف الضر عنهم ، ولكن شبهت مقارنة عودهم إلى الشرك بعد كشف ~~الضر عنهم بمقارنة العلة الباعثة على عملل لذلك العمل . ووجه الشبه ~~مبادرتهم لكفر النعمة دون تريث . | # فاستعير لهذه المقارنة لام التعليل ، وهي استعارة تبعية تمليحية تهكمية ~~ومثلها كثير الوقوع في القرآن . وقد سمى كثير من النحاة هذه اللام لام ~~العاقبة ، ومثالها عندهم قوله تعالى : { فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا ~~وحزنا ( سورة القصص : 8 ) ، وقد بيناها في مواضع آخرها عند قوله تعالى ~~ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة في هذه السورة ( النحل : 25 ) . | # وضمير ليكفروا } عائد إلى { فريق ( سورة النحل : 54 ) باعتبار دلالته على ~~جمع من الناس . | # والإيتاء : الإعطاء . وهو مستعار للإنعام بالحالة النافعة ، لأن شأن ~~الإعطاء ms4561 أن يكون تمكينا بالمأخوذ المحبوب . | # وعبر بالموصول بما آتيناهم } لما تؤذن به الصلة من كونه نعمة تفظيعا ~~لكفرانهم بها ، لأن كفران النعمة قبيح عند تجميع العقلاء . | # وفرع عليه مخاطبتهم بأمرهم بالتمتع أمر إمهال وقلة اكتراث بهم وهو في ~~معنى التخلية . | # والتمتع : الانتفاع بالمتاع . والمتاع الشيء الذي ينتفع به انتفاعا ~~محبوبا ويسر به . ويقال : تمتع بكذا واستمتع . وتقدم المتاع في آخر سورة ~~براءة . | # والخطاب للفريق الذين يشركون بربهم على طريقة الالتفات . والأظهر أنه ~~مقول لقولل محذوف . لأنه جاء مفرعا على كلام خوطب به الناس كلهم كما تقدم ، ~~فيكون المفرع من تمام ما تفرع عليه . وذلك ينافي الالتفات الذي يقتضي أن ~~يكون مرجع الضمير إلى مرجع ما قبله . | # والمعنى : فنقول تمتعوا بالنعم التي أنتم فيها إلى أمد . | PageV14P179 # وفرع عليه التهديد بأنهم سيعلمون عاقبة كفران النعمة بعد زوال التمتع . ~~وحذف مفعول { تعلمون } لظهوره من قوله تعالى : { ليكفروا بما آتيناهم } أي ~~تعلمون جزاء كفركم . | # | 2 ( 56 ) { ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم تالله لتسئلن عما ~~كنتم تفترون } . ) 2 # عطف حالة من أحوال كفرهم لها مساس بما أنعم الله عليهم من النعمة ، فهي ~~معطوفة على جملة { وما بكم من نعمة فمن الله ( سورة النحل : 53 ) . ويجوز ~~أن تكون حالا من الضمير المجرور في قوله تعالى : وما بكم من نعمة } على ~~طريق الالتفات . ويجوز أن تكون معطوفة على { يشركون } من قوله تعالى : { ~~إذا فريق منكم بربهم يشركون ( سورة النحل : 54 ) . | # وما حكي هنا هو من تفاريع دينهم الناشئة عن إشراكهم والتي هي من تفاريع ~~كفران نعمة ربهم ، إذ جعلوا في أموالهم حقا للأصنام التي لم ترزقهم شيئا . ~~وقد مر ذلك في سورة الأنعام عند قوله تعالى : وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث ~~والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا ( سورة النحل : 136 ) ~~. | # إلا أنه اقتصر هنا على ذكر ما جعلوه لشركائهم دون ما جعلوه لله لأن ~~المقام هنا لتفصيل كفرانهم النعمة ، بخلاف ما في سورة الأنعام فهو مقام ~~تعداد أحوال جاهليتهم وإن كان كل ms4562 ذلك منكرا عليهم ، إلا أن بعض الكفر أشد ~~من بعض . | # والجعل : التصيير والوضع . تقول : جعلت لك في مالي كذا . وجيء هنا بصيغة ~~المضارع للدلالة على تجدد ذلك منهم واستمراره ، بخلاف قوله تعالى : وأقسموا ~~بالله ( سورة النحل : 38 ) بأنه حكاية قضية مضت من عنادهم وجدالهم في أمر ~~البعث . | PageV14P180 # ومفعول يعلمون } محذوف لظهوره ، وهو ضمير ( ما ) ، أي لا يعلمونه . ومثل ~~حذف هذا الضمير كثير في الكلام . | # وما صدق صلة { ما لا يعلمون } هو الأصنام ، وإنما عبر عنها بهذه الصلة ~~زيادة في تفظيع سخافة آرائهم ، إذ يفرضون في أموالهم عطاء يعطونه لأشياء لا ~~يعلمون حقائقها بله مبلغغ ما ينالهم منها ، وتخيلات يتخيلونها ليست من ~~الوجود ولا من الإدراك ولا من الصلاحية للانتفاع في شيء ، كما قال تعالى : ~~{ إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وءاباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن ~~يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس } . وضمير { تعلمون ( سورة الحجر : 55 ) ~~عائد إلى معاد ضمير يجعلون } . | # ووصف النصيب بأنه { مما رزقناهم } لتشنيع ظلمهم إذ تركوا المنعم فلم ~~يتقربوا إليه بما يرضيه في أموالهم مما أمرهم بالإنفاق فيه كإعطاء المحتاج ~~، وأنفقوا ذلك في التقرب إلى أشياء موهومة لم ترزقهم شيئا . | # ثم وجه الخطاب إليهم على طريقة الالتفات لقصد التهديد . ولا مانع من ~~الالتفات هنا لعدم وجود فاء التفريع كما في قوله تعالى : { فتمتعوا ( سورة ~~النحل : 55 ) . | # وتصدير جملة التهديد والوعيد بالقسم لتحقيقه ، إذ السؤال الموعود به يكون ~~يوم البعث وهم ينكرونه فناسب أن يؤكد . | # والقسم بالتاء يختص بما يكون المقسم عليه أمرا عجيبا ومستغربا ، كما تقدم ~~في قوله تعالى : قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض في سورة ~~يوسف ( 73 ) . وسيأتي في قوله تعالى : وتالله لأكيدن أصنامكم في سورة ~~الأنبياء ( 57 ) . فالإتيان في القسم هنا بحرف التاء مؤذن بأنهم يسألون ~~سؤالا عجيبا بمقدار غرابة الجرم المسؤول عنه . | # والسؤال كناية عما يترتب عليه من العقاب ، لأن عقاب العادل يكون في العرف ~~عقب سؤال المجرم عما اقترفه إذ لعل له ما يدفع به ms4563 عن نفسه ، PageV14P181 ~~فأجرى الله أمر الحساب يوم البعث على ذلك السنن الشريف . والتعبير عنه ~~بكنتم تفترون } كناية عن استحقاقهم العقاب لأن الكذب على الله جريمة . | # والإتيان بفعل الكون وبالمضارع للدلالة على أن الافتراء كان من شأنهم ، ~~وكان متجددا ومستمرا منهم ، فهو أبلغ من أن يقال : عما تفترون ، وعما ~~افتريتم . | # | 2 ( 57 ) { ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون } . ) 2 # عطف على جملة { ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم ( سورة النحل : ~~56 ) . | # هذا استدلال بنعمة الله عليهم بالبنين والبنات ، وهي نعمة النسل ، كما ~~أشار إليه قوله تعالى : ولهم PageV14P182 ما يشتهون } ، أي ما يشتهون مما ~~رزقناهم من الذرية . | # وأدمج في هذا الاستدلال وهذا الامتنان ذكر ضرب شنيع من ضروب كفرهم . وهو ~~افتراؤهم : أن زعموا أن الملائكة بنات الله من سروات الجن ، كما دل عليه ~~قوله تعالى : { وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ( سورة الصافات : 158 ) . وهو ~~اعتقاد قبائل كنانة وخزاعة . | # والجعل : هنا النسبة بالقول . | # وسبحانه } مصدر نائب عن الفعل ، وهو منصوب على المفعولية المطلقة ، وهو ~~في محل جملة معترضة وقعت جوابا عن مقالتهم السيئة التي تضمنتها حكاية { ~~ويجعلون لله البنات } إذ الجعل فيه جعل بالقول ، فقوله : { سبحانه } مثل ~~قولهم : حاش لله ومعاذ الله ، أي تنزيها له عن أن يكون له ذلك . | # وإنا قدم { سبحانه } على قوله : { ولهم ما يشتهون } ليكون نصا في أن ~~التنزيه عن هذا الجعل لذاته وهو نسبة البنوة لله ، لا عن جعلهم له خصوص ~~البنات دون الذكور الذي هو أشد فظاعة ، كما دل عليه قوله تعالى : { ولهم ما ~~يشتهون } ، لأن ذلك زيادة في التفظيع ، فقوله : { ولهم ما يشتهون } جملة في ~~موضع الحال . وتقديم الخبر في الجملة للاهتمام بهم في ذلك على طريقة التهكم ~~. | # وما صدق { ما يشتهون } الأبناء الذكور بقرينة مقابلته بالبنات ، وقوله ~~تعالى : { وإذا بشر أحدهم بالأنثى ( سورة النحل : 58 ) ، أي والحال أن لهم ~~ذكورا من أبنائهم فهلا جعلوا لله بنين وبنات . وهذا ارتقاء في إفساد ~~معتقدهم بحسب عرفهم وإلا فإنه بالنسبة إلى الله سواء للاستواء في التولد ms4564 ~~الذي هو من مقتضى الحدوث المنزه عنه واجب الوجود . | # وسيخص هذا بالإبطال في قوله تعالى : ويجعلون لله ما يكرهون ( سورة النحل ~~: 62 ) . ولهذا اقتصر هنا على لفظ البنات الدال على الذوات ، واقتصر على ~~أنهم يشتهون الأبناء ، ولم يتعرض إلى كراهتهم البنات وإن كان ذلك مأخوذا ~~بالمفهوم لأن ذلك درجة أخرى من كفرهم ستخص بالذكر . | # | 2 ( 58 ، 59 ) وإذا بشر أحدهم بالانثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم * يتوارى ~~من القوم من سو ء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه فى التراب ألا سآء ما ~~يحكمون } . ) 2 # | $ # الواو في قوله تعالى : { وإذا بشر أحدهم بالأنثى } يجوز أن تكون واو ~~الحال . | # ويجوز أن تكون الجملة معترضة والواو اعتراضية اقتضى الإطالة بها أنها من ~~تفاريع شركهم ، فهي لذلك جديرة بأن تكون مقصودة بالذكر كأخواتها . وهذا ~~أولى من أن تجعل معطوفة على جملة { ولهم ما يشتهون ( سورة النحل : 57 ) ~~التي هي في موضع الحال ، لأن ذلك يفيت قصدها بالعد . وهذا القصد من مقتضيات ~~المقام وإن كان مآل الاعتبارين واحدا في حاصل المعنى . | PageV14P183 # والتعبير عن الإعلام بازدياد الأنثى بفعل بشر } في موضعين لأنه كذلك في ~~نفس الأمر إذ ازدياد المولود نعمة على الوالد لما يترقبه من التأنس به ~~ومزاحه والانتفاع بخدمته وإعانته عند الاحتياج إليه ، ولما فيه من تكثير ~~نسل القبيلة الموجب عزتها ، وآصرة الصهر . ثم إن هذا مع كونه بشارة في نفس ~~الأمر فالتعبير به يفيد تعريضا بالتهكم بهم إذ يعدون البشارة مصيبة وذلك من ~~تحريفهم الحقائق . والتعريض من أقسام الكناية والكناية تجامع الحقيقة . | # والباء في { بالأنثى } لتعدية فعل البشارة وعلقت بذات الأنثى . والمراد ؛ ~~بولادتها ، فهو على حذف مضاف معلوم . | # وفعل { ظل } من أفعال الكون أخوات كان التي تدل على اتصاف فاعلها بحالة ~~لازمة فلذلك تقتضي فاعلا مرفوعا يدعى اسما وحالا لازما له منصوبا يدعى خبرا ~~لأنه شبيه بخبر المبتدإ . وسماها النحاة لذلك نواسخ لأنها تعمل فيما لولاها ~~لكان مبتدأ وخبرا فلما تغير معها حكم الخبر سميت ناسخة لرفعه ، كما سميت ( ~~إن ) وأخواتها ms4565 و ( ظن ) وأخواتها كذلك . وهو اصطلاح تقريبي وليس برشيق . | # ويستعمل { ظل } بمعنى صار . وهو المراد هنا . | # واسوداد الوجه : مستعمل في لون وجه الكئيب إذ ترهقه غبرة ، فشبهت بالسواد ~~مبالغة . | # والكظيم : الغضبان المملوء حنقا . وتقدم في قوله تعالى : { فهو كظيم في ~~سورة يوسف ( 84 ) ، أي أصبح حنقا على امرأته . وهذا من جاهليتهم الجهلاء ~~وظلمهم ، إذ يعاملون المرأة معاملة من لو كانت ولادة الذكور باختيارها ، ~~ولماذا لا يحنق على نفسه إذ يلقح امرأته بأنثى ، قالت إحدى نسائهم أنشده ~~الأصمعي تذكر بعلها وقد هجرها لأنها تلد البنات : | PageV14P184 # يغضب إن لم نلد البنينا | # وإنما نعطي الذي أعطينا | # والتواري : الاختفاء ، مضارع واراه ، مشتق من الوراء وهو جهة الخلف . | # ومن } في قوله تعالى : { من سوء ما بشر به } للابتداء المجازي المفيد ~~معنى التعليل ، لأنه يقال : فعلت كذا من أجل كذا ، قال تعالى : { ولا ~~تقتلوا أولادكم من إملاق ( سورة الأنعام : 151 ) ، أي يتوارى من أجل تلك ~~البشارة . | # وجملة أيمسكه } بدل اشتمال من جملة { يتوارى } ، لأنه يتوارى حياء من ~~الناس ؛ فيبقى متواريا من قومه أياما حتى تنسى قضيته . وهو معنى قوله تعالى ~~: { أيمسكه } الخ ، أي يتوارى ويتردد بين أحد هذين الأمرين بحيث يقول في ~~نفسه : أأمسكه على هون أم أدسه في التراب . والمراد : التردد في جواب هذا ~~الاستفهام . | # والهون : الذل . وتقدم عند قوله تعالى : { فاليوم تجزون عذاب الهون في ~~سورة الأنعام ( 93 ) . | # والدس : إخفاء الشيء بين أجزاء شيء آخر كالدفن . والمراد : الدفن في ~~الأرض وهو الوأد . وكانوا يئدون بناتهم ، بعضهم يئد بحدثان الولادة ، ~~وبعضهم يئد إذا يفعت الأنثى ومشت وتكلمت ، أي حين تظهر للناس لا يمكن ~~إخفاؤها . وذلك من أفظع أعمال الجاهلية ، وكانوا متمالئين عليه ويحسبونه ~~حقا للأب فلا ينكرها الجماعة على الفاعل . | # ولذلك سماه الله حكما بقوله تعالى : ألا ساء ما يحكمون } . وأعلن ذمه ~~بحرف { ألا } لأنه جور عظيم قد تمالأوا عليه وخولوه للناس ظلما للمخلوقات ، ~~فأسند الحكم إلى ضمير الجماعة مع أن الكلام كان جاريا على فعل واحد غير ~~معين قضاء لحق هذه النكتة . | # | PageV14P185 # | 2 ( 60 ms4566 ) { للذين لا يؤمنون بالاخرة مثل السوء ولله المثل الاعلى وهو ~~العزيز الحكيم } . ) 2 # هذه الجملة معترضة جوابا عن مقالتهم التي تضمنها قوله تعالى : { وإذا بشر ~~أحدهم بالأنثى ( سورة النحل : 58 ) فإن لها ارتباطا بجملة ويجعلون لله ~~البنات سبحانه ( سورة النحل : 57 ) كما تقدم ، فهي بمنزلة ، جملة سبحانه ، ~~غير أن جملة سبحانه جواب بتنزيه الله عما نسبوه إليه ، وهذه جواب بتحقيرهم ~~على ما يعاملون به البنات مع نسبتهم إلى الله هذا الصنف المحقر عندهم . | # وقد جرى الجواب على استعمال العرب عندما يسمعون كلاما مكروها أو منكرا أن ~~يقولوا للناطق به : بفيك الحجر ، وبفيك الكثكث ، ويقولون : تربت يداك ، ~~وتربت يمينك ، واخسأ . | # وكذلك جاء قوله تعالى للذين لا يؤمنون بالأخرة مثل السوء } شتما لهم . | # والمثل : الحال العجيبة في الحسن والقبح ، وإضافته إلى السوء للبيان . | # وعرفوا ب ( الذين لا يؤمنون بالآخرة ) لأنهم اشتهروا بهذه الصلة بين ~~المسلمين ، كقوله تعالى : { فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم ~~مستكبرون ( سورة النحل : 22 ) ، وقوله : بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في ~~العذاب والضلال البعيد ( سورة سبأ : 8 ) . | # وجملة ولله المثل الأعلى } عطفت على جملة { للذين لا يؤمنون بالأخرة مثل ~~السوء } لأن بها تكملة إفساد قولهم وذم رأيهم ، إذ نسبوا إلى الله الولد ~~وهو من لوازم الاحتياج والعجز . ولما نسبوا إليه ذلك خصوه بأخس الصنفين ~~عندهم ، كما قال تعالى : { ويجعلون لله ما يكرهون ( سورة النحل : 62 ) ، ~~وإن لم يكن كذلك في الواقع ولكن هذا جرى على اعتقادهم ومؤاخذة لهم برأيهم . ~~| PageV14P186 # والأعلى } تفضيل ، وحذف المفضل عليه لقصد العموم ، أي أعلى من كل مثل في ~~العلو بقرينة المقام . | # والسوء : بفتح السين مصدر ساءه ، إذا عمل معه ما يكره . والسوء بضم السين ~~الاسم ، تقدم في قوله تعالى : { يسومونكم سوء العذاب في سورة البقرة ( 49 ) ~~. | # والمثل تقدم تفصيل معانيه عند قوله تعالى : مثلهم كمثل الذي استوقد نارا ~~في سورة البقرة ( 17 ) . | # والعزيز الحكيم } تقدم عند قوله تعالى : { فاعلموا أن الله عزيز حكيم في ~~سورة البقرة ( 209 ) . | # | 2 ( 61 ) ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ms4567 ما ترك عليها من دآبة ولاكن ~~يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جآء أجلهم لا يستئخرون ساعة ولا يستقدمون } . ) 2 # هذا اعتراض في أثناء التوبيخ على كفرهم الذي من شرائعه وأد البنات . فأما ~~وصف جعلهم لله البناتت اللاتي يأنفون منها لأنفسهم ، ووصف ذلك بأنه حكم سوء ~~، و وصف حالهم بأنها مثل سوء ، وعرفهم بأخص عقائدهم أنهم لا يؤمنون بالآخرة ~~، أتبع ذلك بالوعيد على أقوالهم وأفعالهم . | # والظلم : الاعتداء على الحق . وأعظمه الاعتداء على حق الخالق على ~~مخلوقاته ، وهو حق إفراده بالعبادة ، ولذلك كان الظلم في القرآن إذا لم يعد ~~إلى مفعول نحو { ظلموا أنفسهم ( سورة آل عمران : 117 ) مرادا منه أعظم ~~الظلم وهو الشرك حتى صار ذلك حقيقة عرفية في مصطلح القرآن ، وهو المراد هنا ~~من هذا الإنذار . وأما الظلم الذي هو دون الإشراك بالله فغير مراد هنا لأنه ~~مراتب متفاوتة كما يأتي قريبا فلا يقتضي عقاب الاستئصال على عمومه . | ~~PageV14P187 # والتعريف في الناس } يحمل على تعريف الجنس ليشمل جميع الناس ، لأن ذلك ~~أنسب بمقام الزجر ، فليس قوله تعالى : { الناس } مرادا به خصوص المشركين من ~~أهل مكة الذين عادت عليهم الضمائر المتقدمة في قوله : { ليكفروا بما ~~آتيناهم } ( سورة النحل : 55 ) وما بعده من الضمائر ، وبذلك لا يكون لفظ { ~~الناس } إظهارا في مقام الإضمار . | # وضمير { عليها } صادق على الأرض وإن لم يجر لها ذكر في الكلام فإن المقام ~~دال عليها . وذلك استعمال معروف في كلامهم كقوله تعالى : { حتى توارت ~~بالحجاب ( سورة ص : 32 ) يعني الشمس ، ويقولون : أصبحت باردة ، يريدون ~~الغداة ، ويقول أهل المدينة : ما بين لابتيها أحد يفعل كذا ، يريدون لابتي ~~المدينة . | # والدابة : اسم لما يدب على الأرض ، أي يمشي ، وتأنيثه بتأويل ذات . وخص ~~اسم دابة } في الاستعمال بالإطلاق على ما عدا الإنسان مما يمشي على الأرض . ~~| # وحرف { لو } حرف امتناع لامتناعع ، أي حرف شرط يدل على امتناع وقوع جوابه ~~لأجل امتناع وقوع شرطه . وشرط { لو } ملازم للزمن الماضي فإذا وقع بعد { لو ~~} مضارع انصرف إلى الماضي غالبا . | # فالمعنى : لو كان الله مؤاخذا الخلق ms4568 على شركهم لأفناهم من الأرض وأفنى ~~الدواب معهم ، أي ولكنه لم يؤاخذهم . | # ودليل انتفاء شرط { لو } هو انتفاء جوابها ، ودليل انتفاء جوابها هو ~~المشاهدة ، فإن الناس والدواب ما زالوا موجودين على الأرض . | # ووجه الملازمة بين مؤاخذة الظالمين بذنوبهم وبين إفناء الناس غير ~~الظالمين وإفناء الدواب أن الله خلق الناس ليعبدوه ، أي ليعترفوا له ~~بالإلهية والوحدانية فيها ، لقوله تعالى : { وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون ( سورة الذاريات : 56 ) ، وأن ذلك مودع في الفطرة لقوله تعالى : ~~وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ~~قالوا بلى شهدنا ( سورة الأعراف : 172 ) . | PageV14P188 # فنعمة الإيجاد تقضي على العاقل أن يشكر موجده ، فإذا جحد وجوده أو جحد ~~انفراده بالإلهية فقد نقض العهد الذي وجد على شرطه ، فاستحق المحو من ~~الوجود بالاستئصال والإفناء . | # وبذلك تعين أن المراد من الظلم في قوله تعالى : بظلمهم } الإشراك أو ~~التعطيل . وأما ما دون ذلك من الاهتداء على حق الله بمعصية أمره ، أو على ~~حقوق المخلوقات باغتصابها فهو مراتب كثيرة ، منها اعتداء أحد على وجود ~~إنسان آخر محترم الحياة فيعدمه عمدا ، لذلك جزاؤه الإفناء لأنه أفنى مماثله ~~، ولا يتعداه إلى إفناء من معه ، وما دون ذلك من الظلم له عقاب دون ذلك ، ~~فلا يستحق شيء غير الشرك الإهلاك ، ولكن شأن العقاب أن يقصر على الجاني . | # فوجه اقتضاء العقابب على الشرك إفناء جميع المشركين ودوابهم أن إهلاك ~~الظالمين لا يحصل إلا بحوادث عظيمة لا تتحدد بمساحة ديارهم ، لأن أسباب ~~الإهلاك لا تتحدد في عادة نظام هذا العالم ، فلذلك يتناول الإهلاك الناس ~~غير الظالمين ويتناول دوابهم . | # وإذ قد كان الظلم ، أي الإشراك لم تخل منه الأرض لزم من إهلاك أهل الظلم ~~سريان الإهلاك إلى جميع بقاع الأرض فاضمحل الناس والدواب فيأتي الفناء في ~~قرون متوالية من زمن نوح مثلا ، فلا يوجد على الأرض دابة في وقت نزول الآية ~~. | # فأما من عسى أن يكون بين الأمة المشركة من صالحين فإن الله يقدر للصالحين ~~أسباب النجاة بأحوال خارقة للعادة كما ms4569 قال تعالى : { وينجي الله الذين ~~اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون ( سورة الزمر : 61 ) . وقد ~~أخبر الله تعالى بأنه نجى هودا والذين آمنوا معه ، وأخبر بأنه نجى أنبياء ~~آخرين . وكفاك نجاة نوح عليه السلام والذين آمنوا معه من الطوفان في ~~السفينة . | # وقد دل قوله تعالى : ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى } أن تأخيرهم متفاوت ~~الآجال ، ففي مدد تلك الآجال تبقى أقوام كثيرة تعمر بهم الأرض ، فذلك سبب ~~بقاء أمم كثيرة من المشركين ومن حولهم . | PageV14P189 # واقتضى قوله تعالى : { من دابة } إهلاك دواب الناس معهم لو شاء الله ذلك ~~، لأن استئصال أمة يشتمل على استئصال دوابها ، لأن الدواب خلقت لنفع الناس ~~فلا بدع أن يستأصلها الله إذا استأصل ذويها . | # والاقتصار على ذكر دابة في هذه الآية إيجاز ، لأنه إذا كان ظلم الناس ~~مفضيا إلى استئصال الدواب كان العلم بأنه مفض إلى استئصال الظالمين حاصلا ~~بدلالة الاقتضاء . | # وهذا في عذاب الاستئصال ، وأما ما يصيب الناس من المصائب والفتن الوارد ~~فيه قوله تعالى : { واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ( سورة ~~الأنفال : 25 ) فذلك منوط بأسباب عادية ، فاستثناء الصالحين يقتضي تعطيل ~~دواليب كثيرة من دواليب النظام الفطري العام ، وذلك لا يريد الله تعطيله ~~لما يستتبع تعطيله من تعطيل مصالح عظيمة والله أعلم بذلك . | # فقد جاء في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر قال : سمعت رسول الله يقول : ~~إذا أراد الله بقوم عذابا أصاب العذاب من كان فيهم ثم يبعثون على نياتهم ، ~~أي يكون للمحسن الذي أصابه العذاب تبعا جزاء على ما أصابه من مصيبة غيره . ~~وإنما الذي لا ينال البريء هو العقاب الأخروي الذي جعله الله جزاء على ~~التكليف ، وهو معنى قوله تعالى : ولا تزر وازرة وزر أخرى ( سورة الأنعام : ~~164 ) . | # وفي هذه الآية إشارة إلى أن الدواب التي على الأرض مخلوقة لأجل انتفاع ~~الإنسان ، فلذلك لم يكن استعمال الإنسان إياها فيما تصلح له ظلما لها ، ولا ~~قتلها لأكلها ظلما لها . | # والمؤاخذة : الأخذ المقصود منه الجزاء ، فهو أخذ شديد ، ولذلك صيغت ms4570 له ~~صيغة المفاعلة الدالة على الكثرة ، فدل على أن المؤاخذة المنتفية بلو } هي ~~الأخذ العاجل المناسب للمجازاة ، لأن شأن الجزاء في العرف أن لا يتأخر عن ~~وقت حصول الذنب . | PageV14P190 # ولهذا جاء الاستدراك بقوله تعالى : { ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى } . فموقع ~~الاستدراك هنا أنه تعقيب لقوله تعالى : { ما ترك عليها من دابة } . | # والأجل : المدة المعينة لفعل ما . والمسمى : المعين ، لأن التسمية تعيين ~~الشيء وتمييزه ، وتسمية الآجال تحديدها . | # وتقدم نظير هذه عند قوله تعالى : { ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا ~~يستأخرون ساعة ولا يستقدمون في سورة الأعراف ( 34 ) . | # | 2 ( 62 ) ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا ~~جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون } . ) 2 # هذا ضغث على إبالة من أحوالهم في إشراكهم تخالف قصة قوله تعالى : { ~~ويجعلون لله البنات ( سورة النحل : 57 ) باعتبار ما يختص بهذه القصة من ~~إضافتهم الأشياء المكروهة عندهم إلى الله مما اقتضته كراهتهم البنات بقوله ~~تعالى : ولهم ما يشتهون ( سورة النحل : 57 ) ، فكان ذلك الجعل ينطوي على ~~خصلتين من دين الشرك ، وهما : نسبة البنوة إلى الله ، ونسبة أخس أصناف ~~الأبناء في نظرهم إليه ، فخصت الأولى بالذكر بقوله ويجعلون لله البنات مع ~~الإيماء إلى كراهتهم البنات كما تقدم . وخصت هذه بذكر الكراهية تصريحا ، ~~ولذلك كان الإتيان بالموصول والصلة ما يكرهون } هو مقتضى المقام الذي هو ~~تفظيع قولهم وتشنيع استئثارهم . وقد يكون الموصول للعموم فيشير إلى أنهم ~~جعلوا لله أشياء يكرهونها لأنفسهم مثل الشريك في التصرف ؛ وأشياء لا ~~يرضونها لآلهتهم ونسبوها لله كما أشار إليه قوله تعالى : { فما كان ~~لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون ~~( سورة الأنعام : 136 ) . | # وفي الكشاف } : ( يجعلون لله أرذل أموالهم ولأصنامهم أكرمها ) . فهو مراد ~~من عموم الموصول ، فتكون هذه القصة أعم من قصة قوله تعالى : PageV14P191 { ~~ويجعلون لله البنات } ، ويكون تخصيصها بالذكر من جهتين : جهة اختلاف ~~الاعتبار ، وجهة زيادة أنواع هذا الجعل . | # وجملة { وتصف ألسنتهم الكذب } عطف قصة على قصة أخرى من أحوال ms4571 كفرهم . | # ومعنى { تصف } تذكر بشرح وبيان وتفصيل ، حتى كأنها تذكر أوصاف الشيء . ~~وحقيقة الوصف : ذكر الصفات والحلى . ثم أطلق على القول المبين المفصل . قال ~~في ( الكشاف ) في الآية الآتية في أواخر هذه السورة : ( هذا من فصيح الكلام ~~وبليغه . جعل القول كأنه عين الكذب فإذا نطقت به ألسنتهم فقد صورت الكذب ~~بصورته ، كقولهم : وجهها يصف الجمال ، وعينها تصف السحر ) ا ه . | # وقد تقدم في قوله تعالى : { سبحانه وتعالى عما يصفون في سورة الأنعام ( ~~100 ) . وسيأتي في آخر هذه السورة ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا ~~حلال وهذا حرام ( سورة النحل : 116 ) . ومنه قول المعري : | # سرى برق المعرة بعد وهن | # فبات برامة يصف الكلالا | # أي يشكو الإعياء من قطع مسافة طويلة في زمن قليل ، وهو من بديع استعاراته ~~. | # والمراد من هذا الكذب كل ما يقولونه من أقوال خاصتهم ودهمائهم باعتقاد أو ~~تهكم . فمن الأول قول العاصي بن وائل المحكي في قوله تعالى : وقال لأوتين ~~مالا وولدا ( سورة مريم : 77 ) وفي قوله تعالى : ولئن رجعت إلى ربي إن لي ~~عنده للحسنى ( سورة فصلت : 50 ) . ومن الثاني قولهم في البلية : أن صاحبها ~~يركبها يوم القيامة لكيلا يعيى . | # وانتصب الكذب } على أنه مفعول { تصف . | # وأن لهم الحسنى } بدل من { الكذب } أو { الحسنى } صفة لمحذوف ، أي الحالة ~~الحسنى . | PageV14P192 # وجملة { لا جرم أن لهم النار } جواب عن قولهم المحكي . ومعنى لا جرم لا ~~شك ، أي حقا . وتقدم في سورة هود . | # و { مفرطون } بكسر الراء المخففة في قراءة نافع : اسم فاعل من أفرط ، إذا ~~بلغ غاية شيء ما ، أي مفرطون في الأخذ من عذاب النار . | # وقرأه أبو جعفر بكسر الراء مشددة من فرط المضاعف . وقرأه البقية بفتح ~~الراء مخففة على زنة اسم المفعول ، أي مجعولون فرطا بفتحتين وهو المقدم إلى ~~الماء ليسقي . | # والمراد : أنهم سابقون إلى النار معجلون إليها لأنهم أشد أهل النار ~~استحقاقا لها ، وعلى هذا الوجه يكون إطلاق الإفراط على هذا المعنى استعارة ~~تهكمية كقول عمرو بن كلثوم : | # فعجلنا القرى أن تشتمونا | # أراد فبادرنا بقتالكم ms4572 حين نزلتم بنا مغيرين علينا . | # وفيها مع ذكر النار في مقابلتها محسن الطباق . على أن قراءة نافع تحتمل ~~التفسير بهذا أيضا لجواز أن يقال : أفرط إلى الماء إذا تقدم له . | # | 2 ( 63 ) { تالله لقد أرسلنآ إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطن أعمالهم ~~فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم } . ) 2 # استئناف ابتدائي داخل في الكلام الاعتراضي قصد منه تنظير حال المشركين ~~المتحدث عنهم وكفرهم في سوء أعمالهم وأحكامهم بحال الأمم الضالة من قبلهم ~~الذين استهواهم الشيطان من الأمم البائدة مثل عاد وثمود ، والحاضرة كاليهود ~~والنصارى . | PageV14P193 # ووجه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم لقصد إبلاغه إلى أسماع الناس ~~فإن القرآن منزل لهدي الناس ، فتأكيد الخبر بالقسم منظور فيه إلى المقصودين ~~بالخبر لا إلى الموجه إليه الخبر ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يشك في ~~ذلك . | # ومصب القسم هو التفريع في قوله تعالى : { فزين لهم الشيطان أعمالهم } . | # وأما الإرسال إلى أمم من قبلهم فلا يشك فيه المشركون . وشأن التاء ~~المثناة أن تقع في قسم على مستغرب مصب القسم هنا هو المفرد بقوله تعالى { ~~فزين لهم الشيطان أعمالهم } لأن تأثير تزيين الشيطان لهم أعمالهم بعدما ~~جاءهم من إرشاد رسلهم أمر عجيب . وتقدم الكلام على حرف تاء القسم آنفا عند ~~قوله تعالى : { تالله لتسألن عما كنتم تفترون ( سورة النحل : 56 ) . | # وجملة فزين لهم الشيطان أعمالهم } معطوفة على جملة جواب القسم . والتقدير ~~: أرسلنا فزين لهم الشيطان أعمالهم . | # وتزيين الشيطان أعمالهم كناية عن المعاصي . فمن ذلك عدم الإيمان بالرسل ~~وهو كمال التنظير . ومنها الابتداعات المنافية لما جاءت به الرسل عليهم ~~السلام مثل ابتداع المشركين البحيرة والسائبة . والمقصود : أن المشركين ~~سلكوا مسلك من قبلهم من الأمم التي زين لهم الشيطان أعمالهم . | # وجملة { فهو وليهم اليوم } يجوز أن تكون مفرعة على جملة القسم بتمامها ، ~~على أن يكون التفريع هو المقصود من جملة الاستئناف للتنظير ، فيكون ضمير { ~~وليهم } عائدا إلى المنظرين بقرينة السياق . ولا مانع من اختلاف معادي ~~ضميرين متقاربين مع القرينة ، كقوله تعالى : { وعمروها أكثر مما ms4573 عمروها ( ~~سورة الروم : 9 ) . | # والمعنى : فالشيطان ولي المشركين اليوم ، أي متولي أمرهم كما كان ولي ~~الأمم من قبلهم إذ زين لهم أعمالهم ، أي لا ولي لهم اليوم غيره ردا ~~PageV14P194 على زعمهم أن لهم الحسنى . ويكون في الكلام شبه الاحتباك . ~~والتقدير : لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فكان ~~وليهم حينئذ ، وهو ولي المشركين اليوم يزين لهم أعمالهم كما كان ولي من ~~قبلهم . | # وقوله : اليوم } مستعمل في زمان معهود بعهد الحضور ، أي فهو وليهم الآن . ~~وهو كناية عن استمرار ولايته لهم إلى زمن المتكلم مطلقا بدون قصد ، لما يدل ~~عليه لفظه من الوقت الذي من طلوع الفجر إلى غروب الشمس . وهو منصوب على ~~الظرفية للزمان الحاضر . وأصله : اليوم الحاضر ، وهو اليوم الذي أنت فيه . ~~وتقدم عند قوله تعالى : { اليوم يئس الذين كفروا من دينكم في سورة العقود ( ~~3 ) . | # ولا يستعمل في يوم مضى معرفا باللام إلا بعد اسم الإشارة ، نحو : ذلك ~~اليوم ، أو مثل : يومئذ . | # | 2 ( 64 ) ومآ أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذى اختلفوا فيه وهدى ~~ورحمة لقوم يؤمنون } . ) 2 # عطف على جملة القسم . والمناسبة أن القرآن أنزل لإتمام الهداية وكشف ~~الشبهات التي عرضت للأمم الماضية والحاضرة فتركت أمثالها في العرب وغيرهم . ~~| # فلما ذكرت ضلالاتهم وشبهاتهم عقب ذلك ببيان الحكمة في إرسال محمد صلى ~~الله عليه وسلم وإنزال القرآن إليه ، فالقرآن جاء مبينا للمشركين ضلالهم ~~بيانا لا يترك للباطل مسلكا إلى النفوس ، ومفصحا عن الهدى إفصاحا لا يترك ~~للحيرة مجالا في العقول ، ورحمة للمؤمنين بما جازاهم عن إيمانهم من خير ~~الدنيا والآخرة . | PageV14P195 # وعبر عن الضلال بطريقة الموصولية { الذين اختلفوا فيه } للإيماء إلى أن ~~سبب الضلال هو اختلافهم على أنبيائهم ، فالعرب اختلفت ضلالتهم في عبادة ~~الأصنام ، عبدت كل قبيلة منهم صنما ، وعبد بعضهم الشمس والكواكب ، واتخذت ~~كل قبيلة لنفسها أعمالا يزعمونها دينا صحيحا . واختلفوا مع المسلمين في ~~جميع ذلك الدين . | # والإتيان بصيغة القصر في قوله تعالى : { وما أنزلنا عليك الكتاب إلا ~~لتبين } لقصد الإحاطة بالأهم من غاية ms4574 القرآن وفائدته التي أنزل لأجلها . ~~فهو قصر ادعائي ليرغب السامعون في تلقيه وتدبره من مؤمن وكافر كل بما يليق ~~بحاله حتى يستووا في الاهتداء . | # ثم إن هذا القصر يعرض بتفنيد أقوال من حسبوا من المشركين أن القرآن أنزل ~~لذكر القصص لتعليل الأنفس في الأسمار ونحوها حتى قال مضلهم : أنا آتيكم ~~بأحسن مما جاء به محمد ، آتيكم بقصة ( رستم ) و ( اسفنديار ) . فالقرآن أهم ~~مقاصده هذه الفوائد الجامعة لأصول الخير ، وهي كشف الجهالات والهدى إلى ~~المعارف الحق وحصول أثر ذينك الأمرين ، وهو الرحمة الناشئة عن مجانبة ~~الضلال وإتباع الهدى . | # وأدخلت لام التعليل على فعل ( تبين ) الواقع موقع المفعول لأجله لأنه من ~~فعل المخاطب لا من فعل فاعل { أنزلنا } ، فالنبي هو المباشر للبيان بالقرآن ~~تبليغا وتفسيرا . فلا يصح في العربية الإتيان بالتبيين مصدرا منصوبا على ~~المفعولية لأجله إذ ليس متحدا مع العامل في الفاعل ، ولذلك خولف في المعطوف ~~فنصب { هدى ورحمة } لأنهما من أفعال منزل القرآن ، فالله هو الهادي والراحم ~~بالقرآن ، وكل من البيان والهدى والرحمة حاصل بالقرآن فآلت الصفات الثلاث ~~إلى أنها صفات للقرآن أيضا . | PageV14P196 # والتعبير ب { لقوم يؤمنون } دون للمؤمنين ، أو للذين آمنوا ، للإيماء إلى ~~أنهم الذين الإيمان كالسجية لهم والعادة الراسخة التي تتقوم بها قوميتهم ، ~~كما تقدم في قوله تعالى : { لآيات لقوم يعقلون في سورة البقرة ( 164 ) . | # وهاته الآية بمنزلة التذييل للعبر والحجج الناشئة عن وصف أحوال المخلوقات ~~ونعم الخالق على الناس المبتدئة من قوله تعالى : أفمن يخلق كمن لا يخلق ( ~~سورة النحل : 17 ) . | # | 2 ( 65 ) والله أنزل من السمآء مآء فأحيا به الارض بعد موتهآ إن فى ~~ذالك لآية لقوم يسمعون } . ) 2 # انتهى الكلام المعترض به وعاد الكلام إلى دلائل الانفراد بالخلق مع ما ~~أدمج فيه ذلك من التذكير بالنعم . فهذه منة من المنن وعبرة من العبر وحجة ~~من الحجج المتفرعة عن التذكير بنعم الله والاعتبار بعجيب صنعه . | # عاد الكلام إلى تعداد نعم جمة ومعها ما فيها من العبر أيضا جمعا عجيبا ~~بين الاستدلال ووصلا للكلام المفارق عند قوله ms4575 تعالى : { وبالنجم هم يهتدون ~~( سورة النحل : 16 ) ، كما علمته فيما تقدم . فكان ذكر إنزال الماء في ~~الآية السابقة مسوقا مساق الاستدلال ، وهو هنا مسوق مساق الامتنان بنعمة ~~إحياء الأرض بعد موتها بالماء النازل من السماء . | # وبهذا الاعتبار خالفت هذه النعمة النعمة المذكورة في قوله سابقا هو الذي ~~أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر ( سورة النحل : 10 ) باختلاف ~~الغرض الأولي ، فهو هنالك الاستدلال بتكوين الماء وهنا الامتنان . | # وبناء الجملة على المسند الفعلي لإفادة التخصيص ، أي الله لا غيره أنزل ~~من السماء ماء . وذلك في معنى قوله تعالى : هل من شركائكم من يفعل من ذلكم ~~PageV14P197 من شيء ( سورة الروم : 40 ) . وإظهار اسم الجلالة دون الإضمار ~~الذي هو مقتضى الظاهر لقصد التنويه بالخبر إذ افتتح بهذا الاسم ، ولأن ~~دلالة الاسم العلم أوضح وأصرح . فهو مقتضى مقام تحقيق الانفراد بالخلق ~~والإنعام دون غيره من شركائهم ، لأن المشركين يقرون بأن الله هو فاعل هذه ~~الأشياء . | # وإحياء الأرض : إخراج ما فيه الحياة ، وهو الكلأ والشجر . وموتها ضد ذلك ~~، فتعدية فعل ( أحيا ) إلى الأرض تعدية مجازية . وقد تقدم عند قوله تعالى : ~~فأحيا به الأرض بعد موتها في سورة البقرة ( 164 ) ، وتقدم وجه العبرة في ~~آية نزول المطر هنالك . | # وجملة إن في ذلك لآية } مستأنفة . والتأكيد ب { إن } ولام الابتداء لأن ~~من لم يهتد بذلك إلى الوحدانية ينكرون أن القوم الذين يسمعون ذلك قد علموا ~~دلالته على الوحدانية ، أي ينكرون صلاحية ذلك للاستدلال . | # والإتيان باسم الإشارة دون الضمير ليكون محل الآية جميع المذكورات من ~~إنزال المطر وإحياء الأرض به وموتها من قبل الإحياء . | # والكلام في ( قوم يسمعون ) كالكلام في قوله آنفا : { لقوم يؤمنون ( سورة ~~النحل : 64 ) . | # والسمع : هنا مستعمل في لازم معناه على سبيل الكناية ، وهو سماع التدبر ~~والإنصاف لما تدبروا به . وهو تعريض بالمشركين الذين لم يفهموا دلالة ذلك ~~على الوحدانية . ولذلك اختير وصف السمع هنا المراد منه الإنصاف والامتثال ~~لأن دلالة المطر وحياة الأرض به معروفة مشهورة ودلالة ذلك على وحدانية الله ~~تعالى ms4576 ظاهرة لا يصد عنها إلا المكابرة . | # | PageV14P198 # | 2 ( 66 ) وإن لكم فى الانعام لعبرة نسقيكم مما فى بطونه من بين فرث ودم ~~لبنا خالصا سآئغا للشاربين } . ) 2 # هذه حجة أخرى ومنة من المنن الناشئة عن منافع خلق الأنعام ، أدمج في ~~منتها العبرة بما في دلالتها على بديع صنع الله تبعا لقوله تعالى : { ~~والأنعام خلقها لكم فيها دفء إلى قوله : لرؤوف رحيم ( سورة النحل : 5 7 ) . ~~| # ومناسبة ذكر هذه النعمة هنا أن بألبان الأنعام حياة الإنسان كما تحيا ~~الأرض بماء السماء ، وأن لآثار ماء السماء أثرا في تكوين ألبان الحيوان ~~بالمرعى . | # واختصت هذه العبرة بما تنبه إليه من بديع الصنع والحكمة في خلق الألبان ~~بقوله : مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا } ، ثم بالتذكير بما ~~في ذلك من النعمة على الناس إدماجا للعبرة بالمنة . | # فجملة { وإن لكم في الأنعام لعبرة } معطوفة على جملة { إن في ذلك لآية ~~لقوم يسمعون ( سورة النحل : 65 ) ، أي كما كان القوم يسمعون عبرة في إنزال ~~الماء من السماء لكم في الأنعام عبرة أيضا ، إذ قد كان المخاطبون وهم ~~المؤمنون القوم الذين يسمعون . | # وضمير الخطاب التفات من الغيبة . وتوكيدها بإن } ولام الابتداء كتأكيد ~~الجملة قبلها . | # و { الأنعام } : اسم جمع لكل جماعة من أحد أصناف الإبل والبقر والضأن ~~والمعز . | # والعبرة : ما يتعظ به ويعتبر . وقد تقدم في نهاية سورة يوسف . | # وجملة { نسقيكم مما في بطونه } واقعة موقع البيان لجملة { وإن لكم في ~~الأنعام لعبرة } . | # والبطون : جمع بطن ، وهو اسم للجوف الحاوية للجهاز الهضمي كله من معدة ~~وكبد وأمعاء . | PageV14P199 # و ( من ) في قوله تعالى : { مما في بطونه } ابتدائية ، لأن اللبن يفرز عن ~~العلف الذي في البطون . وما صدق ( ما في بطونه ) العلف . ويجوز جعلها ~~تبعيضية ويكون ما صدق ( ما في بطونه ) هو اللبن اعتدادا بحالة مروره في ~~داخل الأجهزة الهضمية قبل انحداره في الضرع . | # و { من } في قوله تعالى : { من بين فرث } زائدة لتوكيد التوسط ، أي يفرز ~~في حالة بين حالتي الفرث والدم . | # ووقع البيان ب { نسقيكم ms4577 } دون أن يقال : تشربون أو نحوه ، إدماجا للمنة ~~مع العبرة . | # ووجه العبرة في ذلك أن ما تحتويه بطون الأنعام من العلف والمرعى ينقلب ~~بالهضم في المعدة ، ثم الكبد ، ثم غدد الضرع ، مائعا يسقى وهو مفرز من بين ~~أفراز فرث ودم . | # والفرث : الفضلات التي تركها الهضم المعدي فتنحدر إلى الأمعاء فتصير فرثا ~~. والدم : إفراز تفرزه الكبد من الغذاء المنحدر إليها ويصعد إلى القلب ~~فتدفعه حركة القلب الميكانيئية إلى الشرايين والعروق ويبقى يدور كذلك ~~بواسطة القلب . وقد تقدم ذكره عند قوله تعالى : { حرمت عليكم الميتة والدم ~~في سورة العقود ( 3 ) . | # ومعنى كون اللبن من بين الفرث والدم أنه إفراز حاصل في حين إفراز الدم ~~وإفراز الفرث . وعلاقته بالفرث أن الدم الذي ينحدر في عروق الضرع يمر بجوار ~~الفضلات البولية والثفلية ، فتفرزه غدد الضرع لبنا كما تفرزه غدد الكليتين ~~بولا بدون معالجة زائدة ، وكما تفرز تكاميش الأمعاء ثفلا بدون معالجة بخلاف ~~إفراز غدد المثانة للمني لتوقفه على معالجة ينحدر بها الدم إليها . | # وليس المراد أن اللبن يتميع من بين طبقتي فرث ودم ، وإنما الذي أوهم ذلك ~~من توهمه حمله بين } على حقيقتها من ظرف المكان ، وإنما هي PageV14P200 ~~تستعمل كثيرا في المكان المجازي فيراد بها الوسط بين مرتبتين كقولهم : ~~الشجاعة صفة بين التهور والجبن . فمن بلاغة القرآن هذا التعبير القريب ~~للأفهام لكل طبقة من الناس بحسب مبالغ علمهم ، مع كونه موافقا للحقيقة . | # والمعنى : إفراز ليس هو بدم لأنه ألين من الدم ، ولأنه غير باقق في عروق ~~الضرع كبقاء الدم في العروق ، فهو شبيه بالفضلات في لزوم إفرازه ، وليس هو ~~بالفضلة لأنه إفراز طاهر نافع مغذ ، وليس قذرا ضارا غير صالح للتغذية ~~كالبول والثفل . | # وموقع { من بين فرث ودم } موقع الصفة ل { لبنا } ، قدمت عليه للاهتمام ~~بها لأنها موضع العبرة ، فكان لها مزيد اهتمام ، وقد صارت بالتقديم حالا . ~~| # ولما كان اللبن يحصل في الضرع لا في البطن جعل مفعولا ل { نسقيكم } ، ~~وجعل { مما في بطونه } تبيينا لمصدره لا لمورده ، فليس اللبن مما في البطون ~~؛ ولذلك ms4578 كان { مما في بطونه } متقدما في الذكر ليظهر أنه متعلق بفعل { ~~نسقيكم } وليس وصفا لللبن . | # وقد أحاط بالأوصاف التي ذكرناها لللبن قوله تعالى : { خالصا سائغا ~~للشاربين } . فخلوصه نزاهته مما اشتمل عليه البول والثفل ، وسوغه للشاربين ~~سلامته مما يشتمل عليه الدم من المضار لمن شربه ، فلذلك لا يسيغه الشارب ~~ويتجهمه . | # وهذا الوصف العجيب من معجزات القرآن العلمية ، إذ هو وصف لم يكن لأحد من ~~العرب يومئذ أن يعرف دقائق تكوينه ، ولا أن يأتي على وصفه بما لو وصف به ~~العالم الطبيعي لم يصفه بأوجز من هذا وأجمع . | # وإفراد ضمير الأنعام في قوله تعالى : { مما في بطونه } مراعاة لكون اللفظ ~~مفردا لأن اسم الجمع لفظ مفرد ، إذ ليس من صيغ الجموع ، فقد يراعى ~~PageV14P201 اللفظ فيأتي ضميره مفردا ، وقد يراعى معناه فيعامل معاملة ~~الجموع ، كما في آية سورة المؤمنين ( 21 ) { نسقيكم مما في بطونها . | # والخالص : المجرد مما يكدر صفاءه ، فهو الصافي . والسائغ : السهل المرور ~~في الحلق . | # وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر عن عاصم ويعقوب نسقيكم } بفتح النون مضارع ~~سقى . وقرأه ابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف بضم ~~النون على أنه مضارع أسقى ، وهما لغتان ، وقرأه أبو جعفر بمثناة فوقية ~~مفتوحة عوضا عن النون على أن الضمير للأنعام . | # | 2 ( 67 ) { ومن ثمرات النخيل والاعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا إن ~~فى ذالك لآية لقوم يعقلون } . ) 2 # عطف على جملة { وإن لكم في الأنعام لعبرة ( سورة النحل : 66 ) . | # ووجود من } في صدر الكلام يدل على تقدير فعل يدل عليه الفعل الذي في ~~الجملة قبلها وهو { نسقيكم } ( النحل : 66 ) . فالتقدير : ونسقيكم من ثمرات ~~النخيل والأعناب . وليس متعلقا ب { تتخذون } ، كما دل على ذلك وجود ( من ) ~~الثانية في قوله : { تتخذون منه سكرا } المانع من اعتبار تعلق { من ثمرات ~~النخيل } ب { تتخذون } ، فإن نظم الكلام يدل على قصد المتكلم ولا يصح جعله ~~متعلقا ب { تتخذون } مقدما عليه ، لأنه يبعد المعنى عن الامتنان بلطف الله ~~تعالى إذ جعل نفسه الساقي للناس . | # وهذا عطف منة ms4579 على منة ، لأن { نسقيكم } وقع بيانا لجملة { وإن لكم في ~~الأنعام لعبرة } . | # ومفاد فعل { نسقيكم } مفاد الامتنان لأن السقي مزية . وكلتا العبرتين في ~~السقي . والمناسبة أن كلتيهما ماء وأن كلتيهما يضغط باليد ، وقد أطلق ~~PageV14P202 العرب الحلب على عصير الخمر والنبيذ ، قال حسان يذكر الخمر ~~الممزوجة والخالصة : | # كلتاهما حلب العصير فعاطني | # بزجاجة أرخاهما للمفصل | # ويشير إلى كونهما عبرتين من نوع متقارب جعل التذييل بقوله تعالى : { إن ~~في ذلك لآية } عقب ذكر السقيين دون أن يذيل سقي الألبان بكونه آية ، ~~فالعبرة في خلق تلك الثمار صالحة للعصر والاختمار ، ومشتملة على منافع ~~للناس ولذات . وقد دل على ذلك قوله تعالى : { إن في ذلك لآية لقوم يعقلون } ~~. فهذا مرتبط بما تقدم من العبرة بخلق النبات والثمرات من قوله تعالى : { ~~ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل ( سورة النحل : 11 ) الآية . | # وجملة تتخذون منه سكرا } الخ في موضع الحال . | # و ( من ) في الموضعين ابتدائية ، فالأولى متعلقة بفعل { نسقيكم } المقدر ~~، والثانية متعلقة بفعل { تتخذون } . وليست الثانية تبعيضية ، لأن السكر ~~ليس بعض الثمرات ، فمعنى الابتداء ينتظم كلا الحرفين . | # والسكر بفتحتين : الشراب المسكر . | # وهذا امتنان بما فيه لذتهم المرغوبة لديهم والمتفشية فيهم ( وذلك قبل ~~تحريم الخمر لأن هذه الآية مكية وتحريم الخمر نزل بالمدينة ) فالامتنان ~~حينئذ بمباح . | # والرزق : الطعام ، ووصف ب { حسنا } لما فيه من المنافع ، وذلك التمر ~~والعنب لأنهما حلوان لذيذان يؤكلان رطبين ويابسين قابلان للادخار ، ومن ~~أحوال عصير العنب أن يصير خلا وربا . | # وجملة { إن في ذلك لآية لقوم يعقلون } تكرير لتعداد الآية لأنها آية ~~مستقلة . | PageV14P203 # والقول في جملة { إن في ذلك لآية لقوم يعقلون } مثل قوله آنفا : { إن في ~~ذلك لآية لقوم يسمعون ( سورة النحل : 65 ) . والإشارة إلى جميع ما ذكر من ~~نعمة سقي الألبان وسقي السكر وطعم الثمر . | # واختير وصف العقل هنا لأن دلالة تكوين ألبان الأنعام على حكمة الله تعالى ~~يحتاج إلى تدبر فيما وصفته الآية هنا ، وليس هو ببديهي كدلالة المطر كما ~~تقدم . | # | 2 ( 68 ، 69 ) وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذى من ms4580 الجبال بيوتا ومن الشجر ~~ومما يعرشون * ثم كلى من كل الثمرات فاسلكى سبل ربك ذللا يخرج من بطونها ~~شراب مختلف ألوانه فيه شفآء للناس إن فى ذالك لآية لقوم يتفكرون } . ) 2 # عطف عبرة على عبرة ومنة على منة . وغير أسلوب الاعتبار لما في هذه العبرة ~~من تنبيه على عظيم حكمة الله تعالى ، إذ أودع في خلقة الحشرة الضعيفة هذه ~~الصنعة العظيمة وجعل فيها هذه المنفعة ، كما أودع في الأنعام ألبانها وأودع ~~في ثمرات النخيل والأعناب شرابا ، وكان ما في بطون النحل وسطا بين ما في ~~بطون الأنعام وما في قلب الثمار ، فإن النحل يمتص ما في الثمرات والأنوار ~~من المواد السكرية العسلية ثم يخرجه عسلا كما يخرج اللبن من خلاصة المرعى . ~~| # وفيه عبرة أخرى وهي أن أودع الله في ذبابة النحل إدراكا لصنع محكم مضبوط ~~منتج شرابا نافعا لا يحتاج إلى حلب الحالب . | # فافتتحت الجملة بفعل { أوحى } دون أن تفتتح باسم الجلالة مثل جملة { ~~والله أنزل ( سورة النحل : 65 ) ، لما في أوحى } من الإيماء إلى إلهام تلك ~~الحشرة الضعيفة تدبيرا عجيبا وعملا متقنا وهندسة في الجبلة . | PageV14P204 # فكان ذلك الإلهام في ذاته دليلا على عظيم حكمة الله تعالى فضلا على ما ~~بعده من دلالة على قدرة الله تعالى ومنة منه . | # والوحي : الكلام الخفي والإشارة الدالة على معنى كلامي . ومنه سمي ما ~~يلقيه الملك إلى الرسول وحيا لأنه خفي عن أسماع الناس . | # وأطلق الوحي هنا على التكوين الخفي الذي أودعه الله في طبيعة النحل ، ~~بحيث تنساق إلى عمل منظم مرتب بعضه على بعض لا يختلف فيه آحادها تشبيها ~~للإلهام بكلام خفي يتضمن ذلك الترتيب الشبيه بعمل المتعلم بتعليم المعلم ، ~~أو المؤتمر بإرشاد الآمر ، الذي تلقاه سرا ، فإطلاق الوحي استعارة تمثيلية ~~. | # و { النحل } : اسم جنس جمعي ، واحده نحلة ، وهو ذباب له جرم بقدر ضعفي ~~جرم الذباب المتعارف ، وأربعة أجنحة ، ولون بطنه أسمر إلى الحمرة ، وفي ~~خرطومه شوكة دقيقة كالشوكة التي في ثمرة التين البربري ( المسمى بالهندي ) ~~مختفية تحت خرطومه يلسع بها ما يخافه ms4581 من الحيوان ، فتسم الموضع سما غير قوي ~~، ولكن الذبابة إذا انفصلت شوكتها تموت . وهو ثلاثة أصناف : ذكر وأنثى ~~وخنثى ، فالذكور هي التي تحرس بيوتها ولذلك تكون محومة بالطيران والدوي ~~أمام البيت وهي تلقح الإناث لقاحا به تلد الإناث إناثا . | # والإناث هي المسماة اليعاسيب ، وهي أضخم جرما من الذكور . ولا تكون التي ~~تلد في البيوت إلا أنثى واحدة ، وهي قد تلد بدون لقاح ذكر ؛ ولكنها في هذه ~~الحالة لا تلد إلا ذكورا فليس في أفراخها فائدة لإنتاج الوالدات . | # وأما الخنثى فهي التي تفرز العسل ، وهي العواسل ، وهي أصغر جرما من ~~الذكور وهي معظم سكان بيت النحل . | PageV14P205 # و { أن } تفسيرية ، وهي ترشيح للاستعارة التمثيلية ، لأن { أن } ~~التفسيرية من روادف الأفعال الدالة على معنى القول دون حروفه . | # واتخاذ البيوت هو أول مراتب الصنع الدقيق الذي أودعه الله في طبائع النحل ~~فإنها تبني بيوتا بنظام دقيق ، ثم تقسم أجزاءها أقساما متساوية بأشكال ~~مسدسة الأضلاع بحيث لا يتخلل بينها فراغ تنساب منه الحشرات ، لأن خصائص ~~الأشكال المسدسة إذا ضم بعضها إلى بعض أن تتصل فتصير كقطعة واحدة ، وما ~~عداها من الأشكال من المثلث إلى المعشر إذا جمع كل واحد منها إلى أمثاله لم ~~تتصل وحصلت بينها فرج ، ثم تغشي على سطوح المسدسات بمادة الشمع ، وهو مادة ~~دهنية متميعة أقرب إلى الجمود ، تتكون في كيس دقيق جدا تحت حلقة بطن النحلة ~~العاملة فترفعه النحلة بأرجلها إلى فمها وتمضغه وتضع بعضه لصق بعض لبناء ~~المسدس المسمى بالشهد لتمنع تسرب العسل منها . | # ولما كانت بيوت النحل معروفة للمخاطبين اكتفي في الاعتبار بها بالتنبيه ~~عليها والتذكير بها . | # وأشير إلى أنها تتخذ في أحسن البقاع من الجبال أو الشجر أو العرش دون ~~بيوت الحشرات الأخرى ، وذلك لشرفها بما تحتويه من المنافع ، وبما تشتمل ~~عليه من دقائق الصنعة ؛ ألا ترى إلى قوله تعالى في ضدها : { وإن أوهن ~~البيوت لبيت العنكبوت ( سورة العنكبوت : 41 ) . | # وتقدم الكلام على الجبال عند قوله تعالى : ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ~~في سورة البقرة ( 260 ms4582 ) . | # ومن } الداخلة على { الجبال } وما عطف عليها بمعنى ( في ) ، وأصلها { من ~~} الابتدائية ، فالتعبير بها دون ( في ) الظرفية لأن النحل تبني لنفسها ~~بيوتا ولا تجعل بيوتها جحور الجبال ولا أغصان الشجر ولا أعواد العريش ~~PageV14P206 وذلك كقوله تعالى : { واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ( سورة ~~البقرة : 125 ) . وليست مثل ( من ) التي في قوله تعالى : وجعل لكم من ~~الجبال أكنانا ( سورة النحل : 81 ) . | # وما يعرشون أي ما يجعلونه عروشا ، جمع عرش ، وهو مجلس مرتفع على الأرض في ~~الحائط أو الحقل يتخذ من أعواد ويسقف أعلاه بورق ونحوه ليكون له ظل فيجلس ~~فيه صاحبه مشرفا على ما حوله . | # يقال : عرش ، إذا بنى ورفع ، ومنه سمي السرير الذي يرتفع عن الأرض ليجلس ~~عليه العظماء عرشا . | # وتقدم عند قوله تعالى : وهو الذي أنشأ جنات معروشات في سورة الأنعام ( ~~141 ) ، وقوله تعالى : وما كانوا يعرشون في سورة الأعراف ( 137 ) . | # وقرأ جمهور القراء بكسر راء يعرشون } . وقرأه ابن عامر بضمها . | # و { ثم } للترتيب الرتبي ، لأن إلهام النحل للأكل من الثمرات يترتب عليه ~~تكون العسل في بطونها ، وذلك أعلى رتبة من اتخاذها البيوت لاختصاصها بالعسل ~~دون غيرها من الحشرات التي تبني البيوت ، ولأنه أعظم فائدة للإنسان ، ولأن ~~منه قوتها الذي به بقاؤها . وسمي امتصاصها أكلا لأنها تقتاته فليس هو بشرب ~~. | # و { الثمرات } : جمع ثمرة . وأصل الثمرة ما تخرجه الشجرة من غلة ، مثل ~~التمر والعنب ؛ والنحل يمتص من الأزهار قبل أن تصير ثمرات ، فأطلق { ~~الثمرات } في الآية على الأزهار على سبيل المجاز المرسل بعلاقة الأول . | # وعطفت جملة { فاسلكي } بفاء التفريع للإشارة إلى أن الله أودع في طبع ~~النحل عند الرعي التنقل من زهرة إلى زهرة ومن روضة إلى روضة ، وإذا لم تجد ~~زهرة أبعدت الانتجاع ثم إذا شبعت قصدت المبادرة بالطيران عقب الشبع لترجع ~~إلى بيوتها فتقذف من بطونها العسل الذي يفضل عن قوتها ، فذلك السلوك مفرع ~~على طبيعة أكلها . | PageV14P207 # وبيان ذلك أن للأزهار وللثمار غددا دقيقة تفرز سائلا سكريا تمتصه النحل ~~وتملأ به ما هو كالحواصل في بطونها وهو يزداد ms4583 حلاوة في بطون النحل باختلاطه ~~بمواد كيميائية مودعة في بطون النحل ، فإذا راحت من مرعاها إلى بيوتها ~~أخرجت من أفواهها ما حصل في بطونها بعد أن أخذ منه جسمها ما يحتاجه لقوته ، ~~وذلك يشبه اجترار الحيوان المجتر . فذلك هو العسل . | # والعسل حين القذف به في خلايا الشهد يكون مائعا رقيقا ، ثم يأخذ في جفاف ~~ما فيه من رطوبة مياه الأزهار بسبب حرارة الشمع المركب منه الشهد وحرارة ~~بيت النحل حتى يصير خاثرا ، ويكون أبيض في الربيع وأسمر في الصيف . | # والسلوك : المرور وسط الشيء من طريق ونحوه . وتقدم عند قوله تعالى : { ~~كذلك نسلكه في قلوب المجرمين في سورة الحجر ( 12 ) . | # ويستعمل في الأكثر متعديا كما في آية الحجر بمعنى أسلكه ، وقاصرا بمعنى ~~مر كما هنا ، لأن السبل لا تصلح لأن تكون مفعول ( سلك ) المتعدي ، فانتصاب ~~سبل } هنا على نزع الخافض توسعا . | # وإضافة السبل إلى { ربك } للإشارة إلى أن النحل مسخرة لسلوك تلك السبل لا ~~يعدلها عنها شيء ، لأنها لو لم تسلكها لاختل نظام إفراز العسل منها . | # و { ذللا } جمع ذلول ، أي مذللة مسخرة لذلك السلوك . وقد تقدم عند قوله ~~تعالى : { ذلول تثير الأرض في سورة البقرة ( 71 ) . | # وجملة يخرج من بطونها شراب } مستأنفة استئنافا بيانيا ، لأن ما تقدم من ~~الخبر عن إلهام النحل تلك الأعمال يثير في نفس السامع أن يسأل عن الغاية من ~~هذا التكوين العجيب ، فيكون مضمون جملة { يخرج من PageV14P208 بطونها شراب ~~} بيانا لما سأل عنه . وهو أيضا موضع المنة كما كان تمام العبرة . | # وجيء بالفعل المضارع للدلالة على تجدد الخروج وتكرره . | # وعبر عن العسل باسم الشراب دون العسل لما يومىء إليه اسم الجنس من معنى ~~الانتفاع به وهو محل المنة ، وليرتب عليه جملة { فيه شفاء للناس } . وسمي ~~شرابا لأنه مائع يشرب شربا ولا يمضغ . وقد تقدم ذكر الشراب في قوله تعالى : ~~{ لكم منه شراب في أوائل هذه السورة ( النحل : 10 ) . | # ووصفه بمختلف ألوانه } لأن له مدخلا في العبرة ، كقوله تعالى : { تسقى ~~بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في ms4584 الأكل ( سورة الرعد : 4 ) ، فذلك من ~~الآيات على عظيم القدرة ودقيق الحكمة . | # وفي العسل خواص كثيرة المنافع مبينة في علم الطب . | # وجعل الشفاء مظروفا في العسل على وجه الظرفية المجازية . وهي الملابسة ~~للدلالة على تمكن ملابسة الشفاء إياه ، وإيماء إلى أنه لا يقتضي أن يطرد ~~الشفاء به في كل حالة من أحوال الأمزجة ، أو قد تعرض للأمزجة عوارض تصير ~~غير ملائم لها شرب العسل . فالظرفية تصلح للدلالة على تخلف المظروف عن بعض ~~أجزاء الظرف ، لأن الظرف يكون أوسع من المظروف غالبا . شبه تخلف المقارنة ~~في بعض الأحوال بقلة كمية المظروف عن سعة الظرف في بعض أحوال الظروف ~~ومظروفاتها ، وبذلك يبقى تعريف الناس على عمومه ، وإنما التخلف في بعض ~~الأحوال العارضة ، ولولا العارض لكانت الأمزجة كلها صالحة للاستشفاء بالعسل ~~. | # وتنكير شفاء } في سياق الإثبات لا يقتضي العموم فلا يقتضي أنه شفاء من كل ~~داء ، كما أن مفاد ( في ) من الظرفية المجازية لا يقتضي عموم الأحوال . | # وعموم التعريف في قوله تعالى : { للناس } لا يقتضي العموم الشمولي لكل ~~فرد فرد بل لفظ ( الناس ) عمومه بدلي . والشفاء ثابت للعسل في PageV14P209 ~~أفراد الناس بحسب اختلاف حاجات الأمزجة إلى الاستشفاء . وعلى هذا الاعتبار ~~محمل ما جاء في الحديث الذي في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري : أن رجلا جاء ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن أخي استطلق بطنه ، فقال : اسقه ~~عسلا . فذهب فسقاه عسلا . ثم جاء ، فقال : يا رسول الله سقيته عسلا فما ~~زاده إلا استطلاقا ؛ قال : اذهب فاسقه عسلا ، فذهب فسقاه عسلا ثم جاء ، ~~فقال : يا رسول الله ما زاده إلا استطلاقا . فقال رسول الله : ( صدق الله ~~وكذب بطن أخيك ؛ فذهب فسقاه عسلا فبرىء ) . | # إذ المعنى أن الشفاء الذي أخبر الله عنه بوجوده في العسل ثابت ، وأن مزاج ~~أخي السائل لم يحصل فيه معارض ذلك ، كما دل عليه أمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم إياه أن يسقيه العسل ، فإن خبره يتضمن أن العسل بالنسبة إليه باقق على ~~ما جعل الله فيه من الشفاء ms4585 . | # ومن لطيف النوادر ما في ( الكشاف ) : أن من تأويلات الروافض أن المراد ~~بالنحل في الآية علي وآله . وعن بعضهم أنه قال عند المهدي : إنما النحل بنو ~~هاشم يخرج من بطونهم العلم ، فقال له رجل : جعل الله طعامك وشرابك مما يخرج ~~من بطون بني هاشم ، فضحك المهدي وحدث به المنصور فاتخذوه أضحوكة من ~~أضاحيكهم . | # قلت : الرجل الذي أجاب الرافضي هو بشار بن برد . وهذه القصة مذكورة في ~~أخبار بشار . | # وجملة { إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون } مثل الجملتين المماثلتين لها . ~~وهو تكرير لتعداد الاستدلال ، واختير وصف التفكر هنا لأن الاعتبار بتفصيل ~~ما أجملته الآية في نظام النحل محتاج إلى إعمال فكر دقيق ، ونظر عميق . | # | PageV14P210 # | 2 ( 70 ) { والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكى لا ~~يعلم بعد علم شيئا إن الله عليم قدير } . ) 2 # انتقال من الاستدلال بدقائق صنع الله على وحدانيته إلى الاستدلال بتصرفه ~~في الخلق التصرف الغالب لهم الذي لا يستطيعون دفعه ، على انفراده بربوبيتهم ~~، وعلى عظيم قدرته . كما دل عليه تذييلها بجملة { إن الله عليم قدير } فهو ~~خلقهم بدون اختيار منهم ثم يتوفاهم كرها عليهم أو يردهم إلى حالة يكرهونها ~~فلا يستطيعون ردا لذلك ولا خلاصا منه ، وبذلك يتحقق معنى العبودية بأوضح ~~مظهر . | # وابتدئت الجملة باسم الجلالة للغرض الذي شرحناه عند قوله تعالى : { والله ~~أنزل من السماء ماء ( سورة النحل : 65 ) . وأما إعادة اسم الجلالة هنا دون ~~الإضمار فلأن مقام الاستدلال يقتضي تكرير اسم المستدل بفتح الدال على إثبات ~~صفاته تصريحا واضحا . | # وجيء بالمسند فعليا لإفادة تخصيص المسند إليه بالمسند الفعلي في الإثبات ~~، نحو : أنا سعيت في حاجتك . وقد تقدم نظيره في قوله تعالى : والله أنزل من ~~السماء ماء } . فهذه عبرة وهي أيضا منة ، لأن الخلق وهو الإيجاد نعمة لشرف ~~الوجود والإنسانية ، وفي التوفي أيضا نعم على المتوفى لأن به تندفع آلام ~~الهرم ، ونعم على نوعه إذ به ينتظم حال أفراد النوع الباقين بعد ذهاب من ~~قبلهم ، هذا كله بحسب الغالب فردا ونوعا ، والله يخص ms4586 بنعمته وبمقدارها من ~~يشاء . | # ولما قوبل ( ثم توفاكم ) بقوله تعالى : { ومنكم من يرد إلى أرذل العمر } ~~علم أن المعنى ثم يتوفاكم في إبان الوفاة ، وهو السن المعتادة الغالبة لأن ~~الوصول إلى أرذل العمر نادر . | # والأرذل : تفضيل في الرذالة ، وهي الرداءة في صفات الاستياء . | ~~PageV14P211 # و { العمر } : مدة البقاء في الحياة ، لأنه مشتق من العمر ، وهو شغل ~~المكان ، أي عمر الأرض ، قال تعالى : { وأثاروا الأرض وعمروها ( سورة الروم ~~: 9 ) . فإضافة أرذل } إلى { العمر } التي هي من إضافة الصفة إلى الموصوف ~~على طريقة المجاز العقلي ، لأن الموصوف بالأرذل حقيقة هو حال الإنسان في ~~عمره لا نفس العمر . فأرذل العمر هو حال هرم البدن وضعف العقل ، وهو حال في ~~مدة العمر . وأما نفس مدة العمر فهي هي لا توصف برذالة ولا شرف . | # والهرم لا ينضبط حصوله بعدد من السنين ، لأنه يختلف باختلاف الأبدان ~~والبلدان والصحة والاعتلال على تفاوت الأمزجة المعتدلة ، وهذه الرذالة ~~رذالة في الصحة لا تعلق لها بحالة النفس ، فهي مما يعرض للمسلم والكافر ~~فتسمى أرذل العمر فيهما ، وقد استعاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن ~~يرد إلى أرذل العمر . | # ولام التعليل الداخلة على ( كي ) المصدرية مستعملة في معنى الصيرورة ~~والعاقبة تشبيها للصيرورة بالعلة استعارة تشير إلى أنه لا غاية للمرء في ~~ذلك التعمير تعريضا بالناس ، إذ يرغبون في طول الحياة ؛ وتنبيها على وجوب ~~الإقصار من تلك الرغبة ، كأنه قيل : منكم من يرد إلى أرذل العمر ليصير غير ~~قابل لعلم ما لم يعلمه لأنه يبطىء قبوله للعلم . وربما لم يتصور ما يتلقاه ~~ثم يسرع إليه النسيان . والإنسان يكره حالة انحطاط علمه لأنه يصير شبيها ~~بالعجماوات . | # واستعارة حرف العلة إلى معنى العاقبة مستعملة في الكلام البليغ في مقام ~~التوبيخ أو التخطئة أو نحو ذلك . وتقدم عند قوله تعالى : { إنما نملي لهم ~~ليزدادوا إثما في سورة آل عمران : ( 178 ) . وقد تقدم القول قريبا في ذلك ~~عند قوله تعالى : إذا فريق منكم بربهم يشركون ليكفروا بما ءاتيناهم في هذه ~~السورة ( 55 ) . | # وتنكير علم } تنكير ms4587 الجنس . والمعنى : لكيلا يعلم شيئا بعد أن كان له علم ~~، أي ليزول منه قبول العلم . | PageV14P212 # وجملة { إن الله عليم قدير } تذييل تنبيها على أن المقصود من الجملة ~~الدلالة على عظم قدرة الله وعظم علمه . وقدم وصف العليم لأن القدرة تتعلق ~~على وفق العلم ، وبمقدار سعة العلم يكون عظم القدرة ، فضعيف القدرة يناله ~~تعب من قوة علمه لأن همته تدعوه إلى ما ليس بالنائل ، كما قال أبو الطيب : ~~| # وإذا كانت النفوس كبارا | # تعبت في مرادها الأجسام | # | 2 ( 71 ) { والله فضل بعضكم على بعض فى الرزق فما الذين فضلوا برآدى ~~رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سوآء أفبنعمة الله يجحدون } . ) 2 # هذا من الاستدلال على أن التصرف القاهر لله تعالى . وذلك أنه أعقب ~~الاستدلال بالإحياء والإماتة وما بينهما من هرم بالاستدلال بالرزق . | # ولما كان الرزق حاصلا لكل موجود بني الاستدلال على التفاوت فيه بخلاف ~~الاستدلال بقوله تعالى : { والله خلقكم ثم يتوفاكم ( سورة النحل : 70 ) . | # ووجه الاستدلال به على التصرف القاهر أن الرزق حاصل لجميع الخلق وأن ~~تفاضل الناس فيه غير جار على رغباتهم ولا على استحقاقهم ؛ فقد تجد أكيس ~~الناس وأجودهم عقلا وفهما مقترا عليه في الرزق ، وبضده ترى أجهل الناس ~~وأقلهم تدبيرا موسعا عليه في الرزق ، وكلا الرجلين قد حصل له ما حصل قهرا ~~عليه ، فالمقتر عليه لا يدري أسباب التقتير ، والموسع عليه لا يدري أسباب ~~تيسير رزقه ، ذلك لأن الأسباب كثيرة متوالدة ومتسلسلة ومتوغلة في الخفاء ~~حتى يظن أن أسباب الأمرين مفقودة وما هي بمفقودة ولكنها غير محاط بها . ~~ومما ينسب إلى الشافعي : | # ومن الدليل على القضاء وكونه | # بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق | PageV14P213 # ولذلك أسند التفضيل في الرزق إلى الله تعالى لأن أسبابه خارجة عن إحاطة ~~عقول البشر ، والحكيم لا يستفزه ذلك بعكس قول ابن الراوندي : | # كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه | # وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا | # هذا الذي ترك الأوهام حائرة | # وصير العالم النحرير زنديقا | # وهذا الحكم دل على ضعف قائله في حقيقة العلم فكيف بالنحريرية . | # وتفيد وراء الاستدلال معنى ms4588 الامتنان لاقتضائها حصول الرزق للجميع . | # فجملة والله فضل بعضكم على بعض في الرزق } مقدمة للدليل ومنة من المنن ~~لأن التفضيل في الرزق يقتضي الإنعام بأصل الرزق . | # وليست الجملة مناط الاستدلال ، إنما الاستدلال في التمثيل من قوله تعالى ~~: { فما الذين فضلوا برادي رزقهم } الآية . | # والقول في جعل المسند إليه اسم الجلالة وبناء المسند الفعلي عليه كالقول ~~في قوله تعالى : { والله خلقكم ثم يتوفاكم } ( سورة النحل : 70 ) . والمعنى ~~: الله لا غيره رزقكم جميعا وفضل بعضكم على بعض في الرزق ولا يسعكم إلا ~~الإقرار بذلك له . | # وقد تم الاستدلال عند قوله تعالى : { والله فضل بعضكم على بعض في الرزق } ~~بطريقة الإيجاز ، كما قيل : لمحة دالة . | # وفرع على هذه الجملة تفريع بالفاء على وجه الإدماج قوله تعالى : { فما ~~الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء } . وهو إدماج ~~جاء على وجه التمثيل لتبيان ضلال أهل الشرك حين سووا بعض المخلوقات بالخالق ~~فأشركوها في الإلهية فسادا في تفكيرهم . وذلك مثل ما كانوا يقولون في تلبية ~~الحج ( لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك ) . فمثل بطلان ~~عقيدة الإشراك بالله بعض مخلوقاته بحالة أهل النعمة المرزوقين ، لأنهم لا ~~يرضون أن يشركوا عبيدهم معهم في فضل رزقهم فكيف يسوون بالله عبيده في صفته ~~العظمى وهي الإلهية . | PageV14P214 # ورشاقة هذا الاستدلال أن الحالتين المشبهتين والمشبه بهما حالتا مولى ~~وعبد ، كما قال تعالى : { ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم مما ملكت أيمانكم ~~من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم ( سورة ~~الروم : 28 ) . | # والغرض من التمثيل تشنيع مقالتهم واستحالة صدقها بحسب العرف ، ثم زيادة ~~التشنيع بأنهم رضوا لله ما يرضونه لأنفسهم ، كقوله تعالى : ويجعلون لله ~~البنات سبحانه ولهم ما يشتهون إلى قوله : ولله المثل الأعلى ( سورة النحل : ~~57 60 ) . | # وقرينة التمثيل والمقصد منه دلالة المقام . | # وقوله تعالى : فما الذين فضلوا } نفي . و ( ما ) نافية ، والباء في { ~~برادي رزقهم } الباء التي تزاد في خبر النفي ب ( ما ) و ( ليس ) . | # والراد : المعطي ms4589 . كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم ( والخمس مردود ~~عليكم ) ، أي فما هم بمعطين رزقهم لعبيدهم إعطاء مشاطرة بحيث يسوونهم بهم ، ~~أي فما ذلك بواقع . | # وإسناد الملك إلى اليمين مجاز عقلي ، لأن اليمين سبب وهمي للملك ، لأن ~~سبب الملك إما أسر وهو أثر للقتال بالسيف الذي تمسكه اليد اليمنى ، وإما ~~شراء ودفع الثمن يكون باليد اليمنى عرفا ، فهي سبب وهمي ناشىء عن العادة . ~~| # وفرعت جملة { فهم فيه سواء } على جملة { فما الذين فضلوا برادي رزقهم } ، ~~أي لا يشاطرون عبيدهم رزقهم فيستووا فيه ، أي لا يقع ذلك فيقع هذا . فموقع ~~هذه الجملة الإسمية شبيه بموقع الفعل بعد فاء السببية في جواب النفي . | # وأما جملة { أفبنعمة الله يجحدون } فصالحة لأن تكون مفرعة على جملة { ~~والله فضل بعضكم على بعض في الرزق } باعتبار ما تضمنته من الامتنان ، أي ~~تفضل الله عليكم جميعا بالرزق أفبنعمة الله تجحدون ، استفهاما مستعملا في ~~التوبيخ ، حيث أشركوا مع الذي أنعم عليهم آلهة لا حظ لها في الإنعام ~~PageV14P215 عليهم . ( وذلك جحود النعمة كقوله تعالى : { إن الذين تعبدون ~~من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له ~~( سورة العنكبوت : 17 ) . وتكون جملة فما الذين فضلوا } إلى قوله تعالى : { ~~فهم فيه سواء } معترضة بين الجملتين . | # وعلى هذا الوجه يكون في { يجحدون } على قراءة الجمهور بالتحتية التفات من ~~الخطاب إلى الغيبة . ونكتته أنهم لما كان المقصود من الاستدلال المشركين ~~فكانوا موضع التوبيخ ناسب أن يعرض عن خطابهم وينالهم المقصود من التوبيخ ~~بالتعريض كقول : | # أبى لك كسب الحمد رأي مقصر | # ونفس أضاق الله بالخير باعها | # إذا هي حثته على الخير مرة | # عصاها وإن همت بشر أطاعها | # ثم صرح بما وقع التعريض به بقوله : { أفبنعمة الله يجحدون } . | # وقرأ أبو بكر عن عاصم ورويس عن يعقوب { تجحدون } بالمثناة الفوقية على ~~مقتضى الظاهر ويكون الاستفهام مستعملا في التحذير . | # وتصلح جملة { أفبنعمة الله يجحدون } أن تكون مفرعة على جملة { فما الذين ~~فضلوا برادي رزقهم } ، فيكون التوبيخ متوجها إلى فريق من المشركين ms4590 وهم ~~الذين فضلوا بالرزق وهم أولو السعة منهم وسادتهم وقد كانوا أشد كفرا بالدين ~~وتألبا على المسلمين ، أي أيجحد الذين فضلوا بنعمة الله إذ أفاض عليهم ~~النعمة فيكونوا أشد إشراكا به ، كقوله تعالى : { وذرني والمكذبين أولي ~~النعمة ومهلهم قليلا ( سورة المزمل : 11 ) . | # وعلى هذا الوجه يكون قوله تعالى : يجحدون } في قراءة الجمهور بالتحتية ~~جاريا على مقتضى الظاهر . وفي قراءة أبي بكر عن عاصم بالمثناة الفوقية ~~التفاتا من الغيبة إلى خطابهم إقبالا عليهم بالخطاب لإدخال الروع في نفوسهم ~~. | PageV14P216 # وقد عدي فعل { يجحدون } بالباء لتضمنه معنى يكفرون ، وتكون الباء لتوكيد ~~تعلق الفعل بالمفعول مثل { وامسحوا برؤوسكم ( سورة المائدة : 6 ) . وتقديم ~~بنعمة الله على متعلقه وهو يجحدون } للرعاية على الفاصلة . | # | 2 ( 72 ) { والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين ~~وحفدة ورزقكم من الطيبات أفبالباطل يؤمنون وبنعمت الله هم يكفرون } ) 2 # عطف على التي قبلها ، وهو استدلال ببديع الصنع في خلق النسل إذ جعل ~~مقارنا للتأنس بين الزوجين ، إذ جعل النسل منهما ولم يجعله مفارقا لأحد ~~الأبوين أو كليهما . | # وجعل النسل معروفا متصلا بأصوله بما ألهمه الإنسان من داعية حفظ النسب ، ~~فهي من الآيات على انفراده تعالى بالوحدانية كما قال تعالى في سورة الروم ( ~~21 ) : { ومن ءاياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم ~~مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون . فجعلها آية تنطوي على آيات ، ~~ويتضمن ذلك الصنع نعما كثيرة ، كما أشار إليه قوله تعالى : وبنعمت الله هم ~~يكفرون } . | # والقول في جملة { والله جعل لكم } كالقول في نظيرتيها المتقدمتين . | # واللام في { جعل لكم } لتعدية فعل { جعل } إلى ثانن . | # ومعنى { من أنفسكم } من نوعكم ، كقوله تعالى : { فإذا دخلتم بيوتا فسلموا ~~على أنفسكم ( سورة النور : 21 ) أي على الناس الذين بالبيوت ، وقوله : ~~رسولا من أنفسهم ( سورة آل عمران : 164 ) وقوله : ثم أنتم هؤلاء تقتلون ~~أنفسكم ( سورة البقرة : 85 ) . | PageV14P217 # والخطاب بضمير الجماعة المخاطبين موجه إلى الناس كلهم ، وغلب ضمير ~~التذكير . | # وهذه نعمة إذ جعل قرين الإنسان متكونا من ms4591 نوعه ، ولو لم يجعل له ذلك ~~لاضطر الإنسان إلى طلب التأنس بنوع آخر فلم يحصل التأنس بذلك للزوجين . ~~وهذه الحالة وإن كانت موجودة في أغلب أنواع الحيوان فهي نعمة يدركها ~~الإنسان ولا يدركها غيره من الأنواع . وليس من قوام ماهية النعمة أن ينفرد ~~بها المنعم عليه . | # والأزواج : جمع زوج ، وهو الشيء الذي يصير مع شيء آخر اثنين ، فلذا وصف ~~بزوج المرادف لثان . وقد مضى الكلام عليه في قوله تعالى : اسكن أنت وزوجك ~~الجنة في ( سورة البقرة : 35 ) . | # والوصف بالزوج يؤذن بملازمته لآخر ، فلذا سمي بالزوج قرين المرأة وقرينة ~~الرجل . وهذه نعمة اختص بها الإنسان إذ ألهمه الله جعل قرين له وجبله على ~~نظام محبة وغيرة لا يسمحان له بإهمال زوجه كما تهمل العجماوات إناثها ~~وتنصرف إناثها عن ذكورها . | # ومن } الداخلة على { أنفسكم } للتبعيض . | # وجعل البنين للإنسان نعمة ، وجعل كونهم من زوجة نعمة أخرى ، لأن بها تحقق ~~كونهم أبناءه بالنسبة للذكر ودوام اتصالهم به بالنسبة ، ووجود المشارك له ~~في القيام بتدبير أمرهم في حالة ضعفهم . | # و { من } الداخلة على { أزواجكم } للابتداء ، أي جعل لكم بنين منحدرين من ~~أزواجكم . | # والحفدة : جمع حافد ، مثل كملة جمع كامل . والحافد أصله المسرع في الخدمة ~~. وأطلق على ابن الابن لأنه يكثر أن يخدم جده لضعف الجد بسبب الكبر ، فأنعم ~~الله على الإنسان بحفظ سلسلة نسبه بسبب ضبط الحلقة الأولى منها ، ~~PageV14P218 وهي كون أبنائه من زوجه ثم كون أبناء أبنائه من أزواجهم ، ~~فانضبطت سلسلة الأنساب بهذا النظام المحكم البديع . وغير الإنسان من ~~الحيوان لا يشعر بحفدته أصلا ولا يشعر بالبنوة إلا أنثى الحيوان مدة قليلة ~~قريبة من الإرضاع . والحفدة للإنسان زيادة في مسرة العائلة ، قال تعالى : { ~~فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب ( سورة هود : 71 ) . وقد عملت من } ~~الابتدائية في { حفدة } بواسطة حرف العطف لأن الابتداء يكون مباشرة وبواسطة ~~. | # وجملة { ورزقكم من الطيبات } معطوفة على جملة { جعل لكم من أنفسكم أزواجا ~~} وما بعدها ، لمناسبة ما في الجمل المعطوف عليها من تضمن المنة بنعمة ~~أفراد العائلة ، فإن من ms4592 مكملاتها سعة الرزق ، كما قال تعالى في آل عمران { ~~زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب ~~والفضة ( سورة النحل : 14 ) الآية . وقال طرفة : | # فأصبحت ذا مال كثير وطاف بي | # بنون كرام سادة لمسود | # فالمال والعائلة لا يروق أحدها بدون الآخر . | # ثم الرزق يجوز أن يكون مرادا منه المال كما في قوله تعالى في قصة قارون : ~~وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من ~~عباده ويقدر ( سورة القصص : 82 ) . وهذا هو الظاهر وهو الموافق لما في ~~الآية المذكورة آنفا . ويجوز أن يكون المراد منه إعطاء المأكولات الطيبة ، ~~كما في قوله تعالى : وجد عندها رزقا ( سورة آل عمران : 37 ) . | # ومن } تبعيضية . | # و { الطيبات } : صفة لموصوف محذوف دل عليه فعل رزقكم ، أي الأرزاق ~~الطيبات . والتأنيث لأجل الجمع . والطيب : فيعلل صفة مبالغة في الوصف ~~بالطيب . والطيب : أصله النزاهة وحسن الرائحة ، ثم استعمل في الملائم ~~الخالص من النكد ، قال تعالى : { فلنحيينه حياة طيبة ( سورة النحل : 97 ) . ~~واستعمل في الصالح من نوعه PageV14P219 كقوله تعالى : والبلد الطيب يخرج ~~نباته بإذن ربه ، في سورة الأعراف ( 58 ) . ومنه قوله تعالى : الذين ~~تتوفاهم الملائكة طيبين ( سورة النحل : 32 ) وقد تقدم آنفا . | # فالطيبات هنا الأرزاق الواسعة المحبوبة للناس كما ذكر في الآية في سورة ~~آل عمران ؛ أو المطعومات والمشروبات اللذيذة الصالحة . وقد تقدم ذكر ~~الطيبات عند قوله تعالى : اليوم أحل لكم الطيبات في سورة العقود ( 5 ) ، ~~وذكر الطيب في قوله تعالى : كلوا مما في الأرض حلالا طيبا في سورة البقرة ( ~~168 ) . | # وفرع على هذه الحجة والمنة استفهام توبيخ على إيمانهم بالباطل البين ، ~~فتفريع التوبيخ عليه واضح الاتجاه . | # والباطل : ضد الحق لأن ما لا يخلق لا يعبد بحق . وتقديم المجرور في قوله ~~تعالى : أفبالباطل } على متعلقه للاهتمام بالتعريف بباطلهم . | # والالتفات عن الخطاب السابق إلى الغيبة في قوله تعالى : { أفبالباطل } ~~يجري الكلام فيه على نحو ما تقدم في قوله تعالى : { أفبنعمة الله يجحدون } ~~( سورة النحل : 71 ) . | # وقوله تعالى : { وبنعمت الله هم يكفرون } عطف على ms4593 جملة التوبيخ ، وهو ~~توبيخ متوجه على ما تضمنه قوله تعالى : { والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا } ~~إلى قوله : { ورزقكم من الطيبات } من الامتنان بذلك الخلق والرزق بعد ~~كونهما دليلا على انفراد الله بالإلهية . | # وتقديم المجرور في قوله تعالى : { بنعمت الله هم يكفرون } على عامله ~~للاهتمام . | # وضمير الغيبة في قوله تعالى : { هم يكفرون } ضمير فصل لتأكيد الحكم ~~بكفرانهم النعمة لأن كفران النعمة أخفى من الإيمان بالباطل ، لأن الكفران ~~يتعلق بحالات القلب ، فاجتمع في هذه الجملة تأكيدان : التأكيد الذي أفاده ~~التقديم ، والتأكيد الذي أفاده ضمير الفصل . | PageV14P220 # والإتيان بالمضارع في { يؤمنون } و { يكفرون } للدلالة على التجدد ~~والتكرير . | # وفي الجمع بين { يؤمنون } و { يكفرون } محسن بديع الطباق . | # | 2 ( 73 ) { ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات ~~والارض شيئا ولا يستطيعون } . ) 2 # عطف على جملتي التوبيخ وهو مزيد من التوبيخ فإن الجملتين المعطوف عليهما ~~أفادتا توبيخا على إيمانهم بالآلهة الباطل وكفرهم بنعمة المعبود الحق . | # وهذه الجملة المعطوفة أفادت التوبيخ على شكر ما لا يستحق الشكر ، فإن ~~العبادة شكر ، فهم عبدوا ما لا يستحق العبادة ولا بيده نعمة ، وهو الأصنام ~~، لأنها لا تملك ما يأتيهم من الرزق لاحتياجها ، ولا تستطيع رزقهم لعجزها . ~~فمفاد هذه الجملة مؤكد لمفاد ما قبلها مع اختلاف الاعتبار بموجب التوبيخ في ~~كلتيهما . | # وملك الرزق القدرة على إعطائه . والملك يطلق على القدرة ، كما تقدم في ~~قوله تعالى : { قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم ~~في سورة العقود ( 17 ) . | # والرزق هنا مصدر منصوب على المفعولية ، أي لا يملك أن يرزق . | # ومن } في { من السماوات والأرض } ابتدائية ، أي رزقا موصوفا بوروده من ~~السماوات والأرض . | # و { شيئا } مبالغة في المنفي ، أي ولا يملكون جزءا قليلا من الرزق ، وهو ~~منصوب على البدلية من { رزقا } . فهو في معنى المفعول به كأنه قيل : لا ~~يملك لهم شيئا من الرزق . | PageV14P221 # { ولا يستطيعون } عطف على { يملك } ، فهو من جملة صلة { ما } ، فضمير ~~الجمع عائد إلى { ما } الموصولة باعتبار دلالتها على جماعة ms4594 الأصنام ~~المعبودة لهم . وأجريت عليها صيغة جمع العقلاء مجاراة لاعتقادهم أنها تعقل ~~وتشفع وتستجيب . | # وحذف مفعول { يستطيعون } لقصد التعميم ، أي لا يستطيعون شيئا لأن تلك ~~الأصنام حجارة لا تقدر على شيء . والاستطاعة : القدرة . | # | 2 ( 74 ) { فلا تضربوا لله الامثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون } . ) ~~2 # تفريع على جميع ما سبق من الآيات والعبر والمنن ، إذ قد استقام من جميعها ~~انفراد الله تعالى بالإلهية ، ونفي الشريك له فيما خلق وأنعم ، وبالأولى ~~نفي أن يكون له ولد وأن يشبه بالحوادث ؛ فلا جرم استتب للمقام أن يفرع على ~~ذلك زجر المشركين عن تمثيلهم غير الله بالله في شيء من ذلك ، وأن يمثلوه ~~بالموجودات . | # وهذا جاء على طريقة قوله تعالى : { يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم ~~( سورة البقرة : 21 ) إلى قوله تعالى : فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون ~~( سورة البقرة : 22 ) ، وقوله : وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي ~~العظام وهي رميم ( سورة يس : 78 ) . | # والأمثال } هنا جمع مثل بفتحتين بمعنى المماثل ، كقولهم : شبه بمعنى ~~مشابه . وضرب الأمثال شاع استعماله في تشبيه حالة بحالة وهيئة بهيئة ، وهو ~~هنا استعمال آخر . | # ومعنى الضرب في قولهم : ضرب كذا مثلا ، بيناه عند قوله تعالى : { إنا لله ~~لا يستحيي أن يضرب مثلا ما في سورة البقرة ( 26 ) . | # واللام في لله } متعلقة ب { الأمثال } لا ب { تضربوا } ، إذ ليس المراد ~~أنهم يضربون مثل الأصنام بالله ضربا للناس كقوله تعالى : { ضرب لكم مثلا من ~~أنفسكم ( سورة الروم : 28 ) . | PageV14P222 # ووجه كون الإشراك ضرب مثل لله أنهم أثبتوا للأصنام صفات الإلهية وشبهوها ~~بالخالق ، فإطلاق ضرب المثل عليه مثل قوله تعالى : وقالوا أءالهتنا خير أم ~~هو ما ضربوه لك إلا جدلا ( سورة الزخرف : 58 ) . وقد كانوا يقولون عن ~~الأصنام هؤلاء شفعاؤنا عند الله ، والملائكة هن بنات الله من سروات الجن ، ~~فذلك ضرب مثل وتشبيه لله بالحوادث في التأثر بشفاعة الأكفاء والأعيان ~~والازدهاء بالبنين . | # وجملة إن الله يعلم } تعليل للنهي عن تشبيه الله تعالى بالحوادث ، وتنبيه ~~على أن جهلهم هو الذي ms4595 أوقعهم في تلك السخافات من العقائد ، وأن الله إذ ~~نهاهم وزجرهم عن أن يشبهوه بما شبهوه إنما نهاهم لعلمه ببطلان اعتقادهم . | # وفي قوله تعالى : { وأنتم لا تعلمون } استدعاء لإعمال النظر الصحيح ~~ليصلوا إلى العلم البريء من الأوهام . | # | 2 ( 75 ) { ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شىء ومن رزقناه منا ~~رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون ~~} . ) 2 # أعقب زجرهم عن أن يشبهوا الله بخلقه أو أن يشبهوا الخلق بربهم بتمثيل ~~حالهم في ذلك بحال من مثل عبدا بسيده في الإنفاق ، فجملة { ضرب الله مثلا ~~عبدا } الخ مستأنفة استئنافا بيانيا ناشئا عن قوله تعالى : { ويعبدون من ~~دون الله ما لا يملك رزقا من السماوات والأرض شيئا ولا يستطيعون ( سورة ~~النحل : 73 ) . | # فشبه حال أصنامهم في العجز عن رزقهم بحال مملوك لا يقدر على تصرف في نفسه ~~ولا يملك مالا ، وشبه شأن الله تعالى في رزقه إياهم بحال الغني المالك أمر ~~نفسه بما شاء من إنفاق وغيره ، ومعرفة الحالين المشبهتين يدل عليها المقام ~~، والمقصود نفي المماثلة بين الحالتين ، فكيف يزعمون مماثلة أصنامهم لله ~~تعالى في الإلهية ، ولذلك أعقب بجملة هل يستوون } . | PageV14P223 # وذيل هذا التمثيل بقوله تعالى : { بل أكثرهم لا يعلمون } كما في سورة ~~إبراهيم ( 26 ) { ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة إلى قوله تعالى : ~~ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة الآية ، فإن المقصود في المقامين متحد ، ~~والاختلاف في الأسلوب إنما يومىء إلى الفرق بين المقصود أولا والمقصود ~~ثانيا كما أشرنا إليه هنالك . | # والعبد : الإنسان الذي يملكه إنسان آخر بالأسر أو بالشراء أو بالإرث . | # وقد وصف عبدا } هنا بقوله : { مملوكا } تأكيدا للمعنى المقصود وإشعارا ~~لما في لفظ عبد من معنى المملوكية المقتضية أنه لا يتصرف في عمله تصرف ~~الحرية . | # وانتصب { عبدا } على البدلية من قوله تعالى : { مثلا } وهو على تقدير ~~مضاف ، أي حال بعد ، لأن المثل هو للهيئة المنتزعة من مجموع هذه الصفات . ~~وجملة { لا يقدر على شيء } صفة { عبدا } ، أي عاجزا ms4596 عن كل ما يقدر عليه ~~الناس ، كأن يكون أعمى وزمنا وأصم ، بحيث يكون أقل العبيد فائدة . | # فهذا مثل لأصنامهم ، كما قال تعالى : { والذين تدعون من دون الله لا ~~يخلقون شيئا وهم يخلقون أموات غير أحياء ( سورة النحل : 20 ) ، وقوله تعالى ~~: إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا ( سورة العنكبوت : 17 ) ~~. | # ومن } موصولة ما صدقها حر ، بقرينة أنه وقع في مقابلة عبد مملوك ، وأنه ~~وصف بالرزق الحسن فهو ينفق منه سرا وجهرا ، أي كيف شاء . وهذا من تصرفات ~~الأحرار ، لأن العبيد لا يملكون رزقا في عرف العرب . وأما حكم تملك العبد ~~مالا في الإسلام فذلك يرجع إلى أدلة أخرى من أصول الشريعة الإسلامية ولا ~~علاقة لهذه الآية به . | # والرزق : هنا اسم للشيء المرزوق به . | # والحسن : الذي لا يشوبه قبح في نوعه مثل قلة وجدان وقت الحاجة ، أو إسراع ~~فساد إليه كسوس البر ، أو رداءة كالحشف . ووجه الشبه هو المعنى PageV14P224 ~~الحاصل في حال المشبه به من الحقارة وعدم أهلية التصرف والعجز عن كل عمل ، ~~ومن حال الحرية والغنى والتصرف كيف يشاء . | # وجعلت جملة { فهو ينفق منه } مفرعة على التي قبلها دون أن تجعل صفة للرزق ~~للدلالة على أن مضمون كلتا الجملتين مقصود لذاته كمال في موصوفه ، فكونه ~~صاحب رزق حسن كمال ، وكونه يتصرف في رزقه بالإعطاء كمال آخر ، وكلاهما بضد ~~نقائص المملوك الذي لا يقدر على شيء من الإنفاق ولا ما ينفق منه . | # وجعل المسند فعلا للدلالة على التقوي ، أي ينفق إنفاقا ثابتا . وجعل ~~الفعل مضارعا للدلالة على التجدد والتكرر . أي ينفق ويزيد . | # و { سرا وجهرا } حالان من ضمير { ينفق } ، وهما مصدران مؤولان بالصفة ، ~~أي مسرا وجاهرا بإنفاقه . والمقصود من ذكرهما تعميم الإنفاق ، كناية عن ~~استقلال التصرف وعدم الوقاية من مانع إياه عن الإنفاق . | # وهذا مثل لغنى الله تعالى وجوده على الناس . | # وجملة { هل يستوون } بيان لجملة { ضرب الله مثلا } ، فبين غرض التشبيه ~~بأن المثل مراد منه عدم تساوي الحالتين ليستدل به على عدم مساواة أصحاب ~~الحالة الأولى لصاحب ms4597 الصفة المشبهة بالحالة الثانية . | # والاستفهام مستعمل في الإنكار . | # وأما جملة { الحمد لله } فمعترضة بين الاستفهام المفيد للنفي وبين ~~الإضراب ب { بل } الانتقالية . والمقصود من هذه الجملة أنه تبين من المثل ~~اختصاص الله بالإنعام فوجب أن يختص بالشكر وأن أصنامهم لا تستحق أن تشكر . ~~| # ولما كان الحمد مظهرا من مظاهر الشكر في مظهر النطق جعل كناية عن الشكر ~~هنا ، إذ كان الكلام على إخلال المشركين بواجب الشكر إذ PageV14P225 أثنوا ~~على الأصنام وتركوا الثناء على الله ، وفي الحديث ( الحمد رأس الشكر ) . | # جيء بهذه الجملة البليغة الدلالة المفيدة انحصار الحمد في ملك الله تعالى ~~، وهو إما حصر ادعائي لأن الحمد إنما يكون على نعمة ، وغير الله إذا أنعم ~~فإنما إنعامه مظهر لنعمة الله تعالى التي جرت على يديه ، كما تقدم في صدر ~~سورة الفاتحة ، وإما قصر إضافي قصر إفراد للرد على المشركين إذ قسموا حمدهم ~~بين الله وبين آلهتهم . | # ومناسبة هذا الاعتراض هنا تقدم قوله تعالى : { وبنعمت الله هم يكفرون ( ~~سورة النحل : 72 ) ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا ( سورة النحل : ~~73 ) . فلما ضرب لهم المثل المبين لخطئهم وأعقب بجملة هل يستوون } ثني عنان ~~الكلام إلى الحمد لله لا للأصنام . | # وجملة { بل أكثرهم لا يعلمون } إضراب للانتقال من الاستدلال عليهم إلى ~~تجهيلهم في عقيدتهم . | # وأسند نفي العلم إلى أكثرهم لأن منهم من يعلم الحق ويكابر استبقاء ~~للسيادة واستجلابا لطاعة دهمائهم ، فهذا ذم لأكثرهم بالصراحة وهو ذم لأقلهم ~~بوصمة المكابرة والعناد بطريق التعريض . | # وهذا نظير قوله تعالى في سورة الزمر ( 29 ) { ضرب الله مثلا رجلا فيه ~~شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا ~~يعلمون . | # وإنما جاءت صيغة الجمع في قوله تعالى هل يستوون } لمراعاة أصحاب الهيئة ~~المشبهة ، لأنها أصنام كثيرة كل واحد منها مشبه بعبد مملوك لا يقدر على شيء ~~، فصيغة الجمع هنا تجريد للتمثيلية ، أي هل يستوي PageV14P226 أولئك مع ~~الإله الحق القادر المتصرف . وإنما أجري ضمير جمعهم على صيغة جمع العالم ~~تغليبا لجانب أحد ms4598 التمثيلين وهو جانب الإله القادر . | # | 2 ( 76 ) { وضرب الله مثلا رجلين أحدهمآ أبكم لا يقدر على شىء وهو كل ~~على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوى هو ومن يأمر بالعدل وهو على ~~صراط مستقيم } . ) 2 # هذا تمثيل ثانن للحالتين بحالتين باختلاف وجه الشبه . فاعتبر هنا المعنى ~~الحاصل من حال الأبكم ، وهو العجز عن الإدراك ، وعن العمل ، وتعذر الفائدة ~~منه في سائر أحواله ؛ والمعنى الحاصل من حال الرجل الكامل العقل والنطق في ~~إدراكه الخير وهديه إليه وإتقانن عمله وعمل من يهديه ، ضربه الله مثلا ~~لكماله وإرشاده الناس إلى الحق ، ومثلا للأصنام الجامدة التي لا تنفع ولا ~~تضر . | # وقد قرن في التمثيل هنا حال الرجلين ابتداء ، ثم فصل في آخر الكلام مع ~~ذكر عدم التسوية بينهما بأسلوب من نظم الكلام بديع الإيجاز ، إذ حذف من صدر ~~التمثيل ذكر الرجل الثاني للاقتصار على ذكره في استنتاج عدم التسوية تفننا ~~في المخالفة بين أسلوب هذا التمثيل وأسلوب سابقه الذي في قوله تعالى : { ~~ضرب الله مثلا عبدا مملوكا ( سورة النحل : 75 ) . ومثل هذا التفنن من مقاصد ~~البلغاء كراهية للتكرير لأن تكرير الأسلوب بمنزلة تكرير الألفاظ . | # والأبكم : الموصوف بالبكم بفتح الباء والكاف وهو الخرس في أصل الخلقة من ~~وقت الولادة بحيث لا يفهم ولا يفهم . وزيد في وصفه أنه زمن لا يقدر على شيء ~~. وتقدم عند قوله تعالى : صم بكم عمي في أول سورة البقرة ( 18 ) . | ~~PageV14P227 # والكل بفتح الكاف العالة على الناس . وفي الحديث من ترك كلا فعلينا ، أي ~~من ترك عيالا فنحن نكفلهم . وأصل الكل : الثقل . ونشأت عنه معانن مجازية ~~اشتهرت فساوت الحقيقة . | # والمولى : الذي يلي أمر غيره . والمعنى : هو عالة على كافله لا يدبر أمر ~~نفسه . وتقدم عند قوله تعالى : بل الله مولاكم في سورة آل عمران ( 15 ) ، ~~وقوله تعالى : وردوا إلى الله مولاهم الحق في سورة يونس ( 30 ) . | # ثم زاد وصفه بقلة الجدوى بقوله تعالى : أينما يوجهه } ، أي مولاه في عمل ~~ليعمله أو يأتي به لا يأتت بخير ، أي لا يهتدي ms4599 إلى ما وجه إليه ، لأن الخير ~~هو ما فيه تحصيل الغرض من الفعل ونفعه . | # ودلت صلة { يأمر بالعدل } على أنه حكيم عالم بالحقائق ناصح للناس يأمرهم ~~بالعدل لأنه لا يأمر بذلك إلا وقد علمه وتبصر فيه . | # والعدل : الحق والصواب الموافق للواقع . | # والصراط المستقيم : المحجة التي لا التواء فيها . وأطلق هنا على العمل ~~الصالح ، لأن العمل يشبه بالسيرة والسلوك فإذا كان صالحا كان كالسلوك في ~~طريق موصلة للمقصود واضحة فهو لا يستوي مع من لا يعرف هدى ولا يستطيع ~~إرشادا ، بل هو محتاج إلى من يكفله . | # فالأول مثل الأصنام الجامدة التي لا تفقه وهي محتاجة إلى من يحرسها وينفض ~~عنها الغبار والوسخ ، والثاني مثل لكماله تعالى في ذاته وإفاضته الخير على ~~عباده . | # | PageV14P228 # | 2 ( 77 ) { ولله غيب السماوات والارض ومآ أمر الساعة إلا كلمح البصر أو ~~هو أقرب إن الله على كل شىء قدير } . ) 2 # كان مما حكي من مقالات كفرهم أنهم أقسموا بالله لا يبعث الله من يموت ، ~~لأنهم توهموا أن إفناء هذا العالم العظيم وإحياء العظام وهي رميم أمر ~~مستحيل ، وأبطل الله ذلك على الفور بأن الله قادر على كل ما يريده . | # ثم انتقل الكلام عقب ذلك إلى بسط الدلائل على الوحدانية والقدرة وتسلسل ~~البيان ، وتفننت الأغراض بالمناسبات ، فكان من ذلك تهديدهم بأن الله لو ~~يؤاخذ الناس بظلمهم ما ترك على الأرض من دابة ، ولكنه يمهلهم ويؤخرهم إلى ~~أجل عينه في علمه لحكمته وحذرهم من مفاجأته ، فثنى عنان الكلام إلى ~~الاعتراض بالتذكير بأن الله لا يخرج عن قدرته أعظم فعل مما غاب عن إدراكهم ~~وأن أمر الساعة التي أنكروا إمكانها وغرهم تأخير حلولها هي مما لا يخرج عن ~~تصرف الله ومشيئته متى شاءه . فذلك قوله تعالى : { ولله غيب السماوات ~~والأرض } بحيث لم يغادر شيئا مما حكي عنهم من كفرهم وجدالهم إلا وقد بينه ~~لهم استقصاء للإعذار لهم . | # ومن مقتضيات تأخير هذا أنه يشتمل بصريحه على تعليم ، وبإيمائه إلى تهديد ~~وتحذير . | # فاللام في قوله : { ولله غيب السماوات والأرض } لام الملك . والغيب ms4600 : ~~مصدر بمعنى اسم الفاعل ، أي الأشياء الغائبة . وتقدم في قوله تعالى : { ~~الذين يؤمنون بالغيب ( سورة البقرة : 3 ) . وهو الغائب عن أعين الناس من ~~الأشياء الخفية والعوالم التي لا تصل إلى مشاهدتها حواس المخلوقات الأرضية ~~. | # والإخبار بأنها ملك لله يقتضي بطريق الكناية أيضا أنه عالم بها . | ~~PageV14P229 # وتقديم المجرور أفاد الحصر ، أي له لا لغيره . ولام الملك أفادت الحصر ، ~~فيكون التقديم مفيدا تأكيد الحصر أو هو للاهتمام . | # وأمر الساعة } : شأنها العظيم . فالأمر : الشأن المهم ، كما في قوله ~~تعالى : { أتى أمر الله ( سورة النحل : 1 ) ، وقول أبي بكر رضي الله عنه : ~~ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر ، أي شأن وخطب . | # والساعة } : علم بالغلبة على وقت فناء هذا العالم ، وهي من جملة غيب ~~الأرض . | # ولمح البصر : توجهه إلى المرئي لأن اللمح هو النظر . ووجه الشبه هو كونه ~~مقدورا بدون كلفة ، لأن لمح البصر هو أمكن وأسرع حركات الجوارح فهو أيسر ~~وأسرع من نقل الأرجل في المشي ومن الإشارة باليد . | # وهذا التشبيه أفصح من الذي في قول زهير : | # فهن ووادي الرس كاليد للفم | # ووجه الشبه يجوز أن يكون تحقق الوقوع بدون مشقة ولا إنظار عند إرادة الله ~~تعالى وقوعه ، وبذلك يكون الكلام إثباتا لإمكان الوقوع وتحذيرا من الاغترار ~~بتأخيره . | # ويجوز أن يكون وجه الشبه السرعة ، أي سرعة الحصول عند إرادة الله ، أي ~~ذلك يحصل فجأة بدون أمارات كقوله تعالى : { لا تأتيكم إلا بغتة ( سورة ~~الأعراف : 187 ) . والمقصود : إنذارهم وتحذيرهم من أن تبغتهم الساعة ~~ليقلعوا عما هم فيه من وقتت الإنذار . ولا يتوهم أن يكون البصر تشبيها في ~~سرعة الحصول إذ احتمال معطل لأن الواقع حارس منه . | # وأو } في { أو هو أقرب } للإضراب الانتقالي ، إضرابا عن التشبيه الأول ~~بأن المشبه أقوى في وجه الشبه من المشبه به ، فالمتكلم يخيل للسامع أنه ~~يريد تقريب المعنى إليه بطريق التشبيه ، ثم يعرض عن التشبيه PageV14P230 ~~بأن المشبه أقوى في وجه الشبه وأنه لا يجد له شبيها فيصرح بذلك فيحصل ~~التقريب ابتداء ثم الإعراب عن الحقيقة ثانيا . | # ثم المراد ms4601 بالقرب في قوله تعالى : { أقرب } على الوجه الأول في تفسير لمح ~~البصر هو القرب المكاني كناية عن كونه في المقدورية بمنزلة الشيء القريب ~~التناول كقوله تعالى : { ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ( سورة ق : 16 ) . | # وعلى الوجه الثاني في تفسيره يكون القرب قرب الزمان ، أي أقرب من لمح ~~البصر حصة ، أي أسرع حصولا . | # والتذييل بقوله تعالى : إن الله على كل شيء قدير } صالح لكلا التفسيرين . ~~| # | 2 ( 78 ) { والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم ~~السمع والابصار والأفئدة لعلكم تشكرون } . ) 2 # عود إلى إكثار الدلائل على انفراد الله بالتصرف وإلى تعداد النعم على ~~البشر عطفا على جملة { والله جعل لكم من أنفسكم } ( النحل : 72 ) بعدما فصل ~~بين تعداد النعم بما اقتضاه الحال من التذكير والإنذار . | # وقد اعتبر في هذه النعم ما فيها من لطف الله تعالى بالناس ليكون من ذلك ~~التخلص إلى الدعوة إلى الإسلام وبيان أصول دعوة الإسلام في قوله تعالى : { ~~كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون ( سورة النحل : 81 ) إلى آخره . | # والمعنى : أنه كما أخرجكم من عدم وجعل فيكم الإدراك وما يتوقف عليه ~~الإدراك من الحياة فكذلك ينشئكم يوم البعث بعد العدم . | # وإذ كان هذا الصنع دليلا على إمكان البعث فهو أيضا باعث على شكر الله ~~بتوحيده ونبذ الإشراك فإن الإنعام يبعث العاقل على الشكر . | PageV14P231 # وافتتاح الكلام باسم الجلالة وجعل الخبر عنه فعلا تقدم بيانه عند قوله ~~تعالى : والله أنزل من السماء ماء ( سورة النحل : 65 ) والآيات بعده . | # والإخراج الإبراز من مكان إلى آخر . | # والأمهات : جمع أم . وقد تقدم عند قوله تعالى : حرمت عليكم أمهاتكم في ~~سورة النساء ( 23 ) . | # والبطن : ما بين ضلوع الصدر إلى العانة ، وفيه الأمعاء والمعدة والكبد ~~والرحم . | # وجملة لا تعلمون شيئا } حال من الضمير المنصوب في { أخرجكم } . وذلك أن ~~الطفل حين يولد لم يكن له علم بشيء ثم تأخذ حواسه تنقل الأشياء تدريجا فجعل ~~الله في الطفل آلات الإدراك وأصول التفكر . | # فقوله تعالى : { وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة } تفسيره أنه أوجد ~~فيكم ms4602 إدراك السمع والبصر والعقل ، أي كونها في الناس حتى بلغت مبلغ كمالها ~~الذي ينتهي بها إلى علم أشياء كثيرة ، كما دلت عليه مقابلته بقوله تعالى : ~~{ لا تعلمون شيئا } ، أي فعلمتم أشياء . | # ووجه إفراد السمع وجمع الأبصار تقدم عند قوله تعالى : { أمن يملك السمع ~~والأبصار في سورة يونس ( 31 ) ، وقوله تعالى ؛ قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم ~~وأبصاركم في سورة الأنعام ( 46 ) . | # والأفئدة } : جمع الفؤاد ، وأصله القلب . ويطلق كثيرا على العقل وهو ~~المراد هنا . فالسمع والبصر أعظم آلات الإدراك إذ بهما إدراك أهم الجزئيات ~~، وهما أقوى الوسائل لإدراك العلوم الضرورية . | # فالمراد بالسمع : الإحساس الذي به إدراك الأصوات الذي آلته الصماخ ، ~~وبالإبصار : الإحساس المدرك للذوات الذي آلته الحدقة . واقتصر عليهما من ~~بين الحواس لأنهما أهم ، ولأن بهما إدراك دلائل الإعتقاد الحق . | ~~PageV14P232 # ثم ذكر بعدهما الأفئدة ، أي العقل مقر الإدراك كله ، فهو الذي تنقل إليه ~~الحواس مدركاتها ، وهي العلم بالتصورات المفردة . | # وللعقل إدراك آخر وهو إدراك اقتران أحد المعلومين بالآخر ، وهو التصديقات ~~المنقسمة إلى البديهيات : ككون نفي الشيء وإثباته من سائر الوجوه لا ~~يجتمعان ، وككون الكل أعظم من الجزء . | # وإلى النظريات وتسمى الكسبيات ، وهي العلم بانتساب أحد المعلومين إلى ~~الآخر بعد حركة العقل في الجمع بينهما أو التفريق ، مثل أن يحضر في العقل : ~~أن الجسم ما هو ، وأن المحدث بفتح الدال ما هو . فإن مجرد هذين التصورين في ~~الذهن لا يكفي في جزم العقل بأن الجسم محدث بل لا بد فيه من علوم أخرى ~~سابقة وهي ما يدل على المقارنة بين ماهية الجسمية وصفة الحدوث . | # فالعلوم الكسبية لا يمكن اكتسابها إلا بواسطة العلوم البديهية . وحصول ~~هذه العلوم البديهية إنما يحصل عند حدوث تصور موضوعاتها وتصور محمولاتها . ~~وحدوث هذه التصورات إنما هو بسبب إعانة الحواس على جزئياتها ، فكانت الحواس ~~الخمس هي السبب الأصلي لحدوث هذه العلوم ، وكان السمع والبصر أول الحواس ~~تحصيلا للتصورات وأهمها . | # وهذه العلوم نعمة من الله تعالى ولطف ، لأن بها إدراك الإنسان لما ينفعه ~~وعمل عقله فيما يدله على الحقائق ، ليسلم ms4603 من الخطأ المفضي إلى الهلاك ~~والأرزاء العظيمة ، فهي نعمة كبرى . ولذلك قال تعالى عقب ذكرها { لعلكم ~~تشكرون } ، أي هي سبب لرجاء شكرهم واهبها سبحانه . | # والكلام على معنى { لعلكم تشكرون } مضى غير مرة في نظيره ومماثله . | # | PageV14P233 # | 2 ( 79 ) { ألم يروا إلى الطير مسخرات فى جو السمآء ما يمسكهن إلا الله ~~إن فى ذالك لآيات لقوم يؤمنون } . ) 2 # موقع هذه الجملة موقع التعليل والتدليل على عظيم قدرة الله وبديع صنعه ~~وعلى لطفه بالمخلوقات ، فإنه لما ذكر موهبة العقل والحواس التي بها تحصيل ~~المنافع ودفع الأضرار نبه الناس إلى لطف يشاهدونه أجلى مشاهدة لأضعف ~~الحيوان ، بأن تسخير الجو للطير وخلقها صالحة لأن ترفرف فيه بدون تعليم هو ~~لطف بها اقتضاه ضعف بنياتها ، إذ كانت عادمة وسائل الدفاع عن حياتها ، فجعل ~~الله لها سرعة الانتقال مع الابتعاد عن تناول ما يعدو عليها من البشر ~~والدواب . | # فلأجل هذا الموقع لم تعطف الجملة على التي قبلها لأنها ليس في مضمونها ~~نعمة على البشر ، ولكنها آية على قدرة الله تعالى وعلمه ، بخلاف نظيرتها في ~~سورة الملك ( 19 ) { أو لم يروا إلى الطير فوقهم صافات فإنها عطفت على آيات ~~دالة على قدرة الله تعالى من قوله : ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح ( ~~الملك : 5 ) ، ثم قال : وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير ( الملك ~~: 6 ) ثم قال : أأمنتم من السماء أن يخسف بكم الأرض ( سورة الملك : 16 ) ثم ~~قال : أو لم يروا إلى الطير الآية . ولذلك المعنى عقبت هذه وحدها بجملة إن ~~في ذلك لآيات لقوم يؤمنون . | # والتسخير : التذليل للعمل . وقد تقدم عند قوله تعالى : والشمس والقمر ~~والنجوم مسخرات بأمره في سورة الأعراف ( 54 ) . | # والجو : الفضاء الذي بين الأرض والسماء ، وإضافته إلى السماء لأنه يبدو ~~متصلا بالقبة الزرقاء في ما يخال الناظر . | # والإمساك : الشد عن التفلت . وتقدم في قوله تعالى : فإمساك بمعروف في ~~سورة البقرة ( 229 ) . | PageV14P234 # والمراد هنا : ما يمسكهن عن السقوط إلى الأرض من دون إرادتها ، وإمساك ~~الله إياها خلقه الأجنحة لها والأذناب ، وجعله الأجنحة والأذناب قابلة ~~للبسط ms4604 ، وخلق عظامها أخف من عظام الدواب بحيث إذا بسطت أجنحتها وأذنابها ~~ونهضت بأعصابها خفت خفة شديدة فسبحت في الهواء فلا يصلح ثقلها لأن يخرق ما ~~تحتها من الهواء إلا إذا قبضت من أجنحتها وأذنابها وقوست أعصاب أصلابها عند ~~إرادتها النزول إلى الأرض أو الانخفاض في الهواء . فهي تحوم في الهواء كيف ~~شاءت ثم تقع متى شاءت أو عييت . فلولا أن الله خلقها على تلك الحالة لما ~~استمسكت ، فسمي ذلك إمساكا على وجه الاستعارة ، وهو لطف بها . | # والرؤية : بصرية . وفعلها يتعدى بنفسه ، فتعديته بحرف إلى لتضمين الفعل ~~معنى ( ينظروا ) . | # ومسخرات } حال . وجملة { ما يمسكهن إلا الله } حال ثانية . | # وقرأ الجمهور { ألم يروا } بياء الغائب على طريقة الالتفات عن خطاب ~~المشركين في قوله تعالى : { والله أخرجكم من بطون أمهاتكم ( سورة النحل : ~~78 ) . | # وقرأ ابن عامر وحمزة ويعقوب وخلف ألم تروا } بتاء الخطاب تبعا للخطاب ~~المذكور . | # والاستفهام إنكاري . معناه : إنكار انتفاء رؤيتهم الطير مسخرات في الجو ~~بتنزيل رؤيتهم إياها منزلة عدم الرؤية ، لانعدام فائدة الرؤية من إدراك ما ~~يدل عليه المرئي من انفراد الله تعالى بالإلهية . | # وجملة { إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون } مستأنفة استئنافا بيانيا ، لأن ~~الإنكار على المشركين عدم الانتفاع بما يرونه من الدلائل يثير سؤالا في نفس ~~السامع : أكان عدم الانتفاع بدلالة رؤية الطير عاما في البشر ، فيجاب بأن ~~المؤمنين يستدلون من ذلك بدلالات كثيرة . | PageV14P235 # والتأكيد ب { إن } مناسب لاستفهام الإنكار على الذين لم يروا تلك الآيات ~~، فأكدت الجملة الدالة على انتفاع المؤمنين بتلك الدلالة ، لأن الكلام موجه ~~للذين لم يهتدوا بتلك الدلالة ، فهم بمنزلة من ينكر أن في ذلك دلالة ~~للمؤمنين لأن المشركين ينظرون بمرآة أنفسهم . | # وبين الإنكار عليهم عدم رؤيتهم تسخير الطير وبين إثبات رؤية المؤمنين ~~لذلك محسن الطباق . وبين نفي عدم رؤية المشركين وتأكيد إثبات رؤية المؤمنين ~~لذلك محسن الطباق أيضا . وبين ضمير { يروا } وقوله : ( قوم يؤمنون ) التضاد ~~أيضا ، فحصل الطباق ثلاث مرات . وهذا أبلغ طباق جاء محويا للبيان . | # وجمع الآيات لأن في الطير دلائل مختلفة : من ms4605 خلقة الهواء ، وخلقة أجساد ~~الطير مناسبة للطيران في الهواء ، وخلق الإلهام للطير بأن يسبح في الجو ، ~~وبأن لا يسقط إلى الأرض إلا بإرادته . وخصت الآيات بالمؤمنين لأنهم بخلق ~~الإيمان قد ألفوا إعمال تفكيرهم في الاستدلال على حقائق الأشياء ، بخلاف ~~أهل الكفر فإن خلق الكفر مطبوع على النفرة من الاقتداء بالناصحين وعلى ~~مكابرة الحق . | # | 2 ( 80 ) { والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الانعام ~~بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارهآ ~~أثاثا ومتاعا إلى حين } . ) 2 # هذا من تعداد النعم التي ألهم الله إليها الإنسان ، وهي نعمة الفكر بصنع ~~المنازل الواقية والمرفهة وما يشبهها من الثياب والأثاث عطفا على جملة { ~~والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا ( سورة النحل : 78 ) . وكلها ~~من الألطاف التي أعد الله لها عقل الإنسان وهيأ له وسائلها . | PageV14P236 # وهذه نعمة الإلهام إلى اتخاذ المساكن وذلك أصل حفظ النوع من غوائل حوادث ~~الجو من شدة برد أو حر ومن غوائل السباع والهوام . وهي أيضا أصل الحضارة ~~والتمدن لأن البلدان ومنازل القبائل تتقوم من اجتماع البيوت . وأيضا تتقوم ~~من مجتمع الحلل والخيام . | # والقول في نظم جملة والله جعل لكم } كالقول في التي قبلها . | # وبيوت : يجوز فيه ضم الموحدة وكسرها ، وهو جمع بيت . وضم الموحدة هو ~~القياس لأنه على وزن فعول ، وهو مطرد في جمع فعل بفتح الفاء وسكون العين . ~~وأما لغة كسر الباء فلمناسبة وقوع الياء التحتية بعد الموحدة المضمومة ، ~~لأن الانتقال من حركة الضم إلى النطق بالياء ثقيل . وقال الزجاج : أكثر ~~النحويين لا يعرفون الكسر ( أي لا يعرفونه لغة ) وبين أبو علي جوازه . ~~وتقدم في سورة البقرة . | # وبالكسر قرأ الجمهور . وقرأها بالضم أبو عمرو وورش عن نافع وحفص عن عاصم ~~. | # والبيت : مكان يجعل له بناء وفسطاط يحيط به يعين مكانه ليتخذه جاعله مقرا ~~يأوي إليه ويستكن به من الحر والقر . وقد يكون محيطه من حجر وطين ويسمى ~~جدارا ، أو من أخشاب أو قصب أو غير ذلك وتسمى أيضا الأخصاص . ويوضع فوق ms4606 ~~محيطه غطاء ساتر من أعلاه يسمى السقف ، يتخذ من أعواد ويطين عليها ، وهذه ~~بيوت أهل المدن والقرى . | # وقد يكون المحيط بالبيت متخذا من أديم مدبوغ ويسمى القبة ، أو من أثواب ~~تنسج من وبر أو شعر أو صوف ويسمى الخيمة أو الخباء ، وكلها يكون بشكل قريب ~~من الهرمي تلتقي شقتاه أو شققه من أعلاه معتمدة على عمود وتنحدر منه متسعة ~~على شكل مخروط . وهذه بيوت الأعراب في البوادي أهل الإبل والغنم يتخذونها ~~لأنها أسعد لهم في انتجاعهم ، فينقلونها معهم إذا انتقلوا PageV14P237 ~~يتتبعون مواقع الكلأ لأنعامهم والكمأة لعيشهم . وقد تقدم ذكر البيت عند ~~قوله تعالى : { وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا في سورة البقرة ( 125 ) ~~. | # وجعل } هنا بمعنى أوجد ، فتتعدى إلى مفعول واحد . | # والسكن : اسم بمعنى المسكون . والسكنى : مصدر سكن فلان البيت ، إذا جعله ~~مقرا له ، وهو مشتق من السكون ، أي القرار . | # وانتصب قوله تعالى : { سكنا } على المفعولية ل { جعل } . | # وقوله : { من بيوتكم } بيان للسكن ، فتكون { من } بيانية ، أو تجعل ~~ابتدائية ويكون الكلام من قبيل التجريد بتنزيل البيوت منزلة شيء آخر غير ~~السكن ، كقولهم : لئن لقيت فلانا لتلقين منه بحرا . وأصل التركيب : والله ~~جعل لكم بيوتكم سكنا . | # وقيل : إن { سكنا } مصدر وهو قول ضعيف ، وعليه فيكون الامتنان بالإلهام ~~الذي دل عليه السكون ، وتكون { من } ابتدائية ، لأن أول السكون يقع في ~~البيوت . | # وشمل البيوت هنا جميع أصنافها . | # وخص بالذكر القباب والخيام في قوله تعالى : { وجعل لكم من جلود الأنعام ~~بيوتا } لأن القباب من أدم ، والخيام من منسوج الأوبار والأصواف والأشعار ، ~~وهي ناشئة من الجلد ، لأن الجلد هو الإهاب بما عليه ، فإذا دبغ وأزيل منه ~~الشعر فهو الأديم . | # وهذا امتنان خاص بالبيوت القابلة للانتقال والارتحال ، والبشر كلهم لا ~~يعدون أن يكونوا أهل قرى أو قبائل رحلا . | # والسين والتاء في { تستخفونها } للوجدان ، أي تجدونها خفيفة ، أي خفيفة ~~المحمل حين ترحلون ، إذ يسهل نقضها من مواضعها وطيها وحملها على الرواحل ، ~~وحين تنيخون إناخة الإقامة في الموضع المنتقل إليه فيسهل ضربها وتوثيقها في ~~الأرض . | PageV14P238 # والظعن بفتح الظاء ms4607 والعين وتسكن العين ، وقد قرأه بالأول نافع وابن كثير ~~وأبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب ، وبالثاني الباقون ، وهو السفر . | # وأطلق اليوم على الحين والزمن ، أي وقت سفركم . | # والأثاث بفتح الهمزة اسم جمع للأشياء التي تفرش في البيوت من وسائد وبسط ~~وزرابي ، وكلها تنسج أو تحشى بالأصواف والأشعار والأوبار . | # والمتاع أعم من الأثاث ، فيشمل الأعدال والخطم والرحائل واللبود والعقل . ~~| # فالمتاع : ما يتمتع به وينتفع ، وهو مشتق من المتع ، وهو الذهاب بالشيء ، ~~ولملاحظة اشتقاقه تعلق به إلى حين . والمقصود من هذا المتعلق الوعظ بأنها ~~أو أنهم صائرون إلى زوال يحول دون الانتفاع بها ليكون الناس على أهبة ~~واستعداد للآخرة فيتبعوا ما يرضي الله تعالى . كما قال : { أذهبتم طيباتكم ~~في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها ( سورة الأحقاف : 20 ) . | # | 2 ( 81 ) والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل ~~لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم ~~تسلمون } . ) 2 # عطف على أخواتها . | # والقول في نظم { والله جعل لكم } كالقول في نظائره المتقدمة . | # وهذا امتنان بنعمة الإلهام إلى التوقي من أضرار الحر والقر في حالة ~~الانتقال ، أعقبت به المنة بذلك في حال الإقامة والسكنى ، وبنعمة خلق ~~الأشياء التي PageV14P239 يكون بها ذلك التوقي باستعمال الموجود وصنع ~~مايحتاج إليه الإنسان من اللباس ، إذ خلق الله الظلال صالحة للتوقي من حر ~~الشمس ، وخلق الكهوف في الجبال ليمكن اللجأ إليها ، وخلق مواد اللباس مع ~~الإلهام إلى صناعة نسجها ، وخلق الحديد لاتخاذ الدروع للقتال . | # و ( من ) في { مما خلق } ابتدائية . | # والظلال تقدم الكلام عليه عند قوله تعالى : { يتفيأ ظلاله عن اليمين ~~والشمائل ( سورة النحل : 48 ) آنفا ، لأن الظلال آثار حجب الأجسام ضوء ~~الشمس من الوقوع على الأرض . | # والأكنان : جمع كن بكسر الكاف وهو فعل بمعنى مفعول ، أي مكنون فيه ، وهي ~~الغيران والكهوف . | # و ( من ) في قوله تعالى : مما خلق } ، و { من الجبال } ، للتبعيض . كانوا ~~يأوون إلى الكهوف في شدة حر الهجير أو عند اشتداد المطر ، كما ورد في حديث ~~الثلاثة الذين سألوا الله بأفضل ms4608 أعمالهم في ( صحيح البخاري ) . | # والسرابيل : جمع سربال ، وهو القميص يقي الجسد حر الشمس ، كما يقيه البرد ~~. | # وخص الحر هنا لأنه أكثر أحوال بلاد المخاطبين في وقت نزولها ، على أنه ~~لما ذكر الدفء في قوله تعالى : { والأنعام خلقها لكم فيها دفء ( سورة النحل ~~: 5 ) ذكر ضده هنا . | # والسرابيل التي تقي البأس : هي دروع الحديد . ولها من أسماء القميص الدرع ~~، والسربال ، والبدن . | # والبأس : الشدة في الحرب . وإضافته إلى الضمير على معنى التوزيع ، أي تقي ~~بعضكم بأس بعض ، كما فسر به قوله تعالى : ويذيق بعضكم بأس بعض ( سورة ~~الأنعام : 65 ) ، وقال تعالى : وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ( سورة الحديد ~~: 25 ) ، وهو بأس السيوف ، وقوله تعالى : وعلمناه صنعة لبوس لكم ليحصنكم من ~~بأسكم ( سورة الأنبياء : 80 ) . | PageV14P240 # وجملة كذلك يتم نعمته عليكم } تذييل لما ذكر من النعم ، والمشار إليه هو ~~ما في النعم المذكورة من الإتمام ، أو إلى الإتمام المأخوذ من { يتم } . | # و ( لعل ) للرجاء ، استعملت في معنى الرغبة ، أي رغبة في أن تسلموا ، أي ~~تتبعوا دين الإسلام الذي يدعوكم إلى ما مآله شكر نعم الله تعالى . | # وتقدم تأويل معنى الرجاء في كلام الله تعالى من سورة البقرة . | # | 2 ( 82 ) { فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين } . ) 2 # تفريع على جملة { لعلكم تسلمون } ( سورة النحل : 81 ) وقع اعتراضا بين ~~جملة { كذلك يتم نعمته عليكم ( سورة النحل : 81 ) وجملة ويوم نبعث من كل ~~أمة شهيدا ( سورة النحل : 84 ) . | # وقد حول الخطاب عنهم إلى خطاب النبي وهو نوع من الالتفات فيه التفات من ~~أسلوب إلى أسلوب والتفات عمن كان الكلام موجها إليه بتوجيه الكلام إلى شخص ~~آخر . | # والمعنى : كذلك يتم نعمته عليكم لتسلموا فإن لم يسلموا فإنما عليك البلاغ ~~. | # والمقصود : تسلية النبي على عدم استجابتهم . | # والتولي : الإعراض . وفعل تولوا } هنا بصيغة الماضي ، أي فإن أعرضوا عن ~~الدعوة فلا تقصير منك ولا غضاضة عليك فإنك قد بلغت البلاغ المبين للمحجة . ~~| # والقصر إضافي ، أي ما عليك إلا البلاغ لا تقليب قلوبهم إلى الإسلام ، أو ~~لا تولى جزاءهم على الإعراض ، بل ms4609 علينا جزاؤهم كقوله تعالى : { فإنما عليك ~~البلاغ وعلينا الحساب ( سورة الرعد : 40 ) . | # وجعل هذا جوابا لجملة فإن تولوا } من إقامة السبب والعلة مقام المسبب ~~والمعلول : وتقدير الكلام : فإن تولوا فلا تقصير ولا مؤاخذة عليك ~~PageV14P241 لأنك ما عليك إلا البلاغ . ونظير هذه قوله تعالى : { وأطيعوا ~~الله وأطيعو الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ ~~المبين ( سورة المائدة : 92 ) . | # | 2 ( 83 ) { يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون } . ) 2 # استئناف بياني لأن توليهم عن الإسلام مع وفرة أسباب اتباعه يثير سؤالا في ~~نفس السامع : كيف خفيت عليهم دلائل الإسلام ، فيجاب بأنهم عرفوا نعمة الله ~~ولكنهم أعرضوا عنها إنكارا ومكابرة . ويجوز أن تجعلها حالا من ضمير { تولوا ~~( سورة النحل : 82 ) . ويجوز أن تكون بدل اشتمال لجملة تولوا } . | # وهذه الوجوه كلها تقتضي عدم عطفها على ما قبلها . والمعنى : هم يعلمون ~~نعمة الله المعدودة عليهم فإنهم منتفعون بها ، ومع تحققهم أنها نعمة من ~~الله ينكرونها ، أي ينكرون شكرها فإن النعمة تقتضي أن يشكر المنعم عليه بها ~~من أنعم عليه ؛ فلما عبدوا ما لا ينعم عليهم فكأنهم أنكروها ، فقد أطلق فعل ~~( ينكرون ) بمعنى إنكار حق النعمة ، فإسناد إنكار النعمة إليهم مجاز لغوي ، ~~أو هو مجاز عقلي ، أي ينكرون ملابسها وهو الشكر . | # و { ثم } للتراخي الرتبي ، كما هو شأنها في عطف الجمل ، فهو عطف على جملة ~~{ يعرفون نعمت الله } ، وكأنه قيل : وينكرونها ، لأن { ثم } لما كانت للعطف ~~اقتضت التشريك في الحكم ، ولما كانت للتراخي الرتبي زال عنها معنى المهلة ~~الزمانية الموضوعة هي له فبقي لها معنى التشريك وصارت المهلة مهلة رتبية ~~لأن إنكار نعمة الله أمر غريب . | # وإنكار النعمة يستوي فيه جميع المشركين أيمتهم ودهماؤهم ، ففريق من ~~المشركين وهم أيمة الكفر شأنهم التعقل والتأمل فإنهم عرفوا النعمة بإقرارهم ~~بالمنعم وبما سمعوا من دلائل القرآن حتى ترددوا وشكوا PageV14P242 في دين ~~الشرك ثم ركبوا رؤوسهم وصمموا على الشرك . ولهذا عبر عن ذلك بالإنكار ~~المقابل للإقرار . | # وأما قوله تعالى : { وأكثرهم الكافرون } فظاهر كلمة ( أكثر ) وكلمة { ~~الكافرون } أن الذين ms4610 وصفوا بأنهم الكافرون هم غالب المشركين لا جميعهم ، ~~فيحمل المراد بالغالب على دهماء المشركين . فإن معظمهم بسطاء العقول بعداء ~~عن النظر فهم لا يشعرون بنعمة الله ، فإن نعمة الله تقتضي إفراده بالعبادة ~~. فكان إشراكهم راسخا ، بخلاف عقلائهم وأهل النظر فإن لهم ترددا في نفوسهم ~~ولكن يحملهم على الكفر حب السيادة في قومهم . وقد تقدم قوله تعالى فيهم : { ~~ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون في سورة العقود ~~( 103 ) . وهم الذين قال الله تعالى فيهم في الآية الأخرى فإنهم لا يكذبونك ~~ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ( سورة الأنعام : 33 ) . | # | 2 ( 84 ) { ويوم نبعث من كل أمة شهيدا ثم لا يؤذن للذين كفروا ولا هم ~~يستعتبون } . ) 2 # الواو عاطفة جملة { يوم نبعث } الخ على جملة { فإن تولوا فإنما عليك ~~البلاغ المبين ( سورة النحل : 82 ) بتقدير : واذكر يوم نبعث من كل أمة ~~شهيدا . فالتذكير بذلك اليوم من البلاغ المبين . والمعنى : فإن تولوا فإنما ~~عليك البلاغ المبين ، وسنجازي يوم نبعث من كل أمة شهيدا عليها . ذلك أن وصف ~~شهيد يقتضي أنه شاهد على المؤمنين به وعلى الكافرين ، أي شهيد لأنه بلغهم ~~رسالة الله . | # وبعث شهيد من كل أمة يفيد أن محمدا شهيد على هؤلاء الكافرين كما سيجيء ~~عقبه قوله تعالى : وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ( سورة النساء : 41 ) ، وبذلك ~~انتظم أمر العطف والتخلص إلى وصف يوم الحساب وإلى التنويه بشأنه . | ~~PageV14P243 # وانتصب يوم نبعث } على المفعول به للفعل المقدر . ولك أن تجعل { يوم } ~~منصوبا على الظرفية لعامل محذوف يدل عليه الكلام المذكور يقدر بما يسمح به ~~المعنى ، مثل : نحاسبهم حسابا لا يستعتبون منه ، أو وقعوا فيما وقعوا من ~~الخطب العظيم . | # والذي دعا إلى هذا الحذف هو أن ما حقه أن يكون عاملا في الظرف وهو { لا ~~يؤذن للذين كفروا } قد حول إلى جعله معطوفا على جملة الظرف بحرف { ثم } ~~الدال على التراخي الرتبي ، إذ الأصل : ويوم نبعث من كل أمة شهيدا لا يؤذن ~~للذين كفروا . . . إلى آخره ، فبقي الظرف بدون متعلق فلم ms4611 يكن للسامع بد من ~~تقديره بما تذهب إليه نفسه . وذلك يفيد التهويل والتفظيع وهو من بديع ~~الإيجاز . | # والشهيد : الشاهد . وقد تقدم نظيره عند قوله تعالى : { فكيف إذا جئنا من ~~كل أمة بشهيد في سورة النساء ( 41 ) . | # والبعث : إحضاره في الموقف . | # وثم } للترتيب الرتبي ، لأن إلجامهم عن الكلام مع تعذر الاستعتاب أشد ~~هولا من الإتيان بالشهيد عليهم . وليست { ثم } للتراخي في الزمن ، لأن عدم ~~الإذن لهم مقارن لبعث الشهيد عليهم . والمعنى : لا يؤذن لهم بالمجادلة عن ~~أنفسهم ، فحذف متعلق { يؤذن } لظهوره من قوله تعالى : { ولا هم يستعتبون } ~~. | # ويجوز أن يكون نفي الإذن كناية عن الطرد كما كان الإذن كناية عن الإكرام ~~، كما في حديث جرير بن عبد الله ( ما استأذنت رسول الله منذ أسلمت إلا أذن ~~لي ) . وحينئذ لا يقدر له متعلق أو لا يؤذن لهم في الخروج من جهنم حين ~~يسألونه بقولهم : { ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب ( سورة غافر : 49 ) ~~فهو كقوله تعالى : فاليوم لا يخرجون منها ولا هم يستعتبون ( سورة الجاثية : ~~35 ) . | # والاستعتاب : أصله طلب العتبى ، والعتبى : الرضى بعد الغضب ، يقال : ~~استعتب فلان فلانا فأعتبه ، إذا أرضاه ، قال تعالى : وإن يستعتبوا فما هم ~~من المعتبين ( سورة فصلت : 24 ) . | PageV14P244 # وإذا بني للمجهول فالأصل أن يكون نائب فاعله هو المطلوب منه الرضى ، تقول ~~: استعتب فلان فلم يعتب . وأما ما وقع في القرآن منه مبنيا للمجهول فقد وقع ~~نائب فاعله ضمير المستعتبين كما في هذه الآية ، وكما في قوله تعالى في سورة ~~الروم ( 57 ) : فيومئذ لا تنفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون ، وفي ~~سورة الجاثية ( 35 ) : فاليوم لا يخرجون منها ولا هم يستعتبون . ففسره ~~الراغب فقال : الاستعتاب أن يطلب من الإنسان أن يطلب العتبى ا ه . | # وعليه فيقال : استعتب فلم يستعتب ، ويقال : على الأصل استعتب فلان فلم ~~يعتب . وهذا استعمال نشأ عن الحذف . وأصله : استعتب له ، أي طلب منه أن ~~يستعتب ، فكثر في الاستعمال حتى قل استعمال استعتب مبنيا للمجهول في غير ~~هذا المعنى . | # وعطف ولا هم يستعتبون } على ms4612 { لا يؤذن للذين كفروا } وإن كان أخص منه ، ~~فهو عطف خاص على عام ، للاهتمام بخصوصه للدلالة على أنهم مأيوس من الرضى ~~عنهم عند سائر أهل الموقف بحيث يعلمون أن لا طائل في استعتابهم ، فلذلك لا ~~يشير أحد عليهم بأن يستعتبوا . فإن جعلت { لا يؤذن } كناية عن الطرد ~~فالمعنى : أنهم يطردون ولا يجدون من يشير عليهم بأن يستعتبوا . | # | 2 ( 85 ) { وإذا رأى الذين ظلموا العذاب فلا يخفف عنهم ولا هم ينظرون } ~~. ) 2 # عطف على جملة { ثم لا يؤذن للذين كفروا } ( سورة النحل : 84 ) . و { إذا ~~} شرطية ظرفية . | # وجملة { فلا يخفف } جواب { إذا } . وقرن بالفاء لتأكيد معنى الشرطية ~~والجوابية لدفع احتمال الاستئناف . | PageV14P245 # وصاحب ( الكشاف ) جعل { إذا } ظرفا مجردا عن معنى الشرطية منصوبا بفعل ~~محذوف لقصد التهويل يقتضي تقديره عدم وجود متعلق للظرف ليقدر له متعلق بما ~~يناسب ، كما قدر في قوله تعالى : { ويوم نبعث ( سورة النحل : 84 ) . ~~والتقدير : إذا رأى الذين ظلموا العذاب ثقل عليهم وبغتهم ، وعلى هذا فالفاء ~~في قوله : فلا يخفف } فصيحة وليست رابطة للجواب . | # و { الذين ظلموا } هم الذين كفروا ، فالتعبير به من الإظهار في مقام ~~الإضمار لقصد إجراء الصفات المتلبسين بها عليهم . والمعنى : فلا يؤذن للذين ~~كفروا ولا هم يستعتبون ، ثم يساقون إلى العذاب فإذا رأوه لا يخفف عنهم ، أي ~~يسألون تخفيفه أو تأخير الإقحام فيه فلا يستجاب لهم شيء من ذلك . | # وأطلق العذاب على آلاته ومكانه . | # وجاء المسند إليه مخبرا عنه بالجملة الفعلية ، لأن الإخبار بالجملة ~~الفعلية عن الاسم يفيد تقوي الحكم ، فأريد تقوي حكم النفي ، أي أن عدم ~~تخفيف العذاب عنهم محقق الوقوع لا طماعية في إخلافه ، فحصل تأكيد هذه ~~الجملة كما حصل تأكيد الجملة التي قبلها بالفاء ، أي فهم يلقون بسرعة في ~~العذاب . | # | 2 ( 86 ، 87 ) { وإذا رءا الذين أشركوا شركآءهم قالوا ربنا هاؤلآء ~~شركآؤنا الذين كنا ندعوا من دونك فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون * وألقوا ~~إلى الله يومئذ السلم وضل عنهم ما كانوا يفترون } . ) 2 # { الذين أشركوا } هم الذين ظلموا الذين يرون العذاب ، وهم ms4613 الذين كفروا ~~الذين لا يؤذن لهم . وإجراء هذه الصلات الثلاث عليهم لزيادة التسجيل عليهم ~~بأنواع إجرامهم الراجعة إلى تكذيب ما دعاهم الله إليه ، وهو نكتة ~~PageV14P246 الإظهار في مقام الإضمار هنا ، كما تقدم في قوله تعالى : { ~~وإذا رءا الذين ظلموا العذاب ( سورة النحل : 85 ) . | # فالإشراك المقصود هنا هو إشراكهم الأصنام في صفة الإلهية مع الله تعالى ، ~~فيتعين أن يكون المراد بالشركاء الأصنام ، أي الشركاء لله حسب اعتقادهم . ~~وبهذا الاعتبار أضيف لفظ شركاء إلى ضمير الذين ظلموا } في قوله تعالى : { ~~شركاءهم } ، كقول خالد بن الصقعب النهدي لعمرو بن معديكرب وقد تحدث عمرو في ~~مجلس قوم بأنه أغار على بني نهد وقتل خالدا ، وكان خالد حاضرا في ذلك ~~المجلس فناداه : مهلا أبا ثور قتيلك يسمع ، أي قتيلك المزعوم ، فالإضافة ~~للتهكم . والمعنى : إذا رأى الذين أشركوا الشركاء عندهم ، أي في ظنهم . | # ولك أن تجعل لفظ ( شركاء ) لقبا زال منه معنى الوصف بالشركة وصار لقبا ~~للأصنام ، فتكون الإضافة على أصلها . | # والمعنى : أنهم يرون الأصنام حين تقذف معهم في النار ، قال تعالى : { ~~وقودها الناس والحجارة ( سورة البقرة : 24 ) . | # وقولهم : ربنا هؤلاء شركاؤنا } إما من قبيل الاعتراف عن غير إرادة فضحا ~~لهم ، كقوله تعالى : { يوم تشهد عليهم ألسنتهم ( سورة النور : 24 ) ، وإما ~~من قبيل التنصل وإلقاء التبعة على المعبودات كأنهم يقولون هؤلاء أغرونا ~~بعبادتهم من قبيل قوله تعالى : وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ ~~منهم كما تبرأوا منا ( سورة البقرة : 167 ) . | # والفاء في فألقوا } للتعقيب للدلالة على المبادرة بتكذيب ما تضمنه مقالهم ~~، أنطق الله تلك الأصنام فكذبت ما تضمنه مقالهم من كون الأصنام شركاء لله ، ~~أو من كون عبادتهم بإغراء منها تفضيحا لهم وحسرة عليهم . | # والجمع في اسم الإشارة واسم الموصول جمع العقلاء جريا على اعتقادهم إلهية ~~الأصنام . | PageV14P247 # ولما كان نطق الأصنام غير جار على المتعارف عبر عنه بالإلقاء المؤذن بكون ~~القول أجراه الله على أفواه الأصنام من دون أن يكونوا ناطقين فكأنه سقط ~~منها . | # وإسناد الإلقاء إلى ضمير الشركاء مجاز عقلي لأنها مظهره . | # وأجرى ms4614 عليهم ضمير جمع العقلاء في فعل ( ألقوا ) مشاكلة لاسم الإشارة واسم ~~الموصول للعقلاء . | # ووصفهم بالكذب متعلق بما تضمنه كلامهم أن أولئك آلهة يدعون من دون الله ~~على نحو ما وقع في الحديث : ( فيقال للنصارى : ما كنتم تعبدون ، فيقولون : ~~كنا نعبد المسيح ابن الله ، فيقال لهم : كذبتم ما اتخذ الله من ولد ) . | # وأما صريح كلامهم وهو قولهم : { هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك } ~~فهم صادقون فيه . | # وجملة { إنكم لكاذبون } بدل من { القول } . وأعيد فعل { ألقوا } في قوله ~~: { وألقوا إلى الله يومئذ السلم } لاختلاف فاعل الإلقاء ، فضمير القول ~~الثاني عائد إلى { الذين أشركوا } . | # ولك أن تجعل فعل { ألقوا } الثاني مماثلا لفعل ( ألقوا ) السابق . ولك أن ~~تجعل الإلقاء تمثيلا لحالهم بحال المحارب إذا غلب إذ يلقي سلاحه بين يدي ~~غالبه ، ففي قوله : { ألقوا } مكنية تمثيلية مع ما في لفظ { ألقوا } من ~~المشاكلة . | # و { السلم } بفتح اللام : الاستسلام ، أي الطاعة وترك العناد . | # { وضل عنهم ما كانوا يفترون } أي غاب عنهم وزايلهم ما كانوا يفترونه في ~~الدنيا من الاختلافات للأصنام من أنها تسمع لهم ونحو ذلك . | # | PageV14P248 # | 2 ( 88 ) { الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب ~~بما كانوا يفسدون } . ) 2 # لما ذكر العذاب الذين هم لاقوه على كفرهم استأنف هنا بذكر زيادة العذاب ~~لهم على الزيادة في كفرهم بأنهم يصدون الناس عن اتباع الإسلام ، وهو المراد ~~بالصد عن سبيل الله ، أي السبيل الموصلة إلى الله ، أي إلى الكون في ~~أوليائه وحزبه . والمقصود : تنبيه المسلمين إلى كيدهم وإفسادهم ، والتعريض ~~بالتحذير من الوقوع في شراكهم . | # وزيادة العذاب : مضاعفته . | # والتعريف في قوله تعالى : { فوق العذاب } تعريف الجنس المعهود حيث تقدم ~~ذكره في قوله تعالى : { وإذا رأى الذين ظلموا العذاب ( سورة النحل : 85 ) ، ~~لأن عذاب كفرهم لما كان معلوما بكثرة الحديث عنه صار كالمعهود ؛ وأما عذاب ~~صدهم الناس فلا يخطر بالبال فكان مجهولا فناسبه التنكير . | # والباء في بما كانوا يفسدون } للسببية . والمراد : إفسادهم الراغبين في ~~الإسلام بتسويل البقاء على الكفر ، كما فعلوا مع الأعشى حين جاء ms4615 مكة راغبا ~~في الإسلام مادحا الرسول عليه الصلاة والسلام بقصيدة : | # هل اغتمضت عيناك ليلة أرمدا | # وقصته في كتب السيرة والأدب . وكما فعلوا مع عامر بن الطفيل الدوسي فإنه ~~قدم مكة فمشى إليه رجال من قريش فقالوا : يا طفيل إنك قدمت بلادنا وهذا ~~الرجل الذي بين أظهرنا قد أعضل بنا وقد فرق جماعتنا وشتت أمرنا وإنما قوله ~~كالسحر ، وإنا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا فلا تكلمنه ولا تسمعن ~~منه . وقد ذكر في قصة إسلام أبي ذر كيف تعرضوا له بالأذى في المسجد الحرام ~~حين علموا إسلامه . | # | PageV14P249 # | 2 ( 89 ) { ويوم نبعث فى كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا ~~على هاؤلآء ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شىء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين } ~~. ) 2 # تكرير لجملة ويوم نبعث من كل أمة شهيدا ثم لا يؤذن للذين كفروا ( سورة ~~النحل : 84 ) ليبنى عليه عطف جملة وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ويوم نبعث فى ~~كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هاؤلآء ونزلنا عليك ~~الكتاب تبيانا لكل شىء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين } على جملة { ويوم نبعث ~~في كل أمة شهيدا عليهم } . | # ولما كان تكريرا أعيد نظير الجملة على صورة الجملة المؤكدة مقترنة بالواو ~~، ولأن في هذه الجملة زيادة وصف { من أنفسهم } فحصلت مغايرة مع الجملة ~~السابقة والمغايرة مقتضية للعطف أيضا . | # ومن دواعي تكرير مضمون الجملة السابقة أنه لبعد ما بين الجملتين بما ~~اعترض بينهما من قوله تعالى : { ثم لا يؤذن للذين كفروا } إلى قوله : { بما ~~كانوا يفسدون ( سورة النحل : 84 88 ) ، فهو كالإعادة في قول لبيد : | # فتنازعا سبطا يطير طلاله | # كدخان مشعلة يشب ضرامها | # مشمولة غلثت بنابت عرفج | # كدخان نار ساطع أسنامها | # مع أن الإعادة هنا أجدر لأن الفصل أطول . | # وقد حصل من هذه الإعادة تأكيد التهديد والتسجيل . | # وعدي فعل نبعث } هنا بحرف { في } ، وعدي نظيره في الجملة السابقة بحرف ( ~~من ) ليحصل التفنن بين المكررين تجديدا لنشاط السامعين . | # وزيد في هذه الجملة أن الشهيد يكون من أنفسهم زيادة ms4616 في التذكير بأن شهادة ~~الرسل على الأمم شهادة لا مطعن لهم فيها لأنها شهود من قومهم لا يجد ~~المشهود عليهم فيها مساغا للطعن . | PageV14P250 # ولم تخل أيضا بعد التعريض بالتحذير من صد الكافرين عن سبيل الله من حسن ~~موقع تذكير المسلمين بنعمة الله عليهم إذ بعث فيهم شهيدا يشهد لهم بما ~~ينفعهم وبما يضر أعداءهم . | # والقول في بقية هذه الجملة مثل ما سبق في نظيرتها . | # ولما كان بعث الشهداء للأمم الماضية مرادا به بعثهم يوم القيامة عبر عنه ~~بالمضارع . | # وجملة { وجئنا بك شهيدا } يجوز أن تكون معطوفة على جملة { ويوم نبعث } ~~كلها . فالمعنى : وجئنا بك لما أرسلناك إلى أمتك شهيدا عليهم ، أي مقدرا أن ~~تكون شهيدا عليهم يوم القيامة ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان حيا ~~في آن نزول هذه الآية كان شهيدا في الحال والاستقبال ، فاختير لفظ الماضي ~~في { جئنا } للإشارة إلى أنه مجيء حصل من يوم بعثته . | # ويعلم من ذلك أنه يحصل يوم القيامة بطريق المساواة لبقية إخوانه الشهداء ~~على الأمم ، إذ المقصود من ذلك كله تهديد قومه وتحذيرهم . وهذا الوجه شديد ~~المناسبة بأن يعطف عليه قوله تعالى : { ونزلنا عليك الكتاب ( سورة النحل : ~~89 ) الآية . | # وقد علمت من هذا أن جملة وجئنا بك شهيدا } ليست معطوفة على { نبعث } بحيث ~~تدخل في حيز الظرف وهو { يوم } ، بل معطوفة على مجموع جملة { يوم نبعث } ، ~~لأن المقصود وجئنا بك شهيدا من وقت إرسالك . وعلى هذا يكون الكلام تم عند ~~قوله : { من أنفسهم } ، فيحسن الوقف عليه لذلك . | # ويجوز أن تعطف على جملة { نبعث في كل أمة شهيدا } فتدخل في حيز الظرف ~~ويكون الماضي مستعملا في معنى الاستقبال مجازا لتحقق وقوعه ، فشابه به ما ~~حصل ومضى ، فيكون الوقف على قوله : { شهيدا } . ويتحصل من PageV14P251 ~~تغيير صيغة الفعل عن المضارع إلى الماضي تهيئة عطف { ونزلنا عليك الكتاب } ~~. | # ولم يوصف الرسول عليه الصلاة والسلام بأنه من أنفسهم لأنه مبعوث إلى جميع ~~الأمم ، وشهيد عليهم جميعا ، وأما وصفه بذلك في قوله تعالى : { لقد جاءكم ~~رسول من ms4617 أنفسكم في سورة التوبة ( 128 ) فذلك وصف كاشف اقتضاه مقام التذكير ~~للمخاطبين من المنافقين الذين ضموا إلى الكفر بالله كفران نعمة بعث رسول ~~إليهم من قومهم . | # وليس في قوله : على هؤلاء } ما يقتضي تخصيص شهادته بكونها شهادة على ~~المتحدث عنهم من أهل الشرك ، ولكن اقتصر عليهم لأن الكلام جار في تهديدهم ~~وتحذيرهم . | # و { هؤلاء } إشارة إلى حاضر في الذهن وهم المشركون الذين أكثر الحديث ~~عليهم . وقد تتبعت مواقع أمثال اسم الإشارة هذا في القرآن فرأيته يعنى به ~~المشركون من أهل مكة . وتقدم بيانه عند قوله تعالى : { وجئنا بك على هؤلاء ~~شهيدا في سورة النساء ( 41 ) ، وقوله تعالى : فإن يكفر بها هؤلاء في سورة ~~الأنعام ( 89 ) . | # عطف على جملة { وجئنا بك شهيدا } أي أرسلناك شهيدا على المشركين وأنزلنا ~~عليك القرآن لينتفع به المسلمون ، فرسول الله صلى الله عليه وسلم شهيد على ~~المكذبين ومرشد للمؤمنين . | # وهذا تخلص للشروع في تعداد النعم على المؤمنين من نعم الإرشاد ونعم ~~الجزاء على الامتثال وبيان بركات هذا الكتاب المنزل لهم . | PageV14P252 # وتعريف الكتاب للعهد ، وهو القرآن . | # و { تبيانا } مفعول لأجله . والتبيان مصدر دال على المبالغة في المصدرية ~~، ثم أريد به اسم الفاعل فحصلت مبالغتان ، وهو بكسر التاء ، ولا يوجد مصدر ~~بوزن تفعال بكسر التاء إلا تبيان بمعنى البيان كما هنا . وتلقاء بمعنى ~~اللقاء لا بمعنى المكان ، وما سوى ذلك من المصادر الواردة على هذه الزنة ~~فهي بفتح التاء . | # وأما أسماء الذوات والصفات الواردة على هذه الزنة فهي بكسر التاء وهي ~~قليلة ، عد منها : تمثال ، وتنبال ، للقصير . وأنهاها ابن مالك في نظم ~~الفوائد إلى أربع عشرة كلمة . | # و ( كل شيء ) يفيد العموم ؛ إلا أنه عموم عرفي في دائرة ما لمثله تجيء ~~الأديان والشرائع : من إصلاح النفوس ، وإكمال الأخلاق ، وتقويم المجتمع ~~المدني ، وتبين الحقوق ، وما تتوقف عليه الدعوة من الاستدلال على الوحدانية ~~، وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم وما يأتي في خلال ذلك من الحقائق العلمية ~~والدقائق الكونية ، ووصف أحوال الأمم ، وأسباب فلاحها وخسارها ، والموعظة ~~بآثارها بشواهد التاريخ ، وما ms4618 يتخلل ذلك من قوانينهم وحضاراتهم وصنائعهم . ~~| # وفي خلال ذلك كله أسرار ونكت من أصول العلوم والمعارف صالحة لأن تكون ~~بيانا لكل شيء على وجه العموم الحقيقي إن سلك في بيانها طريق التفصيل ~~واستنير فيها بما شرح الرسول صلى الله عليه وسلم وما قفاه به أصحابه وعلماء ~~أمته ، ثم ما يعود إلى الترغيب والترهيب من وصف ما أعد للطائعين وما أعد ~~للمعرضين ، ووصف عالم الغيب والحياة الآخرة . ففي كل ذلك بيان لكل شيء يقصد ~~بيانه للتبصر في هذا الغرض الجليل ، فيؤول ذلك العموم العرفي بصريحه إلى ~~عموم حقيقي بضمنه ولوازمه . وهذا من أبدع الإعجاز . | PageV14P253 # وخص بالذكر الهدى والرحمة والبشرى لأهميتها ؛ فالهدى ما يرجع من التبيان ~~إلى تقويم العقائد والأفهام والإنقاذ من الضلال . والرحمة ما يرجع منه إلى ~~سعادة الحياتين الدنيا والأخرى ، والبشرى ما فيه من الوعد بالحسنيين ~~الدنيوية والأخروية . | # وكل ذلك للمسلمين دون غيرهم لأن غيرهم لما أعرضوا عنه حرموا أنفسهم ~~الانتفاع بخواصه كلها . | # فاللام في { لكل شيء } متعلق بالتبيان ، وهي لام التقوية ، لأن ( كل شيء ~~) في معنى المفعول به ل { تبيانا } . واللام في { للمسلمين } لام العلة ~~يتنازع تعلقها ( تبيان وهدى ورحمة وبشرى ) وهذا هو الوجه . | # | 2 ( 90 ) { إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتآء ذى القربى وينهى عن ~~الفحشاء والمنكر والبغى يعظكم لعلكم تذكرون } . ) 2 # لما جاء أن هذا القرآن تبيان لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين حسن ~~التخلص إلى تبيان أصول الهدى في التشريع للدين الإسلامي العائدة إلى الأمر ~~والنهي ، إذ الشريعة كلها أمر ونهي ، والتقوى منحصرة في الامتثال والاجتناب ~~، فهذه الآية استئناف لبيان كون الكتاب تبيانا لكل شيء ، فهي جامعة أصول ~~التشريع . | # وافتتاح الجملة بحرف التوكيد للاهتام بشأن ما حوته . وتصديرهما باسم ~~الجلالة للتشريف ، وذكر { يأمر } { وينهى } دون أن يقال : اعدلوا واجتنبوا ~~الفحشاء ، للتشويق . ونظيره ما في الحديث ( إن الله يرضى لكم ثلاثا ويكره ~~لكم ثلاثا ) الحديث . | # والعدل : إعطاء الحق إلى صاحبه . وهو الأصل الجامع للحقوق الراجعة إلى ~~الضروري والحاجي من الحقوق الذاتية وحقوق المعاملات ، إذ المسلم مأمور ~~PageV14P254 بالعدل ms4619 في ذاته ، قال تعالى : { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ~~( سورة البقرة : 191 ) ، ومأمور بالعدل في المعاملة ، وهي معاملة مع خالقه ~~بالاعتراف له بصفاته وبأداء حقوقه ؛ ومعاملة مع المخلوقات من أصول المعاشرة ~~العائلية والمخالطة الاجتماعية وذلك في الأقوال والأفعال ، قال تعالى : ~~وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى ( سورة الأنعام : 152 ) ، وقال تعالى : ~~وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل وقد تقدم في سورة النساء ( 58 ) . | # ومن هذا تفرعت شعب نظام المعاملات الاجتماعية من آداب ، وحقوق وأقضية ، ~~وشهادات ، ومعاملة مع الأمم ، قال تعالى : ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا ~~تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى ( سورة المائدة : 8 ) . | # ومرجع تفاصيل العدل إلى أدلة الشريعة . فالعدل هنا كلمة مجملة جامعة فهي ~~بإجمالها مناسبة إلى أحوال المسلمين حين كانوا بمكة ، فيصار فيها إلى ما هو ~~مقرر بين الناس في أصول الشرائع وإلى ما رسمته الشريعة من البيان في مواضع ~~الخفاء ، فحقوق المسلمين بعضهم على بعض من الأخوة والتناصح قد أصبحت من ~~العدل بوضع الشريعة الإسلامية . | # وأما الإحسان فهو معاملة بالحسنى ممن لا يلزمه إلى من هو أهلها . والحسن ~~: ما كان محبوبا عند المعامل به ولم يكن لازما لفاعله ، وأعلاه ما كان في ~~جانب الله تعالى مما فسره النبي بقوله : الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ، ~~فإن لم تكن تراه فإنه يراك . ودون ذلك التقرب إلى الله بالنوافل . ثم ~~الإحسان في المعاملة فيما زاد على العدل الواجب ، وهو يدخل في جميع الأقوال ~~والأفعال ومع سائر الأصناف إلا ما حرم الإحسان بحكم الشرع . | # ومن أدنى مراتب الإحسان ما في حديث الموطأ } : ( أن امرأة بغيا رأت كلبا ~~يلهث من العطش يأكل الثرى فنزعت خفها وأدلته في بئر ونزعت فسقته فغفر الله ~~لها ) . | PageV14P255 # وفي الحديث ( إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة ~~، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة ) . | # ومن الإحسان أن يجازي المحسن إليه المحسن على إحسانه إذ ليس الجزاء بواجب ~~. | # فإلى حقيقة الإحسان ترجع أصول وفروع آداب المعاشرة كلها في العائلة ~~والصحبة . والعفو عن الحقوق ms4620 الواجبة من الإحسان لقوله تعالى : { والعافين ~~عن الناس والله يحب المحسنين ( سورة آل عمران : 134 ) . وتقدم عند قوله ~~تعالى : وبالوالدين إحسانا في سورة الأنعام ( 151 ) . | # وخص الله بالذكر من جنس أنواع العدل والإحسان نوعا مهما يكثر أن يغفل ~~الناس عنه ويتهاونوا بحقه أو بفضله ، وهو إيتاء ذي القربى فقد تقرر في نفوس ~~الناس الاعتناء باجتلاب الأبعد واتقاء شره ، كما تقرر في نفوسهم الغفلة عن ~~القريب والاطمئنان من جانبه وتعود التساهل في حقوقه . ولأجل ذلك كثر أن ~~يأخذوا أموال الأيتام من مواليهم ، قال تعالى : وآتوا اليتامى أموالهم ( ~~سورة النساء : 2 ) ، وقال : وآت ذا القربى حقه ( سورة الإسراء : 26 ) ، ~~وقال : وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء ( سورة النساء : 127 ) ~~الآية . ولأجل ذلك صرفوا معظم إحسانهم إلى الأبعدين لاجتلاب المحمدة وحسن ~~الذكر بين الناس . ولم يزل هذا الخلق متفشيا في الناس حتى في الإسلام إلى ~~الآن ولا يكترثون بالأقربين . | # وقد كانوا في الجاهلية يقصدون بوصايا أموالهم أصحابهم من وجوه القوم ، ~~ولذلك قال تعالى : كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية ~~للوالدين والأقربين ( سورة البقرة : 180 ) . فخص الله بالذكر من بين جنس ~~العدل وجنس الإحسان إيتاء المال إلى ذي القربى تنبيها للمؤمنين يومئذ بأن ~~القريب أحق بالإنصاف من غيره . وأحق بالإحسان من غيره لأنه محل الغفلة ولأن ~~مصلحته أجدى من مصلحة أنواع كثيرة . | PageV14P256 # وهذا راجع إلى تقويم نظام العائلة والقبيلة تهيئة بنفوس الناس إلى أحكام ~~المواريث التي شرعت فيما بعد . | # وعطف الخاص على العام اهتماما به كثير في الكلام ، فإيتاء ذي القربى ذو ~~حكمين : وجوب لبعضه ، وفضيلة لبعضه ، وذلك قبل فرض الوصية ، ثم فرض ~~المواريث . | # وذو القربى : هو صاحب القرابة ، أي من المؤتي . وقد تقدم عند قوله تعالى ~~: وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى في سورة الأنعام ( 152 ) . | # والإيتاء الإعطاء . والمراد إعطاء المال ، قال تعالى : قال أتمدونني بمال ~~فما آتاني الله خير مما آتاكم ( سورة النمل : 76 ) ، وقال : وآتى المال على ~~حبه ( سورة البقرة : 177 ) . | # ونهى الله عن ms4621 الفحشاء والمنكر والبغي وهي أصول المفاسد . | # فأما الفحشاء : فاسم جامع لكل عمل أو قول تستفظعه النفوس لفساده من ~~الآثام التي تفسد نفس المرء : من اعتقاد باطل أو عمل مفسد للخلق ، والتي ~~تضر بأفراد الناس بحيث تلقي فيهم الفساد من قتل أو سرقة أو قذف أو غصب مال ~~، أو تضر بحال المجتمع وتدخل عليه الاضطراب من حرابة أو زنا أو تقامر أو ~~شرب خمر . فدخل في الفحشاء كل ما يوجب اختلال المناسب الضروري ، وقد سماها ~~الله الفواحش . وتقدم ذكر الفحشاء عند قوله تعالى : إنما يأمركم بالسوء ~~والفحشاء في سورة البقرة ( 169 ) ، وقوله : قل إنما حرم ربي الفواحش في ~~سورة الأعراف ( 33 ) وهي مكية . | # وأما المنكر فهو ما تستنكره النفوس المعتدلة وتكرهه الشريعة من فعل أو ~~قول ، قال تعالى : وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا ( سورة المجادلة : 2 ~~) ، وقال : وتأتون في ناديكم المنكر ( سورة العنكبوت : 29 ) . والاستنكار ~~مراتب ، منها مرتبة الحرام ، ومنها مرتبة المكروه فإنه منهي عنه . وشمل ~~المنكر كل ما يفضي إلى الإخلال بالمناسب الحاجي ، وكذلك ما يعطل المناسب ~~التحسيني بدون ما يفضي منه إلى ضر . | PageV14P257 # وخص الله بالذكر نوعا من الفحشاء والمنكر ، وهو البغي اهتماما بالنهي عنه ~~وسدا لذريعة وقوعه ، لأن النفوس تنساق إليه بدافع الغضب وتغفل عما يشمله من ~~النهي من عموم الفحشاء بسبب فشوه بين الناس ؛ وذلك أن العرب كانوا أهل بأس ~~وشجاعة وإباء ، فكانوا يكثر فيهم البغي على الغير إذا لقي المعجب بنفسه من ~~أحد شيئا يكرهه أو معاملة يعدها هضيمة وتقصيرا في تعظيمه . وبذلك كان يختلط ~~على مريد البغي حسن الذب عما يسميه الشرف وقبح مجاوزة حد الجزاء . | # فالبغي هو الاعتداء في المعاملة ، إما بدون مقابلة ذنب كالغارة التي كانت ~~وسيلة كسب في الجاهلية ، وإما بمجاوزة الحد في مقابلة الذنب كالإفراط في ~~المؤاخذة ، ولذا قال تعالى : فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى ~~عليكم واتقوا الله ( سورة البقرة : 194 ) . وقال : ذلك ومن عاقب بمثل ما ~~عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله ( سورة الحج : 60 ms4622 ) . وقد تقدم عند قوله ~~تعالى : والإثم والبغي بغير الحق في سورة الأعراف ( 33 ) . | # فهذه الآية جمعت أصول الشريعة في الأمر بثلاثة ، والنهي عن ثلاثة ، بل في ~~الأمر بشيئين وتكملة ، والنهي عن شيئين وتكملة . | # روى أحمد بن حنبل : أن هذه كانت السبب في تمكن الإيمان من عثمان بن مظعون ~~، فإنها لما نزلت كان عثمان بن مظعون بجانب رسول الله وكان حديث الإسلام ، ~~وكان إسلامه حياء من النبي وقرأها النبي عليه . قال عثمان : فذلك حين استقر ~~الإيمان في قلبي . وعن عثمان بن أبي العاص : كنت عند رسول الله جالسا إذ ~~شخص بصره ، فقال : أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية بهذا الموضع إن ~~الله يأمر بالعدل } الآية اه . وهذا يقتضي أن هذه الآية لم تنزل متصلة ~~بالآيات التي قبلها فكان وضعها في هذا الموضع صالحا لأن يكون بيانا لآية { ~~ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل PageV14P258 شيء ( سورة النحل : 89 ) الخ ، ~~ولأن تكون مقدمة لما بعدها وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ( سورة النحل : 91 ~~) الآية . | # وعن ابن مسعود : أن هذه الآية أجمع آية في القرآن . | # وعن قتادة : ليس من خلق حسن كان أهل الجاهلية يعملون به ويستحسنونه إلا ~~أمر الله به في هذه الآية ، وليس من خلق كانوا يتعايرونه بينهم إلا نهى ~~الله عنه وقدح فيه ، وإنما نهى عن سفاسف الأخلاق ومذامها . | # وروى ابن ماجه عن علي قال : أمر الله نبيئه أن يعرض نفسه على قبائل العرب ~~، فخرج ، فوقف على مجلس قوم من شيبان بن ثعلبة في الموسم . فدعاهم إلى ~~الإسلام وأن ينصروه ، فقال مفروق بن عمرو منهم : إلام تدعونا أخا قريش ، ~~فتلا عليهم رسول الله : إن الله يأمر بالعدل والإحسان } الآية . فقال : ~~دعوت والله إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال ولقد أفك قوم كذبوك وظاهروا ~~عليك . | # وقد روي أن الفقرات الشهيرة التي شهد بها الوليد بن المغيرة للقرآن من ~~قوله : ( إن له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإن أعلاه لمثمر ، وإن أسفله ~~لمغدق ، وما هو بكلام بشر ) قالها عند سماع هذه الآية . | # وقد اهتدى الخليفة ms4623 عمر بن عبد العزيز رحمه الله إلى ما جمعته هذه الآية ~~من معاني الخير فلما استخلف سنة 99 كتب يأمر الخطباء بتلاوة هذه الآية في ~~الخطبة يوم الجمعة وتجعل تلاوتها عوضا عما كانوا يأتونه في خطبة الجمعة من ~~كلمات سب علي بن أبي طالب رضي الله عنه . وفي تلاوة هذه الآية عوضا عن ذلك ~~السب دقيقة أنها تقتضي النهي عن ذلك السب إذ هو من الفحشاء والمنكر والبغي ~~. | # ولم أقف على تعيين الوقت التي ابتدع فيه هذا السب ولكنه لم يكن في خلافة ~~معاوية رضي الله عنه . | PageV14P259 # وفي ( السيرة الحلبية ) أن الشيخ عز الدين بن عبد السلام ألف كتابا سماه ~~( الشجرة ) بين فيه أن هذه الآية اشتملت على جميع الأحكام الشرعية في سائر ~~الأبواب الفقهية وسماه السبكي في الطبقات ( شجرة المعارف ) . | # وجملة { يعظكم } في موضع الحال من اسم الجلالة . | # والوعظ : كلام يقصد منه إبعاد المخاطب به عن الفساد وتحريضه على الصلاح . ~~وتقدم عند قوله تعالى : { فأعرض عنهم وعظهم في سورة النساء ( 63 ) . | # والخطاب للمسلمين لأن الموعظة من شأن من هو محتاج للكمال النفساني ، ~~ولذلك قارنها بالرجاء بلعلكم تذكرون } . | # والتذكر : مراجعة المنسي المغفول عنه ، أي رجاء أن تتذكروا ، أي تتذكروا ~~بهذه الموعظة ما اشتملت عليه فإنها جامعة باقية في نفوسكم . | # | 2 ( 91 ) { وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الايمان بعد ~~توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون } . ) 2 # لما أمر الله المؤمنين بملاك المصالح ونهاهم عن ملاك المفاسد بما أومأ ~~إليه قوله : { يعظكم لعلكم تذكرون ( سورة النحل : 90 ) . فكان ذلك مناسبة ~~حسنة لهذا الانتقال الذي هو من أغراض تفنن القرآن ، وأوضح لهم أنهم قد ~~صاروا إلى كمال وخير بذلك الكتاب المبين لكل شيء . لا جرم ذكرهم الوفاء ~~بالعهد الذي عاهدوا الله عليه عندما أسلموا ، وهو ما بايعوا عليه النبي مما ~~فيه : أن لا يعصوه في معروف . وقد كان النبي يأخذ البيعة على كل من أسلم من ~~وقت ابتداء الإسلام في مكة . | # وتكررت البيعة قبيل الهجرة وبعدها ms4624 على أمور أخرى ، مثل النصرة التي بايع ~~عليها الأنصار ليلة العقبة ، ومثل بيعة الحديبية . | PageV14P260 # والخطاب للمسلمين في الحفاظ على عهدهم بحفظ الشريعة ، وإضافة العهد إلى ~~الله لأنهم عاهدوا النبي على الإسلام الذي دعاهم الله إليه ، فهم قد عاهدوا ~~الله كما قال : إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ( سورة الفتح : 10 ) ، ~~وقال : من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ( سورة الأحزاب : 23 ) ~~. والمقصود : تحذير الذين كانوا حديثي عهد بالإسلام من أن ينقضوا عهد الله ~~. | # وإذا } لمجرد الظرفية ، لأن المخاطبين قد عاهدوا الله على الإيمان ~~والطاعة ، فالإتيان باسم الزمان لتأكيد الوفاء . فالمعنى : أن من عاهد وجب ~~عليه الوفاء بالعهد . والقرينة على ذلك قوله : { ولا تنقضوا الأيمان بعد ~~توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا . ( سورة النحل : 91 ) والعهد : الحلف ~~. وتقدم في قوله تعالى : الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه } . وكذلك ~~النقض تقدم في تلك الآية ، ونقض الأيمان : إبطال ما كانت لأجله . فالنقض ~~إبطال المحلوف عليه لا إبطال القسم ، فجعل إبطال المحلوف عليه نقضا لليمين ~~في قوله : { ولا تنقضوا الأيمان } تهويلا وتغليظا للنقض لأنه نقض لحرمة ~~اليمين . | # و { بعد توكيدها } زيادة في التحذير ، وليس قيدا للنهي بالبعدية ، إذ ~~المقصود أيمان معلومة وهي أيمان العهد والبيعة ، وليست فيها بعدية . | # و { بعد } هنا بمعنى ( مع ) ، إذ البعدية والمعية أثرهما واحد هنا ، وهو ~~حصول توثيق الأيمان وتوكيدها ، كقول الشميذر الحارثي : | # بني عمنا لا تذكروا الشعر بعدما | # دفنتم بصحراء الغمير القوافيا | # أي لا تذكروا أنكم شعراء وأن لكم شعرا ، أو لا تنطقوا بشعر مع وجود أسباب ~~الإمساك عنه في وقعة صحراء الغمير ، وقوله تعالى : { بئس الاسم الفسوق بعد ~~الإيمان ( سورة الحجرات : 11 ) ، وقوله : الذين ينقضون عهد الله من بعد ~~ميثاقه . | PageV14P261 # والتوكيد : التوثيق وتكرير الفتل ، وليس هو توكيد اللفظ كما توهمه بعضهم ~~فهو ضد النقض . وإضافته إلى ضمير الأيمان } ليس من إضافة المصدر إلى فاعله ~~ولا إلى مفعوله إذ لم يقصد بالمصدر التجدد بل الاسم ، فهي الإضافة الأصلية ~~على معنى اللام ، أي التوكيد الثابت لها المختص بها ms4625 . والمعنى : بعد ما ~~فيها من التوكيد ، وبينه قوله : { وقد جعلتم الله عليكم كفيلا } . | # والمعنى : ولا تنقضوا الأيمان بعد حلفها . وليس في الآية إشعار بأن من ~~اليمين ما لا حرج في نقضه ، وهو ما سموه يمين اللغو ، وذلك انزلاق عن مهيع ~~النظم القرآني . | # ويؤيد ما فسرناه قوله : { وقد جعلتم الله عليكم كفيلا } الواقع موقع ~~الحال من ضمير { لا تنقضوا } ، أي لا تنقضوا الأيمان في حال جعلكم الله ~~كفيلا على أنفسكم إذا أقسمتم باسمه ، فإن مدلول القسم أنه إشهاد الله بصدق ~~ما يقوله المقسم : فيأتي باسم الله كالإتيان بذات الشاهد . ولذلك سمي الحلف ~~شهادة في مواضع كثيرة ، كقوله : { فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن ~~الصادقين ( سورة النور : 6 ) . والمعنى أن هذه الحالة أظهر في استحقاق ~~النهي عنها . | # والكفيل : الشاهد والضامن والرقيب على الشيء المراعى لتحقيق الغرض منه . ~~| # والمعنى : أن القسم باسم الله إشهاد لله وكفالة به . وقد كانوا عند العهد ~~يحلفون ويشهدون الكفلاء بالتنفيذ ، قال الحارث بن حلزة : | # واذكروا حلف ذي المجاز وما ق | # دم فيه العهود والكفلاء | # وعليكم } متعلق ب { جعلتم } لا ب { كفيلا } أي أقمتموه على أنفسكم مقام ~~الكفيل ، أي فهو الكفيل والمكفول له من باب قولهم : أنت الخصم والحكم ، ~~وقوله تعالى : { وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ( سورة التوبة : 118 ) ~~. | PageV14P262 # وجملة إن الله يعلم ما تفعلون } معترضة . وهي خبر مراد منه التحذير من ~~التساهل في التمسك بالإيمان والإسلام لتذكيرهم أن الله يطلع على ما يفعلونه ~~، فالتوكيد ب { إن } للاهتمام بالخبر . | # وكذلك التأكيد ببناء الجملة بالمسند الفعلي دون أن يقال : إن الله عليم ، ~~ولا : قد يعلم الله . | # واختير الفعل المضارع في { يعلم } وفي { تفعلون } لدلالته على التجدد ، ~~أي كلما فعلوا فعلا فالله يعلمه . | # والمقصود من هذه الجمل كلها من قوله : { وأوفوا بعهد الله } إلى هنا ~~تأكيد الوصاية بحفظ عهد الأيمان . وعدم الارتداد إلى الكفر ، وسد مداخل ~~فتنة المشركين إلى نفوس المسلمين ، إذ يصدونهم عن سبيل الإسلام بفنون الصد ~~، كقولهم : { نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين ( سورة ms4626 سبأ : 35 ) ، ~~كما أشار إليه قوله تعالى : وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله ~~عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين . وقد تقدم ذلك في سورة الأنعام ~~( 53 ) . | # ولم يذكر المفسرون سببا لنزول هذه الآية ، وليست بحاجة إلى سبب . وذكروا ~~في الآية الآتية وهي قوله : من كفر بالله من بعد إيمانه ( سورة النحل : 106 ~~) أن آية وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم } إلى آخرها نزلت في الذين رجعوا إلى ~~الكفر بعد الإيمان لما فتنهم المشركون كما سيأتي ، فجعلوا بين الآيتين ~~اتصالا . | # قال في ( الكشاف ) : كأن قوما ممن أسلم بمكة زين لهم الشيطان لجزعهم ما ~~رأوا من غلبة قريش واستضعافهم المسلمين وإيذائهم لهم ، ولما كانوا يعدونهم ~~إن رجعوا من المواعيد أن ينقضوا ما بايعوا عليه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فثبتهم الله ا ه . يريد أن لهجة التحذير في هذا الكلام إلى قوله : { ~~إنما يبلوكم الله به ( سورة النحل : 92 ) تنبىء عن حالة من الوسوسة داخلت ~~قلوب بعض حديثي الإسلام فنبأهم الله بها وحذرهم منها فسلموا . | # | PageV14P263 # | 2 ( 92 ) ولا تكونوا كالتى نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون ~~أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هى أربى من أمة إنما يبلوكم الله به ~~وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون } . ) 2 # تشنيع لحال الذين ينقضون العهد . | # وعطف على جملة { ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ( سورة النحل : 91 ) . ~~واعتمد العطف على المغايرة في المعنى بين الجملتين لما في هذه الثانية من ~~التمثيل وإن كانت من جهة الموقع كالتوكيد لجملة ولا تنقضوا الأيمان } . ~~نهوا عن أن يكونوا مضرب مثل معروف في العرب بالاستهزاء ، وهو المرأة التي ~~تنقض غزلها بعد شد فتله . فالتي نقضت غزلها امرأة اسمها ريطة بنت سعد ~~التيمية من بني تيم من قريش . وعبر عنها بطريق الموصولية لاشتهارها بمضمون ~~الصلة ولأن مضمون الصلة ، هو الحالة المشبه بها في هذا التمثيل ، ولأن ~~القرآن لم يذكر فيه بالاسم العلم إلا من اشتهر بأمر عظيم مثل جالوت وقارون ~~. | # وقد ذكر من قصتها أنها ms4627 كانت امرأة خرقاء مختلة العقل ، ولها جوار ، وقد ~~اتخذت مغزلا قدر ذراع وصنارة مثل أصبع وفلكة عظيمة على قدر ذلك ، فكانت ~~تغزل هي وجواريها من الغداة إلى الظهر ثم تأمرهن فتنقض ما غزلته ، وهكذا ~~تفعل كل يوم ، فكان حالها إفساد ما كان نافعا محكما من عملها وإرجاعه إلى ~~عدم الصلاح ، فنهوا عن أن يكون حالهم كحالها في نقضهم عهد الله وهو عهد ~~الإيمان بالرجوع إلى الكفر وأعمال الجاهلية . ووجه الشبه الرجوع إلى فساد ~~بعد التلبس بصلاح . | PageV14P264 # والغزل : هنا مصدر بمعنى المفعول ، أي المغزول ، لأنه الذي يقبل النقض . ~~والغزل : فتل نتف من الصوف أو الشعر لتجعل خيوطا محكمة اتصال الأجزاء ~~بواسطة إدارة آلة الغزل بحيث تلتف النتف المفتولة باليد فتصير خيطا غليظا ~~طويلا بقدر الحاجة ليكون سدى أو لحمة للنسج . | # والقوة : إحكام الغزل ، أي نقضته مع كونه محكم الفتل لا موجب لنقضه ، ~~فإنه لو كان فتله غير محكم لكان عذر لنقضه . | # والأنكاث بفتح الهمزة : جمع نكث بكسر النون وسكون الكاف أي منكوث ، أي ~~منقوض ، ونظيره نقض وأنقاض . والمراد بصيغة الجمع أن ما كان غزلا واحدا ~~جعلته منقوضا ، أي خيوطا عديدة . وذلك بأن صيرته إلى الحالة التي كان عليها ~~قبل الغزل وهي كونه خيوطا ذات عدد . | # وانتصب { أنكاثا } على الحال من { غزلها } ، أي نقضته فإذا هو أنكاث . | # وجملة { تتخذون أيمانكم } حال من ضمير { ولا تنقضوا الأيمان } ( سورة ~~النحل : 91 ) . | # والدخل بفتحتين : الفساد ، أي تجعلون أيمانكم التي حلفتموها . . والدخل ~~أيضا : الشيء الفاسد . ومن كلام العرب : ترى الفتيان كالنخل وما يدريك ما ~~الدخل ( سكن الخاء لغة أو للضرورة إن كان نظما ، أو للسجع إن كان نثرا ) ، ~~أي ما يدريك ما فيهم من فساد . والمعنى : تجعلون أيمانكم الحقيقة بأن تكون ~~معظمة وصالحة فيجعلونها فاسدة كاذبة ، فيكون وصف الأيمان بالدخل حقيقة ~~عقلية ؛ أو تجعلونها سبب فساد بينكم إذ تجعلونها وسيلة للغدر والمكر فيكون ~~وصف الأيمان بالدخل مجازا عقليا . | # ووجه الفساد أنها تقتضي اطمئنان المتحالفين فإذا نقضها أحد الجانبين فقد ~~تسبب في الخصام والحقد . وهذا تحذير لهم ms4628 وتخويف من سوء عاقبة نقض اليمين ، ~~وليس بمقتضض أن نقضا حدث فيهم . | PageV14P265 # و { أن تكون أمة } معمول للام جر محذوفة كما هو غالب حالها مع { أن } . ~~والمعنى التعليل ، وهو علة لنقض الأيمان المنهي عنه ، أي تنقضون الأيمان ~~بسبب أن تكون أمة أربى من أمة ، أي أقوى وأكثر . | # والأمة : الطائفة والقبيلة . والمقصود طائفة المشركين وأحلافهم . | # و { أربى } : أزيد ، وهو اسم تفضيل من الربو بوزن العلو ، أي الزيادة ، ~~يحتمل الحقيقة أعني كثرة العدد ، والمجاز أعني رفاهية الحال وحسن العيش . ~~وكلمة { أربى } تعطي هذه المعاني كلها فلا تعدلها كلمة أخرى تصلح لجميع هذه ~~المعاني ، فوقعها هنا من مقتضى الإعجاز . والمعنى : لا يبعثكم على نقض ~~الأيمان كون أمة أحسن من أمة . | # ومعلوم أن الأمة التي هي أحسن هي المنقوض لأجلها وأن الأمة المفضولة هي ~~المنفصل عنها ، أي لا يحملكم على نقض الحلف أن يكون المشركون أكثر عددا ~~وأموالا من المسلمين فيبعثكم ذلك على الانفصال عن جماعة المسلمين وعلى ~~الرجوع إلى الكفار . | # وجملة { إنما يبلوكم الله به } مستأنفة استئنافا بيانيا للتعليل بما ~~يقتضي الحكمة ، وهو أن ذلك يبتلي الله به صدق الإيمان كقوله تعالى : { ورفع ~~بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم ( سورة الأنعام : 165 ) . | # والقصر المستفاد من قوله تعالى : إنما يبلوكم الله به } قصر موصوف على ~~صفة . والتقدير : ما ذلك الربو إلا بلوى لكم . | # والبلو : الاختبار . ومعنى إسناده إلى الله الكناية عن إظهار حال ~~المسلمين . وله نظائر في القرآن . وضمير { به } يعود إلى المصدر المنسبك من ~~قوله : { أن تكون أمة هي أربى من أمة } . | # ثم عطف عليه تأكيد أنه سيبين لهم يوم القيامة ما يختلفون فيه من الأحوال ~~فتظهر الحقائق كما هي غير مغشاة بزخارف الشهوات ولا PageV14P266 بمكاره ~~مخالفة الطباع ، لأن الآخرة دار الحقائق لا لبس فيها ، فيومئذ تعلمون أن ~~الإسلام هو الخير المحض وأن الكفر شر محض . | # وأكد هذا الوعد بمؤكدين : القسم الذي دلت عليه اللام ونون التوكيد . ثم ~~يظهر ذلك أيضا في ترتب آثاره إذ يكون النعيم إثر الإيمان ويكون العذاب إثر ms4629 ~~الشرك ، وكل ذلك بيان لما كانوا مختلفين فيه في الدنيا . | # | 2 ( 93 ) { ولو شآء الله لجعلكم أمة واحدة ولاكن يضل من يشآء ويهدى من ~~يشآء ولتسئلن عما كنتم تعملون } . ) 2 # لما أحال البيان إلى يوم القيامة زادهم إعلاما بحكمة هذا التأخير فأعلمهم ~~أنه قادر على أن يبين لهم الحق من هذه الدار فيجعلهم أمة واحدة . ولكنه أضل ~~من شاء ، أي خلق فيه داعية الضلال ، وهدى من شاء ، أي خلق فيه داعية الهدى ~~. وأحال الأمر هنا على المشيئة إجمالا ، لتعذر نشر مطاوي الحكمة من ذلك . | # ومرجعها إلى مشيئة الله تعالى أن يخلق الناس على هذا الاختلاف الناشىء عن ~~اختلاف أحوال التفكير ومراتب المدارك والعقول ، وذلك يتولد من تطورات عظيمة ~~تعرض للإنسان في تناسله وحضارته وغير ذلك مما أجمله قوله تعالى : { لقد ~~خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات فلهم أجر غير ممنون ( سورة الانشقاق : 25 ) . وهذه المشيئة لا ~~يطلع على كنهها إلا الله تعالى وتظهر آثارها في فرقة المهتدين وفرقة ~~الضالين . | # ولما كان قوله : ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء } قد يغتر به قصار ~~الأنظار فيحسبون أن الضالين والمهتدين سواء عند الله وأن الضالين معذورون ~~في ضلالهم إذ كان من أثر مشيئة الله فعقب ذلك بقوله : { ولتسألن ~~PageV14P267 عما كنتم تعملون } مؤكدا بتأكيدين كما تقدم نظيره آنفا ، أي ~~عما تعملون من عملل ضلالل أو عمل هدى . | # والسؤال : كنية عن المحاسبة ، لأنه سؤال حكيم تترتب عليه الإنارة وليس ~~سؤال استطلاع . | # | 2 ( 94 ) { ولا تتخذو ا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها ~~وتذوقوا السو ء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم } . ) 2 # | $ # لما حذرهم من النقض الذي يؤول إلى اتخاذ أيمانهم دخلا فيهم ، وأشار ~~بالإجمال إلى ما في ذلك من الفساد فيهم ، أعاد الكرة إلى بيان عاقبة ذلك ~~الصنيع إعادة تفيد التصريح بالنهي عن ذلك ، وتأكيد التحذير ، وتفصيل الفساد ~~في الدنيا ، وسوء العاقبة في الآخرة ، فكان قوله تعالى : { ولا تتخذوا } ~~تصريحا بالنهي ، وقوله ms4630 تعالى : { تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم } تأكيدا لقوله ~~قبله : { تتخذون أيمانكم دخلا بينكم ( سورة النحل : 92 ) ، وكان تفريع قوله ~~تعالى : فتزل قدم } إلى قوله : { عن سبيل الله } تفصيلا لما أجمل في معنى ~~الدخل . | # وقوله تعالى : { ولكم عذاب عظيم } المعطوف على التفريع وعيد بعقاب الآخرة ~~. وبهذا التصدير وهذا التفريع الناشىء عن جملة { ولا تتخذوا أيمانكم دخلا ~~بينكم } فارقت هذه نظيرتها السابقة بالتفصيل والزيادة فحق أن تعطف عليها ~~لهذه المغايرة وإن كان شأن الجملة المؤكدة أن لا تعطف . | # والزلل : تزلق الرجل وتنقلها من موضعها دون إرادة صاحبها بسبب ملاسة ~~الأرض من طين رطب أو تخلخل حصى أو حجر من تحت القدم فيسقط الماشي على الأرض ~~. وتقدم عند قوله تعالى : { فأزلهما الشيطان عنها } في سورة البقرة ( 36 ) ~~. | PageV14P268 # وزلل القدم تمثيل لاختلال الحال والتعرض للضر ، لأنه يترتب عليه السقوط ~~أو الكسر ، كما أن ثبوت القدم تمكن الرجل من الأرض ، وهو تمثيل لاستقامة ~~الحال ودوام السير . | # ولما كان المقصود تمثيل ما يجره نقض الأيمان من الدخل شبهت حالهم بحال ~~الماشي في طريق بينما كانت قدمه ثابتة إذا هي قد زلت به فصرع . فالمشبه بها ~~حال رجل واحد ، ولذلك نكرت قدم } وأفردت ، إذ ليس المقصود قدما معينة ولا ~~عددا من الأقدام ، فإنك تقول لجماعة يترددون في أمر : أراكم تقدمون رجلا ~~وتؤخرون أخرى . تمثيلا لحالهم بحال الشخص المتردد في المشي إلى الشيء . | # وزيادة { بعد ثبوتها } مع أن الزلل لا يتصور إلا بعد الثبوت لتصوير ~~اختلاف الحالين ، وأنه انحطاط من حال سعادة إلى حال شقاء ومن حال سلامة إلى ~~حال محنة . | # والثبوت : مصدر ثبت كالثبات ، وهو الرسوخ وعدم التنقل ، وخص المتأخرون من ~~الكتاب الثبوت الذي بالواو بالمعنى المجازي وهو التحقق مثل ثبوت عدالة ~~الشاهد لدى القاضي ، وخصوا الثبات الذي بالألف بالمعنى الحقيقي وهي تفرقة ~~حسنة . | # والذوق : مستعار للإحساس القوي كقوله تعالى : { ليذوق وبال أمره . وتقدم ~~في سورة العقود ( 95 ) . | # والسوء : ما يؤلم . والمراد به : ذوق السوء في الدنيا من معاملتهم معاملة ~~الناكثين عن الدين أو الخائنين عهودهم . | # وصددتم } هنا ms4631 قاصر ، أي بكونكم معرضين عن سبيل الله . وتقدم آنفا . ذلك ~~أن الآيات جاءت في الحفاظ على العهد الذي يعاهدون الله عليه ، أي على ~~التمسك بالإسلام . | # فسبيل الله : هو دين الإسلام . | PageV14P269 # وقوله تعالى : { ولكم عذاب عظيم } هو عذاب الآخرة على الرجوع إلى الكفر ~~أو على معصية غدر العهد . | # وقد عصم الله المسلمين من الارتداد مدة مقام النبي صلى الله عليه وسلم ~~بمكة . وما ارتد أحد إلا بعد الهجرة حين ظهر النفاق ، فكانت فلتة عبد الله ~~بن سعد بن أبي سرح واحدة في المهاجرين وقد تاب وقبل توبته النبي صلى الله ~~عليه وسلم | # | 2 ( 95 ، 96 ) { ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا إنما عند الله هو خير ~~لكم إن كنتم تعلمون * ما عندكم ينفد وما عند الله باق ولنجزين الذين صبرو ا ~~أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون } . ) 2 # | $ # الثمن القليل هو ما يعدهم به المشركون إن رجعوا عن الإسلام من مال وهناء ~~عيش . | # وهذا نهي عن نقض عهد الإسلام لأجل ما فاتهم بدخولهم في الإسلام من منافع ~~عند قوم الشرك ، وبهذا الاعتبار عطفت هذه الجملة على جملة { ولا تنقضوا ~~الأيمان بعد توكيدها ( سورة النحل : 91 ) وعلى جملة ولا تتخذو ا أيمانكم ~~دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السو ء بما صددتم عن سبيل الله ~~ولكم عذاب عظيم } ( سورة النحل : 94 ) لأن كل جملة منها تلتفت إلى غرض خاص ~~مما قد يبعث على النقض . | # والثمن : العوض الذي يأخذه المعاوض . وتقدم الكلام على نظير هذا عند قوله ~~تعالى : { ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وإياي فاتقون في سورة البقرة ( 41 ~~) . وذكرنا هناك أن قليلا } صفة كاشفة وليست مقيدة ، أي أن كل عوض يؤخذ عن ~~نقض عهد الله هو عوض قليل ولو كان أعظم المكتسبات . | # وجملة { إنما عند الله هو خير لكم } تعليل للنهي باعتبار وصف عوض ~~الاشتراء المنهي عنه بالقلة ، فإن ما عند الله هو خير من كل ثمن وإن عظم ~~قدره . | PageV14P270 # و ( ما عند الله ) هو ما ادخره للمسلمين من خير في الدنيا ms4632 وفي الآخرة ، ~~كما سننبه عليه عند قوله تعالى : { من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ( ~~سورة النحل : 97 ) الآية ؛ فخير الدنيا الموعود به أفضل مما يبذله لهم ~~المشركون ، وخير الآخرة أعظم من الكل ، فالعندية هنا بمعنى الادخار لهم ، ~~كما تقول : لك عندي كذا ، وليست عندية ملك الله تعالى كما في قوله : وعنده ~~مفاتح الغيب ( سورة الأنعام : 59 ) وقوله وإن من شيء إلا عندنا خزائنه ( ~~سورة الحجر : 21 ) وقوله : وما عند الله باق } . | # و { إنما } هذه مركبة من ( إن ) و ( ما ) الموصولة ، فحقها أن تكتب ~~مفصولة ( ما ) عن ( إن ) لأنها ليست ( ما ) الكافة ، ولكنها كتبت في المصحف ~~موصولة اعتبارا لحالة النطق ولم يكن وصل أمثالها مطردا في جميع المواضع من ~~المصحف . | # ومعنى { إن كنتم تعلمون } إن كنتم تعلمون حقيقة عواقب الأشياء ولا يغركم ~~العاجل . وفيه حث لهم على التأمل والعلم . | # وجملة { ما عندكم ينفد وما عند الله باق } تذييل وتعليل لمضمون جملة { ~~إنما عند الله هو خير لكم } بأن ما عند الله لهم خير متجدد لا نفاد له ، ~~وأن ما يعطيهم المشركون محدود نافد لأن خزائن الناس صائرة إلى النفاد ~~بالإعطاء وخزائن الله باقية . | # والنفاد : الانقراض . والبقاء : عدم الفناء . | # أي ما عند الله لا يفنى فالأجدر الاعتماد على عطاء الله الموعود على ~~الإسلام دون الاعتماد على عطاء الناس الذين ينفد رزقهم ولو كثر . | # وهذا الكلام جرى مجرى التذييل لما قبله ، وأرسل إرسال المثل فيحمل على ~~أعم ، ولذلك كان ضمير { عندكم } عائدا إلى جميع الناس بقرينة التذييل ~~والمثل ، وبقرينة المقابلة بما عند لله ، أي ما عندكم أيها الناس ما عند ~~الموعود وما عند الواعد ، لأن المنهيين عن نقض العهد ليس بيدهم شيء . | ~~PageV14P271 # ولما كان في نهيهم عن أخذ ما يعدهم به المشركون حمل لهم على حرمانن ~~أنفسهم من ذلك النفع العاجل وعدو الجزاء على صبرهم بقوله تعالى : { وليجزين ~~الذين صبروا أجرهم . | # قرأه الجمهور وليجزين } بياء الغيبة . والضمير عائد إلى اسم الجلالة من ~~قوله تعالى : { بعهد الله } وما بعده ، فهو الناهي ms4633 والواعد فلا جرم كان هو ~~المجازي على امتثال أمره ونهيه . | # وقرأه ابن كثير وعاصم وابن ذكوان عن ابن عمر في إحدى روايتين عنه وأبو ~~جعفر بنون العظمة فهو التفات . | # و { أجرهم } منصوب على المفعولية الثانية ل ( يجزين ) بتضمينه معنى ~~الإعطاء المتعدي إلى مفعولين . | # والباء للسببية . و ( أحسن ) صيغة تفضيل مستعملة للمبالغة في الحسن . كما ~~في قوله تعالى : { قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه ( سورة يوسف : 33 ~~) ، أي بسبب عملهم البالغ في الحسن وهو عمل الدوام على الإسلام مع تجرع ألم ~~الفتنة من المشركين . وقد أكد الوعد بلام القسم ونون التوكيد . | # | 2 ( 97 ) من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حيواة طيبة ~~ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون } . ) 2 # لما كان الوعد المتقدم بقوله تعالى ؛ { وليجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ~~ما كانوا يعملون ( سورة النحل : 96 ) خاصا بأولئك الذين نهوا عن أن يشتروا ~~بعهد الله ثمنا قليلا عقب بتعميمه لكل من ساواهم في الثبات على الإسلام ~~والعمل الصالح مع التبيين للأجر ، فكانت هذه الجملة بمنزلة التذييل للتي ~~قبلها ، والبيان لما تضمنته من مجمل الأجر . وكلا الاعتبارين يوجب فصلها ~~عما قبلها . | PageV14P272 # وقوله تعالى : من ذكر أو أنثى } تبيين للعموم الذي دلت عليه { من } ~~الموصولة . وفي هذا البيان دلالة على أن أحكام الإسلام يستوي فيها الذكور ~~والنساء عدا ما خصصه الدين بأحد الصنفين . وأكد هذا الوعد كما أكد المبين ~~به . | # وذكر ( لنحيينه ) ليبنى عليه بيان نوع الحياة بقوله تعالى : { حياة طيبة ~~} . وذلك المصدر هو المقصود ، أي لنجعلن له حياة طيبة . وابتدىء الوعد ~~بإسناد الإحياء إلى ضمير الجلالة تشريفا له كأنه قيل : فله حياة طيبة منا . ~~ولما كانت حياة الذات لها مدة معينة كثر إطلاق الحياة على مدتها ، فوصفها ~~بالطيب بهذا الاعتبار ، أي طيب ما يحصل فيها ، فهذا الوصف مجاز عقلي ، أي ~~طيبا ما فيها . ويقارنها من الأحول العارضة للمرء في مدة حياته ، فمن مات ~~من المسلمين الذين عملوا صالحا عوضه الله عن عمله ما فاته من وعده . | # ويفسر ms4634 هذا المعنى ما ورد في الصحيح عن خباب بن الأرت قال : ( هاجرنا مع ~~رسول الله نبتغي بذلك وجه الله فوجب أجرنا على الله ، فمنا من مضى لم يأكل ~~من أجره شيئا ، كان منهم مصعب بن عمير قتل يوم أحد فلم يترك إلا نمرة كنا ~~إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه ، وإذا غطي بها رجلاه خرج رأسه ، ومنا من ~~أينعت له ثمرته فهو يهدبها ) . | # والطيب : ما يطيب ويحسن . وضد الطيب : الخبيث والسيىء . وهذا وعد بخيرات ~~الدنيا . وأعظمها الرضى بما قسم لهم وحسن أملهم بالعاقبة والصحة والعافية ~~وعزة الإسلام في نفوسهم . وهذا مقام دقيق تتفاوت فيه الأحوال على تفاوت ~~سرائر النفوس ، ويعطي الله فيه عباده المؤمنين على مراتب هممهم وآمالهم . ~~ومن راقب نفسه رأى شواهد هذا . | # وقد عقب بوعد جزاء الآخرة بقوله تعالى : { ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما ~~كانوا يعملون } ، فاختص هذا بأجر الآخرة بالقرينة بخلاف نظيره المتقدم آنفا ~~فإنه عام في الجزاءين . | # | PageV14P273 # | 2 ( 98 100 ) { فإذا قرأت القرءان فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم * ~~إنه ليس له سلطان على الذين ءامنوا وعلى ربهم يتوكلون * إنما سلطانه على ~~الذين يتولونه والذين هم به مشركون } . ) 2 # موقع فاء التفريع هنا خفي ودقيق ، ولذلك تصدى بعض حذاق المفسرين إلى ~~البحث عنه . فقال في ( الكشاف ) : ( لما ذكر العمل الصالح ووعد عليه وصل به ~~قوله تعالى : { فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله } إيذانا بأن الاستعاذة من ~~جملة الأعمال التي يجزل عليها الثواب ) اه . | # وهو إبداء مناسبة ضعيفة لا تقتضي تمكن ارتباط أجزاء النظم . | # وقال فخر الدين : ( لما قال : { ولنجزيهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ( ~~سورة النحل : 97 ) أرشد إلى العلم الذي تخلص به الأعمال من الوسواس اه . | # وهو أمكن من كلام الكشاف } . وزاد أبو السعود : ( لما كان مدار الجزاء هو ~~حسن العمل رتب عليه الإرشاد إلى ما به يحسن العمل الصالح بأن يخلص من شوب ~~الفساد ) . وفي كلاميهما من الوهن أنه لا وجه لتخصيص الاستعاذة بإرادة ~~قراءة القرآن . | # وقول ابن عطية : ( الفاء في { فإذا } واصلة بين الكلامين والعرب تستعملها ms4635 ~~في مثل هذا ) ، فتكون الفاء على هذا لمجرد وصل كلام بكلام واستشهد له ~~بالاستعمال والعهدة عليه . | # وقال شرف الدين الطيبي : ( قوله تعالى : { فإذا قرأت القرآن } متصل ~~بالفاء بما سبق من قوله تعالى : { ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ~~ورحمة وبشرى للمسلمين ( سورة النحل : 89 ) . وذلك لأنه تعالى لما من على ~~النبي بإنزال كتاب جامع لصفات الكمال وأنه تبيان لكل شيء ، ونبه على أنه ~~تبيان لكل شيء بالكلمة الجامعة وهي قوله تعالى : إن الله يأمر بالعدل ~~والإحسان ( سورة النحل : 90 ) } PageV14P274 الآية . وعطف عليه { وأوفوا ~~بعهد الله إذا عاهدتم ( سورة النحل : 91 ) ، وأكده ذلك التأكيد ، قال بعد ~~ذلك فإذا قرأت القرآن } ، أي إذا شرعت في قراءة هذا الكتاب الشريف الجامع ~~الذي نبهت على بعض ما اشتمل عليه ، ونازعك فيه الشيطان بهمزه ونفثه فاستعذ ~~بالله منه والمقصود إرشاد الأمة ) ا ه . | # وهذا أحسن الوجوه وقد انقدح في فكري قبل مطالعة كلامه ثم وجدته في كلامه ~~فحمدت الله وترحمته عليه . وعليه فما بين جملة { ونزلنا عليك الكتاب تبيانا ~~} ( النحل : 89 ) الخ ، وجملة { فإذا قرأت القرآن } جملة معترضة . والمقصود ~~بالتفريع الشروع في التنويه بالقرآن . | # وإظهار اسم { القرآن } دون أن يضمر للكتاب لأجل بعد المعاد . | # والأظهر أن { قرأت } مستعمل في إرادة الفعل ، مثل قوله تعالى : { إذا ~~قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ( سورة الائدة : 6 ) ، وقوله : وأوفوا ~~الكيل إذا كلتم ( سورة الإسراء : 35 ) وقوله : والذين يظاهرون من نسائهم ثم ~~يعودون لما قالوا ( سورة المجادلة : 3 ) ، أي يريدون العود إلى أزواجهم ~~بقرينة قوله بعده من قبل أن يتماسا في سورة المجادلة ( 3 ) ، وقوله تعالى : ~~وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا في سورة النساء ( 9 ) ، أي ~~أوشكوا أن يتركوا بعد موتهم ، وقوله وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء ~~حجاب ( سورة الأحزاب : 53 ) ، أي إذا أردتم أن تسألوهن ، وفي الحديث إذا ~~بايعت فقل : لا خلابة . | # وحمله قليل من العلماء على الظاهر من وقوع الفعل فجعلوا إيقاع الاستعاذة ~~بعد القراءة . ونسب إلى مالك في المجموعة . والصحيح عن مالك ms4636 خلافه ، ونسب ~~إلى النخعي وابن سيرين وداود الظاهري وروي عن أبي هريرة . | # والباء في بالله } لتعدية فعل الاستعاذة . يقال : عاذ بحصن ، وعاذ بالحرم ~~. | # والسين في { فاستعذ بالله } للطلب ، أي فاطلب العوذ بالله من الشيطان ، ~~والعوذ : اللجأ إلى ما يعصم ويقي من أمر مضر . | PageV14P275 # ومعنى طلب العوذ بالله محاولة العوذ به . ولا يتصور ذلك في جانب الله إلا ~~بالدعاء أن يعيذه . ومن أحسن الامتثال محاكاة صيغة الأمر فيما هو من قبيل ~~الأقوال بحيث لا يغير إلا التغيير الذي لا مناص منه فتكون محاكاة لفظ ( ~~استعذ ) بما يدل على طلب العوذ بأن يقال : أستعيذ ، أو أعوذ ، فاختير لفظ ~~أعوذ لأنه من صيغ الإنشاء ، ففيه إنشاء الطلب بخلاف لفظ أستعيذ فإنه أخفى ~~في إنشاء الطلب ، على أنه اقتداء بما في الآية الأخرى { وقل رب أعوذ بك من ~~همزات الشياطين ( سورة المؤمنون : 97 ) وأبقي ما عدا ذلك من ألفاظ آية ~~الاستعاذة على حاله . وهذا أبدع الامتثال ، فقد ورد في عمل النبي بهذا ~~الأمر أنه كان يقول : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم يحاكي لفظ هذه الآية ~~ولم يقل في الاستعاذة أعوذ بك من همزات الشياطين } لأن ذلك في غير قراءة ~~القرآن ، فلذلك لم يحاكه النبي صلى الله عليه وسلم في استعاذته للقراءة . | # قال ابن عطية : لم يصح عن النبي زيادة على هذا اللفظ . وما يروى من ~~الزيادات لم يصح منه شيء . وجاء حديث الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال : ( ~~كان رسول الله إذا قام من الليل يقول : أعوذ بالله السميع العليم من ~~الشيطان الرجيم من همزه الخ ) . فتلك استعاذة تعوذ وليست الاستعاذة لأجل ~~قراءة القرآن . | # واسم الشيطان تقدم عند قوله تعالى : { إلى شياطينهم في سورة البقرة ( 14 ~~) . والرجيم } تقدم عند قوله تعالى : { وحفظناها من كل شيطان رجيم في سورة ~~الحجر ( 17 ) . | # والخطاب للنبيء والمراد عمومه لأمته بقرينة قوله تعالى : إنه ليس له ~~سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون } . | # وإنما شرعت الاستعاذة عند ابتداء القراءة إيذانا بنفاسة القرآن ونزاهته ، ~~إذ هو نازل من العالم القدسي ms4637 الملكي ، فجعل افتتاح قراءته بالتجرد عن ~~النقائص النفسانية التي هي من عمل الشيطان ولا استطاعة للعبد أن يدفع تلك ~~النقائص عن نفسه إلا بأن يسأل الله تعالى أن يبعد الشيطان عنه بأن يعوذ ~~بالله ، لأن جانب الله قدسي لا تسلك الشياطين إلى من يأوي إليه ، فأرشد ~~الله رسوله إلى سؤال PageV14P276 ذلك ، وضمن له أن يعيذه منه ، وأن يعيذ ~~أمته عوذا مناسبا ، كما شرعت التسمية في الأمور ذوات البال وكما شرعت ~~الطهارة للصلاة . | # وإنما لم تشرع لذلك كلمة ( باسم الله ) لأن المقام مقام تخل عن النقائص ، ~~لا مقام استجلاب التيمن والبركة ، لأن القرآن نفسه يمن وبركة وكمال تام ، ~~فالتيمن حاصل وإنما يخشى الشيطان أن يغشى بركاته فيدخل فيها ما ينقصها ، ~~فإن قراءة القرآن عبارة مشتملة على النطق بألفاظه والتفهم لمعانيه وكلاهما ~~معرض لوسوسة الشيطان وسوسة تتعلق بألفاظه مثل الإنساء ، لأن الإنساء يضيع ~~على القارىء ما يحتوي عليه المقدار المنسي من إرشاد ، ووسوسة تتعلق بمعانيه ~~مثل أن يخطىء فهما أو يقلب عليه مرادا ، وذلك أشد من وسوسة الإنساء . وهذا ~~المعنى يلائم محمل الأمر بالاستعاذة عند الشروع في القراءة . | # فأما الذين حملوا تعلق الأمر بالاستعاذة أنها بعد الفراغ من القراءة ، ~~فقالوا لأن القارىء كان في عبادة فربما دخله عجب أو رياء وهما من الشيطان ~~فأمر بالتعوذ منه للسلامة من تسويله ذلك . | # ومحمل الأمر في هذه الآية عند الجمهور على الندب لانتفاء أمارات الإيجاب ~~، فإنه لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم بينه . فمن العلماء من ندبه ~~مطلقا في الصلاة وغيرها عند كل قراءة . وجعل بعضهم جميع قراءة الصلاة قراءة ~~واحدة تكفي استعاذة واحدة في أولها ، وهو قول جمهور هؤلاء . ومنهم من جعل ~~قراءة كل ركعة قراءة مستقلة . | # ومن العلماء من جعله مندوبا للقراءة في غير الصلاة ، وهو قول مالك ، ~~وكرهها في قراءة صلاة الفريضة وأباحها بلا ندب في قراءة صلاة النافلة . | # ولعله رأى أن في الصلاة كفاية في الحفظ من الشيطان . | # وقيل : الأمر للوجوب ، فقيل في قراءة الصلاة خاصة ونسب إلى عطاء ms4638 . وقد ~~أطلق القرآن على قرآن الصلاة في قوله تعالى : { إن قرآن الفجر كان مشهودا ( ~~سورة الإسراء : 78 ) PageV14P277 وقال : الثوري بالوجوب في قراءة الصلاة ~~وغيرها . وعن ابن سيرين تجب الاستعاذة عند القراءة مرة في العمر ، وقال قوم ~~: الوجوب خاص بالنبي والندب لبقية أمته . | # ومدارك هذه الأقوال ترجع إلى تأويل الفعل في قوله تعالى : قرأت } ، ~~وتأويل الأمر في قوله تعالى : { فاستعذ } ، وتأويل القرآن مع ما حف بذلك من ~~السنة فعلا وتركا . | # وعلى الأقوال كلها فالاستعاذة مشروعة لللشروع في القراءة أو لإرادته ، ~~وليست مشروعة عند كل تلفظ بألفاظ القرآن كالنطق بآية أو آيات من القرآن في ~~التعليم أو الموعظة أو شبههما ، خلافا لما يفعله بعض المتحذقين إذا ساق آية ~~من القرآن في غير مقام القراءة أن يقول كقوله تعالى بعد أعوذ بالله من ~~الشيطان الرجيم ويسوق آية . | # وجملة { إنه ليس له سلطان } الآية تعليل للأمر بالاستعاذة من الشيطان عند ~~إرادة قراءة القرآن وبيان لصفة الاستعاذة . | # فأما كونها تعليلا فلزيادة الحث على الامتثال للأمر بأن الاستعاذة تمنع ~~تسلط الشيطان على المستعيذ لأن الله منعه من التسلط على الذين آمنوا ~~المتوكلين ، والاستعاذة منه شعبة من شعب التوكل على الله لأن اللجأ إليه ~~توكل عليه . وفي الإعلام بالعلة تنشيط للمأمور بالفعل على الامتثال إذ يصير ~~عالما بالحكمة وأما كونها بيانا فلما تضمنته من ذكر التوكل على الله ليبين ~~أن الاستعاذة إعراب عن التوكل على الله تعالى لدفع سلطان الشيطان ليعقد ~~المستعيذ نيته على ذلك . وليست الاستعاذة مجرد قول بدون استحضار نية العوذ ~~بالله . | # فجملة { وعلى ربهم يتوكلون } صفة ثانية للموصول . وقدم المجرور على الفعل ~~للقصر ، أي لا يتوكلون إلا على ربهم . وجعل فعلها مضارعا لإفاة تجدد التوكل ~~واستمراره . فنفي سلطان الشيطان مشروط بالأمرين : الإيمان ، والتوكل . ومن ~~هذا تفسير لقوله تعالى في الآية الأخرى { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ( ~~سورة الحجر : 42 ) . | PageV14P278 # والسلطان : مصدر بوزن الغفران ، وهو التسلط والتصرف المكين . | # فالمعنى أن الإيمان مبدأ أصيل لتوهين سلطان الشيطان في نفس المؤمن فإذا ~~انضم إليه التوكل على ms4639 الله اندفع سلطان الشيطان عن المؤمن المتوكل . | # وجملة إنما سلطانه على الذين يتولونه } مستأنفة استئنافا بيانيا لأن ~~مضمون الجملة قبلها يثير سؤال سائل يقول : فسلطانه على من ؟ . | # والقصر المستفاد من { إنما } قصر إضافي بقرينة المقابلة ، أي دون الذين ~~آمنوا وعلى ربهم يتوكلون ، فحصل به تأكيد جملة { إنه ليس له سلطان على ~~الذين آمنوا } لزيادة الاهتمام بتقرير مضمونها ، فلا يفهم من القصر أنه لا ~~سلطان له على غير هذين الفريقين وهم المؤمنون الذين أهملوا التوكل والذين ~~انخدعوا لبعض وسوسة الشيطان . | # ومعنى { يتولونه } يتخذونه وليا لهم ، وهم الملازمون للملل المؤسسة على ~~ما يخالف الهدي الإلهي عن رغبة فيها وابتهاج بها . ولا شك أن الذين يتولونه ~~فريق غير المشركين لأن العطف يقتضي بظاهره المغايرة ، وهم أصناف كثيرة من ~~أهل الكتاب . وإعادة اسم الموصول في قوله : { والذين هم به مشركون } لأن ~~ولايتهم للشيطان أقوى . | # وعبر بالمضارع للدلالة على تجدد التولي ، أي الذين يجددون توليه ، ~~للتنبيه على أنهم كلما تولوه بالميل إلى طاعته تمكن منهم سلطانه ، وأنه إذا ~~انقطع التولي بالإقلاع أو بالتوبة انسلخ سلطانه عليهم . | # وإنما عطف { وعلى ربهم يتوكلون } دون إعادة اسم الموصول للإشارة إلى أن ~~الوصفين كصلة واحدة لموصول واحد لأن المقصود اجتماع الصلتين . | # والباء في { به مشركون } للسببية ، والضمير المجرور عائد إلى الشيطان ، ~~أي صاروا مشركين بسببه . وليست هي كالباء في قوله تعالى : { وأن تشركوا ~~بالله ما لم ينزل به سلطانا ( سورة الأعراف : 33 ) . | PageV14P279 # وجعلت الصلة جملة اسمية لدلالتها على الدوام والثبات ، لأن الإشراك صفة ~~مستمرة لأن قرارها القلب ، بخلاف المعاصي لأن مظاهرها الجوارح ، للإشارة ~~إلى أن سلطان الشيطان على المشركين أشد وأدوم لأن سببه ثابت ودائم . | # وتقديم المجرور في به مشركون } لإفادة الحصر ، أي ما أشركوا إلا بسببه ، ~~ردا عليهم إذ يقولون { لو شاء الله ما أشركنا ( سورة الأنعام : 148 ) ~~وقولهم : لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء ( سورة النحل : 35 ) وقولهم ~~: وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها ( سورة الأعراف : 28 ) . | # | 2 ( 101 ) وإذا بدلنآ ءاية مكان ءاية ms4640 والله أعلم بما ينزل قالو ا إنمآ ~~أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون } . ) 2 # | $ # استمر الكلام على شأن القرآن وتنزيهه عما يوسوسه الشيطان في الصد عن ~~متابعته . | # ولما كان من أكبر الأغراض في هذه السورة بيان أن القرآن منزل من عند الله ~~، وبيان فضله وهديه فابتدىء فيها بآية { ينزل الملائكة بالروح من أمره ( ~~سرة النحل : 2 ) ، ثم قفيت بما اختلقه المشركون من الطعن فيه بعد تنقلات ~~جاء فيها وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين ( سورة النحل : ~~24 ) ، وأتبع ذلك بتنقلات بديعة فأعيد الكلام على القرآن وفضائله من قوله ~~تعالى : وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه ( سورة ~~النحل : 64 ) ثم قوله ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء ( سورة النحل : 89 ~~) . وجاء في عقب ذلك بشاهد يجمع ما جاء به القرآن ، وذلك آية إن الله يأمر ~~بالعدل والإحسان ( سورة النحل : 90 ) ، فلما استقر ما يقتضي تقرر فضل ~~القرآن في النفوس نبه على نفاسته ويمنه بقوله : فإذا قرأت القرآن فاستعذ ~~بالله من الشيطان الرجيم ( سورة النحل : 98 ) ، لا جرم تهيأ المقام لإبطال ~~اختلاق آخر من اختلاقهم على القرآن اختلاقا مموها بالشبهات كاختلاقهم ~~السابق الذي أشير إليه بقوله تعالى : وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا ~~أساطير الأولين ( سورة النحل : 24 ) . ذلك الاختلاق هو تعمدهم التمويه فيما ~~يأتي من PageV14P280 آيات القرآن مخالفا لآيات أخرى لاختلاف المقتضي ~~والمقام . والمغايرة باللين والشدة ، أو بالتعميم والتخصيص ، ونحو ذلك مما ~~يتبع اختلافه اختلاف المقامات واختلاف الأغراض واختلاف الأحوال التي يتعلق ~~بها ، فيتخذون من ظاهر ذلك دون وضعه مواضعه وحمله محامله مغامز يتشدقون بها ~~في نواديهم ، يجعلون ذلك اضطرابا من القول ويزعمونه شاهدا باقتداء قائله في ~~إحدى المقالتين أو كلتيهما . وبعض ذلك ناشىء عن قصور مداركهم عن إدراك ~~مرامي القرآن وسمو معانيه ، وبعضه ناشىء عن تعمد للتجاهل تعلقا بظواهر ~~الكلام يلبسون بذلك على ضعفاء الإدراك من أتباعهم ، ولذلك قال تعالى : بل ~~أكثرهم لا يعلمون } ، أي ومنهم من يعلمون ولكنهم يكابرون . | # روي عن ms4641 ابن عباس أنه قال : ( كان إذا نزلت آية فيها شدة ثم نزلت آية ألين ~~منها يقول كفار قريش : والله ما محمد إلا يسخر بأصحابه ، اليوم يأمر بأمر ~~وغدا ينهى عنه ، وأنه لا يقول هذه الأشياء إلا من عند نفسه ) اه . | # وهذه الكلمة أحسن ما قاله المفسرون في حاصل معنى هذه الآية . فالمراد من ~~التبديل في قوله تعالى ؛ { بدلنا } مطلق التغاير بين الأغراض والمقامات ، ~~أو التغاير في المعاني واختلافها باختلاف المقاصد والمقامات مع وضوح الجمع ~~بين محاملها . | # والمرد بالآية الكلام التام من القرآن ، وليس المراد علامة صدق الرسول ~~صلى الله عليه وسلم أعني المعجزة بقرينة قوله تعالى : { والله أعلم بما ~~ينزل } . | # فيشمل التبديل نسخ الأحكام مثل نسخ قوله تعالى : { ولا تجهر بصلاتك ولا ~~تخافت بها ( سورة الإسراء : 110 ) بقوله تعالى : فاصدع بما تؤمر وأعرض عن ~~المشركين ( سورة الحجر : 94 ) . وهذا قليل في القرآن الذي يقرأ على ~~المشركين لأن نسخ الأحكام إنما كثر بعد الهجرة حين تكونت الجامعة الإسلامية ~~، وأما نسخ التلاوة فلم يرد من الآثار ما يقتضي وقوعه في مكة فمن فسر به ~~الآية كما نقل عن مجاهد فهو مشكل . | PageV14P281 # ويشمل التعارض بالعموم والخصوص ونحو ذلك من التعارض الذي يحمل بعضه على ~~بعض ، فيفسر بعضه بعضا ويؤول بعضه بعضا ، كقوله تعالى : والملائكة يسبحون ~~بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض في سورة الشورى ( 5 ) مع قوله تعالى : ~~الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين ~~آمنوا في سورة المؤمن ( 7 ) ، فيأخذون بعموم ويستغفرون لمن في الأرض ( سورة ~~الشورى : 5 ) فيجعلونه مكذبا لخصوص ويستغفرون للذين آمنوا ( سورة غافر : 7 ~~) فيزعمونه إعراضا عن أحد الأمرين إلى الأخير منهما . | # وكذلك قوله تعالى : واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا ( سورة ~~المزمل : 10 ) يأخذون من ظاهره أنه أمر بمتاركتهم فإذا جاءت آيات بعد ذلك ~~لدعوتهم وتهديدهم زعموا أنه انتقض كلامه وبدا له ما لم يكن يبدو له من قبل ~~. | # وكذلك قوله تعالى : وما أدري ما يفعل بي ولا بكم ( سورة الأحقاف : 9 ms4642 ) مع ~~آيات وصف عذاب المشركين وثواب المؤمنين . | # وكذلك قوله تعالى : ولا تزر وازرة وزر أخرى ( سورة الإسراء : 15 ) مع ~~قوله تعالى : ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم ~~بغير علم ( سورة النحل : 25 ) . | # ومن هذا ما يبدو من تخالف بادىء الأمر كقوله بعد ذكر خلق الأرض ثم استوى ~~إلى السماء في ( سورة فصلت : 11 ) مع قوله تعالى : والأرض بعد ذلك دحاها من ~~سورة النازعات ( 30 ) ، فيحسبونه تناقضا مع الغفلة عن محمل بعد ذلك من جعل ~~( بعد ) بمعنى ( مع ) وهو استعمال كثير ، فهم يتوهمون التناقض مع جهلهم أو ~~تجاهلهم بالوحدات الثماني المقررة في المنطق . | # فالتبديل في قوله تعالى : بدلنا } هو التعويض ببدل ، أي عوض . والتعويض ~~لا يقتضي إبطال المعوض بفتح الواو بل يقتضي أن يجعل شيء عوضا عن شيء . وقد ~~يبدو للسامع أن مثل لفظ المعوض بفتح الواو جعل عوضا عن مثل لفظ العوض ~~بالكسر في آيات مختلفة باختلاف الأغراض من تبشير وإنذار ، أو ترغيب وترهيب ~~، أو إجمال وبيان ، فيجعله الطاعنون اضطرابا لأن مثله قد كان بدل ~~PageV14P282 ولا يتأملون في اختلاف الأغراض . وقد تقدم شيء من هذا المعنى ~~عند قوله تعالى : { ائت بقرآن غير هذا أو بدله في سورة يونس ( 15 ) . | # ومكان آية } منصوب على الظرفية المكانية بأن تأتي آية في الدعوة والخطاب ~~في مكان آية أخرى أتت في مثل تلك الدعوة ، فالمكان هنا مكان مجازي ، وهو ~~حالة الكلام والخطاب ، كما يسمى ذلك مقاما ، فيقال : هذا مقام الغضب ، فلا ~~تأت فيه بالمزح . وليس المراد مكانها من ألواح المصحف ولا بإبدالها محوها ~~منه . | # وجملة { والله أعلم بما ينزل } معترضة بين شرط { إذا } وجوابها . ~~والمقصود منها تعليم المسلمين لا الرد على المشركين ، لأنهم لو علموا أن ~~الله هو المنزل للقرآن لارتفع البهتان . والمعنى : أنه أعلم بما ينزل من ~~آية بدل آية ، فهو أعلم بمكان الأولى ومكان الثانية ومحملل كلتيهما ، وكل ~~عنده بمقدار وعلى اعتبار . | # وقرأ الجمهور { بما ينزل } بفتح النون وتشديد الزاي . وقرأ ابن كثير وأبو ~~عمرو بسكون النون وتخفيف الزاي ms4643 . | # وحكاية طعنهم في النبي صلى الله عليه وسلم بصيغة قصر الموصوف على الصفة ، ~~فجعلوه لا صفة له إلا الافتراء ، وهو قصر إضافي ، أي لست بمرسل من الله . ~~وهذا من مجازفتهم وسرعتهم في الحكم الجائر فلم يقتصروا على أن تبديله ~~افتراء بل جعلوا الرسول مقصورا على كونه مفتريا لإفادة أن القرآن الوارد ~~مقصور على كونه افتراء . | # وأصل الافتراء : الاختراع ، وغلب على اختراع الخبر ، أي اختلاقه ، فساوى ~~الكذب في المعنى ، ولذلك قد يطلق وحده كما هنا ، وقد يطلق مقترنا بالكذب ~~كقوله الآتي : { إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون ( سورة النحل : 105 ) ~~إرجاعا به إلى أصل الاختراع فيجعل له مفعول هو آيل إلى معناه فصار في معنى ~~المفعول المطلق . وقد تقدم عند قوله تعالى : ولكن الذين كفروا يفترون على ~~الله الكذب في ( سورة العقود : 103 ) . | # وبل } للإضراب الإبطالي على كلامهم ، وهو من طريقة النقض الإجمالي في علم ~~المناظرة . | PageV14P283 # وضمير { أكثرهم } للذين قالوا إنما أنت مفتر ، أي ليس كما قالوا ولكن ~~أكثر القائلين ذلك لا يعلمون ، أي لا يفهمون وضع الكلام مواضعه وحمله ~~محامله . | # وفهم من الحكم على أكثرهم بعدم العلم أن قليلا منهم يعلمون أن ذلك ليس ~~افتراء ولكنهم يقولون ذلك تلبيسا وبهتانا ولا يعلمون أن التنزيل من عند ~~الله لا ينافي إبطال بعض الأحكام إذا اختلفت المصالح أو روعي الرفق . | # ويجوز حمل لفظ أكثر على إرادة جميعهم كما تقدم في هذه السورة . | # | 2 ( 102 ) { قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين ءامنوا وهدى ~~وبشرى للمسلمين } . ) 2 # جواب عن قولهم : { إنما أنت مفتر ( سورة النحل : 101 ) فلذلك فصل فعل قل ~~} لوقوعه في المحاورة ، أي قل لهم : لست بمفتر ولا القرآن بافتراء بل نزله ~~روح القدس من الله . وفي أمره بأن يقول لهم ذلك شد لعزمه لكيلا يكون تجاوزه ~~الحد في البهتان صارفا إياه عن محاورتهم . | # فبعد أن أبطل الله دعواهم عليه أنه مفتر بطريقة النقض أمر رسوله أن يبين ~~لهم ماهية القرآن . وهذه نكتة الالتفات في قوله تعالى : { من ربك } الجاري ms4644 ~~على خلاف مقتضى ظاهر حكاية المقول المأمور بأن يقوله ، لأن مقتضى الظاهر أن ~~يقول : من ربي ، فوقع الالتفات إلى الخطاب تأنيسا للنبيء صلى الله عليه ~~وسلم بزيادة توغل الكلام معه في طريقة الخطاب . | # واختير اسم الرب لما فيه من معنى العناية والتدبير . | # و { روح القدس } : جبريل . وتقدم عند قوله تعالى { وأيدناه بروح القدس في ~~سورة البقرة ( 87 ) . والروح : الملك ، قال تعالى : فأرسلنا إليها روحنا ( ~~سورة مريم : 17 ) ، أي ملكا من ملائكتنا . | PageV14P284 # والقدس } : الطهر . وهو هنا مراد به معنياه الحقيقي والمجازي الذي هو ~~الفضل وجلالة القدر . | # وإضافة الروح إلى القدس من إضافة الموصوف إلى الصفة ، كقولهم : حاتم ~~الجود ، وزيد الخير . والمراد : حاتم الجواد ، وزيد الخير . فالمعنى : ~~الملك المقدس . | # والباء في { بالحق } للملابسة ، وهي ظرف مستقر في موضع الحال من الضمير ~~المنصوب في { نزله } مثل { تنبت بالدهن ( سورة المؤمنون : 20 ) ، أي ملابسا ~~للحق لا شائبة للباطل فيه . | # وذكرت علة من علل إنزال القرآن على الوصف المذكور ، أي تبديل آية مكان ~~آية ، بأن في ذلك تثبيتا للذين آمنوا إذ يفهمون محمل كل آية ويهتدون بذلك ~~وتكون آيات البشرى بشارة لهم وآيات الإنذار محمولة على أهل الكفر . | # ففي قوله تعالى : نزله روح القدس من ربك } إبطال لقولهم : { إنما أنت ~~مفتر ( سورة النحل : 101 ) ، وفي قوله تعالى ؛ بالحق } إيقاظ للناس بأن ~~ينظروا في حكمة اختلاف أغراضه وأنها حق . | # وفي التعليل بحكمة التثبيت والهدى والبشرى بيان لرسوخ إيمان المؤمنين ~~وسداد آرائهم في فهم الكلام السامي ، وأنه تثبيت لقلوبهم بصحة اليقين وهدى ~~وبشرى لهم . | # وفي تعلق الموصولل وصلته بفعل التثبيت إيماء إلى أن حصول ذلك لهم بسبب ~~إيمانهم ، فيفيد تعريضا بأن غير المؤمنين تقصر مداركهم عن إدراك ذلك الحق ~~فيختلط عليهم الفهم ويزدادون كفرا ويضلون ويكون نذارة لهم . | # والمراد بالمسلمين الذين آمنوا ، فكان مقتضى الظاهر أن يقال : وهدى وبشرى ~~لهم ، فعدل إلى الإظهار لزيادة مدحهم بوصف آخر شريف . | # وقوله تعالى : { وهدى وبشرى } عطف على الجار والمجرور من قوله : { ليثبت ~~} ، فيكون { هدى وبشرى } مصدرين في محل نصب على ms4645 المفعول لأجله ، لأن قوله ~~PageV14P285 { ليثبت } وإن كان مجرور اللفظ باللام إذ لا يسوغ نصبه على ~~المفعول لأجله لأنه ليس مصدرا صريحا . | # وأما { هدى وبشرى } فلما كانا مصدرين كانا حقيقين بالنصب على المفعول ~~لأجله بحيث لو ظهر إعرابهما لكانا منصوبين كما في قوله تعالى : { لتركبوها ~~وزينة ( سورة النحل : 8 ) . | # | 2 ( 103 ) ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذى يلحدون إليه ~~أعجمى وهاذا لسان عربى مبين } . ) 2 # عطف على جملة { وإذا بدلنا آية مكان آية ( سورة النحل : 101 ) . وهذا ~~إبطال لتلبيس آخر مما يلبسون به على عامتهم ، وذلك أن يقولوا : إن محمدا ~~يتلقى القرآن من رجل من أهل مكة . قيل : قائل ذلك الوليد بن المغيرة وغيره ~~، قال عنه تعالى : فقال إن هذا إلا سحر يؤثر إن هذا إلا قول البشر ( سورة ~~المدثر : 24 ) ، أي لا يلقنه ملك بل يعلمه إنسان ، وقد عينوه بما دل عليه ~~قوله تعالى لسان الذي يلحدون إليه أعجمي } . | # وافتتاح الجملة بالتأكيد بلام القسم و ( قد ) يشير إلى أن خاصة المشركين ~~كانوا يقولون ذلك لعامتهم ولا يجهرون به بين المسلمين لأنه باطل مكشوف ، ~~وأن الله أطلع المسلمين على ذلك . فقد كان في مكة غلام رومي كان مولى لعامر ~~بن الحضرمي اسمه جبر كان يصنع السيوف بمكة ويقرأ من الإنجيل ما يقرأ أمثاله ~~من عامة النصارى من دعوات الصلوات ، فاتخذ زعماء المشركين من ذلك تمويها ~~على العامة ، فإن معظم أهل مكة كانوا أميين فكانوا يحسبون من يتلو كلمات ~~يحفظها ولو محرفة ، أو يكتب حروفا يتعلمها ، يحسبونه على علم ، وكان النبي ~~صلى الله عليه وسلم لما جانبه قومه وقاطعوه يجلس إلى هذا الغلام ، وكان هذا ~~الغلام قد أظهر الإسلام فقالت قريش . هذا يعلم محمدا ما يقوله . | ~~PageV14P286 # وقيل : كان غلام رومي اسمه بلعام ، كان عبدا بمكة لرجل من قريش ، وكان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقف عليه يدعوه إلى الإسلام ، فقالوا : إن ~~محمدا يتعلم منه ، وكان هذا العبد يقول : إنما يقف علي يعلمني الإسلام . | # وظاهر الإفراد في { إليه } أن ms4646 المقصود رجل واحد . وقد قيل : المراد عبدان ~~هما جبر ويسار كانا قنين ، فيكون المراد ب { بشر } الجنس ، وبإفراد ضميره ~~جريانه على أفراد معاده . | # وقد كشف القرآن هذا اللبس هنا بأوضح كشف إذ قال قولا فصلا دون طول جدال { ~~لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين } ، أي كيف يعلمه وهو ~~أعجمي لا يكاد يبين ، وهذا القرآن فصيح عربي معجز . | # والجملة جواب عن كلامهم ، فهي مستأنفة استئنافا بيانيا لأن قولهم : { ~~إنما يعلمه بشر } يتضمن أنه ليس منزلا من عند الله فيسأل سائل : ماذا جواب ~~قولهم ؟ فيقال : { لسان الذي . . . } الخ ، وهذا النظم نظير نظم قوله تعالى ~~: { قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل ~~رسالاته ( سورة الأنعام : 124 ) . | # وألحد : مثل لحد ، أي مال عن القويم . فهو مما جاء من الأفعال مهموز ~~بمعنى المجرد ، كقولهم : أبان بمعنى بان . فمعنى يلحدون } يميلون عن الحق ~~لأن ذلك اختلاق معاذير ، فهم يتركون الحق القويم من أنه كلام منزل من الله ~~إلى أن يقولوا { يعلمه بشر } ، فذلك ميل عن الحق وهو إلحاد . | # ويجوز أن يراد بالإلحاد الميل بكلامهم المبهم إلى قصد معين لأنهم قالوا : ~~{ إنما يعلمه بشر } وسكتوا عن تعيينه توسعة على أنفسهم في اختلاق المعاذير ~~، فإذا وجدوا ساذجا أبله يسأل عن المعني بالبشر قالوا له : هو جبر أو بلعام ~~، وإذا توسموا نباهة السائل تجاهلوا وقالوا : هو بشر من الناس ، فإطلاق ~~الإلحاد على هذا المعنى مثل إطلاق الميل على الاختيار . | # وقرأ نافع والجمهور { يلحدون } بضم الياء مضارع ألحد . وقرأ حمزة ~~والكسائي { يلحدون } بفتح الياء من لحد مرادف ألحد . وقد تقدم الإلحاد في ~~قوله PageV14P287 تعالى : { وذروا الذين يلحدون في أسمائه في سورة الأعراف ~~( 180 ) . وليست هذه الهمزة كقولهم : ألحد الميت ، لأن تلك للجعل ذا لحد . ~~| # واللسان : الكلام . سمي الكلام باسم آلته . والأعجمي : المنسوب إلى ~~الأعجم ، وهو الذي لا يبين عن مراده من كل ناطق لا يفهمون ما يريده . ولذلك ~~سموا الدواب العجماوات . فالياء فيه ياء النسب . ولما كان المنسوب إليه ~~وصفا ms4647 كان النسب لتقوية الوصف . | # والمبين : اسم فاعل من أبان ، إذا صار ذا إبانة ، أي زائد في الإبانة ~~بمعنى الفصاحة والبلاغة ، فحصل تمام التضاد بينه وبين لسان الذي يلحدون ~~إليه } . | # | 2 ( 104 ) { إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ولهم عذاب ~~أليم } . ) 2 # جملة معترضة . وورود هذه الآية عقب ذكر اختلاق المتقعرين على القرآن ~~المرجفين بالقالة فيه بين الدهماء يومىء إلى أن المراد بالذين لا يؤمنون هم ~~أولئك المردود عليهم آنفا . وهم فريق معلوم بشدة العداوة للنبيء صلى الله ~~عليه وسلم وبالتصلب في التصدي لصرف الناس عنه بحيث بلغوا من الكفر غاية ما ~~وراءها غاية ، فحقت عليهم كلمة الله أنهم لا يؤمنون ، فهؤلاء فريق غير معين ~~يومئذ ولكنهم مشار إليهم على وجه الإجمال ، وتكشف عن تعيينهم عواقب أحوالهم ~~. | # فقد كان من الكافرين بالنبي صلى الله عليه وسلم أبو جهل وأبو سفيان . ~~وكان أبو سفيان أطول مدة في الكفر من أبي جهل ؛ ولكن أبا جهل كان يخلط كفره ~~بأذى النبي صلى الله عليه وسلم والحنقق عليه . وكان أبو سفيان مقتصرا على ~~الانتصار لدينه ولقومه ودفع المسلمين عن أن يغلبوهم فحرم الله أبا جهل ~~الهداية فأهلكه كافرا ، وهدى أبا سفيان فأصبح من خيرة المؤمنين ، وتشرف ~~بصهر النبي صلى الله عليه وسلم وكان الوليد بن المغيرة وعمر بن الخطاب ~~PageV14P288 كافرين وكان كلاهما يدفع الناس من اتباع الإسلام ، ولكن الوليد ~~كان يختلق المعاذير والمطاعن في القرآن وذلك من الكيد ، وعمر كان يصرف ~~الناس بالغلظة علنا دون اختلاق ، فحرم الله الوليد بن المغيرة الاهتداء ، ~~وهدى عمر إلى الإسلام فأصبح الإسلام به عزيز الجانب . فتبين الناس أن ~~الوليد من الذين لا يؤمنون بآيات الله ، وأن عمر ليس منهم ، وقد كانا معا ~~كافرين في زمن ما . ويشير إلى هذا المعنى الذي ذكرناه قوله تعالى : { إن ~~الله لا يهدي من هو كاذب كفار ( سورة الزمر : 3 ) فوصف من لا يهديه الله ~~بوصفين الكذب وشدة الكفر . | # فتبين أن معنى قوله تعالى : الذين لا يؤمنون بآيات الله } من كان ms4648 الإيمان ~~منافيا لجبلة طبعه لا لأميال هواه . وهذا يعلم الله أنه لا يؤمن وأنه ليس ~~معرضا للإيمان ، فلذلك لا يهديه الله ، أي لا يكون الهداية في قلبه . | # وهذا الأسلوب عكس أسلوب قوله تعالى : { إن الذين حقت عليهم كلمات ربك لا ~~يؤمنون ( سورة يونس : 96 ) ، وكل يرمي إلى معنى عظيم . | # فموقع هذه الجملة من التي قبلها موقع التعليل لجميع أقوالهم المحكية ~~والتذييل لخلاصة أحوالهم ، ولذلك فصلت بدون عطف . | # وعطف ولهم عذاب أليم } على { لا يهديهم } للدلالة على حرمانهم من الخير ~~وإلقائهم في الشر لأنهم إذا حرموا الهداية فقد وقعوا في الضلالة ، وماذا ~~بعد الحق إلا الضلال ، وهذا كقوله تعالى : { كتب عليه أنه من تولاه فأنه ~~يضله ويهديه إلى عذاب السعير ( سورة الحج : 4 ) . ويشمل العذاب عذاب الدنيا ~~وهو عذاب القتل مثل ما أصاب أبا جهل يوم بدر من ألم الجراح وهو في سكرات ~~الموت ، ثم من إهانة الإجهاز عليه عقب ذلك . | # | PageV14P289 # | 2 ( 105 ) إنما يفترى الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولائك هم ~~الكاذبون } . ) 2 # هذا رد لقولهم : { إنما أنت مفتر ( سورة النحل : 101 ) بقلب ما زعموه ~~عليهم ، كما كان قوله تعالى : لسان الذي يلحدون إليه أعجمي ( سورة النحل : ~~103 ) جوابا عن قولهم : إنما يعلمه بشر ( سورة النحل : 103 ) . فبعد أن نزه ~~القرآن عن أن يكون مفترى والمنزل عليه عن أن يكون مفتريا ثني العنان لبيان ~~من هو المفتري . وهذا من طريقة القلب في الحال . | # ووجه مناسبة ذكره هنا أن قولهم : إنما يعلمه بشر يستلزم تكذيب النبي في ~~أن ما جاء به منزل إليه من عند الله ، فصاروا بهذا الاعتبار يؤكدون بمضمونه ~~قولهم : إنما أنت مفتر } يؤكد أحد القولين القول الآخر ، فلما رد قولهم : { ~~إنما أنت مفتر } بقوله : { بل أكثرهم لا يعلمون قل نزله روح القدس من ربك ~~بالحق ( سورة النحل : 101 102 ) . وردت مقالتهم الأخرى في صريحها بقوله ~~لسان الذي يلحدون إليه أعجمي } ، ورد مضمونها هنا بقوله { إنما يفترى الكذب ~~الذين لا يؤمنون } الآية ، حاصلا به رد نظيرها أعني قولهم ms4649 { إنما أنت مفتر ~~} بكلام أبلغ من كلامهم ، لأنهم أتوا في قولهم { إنما أنت مفتر } بصيغة قصر ~~هي أبلغ مما قالوه ، لأن قولهم : { إنما أنت مفتر } قصر للمخاطب على صفة ~~الافتراء الدائمة ، إذ الجملة الاسمية تقتضي الثبات والدوام ، فرد عليهم ~~بصيغة تقصرهم على الافتراء المتكرر المتجدد ، إذ المضارع يدل على التجدد . ~~| # وأكد فعل الافتراء بمفعوله الذي هو بمعنى المفعول المطلق لكونه آيلا إليه ~~المعنى . | # وعرف { الكذب } بأداة تعريف الجنس الدالة على تميز ماهية الجنس ~~واستحضارها ، فإن تعريف اسم الجنس أقوى من تنكيره ، كما تقدم في قوله تعالى ~~{ الحمد لله رب العالمين ( سورة الفاتحة : 2 ) . | PageV14P290 # وعبر عن المقصور عليهم باسم الموصول دون أن يذكر ضميرهم ، فيقال : إنما ~~يفتري الكذب أنتم ، ليفيد اشتهارهم بمضمون الصلة ، ولأن للصلة أثرا في ~~افترائهم ، لما تفيده الموصولية من الإيماء إلى وجه بناء الخبر . | # وعليه فإن من لا يؤمن بالدلائل الواضحة التي هي آيات صدق لا يسعه إلا ~~الافتراء لترويج تكذيبه بالدلائل الواضحة . وفي هذا كناية عن كون تكذيبهم ~~بآيات الله عن مكابرة لا عن شبهة . | # ثم أردفت جملة القصر بجملة قصر أخرى بطريق ضمير الفصل وطريق تعريف المسند ~~وهي جملة وأولئك هم الكاذبون } . | # وافتتحت باسم الإشارة ، بعد إجراء وصف انتفاء الإيمان بآيات الله عنهم ، ~~لينبه على أن المشار إليهم جديرون بما يرد من الخبر بعد اسم الإشارة ، وهو ~~قصرهم على الكذب ، لأن من لا يؤمن بآيات الله يتخذ الكذب ديدنا له متجددا . ~~| # وجعل المسند في هذه الجملة معرفا باللام ليفيد أن جنس الكاذبين اتحد بهم ~~وصار منحصرا فيهم ، أي الذين تعرف أنهم طائفة الكاذبين هم هؤلاء . وهذا ~~يؤول إلى معنى قصر جنس المسند على المسند إليه ، فيحصل قصران في هذه الجملة ~~: قصر موصوف على صفة ، وقصر تلك الصفة على ذلك الموصوف . والقصران الأولان ~~الحاصلان من قوله : { إنما يفتري } وقوله : { وأولئك هم } إضافيان ، أي لا ~~غيرهم الذي رموه بالافتراء وهو محاشى منه ، والثالث { أولئك هم الكاذبون } ~~قصر حقيقي ادعائي للمبالغة ، إذ نزل بلوغ الجنس فيهم مبلغا قويا منزلة ms4650 ~~انحصاره فيهم . | # واختير في الصلة صيغة { لا يؤمنون } دون : لم يؤمنوا ، لتكون على وزان ما ~~عرفوا به سابقا في قوله : { الذين لا يؤمنون بآيات الله } ، ولما في ~~المضارع من الدلالة على أنهم مستمرون على انتفاء الإيمان لا يثبت لهم ضد ~~ذلك . | # | PageV14P291 # | 2 ( 106 ) { من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن ~~بالإيمان ولاكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم } . ~~) 2 # لما سبق التحذير من نقض عهد الله الذي عاهدوه ، وأن لا يغرهم ما لأمة ~~المشركين من السعة والربو ، والتحذير من زلل القدم بعد ثبوتها ، وبشروا ~~بالوعد بحياة طيبة ، وجزاء أعمالهم الصالحة من الإشارة إلى التمسك بالقرآن ~~والاهتداء به ، وأن لا تغرهم شبه المشركين وفتونهم في تكذيب القرآن ، عقب ~~ذلك بالوعيد على الكفر بعد الإيمان ، فالكلام استئناف ابتدائي . | # ومناسبة الانتقال أن المشركين كانوا يحاولون فتنة الراغبين في الإسلام ~~والذين أسلموا ، فلذلك رد عليهم بقوله : { قل نزله روح القدس إلى قوله : ~~ليثبت الذين آمنوا ( سورة النحل : 102 ) ، وكانوا يقولون : إنما يعلمه بشر ~~} ( سورة النحل : 103 ) فرد عليهم بقوله : { لسان الذي يلحدون إليه أعجمي ( ~~سورة النحل : 103 ) . وكان الغلام الذي عنوه بقولهم إنما يعلمه بشر } قد ~~أسلم ثم فتنه المشركون فكفر ، وهو جبر مولى عامر بن الحضرمي . وكانوا ~~راودوا نفرا من المسلمين على الارتداد ، منهم : بلال ، وخباب بن الأرت ، ~~وياسر ، وسمية أبوا عمار بن ياسر ، وعمار ابنهما ، فثبتوا على الإسلام . ~~وفتنوا عمارا فأظهر لهم الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان . وفتنوا نفرا آخرين ~~فكفروا ، وذكر منهم الحارث بن ربيعة بن الأسود ، وأبو قيس بن الوليد بن ~~المغيرة ، وعلي بن أمية بن خلف ، والعاصي بن منبه بن الحجاج ، وأحسب أن ~~هؤلاء هم الذين نزل فيهم قوله تعالى : { ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا ~~أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله في سورة العنكبوت ( 10 ) ، فكان من ~~هذه المناسبة رد لعجز الكلام على صدره . | PageV14P292 # على أن مضمون من كفر بالله من بعد إيمانه } مقابل لمضمون { من عمل ms4651 صالحا ~~من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ( سورة النحل : 97 ) ، فحصل الترهيب بعد الترغيب ، ~~كما ابتدىء بالتحذير تحفظا على الصالح من الفساد ، ثم أعيد الكلام بإصلاح ~~الذين اعتراهم الفساد ، وفتح باب الرخصة للمحافظين على صلاحهم بقدر الإمكان ~~. | # واعلم أن الآية إن كانت تشير إلى نفر كفروا بعد إسلامهم كانت من } موصولة ~~وهي مبتدأ والخبر { فعليهم غضب من الله } . وقرن الخبر بالفاء لأن في ~~المبتدإ شبها بأداة الشرط . وقد يعامل الموصول معاملة الشرط ، ووقع في ~~القرآن في غير موضع . ومنه قوله تعالى : { إن الذين فتنوا المؤمنين ~~والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ( سورة البروج : 10 ) ، وقوله تعالى ~~: والذين يكنزون الذهب والفضة إلى قوله فبشرهم بعذاب أليم في سورة براءة ( ~~34 ) . وقيل إن فريقا كفروا بعد إسلامهم ، كما روي في شأن جبر غلام ابن ~~الحضرمي . وهذا الوجه أليق بقوله تعالى : أولئك الذين طبع الله على قلوبهم ~~( سورة النحل : 108 ) الآية . | # وإن كان ذلك لم يقع فالآية مجرد تحذير للمسلمين من العود إلى الكفر ، ~~ولذلك تكون من } شرطية ، والشرط غير مراد به معين بل هو تحذير ، أي من ~~يكفروا بالله ، لأن الماضي في الشرط ينقلب إلى معنى المضارع ، ويكون قوله : ~~{ فعليهم غضب من الله } جوابا . | # والتحذير حاصل على كلا المعنيين . | # وأما قوله : { إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان } فهو ترخيص ومعذرة لما ~~صدر من عمار بن ياسر وأمثاله إذا اشتد عليهم عذاب من فتنوهم . | # وقوله : { إلا من أكره } استثناء من عموم { من كفر } لئلا يقع حكم الشرط ~~عليه ، أي إلا من أكرهه المشركون على الكفر ، أي على إظهاره PageV14P293 ~~فأظهره بالقول لكنه لم يتغير اعتقاده . وهذا فريق رخص الله لهم ذلك كما ~~سيأتي . | # ومصحح الاستثناء هو أن الذي قال قول الكفار قد كفر بلفظه . | # والاستدراك بقوله : { ولكن من شرح بالكفر صدرا } استدراك على الاستثناء ، ~~وهو احتراس من أن يفهم من الاستثناء أن المكره مرخص له أن ينسلخ عن الإيمان ~~من قلبه . | # و { من شرح } معطوف ب { لكن } على { من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ms4652 } ، ~~لأنه في معنى المنفي لوقوعه عقب الاستثناء من المثبت ، فحرف { لكن عاطف ولا ~~عبرة بوجود الواو على التحقيق . | # واختير فعليهم غضب } دون نحو : فقد غضب الله عليهم ، لما تدل عليه الجملة ~~الاسمية من الدوام والثبات ، أي غضب لا مغفرة معه . | # وتقديم الخبر المجرور على المبتدإ للاهتمام بأمرهم ، فقدم ما يدل عليهم ، ~~ولتصحيح الإتيان بالمبتدإ نكرة حين قصد بالتنكير التعظيم ، أي غضب عظيم ، ~~فاكتفي بالتنكير عن الصفة . | # وأما تقديم { لهم } على { عذاب عظيم } فللاهتمام . | # والإكراه : الإلجاء إلى فعل ما يكره فعله . وإنما يكون ذلك بفعل شيء تضيق ~~عن تحمله طاقة الإنسان من إيلام بالغ أو سجن أو قيد أو نحوه . | # وقد رخصت هذه الآية للمكره على إظهار الكفر أن يظهره بشيء من مظاهره التي ~~يطلق عليها أنها كفر في عرف الناس من قول أو فعل . | # وقد أجمع علماء الإسلام على الأخذ بذلك في أقوال الكفر ، فقالوا : فمن ~~أكره على الكفر غير جارية عليه أحكام الكفر ، لأن الإكراه قرينة على أن ~~كفره تقية ومصانعة بعد أن كان مسلما . وقد رخص الله ذلك رفقا بعباده ~~واعتبارا للأشياء بغاياتها ومقاصدها . | PageV14P294 # وفي الحديث : أن ذلك وقع لعمار بن ياسر ، وأنه ذكر ذلك للنبيء صلى الله ~~عليه وسلم فصوبه وقال له : ( وإن عادوا لك فعد ) . | # وأجمع على ذلك العلماء . وشذ محمد بن الحسن فأجرى على هذا التظاهر بالكفر ~~حكم الكفار في الظاهر كالمرتد فيستتاب عن المكنة منه . | # وسوى جمهور العلماء بين أقوال الكفر وأفعاله كالسجود للصنم . وقالت طائفة ~~: إن الإكراه على أفعال الكفر لا يبيحها . ونسب إلى الأوزاعي وسحنون والحسن ~~البصري ، وهي تفرقة غير واضحة . وقد ناط الله الرخصة باطمئنان القلب ~~بالإيمان وغفر ما سول القلب . | # وإذا كان الإكراه موجب الرخصة في إظهار الكفر فهو في غير الكفر من ~~المعاصي أولى كشرب الخمر والزنا ، وفي رفع أسباب المؤاخذة في غير الاعتداء ~~على الغير كالإكراه على الطلاق أو البيع . | # وأما في الاهتداء على الناس من ترتب الغرم فبين مراتب الإكراه ومراتب ~~الاعتداء المكره عليه تفاوت ، وأعلاها الإكراه ms4653 على قتل نفس . وهذا يظهر أنه ~~لا يبيح الإقدام على القتل لأن التوعد قد لا يتحقق وتفوت نفس القتيل . | # على أن أنواعا من الاعتداء قد يجعل الإكراه ذريعة إلى ارتكابها بتواطوء ~~بين المكره والمكره . ولهذا كان للمكره بالكسر جانب من النظر في حمل التبعة ~~عليه . | # وهذه الآية لم تتعرض لغير مؤاخذة الله تعالى في حقه المحض وما دون ذلك ~~فهو مجال الاجتهاد . | # والخلاف في طلاق المكره معلوم ، والتفاصيل والتفاريع مذكورة في كتب ~~الفروع وبعض التفاسير . | # | PageV14P295 # | 2 ( 107 ) { ذالك بأنهم استحبوا الحيواة الدنيا على الاخرة وأن الله لا ~~يهدى القوم الكافرين } . ) 2 # هذه الجملة واقعة موقع التعليل فلذلك فصلت عن التي قبلها ، وإشارة ذلك ~~إلى مضمون قوله { فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم ( سورة النحل : 106 ) ~~. | # وضمير بأنهم } عائد إلى { من كفر بالله ( سورة النحل : 106 ) سواء كان ما ~~صدق من } معينا أو مفروضا على أحد الوجهين السابقين . | # والباء للسببية ، فمدخولها سبب . | # و { استحبوا } مبالغة في ( أحبوا ) مثل استأخر واستكان . وضمن ( استحبوا ~~) معنى ( فضلوا ) فعدي بحرف ( على ) ، أي لأنهم قدموا نفع الدنيا على نفع ~~الآخرة ، لأنهم قد استقر في قلوبهم أحقية الإسلام وما رجعوا عنه إلا خوف ~~الفتنة أو رغبة في رفاهية العيش ، فيكون كفرهم أشد من كفر المستصحبين للكفر ~~من قبل البعثة . | # { وأن الله لا يهدى القوم الكافرين } سبب ثان للغضب والعذاب ، أي وبأن ~~الله حرمهم الهداية فهم موافونه على الكفر . وقد تقدم تفسير ذلك عند قوله ~~تعالى : { إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ( سورة النحل : ~~104 ) . | # وهو تذييل لما في صيغة القوم الكافرين } من العموم الشامل للمتحدث عنهم ~~وغيرهم ، فليس ذلك إظهارا في مقام الإضمار ولكنه عموم بعد خصوص . | # وإقحام لفظ ( قوم ) للدلالة على أن من كان هذا شأنهم فقد عرفوا به وتمكن ~~منهم وصار سجية حتى كأنهم يجمعهم هذا الوصف . | # وقد تقدم أن جريان وصف أو خبر على لفظ ( قوم ) يؤذن بأنه من مقومات ~~قوميتهم كما في قوله تعالى : { لآيات لقوم يعقلون في سورة ms4654 PageV14P296 ~~البقرة ( 164 ) ، وقوله تعالى : وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون ~~في سورة يونس ( 101 ) . | # | 2 ( 108 ، 109 ) أولائك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم ~~وأولائك هم الغافلون * لا جرم أنهم فى الاخرة هم الخاسرون } . ) 2 # جملة مبينة لجملة { وأن الله لا يهدي القوم الكافرين ( سورة النحل : 107 ~~) بأن حرمانهم الهداية بحرمانهم الانتفاع بوسائلها : من النظر الصادق في ~~دلائل الوحدانية ، ومن الوعي لدعوة الرسول والقرآن المنزل عليه ، ومن ثبات ~~القلب على حفظ ما داخله من الإيمان ، حيث انسلخوا منه بعد أن تلبسوا به . | # وافتتاح الجملة باسم الإشارة لتمييزهم أكمل تمييز تبيينا لمعنى الصلة ~~المتقدمة ، وهي اتصافهم بالارتداد إلى الكفر بعد الإيمان بالقول والاعتقاد ~~. | # وأخبر عن اسم الإشارة بالموصول لما فيه من الإيماء إلى وجه بناء الحكم ~~المبين بهذه الجملة . وهو مضمون جملة فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم } ~~( النحل : 106 ) . | # والطبع : مستعار لمنع وصول الإيمان وأدلته ، على طريقة تشبيه المعقول ~~بالمحسوس . وقد تقدم مفصلا عند قوله تعالى : { ختم الله على قلوبهم وعلى ~~سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة في سورة البقرة ( 7 ) . | # وجملة وأولئك هم الغافلون } تكملة للبيان ، أي الغافلون الأكملون في ~~الغفلة ، لأن الغافل البالغ الغاية ينافي حالة الاهتداء . | PageV14P297 # والقصر قصر موصوف على صفة ، وهو حقيقي ادعائي يقصد به المبالغة ، لعدم ~~الاعتداد بالغافلين غيرهم ، لأنهم بلغوا الغاية في الغفلة حتى عد كل غافلل ~~غيرهم كمن ليس بغافل . ومن هنا جاء معنى الكمال في الغفلة لا من لام ~~التعريف . | # وجملة { لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون } واقعة موقع النتيجة لما ~~قبلها ، لأن ما قبلها صار كالدليل على مضمونها ، ولذلك افتتحت بكلمة نفي ~~الشك . | # فإن { لا جرم } بمعنى ( لا محالة ) أو ( لا بد ) . وقد تقدم آنفا في هذه ~~السورة عند قوله تعالى : { لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون } ~~وتقدم بسط تفسيرها عند قوله تعالى : { لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون ~~في سورة هود ( 22 ) . | # والمعنى : أن خسارتهم هي الخسارة ، لأنهم أضاعوا النعيم إضاعة أبدية . | # ويجري ms4655 هذا المعنى على كلا الوجهين المتقدمين في ما صدق ( من ) من قوله : ~~من كفر بالله ( سورة النحل : 106 ) الآية . | # ووقع في سورة هود ( 22 ) هم الأخسرون ، ووقع هنا هم الخاسرون } لأن آية ~~سورة هود ( 21 ) تقدمها { أولئك الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا ~~يفترون ، فكان المقصود بيان أن خسارتهم في الآخرة أشد من خسارتهم في الدنيا ~~. | # | 2 ( 110 ) ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ~~ربك من بعدها لغفور رحيم } . ) 2 # عطف على جملة { من كفر بالله من بعد إيمانه إلى قوله : هم الخاسرون ( ~~سورة النحل : 106 109 ) . | PageV14P298 # وثم } للترتيب الرتبي ، كما هو شأنها في عطفها الجمل . وذلك أن مضمون هذه ~~الجلة المعطوفة أعظم رتبة من المعطوف عليها ، إذ لا أعظم من رضى الله تعالى ~~كما قال تعالى : { ورضوان من الله أكبر ( سورة آل عمران : 15 ) . | # والمراد بالذين هاجروا } المهاجرون إلى الحبشة الذين أذن لهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم بالهجرة للتخلص من أذى المشركين . ولا يستقيم معنى الهجرة ~~هنا إلا لهذه الهجرة إلى أرض الحبشة . | # قال ابن إسحاق : ( فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يصيب أصحابه ~~من البلاء وما هو فيه من العافية بمكانه من الله ومن عمه أبي طالب ، وأنه ~~لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء ، قال لهم : لو خرجتم إلى أرض ~~الحبشة فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد ، وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم ~~فرجا مما أنتم فيه ، فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله إلى أرض ~~الحبشة مخافة الفتنة وفرارا بدينهم ) اه . | # فإن الله لما ذكر الذين آمنوا وصبروا على الأذى وعذر الذين اتقوا عذاب ~~الفتنة بأن قالوا كلام الكفر بأفواههم ولكن قلوبهم مطمئنة بالإيمان ذكر ~~فريقا آخر فازوا بفرار من الفتنة ، لئلا يتوهم متوهم أن بعدهم عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم في تلك الشدة يوهن جامعة المسلمين فاستوفي ذكر فرق المسلمين ~~كلها . وقد أومأ إلى حظهم من ms4656 الفضل بقوله : { هاجروا من بعد ما فتنوا } ، ~~فسمى عملهم هجرة . | # وهذا الاسم في مصطلح القرآن يدل على مفارقة الوطن لأجل المحافظة على ~~الدين ، كما حكي عن إبراهيم عليه السلام { وقال إني مهاجر إلى ربي ( سورة ~~العنكبوت : 26 ) . وقال في الأنصار يحبون من هاجر إليهم ، أي المؤمنين ~~الذين فارقوا مكة . | # وسمى ما لقوه من المشركين فتنة . والفتنة : العذاب والأذى الشديد المتكرر ~~الذي لا يترك لمن يقع به صبرا ولا رأيا ، قال تعالى : يوم هم على ~~PageV14P299 النار يفتنون ذوقوا فتنتكم ( سورة الذاريات : 14 ) ، وقال : إن ~~الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ( سورة البروج : 10 ) . وتقدم بيانها عند ~~قوله تعالى : والفتنة أشد من القتل في سورة البقرة ( 191 ) . أي فقد نالهم ~~الأذى في الله . | # والمجاهدة : المقاومة بالجهد ، أي الطاقة . | # والمراد بالمجاهدة هنا دفاعهم المشركين عن أن يردوهم إلى الكفر . | # وهاتان الآيتان مكيتان نازلتان قبل شرع الجهاد الذي هو بمعنى قتال الكفار ~~لنصر الدين . | # والصبر : الثبات على تحمل المكروه والمشاق ، وتقدم في قوله تعالى : ~~واستعينوا بالصبر والصلاة في سورة البقرة ( 45 ) . | # وأكد الخبر بحرف التوكيد وبالتوكيد اللفظي لتحقيق الوعد ، والاهتمام يدفع ~~النقيصة عنهم في الفضل . | # ويدل على ذلك ما في صحيح البخاري } : أن أسماء بنت عميس ، وهي ممن قدم من ~~أرض الحبشة ، دخلت على حفصة فدخل عمر عليهما فقال لها : سبقناكم بالهجرة ~~فنحن أحق برسول الله منكم ، فغضبت أسماء وقالت : كلا والله ، كنتم مع النبي ~~يطعم جائعكم ويعظ جاهلكم ، وكنا في أرض البعداء البغضاء بالحبشة ونحن كنا ~~نؤذى ونخاف ، وذلك في الله ورسوله ، وأيم الله لا أطعم طعاما ولا أشرب ~~شرابا حتى أذكر ما قلت لرسول الله ، فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم بيت ~~حفصة قالت أسماء : يا رسول الله إن عمر قال كذا وكذا ، قال : فما قلتت له ؟ ~~قالت : قلت له كذا وكذا ، قال : ( ليست بأحق بي منكم وله ولأصحابه هجرة ~~واحدة ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان ) . | # واللام في قوله : { للذين هاجروا } متعلق ب ( غفور ) مقدم عليه للاهتمام ~~. وأعيد { إن ربك } ثانيا لطول الفصل ms4657 بين اسم { إن } وخبرها المقترن بلام ~~الابتداء مع إفادة التأكيد اللفظي . | PageV14P300 # وتعريف المسند إليه الذي هو اسم { إن } بطريق الإضافة دون العلمية لما ~~يومىء إليه إضافة لفظ ( رب ) إلى ضمير النبي من كون المغفرة والرحمة ~~لأصحابه كانت لأنهم أوذوا لأجل الله ولأجل النبي صلى الله عليه وسلم فكان ~~إسناد المغفرة إلى الله بعنوان كونه رب محمد صلى الله عليه وسلم حاصلا ~~بأسلوب يدل على الذات العلية وعلى الذات المحمدية . | # وهذا من أدق لطائف القرآن في قرن اسم النبي باسم الله بمناسبة هذا ~~الإسناد بخصوصه . | # وضمير { من بعدها } عائد إلى الهجرة المستفادة من { هاجروا } ، أو إلى ~~المذكورات : من هجرة وفتنة وجهاد وصبر ، أو إلى الفتنة المأخوذة من { فتنوا ~~} . وكل تلك الاحتمالات تشير إلى أن المغفرة والرحمة لهم جزاء على بعض تلك ~~الأفعال أو كلها . | # وقرأ ابن عامر { فتنوا } بفتح الفاء والتاء على البناء للفاعل ، وهي لغة ~~في افتتن ، بمعنى وقع في الفتنة . | # | 2 ( 111 ) { يوم تأتى كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم ~~لا يظلمون } . ) 2 # يجوز أن يكون هذا استئنافا وتذييلا بتقدير : اذكر يوم تأتي كل نفس تجادل ~~عن نفسها ، وقع عقب التحذير والوعيد وعيدا للذين أنذروا ووعدا للذين بشروا ~~. | # ويجوز أن يكون متصلا بقوله : { إن ربك من بعدها لغفور رحيم ( سورة النحل ~~: 110 ) ، فيكون انتصاب يوم تأتي كل نفس } على الظرفية { لغفور رحيم } ، أي ~~يغفر لهم ويرحمهم يوم القيامة بحيث لا يجدون أثرا لذنوبهم التي لا يخلو ~~PageV14P301 عنها غالب الناس ويجدون رحمة من الله بهم يومئذ . فهذا المعنى ~~هو مقتضى الإتيان بهذا الظرف . | # والمجادلة : دفاع بالقول للتخلص من تبعة فعل . وتقدم عند قوله تعالى : { ~~ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم في سورة النساء ( 107 ) . | # والنفس الأول : بمعنى الذات والشخصص كقوله : أن النفس بالنفس سورة ~~المائدة ( 45 ) . والنفس الثانية ما به الشخص شخص ؛ فالاختلاف بينهما ~~بالاعتبار كقول أعرابي قتل أخوه ابنا له ( من الحماسة ) : | # أقول للنفس تأساء وتسلية | # إحدى يدي أصابتني ولم ترد | # وتقدم في قوله ms4658 : وتنسون أنفسكم في سورة البقرة ( 44 ) . | # وذلك أن العرب يستشعرون للإنسان جملة مركبة من جسد وروح فيسمونها النفس ، ~~أي الذات وهي ما يعبر عنه المتكلم بضمير ( أنا ) ، ويستشعرون للإنسان قوة ~~باطنية بها إدراكه ويسمونها نفسا أيضا . ومنه أخذ علماء المنطق اسم النفس ~~الناطقة . | # والمعنى : يأتي كل أحد يدافع عن ذاته ، أي يدافع بأقواله ليدفع تبعات ~~أعماله . ففاعل المجادلة وما هو في قوة مفعوله شيء واحد . وهذا قريب من ~~وقوع الفاعل والمفعول شيئا واحدا في أفعال الظن والدعاء ، بكثرة مثل : ~~أراني فاعلا كذا ، وقولهم ؛ عدمتني وفقدتني ، وبقلة في غير ذلك مع الأفعال ~~نحو قول امرىء القيس : | # قد بت أحرسني وحدي ويمنعني | # صوت السباع به يضبحن والهام | # وتوفى } تعطى شيئا وافيا ، أي كاملا غير منقوص ، و { ما عملت } مفعول ~~ثانن ل { توفى } ، وهو على حذف مضاف تقديره : جزاء ما عملت ، أي من ثواب أو ~~عقاب ، وإظهار كل نفس في مقام الإضمار لتكون الجملة مستقلة فتجري مجرى ~~المثل . | PageV14P302 # والظلم : الاعتداء على الحق . وأطلق هنا على مجاوزة الحد المعين للجزاء ~~في الشر والإجحاف عنه في الخير ، لأن الله لما عين الجزاء على الشر ووعد ~~بالجزاء على الخير صار ذلك كالحق لكل فريق . والعلم بمراتب هذا التحديد ~~مفوض لله تعالى : { ولا يظلم ربك أحدا ( سورة الكهف : 49 ) . | # وضميرا وهم لا يظلمون } عائدان إلى كل نفس بحسب المعنى ، لأن { كل نفس } ~~يدل على جمع من النفوس . | # وزيادة هذه الجملة للتصريح بمفهوم { وتوفى كل نفس ما عملت } ، لأن توفية ~~الجزاء على العمل تستلزم كون تلك التوفية عدلا ، فصرح بهذا اللازم بطريقة ~~نفي ضده وهو نفي الظلم عنهم ، وللتنبيه على أن العدل من صفات الله تعالى . ~~وحصل مع ذلك تأكيد المعنى الأول . | # | 2 ( 112 ) { وضرب الله مثلا قرية كانت ءامنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا ~~من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا ~~يصنعون } . ) 2 # عطف عظة على عظة . والمعطوف عليها هي جمل الامتنان بنعم الله تعالى عليهم ~~من قوله : { وما بكم من نعمة ms4659 فمن الله ( النحل : 53 ) وما اتصل بها إلى ~~قوله : يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون ( سورة النحل : 83 ) ~~. فانتقل الكلام بعد ذلك بتهديد من قوله : ويوم نبعث من كل أمة شهيدا ( ~~سورة النحل : 84 ) . | # فبعد أن توعدهم بقوارع الوعيد بقوله : ولهم عذاب أليم ( سورة النحل : 104 ~~) وقوله : فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم ( سورة النحل : 106 ) إلى ~~قوله لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون ( سورة النحل : 109 ) عاد الكلام ~~إلى تهديدهم بعذاب في الدنيا بأن جعلهم مضرب مثل لقرية عذبت عذاب الدنيا ، ~~أو جعلهم مثلا وعظة لمن يأتي بمثل ما أتوا به من إنكار نعمة الله . | ~~PageV14P303 # ويجوز أن يكون المعطوف عليها جملة يوم تأتي كل نفس ( سورة النحل : 111 ) ~~الخ . على اعتبار تقدير ( اذكر ) ، أي اذكر لهم هول يوم تأتي كل نفس تجادل ~~الخ . وضرب الله مثلا لعذابهم في الدنيا شأن قرية كانت آمنة الخ . | # وضرب } : بمعنى جعل ، أي جعل المركب الدال عليه وكون نظمه ، وأوحى به إلى ~~رسوله صلى الله عليه وسلم كما يقال : أرسل فلان مثلا قوله : كيت وكيت . | # والتعبير عن ضرب المثل الواقع في حال نزول الآية بصيغة الماضي للتشويق ~~إلى الإصغاء إليه ، وهو من استعمال الماضي في الحال لتحقيق وقوعه ، مثل { ~~أتى أمر الله ( سورة النحل : 1 ) أو لتقريب زمن الماضي من زمن الحال ، مثل ~~قد قامت الصلاة . | # ويجوز أن يكون ضرب } مستعملا في معنى الطلب والأمر ، أي اضرب يا محمد ~~لقومك مثلا قرية إلى آخره ، كما سيجيء عند قوله تعالى { ضرب الله مثلا رجلا ~~فيه شركاء في سورة الزمر ( 29 ) . وإنما صيغ في صيغة الخبر توسلا إلى ~~إسناده إلى الله تشريفا له وتنويها به . ويفرق بينه وبين ما صيغ بصيغة ~~الطلب نحو واضرب لهم مثلا أصحاب القرية ( سورة يس : 13 ) بما سيذكر في سورة ~~الزمر فراجعه . وقد تقدم في قوله تعالى : إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا في ~~سورة البقرة ( 26 ) ، وقوله في سورة إبراهيم ( 24 ) ألم تر كيف ضرب الله ms4660 ~~مثلا كلمة طيبة . | # وجعل المثل قرية موصوفة بصفات تبين حالها المقصود من التمثيل ، فاستغني ~~عن تعيين القرية . | # والنكتة في ذلك أن يصلح هذا المثل للتعريض بالمشركين باحتمال أن تكون ~~القرية قريتهم أعني مكة بأن جعلهم مثلا للناس من بعدهم . ويقوى هذا ~~الاحتمال إذا كانت هذه الآية قد نزلت بعد أن أصاب أهل مكة الجوع الذي ~~أنذروا به في قوله تعالى : فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين PageV14P304 ~~يغشى الناس هذا عذاب أليم ( سورة الدخان : 10 ) . وهو الدخان الذي كان يراه ~~أهل مكة أيام القحط الذي أصابهم بدعاء النبي . | # ويؤيد هذا قوله بعد ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ~~ظالمون ( سورة النحل : 113 ) . | # ولعل المخاطب بهذا المثل هم المسلمون الذين هاجروا من بعد ما فتنوا ، أي ~~أصحاب هجرة الحبشة تسلية لهم عن مفارقة بلدهم ، وبعثا لهم على أن يشكروا ~~الله تعالى إذ أخرجهم من تلك القرية فسلموا مما أصاب أهلها وما يصيبهم . | # وتقدم معنى القرية عند قوله تعالى : أو كالذي مر على قرية في سورة البقرة ~~( 259 ) . | # والمراد بالقرية أهلها إذ هم المقصود من القرية كقوله : واسأل القرية ( ~~سورة يوسف : 82 ) . | # والأمن : السلامة من تسلط العدو . | # والاطمئنان : الدعة وهدوء البال . وقد تقدم في قوله تعالى : ولكن ليطمئن ~~قلبي في سورة البقرة ( 260 ) ، وقوله : فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة في ( ~~سورة النساء : 103 ) . | # وقدم الأمن على الطمأنينة إذ لا تحصل الطمأنينة بدونه ، كما أن الخوف ~~يسبب الانزعاج والقلق . | # وقوله : يأتيها رزقها رغدا } تيسير الرزق فيها من أسباب راحة العيش ، وقد ~~كانت مكة كذلك . قال تعالى : { أو لم نمكن لهم حرما آمنا تجبى إليه ثمرات ~~كل شيء ( سورة القصص : 57 ) . والرزق : الأقوات . وقد تقدم عند قوله : لا ~~يأتيكما طعام ترزقانه في سورة يوسف ( 37 ) . | # والرغد : الوافر الهنيء . وتقدم عند قوله : وكلا منها رغدا حيث شئتما في ~~سورة البقرة ( 35 ) . | PageV14P305 # ومن كل مكان } بمعنى من أمكنة كثيرة . و { كل } تستعمل في معنى الكثرة ، ~~كما تقدم في قوله تعالى : { وإن يروا كل آية لا يؤمنوا ms4661 بها في سورة الأنعام ~~( 25 ) . | # والأنعم : جمع نعمة على غير قياس . | # ومعنى الكفر بأنعم الله : الكفر بالمنعم ، لأنهم أشركوا غيره في عبادته ~~فلم يشكروا المنعم الحق . وهذا يشير إلى قوله تعالى : يعرفون نعمت الله ثم ~~ينكرونها وأكثرهم الكافرون ( سورة النحل : 83 ) . | # واقتران فعل كفرت بفاء التعقيب بعد كانت آمنة مطمئنة } باعتبار حصول ~~الكفر عقب النعم التي كانوا فيها حين طرأ عليهم الكفر ، وذلك عند بعثة ~~الرسول إليهم . | # وأما قرن { فأذاقها الله لباس الجوع } بفاء التعقيب فهو تعقيب عرفي في ~~مثل ذلك المعقب لأنه حصل بعد مضي زمن عليهم وهم مصرون على كفرهم والرسول ~~يكرر الدعوة وإنذارهم به ، فلما حصل عقب ذلك بمدة غير طويلة وكان جزاء على ~~كفرهم جعل كالشيء المعقب به كفرهم . | # والإذاقة : حقيقتها إحساس اللسان بأحوال الطعوم . وهي مستعارة هنا وفي ~~مواضع من القرآن إلى إحساس الألم والأذى إحساسا مكينا كتمكن ذوق الطعام من ~~فم ذائقه لا يجد له مدفعا ، وقد تقدم في قوله تعالى : { ليذوق وبال أمره في ~~سورة العقود ( 95 ) . | # واللباس : حقيقته الشيء الذي يلبس . وإضافته إلى الجوع والخوف قرينة على ~~أنه مستعار إلى ما يغشى من حالة إنسان ملازمة له كملازمة اللباس لابسه ، ~~كقوله تعالى : هن لباس لكم وأنتم لباس لهن ( سورة البقرة : 187 ) بجامع ~~الإحاطة والملازمة . | PageV14P306 # ومن قبيلها استعارة ( البلى ) لزوال صفة الشخص تشبيها للزوال بعد التمكن ~~ببلى الثوب بعد جدته في قول أبي الغول الطهوي : | # ولا تبلى بسالتهم وإن هم | # صلوا بالحرب حينا بعد حين | # واستعارة سل الثياب إلى زوال المعاشرة في قول امرىء القيس : | # فسلي ثيابي عن ثيابكك تنسل | # ومن لطائف البلاغة جعل اللباس لباس شيئين ، لأن تمام اللبسة أن يلبس ~~المرء إزارا ودرعا . | # ولما كان اللباس مستعارا لإحاطة ما غشيهم من الجوع والخوف وملازمته أريد ~~إفادة أن ذلك متمكن منهم ومستقر في إدراكهم استقرار الطعام في البطن إذ ~~يذاق في اللسان والحلق ويحس في الجوف والأمعاء . | # فاستعير له فعل الإذاقة تمليحا وجمعا بين الطعام واللباس ، لأن غاية ~~القرى والإكرام أن يؤدب ms4662 للضيف ويخلع عليه خلعة من إزار وبرد ، فكانت ~~استعارتان تهكميتان . | # فحصل في الآية استعارتان : الأولى : استعارة الإذاقة وهي تبعية مصرحة ، ~~والثانية : اللباس وهي أصلية مصرحة . | # ومن بديع النظم أن جعلت الثانية متفرعة على الأولى ومركبة عليها بجعل ~~لفظها مفعولا للفظ الأولى . وحصل بذلك أن الجوع والخوف محيطان بأهل القرية ~~في سائر أحوالهم وملازمان لهم وأنهم بالغان منهم مبلغا أليما . | # وأجمل بما كانوا يصنعون } اعتمادا على سبق ما يبينه من قوله : { فكفرت ~~بأنعام الله } . | # | PageV14P307 # | 2 ( 113 ) { ولقد جآءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون } . ~~) 2 # لما أخبر عنهم بأنهم أذيقوا لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ، وكان ~~إنما ذكر من صنعهم أنهم كفروا بأنعم الله ، زيد هنا أن ما كانوا يصنعون عام ~~لكل عمل لا يرضي الله غير مخصوص بكفرهم نعمة الله ، وإن من أشنع ما كانوا ~~يصنعون تكذيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أنه منهم . وذلك أظهر في ~~معنى الإنعام عليهم والرفق بهم . وما من قرية أهلكت إلا وقد جاءها رسول من ~~أهلها { وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا ~~( سورة القصص : 59 ) . | # والأخذ : الإهلاك . وقد تقدم عند قوله تعالى : فأخذناهم بغتة وهم لا ~~يشعرون في سورة الأعراف ( 95 ) . | # وتأكيد الجملة بلام القسم وحرفف التحقيق للاهتمام بهذا الخبر تنبيها ~~للسامعين المعرض بهم لأنه محل الإنذار . | # وتعريف العذاب } للجنس ، أي فأخذهم عذاب كقوله : { وما أرسلنا في قرية من ~~نبيء إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون ثم بدلنا مكان السيئة ~~الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا ~~يشعرون ( سورة الأعراف : 95 ) . | # | 2 ( 114 ) فكلوا مما رزقكم الله حللا طيبا واشكروا نعمت الله إن كنتم ~~إياه تعبدون } . ) 2 # تفريع على الموعظة وضربب المثل ، وخوطب به فريق من المسلمين كما دل عليه ~~قوله : { إن كنتم إياه تعبدون إنما حرم عليكم الميتة ( سورة النحل : 114 ، ~~115 ) إلى آخره . | PageV14P308 # ولعل هذا موجه إلى أهل هجرة الحبشة إذ أصبحوا آمنين عند ms4663 ملك عادل في بلد ~~يجدون فيه رزقا حلالا وهو ما يضافون به وما يكتسبونه بكدهم ، أي إذا علمتم ~~حال القرية الممثل بها أو المعرض بها فاشكروا الله الذي نجاكم من مثل ما ~~أصاب القرية ، فاشكروا الله ولا تكفروه كما كفر بنعمته أهل تلك القرية . ~~فقوله : واشكروا نعمت الله } مقابل قوله في المثل : { فكفرت بأنعم الله ( ~~سورة النحل : 112 ) إن كنتم لا تعبدون غيره كما هو مقتضى الإيمان . | # وتعليق ذلك بالشرط للبعث على الامتثال لإظهار صدق إيمانهم . | # وإظهار اسم الجلالة في قوله : واشكروا نعمت الله } مع أن مقتضى الظاهر ~~الإضمار لزيادة التذكير ، ولتكون جملة هذا الأمر مستقلة بدلالتها بحيث تصح ~~أن تجري مجرى المثل . | # وقيل : هذه الآية نزلت بالمدينة ( والمعنى واحد ) وهو قول بعيد . | # والأمر في قوله : { فكلوا } للامتنان . وإدخال حرف التفريع عليه باعتبار ~~أن الأمر بالأكل مقدمة للأمر بالشكر وهو المقصود بالتفريع . والمقصود : ~~فاشكروا نعمة الله ولا تكفروها فيحل بكم ما حل بأهل القرية المضروبة مثلا . ~~| # والحلال : المأذون فيه شرعا . والطيب : ما يطيب للناس طعمه وينفعهم قوته ~~. | # | 2 ( 115 ) { إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ومآ أهل لغير ~~الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم } . ) 2 # هذه الجملة بيان لمضمون جملة { فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا ( سورة ~~النحل : 114 ) لتمييز الطيب من الخبيث ، فإن المذكورات في المحرمات هي ~~خبائث خبثا PageV14P309 فطريا لأن بعضها مفسد لتولد الغذاء لما يشتمل عليه ~~من المضرة . وتلك هي الميتة ، والدم ، ولحم الخنزير ؛ وبعضها منافف للفطرة ~~وهو ما أهل به لغير الله لأنه منافف لشكر المنعم بها ، فالله خلق الأنعام ، ~~والمشركون يذكرون اسم غير الله عليها . | # ولإفادة بيان الحلال الطيب بهذه الجملة جيء فيها بأداة الحصر ، أي ما حرم ~~عليكم إلا الأربع المذكورات ، فبقي ما عداها طيبا . | # وهذا بالنظر إلى الطيب والخبث بالذات . وقد يعرض الخبث لبعض المطعومات ~~عرضا . | # ومناسبة هذا التحديد في المحرمات أن بعض المسلمين كانوا بأرض غربة وقد ~~يؤكل فيها لحم الخنزير وما أهل به لغير ms4664 الله ، وكان بعضهم ببلد يؤكل فيه ~~الدم وما أهل به لغير الله . وقد مضى تفسير نظير هذه الآية في سورة البقرة ~~والأنعام . | # | 2 ( 116 ، 117 ) ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هاذا حلال وهاذا ~~حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون * ~~متاع قليل ولهم عذاب أليم } . ) 2 # عاد الخطاب إلى المشركين بقرينة قوله : { لما تصف ألسنتكم الكذب } . ~~فالجملة معطوفة على جملة { وضرب الله مثلا قرية } ( سورة النحل : 112 ) ~~الآية . | # وفيه تعريض بتحذير المسلمين لأنهم كانوا قريبي عهد بجاهلية ، فربما بقيت ~~في نفوس بعضهم كراهية أكل ما كانوا يتعففون عن أكله في الجاهلية . | ~~PageV14P310 # وعلق النهي بقولهم : { هذا حلال وهذا حرام } . ولم يعلق بالأمر بأكل ما ~~عدا ما حرم لأن المقصود النهي عن جعل الحلال حراما والحرام حلالا لا أكل ~~جميع الحلال وترك جميع الحرام حتى في حال الاضطرار ، لأن إمساك المرء عن ~~أكل شيء لكراهية أو عيف هو عمل قاصر على ذاته . وأما قول : { وهذا حرام } ~~فهو يفضي إلى التحجير على غيره ممن يشتهي أن يتناوله . | # واللام في قوله : { لما تصف } هي إحدى اللامين اللتين يتعدى بهما فعل ~~القول وهي التي بمعنى ( عن ) الداخلة على المتحدث عنه فهي كاللام في قوله : ~~{ الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا ( سورة آل عمران : 168 ~~) ، أي قالوا عن إخوانهم . وليست هي لام التقوية الداخلة على المخاطب ~~بالقول . | # وتصف } معناه تذكر وصفا وحالا ، كما في قوله تعالى : { وتصف ألسنتهم ~~الكذب أن لهم الحسنى ( سورة النحل : 62 ) . وقد تقدم ذلك في هذه السورة ، ~~أي لا تقولوا ذلك وصفا كذبا لأنه تقول لم يقله الذي له التحليل والتحريم ~~وهو الله تعالى . | # وانتصب الكذب } على المفعول المطلق ل { تصف } ، أي وصفا كذبا ، لأنه ~~مخالف للواقع ، لأن الذي له التحليل والتحريم لم ينبئهم بما قالوا ولا نصب ~~لهم دليلا عليه . | # وجملة { هذا حلال وهذا حرام } هي مقول { تقولوا } ، واسم الإشارة حكاية ~~بالمعنى لأوصافهم أشياء بالحل وأشياء بالتحريم . | # و { لتفتروا } علة ل { تقولوا ms4665 } باعتبار كون الافتراء حاصلا ، لا باعتبار ~~كونه مقصودا للقائلين ، فهي لام العاقبة وليست لام العلة . وقد تقدم قريبا ~~أن المقصد منها تنزيل الحاصل المحقق حصوله بعد الفعل منزلة الغرض المقصود ~~من الفعل . | # وافتراء الكذب تقدم آنفا . والذين يفترون هم المشركون الذين حرموا أشياء ~~. | PageV14P311 # وجملة { متاع قليل } استئناف بياني في صورة جواب عما يجيش بخاطر سائل ~~يسأل عن عدم فلاحهم مع مشاهدة كثير منهم في حالة من الفلاح ، فأجيب بأن ذلك ~~متاع ، أي نفع موقت زائل ولهم بعده عذاب أليم . | # والآية تحذر المسلمين من أن يتقولوا على الله ما لم يقله بنص صريح أو ~~بإيجاد معانن وأوصاف للأفعال قد جعل لأمثالها أحكاما ، فمن أثبت حلالا ~~وحراما بدليل من معانن ترجع إلى مماثلة أفعال تشتمل على تلك المعاني فقد ~~قال بما نصب الله عليه دليلا . | # وقدم { لهم } للاهتمام زيادة في التحذير . وجيء بلام الاستحقاق للتنبيه ~~على أن العذاب خقهم لأجل افترائهم . | # | 2 ( 118 ) { وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل وما ظلمناهم ~~ولاكن كانو ا أنفسهم يظلمون } . ) 2 # | $ # لما شنع على المشركين أنهم حرموا على أنفسهم ما لم يحرمه الله ، وحذر ~~المسلمين من تحريم أشياء على أنفسهم جريا على ما اعتاده قومهم من تحريم ما ~~أحل لهم ، نظر أولئك وحذر هؤلاء . فهذا وجه تعقيب الآية السالفة بآية { ~~وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل } . | # والمراد منه ما ذكر في سورة الأنعام ، كما روي عن الحسن وعكرمة وقتادة . ~~وقد أشار إلى تلك المناسبة قوله : { وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ~~} ، أي وما ظلمناهم بما حرمنا عليهم ولكنهم كفروا النعمة فحرموا من نعم ~~عظيمة . وغير أسلوب الكلام إلى خطاب النبي صلى الله عليه وسلم لأن جانب ~~التحذير فيه أهم من جانب التنظير . | # وتقديم المجرور في { وعلى الذين هادوا } للاهتمام ، وللإشارة إلى أن ذلك ~~حرم عليهم ابتداء ولم يكن محرما من شريعة إبراهيم عليه السلام PageV14P312 ~~التي كان عليها سلفهم ، كما قال تعالى : { كل الطعام كان حلا لبني إسرئيل ~~إلا ما حرم ms4666 إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة ( سورة آل عمران : 93 ~~) ، أي عليهم دون غيرهم فلا تحسبوا أن ذلك من الحنيفية . | # | 2 ( 119 ) ثم إن ربك للذين عملوا السو ء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك ~~وأصلحو ا إن ربك من بعدها لغفور رحيم } . ) 2 # | $ # موقع هذه الآية من اللواتي قبلها كموقع قوله السابق { ثم إن ربك للذين ~~هاجروا من بعد ما فتنوا ( سورة النحل : 110 ) . فلما ذكرت أحوال أهل الشرك ~~وكان منها ما حرموه على أنفسهم ، وكان المسلمون قد شاركوهم أيام الجاهلية ~~في ذلك ، ووردت قوارع الذم لما صنعوا ، كان مما يتوهم علوقه بأذهان ~~المسلمين أن يحسبوا أنهم سينالهم شيء من غمص لما اقترفوه في الجاهلية ، ~~فطمأن الله نفوسهم بأنهم لما تابوا بالإقلاع عن ذلك بالإسلام وأصلحوا عملهم ~~بعد أن أفسدوا فإن الله قد غفر لهم مغفرة عظيمة ورحمهم رحمة واسعة . | # ووقع الإقبال بالخطاب على النبي إيماء إلى أن تلك المغفرة من بركات الدين ~~الذي أرسل به . | # وذكر اسم الرب مضافا إلى ضمير النبي للنكتة المتقدمة آنفا في قوله : ثم ~~إن ربك للذين هاجروا } . | # والجهالة : انتفاء العلم بما يجب . والمراد : جهالتهم بأدلة الإسلام . | # و { ثم } للترتيب الرتبي ، لأن الجملة المعطوفة ب { ثم } تضمنت حكم ~~التوبة وأن المغفرة والرحمة من آثارها ، وذلك أهم عند المخاطبين مما سبق من ~~وعيد ، أي الذين عملوا السوء جاهلين بما يدل على فساد ما علموه . وذلك قبل ~~أن يستجيبوا لدعوة الرسول فإنهم في مدة تأخرهم عن الدخول في PageV14P313 ~~الإسلام موصوفون بأنهم أهل جهالة وجاهلية ، أو جاهلين بالعقاب المنتظر على ~~معصية الرسول وعنادهم إياه . | # ويدخل في هذا الحكم من عمل حراما من المسلمين جاهلا بأنه حرام وكان غير ~~مقصر في جهله . وقد تقدم عند قوله تعالى : { إنما التوبة على الله للذين ~~يعملون السوء بجهالة في سورة النساء ( 17 ) . | # وقوله : إن ربك من بعدها } تأكيد لفظي لقوله : { ثم إن ربك } لزيادة ~~الاهتمام بالخبر على الاهتمام الحاصل بحرف التوكيد ولام الابتداء . ويتصل ~~خبر { إن } باسمها لبعد ما ms4667 بينهما . | # ووقع الخبر بوصف الله بصفة المبالغة في المغفرة والرحمة ، وهو كناية عن ~~غفرانه لهم ورحمته إياهم في ضمن وصف الله بهاتين الصفتين العظيمتين . | # والباء في { بجهالة } للملابسة ، وهي في موضع الحال من ضمير { عملوا } . ~~| # وضمير { من بعدها } عائد إلى الجهالة أو إلى التوبة . | # | 2 ( 120 122 ) { لله إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من ~~المشركين * شاكرا لانعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم * وءاتيناه فى ~~الدنيا حسنة وإنه فى الاخرة لمن الصالحين } . ) 2 # استئناف ابتدائي للانتقال إلى غرض التنويه بدين الإسلام بمناسبة قوله : { ~~ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا } ( سورة النحل : 119 ) المقصود به أنهم كانوا ~~في الجاهلية ثم اتبعوا الإسلام ، فبعد أن بشرهم بأنه غفر لهم ما عملوه من ~~قبل زادهم فضلا ببيان فضل الدين الذي اتبعوه . | PageV14P314 # وجعل الثناء على إبراهيم عليه السلام مقدمة لذلك لبيان أن فضل الإسلام ~~فضل زائد على جميع الأديان بأن مبدأه برسول ومنتهاه برسول . وهذا فضل لم ~~يحظ به دين آخر . | # فالمقصود بعد هذا التمهيد وهاته المقدمة هو الإفضاء إلى قوله : { ثم ~~أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا ( سورة النحل : 123 ) ، وقد قال ~~تعالى في الآية الأخرى : ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل ( ~~سورة الحج : 78 ) . | # والأصل الأصيل الذي تفرع عنه وعن فروعه هذا الانتقال ما ذكر في الآية ~~قبلها من تحريم أهل الجاهلية على أنفسهم كثيرا مما أنعم الله به على الناس ~~. | # ونظرهم باليهود إذ حرم الله عليهم أشياء ، تشديدا عليهم ، فجاء بهذا ~~الانتقال لإفادة أن كلا الفريقين قد حادوا عن الحنيفية التي يزعمون أنهم ~~متابعوها ، وأن الحنيفية هي ما جاء به الإسلام من إباحة ما في الأرض جميعا ~~من الطيبات ، إلا ما بين الله تحريمه في آية قل لا أجد في ما أوحي إلي ~~محرما ( سورة الأنعام : 145 ) الآية . | # وقد وصف إبراهيم عليه السلام بأنه كان أمة . والأمة : الطائفة العظيمة من ~~الناس التي تجمعها جهة جامعة . وتقدم في قوله تعالى كان الناس أمة واحدة في ~~سورة ms4668 البقرة ( 213 ) . ووصف إبراهيم عليه السلام بذلك وصف بديع جامع ~~لمعنيين : | # أحدهما : } أنه كان في الفضل والفتوة والكمال بمنزلة أمة كاملة . وهذا ~~كقولهم : أنت الرجل كل الرجل ، وقول البحتري : | # ولم أر أمثال الرجال تفاوتا | # لدى الفضل حتى عد ألف بواحد | # وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( معاذ ~~أمة قانت لله ) . | PageV14P315 # والثاني : أنه كان أمة وحده في الدين لأنه لم يكن في وقت بعثته ، موحد ~~لله غيره . فهو الذي أحيا الله به التوحيد ، وبثه في الأمم والأقطار ، وبنى ~~له معلما عظيما ، وهو الكعبة ، ودعا الناس إلى حجه لإشاعة ذكره بين الأمم ، ~~ولم يزل باقيا على العصور . وهذا كقول النبي صلى الله عليه وسلم في خطر بن ~~مالك الكاهن : ( وأنه يبعث يوم القيامة أمة وحده ) ، رواه السهيلي في ( ~~الروض الأنف ) . ورأيت رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال هذه المقالة ~~في زيد بن عمرو بن نفيل . | # والقانت : المطيع . وقد تقدم في قوله تعالى { وقوموا لله قانتين في سورة ~~البقرة ( 238 ) . | # واللام لام التقوية لأن العامل فرع في العمل . | # والحنيف : المجانب للباطل . وقد تقدم عند قوله : قل بل ملة إبراهيم حنيفا ~~في سورة البقرة ( 135 ) ، والأسماء الثلاثة أخبار كان } وهي فضائل . | # { ولم يك من المشركين } اعتراض لإبطال مزاعم المشركين أن ما هم عليه هو ~~دين إبراهيم عليه السلام . وقد صوروا إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ~~يستقسمان بالأزلام ووضعوا الصورة في جوف الكعبة ، كما جاء في حديث غزوة ~~الفتح ، فليس قوله : { ولم يك من المشركين } مسوقا مساق الثناء على إبراهيم ~~ولكنه تنزيه له عما اختلقه عليه المبطلون . فوزانه وزان قوله : { وما ~~صاحبكم بمجنون ( سورة التكوير : 22 ) . وهو كالتأكيد لوصف الحنيف بنفي ضده ~~مثل وأضل فرعون قومه وما هدى ( سورة طه : 79 ) . | # ونفي كونه من المشركين بحرف لم } لأن { لم } تقلب زمن الفعل المضارع إلى ~~الماضي ، فتفيد انتفاء مادة الفعل في الزمن الماضي ، وتفيد تجدد ذلك المنفي ~~الذي هو من خصائص الفعل المضارع فيحصل معنيان : انتفاء مدلول ms4669 الفعل بمادته ~~، وتجدد الانتفاء بصيغته ، فيفيد أن إبراهيم عليه PageV14P316 السلام لم ~~يتلبس بالإشراك قط ، فإن إبراهيم عليه السلام لم يشرك بالله منذ صار مميزا ~~، وأنه لا يتلبس بالإشراك أبدا . | # و { شاكرا لأنعمه } خبر رابع عن { كان } . وهو مدح لإبراهيم عليه السلام ~~وتعريض بذريته الذين أشركوا وكفروا نعمة الله مقابل قوله : { فكفرت بأنعم ~~الله ( سورة النحل : 112 ) . وتقدم قريبا الكلام على أنعم الله . | # وجملة اجتباه } مستأنفة استئنافا بيانيا ، لأن الثناء المتقدم يثير سؤال ~~سائل عن سبب فوز إبراهيم بهذه المحامد ، فيجاب بأن الله اجتباه ، كقوله ~~تعالى : { الله أعلم حيث يجعل رسالاته ( سورة الأنعام : 124 ) . | # والاجتباء : الاختيار ، وهو افتعال من جبى إذا جمع . وتقدم في قوله تعالى ~~واجتبياهم وهديناهم إلى صراط مستقيم في سورة الأنعام ( 87 ) . | # والهداية إلى الصراط المستقيم : الهداية إلى التوحيد ودين الحنيفية . | # وضمير آتيناه } التفات من الغيبة إلى التكلم تفننا في الأسلوب لتوالي ~~ثلاثة ضمائر غيبة . | # والحسنة في الدنيا : كل ما فيه راحة العيش من اطمئنان القلب بالدين ، ~~والصحة ، والسلامة ، وطول العمر ، وسعة الرزق الكافي ، وحسن الذكر بين ~~الناس . وقد تقدم في قوله : { ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة ( ~~سورة البقرة : 201 ) . | # والصلاح : تمام الاستقامة في دين الحق . واختير هذا الوصف إشارة إلى أن ~~الله أكرمه بإجابة دعوته ، إذ حكى عنه أنه قال : رب هب لي حكما وألحقني ~~بالصالحين ( سورة الشعراء : 83 ) . | # | PageV14P317 # | 2 ( 123 ) ثم أوحينآ إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من ~~المشركين } . ) 2 # { ثم } للترتيب الرتبي المشير إلى أن مضمون الجملة المعطوفة متباعد في ~~رتبة الرفعة على مضمون ما قبلها تنويها جليلا بشأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم وبشريعة الإسلام ، وزيادة في التنويه بإبراهيم عليه السلام ، أي ~~جعلناك متبعا ملة إبراهيم ، وذلك أجل ما أوليناكما من الكرامة . وقد بينت ~~آنفا أن هذه الجملة هي المقصود ، وأن جملة { إن إبراهيم كان أمة ( سورة ~~النحل : 120 ) الخ . تمهيد لها . | # وزيد أوحينا إليك } للتنبيه على أن اتباع محمد ملة إبراهيم كان بوحي من ~~الله وإرشاد صادق ms4670 ، تعريضا بأن الذين زعموا اتباعهم ملة إبراهيم من العرب ~~من قبل قد أخطأوها بشبهة مثل أمية بن أبي الصلت ، وزيد بن عمرو بن نفيل ، ~~أو بغير شبهة مثل مزاعم قريش في دينهم . | # و { أن } تفسيرية لفعل { أوحينا } لأن فيه معنى القول دون حروفه ، فاحتيج ~~إلى تفسيره بحرف التفسير . | # والاتباع : اقتفاء السير على سير آخر . وهو هنا مستعار للعمل بمثل عمل ~~الآخر . | # وانتصب { حنيفا } على الحال من { إبراهيم } فيكون زيادة تأكيد لمماثله ~~قبله أو حالا من ضمير { إليك } أو من ضمير { اتبع } ، أي كن يا محمد حنيفا ~~كما كان إبراهيم حنيفا . ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم ( بعثت ~~بالحنيفية السمحة ) . | # وتفسير فعل { أوحينا } بجملة { أن اتبع ملة إبراهيم } تفسير بكلام جامع ~~لما أوحى الله به إلى محمد عليه الصلاة والسلام من شرائع الإسلام ~~PageV14P318 مع الإعلام بأنها مقامة على أصول ملة إبراهيم . وليس المراد ~~أوحينا إليك كلمة { اتبع ملة إبراهيم حنيفا } لأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لا يعلم تفاصيل ملة إبراهيم ، فتعين أن المراد أن الموحى به إليه منبجس من ~~شريعة إبراهيم عليه السلام . | # وقوله : { وما كان من المشركين } هو مما أوحاه الله إلى محمد صلى الله ~~عليه وسلم المحكي بقوله : { ثم أوحينا إليك } ، وهو عطف على { حنيفا } على ~~كلا الوجهين في صاحب ذلك الحال ، فعلى الوجه الأول يكون الحال زيادة تأكيد ~~لقوله قبله : { ولم يك من المشركين ( سورة النحل : 120 ) ، وعلى الوجه ~~الثاني يكون تنزيها لشريعة الإسلام المتبعة لملة إبراهيم من أن يخالطها شيء ~~من الشرك . | # ونفي كونه من المشركين هنا بحرف ما } النافية لأن { ما } إذا نفت فعل { ~~كان } أفادت قوة النفي ومباعدة المنفي . وحسبك أنها يبنى عليها الجحود في ~~نحو : ما كان ليفعل كذا . | # فحصل من قوله السابق { ولم يك من المشركين } ( النحل : 120 ) ومن قوله ~~هنا : { وما كان من المشركين } ثلاث فوائد : نفي الإشراك عن إبراهيم في ~~جميع أزمنة الماضي ، وتجدد نفي الإشراك تجددا مستمرا ، وبراءته من الإشراك ~~براءة تامة . | # وقد علم من هذا أن دين ms4671 الإسلام منزه عن أن تتعلق به شوائب الإشراك لأنه ~~جاء كما جاء إبراهيم معلنا توحيدا لله بالإلهية ومجتثا لوشيج الشرك . ~~والشرائع الإلهية كلها وإن كانت تحذر من الإشراك فقد امتاز القرآن من بينها ~~بسد المنافذ التي يتسلل منها الإشراك بصراحة أقواله وفصاحة بيانه ، وأنه لم ~~يترك في ذلك كلاما متشابها كما قد يوجد في بعض الكتب الأخرى ، مثل ما جاء ~~في التوراة من وصف اليهود بأبناء الله ، وما في الأناجيل من موهم بنوة عيسى ~~عليه السلام لله سبحانه عما يصفون . | PageV14P319 # وقد أشار إلى هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة حجة ~~الوداع : ( أيها الناس إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه ( أي أرض ~~الإسلام ) أبدا ، ولكنه قد رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم ~~فاحذروه على دينكم ) . | # ومعنى اتباع محمد ملة إبراهيم الواقع في كثير من آيات القرآن أن دين ~~الإسلام بني على أصول ملة إبراهيم ، وهي أصول الفطرة ، والتوسط بين الشدة ~~واللين ، كما قال تعالى : { وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم ~~إبراهيم ( سورة الحج : 78 ) . | # وفي قضية أمر إبراهيم بذبح ولده عليهما السلام ، ثم فدائه بذبح شاة رمز ~~إلى الانتقال من شدة الأديان الأخرى في قرابينها إلى سماحة دين الله الحنيف ~~في القربان بالحيوان دون الآدمي . ولذلك قال تعالى : وناديناه أن يا ~~إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين إن هذا لهو البلاء المبين ~~وفديناه بذبح عظيم ( سورة الصافات : 107 ) . | # فالشريعة التي تبنى تفاصيلها وتفاريعها على أصول شريعة تعتبر كأنها تلك ~~الشريعة . ولذلك قال المحققون من علمائنا : إن الحكم الثابت بالقياس في ~~الإسلام يصح أن يقال إنه دين الله وإن كان لا يصح أن يقال : قاله الله . ~~وليس المراد أن جميع ما جاء به الإسلام قد جاء به إبراهيم عليه السلام إذ ~~لا يخطر ذلك بالبال ، فإن الإسلام شريعة قانونية سلطانية ، وشرع إبراهيم ~~شريعة قبائلية خاصة بقوم ، ولا أن المراد أن الله أمر النبي محمدا باتباع ~~ملة ms4672 إبراهيم ابتداء قبل أن يوحي إليه بشرائع دين الإسلام ، لأن ذلك وإن كان ~~صحيحا من جهة المعنى وتحتمله ألفاظ الآية لكنه لا يستقيم إذ لم يرد في شيء ~~من التشريع الإسلامي ما يشير إلى أنه نسخ لما كان عليه النبي من قبل . | ~~PageV14P320 # فاتباع النبي ملة إبراهيم كان بالقول والعمل في أصول الشريعة من إثبات ~~التوحيد والمحاجة له واتباع ما تقتضيه الفطرة . وفي فروعها مما أوحى الله ~~إليه من الحنيفية مثل الختان وخصال الفطرة والإحسان . | # | 2 ( 124 ) إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه وإن ربك ليحكم بينهم ~~يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون } . ) 2 # موقع هذه الآية ينادي على أنها تضمنت معنى يرتبط بملة إبراهيم وبمجيء ~~الإسلام على أساسها . | # فلما نفت الآية قبل هذه أن يكون إبراهيم عليه السلام من المشركين ردا على ~~مزاعم العرب المشركين أنهم على ملة إبراهيم ، انتقل بهذه المناسبة إلى ~~إبطال ما يشبه تلك المزاعم . وهي مزاعم اليهود أن ملة اليهودية هي ملة ~~إبراهيم زعما ابتدعوه حين ظهور الإسلام جحدا لفضيلة فاتتهم ، وهي فضيلة ~~بناء دينهم على أول دين للفطرة الكاملة حسدا من عند أنفسهم . وقد بينا ذلك ~~عند قوله تعالى : { يأهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم في سورة آل عمران ( ~~65 ) . | # فهذه الآية مثل آية آل عمران يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما ~~أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما ~~لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون ما ~~كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين ~~، فذلك دال على أن هؤلاء الفرق الثلاث اختلفوا في إبراهيم ، فكل واحدة من ~~هؤلاء تدعي أنها على ملته ، إلا أنه اقتصر في هذه الآية على إبطال مزاعم ~~المشركين بأعظم دليل وهو أن دينهم الإشراك وإبراهيم عليه السلام ما كان من ~~المشركين . وعقب ذلك PageV14P321 بإبطال مزاعم اليهود لأنها قد تكون أكثر ~~رواجا ، لأن اليهود كانوا مخالطين العرب في بلادهم ms4673 ، فأهل مكة كانوا يتصلون ~~باليهود في أسفارهم وأسواقهم بخلاف النصارى . | # ولما كانت هذه السورة مكية لم يتعرض فيها للنصارى الذين تعرض لهم في سورة ~~آل عمران . | # ولهذا تكون جملة إنما جعل السبت } استئنافا بيانيا نشأ عن قوله : { ثم ~~أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا } ( سورة النحل : 123 ) إذ يثير ~~سؤالا من المخالفين : كيف يكون الإسلام من ملة إبراهيم ؟ وفيه جعل يوم ~~الجمعة اليوم المقدس . وقد جعلت التوراة لليهود يوم التقديس يوم السبت . ~~ولعل اليهود شغبوا بذلك على المسلمين ، فكان قوله : { إنما جعل السبت على ~~الذين اختلفوا فيه } بيانا لجواب هذا السؤال . | # وقد وقعت هذه الجملة معترضة بين جملة { ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة ~~إبراهيم حنيفا ( سورة النحل : 123 ) وجملة ادع إلى سبيل ربك بالحكمة ( سورة ~~النحل : 125 ) الخ . | # ولذلك افتتحت الجملة بأداة الحصر إشعارا بأنها لقلب ما ظنه السائلون ~~المشغبون . | # وهذا أسلوب معروف في كثير من الأجوبة الموردة لرد رأي موهوم ، فالضمير في ~~قوله : فيه } عائد إلى إبراهيم على تقدير مضاف ، أي اختلفوا في ملته ، وليس ~~عائدا على السبت ، إذ لا طائل من المعنى في ذلك . والذين اختلفوا في ~~إبراهيم ، أي في ملته هم اليهود لأنهم أصحاب السبت . | # ومعنى { جعل السبت } فرض وعين عليهم ، أي فرضت عليهم أحكام السبت : من ~~تحريم العمل فيه ، وتحريم استخدام الخدم والدواب في يوم السبت . | # وعدل عن ذكر اسم اليهود أو بني إسرائيل مع كونه أوجز إلى التعبير عنهم ~~بالموصول لأن اشتهارهم بالصلة كافف في تعريفهم مع ما في PageV14P322 ~~الموصول وصلته من الإيماء إلى وجه بناء الخبر . وذلك الإيماء هو المقصود ~~هنا لأن المقصود إثبات أن اليهود لم يكونوا على الحنيفية كما علمت آنفا . | # وليس معنى فعل { اختلفوا } وقوع خلاف بينهم بأمر السبت بل فعل { اختلفوا ~~} مراد به خالفوا كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم ( واختلافهم ~~أنبيائهم ) ، أي عملهم خلاف ما أمر به أنبياؤهم . فحاصل المعنى هكذا : ما ~~فرض السبت على أهل السبت إلا لأنهم لم يكونوا على ملة إبراهيم ، إذ ms4674 مما لا ~~شك فيه عندهم أن ملة إبراهيم ليس منها حرمة السبت ولا هو من شرائعها . | # ولم يقع التعرض لليوم المقدس عند النصارى لعدم الداعي إلى ذلك حين نزول ~~هذه السورة كما علمت . | # ولا يؤخذ من هذا أن ملة إبراهيم كان اليوم المقدس فيها يوم الجمعة لعدم ~~ما يدل على ذلك ، والكافي في نفي أن يكون اليهود على ملة إبراهيم أن يوم ~~حرمة السبت لم تكن من ملة إبراهيم . | # ثم الأظهر أن حرمة يوم الجمعة ادخرت للملة الإسلامية لقول النبي صلى الله ~~عليه وسلم ( فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله إليه فالناس لنا فيه ~~تبع اليهود غدا والنصارى بعد غد ) . فقوله : ( فهدانا الله إليه ) يدل على ~~أنه لم يسبق ذلك في ملة أخرى . | # فهذا وجه تفسير هذه الآية ، ومحمل الفعل والضمير المجرور في قوله : { ~~اختلفوا فيه } . | # وما ذكره المفسرون من وجوه لا يخلو من تكلف وعدم طائل . وقد جعلوا ضمير { ~~فيه } عائدا إلى { السبت } . وتأولوا معنى الاختلاف فيه بوجوه . ولا مناسبة ~~بين الخبر وبين ما توهم أنه تعليل له على معنى جعل السبت عليهم لأنهم ~~اختلفوا على نبيئهم موسى عليه السلام لأجل السبت ، لأن نبيهم PageV14P323 ~~أمرهم أن يعظموا يوم الجمعة فأبوا ، وطلبوا أن يكون السبت هو المفضل من ~~الأسبوع بعلة أن الله قضى خلق السماوات والأرضين قبل يوم السبت ، ولم يكن ~~في يوم السبت خلق ، فعاقبهم الله بالتشديد عليهم في حرمة السبت . كذا نقل ~~عن ابن عباس . وهو لا يصح عنه ، وكيف وقد قال الله تعالى : { وقلنا لهم لا ~~تعدوا في السبت ( سورة النساء : 154 ) . وكيف يستقيم أن يعدل موسى عليه ~~السلام عن اليوم الذي أمر الله بتعظيمه إلى يوم آخر لشهوة قومه وقد عرف ~~بالصلابة في الدين . | # من المفسرين من زعم أن التوراة أمرتهم بيوم غير معين فعينوه السبت . وهذا ~~لا يستقيم لأن موسى عليه السلام عاش بينهم ثمانين سنة فكيف يصح أن يكونوا ~~فعلوا ذلك لسوء فهمهم في التوراة . ولعلك تلوح لك حيرة المفسرين في التئام ~~معاني ms4675 هذه الآية . | # وإنما } للحصر وهو قصر قلب مقصود به الرد على اليهود بالاستدلال عليهم ~~بأنهم ليسوا على ملة إبراهيم ، لأن السبت جعله الله لهم شرعا جديدا بصريح ~~كتابهم إذ لم يكن عليه سلفهم . وتركيب الاستدلال : إن حرمة السبت لم تكن من ~~ملة إبراهيم فأصحاب تلك الحرمة ليسوا على ملة إبراهيم . | # ومعنى { جعل السبت } أنه جعل يوما معظما لا عمل فيه ، أي جعل الله السبت ~~معظما ، فحذف المفعول الثاني لفعل الجعل لأنه نزل منزلة اللازم إيجازا ~~ليشمل كل أحوال السبت المحكية في قوله تعالى : { وقلنا لهم لا تعدوا في ~~السبت ( سورة النساء : 154 ) وقوله : إذ يعدون في السبت ( سورة الأعراف : ~~163 ) . | # وضمن فعل جعل } معنى فرض فعدي بحرف { على . | # وقد ادخر الله تعالى لمحمد أن يكون هو الوارث لأصول إبراهيم ، فجعل ~~لليهود والنصارى دينا مخالفا لملة إبراهيم ، ونصب على ذلك شعارا وهو اليوم ~~الذي يعرف به أصل ذلك الدين وتغيير ذلك اليوم عند بعثة المسيح عليه السلام ~~إشارة إلى ذلك ، لئلا يكون يوم السبت مسترسلا PageV14P324 في بني إسرائيل ، ~~تنبيها على أنهم عرضة لنسخ دينهم بدين عيسى عليه السلام وإعدادا لهم لتلقي ~~نسخ آخر بعد ذلك بدين آخر يكون شعاره يوما آخر غير السبت وغير الأحد . فهذا ~~هو التفسير الذي به يظهر انتساق الآي بعضها مع بعض . | # وبينهم } ظرف للحكم المستفاد من ( يحكم ) ، أي حكما بين ظهرانيهم . وليست ~~{ بينهم } لتعدية ( يحكم ) إذ ليس ثمة ذكر الاختلاف بين فريقين هنا . | # | 2 ( 125 ) { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى ~~هى أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين } . ) 2 # { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن إن ~~ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين } . | # يتنزل معنى هذه الآية منزلة البيان لقوله : { أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا ~~( سورة النحل : 123 ) فإن المراد بما أوحي إليه من اتباع ملة إبراهيم هو ~~دين الإسلام ، ودين الإسلام مبني على قواعد الحنيفية ، فلا جرم كان ms4676 الرسول ~~بدعوته الناس إلى الإسلام داعيا إلى اتباع ملة إبراهيم . | # ومخاطبة الله رسوله بهذا الأمر في حين أنه داع إلى الإسلام وموافق لأصول ~~ملة إبراهيم دليل على أن صيغة الأمر مستعملة في طلب الدوام على الدعوة ~~الإسلامية مع ما انضم إلى ذلك من الهداية إلى طرائق الدعوة إلى الدين . | # فتضمنت هذه الآية تثبيت الرسول على الدعوة وأن لا يؤيسه قول المشركين له ~~إنما أنت مفتر ( سورة النحل : 101 ) وقولهم : إنما يعلمه بشر ( سورة النحل ~~: 103 ) ؛ وأن لا يصده عن الدعوة أنه تعالى لا يهدي الذين لا يؤمنون بآيات ~~الله . ذلك أن المشركين لم يتركوا حيلة يحسبونها تثبط النبي عن دعوته إلا ~~ألقوا بها إليه من : تصريح بالتكذيب ، واستسخار ، وتهديد ، وبذاءة ، ~~واختلاق ، وبهتان ، كما ذلك محكي في تضاعيف PageV14P325 القرآن وفي هذه ~~السورة ، لأنهم يجهلون مراتب أهل الاصطفاء ويزنونهم بمعيار موازين نفوسهم ، ~~فحسبوا ما يأتونه من الخزعبلات مثبطا له وموشكا لأن يصرفه عن دعوتهم . | # وسبيل الرب : طريقه . وهو مجاز لكل عمل من شأنه أن يبلغ عامله إلى رضى ~~الله تعالى ، لأن العمل الذي يحصل لعامله غرض ما يشبه الطريق الموصل إلى ~~مكان مقصود ، فلذلك يستعار اسم السبيل لسبب الشيء . | # قال القرطبي : إن هذه الآية نزلت بمكة في وقت الأمر بمهادنة قريش ، أي في ~~مدة صلح الحديبية . | # وحكى الواحدي عن ابن عباس : أنها نزلت عقب غزوة أحد لما أحزن النبي منظر ~~المثلة بحمزة رضي الله عنه وقال : لأقتلن مكانه سبعين رجلا منهم . وهذا ~~يقتضي أن الآية مدنية . | # ولا أحسب ما ذكراه صحيحا . ولعل الذي غر من رواه قوله : وإن عاقبتم ~~فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به } ( النحل : 126 ) كما سيأتي ، بل موقع الآية ~~متصل بما قبله غير محتاج إلى إيجاد سبب نزول . | # وإضافة { سبيل } إلى { ربك } باعتبار أن الله أرشد إليه وأمر بالتزامه . ~~وهذه الإضافة تجريد للاستعارة . وصار هذا المركب علما بالغلبة على دين ~~الإسلام ، كما في قوله تعالى : { إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن ~~سبيل الله ( سورة الأنفال : 36 ) ، وهو المراد هنا ms4677 ، وفي قوله عقبه إن ربك ~~هو أعلم بمن ضل عن سبيله ( سورة النحل : 125 ) . | # ويطلق سبيل الله علما بالغلبة أيضا على نصرة الدين بالقتال كما في قوله ~~تعالى : وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ( سورة التوبة : 41 ) . | # والباء في قوله : بالحكمة } للملابسة ، كالباء في قول العرب للمعرس : ~~بالرفاء والبنين ، بتقدير : أعرست ، يدل عليه المقام ، وهي إما متعلقة ب { ~~ادع } ، أو في موضع الحال من ضمير { ادع . | PageV14P326 # وحذف مفعول ادع } لقصد التعميم ، أو لأن الفعل نزل منزلة اللازم ، لأن ~~المقصود الدوام على الدعوة لا بيان المدعوين ، لأن ذلك أمر معلوم من حال ~~الدعوة . | # ومعنى الملابسة يقتضي أن لا تخلو دعوته إلى سبيل الله عن هاتين الخصلتين ~~: الحكمة ، والموعظة الحسنة . | # فالحكمة : هي المعرفة المحكمة ، أي الصائبة المجردة عن الخطأ ، فلا تطلق ~~الحكمة إلا على المعرفة الخالصة عن شوائب الأخطاء وبقايا الجهل في تعليم ~~الناس وفي تهذيبهم . ولذلك عرفوا الحكمة بأنها : معرفة حقائق الأشياء على ~~ما هي عليه بحسب الطاقة البشرية بحيث لا تلتبس على صاحبها الحقائق ~~المتشابهة بعضها ببعض ولا تخطىء في العلل والأسباب . وهي اسم جامع لكل كلام ~~أو علم يراعى فيه إصلاح حال الناس واعتقادهم إصلاحا مستمرا لا يتغير . وقد ~~تقدم الكلام عليها عند قوله تعالى : { يؤتي الحكمة من يشاء في سورة البقرة ~~( 269 ) مفصلا فانظره . وتطلق الحكمة على العلوم الحاصلة للأنبياء ، ~~ويرادفها الحكم . | # والموعظة } : القول الذي يلين نفس المقول له لعمل الخير . وهي أخص من ~~الحكمة لأنها حكمة في أسلوب خاص لإلقائها . وتقدمت عند قوله تعالى : { ~~فأعرض عنهم وعظهم في سورة النساء ( 63 ) . وعند قوله : موعظة وتفصيلا لكل ~~شيء في سورة الأعراف ( 145 ) . | # ووصفها بالحسن تحريض على أن تكون لينة مقبولة عند الناس ، أي حسنة في ~~جنسها ، وإنما تتفاضل الأجناس بتفاضل الصفات المقصودة منها . | # وعطف الموعظة } على ( الحكمة ) لأنها تغاير الحكمة بالعموم والخصوص ~~الوجهي ، فإنه قد يسلك بالموعظة مسلك الإقناع ، فمن الموعظة حكمة ، ومنها ~~خطابة ، ومنها جدل . | PageV14P327 # وهي من حيث ماهيتها بينها وبين الحكمة العموم والخصوص من وجه ، ولكن ms4678 ~~المقصود بها ما لا يخرج عن الحكمة والموعظة الحسنة بقرينة تغيير الأسلوب ، ~~إذ لم يعطف مصدر المجادلة على الحكمة والموعظة بأن يقال : والمجادلة بالتي ~~هي أحسن ، بل جيء بفعلها ، تنبيها على أن المقصود تقييد الإذن فيها بأن ~~تكون بالتي هي أحسن ، كما قال : { ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي ~~أحسن ( سورة العنكبوت : 46 ) . | # والمجادلة : الاحتجاج لتصويب رأي وإبطال ما يخالفه أو عمل كذلك . ولما ~~كان ما لقيه النبي من أذى المشركين قد يبعثه على الغلظة عليهم في المجادلة ~~أمره الله بأن يجادلهم بالتي هي أحسن . وتقدمت قريبا عند قوله : تجادل عن ~~نفسها ( سورة النحل : 111 ) . وتقدمت من قبل عند قوله : ولا تجادل عن الذين ~~يختانون أنفسهم في سورة النساء ( 107 ) . والمعنى : إذا ألجأتك الدعوة إلى ~~محاجة المشركين فحاججهم بالتي هي أحسن . | # والمفضل عليه المحاجة الصادرة منهم ، فإن المجادلة تقتضي صدور الفعل من ~~الجانبين ، فعلم أن المأمور به أن تكون المحاجة الصادرة منه أشد حسنا من ~~المحاجة الصادرة منهم ، كقوله تعالى : ادفع بالتي هن أحسن ( سورة المؤمنون ~~: 96 ) . | # ولما كانت المجادلة لا تكون إلا مع المعارضين صرح في المجادلة بضمير جمع ~~الغائبين المراد منه المشركون ، فإن المشركين متفاوتون في كيفيات محاجتهم ، ~~فمنهم من يحاج بلين ، مثل ما في الحديث : أن النبي قرأ القرآن على الوليد ~~بن المغيرة ثم قال له : هل ترى بما أقول بأسا قال : لا والدماء . وقرأ ~~النبي القرآن على عبد الله بن أبي ابن سلول في مجلس قومه ، فقال عبد الله ~~بن أبي : أيها المرء إن كان ما تقول حقا فاجلس في بيتك فمن جاءك فحدثه إياه ~~ومن لم يأتك فلا تغته ولا تأته في مجلسه بما يكره منه . | PageV14P328 # وتصدي المشركين لمجادلة النبي تكرر غير مرة . ومن ذلك ما روي عن ابن عباس ~~: أنه لما نزل قوله تعالى : إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ( سورة ~~الأنبياء : 98 ) الآية ، قال عبد الله الزبعرى : لأخصمن محمدا ، فجاءه فقال ~~: يا محمد قد عبد عيسى ، وعبدتت الملائكة فهل هم ms4679 حصب لجهنم ؟ فقال النبي : ~~اقرأ ما بعد إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ( سورة ~~الأنبياء : 101 ) . أخرجه ابن المنذر وابن مردويه والطبراني ، وأبو داود في ~~كتاب الناسخ والمنسوخ . | # وقيدت الموعظة بالحسنة ولم تقيد الحكمة بمثل ذلك لأن الموعظة لما كان ~~المقصود منها غالبا ردع نفس الموعوظ عن أعماله السيئة أو عن توقع ذلك منه ، ~~كانت مظنة لصدور غلظة من الواعظ ولحصول انكسار في نفس الموعوظ ، أرشد الله ~~رسوله أن يتوخى في الموعظة أن تكون حسنة ، أي بإلانة القول وترغيب الموعوظ ~~في الخير ، قال تعالى خطابا لموسى وهارون : اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا ~~له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى ( سورة طه : 43 ) . | # وفي حديث الترمذي عن العرباض بن سارية أنه قال : وعظنا رسول الله موعظة ~~وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون الحديث . | # وأما الحكمة فهي تعليم لمتطلبي الكمال من معلم يهتم بتعليم طلابه فلا ~~تكون إلا في حالة حسنة فلا حاجة إلى التنبيه على أن تكون حسنة . | # والمجادلة لما كانت محاجة في فعل أو رأي لقصد الإقناع بوجه الحق فيه فهي ~~لا تعدو أن تكون من الحكمة أو من الموعظة ، ولكنها جعلت قسيما لهما هنا ~~بالنظر إلى الغرض الداعي إليها . | # وإذ قد كانت مجادلة النبي لهم من ذيول الدعوة وصفت بالتي هي أحسن كما ~~وصفت الموعظة بالحسنة . | PageV14P329 # وقد كان المشركون يجادلون النبي قصدا لإفحامه ، وتمويها لتغليطه نبه الله ~~على أسلوب مجادلة النبي إياهم استكمالا لآداب وسائل الدعوة كلها . فالضمير ~~في وجادلهم } عائد إلى المشركين بقرينة المقام لظهور أن المسلمين لا ~~يجادلون النبي صلى الله عليه وسلم ولكن يتلقون منه تلقي المستفيد والمسترشد ~~. وهذا موجب تغيير الأسلوب بالنسبة إلى المجادلة إذ لم يقل : والمجادلة ~~الحسنة ، بل قال : { وجادلهم } ، وقال تعالى أيضا : { ولا تجادلوا أهل ~~الكتاب إلا بالتي هي أحسن ( سورة العنكبوت : 46 ) . | # ويندرج في التي هي أحسن رد تكذيبهم بكلام غير صريح في إبطال قولهم من ~~الكلام الموجه ، مثل قوله تعالى وإنا أو إياكم لعلى هدى أو ms4680 في ضلال مبين ( ~~سورة سبأ : 24 ) ، وقوله : وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون الله يحكم ~~بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون ( سورة الحج : 68 ) . | # والآية تقتضي أن القرآن مشتمل على هذه الطرق الثلاثة من أساليب الدعوة ، ~~وأن الرسول إذا دعا الناس بغير القرآن من خطبه ومواعظه وإرشاده يسلك معهم ~~هذه الطرق الثلاثة . وذلك كله بحسب ما يقتضيه المقام من معاني الكلام ومن ~~أحوال المخاطبين من خاصة وعامة . | # وليس المقصود لزوم كون الكلام الواحد مشتملا على هذه الأحوال الثلاثة ؛ ~~بل قد يكون الكلام حكمة مشتملا على غلظة ووعيد وخاليا عن المجادلة . وقد ~~يكون مجادلة غير موعظة ، كقوله تعالى : ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم ~~وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم ~~أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض . ~~| # وكقول النبي إنك لتأكل المرباع وهو حرام في دينك ، قاله لعدي بن حاتم وهو ~~نصراني قبل إسلامه . | PageV14P330 # ومن الإعجاز العلمي في القرآن أن هذه الآية جمعت أصول الاستدلال العقلي ~~الحق ، وهي البرهان والخطابة والجدل المعبر عنها في علم المنطق بالصناعات ~~وهي المقبولة من الصناعات . وأما السفسطة والشعر فيربأ عنهما الحكماء ~~الصادقون بله الأنبياء والمرسلين . | # قال فخر الدين : إن الدعوة إلى المذهب والمقالة لا بد من أن تكون مبنية ~~على حجة . والمقصود من ذكر الحجة إما تقرير ذلك المذهب وذلك الإعتقاد في ~~قلوب السامعين ، وإما إلزام الخصم وإفحامه . | # أما القسم الأول فينقسم إلى قسمين لأن تلك الحجة إما أن تكون حجة حقيقية ~~يقينية مبرأة من احتمال النقيض ، وإما أن لا تكون كذلك بل تكون مفيدة ظنا ~~ظاهرا وإقناعا ، فظهر انحصار الحجج في هذه الأقسام الثلاثة : | # أولها : } الحجة المفيدة للعقائد اليقينية وذلك هو المسمى بالحكمة . | # وثانيها : الأمارات الظنية وهي الموعظة الحسنة . | # وثالثها : الدلائل التي القصد منها إفحام الخصم وذلك هو الجدل . | # وهو على قسمين ، لأنه : إما أن يكون مركبا من مقدمات مسلمة عند الجمهور ~~وهو الجدل الواقع على الوجه الأحسن ، وإما أن يكون مركبا من مقدمات ms4681 باطلة ~~يحاول قائلها ترويجها على المستمعين بالحيل الباطلة . وهذا لا يليق بأهل ~~الفضل ) ا ه . | # وهذا هو المدعو في المنطق بالسفسطة ، ومنه المقدمات الشعرية وهي سفسطة ~~مزوقة . | # والآية جامعة لأقسام الحجة الحق جمعا لمواقع أنواعها في طرق الدعوة ، ~~ولكن على وجه التداخل ، لا على وجه التباين والتقسيم كما هو مصطلح ~~المنطقيين ، فإن الحجج الاصطلاحية عندهم بعضها قسيم لبعض ، PageV14P331 ~~فالنسبة بينها التباين . أما طرق الدعوة الإسلامية فالنسبة بينها العموم ~~والخصوص المطلق أو الوجهي . وتفصيله يخرج بنا إلى تطويل ، وذهنك في تفكيكها ~~غير كليل . | # فإلى الحكمة ترجع صناعة البرهان لأنه يتألف من المقدمات اليقينية وهي ~~حقائق ثابتة تقتضي حصول معرفة الأشياء على ما هي عليه . | # وإلى الموعظة ترجع صناعة الخطابة لأن الخطابة تتألف من مقدمات ظنية لأنها ~~مراعى فيها ما يغلب عند أهل العقول المعتادة . وكفى بالمقبولات العادية ~~موعظة . ومثالها من القرآن قوله تعالى { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من ~~النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا ( سورة النساء : 22 ) ~~فقوله : ومقتا } أشار إلى أنهم كانوا إذا فعلوه في الجاهلية يسمونه نكاح ~~المقت ، فأجري عليه هذا الوصف لأنه مقنع بأنه فاحشة ، فهو استدلال خطابي . ~~| # وأما الجدل فما يورد في المناظرات والحجاج من الأدلة المسلمة بين ~~المتحاجين أو من الأدلة المشهورة ، فأطلق اسم الجدل على الاستدلال الذي ~~يروج في خصوص المجادلة ولا يلتحق بمرتبة الحكمة . وقد يكون مما يقبل مثله ~~في الموعظة لو ألقي في غير حال المجادلة . وسماه حكماء الإسلام جدلا تقريبا ~~للمعنى الذي يطلق عليه في اللغة اليونانية . | # { إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين } . | # هذه الجملة تعليل للأمر بالاستمرار على الدعوة بعد الإعلام بأن الذين لا ~~يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ، وبعد وصف أحوال تكذيبهم وعنادهم . | ~~PageV14P332 # فلما كان التحريض بعد ذلك على استدامة الدعوة إلى الدين محتاجا لبيان ~~الحكمة في ذلك بينت الحكمة بأن الله هو أعلم بمصير الناس وليس ذلك لغير ~~الله من الناس فما عليك إلا البلاغ ، أي فلا ms4682 تيأس من هدايتهم ولا تتجاوز ~~إلى حد الحزن على عدم اهتدائهم لأن العلم بمن يهتدي ومن يضل موكول إلى الله ~~وإنما عليك التبليغ في كل حال . وهذا قول فصل بين فريق الحق وفريق الباطل . ~~| # وقدم العلم بمن ضل لأنه المقصود من التعليل لأن دعوتهم أوكد والإرشاد إلى ~~اللين في جانبهم بالموعظة الحسنة والمجادلة الحسنى أهم ، ثم أتبع ذلك ~~بالعلم بالمهتدين على وجه التكميل . | # وفيه إيماء إلى أنه لا يدري أن يكون بعض من أيس من إيمانه قد شرح الله ~~صدره للإسلام بعد اليأس منه . | # وتأكيد الخبر بضمير الفصل للاهتمام به . وأما { إن } فهي في مقام التعليل ~~ليست إلا لمجرد الاهتمام ، وهي قائمة مقام فاء التفريع على ما أوضحه عبد ~~القاهر في دلائل الإعجاز ؛ فإن إفادتها التأكيد هنا مستغنى عنها بوجود ضمير ~~الفصل في الجملة المفيدة لقصر الصفة على الموصوف ، فإن القصر تأكيد على ~~تأكيد . | # وإعادة ضمير الفصل في قوله : { وهو أعلم بالمهتدين } للتنصيص على تقوية ~~هذا الخبر لأنه لو قيل : وأعلم بالمهتدين ، لاحتمل أن يكون معطوفا على جملة ~~{ هو أعلم بمن ضل } على أنه خبر ( لإن ) غير داخل في حيز التقوية بضمير ~~الفصل ، فأعيد ضمير الفصل لدفع هذا الاحتمال . | # ولم يقل : وبالمهتدين ، تصريحا بالعلم في جانبهم ليكون صريحا في تعلق ~~العلم به . وهذان القصران إضافيان ، أي ربك أعلم بالضالين والمهتدين ، لا ~~هؤلاء الذين يظنون أنهم مهتدون وأنكم ضالون . | PageV14P333 # والتفضيل في قوله : { هو أعلم } تفضيل على علم غيره بذلك . فإنه علم ~~متفاوت بحسب تفاوت العالمين في معرفة الحقائق . | # وفي هذا التفضيل إيماء إلى وجوب طلب كمال العلم بالهدى ، وتمييز الحق من ~~الباطل ، وغوص النظر في ذلك ، وتجنب التسرع في الحكم دون قوة ظن بالحق ، ~~والحذر من تغلب تيارات الأهواء حتى لا تنعكس الحقائق ولا تسير العقول في ~~بنيات الطرائق ، فإن الحق باقق على الزمان والباطل تكذبه الحجة والبرهان . ~~| # والتخلق بهذه الآية هو أن كل من يقوم مقاما من مقامات الرسول صلى الله ~~عليه وسلم في إرشاد المسلمين أو سياستهم يجب عليه ms4683 أن يكون سالكا للطرائق ~~الثلاث : الحكمة ، والموعظة الحسنة ، والمجادلة بالتي هي أحسن ، وإلا كان ~~منصرفا عن الآداب الإسلامية وغير خليق بما هو فيه من سياسة الأمة ، وأن ~~يخشى أن يعرض مصالح الأمة للتلف ، فإصلاح الأمة يتطلب إبلاغ الحق إليها ~~بهذه الوسائل الثلاث . والمجتمع الإسلامي لا يخلو عن متعنت أو ملبس وكلاهما ~~يلقي في طريق المصلحين شواك الشبه بقصد أو بغير قصد . فسبيل تقويمه هو ~~المجادلة ، فتلك أدنى لإقناعه وكشف قناعه . | # في ( الموطأ ) أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال في خطبة خطبها في آخر ~~عمره : ( أيها الناس قد سنت لكم السنن ، وفرضت لكم الفرائض ، وتركتم على ~~الواضحة ، إلا أن تضلوا بالناس يمينا وشمالا ) وضرب بإحدى يديه على الأخرى ~~. ( لعله ضرب بيده اليسرى على يده اليمنى الممسكة السيف أو العصا في حال ~~الخطبة ) . وهذا الضرب علامة على أنه ليس وراء ما ذكر مطلب للناس في حكم لم ~~يسبق له بيان في الشريعة . | # وقدم ذكر علمه { بمن ضل عن سبيله } على ذكر علمه { بالمهتدين } لأن ~~المقام تعريض بالوعيد للضالين ، ولأن التخلية مقدمة على التحلية ، فالوعيد ~~مقدم على الوعد . | # | PageV14P334 # | 2 ( 126 ) { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير ~~للصابرين } . ) 2 # عطف على جملة { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة ( سورة النحل : 125 ) ، أي إن ~~كان المقام مقام الدعوة فلتكن دعوتك إياهم كما وصفنا ، وإن كنتم أيها ~~المؤمنون معاقبين لمشركين على ما نالكم من أذاهم فعاقبوهم بالعدل لا بتجاوز ~~حد ما لقيتم منهم . | # فهذه الآية متصلة بما قبلها أتم اتصال ، وحسبك وجود العاطف فيها . وهذا ~~تدرج في رتب المعاملة من معاملة الذين يدعون ويوعظون إلى معاملة الذين ~~يجادلون ثم إلى معاملة الذين يجازون على أفعالهم ، وبذلك حصل حسن الترتيب ~~في أسلوب الكلام . | # وهذا مختار النحاس وابن عطية وفخر الدين ، وبذلك يترجح كون هذه الآية ~~مكية مع سوابقها ابتداء من الآية الحادية والأربعين ، وهو قول جابر بن زيد ~~، كما تقدم في أول السورة . واختار ابن عطية أن هذه الآية مكية . | # ويجوز ms4684 أن تكون نزلت في قصة التمثيل بحمزة يوم أحد ، وهو مروي بحديث ضعيف ~~للطبراني . ولعله اشتبه على الرواة تذكر النبي الآية حين توعد المشركين بأن ~~يمثل بسبعين منهم إن أظفره الله بهم . | # والخطاب للمؤمنين ويدخل فيه النبي . | # والمعاقبة : الجزاء على فعل السوء بما يسوء فاعل السوء . | # فقوله : بمثل ما عوقبتم } مشاكلة ل { عاقبتم } . استعمل { عوقبتم } في ~~معنى عوملتم به ، لوقوعه بعد فعل { عاقبتم } ، فهو استعارة وجه شبهها هو ~~PageV14P335 المشاكلة . ويجوز أن يكون { عوقبتم } حقيقة لأن ما يلقونه من ~~الأذى من المشركين قصدوا به عقابهم على مفارقة دين قومهم وعلى شتم أصنامهم ~~وتسفيه آبائهم . | # والأمر في قوله : { فعاقبوا } للوجوب باعتبار متعلقه ، وهو قوله : { بمثل ~~ما عوقبتم به } فإن عدم التجاوز في العقوبة واجب . | # وفي هذه الآية إيماء إلى أن الله يظهر المسلمين على المشركين ويجعلهم في ~~قبضتهم ، فلعل بعض الذين فتنهم المشركون يبعثه الحنق على الإفراط في العقاب ~~. فهي ناظرة إلى قوله : { ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ( سورة ~~النحل : 110 ) . | # ورغبهم في الصبر على الأذى ، أي بالإعراض عن أذى المشركين وبالعفو عنه ، ~~لأنه أجلب لقلوب الأعداء ، فوصف بأنه خير ، أي خير من الأخذ بالعقوبة ، ~~كقوله تعالى : ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي ~~حميم ( سورة فصلت : 34 ) ، وقوله : وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح ~~فأجره على الله ( سورة الشورى : 40 ) . | # وضمير الغائب عائد إلى الصبر المأخوذ من فعل صبرتم } ، كما في قوله تعالى ~~: { اعدلوا هو أقرب للتقوى ( سورة المائدة : 8 ) . | # وأكد كون الصبر خيرا بلام القسم زيادة في الحث عليه . | # وعبر عنهم بالصابرين إظهارا في مقام الإضمار لزيادة التنويه بصفة ~~الصابرين ، أي الصبر خبر لجنس الصابرين . | # | 2 ( 127 ) واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك فى ضيق مما ~~يمكرون } . ) 2 # خص النبي صلى الله عليه وسلم بالأمر بالصبر للإشارة إلى أن مقامه أعلى ، ~~فهو بالتزام الصبر أولى ، أخذا بالعزيمة بعد أن رخص لهم في المعاقبة . | ~~PageV14P336 # وجملة { وما صبرك إلا ms4685 بالله } معترضة بين المتعاطفات ، أي وما يحصل صبرك ~~إلا بتوفيق الله إياك . وفي هذا إشارة إلى أن صبر النبي صلى الله عليه وسلم ~~عظيم لقي من أذى المشركين أشد مما لقيه عموم المسلمين . فصبره ليس كالمعتاد ~~، لذلك كان حصوله بإعانة من الله . | # وحذره من الحزن عليهم أن لم يؤمنوا كقوله : { لعلك باخع نفسك ألا يكونوا ~~مؤمنين ( سورة الشعراء : 3 ) . | # ثم أعقبه بأن لا يضيق صدره من مكرهم ، وهذه أحوال مختلفة تحصل في النفس ~~باختلاف الحوادث المسببة لها ، فإنهم كانوا يعاملون النبي مرة بالأذى علنا ~~، ومرة بالإعراض عن الاستماع إليه وإظهار أنهم يغيظونه بعدم متابعته ، ~~وآونة بالكيد والمكر له وهو تدبير الأذى في خفاء . | # والضيق بفتح الضاد وسكون الياء مصدر ضاق ، مثل السير والقول . وبها قرأ ~~الجمهور . | # ويقال : الضيق بكسر الضاد مثل : القيل . وبها قرأ ابن كثير . | # وتقدم عند قوله : وضائق به صدرك ( سورة هود : 12 ) . والمراد ضيق النفس ، ~~وهو مستعار للجزع والكدر ، كما استعير ضده وهو السعة والاتساع للاحتمال ~~والصبر . يقال : فلان ضيق الصدر ، قال تعالى في آخر الحجر ولقد نعلم أنك ~~يضيق صدرك بما يقولون ( سورة الحجر : 97 ) . ويقال سعة الصدر . | # والظرفية في ضيق } مجازية ، أي لا يلابسك ضيق ملابسة الظرف للحال فيه . | # و { ما } مصدرية ، أي من مكرهم . واختير الفعل المنسبك إلى مصدر لما يؤذن ~~به الفعل المضارع من التجدد والتكرر . | # | PageV14P337 # | 2 ( 128 ) { إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون } . ) 2 # تعليل للأمر بالاقتصار على قدر الجرم في العقوبة ، وللترغيب في الصبر على ~~الأذى ، والعفو عن المعتدين ، ولتخصيص النبي صلى الله عليه وسلم بالأمر ~~بالصبر ، والاستعانة على تحصيله بمعونة الله تعالى ، ولصرف الكدر عن نفسه ~~من جراء أعمال الذين لم يؤمنوا به . | # علل ذلك كله بأن الله مع الذين يتقونه فيقفون عندما حد لهم ، ومع ~~المحسنين . والمعية هنا مجاز في التأييد والنصر . | # وأتي في جانب التقوى بصلة فعلية ماضية للإشارة إلى لزوم حصولها وتقررها ~~من قبل لأنها من لوازم الإيمان ، لأن التقوى آيلة إلى أداء الواجب وهو ms4686 حق ~~على المكلف . ولذلك أمر فيها بالاقتصار على قدر الذنب . | # وأتي في جانب الإحسان بالجملة الإسمية للإشارة إلى كون الإحسان ثابتا لهم ~~دائما معهم ، لأن الإحسان فضيلة ، فبصاحبه حاجة إلى رسوخه من نفسه وتمكنه . ~~| # 0 | PageV14P338 # | 1 ( سورة الإسراء ) 1 # سميت في كثير من المصاحف سورة الإسراء . وصرح الألوسي بأنها سميت بذلك ، ~~إذ قد ذكر في أولها الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم واختصت بذكره . | # وتسمى في عهد الصحابة سورة بني إسرائيل . ففي ( جامع الترمذي ) في ( ~~أبواب الدعاء ) عن عائشة رضي الله عنها قالت : ( كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم لا ينام حتى يقرأ الزمر وبني إسرائيل ) . | # وفي ( صحيح البخاري ) عن عبد الله بن مسعود أنه قال في بني إسرائيل ~~والكهف ومريم : ( إنهن من العتاق الأول وهن من تلادي ) . وبذلك ترجم لها ~~البخاري في ( كتاب التفسير ) ، والترمذي في ( أبواب التفسير ) . ووجه ذلك ~~أنها ذكر فيها من أحوال بني إسرائيل ما لم يذكر في غيرها . وهو استيلاء ~~قومم أولي بأس ( الأشوريين ) عليهم ثم استيلاء قوم آخرين وهم ( الروم ) ~~عليهم . | # وتسمى أيضا سورة { سبحان } ، لأنها افتتحت بهذه الكلمة . قاله في ( بصائر ~~ذوي التمييز ) . | PageV15P005 # وهي مكية عند الجمهور . قيل : إلا آيتين منها ، وهما { وإن كادوا ~~ليفتنونك إلى قوله قليلا ( الإسراء : 73 76 ) . وقيل : إلا أربعا ، هاتين ~~الآيتين ، وقوله : وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس ( الإسراء : 60 ) وقوله ~~: وقل رب أدخلني مدخل صدق الآية ( الإسراء : 80 ) . وقيل : إلا خمسا ، هاته ~~الأربع ، وقوله : إن الذين أوتوا العلم من قبله إلى آخر السورة ( الإسراء : ~~107 ) . وقيل : إلا خمس آيات غير ما تقدم ، وهي المبتدأة بقوله ولا تقتلوا ~~النفس التي حرم الله إلا بالحق الآية ( الإسراء : 33 ) ، وقوله : ولا ~~تقربوا الزنى الآية ( الإسراء : 32 ) ، وقوله : أولئك الذين يدعون الآية ( ~~الإسراء : 57 ) ، وقوله : أقم الصلاة الآية ( الإسراء : 78 ) ، وقوله : وآت ~~ذا القربى حقه الآية ( الإسراء : 26 ) . وقيل إلا ثمانيا من قوله : وإن ~~كادوا ليفتنونك إلى قوله سلطانا نصيرا ( الإسراء : 73 80 ) . | # وأحسب أن منشأ هاته الأقوال أن ظاهر ms4687 الأحكام التي اشتملت عليها تلك ~~الأقوال يقتضي أن تلك الآي لا تناسب حالة المسلمين فيما قبل الهجرة فغلب ~~على ظن أصحاب تلك الأقوال أن تلك الآي مدنية . وسيأتي بيان أن ذلك غير متجه ~~عند التعرض لتفسيرها . | # ويظهر أنها نزلت في زمن كثرت فيه جماعة المسلمين بمكة ، وأخذ التشريع ~~المتعلق بمعاملات جماعتهم يتطرق إلى نفوسهم ، فقد ذكرت فيها أحكام متتالية ~~لم تذكر أمثال عددها في سورة مكية غيرها عدا سورة الأنعام ، وذلك من قوله : ~~وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه إلى قوله : كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها ( ~~الإسراء : 23 38 ) . | # وقد اختلف في وقت الإسراء . والأصح أنه كان قبل الهجرة بنحو سنة وخمسة ~~أشهر ، فإذا كانت قد نزلت عقب وقوع الإسراء بالنبي تكون قد نزلت في حدود ~~سنة اثنتي عشرة بعد البعثة ، وهي سنة اثنتين قبل الهجرة في منتصف السنة . | # وليس افتتاحها بذكر الإسراء مقتضيا أنها نزلت عقب وقوع الإسراء . بل يجوز ~~أنها نزلت بعد الإسراء بمدة . | PageV15P006 # وذكر فيها الإسراء إلى المسجد الأقصى تنويها بالمسجد الأقصى وتذكيرا ~~بحرمته . | # نزلت هذه السورة بعد سورة القصص وقبل سورة يونس . | # وعدت السورة الخمسين في تعداد نزول سورة القرآن . | # وعدد آيها مائة وعشر في عد أهل العدد بالمدينة ، ومكة ، والشام ، والبصرة ~~. ومائة وإحدى عشرة في عد أهل الكوفة . | # # | أغراضها # العماد الذي أقيمت عليه أغراض هذه السورة إثبات نبوة محمد . | # وإثبات أن القرآن وحي من الله . | # وإثبات فضله وفضل من أنزل عليه . | # وذكر أنه معجز . | # ورد مطاعن المشركين فيه وفيمن جاء به ، وأنهم لم يفقهوه فلذلك أعرضوا عنه ~~. | # وإبطال إحالتهم أن يكون النبي أسري به إلى المسجد الأقصى . فافتتحت ~~بمعجزة الإسراء توطئة للتنظير بين شريعة الإسلام وشريعة موسى عليه الصلاة ~~والسلام على عادة القرآن في ذكر المثل والنظاير الدينية ، ورمزا إلهيا إلى ~~أن الله أعطى محمدا من الفضائل أفضل مما أعطى من قبله . | # وأنه أكمل له الفضائل فلم يفته منها فائت . فمن أجل ذلك أحله بالمكان ~~المقدس الذي تداولته الرسل من قبل ، فلم يستأثرهم ms4688 بالحلول PageV15P007 بذلك ~~المكان الذي هو مهبط الشريعة الموسوية ، ورمز أطوار تاريخ بني إسرائيل ~~وأسلافهم ، والذي هو نظير المسجد الحرام في أن أصل تأسيسه في عهد إبراهيم ~~كما سننبه عليه عند تفسير قوله تعالى : إلى المسجد الأقصى ( الإسراء : 1 ) ~~؛ فأحل الله به محمدا عليه الصلاة والسلام بعد أن هجر وخرب إيماء إلى أن ~~أمته تجدد مجده . | # وأن الله مكنه من حرمي النبوءة والشريعة ، فالمسجد الأقصى لم يكن معمورا ~~حين نزول هذه السورة وإنما عمرت كنائس حوله ، وأن بني إسرائيل لم يحفظوا ~~حرمة المسجد الأقصى ، فكان إفسادهم سببا في تسلط أعدائهم عليهم وخرابب ~~المسجد الأقصى . وفي ذلك رمز إلى أن إعادة المسجد الأقصى ستكون على يد أمة ~~هذاالرسول الذي أنكروا رسالته . | # ثم إثبات دلائل تفرد الله بالإلهية ، والاستدلال بآية الليل والنهار وما ~~فيهما من المنن على إثبات الوحدانية . | # والتذكير بالنعم التي سخرها الله للناس ، وما فيها من الدلائل على تفرده ~~بتدبير الخلق ، وما تقتضيه من شكر المنعم وترك شكر غيره ، وتنزيهه عن اتخاذ ~~بنات له . | # وإظهار فضائل من شريعة الإسلام وحكمته ، وما علمه الله المسلمين من آداب ~~المعاملة نحو ربهم سبحانه ، ومعاملة بعضهم مع بعض ، والحكمة في سيرتهم ~~وأقوالهم ، ومراقبة الله في ظاهرهم وباطنهم . | # وعن ابن عباس أنه قال : التوراة كلها في خمس عشرة آية من سورة بني ~~إسرائيل . وفي رواية عنه : ثمان عشرة آية منها كانت في ألواح موسى ، أي من ~~قوله تعالى : لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا إلى قوله : ولا ~~تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا ( الإسراء : 22 39 ) . | # ويعني بالتوراة الألواح المشتملة على الوصايا العشر ، وليس مراده أن ~~القرآن حكى ما في التوراة ولكنها أحكام قرآنية موافقة لما في التوراة . | ~~PageV15P008 # على أن كلام ابن عباس معناه : أن ما في الألواح مذكور في تلك الآي ، ولا ~~يريد أنهما سواء ، لأن تلك الآيات تزيد بأحكام ، منها قوله ربكم أعلم بما ~~في نفوسكم إلى قوله : لربه كفورا ( الإسراء : 25 27 ) ، وقوله : ولا تقتلوا ~~أولادكم ms4689 خشية إملاق ( الإسراء : 31 ) ، وقوله : ولا تقربوا مال اليتيم إلى ~~قوله : ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة ( الإسراء : 34 39 ) ، مع ما تخلل ~~ذلك كله من تفصيل وتبيين عريت عنه الوصايا العشر التي كتبت في الألواح . | # وإثبات البعث والجزاء . | # والحث على إقامة الصلوات في أوقاتها . | # والتحذير من نزغ الشيطان وعداوته لآدم وذريته ، وقصة إبايته من السجود . ~~. | # والإنذار بعذاب الآخرة . | # وذكر ما عرض للأمم من أسباب الاستئصال والهلاك . | # وتهديد المشركين بأن الله يوشك أن ينصر الإسلام على باطلهم . | # وما لقي النبي من أذى المشركين واستعانتهم باليهود . واقتراحهم الآيات ، ~~وتحميقهم في جهلهم بآية القرآن وأنه الحق . | # وتخلل ذلك من المستطردات والنذر والعظات ما فيه شفاء ورحمة ، ومن الأمثال ~~ما هو علم وحكمة . | # | 2 ( 1 ) { سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد ~~الاقصى الذى باركنا حوله لنريه من ءاياتنآ إنه هو السميع البصير } ) 2 # الافتتاح بكلمة التسبيح من دون سبق كلام متضمنن ما يجب تنزيه الله عنه ~~يؤذن بأن خبرا عجيبا يستقبله السامعون دالا على عظيم القدرة من المتكلم ~~ورفيع منزلة المتحدث عنه . | PageV15P009 # فإن جملة التسبيح في الكلام الذي لم يقع فيه ما يوهم تشبيها أو تنقيصا لا ~~يليقان بجلال الله تعالى مثل { سبحان ربك رب العزة عما يصفون ( الصافات : ~~180 ) يتعين أن تكون مستعملة في أكثر من التنزيه ، وذلك هو التعجيب من ~~الخبر المتحدث به كقوله قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان ~~عظيم ( النور : 16 ) ، وقول الأعشى : | # قد قلت لما جاءني فخره | # سبحان من علقمة الفاخر | # ولما كان هذا الكلام من جانب الله تعالى والتسبيح صادرا منه كان المعنى ~~تعجيب السامعين ، لأن التعجب مستحيلة حقيقته على الله لا لأن ذلك لا يلتفت ~~إليه في محامل الكلام البليغ لإمكان الرجوع إلى التمثيل ، مثل مجيء الرجاء ~~في كلامه تعالى نحو لعلكم تفلحون ( البقرة : 189 ) ، بل لأنه لا يستقيم ~~تعجب المتكلم من فعل نفسه ، فيكون معنى التعجيب فيه من قبيل قولهم أتعجب من ~~قول فلان كيت وكيت ms4690 . | # ووجه هذا الاستعمال أن الأصل أن يكون التسبيح عند ظهور ما يدل على إبطال ~~ما لا يليق بالله تعالى . ولما كان ظهور ما يدل على عظيم القدرة مزيلا للشك ~~في قدرة الله وللإشراك به كان من شأنه أن ينطق المتأمل بتسبيح الله تعالى ، ~~أي تنزيهه عن العجز . | # وأصل صيغ التسبيح هو كلمة سبحان الله } التي نحت منها السبحلة . ووقع ~~التصرف في صيغها بالإضمار نحو سبحانك وسبحانه ، وبالموصول نحو { سبحان الذي ~~خلق الأزواج كلها ( يس : 36 ) ومنه هذه الآية . | # والتعبير عن الذات العلية بطريق الموصول دون الاسم العلم للتنبيه على ما ~~تفيده صلة الموصول من الإيماء إلى وجه هذا التعجيب والتنويه وسببه ، وهو ~~ذلك الحادث العظيم والعناية الكبرى . ويفيد أن حديث الإسراء أمر فشا بين ~~القوم ، فقد آمن به المسلمون وأكبره المشركون . | PageV15P010 # وفي ذلك إدماج لرفعة قدر محمد وإثبات أنه رسول من الله ، وأنه أوتي من ~~دلائل صدق دعوته ما لا قبل لهم بإنكاره ، فقد كان إسراؤه إطلاعا له على ~~غائب من الأرض ، وهو أفضل مكان بعد المسجد الحرام . | # وأسرى } لغة في سرى ، بمعنى سار في الليل ، فالهمزة هنا ليست للتعدية لأن ~~التعدية حاصلة بالباء ، بل أسرى فعل مفتح بالهمزة مرادف سرى ، وهو مثل أبان ~~المرادف بان ، ومثل أنهج الثوب بمعنى نهج أي بلي ، ف { أسرى بعبده } بمنزلة ~~{ ذهب الله بنورهم ( البقرة : 17 ) . | # وللمبرد والسهيلي نكتة في التفرقة بين التعدية بالهمزة والتعدية بالباء ~~بأن الثانية أبلغ لأنها في أصل الوضع تقتضي مشاركة الفاعل المفعول في الفعل ~~، فأصل ( ذهب به ) أنه استصحبه ، كما قال تعالى وسار بأهله ( القصص : 29 ) ~~. وقالت العرب أشبعهم شتما ، وراحوا بالإبل . وفي هذا لطيفة تناسب المقام ~~هنا إذ قال أسرى بعبده } دون سرى بعبده ، وهي التلويح إلى أن الله تعالى ~~كان مع رسوله في إسرائه بعنايته وتوفيقه ، كما قال تعالى { فإنك بأعيننا ( ~~الطور : 48 ) ، وقال : إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا ( التوبة : 40 ~~) . | # فالمعنى : الذي جعل عبده مسريا ، أي ساريا ، وهو كقوله تعالى : فأسر ~~بأهلك بقطع ms4691 من الليل ( هود : 81 ) . | # وإذ قد كان السرى خاصا بسير الليل كان قوله : ليلا } إشارة إلى أن السير ~~به إلى المسجد الأقصى كان في جزء ليلة ، وإلا لم يكن ذكره إلا تأكيدا ، على ~~أن الإفادة كما يقولون خير من الإعادة . | # وفي ذلك إيماء إلى أنه أسراء خارق للعادة لقطع المسافة التي بين مبدأ ~~السير ونهايته في بعض ليلة ، وأيضا ليتوسل بذكر الليل إلى تنكيره المفيد ~~للتعظيم . | # فتنكير { ليلا } للتعظيم ، بقرينة الاعتناء بذكره مع علمه من فعل { أسرى ~~} ، وبقرينة عدم تعريفه ، أي هو ليل عظيم باعتبار جعله زمنا PageV15P011 ~~لذلك السرى العظيم ، فقام التنكير هنا مقام ما يدل على التعظيم . ألا ترى ~~كيف احتيج إلى الدلالة على التعظيم بصيغة خاصة في قوله تعالى : { إنا ~~أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ( القدر : 1 2 ) إذ وقعت ~~ليلة القدر غير منكرة . | # و ( عبد ) المضاف إلى ضمير الجلالة هنا هو محمد كما هو مصطلح القرآن ، ~~فإنه لم يقع فيه لفظ العبد مضافا إلى ضمير الغيبة الراجع إلى الله تعالى ~~إلا مرادا به النبي ؛ ولأن خبر الإسراء به إلى بيت المقدس قد شاع بين ~~المسلمين وشاع إنكاره بين المشركين ، فصار المراد بعبده } معلوما . | # والإضافة إضافة تشريف لا إضافة تعريف لأن وصف العبودية لله متحقق لسائر ~~المخلوقات فلا تفيد إضافته تعريفا . | # والمسجد الحرام هو الكعبة والفناء المحيط بالكعبة بمكة المتخذ للعبادة ~~المتعلقة بالكعبة من طواف بها واعتكاف عندها وصلاة . | # وأصل المسجد : أنه اسم مكان السجود . وأصل الحرام : الأمر الممنوع ، لأنه ~~مشتق من الحرم بفتح فسكون وهو المنع ، وهو يرادف الحرم . فوصف الشيء ~~بالحرام يكون بمعنى أنه ممنوع استعماله استعمالا يناسبه ، نحو { حرمت عليكم ~~الميتة ( المائدة : 3 ) أي أكل الميتة ، وقول عنترة : | # حرمت علي وليتها لم تحرم | # أي ممنوع قربانها لأنها زوجة أبيه وذلك مذموم بينهم . | # ويكون بمعنى الممنوع من أن يعمل فيه عمل ما . ويبين بذكر المتعلق الذي ~~يتعلق به . وقد لا يذكر متعلقة إذا دل عليه العرف ، ومنه قولهم : الشهر ~~PageV15P012 الحرام ( البقرة : 194 ms4692 ) أي الحرام فيه القتال في عرفهم . وقد ~~يحذف المتعلق لقصد التكثير ، فهو من الحذف للتعميم فيرجع إلى العموم العرفي ~~، ففي نحو البيت الحرام ( المائدة : 2 ) يراد الممنوع من عدوان المعتدين ، ~~وغزو الملوك والفاتحين ، وعملل الظلم والسوء فيه . | # والحرام : فعال بمعنى مفعول ، كقولهم : امرأة حصان ، أي ممنوعة بعفافها ~~عن الناس . | # فالمسجد الحرام هو المكان المعد للسجود ، أي للصلاة ، وهو الكعبة والفناء ~~المجعول حرما لها . وهو يختلف سعة وضيقا باختلاف العصور من كثرة الناس فيه ~~للطواف والاعتكاف والصلاة . | # وقد بنى قريش في زمن الجاهلية بيوتهم حول المسجد الحرام . وجعل قصي بقربه ~~دار الندوة لقريش وكانوا يجلسون فيها حول الكعبة ، فانحصر لما أحاطت به ~~بيوت عشائر قريش . وكانت كل عشيرة تتخذ بيوتها متجاورة . ومجموع البيوت ~~يسمى شعبا بكسر الشين . وكانت كل عشيرة تسلك إلى المسجد الحرام من منفذ ~~دورها ، ولم يكن للمسجد الحرام جدار يحفظ به . وكانت المسالك التي بين دور ~~العشائر تسمى أبوابا لأنها يسلك منها إلى المسجد الحرام ، مثل باب بني شيبة ~~، وباب بني هاشم ، وباب بني مخزوم وهو باب الصفا ، وباب بني سهم ، وباب بني ~~تيم . وربما عرف بعض الأبواب بجهة تقرب منه مثل باب الصفا ويسمى باب بني ~~مخزوم . وباب الحزورة سمي بمكان كانت به سوق لأهل مكة تسمى الحزورة . ولا ~~أدري هل كانت أبوابا تغلق أم كانت منافذ في الفضاء فإن الباب يطلق على ما ~~بين حاجزين . | # وأول من جعل للمسجد الحرام جدارا يحفظ به هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~سنة سبع عشرة من الهجرة . | PageV15P013 # ولقب بالمسجد لأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام جعله لإقامة الصلاة في ~~الكعبة كما حكى الله عنه ربنا ليقيموا الصلاة ( إبراهيم : 37 ) . ولما ~~انقرضت الحنيفية وترك أهل الجاهلية الصلاة تناسوا وصفه بالمسجد الحرام ~~فصاروا يقولون : البيت الحرام . وأما قول عمر : إني نذرت في الجاهلية أن ~~أعتكف ليلة في المسجد الحرام ، فإنه عبر عنه باسمه في الإسلام . | # فغلب عليه هذا التعريف التوصيفي فصار له علما بالغلبة في اصطلاح القرآن . ~~ولا أعرف أنه كان ms4693 يعرف في الجاهلية بهذا الاسم ، ولا على مسجد بيت المقدس ~~في عصر تحريمه عند بني إسرائيل . وقد تقدم وجه ذلك عند قوله تعالى : فول ~~وجهك شطر المسجد الحرام في ( البقرة : 144 ) ، وعند قوله تعالى : أن صدوكم ~~عن المسجد الحرام في أول العقود ( المائدة : 2 ) . | # وعلميته بمجموع الوصف والموصوف وكلاهما معرف باللام . فالجزء الأول مثل ~~النجم والجزء الثاني مثل الصعق ، فحصل التعريف بمجموعهما ، ولم يعد النحاة ~~هذا النوع في أقسام العلم بالغلبة . ولعلهم اعتبروه راجعا إلى المعرف ~~باللام . ولا بد من عده لأن علميته صارت بالأمرين . | # والمسجد الأقصى هو المسجد المعروف ببيتت المقدس الكائن بإيلياء ، وهو ~~المسجد الذي بناه سليمان عليه الصلاة والسلام . | # والأقصى ، أي الأبعد . والمراد بعده عن مكة ، بقرينة جعله نهاية الإسراء ~~من المسجد الحرام ، وهو وصف كاشف اقتضاه هنا زيادة التنبيه على معجزة هذا ~~الإسراء وكونه خارقا للعادة لكونه قطع مسافة طويلة في بعض ليلة . | # وبهذا الوصف الوارد له في القرآن صار مجموع الوصف والموصوف علما بالغلبة ~~على مسجد بيت المقدس كما كان المسجد الحرام علما بالغلبة على مسجد مكة . ~~وأحسب أن هذا العلم له من مبتكرات القرآن فلم يكن العرب يصفونه بهذا الوصف ~~ولكنهم لما سمعوا هذه الآية فهموا المراد منه أنه مسجد إيلياء . ولم يكن ~~مسجد لدين إلهي غيرهما يومئذ . | PageV15P014 # وفي هذا الوصف بصيغة التفضيل باعتبار أصل وضعها معجزة خفية من معجزات ~~القرآن إيماء إلى أنه سيكون بين المسجدين مسجد عظيم هو مسجد طيبة الذي هو ~~قصي عن المسجد الحرام ، فيكون مسجد بيت المقدس أقصى منه حينئذ . | # فتكون الآية مشيرة إلى جميع المساجد الثلاثة المفضلة في الإسلام على جميع ~~المساجد الإسلامية ، والتي بينها قول النبي : لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة ~~مساجد : مسجد الحرام ، ومسجد الأقصى ، ومسجدي . | # وفائدة ذكر مبدأ الإسراء ونهايته بقوله : من المسجد الحرام إلى المسجد ~~الأقصا } أمران : | # أحدهما : التنصيص على قطع المسافة العظمية في جزء ليلة ، لأن كلا من ~~الظرف وهو { ليلا } ومن المجرورين { من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصا } ~~قد تعلق بفعل ms4694 { أسرى } ، فهو تعلق يقتضي المقارنة ، ليعلم أنه من قبيل ~~المعجزات . | # وثانيهما : الإيماء إلى أن الله تعالى يجعل هذا الإسراء رمزا إلى أن ~~الإسلام جمع ما جاءت به شرائع التوحيد والحنيفية من عهد إبراهيم عليه ~~الصلاة والسلام الصادر من المسجد الحرام إلى ما تفرع عنه من الشرائع التي ~~كان مقرها بيت المقدس ثم إلى خاتمتها التي ظهرت من مكة أيضا ؛ فقد صدرت ~~الحنيفية من المسجد الحرام وتفرعت في المسجد الأقصى . ثم عادت إلى المسجد ~~الحرام كما عاد الإسراء إلى مكة لأن كل سرى يعقبه تأويب . وبذلك حصل رد ~~العجز على الصدر . | # ومن هنا يظهر مناسبة نزول التشريع الاجماعي في هذه السورة في الآيات ~~المفتتحة بقوله تعالى : { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ، ففيها : ولا ~~تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ، ولا تقربوا مال اليتيم إلا ~~PageV15P015 بالتي هي أحسن ، وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس ~~المستقيم ( الإسراء : 23 35 ) إيماء إلى أن هذا الدين سيكون دينا يحكم في ~~الناس وتنفذ أحكامه . | # والمسجد الأقصى هو ثاني مسجد بناه إبراهيم عليه السلام كما ورد ذلك عن ~~النبي . ففي الصحيحين } عن أبي ذر قال : ( قلت يا رسول الله أي مسجد وضع في ~~الأرض أول ؟ قال المسجد الحرام . قلت : ثم أي ؟ قال : المسجد الأقصى . قلت ~~كم بينهما ؟ قال أربعون سنة ) . | # فهذا الخبر قد بين أن المسجد الأقصى من بناء إبراهيم لأنه حدد بمدة هي من ~~مدة حياة إبراهيم عليه السلام . وقد قرن ذكره بذكر المسجد الحرام . | # وهذا مما أهمل أهل الكتاب ذكره . وهو مما خص الله نبيئه بمعرفته . ~~والتوراة تشهد له ، فقد جاء في سفر التكوين في الإصحاح الثاني عشر : أن ~~إبراهيم لما دخل أرض كنعان ( وهي بلاد فلسطين ) نصب خيمته في الجبل شرقي ~~بيت إيل ( بيت إيل مدينة على بعد أحد عشر ميلا من أورشليم إلى الشمال وهو ~~بلد كان اسمه عند الفلسطينيين ( لوزا ) فسماه يعقوب : بيت إيل ، كما في ~~الإصحاح الثامن والعشرين من سفر التكوين ) وغربي بلاد عاي ( مدينة عبرانية ~~تعرف الآن ( الطيبة ms4695 ) ) وبنى هنالك مذبحا للرب . | # وهم يطلقون المذبح على المسجد لأنهم يذبحون القرابين في مساجدهم . قال ~~عمر بن أبي ربيعة : | # دمية عند راهب قسيس | # صوروها في مذبح المحراب | # أي مكان المذبح من المسجد ، لأن المحراب هو محل التعبد ، قال تعالى : { ~~وهو قائم يصلي في المحراب ( آل عمران : 39 ) . | # ولا شك أن مسجد إبراهيم هو الموضع الذي توخى داود عليه السلام أن يضع ~~عليه الخيمة وأن يبني عليه محرابه أو أوحى الله إليه بذلك ، وهو الذي أوصى ~~ابنه سليمان عليه السلام أن يبني عليه المسجد ، أي الهيكل . وقد ذكر مؤرخو ~~العبرانيين ومنهم ( يوسيفوس ) أن الجبل الذي سكنه إبراهيم PageV15P016 بأرض ~~كنعان اسمه ( نابو ) وأنه هو الجبل الذي ابتنى عليه سليمان الهيكل وهو ~~المسجد الذي به الصخرة . | # وقصة بناء سليمان إياه مفصلة في سفر الملوك الأول من أسفار التوراة . | # وقد انتابه التخريب ثلاث مرات : | # أولاها : } حين خربه بختنصر ملك بابل سنة 578 قبل المسيح ثم جدده اليهود ~~تحت حكم الفرس . | # الثانية : خربه الرومان في مدة طيطوس بعد حروب طويلة بينه وبين اليهود ~~وأعيد بناؤه ، فأكمل تخريبه أدريانوس سنة 135 للمسيح وعفى آثاره فلم تبق ~~منه إلا أطلال . | # الثالثة لما تنصرت الملكة هيلانة أم الأنبراطور قسطنطين ملكك الروم ( ~~بيزنطة ) وصارت متصلبة في النصرانية ، وأشرب قلبها بغض اليهود بما تعتقده ~~من قتلهم المسيح كان مما اعتدت عليه حين زارت أورشليم أن أمرت بتعفية أطلال ~~هيكل سليمان وأن ينقل ما بقي من الأساطين ونحوها فتبني بها كنيسة على قبر ~~المسيح المزعوم عندهم في موضع توسموا أن يكون هو موضع القبر ( والمؤرخون من ~~النصارى يشكون في كون ذلك المكان هو المكان الذي يدعى أن المسيح دفن فيه ) ~~وأن تسميها كنيسة القيامة ، وأمرت بأن يجعل موضع المسجد الأقصى مرمى أزبال ~~البلد وقماماته فصار موضع الصخرة مزبلة تراكمت عليها الأزبال فغطتها ~~وانحدرت على درجها . | # ولما فتح المسلمون بقية أرض الشام في زمن عمر وجاء عمر بن الخطاب ليشهد ~~فتح مدينة إيلياء وهي المعروفة من قبل ( أورشليم ) PageV15P017 وصارت تسمى ~~إيلياء بكسر ms4696 الهمزة وكسر اللام وكذلك كان اسمها المعروف عند العرب عندما ~~فتح المسلمون فلسطين . وإيلياء اسم نبيء من بني إسرائيل كان في أوائل القرن ~~التاسع قبل المسيح . قال الفرزدق : | # وبيتان بيت الله نحن ولاته | # وبيت بأعلى إيلياء مشرف | # وانعقد الصلح بين عمر وأهل تلك المدينة وهم نصارى . قال عمر لبطريق لهم ~~اسمه ( صفرونيوس ) ( دلني على مسجد داوود ) ، فانطلق به حتى انتهى إلى مكان ~~الباب وقد انحدر الزبل على درج الباب فتجشم عمر حتى دخل ونظر فقال : الله ~~أكبر ، هذا والذي نفسي بيده مسجد داوود الذي أخبرنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه أسري به إليه ) . ثم أخذ عمر والمسلمون يكنسون الزبل عن ~~الصخرة حتى ظهرت كلها ، ومضى عمر إلى جهة محراب داوود فصلى فيه ، ثم ارتحل ~~من بلد القدس إلى فلسطين . | # ولم يبن هنالك مسجدا إلى أن كان في زمن عبد الملك بن مروان أمر بابتداء ~~بناء القبة على الصخرة وعمارة المسجد الأقصى . ووكل على بنائها رجاء بن ~~حيوة الكندي أحد علماء الإسلام ، فابتدأ ذلك سنة ست وستين وكان الفراغ من ~~ذلك في سنة ثلاث وسبعين . | # كان عمر أول من صلى فيه من المسلمين وجعل له حرمة المساجد . | # ولهذا فتسمية ذلك المكان بالمسجد الأقصى في القرآن تسمية قرآنية اعتبر ~~فيها ما كان عليه من قبل لأن ، حكم المسجدية لا ينقطع عن أرض المسجد . ~~فالتسمية باعتبار ما كان ، وهي إشارة خفية إلى أنه سيكون مسجدا بأكمل حقيقة ~~المساجد . | # واستقبله المسلمون في الصلاة من وقت وجوبها المقارن ليلة الإسراء إلى ما ~~بعد الهجرة بستة عشر شهرا . ثم نسخ استقباله وصارت الكعبة هي القبلة ~~الإسلامية . | PageV15P018 # وقد رأيت أن سائحا نصرانيا اسمه ( اركولف ) زار القدس سنة 670 م ، أي بعد ~~خلافة عمر بأربع وثلاثين سنة ، وزعم أنه رأى مسجدا بناه عمر على شكل مربع ~~من ألواح وجذوع أشجار ضخمة وأنه يسع نحو ثلاثة آلاف . | # والظاهر أن نسبة المسجد الأقصى إلى عمر بن الخطاب وهم من أوهام النصارى ~~اختلط عليهم كشف عمر موضع المسجد فظنوه ms4697 بناء . وإذا صدق اركولف فيما ذكر من ~~أنه رأى مكانا مربعا من ألواح وعمد أشجار كان ذلك شيئا أحدثه مسلمو البلاد ~~لصيانة ذلك المكان عن الامتهان . | # وقوله { الذي باركنا حوله } صفة للمسجد الأقصى . وجيء في الصفة ~~بالموصولية لقصد تشهير الموصوف بمضمون الصلة حتى كأن الموصوف مشتهر بالصلة ~~عند السامعين . والمقصود إفادة أنه مبارك حوله . | # وصيغة المفاعلة هنا للمبالغة في تكثير الفعل ، مثل عافاك الله . | # والبركة : نماء الخير والفضل في الدنيا والآخرة بوفرة الثواب للمصلين فيه ~~وبإجابة دعاء الداعين فيه . وقد تقدم ذكر البركة عند قوله تعالى : { مباركا ~~وهدى للعالمين في ( آل عمران : 96 ) . | # وقد وصف المسجد الحرام بمثل هذا في قوله تعالى : إن أول بيت وضع للناس ~~للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين ( آل عمران : 96 ) . | # ووجه الاقتصار على وصف المسجد الأقصى في هذه الآية بذكر هذا التبريك أن ~~شهرة المسجد الحرام بالبركة وبكونه مقام إبراهيم معلومة للعرب ؛ وأما ~~المسجد الأقصى فقد تناسى الناس ذلك كله ، فالعرب لا علم لهم به والنصارى ~~عفوا أثره من كراهيتهم لليهود ، واليهود قد ابتعدوا عنه وأيسوا من عوده ~~إليهم ، فاحتيج إلى الإعلام ببركته . | PageV15P019 # و حول يدل على مكان قريب من مكان اسم ما أضيف ( حول ) إليه . | # وكون البركة حوله كناية عن حصول البركة فيه بالأولى ، لأنها إذا حصلت ~~حوله فقد تجاوزت ما فيه ؛ ففيه لطيفة التلازم ، ولطيفة فحوى الخطاب ، ~~ولطيفة المبالغة بالتكثير . وقريب منه قول زياد الأعجم : | # إن السماحة والمروءة والندى | # في قبة ضربت على ابن الحشرج | # ولكلمة حوله } في هذه الآية من حسن الموقع ما ليس لكلمة ( في ) في بيت ~~زياد ، ذلك أن ظرفية ( في ) أعم . فقوله : ( في قبة ) كناية عن كونها في ~~ساكن القبة لكن لا تفيد انتشارها وتجاوزها منه إلى ما حوله . | # وأسباب بركة المسجد الأقصى كثيرة كما أشارت إليه كلمة { حوله } . منها أن ~~واضعه إبراهيم عليه السلام ، ومنها ما لحقه من البركة بمن صلى به من ~~الأنبياء من داوود وسليمان ومن بعدهما من أنبياء بني إسرائيل ، ثم بحلول ~~الرسول عيسى عليه ms4698 السلام وإعلانه الدعوة إلى الله فيه وفيما حوله ، ومنها ~~بركة من دفن حوله من الأنبياء ، فقد ثبت أن قبري داوود وسليمان حول المسجد ~~الأقصى . وأعظم تلك البركات حلول النبي صلى الله عليه وسلم فيه ذلك الحلول ~~الخارق للعادة ، وصلاته فيه بالأنبياء كلهم . | # وقوله : { لنريه من آياتنا } تعليل الإسراء بإرادة إراءة الآيات الربانية ~~، تعليل ببعض الحكم التي لأجلها منح الله نبيئه منحة الإسراء ، فإن للإسراء ~~حكما جمة تتضح من حديث الإسراء المروي في ( الصحيح ) . وأهمها وأجمعها ~~إراءته من آيات الله تعالى ودلائل قدرته ورحمته ، أي لنريه من الآيات ~~فيخبرهم بما سألوه عن وصف المسجد الأقصى . | # ولام التعليل لا تفيد حصر الغرض من متعلقها في مدخولها . | # وإنما اقتصر في التعليل على إراءة الآيات لأن تلك العلة أعلق بتكريم ~~المسرى به والعناية بشأنه ، لأن إراءة الآيات تزيد يقين الرائي بوجودها ~~PageV15P020 الحاصل من قبل الرؤية . قال تعالى : { وكذلك نري إبراهيم ملكوت ~~السماوات والأرض وليكون من الموقنين ( الأنعام : 75 ) . | # فإن فطرة الله جعلت إدراك المحسوسات أثبت من إدراك المدلولات البرهانية . ~~قال تعالى : وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال ~~بلى ولكن ليطمئن قلبي ( البقرة : 260 ) ، ولذلك لم يقل الله بعد هذا ~~التعليل أو لم يطمئن قلبك ، لأن اطمئنان القلب متسع المدى لا حد له فقد ~~أنطق الله إبراهيم عن حكمة نبوءة ، وقد بادر محمدا بإراءة الآيات قبل أن ~~يسأله إياها توفيرا في الفضل . | # قال علي بن حزم الظاهري وأجاد : | # ولكن للعيان لطيف معنى | # له سأل المعاينة الكليم | # واعلم أن تقوية يقين الأنبياء من الحكم الإلهية لأنهم بمقدار قوة اليقين ~~يزيدون ارتقاء على درجة مستوى البشر والتحاقا بعلوم عالم الحقائق ومساواة ~~في هذا المضمار لمراتب الملائكة . | # وفي تغيير الأسلوب من الغيبة التي في اسم الموصول وضميريه إلى التكلم في ~~قوله : باركنا . . . ولنريه من آياتنا سلوك لطريقة الالتفات المتبعة كثيرا ~~في كلام البلغاء . وقد مضى الكلام على ذلك في قوله تعالى : إياك نعبد في ( ~~الفاتحة : 5 ) . | # والالتفات هنا امتاز بلطائف : | # منها ms4699 : أنه لما استحضرت الذات العلية بجملة التسبيح وجملة الموصولية صار ~~مقام الغيبة مقام مشاهدة فناسب أن يغير الإضمار إلى ضمائر المشاهدة وهو ~~مقام التكلم . | # ومنها : الإيماء إلى أن النبي عليه الصلاة والسلام عند حلوله بالمسجد ~~الأقصى قد انتقل من مقام الاستدلال على عالم الغيب إلى مقام مصيره في عالم ~~المشاهدة . | PageV15P021 # ومنها : التوطئة والتمهيد إلى محمل معاد الضمير في قوله : إنه هو السميع ~~البصير } ، فيتبادر عود ذلك الضمير إلى غير من عاد إليه ضمير { نريه } لأن ~~الشأن تناسق الضمائر ، ولأن العود إلى الالتفات بالقرب ليس من الأحسن . | # فقوله : { إنه هو السميع البصير } الأظهر أن الضميرين عائدان إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم وقاله بعض المفسرين ، واستقربه الطيبي ، ولكن جمهرة ~~المفسرين على أنه عائد إلى الله تعالى . ولعل احتماله للمعنيين مقصود . | # وقد تجيء الآيات محتملة عدة معانن . واحتمالها مقصود تكثيرا لمعاني ~~القرآن ، ليأخذ كل منه على مقدار فهمه كما ذكرنا في المقدمة التاسعة . ~~وأياما كان فموقع ( إن ) التوكيد والتعليل كما يؤذن به فصل الجملة عما ~~قبلها . | # وهي إما تعليل لإسناد فعل { نريه إلى فاعله ؛ وإما تعليل لتعليقه بمفعوله ~~، فيفيد أن تلك الإراءة من باب الحكمة ، وهي إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي ، ~~فهو من إيتاء الحكمة من هو أهلها . | # والتعليل على اعتبار مرجع الضمير إلى النبي أوقع ، إذ لا حاجة إلى تعليل ~~إسناد فعل الله تعالى لأنه محقق معلوم . وإنما المحتاج للتعليل هو إعطاء ~~تلك الإراءة العجيبة لمن شك المشركون في حصولها له ومن يحسبون أنه لا ~~يطيقها مثله . | # على أن الجملة مشتملة على صيغة قصر بتعريف المسند باللام وبضمير الفصل ~~قصرا مؤكدا ، وهو قصر موصوف على صفة قصرا إضافيا للقلب ، أي هو المدرك لما ~~سمعه وأبصره لا الكاذب ولا المتوهم كما زعم المشركون . وهذا القصر يؤيد عود ~~الضمير إلى النبي لأنه المناسب للرد . ولا ينازع المشركون في أن الله سميع ~~وبصير إلا على تأويل ذلك بأنه المسمع والمبصر لرسوله الذي كذبتموه ، فيؤول ~~إلى تنزيه الرسول عن الكذب والتوهم . | PageV15P022 # ثم إن الصفتين على ms4700 تقدير كونهما للنبيء هما على أصل اشتقاقهما للمبالغة ~~في قوة سمعه وبصره وقبولهما لتلقي تلك المشاهدات المدهشة ، على حد قوله ~~تعالى : ما زاغ البصر وما طغى ( النجم : 17 ) ، وقوله : أفتمارونه على ما ~~يرى ( النجم : 12 ) . | # وأما على تقدير كونهما صفتين لله تعالى فالمناسب أن تؤولا بمعنى المسمع ~~المبصر ، أي القادر على إسماع عبده وإبصاره ، كما في قول عمرو بن معد يكرب ~~: | # أمن ريحانة الداعي السميع | # أي المسمع . | # وقد اختلف السلف في الإسراء أكان بجسد رسول الله من مكة إلى بيت المقدس ~~أم كان بروحه في رؤيا هي مشاهدة روحانية كاملة ورؤيا الأنبياء حق . ~~والجمهور قالوا : هو إسراء بالجسد في اليقظة ، وقالت عائشة ومعاوية والحسن ~~البصري وابن إسحاق رضي الله عنهم أنه إسراء بروحه في المنام ورؤيا الأنبياء ~~وحي . | # واستدل الجمهور بأن الامتنان في الآية وتكذيب قريش بذلك دليلان على أنه ~~ما كان الإخبار به إلا على أنه بالجسد . واتفق الجميع على أن قريشا ~~استوصفوا من النبي علامات في بيت المقدس وفي طريقه فوصفها لهم كما هي ، ~~ووصف لهم عيرا لقريش قافلة في طريق معين ويوم معين فوجدوه كما وصف لهم . | # ففي صحيح البخاري } أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( بينما أنا في ~~المسجد الحرام بين النائم واليقظان إذ أتاني جبريل . . . ) إلى آخر الحديث ~~. وهذا أصح وأوضح مما روي في حديث آخر أن الإسراء كان من بيته أو كان من ~~بيت أم هاني بنت أبي طالب أو من شعب أبي طالب . | # والتحقيق حمل ذلك على أنه إسراء آخر ، وهو الوارد في حديث المعراج إلى ~~السماوات وهو غير المراد في هذه الآية . فللنبيء صلى الله عليه وسلم ~~PageV15P023 كرامتان : أولاهما الإسراء وهو المذكور هنا ، والأخرى المعراج ~~وهو المذكور في حديث ( الصحيحين ) مطولا وأحاديث غيره . وقد قيل : إنه هو ~~المشار إليه في سورة النجم . | # | 2 ( 2 ) { وءاتينآ موسى الكتاب وجعلناه هدى لبنى إسراءيل ألا تتخذوا من ~~دونى وكيلا } ) 2 # عطف على جملة { سبحان الذي أسرى ( الإسراء : 1 ) الخ فهي ابتدائية . ~~والتقدير : الله أسرى ms4701 بعبده محمد وآتى موسى الكتاب ، فهما منتان عظيمتان ~~على جزء عظيم من البشر . وهو انتقال إلى غرض آخر لمناسبة ذكر المسجد الأقصى ~~. فإن أطوار المسجد الأقصى تمثل ما تطور به حال بني إسرائيل في جامعتهم من ~~أطوار الصلاح والفساد ، والنهوض والركود ، ليعتبر بذلك المسلمون فيقتدوا أو ~~يحذروا . | # ولمناسبة قوله : لنريه من آياتنا ( الإسراء : 1 ) فإن من آيات الله التي ~~أوتيها النبي آية القرآن ، فكان ذلك في قوة أن يقال : وآتيناه القرآن ~~وآتينا موسى الكتاب ( أي التوراة ) ، كما يشهد به قوله بعد ذلك إن هذا ~~القرآن يهدي للتي هي أقوم ( الإسراء : 9 ) أي للطريقة التي هي أقوم من ~~طريقة التوراة وإن كان كلاهما هدى ، على ما في حالة الإسراء بالنبي عليه ~~الصلاة والسلام ليلا ليرى من آيات الله تعالى من المناسبة لحالة موسى عليه ~~السلام حين أوتي النبوة ، فقد أوتي النبوءة ليلا وهو سار بأهله من أرض مدين ~~إذ آنس من جانب الطور نارا ، ولحاله أيضا حين أسري به إلى مناجاة ربه بآيات ~~الكتاب . | # والكتاب هو المعهود إيتاؤه موسى عليه السلام وهو التوراة . وضمير الغائب ~~في جعلناه للكتاب ، والإخبار عنه بأنه هدى مبالغة لأن الهدى بسبب العمل بما ~~فيه فجعل كأنه نفس الهدى ، كقوله تعالى في القرآن : هدى للمتقين ( البقرة : ~~2 ) . | PageV15P024 # وخص بني إسرائيل لأنهم المخاطبون بشريعة التوراة دون غيرهم ، فالجعل الذي ~~في قوله : وجعلناه } هو جعل التكليف . وهم المراد ب ( الناس ) في قوله : { ~~قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس ( الأنعام : 91 ) ، ~~لأن الناس قد يطلق على بعضهم ، على أن ما هو هدى لفريق من الناس صالح لأن ~~ينتفع بهديه من لم يكن مخاطبا بكتاب آخر ، ولذلك قال تعالى : إنا أنزلنا ~~التوراة فيها هدى ونور ( المائدة : 44 ) . | # وقرأ الجمهور ألا تتخذوا } بتاء الخطاب على الأصل في حكاية ما يحكى من ~~الأقوال المتضمنة نهيا ، فتكون ( أن ) تفسيرية لما تضمنه لفظ ( الكتاب ) من ~~معنى الأقوال ، ويكون التفسير لبعض ما تضمنه الكتاب اقتصارا على الأهم منه ~~وهو التوحيد . وقرأ ms4702 أبو عمرو وحده بياء الغيبة على اعتبار حكاية القول ~~بالمعنى ، أو تكون ( أن ) مصدرية مجرورة بلام محذوفة حذفا مطردا ، والتقدير ~~: آتيناهم الكتاب لئلا يتخذوا من دوني وكيلا . | # والوكيل : الذي تفوض إليه الأمور . والمراد به الرب ، لأنه يتكل عليه ~~العباد في شؤونهم ، أي أن لا تتخذوا شريكا تلجؤون إليه . وقد عرف إطلاق ~~الوكيل على الله في لغة بني إسرائيل كما حكى الله عن يعقوب وأبنائه { فلما ~~آتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل ( يوسف : 66 ) . | # | 2 ( 3 ) { ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا } ) 2 # يجوز أن يكون اعتراضا في آخر الحكاية ليس داخلا في الجملة التفسيرية . ~~فانتصاب { ذرية } على الاختصاص لزيادة بيان بني إسرائيل بيانا مقصودا به ~~التعريض بهم إذ لم يشكروا النعمة . ويجوز أن يكون من تمام الجملة التفسيرية ~~، أي حال كونكم ذرية من حملنا مع نوح عليه السلام ، PageV15P025 أو ينتصب ~~على النداء بتقدير حرف النداء ، أي يا ذرية من حملنا مع نوح ، مقصودا به ~~تحريضهم على شكر نعمة الله واجتناب الكفر به باتخاذ شركاء دونه . | # والحمل وضع شيء على آخر لنقله ، والمراد الحمل في السفينة كما قال : { ~~حملناكم في الجارية ( الحاقة : 11 ) ، أي ذرية من أنجيناهم من الطوفان مع ~~نوح عليه السلام . | # وجملة إنه كان عبدا شكورا } مفيدة تعليل النهي عن أن يتخذوا من دون الله ~~وكيلا ، لأن أجدادهم حملوا مع نوح بنعمة من الله عليهم لنجاتهم من الغرق ~~وكان نوح عبدا شكورا والذين حملوا معه كانوا شاكرين مثله ، أي فاقتدوا بهم ~~ولا تكفروا نعم الله . | # ويحتمل أن تكون هذه الجملة من تمام الجملة التفسيرية فتكون مما خاطب الله ~~به بني إسرائيل ، ويحتمل أنها مذيلة لجملة { وآياتنا موسى الكتاب } فيكون ~~خطابا لأهل القرآن . | # واعلم أن في اختيار وصفهم بأنهم ذرية من حمل مع نوح عليه السلام معاني ~~عظيمة من التذكير والتحريض والتعريض لأن بني إسرائيل من ذرية سام بن نوح ~~وكان سام ممن ركب السفينة . | # وإنما لم يقل ذرية نوح مع أنهم كذلك قصدا لإدماج ms4703 التذكير بنعمة إنجاء ~~أصولهم من الغرق . | # وفيه تذكير بأن الله أنجى نوحا ومن معه من الهلاك بسبب شكره وشكرهم ~~تحريضا على الائتساء بأولئك . | # وفيه تعريض بأنهم إن أشركوا ليوشكن أن ينزل بهم عذاب واستئصال ، كما في ~~قوله : { قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم ~~سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم ( هود : 48 ) . | PageV15P026 # وفيه أن ذرية نوح كانوا شقين شق بار مطيع ، وهم الذين حملهم معه في ~~السفينة ، وشق متكبر كافر وهو ولده الذي غرق ، فكان نوح عليه السلام مثلا ~~لأبي فريقين ، وكان بنو إسرائيل من ذرية الفريق البار ، فإن اقتدوا به نجوا ~~وإن حادوا فقد نزعوا إلى الفريق الآخر فيوشك أن يهلكوا . وهذا التماثل هو ~~نكتة اختيار ذكر نوح من بين أجدادهم الآخرين مثل إبراهيم ، وإسحاق ، ويعقوب ~~عليهم السلام ، لفوات هذا المعنى في أولئك . وقد ذكر في هذه السورة استئصال ~~بني إسرائيل مرتين بسبب إفسادهم في الأرض وعلوهم مرتين وأن ذلك جزاء ~~إهمالهم وعد الله نوحا عليه السلام حينما نجاه . | # وتأكيد كون نوح كان عبدا شكورا } بحرف ( إن ) تنزيل لهم منزلة من يجهل ~~ذلك ؛ إما لتوثيق حملهم على الاقتداء به إن كانت الجملة خطابا لبني إسرائيل ~~من تمام الجملة التفسيرية ، وإما لتنزيلهم منزلة من جهل ذلك حتى تورطوا في ~~الفساد فاستأهلوا الاستئصال وذهاب ملكهم ، لينتقل منه إلى التعريض ~~بالمشركين من العرب بأنهم غير مقتدين بنوح لأن مثلهم ومثل بني إسرائيل في ~~هذا السياق واحد في جميع أحوالهم ، فيكون التأكيد منظورا فيه إلى المعنى ~~التعريضي . | # ومعنى كون نوح { عبدا } أنه معترف لله بالعبودية غير متكبر بالإشراك ، ~~وكونه { شكورا } ، أي شديدا لشكر الله بامتثال أوامره . وروي أنه كان يكثر ~~حمد الله . | # والاقتداء بصالح الآباء مجبولة عليه النفوس ومحل تنافس عند الأمم بحيث ~~يعد خلاف ذلك كمثير للشك في صحة الانتساب . | # وكان نوح عليه السلام مثلا في كمال النفس وكانت العرب تعرف ذلك وتنبعث ~~على الاقتداء به . قال النابغة : | # فألفيت الأمانة لم تخنها | # كذلك كان نوح لا ms4704 يخون | # | PageV15P027 # | 2 ( 4 ، 5 ) { وقضينآ إلى بنى إسراءيل فى الكتاب لتفسدن فى الارض مرتين ~~ولتعلن علوا كبيرا * فإذا جآء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنآ أولى بأس ~~شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا } ) 2 # عطف على جملة { وآتينا موسى الكتاب ( الإسراء : 2 ) ، أي آتينا موسى ~~الكتاب هدى ، وبينا لبني إسرائيل في الكتاب ما يحل بهم من جراء مخالفة هدي ~~التوراة إعلاما لهذه الأمة بأن الله لم يدخر أولئك إرشادا ونصحا ، ~~فالمناسبة ظاهرة . | # والقضاء بمعنى الحكم وهو التقدير ، ومعنى كونه في الكتاب أن القضاء ذكر ~~في الكتاب ، وتعدية قضينا بحرف ( إلى ) لتضمين قضينا معنى ( أبلغنا ) ، أي ~~قضينا وأنهينا ، كقوله تعالى : وقضينا إليه ذلك الأمر في سورة الحجر ( 66 ) ~~. فيجوز أن يكون المراد ب ( الكتاب ) كتاب التوراة والتعريف للعهد لأنه ذكر ~~الكتاب آنفا ، ويوجد في مواضع ، منها ما هو قريب مما في هذه الآية لكن ~~بإجمال ( انظر الإصحاج 26 والإصحاح 28 والإصحاح 30 ) ، فيكون العدول عن ~~الإضمار إلى إظهار لفظ ( الكتاب ) لمجرد الاهتمام . | # ويجوز أن يكون الكتاب بعض كتبهم الدينية . فتعريف ( الكتاب ) تعريف الجنس ~~وليس تعريف العهد الذكري ، إذ ليس هو الكتاب المذكور آنفا في قوله : وآتينا ~~موسى الكتاب } ( الإسراء : 2 ) لأنه لما أظهر اسم الكتاب أشعر بأنه كتاب ~~آخر من كتبهم ، وهو الأسفار المسماة بكتب الأنبياء : أشعياء ، وأرميا ، ~~وحزقيال ، ودانيال ، وهي في الدرجة الثانية من التوراة . وكذلك كتاب النبي ~~ملاخي . | # والإفساد مرتين ذكر في كتاب أشعياء وكتاب أرمياء . | PageV15P028 # ففي كتاب أشعياء نذارات في الإصحاح الخامس والعاشر . وأولى المرتين ~~مذكورة في كتاب أرمياء في الإصحاح الثاني والإصحاح الحادي والعشرين وغيرهما ~~. وليس المراد بلفظ الكتاب كتابا واحدا فإن المفرد المعرف بلام الجنس يراد ~~به المتعدد . وعن ابن عباس الكتاب أكثر من الكتب . ويجوز أن يراد بالكتاب ~~التوراة وكتب الأنبياء ولذلك أيضا وقع بالإظهار دون الإضمار . | # وجملة { لتفسدن في الأرض مرتين } إلى قوله { حصيرا } مبينة لجملة { ~~وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب } . وأيا ما كان فضمائر الخطاب في هذه ~~الجملة مانعة من أن ms4705 يكون المراد بالكتاب في قوله تعالى : { وقضينا إلى بني ~~إسرائيل في الكتاب } اللوح المحفوظ أو كتاب الله ، أي علمه . | # وهذه الآية تشير إلى حوادث عظيمة بين بني إسرائيل وأعدائهم من أمتين ~~عظيمتين : حوادث بينهم وبين البابليين ، وحوادث بينهم وبين الرومانيين . ~~فانقسمت بهذا الاعتبار إلى نوعين : نوع منهما تندرج فيه حوادثهم مع ~~البابليين ، والنوع الآخر حوادثهم مع الرومانيين ، فعبر عن النوعين بمرتين ~~لأن كل مرة منهما تحتوي على عدة ملاحم . | # فالمرة الأولى هي مجموع حوادث متسلسلة تسمى في التاريخ بالأسر البابلي ~~وهي غزوات ( بختنصر ) ملك بابل وأشور بلاد أورشليم . والغزو الأول كان سنة ~~606 قبل المسيح ، أسر جماعات كثيرة من اليهود ويسمى الأسر الأول . ثم غزاهم ~~أيضا غزوا يسمى الأسر الثاني ، وهو أعظم من الأول ، كان سنة 598 قبل المسيح ~~، وأسر ملك يهوذا وجمعا غفيرا من الإسرائيليين وأخذ الذهب الذي في هيكل ~~سليمان وما فيه من الآنية النفيسة . | # والأسر الثالث المبير سنة 588 قبل المسيح غزاهم ( بختنصر ) وسبى كل شعب ~~يهوذا ، وأحرق هيكل سليمان ، وبقيت أورشليم خرابا يبابا . ثم أعادوا ~~تعميرها كما سيأتي عند قوله تعالى : { ثم رددنا لكم الكرة ( الإسراء : 6 ) ~~. | PageV15P029 # وأما المرة الثانية فهي سلسلة غزوات الرومانيين بلاد أورشليم . وسيأتي ~~بيانها عند قوله تعالى : فإذا جاء وعد الآخرة ( الإسراء : 6 ) الآية . | # وإسناد الإفساد إلى ضمير بني إسرائيل مفيد أنه إفساد من جمهورهم بحيث تعد ~~الأمة كلها مفسدة وإن كانت لا تخلو من صالحين . | # والعلو في قوله : ولتعلن علوا كبيرا } مجاز في الطغيان والعصيان كقوله : ~~{ إن فرعون علا في الأرض ( القصص : 4 ) وقوله : إنه كان عاليا من المسرفين ~~( الدخان : 31 ) وقوله : ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين ( النمل : 31 ) ~~تشبيها للتكبر والطغيان بالعلو على الشيء لامتلاكه تشبيه معقول بمحسوس . | # وأصل ولتعلن } لتعلوونن . وأصل { لتفسدن } لتفسدونن . | # والوعد مصدر بمعنى المفعول ، أي موعود أولى المرتين ، أي الزمان المقدر ~~لحصول المرة الأولى من الإفساد والعلو ، كقوله : { فإذا جاء وعد ربي جعله ~~دكا ( الكهف : 98 ) . | # ومثل ذلك قوله : وكان وعدا مفعولا } أي معمولا ومنفذا . | # وإضافة ms4706 { وعد } إلى { أولاهما } بيانية ، أي الموعود الذي هو أولى ~~المرتين من الإفساد والعلو . | # والبعث مستعمل في تكوين السير إلى أرض إسرائيل وتهيئة أسبابه حتى كأن ذلك ~~أمر بالمسير إليهم كما مر في قوله : { ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من ~~يسومهم سوء العذاب في سورة الأعراف ( 167 ) ، وهو بعث تكوين وتسخير لا بعث ~~بوحي وأمر . | # وتعدية بعثنا } بحرف الاستعلاء لتضمينه معنى التسليط كقوله : { ليبعثن ~~عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب ( الأعراف : 167 ) . | # والعباد : المملوكون ، وهؤلاء عباد مخلوقية ، وأكثر ما يقال : عباد الله ~~. ويقال : عبيد ، بدون إضافة ، نحو وما ربك بظلام للعبيد ( فصلت : 46 ) ، ~~فإذا قصد PageV15P030 المملوكون بالرق قيل : عبيد ، لا غير . والمقصود ~~بعباد الله هنا الأشوريون أهل بابل وهم جنود بختنصر . | # والبأس : الشوكة والشدة في الحرب . ووصفه بالشديد لقوته في نوعه كما في ~~آية سورة سليمان ( النمل : 33 ) : قالوا نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد . | # وجملة فجاسوا } عطف على { بعثنا } فهو من المقضي في الكتاب . والجوس : ~~التخلل في البلاد وطرقها ذهابا وإيابا لتتبع ما فيها . وأريد به هنا تتبع ~~المقاتلة فهو جوس مضرة وإساءة بقرينة السياق . | # و ( خلال ) اسم جاء على وزن الجموع ولا مفرد له ، وهو وسط الشيء الذي ~~يتخلل منه . قال تعالى : { فترى الودق يخرج من خلاله ( الروم : 48 ) . | # والتعريف في الديار } تعريف العهد ، أي دياركم ، وذلك أصل جعل ( ال ) ~~عوضا عن المضاف إليه . وهي ديار بلد أورشليم فقد دخلها جيش بختنصر وقتل ~~الرجال وسبى ، وهدم الديار ، وأحرق المدينة وهيكل سليمان بالنار . ولفظ ( ~~الديار ) يشمل هيكل سليمان لأنه بيت عبادتهم ، وأسر كل بني إسرائيل وبذلك ~~خلت بلاد اليهود منهم . ويدل لذلك قوله في الآية الآتية : { وليدخلوا ~~المسجد كما دخلوه أول مرة } . | # | 2 ( 6 8 ) { ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم ~~أكثر نفيرا * إن أحسنتم أحسنتم لانفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جآء وعد الاخرة ~~ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا ~~* عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم ms4707 للكافرين حصيرا } . ) 2 # عطف جملة { فجاسوا ( الإسراء : 5 ) فهو من تمام جواب ( إذا ) من قوله : ~~فإذا جاء وعد أولاهما ( الإسراء : 5 ) ، ومن بقية المقضي في الكتاب ، وهو ~~ماض لفظا مستقبل PageV15P031 معنى ، لأن ( إذا ) ظرف لما يستقبل . وجيء به ~~في صيغة الماضي لتحقيق وقوع ذلك . والمعنى : نبعث عليكم عبادا لنا فيجوسون ~~ونرد لكم الكرة عليهم ونمددكم بأموال وبنين ونجعلكم أكثر نفيرا . | # و ( ثم ) تفيد التراخي الرتبي والتراخي الزمني معا . | # والرد : الإرجاع . وجيء بفعل رددنا } ماضيا جريا على الغالب في جواب ( ~~إذا ) كما جاء شرطها فعلا ماضيا في قوله : { فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا ( ~~الإسراء : 5 ) أي إذا يجيء يبعث . | # والكرة : الرجعة إلى المكان الذي ذهب منه . | # فقوله : عليهم } ظرف مستقر هو حال من { الكرة } ، لأن رجوع بني إسرائيل ~~إلى أورشليم كان بتغلب ملك فارس على ملك بابل . | # وذلك أن بني إسرائيل بعد أن قضوا نيفا وأربعين سنة في أسر البابليين ~~وتابوا إلى الله وندموا على ما فرط منهم سلط الله ملوك فارس على ملوك بابل ~~الأشوريين ؛ فإن الملك ( كورش ) ملك فارس حارب البابليين وهزمهم فضعف ~~سلطانهم ، ثم نزل بهم ( داريوس ) ملك فارس وفتح بابل سنة 538 قبل المسيح ، ~~وأذن لليهود في سنة 530 قبل المسيح أن يرجعوا إلى أورشليم ويجددوا دولتهم . ~~وذلك نصر انتصروه على البابليين إذ كانوا أعوانا للفرس عليهم . | # والوعد بهذا النصر ورد أيضا في كتاب أشعياء في الإصحاحات : العاشر ، ~~والحادي عشر ، والثاني عشر ، وغيرها ، وفي كتاب PageV15P032 أرميا في ~~الإصحاح الثامن والعشرين والإصحاح التاسع والعشرين . | # وقوله : { وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا } هو من جملة ~~المقضي الموعود به . ووقع في الإصحاح التاسع والعشرين من كتاب أرميا ( هكذا ~~قال الرب إله إسرائيل لكل السبي الذي سبيته من أورشليم إلى بابل : ابنوا ~~بيوتا واسكنوا ، واغرسوا جنات ، وكلوا ثمرها ، خذوا نساء ولدوا بنين وبناتت ~~، واكثروا هناك ولا تقلوا ) . | # و { نفيرا } تمييز ( لأكثر ) فهو تبيين لجهة الأكثرية ، والنفير . اسم ~~جمع للجماعة التي تنفر مع المرء من قومه وعشيرته ، ومنه قول أبي جهل : ( لا ms4708 ~~في العير ولا في النفير ) . | # والتفضيل في ( أكثر ) تفضيل على أنفسهم ، أي جعلناكم أكثر مما كنتم قبل ~~الجلاء ، وهو المناسب لمقام الامتنان . وقال جمع من المفسرين : أكثر نفيرا ~~من أعدائكم الذين أخرجوكم من دياركم ، أي أفنى معظم البابليين في الحروب مع ~~الفرس حتى صار عدد بني إسرائيل في بلاد الأسر أكثر من عدد البابليين . | # وقوله : { إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها } من جملة المقضي في ~~الكتاب مما خوطب به بنو إسرائيل ، وهو حكاية لما في الإصحاح التاسع ~~والعشرين من كتاب أرميا ( وصلوا لأجلها إلى الرب لأنه بسلامها يكون لكم ~~سلام ) . وفي الإصحاح الحادي والثلاثين ( يقول الرب أزرع بيت إسرائيل وبيت ~~يهوذا ويكون كما سهرت عليهم للاقتلاع والهدم والقرض والإهلاك ، كذلك أسهر ~~عليهم للبناء والغرس في تلك الأيام لا يقولون : الآباء أكلوا حصرما وأسنان ~~الأبناء ضرست بل كل واحد يموت بذنبه كل إنسان يأكل الحصرم تضرس أسنانه ) . ~~| # ومعنى { إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم } أننا نرد لكم الكرة لأجل التوبة ~~وتجدد الجيل وقد أصبحتم في حالة نعمة ، فإن أحسنتم كان جزاؤكم حسنا وإن ~~أسأتم أسأتم لأنفسكم ، فكما أهلكنا من قبلكم بذنوبهم فقد أحسنا إليكم ~~بتوبتكم فاحذروا الإساءة كيلا تصيروا إلى مصير من قبلكم . | PageV15P033 # وإعادة فعل { أحسنتم } تنويه فلم يقل : إن أحسنتم فلأنفسكم . وذلك مثل ~~قول الأحوص : | # فإذا تزول تزول عن متخمط | # تخشى بوادره على الأقران | # قال أبو الفتح ابن جني في شرح بيت الأحوص في الحماسة : إنما جاز أن يقول ~~( فإذا تزول تزول ) لما اتصل بالفعل الثاني من حرف الجر المفادة منه ~~الفائدة . ومثله قول الله تعالى : { هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كم غوينا ~~( القصص : 63 ) ، ولو قال : هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم لم يفد القول شيئا ~~كقولك : الذي ضربته ضربته . وقد كان أبو علي امتنع في هذه الآية مما أخذناه ~~( في الأصل أجزناه ) غير أن الأمر فيها عندي على ما عرفتك ا ه . | # والظاهر أن امتناع أبي علي من ذلك في هذه الآية أنه يرى جواز أن تكون ~~أغويناهم تأكيدا لأغوينا وقوله : كما ms4709 غوينا استئنافا بيانيا ، لأن اسم ~~الموصول مسند إلى مبتدأ وهو اسم الإشارة فتم الكلام بذلك ، بخلاف بيت ~~الأحوص ومثال ابن جني : الذي ضربته ضربته ، فيرجع امتناع أبي علي إلى أن ما ~~أخذه ابن جني غير متعين في الآية تعينه في بيت الأحوص . | # وأسلوب إعادة الفعل عند إرادة تعلق شيء به أسلوب عربي فصيح يقصد به ~~الاهتمام بذلك الفعل . وقد تكرر في القرآن ، قال تعالى : وإذا بطشتم بطشتم ~~جبارين ( الشعراء : 130 ) وقال : وإذا مروا باللغو مروا كراما ( الفرقان : ~~72 ) . | # وقوله : إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم } جاء على طريقة التجريد بأن جعلت نفس ~~المحسن كذات يحسن لها . فاللام لتعدية فعل { أحسنتم } ، يقال : أحسنت لفلان ~~. | # وكذلك قوله : { وإن أسأتم فلها } . فقوله : { فلها } متعلق بفعل محذوف ~~بعد فاء الجواب ، تقديره : أسأتم لها . وليس المجرور بظرف مستقر خبرا عن ~~مبتدأ محذوف يدل عليه فعل { أسأتم } لأنه لو كان كذلك لقال فعليها ، كقوله ~~في سورة فصلت ( 46 ) { من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها . | ~~PageV15P034 # ووجه المخالفة بين أسلوب الآيتين أن آية فصلت ليس فيها تجريد ، إذ ~~التقدير فيها : فعمله لنفسه وإساءته عليه ، فلما كان المقدر اسما كان ~~المجرور بعده مستقرا غير حرف تعدية ، فجرى على ما يقتضيه الإخبار من كون ~~الشيء المخبر عنه نافعا فيخبر عنه بمجرور باللام ، أو ضارا يخبر عنه بمجرور ~~ب ( إلى ) ، وأما آية الإسراء ففعل أحسنتم وأسأتم الواقعان في الجوابين ~~مقتضيان التجريد فجاءا على أصل تعديتهما باللام لا لقصد نفع ولا ضر . | # تفريع على قوله : { وإن أسأتم فلها ( الإسراء : 7 ) ، إذ تقدير الكلام ~~فإذا أسأتم وجاء وعد المرة الآخرة . | # وقد حصل بهذا التفريع إيجاز بديع قضاء لحق التقسيم الأول في قوله : فإذا ~~جاء وعد أولاهما ( الإسراء : 5 ) ، ولحق إفادة ترتب مجيء وعد الآخرة على ~~الإساءة ، ولو عطف بالواو كما هو مقتضى ظاهر التقسيم إلى مرتين فاتت إفادة ~~الترتب والتفرع . | # والآخرة } صفة لمحذوف دل عليه قوله : { مرتين } ، أي وعد المرة الآخرة . ~~| # وهذا الكلام من بقية ما قضي في الكتاب بدليل تفريعه بالفاء . | ~~PageV15P035 # والآخرة ضد ms4710 الأولى . | # ولامات ( ليسوؤوا ، وليدخلوا ، وليتبروا ) للتعليل ، وليست للأمر لاتفاق ~~القراءات المشهورة على كسر اللامين الثاني والثالث ، ولو كانا لامي أمر ~~لكانا ساكنين بعد واو العطف ، فيتعين أن اللام الأول لام أمر لا لام جر . ~~والتقدير فإذا جاء وعد الآخرة بعثنا عبادا لنا ليسوؤا وجوهكم الخ . | # وقرأ نافع ، وابن كثير ، وأبو عمرو ، وحفص ، وأبو جعفر ، ويعقوب { ليسوؤا ~~} بضمير الجمع مثل أخواته الأفعالل الأربعة . والضمائر راجعة إلى محذوف دل ~~عليه لام التعليل في قوله : { ليسوؤا } إذ هو متعلق بما دل عليه قوله في { ~~وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا ( الإسراء : 5 ) ، فالتقدير : فإذا جاء ~~وعد الآخرة بعثنا عليكم عبادا لنا ليسوؤوا وجوهكم . وليست عائدة إلى قوله : ~~عبادا لنا } المصرح به في قوله : { فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا ~~لنا أولى بأس شديد ( الإسراء : 5 ) ، لأن الذين أساؤوا ودخلوا المسجد هذه ~~المرة أمة غير الذين جاسوا خلال الديار حسب شهادة التاريخ وأقوال المفسرين ~~كما سيأتي . | # وقرأ ابن عامر ، وحمزة ، وأبو بكر عن عاصم ، وخلف ليسوء } بالإفراد ~~والضمير لله تعالى . وقرأ الكسائي { لنسوء } بنون العظمة . وتوجيه هاتين ~~القراءتين من جهة موافقة رسم المصحف أن الهمزة المفتوحة بعد الواو قد ترسم ~~بصورة ألف ، ، فالرسم يسمح بقراءة واو الجماعة على أن يكون الألف ألف الفرق ~~وبقراءتي الإفراد على أن الألف علامة الهمزة . | # وضميرا ( ليسوءوا وليدخلوا ) عائدان إلى { عبادا لنا ( الإسراء : 5 ) ~~باعتبار لفظه لا باعتبار ما صدق المعاد ، على نحو قولهم : عندي درهم ونصفه ~~، أي نصف صاحب اسم درهم ، وذلك تعويل على القرينة لاقتضاء السياق بعد الزمن ~~بين المرتين : فكان هذا الإضمار من الإيجاز . | PageV15P036 # وضمير كما دخلوه } عائد إلى العباد المذكور في ذكر المرة الأولى بقرينة ~~اقتضاء المعنى مراجع الضمائر كقوله تعالى : { وأثاروا الأرض وعمروها أكثر ~~مما عمروها ( الروم : 9 ) ، وقول عباس بن مرداس : | # عدنا ولولا نحن أحدق جمعهم | # بالمسلمين وأحرزوا ما جمعوا | # فالسياق داال على معاد ( أحرزوا ) ومعاد ( جمعوا ) . | # وسوء الوجوه : جعل المساءة عليها ، أي تسليط أسباب المساءة والكآبة عليكم ~~حتى تبدو على وجوهكم ms4711 لأن ما يخالج الإنسان من غم وحزن ، أو فرح ومسرة يظهر ~~أثره على الوجه دون غيره من الجسد ، كقول الأعشى : | # وأقدم إذا ما أعين الناس تفرق | # أراد إذا ما تفرق الناس وتظهر علامات الفرق في أعينهم . | # ودخول المسجد دخول غزو بقرينة التشبيه في قوله : كما دخلوه أول مرة } ~~المراد منه قوله : { فجاسوا خلال الديار ( الإسراء : 5 ) . | # والتتبير : الإهلاك والإفساد . | # وما علوا } موصول هو مفعول ( يتبروا ) ، وعائد الصلة محذوف لأنه متصل ~~منصوب ، والتقدير : ما علوه ، والعلو علو مجازي وهو الاستيلاء والغلب . | # ولم يعدهم الله في هذه المرة إلا بتوقع الرحمة دون رد الكرة ، فكان إيماء ~~إلى أنهم لا ملك لهم بعد هذه المرة . وبهذا تبين أن المشار إليه بهذه المرة ~~الآخرة هو ما اقترفه اليهود من المفاسد والتمرد وقتل الأنبياء والصالحين ~~والاعتداء على عيسى وأتباعه ، وقد أنذرهم النبي ملاخي في الإصحاحين الثالث ~~والرابع من كتابه وأنذرهم زكرياء ويحيى وعيسى فلم يرعووا فضربهم الله ~~الضربة القاضية بيد الرومان . | PageV15P037 # وبيان ذلك : أن اليهود بعد أن عادوا إلى أورشليم وجددوا ملكهم ومسجدهم في ~~زمن ( داريوس ) وأطلق لهم التصرف في بلادهم التي غلبهم عليها البابليون ~~وكانوا تحت نفوذ مملكة فارس ، فمكثوا على ذلك مائتي سنة من سنة 530 إلى سنة ~~330 قبل المسيح ، ثم أخذ ملكهم في الانحلال بهجوم البطالسة ملوك مصر على ~~أورشليم فصاروا تحت سلطانهم إلى سنة 166 قبل المسيح إذ قام قائد من إسرائيل ~~اسمه ( ميثيا ) وكان من اللاويين فانتصر لليهود وتولى الأمر عليهم وتسلسل ~~الملك بعده في أبنائه في زمن مليء بالفتن إلى سنة أربعين قبل المسيح . دخلت ~~المملكة تحت نفوذ الرومانيين وأقاموا عليها أمراء من اليهود كان أشهرهم ( ~~هيرودس ) ثم تمردوا للخروج على الرومانيين ، فأرسل فيصر رومية القائد ( ~~سيسيانوس ) مع ابنه القائد ( طيطوس ) بالجيوش في حدود سنة أربعين بعد ~~المسيح فخربت أورشليم واحترق المسجد ، وأسر ( طيطوس ) نيفا وتسعين ألفا من ~~اليهود ، وقتل من اليهود في تلك الحروب نحو ألف ألف ، ثم استعادوا المدينة ~~وبقي منهم شرذمة قليلة بها إلى أن ms4712 وافاهم الأمبراطور الروماني ( أدريانوس ) ~~فهدمها وخربها ورمى قناطير الملح على أرضها كيلا تعود صالحة للزراعة ، وذلك ~~سنة 135 للمسيح . وبذلك انتهى أمر اليهود وانقرض ، وتفرقوا في الأرض ولم ~~تخرج أورشليم من حكم الرومان إلا حين فتحها المسلمون في زمن عمر بن الخطاب ~~سنة 16 ه صلحا مع أهلها وهي تسمى يومئذ ( إيلياء ) . | # وقوله : { وإن عدتم عدنا } يجوز أن تكون الواو عاطفة على جملة { عسى ربكم ~~أن يرحمكم } عطف الترهيب على الترغيب . | # ويجوز أن تكون معترضة والواو اعتراضية . والمعنى : بعد أن يرحمكم ربكم ~~ويؤمنكم في البلاد التي تلجأون إليها ، إن عدتم إلى الإفساد عدنا إلى ~~عقابكم ، أي عدنا لمثل ما تقدم من عقاب الدنيا . | PageV15P038 # وجملة { وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا } عطف على جملة { عسى ربكم أن يرحمكم ~~} لإفادة أن ما ذكر قبله من عقاب إنما هو عقاب دنيوي وأن وراءه عقاب الآخرة ~~. | # وفيه معنى التذييل لأن التعريف في { للكافرين } يعم المخاطبين وغيرهم . ~~ويومىء هذا إلى أن عقابهم في الدنيا ليس مقصورا على ذنوب الكفر بل هو منوط ~~بالإفساد في الأرض وتعدي حدود الشريعة . وأما الكفر بتكذيب الرسل فقد حصل ~~في المرة الآخرة فإنهم كذبوا عيسى ، وأما في المرة الأولى فلم تأتهم رسل ~~ولكنهم قتلوا الأنبياء مثل أشعياء ، وأرمياء ، وقتل الأنبياء كفر . | # والحصير : المكان الذي يحصر فيه فلا يستطاع الخروج منه ، فهو إما فعيل ~~بمعنى فاعل ، وإما بمعنى مفعول على تقدير متعلق ، أي محصور فيه . | # | 2 ( 9 ، 10 ) { إن هاذا القرءان يهدى للتى هى أقوم ويبشر المؤمنين ~~الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا * وأن الذين لا يؤمنون بالاخرة ~~أعتدنا لهم عذابا أليما } ) 2 # استئناف ابتدائي عاد به الكلام إلى الغرض الأهم من هذه السورة وهو تأييد ~~النبي صلى الله عليه وسلم بالآيات والمعجزات ، وإيتاؤه الآيات التي أعظمها ~~آية القرآن كما قدمناه عند قوله تعالى : { وآتينا موسى الكتاب } ( الإسراء ~~: 2 ) . وأعقب ذلك بذكر ما أنزل على بني إسرائيل من الكتب للهدى والتحذير ، ~~وما نالهم من جراء مخالفتهم ما أمرهم الله به ، ومن عدولهم ms4713 عن سنن أسلافهم ~~من عهد نوح . وفي ذلك فائدة التحذير من وقوع المسلمين فيما وقع فيه بنو ~~إسرائيل ، وهي الفائدة العظمى من ذكر قصص القرآن ، وهي فائدة التاريخ . | ~~PageV15P039 # وتأكيد الجملة مراعى فيه حال بعض المخاطبين وهم الذين لم يذعنوا إليه ، ~~وحال المؤمنين من الاهتمام بهذا الخبر ، فالتوكيد مستعمل في معنييه دفع ~~الإنكار والاهتمام ، ولا تعارض بين الاعتبارين . | # وقوله : { هذا القرآن } إشارة إلى الحاضر في أذهان الناس من المقدار ~~المنزل من القرآن قبل هذه الآية . | # وبينت الإشارة بالاسم الواقع بعدها تنويها بشأن القرآن . | # وقد جاءت هذه الآية تنفيسا على المؤمنين من أثر القصص المهولة التي قصت ~~عن بني إسرائيل وما حل بهم من البلاء مما يثير في نفوس المسلمين الخشية من ~~أن يصيبهم مثل ما أصاب أولئك ، فأخبروا بأن في القرآن ما يعصمهم عن الوقوع ~~فيما وقع فيه بنو إسرائيل إذ هو يهدي للطريق التي هي أقوم مما سلكه بنو ~~إسرائيل ، ولذلك ذكر مع الهداية بشارة المؤمنين الذين يعملون الصالحات ، ~~ونذارة الذين لا يؤمنون بالآخرة . وفي التعبير ب { التي هي أقوم } نكتة ~~لطيفة ستأتي . وتلك عادة القرآن في تعقيب الرهبة بالرغبة وعكسه . | # و { التي هي أقوم } صفة لمحذوف دل عليه { يهدي } ، أي للطريق التي هي ~~أقوم ، لأن الهداية من ملازمات السير والطريق ، أو للملة الأقوم ، وفي حذف ~~الموصوف من الإيجاز من جهة ومن التفخيم من جهة أخرى ما رجح الحذف على الذكر ~~. | # والأقوم : تفضيل القويم . والمعنى : أنه يهدي للتي هي أقوم من هدى كتاب ~~بني إسرائيل الذي في قوله : { وجعلناه هدى لبني إسرائيل ( الإسراء : 2 ) . ~~ففيه إيماء إلى ضمان سلامة أمة القرآن من الحيدة عن الطريق الأقوم ، لأن ~~القرآن جاء بأسلوب من الإرشاد قويم ذي أفنان لا يحول دونه ودون الولوج إلى ~~العقول حائل ، ولا يغادر مسلكا إلى ناحية من نواحي الأخلاق والطبائع إلا ~~سلكه إليها تحريضا أو تحذيرا ، بحيث لا يعدم المتدبر في معانيه اجتناء ثمار ~~أفنانه ، وبتلك الأساليب التي لم تبلغها الكتب السابقة كانت الطريقة ~~PageV15P040 التي يهدي إلى سلوكها ms4714 أقوم من الطرائق الأخرى وإن كانت الغاية ~~المقصود الوصول إليها واحدة . | # وهذا وصف إجمالي لمعنى هدايته إلى التي هي أقوم لو أريد تفصيله لاقتضى ~~أسفارا ، وحسبك مثالا لذلك أساليب القرآن في سد مسالك الشرك بحيث سلمت هذه ~~الآية في جميع أطوارها من التخليط بين التقديس البشري وبين التمجيد الإلهي ~~، فلم تنزل إلى حضيض الشرك بحال ، فمحل التفضيل هو وسائل الوصول إلى الغاية ~~من الحق والصدق ، وليس محل التفضيل تلك الغاية حتى يقال : إن الحق لا ~~يتفاوت . | # والأجر الكبير فسر بالجنة ، والعذاب الأليم بجهنم ، والأظهر أن يحمل على ~~عموم الأجر والعذاب ، فيشمل أجر الدنيا وعذابها ، وهو المناسب لما تقدم من ~~سعادة عيش بني إسرائيل وشقائه ، فجعل اختلاف الحالين فيهما موعظة لحالي ~~المسلمين والمشركين . | # وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة } عطف على { أن لهم أجرا كبيرا } لأنه من ~~جملة البشارة ، إذ المراد بالذين لا يؤمنون بالآخرة مشركو قريش وهم أعداء ~~المؤمنين ، فلا جرم أن عذاب العدو بشارة لمن عاداه . | # والاقتصار على هذين الفريقين هو مقتضى المقام لمناسبة تكذيب المشركين ~~بالإسراء فلا غرض في الإعلام بحال أهل الكتاب . | # | 2 ( 11 ) { ويدع الإنسان بالشر دعآءه بالخير وكان الإنسان عجولا } ) 2 # موقع هذه الآية هنا غامض ، وانتزاع المعنى من نظمها وألفاظها أيضا ، ولم ~~يأت فيها المفسرون بما ينثلج له الصدر . والذي يظهر لي أن PageV15P041 ~~الآية التي قبلها لما اشتملت على بشارة وإنذار وكان المنذرون إذا سمعوا ~~الوعيد والإنذار يستهزئون به ويقولون : { متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ( ~~يس : 48 ) عطف هذا الكلام على ما سبق تنبيها على أن لذلك الوعد أجلا مسمى . ~~فالمراد بالإنسان الإنسان الذي لا يؤمن بالآخرة كما هو في قوله تعالى : ~~ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيا و أو لا يذكر الإنسان أنا خلقناه ~~من قبل ولم يك شيئا ( مريم : 66 67 ) وإطلاق الإنسان على الكافر كثير في ~~القرآن . | # وفعل يدعو } مستعمل في معنى يطلب ويبتغي ، كقول لبيد : | # ادعو بهن لعاقر أو مطفل | # بذلت لجيران الجميع لحامها | # وقوله : { دعاءه بالخير } مصدر ms4715 يفيد تشبيها ، أي يستعجل الشر كاستعجاله ~~الخير ، يعني يستبطىء حلول الوعيد كما يستبطىء أحد تأخر خير وعد به . | # وقوله : { وكان الإنسان عجولا } تذييل ، فالإنسان هنا مراد به الجنس لأنه ~~المناسب للتذييل ، أي وما هؤلاء الكافرون الذين لا يؤمنون بالآخرة إلا من ~~نوع الإنسان ، وفي نوع الإنسان الاستعجال فإن ( كان ) تدل على أن اسمها ~~متصف بخبرها اتصافا متمكنا كقوله تعالى : { وكان الإنسان أكثر شيء جدلا ( ~~الكهف : 54 ) . | # والمقصود من قوله : وكان الإنسان عجولا } الكناية عن عدم تبصره وأن الله ~~أعلم بمقتضى الحكمة في توقيت الأشياء { ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم ~~بالخير لقضي إليهم أجلهم ( يونس : 11 ) ، ولكنه درج لهم وصول الخير والشر ~~لطفا بهم في الحالين . | # والباء في قوله : بالشر وبالخير لتأكيد لصوق العامل بمعموله كالتي في ~~قوله تعالى : وامسحوا برؤوسكم ( المائدة : 6 ) ؛ أو لتضمين مادة الدعاء ~~معنى الاستعجال ، فيكون كقوله تعالى : يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها ( ~~الشورى : 18 ) . | PageV15P042 # وعجول : صيغة مبالغة في عاجل . يقال : عجل فهو عاجل وعجول . | # وكتب في المصحف ويدع } بدون واو بعد العين إجراء لرسم الكلمة على حالة ~~النطق بها في الوصل كما كتب { سندع الزبانية ( العلق : 18 ) ونظائرها . قال ~~الفراء : لو كتبت بالواو لكان صوابا . | # | 2 ( 12 ) وجعلنا اليل والنهار ءايتين فمحونآ ءاية اليل وجعلنآ ءاية ~~النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شىء ~~فصلناه تفصيلا } ) 2 # عطف على { ويدع الإنسان بالشر } ( الإسراء : 11 ) ، الخ . والمناسبة أن ~~جملة { ويدع الإنسان } تتضمن أن الإبطاء تأخير الوعد لا يرفعه وأن ~~الاستعجال لا يجدي صاحبه لأن لكل شيء أجلا ، ولما كان الأجل عبارة عن أزمان ~~كان مشتملا على ليلل ونهار متقضيين . وهذا شائع عند الناس في أن الزمان ~~متقض وإن طال . | # فلما أريد التنبيه على ذلك أدمج فيه ما هو أهم في العبرة بالزمنين وهو ~~كونهما آيتين على وجود الصانع وعظيم القدرة ، وكونهما منتين على الناس ، ~~وكون الناس ربما كرهوا الليل لظلمته ، واستعجلوا انقضاءه بطلوع الصباح في ~~أقوال الشعراء وغيرهم ، ثم بزيادة العبرة ms4716 في أنهما ضدان ، وفي كل منهما ~~آثار النعمة المختلفة وهي نعمة السير في النهار . واكتفي بعدها عن عد نعمة ~~السكون في الليل لظهور ذلك بالمقابلة ، وبتلك المقابلة حصلت نعمة العلم ~~بعدد السنين والحساب لأنه لو كان الزمن كله ظلمة أو كله نورا لم يحصل ~~التمييز بين أجزائه . | # وفي هذا بعد ذلك كله إيماء إلى ضرب مثل للكفر والإيمان ، وللضلال والهدى ~~، فلذلك عقب به قوله : { وآتينا موسى الكتاب ( الإسراء : 2 ) الآية ، وقوله ~~: PageV15P043 إن هذا القرآن يهدى للتي هي أقوم } إلى قوله : { أعتدنا لهم ~~عذابا ( الإسراء : 9 10 ) ، ولذلك عقب بقوله بعده من اهتدى فإنما يهتدي ~~لنفسه الآية ( الإسراء : 15 ) . وكل هذا الإدماج تزويد للآية بوافر المعاني ~~شأن بلاغة القرآن وإيجازه . | # وتفريع جملة فمحونا آية الليل } اعتراض وقع بالفاء بين جملة { وجعلنا ~~الليل والنهار } وبين متعلقة وهو { لتبتغوا } . | # وإضافة آية إلى الليل وإلى النهار يجوز أن تكون بيانية ، أي الآية التي ~~هي الليل ، والآية التي هي النهار . ويجوز أن تكون آية الليل الآية ~~الملازمة له وهي القمر ، وآية النهار الشمس ، فتكون إعادة لفظ ( آية ) ~~فيهما تنبيها على أن المراد بالآية معنى آخر وتكون الإضافة حقيقية ، ويصير ~~دليلا آخر على بديع صنع الله تعالى وتذكيرا بنعمة تكوين هذين الخلقين ~~العظيمين . ويكون معنى المحو أن القمر مطموس لا نور في جرمه ولكنه يكتسب ~~الإنارة بانعكاس شعاع الشمس على كرته ، ومعنى كون آية النهار مبصرة أن ~~الشمس جعل ضوؤها سبب إبصار الناس الأشياء ، ف { مبصرة } اسم فاعل ( أبصر ) ~~المتعدي ، أي جعل غيره باصرا . وهذا أدق معنى وأعمق في إعجاز القرآن بلاغة ~~وعلما فإن هذه حقيقة من علم الهيئة ، وما أعيد لفظ ( آية ) إلا لأجلها . | # والمحو : الطمس . وأطلق على انعدام النور ، لأن النور يظهر الأشياء ~~والظلمة لا تظهر فيها الأشياء ، فشبه اختفاء الأشياء بالمحو كما دل عليه ~~قوله في مقابله : { وجعلنا آية النهار مبصرة } ، أي جعلنا الظلمة آية ~~وجعلنا سبب الإبصار آية . وأطلق وصف { مبصرة } على النهار على سبيل المجاز ~~العقلي إسنادا للسبب . | # وقوله : { لتبتغوا فضلا ms4717 من ربكم } علة لخصوص آية النهار من قوله : { آيتن ~~| # وجاء التعليل لحكمة آية النهار خاصة دون ما يقابلها من حكمة الليل لأن ~~المنة بها أوضح ، ولأن من التنبه إليها يحصل التنبه إلى PageV15P044 ضدها ~~وهو حكمة السكون في الليل ، كما قال : لتسكنوا فيه والنهار مبصرا كما تقدم ~~في سورة يونس ( 67 ) . | # ثم ذكرت حكمة أخرى حاصلة من كلتا الآيتين . وهي حكمة حساب السنين ، وهي ~~في آية الليل أظهر لأن جمهور البشر يضبط الشهور والسنين بالليالي ، أي حساب ~~القمر . | # والحساب يشمل حساب الأيام والشهور والفصول فعطفه على عدد السنين } من عطف ~~العام على الخاص للتعميم بعد ذكر الخاص اهتماما به . | # وجملة { وكل شيء فصلناه تفصيلا } تذييل لقوله : { وجعلنا الليل والنهار ~~آيتين } باعتبار ما سيق له من الإشارة إلى أن للشر والخير الموعود بهما ~~أجلا ينتهيان إليه . والمعنى : أن ذلك الأجل محدود في علم الله تعالى لا ~~يعدوه ، فلا يقربه استعجال ولا يؤخره استبطاء لأن الله قد جعل لكل شيء قدرا ~~لا إبهام فيه ولا شك عنده . | # أن للخير وللشر مدى | # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . | # فلا تحسبوا ذلك وعدا سدى . | # والتفصيل : التبيين والتمييز وهو مشتق من الفصل بمعنى القطع لأن التبيين ~~يقتضي عدم التباس الشيء بغيره . وقد تقدم في قوله تعالى : { كتاب أحكمت ~~آياته ثم فصلت صدر ( هود : 1 ) . | # والتفصيل في الأشياء يكون في خلقها ، ونظامها ، وعلم الله بها ، وإعلامه ~~بها . فالتفصيل الذي في علم الله وفي خلقه ونواميس العوالم عام لكل شيء وهو ~~مقتضى العموم هنا . وأما ما فصله الله للناس من الأحكام والأخبار فذلك بعض ~~الأشياء ، ومنه قوله تعالى : يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون ( الرعد ~~: 2 ) وقوله : قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون ( الأنعام : 97 ) . وذلك ~~بالتبليغ على ألسنة PageV15P045 الرسل وبما خلق في الناس من إدراك العقول ، ~~ومن جملة ما فصله للناس الإرشاد إلى التوحيد وصالح الأعمال والإنذار على ~~العصيان . وفي هذا تعريض بالتهديد . | # وانتصب كل شيء } بفعل مضمر يفسره { فصلناه } لاشتغال المذكور بضمير مفعول ~~المحذوف . | # | 2 ( 13 ، 14 ) { وكل إنسان ألزمناه طائره فى عنقه ms4718 ونخرج له يوم القيامة ~~كتابا يلقاه منشورا * اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا } ) 2 # لما كان سياق الكلام جاريا في طريق الترغيب في العمل الصالح والتحذير من ~~الكفر والسيئات ابتداء من قوله تعالى : { إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ~~ويبشر المؤمنين } إلى قوله تعالى : { عذابا أليما ( الإسراء : 9 10 ) وما ~~عقبه مما يتعلق بالبشارة والنذارة وما أدمج في خلال ذلك من التذكير ثم بما ~~دل على أن علم الله محيط بكل شيء تفصيلا ، وكان أهم الأشياء في هذا المقام ~~إحاطة علمه بالأعمال كلها ، فأعقب ذكر ما فصله الله من الأشياء بالتنبيه ~~على تفصيل أعمال الناس تفصيلا لا يقبل الشك ولا الإخفاء وهو التفصيل ~~المشابه للتقييد بالكتابة ، فعطف قوله : وكل إنسان } الخ على قوله : { وكل ~~شيء فصلناه تفصيلا ( الإسراء : 12 ) عطف خاص على عام للاهتمام بهذا الخاص . ~~والمعنى : وكل إنسان قدرنا له عمله في علمنا فهو عامل به لا محالة وهذا من ~~أحوال الدنيا . | # والطائر : أطلق على السهم ، أو القرطاس الذي يعين فيه صاحب الحظ في عطاء ~~أو قرعة لقسمة أو أعشار جزور الميسر ، يقال : اقتسموا الأرض فطار لفلان كذا ~~، ومنه قول أم العلاء الأنصارية في حديث الهجرة : اقتسم الأنصار المهاجرين ~~فطار لنا عثمان بن مظعون . . . وذكرت قصة وفاته . | PageV15P046 # وأصل إطلاق الطائر على هذا : إما لأنهم كانوا يرمون السهام المرقومة ~~بأسماء المتقاسمين على صبر الشيء المقسوم المعدة للتوزيع . فكل من وقع ~~السهم المرقوم باسمه على شيء أخذه . وكانوا يطلقون على رمي السهم فعل ~~الطيران لأنهم يجعلون للسهم ريشا في قذذه ليخف به اختراقه الهواء عند رميه ~~من القوس ، فالطائر هنا أطلق على الحظ من العمل مثل ما يطلق اسم السهم على ~~حظ الإنسان من شيء ما . | # وإما من زجر الطير لمعرفة بختت أو شؤم الزاجر من حالة الطير التي تعترضه ~~في طريقه ، والأكثر أن يفعلوا ذلك في أسفارهم ، وشاع ذلك في الكلام فأطلق ~~الطائر على حظ الإنسان من خير أو شر . | # والإلزام : جعله لازما له ، أي غير مفارق ، يقال ms4719 : لزمه إذا لم يفارقه . ~~| # وقوله : في عنقه } يجوز أن يكون كناية عن الملازمة والقرب ، أي عمله لازم ~~له لزوم القلادة . ومنه قول العرب تقلدها طوق الحمامة ، فلذلك خصت بالعنق ~~لأن القلادة توضع في عنق المرأة . ومنه قول الأعشى : | # والشعر قلدته سلامة ذا فا | # ئش والشيء حيثما جعلا | # ويحتمل أن يكون تمثيلا لحالة لعلها كانت معروفة عند العرب وهي وضع علامات ~~تعلق في الرقاب للذين يعينون لعمل ما أو ليؤخذ منهم شيء ، وقد كان في ~~الإسلام يجعل ذلك لأهل الذمة ، كما قال بشار : | # كتب الحب لها في عنقي | # موضع الخاتم من أهله الذمم | # ويجوز أن يكون { في عنقه } تمثيلا بالبعير الذي يوسم في عنقه بسمة كيلا ~~يختلط بغيره ، أو الذي يوضع في عنقه جلجل لكيلا يضل عن صاحبه . | ~~PageV15P047 # والمعنى على الجميع أن كل إنسان يعامل بعمله من خير أو شر لا ينقص له منه ~~شيء . وهذا غير كتابة الأعمال التي ستذكر عقب هذا بقوله : { ونخرج له يوم ~~القيامة كتابا } الآية . | # وعطف جملة { ونخرج له يوم القيامة كتابا } إخبار عن كون تلك الأعمال ~~المعبر عنها بالطائر تظهر يوم القيامة مفصلة معينة لا تغادر منها صغيرة ولا ~~كبيرة إلا أحصيت للجزاء عليها . | # وقرأ الجمهور { ونخرج } بنون العظمة وبكسر الراء ، وقرأه يعقوب بياء ~~الغيبة وكسر الراء ، والضمير عائد إلى الله المعلوم من المقام ، وهو التفات ~~. وقرأه أبو جعفر بياء الغيبة في أوله مبنيا للنائب على أن { له } نائب ~~فاعل و { وكتابا } منصوبا على المفعولية وذلك جائز . | # والكتاب : ما فيه ذكر الأعمال وإحصاؤها . والنشر : ضد الطي . | # ومعنى { يلقاه } يجده . استعير فعل يلقى لمعنى يجد تشبيها لوجدان النسبة ~~بلقاء الشخص . والنشر كناية عن سرعة اطلاعه على جميع ما عمله بحيث إن ~~الكتاب يحضر من قبل وصول صاحبه مفتوحا للمطالعة . | # وقرأ ابن عامر ، وأبو جعفر { يلقاه بضم الياء وتشديد ، القاف مبنيا ~~للمجهول على أنه مضاعف لقي تضعيفا للتعدية ، أي يجعله لاقيا كقوله : ولقاهم ~~نضرة وسرورا ( الإنسان : 11 ) . وأسند إلى المفعول بمعنى يجعله لاقيا . ~~كقوله : وما يلقاها إلا ms4720 الذين صبروا ( فصلت : 35 ) وقوله : ويلقون فيها ~~تحية وسلاما ( الفرقان : 75 ) . | # ونشر الكتاب إظهاره ليقرأ ، قال تعالى : وإذا الصحف نشرت ( التكوير : 10 ~~) . | # وجملة اقرأ كتابك } مقول قول محذوف دل عليه السياق . | # والأمر في { اقرأ } مستعمل في التسخير ومكنى به عن الإعذار لهم والاحتجاج ~~عليهم كما دل عليه قوله : { كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا } ، ولذلك كان ~~معرفة تلك الأعمال من ذلك الكتاب حاصلة للقارىء . | PageV15P048 # والقراءة : مستعملة في معرفة ما أثبت للإنسان من الأعمال أو في فهم ~~النقوش المخصوصة إن كانت هنالك نقوش وهي خوارق عادات . | # والباء في قوله : { بنفسك } مزيدة للتأكيد داخلة على فاعل { كفى } كما ~~تقدم في قوله : { وكفى بالله شهيدا } في سورة النساء ( 79 ) . | # وانتصب { حسيبا } على التمييز لنسبة الكفاية إلى النفس ، أي من جهة حسيب ~~. والحسيب : فعيل بمعنى فاعل مثل ضريب القداح بمعنى ضاربها ، وصريم بمعنى ~~صارم ، أي الحاسب والضابط . وكثر ورود التمييز بعد ( كفى بكذا ) . | # وعدي ب ( على ) لتضمينه معنى الشهيد . وما صدق النفس هو الإنسان في قوله ~~: { وكل إنسان ألزمناه طائره } فلذلك جاء { حسيبا } بصيغة التذكير . | # | 2 ( 15 ) { من اهتدى فإنما يهتدى لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر ~~وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } ) 2 # هذه الجملة بيان أو بدل اشتمال من جملة { وكل إنسان ألزمناه طائره في ~~عنقه } مع توابعها . وفيه تبيين اختلاف الطائر بين نافع وضار ، فطائر ~~الهداية نفع لصاحبه وطائر الضلال ضر لصاحبه . ولكون الجملة كذلك فصلت ولم ~~تعطف على التي قبلها . | # وجملة { ولا تزر وازرة وزر أخرى } واقعة موقع التعليل لمضمون جملة { ومن ~~ضل فإنما يضل عليها } لما في هذه من عموم الحكم فإن عمل أحد لا يلحق نفعه ~~ولا ضره بغيره . | # ولما كان مضمون هذه الجملة معنى مهما اعتبر إفادة أنفا للسامع ، فلذلك ~~عطفت الجملة ولم تفصل . وقد روعي فيها إبطال أوهام قوم يظنون PageV15P049 ~~أن أوزارهم يحملها عنهم غيرهم . وقد روي أن الوليد بن المغيرة وهو من أيمة ~~الكفر كان يقول لقريش : اكفروا بمحمد وعلي أوزاركم ms4721 ، أي تبعاتكم ومؤاخذتكم ~~بتكذيبه إن كان فيه تبعة . ولعله قال ذلك لما رأى ترددهم في أمر الإسلام ~~وميلهم إلى النظر في أدلة القرآن خشية الجزاء يوم البعث ، فأراد التمويه ~~عليهم بأنه يتحمل ذنوبهم إن تبين أن محمدا على حق ، وكان ذلك قد يروج على ~~دهمائهم لأنهم اعتادوا بالحملات والكفالات والرهائن ، فبين الله للناس ~~إبطال ذلك إنقاذا لهم من الاغترار به الذي يهوي بهم إلى المهالك مع ما في ~~هذا البيان من تعليم أصل عظيم في الدين وهو { ولا تزر وازرة وزر أخرى } . ~~فكانت هذه الآية أصلا عظيما في الشريعة ، وتفرع عنها أحكام كثيرة . | # ولما روى ابن عمر عن النبيء صلى الله عليه وسلم ( أن الميت ليعذب ببكاء ~~أهله عليه ) قالت عائشة رضي الله عنها : ( يرحم الله أبا عبد الرحمن ، ما ~~قال رسول الله ذلك والله يقول : { ولا تزر وازرة وزر أخرى } . | # ولما مر برسول الله جنازة يهودية يبكي عليها أهلها فقال : ( إنهم ليبكون ~~عليها وإنها لتعذب ) . | # والمعنى أن وزر أحد لا يحمله غيره فإذا كان قد تسبب بوزره في إيقاع غيره ~~في الوزر حمل عليه وزر بوزر غيره لأنه متسبب فيه ، وليس ذلك بحمل وزر الغير ~~عليه ولكنه حمل وزر نفسه عليها وهو وزر التسبب في الأوزار . وقد قال تعالى ~~: { ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ~~ألا ساء ما يزرون ، وكذلك وزر من يسن للناس وزرا لم يكونوا يعملونه من قبل ~~. وفي الصحيح } : ( ما من نفس تقتل ظلما إلا كان على ابن آدم الأولل كفل من ~~دمها ذلك أنه أول من سن القتل ) . | # وسكتت الآية عن أن لا ينتفع أحد بصالح عمل غيره اكتفاء إذ لا داعي إلى ~~بيانه لأنه لا يوقع في غرور ، وتعلم المساواة بطريق لحن الخطاب أو فحواه ، ~~PageV15P050 وقد جاء في القرآن ما يومىء إلى أن المتسبب لأحد في هدي ينال ~~من ثواب المهتدي قال تعالى : { واجعلنا للمتقين إماما ( الفرقان : 74 ) وفي ~~الحديث : إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث ms4722 : صدقة جارية ، وعلم بثه ~~في صدور الرجال ، وولد صالح يدعو له بخير . | # ومن التخليط توهم أن حمل الدية في قتل الخطأ على العاقلة منافف لهذه ~~الآية ، فإن ذلك فرع قاعدة أخرى وهي قاعدة التعاون والمواساة وليست من حمل ~~التبعات . | # وتزر } تحمل الوزر ، وهو الثقل . والوازرة : الحاملة ، وتأنيثها باعتبار ~~أنها نفس لقوله قبله { من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ( فصلت : 46 ) ~~. | # وأطلق عليها وازرة } على معنى الفرض والتقدير ، أي لو قدرت نفس ذات وزر ~~لا تزاد على وزرها وزر غيرها ، فعلم أن النفس التي لا وزر لها لا تزر وزر ~~غيرها بالأولى . | # والوزر : الإثم لتشبيهه بالحمل الثقيل لما يجره من التعب لصاحبه في ~~الآخرة ، كما أطلق عليه الثقل ، قال تعالى : { وليحملن أثقالهم وأثقالا مع ~~أثقالهم ( العنكبوت : 13 ) . | # عطف على آية { من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه } الآية . | # وهذا استقصاء في الإعذار لأهل الضلال زيادة على نفي مؤاخذتهم بأجرام ~~غيرهم ، ولهذا اقتصر على قوله : { وما كنا معذبين } دون أن يقال ولا مثيبين ~~. لأن المقام مقام إعذار وقطع حجة وليس مقام امتنان بالإرشاد . | # والعذاب هنا عذاب الدنيا بقرينة السياق وقرينة عطف { وإذا أردنا أن نهلك ~~قرية أمرنا مترفيها } ( الإسراء : 16 ) الآية . ودلت على ذلك آيات كثيرة ، ~~قال الله PageV15P051 تعالى : { وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون ذكرى ~~وما كنا ظالمين ( الشعراء : 209 ) وقال : فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط ~~وهم لا يظلمون ( يونس : 47 ) . | # على أن معنى ( حتى ) يؤذن بأن بعثة الرسول متصلة بالعذاب شأن الغاية ، ~~وهذا اتصال عرفي بحسب ما تقتضيه البعثة من مدة للتبليغ والاستمرار على ~~تكذيبهم الرسول والإمهال للمكذبين ، ولذلك يظهر أن يكون العذاب هنا عذاب ~~الدنيا وكما يقتضيه الانتقال إلى الآية بعدها . | # على أننا إذا اعتبرنا التوسع في الغاية صح حمل التعذيب على ما يعم عذاب ~~الدنيا والآخرة . | # ووقوع فعل معذبين } في سياق النفي يفيد العموم ، فبعثة الرسل لتفصيل ما ~~يريده الله من الأمة من الأعمال . | # ودلت الآية على أن الله لا يؤاخذ الناس إلا بعد أن يرشدهم رحمة ms4723 منه لهم . ~~وهي دليل بين على انتفاء مؤاخذة أحد ما لم تبلغه دعوة رسول من الله إلى قوم ~~، فهي حجة للأشعري ناهضة على الماتريدي والمعتزلة الذين اتفقوا على إيصال ~~العقل إلى معرفة وجود الله ، وهو ما صرح به صدر الشريعة في التوضيح في ~~المقدمات الأربع . فوجود الله وتوحيده عندهم واجبان بالعقل فلا عذر لمن ~~أشرك بالله وعطل ولا عذر له بعد بعثة رسول . | # وتأويل المعتزلة أن يراد بالرسول العقل تطوح عن استعمال اللغة وإغماض عن ~~كونه مفعولا لفعل { نبعث } إذ لا يقال بعث عقلا بمعنى جعل . وقد تقدم ذلك ~~في تفسير قوله تعالى : { لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل في سورة ~~النساء ( 165 ) . | # | PageV15P052 # | 2 ( 16 ) وإذآ أردنآ أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها ~~القول فدمرناها تدميرا } ) 2 # هذا تفصيل للحكم المتقدم قصد به تهديد قادة المشركين وتحميلهم تبعة ضلال ~~الذين أضلوهم . وهو تفريع لتبيين أسباب حلول التعذيب بعد بعثة الرسول أدمج ~~فيه تهديد المضلين . فكان مقتضى الظاهر أن يعطف بالفاء على قوله : { وما ~~كنا معذبين حتى نبعث رسولا ( الإسراء : 15 ) ولكنه عطف بالواو للتنبيه على ~~أنه خبر مقصود لذاته باعتبار ما يتضمنه من التحذير من الوقوع في مثل الحالة ~~الموصوفة ، ويظهر معنى التفريع من طبيعة الكلام ، فالعطف بالواو هنا تخريج ~~على خلاف مقتضى الظاهر في الفصل والوصل . | # فهذه الآية تهديد للمشركين من أهل مكة وتعليم للمسلمين . | # والمعنى أن بعثة الرسول تتضمن أمرا بشرع وأن سبب إهلاك المرسل إليهم بعد ~~أن يبعث إليهم الرسول هو عدم امتثالهم لما يأمرهم الله به على لسان ذلك ~~الرسول . | # ومعنى إرادة الله إهلاك قرية التعلق التنجيزي لإرادته . وتلك الإرادة ~~تتوجه إلى المراد عند حصول أسبابه وهي المشار إليها بقوله : أمرنا مترفيها ~~} إلى آخره . | # ومتعلق { أمرنا } محذوف ، أي أمرناهم بما نأمرهم به ، أي بعثنا إليهم ~~الرسول وأمرناهم بما نأمرهم على لسان رسولهم فعصوا الرسول وفسقوا في قريتهم ~~. | # واعلم أن تصدير هذه الجملة ب ( إذا ) أوجب استغلاق المعنى في الربط بين ~~جملة ms4724 شرط ( إذا ) وجملة جوابه ، لأن شأن ( إذا ) أن تكون ظرفا للمستقبل ~~وتتضمن معنى الشرط أي الربط بين جملتيها . فاقتضى ظاهر موقع ( إذا ) ~~PageV15P053 أن قوله : { أمرنا مترفيها } هو جواب ( إذا ) فيقتضي أن إرادة ~~الله إهلاكها سابقة على حصول أمر المترفين سبق الشرط لجوابه ، فيقتضي ذلك ~~أن إرادة الله تتعلق بإهلاك القرية ابتداء فيأمر الله مترفي أهل القرية ~~فيفسقوا فيها فيحق عليها القول الذي هو مظهر إرادة الله إهلاكهم ، مع أن ~~مجرى العقل يقتضي أن يكون فسوق أهل القرية وكفرهم هو سبب وقوع إرادة الله ~~إهلاكهم ، وأن الله لا تتعلق إرادته بإهلاك قوم إلا بعد أن يصدر منهم ما ~~توعدهم عليه لا العكس . وليس من شأن الله أن يريد إهلاكهم قبل أن يأتوا بما ~~يسببه ، ولا من الحكمة أن يسوقهم إلى ما يفضي إلى مؤاخذتهم ليحقق سببا ~~لإهلاكهم . | # وقرينة السياق واضحة في هذا ، فبنا أن نجعل الواو عاطفة فعل { أمرنا ~~مترفيها } على { نبعث رسولا } فإن الأفعال يعطف بعضها على بعض سواء اتحدت ~~في اللوازم أم اختلفت ، فيكون أصل نظم الكلام هكذا : وما كنا معذبين حتى ~~نبعث رسولا ونأمر مترفي قرية بما نأمرهم به على لسان الرسول فيفسقوا عن ~~أمرنا فيحق عليهم الوعيد فنهلكهم إذا أردنا إهلاكهم . | # فكان { وإذا أردنا أن نهلك قرية } شريطة لحصول الإهلاك ، أي ذلك بمشيئة ~~الله ولا مكره له ، كم دلت عليه آيات كثيرة كقوله : { أو يكبتهم فينقلبوا ~~خائبين ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم ( آل عمران : 127 128 ~~) وقوله : أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ( الأعراف : 100 ) وقوله : وإذا شئنا ~~بدلنا أمثالهم تبديلا ( الإنسان : 28 ) وقوله : عجلنا له فيها ما نشاء لمن ~~نريد ( الإسراء : 18 ) . فذكر شريطة المشيئة مرتين . | # وإنما عدل عن نظم الكلام بهذا الأسلوب إلى الأسلوب الذي جاءت به الآية ~~لإدماج التعريض بتهديد أهل مكة بأنهم معرضون لمثل هذا مما حل بأهل القرى ~~التي كذبت رسل الله . | # وللمفسرين طرائق كثيرة تزيد على ثمان لتأويل هذه الآية متعسفة أو مدخولة ~~، وهي متفاوتة ، وأقربها قول ms4725 من جعل جملة أمرنا مترفيها } إلخ صفة ل { قرية ~~} وجعل جواب ( إذا ) محذوفا . | PageV15P054 # والمترف : اسم مفعول من أترفه إذا أعطاه الترفة . بضم التاء وسكون الراء ~~أي النعمة . والمترفون هم أهل النعمة وسعة العيش ، وهم معظم أهل الشرك بمكة ~~. وكان معظم المؤمنين يومئذ ضعفاء قال الله تعالى : { وذرني والمكذبين أولي ~~النعمة ومهلهم قليلا ( المزمل : 11 ) . | # وتعليق الأمر بخصوص المترفين مع أن الرسل يخاطبون جميع الناس ، لأن ~~عصيانهم الأمر الموجه إليهم هو سبب فسقهم وفسق بقية قومهم إذ هم قادة ~~العامة وزعماء الكفر فالخطاب في الأكثر يتوجه إليهم ، فإذا فسقوا عن الأمر ~~اتبعهم الدهماء فعم الفسق أو غلب على القرية فاستحقت الهلاك . | # وقرأ الجمهور أمرنا } بهمزة واحدة وتخفيف الميم ، وقرأ يعقوب { آمرنا } ~~بالمد بهمزتين همزة التعدية وهمزة فاء الفعل ، أي جعلناهم آمرين ، أي داعين ~~قومهم إلى الضلالة ، فسكنت الهمزة الثانية فصارت ألفا تخفيفا ، أو الألف ~~ألف المفاعلة ، والمفاعلة مستعملة في المبالغة ، مثل عافاه الله . | # والفسق : الخروج عن المقر وعن الطريق . والمراد به في اصطلاح القرآن ~~الخروج عما أمر الله به ، وتقدم عند قوله تعالى : { وما يضل به إلا ~~الفاسقين في سورة البقرة ( 26 ) . | # والقول } هو ما يبلغه الله إلى الناس من كلام بواسطة الرسل وهو قول ~~الوعيد كما قال : { فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون ( الصافات : 31 ) . | # والتدمير : هدم البناء وإزالة أثره ، وهو مستعار هنا للاستئصال إذ ~~المقصود إهلاك أهلها ولو مع بقاء بنائهم كما في قوله : واسأل القرية ( يوسف ~~: 82 ) . وتقدم التدمير عند قوله تعالى : ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه ~~في سورة الأعراف ( 137 ) . وتأكيد دمرناها بالمصدر مقصود منه الدلالة على ~~عظم التدمير لا نفي احتمال المجاز . | # | PageV15P055 # | 2 ( 17 ) { وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده ~~خبيرا بصيرا } ) 2 # ضرب مثال لإهلاك القرى الذي وصف سببه وكيفيته في الآية السابقة ، فعقب ~~ذلك بتمثيله لأنه أشد في الكشف وأدخل في التحذير المقصود . وفي ذلك تحقيق ~~لكون حلول العذاب بالقرى مقدما بإرسال الرسول إلى أهل القرية ، ثم بتوجيه ms4726 ~~الأوامر إلى المترفين ثم فسقهم عنها وكان زعماء الكفرة من قوم نوح مترفين ~~وهم الذين قالوا : { وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادىء الرأي ( ~~هود : 27 ) وقال لهم نوح عليه السلام ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن ~~يؤتيهم الله خيرا ( هود : 31 ) . | # فكان مقتضى الظاهر عطف هذه الجملة بالفاء لأنها كالفرع على الجملة قبلها ~~ولكنها عطفت بالواو إظهارا لاستقلالها بوقع التحذير من جهة أخرى فكان ذلك ~~تخريجا على خلاف مقتضى الظاهر لهذا الاعتبار المناسب . | # و ( كم ) في الأصل استفهام عن العدد ، وتستعمل خبرية دالة على عدد كثير ~~مبهم النوع ، فلذلك تحتاج إلى تمييز لنوع العدد ، وهي هنا خبرية في محل نصب ~~بالفعل الواقع بعدها لأنها التزم تقديمها على الفعل نظرا لكون أصلها ~~الاستفهام وله صدر الكلام . و من القرون } تمييز للإبهام الذي اقتضته ( كم ~~) . | # والقرون جمع قرن ، وهو في الأصل المدة الطويلة من الزمن فقد يقدر بمائة ~~سنة وبأربعين سنة ، ويطلق على الناس الذين يكونون في تلك المدة كما هنا . ~~وفي الحديث ( خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ) ، أراد أهل قرني ، أي أهل ~~القرن الذي أنا فيه . وقال الله تعالى : { وعادا وثمودا وأصحاب الرس وقرونا ~~بين ذلك كثيرا ( الفرقان : 38 ) . | PageV15P056 # وتخصيص من بعد نوح } إيجاز ، كأنه قيل من قوم نوح فمن بعدهم ، وقد جعل ~~زمن نوح مبدأ لقصص الأمم لأنه أول رسول ، واعتبر القصص من بعده لأن زمن نوح ~~صار كالمنقطع بسبب تجديد عمران الأرض بعد الطوفان ، ولأن العذاب الذي حل ~~بقومه عذاب مهول وهو الغرق الذي أحاط بالعالم . | # ووجه ذكره تذكير المشركين به وأن عذاب الله لا حد له ، والتنبيه على أن ~~الضلالة تحول دون الاعتبار بالعواقب ودون الاتعاظ بما يحل بمن سبق وناهيك ~~بما حل بقوم نوح من العذاب المهول . | # وجملة { وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا } إقبال على خطاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم بالخصوص ، لأن كل ما سبق من الوعيد والتهديد إنما مآله إلى ~~حمل الناس على تصديق محمد صلى الله عليه وسلم فيما جاء ms4727 به من القرآن بعد أن ~~لجوا في الكفر وتفننوا في التكذيب ، فلا جرم ختم ذلك بتطمين النبي بأن الله ~~مطلع على ذنوب القوم . وهو تعريض بأنه مجازيهم بذنوبهم بما يناسب فظاعتها ، ~~ولذلك جاء بفعل { كفى } وبوصفي { خبيرا بصيرا } المكنى بذكرهما عن عدم ~~إفلات شيء من ذنوبهم المرئية والمعلومة من ضمائرهم أعني أعمالهم ونواياهم . ~~| # وقدم ما هو متعلق بالضمائر والنوايا لأن العقائد أصل الأعمال في الفساد ~~والصلاح . وفي الحديث : ( ألا وإن في الجسد مضعة إذا صلحت صلح الجسد كله ~~وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ) . | # وفي ذكر فعل ( كفى ) إيماء إلى أن النبي غير محتاج إلى من ينتصر له غير ~~ربه فهو كافيه وحسبه ، قال : { فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم ( البقرة ~~: 137 ) ؛ أو إلى أنه في غنية عن الهم في شأنهم كقوله لنوح : فلا تسألنن ما ~~ليس لك به علم ( هود : 46 ) فهذا إما تسلية له عن أذاهم وإما صرف له عن ~~التوجع لهم . | # وفي خطاب النبي بذلك تعريض بالوعيد لسامعيه من الكفار . | # | PageV15P057 # | 2 ( 18 ، 19 ) { من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشآء لمن نريد ~~ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا * ومن أراد الاخرة وسعى لها سعيها ~~وهو مؤمن فأولائك كان سعيهم مشكورا } ) 2 # هذا بيان لجملة { من اهتدى فإنما يهتدي ( الإسراء : 15 ) وهو راجع أيضا ~~إلى جملة وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ( الإسراء : 13 ) تدريجا في ~~التبيان للناس بأن أعمالهم من كسبهم واختيارهم ، فابتدئوا بأن الله قد ~~ألزمهم تبعة أعمالهم بقوله : وكل إنسان ألزمناه طائره ثم وكل أمرهم إليهم ، ~~وأن المسيء لا يضر بإساءته غيره ولا يحملها عنه غيره فقال : من اهتدى فإنما ~~يهتدي لنفسه الآية ( الإسراء : 15 ) . ثم أعذر إليهم بأنه لا يأخذهم على ~~غرة ولا يأخذهم إلا بسوء أعمالهم بقوله : وما كنا معذبين إلى قوله : خبيرا ~~بصيرا ( الإسراء : 15 17 ) . ثم كشف لهم مقاصدهم من أعمالهم ، وأنهم قسمان ~~: | # قسم لم يرد إلا الدنيا فكانت أعماله لمرضاة شهواته معتقدا أن الدنيا هي ~~قصارى ms4728 مراتع النفوس لا حظ لها إلا ما حصل لها في مدة الحياة لأنه لا يؤمن ~~بالبعث فيقصر عمله على ذلك . | # وقسم علم أن الفوز الحق هو فيما بعد هذه الحياة فعمل للآخرة مقتفيا ما ~~هداه الله إليه من الأعمال بواسطة رسله وأن الله عامل كل فريق بمقدار همته ~~. | # فمعنى كان يريد العاجلة } أنه لا يريد إلا العاجلة ، أي دون الدنيا ~~بقرينة مقابلته بقوله : { ومن أراد الآخرة } لأن هذه المقابلة تقوم مقام ~~الحصر الإضافي إذ ليس الحصر الإضافي سوى جملتين إثبات لشيء ونفي لخلافه . ~~والإتيان بفعل الكون هنا مؤذن بأن ذلك ديدنه وقصارى همه ، ولذلك جعل ~~PageV15P058 خبر ( كان ) فعلا مضارعا لدلالته على الاستمرار زيادة تحقيق ~~لتمحض إرادته في ذلك . | # و { العاجلة } صفة موصوف محذوف يعلم من السياق ، أي الحياة العاجلة ، ~~كقوله : { من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها ( هود ~~: 15 ) . | # والمراد من التعجيل التعجيل العرفي وهو المبادرة المتعارفة ، أي أن يعطى ~~ذلك في الدنيا قبل الآخرة ، فذلك تعجيل بالنسبة إلى الحياة الدنيا ، وقرينة ~~ذلك قوله : فيها } . وإنما زاد قيدي { ما نشاء لمن نريد } لأن ما يعطاه من ~~أرادوا العاجلة يعطاه بعضهم بالمقادير التي شاء الله إعطاءها . | # والمشيئة : الطواعية وانتفاء الإكراه . | # وقوله : { لمن نريد } بدل من قوله : { له } بدل بعض من كل بإعادة العامل ~~، فضمير { له } عائد إلى { من } باعتبار لفظه ، وهو عام لكل مريد العاجلة ~~فأبدل منه بعضه ، أي عجلنا لمن نريد منكم ، ومفعول الإرادة محذوف دل عليه ~~ما سبقه ، أي لمن نريد التعجيل له ، وهو نظير مفعول المشيئة الذي كثر حذفه ~~لدلالة كلام سابق . وفيه خصوصية البيان بعد الإبهام . ولو كان المقصود غير ~~ذلك لوجب في صناعة الكلام التصريح به . | # والإرادة : مرادف المشيئة ، فالتعبير بها بعد قوله : { ما نشاء } تفنن . ~~وإعادة حرف الجر العامل في المبدل منه لتأكيد معنى التبعية وللاستغناء عن ~~الربط بضمير المبدل منهم بأن يقال : من نريد منهم . | # والمعنى : أن هذا الفريق الذي يريد الحياة الدنيا فقط قد نعطي بعضهم بعض ~~ما يريد على ms4729 حسب مشيئتنا وإرادتنا لأسباب مختلفة . ولا يخلو أحد في الدنيا ~~من أن يكون قد عجل له بعض ما يرغبه من لذات الدنيا . | PageV15P059 # وعطف جملة { جعلنا له جهنم } بحرف ( ثم ) لإفادة التراخي الرتبي . و { له ~~} ظرف مستقر هو المفعول الثاني ل { جعلنا } ، قدم على المفعول الأول ~~للاهتمام . | # وجملة { يصالها مذموما مدحورا } بيان أو بدل اشتمال لجملة { جعلنا له ~~جهنم } و { مذموما مدحورا } حالان من ضمير الرفع في { يصلاها } يقال : صلى ~~النار إذا أصابه حرقها . | # والذم الوصف بالمعائب التي في الموصوف . | # والمدحور : المطرود . يقال : دحره ، والمصدر : الدحور ، وتقدم عند قوله ~~تعالى : { قال اخرج منها مذءوما مدحورا في سورة الأعراف ( 18 ) . | # والاختلاف بين جملة من كان يريد العاجلة } وجملة { ومن أراد الآخرة } ~~بجعل الفعل مضارعا في الأولى وماضيا في الثانية للإيماء إلى أن إرادة الناس ~~العاجلة متكررة متجددة . وفيه تنبيه على أن أمور العاجلة متقضية زائلة ، ~~وجعل فعل إرادة الآخرة ، ماضيا لدلالة المضي على الرسوخ تنبيها على أن خير ~~الآخرة أولى بالإرادة ، ولذلك جردت الجملة من ( كان ) ومن المضارع ، وما ~~شرط في ذلك إلا أن يسعى للآخرة سعيها وأن يكون مؤمنا . | # وحقيقة السعي المشي دون العدو ، فسعي الآخرة هو الأعمال الصالحة لأنها ~~سبب الحصول على نعيم الآخرة ، فالعامل للصالحات كأنه يسير سيرا سريعا إلى ~~الآخرة ليصل إلى مرغوبه منها . وإضافته إلى ضمير الآخرة من إضافة المصدر ~~إلى مفعوله في المعنى ، أي السعي لها ، وهو مفعول مطلق لبيان النوع . | # وفي الآية تنبيه على أن إرادة خير الآخرة من غير سعي غرور وأن إرادة كل ~~شيء لا بد لنجاحها من السعي في أسباب حصوله . قال عبد الله بن المبارك : | # ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها | # إن السفينة لا تجري على اليبس | PageV15P060 # وجملة { وهو مؤمن } حال من ضمير { وسعى } . وجيء بجملة { وهو مؤمن } ~~اسمية لدلالتها على الثبات والدوام ، أي وقد كان راسخ الإيمان ، وهو في ~~معنى قوله : { ثم كان من الذين آمنوا ( البلد : 17 ) لما في ( كان ) من ~~الدلالة على كون الإيمان ملكة له . | # والإتيان باسم الإشارة ms4730 في فأولائك كان سعيهم مشكورا } للتنبيه على أن ~~المشار إليهم جديرون بما سيخبر به عنهم لأجل ما وصفوا به قبل ذكر اسم ~~الإشارة . | # والسعي المشكور هو المشكور ساعيه ، فوصفه به مجاز عقلي ، إذ المشكور ~~المرضي عنه ، وإذ المقصود الإخبار عن جزاء عمل من أراد الآخرة وسعى لها ~~سعيها لا عن حسن عمله لأنه قسيم لجزاء من أراد العاجلة وأعرض عن الآخرة ، ~~ولكن جعل الوصف للعمل لأنه أبلغ في الإخبار عن عامله بأنه مرضي عنه لأنه في ~~معنى الكناية الراجعة إلى إثبات الشيء بواسطة إثبات ملزومه . | # والتعبير ب { كان } في { كان سعيهم مشكورا } للدلالة على أن الوصف تحقق ~~فيه من قبل ، أي من الدنيا لأن الطاعة تقتضي ترتب الشكر عاجلا والثواب آجلا ~~. وقد جمع كونه مشكورا خيرات كثيرة يطول تفصيلها لو أريد تفصيله . | # | 2 ( 20 ) { كلا نمد هاؤلا ء وهاؤلا ء من عطآء ربك وما كان عطآء ربك ~~محظورا } ) 2 # | $ # تذييل لآية { من كان يريد العاجلة إلى آخرها ( الإسراء : 18 ) . | # وهذه الآية فذلكة للتنبيه على أن الله تعالى لم يترك خلقه من أثر رحمته ~~حتى الكفرة منهم الذين لا يؤمنون بلقائه فقد أعطاهم من نعمة الدنيا على ~~PageV15P061 حسب ما قدر لهم وأعطى المؤمنين خيري الدنيا والآخرة . وذلك ~~مصداق قوله : ورحمتي وسعت كل شيء ( الأعراف : 156 ) وقوله فيما رواه عنه ~~نبيه إن رحمتي سبقت غضبي . | # وتنوين كلا } تنوين عوض عن المضاف إليه ، أي كل الفريقين ، وهو منصوب على ~~المفعولية لفعل { نمد } . | # وقوله : { هؤلاء وهؤلاء } بدل من قوله : { كلا } بدل مفصل من مجمل . | # ومجموع المعطوف والمعطوف عليه هو البدل كقول النبي صلى الله عليه وسلم ( ~~اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ) . والمقصود من الإبدال التعجيب من ~~سعة رحمة الله تعالى . | # والإشارة ب { هؤلاء } في الموضعين إلى من كان يريد العاجلة ومن أراد ~~الآخرة . والأصل أن يكون المذكور أول عائدا إلى الأول إلا إذا اتصل بأحد ~~الاسمين ما يعين معاده . وقد اجتمع الأمران في قول المتلمس : | # ولا يقيم على ضيم يراد به | # إلا ms4731 الأذلان عير الحي والوتد | # هذا على الخسف مربوط برمته | # وذا يشج فلا يرثي له أحد | # والإمداد : استرسال العطاء وتعاقبه . وجعل الجديد منه مددا للسالف بحيث ~~لا ينقطع . | # وجملة { وما كان عطاء ربك محظورا } اعتراض أو تذييل ، وعطاء ربك جنس ~~العطاء ، والمحظور : الممنوع ، أي ما كان ممنوعا بالمرة بل لكل مخلوق نصيب ~~منه . | # | PageV15P062 # | 2 ( 21 ) { انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللاخرة أكبر درجات وأكبر ~~تفضيلا } ) 2 # لما كان العطاء المبذول للفريقين هو عطاء الدنيا وكان الناس مفضلين فيه ~~على وجه يدركون حكمته لفت الله لذلك نظر نبيه عليه الصلاة والسلام لفت ~~اعتبار وتدبر ، ثم ذكره بأن عطاء الآخرة أعظم عطاء ، وقد فضل الله به ~~المؤمنين . | # والأمر بالنظر موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ترفيعا في درجات علمه ~~ويحصل به توجيه العبرة إلى غيره . | # والنظر حقيقته توجه آلة الحس البصري إلى المبصر . وقد شاع في كلام العرب ~~استعماله في النظر المصحوب بالتدبر وتكرير مشاهدة أشياء في غرض ما ، فيقوم ~~مقام الظن ويستعمل استعماله بهذا الاعتبار ، ولذلك شاع إطلاق النظر في علم ~~الكلام على الفكر المؤدي إلى علم أو ظن ، وهو هنا كذلك . وفد تقدم نظيره في ~~قوله تعالى : { انظر كيف يفترون على الله الكذب في ( النساء : 50 ) . | # و ( كيف ) اسم استفهام مستعمل في التنبيه ، وهو معلق فعل ( انظر ) عن ~~العمل في المفعولين . والمراد التفضيل في عطاء الدنيا ، لأنه الذي يدركه ~~التأمل والنظر وبقرينة مقابلته بقوله : وللآخرة أكبر درجات } . | # والمقصود من هذا التنظير التنبيه إلى أن عطاء الدنيا غير منوط بصلاح ~~الأعمال ؛ ألا ترى إلى ما فيه من تفاضل بين أهل العمل المتحد ، وقد يفضل ~~المسلم فيه الكافر ، ويفضل الكافر المسلم ، ويفضل بعض المسلمين بعضا ، وبعض ~~الكفرة بعضا ، وكفاك بذلك هاديا إلى أن مناط عطاء الدنيا أسباب ليست من ~~وادي العمل الصالح ولا مما يساق إلى النفوس الخيرة . | PageV15P063 # ونصب { درجات } و { تفضيلا } على التمييز لنسبة { أكبر } في الموضعين ، ~~والمفضل عليه هو عطاء الدنيا . | # والدرجات مستعارة لعظمة الشرف ، والتفضيل : إعطاء الفضل ، وهو ms4732 الجدة ~~والنعمة ، وفي الحديث : ( ويتصدقون بفضول أموالهم ) . والمعنى : النعمة في ~~الآخرة أعظم من نعم الدنيا . | # | 2 ( 22 ) { لا تجعل مع الله إلاها ءاخر فتقعد مذموما مخذولا } ) 2 # تذييل هو فذلكة لاختلاف أحوال المسلمين والمشركين ، فإن خلاصة أسباب ~~الفوز ترك الشرك لأن ذلك هو مبدأ الإقبال على العمل الصالح فهو أول خطوات ~~السعي لمريد الآخرة ، لأن الشرك قاعدة اختلال التفكير وتضليل العقول ، قال ~~الله تعالى في ذكر آلهة المشركين { وما زادوهم غير تتبيب ( هود : 101 ) . | # والخطاب للنبيء تبع لخطاب قوله : انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض ( الإسراء ~~: 21 ) . والمقصود إسماع الخطاب غيره بقرينة تحقق أن النبي قائم بنبذ الشرك ~~ومنح على الذين يعبدون مع الله إلها آخر . | # وتقعد } مستعار لمعنى المكث والدوام . أريد بهذه الاستعارة تجريد معنى ~~النهي إلى أنه نهي تعريض بالمشركين لأنهم متلبسون بالذم والخذلان . فإن لم ~~يقلعوا عن الشرك داموا في الذم والخذلان . | # والمذموم : المذكور بالسوء والعيب . | # والمخذول : الذي أسلمه ناصره . | # فأما ذمه فمن ذوي العقول ، إذ أعظم سخرية أن يتخذ المرء حجرا أو عودا ربا ~~له ويعبده ، كما قال إبراهيم عليه السلام { أتعبدون ما تنحتون : ( الصافات ~~: 95 ) ، وذمه من الله على لسان الشرائع . | PageV15P064 # وأما خذلانه فلأنه اتخذ لنفسه وليا لا يغني عنه شيئا إن تدعوهم لا يسمعوا ~~دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ( فاطر ؛ 14 ) ، وقال إبراهيم عليه ~~السلام يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا ( مريم : 42 ~~) ، وخذلانه من الله لأنه لا يتولى من لا يتولاه قال : ذلك بأن الله مولى ~~الذين آمنوا وأن لكافرين لا مولى لهم ( محمد : 11 ) وقال وما دعاء الكافرين ~~إلا في ضلال ( غافر : 50 ) . | # | 2 ( 23 ، 24 ) { وقضى ربك ألا تعبدو ا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما ~~يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهمآ أف ولا تنهرهما وقل لهما ~~قولا كريما * واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربيانى ~~صغيرا } ) 2 # | $ # عطف على الكلام السابق عطف غرض على غرض تخلصا ms4733 إلى أعمدة من شريعة الإسلام ~~بمناسبة الفذلكة المتقدمة تنبيها على أن إصلاح الأعمال متفرع على نبذ الشرك ~~كما قال تعالى : { فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة أو ~~مسكينا ذا متربة ثم كان من الذين آمنوا ( البلد : 13 17 ) . | # وقد ابتدىء تشريع للمسلمين أحكاما عظيمة لإصلاح جامعتهم وبناء أركانها ~~ليزدادوا يقينا بارتفاعهم على أهل الشرك وبانحطاط هؤلاء عنهم ، وفي جميعها ~~تعريض بالمشركين الذين كانوا منغمسين في المنهيات . وهذه الآيات أول تفصيل ~~للشريعة للمسلمين وقع بمكة ، وأن ما ذكر في هذه الآيات مقصود به تعليم ~~المسلمين . ولذلك اختلف أسلوبه عن أسلوب نظيره في سورة الأنعام الذي وجه ~~فيه الخطاب إلى المشركين لتوقيفهم على قواعد ضلالتهم . | # فمن الاختلاف بين الأسلوبين أن هذه الآية افتتحت بفعل القضاء المقتضي ~~الإلزام ، وهو مناسب لخطاب أمة تمتثل أمر ربها ، وافتتح خطاب سورة الأنعام ~~( 151 ) ب تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم } كما تقدم هنالك . | # ومنها أن هذه الآية جعلت المقضي هو توحيد الله بالعبادة ، لأنه المناسب ~~لحال المسلمين فحذرهم من عبادة غير الله . وآية الأنعام جعلت المحرم فيها ~~PageV15P065 هو الإشراك بالله في الإلهية المناسب لما كانوا عليه من الشرك ~~إذ لا عبادة لهم . | # وأن هذه الآية فصل فيها حكم البر بالوالدين وحكم القتل وحكم الإنفاق ولم ~~يفصل ما في آية الأنعام . | # وكان ما ذكر في هذه الآيات خمسة عشر تشريعا هي أصول التشريع الراجع إلى ~~نظام المجتمع . | # وأحسب أن هذه الآيات اشتهرت بين الناس في مكة وتناقلها العرب في الآفاق ، ~~فلذلك ألم الأعشى ببعضها في قصيدته المروية التي أعدها لمدح النبي صلى الله ~~عليه وسلم حين جاء يريد الإيمان فصدته قريش عن ذلك ، وهي القصيدة الدالية ~~التي يقول فيها : | # أجدك لم تسمع وصاة محمد | # نبيء الإله حين أوصى وأشهدا | # فإياك والميتاتت لا تأكلنها | # ولا تأخذن سهما حديدا لتفصدا | # وذا النصب المنصوب لا تنسكنه | # ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا | # وذا الرحم القربى فلا تقطعنه | # لفاقته ولا الأسير المقيدا | # ولا تسخرن من بائس ذي ms4734 ضرارة | # ولا تحسبن المال للمرء مخلدا | # ولا تقربن جارة إن سرها | # عليك حرام فانكحن أو تأبدا | # وافتتحت هذه الأحكام والوصايا بفعل القضاء اهتماما به وأنه مما أمر الله ~~به أمرا جازما وحكما لازما ، وليس هو بمعنى التقدير كقوله : { وقضينا إلى ~~بني إسرائيل في الكتاب ( الإسراء : 4 ) لظهور أن المذكورات هنا مما يقع ولا ~~يقع . | # و ( أن ) يجوز أن تكون تفسيرية لما في ( قضى ) من معنى القول . ويجوز أن ~~تكون مصدرية مجرورة بباء جر مقدرة ، أي قضى بأن لا تعبدوا . وابتدىء هذا ~~PageV15P066 التشريع بذكر أصل التشريعة كلها وهو توحيد الله ، فذلك تمهيد ~~لما سيذكر بعده من الأحكام . | # وجيء بخطاب الجماعة في قوله : ألا تعبدوا إلا إياه } لأن النهي يتعلق ~~بجميع الناس وهو تعريض بالمشركين . | # والخطاب في قوله : { ربك } للنبيء صلى الله عليه وسلم كالذي في قوله قبل ~~: { من عطاء ربك ( الإسراء : 20 ) ، والقرينة ظاهرة . ويجوز أن يكون لغير ~~معين فيعم الأمة والمآل واحد . | # وابتدىء التشريع بالنهي عن عبادة غير الله لأن ذلك هو أصل الإصلاح ، لأن ~~إصلاح التفكير مقدم على إصلاح العمل ، إذ لا يشاق العقل إلى طلب الصالحات ~~إلا إذا كان صالحا . وفي الحديث : ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح ~~الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب . وقد فصلت ذلك في كتابي ~~المسمى أصول النظام الاجتماعي في الإسلام } . | # هذا أصل ثانن من أصول الشريعة وهو بر الوالدين . | # وانتصب { إحسانا } على المفعولية المطلقة مصدر نائبا عن فعله . والتقدير ~~: وأحسنوا إحسانا بالوالدين كما يقتضيه العطف على { ألا تعبدوا إلا إياه } ~~أي وقضى إحسانا بالوالدين . | PageV15P067 # { وبالوالدين } متعلق بقوله ؛ { إحسانا } ، والباء فيه للتعدية يقال : ~~أحسن بفلان كما يقال أحسن إليه ، وقد تقدم قوله تعالى : { وقد أحسن بي في ~~سورة يوسف ( 100 ) . وتقديمه على متعلقه للاهتمام به ، والتعريف في ~~الوالدين للاستغراق باعتبار والدي كل مكلف ممن شملهم الجمع في ألا تعبدوا } ~~. | # وعطف الأمر بالإحسان إلى الوالدين على ما هو في معنى الأمر بعبادة الله ~~لأن الله هو الخالق فاستحق العبادة ms4735 لأنه أوجد الناس . ولما جعل الله ~~الأبوين مظهر إيجاد الناس أمر بالإحسان إليهما ، فالخالق مستحق العبادة ~~لغناه عن الإحسان ، ولأنها أعظم الشكر على أعظم منة ، ، وسبب الوجود دون ~~ذلك فهو يستحق الإحسان لا العبادة لأنه محتاج إلى الإحسان دون العبادة ، ~~ولأنه ليس بموجد حقيقي ، ولأن الله جبل الوالدين على الشفقة على ولدهما ، ~~فأمر الولد بمجازاة ذلك بالإحسان إلى أبويه كما سيأتي { وقل رب أرحمهما كما ~~ربياني صغيرا } . | # وشمل الإحسان كل ما يصدق فيه هذا الجنس من الأقوال والأفعال والبذل ~~والمواساة . | # وجملة { إما يبلغن } بيان لجملة { إحسانا } ، و { إما } مركبة من ( إن ) ~~الشرطية و ( ما ) الزائدة المهيئة لنون التوكيد ، وحقها أن تكتب بنون بعد ~~الهمزة وبعدها ( ما ) ولكنهم راعوا حالة النطق بها مدغمة فرسموها كذلك في ~~المصاحف وتبعها رسم الناس غالبا ، أي إن يبلغ أحد الوالدين أو كلاهما حد ~~الكبر وهما عندك ، أي في كفالتك فوطىء لهما خلقك ولين جانبك . | # والخطاب لغير معين فيعم كل مخاطب بقرينة العطف على { ألا تعبدوا إلا إياه ~~} وليس خطابا للنبيء صلى الله عليه وسلم إذ لم يكن له أبوان يومئذ . وإيثار ~~ضمير المفرد هنا دون ضمير الجمع لأنه خطاب يختص بمن له أبوان من بين ~~الجماعة المخاطبين بقوله : { ألا تعبدوا إلا إياه } فكان الإفراد أنسب به ~~وإن كان الإفراد والجمع سواء في المقصود لأن خطاب غير المعين يساوي خطاب ~~الجمع . | PageV15P068 # وخص هذه الحالة بالبيان لأنها مظنة انتفاء الإحسان بما يلقى الولد من ~~أبيه وأمه من مشقة القيام بشؤونهما ومن سوء الخلق منهما . | # ووجه تعدد فاعل { يبلغن } مظهرا دون جعله بضمير التثنية بأن يقال إما ~~يبلغان عندك الكبر ، الاهتمام بتخصيص كل حالة من أحوال الوالدين بالذكر ، ~~ولم يستغن بإحدى الحالتين عن الأخرى لأن لكل حالة بواعث على التفريط في ~~واجب الإحسان إليهما ، فقد تكون حالة اجتماعهما عند الابن تستوجب الاحتمال ~~منهما لأجل مراعاة أحدهما الذي الابن أشد حبا له دون ما لو كان أحدهما ~~منفردا عنده بدون الآخر الذي ميله إليه أشد ، فالاحتياج إلى ذكر أحدهما ms4736 في ~~هذه الصورة للتنبيه على وجوب المحافظة على الإحسان له . وقد تكون حالة ~~انفراد أحد الأبوين عند الابن أخف كلفة عليه من حالة اجتماعهما ، فالاحتياج ~~إلى { أو كلاهما } في هذه الصورة للتحذير من اعتذار الابن لنفسه عن التقصير ~~بأن حالة اجتماع الأبوين أحرج عليه ، فلأجل ذلك ذكرت الحالتان وأجري الحكم ~~عليهما على السواء ، فكانت جملة { فلا تقل لهما أف } بتمامها جوابا ل ( إما ~~) . | # وأكد فعل الشرط بنون التوكيد لتحقيق الربط بين مضمون الجواب ومضمون الشرط ~~في الوجود . وقرأ الجمهور { إما يبلغن } على أن { أحدهما } فاعل { يبلغن } ~~فلا تلحق الفعل علامة لأن فاعله اسم ظاهر . | # وقرأ حمزة والكسائي وخلف { يبلغان } بألف التثنية ونون مشددة والضمير ~~فاعل عائد إلى الوالدين في قوله : { وبالوالدين إحسانا } ، فيكون { أحدهما ~~أو كلاهما } بدلا من ألف المثنى تنبيها على أنه ليس الحكم لاجتماعهما فقط ~~بل هو للحالتين على التوزيع . | # والخطاب ب { عندك } لكل من يصلح لسماع الكلام فيعم كل مخاطب بقرينة سبق ~~قوله : { ألا تعبدوا إلا إياه } ، وقوله اللاحق { ربكم أعلم بما في نفوسكم ~~( الإسراء : 25 ) . | PageV15P069 # أف } اسم فعل مضارع معناه أتضخر . وفيه لغات كثيرة أشهرها كلها ضم الهمزة ~~وتشديد الفاء ، والخلاف في حركة الفاء ، فقرأ نافع ، وأبو جعفر ، وحفص عن ~~عاصم بكسر الفاء منونة . وقرأ ابن كثير ، وابن عامر ، ويعقوب بفتح الفاء ~~غير منونة . وقرأ الباقون بكسر الفاء غير منونة . | # وليس المقصود من النهي عن أن يقول لهما { أف } خاصة ، وإنما المقصود ~~النهي عن الأذى الذي أقله الأذى باللسان بأوجز كلمة ، وبأنها غير دالة على ~~أكثر من حصول الضجر لقائلها دون شتم أو ذم ، فيفهم منه النهي مما هو أشد ~~أذى بطريق فحوى الخطاب بالأولى . | # ثم عطف عليه النهي عن نهرهما لئلا يحسب أن ذلك تأديب لصلاحهما وليس ~~بالأذى . والنهر الزجر ، يقال : نهره وانتهره . | # ثم أمر بإكرام القول لهما . والكريم من كل شيء : الرفيع في نوعه . وتقدم ~~عند قوله تعالى : { ومغفرة ورزق كريم في سورة الأنفال ( 4 ) . | # وبهذا الأمر انقطع العذر بحيث إذا رأى الولد أن ms4737 ينصح لأحد أبويه أو أن ~~يحذر مما قد يضر به أدى إليه ذلك بقول لين حسن الوقع . | # ثم ارتقى في الوصاية بالوالدين إلى أمر الولد بالتواضع لهما تواضعا يبلغ ~~حد الذل لهما لإزالة و حشة نفوسهما إن صارا في حاجة إلى معونة الولد ، لأن ~~الأبوين يبغيان أن يكونا هما النافعين لولدهما . والقصد من ذلك التخلق ~~بشكره على أنعامهما السابقة عليه . | # وصيغ التعبير عن التواضع بتصويره في هيئة تذلل الطائر عندما يعتريه خوف ~~من طائر أشد منه إذ يخفض جناحه متذللا . ففي التركيب استعارة مكنية والجناح ~~تخييل بمنزلة تخييل الأظفار للمنية في قول أبي ذؤيب : | # وإذا المنية أنشبت أظفارها | # ألفيت كل تميمة لا تنفع | # وبمنزلة تخييل اليد للشمال بفتح الشين والزمام للقرة في قول لبيد : | # وغداة ريح قد كشفت وقرة | # إذ أصبحت بيد الشمال زمامها | PageV15P070 # ومجموع هذه الاستعارة تمثيل . وقد تقدم في قوله : واخفض جناحك للمؤمنين } ~~في سورة الحجر ( 88 ) . | # والتعريف في { الرحمة } عوض عن المضاف إليه ، أي من رحمتك إياهما . و ( ~~من ) ابتدائية ، أي الذل الناشىء عن الرحمة لا عن الخوف أو عن المداهنة . ~~والمقصود اعتياد النفس على التخلق بالرحمة باستحضار وجوب معاملته إياهما ~~بها حتى يصير له خلقا ، كما قيل : | # إن التخلق يأتي دونه الخلق | # وهذه أحكام عامة في الوالدين وإن كانا مشركين ، ولا يطاعان في معصية ولا ~~كفر كما في آية سورة العنكبوت . | # ومقتضى الآية التسوية بين الوالدين في البر وإرضاؤهما معا في ذلك ، لأن ~~موردها لفعل يصدر من الولد نحو والديه وذلك قابل للتسوية . ولم تتعرض لما ~~عدا ذلك مما يختلف فيه الأبوان ويتشاحان في طلب فعل الولد إذا لم يمكن ~~الجمع بين رغبتيهما بأن يأمره أحد الأبوين بضد ما يأمره به الآخر . ويظهر ~~أن ذلك يجري على أحوال تعارض الأدلة بأن يسعى إلى العمل بطلبيهما إن استطاع ~~. | # وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة : أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم ~~من أحق الناس بحسن صحابتي ؟ قال : أمك . قال : ثم من ؟ قال : ثم أمك . قال ~~: ثم ms4738 من ؟ قال : ثم أمك . قال : ثم من ؟ قال : ثم أبوك ) . | # وهو ظاهر في ترجيح جانب الأم لأن سؤال السائل دل على أنه يسأل عن حسن ~~معاملته لأبويه . | # وللعلماء أقوال : | # أحدها : ترجيح الأم على الأب وإلى هذا ذهب الليث بن سعد ، والمحاسبي ، ~~وأبو حنيفة . وهو ظاهر قول مالك ، فقد حكى القرافي في الفرق 23 عن ~~PageV15P071 مختصر الجامع أن رجلا سأل مالكا فقال : إن أبي في بلد السودان ~~وقد كتب إلي أن أقدم عليه وأمي تمنعني من ذلك ؟ فقال مالك : أطع أباك ولا ~~تعص أمك . وذكر القرافي في المسألة السابعة من ذلك الفرق أن مالكا أراد منع ~~الابن من الخروج إلى السودان بغير إذن الأم . | # الثاني : قول الشافعية أن الأبوين سواء في البر . وهذا القول يقتضي وجوب ~~طلب الترجيح إذا أمرا ابنهما بأمرين متضادين . | # وحكى القرطبي عن المحاسبي في كتاب ( الرعاية ) أنه قال : لا خلاف بين ~~العلماء في أن للأم ثلاثة أرباع البر وللأب الربع . وحكى القرطبي عن الليث ~~أن للأم ثلثي البر وللأب الثلث ، بناء على اختلاف رواية الحديث المذكور أنه ~~قال : ثم أبوك بعد المرة الثانية أو بعد المرة الثالثة . | # والوجه أن تحديد ذلك بالمقدار حوالة على ما لا ينضبط وأن محمل الحديث مع ~~اختلاف روايتيه على أن الأم أرجح على الإجمال . | # ثم أمر بالدعاء لهما برحمة الله إياهما وهي الرحمة التي لا يستطيع الولد ~~إيصالها إلى أبويه إلا بالابتهال إلى الله تعالى . | # وهذا قد انتقل إليه انتقالا بديعا من قوله : { واخفض لهما جناح الذل من ~~الرحمة } فكان ذكر رحمة العبد مناسبة للانتقال إلى رحمة الله ، وتنبيها على ~~أن التخلق بمحبة الولد الخير لأبويه يدفعه إلى معاملته إياهما به فيما ~~يعلمانه وفيما يخفى عنهما حتى فيما يصل إليهما بعد مماتهما . وفي الحديث ( ~~إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية ، وعلم بثه في صدور ~~الرجال ، وولد صالح يدعو له بخير ) . | # وفي الآية إيماء إلى أن الدعاء لهما مستجاب لأن الله أذن فيه . والحديث ~~المذكور مؤيد ذلك إذ ms4739 جعل دعاء الولد عملا لأبويه . | # وحكم هذا الدعاء خاص بالأبوين المؤمنين بأدلة أخرى دلت على التخصيص كقوله ~~: { ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ( التوبة : 113 ) ~~الآية . | PageV15P072 # والكاف في قوله : كما ربياني صغيرا } للتشبيه المجازي يعبر عنه النحاة ~~بمعنى التعليل في الكاف ، ومثاله قوله تعالى : { واذكروه كما هداكم ( ~~البقرة : 198 ) ، أي ارحمهما رحمة تكافىء ما ربياني صغيرا . | # وصغيرا } حال من ياء المتكلم . | # والمقصود منه تمثيل حالة خاصة فيها الإشارة إلى تربية مكيفة برحمة كاملة ~~فإن الأبوة تقتضي رحمة الولد ، وصغرالولد يقتضي الرحمة به ولو لم يكن ولدا ~~فصار قوله : { كما ربياني صغيرا } قائما مقام قوله كما ربياني ورحماني ~~بتربيتهما . فالتربية تكملة للوجود ، وهي وحدها تقتضي الشكر عليها . ~~والرحمة حفظ للوجود من اجتناب انتهاكه وهو مقتضى الشكر ، فجمع الشكر على ~~ذلك كله بالدعاء لهما بالرحمة . | # والأمر يقتضي الوجوب . وأما مواقع الدعاء لهما فلا تنضبط وهو بحسب حال كل ~~امرىء في أوقات ابتهاله . وعن سفيان بن عيينة إذا دعا لهما في كل تشهد فقد ~~امتثل . | # ومقصد الإسلام من الأمر ببر الوالدين وبصلة الرحم ينحل إلى مقصدين : | # أحدهما : نفساني وهو تربية نفوس الأمة على الاعتراف بالجميل لصانعه ، وهو ~~الشكر ، تخلقا بأخلاق الباري تعالى في اسمه الشكور ، فكما أمر بشكر الله ~~على نعمة الخلق والرزق أمر بشكر الوالدين على نعمة الإيجاد الصوري ونعمة ~~التربية والرحمة . وفي الأمر بشكر الفضائل تنويه بها وتنبيه على المنافسة ~~في إسدائها . | # والمقصد الثاني عمراني ، وهو أن تكون أواصر العائلة قوية العرى مشدودة ~~الوثوق فأمر بما يحقق ذلك الوثوق بين أفراد العائلة ، وهو حسن المعاشرة ~~ليربي في نفوسهم من التحاب والتواد ما يقوم مقام عاطفة الأمومة الغريزية في ~~الأم ، ثم عاطفة الأبوة المنبعثة عن إحساسس بعضه PageV15P073 غريزي ضعيف ~~وبعضه عقلي قوي حتى أن أثر ذلك الإحساس ليساوي بمجموعه أثر عاطفة الأم ~~الغريزية أو يفوقها في حالة كبر الابن . ثم وزع الإسلام ما دعا إليه من ذلك ~~بين بقية مراتب القرابة على حسب الدنو في القرب النسبي بما شرعه من ms4740 صلة ~~الرحم ، وقد عزز الله قابلية الانسياق إلى تلك الشرعة في النفوس . | # جاء في الحديث : ( أن الله لما خلق الرحم أخذت بقائمة من قوائم العرش ~~وقالت : هذا مقام العائذ بك من القطيعة . فقال الله : أما ترضين أن أصل من ~~وصلك وأقطع من قطعك ) . وفي الحديث : ( إن الله جعل الرحم من اسمه الرحيم ) ~~. | # وفي هذا التكوين لأواصر القرابة صلاح عظيم للأمة تظهر آثاره في مواساة ~~بعضهم بعضا ، وفي اتحاد بعضهم مع بعض ، قال تعالى : { يا أيها الناس إنا ~~خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ( الحجرات : 13 ) . | # وزاده الإسلام توثيقا بما في تضاعيف الشريعة من تأكيد شد أواصر القرابة ~~أكثر مما حاوله كل دين سلف . وقد بينا ذلك في بابه من كتاب مقاصد الشريعة ~~الإسلامية } . | # | 2 ( 25 ) { ربكم أعلم بما فى نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان ~~للاوابين غفورا } ) 2 # تذييل لآية الأمر بالإحسان بالوالدين وما فصل به ، وما يقتضيه الأمر من ~~اختلاف أحوال المأمورين بهذا الأمر قبل وروده بين موافق لمقتضاه ومفرط فيه ~~، ومن اختلاف أحوالهم بعد وروده من محافظ على الامتثال ، ومقصر عن قصد أو ~~عن بادرة غفلة . | PageV15P074 # ولما كان ما ذكر في تضاعيف ذلك وما يقتضيه يعتمد خلوص النية ليجري العمل ~~على ذلك الخلوص كاملا لا تكلف فيه ولا تكاسل ، فلذلك ذيله بأنه المطلع على ~~النفوس والنوايا ، فوعد الولد بالمغفرة له إن هو أدى ما أمره الله به ~~لوالديه وافيا كاملا . وهو مما يشمله الصلاح في قوله : { إن تكونوا صالحين ~~} أي ممتثلين لما أمرتم به . وغير أسلوب الضمير فعاد إلى ضمير جمع ~~المخاطبين لأن هذا يشترك فيه الناس كلهم فضمير الجمع أنسب به . | # ولما شمل الصلاح الصلاح الكامل والصلاح المشوب بالتقصير ذيله بوصف ~~الأوابين المفيد بعمومه معنى الرجوع إلى الله ، أي الرجوع إلى أمره وما ~~يرضيه ، ففهم من الكلام معنى احتباك بطريق المقابلة . والتقدير إن تكونوا ~~صالحين أوابين إلى الله فإنه كان للصالحين محسنا وللأوابين غفورا . وهذا ~~يعم المخاطبين وغيرهم ، وبهذا العموم كان تذييلا . | # وهذا الأوب يكون ms4741 مطردا ، ويكون معرضا للتقصير والتفريط ، فيقتضي طلب ~~الإقلاع عما يخرمه بالرجوع إلى الحالة المرضية ، وكل ذلك أوب وصاحبه آيب ، ~~فصيغ له مثال المبالغة ( أواب ) لصلوحية المبالغة لقوة كيفية الوصف وقوة ~~كميته . فالملازم للامتثال في سائر الأحوال المراقب لنفسه أواب لشدة ~~محافظته على الأوبة إلى الله ، والمغلوب بالتفريط يؤوب كلما راجع نفسه وذكر ~~ربه ، فهو أواب لكثرة رجوعه إلى أمر ربه ، وكل من الصالحين . | # وفي قوله : { ربكم أعلم بما في نفوسكم } ما يشمل جميع أحوال النفوس وخاصة ~~حالة التفريط وبوادر المخالفة . وهذا من رحمة الله تعالى بخلقه . | # وقد جمعت هذه الآية مع إيجازها تيسيرا بعد تعسير مشوبا بتضييق وتحذير ~~ليكون المسلم على نفسه رقيبا . | # | PageV15P075 # | 2 ( 26 ، 27 ) { وءات ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر ~~تبذيرا * إن المبذرين كانو ا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا } ) 2 # | $ # القرابة كلها متشعبة عن الأبوة فلا جرم انتقل من الكلام على حقوق الأبوين ~~إلى الكلام على حقوق القرابة . | # وللقرابة حقان : حق الصلة ، وحق المواساة . وقد جمعهما جنس الحق في قوله ~~؛ { حقه } . والحوالة فيه على ما هو معروف وعلى أدلة أخرى . | # والخطاب لغير معين مثل قوله : { إما يبلغن عندك الكبر ( الإسراء : 23 ) . ~~| # والعدول عن الخطاب بالجمع في قوله : ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا ~~صالحين ( الإسراء : 25 ) الآية إلى الخطاب بالإفراد بقوله : وآت ذا القربى ~~} تفنن لتجنب كراهة إعادة الصيغة الواحدة عدة مرات ، والمخاطب غير معين فهو ~~في معنى الجمع . والجملة معطوفة على جملة { ألا تعبدوا إلا إياه ( الإسراء ~~: 23 ) لأنها من جملة ما قضى الله به . | # والإيتاء : الإعطاء . وهو حقيقة في إعطاء الأشياء ، ومجاز شائع في ~~التمكين من الأمور المعنوية كحسن المعاملة والنصرة . ومنه قول النبي : ورجل ~~آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها الحديث . | # وإطلاق الإيتاء هنا صالح للمعنيين كما هي طريقة القرآن في توفير المعاني ~~وإيجاز الألفاظ . | # وقد بينت أدلة شرعية حقوق ذي القربى ومراتبها : من واجبة مثل بعض النفقة ~~على بعض القرابة مبينة شروطها عند الفقهاء ، ومن غير واجبة مثل ms4742 الإحسان . | # وليس لهاته تعلق بحقوق قرابة النبي لأن حقوقهم في المال تقررت بعد الهجرة ~~لما فرضت الزكاة وشرعت المغانم والأفياء وقسمتها . ولذلك حمل جمهور العلماء ~~هذه الآية على حقوق قرابة PageV15P076 النسب بين الناس . وعن علي زين ~~العابدين أنها تشمل قرابة النبي . | # والتعريف في القربى } تعريف الجنس ، أي القربى منك ، وهو الذي يعبر عنه ~~بأن ( ال ) عوض عن المضاف إليه . وبمناسبة ذكر إيتاء ذي القربى عطف عليه من ~~يماثله في استحقاق المواساة . | # وحق المسكين هو الصدقة . قال تعالى : { ولا تحضون على طعام المسكين ( ~~الفجر : 18 ) وقوله : أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ~~ذا متربة ( البلد : 14 16 ) . وقد بينت آيات وأحاديث كثيرة حقوق المساكين ~~وأعظمها آية الزكاة ومراتب الصدقات الواجبة وغيرها . | # وابن السبيل } هو المسافر يمر بحي من الأحياء ، فله على الحي الذي يمر به ~~حق ضيافته . | # وحقوق الأضياف جاءت في كلام النبي صلى الله عليه وسلم كقوله : ( من كان ~~يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جايزته يوم وليلة ) . وكانت ضيافة ابن ~~السبيل من أصول الحنيفية مما سنه إبراهيم عليه السلام قال الحريري : ( ~~وحرمة الشيخ الذي سن القرى ) . | # وقد جعل لابن السبيل نصيب من الزكاة . | # وقد جمعت هذه الآية ثلاث وصايا مما أوصى الله به بقوله : { وقضى ربك ~~الآيات ( الإسراء : 23 ) . | # فأما إيتاء ذي القربى فالمقصد منه مقارب للمقصد من الإحسان للوالدين رعيا ~~لاتحاد المنبت القريب وشدا لآصرة العشيرة التي تتكون منها القبيلة . وفي ~~ذلك صلاح عظيم لنظام القبيلة وأمنها وذبها عن حوزتها . | # وأما إيتاء المسكين فلمقصد انتظام المجتمع بأن لا يكون من أفراده من هو ~~في بؤس وشقاء ، على أن ذلك المسكين لا يعدو أن يكون من القبيلة في الغالب ~~أقعده العجز عن العمل والفقر عن الكفاية . | PageV15P077 # وأما إيتاء ابن السبيل فلإكمال نظام المجتمع ، لأن المار به من غير بنيه ~~بحاجة عظيمة إلى الإيواء ليلا ليقيه من عوادي الوحوش واللصوص ، وإلى الطعام ~~والدفء أو التظلل وقاية من إضرار الجوع والقر أو الحر . | # لما ذكر البذل ms4743 المحمود وكان ضده معروفا عند العرب أعقبه بذكره للمناسبة . ~~| # ولأن في الانكفاف عن البذل غير المحمود الذي هو التبذير استبقاء للمال ~~الذي يفي بالبذل المأمور به ، فالانكفاف عن هذا تيسير لذاك وعون عليه ، ~~فهذا وإن كان غرضا مهما من التشريع المسوق في هذه الآيات قد وقع موقع ~~الاستطراد في أثناء الوصايا المتعلقة بإيتاء المال ليظهر كونه وسيلة لإيتاء ~~المال لمستحقيه ، وكونه مقصودا بالوصاية أيضا لذاته . ولذلك سيعود الكلام ~~إلى إيتاء المال لمستحقيه بعد الفراغ من النهي عن التبذير بقوله : { وإما ~~تعرضن عنهم الآية ، ( الإسراء : 28 ) ثم يعود الكلام إلى ما يبين أحكام ~~التبذير بقوله : ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ( الإسراء : 29 ) . | # وليس قوله : ولا تبذر تبذيرا } متعلقا بقوله : { وآت ذا القربى حقه } الخ ~~. . لأن التبذير لا يوصف به بذل المال في حقه ولو كان أكثر من حاجة المعطى ~~( بالفتح ) . | # فجملة { ولا تبذر تبذيرا } معطوفة على جملة { ألا تعبدوا إلا إياه ( ~~الإسراء : 23 ) لأنها من جملة ما قضى الله به ، وهي معترضة بين جملة وآت ذا ~~القربى حقه } الآية وجملة { وإما تعرضن عنهم الآية ( الإسراء : . 2 ) ، ~~فتضمنت هذه الجملة وصية سادسة مما قضى الله به . | PageV15P078 # والتبذير : تفريق المال في غير وجهه ، وهو مرادف الإسراف ، فإنفاقه في ~~الفساد تبذير ، ولو كان المقدار قليلا ، وإنفاقه في المباح إذا بلغ حد ~~السرف تبذير ، وإنفاقه في وجوه البر والصلاح ليس بتبذير . وقد قال بعضهم ~~لمن رآه ينفق في وجوه الخير : لا خير في السرف ، فأجابه المنفق : لا سرف في ~~الخير ، فكان فيه من بديع الفصاحة محسن العكس . | # ووجه النهي عن التبذير هو أن المال جعل عوضا لاقتناء ما يحتاج إليه المرء ~~في حياته من ضروريات وحاجيات وتحسينات . وكان نظام القصد في إنفاقه ضامن ~~كفايته في غالب الأحوال بحيث إذا أنفق في وجهه على ذلك الترتيب بين الضروري ~~والحاجي والتحسيني أمن صاحبه من الخصاصة فيما هو إليه أشد احتياجا ، فتجاوز ~~هذا الحد فيه يسمى تبذيرا بالنسبة إلى أصحاب الأموال ذات الكفاف ، وأما أهل ~~الوفر والثروة ms4744 فلأن ذلك الوفر ءاتت من أبواب اتسعت لأحد فضاقت على آخر لا ~~محالة لأن الأموال محدودة ، فذلك الوفر يجب أن يكون محفوظا لإقامة أود ~~المعوزين وأهل الحاجة الذين يزداد عددهم بمقدار وفرة الأموال التي بأيدي ~~أهل الوفر والجدة ، فهو مرصود لإقامة مصالح العائلة والقبيلة وبالتالي ~~مصالح الأمة . | # فأحسن ما يبذل فيه وفر المال هو اكتساب الزلفى عند الله ، قال تعالى : ~~وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ( التوبة : 41 ) ، واكتساب المحمدة ~~بين قومه . وقديما قال المثل العربي نعم العون على المروءة الجدة . وقال . ~~. . اللهم هب لي حمدا ، وهب لي مجدا ، فإنه لا حمد إلا بفعال ، ولا فعال ~~إلا بمال . | # والمقصد الشرعي أن تكون أموال الأمة عدة لها وقوة لابتناء أساس مجدها ~~والحفاظ على مكانتها حتى تكون مرهوبة الجانب مرموقة بعين الاعتبار غير ~~محتاجة إلى من قد يستغل حاجتها فيبتز منافعها ويدخلها تحت نير سلطانه . | ~~PageV15P079 # ولهذا أضاف الله تعالى الأموال إلى ضمير المخاطبين في قوله : ولا تؤتوا ~~السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما ( النساء : 5 ) ولم يقل أموالهم ~~مع أنها أموال السفهاء ، لقوله بعده : فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم ~~أموالهم ( النساء : 6 ) فأضافها إليهم حين صاروا رشداء . | # وما منع السفهاء من التصرف في أموالهم إلا خشية التبذير . ولذلك لو تصرف ~~السفيه في شيء من ماله تصرف السداد والصلاح لمضى . | # وذكر المفعول المطلق تبذيرا } بعد { ولا تبذر } لتأكيد النهي كأنه قيل : ~~لا تبذر ، لا تبذر ، مع ما في المصدر من استحضار جنس المنهي عنه استحضارا ~~لما تتصور عليه تلك الحقيقة بما فيها من المفاسد . | # وجملة { إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين } تعليل للمبالغة في النهي عن ~~التبذير . | # والتعريف في { المبذرين } تعريف الجنس ، أي الذين عرفوا بهذه الحقيقة ~~كالتعريف في قوله : { هدى للمتقين ( البقرة : 2 ) . | # والإخوان جمع أخ ، وهو هنا مستعار للملازم غير المفارق لأن ذلك شأن الأخ ~~، كقولهم : أخو العلم ، أي ملازمه والمتصف به ، وأخو السفر لمن يكثر ~~الأسفار . وقول عدي بن زيد : | # وأخو الحضر إذ بناه وإذ دج | # لة تجبي إليه ms4745 والخابور | # يريد صاحب قصر الحضر ، وهو ملك بلد الحضر المسمى الضيزن بن معاوية ~~القضاعي الملقب السيطرون . | # والمعنى : أنهم من أتباع الشياطين وحلفائهم كما يتابع الأخ أخاه . | # وقد زيد تأكيد ذلك بلفظ كانوا } المفيد أن تلك الأخوة صفة راسخة فيهم ، ~~وكفى بحقيقة الشيطان كراهة في النفوس واستقباحا . | PageV15P080 # ومعنى ذلك : أن التبذير يدعو إليه الشيطان لأنه إما إنفاق في الفساد وإما ~~إسراف يستنزف المال في السفاسف واللذات فيعطل الإنفاق في الخير وكل ذلك ~~يرضي الشيطان ، فلا جرم أن كان المتصفون بالتبذير من جند الشيطان وإخوانه . ~~| # وهذا تحذير من التبذير ، فإن التبذير إذا فعله المرء اعتاده فأدمن عليه ~~فصار له خلقا لا يفارقه شأن الأخلاق الذميمة أن يسهل تعلقها بالنفوس كما ~~ورد في الحديث ( إن المرء لا يزال يكذب حتى يكتب عند الله كذابا ) ، فإذا ~~بذر المرء لم يلبث أن يصير من المبذرين ، أي المعروفين بهذا الوصف ، ~~والمبذرون إخوان الشياطين ، فليحذر المرء من عمل هو من شأن إخوان الشياطين ~~، وليحذر أن ينقلب من إخوان الشياطين . وبهذا يتبين أن في الكلام إيجاز حذف ~~تقديره : ولا تبذر تبذيرا فتصير من المبذرين إن المبذرين كانوا إخوان ~~الشياطين . والذي يدل على المحذوف أن المرء يصدق عليه أنه من المبذرين ~~عندما يبذر تبذيرة أو تبذيرتين . | # ثم أكد التحذير بجملة { وكان الشيطان لربه كفورا } . وهذا تحذير شديد من ~~أن يفضي التبذير بصاحبه إلى الكفر تدريجا بسبب التخلق بالطبائع الشيطانية ، ~~فيذهب يتدهور في مهاوي الضلالة حتى يبلغ به إلى الكفر ، كما قال تعالى : { ~~وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون ( ~~الأنعام : 121 ) . ويجوز حمل الكفر هنا على كفر النعمة فيكون أقرب درجات ~~إلى حال التخلق بالتبذير ، لأن التبذير صرف المال في غير ما أمر الله به ~~فهو كفر لنعمة الله بالمال . فالتخلق به يفضي إلى التخلق والاعتياد لكفران ~~النعم . | # وعلى الوجهين فالكلام جار على ما يعرف في المنطق بقياس المساواة ، إذ كان ~~المبذر مؤاخيا للشيطان وكان الشيطان كفورا ، فكان المبذر كفورا بالمآل أو ~~بالدرجة القريبة . | PageV15P081 # وقد كان ms4746 التبذير من خلق أهل الجاهلية ، ولذلك يتمدحون بصفة المتلاف ~~والمهلك المال ، فكان عندهم الميسر من أسباب الإتلاف ، فحذر الله المؤمنين ~~من التلبس بصفات أهل الكفر ، وهي من المذام ، وأدبهم بآداب الحكمة والكمال ~~. | # | 2 ( 28 ) { وإما تعرضن عنهم ابتغآء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ~~ميسورا } ) 2 # عطف على قوله : { وآت ذا القربى والمسكين ( الإسراء : 26 ) لأنه من تمامه ~~. | # والخطاب لغير معين ليعم كل مخاطب . والمقصود بالخطاب النبي لأنه على وزان ~~نظم قوله : وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ( الإسراء : 23 ) فإن المواجهة ب ~~ربك } في القرآن جاءت غالبا لخطاب النبي صلى الله عليه وسلم ويعدله ما روي ~~أن النبي كان إذا سأله أحد مالا ولم يكن عنده ما يعطيه يعرض عنه حياء فنبهه ~~الله إلى أدب أكمل من الذي تعهده من قبل ويحصل من ذلك تعليم لسائر الأمة . ~~| # وضمير { عنهم } عائد إلى ذي القربى والمسكين وابن السبيل . | # والإعراض : أصله ضد الإقبال مشتق من العرض بضم العين أي الجانب ، فأعرض ~~بمعنى أعطى جانبه { وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه ( الإسراء : ~~83 ) ، وهو هنا مجاز في عدم الإيتاء أو كناية عنه لأن الإمساك يلازمه ~~الإعراض ، أي إن سألك أحدهم عطاء فلم تجبه إليه أو إن لم تفتقدهم بالعطاء ~~المعروف فتباعدت عن لقائهم حياء منهم أن تلاقيهم بيد فارغة فقل لهم قولا ~~ميسورا . | # والميسور : مفعول من اليسر ، وهو السهولة ، وفعله مبني للمجهول . يقال : ~~يسر الأمر بضم الياء وكسر السين كما يقال : سعد الرجل PageV15P082 ونحس ، ~~والمعنى : جعل يسيرا غير عسير ، وكذلك يقال : عسر . والقول الميسور : اللين ~~الحسن المقبول عندهم ؛ شبه المقبول بالميسور في قبول النفس إياه لأن غير ~~المقبول عسير . أمر الله بإرفاق عدم الإعطاء لعدم الموجدة بقول لين حسن ~~بالاعتذار والوعد عند الموجدة ، لئلا يحمل الإعراض على قلة الاكتراث والشح ~~. | # وقد شرط الإعراض بشرطين : أن يكون إعراضا لابتغاء رزق من الله ، أي ~~إعراضا لعدم الجدة لا اعتراضا لبخل عنهم ، وأن يكون معه قول لين في ~~الاعتذار . وعلم من قوله : ابتغاء رحمة ms4747 من ربك } أنه اعتذار صادق وليس ~~تعللا كما قال بشار : | # وللبخيل على أمواله علل | # رزق العيون عليها أوجه سود | # فقوله : { ابتغاء رحمة من ربك } حال من ضمير { تعرضن } مصدر بالوصف ، أي ~~مبتغيا رحمة من ربك . و { ترجوها } صفة ل { رحمة } . والرحمة هنا هي الرزق ~~الذي يتأتى منه العطاء بقرينة السياق . وفيه إشارة إلى أن الرزق سبب للرحمة ~~لأنه إذا أعطاه مستحقه أثيب عليه ، وهذا إدماج . | # وفي ضمن هذا الشرط تأديب للمؤمن إن كان فاقدا ما يبلغ به إلى فعل الخير ~~أن يرجو من الله تيسير أسبابه ، وأن لا يحمله الشح على السرور بفقد الرزق ~~للراحة من البذل بحيث لا يعدم البذل الآن إلا وهو راج أن يسهل له في ~~المستقبل حرصا على فضيلته ، وأنه لا ينبغي أن يعرض عن ذي القربى والمسكين ~~وابن السبيل إلا في حال رجاء حصول نعمة فإن حصلت أعطاهم . | # | PageV15P083 # | 2 ( 29 ) { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ~~ملوما محسورا } ) 2 # عود إلى بيان التبذير والشح ، فالجملة عطف على جملة { ولا تبذر تبذيرا ( ~~الإسراء : 26 ) . ولولا تخلل الفصل بينهما بقوله ؛ وإما تعرضن عنهم ابتغاء ~~رحمة من ربك ( الإسراء : 28 ) الآية لكانت جملة ولا تجعل يدك مغلولة إلى ~~عنقك غير مقترنة بواو العطف لأن شأن البيان أن لا يعطف على المبين ، وأيضا ~~على أن في عطفها اهتماما بها يجعلها مستقلة بالقصد لأنها مشتملة على زيادة ~~على البيان بما فيها من النهي عن البخل المقابل للتبذير . | # وقد أتت هذه الآية تعليما بمعرفة حقيقة من الحقائق الدقيقة فكانت من ~~الحكمة . وجاء نظمها على سبيل التمثيل فصيغت الحكمة في قالب البلاغة . | # فأما الحكمة فإذ بينت أن المحمود في العطاء هو الوسط الواقع بين طرفي ~~الإفراط والتفريط ، وهذه الأوساط هي حدود المحامد بين المذام من كل حقيقة ~~لها طرفان . وقد تقرر في حكمة الأخلاق أن لكل خلق طرفين ووسطا ، فالطرفان ~~إفراط وتفريط وكلاهما مقر مفاسد للمصدر وللمورد ، وأن الوسط هو العدل ، ~~فالإنفاق والبذل حقيقة أحد طرفيها الشح ms4748 وهو مفسدة للمحاويج ولصاحب المال إذ ~~يجر إليه كراهية الناس إياه وكراهتيه إياهم . والطرف الآخر التبذير ~~والإسراف ، وفيه مفاسد لذي المال وعشيرته لأنه يصرف ماله عن مستحقه إلى ~~مصارف غير جديرة بالصرف ، والوسط هو وضع المال في مواضعه وهو الحد الذي عبر ~~عنه في الآية بنفي حالين بين ( لا ولا ) . | # وأما البلاغة فبتمثيل الشح والإمساك بغل اليد إلى العنق ، وهو تمثيل مبني ~~على تخيل اليد مصدرا للبذل والعطاء ، وتخيل بسطها كذلك وغلها شحا ، ~~PageV15P084 وهو تخيل معروف لدى البلغاء والشعراء ، قال الله تعالى : وقالت ~~اليهود يد الله مغلولة ثم قال : بل يداه مبسوطتان ( المائدة : 64 ) وقال ~~الأعشى : | # يداك يدا صدق فكف مفيدة | # وكف إذا ما ضن بالمال تنفق | # ومن ثم قالوا : له يد على فلان ، أي نعمة وفضل ، فجاء التثميل في الآية ~~مبنيا على التصرف في ذلك المعنى بتمثيل الذي يشح بالمال بالذي غلت يده إلى ~~عنقه ، أي شدت بالغل ، وهو القيد من السير يشد به يد الأسير ، فإذا غلت ~~اليد إلى العنق تعذر التصرف بها فتعطل الانتفاع بها فصار مصدر البذل معطلا ~~فيه ، وبضده مثل المسرف بباسط يده غاية البسط ونهايته وهو المفاد بقوله : ~~كل البسط } أي البسط كله الذي لا بسط بعده ، وهو معنى النهاية . وقد تقدم ~~من هذا المعنى عند قوله تعالى : { وقالت اليهود يد الله مغلولة إلى قوله : ~~بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء في سورة العقود ( المائدة : 64 ) . هذا ~~قالب البلاغة المصوغة في تلك الحكمة . | # وقوله : فتقعد ملوما محسورا } جواب لكلا النهيين على التوزيع بطريقة ~~النشر المرتب ، فالملوم يرجع إلى النهي عن الشح ، والمحسور يرجع إلى النهي ~~عن التبذير ، فإن الشحيح ملوم مذموم . وقد قيل : | # إن البخيل ملوم حيثما كانا | # وقال زهير : | # ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله | # على قومه يستغن عنه ويذمم | # والمحسور : المنهوك القوى . يقال : بعير حسير ، إذا أتعبه السير فلم تبق ~~له قوة ، ومنه قوله تعالى : { ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير ( الملك : 4 ~~) ، والمعنى : غير قادر على إقامة شؤونك . والخطاب لغير معين ms4749 . وقد مضى ~~الكلام على تقعد آنفا . | # | PageV15P085 # | 2 ( 30 ) { إن ربك يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر إنه كان بعباده خبيرا ~~بصيرا } ) 2 # موقع هذه الجملة موقع اعتراض بالتعليل لما تقدم من الأمر بإيتاء ذي ~~القربى والمساكين ، والنهي عن التبذير ، وعن الإمساك المفيد الأمر بالقصد ، ~~بأن هذا واجب الناس في أموالهم وواجبهم نحو قرابتهم وضعفاء عشائرهم ، ~~فعليهم أن يمتثلوا ما أمرهم الله من ذلك . وليس الشح بمبق مال الشحيح لنفسه ~~، ولا التبذير بمغنن من يبذر فيهم المال فإن الله قدر لكل نفس رزقها . | # فيجوز أن يكون الكلام جاريا على سنن الخطاب السابق لغير معين . ويجوز أن ~~يكون قد حول الكلام إلى خطاب النبي صلى الله عليه وسلم فوجه بالخطاب إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم لأنه الأولى بعلم هذه الحقائق العالية ، وإن كانت ~~أمته مقصودة بالخطاب تبعا له ، فتكون هذه الوصايا مخللة بالإقبال على خطاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم | # { ويقدر } ضد { يبسط } . وقد تقدم عند قوله تعالى : { الله يبسط الرزق ~~لمن يشاء ويقدر } في سورة الرعد ( 26 ) . | # وجملة { إنه كان بعباده خبيرا بصيرا تعليل لجملة إن ربك يبسط الرزق } إلى ~~آخرها ، أي هو يفعل ذلك لأنه عليم بأحوال عباده وما يليق بكل منهم بحسب ما ~~جبلت عليه نفوسهم ، وما يحف بهم من أحوال النظم العالمية التي اقتضتها ~~الحكمة الإلهية المودعة في هذا العالم . | # والخبير : العالم بالأخبار . والبصير : العالم بالمبصرات . وهذان الاسمان ~~الجليلان يرجعان إلى معنى بعض تعلق العلم الإلهي . | # | PageV15P086 # | 2 ( 31 ) { ولا تقتلو ا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم ~~كان خطئا كبيرا } ) 2 # | $ # عطف جملة حكم على جملة حكم للنهي عن فعل ينشأ عن اليأس من رزق الله . ~~وهذه الوصية السابعة من الأحكام المذكورة في آية { وقضى ربك الآية ( ~~الإسراء : 23 ) . وغير أسلوب الإضمار من الإفراد إلى الجمع لأن المنهي عنه ~~هنا من أحوال الجاهلية زجرا لهم عن هذه الخطيئة الذميمة ، وتقدم الكلام على ~~نظير هذه الآية في سورة الأنعام ؛ ولكن بين الآيتين فرقا في النظم من وجهين ms4750 ~~: | # الأول : } أنه قيل هنا { خشية إملاق } وقيل في آية الأنعام { من إملاق ( ~~الأنعام : 151 ) . ويقتضي ذلك أن الذين كانوا يئدون بناتهم يئدونهن لغرضين ~~: | # إما لأنهم فقراء لا يستطيعون إنفاق البنت ولا يرجون منها إن كبرت إعانة ~~على الكسب فهم يئدونها لذلك ، فذلك مورد قوله في الأنعام من إملاق } ، فإن ~~( من ) التعليلية تقتضي أن الإملاق سبب قتلهن فيقتضي أن الإملاق موجود حين ~~القتل . | # وإما أن يكون الحامل على ذلك ليس فقر الأب ولكن خشية عروض الفقر له أو ~~عروض الفقر للبنت بموت أبيها ، إذ كانوا في جاهليتهم لا يورثون البنات ، ~~فيكون الدافع للوأد هو توقع الإملاق ، كما قال إسحاق بن خلف ، شاعر إسلامي ~~قديم : | # إذا تذكرت بنتي حين تندبني | # فاضت لعبرة بنتي عبرتي بدم | # أحاذر الفقر يوما أن يلم بها | # فيهتك الستر عن لحم على وضم | # تهوى حياتي وأهوى موتها شفقا | # والموت أكرم نزال على الحرم | # أخشى فظاظة عم أو جفاء أخ | # وكنت أخشى عليها من أذى الكلم | PageV15P087 # فلتحذير المسلمين من آثار هذه الخواطر ذكروا بتحريم الوأد وما في معناه . ~~وقد كان ذلك في جملة ما تؤخذ عليه بيعة النساء المؤمنات كما في آية سورة ~~الممتحنة . ومن فقرات أهل الجاهلية : دفن البنات . من المكرمات . وكلتا ~~الحالتين من أسباب قتل الأولاد تستلزم الأخرى وإنما التوجيه للمنظور إليه ~~بادىء ذي بدء . | # الوجه الثاني : فمن أجل هذا الاعتبار في الفرق للوجه الأول قيل هنالك { ~~نحن نرزقكم وإياهم } بتقديم ضمير الآباء على ضمير الأولاد ، لأن الإملاق ~~الدافع للوأد المحكي به في آية الأنعام هو إملاق الآباء فقدم الإخبار بأن ~~الله هو رازقهم وكمل بأنه رازق بناتهم . | # وأما الإملاق المحكي في هذه الآية فهو الإملاق المخشي وقوعه . والأكثر ~~أنه توقع إملاق البنات كما رأيت في الأبيات ، فلذلك قدم الإعلام بأن الله ~~رازق الأبناء وكمل بأنه رازق آبائهم . وهذا من نكت القرآن . | # والإملاق : الافتقار . وتقدم الكلام على الوأد عند قوله تعالى : { وكذلك ~~زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم في سورةة الأنعام ( 137 ) . | # وجملة نحن نرزقهم } معترضة ms4751 بين المتعاطفات . وجملة { إن قتلهم كان خطأ ~~كبيرا } تأكيد للنهي وتحذير من الوقوع في المنهي ، وفعل { كان } تأكيد ~~للجملة . | # والمراد بالأولاد خصوص البنات لأنهن اللاتي كانوا يقتلونهن وأدا ، ولكن ~~عبر عنهن بلفظ الأولاد في هذه الآية ونظائرها لأن البنت يقال لها : ولد . ~~وجرى الضمير على اعتبار اللفظ في قوله { نرزقهم } . | # و ( الخطء ) بكسر الخاء وسكون الطاء مصدر خطىء بوزن فرح ، إذا أصاب إثما ~~، ولا يكون الإثم إلا عن عمد ، قال تعالى : { إن فرعون وهامان وجنودهما ~~كانوا خاطئين ( القصص : 8 ) وقال : ناصية كاذبة خاطئة ( العلق : 16 ) . | ~~PageV15P088 # وأما الخطأ بفتح الخاء والطاء فهو ضد العمد . وفعله : أخطأ . واسم الفاعل ~~مخطىء ، قال تعالى : وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم ~~( الأحزاب : 5 ) . وهذه التفرقة هي سر العربية وعليها المحققون من أيمتها . ~~| # وقرأ الجمهور خطأ } بكسر الخاء وسكون الطاء بعدها همزة ، أي إثما . وقرأه ~~ابن ذكوان عن ابن عامر ، وأبو جعفر { خطأ } بفتح الخاء وفتح الطاء . والخطأ ~~ضد الصواب ، أي أن قتلهم محض خطأ ليس فيه ما يعذر عليه فاعله . | # وقرأه ابن كثير { خطاء } بكسر الخاء وفتح الطاء وألف بعد الطاء بعده همزة ~~ممدودا . وهو فعال من خطىء إذا أجرم ، وهو لغة في خطء ، وكأن الفعال فيها ~~للمبالغة . وأكد ب ( إن ) لتحقيقه ردا على أهل الجاهلية إذ كانوا يزعمون أن ~~وأد البنات من السداد ، ويقولون : دفن البنات من المكرمات . وأكد أيضا بفعل ~~( كان ) لإشعار ( كان ) بأن كونه إثما أمرا استقر . | # | 2 ( 32 ) { ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وسآء سبيلا } ) 2 # عطف هذا النهي على النهي عن وأد البنات إيماء إلى أنهم كانوا يعدون من ~~أعذارهم في وأد البنات الخشية من العار الذي قد يلحق من جراء إهمال البنات ~~الناشىء عن الفقر الرامي بهن في مهاوي العهر ، ولأن في الزنى إضاعة نسب ~~النسل بحيث لا يعرف للنسل مرجع يأوي إليه وهو يشبه الوأد في الإضاعة . | # وجرى الإضمار فيه بصيغة الجمع كما جرى في قوله : { ولا تقتلوا أولادكم ~~خشية إملاق ( الإسراء : 31 ms4752 ) لمثل ما وجه به تغيير الأسلوب هنالك فإن ~~المنهي عنه هنا كان من غالب أحوال أهل الجاهلية . | PageV15P089 # وهذه الوصية الثامنة من الوصايا الإلهية بقوله تعالى : وقضى ربك ألا ~~تعبدوا إلا إياه ( الإسراء : 23 ) . | # والقرب المنهي عنه هو أقل الملابسة ، وهو كناية عن شدة النهي عن ملابسة ~~الزنا ، وقريب من هذا المعنى قولهم : ما كاد يفعل . | # والزنى في اصطلاح الإسلام مجامعة الرجل امرأة غير زوجة له ولا مملوكة غير ~~ذات الزوج . وفي الجاهية الزنى : مجامعة الرجل امرأة حرة غير زوج له وأما ~~مجامعة الأمة غير المملوكة للرجل فهو البغاء . | # وجملة إنه كان فاحشة } تعليل للنهي عن ملابسته تعليلا مبالغا فيه من جهات ~~بوصفه بالفاحشة الدال على فعلة بالغة الحد الأقصى في القبح ، وبتأكيد ذلك ~~بحرف التوكيد ، وبإقحام فعل ( كان ) المؤذن بأن خبره وصف راسخ مستقر ، كما ~~تقدم في قوله : { إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين ( الإسراء : 27 ) . | # والمراد : أن ذلك وصف ثابت له في نفسه سواء علمه الناس من قبل أم لم ~~يعلموه إلا بعد نزول الآية . | # وأتبع ذلك بفعل الذم وهو ساء سبيلا } ، والسبيل : الطريق . وهو مستعار ~~هنا للفعل الذي يلازمه المرء ويكون له دأبا استعارة مبنية على استعارة ~~السير للعمل كقوله تعالى : { سنعيدها سيرتها الأولى ( طه : 21 ) ، فبني على ~~استعارة السير للعمل استعارة السبيل له بعلاقة الملازمة . وقد تقدم نظيرها ~~في قوله : إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا في سورة النساء ( 22 ) . | # وعناية الإسلام بتحريم الزنى لأن فيه إضاعة النسب وتعريض النسل للإهمال ~~إن كان الزنى بغير متزوجة وهو خلل عظيم في المجتمع ، ولأن فيه إفساد النساء ~~على أزواجهن والأبكار على أوليائهن ، ولأن فيه تعريض المرأة إلى الإهمال ~~بإعراض الناس عن تزوجها ، وطلاق زوجها إياها ، ولما ينشأ عن الغيرة من ~~الهرج والتقاتل ، قال امرؤ القيس : | # علي حراصا لو يسرون مقتلي | PageV15P090 # فالزنى مئنة لإضاعة الأنساب ومظنة للتقاتل والتهارج فكان جديرا بتغليظ ~~التحريم قصدا وتوسلا . ومن تأمل ونظر جزم بما يشتمل عليه الزنى من المفاسد ~~ولو كان المتأمل ممن يفعله في الجاهلية ms4753 فقبحه ثابت لذاته ، ولكن العقلاء ~~متفاوتون في إدراكه وفي مقدار إدراكه ، فلما أيقظهم التحريم لم يبق للناس ~~عذر . وقد زعم بعض المفسرين أن هذه الآية مدنية كما تقدم في صدر السورة ولا ~~وجه لذلك الزعم . وقد أشرنا إلى إبطال ذلك في أول السورة . | # | 2 ( 33 ) ولا تقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد ~~جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف فى القتل إنه كان منصورا } ) 2 # معلومة حالة العرب في الجاهلية من التسرع إلى قتل النفوس فكان حفظ النفوس ~~من أعظم القواعد الكلية للشريعة الإسلامية . ولذلك كان النهي عن قتل النفس ~~من أهم الوصايا التي أوصى بها الإسلام أتباعه في هذه الآيات الجامعة . وهذه ~~هي الوصية التاسعة . | # والنفس هنا الذات كقوله تعالى : { ولا تقتلوا أنفسكم ( النساء : 29 ) ~~وقوله : أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ~~( المائدة : 32 ) وقوله : وما تدري نفس بأي أرض تموت ( لقمان : 34 ) . ~~وتطلق النفس على الروح الإنساني وهي النفس الناطقة . | # والقتل : الإماتة بفعل فاعل ، أي إزالة الحياة عن الذات . | # وقوله : حرم الله } حذف العائد من الصلة إلى الموصول لأنه ضمير منصوب ~~بفعل الصلة وحذفه كثير . والتقدير : حرمها الله . وعلق التحريم بعين النفس ~~، والمقصود تحريم قتلها . | PageV15P091 # ووصفت النفس بالموصول والصلة بمقتضى كون تحريم قتلها مشهورا من قبلل هذا ~~النهي ، إما لأنه تقرر من قبل بآيات أخرى نزلت قبل هذه الآية وقبل آية ~~الأنعام حكما مفرقا وجمعت الأحكام في هذه الآية وآية الأنعام ، وإما لتنزيل ~~الصلة منزلة المعلوم لأنها مما لا ينبغي جهله فيكون تعريضا بأهل الجاهلية ~~الذين كانوا يستخفون بقتل النفس بأنهم جهلوا ما كان عليهم أن يعلموه ، ~~تنويها بهذا الحكم . وذلك أن النظر في خلق هذا العالم يهدي العقول إلى أن ~~الله أوجد الإنسان ليعمر به الأرض ، كما قال تعالى : { هو أنشأكم من الأرض ~~واستعمركم فيها ( هود : 61 ) ، فالإقدام على إتلاف نفس هدم لما أراد الله ~~بناءه ، على أنه قد تواتر وشاع بين الأمم في سائر العصور ms4754 والشرائع من عهد ~~آدم صون النفوس من الاعتداء عليها بالإعدام ، فبذلك وصفت بأنها التي حرم ~~الله ، أي عرفت بمضمون هذه الصلة . | # واستثني من عموم النهي القتل المصاحب للحق ، أي الذي يشهد الحق أن نفسا ~~معينة استحقت الإعدام من المجتمع ، وهذا مجمل يفسره في وقت النزول ما هو ~~معروف من أحكام القود على وجه الإجمال . | # ولما كانت هذه الآيات سيقت مساق التشريع للأمة وإشعارا بأن سيكون في ~~الأمة قضاء وحكم فيما يستقبل أبقي مجملا حتى تفسره الأحكام المستأنفة من ~~بعد ، مثل آية وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ إلى قوله : وأعد له ~~عذابا عظيما ( النساء : 92 93 ) . | # فالباء في قوله : بالحق } للمصاحبة ، وهي متعلقة بمعنى الاستثناء ، أي ~~إلا قتلا ملابسا للحق . | # والحق بمعنى العدل ، أو بمعنى الاستحقاق ، أي حق القتل ، كما في الحديث : ~~فإذا قالوها ( أي لا إله إلا الله ) عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ) ~~. | # ولما كان الخطاب بالنهي لجميع الأمة كما دل عليه الفعل في سياق النهي كان ~~تعيين الحق المبيح لقتل النفس موكولا إلى من لهم تعيين الحقوق . | ~~PageV15P092 # ولما كانت هذه الآية نازلة قبل الهجرة فتعيين الحق يجري على ما هو متعارف ~~بين القبائل ، وهو ما سيذكر في قوله تعالى عقب هذا : { ومن قتل مظلوما } ~~الآية . | # وحين كان المسلمون وقت نزول هذه الآية مختلطين في مكة بالمشركين ولم يكن ~~المشركون أهلا للثقة بهم في الطاعة للشرائع العادلة ، وكان قد يعرض أن ~~يعتدي أحد المشركين على أحد المسلمين بالقتل ظلما أمر الله المسلمين بأن ~~المظلوم لا يظلم ، فقال : { ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا } أي قد ~~جعل لولي المقتول تصرفا في القاتل بالقود أو الدية . | # والسلطان : مصدر من السلطة كالغفران ، والمراد به ما استقر في عوائدهم من ~~حكم القود . | # وكونه حقا لولي القتيل يأخذ به أو يعفو أو يأخذ الدية ألهمهم الله إليه ~~لئلا ينزوا أولياء القتيل على القاتل أو ذويه ليقتلوا منهم من لم تجن يداه ~~قتلا . وهكذا تستمر الترات بين أخذ ورد ، فقد كان ms4755 ذلك من عوائدهم أيضا . | # فالمراد بالجعل ما أرشد الله إليه أهل الجاهلية من عادة القود . | # والقود من جملة المستثنى بقوله : { إلا بالحق } ، لأن القود من القاتل ~~الظالم هو قتل للنفس بالحق . وهذه حالة خصها الله بالذكر لكثرة وقوع ~~العدوان في بقية أيام الجاهلية ، فأمر الله المسلمين بقبول القود . وهذا ~~مبدأ صلاح عظيم في المجتمع الإسلامي ، وهو حمل أهله على اتباع الحق والعدل ~~حتى لا يكون الفساد من طرفين فيتفاقم أمره ، وتلك عادة جاهلية . قال ~~الشميذر الحارثي : | # فلسنا كمن كنتم تصيبون سلة | # فنقبل ضيما أو نحكم قاضيا | # ولكن حكم السيف فينا مسلط | # فنرضى إذا ما أصبح السيف راضيا | PageV15P093 # فنهى الله المسلمين عن أن يكونوا مثالا سيئا يقابلوا الظلم بالظلم كعادة ~~الجاهلية بل عليهم أن يتبعوا سبيل الإنصاف فيقبلوا القود ، ولذلك قال : { ~~فلا يسرف في القتل } . | # والسرف : الزيادة على ما يقتضيه الحق ، وليس خاصا بالمال كما يفهم من ~~كلام أهل اللغة . فالسرف في القتل هو أن يقتل غير القاتل ، أما مع القاتل ~~وهو واضح كما قال المهلهل في الأخذ بثأر أخيه كليب : | # كل قتيل في كليب غرة | # حتى يعم القتل آل مرة | # وأما قتل غير القاتل عند العجز عن قتل القاتل فقد كانوا يقتنعون عن العجز ~~عن القاتل بقتل رجل من قبيلة القاتل . وكانوا يتكايلون الدماء ، أي يجعلون ~~كيلها متفاوتا بحسب شرف القتيل ، كما قالت كبشة بنت معديكرب : | # فيقتل جبرا بامرىء لم يكن له | # بواء ولكن لا تكايل بالدم | # البواء : الكفء في الدم . تريد فيقتل القاتل وهو المسمى جبرا ، وإن لم ~~يكن كفؤا لعبد الله أخيها ، ولكن الإسلام أبطل التكايل بالدم . | # وضمير { يسرف } بياء الغيبة ، في قراءة الجمهور ، يعود إلى الولي مظنة ~~السرف في القتل بحسب ما تعودوه . وقرأ حمزة ، والكسائي ، وخلف بتاء الخطاب ~~أي خطاب للولي . | # وجملة { إنه كان منصورا } استئناف ، أي أن ولي المقتول كان منصورا بحكم ~~القود فلماذا يتجاوز الحد من النصر إلى الاعتداء والظلم بالسرف في القتل . ~~حذرهم الله من السرف في القتل وذكرهم بأنه جعل للولي سلطانا ms4756 على القاتل . | # وقد أكد ذلك بحرف التوكيد وبإقحام ( كان ) الدال على أن الخبر مستقر ~~الثبوت . وفيه إيماء إلى أن من تجاوز حد العدل إلى السرف في القتل لا ينصر ~~. | PageV15P094 # ومن نكت القرآن وبلاغته وإعجازه الخفي الإتيان بلفظ ( سلطان ) هنا الظاهر ~~في معنى المصدر ، أي السلطة والحق والصالح لإرادة إقامة السلطان ، وهو ~~الإمام الذي يأخذ الحقوق من المعتدين إلى المعتدى عليهم حين تنتظم جامعة ~~المسلمين بعد الهجرة . ففيه إيماء إلى أن الله سيجعل للمسلمين دولة دائمة ، ~~ولم يكن للمسلمين يوم نزول الآية سلطان . | # وهذا الحكم منوط بالقتل الحادث بين الأشخاص وهو قتل العدوان ، فأما القتل ~~الذي هو لحماية البيضة والذب عن الحوزة ، وهو الجهاد ، فله أحكام أخرى . ~~وبهذا تعلم التوجيه للإتيان بضمير جماعة المخاطبين على ما تقدم في قوله ~~تعالى { ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق ( الإسراء : 31 ) وما عطف عليه من ~~الضمائر . | # واعلم أن جملة ومن قتل مظلوما } معطوفة على جملة { ولا تقتلوا النفس التي ~~حرم الله إلا بالحق } عطف قصة على قصة اهتماما بهذا الحكم بحيث جعل مستقلا ~~، فعطف على حكم آخر ، وإلا فمقتضى الظاهر أن تكون مفصولة ، إما استئنافا ~~لبيان حكم حالة تكثر ، وإما بدل بعضض من جملة { إلا بالحق } . | # و ( من ) موصولة مبتدأ مراد بها العموم ، أي وكل الذي يقتل مظلوما . ~~وأدخلت الفاء في جملة خبر المبتدأ لأن الموصول يعامل معاملة الشرط إذا قصد ~~به العموم والربط بينه وبين خبره . | # وقوله تعالى : { فقد جعلنا لوليه سلطانا } هو في المعنى مقدمة للخبر ~~بتعجيل ما يطمئن نفس ولي المقتول . والمقصود من الخبر التفريع بقوله تعالى ~~: { فلا يسرف في القتل } ، فكان تقديم قوله تعالى : { فقد جعلنا لوليه ~~سلطانا } تمهيدا لقبول النهي عن السرف في القتل ، لأنه إذا كان قد جعل له ~~سلطان فقد صار الحكم بيده وكفاه ذلك شفاء لغليله . | PageV15P095 # ومن دلالة الإشارة أن قوله : { فقد جعلنا لوليه سلطانا } إشارة إلى إبطال ~~تولي ولي المقتول قتل القاتل دون حكم من السلطان ، لأن ذلك مظنة للخطأ في ~~تحقيق القاتل ، وذريعة لحدوث قتل ms4757 آخر بالتدافع بين أولياء المقتول وأهل ~~القاتل ، ويجر إلى الإسراف في القتل الذي ما حدث في زمان الجاهلية إلا بمثل ~~هذه الذريعة ، فضمير { فلا يسرف } عائد إلى ( وليه ) . | # وجملة { إنه كان منصورا } تعليل للكف عن الإسراف في القتل ، والضمير عائد ~~إلى ( وليه ) . | # و ( في ) من قوله : { في القتل } للظرفية المجازية ، لأن الإسراف يجول في ~~كسب ومال ونحوه ، فكأنه مظروف في جملة ما جال فيه . | # ولما رأى بعض المفسرين أن الحكم الذي تضمنته هذه الآية لا يناسب إلا ~~أحوال المسلمين الخالصين استبعد أن تكون الآية نازلة بمكة فزعم أنها مدنية ~~، وقد بينا وجه مناسبتها وأبطلنا أن تكون مكية في صدر هذه السورة . | # | 2 ( 34 ) { ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى هى أحسن حتى يبلغ أشده ~~وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا } ) 2 # هذا من أهم الوصايا التي أوصى الله بها في هذه الآيات ، لأن العرب في ~~الجاهلية كانوا يستحلون أموال اليتامى لضعفهم عن التفطن لمن يأكل أموالهم ~~وقلة نصيرهم لإيصال حقوقهم ، فحذر الله المسلمين من ذلك لإزالة ما عسى أن ~~يبقى في نفوسهم من أثر من تلك الجاهلية . وقد تقدم القول في نظير هذه الآية ~~في سورة الأنعام . وهذه الوصية العاشرة . | # والقول في الإتيان بضمير الجماعة المخاطبين كالقول في سابقيه لأن المنهي ~~عنه من أحوال أهل الجاهلية . | PageV15P096 # | 2 ( 34 ) { ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى هى أحسن حتى يبلغ أشده ~~وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا } ) 2 # أمروا بالوفاء بالعهد . والتعريف في { العهد } للجنس المفيد للاستغراق ~~يشمل العهد الذي عاهدوا عليه النبي ، وهو البيعة على الإيمان والنصر . وقد ~~تقدم عند قوله تعالى : { وإوفوا بعهد الله إذا عاهدتم في سورة النحل ( 91 ) ~~وقوله : وبعهد الله أوفوا في سورة الأنعام ( 152 ) . | # وهذا التشريع من أصول حرمة الأمة في نظر الأمم والثقة بها للانزواء تحت ~~سلطانها . وقد مضى القول فيه في سورة الأنعام . والجملة معطوفة على التي ~~قبلها . وهي من عداد ما وقع بعد ( أن ) التفسيرية من قوله : ألا تعبدوا ~~الآيات ( الإسراء : 23 ) . وهي ms4758 الوصية الحادية عشرة . | # وجملة إن العهد كان مسؤولا } تعليل للأمر ، أي للإيجاب الذي اقتضاه ، ~~وإعادة لفظ { العهد } في مقام إضماره للاهتمام به ، ولتكون هذه الجملة ~~مستقلة فتسري مسرى المثل . | # وحذف متعلق { مسؤولا } لظهوره ، أي مسؤولا عنه ، أي يسألكم الله عنه يوم ~~القيامة . | # | 2 ( 35 ) { وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذالك خير ~~وأحسن تأويلا } ) 2 # هذان حكمان هما الثاني عشر والثالث عشر من الوصايا التي قضى الله بها . ~~وتقدم القول في نظيره في سورة الأنعام . | # وزيادة الظرف في هذه الآية وهو { إذا كلتم } دون ذكر نظيره في آية ~~الأنعام لما في ( إذا ) من معنى الشرطية فتقتضي تجدد ما تضمنه الأمر في ~~PageV15P097 جميع أزمنة حصول مضمون شرط ( إذا ) الظرفية الشرطية للتنبيه ~~على عدم التسامح في شيء من نقص الكيل عند كل مباشرة له . ذلك أن هذا خطاب ~~للمسلمين بخلاف آية الأنعام فإن مضمونها تعريض بالمشركين في سوء شرائعهم ~~وكانت هنا أجدر بالمبالغة في التشريع . | # وفعل ( كال ) يدل على أن فاعله مباشر الكيل ، فهو الذي يدفع الشيء المكيل ~~، وهو بمنزلة البائع ، ويقال للذي يقبض الشيء المكيل : مكتال . وهو من ~~أخوات باع وابتاع ، وشرى واشترى ، ورهن وارتهن ، قال تعالى : { الذين إذا ~~اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ( المطففين : 2 3 ~~) . | # و القسطاس بضم القاف في قراءة الجمهور . وقرأه بالكسر حفص ، وحمزة ، ~~والكسائي ، وخلف . وها لغتان فيه ، وهو اسم للميزان أي آلة الوزن ، واسم ~~للعدل ، قيل : هو معرب من الرومية مركب من كلمتين قسط ، أي عدل ، وطاس وهو ~~كفة الميزان . وفي صحيح البخاري } ( وقال مجاهد : القسطاس : العدل بالرومية ~~) . ولعل كلمة قسط اختصار لقسطاس لأن غالب الكلمات الرومية تنتهي بحرف ~~السين . وأصله في الرومية مضموم الحرف الأول وإنما غيره العرب بالكسر على ~~وجه الجواز لأنهم لا يتحرون في ضبط الكلمات الأعجمية . ومن أمثالهم ( أعجمي ~~فالعب به ما شئت ) . | # ومعنى العدل والميزان صالحان هنا ، لكن التي في الأنعام جاء فيها { ~~بالقسط } فهو العدل لأنها سيقت مساق التذكير للمشركين بما هم عليه من ms4759 ~~المفاسد فناسب أن يذكروا بالعدل ليعلموا أن ما يفعلونه ظلم . والباء هنالك ~~للملابسة . وهذه الآية جاءت خطابا للمسلمين فكانت أجدر باللفظ الصالح لمعنى ~~آلة الوزن ، لأن شأن التشريع بيان تحديد العمل مع كونه يومىء إلى معنى ~~العدل على استعمال المشترك في معنييه . فالباء هنا ظاهرة في معنى الاستعانة ~~والآلة ، ومفيدة للملابسة أيضا . | PageV15P098 # والمستقيم : السوي ، مشتق من القوام بفتح القاف وهو اعتدال الذات . يقال ~~: قومته فاستقام . ووصف الميزان به ظاهر . وأما العدل فهو وصف له كاشف لأن ~~العدل كله استقامة . | # وجملة { ذلك خير } مستأنفة . والإشارة إلى المذكور وهو الكيل والوزن ~~المستفاد من فعلي { كلتم } و { زنوا } . | # و { خير } تفضيل ، أي خير من التطفيف ، أي خير لكم . فضل على التطفيف ~~تفضيلا لخير الآخرة الحاصل من ثواب الامتثال على خير الدنيا الحاصل من ~~الاستفضال الذي يطففه المطفف ، وهو أيضا أفضل منه في الدنيا لأن انشراح ~~النفس الحاصل للمرء من الإنصاف في الحق أفضل من الارتياح الحاصل له ~~باستفضال شيء من المال . | # والتأويل : تفعيل من الأول ، وهو الرجوع . يقال : أوله إذا أرجعه ، أي ~~أحسن إرجاعا ، إذا أرجعه المتأمل إلى مراجعه وعواقبه ، لأن الإنسان عند ~~التأمل يكون كالمنتقل بماهية الشيء في مواقع الأحوال من الصلاح والفساد ~~فإذا كانت الماهية صلاحا استقر رأي المتأمل على ما فيها من الصلاح ، فكأنه ~~أرجعها بعد التطواف إلى مكانها الصالح بها وهو مقرها ، فأطلق على استقرار ~~الرأي بعد التأمل اسم التأويل على طريقة التمثيل ، وشاع ذلك حتى ساوى ~~الحقيقة . | # ومعنى كون ذلك أحسن تأويلا : أن النظر إذا جال في منافع التطفيف في الكيل ~~والوزن وفي مضار الإيفاء فيهما ثم عاد فجال في مضار التطفيف ومنافع الإيفاء ~~استقر وآل إلى أن الإيفاء بهما خير من التطفيف ، لأن التطفيف يعود على ~~المطفف باقتناء جزء قليل من المال ويكسبه الكراهية والذم عند الناس وغضب ~~الله والسحت في ماله مع احتقار نفسه في نفسه ، والإيفاء بعكس ذلك يكسبه ميل ~~الناس إليه ورضى الله عنه ورضاه عن نفسه والبركة في ماله PageV15P099 فهو ~~أحسن تأويلا . وتقدم ms4760 ذكر التأويل بمعانيه في المقدمة الأولى من مقدمات هذا ~~التفسير . | # | 2 ( 36 ) { ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل ~~أولائك كان عنه مسؤولا } ) 2 # القفو : الاتباع ، يقال : قفاه يقفوه إذا اتبعه ، وهو مشتق من اسم القفا ~~، وهو ما وراء العنق . واستعير هذا الفعل هنا للعمل . والمراد ب { ما ليس ~~لك به علم } الخاطر النفساني الذي لا دليل عليه ولا غلبة ظن به . | # ويندرج تحت هذا أنواع كثيرة . منها خلة من خلال الجاهلية ، وهي الطعن في ~~أنساب الناس ، فكانوا يرمون النساء برجال ليسوا بأزواجهن ، ويليطون بعض ~~الأولاد بغير آبائهم بهتانا ، أو سوء ظن إذا رأوا بعدا في الشبه بين الابن ~~وأبيه أو رأوا شبهه برجل آخر من الحي أو رأوا لونا مخالفا للون الأب أو ~~الأم ، تخرصا وجهلا بأسباب التشكل ، فإن النسل ينزع في الشبه وفي اللون إلى ~~أصول من سلسلة الآباء أو الأمهات الأدنين أو الأبعدين ، وجهلا بالشبه ~~الناشىء عن الوحم . وقد جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن ~~امرأتي ولدت ولدا أسود ( يريد أن ينتفي منه ) فقال له النبي : ( هل لك من ~~إبل ؟ قال : نعم . قال : ما ألوانهن ؟ قال : ورق . قال : وهل فيها من جمل ~~أسود ؟ قال : نعم . قال : فمن أين ذلك ؟ قال : لعله عرق نزعه . فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم فلعل ابنك نزعه عرق ) ، ونهاه عن الانتفاء منه . فهذا ~~كان شائعا في مجتمعات الجاهلية فنهى الله المسلمين عن ذلك . | # ومنها القذف بالزنى وغيره من المساوي بدون مشاهدة ، وربما رموا الجيرة من ~~الرجال والنساء بذلك . وكذلك كان عملهم إذا غاب زوج المرأة PageV15P100 لم ~~يلبثوا أن يلصقوا بها تهمة ببعض جيرتها ، وكذلك يصنعون إذا تزوج منهم شيخ ~~مسن امرأة شابة أو نصفا فولدت له ألصقوا الولد ببعض الجيرة . ولذلك لما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم يوما ( سلوني ) أكثر الحاضرون أن يسأل الرجل ~~فيقول : من أبي ؟ فيقول : أبوك فلان . وكان العرب في الجاهلية يطعنون في ~~نسب أسامة بن زيد من أبيه ms4761 زيد بن حارثة لأن أسامة كان أسود اللون وكان زيد ~~أبوه أبيض أزهر ، وقد أثبت النبي صلى الله عليه وسلم أن أسامة بن زيد بن ~~حارثة . فهذا خلق باطل كان متفشيا في الجاهلية نهى الله المسلمين عن سوء ~~أثره . | # ومنها تجنب الكذب . قال قتادة : لا تقف : لا تقل : رأيت وأنت لم تر ، ولا ~~سمعت وأنت لم تسمع ، وعلمت وأنت لم تعلم . | # ومنها شهادة الزور وشملها هذا النهي ، وبذلك فسر محمد بن الحنفية وجماعة ~~. | # وما يشهد لإرادة جميع هذه المعاني تعليل النهي بجملة { إن السمع والبصر ~~والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا } . فموقع الجملة موقع تعليل ، أي أنك ~~أيها الإنسان تسأل عما تسنده إلى سمعك وبصرك وعقلك بأن مراجع القفو المنهي ~~عنه إلى نسبة لسمع أو بصر أو عقل في المسموعات والمبصرات والمعتقدات . | # وهذا أدب خلقي عظيم ، وهو أيضا إصلاح عقلي جليل يعلم الأمة التفرقة بين ~~مراتب الخواطر العقلية بحيث لا يختلط عندها المعلوم والمظنون والموهوم . ثم ~~هو أيضا إصلاح اجتماعي جليل يجنب الأمة من الوقوع والإيقاع في الأضرار ~~والمهالك من جراء الاستناد إلى أدلة موهومة . | # وقد صيغت جملة { كل أولئك كان عنه مسئولا } على هذا النظم بتقديم ( كل ) ~~الدالة على الإحاطة من أول الأمر . وأتي باسم الإشارة دون الضمير بأن يقال ~~: كلها كان عنه مسؤولا ، لما في الإشارة من زيادة التمييز . وأقحم فعل ( ~~كان ) لدلالته على رسوخ الخبر كما تقدم غير مرة . | PageV15P101 # و { عنه } جار ومجرور في موضع النائب عن الفاعل لاسم المفعول ، كقوله : { ~~غير المغضوب عليهم ( الفاتحة : 7 ) . وقدم عليه للاهتمام ، وللرعي على ~~الفاصلة . والتقدير : كان مسؤولا عنه ، كما تقول : كان مسؤولا زيد . ولا ~~ضير في تقديم المجرور الذي هو في رتبة نائب الفاعل وإن كان تقديم نائب ~~الفاعل ممنوعا لتوسع العرب في الظروف والمجرورات ، ولأن تقديم نائب الفاعل ~~الصريح يصيره مبتدأ ولا يصلح أن يكون المجرور مبتدأ فاندفع مانع التقديم . ~~| # والمعنى : كل السمع والبصر والفؤاد كان مسؤولا عن نفسه ، ومحقوقا بأن ~~يبين مستند صاحبه من حسه . | # والسؤال : كناية ms4762 عن المؤاخذة بالتقصير وتجاوز الحق ، كقول كعب : | # وقيل إنك منسوب ومسؤول | # أي مؤاخذ بما اقترفت من هجو النبي والمسلمين . وهو في الآية كناية بمرتبة ~~أخرى عن مؤاخذة صاحب السمع والبصر والفؤاد بكذبه على حواسه . وليس هو بمجاز ~~عقلي لمنافاة اعتباره هنا تأكيد الإسناد ب ( إن ) وب ( كل ) وملاحظة اسم ~~الإشارة و ( كان ) . وهذ المعنى كقوله : يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم ~~وأرجلهم بما كانوا يعملون ( النور : 24 ) أي يسأل السمع : هل سمعت ؟ فيقول ~~: لم أسمع ، فيؤاخذ صاحبه بأن أسند إليه ما لم يبلغه إياه وهكذا . | # والاسم الإشارة بقوله : أولئك } يعود إلى السمع والبصر والفؤاد وهو من ~~استعمال اسم الإشارة الغالب استعماله للعامل في غير العاقل تنزيلا لتلك ~~الحواس منزلة العقلاء لأنها جديرة بذلك إذ هي طريق العقل والعقل نفسه . على ~~أن استعمال ( أولئك ) لغير العقلاء استعمال مشهور قيل هو استعمال ~~PageV15P102 حقيقي أو لأن هذا المجاز غلب حتى ساوى الحقيقة ، قال تعالى : { ~~ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض ( الإسراء : 102 ) وقال : | # ذم المنازل بعد منزلة اللوى | # والعيش بعد أولئك الأيام | # وفيه تجريد الإسناد مسؤولا } إلى تلك الأشياء بأن المقصود سؤال أصحابها ، ~~وهو من نكت بلاغة القرآن . | # | 2 ( 37 ) { ولا تمش فى الارض مرحا إنك لن تخرق الارض ولن تبلغ الجبال ~~طولا } ) 2 # نهي عن خصلة من خصال الجاهلية ، وهي خصلة الكبرياء ، وكان أهل الجاهلية ~~يتعمدونها . وهذه الوصية الخامسة عشرة . | # والخطاب لغير معين ليعم كل مخاطب ، وليس خطابا للنبيء صلى الله عليه وسلم ~~إذ لا يناسب ما بعده . | # والمرح بفتح الميم وفتح الراء : شدة ازدهاء المرء وفرحه بحاله في عظمة ~~الرزق . و { مرحا } مصدر وقع حالا من ضمير { تمش } . ومجيء المصدر حالا ~~كمجيئه صفة يرد منه المبالغة في الاتصاف . وتأويله باسم الفاعل ، أي لا تمش ~~مارحا ، أي مشية المارح ، وهي المشية الدالة على كبرياء الماشي بتمايل ~~وتبختر . ويجوز أن يكون { مرحا } مفعولا مطلقا مبينا لفعل { تمش } لأن ~~للمشي أنواعا ، منها : ما يدل على أن صاحبه ذو مرح . فإسناد المرح إلى ~~المشي مجاز ms4763 عقلي . والمشي مرحا أن يكون في المشي شدة وطء على الأرض وتطاول ~~في بدن الماشي . | # وجملة { إنك لن تخرق الأرض } استئناف ناشىء عن النهي بتوجيه خطاب ثانن في ~~هذا المعنى على سبيل التهكم ، أي أنك أيها الماشي مرحا PageV15P103 لا تخرق ~~بمشيك أديم الأرض ، ولا تبلغ بتطاولك في مشيك طول الجبال ، فماذا يغريك ~~بهذه المشية . | # والخرق : قطع الشيء والفصل بين الأديم ، فخرق الأرض تمزيق قشر التراب . ~~والكلام مستعمل في التغليظ بتنزيل الماشي الواطىء الأرض بشدة منزلة من ~~يبتغي خرق وجه الأرض وتنزيله في تطاوله في مشيه إلى أعلى منزلة من يريد أن ~~يبلغ طول الجبال . | # والمقصود من التهكم التشنيع بهذا الفعل . فدل ذلك على أن المنهي عنه حرام ~~لأنه فساد في خلق صاحبه وسوء في نيته وإهانة للناس بإظهار الشفوف عليهم ~~وإرهابهم بقوته . وعن عمر بن الخطاب : أنه رأى غلاما يتبختر في مشيته فقال ~~له : ( إن البخترة مشية تكره إلا في سبيل الله ) يعني لأنها يرهب بها العدو ~~إظهارا للقوة على أعداء الدين في الجهاد . | # وإظهار اسم ( الأرض ) في قوله : { لن تخرق الأرض } دون إضمار ليكون هذا ~~الكلام مستقلا عن غيره جاريا مجرى المثل . | # | 2 ( 38 ) { كل ذالك كان سيئه عند ربك مكروها } ) 2 # تذييل للجمل المتقدمة ابتداء من قوله تعالى : { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا ~~إياه ( الإسراء : 23 ) باعتبار ما اشتملت عليه من التحذيرات والنواهي . فكل ~~جملة فيها أمر هي مقتضية نهيا عن ضده ، وكل جملة فيها نهي هي مقتضية شيئا ~~منهيا عنه ، فقوله : ألا تعبدوا إلا إياه يقتضي عبادة مذمومة منهيا عنها ، ~~وقوله : وبالوالدين إحسانا ( الإسراء : 23 ) يقتضي إساءة منهيا عنها ، وعلى ~~هذا القياس . | # وقرأ الجمهور سيئة } بفتح الهمزة بعد المثناة التحتية وبهاء تأنيث في ~~آخره ، وهي ضد الحسنة . | PageV15P104 # فالذي وصف بالسيئة وبأنه مكروه لا يكون إلا منهيا عنه أو مأمورا بضده إذ ~~لا يكون المأمور به مكروها للآمر به ، وبهذا يظهر للسامع معان اسم الإشارة ~~في قوله : { كل ذلك } . | # وإنما اعتبر ما في المذكورات من معاني النهي لأن ms4764 الأهم هو الإقلاع عما ~~يقتضيه جميعها من المفاسد بالصراحة أو بالالتزام ، لأن درء المفاسد أهم من ~~جلب المصالح في الاعتبار وإن كانا متلازمين في مثل هذا . | # وقوله : { عند ربك } متعلق ب { مكروها } أي هو مذموم عند الله . وتقديم ~~هذا الظرف على متعلقه للاهتمام بالظرف إذ هو مضاف لاسم الجلالة ، فزيادة { ~~عند ربك مكروها } لتشنيع الحالة ، أي مكروها فعله من فاعله . وفيه تعريض ~~بأن فاعله مكروه عند الله . | # وقرأ ابن عامر ، وعاصم ، وحمزة ، والكسائي ، وخلف { كان سيئة } بضم ~~الهمزة وبهاء ضمير في آخره . والضمير عائد إلى { كل ذلك } ، و { كل ذلك } ~~هو نفس السيء فإضافة ( سيىء ) إلى ضميره إضافة بيانية تفيد قوة صفة السيء ~~حتى كأنه شيئان يضاف أحدهما إلى الآخر . وهذه نكتة الإضافة البيانية كلما ~~وقعت ، أي كان ما نهى عنه من ذلك مكروها عند الله . | # وينبغي أن يكون { مكروها } خبرا ثانيا ل ( كان ) لأنه المناسب للقراءتين ~~. | # | 2 ( 39 ) { ذالك ممآ أوحى إليك ربك من الحكمة ولا تجعل مع الله إلاها ~~ءاخر فتلقى فى جهنم ملوما مدحورا } ) 2 # عدل عن مخاطبة الأمة بضمائر جمع المخاطبين وضمائر المخاطب غير المعين إلى ~~خطاب النبي صلى الله عليه وسلم ردا إلى ما سبق في أول هذه الآيات من قوله : ~~{ وقضى ربك الخ ( الإسراء : 23 ) . وهو تذييل معترض بين جمل النهي . ~~والإشارة إلى جميع ما ذكر من الأوامر والنواهي صراحة من قوله : وقضى ربك ( ~~الإسراء : 23 ) . | PageV15P105 # وفي هذا التذييل تنبيه على أن ما اشتملت عليه الآيات السبع عشرة هو من ~~الحكمة ، تحريضا على اتباع ما فيها وأنه خير كثير . وفيه امتنان على النبي ~~بأن الله أوحى إليه ، فذلك وجه قوله : مما أوحى إليك تنبيها على أن مثل ذلك ~~لا يصل إليه الأميون لولا الوحي من الله ، وأنه علمه ما لم يكن يعلم وأمره ~~أن يعلمه الناس . | # والحكمة : معرفة الحقائق على ما هي عليه دون غلط ولا اشتباه ، وتطلق على ~~الكلام الدال عليها . وتقدم في قوله تعالى : يؤتي الحكمة من يشاء ( البقرة ~~: 269 ) . | # عطف على ms4765 جمل النهي المتقدمة ، وهذا تأكيد لمضمون جملة { ألا تعبدوا إلا ~~إياه ( الإسراء : 23 ) ، أعيد لقصد الاهتمام بأمر التوحيد بتكرير مضمونه ~~وبما رتب عليه من الوعيد بأن يجازى بالخلود في النار مهانا . | # والخطاب لغير معين على طريقة المنهيات قبله ، وبقرينة قوله عقبه : ~~أفأصفاكم ربكم بالبنين الآية ( الإسراء : 40 ) . | # والإلقاء : رمي الجسم من أعلى إلى أسفل ، وهو يؤذن بالإهانة . | # والملوم : الذي ينكر عليه ما فعله . | # والمدحور : المطرود ، أي المطرود من جانب الله ، أي مغضوب عليه ومبعد من ~~رحمته في الآخرة . | # و تلقى منصوب في جواب النهي بفاء السببية والتسبب على المنهي عنه ، أي ~~فيتسبب على جعلك مع الله إلها آخر إلقاؤك في جهنم . | # | PageV15P106 # | 2 ( 40 ) { أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم ~~لتقولون قولا عظيما } ) 2 # تفريع على مقدر يدل على تقديره المفرع عليه . والتقدير : أفضلكم الله ~~فأعطاكم البنين وجعل لنفسه البنات . ومناسبته لما قبله أن نسبة البنات إلى ~~الله ادعاء آلهة تنتسب إلى الله بالبنوة ، إذ عبد فريق من العرب الملائكة ~~كما عبدوا الأصنام ، واعتلوا لعبادتهم بأن الملائكة بنات الله تعالى كما ~~حكى عنهم في قوله : { وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا إلى قوله ~~: وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ( الزخرف : 19 20 ) . فلما نهوا عن أن ~~يجعلوا مع الله إلها آخر خصص بالتحذير عبادة الملائكة لئلا يتوهموا أن ~~عبادة الملائكة ليست كعبادة الأصنام لأن الملائكة بنات الله ليتوهموا أن ~~الله يرضى بأن يعبدوا أبناءه . | # وقد جاء إبطال عبادة الملائكة بإبطال أصلها في معتقدهم ، وهو أنهم بنات ~~الله ، فإذا تبين بطلان ذلك علموا أن جعلهم الملائكة آلهة يساوي جعلهم ~~الأصنام آلهة . | # فجملة أفأصفاكم ربكم بالبنين } إلى آخرها متفرعة على جملة { ولا تجعل مع ~~الله إلاها آخر ( الإسراء : 39 ) تفريعا على النهي كما بيناه باعتبار أن ~~المنهي عنه مشتمل عمومه على هذا النوع الخاص الجدير بتخصيصه بالإنكار وهو ~~شبيه ببدل البعض . فالفاء للتفريع وحقها أن تقع في أول جملتها ولكن أخرها ~~أن للاستفهام الصدر في أسلوب الكلام العربي . وهذا هو ms4766 الوجه الحسن في موقع ~~حروف العطف مع همزة الاستفهام . | # وبعض الأيمة يجعل الاستفهام في مثل هذا استفهاما على المعطوف والعاطف . ~~والاستفهام إنكار وتهكم . | PageV15P107 # والإصفاء : جعل الشيء صفوا ، أي خالصا ، وتعدية أصفى إلى ضمير المخاطبين ~~على طريقة الحذف والإيصال ، وأصله : أفأصفى لكم . وقوله : بالبنين } الباء ~~فيه إما مزيدة لتوكيد لصوق فعل ( أصفى ) بمفعوله . وأصله : أفأصفى لكم ربكم ~~البنين ، كقوله تعالى : { وامسحوا برءوسكم ( المائدة : 6 ) ؛ أو ضمن أصفى ~~معنى آثر فتكون الباء للتعدية دالة على معنى الاختصاص بمجرورها ، فصار ( ~~أصفى ) مع متعلقه بمنزلة فعلين ، أي قصر البنين عليكم دونه ، أي جعل لم ~~البنين خالصة لا يساويكم هو بأمثالهم ، وجعل لنفسه الإناث التي تكرهونها . ~~وفساد ذلك ظاهر بأدنى نظر فإذا تبين فساده على هذا الوضع فقد تبين انتفاء ~~وقوعه إذ هو غير لائق بجلال الله تعالى . وقد تقدم هذا عند قوله تعالى : ~~ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون في سورة النحل ( 57 ) . وقوله : ~~إن يدعون من دونه إلا إناثا في ( النساء : 117 ) . | # وجملة إنكم لتقولون قولا عظيما } تقرير لمعنى الإنكار وبيان له ، أي ~~تقولون : اتخذ الله الملائكة بنات . وأكد فعل ( تقولون ) بمصدره تأكيدا ~~لمعنى الإنكار . وجعله مجرد قول لأنه لا يعدو أن يكون كلاما صدر عن غير ~~روية ، لأنه لو تأمله قائله أدنى تأمل لوجده غير داخل تحت قضايا المقبول ~~عقلا . | # والعظيم : القوي . والمراد هنا أنه عظيم في الفساد والبطلانن بقرينة سياق ~~الإنكار . ولا أبلغ في تقبيح قولهم من وصفه بالعظيم ، لأنه قول مدخول من ~~جوانبه لاقتضائه إيثار الله بأدون صنفي البنوة مع تخويلهم الصنف الأشرف . ~~ثم ما يقتضيه ذلك من نسبته خصائص الأجسام لله تعالى من تركيب وتولد واحتياج ~~إلى الأبناء للإعانة وليخلفوا الأصل بعد زواله ، فأي فساد أعظم من هذا . | # وفي قوله : { اتخذ } إيماء إلى فساد آخر ، وهو أنهم يقولون : { اتخذ الله ~~ولدا ( البقرة : 116 ) . والاتخاذ يقتضي أنه خلقه ليتخذه ، وذلك ينافي ~~التولد فكيف PageV15P108 يلتئم ذلك مع قوله : الملائكة بنات الله من سروات ~~الجن ، وكيف يخلق الشيء ثم يكون ابنا ms4767 له فذلك في البطلان ضغث على إبالة . | # | 2 ( 41 ) ولقد صرفنا فى هاذا القرءان ليذكروا وما يزيدهم إلا نفورا } ) ~~2 # لما ذكر فظاعة قولهم بأن الملائكة بنات الله أعقب ذلك بأن في القرآن هديا ~~كافيا ، ولكنهم يزدادون نفورا من تدبره . | # فجملة { ولقد صرفنا في هذا القرآن } معترضة مقترنة بواو الاعتراض . | # والضمير عائد إلى الذين عبدوا الملائكة وزعموهم بنات الله . | # والتصريف : أصله تعدد الصرف ، وهو النقل من جهة إلى أخرى . ومنه تصريف ~~الرياح ، وهو هنا كناية عن التبيين بمختلف البيان ومتنوعه . وتقدم في قوله ~~تعالى : { انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون في سورة الأنعام ( 46 ) . | # وحذف مفعول صرفنا } لأن الفعل نزل منزلة اللازم فلم يقدر له مفعول ، أي ، ~~بينا البيان ، أي ليذكروا ببيانه . ويذكروا : أصله يتذكروا ، فأدغم التاء ~~في الذال لتقارب مخرجيهما ، وقد تقدم في أول سورة يونس ، وهو من الذكر ~~المضموم الذال الذي هو ضد النسيان . | # وضمير { ليذكروا } عائد إلى معلوم من المقام دل عليه قوله : { أفأصفاكم ~~ربكم بالبنين ( الإسراء : 40 ) أي ليذكر الذين خوطبوا بالتوبيخ في قوله : ~~أفأصفاكم ربكم ( الإسراء : 40 ) ، فهو التفات من الخطاب إلى الغيبة ، أو من ~~خطاب المشركين إلى خطاب المؤمنين . | # وقوله : وما يزيدهم إلا نفورا } تعجب من حالهم . | PageV15P109 # وقرأ حمزة ، والكسائي ، وخلف { ليذكروا } بسكون الذال وضم الكاف مخففة ~~مضارع ذكر الذي مصدره الذكر بضم الذال . | # وجملة { وما يزيدهم إلا نفورا } في موضع الحال ، وهو حال مقصود منه ~~التعجيب من حال ضلالتهم . إذ كانوا يزدادون نفورا من كلام فصل وبين ~~لتذكيرهم . وشأن التفصيل أن يفيد الطمأنينة للمقصود . والنفور : هروب ~~الوحشي والدابة بجزع وخشية من الأذى . واستعير هنا لإعراضهم تنزيلا لهم ~~منزلة الدواب والأنعام . | # | 2 ( 42 ) { قل لو كان معه ءالهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذى العرش ~~سبيلا } ) 2 # عود إلى إبطال تعدد الآلهة زيادة في استئصال عقائد المشركين من عروقها ، ~~فالجملة استئناف ابتدائي بعد جملة { ولا تجعل مع الله إلاها آخر فتلقى في ~~جهنم ملوما مدحورا ( الإسراء : 39 ) . والمخاطب بالأمر بالقول هو النبي ~~لدمغهم ms4768 بالحجة المقنعة بفساد قولهم . وللاهتمام بها افتتحت ب قل } تخصيصا ~~لهذا بالتبليغ وإن كان جميع القرآن مأمورا بتبليغه . | # وجملة { كما تقولون } معترضة للتنبيه على أن تعدد الآلهة لا تحقق له ~~وإنما هو مجرد قول عار عن المطابقة لما في نفس الأمر . | # وابتغاء السبيل : طلب طريق الوصول إلى الشيء ، أي توخيه والاجتهاد ~~لإصابته ، وهو هنا مجاز في توخي وسيلة الشيء . وقد جاء في حديث موسى والخضر ~~عليهما السلام أن موسى سأل السبيل إلى لقيا الخضر . | # و ( إذن ) دالة على الجواب والجزاء فهي مؤكدة لمعنى الجواب الذي تدل عليه ~~اللام المقترنة بجواب ( لو ) الامتناعية الدالة على امتناع حصول ~~PageV15P110 جوابها لأجل امتناع وقوع شرطها ، وزائدة بأنها تفيد أن الجواب ~~جزاء عن الكلام المجاب . فالمقصود الاستدلال على انتفاء إلهية الأصنام ~~والملائكة الذين جعلوهم آلهة . | # وهذا الاستدلال يحتمل معنيين مآلهما واحد : | # والمعنى الأول : أن يكون المراد بالسبيل سبيل السعي إلى الغلبة والقهر ، ~~أي لطلبوا مغالبة ذي العرش وهو الله تعالى . وهذا كقوله تعالى : { وما كان ~~معه من إلاه إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض ( المؤمنون : 91 ~~) . ووجه الملازمة التي بني عليها الدليل أن من شأن أهل السلطان في العرف ~~والعادة أن يتطلبوا توسعة سلطانهم ويسعى بعضهم إلى بعض بالغزو ويتألبوا على ~~السلطان الأعظم ليسلبوه ملكه أو بعضه ، وقديما ما ثارت الأمراء والسلاطين ~~على ملك الملوك وسلبوه ملكه فلو كان مع الله آلهة لسلكوا عادة أمثالهم . | # وتمام الدليل محذوف للإيجاز يدل عليه ما يستلزمه ابتغاء السبيل على هذا ~~المعنى من التدافع والتغالب اللازمين عرفا لحالة طلب سبيل النزول بالقرية ~~أو الحي لقصد الغزو . وذلك المفضي إلى اختلال العالم لاشتغال مدبريه ~~بالمقاتلة والمدافعة على نحو ما يوجد في ميثلوجيا اليونان من تغالب الأرباب ~~وكيد بعضهم لبعض ، فيكون هذا في معنى قوله تعالى : لو كان فيهما آلهة إلا ~~الله لفسدتا ( الأنبياء : 22 ) . وهو الدليل المسمى ببرهان التمانع في علم ~~أصول الدين ، فالسبيل على هذا المعنى مجاز عن التمكن والظفر بالمطلوب . ~~والابتغاء على هذا ابتغاء ms4769 عن عداوة وكراهة . | # وقوله : كما تقولون } على هذا الوجه تنبيه على خطئهم ، وهو من استعمال ~~الموصول في التنبيه على الخطأ . | # والمعنى الثاني : أن يكون المراد بالسبيل سبيل الوصول إلى ذي العرش ، وهو ~~الله تعالى ، وصول الخضوع والاستعطاف والتقرب ، أي لطلبوا ما يوصلهم إلى ~~مرضاته كقوله : { يبتغون إلى ربهم الوسيلة ( الإسراء : 57 ) . | ~~PageV15P111 # ووجه الاستدلال أنكم جعلتموهم آلهة وقلتم ما نعبدهم إلا ليكونوا شفعاءنا ~~عند الله ، فلو كانوا آلهة كما وصفتم إلهيتهم لكانوا لا غنى لهم عن الخضوع ~~إلى الله ، وذلك كاف لكم بفساد قولكم ، إذ الإلهية تقتضي عدم الاحتياج فكان ~~مآل قولكم إنهم عباد لله مكرمون عنده ، وهذا كاف في تفطنكم لفساد القول ~~بإلهيتهم . | # والابتغاء على هذا ابتغاء محبة ورغبة ، كقوله : فمن شاء اتخذ إلى ربه ~~سبيلا ( المزمل : 19 ) . وقريب من معناه قوله تعالى : وقالوا اتخذ الرحمن ~~ولدا سبحانه بل عباد مكرمون ( الأنبياء : 26 ) ، فالسبيل على هذا المعنى ~~مجاز عن التوسل إليه والسعي إلى مرضاته . | # وقوله : كما تقولون } على هذا المعنى تقييد للكون في قوله : { لو كان معه ~~آلهة أي لو كان معه آلهة حال كونهم كما تقولون ، أي كما تصفون إلهيتهم من ~~قولكم : هؤلاء شفعاؤنا عند الله ( يونس : 18 ) . | # واستحضار الذات العلية بوصف ذي العرش } دون اسمه العلم لما تتضمنه ~~الإضافة إلى العرش من الشأن الجليل الذي هو مثار حسد الآلهة إياه وطمعهم في ~~انتزاع ملكه على المعنى الأول ، أو الذي هو مطمع الآلهة الابتغاء من سعة ما ~~عنده على المعنى الثاني . | # وقرأ الجمهور { كما تقولون } بتاء الخطاب على الغالب في حكاية القول ~~المأمور بتبليغه أن يحكى كما يقول المبلغ حين إبلاغه . وقرأه ابن كثير وحفص ~~بياء الغيبة على الوجه الآخر في حكاية القول المأمور بإبلاغه للغير أن يحكى ~~بالمعنى . لأن في حال خطاب الآمر المأمور بالتبليغ يكون المبلغ له غائبا ~~وإنما يصير مخاطبا عند التبليغ فإذا لوحظ حاله هذا عبر عنه بطريق الغيبة ~~كما قرىء قوله تعالى : { قل للذين كفروا ستغلبون ( آل عمران : 12 ) بالتاء ~~وبالياء أو على أن ms4770 قوله : كما يقولون } اعتراض بين شرط ( لو ) وجوابه . | # | PageV15P112 # | 2 ( 43 ) { سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا } ) 2 # إنشاء تنزيه لله تعالى عما ادعوه من وجود شركاء له في الإلهية . | # وهذا من المقول اعتراض بين أجزاء المقول ، وهو مستأنف لأنه نتيجة لبطلان ~~قولهم : إن مع الله آلهة ، بما نهضت به الحجة عليهم من قوله : { إذا ~~لابتغوا إلى ذى العرش سبيلا } . وقد تقدم الكلام على نظيره في قوله تعالى : ~~{ سبحانه وتعالى عما يصفون في سورة الأنعام ( 100 ) . | # والمراد بما يقولون ما يقولونه مما ذكر آنفا كقوله تعالى : ونرثه ما يقول ~~. | # وعلوا } مفعول مطلق عامله { تعالى } . جيء به على غير قياس فعله للدلالة ~~على أن التعالي هو الاتصاف بالعلو بحق لا بمجرد الادعاء كقول سعدة أم ~~الكميت بن معر : | # تعاليت فوق الحق عن آل فقعس | # ولم تخش فيهم ردة اليوم أو غد | # وقوله سبحانه : { ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ( المؤمنون : ~~24 ) ، أي يدعي الفضل ولا فضل له . وهو منصوب على المفعولية المطلقة ~~المبينة للنوع . | # والمراد بالكبير الكامل في نوعه . وأصل الكبير صفة مشبهة : الموصوف ~~بالكبر . والكبر : ضخامة جسم الشيء في متناول الناس ، أي تعالى أكمل علو لا ~~يشوبه شيء من جنس ما نسبوه إليه ، لأن المنافاة بين استحقاق ذاته وبين نسبة ~~الشريك له والصاحبة والولد بلغت في قوة الظهور إلى حيث لا تحتاج إلى زيادة ~~لأن وجوب الوجود والبقاء ينافي آثار الاحتياج والعجز . | # وقرأ الجمهور عما يقولون } بياء الغيبة . وقرأه حمزة ، والكسائي ، وخلف ~~بتاء الخطاب على أنه التفات ، أو هو من جملة المقول من قوله : { قل لو كان ~~معه آلهة ( الإسراء : 42 ) على هذه القراءة . | # | PageV15P113 # | 2 ( 44 ) تسبح له السماوات السبع والارض ومن فيهن وإن من شىء إلا يسبح ~~بحمده ولاكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا } ) 2 # جملة { يسبح له } الخ . حال من الضمير في { سبحانه } أي نسبحه في حال أنه ~~{ يسبح له السماوات السبع } إلخ ، أي { يسبح له } العوالم وما فيها وتنزيهه ~~عن النقائص . | # واللام في ms4771 قوله : { له } لام تعدية { يسبح } المضمن معنى يشهد بتنزيهه ، ~~أو هي اللام المسماة لام التبيين كالتي في قوله : { ألم نشرح لك صدرك ( ~~الشرح : 1 ) وفي قولهم : حمدت الله لك . | # ولما أسند التسبيح إلى كثير من الأشياء التي لا تنطق دل على أنه مستعمل ~~في الدلالة على التنزيه بدلالة الحال ، وهو معنى قوله : ولكن لا تفقهون ~~تسبيحهم } حيث أعرضوا عن النظر فيها فلم يهتدوا إلى ما يحف بها من الدلالة ~~على تنزيهه عن كل ما نسبوه من الأحوال المنافية للإلهية . | # والخطاب في { لا تفقهون } يجوز أن يكون للمشركين جريا على أسلوب الخطاب ~~السابق في قوله : { إنكم لتقولون قولا عظيما ( الإسراء : 40 ) وقوله : لو ~~كان معه آلهة كما تقولون ( الإسراء : 42 ) لأن الذين لم يفقهوا دلالة ~~الموجودات على تنزيه الله تعالى هم الذين لم يثبتوا له التنزيه عن النقائص ~~التي شهدت الموجودات حيثما توجه إليها النظر بتنزيهه عنها فلم يحرم من ~~الاهتداء إلى شهادتها إلا الذين لم يقلعوا عن اعتقاد أضدادها . فأما ~~المسلمون فقد اهتدوا إلى ذلك التسبيح بما أرشدهم إليه القرآن من النظر في ~~الموجودات وإن تفاوتت مقادير الاهتداء على تفاوت القرائح والفهوم . | # ويجوز أن يكون لجميع الناس باعتبار انتفاء تمام العلم بذلك التسبيح . | ~~PageV15P114 # وقد مثل الإمام فخر الدين ذلك فقال : إنك إذا أخذت تفاحة واحدة فتلك ~~التفاحة مركبة من عدد كثير من الأجزاء التي لا تتجزأ ( أي جواهر فردة ) ، ~~وكل واحد من تلك الأجزاء دليل تام مستقل على وجود الإله ، ولكل واحد من تلك ~~الأجزاء التي لا تتجزأ صفات مخصوصة من الطبع والطعم واللون والرائحة والحيز ~~والجهة ، واختصاص ذلك الجوهر الفرد بتلك الصفة المعينة هو من الجائزات فلا ~~يجعل ذلك الاختصاص إلا بتخصيص مخصص قادر حكيم ، فكل واحد من أجزاء تلك ~~التفاحة دليل تام على وجود الإله تعالى ، ثم عدد تلك الأجزاء غير معلوم ~~وأحوال تلك الصفات غير معلومة ، فلهذا المعنى قال تعالى : ولكن لا تفقهون ~~تسبيحهم } . | # ولعل إيثار فعل { لا تفقهون } دون أن يقول : لا تعلمون ، للإشارة إلى أن ms4772 ~~المنفي علم دقيق فيؤيد ما نحاه فخر الدين . | # وقرأ الجمهور { يسبح } بياء الغائب وقرأه أبو عمرو ، وحمزة ، والكسائي ، ~~وحفص عن عاصم ، ويعقوب ، وخلف بتاء جماعة المؤنث والوجهان جائزان في جموع ~~غير العاقل وغير حقيقي التأنيث . | # وجملة { إنه كان حليما غفورا } استئناف يفيد التعريض بأن مقالتهم تقتضي ~~تعجيل العقاب لهم في الدنيا لولا أن الله عاملهم بالحلم والإمهال . وفي ذلك ~~تعريض بالحث على الإقلاع عن مقالتهم ليغفر الله لهم . | # وزيادة ( كان ) للدلالة على أن الحلم والغفران صفتان له محققتان . | # | 2 ( 45 ) { وإذا قرأت القرءان جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالاخرة ~~حجابا مستورا } ) 2 # عطف جملة على جملة وقصة على قصة ، فإنه لما نوه بالقرآن في قوله : { إن ~~هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ( الإسراء : 9 ) ، ثم أعقب بما اقتضاه السياق ~~من PageV15P115 الإشارة إلى ما جاء به القرآن من أصول العقيدة وجوامع ~~الأعمال وما تخلل ذلك من المواعظ والعبر عاد هنا إلى التنبيه على عدم ~~انتفاع المشركين بهدي القرآن لمناسبة الإخبار عن عدم فقههم دلالة الكائنات ~~على تنزيه الله تعالى عن النقائص ، وتنبيها للمشركين على وجوب إقلاعهم عن ~~بعثتهم وعنادهم ، وتأمينا للنبيء من مكرهم به وإضمارهم إضراره ، وقد كانت ~~قراءته القرآن تغيظهم وتثير في نفوسهم الانتقام . | # وحقيقة الحجاب : الساتر الذي يحجب البصر عن رؤية ما وراءه . وهو هنا ~~مستعار للصرفة التي يصرف الله بها أعداء النبي عليه الصلاة والسلام عن ~~الإضرار به للإعراض الذي يعرضون به عن استماع القرآن وفهمه . وجعل الله ~~الحجاب المذكور إيجاد ذلك الصارف في نفوسهم بحيث يهمون ولا يفعلون ، وذلك ~~من خور الإرادة والعزيمة بحيث يخطر الخاطر في نفوسهم ثم لا يصممون ، وتخطر ~~معاني القرآن في أسماعهم ثم لا يتفهمون . وذلك خلق يسري إلى النفوس تديجيا ~~تغرسه في النفوس بادىء الأمر شهوة الإعراض وكراهية المسموع منه ثم لا يلبث ~~أن يصير ملكة في النفس لا تقدر على خلعه ولا تغييره . | # وإطلاق الحجاب على ما يصلح للمعنيين إما للحمل على حقيقة اللفظ ، وإما ~~للحمل على ما له نظير ms4773 في القرآن . وقد جاء في الآية الأخرى ومن بيننا وبينك ~~حجاب ( فصلت : 5 ) . | # ولما كان إنكارهم البعث هو الأصل الذي استبعدوا به دعوة النبي حتى زعموا ~~أنه يقول محالا إذ يخبر بإعادة الخلق بعد الموت وقال الذين كفروا هل ندلكم ~~على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد أفترى على الله كذبا ~~أم به جنة ( سبأ : 7 8 ) استحضروا في هذا الكلام بطريق الموصولة لما في ~~الصلة من الإيماء إلى علة جعل ذلك الحجاب بينه وبينهم فلذلك قال : وبين ~~الذين لا يؤمنون بالآخرة } . | PageV15P116 # ووصف الحجاب بالمستور مبالغة في حقيقة جنسه ، أي حجابا بالغا الغاية في ~~حجب ما يحجبه هو حتى كأنه مستور بساتر آخر ، فذلك في قوة أن يقال : جعلنا ~~حجابا فوق حجاب . ونظيره قوله تعالى : { ويقولون حجرا محجورا ( الفرقان : ~~22 ) . | # أو أريد أنه حجاب من غير جنس الحجب المعروفة فهو حجاب لا تراه الأعين ~~ولكنها ترى آثار أمثاله . وقد ثبت في أخبار كثيرة أن نفرا هموا الإضرار ~~بالنبي فما منهم إلا وقد حدث له ما حال بينه وبين همه وكفى الله نبيئه شرهم ~~، قال تعالى : فسيكفيكهم الله ( البقرة : 137 ) وهي معروفة في أخبار السيرة ~~. | # وفي الجمع بين حجابا } و { مستورا } من البديع الطباق . | # | 2 ( 46 ) { وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفى ءاذانهم وقرا وإذا ~~ذكرت ربك فى القرءان وحده ولوا على أدبارهم نفورا } ) 2 # | $ # عطف جعل على جعل . | # والتصريح بإعادة فعل الجعل يؤذن بأن هذا جعل آخر فيرجح أن يكون جعل ~~الحجاب المستور جعل الصرفة عن الإضرار ، ويكون هذا جعل عدم التدبر في ~~القرآن خلقة في نفوسهم . والقول في نظم هذه الآية ومعانيها تقدم في نظيرها ~~في سورة الأنعام . | PageV15P117 # | 2 ( 46 ) { وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفى ءاذانهم وقرا وإذا ~~ذكرت ربك فى القرءان وحده ولوا على أدبارهم نفورا } ) 2 # $ # لما كان الإخبار عنهم قبل هذا يقتضي أنهم لا يفقهون معاني القرآن تبع ذلك ~~بأنهم يعرضون عن فهم ما فيه خير لهم ، فإذا سمعوا ms4774 ما يبطل إلهية أصنامهم ~~فهموا ذلك فولوا على أدبارهم نفورا ، أي زادهم ذلك الفهم ضلالا كما حرمهم ~~عدم الفهم هديا ، فحالهم متناقض . فهم لا يسمعون ما يحق أن يسمع ، ويسمعون ~~ما يهوون أن يسمعوه ليزدادوا به كفرا . | # ومعنى ( ذكرت ربك وحده ) ظاهره أنك ذكرته مقتصرا على ذكره ولم تذكر ~~آلهتهم لأن { وحده } حال من { ربك } الذي هو مفعول { ذكرت } . ومعنى الحال ~~الدلالة على وجود الوصف في الخارج ونفسس الأمر ، أي كان ذكرك له ، وهو ~~موصوف بأنه وحده في وجود الذكر ، فيكون تولي المشركين على أدبارهم حينئذ من ~~أجل الغضب من السكوت عن آلهتهم وعدم الاكتراث بها بناء على أنهم يعلمون أنه ~~ما سكت عن ذكر آلهتهم إلا لعدم الاعتراف بها . ولولا هذا التقدير لما كان ~~لتوليهم على إدبارهم سبب ، لأن ذكر شيء لا يدل على إنكار غيره فإنهم قد ~~يذكرون العزى أو اللات مثلا ولا يذكرون غيرها من الأصنام لا يظن أن الذاكر ~~للعزى منكر مناة ، وفي هذا المعنى قوله تعالى : { وإذا ذكر الله وحده ~~اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة ( الزمر : 45 ) . | # ويحتمل أن المعنى : إذا ذكرت ربك بتوحيده بالإلهية وهو المناسب لنفورهم ~~وتوليهم ، لأنهم إنما ينكرون انفراد الله تعالى بالإلهية ، فتكون دلالة ~~وحده } على هذا المعنى بمعونة المقام وفعل { ذكرت } . | # ولعل الحال الجائية من معمول أفعال القول والذكر ونحوهما تحتمل أن يكون ~~وجودها في الخارج ، وأن يكون في القول واللسان ، فيكون معنى ( ذكرت ربك ~~وحده ) أنه موحد في ذكرك وكلامك ، أي ذكرته موصوفا بالوحدانية . | ~~PageV15P118 # وتخصيص الذكر بالكون في القرآن لمناسبته الكلام على أحوال المشركين في ~~استماع القرآن ، أو لأن القرآن مقصود منه التعليم والدعوة إلى الدين ، فخلو ~~آياته عن ذكر آلهتهم مع ذكر اسم الله يفهم منه التعريض بأنها ليست بآلهة ~~فمن ثم يغضبون كلما ورد ذكر الله ولم تذكر آلهتهم ، فكونه في القرآن هو ~~القرينة على أنه أراد إنكار آلهتهم . | # وقوله : { وحده } تقدم الكلام عليها عند قوله تعالى : { أجئتنا لنعبد ~~الله وحده في ( الأعراف : 70 ) . | # والتولية : الرجوع ms4775 من حيث أتى . وعلى أدبارهم تقدم القول فيه في قوله ~~تعالى : ولا ترتدوا على أدباركم في سورة العقود ( المائدة : 21 ) . | # ونفورا } يجوز أن يكون جمع نافر مثل سجود وشهود . ووزن فعول يطرد في جمع ~~فاعل فيكون اسم الفاعل على صيغة المصدر فيكون نفورا على هذا منصوبا على ~~الحال من ضمير { ولوا } ، ويجوز جعله مصدرا منصوبا على المفعولية لأجله ، ~~أي ولوا بسبب نفورهم من القرآن . | # | 2 ( 47 ) { نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى إذ ~~يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا } ) 2 # كان المشركون يحيطون بالنبي صلى الله عليه وسلم في المسجد الحرام إذا قرأ ~~القرآن يستمعون لما يقوله ليتلقفوا ما في القرآن مما ينكرونه ، مثل توحيد ~~الله ، وإثبات البعث بعد الموت ، فيعجب بعضهم بعضا من ذلك ، فكان الإخبار ~~عنهم بأنهم جعلت في قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقر وأنهم يولون على ~~أدبارهم نفورا إذا ذكر الله وحده ، ويثير في نفس السامع سؤالا عن سبب ~~تجمعهم لاستماع قراءة النبي عليه الصلاة والسلام ، فكانت هذه الآية جوابا ~~عن ذلك السؤال . فالجملة مستأنفة استئنافا بيانيا . | PageV15P119 # وافتتاح الجملة بضمير الجلالة لإظهار العناية بمضمونها . والمعنى : أن ~~الله يعلم علما حقا داعي استماعهم ، فإن كثرت الظنون فيه فلا يعلم أحد ذلك ~~السبب . | # ( وأعلم ) اسم تفضيل مستعمل في معنى قوة العلم وتفصيله . وليس المراد أن ~~الله أشد علما من غيره إذ لا يقتضيه المقام . | # والباء في قوله : { بما يستمعون } لتعدية اسم التفضيل إلى متعلقه لأنه ~~قاصر عن التعدية إلى المفعول . واسم التفضيل المشتق من العلم ومن الجهل ~~يعدى بالباء وفي سوى ذينك يعدى باللام . يقال : هو أعظى للدراهم . | # والباء في { يستمعون به } للملابسة . والضمير المجرور بالباء عائد إلى ( ~~ما ) الموصولة ، أي نحن أعلم بالشيء الذي يلابسهم حين يستمعون إليك ، وهي ~~ظرف مستقر في موضع الحال . والتقدير : متلبسين به . | # وبيان إبهام ( ما ) حاصل بقوله : { إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى } . | # و ( إذ ) ظرف ل { يستمعون به } . | # والنجوى : اسم مصدر المناجاة ، وهي المحادثة ms4776 سرا . وتقدم في قوله : { لا ~~خير في كثير من نجواهم في سورة النساء ( 114 ) . | # وأخبر عنهم بالمصدر للمبالغة في كثرة تناجيهم عند استماع القرآن تشاغلا ~~عنه . | # وإذ هم نجوى } عطف على { إذ يستمعون إليك } ، أي نحن أعلم بالذي يستمعونه ~~، ونحن أعلم بنجواهم . | # و { إذ يقول } بدل من { إذ هم نجوى } بدل بعض من كل ، لأن نجواهم غير ~~منحصرة في هذا القول . وإنما خص هذا القول بالذكر لأنه أشد غرابة من بقية ~~آفاكهم للبون الواضح بين حال النبي صلى الله عليه وسلم وبين حال المسحور . ~~| PageV15P120 # ووقع إظهار في مقام الإضمار في { إذ يقول الظالمون } دون : إذ يقولون ، ~~للدلالة على أن باعث قولهم ذلك هو الظلم ، أي الشرك فإن الشرك ظلم ، أي ~~ولولا شركهم لما مثل عاقل حالة النبي الكاملة بحالة المسحور . ويجوز أن ~~يراد الظلم أيضا الاعتداء ، أي الاعتداء على النبي صلى الله عليه وسلم كذبا ~~. | # | 2 ( 48 ) { انظر كيف ضربوا لك الامثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا } ) 2 # جملة مستأنفة استئنافا ابتدائيا ونظائرها كثيرة في القرآن . | # والتعبير بفعل النظر إشارة إلى أنه بلغ من الوضوح أن يكون منظورا . | # والاستفهام ب ( كيف ) للتعجيب من حالة تمثيلهم للنبيء عليه الصلاة ~~والسلام بالمسحور ونحوه . | # وأصل ( ضرب ) وضع الشيء وتثبيته يقال : ضرب خيمة ، ويطلق على صوغ الشيء ~~على حجم مخصوص ، يقال : ضرب دنانير ، وهو هنا مستعار للإبراز والبيان ~~تشبيها للشيء المبرز المبين بالشيء المثبت . وتقدم عند قوله تعالى : { إن ~~الله لا يستحيي أن يضرب مثلا في ( البقرة : 26 ) . | # واللام في لك } للتعليل والأجل ، أي ضربوا الأمثال لأجلك ، أي لأجل ~~تمثيلك ، أي مثلوك . يقال : ضربت لك مثلا بكذا . وأصله مثلتك بكذا ، أي أجد ~~كذا مثلا لك ، قال تعالى : { فلا تضربوا لله الأمثال ( النحل : 74 ) وقال : ~~واضرب لهم مثلا أصحاب القرية ( يس : 13 ) أي اجعلهم مثلا لحالهم . | # وجمع الأمثال } هنا ، وإن كان المحكي عنهم أنهم مثلوه بالمسحور ، وهو مثل ~~واحد ، لأن المقصود التعجيب من هذا المثل ومن غيره فيما يصدر PageV15P121 ~~عنهم من قولهم : هو شاعر ، هو كاهن ms4777 ، هو مجنون ، هو ساحر ، هو مسحور . ~~وسميت أمثالا باعتبار حالهم لأنهم تحيروا فيما يصفونه به للناس لئلا ~~يعتقدوه نبيئا ، فجعلوا يتطلبون أشبه الأحوال بحاله في خيالهم فيلحقونه به ~~، كمن يدرج فردا غريبا في أشبه الأجناس به ، كمن يقول في الزرافة : إنها من ~~الأفراس أو من الإبل أو من البقر . | # وفرع ضلالهم على ضرب أمثالهم لأن ما ضربوه من الأمثال كله باطل وضلال ~~وقوة في الكفر . فالمراد تفريع ضلالهم الخاص ببطلان تلك الأمثال ، أي فظهر ~~ضلالهم في ذلك كقوله : { كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا ( القمر : 9 ) . ~~| # ويجوز أن يراد بالضلال هنا أصل معناه ، وهو الحيرة في الطريق وعدم ~~الاهتداء ، أي ضربوا لك أشباها كثيرة لأنهم تحيروا فيما يعتذرون به عن شأنك ~~العظيم . | # وتفريع فلا يستطيعون سبيلا } على { فضلوا } تفريع لتوغلهم في الحيرة على ~~ضلالهم في ضرب تلك الأمثال . | # والسبيل : الطريق ، واستطاعته استطاعة الظفر به ، فيجوز أن يراد بالسبيل ~~سبيل الهدى على الوجه الأول في تفسير الضلال ، ويجوز أن يكون تمثيلا لحال ~~ضلالهم بحال الذي وقف في فيفاء لا يدري من أية جهة يسلك إلى المقصود ، على ~~الوجه الثاني في تفسير الضلال . | # والمعنى على هذا : أنهم تحيروا كيف يصفون حالك للناس لتوقعهم أن الناس ~~يكذبونهم ، فلذلك جعلوا ينتقلون في وصفه من صفة إلى صفة لاستشعارهم أن ما ~~يصفونه به باطل لا يطابقه الواقع . | # | PageV15P122 # | 2 ( 49 ) { وقالو ا أءذا كنا عظاما ورفاتا أءنا لمبعوثون خلقا جديدا } ~~) 2 # | $ # يجوز أن يكون جملة { وقالوا } معطوفة على جملة { قل لو كان معه آلهة كما ~~تقولون ( الإسراء : 42 ) باعتبار ما تشتمل عليه من قوله : كما تقولون لقصد ~~استئصال ضلالة أخرى من ضلالاتهم بالحجة الدامغة ، بعد استئصال التي قبلها ~~بالحجة القاطعة بقوله قل لو كان معه آلهة كما تقولون الآية وما بينهما ~~بمنزلة الاعتراض . | # ويجوز أن تكون عطفا على جملة إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا ~~( الإسراء : 47 ) التي مضمونها مظروف للنجوى ، فيكون هذا القول مما تناجوا ~~به بينهم ، ثم يجهرون بإعلانه ويعدونه حجتهم على ms4778 التكذيب . | # والاستفهام إنكاري . | # وتقديم الظرف من قوله : أئذا كنا عظاما } للاهتمام به لأن مضمونه هو دليل ~~الاستحالة في ظنهم ، فالإنكار متسلط على جملة { أئنا لمبعوثون } . وقوة ~~إنكار ذلك مقيد بحالة الكون عظاما ورفاتا ، وأصل تركيب الجملة : أإنا ~~لمبعوثون إذا كنا عظاما ورفاتا . | # وليس المقصود من الظرف التقييد ، لأن الكون عظاما ورفاتا ثابت لكل من ~~يموت فيبعث . | # والبعث : الإرسال . وأطلق هنا على إحياء الموتى ، لأن الميت يشبه الماكث ~~في عدم مبارحة مكانه . | # والعظام : جمع عظم ، وهوما منه تركيب الجسد للإنسان والدواب . ومعنى { ~~كنا عظاما } أنهم عظام لا لحم عليها . | PageV15P123 # والرفات : الأشياء المرفوتة ، أي المفتتة . يقال : رفت الشيء إذا كسره ~~كسرا دقيقة . ووزن فعال يدل على مفعول أفعال التجزئة مثل الدقاق والحطام ~~والجذاذ والفتات . | # و { خلقا جديدا } حال من ضمير ( مبعوثون ) . وذكر الحال لتصوير استحالة ~~البعث بعد الفناء لأن البعث هو الإحياء ، فإحياء العظام والرفات محال عندهم ~~، وكونهم خلقا جديدا أدخل في الاستحالة . | # والخلق : مصدر بمعنى المفعول ، ولكونه مصدرا لم يتبع موصوفه في الجمع . | # | 2 ( 50 52 ) { لله قل كونوا حجارة أو حديدا * أو خلقا مما يكبر فى ~~صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الذى فطركم أول مرة فسينغضون إليك رؤوسهم ~~ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا * يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون ~~إن لبثتم إلا قليلا } ) 2 # جواب عن قولهم : { أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا ( ~~الإسراء : 49 ) . أمر الله رسوله بأن يجيبهم بذلك . | # وقرينة ذلك مقابلة فعل كنا ( الإسراء : 49 ) في مقالهم بقوله : كونوا } ، ~~ومقابلة { عظاما ورفاتا } في مقالهم بقوله : { حجارة أو حديدا } الخ ، ~~مقابلة أجسام واهية بأجسام صلبة . ومعنى الجواب أن وهن الجسم مساو لصلابته ~~بالنسبة إلى قدرة الله تعالى على تكييفه كيف يشاء . | PageV15P124 # لهذا كانت جملة { قل كونوا حجارة } الخ غير معطوفة ، جريا على طريقة ~~المحاورات التي بينتها عند قوله تعالى : { قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ~~في سورة البقرة ( 30 ) . | # وإن كان قوله : قل } ليس مبدأ محاورة بل المحاورة بالمقول الذي بعده ؛ ~~ولكن الأمر بالجواب ms4779 أعطي حكم الجواب فلذلك فصلت جملة { قل } . | # واعلم أن ارتباط رد مقالتهم بقوله : { كونوا حجارة } الخ غامض ، لأنهم ~~إنما استبعدوا أو أحالوا إرجاع الحياة إلى أجسام تفرقت أجزاؤها وانخرم ~~هيكلها ، ولم يعللوا الإحالة بأنها صارت أجساما ضعيفة ، فيرد عليهم بأنها ~~لو كانت من أقوى الأجسام لأعيدت لها الحياة . | # فبنا أن نبين وجه الارتباط بين الرد على مقالتهم وبين مقالتهم المردودة ، ~~وفي ذلك ثلاثة وجوه : | # أحدها : أن تكون صيغة الأمر في قوله : { كونوا } مستعملة في معنى التسوية ~~، ويكون دليلا على جوابب محذوف تقديره : إنكم مبعوثون سواء كنتم عظاما ~~ورفاتا أو كنتم حجارة أو حديدا ، تنبيها على أن قدرة الله تعالى لا يتعاصى ~~عليها شيء . وذلك إدماج يجعل الجملة في معنى التذييل . | # الوجه الثاني : أن تكون صيغة الأمر في قوله : { كونوا } مستعملة في الفرض ~~، أي لو فرض أن يكون الأجساد من الأجسام الصلبة وقيل لكم : إنكم مبعوثون ~~بعد الموت لأحلتم ذلك واستبعدتم إعادة الحياة فيها . وعلى كلا الوجهين يكون ~~قوله : { مما يكبر في صدوركم } نهاية الكلام ، ويكون قوله : { فسيقولون من ~~يعيدنا } مفرعا على جملة { وقالوا أئذا كنا ( الإسراء : 49 ) الخ تفريعا ~~على الاستئناف . وتكون الفاء للاستئناف وهي بمعنى الواو على خلاف في مجيئها ~~للاستئناف ، والكلام انتقال لحكاية تكذيب آخر من تكذيباتهم . | PageV15P125 # الوجه الثالث : } أن يكون قوله : { قل كونوا حجارة } كلاما مستأنفا ليس ~~جوابا على قولهم : { أئذا كنا عظاما ورفاتا } ( الإسراء : 49 ) الخ وتكون ~~صيغة الأمر مستعملة في التسوية . وفي هذا الوجه يكون قوله : { فسيقولون من ~~يعيدنا } متصلا بقوله : { كونوا حجارة أو حديدا } الخ ، ومفرعا على كلام ~~محذوف يدل عليه قوله : { كونوا حجارة } ، أي فلو كانوا كذلك لقالوا : من ~~يعيدنا ، أي لانتقلوا في مدارج السفسطة من إحالة الإعادة إلى ادعاء عدم ~~وجود قادر على إعادة الحياة لهم لصلابة أجسادهم . | # وبهذه الوجوه يلتئم نظم الآية وينكشف ما فيه من غموض . | # والحديد : تراب معدني ، أي لا يوجد إلا في مغاور الأرض ، وهو تراب غليظ ~~مختلف الغلظ ، ثقيل أدكن اللون ، وهو إما محتت الأجزاء وإما مورقها ms4780 ، أي ~~مثل الورق . | # وأصنافه ثمانية عشر باعتبار اختلاف تركيب أجزائه ، وتتفاوت ألوان هذه ~~الأصناف ، وأشرف أصنافه الخالص ، وهو السالم في جميع أجزائه من المواد ~~الغريبة . وهذا نادر الوجود وأشهر ألوانه الأحمر ، ويقسم باعتبار صلابته ~~إلى صنفين أصليين يسميان الذكر والأنثى ، فالصلب هو الذكر واللين الأنثى . ~~وكان العرب يصفون السيف الصلب القاطع بالذكر . وإذا صهر الحديد بالنار ~~تمازجت أجزاؤه وتميع وصار كالحلواء فمنه ما يكون حديد صب ومنه ما يكون حديد ~~تطريق ، ومنه فولاذ . وكل صنف من أصنافه صالح لما يناسب سبكه منه على ~~اختلاف الحاجة فيها إلى شدة الصلابة مثل السيوف والدروع . ومن خصائص الحديد ~~أن يعلوه الصدأ ، وهو كالوسخ أخضر ثم يستحيل تدريجا إلى أكسيد ( كلمة ~~كيمياوية تدل على تعلق أجزاء الأكسجين بجسم فتفسده ) وإذا لم يتعهد الحديد ~~بالصقل والزيت أخذ الصدأ في نخر سطحه ، وهذا المعدن يوجد في غالب البلاد . ~~وأكثر وجوده في بلاد الحبشة وفي صحراء مصر . ووجدت في البلاد التونسية ~~PageV15P126 معادن من الحديد . وكان استعمال الحديد من العصور القديمة ؛ ~~فإن الطور الثاني من أطور التاريخ يعرف بالعصر الحديدي ، أي الذي كان البشر ~~يستعمل فيه آلات متخذة من الحديد ، وذلك من أثر صنعة الحديد ، وذلك قبل عصر ~~تدوين التاريخ . والعصر الذي قبله يعرف بالعصر الحجري . | # وقد اتصلت بتعيين الزمن الذي ابتدىء فيه صنع الحديد أساطير واهية لا ~~ينضبط بها تاريخه . والمقطوع به أن الحديد مستعمل عند البشر قبل ابتداء ~~كتابة التاريخ ولكونه يأكله الصدأ عند تعرضه للهواء والرطوبة لم يبق من ~~آلاته القديمة إلا شيء قليل . | # وقد وجدت في ( طيبة ) : ومدافن الفراعنة في ( منفيس ) بمصر صور على ~~الآثار مرسوم عليها : صور خزائن شاحذين مداهم وقد صبغوها في الصور باللون ~~الأزرق لون الفولاذ ، وذلك في القرن الحادي والعشرين قبل التاريخ المسيحي . ~~وقد ذكر في التوراة وفي الحديث قصة الذبيح ، وقصة اختتان إبراهيم بالقدوم . ~~ولم يذكر أن السكين ولاالقدوم كانتا من حجر الصوان ، فالأظهر أنه بآلة ~~الحديد ، ومن الحديد تتخذ السلاسل للقيد ، والمقامع للضرب ، وسيأتي قوله ~~تعالى : { ولهم مقامع ms4781 من حديد في سورة الحج ( 21 ) . | # والخلق : بعنى المخلوق ، أي أو خلقا آخر مما يعظم في نفوسكم عن قبوله ~~الحياة ويستحيل عندكم على الله إحياؤه مثل الفولاذ والنحاس . | # وقوله : مما يكبر في صدوركم } صفة { خلقا } . | # ومعنى { يكبر } يعظم وهو عظم مجازي بمعنى القوي في نوعه وصفاته ، والصدور ~~: العقول ، أي مما تعدونه عظيما لا يتغير . | # وفي الكلام حذف دل عليه الكلام المردود وهو قولهم : { أئذا كنا عظاما ~~ورفاتا أئنا لمبعوثون ( الإسراء : 49 ) . والتقدير : كونوا أشياء أبعد عن ~~قبول الحياة من العظام والرفات . | PageV15P127 # والمعنى : لو كنتم حجارة أو حديدا لأحياكم الله ، لأنهم جعلوا كونهم ~~عظاما حجة لاستحالة الإعادة ، فرد عليهم بأن الإعادة مقدرة لله تعالى ولو ~~كنتم حجارة أو حديدا ، لأن الحجارة والحديد أبعد عن قبول الحياة من العظام ~~والرفات إذ لم يسبق فيهما حلول الحياة قط بخلاف الرفات والعظام . | # والتفريع في فسيقولون من يعيدنا } على جملة { قل كونوا حجارة } أي قل لهم ~~ذلك فسيقولون لك : من يعيدنا . | # وجعل سؤالهم هنا عن المعيد لا عن أصل الإعادة لأن البحث عن المعيد أدخل ~~في الاستحالة من البحث عن أصل الإعادة ، فهو بمنزلة الجواب بالتسليم الجدلي ~~بعد الجواب بالمنع فإنهم نفوا إمكان إحياء الموتى ، ثم انتقلوا إلى التسليم ~~الجدلي لأن التسليم الجدلي أقوى ، في معارضة الدعوى ، من المنع . | # والاستفهام في { من يعيدنا } تهكمي . ولما كان قولهم هذا محقق الوقوع في ~~المستقبل أمر النبي بأن يجيبهم عندما يقولونه جواب تعيين لمن يعيدهم إبطالا ~~للازم التهكم ، وهو الاستحالة في نظرهم بقوله : { قل الذي فطركم أول مرة } ~~إجراء لظاهر استفهامهم على أصله بحمله على خلاف مرادهم ، لأن ذلك أجدر على ~~طريقة الأسلوب الحكيم لزيادة المحاجة ، كقوله في محاجة موسى لفرعون { قال ~~لمن حوله ألا تستمعون قال ربكم ورب آبائكم الأولين ( الشعراء : 25 26 ) . | # وجيء بالمسند إليه موصولا لقصد ما في الصلة من الإيماء إلى تعليل الحكم ~~بأن الذي فطرهم أول مرة قادر على إعادة خلقهم ، كقوله تعالى : وهو الذي ~~يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه ( الروم ms4782 : 27 ) فإنه لقدرته التي ابتدأ ~~بها خلقكم في المرة الأولى قادر أن يخلقكم مرة ثانية . | # والإنغاض : التحريك من أعلى إلى أسفل والعكس . فإنغاض الرأس تحريكه كذلك ~~، وهو تحريك الاستهزاء . | PageV15P128 # واستفهموا عن وقته بقولهم : متى هو } استفهام تهكم أيضا ؛ فأمر الرسول ~~بأن يجيبهم جوابا حقا إبطالا للازم التهكم ، كما تقدم في نظيره آنفا . | # وضمير { متى هو } عائد إلى العود المأخوذ من قوله : { يعيدنا } كقوله : { ~~اعدلوا هو أقرب للتقوى ( المائدة : 8 ) . | # و ( عسى ) للرجاء على لسان الرسول : والمعنى لا يبعد أن يكون قريبا . | # ويوم يدعوكم } بدل من الضمير المستتر في { يكون } من قوله : { أن يكون ~~قريبا } . وفتحته فتحة بناء لأنه أضيف إلى الجملة الفعلية . | # ويجوز أن يكون ظرفا ل { يكون } ، أي يكون يوم يدعوكم ، وفتحته فتحة نصب ~~على الظرفية . | # والدعاء يجوز أن يحمل على حقيقته ، أي دعاء الله الناس بواسطة الملائكة ~~الذين يسوقون الناس إلى المحشر . | # ويجوز أن يحمل على الأمر التكويني بإحيائهم ، فأطلق عليه الدعاء لأن ~~الدعاء يستلزم إحياء المدعو وحصول حضوره ، فهو مجاز في الإحياء والتسخير ~~لحضور الحساب . | # والاستجابة مستعارة لمطاوعة معنى { يدعوكم } ، أي فتحيون وتمثلون للحساب ~~. أي يدعوكم وأنتم عظام ورفات . وليس للعظام والرفات إدراك واستماع ولا ثم ~~استجابة لأنها فرع السماع وإنما هو تصوير لسرعة الإحياء والإحضار وسرعة ~~الانبعاث والحضور للحساب بحيث يحصل ذلك كحصول استماع الدعوة واستجابتها في ~~أنه لا معالجة في تحصيله وحصوله ولا ريث ولا بطء في زمانه . | PageV15P129 # وضمائر الخطاب على هذا خطاب للكفار القائلين { من يعيدنا } والقائلين { ~~متى هو } . | # والباء في { بحمده } للملابسة ، فهي في معنى الحال ، أي حامدين ، فهم إذا ~~بعثوا خلق فيهم إدراك الحقائق فعلموا أن الحق لله . | # ويجوز أن يكون { بحمده } متعلقا بمحذوف على أنه من كلام النبي صلى الله ~~عليه وسلم والتقدير : انطق بحمده ، كما يقال : باسم الله ، أي ابتدىء ، ~~وكما يقال للمعرس : باليمن والبركة ، أي أحمد الله على ظهور صدق ما أنبأتكم ~~به ، ويكون اعتراضا بين المتعاطفات . | # وقيل : إن قوله : { يوم يدعوكم } استئناف كلام خطاب للمؤمنين فيكون { يوم ~~يدعوكم ms4783 } متعلقا بفعل محذوف ، أي اذكروا يوم يدعوكم . والحمد على هذا الوجه ~~محمول على حقيقته ، أي تستجيبون حامدين الله على ما منحكم من الإيمان وعلى ~~ما أعد لكم مما تشاهدون حين انبعاثكم من دلائل الكرامة والإقبال . | # وأما جملة { وتظنون إن لبثتم إلا قليلا } فهي عطف على { تستجيبون } ، أي ~~وتحسبون أنكم ما لبثتم في الأرض إلا قليلا . والمراد : التعجيب من هذه ~~الحالة ، ولذلك جاء في بعض آيات أخرى سؤال المولى حين يبعثون عن مدة لبثهم ~~تعجيبا من حالهم ، قال تعالى : { قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين قالوا ~~لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العادين قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم ~~تعلمون ( المؤمنون : 112 114 ) ، وقال : فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال ~~كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام ( البقرة : 259 ) . ~~وهذا التعجيب تنديم للمشركين وتأييد للمؤمنين . والمراد هنا : أنهم ظنوا ~~ظنا خاطئا ، وهو محل التعجيب . وأما قوله في الآية الأخرى : قال إن لبثتم ~~إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون فمعناه : أنه وإن طال فهو قليل بالنسبة ~~لأيام الله . | # | PageV15P130 # | 2 ( 53 ) وقل لعبادى يقولوا التى هى أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن ~~الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا } ) 2 # لما أعقب ما أمر النبي عليه الصلاة والسلام بتبليغه إلى المشركين من ~~أقوال تعظهم وتنهنههم من قوله تعالى : { قل لو كان معه آلهة كما تقولون ( ~~الإسراء : 42 ) وقوله : قل كونوا حجارة ( الإسراء : 50 ) وقوله : قل عسى أن ~~يكون قريبا ( الإسراء : 51 ) ثني العنان إلى الأمر بإبلاغ المؤمنين تأديبا ~~ينفعهم في هذا المقام على عادة القرآن في تلوين الأغراض وتعقيب بعضها ببعض ~~أضدادها استقصاء لأصناف الهدى ومختلف أساليبه ونفع مختلف الناس . | # ولما كان ما سبق من حكاية أقوال المشركين تنبىء عن ضلال اعتقاد نقل ~~الكلام إلى أمر المؤمنين بأن يقولوا أقوالا تعرب عن حسن النية وعن نفوس ~~زكية . وأوتوا في ذلك كلمة جامعة وهي يقولوا التي هي أحسن } . | # و { التي هي أحسن } صفة لمحذوف يدل عليه ms4784 فعل { يقولوا } . تقديره : بالتي ~~هي أحسن . وليس المراد مقالة واحدة . | # واسم التفضيل مستعمل في قوة الحسن . ونظيره قوله : { وجادلهم بالتي هي ~~أحسن ( النحل : 125 ) ، أي بالمجادلات التي هي بالغة الغاية في الحسن ، فإن ~~المجادلة لا تكون بكلمة واحدة . | # فهذه الآية شديدة الاتصال بالتي قبلها وليست بحاجة إلى تطلب سبب لنزولها ~~. وهذا تأديب عظيم في مراقبة اللسان وما يصدر منه . وفي الحديث الصحيح عن ~~معاذ بن جبل : أن النبي أمره بأعمالل تدخله الجنة ثم قال له : ألا أخبرك ~~بملاك ذلك كله ؟ قلت : بلى يا رسول الله ، فأخذ بلسانه وقال : كف عليك هذا ~~. قال : قلت : يا رسول الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به ؟ فقال : ثكلتك أمك ~~وهل يكب الناس في النار على وجوههم ، أو قال على مناخرهم ، إلا حصائد ~~ألسنتهم . | PageV15P131 # والمقصد الأهم من هذا التأديب تأديب الأمة في معاملة بعضهم بعضا بحسن ~~المعاملة وإلانة القول ، لأن القول ينم عن المقاصد ، بقرينة قوله : إن ~~الشيطان ينزغ بينهم } . ثم تأديبهم في مجادلة المشركين اجتنابا لما تثيره ~~المشادة والغلظة من ازدياد مكابرة المشركين وتصلبهم فذلك من نزغ الشيطان ~~بينهم وبين عدوهم ، قال تعالى : { ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه ~~عداوة كأنه ولي حميم ( فصلت : 34 ) . والمسلمون في مكة يومئذ طائفة قليلة ~~وقد صرف الله عنهم ضر أعدائهم بتصاريف من لطفه ليكونوا آمنين ، فأمرهم أن ~~لا يكونوا سببا في إفساد تلك الحالة . | # والمراد بقوله : لعبادي } المؤمنون كما هو المعروف من اصطلاح القرآن في ~~هذا العنوان . وروي أن قول التي هي أحسن أن يقولوا للمشركين : يهديكم الله ~~، يرحمكم الله ، أي بالإيمان . وعن الكلبي : كان المشركون يؤذون أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بالقول والفعل ، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فأنزل الله هذه الآية . | # وجزم { يقولوا } على حذف لام الأمر وهو وارد كثيرا بعد الأمر بالقول ، ~~ولك أن تجعل { يقولوا } جوابا منصوبا في جواب الأمر مع حذف مفعول القول ~~لدلالة الجواب عليه . والتقدير : قل لهم : قولوا التي هي أحسن يقولوا ذلك ms4785 . ~~فيكون كناية على أن الامتثال شأنهم فإذا أمروا امتثلوا . وقد تقدم نظيره في ~~قوله : { قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة في سورة إبراهيم ( 31 ) . | # والنزغ : أصله الطعن السريع ، واستعمل هنا في الإفساد السريع الأثر . ~~وتقدم في قوله تعالى : من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي في سورة يوسف ~~( 100 ) . | # وجملة إن الشيطان ينزغ بينهم } تعليل للأمر بقول التي هي أحسن . والمقصود ~~من التعليل أن لا يستخفوا بفاسد الأقوال فإنها تثير مفاسد من عمل الشيطان . ~~| PageV15P132 # ولما كان ضمير { بينهم } عائدا إلى عبادي كان المعنى التحذير من إلقاء ~~الشيطان العداوة بين المؤمنين تحقيقا لمقصد الشريعة من بث الأخوة الإسلامية ~~. | # روى الواحدي : أن عمر بن الخطاب شتمه أعرابي من المشركين فشتمه عمر وهم ~~بقتله فكاد أن يثير فتنة فنزلت هذه الآية . وأيا ما كان سبب النزول فهو لا ~~يقيد إطلاق صيغة الأمر للمسلمين بأن يقولوا التي أحسن في كل حال . | # وجملة { إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا } تعليل لجملة { ينزغ بينهم } ~~، وعلة العلة علة . | # وذكر ( كان ) للدلالة على أن صفة العداوة أمر مستقر في خلقته قد جبل عليه ~~. وعداوته للإنسان متقررة من وقت نشأة آدم عليه الصلاة والسلام وأنه يسول ~~للمسلمين أن يغلظوا على الكفار بوهمهم أن ذلك نصر للدين ليوقعهم في الفتنة ~~، فإن أعظم كيد الشيطان أن يوقع المؤمن في الشر وهو يوهمه أنه يعمل خيرا . ~~| # | 2 ( 54 ) { ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم ومآ أرسلناك ~~عليهم وكيلا } ) 2 # هذا الكلام متصل بقوله : { نحن أعلم بما يستمعون به إلى قوله : فلا ~~يستطيعون سبيلا ( الإسراء : 47 ، 48 ) . فإن ذلك ينطوي على ما هو شأن ~~نجواهم من التصميم على العناد والإصرار على الكفر . وذلك يسوء النبي ويحزنه ~~أن لا يهتدوا ، فوجه هذا الكلام إليه تسلية له . ويدل لذلك تعقيبه بقوله : ~~وما أرسلناك عليهم وكيلا } . | PageV15P133 # ومعنى { إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم } على هذا الكناية عن مشيئة هديه ~~إياهم الذي هو سبب الرحمة ، أو مشيئة تركهم وشأنهم . وهذا أحسن ms4786 ما تفسر به ~~هذه الآية ويبين موقعها ، وما قيل غيره أراه لا يلتئم . | # وأوتي بالمسند إليه بلفظ الرب مضافا إلى ضمير المؤمنين الشامل للرسول ~~تذكيرا بأن الاصطفاء للخير شأن من معنى الربوبية التي هي تدبير شؤون ~~المربوبين بما يليق بحالهم ، ليكون لإيقاع المسند على المسند إليه بعد ذلك ~~بقوله : { أعلم بكم } وقع بديع ، لأن الذي هو الرب هو الذي يكون أعلم ~~بدخائل النفوس وقابليتها للاصطفاء . | # وهذه الجملة بمنزلة المقدمة لما بعدها وهي جملة { إن يشأ يرحمكم } الآية ~~، أي هو أعلم بما يناسب حال كل أحد من استحقاق الرحمة واستحقاق العذاب . | # ومعنى { أعلم بكم } أعلم بحالكم ، لأن الحالة هي المناسبة لتعلق العلم . ~~| # فجملة { إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم } مبينة للمقصود من جملة { ربكم ~~أعلم بكم } . | # والرحمة والتعذيب مكنى بهما عن الاهتداء والضلال ، بقرينة مقارنته لقوله ~~: { ربكم أعلم بكم } الذي هو كالمقدمة . وسلك سبيل الكناية بهما لإفادة ~~فائدتين : صريحهما وكنايتهما ، ولإظهار أنه لا يسأل عما يفعل ، لأنه أعلم ~~بما يليق بأحوال مخلوقاته . فلما ناط الرحمة بأسبابها والعذاب بأسبابه ، ~~بحكمته وعدله ، علم أن معنى مشيئته الرحمة أو التعذيب هو مشيئة إيجاد ~~أسبابهما ، وفعل الشرط محذوف . والتقدير : إن يشأ رحمتكم يرحمكم أو إن يشأ ~~تعذيبكم يعذبكم ، على حكم حذف مفعول فعل المشيئة في الاستعمال . | # وجيء بالعطف بحرف ( أو ) الدالة على أحد الشيئين لأن الرحمة والتعذيب لا ~~يجتمعان ف ( أو ) للتقسيم . | PageV15P134 # وذكر شرط المشيئة هنا فائدته التعليم بأنه تعالى لا مكره له ، فجمعت ~~الآية الإشارة إلى صفة العلم والحكمة وإلى صفة الإرادة والاختيار . | # وإعادة شرط المشيئة في الجملة المعطوفة لتأكيد تسلط المشيئة على الحالتين ~~. | # وجملة { وما أرسلناك عليهم وكيلا } زيادة لبيان أن الهداية والضلال من ~~جعل الله تعالى ، وأن النبي غير مسؤول عن استمرار من استمر في الضلالة . ~~إزالة للحرج عنه فيما يجده من عدم اهتداء من يدعوهم ، أي ما أرسلناك ~~لتجبرهم على الإيمان وإنما أرسلناك داعيا . | # والوكيل على الشيء : هو المسؤول به . والمعنى : أرسلناك نذيرا وداعيا لهم ~~وما أرسلناك عليهم وكيلا ، فيفيد ms4787 معنى القصر لأن كونه داعيا ونذيرا معلوم ~~بالمشاهدة فإذا نفي عنه أن يكون وكيلا وملجئا آل إلى معنى : ما أنت إلا ~~نذير . | # وضمير { عليهم } عائد إلى المشركين ، كما عادت إليهم ضمائر { على قلوبهم ~~( الإسراء : 46 ) وما بعده من الضمائر اللائقة بهم . | # وعليهم } متعلق ب { وكيلا } . وقدم على متعلقه للاهتمام وللرعاية على ~~الفاصلة . | # | 2 ( 55 ) { وربك أعلم بمن فى السماوات والارض ولقد فضلنا بعض النبيين ~~على بعض وءاتينا داوود زبورا } ) 2 # تماثل القرينتين في فاصلتي هذه الآية من كلمة { والأرض } وكلمة { على بعض ~~} ، يدل دلالة واضحة على أنهما كلام مرتبط بعضه ببعض ، وأن ليس قوله : { ~~وربك أعلم بمن في السماوات والأرض } تكملة لآية { ربكم أعلم بكم ( الإسراء ~~: 54 ) الآية . | PageV15P135 # وتغيير أسلوب الخطاب في قوله : وربك أعلم } بعد قوله : { ربكم أعلم بكم ( ~~الإسراء : 54 ) إيماء إلى أن الغرض من هذه الجملة عائد إلى شأن من شؤون ~~النبي التي لها مزيد اختصاص به ، تقفية على إبطال أقوال المشركين في شؤون ~~الصفات الإلهية ، بإبطال أقوالهم في أحوال النبي . ذلك أن المشركين لم ~~يقبلوا دعوة النبي بغرورهم أنه لم يكن من عظماء أهل بلادهم وقادتهم ، ~~وقالوا : أبعث الله يتيم أبي طالب رسولا ، أبعث الله بشرا رسولا ، فأبكتهم ~~الله بهذا الرد بقوله : وربك أعلم بمن في السماوات والأرض } فهو العالم حيث ~~يجعل رسالته . | # وكان قوله : { وربك أعلم بمن في السماوات والأرض } كالمقدمة لقوله : { ~~ولقد فضلنا بعض النبيئين } الآية . أعاد تذكيرهم بأن الله أعلم منهم ~~بالمستأهل للرسالة بحسب ما أعده الله فيه من الصفات القابلة لذلك ، كما قال ~~الله تعالى عنهم { قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم ~~حيث يجعل رسالاته في سورة الأنعام ( 124 ) . | # وكان الحكم في هذه المقدمة على عموم الموجودات لتكون بمنزلة الكلية التي ~~يؤخذ منها كل حكم لجزئياتها ، لأن المقصود بالإبطال من أقوال المشركين جامع ~~لصور كثيرة من أحوال الموجودات من البشر والملائكة وأحوالهم ؛ لأن بعض ~~المشركين أحالوا إرسال رسول من البشر ، وبعضهم أحالوا إرسال رسول ليس من ms4788 ~~عظمائهم ، وبعضهم أحالوا إرسال من لا يأتي بمثل ما جاء به موسى عليه الصلاة ~~والسلام . وذلك يثير أحوالا جمة من العصور والرجال والأمم أحياء وأمواتا . ~~فلا جرم كان للتعميم موقع عظيم في قوله : بمن في السماوات والأرض } ، وهو ~~أيضا كالمقدمة لجملة { ولقد فضلنا بعض النبيئين على بعض } ، مشيرا إلى أن ~~تفاضل الأنبياء ناشىء على ما أودعه الله فيهم من موجبات التفاضل . وهذا ~~إيجاز تضمن إثبات النبوءة وتقررها فيما مضى ما لا قبل لهم بإنكاره ، وتعدد ~~الأنبياء مما PageV15P136 يجعل محمدا صلى الله عليه وسلم ليس بدعا من الرسل ~~، وإثبات التفاضل بين الأفراد من البشر ، فمنهم رسول ومنهم مرسل إليهم ، ~~وإثبات التفاضل بين أفراد الصنف الفاضل . وتقرر ذلك فيما مضى تقررا لا ~~يستطيع إنكاره إلا مكابر بالتفاضل حتى بين الأفضلين سنة إلهية مقررة لا ~~نكران لها . فعلم أن طعنهم في نبوءة محمد صلى الله عليه وسلم طعن مكابرة ~~وحسد . كما قال تعالى في شأن اليهود { أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله ~~من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما } في ~~سورة النساء ( 54 ) . | # وتخصيص داوود عليه السلام بالذكر عقب هذه القضية العامة وجهه صاحب ( ~~الكشاف ) ومن تبعه بأن فائدة التلميح إلى أن محمدا صلى الله عليه وسلم أفضل ~~الأنبياء وأمته أفضل الأمم لأن في الزبور أن الأرض يرثها عباد الله ~~الصالحون . وهذا حسن . وأنا أرى أن يكون وجه هذا التخصيص الإيماء إلى أن ~~كثيرا من الأحوال المرموقة في نظر الجاهلين وقاصري الأنظار بنظر الغضاضة هي ~~أحوال لا تعوق أصحابها عن الصعود في مدارج الكمال التي اصطفاها الله لها ، ~~وأن التفضيل بالنبوءة والرسالة لا ينشأ عن عظمة سابقة ؛ فإن داوود عليه ~~السلام كان راعيا من رعاة الغنم في بني إسرائيل ، وكان ذا قوة في الرمي ~~بالحجر ، فأمر الله شاول ملك بني إسرائيل أن يختار داوود لمحاربة جالوت ~~الكنعاني ، فلما قتل داوود جالوت آتاه الله النبوءة وصيره ملكا لإسرائيل ، ~~فهو النبي الذي تجلى فيه اصطفاء الله تعالى لمن لم يكن ms4789 ذا عظمة وسيادة . | # وذكر إيتائه الزبور هو محل التعريض للمشركين بأن المسلمين سيرثون أرضهم ~~وينتصرون عليهم لأن ذلك مكتوب في الزبور كما تقدم آنفا . وقد أوتي داوود ~~الزبور ولم يؤت أحد من أنبياء بني إسرائيل كتابا بعد موسى عليه السلام . | # وذكر داوود تقدم في سورة الأنعام وفي آخر سورة النساء . | PageV15P137 # وأما الزبور فذكر عند قوله تعالى : { وآتينا داوود زبورا في آخر سورة ~~النساء ( 163 ) . | # والزبور : اسم لمجموع أقوال داوود عليه السلام التي بعضها مما أوحاه إليه ~~وبعضها مما ألهمه من دعوات ومناجاة وهو المعروف اليوم بكتاب المزامير من ~~كتب العهد القديم . | # | 2 ( 56 ) قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا ~~تحويلا } . ) 2 # لم أر لهذه الآية تفسيرا ينثلج له الصدر ، والحيرة بادية على أقوال ~~المفسرين في معناها وانتظام موقعها مع سابقها ، ولا حاجة إلى استقراء ~~كلماتهم . ومرجعها إلى طريقتين في محمل { الذين زعمتم من دونه } إحداهما في ~~( تفسير الطبري ) وابن عطية عن ابن مسعود والحسن . وثانيتهما في ( تفسير ~~القرطبي ) والفخر غير معزوة لقائل . | # والذي أرى في تفسيرها أن جملة { قل ادعوا الذين زعمتم من دونه } إلى { ~~تحويلا } معترضة بين جملة { ولقد فضلنا بعض النبيئين } ( الإسراء : 55 ) ~~وجملة { أولئك الذين يدعون } ( الإسراء : 57 ) . وذلك أنه لما جرى ذكر ~~الأفضلين من الأنبياء في أثناء آية الرد على المشركين مقالتهم في اصطفاء ~~محمد صلى الله عليه وسلم للرسالة واصطفاء أتباعه لولايته ودينه ، وهي آية { ~~وربك أعلم بمن في السماوات والأرض } ( الإسراء : 55 ) إلى آخرها ، جاءت ~~المناسبة لرد مقالة أخرى من مقالاتهم الباطلة وهي اعتذارهم عن عبادة ~~الأصنام بأنهم ما يعبدونهم إلا ليقربوهم إلى الله زلفى ، فجعلوهم عبادا ~~مقربين ووسائل لهم إلى الله ، فلما جرى ذكر المقربين حقا انتهزت مناسبة ~~ذكرهم لتكون مخلصا إلى إبطال ما ادعوه من وسيلة أصنامهم على عادة إرشاد ~~القرآن من اغتنام PageV15P138 مناسبات الموعظة ، وذلك من أسلوب الخطباء . ~~فهذه الآية متصلة المعنى بآية { قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا ~~إلى ذي العرش ms4790 سبيلا } ( الإسراء : 42 ) . فبعد أن أبطل أن يكون مع الله ~~آلهة ببرهان العقل عاد إلى إبطال إلهيتهم المزعومة ببرهان الحس . وهو ~~مشاهدة أنها لا تغني عنهم كشف الضر . | # فأصل ارتباط الكلام هكذا : ولقد فضلنا بعض النبيئين على بعض وآتينا داوود ~~زبورا أولئك الذين يدعون يبتغون الآية . فبمناسبة الثناء عليهم بابتهالهم ~~إلى ربهم ذكر ضد ذلك من دعاء المشركين آلهتهم . وقدم ذلك ، على الكلام الذي ~~أثار المناسبة ، اهتماما بإبطال فعلهم ليكون إبطاله كالغرض المقصود ويكون ~~ذكر مقابله كالاستدلال على ذلك الغرض . ولعل هذه الآية نزلت في مدة إصابة ~~القحط قريشا بمكة ، وهي السبع السنون التي هي دعوة النبي صلى الله عليه ~~وسلم ( اللهم اجعلها عليهم سنين كسنين يوسف ) . وتسلسل الجدال وأخذ بعضه ~~بحجز بعض حتى انتهى إلى هذه المناسبة . | # والملك بمعنى الاستطاعة والقدرة كما في قوله : { قل فمن يملك من الله ~~شيئا ( المائدة : 17 ) ، وقوله : قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ~~ضرا ولا نفعا في سورة العقود ( 76 ) . | # والمقصود من ذلك بيان البون بين الدعاء الحق والدعاء الباطل . ومن نظائر ~~هذا المعنى في القرآن قوله تعالى : إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى ~~الصالحين والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون في ~~سورة الأعراف ( 196 197 ) . | # والكشف : مستعار للإزالة . | # والتحويل : نقل الشيء من مكان إلى مكان ، أي لا يستطيعون إزالة الضر عن ~~الجميع ولا إزالته عن واحد إلى غيره . | # | PageV15P139 # | 2 ( 57 ) أولائك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون ~~رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا } ) 2 # والإشارة ب { أولئك الذين يدعون } إلى النبيئين لزيادة تمييزهم . | # والمعنى : أولئك الذين إن دعوا يستجب لهم ويكشف عنهم الضر ، وليسوا ~~كالذين تدعونهم فلا يملكون كشف الضر عنكم بأنفسهم ولا بشفاعتهم عند الله ~~كما رأيتم من أنهم لم يغنوا عنكم من الضر كشفا ولا صرفا . | # وجملة { يبتغون } حال من ضمير { يدعون } أو بيان لجملة { يدعون } . | # والوسيلة : المرتبة العالية القريبة من عظيم كالملك . | # و { أيهم أقرب ms4791 } يجوز أن يكون بدلا من ضمير { يبتغون } بدل بعض ، وتكون ( ~~أي ) موصولة . والمعنى : الذي هو أقرب من رضى الله يبتغي زيادة الوسيلة ~~إليه ، أي يزداد عملا للازدياد من رضى الله عنه واصطفائه . | # ويجوز أن يكون بدلا من جملة { يبتغون إلى ربهم الوسيلة } ، و ( أي ) ~~استفهامية ، أي يبتغون معرفة جواب : أيهم أقرب عند الله . | # وأقرب : اسم تفضيل ، ومتعلقه محذوف دل عليه السياق . والتقدير : أيهم ~~أقرب إلى ربهم . | # وذكر خوف العذاب بعد رجاء الرحمة للإشارة إلى أنهم في موقف الأدب مع ربهم ~~فلا يزيدهم القرب من رضاه إلا إجلالا له وخوفا من غضبه . وهو تعريض ~~بالمشركين الذين ركبوا رؤوسهم وتوغلوا في الغرور فزعموا أن شركاءهم شفعاؤهم ~~عند الله . | PageV15P140 # وجملة { إن عذاب ربك كان محذورا } تذييل . ومعنى { كان محذورا } أن ~~حقيقته تقتضي حذر الموفقين إذ هو جدير بذلك . | # | 2 ( 58 ) { وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها ~~عذابا شديدا كان ذالك فى الكتاب مسطورا } ) 2 # لما عرض بالتهديد للمشركين في قوله : { إن عذاب ربك كان محذورا ( الإسراء ~~: 57 ) ، وتحداهم بقوله : قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف ~~الضر عنكم ( الإسراء : 56 ) جاء بصريح التهديد على مسمع منهم بأن كل قرية ~~مثل قريتهم في الشرك لا يعدوها عذاب الاستيصال وهو يأتي على القرية وأهلها ~~، أو عذاب الانتقام بالسيف والذل والأسر والخوف والجوع وهو يأتي على أهل ~~القرية مثل صرعى بدر ، كل ذلك في الدنيا . فالمراد : القرى الكافر أهلها ~~لقوله تعالى : وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون في سورة هود ( ~~117 ) ، وقوله : وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون في سورة القصص ( 59 ~~) . | # وحذف الصفة في مثل هذا معروف كقوله تعالى : يأخذ كل سفينة غصبا ( الكهف : ~~79 ) أي كل سفينة صالحة ، بقرينة قوله : فأردت أن أعيبها ( الكهف : 79 ) . ~~| # وليس المقصود شمول ذلك القرى المؤمنة ، على معنى أن لا بد للقرى من زوال ~~وفناء في سنة الله في هذا العالم ، لأن ذلك معارض لآيات أخرى ، ولأنه مناف ~~لغرض ms4792 تحذير المشركين من الاستمرار على الشرك . | # فلو سلمنا أن هذا الحكم لا تنفلت منه قرية من القرى بحكم سنة الله في ~~مصير كل حادث إلى الفناء لما سلمنا أن في ذكر ذلك هنا فائدة . | # والتقييد بكونه قبل يوم القيامة } زيادة في الإنذار والوعيد ، كقوله : { ~~ولعذاب الآخرة أشد وأبقى ( طه : 127 ) . | PageV15P141 # و ( من ) مزيدة بعد ( إن ) النافية لتأكيد استغراق مدخولها باعتبار الصفة ~~المقدرة ، أي جميع القرى الكافرة كيلا يحسب أهل مكة عدم شمولهم . | # والكتاب : مستعار لعلم الله وسابق تقديره ، فتعريفه للعهد ؛ أو أريد به ~~الكتب المنزلة على الأنبياء ، فتعريفه للجنس فيشمل القرآن وغيره . | # والمسطور : المكتوب ، يقال : سطر الكتاب إذا كتبه سطورا ، قال تعالى : ~~والقلم وما يسطرون ( القلم : 1 ) . | # | 2 ( 59 ) { وما منعنآ أن نرسل بالايات إلا أن كذب بها الاولون وءاتينا ~~ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالايات إلا تخويفا } ) 2 # هذا كشف شبهة أخرى من شبه تكذيبهم إذ كانوا يسألون النبي أن يأتيهم بآيات ~~على حسب اقتراحهم ، ويقولون : لو كان صادقا وهو يطلب منا أن نؤمن به لجاءنا ~~بالآيات التي سألناه ، غرورا بأنفسهم أن الله يتنازل لمباراتهم . | # والجملة معطوفة على جملة { وإن من قرية إلا نحن مهلكوها } الآية ( ~~الإسراء : 58 ) ، أي إنما أمهلنا المتمردين على الكفر إلى أجل نزول العذاب ~~ولم نجبهم إلى ما طلبوا من الآيات لعدم جدوى إرسال الآيات للأولين من ~~قبيلهم في الكفر على حسب اقتراحهم فكذبوا بالآيات . | # وحقيقة المنع : كف الفاعل عن فعل يريد فعله أو يسعى في فعله ، وهذا محال ~~عن الله تعالى إذ لا مكره للقادر المختار . فالمنع هنا مستعار للصرف عن ~~الفعل وعدم إيقاعه دون محاولة إتيانه . | # والإرسال يجوز أن يكون حقيقة فيكون مفعول { أن نرسل } محذوفا دل عليه فعل ~~{ نرسل } . والتقدير : أن نرسل رسولنا ، فالباء في قوله : { بالآيات } ~~PageV15P142 للمصاحبة ، أي مصاحبا للآيات التي اقترحها المشركون . ويجوز أن ~~يكون الإرسال مستعارا لإظهار الآيات وإيجادها ، فتكون الباء مزيدة لتأكيد ~~تعلق فعل { نرسل بالآيات } ، وتكون { بالآيات } مفعولا في المعنى كقوله ~~تعالى : { وامسحوا برؤوسكم ( المائدة ms4793 : 6 ) . | # والتعريف في بالآيات } على كلا الوجهين للعهد ، أي المعهودة من اقتراحهم ~~كقولهم : { لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا ، ( الإسراء : 90 ) و ~~قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى ( القصص : 48 ) و قالوا لن نؤمن حتى نوتى ~~مثل ما أوتي رسل الله ( الأنعام : 124 ) على أحد التأويلين . | # و ( أن ) الأولى مفيدة مصدرا منصوبا على نزع الخافض ، وهو ( من ) التي ~~يتعدى بها فعل المنع ، وهذا الحذف مطرد مع ( أن ) . | # و ( أن ) الثانية مصدرها فاعل منعنا } على الاستثناء المفرغ . | # وإسناد المنع إلى تكذيب الأولين بالآيات مجاز عقلي لأن التكذيب سبب الصرف ~~. | # والمعنى : أننا نعلم أنهم لا يؤمنون كما لم يؤمن من قبلهم من الكفرة لما ~~جاءتهم أمثال تلك الآيات . فعلم الناس أن الإصرار على الكفر سجية للمشرك لا ~~يقلعها إظهار الآيات ، فلو آمن الأولون عندما أظهرت لهم الآيات لكان لهؤلاء ~~أن يجعلوا إيمانهم موقوفا على إيجاد الآيات التي سألوها . قال تعالى : { إن ~~الذين حقت عليهم كلمات ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية ( يونس : 96 97 ) . ~~| # والأظهر أن هذا تثبيت لأفئدة المؤمنين لئلا يفتنهم الشيطان ، وتسلية ~~للنبيء لحرصه على إيمان قومه فلعله يتمنى أن يجيبهم الله لما سألوا من ~~الآيات ولحزنه من أن يظنوه كاذبا . | # وجملة وآتينا ثمود الناقة } في محل الحال من ضمير الجلالة في { منعنا } ، ~~أي وقد آتينا ثمودا آية كما سألوه فزادوا كفرا بسببها حتى عجل لهم العذاب . ~~| PageV15P143 # ومعنى { مبصرة } واضحة الدلالة ، فهو اسم فاعل أبصر المتعدي إلى مفعول ، ~~أي جعل غيره مبصرا وذا بصيرة . فالمعنى : أنها مفيدة البصيرة ، أي اليقين ، ~~أي تجعل من رآها ذا بصيرة وتفيده أنها آية . ومنه قوله تعالى : { فلما ~~جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين ( النمل : 13 ) . | # وخص بالذكر ثمود وآيتها لشهرة أمرهم بين العرب ، ولأن آثار هلاكهم في ~~بلاد العرب قريبة من أهل مكة يبصرها صادرهم وواردهم في رحلاتهم بين مكة ~~والشام . | # وقوله : فظلموا بها } يجوز أن يكون استعمل الظلم بمعنى الكفر لأنه ظلم ~~النفس ، وتكون الباء للتعدية لأن ms4794 فعل الكفر يعدى إلى المكفور بالباء . ~~ويجوز أن يكون الظلم مضمنا معنى الجحد ، أي كابروا في كونها آية ، كقوله ~~تعالى : { وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا ( النمل : 14 ) . ويجوز ~~بقاء الظلم على حقيقته ، وهي الاعتداء بدون حق ، والباء صلة لتوكيد التعدية ~~مثل الباء في وامسحوا برؤوسكم ( المائدة : 6 ) ، أي ظلموا الناقة حين ~~عقروها وهي لم تجن عليهم ، فكان عقرها ظلما . والاعتداء على العجماوات ظلم ~~إذا كان غير مأذون فيه شرعا كالصيد . | # هذا بيان لحكمة أخرى في ترك إرسال الآيات إلى قريش ، تشير إلى أن الله ~~تعالى أراد الإبقاء عليهم ليدخل منهم في الإسلام كثير ويكون نشر الإسلام ~~على يد كثير منهم . | # وتلك مكرمة للنبيء صلى الله عليه وسلم فلو أرسل الله لهم الآيات كما ~~سألوا مع أن جبلتهم العناد لأصروا على الكفر فحقت عليهم سنة الله التي قد ~~خلت في عباده وهي الاستئصال عقب إظهار الآيات ، لأن إظهار الآيات ~~PageV15P144 تخويف من العذاب والله أراد الإبقاء على هذه الأمة قال : { وما ~~كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ( الأنفال : 33 ) الآية ، فعوضنا تخويفهم بدلا ~~عن إرسال الآيات التي اقترحوها . | # والقول في تعدية وما نرسل بالآيات } كالقول في { وما منعنا أن نرسل ~~بالآيات } معنى وتقديرا على الوجهين . | # والتخويف : جعل المرء خائفا . | # والقصر في قوله : { إلا تخويفا } لقصر الإرسال بالآيات على علة التخويف ، ~~وهو قصر إضافي ، أي لا مباراة بين الرسل وأقوامهم أو لا طمعا في إيمان ~~الأقوام فقد علمنا أنهم لا يؤمنون . | # | 2 ( 60 ) { وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس وما جعلنا الرءيا التى ~~أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة فى القرءان ونخوفهم فما يزيدهم إلا ~~طغيانا كبيرا } ) 2 # هذه تسلية للنبيء صلى الله عليه وسلم على حزنه من تكذيب قومه إياه ، ومن ~~إمهال عتاة أعداء الدين الذين فتنوا المؤمنين ، فذكره الله بوعده نصره . | # وقد أومأ جعل المسند إليه لفظ الرب مضافا إلى ضمير الرسول أن هذا القول ~~مسوق مساق التكرمة للنبيء وتصبيره ، وأنه بمحل عناية الله به إذ هو ربه وهو ~~ناصره ms4795 ؛ قال تعالى : { واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا ( الطور : 48 ) . | # فجملة وإذ قلنا لك } الخ يجوز أن تكون معطوفة على جملة { وما منعنا أن ~~نرسل بالآيات ( الإسراء : 59 ) ويجوز أن تكون معترضة . | # و ( إذ ) متعلقة بفعل محذوف ، أي اذكر إذ قلنا لك كلاما هو وعد بالصبر ، ~~أي اذكر لهم ذلك وأعده على أسماعهم ، أو هو فعل اذكر } PageV15P145 على أنه ~~مشتق من الذكر بضم الذال وهو إعادة الخبر إلى القوة العقلية الذاكرة . | # والإحاطة لما عدي فعلها هنا إلى ذاتت الناس لا إلى حال من أحوالهم تعين ~~أنها مستعملة في معنى الغلبة ، كما في قوله تعالى : { وظنوا أنهم أحيط بهم ~~في سورة يونس ( 22 ) . وعبر بصيغة المضي للتنبيه على تحقيق وقوع إحاطة الله ~~بالناس في المستقبل القريب . ولعل هذا إشارة إلى قوله تعالى : أو لم يروا ~~أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها ( الرعد : 41 ) . | # والمعنى : فلا تحزن لافترائهم وتطاولهم فسننتقم منهم . | # عطف على جملة { وما منعنا أن نرسل بالآيات ( الإسراء : 59 ) وما بينهما ~~معترضات . | # والرؤيا أشهر استعمالها في رؤيا النوم ، وتستعمل في رؤية العين كما نقل ~~عن ابن عباس في هذه الآية ، قال : هي رؤيا عين أريها النبي ليلة أسري به ~~إلى بيت المقدس ، رواه الترمذي وقال : إنه قول عائشة ومعاوية وسبعة من ~~التابعين ، سماهم الترمذي . وتأولها جماعة أنها ما رآه ليلة أسري به إذ رأى ~~بيت المقدس وجعل يصفه للمشركين ، ورأى عيرهم واردة في مكان معين من الطريق ~~ووصف لهم حال رجال فيها فكان كما وصف . ويؤيد هذا الوجه قوله : التي أريناك ~~} فإنه وصف للرؤيا ليعلم أنها رؤية عين . وقيل : رأى أنه يدخل مكة في سنة ~~الحديبية فرده المشركون فلم يدخلها فافتتن بعض من أسلموا فلما كان العام ~~المقبل دخلها . | # وقيل : هي رؤيا مصارع صناديد قريش في بدر أريها النبي صلى الله عليه وسلم ~~قبل ذلك أي بمكة . وعى هذين القولين فهي رؤيا نوم ورؤيا الأنبياء وحي . | ~~PageV15P146 # والفتنة : اضطراب الرأي واختلال نظام العيش ، وتطلق على العذاب المكرر ~~الذي لا يطاق ، قال تعالى ms4796 : { إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ( البروج ~~: 10 ) ، وقال : يوم هم على النار يفتنون ( الذاريات : 13 ) . فيكون المعنى ~~على أول القولين في الرؤيا أنها سبب فتنة المشركين بازدياد بعدهم عن ~~الإيمان ، ويكون على القول الثاني أن المرئي وهو عذابهم بالسيف فتنة لهم . ~~| # { والشجرة } عطف على الرؤيا ، أي ما جعلنا ذكر الشجرة الملعونة في القرآن ~~إلا فتنة للناس . وهذا إشارة إلى قوله تعالى : { إنها شجرة تخرج في أصل ~~الجحيم طلعها كأنه رؤوس الشياطين فإنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون في ~~سورة الصافات ( 64 66 ) ، وقوله : إن شجرة الزقوم طعام الأثيم الآية في ~~سورة الدخان ( 43 44 ) ، وقوله : إنكم أيها الضالون المكذبون لآكلون من شجر ~~من زقوم في سورة الواقعة ( 51 52 ) . | # روي أن أبا جهل قال : زعم صاحبكم أن نار جهنم تحرق الحجر ؛ ثم يقول بأن ~~في النار شجرة لا تحرقها النار . وجهلوا أن الله يخلق في النار شجرة لا ~~تأكلها النار . وهذا مروي عن ابن عباس وأصحابه في أسباب النزول } للواحدي و ~~( تفسير الطبري ) . وروي أن ابن الزبعرى قال : الزقوم التمر بالزبد بلغة ~~اليمن ، وأن أبا جهل أمر جارية فأحضرت تمرا وزبدا وقال لأصحابه : تمزقوا . ~~فعلى هذا التأويل فالمعنى : أن شجرة الزقوم سبب فتنة مكفرهم وانصرافهم عن ~~الإيمان . ويتعين أن يكون معنى جعل شجرة الزقوم فتنة على هذا الوجه أن ~~ذكرها كان سبب فتنة بحذف مضاف وهو ذكر بقرينة قوله : { الملعونة في القرآن ~~} لأن ما وصفت به في آيات القرآن لعن لها . | # ويجوز أن يكون المعنى : أن إيجادها فتنة . أي عذاب مكرر ، كما قال : { ~~إنا جعلناها فتنة للظالمين ( الصافات : 63 ) . | PageV15P147 # والملعونة أي المذمومة في القرآن في قوله : طعام الأثيم ( الدخان : 44 ) ~~وقوله : طلعها كأنه رؤوس الشياطين ( الصافات : 65 ) وقوله : كالمهل تغلي في ~~البطون كغلي الحميم ( الدخان : 45 46 ) . وقيل معنى الملعونة : أنها موضوعة ~~في مكان اللعنة وهي الإبعاد من الرحمة ، لأنها مخلوقة في موضع العذاب . وفي ~~الكشاف } : قيل تقول العرب لكل طعام ضار : ملعون . | # عطف على جملة { وما منعنا أن نرسل ms4797 بالآيات إلا أن كذب بها الأولون ( ~~الإسراء : 59 ) الدال على أنهم متصلبون في كفرهم مكابرون معاندون . وهذه ~~زيادة في تسلية النبي حتى لا يأسف من أن الله لم يرهم آيات ، لأن النبي ~~حريص على إيمانهم ، كما قال موسى عليه السلام فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب ~~الأليم ( يونس : 88 ) . | # ويوجد في بعض التفاسير أن ابن عباس قال : في الشجرة الملعونة بنو أمية . ~~وهذا من الأخبار المختلقة عن ابن عباس ، ولا إخالها إلا مما وضعه الوضاعون ~~في زمن الدعوة العباسية لإكثار المنفرات من بني أمية ، وأن وصف الشجرة ~~بأنها الملعونة في القرآن صريح في وجود آيات في القرآن ذكرت فيها شجرة ~~ملعونة وهي شجرة الزقوم كما علمت . ومثل هذا الاختلاق خروج عن وصايا القرآن ~~في قوله : ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد ~~الإيمان ( الحجرات : 11 ) . | # وجيء بصيغة المضارع في نخوفهم } للإشارة إلى تخويف حاضر ، فإن الله خوفهم ~~بالقحط والجوع حتى رأوا الدخان بين السماء والأرض وسألوا الله كشفه فقال ~~تعالى : { إنا كاشفو العذاب قليلا إنكم عائدون ( الدخان : 15 ) فذلك وغيره ~~من التخويف الذي سبق فلم يزدهم إلا طغيانا . فالظاهر أن هذه الآية نزلت في ~~مدة حصول بعض المخوفات . | PageV15P148 # وقد اختير الفعل المضارع في نخوفهم } و { يزيدهم } لاقتضائه تكرر التخويف ~~وتجدده ، وأنه كلما تجدد التخويف تجدد طغيانهم وعظم . | # والكبير : مستعار لمعنى الشديد القوى في نوع الطغيان . وقد تقدم عند قوله ~~تعالى : { قل قتال فيه كبير في سورة البقرة ( 217 ) . | # | 2 ( 61 ، 62 ) { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال ~~أءسجد لمن خلقت طينا * قال أرءيتك هاذا الذى كرمت على لئن أخرتن إلى يوم ~~القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا } ) 2 # عطف على جملة { وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس ( الإسراء : 60 ) أي ~~واذكر إذ قلنا للملائكة . والمقصود من هذا هو تذكير النبي بما لقي الأنبياء ~~قبله من معاندة الأعداء والحسدة من عهد آدم حين حسده إبليس على فضله . ~~وأنهم لا يعدمون مع ذلك معترفين بفضلهم وهم خيرة ms4798 زمانهم كما كانت الملائكة ~~نحو آدم عليه السلام ، وأن كلا الفريقين في كل عصر يمت إلى أحد الفريقين ~~الذي في عهد آدم ، فلفريق الملائكة المؤمنون ولفريق الشيطان الكافرون ، كما ~~أومأ إليه قوله تعالى : قال اذهب فمن تبعك منهم ( الإسراء : 63 ) الآية ، ~~ففي ذلك تسلية للنبيء عليه الصلاة والسلام . فأمر الله نبيئه بأن يذكر ذلك ~~يتضمن تذكيره إياه به ، وذكر النبي ذلك موعظة للناس بحال الفريقين لينظر ~~العاقل أين يضع نفسه . | # وتفسير قصة آدم وبيان كلماتها مضى في سورة البقرة وما بعدها . | # والاستفهام في أأسجد } إنكار ، أي لا يكون . | PageV15P149 # وجملة { قال أأسجد } مستأنفة استئنافا بيانيا ، لأن استثناء إبليس من حكم ~~السجود لم يفد أكثر من عدم السجود . وهذا يثير في نفس السامع أن يسأل عن ~~سبب التخلف عن هذا الحكم منه ، فيجاب بما صدر منه حين الاتصاف بعدم السجود ~~أنه عصيان لأمر الله ناشىء عن جهله وغروره . | # وقوله : { طينا } حال من اسم الموصول ، أي الذي خلقته في حال كونه طينا ، ~~فيفيد معنى أنك خلقته من الطين . وإنما جعل جنس الطين حالا منه للإشارة إلى ~~غلبة العنصر الترابي عليه لأن ذلك أشد في تحقيره في نظر إبليس . | # وجملة { قال أرأيتك } بدل اشتمال من جملة { أأسجد لمن خلقت طينا } ~~باعتبار ما تشتمل عليه من احتقار آدم وتغليط الإرادة من تفضيله . فقد أعيد ~~إنكار التفضيل بقوله : { أرأيتك } المفيد الإنكار . وعلل الإنكار بإضمار ~~المكر لذريته ، ولذلك فصلت جملة { قال أرأيتك } عن جملة { قال أأسجد } كما ~~وقع في قوله تعالى : { فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة ~~الخلد ( طه : 120 ) . | # وأرأيتك } تركيب يفتتح بها الكلام الذي يراد تحقيقه والاهتمام به . ~~ومعناه : أخبرني عما رأيت ، وهو مركب من همزة استفهام ، و ( رأى ) التي ~~بمعنى علم وتاء المخاطب المفرد المرفوع ، ثم يزاد على ضمير الخطاب كاف خطاب ~~تشبه ضمير الخطاب المنصوب بحسب المخاطب واحدا أو متعددا . يقال : أرأيتك ~~وأرأيتكم كما تقدم في قوله تعالى : { قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو ~~أتتكم الساعة في سورة ms4799 الأنعام ( 40 ) . وهذه الكاف عند البصريين تأكيد ~~لمعنى الخطاب الذي تفيده تاء الخطاب التي في محل رفع ، وهو يشبه التوكيد ~~اللفظي . وقال الفراء : الكاف ضمير نصب ، والتركيب : أرأيت نفسك . وهذا ~~أقرب للاستعمال ، ويسوغه أن أفعال الظن والعلم قد تنصب على المفعولية ما هو ~~ضمير فاعلها نحو قول طرفة : | PageV15P150 # فما لي أراني وابن عمي مالكا | # متى أدن منه ينأ عني ويبعد | # أي أرى نفسي . | # واسم الإشارة مستعمل في التحقير ، كقوله تعالى : أهذا الذي يذكر آلهتكم ( ~~الأنبياء : 36 ) . والمعنى أخبرني عن نيتك أهذا الذي كرمته علي بلا وجه . | # وجملة لئن أخرتن إلى يوم القيامة } الخ مستأنفة استئنافا ابتدائيا ، وهي ~~جملة قسمية ، واللام موطئة للقسم المحذوف مع الشرط ، والخبر مستعمل في ~~الدعاء فهو في معنى قوله : { قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون ( ص : 79 ) . | # وهذا الكلام صدر من إبليس إعرابا عما في ضميره وإنما شرط التأخير إلى يوم ~~القيامة ليعم بإغوائه جميع أجيال ذرية آدم فلا يكون جيل آمنا من إغوائه . | # وصدر ذلك من إبليس عن وجدان ألقي في نفسه صادف مراد الله منه فإن الله ~~لما خلقه قدر له أن يكون عنصر إغواء إلى يوم القيامة وأنه يغوي كثيرا من ~~البشر ويسلم منه قليل منهم . | # وإنما اقتصر على إغواء ذرية آدم ولم يذكر إغواء آدم وهو أولى بالذكر إذ ~~آدم هو أصل عداوة الشيطان الناشئة عن الحسد من تفضيله عليه إما لأن هذا ~~الكلام قاله بعد أن أعوى آدم وأخرج من الجنة فقد شفى غليله منه وبقيت ~~العداوة مسترسلة في ذرية آدم ، قال تعالى : إن الشيطان لكم عدو ( فاطر : 6 ~~) . | # والاحتناك : وضع الراكب اللجام في حنك الفرس ليركبه ويسيره ، فهو هنا ~~تمثيل لجلب ذرية آدم إلى مراده من الإفساد والإغواء بتسيير الفرس على حب ما ~~يريد راكبه . | # | PageV15P151 # | 2 ( 63 ، 64 ) قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزآؤكم جزاء موفورا * ~~واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم فى الاموال ~~والاولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا } ) 2 # جواب من ms4800 الله تعالى عن سؤال إبليس التأخير إلى يوم القيامة ، ولذلك فصلت ~~جملة { قال } على طريقة المحاورات التي ذكرناها عند قوله تعالى : { قالوا ~~أتجعل فيها ( البقرة ؛ 30 ) . | # والذهاب ليس مرادا به الانصراف بل هو مستعمل في الاستمرار على العمل ، أي ~~امض لشأنك الذي نويته . وصيغة الأمر مستعملة في التسوبة وهو كقول النبهاني ~~من شعراء الحماسة : | # فإن كنت سيدنا سدتنا | # وإن كنت للخال فاذهب فخل | # وقوله : فمن تبعك منهم } تفريع على التسوية والزجر كقوله تعالى : { قال ~~فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس ( طه : 97 ) . | # والجزاء : مصدر جزاه على عمل ، أي أعطاه عن عمله عوضا . وهو هنا بمعنى ~~اسم المفعول كالخلق بمعنى المخلوق . | # والموفور : اسم مفعول من وفره إذا كثره . | # وأعيد جزاء } للتأكيد ، اهتماما وفصاحة ، كقوله : { إنا أنزلناه قرآنا ~~عربيا ( يوسف : 2 ) ، ولأنه أحسن في جريان وصف الموفور على موصوف متصل به ~~دون فصل . وأصل الكلام : فإن جهنم جزاؤكم موفورا . فانتصاب جزاء } على ~~الحال الموطئة ، و { موفورا } صفة له ، وهو الحال في المعنى ، أي جزاء غير ~~منقوص . | PageV15P152 # والاستفزاز : طلب الفز ، وهو الخفة والانزعاج وترك التثاقل . والسين ~~والتاء فيه للجعل الناشىء عن شدة الطلب والحث الذي هو أصل معنى السين ~~والتاء ، أي استخفهم وأزعجهم . | # والصوت : يطلق على الكلام كثيرا ، لأن الكلام صوت من الفم . واستعير هنا ~~لإلقاء الوسوسة في نفوس الناس . ويجوز أن يكون مستعملا هنا تمثيلا لحالة ~~إبليس بحال قائد الجيش فيكون متصلا بقوله : { وأجلب عليهم بخيلك } كما ~~سيأتي . | # والإجلاب : جمع الجيش وسوقه ، مشتق من الجلبة بفتحتين ، وهي الصياح ، لأن ~~قائد الجيش إذا أراد جمع الجيش نادى فيهم للنفير أو للغارة والهجوم . | # والخيل : اسم جمع الفرس . والمراد به عند ذكر ما يدل على الجيش الفرسان . ~~ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم ( يا خيل الله اركبي ) . وهو تمثيل لحال ~~صرف قوته ومقدرته على الإضلال بحال قائد الجيش يجمع فرسانه ورجالته . . | # ولما كان قائد الجيش ينادي في الجيش عند الأمر بالغارة جاز أن يكون قوله ~~: { واستفزز من استطعت منهم بصوتك } من ms4801 جملة هذا التمثيل . | # والرجل : اسم جمع الرجال كصحب . وقد كانت جيوش العرب مؤلفة من رجالة ~~يقاتلون بالسيوف ومن كتائب فرسان يقاتلون بنضح النبال ، فإذا التحموا ~~اجتلدوا بالسيوف جميعا . قال أنيف بن زبان النبهاني : | # وتحت نحور الخيل حرشف رجلة | # تتاح لحبات القلوب نبالها | # ثم قال : | # فلما التقينا بين السيف بيننا | # لسائلة عنا حفي سؤالها | PageV15P153 # والمعنى : أجمع لمن اتبعك من ذرية آدم وسائل الفتنة والوسوسة لإضلالهم . ~~فجعلت وسائل الوسوسة بتزيين المفاسد وتفظيع المصالح كاختلاف أصناف الجيش ، ~~فهذا تمثيل حال الشيطان وحال متبعيه من ذرية آدم بحال من يغزو قوما بجيش ~~عظيم من فرسان ورجالة . | # وقرأ حفص عن عاصم { ورجلك } بكسر الجيم ، وهو لغة في رجل مضموم الجيم ، ~~وهو الواحد من الرجال . والمراد الجنس . والمعنى : بخيلك ورجالك ، أي ~~الفرسان والمشاة . | # والباء في { بخيلك } إما لتأكيد لصوق الفعل لمفعوله فهي لمجرد التأكيد . ~~ومجرورها مفعول في المعنى لفعل { أجلب } مثل { وامسحوا برؤوسكم ( المائدة : ~~6 ) ؛ وإما لتضمين فعل أجلب } معنى ( اغزهم ) فيكون الفعل مضمنا معنى الفعل ~~اللازم وتكون الباء للمصاحبة . | # والمشاركة في الأموال : أن يكون للشيطان نصيب في أموالهم وهي أنعامهم ~~وزروعهم إذ سول لهم أن يجعلوا نصيبا في النتاج والحرث للأصنام . وهي من ~~مصارف الشيطان لأن الشيطان هو المسول للناس باتخاذها ، قال تعالى : { ~~وجعلوا لله ما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا ~~لشركائنا ( الأنعام : 136 ) . | # وأما مشاركة الأولاد فهي أن يكون للشيطان نصيب في أحوال أولادهم مثل ~~تسويله لهم أن يئدوا أولادهم وأن يستولدوهم من الزنى ، وأن يسموهم بعبدة ~~الأصنام ، كقولهم : عبد العزى ، وعبد اللات ، وزيد مناة ، ويكون انتسابه ~~إلى ذلك الصنم . | # ومعنى عدهم } أعطهم المواعيد بحصول ما يرغبونه كما يسول لهم بأنهم إن ~~جعلوا أولادهم للأصنام سلم الآباء من الثكل والأولاد من الأمراض ، ويسول ~~لهم أن الأصنام تشفع لهم عند الله في الدنيا وتضمن لهم PageV15P154 النصر ~~على الأعداء ، كما قال أبو سفيان يوم أحد ( أعل هبل ) . ومنه وعدهم بأنهم ~~لا يخشون عذابا بعد الموت لإنكار البعث ، ووعد العصاة بحصول اللذات ms4802 ~~المطلوبة من المعاصي مثل الزنى والسرقة والخمر والمقامرة . | # وحذف مفعول { وعدهم } للتعميم في الموعود به . والمقام دال على أن ~~المقصود أن يعدهم بما يرغبون لأن العدة هي التزام إعطاء المرغوب . وسماه ~~وعدا لأنه يوهمهم حصوله فيما يستقبل فلا يزالون ينتظرونه كشأن الكذاب أن ~~يحتزر عن الإخبار بالعاجل لقرب افتضاحه فيجعل مواعيده كلها للمستقبل . | # ولذلك اعترض بجملة { وما يعدهم الشيطان إلا غرورا } . | # والغرور : إظهار الشيء المكروه في صورة المحبوب الحسن . وتقدم عند قوله ~~تعالى : { لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد في سورة آل عمران ( 196 ) ، ~~وقوله : زخرف القول غرورا في سورة الأنعام ( 112 ) . والمعنى : أن ما سوله ~~لهم الشيطان في حصول المرغوب إما باطل لا يقع ، مثل ما يسوله للناس من ~~العقائد الفاسدة وكونه غرورا لأنه إظهار لما يقع في صورة الواقع فهو تلبيس ~~؛ وإما حاصل لكنه مكروه غير محمود بالعاقبة ، مثل ما يسوله للناس من قضاء ~~دواعي الغضب والشهوة ومحبة العاجل دون تفكير في الآجل ، وكل ذلك لا يخلو عن ~~مقارنة الأمر المكروه أو كونه آيلا إليه بالإضرار . وقد بسط هذا الغزالي في ~~كتاب الغرور من كتاب إحياء علوم الدين . | # وإظهار اسم الشيطان في قوله : وما يعدهم الشيطان } دون أن يؤتى بضميره ~~المستتر لأن هذا الاعتراض جملة مستقلة فلو كان فيها ضمير عائد إلى ما في ~~جملة أخرى لكان في النثر شبه عيب التضمين في الشعر ، ولأن هذه الجملة جارية ~~مجرى المثل فلا يحسن اشتمالها على ضمير ليس من أجزائها . | # | PageV15P155 # | 2 ( 65 ) { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا } ) 2 # وجملة { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان } من تمام الكلام المحكي ب { قال ~~اذهب ( الإسراء : 63 ) . وهي جملة مستأنفة استئنافا بيانيا ناشئا عن قوله : ~~فمن تبعك منهم } ( الإسراء : 63 ) وقوله : { واستفزز من استطعت منهم } ( ~~الإسراء : 64 ) ، فإن مفهوم { من تبعك } و { من استطعت ( الإسراء : 64 ) ~~ذرية من قبيل مفهوم الصفة فيفيد أن فريقا من درية آدم لا يتبع إبليس فلا ~~يحتنكه . وهذا المفهوم يفيد أن الله قد ms4803 عصم أو حفظ هذا الفريق من الشيطان ، ~~وذلك يثير سؤالا في خاطر إبليس ليعلم الحائل بينه وبين ذلك الفريق بعد أن ~~علم في نفسه علما إجماليا أن فريقا لا يحتنكه لقوله : لأحتنكن ذريته إلا ~~قليلا ( الإسراء : 62 ) . فوقعت الإشارة إلى تعيين هذا الفريق بالوصف ~~وبالسبب . | # فأما الوصف ففي قوله : عبادي } المفيد أنهم تمحضوا لعبودية الله تعالى ~~كما تدل عليه الإضافة ، فعلم أن من عبدوا الأصنام والجن وأعرضوا عن عبودية ~~الله تعالى ليسوا من أولئك . | # وأما السبب ففي قوله : { وكفى بربك وكيلا } المفيد أنهم توكلوا على الله ~~واستعاذوا به من الشيطان ، فكان خير وكيل لهم إذ حاطهم من الشيطان وحفظهم ~~منه . | # وفي هذا التوكل مراتب من الانفلات عن احتناك الشيطان ، وهي مراتب ~~المؤمنين من الأخذ بطاعة الله كما هو الحق عند أهل السنة . | # فالسلطان المنفي في قوله : { ليس لك عليهم سلطان } هو الحكم المستمر بحيث ~~يكونون رعيته ومن جنده . وأما غيرهم فقد يستهويهم الشيطان ولكنهم لا يلبثون ~~أن يثوبوا إلى الصالحات ، وكفاك من ذلك دوام توحيدهم لله ، وتصديقهم ~~PageV15P156 رسوله ، واعتبارهم أنفسهم عبادا لله متطلبين شكر نعمته ، فشتان ~~بينهم وبين أهل الشرك وإن سخفت في شأنهم عقيدة أهل الاعتزال . وقد تقدم ~~معنى هذا عند قوله تعالى : { إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم ~~يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون في سورة النحل ~~( 99 100 ) . | # فالمؤمن لا يتولى الشيطان أبدا ولكنه قد ينخدع لوسواسه ، وهو مع ذلك ~~يلعنه فيما أوقعه فيه من الكبائر ، وبمقدار ذلك الانخداع يقترب من سلطانه . ~~وهذا معنى قول النبي في خطبة حجة الوداع : إن الشيطان قد يئس أن يعبد في ~~بلدكم هذا ولكنه قد رضي بما دون ذلك مما تحقرون من أعمالكم . | # فجملة وكفى بربك وكيلا } يجوز أن تكون تكملة لتوبيخ الشيطان ، فيكون كاف ~~الخطاب ضمير الشيطان تسجيلا عليه بأنه عبد الله ، ويجوز أن تكون معترضة في ~~آخر الكلام فتكون كاف الخطاب ضمير النبي صلى الله عليه وسلم تقريبا للنبيء ~~بالإضافة إلى ضمير ms4804 الله . ومآل المعنى على الوجهين واحد وإن اختلف الاعتبار ~~. | # | 2 ( 66 ) { ربكم الذى يزجى لكم الفلك فى البحر لتبتغوا من فضله إنه كان ~~بكم رحيما } ) 2 # استئناف ابتدائي وهو عود إلى تقرير أدلة الانفراد بالتصريف في العالم ~~المشوبة بما فيها من نعم على الخلق ، والدالة بذلك الشوب على إتقان الصنع ~~ومحكم التدبير لنظام هذا العالم وسيادة الإنسان فيه وعليه . ويشبه أن يكون ~~هذا الكلام عودا إلى قوله : { ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير ( الإسراء : ~~11 ) PageV15P157 كما تقدم هناك فراجعه . فلما جرى الكلام على الإنذار ~~والتحذير أعقب هنا بالاستدلال على صحة الإنذار والتحذير . | # والخطاب لجماعة المشركين كما يقتضيه قوله عقبه : فلما نجاكم إلى البر ~~أعرضتم ( الإسراء : 67 ) ، أي أعرضتم عن دعائه ودعوتم الأصنام ، وقوله : ضل ~~من تدعون إلا إياه ( الإسراء : 67 ) . | # وافتتحت الجملة بالمسند إليه معرفا بالإضافة ومستحضرا بصفة الربوبية ~~لاستدعاء إقبال السامعين على الخبر المؤذن بأهميته حيث افتتح بما يترقب منه ~~خبر عظيم لكونه من شؤون الإله الحق وخالق الخلق ومدبر شؤونهم تدبير اللطيف ~~الرحيم ، فيوجب إقبال السامع بشراشره إن مؤمنا متذكرا أو مشركا ناظرا ~~متدبرا . | # وجيء بالجملة الإسمية لدلالتها على الدوام والثبات . | # وبتعريف طرفيها للدلالة على الانحصار ، أي ربكم هو الذي يزجي لكم الفلك ~~لا غيره ممن تعبدونه باطلا وهو الذي لا يزال يفعل ذلك لكم . | # وجيء بالصلة فعلا مضارعا للدلالة على تكرر ذلك وتحدده . فحصلت في هذه ~~الجملة على إيجازها معان جمة خصوصية . وفي ذلك حد الإعجاز . | # ويزجي : يسوق سوقا بطيئا شبه تسخير الفلك للسير في الماء بإزجاء الدابة ~~المثقلة بالحمل . | # والفلك هنا جمع لا مفرد . والبحر : الماء الكثير فيشمل الأنهار كالفرات ~~والدجلة ، وتقدم عند قوله تعالى : والفلك التي تجري في البحر في سورة ~~البقرة ( 164 ) . | # والابتغاء : الطلب . والفضل : الرزق ، أي للتجارة وتقدم عند قوله تعالى : ~~ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم في سورة البقرة ( 198 ) . وهذا ~~امتنان على PageV15P158 الناس كلهم مناسب لعموم الدعوة ، لأن أهل مكة ما ~~كانوا ينتفعون بركوب البحر وإنما ينتفع بذلك عرب اليمن ms4805 وعرب العراق والناس ~~غيرهم . | # وجملة إنه كان بكم رحيما } تعليل وتنبيه لموقع الامتنان ليرفضوا عبادة ~~غيره مما لا أثر له في هذه المنة . | # | 2 ( 67 ) { وإذا مسكم الضر فى البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم ~~إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا } ) 2 # بعد أن ألزمهم الحجة على حق إلهية الله تعالى بما هو من خصائص صنعه ~~باعترافهم ، أعقبه بدليل آخر من أحوالهم المتضمنة إقرارهم بانفراده بالتصرف ~~ثم بالتعجيب من مناقضة أنفسهم عند زوال اضطرارهم . | # فجملة { وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه } خبر مستعمل في ~~التقرير وإلزام الحجة إذ لا يخبر أحد عن فعله إخبارا حقيقيا . | # وجملة { فلما نجاكم إلى البر أعرضتم } خبر مستعمل في التعجيب والتوبيخ . ~~| # وضر البحر : هو الإشراف على الغرق ؛ لأنه يزعج النفوس خوفا ، فهو ضر لها ~~. و { ضل } بضاد ساقطة فعل من الضلال ، وهو سلوك طريق غير موصلة للمقصود ~~خطأ . | # والعدول إلى الموصولية لما تؤذن به الصلة من عمل اللسان ليتأتى الإيجاز ، ~~أي من يتكرر دعاؤكم إياهم ، كما يدل عليه المضارع . فالمعنى غاب وانصرف ذكر ~~الذين عادتكم دعاؤهم عن ألسنتكم فلا تدعونهم ، وذلك بقرينة ذكر الدعاء هنا ~~الذي متعلقه اللسان ، فتعين أن ضلالهم هو ضلال ذكر أسمائهم ، وهذا إيجاز ~~بديع . | PageV15P159 # والاستثناء من عموم الموصول ، لأن اسم الله مما يجري على ألسنتهم في ~~الدعاء تارة كما تجري أسماء الأصنام ، فالاستثناء متصل . | # ويجوز أن يكون اسم الموصول في قوله : { من تدعون } خاصا بأصنامهم لأنهم ~~يكثر دعاؤهم إياها دون اسم الله تعالى ، كما هو مقتضى التجدد فإذا اشتد بهم ~~الضر دعوا الله كما قال تعالى : { فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له ~~الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون ( العنكبوت : 65 ) . ويكون ~~الاستثناء منقطعا . ونصب المستثنى لا يختلف في الوجهين جريا على اللغة ~~الفصحى . ولعل هذا الوجه أرجح لأنه أنسب بقوله : أعرضتم } . | # والإعراض : الترك ، أي تركتم دعاء الله ، بقرينة الجمع بين مقتضى المضارع ~~من إفادة التجدد وبين مقتضى الاستثناء من انحصار الدعاء ms4806 في الكون باسمه ~~تعالى . | # وقوله : { إلى البر } عدي بحرف ( إلى ) لتضمين { نجاكم } معنى أبلغكم ~~وأوصلكم . | # وجملة { وكان الإنسان كفورا } اعتراض وتذييل لزيادة التعجب منهم ومن ~~أمثالهم . و ( الكفور ) صيغة مبالغة ، أي كثير الكفر . والكفر ضد الشكر . | # والتعريف في { الإنسان } تعريف الجنس وهو مفيد للاستغراق . فهذا ~~الاستغراق يجوز أن يكون استغراقا عرفيا بحمله على غالب نوع الإنسان ، وهم ~~أهل الإشراك وهم أكثر الناس يومئذ ، فتكون صيغة المبالغة من قوله : { كفورا ~~} راجعة إلى قوة صفة الكفران أو عدم الشكر فإن أعلاه إشراك غير المنعم مع ~~المنعم في نعمة لا حظ له فيها . | # ويجوز أن يكون الاستغراق حقيقيا ، أي كان نوع الإنسان كفورا ، أي غير ~~خالل من الكفران ، فتكون صيغة المبالغة راجعة إلى كثرة أحوال الكفران مع ~~تفاوتها . وكثرة كفران الإنسان هي تكرر إعراضه عن الشكر في موضع ~~PageV15P160 الشكر ضلالا أو سهوا أو غفلة لإسناده النعم إلى أسبابها ~~المقارنة دون منعمها ولفرضه منعمين وهميين لا حظ لهم في الإنعام . | # وذكر فعل ( كان ) إشارة إلى أن الكفران مستقر في جبلة هذا الإنسان ، لأن ~~الإنسان قلما يشعر بما وراء عالم الحس فإن الحواس تشغله بمدركاتها عن ~~التفكر فيما عدا ذلك من المعاني المستقرة في الحافظة والمستنبطة بالفكر . | # ولما كان الشكر على النعمة متوقفا على تذكر النعمة كانت شواغله عن تذكر ~~النعم الماضية مغطية عليها ، ولأن مدركات الحواس منها الملائم للنفس وهو ~~الغالب ، ومنها المنافر لها . فالإنسان إذا أدرك الملائم لم يشعر بقدره ~~عنده لكثرة تكرره حتى صار عادة فذهل عما فيه من نفع ، فإذا أدرك المنافر ~~استذكر فقدان الملائم فضج وضجر . وهو معنى قوله تعالى : { وإذا أنعمنا على ~~الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض ( فصلت : 51 ) . ~~ولهذا قال الحكماء : العافية تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى فهذا ~~الاعتبار هو الذي أشارت له هذه الآية مع التي بعدها وهي أفأمنتم أن يخسف ~~بكم جانب البر ( الإسراء : 68 ) الآية . ومن أجل ذلك كان من آداب النفس في ~~الشريعة تذكيرها بنعم الله ms4807 ، قال تعالى : وذكرهم بأيام الله ( إبراهيم : 5 ~~) ليقوم ذكر النعمة مقام معاهدتها . | # | 2 ( 68 ، 69 ) أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا ثم ~~لا تجدوا لكم وكيلا * أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفا ~~من الريح فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا } ) 2 # تفريع على جملة { أعرضتم ( الإسراء : 67 ) ، وما بينهما اعتراض ، وفرع ~~الاستفهام التوبيخي على إعراضهم عن الشكر وعودهم إلى الكفر . | PageV15P161 # والخسف : انقلاب ظاهر الأرض في باطنها من الزلزال . وتقدم في قوله : ~~أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض في سورة النحل ( 45 ) . ~~| # وفي هذا تنبيه على أن السلامة في البر نعمة عظيمة تنسونها فلو حدث لكم ~~خسف لهلكتم هلاكا لا نجاة لكم منه بخلاف هول البحر . ولكن لما كانت السلامة ~~في البر غير مدرك قدرها قل أن تشعر النفوس بنعمتها وتشعر بخطر هول البحر ~~فينبغي التدرب على تذكر نعمة السلامة من الضر ثم إن محل السلامة معرض إلى ~~الأخطار . | # والاستفهام بقوله : أفأمنتم } إنكاري وتوبيخي . | # والجانب : هو الشق . وجعل البر جانبا لإرادة الشق الذي ينجيهم إليه ، وهو ~~الشاطىء الذي يرسون عليه ، إشارة إلى إمكان حصول الخوف لهم بمجرد حلولهم ~~بالبر بحيث يخسف بهم ذلك الشاطىء ، أي أن البر والبحر في قدرة الله تعالى ~~سيان ، فعلى العاقل أن يستوي خوفه من الله في البر والبحر . وإضافة الجانب ~~إلى البر إضافة بيانية . | # والباء في { يخسف بكم } لتعدية { يخسف } بمعنى المصاحبة . | # والحاصب : الرامي بالحصباء ، وهي الحجارة . يقال : حصبه ، وهو هنا صفة ، ~~أي يرسل عليكم عارضا حاصبا ، تشبيها له بالذي يرمي الحصباء ، أي مطر حجارة ~~، أي برد يشبه الحجارة ، وقيل : الحاصب هنا بمعنى ذي الحصباء ، فصوغ اسم ~~فاعل له من باب فاعل الذي هو بمعنى النسب مثل لابنن و تامر . | # والوكيل : الموكل إليه القيام بمهم موكله ، والمدافع عن حق موكله ، أي لا ~~تجدوا لأنفسكم من يجادلنا عنكم أو يطالبنا بما ألحقناه بكم من الخسف أو ~~الإهلاك بالحاصب ، أي لا تجدوا من ms4808 قومكم وأوليائكم من يثأر لكم PageV15P162 ~~كشأن من يلحقه ضر في قومه أن يدافع عنه ويطالب بدمه أولياؤه وعصابته . وهذا ~~المعنى مناسب لما يقع في البر من الحدثان . | # و ( أم ) عاطفة الاستفهام ، وهي للإضراب الانتقالي ، أي بل أأمنتم ، ~~فالاستفهام مقدر مع ( أم ) لأنها خاصة به ، أي أو هل كنتم آمنين من العود ~~إلى ركوب البحر مرة أخرى فيرسل عليكم قاصفا من الريح . | # والتارة : المرة المتكررة ، قيل عينه همزة ثم خففت لكثرة الاستعمال . ~~وقيل : هي واو . والأول أظهر لوجوده مهموزا وهم لا يهمزون حرف العلة في ~~اللغة الفصحى ، وأما تخفيف المهموز فكثير مثل : فأس وفاس ، وكأس وكاس . | # ومعنى { أن يعيدكم } أن يوجد فيكم الدواعي إلى العود تهيئة لإغراقكم ~~وإرادة للانتقام منكم ، كما يدل عليه السياق وتفريع { فيرسل } عليه . | # والقاصف : التي تقصف ، أي تكسر . وأصل القصف : الكسر . وغلب وصف الريح به ~~. فعومل معاملة الصفات المختصة بالمؤنث فلم يلحقوه علامة التأنيث ، مثل { ~~عاصف } في قوله : { جاءتها ريح عاصف في سورة يونس ( 22 ) . والمعنى : فيرسل ~~عليكم ريحا قاصفا ، أي تقصف الفلك ، أي تعطبه بحيث يغرق ، ولذلك قال : ~~فيغرقكم } . | # قرأ الجمهور { من الريح } بالإفراد . وقرأ أبو جعفر { من الرياح } بصيغة ~~الجمع . | # والباء في { بما كفرتم } للسببية . و ( ما ) مصدرية ، أي بكفركم ، أي ~~شرككم . | # و ( ثم ) للترتيب الرتبي كشأنها في عطفها الجمل . وهو ارتقاء في التهديد ~~بعدم وجود منقذ لهم ، بعد تهديدهم بالغرق لأن الغريق قد يجد منقذا . | # والتبيع : مبالغة في التابع ، أي المتتبع غيره المطالب لاقتضاء شيء منه . ~~أي لا تجدوا من يسعى إليه ولا من يطالب لكم بثأر . | PageV15P163 # ووصف ( تبيع ) يناسب حال الضر الذي يلحقهم في البحر ، لأن البحر لا يصل ~~إليه رجال قبيلة القوم وأولياؤهم ، فلو راموا الثأر لهم لركبوا البحر ~~ليتابعوا آثار من ألحق بهم ضرا . فلذلك قيل هنا { تبيعا } وقيل في التي ~~قبلها { وكيلا } كما تقدم . | # وضمير { به } عائد إما إلى الإغراق المفهوم من { يغرقكم } ، وإما إلى ~~المذكور من إرسال القاصف وغيره . | # وقرأ الجمهور ألفاظ { يخسف } و { يرسل } و { يعيدكم } و { فيرسل ms4809 } و { ~~فيغرقكم } خمستها بالياء التحتية . وقرأها ابن كثير وأبو عمرو بنون العظمة ~~على الالتفات من ضمير الغيبة الذي في قوله : { فلما نجاكم إلى البر } إلى ~~ضمير التكلم . وقرأ أبو جعفر ورويس عن يعقوب { فتغرقكم } بمثناة فوقية . ~~والضمير عائد إلى { الريح } على اعتبار التأنيث ، أو { على الرياح } على ~~قراءة أبي جعفر . | # | 2 ( 70 ) { ولقد كرمنا بنى ءادم وحملناهم فى البر والبحر ورزقناهم من ~~الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا } ) 2 # اعتراض جاء بمناسبة العبرة والمنة على المشركين ، فاعترض بذكر نعمته على ~~جميع الناس فأشبه التذييل لأنه ذكر به ما يشمل ما تقدم . | # والمراد ببني آدم جميع النوع ، فالأوصاف المثبتة هنا إنما هي أحكام للنوع ~~من حيث هو كما هو شأن الأحكام التي تسند إلى الجماعات . | # وقد جمعت الآية خمس منن : التكريم ، وتسخير المراكب في البر ، وتسخير ~~المراكب في البحر ، والرزق من الطيبات ، والتفضيل على كثير من المخلوقات . ~~| PageV15P164 # فأما منة التكريم فهي مزية خص بها الله بني آدم من بين سائر المخلوقات ~~الأرضية . | # والتكريم : جعله كريما ، أي نفيسا غير مبذول ولا ذليل في صورته ولا في ~~حركة مشيه وفي بشرته ، فإن جميع الحيوان لا يعرف النظافة ولا اللباس ولا ~~ترفيه المضجع والمأكل ولا حسن كيفية تناول الطعام والشراب ولا الاستعداد ~~لما ينفعه ودفع ما يضره ولا شعوره بما في ذاته وعقله من المحاسن فيستزيد ~~منها والقبائح فيسترها ويدفعها ، بله الخلو عن المعارف والصنائع وعن قبول ~~التطور في أساليب حياته وحضارته . وقد مثل ابن عباس للتكريم بأن الإنسان ~~يأكل بأصابعه ، يريد أنه لا ينتهش الطعام بفمه بل برفعه إلى فيه بيده ولا ~~يكرع في الماء بل يرفعه إلى فيه بيده ، فإن رفع الطعام بمغرفة والشراب بقدح ~~فذلك من زيادة التكريم وهو تناول باليد . | # والحمل : الوضع على المركب من الرواحل . فالراكب محمول على المركوب . ~~وأصله في ركوب البر ، وذلك بأن سخر لهم الرواحل وألهمهم استعمالها . | # وأما الحمل في البحر فهو الحصول في داخل السفينة . وإطلاق الحمل على ذلك ~~الحصول استعارة من الحمل على ms4810 الراحلة وشاعت حتى صارت كالحقيقة ، قال تعالى ~~: { إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية ( الحاقة : 11 ) . ومعنى حمل ~~الله الناس في البحر : إلهامه إياهم استعمال السفن والقلوع والمجاذيف ، ~~فجعل تيسير ذلك كالحمل . | # وأما الرزق من الطيبات فلأن الله تعالى ألهم الإنسان أن يطعم ما يشاء مما ~~يروق له ، وجعل في الطعوم أمارات على النفع ، وجعل ما يتناوله الإنسان من ~~المطعومات أكثر جدا مما يتناوله غيره من الحيوان الذي لا يأكل إلا أشياء ~~اعتادها ، على أن أقرب الحيوان إلى الإنسية والحضارة أكثرها اتساعا في ~~تناول الطعوم . | PageV15P165 # وأما التفضيل على كثير من المخلوقات ، فالمراد به التفضيل المشاهد لأنه ~~موضع الامتنان . وذلك الذي جماعه تمكين الإنسان من التسلط على جميع ~~المخلوقات الأرضية برأيه وحيلته ، وكفى بذلك تفضيلا على البقية . | # والفرق بين التفضيل والتكريم بالعموم والخصوص ؛ فالتكريم منظور فيه إلى ~~تكريمه في ذاته ، والتفضيل منظور فيه إلى تشريفه فوق غيره ، على أنه فضله ~~بالعقل الذي به استصلاح شؤونه ودفع الأضرار عنه وبأنواع المعارف والعلوم ، ~~هذا هو التفضيل المراد . | # وأما نسبة التفاضل بين نوع الإنسان وأنواع من الموجودات الخفية عنا ~~كالملائكة والجن فليست بمقصودة هنا وإنما تعرف بأدلة توقيفية من قبل ~~الشريعة . فلا تفرض هنا مسألة التفضيل بين البشر والملائكة المختلف في ~~تفاصيلها بيننا وبين المعتزلة . وقد فرضها الزمخشري هنا على عادته من ~~التحكك على أهل السنة والتعسف لإرغام القرآن على تأييد مذهبه ، وقد تجاوز ~~حد الأدب في هذه المسألة في هذا المقام ، فاستوجب الغضاضة والملام . | # ولا شك أن إقحام لفظ كثير } في قوله تعالى : { وفضلانهم في كثير ممن ~~خلقنا } مراد منه التقييد والاحتراز والتعليم الذي لا غرور فيه ، فيعلم منه ~~أن ثم مخلوقات غير مفضل عليها بنو آدم تكون مساوية أو أفضل إجمالا أو ~~تفصيلا ، وتبيينه يتلقى من الشريعة فيما بينته من ذلك ، وما سكتت فلا نبحث ~~عنه . | # والإتيان بالمفعول المطلق في قوله : { تفضيلا } لإفادة ما في التنكير من ~~التعظيم ، أي تفضيلا كبيرا . | # | PageV15P166 # | 2 ( 71 ، 72 ) { يوم ندعوا كل أناس بإمامهم فمن أوتى كتابه ms4811 بيمينه ~~فأولائك يقرءون كتابهم ولا يظلمون فتيلا * ومن كان فى هاذه أعمى فهو فى ~~الاخرة أعمى وأضل سبيلا } ) 2 # انتقال من غرض التهديد بعاجل العذاب في الدنيا الذي في قوله : { ربكم ~~الذي يزجى لكم الفلك في البحر } إلى قوله : { ثم لا تجدوا لكم علينا به ~~تبيعا } ( الإسراء : 66 69 ) إلى ذكر حال الناس في الآخرة تبشيرا وإنذارا ، ~~فالكلام استئناف ابتدائي ، والمناسبة ما علمت . ولا يحسن لفظ ( يوم ) ~~للتعلق بما قبله من قوله : { وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا } ( ~~الإسراء : 70 ) على أن يكون تخلصا من ذكر التفضيل إلى ذكر اليوم الذي تظهر ~~فيه فوائد التفضيل ، فترجح أنه ابتداء مستأنف استئنافا ابتدائيا ، ففتحة { ~~يوم } إما فتحة إعراب على أنه مفعول به لفعل شائع الحذف في ابتداء العبر ~~القرآنية وهو فعل ( اذكر ) فيكون { يوم } هنا اسم زمان مفعولا للفعل المقدر ~~وليس ظرفا . | # والفاء في قوله : { فمن أوتي } للتفريع لأن فعل ( اذكر ) المقدر يقتضي ~~أمرا عظيما مجملا فوقع تفصيله بذكر الفاء وما بعدها فإن التفصيل يتفرع على ~~الإجمال . | # وإما أن تكون فتحته فتحة بناء لإضافته اسم الزمان إلى الفعل ، وهو إما في ~~محل رفع بالابتداء ، وخبره جملة { فمن أوتي كتابه بيمينه } . وزيدت الفاء ~~في الخبر على رأي الأخفش ، وقد حكى ابن هشام عن ابن برهان أن الفاء تزاد في ~~الخبر عند جميع البصريين ما عدا سيبويه ؛ وإما ظرف لفعل محذوف دل عليه ~~التقسيم الذي بعده ، أعني قوله : { فمن أوتي كتابه PageV15P167 بيمينه } ~~إلى قوله : { وأضل سبيلا } . وتقدير المحذوف : تتفاوت الناس وتتغابن . وبين ~~تفصيل ذلك المحذوف بالتفريع بقوله : { فمن أوتي كتابه } الخ . | # والإمام : ما يؤتم به ، أي يعمل على مثل عمله أو سيرته . والمراد به هنا ~~مبين الدين : من دين حق للأمم المؤمنة ومن دين كفر وباطل للأمم الضالة . | # ومعنى دعاء الناس أن يدعى يا أمة فلان ويا أتباع فلان ، مثل : يا أمة ~~محمد ، يا أمة موسى ، يا أمة عيسى ، ومثل : يا أمة زرادشت . ويا أمة برهما ~~، ويا أمة بوذا ، ومثل : يا عبدة العزى ، يا ms4812 عبدة بعل ، يا عبدة نسر . | # والباء لتعدية فعل { ندعوا } لأنه يتعدى بالباء ، يقال : دعوته بكنيته ~~وتداعوا بشعارهم . | # وفائدة ندائهم بمتبوعيهم التعجيل بالمسرة لاتباع الهداة وبالمساءة لاتباع ~~الغواة ، لأنهم إذا دعوا بذلك رأوا متبوعيهم في المقامات المناسبة لهم ~~فعلموا مصيرهم . | # وفرع على هذا قوله : { فمن أوتي كتابه بيمينه } تفريع التفصيل لما أجمله ~~قوله : { ندعوا كل أناس بإمامهم } ، أي ومن الناس من يؤتى كتابه ، أي كتاب ~~أعماله بيمينه . | # وقوله : { فمن أوتي } عطف على مقدر يقتضيه قوله : { ندعوا كل أناس ~~بإمامهم } أي فيؤتون كتبهم ، أي صحائف أعمالهم . | # وإيتاء الكتاب باليمين إلهام صاحبه إلى تناوله باليمين . وتلك علامة ~~عناية بالمأخوذ ، لأن اليمين يأخذ بها من يعزم عملا عظيما قال تعالى : { ~~لأخذنا منه باليمين } ( الحاقة : 45 ) ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم ( ~~من تصدق بصدقة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا طيبا تلقاها الرحمن بيمينه ~~وكلتا يديه يمين . . . ) الخ ، وقال الشماخ : | PageV15P168 # إذا ما راية رفعت لمجد | # تلقاها عرابة باليمين | # وأما أهل الشقاوة فيؤتون كتبهم بشمائلهم ، كما في آية الحاقة ( 25 ) { ~~وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه . | # والإتيان باسم الإشارة بعد فاء جواب ( أما ) ، للتنبيه على أنهم دون ~~غيرهم يقرؤون كتابهم ، لأن في اطلاعهم على ما فيه من فعل الخير والجزاء ~~عليه مسرة لهم ونعيما بتذكر ومعرفة ثوابه ، وذلك شأن كل صحيفة تشتمل على ما ~~يسر وعلى تذكر الأعمال الصالحة ، كما يطالع المرء أخبار سلامة أحبائه ~~وأصدقائه ورفاهة حالهم ، فتوفر الرغبة في قراءة أمثال هذه الكتب شنشنة ~~معروفة . | # وأما الفريق الآخر فسكت عن قراءة كتابهم هنا . وورد في الآية التي قبلها ~~في هذه السورة وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا ~~يلقاه منشورا اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ( الإسراء : 13 14 ) . ~~| # والظلم مستعمل هنا بمعنى النقص كما في قوله تعالى : كلتا الجنتين آتت ~~أكلها ولم تظلم منه شيئا ( الكهف : 33 ) ، لأن غالب الظلم يكون بانتزاع بعض ~~ما عند المظلوم فلزمه النقصان فأطلق عليه مجازا ms4813 مرسلا . ويفهم من هذا أن ما ~~يعطاه من الجزاء مما يرغب الناس في ازدياده . | # والفتيل : شبه الخيط تكون في شق النواة وتقدم في قوله تعالى : بل الله ~~يزكي من يشاء ولا يظلمون فتيلا في سورة النساء ( 49 ) ، وهو مثل للشيء ~~الحقير التافه ، أي لا ينقصون شيئا ولو قليلا جدا . | # وعطف ومن كان في هذه أعمى } عطف القسيم على قسيمه فهو من حيز ( أما ) ~~التفصيلية ، والتقدير : وأما من كان في هذه أعمى ، ولما كان القسيم المعطوف ~~عليه هم من أوتوا كتابهم باليمين علم أن المعطوف بضد ذلك يؤتى PageV15P169 ~~كتابه بالشمال فاستغني عن ذكر ذلك وأتي له بصلة أخرى وهي كونه أعمى حكما ~~آخر من أحواله الفظيعة في ذلك اليوم . | # والإشارة ب { هذه } إلى معلوم من المقام وهو الدنيا ، وله نظائر في ~~القرآن . والمراد بالعمى في الدنيا الضلالة في الدين ، أطلق عليها العمى ~~على وجه الاستعارة . | # والمراد بالعمى في الآخرة ما ينشأ عن العمى من الحيرة واضطراب البال ، ~~فالأعمى أيضا مستعار لمشابه الأعمى بإحدى العلاقتين . | # ووصف { أعمى } في المرتين مراد به مجرد الوصف لا التفضيل . ولما كان وجه ~~الشبه في أحوال الكافر في الآخرة أقوى منه في حاله في الدنيا أشير إلى شدة ~~تلك الحالة بقوله : { وأضل سبيلا } القائم مقام صيغة التفضيل في العمى لكون ~~وصف ( أعمى ) غير قابل لأن يصاغ بصيغة التفضيل لأنه جاء بصيغة التفضيل في ~~حال الوصف . | # وعدل عن لفظ ( أشد ) ونحوه ما يتوسل به إلى التفضيل عند تعذر اشتقاق صيغة ~~( أفعل ) ليتأتى ذكر السبيل ، لما في الضلال عن السبيل من تمثيل حال العمى ~~وإيضاحه ، لأن ضلال فاقد البصر عن الطريق في حال السير أشد وقعا في الأضرار ~~منه وهو قابع بمكانه ، فعدل عن اللفظ الوجيز إلى التركيب المطنب لما في ~~الإطناب من تمثيل الحال وإيضاحه وإفظاعه وهو إطناب بديع . وقد أفيد بذلك أن ~~عماه في الدارين عمى ضلال عن السبيل الموصل . ومعنى المفاضلة راجع إلى ~~مفاضلة إحدى حالتيه على الأخرى في الضلال وأثره لا إلى حال غيره . فالمعنى ms4814 ~~: وأضل سبيلا منه في الدنيا . | # ووجه كون ضلاله في الآخرة أشد أن ضلاله في الدنيا كان في مكنته أن ينجو ~~منه بطلب ما يرشده إلى السبيل الموصل من هدي الرسول والقرآن مع كونه خليا ~~عن لحاق الألم به ، وأما ضلاله في الآخرة فهو ضلال لا خلاص منه وهو مقارن ~~للعذاب الدائم ، فلا جرم كان ضلاله في الآخرة أدخل في حقيقة الضلال وماهيته ~~. | # | PageV15P170 # | 2 ( 73 ) { وإن كادوا ليفتنونك عن الذى أوحينآ إليك لتفترى علينا غيره ~~وإذا لآتخذوك خليلا } ) 2 # حكاية فن من أفانين ضلالهم وعماهم في الدنيا ، فالجملة عطف على جملة { ~~ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى ( الإسراء : 72 ) ، وهو انتقال من ~~وصف حالهم وإبطال مقالهم في تكذيب النبي إلى ذكر حال آخر من حال معارضتهم ~~وإعراضهم ، وهي حال طمعهم في أن يستنزلوا النبي لأن يقول قولا فيه حسن ذكر ~~لآلهتهم ليتنازلوا إلى مصالحته وموافقته إذا وافقهم في بعض ما سألوه . | # وضمائر الغيبة مراد منها كفار قريش ، أي متولوا تدبير أمورهم . | # وغير الأسلوب من خطابهم في آيات ربكم الذي يزجى لكم الفلك في البحر ( ~~الإسراء : 66 ) إلى الإقبال على خطاب النبي لتغير المقام من مقام استدلال ~~إلى مقام امتنان . | # والفتن والفتون : معاملة يلحق منها ضر واضطراب النفس في أنواع من ~~المعاملة يعسر دفعها ، من تغلب على القوة وعلى الفكر ، وتقدم في قوله تعالى ~~: والفتنة أشد من القتل في سورة البقرة ( 191 ) . | # وعدي يفتنونك } بحرف ( عن ) لتضمينه معنى فعلل كان الفتن لأجله ، وهو ما ~~فيه معنى ( يصرفونك ) . | # والذي أوحي إليه هو القرآن . | # هذا هو الوجه في تفسير الآية بما تعطيه معاني تراكيبها مع ملاحظة ما ~~تقتضيه أدلة عصمة الرسول صلى الله عليه وسلم من أن تتطرق إليه خواطر إجابة ~~المشركين لما يطمعون . | PageV15P171 # وللمفسرين بضعة محامل أخرى لهذه الآية استقصاها القرطبي ، فمنها ما ليس ~~له حظ من القبول لوهن سنده وعدم انطباقه على معاني الآية ، ومنها ما هو ~~ضعيف السند وتتحمله الآية بتكلف . ومرجع ذلك إلى أن المشركين راودوا النبي ms4815 ~~صلى الله عليه وسلم أن لا يسويهم مع من يعدونهم منحطين عنهم من المؤمنين ~~المستضعفين عندهم مثل : بلال ، وعمار بن ياسر ، وخباب ، وصهيب ، وأنهم ~~وعدوا النبي إن هو فعل ذلك ؛ بأن يجلسوا إليه ويستمعوا القرآن حين لا يكون ~~فيه تنقيص آلهتهم ، وأن رسول الله هم بأن يظهر لهم بعض اللين رغبة في ~~إقبالهم على سماع القرآن لعلهم يهتدون ، فيكون المراد من { الذي أوحينا ~~إليك } بعض الذي أوحينا إليك ، وهو ما فيه فضل المؤمنين مثل قوله : { ولا ~~تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي } الآية ( الأنعام : 52 ) ، أو ما ~~فيه تنقيص الأصنام . | # وسمات التخرص وضيق العطن في معنى الآية بحاق ألفاظها بادية على جميع هاته ~~الأخبار . وإذ قد ملئت بها كتب التفسير لم يكن بد من تأويل الآية بأمثل ما ~~يناسب تلك الأخبار لئلا تكون فتنة للناظرين فنقول : | # إن رغبة النبي صلى الله عليه وسلم في اقترابهم من الإسلام وفي تأمين ~~المسلمين ، أجالت في خاطره أن يجيبهم إلى بعض ما دعوه إليه مما يرجع إلى ~~تخفيف الإغلاظ عليهم أو إنظارهم ؛ أو أرضاء بعض أصحابه بالتخلي عن مجلسه ~~حين يحضره صناديد المشركين وهو يعلم أنهم ينتدبون إلى ذلك لمصلحة الدين أو ~~نحو ذلك مما فيه مصلحة لنشر الدين ، وليس فيه فوات شيء على المسلمين ، أي ~~كادوا يصرفونك عن بعض ما أوحيناه إليك مما هو مخالف لما سألوه . | # فالموصول في قوله : { الذي أوحينا إليك } للعهد لما هو معلوم عند النبي ~~صلى الله عليه وسلم بحسب ما سأله المشركون من مخالفته . فهذه الآية مسوقة ~~مساق المن على النبي بعصمة الله إياه من الخطأ في الاجتهاد ، ومساق إظهار ~~ملل المشركين من أمر الدعوة الإسلامية وتخوفهم من عواقبها ، وفي ذلك تثبيت ~~للنبيء وللمؤمنين وتأييس للمشركين بأن ذلك لن يكون . | PageV15P172 # وقوله : { لتفترى علينا غيره } متعلق ب { يفتنونك } ، واللام للعلة ، أي ~~يفعلون ذلك إضمارا منهم وطمعا في أن يفتري علينا غيره ، أي غير ما أوحي ~~إليك . وهذا طمع من المشركين أن يستدرجوا النبي من سؤال إلى آخر ، فهو راجع ms4816 ~~إلى نياتهم . وليس في الكلام ما يقتضي أن النبي عليه الصلاة والسلام هم ~~بذلك كما فهمه بعض الفسرين ، إذ لام التعليل لا تقتضي أكثر من غرض فاعل ~~الفعل المعلل ولا تقتضي غرض المفعول ولا علمه . | # و ( إن ) من قوله : { وإن كادوا ليفتنونك } مخففة من ( إن ) المشددة ~~واسمها ضمير شأن محذوف ، واللام في { ليفتنونك } هي اللام الفارقة بين ( إن ~~) المخففة من الثقيلة وبين ( إن ) النافية فلا تقتضي تأكيدا للجملة . | # وجملة { وإذا لاتخذوك خليلا } عطف على جملة { وإن كادوا ليفتنونك } . و ( ~~إذا ) حرف جزاء والنون التي بآخرها نون كلمة وليست تنوين تمكين فتكون جزاء ~~لفعل { يفتنونك } بما معه من المتعلقات مقحما بين المتعاطفين لتصير واو ~~العطف مع ( إذا ) مفيدة معنى فاء التفريع . | # ووجه عطفها بالواو دون الاقتصار على حرف الجزاء لأنه باعتبار كونه من ~~أحوالهم التي حاوروا النبي عليه الصلاة والسلام فيها وألحوا عليه فناسب أن ~~يعطف على جملة أحوالهم . والتقدير : فلو صرفوك عن بعض ما أوحينا إليك ~~لاتخذوك خليلا . واللام في قوله : { لاتخذوك } اللام الموطئة للقسم لأن ~~الكلام على تقدير الشرط ، وهو لو صرفوك عن الذي أوحينا إليك لاتخذوك خليلا ~~. | # واللام في قوله : { لاتخذوك } لام جواب ( لو ) إذ كان فعلا ماضيا مثبتا . ~~| # والخليل : الصديق . وتقدم عند قوله تعالى : { واتخذ الله إبراهيم خليلا ~~في سورة النساء ( 125 ) . | # | PageV15P173 # | 2 ( 74 ، 75 ) ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا * إذا ~~لأذقناك ضعف الحيواة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا } ) 2 # يجوز أن يكون هذا كلاما مستقلا غير متصل بقوله : { وإن كادوا ليفتنونك ( ~~الإسراء : 73 ) بناء على ما نحوناه في تفسير الآية السابقة . وهذه منة أخرى ~~ومقام آخر من مقام رسول الله تجاه المشركين . ويجوز أن يكون من تكملة ما ~~قبله فيكون الركون إليهم ركونا فيما سألوه منه على نحو ما ساقه المفسرون من ~~الأخبار المتقدمة . | # و ( لولا ) حرف امتناع لوجود ، أي يقتضي امتناعا لوجود ، أي يقتضي امتناع ~~جوابه لوجود شرطه ، أي بسبب وجود شرطه . | # والتثبيت : جعل الشيء ثابتا ، أي متمكنا ms4817 من مكانه غير مقلقل ولا مقلوع ، ~~وهو مستعار للبقاء على حاله غير متغير . وتقدم عند قوله تعالى : وتثبيتا من ~~أنفسهم في سورة البقرة ( 265 ) . | # وعدي التثبيت إلى ضمير النبي الدال على ذاته . والمراد تثبيت فهمه ورأيه ~~، وهذا من الحكم على الذات . والمراد بعض أحوالها بحسب دلالة المقام ، مثل ~~حرمت عليكم أمهاتكم ( النساء : 23 ) . فالمعنى : ولولا أن ثبتنا رأيك ~~فأقررناه على ما كان عليه في معاملة المشركين لقاربت أن تركن إليهم . | # واللام في لقد كدت تركن إليهم } يجوز أن تكون لام جواب ( لولا ) ، وهي ~~ملازمة لجوابها لتحقيق الربط بينه وبين الشرط . | # والمعنى على الوجه الأول في موقع هذه الآية : أن الركون مجمل في أشياء هي ~~مظنة الركون ولكن الركون منتف من أصله لأجل التثبيت بالعصمة كما ~~PageV15P174 انتفى أن يفتنه المشركون عن الذي أوحي إليه بصرف الله إياهم عن ~~تنفيذ فتنتهم . | # والمعنى على الوجه الثاني : ولولا أن عصمناك من الخطأ في الاجتهاد ~~وأريناك أن مصلحة الشدة في الدين والتنويه بأتباعه ، ولو كانوا من ضعفاء ~~أهل الدنيا ، لا تعارضها مصلحة تأليف قلوب المشركين ، ولو كان المسلمون ~~راضين بالغضاضة من أنفسهم استئلافا للمشركين ، فإن إظهار الهوادة في أمر ~~الدين تطمع المشركين في الترقي إلى سؤال ما هو أبعد مدى مما سألوه ، فمصلحة ~~ملازمة موقف الحزم معهم أرجح من مصلحة ملاينتهم وموافقتهم ، أي فلا فائدة ~~من ذلك . ولولا ذلك كله لقد كدت تركن إليهم قليلا ، أي تميل إليهم ، أي ~~توعدتهم بالإجابة إلى بعض ما سألوك استنادا لدليل مصلحة مرجوحة واضحة وغفلة ~~عن مصلحة راجحة خفية اغترارا بخفة بعض ما سألوه في جانب عظم ما وعدوا به من ~~إيمانهم . | # والركون : الميل بالركن ، أي بالجانب من الجسد واستعمل في الموافقة ~~بعلاقة القرب . وتقدم في قوله : { ولا تركنوا إلى الذين ظلموا في سورة هود ~~( 113 ) ، كما استعمل ضده في المخالفة في قوله تعالى : وإذا أنعمنا على ~~الإنسان أعرض ونأى بجانبه في هذه السورة الإسراء ( 83 ) . | # وانتصب شيئا } على المفعول المطلق ل { تركن } ، أي شيئا من الركون . ووجه ~~العدول ms4818 عن مصدر { تركن } طلب الخفة لأن مصدر { تركن } وهو الركون فيه ثقل ~~فتركه أفصح ، وإنما لم يقتصر على { قليلا } لأن تنكير { شيئا } مفيد ~~التقليل ، فكان في ذكره تهيئة لتوكيد معنى التقليل ، فإن كلمة ( شيء ) ~~لتوغلها في إبهام جنس ما تضاف إليه أو جنس الموجود مطلقا مفيدة للتقليل ~~غالبا كقوله تعالى : { فلا تأخذوا منه شيئا ( النساء : 20 ) . | # و ( إذن ) الثانية جزاء ل كدت تركن } ، ولكونها جزاء فصلت عن العطف إذ لا ~~مقتضى له . فركون النبي صلى الله عليه وسلم إليهم غير PageV15P175 واقع ولا ~~مقارب الوقوع لأن الآية قد نفته بأربعة أمور ، وهي : ( لولا ) الامتناعية . ~~وفعل المقاربة المقتضي أنه ما كان يقع الركون ولكن يقع الاقتراب منه ، ~~والتحقير المستفاد من { شيئا } ، والتقليل المستفاد من { قليلا } . | # أي لولا إفهامنا إياك وجه الحق لخشي أن تقترب من ركون ضعيف قليل ولكن ذلك ~~لم يقع . ودخلت ( قد ) في حيز الامتناع فأصبح تحقيقها معدوما ، أي لولا أن ~~ثبتناك لتحقق قرب ميلك القليل ولكن ذلك لم يقع لأنا ثبتناك . | # وجملة { إذا لأذقناك ضعف الحياة } جزاء لجملة { لقد كدت تركن } . والمعنى ~~: لو تركن إليهم لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات . ولما في ( إذن ) من معنى ~~الجزاء استغني عن ربط الجملة بحرف التفريع . 5 والمعنى : لقد كدت تركن ~~فلأذقناك . | # والضعف بكسر الضاد : مماثل مقدار شيء ذي مقدار ، فهو لا يكون إلا مبينا ~~بجنسه لفظا أو تقديرا مثل قوله تعالى : { من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف ~~لها العذاب ضعفين ( النور : 30 ) ، أي ضعفي ما أعد لتلك الفاحشة . ولما كان ~~كذلك ساغ إطلاقه دون بيان اعتمادا على بيان السياق كما هنا ، فإن ذكر ~~الإذاقة في مقام التحذير ينبىء بأنها إذاقة عذاب موصوف بأنه ضعف . | # ثم إن الضعف أطلق هنا على القوي الشديد لعدم حمل الضعف على حقيقته إذ ليس ~~ثم علم بمقدار العذاب يراد تضعيفه كقوله : فآتهم عذابا ضعفا من النار وتقدم ~~ذلك في سورة الأعراف ( 38 ) . | # وإضافة الضعف إلى الحياة وإلى الممات على معنى ( في ) ، فإن تقدير معنى ( ~~في ) بين المتضايفين ms4819 لا يختص بإضافة ما يضاف إلى الأوقات . فالتقدير : ~~لأذقناك ضعفا في الحياة وضعفا في الممات ، فضعف عذاب الحياة هو تراكم ~~المصائب والأرزاء في مدة الحياة ، أي العمر بزوال ما كان يناله PageV15P176 ~~من بهجة وسرور بتمام دعوته وانتظام أمته ، ذلك أن يتمكن منه أعداؤه ، وعذاب ~~الممات أن يموت مكمودا مستذلا بين كفار يرون أنهم قد فازوا عليه بعد أن ~~أشرفوا على السقوط أمامه . | # ويشبه أن يكون قوله : وضعف الممات } في استمرار ضعف الحياة ، فيكون ~~المعنى : لأذقناك ضعف الحياة حتى المماتت . | # فليس المراد من ضعف الممات عذاب الآخرة لأن النبي صلى الله عليه وسلم لو ~~ركن إليهم شيئا قليلا لكان ذلك عن اجتهاد واجتلابا لمصلحة الدين في نظره ، ~~فلا يكون على الاجتهاد عقاب في الآخرة إذ العقاب الأخروي لا يكون إلا على ~~مخالفة في التكليف ، وقد سوغ الله لنبيئه الاجتهاد وجعل للمخطىء في اجتهاده ~~أجرا كما قرر في تفسير قوله تعالى : { لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما ~~أخذتم عذاب عظيم في سورة الأنفال ( 68 ) . | # وأما مصائب الدنيا وأرزاؤها فهي مسببة على أسباب من الأغلاط والأخطاء فلا ~~يؤثر في التفادي منها حسن النية إن كان صاحبها قد أخطأ وجه الصواب ، فتدبر ~~في هذه المعاني تدبر ذوي الألباب ، ولهذا خولف التعبير المعتاد استعماله ~~لعذاب الآخرة . وعبر هنا ب ضعف الحياة وضعف الممات } . | # وجملة { ثم لا تجد لك علينا نصيرا } معطوفة على جملة { لأذقناك } . | # وموقعها تحقيق عدم الخلاص من تلك الإذاقة . و ( ثم ) للترتيب الرتبي لأن ~~عدم الخلاص من العذاب أهم من إذاقته ، فرتبته في الأهمية أرقى . والنصير : ~~الناصر المخلص من الغلبة أو الذي يثأر للمغلوب ، أي لا تجد لنفسك من ينتصر ~~لك فيصدنا عن إلحاق ذلك بك أو يثأر لك منا . | # | PageV15P177 # | 2 ( 76 ، 77 ) { وإن كادوا ليستفزونك من الارض ليخرجوك منها وإذا لا ~~يلبثون خلافك إلا قليلا * سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا ~~تحويلا } ) 2 # عطف على جملة { وإن كادوا ليفتنونك ( الإسراء : 73 ) تعدادا لسيئات ~~أعمالهم . والضمائر متحدة . | # والاستفزاز ms4820 : الحمل على الترحل ، وهو استفعال من فز بمعنى بارح المكان ، ~~أي كادوا أن يسعوا أن تكون فازا ، أي خارجا من مكة . وتقدم معنى هذا الفعل ~~عند قوله : واستفزز من استطعت في هذه السورة الإسراء ( 64 ) . والمعنى : ~~كادوا أن يخرجوك من بلدك . وذلك بأن هموا بأن يخرجوه كرها ثم صرفهم الله عن ~~ذلك ليكون خروجه بغير إكراه حين خرج مهاجرا عن غير علم منهم لأنهم ارتأوا ~~بعد زمان أن يبقوه بينهم حتى يقتلوه . | # والتعريف في الأرض } تعريف العهد ، أي من أرضك وهي مكة . | # وقوله : { ليخرجوك } تعليل للاستفزاز ، أي استفزازا لقصد الإخراج . | # والمراد بالإخراج : مفارقة المكان دون رجوع . وبهذا الاعتبار جعل علة ~~للاستفزاز لأن الاستفزاز أعم من الإخراج . | # وجملة { وإذا لا يلبثون خلفك } عطف على جملة { وإن كادوا } ، أو هي ~~اعتراض في آخر الكلام ، فتكون الواو للاعتراض و ( إذا ) ظرفا لقوله : { لا ~~يلبثون } وهي ( إذ ) الملازمة الإضافة إلى الجملة . | # ويجوز أن يكون ( إذا ) حرف جواب وجزاء لكلام سابق . وهي التي نونها حرف ~~من الكلمة ولكن كثرت كتابتها بألف في صورة الاسم PageV15P178 المنون . ~~والأصل فيها أن يكون الفعل بعدها منصوبا ب ( أن ) مضمرة ، فإذا وقعت بعد ~~عاطف جاز رفع المضارع بعدها ونصبه . | # ويجوز أن تكون ( إذا ) ظرفا للزمان ، وتنوينها عوض عن جملة محذوفة على ~~قول جماعة من نحاة الكوفة ، وهو غير بعيد . ألا ترى أنها إذا وقعت بعد عاطف ~~لم ينتصب بعدها المضارع إلا نادرا لانتفاء معنى التسبب ، ولأنها حينئذ لا ~~يظهر فيها معنى الجواب والجزاء . | # والتقدير : وإذا أخرجوك أو وإذا خرجت لا يلبثون خلفك إلا قليلا . | # وقرأ الجمهور { خلفك } . | # و { خلفك } أريد به بعدك . وأصل الخلف الوراء فاستعمل مجازا في البعدية ، ~~أي لا يلبثون بعدك . | # وقرأ ابن عامر ، وحمزة ، والكسائي ، وحفص ، وخلف { خلافك } وهو لغة في ~~خلف . وتقدم عند قوله تعالى : { بمقعدهم خلاف رسول الله ( التوبة : 81 ) . ~~| # واللبث : الاستقرار في المكان ، أي لا يستقرون في مكة بل يخرجون منها فلا ~~يرجعون . وقد خرج رسول الله بعد ذلك مهاجرا وكانوا السبب في خروجه ms4821 فكأنهم ~~أخرجوه ، كما تقدم عند قوله تعالى : وأخرجوهم من حيث أخرجوكم في سورة ~~البقرة ( 191 ) ، فلم يلبث الذين تسببوا في إخراجه وألبوا عليه قومهم بعده ~~إلا قليلا ثم خرجوا إلى وقعة بدر فلقوا حتفهم هنالك فلم يرجعوا وحق عليهم ~~الوعيد ، وأبقى الله عامتهم ودهاءهم لضعف كيدهم فأراد الله أن يدخلوا في ~~الإسلام بعد ذلك . | # وفي الآية إيماء إلى أن الرسول سيخرج من مكة وأن مخرجيه ، أي المتسببين ~~في خروجه ، لا يلبثون بعده بمكة إلا قليلا . | # والسنة : العادة والسيرة التي يلتزمها صاحبها . وتقدم القول في أنها اسم ~~جامد أو اسم مصدر عند قوله تعالى : قد خلت من قبلكم سنن ( آل عمران : 136 ) ~~، أي عادة الله في كل PageV15P179 رسول أخرجه قومه أن لا يبقوا بعده ، خرج ~~هود من ديار عاد إلى مكة ، وخرج صالح من ديار ثمود ، وخرج إبراهيم ولوط ~~وهلكت أقوامهم ، فإضافة سنة } إلى { من قد أرسلنا } لأدنى ملابسة ، أي ~~سنتنا فيهم بدليل قوله : { ولا تجد لسنتنا تحويلا } فإضافته إلى ضمير ~~الجلالة هي الإضافة الحقيقية . | # وانتصب { سنة } من { من قد أرسلنا } على المفعولية المطلقة . فإن كانت { ~~سنة } اسم مصدر فهو بدل من فعله . والتقدير : سننا ذلك لمن أرسلنا قبلك من ~~رسلنا ، أي لأجلهم . فلما عدل عن الفعل إلى المصدر أضيف المصدر إلى المتعلق ~~بالفعل إضافة المصدر إلى مفعوله على التوسع ؛ وإن كانت { سنة } اسما جامدا ~~فانتصابه على الحال لتأويله بمعنى اشتقاقي . | # وجملة { سنة من قد أرسلنا } مستأنفة استئنافا بيانيا لبيان سبب كون لبثهم ~~بعده قليلا . وإنما سن الله هذه السنة لرسله لأن تآمر الأقوام على إخراجهم ~~يستدعي حكمة الله تعالى لأن تتعلق إرادته بأمره إياهم بالهجرة لئلا يبقوا ~~مرموقين بعين الغضاضة بين قومهم وأجوارهم بشبه ما كان يسمى بالخلع عند ~~العرب . | # وجملة { ولا تجد لسنتنا تحويلا } اعتراض لتكملة البيان . | # والمعنى : أن ذلك كائن لا محالة لأننا أجريناه على الأمم السالفة ولأن ~~عادتنا لا تتحول . | # والتعبير ب { لا تجد } مبالغة في الانتفاء كما في قوله : { ولا تجد ~~أكثرهم شاكرين في سورة الأعراف ms4822 ( 17 ) . | # والتحويل : تغيير الحال وهو التبديل . ومن غريب التفسير أن المراد : أن ~~اليهود قالوا للنبيء الحق بأرض الشام فإنها أرض الأنبياء فصدق النبي قولهم ~~فغزا غزوة تبوك لا يريد إلا الشام فلما بلغ تبوك أنزل الله هذه PageV15P180 ~~الآية ، وهي رواية باطلة . وسبب غزوة تبوك معروف في كتب الحديث والسير ومن ~~أجل هذه الرواية قال فريق : إن الآية مدنية كما تقدم في صدر السورة . | # | 2 ( 78 ) أقم الصلواة لدلوك الشمس إلى غسق اليل وقرءان الفجر إن قرءان ~~الفجر كان مشهودا } ) 2 # كان شرع الصلوات الخمس للأمة ليلة الإسراء ، كما ثبت في الحديث الصحيح ، ~~ولكنه كان غير مثبت في التشريع المتواتر إنما أبلغه النبي أصحابه فيوشك أن ~~لا يعلمه غيرهم ممن يأتي من المسلمين . وأيضا فقد عينت الآية أوقاتا ~~للصلوات بعد تقرر فرضها ، فلذلك جاءت هذه الآية في هذه السورة التي نزلت ~~عقب حادث الإسراء جمعا للتشريع الذي شرع للأمة أيامئذ المبتدأ بقوله تعالى ~~: { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه الآيات ( الإسراء : 23 ) . | # فالجملة استئناف ابتدائي . ومناسبة موقعها عقب ما قبلها أن الله لما امتن ~~على النبي بالعصمة وبالنصر ذكره بشكر النعمة بأن أمره بأعظم عبادة يعبده ~~بها ، وبالزيادة منها طلبا لازدياد النعمة عليه ، كما دل عليه قوله في آخر ~~الآية عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ( الإسراء : 79 ) . | # فالخطاب بالأمر للنبيء ، ولكن قد تقرر من اصطلاح القرآن أن خطاب النبي ~~بتشريعع تدخل فيه أمته إلا إذا دل دليل على اختصاصه بذلك الحكم ، وقد علم ~~المسلمون ذلك وشاع بينهم بحيث ما كانوا يسألون عن اختصاص حكم إلا في مقام ~~الاحتمال القوي ، كمن سأله : ألنا هذه أم للأبد ؟ فقال : بل للأبد . | ~~PageV15P181 # والإقامة : مجاز في المواظبة والإدامة . وقد تقدم عند قوله تعالى : ~~ويقيمون الصلاة في أول سورة البقرة ( 3 ) . | # واللام في لدلوك الشمس } لام التوقيت ، وهي بمعنى ( عند ) . | # والدلوك : من أحوال الشمس ، فورد بمعنى زوال الشمس عن وسط قوس فرضي في ~~طريق مسيرها اليومي . وورد بمعنى : ميل الشمس عن مقدار ثلاثة أرباع القوس ~~وهو ms4823 وقت العصر ، وورد بمعنى غروبها ، فصار لفظ الدلوك مشتركا في المعاني ~~الثلاثة . | # والغسق : الظلمة ، وهي انقطاع بقايا شعاع الشمس حين يماثل سواد أفق ~~الغروب سواد بقية الأفق وهو وقت غيبوبة الشفق ، وذلك وقت العشاء ، ويسمى ~~العتمة ، أي الظلمة . | # وقد جمعت الآية أوقاتا أربعة ، فالدلوك يجمع ثلاثة أوقات باستعمال ~~المشترك في معانيه ، والقرينة واضحة . وفهم من حرف ( إلى ) الذي للانتهاء ~~أن في تلك الأوقات صلوات لأن الغاية كانت لفعل { أقم الصلاة } فالغاية ~~تقتضي تكرر إقامة الصلاة . وليس المراد غاية لصلاة واحدة جعل وقتها متسعا ، ~~لأن هذا فهم ينبو عنه ما تدل عليه اللام في قوله : { لدلوك الشمس } من وجوب ~~إقامة الصلاة عند الوقت المذكور لأنه الواجب أو الأكمل . وقد زاد عمل النبي ~~صلى الله عليه وسلم بيانا للآية . | # وأما مقدار الاتساع فيعرف من أدلة أخرى وفيه خلاف بين الفقهاء . فكلمة ( ~~دلوك ) لا تعادلها كلمة أخرى . | # وقد ثبت في حديث أبي مسعود الأنصاري في ( الموطأ ) : أن أول الوقت هو ~~المقصود . وثبت في حديث عطاء بن يسار مرسلا في ( الموطأ ) وموصولا عن أنس ~~بن مالك عند ابن عبد البر وغيره : أن للصبح وقتا له ابتداء ونهاية . وهو ~~أيضا ثابت لكل صلاة بآثار كثيرة عدا المغرب فقد سكت عنها الأثر . فترددت ~~PageV15P182 أنظار الفقهاء فيها بين وقوف عند المروي وبين قياس وقتها على ~~أوقات غيرها ، وهذا الثاني أرجح ، لأن امتداد وقت الصلاة توسعة على المصلي ~~وهي تناسب تيسير الدين . | # وجعل الغسق نهاية للأوقات ، فعلم أن المراد أول الغسق كما هو الشأن ~~المتعارف في الغاية بحرف ( إلى ) فعلم أن ابتداء الغسق وقت صلاة ، وهذا جمع ~~بديع . | # ثم عطف { قرآن الفجر } على { الصلاة } . والتقدير : وأقم قرآن الفجر ، أي ~~الصلاة به . كذا قدر القراء وجمهور المفسرين ليعلم أن لكل صلاة من تلك ~~الصلوات قرآنا كقوله : { فاقرءوا ما تيسر من القرآن ( المزمل : 20 ) ، أي ~~صلوا به نافلة الليل . | # وخص ذكر ذلك بصلاة الفجر دون غيرها لأنها يجهر بالقرآن في جميع ركوعها ، ~~ولأن سنتها أن يقرأ بسور من طوال المفصل ms4824 فاستماع القرآن للمأمومين أكثر ~~فيها وقراءته للإمام والفذ أكثر أيضا . | # ويجوز أن يكون عطف وقرآن الفجر } عطف جملة والكلام على الإغراء ، ~~والتقدير : والزم قرآن الفجر ، قاله الزجاج . فيعلم أن قراءة القرآن في كل ~~صلاة حتم . | # وهذا مجمل في كيفية الصلوات . ومقادير ما تشتمل عليه من القرآن بينته ~~السنة المتواترة والعرف في معرفة أوقات النهار والليل . | # وجملة { إن قرآن الفجر كان مشهودا } استئناف بياني لوجه تخصيص صلاة الصبح ~~باسم القرآن بأن صلاة الفجر مشهودة ، أي محضورة . وفسر ذلك بأنها تحضرها ~~ملائكة الليل وملائكة النهار ، كما ورد في الحديث : ( وتجتمع ملائكة الليل ~~وملائكة النهار في صلاة الصبح ) . وذلك زيادة في PageV15P183 فضلها وبركتها ~~. وأيضا فهي يحضرها أكثر المصلين لأن وقتها وقت النشاط وبعدها ينتظر الناس ~~طلوع الشمس ليخرجوا إلى أعمالهم فيكثر سماع القرآن حينئذ . | # | 2 ( 79 ) { ومن اليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ~~} ) 2 # عطف على { وقرآن الفجر ( الإسراء : 78 ) فإنه في تقدير جملة لكونه معمولا ~~لفعل أقم ( الإسراء : 78 ) . | # وقدم المجرور المتعلق ب تهجد على متعلقه اهتماما به وتحريضا عليه . ~~وبتقديمه اكتسب معنى الشرط والجزاء فجعل متعلقه بمنزلة الجزاء فأدخلت عليه ~~فاء الجزاء . وهذا مستعمل في الظروف والمجرورات المتقدمة على متعلقاتها ، ~~وهو استعمال فصيح . ومنه قوله تعالى : وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ( ~~المطففين : 26 ) وقول النبي : ففيهما فجاهد ، وتقدم عند قوله تعالى : فما ~~استقاموا لكم فاستقيموا لهم في سورة براءة ( 7 ) . | # وجعل الزجاج والزمخشري قوله : ومن الليل } في معنى الإغراء بناء على أن ~~نصب { وقرآن الفجر ( الإسراء : 78 ) على الإغراء فيكون فتهجد } تفريعا على ~~الإغراء تفريع مفصل على مجمل ، وتكون ( من ) اسما بمعنى ( بعض ) كالتي في ~~قوله : { من الذين هادوا يحرفون الكلم ( النساء : 46 ) وهو أيضا حسن . | # وضمير به } للقرآن المذكور في قوله : { وقرآن الفجر ( الإسراء : 78 ) وإن ~~كان المعاد مقيدا بكونه في الفجر والمذكور هنا مرادا مطلقه ، كقولك . عندي ~~درهم ونصفه ، أي نصف درهم لا نصف الدرهم الذي عندك . | # والباء للسببية . | PageV15P184 # والتهجد : الصلاة في أثناء الليل ، وهو ms4825 اسم مشتق من الهجود ، وهو النوم . ~~فمادة التفعل فيه للإزالة مثل التحرج والتأثم . | # والنافلة : الزيادة من الأمر المحبوب . | # واللام في لك } متلعقة ب { نافلة } وهي لام العلة ، أي نافلة لأجلك . وفي ~~هذا دليل على أن الأمر بالتهجد خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم فالأمر ~~للوجوب . وبذلك انتظم في عداد الصلوات الواجبة فبعضها واجب عليه وعلى الأمة ~~، وبعضها واجب عليه خاصة ويعلم منه أنه مرغب فيه كما صرحت به آية سورة ~~المزمل ( 20 ) { إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه ~~وطائفة من الذين معك إلى قوله : ما تيسر منه . وفي هذا الإيجاب عليه زيادة ~~تشريف له ، ولهذا أعقب بوعد أن يبعثه الله مقاما محمودا . فجملة عسى أن ~~يبعثك } تعليل لتخصيصه بإيجاب التهجد عليه ، والرجاء من الله تعالى وعد . ~~فالمعنى : ليبعثك ربك مقاما محمودا . | # والمقام : محل القيام . والمراد به المكان المعدود لأمر عظيم ، لأنه من ~~شأنه أن يقوم الناس فيه ولا يجلسوا ، وإلا فهو المجلس . | # وانتصب { مقاما } على الظرفية ل { يبعثك } . | # ووصف المقام بالمحمود وصف مجازي . والمحمود من يقوم فيه ، أي يحمد أثره ~~فيه ، وذلك لغنائه عن أصحاب ذلك المقام ، ولذلك فسر المقام المحمود ~~بالشفاعة العظمى . | # وفي ( صحيح البخاري ) عن ابن عمر ( أن الناس يصيرون يوم القيامة جثا بضم ~~الجيم وتخفيف المثلثة أي جماعات كل أمة تتبع نبيئها يقولون : يا فلان أشفع ~~حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود ) . وفي ( ~~جامع الترمذي ) عن أبي هريرة قال : قال رسول الله PageV15P185 صلى الله ~~عليه وسلم في قوله : { عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا قال : هي الشفاعة . ~~قال : هذا حديث حسن صحيح . | # وقد ورد وصف الشفاعة في صحيح البخاري } مفصلا . وذلك مقام يحمده فيه كل ~~أهل المحشر . | # | 2 ( 80 ) { وقل رب أدخلنى مدخل صدق وأخرجنى مخرج صدق واجعل لى من لدنك ~~سلطانا نصيرا } ) 2 # لما أمره الله تعالى بالشكر الفعلي عطف عليه الأمر بالشكر اللساني بأن ~~يبتهل إلى الله بسؤال التوفيق في الخروج من مكان والدخول إلى ms4826 مكان كيلا ~~يضره أن يستفزه أعداؤه من الأرض ليخرجوه منها ، مع ما فيه من المناسبة ~~لقوله : { عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ( الإسراء : 79 ) ، فلما وعده بأن ~~يقيمه مقاما محمودا ناسب أن يسأل أن يكون ذلك حاله في كل مقام يقومه . وفي ~~هذا التلقين إشارة إلهية إلى أن الله تعالى مخرجه من مكة إلى مهاجر . ~~والظاهر أن هذه الآية نزلت قبيل العقبة الأولى التي كانت مقدمة للهجرة إلى ~~المدينة . | # والمدخل والمخرج بضم الميم وبفتح الحرف الثالث أصله اسم مكان الإدخال ~~والإخراج . اختير هنا الاسم المشتق من الفعل المتعدي للإشارة إلى أن ~~المطلوب دخول وخروج ميسران من الله تعالى وواقعان بإذنه . وذلك دعاء بكل ~~دخول وخروج مباركين لتتم المناسبة بين المسؤول وبين الموعود به وهو المقام ~~المحمود . وهذا السؤال يعم كل مكان يدخل إليه ومكان يخرج منه . | # والصدق : هنا الكمال وما يحمد في نوعه ، لأن ما ليس بمحمود فهو كالكاذب ~~لأنه يخلف ظن المتلبس به . | # وقد عمت هذه الدعوة جميع المداخل إلى ما يقدر له الدخول إليه وجميع ~~المخارج التي يخرج منها حقيقة أو مجازا . وعطف عليه سؤال التأييد ~~PageV15P186 والنصر في تلك المداخل والمخارج وغيرها من الأقطار النائية ~~والأعمال القائم بها غيره من أتباعه وأعدائه بنصر أتباعه وخذل أعدائه . | # فالسلطان : اسم مصدر يطلق على السلطة وعلى الحجة وعلى الملك . وهو في هذا ~~المقام كلمة جامعة ؛ على طريقة استعمال المشترك في معانيه أو هو من عموم ~~المشترك ، تشمل أن يجعل له الله تأييدا وحجة وغلبة وملكا عظيما ، وقد آتاه ~~الله ذلك كله ، فنصره على أعدائه ، وسخر له من لم ينوه بنهوض الحجة وظهور ~~دلائل الصدق ، ونصره بالرعب . | # ومنهم من فسر المدخل والمخرج بأن المخرج الإخراج إلى فتح مكة والمدخل ~~الإدخال إلى بلد مكة فاتحا ، وجعل الآية نازلة قبيل الفتح ، فبنى عليه أنها ~~مدنية ، وهو مدخول من جهات . وقد تقدم أن السورة كلها مكية على الصحيح . | # والنصير : مبالغة في الناصر ، أي سلطانا ينصرني . وإذ قد كان العمل ~~القائم به النبي هو الدعوة إلى ms4827 الإسلام كان نصره تأييدا له فيما هو قائم به ~~، فصار هذا الوصف تقييدا للسلطان بأنه لم يسأل سلطانا للاستعلاء على الناس ~~، وإنما سأل سلطانا لنصره فيما يطلب النصرة وهو التبليغ وبث الإسلام في ~~الناس . | # | 2 ( 81 ) وقل جآء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا } ) 2 # أعقب تلقينه الدعاء بسداد أعماله وتأييده فيها بأن لقنه هذا الإعلان ~~المنبىء بحصول إجابة الدعوة الملهمة بإبراز وعده بظهور أمره في صورة الخبر ~~عن شيء مضى . | # ولما كانت دعوة الرسول هي لإقامة الحق وإبطالل الباطل كان الوعد بظهور ~~الحق وعدا بظهور أمر الرسول وفوزه على أعدائه ، واستحفظه الله هذه الكلمة ~~الجليلة إلى أن ألقاها يوم فتح مكة على مسامع من كانوا أعداءه PageV15P187 ~~فإنه لما دخل الكعبة ووجد فيها وحولها الأصنام جعل يشير إليها بقضيب ويقول ~~: { جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا } فتسقط تلك الأنصاب على ~~وجوهها . | # ومجيء الحق مستعمل مجازا في إدراك الناس إياه وعملهم به وانتصار القائم ~~به على معاضديه تشبيها للشيء الظاهر بالشيء الذي كان غايبا فورد جائيا . | # و { زهق } اضمحل بعد وجوده . ومصدره الزهوق والزهق . وزهوق الباطل مجاز ~~في تركه أصحابه فكأنه كان مقيما بينهم ففارقهم . والمعنى : استقر وشاع الحق ~~الذي يدعو إليه النبي وانقضى الباطل الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~ينهى عنه . | # وجملة { إن الباطل كان زهوقا } تذييل للجملة التي قبله لما فيه من عموم ~~يشمل كل باطل في كل زمان . وإذا كان هذا شأن الباطل كان الثبات والانتصار ~~شأن الحق لأنه ضد الباطل فإذا انتفى الباطل ثبت الحق . | # وبهذا كانت الجملة تذييلا لجميع ما تضمنته الجملة التي قبلها . والمعنى : ~~ظهر الحق في هذه الأمة وانقضى الباطل فيها ، وذلك شأن الباطل فيما مضى من ~~الشرائع أنه لا ثبات له . | # ودل فعل { كان } على أن الزهوق شنشنة الباطل ، وشأنه في كل زمان أنه يظهر ~~ثم يضمحل ، كما تقدم في قوله تعالى : { أكان للناس عجبا في صدر سورة يونس ( ~~2 ) . | # | 2 ( 82 ) وننزل من القرءان ما هو شفآء ms4828 ورحمة للمؤمنين ولا يزيد ~~الظالمين إلا خسارا } ) 2 # عطف على جملة { وقل جاء الحق وزهق الباطل ( الإسراء : 81 ) على ما في تلك ~~الجملة والجمل التي سبقتها من معنى التأييد للنبي ومن PageV15P188 الإغاظة ~~للمشركين ابتداء من قوله : وإن كادوا ليفتنونك عن الذين أوحينا إليك ( ~~الإسراء : 73 ) . فإنه بعد أن امتن عليه بأن أيده بالعصمة من الركون إليهم ~~وتبشيره بالنصرة عليهم وبالخلاص من كيدهم ، وبعد أن هددهم بأنهم صائرون ~~قريبا إلى هلاك وأن دينهم صائر إلى الاضمحلال ، أعلن له ولهم في هذه الآية ~~: أن ما منه غيظهم وحنقهم ، وهو القرآن الذي طمعوا أن يسألوا النبي أن ~~يبدله بقرآن ليس فيه ذكر أصنامهم بسوء ، أنه لا يزال متجددا مستمرا ، فيه ~~شفاء للرسول وأتباعه وخسارة لأعدائه الظالمين ، ولأن القرآن مصدر الحق ~~ومدحض الباطل أعقب قوله : جاء الحق وزهق الباطل ( الإسراء : 81 ) بقوله : ~~وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة } الآية . ولهذا اختير للإخبار عن ~~التنزيل الفعل المضارع المشتق من فعل المضاعف للدلالة على التجديد والتكرير ~~والتكثير ، وهو وعد بأنه يستمر هذا التنزيل زمنا طويلا . | # و { ما هو شفاء } مفعول { ننزل } . و { من القرآن } بيان لما في ( ما ) ~~من الإبهام كالتي في قوله تعالى : { فاجتنبوا الرجس من الأوثان ( الحج : 30 ~~) ، أي الرجس الذي هو الأوثان . وتقديم البيان لتحصيل غرض الاهتمام بذكر ~~القرآن مع غرض الثناء عليه بطريق الموصولية بقوله : ما هو شفاء ورحمة } إلخ ~~، للدلالة على تمكن ذلك الوصف منه بحيث يعرف به . والمعنى : ننزل الشفاء ~~والرحمة وهو القرآن . وليست ( من ) للتبعيض ولا للابتداء . | # والشفاء حقيقته زوال الداء ، ويستعمل مجازا في زوال ما هو نقص وضلال ~~وعائق عن النفع من العقائد الباطلة والأعمال الفاسدة والأخلاق الذميمة ~~تشبيها له ببرء السقم ، كقول عنترة : | # ولقد شفى نفسي وابرأ سقمها | # قيل الفوارس : ويك عنتر قدم | # والمعنى : أن القرآن كله شفاء ورحمة للمؤمنين ويزيد خسارة للكافرين ، لأن ~~كل آية من القرآن من أمره ونهيه ومواعظه وقصصه وأمثاله ووعده ووعيده ، كل ~~آية من ذلك مشتملة على هدي وصلاح حال للمؤمنين ms4829 المتبعينه ، PageV15P189 ~~ومشتملة بضد ذلك على ما يزيد غيظ المستمرين على الظلم ، أي الشرك ، ~~فيزدادون بالغيظ كراهية للقرآن فيزدادون بذلك خسارا بزيادة آثامهم ~~واستمرارهم على فاسد أخلاقهم وبعد ما بينهم وبين الإيمان . وهذا كقوله : { ~~فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض ~~فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون ( التوبة : 124 125 ) . | # وفي الآية دليل على أن في القرآن آيات يشتفى بها من الأدواء والآلام ورد ~~تعيينها في الأخبار الصحيحة فشملتها الآية بطريقة استعمال المشترك في ~~معنييه . وهذا مما بينا تأصيله في المقدمة التاسعة من مقدمات هذا التفسير . ~~| # والأخبار الصحيحة في قراءة آيات معينة للاستشفاء من أدواء موصوفة بله ~~الاستعاذة بآيات منه من الضلال كثيرة في صحيح البخاري } و ( جامع الترمذي ) ~~وغيرهما ، وفي الحديث الصحيح عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : ( ~~بعثنا رسول الله في سرية ثلاثين راكبا فنزلنا على قوم من العرب فسألناهم أن ~~يضيفونا فأبوا فلدغ سيد الحي فأتونا ، فقالوا : أفيكم أحد يرقي من العقرب ؟ ~~قال : قلت : نعم ولكن لا أفعل حتى يعطونا ، فقالوا : فإنا نعطيكم ثلاثين ~~شاة ، قال : فقرأت عليه فاتحة الكتاب سبع مرات فبرأ ) الحديث . وفيه : ( ~~حتى أتينا رسول الله فأخبرته فقال : وما يدريك أنها رقية ، قلت : يا رسول ~~الله شيء ألقي في روعي ( أي إلهام ألهمه الله ) ، قال : كلوا وأطعمونا من ~~الغنم ) . فهذا تقرير من النبي صلى الله عليه وسلم بصحة إلهام أبي سعيد رضي ~~الله عنه . | # | PageV15P190 # | 2 ( 83 ) { وإذآ أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر ~~كان يئوسا } ) 2 # لما كان القرآن نعمة عظيمة للناس ، وكان إعراض المشركين عنه حرمانا عظيما ~~لهم من خيرات كثيرة ، ولم يكن من شأن أهل العقول السليمة أن يرضوا بالحرمان ~~من الخير ، كان الإخبار عن زيادته الظالمين خسارا مستغربا من شأنه أن يثير ~~في نفوس السامعين التساؤل عن سبب ذلك ، أعقب ذلك ببيان السبب النفساني الذي ~~يوقع العقلاء في مهواة هذا الحرمان ، وذلك بعد الاشتغال بما هو فيه من نعمة ~~هويها وأولع ms4830 بها ، وهي نعمة تتقاصر عن أوج تلك النعم التي حرم منها لولا ~~الهوى الذي علق بها والغرور الذي أراه إياها قصارى المطلوب ، وما هي إلا ~~إلى زوال قريب ، كما أشار إليه قوله تعالى : { وذرني والمكذبين أولي النعمة ~~ومهلهم قليلا ( المزمل : 11 ) وقوله : لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد ~~متاع قليل ( آل عمران : 196 197 ) . | # فهذه الجملة مضمونها مقصود بذاته استفيد بيانها بوقوعها عقب التي قبلها . ~~| # والتعريف في الإنسان } تعريف الجنس ، وهو يفيد الاستغراق وهو استغراق ~~عرفي ، أي أكثر أفراد الإنسان لأن أكثر الناس يومئذ كفار وأكثر العرب ~~مشركون . فالمعنى : إذا أنعمنا على المشركين أعرضوا وإذا مسهم الشر يئسوا . ~~وهذا مقابل حال أهل الإيمان الذين كان القرآن شفاء لأنفسهم وشكر النعمة من ~~شيمهم والصبر على الضر من خلقهم . | # والمراد بالإنعام : إعطاء النعمة . وليس المراد النعم الكاملة من الإيمان ~~والتوفيق ، كما في قوله : { صراط الذين أنعمت عليهم ( الفاتحة : 7 ) . ~~وقوله : فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيئين والصديقين ( النساء : ~~69 ) . | PageV15P191 # والإعراض : الصد ، وضد الإقبال . وتقدم عند قوله تعالى : فأعرض عنهم ~~وعظهم في سورة النساء ( 63 ) ، وقوله : وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا ~~فأعرض عنهم في سورة الأنعام ( 68 ) . | # والنأي : البعد ، وتقدم في قوله تعالى : وينأون عنه في سورة الأنعام ( 26 ~~) . | # والجانب : الجنب . وهو الجهة من الجسد التي فيها اليد ، وهما جانبان : ~~يمين ويسار . | # والباء في قوله : بجانبه } للمصاحبة ، أي بعد مصاحبا لجانبه ، أي مبعدا ~~جانبه . والبعد بالجانب تمثيل الإجفال من الشيء ، قال عنترة : | # وكأنما ينأى بجانب دفها ال | # وحشي من هزج العشي مؤوم | # فالمفاد من قوله : { وناء بجانبه } صد عن العبادة والشكر . وهذا غير ~~المفاد من معنى { أعرض } فليس تأكيدا له ، فالمعنى : أعرض وتباعد . | # وحذف متعلق { أعرض ونأى } لدلالة المقام عليه من قوله : { أنعمنا على ~~الإنسان } ، أي أعرض عنا وأجفل منا ، أي من عبادتنا وأمرنا ونهينا . | # وقرأ الجمهور { وناء } بهمزة بعد النون وألف بعد الهمزة . | # وقرأ ابن عامر في رواية ابن ذكوان وأبو جعفر { وناء } بألف بعد النون ثم ~~همزة ms4831 . وهذا من القلب المكاني لأن العرب قد يتطلبون تخفيف الهمزة إذا وقعت ~~بعد حرف صحيح وبعدها مدة فيقلبون المدة قبل الهمزة لأن وقوعها بعد المد أخف ~~. من ذلك قولهم : راء في رأى ، وقولهم : آرام في أرام ، جمع رئم ، وقيل : ~~ناء في هذه القراءة بمعنى ثقل ، أي عن الشكر ، أي في معنى قوله تعالى : { ~~ولكنه أخلد إلى الأرض ( الأعراف : 176 ) . | PageV15P192 # وجملة وإذا مسه الشر كان يؤسا احتراس من أن يتوهم السامع من التقييد ~~بقوله : وإذا أنعمنا أنه إذا زالت عنه النعمة صلح حاله فبين أن حاله ملازم ~~لنكران الجميل في السراء والضراء ، فإذا زالت النعمة عنه لم يقلع عن الشرك ~~والكفر ويتب إلى الله ولكنه ييأس من الخير ويبقى حنقا ضيق الصدر لا يعرف ~~كيف يتدارك أمره . | # ولا تعارض بين هذه الآية وبين قوله في سورة فصلت ( 51 ) وإذا مسه الشر ~~فذو دعاء عريض كما سيأتي هنالك . | # ودل قوله : كان يؤسا } على قوة يأسه إذ صيغ له مثال المبالغة . وأقحم معه ~~فعل ( كان ) الدال على رسوخ الفعل ، تعجيبا من حاله في وقت مس الضر إياه ~~لأن حالة الضر أدعى إلى الفكرة في وسائل دفعه ، بخلاف حالة الإعراض في وقت ~~النعمة فإنها حالة لا يستغرب فيها الازدهاء لما هو فيه من النعمة . | # | 2 ( 84 ) { قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا } ) 2 # # | | # هذا تذييل ، وهو تنهية للغرض الذي ابتدىء من قوله : { ربكم الذي يزجى لكم ~~الفلك في البحر لتبتغوا من فضله ( الإسراء : 66 ) الراجع إلى التذكير بنعم ~~الله تعالى على الناس في خلال الاستدلال على أنه المتصرف الوحيد ، وإلى ~~التحذير من عواقب كفران النعم . وإذ قد ذكر في خلال ذلك فريقان في قوله : ~~يوم ندعوا كل أناس بإمامهم الآية ( الإسراء 71 ) ، وقوله : وننزل من القرآن ~~ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا ( الإسراء : 82 ) . ~~| # ولما في كلمة ( كل ) من العموم كانت الجملة تذييلا . | PageV15P193 # وتنوين كل } تنوين عوض عن المضاف إليه ، أي كل أحد مما شمله ms4832 عموم قوله : ~~{ ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى ( الإسراء : 72 ) وقوله : ورحمة ~~للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا ( الإسراء : 82 ) وقوله : وإذا ~~أنعمنا على الإنسان ( الإسراء : 83 ) . | # والشاكلة : الطريقة والسيرة التي اعتادها صاحبها ونشأ عليها . وأصلها ~~شاكلة الطريق ، وهي الشعبة التي تتشعب منه . قال النابغة يذكر ثوبا يشبه به ~~بنيات الطريق : | # له خلج تهوي فرادى وترعوي | # إلى كل ذي نيرين بادي الشواكل | # وهذا أحسن ما فسر به الشاكلة هنا . وهذه الجملة في الآية تجري مجرى المثل ~~. | # وفرع عليه قوله : فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا } وهو كلام جامع لتعليم ~~الناس بعموم علم الله ، والترغيب للمؤمنين ، والإنذار للمشركين مع تشكيكهم ~~في حقية دينهم لعلهم ينظرون ، كقوله : { وإنا أو إياكم لعلى هدى الآية ( ~~سبأ : 24 ) . | # | 2 ( 85 ) ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربى ومآ أوتيتم من العلم ~~إلا قليلا } ) 2 # وقع هذه الآية بين الآي التي معها يقتضي نظمه أن مرجع ضمير { يسألونك } ~~هو مرجع الضمائر المتقدمة ، فالسائلون عن الروح هم قريش . وقد روى الترمذي ~~عن ابن عباس قال : قالت قريش ليهود أعطونا شيئا نسأل هذا الرجل عنه ، ~~فقالوا : سلوه عن الروح ، قال : فسألوه عن الروح ، فأنزل الله تعالى : { ~~ويسألونك عن الروح } الآية . | # وظاهر هذا أنهم سألوه عن الروح خاصة وأن الآية نزلت بسبب سؤالهم . وحينئذ ~~فلا إشكال في إفراد هذا السؤال في هذه الآية على هذه الرواية . وبذلك ~~PageV15P194 يكون موقع هذه الآية بين الآيات التي قبلها والتي بعدها مسببا ~~على نزولها بين نزول تلك الآيات . | # واعلم أنه كان بين قريش وبين أهل يثرب صلات كثيرة من صهر وتجارة وصحبة . ~~وكان لكل يثربي صاحب بمكة ينزل عنده إذا قدم الآخر بلده ، كما كان بين أمية ~~بن خلف وسعد بن معاذ . وقصتهما مذكورة في حديث غزوة بدر من ( صحيح البخاري ~~) . | # روى ابن إسحاق أن قريشا بعثوا النضر بن الحارث ، وعقبة بن أبي معيط إلى ~~أحبار اليهود بيثرب يسألانهم عن أمر النبي صلى الله عليه وسلم فقال اليهود ~~لهما ms4833 : سلوه عن ثلاثة . وذكروا لهم أهل الكهف وذا القرنين وعن الروح كما ~~سيأتي في سورة الكهف ، فسألته قريش عنها فأجاب عن أهل الكهف وعن ذي القرنين ~~بما في سورة الكهف ، وأجاب عن الروح بما في هذه السورة . | # وهذه الرواية تثير إشكالا في وجه فصل جواب سؤال الروح عن المسألتين ~~الأخريين بذكر جواب مسألة الروح في سورة الإسراء وهي متقدمة في النزول على ~~سورة الكهف . | # ويدفع الإشكال أنه يجوز أن يكون السؤال عن الروح وقع منفردا أول مرة ثم ~~جمع مع المسألتين الأخريين ثاني مرة . | # ويجوز أن تكون آية سؤال الروح مما ألحق بسورة الإسراء كما سنبينه في سورة ~~الكهف . والجمهور على أن الجميع نزل بمكة ، قال الطبري عن عطاء بن يسار : ~~نزل قوله : { وما أوتيتم من العلم قليلا } بمكة . | # وأما ما روي في ( صحيح البخاري ) عن ابن مسعود أنه قال : ( بينما أنا مع ~~النبي في حرث بالمدينة إذ مر اليهود فقال بعضهم لبعض سلوه عن الروح ، ~~فسألوه عن الروح فأمسك النبي صلى الله عليه وسلم فلم يرد PageV15P195 عليهم ~~شيئا ، فعلمت أنه يوحى إليه ، فقمت مقامي ، فلما نزل الوحي قال : { ~~ويسألونك عن الروح } الآية . فالجمع بينه وبين حديث ابن عباس المتقدم : أن ~~اليهود لما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم قد ظن النبي أنهم أقرب من قريش ~~إلى فهم معنى الروح فانتظر أن ينزل عليه الوحي بما يجيبهم به أبين مما أجاب ~~به قريشا ، فكرر الله تعالى إنزال الآية التي نزلت بمكة أو أمره أن يتلوها ~~عليهم ليعلم أنهم وقريشا سواء في العجز عن إدراك هذه الحقيقة أو أن الجواب ~~لا يتغير . | # هذا ، والذي يترجح عندي : أن فيما ذكره أهل السير تخليطا ، وأن قريشا ~~استقوا من اليهود شيئا ومن النصارى شيئا فقد كانت لقريش مخالطة مع نصارى ~~الشام في رحلتهم الصيفية إلى الشام ، لأن قصة أهل الكهف لم تكن من أمور بني ~~إسرائيل وإنما هي من شؤون النصارى ، بناء على أن أهل الكهف كانوا نصارى كما ~~سيأتي في سورة الكهف ، وكذلك ms4834 قصة ذي القرنين إن كان المراد به الإسكندر ~~المقدوني يظهر أنها مما عني به النصارى لارتباط فتوحاته بتاريخ بلاد الروم ~~، فتعين أن اليهود ما لقنوا قريشا إلا السؤال عن الروح . وبهذا يتضح السبب ~~في إفراد السؤال عن الروح في هذه السورة وذكر القصتين الأخريين في سورة ~~الكهف . على أنه يجوز أن يتكرر السؤال في مناسبات وذلك شأن الذين معارفهم ~~محدودة فهم يلقونها في كل مجلس . | # وسؤالهم عن الروح معناه أنهم سألوا عن بيان ماهية ما يعبر عنه في اللغة ~~العربية بالروح والتي يعرف كل أحد بوجه الإجمال أنها حالة فيه . | # والروح : يطلق على الموجود الخفي المنتشر في سائر الجسد الإنساني الذي ~~دلت عليه آثاره من الإدراك والتفكير ، وهو الذي يتقوم في الجسد الإنساني ~~حين يكون جنينا بعد أن يمضي على نزول النطفة في الرحم مائة وعشرون يوما . ~~وهذا الإطلاق هو الذي في قوله تعالى : { فإذا سويته ونفخت فيه من روحي ( ص ~~: 72 ) . وهذا يسمى أيضا بالنفس كقوله : يا أيتها النفس المطمئنة ( الفجر : ~~27 ) . | PageV15P196 # ويطلق الروح على الكائن الشريف المكون بأمر إلهي بدون سبب اعتيادي ومنه ~~قوله تعالى : وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ( الشورى : 52 ) وقوله : ~~وروح منه ( النساء : 171 ) . | # ويطلق لفظ ( الروح ) على الملك الذي ينزل بالوحي على الرسل . وهو جبريل ~~عليه السلام ومنه قوله : نزل به الروح الأمين على قلبك ( الشعراء : 193 ) . ~~| # واختلف المفسرون في الروح المسؤول عنه المذكور هنا ما هو من هذه الثلاثة ~~. فالجمهور قالوا : المسؤول عنه هو الروح بالمعنى الأول ، قالوا لأنه الأمر ~~المشكل الذي لم تتضح حقيقته ، وأما الروح بالمعنيين الآخرين فيشبه أن يكون ~~السؤال عنه سؤالا عن معنى مصطلح قرآني . وقد ثبت أن اليهود سألوا عن الروح ~~بالمعنى الأول لأنه هو الوارد في أول كتابهم وهو سفر التكوين من التوراة ~~لقوله في الإصحاح الأول وروح الله يرف على وجه المياه . وليس الروح ~~بالمعنيين الآخرين بوارد في كتبهم . | # وعن قتادة والحسن : أنهم سألوا عن جبريل ، والأصح القول الأول . وفي ~~الروض الأنف } أن النبي صلى ms4835 الله عليه وسلم أجابهم مرة ، فقال لهم : ~~هوجبريل عليه السلام . وقد أوضحناه في سورة الكهف . | # وإنما سألوا عن حقيقة الروح وبيان ماهيتها ، فإنها قد شغلت الفلاسفة ~~وحكماء المتشرعين ، لظهور أن في الجسد الحي شيئا زائدا على الجسم ، به يكون ~~الإنسان مدركا وبزواله يصير الجسم مسلوب الإرادة والإدراك ، فعلم بالضرورة ~~أن في الجسم شيئا زائدا على الأعضاء الظاهرة والباطنة غير مشاهد إذ قد ظهر ~~بالتشريح أن جسم الميت لم يفقد شيئا من الأعضاء الباطنة التي كانت له في ~~حال الحياة . | # وإذ قد كانت عقول الناس قاصرة عن فهم حقيقة الروح وكيفية اتصالها بالبدن ~~وكيفية انتزاعها منه وفي مصيرها بعد ذلك الانتزاع ، أجيبوا بأن PageV15P197 ~~الروح من أمر الله ، أي أنه كائن عظيم من الكائنات المشرفة عند الله ولكنه ~~مما استأثر الله بعلمه . فلفظ { أمر } يحتمل أن يكون مرادف الشيء . فالمعنى ~~: الروح بعض الأشياء العظيمة التي هي لله ، فإضافة { أمر } إلى اسم الجلالة ~~على معنى لام الاختصاص ، أي أمر اختص بالله اختصاص علمم . | # و ( من ) للتبعيض ، فيكون هذا الإطلاق كقوله : { وكذلك أوحينا إليك روحا ~~من أمرنا ( الشورى : 52 ) . ويحتمل أن يكون الأمر أمر التكوين ، فإما أن ~~يراد نفس المصدر وتكون ( من ) ابتدائية كما في قوله : إنما قولنا لشيء إذا ~~أردناه أن نقول له كن فيكون ( النحل : 40 ) ، أي الروح يصدر عن أمر الله ~~بتكوينه ؛ أو يراد بالمصدر معنى المفعول مثل الخلق و ( من ) تبعيضية ، أي ~~الروح بعض مأمورات الله فيكون المراد بالروح جبريل عليه السلام ، أي الروح ~~من المخلوقات الذين يأمرهم الله بتبليغ الوحي ، وعلى كلا الوجهين لم تكن ~~الآية جوابا عن سؤالهم . | # وروى ابن العربي في الأحكام عن ابن وهب عن مالك أنه قال : لم يأته في ذلك ~~جواب ا ه . أي أن قوله : قل الروح من أمر ربي } ليس جوابا ببيان ما سألوا ~~عنه ولكنه صرف عن استعلامه وإعلام لهم بأن هذا من العلم الذي لم يؤتوه . ~~والاحتمالات كلها مرادة ، وهي كلمة جامعة . وفيها رمز إلى تعريف الروح ~~تعريفا بالجنس وهو ms4836 رسم . | # وجملة { وما أوتيتم من العلم إلا قليلا } يجوز أن تكون مما أمر الله ~~رسوله أن يقوله للسائلين فيكون الخطاب لقريش أو لليهود الذين لقنوهم ، ~~ويجوز أن يكون تذييلا أو اعتراضا فيكون الخطاب لكل من يصلح للخطاب ، ~~والمخاطبون متفاوتون في القليل المستثنى من المؤتى من العلم . وأن يكون ~~خطابا للمسلمين . | # والمراد بالعلم هنا المعلوم ، أي ما شأنه أن يعلم أو من معلومات الله . ~~ووصفه بالقليل بالنسبة إلى ما من شأنه أن يعلم من الموجودات والحقائق . | # وفي ( جامع الترمذي ) قالوا ( أي اليهود ) : ( أوتينا علما كثيرا التوراة ~~PageV15P198 ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيرا كثيرا ، فأنزلت : { قل لو كان ~~البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي الآية ( الكهف : ~~109 ) . | # وأوضح من هذا ما رواه الطبري عن عطاء بن يسار قال : نزلت بمكة وما أوتيتم ~~من العلم إلا قليلا } ، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~المدينة أتاه أحبار يهود فقالوا : يا محمد ألم يبلغنا أنك تقول : { وما ~~أوتيتم من العلم إلا قليلا } ، أفعنيتنا أم قومك ؟ قال : كلا قد عنيت . ~~قالوا : فإنك تتلو أنا أوتينا التوراة وفيها تبيان كل شيء . فقال رسول الله ~~: هي في علم الله قليل ، وقد آتاكم ما إن عملتم به انتفعتم . فأنزل الله { ~~ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت ~~كلمات الله إن الله عزيز حكيم ( لقمان : 27 ) . | # هذا ، والذين حاولوا تقريب شرح ماهية الروح من الفلاسفة والمتشرعين ~~بواسطة القول الشارح لم يأتوا إلا برسوم ناقصة مأخوذة فيها الأجناس البعيدة ~~والخواص التقريبية غير المنضبطة وتحكيم الآثار التي بعضها حقيقي وبعضها ~~خيالي ، وكلها متفاوتة في القرب من شرح خاصاته وأماراته بحسب تفاوت ~~تصوراتهم لماهيته المبنيات على تفاوت قوى مداركهم وكلها لا تعدو أن تكون ~~رسوما خيالية وشعرية معبرة عن آثار الروح في الإنسان . | # وإذا قد جرى ذكر الروح في هذه الآية وصرف السائلون عن مرادهم لغرض صحيح ~~اقتضاه حالهم وحال زمانهم ومكانهم ، فما علينا أن نتعرض ms4837 لمحاولة تعرف حقيقة ~~الروح بوجه الإجمال فقد تهيأ لأهل العلم من وسائل المعرفة ما تغيرت به ~~الحالة التي اقتضت صرف السائلين في هذه الآية بعض التغير ، وقد تتوفر ~~تغيرات في المستقبل تزيد أهل العلم استعدادا لتجلي بعض ماهية الروح ، فلذلك ~~لا نجاري الذين قالوا : إن حقيقة الروح يجب الإمساك عن بيانها لأن النبي ~~أمسك عنها فلا ينبغي الخوض في شأن الروح بأكثر من كونها موجودة . فقد رأى ~~جمهور العلماء من المتكلمين PageV15P199 والفقهاء منهم أبو بكر بن العربي ~~في العواصم } ، والنووي في ( شرح مسلم ) : أن هذه الآية لا تصد العلماء عن ~~البحث عن الروح لأنها نزلت لطائفة معينة من اليهود ولم يقصد بها المسلمون . ~~فقال جمهور المتكلمين : إنها من الجواهر المجردة ، وهو غير بعيد عن قول ~~بعضهم : هي من الأجسام اللطيفة والأرواح حادثة عند المتكلمين من المسلمين ~~وهو قول أرسطاليس . وقال قدماء الفلاسفة : هي قديمة . وذلك قريب من مرادهم ~~في القول بقدم العالم . ومعنى كونها حادثة أنها مخلوقة لله تعالى . فقيل : ~~الأرواح مخلوقة قبل خلق الأبدان التي تنفخ فيها ، وهو الأصح الجاري على ~~ظواهر كلام النبي صلى الله عليه وسلم فهي موجودة من الأزل كوجود الملائكة ~~والشياطين ، وقيل : تخلق عند إرادة إيجاد الحياة في البدن الذي توضع فيه ~~واتفقوا على أن الأرواح باقية بعد فناء أجسادها وأنها تحضر يوم الحساب . | # | 2 ( 86 ، 87 ) { ولئن شئنا لنذهبن بالذى أوحينا إليك ثم لا تجد لك به ~~علينا وكيلا * إلا رحمة من ربك إن فضله كان عليك كبيرا } ) 2 # هذا متصل بقوله : { وننزل من القرآن ما هو شفاء ( الإسراء : 82 ) الآية ~~أفضت إليه المناسبة فإنه لما تضمن قوله : قل الروح من أمر ربي ( الإسراء : ~~85 ) تلقين كلمة علم جامعة ، و تضمن أن الأمة أوتيت علما ومنعت علما ، وأن ~~علم النبوءة من أعظم ما أوتيته ، أعقب ذلك بالتنبيه إلى الشكر على نعمة ~~العلم دفعا لغرور النفس ، لأن العلم بالأشياء يكسبها إعجابا بتميزها عمن ~~دونها فيه ، فأوقظت إلى أن الذي منح العلم قادر على سلبه ، وخوطب ms4838 بذلك ~~النبي لأن علمه أعظم علم ، فإذا كان وجود علمه خاضعا لمشيئة الله فما الظن ~~بعلم غيره ، تعريضا لبقية العلماء . فالكلام صريحه تحذير ، وهو كناية عن ~~PageV15P200 الامتنان كما دل عليه قوله بعده إلا رحمة من ربك إن فضله كان ~~عليك كبيرا وتعريض بتحذير أهل العلم . | # واللام موطئة للقسم المحذوف قبل الشرط . | # وجملة لنذهبن بالذي أوحينا إليك } جواب القسم . وهو دليل جواب الشرط ومغن ~~عنه . | # و { لنذهبن بالذي أوحينا } بمعنى لنذهبنه ، أي عنك ، وهو أبلغ من ( نذهبه ~~) كما تقدم في قوله : { الذي أسرى بعبده ( الإسراء : 1 ) . | # وما صدق الموصول القرآن . | # و ( ثم ) للترتيب الرتبي ، لأن نفي الطمع في استرجاع المسلوب أشد على ~~النفس من سلبه . فذكره أدخل في التنبيه على الشكر والتحذير من الغرور . | # والوكيل : من يوكل إليه المهم . والمراد به هنا المدافع عنك والشفيع لك . ~~ولما فيه من معنى الغلبة عدي ب ( على ) . ولما فيه من معنى التعهد ~~والمطالبة عدي إلى المردود بالباء ، أي متعهدا بالذي أوحينا إليك . ومعنى ~~التعهد : به التعهد باسترجاعه ، لأنه في مقابلة قوله : لنذهبن بالذي أوحينا ~~إليك } ، ولأن التعهد لا يكون بذات شيء بل بحال من أحواله فجرى ، الكلام ~~على الإيجاز . | # وذكر هنا { وكيلا } وفي الآية قبلها { نصيرا } لأن معنى هذه على فرض سلب ~~نعمة الاصطفاء ، فالمطالبة بإرجاع النعمة شفاعة ووكالة عنه ، وأما الآية ~~قبلها فهي في فرض إلحاق عقوبة به ، فمدافعة تلك العقوبة أو الثأر بها نصر . ~~| # والاستثناء في قوله : { إلا رحمة من ربك } منقطع فحرف الاستثناء فيه ~~بمعنى الاستدراك . وهو استدراك على ما اقتضاه فعل الشرط من توقع ذلك ، أي ~~PageV15P201 لكن رحمة من ربك نفت مشيئة الذهاب بالذي أوحينا إليك فهو باقق ~~غير مذهوب به . | # وهذا إيماء إلى بقاء القرآن وحفظه ، قال تعالى : { إنا نحن نزلنا الذكر ~~وإنا له لحافظون ( الحجر : 9 ) . | # وموقع إن فضله كان عليك كبيرا } موقع التعليل للاستثناء المنقطع ، أي لكن ~~رحمة من ربك منعت تعلق المشيئة بإذهاب الذي أوحينا إليك ، لأن فضله كان ~~عليك كبيرا فلا يحرمك فضل الذي أوحاه ms4839 إليك . وزيادة فعل ( كان ) لتوكيد ~~الجملة زيادة على توكيدها بحرف التوكيد المستعمل في معنى التعليل والتفريع ~~. | # | 2 ( 88 ) { قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هاذا القرءان ~~لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا } ) 2 # استئناف للزيادة في الامتنان . وهو استئناف بياني لمضمون جملة { إن فضله ~~كان عليك كبيرا ( الإسراء : 87 ) . وافتتاحه ب ( قل ) للاهتمام به . وهذا ~~تنويه بشرف القرآن فكان هذا التنويه امتنانا على الذين آمنوا به وهم الذين ~~كان لهم شفاء ورحمة ، وتحديا بالعجز على الإتيان بمثله للذين أعرضوا عنه ~~وهم الذين لا يزيدهم إلا خسارا . | # واللام موطئة للقسم . | # وجملة لا يأتون بمثله } جواب القسم المحذوف . | # وجرد الجواب من اللام الغالب اقترانها بجواب القسم كراهية اجتماع لامين : ~~لام القسم ، ولام النافية . | PageV15P202 # ومعنى الاجتماع : الاتفاق واتحاد الرأي ، أي لو تواردت عقول الإنس والجن ~~على أن يأتي كل واحد منهم بمثل هذا القرآن لما أتوا بمثله . فهو اجتماع ~~الرأي لا اجتماع التعاون ، كما تدل عليه المبالغة في قوله بعده : { ولو كان ~~بعضهم لبعض ظهيرا } . | # وذكر الجن مع الإنس لقصد التعميم ، كما يقال : ( لو اجتمع أهل السماوات ~~والأرض ) ، وأيضا لأن المتحدين بإعجاز القرآن كانوا يزعمون أن الجن يقدرون ~~على الأعمال العظيمة . | # والمراد بالمماثلة للقرآن : المماثلة في مجموع الفصاحة والبلاغة والمعاني ~~والآداب والشرائع ، وهي نواحي إعجاز القرآن اللفظي والعلمي . | # وجملة { لا يأتون } جواب القسم الموطأ له باللام . وجواب ( إن ) الشرطية ~~محذوف دل عليه جواب القسم . | # وجملة { ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا } في موقع الحال من ضمير { لا يأتون } ~~. | # و ( لو ) وصلية ، وهي تفيد أن ما بعدها مظنة أن لا يشمله ما قبلها . وقد ~~تقدم معناها عند قوله : { ولو افتدى به قي سورة آل عمران ( 91 ) . | # والظهير : المعين . والمعنى : ولو تعاون الإنس والجن على أن يأتوا بمثله ~~لما أتوا بمثله فكيف بهم إذا حاولوا ذلك متفرقين . | # وفائدة هذه الجملة تأكيد معنى الاجتماع المدلول بقوله : لئن اجتمعت الإنس ~~والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن } أنه اجتماع تظافر على عمل واحد ms4840 ومقصد ~~واحد . | # وهذه الآية مفحمة للمشركين في التحدي بإعجاز القرآن . | # | PageV15P203 # | 2 ( 89 ) { ولقد صرفنا للناس فى هاذا القرءان من كل مثل فأبى أكثر ~~الناس إلا كفورا } ) 2 # لما تحدى الله بلغاء المشركين بالإعجاز تطاول عليهم بذكر فضائل القرآن ~~على ما سواه من الكلام ، مدمجا في ذلك النعي عليهم إذ حرموا أنفسهم ~~الانتفاع بما في القرآن من كل مثل . وذكرت هنا ناحية من نواحي إعجازه ، وهي ~~ما اشتمل عليه من أنواع الأمثال . وتقدم ذكر المثل عند قوله تعالى : { إن ~~الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما في سورة البقرة ( 26 ) . ويجوز أن يراد ~~بالمثل الحال أي من كل حال حسن من المعاني يجدر أن يمثل به ويشبه ما يزاد ~~بيانه في نوعه . | # فجملة ولقد صرفنا } معطوفة على جملة { قل لئن اجتمعت الإنس والجن } ~~مشاركة لها في حكمها المتقدم بيانه زيادة في الامتنان والتعجيز . | # وتأكيدها بلام القسم وحرف التحقيق لرد أفكار المشركين أنه من عند الله ، ~~فمورد التأكيد هو فعل { صرفنا } الدال على أنه من عند الله . | # والتصريف تقدم آنفا عند قوله تعالى : { ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا ~~( الإسراء : 41 ) . | # وزيد في هذه الآية قيد للناس } دون الآية السابقة لأن هذه الآية واردة في ~~مقام التحدي والإعجاز ، فكان الناس مقصودين به قصدا أصليا مؤمنهم وكافرهم ~~بخلاف الآية المتقدمة فإنها في مقام توبيخ المشركين خاصة فكانوا معلومين ~~كما تقدم . | # ووجه تقديم أحد المتعلقين بفعل { صرفنا } على الآخر : أن ذكر الناس أهم ~~في هذا المقام لأجل كون الكلام مسوقا لتحديهم والحجة عليهم ، وإن كان ~~PageV15P204 ذكر القرآن أهم بالأصالة إلا أن الاعتبارات الطارئة تقدم في ~~الكلام البليغ على الاعتبارات الأصلية ، أن الاعتبارات الأصلية لتقررها في ~~النفوس تصير متعارفة فتكون الاعتبارات الطارئة أعز منالا . ومن هذا باب ~~تخريج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر . والأظهر كون التعريف في { الناس } ~~للعموم كما يقتضيه قوله : { فأبى أكثر الناس إلا كفورا } . | # وذكر في هذه الآية متعلق التصريف بقوله : { من كل مثل } بخلاف الآية ~~السابقة ، لأن ذكر ذلك أدخل في ms4841 الإعجاز ، فإن كثرة أغراض الكلام أشد تعجيزا ~~لمن يروم معارضته عن أن يأتي بمثله ، إذ قد يقدر بليغ من البلغاء على غرض ~~من الأغراض ولا يقدر على غرض آخر ، فعجزهم عن معارضة سورة من القرآن مع ~~كثرة أغراضه عجز بين من جهتين ، لأنهم عجزوا عن الإتيان بمثله ولو في بعض ~~الأغراض ، كما أشار إليه قوله تعالى في سورة البقرة ( 23 ) { فأتوا بسورة ~~من مثله فإن ( من ) للتبعيض وتنوين ( مثل ) للتعظيم والتشريف ، أي من كل ~~مثل شريف . والمراد : شرفه في المقصود من التمثيل . | # و ( من ) في قوله : من كل مثل } . للتبعيض ، و ( كل ) تفيد العموم ، ~~فالقرآن مشتمل على أبعاض من جميع أنواع المثل . | # وحذف مفعول { أبى } للقرينة ، أي أبى العمل به . | # وفي قوله : { إلا كفورا } تأكيد الشيء بما يشبه ضده ، أي تأكيد في صورة ~~النقص ، لما فيه من الإطماع بأن إبايتهم غير مطردة ، ثم يأتي المستثنى ~~مؤكدا لمعنى المستثنى منه ، إذ الكفور أخص من المفعول الذي حذف للقرينة . ~~وهو استثناء مفرغ لما في فعل { أبى من معنى النفي الذي هو شرط الاستثناء ~~المفرغ لأن المدار على معنى النفي ، مثل الاستثناء من الاستفهام المستعمل ~~في النفي كقوله : هل كنت إلا بشرا رسولا ( الإسراء : 93 ) . | # والكفور بضم الكاف المجحود ، أي جحدوا بما في القرآن من هدى وعاندوا . | # | PageV15P205 # | 2 ( 90 93 ) وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا * أو تكون ~~لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الانهار خلالها تفجيرا * أو تسقط السمآء كما ~~زعمت علينا كسفا أو تأتى بالله والملائكة قبيلا * أو يكون لك بيت من زخرف ~~أو ترقى فى السمآء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرءه قل سبحان ربى ~~هل كنت إلا بشرا رسولا } ) 2 # عطف جملة { وقالوا } على جملة { فأبى أكثر الناس إلا كفورا ( الإسراء : ~~89 ) ، أي كفروا بالقرآن وطالبوا بمعجزات أخرى . | # وضمير الجمع عائد إلى أكثر الناس الذين أبوا إلا كفورا ، باعتبار صدور ~~هذا القول بينهم وهم راضون به ومتمالئون عليه متى علموه ، فلا يلزم أن ms4842 يكون ~~كل واحد منهم قال هذا القول كله بل يكون بعضهم قائلا جميعه أو بعضهم قائلا ~~بعضه . | # ولما اشتمل قولهم على ضمائر الخطاب تعين أن بعضهم خاطب به النبي مباشرة ~~إما في مقام واحد وإما في مقامات . وقد ذكر ابن إسحاق : أن عتبة بن ربيعة ، ~~وشيبة بن ربيعة ، وأبا سفيان بن حرب ، والأسود بن المطلب ، وزمعة بن الأسود ~~، والوليد بن المغيرة ، وأبا جهل بن هشام ، وعبد الله بن أبي أمية ، وأمية ~~بن خلف ، وناسا معهم اجتمعوا بعد غروب الشمس عند الكعبة وبعثوا إلى النبي ~~أن PageV15P206 يأتيهم . فأسرع إليهم حرصا على هداهم ، فعاتبوه على تسفيه ~~أحلامهم والطعن في دينهم . وعرضوا عليه ما يشاء من مال أو تسويد . وأجابهم ~~بأنه رسول من الله إليهم لا يبتغي غير نصحهم ، فلما رأوا منه الثبات ~~انتقلوا إلى طلب بعض ما حكاه الله عنهم في هذه الآية . | # وروي أن الذي سأل ما حكي بقوله تعالى : أو ترقى في السماء } إلى آخره ، ~~هو عبد الله بن أبي أمية المخزومي . | # وحكى الله امتناعم عن الإيمان بحرف ( لن ) لمفيد للتأييد لأنهم كذلك ~~قالوه . | # والمراد بالأرض : أرض مكة ، فالتعريف للعهد . ووجه تخصيصها أن أرضها ~~قليلة المياه بعيدة عن الجنات . | # والتفجير : مصدر فجر بالتشديد مبالغة في الفجر ، وهو الشق باتساع . ومنه ~~سمي فجر الصباح فجرا لأن الضوء يشق الظلمة شقا طويلا عريضا ، فالتفجير أشد ~~من مطلق الفجر وهو تشقيق شديد باعتبار اتساعه . ولذلك ناسب الينبوع هنا ~~والنهر في قوله تعالى : { وفجرنا خلالها نهرا ( الكهف : 33 ) وقوله : فتفجر ~~الأنهار } . | # وقرأه الجمهور بضم التاء وتشديد الجيم على أنه مضارع ( فجر ) المضاعف . ~~وقرأه عاصم ، وحمزة ، والكسائي ، وخلف بفتح التاء وسكون الفاء وضم الجيم ~~مخففة على أنه مضارع فجر كنصر ، فلا التفات فيها للمبالغة لأن الينبوع يدل ~~على المقصود أو يعبر عن مختلف أقوالهم الدالة على التصميم في الامتناع . | # ومعنى { لن نؤمن لك } لن نصدقك أنك رسول الله إلينا . | # والإيمان : التصديق . يقال : آمنه ، أي صدقه . وكثر أن يعدى إلى ~~PageV15P207 المفعول باللام ، قال تعالى : { وما أنت ms4843 بمؤمن لنا ( يوسف : 17 ~~) وقال : فآمن له لوط ( العنكبوت : 26 ) . وهذه اللام من قبيل ما سماه في ~~مغني اللبيب } لام التنبيين . وغفل عن التمثيل لها بهذه الآية ونحوها ، فإن ~~مجرور اللام بعد فعل { نؤمن } مفعول لا التباس له بالفاعل وإنما تذكر اللام ~~لزيادة البيان والتوكيد . وقد يقال : إنها لدفع التباس مفعول فعل ( آمن ) ~~بمعنى صدق بمفعول فعل ( آمن ) إذا جعله أمينا . وتقدم قوله تعالى ؛ { فما ~~آمن لموسى إلا ذرية من قومه في سورة يونس : 83 ) . | # والينبوع : اسم للعين الكثيرة النبع التي لا ينضب ماؤها . وصيغة يفعول ~~صيغة مبالغة غير قياسية ، والينبوع مشتقة من مادة النبع ؛ غير أن الأسماء ~~الواردة على هذه الصيغة مختلفة ، فبعضها ظاهر اشتقاقه كالينبوع والينبوت ، ~~وبعضها خفي كاليعبوب للفرس الكثير الجري . وقيل : اشتق من العب المجازي . ~~ومنه أسماء معربة جاء تعريبها على وزن يفعول مثل ؛ يكسوم اسم قائد حبشي ، ~~ويرموك اسم نهر . وقد استقرى الحسن الصاغاني ما جاء من الكلمات في العربية ~~على وزن يفعول في مختصر له مرتب على حروف المعجم . وقال السيوطي في المزهر ~~} : إن ابن دريد عقد له في ( الجمهرة ) بابا . | # والجنة ، والنخيل ، والعنب ، والأنهار تقدمت في قوله : { أيود أحدكم أن ~~تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار في سورة البقرة ( 266 ) ~~. | # وخصوا هذه الجنة بأن تكون له ، لأن شأن الجنة أن تكون خاصة لملك واحد ~~معين ، فأروه أنهم لا يبتغون من هذا الاقتراح نفع أنفسهم ولكنهم يبتغون ~~حصوله ولو كان لفائدة المقترح عليه . والمقترح هو تفجير الماء في الأرض ~~القاحلة ، وإنما ذكروا وجود الجنة تمهيدا لتفجير أنهار خلالها فكأنهم قالوا ~~: حتى تفجر لنا ينبوعا يسقي الناس كلهم ، أو تفجر أنهارا تسقي جنة واحدة ~~تكون تلك الجنة وأنهارها لك . فنحن مقتنعون بحصول ذلك لا بغية الانتفاع منه ~~. وهذا كقولهم : أو يكون لك بيت من زخرف } . | PageV15P208 # وذكر المفعول المطلق بقوله : { تفجيرا } للدلالة على التكثير لأن { تفجر ~~قد كفى في الدلالة على المبالغة في الفجر ، فتعين أن يكون الإتيان بمفعوله ~~المطلق للمبالغة في ms4844 العدد ، كقوله تعالى : ونزلناه تنزيلا ( الإسراء : 106 ~~) ، وهو المناسب لقوله : خلالها } ، لأن الجنة تتخللها شعب النهر لسقي ~~الأشجار . فجمع الأنهار باعتبار تشعب ماء النهر إلى شعب عديدة . ويدل لهذا ~~المعنى إجماع القراء على قراءة { فتفجر } هنا بالتشديد مع اختلافهم في الذي ~~قبله . وهذا من لطائف معاني القراءات المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~فهي من أفانين إعجاز القرآن . | # وقولهم : { أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا } انتقال من تحديه بخوارق ~~فيها منافع لهم إلى تحديه بخوارق فيها مضرتهم ، يريدون بذلك التوسيع عليه ، ~~أي فليأتهم بآية على ذلك ولو في مضرتهم . وهذا حكاية لقولهم كما قالوا . ~~ولعلهم أرادوا به الإغراق في التعجيب من ذلك فجمعوا بين جعل الإسقاط لنفس ~~السماء . وعززوا تعجيبهم بالجملة المعترضة وهي { كما زعمت } إنباء بأن ذلك ~~لا يصدق به أحد . وعنوا به قوله تعالى : { إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط ~~عليهم كسفا من السماء ( سبأ : 9 ) وبقوله : وإن يروا كسفا من السماء ساقطا ~~يقولوا سحاب مركوم ( الطور : 44 ) ، إذ هو تهديد لهم بأشراط الساعة ~~وإشرافهم على الحساب . وجعلوا ( من ) في قوله تعالى : كسفا من السماء ( ~~الطور : 44 ) تبعيضية ، أي قطعة من الأجرام السماوية ، فلذلك أبوا تعدية ~~فعل تسقط } إلى ذات السماء . واعلم أن هذا يقتضي أن تكون هاتان الآيتان أو ~~إحداها نزلت قبل سورة الإسراء وليس ذلك بمستبعد . | # و ( الكسف ) بكسر الكاف وفتح السين جمع كسفة ، وهي القطعة من الشيء مثل ~~سدرة وسدر . وكذلك قرأه نافع ، وابن عامر ، وأبو بكر عن عاصم ، وأبو جعفر . ~~وقرأه الباقون بسكون السين بمعنى المفعول ، أي المكسوف بمعنى المقطوع . | ~~PageV15P209 # والزعم : القول المستبعد أو المحال . | # والقبيل : الجماعة من جنس واحد . وهو منصوب على الحال من الملائكة ، أي ~~هم قبيل خاص غير معروف ، كأنهم قالوا : أو تأتي بفريق من جنس الملائكة . | # والزخرف : الذهب . | # وإنما عدي { ترقى في السماء } بحرف ( في ) الظرفية للإشارة إلى أن الرقي ~~تدرج في السماوات كمن يصعد في المرقاة والسلم . | # ثم تفننوا في الاقتراح فسألوه إن رقى أن يرسل ms4845 إليهم بكتاب ينزل من السماء ~~يقرؤونه ، فيه شهادة بأنه بلغ السماء . قيل : قائل ذلك عبد الله بن أبي ~~أمية ، قال : حتى تأتينا بكتاب معه أربعة من الملائكة يشهدون لك . | # ولعلهم إنما أرادوا أن ينزل عليهم من السماء كتابا كاملا دفعة واحدة ، ~~فيكونوا قد ألحدوا بتنجيم القرآن ، توهما بأن تنجيمه لا يناسب كونه منزلا ~~من عند الله لأن التنجيم عندهم يقتضي التأمل والتصنع في تأليفه ، ولذلك ~~يكثر في القرآن بيان حكمة تنجيمه . | # واللام في قوله : { لرقيك } يجوز أن تكون لام التبيين . على أن ( رقيك ) ~~مفعول { نؤمن } مثل قوله : { لن نؤمن لك } فيكون ادعاء الرقي منفيا عنه ~~التصديق حتى ينزل عليهم كتاب . ويجوز أن تكون اللام لام العلة ومفعول { ~~نؤمن } محذوفا دل عليه قوله قبله : { لن نؤمن لك } . والتقدير : لن نصدقك ~~لأجل رقيك هي تنزل علينا كتابا . والمعنى : أنه لو رقى في السماء لكذبوا ~~أعينهم حتى يرسل إليهم كتابا يرونه نازلا من السماء . وهذا تورك منهم وتهكم ~~. | # ولما كان اقتراحهم اقتراح ملاجة وعناد أمره الله بأن يجيبهم بما يدل على ~~التعجب من كلامهم بكلمة { سبحان ربي } التي تستعمل في التعجب كما ~~PageV15P210 تقدم في طالع هذه السورة ، ثم بالاستفهام الإنكاري ، وصيغة ~~الحصر المقتضية قصر نفسه على البشرية والرسالة قصرا إضافيا ، أي لست ربا ~~متصرفا أخلق ما يطلب مني ، فكيف آتي بالله والملائكة وكيف أخلق في الأرض ما ~~لم يخلق فيها . | # وقرأ الجمهور { قل } بصيغة فعل الأمر . وقرأه ابن كثير ، وابن عامر { قال ~~} بألف بعد القاف بصيغة الماضي على أنه حكاية لجواب الرسول صلى الله عليه ~~وسلم عن قولهم : { لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا } على طريقة ~~الالتفات . | # | 2 ( 94 ، 95 ) { وما منع الناس أن يؤمنو ا إذ جآءهم الهدى إلا أن قالو ~~ا أبعث الله بشرا رسولا * قل لو كان فى الارض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا ~~عليهم من السمآء ملكا رسولا } ) 2 # | $ # بعد أن عدت أشكال عنادهم ومظاهر تكذيبهم أعقبت ببيان العلة الأصلية التي ~~تبعث على الجحود في جميع الأمم ms4846 وهي توهمهم استحالة أن يبعث الله للناس ~~برسالة بشرا مثلهم . فذلك التوهم هو مثار ما يأتونه من المعاذير ، فالذين ~~هذا أصل معتقدهم لا يرجى منهم أن يؤمنوا ولو جاءتهم كل آية ، وما قصدهم من ~~مختلف المقترحات إلا إرضاء أوهامهم بالتنصل من الدخول في الدين ، فلو أتاهم ~~الرسول بما سألوه لانتقلوا فقالوا : إن ذلك سحر ، أو قلوبنا غلف ، أو نحو ~~ذلك . ومع ما في هذا من بيان أصل كفرهم هو أيضا رد بالخصوص لقولهم : { أو ~~تأتي بالله والملائكة قبيلا ( الإسراء : 92 ) ورد لقولهم : أو ترقى في ~~السماء ( الإسراء : 93 ) إلى آخره . | PageV15P211 # وقوله : إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا } يقتضي بصريحه أنهم قالوا ~~بألسنتهم وهو مع ذلك كناية عن اعتقادهم ما قالوه . ولذلك جعل قولهم ذلك ~~مانعا من أن يؤمنوا لأن اعتقاد قائليه يمنع من إيمانهم بضده ونطقهم بما ~~يعتقدونه يمنع من يسمعونهم من متبعي دينهم . | # وإلقاء هذا الكلام بصيغة الحصر وأداة العموم جعله تذييلا لما مضى من ~~حكاية تفننهم في أساليب التكذيب والتهكم . | # فالظاهر حمل التعريف في { الناس } على الاستغراق . أي ما منع جميع الناس ~~أن يؤمنوا إلا ذلك التوهم الباطل لأن الله حكى مثل ذلك عن كل أمة كذبت ~~رسولها فقال حكاية عن قوم نوح { ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ~~ولو شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين ( المؤمنون : ~~24 ) . وحكى مثله عن هود ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب ~~مما تشربون ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون ( المؤمنون : 33 34 ) ، ~~وعن قوم صالح ما أنت إلا بشر مثلنا ( سيورة الشعراء : 154 ) ، وعن قوم شعيب ~~وما أنت إلا بشر مثلنا ( الشعراء : 186 ) ، وحكى عن قوم فرعون قالوا أنؤمن ~~لبشرين مثلنا ( المؤمنون : 47 ) . وقال في قوم محمد بل عجبوا أن جاءهم منذر ~~منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب ( ق : 2 ) . | # وإذ شمل العموم كفار قريش أمر الرسول بأن يجيبهم عن هذه الشبهة بقوله : ~~لو كان في الأرض ملائكة ms4847 يمشون مطمئنين } الآية ، فاختص الله رسوله محمدا ~~صلى الله عليه وسلم باجتثاث هذه الشبهة من أصلها اختصاصا لم يلقنه من سبق ~~من الرسل ، فإنهم تلقوا تلك الشبهة باستنصار الله تعالى على أقوامهم فقال ~~عن نوح { قال رب إن قومي كذبون فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من ~~المؤمنين ( الشعراء : 118 ) . | PageV15P212 # وقال مثله عن هود وصالح ، وقال عن موسى وهارون ، فكذبوهما فكانوا من ~~المهلكين ( المؤمنون : 48 ) ، فقد ادخر الله لرسوله قواطع الأدلة على إبطال ~~الشرك وشبه الضلالة بما يناسب كونه خاتم الرسل ، ولهذا قال في خطبة حجة ~~الوداع : إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه ولكنه قد رضي أن يطاع ~~فيما دون ذلك مما تحقرون من أعمالكم . | # ومعنى قوله : لو كان في الأرض ملائكة يمشون } الخ : أن الله يرسل الرسول ~~للقوم من نوعهم للتمكين من المخالطة لأن اتحاد النوع هو قوام تيسير ~~المعاشرة ، قال تعالى : { ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا ( الأنعام : 9 ) ، ~~أي في صورة رجل ليمكن التخاطب بينه وبين الناس . | # وجملة يمشون } وصف ل { ملائكة } . | # و { مطمئنين } حال . والمطمئن : الساكن . وأريد به هنا المتمكن غير ~~المضطرب ، أي مشي قرار في الأرض ، أي لو كان في الأرض ملائكة قاطنون على ~~الأرض غير نازلين برسالة للرسل لنزلنا عليهم ملكا . | # ولما كان المشي والاطمئنان في الأرض من صفة الإنسان آل المعنى إلى : لو ~~كنتم ملائكة لنزلنا عليكم من السماء ملكا فلما كنتم بشرا أرسلنا إليكم بشرا ~~مثلكم . | # ومجيء الهدى هو دعوة الرسل إلى الهدى . | # | 2 ( 96 ) { قل كفى بالله شهيدا بينى وبينكم إنه كان بعباده خبيرا بصيرا ~~} ) 2 # بعد أن خص الله محمدا صلى الله عليه وسلم بتلقين الحجة القاطعة للضلالة ~~أردف ذلك بتلقينه أيضا ما لقنه الرسل السابقين من تفويض الأمر إلى الله ~~PageV15P213 وتحكيمه في أعدائه ، فأمره ب { قل كفى بالله } تسلية له ~~وتثبيتا لنفسه وتعهدا له بالفصل بينه وبينهم كما قال نوح وهود { رب انصرني ~~بما كذبون } ( المؤمنون : 26 ) ، وغيرهما من الرسل قال قريبا من ذلك . | # وفي هذا ms4848 رد لمجموع مقترحاتهم المتقدمة على وجه الإجمال . | # ومفعول { كفى } محذوف ، تقديره : كفاني . والشهيد : الشاهد ، وهو المخبر ~~بالأمر الواقع كما وقع . | # وأريد بالشهيد هنا الشهيد للمحق على المبطل ، فهو كناية عن النصير ~~والحاكم لأن الشهادة سبب الحكم ، والقرينة قوله : { بيني وبينكم } لأن ظرف ~~( بين ) يناسب معنى الحكم . وهذا بمعنى قوله تعالى : { حتى يحكم الله بيننا ~~وهو خير الحاكمين ( الأعراف : 87 ) وقوله : يوم القيامة يفصل بينكم ( ~~الممتحنة : 3 ) . | # والباء الداخلة على اسم الجلالة زائدة لتأكيد لصوق فعل كفى } بفاعله . ~~وأصله : كفى الله شهيدا . | # وجملة { إنه كان بعباده خبيرا بصيرا } تعليل للاكتفاء به تعالى ، والخبير ~~: العليم . وأريد به العليم بالنوايا والحقائق ، والبصير : العليم بالذوات ~~والمشاهداتت من أحوالها . ، والمقصود من اتباعه به إحاطة العلم وشموله . | # | 2 ( 97 ) { ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أوليآء من ~~دونه ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت ~~زدناهم سعيرا } ) 2 # يجوز أن تكون الجملة معطوفة على جملة { وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم ~~الهدى } ( الإسراء : 94 ) جمعا بين المانع الظاهر المعتاد من الهدى وبين ~~المانع الحقيقي وهو حرمان التوفيق من الله تعالى ، فمن أصر على الكفر مع ~~وضوح الدليل PageV15P214 لذوي العقول فذلك لأن الله تعالى لم يوفقه . ~~وأسباب الحرمان غضب الله على من لا يلقي عقله لتلقي الحق ويتخذ هواه رائدا ~~له في مواقف الجد . | # ويجوز أن تكون الجملة معطوفة على جملة { قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ~~} ( الإسراء : 96 ) ارتقاء في التسلية ، أي لا يحزنك عدم اهتدائهم فإن الله ~~حرمهم الاهتداء لما أخذوا بالعناد قبل التدبر في حقيقة الرسالة . | # والمراد بالهدى الهدى إلى الإيمان بما جاء به الرسول . | # والتعريف في { المهتد } تعريف العهد الذهني ، فالمعرف مساو للنكرة ، ~~فكأنه قيل : فهو مهتد . وفائدة الإخبار عنه بأنه مهتد التوطئة إلى ذكر ~~مقابله وهو { ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء } ، كما يقال من عرفني فقد عرفني ~~ومن لم يعرفني فأنا فلان . | # ويجوز أن تجعل التعريف في قوله : { المهتد } تعريف الجنس ms4849 فيفيد قصر ~~الهداية على الذي هداه الله قصرا إضافيا ، أي دون من تريد أنت هداه وأضله ~~الله . ولا يحتمل أن يكون المعنى على القصر الادعائي الذي هو بمعنى الكمال ~~لأن الهدى المراد هنا هدي واحد وهو الهدي إلى الإيمان . | # وحذفت ياء { المهتد } في رسم المصحف لأنهم وقفوا عليها بدون ياء على لغة ~~من يقف على الاسم المنقوص غير المنون بحذف الياء ، وهي لغة فصيحة غير جارية ~~على القياس ولكنها أوثرت من جهة التخفيف لثقل صيغة اسم الفاعل مع ثقل حرف ~~العلة في آخر الكلمة . ورسمت بدون ياء لأن شأن أواخر الكلم أن ترسم بمراعاة ~~حال الوقف . وأما في حال النطق في الوصل فقرأها نافع وأبو عمرو بإثبات ~~الياء في الوصل وهو الوجه ، ولذلك كتبوا الياء في مصاحفهم باللون الأحمر ~~وجعلوها أدق من بقية الحروف المرسومة PageV15P215 في المصحف تفرقة بينها ~~وبين ما رسمه الصحابة كتاب المصحف . والباقون حذفوا الياء في النطقق في ~~الوصل إجراء للوصل مجرى الوقف . وذلك وإن كان نادرا في غير الشعر إلا أن ~~الفصحاء يجرون الفواصل مجرى القوافي ، واعتبروا الفاصلة كل جملة ثم بها ~~الكلام ، كما دل عليه تمثيل سيبويه في كتابه الفاصلة بقوله تعالى : { ~~والليل إذا يسر ( الفجر : 4 ) وقوله : قال ذلك ما كنا نبغ ( الكهف : 64 ) . ~~وقد تقدم شيء من هذا عند قوله تعالى : عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال ~~في سورة الرعد ( 9 ) . | # والخطاب في فلن تجد لهم أولياء من دونه } للنبيء صلى الله عليه وسلم لأن ~~هذا الكلام مسوق لتسليته على عدم استجابتهم له ، فنفي وجدان الأولياء كناية ~~عن نفي وجود الأولياء لهم لأنهم لو كانوا موجودين لوجدهم هو وعرفهم . | # والأولياء : الأنصار ، أي لن تجد لهم أنصارا يخلصونهم من جزاء الضلال وهو ~~العذاب . ويجوز أن يكون الأولياء بمعنى متولي شأنهم ، أي لن تجد لهم من ~~يصلح حالهم فينقلهم من الضلال كقوله تعالى : { الله ولي الذين آمنوا يخرجهم ~~من الظلمات إلى النور ( البقرة : 257 ) . | # وجمع الأولياء باعتبار مقابلة الجمع بالجمع ، أي لن تجد لكل واحد وليا ms4850 ~~ولا لجماعته وليا ، كما يقال : ركب القوم دوابهم . | # ومن دونه } أي غيره . | # ذكر المقصود من نفي الولي أو المئال له بذكر صورة عقابهم بقوله : { ~~ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم } الآية . | PageV15P216 # والحشر : جمع الناس من مواضع متفرقة إلى مكان واحد . ولما كان ذلك يستدعي ~~مشيهم عدي الحشر بحرف ( على ) لتضمينه معنى ( يمشون . وقد فهم الناس ذلك من ~~الآية فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم كيف يمشون على وجوههم ؟ فقال : إن ~~الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم . والمقصود من ذلك ~~الجمع بين التشويه والتعذيب لأن الوجه أرق تحملا لصلابة الأرض من الرجل . | # وهذا جزاء مناسب للجرم ، لأنهم روجوا الضلالة في صورة الحق ووسموا الحق ~~بسمات الضلال فكان جزاؤهم أن حولت وجوههم أعضاء مشي عوضا عن الأرجل . ثم ~~كانوا { عميا وبكما } جزاء أقوالهم الباطلة على الرسول وعلى القرآن ، و { ~~صما } جزاء امتناعهم من سماع الحق ، كما قال تعالى عنهم : { وقالوا قلوبنا ~~في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب ( فصلت : 5 ) ~~. وقال عنهم : قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا ~~فنسيتها وكذلك اليوم تنسى ( طه : 125 126 ) ، وقال عنهم : ومن كان في هذه ~~أعمى فهو في الآخرة أعمى ( الإسراء : 72 ) أي من كان أعمى عن الحق فهو في ~~الحشر يكون محروما من متعة النظر . وهذه حالتهم عند الحشر . | # والمأوى محل الأوي ، أي النزول بالمأوى . أي المنزل والمقر . | # وخبت النار خبوا وخبوا . نقص لهيبها . | # والسعير : لهب النار ، وهو مشتق من سعر النار إذا هيج وقودها . وقد جرى ~~الوصف فيه على التذكير تبعا لتذكير اللهب . والمعنى : زدناهم لهبا فيها . | # وفي قوله : كلما خبت زدناهم سعيرا } إشكال لأن نار جهنم لا تخبو . وقد ~~قال تعالى : { فلا يخفف عنهم العذاب ( البقرة : 86 ) . فعن ابن عباس : أن ~~الكفرة وقود للنار قال تعالى : وقودها الناس والحجارة ( البقرة : 24 ) فإذا ~~أحرقتهم النار زال اللهب الذي كان متصاعدا من أجسامهم فلا يلبثون أن يعادوا ~~كما كانوا فيعود الالتهاب ms4851 لهم . | PageV15P217 # فالخبو وازدياد الاشتعال بالنسبة إلى أجسادهم لا في أصل نار جهنم . ولهذه ~~النكتة سلط فعل زدناهم } على ضمير المشركين للدلالة على أن ازدياد السعير ~~كان فيهم ، فكأنه قيل : كلما خبت فيهم زدناهم سعيرا ، ولم يقل : زدناها ~~سعيرا . | # وعندي : أن معنى الآية جار على طريق التهكم وبادىء الإطماع المسفر عن ~~خيبة ، لأنه جعل ازدياد السعير مقترنا بكل زمان من أزمنة الخبو ، كما تفيده ~~كلمة ( كلما ) التي هي بمعنى كل زمان . وهذا في ظاهره إطماع بحصول خبو ~~لورود لفظ الخبو في الظاهر ، ولكنه يؤول إلى يأس منه إذ يدل على دوام ~~سعيرها في كل الأزمان ، لاقتران ازدياد سعيرها بكل أزمان خبوها . فهذا ~~الكلام من قبيل التمليح ، وهو من قبيل قوله تعالى : { ولا يدخلون الجنة حتى ~~يلج الجمل في سم الخياط ( الأعراف : 40 ) ، وقول إياس القاضي للخصم الذي ~~سأله : على من قضيت ؟ فقال : على ابن أخت خالك . | # | 2 ( 98 ) { ذلك جزآؤهم بأنهم كفروا بئاياتنا وقالوا أءذا كنا عظاما ~~ورفاتا أءنا لمبعوثون خلقا جديدا } ) 2 # استئناف بياني لأن العقاب الفظيع المحكي يثير في نفوس السامعين السؤال عن ~~سبب تركب هذه الهيئة من تلك الصورة المفظعة ، فالجواب بأن ذلك بسبب الكفر ~~بالآيات وإنكار المعاد . | # فالإشارة إلى ما تقدم من قوله : { ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم ( ~~الإسراء : 97 ) إلى آخر الآية بتأويل : المذكور . | # والجزاء : العوض عن عمل . | # والباء في بأنهم كفروا } للسببية . | PageV15P218 # والظاهر أن جملة { وقالوا أإذا كنا عظاما } الخ . عطف على جملة { بأنهم ~~كفروا } . فذكر وجه اجتماع تلك العقوبات لهم ، وذكر سببان : | # أحدهما : الكفر بالآيات ويندرج فيه صنوف من الجرائم تفصيلا وجمعا تناسبها ~~العقوبة التي في قوله : { ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما ~~مأواهم جهنم ( الإسراء : 97 ) . | # وثانيهما : } إنكارهم البعث بقولهم : { أإذا كنا عظاما ورفاتا أئنا ~~لمبعوثون خلقا جديدا } المناسب له أن يعاقبوا عقابا يناسب ما أنكروه من ~~تجدد الحياة بعد المصير رفاتا ، فإن رفات الإحراق أشد اضمحلالا من رفات ~~العظام في التراب . | # والاستفهام في حكاية قولهم : { أإذا كنا عظاما } وقوله : { أئنا ms4852 لمبعوثون ~~} إنكاري . وتقدم اختلاف القراء في إثبات الهمزتين في قوله : { أإذا } وفي ~~إثباتها في قوله : { أإذا لمبعوثون } في نظير هذه الآية من هذه السورة . | # | 2 ( 99 ) { أولم يروا أن الله الذى خلق السماوات والارض قادر على أن ~~يخلق مثلهم وجعل لهم أجلا لا ريب فيه فأبى الظالمون إلا كفورا } ) 2 # جملة { أو لم يروا } عطف على جملة { ذلك جزاؤهم ( الإسراء : 98 ) باعتبار ~~ما تضمنته الجملة المعطوف عليها من الردع عن قولهم : أإذا كنا عظاما ورفاتا ~~( الإسراء : 98 ) . فبعد زجرهم عن إنكارهم البعث بأسلوب التهديد عطف عليه ~~إبطال اعتقادهم بطريق الاستدلال بقياس التمثيل في الإمكان ، وهو كاف في ~~إقناعهم هنا لأنهم إنما أنكروا البعث باعتقاد استحالته كما أفصح عنه ~~PageV15P219 حكاية كلامهم بالاستفهام الإنكاري . وإحالتهم ذلك مستندة إلى ~~أنهم صاروا عظاما ورفاتا ، أي بتعذر إعادة خلق أمثال تلك الأجزاء ، ولم ~~يستدلوا بدليل آخر ، فكان تمثيل خلق أجسام من أجزاء بالية بخلق أشياء أعظم ~~منها من عدم أوغل في الفناء دليلا يقطع دعواهم . | # والاستفهام في أو لم يروا } إنكاري مشوب بتعجيب من انتفاء علمهم ، لأنهم ~~لما جرت عقائدهم على استبعاد البعث كانوا بحال من لم تظهر له دلائل قدرة ~~الله تعالى ، فيؤول الكلام إلى إثبات أنهم علموا ذلك في نفس الأمر . | # والرؤية مستعملة في الإعتقاد لأنها عديت إلى كون الله قادرا ، وذلك ليس ~~من المبصرات . والمعنى : أو لم يعلموا أن الله قادر على أن يخلق مثلهم . | # وضمير { مثلهم } عائد إلى ما عاد إليه ضمير { يروا } وهو { الناس } في ~~قوله : { وما منع الناس ( الإسراء : 94 ) أي المشركين . | # والمثل : المماثل ، أي قادر على أن يخلق ناسا أمثالهم ، لأن الكلام في ~~إثبات إعادة أجسام المردود عليهم لا في أن الله قادر على أن يخلق خلقا آخر ~~، ويكون في الآية إيماء إلى أن البعث إعادة أجسام أخرى عن عدم ، فيخلق لكل ~~ميت جسد جديد على مثال جسده الذي كان في الدنيا وتوضع فيه الروح التي كانت ~~له . | # ويجوز أن يكون لفظ مثل هنا كناية عن نفس ما ms4853 أضيف إليه ، كقول العرب : ~~مثلك لا يبخل ، وقوله تعالى : ليس كمثله شيء ( الشورى : 11 ) على أحد ~~تأويلين فيه ، أي على جعل الكاف الداخلة على لفظ مثله غير زائدة . والمعنى ~~: قادر على أن يخلقهم ، أي أن يعيد خلقهم ، فإن ذلك ليس بأعجب من خلق ~~السماوات والأرض . | # ولعلمائنا طرق في إعادة الأجسام عند البعث فقيل : تكون الإعادة عن عدم ، ~~وقيل تكون عن جمع ما تفرق من الأجسام . وقيل : ينبت من عجب PageV15P220 ذنب ~~كل شخص جسد جديد مماثل لجسده كما تنبت من النواة شجرة مماثلة للشجرة التي ~~أثمرت ثمرة تلك النواة . | # ووصف اسم الجلالة بالموصول للإيماء إلى وجه بناء الخبر ، وهو الإنكار ~~عليهم ، لأن خلق السماوات والأرض أمر مشاهد معلوم ، وكونه من فعل الله لا ~~ينازعون فيه . | # وجملة وجعل لهم أجلا لا ريب فيه } معطوفة على جملة { أو لم يروا } ~~لتأويلها بمعنى قد رأوا ذلك لو كان لهم عقول ، أي تحققوا أن الله قادر على ~~إعادة الخلق وقد جعل لهم أجلا لا ريب فيه . | # والأجل : الزمان المجعول غاية يبلغ إليها في حال من الأحوال . وشاع ~~إطلاقه على امتداد الحياة ، وهو المدة المقدرة لكل حي بحسب ما أودع الله ~~فيه من سلامة آلات الجسم ، وما علمه الله من العوارض التي تعرض له فتخرم ~~بعض تلك السلامة أو تقويها . | # والأجل هنا محتمل لإرادة الوقت الذي جعل لوقوع البعث في علم الله تعالى . ~~| # ووجه كون هذا الجعل لهم أنهم داخلون في ذلك الأجل لأنهم من جملة من يبعث ~~حينئذ ، فتخصيصهم بالذكر لأنهم الذين أنكروا البعث ، والمعنى : وجعل لهم ~~ولغيرهم أجلا . | # ومعنى كون الأجل لا ريب فيه : أنه لا ينبغي فيه : ريب ، وأن ريب ~~المرتابين فيه مكابرة أو إعراض عن النظر ، فهو من باب قوله : { ذلك الكتاب ~~لا ريب فيه ( البقرة : 2 ) . | # ويجوز أن يكون الأجل أجل الحياة ، أي وجعل لحياتهم أجلا ، فيكون استدلالا ~~ثانيا على البعث ، أي ألم يروا أنه جعل لهم أجلا لحياتهم ، فما أوجدهم ~~وأحياهم وجعل لحياتهم أجلا إلا لأنه سيعيدهم إلى حياة أخرى ms4854 ، PageV15P221 ~~وإلا لما أفناهم بعد أن أحياهم ، لأن الحكمة تقتضي أن ما يوجده الحكيم يحرص ~~على بقائه وعدم فنائه ، فما كان هذا الفناء الذي لا ريب فيه إلا فناء عارضا ~~لاستقبال وجود أعظم من هذا الوجود وأبقى . | # وعلى هذا الوجه فوجه كون هذا الجعل لهم ظاهر لأن الآجال آجالهم . وكونه ~~لا ريب فيه أيضا ظاهر لأنهم لا يرتابون في أن لحياتهم آجالا . وقد تضمن ~~قوله : لهم أجلا } تعريضا بالمنة بنعمة الإمهال على كلا المعنيين وتعريضا ~~بالتذكير بإفاضة الأرزاق عليهم في مدة الأجل لأن في ذكر خلق السماء والأرض ~~تذكيرا بما تحتويه السماوات والأرض من الأرزاق وأسبابها . | # وجملة { فأبى الظالمون إلا كفورا } تفريع على الجملتين باعتبار ما ~~تضمنتاه من الإنكار والتعجيب ، أي علموا أن الذي خلق السماوات والأرض قادر ~~على إعادة الأجسام ومع علمهم أبوا إلا كفورا . فالتفريع من تمام الإنكار ~~عليهم والتعجيب من حالهم . | # واستثناء الكفور من الإباية تأكيد للشيء بما يشبه ضده . | # والكفور : جحود النعمة ، وتقدم آنفا . واختير ( الكفور ) هنا تنبيها على ~~أنهم كفروا بما يجب اعتقاده ، وكفروا نعمة المنعم عليهم فعبدوا غير المنعم ~~. | # | 2 ( 100 ) { قل لو أنتم تملكون خزآئن رحمة ربى إذا لأمسكتم خشية ~~الإنفاق وكان الإنسان قتورا } ) 2 # اعتراض ناشىء عن بعض مقترحاتهم التي توهموا عدم حصولها دليلا على انتفاء ~~إرسال بشير ، فالكلام استئناف لتكملة رد شبهاتهم . وهذا رد لما تضمنه قولهم ~~: { حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا إلى قوله : تفجيرا ( الإسراء : 90 91 ) ، ~~وقولهم : أو يكون لك بيت من زخرف ( الإسراء : 93 ) من تعذر حصول ذلك لعظيم ~~قيمته . | PageV15P222 # ومعنى الرد : أن هذا ليس بعظيم في جانب خزائن رحمة الله لو شاء أن يظهره ~~لكم . | # وأدمج في هذا الرد بيان ما فيهم من البخل عن الإنفاق في سبيل الخير . ~~وأدمج في ذلك أيضا تذكيرهم بأن الله أعطاهم من خزائن رحمته فكفروا نعمته ~~وشكروا الأصنام التي لا نعمة لها . ويصلح لأن يكون هذا خطابا للناس كلهم ~~مؤمنهم وكافرهم كل على قدر نصيبه . | # وشأن ( لو ) أن يليها الفعل ماضيا ms4855 في الأكثر أو مضارعا في اعتبارات ، فهي ~~مختصة بالدخول على الأفعال ، فإذا أوقعوا الاسم بعدها في الكلام وأخروا ~~الفعل عنه فإنما يفعلون ذلك لقصد بليغ : إما لقصد التقوي والتأكيد للإشعار ~~بأن ذكر الفعل بعد الأداة ثم ذكر فاعله ثم ذكر الفعل مرة ثانية تأكيد ~~وتقوية ؛ مثل قوله : وإن أحد من المشركين استجارك ( التوبة : 6 ) وإما ~~للانتقال من التقوي إلى الاختصاص ، بناء على أنه ما قدم الفاعل من مكانه ~~إلا لمقصد طريقق غير مطروق . وهذا الاعتبار هو الذي يتعين التخريج عليه في ~~هذه الآية ونحوها من الكلام البليغ ، ومنه قول عمر لأبي عبيدة لو غيرك ~~قالها . | # والمعنى : لو أنتم اختصصتم بملك خزائن رحمة الله دون الله لما أنفقتم على ~~الفقراء شيئا . وذلك أشد في التقريع وفي الامتنان بتخييل أن إنعام غيره ~~كالعدم . | # وكلا الاعتبارين لا يناكد اختصاص ( لو ) بالأفعال للاكتفاء بوقوع الفعل ~~في حيزها غير موال إياها وموالاته إياها أمر أغلبي ، ولكن لا يجوز أن يقال ~~: لو أنت عالم لبذذت الأقران . | # واختير الفعل المضارع لأن المقصود فرض أن يملكوا ذلك في المستقبل . | # وأمسكتم } هنا منزل منزلة اللازم فلا يقدر له مفعول ، لأن المقصود : إذن ~~لاتصفتم بالإمساك ، أي البخل . يقال : فلان ممسك ، أي بخيل . ولا يراد أنه ~~ممسك شيئا معينا . | PageV15P223 # وأكد جواب ( لو ) بزيادة حرف ( إذن ) فيه لتقوية معنى الجوابية ، ولأن في ~~( إذن ) معنى الجزاء كما تقدم آنفا عند قوله : { قل لو كان معه آلهة كما ~~تقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا ( الإسراء : 42 ) . ومنه قول بشر بن ~~عوانة : | # أفاطم لو شهدت ببطن خبت | # وقد لاقى الهزبر أخاكك بشرا | # إذن لرأيتت ليثا أم ليثا | # هزبرا أغلبا لاقى هزبرا | # وجملة وكان الإنسان قتورا } حالية أو اعتراضية في آخر الكلام ، وهي تفيد ~~تذييلا لأنها عامة الحكم . فالواو فيها ليست عاطفة . | # والقتور : الشديد البخل ، مشتق من القتر وهو التضييق في الإنفاق . | # | 2 ( 101 ، 102 ) { ولقد ءاتينا موسى تسع ءايات بينات فاسأل بنى إسراءيل ~~إذ جآءهم فقال له فرعون إنى لأظنك ياموسى مسحورا * قال لقد ms4856 علمت مآ أنزل ~~هاؤلا ء إلا رب السماوات والارض بصآئر وإنى لأظنك يافرعون مثبورا } ) 2 # | $ # بقي قولهم : { أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا ( الإسراء : 92 ) غير ~~مردود عليهم ، لأن له مخالفة لبقية ما اقترحوه بأنه اقتراح آية عذاب ورعب ، ~~فهو من قبيل آيات موسى عليه السلام التسع . فكان ذكر ما آتاه الله موسى من ~~الآيات وعدم إجداء ذلك في فرعون وقومه تنظيرا لما سأله المشركون . | # والمقصود : أننا آتينا موسى عليه السلام تسع آيات بيناتت الدلالة على ~~صدقه فلم يهتد فرعون وقومه وزعموا ذلك سحرا ، ففي ذلك PageV15P224 مثل ~~للمكابرين كلهم وما قريش إلا منهم . ففي هذا مثل للمعاندين وتسلية للرسول . ~~والآيات التسع هي : بياض يده كلما أدخلها في جيبه وأخرجها ، وانقلاب العصا ~~حية ، والطوفان ، والجراد ، والقمل ، والضفادع ، والدم ، والرجز وهو الدمل ~~، والقحط وهو السنون ونقص الثمرات ، وهي مذكورة في سورة الأعراف . وجمعها ~~الفيروزآبادي في قوله : | # عصا ، سنة ، بحر ، جراد ، وقمل | # يد ، ودم ، بعد الضفادع طوفان | # فقد حصلت بقوله : ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات } الحجة على المشركين ~~الذين يقترحون الآيات . | # ثم لم يزل الاعتناء في هذه السورة بالمقارنة بين رسالة محمد صلى الله ~~عليه وسلم ورسالة موسى عليه السلام إقامة للحجة على المشركين الذين كذبوا ~~بالرسالة بعلة أن الذي جاءهم بشر ، وللحجة على أهل الكتاب الذين ظاهروا ~~المشركين ولقنوهم شبه الإلحاد في الرسالة المحمدية ليصفو لهم جو العلم في ~~بلاد العرب وهم ما كانوا يحسبون لما وراء ذلك حسابا . | # فالمعنى : ولقد آتينا موسى تسع آيات على رسالته . | # وهذا مثل التنظير بين إيتاء موسى الكتاب وإيتاء القرآن في قوله في أول ~~السورة { وآتينا موسى الكتاب ( الإسراء : 2 ) الآيات ، ثم قوله : إن هذا ~~القرآن يهدي للتي هي أقوم ( الإسراء : 9 ) . | # فتكون هذه الجملة عطفا على جملة قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا ( ~~الإسراء : 93 ) أو على جملة قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي الآية ( ~~الإسراء : 100 ) . | # ثم انتقل من ذلك بطريقة التفريع إلى التسجيل ببني إسرائيل استشهادا بهم ~~على ms4857 المشركين ، وإدماجا للتعريض بهم بأنهم ساووا المشركين في إنكار ~~PageV15P225 نبوءة محمد ومظاهرتهم المشركين بالدس وتلقين الشبه ، تذكيرا ~~لهم بحال فرعون وقومه إذ قال له فرعون إني لأظنك يا موسى مسحورا } . | # والخطاب في قوله : { فسئل } للنبيء صلى الله عليه وسلم والمراد : سؤال ~~الاحتجاج بهم على المشركين لا سؤال الاسترشاد كما هو بين . | # وقوله : { مسحورا } ظاهره أن معناه متأثرا بالسحر ، أي سحرك السحرة ~~وأفسدوا عقلك فصرت تهرف بالكلام الباطل الدال على خلل العقل ( مثل الميمون ~~والمشؤوم ) . وهذا قول قاله فرعون في مقام غير الذي قال له فيه { يريد أن ~~يخرجكم من أرضكم بسحره ( الشعراء : 35 ) ، والذي قال فيه إن هذا لساحر عليم ~~، ( الشعراء : 34 ) فيكون إعراضا عن الاشتغال بالآيات وإقبالا على تطلع حال ~~موسى فيما يقوله من غرائب الأقوال عندهم . ألا ترى إلى قوله تعالى حكاية ~~عنه قال لمن حوله ألا تستمعون ( الشعراء : 25 ) . وكل تلك أقوال صدرت من ~~فرعون في مقامات محاوراته مع موسى عليه السلام فحكي في كل آية شيء منها . | # و ( إذا ) ظرف متعلق ب آتينا } . والضمير المنصوب في { جاءهم } عائد إلى ~~بني إسرئيل . وأصل الكلام : ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات إذ جاء بني ~~إسرائيل ، فاسألهم . | # وكان فرعون تعلق ظنه بحقيقة ما أظهر من الآيات فرجح عنده أنها سحر ، أو ~~تعلق ظنه بحقيقة حال موسى فرجح عنده أنه أصابه سحر ، لأن الظن دون اليقين ، ~~قال تعالى : { إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين ( الجاثية : 32 ) . وقد ~~يستعمل الظن بمعنى العلم اليقين . | # ومعنى ولقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض } : أن فرعون لم ~~يبق في نفسه شك في أن تلك الآيات لا تكون إلا بتسخير الله إذ لا يقدر عليها ~~غير الله ، وأنه إنما قال : { إني لأظنك يا موسى مسحورا } عنادا ومكابرة ~~وكبرياء . | PageV15P226 # وأكد كلام موسى بلام القسم وحرف التحقيق تحقيقا لحصول علم فرعون بذلك . ~~وإنما أيقن موسى بأن فرعون قد علم بذلك : إما بوحي من الله أعلمه به ، وإما ~~برأي مصيب ، لأن حصول العلم عند قيام ms4858 البرهان الضروري حصول عقلي طبيعي لا ~~يتخلف عن عقل سليم . | # وقرأ الكسائي وحده { لقد علمت } بضم التاء ، أي أن تلك الآيات ليست بسحر ~~كما زعمت كناية على أنه واثق من نفسه السلامة من السحر . | # والإشارة ب { هؤلاء } إلى الآيات التسع جيء لها باسم إشارة العاقل ، وهو ~~استعمال مشهور . ومنه قوله تعالى : { إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان ~~عنه مسؤولا ( الإسراء : 36 ) ، وقول جرير : | # ذم المنازل بعد منزلة اللوى | # والعيش بعد أولئك الأيام | # والأكثر أن يشار ب ( أولاء ) إلى العاقل . | # والبصائر : الحجج المفيدة للبصيرة ، أي العلم ، فكأنها نفس البصيرة . | # وقد تقدم عند قوله تعالى : هذا بصائر من ربكم في آخر سورة الأعراف ( 203 ~~) . | # وعبر عن الله بطريق إضافة وصف الرب للسماوات والأرض تذكيرا بأن الذي خلق ~~السماوات والأرض هو القادر على أن يخلق مثل هذه الخوارق . | # والمثبور : الذي أصابه الثبور وهو الهلاك . وهذا نذارة وتهديد لفرعون ~~بقرب هلاكه . وإنما جعله موسى ظنا تأدبا مع الله تعالى ، أو لأنه علم ذلك ~~باستقراء تام أفاده هلاك المعاندين للرسل ، ولكنه لم يدر لعل فرعون يقلع عن ~~ذلك وكان عنده احتمالا ضعيفا ، فلذلك جعل توقع هلاك فرعون ظنا . ويجوز أن ~~يكون الظن هنا مستعملا بمعنى اليقين كما تقدم آنفا . | # وفي ذكر هذا من قصة موسى إتمام لتمثيل حال معاندي الرسالة المحمدية بحال ~~من عاند رسالة موسى عليه السلام . | PageV15P227 # وجاء في جواب موسى عليه السلام لفرعون بمثل ما شافهه فرعون به من قوله : ~~إني لأظنك يا موسى مسحورا } مقارعة له وإظهارا لكونه لا يخافه وأنه يعامله ~~معاملة المثل قال تعالى : { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى ~~عليكم ( البقرة : 194 ) . | # | 2 ( 103 ، 104 ) { فأراد أن يستفزهم من الارض فأغرقناه ومن معه جميعا * ~~وقلنا من بعده لبنى إسراءيل اسكنوا الارض فإذا جآء وعد الاخرة جئنا بكم ~~لفيفا } ) 2 # أكملت قصة المثل بما فيه تعريض بتمثيل الحالين إنذارا للمشركين بأن عاقبة ~~مكرهم وكيدهم ومحاولاتهم صائرة إلى ما صار إليه مكر فرعون وكيده ، ففرع على ~~تمثيل حالي ms4859 الرسالتين وحالي المرسل إليهما ذكر عاقبة الحالة الممثل بها ~~نذارة للممثلين بذلك المصير . | # فقد أضمر المشركون إخراج النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين من مكة ، ~~فمثلت إرادتهم بإرادة فرعون إخراج موسى وبني إسرائيل من مصر ، قال تعالى : ~~{ وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلفك إلا ~~قليلا ( الإسراء : 76 ) . | # والاستفزاز : الاستخفاف ، وهو كناية عن الإبعاد . وتقدم عند قوله تعالى : ~~وإن كادوا ليستفزونك من الأرض في هذه السورة ( الإسراء : 76 ) . | # والمراد بمن معه جنده الذين خرجوا معه يتبعون بني إسرائيل . | # والأرض الأولى هي المعهودة وهي أرض مصر ، والأرض الثانية أرض الشام وهي ~~المعهودة لبني إسرائيل بوعد الله إبراهيم إياها . | PageV15P228 # ووعد الآخرة ما وعد الله به الخلائق على ألسنة الرسل من البعث والحشر . | # واللفيف : الجماعات المختلطون من أصناف شتى ، والمعنى : حكمنا بينهم في ~~الدنيا بغرق الكفرة وتمليك المؤمنين ، وسنحكم بينهم يوم القيامة . | # ومعنى جئنا بكم } أحضرناكم لدينا . والتقدير : جئنا بكم إلينا . | # | 2 ( 105 ) { وبالحق أنزلناه وبالحق نزل ومآ أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا } ~~) 2 # عود إلى التنويه بشأن القرآن فهو متصل بقوله : { ولقد صرفنا للناس في هذا ~~القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا ( الإسراء : 89 ) . فلما عطف ~~عليه وقالوا لن نؤمن لك ( الإسراء : 90 ) الآيات إلى هنا وسمحت مناسبة ذكر ~~تكذيب فرعون موسى عليه السلام عاد الكلام إلى التنويه بالقرآن لتلك ~~المناسبة . | # وقد وصف القرآن بصفتين عظيمتين كل واحدة منهما تحتوي على ثناء عظيم ~~وتنبيه للتدبر فيهما . | # وقد ذكر فعل النزول مرتين ، وذكر له في كل مرة متعلق متماثل اللفظ لكنه ~~مختلف المعنى ، فعلق إنزال الله إياه بأنه بالحق فكان معنى الحق الثابت ~~الذي لا ريب فيه ولا كذب ، فهو كقوله تعالى : ذلك الكتاب لا ريب فيه ( ~~البقرة : 2 ) وهو رد لتكذيب المشركين أن يكون القرآن وحيا من عند الله . | # وعلق نزول القرآن ، أي بلوغه للناس بأنه بالحق فكان معنى الحق الثاني ~~مقابل الباطل ، أي مشتملا على الحق الذي به قوام صلاح الناس وفوزهم في ~~الدنيا والآخرة ms4860 ، كما قال تعالى : وقل جاء الحق وزهق الباطل ( الإسراء : 81 ~~) ، وقوله : إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ( ~~النساء : 105 ) . | # وضمائر الغيبة عائدة إلى القرآن المعروف من المقام . | # والباء في الموضعين للمصاحبة لأنه مشتمل على الحق والهدي ، والمصاحبة ~~PageV15P229 تشبه الظرفية . ولولا اختلاف معنى الباءين في الآية لكان قوله ~~: وبالحق نزل } مجرد تأكيد لقوله : { وبالحق أنزلناه } لأنه إذا أنزل بالحق ~~نزل به ولا ينبغي المصير إليه ما لم يتعين . | # وتقديم المجرور في الموضعين على عامله للقصر ردا على المنكرين الذين ~~ادعوا أنه أساطير الأولين أو سحر مبين أو نحو ذلك . | # جملة معترضة بين جملة { وبالحق أنزلناه } وجملة { وقرآنا فرقناه } ( ~~الإسراء : 106 ) . أي وفي ذلك الحق نفع وضر فأنت به مبشر للمؤمنين ونذير ~~للكافرين . | # والقصر للرد على الذين سألوه أشياء من تصرفات الله تعالى والذين ظنوا أن ~~لا يكون الرسول بشرا . | # | 2 ( 106 ) { وقرءانا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا } ~~) 2 # عطف على جملة { أنزلناه ( الإسراء : 105 ) . | # وانتصب قرآنا } على الحال من الضمير المنصوب في { فرقناه } مقدمة على ~~صاحبها تنويها الكون قرآنا ، أي كونه كتابا مقروءا . فإن اسم القرآن مشتق ~~من القراءة ، وهي التلاوة ، إشارة إلى أنه من جنس الكلام الذي يحفظ ويتلى ، ~~كما أشار إليه قوله تعالى : { تلك آيات الكتاب وقرآن مبين ( الحجر : 1 ) ، ~~وقد تقدم بيانه . فهذا الكتاب له أسماء باختلاف صفاته فهو كتاب ، وقرآن ، ~~وفرقان ، وذكر ، وتنزيل . | # وتجري عليه هذه الأوصاف أو بعضها باختلاف المقام ، ألا ترى إلى قوله ~~تعالى : وقرآن الفجر ( الإسراء : 78 ) وقوله : فاقرأوا ما تيسر من القرآن ( ~~المزمل : 20 ) باعتبار أن PageV15P230 المقام للأمر بالتلاوة في الصلاة أو ~~مطلقا ، وإلى قوله : تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا ~~( الفرقان : 1 ) في مقام كونه فارقا بين الحق والباطل ، ولهذا لم يوصف من ~~الكتب السماوية بوصف القرآن غير الكتاب المنزل على محمد . | # ومعنى فرقناه } جعلناه فرقا ، أي أنزلناه منجما مفرقا غير مجتمع صبرة ~~واحدة . يقال : فرق الأشياء إذا باعد بينها ، وفرق ms4861 الصبرة إذا جزأها . ~~ويطلق الفرق على البيان لأن البيان يشبه تفريق الأشياء المختلطة ، فيكون { ~~فرقناه } محتملا معنى بيناه وفصلناه ، وإذ قد كان قوله : { قرآنا } حالا من ~~ضمير { فرقناه } آل المعنى إلى : أنا فرقناه وأقرأناه . | # وقد علل بقوله : { لتقرأه على الناس على مكث } . فهما علتان : أن يقرأ ~~على الناس وتلك علة لجعله قرآنا ، وأن يقرأ على مكث ، أي مهل وبطء وهي علة ~~لتفريقه . | # والحكمة في ذلك أن تكون ألفاظه ومعانيه أثبت في نفوس السامعين . | # وجملة { ونزلناه تنزيلا } معطوفة على جملة { وقرآنا فرقناه } . وفي فعل { ~~نزلناه } المضاعف وتأكيده بالمفعول المطلق إشارة إلى تفريق إنزاله المذكور ~~في قوله : { وبالحق أنزلناه ( الإسراء : 105 ) . | # وطوي بيان الحكمة للاجتزاء بما في قوله : لتقرأه على الناس على مكث } من ~~اتحاد الحكمة . وهي ما صرح به قوله تعالى : { كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ~~ترتيلا ( الفرقان : 32 ) . | # ويجوز أن يراد : فرقنا إنزاله رعيا للأسباب والحوادث . وفي كلام الوجهين ~~إبطال لشبهتهم إذ قالوا : لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة ( الفرقان : 32 ~~) . | # | PageV15P231 # | 2 ( 107 109 ) { قل ءامنوا به أو لا تؤمنو ا إن الذين أوتوا العلم من ~~قبله إذا يتلى عليهم يخرون للاذقان سجدا * ويقولون سبحان ربنآ إن كان وعد ~~ربنا لمفعولا * ويخرون للاذقان يبكون ويزيدهم خشوعا } ) 2 # | $ # استئناف خطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم ليلقنه بما يقوله للمشركين الذين ~~لم يؤمنوا بأن القرآن منزل من عند الله ، فإنه بعد أن أوضح لهم الدلائل على ~~أن مثل ذلك القرآن لا يكون إلا منزلا من عند الله من قوله : { قل لئن ~~اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ( الإسراء ~~: 88 ) فعجزوا عن الإتيان بمثله ، ثم ببيان فضائل ما اشتمل عليه بقوله : ~~ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ( الإسراء : 89 ) ، ثم بالتعرض ~~إلى ما اقترحوه من الإتيان بمعجزات أخر ، ثم بكشف شبهتهم التي يموهون بها ~~امتناعهم من الإيمان برسالة بشر ، وبين لهم غلطهم أو مغالطتهم ، ثم بالأمر ~~بإقامة الله شهيدا بينه وبينهم ، ثم بتهديدهم بعذاب ms4862 الآخرة ، ثم بتمثيل ~~حالهم مع رسولهم بحال فرعون وقومه مع موسى وما عجل لهم من عذاب الدنيا ~~بالاستئصال ، ثم بكشف شبهتهم في تنجيم القرآن ؛ أعقب ذلك بتفويض النظر في ~~ترجيح الإيمان بصدق القرآن وعدم الإيمان بقوله : آمنوا به أو لا تؤمنون } ~~للتسوية بين إيمانهم وعدمه عند الله تعالى . فالأمر في قوله : { آمنوا } ~~للتسوية ، أي إن شئتم . | # وجزم { لا تؤمنوا } بالعطف على المجزوم . ومثله قوله في سورة الطور ( 16 ~~) { فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم ، فحرف ( لا ) حرف نفي وليس حرف نهي ، ~~ولا يقع مع الأمر المراد به التسوية إلا كذلك ، وهو كناية عن الإعراض عنهم ~~وا حتقارهم وقلة المبالاة بهم ، ويندمج فيه مع ذلك تسلية الرسول . | ~~PageV15P232 # وجملة إن الذين أوتوا العلم } تعليل لمعنى التسوية بين إيمانهم به وعدمه ~~أو تعليل لفعل { قل } ، أو لكليهما ، شأن العلل التي ترد بعد جمل متعددة ، ~~ولذلك فصلت . وموقع ( إن ) فيها موقع فاء التفريع ، أي إنما كان إيمانكم ~~بالقرآن وعدمه سواء لأنه مستغن عن إيمانكم به بإيمان الذين أوتوا العلم من ~~قبل نزوله ، فهم أرجح منكم أحلاما وأفضل مقاما ، وهم الذين أوتوا العلم ، ~~فإنهم إذا يسمعونه يؤمنون به ويزيدهم إيمانا بما في كتبهم من الوعد بالرسول ~~الذي أنزل هذا عليه . | # وفي هذا تعريض بأن الذين أعرضوا عن الإيمان بالقرآن جهلة وأهل جاهلية . | # والمراد بالذين أوتوا العلم أمثال : ورقة بن نوفل ، فقد تسامع أهل مكة ~~بشهادته للنبيء صلى الله عليه وسلم ومن آمن بعد نزول هذه السورة من مثل : ~~عبد الله بن سلام ، ومعيقيب ، وسلمان الفارسي . | # ففي هذه الآية إخبار بمغيب . | # وضمائر ( به ، ومن قبله ، ويتلى ) عائدة إلى القرآن . والكلام على حذف ~~مضاف معلوم من المقام معهود الحذف ، أي آمنوا بصدقة . ومن قبل نزوله . | # والخرور : سقوط الجسم . قال تعالى : { فخر عليهم السقف من فوقهم ( النحل ~~: 26 ) . | # وقد تقدم في قوله : وخر موسى صعقا في سورة الأعراف ( 143 ) . | # واللام في للأذقان } بمعنى ( على ) كما في قوله تعالى : { وتله للجبين ( ~~الصافات : 103 ) ، وقول تأبط شرا : | # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . | # صريعا لليدين وللجران ms4863 | # . | PageV15P233 # وأصل هذه اللام أنها استعارة تبعية . استعير حرف الاختصاص لمعنى ~~الاستعلاء للدلالة على مزيد التمكن كتمكن الشيء بما هو مختص به . | # والأذقان : جمع الذقن بفتح الذال وفتح القاف مجتمع اللحيين . وذكر الذقن ~~للدلالة على تمكينهم الوجوه كلها من الأرض من قوة الرغبة في السجود لما فيه ~~من استحضار الخضوع لله تعالى . | # وسجدا } جمع ساجد ، وهو في موضع الحال من ضمير { يخرون } لبيان الغرض من ~~هذا الخرور ، وسجودهم سجود تعظيم لله عند مشاهدة آية من دلائل علمه وصدق ~~رسله وتحقيق وعده . | # وعطفت { ويقولون سبحان ربنا } على { يخرون } للإشارة إلى أنهم يجمعون بين ~~الفعل الدال على الخضوع والقول الدال على التنزيه والتعظيم . ونظيره قوله : ~~{ خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم ( السجدة : 15 ) . على أن في قولهم : سبحان ~~ربنا } دلالة على التعجب والبهجة من تحقق وعد الله في التوراة والإنجيل ~~بمجيء الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم | # وجملة { إن كان وعد ربنا لمفعولا } من تمام مقولهم . وهو المقصود من ~~القول ، لأن تسبيحهم قبله تسبيح تعجب واعتبار بأنه الكتاب الموعود به ~~وبرسوله في الكتب السابقة . | # و ( إن ) مخففة من الثقيلة ، وقد بطل عملها بسبب التخفيف ، ووليها فعل من ~~نواسخ المبتدأ جريا على الغالب في استعمال المخففة . وقرن خبر الناسخ ~~باللام الفارقة بين المخففة والنافية . | # والوعد باقق على أصله من المصدرية . وتحقيق الوعد يستلزم تحقيق الموعود ~~به فحصل التصديق بالوعد والموعود به . | # ومعنى { مفعولا } أن الله يفعل ما جاء في وعده ، أي يكونه ويحققه ، وهذا ~~السجود سجود تعظيم لله إذ حقق وعده بعد سنين طويلة . | PageV15P234 # وقوله : { ويخرون للأذقان يبكون } تكرير للجملة باختلاف الحال المقترنة ~~بها ، أعيدت الجملة تمهيدا لذكر الحال . وقد يقع التكرير مع العطف لأجل ~~اختلاف القيود ، فتكون تلك المغايرة مصححة العطف ، كقول مرة بن عداء ~~الفقعسي : | # فهلا أعدوني لمثلي تفاقدوا | # إذا الخصم أبزى مائل الرأس أنكب | # وهلا أعدوني لمثلي تفاقدوا | # وفي الأرض مبثوث شجاع وعقرب | # فالخرور المحكي بالجملة الثانية هو الخرور الأول ، وإنما خروا خرورا ~~واحدا ساجدين باكين ، فذكر مرتين اهتماما بما صحبه من ms4864 علامات الخشوع . | # وذكر { يبكون } بصيغة المضارع لاستحضار الحالة . | # والبكاء بكاء فرح وبهجة . والبكاء : يحصل من انفعال باطني ناشىء عن حزن ~~أو عن خوف أو عن شوق . | # ويزيدهم القرآن خشوعا على خشوعهم الذي كان لهم من سماع كتابهم . | # ومن السنة سجود القارىء والمستمع له بقصد هذه الآية اقتداء بأولئك ~~الساجدين بحيث لا يذكر المسلم سجود أهل الكتاب عند سماع القرآن إلا وهو يرى ~~نفسه أجدر بالسجود عند تلاوة القرآن . | # | 2 ( 110 ) { قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمان أيا ما تدعوا فله الاسمآء ~~الحسنى ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذالك سبيلا } ) 2 # لا شك أن لنزول هذه الآية سببا خاصا إذ لا موجب لذكر هذا التخيير بين ~~دعاء الله تعالى باسمه العلم وبين دعائه بصفة الرحمن خاصة دون PageV15P235 ~~ذكر غير تلك الصفة من صفات الله مثل : الرحيم أو العزيز وغيرهما من الصفات ~~الحسنى . | # ثم لا بد بعد ذلك من طلب المناسبة لوقوعها في هذا الموضع من السورة . | # فأما سبب نزولها فروى الطبري والواحدي عن ابن عباس قال : ( كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم ساجدا يدعو يا رحمان يا رحيم ، فقال المشركون : هذا يزعم ~~أنه يدعو واحدا وهو يدعو مثنى مثنى ، فأنزل الله تعالى : { قل ادعوا الله ~~أو ادعو الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى } . وعليه فالاقتصار على ~~التخيير في الدعاء بين اسم الله وبين صفة الرحمن اكتفاء ، أي أو الرحيم . | # وفي ( الكشاف ) : عن ابن عباس سمع أبو جهل النبي صلى الله عليه وسلم يقول ~~: يا الله يا رحمان . فقال أبو جهل : إنه ينهانا أن نعبد إلهين وهو يدعو ~~إلها آخر . وأخرجه ابن مردويه . وهذا أنسب بالآية لاقتصارها على اسم الله ~~وصفة الرحمن . | # وأما موقعها هنا فيتعين أن يكون سبب نزولها حدث حين نزول الآية التي ~~قبلها . | # والكلام رد وتعليم بأن تعدد الأسماء لا يقتضي تعدد المسمى ، وشتان بين ~~ذلك وبين دعاء المشركين آلهة مختلفة الأسماء والمسميات ، والتوحيد والإشراك ~~يتعلقان بالذوات لا بالأسماء . | # و ( أي ) اسم استفهام في الأصل ms4865 ، فإذا اقترنت بها ( ما ) الزائدة أفادت ~~الشرط كما تفيده كيف إذا اقترنت بها ( ما ) الزائدة . ولذلك جزم الفعل ~~بعدها وهو { تدعوا } شرطا ، وجيء لها بجواب مقترن بالفاء ، وهو { فله ~~الأسماء الحسنى } . | PageV15P236 # والتحقيق أن { فله الأسماء الحسنى } علة الجواب . والتقدير : أي اسم من ~~أسمائه تعالى تدعون فلا حرج في دعائه بعدة أسماء إذ له الأسماء الحسنى وإذ ~~المسمى واحد . | # ومعنى { ادعوا الله أو ادعوا الرحمن } ادعوا هذا الاسم أو هذا الاسم ، أي ~~اذكروا في دعائكم هذا أو هذا ، فالمسمى واحد . وعلى هذا التفسير قد وقع ~~تجوز في فعل { ادعوا } مستعملا في معنى اذكروا أو سموا في دعائكم . | # ويجوز أن يكون الدعاء مستعملا في معنى سموا ، وهو حينئذ يتعدى إلى ~~مفعولين . والتقدير : سموا ربكم الله أو سموه الرحمن ، وحذف المفعول الأول ~~من الفعلين وأبقي الثاني لدلالة المقام . | # لا شك أن لهذه الجملة اتصالا بجملة { قل ادعو الله أو ادعوا الرحمن } ~~يؤيد ما تقدم في وجه اتصال قوله : { قل ادعوا الله أو ادعو الرحمن } ~~بالآيات التي قبله ، فقد كان ذلك بسبب جهر النبي صلى الله عليه وسلم في ~~دعائه باسم الرحمن . | # والصلاة : تحتمل الدعاء ، وتحتمل العبادة المعروفة . قود فسرها السلف هنا ~~بالمعنيين . ومعلوم أن من فسر الصلاة بالعبادة المعروفة فإنما أراد قراءتها ~~خاصة لأنها التي توصف بالجهر والمخافتة . | # وعلى كلا الاحتمالين فقد جهر النبي صلى الله عليه وسلم بذكر الرحمن ، ~~فقال فريق من المشركين : ما الرحمن ؟ وقالوا : إن محمدا يدعو إلهين ، وقام ~~فريق منهم يسب القرآن ومن جاء به ، أو يسب الرحمن ظنا PageV15P237 أنه رب ~~آخر غير الله تعالى وغير آلهتهم ، فأمر الله رسوله أن لا يجهر بدعائه أو لا ~~يجهر بقراءة صلاته في الصلاة الجهرية . | # ولعل سفهاء المشركين توهموا من صدع النبي صلى الله عليه وسلم بالقراءة أو ~~بالدعاء أنه يريد بذلك التحكك بهم والتطاول عليهم بذكر الله تعالى مجردا عن ~~ذكر آلهتهم فاغتاظوا وسبوا ، فأمره الله تعالى بأن لا يجهر بصلاته هذا ~~الجهر تجنبا لما من شأنه أن يثير حفائظهم ويزيد ms4866 تصلبهم في كفرهم في حين أن ~~المقصود تليين قلوبهم . | # والمقصود من الكلام النهي عن شدة الجهر . | # وأما قوله تعالى : { ولا تخافت بها } فالمقصود منه الاحتراس لكيلا يجعل ~~دعاءه سرا أو صلاته كلها سرا فلا يبلغ أسماع المتهيئين للاهتداء به ، لأن ~~المقصود من النهي عن الجهر تجنب جهر يتوهم منه الكفار تحككا أو تطاولا كما ~~قلنا . | # والجهر : قوة صوت الناطق بالكلام . | # والمخافتة مفاعلة : من خفت بكلامه ، إذا أسر به . وصيغة المفاعلة مستعملة ~~في معنى الشدة ، أي لا تسرها . | # وقوله : { ذلك } إشارة إلى المذكور ، أي الجهر والمخافتة المعلومين من ~~فعلي { تجهر وتخافت أي اطلب سبيلا بين الأمرين ليحصل المقصود من إسماع ~~الناس القرآن وينتفي توهم قصد التطاول عليهم . | # | PageV15P238 # | 2 ( 111 ) { وقل الحمد لله الذى لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك فى الملك ~~ولم يكن له ولى من الذل وكبره تكبيرا } ) 2 # لما كان النهي عن الجهر بالدعاء أو قراءة الصلاة سدا لذريعة زيادة ~~تصميمهم على الكفر أعقب ذلك بأمره بإعلان التوحيد لقطع دابر توهم من توهموا ~~أن الرحمن اسم لمسمى غير مسمى اسم الله ، فبعضهم توهمه إلها شريكا ، وبعضهم ~~توهمه معينا وناصرا ، أمر النبي بأن يقول ما يقلع ذلك كله وأن يعظمه بأنواع ~~من التعظيم . | # وجملة { الحمد لله } تقتضي تخصيصه تعالى بالحمد ، أي قصر جنس الحمد عليه ~~تعالى لأنه أعظم مستحق لأن يحمد . فالتخصيص ادعائي بادعاء أن دواعي حمد غير ~~الله تعالى في جانب دواعي حمد الله بمنزلة العدم ، كما تقدم في سورة ~~الفاتحة . | # و ( من ) في قوله : { من الذل } بمعنى لام التعليل . | # والذل : العجز والافتقار ، وهو ضد العز ، أي ليس له ناصر من أجل الذل . ~~والمراد : نفي الناصر له على وجه مؤكد ، فإن الحاجة إلى الناصر لا تكون إلا ~~من العجز عن الانتصار للنفس . ويجوز تضمين ( الولي ) معنى ( المانع ) فتكون ~~( من ) لتعدية الاسم المضمن معناه . | # ومعنى { كبره } اعتقد أنه كبير ، أي عظيم العظم المعنوي الشامل لوجوب ~~الوجود والغنى المطلق ، وصفات الكمال كلها الكاملة التعلقات ، لأن الاتصاف ~~بذلك كله كمال ، والاتصاف ms4867 بأضداد ذلك نقص وصغار معنوي . | PageV15P239 # وإجراء هذه الصلات الثلاث على اسم الجلالة الذي هو متعلق الحمد لأن في ~~هذه الصلاة إيماء إلى وجه تخصيصه بالحمد . والإتيان بالمفعول المطلق بعد { ~~كبره } للتوكيد ، ولما في التنوين من التعظيم ، ولأن من هذه صفاته هو الذي ~~يقدر على إعطاء النعم التي يعجز غيره عن إسدائها . | # | PageV15P240 # | 1 ( سورة الكهف ) 1 # سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة الكهف . | # روى مسلم ، وأبو داوود ، عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~: ( من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف ) وفي رواية لمسلم : ( من آخر الكهف ~~، عصم من فتنة الدجال ) . ورواه الترمذي عن أبي الدرداء بلفظ ( من قرأ ثلاث ~~آيات من أول الكهف عصم من فتنة الدجال ) . قال الترمذي : حديث حسن صحيح . | # وكذلك وردت تسميتها عن البراء بن عازب في ( صحيح البخاري ) . قال : ( كان ~~رجل يقرأ سورة الكهف وإلى جانبه حصان مربوط بشطنين فتغشته سحابة فجعلت تدنو ~~، وتدنو ، وجعل فرسه ينفر ، فلما أصبح أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ~~ذلك له ، فقال : تلك السكينة تنزلت بالقرآن ) . | # وفي حديث أخرجه ابن مردويه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سماها سورة ~~أصحاب الكهف . | # وهي مكية بالاتفاق كما حكاه ابن عطية . قال : وروي عن فرقد أن أول السورة ~~إلى قوله : { جرزا ( الكهف : 8 ) نزل بالمدينة ، قال : والأول أصح . | ~~PageV15P241 # وقيل قوله : واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم ( الكهف : 28 ) الآيتين ~~نزلتا بالمدينة ، وقيل قوله : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم ~~جنات الفردوس نزلا ( الكهف : 107 ) إلى آخر السورة نزل بالمدينة . وكل ذلك ~~ضعيف كما سيأتي التنبيه عليه في مواضعه . | # نزلت بعد سورة الغاشية وقبل سورة الشورى . | # وهي الثامنة والستون في ترتيب نزول السور عند جابر بن زيد . | # وقد ورد في فضلها أحاديث متفاوتة أصحها الأحاديث المتقدمة . | # وهي من السور التي نزلت جملة واحدة . روى الديلمي في مسند الفردوس عن أنس ~~قال : نزلت سورة الكهف جملة معها سبعون ألفا من الملائكة . وقد أغفل هذا ~~صاحب الإتقان ms4868 . | # عدت آيها في عدد قراء المدينة ومكة مائة وخمسا ، وفي عدد قراء الشام مائة ~~وستا ، وفي عدد قراء البصرة مائة وإحدى عشرة ، وفي عد قراء الكوفة مائة ~~وعشرا ، بناء على اختلافهم في تقسيم بعض الآيات إلى آيتين . | # وسبب نزولها ما ذكره كثير من المفسرين ، وبسطه ابن إسحاق في سيرته بدون ~~سند ، وأسنده الطبري إلى ابن عباس بسند فيه رجل مجهول : أن المشركين لما ~~أهمهم أمر النبي وازدياد المسلمين معه وكثر تساؤل الوافدين إلى مكة من ~~قبائل العرب عن أمر دعوته ، بعثوا النضر بن الحارث ، وعقبة بن أبي معيط إلى ~~أحبار اليهود بالمدينة ( يثرب ) يسألونهم رأيهم في دعوته ، وهم يطمعون أن ~~يجد لهم الأحبار ما لم يهتدوا إليه مما يوجهون به تكذيبهم إياه ، قالوا : ~~فإن اليهود أهل الكتاب الأول وعندهم من علم الأنبياء ( أي صفاتهم وعلاماتهم ~~) علم ليس عندنا ، فقدم النضر وعقبة إلى المدينة ووصفا لليهود دعوة النبي ~~PageV15P242 وأخبراهم ببعض قوله ، فقال لهم أحبار اليهود : سلوه عن ثلاث ؟ ~~فإن أخبركم بهن فهو نبيء وإن لم يفعل فالرجل متقول ، سلوه عن فتية ذهبوا في ~~الدهر الأول ما كان أمرهم ، وسلوه عن رجل طواف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ~~، وسلوه عن الروح ما هي . فرجع النضر وعقبة فأخبرا قريشا بما قاله أحبار ~~اليهود ، فجاء جمع من المشركين إلى رسول الله فسألوه عن هذه الثلاثة ؛ فقال ~~لهم رسول الله : أخبركم بما سألتم عنه غدا ( وهو ينتظر وقت نزول الوحي عليه ~~بحسب عادة يعلمها ) . ولم يقل : إن شاء الله . فمكث رسول الله ثلاثة أيام ~~لا يوحى إليه ، وقال ابن إسحاق : خمسة عشر يوما ، فأرجف أهل مكة وقالوا : ~~وعدنا محمد غدا وقد أصبحنا اليوم عدة أيام لا يخبرنا بشيء مما سألناه عنه ، ~~حتى أحزن ذلك رسول الله وشق عليه ، ثم جاءه جبريل عليه السلام بسورة الكهف ~~وفيها جوابهم عن الفتية وهم أهل الكهف ، وعن الرجل الطواف وهو ذو القرنين . ~~وأنزل عليه فيما سألوه من أمر الروح ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي ~~وما أوتيتم ms4869 من العلم إلا قليلا من ( الإسراء : 85 ) . قال السهيلي : وفي ~~رواية عن ابن إسحاق من غير طريق البكائي ( أي زياد بن عبد الله البكائي ~~الذي يروي عنه ابن هشام ) أنه قال في هذا الخبر : فناداهم رسول الله : هو ( ~~أي الروح ) جبريل . وهذا خلاف ما روى غيره أن يهود قالت لقريش : سلوه عن ~~الروح فإن أخبركم به فليس بنبيء وإن لم يخبركم به فهو نبيء ا ه . | # وأقول : قد يجمع بين الروايتين بأن النبي بعد أن أجابهم عن أمر الروح ~~بقوله تعالى : قل الروح من أمر ربي ( الإسراء : 85 ) بحسب ما عنوه بالروح ~~عدل بهم إلى الجواب عن أمر كان أولى لهم العلم به وهو الروح الذي تكرر ذكره ~~في القرآن مثل قوله : نزل به الروح الأمين ( الشعراء : 193 ) وقوله : ~~والروح فيها ( القدر : 4 ) ( وهو من ألقاب جبريل ) على طريقة الأسلوب ~~PageV15P243 الحكيم مع ما فيه من الإغاظة لليهود ، لأنهم أعداء جبريل كما ~~أشار إليه قوله تعالى : قل من كان عدوا لجبريل الآية ( البقرة : 97 ) . ~~ووضحه حديث عبد الله بن سلام في قوله للنبيء حين ذكر جبريل عليه السلام ذاك ~~عدو اليهود من الملائكة فلم يترك النبي لهم منفذا قد يلقون منه التشكيك على ~~قريش إلا سده عليهم . | # وقد يعترضك هنا : أن الآية التي نزلت في أمر الروح هي من سورة الإسراء ~~فلم تكن مقارنة للآية النازلة في شأن الفتية وشأنن الرجل الطواف فماذا فرق ~~بين الآيتين ، وأن سورة الإسراء يروى أنها نزلت قبل سورة الكهف فإنها ~~معدودة سادسة وخمسين في عداد نزول السور ، وسورة الكهف معدودة ثامنة وستين ~~في النزول . وقد يجاب عن هذا بأن آية الروح قد تكون نزلت على أن تلحق بسورة ~~الإسراء فإنها نزلت في أسلوب سورة الإسراء وعلى مثل فواصلها ، ولأن الجواب ~~فيها جواب بتفويض العلم إلى الله ، وهو مقام يقتضي الإيجاز ، بخلاف الجواب ~~عن أهل الكهف وعن ذي القرنين فإنه يستدعي بسطا وإطنابا ففرقت آية الروح عن ~~القصتين . | # على أنه يجوز أن يكون نزول سورة الإسراء ms4870 مستمرا إلى وقت نزول سورة الكهف ~~، فأنزل قرآن موزع عليها وعلى سورة الكهف . وهذا على أحد تأويلين في معنى ~~كون الروح من أمر ربي كما تقدم في سورة الإسراء . والذي عليه جمهور الرواة ~~أن آية ويسألونك عن الروح ( الإسراء : 85 ) مكية إلا ما روي عن ابن مسعود . ~~وقد علمت تأويله في سورة الإسراء . | # فاتضح من هذا أن أهم غرض نزلت فيه سورة الكهف هو بيان قصة أصحاب الكهف ، ~~وقصة ذي القرنين . وقد ذكرت أولاهما في أول السورة وذكرت الأخرى في آخرها . ~~| # كرامة قرآنية : | # لوضع هذه السورة على هذا الترتيب في المصحف مناسبة حسنة ألهم الله ~~PageV15P244 إليها أصحاب رسول الله لما رتبوا المصحف فإنها تقارب نصف ~~المصحف إذ كان في أوائلها موضع قيل هو نصف حروف القرآن وهو ( التاء ) من ~~قوله تعالى : وليتلطف ( الكهف : 19 ) وقيل نصف حروف القرآن هو ( النون ) من ~~قوله تعالى : لقد جئت شيئا نكرا ( الكهف : 74 ) في أثنائها ، وهو نهاية ~~خمسة عشر جزءا من أجزاء القرآن وذلك نصف أجزائه ، وهو قوله تعالى : قال ألم ~~أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا ( الكهف : 75 ) ، فجعلت هذه السورة في مكان ~~قرابة نصف المصحف . | # وهي مفتتحة بالحمد حتى يكون افتتاح النصف الثاني من القرآن ب الحمد لله ( ~~الكهف : 1 ) كما كان افتتاح النصف الأول ب الحمد لله ( الفاتحة : 2 ) . ~~وكما كان أول الربع الرابع منه تقريبا ب الحمد لله فاطر السماوات والأرض ( ~~فاطر : 1 ) . | # أغراض السورة : | # افتتحت بالتحميد على إنزال الكتاب للتنويه بالقرآن تطاولا من الله تعالى ~~على المشركين وملقنيهم من أهل الكتاب . | # وأدمج فيه إنذار المعاندين الذين نسبوا لله ولدا ، وبشارة للمؤمنين ، ~~وتسلية رسول الله عن أقوالهم حين تريث الوحي لما اقتضته سنة الله مع ~~أوليائه من إظهار عتبه على الغفلة عن مراعاة الآداب الكاملة . | # وذكر افتتان المشركين بالحياة الدنيا وزينتها وأنها لا تكسب النفوس تزكية ~~. | # وانتقل إلى خبر أصحاب الكهف المسؤول عنه . | # وحذرهم من الشيطان وعداوته لبني آدم ليكونوا على حذر من كيده . | # وقدم لقصة ذي القرنين قصة ms4871 أهم منها وهي قصة موسى والخضر عليهما السلام ، ~~لأن كلتا القصتين تشابهتا في السفر لغرض شريف . فذو القرنين خرج لبسط ~~سلطانه على الأرض ، وموسى عليه السلام خرج في طلب العلم . | PageV15P245 # وفي ذكر قصة موسى تعريض بأحبار بني إسرائيل إذ تهمموا بخبر ملك من غير ~~قومهم ولا من أهل دينهم ونسوا خبرا من سيرة نبئهم . | # وتخلل ذلك مستطردات من إرشاد النبي وتثبيته ، وأن الحق فيما أخبر به ، ~~وأن أصحابه الملازمين له خير من صناديد المشركين ، ومن الوعد والوعيد ، ~~وتمثيل المؤمن والكافر ، وتمثيل الحياة الدنيا وانقضائها ، وما يعقبها من ~~البعث والحشر ، والتذكير بعواقب الأمم المكذبة للرسل ، وما ختمت به من ~~إبطال الشرك ووعيد أهله ؛ ووعد المؤمنين بضدهم ، والتمثيل لسعة علم الله ~~تعالى . وختمت بتقرير أن القرآن وحي من الله تعالى إلى رسوله فكان في هذا ~~الختام محسن رد العجز على الصدر . | # | 2 ( 1 3 ) { الحمد لله الذى أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا * ~~قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن ~~لهم أجرا حسنا * ماكثين فيه أبدا } . ) 2 # موقع الافتتاح بهذا التحميد كموقع الخطبة يفتتح بها الكلام في الغرض ~~المهم . | # ولما كان إنزال القرآن على النبي أجزل نعماء الله تعالى على عباده ~~المؤمنين لأنه سبب نجاتهم في حياتهم الأبدية ، وسبب فوزهم في الحياة ~~العاجلة بطيب الحياة وانتظام الأحوال والسيادة على الناس ، ونعمة على النبي ~~بأن جعله واسطة ذلك ومبلغه ومبينه ؛ لأجل ذلك استحق الله تعالى أكمل الحمد ~~إخبارا وإنشاء . وقد تقدم إفادة جملة الحمد لله الحمد لله الذى أنزل على ~~عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا * قيما } استحقاقه أكمل الحمد في صدر سورة ~~الفاتحة . | # وهي هنا جملة خبرية ، أخبر الله نبيئه والمسلمين بأن مستحق الحمد هو الله ~~تعالى لا غيره ، فأجرى على اسم الجلالة الوصف بالموصول تنويها بمضمون الصلة ~~ولما يفيده الموصول من تعليل الخبر . | PageV15P246 # وذكر النبي صلى الله عليه وسلم بوصف العبودية لله تقريب لمنزلته وتنويه ~~به بما في إنزال الكتاب عليه من رفعة قدره ms4872 كما في قوله تعالى : { تبارك ~~الذي نزل الفرقان على عبده ( الفرقان : 1 ) . | # والكتاب : القرآن . فكل مقدار منزل من القرآن فهو الكتاب } . فالمراد ~~بالكتاب هنا ما وقع إنزاله من يوم البعثة في غار حراء إلى يوم نزول هذه ~~السورة ، ويلحق به ما ينزل بعد هذه الآية ويزاد به مقداره . | # وجملة { ولم يجعل له عوجا } معترضة بين { الكتاب } وبين الحال منه وهو { ~~قيما } . والواو اعتراضية . ويجوز كون الجملة حالا والواو حالية . | # والعوج بكسر العين وفتحها وبفتح الواو حقيقته : انحراف جسم ما عن الشكل ~~المستقيم ، فهو ضد الاستقامة . ويطلق مجازا على الانحراف عن الصواب ~~والمعاني المقبولة المستحسنة . | # والذي عليه المحققون من أيمة اللغة أن مكسور العين ومفتوحها سواء في ~~الإطلاقين الحقيقي والمجازي . وقيل : المكسور العينن يختص بالإطلاق المجازي ~~وعليه درج في ( الكشاف ) . ويبطله قوله تعالى لما ذكر نسف الجبال { فيذرها ~~قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا ( طه : 106 107 ) حيث اتفق القراء ~~على قراءته بكسر العين . وعن ابن السكيت : أن المكسور أعم يجيء في الحقيقي ~~والمجازي وأن المفتوح خاص بالمجازي . | # والمراد بالعوج هنا عوج مدلولات كلامه بمخالفتها للصواب وتناقضها وبعدها ~~عن الحكمة وإصابة المراد . | # والمقصود من هذه الجملة المعترضة أو الحالية إبطال ما يرميه به المشركون ~~من قولهم : افتراه ، وأساطير الأولين ، وقول كاهن ، لأن تلك الأمور لا تخلو ~~من عوج ، قال تعالى : أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا ~~فيه اختلافا كثيرا ( النساء : 82 ) . | PageV15P247 # وضمير له } عائد إلى { الكتاب } . | # وإنما عدي الجعل باللام دون ( في ) لأن العوج المعنوي يناسبه حرف ~~الاختصاص دون حرف الظرفية لأن الظرفية من علائق الأجسام ، وأما معنى ~~الاختصاص فهو أعم . | # فالمعنى : أنه متصف بكمال أوصاف الكتب من صحة المعاني والسلامة من الخطأ ~~والاختلاف . وهذا وصف كمال للكتاب في ذاته وهو مقتض أنه أهل للانتفاع به ، ~~فهذا كوصفه ب { أنه لا ريب فيه في سورة البقرة ( 2 ) . | # و قيما } حال من { الكتاب } أو من ضميره المجرور باللام ، لأنه إذا جعل ~~حالا من أحدهما ثبت الاتصاف ms4873 به للآخر إذ هما شيء واحد ، فلا طائل فيما ~~أطالوا به من الإعراب . | # والقيم : صفة مبالغة من القيام المجازي الذي يطلق على دوام تعهد شيء ~~وملازمة صلاحه ، لأن التعهد يستلزم القيام لرؤية الشيء والتيقظ لأحواله ، ~~كما تقدم عند قوله تعالى : { الحي القيوم في سورة البقرة ( 255 ) . | # والمراد به هنا أنه قيم على هدي الأمة وإصلاحها ، فالمراد أن كماله متعد ~~بالنفع ، فوزانه وزان وصفه بأنه هدى للمتقين في سورة البقرة : ( 2 ) . | # والجمع بين قوله : ولم يجعل له عوجا } وقوله : { قيما } كالجمع بين { لا ~~ريب فيه ( البقرة : 2 ) وبين هدى للمتقين ( البقرة : 2 ) وليس هو تأكيدا ~~لنفي العوج . | # لينذر بأسا شديدا من لدنه } | # { لينذر } متعلق ب { أنزل } . والضمير المرفوع عائد إلى اسم الجلالة ، أي ~~لينذر الله بأسا شديدا من لدنه ، والمفعول الأول ل { ينذر } محذوف لقصد ~~التعميم ، PageV15P248 أو تنزيلا للفعل منزلة اللازم لأن المقصود المنذر به ~~وهو البأس الشديد تهويلا له ولتهديد المشركين المنكرين إنزال القرآن من ~~الله . | # والبأس : الشدة في الألم . ويطلق على القوة في الحرب لأنها تؤلم العدو . ~~وقد تقدم في قوله تعالى : { والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس من ~~سورة البقرة ( 177 ) . والمراد هنا : شدة الحال في الحياة الدنيا ، وذلك هو ~~الذي أطلق على اسم البأس في القرآن ، وعليه درج الطبري . وهذا إيماء ~~بالتهديد للمشركين بما سيلقونه من القتل والأسر بأيدي المسلمين ، وذلك بأس ~~من لدنه تعالى لأنه بتقديره وبأمره عباده أن يفعلوه ، فاستعمال ( لدن ) هنا ~~في معنييه الحقيقي والمجازي . | # وليس في جعل الإنذار ببأس الدنيا علة لإنزال الكتاب ما يقتضي اقتصار علل ~~إنزاله على ذلك ، لأن الفعل الواحد قد تكون له علل كثيرة يذكر بعضها ويترك ~~بعض . | # وإنما آثرت الحمل على جعل اليأس الشديد بأس الدنيا للنقصي مما يرد على ~~إعادة فعل وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا ( الكهف : 4 ) كما سيأتي . | # ويجوز أن يراد بالبأس عذاب الآخرة فإنه بأس شديد ، ويكون قوله : من لدنه ~~} مستعملا في حقيقته . وبهذا الوجه فسر جمهور المفسرين . | # ويجوز أن يراد بالبأس الشديد ms4874 ما يشمل بأس عذاب الآخرة وبأس عذاب الدنيا ، ~~وعلى هذا درج ابن عطية والقرطبي ، ويكون استعمال من { لدنه } في معنييه ~~الحقيقي والمجازي ، أما في عذاب الآخرة فظاهر ، وأما في عذاب الدنيا فلأن ~~بعضه بالقتل والأسر وهما من أفعال الناس ولكن الله أمر المسلمين بهما فهما ~~من لدنه . | # وحذف مفعول { ينذر } لدلالة السياق عليه لظهور أنه ينذر الذين لم يؤمنوا ~~بهذا الكتاب ولا بالمنزل عليه ، ولدلالة مقابله عليه في قوله : { ويبشر ~~المؤمنين } . | PageV15P249 # عطف على قوله : { لينذر بأسا } ، فهو سبب آخر لإنزال الكتاب أثارته ~~مناسبة ذكر الإنذار ليبقى الإنذار موجها إلى غيرهم . | # وقوله : { أن لهم أجرا حسنا } متعلق ب { يبشر } بحذف حرف الجر مع ( أن ) ~~، أي بأن لهم أجرا حسنا . وذكر الإيمان والعمل الصالح للإشارة إلى أن ~~استحقاق ذلك الأجر بحصول ذلك لأمرين . ولا يتعرض القرآن في الغالب لحالة ~~حصول الإيمان مع شيء من الأعمال الصالحة كثير أو قليلل ، ولحكمه أدلة كثيرة ~~. | # والمكث : الاستقرار في المكان ، شبه ما لهم من اللذات والملائمات بالظرف ~~الذي يستقر فيه حاله للدلالة على أن الأجر الحسن كالمحيط بهم لا يفارقهم ~~طرفة عين ، فليس قوله : { أبدا } بتأكيد لمعنى { ماكثين } بل أفيد بمجموعها ~~الإحاطة والدوام . | # | 2 ( 4 ، 5 ) { وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا * ما لهم به من علم ~~ولا لائبآئهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا } . ) 2 # تعليل آخر لإنزال الكتاب على عبده ، جعل تاليا لقوله : لينذر بأسا شديدا ~~من لدنه ( الكهف : 2 ) باعتبار أن المراد هنا إنذار مخصوص مقابل لما بشر به ~~المؤمنين . وهذا إنذار بجزاء خالدين فيه وهو عذاب الآخرة ، فإن جريت على ~~تخصيص البأس في قوله : بأسا شديدا ( الكهف : 2 ) بعذاب الدنيا كما تقدم كان ~~هذا الإنذار مغايرا لما قبله ؛ وإن جريت على شمول البأس للعذابين كانت ~~إعادة فعل ينذر وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا * ما } تأكيدا ، فكان ~~عطفه باعتبار أن لمفعوله صفة زائدة على معنى مفعول فعل PageV15P250 { ينذر ~~} السابق يعرف بها الفريق المنذرون بكلا الإنذارين ، وهو يومىء إلى ~~المنذرين ms4875 المحذوف في قوله : { لينذر بأسا شديدا ( الكهف : 2 ) ويغني عن ~~ذكره . وهذه العلة أثارتها مناسبه ذكر التبشير قبلها ، وقد حذف هنا المنذر ~~به اعتمادا على مقابله المبشر به . | # والمراد بالذين قالوا اتخذ الله ولدا } هنا المشركون الذين زعموا أن ~~الملائكة بنات الله ، وليس المراد به النصارى الذين قالوا بأن عيسى ابن ~~الله تعالى ، لأن القرآن المكي ما تعرض للرد على أهل الكتاب مع تأهلهم ~~للدخول في العموم لاتحاد السبب . | # والتعبير عنهم بالموصول وصلته لأنهم قد عرفوا بهذه المقالة بين أقوامهم ~~وبين المسلمين تشنيعا عليهم بهذه المقالة ، وإيماء إلى أنهم استحقوا ما ~~أنذروا به لأجلها ولغيرها ، فمضمون الصلة من موجبات ما أنذروا به لأن العلل ~~تتعدد . | # والولد : اسم لمن يولد من ذكر أو أنثى ، يستوي فيه الواحد والجمع . وتقدم ~~في قوله : { قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه في سورة يونس ( 68 ) . | # وجملة ما لهم به من علم } حال من { الذين قالوا } . والضمير المجرور ~~بالباء عائد إلى القول المفهوم من { قالوا } . | # و ( من ) لتوكيد النفي . وفائدة ذكر هذه الحال أنها أشنع في كفرهم وهي أن ~~يقولوا كذبا ليست لهم فيه شبهة ، فأطلق العلم على سبب العلم كما دل عليه ~~قوله تعالى : { ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ~~ربه ( المؤمنون : 117 ) . | # وضمير به } عائد على مصدر مأخوذ من فعل { قالوا } ، أي ما لهم بذلك القول ~~من علم . | # وعطف { ولا لآبائهم } لقطع حجتهم لأنهم كانوا يقولون { إنا وجدنا آباءنا ~~على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ( الزخرف : 23 ) ، فإذا لم يكن لآبائهم حجة ~~على ما يقولون فليسوا جديرين بأن يقلدوهم . | PageV15P251 # استئناف بالتشاؤم بذلك القول الشنيع . | # ووجه فصل الجملة أنها مخالفة للتي قبلها بالإنشائية المخالفة للخبرية . | # وفعل { كبرت } بضم الباء . أصله : الإخبار عن الشيء بضخامة جسمه ، ~~ويستعمل مجازا في الشدة والقوة في وصف من الصفات المحمودة والمذمومة على ~~وجه الاستعارة ، وهو هنا مستعمل في التعجيب من كبر هذه الكلمة في الشناعة ~~بقرينة المقام . ودل على قصد التعجيب منها انتصاب { كلمة ms4876 } على التمييز إذ ~~لا يحتمل التمييز هنا معنى غير أنه تمييز نسبة التعجيب ، ومن أجل هذا مثلوا ~~بهذه الآية لورود فعل الأصلي والمحول لمعنى المدح والذم في معنى نعم وبئس ~~بحسب المقام . | # والضمير في قوله : { كبرت } يرجع إلى الكلمة التي دل عليها التمييز . | # وأطلقت الكلمة على الكلام وهو إطلاق شائع ، ومنه قوله تعالى : { إنها ~~كلمة هو قائلها ( المؤمنون : 100 ) ، وقول النبي : أصدق كلمة قالها شاعر ~~كلمة لبيد : | # ألا كل شيء ما خلا الله باطل | # وجملة تخرج من أفواههم } صفة ل { كلمة } مقصود بها من جرأتهم على النطق ~~بها ووقاحتهم في قولها . | # والتعبير بالفعل المضارع لاستحضار صورة خروجها من أفواههم تخييلا ~~لفظاعتها . وفيه إيماء إلى أن مثل ذلك الكلام ليس له مصدر غير الأفواه ، ~~لأنه لاستحالته تتلقاه وتنطق به أفواههم وتسمعه أسماعهم ولا تتعقله عقولهم ~~لأن المحال لا يعتقده العقل ولكنه يتلقاه المقلد دون تأمل . | PageV15P252 # والأفواه : جمع فم وهو بوزن أفعال ، لأن أصل فم فوه بفتحتين بوزن جمل ، ~~أو فيه بوزن ريح ، فحذفت الهاء من آخره لثقلها مع قلة حروف الكلمة بحيث لا ~~يجد الناطق حرفا يعتمد عليه لسانه ، ولأن ما قبلها حرف ثقيل وهو الواو ~~المتحركة فلما بقيت الكلمة مختومة بواو متحركة أبدلت ألفا لتحركها وانفتاح ~~ما قبلها فصار ( فا ) ولا يكون اسم على حرفين أحدهما تنوين ، فأبدلت الألف ~~المنونة بحرف صحيح وهو الميم لأنها تشابه الواو التي هي الأصل في الكلمة ~~لأنهما شفهيتان فصار ( فم ) ، ولما جمعوه ردوه إلى أصله . | # وجملة { إن يقولون إلا كذبا } مؤكدة لمضمون جملة { تخرج من أفواههم } لأن ~~الشيء الذي تنطق به الألسن ولا تحقق له في الخارج ونفسس الأمر هو الكذب ، ~~أي تخرج من أفواههم خروج الكذب ، فما قولهم ذلك إلا كذب ، أي ليست له صفة ~~إلا صفة الكذب . | # هذا إذا جعل القول المأخوذ من { يقولون } خصوص قولهم : { اتخذ الله ولدا ~~( الكهف : 4 ) . ولك أن تحمل يقولون } على العموم في سياق النفي ، أي لا ~~يصدر منهم قول إلا الكذب ، فيكون قصرا إضافيا ، أي ما ms4877 يقولونه في القرآن ~~والإسلام ، أو ما يقولونه من معتقداتهم المخالف لما جاء به الإسلام فتكون ~~جملة إن { يقولون } تذييلا . | # | 2 ( 6 ) { فلعلك باخع نفسك على ءاثارهم إن لم يؤمنوا بهاذا الحديث أسفا ~~} ) 2 # تفريع على جملة { وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا ( الكهف : 4 ) ~~باعتبارهم مكذبين كافرين بقرينة مقابلة المؤمنين بهم في قوله : وبشر ~~المؤمنين ( الكهف : 2 ) ثم قوله : وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا ( ~~الكهف : 4 ) . | PageV15P253 # و ( لعل ) حقيقتها إنشاء الرجاء والتوقع ، وتستعمل في الإنكار والتحذير ~~على طريقة المجاز المرسل لأنهما لا زمان لتوقع الأمر المكروه . | # وهي هنا مستعملة في تحذير الرسول عليه الصلاة والسلام من الاغتمام والحزن ~~على عدم إيمان من لم يؤمنوا من قومه . وذلك في معنى التسلية لقلة الاكتراث ~~بهم . | # والباخع : قاتل نفسه ، كذا فسره ابن عباس ومجاهد والسدي وابن جبير . ~~وفسره البخاري بمهلك . وتفسيره يرجع إلى أبي عبيدة . | # وفي اشتقاقه خلاف ، فقيل مشتق من البخاع بالباء الموحدة ( بوزن كتاب ) ~~وهو عرق مستبطن في القفا فإذا بلغ الذابح البخاع فذلك أعمق الذبح ، قاله ~~الزمخشري في قوله تعالى : لعلك باخع نفسك في سورة الشعراء ( 3 ) وانفرد ~~الزمخشري بذكر هذا الاشتقاق في الكشاف } و ( الفائق ) و ( الأساس ) . قال ~~ابن الأثير في ( النهاية ) : ( بحثت في كتب اللغة والطب فلم أجد البخاع ~~بالموحدة ) يعني أن الزمخشري انفرد بهذا الاشتقاق وبإثبات البخاع اسما لهذا ~~العرق . قلت : كفى بالزمخشري حجة فيما أثبته . وقد تبعه عليه المطرزي في ( ~~المغرب ) وصاحب ( القاموس ) . فالبخع : أصله أن يبلغ الذابح بالذبح إلى ~~القفا ثم أطلق على القتل المشوب بغيظ . | # والآثار : جمع أثر وهو ما يؤثره ، أي يبقيه الماشي أو الراكب في الرمل أو ~~الأرض من مواطىء أقدامه وأخفاف راحلته . والأثر أيضا ما يبقيه أهل الدار ~~إذا ترحلوا عنها من تافه آلاتهم التي كانوا يعالجون بها شؤونهم كالأوتاد ~~والرماد . | # وحرف ( على ) للاستعلاء المجازي فيجوز أن يكون المعنى : لعلك مهلك نفسك ~~لأجل إعراضهم عنك كما يعرض السائر عن المكان الذي كان فيه ، فتكون ( على ) ~~للتعليل . | PageV15P254 # ويجوز أن يكون المعنى ms4878 تمثيل حال الرسول صلى الله عليه وسلم في شدة حرصه ~~على اتباع قومه له وفي غمه من إعراضهم . وتمثيل حالهم في النفور والإعراض ~~بحال من فارقه أهله وأحبته فهو يرى آثار ديارهم ويحزن لفراقهم . ويكون حرف ~~( على ) ظرفا مستقرا في موضع الحال من ضمير الخطاب ، ومعنى ( على ) ~~الاستعلاء المجازي وهو شدة الاتصال بالمكان . | # وكأن هذا الكلام سيق إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في آخر أوقات رجائه ~~في إيمانهم إيماء إلى أنهم غير صائرين إلى الإيمان ، وتهيئة نفسه أن تتحمل ~~ما سيلقاه من عنادهم رأفة من ربه به ، ولذلك قال : { إن لم يؤمنوا بهذا ~~الحديث } بصيغة الفعل المضارع المقتضية الحصول في المستقبل ، أي إن استمر ~~عدم إيمانهم . | # واسم الإشارة وبيانه مراد به القرآن ، لأنه لحضوره في الأذهان كأنه حاضر ~~في مقام نزول الآية فأشير إليه بذلك الاعتبار . وبين بأنه الحديث . | # والحديث : الخبر . وإطلاق اسم الحديث على القرآن باعتبار أنه إخبار من ~~الله لرسوله ، إذ الحديث هو الكلام الطويل المتضمن أخبارا وقصصا . سمي ~~الحديث حديثا باعتبار اشتماله على الأمر الحديث ، أي الذي حدث وجد ، أي ~~الأخبار المستجدة التي لا يعلمها المخاطب ، فالحديث فعيل بمعنى مفعول . ~~وانظر ما يأتي عند قوله تعالى : { الله نزل أحسن الحديث في سورة الزمر ( 23 ~~) . | # وأسفا } مفعول له من { باخع نفسك } أي قاتلها لأجل شدة الحزن ، والشرط ~~معترض بين المفعولين ، ولا جواب له للاستغناء عن الجواب بما قبل الشرط . | # | PageV15P255 # | 2 ( 7 ، 8 ) { إنا جعلنا ما على الارض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا ~~* وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا } ) 2 # مناسبة موقع هذه الآية هنا خفية جدا أعوز المفسرين بيانها ، فمنهم ساكت ~~عنها ، ومنهم محاول بيانها بما لا يزيد على السكوت . | # والذي يبدو : أنها تسلية للنبيء صلى الله عليه وسلم على إعراض المشركين ~~بأن الله أمهلهم وأعطاهم زينة الدنيا لعلهم يشكرونه ، وأنهم بطروا النعمة ، ~~فإن الله يسلب عنهم النعمة فتصير بلادهم قاحلة . وهذا تعريض بأنه سيحل بهم ~~قحط السنين السبع التي سأل رسول الله ربه أن يجعلها ms4879 على المشركين كسنين ~~يوسف عليه السلام . | # ولهذا اتصال بقوله : { لينذر بأسا شديدا من لدنه ( الكهف : 2 ) . | # وموقع ( إن ) في صدر هذه الجملة موقع التعليل للتسلية التي تضمنها قوله ~~تعالى : فلعلك باخع نفسك على آثارهم ( الكهف : 6 ) . | # ويحصل من ذلك تذكير بعضهم قدرة الله تعالى ، وخاصة ما كان منها إيجادا ~~للأشياء وأضدادها من حياة الأرض وموتها المماثل لحياة الناس وموتهم ، ~~والمماثل للحياة المعنوية والموت المعنوي من إيمان وكفر ، ونعمة ونقمة ، ~~كلها عبر لمن يعتبر بالتغير ويأخذ الأهبة إلى الانتقال من حال إلى حال فلا ~~يثق بقوته وبطشه ، ليقيس الأشياء بأشباهها ويعرض نفسه على معيار الفضائل ~~وحسنى العواقب . | # وأوثر الاستدلال بحال الأرض التي عليها الناس لأنها أقرب إلى حسهم ~~وتعقلهم ، كما قال تعالى : أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف ~~رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف سطحت ( الغاشية : 17 20 ) ، وقال ~~: وفي الأرض آيات للموقنين ( الذاريات : 20 ) . | PageV15P256 # وقد جاء نظم هذا الكلام على أسلوب الإعجاز في جمع معانن كثيرة يصلح اللفظ ~~لها من مختلف الأغراض المقصودة ، فإن الإخبار عن خلق ما على الأرض زينة ~~يجمع الامتنان على الناس والتذكير ببديع صنع الله إذ وضع هذا العالم على ~~أتقن مثال ملائم لما تحبه النفوس من الزينة والزخرف . والامتنان بمثل هذا ~~كثير ، مثل قوله : ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون ( النحل : 6 ) ، ~~وقال : زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من ~~الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ( آل عمران : 14 ) . | # ولا تكون الأشياء زينة إلا وهي مبثوثة فيها الحياة التي بها نماؤها ~~وازدهارها . وهذه الزينة مستمرة على وجه الأرض منذ رآها الإنسان ، ~~واستمرارها باستمرار أنواعها وإن كان الزوال يعرض لأشخاصها فتخلفها أشخاص ~~أخرى من نوعها . فيتضمن هذا امتنانا ببث الحياة في الموجودات الأرضية . | # ومن لوازم هذه الزينة أنها توقظ العقول إلى النظر في وجود منشئها وتسبر ~~غور النفوس في مقدار الشكر لخالقها وجاعلها لهم ، فمن موفف بحق الشكر ، ~~ومقصر فيه وجاحد كافر بنعمة هذا المنعم ناسبب إياها ms4880 إلى غير موجدها . ومن ~~لوازمها أيضا أنها تثير الشهوات لاقتطافها وتناولها فتستثار من ذلك مختلف ~~الكيفيات في تناولها وتعارض الشهوات في الاستيثار بها مما يفضي إلى تغالب ~~الناس بعضهم بعضا واعتداء بعضهم على بعض . وذلك الذي أوجد حاجتهم إلى ~~الشرائع لتضبط لهم أحوال معاملاتهم ، ولذلك علل جعل ما على الأرض زينة ~~بقوله : لنبلوهم أيهم أحسن عملا } ، أي أفوت في حسن العمل من عمل القلب ~~الراجع إلى الإيمان والكفر ، وعلم الجسد المتبدي في الامتثال للحق والحيدة ~~عنه . | # فمجموع الناس متفاوتون في حسن العمل . ومن درجات التفاوت في هذا الحسن ~~تعلم بطريق الفحوى درجة انعدام الحسن من أصله وهي حالة الكفر وسوء العمل ، ~~كما جاء في حديث ( . . مثل المنافق الذي يقرأ القرآن ومثل المنافق الذي لا ~~يقرأ القرآن . . ) . | PageV15P257 # والبلو : الاختبار والتجربة . وقد تقدم عند قوله تعالى : { هنالك تبلو كل ~~نفس ما أسلفت في سورة يونس ( 30 ) . وهو هنا مستعار لتعلق علم الله ~~التنجيزي بالمعلوم عند حصوله بقرينة الأدلة العقلية والسمعية الدالة على ~~إحاطة علم الله بكل شيء قبل وقوعه فهو مستغنن عن الاختبار والتجربة . ~~وفائدة هذه الاستعارة الانتقال منها إلى الكناية عن ظهور ذلك لكل الناس حتى ~~لا يلتبس عليهم الصالح بضده . وهو كقول قيس بن الخطيم : | # وأقبلت والخطي يخطر بيننا | # لأعلم من جبانها من شجاعها | # وقوله : وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا } تكميل للعبرة وتحقيق لفناء ~~العالم . فقوله : { جاعلون } اسم فاعل مراد به المستقبل ، أي سنجعل ما على ~~الأرض كله معدوما فلا يكون على الأرض إلا تراب جاف أجرد لا يصلح للحياة ~~فوقه وذلك هو فناء العالم ، قال تعالى : { يوم تبدل الأرض غير الأرض } ( ~~إبراهيم : 48 ) . | # والصعيد : التراب . والجرز : القاحل الأجرد . وسيأتي بيان معنى الصعيد ~~عند قوله : { فتصبح صعيدا زلقا } في هذه السورة ( 40 ) . | # | 2 ( 9 ) { أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من ءاياتنا عجبا } ) 2 # ( أم ) للإضراب الانتقالي من غرض إلى غرض . ولما كان هذا من المقاصد التي ~~أنزلت السورة لبيانها لم يكن هذا الانتقال اقتضابا بل هو كالانتقال ms4881 من ~~الديباجة والمقدمة إلى المقصود . | # على أن مناسبة الانتقال إليه تتصل بقوله تعالى : { فلعلك باخع نفسك على ~~آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا } ( الكهف : 6 ) ، إذ كان مما صرف ~~المشركين عن الإيمان إحالتهم الإحياء بعد الموت ، فكان ذكر أهل الكهف ~~وبعثهم بعد خمودهم سنين طويلة مثالا لإمكان البعث . | PageV15P258 # و { أم } هذه هي ( أم ) المنقطعة بمعنى ( بل ) ، وهي ملازمة لتقدير ~~الاستفهام معها ، يقدر بعدها حرف استفهام ، وقد يكون ظاهرا بعدها كقول ~~أفنون التغلبي : | # أنى جزوا عامرا سوءا بضعته | # أم كيف يجزونني السوأى عن الحسن | # والاستفهام المقدر بعد ( أم ) تعجيبي مثل الذي في البيت . | # والتقدير هنا : أحسبت أن أصحاب الكهف كانوا عجبا من بين آياتنا ، أي أعجب ~~من بقية آياتنا ، فإن إماتة الأحياء بعد حياتهم أعظم من عجب إنامة أهل ~~الكهف . لأن في إنامتهم إبقاء للحياة في أجسامهم وليس في إماتة الأحياء ~~إبقاء لشيء من الحياة فيهم على كثرتهم وانتشارهم . وهذا تعريض بغفلة الذين ~~طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم بيان قصة أهل الكهف لاستعلام ما فيها من ~~العجب ، بأنهم سألوا عن عجيب وكفروا بما هو أعجب ، وهو انقراض العالم ، ~~فإنهم كانوا يعرضون عن ذكر فناء العالم ويقولون : { ما هي إلا حياتنا ~~الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر ( الجاثية : 24 ) . أي إن الحياة ~~إلا حياتنا الدنيا لا حياة الآخرة وأن الدهر يهلكنا وهو باقق . | # وفيه لفت لعقول السائلين عن الاشتغال بعجائب القصص إلى أن الأولى لهم ~~الاتعاظ بما فيها من العبر والأسباب وآثارها . ولذلك ابتدىء ذكر أحوالهم ~~بقوله : إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيىء لنا ~~من أمرنا رشدا ( الكهف : 10 ) فأعلم الناس بثبات إيمانهم بالله ورجائهم فيه ~~، وبقوله : إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى ( الكهف : 13 ) . الآيات ~~الدال على أنهم أبطلوا الشرك وسفهوا أهله تعريضا بأن حق السامعين أن يقتدوا ~~بهداهم . | # والخطاب للنبيء . والمراد : قومه الذين سألوا عن القصة ، وأهل الكتاب ~~الذين أغروهم بالسؤال عنها وتطلب بيانها . ويظهر أن الذين لقنوا قريشا ~~السؤال ms4882 عن أهل الكهف هم بعض النصارى الذين لهم صلة PageV15P259 بأهل مكة من ~~التجار الواردين إلى مكة ؛ أو من الرهبان الذين في الأديرة الواقعة في طريق ~~رحلة قريش من مكة إلى الشام وهي رحلة الصيف . ومحل التعجب هو قوله : من ~~آياتنا } ، أي من بين آياتنا الكثيرة المشاهدة لهم وهم لا يتعجبون منها ~~ويقصرون تعجبهم على أمثال هذه الخوارق ؛ فيؤول المعنى إلى أن أهل الكهف ~~ليسوا هم العجب من بين الآيات الأخرى ، بل عجائب صنع الله تعالى كثيرة منها ~~ما هو أعجب من حال أهل الكهف ومنها ما يساويها . | # فمعنى ( من ) في قوله : { من آياتنا } التبعيض ، أي ليست قصة أهل الكهف ~~منفردة بالعجب من بين الآيات الأخرى ، كما تقول : سأل فلانا فهو العالم منا ~~، أي المنفرد بالعلم من بيننا . | # ولك أن تجعلها للظرفية المجازية ، أي كانوا عجبا في آياتنا ، أي وبقية ~~الآيات ليست عجبا . وهذا نداء على سوء نظرهم إذ يعلقون اهتمامهم بأشياء ~~نادرة وبين يديهم من الأشياء ما هو أجدر بالاهتمام . | # وأخبر عن أصحاب الكهف بالعجب وإنما العجب حالهم في قومهم ، فثم مضاف ~~محذوف يدل عليه الكلام . | # وأخبر عن حالهم بالمصدر مبالغة ، والمراد عجيب . | # والكهف : الشق المتسع الوسط في جبل ، فإن لم يكن متسعا فهو غار . | # والرقيم : فعيل بمعنى مفعول من الرقم وهو الكتابة . فالرقيم كتاب كان مع ~~أصحاب الكهف في كهفهم . قيل : كتبوا فيه ما كانوا يدينون به من التوحيد ، ~~وقيل : هو كتاب دينهم ، دينن كان قبل عيسى عليه السلام ، وقيل : هو دين ~~عيسى ، وقيل : كتبوا فيه الباعث الذي بعثهم على الالتجاء إلى الكهف فرارا ~~من كفر قومهم . | # وابتدأ القرآن من قصتهم بمحل العبرة الصادقة والقدوة الصالحة منه ، وهو ~~التجاؤهم إلى ربهم واستجابته لهم . | PageV15P260 # وقد أشارت الآية إلى قصة نفر من صالحي الأمم السالفة ثبتوا على دين الحق ~~في وقت شيوع الكفر والباطل فانزووا إلى الخلوة تجنبا لمخالطة أهل الكفر ~~فأووا إلى كهف استقروا فيه فرارا من الفتنة في دينهم ، فأكرمهم الله تعالى ~~بأن ألقى عليهم نوما بقوا فيه مدة ms4883 طويلة ثم أيقظهم فأراهم انقراض الذين ~~كانوا يخافونهم على دينهم . وبعد أن أيقنوا بذلك أعاد نومتهم الخارقة ~~للعادة فأبقاهم أحياء إلى أمد يعلمه الله أو أماتهم وحفظ أجسادهم من البلى ~~كرامة لهم . | # وقد عرف الناس خبرهم ولم يقفوا على أعيانهم ولا وقفوا على رقيمهم ، ولذلك ~~اختلفوا في شأنهم ، فمنهم من يثبت وقوع قصتهم ومنهم من ينفيها . | # ولما كانت معاني الآيات لا تتضح إلا بمعرفة ما أشارت إليه من قصة أهل ~~الكهف تعين أن نذكر ما صح عند أعلام المؤرخين على ما فيه من اختلاف . وقد ~~ذكر ابن عطية ملخصا في ذلك دون تعريج على ما هو من زيادات المبالغين ~~والقصاص . | # والذي ذكره الأكثر أن في بلد يقال له ( أبسس ) بفتح الهمزة وسكون الموحدة ~~وضم السين بعدها سين أخرى مهملة وكان بلدا من ثغور طرسوس بين حلب وبلاد ~~أرمينية وأنطاكية . | # وليست هي ( أفسس ) بالفاء أخت القاف المعروفة في بلاد اليونان بشهرة هيكل ~~المشتري فيها فإنها من بلاد اليونان وإلى أهلها كتب بولس رسالته المشهورة . ~~وقد اشتبه ذلك على بعض المؤرخين والمفسرين . وهي قريبة من ( مرعش ) من بلاد ~~أرمينية ، وكانت الديانة النصرانية دخلت في تلك الجهات ، وكان الغالب عليها ~~دين عبادة الأصنام على الطريقة الرومية الشرقية قبل تنصر قسطنطين ، فكان من ~~أهل ( أبسس ) نفر من صالحي النصارى يقاومون عبادة الأصنام . وكانوا في زمن ~~الأنبراطور ( دوقيوس ) ويقال ( دقيانوس ) الذي PageV15P261 ملك في حدود سنة ~~237 . وكان ملكه سنة واحدة . وكان متعصبا للديانة الرومانية وشديد البغض ~~للنصرانية ، فأظهروا كراهية الديانة الرومانية . وتوعدهم دوقيوس بالتعذيب ، ~~فاتفقوا على أن يخرجوا من المدينة إلى جبل بينه وبين المدينة فرسخان يقال ~~له ( بنجلوس ) فيه كهف أووا إليه وانفردوا فيه بعبادة الله . ولما بلغ خبر ~~فرارهم مسامع الملك وأنهم أووا إلى الكهف أرسل وراءهم فألقى الله عليهم ~~نومة فظنهم أتباع الملك أمواتا . وقد قيل : إنه أمر أن تسد فوهة كهفهم ~~بحائط ، ولكن ذلك لم يتم فيما يظهر لأنه لو بني على فوهة كهفهم حائط لما ~~أمكن خروج من انبعث منهم ms4884 . ولعل الذي حال دون تنفيذ ما أمر به الملك أن ~~مدته لم تطل في الملك إذ لم تزد مدته على عام واحد ، وقد بقوا في رقدتهم ~~مدة طويلة قربها ابن العبري بمائتين وأربعين سنة ، وكان انبعاثهم في مدة ~~ملك ( ثاوذوسيوس ) فيصر الصغير ، وذكر القرآن أنها ثلاثمائة سنة . | # ثم إن الله جعلهم آية لأنفسهم وللناس فبعثهم من مرقدهم ولم يعلموا مدة ~~مكثهم وأرسلوا أحدهم إلى المدينة ، وهي ( أبسس ) ، بدراهم ليشتري لهم طعاما ~~. فعجب الناس من هيئته ومن دراهمه وعجب هو مما رأى من تغيير الأحوال . ~~وتسامع أهل المدينة بأمرهم ، فخرج قيصر الصغير مع أساقفة وقسيسين وبطارقة ~~إلى الكهف فنظروا إليهم وكلموهم وآمنوا بآيتهم ، ولما انصرفوا عنهم ماتوا ~~في مواضعهم ، وكانت آية تأيد بها دين المسيح . | # والذي في ( كتاب الطبري ) أن الذين ذهبوا إلى مشاهدة أصحاب الكهف هم ~~رئيسا المدينة ( أريوس ) و ( أطيوس ) ومن معهما من أهل المدينة ، وقيل لما ~~شاهدهم الناس كتب واليا المدينة إلى ملك الروم ، فحضر وشاهدهم وأمر بأن ~~يبنى عليهم مسجد . ولم يذكروا هل نفذ بناء المسجد أو لم ينفذ . ولم يذكر ~~أنه وقع العثور على هذا الكهف بعد ذلك . ولعله قد انهدم بحادث زلزال أو ~~نحوه كرامة من الله لأصحابه ، وإن كانت الأخبار الزائفة عن تعيينه في مواضع ~~من بلدان المسلمين في أقطار الأرض كثيرة . وفي جنوب القطر التونسي موضع ~~يدعى PageV15P262 أنه الكهف . وفي مواضع أخرى من بادية القطر مشاهد يسمونها ~~السبعة الرقود اعتقادا بأن أهل الكهف كانوا سبعة . وستعلم مثار هذه ~~التوهمات . | # وفي ( تفسير الألوسي ) عن ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس قال : غزونا مع معاوية غزو المضيق نحو الروم فمررنا بالكهف الذي فيه ~~أصحاب الكهف . فقال معاوية : لو كشف لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم ، فقال ابن ~~عباس : ليس ذلك لك ، قد منع الله ذلك من هو خير منك ، فقال : { لو اطلعت ~~عليهم لوليت منهم فرارا ( الكهف : 18 ) فقال معاوية : لا أنتهي حتى أعلم ~~علمهم فبعث رجالا وقال : اذهبوا فادخلوا الكهف ms4885 وانظروا ، فذهبوا فلما دخلوه ~~بعث الله عليهم ريحا فأخرجتهم . وروى عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن عكرمة : ~~أن ابن عباس غزا مع حبيب بن مسلمة فمروا بالكهف فإذا فيه عظام . فقال رجل : ~~هذه عظام أهل الكهف . فقال ابن عباس : لقد ذهبت عظامهم منذ أكثر من ~~ثلاثمائة سنة . | # وفي تفسير الفخر } عن القفال عن محمد بن موسى الخوارزمي المنجم : ( أن ~~الواثق أنفذه ليعرف حال أصحاب الكهف ، فسافر إلى الروم فوجه ملك الروم معه ~~أقواما إلى الموضع الذي يقال إنهم فيه ، قال : وإن الرجل الموكل بذلك ~~الموضع فزعني من الدخول عليهم ، قال : فدخلت ورأيت الشعور على صدورهم ، قال ~~: وعرفت أنه تمويه واحتيال ، وأن الناس كانوا قد عالجوا تلك الجثث بالأدوية ~~المجففة لأبدان الموتى لتصونها عن البلى مثل التلطيخ بالصبر وغيره ) ا ه . ~~| # وقوله : ( فسافر إلى الروم ) مبني على اعتقادهم أن الكهف كان حول مدينة ( ~~أفسوس ) بالفاء أخت القاف وهو وهم حصل من تشابه اسمي البلدين كما نبهنا ~~عليه آنفا ، فإن بلد ( أفسس ) في زمن الواثق لا تزال في حكم قياصرة الروم ~~بالقسطنطينية ، ولذلك قال بعض المؤرخين : إن قيصر الروم لما بلغته بعثة ~~الجماعة الذين وجههم الخليفة الواثق ، أمر بأن يجعل دليل في PageV15P263 ~~رفقة البعثة ليسهل لهم ما يحتاجونه ، أما مدينة ( أبسس ) بالباء الموحدة ~~فقد كانت حينئذ من جملة مملكة الإسلام . | # قال ابن عطية : ( وبالأندلس في جهة ( أغرناطة ) بقرب قرية تسمى ( لوشة ) ~~كهف فيه موتى ومعهم كلب رمة ، وأكثرهم قد انجرد لحمه وبعضهم متماسك ، وقد ~~مضت القرون السالفة ولم نجد من علم شأنهم أثارة ، ويزعم الناس أنهم أصحاب ~~الكهف ، دخلت إليهم ورأيتهم سنة أربع وخمسمائة ، وهم بهذه الحال وعليهم ~~مسجد وقريب منهم بناء رومي يسمى الرقيم كأنه قصر محلق ( كذا بحاء مهملة ~~لعله بمعنى مستدير كالحلقة ) وقد بقي بعض جدرانه وهو في فلاة من الأرض حزنة ~~، وبأعلى حضرة ( أغرناطة ) مما يلي القبلة آثار مدينة قديمة رومية يقال لها ~~مدينة ( دقيوس ) وجدنا في آثارها غرائب في قبورها ونحوها ) ا ه . | # وقصة أهل الكهف لها ms4886 اتصال بتاريخ طور كبير من أطوار ظهور الأديان الحق ، ~~وبخاصة طور انتشار النصرانية في الأرض . | # وللكهوف ذكر شائع في اللوذ إليها والدفن بها . | # وقد كان المتنصرون يضطهدون في البلاد فكانوا يفرون من المدن والقرى إلى ~~الكهوف يتخذونها مساكن فإذا مات أحدهم دفن هنالك ، وربما كانوا إذا قتلوهم ~~وضعوهم في الكهوف التي كانوا يتعبدون فيها . ولذلك يوجد في رومية كهف عظيم ~~من هذه الكهوف اتخذه النصارى لأنفسهم هنالك ، وكانوا كثيرا ما يستصحبون ~~معهم كلبا ليدفع عنهم الوحوش من ذئاب ونحوها . وما الكهف الذي ذكره ابن ~~عطية إلا واحد من هذه الكهوف . | # غير أن ما ذكر في سبب نزول السورة من علم اليهود بأهل الكهف ، وجعلهم ~~العلم بأمرهم أمارة على نبوءة محمد صلى الله عليه وسلم يبعد أن يكون أهل ~~الكهف هؤلاء من أهل الدين المسيحي فإن اليهود يتجافون عن PageV15P264 كل ~~خبر فيه ذكر للمسيحية ، فيحتمل أن بعض اليهود أووا إلى بعض الكهوف في ~~الاضطهادات التي أصابت اليهود وكانوا يأوون إلى الكهوف . ويوجد مكان بأرض ~~سكرة قرب المرسى من أحواز تونس فيه كهوف صناعية حقق لي بعض علماء الآثار من ~~الرهبان النصارى بتونس أنها كانت مخابىء لليهود يختفون فيها من اضطهاد ~~الرومان القرطاجنيين لهم . | # ويجوز أن يكون لأهل كلتا الملتين اليهودية والنصرانية خبرا عن قوم من ~~صالحيهم عرفوا بأهل الكهف أو كانوا جماعة واحدة ادعى أهل كلتا الملتين ~~خبرها لصالحي ملته ، وبني على ذلك اختلاف في تسمية البلاد التي كان بها ~~كهفهم . | # قال السهيلي في ( الروض الأنف ) : وأصحاب الكهف من أمة عجمية والنصارى ~~يعرفون حديثهم ويؤرخون به ا ه . وقد تقدم طرف من هذا عند تفسير قوله تعالى ~~: { ويسألونك عن الروح في سورة الإسراء ( 85 ) . | # | 2 ( 10 ) { إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنآ ءاتنا من لدنك رحمة ~~وهيىء لنا من أمرنا رشدا } ) 2 # ( إذ ) ظرف مضاف إلى الجملة بعده ، وهو متعلق ب { كانوا ( الكهف : 9 ) ~~فتكون هذه الجملة متصلة بالتي قبلها . | # ويجوز كون الظرف متعلقا بفعل محذوف تقديره : اذكر ، فتكون مستأنفة ms4887 ~~استئنافا بيانيا للجملة التي قبلها . وأيا ما كان فالمقصود إجمال قصتهم ~~ابتداء ، تنبيها على أن قصتهم ليست أعجب آيات الله ، مع التنبيه على أن ما ~~أكرمهم الله به من العناية إنما كان تأييدا لهم لأجل إيمانهم ، فلذلك عطف ~~عليه قوله : فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة } . | PageV15P265 # وأوى أويا إلى المكان : جعله مسكنا له ، فالمكان : المأوى . وقد تقدم عند ~~قوله تعالى : { أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون في سورة يونس ( 8 ) . ~~| # والفتية : جمع قلة لفتى ، وهو الشاب المكتمل . وتقدم عند قوله تعالى في ~~سورة يوسف . والمراد بالفتية : أصحاب الكهف . وهذا من الإظهار في مقام ~~الإضمار لأن مقتضى الظاهر أن يقال : إذ أووا ، فعدل عن ذلك لما يدل عليه ~~لفظ الفتية من كونهم أترابا متقاربي السن . وذكرهم بهذا الوصف للإيماء إلى ~~ما فيه من اكتمال خلق الرجولية المعبر عنه بالفتوة الجامع لمعنى سداد الرأي ~~، وثبات الجأش ، والدفاع عن الحق ، ولذلك عدل عن الإضمار فلم يقل : إذ أووا ~~إلى الكهف . | # ودلت الفاء في جملة فقالوا } على أنهم لما أووا إلى الكهف بادروا ~~بالابتهال إلى الله . | # ودعوا الله أن يؤتيهم رحمة من لدنه ، وذلك جامع لخير الدنيا والآخرة ، أي ~~أن يمن عليهم برحمة عظيمة تناسب عنايته باتباع الدين الذي أمر به ، فزيادة ~~{ من لدنك } للتعلق بفعل الإيتاء تشير إلى ذلك ، لأن في ( من ) معنى ~~الابتداء وفي ( لدن ) معنى العندية والانتساب إليه ، فذلك أبلغ مما لو ~~قالوا : آتنا رحمة ، لأن الخلق كلهم بمحل الرحمة من الله ، ولكنهم سألوا ~~رحمة خاصة وافرة في حين توقع ضدها ، وقصدوا الأمن على إيمانهم من الفتنة ، ~~ولئلا يلاقوا في اغترابهم مشقة وألما ، وأن لا يهينهم أعداء الدين فيصيروا ~~فتنة للقوم الكافرين . | # ثم سألوا الله أن يقدر لهم أحوالا تكون عاقبتها حصول ما خولهم من الثبات ~~على الدين الحق والنجاة من مناواة المشركين . فعبر عن ذلك التقدير بالتهيئة ~~التي هي إعداد أسباب حصول الشيء . | # و ( من ) في قوله : { من أمرنا } ابتدائية . | PageV15P266 # والأمر هنا : الشأن والحال الذي يكونون فيه ، وهو مجموع الإيمان ms4888 ~~والاعتصام إلى محل العزلة عن أهل الشرك . وقد أعد الله لهم من الأحوال ما ~~به رشدهم . فمن ذلك صرف أعدائهم عن تتبعهم ، وأن ألهمهم موضع الكهف ، وأن ~~كان وضعه على جهة صالحة ببقاء أجسامهم سليمة ، وأن أنامهم نوما طويلا ليمضي ~~عليهم الزمن الذي تتغير فيه أحوال المدينة ، وحصل رشدهم إذ ثبتوا على الدين ~~الحق وشاهدوه منصورا متبعا ، وجعلهم آية للناس على صدق الدين وعلى قدرة ~~الله وعلى البعث . | # والرشد بفتحتين : الخير وإصابة الحق والنفع والصلاح ، وقد تكرر في سورة ~~الجن باختلاف هذه المعاني . والرشد بضم الراء وسكون الشين مرادف الرشد . ~~وغلب في حسن تدبير المال . لم يقرأ هذا اللفظ هنا في القراءات المشهورة إلا ~~بفتح الراء بخلاف قوله تعالى : { قد تبين الرشد من الغي في البقرة ( 256 ) ~~، وقوله : فإن آنستم منهم رشدا في سورة النساء ( 6 ) فلم يقرأ فيهما إلا ~~بضم الراء . | # ووجه إيثار مفتوح الراء والشين في هذه السورة في هذا الموضع وفي قوله ~~الآتي : وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا ( الكهف : 24 ) : أن تحريك ~~الحرفين فيهما أنسب بالكلمات الواقعة في قرائن الفواصل ؛ ألا ترى أن ~~الجمهور قرؤوا قوله في هذه السورة : على أن تعلمني مما علمت رشدا } ( الكهف ~~: 66 ) بضم الراء لأنه أنسب بالقرائن المجاورة له وهي { من لدنا علما ( ~~الكهف : 65 ) معي صبرا ( الكهف : 67 ) ما لم تحط به خبرا ( الكهف : 68 ) ~~ولا أعصي لك أمرا ( الكهف : 69 ) إلى آخره . ولم يقرأه هنالك بفتح الراء ~~والشين إلا أبو عمرو ويعقوب . | # | PageV15P267 # | 2 ( 11 ، 12 ) { فضربنا على ءاذانهم فى الكهف سنين عددا * ثم بعثناهم ~~لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا } ) 2 # تفريع هذه الجملة بالفاء إما على جملة دعائهم ، فيؤذن بأن مضمونها ~~استجابة دعوتهم ، فجعل الله إنامتهم كرامة لهم . بأن سلمهم من التعذيب ~~بأيدي أعدائهم ، وأيد بذلك أنهم على الحق ، وأرى الناس ذلك بعد زمن طويل . ~~| # وإما على جملة { إذ أوى الفتية ( الكهف : 10 ) الخ فيؤذن بأن الله عجل ~~لهم حصول ما قصدوه مما لم ms4889 يكن في حسبانهم . | # والضرب : هنا بمعنى الوضع ، كما يقال : ضرب عليه حجابا ، ومنه قوله تعالى ~~: ضربت عليهم الذلة ( البقرة : 61 ) ، وقد تقدم تفصيله عند قوله تعالى : إن ~~الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما ( البقرة : 26 ) . | # وحذف مفعول ضربنا } لظهوره ، أي ضربنا على آذانهم غشاوة أو حائلا عن ~~السمع ، كما يقال : بنى على امرأته ، تقديره : بنى بيتا . والضرب على ~~الآذان كناية عن الإنامة لأن النوم الثقيل يستلزم عدم السمع ، لأن السمع ~~السليم لا يحجبه إلا النوم ، بخلاف البصر الصحيح فقد يحجب بتغميض الأجفان . ~~| # وهذه الكناية من خصائص القرآن لم تكن معروفة قبل هذه الآية وهي من ~~الإعجاز . | # و { عددا } نعت { سنين } . والعدد : مستعمل في الكثرة ، أي سنين ذات عدد ~~كثير . ونظيره ما في حديث بدء الوحي من قول عائشة : فكان يخرج إلى غار حراء ~~فيتحنث فيه الليالي ذوات العدد ) تريد الكثيرة . وقد أجمل العدد هنا تبعا ~~لإجمال القصة . | PageV15P268 # والبعث : هنا الإيقاظ ، أي أيقظناهم من نومتهم يقظة مفزوع . كما يبعث ~~البعير من مبركه . وحسن هذه الاستعارة هنا أن المقصود من هذه القصة إثبات ~~البعث بعد الموت فكان في ذكر لفظ البعث تنبيه على أن في هذه الإفاقة دليلا ~~على إمكان البعث وكيفيته . | # والحزب : الجماعة الذين توافقوا على شيء واحد ، فالحزبان فريقان : أحدهما ~~مصيب والآخر مخطىء في عد الأمد الذي مضى عليهم . فقيل : هما فريقان من أهل ~~الكهف أنفسهم على أنه المشار إليه بقوله تعالى : { قال قائل منهم كم لبثتم ~~( الكهف : 19 ) . وفي هذا بعد من لفظ حزب إذ كان القائل واحدا والآخرون ~~شاكين ، وبعيد أيضا من فعل أحصى } لأن أهل الكهف ما قصدوا الإحصاء لمدة ~~لبثهم عند إفاقتهم بل خالوها زمنا قليلا . فالوجه : أن المراد بالحزبين ~~حزبان من الناس أهل بلدهم اختلفت أقوالهم في مدة لبثهم بعد أن علموا ~~انبعاثهم من نومتهم ، أحد الفريقين مصيب والآخر مخطىء ، والله يعلم المصيب ~~منهم والمخطىء ، فهما فريقان في جانبي صواب وخطأ كما دل عليه قوله : { أحصى ~~} . | # ولا ينبغي تفسير الحزبين بأنهما حزبان من أهل ms4890 الكهف الذين قال الله فيهم ~~: { قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم الآية ( الكهف : ~~19 ) . | # وجعل حصول علم الله بحال الحزبين علة لبعثه إياهم كناية عن حصول الاختلاف ~~في تقدير مدتهم فإنهم إذا اختلفوا علم الله اختلافهم علم الواقعات ، وهو ~~تعلق للعلم يصح أن يطلق عليه تنجيزي وإن لم يقع ذلك عند علماء الكلام . | # وقد تقدم عند قوله تعالى : لنبلوهم أيهم أحسن عملا في أول السورة الكهف ( ~~7 ) . | # وأحصى } يحتمل أن يكون فعلا ماضيا ، أن يكون اسم تفضيل مصوغا من الرباعي ~~على خلاف القياس . واختار الزمخشري في ( الكشاف ) تبعا لأبي علي الفارسي ~~الأول تجنبا لصوغ اسم التفضيل على غير قياس لقلته . واختار الزجاج ~~PageV15P269 الثاني . ومع كون صوغ اسم التفضيل من غير الثلاثي ليس قياسا ~~فهو كثير في الكلام الفصيح وفي القرآن . | # فالوجه ، أن { أحصى } اسم تفضيل ، والتفضيل منصرف إلى ما في معنى الإحصاء ~~من الضبط والإصابة . والمعنى : لنعلم أي الحزبين أتقن إحصاء ، أي عدا بأن ~~يكون هو الموافق للواقع ونفس الأمر ويكون ما عداه تقريبا ورجما بالغيب . ~~وذلك هو ما فصله قوله تعالى : { سيقولون ثلاثة ( الكهف : 22 ) الآية . | # ف ( أي ) اسم استفهام مبتدأ وهو معلق لفعل لنعلم } عن العمل ، { وأحصى } ~~خبر عن ( أي ) و { أمدا } تمييز لاسم التفصيل تمييز نسبة ، أي نسبة التفضيل ~~إلى موصوفه كما في قوله : { أنا أكثر منك مالا ( الكهف : 34 ) . ولا يريبك ~~أنه لا يتضح أن يكون هذا التمييز محولا عن الفاعل لأنه لا يستقيم أن تقول : ~~أفضل أمده ، إذ التحويل أمر تقديري يقصد منه التقريب . | # والمعنى : ليظهر اضطراب الناس في ضبط تواريخ الحوادث واختلال خرصهم ~~وتخمينهم إذا تصدوا لها ، ويعلم تفريط كثير من الناس في تحديد الحوادث ~~وتاريخها ، وكلا الحالين يمت إلى الآخر بصلة . | # | 2 ( 13 ، 14 ) نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية ءامنوا بربهم ~~وزدناهم هدى * وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والارض ~~لن ندعوا من دونه إلاها لقد قلنا إذا شططا } ) 2 # لما اقتضى قوله ms4891 : { لنعلم أي الحزبين أحصى ( الكهف : 12 ) أن في نبأ أهل ~~الكهف تخرصات ورجما بالغيب أثار ذلك في النفس تطلعا إلى معرفة الصدق في ~~أمرهم ، PageV15P270 من أصل وجود القصة إلى تفاصيلها من مخبر لا يشك في صدق ~~خبره كانت جملة نحن نقص عليك نبأهم بالحق استئنافا بيانيا لجملة لنعلم أي ~~الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا ( الكهف : 12 ) . | # وهذا شروع في مجمل القصة والاهتمام بمواضع العبرة منها . وقدم منها ما ~~فيه وصف ثباتهم على الإيمان ومنابذتهم قومهم الكفرة ودخولهم الكهف . | # وتقديم المسند إليه على المسند الفعلي في جملة نحن نقص عليك } يفيد ~~الاختصاص ، أي نحن لا غيرنا يقص قصصهم بالحق . | # والحق : هنا الصدق . والصدق من أنواع الحق ، ومنه قوله تعالى : { حقيق ~~علي أن لا أقول على الله إلا الحق في سورة الأعراف ( 105 ) . | # والباء للملابسة ، أي القصص المصاحب للصدق لا للتخرصات . | # والقصص : سرد خبر طويل فالإخبار بمخاطبة مفرقة ليس بقصص ، وتقدم في طالع ~~سورة يوسف . | # والنبأ : الخبر الذي فيه أهمية وله شأن . | # وجملة إنهم فتية } مبينة للقصص والنبأ . وافتتاح الجملة بحرف التأكيد ~~لمجرد الاهتمام لا لرد الإنكار . | # وزيادة الهدى يجوز أن يكون تقوية هدى الإيمان المعلوم من قوله : { آمنوا ~~بربهم } بفتح بصايرهم للتفكير في وسائل النجاة بإيمانهم وألهمهم التوفيق ~~والثبات ، فكل ذلك هدى زائد على هدى الإيمان . | # ويجوز أن تكون تقوية فضل الإيمان بفضل التقوى كما في قوله تعالى : { ~~والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم ( محمد : 17 ) . | PageV15P271 # والزيادة : وفرة مقدار شيء مخصوص ، مثل وفرة عدد المعدود ، ووزن الموزون ~~، ووفرة سكان المدينة . | # وفعل ( زاد ) يكون قاصرا مثل قوله تعالى : وأرسلناه إلى مائة ألف أو ~~يزيدون ( الصافات : 147 ) ، ويكون متعديا كقوله : فزادهم الله مرضا ( ~~البقرة : 10 ) . وتستعار الزيادة لقوة الوصف كما هنا . | # والربط على القلب مستعار إلى تثبيت الإيمان وعدم التردد فيه ، فلما شاع ~~إطلاق القلب على الإعتقاد استعير الربط عليه للتثبيت على عقده . كما قال ~~تعالى : لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين ( القصص : 10 ) . ومنه ~~قولهم : هو رابط الجأش . وفي ضده ms4892 يقال : اضطرب قلبه ، وقال تعالى : وبلغت ~~القلوب الحناجر ( الأحزاب : 10 ) . استعير الاضطراب ونحوه للتردد والشك في ~~حصول شيء . | # وتعدية فعل ربطنا } بحرف الاستعلاء للمبالغة في الشد لأن حرف الاستعلاء ~~مستعار لمعنى التمكن من الفعل . | # و { إذ قاموا } ظرف للربط ، أي كان الربط في وقت في قيامهم ، أي كان ذلك ~~الخاطر الذي قاموا به مقارنا لربط الله على قلوبهم ، أي لولا ذلك لما ~~أقدموا على مثل ذلك العمل وذلك القول . | # والقيام يحتمل أن يكون حقيقيا ، بأن وقفوا بين يدي ملك الروم المشرك ، أو ~~وقفوا في مجامع قومهم خطباء معلنين فساد عقيدة الشرك . ويحتمل أن يكون ~~القيام مستعارا للإقدام والجسر على عمل عظيم ، وللاهتمام بالعمل أو القول ، ~~تشبيها للاهتمام بقيام الشخص من قعود للإقبال على عمل ما ، كقول النابغة : ~~| # بأن حصنا وحيا من بني أسد | # قاموا فقالوا حمانا غير مقروب | # فليس في ذلك قيام بعد قعود بل قد يكونون قالوه وهم قعود . | # وعرفوا الله بطريق الإضافة إلى ضميرهم : إما لأنهم عرفوا من قبل بأنهم ~~عبدوا الله المنزه عن الجسم وخصائص المحدثات ، وإما لأن الله لم يكن معروفا ~~PageV15P272 باسم علم عند أولئك المشركين الذين يزعمون أن رب الأرباب هو ( ~~جوبتير ) الممثل في كوكب المشتري ، فلم يكن طريق لتعريفهم الإله الحق إلا ~~طريق الإضافة . وقريب منه ما حكاه الله عن قول موسى لفرعون بقوله تعالى : { ~~قال فرعون وما رب العالمين قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم ~~موقنين ( الشعراء : 23 24 ) . | # هذا إن كان القول مسوقا إلى قومهم المشركين قصدوا به إعلان إيمانهم بين ~~قومهم وإظهار عدم الاكتراث بتهديد الملك وقومه ، فيكون موقفهم هذا كموقف ~~بني إسرائيل حين قالوا لفرعون لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون ( الشعراء : 50 ~~) ، أو قصدوا به موعظة قومهم بدون مواجهة خطابهم استنزالا لطائرهم على ~~طريقة التعريض من باب ( إياكك أعني فاسمعي يا جارة ) ، واستقصاء لتبليغ ~~الحق إليهم . وهذا هو الأظهر لحمل القيام على حقيقته ، ولأن القول نسب إلى ~~ضمير جمعهم دون بعضهم ، بخلاف الإسناد في قوله : قال قائل ms4893 منهم كم لبثتم ( ~~الكهف : 19 ) تقتضي أن يكون المقول له ذلك فريقا آخر ، ولظهور قصد الاحتجاج ~~من مقالهم ، ويكون قوله : رب السماوات والأرض } خبر المبتدأ إعلاما لقومهم ~~بهذه الحقيقة وتكون جملة { لن ندعوا } استئنافا . وإن كان هذا القول قد جرى ~~بينهم في خاصتهم تمهيدا لقوله : { وإذ اعتزلتموهم ( الكهف : 16 ) الخ . ~~فالتعريف بالإضافة لأنها أخطر طريق بينهم ، ولأنها تتضمن تشريفا لأنفسهم ، ~~ويكون قوله : رب السماوات والأرض } صفة كاشفة ، وجملة { لن ندعوا من دونه ~~إلها } خبر المبتدأ . | # وذكرو الدعاء دون العبادة لأن الدعاء يشمل الأقوال كلها من إجراء وصف ~~الإلهية على غير الله ومن نداء غير الله عند السؤال . | # وجملة { لقد قلنا إذا شططا } استئناف بياني لما أفاده توكيد النفي ب ( لن ~~) . وإن وجود حرف الجواب في خلال الجملة ينادي على كونها متفرعة على التي ~~قبلها . واللام للقسم . | PageV15P273 # والشطط : الإفراط في مخالفة الحق والصواب . وهو مشتق من الشط ، وهو البعد ~~عن الموطن لما في البعد عنه من كراهية النفوس ، فاستعير للإفراط في شيء ~~مكروه ، أي لقد قلنا قولا شططا ، وهو نسبة الإلهية إلى من دون الله . | # | 2 ( 15 ) { هاؤلا ء قومنا اتخذوا من دونه ءالهة لولا يأتون عليهم ~~بسلطان بين فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا } ) 2 # | $ # استئناف بياني لما اقتضته جملة { لقد قلنا إذا شططا ( الكهف : 14 ) إذ ~~يثور في نفس السامع أن يتساءل عمن يقول هذا الشطط إن كان في السامعين من لا ~~يعلم ذلك أو بتنزيل غير السائل منزلة السائل . | # وهذه الجملة من بقية كلام الفتية كما اقتضاه ضمير قوله : دونه } العائد ~~إلى { ربنا ( الكهف : 14 ) . | # والإشارة إلى قومهم ب هؤلاء } لقصد تمييزهم بما سيخبر به عنهم . وفي هذه ~~الإشارة تعريض بالتعجب من حالهم وتفضيح صنعهم ، وهو من لوازم قصد التمييز . ~~| # وجملة { اتخذوا } خبر عن اسم الإشارة ، وهو خبر مستعمل في الإنكار عليهم ~~دون الإخبار إذ اتخاذهم آلهة من دون الله معلوم بين المتخاطبين ، فليس ~~الإخبار به بمفيد فائدة الخبر . | # ومعنى { من دونه } من غيره ، و ( من ) ابتدائية ms4894 ، أي آلهة ناشئة من غير ~~الله ، وكان قومهم يومئذ يعبدون الأصنام على عقيدة الروم ولا يؤمنون بالله ~~. | # وجملة { لولا يأتون عليهم بسلطان بين } مؤكدة للجملة التي قبلها باعتبار ~~أنها مستعملة في الإنكار ، لأن مضمون هذه الجملة يقوي الإنكار عليهم . | ~~PageV15P274 # و ( لولا ) حرف تحضيض . حقيقته : الحث على تحصيل مدخولها . ولما كان ~~الإتيان بسلطان على ثبوت الإلهية للأصنام التي اتخذوها آلهة متعذرا بقرينة ~~أنهم أنكروه عليهم انصرف التحضيض إلى التبكيت والتغليط ، أي اتخذوا آلهة من ~~دون الله لا برهان على إلهيتهم . | # ومعنى { عليهم } على آلهتهم ، بقرينة قوله : { اتخذوا من دونه آلهة } . | # والسلطان : الحجة والبرهان . | # والبين : الواضح الدلالة . ومعنى الكلام : إذ لم يأتوا بسلطان على ذلك ~~فقد أقاموا اعتقادهم على الكذب والخطأ ، ولذلك فرع عليه جملة { فمن أظلم ~~ممن أفترى على الله كذبا } . | # و ( من ) استفهامية ، وهو إنكار ، أي لا أظلم ممن افترى . والمعنى : أنه ~~أظلم من غيره . وليس المراد المساواة بينه وبين غيره ، كما تقدم في قوله ~~تعالى : { ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه ( البقرة : 114 ) ~~. | # والمعنى : أن هؤلاء افتروا على الله كذبا ، وذلك أنهم أشركوا معه غيره في ~~الإلهية فقد كذبوا عليه في ذلك إذ أثبتوا له صفة مخالفة للواقع . | # وافتراء الكذب تقدم في قوله تعالى : ولكن الذين كفروا يفترون على الله ~~الكذب في سورة المائدة ( 103 ) . | # ثم إن كان الكلام من مبدئه خطابا لقومهم أعلنوا به إيمانهم بينهم كما ~~تقدم كانت الإشارة في قولهم : هؤلاء قومنا } على ظاهرها ، وكان ارتقاء في ~~التعريض لهم بالموعظة ؛ وإن كان الكلام من مبدئه دائرا بينهم في خاصتهم ~~كانت الإشارة إلى حاضر في الذهن كقوله تعالى : { فإن يكفر بها هؤلاء ( ~~الأنعام : 89 ) أي مشركو مكة . | # | PageV15P275 # | 2 ( 16 ) وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ~~ربكم من رحمته ويهيىء لكم من أمركم مرفقا } ) 2 # يتعين أن يكون هذا من كلام بعضهم لبعض على سبيل النصح والمشورة الصائبة . ~~وليس يلزم في حكاية أقوال القائلين أن تكون المحكيات كلها صادرة ms4895 في وقت ~~واحد ، فيجوز أن يكونوا قال بعضهم لبعض ذلك بعد اليأس من ارعواء قومهم عن ~~فتنتهم في مقام آخر . ويجوز أن يكون ذلك في نفس المقام الذي خاطبوا فيه ~~قومهم بأن غيروا الخطاب من مواجهة قومهم إلى مواجهة بعضهم بعضا ، وهو ضرب ~~من الالتفات . فعلى الوجه الأول يكون فعل { اعتزلتموهم } مستعملا في إرادة ~~الفعل مثل { إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ( المائدة : 6 ) ، وعلى ~~الوجه الثاني يكون الاعتزال قد حصل فيما بين مقام خطابهم قومهم وبين مخاطبة ~~بعضهم بعضا . وعلى الاحتمالين فالقرآن اقتصر في حكاية أقوالهم على المقصد ~~الأهم منها في الدلالة على ثباتهم دون ما سوى ذلك مما لا أثر له في الغرض ~~وإنما هو مجرد قصص . | # و إذ للظرفية المجازية بمعنى التعليل . | # والاعتزال : التباعد والانفراد عن مخالطة الشيء ، فمعنى اعتزال القوم ترك ~~مخالطتهم . ومعنى اعتزال ما يعبدون : التباعد عن عبادة الأصنام . | # والاستثناء في قوله : إلا الله } منقطع لأن الله تعالى لم يكن يعبده ~~القوم . | # والفاء للتفريع على جملة { وإذ اعتزلتموهم } باعتبار إفادتها معنى : ~~اعتزلتم دينهم اعتزالا اعتقاديا ، فيقدر بعدها جملة نحو : اعتزلوهم اعتزال ~~مفارقة فأووا PageV15P276 إلى الكهف ، أو يقدر : وإذ اعتزلتم دينهم ~~يعذبونكم فأووا إلى الكهف . وجوز الفراء أن تضمن ( إذ ) معنى الشرط ويكون { ~~فأووا } جوابها . وعلى الشرط يتعين أن يكون { اعتزلتموهم } مستعملا في ~~إرادة الاعتزال . | # والأوي تقدم آنفا ، أي فاسكنوا الكهف . | # والتعريف في { الكهف } يجوز أن يكون تعريف العهد ، بأن كان الكهف معهودا ~~عندهم يتعبدون فيه من قبل . ويجوز أن يكون تعريف الحقيقة مثل { وأخاف أن ~~يأكله الذئب ( يوسف : 13 ) ، أي فأووا إلى كهف من الكهوف . وعلى هذا ~~الاحتمال يكون إشارة منهم إلى سنة النصارى التي ذكرناها في أول هذه الآيات ~~، أو عادة المضطهدين من اليهود كما ارتأيناه هنالك . | # ونشر الرحمة : توفر تعلقها بالمرحومين . شبه تعليق الصفة المتكرر بنشر ~~الثوب في أنه لا يبقي من الثوب شيئا مخفيا ، كما شبه بالبسط وشبه ضده بالطي ~~وبالقبض . | # والمرفق بفتح الميم وكسر الفاء : ما يرتفق به وينتفع . وبذلك قرأ ms4896 نافع ~~وابن عامر وأبو جعفر ، وبكسر الميم وفتح الفاء وبه قرأ الباقون . | # وتهيئته مستعارة للإكرام به والعناية ، تشبيها بتهيئة القرى للضيف ~~المعتنى به . وجزم ينشر } في جواب الأمر . وهو مبني على الثقة بالرجاء ~~والدعاء . وساقوه مساق الحاصل لشدة ثقتهم بلطف ربهم بالمؤمنين . | # | 2 ( 17 ) { وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت ~~تقرضهم ذات الشمال وهم فى فجوة منه ذالك من ءايات الله من يهد الله فهو ~~المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا } ) 2 # عطف بعض أحوالهم على بعض . انتقل إلى ذكره بمناسبة الإشارة إلى تحقيق ~~رجائهم في ربهم حين قال بعضهم لبعض { ينشر لكم ربكم من رحمته PageV15P277 ~~ويهيىء لكم من أمركم مرفقا ( الكهف : 16 ) . وهذا حال عظيم وهو ما هيأ الله ~~لهم في أمرهم من مرفق ، وأن ذلك جزاؤهم على اهتدائهم وهو من لطف الله بهم . ~~| # والخطاب لغير معين . والمعنى : يرى من تمكنه الرؤية . وهذا كثير في ~~الاستعمال ، ومنه قول النابغة : | # ترى عافيات الطير قد وثقت لها | # بشبع من السخل العتاق الأكايل | # وقد أوجز من الخبر أنهم لما قال بعضهم لبعض فأووا إلى الكهف ( الكهف : 16 ~~) أنهم أووا إليه . والتقدير : فأخذوا بنصيحته فأووا إلى الكهف . ودل عليه ~~قوله في صدر القصة إذ أوى الفتية إلى الكهف ( الكهف : 10 ) فرد عجز الكلام ~~على صدره . | # وتزاور } مضارع مشتق من الزور بفتح الزاي ، وهو الميل . وقرأه نافع وابن ~~كثير وأبو عمرو وأبو جعفر بفتح التاء وتشديد الزاي بعدها ألف وفتح الواو . ~~وأصله : تتزاور بتاءين أدغمت تاء التفاعل في الزاي تخفيفا . | # وقرأه عاصم وحمزة والكسائي وخلف بتخفيف الزاي على حذف إحدى التاءين وهي ~~تاء المضارعة للتخفيف اجتزاء برفع الفعل الدال على المضارعة . وقرأه ابن ~~عامر ويعقوب { تزور } بفتح التاء بعدها زاي ساكنة وبفتح الواو وتشديد الراء ~~بوزن تحمر . وكلها أبنية مشتقة من الزور بالتحريك ، وهو الميل عن المكان ، ~~قال عنترة : | # فازور من وقع القنا بلبانه | # أي مال بعض بدنه إلى بعض وانقبض . | # والإتيان بفعل المضارعة للدلالة على تكرر ms4897 ذلك كل يوم . | # و { تقرضهم } أي تنصرف عنهم . وأصل القرض القطع ، أي أنها لا تطلع في ~~كهفهم . | PageV15P278 # و { ذات اليمين وذات الشمال } بمعنى صاحبة ، وهي صفة لمحذوف يدل عليه ~~الكلام ، أي الجهة صاحبة اليمين . وتقدم الكلام على { ذات } عند قوله تعالى ~~: { وأصلحوا ذات بينكم في سورة الأنفال ( 1 ) . | # والتعريف في اليمين } ، و { الشمال } عوض عن المضاف إليه ، أي يمين الكهف ~~وشماله ، فيدل على أن فم الكهف كان مفتوحا إلى الشمال الشرقي ، فالشمس إذا ~~طلعت تطلع على جانب الكهف ولا تخترقه أشعتها ، وإذا غربت كانت أشعتها أبعد ~~عن فم الكهف منها حين طلوعها . | # وهذا وضع عجيب يسره الله لهم بحكمته ليكون داخل الكهف بحالة اعتدال فلا ~~ينتاب البلى أجسادهم ، وذلك من آيات قدرة الله . | # والفجوة : المتسع من داخل الكهف ، بحيث لم يكونوا قريبين من فم الكهف . ~~وفي تلك الفجوة عون على حفظ هذا الكهف كما هو . | # { ذالك من ءايات الله } | # الإشارة بقوله : { ذلك } إلى المذكور من قوله : { وترى الشمس } . | # وآيات الله : دلائل قدرته وعنايته بأوليائه ومؤيدي دين الحق . | # والجملة معترضة في خلال القصة للتنويه بأصحابها . | # والإشارة للتعظيم . | # استئناف بياني لما اقتضاه اسم الإشارة من تعظيم أمر الآية وأصحابها . | ~~PageV15P279 # وعموم ( من ) الشرطية يشمل المتحدث عنهم بقرينة المقام . والمعنى : أنهم ~~كانوا مهتدين لأن الله هداهم فيمن هدى ، تنبيها على أن تيسير ذلك لهم من ~~الله هو أثر تيسيرهم لليسرى والهدى ، فأبلغهم الحق على لسان رسولهم ، ~~ورزقهم أفهاما تؤمن بالحق . وقد تقدم الكلام على نظير { من يهد الله فهو ~~المهتد } ، وعلى كتابة { المهتد } بدون ياء في سورة الإسراء . | # والمرشد : الذي يبين للحيران وجه الرشد ، وهو إصابة المطلوب من الخير . | # | 2 ( 18 ) { وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال ~~وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم ~~رعبا } . ) 2 # عطف على بقية القصة ، وما بينهما اعتراض . والخطاب فيه كالخطاب في قوله : ~~{ وترى الشمس ( الكهف : 17 ) . وهذا انتقال إلى ما في حالهم من العبرة لمن ~~لو رآهم من الناس مدمج ms4898 فيه بيان كرامتهم وعظيم قدرة الله في شأنهم ، وهو ~~تعجيب من حالهم لمن لو رآه من الناس . | # ومعنى حسبانهم أيقاضا : أنهم في حالة تشبه حال اليقظة وتخالف حال النوم ، ~~فقيل : كانت أعينهم مفتوحة . | # وصيغ فعل تحسبهم } مضارعا للدلالة على أن ذلك يتكرر مدة طويلة . | # والأيقاظ : جمع يقظ ، بوزن كتف ، وبضم القاف بوزن عضد . | # والرقود : جمع راقد . | # والتقليب : تغيير وضع الشيء من ظاهره إلى باطنه ، قال تعالى : { فأصبح ~~يقلب كفيه ( الكهف : 42 ) . | PageV15P280 # وذات اليمين وذات الشمال } أي إلى جهة أيمانهم وشمائلهم . والمعنى : أن ~~الله أجرى عليهم حال الأحياء الأيقاظ فجعلهم تتغير أوضاعهم من أيمانهم إلى ~~شمائلهم والعكس ، وذلك لحكمة لعل لها أثرا في بقاء أجسامهم بحالة سلامة . | # والإتيان بالمضارع للدلالة على التجدد بحسب الزمن المحكي . ولا يلزم أن ~~يكونوا كذلك حين نزول الآية . | # { وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد } | # هذا يدل على أن تقليبهم لليمين وللشمال كرامة لهم بمنحهم حالة الأحياء ~~وعناية بهم ، ولذلك لم يذكر التقليب لكلبهم بل استمر في مكانه باسطا ذراعيه ~~شأن جلسة الكلب . | # والوصيد : مدخل الكهف ، شبه بالباب الذي هو الوصيد لأنه يوصد ويغلق . | # وعدم تقليب الكلب عن يمينه وشماله يدل على أن تقليبهم ليس من أسباب ~~سلامتهم من البلى وإلا لكان كلبهم مثلهم فيه بل هو كرامة لهم . وقد يقال : ~~إنهم لم يفنوا وأما كلبهم ففني وصار رمة مبسوطة عظام ذراعيه . | # { لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا } | # الخطاب لغير معين ، أي لو اطلعت عليهم أيها السامع حين كانوا في تلك ~~الحالة قبل أن يبعثهم الله ، إذ ليس في الكلام أنهم لم يزالوا كذلك زمن ~~نزول الآية . | PageV15P281 # والمعنى : لو اطلعت عليهم ولم تكن علمت بقصتهم لحسبتهم لصوصا قطاعا ~~للطريق ، إذ هم عدد في كهف وكانت الكهوف مخابىء لقطاع الطريق ، كما قال ~~تأبط شرا : | # أقول للحيانن وقد صفرت لهم | # وطابي يومي ضيق الجحر معور | # ففررت منهم وملكك الرعب من شرهم ، كقوله تعالى : { نكرهم وأوجس منهم خيفة ~~( هود : 70 ) . وليس المراد الرعب من ذواتهم إذ ليس في ذواتهم ms4899 ما يخالف خلق ~~الناس ، ولا الخوف من كونهم أمواتا إذ لم يكن الرعب من الأموات من خلال ~~العرب ، على أنه قد سبق وتحسبهم أيقاظا وهم رقود } . | # والاطلاع : الإشراف على الشيء ورؤيته من مكان مرتفع ، لأنه افتعال من طلع ~~إذا ارتقى جبلا ، فصيغ الافتعال للمبالغة في الارتقاء ، وضمن معنى الإشراف ~~فعدي ب ( على ) ، ثم استعمل مجازا مشهورا في رؤية الشيء الذي لا يراه أحد ، ~~وسيأتي ذكر هذا الفعل عند قوله تعالى : { أطلع الغيب في سورة مريم ( 78 ) ، ~~فضلا عن أن يكون الخطاب للنبيء . وفي الكشاف } عن ابن عباس ما يقتضي ذلك ~~وليس بصحيح . | # وانتصب { فرارا } على المفعول المطلق المبين لنوع { وليت . | # وملئت } مبني للمجهول ، أي ملاك الرعب وملا بتشديد اللام مضاعف ملا وقرىء ~~بهما . | # والملء : كون المظروف حالا في جميع فراغ الظرف بحيث لا تبقى في الظرف سعة ~~لزيادة شيء من المظروف ، فمثلت الصفة النفسية بالمظروف ، ومثل عقل الإنسان ~~بالظرف ، ومثل تمكن الصفة من النفس بحيث لا يخالطها تفكير في غيرها بملء ~~الظرف بالمظروف ، فكان في قوله : { ملئت } استعارة تمثيلية ، وعكسه قوله ~~تعالى : { وأصبح فؤاد أم موسى فارغا ( القصص : 10 ) . | PageV15P282 # وانتصب رعبا } على تمييز النسبة المحول عن الفاعل في المعنى لأن الرعب هو ~~الذي يملأ ، فلما بني الفعل إلى المجهول لقصد الإجمال ثم التفصيل صار ما ~~حقه أن يكون فاعلا تمييزا . وهو إسناد بديع حصل منه التفصيل بعد الإجمال ، ~~وليس تمييزا محولا عن المفعول كما قد يلوح بادىء الرأي . | # والرعب تقدم في قوله تعالى : { سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب في سورة ~~آل عمران ( 151 ) . | # وقرأ نافع وابن كثير ولملئت } بتشديد اللام على المبالغة في الملء ، وقرأ ~~الباقون بتخفيف اللام على الأصل . | # وقرأ الجمهور { رعبا } بسكون العين . وقرأه ابن عامر والكسائي وأبو جعفر ~~ويعقوب بضم العين . | # | 2 ( 19 ، 20 ) { وكذالك بعثناهم ليتسآءلوا بينهم قال قائل منهم كم ~~لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا ~~أحدكم بورقكم هاذه إلى المدينة فلينظر أيهآ أزكى طعاما فليأتكم برزق ms4900 منه ~~وليتلطف ولا يشعرن بكم أحدا * إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم فى ~~ملتهم ولن تفلحو ا إذا أبدا } ) 2 # | $ # عطف لجزء من القصة الذي فيه عبرة لأهل الكهف بأنفسهم ليعلموا من أكرمهم ~~الله به من حفظهم عن أن تنالهم أيدي أعدائهم بإهانة ، ومن إعلامهم علم ~~اليقين ببعض كيفية البعث ، فإن علمه عظيم وقد قال إبراهيم { رب أرني كيف ~~تحيي الموتى ( البقرة : 260 ) . | PageV15P283 # والإشارة بقوله : وكذلك } إلى المذكور من إنامتهم وكيفيتها ، أي كما ~~أنمناهم قرونا بعثناهم . ووجه الشبه : أن في الإفاقة آية على عظيم قدرة ~~الله تعالى مثل آية الإنامة . | # ويجوز أن يكون تشبيه البعث المذكور بنفسه للمبالغة في التعجيب كما تقدم ~~في قوله : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا ( البقرة : 143 ) . | # وتقدم الكلام على معنى البعث في الآية المتقدمة ، وفي حسن موقع لفظ البعث ~~في هذه القصة ، وفي التعليل من قوله : ليتساءلوا } عند قوله : { ثم بعثناهم ~~لنعلم أي الحزبين أحصى ( الكهف : 12 ) . والمعنى : بعثناهم فتساءلوا بينهم ~~. | # وجملة قال قائل منهم } بيان لجملة { ليتساءلوا } . وسميت هذه المحاورة ~~تساؤلا لأنها تحاور عن تطلب كل رأي الآخر للوصول إلى تحقيق المدة . و الذين ~~قالوا : { لبثنا يوما أو بعض } هم من عدا الذي قال : { كم لبثتم } . | # وأسند الجواب إلى ضمير جماعتهم : إما لأنهم تواطؤوا عليه ، وإما على ~~إرادة التوزيع ، أي منهم من قال : لبثنا يوما ، ومنهم قال : لبثنا بعض يوم ~~. وعلى هذا يجوز أن تكون ( أو ) للتقسيم في القول بدليل قوله بعد { قالوا ~~ربكم أعلم بما لبثتم } ، أي لما اختلفوا رجعوا فعدلوا عن القول بالظن إلى ~~تفويض العلم إلى الله تعالى ، وذلك من كمال إيمانهم . فالقائلون { ربكم ~~أعلم بما لبثتم } يجوز أن يكون جميعهم وهو الظاهر . ويجوز أن يكون قول ~~بعضهم فأسند إليهم لأنهم رأوه صوابا . | # وتفريع قولهم : { فابعثوا أحدكم } على قولهم : { ربكم أعلم بما لبثتم } ~~لأنه في معنى فدعوا الخوض في مدة اللبث فلا يعلمها إلا الله وخذوا في شيء ~~آخر مما يهمكم ، وهو قريب من الأسلوب الحكيم . وهو تلقي السائل بغير ما ms4901 ~~يتطلب تنبيها على أن غيره أولى بحاله ، ولولا قولهم : { ربكم أعلم بما ~~لبثتم } لكان قولهم : { فابعثوا أحدكم } عين الأسلوب الحكيم . | ~~PageV15P284 # والورق بفتح الواو وكسر الراء : الفضة . وكذلك قرأه الجمهور . ويقال ورق ~~بفتح الواو وسكون الراء وبذلك قرأ أبوعمرو وحمزة وأبو بكر عن عاصم وروح عن ~~يعقوب وخلف . والمراد بالورق هنا القطعة المسكوكة من الفضة ، وهي الدراهم ~~قيل : كانت من دراهم ( دقيوس ) سلطان الروم . | # والإشارة بهذه إلى دراهم معينة عندهم ، والمدينة هي ( أبسس ) بالباء ~~الموحدة . وقد قدمنا ذكرها في صدر القصة . | # و { أيها } ما صدقه أي مكان من المدينة ، لأن المدينة كل له أجزاء كثيرة ~~منها دكاكين الباعة ، أي فلينظر أي مكان منها هو أزكى طعاما ، أي أزكى ~~طعامه من طعام غيره . | # وانتصب { طعاما } على التمييز لنسبة ( أزكى ) إلى ( أي ) . | # والأزكى : الأطيب والأحسن ، لأن الزكو الزيادة في الخير والنفع . | # والرزق : القوت . وقد تقدم عند قوله تعالى : { قال لا يأتيكما طعام ~~ترزقانه في سورة يوسف ( 37 ) ، والفاء لتفريع أمرهم من يبعثونه بأن يأتي ~~بطعام زكي وبأن يتلطف . | # وصيغة الأمر في قوله : فليأتكم } و { ليتلطف } أمر لأحد غير معين ~~سيوكلونه ، أي أن تبعثوه يأتكم برزق ، ويجوز أن يكون المأمور معينا بينهم ~~وإنما الإجمال في حكاية كلامهم لا في الكلام المحكي . وعلى الوجهين فهم ~~مأمورون بأن يوصوه بذلك . | # قيل التاء من كلمة { وليتلطف } هي نصف حروف القرآن عدا . وهنالك قول ~~اقتصر عليه ابن عطية هو أن النون من قوله تعالى : { لقد جئت شيئا نكرا ( ~~الكهف : 74 ) هي نصف حروف القرآن . | PageV15P285 # والإشعار : الإعلام ، وهو إفعال من شعر من باب نصر وكرم شعورا ، أي علم . ~~فالهمزة للتعدية مثل همزة أعلم } من علم الذي هو علم العرفان يتعدى إلى ~~واحد . | # وقوله : { بكم } متعلق ب { يشعرن } . فمدخول الباء هو المشعور ، أي ~~المعلوم . والمعلوم إنما يكون معنى من المعاني متعلق الضمير المجرور بفعل { ~~يشعرن } من قبيل تعليق الحكم بالذات ، والمراد بعض أحوالها . والتقدير : ~~ولا يخبرن بوجودكم أحدا . فهنا مضاف محذوف دلت عليه دلالة الاقتضاء فيشمل ~~جميع أحوالهم من عددهم ms4902 ومكانهم وغير ذلك . والنون لتوكيد النهي تحذيرا من ~~عواقبه المضمنة في جملة { إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم } الواقعة تعليلا ~~للنهي ، وبيانا لوجه توكيد النهي بالنون ، فهي واقعة موقع العلة والبيان ، ~~وكلاهما يقتضي فصلها عما قبلها . | # وجملة { إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم } علة للأمر بالتلطف والنهي عن ~~إشعار أحد بهم . | # وضمير { إنهم } عائد إلى ما أفاده العموم في قوله : { ولا يشعرن بكم أحدا ~~} ، فصار { أحدا } في معنى جميع الناس على حكم النكرة في سياق شبه النهي . ~~| # والظهور أصله : البروز دون ساتر . ويطلق على الظفر بالشيء ، وعلى الغلبة ~~على الغير ، وهو المراد هنا . | # قال تعالى : { أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ( النور : 31 ) ~~وقال : وأظهره الله عليه } ( التحريم : 3 ) وقال : { تظاهرون عليهم بالإثم ~~والعدوان } ( البقرة : 85 ) . | # والرجم : القتل برمي الحجارة على المرجوم حتى يموت ، وهو قتل إذلال ~~وإهانة وتعذيب . | PageV15P286 # وجملة { يرجموكم } جواب شرط { إن يظهروا عليكم } . ومجموع جملتي الشرط ~~وجوابه دليل على خبر ( إن ) المحذوف لدلالة الشرط وجوابه عليه . | # ومعنى { يعيدوكم في ملتهم } يرجعوكم إلى الملة التي هي من خصائصهم ، أي ~~لا يخلو أمرهم عن أحد الأمرين إما إرجاعكم إلى دينهم أو قتلكم . | # والملة . الدين . وقد تقدم في سورة يوسف ( 37 ) عند قوله : { إني تركت ~~ملة قوم لا يؤمنون بالله . | # وأكد التحذير من الإرجاع إلى ملتهم بأنها يترتب عليها انتفاء فلاحهم في ~~المستقبل ، لما دلت عليه حرف ( إذا ) من الجزائية . | # وأبدا } ظرف للمستقبل كله . وهو تأكيد لما دل عليه النفي ب ( لن ) من ~~التأبيد أو ما يقاربه . | # | 2 ( 21 ) { وكذالك أعثرنا عليهم ليعلمو ا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ~~ريب فيها إذ يتنازعون بينهم أمرهم فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم ~~قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا } . ) 2 # | $ # انتقل إلى جزء القصة الذي هو موضع عبرة أهل زمانهم بحالهم وانتفاعهم ~~باطمئنان قلوبهم لوقوع البعث يوم القيامة بطريقة التقريب بالمشاهدة وتأييد ~~الدين بما ظهر من كرامة أنصاره . | # وقد كان القوم الذين عثروا عليهم مؤمنين مثلهم ، فكانت ms4903 آيتهم آية تثبيت ~~وتقوية إيمان . | # فالكلام عطف على قوله : { وكذلك بعثناهم ( الكهف : 19 ) الآية . | # والقول في التشبيه والإشارة في وكذلك } نظير القول في الذي قبله آنفا . | ~~PageV15P287 # والعثور على الشيء : الاطلاع عليه والظفر به بعد الطلب . وقد كان الحديث ~~عن أهل الكهف في تلك المدينة يتناقله أهلها فيسر الله لأهل المدينة العثور ~~عليهم للحكمة التي في قوله : { ليعلموا أن وعد الله حق } الآية . | # ومفعول { أعثرنا } محذوف دل عليه عموم { ولا يشعرن بكم أحدا ( الكهف : 20 ~~) . تقديره : أعثرنا أهل المدينة عليهم . | # وضمير ليعلموا } عائد إلى المفعول المحذوف المقدر لأن المقدر كالمذكور . ~~| # ووعد الله هو إحياء الموتى للبعث . وأما علمهم بأن الساعة لا ريب فيها ، ~~أي ساعة الحشر ، فهو إن صار علمهم بذلك عن مشاهدة تزول بها خواطر الخفاء ~~التي تعتري المؤمن في اعتقاده حين لا يتصور كيفية العقائد السمعية وما هو ~~بريب في العلم ولكنه في الكيفية ، وهو الوارد فيه أنه لا يخطر إلا لصديق ~~ولا يدوم إلا عند زنديق . | # الظرف متعلق ب { أعثرنا } ، أي أعثرنا عليهم حين تنازعوا أمرهم . وصيغ ~~ذلك بصيغة الظرفية للدلالة على اتصال التنازع في أمر أهل الكهف بالعثور ~~عليهم بحيث تبادروا إلى الخوض في كرامة يجعلونها لهم . وهذا إدماج لذكر ~~نزاع جرى بين الذين اعتدوا عليهم في أمور شتى جمعها قوله تعالى : { أمرهم } ~~فضمير { يتنازعون } و { بينهم } عائدان إلى ما عاد الله ضمير { ليعلموا } . ~~| # وضمير { أمرهم } يجوز أن يعود إلى أصحاب الكهف . والأمر هنا بمعنى الشأن ~~. | PageV15P288 # والتنازع : الجدال القوي ، أي يتنازع أهل المدينة بينهم شأن أهل الكهف ، ~~مثل : أكانوا نياما أم أمواتا ، وأيبقون أحياء أم يموتون ، وأيبقون في ذلك ~~الكهف أم يرجعون إلى سكنى المدينة ، وفي مدة مكثهم . | # ويجوز أن يكون ضمير { أمرهم } عائدا إلى ما عاد عليه ضمير { يتنازعون } ، ~~أي شأنهم فيما يفعلونه بهم . | # والإتيان بالمضارع لاستحضار حالة التنازع . | # طوي هنا وصف العثور عليهم ، وذكر عودهم إلى الكهف لعدم تعلق الغرض بذكره ~~، إذ ليس موضع عبرة لأن المصير إلى مرقدهم وطرو الموت عليهم شأن معتاد لكل ms4904 ~~حي . | # وتفريع { فقالوا } على { يتنازعون } . | # وإنما ارتأوا أن يبنوا عليهم بنيانا لأنهم خشوا عليهم من تردد الزائرين ~~غير المتأدبين ، فلعلهم أن يؤذوا أجسادهم وثيابهم باللمس والتقليب ، ~~فأرادوا أن يبنوا عليهم بناء يمكن غلق بابه وحراسته . | # وجملة { ربهم أعلم بهم } يجوز أن تكون من حكاية كلام الذين قالوا ، ابنوا ~~عليهم بنيانا . والمعنى : ربهم أعلم بشؤونهم التي تنزعنا فيها ، فهذا تنهية ~~للتنازع في أمرهم . ويجوز أن تكون معترضة من كلام الله تعالى في أثناء ~~حكاية تنازع الذين أعثروا عليهم ، أي رب أهل الكهف أو رب المتنازعين في ~~أمرهم أعلم منهم بواقع ما تنازعوا فيه . | PageV15P289 # والذين غلبوا على أمرهم ولاة الأمور بالمدينة ، فضمير { أمرهم } يعود إلى ~~ما عاد إليه ضمير { فقالوا } ، أي الذين غلبوا على أمر القائلين : ابنوا ~~عليهم بنيانا . | # وإنما رأوا أن يكون البناء مسجدا ليكون إكراما لهم ويدوم تعهد الناس ~~كهفهم . وقد كان اتخاذ المساجد على قبور الصالحين من سنة النصارى ، ونهى ~~عنه النبي صلى الله عليه وسلم كما في الحديث يوم وفاة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قالت عائشة رضي الله عنها : ( ولولا ذلك لأبرز قبره ) ، أي لأبرز ~~في المسجد النبوي ولم يجعل وراء جدار الحجرة . | # واتخاذ المساجد على القبور ، والصلاة فيها منهي عنه ، لأن ذلك ذريعة إلى ~~عبادة صاحب القبر أو شبيه بفعل من يعبدون صالحي ملتهم . وإنما كانت الذريعة ~~مخصوصة بالأموات لأن ما يعرض لأصحابهم من الأسف على فقدانهم يبعثهم على ~~الإفراط فيما يحسبون أنه إكرام لهم بعد موتهم ، ثم يتناسى الأمر ويظن الناس ~~أن ذلك لخاصية في ذلك الميت . وكان بناء المساجد على القبور سنة لأهل ~~النصرانية ، فإن كان شرعا لهم فقد نسخه الإسلام ، وإن كان بدعة منهم في ~~دينهم فأجدر . | # | 2 ( 22 ) { سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما ~~بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربى أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل ~~فلا تمار فيهم إلا مرآء ظاهرا ولا تستفت فيهم منهم أحدا } ) 2 # | $ # لما شاعت قصة أهل الكهف حين نزل بها القرآن ms4905 صارت حديث النوادي ، فكانت ~~مثار تخرصات في معرفة عددهم ، وحصر مدة مكثهم في كهفهم ، وربما أملى عليهم ~~المتنصرة من العرب في ذلك قصصا ، وقد نبههم القرآن إلى ذلك وأبهم ~~PageV15P290 على عموم الناس الإعلام بذلك لحكمة ، وهي أن تتعود الأمة بترك ~~الاشتغال فيما ليست منه فائدة للدين أو للناس ، ودل علم الاستقبال على أن ~~الناس لا يزالون يخوضون في ذلك . | # وضمير ( يقولون ) عائد إلى غير مذكور لأنه معلوم من المقام ، أي يقول ~~الناس أو المسلمون ، إذ ليس في هذا القول حرج ولكنهم نبهوا إلى أن جميعه لا ~~حجة لهم فيه . ومعنى سين الاستقبال سار إلى الفعلين المعطوفين على الفعل ~~المقترن بالسين ، وليس في الانتهاء إلى عدد الثمانية إيماء إلى أنه العدة ~~في نفس الأمر . | # وقد أعلم الله أن قليلا من الخلق يعلمون عدتهم وهم من أطلعهم الله على ~~ذلك . وفي مقدمتهم محمد صلى الله عليه وسلم لأن قصتهم جاءت على لسانه فلا ~~شك أن الله أطلعه على عدتهم . وروي أن ابن عباس قال : أنا من القليل . | # وكأن أقوال الناس تمالأت على أن عدتهم فردية تيمنا بعدد المفرد ، وإلا ~~فلا دليل على ذلك دون غيره ، وقد سمى الله قولهم ذلك رجما بالغيب . | # والرجم حقيقته : الرمي بحجر ونحوه . واستعير هنا لرمي الكلام من غير روية ~~ولا تثبت ، قال زهير : | # وما هو عنها بالحديث المرجم | # والباء في { بالغيب } للتعدية ، كأنهم لما تكلموا عن أمر غائب كانوا ~~يرجمون به . | # وكل من جملة { رابعهم كلبهم } وجملة { سادسهم كلبهم } في موضع الصفة لاسم ~~العدد الذي قبلها ، أو موضع الخبر الثاني عن المبتدأ المحذوف . | # وجملة { وثامنهم كلبهم } الواو فيها واو الحال ، وهي في موضع الحال من ~~المبتدأ المحذوف ، أو من اسم العدد الذي هو خبر المبتدأ ، وهو وإن كان نكرة ~~PageV15P291 فإن وقوعه خبرا عن معرفة أكسبه تعريفا . على أن وقوع الحال ~~جملة مقترنة بالواو قد عد من مسوغات مجيء الحال من النكرة . ولا وجه لجعل ~~الواو فيه داخلة على جملة هي صفة للنكرة لقصد تأكيد لصوق الصفة بالموصوف ms4906 ~~كما ذهب إليه في ( الكشاف ) لأنه غير معروف في فصيح الكلام : وقد رده ~~السكاكي في المفتاح وغير واحد . | # ومن غرائب فتن الابتكار في معاني القرآن قول من زعم : إن هذه الواو واو ~~الثمانية ، وهو منسوب في كتب العربية إلى بعض ضعفة النحاة ولم يعين مبتكره ~~. وقد عد ابن هشام في ( مغني اللبيب ) من القائلين بذلك الحريري وبعض ضعفة ~~النحاة كابن خالويه والثعلبي من المفسرين . | # قلت : أقدم هؤلاء هو ابن خالويه النحوي المتوفى سنة 370 فهو المقصود ببعض ~~ضعفة النحاة . وأحسب وصفه بهذا الوصف أخذه ابن هشام من كلام ابن المنير في ~~( الانتصاف على الكشاف ) من سورة التحريم إذ روى عن ابن الحاجب : أن القاضي ~~الفاضل كان يعتقد أن الواو في قوله تعالى : { ثيبات وأبكارا في سورة ~~التحريم ( 5 ) هي الواو التي سماها بعض ضعفة النحاة واو الثمانية . وكان ~~القاضي يتبجح باستخراجها زائدة على المواضع الثلاثة المشهورة ، أحدها : ~~التي في الصفة الثامنة في قوله تعالى : والناهون عن المنكر في سورة براءة ( ~~112 ) . والثانية : في قوله : وثامنهم كلبهم } . والثالثة : في قوله : { ~~وفتحت أبوابها في الزمر ( 73 ) . قال ابن الحاجب ولم يزل الفاضل يستحسن ذلك ~~من نفسه إلى أن ذكره يوما بحضرة أبي الجود النحوي المقري ؛ فبين له أنه ~~واهم في عدها من ذلك القبيل وأحال البيان على المعنى الذي ذكره الزمخشري من ~~دعاء الضرورة إلى الإتيان بالواو هنا لامتناع اجتماع الصفتين في موصوف واحد ~~إلى آخره . | # وقال في المغني } : سبق الثعلبي الفاضل إلى عدها من المواضع في تفسيره . ~~وأقول : لعل الفاضل لم يطلع عليه . وزاد الثعلبي قوله تعالى : { سبع ليال ~~وثمانية أيام حسوما في سورة الحاقة ( 7 ) حيث قرن اسم عدد ( ثمانية ) بحرف ~~الواو . | PageV15P292 # ومن غريب الاتفاق أن كان لحقيقة الثمانية اعتلاق بالمواضع الخمسة ~~المذكورة من القرآن إما بلفظه كما هنا وآية الحاقة ، وإما بالانتهاء إليه ~~كما في آية براءة وآية التحريم ، وإما بكون مسماه معدودا بعدد الثمانية كما ~~في آية الزمر . ولقد يعد الانتباه إلى ذلك من اللطائف ، ولا يبلغ أن ms4907 يكون ~~من المعارف . وإذا كانت كذلك ولم يكن لها ضابط مضبوط فليس من البعيد عد ~~القاضي الفاضلل منها آية سورة التحريم لأنها صادفت الثامنة في الذكر وإن لم ~~تكن ثامنة في صفات الموصوفين ، وكذلك لعد الثعلبي آية سورة الحاقة ؛ ومثل ~~هذه اللطائف كالزهرة تشم ولا تحك . | # وقد تقدم الكلام عليها عند قوله تعالى : والناهون عن المنكر في سورة ~~براءة ( 112 ) . | # وجملة قل ربي أعلم بعدتهم } مستأنفة استئنافا بيانيا لما تثيره جملة { ~~سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم } إلى آخرها من ترقب تعيين ما يعتمد عليه من ~~أمر عدتهم . فأجيب بأن يحال العلم بذلك على علام الغيوب . وإسناد اسم ~~التفضيل إلى الله تعالى يفيد أن علم الله بعدتهم هو العلم الكامل وأن علم ~~غيره مجرد ظن وحدس قد يصادف الواقع وقد لا يصادفه . | # وجملة { ما يعلمهم إلا قليل } كذلك مستأنفة استئنافا بيانيا لأن الإخبار ~~عن الله بأنه الأعلم يثير في نفوس السامعين أن يسألوا : هل يكون بعض الناس ~~عالما بعدتهم علما غير كامل ، فأجيب بأن قليلا من الناس يعلمون ذلك ولا ~~محالة هم من أطلعهم الله على ذلك بوحي وعلى كل حال فهم لا يوصفون بالأعلمية ~~لأن علمهم مكتسب من جهة الله الأعلم بذلك . | PageV15P293 # تفريع على الاختلاف في عدد أهل الكهف ، أي إذا أراد بعض المشركين ~~المماراة في عدة أهل الكهف لأخبار تلقوها من أهل الكتاب أو لأجل طلب تحقيق ~~عدتهم فلا تمارهم إذ هو اشتغال بما ليس فيه جدوى . وهذا التفريع وما عطف ~~عليه معترض في أثناء القصة . | # والتماري : تفاعل مشتق من المرية ، وهي الشك . واشتقاق المفاعلة يدل على ~~أنها إيقاع من الجانبين في الشك ، فيؤول إلى معنى المجادلة في المعتقد ~~لإبطاله وهو يفضي إلى الشك فيه ، فأطلق المراء على المجادلة بطريق المجاز ، ~~ثم شاع فصار حقيقة لما ساوى الحقيقة . والمراد بالمراء فيهم : المراء في ~~عدتهم كما هو مقتضى التفريع . | # والمراء الظاهر : هو الذي لا سبيل إلى إنكاره ولا يطول الخوض فيه . وذلك ~~مثل قوله : { قل ربي أعلم بعدتهم } وقوله : { ما يعلمهم ms4908 إلا قليل } ، فإن ~~هذا مما لا سبيل إلى إنكاره وإبايته لوضوح حجته وما وراء ذلك محتاج إلى ~~الحجة فلا ينبغي الاشتغال به لقلة جدواه . | # والاستفتاء : طلب الفتوى ، وهي الخبر عن أمر علمي مما لا يعلمه كل أحد . ~~ومعنى { فيهم } أي في أمرهم ، أي أمر أهل الكهف . والمراد من النهي عن ~~استفتائهم الكناية عن جهلهم بأمر أهل الكهف ، فضمير { منهم } عائد إلى ما ~~عاد إليه ضمير { سيقولون ثلاثة } ، وهم أهل مكة الذين سألوا عن أمر أهل ~~الكهف . | # أو يكون كناية رمزية عن حصول علم النبي صلى الله عليه وسلم بحقيقة أمرهم ~~بحيث هو غني عن استفتاء أحد ، وأنه لا يعلم المشركين بما علمه الله من شأن ~~أهل الكهف ، وتكون ( من ) تعليلية ، والضمير المجرور بها عائدا إلى ~~السائلين PageV15P294 المتعنتين ، أي لا تسأل علم ذلك من أجل حرص السائلين ~~على أن تعلمهم بيقين أمر أهل الكهف فإنك علمته ولم تؤمر بتعليمهم إياه ، ~~ولو لم يحمل النهي على هذا المعنى لم يتضح له وجه . وفي التقييد ب { منهم } ~~محترز ولا يستقيم جعل ضمير { منهم } عائدا إلى أهل الكتاب ، لأن هذه الآيات ~~مكية باتفاق الرواة والمفسرين . | # | 2 ( 23 ، 24 ) { ولا تقولن لشىء إنى فاعل ذالك غدا * إلا أن يشآء الله ~~واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربى لاقرب من هاذا رشدا } ) 2 # عطف على الاعتراض . ومناسبة موقعه هنا ما رواه ابن إسحاق والطبري في أول ~~هذه السورة والواحدي في سورة مريم : أن المشركين لما سألوا النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن أهل الكهف وذي القرنين وعدهم بالجواب عن سؤالهم من الغد ولم ~~يقل ( إن شاء الله ) ، فلم يأته جبريل عليه السلام بالجواب إلا بعد خمسة ~~عشر يوما . وقيل : بعد ثلاثة أيام كما تقدم ، أي فكان تأخير الوحي إليه ~~بالجواب عتابا رمزيا من الله لرسوله عليه الصلاة والسلام كما عاتب سليمان ~~عليه السلام فيما رواه البخاري : ( أن سليمان قال : لأطوفن الليلة على مائة ~~امرأة تلد كل واحدة ولدا يقاتل في سبيل الله فلم تحمل ms4909 منهن إلا واحدة ولدت ~~شق غلام ) . ثم كان هذا عتابا صريحا فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ~~سئل عن أهل الكهف وعد بالإجابة ونسي أن يقول : ( إن شاء الله ) كما نسي ~~سليمان ، فأعلم الله رسوله بقصة أهل الكهف ، ثم نهاه عن أن يعد بفعل شيء ~~دون التقييد بمشيئة الله . | # وقوله : { إلا أن يشاء الله } استثناء حقيقي من الكلام الذي قبله . وفي ~~كيفية نظمه اختلاف للمفسرين ، فمقتضى كلام الزمخشري أنه من بقية جملة النهي ~~، أي هو استثناء من حكم النهي ، أي لا تقولن : إني فاعل الخ . . . إلا أن ~~يشاء الله أن تقوله . ومشيئة الله تعلم من إذنه بذلك ، فصار المعنى : إلا ~~أن PageV15P295 يأذن الله لك بأن تقوله . وعليه فالمصدر المسبك من { أن ~~يشاء الله } مستثنى من عموم المنهيات وهو من كلام الله تعالى ، ومفعول { ~~يشاء الله } محذوف دل عليه ما قبله كما هو شأن فعل المشيئة والتقدير : إلا ~~قولا شاءه الله فأنت غير منهي عن أن تقوله . | # ومقتضى كلام الكسائي والأخفش والفراء أنه مستثنى من جملة { إني فاعل ذلك ~~غدا } ، فيكون مستثنى من كلام النبي صلى الله عليه وسلم المنهي عنه ، أي ~~إلا قولا مقترنا ب ( إن شاء الله ) فيكون المصدر المنسبك من ( أن ) والفعل ~~في محل نصب على نزع الخافض وهو باء الملابسة . والتقدير : إلا ب ( إن يشاء ~~الله ) أي بما يدل على ذكر مشيئة الله ، لأن ملابسة القول لحقيقة المشيئة ~~محال ، فعلم أن المراد تلبسه بذكر المشيئة بلفظ ( إن شاء الله ) ونحوه ، ~~فالمراد بالمشيئة إذن الله له . | # وقد جمعت هذه الآية كرامة للنبيء صلى الله عليه وسلم من ثلاث جهات : | # الأولى : أنه أجاب سؤله ، فبين لهم ما سألوه إياه على خلاف عادة الله مع ~~المكابرين . | # الثانية : أنه علمه علما عظيما من أدب النبوءة . | # الثالثة : أنه ما علمه ذلك إلا بعد أن أجاب سؤله استئناسا لنفسه أن لا ~~يبادره بالنهي عن ذلك قبل أن يجيبه ، كيلا يتوهم أن النهي يقتضي الإعراض عن ~~إجابة سؤاله ، وكذلك شأن تأديب الحبيب ms4910 المكرم . ومثاله ما في الصحيح : أن ~~حكيم بن حزام قال : ( سألت رسول الله فأعطاني ثم سألته فأعطاني ثم سألته ~~فأعطاني ، ثم قال : يا حكيم إن هذا المال خضرة حلوة فمن أخذه بسخاوة نفس ~~بورك له فيه ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه وكان كالذي يأكل ولا يشبع ~~واليد العليا خير من اليد السفلى . قال PageV15P296 حكيم : يا رسول الله ~~والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحدا بعدك شيئا حتى أفارق الدنيا ) . فعلم حكيم ~~أن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم له ذلك ليس القصد منه منعه من سؤله ~~وإنما قصد منه تخليقه بخلق جميل ، فلذلك أقسم حكيم : أن لا يأخذ عن أحد غير ~~رسول الله شيئا ، ولم يقل : لا أسألك بعد هذه المرة شيئا . | # فنظم الآية أن اللام في قوله : { لشيء } ليست اللام التي يتعدى بها فعل ~~القول إلى المخاطب بل هي لام العلة ، أي لا تقولن : إني فاعل كذا لأجل شيء ~~تعد به ، فاللام بمنزلة ( في ) . | # و ( شيء ) اسم متوغل في التنكير يفسره المقام ، أي لشيء تريد أن تفعله . ~~| # والإشارة بقوله : { ذلك } عائدة إلى ( شيء ) . أي أني فاعل الإخبار بأمر ~~يسألونه . | # و { غدا } مستعمل في المستقبل مجازا . وليست كلمة ( غدا ) مرادا بها ~~اليوم الذي يلي يومه ، ولكنه مستعمل في معنى الزمان المستقبل ، كما يستعمل ~~اليوم بمعنى زمان الحال ، والأمس بمعنى زمن الماضي . وقد جمعها قول زهير : ~~| # وأعلم علم اليوم والأمس قبله | # ولكنني عن علم ما في غد عم | # وظاهر الآية اقتصار إعمالها على الإخبار بالعزم على فعل في المستقبل دون ~~ما كان من الكلام إنشاء مثل الأيمان ، فلذلك اختلف فقهاء الأمصار في شمول ~~هذه الآية لإنشاء الأيمان ونحوها ، فقال جمهورهم : يكون ذكر { إلا أن يشاء ~~الله } حلا لعقد اليمين يسقط وجوب الكفارة . ولعلهم أخذوه من معنى ( شيء ) ~~في قوله : { ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك } الخ : بحيث إذا أعقبت اليمين ~~بقول ( إلا أن يشاء الله ) ونحوه لم يلزم البر في اليمين . وروى ابن القاسم ~~وأشهب وابن عبد الحكم ms4911 عن مالك أن قوله : { ولا تقولن لشيء إني فاعل } الخ . ~~. إنما قصد بذلك ذكر الله عند السهو وليس باستثناء . يعني أن حكم الثنيا ~~PageV15P297 في الأيمان لا يؤخذ من هذه الآية بل هو مما ثبت بالسنة . ولذلك ~~لم يخالف مالك في إعمال الثنيا في اليمين ، وهي قول ( إن شاء الله ) . وهذا ~~قول أبي حنيفة والشافعي . | # عطف على النهي ، أي لا تعد بوعد فإن نسيت فقلت : إني فاعل ، فاذكر ربك ، ~~أي اذكر ما نهاك عنه . والمراد بالذكر التدارك وهو هنا مشتق من الذكر بضم ~~الذال ، وهو كناية عن لازم التذكر ، وهو الامتثال ، كما قال عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه : ( أفضل من ذكر الله باللسان ذكر الله عند أمره ونهيه ) . | # وفي تعريف الجلالة بلفظ الرب مضافا إلى ضمير المخاطب دون اسم الجلالة ~~العلم من كمال الملاطفة ما لا يخفى . | # وحذف مفعول { نسيت } لظهوره من المقام ، أي إذا نسيت النهي فقلت : إني ~~فاعل . وبعض الذين أعملوا آية { إلا أن يشاء الله } في حل الأيمان بذكر ~~الاستثناء بمشيئة الله جعلوا قوله : { واذكر ربك إذا نسيت } ترخيصا في ~~تدارك الثنيا عند تذكر ذلك ، فمنهم من لم يحد ذلك بمدة . وعن ابن عباس : لا ~~تحديد بمدة بل ولو طال ما بين اليمين والثنيا . والجمهور على أن قوله : { ~~واذكر ربك إذا نسيت } لا دلالة فيه على جواز تأخير الثنيا ، واستدلوا بأن ~~السنة وردت بخلافه . | # لما أبر الله وعد نبيه صلى الله عليه وسلم الذي وعده المشركين أن يبين ~~لهم أمر أهل الكهف فأوحاه إليه وأوقفهم عليه ، أعقب ذلك بعتابه على ~~PageV15P298 التصدي لمجاراتهم في السؤال عما هو خارج عن غرض الرسالة دون ~~إذن من الله ، وأمره أن يذكر نهي ربه . ويعزم على تدريب نفسه على إمساك ~~الوعد ببيان ما يسأل منه بيانه دون أن يأذنه الله به ، أمره هنا أن يخبر ~~سائليه بأنه ما بعث للاشتغال بمثل ذلك ، وأنه يرجو أن الله يهديه إلى ما هو ~~أقرب إلى الرشد من بيان أمثال هذه القصة ، وإن كانت هذه القصة ms4912 تشتمل على ~~موعظة وهدى ولكن الهدى الذي في بيان الشريعة أعظم وأهم . والمعنى : وقل لهم ~~عسى أن يهديني ربي لأقرب من هذا رشدا . | # فجملة { وقل عسى أن يهدين } الخ . . . معطوفة على جملة { فلا تمار فيهم ( ~~الكهف : 22 ) . ويجوز أن تكون جملة وقل عسى أن يهدين ربي } عطفا على جملة { ~~واذكر ربك إذا نسيت } ، أي اذكر أمره ونهيه وقل في نفسك : عسى أن يهديني ~~ربي لأقرب من هذا رشدا ، أي ادع الله بهذا . | # وانتصب { رشدا } على تمييز نسبة التفضيل من قوله : { لأقرب من هذا } . ~~ويجوز أن يكون منصوبا على أنه مفعول مطلق مبين لنوع فعل { أن يهدين } لأن ~~الرشد نوع من الهداية . | # ف { عسى } مستعملة في الرجاء تأدبا ، واسم الإشارة عائد إلى المذكور من ~~قصة أهل الكهف بقرينة وقوع هذا الكلام معترضا في أثنائها . | # ويجوز أن يكون المعنى : وارج من الله أن يهديك فيذكرك أن لا تعد وعدا ~~ببيان شيء دون إذن الله . | # والرشد بفتحتين : الهدى والخير . وقد تقدم القول فيه عند قوله تعالى في ~~هذه السورة { وهيء لنا من أمرنا رشدا ( الكهف : 10 ) . | # | PageV15P299 # | 2 ( 25 ) { ولبثوا فى كهفهم ثلاث مئة سنين وازدادوا تسعا } . ) 2 # رجوع إلى بقية القصة بعد أن تخلل الاعتراض بينها بقوله : { فلا تمار فيهم ~~} إلى قوله : { رشدا ( الكهف : 22 24 ) . | # فيجوز أن تكون جملة ولبثوا } عطفا على مقولهم في قوله : { سيقولون ثلاثة ~~رابعهم كلبهم . ( الكهف : 22 ) أي ويقولون : لبثوا في كهفهم ، ليكون موقع ~~قوله : قل الله أعلم بما لبثوا ( الكهف : 26 ) كموقع قوله السابق قل ربي ~~أعلم بعدتهم ( الكهف : 22 ) ، وعليه فلا يكون هذا إخبارا عن مدة لبثهم . ~~وعن ابن مسعود أنه قرأ وقالوا لبثوا في كهفهم } إلى آخره ، فذلك تفسير لهذا ~~العطف . | # ويجوز أن يكون العطف على القصة كلها . والتقدير : وكذلك أعثرنا عليهم إلى ~~آخره ، وهم لبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنة وتسع سنين . | # وعلى اختلاف الوجهين يختلف المعنى في قوله : { قل الله أعلم بما لبثوا ( ~~الكهف : 26 ) كما سيأتي . ثم إن الظاهر أن القرآن أخبر بمدة ms4913 لبث أهل الكهف ~~في كهفهم ، وأن المراد لبثهم الأول قبل الإفاقة وهو المناسب لسبق الكلام ~~على اللبث في قوله : قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم ~~قالوا ربكم أعلم بما لبثتم ( الكهف : 19 ) ، وقد قدمنا عند قوله تعالى : أم ~~حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم ( الكهف : 9 ) الخ . . . أن مؤرخي النصارى ~~يزعمون أن مدة نومة أهل الكهف مائتان وأربعون سنة . وقيل : المراد لبثهم من ~~وقت موتهم الأخير إلى زمن نزول هذه الآية . | # والمعنى : أن يقدر لبثهم بثلاثمائة وتسع سنين . فعبر عن هذا العدد بأنه ~~ثلاثمائة سنة وزيادة تسع ، ليعلم أن التقدير بالسنين القمرية المناسبة ~~لتاريخ العرب والإسلام مع الإشارة إلى موافقة ذلك المقدار بالسنين الشمسية ~~التي بها تاريخ القوم الذين منهم أهل الكهف وهم أهل بلاد الروم . قال ~~السهيلي PageV15P300 في الروض الأنف } : النصارى يعرفون حديث أهل الكهف ~~ويؤرخون به . وأقول : واليهود الذين لقنوا قريشا السؤال عنهم يؤرخون الأشهر ~~بحساب القمر ويؤرخون السنين بحساب الدورة الشمسية ، فالتفاوت بين أيام ~~السنة القمرية وأيام السنة الشمسية يحصل منه سنة قمرية كاملة في كل ثلاث ~~وثلاثين سنة شمسية ، فيكون التفاوت في مائة سنة شمسية بثلاث سنين زائدة ~~قمرية . كذا نقله ابن عطية عن النقاش المفسر . وبهذا تظهر نكتة التعبير عن ~~التسع السنين بالازدياد . وهذا من علم القرآن وإعجازه العلمي الذي لم يكن ~~لعموم العرب علم به . | # وقرأ الجمهور { ثلاث مائة } بالتنوين . وانتصب { سنين } على البدلية من ~~اسم العدد على رأي من يمنع مجيء تمييز المائة منصوبا ، أو هو تمييز عند من ~~يجيز ذلك . | # وقرأه حمزة والكسائي وخلف بإضافة مائة إلى سنين على أنه تمييز للمائة . ~~وقد جاء تمييز المائة جمعا ، وهو نادر لكنه فصيح . | # | 2 ( 26 ) { قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السماوات والارض أبصر به ~~وأسمع ما لهم من دونه من ولى ولا يشرك فى حكمه أحدا } . ) 2 # إن كان قوله تعالى : { ولبثوا في كهفهم ( الكهف : 25 ) إخبارا من الله عن ~~مدة لبثهم يكون قوله : قل الله أعلم بما ms4914 لبثوا } قطعا للمماراة في مدة ~~لبثهم المختلف فيها بين أهل الكتاب ، أي الله أعلم منكم بمدة لبثهم . | # وإن كان قوله : { ولبثوا } حكاية عن قول أهل الكتاب في مدة لبثهم كان ~~قوله : { قل الله أعلم بما لبثوا } تفويضا إلى الله في علم ذلك كقوله : { ~~قل ربي أعلم بعدتهم ( الكهف : 22 ) . | PageV15P301 # وغيب السماوات والأرض ما غاب علمه عن الناس من موجودات السماوات والأرض ~~وأحوالهم . واللام في له } للملك . وتقديم الخبر المجرور لإفادة الاختصاص ، ~~أي لله لا لغيره ، ردا على الذين يزعمون علم خبر أهل الكهف ونحوهم . | # و { أبصر به وأسمع } صيغتا تعجيب من عموم علمه تعالى بالمغيبات من ~~المسموعات والمبصرات ، وهو العلم الذي لا يشاركه فيه أحد . | # وضمير الجمع في قوله : { ما لهم من دونه من ولي } يعود إلى المشركين ~~الذين الحديث معهم . وهو إبطال لولاية آلهتهم بطريقة التنصيص على عموم ~~النفي بدخول ( من ) الزائدة على النكرة المنفية . | # وكذلك قوله : { ولا يشرك في حكمه أحدا } هو رد على زعمهم بأن الله اتخذ ~~آلهتهم شركاء له في ملكه . | # وقرأ الجمهور { ولا يشرك } برفع { يشرك } وبياء الغيبة . والضمير عائد ~~إلى اسم الجلالة في قوله : { قل الله أعلم } . وقرأه ابن عامر بتاء الخطاب ~~وجزم و { يشرك } على أن ( لا ) ناهية . والخطاب لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مراد به أمته ، أو الخطاب لكل من يتلقاه . | # وهنا انتهت قصة أصحاب الكهف بما تخللها ، وقد أكثر المفسرون من رواية ~~الأخبار الموضوعة فيها . | # | 2 ( 27 ) { واتل مآ أوحى إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته ولن تجد من ~~دونه ملتحدا } . ) 2 # عطف على جملة { قل الله أعلم بما لبثوا ( الكهف : 26 ) بما فيها من قوله ~~: ما لهم من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحدا ( الكهف : 26 ) . | ~~PageV15P302 # والمقصود من هذا الرد على المشركين إذ كانوا أيامئذ لا يبين لهم شيء إلا ~~وانتقلوا إلى طلب شيء آخر فسألوا عن أهل الكهف وعن ذي القرنين ، وطلبوا من ~~النبي أن يجعل بعض القرآن للثناء عليهم ، ونحو ذلك ، كما تقدم ذلك ms4915 عند قوله ~~تعالى : وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا ~~لاتخذوك خليلا في سورة الإسراء ( 73 ) . | # والمعنى : لا تعبأ بهم إن كرهوا تلاوة بعضض ما أوحي إليك واتل جميع ما ~~أوحي إليك فإنه لا مبدل له . فلما وعدهم الجواب عن الروح وعن أهل الكهف ~~وأبر الله وعده إياهم قطعا لمعذرتهم ببيان إحدى المسألتين ذيل ذلك بأن أمر ~~نبيئه أن يقرأ القرآن كما أنزل عليه وأنه لا مبدل لكلمات الله ، ولكي لا ~~يطمعهم الإجابة عن بعض ما سألوه بالطمع في أن يجيبهم عن كل ما طلبوه . | # وأصل النفي ب ( لا ) النافية للجنس أنه نفي وجود اسمه . والمراد هنا نفي ~~الإذن في أن يبدل أحد كلمات الله . | # والتبديل : التغيير بالزيادة والنقص ، أي بإخفاء بعضه بترك تلاوة ما لا ~~يرضون بسماعه من إبطال شركهم وضلالهم . وهذا يؤذن بأنهم طعنوا في بعض ما ~~اشتملت عليهم القصة في القرآن كما أشار إليه قوله : سيقولون ثلاثة ( الكهف ~~: 22 ) وقوله : ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين ( الكهف : 25 ) . | # وقد تقدم نظير هذا عند قوله تعالى : ولا مبدل لكلمات الله في سورة ~~الأنعام ( 34 ) . | # فالأمر في قوله : واتل } كناية عن الاستمرار . و { ما أوحي } مفيد للعموم ~~، أي كل ما أوحي إليك . ومفهوم الموصول أن ما لم يوح إليه لا يتلوه ، وهو ~~ما اقترحوا أن يقوله في الثناء عليهم وإعطائهم شطرا من التصويب . | ~~PageV15P303 # والتلاوة : القراءة . وقد تقدم عند قوله تعالى : { واتبعوا ما تتلو ~~الشياطين على ملك سليمان في سورة البقرة ( 102 ) وقوله : وإذا تليت عليهم ~~آياته زادتهم إيمانا في الأنفال ( 2 ) . | # والملتحد : اسم مكان ميمي يجيء على زنة اسم المفعول من فعله . والملتحد : ~~مكان الالتحاد ، والالتحاد : الميل إلى جانب . وجاء بصيغة الافتعال لأن ~~أصله تكلف الميل . ويفهم من صيغة التكلف أنه مفر من مكروه يتكلف الخائف أن ~~يأوي إليه ، فلذلك كان الملتحد بمعنى الملجأ . والمعنى : لن تجد شيئا ينجيك ~~من عقابه . والمقصود من هذا تأييسهم مما طمعوا فيه . | # | 2 ( 28 ) { واصبر نفسك مع الذين يدعون ms4916 ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه ~~ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحيواة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ~~ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا } . ) 2 # هذا من ذيول الجواب عن مسألتهم عن أهل الكهف ، فهو مشارك لقوله : { واتل ~~ما أوحى إليك من كتاب } ( الكهف : 27 ) . الآية وتقدم في سورة الأنعام ( 52 ~~) عند قوله تعالى : { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون ~~وجهه أن سادة المشركين كانوا زعموا أنه لولا أن من المؤمنين ناسا أهل خصاصة ~~في الدنيا وأرقاء لا يدانوهم ولا يستأهلون الجلوس معهم لأتوا إلى مجالسة ~~النبي واستمعوا القرآن ، فاقترحوا عليه أن يطردهم من حوله إذا غشيه سادة ~~قريش ، فرد الله عليهم بما في سورة الأنعام وما في هذه السورة . | # وما هنا آكد إذ أمره بملازمتهم بقوله : واصبر نفسك } ، أي احبسها معهم ~~حبس ملازمة . والصبر : الشد بالمكان بحيث لا يفارقه . ومنه سميت ~~PageV15P304 المصبورة وهي الدابة تشد لتجعل غرضا للرمي . ولتضمين فعل ( ~~اصبر ) معنى الملازمة علق به ظرف ( مع ) . | # و { الغداة } قرأه الجمهور بألف بعد الدال : اسم الوقت الذي بين الفجر ~~وطلوع الشمس . والعشي : المساء . والمقصود أنهم يدعون الله دعاء متخللا ~~سائر اليوم والليلة . والدعاء : المناجاة والطلب . والمراد به ما يشمل ~~الصلوات . | # والتعبير عنهم بالموصول للإيماء إلى تعليل الأمر بملازمتهم ، أي لأنهم ~~أحرياء بذلك لأجل إقبالهم على الله فهم الأجدر بالمقارنة والمصاحبة . وقرأ ~~ابن عامر { بالغدوة } بسكون الدال وواو بعد الدال مفتوحة وهو مرادف الغداة ~~. | # وجملة { يريدون وجهه } في موضع الحال . ووجه الله : مجاز في إقباله على ~~العبد . | # ثم أكد الأمر بمواصلتهم بالنهي عن أقل إعراض عنهم . | # وظاهر { ولا تعد عيناك عنهم } نهي العينين عن أن تعدوا عن الذين يدعون ~~ربهم ، أي أن تجاوزاهم ، أي تبعدا عنهم . والمقصود : الإعراض ، ولذلك ضمن ~~فعل العدو معنى الإعراض ، فعدي إلى المفعول ب ( عن ) وكان حقه أن يتعدى ~~إليه بنفسه يقال : عداه ، إذا جاوزه . ومعنى نهي العينين نهي صاحبهما ، ~~فيؤول إلى معنى : ولا تعدي عينيك عنهم . وهو إيجاز بديع . | # وجملة { تريد زينة ms4917 الحياة الدنيا } حال من كاف الخطاب ، لأن المضاف جزء ~~من المضاف إليه ، أي لا تكن إرادة الزينة سبب الإعراض عنهم لأنهم لا زينة ~~لهم من بزة وسمت . | # وهذا الكلام تعريض بحماقة سادة المشركين الذين جعلوا همهم وعنايتهم ~~بالأمور الظاهرة وأهملوا الاعتبار بالحقائق والمكارم النفسية فاستكبروا عن ~~مجالسة أهل الفضل والعقول الراجحة والقلوب النيرة وجعلوا همهم الصور ~~الظاهرة . | PageV15P305 # | 2 ( 28 ) { واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه ~~ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحيواة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ~~ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا } . ) 2 # هذا نهي جامع عن ملابسة شيء مما يأمره به المشركون . والمقصود من النهي ~~تأسيس قاعدة لأعمال الرسول والمسلمين تجاه رغائب المشركين وتأييس المشركين ~~من نوال شيء مما رغبوه من النبي صلى الله عليه وسلم | # وما صدق ( من ) كل من اتصف بالصلة ، وقيل نزلت في أمية بن خلف الجمحي ، ~~دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى طرد فقراء المسلمين عن مجلسه حين يجلس ~~إليه هو وأضرابه من سادة قريش . | # والمراد بإغفال القلب جعله غافلا عن الفكر في الوحدانية حتى راج فيه ~~الإشراك ، فإن ذلك ناشىء عن خلقة عقول ضيفة التبصر مسوقة بالهوى والإلف . | # وأصل الإغفال : إيجاد الغفلة ، وهي الذهول عن تذكر الشيء ، وأريد بها هنا ~~غفلة خاصة ، وهي الغفلة المستمرة المستفادة من جعل الإغفال من الله تعالى ~~كناية عن كونه في خلقة تلك القلوب ، وما بالطبع لا يتخلف . | # وقد اعتضد هذا المعنى بجملة { واتبع هواه } ، فإن اتباع الهوى يكون عن ~~بصيرة لا عن ذهول ، فالغفلة خلقة في قلوبهم ، واتباع الهوى كسب من قدرتهم . ~~| # والفرط بضمتين : الظلم والاعتداء . وهو مشتق من الفروط وهو السبق لأن ~~الظلم سبق في الشر . | # والأمر : الشأن والحال . | # وزيادة فعل الكون للدلالة على تمكن الخبر من الاسم ، أي حالة تمكن ~~الإفراط والاعتداء على الحق . | # | PageV15P306 # | 2 ( 29 ) { وقل الحق من ربكم فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر إنا أعتدنا ~~للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بمآء كالمهل ms4918 يشوى ~~الوجوه بئس الشراب وسآءت مرتفقا } . ) 2 # بعد أن أمر الله نبيئه صلى الله عليه وسلم بما فيه نقض ما يفتلونه من ~~مقترحاتهم وتعريض بتأييسهم من ذلك أمره أن يصارحهم بأنه لا يعدل عن الحق ~~الذي جاءه من الله ، وأنه مبلغه بدون هوادة ، وأنه لا يرغب في إيمانهم ~~ببعضه دون بعض ، ولا يتنازل إلى مشاطرتهم في رغباتهم بشطر الحق الذي جاء به ~~، وأن إيمانهم وكفرهم موكول إلى أنفسهم ، لا يحسبون أنهم بوعد الإيمان ~~يستنزلون النبي صلى الله عليه وسلم عن بعض ما أوحى إليه . | # و { الحق } خبر مبتدأ محذوف معلوم من المقام ، أي هذا الحق . والتعبير ب ~~{ ربكم } للتذكير بوجوب توحيده . | # والأمر في قوله : { فليؤمن } وقوله : { فليكفر } للتسوية المكنى بها عن ~~الوعد والوعيد . | # وقدم الإيمان على الكفر لأن إيمانهم مرغوب فيه . | # وفاعل المشيئة في الموضعين ضمير عائد إلى ( من ) الموصولة في الموضعين . ~~| # وفعل ( يؤمن ، ويكفر ) مستعملان للمستقبل ، أي من شاء أن يوقع أحد ~~الأمرين ولو بوجه الاستمرار على أحدهما المتلبس به الآن فإن العزم على ~~الاستمرار عليه تجديد لإيقاعه . | # وجملة { إنا أعتدنا للظالمين نارا } مستأنفة استئنافا بيانيا لأن ما دل ~~عليه الكلام من إيكال الإيمان والكفر إلى أنفسهم وما يفيده من الوعيد ~~كلاهما PageV15P307 يثير في النفوس أن يقول قائل : فماذا يلاقي من شاء ~~فاستمر على الكفر ، فيجاب بأن الكفر وخيم العاقبة عليهم . | # والمراد بالظالمين : المشركون قال تعالى : { إن الشرك لظلم عظيم ( لقمان ~~: 13 ) . | # وتنوين نارا } للتهويل والتعظيم . | # والسرادق بضم السين قيل : هو الفسطاط ، أي الخيمة . وقيل : السرادق : ~~الحجزة بضم الحاء وسكون الزاي ، أي الحاجز الذي يكون محيطا بالخيمة يمنع ~~الوصول إليها ، فقد يكون من جنس الفسطاط أديما أو ثوبا وقد يكون غير ذلك ~~كالخندق . وهو كلمة معربة من الفارسية . أصلها ( سراطاق ) قالوا : ليس في ~~كلام العرب اسم مفرد ثالثه ألف وبعده حرفان . والسرادق : هنا تخييل ~~لاستعارة مكنية بتشبيه النار بالدار ، وأثبت لها سرادق مبالغة في إحاطة دار ~~العذاب بهم ، وشأن السرادق يكون في بيوت أهل الترف ، فإثباته لدار العذاب ~~استعارة ms4919 تهكمية . | # والاستغاثة : طلب الغوث وهو الإنقاذ من شدة وبتخفيف الألم . وشمل { ~~يستغيثوا } الاستغاثة من حر النار يطلبون شيئا يبرد عليهم ، بأن يصبوا على ~~وجوههم ماء مثلا ، كما في آية الأعراف { ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن ~~أفيضوا علينا من الماء ( الأعراف : 50 ) . والاستغاثة من شدة العطش الناشىء ~~عن الحر فيسألون الشراب . وقد أومأ إلى شمول الأمرين ذكر وصفين لهذا الماء ~~بقوله : يشوي الوجوه بئس الشراب } . | # والإغاثة : مستعارة للزيادة مما استغيث من أجله على سبيل التهكم ، وهو من ~~تأكيد الشيء بما يشبه ضده . | # والمهل بضم الميم له معانن كثيرة أشبهها هنا أنه دردي الزيت فإنه يزيدها ~~التهابا قال تعالى : { يوم تكون السماء كالمهل ( المعارج : 8 ) . | # والتشبيه في سواد اللون وشدة الحرارة فلا يزيدهم إلا حرارة ، ولذلك عقب ~~بقوله : يشوي الوجوه } وهو استئناف ابتدائي . | PageV15P308 # والوجه أشد الأعضاء تألما من حر النار قال تعالى : { تلفح وجوههم النار ( ~~المؤمنون : 104 ) . | # وجملة بئس الشراب } مستأنفة ابتدائية أيضا لتشنيع ذلك الماء مشروبا كما ~~شنع مغتسلا . وفي عكسه الماء الممدوح في قوله تعالى : { هذا مغتسل بارد ~~وشراب ( ص : 42 ) . | # والمخصوص بذم بئس } محذوف دل عليه ما قبله . والتقدير : بئس الشراب ذلك ~~الماء . | # وجملة { وساءت مرتفقا } معطوفة على جملة { يشوي الوجوه } ، فهي مستأنفة ~~أيضا لإنشاء ذم تلك النار بما فيها . | # والمرتفق : محل الارتفاق ، وهو اسم مكان مشتق من اسم جامد إذ اشتق من ~~المرفقق وهو مجمع العضد والذراع . سمي مرفقا لأن الإنسان يحصل به الرفق إذا ~~أصابه إعياء فيتكىء عليه . فلما سمي به العضو تنوسي اشتقاقه وصار كالجامد ، ~~ثم اشتق منه المرتفق . فالمرتفق هو المتكأ ، وتقدم في سورة يوسف . | # وشأن المرتفق أن يكون مكان استراحة ، فإطلاق ذلك على النار تهكم ، كما ~~أطلق على ما يزاد به عذابهم لفظ الإغاثة ، وكما أطلق لى مكانهم السرادق . | # وفعل ( ساء ) يستعمل استعمال ( بئس ) فيعمل عمل ( بئس ) ، فقوله : { ~~مرتفقا } تمييز . والمخصوص بالذم محذوف كما تقدم في قوله : { بئس الشراب } ~~. | # | 2 ( 30 ) { إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن ~~عملا ms4920 } . ) 2 # جملة مستأنفة استئنافا بيانيا مراعى فيه حال السامعين من المؤمنين ، ~~فإنهم حين يسمعون ما أعد للمشركين تتشوف نفوسهم إلى معرفة ما أعد للذين ~~PageV15P309 آمنوا ونبذوا الشرك فأعلموا أن عملهم مرعي عند ربهم . وجريا ~~على عادة القرآن في تعقيب الوعيد بالوعد والترهيب بالترغيب . | # وافتتاح الجملة بحرف التوكيد إن ) لتحقيق مضمونها . وإعادة حرف ( إن ) في ~~الجملة المخبر بها عن المبتدأ الواقع في الجملة الأولى لمزيد العناية ~~والتحقيق كقوله تعالى في سورة الحج ( 17 ) { إن الذين آمنوا والذين هادوا ~~والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة ~~وقوله تعالى : قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ( الجمعة : 8 ) ~~ومثله قول جرير : | # إن الخليفة إن الله سربله | # سربال ملك به تزجى الخواتيم | # وموقع ( إن ) الثانية في هذه الآية أبلغ منه في بيت جرير لأن الجملة التي ~~وقعت فيها في هذه الآية لها استقلال بمضمونها من حيث هي مفيدة حكما يعم ما ~~وقعت خبرا عنه وغيره من كل من يماثل الخبر عنهم في عملهم ، فذلك العموم في ~~ذاته حكم جدير بالتأكيد لتحقيق حصوله لأربابه بخلاف بيت جرير . | # وأما آية سورة الحج فقد اقتضى طول الفصل حرف التأكيد حرصا على إفادة ~~التأكيد . | # والإضاعة : جعل الشيء ضائعا . وحقيقة الضيعة : تلف الشيء من مظنة وجوده . ~~وتطلق مجازا على انعدام الانتفاع بشيء موجود فكأنه قد ضاع وتلف ، قال تعالى ~~: أني لا أضيع عمل عامل منكم في سورة آل عمران ( 195 ) ، وقال : وما كان ~~الله ليضيع إيمانكم في البقرة ( 143 ) . ويطلق على منع التمكين من شيء ~~والانتفاع به تشبيها للممنوع بالضائع في اليأس من التمكن منه كما في هذه ~~الآية ، أي أنا لا نحرم من أحسن عملا أجر عمله . ومنه قوله تعالى : إن الله ~~لا يضيع أجر المحسنين ( التوبة : 120 ) . | # | PageV15P310 # | 2 ( 31 ) أولائك لهم جنات عدن تجرى من تحتهم الأنهار يحلون فيها من ~~أساور من ذهب ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق متكئين فيها على الارآئك ~~نعم الثواب وحسنت مرتفقا } . ) 2 # الجملة مستأنفة استئنافا بيانيا ms4921 ، لأن ما أجمل من عدم إضاعة أجرهم يستشرف ~~بالسامع إلى ترقب ما يبين هذا الأجر . | # وافتتاح الجملة باسم الإشارة لما فيه من التنبيه على أن المشار إليهم ~~جديرون لما بعد اسم الإشارة لأجل الأوصاف المذكورة قبل اسمم الإشارة ، وهي ~~كونهم آمنوا وعملوا الصالحات . | # واللام في { لهم جنات عدن } لام الملك . و ( من ) للابتداء ، جعلت جهة ~~تحتهم منشأ لجري الأنهار . وتقدم شبيه هذه الآية في قوله تعالى : { وعد ~~الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار في سورة براءة ( 72 ) ~~. | # وعدن } تقدم في قوله تعالى : { ومساكن طيبة في جنات عدن في سورة براءة ( ~~72 ) . | # ومن تحتهم } ، بمنزلة { من تحتها } لأن تحت جناتهم هو تحت لهم . | # ووجه إيثار إضافة ( تحت ) إلى ضميرهم دون ضمير الجنات زيادة تقرير المعنى ~~الذي أفادته لام الملك ، فاجتمع في هذا الخبر عدة مقرارات لمضمونه ، وهي : ~~التأكيد مرتين ، وذكر اسم الإشارة . ولام الملك ، وجر اسم الجهة ب ( من ) ، ~~وإضافة اسم الجهة إلى ضميرهم ، والمقصود من ذلك : التعريض بإغاظة المشركين ~~لتتقرر بشارة المؤمنين أتم تقرر . | PageV15P311 # وجملة { يحلون } في موضع الصفة ( لجنات عدن ) . | # والتحلية : التزيين ، والحلية : الزينة . | # وأسند الفعل إلى المجهول ، لأنهم يجدون أنفسهم محلين بتكوين الله تعالى . ~~| # والأساور : جمع سوار على غير قياس . وقيل : أصله جمع أسورة الذي هو جمع ~~سوار . فصيغة جمع الجمع للإشارة إلى اختلاف أشكال ما يحلون به منها ، فإن ~~الحلية تكون مرصعة بأصناف اليواقيت . | # و ( من ) في قوله : { من أساور } مزيدة للتأكيد على رأي الأخفش ، وسيأتي ~~وجهه في سورة الحج . ويجوز أن تكون للابتداء ، وهو متعين عند الذين يمنعون ~~زيادتها في الإثبات . | # والسوار : حلي من ذهب أو فضة يحيط بموضع من الذراع ، وهو اسم معرب عن ~~الفارسية عند المحققين وهو في الفارسية ( دستواره ) بهاء في آخره كما في ( ~~كتاب الراغب ) ، وكتب بدون هاء في ( تاج العروس ) . | # وأما قوله : { من ذهب } فإن ( من ) فيه للبيان ، وفي الكلام اكتفاء ، أي ~~من ذهب وفضة كما اكتفي في آية سورة الإنسان بذكر الفضة عن ذكر الذهب بقوله ~~: { وحلوا أساور ms4922 من فضة ( الإنسان : 21 ) ، ولكل من المعدنين جماله الخاص . ~~| # واللباس : ستر البدن بثوب من قميص أو إزار أو رداء ، وجميع ذلك للوقاية ~~من الحر والبرد وللتجمل . | # والثياب : جمع ثوب ، وهو الشقة من النسيج . | # واللون الأخضر أعدل الألوان وأنفعها عند البصر ، وكان من شعار الملوك . ~~قال النابغة : | # يصونون أجسادا قديما نعيمها | # بخالصة الأردان خضر المناكب | PageV15P312 # والسندس : صنف من الثياب ، وهو الديباج الرقيق يلبس مباشرا للجلد ليقيه ~~غلظ الإستبرق . | # والإستبرق : الديباج الغليظ المنسوج بخيوط الذهب ، يلبس فوق الثياب ~~المباشرة للجلد . | # وكلا اللفظين معرب . فأما لفظ ( سندس ) فلا خلاف في أنه معرب وإنما ~~اختلفوا في أصله ، فقال جماعة : أصله فارسي ، وقال المحققون : أصله هندي ~~وهو في اللغة ( الهندية ) ( سندون ) بنون في آخره . كان قوم من وجوه الهند ~~وفدوا على الإسكندر يحملون معهم هدية من هذا الديباج ، وأن الروم غيروا ~~اسمه إلى ( سندوس ) ، والعرب نقلوه عنهم فقالوا ( سندس ) فيكون معربا عن ~~الرومية وأصله الأصيل هندي . | # وأما الإستبرق فهو معرب عن الفارسية . وأصله في الفارسية ( إستبره ) أو ( ~~إستبر ) بدون هاء أو ( إستقره ) أو ( إستفره ) . وقال ابن دريد : هو سرياني ~~عرب وأصله ( إستروه ) . وقال ابن قتيبة : هو رومي عرب ، ولذلك فهمزته همزة ~~قطع عند الجميع ، وذكره بعض علماء اللغة في باب الهمزة وهو الأصوب ، ويجمع ~~على أبارق قياسا ، على أنهم صغروه على أبيرق فعاملوا السين والتاء معاملة ~~الزوائد . | # وفي الإتقان } للسيوطي عن ابن النقيب : لو اجتمع فصحاء العالم وأرادوا أن ~~يتركوا هذا اللفظ ويأتوا بلفظ يقوم مقامه في الفصاحة لعجزوا . | # وذلك : أن الله تعالى إذا حث عباده على الطاعة بالوعد والوعيد . والوعد ~~بما يرغب فيه العقلاء وذلك منحصر في : الأماكن ، والمآكل ، والمشارب ، ~~والملابس ، ونحوها مما تتحد فيه الطباع أو تختلف فيه . وأرفع الملابس في ~~الدنيا الحرير ، والحرير كلما كان ثوبه أثقل كان أرفع فإذا أريد ذكر هذا ~~فالأحسن أن يذكر بلفظ واحد موضوع له صريح ، وذلك ليس إلا الإستبرق ~~PageV15P313 ولا يوجد في العربية لفظ واحد يدل على ما يدل عليه لفظ استبرق ~~. هذه خلاصة كلامه على ms4923 تطويل فيه . | # و ( من ) في قوله : { من سندس } للبيان . | # وقدم ذكر الحلي على اللباس هنا لأن ذلك وقع صفة للجنات ابتداء ، وكانت ~~مظاهر الحلي أبهج للجنات ، فقدم ذكر الحلي وأخر اللباس لأن اللباس أشد ~~اتصالا بأصحاب الجنة لا بمظاهر الجنة ، وعكس ذلك في سورة الإنسان في قوله : ~~{ عاليهم ثياب سندس ( الإنسان : 21 ) لأن الكلام هنالك جرى على صفات أصحاب ~~الجنة . | # وجملة متكئين فيها على الأرائك } في موضع الحال من ضمير { يلبسون } . | # والاتكاء : جلسة الراحة والترفف . وتقدم عند قوله تعالى : { وأعتدت لهن ~~متكأ } في سورة يوسف عليه السلام ( 31 ) . | # والأرائك : جمع أريكة . وهي اسم لمجموع سرير وحجلة . والحجلة : قبة من ~~ثياب تكون في البيت تجلس فيها المرأة أو تنام فيها . ولذلك يقال للنساء : ~~ربات الحجال . فإذا وضع فيها سرير للاتكاء أو الاضطجاع فيه أريكة . ويجلس ~~فيها الرجل وينام مع المرأة ، وذلك من شعار أهل الترف . | # وجملة { نعم الثواب } استئناف مدح ، ومخصوص فعل المدح محذوف لدلالة ما ~~تقدم عليه . والتقدير : نعم الثواب الجنات الموصوفة . | # وعطف عليه فعل إنشاء ثانن وهو { وحسنت مرتفقا } لأن ( حسن ) و ( ساء ) ~~مستعملان استعمال ( نعم ) و ( بئس ) فعملا عملهما . ولذلك كان التقدير : ~~وحسنت الجنات مرتفقا . وهذا مقابل قوله في حكاية حال أهل النار { وساءت ~~مرتفقا } . | # والمرتفق : هنا مستعمل في معناه الحقيقي بخلاف مقابله المتقدم . | # | PageV15P314 # | 2 ( 32 36 ) { واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لاحدهما جنتين من أعناب ~~وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا * كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه ~~شيئا وفجرنا خلالهما نهرا * وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر ~~منك مالا وأعز نفرا * ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال مآ أظن أن تبيد هاذه ~~أبدا * ومآ أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربى لأجدن خيرا منها منقلبا } . ~~) 2 # عطف على جملة { وقل الحق من ربكم } الآيات ؛ فإنه بعد أن بين لهم ما أعد ~~لأهل الشرك وذكر ما يقابله مما أعده للذين آمنوا ضرب مثلا لحال الفريقين ~~بمثل قصة أظهر الله فيها تأييده للمؤمن وإهانته للكافر ، فكان ms4924 لذلك المثل ~~شبه بمثل قصة أصحاب الكهف من عصر أقرب لعلم المخاطبين من عصر أهل الكهف ، ~~فضرب مثلا للفريقين للمشركين وللمؤمنين بمثل رجلين كان حال أحدهما معجبا ~~مؤنقا وحال الآخر بخلاف ذلك ؛ فكانت عاقبة صاحب الحال المونقة تبابا وخسارة ~~، وكانت عاقبة الآخر نجاحا ، ليظهر للفريقين ما يجره الغرور والإعجاب ~~والجبروت إلى صاحبه من الأرزاء ، وما يلقاه المؤمن المتواضع العارف بسنن ~~الله في العالم من التذكير والتدبر في العواقب فيكون معرضا للصلاح والنجاح ~~. | # واللام في قوله : { لهم } يجوز أن يتعلق بفعل { واضرب } كقوله تعالى : { ~~ضرب لكم مثلا من أنفسكم ( الروم : 28 ) . ويجوز أن يتعلق بقوله : مثلا } ~~تعلق الحال PageV15P315 بصاحبها ، أي شبها لهم ، أي للفريقين كما في قوله ~~تعالى : { فلا تضربوا لله الأمثال ( النحل : 74 ) ، والوجه أن يكون متنازعا ~~فيه بين ضرب ، ومثلا . | # والضمير في قوله : لهم } يعود إلى المشركين من أهل مكة على الوجه الأول ~~ولم يتقدم لهم ذكر ، ويعود إلى جماعة الكافرين والمؤمنين على الوجه الثاني ~~. | # ثم إن كان حال هذين الرجلين الممثل به حالا معروفا فالكلام تمثيل حال ~~محسوس بحال محسوس . فقال الكلبي : المعني بالرجلين رجلان من بني مخزوم من ~~أهل مكة أخوان أحدهما كافر وهو الأسود بن عبد الأشد بشين معجمة وقيل بسين ~~مهملة بن عبد ياليل ، والآخر مسلم وهو أخوه : أبو سلمة عبد الله بن عبد ~~الأشد بن عبد ياليل . ووقع في ( الإصابة ) : بن هلال ، وكان زوج أم سلمة ~~قبل أن يتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم | # ولم يذكر المفسرون أين كانت الجنتان ، ولعلهما كانتا بالطائف فإن فيه ~~جنات أهل مكة . | # وعن ابن عباس : هما أخوان من بني إسرائيل مات أبوهما وترك لهما مالا ~~فاشترى أحدهما أرضا وجعل فيها جنتين ، وتصدق الآخر بماله فكان من أمرهما في ~~الدنيا ما قصه الله تعالى في هذه السورة ، وحكى مصيرهما في الآخرة بما حكاه ~~الله في سورة الصافات ( 50 52 ) في قوله : { فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ~~قال قائل منهم إني كان لي قرين يقول إنك لمن المصدقين الآيات ms4925 . . فتكون ~~قصتهما معلومة بما نزل فيها من القرآن في سورة الصافات قبل سورة الكهف . | # وإن كان حال الرجلين حالا مفروضا كما جوزه بعض المفسرين فيما نقله عنه ~~ابن عطية فالكلام على كل حال تمثيل محسوس بمحسوس لأن تلك الحالة متصورة ~~متخيلة . قال ابن عطية : فهذه الهيئة التي ذكرها الله تعالى لا يكاد المرء ~~يتخيل أجمل منها في مكاسب الناس ، وعلى هذا الوجه يكون هذا التمثيل كالذي ~~PageV15P316 في قوله تعالى : ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله ~~وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة ( البقرة : 265 ) الآيات . | # والأظهر من سياق الكلام وصنع التراكيب مثل قوله : قال له صاحبه وهو ~~يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ( الكهف : 37 ) الخ فقد جاء ( قال ) غير ~~مقترن بفاء وذلك من شأن حكاية المحاورات الواقعة ، ومثل قوله : ولم تكن له ~~فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا ( الكهف : 43 ) أن يكون هذا المثل ~~قصة معلومة ولأن ذلك أوقع في العبرة والموعظة مثل المواعظ بمصير الأمم ~~الخالية . | # ومعنى جعلنا لأحدهما } قدرنا له أسباب ذلك . | # وذكر الجنة والأعناب والنخل تقدم في قوله تعالى : { أيود أحدكم أن تكون ~~له جنة من نخيل وأعناب في سورة البقرة ( 266 ) . | # ومعنى حففناهما } أحطناهما ، يقال : حفه بكذا ، إذا جعله حافا به ، أي ~~محيطا ، قال تعالى : { وترى الملائكة حافين من حول العرش ( الزمر : 75 ) ، ~~لأن ( حف ) يتعدى إلى مفعول واحد فإذا أريد تعديته إلى ثانن عدي إليه ~~بالباء ، مثل : غشيه وغشاه بكذا . ومن محاسن الجنات أن تكون محاطة بالأشجار ~~المثمرة . | # ومعنى وجعلنا بينهما زرعا } ألهمناه أن يجعل بينهما . وظاهر الكلام أن ~~هذا الزرع كان فاصلا بين الجنتين : كانت الجنتان تكتنفان حقل الزرع فكان ~~المجموع ضيعة واحدة . وتقدم ذكر الزرع في سورة الرعد . | # و { كلتا } اسم دال على الإحاطة بالمثنى يفسره المضاف هو إليه ، فهو اسم ~~مفرد دال على شيئين نظير زوج ، ومذكره ( كلا ) . قال سيبويه : أصل كلا كلو ~~وأصل كلتا كلوا فحذفت لام الفعل من كلتا وعوضت التاء عن اللام المحذوفة ~~لتدل التاء على ms4926 التأنيث . ويجوز في خبر كلا وكلتا الإفراد اعتبارا للفظه ~~وهو أفصح كما في هذه الآية . ويجوز تثنيته اعتبارا لمعناه كما في قول ~~الفرزدق : | PageV15P317 # كلاهما حين جد الجري بينهما | # قد أقلعا وكلا أنفيهما رابي | # و { أكلها } قرأه الجمهور بضم الهمزة وسكون الكاف . وقرأه عاصم وحمزة ~~والكسائي وأبو جعفر وخلف بضم الهمزة وضم الكاف وهو الثمر ، وتقدم . | # وجملة { كلتا الجنتين آتت أكلها } معترضة بين الجمل المتعاطفة . والمعنى ~~: أثمرت الجنتان إثمارا كثيرا حتى أشبهت المعطي من عنده . | # ومعنى { ولم تظلم منه شيئا } لم تنقص منه ، أي من أكلها شيئا ، أي لم ~~تنقصه عن مقدار ما تعطيه الأشجار في حال الخصب . ففي الكلام إيجاز بحذف ~~مضاف . والتقدير : ولم تظلم من مقدار أمثاله . واستعير الظلم للنقص على ~~طريقة التمثيلية بتشبيه هيئة صاحب الجنتين في إتقان خبرهما وترقب إثمارهما ~~بهيئة من صار له حق في وفرة غلتها بحيث إذا لم تأت الجنتان بما هو مترقب ~~منهما أشبهتا من حرم ذا حق حقه فظلمه ، فاستعير الظلم لإقلال الإغلال ، ~~واستعير نفيه للوفاء بحق الإثمار . | # والتفجير تقدم عند قوله تعالى : { حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا في سورة ~~الإسراء ( 90 ) . | # والنهر بتحريك الهاء لغة في النهر بسكونها . وتقدم عند قوله تعالى : قال ~~إن الله مبتليكم بنهر في سورة البقرة ( 249 ) . | # وجملة وكان له ثمر } في موضع الحال من { لأحدهما } . والثمر بضم الثاء ~~والميم : المال الكثير المختلف من النقدين والأنعام والجنات والمزارع . وهو ~~مأخوذ من ثمر ماله بتشديد الميم بالبناء للنائب ، يقال : ثمر الله ماله إذا ~~كثر . قال النابغة : | # فلما رأى أن ثمر الله ماله | # وأثل موجودا وسد مفاقره | PageV15P318 # مشتقا من اسم الثمرة على سبيل المجاز أو الاستعارة لأن الأرباح وعفو ~~المال يشبهان ثمر الشجر . وشاع هذا المجاز حتى صار حقيقة . قال النابغة : | # مهلا فداء لك الأقوام كلهم | # وما أثمر من مال ومن ولد | # وقرأ الجمهور { ثمر } بضم المثلثة وضم الميم . وقرأه أبو عمرو ويعقوب بضم ~~المثلثة وسكون الميم . وقرأه عاصم بفتح المثلثة وفتح الميم . | # فقالوا : إنه جمع ثمار الذي ms4927 هو جمع ثمر ، مثل كتب جمع كتاب فيكون دالا ~~على أنواع كثيرة مما تنتجه المكاسب ، كما تقدم آنفا في جمع أساور من قوله : ~~{ أساور من ذهب ( الكهف : 31 ) . وعن النحاس بسنده إلى ثعلب عن الأعمش : أن ~~الحجاح قال : لو سمعت أحدا يقرأ وكان له ثمر } ( أي بضم الثاء ) لقطعت ~~لسانه . قال ثعلب : فقلت للأعمش : أنأخذ بذلك . قال : لا ولا نعمة عين ، ~~وكان يقرأ : ثمر ، أي بضمتين . | # والمعنى : وكان لصاحب الجنتين مال ، أي غير الجنتين . والفاء لتفريع جملة ~~{ قال } على الجمل السابقة ، لأن ما تضمنته الجمل السابقة من شأنه أن ينشأ ~~عنه غرور بالنفس ينطق ربه عن مثل ذلك القول . | # و ( الصاحب ) هنا بمعنى المقارن في الذكر حيث انتظمهما خبر المثل ، أو ~~أريد به الملابس المخاصم ، كما في قول الحجاج يخاطب الخوارج ( ألستم أصحابي ~~بالأهواز ) . | # والمراد بالصاحب هنا الرجل الآخر من الرجلين ، أي فقال : من ليس له جنات ~~في حوار بينهما . ولم يتعلق الغرض بذكر مكان هذا القول ولا سببه لعدم ~~الاحتياج إليه في الموعظة . | # وجملة { وهو يحاوره } حال من ضمير { قال } . | # والمحاورة : مراجعة الكلام بين متكلمين . | PageV15P319 # وضمير الغيبة المنفصل عائد على ذي الجنتين . والضمير المنصوب في { يحاوره ~~} عائد على صاحب ذي الجنتين ، ورب الجنتين يحاور صاحبه . ودل فعل المحاورة ~~على أن صاحبه قد وعظه في الإيمان والعمل الصالح ، فراجعه الكلام بالفخر ~~عليه والتطاول شأن أهل الغطرسة والنقائص أن يعدلوا عن المجادلة بالتي هي ~~أحسن إلى إظهار العظمة والكبرياء . | # و { أعز } أشد عزة . والعزة : ضد الذل . وهي كثرة عدد عشيرة الرجل ~~وشجاعته . | # والنفر : عشيرة الرجل الذين ينفرون معه . وأراد بهم هنا ولده ، كما دل ~~عليه مقابلته في جواب صاحبه بقوله : { إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا ( ~~الكهف : 40 ) . وانتصب نفرا } على تمييز نسبة { أعز إلى ضمير المتكلم . | # وجملة ودخل جنته } في موضع الحال من ضمير { قال } ، أي قال ذلك وقد دخل ~~جنته مرافقا لصاحبه ، أي دخل جنته بصاحبه ، كما يدل عليه قوله : { قال ما ~~أظن أن تبيد هذه أبدا } ، لأن ms4928 القول لا يكون إلا خطابا لآخر ، أي قال له ، ~~ويدل عليه أيضا قوله : { قال له صاحبه وهو يحاوره } ( الكهف : 37 ) . ووقوع ~~جواب قوله : { أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا } في خلال الحوار الجاري بينهما ~~في تلك الجنة . | # ومعنى { وهو ظالم لنفسه } وهو مشرك مكذب بالبعث بطر بنعمة الله عليه . | # وإنما أفرد الجنة هنا وهما جنتان لأن الدخول إنما يكون لإحداها لأنه أول ~~ما يدخل إنما يدخل إحداهما قبل أن ينتقل منها إلى الأخرى ، فما دخل إلا ~~إحدى الجنتين . | # والظن بمعنى : الإعتقاد ، وإذا انتفى الظن بذلك ثبت الظن بضده . | # وتبيد : تهلك وتفنى . | # والإشارة بهذا إلى الجنة التي هما فيها ، أي لا أعتقد أنها تنتقض وتضمحل ~~. | PageV15P320 # والأبد : مراد منه طول المدة ، أي هي باقية بقاء أمثالها لا يعتريها ما ~~يبيدها . وهذا اغترار منه بغناه واغترار بما لتلك الجنة من وثوق الشجر ~~وقوته وثبوته واجتماع أسباب نمائه ودوامه حوله ، من مياه وظلال . | # وانتقل من الإخبار عن اعتقاده دوام تلك الجنة إلى الإخبار عن اعتقاده ~~بنفي قيام الساعة . | # ولا تلازم بين المعتقدين . ولكنه أراد التورك على صاحبه المؤمن تخطئة ~~إياه ، ولذلك عقب ذلك بقوله : { ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا ~~} تهكما بصاحبه . وقرينة التهكم قوله : { وما أظن الساعة قائمة } . وهذا ~~كقول العاصي بن وائل السهمي لخباب بن الأرت ( ليكونن لي مال هنالك فأقضيك ~~دينك منه ) . | # وأكد كلامه بلام القسم ونون التوكيد مبالغة في التهكم . | # وانتصب { منقلبا } على تمييز نسبة الخبر . والمنقلب : المكان الذي ينقلب ~~إليه ، أي يرجع . | # وضمير { منهما } للجنتين عودا إلى أول الكلام تفننا في حكاية كلامه على ~~قراءة الجمهور { منهما بالتثنية ، وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي ~~ويعقوب وخلف منها } بالإفراد جريا على قوله : { ودخل جنته } وقوله : { أن ~~تبيد هذه } . | # | 2 ( 37 41 ) { قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذى خلقك من تراب ثم من ~~نطفة ثم سواك رجلا * لكن هو الله ربى ولا أشرك بربى أحدا * ولولا إذ دخلت ~~جنتك قلت ما شآء الله لا قوة إلا بالله إن ms4929 ترن أنا أقل منك مالا وولدا * ~~فعسى ربى أن يؤتين خيرا من جنتك ويرسل عليها حسبانا من السمآء فتصبح صعيدا ~~زلقا * أو يصبح مآؤها غورا فلن تستطيع له طلبا } . ) 2 # | $ # { قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذى خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك ~~رجلا * لكن هو الله ربى ولا أشرك بربى أحدا * ولولا } . | # حكي كلام صاحبه بفعل القول بدون عطف للدلالة على أنه واقع موقع المحاورة ~~والمجاوبة ، كما قدمناه غير مرة . | PageV15P321 # والاستفهام في قوله : { أكفرت بالذي خلقك } مستعمل في التعجب والإنكار ، ~~وليس على حقيقته ، لأن الصاحب كان يعلم أن صاحبه مشرك بدليل قوله له : { ~~ولا أشرك بربي أحدا } . فالمراد بالكفر هنا الإشراك الذي من جملة معتقداته ~~إنكار البعث ، ولذلك عرف بطريق الموصولية لأن مضمون الصلة من شأنه أن يصرف ~~من يدركه عن الإشراك به ، فإنهم يعترفون بأن الله هو الذي خلق الناس فما ~~كان غير الله مستحقا للعبادة . | # ثم إن العلم بالخلق الأول من شأنه أن يصرف الإنسان عن إنكار الخلق الثاني ~~، كما قال تعالى : { أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد ( ق : ~~15 ) ، وقال : وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه ( الروم : 27 ) ~~، فكان مضمون الصلة تعريضا بجهل المخاطب . | # وقوله : من تراب } إشارة إلى الأجزاء التي تتكون منها النطفة وهي أجزاء ~~الأغذية المستخلصة من تراب الأرض ، كما قال تعالى في الآية الأخرى { سبحان ~~الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ( يس : 36 ) . | # والنطفة : ماء الرجل ، مشتقة من النطف وهو السيلان . و سواك } عدل خلقك ، ~~أي جعله متناسبا في الشكل والعمل . | # و ( من ) في قوله : { من تراب ثم من نطفة } ابتدائية ، وقوله : { لكنا هو ~~الله ربي } كتب في المصحف بألف بعد النون . واتفق القراء العشرة على إثبات ~~الألف في النطق في حال الوقف ، وأما في حال الوصل فقرأه الجمهور بدون نطق ~~بالألف ، وقرأه ابن عامر وأبو جعفر ورويس عن يعقوب بإثبات النطق بالألف في ~~حال الوصل ، ورسم المصحف يسمح بكلتا الروايتين . | # ولفظ { لكنا ms4930 } مركب من ( لكن ) بسكون النون الذي هو حرف استدراك ، ومن ~~ضمير المتكلم ( أنا ) . وأصله : لكن أنا ، فحذفت الهمزة تخفيفا كما قال ~~الزجاج ، أي على غير قياس لا لعلة تصريفية ، ولذلك لم يكن للهمزة حكم ~~PageV15P322 الثابت فلم تمنع من الإدغام الذي يمنع منه ما هو محذوف لعلة ~~بناء على أن المحذوف لعلة بمنزلة الثابت ، ونقلت حركتها إلى نون ( لكن ) ~~الساكنة دليلا على المحذوف فالتقى نونان متحركتان فلزم إدغامهما فصار ( ~~لكنا ) . ولا يجوز أن تكون ( لكن ) المشددة النون المفتوحتها أشبعت فتحتها ~~، لأن لكن المشددة من أخوات إن تقتضي أن يكون الاسم بعدها منصوبا وليس هنا ~~ما هو ضمير نصب ، ولا يجوز اعتبار ضمير ( أنا ) ضمير نصب اسم ( لكن ) لأن ~~ضمير المتكلم المنصوب يجب أن يكون بياء المتكلم ، ولا اعتباره ضمير المتكلم ~~المشارك لمنافاته لإفراد ضمائره بعده في قوله : { هو الله ربي ولا أشرك ~~بربي أحدا } . | # ( فأنا ) مبتدأ ، وجملة { هو الله ربي } ضمير شأن وخبره ، وهي خبر ( أنا ~~) ، أي شأني هو الله ربي . والخبر في قوله : { هو الله ربي } مستعمل في ~~الإقرار ، أي أعترف بأنه ربي خلافا لك . | # وموقع الاستدراك مضادة ما بعد ( لكن ) لما قبلها ، ولا سيما إذا كان ~~الرجلان أخوين أو خليلين كما قيل فإنه قد يتوهم أن اعتقادهما سواء . | # وأكد إثبات اعترافه بالخالق الواحد بمؤكدات أربعة ، وهي : الجملتان ~~الاسميتان ، وضمير الشأن في قوله : { لكنا هو الله ربي } ، وتعريف المسند ~~والمسند إليه في قوله : { الله ربي } المفيد قصر صفة ربوبية الله على نفس ~~المتكلم قصرا إضافيا بالنسبة لمخاطبه ، أي دونك إذ تعبد آلهة غير الله ، ~~وما القصر إلا توكيد مضاعف ، ثم بالتوكيد اللفظي للجملة بقوله : { ولا أشرك ~~بربي أحدا } . | # وعطف جملة { ولولا إذ دخلت } على جملة { أكفرت } عطف إنكار على إنكار . و ~~( لولا ) للتوبيخ ، كشأنها إذا دخلت على الفعل الماضي ، نحو { لولا جاءوا ~~عليه بأربعة شهداء ( النور : 13 ) ، أي كان الشأن أن تقول ما شاء الله لا ~~قوة إلا بالله } عوض قولك : { ما أظن أن تبيد هذه أبدا وما أظن الساعة ms4931 ~~قائمة ( الكهف : 36 ) . والمعنى : أكفرت بالله وكفرت نعمته . | PageV15P323 # و ( ما ) من قوله : ما شاء الله } أحسن ما قالوا فيها إنها موصولة ، وهي ~~خبر عن مبتدأ محذوف يدل عليه ملابسة حال دخول الجنة ، أي هذه الجنة ما شاء ~~الله ، أي الأمر الذي شاء الله إعطاءه إياي . | # وأحسن منه عندي : أن تكون ( ما ) نكرة موصوفة . والتقدير : هذه شيء شاء ~~الله ، أي لي . | # وجملة { لا قوة إلا بالله } تعليل لكون تلك الجنة من مشيئة الله ، أي لا ~~قوة لي على إنشائها ، أو لا قوة لمن أنشأها إلا بالله ، فإن القوى كلها ~~موهبة من الله تعالى لا تؤثر إلا بإعانته بسلامة الأسباب والآلات المفكرة ~~والصانعة . فما في جملة { لا قوة إلا بالله } من العموم جعلها كالعلة ~~والدليلل لكون تلك الجنة جزئيا من جزئيات منشئات القوى البشرية الموهوبة ~~للناس بفضل الله . | # { إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا } { لله فعسى ربى أن يؤتين خيرا من جنتك ~~ويرسل عليها حسبانا من السمآء فتصبح صعيدا زلقا * أو يصبح مآؤها غورا فلن ~~تستطيع له طلبا } . | # جملة ابتدائية رجع بها إلى مجاوبة صاحبه عن قوله : { أنا أكثر منك مالا ~~وأعز نفرا ( الكهف : 34 ) ، وعظه فيها بأنه لا يدري أن تصير كثرة ماله إلى ~~قلة أو إلى اضمحلال ، وأن يصير القليل ماله ذا مال كثير . | # وحذفت ياء المتكلم بعد نون الوقاية تخفيفا وهو كثير . | # و ( أنا ) ضمير فصل ، فلذلك كان أقل } منصوبا على أنه مفعول ثانن ل { ترن ~~} ولا اعتداد بالضمير . و ( عسى ) للرجاء ، وهو طلب الأمر القريب الحصول . ~~ولعله أراد به الدعاء لنفسه وعلى صاحبه . | PageV15P324 # والحسبان : مصدر حسب كالغفران . وهو هنا صفة لموصوف محذوف ، أي هلاكا ~~حسبانا ، أي مقدرا من الله ، كقوله تعالى : { عطاء حسابا ( النبأ : 36 ) . ~~وقيل : الحسبان اسم جمع لسهام قصار يرمى بها في طلق واحد وليس له مفرد . ~~وقيل : اسم جمع حسبانة وهي الصاعقة . وقيل : اسم للجراد . والمعاني الأربعة ~~صالحة هنا ، والسماء : الجو المرتفع فوق الأرض . | # والصعيد : وجه الأرض . وتقدم عند قوله تعالى : فتيمموا صعيدا طيبا ms4932 ( ~~المائدة : 6 ) . وفسروه هنا بذلك فيكون ذكره هنا توطئة لإجراء الصفة عليه ~~وهي زلقا } . | # وفي ( اللسان ) عن الليث ( يقال للحديقة ، إذا خربت وذهب شجراؤها : قد ~~صارت صعيدا ، أي أرضا مستوية لا شجر فيها ) ا ه . وهذا إذا صح أحسن هنا ، ~~ويكون وصفه ب { زلقا } مبالغة في انعدام النفع به بالمرة . لكني أظن أن ~~الليث ابتكر هذا المعنى من هذه الآية وهو تفسير معنى الكلام وليس تبيينا ~~لمدلول لفظ صعيد . ونظيره قوله : { وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا ( ~~الكهف : 8 ) في أول هذه السورة . | # والزلق : مصدر زلقت الرجل ، إذا اضطربت وزلت على الأرض فلم تستقر . ووصف ~~الأرض بذلك مبالغة ، أي ذات زلق ، أي هي مزلقة . | # والغور : مصدر غار الماء ، إذا ساخ الماء في الأرض . ووصفه بالمصدر ~~للمبالغة ، ولذلك فرع عليه فلن تستطيع له طلبا } . وجاء بحرف توكيد النفي ~~زيادة في التحقيق لهذا الرجاء الصادر مصدر الدعاء . | # | PageV15P325 # | 2 ( 42 ، 43 ) { وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على مآ أنفق فيها وهى ~~خاوية على عروشها ويقول ياليتنى لم أشرك بربى أحدا * ولم تكن له فئة ~~ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا } . ) 2 # كان صاحبه المؤمن رجلا صالحا فحقق الله رجاءه ، أو كان رجلا محدثا من ~~محدثي هذه الأمة ، أو من محدثي الأمم الماضية على الخلاف في المعني ~~بالرجلين في الآية ، ألهمه الله معرفة ما قدره في الغيب من عقاب في الدنيا ~~للرجل الكافر المتجبر . | # وإنما لم تعطف جملة { وأحيط } بفاء التفريع على رجاء صاحبه المؤمن إذ لم ~~يتعلق الغرض في هذا المقام بالإشارة إلى الرجل المؤمن ، وإنما المهم ~~التنبيه على أن ذلك حادث حل بالكافر عقابا له على كفره ليعلم السامعون أن ~~ذلك جزاء أمثاله وأن ليس بخصوصية لدعوة الرجل المؤمن . | # والإحاطة : الأخذ من كل جانب ، مأخوذة من إحاطة العدو بالقوم إذا غزاهم . ~~وقد تقدمت في قوله تعالى : { إلا أن يحاط بكم في سورة يوسف ( 66 ) وقوله : ~~إن ربك أحاط بالناس في سورة الإسراء ( 60 ) . | # والمعنى : أتلف ماله كله بأن أرسل على الجنة ms4933 والزرع حسبان من السماء ~~فأصبحت صعيدا زلقا وهلكت أنعامه وسلبت أمواله ، أو خسف بها بزلزال أو نحوه ~~. | # وتقدم اختلاف القراء في لفظ ثمر } آنفا عند قوله تعالى : { وكان له ثمر } ~~( الكهف : 34 ) . | PageV15P326 # وتقليب الكفين : حركة يفعلها المتحسر ، وذلك أن يقلبهما إلى أعلى ثم إلى ~~قبالته تحسرا على ما صرفه من المال في إحداث تلك الجنة . فهو كناية عن ~~التحسر ، ومثله قولهم : قرع السن من ندم ، وقوله تعالى : { عضوا عليكم ~~الأنامل من الغيظ ( آل عمران : 119 ) . | # والخاوية : الخالية ، أي وهي خالية من الشجر والزرع ، والعروش : السقف . ~~و ( على ) للاستعلاء . وجملة على عروشها } في موضع الحال من ضمير { خاوية } ~~. | # وهذا التركيب أرسله القرآن مثلا للخراب التام الذي هو سقوط سقوف البناء ~~وجدرانه . وتقدم في قوله تعالى : { أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على ~~عروشها في سورة البقرة ( 259 ) ، على أن الضمير مراد به جدران القرية ~~بقرينة مقابلته بعروشها ، إذ القرية هي المنازل المركبة من جدران وسقف ، ثم ~~جعل ذلك مثلا لكل هلاك تام لا تبقى معه بقية من الشيء الهالك . | # وجملة ويقول } حكاية لتندمه على ما فرط منه حين لا ينفعه الندم بعد حلول ~~العذاب . | # والمضارع للدلالة على تكرر ذلك القول منه . | # وحرف النداء مستعمل في التلهف . و ( ليتني ) تمنن مراد به التندم . وأصل ~~قولهم ( يا ليتني ) أنه تنزيل للكلمة منزلة من يعقل ، كأنه يخاطب كلمة ( ~~ليت ) يقول : احضري فهذا أوانك ، ومثله قوله تعالى : { أن تقول نفس يا ~~حسرتا على ما فرطت في جنب الله سورة الزمر ( 56 ) . | # وهذا ندم على الإشراك فيما مضى وهو يؤذن بأنه آمن بالله وحده حينئذ . | # وقوله : ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله } موعظة وتنبيه على جزاء ~~قوله : { وأعز نفرا } ( الكهف : 34 ) . | PageV15P327 # والفئة : الجماعة . وجملة { ينصرونه } صفة ، أي لم تكن له فئة هذه صفتها ~~، فإن فئته لم تغن عنه من عذاب الله . | # وقوله : { وما كان منتصرا } أي ولا يكون له انتصار وتخلص من العذاب . | # وقرأه الجمهور { ولم تكن } بمثناة فوقية اعتدادا بتأنيث { فئة } في ms4934 اللفظ ~~. وقرأه حمزة والكسائي وخلف ( يكن ) بالياء التحتية . والوجهان جائزان في ~~الفعل إذا رفع ما ليس بتحقيقي التأنيث . | # وأحاط به هذا العقاب لا لمجرد الكفر ، لأن الله قد يمتع كافرين كثيرين ~~طول حياتهم ويملي لهم ويستدرجهم . وإنما أحاط به هذا العقاب جزاء على ~~طغيانه وجعله ثروته وماله وسيلة إلى احتقار المؤمن الفقير ، فإنه لما اعتز ~~بتلك النعم وتوسل بها إلى التكذيب بوعد الله استحق عقاب الله بسلب تلك ~~النعم عنه كما سلبت النعمة عن قارون حين قال : { إنما أوتيته على علم عندي ~~( القصص : 78 ) . وبهذا كان هذا المثل موضع العبرة للمشركين الذين جعلوا ~~النعمة وسيلة للترفع عن مجالس الدعوة لأنها تجمع قوما يرونهم أحط منهم ~~وطلبوا من النبي طردهم عن مجلسه كما تقدم . | # | 2 ( 44 ) هنالك الولاية لله الحق هو خير ثوابا وخير عقبا } . ) 2 # تذييل للجمل قبلها لما في هذه الجملة من العموم الحاصل من قصر الولاية ~~على الله تعالى المقتضي تحقيق جملة { ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحدا ( ~~الكهف : 42 ) ، وجملة ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله ( الكهف : 43 ) ، ~~وجملة وما كان منتصرا ( الكهف : 43 ) ، لأن الولاية من شأنها أن تبعث على ~~نصر المولى وأن تطمع المولى في أن وليه ينصره . ولذلك لما رأى الكافر ما ~~دهاه من جراء كفره التجأ إلى أن يقول : يا ليتني لم أشرك بربي أحدا ( الكهف ~~: 42 ) ، إذ علم أن الآلهة الأخرى لم تغن ولايتهم عنه شيئا ، كما قال أبو ~~سفيان يوم أسلم لقد علمت أن لو كان معه إله آخر لقد أغنى عني شيئا . فاسم ~~الإشارة مبتدأ والولاية لله } جملة خبر عن اسم الإشارة . | PageV15P328 # واسم إشارة المكان البعيد مستعار للإشارة إلى الحال العجيبة بتشبيه ~~الحالة بالمكان لإحاطتها بصاحبها ، وتشبيه غرابتها بالبعد لندرة حصولها . ~~والمعنى : أن في مثل تلك الحالة تقصر الولاية على الله . فالولاية : جنس ~~معرف بلام الجنس يفيد أن هذا الجنس مختص باللام على نحو ما قرر في قوله ~~تعالى : { الحمد لله ( الفاتحة : 2 ) . | # والولاية بفتح الواو مصدر ms4935 ولي ، إذا ثبت له الولاء . وتقدمت عند قوله ~~تعالى : ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا في سورة الأنفال ( 72 ) . ~~وقرأه حمزة والكسائي وخلف الولاية } بكسر الواو وهي اسم للمصدر أو اسم ~~بمعنى السلطان والملك . | # و { الحق } قرأه الجمهور بالجر ، على أنه وصف لله تعالى ، كما وصف بذلك ~~في قوله تعالى : { وردوا إلى الله مولاهم الحق في سورة يونس ( 30 ) . وقرأ ~~أبو عمرو وحمزة والكسائي وخلف الحق } بالرفع صفة للولاية ، ف { الحق } ~~بمعنى الصدق لأن ولاية غيره كذب وباطل . | # قال حجة الإسلام : ( والواجب بذاته هو الحق مطلقا ، إذ هو الذي يستبين ~~بالعقل أنه موجود حقا ، فهو من حيث ذاته يسمى موجودا ومن حيث إضافته إلى ~~العقل الذي أدركه على ما هو عليه يسمى حقا ) ا ه . | # وبهذا يظهر وجه وصفه هنا بالحق دون وصف آخر ، لأنه قد ظهر في مثل تلك ~~الحال أن غير الله لا حقيقة له أو لا دوام له . | # { وخير } يجوز أن يكون بمعنى أخير ، فيكون التفضيل في الخيرية على ثواب ~~غيره وعقب غيره ، فإن ما يأتي من ثواب من غيره ومن عقبى إما زائف مفضض إلى ~~ضر وإما زائل ، وثواب الله خالص دائم وكذلك عقباه . | # ويجوز أن يكون { خير } اسما ضد الشر ، أي هو الذي ثوابه وعقبه خير وما ~~سواه فهو شر . | PageV15P329 # والتمييز تمييز نسبة الخير إلى الله . و ( العقب ) بضمتين وبسكون القاف ~~بمعنى العاقبة ، أي آخرة الأمر . وهي ما يرجوه المرء من سعيه وعمله . | # وقرأ الجمهور { عقبا } بضمتين وبالتنوين . وقرأه عاصم وحمزة وخلف بإسكان ~~القاف وبالتنوين . | # فكان ما ناله ذلك المشرك الجبار من عطاء إنما ناله بمساع وأسباب ظاهرية ~~ولم ينله بعناية من الله تعالى وكرامة فلم يكن خيرا وكانت عاقبته شرا عليه ~~. | # | 2 ( 45 ) { واضرب لهم مثل الحيواة الدنيا كمآء أنزلناه من السماء ~~فاختلط به نبات الارض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شىء ~~مقتدرا } . ) 2 # كان أعظم حائل بين المشركين وبين النظر في أدلة الإسلام انهماكهم في ~~الإقبال على الحياة ms4936 الزائلة ونعيمها ، والغرور الذي غر طغاة أهل الشرك ~~وصرفهم عن إعمال عقولهم في فهم أدلة التوحيد والبعث كما قال تعالى : { ~~وذرني والمكذبين أولى النعمة ومهلهم قليلا ( المزمل : 11 ) ، وقال : أن كان ~~ذا مال وبنين إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين ( القلم : 14 15 ) . ~~| # وكانوا يحسبون هذا العالم غير آيل إلى الفناء وقالوا ما هي إلا حياتنا ~~الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر } ( الجاثية : 24 ) . وما كان أحد ~~الرجلين اللذين تقدمت قصتهما إلا واحدا من المشركين إذ قال : { وما أظن ~~الساعة قائمة ( الكهف : 36 ) . | # فأمر الله رسوله بأن يضرب لهم مثل الحياة الدنيا التي غرتهم بهجتها . | # والحياة الدنيا : تطلق على مدة بقاء الأنواع الحية على الأرض وبقاء الأرض ~~على حالتها . فإطلاق اسم الحياة الدنيا } على تلك المدة لأنها مدة الحياة ~~الناقصة غير الأبدية لأنها مقدر زوالها ، فهي دنيا . | PageV15P330 # وتطلق الحياة الدنيا على مدة حياة الأفراد ، أي حياة كل أحد . ووصفها ب ( ~~الدنيا ) بمعنى القريبة ، أي الحاضرة غير المنتظرة ، كنى عن الحضور بالقرب ~~، والوصف للاحتراز عن الحياة الآخرة وهي الحياة بعد الموت . | # والكاف في قوله : { كماء } في محل الحال من ( الحياة ) المضاف إليه ( مثل ~~) . أي اضرب لهم مثلا لها حال أنها كماء أنزلناه . | # وهذا المثل منطبق على الحياة الدنيا بإطلاقيها ، فهما مرادان منه . وضمير ~~{ لهم } عائد إلى المشركين كما دل عليه تناسق ضمائر الجمع الآتية في قوله : ~~{ وحشرناهم فلم نغادر منهم وعرضوا بل زعمتم أن لن نجعل لكم موعدا ( الكهف : ~~47 48 ) . | # واختلاط النبات : وفرته والتفاف بعضه ببعض من قوة الخصب والازدهار . | # والباء في قوله : ( به ) باء السببية . والضمير عائد إلى ( ماء ) أي ~~فاختلط النبات بسبب الماء ، أي اختلط بعض النبات ببعض . وليست الباء لتعدية ~~فعل اختلط } إلى المفعول لعدم وضوح المعنى عليه ، وفي ذكر الأرض بعد ذكر ~~السماء محسن الطباق . | # و ( أصبح ) مستعملة بمعنى صار ، وهو استعمال شائع . | # والهشيم : اسم على وزن فعيل بمعنى مفعول ، أي مهشوما محطما . والهشم : ~~الكسر والتفتيت . | # و { تذروه الرياح } أي تفرقه في الهواء . والذرو ms4937 : الرمي في الهواء . ~~شبهت حالة هذا العالم بما فيه بحالة الروضة تبقى زمانا بهجة خضرة ثم يصير ~~نبتها بعد حين إلى اضمحلال . ووجه الشبه : المصير من حال حسن إلى حال سيء . ~~وهذا تشبيه معقول بمحسوس لأن الحالة المشبهة معقولة إذ لم ير الناس بوادر ~~تقلص بهجة الحياة ، وأيضا شبهت هيئة إقبال نعيم الدنيا في الحياة مع الشباب ~~والجدة وزخرف العيش لأهله ، ثم تقلص ذلك وزوال نفعه ثم انقراضه أشتاتا ~~PageV15P331 بهيئة إقبال الغيث منبت الزرع ونشأته عنه ونضارته ووفرته ثم ~~أخذه في الانتقاص وانعدام التمتع به ثم تطايره أشتاتا في الهواء ، تشبيها ~~لمركب محسوس بمركب محسوس ووجه الشبه كما علمت . | # وجملة { وكان الله على كل شيء مقتدرا } جملة معترضة في آخر الكلام . ~~موقعها التذكير بقدرة الله تعالى على خلق الأشياء وأضدادها ، وجعل أوائلها ~~مفضية إلى أواخرها ، وترتيبه أسباب الفناء على أسباب البقاء ، وذلك اقتدار ~~عجيب . وقد أفيد ذلك على أكمل وجه بالعموم الذي في قوله : { على كل شيء } ~~وهو بذلك العموم أشبه التذييل . والمقتدر : القوي القدرة . | # | 2 ( 46 ) { المال والبنون زينة الحيواة الدنيا والباقيات الصالحات خير ~~عند ربك ثوابا وخير أملا } . ) 2 # اعتراض أريد به الموعظة والعبرة للمؤمنين بأن ما فيه المشركون من النعمة ~~من مال وبنين ما هو إلا زينة الحياة الدنيا التي علمتم أنها إلى زوال ، ~~كقوله تعالى : { لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ( آل عمران ~~: 196 ) وأن ما أعد الله للمؤمنين خير عند الله وخير أملا . والاغتباط ~~بالمال والبنين شنشنة معروفة في العرب ، قال طرفة : | # فلو شاء ربي كنت قيس بن عاصم | # ولو شاء ربي كنت عمرو بن مرثد | # فأصبحت ذا مال كثير وطاف بي | # بنون كرام سادة لمسود | # ووالباقيات الصالحات } صفتان جرتا على موصوف محذوف ، أي الأعمال الصالحات ~~الباقيات ، أي التي لا زوال لها ، أي لا زوال لخيرها ، وهو ثوابها الخالد ، ~~فهي خير من زينة الحياة الدنيا التي هي غير باقية . | PageV15P332 # وكان مقتضى الظاهر في ترتيب الوصفين أن يقدم { الصالحات } على { ~~والباقيات } لأنهما وإن ms4938 كانا وصفين لموصوف محذوف إلا أن أعرفهما في وصفية ~~ذلك المحذوف هو الصالحات ، لأنه قد شاع أن يقال : الأعمال الصالحات ولا ~~يقال الأعمال الباقيات ، ولأن بقاءها مترتب على صلاحها ، فلا جرم أن ~~الصالحات وصف قام مقام الموصوف وأغنى عنه كثيرا في الكلام حتى صار لفظ ( ~~الصالحات ) بمنزلة الاسم الدال على عمل خير ، وذلك كثير في القرآن قال ~~تعالى : { وعملوا الصالحات ( الكهف : 107 ) ، وفي كلامهم قال جرير : | # كيف الهجاء وما تنفك صالحة | # من آل لأم بظهر الغيب تأتيني | # ولكن خولف مقتضى الظاهر هنا ، فقدم ( الباقيات ) للتنبيه على أن ما ذكر ~~قبله إنما كان مفصولا لأنه ليس بباقق ، وهو المال والبنون ، كقوله تعالى : ~~وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع ( الرعد : 26 ) ، فكان هذا التقديم ~~قاضيا لحق الإيجاز لإغنائه عن كلام محذوف ، تقديره : أن ذلك زائل أو ما هو ~~بباق والباقيات من الصالحات خير منه ، فكان قوله : فأصبح هشيما تذروه ~~الرياح ( الكهف : 45 ) مفيدا للزوال بطريقة التمثيل وهو من دلالة التضمن ، ~~وكان قوله : والباقيات } مفيدا زوال غيرها بطريقة الالتزام ، فحصل دلالتان ~~غير مطابقتين وهما أوقع في صناعة البلاغة ، وحصل بثانيتهما تأكيد لمفاد ~~الأولى فجاء كلاما مؤكدا موجزا . | # ونظير هذه الآية آية سورة مريم قوله : { والباقيات الصالحات خير عند ربك ~~ثوابا وخير مردا ( مريم : 76 ) فإنه وقع إثر قوله : وإذا تتلى عليهم آياتنا ~~بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا وكم ~~أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورئيا ( مريم : 73 74 ) الآية . | # وتقديم المال على البنين في الذكر لأنه أسبق خطورا لأذهان الناس ، لأنه ~~يرغب فيه الصغير والكبير والشاب والشيخ ومن له من الأولاد ما قد كفاه ولذلك ~~أيضا قدم في بيت طرفة المذكور آنفا . | PageV15P333 # ومعنى وخير أملا } أن أمل الآمل في المال والبنين إنما يأمل حصول أمر ~~مشكوك في حصوله ومقصور على مدته . وأما الآمل لثواب الأعمال الصالحة فهو ~~يأمل حصول أمر موعود به من صادق الوعد ، ويأمل شيئا تحصل منه منفعة الدنيا ~~ومنفعة الآخرة كما ms4939 قال تعالى : { من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ~~فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ( النحل : 97 ) ~~. فلا جرم كان قوله : وخير أملا } بالتحقق والعموم تذييلا لما قبله . | # | 2 ( 47 ، 48 ) { ويوم نسير الجبال وترى الارض بارزة وحشرناهم فلم نغادر ~~منهم أحدا * وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة بل زعمتم ~~ألن نجعل لكم موعدا } . ) 2 # عطف على جملة { واضرب لهم مثل الحياة الدنيا ( الكهف : 45 ) . فلفظ ( يوم ~~) منصوب بفعل مضمر ، تقديره : اذكر ، كما هو متعارف في أمثاله . فبعد أن ~~بين لهم تعرض ما هم فيه من نعيم إلى الزوال على وجه الموعظة ، أعقبه ~~بالتذكير بما بعد ذلك الزوال بتصوير حال البعث وما يترقبهم فيه من العقاب ~~على كفرهم به ، وذلك مقابلة لضده المذكور في قوله : والباقيات الصالحات خير ~~( الكهف : 46 ) . | # ويجوز أن يكون الظرف متعلقا بمحذوف غير فعل ( اذكر ) يدل عليه مقام ~~الوعيد مثل : يرون أمرا مفظعا أو عظيما أو نحو ذلك مما تذهب إلى تقديره نفس ~~السامع . ويقدر المحذوف متأخرا عن الظرف وما اتصل به لقصد تهويل اليوم وما ~~فيه . | # ولا يجوز أن يكون الظرف متعلقا بفعل القول المقدر عند قوله : لقد جئتمونا ~~} إذ لا يناسب موقع عطف هذه الجملة على التي قبلها ، ولا وجه معه لتقديم ~~الظرف على عامله . | PageV15P334 # وتسيير الجبال : نقلها من مواضعها بزلزال أرضي عظيم ، وهو مثل قوله تعالى ~~: { وإذا الجبال سيرت ( التكوير : 3 ) وقوله تعالى : وترى الجبال تحسبها ~~جامدة وهي تمر مر السحاب ( النمل : 88 ) . وقيل : أطلق التسيير على تناثر ~~أجزائها . فالمراد : ويوم نسير كل جبل من الجبال ، فيكون كقوله : وتكون ~~الجبال كالعهن المنفوش ( القارعة : 5 ) وقوله : وبست الجبال بسا فكانت هباء ~~منبثا ( الواقعة : 5 6 ) وقوله : وسيرت الجبال فكانت سرابا ( النبأ : 20 ) ~~. والسبب واحد ، والكيفيتان متلازمتان ، وهو من أحوال انقراض نظام هذا ~~العالم ، وإقبال عالم الحياة الخالدة والبعث . | # وقرأ الجمهور نسير } بنون العظمة . وقرأ ابن كثير وابن عامر ، وأبو عمرو ~~{ ويوم تسير الجبال } بمثناة فوقية ms4940 ببناء الفعل إلى المجهول ورفع { الجبال ~~} . | # والخطاب في قوله : { وترى الأرض بارزة } لغير معين . والمعنى : ويرى ~~الرائي ، كقول طرفة : | # ترى جثوتين من تراب عليهما | # صفائح صم من صفيح منضد | # وهو نظير قوله : { فترى المجرمين مشفقين مما فيه ( الكهف : 49 ) . | # والبارزة : الظاهرة ، أي الظاهر سطحها ، إذ ليس عليها شيء يستر وجهها من ~~شجر ونبات أو حيوان ، كقوله تعالى : فإذا هم بالساهرة ( النازعات : 14 ) . ~~| # وجملة وحشرناهم } في موضع الحال من ضمير { تسير } على قراءة من قرأ بنون ~~العظمة ، أو من الفاعل المنوي الذي يقتضيه بناء الفعل للنائب على قراءة من ~~قرأ { تسير الجبال بالبناء للنائب . | # ويجوز أن نجعل جملة وحشرناهم } معطوفة على جملة { نسير الجبال } على ~~تأويله ب ( نحشرهم ) بأن أطلق الفعل الماضي على المستقبل تنبيها على تحقيق ~~وقوعه . | # والمغادرة : إبقاء شيء وتركه من تعلق فعل به ، وضمائر الغيبة في { ~~حشرناهم } و { منهم } { وعرضوا } عائدة إلى ما عاد إليه ضمير الغيبة في ~~قوله : { واضرب لهم مثل الحياة الدنيا } ( الكهف : 45 ) . | PageV15P335 # وعرض الشيء : إحضاره ليرى حاله وما يحتاجه . ومنه عرض الجيش على الأمير ~~ليرى حالهم وعدتهم . وفي الحديث ( عرضت علي لأمم ) وهو هنا مستعار لإحضارهم ~~حيث يعلمون أنهم سيتلقون ما يأمر الله به في شأنهم . | # والصف : جماعة يقفون واحدا حذو واحد بحيث يبدو جميعهم لا يحجب أحد منهم ~~أحدا . وأصله مصدر ( صفهم ) إذا أوقفهم ، أطلق على المصفوف . وانتصب { صفا ~~} على الحال من واو { عرضوا } . وتلك الحالة إيذان بأنهم أحضروا بحالة ~~الجناة الذين لا يخفى منهم أحد إيقاعا للرعب في قولبهم . | # وجملة { وعرضوا على ربك } معطوفة على جملة { وحشرناهم } ، فهي في موضع ~~الحال من الضمير المنصوب في { حشرناهم } ، أي حشرناهم وقد عرضوا تنبيها على ~~سرعة عرضهم في حين حشرهم . | # وعدل عن الإضمار إلى التعريف بالإضافة في قوله : { على ربك } دون أن يقال ~~( علينا ) لتضمن الإضافة تنويها بشأن المضاف إليه بأن في هذا العرض وما فيه ~~من التهديد نصيبا من الانتصار للمخاطب إذ كذبوه حين أخبرهم وأنذرهم بالبعث ~~. | # وجملة { لقد جئتمونا } مقول لقول محذوف دل ms4941 عليه أن الجملة خطاب للمعروضين ~~فتعين تقدير القول ، وهذه الجملة في محل الحال . والتقدير : قائلين لهم لقد ~~جئتمونا . وذلك بإسماعهم هذا الكلام من جانب الله تعالى وهم يعلمون أنه من ~~جانب الله تعالى . والخطاب في قوله : { لقد جئتمونا } موجه إلى معاد ضمير { ~~عرضوا } . | # والخبر في قوله : { لقد جئتمونا } مستعمل في التهديد والتغليظ والتنديم ~~على إنكارهم البعث . والمجيء : مجاز في الحضور ، شبهوا حين موتهم بالغائبين ~~وشبهت حياتهم بعد الموت بمجيء الغائب . | # وقوله : { كما خلقناكم أول مرة } واقع موقع المفعول المطلق المفيد ~~للمشابهة ، أي جئتمونا مجيئا كخلقكم أول مرة . فالخلق الثاني أشبه الخلق ~~الأول ، أي فهذا PageV15P336 خلق ثان . و ( ما ) مصدرية ، أي كخلقنا إياكم ~~المرة الأولى ، قال تعالى : { أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق ~~جديد ( ق : 15 ) . والمقصود التعريض بخطئهم في إنكارهم البعث . | # والإضراب في قوله : بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا } انتقال من التهديد وما ~~معه من التعريض بالتغليط إلى التصريح بالتغليط في قالب الإنكار ؛ فالخبر ~~مستعمل في التغليط مجازا وليس مستعملا في إفادة مدلوله الأصلي . | # والزعم : الإعتقاد المخطىء ، أو الخبر المعرض للكذب . والموعد أصله : وقت ~~الوعد بشيء أو مكان الوعد . وهو هنا الزمن الموعود به الحياة بعد الموت . | # والمعنى : أنكم اعتقدتم باطلا أن لا يكون لكم موعد للبعث بعدا لموت أبدا ~~. | # | 2 ( 49 ) { ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون ياويلتنا ~~ما لهاذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا ~~حاضرا ولا يظلم ربك أحدا } . ) 2 # جملة { ووضع الكتاب } معطوفة على جملة { وعرضوا على ربك ( الكهف : 48 ) ، ~~فهي في موضع الحال ، أي وقد وضع الكتاب . | # والكتاب مراد به الجنس ، أي وضعت كتب أعمال البشر ، لأن لكل أحد كتابا ، ~~كما دلت عليه آيات أخرى منها قوله تعالى : وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ~~ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا اقرأ كتابك ( الإسراء : 13 14 ) ~~الآية . وإفراد الضمير في قوله : مما فيه } لمراعاة إفراد لفظ ( الكتاب ) . ~~وعن الغزالي : أنه قال : يكون كتاب جامع ms4942 لجميع ما هو متفرق في الكتب الخاصة ~~بكل أحد . ولعله انتزعه من هذه الآية . وتفرع على وضع الكتاب بيان حال ~~المجرمين عند وضعه . | ذكر | PageV15P337 # والخطاب بقوله : { فترى } لغير معين . وليس للنبيء صلى الله عليه وسلم ~~لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يومئذ في مقامات عالية عن ذلك الموضع . | # والإشفاق : الخوف من أمر يحصل في المستقبل . | # والتعبير بالمضارع في { يقولون } لاستحضار الحالة الفظيعة ، أو لإفادة ~~تكرر قولهم ذلك وإعادته شأن الفزعين الخائفين . | # ونداء الويل : ندبة للتوجع من الويل . وأصله نداء استعمل مجازا بتنزيل ما ~~لا ينادى منزلة ما ينادى لقصد حضوره ، كأنه يقول : هذا وقتك فاحضري ، ثم ~~شاع ذلك فصار لمجرد الغرض من النداء وهو التوجع ونحوه . | # والويلة : تأنيث الويل للمبالغة ، وهو سوء الحال والهلاك . كما أنثت ~~الدار على دارة ، للدلالة على سعة المكان ، وقد تقدم عند قوله تعالى : { ~~قال يا وليتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب في سورة العقود المائدة ( 31 ) ~~. | # والاستفهام في قولهم : مال هذا الكتاب } مستعمل في التعجب . ( فما ) اسم ~~استفهام ، ومعناها : أي شيء ، و { هذا الكتاب } صفة ل ( ما ) الاستفهامية ~~لما فيها من التنكير ، أي ما ثبت لهذا الكتاب . | # واللام للاختصاص مثل قوله : { ما لك لا تأمنا على يوسف ( يوسف : 11 ) . | # وجملة لا يغادر } في موضع الحال ، هي مثار التعجب ، وقد جرى الاستعمال ~~بملازمة الحال لنحو { ما لك } فيقولون : ما لك لا تفعل وما لك فاعلا . | # والمغادرة : الترك ، وتقدم آنفا في قوله : { فلم نغادر منهم أحدا ( الكهف ~~: 47 ) . | # والصغيرة والكبيرة : وصفان لموصوف محذوف لدلالة المقام ، أي فعلة أو هنة ~~. والمراد بالصغر والكبر هنا الأفعال العظيمة والأفعال الحقيرة . والعظم ~~والحقارة يكونان بحسب الوضوح والخفاء ويكونان بحسب القوة والضعف . | ~~PageV15P338 # وتقديم ذكر الصغيرة لأنها أهم من حيث يتعلق التعجب من إحصائها . وعطفت ~~عليها الكبيرة لإرادة التعميم في الإحصاء لأن التعميم أيضا مما يثير التعجب ~~، فقد عجبوا من إحاطة كاتب الكتاب بجميع الأعمال . | # والاستثناء من عموم أحوال الصغيرة والكبيرة ، أي لا يبقي صغيرة ولا كبيرة ~~في جميع أحوالهما إلا في ms4943 حال إحصائه إياها ، أي لا يغادره غير محصي . ~~فالاستثناء هنا من تأكيد الشيء بما يشبه ضده لأنه إذا أحصاه فهو لم يغادره ~~، فآل إلى معنى أنه لا يغادر شيئا ، وانتفت حقيقة الاستثناء . | # فجملة أحصاها } في موضع الحال . والرابط بينها وبين ذي الحال حرف ~~الاستثناء . والإحصاء : العد ، أي كانت أفعالهم معدودة مفصلة . | # وجملة { ووجدوا ما عملوا حاضرا } في موضع الحال من ضمير { يقولون } . أي ~~إنما قالوا ذلك حين عرضت عليهم أعمالهم كلها عند وضع ذلك الكتاب عرضا سريعا ~~حصل به علم كل بما في كتابه على وجه خارق للعادة . | # وجملة { ولا يظلم ربك أحدا } عطف على جملة { ووجدوا ما عملوا حاضرا } لما ~~أفهمته الصلة من أنهم لم يجدوا غير ما عملوا ، أي لم يحمل عليهم شيء لم ~~يعملوه ، لأن الله لا يظلم أحدا فيؤاخذه بما لم يقترفه ، وقد حدد لهم من ~~قبل ذلك ما ليس لهم أن يفعلوه وما أمروا بفعله ، وتوعدهم ووعدهم ، فلم يكن ~~في مؤاخذتهم بما عملوه من المنهيات بعد ذلك ظلم لهم . والمقصود : إفادة هذا ~~الشأن من شؤون الله تعالى ، فلذلك عطفت الجملة لتكون مقصودة أصالة . وهي مع ~~ذلك مفيدة معنى التذييل لما فيها من الاستدلال على مضمون الجملة قبلها ، ~~ومن العموم الشامل لمضمون الجملة قبلها وغيره ، فكانت من هذا الوجه صالحة ~~للفصل بدون عطف لتكون تذييلا . | # | PageV15P339 # | 2 ( 50 ) { وإذا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدو ا إلا إبليس كان من ~~الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أوليآء من دونى وهم لكم عدو بئس ~~للظالمين بدلا } . ) 2 # | $ # عطف على جملة { ويوم نسير الجيال ( الكهف : 47 ) بتقدير : واذكر إذ قلنا ~~للملائكة ، تفننا لغرض الموعظة الذي سيقت له هذه الجمل ، وهو التذكير ~~بعواقب اتباع الهوى والأعراض عن الصالحات ، وبمداحض الكبرياء والعجب ~~واحتقار الفضيلة والابتهاج بالأعراض التي لا تكسب أصحابها كمالا نفسيا . ~~وكما وعظوا بآخر أيام الدنيا ذكروا هنا بالموعظة بأول أيامها وهو يوم خلق ~~آدم ، وهذا أيضا تمهيد وتوطئة لقوله : ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم ~~} الآية ( الكهف : 52 ) ، فإن ms4944 الإشراك كان من غرور الشيطان ببني آدم . | # ولها أيضا مناسبة بما تقدم من الآيات التي أنحت على الذين افتخروا بجاههم ~~وأموالهم واحتقروا فقراء أهل الإسلام ولم يميزوا بين الكمال الحق والغرور ~~الباطل ، كما أشار إليه قوله تعالى : { واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم ~~بالغداة والعشي ( الكهف : 28 ) ، فكان في قصة إبليس نحو آدم مثل لهم ، ولأن ~~في هذه القصة تذكيرا بأن الشيطان هو أصل الضلال ، وأن خسران الخاسرين يوم ~~القيامة آيل إلى اتباعهم خطواتت الشيطان وأوليائه . ولهذا فرع على الأمرين ~~قوله تعالى : أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو } . | # وهذه القصة تكررت في مواضع كثيرة من القرآن ، وهي في كل موضع تشتمل على ~~شيء لم تشتمل عليه في الآخر ، ولها في كل موضع ذكرت فيه عبرة تخالف عبرة ~~غيره ، فذكرها في سورة البقرة ( مثلا ) إعلام بمبادىء الأمور ، وذكرها هنا ~~تنظير للحال وتوطئة للإنكار والتوبيخ ، وقس على ذلك . | PageV15P340 # وفسق : تجاوز عن طاعته . وأصله قولهم : فسقت الرطبة ، إذا خرجت من قشرها ~~فاستعمل مجازا في التجاوز . قال أبو عبيدة . والفسق بمعنى التجاوز عن ~~الطاعة . قال أبو عبيدة : ( لم نسمع ذلك في شيء من أشعار الجاهلية ولا ~~أحاديثها وإنما تكلم به العرب بعد نزول القرآن ) ، أي في هذه الآية ونحوها ~~. ووافقه المبرد وابن الأعرابي . وأطلق الفسق في مواضع من القرآن على ~~العصيان العظيم ، وتقدم في سورة البقرة ( 26 ) عند قوله تعالى : { وما يضل ~~به إلا الفاسقين . | # والأمر في قوله : عن أمر ربه } بمعنى المأمور ، أي ترك وابتعد عما أمره ~~الله به . | # والعدول في قوله : { عن أمر ربه } إلى التعريف بطريق الإضافة دون الضمير ~~لتفظيع فسق الشيطان عن أمر الله بأنه فسق عبد عن أمر من تجب عليه طاعته ~~لأنه مالكه . | # وفرع على التذكير بفسق الشيطان وعلى تعاظمه على أصل النوع الإنساني إنكار ~~اتخاذه واتخاذ جنده أولياء لأن تكبره على آدم يقتضي عداوته للنوع ، ولأن ~~عصيانه أمر مالكه يقتضي أنه لا يرجى منه خير وليس أهلا لأن يتبع . | # والاستفهام مستعمل في الإنكار والتوبيخ للمشركين ms4945 ، إذ كانوا يعبدون الجن ~~، قال تعالى : { وجعلوا لله شركاء الجن ( الأنعام : 100 ) . ولذلك علل ~~النهي بجملة الحال وهي جملة وهم لكم عدو } . | # والذرية : النسل ، وذرية الشيطان الشياطين والجن . | # والعدو : اسم يصدق على الواحد وعلى الجمع ، قال تعالى : { يأيها الذين ~~آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة ( الممتحنة : 1 ) ~~وقال : هم العدو ( المنافقون : 4 ) . | # عومل هذا الاسم معاملة المصادر لأنه على زنة المصدر مثل القبول والولوع ، ~~وهما مصدران . وتقدم عند قوله تعالى : فإن كان من قوم عدو لكم في سورة ~~النساء ( 92 ) . | PageV15P341 # والولي : من يتولى ، أي يتخذ ذا ولاية بفتح الواو وهي القرب . والمراد به ~~القرب المعنوي ، وهو الصداقة والنسب والحلف . و ( من ) زايدة للتوكيد ، أي ~~تتخذونهم أولياء مباعدين لي . وذلك هو إشراكهم في العبادة ، فإن كل حالة ~~يعبدون فيها الآلهة هي اتخاذ لهم أولياء من دون الله . | # والخطاب في أتتخذونه } وما بعده خطاب للمشركين الذين اتخذوه وليا ، ~~وتحذير للمسلمين من ذلك . | # وجملة { بئس للظالمين بدلا } مستأنفة لإنشاء ذم إبليس وذريته باعتبار ~~اتخاذ المشركين إياهم أولياء ، أي بئس البدل للمشركين الشيطان وذريته ، ~~فقوله : { بدلا } تمييز مفسر لاسم ( بئس ) المحذوف لقصد الاستغناء عنه ~~بالتمييز على طريقة الإجمال ثم التفصيل . | # والظالمون هم المشركون . وإظهار الظالمين في موضع الإضمار للتشهير بهم ، ~~ولما في الاسم الظاهر من معنى الظلم الذي هو ذم لهم . | # | 2 ( 51 ) { مآ أشهدتهم خلق السماوات والارض ولا خلق أنفسهم وما كنت ~~متخذ المضلين عضدا } . ) 2 # تتنزل هذه الجملة منزلة التعليل للجملتين اللتين قبلها وهما { أفتتخذونه ~~وذريته } إلى قوله : { بدلا ( الكهف : 50 ) ، فإنهم لما لم يشهدوا خلق ~~السماوات والأرض لم يكونوا شركاء لله في الخلق بطريق الأولى فلم يكونوا ~~أحقاء بأن يعبدوا . وهذا احتجاج على المشركين بما يعترفون به فإنهم يعترفون ~~بأن الله هو المتفرد بخلق السماوات والأرض وخلق الموجودات . | # والإشهاد : جعل الغير شاهدا ، أي حاضرا ، وهو هنا كناية عن إحضار خاص ، ~~وهو إحضار المشاركة في العمل أو الإعانة عليه . ونفي هذا الشهود يستلزم نفي ~~PageV15P342 المشاركة في الخلق والإلهية بالفحوى ms4946 أي ، بالأولى ، فإن خلق ~~السماوات كان قبل وجود إبليس وذريته ، فهو استدلال على انتفاء إلهيتهم بسبق ~~العدم على وجودهم . وكل ما جاز عليه العدم استحال عليه القدم ، والقدم من ~~لوازم الإلهية . وضمائر الغيبة في قوله : أشهدتهم } وقوله : { أنفسهم } ~~عائدة إلى المتحدث عنه ، أي إبليس وذريته كما عاد إليهم الضمير في قوله : { ~~وهم لكم عدو } . | # ومعنى { أنفسهم } ، أنفس بعضهم بقرينة استحالة مشاهدة المخلوق خلق نفسه ، ~~فإطلاق الأنفس هنا نظير إطلاقه في قوله تعالى : { فإذا دخلتم بيوتا فسلموا ~~على أنفسكم ( النور : 61 ) وفي قوله : ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ( ~~البقرة : 84 ) ، أي أنفس بعضكم . فعلى هذا الوجه تتناسق الضمائر ويتقوم ~~المعنى المقصود . | # واعلم أن الله تعالى خلق السماوات والأرض قبل أن يخلق لهما سكانهما كما ~~دل عليه قوله : قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له ~~أندادا ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها ~~أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال ~~لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين فقضاهن سبع سماوات في ~~يومين وأوحى في كل سماء أمرها ( فصلت : 9 12 ) . وكان أهل الجاهلية يعتقدون ~~في الأرض جنا متصرفين فكانوا إذا نزلوا واديا مخوفا قالوا : أعوذ بعزيز هذا ~~الوادي ، ليكونوا في أمن من ضره . | # وقرأ أبو جعفر ما أشهدناهم } بنون العظمة ، وقرأ { وما كنت } بفتح التاء ~~على الخطاب ، والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم وهو خبر مستعمل في النهي . ~~| # والمراد ب { المضلين } الشياطين ، لأنهم أضلوا الناس بإلقاء خواطر ~~الضلالة والفساد في النفوس ، كما قال تعالى : { وإن الشياطين ليوحون إلى ~~أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون ( الأنعام : 121 ) . | # وجملة وما كنت متخذ المضلين عضدا } تذييل لجملة { ما أشهدتهم خلق السموات ~~والأرض } . | PageV15P343 # والعدول عن الإضمار بأن يقال : وما كنت متخذهم إلى { المضلين } لإفادة ~~الذم ، ولأن التذييل ينبغي أن يكون كلاما مستقلا . | # والعضد بفتح العين وضم الضاد المعجمة في الأفصح ، و بالفتح وسكون الضاد ~~في لغة تميم . وفيه لغات أخرى ms4947 أضعف . ونسب ابن عطية أن أبا عمرو قرأه بضم ~~العين وضم الضاد على أنها لغة في عضد وهي رواية هارون عن أبي عمرو وليست ~~مشهورة . وهو : العظم الذي بين المرفق والكتف ، وهو يطلق مجازا على المعين ~~على العمل ، يقال : فلان عضدي واعتضدت به . | # والمعنى : لا يليق بالكمال الإلهي أن أتخذ أهل الإضلال أعوانا فأشركهم في ~~تصرفي في الإنشاء ، فإن الله مفيض الهداية وواهب الدراية فكيف يكون أعوانه ~~مصادر الضلالة ، أي لا يعين المعين إلا على عمل أمثاله ، ولا يكون إلا ~~قرينا لأشكاله . | # | 2 ( 52 ) { ويوم يقول نادوا شركآئى الذين زعمتم فدعوهم فلم يستجيبوا ~~لهم وجعلنا بينهم موبقا } . ) 2 # عطف على جملة { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ( الكهف : 50 ) فيقدر : ~~واذكر يوم يقول نادوا شركائي ، أو على جملة ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ~~( الكهف : 51 ) ، فالتقدير : ولا أشهدت شركاءهم جميعا ولا تنفعهم شركاؤهم ~~يوم الحشر ، فهو انتقال من إبطال معبودية الشيطان والجن إلى إبطال إلهية ~~جميع الآلهة التي عبدها دهماء المشركين مع بيان ما يعتريهم من الخيبة ~~واليأس يومئذ . وقد سلك في إبطال إلهيتها طريق المذهب الكلامي وهو ~~الاستدلال على انتفاء الماهية بانتفاء لوازمها ، فإنه إذا انتفى نفعها ~~للذين يعبدونها استلزم ذلك انتفاء إلهيتها ، وحصل بذلك تشخيص خيبتهم ويأسهم ~~من النجاة . | PageV15P344 # وقرأة الجمهور يقول } بياء الغيبة وضمير الغائب عائد إلى الله تعالى ~~لدلالة المقام عليه ، وقرأ حمزة { نقول } بنون العظمة . | # واليوم الذي يقع فيه هذا القول هو يوم الحشر . والمعنى : يقول للمشركين ، ~~كما دل عليه قوله : { الذين زعمتم } ، أي زعمتموهم شركائي . وقدم وصفهم ~~بوصف الشركاء قبل فعل الزعم تهكما بالمخاطبين وتوبيخا لهم ، ثم أردف بما ~~يدل على كذبهم فيما ادعوا بفعل الزعم الدال على اعتقاد باطل . | # والنداء : طلب الإقبال للنصرة والشفاعة . | # والاستجابة : الكلام الدال على سماع النداء والأخذ في الإقبال على ~~المنادي بنحو قول : لبيكم . | # وأمره إياهم بمناداة شركائهم مستعمل في معناه مع إرادة لازمه وهو إظهار ~~باطلهم بقرينة فعل الزعم . ولذلك لم يسعهم إلا أن ينادوهم حيث قال { فدعوهم ~~} لطمعهم ms4948 ، فإذا نادوهم تبين لهم خيبة طمعهم . ولذلك عطف فعل الدعاء بالفاء ~~الدالة على التعقيب . وأتي به في صيغة المضي للدلالة على تعجيل وقوعه حينئذ ~~حتى كأنه قد انقضى . | # والموبق : مكان الوبوق ، أي الهلاكك . يقال : وبق مثل وعد ووجل وورث . ~~والموبق هنا أريد به جهنم ، أي حين دعوا أصنامهم بأسمائهم كون الله فيما ~~بين مكانهم ومكان أصنامهم فوهات جهنم ، ويجوز أن تكون جملة { وجعلنا بينهم ~~موبقا } جملة حال أي وقد جعلنا بينهم موبقا تمهيدا لما بعده من قوله : { ~~ورأى المجرمون النار ( الكهف : 53 ) . | # | 2 ( 53 ) ورأى المجرمون النار فظنو ا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها ~~مصرفا } . ) 2 # | $ # عطف على جملة { وجعلنا بينهم موبقا ( الكهف : 52 ) ، أي جعلنا الموبق ~~ورآه المجرمون ، فذكر المجرمين إظهار في مقام الإضمار للدلالة على ما يفيده ~~المجرمون من تلبسهم PageV15P345 بما استحقوا به عذاب النار . وكذلك عبر ب ( ~~النار ) في مقام الإضمار للموبق للدلالة على أن الموبق هو النار فهو شبيه ~~بعطف البيان . | # والظن مستعمل هنا في معنى التحقق وهو من استعمالاته . ولعل اختياره هنا ~~ضرب من التهكم بهم ؛ بأنهم رجحوا أن تلك النار أعدت لأجلهم في حين أنهم ~~موقنون بذلك . | # والمواقعة : مفاعلة من الوقوع ، وهو الحصول لقصد المبالغة ، أي واقعون ~~فيها وقوع الشيء الحاصل في موقع يتطلبه فكأنه يقع هو فيه . | # والمصرف : مكان الصرف ، أي التخلص والمجاوزة . وفي الكلام إيجاز ، تقديره ~~: وحاولوا الانقلاب أو الانصراف فلم يجدوا عنها مصرفا ، أي مخلصا . | # | 2 ( 54 ) ولقد صرفنا فى هاذا القرءان للناس من كل مثل وكان الإنسان ~~أكثر شىء جدلا } . ) 2 # عطف على الجمل السابقة التي ضربت فيها أمثال من قوله : { واضرب لهم مثلا ~~رجلين ( الكهف : 32 ) وقوله : واضرب لهم مثل الحياة الدنيا ( الكهف : 45 ) ~~. ولما كان في ذلك لهم مقنع وما لهم منه مدفع عاد إلى التنويه بهدي القرآن ~~عودا ناظرا إلى قوله : واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك ( الكهف : 27 ) وقوله ~~: وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ( الكهف : 29 ) ؛ فأشار ~~لهم أن هذه ms4949 الأمثال التي قرعت أسماعهم هدي من جملة هدي القرآن الذي تبرموا ~~منه . وتقدم الكلام على نظير هذه الآية عند قوله : ولقد صرفا للناس في هذا ~~القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا في سورة الإسراء ( 89 ) ؛ سوى ~~أنه يتجه هنا أن يسأل لم قدم في هذه الآية أحد متعلقي فعل التصريف على ~~الآخر إذ قدم هنا قوله : في هذا القرآن } على قوله : { للناس } عكس آية ~~سورة الإسراء . وهو ما أشرنا إليه عند الآية السابقة من أن ذكر القرآن أهم ~~PageV15P346 من ذكر الناس بالأصالة ، ولا مقتضي للعدول عنه هنا بل الأمر ~~بالعكس لأن الكلام جار في التنويه بشأن القرآن وأنه ينزل بالحق لا بهوى ~~الأنفس . | # والناس : اسم عام لكل من يبلغه القرآن في سائر العصور المستقبلة ، ~~والمقصود على الخصوص المشركون ، كما دل عليه جملة { وكان الإنسان أكثر شيء ~~جدلا } ، فوزانه وزان قوله : { ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ~~فأبى أكثر الناس إلا كفورا ( الإسراء : 89 ) ، وسيجيء قوله : ويجادل الذين ~~كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق ( الكهف : 56 ) . وهذا يشبه العام الوارد ~~على سبب خاص وقرائن خاصة . | # وجملة وكان الإنسان أكثر شيء جدلا } تذييل ، وهو مؤذن بكلام محذوف على ~~وجه الإيجاز ، والتقدير : فجادلوا فيه وكان الإنسان أكثر جدلا ، فإن ~~الإنسان اسم لنوع بني آدم ، وحرف ( ال ) فيه لتعريف الحقيقة فهو أوسع عموما ~~من لفظ الناس . والمعنى : أنهم جادلوا . والجدال : خلق ، منه ذميم يصد عنه ~~تأديب الإسلام ويبقى في خلق المشركين ، ومنه محمود كما في قوله تعالى : { ~~فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط إن إبراهيم ~~لحليم أواه منيب ( هود : 74 75 ) ، فأشار بالثناء على إبراهيم إلى أن جداله ~~محمود . وليس المراد بالإنسان الإنسان الكافر كما في قوله تعالى : يقول ~~الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيا ( مريم : 66 ) ولا المراد بالجدل الجدل ~~بالباطل ، لأن هذا سيجيء في قوله تعالى : ويجادل الذين كفروا بالباطل } ~~الآية ، فقوله هنا : { وكان الإنسان أكثر شيء جدلا } تمهيد لقوله بعده ms4950 { ~~ويجادل الذين كفروا بالباطل ( الكهف : 56 ) . | # و ( شيء ) اسم مفرد متوغل في العموم . ولذلك صحت إضافة اسم التفضيل إليه ~~، أي أكثر الأشياء . واسم التفضيل هنا مسلوب المفاضلة مثل قوله : رب السجن ~~أحب إلي مما يدعونني إليه ( يوسف : 33 ) ، وإنما أتي بصيغته لقصد المبالغة ~~في شدة جدل الإنسان وجنوحه إلى المماراة والنزاع حتى فيما ترك الجدال في ~~شأنه أحسن ، بحيث إن شدة الوصف فيه تشبه تفوقه في الوصف على كل من يعرض أنه ~~موصوف به . | PageV15P347 # وإنما ألجئنا إلى هذا التأويل في اسم التفضيل لظهور أن غير الإنسان من ~~أنواع ما على الأرض لا يتصور منه الجدل . فالجدل خاص بالإنسان لأنه من شعب ~~النطق الذي هو فصل حقيقة الإنسانية ، أما الملائكة فجدلهم محمود مثل قولهم ~~: أتجعل فيها من يفسد فيها إلى قوله : ونقدس لك ( البقرة : 30 ) . وأما ~~الشياطين فهم أكثر جدلا من الإنسان ، ولكن لما نبا المقام عن إرادتهم كانوا ~~غير مرادين بالتفضيل عليهم في الجدل . | # وجدلا } تمييز لنسبة الأكثرية إلى الإنسان . والمعنى : وكان الإنسان ~~كثيرا من جهة الجدل ، أي كثيرا جدله . ويدل لهذا المعنى ما ثبت في ( الصحيح ~~) عن علي : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم طرقه وفاطمة ليلا فقال : ألا ~~تصليان ؟ فقال علي : يا رسول الله إنما أنفسنا بيد الله إن شاء أن يبعثنا ~~بعثنا ، قال : فانصرف رسول الله حين قلت له ذلك ولم يرجع إلي شيئا ، ثم ~~سمعته يضرب فخذه ويقول : { وكان الإنسان أكثر شيء جدلا } . يريد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن الأولى بعلي أن يحمد إيقاظ رسول الله إياه ليقوم من ~~الليل وأن يحرص على تكرر ذلك وأن يسر بما في كلام رسول الله من ملام ، ولا ~~يستدل بما يحبذ استمرار نومه ، فذلك محل تعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من جواب علي رضي الله عنه . | # ولا يحسن أن يحمل التفضيل في الآية على بابه بأن يرد أن الإنسان أكثر ~~جدلا من الشياطين والجن مما يجوز على حقيقته الجدل لأنه محمل لا يراد مثله ~~في ms4951 مثل هذا . ومن أنبأنا أن للشياطين والجن مقدرة على الجدل ؟ . | # والجدل : المنازعة بمعاوضة القول ، أي هو الكلام الذي يحاول به إبطال ما ~~في كلام المخاطب من رأي أو عزم عليه : بالحجة أو بالإقناع أو بالباطل ، قال ~~تعالى : { ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن ( العنكبوت : 46 ) ، ~~وقال : قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله ( المجادلة : ~~1 ) ، وقال : يجادلنا في قوم لوط ( هود : 74 ) ، وقال : ولا تجادل عن الذين ~~يختانون أنفسهم ( النساء : 107 ) ، وقال : يجادلونك في الحق بعد ما تبين ( ~~الأنفال : 6 ) . | PageV15P348 # والمراد هنا مطلق الجدل وبخاصة ما كان منه بباطل ، أي أن كل إنسان في ~~طبعه الحرص على إقناع المخالف بأحقية معتقده أو عمله . وسياق الكلام يقتضي ~~إرادة الجدل الباطل . | # | 2 ( 55 ) وما منع الناس أن يؤمنو ا إذ جآءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا ~~أن تأتيهم سنة الاولين أو يأتيهم العذاب قبلا } . ) 2 # | $ # عطف على جملة { ولقد صرفنا في هذا القرآن } ( الكهف : 54 ) الخ . ومعناها ~~متصل تمام الاتصال بمعنى الجملة التي قبلها بحيث لو عطفت عليها بفاء ~~التفريع لكان ذلك مقتضى الظاهر وتعتبر جملة { وكان الإنسان أكثر شيء جدلا ( ~~الكهف : 54 ) معترضة بينهما لولا أن في جعل هذه الجملة مستقلة بالعطف ~~اهتماما بمضمونها في ذاته ، بحيث يعد تفريعه على مضمون التي قبلها يحيد به ~~عن الموقع الجدير هو به في نفوس السامعين إذ أريد أن يكون حقيقة مقررة في ~~النفوس . ولهذه الخصوصية فيما أرى عدل في هذه الجملة عن الإضمار إلى ~~الإظهار بقوله : وما منع الناس } وبقوله : { إذ جاءهم الهدى } دون أن يقول ~~: وما منعهم أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى قصدا لاستقلال الجملة بذاتها غير ~~مستعانة بغيرها ، فتكون فائدة مستقلة تستأهل توجه العقول إلى وعيها لذاتها ~~لا لأنها فرع على غيرها . | # على أن عموم { الناس } هنا أشمل من عموم لفظ { الناس } في قوله : { ولقد ~~صرفنا في هذا القرآن للناس ( الكهف : 54 ) فإن ذلك يعم الناس الذين يسمعون ~~القرآن في أزمان ما بعد نزول تلك الآية ms4952 ، وهذا يعم الناس كلهم الذين ~~امتنعوا من الإيمان بالله . | # وكذلك عموم لفظ الهدى } يشمل هدى القرآن وما قبله من الكتب الإلهية ~~وأقوال الأنبياء كلها ، فكانت هذه الجملة قياسا تمثيليا بشواهد التاريخ ~~وأحوال تلقي الأمم دعوات رسلهم . | PageV15P349 # فالمعنى : ما منع هؤلاء المشركين من الإيمان بالقرآن شيء يمنع مثله ، ~~ولكنهم كالأمم الذين قبلهم الذين جاءهم الهدى بأنواعه من كتب وآيات وإرشاد ~~إلى الخير . | # والمرد ب { الأولين } السابقون من الأمم في الضلال والعناد . ويجوز أن ~~يراد بهم الآباء ، أي سنة آبائهم ، أي طريقتهم ودينهم ، ولكل أمة أمة ~~سبقتها . | # و { أن تأتيهم } استثناء مفرغ هو فاعل { وما منع } . ( ولن يؤمنوا ) ~~منصوب على نزع الخافض ، أي من أن يؤمنوا . | # ومعنى { تأتيهم سنة الأولين } تحل فيهم وتعتريهم ، أي تلقى في نفوسهم ~~وتسول إليهم . والمعنى : أنهم يشبهون خلق من كانوا قبلهم من أهل الضلال ~~ويقلدونهم ، كما قال تعالى : { أتواصوا به بل هم قوم طاغون ( الذاريات : 53 ~~) . | # وسنة الأولين : طريقتهم في الكفر . وإضافة ( سنة ) إليهم تشبه إضافة ~~المصدر إلى فاعله ، أي السنة التي سنها الأولون . وإسناد منعهم من الإيمان ~~إلى إتيان سنة الأولين استعارة . | # والمعنى : ما منع الناس أن يؤمنوا إلا الذي منع الأولين قبلهم من عادة ~~العناد والطغيان وطريقتهم في تكذيب الرسل والاستخفاف بهم . | # وذكر الاستغفار هنا بعد ذكر الإيمان تلقين إياهم بأن يبادروا بالإقلاع عن ~~الكفر وأن يتوبوا إلى الله من تكذيب النبي ومكابرته . | # و ( أو ) هي التي بمعنى ( إلى ) ، وانتصاب فعل يأتيهم العذاب } ( بأن ) ~~مضمرة بعد ( أو ) . و ( أو ) متصلة المعنى بفعل { منع } ، أي منعهم تقليد ~~سنة الأولين من الإيمان إلى أن يأتيهم العذاب كما أتى الأولين . | # هذا ما بدا لي في تفسير هذه الآية وأراه أليق بموقع هاته الآية من التي ~~قبلها . | PageV15P350 # فأما جميع المفسرين فقد تأولوا الآية على خلاف هذا على كلمة واحدة فجعلوا ~~المراد بالناس عين المراد بهم في قوله : { ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس ~~من كل مثل } ( الكهف : 54 ) ، أي ما منع المشركين من الإيمان بالله ورسوله ~~. وجعلوا المراد بالهدى ms4953 عين المراد بالقرآن ، وحملوا سنة الأولين على معنى ~~سنة الله في الأولين ، أي الأمم المكذبين الماضين ، أي فإضافة { سنة } إلى ~~{ الأولين } مثل إضافة المصدر إلى مفعوله ، وهي عادة الله فيهم ، أي يعذبهم ~~عذاب الاستيصال . | # وجعلوا إسناد المنع من الإيمان إلى إتيان سنة الأولين ، بتقدير مضاف ، أي ~~انتظار أن تأتيهم سنة الله في الأولين ، أي ويكون الكلام تهكما وتعريضا ~~بالتهديد بحلول العذاب بالمشركين ، أي لا يؤمنون إلا عند نزول عذاب ~~الاستيصال ، أي على معنى قوله تعالى : { فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين ~~خلوا من قبلهم قل فانتظروا ( يونس : 102 ) . | # وجعلوا قوله : أو يأتيهم العذاب قبلا } قسيما لقوله : { إلا أن تأتيهم ~~سنة الأولين } ، فحرف ( أو ) للتقسيم ، وفعل { يأتيهم } منصوب بالعطف على ~~فعل { أن تأتيهم سنة الأولين } بالاستيصال المفاجىء أو يأتيهم العذاب ~~مواجها لهم . وجعلوا { قبلا } حالا من { العذاب } ، أي مقابلا . قال الكلبي ~~: وهو عذاب السيف يوم بدر . ولعله يريد أنه عذاب مقابلة وجها لوجه ، أي ~~عذاب الجلاد بالسيوف . ومعناه : أن المشركين منهم من ذاق عذاب السيف في ~~غزوات المسلمين ، ومنهم من مات فهو يرى عذاب الآخرة . وعلى هذا التفسير ~~الذي سلكوه ينسلخ من الآية معنى التذييل ، وتقصر على معنى التهديد . | # والإتيان : مجاز في الحصول في المستقبل ، لوجود ( أن ) المصدرية التي ~~تخلص المضارع للاستقبال ، وهو استقبال نسبي فلكل أمة استقبال سنة من قبلها ~~. | # والسنة : العادة المألوفة في حال من الأحوال . | # وإسناد منعهم الإيمان إلى إتيان سنة الأولين أو إتيان العذاب إسناد مجاز ~~عقلي . والمراد : ما منعهم إلا سبب إتيان سنة الأولين لهم أو إتيان العذاب ~~. وسبب ذلك PageV15P351 هو التكبر والمكابرة والتمسك بالضلال ، أي أنه لا ~~يوجد مانع يمنعهم الإيمان يخولهم المعذرة به ولكنهم جروا على سنن من قبلهم ~~من الضلال . وهذا كناية عن انتفاء إيمانهم إلى أن يحل بهم أحد العذابين . | # وفي هذه الكناية تهديد وإنذار وتحذير وحث على المبادرة بالاستغفار من ~~الكفر . وهو في معنى قوله تعالى : { إن الذين حقت عليهم كلمات ربك لا ~~يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب ms4954 الأليم ( يونس : 96 97 ) . | # وقبلا } حال من العذاب . وهو بكسر القاف وفتح الباء في قراءة الجمهور ~~بمعنى المقابل الظاهر . وقرأ حمزة ، وعاصم ، والكسائي ، وأبو جعفر ، وخلف { ~~قبلا } بضمتين وهو جمع قبيل ، أي يأتيهم العذاب أنواعا . | # | 2 ( 56 ) { وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ويجادل الذين كفروا ~~بالباطل ليدحضوا به الحق واتخذو ا ءاياتى وما أنذروا هزوا } . ) 2 # | $ # بعد أن أشار إلى جدالهم في هدى القرآن بما مهد له من قوله : { وكان ~~الإنسان أكثر شيء جدلا ( الكهف : 54 ) . وأشار إلى أن الجدال فيه مجرد ~~مكابرة وعناد ، وأنه لا يحف بالقرآن ما يمنع من الإيمان به كما لم يحف ~~بالهدى الذي أرسل إلى الأمم ما يمنعهم الإيمان به ، أعقب ذلك بأن وظيفة ~~الرسل التبليغ بالبشارة والنذارة لا التصدي للجادلة ، لأنها مجادلة لم يقصد ~~منها الاسترشاد بل الغاية منها إبطال الحق . | # والاستثناء من أحوال عامة محذوفة ، أي ما نرسل المرسلين في حال إلا في ~~حال كونهم مبشرين ومنذرين . والمراد بالمرسلين جميع الرسل . | PageV15P352 # وجملة ويجادل الذين كفروا بالباطل } عطف على جملة { وما نرسل المرسلين ~~إلا مبشرين ومنذرين } . وكلتا الجملتين مرتبط بجملتي { ولقد صرفنا في هذا ~~القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر شيء جدلا } ( الكهف : 54 ) . ~~وترتيب هذه الجمل في الذكر جار على ترتيب معانيها في النفس بحيث يشعر بأن ~~كل واحدة منها ناشىء معناها على معنى التي قبلها ، فكانت جملة { ويجادل ~~الذين كفروا بالباطل } مفيدة معنى الاستدراك ، أي أرسلنا الرسل مبشرين ~~ومنذرين بما فيه مقنع لطالب الهدى ، ولكن الذين كفروا جادلوه بالباطل ~~لإزالة الحق لا لقصد آخر . واختيار فعل المضارعة للدلالة على تكرر المجادلة ~~، أو لاستحضار صورة المجادلة . | # والمجادلة تقدمت في قوله تعالى : { يجادلنا في قوم لوط في سورة هود ( 74 ~~) . | # والإدحاض : الإزلاق ، يقال : دحضت القدم ، إذا زلت ، وهو مجاز في الإزالة ~~، لأن الرجل إذا زلقت زالت عن موضع تخطيها ، قال تعالى : فساهم فكان من ~~المدحضين ( الصافات : 141 ) . | # وجملة واتخذوا آياتي } عطف على جملة { ويجادل } فإنهم ما قصدوا من ~~المجادلة الاهتداء ، ولكن ms4955 أرادوا إدحاض الحق واتخاذ الآيات كلها وبخاصة ~~آيات الإنذار هزؤا . | # والهزو : مصدر هزا ، أي اتخذوا ذلك مستهزأ به . والاستهزاء بالآيات هو ~~الاستهزاء عند سماعها ، كما يفعلون عند سماع آيات الإخبار بالبعث وعند سماع ~~آيات الوعيد والإنذار بالعذاب . | # وعطف { وما أنذروا } على ( الآيات ) عطف خاص على عام لأنه أبلغ في ~~الدلالة على توغل كفرهم وحماقة عقولهم . | # { وما أنذروا } مصدرية ، أي وإنذارهم والإخبار بالمصدر للمبالغة . | # وقرأ الجمهور { هزءا } بضم الزاي . وقرأه حمزة { هزءا } بسكون الزاي . | # | PageV15P353 # | 2 ( 57 ) { ومن أظلم ممن ذكر بئايات ربه فأعرض عنها ونسى ما قدمت يداه ~~إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفى ءاذانهم وقرا وإن تدعهم إلى الهدى ~~فلن يهتدو ا إذا أبدا } . ) 2 # | $ # لما بين حالهم من مجادلة الرسل لسوء نية ، ومن استهزائهم بالإنذار ، وعرض ~~بحماقتهم أتبع ذلك بأنه أشد الظلم . ذلك لأنه ظلم المرء نفسه وهو أعجب ~~الظلم ، فالذين ذكروا ما هم في غفلة عنه تذكيرا بواسطة آيات الله فأعرضوا ~~عن التأمل فيها مع أنها تنذرهم بسوء العاقبة . وشأن العاقل إذا سمع مثل ذلك ~~أن يتأهب للتأمل وأخذ الحذر ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لقريش ( ~~إذا أخبرتكم أن العدو مصبحكم غدا أكنتم مصدقي ؟ فقالوا : ما جربنا عليك ~~كذبا ) فقال : ( فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد ) . | # و ( من ) المجرورة موصولة . وهي غير خاصة بشخص معين بقرينة قوله : { إنا ~~جعلنا على قلوبهم أكنة } . والمراد بها المشركون من العرب الذين ذكروا ~~بالقرآن فأعرضوا عنه . | # وعطف إعراضهم عن الذكر على التذكير بفاء التعقيب إشارة إلى أنهم سارعوا ~~بالإعراض ولم يتركوا لأنفسهم مهلة النظر والتأمل . | # ومعنى نسيان ما قدمت يداه أنه لم يعرض حاله وأعماله على النظر والفكر ~~ليعلم : أهي صالحة لا تخشى عواقبها أم هي سيئة من شأنها أن لا يسلم مقترفها ~~من مؤاخذة ، والصلاح بين والفساد بين ، ولذلك سمي الأول معروفا والثاني ~~منكرا ، ولا سيما بعد أن جاءتهم الذكرى على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم ~~فهم بمجموع الحالين أشد الناس ظلما ، ولو تفكروا قليلا ms4956 لعلموا أنهم غير ~~مفلتين من لقاء جزاء أعمالهم . | PageV15P354 # ف ( من ) استفهام مستعمل في الإنكار ، أي لا أحد أظلم من هؤلاء المتحدث ~~عنهم . | # والنسيان : مستعمل في التغاضي عن العمل . وحقيقة النسيان تقدم عند قوله ~~تعالى : { ما ننسخ من آية أو ننسها في سورة البقرة ( 106 ) . | # ومعنى ما قدمت يداه } ما أسلفه من الأعمال . وأكثر ما يستعمل مثل هذا ~~التركيب في القرآن في العمل السيء ، فصار جاريا مجرى المثل ، قال تعالى : { ~~ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد } ، وقال : { وما أصابكم من ~~مصيبة فبما قدمت أيديكم } . | # والآية مصوغة بصيغة العموم ، والمقصود الأول : منها مشركو أهل مكة . | # وجملة { إنا جعلنا على قلوبهم أكنة } مستأنفة بيانية نشأت على جملة { ~~ونسي ما قدمت يداه } ، أي إن لم تعلم سبب نسيانه ما قدمت يداه فأعلم أنا ~~جعلنا على قلوبهم أكنة . وهو يفيد معنى التعليل بالمآل ، وليس موقع الجملة ~~موقع الجملة التعليلية . | # والقلوب مراد بها : مدارك العلم . | # والأكنة : جمع كنان ، وهو الغطاء ، لأنه يكن الشيء ، أي يحجبه . | # و { أن يفقهوه } مجرور بحرف محذوف ، أي من أن يفقهوه ، لتضمين { أكنة } ~~معنى الحائل أو المانع . | # والوقر : ثقل السمع المانع من وصول الصوت إلى الصماخ . | # والضمير المفرد في { يفقهوه } عائد إلى القرآن المفهوم من المقام والمعبر ~~عنه بالآيات . | PageV15P355 # وجملة { وإن تدعهم إلى الهدى } عطف على جملة { إنا جعلنا على قلوبهم } ، ~~وهي متفرعة عليها ، ولكنها لم تعطف بالفاء لأن المقصود جعل ذلك في الإخبار ~~المستقل . | # وأكد نفي اهتدائهم بحرف توكيد النفي وهو ( لن ) ، وبلفظ ( أبدا ) المؤكد ~~لمعنى ( لن ) ، وبحرف الجزاء المفيد تسبب الجواب على الشرط . | # وإنما حصل معنى الجزاء باعتبار تفرع جملة الشرط على جملة الاستئناف ~~البياني ، أي ذلك مسبب على فطر قلوبهم على عدم قبول الحق . | # | 2 ( 58 ) { وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم ~~العذاب بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا } . ) 2 # جرى القرآن على عادته في تعقيب الترهيب بالترغيب والعكسس ، فلما رماهم ~~بقوارع التهديد والوعيد عطف على ذلك التعريض بالتذكير بالمغفرة ms4957 لعلهم ~~يتفكرون في مرضاته ، ثم التذكير بأنه يشمل الخلق برحمته في حين الوعيد ~~فيؤخر ما توعدهم به إلى حد معلوم إمهالا للناس لعلهم يرجعون عن ضلالهم ~~ويتدبرون فيما هم فيه من نعم الله تعالى فلعلهم يشكرون ، موجها الخطاب إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم مفتتحا باستحضار الجلالة بعنوان الربوبية للنبيء ~~صلى الله عليه وسلم إيماء إلى أن مضمون الخبر تكريم له ، كقوله : { وما كان ~~الله ليعذبهم وأنت فيهم ( الأنفال : 33 ) . | # والوجه في نظم الآية أن يكون الغفور } نعتا للمبتدأ ويكون { ذو الرحمة } ~~هو الخبر لأنه المناسب للمقام ولما بعده من جملة { لو يؤاخذهم } ، فيكون ~~ذكر { الغفور } إدماجا في خلال المقصود . فخص بالذكر من أسماء الله تعالى ~~اسم { الغفور } تعريضا بالترغيب في الاستغفار . | PageV15P356 # والغفور : اسم يتضمن مبالغة الغفران لأنه تعالى واسع المغفرة إذ يغفر لمن ~~لا يحصون ويغفر ذنوبا لا تحصى إن جاءه عبده تائبا مقلعا منكسرا ، على أن ~~إمهاله الكفار والعصاة هو أيضا من أثر المغفرة إذ هو مغفرة مؤقتة . | # وأما قوله : { ذو الرحمة } فهو المقصود تمهيدا لجملة { لو يؤاخذهم بما ~~كسبوا } ، فلذلك كانت تلك الجملة بيانا لجملة { وربك الغفور ذو الرحمة } ~~باعتبار الغفور الخبر وهو الوصف الثاني . | # والمعنى : أنهم فيما كسبوه من الشرك والعناد أحرياء بتعجيل العقوبة لكن ~~الله يمهلهم إلى أمد معلوم مقدر . وفي ذلك التأجيل رحمة بالناس بتمكين ~~بعضهم من مهلة التدارك وإعادة النظر ، وفيه استبقاؤهم على حالهم زمنا . | # فوصف { ذو الرحمة } يساوي وصف ( الرحيم ) لأن ( ذو ) تقتضي رسوخ النسبة ~~بين موصوفها وما تضاف إليه . | # وإنما عدل عن وصف ( الرحيم ) إلى { ذو الرحمة } للتنبيه على أنه خبر لا ~~نعت تنبيها بطريقة تغيير الأسلوب ، فإن اسم ( الرحيم ) صار شبيها بالأسماء ~~الجامدة ، لأنه صيغ بصيغة الصفة المشبهة فبعد عن ملاحظة الاشتقاق فيه ~~واقترب من صنف الصفة الذاتية . | # و ( بل ) للإضراب الإبطالي عن مضمون جواب ( لو ) ، أي لم يعجل لهم العذاب ~~إذ لهم موعد للعذاب متأخر ، وهذا تهديد بما يحصل لهم يوم بدر . | # والموئل : مفعل من وأل بمعنى لجأ ، فهو ms4958 اسم مكان بمعنى الملجأ . | # وأكد النفي ب ( لن ) ردا على إنكارهم ، إذ هم يحسبون أنهم مفلتون من ~~العذاب حين يرون أنه تأخر مدة طويلة ، أي لأن لا ملجأ لهم من العذاب دون ~~وقت وعده أو مكان وعده ، فهو ملجؤهم . وهذا من تأكيد الشيء بما يشبه ضده ، ~~أي هم غير مفلتين منه . | # | PageV15P357 # | 2 ( 59 ) { وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا } . ) ~~2 # بعد أن أزيل غرورهم بتأخر العذاب ، وأبطل ظنهم الإفلات منه ببيان أن ذلك ~~إمهال من أثر رحمة الله بخلقه ، ضرب لهم المثل في ذلك بحال أهل القرى ~~السالفين الذين أخر عنهم العذاب مدة ثم لم ينجوا منه بأخرة ، فالجملة ~~معطوفة على جملة { بل لهم موعد ( الكهف : 58 ) . | # والإشارة ب تلك إلى مقدر في الذهن ، وكاف الخطاب المتصلة باسم الإشارة لا ~~يراد به مخاطب ولكنها من تمام اسم الإشارة ، وتجري على ما يناسب حال ~~المخاطب بالإشارة من واحد أو أكثر ، والعرب يعرفون ديار عاد وثمود ومدين ~~ويسمعون بقوم لوط وقوم فرعون فكانت كالحاضرة حين الإشارة . | # والظلم : الشرك وتكذيب الرسل . والمهلك بضم الميم وفتح اللام مصدر ميمي ~~من أهلك ، أي جعلنا لإهلاكنا إياهم وقتا معينا في علمنا إذا جاء حل بهم ~~الهلاك . هذه قراءة الجمهور . وقرأه حفص عن عاصم بفتح الميم وكسر اللام على ~~أنه اسم زمان على وزن مفعل . وقرأه أبو بكر عن عاصم بفتح الميم وفتح اللام ~~على أنه مصدر ميمي لهلك . | # | 2 ( 60 ) وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضى ~~حقبا } . ) 2 # | $ # لما جرى ذكر قصة خلق آدم وأمر الله الملائكة بالسجود له ، وما عرض ~~للشيطان من الكبر والاعتزاز بعنصره جهلا بأسباب الفضائل ومكابرة في ~~الاعتراف بها وحسدا في الشرف والفضل ، فضرب بذلك مثلا لأهل الضلال عبيد ~~الهوى PageV15P358 والكبر والحسد ، أعقب تلك القصة بقصة هي مثل في ضدها لأن ~~تطلب ذي الفضل والكمال للازدياد منهما وسعيه للظفر بمن يبلغه الزيادة من ~~الكمال ، اعترافا للفاضل بفضيلته . وفي ذلك إبداء المقابلة بين الخلقين ~~وإقامة ms4959 الحجة على المماثلة والمخالفة بين الفريقين المؤمنين والكافرين ، ~~وفي خلال ذلك تعليم وتنويه بشأن العلم والهدى ، وتربية للمتقين . | # ولأن هذه السورة نزلت بسبب ما سأل المشركون والذين أملوا عليهم من أهل ~~الكتاب عن قصتين قصة أصحاب الكهف وقصة ذي القرنين . وقد تقضى الجواب عن ~~القصة الأولى وما ذيلت به ، وآن أن ينتقل إلى الجواب عن القصة الثانية ~~فتختم بذلك هذه السورة التي أنزلت لبيان القصتين . قدمت لهذه القصة الثانية ~~قصة لها شبه بها في أنها تطواف في الأرض لطلب نفع صالح ، وهي قصة سفر موسى ~~عليه السلام لطلب لقاء من هو على علم لا يعلمه موسى . وفي سوق هذه القصة ~~تعريض بأهل الكتاب بأن الأولى لهم أن يدلوا الناس على أخبار أنبياء إسرائيل ~~وعلى سفر لأجل تحصيل العلم والحكمة لا سفر لأجل بسط الملك والسلطان . | # فجملة { وإذ قال موسى } معطوفة على جملة { وإذ قلنا للملائكة ( الكهف : ~~50 ) عطف القصة على القصة . والتقدير : واذكر إذ قال موسى لفتاه ، أي اذكر ~~ذلك الزمن وما جرى فيه . وناسبها تقدير فعل اذكر لأن في هذه القصة موعظة ~~وذكرى كما في قصة خلق آدم . | # فانتصب ( إذ ) على المفعولية به . | # والفتى : الذكر الشاب ، والأنثى فتاة ، وهو مستعمل مجازا في التابع ~~والخادم . وتقدم عند قوله تعالى : تراود فتاها في سورة يوسف ( 30 ) . | # وفتى موسى : خادمه وتابعه ، فإضافة الفتى إلى ضمير موسى على معنى ~~الاختصاص ، كما يقال : غلامه . وفتى موسى هو يوشع بن نون من سبط ~~PageV15P359 أفرايم . وقد قيل : إنه ابن أخت موسى ، كان اسمه الأصلي هوشع ~~فدعاه موسى حين بعثه للتجسس في أرض كنعان يوشع . ولعل ذلك التغير في الاسم ~~تلطف به ، كما قال رسول الله لأبي هريرة يا أبا هر . وفي التوراة : أن ~~إبراهيم كان اسمه أبرام فلما أمره الله بخصال الفطرة دعاه إبراهام . | # ولعل هذه التغييرات في العبرانية تفيد معاني غير معاني الأسماء الأولى ~~فتكون كما دعا النبي زيد الخيل زيد الخير . | # ويوشع أحد الرجال الإثني عشر الذين بعثهم موسى عليه السلام ليتجسسوا في ~~أرض ms4960 كنعان في جهات حلب وحبرون ويختبروا بأس أهلها وخيرات أرضها ومكثوا ~~أربعين يوما في التجسس . وهو أحد الرجلين اللذين شجعا بني إسرائيل على دخول ~~أرض كنعان اللذين ذكرهما القرآن في آية قال رجلان من الذين يخافون أنعم ~~الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون ( المائدة : 23 ~~) . | # كان ميلاد يوشع في حدود سنة 1463 قبل المسيح ووفاته في حدود سنة 1353 ~~وعمر مائة وعشر سنين ، وكان موسى عليه السلام قد قربه إلى نفسه واتخذه ~~تلميذا وخادما ، ومثل ذلك الاتخاذ يوصف صاحبه بمثل فتى أو غلام . ومنه ~~وصفهم الإمام محمد بن عبد الواحد المطرز النحوي اللغوي غلام ثعلب ، لشدة ~~اتصاله بالإمام أحمد بن يحيى الشيباني الملقب بثعلب . | # وكان يوشع أحد الرجلين اللذين عهد إليهما موسى عليه السلام بأن يقسما ~~الأرض بين أسباط بني إسرائيل بعد موسى عليه السلام . وأمر الله موسى بأن ~~يعهد إلى يوشع بتدبير أمر الأمة الإسرائيلية بعد وفاة موسى عليه السلام ~~فعهد إليه موسى بذلك فصار نبيئا من يومئذ . ودبر أمر الأمة بعد موسى سبعا ~~وعشرين سنة . وكتاب يوشع هو أول كتب الأنبياء بعد موسى عليه السلام . | # وابتدئت القصة بحكاية كلام موسى عليه السلام المقتضي تصميما على أن لا ~~يزول عما هو فيه ، أي لا يشتغل بشيء آخر حتى يبلغ مجمع البحرين ، ~~PageV15P360 ابتداء عجيبا في باب الإيجاز ، فإن قوله ذلك يدل على أنه كان ~~في عمل نهايته البلوغ إلى مكان ، فعلم أن ذلك العلم هو سير سفر . | # ويدل على أن فتاه استعظم هذه الرحلة وخشي أن تنالهما فيها مشقة تعوقهما ~~عن إتمامها ، أو هو بحيث يستعظمها للعلم بأنها رحلة بعيدة ، وذلك شأن أسباب ~~الأمور المهمة ، ويدل على أن المكان الذي يسير إليه مكان يجد عنده مطلبه . ~~| # وأبرح } مضارع برح بكسر الراء ، بمعنى زال يزول . وتقدم في سورة يوسف ~~عليه السلام . واستعير { لا أبرح } لمعنى : لا أترك ، أو لا أكف عن السير ~~حتى أبلغ مجمع البحرين . ويجوز أن يكون مضارع برح الذي هو فعل ناقص لا ~~يستعمل ناقصا ms4961 إلا مع النفي ويكون الخبر محذوفا بقرينة الكلام ، أي لا أبرح ~~سائرا . وعن الرضي أن حذف خبرها قليل . | # وحذف ذكر الغرض الذي سار لأجله موسى عليه السلام لأنه سيذكر بعد ، وهو ~~حذف إيجاز وتشويق ، له موقع عظيم في حكاية القصة ، لإخراجها عن مطروق القصص ~~إلى أسلوب بديع الحكم والأمثال قضاء لحق بلاغة الإعجاز . | # وتفصيل هذه القصة وارد في ( صحيح البخاري ) من حديث : ( عمرو بن دينار ~~ويعلى بن مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبي بن كعب عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن موسى عليه السلام قام خطيبا في بني إسرائيل فسئل : أي ~~الناس أعلم ؟ فقال : أنا . فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه . فأوحى ~~الله إليه : بلى عبدنا خضر هو أعلم منك . قال : فأين هو ؟ قال : بمجمع ~~البحرين . قال موسى عليه السلام : يا رب اجعل لي علما أعلم ذلك به . قال : ~~تأخذ معك حوتا في مكتل فحيث ما فقدت الحوت فهو ثم ، فأخذ حوتا فجعله في ~~مكتل وقال لفتاه يوشع بن نون : لا أكلفك إلا أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت ، ~~قال ( أي فتاه ) : ما كلفت كثيرا . ثم انطلق وانطلق بفتاه حتى إذا أتيا ~~الصخرة وضعا رؤوسهما فناما واضطرب الحوت في المكتل PageV15P361 فخرج منه ~~فسقط في البحر فاتخذ سبيله في البحر سربا وموسى نائم ، فقال فتاه ( وكان لم ~~ينم ) : لا أوقظه وأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار الماء عليه مثل ~~الطاق ، فلما استيقظ ( موسى ) نسي صاحبه أن يخبره بالحوت ، فانطلقا بقية ~~يومهما وليلتهما حتى إذا كان من الغد قال موسى عليه السلام لفتاه : آتنا ~~غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا . قال : ولم يجد موسى النصب حتى جاوز ~~المكان الذي أمره الله به ( أي لأن الله ميسر أسباب الامتثال لأوليائه : ~~فقال له فتاه : أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا ~~الشيطان أن أذكره وأتخذ سبيله في البحر عجبا . قال : فكان للحوت سربا ~~ولموسى ولفتاه عجبا . فقال موسى : ذلك ما كنا نبغي ms4962 ، فارتدا على آثارهما ~~قصصا ، قال : رجعا يقصان آثارهما حتى انتهيا إلى الصخرة ، فإذا رجل مسجى ~~ثوبا فسلم عليه موسى . فقال الخضر : وأنى بأرضك السلام . . . الحديث . | # قوله : ( وأنى بأرضك السلام ) استفهام تعجب ، والكاف خطاب للذي سلم عليه ~~فكان الخضر يظن ذلك المكان لا يوجد به قوم تحيتهم السلام ، إما لكون ذلك ~~المكان كان خلاء وإما لكونه مأهولا بأمة ليست تحيتهم السلام . | # وإنما أمسك الله عن الحوت جرية الماء ليكون آية مشهودة لموسى عليه السلام ~~وفتاه زيادة في أسباب قوة يقينهما ، ولأن المكان لما كان ظرفا لظهور معجزات ~~علم النبوءة ناسب أن يحف به ما هو خارق للعادة إكراما لنزلاء ذلك المكان . ~~| # ومجمع البحرين لا ينبغي أن يختلف في أنه مكان من أرض فلسطين . والأظهر ~~أنه مصب نهر الأردن في بحيرة طبرية فإنه النهر العظيم الذي يمر بجانب الأرض ~~التي نزل بها موسى عليه السلام وقومه . وكانت تسمى عند الإسرائيليين بحر ~~الجليل ، فإن موسى عليه السلام بلغ إليه بعد مسير يوم وليلة راجلا فعلمنا ~~أنه لم يكن مكانا بعيدا جدا . وأراد موسى أن يبلغ ذلك المكان لأن الله أوحى ~~إليه أن يجد فيه العبد الذي هو أعلم منه فجعله ميقاتا له . | PageV15P362 # ومعنى كون هذا العبد أعلم من موسى عليه السلام أنه يعلم علوما من معاملة ~~الناس لم يعلمها الله لموسى . فالتفاوت في العلم في هذا المقام تفاوت بفنون ~~العلوم ، وهو تفاوت نسبي . | # والخضر : اسم رجل صالح . قيل : هو نبيء من أحفاد عابر بن شالخ بن أرفخشد ~~بن سام . فهو الخضر بن ملكان بن فالغ بن عابر ، فيكون ابن عم الجد الثاني ~~لإبراهيم عليه السلام . وقيل : الخضر لقبه . وأما اسمه فهو ( بليا ) بموحدة ~~أو إيليا بهمزة وتحتية . | # واتفق الناس على أنه كان من المعمرين ، ثم اختلفوا في أنه لم يزل حيا ~~اختلافا لم يبن على أدلة مقبولة متعارفة ولكنه مستند إلى أقوال بعض الصوفية ~~، وهي لا ينبغي اعتمادها لكثرة ما يقع في كلامهم من الرموز والخلط بين ~~الحياتين الروحية والمادية ، والمشاهدات الحسية والكشفية ms4963 ، وقد جعلوه رمز ~~العلوم الباطنية كما سيأتي . | # وزعم بعض العلماء أن الخضر هو جرجس : وقيل : هو من ذرية عيسو بن إسحاق . ~~وقيل : هو نبيء بعث بعد شعيب . | # وجرجس المعني هو المعروف باسم مار جرجس . والعرب يسمونه : مار سرجس كما ~~في ( كتاب سيبويه ) . وهو من أهل فلسطين ولد في الرملة في النصف الآخر من ~~القرن الثالث بعد مولد عيسى عليه السلام وتوفي سنة 303 وهو من الشهداء . ~~وهذا ينافي كونه في زمن موسى عليه السلام . | # والخضر لقب له ، أي الموصوف بالخضرة ، وهي رمز البركة ، قيل : لقب خضرا ~~لأنه كان إذا جلس على الأرض اخضر ما حوله ، أي اخضر بالنبات من أثر بركته . ~~وفي ( دائرة المعارف الإسلامية ) ذكرت تخرصات تلصق قصة الخضر بقصص بعضها ~~فارسية وبعضها رومانية وما رائده في ذلك إلا مجرد التشابه في بعض أحوال ~~القصص ، وذلك التشابه لا تخلو عنه الأساطير والقصص فلا ينبغي إطلاق الأوهام ~~وراء أمثالها . | PageV15P363 # والمحقق أن قصة الخضر وموسى يهودية الأصل ولكنها غير مسطورة في كتب ~~اليهود المعبر عنها بالتوراة أو العهد القديم . ولعل عدم ذكرها في تلك ~~الكتب هو الذي أقدم نوفا البكالي على أن قال : إن موسى المذكور في هذه ~~الآيات هو غير موسى بني إسرائيل كما ذكر ذلك في ( صحيح البخاري ) وأن ابن ~~عباس كذب نوفا ، وساق الحديث المتقدم . | # وقد كان سبب ذكرها في القرآن سؤال نفر من اليهود أو من لقنهم اليهود ~~إلقاء السؤال فيها على الرسول صلى الله عليه وسلم وقد أشار إلى ذلك قوله ~~تعالى : { وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ( الإسراء : 85 ) . | # واختلف اليهود في أن صاحب الخضر هو موسى بن عمران الرسول وأن فتاه هو ~~يوشع بن نون ، فقيل : نعم ، وقد تأيد ذلك بما رواه أبي بن كعب عن النبي ~~وقيل : هو رجل آخر اسمه موسى بن ميشا ( أو منسه ) ابن يوسف بن يعقوب . وقد ~~زعم بعض علماء الإسلام أن الخضر لقي النبي وعد من صحابته . وذلك توهم وتتبع ~~لخيال القصاصين . وسمي الخضر بليا بن ملكان أو ms4964 إيليا أو إلياس ، فقيل : إن ~~الخضر هو إلياس المذكور في سورة يس . | # ولا يصح أن يكون الخضر من بني إسرائيل إذ لا يجوز أن يكون مكلفا بشريعة ~~موسى ويقره موسى على أفعال لا تبيحها شريعته . بل يتعين أن يكون نبيئا موحى ~~إليه بوحي خاص ، وعلم موسى أنه من أمة غير مبعوث موسى إليها . ولما علم ~~موسى ذلك مما أوحى الله إليه من قوله : بلى عبدنا خضر هو أعلم منك . كما في ~~حديث أبي بن كعب ، لم يصرفه عنه ما رأى من أعماله التي تخالف شريعة التوراة ~~لأنه كان على شريعة أخرى أمة وحده . وأما وجوده في أرض بني إسرائيل فهو من ~~السياحة في العبادة ، أو أمره الله بأن يحضر في المكان الذي قدره للقاء ~~موسى رفقا بموسى عليه السلام . | PageV15P364 # ومعنى أو أمضي } أو أسير . والمضي : الذهاب والسير . | # والحقب بضمتين اسم للزمان الطويل غير منحصر المقدار ، وجمعه أحقاب . | # وعطف { أمضي } على { أبلغ } ب ( أو ) فصار المعطوف إحدى غايتين للإقلاع ~~عن السير ، أي إما أن أبلغ المكان أو أمضي زمنا طويلا . ولما كان موسى لا ~~يخامره الشك في وجود مكان هو مجمع للبحرين وإلفاء طلبته عنده ، لأنه علم ~~ذلك بوحي من الله تعالى ، تعين أن يكون المقصود بحرف الترديد تأكيد مضيه ~~زمنا يتحقق فيه الوصول إلى مجمع البحرين . فالمعنى : لا أبرح حتى أبلغ مجمع ~~البحرين بسير قريب أو أسير أزمانا طويلة فإني بالغ مجمع البحرين لا محالة ، ~~وكأنه أراد بهذا تأييس فتاه من محاولة رجوعهما ، كما دل عليه قوله بعد { ~~لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا ( الكهف : 62 ) . | # أو أراد شحذ عزيمة فتاه ليساويه في صحة العزم حتى يكونا على عزم متحد . | # | 2 ( 61 63 ) فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله فى البحر ~~سربا * فلما جاوزا قال لفتاه ءاتنا غدآءنا لقد لقينا من سفرنا هاذا نصبا * ~~قال أرأيت إذ أوينآ إلى الصخرة فإنى نسيت الحوت ومآ أنسانيه إلا الشيطان أن ~~أذكره واتخذ سبيله فى البحر عجبا } . ) 2 # الفاء للتفريع والفصيحة ms4965 لأنها تفصح عن كلام مقدر ، أي فسارا حتى بلغا ~~مجمع البحرين . وضمير { بينهما } عائد إلى البحرين ، أي محلا يجمع بين ~~البحرين . وأضيف ( مجمع ) إلى ( بين ) على سبيل التوسع ، فإن ( بين ) اسم ~~لمكان PageV15P365 متوسط شيئين ، وشأنه في اللغة أن يكون ظرفا للفعل ، ~~ولكنه قد يستعمل لمجرد مكان متوسط إما بالإضافة كما هنا ، ومنه قوله تعالى ~~: { يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم ( المائدة : 106 ) ، وهو بمنزلة إضافة ~~المصدر أو اسم الفاعل إلى معمولة ؛ أو بدون إضافة توسعا كقوله تعالى : لقد ~~تقطع بينكم ( الأنعام : 94 ) في قراءة من قرأ برفع بينكم . | # والحوت هو الذي أمر الله موسى باستصحابه معه ليكون له علامة على المكان ~~الذي فيه الخضر كما تقدم في سياق الحديث . والنسيان تقدم في قوله تعالى : ~~أو ننسها في سورة البقرة ( 106 ) . | # ومعنى نسيانهما أنهما نسيا أن يراقبا حاله أباقق هو في مكتله حينئذ حتى ~~إذا فقداه في مقامهما ذلك تحققا أن ذلك الموضع الذي فقداه فيه هو الموضع ~~المؤقت لهما بتلك العلامة فلا يزيدا تعبا في المشي ، فإسناد النسيان إليهما ~~حقيقة ، لأن يوشع وإن كان هو الموكل بحفظ الحوت فكان عليه مراقبته إلا أن ~~موسى هو القاصد لهذا العمل فكان يهمه تعهده ومراقبته . وهذا يدل على أن ~~صاحب العمل أو الحاجة إذا وكله إلى غيره لا ينبغي له ترك تعهده . ثم إن ~~موسى عليه السلام نام وبقي فتاه يقظان فاضطرب الحوت وجعل لنفسه طريقا في ~~البحر . | # والسرب : النفق . والاتخاذ : الجعل . وقد انتصب سربا } على الحال من { ~~سبيله } مرادا بالحال التشبيه ، كقول امرىء القيس : | # إذا قامتا تضوع المسك منهما | # نسيم الصبا جاءت بريا القرنفل | # وقد مر تفسير كيف اتخذ البحر سربا في الحديث السابق عن أبي بن كعب . | # وحذف مفعول { جاوزا } للعلم ، أي جاوزا مجمع البحرين . | # والغداء : طعام النهار مشتق من كلمة الغدوة لأنه يؤكل في وقت الغدوة ، ~~وضده العشاء ، وهو طعام العشي . والنصب : التعب . | PageV15P366 # والصخرة : صخرة معهودة لهما ، إذ كانا قد أويا إليها في سيرهما فجلسا ~~عليها ، وكانت في مجمع البحرين ms4966 . قيل : إن موضعها دون نهر يقال له : نهر ~~الزيت ، لكثرة ما عنده من شجر الزيتون . | # وقوله : { نسيت الحوت } أي نسيت حفظه وافتقاده ، أي فانفلت في البحر . | # وقوله : { وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره } . هذا نسيان آخر غير ~~النسيان الأول ، فهذا نسيان ذكر الإخبار عنه . | # وقرأ حفص عن عاصم { وما أنسانيه } بضم هاء الضمير على أصل الضمير وهي لغة ~~. والكسر أشهر لأن حركة الكسرة بعد الياء أخف . | # و { أن أذكره } بدل اشتمال من ضمير { أنسانيه } لا من الحوت ، والمعنى : ~~ما أنساني أن أذكره لك إلا الشيطان . فالذكر هنا ذكر اللسان . | # ووجه حصره إسناد هذا الإنساء إلى الشيطان أن ما حصل له من نسيان أن يخبر ~~موسى بتلك الحادثة نسيان ليس من شأنه أن يقع في زمن قريب مع شدة الاهتمام ~~بالأمر المنسي وشدة عنايته بإخبار نبيئه به . ومع كون المنسي أعجوبة شأنها ~~أن لا تنسى يتعين أن الشيطان ألهاه بأشياء عن أن يتذكر ذلك الحادث العجيب ~~وعلم يوشع أن الشيطان يسوءه التقاء هذين العبدين الصالحين ، وما له من ~~الأثر في بث العلوم الصالحة فهو يصرف عنها ولو بتأخير وقوعها طمعا في حدوث ~~العوائق . | # وجملة { واتخذ سبيله في البحر } عطف على جملة { فإني نسيت الحوت } وهي ~~بقية كلام فتى موسى ، أي وأنه اتخذ سبيله في البحر ، أي سبح في البحر بعد ~~أن كان ميتا زمنا طويلا . | # وقوله : { عجبا } جملة مستأنفة ، وهي من حكاية قول الفتى ، أي أعجب له ~~عجبا ، فانتصب على المفعول المطلق الآتي بدلا من فعله . | # | PageV15P367 # | 2 ( 64 70 ) { قال ذالك ما كنا نبغ فارتدا على ءاثارهما قصصا * فوجدا ~~عبدا من عبادنآ ءاتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما * قال له موسى ~~هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا * قال إنك لن تستطيع معى صبرا * وكيف ~~تصبر على ما لم تحط به خبرا * قال ستجدنى إن شآء الله صابرا ولا أعصى لك ~~أمرا * قال فإن اتبعتنى فلا تسألنى عن شىء حتى أحدث لك منه ذكرا } . ) 2 # | $ # { قال ذلك } الخ ms4967 . . جواب عن كلامه ، ولذلك فصلت كما بيناه غير مرة . | # والإشارة ب { ذلك } إلى ما تضمنه خبر الفتى من فقد الحوت . ومعنى كونه ~~المبتغى أنه وسيلة المبتغى . وإنما المبتغى هو لقاء العبد الصالح في المكان ~~الذي يفقد فيه الحوت . | # وكتب { نبغ } في المصحف بدون ياء في آخره ، فقيل : أراد الكاتبون مراعاة ~~حالة الوقف ، لأن الأحسن في الوقف على ياء المنقوص أن يوقف بحذفها . وقيل : ~~أرادوا التنبيه على أنها رويت محذوفة في هذه الآية . والعرب يميلون إلى ~~التخفيف . فقرأ نافع ، وأبو عمرو ، والكسائي ، وأبو جعفر بحذف الياء في ~~الوقف وإثباتها في الوصل ، وقرأ عاصم ، وحمزة ، وابن عامر بحذف الياء في ~~الوصل والوقف . وقرأ ابن كثير ، ويعقوب بإثباتها في الحالين ، والنون نون ~~المتكلم المشارك ، أي ما أبغيه أنا وأنت ، وكلاهما يبغي ملاقاة العبد ~~الصالح . | # والارتداد : مطاوع الرد كأن رادا ردهما . وإنما ردتهما إرادتهما ، أي ~~رجعا على آثار سيرهما ، أي رجعا على طريقهما الذي أتيا منه . | PageV15P368 # والقصص : مصدر قص الأثر ، إذا توخى متابعته كيلا يخطئا الطريق الأول . | # والمراد بالعبد : الخضر ، ووصف بأنه من عباد الله تشريفا له ، كما تقدم ~~عند قوله تعالى : { سبحان الذي أسرى بعبده ( الإسراء : 1 ) . | # وعدل عن الإضافة إلى التنكير والصفة لأنه لم يسبق ما يقتضي تعريفه ، ~~وللإشارة إلى أن هذا الحال الغريب العظيم الذي ذكر من قصته ما هو إلا من ~~أحوال عباد كثيرين لله تعالى . وما منهم إلا له مقام معلوم . | # وإيتاء الرحمة يجوز أن يكون معناه : أنه جعل مرحوما ، وذلك بأن رفق الله ~~به في أحواله . ويجوز أن يكون جعلناه سبب رحمة بأن صرفه تصرفا يجلب الرحمة ~~العامة . والعلم من لدن الله : هو الإعلام بطريق الوحي . | # و ( عند ) و ( لدن ) كلاهما حقيقته اسم مكان قريب . ويستعملان مجازا في ~~اختصاص المضاف إليه بموصوفهما . | # و ( من ) ابتدائية ، أي آتيناه رحمة صدرت من مكان القرب ، أي الشرف وهو ~~قرب تشريف بالانتساب إلى الله ، وعلما صدر منه أيضا . وذلك أن ما أوتيه من ~~الولاية أو النبوءة رحمة عزيزة ، أو ما أوتيه من ms4968 العلم عزيز ، فكأنهما مما ~~يدخر عند الله في مكان القرب التشريفي من الله فلا يعطى إلا للمصطفين . | # والمخالفة بين من عندنا } وبين { من لدنا } للتفنن تفاديا من إعادة ~~الكلمة . وجملة { قال له موسى } ابتداء محاورة ، فهو استئناف ابتدائي ، ~~ولذلك لم يقع التعبير ب ( قال ) مجردة عن العاطف . | # والاستفهام في قوله : { هل أتبعك } مستعمل في العرض بقرينة أنه استفهام ~~عن عمل نفس المستفهم . والاتباع : مجاز في المصاحبة كقوله تعالى : { إن ~~يتبعون إلا الظن ( النجم : 28 ) . | PageV15P369 # و ( على ) مستعملة في معنى الاشتراط لأنه استعلاء مجازي . جعل الاتباع ~~كأنه مستعمل فوق التعليم لشدة المقارنة بينهما . فصيغة : أفعل كذا على كذا ~~، من صيغ الالتزام والتعاقد . | # ويؤخذ من الآية جواز التعاقد على تعليم القرآن والعلم ، كما في حديث ~~تزويج المرأة التي عرضت نفسها على النبي فلم يقبلها ، فزوجها من رغب فيها ~~على أن يعلمها ما معه من القرآن . | # وفيه أنه التزام يجب الوفاء به . وقد تفرع عن حكم لزوم الالتزام أن العرف ~~فيه يقوم مقام الاشتراط فيجب على المنتصب للتعليم أن يعامل المتعلمين بما ~~جرى عليه عرف أقاليمهم . | # وذكر عياض في باب صفة مجلس مالك للعلم من كتاب المدارك : أن رجلا ~~خراسانيا جاء من خراسان إلى المدينة للسماع من مالك فوجد الناس يعرضون عليه ~~وهو يسمع ولا يسمعون قراءة منه عليهم ، فسأله أن يقرأ عليهم فأبى مالك ، ~~فاستعدى الخراساني قاضي المدينة . وقال : جئت من خراسان ونحن لا نرى العرض ~~وأبى مالك أن يقرأ علينا . فحكم القاضي على مالك : أن يقرأ له ، فقيل لمالك ~~: أأصاب القاضي الحق ؟ قال : نعم . | # وفيه أيضا إشارة إلى أن حق المعلم على المتعلم اتباعه والاقتداء به . | # وانتصب رشدا } على المفعولية ل { تعلمن } أي ما به الرشد ، أي الخير . | # وهذا العلم الذي سأل موسى تعلمه هو من العلم النافع الذي لا يتعلق ~~بالتشريع للأمة الإسرائيلية ، فإن موسى مستغن في علم التشريع عن الازدياد ~~إلا من وحي الله إليه مباشرة ، لأنه لذلك أرسله وما عدا ذلك لا تقتضي ~~الرسالة علمه . وقد قال النبي ms4969 صلى الله عليه وسلم في قصة الذين وجدهم ~~يؤبرون النخل ( أنتم أعلم بأمور دنياكم ) . ورجع يوم بدر إلى قول المنذر بن ~~الحارث في أن المنزل الذي نزله جيش المسلمين ببدر أول مرة ليس الأليق ~~بالحرب . | PageV15P370 # وإنما رام موسى أن يعلم شيئا من العلم الذي خص الله به الخضر لأن ~~الازدياد من العلوم النافعة هو من الخير . وقد قال الله تعالى تعليما لنبيه ~~{ وقل رب زدني علما ( طه : 114 ) . وهذا العلم الذي أوتيه الخضر هو علم ~~سياسة خاصة غير عامة تتعلق بمعينين لجلب مصلحة أو دفع مفسدة بحسب ما تهيئه ~~الحوادث والأكوان لا بحسب ما يناسب المصلحة العامة . فلعل الله يسره لنفع ~~معينين من عنده كما جعل محمدا رحمة عامة لكافة الناس ، ومن هنا فارق سياسة ~~التشريع العامة . ونظيره معرفة النبي أحوال بعض المشركين والمنافقين ، ~~وتحققه أن أولئك المشركين لا يؤمنون وهو مع ذلك يدعوهم دوما إلى الإيمان ، ~~وتحققه أن أولئك المنافقين غير مؤمنين وهو يعاملهم معاملة المؤمنين ، وكان ~~حذيفة بن اليمان يعرفهم بأعيانهم بإخبار النبي إياه بهم . | # وقرأ الجمهور رشدا } بضم الراء وسكون الشين . وقرأه أبو عمرو ، ويعقوب ~~بفتح الراء وفتح الشين مثل اللفظين السابقين ، وهما لغتان كما تقدم . | # وأكد جملة { إنك لن تستطيع معي صبرا } بحرف ( إن ) وبحرف ( لن ) تحقيقا ~~لمضمونها من توقع ضيق ذرع موسى عن قبول ما يبديه إليه ، لأنه علم أنه تصدر ~~منه أفعال ظاهرها المنكر وباطنها المعروف . ولما كان موسى عليه السلام من ~~الأنبياء الذين أقامهم الله لإجرء الأحكام على الظاهر علم أنه سينكر ما ~~يشاهده من تصرفاته لاختلاف المشربين لأن الأنبياء لا يقرون المنكر . | # وهذا تحذير منه لموسى وتنبيه على ما يستقبله منه حتى يقدم على متابعته إن ~~شاء على بصيرة وعلى غير اغترار ، وليس المقصود منه الإخبار . فمناط ~~التأكيدات في جملة { إنك لن تستطيع معي صبرا } إنما هو تحقيق خطورة أعماله ~~وغرابتها في المتعارف بحيث لا تتحمل ، ولو كان خبرا على أصله لم يقبل فيه ~~المراجعة ولم يجبه موسى بقوله : { ستجدني إن شاء ms4970 الله صابرا } . | ~~PageV15P371 # وفي هذا أصل من أصول التعليم أن ينبه المعلم المتعلم بعوارض موضوعات ~~العلوم الملقنة لا سيما إذا كانت في معالجتها مشقة . | # وزادها تأكيدا عموم الصبر المنفي لوقوعه نكرة في سياق النفي ، وأن المنفي ~~استطاعته الصبر المفيد أنه لو تجشم أن يصبر لم يستطع ذلك ، فأفاد هذا ~~التركيب نفي حصول الصبر منه في المستقبل على آكد وجه . | # وزيادة { معي } إيماء إلى أنه يجد من أعماله ما لا يجد مثله مع غيره ~~فانتفاء الصبر على أعماله أجدر . | # وجملة { وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا } في موضع الحال من اسم ( إن ) ~~أو من ضمير { تستطيع } ، فالواو واو الحال وليست واو العطف لأن شأن هذه ~~الجملة أن لا تعطف على التي قبلها لأن بينهما كمال الاتصال إذ الثانية ~~كالعلة للأولى . وإنما أوثر مجيئها في صورة الجملة الحالية ، دون أن تفصل ~~عن الجملة الأولى فتقع علة مع أن التعليل هو المراد ، للتنبيه على أن ~~مضمونها علة ملازمة لمضمون التي قبلها إذ هي حال من المسند إليه في الجملة ~~قبلها . | # و ( كيف ) للاستفام الإنكاري في معنى النفي ، أي وأنت لا تصبر على ما لم ~~تحط به خبرا . | # والخبر بضم الخاء وسكون الباء : العلم . وهو منصوب على أنه تمييز لنسبة ~~الإحاطة في قوله : { ما لم تحط به } ، أي إحاطة من حيث العلم . | # والإحاطة : مجاز في التمكن ، تشبيها لقوة تمكن الاتصاف بتمكن الجسم ~~المحيط بما أحاط به . | # وقوله : { ستجدني إن شاء الله صابرا } أبلغ في ثبوت الصبر من نحو : سأصبر ~~، لأنه يدل على حصول صبر ظاهر لرفيقه ومتبوعه . وظاهر أن متعلق الصبر هنا ~~هو الصبر على ما من شأنه أن يثير الجزع أو الضجر من تعب في PageV15P372 ~~المتابعة ، ومن مشاهدة ما لا يتحمله إدراكه ، ومن ترقب بيان الأسباب والعلل ~~والمقاصد . | # ولما كان هذا الصبر الكامل يقتضي طاعة الآمر فيما يأمره به عطف عليه ما ~~يفيد الطاعة إبلاغا في الاتسام بأكمل أحوال طالب العلم . | # فجملة { ولا أعصي لك أمرا } معطوفة على جملة { ستجدني } ، أو هو ms4971 من عطف ~~الفعل على الاسم المشتق عطفا على { صابرا } فيؤول بمصدر ، أي وغير عاص . ~~وفي هذا دليل على أن أهم ما يتسم به طالب العلم هو الصبر والطاعة للمعلم . ~~| # وفي تأكيده ذلك بالتعليق على مشيئة الله استعانة به وحرصا على تقدم ~~التيسير تأدبا مع الله إيذان بأن الصبر والطاعة من المتعلم الذي له شيء من ~~العلم أعسر من صبر وطاعة المتعلم الساذج ، لأن خلو ذهنه من العلم لا يحرجه ~~من مشاهدة الغرائب ، إذ ليس في ذهنه من المعارف ما يعارض قبولها ، فالمتعلم ~~الذي له نصيب من العلم وجاء طالبا الكمال في علومه إذا بدا له من علوم ~~أستاذه ما يخالف ما تقرر في علمه يبادر إلى الاعتراض والمنازعة . وذلك قد ~~يثير النفرة بينه وبين أستاذ ، فلتجنب ذلك خشي الخضر أن يلقى من موسى هذه ~~المعاملة فقال له : { إنك لن تستطيع معي صبرا وكيف تصبر على ما لم تحط به ~~خبرا } ، فأكد له موسى أنه يصبر ويطيع أمره إذا أمره . والتزام موسى ذلك ~~مبني على ثقته بعصمة متبوعه لأن الله أخبره بأنه آتاه علما . | # والتاء في قوله : { فإن اتبعتني } تفريع على وعد موسى إياه بأنه يجده ~~صابرا ، ففرع على ذلك نهيه عن السؤال عن شيء مما يشاهده من تصرفاته حتى ~~يبينه له من تلقاء نفسه . | # وأكد النهي بحرف التوكيد تحقيقا لحصول أكمل أحوال المتعلم مع المعلم ، ~~لأن السؤال قد يصادف وقت اشتغال المسؤول بإكمال عمله فتضيق له نفسه ، ~~PageV15P373 فربما كان الجواب عنه بدون شره نفس ، وربما خالطه بعض القلق ~~فيكون الجواب غير شافف ، فأراد الخضر أن يتولى هو بيان أعماله في الإبان ~~الذي يراه مناسبا ليكون البيان أبسط والإقبال أبهج فيزيد الاتصال بين ~~القرينين . | # والذكر ، هنا : ذكر اللسان . وتقدم عند قوله تعالى : { يا بني إسرائيل ~~اذكروا نعمتي في سورة البقرة ( 40 ) . أعني بيان العلل والتوجيهات وكشف ~~الغوامض . | # وإحداث الذكر : إنشاؤه وإبرازه ، كقول ذي الرمة : | # أحدتنا لخالقها شكرا | # وقرأ نافع فلا تسألني } بالهمز وبفتح اللام وتشديد النون على أنه مضارع ~~سأل المهموز ms4972 مقترنا بنون التوكيد الخفيفة المدغمة في نون الوقاية وبإثبات ~~ياء المتكلم . | # وقرأ ابن عامر مثله ، لكن بحذف ياء المتكلم . وقرأ البقية { تسألني } ~~بالهمز وسكون اللام وتخفيف النون . وأثبتوا ياء المتكلم . | # | 2 ( 71 ) { فانطلقا حتى إذا ركبا فى السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق ~~أهلها لقد جئت شيئا إمرا } . ) 2 # أي فعقب تلك المحاورة أنهما انطلقا . والانطلاق : الذهاب والمشي ، مشتق ~~من الإطلاق وهو ضد التقييد ، لأن الدابة إذا حل عقالها مشت . فأصله مطاوع ~~أطلقه . | # و ( حتى ) غاية للانطلاق . أي إلى أن ركبا في السفينة . | # و ( حتى ) ابتدائية ، وفي الكلام إيجاز دل عليه قوله : { إذا ركبا في ~~السفينة } . أصل الكلام : حتى استأجرا سفينة فركباها فلما ركبا في السفينة ~~خرقها . | PageV15P374 # وتعريف { السفينة } تعريف العهد الذهني ، مثل التعريف في قوله تعالى : { ~~وأخاف أن يأكله الذئب ( يوسف : 13 ) . | # وإذا } ظرف للزمان الماضي هنا ، وليست متضمنة معنى الشرط . وهذا التوقيت ~~يؤذن بأخذه في خرق السفينة حين ركوبهما . وفي ذلك ما يشير إلى أن الركوب ~~فيها كان لأجل خرقها لأن الشيء المقصود يبادر به قاصده لأنه يكون قد دبره ~~وارتآه من قبل . | # وبني نظم الكلام على تقديم الظرف على عامله للدلالة على أن الخرق وقع ~~بمجرد الركوب في السفينة ، لأن في تقديم الظرف اهتماما به ، فيدل على أن ~~وقت الركوب مقصود لإيقاع الفعل فيه . | # وضمن الركوب معنى الدخول لأنه ركوب مجازي ، فلذلك عدي بحرف ( في ) ~~الظرفية نظير قوله تعالى : { وقال اركبوا فيها ( هود : 41 ) دون نحو قوله : ~~والخيل والبغال والحمير لتركبوها ( النحل : 8 ) . وقد تقدم ذلك في سورة هود ~~. | # والخرق : الثقب والشق ، وهو ضد الالتئام . | # والاستفهام في أخرقتها } للإنكار . ومحل الإنكار هو العلة بقوله : { ~~لتغرق أهلها } ، لأن العلة ملازمة للفعل المستفهم عنه . 6 ولذلك توجه أن ~~يغير موسى عليه السلام هذا المنكر في ظاهر الأمر ، وتأكيد إنكاره بقوله : { ~~لقد جئت شيئا إمرا } . | # والإمر بكسر الهمزة : هو العظيم المفظع . يقال : أمر كفرح إمرا ، إذا كثر ~~في نوعه . ولذلك فسره الراغب بالمنكر ، لأن المقام دال على شيء ضار . ومقام ~~الأنبياء ms4973 في تغيير المنكر مقام شدة وصراحة . ولم يجعله نكرا كما في الآية ~~بعدها لأن العلم الذي عمله الخضر ذريعة للغرق ولم يقع الغرق بالفعل . | # وقرأ الجمهور { لتغرق } بمثناة فوقية مضمومة على الخطاب . وقرأه حمزة ، ~~والكسائي ، وخلف { ليغرق } بتحتية مفتوحة ورفع { أهلها } على إسناد فعل ~~الغرق للأهل . | # | PageV15P375 # | 2 ( 72 ) { قال ألم أقل إنك لن تستطيع معى صبرا } . ) 2 # استفهام تقرير وتعريض باللوم على عدم الوفاء بما التزم ، أي أتقر أني قلت ~~إنك لا تستطيع معي صبرا . | # و { معي } ظرف متعلق ب { تستطيع } ، فاستطاعة الصبر المنفية هي التي تكون ~~في صحبته لأنه يرى أمورا عجيبة لا يدرك تأويلها . | # وحذف متعلق القول تنزيلا له منزلة اللازم ، أي ألم يقع مني قول فيه خطابك ~~بعدم الاستطاعة . | # | 2 ( 73 ) { قال لا تؤاخذنى بما نسيت ولا ترهقنى من أمرى عسرا } . ) 2 # اعتذر موسى بالنسيان وكان قد نسي التزامه بما غشي ذهنه من مشاهدة ما ~~ينكره . | # والنهي مستعمل في التعطف والتماس عدم المؤاخذة ، لأنه قد يؤاخذه على ~~النسيان مؤاخذة من لا يصلح للمصاحبة لما ينشأ عن النسيان من خطر . فالحزامة ~~الاحتراز من صحبة من يطرأ عليه النسيان ، ولذلك بني كلام موسى على طلب عدم ~~المؤاخذة بالنسيان ولم يبن على الاعتذار بالنسيان ، كأنه رأى نفسه محقوقا ~~بالمؤاخذة ، فكان كلاما بديع النسيج في الاعتذار . | # والمؤاخذة : مفاعلة من الأخذ ، وهي هنا للمبالغة لأنها من جانب واحد ~~كقوله تعالى : { ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ( النحل : 61 ) . | # و ( ما ) مصدرية ، أي لا تؤاخذني بنسياني . | PageV15P376 # والإرهاق : تعدية رهق ، إذا غشي ولحق ، أي لا تغشني عسرا . وهو هنا مجاز ~~في المعاملة بالشدة . | # والإرهاق : مستعار للمعاملة والمقابلة . | # والعسر : الشدة وضد اليسر . والمراد هنا : عسر المعاملة ، أي عدم التسامح ~~معه فيما فعله فهو يسأله الإغضاء والصفح . | # والأمر : الشأن . | # و ( من ) يجوز أن تكون ابتدائية ، فكون المراد بأمره نسيانه ، أي لا تجعل ~~نسياني منشئا لإرهاقي عسرا . ويجوز أن تكون بيانية فيكون المراد بأمره شأنه ~~معه ، أي لا تجعل شأني إرهاقك إياي عسرا . | # | 2 ( 74 ) فانطلقا حتى إذا ms4974 لقيا غلاما فقتله قال أقتلت نفسا زكية بغير ~~نفس لقد جئت شيئا نكرا } . ) 2 # يدل تفريع قوله : { فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما } عن اعتذار موسى ، على ~~أن الخضر قبل عذره وانطلقا مصطحبين . | # والقول في نظم قوله : { حتى إذا لقيا غلاما } كالقول في قوله : { حتى إذا ~~ركبا في السفينة ( الكهف : 71 ) . | # وقوله : فقتله } تعقيب لفعل { لقيا } تأكيدا للمبادرة المفهومة من تقديم ~~الظرف ، فكانت المبادرة بقتل الغلام عند لقائه أسرع من المبادرة بخرق ~~السفينة حين ركوبها . | # وكلام موسى في إنكار ذلك جرى على نسق كلامه في إنكار خرق السفينة ~~PageV15P377 سوى أنه وصف هذا الفعل بأنه نكر ، وهو بضمتين : الذي تنكره ~~العقول وتستقبحه ، فهو أشد من الشيء الإمر ، لأن هذا فساد حاصل والآخر ~~ذريعة فساد كما تقدم . ووصف النفس بالزاكية لأنها نفس غلام لم يبلغ الحلم ~~فلم يقترف ذنبا فكان زكيا طاهرا . والزكاء : الزيادة في الخير . | # وقرأ نافع ، وابن كثير ، وأبو عمرو ، وأبو جعفر ، ورويس عن يعقوب { زاكية ~~} بألف بعد الزاي اسم فاعل من زكا . وقرأ الباقون { زكية } ، وهما بمعنى ~~واحد . | # قال ابن عطية : النون من قوله : { نكرا } هي نصف القرآن ، أي نصف حروفه . ~~وقد تقدم أن ذلك مخالف لقول الجمهور : إن نصف القرآن هو حرف التاء من قوله ~~تعالى : { وليتلطف في هذه السورة ( 19 ) . | # | PageV15P378 # | 2 ( 75 ، 76 ) قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معى صبرا * قال إن سألتك ~~عن شىء بعدها فلا تصاحبنى قد بلغت من لدنى عذرا } . ) 2 # كان جواب الخضر هذا على نسق جوابه السابق إلا أنه زاد ما حكي في الآية ~~بكلمة { لك } وهو تصريح بمتعلق فعل القول . وإذ كان المقول له معلوما من ~~مقام الخطاب كان في التصريح بمتعلق فعل القول تحقيق لوقوع القول وتثبيت له ~~وتقوية ، والداعي لذلك أنه أهمل العمل به . # واللام في قوله { لك } لام التبليغ ، وهي التي تدخل على اسم أو ضمير ~~السامع لقولل أو ما في معناه ، نحو : قلت له ، وأذنت له ، وفسرت له ؛ وذلك ~~عندما يكون المقول له الكلام معلوما من ms4975 السياق فيكون ذكر اللام لزيادة تقوي ~~الكلام وتبليغه إلى السامع ، ولذلك سميت لام التبليغ . ألا ترى أن اللام لم ~~يحتج لذكره في جوابه أول مرة { ألم أقل أنك لن تستطيع معي صبرا ، فكان ~~التقرير والإنكار مع ذكر لام تعدية القول أقوى وأشد . PageV16P005 # وهنا لم يعتذر موسى بالنسيان : إما لأنه لم يكن نسي ، ولكنه رجح تغيير ~~المنكر العظيم ، وهو قتل النفس بدون موجب ، على واجب الوفاء بالالتزام ؛ ~~وإما لأنه نسي وأعرض عن الاعتذار بالنسيان لسماجة تكرر الاعتذار به ، وعلى ~~الاحتمالين فقد عدل إلى المبادرة باشتراط ما تطمئن إليه نفس صاحبه بأنه إن ~~عاد للسؤال الذي لا يبتغيه صاحبه فقد جعل له أن لا يصاحبه بعده . # وفي الحديث عن النبي : كانت الأولى من موسى نسيانا ، والثانية شرطا } ، ~~فاحتمل كلام النبي الاحتمالين المذكورين . # وأنصف موسى إذ جعل لصاحبه العذر في ترك مصاحبته في الثالثة تجنبا لإحراجه ~~. # وقرأ الجمهور : { لدني } بتشديد النون قال ابن عطية : وهي قراءة النبي ~~صلى الله عليه وسلم يعني أن فيها سندا خاصا مرويا فيه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كما تقدم في المقدمة السادسة من مقدمات هذا التفسير . # وقرأ نافع ، وأبو بكر ، وأبو جعفر { من لدني بتخفيف النون على أنه حذف ~~منه نون الوقاية تخفيفا ، لأن ( لدن ) أثقل من ( عن ) ( ومن ) فكان التخفيف ~~فيها مقبولا دونهما . # ومعنى قد بلغت من لدني عذرا } قد وصلت من جهتي إلى العذر . فاستعير { ~~بلغت } لمعنى ( تحتم وتعين ) لوجود أسبابه بتشبيه العذر في قطع الصحبة ~~بمكان ينتهي إليه السائر على طريقة المكنية . وأثبت له البلوغ تخييلا ، أو ~~استعار البلوغ لتعين حصول الشيء بعد المماطلة . # PageV16P006 # | 2 ( 77 ) { فانطلقا حتى إذآ أتيآ أهل قرية استطعمآ أهلها فأبوا أن ~~يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لاتخذت عليه ~~أجرا } . ) 2 # نظم قوله { فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها } كنظم نظيريه ~~السابقين . # والاستطعام : طلب الطعام . وموقع جملة { استطعما أهلها } كموقع جملة ( ~~خرقها ) وجملة ( فقتله ) ، فهو متعلق ( إذا ) . وإظهار لفظ { أهلها } دون ms4976 ~~الإتيان بضميرهم بأن يقال : استطعماهم ، لزيادة التصريح ، تشنيعا بهم في ~~لؤمهم ، إذ أبوا أن يضيفوهما . وذلك لؤم ، لأن الضيافة كانت شائعة في الأمم ~~من عهد إبراهيم عليه السلام وهي من المواساة المتبعة عند الناس . ويقوم بها ~~من ينتدب إليها ممن يمر عليهم عابر السبيل ويسألهم الضيافة ، أو من أعد ~~نفسه لذلك من كرام القبيلة ؛ فإباية أهل قرية كلهم من الإضافة لؤم لتلك ~~القرية . # وقد أورد الصفدي على الشيخ تقي الدين السبكي سؤالا عن نكتة هذا الإظهار ~~في أبيات . وأجابه السبكي جوابا طويلا نثرا ونظما بما لا يقنع ، وقد ذكرهما ~~الآلوسي . # وفي الآية دليل على إباحة طلب الطعام لعابر السبيل لأنه شرع من قبلنا ، ~~وحكاه القرآن ولم يرد ما ينسخه . # ودل لوم موسى الخضر ، على أن لم يأخذ أجر إقامة الحائط على صاحبه من أهل ~~القرية ، على أنه أراد مقابلة حرمانهم لحق الضيافة بحرمانهم من إقامة ~~الجدار في قريتهم . PageV16P007 # وفي الآية مشروعية ضيافة عابر السبيل إذا نزل بأحد من الحي أو القرية . ~~وفي حديث ( الموطأ ) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من كان يؤمن ~~بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته يوم وليلة ( أي يتحفه ويبالغ في بره ~~) وضيافته ثلاثة أيام ( أي إطعام وإيواء بما حضر من غير تكلف كما يتكلف في ~~أول ليلة ) فما كان بعد ذلك فهو صدقة ) . # واختلف الفقهاء في وجوبها فقال الجمهور : الضيافة من مكارم الأخلاق ، وهي ~~مستحبة وليست بواجبة . وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي . وقال سحنون : ~~الضيافة على أهل القرى والأحياء ، ونسب إلى مالك . قال سحنون : أما الحضر ~~فالفندق ينزل فيه المسافرون . وقال الشافعي ومحمد بن عبد الحكم من المالكية ~~: الضيافة حق على أهل الحضر والبوادي . وقال الليث وأحمد : الضيافة فرض ~~يوما وليلة . # ويقال : ضيفه وأضافه ، إذا قام بضيافته ، فهو مضيف بالتشديد . ومضيف ~~بالتخفيف ، والمتعرض للضيافة : ضائف ومتضيف ، يقال : ضفته وتضيفته ، إذا ~~نزل به ومال إليه . # والجدار : الحائط المبني . # ومعنى { يريد أن ينقض } أشرف على الانقضاض ، أي السقوط ، أي يكاد يسقط ، ~~وذلك بأن مال ، فعبر ms4977 عن إشرافه على الانقضاض بإرادة الانقضاض على طريقة ~~الاستعارة المصرحة التبعية بتشبيه قرب انقضاضه بإرادة من يعقل فعل شيء فهو ~~يوشك أن يفعله حيث أراده ، لأن الإرادة طلب النفس حصول شيء وميل القلب إليه ~~. # وإقامة الجدار : تسوية ميله ، وكانت إقامته بفعل خارق للعادة بأن أشار ~~إليه بيده كالذي يسوي شيئا لينا كما ورد في بعض الآثار . PageV16P008 # وقول موسى : { لو شئت لتخذت عليه أجرا } لوم ، أي كان في مكنتك أن تجعل ~~لنفسك أجرا على إقامة الجدار تأخذه ممن يملكه من أهل القرية ولا تقيمه ~~مجانا لأنهم لم يقوموا بحق الضيافة ونحن بحاجة إلى ما ننفقه على أنفسنا ، ~~وفيه إشارة إلى أن نفقة الأتباع على المتبوع . # وهذا اللوم يتضمن سؤالا عن سبب ترك المشارطة على إقامة الجدار عند الحاجة ~~إلى الأجر ، وليس هو لوما على مجرد إقامته مجانا ، لأن ذلك من فعل الخير ~~وهو غير ملوم . # وقرأ الجمهور { لاتخذت بهمزة وصل بعد اللام وبتشديد المثناة الفوقية على ~~أنه ماضي ( اتخذ ) . # وقرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، ويعقوب لتخذت بدون همزة على أنه ماضي ( تخذ ~~) المفتتح بتاء فوقية على أنه ماضي ( تخذ ) أوله فوقية ، وهو من باب علم . # # | 2 ( 78 82 ) قال هاذا فراق بينى وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه ~~صبرا * أما السفينة فكانت لمساكين يعملون فى البحر فأردت أن أعيبها وكان ~~ورآءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا * وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينآ أن ~~يرهقهما طغيانا وكفرا * فأردنآ أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكواة وأقرب رحما ~~* وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين فى المدينة PageV16P009 وكان تحته كنز ~~لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغآ أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ~~ربك وما فعلته عن أمرى ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا } . ) 2 # المشار إليه بلفظ { هاذا } مقدر في الذهن حاصل من اشتراط موسى على نفسه ~~أنه إن سأله عن شيء بعد سؤاله الثاني فقد انقطعت الصحبة بينهما ، أي هذا ~~الذي حصل الآن هو فراق بيننا ، كما يقال : الشرط أملك عليك أم ms4978 لك . وكثيرا ~~ما يكون المشار إليه مقدرا في الذهن كقوله تعالى : { تلك الدار الآخرة } ( ~~القصص : 83 ) . وإضافة { فراق } إلى { بيتي } من إضافة الموصوف إلى الصفة . ~~وأصله : فراق بيني ، أي حاصل بيننا ، أو من إضافة المصدر العامل في الظرف ~~إلى معموله ، كما يضاف المصدر إلى مفعوله . وقد تقدم خروج ( بين ) عن ~~الظرفية عند قوله تعالى : { فلما بلغا مجمع بينهما } ( الكهف : 61 ) . # وجملة { سأنبئك } مستأنفة استئنافا بيانيا ، تقع جوابا لسؤال يهجس في ~~خاطر موسى عليه السلام عن أسباب الأفعال التي فعلها الخضر عليه السلام ~~وسأله عنها موسى فإنه قد وعده أن يحدث له ذكرا مما يفعله . # والتأويل : تفسير لشيء غير واضح ، وهو مشتق من الأول وهو الرجوع . شبه ~~تحصيل المعنى على تكلف بالرجوع إلى المكان بعد السير إليه . وقد مضى في ~~المقدمة الأولى من مقدمات هذا التفسير ، وأيضا عند قوله تعالى : { وما يعلم ~~تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون الخ . . من أول سورة آل عمران ( ~~7 ) . # وفي صلة الموصول من قوله ما لم تستطع عليه صبرا } تعريض PageV16P010 ~~باللوم على الاستعجال وعدم الصبر إلى أن يأتيه إحداث الذكر حسبما وعده ~~بقوله { فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا } . # والمساكين : هنا بمعنى ضعفاء المال الذين يرتزقون من جهدهم ويرق لهم ~~لأنهم يكدحون دهرهم لتحصيل عيشهم . فليس المراد أنهم فقراء أشد الفقر كما ~~في قوله تعالى : { إنما الصدقات للفقراء والمساكين } ( التوبة : 60 ) بل ~~المراد بتسميتهم بالفقراء أنهم يرق لهم كما قال الحريري في المقامة الحادية ~~والأربعين : ( . . . مسكين ابن آدم وأي مسكين ) . # وكان أصحاب السفينة هؤلاء عملة يأجرون سفينتهم للحمل أو للصيد . # ومعنى : { وكان وراءهم ملك } : هو ملك بلادهم بالمرصاد منهم ومن أمثالهم ~~يسخر كل سفينة يجدها غصبا ، أي بدون عوض . وكان ذلك لنقل أمور بناء أو نحوه ~~مما يستعمله الملك في مصالح نفسه وشهواته ، كما كان الفراعنة يسخرون الناس ~~للعمل في بناء الأهرام . # ولو كان ذلك لمصلحة عامة للأمة لجاز التسخير من كل بحسب حاله من الاحتياج ~~لأن ذلك فرض كفاية بقدر ms4979 الحاجة وبعد تحققها . # و { وراء اسم الجهة التي خلف ظهر من أضيف إليه ذلك الاسم ، وهو ضد أمام ~~وقدام . # ويستعار ( الوراء ) لحال تعقب شيء شيئا وحال ملازمة طلب شيء شيئا بحق ~~وحال الشيء الذي سيأتي قريبا ، كل ذلك تشبيه بالكائن خلف شيء لا يلبث أن ~~يتصل به كقوله تعالى : من ورائهم جهنم في ( الجاثية : 10 ) . PageV16P011 # وقال لبيد : # أليس ورائي أن تراخت منيتي # لزوم العصا تحنى عليها الأصابع # وبعض المفسرين فسروا وراءهم ملك } بمعنى أمامهم ملك ، فتوهم بعض مدوني ~~اللغة أن ( وراء ) من أسماء الأضداد ، وأنكره الفراء وقال : لا يجوز أن ~~تقول للذي بين يديك هو وراءك ، وإنما يجوز ذلك في المواقيت من الليالي تقول ~~: وراءك برد شديد ، وبين يديك برد شديد . يعني أن ذلك على المجاز . قال ~~الزجاج : وليس من الأضداد كما زعم بعض أهل اللغة . # ومعنى { كل سفينة غصبا } أي صالحة ، بقرينة قوله { فأردت أن أعيبها } ، ~~وقد ذكروا في تعيين هذا الملك وسبب أخذه للسفن قصصا وأقوالا لم يثبت شيء ~~منها بعينه ، ولا يتعلق به غرض في مقام العبرة . # وجملة { فأردت أن أعيبها } متفرعة على كل من جملتي { فكانت لمساكين } ، و ~~{ وكان وراءهم ملك } ، فكان حقها التأخير عن كلتا الجملتين بحسب الظاهر ، ~~ولكنها قدمت خلافا لمقتضى الظاهر لقصد الاهتمام والعناية بإرادة إعابة ~~السفينة حيث كان عملا ظاهره الإنكار وحقيقته الصلاح زيادة في تشويق موسى ~~إلى علم تأويله ، لأن كون السفينة لمساكين مما يزيد السامع تعجبا في ~~الإقدام على خرقها . والمعنى : فأردت أن أعيبها وقد فعلت . وإنما لم يقل : ~~فعبتها ، ليدل على أن فعله وقع عن قصد وتأمل . # وقد تطلق الإرادة على القصد أيضا . وفي ( اللسان ) عزو ذلك إلى سيبويه . # وتصرف الخضر في أمر السفينة تصرف برعي المصلحة الخاصة عن إذن من الله ~~بالتصرف في مصالح الضعفاء إذ كان الخضر عالما بحال PageV16P012 الملك ، أو ~~كان الله أعلمه بوجوده حينئذ ، فتصرف الخضر قائم مقام تصرف المرء في ماله ~~بإتلاف بعضه لسلامة الباقي ، فتصرفه الظاهر إفساد وفي الواقع إصلاح لأنه من ~~ارتكاب ms4980 أخف الضرين . وهذا أمر خفي لم يطلع عليه إلا الخضر ، فلذلك أنكره ~~موسى . # وأما تصرفه في قتل الغلام فتصرف بوحي من الله جار على قطع فساد خاص علمه ~~الله وأعلم به الخضر بالوحي ، فليس من مقام التشريع ، وذلك أن الله علم من ~~تركيب عقل الغلام وتفكيره أنه عقل شاذ وفكر منحرف طبع عليه بأسباب معتادة ~~من انحراف طبع وقصور إدراك ، وذلك من آثار مفضية إلى تلك النفسية وصاحبها ~~في أنه ينشأ طاغيا كافرا . وأراد الله اللطف بأبويه بحفظ إيمانهما وسلامة ~~العالم من هذا الطاغي لطفا أراده الله خارقا للعادة جاريا على مقتضى سبق ~~علمه ، ففي هذا مصلحة للدين بحفظ أتباعه من الكفر ، وهو مصلحة خاصة فيها ~~حفظ الدين ، ومصلحة عامة لأنه حق لله تعالى فهو كحكم قتل المرتد . # والزكاة : الطهارة ، مراعاة لقول موسى { أقتلت نفسا زاكية . # والرحم : بضم الراء وسكون الحاء : نظير الكثر للكثرة . # والخشية : توقع ذلك لو لم يتدارك بقتله . # وضميرا الجماعة في قوله فخشينا } وقوله { فأردنا } عائدان إلى المتكلم ~~الواحد بإظهار أنه مشارك لغيره في الفعل . وهذا الاستعمال يكون من التواضع ~~لا من التعاظم لأن المقام مقام الإعلام بأن الله أطلعه على ذلك وأمره ~~فناسبه التواضع فقال : { فخشينا فأردنا } ، ولم يقل مثله عندما قال { فأردت ~~أن أعيبها } لأن سبب الإعابة إدراكه لمن له علم بحال تلك الأصقاع . وقد ~~تقدم عند قوله تعالى : { قال PageV16P013 معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا ~~متاعنا عنده إنا إذا لظالمون في سورة يوسف ( 79 ) . # وقرأ الجمهور أن يبدلهما } بفتح الموحدة وتشديد الدال من التبديل . وقرأه ~~ابن كثير ، وابن عامر ، وعاصم ، وحمزة ، والكسائي ، وخلف بسكون الموحدة ~~وتخفيف الدال من الإبدال . # وأما قضية الجدار فالخضر تصرف في شأنها عن إرادة الله اللطف باليتيمين ~~جزاء لأبيهما على صلاحه ، إذ علم الله أن أباهما كان يهمه أمر عيشهما بعده ~~، وكان قد أودع تحت الجدار مالا ، ولعله سأل الله أن يلهم ولديه عند بلوغ ~~أشدهما أن يبحثا عن مدفن الكنز تحت الجدار بقصد أو بمصادفة ، فلو سقط ~~الجدار ms4981 قبل بلوغهما لتناولت الأيدي مكانه بالحفر ونحوه فعثر عليه عاثر ، ~~فذلك أيضا لطف خارق للعادة . وقد أسند الإرادة في قصة الجدار إلى الله ~~تعالى دون القصتين السابقتين لأن العمل فيهما كان من شأنه أن يسعى إليه كل ~~من يقف على سره لأن فيهما دفع فساد عن الناس بخلاف قصة الجدار فتلك كرامة ~~من الله لأبي الغلامين . # وقوله : { رحمة من ربك وما فعلته عن أمري } تصريح بما يزيل إنكار موسى ~~عليه تصرفاته هذه بأنها رحمة ومصلحة فلا إنكار فيها بعد معرفة تأويلها . # ثم زاد بأنه فعلها عن وحي من الله لأنه لما قال { وما فعلته عن أمري } ~~علم موسى أن ذلك بأمر من الله تعالى لأن النبي إنما يتصرف عن اجتهاد أو عن ~~وحي ، فلما نفى أن يكون فعله ذلك عن أمر نفسه تعين أنه عن أمر الله تعالى . ~~وإنما أوثر نفي كون فعله عن أمر نفسه على أن يقول : وفعلته عن أمر ربي ، ~~تكملة لكشف حيرة PageV16P014 موسى وإنكاره ، لأنه لما أنكر عليه فعلاته ~~الثلاث كان يؤيد إنكاره بما يقتضي أنه تصرف عن خطأ . # وانتصب { رحمة } على المفعول لأجله فينازعه كل من ( أردت ) ، و ( أردنا ) ~~، و ( أراد ربك ) . # وجملة { ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا } فذلكة للجمل التي قبلها ابتداء ~~من قوله { أما السفينة فكانت لمساكين } ، فالإشارة بذلك إلى المذكور في ~~الكلام السابق وهو تلخيص للمقصود كحوصلة المدرس في آخر درسه . # و { تسطع مضارع ( اسطاع ) بمعنى ( استطاع ) . حذف تاء الاستفعال تخفيفا ~~لقربها من مخرج الطاء ، والمخالفة بينه وبين قوله سأنبئك بتأويل ما لم ~~تستطع عليه صبرا } للتفنن تجنبا لإعادة لفظ بعينه مع وجود مرادفه . وابتدىء ~~بأشهرهما استعمالا وجيء بالثانية بالفعل المخفف لأن التخفيف أولى به لأنه ~~إذا كرر { تستطع } يحصل من تكريره ثقل . # وأكد الموصول الأول الواقع في قوله { سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه ~~صبرا } تأكيدا للتعريض باللوم على عدم الصبر . # واعلم أن قصة موسى والخضر قد اتخذتها طوائف من أهل النحل الإسلامية أصلا ~~بنوا عليه قواعد موهومة . # فأول ms4982 ما أسسوه منها أن الخضر لم يكن نبيئا وإنما كان عبدا صالحا ، وأن ~~العلم الذي أوتيه ليس وحيا ولكنه إلهام ، وأن تصرفه الذي تصرفه في ~~الموجودات أصل لإثبات العلوم الباطنية ، وأن الخضر منحه الله البقاء إلى ~~انتهاء مدة الدنيا ليكون مرجعا لتلقي العلوم PageV16P015 الباطنية ، وأنه ~~يظهر لأهل المراتب العليا من الأولياء فيفيدهم من علمه ما هم أهل لتلقيه . # وبنوا على ذلك أن الإلهام ضرب من ضروب الوحي ، وسموه الوحي الإلهامي ، ~~وأنه يجيء على لسان ملك الإلهام ، وقد فصله الشيخ محيي الدين ابن العربي في ~~الباب الخامس والثمانين من كتابه ( الفتوحات المكية ) ، وبين الفرق بينه ~~وبين وحي الأنبياء بفروق وعلامات ذكرها منثورة في الأبواب الثالث والسبعين ~~، والثامن والستين بعد المائتين ، والرابع والستين بعد ثلاثمائة ، وجزم بأن ~~هذا الوحي الإلهامي لا يكون مخالفا للشريعة ، وأطال في ذلك ، ولا يخلو ما ~~قاله من غموض ورموز ، وقد انتصب علماء الكلام وأصول الفقه لإبطال أن يكون ~~ما يسمى بالإلهام حجة . وعرفوه بأنه إيقاع شيء في القلب يثلج له الصدر ، ~~وأبطلوا كونه حجة لعدم الثقة بخواطر من ليس معصوما ولتفاوت مراتب الكشف ~~عندهم . وقد تعرض لها النسفي في ( عقائده ) ، وكل ما قاله النسفي في ذلك حق ~~، ولا يقام التشريع على أصول موهومة لا تنضبط . # والأظهر أن الخضر نبيء عليه السلام وأنه كان موحى إليه بما أوحي ، لقوله ~~{ وما فعلته عن أمري } ، وأنه قد انقضى خبره بعد تلك الأحوال التي قصت في ~~هذه السورة ، وأنه قد لحقه الموت الذي يلحق البشر في أقصى غاية من الأجل ~~يمكن أن تفرض ، وأن يحمل ما يعزى إليه من بعض الصوفية الموسومين بالصدق أنه ~~محوك على نسج الرمز المعتاد لديهم ، أو على غشاوة الخيال التي قد تخيم ~~عليهم . # فكونوا على حذر ممن يقول : أخبرني الخضر . # PageV16P016 # | 2 ( 83 ، 84 ) { ويسألونك عن ذى القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكرا * ~~إنا مكنا له فى الارض وآتيناه من كل شىء سببا } . ) 2 # افتتاح هذه القصة ب { ويسئلونك } يدل عل أنها مما نزلت السورة للجواب عنه ms4983 ~~كما كان الابتداء بقصة أصحاب الكهف اقتضابا تنبيها على مثل ذلك . # وقد ذكرنا عند تفسير قوله تعالى : { ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ~~ربي في سورة الإسراء ( 85 ) عن ابن عباس : أن المشركين بمكة سألوا النبي ~~ثلاثة أسئلة بإغراء من أحبار اليهود في يثرب . فقالوا : سلوه عن أهل الكهف ~~وعن ذي القرنين وعن الروح ، فإن أجاب عنها كلها فليس بنبيء . وإن أجاب عن ~~بعضها وأمسك عن بعض فهو نبيء ؟ . وبينا هنالك وجه التعجيل في سورة الإسراء ~~النازلة قبل سورة الكهف بالجواب عن سؤالهم عن الروح وتأخير الجواب عن أهل ~~الكهف وعن ذي القرنين إلى سورة الكهف . وأعقبنا ذلك بما رأيناه في تحقيق ~~الحق من سوق هذه الأسئلة الثلاثة في مواقع مختلفة . # فالسائلون : قريش لا محالة ، والمسؤول عنه : خبر رجل من عظماء العالم عرف ~~بلقب ذي القرنين ، كانت أخبار سيرته خفية مجملة مغلقة ، فسألوا النبي عن ~~تحقيقها وتفصيلها ، وأذن له الله أن يبين منها ما هو موضع العبرة للناس في ~~شؤون الصلاح والعدل ، وفي عجيب صنع الله تعالى في اختلاف أحوال الخلق ، ~~فكان أحبار اليهود منفردين بمعرفة إجمالية عن هذه المسائل الثلاث وكانت من ~~أسرارهم فلذلك جربوا بها نبوءة محمد - صلى الله عليه وسلم - . PageV16P017 # ولم يتجاوز القرآن ذكر هذا الرجل بأكثر من لقبه المشتهر به إلى تعيين ~~اسمه وبلاده وقومه ، لأن ذلك من شؤون أهل التاريخ والقصص وليس من أغراض ~~القرآن ، فكان منه الاقتصار على ما يفيد الأمة من هذه القصة عبرة حكمية أو ~~خلقية فلذلك قال الله : قل سأتلوا عليكم منه ذكرا } . # والمراد بالسؤال عن ذي القرنين السؤال عن خبره ، فحذف المضاف إيجازا ~~لدلالة المقام ، وكذلك حذف المضاف في قوله : { منه } أي من خبره و ( من ) ~~تبعيضية . # والذكر : التذكر والتفكر ، أي سأتلو عليكم ما به التذكر ، فجعل المتلو ~~نفسه ذكرا مبالغة بالوصف بالمصدر ، ولكن القرآن جاء بالحق الذي لا تخليط ~~فيه من حال الرجل الذي يوصف بذي القرنين بما فيه إبطال لما خلط به الناس ~~بين أحوال رجال عظماء ms4984 كانوا في عصور متقاربة أو كانت قصصهم تساق مساق من ~~جاسوا خلال بلاد متقاربة متماثلة وشوهوا تخليطهم بالأكاذيب ، وأكثرهم في ~~ذلك صاحب الشاهنامة الفردوسي وهو معروف بالأكاذيب والأوهام الخرافية . # اختلف المفسرون في تعيين المسمى بذي القرنين اختلافا كثيرا تفرقت بهم فيه ~~أخبار قصصية وأخبار تاريخية واسترواح من الاشتقاقات اللفظية ، ولعل ~~اختلافهم له مزيد اتصال باختلاف القصاصين الذين عنوا بأحوال الفاتحين عناية ~~تخليط لا عناية تحقيق فراموا تطبيق هذه القصة عليها . والذي يجب الانفصال ~~فيه بادىء ذي بدء أن وصفه بذي القرنين يتعين أن يكون وصفا ذاتيا له وهو وصف ~~عربي يظهر أن يكون عرف بمدلوله بين المثيرين للسؤال عنه فترجموه بهذا اللفظ ~~. PageV16P018 # ويتعين أن لا يحمل القرنان على الحقيقة ، بل هما على التشبيه أو على ~~الصورة . فالأظهر أن يكونا ذؤابتين من شعر الرأس متدليتين ، وإطلاق القرن ~~على الضفيرة من الشعر شائع في العربية ، قال عمر بن أبي ربيعة : # فلثمت فاها آخذا بقرونها # شرب النزيف ببرد ماء الحشرج # وفي حديث أم عطية في صفة غسل ابنة النبي صلى الله عليه وسلم قالت أم عطية ~~: ( فجعلنا رأسها ثلاثة قرون ) ، فيكون هذا الملك قد أطال شعر رأسه وضفره ~~ضفيرتين فسمي ذا القرنين ، كما سمي خرباق ذا اليدين . # وقيل : هما شبه قرني الكبش من نحاس كانا في خوذة هذا الملك فنعت بهما . ~~وقيل : هما ضربتان على موضعين من رأس الإنسان يشبهان منبتي القرنين من ذوات ~~القرون . # ومن هنا تأتي الأقوال في تعيين ذي القرنين ، فأحد الأقوال : إنه الإسكندر ~~بن فيليبوس المقدوني . وذكروا في وجه تلقيبه بذي القرنين أنه ضفر شعره ~~قرنين . وقيل : كان يلبس خوذة في الحرب بها قرنان ، وقيل : رسم ذاته على ~~بعض نقوده بقرنين في رأسه تمثيلا لنفسه بالمعبود ( آمون ) معبود المصريين ~~وذلك حين ملك مصر . # والقول الثاني : إنه ملك من ملوك حمير هو تبع أبو كرب . # والقول الثالث : أنه ملك من ملوك الفرس وأنه ( أفريدون بن أثفيان بن ~~جمشيد ) . هذه أوضح الأقوال ، وما دونها لا ينبغي التعويل عليه ولا تصحيح ~~روايته ms4985 . # ونحن تجاه هذا الاختلاف يحق علينا أن نستخلص من قصته في هذه الآية أحوالا ~~تقرب تعيينه وتزييف ما عداه من الأقوال ، وليس يجب الاقتصار على تعيينه من ~~بين أصحاب هذه الأقوال بل الأمر في ذلك أوسع . PageV16P019 # وهذه القصة القرآنية تعطي صفات لا محيد عنها : # إحداها : أنه كان ملكا صالحا عادلا . # الثانية : أنه كان ملهما من الله . # الثالثة : أن ملكه شمل أقطارا شاسعة . # الرابعة : أنه بلغ في فتوحه من جهة المغرب مكانا كان مجهولا وهو عين حمئة ~~. # الخامسة : أنه بلغ بلاد يأجوج ومأجوج ، وأنها كانت في جهة مما شمله ملكه ~~غير الجهتين الشرقية والغربية فكانت وسطا بينهما كما يقتضيه استقراء مبلغ ~~أسبابه . # السادسة : أنه أقام سدا يحول بين ياجوج وماجوج وبين قوم آخرين . # السابعة : أن ياجوج وماجوج هؤلاء كانوا عائثين في الأرض فسادا وأنهم ~~كانوا يفسدون بلاد قوم موالين لهذا الملك . # الثامنة : أنه كان معه قوم أهل صناعة متقنة في الحديد والبناء . # التاسعة : أن خبره خفي دقيق لا يعلمه إلا الأحبار علما إجماليا كما دل ~~عليه سبب النزول . # وأنت إذا تدبرت جميع هذه الأحوال نفيت أن يكون ذو القرنين إسكندر ~~المقدوني لأنه لم يكن ملكا صالحا بل كان وثنيا فلم يكن أهلا لتلقي الوحي من ~~الله وإن كانت له كمالات على الجملة ، وأيضا فلا يعرف في تاريخه أنه أقام ~~سدا بين بلدين . # وأما نسبة السد الفاصل بين الصين وبين بلاد ياجوج وماجوج إليه في كلام ~~بعض المؤرخين فهو ناشىء عن شهرة الإسكندر ، فتوهم PageV16P020 القصاصون أن ~~ذلك السد لا يكون إلا من بنائه ، كما توهم العرب أن مدينة تدمر بناها ~~سليمان عليه السلام . وأيضا فإن هيرودوتس اليوناني المؤرخ ذكر أن الإسكندر ~~حارب أمة ( سكيثوس ) . وهذا الاسم هو اسم ماجوج كما سيأتي قريبا . # وأحسب أن لتركيب القصة المذكورة في هذه السورة على اسم اسكندر المقدوني ~~أثرا في اشتهار نسبة السد إليه . وذلك من أوهام المؤرخين في الإسلام . # ولا يعرف أن مملكة إسكندر كانت تبلغ في الغرب إلى عين حمئة ، وفي الشرق ~~إلى قوم ms4986 مجهولين عراة أو عديمي المساكن ، ولا أن أمته كانت تلقبه بذي ~~القرنين . وإنما انتحل هذا اللقب له لما توهموا أنه المعني بذي القرنين في ~~هذه الآية ، فمنحه هذا اللقب من مخترعات مؤرخي المسلمين ، وليس رسم وجهه ~~على النقود بقرنين مما شأنه أن يلقب به . وأيضا فالإسكندر كانت أخباره ~~مشهورة لأنه حارب الفرس والقبط وهما أمتان مجاورتان للأمة العربية . # ومثل هذه المبطلات التي ذكرناها تتأتى لإبطال أن يكون الملك المتحدث عنه ~~هو أفريدون ، فإما أن يكون من تبابعة حمير فقد يجوز أن يكون في عصر متوغل ~~في القدم . وقد توهم بعض المفسرين أنه كان معاصرا إبراهيم عليه السلام ~~وكانت بلاده التي فتحها مجهولة المواقع . ولكن يبعد أن يكون هو المراد لأن ~~العرب لا يعرفون من خبره مثل هذا ، وقد ظهر من أقوالهم أن سبب هذا التوهم ~~هو وجود كلمة ( ذو ) التي اشتهر وجود مثلها في ألقاب ملوك اليمن وتبابعته . ~~PageV16P021 # فالذي يظهر لي أن ذا القرنين كان ملكا من ملوك الصين لوجوه : # أحدها : أن بلاد الصين اشتهر أهلها منذ القدم بأنهم أهل تدبير وصنائع . # الثاني : أن معظم ملوكهم كانوا أهل عدل وتدبير للمملكة . # الثالث : أن من سماتهم تطويل شعر رؤوسهم وجعلها في ضفيرتين فيظهر وجه ~~تعريفه بذي القرنين . # الرابع : أن سدا وردما عظيما لا يعرف له نظير في العالم هو موجود بين ~~بلاد الصين وبلاد المغول ، وهو المشهور في كتب الجغرافيا والتاريخ بالسور ~~الأعظم ، وسيرد وصفه . # الخامس : ما روت أم حبيبة عن زينب بنت جحش رضي الله عنهما ، أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم خرج ليلة فقال : ( ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ~~ردم ياجوج وماجوج هكذا ) ، وأشار بعقد تسعين ( أعني بوضع طرف السبابة على ~~طرف الإبهام ) . وقد كان زوال عظمة سلطان العرب على يد المغول في بغداد ~~فتعين أن ياجوج وماجوج هم المغول وأن الردم المذكور في القرآن هو الردم ~~الفاصل بين بلاد المغول وبلاد الصين وبانيه ملك من ملوكهم ، وأن وصفه في ~~القرآن بذي القرنين توصيف لا ms4987 تلقيب فهو مثل التعبير عن شاول ملك إسرائيل ~~باسم طالوت . وهذا الملك هو الذي بنى السد الفاصل بين الصين ومنغوليا . ~~واسم هذا الملك ( تسينشي هوانفتي ) أو ( تسين شي هوانق تي ) . وكان موجودا ~~في حدود سنة سبع وأربعين ومائتين قبل ميلاد المسيح فهو متأخر عن إسكندر ~~المقدوني بنحو قرن . وبلاد الصين في ذلك العصر كانت متدينة بدين ( كنفيشيوس ~~) المشرع المصلح ، فلا جرم أن يكون أهل شريعته صالحين . PageV16P022 # وهذا الملك يؤخذ من كتب التاريخ أنه ساءت حالته في آخر عمره وأفسد كثيرا ~~وقتل علماء وأحرق كتبا ، والله أعلم بالحقيقة وبأسبابها . # ولما ظن كثير من الناس أن ذا القرنين المذكور في القرآن هو إسكندر بن ~~فيليبوس نحلوه بناء السد . وزعموه من صنعه كما نحلوه لقب ذي القرنين . وكل ~~ذلك بناء أوهام على أوهام ولا أساس لواحد منهما ولا علاقة لإسكندر المقدوني ~~بقصة ذي القرنين المذكورة في هذه السورة . # والأمر في قوله { قل سأتلوا عليكم } إذن من الله لرسوله بأن يعد بالجواب ~~عن سؤالهم عملا بقوله : { ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء ~~الله } على أحد تأويلين في معناه . # والسين في قول { سأتلوا عليكم } لتحقيق الوعد كما في قوله تعالى : { قال ~~سوف أستغفر لكم ربي في سورة يوسف ( 98 ) . # وجعل خبر ذي القرنين تلاوة وذكرا للإشارة إلى أن المهم من أخباره ما فيه ~~تذكير وما يصلح لأن يكون تلاوة حسب شأن القرآن فإنه يتلى لأجل الذكر ولا ~~يساق مساق القصص . # وقوله منه ذكرا } تنبيه على أن أحواله وأخباره كثيرة وأنهم إنما يهمهم ~~بعض أحواله المفيدة ذكرا وعظة . ولذلك لم يقل في قصة أهل الكهف : نحن نقص ~~عليك من نبئهم ، لأن قصتهم منحصرة فيما ذكر ، وأحوال ذي القرنين غير منحصرة ~~فيما ذكر هنا . # وحرف ( من ) في قوله { منه ذكرا } للتبعيض باعتبار مضاف محذوف ، أي من ~~خبره . # والتمكين : جعل الشيء متمكنا ، أي راسخا ، وهو تمثيل لقوة التصرف بحيث لا ~~يزعزع قوته أحد . وحق فعل ( مكنا ) التعدية PageV16P023 بنفسه ، فيقال : ~~مكناه في الأرض كقوله { مكناهم ms4988 في الأرض ما لم نمكن لكم ( الأنعام : 6 ) . # فاللام في قوله : مكنا له في الأرض } للتوكيد كاللام في قولهم : شكرت له ~~، ونصحت له ، والجمع بينهما تفنن . وعلى ذلك جاء قوله تعالى : { مكناهم في ~~الأرض ما لم نمكن لكم ( الأنعام : 6 ) . # فمعنى التمكين في الأرض إعطاء المقدرة على التصرف . # والمراد بالأرض أهل الأرض ، والمراد بالأرض أرض معينة وهي أرض ملكه . ~~وتقدم عند قوله تعالى : وكذلك مكنا ليوسف في الأرض } ( يوسف : 56 ) . # والسبب : حقيقته الحبل ، وأطلق هنا على ما يتوسل به إلى الشيء من علم أو ~~مقدرة أو آلات التسخير على وجه الاستعارة كقوله تعالى : { وتقطعت بهم ~~الأسباب في سورة البقرة ( 166 ) . # و كل شيء } مستعمل هنا في الأشياء الكثيرة كما تقدم في نظائره غير مرة ~~منها قوله تعالى : { ولو جاءتهم كل آية } ( يونس : 97 ) أي آتيناه وسائل ~~أشياء عظيمة كثيرة . # # | 2 ( 85 88 ) { فأتبع سببا * حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب فى عين ~~حمئة ووجد عندها قوما قلنا ياذا القرنين إمآ أن تعذب وإمآ أن تتخذ فيهم ~~حسنا * قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا * وأما ~~من آمن وعمل صالحا فله جزآء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا } . ) 2 # السبب : الوسيلة . والمراد هنا معنى مجازي وهو الطريق ، لأن الطريق وسيلة ~~إلى المكان المقصود ، وقرينة المجاز ذكر الاتباع والبلوغ PageV16P024 في ~~قوله : { فأتبع سببا حتى إذا بلغ مغرب الشمس . } والدليل على إرادة غير ~~معنى السبب في قوله تعالى : { وءاتيناه من كل شيء سببا } إظهار اسم السبب ~~دون إضماره ، لأنه لما أريد به معنى غير ما أريد بالأول حسن إظهار اسمه ~~تنبيها على اختلاف المعنيين ، أي فاتبع طريقا للسير وكان سيره للغزو ، كما ~~دل عليه قوله : { حتى إذا بلغ مغرب الشمس } . # ولم يعد أهل اللغة معنى الطريق في معاني لفظ السبب لعلهم رأوه لم يكثر ~~وينتشر في الكلام . ويظهر أن قوله تعالى : { أسباب السموات } ( فاطر : 37 ) ~~من هذا المعنى . وكذلك قول زهير : # ومن هاب أسباب المنايا ينلنه ms4989 # أي هاب طرق المنايا أن يسلكها تنله المنايا ، أي تأتيه ، فذلك مجاز ~~بالقرينة . # والمراد ب { مغرب الشمس } مكان مغرب الشمس من حيث يلوح الغروب من جهات ~~المعمور من طريق غزوته أو مملكته . وذلك حيث يلوح أنه لا أرض وراءه بحيث ~~يبدو الأفق من جهة مستبحرة ، إذ ليس للشمس مغرب حقيقي إلا فيما يلوح للتخيل ~~. والأشبه أن يكون ذو القرنين قد بلغ بحر الخزر وهو بحيرة قزوين فإنها غرب ~~بلاد الصين . # والقول في تركيب { حتى إذا بلغ مغرب الشمس } كالقول في قوله : { حتى إذا ~~ركبا في السفينة خرقها } . # والعين : منبع ماء . # وقرأ نافع ، وابن كثير ، وأبو عمرو ، وحفص { في عينن حمئة مهموزا مشتقا ~~من الحمأة ، وهو الطين الأسود . والمعنى : عين مختلط ماؤها بالحمأة فهو غير ~~صاف . PageV16P025 # وقرأ ابن عامر ، وحمزة ، والكسائي ، وأبو بكر عن عاصم ، وأبو جعفر ، وخلف ~~: في عين حامية بألف بعد الحاء وياء بعد الميم ، أي حارة من الحمو وهو ~~الحرارة ، أي أن ماءها سخن . # ويظهر أن هذه العين من عيون النفط الواقعة على ساحل بحر الخزر حيث مدينة ~~( باكو ) ، وفيها منابع النفط الآن ولم يكن معروفا يومئذ . والمؤرخون ~~المسلمون يسمونها البلاد المنتنة . # وتنكير قوما } يؤذن بأنهم أمة غير معروفة ولا مألوفة حالة عقائدهم ~~وسيرتهم . # فجملة { قلنا ياذا القرنين } استئناف بياني لما أشعر به تنكير { قوما } ~~من إثارة سؤال عن حالهم وعما لاقاه بهم ذو القرنين . # وقد دل قوله : { إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا } على أنهم مستحقون ~~للعذاب ، فدل على أن أحوالهم كانت في فساد من كفر وفساد عمل . # وإسناد القول إلى ضمير الجلالة يحتمل أنه قول إلهام ، أي ألقينا في نفسه ~~ترددا بين أن يبادر استيصالهم وأن يمهلهم ويدعوهم إلى الإيمان وحسن العمل ، ~~ويكون قوله { قال أما من ظلم } ، أي قال في نفسه معتمدا على حالة وسط بين ~~صورتي التردد . # وقيل : إن ذا القرنين كان نبيئا يوحى عليه فيكون القول كلاما موحى به ~~إليه يخيره فيه بين الأمرين ، مثل التخيير الذي في قوله تعالى : { فإما ms4990 منا ~~بعد وإما فداء } ( محمد : 4 ) ، ويكون قوله : { قال أما من ظلم } جوابا منه ~~إلى ربه . وقد أراد الله إظهار سداد اجتهاده كقوله : { ففهمناها سليمان } ( ~~الأنبياء : 79 ) . # و { حسنا } مصدر . وعدل عن ( أن تحسن إليهم ) إلى { أن تتخذ فيهم حسنا } ~~مبالغة في الإحسان إليهم حتى جعل كأنه اتخذ فيهم نفس PageV16P026 الحسن ، ~~مثل قوله تعالى : { وقولوا للناس حسنا } ( البقرة : 83 ) . وفي هذه ~~المبالغة تلقين لاختيار أحد الأمرين المخير بينهما . # والظلم : الشرك ، بقرينة قسيمه في قوله { وأما من آمن وعمل صالحا } . # واجتلاب حرف الاستقبال في قوله : { فسوف نعذبه } يشير إلى أنه سيدعوه إلى ~~الإيمان فإن أصر على الكفر يعذبه . وقد صرح بهذا المفهوم في قوله { وأما من ~~ءامن وعمل صالحا } أي آمن بعد كفره . ولا يجوز أن يكون المراد من هو مؤمن ~~الآن ، لأن التخيير بين تعذيبهم واتخاذ الإمهال معهم يمنع أن يكون فيهم ~~مؤمنون حين التخيير . # والمعنى : فسوف نعذبه عذاب الدنيا ولذلك أسنده إلى ضميره ثم قال : { ثم ~~يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا } وذلك عذاب الآخرة . # وقرأ الجمهور { جزاء الحسنى بإضافة جزاء إلى الحسنى على الإضافة البيانية ~~. وقرأه حمزة ، والكسائي ، وحفص عن عاصم ، ويعقوب ، وخلف جزاء الحسنى بنصب ~~جزاء منونا على أنه تمييز لنسبة استحقاقه الحسنى ، أو مصدر مؤكد لمضمون ~~جملة فله جزاء الحسنى } ، أو حال مقدمة على صاحبها باعتبار تعريف الجنس ~~كالتنكير . # وتأنيث { الحسنى } باعتبار الخصلة أو الفعلة . ويجوز أن تكون { الحسنى } ~~هي الجنة كما في قوله { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } ( يونس : 26 ) . # والقول اليسر : هو الكلام الحسن ، وصف باليسر المعنوي لكونه لا يثقل ~~سماعه ، وهو مثل قوله تعالى : { فقل لهم قولا ميسورا } ( الإسراء : 28 ) أي ~~جميلا . # فإن كان المراد من { الحسنى } الخصال الحسنى ، فمعنى عطف { وسنقول له من ~~أمرنا يسرا } أنه يجازى بالإحسان وبالثناء ، وكلاهما PageV16P027 من ذي ~~القرنين ، وإن كان المراد من { الحسنى } ثواب الآخرة فذلك من أمر الله ~~تعالى وإنما ذو القرنين مخبر به خبرا مستعملا في فائدة الخبر ، على معنى . ~~إنا نبشره بذلك ، أو مستعملا في ms4991 لازم الفائدة تأدبا مع الله تعالى ، أي أني ~~أعلم جزاءه عندك الحسنى . # وعطف عليه { وسنقول له من أمرنا يسرا } لبيان حظ الملك من جزائه وأنه ~~البشارة والثناء . # # | 2 ( 89 ، 90 ) { ثم أتبع سببا * حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على ~~قوم لم نجعل لهم من دونها سترا } . ) 2 # تقدم خلاف القراء في { فأتبع سببا } فهو كذلك هنا . # ومطلع الشمس : جهة المشرق من سلطانه ومملكته ، بلغ جهة قاصية من الشرق ~~حيث يخال أن لا عمران وراءها ، فالمطلع مكان الطلوع . # والظاهر أنه بلغ ساحل بحر اليابان في حدود منشوريا أو كوريا شرقا ، فوجد ~~قوما تطلع عليهم الشمس لا يسترهم من حرها ، أي لا جبل فيها يستظلون بظله ~~ولا شجر فيها ، فهي أرض مكشوفة للشمس ، ويجوز أن يكون المعنى أنهم كانوا ~~قوما عراة فكانوا يتقون شعاع الشمس في الكهوف أو في أسراب يتخذونها في ~~التراب . فالمراد بالستر ما يستر الجسد . # وكانوا قد تعودوا ملاقاة حر الشمس ، ولعلهم كانوا يتعرضون للشمس ليدفعوا ~~عن أنفسهم ما يلاقونه من القر ليلا . PageV16P028 # وفي هذه الحالة عبرة من اختلاف الأمم في الطبائع والعوائد وسيرتهم على ~~نحو مناخهم . # # | 2 ( 91 ) { كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا } ) 2 # الكاف للتشبيه ، والمشبه به شيء تضمنه الكلام السابق بلفظه أو معناه . # والكاف ومجرورها يجوز أن يكون شبه جملة وقع صفة لمصدر محذوف يدل عليه ~~السياق ، أي تشبيها مماثلا لما سمعت . # واسم الإشارة يشير إلى المحذوف لأنه كالمذكور لتقرر العلم به ، والمعنى : ~~من أراد تشبيهه لم يشبهه بأكثر من أن يشبهه بذاته على طريقة ما تقدم في ~~قوله تعالى : وكذلك جعلناكم أمة وسطا في سورة البقرة ( 143 ) . # ويجوز أن يكون جزء جملة حذف أحد جزأيها والمحذوف مبتدأ . والتقدير : أمر ~~ذي القرنين كذلك ، أي كما سمعت . # ويجوز أن يكون صفة لقومه أي قوما كذلك القوم الذين وجدهم في مغرب الشمس ، ~~أي في كونهم كفارا ، وفي تخييره في إجراء أمرهم على العقاب أو على الإمهال ~~. ويجوز أن يكون المجرور جزء جملة أيضا جلبت للانتقال ms4992 من كلام إلى كلام ~~فيكون فصل خطاب كما يقال : هذا الأمر كذا . # وعلى الوجوه كلها فهو اعتراض بين جملة { ثم أتبع سببا حتى إذا بلغ مطلع ~~الشمس } الخ . . . وجملة { ثم أتبع سببا حتى إذا بلغ بين السدين } ( الكهف ~~: 92 ، 93 ) الخ . . . PageV16P029 # هذه الجملة حال من الضمير المرفوع في ثم اتبع وقد أحطنا بما لديه خبرا } ~~. # و { بما لديه } : ما عنده من عظمة الملك من جند وقوة وثروة . # والخبر بضم الخاء وسكون الموحدة : العلم والإحاطة بالخبر ، كناية عن كون ~~المعلوم عظيما بحيث لا يحيط به علما إلا علام الغيوب . # $ 2 ( 92 98 ) { ثم أتبع سببا * حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما ~~قوما لا يكادون يفقهون قولا * قالوا ياذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون ~~فى الارض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا * قال ما مكنى فيه ~~ربى خير فأعينونى بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما * ءاتونى زبر الحديد حتى إذا ~~ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارا قال آتونى & # 1764 أفرغ عليه قطرا * فما اسطاعو & # 1764 ا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا * قال هاذا رحمة من ربى فإذا جآء ~~وعد ربى جعله دكآء وكان وعد ربى حقا } . ) 2 $ # السد بضم السين وفتحها : الجبل . ويطلق أيضا على الجدار الفاصل ، لأنه ~~يسد به الفضاء ، وقيل : الضم في الجبل والفتح في الحاجز . PageV16P030 # وقرأه نافع ، وابن عامر ، وحمزة ، والكسائي ، وأبو بكر عن عاصم ، وأبو ~~جعفر ، وخلف ، ويعقوب بضم السين وقرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، وحفص عن عاصم ~~بفتح السين على لغة عدم التفرقة . # والمراد { بالسدين هنا الجبلان ، وبالسد المفرد الجدار الفاصل ، والقرينة ~~هي التي عينت المراد من هذا اللفظ المشترك . # وتعريف السدين } تعريف الجنس ، أي بين سدين معينين ، أي اتبع طريقا آخر ~~في غزوه حتى بلغ بين جبلين معلومين . # ويظهر أن هذا السبب اتجه به إلى جهة غير جهتي المغرب والمشرق ، فيحتمل ~~أنها الشمال أو الجنوب . وعينه المفسرون أنه للشمال ، وبنوا على أن ذا ~~القرنين هو إسكندر المقدوني ms4993 ، فقالوا : إن جهة السدين بين ( أرمينيا ~~وأذربيجان ) . ونحن نبني على ما عيناه في الملقب بذي القرنين ، فنقول : إن ~~موضع السدين هو الشمال الغربي لصحراء ( قوبي ) الفاصلة بين الصين وبلاد ~~المغول شمال الصين وجنوب ( منغوليا ) . وقد وجد السد هنالك ولم تزل آثاره ~~إلى اليوم شاهدها الجغرافيون والسائحون وصورت صورا شمسية في كتب الجغرافيا ~~وكتب التاريخ العصرية . # ومعنى { لا يكادون يفقهون قولا } أنهم لا يعرفون شيئا من قول غيرهم ~~فلغتهم مخالفة للغات الأمم المعروفة بحيث لا يعرفها تراجمة ذي القرنين لأن ~~شأن الملوك أن يتخذوا تراجمة ليترجموا لغات الأمم الذين يحتاجون إلى ~~مخاطبتهم ، فهؤلاء القوم كانوا يتكلمون بلغة غريبة لانقطاع أصقاعهم عن ~~الأصقاع المعروفة فلا يوجد من يستطيع إفهامهم مراد الملك ولا هم يستطيعون ~~الإفهام . # ويجوز أن يكون المعنى أنهم قوم متوغلون في البداوة والبلاهة فلا يفهمون ~~ما يقصده من يخاطبهم . PageV16P031 # وقرأ الجمهور { يفقهون } بفتح الياء التحتية وفتح القاف أي لا يفهمون قول ~~غيرهم . وقرأ حمزة ، والكسائي بضم الياء وكسر القاف أي لا يستطيعون إفهام ~~غيرهم قولهم . والمعنيان متلازمان . وهذا كما في حديث الإيمان : ( نسمع دوي ~~صوته ولا نفهم ما يقول ) . # وهؤلاء القوم مجاورون ياجوج وماجوج ، وكانوا أضعف منهم فسألوا ذا القرنين ~~أن يقيهم من فساد ياجوج وماجوج . ولم يذكر المفسرون تعيين هؤلاء القوم ولا ~~أسماء قبيلهم سوى أنهم قالوا : هم في منقطع بلاد الترك نحو المشرق وكانوا ~~قوما صالحين فلا شك أنهم من قبائل بلاد الصين التي تتاخم بلاد المغول ~~والتتر . # وجملة { قالوا } استئناف للمحاورة . وقد بينا في غير موضع أن جمل حكاية ~~القول في المحاورات لا تقترن بحرف العطف كما في قوله تعالى : { قالوا أتجعل ~~فيها من يفسد فيها } ( البقرة : 30 ) الآية . فعلى أول الاحتمالين في معنى ~~{ لا يكادون يفقهون قولا } أنهم لا يدركون ما يطلب منهم من طاعة ونظام ومع ~~ذلك يعربون عما في نفوسهم من الأغراض مثل إعراب الأطفال ، وعلى الاحتمال ~~الثاني أنهم أمكنهم أن يفهم مرادهم بعد لأي . # وافتتاحهم الكلام بالنداء أنهم نادوه نداء المستغيثين المضطرين ، ونداؤهم ms4994 ~~إياه بلقب ذي القرنين يدل على أنه مشهور بمعنى ذلك اللقب بين الأمم ~~المتاخمة لبلاده . # وياجوج وماجوج أمة كثيرة العدد فيحتمل أن الواو الواقعة بين الاسمين حرف ~~عطف فتكون أمة ذات شعبين ، وهم المغول وبعض أصناف التتار . وهذا هو المناسب ~~لأصل رسم الكلمة ولا سيما على القول بأنهما اسمان عربيان كما سيأتي فقد كان ~~الصنفان متجاورين . PageV16P032 # ووقع لعلماء التاريخ وعلماء الأنساب في اختلاف إطلاق اسمي المغول والتتار ~~كل على ما يطلق عليه الآخر لعسر التفرقة بين المتقاربين منهما ، وقد قال ~~بعض العلماء : إن المغول هم ماجوج بالميم اسم جد لهم يقال له أيضا ( سكيثوس ~~) وربما يقال له ( جيته ) . وكان الاسم العام الذي يجمع القبيلتين ماجوج ثم ~~انقسمت الأمة فسميت فروعها بأسماء خاصة ، فمنها ماجوج وياجوج وتتر ثم ~~التركمان ثم الترك . ويحتمل أن الواو المذكورة ليست عاطفة ولكنها جاءت في ~~صورة العاطفة فيكون اللفظ كلمة واحدة مركبة تركيبا مزجيا ، فيتكون اسما ~~لأمة وهم المغول . # والذي يجب اعتماده أن ياجوج وماجوج هم المغول والتتر . وقد ذكر أبو ~~الفداء أن ماجوج هم المغول فيكون ياجوج هم التتر . وقد كثرت التتر على ~~المغول فاندمج المغول في التتر وغلب اسم التتر على القبيلتين . وأوضح شاهد ~~على ذلك ما ورد في حديث أم حبيبة عن زينب بنت جحش أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم دخل عليها فزعا يقول : ( لا إله إلا الله ، ويل للعرب من شر قد اقترب ~~، فتح اليوم من ردم ياجوج وماجوج مثل هذه ) . وحلق بأصبعيه الإبهام والتي ~~تليها . وقد تقدم آنفا . # ولا يعرف بالضبط وقت انطلاقهم من بلادهم ولا سبب ذلك . ويقدر أن انطلاقهم ~~كان أواخر القرن السادس الهجري . وتشتت ملك العرب بأيدي المغول والتتر من ~~خروج جنكيز خان المغولي واستيلائه على بخارى سنة ست عشرة وستمائة من الهجرة ~~ووصلوا ديار بكر سنة 628 ه ثم ما كان من تخريب هولاكو بغداد عاصمة ملك ~~العرب سنة 660 ه . # ونظير إطلاق اسمين على حي مؤتلف من قبيلتين إطلاق طسم وجديس على أمة من ~~العرب ms4995 البائدة ، وإطلاق السكاسك والسكرن في القبائل PageV16P033 اليمنية ، ~~وإطلاق هلال وزغبة على أعراب إفريقية الواردين من صعيد مصر ، وإطلاق أولاد ~~وزاز وأولاد يحيى على حي بتونس بالجنوب الغربي ، ومرادة وفرجان على حي من ~~وطن نابل بتونس . # وقرأ الجمهور { ياجوج وماجوج } كلتيهما بألف بعد التحتية بدون همز ، ~~وقرأه عاصم بالهمز . # واختلف المفسرون في أنه اسم عربي أو معرب ، وغالب ظني أنه اسم وضعه ~~القرآن حاكى به معناه في لغة تلك الأمة المناسب لحال مجتمعهم فاشتق لهما من ~~مادة الأج ، وهو الخلط ، إذ قد علمت أن تلك الأمة كانت أخلاطا من أصناف . # والاستفهام في قوله { فهل نجعل لك } ، مستعمل في العرض . # والخرج : المال الذي يدفع للملك . وهو بفتح الخاء المعجمة وسكون الراء في ~~قراءة الجمهور . ويقال فيه الخراج بألف بعد الراء ، وكذلك قرأه حمزة ، ~~والكسائي ، وخلف . # وقرأ الجمهور { سدا بضم السين وقرأه ابن كثير ، وأبو عمرو ، وحفص ، وحمزة ~~، والكسائي ، وخلف بفتح السين . # وقوله ما مكني فيه ربي خير } أي ما آتاني الله من المال والقوة خير من ~~الخراج الذي عرضتموه أو خير من السد الذي سألتموه ، أي ما مكنني فيه ربي ~~يأتي بخير مما سألتم ، فإنه لاح له أنه إن سد عليهم المرور من بين الصدفين ~~تحيلوا فتسلقوا الجبال ودخلوا بلاد الصين ، فأراد أن يبني سورا ممتدا على ~~الجبال في طول حدود البلاد حتى يتعذر عليهم تسلق تلك الجبال ، ولذلك سماه ~~ردما . PageV16P034 # والردم : البناء المردم . شبه بالثوب المردم المؤتلف من رقاع فوق رقاع ، ~~أي سدا مضاعفا . ولعله بنى جدارين متباعدين وردم الفراغ الذي بينهما ~~بالتراب المخلوط ليتعذر نقبه . # ولما كان ذلك يستدعي عملة كثيرين قال لهم : { فأعينوني بقوة } أي بقوة ~~الأبدان ، أراد تسخيرهم للعمل لدفع الضر عنهم . # وقد بنى ذو القرنين وهو ( تسين شي هوانق تي ) سلطان الصين هذا الردم بناء ~~عجيبا في القرن الثالث قبل المسيح وكان يعمل فيه ملايين من الخدمة ، فجعل ~~طوله ثلاثة آلاف وثلاثمائة كيلومتر . وبعضهم يقول : ألفا ومائتي ميل ، وذلك ~~بحسب اختلاف الاصطلاح في تقدير الميل ، وجعل مبدأه ms4996 عند البحر ، أي البحر ~~الأصفر شرقي مدينة ( بيكنغ ) عاصمة الصين في خط تجاه مدينة ( مكدن ) ~~الشهيرة . وذلك عند عرض 4 ، 540 شمالا ، وطول 02 ، 512 شرقا ، وهو يلاقي ~~النهر الأصفر حيث الطول 50 ، 5111 شرقا ، والعرض 50 ، 539 شمالا ، وأيضا في ~~375 عرض شمالي . ومن هنالك ينعطف إلى جهة الشمال الغربي وينتهي بقرب 599 ~~طولا شرقيا و 540 عرضا شماليا . # وهو مبني بالحجارة والآجر وبعضه من الطين فقط . # وسمكه عند أسفله نحو 25 قدما وعند أعلاه نحو 15 قدما وارتفاعه يتراوح بين ~~15 إلى 20 قدما ، وعليه أبراج مبنية من القراميد ارتفاع بعضها نحو 40 قدما ~~. # وهو الآن بحالة خراب فلم يبق له اعتبار من جهة الدفاع ، ولكنه بقي علامة ~~على الحد الفاصل بين المقاطعات الأرضية فهو فاصل بين الصين ومنغوليا ، وهو ~~يخترق جبال ( يابلوني ) التي هي حدود طبيعية بين الصين وبلاد منغوليا ~~فمنتهى طرفه إلى الشمال الغربي لصحراء ( قوبي ) . PageV16P035 # وقرأ الجمهور { مكني } بنون مدغمة ، وقرأه ابن كثير بالفك على الأصل . # وقوله { ءاتوني زبر الحديد } هو أمر لهم بمناولة زبر الحديد . فالإيتاء ~~مستعمل في حقيقة معناه وهو المناولة وليس تكليفا للقوم بأن يجلبوا له ~~الحديد من معادنه لأن ذلك ينافي قوله { ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة ~~} أي أنه غني عن تكليفهم إنفاقا على جعل السد . وكأن هذا لقصد إقامة أبواب ~~من حديد في مداخل الردم لمرور سيول الماء في شعب الجبل حتى لا ينهدم البناء ~~بأن جعل الأبواب الحديدية كالشبابيك تمنع مرور الناس ولا تمنع انسياب الماء ~~من بين قضبها ، وجعل قضبان الحديد معضودة بالنحاس المذاب المصبوب على ~~الحديد . # والزبر : جمع زبرة ، وهي القطعة الكبيرة من الحديد . # والحديد : معدن من معادن الأرض يكون قطعا كالحصى ودون ذلك فيها صلابة . ~~وهو يصنف ابتداء إلى صنفين : لين ، ويقال له الحديد الأنثى ، وصلب ويقال له ~~الذكر . ثم يصنف إلى ثمانية عشر صنفا ، وألوانه متقاربة وهي السنجابي ، ~~منها ما هو إلى الحمرة ، ومنها ما هو إلى البياض ، وهو إذا صهر بنار قوية ms4997 ~~في أتون مغلق التأمت أجزاؤه وتجمعت في وسط النار كالإسفنجة واشتدت صلابته ~~لأنه بالصهر يدفع ما فيه من الأجزاء الترابية وهي المسماة بالصدأ والخبث ، ~~فتعلو تلك الأجزاء على سطحه وهي الزبد . وخبث الحديد الوارد في الحديث : ( ~~إن المدينة تنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد ) . ولذلك فبمقدار ما ~~يطفو من تلك الأجزاء الغريبة الخبيثة يخلص الجزء الحديدي ويصفو ويصير زبرا ~~. ومن تلك الزبر تصنع الأشياء الحديدية من سيوف وزجاج ودروع ولأمات ، ولا ~~وسيلة PageV16P036 لصنعه إلا الصهر أيضا بالنار بحيث تصير الزبرة كالجمر ، ~~فحينئذ تشكل بالشكل المقصود بواسطة المطارق الحديدية . # والعصر الذي اهتدى فيه البشر لصناعة الحديد يسمى في التاريخ العصر ~~الحديدي . # وقوله : { حتى إذا ساوى بين الصدفين } أشعرت { حتى } بشيء مغيا قبلها ، ~~وهو كلام محذوف تقديره : فآتوه زبر الحديد فنضدها وبناها حتى إذا جعل ما ~~بين الصدفين مساويا لعلو الصدفين . وهذا من إيجاز الحذف . والمساواة : جعل ~~الأشياء متساوية ، أي متماثلة في مقدار أو وصف . # والصدفان بفتح الصاد وفتح الدال في قراءة الجمهور وهو الأشهر . وقرأه ابن ~~كثير ، وأبو عمرو ، وابن عامر ، ويعقوب بضم الصاد والدال ، وهو لغة . وقرأه ~~أبو بكر عن عاصم بضم الصاد وسكون الدال . # والصدف : جانب الجبل ، وهما جانبا الجبلين وهما السدان . وقال ابن عطية ~~والقزويني في ( الكشف ) : لا يقال إلا صدفان بالتثنية ، ولا يقال لأحدهما ~~صدف لأن أحدهما يصادف الآخر ، أي فالصدفان اسم لمجموع الجانبين مثل المقصان ~~لما يقطع به الثوب ونحوه . وعن أبي عيسى : الصدف كل بناء عظيم مرتفع . # والخطاب في قوله { انفخوا } وقوله { ءاتوني } خطاب للعملة . وحذف متعلق { ~~انفخوا } لظهوره من كون العمل في صنع الحديد . والتقدير : انفخوا في ~~الكيران ، أي الكيران المصفوفة على طول ما بين الصدفين من زبر الحديد . ~~PageV16P037 # وقرأ الجمهور : { قال ءاتوني } مثل الأول . وقرأه حمزة ، وأبو بكر عن ~~عاصم { ائتوني على أنه أمر من الإتيان ، أي أمرهم أن يحضروا للعمل . # والقطر } بكسر القاف : النحاس المذاب . # وضمير { اسطاعوا } و { استطاعوا } ليأجوج ومأجوج . # والظهور : العلو . والنقب : كسر الردم ، وعدم استطاعتهم ذلك لارتفاعه ~~وصلابته ms4998 . # و { اسطاعوا } تخفيف { استطاعوا } ، والجمع بينهما تفنن في فصاحة الكلام ~~كراهية إعادة الكلمة . وابتدىء بالأخف منهما لأنه وليه الهمز وهو حرف ثقيل ~~لكونه من الحلق ، بخلاف الثاني إذ وليه اللام وهو خفيف . # ومقتضى الظاهر أن يبتدأ بفعل { استطاعوا } ويثني بفعل { اسطاعوا } لأنه ~~يثقل بالتكرير ، كما وقع في قوله آنفا { سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه ~~صبرا } ( الكهف : 78 ) ثم قوله : { ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا } ( ~~الكهف : 82 ) . # ومن خصائص مخالفة مقتضى الظاهر هنا إيثار فعل ذي زيادة في المبنى بموقع ~~فيه زيادة المعنى لأن استطاعة نقب السد أقوى من استطاعة تسلقه ، فهذا من ~~مواضع دلالة زيادة المبنى على زيادة في المعنى . # وقرأ حمزة وحده { فما اسطاعوا الأول بتشديد الطاء مدغما فيها التاء . ~~PageV16P038 # وجملة قال هذا رحمة من ربي } مستأنفة استئنافا بيانيا ، لأنه لما آذن ~~الكلام بانتهاء حكاية وصف الردم كان ذلك مثيرا سؤال من يسأل : ماذا صدر من ~~ذي القرنين حين أتم هذا العمل العظيم ؟ فيجاب بجملة : { قال هذا رحمة من ~~ربي } . # والإشارة بهذا إلى الردم ، وهو رحمة للناس لما فيه من رد فساد أمة ياجوج ~~وماجوج عن أمة أخرى صالحة . # و ( من ) ابتدائية ، وجعلت من الله لأن الله ألهمه لذلك ويسر له ما هو ~~صعب . # وفرع عليه { فإذا جاء وعد ربي جعله دكا } نطقا بالحكمة لأنه يعلم أن كل ~~حادث صائر إلى زوال . ولأنه علم أن عملا عظيما مثل ذلك يحتاج إلى التعهد ~~والمحافظة عليه من الانهدام ، وعلم أن ذلك لا يتسنى في بعض أزمان انحطاط ~~المملكة الذي لا محيص منه لكل ذي سلطان . # والوعد : هو الإخبار بأمر مستقبل . وأراد به ما في علم الله تعالى من ~~الأجل الذي ينتهي إليه دوام ذلك الردم ، فاستعار له اسم الوعد . ويجوز أن ~~يكون الله قد أوحى إليه إن كان نبيئا أو ألهمه إن كان صالحا أن لذلك الردم ~~أجلا معينا ينتهي إليه . # وقد كان ابتداء ذلك الوعد يوم قال النبي صلى الله عليه وسلم ( فتح اليوم ~~من ردم ياجوج ms4999 وماجوج هكذا ، وعقد بين أصبعيه الإبهام والسبابة ) كما تقدم . # والدك في قراءة الجمهور مصدر بمعنى المفعول للمبالغة ، أي جعله مدكوكا ، ~~أي مسوى بالأرض بعد ارتفاع . وقرأ عاصم ، وحمزة ، والكسائي ، وخلف { جعله ~~دكاء } بالمد . والدكاء : اسم للناقة التي لا سنام لها ، وذلك على التشبيه ~~البليغ . PageV16P039 # وجملة { وكان وعد ربي حقا } تذييل للعلم بأنه لا بد له من أجل ينتهي إليه ~~لقوله تعالى : { لكل أجل كتاب } ( الرعد : 38 ) و { لكل أمة أجل } ( يونس : ~~49 ) أي وكان تأجيل الله الأشياء حقا ثابتا لا يتخلف . وهذه الجملة بعمومها ~~وما فيها من حكمة كانت تذييلا بديعا . # # | 2 ( 99 101 ) { وتركنا بعضهم يومئذ يموج فى بعض ونفخ فى الصور فجمعناهم ~~جمعا * وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا * الذين كانت أعينهم فى غطآء عن ~~ذكرى وكانوا لا يستطيعون سمعا } . ) 2 # الترك : حقيقته مفارقة شيء شيئا كان بقربه ، ويطلق مجازا على جعل الشيء ~~بحالة مخالفة لحالة سابقة تمثيلا لحال إلفائه على حالة ، ثم تغييرها بحال ~~من كان قرب شيء ثم ذهب عنه ، وإنما يكون هذا المجاز مقيدا بحالة كان عليها ~~مفعول ترك ، فيفيد أن ذلك آخر العهد ، وذلك يستتبع أنه يدوم على ذلك الحال ~~الذي تركه عليها بالقرينة . # والجملة عطف على الجملة التي قبلها ابتداء من قوله { حتى إذا بلغ بين ~~السدين ، } فهذه الجملة لذكر صنع الله تعالى في هذه القصة الثالثة من قصص ~~ذي القرنين إذ ألهمه دفع فساد ياجوج وماجوج ، بمنزلة جملة { قلنا يا ذا ~~القرنين إما أن تعذب } في القصة الأولى ، وجملة { كذلك وقد أحطنا بما لديه ~~خبرا } فجاء أسلوب حكاية هذه القصص الثلاث على نسق واحد . # و { يومئذ } هو يوم إتمام بناء السد المستفاد من قوله { فما اسطاعوا أن ~~يظهروه } الآية . # و { يموج } يضطرب تشبيها بموج البحر . # وجملة { يموج } حال من { بعضهم } أو مفعول ثان ل { تركنا } على تأويله ب ~~( جعلنا ) ، أي جعلنا ياجوج وماجوج يومئذ مضطربين بينهم فصار فسادهم قاصرا ~~عليهم ودفع عن غيرهم . PageV16P040 # والنار تأكل نفسها # إن لم تجد ما تأكله # لأنهم إذا ms5000 لم يجدوا ما اعتادوه من غزو الأمم المجاورة لهم رجع قويهم على ~~ضعيفهم بالاعتداء . # { ونفخ فى الصور فجمعناهم جمعا } { وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا * ~~الذين كانت أعينهم فى غطآء عن ذكرى وكانوا لا يستطيعون سمعا } . # تخلص من أغراض الاعتبار بما في القصة من إقامة المصالح في الدنيا على ~~أيدي من اختاره الله لإقامتها من خاصة أوليائه ، إلى غرض التذكير بالموعظة ~~بأحوال الآخرة ، وهو تخلص يؤذن بتشبيه حال تموجهم بحال تموج الناس في ~~المحشر ، تذكيرا للسامعين بأمر الحشر وتقريبا بحصوله في خيال المشركين . ~~فإن القادر على جمع أمة كاملة وراء هذا السد ، بفعل من يسره لذلك من خلقه ، ~~هو الأقدر على جمع الأمم في الحشر بقدرته ، لأن متعلقات القدرة في عالم ~~الآخرة أعجب . وقد تقدم أن من أهم أغراض هذه السورة إثبات البعث . واستعمل ~~الماضي موضع المضارع تنبيها على تحقيق وقوعه . # والنفخ في الصور تمثيلية مكنية تشبيها لحال الداعي المطاع وحال المدعو ~~الكثير العدد السريع الإجابة ، بحال الجند الذين ينفذون أمر القائد بالنفير ~~فينفخون في بوق النفير ، وبحال بقية الجند حين يسمعون بوق النفير فيسرعون ~~إلى الخروج . على أنه يجوز أن يكون الصور من مخلوقات الآخرة . PageV16P041 # والحالة الممثلة حالة غريبة لا يعلم تفصيلها إلا الله تعالى . # وتأكيد فعلي { جمعناهم } و { عرضنا } بمصدريهما لتحقق أنه جمع حقيقي وعرض ~~حقيقي ليسا من المجاز ، وفي تنكير الجمع والعرض تهويل . # ونعت الكافرين ب { الذين كانت أعينهم في غطاء } للتنبيه على أن مضمون ~~الصلة هو سبب عرض جهنم لهم ، أي الذين عرفوا بذلك في الدنيا . # والغطاء : مستعار لعدم الانتفاع بدلالة البصر على تفرد الله بالإلهية . # وحرف ( من ) للظرفية المجازية ، وهي تمكن الغطاء من أعينهم بحيث كأنها ~~محوية للغطاء . # و ( عن ) للمجاوزة ، أي عن النظر فيما يحصل به ذكري . # ونفي استطاعتهم السمع أنهم لشدة كفرهم لا تطاوعهم نفوسهم للاستماع . وحذف ~~مفعول { سمعا } لدلالة قوله { عن ذكري } عليه . # والتقدير : سمعا لآياتي ، فنفي الاستطاعة مستعمل في نفي الرغبة وفي ~~الإعراض كقوله { وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي ms5001 آذاننا وقر } ( ~~فصلت : 5 ) . # وعرض جهنم مستعمل في إبرازها حين يشرفون عليها وقد سيقوا إليها فيعلمون ~~أنها المهيئة لهم ، فشبه ذلك بالعرض تهكما بهم ، لأن العرض هو إظهار ما فيه ~~رغبة وشهوة . # PageV16P042 $ 2 ( 102 ) { أفحسب الذين كفرو & # 1764 ا أن يتخذوا عبادى من دونى & # 1764 أوليآء إنآ أعتدنا جهنم للكافرين نزلا } . ) 2 $ # أعقب وصف حرمانهم الانتفاع بدلائل المشاهدات على وحدانية الله وإعراضهم ~~عن سماع الآيات بتفريع الإنكار لاتخاذهم أولياء من دون الله يزعمونها نافعة ~~لهم تنصرهم تفريع الإنكار على صلة الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري ، لأن ~~حسبانهم ذلك نشأ عن كون أعينهم في غطاء وكونهم لا يستطيعون سمعا ، أي حسبوا ~~حسبانا باطلا فلم يغن عنهم ما حسبوه شيئا ، ولأجله كانت أعينهم في غطاء عن ~~ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا . # وتقدم حرف الاستفهام على فاء العطف لأن للاستفهام صدر الكلام وهو كثير في ~~أمثاله . والخلاف شهير بين علماء العربية في أن الاستفهام مقدم من تأخير ، ~~أو أن العطف إنما هو على ما بعد الاستفهام بعد حذف المستفهم عنه لدلالة ~~المعطوف عليه . فيقدر هنا : أأمنوا عذابي فحسبوا أن يتخذوا إلخ . . . وأول ~~القولين أولى . وقد تقدمت نظائره منها قوله تعالى : { أفتطمعون أن يؤمنوا ~~لكم في سورة البقرة ( 75 ) . # والاستفهام إنكاري ، والإنكار عليهم فيما يحسبونه يقتضي أن ما ظنوه باطل ~~، ونظيره قوله أحسب الناس أن يتركوا } ( العنكبوت : 2 ) . # و { أن يتخذوا } ساد مسد مفعولي { حسب } لأنه يشتمل على ما يدل على ~~المفعولين فهو ينحل إلى مفعولين . والتقدير : أحسب الذين كفروا عبادي ~~متخذين أولياء لهم من دوني . # والإنكار متسلط على معمول المفعول الثاني وهو { أولياء } المعمول ل { ~~يتخذوا } بقرينة ما دل عليه فعل { حسب } من أن هنالك PageV16P043 محسوبا ~~باطلا ، وهو كونهم أولياء باعتبار ما تقتضيه حقيقة الولاية من الحماية ~~والنصر . # و { عبادي } صادق على الملائكة والجن والشياطين ومن عبدوهم من الأخيار ~~مثل عيسى عليه السلام ، ويصدق على الأصنام بطريق التغليب . # و { من دوني } متعلق ب { أولياء } إما بجعل { دوني } اسما بمعنى حول ، أي ms5002 ~~من حول عذابي ، وتأويل { أولياء } بمعنى أنصارا ، أي حائلين دون عذابي ~~ومانعيهم منه ، وإما بجعل { دوني } بمعنى غيري ، أي أحسبوا أنهم يستغنون ~~بولايتهم . # وصيغ فعل الاتخاذ بصيغة المضارع للدلالة على تجدده منهم وأنهم غير مقلعين ~~عنه . # وجعل في ( الكشاف ) فعل { يتخذوا } للمستقبل ، أي أحسبوا أن يتخذوا عبادي ~~أولياء يوم القيامة كما اتخذوهم في الدنيا ، وهو المشار إليه بقوله { ~~وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا } . ونظره بقوله تعالى : { ويوم نحشرهم ~~جميعا ثم نقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا ~~من دونهم } ( سبأ : 40 41 ) . # وإظهار الذين كفروا دون أن يقال : أفحسبوا ، بإعادة الضمير إلى الكافرين ~~في الآية قبلها ، لقصد استقلال الجملة بدلالتها ، وزيادة في إظهار التوبيخ ~~لها . # وجملة { إنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلا } مقررة لإنكار انتفاعهم ~~بأوليائهم فأكد بأن جهنم أعدت لهم نزلا فلا محيص لهم عنها ولذلك أكد بحرف ( ~~إن ) . PageV16P044 # و { أعتدنا : } أعددنا ، أبدل الدال الأولى تاء لقرب الحرفين ، والإعداد ~~: التهيئة ، وقد تقدم آنفا عند قوله تعالى : { إنا أعتدنا للظالمين نارا ( ~~الكهف : 29 ) } . وجعل المسند إليه ضمير الجلالة لإدخال الروع في ضمائر ~~المشركين . # والنزل بضمتين : ما يعد للنزيل والضيف من القرى . وإطلاق اسم النزل على ~~العذاب استعارة علاقتها التهكم ، كقول عمرو بن كلثوم : # قريناكم فعجلنا قراكم # قبيل الصبح مرداة طحونا # # | 2 ( 103 ، 104 ) { قل هل ننبئكم بالاخسرين أعمالا * الذين ضل سعيهم فى ~~الحيواة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا } . ) 2 # اعتراض باستئناف ابتدائي أثاره مضمون جملة { أفحسب الذين كفروا } الخ . . ~~. فإنهم لما اتخذوا أولياء من ليسوا ينفعونهم فاختاروا الأصنام وعبدوها ~~وتقربوا إليها بما أمكنهم من القرب اغترارا بأنها تدفع عنهم وهي لا تغني ~~عنهم شيئا فكان عملهم خاسرا وسعيهم باطلا . فالمقصود من هذه الجملة هو قوله ~~{ وهم يحسبون . . . } الخ . # وافتتاح الجملة بالأمر بالقول للاهتمام بالمقول بإصغاء السامعين لأن مثل ~~هذا الافتتاح يشعر بأنه في غرض مهم ، وكذلك افتتاحه باستفهامهم عن إنبائهم ~~استفهاما مستعملا في العرض لأنه PageV16P045 بمعنى : أتحبون أن ننبئكم ~~بالأخسرين أعمالا ، وهو عرض تهكم لأنه منبئهم بذلك ms5003 دون توقف على رضاهم . # وفي قوله { بالأخسرين أعمالا } إلى آخره . . . تمليح إذ عدل فيه عن طريقة ~~الخطاب بأن يقال لهم : هل ننبئكم بأنكم الأخسرون أعمالا ، إلى طريقة الغيبة ~~بحيث يستشرفون إلى معرفة هؤلاء الأخسرين فما يروعهم إلا أن يعلموا أن ~~المخبر عنهم هم أنفسهم . # والمقول لهم : المشركون ، توبيخا لهم وتنبيها على ما غفلوا عنه من خيبة ~~سعيهم . # ونون المتكلم المشارك في قوله { ننبئكم } يجوز أن تكون نون العظمة راجعة ~~إلى ذات الله على طريقة الالتفات في الحكاية . ومقتضى الظاهر أن يقال : هل ~~ينبئكم الله ، أي سينبئكم ويجوز أن تكون للمتكلم المشارك راجعة إلى الرسول ~~صلى الله عليه وسلم وإلى الله تعالى لأنه ينبئهم بما يوحى إليه من ربه . ~~ويجوز أن تكون راجعة للرسول وللمسلمين . # وقوله { الذين ضل سعيهم } بدل من { بالأخسرين أعمالا } وفي هذا الإطناب ~~زيادة التشويق إلى معرفة هؤلاء الأخسرين حيث أجرى عليهم من الأوصاف ما يزيد ~~السامع حرصا على معرفة الموصوفين بتلك الأوصاف والأحوال . # والضلال : خطأ السبيل . شبه سعيهم غير المثمر بالسير في طريق غير موصلة . # والسعي : المشي في شدة . وهو هنا مجاز في العمل كما تقدم عند قوله { ومن ~~أراد الآخرة وسعى لها سعيها في سورة الإسراء ( 19 ) ، أي عملوا PageV16P046 ~~أعمالا تقربوا بها للأصنام يحسبونها مبلغة إياهم أغراضا وقد أخطؤوها وهم ~~يحسبون أنهم يفعلون خيرا . # وإسناد الضلال إلى سعيهم مجاز عقلي . والمعنى : الذين ضلوا في سعيهم . # وبين يحسبون } و { يحسنون } جناس مصحف ، وقد مثل بهما في مبحث الجناس . # # | 2 ( 105 ) { أولائك الذين كفروا بئايات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا ~~نقيم لهم يوم القيامة وزنا } . ) 2 # جملة هي استئناف بياني بعد قوله { هل ننبئكم } . # وجيء باسم الإشارة لتمييزهم أكمل تمييز لئلا يلتبسوا بغيرهم على نحو قوله ~~تعالى : { أولئك هم المفلحون } ( البقرة : 5 ) . # وللتنبيه على أن المشار إليهم أحرياء بما بعد اسم الإشارة من حكم بسبب ما ~~أجري عليهم من الأوصاف . # والآيات : القرآن والمعجزات . # والحبط : البطلان والدحض . # وقوله : { ربهم } يجري على الوجه الأول في نون { هل ننبئكم } أنه إظهار ms5004 ~~في مقام الإضمار . ومقتضى الظاهر أن يقال : أولئك الذين كفروا بآياتنا ، ~~ويجري على الوجهين الثاني والثالث أنه على مقتضى الظاهر . PageV16P047 # ونون { فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا } على الوجه الأول في نون { قل هل ~~ننبئكم } جارية على مقتضى الظاهر . # وأما على الوجهين الثالث والرابع فإنها التفات عن قوله { بآيات ربهم ، } ~~ومقتضى الظاهر أن يقال : فلا يقيم لهم . # ونفي إقامة الوزن مستعمل في عدم الاعتداد بالشيء ، وفي حقارته لأن الناس ~~يزنون الأشياء المتنافس في مقاديرها والشيء التافه لا يوزن ، فشبهوا ~~بالمحقرات على طريقة المكنية وأثبت لهم عدم الوزن تخييلا . # وجعل عدم إقامة الوزن مفرعا على حبط أعمالهم لأنهم بحبط أعمالهم صاروا ~~محقرين لا شيء لهم من الصالحات . # $ 2 ( 106 ) { ذلك جزآؤهم جهنم بما كفروا واتخذو & # 1764 ا ءاياتى ورسلى هزوا } . ) 2 $ # الإشارة إما إلى ما تقدم من وعيدهم في قوله { إنا أعتدنا جهنم للكافرين ~~نزلا } ، أي ذلك الإعداد جزاؤهم . # وقوله { جزاؤهم } خبر عن اسم الإشارة . وقوله { جهنم } بدل من { جزاؤهم } ~~بدلا مطابقا لأن إعداد جهنم هو عين جهنم . وإعادة لفظ جهنم أكسبه قوة ~~التأكيد . # وإما إلى مقدر في الذهن دل عليه السياق يبينه ما بعده على نحو استعمال ~~ضمير الشأن مع تقدير مبتدأ محذوف . والتقدير : الأمر والشأن ذلك جزاؤهم ~~جهنم . PageV16P048 # والباء للسببية ، و ( ما ) مصدرية ، أي بسبب كفرهم . # { واتخذوا } عطف على { كفروا } فهو من صلة ( ما ) المصدرية . والتقدير : ~~وبما اتخذوا آياتي ورسلي هزؤا ، أي باتخاذهم ذلك كذلك . # والرسل يجوز أن يراد به حقيقة الجمع فيكون إخبارا عن حال كفار قريش ومن ~~سبقهم من الأمم المكذبين ، ويجوز أن يراد به الرسول الذي أرسل إلى الناس ~~كلهم وأطلق عليه اسم الجمع تعظيما كما في قوله { نجب دعوتك ونتبع الرسل } ( ~~إبراهيم : 44 ) . # والهزؤ بضمتين مصدر بمعنى المفعول . وهو أشد مبالغة من الوصف باسم ~~المفعول ، أي كانوا كثيري الهزؤ بهم . # # | 2 ( 107 ، 108 ) { إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات ~~الفردوس نزلا * خالدين فيها لا يبغون عنها حولا } . ) 2 # هذا مقابل قوله : { إنا أعتدنا ms5005 جهنم للكافرين نزلا } على عادة القرآن في ~~ذكر البشارة بعد الإنذار . # وتأكيد الجملة للاهتمام بها لأنها جاءت في مقابلة جملة { إنا أعتدنا جهنم ~~للكافرين نزلا ، } وهي مؤكدة كي لا يظن ظان أن جزاء المؤمنين غير مهتم ~~بتأكيده مع ما في التأكيدين من تقوية الإنذار وتقوية البشارة . # وجعل المسند إليه الموصول بصلة الإيمان وعمل الصالحات للاهتمام بشأن ~~أعمالهم ، فلذلك خولف نظم الجملة التي تقابلها فلم PageV16P049 يقل : ~~جزاؤهم الجنة . وقد تقدم نظير هذا الأسلوب في المخالف بين وصف الجزاءين عند ~~قوله تعالى في هذه السورة : { إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها ( ~~الكهف : 29 ) } ثم قوله : { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع ~~أجر من أحسن عملا } ( الكهف : 30 ) . # وفي الإتيان ب { فكانت } دلالة على أن استحقاقهم الجنات أمر مستقر من قبل ~~مهيأ لهم . # وجيء بلام الاستحقاق تكريما لهم بأنهم نالوا الجنة باستحقاق إيمانهم ~~وعملهم . كما قال تعالى : { وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون } ( ~~الزخرف : 72 ) . # وجمع الجنات إيماء إلى سعة نعيمهم ، وأنها جنان كثيرة كما جاء في الحديث ~~: ( إنها جنان كثيرة ) . # والفردوس : البستان الجامع لكل ما يكون في البساتين ، وعن مجاهد هو معرب ~~عن الرومية . وقيل عن السريانية . وقال الفراء : هو عربي ، أي ليس معربا . ~~ولم يرد ذكره في كلام العرب قبل القرآن . وأهل الشام يقولون للبساتين ~~والكروم : الفراديس . وفي مدينة حلب باب يسمى باب الفراديس . # وإضافة الجنات إلى الفردوس بيانية ، أي جنات هي من صنف الفردوس . وورد في ~~الحديث أن الفردوس أعلى الجنة أو وسط الجنة . وذلك إطلاق آخر على هذا ~~المكان المخصوص يرجع إلى أنه علم بالغلبة . # فإن حملت هذه الآية عليه كانت إضافة { جنات } إلى { الفردوس } إضافة ~~حقيقية ، أي جنات هذا المكان . PageV16P050 # والنزل : تقدم قريبا . # وقوله : { لا يبغون عنها حولا } أي ليس بعدما حوته تلك الجنات من ضروب ~~اللذات والتمتع ما تتطلع النفوس إليه فتود مفارقة ما هي فيه إلى ما هو خير ~~منه ، أي هم يجدون فيها كل ما يخامر أنفسهم من المشتهى . # والحول : مصدر ms5006 بوزن العوج والصغر . وحرف العلة يصحح في هذه الصيغة لكن ~~الغالب فيما كان على هذه الزنة مصدرا التصحيح مثل : الحول ، وفيما كان منها ~~جمعا الإعلال نحو : الحيل جمع حيلة . وهو من ذوات الواو مشتق من التحول . # # | 2 ( 109 ) { قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربى لنفد البحر قبل أن تنفد ~~كلمات ربى ولو جئنا بمثله مددا } . ) 2 # لما ابتدئت هذه السورة بالتنويه بشأن القرآن ثم أفيض فيها من أفانين ~~الإرشاد والإنذار والوعد والوعيد ، وذكر فيها من أحسن القصص ما فيه عبرة ~~وموعظة ، وما هو خفي من أحوال الأمم ، حول الكلام إلى الإيذان بأن كل ذلك ~~قليل من عظيم علم الله تعالى . # فهذا استئناف ابتدائي وهو انتقال إلى التنويه بعلم الله تعالى مفيضض ~~العلم على رسوله صلى الله عليه وسلم لأن المشركين لما سألوه عن أشياء ~~يظنونها مفحمة للرسول وأن لا قبل له بعلمها علمه الله إياها ، وأخبر عنها ~~أصدق خبر ، وبينها بأقصى ما تقبله أفهامهم وبما يقصر عنه علم الذين أغروا ~~المشركين بالسؤال عنها ، وكان آخرها خبر ذي القرنين ، أتبع ذلك بما يعلم ~~منه سعة علم الله تعالى وسعة ما يجري على وفق علمه PageV16P051 من الوحي ~~إذا أراد إبلاغ بعض ما في علمه إلى أحد من رسله . وفي هذا رد عجز السورة ~~على صدرها . # وقيل : نزلت لأجل قول اليهود لرسول الله صلى الله عليه وسلم كيف تقول ، ~~أي في سورة الإسراء { وما أوتيتم من العلم إلا قليلا وقد أوتينا التوراة ، ~~ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيرا كثيرا . وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى : وما ~~أوتيتم من العلم إلا قليلا في سورة الإسراء ( 85 ) . # وقال الترمذي عن ابن عباس : قال حيي بن أخطب اليهودي : في كتابكم ومن يؤت ~~الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا } ( البقرة : 269 ) ثم تقرأون : { وما أوتيتم ~~من العلم إلا قليلا ، فنزل قوله تعالى : قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي ~~. . . } الآية . # وكلمات الله : ما يدل على شيء من علمه مما يوحي إلى رسله أن يبلغوه ، فكل ~~معلوم يمكن ms5007 أن يخبر به . فإذا أخبر به صار كلمة ، ولذلك يطلق على المعلومات ~~كلمات ، لأن الله أخبر بكثير منها ولو شاء لأخبر بغيره ، فإطلاق الكلمات ~~عليها مجاز بعلاقة المآل . ونظيرها قوله تعالى : { ولو أن ما في الأرض من ~~شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله } ( لقمان : ~~27 ) . وفي هذا دليل لإثبات الكلام النفسي ولإثبات التعلق الصلوحي لصفة ~~العلم . وقل من يتنبه لهذا التعلق . # ولما كان شأن ما يخبر الله به على لسان أحد رسله أن يكتب حرصا على بقائه ~~في الأمة ، شبهت معلومات الله المخبر بها والمطلق عليها كلمات بالمكتوبات ، ~~ورمز إلى المشبه به بما هو من لوازمه وهو المداد الذي به الكتابة على طريقة ~~المكنية ، وإثبات المداد تخييل كتخيل الأظفار للمنية . فيكون ما هنا مثل ~~قوله تعالى : { ولو أن PageV16P052 ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده ~~من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله } فإن ذكر الأقلام إنما يناسب المداد ~~بمعنى الحبر . # ويجوز أن يكون هنا تشبيه كلمات الله بالسراج المضيء ، لأنه يهدي إلى ~~المطلوب ، كما شبه نور الله وهديه بالمصباح في قوله تعالى : { مثل نوره ~~كمشكاة فيها مصباح } ( النور : 35 ) ويكون المداد تخييلا بالزيت الذي يمد ~~به السراج . # والمداد يطلق على الحبر لأنه تمد به الدواة ، أي يمد به ما كان فيها من ~~نوعه ، ويطلق المداد على الزيت الذي يمد به السراج وغلب إطلاقه على الحبر . ~~وهو في هذه الآية يحتمل المعنيين فتتضمن الآية مكنيتين على الاحتمالين . # واللام في قوله { لكلماته } لام العلة ، أي لأجل كلمات ربي . والكلام ~~يؤذن بمضاف محذوف ، تقديره : لكتابة كلمات ربي ، إذ المداد يراد للكتابة ~~وليس البحر مما يكتب به ولكن الكلام بني على المفروض بواسطة ( لو ) . # والمداد : اسم لما يمد به الشيء ، أي يزاد به على ما لديه . ولم يقل ~~مدادا ، إذ ليس المقصود تشبيهه بالحبر لحصول ذلك بالتشبيه الذي قبله وإنما ~~قصد هنا أن مثله يمده . # والنفاد : الفناء والاضمحلال ، ونفاد البحر ممكن عقلا . # وأما نفاد كلمات الله ms5008 بمعنى تعلقات علمه فمستحيل ، فلا يفهم من تقييد ~~نفاد كلمات الله بقيد الظرف وهو { قبل } إمكان نفاد كلمات الله ؛ ولكن لما ~~بني الكلام على الفرض والتقدير بما يدل عليه ( لو ) كان المعنى لو كان ~~البحر مدادا لكلمات ربي وكانت كلمات ربي مما ينفد لنفد البحر قبل أن تنفد ~~كلمات ربي . PageV16P053 # وهذا الكلام كناية عن عدم تناهي معلومات الله تعالى التي منها تلك ~~المسائل الثلاث التي سألوا عنها النبي صلى الله عليه وسلم فلا يقتضي قوله : ~~{ قبل أن تنفد كلمات ربي } إن لكلمات الله تعالى نفادا كما علمته . # وجملة { ولو جئنا بمثله مددا } في موضع الحال . # و { لو } وصلية ، وهي الدالة على حالة هي أجدر الأحوال بأن لا يتحقق معها ~~مفاد الكلام السابق فينبه السامع على أنها متحقق معها مفاد الكلام السابق . ~~وقد تقدم عند قوله تعالى : { فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى ~~به في سورة آل عمران ( 91 ) ، وهذا مبالغة ثانية . # وانتصب مددا } على التمييز المفسر للإبهام الذي في لفظ { بمثله } ، أي ~~مثل البحر في الإمداد . # # | 2 ( 110 ) { قل إنمآ أنا بشر مثلكم يوحى إلى أنمآ إلاهكم إلاه واحد فمن ~~كان يرجو لقآء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا } . ) 2 # استئناف ثان ، انتقل به من التنويه بسعة علم الله تعالى وأنه لا يعجزه أن ~~يوحي إلى رسوله بعلم كل ما يسأل عن الإخبار به ، إلى إعلامهم بأن الرسول لم ~~يبعث للإخبار عن الحوادث الماضية والقرون الخالية ، ولا أن من مقتضى ~~الرسالة أن يحيط علم الرسول بالأشياء فيتصدى للإجابة عن أسئلة تلقى إليه ، ~~ولكنه بشر علمه كعلم البشر أوحى الله إليه بما شاء إبلاغه عباده من التوحيد ~~والشريعة ، ولا PageV16P054 علم له إلا ما علمه ربه كما قال تعالى : { قل ~~إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي } ( الأعراف : 203 ) . # فالحصر في قوله { إنما أنا بشر مثلكم } قصر الموصوف على الصفة وهو إضافي ~~للقلب ، أي ما أنا إلا بشر لا أتجاوز البشرية إلى العلم بالمغيبات . # وأدمج في ms5009 هذا أهم ما يوحي إليه وما بعث لأجله وهو توحيد الله والسعي لما ~~فيه السلامة عند لقاء الله تعالى . وهذا من رد العجز على الصدر من قوله في ~~أول السورة { لينذر بأسا شديدا من لدنه } إلى قوله { إن يقولون إلا كذبا } ~~( الكهف : 2 5 ) . # وجملة { يوحى إلي } مستأنفة ، أو صفة ثانية ل { بشر } . # و { أنما مفتوحة الهمزة أخت ( إنما ) المكسورة الهمزة وهي مركبة من ( أن ~~) المفتوحة الهمزة و ( ما ) الكافة كما ركبت ( إنما ) المكسورة الهمزة ~~فتفيد ما تفيده ( أن ) المفتوحة من المصدرية ، وما تفيده ( إنما ) من الحصر ~~، والحصر المستفاد منها هنا قصر إضافي للقلب . والمعنى : يوحي الله إلي ~~توحيد الإله وانحصار وصفه في صفة الوحدانية دون المشاركة . # وتفريع { فمن كان يرجو لقاء ربه } هو من جملة الموحى به إليه ، أي يوحى ~~إلي بوحدانية الإله وبإثبات البعث وبالأعمال الصالحة . # فجاء النظم بطريقة بديعة في إفادة الأصول الثلاثة ، إذ جعل التوحيد أصلا ~~لها وفرع عليه الأصلان الآخران ، وأكد الإخبار بالوحدانية بالنهي عن ~~الإشراك بعبادة الله تعالى ، وحصل مع ذلك رد العجز على الصدر وهو أسلوب ~~بديع . # PageV16P055 PageV16P056 # | 1 ( سورة مريم ) 1 # اسم هذه السورة في المصاحف وكتب التفسير وأكثر كتب السنة سورة مريم . ~~ورويت هذه التسمية عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث رواه الطبراني ~~والديلمي ، وابن منده ، وأبو نعيم ، وأبو أحمد الحاكم : عن أبي بكر بن ~~عبدالله بن أبي مريم الغساني عن أبيه عن جده أبي مريم قال : ( أتيت النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله إنه ولدت لي الليلة جارية ، فقال : ~~والليلة أنزلت علي سورة مريم فسمها مريم ) . فكان يكنى أبا مريم ، واشتهر ~~بكنيته ، واسمه نذير ، ويظهر أنه أنصاري . # وابن عباس سماها سورة { كهيعص ، وكذلك وقعت تسميتها في صحيح البخاري } في ~~كتاب التفسير في أكثر النسخ وأصحها . ولم يعدها جلال الدين في ( الإتقان ) ~~في عداد السور المسماة باسمين ، ولعله لم ير الثاني اسما . # وهي مكية عند الجمهور . وعن مقاتل : أن آية السجدة مدنية . ولا يستقيم ~~هذا القول لاتصال ms5010 تلك الآية بالآيات قبلها إلا أن تكون ألحقت بها في النزول ~~وهو بعيد . PageV16P057 # وذكر السيوطي في ( الإتقان ) قولا بأن قوله تعالى : { وإن منكم إلا ~~واردها } ( مريم : 71 ) الآية مدني ، ولم يعزه لقائل . # وهي السورة الرابعة والأربعون في ترتيب النزول ؛ نزلت بعد سورة فاطر وقبل ~~سورة طه . وكان نزول سورة طه قبل إسلام عمر بن الخطاب كما يؤخذ من قصة ~~إسلامه فيكون نزول هذه السورة أثناء سنة أربع من البعثة مع أن السورة مكية ~~، وليس أبو مريم هذا معدودا في المسلمين الأولين فلا أحسب الحديث المروي ~~عنه مقبولا . # ووجه التسمية أنها بسطت فيها قصة مريم وابنها وأهلها قبل أن تفصل في ~~غيرها . ولا يشبهها في ذلك إلا سورة آل عمران التي نزلت في المدينة . # وعدت آياتها في عدد أهل المدينة ومكة تسعا وتسعين . وفي عدد أهل الشام ~~والكوفة ثمانا وتسعين . # أغراض السورة # ويظهر أن هذه السورة نزلت للرد على اليهود فيما اقترفوه من القول الشنيع ~~في مريم وابنها ، فكان فيها بيان نزاهة آل عمران وقداستهم في الخير . # وهل يثبت الخطي إلا وشيجه # ثم التنويه بجمع من الأنبياء والمرسلين من أسلاف هؤلاء وقرابتهم . # والإنحاء على بعض خلفهم من ذرياتهم الذين لم يكونوا على سننهم في الخير ~~من أهل الكتاب والمشركين وأتوا بفاحش من القول إذ نسبوا لله ولدا ، وأنكر ~~المشركون منهم البعث وأثبت النصارى ولدا لله تعالى . PageV16P058 # والتنويه بشأن القرآن في تبشيره ونذارته ، وأن الله يسره بكونه عربيا ~~ليسر تلك اللغة . # والإنذار مما حل بالمكذبين من الأمم من الاستيصال . # واشتملت على كرامة زكرياء إذ أجاب الله دعاءه فرزقه ولدا على الكبر وعقر ~~امرأته . # وكرامة مريم بخارق العادة في حملها وقداسة ولدها ، وهو إرهاص لنبوءة عيسى ~~عليه السلام . ومثله كلامه في المهد . # والتنزيه بإبراهيم ، وإسحاق ، ويعقوب ، وموسى ، وإسماعيل ، وإدريس عليهم ~~السلام . # ووصف الجنة وأهلها . # وحكاية إنكار المشركين البعث بمقالة أبي بن خلف والعاصي بن وائل وتبججهم ~~على المسلمين بمقامهم ومجامعهم . # وإنذار المشركين أن أصنامهم التي اعتزوا بها سيندمون على اتخاذها . # ووعد الرسول النصر ms5011 على أعدائه . # وذكر ضرب من كفرهم بنسبة الولد لله تعالى . # والتنويه بالقرآن ولملته العربية ، وأنه بشير لأوليائه ونذير بهلاك ~~معانديه كما هلكت قرون قبلهم . # وقد تكرر في هذه السورة صفة الرحمن ست عشرة مرة ، وذكر اسم الرحمة أربع ~~مرات ، فأنبأ بأن من مقاصدها تحقيق وصف الله PageV16P059 تعالى بصفة الرحمن ~~. والرد على المشركين الذين تقعروا بإنكار هذا الوصف كما حكى الله تعالى ~~عنهم في قوله في سورة الفرقان ( 60 ) { وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا ~~وما الرحمن } . # ووقع في هذه السورة استطراد بآية { وما نتنزل إلا بأمر ربك } ( مريم : 64 ~~) . # $ 2 ( 1 6 ) { ك & # 1764 هيع & # 1764 ص & # 1764 * ذكر رحمت ربك عبده زكريآ * إذ نادى ربه ندآء خفيا * قال رب إنى ~~وهن العظم منى واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعآئك رب شقيا * وإني خفت ~~الموالى من ورآئى وكانت امرأتى عاقرا فهب لى من لدنك وليا * يرثنى ويرث من ~~ءال يعقوب واجعله رب رضيا } . ) 2 $ # حروف هجاء مرسومة بمسمياتها ومقروءة بأسمائها فكأنها كتبت لمن يتهجاها . ~~وقد تقدم القول في مجموع نظائرها . وفي المختار من الأقوال منها في سورة ~~البقرة وكذلك موقعها من الكلام . # والأصل في النطق بهذه الحروف أن يكون كل حرف منها موقوفا عليه ، لأن ~~الأصل فيها أنها تعداد حروف مستقلة أو مختزلة من كلمات . # وقرأ الجمهور جميع أسماء هذه الحروف الخمسة بإخلاص الحركات والسكون ~~بإسكان أواخر أسمائها . # وقرأ أبو عمرو ، والكسائي ، وأبو بكر عن عاصم ، ويعقوب اسم الحرف الثاني ~~وهو { ها بالإمالة . وفي رواية عن نافع وابن كثير ( ها ) بحركة بين الكسر ~~والفتح . وقرأ ابن عامر ، وحمزة ، والكسائي ( يا ) بالإمالة . # وقرأ نافع ، وابن كثير ، وعاصم ، وأبو جعفر بإظهار دال ( صاد ) . وقرأ ~~الباقون بإدغامه في ذال ذكر رحمة ربك } ( مريم : 2 ) وإنما لم يمد ( ها ) و ~~( يا ) مع أن القارىء إنما ينطق بأسماء هذه الحروف PageV16P060 التي في ~~أوائل السور لا بمسمياتها المكتوبة أشكالها ، واسما هذين الحرفين مختومان ~~بهمزة مخففة للوجه الذي ذكرناه في طالع سورة يونس وهو التخفيف بإزالة ~~الهمزة ms5012 لأجل السكت . # واعلم أنك إن جريت على غير المختار في معاني فواتح السور ، فأما الأقوال ~~التي جعلت الفواتح كلها متحدة في المراد فالأمر ظاهر ، وأما الأقوال التي ~~خصت بعضها بمعان ، فقيل في معنى { كهيعص } إن حروفها مقتضبة من أسمائه ~~تعالى : الكافي أو الكريم أو الكبير ، والهاء من هادي ، والياء من حكيم أو ~~رحيم ، والعين من العليم أو العظيم ، والصاد من الصادق ، وقيل مجموعها اسم ~~من أسمائه تعالى ، حتى قيل هو الاسم الأعظم الذي إذا دعي به أجاب ، وقيل ~~اسم من أسماء القرآن ، أي بتسمية جديدة ، وليس في ذلك حديث يعتمد . # افتتاح كلام ، فيتعين أن { ذكر } خبر مبتدأ محذوف ، مثله شائع الحذف في ~~أمثال هذا من العناوين . والتقدير : هذا ذكر رحمة ربك عبده . وهو بمعنى : ~~اذكر . ويجوز أن يكون { ذكر } أصله مفعولا مطلقا نائبا عن عامله بمعنى ~~الأمر ، أي اذكر ذكرا ، ثم حول عن النصب إلى الرفع للدلالة على الثبات كما ~~حول في قوله { الحمد لله } وقد تقدم في ( سورة الفاتحة : 2 ) . ويرجحه عطف ~~{ واذكر في الكتاب مريم } ( مريم : 16 ) ونظائره . # وقد جاء نظم هذا الكلام على طريقة بديعة من الإيجاز والعدولل عن الأسلوب ~~المتعارف في الإخبار ، وأصل الكلام : ذكر عبدنا PageV16P061 زكرياء إذ نادى ~~ربه فقال : رب الخ . . . فرحمة ربك ، فكان في تقديم الخبر بأن الله رحمه ~~اهتمام بهذه المنقبة له ، والإنباء بأن الله يرحم من التجأ إليه ، مع ما في ~~إضافة { رب إلى ضمير النبيء وإلى ضمير زكرياء من التنويه بهما . # وافتتحت قصة مريم وعيسى بما يتصل بها من شؤون آل بيت مريم وكافلها لأن في ~~تلك الأحوال كلها تذكيرا برحمة الله تعالى وكرامته لأوليائه . # وزكرياء نبي من أنبياء بني إسرائيل ، وهو زكرياء الثاني زوج خالة مريم ، ~~وليس له كتاب في أسفار التوراة . وأما الذي له كتاب فهو زكرياء بن برخيا ~~الذي كان موجودا في القرن السادس قبل المسيح . وقد مضت ترجمة زكرياء الثاني ~~في سورة آل عمران ومضت قصة دعائه هنالك . # و إذ نادى ربه } ظرف ل { رحمت } . أي ms5013 رحمة الله إياه في ذلك الوقت ، أو ~~بدل من { ذكر ، } أي اذكر ذلك الوقت . # والنداء : أصله رفع الصوت بطلب الإقبال . وتقدم عند قوله تعالى : { ربنا ~~إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان في سورة آل عمران ( 193 ) وقوله : ونودوا ~~أن تلكم الجنة أورثتموها في } ( سورة الأعراف : 43 ) . ويطلق النداء كثيرا ~~على الكلام الذي فيه طلب إقبال الذات لعمل أو إقبال الذهن لوعي كلام ، ~~فلذلك سميت الحروف التي يفتتح بها طلب الإقبال حروف النداء . ويطلق على ~~الدعاء بطلب حاجة وإن لم يكن فيه نداء لأن شأن الدعاء في المتعارف أن يكون ~~جهرا . أي تضرعا لأنه أوقع في نفس المدعو . ومعنى الكلام : أن زكرياء قال : ~~يا رب ، بصوت خفي . # وإنما كان خفيا لأن زكرياء رأى أنه أدخل في الإخلاص مع رجائه أن الله ~~يجيب دعوته لئلا تكون استجابته مما يتحدث به الناس ، فلذلك لم يدعه تضرعا ~~وإن كان التضرع أعون على صدق PageV16P062 التوجه غالبا ، فلعل يقين زكرياء ~~كاف في تقوية التوجه ، فاختار لدعائه السلامة من مخالطة الرياء . ولا ~~منافاة بين كونه نداء وكونه خفيا ، لأنه نداء من يسمع الخفاء . # والمراد بالرحمة : استجابة دعائه ، كما سيصرح به بقوله : { يا زكرياء إنا ~~نبشرك بغلام اسمه يحيى } ( مريم : 7 ) . وإنما حكي في الآية وصف دعاء ~~زكرياء كما وقع فليس فيها إشعار بالثناء على إخفاء الدعاء . # جملة { قال رب إني وهن العظم مني } مبنية لجملة { نادى ربه } ( مريم : 3 ~~) . وهي وما بعدها تمهيد للمقصود من الدعاء وهو قوله : { فهب لي من لدنك ~~وليا } . وإنما كان ذلك تمهيدا لما يتضمنه من اضطراره لسؤال الولد . والله ~~يجيب المضطر إذا دعاه ، فليس سؤاله الولد سؤال توسع لمجرد تمتع أو فخر . # ووصف من حاله ما تشتد معه الحاجة إلى الولد حالا ومئالا ، فكان وهن العظم ~~وعموم الشيب حالا مقتضيا للاستعانة بالولد مع ما يقتضيه من اقتراب إبان ~~الموت عادة ، فذلك مقصود لنفسه ووسيلة PageV16P063 لغيره وهو الميراث بعد ~~الموت . والخبران من قوله : { وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا } مستعملان ~~مجازا في لازم الإخبار ms5014 ، وهو الاسترحام لحاله . لأن المخبر بفتح الباء عالم ~~بما تضمنه الخبران . # والوهن : الضعف . وإسناده إلى العظم دون غيره مما شمله الوهن في جسده ~~لأنه أوجز في الدلالة على عموم الوهن جميع بدنه لأن العظم هو قوام البدن ~~وهو أصلب شيء فيه فلا يبلغه الوهن إلا وقد بلغ ما فوقه . # والتعريف في ( العظم ) تعريف الجنس دال على عموم العظام منه . # وشبه عموم الشيب شعر رأسه أو غلبته عليه باشتعال النار في الفحم بجامع ~~انتشار شيء لامع في جسم أسود ، تشبيها مركبا تمثيليا قابلا لاعتبار التفريق ~~في التشبيه ، وهو أبدع أنواع المركب . فشبه الشعر الأسود بفحم والشعر ~~الأبيض بنار على طريق التمثيلية المكنية ورمز إلى الأمرين بفعل { اشتعل } . # وأسند الاشتعال إلى الرأس ، وهو مكان الشعر الذي عمه الشيب ، لأن الرأس ~~لا يعمه الشيب إلا بعد أن يعم اللحية غالبا ، فعموم الشيب في الرأس أمارة ~~التوغل في كبر السن . # وإسناد الاشتعال إلى الرأس مجاز عقلي ، لأن الاشتعال من صفات النار ~~المشبه بها الشيب فكان الظاهر إسناده إلى الشيب ، فلما جيء باسم الشيب ~~تمييزا لنسبة الاشتعال حصل بذلك خصوصية المجاز وغرابته ، وخصوصية التفصيل ~~بعد الإجمال ، مع إفادة تنكير { شيبا } من التعظيم فحصل إيجاز بديع . وأصل ~~النظم المعتاد : واشتعل الشيب في شعر الرأس . # ولما في هذه الجملة من الخصوصيات من مبنى المعاني والبيان كان لها أعظم ~~وقع عند أهل البلاغة نبه عليه صاحب ( الكشاف ) ووضحه صاحب ( المفتاح ) ~~فانظرهما . PageV16P064 # وقد اقتبس معناها أبو بكر بن دريد في قوله : # واشتعل المبيض في مسوده مثل اشتعال النار في جزل الغضا % % ولكنه خليق ~~بأن يكون مضرب قولهم في المثل : ( ماء ولا كصدى ) . # والشيب : بياض الشعر . ويعرض للشعر البياض بسبب نقصان المادة التي تعطي ~~اللون الأصلي للشعر ، ونقصانها بسبب كبر السن غالبا ، فلذلك كان الشيب ~~علامة على الكبر ، وقد يبيض الشعر من مرض . # وجملة { لم أكن بدعائك رب شقيا } معترضة بين الجمل التمهيدية ، والباء في ~~قوله : { بدعائك } للمصاحبة . # والشقي : الذي أصابته الشقوة ، وهي ضد السعادة ، أي هي الحرمان من ~~المأمول ms5015 وضلال السعي . وأطلق نفي الشقاوة والمراد حصول ضدها وهو السعادة ~~على طريق الكناية إذ لا واسطة بينهما عرفا . # ومثل هذا التركيب جرى في كلامهم مجرى المثل في حصول السعادة من شيء . ~~ونظيره قوله تعالى في هذه السورة في قصة إبراهيم : { عسى ألا أكون بدعاء ~~ربي شقيا } ( مريم : 48 ) أي عسى أن أكون سعيدا . أي مستجاب الدعوة . وفي ~~حديث أبي هريرة عن النبيء صلى الله عليه وسلمفيما يرويه عن ربه في شأن ~~الذين يذكرون الله ومن جالسهم ( هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم ) أي يسعد ~~معهم . وقال بعض الشعراء ، لم نعرف اسمه وهو إسلامي : # # % وكنت جليس قعقاع بن شور % % ولا يشقى بقعقاع جليس % # أي يسعد به جليسه . PageV16P065 # والمعنى : لم أكن فيما دعوتك من قبل مردود الدعوة منك ، أي أنه قد عهد من ~~الله الاستجابة كلما دعاه . # وهذا تمهيد للإجابة من طريق غير طريق التمهيد الذي في الجمل المصاحبة له ~~بل هو بطريق الحث على استمرار جميل صنع الله معه ، وتوسل إليه بما سلف له ~~معه من الاستجابة . # روي أن محتاجا سأل حاتما الطائي أو معن بن زائدة قائلا : ( أنا الذي ~~أحسنت إلي يوم كذا ) فقال : ( مرحبا بمن توسل بنا إلينا ) . # وجملة { وإني خفت الموالي من ورائي } عطف على جملة { واشتعل الرأس شيبا ، ~~} أي قاربت الوفاة وخفت الموالي من بعدي . وما روي عن ابن عباس ، ومجاهد ، ~~وقتادة ، وأبي صالح عن النبيء صلى الله عليه وسلممرسلا أنه قال : ( يرحم ~~الله زكرياء ما كان عليه من وراثة ماله ) . فلعله خشي سوء معرفتهم بما ~~يخلفه من الآثار الدينية والعلمية . وتلك أعلاق يعز على المؤمن تلاشيها ، ~~ولذلك قال : { يرثني ويرث من آل يعقوب } فإن نفوس الأنبياء لا تطمح إلا ~~لمعالي الأمور ومصالح الدين وما سوى ذلك فهو تبع . # فقوله { يرثني } يعني به وراثة ماله . ويؤيده ما أخرجه عبد الرزاق عن ~~قتادة عن الحسن أن النبيء صلى الله عليه وسلمقال : ( يرحم الله زكرياء ما ~~كان عليه من وراثة ماله ) . # والظواهر تؤذن بأن الأنبياء كانوا يورثون ، قال تعالى ms5016 : { وورث سليمان ~~داوود } ( النمل : 16 ) . وأما قول النبيء صلى الله عليه وسلم ( نحن معشر ~~الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة ) فإنما يريد به رسول الله نفسه ، كما حمله ~~عليه عمر في حديثه مع العباس وعلي في ( صحيح البخاري ) إذ قال عمر : ( يريد ~~رسول الله بذلك نفسه ) ، فيكون ذلك PageV16P066 من خصوصيات محمد صلى الله ~~عليه وسلم فإن كان ذلك حكما سابقا كان مراد زكرياء إرث آثار النبوءة خاصة ~~من الكتب المقدسة وتقاييده عليها . # والموالي : العصبة وأقرب القرابة ، جمع مولى بمعنى الولي . # ومعنى : { من ورائي } من بعدي ، فإن الوراء يطلق ويراد به ما بعد الشيء ، ~~كما قال النابغة : # # % وليس وراء الله للمرء مطلب % % # أي بعد الله . فمعنى { من ورائي } من بعد حياتي . # و { من ورائي } في موضع الصفة ل { الموالي } أو الحال . # وامرأة زكرياء اسمها أليصابات من نسل هارون أخي موسى فهي من سبط لاوي . # والعاقر : الأنثى التي لا تلد ، فهو وصف خاص بالمرأة ، ولذلك جرد من ~~علامة التأنيث إذ لا لبس . ومصدره : العقر بفتح العين وضمها مع سكون القاف ~~. وأتى بفعل ( كان ) للدلالة على أن العقر متمكن منها وثابت لها فلذلك حرم ~~من الولد منها . # ومعنى { من لدنك } أنه من عند الله عندية خاصة ، لأن المتكلم يعلم أن كل ~~شيء من عند الله بتقديره وخلقه الأسباب ومسبباتها تبعا لخلقها ، فلما قال { ~~من لدنك } دل على أنه سأل وليا غير جار أمره على المعتاد من إيجاد الأولاد ~~لانعدام الأسباب المعتادة ، فتكون هبته كرامة له . # ويتعلق { لي } و { من لدنك } بفعل { هب } . وإنما قدم { لي } على { من ~~لدنك } لأنه الأهم في غرض الداعي ، وهو غرض خاص يقدم على الغرض العام . ~~PageV16P067 # و { يرثني } قرأه الجمهور بالرفع على الصفة ل { وليا } . وقرأه أبو عمرو ~~، والكسائي بالجزم على أنه جواب الدعاء في قوله { هب لي } لإرادة التسبب ~~لأن أصل الأجوبة الثمانية أنها على تقدير فاء السببية . # و { ءال يعقوب } يجوز أن يراد بهم خاصة بني إسرائيل كما يقتضيه لفظ { آل ~~المشعر بالفضيلة والشرف ، فيكون يعقوب هو ms5017 إسرائيل ؛ كأنه قال : ويرث من آل ~~إسرائيل ، أي حملة الشريعة وأحبار اليهودية كقوله تعالى : فقد آتينا آل ~~إبراهيم الكتاب والحكمة } ( النساء : 54 ) ، وإنما يذكر آل الرجل في مثل ~~هذا السياق إذا كانوا على سننه ، ومن هذا القبيل قوله تعالى : { إن أولى ~~الناس بإبراهيم للذين اتبعوه } ( آل عمران : 68 ) وقوله : { ذرية من حملنا ~~مع نوح } ( الإسراء : 3 ) ، مع أن الناس كلهم ذرية من حملوا معه . # ويجوز أن يراد يعقوب آخر غير إسرائيل . وهو يعقوب بن ماثان ، قاله : معقل ~~والكلبي ، وهو عم مريم أخو عمران أبيها ، وقيل : هو أخو زكرياء ، أي ليس له ~~أولاد فيكون ابن زكرياء وارثا ليعقوب لأنه ابن أخيه ، فيعقوب على هذه هو من ~~جملة الموالي الذين خافهم زكرياء من ورائه . # # | 2 ( 7 8 ) { يازكريآ إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا ~~* قال رب أنى يكون لى غلام وكانت امرأتى عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا } . ~~) 2 # مقول قول محذوف دل عليه السياق عقب الدعاء إيجازا ، أي قلنا يا زكرياء ~~إلخ . . . PageV16P068 # والتبشير : الوعد بالعطاء . وفي الحديث : ( أنه قال للأنصار فأبشروا ~~وأملوا ) ، وفي حديث وفد بني تميم : ( اقبلوا البشرى ، فقالوا بشرتنا ~~فأعطنا ) . # ومعنى { اسمه يحيى } سمه يحيى ، فالكلام خبر مستعمل في الأمر . # والسمي فسروه بالموافق في الاسم ، أي لم نجعل له من يوافقه في هذا الاسم ~~من قبل وجوده . فعليه يكون هذا الإخبار سرا من الله أودعه زكرياء فلا يظن ~~أنه قد يسمي أحد ابنه يحيى فيما بين هذه البشارة وبين ازدياد الولد . وهذه ~~منة من الله وإكرام لزكرياء إذ جعل اسم ابنه مبتكرا ، وللأسماء المبتكرة ~~مزية قوة تعريف المسمى لقلة الاشتراك ، إذ لا يكون مثله كثيرا مدة وجوده ، ~~وله مزية اقتداء الناس به من بعد حين يسمون أبناءهم ذلك الاسم تيمنا ~~واستجادة . # وعندي : أن السمي هنا هو الموافق في الاسم الوصفي بإطلاق الاسم على الوصف ~~، فإن الاسم أصله في الاشتقاق ( وسم ) ، والسمة : أصلها وسمة ، كما في قوله ~~تعالى : { ليسمون الملائكة تسمية الأنثى } ( النجم : 27 ) ، أي ms5018 يصفونهم ~~أنهم إناث ، ومنه قوله الآتي : { هل تعلم له سميا } ( مريم : 65 ) أي لا ~~مثيل لله تعالى في أسمائه . وهذا أظهر في الثناء على يحيى والامتنان على ~~أبيه . والمعنى : أنه لم يجىء قبل يحيى من الأنبياء من اجتمع له ما اجتمع ~~ليحيى فإنه أعطي النبوءة وهو صبي ، قال تعالى : { وآتيناه الحكم صبيا } ( ~~مريم : 12 ) ، وجعل حصورا ليكون غير مشقوق عليه في عصمته عن الحرام ، ولئلا ~~تكون له مشقة في الجمع بين حقوق العبادة وحقوق الزوجة ، وولد لأبيه بعد ~~الشيخوخة ولأمه بعد العقر ، وبعث مبشرا برسالة عيسى عليه السلام ، ولم يكن ~~هو PageV16P069 رسولا ، وجعل اسمه العلم مبتكرا غير سابق من قبله . وهذه ~~مزايا وفضائل وهبت له ولأبيه ، وهي لا تقتضي أنه أفضل الأنبياء لأن ~~الأفضلية تكون بمجموع فضائل لا ببعضها وإن جلت ، ولذلك قيل ( المزية لا ~~تقتضي الأفضلية ) وهي كلمة صدق . # وجملة { قال رب } جواب للبشارة . # و { أنى } استفهام مستعمل في التعجب ، والتعجب مكنى به عن الشكر ، فهو ~~اعتراف بأنها عطية عزيزة غير مألوفة لأنه لا يجوز أن يسأل الله أن يهب له ~~ولدا ثم يتعجب من استجابة الله له . ويجوز أن يكون قد ظن الله يهب له ولدا ~~من امرأة أخرى بأن يأذنه بتزوج امرأة غير عاقر ، وتقدم القول في نظير هذه ~~الآية في سورة آل عمران . # وجملة { امرأتي عاقرا } حال من ياء التكلم . وكرر ذلك مع قوله في دعائه { ~~وكانتت امرأتي عاقرا } . وهو يقتضي أن زكرياء كان يظن أن عدم الولادة بسبب ~~عقر امرأته ، وكان الناس يحسبون ذلك إذا لم يكن بالرجل عنة ولا خصاء ولا ~~اعتراض ، لأنهم يحسبون الإنعاظ والإنزال هما سبب الحمل إن لم تكن بالمرأة ~~عاهة العقر . وهذا خطأ فإن عدم الولادة يكون إما لعلة بالمرأة في رحمها أو ~~لعلة في ماء الرجل يكون غير صالح لنماء البويضات التي تبرزها رحم المرأة . # و { من } في قوله { من الكبر عتيا } للابتداء ، وهو مجاز في معنى التعليل ~~. # والكبر : كثرة سني العمر ، لأنه يقارنه ظهور قلة النشاط واختلال نظام ms5019 ~~الجسم . # و { عتيا } مفعول { بلغت } . PageV16P070 # والبلوغ : مجاز في حلول الإبان ، وجعل نفسه هنا بالغا الكبر وفي آية آل ~~عمران ( 40 ) قال : { وقد بلغني الكبر لأن البلوغ لما كان مجازا في حصول ~~الوصف صح أن يسند إلى الوصف وإلى الموصوف . # والعتي بضم العين في قراءة الجمهور مصدر عتا العود إذا يبس ، وهو بوزن ~~فعول أصله عتوو ، والقياس فيه أن تصحح الواو لأنها إثر ضمة ولكنهم لما ~~استثقلوا توالي ضمتين بعدهما واوان وهما بمنزلة ضمتين تخلصوا من ذلك الثقل ~~بإبدال ضمة العين كسرة ثم قلبوا الواو الأولى ياء لوقوعها ساكنة إثر كسرة ~~فلما قلبت ياء اجتمعت تلك الياء مع الواو التي هي لام ، وكأنهم ما كسروا ~~التاء في عتي بمعنى اليبس إلا لدفع الالتباس بينه وبين العتو الذي هو ~~الطغيان فلا موجب لطلب تخفيف أحدهما دون الآخر . # شبه عظامه بالأعواد اليابسة على طريقة المكنية ، وإثبات وصف العتي لها ~~استعارة تخييلية . # # | 2 ( 9 ) { قال كذالك قال ربك هو على هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا ~~} . ) 2 # فصلت جملة { قال كذالك } لأنها جرت على طريقة المحاورة . وهي جواب عن ~~تعجبه . والمقصود منه إبطال التعجب الذي في قوله : { وكانت امرأتي عاقرا ~~وقد بلغت من الكبر عتيا } ( مريم : 8 ) . فضمير { قال } عائد إلى الرب من ~~قوله { قال رب أنى يكون لي غلام } ( مريم : 8 ) . # والإشارة في قوله { كذالك } إلى قول زكرياء { وكانت امرأتي عاقرا وقد ~~بلغت من الكبر عتيا } . والجار والمجرور مفعول لفعل { قال PageV16P071 ربك ~~} ، أي كذلك الحال من كبرك وعقر امرأتك قدر ربك ، ففعل { قال ربك } مراد به ~~القول التكويني ، أي التقديري ، أي تعلق الإرادة والقدرة . والمقصود من ~~تقريره التمهيد لإبطال التعجب الدال عليه قوله { علي هين } ، فجملة { هو ~~علي هين } استئناف بياني جوابا لسؤال ناشىء عن قوله { كذلك } لأن تقرير ~~منشأ التعجب يثير ترقب السامع أن يعرف ما يبطل ذلك التعجب المقرر ، وذلك ~~كونه هينا في جانب قدرة الله تعالى العظيمة . # ويجوز أن يكون المشار إليه بقوله { كذلك } هو القول المأخوذ من ms5020 { قال ربك ~~} ، أي أن قول ربك { هو علي هين } بلغ غاية الوضوح في بابه بحيث لا يبين ~~بأكثر ما علمت ، فيكون جاريا على طريقة التشبيه كقوله تعالى : { وكذلك ~~جعلناكم أمة وسطا وقد تقدم في سورة البقرة ( 143 ) . وعلى هذا الاحتمال ~~فجملة هو علي هين } تعليل لإبطال التعجب إبطالا مستفادا من قوله { كذلك قال ~~ربك } ، ويكون الانتقال من الغيبة في قوله { قال ربك } إلى التكلم في قوله ~~{ هو علي هين } التفاتا . ومقتضى الظاهر : هو عليه هين . # والهين بتشديد الياء : السهل حصوله . # وجملة { وقد خلقتك من قبل } على الاحتمالين هي في موضع الحال من ضمير ~~الغيبة الذي في قوله { هو على هين } ، أي إيجاد الغلام لك هين علي في حال ~~كوني قد خلقتك من قبل هذا الغلام ولم تكن موجودا ، أي في حال كونه مماثلا ~~لخلقي إياك ، فكما لا عجب من خلق الولد في الأحوال المألوفة كذلك لا عجب من ~~خلق الولد في الأحوال النادرة إذ هما إيجاد بعد عدم . # ومعنى { ولم تك شيئا } : لم تكن موجودا . PageV16P072 # وقرأ الجمهور { وقد خلقتك } بتاء المتكلم . # وقرأه حمزة ، والكسائي ، وخلف : ( وقد خلقناك ) بنون العظمة . # # | 2 ( 10 ) { قال رب اجعل لى ءاية قال ءايتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال ~~سويا } . ) 2 # أراد نصب علامة على وقوع الحمل بالغلام ، لأن البشارة لم تعين زمنا ، وقد ~~يتأخر الموعود به لحكمة ، فأراد زكرياء أن يعلم وقت الموعود به . وفي هذا ~~الاستعجال تعريض بطلب المبادرة به ، ولذلك حذف متعلق { ءاية } . وإضافة { ~~ءايتك } على معنى اللام ، أي آية لك ، أي جعلنا علامة لك . # ومعنى { ألا تكلم الناس } أن لا تقدر على الكلام ، لأن ذلك هو المناسب ~~لكونه آية من قبل الله تعالى . وليس المراد نهيه عن كلام الناس ، إذ لا ~~مناسبة في ذلك للكون آية . وقد قدمنا تحقيق ذلك في سورة آل عمران . # وجعلت مدة انتفاء تكليمه الناس هنا ثلاث ليال ، وجعلت في سورة آل عمران ~~ثلاثة أيام فعلم أن المراد هنا ليال بأيامها وأن المراد في آل عمران أيام ~~بلياليها ms5021 . # وأكد ذلك هنا بوصفها ب { سويا } أي ثلاث ليال كاملة ، أي بأيامها . # وسوي : فعيل بمعنى مفعول ، يستوي الوصف به الواحد والواحدة والمتعدد ~~منهما . PageV16P073 # وفسر أيضا { سويا } بأنه حال من ضمير المخاطب ، أي حال كونك سويا ، أي ~~بدون عاهة الخرس والبكم ، ولكنها آية لك اقتضتها الحكمة التي بيناها في ~~سورة آل عمران . وعلى هذا فذكر الوصف لمجرد تأكيد الطمأنينة ، وإلا فإن ~~تأجيله بثلاث ليال كاف في الاطمئنان على انتفاء العاهة . # # | 2 ( 11 ) { فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا ~~} . ) 2 # الظاهر أن المعنى أنه خرج على قومه ليصلي على عادته ، فكان في محرابه في ~~صلاة خاصة ودعاء خفي ، ثم خرج لصلاة الجماعة إذ هو الحبر الأعظم لهم . # وضمن { خرج معنى طلع فعدي بعلى كقوله تعالى : فخرج على قومه في زينته } ( ~~القصص : 79 ) . # والمحراب : بيت أو محتجر يخصص للعبادة الخاصة . قال الحريري : فمحرابي ~~أحرى بي . # والوحي : الإشارة بالعين أو بغيرها ، والإيماء لإفادة معنى شأنه أن يفاد ~~بالكلام . # و ( أن ) تفسيرية . وجملة { سبحوا بكرة وعشيا } تفسير ( لأوحى ) ، لأن ( ~~أوحى ) فيه معنى القول دون حروفه . # وإنما أمرهم بالتسبيح لئلا يحسبوا أن زكرياء لما لم يكلمهم قد نذر صمتا ~~فيقتدوا به فيصمتوا ، وكان الصمت من صنوف PageV16P074 العبادة في الأمم ~~السالفة ، كما سيأتي في قوله تعالى : { فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن ~~أكلم اليوم إنسيا } ( مريم : 26 ) . فأومأ إليهم أن يشرعوا فيما اعتادوه من ~~التسبيح ؛ أو أراد أن يسبحوا الله تسبيح شكر على أن وهب نبيئهم ابنا يرث ~~علمه ، ولعلهم كانوا علموا ترقبه استجابه دعوته ، أو أنه أمرهم بذلك أمرا ~~مبهما يفسره عندما تزول حبسة لسانه . # # | 2 ( 12 14 ) { يايحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا * وحنانا من ~~لدنا وزكواة وكان تقيا * وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا } . ) 2 # مقول قول محذوف ، بقرينة أن هذا الكلام خطاب ليحيى ، فلا محالة أنه صادر ~~من قائل ، ولا يناسب إلا أن يكون قولا من الله تعالى ، وهو انتقال من ~~البشارة به إلى نبوءته . والأظهر أن ms5022 هذا من إخبار القرآن للأمة لا من حكاية ~~ما قيل لزكرياء . فهذا ابتداء ذكر فضائل يحيى . # وطوي ما بين ذلك لعدم تعلق الغرض به . والسياق يدل عليه . والتقدير : ~~قلنا يا يحيى خذ الكتاب . # والكتاب : التوراة لا محالة ، إذ لم يكن ليحيى كتاب منزل عليه . # والأخذ : مستعار للتفهم والتدبر ، كما يقال : أخذت العلم عن فلان ، لأن ~~المعتني بالشيء يشبه الآخذ . # والقوة : المراد بها قوة معنوية ، وهي العزيمة والثبات . # والباء للملابسة ، أي أخذا ملابسا للثبات على الكتاب ، أي على العمل به ~~وحمل الأمة على اتباعه ، فقد أخذ الوهن يتطرق إلى الأمة اليهودية في العمل ~~بدينها . PageV16P075 # و { ءاتيناه } عطف على جملة القول المحذوفة ، أي قلنا : يا يحيى خذ ~~الكتاب وآتيناه الحكم . # والحكم : اسم للحكمة . وقد تقدم معناها في قوله تعالى : { ومن يؤت الحكمة ~~فقد أوتي خيرا كثيرا في سورة البقرة ( 269 ) . والمراد بها النبوءة ، كما ~~تقدم في قوله تعالى : ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما في سورة يوسف ( 22 ) ~~، فيكون هذا خصوصية ليحيى أن أوتي النبوءة في حال صباه . وقيل : الحكم هو ~~الحكمة والفهم . # و صبيا } حال من الضمير المنصوب في { وءاتيناه } . وهذا يقتضي أن الله ~~أعطاه استقامة الفكر وإدراك الحقائق في حال الصبا على غير المعتاد ، كما ~~أعطى نبيئه محمدا صلى الله عليه وسلم الاستقامة وإصابة الرأي في صباه . ~~ويبعد أن يكون يحيى أعطي النبوءة وهو صبي ، لأن النبوءة رتبة عظيمة فإنما ~~تعطى عند بلوغ الأشد . واتفق العلماء على أن يحيى أعطي النبوءة قبل بلوغ ~~الأربعين سنة بكثير . ولعل الله لما أراد أن يكون شهيدا في مقتبل عمره ~~باكره بالنبوءة . # والحنان : الشفقة . ومن صفات الله تعالى الحنان . ومن كلام العرب : ~~حنانيك ، أي حنانا منك بعد حنان . وجعل حنان يحيى من لدن الله إشارة إلى ~~أنه متجاوز المعتاد بين الناس . # والزكاة : زكاة النفس ونقاؤها من الخبائث ، كما في قوله تعالى : { فقل هل ~~لك إلى أن تزكى } ( النازعات : 18 ) أو أريد بها البركة . # وتقي : فعيل بمعنى مفعل ، من اتقى إذا اتصف بالتقوى ، وهي تجنب ms5023 ما يخالف ~~الدين . وجيء في وصفه بالتقوى بفعل { كان تقيا } للدلالة على تمكنه من ~~الوصف . PageV16P076 # وكذلك عطف بروره بوالديه على كونه تقيا للدلالة على تمكنه من هذا الوصف . # والبرور : الإكرام والسعي في الطاعة . والبر بفتح الباء وصف على وزن ~~المصدر ، فالوصف به مبالغة . وأما البر بكسر الباء فهو اسم مصدر لعدم جريه ~~على القياس . # والجبار : المستخف بحقوق الناس ، كأنه مشتق من الجبر ، وهو القسر والغصب ~~. لأنه يغصب حقوق الناس . # والعصي : فعيل من أمثلة المبالغة ، أي شديد العصيان ، والمبالغة منصرفة ~~إلى النفي لا إلى المنفي . أي لم يكن عاصيا بالمرة . # # | 2 ( 15 ) { وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا } . ) 2 # الأظهر أنه عطف على { وءاتيناه الحكم صبيا } ( مريم : 12 ) مخاطبا به ~~المسلمون ليعلموا كرامة يحيى عند الله . # والسلام : اسم للكلام الذي يفاتح به الزائر والراحل فيه ثناء أو دعاء . ~~وسمي ذلك سلاما لأنه يشتمل على الدعاء بالسلامة ولأنه يؤذن بأن الذي أقدم ~~هو عليه مسالم له لا يخشى منه بأسا . فالمراد هنا سلام من الله عليه ، وهو ~~ثناء الله عليه ، كقوله { سلام قولا من رب رحيم } ( يس : 58 ) . فإذا عرف ~~السلام باللام فالمراد به مثل المراد بالمنكر أو مراد به العهد ، أي سلام ~~إليه ، كما سيأتي في السلام على عيسى . فالمعنى : أن إكرام الله متمكن من ~~أحواله الثلاثة المذكورة . PageV16P077 # وهذه الأحوال الثلاثة المذكورة هنا أحوال ابتداء أطوار : طور الورود على ~~الدنيا ، وطور الارتحال عنها ، وطور الورود على الآخرة . وهذا كناية على ~~أنه بمحل العناية الإلهية في هذه الأحوال . # والمراد باليوم مطلق الزمان الواقع فيه تلك الأحوال . # وجيء بالفعل المضارع في { ويوم يموت } لاستحضار الحالة التي مات فيها ، ~~ولم تذكر قصة قتله في القرآن إلا إجمالا . # $ 2 ( 16 21 ) { واذكر فى الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا * ~~فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنآ إليهآ روحنا فتمثل لها بشرا سويا * قالت إنى ~~& # 1764 أعوذ بالرحمان منك إن كنت تقيا * قال إنمآ أنا رسول ربك لاهب لك ~~غلاما زكيا * قالت أنى ms5024 يكون لى غلام ولم يمسسنى بشر ولم أك بغيا * قال ~~كذالك قال ربك هو على هين ولنجعله ءاية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا } ~~. ) 2 $ # جملة { واذكر في الكتاب مريم } عطف على جملة { ذكر رحمتت ربك } ( مريم : ~~2 ) عطف القصة على القصة فلا يراعى حسن اتحاد الجملتين في الخبرية ~~والإنشائية ، على أن ذلك الاتحاد ليس بملتزم . على أنك علمت أن الأحسن أن ~~يكون قوله { ذكر رحمة ربك عبده زكريا } مصدرا وقع بدلا من فعله . ~~PageV16P078 # والمراد بالذكر : التلاوة ، أي اتل خبر مريم الذي نقصه عليك . # وفي افتتاح القصة بهذا زيادة اهتمام بها وتشويق للسامع أن يتعرفها ~~ويتدبرها . # والكتاب : القرآن ، لأن هذه القصة من جملة القرآن . وقد اختصت هذه السورة ~~بزيادة كلمة { في الكتاب } بعد كلمة { واذكر } . وفائدة ذلك التنبيه إلى أن ~~ذكر من أمر بذكرهم كائن بآيات القرآن وليس مجرد ذكر فضله في كلام آخر من ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم كقوله : ( لو لبثت ما لبث يوسف في السجن ~~لأجبت الداعي ) . # ولم يأت مثل هذه الجملة في سورة أخرى لأنه قد حصل علم المراد في هذه ~~السورة فعلم أنه المراد في بقية الآيات التي جاء فيها لفظ { اذكر } . ولعل ~~سورة مريم هي أول سورة أتى فيها لفظ { واذكر } في قصص الأنبياء فإنها ~~السورة الرابعة والأربعون في عدد نزول السور . # و { إذ ظرف متعلق باذكر } باعتبار تضمنه معنى القصة والخبر ، وليس متعلقا ~~به في ظاهر معناه لعدم صحة المعنى . # ويجوز أن يكون ( إذ ) مجرد اسم زمان غير ظرف ويجعل بدلا من ( مريم ) ، أي ~~اذكر زمن انتباذها مكانا شرقيا . وقد تقدم مثله في قوله { ذكر رحمة ربك ~~عبده زكريا إذ نادى ربه } ( مريم : 2 ، 3 ) . # والانتباذ : الانفراد والاعتزال ، لأن النبذ : الإبعاد والطرح ، ~~فالانتباذ في الأصل افتعال مطاوع نبذه ، ثم أطلق على الفعل الحاصل بدون سبق ~~فاعل له . # وانتصب { مكانا } على أنه مفعول { انتبذت } لتضمنه معنى حلت . ويجوز نصبه ~~على الظرفية لما فيه من الإبهام . والمعنى : ابتعدت عن أهلها في مكان شرقي ~~. PageV16P079 # ونكر ms5025 المكان إبهاما له لعدم تعلق الغرض بتعيين نوعه إذ لا يفيد كمالا في ~~المقصود من القصة . وأما التصدي لوصفه بأنه شرقي فللتنبيه على أصل اتخاذ ~~النصارى الشرق قبلة لصلواتهم إذ كان حمل مريم بعيسى في مكان من جهة مشرق ~~الشمس . كما قال ابن عباس : ( إني لأعلم خلقق الله لأي شيء اتخذت النصارى ~~الشرق قبلة لقوله تعالى : { مكانا شرقيا } ) ، أي أن ذلك الاستقبال ليس ~~بأمر من الله تعالى . فذكر كون المكان شرقيا نكتة بديعة من تاريخ الشرائع ~~مع ما فيه من مؤاخاة الفواصل . # واتخاذ الحجاب : جعل شيء يحجب عن الناس . قيل : إنها احتجبت لتغتسل وقيل ~~لتمتشط . # والروح : الملك ، لأن تعليق الإرسال به وإضافته إلى ضمير الجلالة دلا على ~~أنه من الملائكة وقد تمثل لها بشرا . # والتمثل : تكلف المماثلة ، أي أن ذلك الشكل ليس شكل الملك بالأصالة . # و { بشرا } حال من ضمير ( تمثل ) ، وهو حال على معنى التشبيه البليغ . # والبشر : الإنسان . قال تعالى : { إني خالق بشرا من طين } ( ص : 71 ) ، ~~أي خالق آدم عليه السلام . # والسوي : المسوى ، أي التام الخلق . وإنما تمثل لها كذلك للتناسب بين ~~كمال الحقيقة وكمال الصورة ، وللإشارة إلى كمال عصمتها إذ قالت : { إني ~~أعوذ بالرحمان منك إن كنت تقيا } ، إذ لم يكن في صورته ما يكره لأمثالها ، ~~لأنها حسبت أنه بشر اختبأ لها ليراودها PageV16P080 عن نفسها ، فبادرته ~~بالتعوذ منه قبل أن يكلمها مبادرة بالإنكار على ما توهمته من قصده الذي هو ~~المتبادر من أمثاله في مثل تلك الحالة . # وجملة { إني أعوذ بالرحمان منك } خبرية ، ولذلك أكدت بحرف التأكيد . ~~والمعنى : أنها أخبرته بأنها جعلت الله معاذا لها منه ، أي جعلت جانب الله ~~ملجأ لها مما هم به . وهذه موعظة له . # وذكرها صفة ( الرحمن ) دون غيرها من صفات الله لأنها أرادت أن يرحمها ~~الله بدفع من حسبته داعرا عليها . # وقولها { إن كنت تقيا } تذكير له بالموعظة بأن عليه أن يتقي ربه . # ومجيء هذا التذكير بصيغة الشرط المؤذن بالشك في تقواه قصد لتهييج خشيته ، ~~وكذلك اجتلاب فعل الكون الدال على كون ms5026 التقوى مستقرة فيه . وهذا أبلغ وعظ ~~وتذكير وحث على العمل بتقواه . # والقصر في قوله : { إنما أنا رسول ربك } قصر إضافي ، أي لست بشرا ، ردا ~~على قولها : { إن كنت تقيا } المقتضي اعتقادها أنه بشر . # وقرأ الجمهور { لأهب } بهمزة المتكلم بعد لام العلة . ومعنى إسناد الهبة ~~إلى نفسه مجاز عقلي لأنه سبب هذه الهبة . وقرأه أبو عمرو ، وورش عن نافع { ~~ليهب بياء الغائب ، أي ليهب ربك لك ، مع أنها مكتوبة في المصحف بألف . ~~وعندي أن قراءة هؤلاء بالياء بعد اللام إنما هي نطق الهمزة المخففة بعد كسر ~~اللام بصورة نطق الياء . # ومحاورتها الملك محاولة قصدت بها صرفه عما جاء لأجله ، لأنها علمت أنه ~~مرسل من الله فأرادت مراجعة ربها في أمر لم تطقه ، PageV16P081 كما راجعه ~~إبراهيم عليه السلام في قوم لوط ، وكما راجعه محمد عليه الصلاة والسلام في ~~فرض خمسين صلاة . ومعنى المحاورة أن ذلك يجر لها ضرا عظيما إذ هي مخطوبة ~~لرجل ولم يبنن بها فكيف يتلقى الناس منها الإتيان بولد من غير أب معروف . # وقولها ولم أك بغيا } تبرئة لنفسها من البغاء بما يقتضيه فعل الكون من ~~تمكن الوصف الذي هو خبر الكون ، والمقصود منه تأكيد النفي فمفاد قولها { ~~ولم أك بغيا } غير مفاد قولها { ولم يمسسني بشر } ، وهو مما زادت به هذه ~~القصة على ما في قصتها في سورة آل عمران ، لأن قصتها في سورة آل عمران نزلت ~~بعد هذه فصح الاجتزاء في القصة بقولها { ولم يمسسني بشر } . # وقولها { ولم يمسسني بشر } أي لم يبنن بي زوج ، لأنها كانت مخطوبة ~~ومراكنة ليوسف النجار ولكنه لم يبن بها فإذا حملت بولد اتهمها خطيبها ~~وأهلها بالزنى . # وأما قولها { ولم أك بغيا } فهو نفي لأن تكون بغيا من قبل تلك الساعة ، ~~فلا ترضى بأن ترمى بالبغاء بعد ذلك . فالكلام كناية عن التنزه عن الوصم ~~بالبغاء بقاعدة الاستصحاب ، والمعنى : ما كنت بغيا فيما مضى أفأعد بغيا ~~فيما يستقبل . # وللمفسرين في هذا المقام حيرة ذكرها الفخر والطيبي ، وفيما ذكرنا مخرج من ~~مأزقها ، وليس كلام ms5027 مريم مسوقا مساق الاستبعاد مثل قول زكرياء { أنى يكون ~~لي غلام وكانت امرأتي عاقرا } ( مريم : 8 ) لاختلاف الحالين لأن حال زكرياء ~~حال راغب في حصول الولد ، وحال مريم حال متشائم منه متبرىء من حصوله . # والبغي : اسم للمرأة الزانية ، ولذلك لم تتصل به هاء التأنيث ، ووزنه ~~فعيل أو فعول بمعنى فاعل فيكون أصله بغوي . لأنه من PageV16P082 البغي فلما ~~اجتمع الواو والياء وسكن السابق منهما قلبت الواو ياء وأدغمت في الياء ~~الأصلية وعوض عن ضمة الغين كسرة لمناسبة الياء فصار بغي . # وجواب الملك معناه : أن الأمر كما قلت ، نظير قوله في قصة زكرياء : { ~~كذلك قال ربك هو علي هين ، } وهو عدول عن إبطال مرادها من المراجعة إلى ~~بيان هون هذا الخلق في جانب القدرة على طريقة الأسلوب الحكيم . # وفي قوله { هو علي هين } توجيه بأن ما اشتكته من توقع ضد قولها وطعنهم في ~~عرضها ليس بأمر عظيم في جانب ما أراد الله من هدي الناس لرسالة عيسى عليه ~~السلام بأن الله تعالى لا يصرفه عن إنفاذ مراده ما عسى أن يعرض من ضر في ~~ذلك لبعض عبيده ، لأن مراعاة المصالح العامة تقدم على مراعاة المصالح ~~الخاصة . # فضمير { هو علي هين } عائد إلى ما تضمنه حوارها من لحاق الضر بها كما ~~فسرنا به قولها { ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا } . فبين جواب الملك إياها ~~وبين جواب الله زكرياء اختلاف في المعنى . # والكلام في الموضعين على لسان الملك من عند الله ، ولكنه أسند في قصة ~~زكرياء إلى الله لأن كلام الملك كان تبليغ وحي عن الله جوابا من الله عن ~~مناجاة زكرياء ، وأسند في هذه القصة إلى الملك لأنه جواب عن خطابها إياه . # وقوله { ولنجعله } عطف على { فأرسلنا إليها روحنا } باعتبار ما في ذلك من ~~قول الروح لها { لأهب لك غلاما زكيا ، } أي لأن هبة الغلام الزكي كرامة من ~~الله لها ، وجعله آية للناس ورحمة كرامة للغلام ، فوقع التفات من طريقة ~~الغيبة إلى طريقة التكلم . PageV16P083 # وجملة { وكان أمرا مقضيا } يجوز أن تكون من قول ms5028 الملك ، ويجوز أن تكون ~~مستأنفة . وضمير { كان عائد إلى الوهب المأخوذ من قوله لأهب لك غلاما } . # وهذا قطع للمراجعة وإنباء بأن التخليق قد حصل في رحمها . # # | 2 ( 22 23 ) { فحملته فانتبذت به مكانا قصيا * فأجآءها المخاض إلى جذع ~~النخلة قالت ياليتنى مت قبل هاذا وكنت نسيا منسيا } . ) 2 # الفاء للتفريع والتعقيب ، أي فحملت بالغلام في فور تلك المراجعة . # والحمل : العلوق ، يقال : حملت المرأة ولدا ، وهو الأصل ، قال تعالى : { ~~حملته أمه كرها } ( الأحقاف : 15 ) . ويقال : حملت به . وكأن الباء لتأكيد ~~اللصوق ، مثلها في { وامسحوا برؤوسكم } ( المائدة : 6 ) . قال أبو كبير ~~الهذلي : # حملت به في ليلة قرءودة # كرها وعقد نطاقها لم يحلل # والانتباذ تقدم قريبا ، وكذلك انتصاب { مكانا } تقدم . # و { قصيا } بعيدا ، أي بعيدا عن مكان أهلها . قيل : خرجت إلى البلاد ~~المصرية فارة من قومها أن يعزروها وأعانها خطيبها يوسف النجار وأنها ولدت ~~عيسى عليه السلام في الأرض المصرية . ولا يصح . # وفي إنجيل لوقا : أنها ولدته في قرية بيت لحم من البلاد اليهودية حين ~~صعدت إليها مع خطيبها يوسف النجار إذ كان مطلوبا للحضور بقرية أهله لأن ملك ~~البلاد يجري إحصاء سكان البلاد ، وهو ظاهر قوله تعالى : { فأتت به قومها ~~تحمله } ( مريم : 27 ) . PageV16P084 # والفاء في قوله : { فأجاءها المخاض } للتعقيب العرفي ، أي جاءها المخاض ~~بعد تمام مدة الحمل ، قيل بعد ثمانية أشهر من حملها . # و { أجاءها معناه ألجأها ، وأصله جاء ، عدي بالهمزة فقيل : أجاءه ، أي ~~جعله جائيا . ثم أطلق مجازا على إلجاء شيء شيئا إلى شيء ، كأنه يجيء به إلى ~~ذلك الشيء ، ويضطره إلى المجيء إليه . قال الفراء : أصله من جئت وقد جعلته ~~العرب إلجاء . وفي المثل شر ما يجيئك إلى مخة عرقوب . وقال زهير : # وجار سار معتمدا إلينا # أجاءته المخافة والرجاء # والمخاص بفتح الميم : } طلق الحامل ، وهو تحرك الجنين للخروج . # والجذع بكسر الجيم وسكون الذال المعجمة : العود الأصلي للنخلة الذي يتفرع ~~منه الجريد . وهو ما بين العروق والأغصان ، أي إلى أصل نخلة استندت إليه . # وجملة { قالت } استئناف بياني ، لأن السامع يتشوف إلى ms5029 معرفة حالها عند ~~إبان وضع حملها بعدما كان أمرها مستترا غير مكشوف بين الناس وقد آن أن ~~ينكشف ، فيجاب السامع بأنها تمنت الموت قبل ذلك ؛ فهي في حالة من الحزن ترى ~~أن الموت أهون عليها من الوقوع فيها . # وهذا دليل على مقام صبرها وصدقها في تلقي البلوى التي ابتلاها الله تعالى ~~فلذلك كانت في مقام الصديقية . # والمشار إليه في قولها { قبل هذا } هو الحمل . أرادت أن لا يتطرق عرضها ~~بطعن ولا تجر على أهلها معرة . ولم تتمن أن تكون ماتت PageV16P085 بعد بدو ~~الحمل لأن الموت حينئذ لا يدفع الطعن في عرضها بعد موتها ولا المعرة على ~~أهلها إذ يشاهد أهلها بطنها بحملها وهي ميتة فتطرقها القالة . # وقرأ الجمهور { مت بكسر الميم للوجه الذي تقدم في قوله تعالى : ولئن ~~قتلتم في سبيل الله أو متم في سورة آل عمران ( 157 ) . وقرأه ابن كثير ، ~~وابن عامر ، وأبو عمرو ، وعاصم ، وأبو جعفر بضم الميم على الأصل . وهما ~~لغتان في فعل مات إذا اتصل به ضمير رفع متصل . # والنسي بكسر النون وسكون السين } في قراءة الجمهور : الشيء الحقير الذي ~~شأنه أن ينسى ، ووزن فعل يأتي بمعنى اسم المفعول بقيد تهيئته لتعلق الفعل ~~به دون تعلق حصل . وذلك مثل الذبح في قوله تعالى : { وفديناه بذبح عظيم } ( ~~الصافات : 107 ) ، أي كبش عظيم معد لأن يذبح ، فلا يقال للكبش ذبح إلا إذا ~~أعد للذبح ، ولا يقال للمذبوح ذبح بل ذبيح . والعرب تسمي الأشياء التي يغلب ~~إهمالها أنساء ، ويقولون عند الارتحال : انظروا أنساءكم ، أي الأشياء التي ~~شأنكم أن تنسوها . # ووصف النسي بمنسي مبالغة في نسيان ذكرها ، أي ليتني كنت شيئا غير متذكر ~~وقد نسيه أهله وتركوه فلا يلتفتون إلى ما يحل به ، فهي تمنت الموت وانقطاع ~~ذكرها بين أهلها من قبل ذلك . # وقرأه حمزة ، وحفص ، وخلف { نسيا بفتح النون وهو لغة في النسي ، كالوتر ~~والوتر ، والجسر والجسر . # # | 2 ( 24 ) فناداها من تحتهآ ألا تحزنى قد جعل ربك تحتك سريا } . ) 2 # ضمير الرفع المستتر في ( ناداها ) عائد إلى ما ms5030 عاد عليه الضمير الغائب في ~~{ فحملته } ( مريم : 22 ) ، أي : ناداها المولود . PageV16P086 # قرأ نافع ، وحمزة ، والكسائي ، وحفص ، وأبو جعفر ، وخلف ، وروح عن يعقوب ~~{ من تحتها } بكسر ميم ( من ) على أنها حرف ابتداء متعلق ب ( ناداها ) وبجر ~~{ تحتها } . # وقرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، وابن عامر ، وأبو بكر عن عاصم ، ورويس عن ~~يعقوب { من بفتح الميم على أنها اسم موصول ، وفتح تحتها } على أنه ظرف جعل ~~صلة ، والمعني بالموصول هو الغلام الذي تحتها . وهذا إرهاص لعيسى وكرامة ~~لأمه عليهما السلام . # وقيد { من تحتها } لتحقيق ذلك ، ولإفادة أنه ناداها عند وضعه قبل أن ~~ترفعه مبادرة للتسلية والبشارة وتصويرا لتلك الحالة التي هي حالة تمام ~~اتصال الصبي بأمه . # و { أن من قوله ألا تحزني } تفسيرية لفعل ( ناداها ) . # وجملة { قد جعل ربكك تحتك سريا } خبر مراد به التعليل لجملة { ألا تحزني ~~} ، أي أن حالتك حالة جديرة بالمسرة دون الحزن لما فيها من الكرامة الإلهية ~~. # السري : الجدول من الماء كالساقية ، كثير الماء الجاري . # وهبها الله طعاما طيبا وشرابا طيبا كرامة لها يشهدها كل من يراها ، وكان ~~معها خطيبها يوسف النجار ، ومن عسى أن يشهدها فيكون شاهدا بعصمتها وبراءتها ~~مما يظن بها . فأما الماء فلأنه لم يكن الشأن أن تأوي إلى مجرى ماء لتضع ~~عنده . وأما الرطب فقيل كان الوقت شتاء ، ولم يكن إبان رطب وكان جذع النخلة ~~جذع نخلة ميتة فسقوط الرطب منها خارق للعادة . وإنما أعطيت رطبا دون التمر ~~لأن الرطب أشهى للنفس إذ هو كالفاكهة وأما التمر فغذاء . # PageV16P087 $ 2 ( 25 26 ) { وهزى & # 1764 إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا * فكلى واشربى وقرى عينا ~~فإما ترين من البشر أحدا فقولى & # 1764 إنى نذرت للرحمان صوما فلن أكلم اليوم إنسيا } ) 2 $ # { } # فائدة قوله { وهزي إليكك بجذعع النخلة وهزى & # 1764 إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا * فكلى } أن يكون إثمار ~~الجذع اليابس رطبا ببركة تحريكها إياه ، وتلك كرامة أخرى لها . ولتشاهد ~~بعينها كيف يثمر الجذع اليابس رطبا . وفي ذلك كرامة لها بقوة يقينها ~~بمرتبتها . # والباء في ms5031 { بجذعع النخلة } لتوكيد لصوق الفعل بمفعوله مثل { وامسحوا ~~برؤوسكم } ( المائدة : 6 ) وقوله { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } ( ~~البقرة : 195 ) . # وضمن { وهزي } معنى قربي أو أدني ، فعدي ب ( إلى ) ، أي حركي جذع النخلة ~~وقربيه يدن إليك ويلن بعد اليبس ويسقط عليك رطبا . # والمعنى : أدني إلى نفسك جذع النخلة . فكان فاعل الفعل ومتعلقه متحدا ، ~~وكلاهما ضمير معاد واحد ، ولا ضير في ذلك لصحة المعنى وورود أمثاله في ~~الاستعمال نحو { واضمم إليك جناحك } ( القصص : 32 ) . فالضام والمضموم إليه ~~واحد . وإنما منع النحاة أن يكون الفاعل والمفعول ضميري معاد واحد إلا في ~~أفعال القلوب ، وفي فعلي : عدم وفقد ، لعدم سماع ذلك ، لا لفساد المعنى ، ~~فلا يقاس على ذلك منع غيره . # والرطب : تمر لم يتم جفافه . # والجني : فعيل بمعنى مفعول ، أي مجتنى ، وهو كناية عن حدثان سقوطه ، أي ~~عن طراوته ولم يكن من الرطب المخبوء من قبل لأن الرطب متى كان أقرب عهدا ~~بنخلته كان أطيب طعما . PageV16P088 # و { تساقط } قرأه الجمهور بفتح التاء وتشديد السين أصله تتساقط بتاءين ~~أدغمت التاء الثانية في السين ليتأتى التخفيف بالإدغام . # وقرأه حمزة بتخفيف السين على حذف إحدى التاءين للتخفيف . و { رطبا } على ~~هاته القراءات تمييز لنسبة التساقط إلى النخلة . # وقرأه حفص بضم التاء وكسر السين على أنه مضارع ساقطت النخلة تمرها ، ~~مبالغة في أسقطت و { رطبا } مفعول به . # وقرأه يعقوب بياء تحتية مفتوحة وفتح القاف وتشديد السين فيكون الضمير ~~المستتر عائدا إلى { جذع النخلة } . # وجملة { فكلي } وما بعدها فذلكة للجمل التي قبلها من قوله { قد جعل ربك ~~تحتك سريا ، } أي فأنت في بحبوحة عيش . # وقرة العين : كناية عن السرور بطريق المضادة ، لقولهم : سخنت عينه إذا ~~كثر بكاؤه ، فالكناية بضد ذلك عن السرور كناية بأربع مراتب . وتقدم في قوله ~~تعالى : { وقالت امرأة فرعون قرة عين لي ولك } ( القصص : 9 ) . وقرة العين ~~تشمل هناء العيش وتشمل الأنس بالطفل المولود . وفي كونه قرة عين كناية عن ~~ضمان سلامته ونباهة شأنه . # وفتح القاف في { وقري عينا } لأنه مضارع قررت عينه من باب رضي ms5032 ، أدغم ~~فنقلت حركة عين الكلمة إلى فائها في المضارع لأن الفاء ساكنة . # { فإما ترين من البشر أحدا فقولى & # 1764 إنى نذرت للرحمان صوما فلن أكلم اليوم إنسيا } . # هذا من بقية ما ناداها به عيسى ، وهو وحي من الله إلى مريم أجراه على ~~لسان الطفل ، تلقينا من الله لمريم وإرشادا لقطع المراجعة PageV16P089 مع ~~من يريد مجادلتها ، فعلمها أن تنذر صوما يقارنه انقطاع عن الكلام ، فتكون ~~في عبادة وتستريح من سؤال السائلين ومجادلة الجهلة . # وكان الانقطاع عن الكلام من ضروب العبادة في بعض الشرائع السالفة ، وقد ~~اقتبسه العرب في الجاهلية كما دل عليه حديث المرأة من أحمس التي حجت مصمتة ~~. ونسخ في شريعة الإسلام بالسنة ، ففي ( الموطأ ) أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم رأى رجلا قائما في الشمس فقال : ما بال هذا ؟ فقالوا : نذر أن لا ~~يتكلم ولا يستظل من الشمس ولا يجلس ويصوم . فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مروه فليتكلم وليستظل وليجلس وليتم صيامه ) وكان هذا الرجل يدعى أبا ~~إسرائيل . # وروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه دخل على امرأة قد نذرت أن لا ~~تتكلم ، فقال لها : ( إن الإسلام قد هدم هذا فتكلمي ) . وفي الحديث أن ~~امرأة من أحمس حجت مصمتة ، أي لا تتكلم . فالصمت كان عبادة في شرع من قبلنا ~~وليس هو بشرع لنا لأنه نسخه الإسلام بقول النبي صلى الله عليه وسلم ( مروه ~~فليتكلم ) ، وعملل أصحابه . # وقد دلت الآثار الواردة في هذه على أشياء : # الأول : أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوجب الوفاء بالنذر في مثل هذا ، ~~فدل على أنه غير قربة . # الثاني : أنه لم يأمر فيه بكفارة شأن النذر الذي يتعذر الوفاء به أو الذي ~~لم يسم له عمل معين كقوله : علي نذر . وفي ( الموطأ ) عقب ذكر الحديث ~~المذكور قال مالك : ولم يأمره بكفارة PageV16P090 ولو كانت فيه كفارة لأمره ~~بها فدل ذلك على أنه عمل لا اعتداد به بوجه . # الثالث : أنه أومأ إلى علة عدم انعقاد النذر به بقوله : ( إن الله عن ms5033 ~~تعذيب هذا نفسه لغني ) . # فعلمنا من ذلك أن معنى العبادة أن تكون قولا أو فعلا يشتمل على معنى يكسب ~~النفس تزكية ويبلغ بها إلى غاية محمودة مثل الصوم والحج ، فيحتمل ما فيها ~~من المشقة لأجل الغاية السامية ، وليست العبادة بانتقام من الله لعبده ولا ~~تعذيب له كما كان أهل الضلال يتقربون بتعذيب نفوسهم ، وكما شرع في بعض ~~الأديان التعذيب القليل لخضد جلافتهم . # وفي هذا المعنى قوله تعالى : { فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك ~~سخرناها لكم لعلكم تشكرون لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله ~~التقوى منكم } ( الحج : 36 37 ) ، لأنهم كانوا يحسبون أن القربة إلى الله ~~في الهدايا أن يريقوا دماءها ويتركوا لحومها ملقاة للعوافي . # وفي ( البخاري ) : عن أنس ( أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى شيخا يهادى ~~بين ابنيه فقال : ما بال هذا ؟ قالوا : نذر أن يمشي . قال : إن الله عن ~~تعذيب هذا نفسه لغني . وأمره أن يركب ) ، فلم ير له في المشي في الطواف ~~قربة . # وفيه عن ابن عباس : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم مر وهو يطوف بالكعبة ~~بإنسان ربط يده إلى إنسان بسير أو بخيط أو بشيء غير ذلك ، فقطعه النبي بيده ~~ثم قال : قده بيده ) . PageV16P091 # وفي ( مسند أحمد ) عن محمد بن عبدالله بن عمرو بن العاصي : ( أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أدرك رجلين وهما مقترنان . فقال : ما بالهما ؟ قالا : ~~إنا نذرنا لنقترنن حتى نأتي الكعبة ، فقال : أطلقا أنفسكما ليس هذا نذرا ~~إنما النذر ما يبتغى به وجه الله ) . وقال : إسناده حسن . # الرابع : أن الراوي لبعض هذه الآثار رواها بلفظ : نهى رسول الله عن ذلك ، ~~ولذلك قال مالك في ) الموطأ ) عقب حديث الرجل الذي نذر أن لا يستظل ولا ~~يتكلم ولا يجلس : ( قال مالك : قد أمره رسول الله أن يتم ما كان لله طاعة ~~ويترك ما كان لله معصية ) . # ووجه كونه معصية أنه جراءة على الله بأن يعبده بما لم يشرع له ولو لم يكن ~~فيه حرج على النفس كنذر صمت ساعة ، وأنه تعذيب ms5034 للنفس التي كرمها الله تعالى ~~من التعذيب بوجوه التعذيب إلا لعمل اعتبره الإسلام مصلحة للمرء في خاصته أو ~~للأمة أو لدرء مفسدة مثل القصاص والجلد . ولذلك قال : { ولا تقتلوا أنفسكم ~~إن الله كان بكم رحيما } ( النساء : 29 ) . # وقال النبي صلى الله عليه وسلم ( إن دماءكم وأموالكم وأنفسكم وأبشاركم ~~عليكم حرام ) لأن شريعة الإسلام لا تناط شرائعها إلا بجلب المصالح ودرء ~~المفاسد . # والمأخوذ من قول مالك في هذا أنه معصية كما قاله في ( الموطأ ) . ولذلك ~~قال الشيخ أبو محمد في ( الرسالة ) : ( ومن نذر معصية من قتل نفس أو شرب ~~خمر أو نحوه أو ما ليس بطاعة ولا معصية فلا شيء عليه ، وليستغفر الله ) ، ~~فقوله : ( وليستغفر الله ) بناء على أنه أتى بنذره مخالفا لنهي النبي صلى ~~الله عليه وسلم عنه . PageV16P092 ولو فعل أحد صمتا بدون نذر ولا قصد عبادة ~~لم يكن حراما إلا إذا بلغ إلى حد المشقة المضنية . # وقد بقي عند النصارى اعتبار الصمت عبادة وهم يجعلونه ترحما على الميت أن ~~يقفوا صامتين هنيهة . # ومعنى { فقولي إني نذرت للرحمانن صوما } فانذري صوما وإن لقيت من البشر ~~أحدا فقولي : إني نذرت صوما فحذفت جملة للقرينة . وقد جعل القول المتضمن ~~إخبارا بالنذر عبارة عن إيقاع النذر وعن الإخبار به كناية عن إيقاع النذر ~~لتلازمهما لأن الأصل في الخبر الصدق والمطابقة للواقع مثل قوله تعالى : { ~~قولوا آمنا بالله } ( البقرة : 136 ) . وليس المراد أنها تقول ذلك ولا ~~تفعله لأن الله تعالى لا يأذن في الكذب إلا في حال الضرورة مع عدم تأتي ~~الصدق معها ، ولذلك جاء في الحديث : ( إن في المعاريض مندوحة عن الكذب ) . # وأطلق القول على ما يدل على ما في النفس ، وهو الإيماء إلى أنها نذرت ~~صوما مجازا بقرينة قوله { فلن أكلم اليوم إنسيا } . فالمراد أن تؤدي ذلك ~~بإشارة إلى أنها نذرت صوما بأن تشير إشارة تدل على الانقطاع عن الأكل ، ~~وإشارة تدل على أنها لا تتكلم لأجل ذلك ، فإن كان الصوم في شرعهم مشروطا ~~بترك الكلام كما قيل فالإشارة الواحدة كافية ، وإن ms5035 كان الصوم عبادة مستقلة ~~قد يأتي بها الصائم مع ترك الكلام تشير إشارتين للدلالة على أنها نذرت ~~الأمرين ، وقد علمت مريم أن الطفل الذي كلمها هو الذي يتولى الجواب عنها ~~حين تسأل بقرينة قوله تعالى : { فأشارت إليه } ( مريم : 29 ) . PageV16P093 # والنون في قوله { ترين } نون التوكيد الشديدة اتصلت بالفعل الذي صار آخره ~~ياء بسبب حذف نون الرفع لأجل حرف الشرط فحركت الياء بحركة مجانسة لها كما ~~هو الشأن مع نون التوكيد الشديدة . # والإنسي : الإنسان ، والياء فيه للنسب إلى الإنس ، وهو اسم جمع إنسان ، ~~فياء النسب لإفادة فرد من الجنس مثل : ياء حرسي لواحد من الحرس . وهذا نكرة ~~في سياق النفي يفيد العموم ، أي لن أكلم أحدا . # وعدل عن أحد إلى { إنسيا } للرعي على فاصلة الياء ، وليس ذلك احترازا عن ~~تكليمها الملائكة إذ لا يخطر ذلك بالبال عندالمخاطبين بمن هيئت لهم هذه ~~المقالة فالحمل عليه سماجة . # # | 2 ( 27 28 ) { فأتت به قومها تحمله قالوا يامريم لقد جئت شيئا فريا * ~~ياأخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا } . ) 2 # دلت الفاء على أن مريم جاءت أهلها عقب انتهاء الكلام الذي كلمها ابنها . ~~وفي إنجيل لوقا : أنها بقيت في بيت لحم إلى انتهاء واحد وأربعين يوما ، وهي ~~أيام التطهير من دم النفاس ، فعلى هذا يكون التعقيب المستفاد من الفاء ~~تعقيبا عرفيا مثل : تزوج فولد له . # و { قومها } : أهل محلتها . وجملة { تحمله } حال من تاء { أتت . } وهذه ~~الحال للدلالة على أنها أتت معلنة به غير ساترة لأنها قد علمت أن الله ~~سيبرئها مما يتهم به مثل من جاء في حالتها . PageV16P094 # وجملة { قالوا يامريم } مستأنفة استئنافا بيانيا . وقال قومها هذه ~~المقالة توبيخا لها . # وفري : فعيل من فرى من ذوات الياء . ولهذا اللفظ عدة إطلاقات ، وأظهر ~~محامله هنا أنه الشنيع في السوء ، قاله مجاهد والسدي ، وهو جاء من مادة ~~افترى إذا كذب لأن المرأة تنسب ولدها الذي حملت به من زنى إلى زوجها كذبا . ~~ومنه قوله تعالى : { ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ms5036 } ( ~~الممتحنة : 12 ) . # ومن أهل اللغة من قال : إن الفري والفرية مشتقان من الإفراء بالهمز ، وهو ~~قطع الجلد لإفساده أو لتحريقه ، تفرقة بين أفرى وفرى ، وأن فرى المجرد ~~للإصلاح . # والأخت : مؤنث الأخ ، اسم يضاف إلى اسم آخر ، فيطلق حقيقة على ابنة أبوي ~~ما أضيفت إلى اسمه أو ابنة أحد أبويه . ويطلق على من تكون من أبناء صاحب ~~الاسم الذي تضاف إليه إذا كان اسم قبيلة كقولهم : يا أخا العرب ، كما في ~~حديث ضيف أبي بكر الصديق قوله لزوجه : ( يا أخت بني فراس ما هذا ؟ ) ، فإذا ~~لم يذكر لفظ ( بني ) مضافا إلى اسم جد القبيلة كان مقدرا ، قال سهل بن مالك ~~الفزاري : # يا أخت خير البدو والحضارة # كيف ترين في فتى فزارة # يريد يا أخت أفضل قبائل العرب من بدوها وحضرها . # فقوله تعالى : { يا أخت هارون } يحتمل أن يكون على حقيقته ، فيكون لمريم ~~أخ اسمه هارون كان صالحا في قومه ، خاطبوها بالإضافة إليه زيادة في التوبيخ ~~، أي ما كان لأخت مثله أن تفعل فعلتك ، وهذا أظهر الوجهين . ففي ( صحيح ~~مسلم ) وغيره عن المغيرة ابن شعبة قال : ( بعثني رسول الله إلى أهل نجران ~~فقالوا : أرأيت ما تقرؤون { ياأخت PageV16P095 هارون } وموسى قبل عيسى بكذا ~~وكذا ؟ قال المغيرة : فلم أدر ما أقول ، فلما قدمت على رسول الله ذكرت ذلك ~~له ، فقال : ألم يعلموا أنهم كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم والصالحين قبلهم ~~) اه . ففي هذا تجهيل لأهل نجران أن طعنوا في القرآن على توهم أن ليس في ~~القوم من اسمه هارون إلا هارون الرسول أخا موسى . # ويحتمل أن معنى { ياأخت هارون } أنها إحدى النساء من ذرية هارون أخي موسى ~~، كقول أبي بكر : يا أخت بني فراس . وقد كانت مريم من ذرية هارون أخي موسى ~~من سبط لاوي . ففي إنجيل لوقا كان كاهن اسمه زكرياء من فرقة أبيا وامرأته ~~من بنات هارون واسمها إليصابات ، وإليصابات زوجة زكرياء نسيبة مريم ، أي ~~ابنة عمها ، وما وقع للمفسرين في نسب مريم أنها من نسل سليمان بن داوود خطأ ~~. # ولعل قومها تكلموا ms5037 باللفظين فحكاه القرآن بما يصلح لهما على وجه الإيجاز ~~. وليس في هذا الاحتمال ما ينافي حديث المغيرة بن شعبة . # والسوء بفتح السين وسكون الواو : مصدر ساءه ، إذا أضر به وأفسد بعض حاله ~~، فإضافة اسمم إليه تفيد أنه من شؤونه وأفعاله وأنه هو مصدر له . فمعنى { ~~امرأ سوء } رجل عمل مفسد . # ومعنى البغي تقدم قريبا . وعنوا بهذا الكلام الكناية عن كونها أتت بأمر ~~ليس من شأن أهلها ، أي أتت بسوء ليس من شأن أبيها وبغاء ليس من شأن أمها ، ~~وخالفت سيرة أبويها فكانت امرأة سوء وكانت بغيا ؛ وما كان أبوها امرأ سوء ~~ولا كانت أمها بغيا فكانت مبتكرة الفواحش في أهلها . وهم أرادوا ذمها فأتوا ~~بكلام صريحه ثناء على أبويها مقتض أن شأنها أن تكون مثل أبويها . # PageV16P096 # | 2 ( 29 ) { فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان فى المهد صبيا } . ) 2 # أي أشارت إليه إشارة دلت على أنها تحيلهم عليه ليسألوه عن قصته ، أو ~~أشارت إلى أن يسمعوا منه الجواب عن توبيخهم إياها وقد فهموا ذلك من إشارتها ~~. # ولما كانت إشارتها بمنزلة مراجعة كلام حكى حوارهم الواقع عقب الإشارة ~~بجملة القول مفصولة غير معطوفة . # والاستفهام : إنكار ؛ أنكروا أن يكلموا من ليس من شأنه أن يتكلم ، ~~وأنكروا أن تحيلهم على مكالمته ، أي كيف نترقب منه الجواب أو كيف نلقي عليه ~~السؤال ، لأن الحالتين تقتضيان التكلم . # وزيادة فعل الكون في { من كان في المهد } للدلالة على تمكن المظروفية في ~~المهد من هذا الذي أحيلوا على مكالمته ، وذلك مبالغة منهم في الإنكار ، ~~وتعجب من استخفافها بهم . ففعل ( كان ) زائد للتوكيد ، ولذلك جاء بصيغة ~~المضي لأن ( كان ) الزائدة تكون بصيغة الماضي غالبا . # وقوله { في المهد } خبر ( من ) الموصولة . # و { صبيا } حال من اسم الموصول . # و ( المهد ) فراش الصبي وما يمهد لوضعه . # PageV16P097 # | 2 ( 30 33 ) { لله قال إنى عبد الله ءاتانى الكتاب وجعلنى نبيا * ~~وجعلنى مباركا أين ما كنت وأوصانى بالصلواة والزكواة ما دمت حيا * وبرا ~~بوالدتى ولم يجعلنى جبارا شقيا * والسلام على يوم ولدت ويوم أموت ms5038 ويوم أبعث ~~حيا } . ) 2 # كلام عيسى هذا مما أهملته أناجيل النصارى لأنهم طووا خبر وصولها إلى ~~أهلها بعد وضعها ، وهو طي يتعجب منه . ويدل على أنها كتبت في أحوال غير ~~مضبوطة ، فأطلع الله تعالى عليه نبيئه صلى الله عليه وسلم # والابتداء بوصف العبودية لله ألقاه الله على لسان عيسى لأن الله علم بأن ~~قوما سيقولون : إنه ابن الله . # والتعبير عن إيتاء الكتاب بفعل المضي مراد به أن الله قدر إيتاءه إياه ، ~~أي قدر أن يوتيني الكتاب . # والكتاب : الشريعة التي من شأنها أن تكتب لئلا يقع فيها تغيير . فإطلاق ~~الكتاب على شريعة عيسى كإطلاق الكتاب على القرآن . والمراد بالكتاب الإنجيل ~~وهو ما كتب من الوحي الذي خاطب الله به عيسى . ويجوز أن يراد بالكتاب ~~التوراة فيكون الإيتاء إيتاء علم ما في التوراة كقوله تعالى : { يا يحيى خذ ~~الكتاب بقوة } ( مريم : 12 ) فيكون قوله { وجعلني نبيئا } ارتقاء في ~~المراتب التي آتاه الله إياها . # والقول في التعبير عنه بالماضي كالقول في قوله و { ءاتاني الكتاب } . ~~PageV16P098 # والمبارك : الذي تقارن البركة أحواله في أعماله ومحاورته ونحو ذلك ، لأن ~~المبارك اسم مفعول من باركه ، إذا جعله ذا بركة ، أو من بارك فيه ، إذا جعل ~~البركة معه . # والبركة : الخير واليمن . # ذلك أن الله أرسله برحمة لبني إسرائيل ليحل لهم بعض الذي حرم عليهم ~~وليدعوهم إلى مكارم الأخلاق بعد أن قست قلوبهم وغيروا من دينهم ، فهذه أعظم ~~بركة تقارنه . ومن بركته أن جعل الله حلوله في المكان سببا لخير أهل تلك ~~البقعة من خصبها واهتداء أهلها وتوفيقهم إلى الخير ، ولذلك كان إذا لقيه ~~الجهلة والقساة والمفسدون انقلبوا صالحين وانفتحت قلوبهم للإيمان والحكمة ، ~~ولذلك ترى أكثر الحواريين كانوا من عامة الأميين من صيادين وعشارين فصاروا ~~دعاة هدى وفاضت ألسنتهم بالحكمة . # وبهذا يظهر أن كونه مباركا أعم من كونه نبيئا عموما وجهيا ، فلم يكن في ~~قوله { وجعلنبي نبيئا } غنية عن قوله { وجعلني مباركا } . # والتعميم الذي في قوله { أين ما كنت } تعميم للأمكنة ، أي لا تقتصر بركته ~~على كونه في الهيكل ms5039 بالمقدس أو في مجمع أهل بلده ، بل هو حيثما حل تحل معه ~~البركة . # والوصاية : الأمر المؤكد بعمل مستقبل ، أي قدر وصيتي بالصلاة والزكاة ، ~~أي أن يأمرني بهما أمرا مؤكدا مستمرا ، فاستعمال صيغة المضي في { أوصاني } ~~مثل استعمالها في قوله { ءاتاني الكتاب } . # والزكاة : الصدقة . والمراد : أن يصلي ويزكي . وهذا أمر خاص به كما أمر ~~نبيئنا صلى الله عليه وسلم بقيام الليل ، وقرينة PageV16P099 الخصوص قوله { ~~ما دمت حيا } لدلالته على استغراق مدة حياته بإيقاع الصلاة والصدقة ، أي أن ~~يصلي ويتصدق في أوقات التمكن من ذلك ، أي غير أوقات الدعوة أو الضرورات . # فالاستغراق المستفاد من قوله { ما دمت حيا } استغراق عرفي مراد به الكثرة ~~؛ وليس المراد الصلاة والصدقة المفروضتين على أمته ، لأن سياق الكلام في ~~أوصاف تميز بها عيسى عليه السلام ، ولأنه لم يأت بشرع صلاة زائدة على ما ~~شرع في التوراة . # والبر بفتح الباء : اسم بمعنى البار . وتقدم آنفا . وقد خصه الله تعالى ~~بذلك بين قومه ، لأن بر الوالدين كان ضعيفا في بني إسرائيل يومئذ ، وبخاصة ~~الوالدة لأنها تستضعف ، لأن فرط حنانها ومشقتها قد يجرئان الولد على ~~التساهل في البر بها . # والجبار : المتكبر الغليظ على الناس في معاملتهم . وقد تقدم في سورة هود ~~( 59 ) قوله : { واتبعوا أمر كل جبار عنيد . # والشقي : } الخاسر والذي تكون أحواله كدرة له ومؤلمة ، وهو ضد السعيد . ~~وتقدم عند قوله تعالى : { فمنهم شقي وسعيد في آخر سورة هود ( 105 ) . # ووصف الجبار بالشقي باعتبار مآله في الآخرة وربما في الدنيا . # وقوله والسلام علي يوم ولدت } إلى آخره ، تنويه بكرامته عند الله ، أجراه ~~على لسانه ليعلموا أنه بمحل العناية من ربه ، والقول فيه تقدم في آية ذكر ~~يحيى . # وجيء بالسلام هنا معرفا باللام الدالة على الجنس مبالغة في تعلق السلام ~~به حتى كان جنس السلام بأجمعه عليه . وهذا مؤذن PageV16P100 بتفضيله على ~~يحيى إذ قيل في شأنه { وسلام عليه يوم ولد } ( مريم : 15 ) ، وذلك هو الفرق ~~بين المعرف بلام الجنس وبين النكرة . # ويجوز جعل اللام للعهد ، أي سلام إليه ، وهو كناية ms5040 عن تكريم الله عبده ~~بالثناء عليه في الملأ الأعلى وبالأمر بكرامته . ومن هذا القبيل السلام على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا صلوا ~~عليه وسلموا تسليما } ( الأحزاب : 56 ) ، وما أمرنا به في التشهد في الصلاة ~~من قول المتشهد : ( السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ) . # ومؤذن أيضا بتمهيد التعريض باليهود إذ طعنوا فيه وشتموه في الأحوال ~~الثلاثة ، فقالوا : ولد من زنى ، وقالوا : مات مصلوبا ، وقالوا : يحشر مع ~~الملاحدة والكفرة ، لأنهم يزعمون أنه كفر بأحكام من التوراة . # # | 2 ( 34 35 ) { ذالك عيسى ابن مريم قول الحق الذى فيه يمترون * ما كان ~~لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } . ) 2 # اعتراض بين الجمل المقولة في قوله : { قال إني عبد الله } ( مريم : 30 ) ~~مع قوله : { وإن الله ربي وربكم } ( مريم : 36 ) ، أي ذلك المذكور هو عيسى ~~ابن مريم لا كما تزعم النصارى واليهود . # والإشارة لتمييز المذكور أكمل تمييز تعريضا بالرد على اليهود والنصارى ~~جميعا ، إذ أنزله اليهود إلى حضيض الجناة ، ورفعه النصارى إلى مقام الإلهية ~~، وكلاهما مخطىء مبطل ، أي ذلك هو عيسى بالحق ، PageV16P101 وأما من تصفونه ~~فليس هو عيسى لأن استحضار الشخص بصفات غير صفاته تبديل لشخصيته ، فلما ~~وصفوه بغير ما هو صفته جعلوا بمنزلة من لا يعرفونه فاجتلب اسم الإشارة ~~ليتميز الموصوف أكمل تمييز عند الذين يريدون أن يعرفوه حق معرفته . ~~والمقصود بالتمييز تمييز صفاته الحقيقية عن الصفات الباطلة التي ألصقوها به ~~لا تمييز ذاته عن الذوات إذ ليست ذاته بحاضرة وقت نزول الآية ، أي تلك ~~حقيقة عيسى عليه السلام وصفته . # و { قول الحق } قرأه الجمهور بالرفع ، وقرأه ابن عامر ، وعاصم ، ويعقوب ~~بالنصب ؛ فأما الرفع فهو خبر ثانن عن اسم الإشارة أو وصف لعيسى أو بدل منه ~~، وأما النصب فهو حال من اسم الإشارة أو من عيسى . # ومعنى { قول الحق } أن تلك الصفات التي سمعتم هي قول الحق ، أي مقول هو ~~الحق وما خالفها باطل ، أو أن عيسى ms5041 عليه السلام هو قول الحق ، أي مقول الحق ~~، أي المكون من قول ( كن ) ، فيكون مصدرا بمعنى اسم المفعول كالخلق في قوله ~~تعالى : { هذا خلق الله } ( لقمان : 11 ) . # وجوز أبو علي الفارسي أن يكون نصب { قول الحق } بتقدير : أحق قول الحق ، ~~أي هو مصدر مؤكد لمضمون الجملة قبله منصوب بفعل محذوف وجوبا ، تقديره : أحق ~~قول الحق . ويجوز أن يكون { قول الحق } مصدرا نائبا عن فعله ، أي أقول قول ~~الحق . وعلى هذين الوجهين يكون اعتراضا . ويجوز أن يكون { قول } مصدرا ~~بمعنى الفاعل صفة لعيسى أو حالا منه ، أي قائل الحق إذ قال : { إني عبد ~~الله ءاتاني الكتاب إلى قوله : أبعث حيا } ( مريم : 30 33 ) . # و { الذي فيه يمترون } صفة ثانية أو حال ثانية أو خبر ثان عن { عيسى ابن ~~مريم } على ما يناسب الوجوه المتقدمة . PageV16P102 # والامتراء : الشك ، أي الذي فيه يشكون ، أي يعتقدون اعتقادا مبناه الشك ~~والخطأ ، فإن عاد الموصول إلى القول فالامتراء فيه هو الامتراء في صدقه ، ~~وإن عاد إلى عيسى فالامتراء فيه هو الامتراء في صفاته بين رافع وخافض . # وجملة { ما كان لله أن يتخذ من ولد } تقرير لمعنى العبودية ، أو تفصيل ~~لمضمون جملة { الذي فيه يمترون } فتكون بمنزلة بدل البعض أو الاشتمال منها ~~، اكتفاء بإبطال قول النصارى بأن عيسى ابن الله ، لأنه أهم بالإبطال ، إذ ~~هو تقرير لعبودية عيسى وتنزيه لله تعالى عما لا يليق بجلال الألوهية من ~~اتخاذ الولد ومن شائبة الشرك ، ولأنه القول الناشيء عن الغلو في التقديس ، ~~فكان فيما ذكر من صفات المدح لعيسى ما قد يقوي شبهتهم فيه بخلاف قول اليهود ~~فقد ظهر بطلانه بما عدد لعيسى من صفات الخير . # وصيغة { ما كان لله أن يتخذ } تفيد انتفاء الولد عنه تعالى بأبلغ وجه لأن ~~لام الجحود تفيد مبالغة النفي ، وأنه مما لا يلاقي وجود المنفي عنه ، ولأن ~~في قوله : { أن يتخذ } إشارة إلى أنه لو كان له ولد لكان هو خلقه ، واتخذه ~~فلم يعد أن يكون من جملة مخلوقاته ، فإثبات البنوة له خلف من القول ms5042 . # وجملة { إذا قضى أمرا إنما يقول له كن فيكون } بيان لجملة { ما كان لله ~~أن يتخذ من ولد } ، لإبطال شبهة النصارى إذ جعلوا تكوين إنسان بأمر التكوين ~~عن غير سبب معتاد دليلا على أن المكون ابن لله تعالى ، فأشارت الآية إلى أن ~~هذا يقتضي أن تكون أصول الموجودات أبناء لله وإن كان ما يقتضيه لا يخرج عن ~~الخضوع إلى أمر التكوين . # PageV16P103 # | 2 ( 36 ) { وإن الله ربى وربكم فاعبدوه هاذا صراط مستقيم } . ) 2 # يجوز أن يكون هذا بقية لكلام جرى على لسان عيسى تأييدا لبراءة أمه وما ~~بينهما اعتراض كما تقدم آنفا . # والمعنى : تعميم ربوبية الله تعالى لكل الخلق . # وقرأ نافع ، وابن كثير ، وأبو عمرو ، وأبو جعفر ، ورويس عن يعقوب همزة { ~~وأن } مفتوحة فخرجه الزمخشري أنه على تقدير لام التعليل ، فإن كان من كلام ~~عيسى فهو تعليل لقوله { فاعبدوه } على أنه مقدم من تأخير للاهتمام بالعلة ~~لكونها مقررة للمعلول ومثبته له على أسلوب قوله تعالى : { وأن المساجد لله ~~فلا تدعوا مع الله أحدا } ( الجن : 18 ) ويكون قوله { فاعبدوه } متفرعا على ~~قوله { إني عبد الله } ( مريم : 30 ) بعد أن أردف بما تعلق به من أحوال ~~نفسه . # ولما اشتمل مدخول لام التعليل على اسم الجلالة أضمر له فيما بعد . وتقدير ~~النظم هكذا : فاعبدوا الله لأنه ربي وربكم . # ويجوز أن يكون عطفا على قوله { بالصلواة والزكواة } ( مريم : 31 ) ، أي ~~وأوصاني بأن الله ربي وربكم ، فيكون بحذف حرف الجر وهو مطرد مع ( أن ) . # ويجوز أن يكون معطوفا على { الحق } من قوله { قول الحق } ( مريم : 34 ) ~~على وجه جعل { قول } بمعنى قائل ، أي قائل الحق وقائل إن الله ربي وربكم ، ~~فإن همزة { أن } يجوز فتحها وكسرها بعد مادة القول . # وإن كان مما خوطب النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقوله كان بتقدير قول ~~محذوف ، أو عطفا على { مريم } من قوله تعالى : PageV16P104 { واذكر في ~~الكتاب مريم } ( مريم : 16 ) ، أي اذكر يا محمد أن الله ربي فكذلك ، ويكون ~~تفريع { فاعبدوه } على قوله : { ما كان لله أن يتخذ من ms5043 ولد سبحانه } ( مريم ~~: 35 ) إلى آخره . . . # وقرأه ابن عامر ، وحمزة ، والكسائي ، وخلف ، وروح عن يعقوب بكسر همزة { ~~إن } . ووجهها ظاهر على كلا الاحتمالين . # وجملة { هذا صراط مستقيم } تذييل وفذلكة لما سبقه على اختلاف الوجوه . ~~والإشارة إلى مضمون ما تقدم على اختلاف الوجوه . # والمراد بالصراط المستقيم اعتقاد الحق ، شبه بالصراط المستقيم على ~~التشبيه البليغ ، شبه الإعتقاد الحق في كونه موصولا إلى الهدى بالصراط ~~المستقيم في إيصاله إلى المكان المقصود باطمئنان بال ، وعلم أن غير هذا ~~كبنيات الطريق من سلكها ألقت به في المخاوف والمتالف كقوله { وأن هذا صراطي ~~مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله } ( الأنعام : 153 ) ~~. # # | 2 ( 37 ) { فاختلف الاحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم ~~} . ) 2 # الفاء لتفريع الإخبار بحصول الاختلاف على الإخبار بأن هذا صراط مستقيم ، ~~أي حاد عن الصراط المستقيم الأحزاب فاختلفوا بينهم في الطرائق التي سلكوها ~~، أي هذا صراط مستقيم لا يختلف سالكوه اختلافا أصليا ، فسلك الأحزاب طرقا ~~أخرى هي حائدة عن الصراط المستقيم فلم يتفقوا على شيء . PageV16P105 # وقوله { من بينهم } متعلق باختلف . و ( من ) حرف توكيد ، أي اختلفوا ~~بينهم . # والمراد بالأحزاب أحزاب النصارى ، لأن الاختلاف مؤذن بأنهم كانوا متفقين ~~ولم يكن اليهود موافقين النصارى في شيء من الدين . وقد كان النصارى على قول ~~واحد على التوحيد في حياة الحواريين ثم حدث الاختلاف في تلاميذهم . وقد ~~ذكرنا في تفسير قوله تعالى : { فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة في ~~سورة النساء ( 171 ) أن الاختلاف انحل إلى ثلاثة مذاهب : الملكانية ( وتسمى ~~الجاثليقية ) ؛ واليعقوبية ، والنسطورية . وانشعبت من هذه الفرق عدة فرق ~~ذكرها الشهرستاني ، ومنها الاليانة ، والبليارسية ، والمقدانوسية ، ~~والسبالية ، والبوطينوسية ، والبولية ، إلى فرق أخرى . منها فرقة كانت في ~~العرب تسمى الركوسية ورد ذكرها في الحديث : أن النبي قال لعدي بن حاتم : ~~إنك ركوسي . قال أهل اللغة هي نصرانية مشوبة بعقائد الصابئة . وحدثت بعد ~~ذلك فرقة الاعتراضية ( البروتستان ) أتباع ( لوثير ) . وأشهر الفرق اليوم ~~هي الملكانية ( كاثوليك ) ، واليعقوبية ( أرثودوكس ) ، والاعتراضية ( ~~بروتستان ) . ولما كان اختلافهم قد انحصر في ms5044 مرجع واحد يرجع إلى إلهية عيسى ~~اغترارا وسوء فهم في معنى لفظ ( ابن ) الذي ورد صفة للمسيح في الأناجيل مع ~~أنه قد وصف بذلك فيها أيضا أصحابه . وقد جاء في التوراة أيضا أنتم أبناء ~~الله . وفي إنجيل متي الحواري وإنجيل يوحنا الحواري كلمات صريحة في أن ~~المسيح ابن إنسان وأن الله إلهه وربه ، فقد انحصرت مذاهبهم في الكفر بالله ~~فلذلك ذيل بقوله فويل للذين كفروا من مشهد يومم عظيم } ، فشمل قوله ( الذين ~~كفروا ) هؤلاء المخبر عنهم من النصارى وشمل المشركين غيرهم . # والمشهد صالح لمعان ، وهو أن يكون مشتقا من المشاهدة أو من PageV16P106 ~~الشهود ، ثم إما أن يكون مصدرا ميميا في المعنيين أو اسم مكان لهما أو اسم ~~زمان لهما ، أي يوم فيه ذلك وغيره . # والويل حاصل لهم في الاحتمالات كلها وقد دخلوا في عموم الذين كفروا بالله ~~، أي نفوا وحدانيته ، فدخلوا في زمرة المشركين لا محالة ، ولكنهم أهل كتاب ~~دون المشركين . # # | 2 ( 38 39 ) { أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا لاكن الظالمون اليوم فى ضلال ~~مبين * وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضى الامر وهم فى غفلة وهم لا يؤمنون } . ) 2 # { أسمع بهم وأبصر } صيغتا تعجب ، وهو تعجب على لسان الرسول والمؤمنين ، ~~أو هو مستعمل في التعجيب ، والمعنيان متقاربان ، وهو مستعمل كناية أيضا عن ~~تهديدهم ، فتعين أن التعجيب من بلوغ حالهم في السوء مبلغا يتعجب من طاقتهم ~~على مشاهدة مناظره وسماع مكارهه . والمعنى ؛ ما أسمعهم وما أبصرهم في ذلك ~~اليوم ، أي ما أقدرهم على السمع والبصر بما يكرهونه . وقريب هو من معنى ~~قوله تعالى : { فما أصبرهم على النار } ( البقرة : 175 ) . # وجوز أن يكون { أسمع بهم وأبصر } غير مستعمل في التعجب بل صادف أن جاء ~~على صورة فعل التعجب ، وإنما هو على أصل وضعه أمر للمخاطب غير المعين بأن ~~يسمع ويبصر بسببهم ، ومعمول السمع والبصر محذوف لقصد التعميم ليشمل كل ما ~~يصح أن يسمع وأن يبصر . وهذا كناية عن التهديد . # وضمير الغائبين عائد إلى ( الذين كفروا ) ، أي أعجب بحالهم يومئذ من ~~نصارى وعبدة الأصنام ms5045 . PageV16P107 # والاستدراك الذي أفاده قوله { لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين } راجع ~~إلى ما يفيده التقييد بالظرف في قوله { يوم يأتوننا } من ترقب سوء حالهم ~~يوم القيامة الذي يقتضي الظن بأنهم الآن في سعة من الحال . فأفيد أنهم ~~متلبسون بالضلال المبين وهو من سوء الحال لهم لما يتبعه من اضطراب الرأي ~~والتباس الحال على صاحبه . وتلك نكتة التقييد بالظرف في قوله { اليوم في ~~ضلال مبين } . # والتعبير عنهم ب { الظالمون } إظهار في مقام الإضمار . ونكتته التخلص إلى ~~خصوص المشركين لأن اصطلاح القرآن إطلاق الظالمين على عبدة الأصنام وإطلاق ~~الظلم على عبادة الأصنام ، قال تعالى : { إن الشرك لظلم عظيم } ( لقمان : ~~13 ) . # عقب تحذيرهم من عذاب الآخرة والنداء على سوء ضلالهم في الدنيا بالأمر ~~بإنذارهم استقصاء في الإعذار لهم . # والضمير عائد إلى الظالمين ، وهم المشركون من أهل مكة وغيرهم من عبدة ~~الأصنام لقوله { وهم إ يؤمنون وقوله وإلينا يرجعون } ( مريم : 40 ) . # وانتصب { يوم الحسرة على أنه مفعول خلف عن المفعول الثاني لأنذرهم ، لأنه ~~بمعنى أنذرهم عذاب يوم الحسرة . # والحسرة : الندامة الشديدة الداعية إلى التلهف . والمراد بيوم الحسرة يوم ~~الحساب ، أضيف اليوم إلى الحسرة لكثرة ما يحدث فيه من PageV16P108 تحسر ~~المجرمين على ما فرطوا فيه من أسباب النجاة ، فكان ذلك اليوم كأنه مما ~~اختصت به الحسرة ، فهو يوم حسرة بالنسبة إليهم وإن كان يوم فرح بالنسبة إلى ~~الصالحين . # واللام في الحسرة على هذا الوجه لام العهد الذهني ، ويجوز أن يكون اللام ~~عوضا عن المضاف إليه ، أي يوم حسرة الظالمين . # ومعنى قضى الأمر : تمم أمر الله بزجهم في العذاب فلا معقب له . # ويجوز أن يكون المراد بالأمر أمر الله بمجيء يوم القيامة ، أي إذ حشروا . ~~و ( إذ ) اسم زمان ، بدل من يوم الحسرة . # وجملة وهم في غفلة حال من الأمر وهي حال سببية ، إذ التقدير : إذ قضي ~~أمرهم . # والغفلة : الذهول عن شيء شأنه أن يعلم . # ومعنى جملة الحال على الاحتمال الأول في معنى الأمر الكناية عن سرعة صدور ~~الأمر بتعذيبهم ، أي قضي أمرهم على حين أنهم ms5046 في غفلة ، أي بهت . وعلى ~~الاحتمال الثاني تحذير من حلول يوم القيامة بهم قبل أن يؤمنوا كقوله لا ~~تأتيكم إلا بغتة } ( الأعراف : 187 ) ، وهذا أليق بقوله : { وهم لا يؤمنون ~~. # ومعنى وهم لا يؤمنون استمرار عدم إيمانهم إلى حلول قضاء الأمر يوم الحسرة ~~. فاختيار صيغة المضارع فيه دون صيغة اسم الفاعل لما يدل عليه المضارع من ~~استمرار الفعل وقتا فوقتا استحضارا لذلك الاستمرار العجيب في طوله وتمكنه . # PageV16P109 # | 2 ( 40 ) { إنا نحن نرث الارض ومن عليها وإلينا يرجعون } . ) 2 # تذييل لختم القصة على عادة القرآن في تذييل الأغراض عند الانتقال منها ~~إلى غيرها . والكلام موجه إلى المشركين لإبلاغه إليهم . # وضمير { يرجعون عائد إلى من عليها وإلى ما عاد إليه ضمير الغيبة في ~~وأنذرهم } ( مريم : 39 ) . # وحقيقة الإرث : مصير مال الميت إلى من يبقى بعده . وهو هنا مجاز في تمحض ~~التصرف في الشيء دون مشارك . فإن الأرض كانت في تصرف سكانها من الإنسان ~~والحيوان كل بما يناسبه ، فإذا هلك الناس والحيوان فقد صاروا في باطن الأرض ~~وصارت الأرض في غير تصرفهم فلم يبق تصرف فيها إلا لخالقها ، وهو تصرف كان ~~في ظاهر الأمر مشتركا بمقدار ما خولهم الله التصرف فيها إلى أجل معلوم ، ~~فصار الجميع في محض تصرف الله ، ومن جملة ذلك تصرفه بالجزاء . # وتأكيد جملة { إنا نحن نرث الأرض بحرف التوكيد لدفع الشك لأن المشركين ~~ينكرون الجزاء ، فهم ينكرون أن الله يرث الأرض ومن عليها بهذا المعنى . # وأما ضمير الفصل في قوله نحن نرث الأرض فهو لمجرد التأكيد ولا يفيد ~~تخصيصا ، إذ لا يفيد رد اعتقاد مخالف لذلك . # وظهر لي : أن مجيء ضمير الفصل بمجرد التأكيد كثير إذا وقع ضمير الفصل بعد ~~ضمير آخر نحو قوله إنني أنا الله في سورة طه ( 14 ) ، وقوله : وهم بالأخرة ~~هم كافرون في سورة يوسف ( 37 ) . # وأفاد هذا التذييل التعريف بتهديد المشركين بأنهم لا مفر لهم من الكون في ~~قبضة الرب الواحد الذي أشركوا بعبادته بعض ما على PageV16P110 الأرض ، وأن ~~آلهتهم ليست بمرجوة لنفعهم إذ ما ms5047 هي إلا مما يرثه الله . # وبذلك كان موقع جملة وإلينا يرجعون بينا ، فالتقديم مفيد القصر ، أي لا ~~يرجعون إلى غيرنا . ومحمل هذا التقديم بالنسبة إلى المسلمين الاهتمام ~~ومحمله بالنسبة إلى المشركين القصر كما تقدم في قوله : إنا نحن نرث الأرض . # # | 2 ( 41 ، 42 ) واذكر فى الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا * إذ قال ~~لابيه ياأبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئا } . ) 2 # قد تقدم أن من أهم ما اشتملت عليه هذه السورة التنويه بالأنبياء والرسل ~~السالفين . وإذ كان إبراهيم عليه السلام أبا الأنبياء وأول من أعلن التوحيد ~~إعلانا باقيا ، لبنائه له هيكل التوحيد وهو الكعبة ، كان ذكر إبراهيم من ~~أغراض السورة ، وذكر عقب قصة عيسى لمناسبة وقوع الرد على المشركين في آخر ~~القصة ابتداء من قوله تعالى : { فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم إذ قال ~~لابيه ياأبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئا } ( مريم : 37 ~~) إلى قوله : { إنا نحن نرث الأرض ومن عليها } ( مريم : 40 ) . ولما كان ~~إبراهيم قد جاء بالحنيفية وخالفها العرب بالإشراك وهم ورثة إبراهيم كان ~~لتقديم ذكره على البقية الموقع الجليل من البلاغة . # وفي ذلك تسلية للنبيء صلى الله عليه وسلم على ما لقي من مشركي قومه ~~لمشابهة حالهم بحال قوم إبراهيم . # وقد جرى سرد خبر إبراهيم عليه السلام على أسلوب سرد قصة مريم عليها ~~السلام لما في كل من الأهمية كما تقدم . PageV16P111 # وتقدم تفسير { واذكر في الكتاب في أول قصة مريم ( 16 ) . # والصديق بتشديد الدال صيغة مبالغة في الاتصاف ، مثل الملك الضليل لقب ~~امرىء القيس ، وقولهم : رجل مسيك : أي شحيح ، ومنه طعام حريف ، ويقال : ~~دليل خريت ، إذا كان ذا حذق بالطرق الخفية في المفاوز ، مشتقا من الخرت وهو ~~ثقب الشيء كأنه يثقب المسدودات ببصره . وتقدم في قوله تعالى : يوسف أيها ~~الصديق } ( يوسف : 46 ) . وصف إبراهيم بالصديق لفرط صدقه في امتثال ما ~~يكلفه الله تعالى لا يصده عن ذلك ما قد يكون عذرا للمكلف مثل مبادرته ms5048 إلى ~~محاولة ذبح ولده حين أمره الله بذلك في وحي الرؤيا ، فالصدق هنا بمعنى بلوغ ~~نهاية الصفة في الموصوف بها ، كما في قول تأبط شرا : # إني لمهد من ثنائي فقاصدبه لابن عم الصدق شمس بن مالكوتأكيد هذا الخبر ~~بحرف التوكيد وبإقحام فعل الكون للاهتمام بتحقيقه زيادة في الثناء عليه . # وجملة { إنه كان صديقا نبيا واقعة موقع التعليل للاهتمام بذكره في ~~التلاوة ، وهذه الجملة معترضة بين المبدل منه والبدل ، فإن ( إذ ) اسم زمان ~~وقع بدلا من إبراهيم ، أي اذكر ذلك خصوصا من أحوال إبراهيم فإنه أهم ما ~~يذكر فيه لأنه مظهر صديقيته إذ خاطب أباه بذلك الإنكار . # والنبي : فعيل بمعنى مفعول ، من أنبأه بالخبر . والمراد هنا أنه منبأ من ~~جانب الله تعالى بالوحي . والأكثر أن يكون النبي مرسلا للتبليغ ، وهو معنى ~~شرعي ، فالنبي فيه حقيقة عرفية . وتقدم PageV16P112 في سورة البقرة ( 246 ) ~~عند قوله : إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا ، فدل ذلك على أن قوله لأبيه ~~يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر إنما كان عن وحي من الله ليبلغ قومه ~~إبطال عبادة الأصنام . # وقرأ الجمهور نبيا بياء مشددة بتخفيف الهمزة ياء لثقلها ولمناسبة الكسرة ~~. وقرأه نافع وحده ( نبيئا ) بهمزة آخره ، وبذلك تصير الفاصلة القرآنية على ~~حرف الألف ، ومثل تلك الفاصلة كثير في فواصل القرآن . # وقوله : إذ قال لأبيه الخ بدل اشتمال من ( إبراهيم ) . و ( إذ ) اسم زمان ~~مجرد عن الظرفية لأن ( إذ ) ظرف متصرف على التحقيق . والمعنى : اذكر ~~إبراهيم زمان قوله لأبيه فإن ذلك الوقت أجدر أوقات إبراهيم بأن يذكر . # وأبو إبراهيم هو ( آزار ) تقدم ذكره في سورة الأنعام . # وافتتح إبراهيم خطابه أباه بندائه مع أن الحضرة مغنية عن النداء قصدا ~~لإحضار سمعه وذهنه لتلقي ما سيلقيه إليه . # قال الجد الوزير رحمه الله فيما أملاه علي ذات ليلة من عام 1318 ه فقال : # علم إبراهيم أن في طبع أهل الجهالة تحقيرهم للصغير كيفما بلغ حاله في ~~الحذق وبخاصة الآباء مع أبنائهم ، فتوجه إلى أبيه بخطابه بوصف الأبوة إيماء ms5049 ~~إلى أنه مخلص له النصيحة ، وألقى إليه حجة فساد عبادته في صورة الاستفهام ~~عن سبب عبادته وعمله المخطىء ، منبها على خطئه عندما يتأمل في عمله ، فإنه ~~إن سمع ذلك وحاول بيان سبب عبادة أصنامه لم يجد لنفسه مقالا ففطن بخطل رأيه ~~PageV16P113 وسفاهة حلمه ، فإنه لو عبد حيا مميزا لكانت له شبهة ما . ~~وابتدأ بالحجة الراجعة إلى الحس إذ قال له : لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ~~فذلك حجة محسوسة ، ثم أتبعها بقوله : ولا يغني عنك شيئا ، ثم انتقل إلى دفع ~~ما يخالج عقل أبيه من النفور عن تلقي الإرشاد من ابنه بقوله : يا أبت إني ~~قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا } ( مريم : 43 ) ، ~~فلما قضى حق ذلك انتقل إلى تنبيهه على أن ما هو فيه أثر من وساوس الشيطان ، ~~ثم ألقى إليه حجة لائقة بالمتصلبين في الضلال بقوله : { يا أبت إني أخاف أن ~~يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا } ( مريم : 45 ) ، أي إن الله أبلغ ~~إليك الوعيد على لساني ، فإن كنت لا تجزم بذلك فافرض وقوعه فإن أصنامك لم ~~تتوعدك على أن تفارق عبادتها . وهذا كما في الشعر المنسوب إلى علي رضي الله ~~عنه : # زعم المنجم والطبيب كلاهمالا تحشر الأجسام قلت : إليكماإن صح قولكما فلست ~~بخاسرأو صح قولي فالخسار عليكماقال : وفي النداء بقوله : { يا أبت أربع ~~مرات تكرير اقتضاه مقام استنزاله إلى قبول الموعظة لأنها مقام إطناب . ونظر ~~ذلك بتكرير لقمان قوله : يا بني } ( لقمان : 13 16 ) ثلاث مرات ، قال : ~~بخلاف قول نوح لابنه : { يا بني اركب معنا } ( هود : 42 ) مرة واحدة دون ~~تكرير لأن ضيق المقام يقتضي الإيجاز وهذا من طرق الإعجاز ) . انتهى كلامه ~~بما يقارب لفظه . # وأقول : الوجه ما بني عليه من أن الاستفهام مستعمل في حقيقته ، كما أشار ~~إليه صاحب ( الكشاف ) ، ومكنى به عن نفي العلة المسؤول عنها بقوله : { لم ~~تعبد ، فهو كناية عن التعجيز عن إبداء المسؤول عنه ، فهو من التورية في ~~معنيين يحتملهما الاستفهام . PageV16P114 # وأبت : أصله أبي ، حذفوا ms5050 ياء المتكلم وعوضوا عنها تاء تعويضا على غير ~~قياس ، وهو خاص بلفظ الأب والأم في النداء خاصة ، ولعله صيغة باقية من ~~العربية القديمة . ورأى سيبويه أن التاء تصير في الوقف هاء ، وخالفه الفراء ~~فقال : ببقائها في الوقف . والتاء مكسورة في الغالب لأنها عوض عن الياء ~~والياء بنت الكسرة ولما كسروها فتحوا الياء وبذلك قرأ الجمهور . وقرأ ابن ~~عامر ، وأبو جعفر : ( يأبت ) بفتح التاء دون ألف بعدها ، بناء على أنهم ~~يقولون ( يا أبتا ) بألف بعد التاء لأن ياء المتكلم إذا نودي يجوز فتحها ~~وإشباع فتحتها فقرأه على اعتبار حذف الألف تخفيفا وبقاء الفتحة . # $ 2 ( 43 ) ياأبت إنى قد جآءنى من العلم ما لم يأتك فاتبعنى & # 1764 أهدك صراطا سويا } . ) 2 $ # إعادة ندائه بوصف الأبوة تأكيد لإحضار الذهن ولإمحاض النصيحة المستفاد من ~~النداء الأول . قال في ( الكشاف ) : ( ثم ثنى بدعوته إلى الحق مترفقا به ~~متلطفا ، فلم يسم أباه بالجهل المفرط ولا نفسه بالعلم الفائق ولكنه قال : ~~إن معي طائفة من العلم ليست معك ، وذلك علم الدلالة على الطريق السوي ، فلا ~~تستنكف ، وهب أني وإياك في مسير وعندي معرفة بالهداية دونك فاتبعني أنجك من ~~أن تضل وتتيه ) اه . ذلك أن أباه كان يرى نفسه على علم عظيم لأنه كان كبير ~~ديانة قومه . وأراد إبراهيم علم الوحي والنبوءة . # وتفريع أمره بأن يتبعه على الإخبار بما عنده من العلم دليل على أن أحقية ~~العالم بأن يتبع مركوزة في غريزة العقول لم يزل PageV16P115 البشر يتقصون ~~مظان المعرفة والعلم لجلب ما ينفع واتقاء ما يضر ، قال تعالى : { فاسألوا ~~أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون . } ( النحل : 43 ) # وفي قوله : { أهدك صراطا سويا استعارة مكنية ؛ شبه إبراهيم بهادي الطريق ~~البصير بالثنايا ، وإثبات الصراط السوي قرينة التشبيه ، وهو أيضا استعارة ~~مصرحة بأن شبه الإعتقاد الموصل إلى الحق والنجاة بالطريق المستقيم المبلغ ~~إلى المقصود . # ويا أبت تقدم الكلام على نظيره قريبا . # # | 2 ( 44 ) ياأبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمان عصيا } . ) 2 # إعادة النداء لزيادة تأكيد ما أفاده النداء الأول ms5051 والثاني . # والمراد بعبادة الشيطان عبادة الأصنام ؛ عبر عنها بعبادة الشيطان إفصاحا ~~عن فسادها وضلالها ، فإن نسبة الضلال والفساد إلى الشيطان مقررة في نفوس ~~البشر ، ولكن الذين يتبعونه لا يفطنون إلى حالهم ويتبعون وساوسه تحت ستار ~~التمويه مثل قولهم { إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون } ( ~~الزخرف : 23 ) ، ففي الكلام إيجاز لأن معناه : لا تعبد الأصنام لأن اتخاذها ~~من تسويل الشيطان للذين اتخذوها ووضعوها للناس ، وعبادتها من وساوس الشيطان ~~للذين سنوا سنن عبادتها ، ومن وساوسه للناس الذين أطاعوهم في عبادتها ، فمن ~~عبد الأصنام فقد عبد الشيطان وكفى بذلك ضلالا معلوما . # وهذا كقوله تعالى : { وإن يدعون إلا شيطانا مريدا وتقدم في سورة النساء ( ~~117 ) . وفي هذا تبغيض لعبادة الأصنام ، لأن في قرارة نفوس الناس بغض ~~الشيطان والحذر من كيده . PageV16P116 # وجملة إن الشيطان كان للرحمان عصيا تعليل للنهي عن عبادته وعبادة آثار ~~وسوسته بأنه شديد العصيان للرب الواسع الرحمة . وذكر وصف عصيا الذي هو من ~~صيغ المبالغة في العصيان مع زيادة فعل ( كان ) للدلالة على أنه لا يفارق ~~عصيان ربه وأنه متمكن منه ، فلا جرم أنه لا يأمر إلا بما ينافي الرحمة ، أي ~~بما يفضي إلى النقمة ، ولذلك اختير وصف الرحمن من بين صفات الله تعالى ~~تنبيها على أن عبادة الأصنام توجب غضب الله فتفضي إلى الحرمان من رحمته ، ~~فمن كان هذا حاله فهو جدير بأن لا يتبع . # وإظهار اسم الشيطان في مقام الإضمار ، إذ لم يقل : إنه كان للرحمان عصيا ~~، لإيضاح إسناد الخبر إلى المسند إليه ، ولزيادة التنفير من الشيطان ، لأن ~~في ذكر صريح اسمه تنبيها إلى النفرة منه ، ولتكون الجملة موعظة قائمة ~~بنفسها . وتقدم الكلام على يا أبت قريبا . # $ 2 ( 45 47 ) ياأبت إنى & # 1764 أخاف أن يمسك عذاب من الرحمان فتكون للشيطان وليا * قال أراغب أنت ~~عن آلهتى ياإبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرنى مليا * قال سلام عليك ~~سأستغفر لك ربي & # 1764 إنه كان بى حفيا } . ) 2 $ # لا جرم أنه لما قرر له أن عبادته الأصنام اتباع لأمر ms5052 الشيطان عصي الرحمن ~~انتقل إلى توقع حرمانه من رحمة الله بأن يحل به عذاب من الله ، فحذره من ~~عاقبة أن يصير من أولياء الشيطان الذين لا يختلف البشر في مذمتهم وسوء ~~عاقبتهم ، ولكنهم يندمجون فيهم عن ضلال بمآل حالهم . # وللإشارة إلى أن أصل حلول العذاب بمن يحل به هو الحرمان من الرحمة في تلك ~~الحالة ؛ عبر عن الجلالة بوصف الرحمن للإشارة إلى PageV16P117 أن حلول ~~العذاب ممن شأنه أن يرحم إنما يكون لفظاعة جرمه إلى حد أن يحرمه من رحمته ~~من شأنه سعة الرحمة . # والولي : الصاحب والتابع ومن حالهما حال واحدة وأمرهما جميع ؛ فكني ~~بالولاية عن المقارنة في المصير . # والتعبير بالخوف الدال على الظن دون القطع تأدب مع الله تعالى بأن لا ~~يثبت أمرا فيما هو من تصرف الله ، وإبقاء للرجاء في نفس أبيه لينظر في ~~التخلص من ذلك العذاب بالإقلاع عن عبادة الأوثان . # ومعنى : { فتكون للشيطان وليا فتكون في اتباع الشيطان في العذاب . وتقدم ~~الكلام على يا أبت قريبا . # فصلت جملة : { . . . لوقوعها في المحاورة كما تقدم في قوله تعالى : قالوا ~~أتجعل فيها من يفسد فيها في سورة البقرة ( 30 ) . # والاستفهام للإنكار إنكارا لتجافي إبراهيم عن عبادة أصنامهم . وإضافة ~~الآلهة إلى ضمير نفسه إضافة ولاية وانتساب إلى المضاف لقصد تشريف المضاف ~~إليه . # وقد جاء في جوابه دعوة ابنه بمنتهى الجفاء والعنجهية بعكس ما في كلام ~~إبراهيم من اللين والرقة ، فدل ذلك على أنه كان قاسي القلب ، بعيد الفهم ، ~~شديد التصلب في الكفر . PageV16P118 # وجملة أراغب أنت جملة اسمية مركبة من مبتدأ وفاعل سد مسد الخبر على ~~اصطلاح النحاة طردا لقواعد التركيب اللفظي ، ولكنهم لما اعتبروا الاسم ~~الواقع ثانيا بعد الوصف فاعلا سادا مسد الخبر فقد أثبتوا لذلك الاسم حكم ~~المسند إليه وصار للوصف المبتدأ حكم المسند . فمن أجل ذلك كان المصير إلى ~~مثل هذا النظم في نظر البلغاء هو مقتضى كون المقام يتطلب جملة اسمية ~~للدلالة على ثبات المسند إليه ، ويتطلب الاهتمام بالوصف دون الاسم لغرض ~~يوجب الاهتمام به ، فيلتجىء البليغ إلى ms5053 الإتيان بالوصف أولا والإتيان ~~بالاسم ثانيا . # ولما كان الوصف له عمل فعله تعين على النحاة اعتبار الوصف مبتدأ لأن ~~للمبتدأ عراقة في الأسماء ، واعتباره مع ذلك متطلبا فاعلا ، وجعلوا فاعله ~~سادا مسد الخبر ، فصار للتركيب شبهان . والتحقيق أنه في قوة خبر مقدم ~~ومبتدأ مؤخر . ولهذا نظر الزمخشري في الكشاف إلى هذا المقصد فقال : قدم ~~الخبر على المبتدأ في قوله : أراغب أنت عن آلهتي لأنه كان أهم عنده وهو به ~~أعنى اه . ولله دره ، وإن ضاع بين أكثر الناظرين دره . فدل النظم في هذه ~~الآية على أن أبا إبراهيم ينكر على إبراهيم تمكن الرغبة عن آلهتهم من نفسه ~~، ويهتم بأمر الرغبة عن الآلهة لأنها موضع عجب . # والنداء في قوله يا إبراهيم تكملة لجملة الإنكار والتعجب ، لأن المتعجب ~~من فعله مع حضوره يقصد بندائه تنبيهه على سوء فعله ، كأنه في غيبة عن إدراك ~~فعله ، فالمتكلم ينزله منزلة الغائب فيناديه لإرجاع رشده إليه ، فينبغي ~~الوقف على قوله يا إبراهيم . # وجملة لئن لم تنته لأرجمنك مستأنفة . # واللام موطئة للقسم تأكيدا لكونه راجمه إن لم ينته عن كفره بآلهتهم . ~~PageV16P119 # والرجم : الرمي بالحجارة ، وهو كناية مشهورة في معنى القتل بذلك الرمي . ~~وإسناد أبي إبراهيم ذلك إلى نفسه يحتمل الحقيقة ؛ إما لأنه كان من عادتهم ~~أن الوالد يتحكم في عقوبة ابنه ، وإما لأنه كان حاكما في قومه . ويحتمل ~~المجاز العقلي إذ لعله كان كبيرا في دينهم فيرجم قومه إبراهيم استنادا ~~لحكمه بمروقه عن دينهم . # وجملة واهجرني مليا عطف على جملة لئن لم تنته لأرجمنك ؛ وذلك أنه هدده ~~بعقوبة آجلة إن لم يقلع عن كفره بآلهتهم ، وبعقوبة عاجلة وهي طرده من ~~معاشرته وقطع مكالمته . # والهجر : قطع المكالمة وقطع المعاشرة ، وإنما أمر أبو إبراهيم ابنه ~~بهجرانه ولم يخبره بأنه هو يهجره ليدل على أن هذا الهجران في معنى الطرد ~~والخلع إشعارا بتحقيره . # ومليا : طويلا ، وهو فعيل ، ولا يعرف له فعل مجرد ولا مصدر . فملي مشتق ~~من مصدر ممات ، وهو فعيل بمعنى فاعل لأنه يقال : أملى له ، إذا أطال له ms5054 ~~المدة ، فيأتون بهمزة التعدية ، فمليا صفة لمصدر محذوف منصوب على المفعولية ~~المطلقة ، أي هجرا مليا ، ومنه الملاوة من الدهر للمدة المديدة من الزمان ، ~~وهذه المادة تدل على كثرة الشيء . # ويجوز أن ينتصب على الصفة لظرف محذوف ، أي زمانا طويلا ، بناء على أن ~~الملا مقصورا غالب في الزمان فذكره يغني عن ذكر موصوفه كقوله تعالى : ~~وحملناه على ذات ألواح قال أراغب أنت عن آلهتى ياإبراهيم لئن لم تنته ~~لأرجمنك واهجرنى مليا } ( القمر : 13 ) ، أي سفينة ذات ألواح . # PageV16P120 $ 2 ( 48 ) { وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربى عسى ~~& # 1764 ألا أكون بدعآء ربى شقيا } . ) 2 $ # سلام عليك سلام توديع ومتاركة . وبادره به قبل الكلام الذي أعقبه به ~~إشارة إلى أنه لا يسوءه ذلك الهجر في ذات الله تعالى ومرضاته . # ومن حلم إبراهيم أن كانت متكارته أباه مثوبة بالإحسان في معاملته في آخر ~~لحظة . # والسلام : السلامة . و ( على ) للاستعلاء المجازي وهو التمكن . وهذه كلمة ~~تحية وإكرام ، وتقدمت آنفا عند قوله { وسلام عليه يوم ولد وأعتزلكم وما ~~تدعون من دون الله وأدعو ربى عسى & # 1764 ألا أكون بدعآء ربى شقيا } ( مريم : 15 ) . # وأظهر حرصه على هداه فقال { سأستغفر لك ربي ، أي أطلب منه لك المغفرة من ~~هذا الكفر ، بأن يهديه الله إلى التوحيد فيغفر له الشرك الماضي ، إذ لم يكن ~~إبراهيم تلقى نهيا من الله عن الاستغفار للمشرك . وهذا ظاهر ما في قوله ~~تعالى : وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه } ( التوبة ~~: 114 ) . واستغفاره له هو المحكي في قوله تعالى : { واغفر لأبي إنه كان من ~~الضالين } ( الشعراء : 86 ) . # وجملة { سأستغفر لك ربي مستأنفة ، وعلامة الاستقبال والفعل المضارع ~~مؤذنان بأنه يكرر الاستغفار في المستقبل . # وجملة إنه كان بي حفيا تعليل لما يتضمنه الوعد بالاستغفار من رجاء ~~المغفرة استجابة لدعوة إبراهيم بأن يوفق الله أبا إبراهيم للتوحيد ونبذ ~~الإشراك . PageV16P121 # والحفي : الشديد البر والإلطاف . وتقدم في سورة الأعراف ( 187 ) عند قوله ~~: يسألونك كأنك حفي عنها . # وجملة وأعتزلكم عطف على جملة سأستغفر لك ربي ms5055 ، أي يقع الاستغفار في ~~المستقبل ويقع اعتزالي إياكم الآن ، لأن المضارع غالب في الحال . أظهر ~~إبراهيم العزم على اعتزالهم وأنه لا يتوانى في ذلك ولا يأسف له إذا كان في ~~ذات الله تعالى ، وهو المحكي بقوله تعالى : وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين } ~~( الصافات : 99 ) ، وقد خرج من بلد الكلدان عازما على الالتحاق بالشام حسب ~~أمر الله تعالى . # رأى إبراهيم أن هجرانه أباه غير مغن ، لأن بقية القوم هم على رأي أبيه ~~فرأى أن يهجرهم جميعا ، ولذلك قال له { وأعتزلكم . # وضمير جماعة المخاطبين عائد إلى أبي إبراهيم وقومه تنزيلا لهم منزلة ~~الحضور في ذلك المجلس ، لأن أباه واحد منهم وأمرهم سواء ، أو كان هذا ~~المقال جرى بمحضر جماعة منهم . # وعطف على ضمير القوم أصنامهم للإشارة إلى عداوته لتلك الأصنام إعلانا ~~بتغيير المنكر . # وعبر عن الأصنام بطريق الموصولية بقوله ما تدعون من دون الله للإيماء إلى ~~وجه بناء الخبر وعلة اعتزاله إياهم وأصنامهم : بأن تلك الأصنام تعبد من دون ~~الله وأن القوم يعبدونها ، فذلك وجه اعتزاله إياهم وأصنامهم . # والدعاء : العبادة ، لأنها تستلزم دعاء المعبود . # وزاد على الإعلان باعتزال أصنامهم الإعلان بأنه يدعو الله احتراسا من أن ~~يحسبوا أنه نوى مجرد اعتزال عبادة أصنامهم فربما PageV16P122 اقتنعوا ~~بإمساكه عنهم ، ولذا بين لهم أنه بعكس ذلك يدعو الله الذي لا يعبدونه . # وعبر عن الله بوصف الربوبية المضاف إلى ضمير نفسه للإشارة إلى انفراده من ~~بينهم بعبادة الله تعالى فهو ربه وحده من بينهم ، فالإضافة هنا تفيد معنى ~~القصر الإضافي ، مع ما تتضمنه الإضافة من الاعتزاز بربوبية الله إياه ~~والتشريف لنفسه بذلك . # وجملة وعسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا في موضع الحال من ضمير وأدعوا أي ~~راجيا أن لا أكون بدعاء ربي شقيا . وتقدم معناه عند قوله ولم أكن بدعائك رب ~~شقيا في هذه السورة ( 4 ) . وفي إعلانه هذا الرجاء بين ظهرانيهم تعريض ~~بأنهم أشقياء بدعاء آلهتهم . # # | 2 ( 49 ، 50 ) فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ~~ويعقوب وكلا جعلنا نبيا * ووهبنا ms5056 لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا } ~~. ) 2 # طوي ذكر اعتزاله إياهم بعد أن ذكر عزمه عليه إيجازا في الكلام للعلم بأن ~~مثله لا يعزم أمرا إلا نفذ عزمه ، واكتفاء بذكر ما ترتب عليه من جعل عزمه ~~حدثا واقعا قد حصل جزاؤه عليه من ربه ، فإنه لما اعتزل أباه وقومه واستوحش ~~بذلك الفراق وهبه الله ذرية يأنس بهم إذ وهبه إسحاق ابنه ، ويعقوب ابن ابنه ~~، وجعلهما نبيئين . وحسبك بهذه مكرمة له عند ربه . # وليس مجازاة الله إبراهيم مقصورة على أن وهبه إسحاق ويعقوب ، إذ ليس في ~~الكلام ما يقتضي الانحصار ، فإنه قد وهبه إسماعيل PageV16P123 أيضا ، وظهرت ~~موهبته إياه قبل ظهور موهبة إسحاق ، وكل ذلك بعد أن اعتزل قومه . # وإنما اقتصر على ذكر إسحاق ويعقوب دون ذكر إسماعيل فلم يقل : وهبنا له ~~إسماعيل وإسحاق ويعقوب ، لأن إبراهيم لما اعتزل قومه خرج بزوجه سارة قريبته ~~، فهي قد اعتزلت قومها أيضا إرضاء لربها ولزوجها ، فذكر الله الموهبة ~~الشاملة لإبراهيم ولزوجه ، وهي أن وهب لهما إسحاق وبعده يعقوب ؛ ولأن هذه ~~الموهبة لما كانت كفاء لإبراهيم على مفارقته أباه وقومه كانت موهبة من ~~يعاشر إبراهيم ويؤنسه وهما إسحاق ويعقوب . أما إسماعيل فقد أراد الله أن ~~يكون بعيدا عن إبراهيم في مكة ليكون جار بيت الله . وإنه لجوار أعظم من ~~جوار إسحاق ويعقوب أباهما . # وقد خص إسماعيل بالذكر استقلالا عقب ذلك ، ومثله قوله تعالى : { واذكر ~~عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق ~~عليا } ( ص : 45 ) ثم قال : { واذكر إسماعيل في سورة ص ( 48 ) ، وقد قال في ~~آية الصافات ( 99 101 ) وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين رب هب لي من الصالحين ~~فبشرناه بغلام حليم إلى أن قال : وبشرناه بإسحاق نبيا م الصالحين فذكر ~~هنالك إسماعيل عقب قوله : إني ذاهب إلى ربي سيهدين إذ هو المراد بالغلام ~~الحليم . # والمراد بالهبة هنا : تقدير ما في الأزل عند الله لأن ازدياد إسحاق ~~ويعقوب كان بعد خروج إبراهيم بمدة بعد أن سكن أرض كنعان ms5057 وبعد أن اجتاز بمصر ~~ورجع منها . وكذلك ازدياد إسماعيل كان بعد خروجه بمدة وبعد أن اجتاز بمصر ~~كما ورد في الحديث وفي التوراة ، أو أريد حكاية هبة إسحاق ويعقوب فيما مضى ~~بالنسبة إلى زمن نزول القرآن تنبيها بأن ذلك جزاؤه على إخلاصه . ~~PageV16P124 # والنكتة في ذكر يعقوب أن إبراهيم رآه حفيدا وسر به ، فقد ولد يعقوب قبل ~~موت إبراهيم بخمس عشرة سنة ، وأن من يعقوب نشأت أمة عظيمة . # وحرف ( لما ) حرف وجود لوجود ، أي يقتضي وجود جوابه لأجل وجود شرطه ~~فتقتضي جملتين ، والأكثر أن يكون وجود جوابها عند وجود شرطها ، وقد تكون ~~بينهما فترة فتدل على مجرد الجزائية ، أي التعليل دون توقيت ، وذلك كما هنا ~~. # وضمير لهم عائد إلى إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم السلام . # و ( من ) في قوله ومن ذريتهما محسن } ( الصافات : 113 ) إما حرف تبعيض ~~صفة لمحذوف دل عليه { وهبنا ، أي موهوبا من رحمتنا . وإما اسم بمعنى بعض ~~بتأويل ، كما تقدم عند قوله تعالى : ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم ~~الآخر في سورة البقرة ( 8 ) . وإن كان النحاة لم يثبتوا لكلمة ( من ) ~~استعمالها اسما كما أثبتوا ذلك لكلمات ( الكاف ) و ( عن ) و ( على ) لكن ~~بعض موارد الاستعمال تقتضيه ، كما قال التفتزاني في حاشية الكشاف ، وأقره ~~عبد الحكيم . وعلى هذا تكون ( من ) في موضع نصب على المفعول به لفعل وهبنا ~~، أي وهبنا لهم بعض رحمتنا ، وهي النبوءة ، لأنها رحمة لهم ولمن أرسلوا ~~إليهم . # واللسان : مجاز في الذكر والثناء . # ووصف لسان بصدق وصفا بالمصدر . # الصدق : بلوغ كمال نوعه ، كما تقدم آنفا ، فلسان الصدق ثناء الخير ~~والتبجيل ، ووصف بالعلو مجازا لشرف ذلك الثناء . PageV16P125 # وقد رتب جزاء الله إبراهيم على نبذه أهل الشرك ترتيبا بديعا إذ جوزي ~~بنعمة الدنيا وهي العقب الشريف ، ونعمة الآخرة وهي الرحمة ، وبأثر تينك ~~النعمتين وهو لسان الصدق ، إذ لا يذكر به إلا من حصل النعمتين . # وتقدم اختلاف القراء في نبيئا عند ذكر إبراهيم عليه السلام . # # | 2 ( 51 53 ) واذكر فى الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا ms5058 * ~~وناديناه من جانب الطور الايمن وقربناه نجيا * ووهبنا له من رحمتنآ أخاه ~~هارون نبيا } . ) 2 # أفضت مناسبة ذكر إبراهيم ويعقوب إلى أن يذكر موسى في هذا الموضع لأنه ~~أشرف نبي من ذرية إسحاق ويعقوب . # والقول في جملة { واذكر وجملة إنه كان كالقول في نظيريهما في ذكر إبراهيم ~~عدا أن الجملة هنا غير معترضة بل مجرد استئناف . # وقرأ الجمهور مخلصا بكسر اللام من أخلص القاصر إذا كان الإخلاص صفته . ~~والإخلاص في أمر ما : الإتيان به غير مشوب بتقصير ولا تفريط ولا هوادة ، ~~مشتق من الخلوص ، وهو التمحض وعدم الخلط . والمراد هنا : الإخلاص فيما هو ~~شأنه ، وهو الرسالة بقرينة المقام . # وقرأه حمزة ، وعاصم ، والكسائي ، وخلف بفتح اللام من أخلصه ، إذا اصطفاه ~~. PageV16P126 # وخص موسى بعنوان ( المخلص ) على الوجهين لأن ذلك مزيته ، فإنه أخلص في ~~الدعوة إلى الله فاستخف بأعظم جبار وهو فرعون ، وجادله مجادلة الأكفاء ، ~~كما حكى الله عنه في قوله تعالى في سورة الشعراء ( 18 ، 19 ) : قال ألم ~~نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من ~~الكافرين إلى قوله : قال أولو جئتك بشيء مبين . وكذلك ما حكاه الله عنه ~~بقوله : قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين وناديناه من جانب ~~الطور الايمن وقربناه نجيا * ووهبنا له من رحمتنآ أخاه هارون نبيا } ( ~~القصص : 17 ) ، فكان الإخلاص في أداء أمانة الله تعالى ميزته . ولأن الله ~~اصطفاه لكلامه مباشرة قبل أن يرسل إليه الملك بالوحي ، فكان مخلصا بذلك ، ~~أي مصطفى ، لأن ذلك مزيته قال تعالى { واصطنعتك لنفسي } ( طه : 41 ) . # والجمع بين وصف موسى لأنه رسول ونبيء . وعطف { نبيئا على رسولا مع أن ~~الرسول بالمعنى الشرعي أخص من النبي ، فلأن الرسول هو المرسل بوحي من الله ~~ليبلغ إلى الناس فلا يكون الرسول إلا نبيئا ، وأما النبي فهو المنبأ بوحي ~~من الله وإن لم يؤمر بتبليغه ، فإذا لم يؤمر بالتبليغ فهو نبيء وليس رسولا ~~، فالجمع بينهما هنا لتأكيد الوصف ، إشارة إلى أن رسالته بلغت مبلغا قويا ، ~~فقوله نبيئا تأكيد ms5059 لوصف رسولا . # وتقدم اختلاف القراء في لفظ نبيئا عند ذكر إبراهيم . # وجملة وناديناه عطف على جملة إنه كان مخلصا فهي مثلها مستأنفة . # والنداء : الكلام الدال على طلب الإقبال ، وأصله : جهر الصوت لإسماع ~~البعيد ، فأطلق على طلب إقبال أحد مجازا مرسلا ، ومنه إذا PageV16P127 نودي ~~للصلاة من يوم الجمعة } ( الجمعة : 9 ) ، وهو مشتق من الندى بفتح النون ~~وبالقصر وهو بعد الصوت . ولم يسمع فعله إلا بصيغة المفاعلة ، وليست بحصول ~~فعل من جانبين بل المفاعلة للمبالغة ، وتقدم عند قوله تعالى : { كمثل الذي ~~ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء في سورة البقرة ( 171 ) ، وعند قوله : ~~ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان في سورة آل عمران ( 193 ) . # وهذا النداء هو الكلام الموجه إليه من جانب الله تعالى . قال تعالى : إني ~~اصطفيتك على الناس برسالتي وبكلامي في سورة الأعراف ( 144 ) ، وتقدم تحقيق ~~صفته هناك ، وعند قوله تعالى : حتى يسمع كلام الله في سورة براءة ( 6 ) . # والطور : الجبل الواقع بين بلاد الشام ومصر ، ويقال له : طور سيناء . # وجانبه : ناحيته السفلى ، ووصفه بالأيمن لأنه الذي على يمين مستقبل مشرق ~~الشمس ، لأن جهة مشرق الشمس هي الجهة التي يضبط بها البشر النواحي . # والتقريب : أصله الجعل بمكان القرب ، وهو الدنو وهو ضد البعد . وأريد هنا ~~القرب المجازي وهو الوحي . فقوله : نجيا } حال من ضمير { موسى } ، وهي حال ~~مؤكدة لمعنى التقريب . # ونجي : فعيل بمعنى مفعول من المناجاة . وهي المحادثة السرية ؛ شبه الكلام ~~الذي لم يكلم بمثله أحدا ولا أطلع عليه أحدا بالمناجاة . وفعيل بمعنى مفعول ~~، يجيء من الفعل المزيد المجرد بحذف حرف الزيادة ، مثل جليس ونديم ورضيع . # ومعنى هبة أخيه له : أن الله عززه به وأعانه به ، إذ جعله نبيئا وأمره أن ~~يرافقه في الدعوة ، لأن في لسان موسى حبسة ، وكان هارون PageV16P128 فصيح ~~اللسان ، فكان يتكلم عن موسى بما يريد إبلاغه ، وكان يستخلفه في مهمات ~~الأمة . وإنما جعلت تلك الهبة من رحمة الله لأن الله رحم موسى إذ يسر له ~~أخا فصيح اللسان ، وأكمله بالإنباء حتى يعلم مراد موسى مما ms5060 يبلغه عن الله ~~تعالى . ولم يوصف هارون بأنه رسول إذ لم يرسله الله تعالى ، وإنما جعله ~~مبلغا عن موسى . وأما قوله تعالى : { فقولا إنا رسولا ربك } ( طه : 47 ) ~~فهو من التغليب . # # | 2 ( 54 ، 55 ) { واذكر فى الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان ~~رسولا نبيا * وكان يأمر أهله بالصلواة والزكواة وكان عند ربه مرضيا } . ) 2 # خص إسماعيل بالذكر هنا تنبيها على جدارته بالاستقلال بالذكر عقب ذكر ~~إبراهيم وابنه إسحاق ، لأن إسماعيل صار جد أمة مستقلة قبل أن يصير يعقوب جد ~~أمة ، ولأن إسماعيل هو الابن البكر لإبراهيم وشريكه في بناء الكعبة . وتقدم ~~ذكر إسماعيل عند قوله تعالى : { وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت ~~وإسماعيل في سورة البقرة ( 127 ) . # وخصه بوصف صدق الوعد لأنه اشتهر به وتركه خلقا في ذريته . # وأعظم وعد صدقه وعده إياه إبراهيم بأن يجده صابرا على الذبح فقال ستجدني ~~إن شاء الله من الصابرين وكان يأمر أهله بالصلواة والزكواة وكان عند ربه ~~مرضيا * واذكر فى الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا * ورفعناه مكانا عليا } ~~( الصافات : 102 ) . # وجعله الله نبيئا ورسولا إلى قومه ، وهم يومئذ لا يعدون أهله أمه وبنيه ~~وأصهاره من جرهم . فلذلك قال الله تعالى : { وكان يأمر أهله PageV16P129 ~~بالصلاة والزكاة ثم إن أمة العرب نشأت من ذريته فهم أهله أيضا ، وقد كان من ~~شريعته الصلاة والزكاة وشؤون الحنيفية ملة أبيه إبراهيم . # ورضى الله عنه : إنعامه عليه نعما كثيرة ، إذ باركه وأنمى نسله وجعل أشرف ~~الأنبياء من ذريته ، وجعل الشريعة العظمى على لسان رسول من ذريته . # وتقدم اختلاف القراء في قراءة نبيئا بالهمز أو بالياء المشددة . # وتقدم توجيه الجمع بين وصف رسول ونبيء عند ذكر موسى عليه السلام آنفا . # # | 2 ( 56 ، 57 ) واذكر فى الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا * ورفعناه ~~مكانا عليا } . ) 2 # إدريس : اسم جعل علما على جد أبي نوح ، وهو المسمى في التوراة ( أخنوخ ) ~~. فنوح هو ابن لامك بن متوشالح بن أخنوخ ، فلعل اسمه عند نسابي العرب إدريس ~~، أو أن القرآن سماه بذلك اسما ms5061 مشتقا من الدرس لما سيأتي قريبا . واسمه ( ~~هرمس ) عند اليونان ، ويزعم أنه كذلك يسمى عند المصريين القدماء ، والصحيح ~~أن اسمه عند المصريين ( توت ) أو ( تحوتي ) أو ( تهوتي ) لهجات في النطق ~~باسمه . # وذكر ابن العبري في ( تاريخه ) : ( أن إدريس كان يلقب عند قدماء اليونان ~~( طريسمجيسطيس ) ، ومعناه بلسانهم ثلاثي التعليم ، لأنه كان يصف الله تعالى ~~بثلاث صفات ذاتية وهي الوجود والحكمة والحياة ) اه . PageV16P130 # ولا يخفى قرب الحروف الأولى في هذا الاسم من حروف إدريس ، فلعل العرب ~~اختصروا الاسم لطوله فاقتصروا على أوله مع تغيير . # وكان إدريس نبيئا ، ففي الإصحاح الخامس من سفر التكوين ( وسار أخنوخ مع ~~الله ) . قيل : هو أول من وضع للبشر عمارة المدن ، وقواعد العلم ، وقواعد ~~التربية ، وأول من وضع الخط ، وعلم الحساب بالنجوم وقواعد سير الكواكب ، ~~وتركيب البسائط بالنار فلذلك كان علم الكيمياء ينسب إليه ، وأول من علم ~~الناس الخياطة . فكان هو مبدأ من وضع العلوم ، والحضارة ، والنظم العقلية . # فوجه تسميته في القرآن بإدريس أنه اشتق له اسم من الفرس على وزن مناسب ~~للأعلام العجمية ، فلذلك منع من الصرف مع كون حروفه من مادة عربية ، كما ~~منع إبليس من الصرف ، وكما منع طالوت من الصرف . # وتقدم اختلاف القراء في لفظ { نبيئا عند ذكر إبراهيم . # وقوله ورفعناه مكانا عليا ورفعناه مكانا عليا } قال جماعة من المفسرين هو ~~رفع مجازي . والمراد : رفع المنزلة ، لما أوتيه من العلم الذي فاق به على ~~من سلفه . ونقل هذا عن الحسن . وقال به أبو مسلم الأصفهاني . وقال جماعة : ~~هو رفع حقيقي إلى السماء ، وفي الإصحاح الخامس من سفر التكوين ( وسار أخنوخ ~~مع الله ولم يوجد لأن الله أخذه ) ، وعلى هذا فرفعه مثل رفع عيسى عليه ~~السلام . والأظهر أن ذلك بعد نزع روحه وروحنة جثته . ومما يذكر عنه أنه بقي ~~ثلاث عشرة سنة لا ينام ولا يأكل حتى تروحن ، فرفع . وأما حديث الإسراء فلا ~~حجة فيه لهذا القول لأنه ذكر فيه عدة أنبياء غيره وجدوا في السماوات . ووقع ~~في حديث مالك بن صعصعة عن الإسراء بالنبي ms5062 PageV16P131 صلى الله عليه وسلم ~~إلى السماوات أنه وجد إدريس عليه السلام في السماء وأنه لما سلم عليه قال : ~~مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح . فأخذ منه أن إدريس عليه السلام لم تكن ~~له ولادة على النبي صلى الله عليه وسلم لأنه لم يقل له والابن الصالح ، ولا ~~دليل في ذلك لأنه قد يكون قال ذلك اعتبارا بأخوة التوحيد فرجحها على صلة ~~النسب فكان ذلك من حكمته . # على أنه يجوز أن يكون ذلك سهوا من الراوي فإن تلك الكلمة لم تثبت في حديث ~~جابر بن عبدالله في ( صحيح البخاري ) . وقد جزم البخاري في أحاديث الأنبياء ~~بأن إدريس جد نوح أو جد أبيه . وذلك يدل على أنه لم ير في قوله ( مرحبا ~~بالأخ الصالح ) ما ينافي أن يكون أبا للنبيء صلى الله عليه وسلم # # | 2 ( 58 ) { أولائك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية ءادم وممن ~~حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسراءيل وممن هدينا واجتبينآ إذا تتلى ~~عليهم ءايات الرحمان خروا سجدا وبكيا } . ) 2 # الجملة استئناف ابتدائي ، واسم الإشارة عائد إلى المذكورين من قوله { ذكر ~~رحمة ربك عبده زكرياء } ( مريم : 2 ) إلى هنا . والإتيان به دون الضمير ~~للتنبيه على أن المشار إليهم جديرون بما يذكر بعد اسم الإشارة لأجل ما ذكر ~~مع المشار إليهم من الأوصاف ، أي كانوا أحرياء بنعمة الله عليهم وكونهم في ~~عداد المهديين المجتبين وخليقين بمحبتهم لله تعالى وتعظيمهم إياه . ~~PageV16P132 # والمذكور بعد اسم الإشارة هو مضمون قوله { أنعم الله عليهم } وقوله { ~~وممن هدينا واجتبينا } ، فإن ذلك أحسن جزاء على ما قدموه من الأعمال ، ومن ~~أعطوه من مزايا النبوءة والصديقية ونحوهما . وتلك وإن كانت نعما وهداية ~~واجتباء فقد زادت هذه الآية بإسناد تلك العطايا إلى الله تعالى تشريفا لها ~~، فكان ذلك التشريف هو الجزاء عليها إذ لا أزيد من المجازى عليه إلا تشريفه ~~. # وقرأ الجمهور { من النبيين بياءين بعد الموحدة . وقرأه نافع وحده بهمزة ~~بعد الموحدة . # وجملة إذا تتلى عليهم ءايات الرحمان } مستأنفة دالة على شكرهم نعم الله ~~عليهم ms5063 وتقريبه إياهم بالخضوع له بالسجود عند تلاوة آياته وبالبكاء . # والمراد به البكاء الناشىء عن انفعال النفس انفعالا مختلطا من التعظيم ~~والخوف . # و { سجدا جمع ساجد . وبكيا جمع باك . والأول بوزن فعل مثل عذل ، والثاني ~~وزنه فعول جمع فاعل مثل قوم قعود ، وهو يائي لأن فعله بكى يبكي ، فأصله : ~~بكوي . فلما اجتمع الواو والياء وسبق إحداهما بالسكون قلبت الواو ياء ~~وأدغمت في الياء وحركت عين الكلمة بحركة مناسبة للياء . وهذا الوزن سماعي ~~في جمع فاعل ومثله . # وهذه الآية من مواضع سجود القرآن المروية عن النبي اقتداء بأولئك ~~الأنبياء في السجود عند تلاوة القرآن ، فهم سجدوا كثيرا عند تلاوة آيات ~~الله التي أنزلت عليهم ، ونحن نسجد PageV16P133 اقتداء بهم عند تلاوة ~~الآيات التي أنزلت إلينا . وأثنت على سجودهم قصدا للتشبه بهم بقدر الطاقة ~~حين نحن متلبسون بذكر صنيعهم . # وقد سجد النبي عند هذه الآية وسن ذلك لأمته . # # | 2 ( 59 63 ) { فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلواة واتبعوا الشهوات فسوف ~~يلقون غيا * إلا من تاب وءامن وعمل صالحا فأولائك يدخلون الجنة ولا يظلمون ~~شيئا * جنات عدن التى وعد الرحمان عباده بالغيب إنه كان وعده مأتيا * لا ~~يسمعون فيها لغوا إلا سلاما ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا * تلك الجنة التى ~~نورث من عبادنا من كان تقيا } ) 2 # فرع على الثناء عليهم اعتبار وتنديد بطائفة من ذرياتهم لم يقتدوا بصالح ~~أسلافهم وهم المعني بالخلف . # والخلف بسكون اللام عقب السوء ، و بفتح اللام عقب الخير . وتقدم عند قوله ~~تعالى : { فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب في سورة الأعراف ( 169 ) . # وهو هنا يشمل جميع الأمم التي ضلت لأنها راجعة في النسب إلى إدريس جد نوح ~~إذ هم من ذرية نوح ومن يرجع أيضا إلى إبراهيم ، فمنهم من يدلي إليه من نسل ~~إسماعيل وهم العرب . ومنهم من يدلي إليه من نسل يعقوب وهم بنو إسرائيل . ~~PageV16P134 # ولفظ من بعدهم } يشمل طبقات وقرونا كثيرة ، ليس قيدا لأن الخلف لا يكون ~~إلا من بعد أصله وإنما ذكر لاستحضار ذهاب الصالحين . # والإضاعة : مجاز ms5064 في التفريط بتشبيهه بإهمال العرض النفيس ، فرطوا في ~~عبادة الله واتبعوا شهواتهم فلم يخالفوا ما تميل إليه أنفسهم مما هو فساد . ~~وتقدم قوله تعالى : { إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا في سورة الكهف ( 30 ) . # والصلاة : عبادة الله وحده . # وهذان وصفان جامعان لأصناف الكفر والفسوق ، فالشرك إضاعة للصلاة لأنه ~~انصراف عن الخضوع لله تعالى ، فالمشركون أضاعوا الصلاة تماما ، قال تعالى : ~~قالوا لم نك من المصلين } ( المدثر : 43 ) . والشرك : اتباع للشهوات ، لأن ~~المشركين اتبعوا عبادة الأصنام لمجرد الشهوة من غير دليل ، وهؤلاء هم ~~المقصود هنا ، وغير المشركين كاليهود والنصارى فرطوا في صلوات واتبعوا ~~شهوات ابتدعوها ، ويشمل ذلك كله اسم الغي . # والغي : الضلال ، ويطلق على الشر ، كما أطلق ضده وهو الرشد على الخير في ~~قوله تعالى : { أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا } ( الجن : 10 ~~) وقوله { قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا } ( الجن : 21 ) . فيجوز أن ~~يكون المعنى فسوف يلقون جزاء غيهم ، كقوله تعالى : { ومن يفعل ذلك يلق ~~أثاما } ( الفرقان : 68 ) أي جزاء الآثام . وتقدم الغي في قوله تعالى : { ~~وإخوانهم يمدونهم في الغي وقوله وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا كلاهما في ~~سورة الأعراف ( 202 و 146 ) . وقرينة ذلك مقابلته في ضدهم بقوله فأولئك ~~يدخلون الجنة } . PageV16P135 # وحرف ( سوف ) دال على أن لقاءهم الغي متكرر في أزمنة المستقبل مبالغة في ~~وعيدهم وتحذيرا لهم من الإصرار على ذلك . # وقوله { فأولئك يدخلون الجنة } جيء في جانبهم باسم الإشارة إشادة بهم ~~وتنبيها لهم للترغيب في توبتهم من الكفر . وجيء بالمضارع الدال على الحال ~~للإشارة إلى أنهم لا يمطلون في الجزاء . والجنة : علم لدار الثواب والنعيم ~~. وفيها جنات كثيرة كما ورد في الحديث : ( أو جنة واحدة هي إنها لجنان ~~كثيرة ) . # والظلم : هنا بمعنى النقص والإجحاف والمطل . كقوله { كلتا الجنتين آتت ~~أكلها ولم تظلم منه شيئا في سورة الكهف ( 33 ) . # وشي : اسم بمعنى ذات أو موجود وليس المراد مصدر الظلم . # وذكر شيئا في سياق النفي يفيد نفي كل فرد من أفراد النقص والإجحاف ms5065 ~~والإبطاء ، فيعلم انتفاء النقص القوي بالفحوى دفعا لما عسى أن يخالج نفوسهم ~~من الانكسار بعد الإيمان يظن أن سبق الكفر يحط من حسن مصيرهم . # وجنات } بدل من { الجنة . جيء بصيغة جمع جنات مع أن المبدل منه مفرد لأنه ~~يشتمل على جنات كثيرة كما علمت ، وهو بدل مطابق وليس بدل اشتمال . # وعدن : الخلد والإقامة ، أي جنات خلد ووصفها ب التي وعد الرحمن عباده } ~~لزيادة تشريفها وتحسينها . وفي ذلك إدماج لتبشير المؤمنين السابقين في ~~أثناء وعد المدعوين إلى الإيمان . # والغيب : مصدر غاب ، فكل ما غاب عن المشاهدة فهو غيب . # وتقدم في قوله تعالى : { الذين يؤمنون بالغيب في أول البقرة ( 3 ) . ~~PageV16P136 # والباء في بالغيب للظرفية ، أي وعدها إياهم في الأزمنة الغائبة عنهم . أي ~~في الأزل إذ خلقها لهم . قال تعالى : أعدت للمتقين } ( آل عمران : 133 ) . ~~وفيه تنبيه على أنها وإن كانت محجوبة عنهم في الدنيا فإنها مهيئة لهم . # وجملة { إنه كان وعده مأتيا } تعليل لجملة { التي وعد الرحمن عباده ~~بالغيب } أي يدخلون الجنة وعدا من الله واقعا . وهذا تحقيق للبشارة . # والوعد : هنا مصدر مستعمل في معنى المفعول . وهو من باب كسا ، فالله وعد ~~المؤمنين الصالحين جنات عدن . فالجنات لهم موعودة من ربهم . # والمأتي : الذي يأتيه غيره . وقد استعير الإتيان لحصول المطلوب المترقب ، ~~تشبيها لمن يحصل الشيء بعد أن سعى لتحصيله بمن مشى إلى مكان حتى أتاه . ~~وتشبيها للشيء المحصل بالمكان المقصود . ففي قوله { مأتيا تمثيلية اقتصر من ~~أجزائها على إحدى الهيئتين ، وهي تستلزم الهيئة الأخرى لأن المأتي لا بد له ~~من آت . # وجملة لا يسمعون فيها لغوا } حال من { عباده } . # واللغو : فضول الكلام وما لا طائل تحته . وإنفاؤه كناية عن انتفاء أقل ~~المكدرات في الجنة ، كما قال تعالى : { لا تسمع فيها لاغية } ( الغاشية : ~~11 ) ، وكناية عن جعل مجازاة المؤمنين في الجنة بضد ما كانوا يلاقونه في ~~الدنيا من أذى المشركين ولغوهم . # وقوله { إلا سلاما } استثناء منقطع وهو مجاز من تأكيد الشيء بما يشبه ضده ~~كقول النابغة : PageV16P137 # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم # بهن ms5066 فلول من قراع الكتائب # أي لكن تسمعون سلاما . قال تعالى : { تحيتهم فيها سلام } ( إبراهيم : 23 ~~) وقال { لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما } ( الواقعة ~~: 25 ، 26 ) . # والرزق : الطعام . # وجيء بالجملة الاسمية للدلالة على ثبات ذلك ودوامه ، فيفيد التكرر ~~المستمر وهو أخص من التكرر المفاد بالفعل المضارع وأكثر . وتقديم الظرف ~~للاهتمام بشأنهم ، وإضافة رزق إلى ضميرهم لزيادة الاختصاص . # والبكرة : النصف الأول من النهار ، والعشي : النصف الأخير ، والجمع ~~بينهما كناية عن استغراق الزمن ، أي لهم رزقهم غير محصور ولا مقدر بل كلما ~~شاءوا فلذلك لم يذكر الليل . # وجملة { تلك الجنة } مستأنفة ابتدائية . واسم الإشارة لزيادة التمييز ~~تنويها بشأنها وأجريت عليها الصفة بالموصول وصلته تنويها بالمتقين وأنهم ~~أهل الجنة كما قال تعالى : { أعدت للمتقين } ( آل عمران : 133 ) . # و { نورث } نجعل وارثا ، أي نعطي الإرث . وحقيقة الإرث : انتقال مال ~~القريب إلى قريبه بعد موته لأنه أولى الناس بماله فهو انتقال مقيد بحالة . ~~واستعير هنا للعطية المدخرة لمعطاها ، تشبيها بمال الموروث الذي يصير إلى ~~وارثه آخر الأمر . # وقرأ الجمور { نورث بسكون الواو بعد الضمة وتخفيف الراء ، وقرأه رويس عن ~~يعقوب : نورث بفتح الواو تشديد الراء من ورثه المضاعف . # PageV16P138 # | 2 ( 64 ) { وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ~~ذالك وما كان ربك نسيا } ) 2 # موقع هذه الآية هنا غريب . فقال جمهور المفسرين : إن سبب نزولها أن جبريل ~~عليه السلام أبطأ أياما عن النزول إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأن النبي ~~ود أن تكون زيارة جبريل له أكثر مما هو يزوره فقال لجبريل : ( ألا تزورنا ~~أكثر مما تزورنا ) . فنزلت : { وما نتنزل إلا بأمر ربك } إلى آخر الآية . ~~أي إلى قوله { نسيا } ، رواه البخاري والترمذي عن ابن عباس . وظاهره أنه ~~رواية وهو أصح ما روي في سبب نزولها وأليقه بموقعها هنا . ولا يلتفت إلى ~~غيره من الأقوال في سبب نزولها . # والمعنى : أن الله أمر جبريل عليه السلام أن يقول هذا الكلام جوابا عنه ، ~~فالنظم نظم القرآن بتقدير : وقل ms5067 ما نتنزل إلا بأمر ربك ، أي قل يا جبريل ، ~~فكان هذا خطابا لجبريل ليبلغه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قرآنا . فالواو ~~عاطفة فعل القول المحذوف على الكلام الذي قبله عطف قصة على قصة مع اختلاف ~~المخاطب ، وأمر الله رسوله أن يقرأها هنا ، ولأنها نزلت لتكون من القرآن . # ولا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك لجبريل عليه السلام عند ~~انتهاء قصص الأنبياء في هذه السورة فأثبتت الآية في الموضع الذي بلغ إليه ~~نزول القرآن . # والضمير لجبريل والملائكة ، أعلم الله نبيئه على لسان جبريل أن نزول ~~الملائكة لا يقع إلا عن أمر الله تعالى وليس لهم اختيار PageV16P139 في ~~النزول ولقاء الرسل ، قال تعالى : { لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون } ~~( الأنبياء : 27 ) . # و { نتنزل } مرادف ننزل ، وأصل التنزل : تكلف النزول ، فأطلق ذلك على ~~نزول الملائكة من السماء إلى الأرض لأنه نزول نادر وخروج عن عالمهم فكأنه ~~متكلف . قال تعالى : { تنزل الملائكة والروح فيها } ( القدر : 4 ) . # واللام في ( له ) للملك ، وهو ملك التصرف . # والمراد ب { ما بين أيدينا } ما هو أمامنا ، وب { وما خلفنا : } ما هو ~~وراءنا ، وب { وما بين ذلك : } ما كان عن أيمانهم وعن شمائلهم ، لأن ما كان ~~عن اليمين وعن الشمال هو بين الأمام والخلف . والمقصود استيعاب الجهات . # ولما كان ذلك مخبرا عنه بأنه ملك لله تعين أن يراد به الكائنات التي في ~~تلك الجهات ، فالكلام مجاز مرسل بعلاقة الحلول ، مثل { واسأل القرية } ( ~~يوسف : 82 ) ، فيعم جميع الكائنات ، ويستتبع عموم أحوالها وتصرفاتها مثل ~~التنزل بالوحي . ويستتبع عموم الأزمان المستقبل والماضي والحال ، وقد فسر ~~بها قوله { ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك } . # وجملة { وما كان ربك نسيا } على هذا الوجه من الكلام الملقن به جبريل ~~جوابا للنبيء صلى الله عليه وسلم # و { نسيا : صيغة مبالغة من نسي ، أي كثير النسيان أو شديده . # والنسيان : الغفلة عن توقيت الأشياء بأوقاتها ، وقد فسروه هنا بتارك ، أي ~~ما كان ربك تاركك وعليه فالمبالغة منصرفة إلى PageV16P140 طول مدة النسيان ~~. وفسر بمعنى ms5068 شديد النسيان ، فيتعين صرف المبالغة إلى جانب نسبة نفي ~~النسيان عن الله ، أي تحقيق نفي النسيان مثل المبالغة في قوله وما ربك ~~بظلام للعبيد } ( فصلت : 46 ) فهو هنا كناية عن إحاطة علم الله ، أي إن ~~تنزلنا بأمر الله لما هو على وفق علمه وحكمته في ذلك ، فنحن لا نتنزل إلا ~~بأمره . وهو لا يأمرنا بالتنزل إلا عند اقتضاء علمه وحكمته أن يأمرنا به . # وجوز أبو مسلم وصاحب ( الكشاف ) : أن هذه الآية من تمام حكاية كلام أهل ~~الجنة بتقدير فعل يقولون حالا من قوله { من كان تقيا } ( مريم : 63 ) ، أي ~~وما نتنزل في هذه الجنة إلا بأمر ربك الخ ، وهو تأويل حسن . # وعليه فكاف الخطاب في قوله { بأمر ربك } خطاب كل قائل لمخاطبه ، وهذا ~~التجويز بناء على أن ما روي عن ابن عباس رأي له في تفسير الآية لا تتعين ~~متابعته . # وعليه فجملة { وما كان ربك نسيا } من قول الله تعالى لرسوله تذييلا لما ~~قبله ، أو هي من كلام أهل الجنة ، أي وما كان ربنا غافلا عن إعطاء ما وعدنا ~~به . # # | 2 ( 65 ) { رب السماوات والارض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل ~~تعلم له سميا } ) 2 # جملة مستأنفة من كلام الله تعالى كما يقتضيه قوله { فاعبده } إلى آخره ~~ذيل به الكلام الذي لقنه جبريل المتضمن : أن الملائكة لا يتصرفون إلا عن ~~إذن ربهم وأن أحوالهم كلها في قبضته بما PageV16P141 يفيد عموم تصرفه تعالى ~~في سائر الكائنات ، ثم فرع عليه أمر الرسول عليه السلام بعبادته ، فقد ~~انتقل الخطاب إليه . # وارتفع { رب السموات } على الخبرية لمبتدأ محذوف ملتزم الحذف في المقام ~~الذي يذكر فيه أحد بأخبار وأوصاف ثم يراد تخصيصه بخبر آخر . وهذا الحذف ~~سماه السكاكي بالحذف الذي اتبع فيه الاستعمال كقول الصولي أو ابن الزبير ~~بفتح الزاي وكسر الموحدة : # سأشكر عمرا إن تراخت منيتي # أيادي لم تمنن وإن هي جلت # فتى غير محجوب الغنى عن صديقه # ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت # والسماوات : العوالم العلوية . والأرض : العالم السفلي ، وما بينهما : ~~الأجواء والآفاق ms5069 . وتلك الثلاثة تعم سائر الكائنات . # والخطاب في { فاعبده واصطبر } و { هل تعلم } للنبيء صلى الله عليه وسلم # وتفريع الأمر بعبادته على ذلك ظاهر المناسبة ويحصل منه التخلص إلى ~~التنويه بالتوحيد وتفظيع الإشراك . # والاصطبار : شدة الصبر على الأمر الشاق ، لأن صيغة الافتعال ترد لإفادة ~~قوة الفعل . وكان الشأن أن يعدى الاصطبار بحرف ( على ) كما قال تعالى : { ~~وامر أهلك بالصلاة واصطبر عليها } ( طه : 132 ) ولكنه عدي هنا باللام ~~لتضمينه معنى الثبات . أي اثبت للعبادة ، لأن العبادة مراتب كثيرة من ~~مجاهدة النفس ، وقد يغلب بعضها بعض النفوس فتستطيع الصبر على بعض العبادات ~~دون بعض كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة العشاء : ( هي أثقل صلاة ~~على المنافقين ) . فلذلك لما أمر الله رسوله بالصبر على العبادة كلها وفيها ~~أصناف PageV16P142 جمة تحتاج إلى ثبات العزيمة ، نزل القائم بالعبادة منزلة ~~المغالب لنفسه ، فعدي الفعل باللام كما يقال : اثبت لعداتك . # وجملة { هل تعلم له سميا } واقعة موقع التعليل للأمر بعبادته والاصطبار ~~عليها . # والسمي هنا الأحسن أن يكون بمعنى المسامي ، أي المماثل في شؤونه كلها . ~~فعن ابن عباس أنه فسره بالنظير ، مأخوذا من المساماة فهو فعيل بمعنى فاعل ، ~~لكنه أخذ من المزيد كقول عمرو بن معد يكرب : # أمن ريحانة الداعي السميع # أي المسمع . وكما سمي تعالى الحكيم ، أي المحكم للأمور ، فالسمي هنا ~~بمعنى المماثل في الصفات بحيث تكون المماثلة في الصفات كالمساماة . # والاستفهام إنكاري ، أي لا مسامي لله تعالى ، أي ليس من يساميه ، أي ~~يضاهيه ، موجودا . # وقيل السمي : المماثل في الاسم . كقوله في ذكر يحيى { لم نجعل له من قبل ~~سميا } ( مريم : 7 ) . والمعنى : لا تعلم له مماثلا في اسمه الله ، فإن ~~المشركين لم يسموا شيئا من أصنامهم الله باللام وإنما يقولون للواحد منها ~~إله ، فانتفاء تسمية غيره من الموجودات المعظمة باسمه كناية عن اعتراف ~~الناس بأن لا مماثل له في صفة الخالقية ، لأن المشركين لم يجترئوا على أن ~~يدعوا لآلهتهم الخالقية . قال تعالى : { ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ~~ليقولن الله } ( لقمان : 25 ) . وبذلك يتم ms5070 كون الجملة تعليلا للأمر بإفراده ~~بالعبادة على هذا الوجه أيضا . PageV16P143 # وكني بانتفاء العلم بسميه عن انتفاء وجود سمي له ، لأن العلم يستلزم وجود ~~المعلوم ، وإذا انتفى مماثله انتفى من يستحق العبادة غيره . # # | 2 ( 66 67 ) { ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيا * أولا يذكر ~~إلإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا } . ) 2 # لما تضمن قوله { فاعبده واصطبر لعبادته } ( مريم : 65 ) إبطال عقيدة ~~الإشراك به ناسب الانتقال إلى إبطال أثر من آثار الشرك . وهو نفي المشركين ~~وقوع البعث بعد الموت حتى يتم انتقاض أصلي الكفر . فالواو عاطفة قصة على ~~قصة ، والإتيان بفعل { يقول } مضارعا لاستحضار حالة هذا القول للتعجيب من ~~قائله تعجيب إنكار . # والمراد بالإنسان جمع من الناس بقرينة قوله بعده { فوربك لنحشرنهم } ( ~~مريم : 68 ) ، فيراد من كانت هاته مقالته وهم معظم المخاطبين بالقرآن في ~~أول نزوله . ويجوز أن يكون وصف حذف ، أي الإنسان الكافر ، كما حذف الوصف في ~~قوله تعالى : { يأخذ كل سفينة غصبا } ( الكهف : 79 ) ، أي كل سفينة صالحة ، ~~فتكون كقوله تعالى : { أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه بلى قادرين على أن ~~نسوي بنانه } ( القيامى : 3 ، 4 ) . وكذلك إطلاق الناس على خصوص المشركين ~~منهم في آيات كثيرة كقوله تعالى : { يأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم ~~والذين من قبلكم } ( البقرة : 21 ) إلى قوله { فأتوا بسورة من مثله } ( ~~البقرة : 23 ) فإن ذلك خطاب للمشركين . وقيل تعريف { الإنسان } للعهد ~~لإنسان معين . فقيل ، قائل هذا أبي بن خلف ، وقيل : الوليد بن المغيرة . ~~PageV16P144 # والاستفهام في { أإذا ما مت لسوف أخرج حيا } إنكار لتحقيق وقوع البعث ، ~~فلذلك أتي بالجملة المسلط عليها الإنكار مقترنة بلام الابتداء الدالة على ~~توكيد الجملة الواقعة هي فيها ، أي يقول لا يكون ما حققتموه من إحيائي في ~~المستقبل . # ومتعلق { أخرج } محذوف أي أخرج من القبر . # وقد دخلت لام الابتداء في قوله { لسوف أخرج حيا } على المضارع المستقبل ~~بصريح وجود حرف الاستقبال ، وذلك حجة لقول ابن مالك بأن لام الابتداء تدخل ~~على المضارع المراد به الاستقبال ولا تخلصه للحال . ويظهر ms5071 أنه مع القرينة ~~الصريحة لا ينبغي الاختلاف في عدم تخليصها المضارع للحال ، وإن صمم ~~الزمخشري على منعه ، وتأول ما هنا بأن اللام مزيدة للتوكيد وليست لام ~~الابتداء ، وتأوله في قوله تعالى : { ولسوف يعطيك ربك فترضى } ( الضحى : 5 ~~) بتقدير مبتدأ محذوف ، أي ولأنت سوف يعطيك ربك فترضى ، فلا تكون اللام ~~داخلة على المضارع ، وكل ذلك تكلف لا ملجىء إليه . # وجملة { أو لا يذكر الإنسان } معطوفة على جملة { يقول الإنسان } ، أي ~~يقول ذلك ومن النكير عليه أنه لا يتذكر أنا خلقناه من قبل وجوده . # والاستفهام إنكار وتعجيب من ذهول الإنسان المنكر البعث عن خلقه الأول . # وقرأ الجمهور { أو لا يذكر بسكون الذال وضم الكاف من الذكر بضم الذال . ~~وقرأه أبو جعفر بفتح الذال وتشديد الكاف على أن أصله يتذكر فقلبت التاء ~~الثانية ذالا لقرب مخرجيهما . # والشيء : هو الموجود ، أي إنا خلقناه ولم يك موجودا . PageV16P145 # و ( قبل ) من الأسماء الملازمة للإضافة . ولما حذف المضاف إليه واعتبر ~~مضافا إليه مجملا ولم يراع له لفظ مخصوص تقدم ذكره بنيت ( قبل ) على الضم ، ~~كقوله تعالى : لله الأمر من قبل ومن بعد } ( الروم : 40 ) . # والتقدير : إنا خلقناه من قبل كل حالة هو عليها ، والتقدير في آية سورة ~~الروم : لله الأمر من قبلل كل حدث ومن بعده . # والمعنى : الإنكار على الكافرين أن يقولوا ذلك ولا يتذكروا حال النشأة ~~الأولى فإنها أعجب عند الذين يجرون في مداركهم على أحكام العادة ، فإن ~~الإيجاد عن عدم من غير سبق مثال أعجب وأدعى إلى الاستبعاد من إعادة موجودات ~~كانت لها أمثلة . ولكنها فسدت هياكلها وتغيرت تراكيبها . وهذا قياس على ~~الشاهد وإن كان القادر سواء عليه الأمران . # # | 2 ( 68 70 ) { فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا * ~~ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمان عتيا * ثم لنحن أعلم بالذين هم ~~أولى بها صليا } . ) 2 # الفاء تفريع على جملة { أو لا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل } ( مريم : ~~67 ) ، باعتبار ما تضمنته من التهديد . وواو القسم لتحقيق الوعيد . والقسم ~~بالرب مضافا ms5072 إلى ضمير المخاطب وهو النبي صلى الله عليه وسلم إدماج لتشريف ~~قدره . # وضمير { لنحشرنهم } عائد إلى { الإنسان } ( مريم : 66 ) المراد به الجنس ~~المفيد للاستغراق العرفي كما تقدم ، أي لنحشرن المشركين . PageV16P146 # وعطف ( الشياطين ) على ضمير المشركين لقصد تحقيرهم بأنهم يحشرون مع أحقر ~~جنس وأفسده ، وللإشارة إلى أن الشياطين هم سبب ضلالهم الموجب لهم هذه ~~الحالة ، فحشرهم مع الشياطين إنذار لهم بأن مصيرهم هو مصير الشياطين وهو ~~محقق عندالناس كلهم . فلذلك عطف عليه جملة { ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا } ، ~~والضمير للجميع . وهذا إعداد آخر للتقريب من العذاب فهو إنذار على إنذار ~~وتدرج في إلقاء الرعب في قلوبهم . فحرف { ثم للترتيب الرتبي لا للمهلة إذ ~~ليست المهلة مقصودة وإنما المقصود أنهم ينقلون من حالة عذاب إلى أشد . # و جثيا } حال من ضمير { لنحضرنهم } ، والجثي : جمع جاثث . ووزنه فعول مثل ~~: قاعد وقعود وجالس وجلوس ، وهو وزن سماعي في جمع فاعل . وتقدم نظيره { ~~خروا سجدا وبكيا } ( مريم : 58 ) ، فأصل جثي جثور بواوين لأن فعله واوي ، ~~يقال : جثا يجثو إذا برك على ركبتيه وهي هيئة الخاضع الذليل ، فلما اجتمع ~~في جثوو واوان استثقلا بعد ضمة الثاء فصير إلى تخفيفه بإزالة سبب الثقل ~~السابق وهو الضمة فعوضت بكسر الثاء ، فلما كسرت الثاء تعين قلب الواو ~~الموالية لها ياء للمناسبة فاجتمع الواو والياء وسبق أحدهما بالسكون فقلبت ~~الواو الأخرى ياء وأدغمتا فصار جثي . # وقرى حمزة ، والكسائي ، وحفص ، وخلف بكسر الجيم وهو كسر إتباع لحركة ~~الثاء . # وهذا الجثو هو غير جثو الناس في الحشر المحكي بقوله تعالى : { وترى كل ~~أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها } ( الجاثية : 28 ) فإن ذلك جثو خضوع لله ~~، وهذا الجثو حول جهنم جثو مذلة . # والقول في عطف جملة { ثم لننزعن من كل شيعة } كالقول في جملة { ثم ~~لنحضرنهم } . وهذه حالة أخرى من الرعب أشد من PageV16P147 اللتين قبلها وهي ~~حالة تمييزهم للإلقاء في دركات الجحيم على حسب مراتب غلوهم في الكفر . # والنزع : إخراج شيء من غيره ، ومنه نزع الماء من البئر . # والشيعة : الطائفة التي شاعت ms5073 أحدا ، أي اتبعته ، فهي على رأي واحد . ~~وتقدم في قوله تعالى : { ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين في سورة الحجر ~~( 10 ) . والمراد هنا شيع أهل الكفر ، أي من كل شيعة منهم . أي ممن ~~أحضرناهم حول جهنم . # والعتي : العصيان والتجبر ، فهو مصدر بوزن فعول مثل : خروج وجلوس ، فقلبت ~~الواو ياء . وقرأه حمزة ، والكسائي ، وحفص ، وخلف بكسر العين إتباعا لحركة ~~التاء كما تقدم في جثيا . # والمعنى : لنميزن من كل فرقة تجمعها محلة خاصة من دين الضلال من هو من ~~تلك الشيعة أشد عصيانا لله وتجبرا عليه . وهذا تهديد لعظماء المشركين مثل ~~أبي جهل وأمية بن خلف ونظرائهم . # و ( أي ) اسم موصول بمعنى ( ما ) و ( من ) . والغالب أن يحذف صدر صلتها ~~فتبنى على الضم . وأصل التركيب : أيهم هو أشد عتيا على الرحمن . وذكر صفة ~~الرحمن هنا لتفظيع عتوهم ، لأن شديد الرحمة بالخلق حقيق بالشكر له والإحسان ~~لا بالكفر به والطغيان . # ولما كان هذا النزع والتمييز مجملا ، فقد يزعم كل فريق أن غيره أشد ~~عصيانا ، أعلم الله تعالى أنه يعلم من هو أولى منهم بمقدار صلي النار فإنها ~~دركات متفاوتة . # والصلي : مصدر صلي النار كرضي ، وهو مصدر سماعي بوزن فعول . وقرأه حمزة ، ~~والكسائي ، وحفص ، وخلف بكسر الصاد اتباعا لحركة اللام ، كما تقدم في جثيا ~~. PageV16P148 # وحرفا الجر يتعلقان بأفعلي التفضيل . # # | 2 ( 71 72 ) وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا * ثم ننجى ~~الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا } ) 2 # لما ذكر انتزاع الذين هم أولى بالنار من بقية طوائف الكفر عطف عليه أن ~~جميع طوائف الشرك يدخلون النار ، دفعا لتوهم أن انتزاع من هو أشد على ~~الرحمن عتيا هو قصارى ما ينال تلك الطوائف من العذاب ؛ بأن يحسبوا أن ~~كبراءهم يكونون فداء لهم من النار أو نحو ذلك ، أي وذلك الانتزاع لا يصرف ~~بقية الشيع عن النار فإن الله أوجب على جميعهم النار . # وهذه الجملة معترضة بين جملة { فوربك لنحشرنهم } ( مريم : 68 ) الخ وجملة ~~{ وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا ms5074 } ( مريم : 73 ) الخ . . . # فالخطاب في { وإن منكم } التفات عن الغيبة في قوله { لنحشرنهم ولنحضرنهم ~~} ( مريم : 68 ) ؛ عدل عن الغيبة إلى الخطاب ارتقاء في المواجهة بالتهديد ~~حتى لا يبقى مجال للالتباس المراد من ضمير الغيبة فإن ضمير الخطاب أعرف من ~~ضمير الغيبة . ومقتضى الظاهر أن يقال : وإن منهم إلا واردها . وعن ابن عباس ~~أنه كان يقرأ { وإن منهم . وكذلك قرأ عكرمة وجماعة . # فالمعنى : وما منكم أحد ممن نزع من كل شيعة وغيره إلا وارد جهنم حتما ~~قضاه الله فلا مبدل لكلماته ، أي فلا تحسبوا أن تنفعكم شفاعتهم أو تمنعكم ~~عزة شيعكم ، أو تلقون التبعة على سادتكم وعظماء أهل ضلالكم ، أو يكونون ~~فداء عنكم من النار . PageV16P149 وهذا نظير قوله تعالى : إن عبادي ليس لك ~~عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين وإن جهنم لموعدهم أجمعين } ( الحجر : ~~42 ، 43 ) ، أي الغاوين وغيرهم . # وحرف ( إن ) للنفي . # والورود : حقيقته الوصول إلى الماء للاستقاء . ويطلق على الوصول مطلقا ~~مجازا شائعا ، وأما إطلاق الورود على الدخول فلا يعرف إلا أن يكون مجازا ~~غير مشهور فلا بد له من قرينة . # وجملة { ثم ننجي الذين اتقوا } زيادة في الارتقاء بالوعيد بأنهم خالدون ~~في العذاب ، فليس ورودهم النار بموقت بأجل . # و { ثم } للترتيب الرتبي تنويها بإنجاء الذين اتقوا وتشويها بحال الذين ~~يبقون في جهنم جثيا . فالمعنى : وعلاوة على ذلك ننجي الذين اتقوا من ورود ~~جهنم . وليس المعنى : ثم ينجي المتقين من بينهم بل المعنى أنهم نجوا من ~~الورود إلى النار . وذكر إنجاء المتقين : أي المؤمنين ، إدماج ببشارة ~~المؤمنين في أثناء وعيد المشركين . # وجملة { ونذر الظالمين فيها جثيا } عطف على جملة { وإن منكم إلا واردها } ~~. والظالمون : المشركون . # والتعبير بالذين ظلموا إظهار في مقام الإضمار . والأصل : ونذركم أيها ~~الظالمون . # ونذر : نترك ، وهو مضارع ليس له ماض من لفظه ، أمات العرب ماضي ( نذر ) ~~استغناء عنه بماضي ( ترك ) ، كما تقدم عند قوله تعالى : { ثم ذرهم في خوضهم ~~يلعبون في سورة الأنعام ( 91 ) . # فليس الخطاب في قوله وإن منكم إلا واردها } لجميع الناس مؤمنهم وكافرهم ms5075 ~~على معنى ابتداء كلام ؛ بحيث يقتضي أن المؤمنين PageV16P150 يردون النار مع ~~الكافرين ثم ينجون من عذابها ، لأن هذا معنى ثقيل ينبو عنه السياق ، إذ لا ~~مناسبة بينه وبين سياق الآيات السابقة ، ولأن فضل الله على المؤمنين بالجنة ~~وتشريفهم بالمنازل الرفيعة ينافي أن يسوقهم مع المشركين مساقا واحدا ، كيف ~~وقد صدر الكلام بقوله { فوربك لنحشرنهم والشياطين } ( مريم : 68 ) وقال ~~تعالى : { يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا ~~} ( مريم : 85 ، 86 ) ، وهو صريح في اختلاف حشر الفريقين . # فموقع هذه الآية هنا كموقع قوله تعالى : { وإن جهنم لموعدهم أجمعين } ( ~~الحجر : 43 ) عقب قوله { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من ~~الغاوين } ( الحجر : 42 ) . فلا يتوهم أن جهنم موعد عباد الله المخلصين مع ~~تقدم ذكره لأنه ينبو عنه مقام الثناء . # وهذه الآية مثار إشكال ومحط قيل وقال ؛ واتفق جميع المفسرين على أن ~~المتقين لا تنالهم نار جهنم ، واختلفوا في محل الآية فمنهم من جعل ضمير { ~~منكم } لجميع المخاطبين بالقرآن ، ورووه عن بعض السلف فصدمهم فساد المعنى ~~ومنافاة حكمة الله والأدلة الدالة على سلامة المؤمنين يومئذ من لقاء أدنى ~~عذاب ، فسلكوا مسالك من التأويل ، فمنهم من تأول الورود بالمرور المجرد دون ~~أن يمس المؤمنين أذى ، وهذا بعد عن الاستعمال ، فإن الورود إنما يراد به ~~حصول ما هو مودع في المورد لأن أصله من ورود الحوض . وفي آي القرآن ما جاء ~~إلا لمعنى المصير إلى النار كقوله تعالى : { إنكم وما تعبدون من دون الله ~~حصب جهنم أنتم لها واردون لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها } ( الأنبياء : 98 ، ~~99 ) وقوله { يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود } ( ~~هود : 98 ) وقوله { ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا } ( مريم : 86 ) . على أن ~~إيراد المؤمنين إلى النار لا جدوى له فيكون عبثا ، ولا اعتداد بما ذكره له ~~الفخر مما سماه فوائد . PageV16P151 # ومنهم من تأول ورود جهنم بمرورالصراط ، وهو جسر على جهنم ، فساقوا ~~الأخبار المروية في مرور الناس على الصراط متفاوتين في سرعة ms5076 الاجتياز . ~~وهذا أقل بعدا من الذي قبله . # وروى الطبري وابن كثير في هذين المحملين أحاديث لا تخرج عن مرتبة الضعف ~~مما رواه أحمد في ( مسنده ) والحكيم الترمذي في ( نوادر الأصول ) . وأصح ما ~~في الباب ما رواه أبو عيسى الترمذي قال : ( يرد الناس النار ثم يصدرون عنها ~~بأعمالهم ) الحديث في مرور الصراط . # ومن الناس من لفق تعضيدا لذلك بالحديث الصحيح : أنه ( لا يموت لمسلم ~~ثلاثة من الولد فيلج النار إلا تحلة القسم ) فتأول تحلة القسم بأنها ما في ~~هذه الآية من قوله تعالى : { وإن منكم إلا واردها } وهذا محمل باطل ، إذ ~~ليس في هذه الآية قسم يتحلل ، وإنما معنى الحديث : إن من استحق عذابا من ~~المؤمنين لأجل معاص فإذا كان قد مات له ثلاثة من الولد كانوا كفارة له فلا ~~يلج النار إلا ولوجا قليلا يشبه ما يفعل لأجل تحلة القسم ، أي التحلل منه . ~~وذلك أن المقسم على شيء إذا صعب عليه بر قسمه أخذ بأقل ما يتحقق فيه ما حلف ~~عليه ، فقوله ( تحلة القسم ) تمثيل . # ويروى عن بعض السلف روايات أنهم تخوفوا من ظاهر هذه الآية ، من ذلك ما ~~نقل عن عبد الله بن رواحة ، وعن الحسن البصري ، وهو من الوقوف في موقف ~~الخوف من شيء محتمل . # وذكر فعل { نذر } هنا دون غيره للإشعار بالتحقير ، أي نتركهم في النار لا ~~نعبأ بهم ، لأن في فعل الترك معنى الإهمال . # والحتم : أصله مصدر حتمه إذ جعله لازما ، وهو هنا بمعنى المفعول ، أي ~~محتوما على الكافرين ، والمقضي : المحكوم به . وجثي تقدم . PageV16P152 # وقرأ الجمهور { ثم تنجي } بفتح النون الثانية وتشديد الجيم ، وقرأه ~~الكسائي بسكون النون الثانية وتخفيف الجيم . # $ 2 ( 73 74 ) { وإذا تتلى عليهم ءاياتنا بينات قال الذين كفروا للذين ~~ءامنو & # 1764 ا أى الفريقين خير مقاما وأحسن نديا * وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم ~~أحسن أثاثا ورءيا } ) 2 $ # عطف على قوله { ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيا } ( مريم : 66 ) ~~وهذا صنف آخر من غرور المشركين بالدنيا وإناطتهم دلالة على السعادة بأحوال ms5077 ~~طيب العيش في الدنيا فكان المشركون يتشففون على المؤمنين ويرون أنفسهم أسعد ~~منهم . # والتلاوة : القراءة . وقد تقدمت عند قوله تعالى : { واتبعوا ما تتلو ~~الشياطين على ملك سليمان في البقرة ( 102 ) ، وقوله : وإذا تليت عليهم ~~آياته زادتهم إيمانا في أول الأنفال ( 2 ) . كان النبي يقرأ على المشركين ~~القرآن فيسمعون آيات النعي عليهم وإنذارهم بسوء المصير ، وآيات البشارة ~~للمؤمنين بحسن العاقبة ، فكان المشركون يكذبون بذلك ويقولون : لو كان ~~للمؤمنين خير لعجل لهم ، فنحن في نعمة وأهل سيادة ، وأتباع محمد من عامة ~~الناس ، وكيف يفوقوننا بل كيف يستوون معنا ، ولو كنا عند الله كما يقول ~~محمد لمن على المؤمنين برفاهية العيش فإنهم في حالة ضنك ولا يساووننا فلو ~~أقصاهم محمد عن مجلسه لاتبعناه ، قال تعالى : ولا تطرد الذين يدعون ربهم ~~بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم ~~من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من ~~الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين } ( الأنعام : 52 ، 53 ) ، ~~PageV16P153 وقال تعالى : { وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما ~~سبقونا إليه } ( الأحقاف : 11 ) . فلأجل كون المشركين كانوا يقيسون هذا ~~القياس الفاسد ويغالطون به جعل قولهم به معلقا بزمان تلاوة آيات القرآن ~~عليهم . فالمراد بالآيات البينات : آيات القرآن ، ومعنى كونها بينات : أنها ~~واضحات الحجة عليهم ومفعمة بالأدلة المقنعة . # واللام في قوله { للذين آمنوا } يجوز كونها للتعليل ، أي قالوا لأجل ~~الذين آمنوا ، أي من أجل شأنهم ، فيكون هذا قول المشركين فيما بينهم . ~~ويجوز كونها متعلقة بفعل { قال } لتعديته إلى متعلقه ، فيكون قولهم خطابا ~~منهم للمؤمنين . # والاستفهام في قولهم { أي الفريقين } تقريري . # وقرأ من عدا ابن كثير { مقاما } بفتح الميم على أنه اسم مكان من قام ، ~~أطلق مجازا على الحظ والرفعة ، كما في قوله تعالى : { ولمن خاف مقام ربه ~~جنتان } ( الرحمن : 46 ) ، فهو مأخوذ من القيام المستعمل مجازا في الظهور ~~والمقدرة . # وقرأه ابن كثير بضم الميم من أقام بالمكان ، وهو مستعمل في الكون في ~~الدنيا . والمعنى ms5078 : خير حياة . # وجملة { وكم أهلكنا قبلهم من قرن } خطاب من الله لرسوله . وقد أهلك الله ~~أهل قرون كثيرة كانوا أرفه من مشركي العرب متاعا وأجمل منهم منظرا . فهذه ~~الجملة معترضة بين حكاية قولهم وبين تلقين النبي صلى الله عليه وسلم ما ~~يجيبهم به عن قولهم ، وموقعها التهديد وما بعدها هو الجواب . # والأثاث : متاع البيوت الذي يتزين به ، و { رئيا } قرأه الجمهور بهمزة ~~بعد الراء وبعد الهمزة ياء على وزن فعل بمعنى مفعول كذبح ، من الرؤية ، أي ~~أحسن مرئيا ، أي منظرا وهيئة . PageV16P154 # وقرأه قالون عن نافع وابن ذكوان عن ابن عامر ( ريا ) بتشديد الياء بلا ~~همزة إما على أنه من قلب الهمزة ياء وإدغامها في الياء الأخرى ، وإما على ~~أنه من الري الذي هو النعمة والترفه ، من قولهم : ريان من النعيم . وأصله ~~من الري ضد العطش ، لأن الري يستعار للتنعم كما يستعار التلهف للتألم . # # | 2 ( 75 76 ) { قل من كان فى الضلالة فليمدد له الرحمان مدا حتى إذا ~~رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا ~~* ويزيد الله الذين اهتدوا هدى والبقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير ~~مردا } ) 2 # هذا جواب قولهم { أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا } ( مريم : 73 ) . ~~لقن الله رسوله صلى الله عليه وسلم كشف مغالطتهم أو شبهتهم ؛ فأعلمهم بأن ~~ما هم فيه من نعمة الدنيا إنما هو إمهال من الله إياهم ، لأن ملاذ الكافر ~~استدراج . فمعيار التفرقة بين النعمة الناشئة عن رضى الله تعالى على عبده ~~وبين النعمة التي هي استدراج لمن كفر به هو النظر إلى حال من هو في نعمة ~~بين حال هدى وحال ضلال . قال تعالى في شأن الأولين : { من عمل صالحا من ذكر ~~أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا ~~يعملون } ( النحل : 97 ) . وقال في شأن الآخرين { أيحسبون أنما نمدهم به من ~~مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون } ( المؤمنون : 55 ، 56 ) . ~~PageV16P155 # والمعنى : أن من كان منغمسا في الضلالة ms5079 اغتر بإمهال الله له فركبه الغرور ~~كما ركبهم إذ قالوا { أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا . # واللام في قوله فليمدد له الرحمن مدا } لام الأمر أو الدعاء ، استعملت ~~مجازا في لازم معنى الأمر ، أي التحقيق ، أي فسيمد له الرحمن مدا ، أي إن ~~ذلك واقع لا محالة على سنة الله في إمهال الضلال ، إعذارا لهم ، كما قال ~~تعالى : { أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر } ( فاطر : 37 ) ، وتنبيها ~~للمسلمين أن لا يغتروا بإنعام الله على الضلال حتى أن المؤمنين يدعون الله ~~به لعدم اكتراثهم بطول مدة نعيم الكفار . # فإن كان المقصود من { قل } أن يقول النبي ذلك للكفار فلام الأمر مجرد ~~مجاز في التحقيق ، وإن كان المقصود أن يبلغ النبيء ذلك عن الله أنه قال ذلك ~~فلام الأمر مجاز أيضا وتجريد بحيث إن الله تعالى يأمر نفسه بأن يمد لهم . # والمد : حقيقته إرخاء الحبل وإطالته ، ويستعمل مجازا في الإمهال كما هنا ~~، وفي الإطالة كما في قولهم : مد الله في عمرك . # و { مدا } مفعول مطلق مؤكد لعامله ، أي فليمدد له المد الشديد ، فيسينتهي ~~ذلك . # و { حتى } لغاية المد ، وهي ابتدائية ، أي يمد له الرحمن إني أن يروا ما ~~يوعدون ، أي لا محيص لهم عن رؤية ما أوعدوا من العذاب ولا يدفعه عنه طول ~~مدتهم في النعمة . فتكون الغاية مضمون الجملة التي بعدها { حتى } لا لفظا ~~مفردا . والتقدير : يمد لهم الرحمن حتى يروا العذاب فيعلموا من هو أسعد ومن ~~هو أشقى . PageV16P156 # وحرف الاستقبال لتوكيد حصول العلم لهم حينئذ وليس للدلالة على الاستقبال ~~لأن الاستقبال استفيد من الغاية . # و { إما } حرف تفصيل ل { ما يوعدون } ، أي ما أوعدوا من العذاب إما عذاب ~~الدنيا وإما عذاب الآخرة ، فإن كل واحد منهم لا يعدو أن يرى أحد العذابين ~~أو كليهما . # وانتصب لفظ { العذاب } على المفعولية ل { يروا . وحرف إما } غير عاطف ، ~~وهو معترض بين العامل ومعموله ، كما في قول تأبط شرا : # هما خطتا إما إسار ومنة # وإما دمم والموت بالحر أجدر # بجر ( إسار ، ومنة ، ودم ms5080 ) . # وقوله { شر مكانا وأضعف جندا } مقابل قولهم { خير مقاما وأحسن نديا } ( ~~مريم : 73 ) فالمكان يرادف المقام ، والجند الأعوان ، لأن الندي أريد به ~~أهله كما تقدم ، فقوبل { خير نديا } ب { أضعف جندا } . # وجملة { ويزيد الله الذين اهتدوا هدى } معطوفة على جملة { من كان في ~~الضلالة فليمدد له الرحمن مدا } لما تضمنه ذلك من الإمهال المفضي إلى ~~الاستمرار في الضلال ، والاستمرار : الزيادة . فالمعنى على الاحتباك ، أي ~~فليمدد له الرحمن مدا فيزدد ضلالا ، ويمد للذين اهتدوا فيزدادوا هدى . # وجملة { والباقيات الصالحات خير } عطف على جملة { ويزيد الله الذين ~~اهتدوا هدى } . وهو ارتقاء من بشارتهم بالنجاة إلى بشارتهم برفع الدرجات ، ~~أي الباقيات الصالحات خير من السلامة من العذاب التي اقتضاها قوله تعالى : ~~{ فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا } ، أي فسيظهر أن ما كان فيه الكفرة ~~من النعمة والعزة هو أقل مما كان PageV16P157 عليه المسلمون من الشظف ~~والضعف باعتبار المآلين ، إذ كان مآل الكفرة العذاب ومآل المؤمنين السلامة ~~من العذاب وبعد فللمؤمنين الثواب . # والباقيات الصالحات : صفتان لمحذوف معلوم من المقام ، أي الأعمال الباقي ~~نعيمها وخيرها ، والصالحات لأصحابها هي خير عند الله من نعمة النجاة من ~~العذاب . وقد تقدم وجه تقديم الباقيات على الصالحات عند الكلام على نظيره ~~في أثناء سورة الكهف . # والمرد ، المرجع . والمراد به عاقبة الأمر . # # | 2 ( 77 80 ) { أفرأيت الذى كفر بئاياتنا وقال لاوتين مالا وولدا * أطلع ~~الغيب أم اتخذ عند الرحمان عهدا * كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا ~~* ونرثه ما يقول ويأتينا فردا } ) 2 # تفريع على قوله { ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيا } ( مريم : 66 ~~) وما اتصل به من الاعتراض والتفريعات . والمناسبة : أن قائل هذا الكلام ~~كان في غرور مثل الغرور الذي كان فيه أصحابه . وهو غرور إحالة البعث . # والآية تشير إلى قصة خباب بن الأرت مع العاصي بن وائل السهمي . ففي ( ~~الصحيح ) : أن خبابا كان يصنع السيوف في مكة ، فعمل للعاصي بن وائل سيفا ~~وكان ثمنه دينا على العاصي ، وكان خباب قد أسلم ، فجاء خباب ms5081 يتقاضى دينه من ~~العاصي فقال له العاصي بن PageV16P158 وائل : لا أقضيكه حتى تكفر بمحمد ، ~~فقال خباب ( وقد غضب ) : لا أكفر بمحمد حتى يميتك الله ثم يبعثك . قال ~~العاصي : أو مبعوث أنا بعد الموت ؟ قال : نعم . قال ( العاصي متهكما ) : ~~إذا كان ذلك فسيكون لي مال وولد وعند ذلك أقضيك دينك ) . فنزلت هذه الآية ~~في ذلك . فالعاصي بن وائل هو المراد بالذي كفر بآياتنا . # والاستفهام في { أفرأيت } مستعمل في التعجيب من كفر هذا الكافر . # والرؤية مستعارة للعلم بقصته العجيبة . نزلت القصة منزلة الشيء المشاهد ~~بالبصر لأنه من أقوى طرق العلم . وعبر عنه بالموصول لما في الصلة من منشأ ~~العجب ولا سيما قوله { لأوتين مالا وولدا } . # والمقصود من الاستفهام لفت الذهن إلى معرفة هذه القصة أو إلى تذكرها إن ~~كان عالما بها . # والخطاب لكل من يصلح للخطاب فلم يرد به معين . ويجوز أن يكون خطابا ~~للنبيء صلى الله عليه وسلم # والآيات : القرآن ، أي كفر بما أنزل إليه من الآيات وكذب بها . ومن ~~جملتها آيات البعث . # والولد : اسم جمع لولد المفرد ، وكذلك قرأه الجمهور ، وقرأ حمزة والكسائي ~~في هذه السورة في الألفاظ الأربعة ( وولد ) بضم الواو وسكون اللام فهو جمع ~~ولد ، كأسد وأسد . # وجملة { أطلع الغيب } جواب لكلامه على طريقة الأسلوب الحكيم بحمل كلامه ~~على ظاهر عبارته من الوعد بقضاء الدين من المال الذي سيجده حين يبعث ، ~~فالاستفهام في قوله { أطلع الغيب } إنكاري وتعجيبي . PageV16P159 # و { أطلع } افتعل من طلع للمبالغة في حصول فعل الطلوع وهو الارتقاء ، ~~ولذلك يقال لمكان الطلوع مطلع بالتخفيف ومطلع بالتشديد . ومن أجل هذا أطلق ~~الاطلاع على الإشراف على الشيء ، لأن الذي يروم الإشراف على مكان محجوب عنه ~~يرتقي إليه من علو ، فالأصل أن فعل ( اطلع ) قاصر غير محتاج إلى التعدية ، ~~قال تعالى : { قال هل أنتم مطلعون فاطلع فرآه في سواء الجحيم } ( الصافات : ~~54 ، 55 ) ، فإذا ضمن { اطلع معنى أشرف عدي بحرف الاستعلاء كقوله تعالى : ~~لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا وتقدم إجمالا في سورة الكهف ( 18 ) . # فانتصب الغيب } في هذه ms5082 الآية على المفعولية لا على نزع الخافض كما توهمه ~~بعض المفسرين . قال في ( الكشاف ) : ( ولاختيار هذه الكلمة شأن ، يقول : أو ~~قد بلغ من عظمة شأنه أن ارتقى إلى علم الغيب ) اه . فالغيب : هو ما غاب عن ~~الأبصار . # والمعنى : أأشرف على عالم الغيب فرأى مالا وولدا معدينن له حين يأتي يوم ~~القيامة أو فرأى ماله وولده صائرين معه في الآخرة لأنه لما قال فسيكون لي ~~مال وولد عنى أن ماله وولده راجعان إليه يومئذ أم عهد الله إليه بأنه معطيه ~~ذلك فأيقن بحصوله ، لأنه لا سبيل إلى معرفة ما أعد له يوم القيامة إلا أحد ~~هذين إما مكاشفة ذلك ومشاهدته ، وإما إخبار الله بأنه يعطيه إياه . # ومتعلق العهد محذوف يدل عليه السياق . تقديره : بأن يعطيه مالا وولدا . # و { عند } ظرف مكان ، وهو استعارة بالكناية بتشبيه الوعد بصحيفة مكتوبة ~~بها تعاهد وتعاقد بينه وبين الله موضوعة عند الله ، PageV16P160 لأن الناس ~~كانوا إذا أرادوا توثيق ما يتعاهدون عليه كتبوه في صحيفة ووضعوها في مكان ~~حصين مشهور كما كتب المشركون صحيفة القطيعة بينهم وبين بني هاشم ووضعوها في ~~الكعبة . وقال الحارث بن حلزة : # حذر الجور والتطاخي وهل ينقض # ما في المهارق الأهواء # ولعل في تعقيبه بقوله { سنكتب ما يقول } إشارة إلى هذا المعنى بطريق ~~مراعاة النظير . # واختير هنا من أسمائه { الرحمن } ، لأن استحضار مدلوله أجدر في وفائه بما ~~عهد به من النعمة المزعومة لهذا الكافر ، ولأن في ذكر هذا الاسم توركا على ~~المشركين الذين قالوا { وما الرحمن } ( الفرقان : 60 ) . # و { كلا } حرف ردع وزجر عن مضمون كلام سابق من متكلم واحد ، أو من كلام ~~يحكى عن متكلم آخر أو مسموع منه كقوله تعالى : { قال أصحاب موسى إنا ~~لمدركون قال كلا إن معي ربي } ( الشعراء : 61 ، 62 ) . # والأكثر أن تكون عقب آخر الكلام المبطل بها ، وقد تقدم على الكلام المبطل ~~للاهتمام بالإبطال وتعجيله والتشويق إلى سماع الكلام الذي سيرد بعدها كما ~~في قوله تعالى : { كلا والقمر والليل إذ أدبر والصبح أسفر إنها لإحدى الكبر ~~} ( المدثر ms5083 : 32 35 ) على أحد تأويلين ، ولما فيها من معنى الإبطال كانت في ~~معنى النفي ، فهي نقيض إي وأجل ونحوهما من أحرف الجواب بتقدير الكلام ~~السابق . # والمعنى : لا يقع ما حكى عنه من زعمه ولا من غروره ، والغالب أن تكون ~~متبعة بكلام بعدها ، فلا يعهد في كلام العرب أن يقول قائل في رد كلام : كلا ~~، ويسكت . PageV16P161 # ولكونها حرف ردع أفادت معنى تاما يحسن السكوت عليه . فلذلك جاز الوقف ~~عليها عند الجمهور ، ومنع المبرد الوقف عليها بناء على أنها لا بد أن تتبع ~~بكلام . وقال الفراء : مواقعها أربعة : # موقع يحسن الوقف عليها والابتداء بها كما في هذه الآية . # وموقع يحسن الوقف عليها ولا يحسن الابتداء بها كقوله : { فأخاف أن يقتلون ~~قال كلا فاذهبا } ( الشعراء : 14 ، 15 ) . # وموقع يحسن فيه الابتداء بها ولا يحسن الوقف عليها كقوله تعالى : { كلا ~~إنها تذكرة } ( عبس : 11 ) . # وموقع لا يحسن فيه شيء من الأمرين كقوله تعالى : { ثم كلا سوف تعلمون } ( ~~التكاثر : 4 ) . # وكلام الفراءيبين أن الخلاف بين الجمهور وبين المبرد لفظي لأن الوقف أعم ~~من السكوت التام . # وحرف التنفيس في قوله { سنكتب } لتحقيق أن ذلك واقع لا محالة كقوله تعالى ~~: { قال سوف أستغفر لكم ربي } ( يوسف : 98 ) . # والمد في العذاب : الزيادة منه ، كقوله : { فليمدد له الرحمن مدا } ( ~~مريم : 75 ) . # و { ما يقول } في الموضعين إيجاز ، لأنه لو حكي كلامه لطال . وهذا كقوله ~~تعالى : { قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم } ( آل عمران : ~~183 ) ، أي وبقربان تأكله النار ، أي ما قاله من الإلحاد والتهكم بالإسلام ~~، وما قاله من المال والولد ، أي سنكتب جزاءه ونهلكه فنرثه ما سماه من ~~المال والولد ، أي نرث أعيان ما ذكر أسماءه ، إذ لا يعقل أن يورث عنه قوله ~~وكلامه . ف { ما يقول } بدل اشتمال من ضمير النصب في { نرثه } ، إذ التقدير ~~: ونرث ولده وماله . PageV16P162 # والإرث : مستعمل مجازا في السلب والأخذ ، أو كناية عن لازمه وهو الهلاك . ~~والمقصود : تذكيره بالموت ، أو تهديده بقرب هلاكه . # ومعنى إرث أولاده أنهم يصيرون مسلمين فيدخلون في ms5084 حزب الله ، فإن العاصي ~~ولد عمرا الصحابي الجليل وهشاما الصحابي الشهيد يوم أجنادين ، فهنا بشارة ~~للنبيء صلى الله عليه وسلم ونكاية وكمد للعاصي بن وائل . # والفرد : الذي ليس معه ما يصير به عددا ، إشارة إلى أنه يحشر كافرا وحده ~~دون ولده ، ولا مال له ، و { فردا } حال . # # | 2 ( 81 82 ) { واتخذوا من دون الله ءالهة ليكونوا لهم عزا * كلا ~~سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا } ) 2 # عطف على جملة { ويقول الإنسان أإذا ما مت } ( مريم : 66 ) فضمير { اتخذوا ~~} عائد إلى الذين أشركوا لأن الكلام جرى على بعض منهم . # والاتخاذ : جعل الشخص الشيء لنفسه ، فجعل الاتخاذ هنا الإعتقاد والعبادة ~~. وفي فعل الاتخاذ إيماء إلى أن عقيدتهم في تلك الآلهة شيء مصطلح عليه ~~مختلق لم يأمر الله به كما قال تعالى عن إبراهيم : { قال أتعبدون ما تنحتون ~~} ( الصافات : 95 ) . # وفي قوله { من دون الله } إيماء إلى أن الحق يقتضي أن يتخذوا الله إلها ، ~~إذ بذلك تقرر الإعتقاد الحق من مبدأ الخليقة ، وعليه دلت العقول الراجحة . # ومعنى { ليكون لهم عزا } ليكونوا معزين لهم ، أي ناصرين ، فأخبر عن ~~الآلهة بالمصدر لتصوير اعتقاد المشركين في آلهتهم أنهم نفس العز ، أي إن ~~مجرد الانتماء لها يكسبهم عزا . PageV16P163 # وأجرى على الآلهة ضمير العاقل لأن المشركين الذين اتخذوهم توهموهم عقلاء ~~مدبرين . # والضميران في قوله : { سيكفرون ويكونون يجوز أن يكونا عائدين إلى آلهة ، ~~أي سينكر الآلهة عبادة المشركين إياهم ، فعبر عن الجحود والإنكار بالكفر ، ~~وستكون الآلهة ذلا ضد العز . # والأظهر أن ضمير سيكفرون } عائد إلى المشركين ، أي سيكفر المشركون بعبادة ~~الآلهة فيكون مقابل قوله { واتخذوا من دون الله آلهة } . وفيه تمام ~~المقابلة ، أي بعد أن تكلفوا جعلهم آلهة لهم سيكفرون بعبادتهم ، فالتعبير ~~بفعل { سيكفرون } يرجح هذا الحمل لأن الكفر شائع في الإنكار الاعتقادي لا ~~في مطلق الجحود ، وأن ضمير { يكونون } للآلهة وفيه تشتيت الضمائر . ولا ضير ~~في ذلك إذ كان السياق يرجع كلا إلى ما يناسبه ، كقول عباس بن مرداس : # عدنا ولولا نحن أحدق جمعهم # بالمسلمين وأحرزوا ما جمعوا # أي ms5085 : وأحرز جمع المشركين ما جمعه المسلمون من الغنائم . # ويجوز أن يكون ضميرا { سيكفرون ويكونون راجعين إلى المشركين . وأن حرف ~~الاستقبال للحصول قريبا ، أي سيكفر المشركون بعبادة الأصنام ويدخلون في ~~الإسلام ويكونون ضدا على الأصنام يهدمون هياكلها ويلعنونها ، فهو بشارة ~~للنبيء بأن دينه سيظهر على دين الكفر . وفي هذه المقابلة طباق مرتين . # والضد : اسم مصدر ، وهو خلاف الشيء في الماهية أو المعاملة . ومن الثاني ~~تسمية العدو ضدا . ولكونه في معنى المصدر لزم في حال الوصف به حالة واحدة ~~بحيث لا يطابق موصوفه . # PageV16P164 # | 2 ( 83 84 ) ألم تر أنآ أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا * فلا ~~تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا } ) 2 # استئناف بياني لجواب سؤال يجيش في نفس الرسول صلى الله عليه وسلم من ~~إيغال الكافرين في الضلال جماعتهم وآحادهم ، وما جره إليهم من سوء المصير ~~ابتداء من قوله تعالى : { ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيا } ( مريم ~~: 66 ) ، وما تخلل ذلك من ذكر إمهال الله إياهم في الدنيا ، وما أعد لهم من ~~العذاب في الآخرة . وهي معترضة بين جملة { واتخذوا من دون الله آلهة } ( ~~مريم : 81 ) وجملة { يوم نحشر المتقين } ( مريم : 85 ) . وأيضا هي كالتذييل ~~لتلك الآيات والتقرير لمضمونها لأنها تستخلص أحوالهم ، وتتضمن تسلية الرسول ~~صلى الله عليه وسلم عن إمهالهم وعدم تعجيل عقابهم . # والاستفهام في { ألم تر } تعجيبي ، ومثله شائع في كلام العرب يجعلون ~~الاستفهام على نفي فعل . والمراد حصول ضده بحث المخاطب على الاهتمام ~~بتحصيله ، أي كيف لم تر ذلك ، ونزل إرسال الشياطين على الكافرين لاتضاح ~~آثاره منزلة الشيء المرثي المشاهد ، فوقع التعجيب من مرآه بقوله : ألم تر ~~ذلك . # والأز : الهز والاستفزاز الباطني ، مأخوذ من أزيز القدر إذا اشتد غليانها ~~. شبه اضطراب اعتقادهم وتناقض أقوالهم واختلاق أكاذيبهم بالغليان في صعود ~~وانخفاض وفرقعة وسكون ، فهو استعارة فتأكيده بالمصدر ترشيح . # وإرسال الشياطين عليهم تسخيرهم لها وعدم انتفاعهم بالإرشاد النبوي المنقد ~~من حبائلها ، وذلك لكفرهم وإعراضهم عن استماع PageV16P165 مواعظ الوحي . ~~وللإشارة إلى هذا المعنى عدل عن الإضمار إلى الإظهار ms5086 في قوله { على ~~الكافرين } . وجعل { تؤزهم } حالا مقيدا للإرسال لأن الشياطين مرسلة على ~~جميع الناس ولكن الله يحفظ المؤمنين من كيد الشياطين على حسب قوة الإيمان ~~وصلاح العمل ، قال تعالى : { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من ~~الغاوين } ( الحجر : 42 ) . # وفرع على هذا الاستئناف وهذه التسلية قوله : { فلا تعجل عليهم } أي فلا ~~تستعجل العذاب لهم إنما نعد لهم عدا ، وعبر ب { تعجل عليهم } معدى بحرف ~~الاستعلاء إكراما للنبيء صلى الله عليه وسلم بأن نزل منزلة الذي هلاكهم ~~بيده . فنهى عن تعجيله بهلاكهم . وذلك إشارة إلى قبول دعائه عند ربه ، فلو ~~دعا عليهم بالهلاك لأهلكهم الله كيلا يرد دعوة نبيئه صلى الله عليه وسلم ~~لأنه يقال : عجل على فلان بكذا ، أي أسرع بتسليطه عليه ، كما يقال : عجل ~~إليه إذا أسرع بالذهاب إليه كقوله : { وعجلت إليك رب لترضى } ( طه : 84 ) ، ~~فاختلاف حروف تعدية فعل عجل ينبىء عن اختلاف المعنى المقصود بالتعجيل . # ولعل سبب الاختلاف بين هذه الآية وبين قوله تعالى : { ولا تستعجل لهم في ~~سورة الأحقاف ( 35 ) أن المراد هنا استعجال الاستئصال والإهلاك وهو مقدر ~~كونه على يد النبي ، فلذلك قيل هنا : فلا تعجل عليهم } ، أي انتظر يومهم ~~الموعود ، وهو يوم بدر ، ولذلك عقب بقوله : { إنما نعد لهم عدا ، أي ننظرهم ~~ونؤجلهم ، وأن العذاب المقصود في سورة الأحقاف هو عذاب الآخرة لوقوعه في ~~خلال الوعيد لهم بعذاب النار لقوله هنالك : ويوم يعرض الذين كفروا على ~~النار أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ~~فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما ~~يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار } ( الأحقاف : 34 ، 35 ) . PageV16P166 # والعد : الحساب . # و { إنما } للقصر ، أي ما نحن إلا نعد لهم ، وهو قصر موصوف على صفة قصرا ~~إضافيا ، أي نعد لهم ولسنا بناسين لهم كما يظنون ، أو لسنا بتاركينهم من ~~العذاب بل نؤخرهم إلى يوم موعود . # وأفادت جملة { إنما نعد لهم عدا } تعليل النهي عن التعجيل عليهم ms5087 لأن { ~~إنما } مركبة من ( إن ) و ( ما ) وإن تفيد التعليل كما تقدم غير مرة . # وقد استعمل العد مجازا في قصر المدة لأن الشيء القليل يعد ويحسب . وفي ~~هذا إنذار باقتراب استئصالهم . # # | 2 ( 85 87 ) { يوم نحشر المتقين إلى الرحمان وفدا * ونسوق المجرمين إلى ~~جهنم وردا * لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمان عهدا } ) 2 # إتمام لإثبات قلة غناء آلهتهم عنهم تبعا لقوله : { ويكونون عليهم ضدا } ( ~~مريم : 82 ) . # فجملة : { لا يملكون الشفاعة } هو مبدأ الكلام ، وهو بيان لجملة : { ~~ويكونون عليهم ضدا } . # والظرف وما أضيف الظرف إليه إدماج بينت به كرامة المؤمنين وإهانة ~~الكافرين . وفي ضمنه زيادة بيان لجملة { ويكونون عليهم ضدا } بأنهم كانوا ~~سبب سوقهم إلى جهنم وردا ومخالفتهم لحال المؤمنين في ذلك المشهد العظيم . ~~فالظرف متعلق ب { يملكون } PageV16P167 وضمير { لا يملكون } عائد للآلهة . ~~والمعنى : لا يقدرون على أن ينفعوا من اتخذوهم آلهة ليكونوا لهم عزا . # والحشر : الجمع مطلقا ، يكون في الخير كما هنا ، وفي الشر كقوله : { ~~احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم إلى ~~صراط الجحيم } ( الصافات : 22 ، 23 ) ، ولذلك أتبع فعل { نحشر } بقيد { ~~وفدا } ، أي حشر الوفود إلى الملوك ، فإن الوفود يكونون مكرمين ، وكانت ~~لملوك العرب وكرمائهم وفود في أوقات ، ولأعيان العرب وفادات سنوية على ~~ملوكهم وسادتهم ، ولكل قبيلة وفادة ، وفي المثل : ( إن الشقي وافد البراجم ~~) . وقد اتبع العرب هذه السنة فوفدوا على النبي صلى الله عليه وسلم لأنه ~~أشرف السادة . وسنة الوفود هي سنة تسع من الهجرة تلت فتح مكة بعموم الإسلام ~~بلاد العرب . # وذكر صفة { الرحمان } هنا واضحة المناسبة للوفد . # والسوق : تسيير الأنعام قدام رعاتها ، يجعلونها أمامهم لترهب زجرهم ~~وسياطهم فلا تتفلت عليهم ، فالسوق : سير خوف وحذر . # وقوله { وردا } حال قصد منها التشبيه ، فلذلك جاءت جامدة لأن معنى ~~التشبيه يجعلها كالمشتق . # والورد بكسر الواو : أصله السير إلى الماء ، وتسمى الأنعام الواردة وردا ~~تسمية على حذف المضاف ، أي ذات ورد ، كما يسمى الماء الذي يرده القوم وردا ~~. قال تعالى : { وبئس الورد المورود } ( هود ms5088 : 98 ) . # والاستثناء في { إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا } استثناء منقطع ، أي لكن ~~يملك الشفاعة يومئذ من اتخذ عند الرحمن عهدا ، أي من وعده الله بأن يشفع ~~وهم الأنبياء والملائكة . PageV16P168 # ومعنى { لا يملكون } لا يستطيعون ، فإن الملك يطلق على المقدرة ~~والاستطاعة . وقد تقدم عند قوله تعالى : { قل أتعبدون من دون الله ما لا ~~يملك لكم ضرا ولا نفعا في سورة العقود ( 76 ) . # # | 2 ( 88 95 ) { وقالوا اتخذ الرحمان ولدا * لقد جئتم شيئا إدا * تكاد ~~السماوات يتفطرن منه وتنشق الارض وتخر الجبال هدا * أن دعوا للرحمان ولدا * ~~وما ينبغى للرحمان أن يتخذ ولدا * إن كل من فى السماوات والارض إلا آتى ~~الرحمان عبدا * لقد أحصاهم وعدهم عدا * وكلهم ءاتيه يوم القيامة فردا } ) 2 # عطف على جملة { ويقول الإنسان أإذا ما مت } ( مريم : 66 ) أو على جملة { ~~واتخذوا من دون الله آلهة } ( مريم : 81 ) إتماما لحكاية أقوالهم ، وهو ~~القول بأن لله ولدا ، وهو قول المشركين : الملائكة بنات الله . وقد تقدم في ~~سورة النحل وغيرها ؛ فصريح الكلام رد على المشركين ، وكنايته تعريض ~~بالنصارى الذين شابهوا المشركين في نسبة الولد إلى الله ، فهو تكملة ~~للإبطال الذي في قوله تعالى آنفا : { ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه } ( ~~مريم : 35 ) الخ . # والضمير عائد إلى المشركين ، فيفهم منه أن المقصود من حكاية قولهم ليس ~~مجرد الإخبار عنهم ، أو تعليم دينهم ولكن تفظيع قولهم وتشنيعه ، وإنما ~~قالوا ذلك تأييدا لعبادتهم الملائكة والجن واعتقادهم شفعاء لهم . ~~PageV16P169 # وذكر { الرحمان } هنا حكاية لقولهم بالمعنى ، وهم لا يذكرون اسم الرحمن ~~ولا يقرون به ، وقد أنكروه كما حكى الله عنهم : { وإذا قيل لهم اسجدوا ~~للرحمان قالوا وما الرحمن } ( الفرقان : 60 ) ، فهم إنما يقولون : { اتخذ ~~الله ولدا كما حكي عنهم في آيات كثيرة منها آية سورة الكهف ( 4 ) . فذكر ~~الرحمن } هنا وضع للمرادف في موضع مرادفه ، فذكر اسم { الرحمن } لقصد ~~إغاظتهم بذكر اسم أنكروه . # وفيه أيضا إيماء إلى اختلال قولهم لمنافاة وصف الرحمن اتخاذ الولد كما ~~سيأتي في قوله : { وما ينبغي للرحمان ms5089 أن يتخذ ولدا } . # والخطاب في { لقد جئتم } للذين قالوا اتخذ الرحمن ولدا ، فهو التفات لقصد ~~إبلاغهم التوبيخ على وجه شديد الصراحة لا يلتبس فيه المراد ، كما تقدم في ~~قوله آنفا : { وإن منكم إلا واردها } ( مريم : 71 ) فلا يحسن تقدير : قل ~~لقد جئتم . # وجملة { لقد جئتم شيئا إدا } مستأنفة لبيان ما اقتضته جملة { وقالوا اتخذ ~~الرحمن ولدا } من التشنيع والتفظيع . # وقرأ نافع والكسائي بياء تحتية على عدم الاعتداد بالتأنيث ، وذلك جائز في ~~الاستعمال إذا لم يكن الفعل رافعا لضمير مؤنث متصل ، وقرأ البقية : { تكاد ~~} بالتاء المثناة الفوقية ، وهو الوجه الآخر . # والتفطر : الانشقاق ، والجمع بينه وبين { وتنشق الأرض } تفنن في استعمال ~~المترادف لدفع ثقل تكرير اللفظ . والخرور : السقوط . # ومن في قوله : { منه } للتعليل ، والضمير المجرور بمن عائد إلى { شيئا ~~إدا } ، أو إلى القول المستفاد من { قالوا اتخذ الرحمن ولدا . PageV16P170 # والكلام جار على المبالغة في التهويل من فظاعة هذا القول بحيث إنه يبلغ ~~إلى الجمادات العظيمة فيغير كيانها . # وقرأ نافع ، وابن كثير ، وحفص عن عاصم ، والكسائي : يتفطرن بمثناة تحتية ~~بعدها تاء فوقية . وقرأ أبو عمرو ، وابن عامر ، وحمزة ، وأبو جعفر ، ويعقوب ~~، وخلف ، وأبو بكر عن عاصم ، بتحتية بعدها نون ، من الانفطار . والوجهان ~~مطاوع فطر المضاعف أو فطر المجرد ، ولا يكاد ينضبط الفرق بين البنيتين في ~~الاستعمال . ولعل محاولة التفرقة بينهما كما في الكشاف } و ( الشافية ) لا ~~يطرد ، قال تعالى : { ويوم تشقق السماء بالغمام } ( الفرقان : 25 ) ، وقال ~~: { إذا السماء انشقت } ( الانشقاق : 1 ) ، وقرىء في هذه الآية : { ينفطرون ~~وينفطرن ، والأصل توافق القرآتين في البلاغة . # والهد : هدم البناء . وانتصب هدا } على المفعولية المطلقة لبيان نوع ~~الخرور ، أي سقوط الهدم ، وهو أن يتساقط شظايا وقطعا . # و { أن دعوا للرحمان ولدا } متعلق بكل من { يتفطرن ، وتنشق ، وتخر ، وهو ~~على حذف لام الجر قبل ( أن ) المصدرية وهو حذف مطرد . # والمقصود منه تأكيد ما أفيد من قوله : منه } ، وزيادة بيانن لمعاد الضمير ~~المجرور في قوله { منه } اعتناء ببيانه . # ومعنى { دعوا } : نسبوا ، كقوله تعالى : { ادعوهم لآبائهم } ( الأحزاب : ~~5 ) ، ومنه يقال : ادعى ms5090 إلى بني فلان ، أي انتسب . قال بشامة بن حزن ~~النهشلي : # إنا بني نهشل لا ندعي لأب # عنه ولا هو بالأبناء يشرينا # وجملة { وما ينبغي للرحمان أن يتخذ ولدا } عطف على جملة : { وقالوا اتخذ ~~الرحمن ولدا . PageV16P171 # ومعنى ما ينبغي } ما يتأتى ، أو ما يجوز . وأصل الانبغاء : أنه مطاوع فعل ~~بغى الذي بمعنى طلب . ومعنى ، مطاوعته : التأثر بما طلب منه ، أي استجابة ~~الطلب . # نقل الطيبي عن الزمخشري أنه قال في ( كتاب سيبويه ) : كل فعل فيه علاج ~~يأتي مطاوعه على الانفعال كصرف وطلب وعلم ، وما ليس فيه علاج كعدم وفقد لا ~~يتأتى في مطاوعه الانفعال البتة ) اه . فبان أن أصل معنى { ينبغي } يستجيب ~~الطلب . ولما كان الطلب مختلف المعاني باختلاف المطلوب لزم أن يكون معنى { ~~ينبغي } مختلفا بحسب المقام فيستعمل بمعنى : يتأتى ، ويمكن ، ويستقيم ، ~~ويليق ، وأكثر تلك الإطلاقات أصله من قبيل الكناية واشتهرت فقامت مقام ~~التصريح . # والمعنى في هذه الآية : وما يجوز أن يتخذ الرحمن ولدا ، بناء على أن ~~المستحيل لو طلب حصوله لما تأتى لأنه مستحيل لا تتعلق به القدرة ، لا لأن ~~الله عاجز عنه ، ونحو قوله : { قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من ~~دونك من أولياء } ( الفرقان : 18 ) يفيد معنى : لا يستقيم لنا ، أو لا يخول ~~لنا أن نتخذ أولياء غيرك ، ونحو قوله : { لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ~~} ( يس : 40 ) يفيد معنى لا تستطيع . ونحو { وما علمناه الشعر وما ينبغي له ~~} ( يس : 69 ) يفيد معنى : أنه لا يليق به ، ونحو : { وهب لي ملكا لا ينبغي ~~لأحد من بعدي } ( ص : 35 ) يفيد معنى : لا يستجاب طلبه لطالبه إن طلبه ، ~~وفرق بين قولك : ينبغي لك أن لا تفعل هذا ، وبين لا ينبغي لك أن تفعل كذا ، ~~أي ما يجوز لجلال الله أن يتخذ ولدا لأن جميع الموجودات غير ذاته تعالى يجب ~~أن تكون مستوية في المخلوقية له والعبودية له . وذلك ينافي البنوة لأن بنوة ~~الإله جزء من الإلهية ، وهو أحد الوجهين في تفسير قوله تعالى : { قل إن كان ~~للرحمان ms5091 ولد فأنا أول العابدين } ( الزخرف : 81 ) ، أي لو كان له ولد ~~لعبدته قبلكم . PageV16P172 # ومعنى { آتي الرحمن عبدا } : الإتيان المجازي ، وهو الإقرار والاعتراف ، ~~مثل : باء بكذا ، أصله رجع ، واستعمل بمعنى اعترف . # و { عبدا } حال ، أي معترف لله بالإلهية غير مستقل عنه في شيء في حال ~~كونه عبدا . # ويجوز جعل { آتي الرحمن } بمعنى صائر إليه بعد الموت ، ويكون المعنى أنه ~~يحيا عبدا ويحشر عبدا بحيث لا تشوبه نسبة البنوة في الدنيا ولا في الآخرة . # وتكرير اسم { الرحمان } في هذه الآية أربع مرات إيماء إلى أن وصف الرحمن ~~الثابت لله ، والذي لا ينكر المشركون ثبوت حقيقته لله وإن أنكروا لفظه ، ~~ينافي ادعاء الولد له لأن الرحمن وصف يدل على عموم الرحمة وتكثرها . ومعنى ~~ذلك : أنها شاملة لكل موجود ، فذلك يقتضي أن كل موجود مفتقر إلى رحمة الله ~~تعالى ، ولا يتقوم ذلك إلا بتحقق العبودية فيه . لأنه لو كان بعض الموجودات ~~ابنا لله تعالى لاستغنى عن رحمته لأنه يكون بالبنوة مساويا له في الإلهية ~~المقتضية الغنى المطلق ، ولأن اتخاذ الابن يتطلب به متخذه بر الابن به ~~ورحمته له ، وذلك ينافي كون الله مفيض كل رحمة . # فذكر هذا الوصف عند قوله : { وقالوا اتخذ الرحمن ولدا } وقوله { أن دعوا ~~للرحمان ولدا } تسجيل لغباوتهم . # وذكره عند قوله : { وما ينبغي للرحمان أن يتخذ ولدا } إيماء إلى دليل عدم ~~لياقة اتخاذ الابن بالله . # وذكره عند قوله : { إلا آتي الرحمن عبدا } استدلال على احتياج جميع ~~الموجودات إليه وإقرارها له بملكه إياها . PageV16P173 # وجملة { لقد أحصاهم } عطف على جملة { لقد جئتم شيئا إدا } ، مستأنفة ~~ابتدائية لتهديد القائلين هذه المقالة . فضمائر الجمع عائدة إلى ما عاد ~~إليه ضمير { وقالوا اتخذ الرحمن ولدا } وما بعده . وليس عائدا على { من في ~~السماوات والأرض } ، أي لقد علم الله كل من قال ذلك وعدهم فلا ينفلت أحد ~~منهم من عقابه . # ومعنى { وكلهم آتيه يوم القيامة فردا } إبطال ما لأجله قالوا اتخذ الله ~~ولدا ، لأنهم زعموا ذلك موجب عبادتهم للملائكة والجن ليكونوا شفعاءهم عند ~~الله ، فأيأسهم الله من ms5092 ذلك بأن كل واحد يأتي يوم القيامة مفردا لا نصير له ~~كما في قوله في الآية السالفة : { ويأتينا فردا . وفي ذلك تعريض بأنهم آتون ~~لما يكرهون من العذاب والإهانة إتيان الأعزل إلى من يتمكن من الانتقام منه ~~. # # | 2 ( 96 ) { إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمان ودا } ) ~~2 # يقتضي اتصال الآيات بعضها ببعض في المعاني أن هذه الآية وصف لحال ~~المؤمنين يوم القيامة بضد حال المشركين ، فيكون حال إتيانهم غير حال انفراد ~~بل حال تأنس بعضهم ببعض . # ولما ختمت الآية قبلها بأن المشركين آتون يوم القيامة مفردين ، وكان ذلك ~~مشعرا بأنهم آتون إلى ما من شأنه أن يتمنى المورط فيه من يدفع عنه وينصره ، ~~وإشعار ذلك بأنهم مغضوب عليهم ، أعقب ذلك بذكر حال المؤمنين الصالحين ، ~~وأنهم على العكس من حال المشركين ، وأنهم يكونون يومئذ بمقام المودة ~~والتبجيل . فالمعنى : سيجعل لهم الرحمن أوداء من الملائكة كما قال تعالى : ~~{ نحن أولياؤكم في PageV16P174 الحياة الدنيا وفي الآخرة } ( فصلت : 31 ) ، ~~ويجعل بين أنفسهم مودة كما قال تعالى : { ونزعنا ما في صدورهم من غل } ( ~~الأعراف : 43 ) . # وإيثار المصدر ليفي بعدة متعلقات بالود . وفسر أيضا جعل الود بأن الله ~~يجعل لهم محبة في قلوب أهل الخير . رواه الترمذي عن قتيبة بن سعيد عن ~~الدراوردي . وليست هذه الزيادة عن أحد ممن روى الحديث عن غير قتيبة بن سعيد ~~ولا عن قتيبة بن سعيد في غير رواية الترمذي ، فهذه الزيادة إدراج من قتيبة ~~عند الترمذي خاصة . # وفسر أيضا بأن الله سيجعل لهم محبة منه تعالى ، فالجعل هنا كالإلقاء في ~~قوله تعالى : { وألقيت عليك محبة مني } ( طه : 39 ) . هذا أظهر الوجوه في ~~تفسير الود ، وقد ذهب فيه جماعات المفسرين إلى أقوال شتى متفاوتة في القبول ~~. # # | 2 ( 97 ) { فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا } ~~) 2 # إيذان بانتهاء السورة ، فإن شأن الإتيان بكلام جامع بعد أفنان الحديث أن ~~يؤذن بأن المتكلم سيطوي بساطه . وذلك شأن التذييلات والخواتم وهي ما يؤذن ~~بانتهاء الكلام . فلما احتوت السورة على ms5093 عبر وقصص وبشارات ونذر جاء هنا في ~~التنويه بالقرآن وبيان بعض ما في تنزيله من الحكم . # فيجوز جعل الفاء فصيحة مؤذنة بكلام مقدر يدل عليه المذكور ، كأنه قيل : ~~بلغ ما أنزلنا إليك ولو كره المشركون ما فيه من إبطال دينهم وإنذارهم بسوء ~~العاقبة فما أنزلناه إليك إلا للبشارة والنذارة PageV16P175 ولا تعبأ بما ~~يحصل مع ذلك من الغيظ أو الحقد . وذلك أن المشركين كانوا يقولون للنبيء صلى ~~الله عليه وسلم ( لو كففت عن شتم آلهتنا وآبائنا وتسفيه آرائنا لاتبعناك ) ~~. # ويجوز أن تكون الفاء للتفريع على وعيد الكافرين بقوله : { لقد أحصاهم ~~وعدم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا } ( مريم : 94 ، 95 ) . ووعد ~~المؤمنين بقوله : { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا } ~~( مريم : 96 ) . والمفرع هو مضمون { لتبشر به } الخ { وتنذر به } الخ ، أي ~~ذلك أثر الإعراض عما جئت به من النذارة ، وأثر الإقبال على ما جئت به من ~~البشارة مما يسرناه بلسانك فإنا ما أنزلناه عليك إلا لذلك . # وضمير الغائب عائد إلى القرآن بدلالة السياق مثل : { حتى توارت بالحجاب } ~~( ص : 32 ) . وبذلك علم أن التيسير تسهيل قراءة القرآن . وهذا إدماج للثناء ~~على القرآن بأنه ميسر للقراءة ، كقوله تعالى : { ولقد يسرنا القرآن للذكر ~~فهل من مدكر } ( القمر : 32 ) . # واللسان : اللغة ، أي بلغتك ، وهي العربية ، كقوله : { وإنه لتنزيل رب ~~العالميننزل به الروح الأمين على قلبك لنكون من المنذرين بلسان عربي مبين } ~~( الشعراء : 192 195 ) ؛ فإن نزول القرآن بأفضل اللغات وأفصحها هو من أسباب ~~فضله على غيره من الكتب وتسهيل حفظه ما لم يسهل مثله لغيره من الكتب . # والباء للسببية أو المصاحبة . # وعبر عن الكفار بقوم لد ذما لهم بأنهم أهل إيغال في المراء والمكابرة ، ~~أي أهل تصميم على باطلهم ، فاللد : جمع ألد ، وهو الأقوى في اللدد ، وهو ~~الإباية من الاعتراف بالحق . وفي الحديث PageV16P176 الصحيح : ( أبغض ~~الرجال إلى الله الألد الخصم ) . ومما جره الإشراك إلى العرب من مذام ~~الأخلاق التي خلطوا بها محاسن أخلاقهم أنهم ربما تمدحوا باللدد ، قال بعضهم ~~في رثاء البعض ms5094 : # إن تحت الأحجار حزما وعزما # وخصيما ألد ذا مغلاق # وقد حسن مقابلة المتقين بقوم لد ، لأن التقوى امتثال وطاعة والشرك عصيان ~~ولدد . # وفيه تعريض بأن كفرهم عن عناد وهم يعلمون أن ما جاء به محمد صلى الله ~~عليه وسلم هو الحق ، كما قال تعالى : { فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين ~~بآيات الله يجحدون } ( الأنعام : 33 ) . # وإيقاع لفظ القوم عليهم للإشارة إلى أن اللدد شأنهم ، وهو الصفة التي ~~تقومت منها قوميتهم ، كما تقدم في قوله تعالى : { لآيات لقوم يعقلون في ~~سورة البقرة ( 164 ) ، وقوله تعالى : وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا ~~يؤمنون في سورة يونس ( 101 ) . # # | 2 ( 98 ) وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا ~~} ) 2 # لما ذكروا بالعناد والمكابرة أتبع بالتعريض بتهديدهم على ذلك بتذكيرهم ~~بالأمم التي استأصلها الله لجبروتها وتعنتها لتكون لهم قياسا ومثلا . ~~فالجملة معطوفة على جملة { فإنما يسرناه بلسانك } ( مريم : 97 ) باعتبار ما ~~تضمنته من بشارة المؤمنين ونذارة المعاندين ، لأن في التعريض بالوعيد لهم ~~نذارة لهم وبشارة للمؤمنين باقتراب إراحتهم من ضرهم . PageV16P177 # و { كم } خبرية عن كثرة العدد . # والقرن : الأمة والجيل . ويطلق على الزمان الذي تعيش فيه الأمة ، وشاع ~~تقديره بمائة سنة . و { من } بيانية ، وما بعدها تمييز { كم } . # والاستفهام في { هل تحس منهم من أحد } إنكاري ، والخطاب للنبيء صلى الله ~~عليه وسلم تبعا لقوله : { فإنما يسرناه بلسانك أي ما تحس ، أي ما تشعر بأحد ~~منهم . والإحساس : الإدراك بالحس ، أي لا ترى منهم أحدا . # والركز : الصوت الخفي ، ويقال : الرز ، وقد روي بهما قول لبيد : # وتوجست ركز الأنيس فراعها # عن ظهر عيب والأنيس سقامها # وهو كناية عن اضمحلالهم ، كني باضمحلال لوازم الوجود عن اضمحلال وجودهم . # # PageV16P178 # | 1 ( سورة طه ) 1 # سميت سورة ( طاها ) باسم الحرفين المنطوق بهما في أولها . ورسم الحرفان ~~بصورتهما لا بما ينطق به الناطق من اسميهما تبعا لرسم المصحف كما تقدم في ~~سورة الأعراف . وكذلك وردت تسميتها في كتب السنة في حديث إسلام عمر بن ~~الخطاب كما سيأتي قريبا ms5095 . # وفي تفسير القرطبي } عن ( مسند الدرامي ) عن أبي هريرة قال : قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ( إن الله تبارك وتعالى قرأ : ( طاها ) ( باسمين ) ~~قبل أن يخلق السماوات والأرض بألفي عام فلما سمعت الملائكة القرآن قالوا : ~~طوبى لأمة ينزل هذا عليها ) الحديث . قال ابن فورك : معناه أن الله أظهر ~~كلامه وأسمعه من أراد أن يسمعه من الملائكة ، فتكون هذه التسمية مروية عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم # وذكر في ( الإتقان ) عن السخاوي أنها تسمى أيضا ( سورة الكليم ) وفيه عن ~~الهذلي في ( كامله ) أنها تسمى ( سورة موسى ) . PageV16P179 # وهي مكية كلها على قول الجمهور . واقتصر عليه ابن عطية وكثير من المفسرين ~~. وفي ( الإتقان ) أنه استثني منها آية : { فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ~~ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها } ( طه : 130 ) . واستظهر في ( الإتقان ) ~~أن يستثنى منها قوله تعالى : { ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ~~زهرة الحياة الدنيا } ( طه : 131 ) . لما أخرج أبو يعلى والبزار عن أبي ~~رافع قال : ( أضاف النبي صلى الله عليه وسلم ضيفا فأرسلني إلى رجل من ~~اليهود أن أسلفني دقيقا إلى هلال رجب فقال : لا ، إلا برهن ، فأتيت النبي ~~فأخبرته فقال : أما والله إني لأمين في السماء أمين في الأرض . فلم أخرج من ~~عنده حتى نزلت : { ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة ~~الدنيا الآية اه . # وعندي أنه إن صح حديث أبي رافع فهو من اشتباه التلاوة بالنزول ، فلعل ~~النبي قرأها متذكرا فظنها أبو رافع نازلة ساعتئذ ولم يكن سمعها قبل ، أو ~~أطلق النزول على التلاوة . ولهذا نظائر كثيرة في المرويات في أسباب النزول ~~كما علمته غير مرة . # وهذه السورة هي الخامسة والأربعون في ترتيب النزول ، نزلت بعد سورة مريم ~~وقبل سورة الواقعة . ونزلت قبل إسلام عمر بن الخطاب لما روى الدارقطني عن ~~أنس بن مالك ، وابن إسحاق في سيرته } عنه قال : ( خرج عمر متقلدا بسيف . ~~فقيل له : إن ختنك وأختك قد صبوا ، فأتاهما عمر وعندهما خباب بن الأرت ~~يقرئهما سورة ms5096 ( طاها ) ، فقال : أعطوني الكتاب الذي عندكم فأقرأه ؟ فقالت ~~له أخته : إنك رجس ، ولا يمسه إلا المطهرون فقم فاغتسل أو توضأ . فقام عمر ~~وتوضأ وأخذ الكتاب فقرأ طه . فلما قرأ صدرا منها قال : ما أحسن هذا الكلام ~~وأكرمه ) إلى آخر القصة . وذكر الفخر عن بعض المفسرين أن هذه السورة من ~~أوائل ما نزل بمكة . PageV16P180 # وكان إسلام عمر في سنة خمس من البعثة قبيل الهجرة الأولى إلى الحبشة ~~فتكون هذه السورة قد نزلت في سنة خمس أو أواخر سنة أربع من البعثة . # وعدت آيها في عدد أهل المدينة ومكة مائة وأربعا وثلاثين ، وفي عدد أهل ~~الشام مائة وأربعين ، وفي عدد أهل البصرة مائة واثنتين وثلاثين . وفي عدد ~~أهل الكوفة مائة وخمسا وثلاثين . # أغراضها : # احتوت من الأغراض على : # التحدي بالقرآن بذكر الحروف المقطعة في مفتتحها . # والتنويه بأنه تنزيل من الله لهدي القابلين للهداية ؛ فأكثرها في هذا ~~الشأن . # والتنويه بعظمة الله تعالى ، وإثبات رسالة محمد صلى الله عليه وسلم بأنها ~~تماثل رسالة أعظم رسول قبله شاع ذكره في الناس ، فضرب المثل لنزول القرآن ~~على محمد صلى الله عليه وسلم بكلام الله موسى عليه السلام . # وبسط نشأة موسى وتأييد الله إياه ونصره على فرعون بالحجة والمعجزات وبصرف ~~كيد فرعون عنه وعن أتباعه . # وإنجاء الله موسى وقومه ، وغرقق فرعون ، وما أكرم الله به بني إسرائيل في ~~خروجهم من بلد القبط . # وقصة السامري وصنعه العجل الذي عبده بنو إسرائيل في مغيب موسى عليه ~~السلام . PageV16P181 # وكل ذلك تعريض بأن مآل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم صائر إلى ما صارت ~~إليه بعثة موسى عليه السلام من النصر على معانديه . فلذلك انتقل من ذلك إلى ~~وعيد من أعرضوا عن القرآن ولم تنفعهم أمثاله ومواعظه . # وتذكير الناس بعداوة الشيطان للإنسان بما تضمنته قصة خلق آدم . # ورتب على ذلك سوء الجزاء في الآخرة لمن جعلوا مقادتهم بيد الشيطان ~~وإنذارهم بسوء العقاب في الدنيا . # وتسلية النبي صلى الله عليه وسلم على ما يقولونه وتثبيته على الدين . # وتخلل ذلك إثبات البعث ، وتهويل يوم ms5097 القيامة وما يتقدمه من الحوادث ~~والأهوال . # # | 2 ( 1 ) { طه } ) 2 # وهذان الحرفان من حروف فواتح بعض السور مثل آلم ، ويس . ورسما في خط ~~المصحف بصورة حروف التهجي التي هي مسمى ( طا ) و ( ها ) كما رسم جميع ~~الفواتح التي بالحروف المقطعة . وقرئا لجميع القراء كما قرئت بقية فواتح ~~السور . فالقول فيهما كالقول المختار في فواتح تلك السور ، وقد تقدم في أول ~~سورة البقرة وسورة الأعراف . # وقيل هما حرفان مقتضبان من كلمتي ( طاهر ) و ( هاد ) وأنهما على معنى ~~النداء بحذف حرف النداء . PageV16P182 # وتقدم وجه المد في ( طا ) ( ها ) في أول سورة يونس . وقيل مقتضبان من فعل ~~( طأ ) أمرا من الوطء . ومن ( ها ) ضمير المؤنثة الغائبة عائد إلى الأرض . ~~وفسر بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان في أول أمره إذا قام في صلاة الليل ~~قام على رجل واحدة فأمره الله بهذه الآية أن يطأ الأرض برجله الأخرى . ولم ~~يصح . # وقيل ( طاها ) كلمة واحدة وأن أصلها من الحبشية ، ومعناها إنسان ، وتكلمت ~~بها قبيلة ( عك ) أو ( عكل ) وأنشدوا ليزيد بن مهلهل : # إن السفاهة طاها من شمائلكم # لا بارك الله في القومم الملاعين # وذهب بعض المفسرين إلى اعتبارهما كلمة لغة ( عك ) أو ( عكل ) أو كلمة من ~~الحبشية أو النبطية وأن معناها في لغة : ( عك ) يا إنسان ، أو يا رجل ، وفي ~~ما عداها : يا حبيبي ، وقيل : هي اسم سمى الله به نبيئه صلى الله عليه وسلم ~~وأنه على معنى النداء ، أو هو قسم به . وقيل : هي اسم من أسماء الله تعالى ~~على معنى القسم . # ورويت في ذلك آثار وأخبار ذكر بعضها عياض في ( الشفاء ) . ويجري فيها قول ~~من جعل جميع هذه الحروف متحدة في المقصود منها . كقول من قال : هي أسماء ~~للسور الواقعة فيها ، ونحو ذلك مما تقدم في سورة البقرة . وإنما غرهم بذلك ~~تشابه في النطق فلا نطيل بردها . وكذلك لا التفات إلى قول من زعموا أنه من ~~أسماء النبي صلى الله عليه وسلم # PageV16P183 # | 2 ( 2 6 ) { مآ أنزلنا عليك القرءان لتشقى * إلا تذكرة لمن ms5098 يخشى * ~~تنزيلا ممن خلق الارض والسماوات العلى * الرحمان على العرش استوى * له ما ~~في السماوات وما في الارض وما بينهما وما تحت الثرى } ) 2 # افتتحت السورة بملاطفة النبي صلى الله عليه وسلم بأن الله لم يرد من ~~إرساله وإنزال القرآن عليه أن يشقى بذلك ، أي تصيبه المشقة ويشده التعب ، ~~ولكن أراد أن يذكر بالقرآن من يخاف وعيده . وفي هذا تنويه أيضا بشأن ~~المؤمنين الذين آمنوا بأنهم كانوا من أهل الخشية ولولا ذلك لما ادكروا ~~بالقرآن . # وفي هذه الفاتحة تمهيد لما يرد من أمر الرسول عليه الصلاة والسلام ~~بالاضطلاع بأمر التبليغ ، وبكونه من أولي العزم مثل موسى عليه السلام وأن ~~لا يكون مفرطا في العزم كما كان آدم عليه السلام قبل نزوله إلى الأرض . ~~وأدمج في ذلك التنويه بالقرآن لأن في ضمن ذلك تنويها بمن أنزل عليه وجاء به ~~. # والشقاء : فرط التعب بعمل أو غم في النفس ، قال النابغة : # إلا مقالة أقوام شقيت بهم # كانت مقالتهم قرعا على كبدي # وهمزة الشقاء منقلبة عن الواو . يقال : شقاء وشقاوة بفتح الشين وشقوة ~~بكسرها . # ووقوع فعل { أنزلنا } في سياق النفي يقتضي عموم مدلوله ، لأن الفعل في ~~سياق النفي بمنزلة النكرة في سياقه ، وعموم الفعل يستلزم عموم متعلقاته من ~~مفعول ومجرور . فيعم نفي جميع كل PageV16P184 إنزال للقرآن فيه شقاء له ، ~~ونفي كل شقاء يتعلق بذلك الإنزال ، أي جميع أنواع الشقاء فلا يكون إنزال ~~القرآن سببا في شيء من الشقاء للرسول صلى الله عليه وسلم # وأول ما يراد منه هنا أسف النبي صلى الله عليه وسلم من إعراض قومه عن ~~الإيمان بالقرآن . قال تعالى : { فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا ~~بهذا الحديث أسفا } ( الكهف : 6 ) . # ويجوز أن يكون المراد : ما أرسلناك لتخيب بل لنؤيدك وتكون لك العاقبة . # وقوله { إلا تذكرة } استثناء مفرغ من أحوال للقرآن محذوفة ، أي ما أنزلنا ~~عليك القرآن في حال من أحوال إلا حال تذكرة فصار المعنى : ما أنزلنا عليك ~~القرآن لتشقى وما أنزلناه في حال من الأحوال إلا تذكرة . ويدل ms5099 لذلك تعقيبه ~~بقوله { تنزيلا ممن خلق الأرض } الذي هو حال من القرآن لا محالة ، ففعل { ~~أنزلنا } عامل في { لتشقى } بواسطة حرف الجر ، وعامل في { تذكرة } بواسطة ~~صاحب الحال ، وبهذا تعلم أن ليس الاستثناء من العلة المنفية بقوله : { ~~لتشقى } حتى تتحير في تقويم معنى الاستثناء فتفزع إلى جعله منقطعا وتقع في ~~كلف لتصحيح النظم . # وقال الواحدي في ( أسباب النزول ) : ( قال مقاتل : قال أبو جهل والنضر بن ~~الحارث ( وزاد غير الواحدي : الوليد بن المغيرة ، والمطعم بن عدي ) للنبيء ~~صلى الله عليه وسلم إنك لتشقى بترك ديننا ، لما رأوا من طول عبادته ~~واجتهاده ، فأنزل الله تعالى : { طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى } الآية ، ~~وليس فيه سند . # والتذكرة : خطور المنسي بالذهن ؛ فإن التوحيد مستقر في الفطرة والإشراك ~~مناف لها ، فالدعوة إلى الإسلام تذكير لما في الفطرة أو تذكير لملة إبراهيم ~~عليه السلام . PageV16P185 # و { من يخشى } هو المستعد للتأمل والنظر في صحة الدين ، وهو كل من يفكر ~~للنجاة في العاقبة ، فالخشية هنا مستعملة في المعنى العربي الأصلي ، ويجوز ~~أن يراد بها المعنى الإسلامي ، وهو خوف الله ، فيكون المراد من الفعل المآل ~~، أي من يؤول أمره إلى الخشية بتيسير الله تعالى له التقوى ، كقوله تعالى : ~~{ هدى للمتقين } ( البقرة : 2 ) أي الصائرين إلى التقوى . # و { تنزيلا } حال من { القرءان } ثانية . # والمقصود منها التنويه بالقرآن والعناية به لينتقل من ذلك إلى الكناية ~~بأن الذي أنزله عليك بهذه المثابة لا يترك نصرك وتأييدك . # والعدول عن اسم الجلالة أو عن ضميره إلى الموصولية لما تؤذن به الصلة من ~~تحتم إفراده بالعبادة ، لأنه خالق المخاطبين بالقرآن وغيرهم مما هو أعظم ~~منهم خلقا ، ولذلك وصف والسماوات بالعلى صفة كاشفة زيادة في تقرير معنى ~~عظمة خالقها . وأيضا لما كان ذلك شأن منزل القرآن لا جرم كان القرآن شيئا ~~عظيما ، كقول الفرزدق : # إن الذي سمك السماء بنى لنا # بيتا دعائمه أعز وأطول # و { الرحمان } يجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف لازم الحذف تبعا للاستعمال ~~في حذف المسند إليه كما سماه السكاكي . ويجوز أن يكون ms5100 مبتدأ . واختير وصف { ~~الرحمن } لتعليم الناس به لأن المشركين أنكروا تسميته تعالى الرحمن : { ~~وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمان قالوا وما الرحمن } ( الفرقان : 60 ) . وفي ~~ذكره هنا وكثرة التذكير به في القرآن بعث على إفراده بالعبادة شكرا على ~~إحسانه بالرحمة البالغة . # وجملة { على العرش استوى } حال من { الرحمان } . أو خبر ثان عن المبتدأ ~~المحذوف . PageV16P186 # والاستواء : الاستقرار ، قال تعالى : { فإذا استويت أنت ومن معك على ~~الفلك } ( المؤمنون : 28 ) الآية . وقال : { واستوت على الجودي } ( هود : ~~44 ) . # والعرش : عالم عظيم من العوالم العليا ، فقيل هو أعلى سماء من السماوات ~~وأعظمها . وقيل غير ذلك ، ويسمى : الكرسي أيضا على الصحيح ، وقيل : الكرسي ~~غير العرش . # وأيا ما كان فذكر الاستواء عليه زيادة في تصوير عظمة الله تعالى وسعة ~~سلطانه بعد قوله : { ممن خلق الأرض والسموات العلى } . # وأما ذكر الاستواء فتأويله أنه تمثيل لشأن عظمة الله بعظمة أعظم الملوك ~~الذين يجلسون على العروش . وقد عرف العرب من أولئك ملوك الفرس وملوك الروم ~~وكان هؤلاء مضرب الأمثال عندهم في العظمة . # وحسن التعبير بالاستواء مقارنته بالعرش الذي هو مما يستوى عليه في ~~المتعارف ، فكان ذكر الاستواء كالترشيح لإطلاق العرش على السماء العظمى ، ~~فالآية من المتشابه البين تأويله باستعمال العرب وبما تقرر في العقيدة : أن ~~ليس كمثله شيء . # وقيل : الاستواء يستعمل بمعنى الاستيلاء . وأنشدوا قول الأخطل : # قد استوى بشر على العراق # بغير سيف ودمم مهراق # وهو مولد . ويحتمل أنه تمثيل كالآية . ولعله انتزعه من هذه الآية . # وتقدم القول في هذا عند قوله تعالى : { ثم استوى على العرش في سورة ~~الأعراف ( 54 ) . وإنما أعدنا بعضه هنا لأن هذه الآية هي المشتهرة بين ~~أصحابنا الأشعرية . PageV16P187 # وفي تقييد الأبي على تفسير ابن عرفة : واختار عز الدين بن عبد السلام عدم ~~تكفير من يقول بالجهة . قيل لابن عرفة : عادتك تقول في الألفاظ الموهمة ~~الواردة في الحديث كما في حديث السوداء وغيرها ، فذكر النبي دليل على عدم ~~تكفير من يقول بالتجسيم ، فقال : هذا صعب ولكن تجاسرت على قوله اقتداء ~~بالشيخ عز الدين لأنه سبقني لذلك . # وأتبع ms5101 ما دل على عظمة سلطانه تعالى بما يزيده تقريرا وهو جملة : له ما في ~~السموات } الخ . فهي بيان لجملة { الرحمن على العرش استوى } . والجملتان ~~تدلان على عظيم قدرته لأن ذلك هو المقصود من سعة السلطان . # وتقديم المجرور في قوله { له ما في السموات } للقصر ، ردا على زعم ~~المشركين أن لآلهتهم تصرفات في الأرض ، وأن للجن اطلاعا على الغيب ، ~~ولتقرير الرد ذكرت أنحاء الكائنات ، وهي السماوات والأرض وما بينهما وما ~~تحت الثرى . # والثرى : التراب . وما تحته : هو باطن الأرض كله . # وجملة { له ما في السموات } عطف على جملة { على العرشش استوى } . # # | 2 ( 7 ) { وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى } ) 2 # عطف على جملة { له ما في السموات وما في الأرض } ( طه : 6 ) لدلالة هذه ~~الجملة على سعة علمه تعالى كما دلت الجملة المعطوف عليها على عظيم سلطانه ~~وقدرته . وأصل النظم : ويعلم السر وأخفى إن تجهر PageV16P188 بالقول ؛ ~~فموقع قوله : { وإن تجهر بالقول } موقع الاعتراض بين جملة { يعلم السر ~~وأخفى وجملة الله لا إله إلا هو . فصيغ النظم في قالب الشرط والجزاء زيادة ~~في تحقيق حصوله على طريقة ما يسمى بالمذهب الكلامي ، وهو سوق الخبر في صيغة ~~الدليل على وقوعه تحقيقا له . # والمعنى : إنه يعلم السر وأخفى من السر في الأحوال التي يجهر فيها القائل ~~بالقول لإسماع مخاطبه ، أي فهو لا يحتاج إلى الجهر لأنه يعلم السر وأخفى . ~~وهذا أسلوب متبع عند البلغاء شائع في كلامهم بأساليب كثيرة . وذلك في كل ~~شرط لا يقصد به التعليق بل يقصد التحقيق كقول أبي كبير الهذيلي : # فأتت به حوش الفؤاد مبطنا # سهدا إذا ما نام ليل الهوجل # أي سهدا في كل وقت حين ينام غيره ممن هو هوجل . وقول بشامة بن حزن ~~النهشلي : # إذا الكماة تنحوا أن يصيبهم # حد الظبات وصلناها بأيدينا # وقول إبراهيم بن كنيف النبهاني : # فإن تكن الأيام جالت صروفها # ببؤسى ونعمى والحوادث تفعل # فما لينت منا قناة صليبة # وما ذللتنا للتي ليس تجمل # وقول القطامي : # فمن تكن الحضارة أعجبته # فأي رجال بادية ms5102 ترانا # فالخطاب في قوله وإن تجهر } يجوز أن يكون خطابا للنبيء صلى الله عليه ~~وسلم وهو يعم غيره . ويجوز أن يكون لغير معين ليعم كل مخاطب . PageV16P189 # واختير في إثبات سعة علم الله تعالى خصوص علمه بالمسموعات لأن السر أخفى ~~الأشياء عن علم الناس في العادة . ولما جاء القرآن مذكرا بعلم الله تعالى ~~توجهت أنظار المشركين إلى معرفة مدى علم الله تعالى وتجادلوا في ذلك في ~~مجامعهم . وفي ( صحيح البخاري ) عن عبدالله بن مسعود قال : اجتمع عند البيت ~~ثقفيان وقرشي أو قرشيان وثقفي كثيرة شحم بطونهم قليلة فقه قلوبهم فقال ~~أحدهم : أترون أن الله يسمع ما نقول ؟ قال الآخر : يسمع إن جهرنا ولا يسمع ~~إن أخفينا وقال الآخر : إن كان يسمع إذا جهرنا ( أي وهو بعيد عنا ) فإنه ~~يسمع إذا أخفينا . فأنزل الله تعالى : { وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم ~~سمعكم ولا أبصاركم ولا قلوبكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون ~~} ( فصلت : 22 ) . وقد كثر في القرآن أن الله يعلم ما يسر الناس وما يعلنون ~~ولا أحسب هذه الآية إلا ناظرة إلى مثل ما نظرت الآية الآنفة الذكر . وقال ~~تعالى : { ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ~~ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور } ( هود : 5 ) . # يبقى النظر في توجيه الإتيان بهذا الشرط بطريقة الاعتراض ، وتوجيه اختيار ~~فرض الشرط بحالة الجهر دون حالة السر مع أن الذي يتراءى للناظر أن حالة ~~السر أجدر بالذكر في مقام الإعلام بإحاطة علم الله تعالى بما لا يحيط به ~~علم الناس ، كما ذكر في الخبر المروي عن ابن مسعود في الآية الآنفة الذكر . # وأحسب لفرض الشرط بحالة الجهر بالقول خصوصية بهذا السياق اقتضاها اجتهاد ~~النبي صلى الله عليه وسلم في الجهر بالقرآن في الصلاة أو غيرها ، فيكون ~~مورد هذه الآية كمورد قوله تعالى : { واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون ~~الجهر من القول } ( الأعراف : 205 ) PageV16P190 فيكون هذا مما نسخه قوله ~~تعالى : { فاصدع بما تؤمر } ( الحجر : 94 ) ، وتعليم ms5103 للمسلمين باستواء ~~الجهر والسر في الدعاء ، وإبطال لتوهم المشركين أن الجهر أقرب إلى علم الله ~~من السر ، كما دل عليه الخبر المروي عن أبي مسعود المذكور آنفا . # والقول : مصدر ، وهو تلفظ الإنسان بالكلام ، فيشمل القراءة والدعاء ~~والمحاورة ، والمقصود هنا ما له مزيد مناسبة بقوله تعالى : { ما أنزلنا ~~عليك القرآن لتشقى } ( طه : 2 ) الآيات . # وجواب شرط { وإن تجهر بالقول } محذوف يدل عليه قوله : { فإنه يعلم السر ~~وأخفى . والتقدير : فلا تشق على نفسك فإن الله يعلم السر وأخفى ، أي فلا ~~مزية للجهر به . # وبهذا تعلم أن ليس مساق الآية لتعليم الناس كيفية الدعاء ، فقد ثبت في ~~السنة الجهر بالدعاء والذكر ، فليس من الصواب فرض تلك المسألة هنا إلا على ~~معنى الإشارة . # وأخفى اسم تفضيل ، وحذف المفضل عليه لدلالة المقام عليه ، أي وأخفى من ~~السر . والمراد بأخفى منه : ما يتكلم اللسان من حديث النفس ونحوه من ~~الأصوات التي هي أخفى من كلام السر . # $ 2 ( 8 ) الله لا & # 1764 إلاه إلا هو له الاسمآء الحسنى } ) 2 $ # تذييل لما قبله لأن ما قبله تضمن صفات من فعل الله تعالى ومن خلقه ومن ~~عظمته فجاء هذا التذييل بما يجمع صفاته . # واسم الجلالة خبر لمبتدأ محذوف . والتقدير : هو الله ، جريا على ما تقدم ~~عند قوله تعالى : { الرحمان على العرش استوى } ( طه : 5 ) . PageV16P191 # وجملة { لا إلاه إلا هو } حال من اسم الجلالة . وكذلك جملة { له الأسماء ~~الحسنى } . # والأسماء : الكلمات الدالة على الاتصاف بحقائق . وهي بالنسبة إلى الله : ~~إما علم وهو اسم الجلالة خاصة . وإما وصف مثل الرحمن والجبار وبقية الأسماء ~~الحسنى . # وتقديم المجرور في قوله { له الأسماء الحسنى } للاختصاص ، أي لا لغيره ~~لأن غيره إما أن يكون اسمه مجردا من المعاني المدلولة للأسماء مثل الأصنام ~~، وإما أن تكون حقائقها فيه غير بالغة منتهى كمال حقيقتها كاتصاف البشر ~~بالرحمة والملك ، وإما أن يكون الاتصاف بها كذبا لا حقيقة ، كاتصاف البشر ~~بالكبر ، إذ ليس أهلا للكبر والجبروت والعزة . # ووصف الأسماء بالحسنى لأنها دالة على حقائق كاملة بالنسبة إلى المسمى بها ms5104 ~~تعالى وتقدس . وذلك ظاهر في غير اسم الجلالة ، وأما في اسم الجلالة الذي هو ~~الاسم العلم فلأنه مخالف للأعلام من حيث إنه في الأصل وصف دال على الانفراد ~~بالإلهية لأنه دال على الإله ، وعرف باللام الدالة على انحصار الحقيقة عنده ~~، فكان جامعا لمعنى وجوب الوجود ، واستحق العبادة لوجود أسباب استحقاقها ~~عنده . # وقد تقدم شيء من هذا عند قوله تعالى : { ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ~~في سورة الأعراف ( 180 ) . # PageV16P192 $ 2 ( 9 10 ) وهل أتاك حديث موسى * إذ رأى نارا فقال لاهله ~~امكثو & # 1764 ا إنى & # 1764 ءانست نارا لعلى & # 1764 آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى } ) 2 $ # أعقب تثبيت الرسول على التبليغ والتنويه بشأن القرآن بالنسبة إلى من ~~أنزله ومن أنزل عليه بذكر قصة موسى عليه السلام ليتأسى به في الصبر على ~~تحمل أعباء الرسالة ومقاساة المصاعب ، وتسلية له بأن الذين كذبوه سيكون ~~جزاؤهم جزاء من سلفهم من المكذبين ، ولذلك جاء في عقب قصة موسى قوله تعالى ~~: { وقد آتيناك من لدنا ذكرا من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا ~~خالدين فيه } ( طه : 99 101 ) . وجاء بعد ذكر قصة آدم وأنه لم يكن له عزم { ~~فاصبر على ما يقولون } ( طه : 130 ) الآيات . # فجملة { وهل أتاك حديث موسى } عطف على جملة { ما أنزلنا عليك القرآن ~~لتشقى } ( طه : 2 ) . الغرض هو مناسبة العطف كما تقدم قريبا . وهذه القصة ~~تقدم بعضها في سورة الأعراف وسورة يونس . # والاستفهام مستعمل في التشويق إلى الخبر مجازا وليس مستعملا في حقيقته ~~سواء كانت هذه القصة قد قصت على النبي صلى الله عليه وسلم من قبل أم كان ~~هذا أول قصصها عليه . وفي قوله : { إذ رأى نارا زيادة في التشويق كما يأتي ~~قريبا . # وأوثر حرف ( هل ) في هذا المقام لما فيه من معنى التحقيق لأن ( هل ) في ~~الاستفهام مثل ( قد ) في الإخبار . # والحديث : الخبر ، وهو اسم للكلام الذي يحكى به أمر حدث في الخارج ، ~~ويجمع على أحاديث على غير قياس . قال الفراء : واحد PageV16P193 الأحاديث ~~أحدوثة ثم جعلوه ms5105 جمعا للحديث اه . يعني استغنوا به عن صيغة فعلاء . # وإذ } ظرف للحديث . وقد تقدم نظائره ، وخص هذا الظرف بالذكر لأنه يزيد ~~تشويقا إلى استعلام كنه الخبر ، لأن رؤية النار تحتمل أحوالا كثيرة . # ورؤية النار تدل على أن ذلك كان بليل ، وأنه كان بحاجة إلى النار ؛ ولذلك ~~فرع عليه : { فقال لأهله امكثوا } . . . الخ . # والأهل : الزوج والأولاد . وكانوا معه بقرينة الجمع في قوله { امكثوا . ~~وفي سفر الخروج من التوراة فأخذ موسى امرأته وبنيه وأركبهم على الحمير ورجع ~~إلى أرض مصر . # وقرأ الجمهور بكسر هاء ضمير أهله على الأصل . وقرأه حمزة وخلف : بضم ~~الهاء ، تبعا لضمة همزة الوصل في امكثوا . # والإيناس : الإبصار البين الذي لا شبهة فيه . # وتأكيد الخبر بإن لقصد الاهتمام به بشارة لأهله إذ كانوا في الظلمة . # والقبس : ما يؤخذ اشتعاله من اشتعال شيء ويقبس ، كالجمرة من مجموع الجمر ~~والفتيلة ونحو ذلك . وهذا يقتضي أنه كان في ظلمة ولم يجد ما يقتدح به . ~~وقيل : اقتدح زنده فصلد ، أي لم يقدح . # ومعنى أو أجد على النار هدى } : أو ألقى عارفا بالطريق قاصدا السير فيما ~~أسير فيه فيهديني إلى السبيل . قيل : كان موسى قد خفي عليه الطريق من شدة ~~الظلمة وكان يحب أن يسير ليلا . PageV16P194 # و { أو } هنا للتخيير ، لأن إتيانه بقبس أمر محقق ، فهو إما أن يأخذ ~~القبس لا غير ، وإما أن يزيد فيجد صاحب النار قاصدا الطريق مثله فيصحبه . # وحرف { على } في قوله : { أو أجد على النار هدى } مستعمل في الاستعلاء ~~المجازي ، أي شدة القرب من النار قربا أشبه الاستعلاء ، وذلك أن مشعل النار ~~يستدني منها للاستنارة بضوئها أو للاصطلاء بها . قال الأعشى : # وبات على النار الندى والمحلق # وأراد بالهدى صاحب الهدى . # وقد أجرى الله على لسان موسى معنى هذه الكلمة إلهاما إياه أنه سيجد عند ~~تلك النار هدى عظيما ، ويبلغ قومه منه ما فيه نفعهم . # وإظهار النار لموسى رمز رباني لطيف ؛ إذ جعل اجتلابه لتلقي الوحي ~~باستدعاء بنور في ظلمة رمزا على أنه سيتلقى ما به إنارة ناس بدين صحيح ms5106 بعد ~~ظلمة الضلال وسوء الإعتقاد . # $ 2 ( 11 13 ) { فلمآ أتاها نودى ياموسى * إنى & # 1764 أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى * وأنا اخترتك فاستمع ~~لما يوحى & # 1764 } ) 2 $ # بني فعل النداء للمجهول زيادة في التشويق إلى استطلاع القصة ، فإبهام ~~المنادي يشوق سامع الآية إلى معرفته فإذا فاجأه { إني أنا ربك } علم أن ~~المنادي هو الله تعالى فتمكن في النفس كمال التمكن . ولأنه أدخل في تصوير ~~تلك الحالة بأن موسى ناداه مناد غير معلوم له ، فحكي نداؤه بالفعل المبني ~~للمجهول . PageV16P195 # وجملة { إني أنا ربك } بيان لجملة { نودي } . وبهذا النداء علم موسى أن ~~الكلام موجه إليه من قبل الله تعالى لأنه كلام غير معتاد والله تعالى لا ~~يغير العوائد التي قررها في الأكوان إلا لإرادة الإعلام بأن له عناية خاصة ~~بالمغير ، فالله تعالى خلق أصواتا خلقا غير معتاد غير صادرة عن شخص مشاهد ، ~~ولا موجهة له بواسطة ملك يتولى هو تبليغ الكلام لأن قوله { إني أنا ربك } ~~ظاهر في أنه لم يبلغ إليه ذلك بواسطة الملائكة ، فلذلك قال الله تعالى : { ~~وكلم الله موسى تكليما } ( النساء : 164 ) ، إذ علم موسى أن تلك الأصوات ~~دالة على مراد الله تعالى . والمراد التي تدل عليه تلك الأصوات الخارقة ~~للعادة هو ما نسميه بالكلام النفسي . وليس الكلام النفسي هو الذي سمعه موسى ~~لأن الكلام النفسي صفة قائمة بذات الله تعالى منزه عن الحروف والأصوات ~~والتعلق بالأسماع . # والإخبار عن ضمير المتكلم بأنه رب المخاطب لتسكين روعة نفسه من خطاب لا ~~يرى مخاطبه فإن شأن الرب الرفق بالمربوب . # وتأكيد الخبر بحرف ( إن ) لتحقيقه لأجل غرابته دفعا لتطرق الشك عن موسى ~~في مصدر هذا الكلام . # وقرأ أبو عمرو وابن كثير ( أني ) بفتح الهمزة على حذف باء الجر . ~~والتقدير : نودي بأني أنا ربك . والتأكيد حاصل على كلتا القراءتين . # وتفريع الأمر بخلع النعلين على الإعلام بأنه ربه إشارة إلى أن ذلك المكان ~~قد حله التقديس بإيجاد كلام من عند الله فيه . # والخلع : فصل شيء عن شيء كان متصلا به . PageV16P196 # والنعلان : جلدان ms5107 غليظان يجعلان تحت الرجل ويشدان برباط من جلد لوقاية ~~الرجل ألم المشي على التراب والحصى ، وكانت النعل تجعل على مثال الرجل . # وإنما أمره الله بخلع نعليه تعظيما منه لذلك المكان الذي سيسمع فيه ~~الكلام الإلهي . وروى الترمذي عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال : ( كانت نعلاه من جلد حمار ميت ) . أقول : وفيه أيضا زيادة خشوع . وقد ~~اقتضى كلا المعنيين قوله تعالى : { إنك بالواد المقدس } فحرف التوكيد مفيد ~~هنا التعليل كما هو شأنه في كل مقام لا يقتضي التأكيد . وهذه خصوصية من ~~جهات فلا يؤخذ منها حكم يقتضي نزع النعل عند الصلاة . # والواد : المفرج بين الجبال والتلالل . وأصله بياء في آخره . وكثر تخفيفه ~~بحذف الياء كما في هذه الآية فإذا ثني لزمته الياء يقال : واديان ولا يقال ~~وادان . وكذلك إذا أضيف يقال : بواديك ولا يقال بوادك . # والمقدس : المطهر المنزه . وتقدم في قوله تعالى : { ونقدس لك في أول ~~البقرة ( 30 ) . وتقديس الأمكنة يكون بما يحل فيها من الأمور المعظمة وهو ~~هنا حلول الكلام الموجه من قبل الله تعالى . # واختلف المفسرون في معنى طوى } وهو بضم الطاء وبكسرها ، ولم يقرأ في ~~المشهور إلا بضم الطاء ، فقيل : اسم لذلك المكان ، وقيل : هو اسم مصدر مثل ~~هدى ، وصف بالمصدر بمعنى اسم المفعول ، أي طواه موسى بالسير في تلك الليلة ~~، كأنه قيل له : إنك بالواد المقدس الذي طويته سيرا ، فيكون المعنى تعيين ~~أنه هو ذلك الواد . PageV16P197 وأحسن منه على هذا الوجه أن يقال هو أمر ~~لموسى بأن يطوي الوادي ويصعد إلى أعلاه لتلقي الوحي . وقد قيل : إن موسى ~~صعد أعلى الوادي . وقيل : هو بمعنى المقدس تقديسين ، لأن الطي هو جعل الثوب ~~على شقين ، ويجيء على هذا الوجه أن تجعل التثنية كناية عن التكرير والتضعيف ~~مثل : { ثم ارجع البصر كرتين } ( الملك : 4 ) . فالمعنى : المقدس تقديسا ~~شديدا . فاسم المصدر مفعول مطلق مبين للعدد ، أي المقدس تقديسا مضاعفا . # والظاهر عندي : أن { طوى } اسم لصنف من الأودية يكون ضيقا بمنزلة الثوب ~~المطوي أو غائرا كالبئر المطوية ، والبئر ms5108 تسمى طويا . وسمي واد بظاهر مكة ( ~~ذا طوى ) بتثليث الطاء ، وهو مكان يسن للحاج أو المعتمر القادم إلى مكة أن ~~يغتسل عنده . # وقد اختلف في ( طوى ) هل ينصرف أو يمنع من الصرف بناء على أنه اسم أعجمي ~~أو لأنه معدول عن طاو ، مثل عمر عن عامر . # وقرأ الجمهور { طوى بلا تنوين على منعه من الصرف . وقرأه ابن عامر ، ~~وعاصم ، وحمزة ، والكسائي ، وخلف منونا ، لأنه اسم واد مذكر . # وقوله وأنا اخترتك } أخبر عن اختيار الله تعالى موسى بطريق المسند الفعلي ~~المفيد تقوية الحكم ، لأن المقام ليس مقام إفادة التخصيص ، أي الحصر نحو : ~~أنا سعيت في حاجتك ، وهو يعطي الجزيل . وموجب التقوي هو غرابة الخبر ~~ومفاجأته به دفعا لتطرق الشك في نفسه . # والاختيار : تكلف طلب ما هو خير . واستعملت صيغة التكلف في معنى إجادة ~~طلب الخير . PageV16P198 # وفرع على الإخبار باختياره أن أمر بالاستماع للوحي لأنه أثر الاختيار إذ ~~لا معنى للاختيار إلا اختياره لتلقي ما سيوحي الله . # والمراد : ما يوحى إليه حينئذ من الكلام ، وأما ما يوحى إليه في مستقبل ~~الأيام فكونه مأمورا باستماعه معلوم بالأحرى . # وقرأ حمزة وحده { وأنا اخترناك بضميري التعظيم . # واللام في لما يوحى } للتقوية في تعدية فعل ( استمع ) إلى مفعوله ، فيجوز ~~أن تتعلق باخترتك ، أي اخترتك للوحي فاستمع ، معترضا بين الفعل والمتعلق به ~~. ويجوز أن يضمن استمع معنى أصغغ . # $ 2 ( 14 16 ) { إننى & # 1764 أنا الله لا & # 1764 إلاه إلا & # 1764 أنا فاعبدنى وأقم الصلواة لذكرى & # 1764 * إن الساعة ءاتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى * فلا يصدنك ~~عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى } ) 2 $ # هذا ما يوحى المأمور باستماعه ، فالجملة بدل من { ما يوحى } ( طه : 13 ) ~~بدلا مطلقا . # ووقع الإخبار عن ضمير المتكلم باسمه العلم الدال على الذات الواجب الوجود ~~المستحق لجميع المحامد . وذلك أول ما يجب علمه من شؤون الإلهية ، وهو أن ~~يعلم الاسم الذي جعله الله علما عليه لأن ذلك هو الأصل لجميع ما سيخاطب به ~~من الأحكام المبلغة عن ربهم . # وفي ms5109 هذا إشارة إلى أن أول ما يتعارف به المتلاقون أن يعرفوا أسماءهم ، ~~فأشار الله إلى أنه عالم باسم كليمه وعلم كليمه اسمه ، وهو الله . ~~PageV16P199 # وهذا الاسم هو علم الرب في اللغة العربية . واسمه تعالى في اللغة ~~العبرانية ( يهوه ) أو ( أهيه ) المذكور في الإصحاح الثالث من سفر الخروج ~~في التوراة ، وفي الإصحاح السادس . وقد ذكر اسم الله في مواضع من التوراة ~~مثل الإصحاح الحادي والثلاثين من سفر الخروج في الفقرة الثامنة عشرة ، ~~والإصحاح الثاني والثلاثين في الفقرة السادسة عشرة . ولعله من تعبير ~~المترجمين وأكثر تعبير التوراة إنما هو الرب أو الإله . # ولفظ ( أهيه ) أو ( يهوه ) قريب الحروف من كلمة إله في العربية . # ويقال : إن اسم الجلالة في العبرانية ( لاهم ) . ولعل الميم في آخره هي ~~أصل التنوين في إله . # وتأكيد الجملة بحرف التأكيد لدفع الشك عن موسى ؛ نزل منزلة الشاك لأن ~~غرابة الخبر تعرض السامع للشك فيه . # وتوسيط ضمير الفصل بقوله { إنني أنا الله } لزيادة تقوية الخبر ، وليس ~~بمفيد للقصر ، إذ لا مقتضى له هنا لأن المقصود الإخبار بأن المتكلم هو ~~المسمى الله ، فالحمل حمل مواطاة لا حمل اشتقاق . وهو كقوله تعالى : { لقد ~~كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم } ( المائدة : 72 ) . # وجملة { لا إلاه إلا أنا } خبر ثان عن اسم ( إن ) . والمقصود منه حصول ~~العلم لموسى بوحدانية الله تعالى . # ثم فرع على ذلك الأمر بعبادته . والعبادة تجمع معنى العمل الدال على ~~التعظيم من قول وفعل وإخلاصص بالقلب . ووجه التفريع أن انفراده تعالى ~~بالإلهية يقتضي استحقاقه أن يعبد . # وخص من العبادات بالذكر إقامة الصلاة لأن الصلاة تجمع أحوال العبادة . ~~وإقامة الصلاة : إدامتها ، أي عدم الغفلة عنها . PageV16P200 # والذكر يجوز أن يكون بمعنى التذكر بالعقل ، ويجوز أن يكون الذكر باللسان ~~. # واللام في { لذكري } للتعليل ، أي أقم الصلاة لأجل أن تذكرني ، لأن ~~الصلاة تذكر العبد بخالقه . إذ يستشعر أنه واقف بين يدي الله لمناجاته . ~~ففي هذا الكلام إيماء إلى حكمة مشروعية الصلاة وبضميمته إلى قوله تعالى : { ~~إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر } ( العنكبوت ms5110 : 45 ) يظهر أن التقوى من ~~حكمة مشروعية الصلاة لأن المكلف إذا ذكر أمر الله ونهيه فعل ما أمره واجتنب ~~ما نهاه عنه والله عرف موسى حكمة الصلاة مجملة وعرفها محمدا صلى الله عليه ~~وسلم مفصلة . # ويجوز أن يكون اللام أيضا للتوقيت ، أي أقم الصلاة عند الوقت الذي جعلته ~~لذكري . ويجوز أن يكون الذكر الذكر اللساني لأن ذكر اللسان يحرك ذكر القلب ~~ويشتمل على الثناء على الله والاعترافف بما له من الحق ، أي الذي عينته لك ~~. ففي الكلام إيماء إلى ما في أوقات الصلاة من الحكمة ، وفي الكلام حذف ~~يعلم من السياق . # وجملة { إن الساعة ءاتية } مستأنفة لابتداء إعلام بأصل ثان من أصول الدين ~~بعد أصل التوحيد ، وهو إثبات الجزاء . # والساعة : علم بالغلبة على ساعة القيامة أو ساعة الحساب . # وجملة { أكاد أخفيها } في موضع الحال من الساعة ، أو معترضة بين جملة ~~وعلتها . # والإخفاء : الستر وعدم الإظهار ، وأريد به هنا المجاز عن عدم الإعلام . # والمشهور في الاستعمال أن ( كاد ) تدل على مقاربة وقوع الفعل المخبر به ~~عنها ، فالفعل بعدها في حيز الانتفاء ، فقوله تعالى : PageV16P201 { كادوا ~~يكونون عليه لبدا } ( الجن : 19 ) يدل على أن كونهم لبدا غير واقع ولكنه ~~اقترب من الوقوع . # ولما كانت الساعة مخفية الوقوع ، أي مخفية الوقت ، كان قوله { أكاد ~~أخفيها } غير واضح المقصود ، فاختلفوا في تفسيره على وجوه كثيرة أمثلها ~~ثلاثة . # فقيل : المراد إخفاء الحديث عنها ، أي من شدة إرادة إخفاء وقتها ، أي ~~يراد ترك ذكرها ولعل توجيه ذلك أن المكذبين بالساعة لم يزدهم تكرر ذكرها في ~~القرآن إلا عنادا على إنكارها . # وقيل : وقعت { أكاد } زائدة هنا بمنزلة زيادة كان في بعض المواضع تأكيدا ~~للإخفاء . والمقصود : أنا أخفيها فلا تأتي إلا بغتة . # وتأول أبو علي الفارسي معنى { أخفيها } بمعنى أظهرها ، وقال : همزة { ~~أخفيها للإزالة مثل همزة أعجم الكتاب ، وأشكى زيدا ، أي أزيل خفاءها . ~~والخفاء : ثوب تلف فيه القربة مستعار للستر . # فالمعنى : أكاد أظهرها ، أي أظهر وقوعها ، أي وقوعها قريب . وهذه الآية ~~من غرائب استعمال ( كاد ) فيضم إلى استعمال نفيها ms5111 في قوله : وما كادوا ~~يفعلون في سورة البقرة ( 71 ) . # وقوله لتجزى } يتعلق بآتية وما بينهما اعتراض . وهذا تعليم بحكمة جعل يوم ~~للجزاء . # واللام في { لتجزى كل نفس } متعلق بآتية . # ومعنى { بما تسعى } بما تعمل ، فإطلاق السعي على العمل مجاز مرسل ، كما ~~تقدم في قوله : { ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها في سورة الإسراء ( 19 ) . ~~PageV16P202 # وفرع على كونها آتية وأنها مخفاة التحذير من أن يصده عن الإيمان بها قوم ~~لا يؤمنون بوقوعها اغترارا بتأخر ظهورها ، فالتفريع على قوله أكاد أخفيها } ~~أوقع لأن ذلك الإخفاء هو الذي يشبه به الذين أنكروا البعث على الناس ، قال ~~تعالى : { فسينغضون إليك رؤوسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا } ( ~~الإسراء : 51 ) وقال : { وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ~~ما ندري ما الساعة إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين } ( الجاثية : 32 ) . # وصيغ نهي موسى عن الصد عنها في صيغة نهي من لا يؤمن بالساعة عن أن يصد ~~موسى عن الإيمان بها ، مبالغة في نهي موسى عن أدنى شيء يحول بينه وبين ~~الإيمان بالساعة ، لأنه لما وجه الكلام إليه وكان النهي نهي غير المؤمن عن ~~أن يصد موسى ، علم أن المراد نهي موسى عن ملابسة صد الكافر عن الإيمان ~~بالساعة ، أي لا تكن لين الشكيمة لمن يصدك ولا تصغ إليه فيكون لينك له ~~مجرئا إياه على أن يصدك ، فوقع النهي عن المسبب . والمراد النهي عن السبب ، ~~وهذا الأسلوب من قبيل قولهم : لا أعرفنك تفعل كذا ولا أرينك ههنا . # وزيادة { واتبع هواه } للإيماء بالصلة إلى تعليل الصد ، أي لا داعي لهم ~~للصد عن الإيمان بالساعة إلا اتباع الهوى دون دليل ولا شبهة ، بل الدليل ~~يقتضي الإيمان بالساعة كما أشار إليه قوله { لتجزى كل نفسس بما تسعى } . # وفرع على النهي أنه إن صد عن الإيمان بالساعة ردي ، أي هلك . والهلاك ~~مستعار لأسوأ الحال كما في قوله تعالى : { يهلكون أنفسهم في سورة براءة ( ~~42 ) . # والتفريع ناشىء عن ارتكاب المنهي لا على النهي ، ولذلك ms5112 جيء بالتفريع ~~بالفاء ولم يقع بالجزاء المجزوم ، فلم يقل : ترد ، لعدم صحة PageV16P203 ~~حلول ( إن ) مع ( لا ) عوضا عن الجزاء ، وذلك ضابط صحة جزم الجزاء بعد ~~النهي . # وقد جاء خطاب الله تعالى لموسى عليه السلام بطريقة الاستدلال على كل حكمم ~~، وأمر أو نهي ، فابتدىء بالإعلام بأن الذي يكلمه هو الله ، وأنه لا إله ~~إلا هو ، ثم فرع عليه الأمر في قوله فاعبدني وأقمم الصلواة لذكري } ، ثم ~~عقب بإثبات الساعة ، وعلل بأنها لتجزى كل نفس بما تسعى ، ثم فرع عليه النهي ~~عن أن يصده عنها من لا يؤمن بها . ثم فرع على النهي أنه إن ارتكب ما نهي ~~عنه هلك وخسر . # # | 2 ( 17 21 ) { وما تلك بيمينك ياموسى * قال هى عصاى أتوكؤا عليها وأهش ~~بها على غنمى ولى فيها مأرب أخرى * قال ألقها ياموسى * فألقاها فإذا هى حية ~~تسعى * قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الاولى } ) 2 # بقية ما نودي به موسى . والجملة معطوفة على الجمل قبلها انتقالا إلى ~~محاورة أراد الله منها أن يري موسى كيفية الاستدلال على المرسل إليهم ~~بالمعجزة العظيمة ، وهي انقلاب العصا حية تأكل الحيات التي يظهرونها . # وإبراز انقلاب العصا حية في خلال المحاورة لقصد تثبيت موسى ، ودفع الشك ~~عن أن يتطرقه لو أمره بذلك دون تجربة لأن مشاهد الخوارق تسارع بالنفس بادىء ~~ذي بدء إلى تأويلها وتدخل PageV16P204 عليها الشك في إمكان استتار المعتاد ~~بساتر خفي أو تخييل ، فلذلك ابتدىء بسؤاله عما بيده ليوقن أنه ممسك بعصاه ~~حتى إذا انقلبت حية لم يشك في أن تلك الحية هي التي كانت عصاه . فالاستفهام ~~مستعمل في تحقيق حقيقة المسؤول عنه . # والقصد من ذلك زيادة اطمئنان قلبه بأنه في مقام الاصطفاء ، وأن الكلام ~~الذي سمعه كلام من قبل الله بدون واسطة متكلم معتاد ولا في صورة المعتاد ، ~~كما دل عليه قوله بعد ذلك { لنريك من آياتنا الكبرى } ( طه : 23 ) . # فظاهر الاستفهام أنه سؤال عن شيء أشير إليه . وبنيت الإشارة بالظرف ~~المستقر وهو قوله { بيمينك } ، ووقع الظرف حالا من اسم الإشارة ، أي ms5113 ما تلك ~~حال كونها بيمينك ؟ . # ففي هذا إيماء إلى أن السؤال عن أمر غريب في شأنها ، ولذلك أجاب موسى عن ~~هذا الاستفهام ببيان ماهية المسؤول عنه جريا على الظاهر ، وببيان بعض ~~منافعها استقصاء لمراد السائل أن يكون قد سأل عن وجه اتخاذه العصا بيده لأن ~~شأن الواضحات أن لا يسأل عنها إلا والسائل يريد من سؤاله أمرا غير ظاهر ، ~~ولذلك لما قال النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة حجة الوداع : ( أي يوم هذا ~~؟ ) سكت الناس وظنوا أنه سيسميه بغير اسمه . وفي رواية أنهم قالوا : ( الله ~~ورسوله أعلم ، فقال : أليس يوم الجمعة ؟ . . . ) إلى آخره . # فابتدأ موسى ببيان الماهية بأسلوب يؤذن بانكشاف حقيقة المسؤول عنه ، ~~وتوقع أن السؤال عنه توسل لتطلب بيان وراءه . فقال : { هي عصاي } ، بذكر ~~المسند إليه ، مع أن غالب الاستعمال حذفه في مقام السؤال للاستغناء عن ذكره ~~في الجواب بوقوعه مسؤولا PageV16P205 عنه ، فكان الإيجاز يقتضي أن يقول : ~~عصاي . فلما قال : { هي عصاي } كان الأسلوب أسلوب كلام من يتعجب من ~~الاحتياج إلى الإخبار ، كما يقول سائل لما رأى رجلا يعرفه وآخر لا يعرفه : ~~من هذا معك ؟ فيقول : فلان ، فإذا لقيهما مرة أخرى وسأله : من هذا معك ؟ ~~أجابه : هو فلان ، ولذلك عقب موسى جوابه ببيان الغرض من اتخاذها لعله أن ~~يكون هو قصد السائل فقال : { أتوكؤا عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها ~~مئارب أخرى } . ففصل ثم أجمل لينظر مقدار اقتناع السائل حتى إذا استزاده ~~بيانا زاده . # والباء في قوله { بيمينك } للظرفية أو الملابسة . # والتوكؤ : الاعتماد على شيء من المتاع ، والاتكاء كذلك ، فلا يقال : توكأ ~~على الحائط ولكن يقال : توكأ على وسادة ، وتوكأ على عصا . # والهش : الخبط ، وهو ضرب الشجرة بعصا ليتساقط ورقها ، وأصله متعد إلى ~~الشجرة فلذلك ضمت عينه في المضارع ، ثم كثر حذف مفعوله وعدي إلى ما لأجله ~~يوقع الهش بعلى لتضمين ( أهش ) معنى أسقط على غنمي الورق فتأكله ، أو ~~استعملت ( على ) بمعنى الاستعلاء المجازي كقولهم : هو وكيل على فلان . # ومآرب : جمع مأربة ، مثلث الراء : الحاجة ، أي أمور ms5114 أحتاج إليها . وفي ~~العصا منافع كثيرة روي بعضها عن ابن عباس ، وقد أفرد الجاحظ من كتاب ( ~~البيان والتبيين ) بابا لمنافع العصا . ومن أمثال العرب : ( هو خير من ~~تفارق العصا ) . ومن لطائف معنى الآية ما أشار إليه بعض الأدباء من أن موسى ~~أطنب في جوابه بزيادة على ما في السؤال لأن المقام مقام تشريف ينبغي فيه ~~طول الحديث . # والظاهر أن قوله { مئارب أخرى } حكاية لقول موسى بمماثله ، فيكون إيجازا ~~بعد الإطناب ، وكان يستطيع أن يزيد من ذكر فوائد PageV16P206 العصا . ويجوز ~~أن يكون حكاية لقول موسى بحاصل معناه ، أي عد منافع أخرى ، فالإيجاز من نظم ~~القرآن لا من كلام موسى عليه السلام . # والضمير المشترك في { قال ألقها عائد إلى الله تعالى على طريقة الالتفات ~~من التكلم الذي في قوله إنني أنا الله ؛ دعا إلى الالتفات وقوع هذا الكلام ~~حوارا مع قول موسى : هي عصاي . . . إلخ . # وقوله ألقها } يتضح به أن السؤال كان ذريعة إلى غرض سيأتي ، وهو القرينة ~~على أن الاستفهام في قوله { وما تلك بيمينك } مستعمل في التنبيه إلى أهمية ~~المسؤول عنه كالذي يجيء في قوله : { وما أعجلك عن قومك يا موسى } ( طه : 83 ~~) . # والحية : اسم لصنف من الحنش مسموم إذا عض بنابيه قتل المعضوض ، ويطلق على ~~الذكر . # ووصف الحية بتسعى لإظهار أن الحياة فيها كانت كاملة بالمشي الشديد . ~~والسعي : المشي الذي فيه شدة ، ولذلك خص غالبا بمشي الرجل دون المرأة . # وأعيد فعل { قال خذها } بدون عطف لوقوعه في سياق المحاورة . # والسيرة في الأصل : هيئة السير ، وأطلقت على العادة والطبيعة ، وانتصب { ~~سيرتها } بنزع الخافض ، أي سنعيدها إلى سيرتها الأولى التي كانت قبل أن ~~تنقلب حية ، أي سنعيدها عصا كما كانت أول مرة . # والغرض من إظهار ذلك لموسى أن يعرف أن العصا تطبعت بالانقلاب حية ، ~~فيتذكر ذلك عند مناظرة السحرة لئلا يحتاج حينئذ إلى وحي . # PageV16P207 $ 2 ( 22 23 ) { واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضآء من غير سو & # 1764 ء ءاية أخرى * لنريك من ءاياتنا الكبرى } ) 2 $ # هذه معجزة أخرى علمه الله إياها ms5115 حتى إذا تحدى فرعون وقومه عمل مثل ذلك ~~أمام السحرة . فهذا تمرين على معجزة ثانية متحد الغرض مع إلقاء العصا . # والجناح : العضد وما تحته إلى الإبط . أطلق عليه ذلك تشبيها بجناح الطائر ~~. # والضم : الإلصاق ، أي ألصق يدك اليمنى التي كنت ممسكا بها العصا . وكيفية ~~إلصاقها بجناحه أن تباشر جلد جناحه بأن يدخلها في جيب قميصه حتى تماس بشرة ~~جنبه ، كما في آية سورة سليمان : { وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير ~~سوء } ( النمل : 12 ) . جعل الله تغير لون جلد يده مماستها جناحه تشريفا ~~لأكثر ما يناسب من أجزاء جسمه بالفعل والانفعال . # و { بيضاء } حال من ضمير { تخرج } ، و { من غير سوء } حال من ضمير { ~~بيضاء } . # ومعنى { من غير سوء } من غير مرض مثل البرص والبهق بأن تصير بيضاء ثم ~~تعود إلى لونها المماثل لون بقية بشرته . وانتصب { آية } على الحال من ضمير ~~{ تخرج } . # والتعليل في قوله { لنريك من ءاياتنا الكبرى } راجع إلى قوله { تخرج ~~بيضاء } ، فاللام متعلقة ب { تخرج } لأنه في معنى نجعلها بيضاء فتخرج بيضاء ~~أو نخرجها لك بيضاء . وهذا التعليل راجع إلى تكرير PageV16P208 الآية ، أي ~~كررنا الآيات لنريك بعض آياتنا فتعلم قدرتنا على غيرها ، ويجوز أن يتعلق { ~~لنريك } بمحذوف دل عليه قوله { ألقها } وما تفرع عليه . ' وقوله { واضمم ~~يدك إلى جناحك } وما بعده ، وتقدير المحذوف : فعلنا ذلك لنريك من آياتنا . # و { من ءاياتنا } في موضع المفعول الثاني ل { نريك ، فتكون ( من ) فيه ~~اسما بمعنى بعض على رأي التفتزاني . وتقدم عند قوله تعالى : ومن الناس من ~~يقول آمنا بالله في سورة البقرة ( 8 ) ، ويشير إليه كلام الكشاف } هنا . # و { الكبرى } صفة ل { ءاياتنا } . والكبر : مستعار لقوة الماهية . أي ~~آياتنا القوية الدلالة على قدرتنا أو على أنا أرسلناك . # $ 2 ( 24 36 ) { اذهب إلى فرعون إنه طغى * قال رب اشرح لى صدرى * ويسر لى ~~& # 1764 أمرى * واحلل عقدة من لسانى * يفقهوا قولي * واجعل لى وزيرا من أهلى ~~* هارون أخى * اشدد به أزرى * وأشركه فى & # 1764 أمرى * كى نسبحك كثيرا * ونذكرك ms5116 كثيرا * إنك كنت بنا بصيرا * قال قد ~~أوتيت سؤلك ياموسى } ) 2 $ # لما أظهر الله له الآيتين فعلم بذلك أنه مؤيد من الله تعالى ، أمره الله ~~بالأمر العظيم الذي من شأنه أن يدخل الروع في نفس المأمور به وهو مواجهة ~~أعظم ملوك الأرض يومئذ بالموعظة ومكاشفته بفساد حاله ، وقد جاء في الآيات ~~الآتية : { قالا ربنا PageV16P209 إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى قال ~~لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى } ( طه : 45 ، 46 ) . # والذهاب المأمور به ذهاب خاص ، قد فهمه موسى من مقدمات الإخبار باختياره ~~، وإظهار المعجزات له ، أو صرح له به وطوي ذكره هنا على طريقة الإيجاز ، ~~على أن التعليل الواقع بعده ينبىء به . # فجملة { إنه طغى } تعليل للأمر بالذهاب إليه ، وإنما صلحت للتعليل لأن ~~المراد ذهاب خاص ، وهو إبلاغ ما أمر الله بإبلاغه إليه من تغييره عما هو ~~عليه من عبادة غير الله . ولما علم موسى ذلك لم يبادر بالمراجعة في الخوف ~~من ظلم فرعون ، بل تلقى الأمر وسأل الله الإعانة عليه ، بما يؤول إلى رباطة ~~جأشه وخلق الأسباب التي تعينه على تبليغه ، وإعطائه فصاحة القول للإسراع ~~بالإقناع بالحجة . # وحكي جواب موسى عن كلام الرب بفعل القول غير معطوف جريا على طريقة ~~المحاورات . # ورتب موسى الأشياء المسؤولة في كلامه على حسب ترتيبها في الواقع على ~~الأصل في ترتيب الكلام ما لم يكن مقتض للعدل عنه . # فالشرح ، حقيقته : تقطيع ظاهر شيء لين . واستعير هنا لإزالة ما في نفس ~~الإنسان من خواطر تكدره أو توجب تردده في الإقدام على عمل ما تشبيها بتشريح ~~اللحم بجامع التوسعة . # والقلب : يراد به في كلامهم والعقل . فالمعنى : أزل عن فكري الخوف ونحوه ~~، مما يعترض الإنسان من عقبات تحول بينه وبين الانتفاع بإقدامه وعزامته ، ~~وذلك من العسر ، فسأل تيسير أمره ، أي إزالة الموانع الحافة بما كلف به . ~~PageV16P210 # والأمر هنا : الشأن ، وإضافة ( أمر ) إلى ضمير المتكلم لإفادة مزيد ~~اختصاصه به وهو أمر الرسالة كما في قوله الآتي { وأشركه في أمري } . # والتيسير : جعل الشيء يسيرا ، أي ذا يسر ms5117 . وقد تقدم عند قوله تعالى : { ~~يريد الله بكم اليسر في سورة البقرة ( 185 ) . # ثم سأل سلامة آلة التبليغ وهو اللسان بأن يرزقه فصاحة التعبير والمقدرة ~~على أداء مراده بأوضح عبارة ، فشبه حبسة اللسان بالعقدة في الحبل أوالخيط ~~ونحوهما لأنها تمنع سرعة استعماله . # والعقدة : موضع ربط بعض الخيط أو الحبل ببعض آخر منه ، وهي بزنة فعلة ~~بمعنى مفعول كقضة وغرفة ؛ أطلقت على عسر النطق بالكلام أو ببعض الحروف على ~~وجه الاستعارة لعدم تصرف اللسان عند النطق بالكلمة وهي استعارة مصرحة ، ~~ويقال لها حبسة . يقال : عقد اللسان كفرح ، فهو أعقد إذا كان لا يبين ~~الكلام . واستعار لإزالتها فعل الحل المناسب العقدة على طريقة الاستعارة ~~المكنية . # وزيادة لي } بعد { اشرح } وبعد { يسر } إطناب كما أشار إليه صاحب ( ~~المفتاح ) لأن الكلام مفيد بدونه . ولكن سلك الإطناب لما تفيده اللام من ~~معنى العلة ، أي اشرح صدري لأجلي ويسر أمري لأجلي ، وهي اللام الملقبة لام ~~التبيين التي تفيد تقوية البيان ، فإن قوله { صدري و أمري واضح أن الشرح ~~والتيسير متعلقان به فكان قوله لي فيهما زيادة بيان كقوله : ألم نشرح لك ~~صدرك } ( الشرح : 1 ) وهو هنا ضرب من الإلحاح في الدعاء لنفسه . # وأما تقديم هذا المجرور على متعلقه فليحصل الإجمال ثم التفصيل فيفيد مفاد ~~التأكيد من أجل تكرر الإسناد . PageV16P211 # ولم يأت بذلك مع قوله { واحلل عقدة من لساني } لأن ذلك سؤال يرجع إلى ~~تبليغ رسالة الله إلى فرعون فليست فائدتها راجعة إليه حتى يأتي لها بلام ~~التبيين . # وتنكير { عقدة } للتعظيم ، أي عقدة شديدة . # و { من لساني } صفة لعقدة . وعدل عن أن يقول : عقدة لساني ، بالإضافة ~~ليتأتى التنكير المشعر بأنها عقدة شديدة . # وفعل { يفقهوا } مجزوم في جواب الأمر على الطريقة المتبعة في القرآن من ~~جعل الشيء المطلوب بمنزلة الحاصل عقب الشرط كقوله تعالى : { قل للمؤمنين ~~يغضوا من أبصارهم } ( النور : 30 ) أي إن نقل لهم غضوا يغضوا ، أي شأنهم ~~الامتثال . والفقه : الفهم . # والوزير : فعيل بمعنى فاعل ، من وزار على غير قياس ، مثل حكيم من أحكم ، ~~وهو مشتق من ms5118 الأزر ، وهو المعونة ، والمؤازرة كذلك ، والكل مشتق من الأزر ، ~~أي الظهر ، كما سيأتي قريبا ، فحقه أن يكون أزيرا بالهمزة إلا أنهم قلبوا ~~همزته واوا حملا على موازر الذي هو بمعناه الذي قلبت همزته واوا لانضمام ما ~~قبلها . فلما كثر في الكلام قولهم : موازر ويوازر بالواو نطقوا بنظيره في ~~المعنى بالواو بدون موجب للقلب إلا الحمل على النظير في النطق ، أي اعتياد ~~النطق بهمزته واوا ، أي اجعل معينا من أهلي . # وخص هارون لفرط ثقته به ولأنه كان فصيح اللسان مقوالا ، فكونه من أهله ~~مظنة النصح له ، وكونه أخاه أقوى في المناصحة ، وكونه الأخ الخاص لأنه ~~معلوم عنده بأصالة الرأي . # وجملة { اشدد به أزري } على قراءة الجمهور بصيغة الأمر في فعلي { اشدد ، ~~وأشرك بيان لجملة اجعل لي وزيرا } . سأل الله PageV16P212 أن يجعله معينا ~~له في أعماله ، وسأله أن يأذن له بأن يكون شريكا لموسى في أمره ، أي أمر ~~رسالته . # وقرأ ابن عامر بصيغة المتكلم بفتح الهمزة المقطوعة في ( اشدد ) وبضم همزة ~~( أشركه ) ، فالفعلان إذن مجزومان في جواب الدعاء كما جزم { يفقهوا قولي . # و هارون } مفعول أول لفعل { اجعل } ، قدم عليه المفعول الثاني للاهتمام . # والشد : الإمساك بقوة . # والأزر : أصله الظهر . ولما كان الظهر مجمع حركة الجسم وقوام استقامته ~~أطلق اسمه على القوة إطلاقا شائعا يساوي الحقيقة فقيل الأزر للقوة . # وقيل : آزره إذا أعانه وقواه . وسمي الإزار إزارا لأنه يشد به الظهر ، ~~وهو في الآية مراد به الظهر ليناسب الشد ، فيكون الكلام تمثيلا لهيئة ~~المعين والمعان بهيئة مشدود الظهر بحزام ونحوه وشاده . # وعلل موسى عليه السلام سؤاله تحصيل ما سأله لنفسه ولأخيه ، بأن يسبحا ~~الله كثيرا ويذكرا الله كثيرا . ووجه ذلك أن فيما سأله لنفسه تسهيلا لأداء ~~الدعوة بتوفر آلاتها ووجود العون عليها ، وذلك مظنة تكثيرها . # وأيضا فيما سأله لأخيه تشريكه في الدعوة ولم يكن لأخيه من قبل ، وذلك ~~يجعل من أخيه مضاعفة لدعوته ، وذلك يبعث أخاه أيضا على الدعوة . ودعوة كل ~~منهما تشتمل على التعريف بصفات الله وتنزيهه فهي مشتملة على التسبيح ، وفي ms5119 ~~الدعوة حث على العمل بوصايا PageV16P213 الله تعالى عباده ، وإدخال الأمة ~~في حضرة الإيمان والتقوى ، وفي ذلك إكثار من ذكر الله بإبلاغ أمره ونهيه . ~~ألا ترى إلى قوله تعالى بعد هذه الآيات { اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا ~~في ذكري } ( طه : 42 ) ، أي لا تضعفا في تبليغ الرسالة ، فلا جرم كان في ~~تحصيل ما دعا به إكثار من تسبيحهما وذكرهما الله . # وأيضا في التعاون على أداء الرسالة تقليل من الاشتغال بضرورات الحياة ، ~~إذ يمكن أن يقتسما العمل الضروري لحياتهما فيقل زمن اشتغالهما بالضروريات ~~وتتوفر الأوقات لأداء الرسالة . وتلك فائدة عظيمة لكليهما في التبليغ . # والذي ألجأ موسى إلى سؤال ذلك علمه بشدة فرعون وطغيانه ومنعه الأمة من ~~مفارقة ضلالهم ، فعلم أن في دعوته فتنة للداعي فسأل الإعانة على الخلاص من ~~تلك الفتنة ليتوفرا للتسبيح والذكر كثيرا . # وجملة { إنك كنت بنا بصيرا } تعليل لسؤاله شرح صدره وما بعده ، أي لأنك ~~تعلم حالي وحال أخي ، وأني ما دعوتك بما دعوت إلا لأننا محتاجان لذلك ، ~~وفيه تفويض إلى الله تعالى بأنه أعلم بما فيه صلاحهم ، وأنه ما سأل سؤاله ~~إلا بحسب ما بلغ إليه علمه . # وقوله { قال قد أوتيت سؤلك ياموسى } وعد له بالإجابة ، وتصديق له فيما ~~توسمه من المصالح فيما سأله لنفسه ولأخيه . # والسؤل بمعنى المسؤول . وهو وزن فعل بمعنى مفعول كالخبز بمعنى المخبوز ، ~~والأكل بمعنى المأكول . وهذا يدل على أن العقدة زالت عن لسانه ، ولذلك لم ~~يحك فيما بعد أنه أقام هارون بمجادلة فرعون . ووقع في التوراة في الإصحاح ~~السابع من سفر الخروج : ( فقال الرب لموسى أنت تتكلم بكل ما أمرك به وهارون ~~أخوك يكلم فرعون ) . # PageV16P214 $ 2 ( 37 41 ) { ولقد مننا عليك مرة أخرى * إذ أوحينآ إلى ~~أمك ما يوحى * أن اقذفيه فى التابوت فاقذفيه فى اليم فليلقه اليم بالساحل ~~يأخذه عدو لى وعدو له وألقيت عليك محبة منى ولتصنع على عينى & # 1764 * إذ تمشى & # 1764 أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله فرجعناك إلى أمك كى تقر عينها ولا ~~تحزن وقتلت نفسا ms5120 فنجيناك من الغم وفتناك فتونا فلبثت سنين فى & # 1764 أهل مدين ثم جئت على قدر ياموسى * واصطنعتك لنفسى } ) 2 $ # { # جملة ولقد مننا عليك ولقد مننا عليك مرة أخرى * إذ أوحينآ إلى أمك ما ~~يوحى * أن } معطوفة على جملة { قد أوتيت سؤلك } ( طه : 36 ) لأن جملة { قد ~~أوتيت سؤلك تتضمن منة عليه ، فعطف عليها تذكير بمنة عليه أخرى في وقت ~~ازدياده ليعلم أنه لما كان بمحل العناية من ربه من أول أوقات وجوده فابتدأه ~~بعنايته قبل سؤاله فعنايته به بعد سؤاله أحرى ، ولأن تلك العناية الأولى ~~تمهيد لما أراد الله به من الاصطفاء والرسالة ، فالكرم يقتضي أن الابتداء ~~بالإحسان يستدعي الاستمرار عليه . فهذا طمأنة لفؤاده وشرح لصدره ليعلم أنه ~~سيكون مؤيدا في سائر أحواله المستقبلة ، كقوله تعالى لمحمد : ولسوف يعطيك ~~ربك فترضى ألم يجدك يتيما فآوى ووجدك ضالا فهدى ووجدك عائلا فأغنى } ( ~~الضحى : 5 8 ) . # وتأكيد الخبر بلام القسم و ( قد ) لتحقيق الخبر ، لأن موسى عليه السلام ~~قد علم ذلك ، فتحقيق الخبر له تحقيق للازمه المراد منه ، وهو أن عناية الله ~~به دائمة لا تنقطع عنه زيادة في تطمين خاطره بعد قوله تعالى : { قد أوتيت ~~سؤلك } ( طه : 36 ) . # والمرة : فعلة من المرور ، غلبت على معنى الفعلة الواحدة من عمل معين ~~يعرف بالإضافة أو بدلالة المقام . وقد تقدمت عند قوله تعالى : { وهم بدأوكم ~~أول مرة في سورة براءة ( 13 ) . وانتصاب مرة } هنا على المفعولية المطلقة ~~لفعل { مننا } ، أي مرة من المن . ووصفها بأخرى هنا باعتبار أنها غير هذه ~~المنة . PageV16P215 # و { إذ } ظرف للمنة . # والوحي ، هنا : وحي الإلهام الصادق . وهو إيقاع معنى في النفس ينثلج له ~~نفس الملقى إليه بحيث يجزم بنجاحه فيه وذلك من توفيق الله تعالى . وقد يكون ~~بطريق الرؤيا الصالحة التي يقذف في نفس الرائي أنها صدق . # و { ما يوحى } موصول مفيد أهمية ما أوحي إليها . ومفيد تأكيد كونه إلهاما ~~من قبل الحق . # و { أن } تفسير لفعل { أوحينا } لأنه معنى القول دون حروفه أو تفسير ~~ليوحى . # والقذف : أصله الرمي ، وأطلق ms5121 هنا على الوضع في التابوت ، تمثيلا لهيئة ~~المخفى عمله ، فهو يسرع وضعه من يده كهيئة من يقذف حجرا ونحوه . # والتابوت : الصندوق . وتقدم عند قوله تعالى : { إن آية ملكه أن يأتيكم ~~التابوت في سورة البقرة ( 248 ) . # واليم : البحر ، والمراد به نهر النيل . # والساحل : الشاطىء ، ولام الأمر في قوله فليلقه } دالة على أمر التكوين ، ~~أي سخرنا اليم لأن يلقيه بالساحل ، ولا يبتعد به إلى مكان بعيد ، والمراد ~~ساحل معهود ، وهو الذي يقصده آل فرعون للسباحة . # والضمائر الثلاثة المنصوبة يجوز أن تكون عائدة إلى موسى لأنه المقصود وهو ~~حاضر في ذهن أمه الموحى إليها ، وقذفه في التابوت وفي اليم وإلقاؤه في ~~الساحل كلها أفعال متعلقة بضميره ، PageV16P216 إذ لا فرق في فعل الإلقاء ~~بين كونه مباشرا أو في ضمن غيره ، لأنه هو المقصود بالأفعال الثلاثة . ~~ويجوز جعل الضميرين الأخيرين عائدين إلى التابوت ولا لبس في ذلك . # وجزم { يأخذه } في جواب الأمر على طريقة جزم قوله { يفقهوا قولي } ( طه : ~~28 ) المتقدم آنفا . # والعدو : فرعون ، فهو عدو الله لأنه انتحل لنفسه الإلهية ، وعدو موسى ~~تقديرا في المستقبل ، وهو عدوه لو علم أنه من غلمان إسرائيل لأنه اعتزم على ~~قتل أبنائهم . # { وألقيت عليك محبة منى } # عطف على جملة { أوحينا أي حين أوحينا إلى أمك ما كان به سلامتك من الموت ~~، وحين ألقيت عليك محبة لتحصل الرقة لواجده في اليم ، فيحرص على حياته ~~ونمائه ويتخذه ولدا كما جاء في الآية الأخرى وقالت امرأة فرعون قرة عينن لي ~~ولك لا تقتلوه } ( القصص : 9 ) ؛ لأن فرعون قد غلب على ظنه أنه من غلمان ~~إسرائيل وليس من أبناء القبط ، أو لأنه يخطر بباله الأخذ بالاحتياط . # وإلقاء المحبة مجاز في تعلق المحبة به ، أي خلق المحبة في قلب المحب بدون ~~سبب عادي حتى كأنه وضع باليد لا مقتضي له في العادة . # ووصف المحبة بأنها من الله للدلالة على أنها محبة خارقة للعادة لعدم ~~ابتداء أسباب المحبة العرفية من الإلف والانتفاع ، ألا ترى قول امرأة فرعون ~~: { عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا } ( القصص ms5122 : 9 ) مع قولها : { قرة عين لي ~~ولك } ( القصص : 9 ) ، فكان قرة عين لها قبل أن ينفعها وقبل اتخاذه ولدا . ~~PageV16P217 # ( سقط : ولتصنع على عيني إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله ~~فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن ) # جملة ولتصنع على عيني ولتصنع على عينى & # 1764 * إذ تمشى & # 1764 أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله فرجعناك إلى أمك كى تقر عينها ولا ~~تحزن وقتلت نفسا فنجيناك } عطف على جملة { إذ أوحينا إلى أمك الخ . جعل ~~الأمران إتماما لمنة واحدة لأن إنجاءه من القتل لا يظهر أثره إلا إذا أنجاه ~~من الموت بالذبول لترك الرضاعة ، ومن الإهمال المفضي إلى الهلاك أو الوهن ~~إذا ولي تربيته من لا يشفق عليه الشفقة الجبلية . والتقدير : وإذ تمشي أختك ~~فتقول هل أدلكم على من يكفله لأجل أن تصنع على عيني . # والصنع : مستعار للتربية والتنمية ، تشبيها لذلك بصنع شيء مصنوع ، ومنه ~~يقال لمن أنعم عليه أحد نعمة عظيمة : هو صنيعة فلان . # وأخت موسى : مريم ابنة عمران . وفي التوراة : أنها كانت نبيئة كما في ~~الإصحاح الخامس عشر من سفر الخروج . وتوفيت مريم سنة ثلاث من خروج بني ~~إسرائيل من مصر في برية صين كما في الإصحاح التاسع عشر من سفر العدد . وذلك ~~سنة 1417 قبل المسيح . # وقرأه الجمهور بكسر اللام على أنها لام كي وبنصب فعل تصنع . وقرأه أبو ~~جعفر بسكون اللام على أنها لام الأمر وبجزم الفعل على أنه أمر تكويني ، أي ~~وقلنا : لتصنع . # وقوله على عيني } ( على ) منه للاستعلاء المجازي ، أي المصاحبة المتمكنة ~~، فعلى هنا بمعنى باء المصاحبة قال تعالى : { فإنك بأعيننا } ( الطور : 48 ~~) . PageV16P218 # والعين : مجاز في المراعاة والمراقبة كقوله تعالى : { واصنع الفلك ~~بأعيننا } ( هود : 37 ) ، وقول النابغة : # عهدتك ترعاني بعينن بصيرة # وتبعث حراسا علي وناظرا # ووقع اختصار في حكاية قصة مشي أخته ، وفصلت في سورة القصص . # والاستفهام في { هل أدلكم } للعرض . وأرادت ب { من يكفله } أمه . فلذلك ~~قال { فرجعناك إلى أمك } . # وهذه منة عليه لإكمال نمائه ، وعلى أمه بنجاته فلم تفارق ms5123 ابنها إلا ساعات ~~قلائل ، أكرمها الله بسبب ابنها . # وعطف نفي الحزن على قرة العين لتوزيع المنة ، لأن قرة عينها برجوعه إليها ~~. وانتفاء حزنها بتحقق سلامته من الهلاك ومن الغرق وبوصوله إلى أحسن مأوى . ~~وتقديم قرة العين على انتفاء الحزن مع أنها أخص فيغني ذكرها عن ذكر انتفاء ~~الحزن ؛ روعي فيه مناسبة تعقيب { فرجعناك إلى أمك } بما فيه من الحكمة ، ثم ~~أكمل بذكر الحكمة في مشي أخته فتقول : { هل أدلكم على من يكفله في بيتها ، ~~وكذلك كان شأن المراضع ذوات الأزواج كما جاء في حديث حليمة ، وكذلك ثبت في ~~التوراة في سفر الخروج . # جملة وقتلت وقتلت نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا فلبثت سنين فى & # 1764 أهل مدين ثم جئت على قدر ياموسى * واصطنعتك لنفسى } عطف على جملة { ~~ولقد مننا عليك مرة أخرى لأن المذكور في جملة وقتلت نفسا } منة أخرى ثالثة ~~. PageV16P219 # وقدم ذكر قتله النفس على ذكر الإنجاء من الغم لتعظيم المنة ، حيث افتتحت ~~القصة بذكر جناية عظيمة التبعة ، وهي قتل النفس ليكون لقوله { فنجيناك } ~~موقع عظيم من المنة ، إذ أنجاه من عقوبة لا ينجو من مثلها مثله . # وهذه النفس هي نفس القبطي من قوم فرعون الذي اختصم مع رجل من بني إسرائيل ~~في المدينة فاستغاث الإسرائيلي بموسى لينصره فوكز موسى القبطي فقضى عليه ~~كما قص ذلك في سورة القصص . # والغم : الحزن . والمعني به ما خامر موسى من خوف الاقتصاص منه ، لأن ~~فرعون لما بلغه الخبر أضمر الاقتصاص من موسى للقبطي إذ كان القبط سادة ~~الإسرائيليين ، فليس اعتداء إسرائيلي على قبطي بهين بينهم . ويظهر أن فرعون ~~الذي تبنى موسى كان قد هلك قبل ذلك . # والفتون : مصدر فتن ، كالخروج ، والثبور ، والشكور ، وهو مفعول مطلق ~~لتأكيد عامله وهو { فتناك ، وتنكيره للتعظيم ، أي فتونا قويا عظيما . # والفتون كالفتنة : هو اضطراب حال المرء في مدة من حياته . وتقدم عند قوله ~~تعالى : والفتنة أشد من القتل في سورة البقرة ( 191 ) . ويظهر أن الفتون ~~أصل مصدر فتن بمعنى اختبر ، فيكون في الشر وفي الخير . وأما الفتنة ms5124 فلعلها ~~خاصة باختبار المضر . ويظهر أن التنوين في فتونا للتقليل ، وتكون جملة ~~وفتناك فتونا } كالاستدراك على قوله { فنجيناك من الغم } ، أي نجيناك وحصل ~~لك خوف ، كقوله { فأصبح في المدينة خائفا يترقب } ( القصص : 18 ) فذلك ~~الفتون . # والمراد بهذا الفتون خوف موسى من عقاب فرعون وخروجه من البلد المذكور في ~~قوله تعالى : { فأصبح في المدينة خائفا PageV16P220 يترقب إلى قوله : وجاء ~~رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج ~~إني لك من الناصحين فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين } ~~( القصص : 18 21 ) . # وذكر الفتون بين تعداد المنن إدماج للإعلام بأن الله لم يهمل دم القبطي ~~الذي قتله موسى ، فإنه نفس معصومة الدم إذ لم يحصل ما يوجب قتله لأنهم لم ~~ترد إليهم دعوة إلهية حينئذ . فحين أنجى الله موسى من المؤاخذة بدمه في شرع ~~فرعون ابتلى موسى بالخوف والغربة عتابا له على إقدامه على قتل النفس ، كما ~~قال في الآية الأخرى : { قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين قال رب ~~إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له } ( القصص : 15 16 ) . وعباد الله الذين ~~أراد بهم خيرا ورعاهم بعنايته يجعل لهم من كل حالة كمالا يكسبونه ، ويسمى ~~مثل ذلك بالابتلاء ، فكان من فتون موسى بقضية القبطي أن قدر له الخروج إلى ~~أرض مدين ليكتسب رياضة نفس وتهيئة ضمير لتحمل المصاعب ، ويتلقى التهذيب من ~~صهره الرسول شعيب عليه السلام . ولهذا المعنى عقب ذكر الفتون بالتفريع في ~~قوله { فلبثت سنين في أهلل مدين ثم جئت على قدر ياموسى } فبين له كيف كانت ~~عاقبة الفتون . # أو يكون الفتون مشتركا بين محمود العاقبة وضده مثل الابتلاء في قوله : { ~~وبلوناهم بالحسنات والسيئات } ( الأعراف : 168 ) ، أي واختبرناك اختبارا ، ~~والاختبار : تمثيل لحال تكليفه بأمر التبليغ بحال من يختبر ، ولهذا اختير ~~هنا دون الفتنة . # وأهل مدين : قوم شعيب . ومدين : اسم أحد أبناء إبراهيم عليه السلام سكنت ~~ذريته في مواطن تسمى الأيكة على شاطىء البحر الأحمر جنوب عقبة أيلة ، وغلب ~~اسم ms5125 القبيلة على الأرض وصار علما للمكان فمن ثم أضيف إليه ( أهل ) . وقد ~~تقدم في سورة الأعراف . PageV16P221 # ومعنى { جئت } حضرت لدينا ، وهو حضوره بالواد المقدس لتلقي الوحي . # و ( على ) للاستعلاء المجازي بمعنى التمكن ؛ جعل مجيئه في الوقت الصالح ~~للخير بمنزلة المستعلي على ذلك الوقت المتمكن منه . # والقدر : تقدير الشيء على مقدار مناسب لما يريد المقدر بحيث لم يكن على ~~سبيل المصادفة ، فيكون غير ملائم أو في ملاءمته خلل ، قال النابغة : # فريع قلبي وكانت نظرة عرضت # يوما وتوفيق أقدار لأقدار # أي موافقة ما كنت أرغبه . # فقوله { ثم جئت على قدر يا موسى } يفيد أن ما حصل لموسى من الأحوال كان ~~مقدرا من الله تقديرا مناسبا متدرجا ، بحيث تكون أعماله وأحواله قد قدرها ~~الله وحددها تحديدا منظما لأجل اصطفائه وما أراد الله من إرساله ، فالقدر ~~هنا كناية عن العناية بتدبير إجراء أحواله على ما يسفر عن عاقبة الخير . # فهذا تقدير خاص ، وهو العناية بتدرج أحواله إلى أن بلغ الموضع الذي كلمه ~~الله منه . # وليس المراد القدر العام الذي قدره الله لتكوين جميع الكائنات ، فإن ذلك ~~لا يشعر بمزية لموسى عليه السلام . وقد انتبه إلى هذا المعنى جرير بذوقه ~~السليم فقال في مدح عمر بن عبد العزيز : # أتى الخلافة إذ كانت له قدرا # كما أتى ربه موسى على قدر # ومن هنا ختم الامتنان بما هو الفذلكة ، وذلك جملة { واصطنعتك لنفسي } ~~الذي هو بمنزلة رد العجز على الصدر على قوله { ولتصنع PageV16P222 على عيني ~~إذ تمشي أختك الآية ، وهو تخلص بديع إلى الغرض المقصود وهو الخطاب بأعمال ~~الرسالة المبتدأ من قوله : وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى } ( طه : 13 ) ومن ~~قوله : { اذهب إلى فرعون إنه طغى } ( طه : 24 ) . # والاصطناع : صنع الشيء باعتناء . واللام للأجل ، أي لأجل نفسي . والكلام ~~تمثيل لهيئة الاصطفاء لتبليغ الشريعة بهيئة من يصطنع شيئا لفائدة نفسه ~~فيصرف فيه غاية إتقان صنعه . # # | 2 ( 42 ) { اذهب أنت وأخوك بئاياتى ولا تنيا فى ذكرى } ) 2 # رجوع إلى المقصد بعد المحاورة ، فالجملة بيان لجملة : { اذهب إلى فرعون ~~إنه ms5126 طغى } ، أو هي استئناف بياني لأن قوله : { واصطنعتك لنفسي } ( طه : 41 ~~) يؤذن بأنه اختاره وأعده لأمر عظيم ، لأن الحكيم لا يتخذ شيئا لنفسه إلا ~~مريدا جعله مظهرا لحكمته ، فيترقب المخاطب تعيينها ، وقد أمره هنا بالذهاب ~~إلى فرعون وأن يذهب أخوه معه . ومعنى ذلك أنه يبلغ أخاه أن الله أمره ~~بمرافقته ، لأن هارون لم يكن حاضرا حين كلم الله موسى في البقعة المباركة ~~من الشجرة . ولأنه لم يكن الوقت وقت الشروع في الذهاب إلى فرعون ، فتعين أن ~~الأمر لطلب حصول الذهاب المستقبل عند الوصول إلى مصر بلد فرعون وعند لقائه ~~أخاه هارون وإبلاغه أمر الله إياه ، فقرينة عدم إرادة الفور هنا قائمة . # والباء للمصاحبة لقصد تطمين موسى بأنه سيكون مصاحبا لآيات الله ، أي ~~الدلائل التي تدل على صدقه لدى فرعون . # ومعنى { ولا تنيا } لا تضعفا . يقال : ونى يني ونى ، أي ضعف في العمل ، ~~أي لا تنن أنت وأبلغ هارون أن لا يني ، فصيغة النهي مستعملة في حقيقتها ~~ومجازها . # PageV16P223 # | 2 ( 43 44 ) { اذهبآ إلى فرعون إنه طغى * فقولا له قولا لينا لعله ~~يتذكر أو يخشى } ) 2 # يجوز أن يكون انتقال إلى خطاب موسى وهارون . فيقتضي أن هارون كان حاضرا ~~لهذا الخطاب ، وهو ظاهر قوله بعده قالا { ربنا إننا نخاف } ( طه : 45 ) ، ~~وكان حضور هارون عند موسى بوحي من الله أوحاه إلى هارون في أرض ( جاسان ) ~~حيث منازل بني إسرائيل من أرض قرب ( طيبة ) . قال في التوراة في الإصحاح ~~الرابع من سفر الخروج ( وقال ( أي الله ) ها هو هارون خارجا لاستقبالك ~~فتكلمه أيضا ) . وفيه أيضا ( وقال الرب لهارون اذهب إلى البرية لاستقبال ~~موسى فذهب والتقيا في جبل الله ) أي جبل حوريب ، فيكون قد طوي ما حدث بين ~~تكليم الله تعالى موسى في الوادي عند النار وما بين وصول موسى مع أهله إلى ~~جبل ( حوريب ) في طريقه إلى أرض مصر ، ويكون قوله { قالا ربنا إننا نخاف } ~~الخ ، جوابا عن قول الله تعالى لهما : { اذهب إلى فرعون الخ . ويكون فصل ~~جملة قالا ربنا إننا نخاف ms5127 الخ لوقوعها في أسلوب المحاورة . # ويجوز أن تكون جملة اذهبا إلى فرعون } بدلا من جملة { اذهب أنت وأخوك } ( ~~طه : 42 ) ، فيكون قوله { اذهبا أمرا لموسى بأن يذهب وأن يأمر أخاه بالذهاب ~~معه وهارون غائب ، وهذا أنسب لسياق الجمل ، وتكون جملة قالا ربنا إننا نخاف ~~مستأنفة استئنافا ابتدائيا ، وقد طوي ما بين خطاب الله موسى وما بين حكاية ~~قالا ربنا إننا نخاف الخ . والتقدير : فذهب موسى ولقي أخاه هارون ، وأبلغه ~~أمر الله له بما أمره ، فقالا ربنا إننا نخاف الخ . # وجملة إنه طغى } تعليل للأمر بأن يذهبا إليه . فعلم أنه لقصد كفه عن ~~طغيانه . PageV16P224 # وفعل { طغى } رسم في المصحف آخره ألفا ممالة ، أي بصورة الياء للإشارة ~~إلى أنه من طغي مثل رضي . ويجوز فيه الواو فيقال : يطغو مثل يدعو . # والقول اللين : الكلام الدال على معاني الترغيب والعرض واستدعاء الامتثال ~~، بأن يظهر المتكلم للمخاطب أن له من سداد الرأي ما يتقبل به الحق ويميز به ~~بين الحق والباطل مع تجنب أن يشتمل الكلام على تسفيه رأي المخاطب أو تجهيله ~~. # فشبه الكلام المشتمل على المعاني الحسنة بالشيء اللينن . # واللين ، حقيقة من صفات الأجسام ، وهو : رطوبة ملمس الجسم وسهولة ليه ، ~~وضد اللين الخشونة . ويستعار اللين لسهولة المعاملة والصفح . وقال عمرو بن ~~كلثوم : # فإن قناتنا يا عمرو أعيت # على الأعداء قبلك أن تلينا # واللين من شعار الدعوة إلى الحق ، قال تعالى : { وجادلهم بالتي هي أحسن } ~~( النحل : 125 ) وقال : { فبما رحمة من الله لنت لهم } ( آل عمران : 159 ) ~~. ومن اللين في دعوة موسى لفرعون قوله تعالى : { فقل هل لك إلى أن تزكى ~~وأهديك إلى ربك فتخشى } ( النازعات : 18 ، 19 ) وقوله : { والسلام على من ~~اتبع الهدى } ( الكهف : 47 ) ، إذ المقصود من دعوة الرسل حصول الاهتداء لا ~~إظهار العظمة وغلظة القول بدون جدوى . فإذا لم ينفع اللين مع المدعو وأعرض ~~واستكبر جاز في موعظته الإغلاظ معه ، قال تعالى : { ولا تجادلوا أهل الكتاب ~~إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم } ( العنكبوت : 46 ) ، وقال تعالى ~~عن موسى : { إنا قد ms5128 أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى } ( طه : 48 ) . # والترجي المستفاد من ( لعل ) إما تمثيل لشأن الله في دعوة فرعون بشأن ~~الراجي ، وإما أن يكون إعلاما لموسى وفرعون بأن يرجوا ذلك ، PageV16P225 ~~فكان النطق بحرف الترجي على لسانهما ، كما تقول للشخص إذا أشرت عليه بشيء : ~~فلعله يصادفك تيسير ، وأنت لا تريد أنك ترجو ذلك ولكن بطلب رجاء من المخاطب ~~. وقد تقدمت نظائره في القرآن غير مرة . # والتذكر : من الذكر بضم الذال أي النظر ، أي لعله ينظر نظر المتبصر فيعرف ~~الحق أو يخشى حلول العقاب به فيطيع عن خشية لا عن تبصر . وكان فرعون من أهل ~~الطغيان واعتقاد أنه على الحق ، فالتذكر : أن يعرف أنه على الباطل ، ~~والخشية : أن يتردد في ذلك فيخشى أن يكون على الباطل فيحتاط لنفسه بالأخذ ~~بما دعاه إليه موسى . # وهنا انتهى تكليم الله تعالى موسى عليه السلام . # $ 2 ( 45 48 ) { قالا ربنآ إننا نخاف أن يفرط علينآ أو أن يطغى * قال لا ~~تخافآ إننى معكمآ أسمع وأرى * فأتياه فقولا & # 1764 إنا رسولا ربك فأرسل معنا بنى & # 1764 إسراءيل ولا تعذبهم قد جئناك بئاية من ربك والسلام على من اتبع ~~الهدى * إنا قد أوحى إلينآ أن العذاب على من كذب وتولى } ) 2 $ # فصلت الجملتان لوقوعهما موقع المحاورة بين موسى مع أخيه وبين الله تعالى ~~على كلا الوجهين اللذين ذكرناهما آنفا ، أي جمعا أمرهما وعزم موسى وهارون ~~على الذهاب إلى فرعون فناجيا ربهما { قالا ربنا PageV16P226 إننا نخاف أن ~~يفرط علينا أو أن يطغى } ، لأن غالب التفكير في العواقب والموانع يكون عند ~~العزم على الفعل ، والأخذ في التهيؤ له ، ولذلك أعيد أمرهما بقوله تعالى : ~~{ فأتياه } . # و { يفرط } معناه يعجل ويسبق ، يقال : فرط يفرط من باب نصر . والفارط : ~~الذي يسبق الواردة إلى الحوض للشرب . والمعنى : نخاف أن يعجل بعقابنا ~~بالقتل أو غيره من العقوبات قبل أن نبلغه ونحجه . # والطغيان : التظاهر بالتكبر . وتقدم آنفا عند قوله { اذهب إلى فرعون إنه ~~طغى } ( طه : 24 ) ، أي نخاف أن يخامره كبره فيعد ذكرنا إلها ms5129 دونه تنقيصا ~~له وطعنا في دعواه الإلهية فيطغى ، أي يصدر منه ما هو أثر الكبر من التحقير ~~والإهانة . فذكر الطغيان بعد الفرط إشارة إلى أنهما لا يطيقان ذلك ، فهو ~~انتقال من الأشد إلى الأضعف لأن { نخاف يؤول إلى معنى النفي . وفي النفي ~~يذكر الأضعف بعد الأقوى بعكس الإثبات ما لم يوجد ما يقتضي عكس ذلك . # وحذف متعلق يطغى } فيحتمل أن حذفه لدلالة نظيره عليه ، وأوثر بالحذف ~~لرعاية الفواصل . والتقدير : أو أن يطغى علينا . ويحتمل أن متعلقه ليس نظير ~~المذكور قبله بل هو متعلق آخر لكون التقسيم التقديري دليلا عليه ، لأنهما ~~لما ذكر متعلق { يفرط علينا وكان الفرط شاملا لأنواع العقوبات حتى الإهانة ~~بالشتم لزم أن يكون التقسيم بأو منظورا فيه إلى حالة أخرى وهي طغيانه على ~~من لا يناله عقابه ، أي أن يطغى على الله بالتنقيص كقوله : ما علمت لكم من ~~إلاه غيري } ( القصص : 38 ) وقوله : { لعلي اطلع إلى إله موسى } ( القصص : ~~38 ) ، فحذف متعلق { يطغى حينئذ لتنزيهه عن التصريح به في هذا المقام . ~~والتقدير : أو أن يطغى عليك فيتصلب في كفره ويعسر صرفه PageV16P227 عنه . ~~وفي التحرز من ذلك غيرة على جانب الله تعالى ، وفيه أيضا تحرز من رسوخ ~~عقيدة الكفر في نفس الطاغي فيصير الرجاء في إيمانه بعد ذلك أضعف منه فيما ~~قبل ، وتلك مفسدة في نظر الدين . وحصلت مع ذلك رعاية الفاصلة . # قال الله لا تخافا } ، أي لا تخافا حصول شيء من الأمرين ، وهو نهي مكنى ~~به عن نفي وقوع المنهي عنه . # وجملة { إنني معكما } تعليل للنهي عن الخوف الذي هو في معنى النفي ، ~~والمعية معية حفظ . # و { أسمع وأرى } حالان من ضمير المتكلم ، أي أنا حافظكما من كل ما ~~تخافانه ، وأنا أعلم الأقوال والأعمال فلا أدع عملا أو قولا تخافانه . # ونزل فعلا { أسمع وأرى } منزلة اللازمين إذ لا غرض لبيان مفعولهما بل ~~المقصود : أني لا يخفى علي شيء . وفرع عليه إعادة الأمر بالذهاب إلى فرعون ~~. # والإتيان : الوصول والحلول ، أي فحلا عنده ، لأن الإتيان أثر الذهاب ~~المأمور به ms5130 في الخطاب السابق ، وكانا قد اقتربا من مكان فرعون لأنهما في ~~مدينته ، فلذا أمرا بإتيانه ودعوته . # وجاءت تثنية رسول على الأصل في مطابقة الوصف الذي يجري عليه في الإفراد ~~وغيره . # وفعول الذي بمعنى مفعول تجوز فيه المطابقة ، كقولهم ناقة طروقة الفحل ، ~~وعدم المطابقة كقولهم : وحشية خلوج ، أي اختلج ولدها . وجاء الوجهان في نحو ~~( رسول ) وهما وجهان مستويان . PageV16P228 ومن مجيئه غير مطابق قوله تعالى ~~في سورة الشعراء ( 16 ) : { فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين وسيجيء ~~تحقيق ذلك هنالك إن شاء الله . # وأدخل فاء التفريع على طلب إطلاق بني إسرائيل لأنه جعل طلب إطلاقهم ~~كالمستقر المعلوم عند فرعون ؛ إما لأنه سبقت إشاعة عزمهما على الحضور عند ~~فرعون لذلك المطلب ، وإما لأنه جعله لأهميته كالمقرر . وتفريع ذلك على ~~كونهما مرسلين من الله ظاهر ، لأن المرسل من الله تجب طاعته . # وخصا الرب بالإضافة إلى ضمير فرعون قصدا لأقصى الدعوة ، لأن كون الله ~~ربهما معلوم من قولهما إنا رسولا ربك } وكونه رب الناس معلوم بالأحرى لأن ~~فرعون علمهم أنه هو الرب . # والتعذيب الذي سألاه الكف عنه هو ما كان فرعون يسخر له بني إسرائيل من ~~الأعمال الشاقة في الخدمة ، لأنه كان يعد بني إسرائيل كالعبيد والخول جزاء ~~إحلالهم بأرضه . # وجملة { قد جئناك بآية من ربك } فيها بيان لجملة { إنا رسولا ربك } فكانت ~~الأولى إجمالا والثانية بيانا . وفيها معنى التعليل لتحقيق كونهما مرسلين ~~من الله بما يظهره الله على يد أحدهما من دلائل الصدق . وكلا الغرضين يوجب ~~فصل الجملة عن التي قبلها . # واقتصر على أنهما مصاحبان لآية إظهارا لكونهما مستعدين لإظهار الآية إذا ~~أراد فرعون ذلك . فأما إن آمن بدون احتياج إلى إظهار الآية يكن إيمانه أكمل ~~، ولذلك حكي في سورة الأعراف ( 16 ) قول فرعون : { قال إن كنت جئت بآية فإت ~~بها إن كنت من الصادقين . وهذه الآية هي انقلاب العصا حية ، وقد تبعتها ~~آيات أخرى . PageV16P229 # والاقتصار على طلب إطلاق بني إسرائيل يدل على أن موسى أرسل لإنقاذ بني ~~إسرائيل وتكوين أمة مستقلة ؛ بأن يبث ms5131 فيهم الشريعة المصلحة لهم والمقيمة ~~لاستقلالهم وسلطانهم ، ولم يرسل لخطاب القبط بالشريعة ومع ذلك دعا فرعون ~~وقومه إلى التوحيد لأنه يجب عليه تغيير المنكر الذي هو بين ظهرانيه . # وأيضا لأن ذلك وسيلة إلى إجابته طلب إطلاق بني إسرائيل . وهذا يؤخذ مما ~~في هذه الآية وما في آية سورة الإسراء وما في آية سورة النازعات والآيات ~~الأخرى . # والسلام : السلامة والإكرام . وليس المراد به هنا التحية ، إذ ليس ثم ~~معين يقصد بالتحية . ولا يراد تحية فرعون لأنها إنما تكون في ابتداء ~~المواجهة لا في أثناء الكلام ، وهذا كقول النبي في كتابه إلى هرقل وغيره : ~~أسلم تسلم . # و ( على ) للتمكن ، أي سلامة من اتبع الهدى ثابتة لهم دون ريب . وهذا ~~احتراس ومقدمة للإنذار الذي في قوله إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من ~~كذب وتولى } ، فقوله : { والسلام على من اتبع الهدى } ( طه : 47 ) تعريض ~~بأن يطلب فرعون الهدى الذي جاء به موسى عليه السلام . # وقوله { إنا قد أوحي إلينا } تعريض لإنذاره على التكذيب قبل حصوله منه ~~ليبلغ الرسالة على أتم وجه قبل ظهور رأي فرعون في ذلك حتى لا يجابهه بعد ~~ظهور رأيه بتصريح توجيه الإنذار إليه . وهذا من أسلوب القول اللين الذي ~~أمرهما الله به . # وتعريف العذاب تعريف الجنس ، فالمعرف بمنزلة النكرة ، كأنه قيل : إن ~~عذابا على من كذب . PageV16P230 # وإطلاق السلام والعذاب دون تقييد بالدنيا أو الآخرة تعميم للبشارة ~~والنذارة ، قال تعالى في سورة النازعات ( 25 ، 26 ) : { فأخذه الله نكال ~~الآخرة والأولى إن في ذلك لعبرة لمن يخشى . # وهذا كله كلام الله الذي أمرهما بتبليغه إلى فرعون ، كما يدل لذلك تعقيبه ~~بقوله تعالى : قال فمن ربكما يا موسى } ( طه : 49 ) على أسلوب حكاية ~~المحاورات . وما ذكر من أول القصة إلى هنا لم يتقدم في السور الماضية . # $ 2 ( 49 50 ) { قال فمن ربكما ياموسى * قال ربنا الذى & # 1764 أعطى كل شىء خلقه ثم هدى } ) 2 $ # هذا حكاية جواب فرعون عن الكلام الذي أمر الله موسى وهارون بإبلاغه فرعون ~~، ففي الآية حذف جمل ms5132 دل عليها السياق قصدا للإيجاز . والتقدير : فأتياه ~~فقالا له ما أمرا به ، فقال : فمن ربكما ؟ . # ولذلك جاءت حكاية قول فرعون بجملة مفصولة على طريقة حكاية المحاورات التي ~~استقريناها من أسلوب القرآن وبيناها في سورة البقرة وغيرها . # ووجه فرعون الخطاب إليهما بالضمير المشترك ، ثم خص موسى بالإقبال عليه ~~بالنداء ، لعلمه بأن موسى هو الأصل بالرسالة وأن هارون تابع له ، وهذا وإن ~~لم يحتو عليه كلامهما فقد تعين أن يكون فرعون علمه من كيفية دخولهما عليه ~~ومخاطبته ، ولأن موسى كان معروفا في بلاط فرعون لأنه ربيه أو ربي أبيه فله ~~سابقة اتصال PageV16P231 بدار فرعون ، كما دل عليه قوله له المحكي في آية ~~سورة الشعراء ( 18 ) : { قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين ~~الآية . ولعل موسى هو الذي تولى الكلام وهارون يصدقه بالقول أو بالإشارة . # وإضافته الرب إلى ضميرهما لأنهما قالا له إنا رسولا ربك } ( طه : 47 ) . # وأعرض عن أن يقول : فمن ربي ؟ إلى قوله { فمن ربكما } إعراضا عن الاعتراف ~~بالمربوبية ولو بحكاية قولهما ، لئلا يقع ذلك في سمع أتباعه وقومه فيحسبوا ~~أنه متردد في معرفة ربه ، أو أنه اعترف بأن له ربا . وتولى موسى الجواب ~~لأنه خص بالسؤال بسبب النداء له دون غيره . # وأجاب موسى بإثبات الربوبية لله لجميع الموجودات جريا على قاعدة ~~الاستدلال بالكلية على الجزئية بحيث ينتظم من مجموعهما قياس ، فإن فرعون من ~~جملة الأشياء ، فهو داخل في عموم { كل شيء } . # و { كل شيء } مفعول أول ل { أعطى } . و { خلقه } مفعوله الثاني . # والخلق : مصدر بمعنى الإيجاد . وجيء بفعل الإعطاء للتنبيه على أن الخلق ~~والتكوين نعمة ، فهو استدلال على الربوبية وتذكير بالنعمة معا . # ويجوز أن يكون الخلق بالمعنى الأخص ، وهو الخلق على شكل مخصوص ، فهو ~~بمعنى الجعل ، أي الذي أعطى كل شيء من الموجودات شكله المختص به ، فكونت ~~بذلك الأجناس والأنواع والأصناف والأشخاص من آثار ذلك الخلق . # ويجوز أن يكون { كل شيء } مفعولا ثانيا ل { أعطى } ومفعوله الأول { خلقه ~~} ، أي أعطى خلقه ما يحتاجونه ، كقوله : { فأخرجنا به نبات ms5133 كل شيء } ( ~~الأنعام : 99 ) . فتركيب الجملة صالح للمعنيين . PageV16P232 # والاستغراق المستفاد من ( كل ) عرفي ، أي كل شيء من شأنه أن يعطاه أصناف ~~الخلق ويناسب المعطي ، أو هو استغراق على قصد التوزيع بمقابلة الأشياء ~~بالخلق ، مثل : ركب القوم دوابهم . # والمعنى : تأمل وانظر هل أنت أعطيت الخلق أو لا ؟ فلا شك أنه يعلم أنه ما ~~أعطى كل شيء خلقه ، فإذا تأمل علم أن الرب هو الذي أفاض الوجود والنعم على ~~الموجودات كلها ، فآمن به بعنوان هذه الصفة وتلك المعرفة الموصلة إلى ~~الإعتقاد الحق . # و ( ثم ) للترتيب بمعنييه الزمني والرتبي ، أي خلق الأشياء ثم هدى إلى ما ~~خلقهم لأجله ، وهداهم إلى الحق بعد أن خلقهم ، وأفاض عليهم النعم ، على حد ~~قوله تعالى : { ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين وهديناه النجدين } ( البلد ~~: 8 10 ) أي طريقي الخير والشر ، أي فرقنا بينهما بالدلائل الواضحة . # قال الزمخشري في ( الكشاف ) : ( ولله در هذا الجواب ما أخصره وما أجمعه ~~وما أبينه لمن ألقى الذهن ونظر بعين الإنصاف وكان طالبا للحق ) . # # | 2 ( 51 52 ) { قال فما بال القرون الاولى * قال علمها عند ربى فى كتاب ~~لا يضل ربى ولا ينسى } ) 2 # والبال : كلمة دقيقة المعنى ، تطلق على الحال المهم ، ومصدره البالة ~~بتخفيف اللام ، قال تعالى : { كفر عنهم سيآتهم وأصلح بالهم } ( محمد : 2 ) ~~، أي حالهم . وفي الحديث ( كل أمر ذي بال . . . ) الخ ، وتطلق على الرأي ~~يقال : خطر كذا ببالي . ويقولون : ما ألقى له بالا ، وإيثار هذه الكلمة هنا ~~من دقيق الخصائص البلاغية . PageV16P233 # أراد فرعون أن يحاج موسى بما حصل للقرون الماضية الذين كانوا على ملة ~~فرعون ، أي قرون أهل مصر ، أي ما حالهم ، أفتزعم أنهم اتفقوا على ضلالة . ~~وهذه شنشنة من لا يجد حجة فيعمد إلى التشغيب بتخييل استبعاد كلام خصمه ، ~~وهو في معنى قول فرعون وملئه في الآية الأخرى { قالوا أجئتنا لتلفتنا عما ~~وجدنا عليه آباءنا ( يونس : 78 ) . # ويجوز أن يكون المعنى أن فرعون أراد التشغيب على موسى حين نهضت حجته بأن ~~ينقله إلى الحديث عن حال القرون الأولى : هل ms5134 هم في عذاب بمناسبة قول موسى : ~~أن العذاب على من كذب وتولى } ( طه : 48 ) ، فإذا قال : إنهم في عذاب ، ~~ثارت ثائرة أبنائهم فصاروا أعداء لموسى ، وإذا قال : هم في سلام ، نهضت حجة ~~فرعون لأنه متابع لدينهم ، ولأن موسى لما أعلمه بربه وكان ذلك مشعرا بالخلق ~~الأول خطر ببال فرعون أن يسأله عن الإعتقاد في مصير الناس بعد الفناء ، ~~فسأل : ما بال القرون الأولى ؟ ما شأنهم وما الخبر عنهم ؟ وهو سؤال تعجيز ~~وتشغيب . # وقول موسى في جوابه { علمها عند ربي في كتاب } صالح للاحتمالين ، فعلى ~~الاحتمال الأول يكون موسى صرفه عن الخوض فيما لا يجدي في مقامه ذلك الذي هو ~~المتمحض لدعوة الأحياء لا البحث عن أحوال الأموات الذين أفضوا إلى عالم ~~الجزاء ، وهذا نظير قول النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن ذراري ~~المشركين فقال : ( الله أعلم بما كانوا عاملين ) . # وعلى الاحتمال الثاني يكون موسى قد عدل عن ذكر حالهم خيبة لمراد فرعون ~~وعدولا عن الاشتغال بغير الغرض الذي جاء لأجله . # والحاصل أن موسى تجنب التصدي للمجادلة والمناقضة في غير ما جاء لأجله ~~لأنه لم يبعث بذلك . وفي هذا الإعراض فوائد كثيرة PageV16P234 وهو عالم ~~بمجمل أحوال القرون الأولى وغير عالم بتفاصيل أحوالهم وأحوال أشخاصهم . # وإضافة { علمها } من إضافة المصدر إلى مفعوله . وضمير { علمها } عائد إلى ~~{ القرونن الأولى } لأن لفظ الجمع يجوز أن يؤنث ضميره . # وقوله { في كتاب } يحتمل أن يكون الكتاب مجازا في تفصيل العلم تشبيها له ~~بالأمور المكتوبة ، وأن يكون كناية عن تحقيق العلم لأن الأشياء المكتوبة ~~تكون محققة كقول الحارث بن حلزة : # وهل ينقض ما في المهارق الأهواء # ويؤكد هذا المعنى قوله { لا يضل ربي ولا ينسى } . # والضلال : الخطأ في العلم ، شبه بخطأ الطريق . والنسيان : عدم تذكر الأمر ~~المعلوم في ذهن العالم . # # | 2 ( 53 54 ) { الذى جعل لكم الارض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من ~~السمآء مآء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى * كلوا وارعوا أنعامكم إن فى ~~ذالك لأيات لاولى النهى } ) 2 # هذه جمل ثلاث ms5135 معترضة في أثناء قصة موسى . # فالجملة الأولى منها مستأنفة ابتدائية على عادة القرآن من تفنن الأغراض ~~لتجديد نشاط الأذهان . ولا يحتمل أن تكون من كلام موسى إذ لا يناسب ذلك ~~تفريع قوله : { فأخرجنا به أزواجا } . فقوله { الذي PageV16P235 جعل لكم ~~الأرض مهادا } خبر لمبتدأ محذوف ، أي هو الذي جعل لكم الأرض مهادا ، ~~والضمير عائد إلى الرب المفهوم من { ربي } ( طه : 52 ) ، أي هو رب موسى . # وتعريف جزأي الجملة يفيد الحصر ، أي الجاعل الأرض مهادا فكيف تعبدون غيره ~~. وهذا قصر حقيقي غير مقصود به الرد على المشركين ولكنه تذكير بالنعمة ~~وتعريض بأن غيره ليس حقيقا بالإلهية . # وقرأ الجمهور { مهادا بكسر الميم وألفف بعد الهاء وهو اسم بمعنى الممهود ~~مثل الفراش واللباس . ويجوز أن يكون جمع مهد ، وهو اسم لما يمهد للصبي ، أي ~~يوضع عليه ويحمل فيه ، فيكون بوزن كعاب جمعا لكعب . ومعنى الجمع على اعتبار ~~كثرة البقاع . # وقرأ عاصم ، وحمزة ، والكسائي ، وخلف مهدا بفتح الميم وسكون الهاء ، أي ~~كالمهد الذي يمهد للصبي ، وهو اسم بمصدر مهده ، على أن المصدر بمعنى ~~المفعول كالخلق بمعنى المخلوق ، ثم شاع ذلك فصار اسما لما يمهد . # ومعنى القراءتين واحد ، أي جعل الأرض ممهودة مسهلة للسير والجلوس ~~والاضطجاع بحيث لا نتوء فيها إلا نادرا يمكن تجنبه ، كقوله : والله جعل لكم ~~الأرض بساطا لتسلكوا منها سبلا فجاجا } ( نوح : 19 ، 20 ) . # { وسلك } فعل مشتق من السلوك والسلك الذي هو الدخول مجتازا وقاطعا . يقال ~~: سلك طريقا ، أي دخله مجتازا . ويستعمل مجازا في السير في الطريق تشبيها ~~للسائر بالشيء الداخل في شيء آخر . يقال : سلك طريقا . فحق هذا الفعل أن ~~يتعدى إلى مفعول واحد وهو المدخول فيه ، ويستعمل متعديا بمعنى أسلك . وحقه ~~أن يكون تعديه بهمزة التعدية فيقال : أسلك المسمار في اللوح ، أي جعله ~~سالكا PageV16P236 إياه ، إلا أنه كثر في الكلام تجريده من الهمزة كقوله ~~تعالى : { نسلكه عذابا صعدا } ( الجن : 17 ) . وكثر كون الاسم الذي كان ~~مفعولا ثانيا يصير مجرورا ب ( في ) كقوله تعالى : { ما سلككم في سقر } ( ~~المدثر : 42 ) بمعنى أسلككم ms5136 سقر . وقوله : { كذلك سلكناه في قلوب المجرمين ~~في سورة الشعراء ( 200 ) ، وقوله ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ~~ينابيع في الأرض في سورة الزمر ( 21 ) . وقال الأعشى : # كما سلك السكي في الباب فيتق # أي أدخل المسمار في الباب نجار ، فصار فعل سلك يستعمل قاصرا ومتعديا . # فأما قوله هنا وسلك لكم فيها سبلا } فهو سلك المتعدي ، أي أسلك فيها سبلا ~~، أي جعل سبلا سالكة في الأرض ، أي داخلة فيها ، أي متخللة . وذلك كناية عن ~~كثرتها في جهات الأرض . # والمراد بالسبل : كل سبيل يمكن السير فيه سواء كان من أصل خلقة الأرض ~~كالسهول والرمال ، أو كان من أثر فعل الناس مثل الثنايا التي تكرر السير ~~فيها فتعبدت وصارت طرقا يتابع الناس السير فيها . # ولما ذكر منة خلق الأرض شفعها بمنة إخراج النبات منها بما ينزل عليها من ~~السماء من ماء . وتلك منة تنبىء عن خلق السماوات حيث أجرى ذكرها لقصد ذلك ~~التذكير ، ولذا لم يقل : وصببنا الماء على الأرض ، كما في آية : { أنا ~~صببنا الماء صبا ثم شققنا الأرض شقا } ( عبس : 25 ، 26 ) . وهذا إدماج بليغ ~~. # والعدول عن ضمير الغيبة إلى ضمير المتكلم في قوله : { فأخرجنا } التفات . ~~وحسنه هنا أنه بعد أن حج المشركين بحجة انفراده بخلق الأرض وتسخير السماء ~~مما لا سبيل بهم إلى نكرانه ارتقى PageV16P237 إلى صيغة المتكلم المطاع فإن ~~الذي خلق الأرض وسخر السماء حقيق بأن تطيعه القوى والعناصر ، فهو يخرج ~~النبات من الأرض بسبب ماء السماء ، فكان تسخير النبات أثرا لتسخير أصل ~~تكوينه من ماء السماء وتراب الأرض . # ولملاحظة هذه النكتة تكرر في القرآن مثل هذا الالتفات عند ذكر الإنبات ~~كما في قوله تعالى : { وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء ~~} ( الأنعام : 99 ) ، وقوله : { ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا ~~به ثمراتت مختلفا ألوانها } ( فاطر : 35 ) ، وقوله : { أمن خلق السموات ~~والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة } ( النمل : 60 ~~) ومنها قوله في سورة الزخرف ms5137 ( 11 ) : { والذي نزل من السماء ماء بقدر ~~فأنشرنا به بلدة ميتا . وقد نبه إلى ذلك في الكشاف } ، ولله دره . ونظائره ~~كثيرة في القرآن . # والأزواج : جمع زوج . وحقيقة الزوج أنه اسم لكل فرد من اثنين من صنف واحد ~~. فكل أحد منهما هو زوج باعتبار الآخر ، لأنه يصير بسبق الفرد الأول إياه ~~زوجا . ثم غلب على الذكر والأنثى المقترنين من نوع الإنسان أو من الحيوان ، ~~قال تعالى : { فاسلك فيها من كل زوجين اثنين } ( المؤمنون : 27 ) ، وقال : ~~{ فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى } ( القيامة : 39 ) وقال : { اسكن أنت ~~وزوجك الجنة } ( البقرة : 35 ) . ولما شاعت فيه ملاحظة معنى اتحاد النوع ~~تطرقوا من ذلك إلى استعمال لفظ الزوج في معنى النوع بغير قيد كونه ثانيا ~~لآخر ، على طريقة المجاز المرسل بعلاقة الإطلاق ، قال تعالى : { سبحان الذي ~~خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون } ( يس : 36 ) ~~، ومنه قوله : { فأنبتنا فيها من كل زوج كريم } ( لقمان : 10 ) . وفي ~~الحديث : ( من أنفق زوجين في سبيل الله ابتدرته حجبة الجنة . . . ) الحديث ~~، أي من أنفق نوعين مثل الطعام PageV16P238 والكسوة ، ومثل الخيل والرواحل ~~. وهذا الإطلاق هو المراد هنا ، أي فأنبتنا به أنواعا من نبات . وتقدم في ~~سورة الرعد . # والنبات : مصدر سمي به النبات ، فلكونه مصدرا في الأصل استوى فيه الواحد ~~والجمع . # وشتى : جمع شتيت بوزن فعلى ، مثل : مريض ومرضى . # والشتيت : المشتت ، أي المبعد . وأريد به هنا التباعد في الصفات من الشكل ~~واللون والطعم ، وبعضها صالح للإنسان وبعضها للحيوان . # والجملة الثانية { كلوا وارعوا أنعامكم } مقول قول محذوف هو حال من ضمير ~~{ فأخرجنا . والتقدير : قائلين : كلوا وارعوا أنعامكم . والأمر للإباحة ~~مراد به المنة . والتقدير : كلوا منها وارعوا أنعامكم منها . وهذا من ~~مقابلة الجمع بالجمع لقصد التوزيع . # وفعل ( رعى ) يستعمل قاصرا ومتعديا . يقال : رعت الدابة ورعاها صاحبها . ~~وفرق بينهما في المصدر فمصدر القاصر : الرعي ، ومصدر المتعدي : الرعاية . ~~ومنه قول النابغة : # رأيتك ترعاني بعين بصيرة # والجملة الثالثة إن في ذالك لآيات لأولى النهى } معترضة مؤكدة للاستدلال ~~؛ فبعد أن أشير إلى ما في ms5138 المخلوقات المذكورة آنفا من الدلالة على وجود ~~الصانع ووحدانيته ، والمنة بها على الإنسان لمن تأمل ، جمعت في هذه الجملة ~~وصرح بما في جميعها من الآيات الكثيرة . وكل من الاعتراض والتوكيد مقتض ~~لفصل الجملة . # وتأكيد الخبر بحرف ( إن ) لتنزيل المخاطبين منزلة المنكرين ، لأنهم لم ~~ينظروا في دلالة تلك المخلوقات على وحدانية الله ، وهم يحسبون PageV16P239 ~~أنفسهم من أولي النهى ، فما كان عدم اهتدائهم بتلك الآيات إلا لأنهم لم ~~يعدوها آيات . لا جرم أن ذلك المذكور مشتمل على آيات جمة يتفطن لها ذوو ~~العقول بالتأمل والتفكر ، وينتبهون لها بالتذكير . # والنهى : اسم جمع نهية بضم النون وسكون الهاء ، أي العقل ، سمي نهية لأنه ~~سبب انتهاء المتحلي به عن كثير من الأعمال المفسدة والمهلكة ، ولذلك أيضا ~~سمي بالعقل وسمي بالحجر . # # | 2 ( 55 ) { منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى } ) 2 # مستأنفة استئنافا ابتدائيا . وهذا إدماج للتذكير بالخلق الأول ليكون ~~دليلا على إمكان الخلق الثاني بعد الموت . والمناسبة متمكنة ؛ فإن ذكر خلق ~~الأرض ومنافعها يستدعي إكمال ذكر المهم للناس من أحوالها ، فكان خلق أصل ~~الإنسان من الأرض شبيها بخروج النبات منها . وإخراج الناس إلى الحشر شبيه ~~بإخراج النبات من الأرض . قال تعالى : { والله أنبتكم من الأرض نباتا ثم ~~يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا } ( نوح : 17 ، 18 ) . # وتقديم المجرورات الثلاثة على متعلقاتها ؛ فأما المجرور الأول والمجرور ~~الثالث فللاهتمام بكون الأرض مبدأ الخلق الأول والخلق الثاني . وأما تقديم ~~{ وفيها نعيدكم } فللمزاوجة مع نظيريه . # ودل قوله تعالى : { وفيها نعيدكم } على أن دفن الأموات في الأرض هو ~~الطريقة الشرعية لمواراة الموتى سواء كان شقا في الأرض أو لحدا ، لأن ~~كليهما إعادة في الأرض ؛ فما يأتيه بعض الأمم غير PageV16P240 المتدينة من ~~إحراق الموتى بالنار ، أو إغراقهم في الماء ، أو وضعهم في صناديق فوق الأرض ~~، فذلك مخالف لسنة الله وفطرته . لأن الفطرة اقتضت أن الميت يسقط على الأرض ~~فيجب أن يوارى فيها . وكذلك كانت أول مواراة في البشر حين قتل أحد ابني آدم ~~أخاه . كما قال تعالى في سورة العقود ( 31 ) { فبعث ms5139 الله غرابا يبحث في ~~الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه قال يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا ~~الغراب فأواري سوأة أخي فجاءت الشرائع الإلهية بوجوب الدفن في الأرض . # والتارة : المرة ، وجمعها تارات . وأصل ألفها الواو . وقال ابن الأعرابي ~~: أصل ألفها همزة فلما كثر استعمالهم لها تركوا الهمزة . وقال بعضهم : ظهر ~~الهمز في جمعها على فعل فقالوا : تئر بالهمز . ويظهر أنها اسم جامد ليس له ~~أصل مشتق منه . # والإخراج : هو إخراجها إلى الحشر بعد إعادة هياكل الأجسام في داخل الأرض ~~، كما هو ظاهر قوله ومنها نخرجكم } ، ولذلك جعل الإخراج تارة ثانية للخلق ~~الأول من الأرض . وفيه إيماء إلى أن إخراج الأجساد من الأرض بإعادة خلقها ~~كما خلقت في المرة الأولى ، قال تعالى : { كما بدأنا أول خلق نعيده } ( ~~الأنبياء : 104 ) . # # | 2 ( 56 ) { ولقد أريناه ءاياتنا كلها فكذب وأبى } ) 2 # رجوع إلى قصص موسى عليه السلام مع فرعون . وهذه الجملة بين الجمل التي ~~حكت محاورة موسى وفرعون وقعت هذه كالمقدمة لإعادة سوق ما جرى بين موسى ~~وفرعون من المحاورة . فيجوز أن تكون الجملة معطوفة على جملة : { قال فمن ~~ربكما يا موسى } ( طه : 49 ) باعتبار PageV16P241 ما يقدر قبل المعطوف ~~عليها من كلام حذف اختصارا ، تقديره : فأتياه فقالا ما أمرناهما أن يقولاه ~~قال فمن ربكما الخ . المعنى : فأتياه وقالا ما أمرناهما وأريناه آياتنا ~~كلها على يد موسى عليه السلام . # ويجوز أن تكون الجملة معترضة بين ما قبلها ، والواو اعتراضية . # وتأكيد الكلام بلام القسم و ( قد ) مستعمل في التعجيب من تصلب فرعون في ~~عناده ، وقصد منها بيان شدته في كفره وبيان أن لموسى آيات كثيرة أظهرها ~~الله لفرعون فلم تجد في إيمانه . # وأجملت وعممت فلم تفصل ، لأن المقصود هنا بيان شدة تصلبه في كفره بخلاف ~~آية سورة الأعراف التي قصد منها بيان تعاقب الآيات ونصرتها . # وإراءة الله إياه الآيات : إظهارها له بحيث شاهدها . # وإضافة ( آيات ) إلى ضمير الجلالة هنا يفيد تعريفا لآيات معهودة ، فإن ~~تعريف الجمع بالإضافة يأتي لما يأتي له التعريف باللام يكون للعهد ms5140 ويكون ~~للاستغراق ، والمقصود هنا الأول ، أي أرينا فرعون آياتنا التي جرت على يد ~~موسى ، وهي المذكورة في قوله تعالى : { في تسع آيات إلى فرعون وقومه } ( ~~النمل : 12 ) . وهي انقلاب العصا حية ، وتبدل لون اليد بيضاء ، وسنو القحط ~~، والجراد ، والقمل ، والضفادع ، والدم ، والطوفان ، وانفلاق البحر . وقد ~~استمر تكذيبه بعد جميعها حتى لما رأى انفلاق البحر اقتحمه طمعا للظفر ببني ~~إسرائيل . # وتأكيد الآيات بأداة التوكيد { كلها } لزيادة التعجيب من عناده . ونظيره ~~قوله تعالى : { ولقد جاء آل فرعون النذر كذبوا بآياتنا كلها في سورة القمر ~~( 41 ، 42 ) . PageV16P242 # وظاهر صنيع المفسرين أنهم جعلوا جملة ولقد أريناه ءاياتنا } عطفا على ~~جملة { قال فمن ربكما يا موسى } ( طه : 49 ) ، وجملة { قال فمن ربكما بيانا ~~لجملة فكذب وأبى } . فيستلزم ذلك أن يكون عزم فرعون على إحضار السحرة ~~متأخرا عن إرادة الآيات كلها فوقعوا في إشكال صحة التعميم في قوله تعالى : ~~{ آياتنا كلها . } وكيف يكون ذلك قبل اعتراف السحرة بأنهم غلبوا مع أن ~~كثيرا من الآيات إنما ظهر بعد زمن طويل مثل : سني القحط ، والدم ، وانفلاق ~~البحر . وهذا الحمل لا داعي إليه لأن العطف بالواو لا يقتضي ترتيبا . # # | 2 ( 57 59 ) { قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك ياموسى * فلنأتينك ~~بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى * قال ~~موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى } . ) 2 # هذه الجملة متصلة بجملة { قال فما بال القرون الأولى } ( طه : 51 ) وجواب ~~موسى عنها . وافتتاحها بفعل { قال } وعدم عطفه لا يترك شكا في أن هذا من ~~تمام المحاورة . # وقوله { أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك } يقتضي أنه أراه آية انقلاب ~~العصا حية ، وانقلاب يده بيضاء . وذلك ما سماه فرعون سحرا . وقد صرح بهذا ~~المقتضى في قوله تعالى حكاية عنهما : { قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من ~~المسجونين قال أو لو جئتك بشيء مبين قال فأت به إن كنت من الصادقين فألقى ~~PageV16P243 عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين قال ~~للملأ حوله إن هذا لساحر ms5141 عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره . . . الآية ~~في سورة الشعراء ( 29 35 ) . وقد استغنى عن ذكره هنا بما في جملة ولقد ~~أريناه آياتنا كلها } ( طه : 56 ) من العموم الشامل لآية انقلاب العصا حية ~~. # وإضافته السحر إلى ضمير موسى قصد منها تحقير شأن هذا الذي سماه سحرا . # وأسند الإتيان بسحر مثله إلى ضمير نفسه تعظيما لشأنه . ومعنى إتيانه ~~بالسحر : إحضار السحرة بين يديه ، أي فلنأتينك بسحر ممن شأنهم أن يأتوا ~~بالسحر ، إذ السحر لا بد له من ساحر . # والمماثلة في قوله { مثله } مماثلة في جنس السحر لا في قوته . # وإنما جعل فرعون العلة في مجيء موسى إليه : أنها قصده أن يخرجهم من أرضهم ~~قياسا منه على الذين يقومون بدعوة ضد الملوك أنهم إنما يبغون بذلك إزالتهم ~~عن الملك وحلولهم محلهم ، يعني أن موسى غرته نفسه فحسب أنه يستطيع اقتلاع ~~فرعون من ملكه ، أي حسبت أن إظهار الخوارق يطوع لك الأمة فيجعلونك ملكا ~~عليهم وتخرجني من أرضي . فضمير المتكلم المشارك مستعمل في التعظيم لا في ~~المشاركة ، لأن موسى لم يصدر عنه ما يشم منه إخراجهم من أرضهم . # ويجوز أن يكون ضمير المتكلم المشارك مستعملا في الجماعة تغليبا ، ونزل ~~فرعون نفسه واحدا منها . وأراد بالجماعة جماعة بني إسرائيل حيث قال له موسى ~~{ فأرسل معنا بني إسرائيل } ( طه : 47 ) ، أي جئت لتخرج بعض الأمة من أرضنا ~~وتطمع أن يتبعك جميع الأمة بما تظهر لهم من سحرك . PageV16P244 # والاستفهام في { أجئتنا } إنكاري ، ولذلك فرع عليه القسم على أن يأتيه ~~بسحر مثله ، والقسم من أساليب إظهار الغضب . # واللام لام القسم ، والنون لتوكيده . وقصد فرعون من مقابلة عمل موسى ~~بمثله أن يزيل ما يخالج نفوس الناس من تصديق موسى وكونه على الحق ، لعل ذلك ~~يفضي بهم إلى الثورة على فرعون وإزالته من ملك مصر . # وفرع على ذلك طلب تعيين موعد بينه وبين موسى ليحضر له فيه القائمين بسحر ~~مثل سحره . # والموعد هنا يجوز أن يراد به المصدر الميمي ، أي الوعد وأن يراد به مكان ~~الوعد ، وهذا إيجاز ms5142 في الكلام . # وقوله { مكانا } بدل اشتمال من { موعدا } بأحد معنييه ، لأن الفعل يقتضي ~~مكانا وزمانا فأبدل منه مكانه . # وقوله { لا نخلفه } في قراءة الجمهور برفع الفعل صفة ل { موعدا } باعتبار ~~معناه المصدري . وقرأه أبو جعفر بجزم الفاء من ( نخلفه ) على أن ( لا ) ~~ناهية . والنهي تحذير من إخلافه . # و { سوى } قرأه نافع ، وابن كثير ، وأبو عمرو ، والكسائي بكسر السين . ~~وقرأه عاصم ، وحمزة ، وابن عامر ، ويعقوب ، وخلف بضم السين وهما لغتان ، ~~فالكسر بوزن فعل ، قال أبو علي : وزن فعل يقل في الصفات ، نحو : قوم عدى . ~~وقال أبو عبيدة ، وأبو حاتم ، والنحاس : كسر السين هو اللغة العالية ~~الفصيحة ، وهو اسم وصف مشتق من الاستواء : فيجوز أن يكون الاستواء استواء ~~التوسط بين جهتين . وأنشد أبو عبيدة لموسى ابن جابر الحنفي : # وإن أبانا كان حل ببلدة # سوى بين قيسس قيس عيلان والفزر PageV16P245 # ( الفزر : لقب لسعد بن زيد مناة بن تميم هو بكسر الفاء ) . # والمعنى : قال مجاهد : إنه مكان نصف ، وكأن المراد أنه نصف من المدينة ~~لئلا يشق الحضور فيه على أهل أطراف المدينة . وعن ابن زيد : المعنى مكانا ~~مستويا ، أي ليس فيه مرتفعات تحجب العين ، أراد مكانا منكشفا للناظرين ~~ليشهدوا أعمال موسى وأعمال السحرة . # ثم تعيين الموعد غير المخلف يقتضي تعيين زمانه لا محالة ، إذ لا يتصور ~~الإخلاف إلا إذا كان للوعد وقت معين ومكان معين ، فمن ثم طابقه جواب موسى ~~بقوله { قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى } . # فيقتضي أن محشر الناس في يوم الزينة كان مكانا معروفا . ولعله كان بساحة ~~قصر فرعون ، لأنهم يجتمعون بزينتهم ولهوهم بمرأى منه ومن أهله على عادة ~~الملوك في المواسم . # فقوله { يوم الزينة } تعيين للوقت ، وقوله { وأن يحشر الناس } تعيين ~~للمكان ، وقوله { ضحى } تقييد لمطلق الوقت . # والضحى : وقت ابتداء حرارة الشمس بعد طلوعها . # ويوم الزينة كان يوم عيد عظيم عند القبط ، وهو يوم كسر الخليج أوالخلجان ~~، وهي المنافذ والترع المجعولة على النيل لإرسال الزائد من مياهه إلى ~~الأرضين البعيدة عن مجراه للسقي ، فتنطلق المياه في جميع النواحي ms5143 التي يمكن ~~وصولها إليها ويزرعون عليها . # وزيادة المياه في النيل هو توقيت السنة القبطية ، وذلك هو أول يوم من شهر ~~( توت ) القبطي ، وهو ( أيلول ) بحسب التاريخ الإسكندري ، وذلك قبل ~~PageV16P246 حلول الشمس في برج الميزان بثمانية عشر يوما ، أي قبل فصل ~~الخريف بثمانية عشر يوما ، فهو يوافق اليوم الخامس عشر من شهر تشرين ( ~~سبتمبر ) . وأول أيام شهر ( توت ) هو يوم النيروز عند الفرس ، وذلك مبني ~~على حساب انتهاء زيادة النيل لا على حساب بروج الشمس . # واختار موسى هذا الوقت وهذا المكان لأنه يعلم أن سيكون الفلج له ، فأحب ~~أن يكون ذلك في وقت أكثر مشاهدا وأوضح رؤية . # # | 2 ( 60 61 ) { لله فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى * قال لهم موسى ويلكم ~~لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى } . ) 2 # تفريع التولي وجمع الكيد على تعيين موسى للموعد إشارة إلى أن فرعون بادر ~~بالاستعداد لهذا الموعد ولم يضعع الوقت للتهيئة له . # والتولي : الانصراف ، وهو هنا مستعمل في حقيقته ، أي انصرف عن ذلك المجلس ~~إلى حيث يرسل الرسل إلى المدائن لجمع من عرفوا بعلم السحر ، وهذا كقوله ~~تعالى في سورة النازعات ( 22 ، 23 ) { ثم أدبر يسعى فحشر فنادى . # ومعنى جمع الكيد : تدبير أسلوب مناظرة موسى ، وإعداد الحيل لإظهار غلبة ~~السحرة عليه ، وإقناع الحاضرين بأن موسى ليس على شيء . # وهذا أسلوب قديم في المناظرات : أن يسعى المناظر جهده للتشهير ببطلان حجة ~~خصمه بكل وسائل التلبيس والتشنيع والتشهير ، ومباداته بما يفت في عضده ~~ويشوش رأيه حتى يذهب منه تدبيره . PageV16P247 # فالجمع هنا مستعمل في معنى إعداد الرأي . واستقصاء ترتيب الأمر ، كقوله ~~فأجمعوا أمركم } ( يونس : 71 ) ، أي جمع رأيه وتدبيره الذي يكيد به موسى . ~~ويجوز أن يكون المعنى فجمع أهل كيده ، أي جمع السحرة ، على حد قوله تعالى : ~~{ فجمع السحرة لميقات يوم معلوم } ( الشعراء : 38 ) . # والكيد : إخفاء ما به الضر إلى وقت فعله . وقد تقدم عند قوله تعالى : { ~~إن كيدي متين في سورة الأعراف ( 183 ) . # ومعنى ثم أتى } ثم حضر الموعد ، وثم للمهلة ms5144 الحقيقية والرتبية معا ، لأن ~~حضوره للموعد كان بعد مضي مهلة الاستعداد ، ولأن ذلك الحضور بعد جمع كيده ~~أهم من جمع الكيد ، لأن فيه ظهور أثر ما أعده . # وجملة { قال لهم موسى } مستأنفة استئنافا بيانيا ، لأن قوله { ثم أتى } ~~يثير سؤالا في نفس السامع أن يقول : فماذا حصل حين أتى فرعون ميقات الموعد ~~. وأراد موسى مفاتحة السحرة بالموعظة . # وضمير { لهم } عائد إلى معلوم من قوله { فلنأتينك بسحر مثله أي بأهل سحر ~~، أو يكون الخطاب للجميع ، لأن ذلك المحضر كان بمرأى ومسمع من فرعون ~~وحاشيته ، فيكون معاد الضمير ما دل عليه قوله فجمع كيده ثم أتى } ، أي جمع ~~رجال كيده . ' # والخطاب بقوله { ويلكم } يجوز أن يكون أراد به حقيقة الدعاء ، فيكون غير ~~جار على ما أمر به من إلانة القول لفرعون : إما لأن الخطاب بذلك لم يكن ~~مواجها به فرعون بل واجه به السحرة خاصة الذين اقتضاهم قوله تعالى : { فجمع ~~كيده } ، أي قال موسى لأهل كيد فرعون ؛ وإما لأنه لما رأى أن إلانة القول ~~له غير نافعة ، إذ لم يزل على تصميمه على الكفر ، أغلظ القول زجرا له بأمر ~~خاص من الله في تلك PageV16P248 الساعة تقييدا لمطلق الأمر بإلانة القول ، ~~كما أذن لمحمد صلى الله عليه وسلم بقوله : { أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا ~~الآيات في سورة الحج ( 39 ) ؛ وإما لأنه لما رأى تمويههم على الحاضرين أن ~~سحرهم معجزة لهم من آلهتهم ومن فرعون ربهم الأعلى وقالوا : بعزة فرعون إنا ~~لنحن الغالبون } ( الشعراء : 44 ) رأى واجبا عليه تغيير المنكر بلسانه ~~بأقصى ما يستطيع ، لأن ذلك التغيير هو المناسب لمقام الرسالة . # ويجوز أن تكون كلمة { ويلكم } مستعملة في التعجب من حال غريبة ، أي أعجب ~~منكم وأحذركم ، كقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بصير : ( ويل أمه مسعر ~~حرب ) فحكى تعجب موسى باللفظ العربي الدال على العجب الشديد . # والويل : اسم للعذاب والشر ، وليس له فعل . # وانتصب { ويلكم } إما على إضمار فعل على التحذير أو الإغراء ، أي الزموا ~~ويلكم ، أو احذروا ويلكم ؛ وإما على إضمار حرف ms5145 النداء فإنهم يقولون : يا ~~ويلنا ، ويا ويلتنا . وتقدم عند قوله تعالى : { فويل للذين يكتبون الكتاب ~~بأيديهم في سورة البقرة ( 79 ) . # والإفتراء : اختلاق الكذب . والجمع بينه وبين كذبا } للتأكيد ، وقد تقدم ~~عند قوله تعالى : { ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب في سورة ~~المائدة ( 103 ) . # والافتراء الذي عناه موسى هو ما يخيلونه للناس من الشعوذة ، ويقولون لهم ~~: انظروا كيف تحرك الحبل فصار ثعبانا ، ونحو ذلك من توجيه التخيلات بتمويه ~~أنها حقائق ، أو قولهم : ما نفعله تأييد من الله لنا ، أو قولهم : إن موسى ~~كاذب وساحر ، أو قولهم : إن فرعون إلههم ، أو آلهة فرعون آلهة . وقد كانت ~~مقالات كفرهم أشتاتا . PageV16P249 # وقرأ الجمهور فيسحتكم } بفتح الياء مضارع سحته : إذا استأصله ، وهي لغة ~~أهل الحجاز . وقرأه حمزة ، والكسائي ، وحفص عن عاصم ، وخلف ، ورويس عن ~~يعقوب بضم الياء التحتية من أسحته ، وهي لغة نجد وبني تميم ، وكلتا اللغتين ~~فصحى . # وجملة { وقد خاب منن افترى } في موضع الحال من ضمير { لا تفتروا } وهي ~~مسوقة مساق التعليل للنهي ، أي اجتنبوا الكذب على الله فقد خاب من افترى ~~عليه من قبل . بعد أن وعظهم فنهاهم عن الكذب على الله وأنذرهم عذابه ضرب ~~لهم مثلا بالأمم البائدة الذين افتروا الكذب على الله فلم ينجحوا فيما ~~افتروا لأجله . # و { من } الموصولة للعموم . # وموقع هذه الجملة بعد التي قبلها كموقع القضية الكبرى من القياس ~~الاقتراني . # وفي كلام موسى إعلان بأنه لا يتقول على الله ما لم يأمره به لأنه يعلم ~~أنه يستأصله بعذاب ويعلم خيبة من افترى على الله ؛ ومن كان يعلم ذلك لا ~~يقدم عليه . # $ 2 ( 62 64 ) { فتنازعو & # 1764 ا أمرهم بينهم وأسروا النجوى * قالو & # 1764 ا إن هاذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا ~~بطريقتكم المثلى * فأجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفا وقد أفلح اليوم من استعلى } ~~. ) 2 $ # أي تفرع على موعظة موسى تنازعهم الأمر بينهم ، وهذا يؤذن بأن منهم من ~~تركت فيه الموعظة بعض الأثر ، ومنهم من خشي الانخذال ، فلذلك دعا بعضهم ~~بعضا للتشاور فيما ذا ms5146 يصنعون . PageV16P250 # والتنازع : تفاعل من النزع ، وهو الجذب من البئر ، وجذب الثوب من الجسد ، ~~وهو مستعمل تمثيلا في اختلاف الرأي ومحاولة كل صاحب رأي أن يقنع المخالف له ~~بأن رأيه هو الصواب ، فالتنازع : التخالف . # والنجوى : الحديث السري ، أي اختلوا وتحادثوا سرا ليصدروا عن رأي لا يطلع ~~عليه غيرهم ، فجعل النجوى معمولا ل { أسروا } يفيد المبالغة في الكتمان ، ~~كأنه قيل : أسروا سرهم ، كما يقال : شعر شاعر . # وزاده مبالغة قوله { بينهم } المقتضي أن النجوى بين طائفة خاصة لا يشترك ~~معهم فيها غيرهم . # وجملة { قالوا إن هاذانن لساحران } بدل اشتمال من جملة { وأسروا النجوى } ~~، لأن إسرار النجوى يشتمل على أقوال كثيرة ذكر منها هذا القول ، لأنه القول ~~الفصل بينهم والرأي الذي أرسوا عليه ، فهو زبدة مخيض النجوى . وذلك شأن ~~التشاور وتنازع الآراء أن يسفر عن رأي يصدر الجميع عنه . # وإسناد القول إلى ضمير جمعهم على معنى : قال بعضهم : هذان لساحران ، فقال ~~جميعهم : نعم هذان لساحران ، فأسند هذا القول إلى جميعهم ، أي مقالة ~~تداولوا الخوض في شأنها فأرسوا عليها . وقال بعضهم لبعض : نعم هو كذلك ، ~~ونطقوا بالكلام الذي استقر عليه رأيهم ، وهو تحققهم أن موسى وأخاه ساحران . # واعلم أن جميع القراء المعتبرين قرأوا بإثبات الألف في اسم الإشارة من ~~قوله ( هاذان ) ما عدا أبا عمرو من العشرة وما عدا الحسن البصري من الأربعة ~~عشر . وذلك يوجب اليقين بأن إثبات الألف في لفظ ( هذان ) أكثر تواترا بقطع ~~النظر عن كيفية النطق بكلمة ( إن ) PageV16P251 مشددة أو مخففة ، وأن أكثر ~~مشهور القراءات المتواترة قرأوا بتشديد نون ( إن ) ما عدا ابن كثير وحفصا ~~عن عاصم فهما قرءا ( إن ) بسكون النون على أنها مخففة من الثقيلة . # وإن المصحف الإمام ما رسموه إلا اتباعا لأشهر القراءات المسموعة المروية ~~من زمن النبي صلى الله عليه وسلم وقراء أصحابه ، فإن حفظ القرآن في صدور ~~القراء أقدم من كتابته في المصاحف ، وما كتب في أصول المصاحف إلا من حفظ ~~الكاتبين ، وما كتب المصحف الإمام إلا من مجموع محفوظ الحفاظ وما كتبه كتاب ~~الوحي في ms5147 مدة نزول الوحي . # فأما قراءة الجمهور { إن هذان لساحران بتشديد نون ( إن ) وبالألف في هذان ~~وكذلك في لساحران ، فللمفسرين في توجيهها آراء بلغت الستة . وأظهرها أن ~~تكون ( إن ) حرف جواب مثل : نعم وأجل ، وهو استعمال من استعمالات ( إن ) ، ~~أي اتبعوا لما استقر عليه أمرهم بعد النجوى كقول عبد الله بن قيس الرقيات : # ويقلن شيب قد علا # ك وقد كبرت فقلت إنه # أي أجل أو نعم ، والهاء في البيت هاء السكتت ، وقول عبد الله بن الزبير ~~لأعرابي استجداه فلم يعطه ، فقال الأعرابي : لعن الله ناقة حملتني إليك . ~~قال ابن الزبير : إن وراكبها . وهذا التوجيه من مبتكرات أبي إسحاق الزجاج ~~ذكره في تفسيره } . وقال : عرضته على عالمينا وشيخينا وأستاذينا محمد بن ~~يزيد ( يعني المبرد ) ، وإسماعيل بن إسحاق بن حماد ( يعني القاضي الشهير ) ~~فقبلاه وذكرا أنه أجود ما سمعاه في هذا . # وقلت : لقد صدقا وحققا ، وما أورده ابن جني عليه من الرد فيه نظر . ~~PageV16P252 # وفي ( التفسير الوجيز ) للواحدي سأل إسماعيل القاضي ( هو ابن إسحاق بن ~~حماد ) ابن كيسان عن هذه المسألة ، فقال ابن كيسان : لما لم يظهر في المبهم ~~إعراب في الواحد ولا في الجمع ( أي في قولهم هذا وهؤلاء إذ هما مبنيان ) ~~جرت التثنية مجرى الواحد إذ التثنية يجب أن لا تغير . فقال له إسماعيل : ما ~~أحسن هذا لو تقدمك أحد بالقول فيه حتى يؤنس به فقال له ابن كيسان : فليقل ~~به القاضي حتى يؤنس به ، فتبسم . # وعلى هذا التوجيه يكون قوله تعالى : { إن هذانن لساحران } حكاية لمقال ~~فريق من المتنازعين ، وهو الفريق الذي قبل هذا الرأي لأن حرف الجواب يقتضي ~~كلاما سبقه . # ودخلت اللام على الخبر : إما على تقدير كون الخبر جملة حذف مبتدأها وهو ~~مدخول اللام في التقدير ، ووجود اللام ينبىء بأن الجملة التي وقعت خبرا عن ~~اسم الإشارة جملة قسمية ؛ وإما على رأي من يجيز دخول اللام على خبر المبتدأ ~~في غير الضرورة . # ووجهت هذه القراءة أيضا بجعل ( إن ) حرف توكيد وإعرابب اسمها المثنى جرى ~~على لغة كنانة وبلحارث ms5148 بن كعب الذين يجعلون علامة إعراب المثنى الألف في ~~أحوال الإعراب كلها ، وهي لغة مشهورة في الأدب العربي ولها شواهد كثيرة ~~منها قول المتلمس : # فأطرق إطراق الشجاع ولو درى # مساغا لنأباه الشجاع لصمما # وقرأه حفص بكسر الهمزة وتخفيف نون ( إن ) مسكنة على أنها مخففة ( إن ) ~~المشددة . ووجه ذلك أن يكون اسم ( إن ) المخففة ضمير شأن محذوفا على ~~المشهور . وتكون اللام في { لساحران } اللام الفارقة بين ( إن ) المخففة ~~وبين ( إن ) النافية . PageV16P253 # وقرأ ابن كثير بسكون نون ( إن ) على أنها مخففة من الثقيلة وبإثبات الألف ~~في ( هذان ) وبتشديد نون ( هاذان ) . # وأما قراءة أبي عمرو وحده { إن هذين بتشديد نون ( إن ) وبالياء بعد ذال ~~هذين . فقال القرطبي : هي مخالفة للمصحف . وأقل : ذلك لا يطعن فيها لأنها ~~رواية صحيحة ووافقت وجها مقبولا في العربية . # ونزول القرآن بهذه الوجوه الفصيحة في الاستعمال ضرب من ضروب إعجازه لتجري ~~تراكيبه على أفانين مختلفة المعاني متحدة المقصود . فلا التفات إلى ما روي ~~من ادعاء أن كتابة إن هاذان خطأ من كاتب المصحف ، وروايتهم ذلك عن أبان بن ~~عثمان بن عفان عن أبيه ، وعن عروة بن الزبير عن عائشة ، وليس في ذلك سند ~~صحيح . حسبوا أن المسلمين أخذوا قراءة القرآن من المصاحف وهذا تغفل ، فإن ~~المصحف ما كتب إلا بعد أن قرأ المسلمون القرآن نيفا وعشرين سنة في أقطار ~~الإسلام ، وما كتبت المصاحف إلا من حفظ الحفاظ ، وما أخذ المسلمون القرآن ~~إلا من أفواه حفاظه قبل أن تكتب المصاحف ، وبعد ذلك إلى اليوم فلو كان في ~~بعضها خطأ في الخط لما تبعه القراء ، ولكان بمنزلة ما ترك من الألفات في ~~كلمات كثيرة وبمنزلة كتابة ألف الصلاة ، والزكاة ، والحياة ، والربا بالواو ~~في موضع الألف وما قرأوها إلا بألفاتها . # وتأكيد السحرة كون موسى وهارون ساحرين بحرف ( إن ) لتحقيق ذلك عند من ~~يخامره الشك في صحة دعوتهما . # وجعل ما أظهره موسى من المعجزة بين يدي فرعون سحرا لأنهم يطلقون السحر ~~عندهم على خوارق العادات ، كما قالت المرأة التي PageV16P254 شاهدت نبع ~~الماء من ms5149 بين أصابع النبي لقومها : جئتكم من عند أسحر الناس ، وهو في كتاب ~~المغازي من صحيح البخاري } . # والقائلون : قد يكون بعضهم ممن شاهد ما أتى به موسى في مجلس فرعون ، أو ~~ممن بلغهم ذلك بالتسامع والاستفاضة . # والخطاب في قوله { أن يخرجاكم } لملئهم . ووجه اتهامهما بذلك هو ما تقدم ~~عند قوله تعالى : { قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى } ( طه : 57 ~~) . ونزيد هنا أن يكون هذا من النجوى بين السحرة ، أي يريدانن الاستئثار ~~بصناعة السحر في أرضكم فتخرجوا من الأرض بإهمال الناس لكم وإقبالهم على سحر ~~موسى وهارون . # والطريقة : السنة والعادة ؛ شبهت بالطريق الذي يسير فيه السائر ، بجامع ~~الملازمة . # والمثلى : مؤنث الأمثل . وهو اسم تفضيل مشتق من المثالة ، وهي حسن الحالة ~~يقال : فلان أمثل قومه ، أي أقربهم إلى الخير وأحسنهم حالا . # وأرادوا من هذا إثارة حمية بعضهم غيرة على عوائدهم ، فإن لكل أمة غيرة ~~على عوائدها وشرائعها وأخلاقها . ولذا فرعوا على ذلك أمرهم بأن يجمعوا ~~حيلهم وكل ما في وسعهم أن يغلبوا به موسى . # والباء في { بطريقتكم } لتعدية فعل { يذهبا . والمعنى : يذهبانها ، وهو ~~أبلغ في تعلق الفعل بالمفعول من نصب المفعول . وتقدم عند قوله تعالى : ذهب ~~الله بنورهم في سورة البقرة ( 17 ) . # وقرأ الجمهور فأجمعوا } بهمزة قطع وكسر الميم أمرا من : أجمع أمره ، إذا ~~جعله متفقا عليه لا يختلف فيه . PageV16P255 # وقرأ أبو عمرو { فاجمعوا } بهمزة وصل وبفتح الميم أمرا من جمع ، كقوله ~~فيما مضى { فجمع كيده } ( طه : 60 ) . أطلق الجمع على التعاضد والتعاون ، ~~تشبيها للشيء المختلف بالمتفرق ، وهو مقابل قوله { فتنازعوا أمرهم } . # وسموا عملهم كيدا لأنهم تواطئوا على أن يظهروا للعامة أن ما جاء به موسى ~~ليس بعجيب ، فهم يأتون بمثله أو أشد منه ليصرفوا الناس عن سماع دعوته ~~فيكيدوا له بإبطال خصيصية ما أتى به . # والظاهر أن عامة الناس تسامعوا بدعوة موسى ، وما أظهره الله على يديه من ~~المعجزة ، وأصبحوا متحيرين في شأنه ؛ فمن أجل ذلك اهتم السحرة بالكيد له ، ~~وهو ما حكاه قوله تعالى : في آية سورة الشعراء ( 38 ms5150 40 ) : { فجمع السحرة ~~لميقات يوم معلوم وقيل للناس هل أنتم مجتمعون لعلنا نتبع السحرة إن كانوا ~~هم الغالبين . # ودبروا لإرهاب الناس وإرهاب موسى وهارون بالاتفاق على أن يأتوا حين ~~يتقدمون لإلقاء سحرهم مصطفين لأن ذلك أهيب لهم . # ولم يزل الذين يرومون إقناع العموم بأنفسهم يتخيرون لذلك بهاء الهيبة ~~وحسن السمت وجلال المظهر . فكان من ذلك جلوس الملوك على جلود الأسود ، ~~وربما لبس الأبطال جلود النمور في الحرب . وقد فسر به فعل تنمروا في قول ~~ابن معد يكرب : # قوم إذا لبسوا الحديد # تنمروا حلقا وقدا # وقيل : إن ذلك المراد من قولهم الجاري مجرى المثل لبس لي فلان جلد النمر ~~. وثبت في التاريخ المستند للآثار أن كهنة القبط في مصر كانوا يلبسون جلود ~~النمور . PageV16P256 # والصف : مصدر بمعنى الفاعل أو المفعول ، أي صافين أو مصفوفين ، إذا ~~ترتبوا واحد حذو الآخر بانتظام بحيث لا يكونون مختلطين ، لأنهم إذا كانوا ~~الواحد حذو الآخر وكان الصف منهم تلو الآخر كانوا أبهر منظرا ، قال تعالى : ~~إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا } ( الصف : 4 ) . وكان جميع سحرة ~~البلاد المصرية قد أحضروا بأمر فرعون فكانوا عددا كثيرا . فالصف هنا مراد ~~به الجنس لا الواحدة ، أي ثم ائتوا صفوفا ، فهو كقوله تعالى : { يوم يقوم ~~الروح والملائكة صفا } ( النبأ : 38 ) وقال : { والملك صفا صفا } ( الفجر : ~~22 ) . # وانتصب { صفا } على الحال من فاعل { ائتوا } والمقصود الإتيان إلى موضع ~~إلقاء سحرهم وشعوذتهم ، لأن التناجي والتآمر كان في ذلك اليوم بقرينة قولهم ~~{ وقد أفلح اليوم منن استعلى } . # وجملة { وقد أفلح اليوم منن استعلى } تذييل للكلام يجمع ما قصدوه من ~~تآمرهم بأن الفلاح يكون لمن غلب وظهر في ذلك الجمع . ف { استعلى } مبالغة ~~في علا ، أي علا صاحبه وقهره ، فالسين والتاء للتأكيد مثل استأخر . # وأرادوا الفلاح في الدنيا لأنهم لم يكونوا يؤمنون بأن أمثال هذه المواقف ~~مما يؤثر في حال الحياة الأبدية وإن كانوا يؤمنون بالحياة الثانية . # # | 2 ( 65 66 ) { قالوا ياموسى إمآ أن تلقى وإمآ أن نكون أول من ألقى * ~~قال بل ms5151 ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى } . ) 2 # تقدمت هذه القصة ومعانيها في سورة الأعراف سوى أن الأولية هنا مصرح بها ~~في أحد الشقين . فكانت صريحة في أن التخيير يتسلط على PageV16P257 الأولية ~~في الإلقاء ، وسوى أنه صرح هنا بأن السحر الذي ألقوه كان بتخييل أن حبالهم ~~وعصيهم ثعابين تسعى لأنها لا يشبهها في شكلها من أنواع الحيوان سوى الحيات ~~والثعابين . # والمفاجأة المستفادة من ( إذا ) دلت على أنهم أعدوها للإلقاء وكانوا ~~يخشون أن يمر زمان تزول به خاصياتها فلذلك أسرعوا بإلقائها . # وقرأ الجمهور { يخيل بتحتية في أول الفعل على أن فاعله المصدر من قوله ~~أنها تسعى } . وقرأه ابن ذكوان عن ابن عامر ، وروح عن يعقوب ( تخيل ) ~~بفوقية في أوله على أن الفعل رافع لضمير { حبالهم وعصيهم } ، أي هي تخيل ~~إليه . # و { أنها تسعى } بدل من الضمير المستتر بدل اشتمال . # وهذا التخييل الذي وجده موسى من سحر السحرة هو أثر عقاقير يشربونها تلك ~~الحبال والعصي ، وتكون الحبال من صنف خاص ، والعصي من أعواد خاصة فيها ~~فاعلية لتلك العقاقير ، فإذا لاقت شعاع الشمس اضطربت تلك العقاقير فتحركت ~~الحبال والعصي . قيل : وضعوا فيها طلاء الزئبق . وليس التخييل لموسى من ~~تأثير السحر في نفسه لأن نفس الرسول لا تتأثر بالأوهام ، ويجوز أن تتأثر ~~بالمؤثرات التي يتأثر منها الجسد كالمرض ، ولذلك وجب تأويل ظاهر حديث هشام ~~بن عروة عن أبيه عن عائشة في سحر النبي صلى الله عليه وسلم وأخبار الآحاد ~~لا تنقض القواطع . وليس هذا محل ذكره وقد حققته في كتابي المسمى ( النظر ~~الفسيح ) على صحيح البخاري . # و { من } في قوله { من سحرهم } للسببية كما في قوله تعالى : { مما ~~خطيئاتهم أغرقوا } ( نوح : 25 ) . # PageV16P258 $ 2 ( 67 69 ) { فأوجس فى نفسه خيفة موسى * قلنا لا تخف إنك ~~أنت الاعلى * وألق ما فى يمينك تلقف ما صنعو & # 1764 ا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى } ) 2 $ # أوجس : أضمر واستشعر . وانتصاب { خيفة على المفعولية ، أي وجد في نفسه . ~~وقد تقدم نظيره عند قوله ms5152 تعالى : نكرهم وأوجس منهم خيفة في سورة هود ( 70 ) ~~. # و خيفة } اسم هيئة من الخوف ، أريد به مطلق المصدر ، وأصله خوفة ، فقلبت ~~الواو ياء لوقوعها أثر كسرة . # وزيادة { في نفسه } هنا للإشارة إلى أنها خيفة تفكر لم يظهر أثرها على ~~ملامحه . وإنما خاف موسى من أن يظهر أمر السحرة فيساوي ما يظهر على يديه من ~~انقلاب عصاه ثعبانا ، لأنه يكون قد ساواهم في عملهم ويكونون قد فاقوه ~~بالكثرة ، أو خشي أن يكون الله أراد استدراج السحرة مدة فيملي لهم بظهور ~~غلبهم عليه ومده لما تكون له العاقبة فخشي ذلك . وهذا مقام الخوف ، وهو ~~مقام جليل مثله مقام النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر إذ قال : ( اللهم ~~إني أسألك نصرك ووعدك اللهم إن شئت لم تعبد في الأرض ) . # والدليل على هذا قوله تعالى : { قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى } فتأكيد ~~الجملة بحرف التأكيد وتقوية تأكيدها بضمير الفصل وبالتعريف في { الأعلى } ~~دليل على أن ما خامره من الخوف إنما هو خوف ظهور السحرة عند العامة ولو في ~~وقت ما . وهو وإن كان موقنا PageV16P259 بأن الله ينجز له ما أرسله لأجله ~~لكنه لا مانع من أن يستدرج الله الكفرة مدة قليلة لإظهار ثبات إيمان ~~المؤمنين ، كما قال لرسوله صلى الله عليه وسلم { لا يغرنك تقلب الذين كفروا ~~في البلاد متاع قليل } ( آل عمران : 196 ، 197 ) . # وعبر عن العصا ب { ما } الموصولة تذكيرا له بيوم التكليم إذ قال له : { ~~وما تلك بيمينك يا موسى } ( طه : 17 ) ليحصل له الاطمئنان بأنها صائرة إلى ~~الحالة التي صارت إليها يومئذ ، ولذلك لم يقل له : وألق عصاك . # والتلقف : الابتلاع . وقرأه الجمهور بجزم { تلقف في جواب قوله وألق } . ~~وقرأه ابن ذكوان برفع { تلقف على الاستئناف . # وقرأ الجمهور تلقف بفتح اللام وتشديد القاف . # وقرأه حفص بسكون اللام وفتح القاف من لقف كفرح . # وجملة إنما صنعوا كيد ساحر } مستأنفة ابتدائية ، وهي مركبة من ( إن ) و ( ~~ما ) الموصولة . و { كيد ساحر } خبر ( إن ) . والكلام إخبار بسيط لا قصر ~~فيه . وكتب ( إنما ms5153 ) في المصحف موصولة ( إن ) ب ( ما ) الموصولة كما توصل ب ~~( ما ) الكافة في نحو { إنما حرم عليكم الميتة } ( البقرة : 173 ) ولم يكن ~~المتقدمون يتوخون الفروق في رسم الخط . # وقرأ الجمهور { كيد ساحر بألف بعد السين . وقرأه حمزة ، والكسائي ، وخلف ~~كيد سحر بكسر السين . # وجملة ولا يفلح الساحر حيث أتى } من تمام الجملة التي قبلها ، فهي معطوفة ~~عليها وحال من ضمير { إنما صنعوا } ، أي لا ينجح الساحر حيث كان ، لأن ~~صنعته تنكشف بالتأمل وثبات النفس PageV16P260 في عدم التأثر بها . وتعريف { ~~الساحر تعريف الجنس لقصد الجنس المعروف ، أي لا يفلح بها كل ساحر . # واختير فعل أتى } دون نحو : حيث كان ، أو حيث حل ، لمراعاة كون معظم ~~أولئك السحرة مجلوبون من جهات مصر ، وللرعاية على فواصل الآيات الواقعة على ~~حرف الألف المقصورة . # وتعميم { حيث أتى } لعموم الأمكنة التي يحضرها ، أي بسحره . # وتعليق الحكم بوصف الساحر يقتضي أن نفي الفلاح عن الساحر في أمور السحر ~~لا في تجارة أو غيرها . وهذا تأكيد للعموم المستفاد من وقوع النكرة في سياق ~~النفي ، لأن عموم الأشياء يستلزم عموم الأمكنة التي تقع فيها . # $ 2 ( 70 71 ) { لله فألقى السحرة سجدا قالو & # 1764 ا آمنا برب هارون وموسى * قال ءامنتم له قبل أن ءاذن لكم إنه ~~لكبيركم الذى علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم فى ~~جذوع النخل ولتعلمن أينآ أشد عذابا وأبقى } . ) 2 $ # الفاء عاطفة على محذوف يدل عليه قوله { وألق ما في يمينك } ( طه : 69 ) . ~~والتقدير : فألقى فتلقفت ما صنعوا ، كقوله تعالى : { أن اضرب بعصاك البحر ~~فانفلق } ( الشعراء : 63 ) . # والإلقاء : الطرح على الأرض . وأسند الفعل إلى المجهول لأنهم لا ملقي لهم ~~إلا أنفسهم ، فكأنه قيل : فألقوا أنفسهم سجدا ، فإن سجودهم كان إعلانا ~~باعترافهم أن موسى مرسل من الله . ويجوز أن يكون سجودهم تعظيما لله تعالى . ~~PageV16P261 # ويجوز أن يكون دلالة على تغلب موسى عليهم فسجدوا تعظيما له . # ويجوز أن يريدوا به تعظيم فرعون ، جعلوه مقدمة لقولهم { ءامنا برب هارون ~~وموسى } حذرا من بطشه . # وسجد : جمع ساجد . # وجملة ms5154 { قالوا } يصح أن تكون في موضع الحال ، أي ألقوا قائلين . ويصح أن ~~تكون بدل اشتمال من جملة { فألقي السحرة سجدا } فإن سجودهم اشتمل على ~~إيمانهم ، وأن تكون مستأنفة ابتدائية لافتتاح المحاورة بينهم وبين فرعون . # وإنما آمنوا بالله حينئذ لأنهم أيقنوا أن ما جرى على يد موسى ليس من جنس ~~السحر لأنهم أيمة السحر فعلموا أنه آية من عند الله . # وتعبيرهم عن الرب بطريق الإضافة إلى هارون وموسى لأن الله لم يكن يعرف ~~بينهم يومئذ إلا بهذه النسبة لأن لهم أربابا يعبدونها ويعبدها فرعون . # وتقديم هارون على موسى هنا وتقديم موسى على هارون في قوله تعالى في سورة ~~الأعراف ( 121 ، 122 ) : { قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون } لا ~~دلالة فيه على تفضيل ولا غيره ، لأن الواو العاطفة لا تفيد أكثر من مطلق ~~الجمع في الحكم المعطوف فيه ، فهم عرفوا الله بأنه رب هذين الرجلين ؛ فحكي ~~كلامهم بما يدل على ذلك ؛ ألا ترى أنه حكي في سورة الأعراف ( 121 ) قول ~~السحرة { قالوا آمنا برب العالمين ، ولم يحك ذلك هنا ، لأن حكاية الأخبار ~~لا تقتضي الإحاطة بجميع المحكي وإنما المقصود موضع العبرة في ذلك المقام ~~بحسب الحاجة . PageV16P262 # ووجه تقديم هارون هنا الرعاية على الفاصلة ، فالتقديم وقع في الحكاية لا ~~في المحكي ، إذ وقع في الآية الأخرى قالوا آمنا برب العالمين رب موسى ~~وهارون } ( الشعراء : 47 ، 48 ) . ويجوز أن يكون تقديم هارون في هذه الآية ~~من حكاية قول السحرة ، فيكون صدر منهم قولان ، قدموا في أحدهما اسم هارون ~~اعتبارا بكبر سنه ، وقدموا اسم موسى في القول الآخر اعتبارا بفضله على ~~هارون بالرسالة وكلام الله تعالى ، فاختلاف العبارتين باختلاف الاعتبارين . # ويقال : آمن له ، أي حصل عنده الإيمان لأجله . كما يقال : آمن به ، أي ~~حصل الإيمان عنده بسببه . وأصل الفعل أن يتعدى بنفسه لأن آمنه بمعنى صدقه ، ~~ولكنه كاد أن لا يستعمل في معنى التصديق إلا بأحد هذين الحرفين . # وقرأ قالون وورش من طريق الأزرق ، وابن عامر ، وأبو عمرو ، وأبو جعفر ، ~~وروح عن يعقوب { ءامنتم ms5155 بهمزة واحدة بعدها مدة وهي المدة الناشئة عن تسهيل ~~الهمزة الأصلية في فعل آمن ، على أن الكلام استفهام . # وقرأه ورش من طريق الأصفهاني ، وابن كثير ، وحفص عن عاصم ، ورويس عن ~~يعقوب بهمزة واحدة على أن الكلام خبر ، فهو خبر مستعمل في التوبيخ . # وقرأه حمزة ، والكسائي ، وأبو بكر عن عاصم ، وخلف بهمزتين على الاستفهام ~~أيضا . # ولما رأى فرعون إيمان السحرة تغيظ ورام عقابهم ولكنه علم أن العقاب على ~~الإيمان بموسى بعد أن فتح باب المناظرة معه نكث لأصول المناظرة فاختلق ~~للتشفي من الذين آمنوا علة إعلانهم الإيمان قبل استئذان فرعون ، فعد ذلك ~~جرأة عليه ، وأوهم أنهم لو استأذنوه PageV16P263 لأذن لهم ، واستخلص من ~~تسرعهم بذلك أنهم تواطؤوا مع موسى من قبل فأظهروا العجز عند مناظرته . ~~ومقصد فرعون من هذا إقناع الحاضرين بأن موسى لم يأت بما يعجز السحرة إدخالا ~~للشك على نفوس الذين شاهدوا الآيات . وهذه شنشنة من قديم الزمان اختلاق ~~المغلوب بارد العذر . ومن هذا القبيل اتهام المحكوم عليهم الحاكمين ~~بالارتشاء ، واتهام الدول المغلوبة في الحروب قواد الجيوش بالخيانة . # وضمير له } عائد إلى موسى مثل ضمير { إنه لكبيركم . # ومعنى قبل أن آذن لكم } قبل أن أسوغ لكم أن تؤمنوا به . يقال : أذن له ، ~~إذ أباح له شيئا . # والتقطيع : شدة القطع . ومرجع المبالغة إلى الكيفية ، وهي ما وصفه بقوله ~~{ من خلاف } أي مختلفة ؛ بأن لا تقطع على جانب واحد بل من جانبين مختلفين ، ~~أي تقطع اليد ثم الرجل من الجهة المخالفة لجهة اليد المقطوعة ثم اليد ~~الأخرى ثم الرجل الأخرى . والظاهر : أن القطع على هذه الكيفية كان شعارا ~~لقطع المجرمين ، فيكون ذكر هذه الصفة حكاية للواقع لا للاحتراز عن قطع بشكل ~~آخر ، إذ لا أثر لهذه الصفة في تفظيع ولا في شدة إيلام إذا كان ذلك يقع ~~متتابعا . # وأما ما جاء في الإسلام في عقوبة المحارب فإنما هو قطع عضو واحد عند كل ~~حرابة فهو من الرحمة في العقوبة لئلا يتعطل انتفاع المقطوع بباقي أعضائه من ~~جراء قطع يد ثم رجل من ms5156 جهة واحدة ، أو قطع يد بعد يد وبقاء الرجلين . # و ( من ) في قوله { من خلاف } للابتداء ، أي يبدأ القطع من مبدأ المخالفة ~~بين المقطوع . والمجرور في موضع الحال ، وقد تقدم نظيره في سورة الأعراف ~~وفي سورة المائدة . PageV16P264 # والتصليب : مبالغة في الصلب . والصلب : ربط الجسم على عود منتصب أو دقه ~~عليه بمسامير ، وتقدم عند قوله تعالى : { وما قتلوه وما صلبوه } في سورة ~~النساء ( 157 ) . والمبالغة راجعة إلى الكيفية أيضا بشدة الدق على الأعواد ~~. # ولذلك عدل عن حرف الاستعلاء إلى حرف الظرفية تشبيها لشدة تمكن المصلوب من ~~الجذع بتمكن الشيء الواقع في وعائه . # والجذوع : جمع جذع بكسر الجيم وسكون الذال وهو عود النخلة . وقد تقدم عند ~~قوله تعالى : { وهزي إليك بجذع النخلة } ( مريم : 25 ) . وتعدية فعل { ~~ولأصلبنكم } بحرف ( في ) مع أن الصلب يكون فوق الجذع لا داخله ليدل على أنه ~~صلب متمكن يشبه حصول المظروف في الظرف ، فحرف ( في ) استعارة تبعية تابعة ~~لاستعارة متعلق معنى ( في ) لمتعلق معنى ( على ) . # وأينا : استفهام عن مشتركين في شدة التعذيب . وفعل { لتعلمن معلق عن ~~العمل لوقوع الاستفهام في آخره . وأراد بالمشتركين نفسه ورب موسى سبحانه ~~لأنه علم من قولهم آمنا برب هارون وموسى } ( الشعراء : 47 ) أن الذي حملهم ~~على الإيمان به ما قدم لهم موسى من الموعظة حين قال لهم بمسمع من فرعون { ~~ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب } ( طه : 61 ) ، أي وستجدون ~~عذابي أشد من العذاب الذي حذرتموه . وهذا من غروره . ويدل على أن ذلك مراد ~~فرعون ما قابل به المؤمنون قوله { أينا أشد عذابا وأبقى بقولهم والله خير ~~وأبقى } ( طه : 73 ) ، أي خير منك وأبقى عملا من عملك ، فثوابه خير من رضاك ~~وعذابه أشد من عذابك . # PageV16P265 # | 2 ( 72 73 ) { قالوا لن نؤثرك على ما جآءنا من البينات والذى فطرنا ~~فاقض مآ أنت قاض إنما تقضى هاذه الحيواة الدنيآ * إنآ آمنا بربنا ليغفر لنا ~~خطايانا ومآ أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى } . ) 2 # أظهروا استخفافهم بوعيده وبتعذيبه ، إذ أصبحوا أهل إيمان ويقين ms5157 ، وكذلك ~~شأن المؤمنين بالرسل إذا أشرقت عليهم أنوار الرسالة فسرعان ما يكون ~~انقلابهم عن جهالة الكفر وقساوته إلى حكمة الإيمان وثباته . ولنا في عمر بن ~~الخطاب ونحوه ممن آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم مثل صدق . # والإيثار : التفضيل . وتقدم في قوله تعالى : { لقد آثرك الله علينا } في ~~سورة يوسف ( 91 ) . والتفضيل بين فرعون وما جاءهم من البينات مقتض حذف مضاف ~~يناسب المقابلة بالبينات ، أي لن نؤثر طاعتك أو دينك على ما جاءنا من ~~البينات الدالة على وجوب طاعة الله تعالى ، وبذلك يلتئم عطف { والذي فطرنا ~~} ، أي لا نؤثرك في الربوبية على الذي فطرنا . # وجيء بالموصول للإيماء إلى التعليل ، لأن الفاطر هو المستحق بالإيثار . # وأخر { الذي فطرنا عن ما جاءنا من البينات } لأن البينات دليل على أن ~~الذي خلقهم أراد منهم الإيمان بموسى ونبذ عبادة غير الله ، ولأن فيه تعريضا ~~بدعوة فرعون للإيمان بالله . # وصيغة الأمر في قوله { فاقضض ما أنت قاض } مستعملة في التسوية ، لأن { ما ~~أنت قاض } ما صدقه ما توعدهم به من تقطيع PageV16P266 الأيدي والأرجل ~~والصلب ، أي سواء علينا ذلك بعضه أو كله أو عدم وقوعه ، فلا نطلب منك خلاصا ~~منه جزاء طاعتك فافعل ما أنت فاعل ( والقضاء هنا التنفيذ والإنجاز ) فإن ~~عذابك لا يتجاوز هذه الحياة ونحن نرجو من ربنا الجزاء الخالد . # وانتصب { هذه الحياة } على النيابة عن المفعول فيه ، لأن المراد بالحياة ~~مدتها . # والقصر المستفاد من ( إنما ) قصر موصوف على صفة ، أي إنك مقصور على ~~القضاء في هذه الحياة الدنيا لا يتجاوزه إلى القضاء في الآخرة ، فهو قصر ~~حقيقي . # وجملة { إنا آمنا بربنا } في محل العلة لما تضمنه كلامهم . # ومعنى { وما أكرهتنا عليه من السحر } أنه أكرههم على تحديهم موسى بسحرهم ~~فعلموا أن فعلهم باطل وخطيئة لأنه استعمل لإبطال إلهية الله ، فبذلك كان ~~مستوجبا طلب المغفرة . # وجملة { والله خير وأبقى } في موضع الحال ، أو معترضة في آخر الكلام ~~للتذييل . والمعنى : أن الله خير لنا بأن نؤثره منك ، والمراد : رضى الله ، ~~وهو أبقى منك ، أي جزاؤه في ms5158 الخير والشر أبقى من جزائك فلا يهولنا قولك { ~~ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى } ( طه : 71 ) ، فذلك مقابلة لوعيده مقابلة ~~تامة . # PageV16P267 # | 2 ( 74 77 ) { إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى ~~* ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولائك لهم الدرجات العلى * جنات عدن ~~تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها وذالك جزآء من تزكى * ولقد أوحينآ إلى ~~موسى أن أسر بعبادى فاضرب لهم طريقا فى البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى } ~~) 2 # هذه الجمل معترضة بين حكاية قصة السحرة وبين ذكر قصة خروج بني إسرائيل ، ~~ساقها الله موعظة وتأييدا لمقالة المؤمنين من قوم فرعون . وقيل : هي من ~~كلام أولئك المؤمنين . ويبعده أنه لم يحك نظيره عنهم في نظائر هذه القصة . # والمجرم : فاعل الجريمة ، وهي المعصية والفعل الخبيث . والمجرم في اصطلاح ~~القرآن هو الكافر ، كقوله تعالى : { إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا ~~يضحكون } ( المطففين : 29 ) . # واللام في { له جهنم } لام الاستحقاق ، أي هو صائر إليها لا محالة ، ~~ويكون عذابه متجددا فيها ؛ فلا هو ميت لأنه يحس بالعذاب ولا هو حي لأنه في ~~حالة الموت أهون منها ، فالحياة المنفية حياة خاصة وهي الحياة الخالصة من ~~العذاب والآلام . وبذلك لم يتناقض نفيها مع نفي الموت ، وهو كقول عباس بن ~~مرداس : # وقد كنت في الحرب ذا تدرإ # فلم أعط شيئا ولم أمنع # وليس هذا من قبيل قوله { إنها بقرة لا فارض ولا بكر } ( البقرة : 68 ) ~~ولا قوله { زيتونة لا شرقية ولا غربية } ( النور : 35 ) . PageV16P268 # وأما خلود غير الكافرين في النار من أهل الكبائر فإن قوله { لا يموت فيها ~~ولا يحيى } جعلها غير مشمولة لهذه الآية . ولها أدلة أخرى اقتضت خلود ~~الكافر وعدم خلود المؤمن العاصي . ونازعنا فيها المعتزلة والخوارج . وليس ~~هذا موضع ذكرها وقد ذكرناها في مواضعها من هذا التفسير . # والإتيان باسم الإشارة في قوله : { فأولئك لهم الدرجات } للتنبيه على ~~أنهم أحرياء بما يذكر بعد اسم الإشارة من أجل ما سبق اسم الإشارة . # وتقدم معنى { عدن } وتفسير { تجري ms5159 من تحتها الأنهار } في قوله تعالى : { ~~وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ~~ومساكن طيبة في جنات عدن في سورة براءة ( 72 ) . # والتزكي : التطهر من المعاصي . # افتتاح الجملة بحرف التحقيق للاهتمام بالقصة ليلقي السامعون إليها ~~أذهانهم . وتغيير الأسلوب في ابتداء هذه الجملة مؤذن بأن قصصا طويت بين ذكر ~~القصتين ، فلو اقتصر على حرف العطف لتوهم أن حكاية القصة الأولى لم تزل ~~متصلة فتوهم أن الأمر بالخروج وقع مواليا لانتهاء محضر السحرة ، مع أن بين ~~ذلك قصصا كثيرة ذكرت في سورة الأعراف وغيرها ، فإن الخروج وقع بعد ظهور ~~آيات كثيرة لإرهاب فرعون كلما هم بإطلاق بني إسرائيل للخروج . ثم نكل إلى ~~أن أذن لهم بأخرة فخرجوا ثم ندم على ذلك فأتبعهم . PageV16P269 # فجملة { ولقد أوحينا إلى موسى } ابتدائية ، والواو عاطفة قصة على قصة ~~وليست عاطفة بعض أجزاء قصة على بعض آخر . # و { اسر أمر من السرى بضم السين وفتح الراء وتقدم في سورة الإسراء أنه ~~يقال : سرى وأسرى . وإنما أمره الله بذلك تجنبا لنكول فرعون عليهم . ~~والإضافة في قوله بعبادي } لتشريفهم وتقريبهم والإيماء إلى تخليصهم من ~~استعباد القبط وأنهم ليسوا عبيدا لفرعون . # والضرب : هنا بمعنى الجعل كقولهم : ضرب الذهب دنانير . وفي الحديث : ( ~~واضربوا إلي معكم بسهم ) ، وليس هو كقوله { أن اضرب بعصاك البحر } ( ~~الشعراء : 63 ) لأن الضرب هنالك متعد إلى البحر وهنا نصب طريقا . # واليبس بفتح المثناة والموحدة . ويقال : بسكون الموحدة : وصف بمعنى ~~اليابس . وأصله مصدر كالعدم والعدم ، وصف به للمبالغة ولذلك لا يؤنث فقالوا ~~: ناقة يبس إذا جف لبنها . # و { لا تخاف مرفوع في قراءة الجمهور ، وعد لموسى اقتصر على وعده دون بقية ~~قومه لأنه قدوتهم فإذا لم يخف هو تشجعوا وقوي يقينهم ، فهو خبر مراد به ~~البشرى . والجملة في موضع الحال . # وقرأ حمزة وحده لا تخف على جواب الأمر الذي في قوله فاضرب ، وكلمة تخف } ~~مكتوبة في المصاحف بدون ألف لتكون قراءتها بالوجهين لكثرة نظائر هذه الكلمة ~~ذات الألف في وسطها في رسم المصحف ويسميه المؤدبون ms5160 ( المحذوف ) . # وأما قوله { ولا تخشى } فالإجماع على قراءته بألف في آخره . فوجه قراءة ~~حمزة فيها مع أنه قرأ بجزم المعطوف عليه PageV16P270 أن تكون الألف للإطلاق ~~لأجل الفواصل مثل ألف { فأضلونا السبيلا } ( الأحزاب : 67 ) وألف { وتظنون ~~بالله الظنونا } ( الأحزاب : 10 ) ، أو أن تكون الواو في قوله { ولا تخشى ~~للاستئناف لا للعطف . # و الدرك بفتحتين اسم مصدر الإدراك ، أي لا تخاف أن يدركك فرعون . # والخشية : شدة الخوف . وحذف مفعوله لإفادة العموم ، أي لا تخشى شيئا ، ~~وهو عام مراد به الخصوص ، أي لا تخشى شيئا مما يخشى من العدو ولا من الغرق ~~. # # | 2 ( 78 79 ) فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم * وأضل ~~فرعون قومه وما هدى } . ) 2 # الفاء فصيحة عاطفة على مقدر يدل عليه الكلام السابق ، أي فسرى بهم ~~فأتبعهم فرعون ، فإن فرعون بعد أن رأى آيات غضب الله عليه وعلى قومه وأيقن ~~أن ذلك كله تأييد لموسى أذن لموسى وهارون أن يخرجا بني إسرائيل ، وكان إذن ~~فرعون قد حصل ليلا لحدوث موتان عظيم في القبط في ليلة الشهر السابع من أشهر ~~القبط وهو شهر ( برمهات ) وهو الذي اتخذه اليهود رأس سنتهم بإذن من الله ~~وسموه ( تسري ) فخرجوا من مدينة ( رعمسيس ) قاصدين شاطىء البحر الأحمر . ~~وندم فرعون على إطلاقهم فأراد أن يلحقهم ليرجعهم إلى مدينته ، وخرج في ~~مركبته ومعه ستمائة مركبة مختارة ومركبات أخرى تحمل جيشه . # وأتبع : مرادفع تبع . والباء في { بجنوده } للمصاحبة . # واليم : البحر . وغشيانه إياهم : تغطيته جثثهم ، أي فغرقوا . PageV16P271 # وقوله { ما غشيهم } يفيد ما أفاده قوله { فغشيهم من اليم } إذ من المعلوم ~~أنهم غشيهم غاشش ، فتعين أن المقصود منه التهويل ، أي بلغ من هول ذلك الغرق ~~أنه لا يستطاع وصفه . قال في ( الكشاف ) : ( هو من جوامع الكلم التي تستقل ~~مع قلتها بالمعاني الكثيرة ) . وهذا الجزء من القصة تقدم في سورة يونس . # وجملة { وأضل فرعون قومه } في موضع الحال من الضمير في { غشيهم } . ~~والإضلال : الإيقاع في الضلال ، وهو خطأ الطريق الموصل . ويستعمل بكثرة في ~~معنى الجهالة وعمل ما فيه ضر ms5161 وهو المراد هنا . والمعنى : أن فرعون أوقع ~~قومه في الجهالة وسوء العاقبة بما بث فيهم من قلب الحقائق والجهل المركب ، ~~فلم يصادفوا السداد في أعمالهم حتى كانت خاتمتها وقوعهم غرقى في البحر ~~بعناده في تكذيب دعوة موسى عليه السلام . # وعطف { وما هدى } على { أضل } : إما من عطف الأعم على الأخص لأن عدم ~~الهدى يصدق بترك الإرشاد من دون إضلال ؛ وإما أن يكون تأكيدا لفظيا ~~بالمرادف مؤكدا لنفي الهدى عن فرعون لقومه فيكون قوله { وما هدى تأكيدا ~~لأضل } بالمرادف كقوله تعالى : { أموات غير أحياء } ( النحل : 21 ) وقول ~~الأعشى : حفاة لا نعال لنا ) من قوله : # إما ترينا حفاة لا نعال لنا # إنا كذلكك ما نحفى وننتعل # وفي ( الكشاف ) : إن نكتة ذكر { وما هدى } التهكم بفرعون في قوله { وما ~~أهديكم إلا سبيل الرشاد اه . يعني أن في قوله وما هدى } تلميحا إلى قصة ~~قوله المحكي في سورة غافر ( 29 ) : { قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما ~~أهديكم إلا سبيل الرشاد وما في هذه من قوله بطريقتكم المثلى } ( طه : 63 ) ~~، أي هي هدي ، فيكون من PageV16P272 التلميح إلى لفظ وقع في قصة مفضيا إلى ~~التلميح إلى القصة كما في قول مهلهل : # لو كشف المقابر عن كليب # فخبر بالذنائب أي زير # يشير إلى قول كليب له على وجه الملامة : أنت زير نساء . # # | 2 ( 80 82 ) { لله يابنى إسراءيل قد أنجيناكم من عدوكم وواعدناكم جانب ~~الطور الايمن ونزلنا عليكم المن والسلوى * كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا ~~تطغوا فيه فيحل عليكم غضبى ومن يحلل عليه غضبى فقد هوى * وإنى لغفار لمن ~~تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى } ) 2 # هذه الجمل معترضة في أثناء القصة مثل ما تقدم آنفا في قوله تعالى : { إنه ~~من يأت ربه مجرما } الآية . وهذا خطاب لليهود الذين في زمن النبي صلى الله ~~عليه وسلم تذكيرا لهم بنعم أخرى . # وقدمت عليها النعمة العظيمة ، وهي خلاصهم من استعباد الكفرة . # وقرأ الجمهور { قد أنجيناكم وواعدناكم بنون العظمة . وقرأهما حمزة ، ~~والكسائي ، وخلف قد أنجيتكم ووعدتكم بتاء ms5162 المتكلم . # وذكرهم بنعمة نزول الشريعة وهو ما أشار إليه قوله وواعدناكم جانب الطور ~~الأيمن } . والمواعدة : اتعاد من جانبين ، أي أمرنا موسى PageV16P273 ~~بالحضور للمناجاة فذلك وعد من جانب الله بالمناجاة ، وامتثال موسى لذلك وعد ~~من جانبه ، فتم معنى المواعدة ، كما قال تعالى في سورة البقرة ( 52 ) : { ~~وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة . # ويظهر أن الآية تشير إلى ما جاء في الإصحاح 19 من سفر الخروج : في الشهر ~~الثالث بعد خروج بني إسرائيل من أرض مصر جاءوا إلى برية سيناء هنالك نزل ~~إسرائيل مقابل الجبل . وأما موسى فصعد إلى الله فناداه الرب من الجبل قائلا ~~: هكذا نقول لبيت يعقوب أنتم رأيتم ما صنعت بالمصريين وأنا حملتكم على ~~أجنحة النسور ، إن سمعتم لصوتي وحفظتم عهدي تكونون لي خاصة . . . إلخ . # وذكر الطور تقدم في سورة البقرة . # وجانب الطور : سفحه . ووصفه بالأيمن باعتبار جهة الشخص المستقبل مشرق ~~الشمس ، وإلا فليس للجبل يمين وشمال معينان ، وإنما تعرف بمعرفة أصل الجهات ~~وهو مطلع الشمس ، فهو الجانب القبلي باصطلاحنا . وجعل محل المواعدة الجانب ~~القبلي وليس هو من الجانب الغربي الذي في سورة القصص ( 30 ) : فلما أتاها ~~نودي من شاطىء الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة وقال فيها وما ~~كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر } ( القصص : 44 ) فهو جانب غربي ~~، أي من جهة مغرب الشمس من الجبل ، وهو الذي آنس موسى منه نارا . # وانتصب { جانب الطور } على الظرفية المكانية لأنه لاتساعه بمنزلة المكان ~~المبهم . # ومفعول المواعدة محذوف ، تقديره : المناجاة . # وتعدية { واعدناكم } إلى ضمير جماعة بني إسرائيل وإن كانت مواعدة لموسى ~~ومن معه الذين اختارهم من قومه باعتبار PageV16P274 أن المقصد من المواعدة ~~وحي أصول الشريعة التي تصير صلاحا للأمة فكانت المواعدة مع أولئك كالمواعدة ~~مع جميع الأمة . # وقرأ الجميع { ونزلنا عليكم الخ ؛ فباعتبار قراءة حمزة ، والكسائي ، وخلف ~~قد أنجيتكم وواعدتكم بتاء المفرد تكون قراءة وأنزلنا بنون العظمة قريبا من ~~الالتفات وليس عينه ، لأن نون العظمة تساوي تاء المتكلم . # والسلوى تقدم في سورة البقرة . وكان ذلك في نصف الشهر ms5163 الثاني من خروجهم ~~من مصر كما في الإصحاح 16 من سفر الخروج . # وجملة كلوا } مقول محذوف . تقديره : وقلنا أو قائلين . وتقدم نظيره في ~~سورة البقرة . # وقرأ الجمهور { ما رزقناكم بنون العظمة . وقرأه حمزة ، والكسائي ، وخلف ~~ما رزقتكم بتاء المفرد . # والطغيان : أشد الكبر . ومعنى النهي عن الطغيان في الرزق : النهي عن ترك ~~الشكر عليه وقلة الاكتراث بعبادة المنعم . # وحرف ( في ) الظرفية استعارة تبعية ؛ شبه ملابسة الطغيان للنعمة بحلول ~~الطغيان فيها تشبيها للنعمة الكثيرة بالوعاء المحيط بالمنعم عليه على طريقة ~~المكنية ، وحرف الظرفية قرينتها . # والحلول : النزول والإقامة بالمكان ؛ شبهت إصابة آثار الغضب إياهم بحلول ~~الجيش ونحوه بديار قوم . # وقرأ الجمهور فيحل عليكم بكسر الحاء وقرأوا ومن يحلل عليه غضبي بكسر ~~اللام الأولى على أنهما فعلا حل PageV16P275 الدين يقال : حل الدين إذا آن ~~أجل أدائه . وقرأه الكسائي بالضم في الفعلين على أنه من حل بالمكان يحل إذا ~~نزل به . كذا في الكشاف } ولم يتعقبوه . # وهذا مما أهمله ابن مالك في ( لامية الأفعال ) ، ولم يستدركه شارحها بحرق ~~اليمني في ( الشرح الكبير ) . ووقع في ( المصباح ) ما يخالفه ولا يعول عليه ~~. وظاهر ( القاموس ) أن حل بمعنى نزل يستعمل قاصرا ومتعديا ، ولم أقف لهم ~~على شاهد في ذلك . # وهوى : سقط من علو ، وقد استعير هنا للهلاك الذي لا نهوض بعده ، كما ~~قالوا : هوت أمه ، دعاء عليه ، وكما يقال : ويل أمه ، ومنه : { فأمه هاوية ~~} ( القارعة : 9 ) ، فأريد هوي مخصوص ، وهو الهوي من جبل أو سطح بقرينة ~~التهديد . # وجملة { وإني لغفار } إلى آخرها استطراد بعد التحذير من الطغيان في ~~النعمة بالإرشاد إلى ما يتدارك به الطغيان إن وقع بالتوبة والعمل الصالح . ~~ومعنى { تاب } : ندم على كفره وآمن وعمل صالحا . # وقوله { ثم اهتدى } ( ثم ) فيه للتراخي في الرتبة ؛ استعيرت للدلالة على ~~التباين بين الشيئين في المنزلة كما كانت للتباين بين الوقتين في الحدوث . ~~ومعنى { اهتدى : استمر على الهدى وثبت عليه ، فهو كقوله تعالى : إن الذين ~~قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون } ( الأحقاف : 13 ~~) . # والآيات تشير ms5164 إلى ما جاء في الإصحاح من سفر الخروج ( الرب إله رحيم ورؤوف ~~، بطيء الغضب وكثير الإحسان غافر الإثم والخطيئة ولكنه لن يبرىء إبراء ) . # PageV16P276 $ 2 ( 83 85 ) { ومآ أعجلك عن قومك ياموسى * قال هم أولا & # 1764 ء على أثرى وعجلت إليك رب لترضى * قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك ~~وأضلهم السامرى } ) 2 $ # عطف على جملة { اسر بعبادي } ( طه : 77 ) الواقعة تفسيرا لفعل { أوحينا ~~إلى موسى } ( طه : 77 ) ، فقوله { وما أعجلك عن قومك } هو مما أوحى الله به ~~إلى موسى . والتقدير : وأن : ما أعجلك الخ . وهو إشارة إلى ما وقع لهم أيام ~~مناجاة موسى في الطور في الشهر الثالث لخروجهم من مصر . وهذا الجزء من ~~القصة لم يذكر في سورة الأعراف . # والإعجال : جعل الشيء عاجلا . # والاستفهام مستعمل في اللوم . والذي يؤخذ من كلام المفسرين وتشير إليه ~~الآية : أن موسى تعجل مفارقة قومه ليحضر إلى المناجاة قبل الإبان الذي عينه ~~الله له ، اجتهادا منه ورغبة في تلقي الشريعة حسبما وعده الله قبل أن يحيط ~~بنو إسرائيل بجبل الطور ، ولم يراع في ذلك إلا السبق إلى ما فيه خير لنفسه ~~ولقومه ، فلامه الله على أن غفل عن مراعاة ما يحف بذلك من ابتعاده عن قومه ~~قبل أن يوصيهم الله بالمحافظة على العهد ويحذرهم مكر من يتوسم فيه مكرا ، ~~فكان في ذلك بمنزلة أبي بكر حين دخل المسجد فوجد النبي صلى الله عليه وسلم ~~راكعا فركع ودب إلى الصف فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ( زادك الله ~~حرصا ولا تعد ) . # وقريب من تصرف موسى عليه السلام أخذ المجتهد بالدليل الذي له معارض دون ~~علم بمعارضة ، وكان ذلك سبب افتتان قومه بصنع صنم يعبدونه . PageV16P277 # وليس في كتاب التوراة ما يشير إلى أكثر من صنع بني إسرائيل العجل من ذهب ~~اتخذوه إلها في مدة مغيب موسى ، وأن سبب ذلك استبطاؤهم رجوع موسى { قالوا ~~لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى } ( طه : 91 ) . # وقوله هنا { هم أولاء على أثري } يدل على أنهم كانوا سائرين خلفه ms5165 وأنه ~~سبقهم إلى المناجاة . # واعتذر عن تعجله بأنه عجل إلى استجابة أمر الله مبالغة في إرضائه ، فقوله ~~تعالى : { فإنا قد فتنا قومك من بعدك } فيه ضرب من الملام على التعجل بأنه ~~تسبب عليه حدوث فتنة في قومه ليعلمه أن لا يتجاوز ما وقت له ولو كان لرغبة ~~في ازدياد من الخير . # والأثر بفتحتين : ما يتركه الماشي على الأرض من علامات قدم أو حافر أو خف ~~. ويقال : إثر بكسر الهمزة وسكون الثاء وهما لغتان فصيحتان كما ذكر ثعلب . ~~فمعنى قولهم : جاء على إثره ، جاء مواليا له بقرب مجيئه ، شبه الجائي ~~الموالي بالذي يمشي على علامات أقدام من مشى قبله قبل أن يتغير ذلك الأثر ~~بأقدام أخرى ، ووجه الشبه هو موالاته وأنه لم يسبقه غيره . # والمعنى : هم أولاء سائرون على مواقع أقدامي ، أي موالون لي في الوصول . ~~ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم ( وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي ~~) ، تقديره : يحشرون سائرين على آثار قدمي . # وقرأ الجمهور { على أثري } بفتحتين . وقرأه رويس عن يعقوب بكسر الهمزة ~~وسكون الثاء . # واستعمل تركيب { هم أولاء } مجردا عن حرف التنبيه في أول اسم الإشارة ~~خلافا لقوله في سورة النساء ( 109 ) : { ها أنتم هؤلاء جادلتم } ، ~~PageV16P278 وتجريد اسم الإشارة من هاء التنبيه استعمال جائز وأقل منه ~~استعماله بحرف التنبيه مع الضمير دون اسم الإشارة ، نحو قول عبد بني ~~الحسحاس : # ها أنا دون الحبيبب يا وجع # وتقدم عند قوله تعالى : { ها أنتم أولاء تحبونهم } في سورة آل عمران ( ~~119 ) . # وإسناد الفتن إلى الله باعتبار أنه مقدره وخالق أسبابه البعيدة . وأما ~~إسناده الحقيقي فهو الذي في قوله { وأضلهم السامري } لأنه السبب المباشر ~~لضلالهم المسبب لفتنتهم . # و { السامري } يظهر أن ياءه ياء نسبة ، وأن تعريفه باللام للعهد . فأما ~~النسبة فأصلها في الكلام العربي أن تكون إلى القبائل والعشائر ؛ فالسامري ~~نسب إلى اسم أبي قبيلة من بني إسرائيل أو غيرهم يقارب اسمه لفظ سامر ، وقد ~~كان من الأسماء القديمة ( شومر ) و ( شامر ) وهما يقاربان اسم سامر لا سيما ~~مع التعريب ms5166 . وفي ( أنوار التنزيل ) : ( السامري نسبة إلى قبيلة من بني ~~إسرائيل يقال لها : السامرة ) اه . أخذنا من كلام البيضاوي أن السامري ~~منسوب إلى قبيلة وأما قوله ( من بني إسرائيل ) فليس بصحيح . لأن السامرة ~~أمة من سكان فلسطين في جهة نابلس في عهد الدولة الرومية ( البيزنطية ) ~~وكانوا في فلسطين قبل مصير فلسطين بيد بني إسرائيل ثم امتزجوا ~~بالإسرائيليين واتبعوا شريعة موسى عليه السلام مع تخالف في طريقتهم عن ~~طريقة اليهود . فليس هو منسوبا إلى مدينة السامرة القريبة من نابلس لأن ~~مدينة السامرة بناها الملك ( عمري ) ملك مملكة إسرائيل سنة 925 قبل المسيح ~~. وجعلها قصبة مملكته ، وسماها ( شوميرون ) لأنه بناها على جبل اشتراه من ~~رجل اسمه ( شامر ) بوزنتين من الفضة ، فعربت PageV16P279 في العربية إلى ~~سامرة ، وكان اليهود يعدونها مدينة كفر وجور ، لأن ( عمري ) بانيها وابنه ( ~~آخاب ) قد أفسدا ديانة التوراة وعبدا الأصنام الكنعانية . وأمر الله النبي ~~إلياس بتوبيخهما والتثوير عليهما ، فلا جرم لم تكن موجودة زمن موسى ولا ~~كانت ناحيتها من أرض بني إسرائيل زمن موسى عليه السلام . # ويحتمل أن يكون السامري نسبا إلى قرية اسمها السامرة من قرى مصر ، كما ~~قال بعض أهل التفسير ، فيكون فتى قبطيا اندس في بني إسرائيل لتعلقه بهم في ~~مصر أو لصناعة يصنعها لهم . وعن سعيد بن جبير : كان السامري من أهل ( كرمان ~~) ، وهذا يقرب أن يكون السامري تعريب كرماني بتبديل بعض الحروف وذلك كثير ~~في التعريب . # ويجوز أن تكون الياء من السامري غير ياء نسب بل حرفا من اسم مثل : ياء ~~علي وكرسي ، فيكون اسما أصليا أو منقولا في العبرانية ، وتكون اللام في ~~أوله زائدة . # وذكر الزمخشري والقرطبي خليطا من القصة : أن السامري اسمه موسى بن ظفر ~~بفتح الظاء المعجمة وفتح الفاء وأنه ابن خالة موسى عليه السلام أو ابن خاله ~~، وأنه كفر بدين موسى بعد أن كان مؤمنا به ، وزاد بعضهم على بعض تفاصيل ~~تشمئز النفس منها . # واعلم أن السامريين لقب لطائفة من اليهود يقال لهم أيضا السامرة ، لهم ~~مذهب خاص مخالف لمذهب جماعة اليهودية ms5167 في أصول الدين ، فهم لا يعظمون بيت ~~المقدس وينكرون نبوءة أنبياء بني إسرائيل عدا موسى وهارون ويوشع ، وما كانت ~~هذه الشذوذات فيهم إلا من بقايا تعاليم الإلحاد التي كانوا يتلقونها في ~~مدينة السامرة المبنية على التساهل والاستخفاف بأصول الدين والترخص في ~~تعظيم آلهة PageV16P280 جيرتهم الكنعانيين أصهار ملوكهم ، ودام ذلك الشذوذ ~~فيهم إلى زمن عيسى عليه السلام ففي إنجيل متى إصحاح 10 وفي إنجيل لوقا ~~إصحاح 9 ما يقتضي أن بلدة السامريين كانت منحرفة على اتباع المسيح ، وأنه ~~نهى الحواريين عن الدخول إلى مدينتهم . # ووقعت في كتاب الخروج من التوراة في الإصحاح الثاني والثلاثين زلة كبرى ، ~~إذ زعموا أن هارون صنع العجل لهم لما قالوا له : ( اصنع لنا آلهة تسير ~~أمامنا لأنا لا نعلم ماذا أصاب موسى في الجبل فصنع لهم عجلا من ذهب ) . ~~وأحسب أن هذا من آثار تلاشي التوراة الأصلية بعد الأسر البابلي ، وأن الذي ~~أعاد كتبها لم يحسن تحرير هذه القصة . ومما نقطع به أن هارون معصوم من ذلك ~~لأنه رسول . # # | 2 ( 86 ) { فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال ياقوم ألم يعدكم ربكم ~~وعدا حسنا أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم ~~موعدى } . ) 2 # الغضب : انفعال للنفس وهيجان ينشأ عن إدراك ما يسوؤها ويسخطها دون خوف ، ~~والوصف منه غضبان . # والأسف : انفعال للنفس ينشأ من إدراك ما يحزنها وما تكرهه مع انكسار ~~الخاطر . والوصف منه أسف . وقد اجتمع الانفعالان في نفس موسى لأنه يسوؤه ~~وقوع ذلك في أمته وهو لا يخافهم ، فانفعاله المتعلق بحالهم غضب ، وهو أيضا ~~يحزنه وقوع ذلك وهو في مناجاة الله تعالى التي كان PageV16P281 يأمل أن ~~تكون سبب رضى الله عن قومه فإذا بهم أتوا بما لا يرضي الله فقد انكسر خاطره ~~بين يديه ربه . # وهذا ابتداء وصف قيام موسى في جماعة قومه وفيهم هارون وفيهم السامري ، ~~وهو يقرع أسماعهم بزواجر وعظه ، فابتدأ بخطاب قومه كلهم ، وقد علم أن هارون ~~لا يكون مشايعا لهم ، فلذلك ابتدأ بخطاب قومه ثم وجه ms5168 الخطاب إلى هارون ~~بقوله { قال يا هارون ما منعك } ( طه : 92 ) . # وجملة { قال ياقومم ألم } مستأنفة بيانية . # وافتتاح الخطاب ب { ياقوم } تمهيد للوم لأن انجرار الأذى للرجل من قومه ~~أحق في توجيه الملام عليهم ، وذلك قوله { فأخلفتم موعدي } . # والاستفهام في { ألم يعدكم ربكم } إنكاري ؛ نزلوا منزلة من زعم أن الله ~~لم يعدهم وعدا حسنا لأنهم أجروا أعمالهم على حال من يزعم ذلك فأنكر عليهم ~~زعمهم . ويجوز أن يكون تقريريا ، وشأنه أن يكون على فرض النفي كما تقدم غير ~~مرة . # والوعد الحسن هو : وعده موسى بإنزال التوارة ، ومواعدته ثلاثين ليلة ~~للمناجاة ، وقد أعلمهم بذلك ، فهو وعد لقومه لأن ذلك لصلاحهم ، ولأن الله ~~وعدهم بأن يكون ناصرا لهم على عدوهم وهاديا لهم في طريقهم ، وهو المحكي في ~~قوله { وواعدناكم جانب الطور الأيمن } ( طه : 80 ) . # والاستفهام في { أفطال عليكم العهد } مفرع على قوله { ألم يعدكم ربكم } ، ~~وهو استفهام إنكاري ، أي ليس العهد بوعد الله إياكم بعيدا . والمراد بطول ~~العهد طول المدة ، أي بعدها ، أي لم يبعد زمن وعد ربكم إياكم حتى يكون لكم ~~يأس من الوفاء فتكفروا وتكذبوا من بلغكم الوعد وتعبدوا ربا غير الذي دعاكم ~~إليه من بلغكم الوعد فتكون لكم شبهة عذر في الإعراض عن عبادة الله ونسيان ~~عهده . PageV16P282 # والعهد : معرفة الشيء وتذكره ، وهو مصدر يجوز أن يكون أطلق على المفعول ~~كإطلاق الخلق على المخلوق ، أي طال المعهود لكم وبعد زمنه حتى نسيتموه ~~وعملتم بخلافه . ويجوز أن يبقى على أصل المصدر وهو عهدهم الله على الامتثال ~~والعمل بالشريعة . وتقدم في قوله تعالى : { الذين ينقضون عهد الله من بعد ~~ميثاقه } وقوله { وأوفوا بعهدي } في ( سورة البقرة : 27 و 40 ) . # و { أم } إضراب إبطالي . والاستفهام المقدر بعد { أم } في قوله { أم ~~أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم } ( طه : 86 ) إنكاري أيضا ، إذ التقدير : ~~بل أردتم أن يحل عليكم غضب ، فلا يكون كفركم إذن إلا إلقاء بأنفسكم في غضب ~~الله كحال من يحب أن يحل عليه غضب من الله . # ففي قوله { أردتم أن ms5169 يحل عليكم غضب من ربكم } استعارة تمثيلية ، إذ شبه ~~حالهم في ارتكابهم أسباب حلول غضب الله عليهم بدون داع إلى ذلك بحال من يحب ~~حلول غضب الله عليه ؛ إذ الحب لا سبب له . # وقوله { فأخلفتم موعدي } تفريع على الاستفهام الإنكاري الثاني . ومعنى { ~~موعدي } هو وعد الله على لسانه ، فإضافته إلى ضميره لأنه الواسطة فيه . # # | 2 ( 87 88 ) { قالوا مآ أخلفنا موعدك بملكنا ولاكنا حملنآ أوزارا من ~~زينة القوم فقذفناها فكذلك ألقى السامرى * فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار ~~فقالوا هاذآ إلاهكم وإلاه موسى فنسى } ) 2 # ( هذه الآية مكررة : # { قالوا مآ أخلفنا موعدك بملكنا ولاكنا حملنآ أوزارا من زينة القوم ~~فقذفناها فكذلك ألقى السامرى } ) # وقعت جملة { قالوا } غير معطوفة لأنها جرت في المحاورة جوابا عن كلام ~~موسى عليه السلام . وضمير { قالوا } عائد إلى القوم PageV16P283 وإنما ~~القائل بعضهم ، تصدوا مجيبين عن القوم كلهم وهم كبراء القوم وأهل الصلاح ~~منهم . # وقوله { بملكنا قرأه نافع ، وعاصم ، وأبو جعفر بفتح الميم . وقرأه ابن ~~كثير ، وابن عامر ، وأبو عمرو ، ويعقوب بكسر الميم . وقرأه حمزة ، والكسائي ~~، وخلف بضم الميم . وهي وجوه ثلاثة في هذه الكلمة ، ومعناها : بإرادتنا ~~واختيارنا ، أي لإخلاف موعدك ، أي ما تجرأنا ولكن غرهم السامري وغلبهم ~~دهماء القوم . وهذا إقرار من المجيبين بما فعله دهماؤهم . # والاستداك راجع إلى ما أفاده نفي أن يكون إخلافهم العهد عن قصد للضلال . ~~والجملة الواقعة بعده وقعت بإيجاز عن حصول المقصود من التنصل من تبعة نكث ~~العهد . # ومحل الاستدراك هو قوله فقالوا هذا إلهكم وإله موسى } وما قبله تمهيد له ~~، فعطفت الجمل قبله بحرف الفاء واعتذروا بأنهم غلبوا على رأيهم بتضليل ~~السامري . فأدمجت في هذا الاعتذار الإشارة إلى قضية صوغ العجل الذي عبدوه ~~واغتروا بما موه لهم من أنه إلههم المنشود من كثرة ما سمعوا من رسولهم أن ~~الله معهم أو أمامهم ، ومما جاش في خواطرهم من الطمع في رؤيته تعالى . # وقرأ نافع ، وابن كثير ، وابن عامر ، وحفص عن عاصم ، ورويس عن يعقوب { ~~حملنا بضم الحاء وتشديد الميم مكسورة ، أي ms5170 حملنا من حملنا ، أو حملنا ~~أنفسنا . # وقرأ أبو بكر عن عاصم ، وحمزة ، وأبو عمرو ، والكسائي ، وروح عن يعقوب ~~بفتح الحاء وفتح الميم مخففة PageV16P284 . # والأوزار : الأثقال . والزينة : الحلي والمصوغ . وقد كان بنو إسرائيل حين ~~أزمعوا الخروج قد احتالوا على القبط فاستعار كل واحد من جاره القبطي حليا ~~فضة وذهبا وأثاثا ، كما في الإصحاح 12 من سفر الخروج . والمعنى : أنهم خشوا ~~تلاشي تلك الزينة فارتأوا أن يصوغوها قطعة واحدة أو قطعتين ليتأتى لهم ~~حفظها في موضع مأمون . # والقذف : الإلقاء . وأريد به هنا الإلقاء في نار السامري للصوغ ، كما ~~يومىء إليه الإصحاح 32 من سفر الخروج . فهذا حكاية جوابهم لموسى عليه ~~السلام مجملا مختصرا شأن المعتذر بعذر واه أن يكون خجلان من عذره فيختصر ~~الكلام . # ظاهر حال الفاء التفريعية أن يكون ما بعدها صادرا من قائل الكلام المفرع ~~عليه . والمعنى : فمثل قذفنا زينة القوم ، أي في النار ، ألقى السامري شيئا ~~من زينة القوم فأخرج لهم عجلا . والمقصود من هذا التشبيه التخلص إلى قصة ~~صوغ العجل الذي عبدوه . # وضميرا الغيبة في قوله فأخرج لهم فكذلك ألقى السامرى * فأخرج لهم عجلا ~~جسدا له خوار فقالوا هاذآ إلاهكم وإلاه موسى فنسى } وقوله : { فقالوا } ~~عائدان إلى غير المتكلمين . علق المتكلمون الإخراج والقول بالغائبين ~~للدلالة على أن المتكلمين مع موسى لم يكونوا ممن اعتقد إلهية العجل ولكنهم ~~صانعوا دهماء القوم ، فيكون هذا من حكاية قول القوم لموسى . وعلى هذا درج ~~جمهور المفسرين ، فيكون من PageV16P285 تمام المعذرة التي اعتذر بها ~~المجيبون لموسى ، ويكون ضمير { فأخرج لهم } التفاتا قصد القائلون به التبري ~~من أن يكون إخراج العجل لأجلهم ، أي أخرجه لمن رغبوا في ذلك . # وجعل بعض المفسرين هذا الكلام كله من جانب الله ، وهو اختيار أبي مسلم ، ~~فيكون اعتراضا وإخبارا للرسول صلى الله عليه وسلم وللأمة . وموقع الفاء ~~يناكد هذا لأن الفاء لا ترد للاستئناف على التحقيق ، فتكون الفاء للتفريع ~~تفريع أخبار على أخبار . # والمعنى : فمثل ذلك القذف الذي قذفنا ما بأيدينا من زينة القوم ألقى ~~السامري ما بيده من ms5171 النار ليذوب ويصوغها فأخرج لهم من ذلك عجلا جسدا . فإن ~~فعل ( ألقى ) يحكي حالة مشبهة بحالة قذفهم مصوغ القبط . والقذف والإلقاء ~~مترادفان ، شبه أحدهما بالآخر . # والجسد : الجسم ذو الأعضاء سواء كان حيا أم لا ؛ لقوله تعالى : { وألقينا ~~على كرسيه جسدا } ( ص : 34 ) . قيل : هو شق طفل ولدته إحدى نسائه كما ورد ~~في الحديث . قال الزجاج : الجسد هو الذي لا يعقل ولا يميز إنما هو الجثة ، ~~أي أخرج لهم صورة عجل مجسدة بشكله وقوائمه وجوانبه ، وليس مجرد صورة منقوشة ~~على طبق من فضة أو ذهب . وفي سفر الخروج أنه كان من ذهب . # والإخراج : إظهار ما كان محجوبا . والتعبير بالإخراج إشارة إلى أنه صنعه ~~بحيلة مستورة عنهم حتى أتمه . # والخوار : صوت البقر . وكان الذي صنع لهم العجل عارفا بصناعة الحيل التي ~~كانوا يصنعون بها الأصنام ويجعلون في أجوافها وأعناقها منافذ كالزمارات ~~تخرج منها أصوات إذا أطلقت عندها رياح بالكير ونحوه . PageV16P286 # وصنع لهم السامري صنما على صورة عجل لأنهم كانوا قد اعتادوا في مصر عبادة ~~العجل ( ايبيس ) ، فلما رأوا ما صاغه السامري في صورة معبود عرفوه من قبل ~~ورأوه يزيد عليه بأن له خوارا ، رسخ في أوهامهم الآفنة أن ذلك هو الإله ~~الحقيقي الذي عبروا عنه بقولهم { هذا إلهكم وإله موسى ، لأنهم رأوه من ذهب ~~أو فضة ، فتوهموا أنه أفضل من العجل ( إيبيس ) . وإذ قد كانوا يثبتون إلها ~~محجوبا عن الأبصار وكانوا يتطلبون رؤيته ، فقالوا لموسى : أرنا الله جهرة } ~~( النساء : 153 ) ، حينئذ توهموا أن هذه ضالتهم المنشودة . وقصة اتخاذهم ~~العجل في كتاب التوراة غير ملائمة للنظر السليم . # وتفريع { فنسى } يحتمل أن يكون تفريعا على { فقال هذا إلهكم تفريع علة ~~على معلول ، فالضمير عائد إلى السامري ، أي قال السامري ذلك لأنه نسي ما ~~كان تلقاه من هدي ؛ أو تفريع معلول على علة ، أي قال ذلك ، فكان قوله سببا ~~في نسيانه ما كان عليه من هدي إذ طبع الله على قلبه بقوله ذلك فحرمه ~~التوفيق من بعد . # والنسيان : مستعمل في الإضاعة ، كقوله تعالى : قال كذلك ms5172 أتتك آياتنا ~~فنسيتها } ( طه : 126 ) وقوله : { الذين هم عن صلاتهم ساهون } ( الماعون : ~~5 ) . # وعلى هذا يكون قوله { فنسي } من الحكاية لا من المحكي ، والضمير عائد إلى ~~السامري فينبغي على هذا أن يتصل بقوله { أفلا يرون } ( طه : 89 ) ويكون ~~اعتراضا . وجعله جمع من المفسرين عائدا إلى موسى ، أي فنسي موسى إلهكم ~~وإلهه ، أي غفل عنه ، وذهب إلى الطور يفتش عليه وهو بين أيديكم ، وموقع فاء ~~التفريع يبعد هذا التفسير . # والنسيان : يكون مستعملا مجازا في الغفلة . # PageV16P287 # | 2 ( 89 ) { أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا } ~~) 2 # يجوز أن يكون اعتراضا وليس من حكاية كلام القوم ، فهو معترض بين جملة { ~~فكذلك ألقى السامري } ( طه : 87 ) وجملة { قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ~~ضلوا ألا تتبعن } ( طه : 92 ، 93 ) الخ ، فتكون الفاء لتفريع كلامم متكلمم ~~على كلام غيره ، أي لتفريع الإخبار لا لتفريع المخبر به ، والمخبر متعدد . ~~ويجوز أن يكون من حكاية كلام الذين تصدوا لخطاب موسى عليه السلام من بين ~~قومه وهم كبراؤهم وصلحاؤهم ليعلم أنهم على بصيرة من التوحيد . # والاستفهام : إنكاري ، نزلوا منزلة من لا يرى العجل لعدم جريهم على موجب ~~البصر ، فأنكر عليهم عدم رؤيتهم ذلك مع ظهوره ، أي كيف يدعون الإلهية للعجل ~~وهم يرون أنه لا يتكلم ولا يستطيع نفعا ولا ضرا . # والرؤية هنا بصرية مكنى بها أو مستعملة في مطلق الإدراك فآلت إلى معنى ~~الإعتقاد والعلم ، ولا سيما بالنسبة لجملة { ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا } ~~فإن ذلك لا يرى بالبصر بخلاف { لا يرجع إليهم قولا . ورؤية انتفاء الأمرين ~~مراد بها رؤية أثر انتفائهما بدوام عدم التكلم وانتفاء عدم نفعهم وضرهم ، ~~لأن الإنكار مسلط على اعتقادهم أنه إلههم فيقتضي أن يملك لهم ضرا ونفعا . # ومعنى يرجع } يرد ، أي يجيب القول ، لأن ذلك محل العبرة من فقدانه صفات ~~العاقل لأنهم يدعونه ويثنون عليه ويمجدونه وهو ساكت لا يشكر لهم ولا يعدهم ~~باستجابة ، وشأن الكامل إذا سمع ثناء أو تلقى طلبة أن يجيب . ولا شك ms5173 أن في ~~ذلك الجمع العظيم من هو بحاجة إلى جلب نفع PageV16P288 أو دفع ضر ، وأنهم ~~يسألونه ذلك فلم يجدوا ما فيه نفعهم أو دفع ضر عنهم مثل ضر عدو أو مرض . ~~فهم قد شاهدوا عدم غنائه عنهم ، ولأن شواهد حاله من عدم التحرك شاهدة بأنه ~~عاجز عن أن ينفع أو يضر ، فلذلك سلط الإنكار على عدم الرؤية لأن حاله مما ~~يرى . # ولام { لهم } متعلق ب { يملك } الذي هو في معنى يستطيع كما تقدم في قوله ~~تعالى : { قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا في سورة ~~العقود . ( 76 ) . # وقدم الضر على النفع قطعا لعذرهم في اعتقاد إلهيته ، لأن عذر الخائف من ~~الضر أقوى من عذر الراغب في النفع . # و ( أن ) في قوله ألا يرجع } مخففة من ( أن ) المفتوحة المشددة واسمها ~~ضمير شأن محذوف ، والجملة المذكورة بعدها هي الخبر ، ف { يرجع مرفوع باتفاق ~~القراءات ما عدا قراءات شاذة . وليست ( أن ) مصدرية لأن ( أن ) المصدرية لا ~~تقع بعد أفعال العلم ولا بعد أفعال الإدراك . # $ 2 ( 90 91 ) لله ولقد قال لهم هارون من قبل ياقوم إنما فتنتم به وإن ~~ربكم الرحمان فاتبعونى وأطيعو & # 1764 ا أمرى * قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى } ) 2 $ # الجملة في موضع الحال من ضمير { أفلا يرون } ( طه : 89 ) على كلا ~~الاحتمالين ، أي كيف لا يستدلون على عدم استحقاق العجل الإلهية ، بأنه لا ~~يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا فيقلعون عن عبادة العجل ، ~~PageV16P289 وتلك دلالة عقلية ، في حال أن هارون قد وعظهم ونبههم إلى ذلك ~~إذ ذكرهم بأنه فتنة فتنهم بها السامري ، وأن ربهم هو الرحمن لا ما لا يملك ~~لهم نفعا فضلا عن الرحمة ، وأمرهم بأن يتبعوا أمره ، وتلك دلالة سمعية . # وتأكيد الخبر بحرف التحقيق ولام القسم لتحقيق إبطال ما في كتاب اليهود من ~~أن هارون هو الذي صنع لهم العجل ، وأنه لم ينكر عليهم عبادته . وغاية الأمر ~~أنه كان يستهزىء بهم في نفسه ، وذلك إفك عظيم ms5174 في كتابهم . # والمضاف إليه ( قبل ) محذوف دل عليه المقام ، أي من قبلل أن يرجع إليهم ~~موسى وينكر عليهم . # وافتتاح خطابه ب { يا قوم تمهيد لمقام النصيحة . # ومعنى إنما فتنتم به } : ما هو إلا فتنة لكم وليس ربا ، وإن ربكم الرحمن ~~الذي يرحمكم في سائر الأحوال ، فأجابوه بأنهم لا يزالون عاكفين على عبادته ~~حتى يرجع موسى فيصرح لهم بأن ذلك العجل ليس هو ربهم . # ورتب هارون خطابه على حسب الترتيب الطبيعي لأنه ابتدأه بزجرهم عن الباطل ~~وعن عبادة ما ليس برب ، ثم دعاهم إلى معرفة الرب الحق ، ثم دعاهم إلى اتباع ~~الرسول إذ كان رسولا بينهم ، ثم دعاهم إلى العمل بالشرائع ، فما كان منهم ~~إلا التصميم على استمرار عبادتهم العجل فأجابوا هارون جوابا جازما . # و { عليه } متعلق ب { عاكفين } قدم على متعلقه لتقوية الحكم ، أو أرادوا ~~: لن نبرح نخصه بالعكوف لا نعكف على غيره . # والعكوف : الملازمة بقصد القربة والتعبد ، وكان عبدة الأصنام يلزمونها ~~ويطوفون بها . # PageV16P290 $ 2 ( 92 94 ) { قال ياهارون ما منعك إذ رأيتهم ضلو & # 1764 ا * ألا تتبعن أفعصيت أمرى * قال يبنؤم لا تأخذ بلحيتى ولا برأسى ~~إنى خشيت أن تقول فرقت بين بنى & # 1764 إسرءيل ولم ترقب قولى } ) 2 $ # انتقل موسى من محاورة قومه إلى محاورة أخيه ، فجملة { قال ياهارون } ~~تابعة لجملة { قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا } ( طه : 86 ) ، ولجملة ~~{ قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا } ( طاه : 87 ) وقد وجدت مناسبة لحكاية ~~خطابه هارون بعد أن وقع الفصل بين أجزاء الحكاية بالجمل المعترضة التي منها ~~جملة { ولقد قال لهم هارون من قبل } ( طه : 90 ) الخ فهو استطراد في خلال ~~الحكاية للإشعار بعذر هارون كما تقدم . ويحتمل أن تكون عطفا على جملة { ~~ولقد قال لهم هارون } الخ على احتمال كون تلك من حكاية كلام قوم موسى . # علم موسى أن هارون مخصوص من قومه بأنه لم يعبد العجل ، إذ لا يجوز عليه ~~ذلك لأن الرسالة تقتضي العصمة ، فلذلك خصه بخطاب يناسب حاله بعد أن خاطب ~~عموم الأمة بالخطاب الماضي ms5175 . وهذا خطاب التوبيخ والتهديد على بقائه بين ~~عبدة الصنم . # والاستفهام في قوله { ما منعك } إنكاري ، أي لا مانع لك من اللحاق بي ، ~~لأنه أقامه خليفة عنه فيهم فلما لم يمتثلوا أمره كان عليه أن يرد الخلافة ~~إلى من استخلفه . # و { إذ رأيتهم } متعلق ب { منعك } . و ( أن ) مصدرية ، و ( لا ) حرف نفي ~~. وهي مؤذنة بفعل محذوف يناسب معنى النفي . والمصدر الذي تقتضيه ~~PageV16P291 ( أن ) هو مفعول الفعل المحذوف . وأما مفعول { منعك } فمحذوف ~~يدل عليه { منعك } ويدل عليه المذكور . # والتقدير : ما منعك أن تتبعني واضطرك إلى أن لا تتبعني ، فيكون في الكلام ~~شبه احتباك . والمقصود تأكيد وتشديد التوبيخ بإنكار أن يكون لهارون مانع ~~حينئذ من اللحاق بموسى ومقتض لعدم اللحاق بموسى ، كما يقال : وجد السبب ~~وانتفى المانع . # ونظيره قوله تعالى : { ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك في سورة الأعراف ( 12 ) ~~فارجع إليه . # والاستفهام في قوله أفعصيت أمري } مفرع على الإنكار ، فهو إنكار ثان على ~~مخالفة أمره ، مشوب بتقرير للتهديد . # وقوله في الجواب { يا ابن أم } نداء لقصد الترقيق والاستشفاع . وهو مؤذن ~~بأن موسى حين وبخه أخذ بشعر لحية هارون ، ويشعر بأنه يجذبه إليه ليلطمه ، ~~وقد صرح به في الأعراف ( 50 ) بقوله تعالى : { وأخذ برأس أخيه يجره إليه . # وقرأ الجمهور يا ابن أم بفتح الميم . وقرأ ابن عامر ، وحمزة ، والكسائي ، ~~وأبو بكر عن عاصم ، وخلف بكسر الميم وأصله : يا ابن أمي ، فحذفت ياء ~~المتكلم تخفيفا ، وهو حذف مخصوص بالنداء . والقراءتان وجهان في حذف ياء ~~المتكلم المضاف إليها لفظ أم ولفظ ( عم ) في النداء . # وعطف الرأس على اللحية لأن أخذه من لحيته أشد ألما وأنكى في الإذلال . # وابن الأم : الأخ . وعدل عن ( يا أخي ) إلى ( ابن أم ) لأن ذكر الأم ~~تذكير بأقوى أواصر الأخوة ، وهي آصرة الولادة من بطن واحد والرضاع من لبان ~~واحد . PageV16P292 # واللحية بكسر اللام ويجوز فتح اللام في لغة الحجاز اسم للشعر النابت ~~بالوجه على موضع اللحيين والذقن ، وقد أجمع القراء على كسر اللام من لحيتي ~~} . # واعتذر هارون عن بقائه بين ms5176 القوم بقوله { إني خشيت أن تقول فرقت ، أي أن ~~تظن ذلك بي فتقوله لوما وتحميلا لتبعة الفرقة التي ظن أنها واقعة لا محالة ~~إذا أظهر هارون غضبه عليهم لأنه يستتبعه طائفة من الثابتين على الإيمان ~~ويخالفهم الجمهور فيقع انشقاق بين القوم وربما اقتتلوا فرأى من المصلحة أن ~~يظهر الرضى عن فعلهم ليهدأ الجمهور ويصبر المؤمنون اقتداء بهارون ، ورأى في ~~سلوك هذه السياسة تحقيقا لقول موسى له وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين في ~~سورة الأعراف ( 142 ) . وهو الذي أشار إليه هنا بقوله ولم ترقب قولي } ، ~~فهو من جملة حكاية قول موسى الذي قدره هارون في ظنه . # وهذا اجتهاد منه في سياسة الأمة إذ تعارضت عنده مصلحتان مصلحة حفظ ~~العقيدة ومصلحة حفظ الجامعة من الهرج . وفي أثنائها حفظ الأنفس والأموال ~~والأخوة بين الأمة فرجح الثانية ، وإنما رجحها لأنه رآها أدوم فإن مصلحة ~~حفظ العقيدة يستدرك فواتها الوقتي برجوع موسى وإبطاله عبادة العجل حيث غيوا ~~عكوفهم على العجل برجوع موسى ، بخلاف مصلحة حفظ الأنفس والأموال واجتماع ~~الكلمة إذا انثلمت عسر تداركها . # وتضمن هذا قوله { إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي } ~~، وكان اجتهاده ذلك مرجوحا لأن حفظ الأصل الأصيل للشريعة أهم من حفظ الأصول ~~المتفرعة عليه ، لأن مصلحة صلاح الإعتقاد هي أم المصالح التي بها صلاح ~~الاجتماع ، كما بيناه في كتاب ( أصول نظام الاجتماع الإسلامي ) . ولذلك لم ~~يكن موسى خافيا عليه أن هارون كان من PageV16P293 واجبه أن يتركهم وضلالهم ~~وأن يلتحق بأخيه مع علمه بما يفضي إلى ذلك من الاختلاف بينهم ، فإن حرمة ~~الشريعة بحفظ أصولها وعدم التساهل فيها ، وبحرمة الشريعة يبقى نفوذها في ~~الأمة والعمل بها كما بينته في كتاب ( مقاصد الشريعة ) . # وفي قوله تعالى : { بين بني } جناس ، وطرد وعكس . # وهذا بعض ما اعتذر به هارون ، وحكي عنه في سورة الأعراف ( 150 ) أنه ~~اعتذر بقوله { إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني . # # | 2 ( 95 96 ) قال فما خطبك ياسامري * قال بصرت بما لم يبصروا به فقبضت ~~قبضة من أثر الرسول ms5177 فنبذتها وكذالك سولت لى نفسى } ) 2 # التفت موسى بتوجيه الخطاب إلى السامري الذي كان سببا في إضلال القوم ، ~~فالجملة ناشئة عن قول القوم { فكذلك ألقى السامري فأخرج لهم عجلا } ( طه : ~~88 ) الخ ، فهي ابتداء خطاب . ولعل موسى لم يغلظ له القول كما أغلظ لهارون ~~لأنه كان جاهلا بالدين فلم يكن في ضلاله عجب . ولعل هذا يؤيد ما قيل : إن ~~السامري لم يكن من بني إسرائيل ولكنه كان من القبط أو من كرمان فاندس في ~~بني إسرائيل . ولما كان موسى مبعوثا لبني إسرائيل خاصة ولفرعون وملئه لأجل ~~إطلاق بني إسرائيل ، كان اتباع غير الإسرائيليين لشريعة موسى أمرا غير واجب ~~على غير الإسرائيليين ولكنه مرغب فيه لما فيه من الاهتداء ، فلذلك لم يعنفه ~~موسى لأن الأجدر بالتعنيف هم القوم الذين عاهدوا الله على الشريعة . # ومعنى { ما خطبك } ما طلبك ، أي ماذا تخطب ، أي تطلب ، فهو مصدر . قال ~~ابن عطية : ( وهي كلمة أكثر ما تستعمل في المكاره ، PageV16P294 لأن الخطب ~~هو الشأن المكروه . كقوله تعالى : { فما خطبكم أيها المرسلون } ( الذاريات ~~: 31 ) ، فالمعنى : ما هي مصيبتك التي أصبت بها القوم وما غرضك مما فعلت . # وقوله { بصرت بما لم يبصروا به } إلى قوله { فنبذتها } إن حملت كلمات ( ~~بصرت بما لم يبصروا به . وقبضت قبضة ، وأثر ، ونبذتها ) على حقائق ~~مدلولاتها كما ذهب إليه جمهور المفسرين كان المعنى أبصرت ما لم يبصروه ، أي ~~نظرت ما لم ينظروه ، بناء على أن بصرت ، وأبصرت كلاهما من أفعال النظر ~~بالعين ، إلا أن بصر بالشيء حقيقته صار بصيرا به أو بصيرا بسببه ، أي شديد ~~الإبصار ، فهو أقوى من أبصرت ، لأنه صيغ من فعل بضم العين الذي تشتق منه ~~الصفات المشبهة الدالة على كون الوصف سجية ، قال تعالى : { فبصرت به عن جنب ~~في سورة القصص ( 11 ) . # ولما كان المعنى هنا جليا عن أمر مرئي تعين حمل اللفظ على المجاز ~~باستعارة بصر الدال على قوة الإبصار إلى معنى العلم القوي بعلاقة الإطلاق ~~عن التقييد ، كما في قوله تعالى : فبصرك اليوم حديد } ( ق : 22 ) ، وكما ms5178 ~~سميت المعرفة الراسخة بصيرة في قوله { أدعوا إلى الله على بصيرة } ( يوسف : ~~108 ) . وحكى في ( لسان العرب ) عن اللحياني : إنه لبصير بالأشياء ، أي ~~عالم بها ، وبصرت بالشيء : علمته . وجعل منه قوله تعالى : { بصرت بما لم ~~يبصروا به ، وكذلك فسرها الأخفش في نقل لسان العرب } وأثبته الزجاج . ~~فالمعنى : علمت ما لم يعلموه وفطنت لما لم يفطنوا له ، كما جعله في ( ~~الكشاف ) أول وجهين في معنى الآية . ولذلك طريقتان : إما جعل بصرت مجازا ، ~~وإما جعله حقيقة . # وقرأ الجمهور { يبصروا بتحتية على أنه رافع لضمير الغائب . وقرأه حمزة ، ~~والكسائي ، وخلف بفوقية على أنه خطاب لموسى ومن معه . # والقبضة : بفتح القاف الواحدة : من القبض ، وهو غلق الراحة على شيء ، ~~فالقبضة مصدر بمعنى المفعول ، وضد القبض : البسط . PageV16P295 # والنبذ : إلقاء ما في اليد . # والأثر : حقيقته : ما يتركه الماشي من صورة قدمه في الرمل أو التراب . ~~وتقدم آنفا عند قوله تعالى : قال هم أولاء على أثري } ( طه : 84 ) . # وعلى حمل هذه الكلمات على حقائقها يتعين صرف الرسول عن المعنى المشهور ، ~~فيتعين حمله على جبريل فإنه رسول من الله إلى الأنبياء . فقال جمهور ~~المفسرين : المراد بالرسول جبريل ، ورووا قصة قالوا : إن السامري فتنه الله ~~، فأراه الله جبريل راكبا فرسا فوطىء حافر الفرس مكانا فإذا هو مخضر ~~بالنبات . فعلم السامري أن أثر جبريل إذا ألقي في جماد صار حيا ، فأخذ قبضة ~~من ذلك التراب وصنع عجلا وألقى القبضة عليه فصار جسدا ، أي حيا ، له خوار ~~كخوار العجل ، فعبر عن ذلك الإلقاء بالنبذ . وهذا الذي ذكروه لا يوجد في ~~كتب الإسرائيليين ولا ورد به أثر من السنة وإنما هي أقوال لبعض السلف ~~ولعلها تسربت للناس من روايات القصاصين . # فإذا صرفت هذه الكلمات الست إلى معان مجازية كان { بصرت بمعنى علمت ~~واهتديت ، أي اهتديت إلى علم ما لم يعلموه ، وهو علم صناعة التماثيل والصور ~~الذي به صنع العجل ، وعلم الحيل الذي أوجد به خوار العجل ، وكانت القبضة ~~بمعنى النصيب القليل ، وكان الأثر بمعنى التعليم ، أي الشريعة ، وكان نبذت ~~} بمعنى أهملت ونقضت ms5179 ، أي كنت ذا معرفة إجمالية من هدي الشريعة فانخلعت ~~عنها بالكفر . وبذلك يصح أن يحمل لفظ الرسول على المعنى الشائع المتعارف ~~وهو من أوحي إليه بشرع من الله وأمر بتبليغه . # وكان المعنى : إني بعملي العجل للعبادة نقضت اتباع شريعة موسى . والمعنى ~~: أنه اعترف أمام موسى بصنعه العجل واعترف بأنه جهل فضل ، واعتذر بأن ذلك ~~سولته له نفسه . PageV16P296 # وعلى هذا المعنى فسر أبو مسلم الأصفهاني ورجحه الزمخشري بتقديمه في الذكر ~~على تفسير الجمهور واختاره الفخر . # والتسويل : تزيين ما ليس بزين . # والتشبيه في قوله { وكذالك سولت لي نفسي } تشبيه الشيء بنفسه ، كقوله ~~تعالى : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } ( البقرة : 143 ) ، أي كذلك التسويل ~~سولت لي نفسي ، أي تسويلا لا يقبل التعريف بأكثر من ذلك . # # | 2 ( 97 ) { قال فاذهب فإن لك فى الحيواة أن تقول لا مساس وإن لك موعدا ~~لن تخلفه وانظر إلى إلاهك الذى ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه فى اليم ~~نسفا } ) 2 # لم يزد موسى في عقاب السامري على أن خلعه من الأمة ، إما لأنه لم يكن من ~~أنفسهم فلم يكن بالذي تجري عليه أحكام الشريعة ، وإما لأن موسى أعلم بأن ~~السامري لا يرجى صلاحه ، فيكون ممن حقت عليه كلمة العذاب ، مثل الذين قال ~~الله تعالى فيهم : { إن الذين حقت عليهم كلمات ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل ~~آية حتى يروا العذاب الأليم } ( يونس : 96 ، 97 ) ، ويكون قد أطلع الله ~~موسى على ذلك بوحي أو إلهام ، مثل الذي قاتل قتالا شديدا مع المسلمين ، ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم ( أما إنه من أهل النار ) ، ومثل المنافقين ~~الذين أعلم الله بهم محمدا صلى الله عليه وسلم وكان النبي صلى الله عليه ~~وسلم أعلم حذيفة بن اليمان ببعضهم . # فقوله { فاذهب } الأظهر أنه أمر له بالانصراف والخروج من وسط الأمة ، ~~ويجوز أن يكون كلمة زجر ، كقوله تعالى : { قال اذهب فمن تبعك PageV16P297 ~~منهم فإن جهنم جزاؤكم } ( الإسراء : 63 ) ، وكقول الشاعر مما أنشده سيبويه ~~في ( كتابه ) ولم يعزه : # فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا # فاذهب فما وبك ms5180 لأيام من عجب # ويجوز أن يكون مرادا به عدم الاكتراث بحاله كقول النبهاني من شعراء ( ~~الحماسة ) : # فإن كنت سيدنا سدتنا # وإن كنت للخال فاذهب فخل # أما قوله { فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس وإن لك موعدا لن تخلفه } ~~فهو إخبار بما عاقبه الله به في الدنيا والآخرة ، فجعل حظه في حياته أن ~~يقول لا مساس ، أي سلبه الله الأنس الذي في طبع الإنسان فعوضه به هوسا ~~ووسواسا وتوحشا ، فأصبح متباعدا عن مخالطة الناس ، عائشا وحده لا يترك أحدا ~~يقترب منه ، فإذا لقيه إنسان قال له : لا مساس ، يخشى أن يمسه ، أي لا ~~تمسني ولا أمسك ، أو أراد لا اقتراب مني ، فإن المس يطلق على الاقتراب ~~كقوله { ولا تمسوها بسوء } ( هود : 64 ) ، وهذا أنسب بصيغة المفاعلة ، أي ~~مقاربة بيننا ، فكان يقول ذلك ، وهذه حالة فظيعة أصبح بها سخرية . # ومساس بكسر الميم في قراءة جميع القراء وهو مصدر ماسه بمعنى مسه ، و ( لا ~~) نافية للجنس ، و { مساس اسمها مبني على الفتح . # وقوله وإن لك موعدا } اللام في { لك } استعارة تهكمية ، كقوله تعالى : { ~~وإن أسأتم لها } ( الإسراء : 7 ) أي فعليها . وتوعده بعذاب الآخرة فجعله ~~موعدا له ، أي موعد الحشر والعذابب ، فالموعد مصدر ، أي وعد لا يخلف { وعد ~~الله لا يخلف الله وعده } ( الروم : 6 ) . وهنا توعد بعذاب الآخرة . # وقرأ الجمهور { لن تخلفه بفتح اللام مبنيا للمجهول للعلم بفاعله ، وهو ~~الله تعالى ، أي لا يؤخره الله عنك ، فاستعير الإخلاف للتأخير لمناسبة ~~الموعد . PageV16P298 # وقرأه ابن كثير ، وأبو عمرو ، ويعقوب بكسر اللام مضارع أخلف وهمزته ~~للوجدان . يقال : أخلف الوعد إذا وجده مخلفا ، وإما على جعل السامري هو ~~الذي بيده إخلاف الوعد وأنه لا يخلفه ، وذلك على طريق التهكم تبعا للتهكم ~~الذي أفاده لام الملك . # وبعد أن أوعد موسى السامري بين له وللذين اتبعوه ضلالهم بعبادتهم العجل ~~بأنه لا يستحق الإلهية لأنه معرض للامتهان والعجز ، فقال : وانظر إلى إلاهك ~~الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليمم نسفا } . فجعل الاستدلال ~~بالنظر إشارة إلى أنه ms5181 دليل بين لا يحتاج المستدل به إلى أكثر من المشاهدة ~~فإن دلالة المحسوسات أوضح من دلالة المعقولات . # وأضاف الإله إلى ضمير السامري تهكما بالسامري وتحقيرا له ، ووصف ذلك ~~الإله المزعوم بطريق الموصولية لما تدل عليه الصلة من التنبيه على الضلال ~~والخطأ ، أي الذي لا يستحق أن يعكف عليه . # وقوله { ظلت } بفتح الظاء في القراءات المشهورة ، وأصله : ظللت : حذفت ~~منه اللام الأولى تخفيفا من توالي اللامين وهو حذف نادر عند سيبويه وعند ~~غيره هو قياس . # وفعل ( ظل ) من أخوات ( كان ) . وأصله الدلالة على اتصاف اسمه بخبره في ~~وقت النهار ، وهو هنا مجاز في معنى ( دام ) بعلاقة الإطلاق بناء على أن ~~غالب الأعمال يكون في النهار . # والعكوف : ملازمة العبادة وتقدم آنفا . وتقديم المجرور في قوله { عليه ~~عاكفا } للتخصيص ، أي الذي اخترته للعبادة دون غيره ، أي دون الله تعالى . ~~PageV16P299 # وقرأ الجمهور { لنحرقنه } بضم النون الأولى وفتح الحاء وكسر الراء مشددة ~~. والتحريق : الإحراق الشديد ، أي لنحرقنه إحراقا لا يدع له شكلا . وأراد ~~به أن يذيبه بالنار حتى يفسد شكله ويصير قطعا . # وقرأ ابن جماز عن أبي جعفر { لنحرقنه بضم النون الأولى وبإسكان الحاء ~~وتخفيف الراء . وقرأه ابن وردان عن أبي جعفر بفتح النون الأولى وإسكان ~~الحاء وضم الراء لأنه يقال : أحرقه وحرقه . # والنسف : تفريق وإذراء لأجزاء شيء صلب كالبناء والتراب . # وأراد باليم البحر الأحمر المسمى بحر القلزم ، والمسمى في التوراة : بحر ~~سوف ، وكانوا نازلين حينئذ على ساحله في سفح الطور . # و ( ثم ) للتراخي الرتبي ، لأن نسف العجل أشد في إعدامه من تحريقه وأذل ~~له . # وأكد ننسفنه بالمفعول المطلق إشارة إلى أنه لا يتردد في ذلك ولا يخشى ~~غضبه كما يزعمون أنه إله . # $ 2 ( 98 ) إنمآ إلاهكم الله الذى لا & # 1764 إلاه إلا هو وسع كل شىء علما } ) 2 $ # هذه الجملة من حكاية كلام موسى عليه السلام فموقعها موقع التذييل لوعظه ، ~~وقد التفت من خطاب السامري إلى خطاب الأمة إعراضا عن خطابه تحقيرا له ، ~~وقصدا لتنبيههم على خطئهم ، وتعليمهم صفات الإله الحق ، واقتصر منها على ms5182 ~~الوحدانية وعموم العلم لأن الوحدانية تجمع جميع الصفات ، كما قرر في دلالة ~~كلمة التوحيد عليها في كتب علم الكلام . PageV16P300 # وأما عموم العلم فهو إشارة إلى علم الله تعالى بجميع الكائنات الشاملة ~~لأعمالهم ليرقبوه في خاصتهم . # واستعير فعل { وسع } لمعنى الإحاطة التامة ، لأن الإناء الواسع يحيط ~~بأكثر أشياء مما هو دونه . # وانتصب { علما } على أنه تمييز نسبة السعة إلى الله تعالى ، فيؤول المعنى ~~: وسع علمه كل شيء بحيث لا يضيق علمه عن شيء ، أي لا يقصر عن الاطلاع على ~~أخفى الأشياء ، كما أفاده لفظ ( كل ) المفيد للعموم . وتقدم قريب منه عند ~~قوله { وسع كرسيه السموات والأرض في سورة البقرة ( 255 ) . # # | 2 ( 99 101 ) لله كذالك نقص عليك من أنبآء ما قد سبق وقد آتيناك من ~~لدنا ذكرا * من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا * خالدين فيه وسآء لهم ~~يوم القيامة حملا } ) 2 # جملة مستأنفة تذييلية أفادت التنويه بقصة رسالة موسى وما عقبها من ~~الأعمال التي جرت مع بني إسرائيل ابتداء من قوله { وهل أتاك حديث موسى إذ ~~رأى نارا } ( طه : 9 ، 10 ) ، أي مثل هذا القصص نقص عليك من أنباء القرون ~~الماضية . والإشارة راجعة إلى القصة المذكورة . # والمراد بقوله { نقص } قصصنا ، وإنما صيغ المضارع لاستحضار الحالة الحسنة ~~في ذلك القصص . PageV16P301 # والتشبيه راجع إلى تشبيهها بنفسها كناية عن كونها إذا أريد تشبيهها ~~وتقريبها بما هو أعرف منها في بابها لم يجد مريد ذلك طريقا لنفسه في ~~التشبيه إلا أن يشبهها بنفسها ، لأنها لا يفوقها غيرها في بابها حتى تقرب ~~به ، على نحو ما تقدم في قوله تعالى : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا في سورة ~~البقرة ( 143 ) ، ونظائره كثيرة في القرآن . # و ( من ) في قوله من أنباء ما قد سبق } تبعيضية ، هي صفة لمحذوف تقديره : ~~قصصا من أنباء ما قد سبق . ولك أن تجعل ( من ) اسما بمعنى بعض ، فتكون ~~مفعول { نقص . # والأنباء : الأخبار . و ( ما ) الموصولة ما صدقها الأزمان ، لأن الأخبار ~~تضاف إلى أزمانها ، كقولهم : أخبار أيام العرب ، والقرون الوسطى . وهي كلها ~~من ms5183 حقها في الموصولية أن تعرف ب ( ما ) الغالبة في غير العاقل . ومعلوم أن ~~المقصود ما فيها من أحوال الأمم ، فلو عرفت ب ( من ) الغالبة في العقلاء ~~لصح ذلك وكل ذلك واسع . # وقوله وقد ءاتينااك من لدنا ذكرا } إيماء إلى أن ما يقص من أخبار الأمم ~~ليس المقصود به قطع حصة الزمان ولا إيناس السامعين بالحديث إنما المقصود ~~منه العبرة والتذكرة وإيقاظ لبصائر المشركين من العرب إلى موضع الاعتبار من ~~هذه القصة ، وهو إعراض الأمة عن هدي رسولها وانصياعها إلى تضليل المضللين ~~من بينها . فللإيماء إلى هذا قال تعالى : { وقد آتيناك من لدنا ذكرا من ~~أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا خالدين فيه . # وتنكير ذكرا } للتعظيم ، أي آتيناك كتابا عظيما . وقوله { من لدنا } ~~توكيد لمعنى { ءاتيناك } وتنويه بشأن القرآن بأنه عطية كانت مخزونة عند ~~الله فخص بها خير عباده . PageV16P302 # والوزر : الإثم . وجعل محمولا تمثيل لملاقاة المشقة من جراء الإثم ، أي ~~من العقاب عنه . فهنا مضاف مقدر وقرينته الحال في قوله { خالدين فيها } ، ~~وهو حال من اسم الموصول أو الضمير المنصوب بحرف التوكيد ، وما صدقهما ، ~~متحد وإنما اختلف بالإفراد والجمع رعيا للفظ ( من ) مرة ولمدلولها مرة . ~~وهو الجمع المعرضون . فقال { من أعرض ثم قال خالدين . # وجملة وسآء لهم يوم القيامة حملا } حال ثانية ، أي ومسوئين به . و ( ساء ~~) هنا هو أحد أفعال الذم مثل ( بئس ) . وفاعل { ساء ضمير مستتر مبهم يفسره ~~التمييز الذي بعده وهو حملا . والحمل بكسر الحاء اسم بمعنى المحمول كالذبح ~~بمعنى المذبوح . والمخصوص بالذم محذوف لدلالة لفظ وزرا عليه . والتقدير : ~~وساء لهم حملا وزرهم ، وحذف المخصوص في أفعال المدح والذم شائع كقوله تعالى ~~: ووهبنا لداوود سليمان نعم العبد إنه أواب } ( ص : 30 ) أي سليمان هو ~~الأواب . # واللام في قوله { وسآء لهم } لام التبيين . وهي مبينة للمفعول في المعنى ~~، لأن أصل الكلام : ساءهم الحمل ، فجيء باللام لزيادة تبيين تعلق الذم ~~بحمله ، فاللام لبيان الذين تعلق بهم سوء الحمل . # والحمل بكسر الحاء المحمول مثل الذبح . # # | 2 ( 102 104 ) { لله يوم ms5184 ينفخ فى الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا * ~~يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا * نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم ~~طريقة إن لبثتم إلا يوما } . ) 2 # { يوم ينفخ في الصور } بدل من { يوم القيامة } ( طه : 101 ) في قوله { ~~وساء لهم يوم القيامة حملا } ( طه : 101 ) ، وهو اعتراض بين جملة { وقد ~~ءاتيناك من PageV16P303 لدنا ذكرا } ( طه : 99 ) وما تبعها وبين جملة { ~~وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا } ( طه : 113 ) ، تخلص لذكر البعث والتذكير به ~~والنذارة بما يحصل للمجرمين يومئذ . # والصور : قرن عظيم يجعل في داخله سداد لبعض فضائه فإذا نفخ فيه النافخ ~~بقوة خرج منه صوت قوي ، وقد اتخذ للإعلام بالاجتماع للحرب . وتقدم عند قوله ~~تعالى : { قوله الحق وله الملك يوم ينفخ في الصور في سورة الأنعام ( 73 ) . # وقرأ الجمهور ينفخ بياء الغيبة مبنيا للمجهول ، أي ينفخ نافخ ، وهو الملك ~~الموكل بذلك . وقرأه أبو عمرو وحده ننفخ بنون العظمة وضم الفاء وإسناد ~~النفخ إلى الله مجاز عقلي باعتبار أنه الآمر به ، مثل : بنى الأمير القلعة ~~. # والمجرمون : المشركون والكفرة . # والزرق : جمع أزرق ، وهو الذي لونه الزرقة . والزرقة : لون كلون السماء ~~إثر الغروب ، وهو في جلد الإنسان قبيح المنظر لأنه يشبه لون ما أصابه حرق ~~نار . وظاهر الكلام أن الزرقة لون أجسادهم فيكون بمنزلة قوله يوم تبيض وجود ~~وتسود وجوه } ( آل عمران : 106 ) ، وقيل : المراد لون عيونهم ، فقيل : لأن ~~زرقة العين مكروهة عند العرب . والأظهر على هذا المعنى أن يراد شدة زرقة ~~العين لأنه لون غير معتاد ، فيكون كقول بشار : # وللبخيل على أمواله علل # زرق العيون عليها أوجه سود # وقيل : المراد بالزرق العمي ، لأن العمى يلون العين بزرقة . وهو محتمل في ~~بيت بشار أيضا . # والتخافت : الكلام الخفي من خوف ونحوه . وتخافتهم لأجل ما يملأ صدورهم من ~~هول ذلك اليوم كقوله تعالى : { وخشعت الأصوات للرحمان فلا تسمع إلا همسا } ~~( طه : 108 ) . PageV16P304 # وجملة { إن لبثتم إلا عشرا } مبينة لجملة { يتخافتون } ، وهم قد علموا ~~أنهم كانوا أمواتا ورفاتا فأحياهم الله فاستيقنوا ضلالهم إذ كانوا ينكرون ~~الحشر . # ولعلهم أرادوا ms5185 الاعتذار لخطئهم في إنكار الإحياء بعد انقراض أجزاء البدن ~~مبالغة في المكابرة ، فزعموا أنهم ما لبثوا في القبور إلا عشر ليال فلم ~~يصيروا رفاتا ، وذلك لما بقي في نفوسهم من استحالة الإحياء بعد تفرق ~~الأوصال ، فزعموا أن إحياءهم ما كان إلا برد الأرواح إلى الأجساد . فالمراد ~~باللبث : المكث في القبور ، كقوله تعالى : { قال كم لبثتم في الأرض عدد ~~سنين قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم في سورة المؤمنين ( 112 ، 113 ) ، وقوله ~~ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون في ~~سورة الروم ( 55 ) . # و ( إذ ) ظرف ، أي يتخافتون في وقت يقول فيه أمثلهم طريقة . والأمثل : ~~الأرجح الأفضل . والمثالة : الفضل ، أي صاحب الطريقة المثلى لأن النسبة في ~~الحقيقة للتمييز . # والطريقة : الحالة والسنة والرأي ، والمراد هنا الرأي ، وتقدم في قوله ~~ويذهبا بطريقتكم المثلى } ( طه : 63 ) في هذه السورة ، ولم يأت المفسرون في ~~معنى وصف القائل { إن لبثتم إلا يوما } بأنه أمثل طريقة بوجه تطمئن له ~~النفس . # والذي أراه : أنه يحتمل الحقيقة والمجاز ؛ فإن سلكنا به مسلك الحمل على ~~الحقيقة كان المعنى أنه أقربهم إلى اختلاق الاعتذار عن خطئهم في إنكارهم ~~البعث بأنهم ظنوا البعث واقعا بعد طول المكث في الأرض طولا تتلاشى فيه ~~أجزاء الأجسام ، فلما وجدوا أجسادهم كاملة مثل ما كانوا في الدنيا قال ~~بعضهم { إن لبثتم إلا عشرا } ، فكان ذلك القول عذرا لأن عشر الليالي تتغير ~~في مثلها الأجسام . فكان الذي قال { إن لبثتم إلا PageV16P305 يوما } أقرب ~~إلى رواج الاعتذار . فالمراد : أنه الأمثل من بينهم في المعاذير ، وليس ~~المراد أنه مصيب . # وإن سلكنا به مسلك المجاز فهو تهكم بالقائل في سوء تقديره من لبثهم في ~~القبور ، فلما كان كلا التقديرين متوغلا في الغلظ مؤذنا بجهل المقدرين ~~واستبهام الأمر عليهم دالا على الجهل بعظيم قدرة الله تعالى الذي قضى ~~الأزمان الطويلة والأمم العظيمة وأعادهم بعد القرون الغابرة ، فكان الذي ~~قدر زمن المكث في القبور بأقل قدر أوغل في الغلط فعبر عنه ب { أمثلهم طريقة ~~} تهكما به وبهم ms5186 معا إذ استوى الجميع في الخطأ . # وجملة { نحن أعلم بما يقولون } معترضة بين فعل { يتخافتون وظرفية إذ يقول ~~أمثلهم } ، أي إنهم يقولون ذلك سرا ونحن أعلم به وإننا نخبر عن قولهم يومئذ ~~خبر العليم الصادق . # $ 2 ( 105 107 ) { لله ويسئلونك عن الجبال فقل ينسفها ربى نسفا * فيذرها ~~قاعا صفصفا * لا ترى فيها عوجا ولا & # 1764 أمتا } ) 2 $ # لما جرى ذكر البعث ووصف ما سينكشف للذين أنكروه من خطئهم في شبهتهم بتعذر ~~إعادة الأجسام بعد تفرق أجزائها ذكرت أيضا شبهة من شبهاتهم كانوا يسألون ~~بها النبي صلى الله عليه وسلم سؤال تعنت لا سؤال استهداء ، فكانوا يحيلون ~~انقضاء هذا العالم ويقولون : فأين تكون هذه الجبال التي نراها . وروي أن ~~رجلا من ثقيف سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، وهم أهل جبال لأن ~~موطنهم الطائف وفيه جبل كرى . وسواء كان سؤالهم استهزاء أم استرشادا ، فقد ~~أنبأهم الله بمصير PageV16P306 الجبال إبطالا لشبهتهم وتعليما للمؤمنين . ~~قال القرطبي : ( جاء هنا ( أي قوله { فقل ينسفها } ) بفاء وكل سؤال في ~~القرآن ( قل ) ( أي كل جواب في لفظ منه مادة سؤال ) بغير فاء إلا هذا ، لأن ~~المعنى إن سألوك عن الجبال فقل ، فتضمن الكلام معنى الشرط ، وقد علم أنهم ~~يسألونه عنها فأجابهم قبل السؤال . وتلك أسئلة تقدمت سألوا عنها النبي صلى ~~الله عليه وسلم فجاء الجواب عقب السؤال ا . ه ) . # وأكد { ينسفها نسفا } لإثبات أنه حقيقة لا استعارة . فتقدير الكلام : ~~ونحشر المجرمين يومئذ زرقا . . . إلى آخره ، وننسف الجبال نسفا ، فقل ذلك ~~للذين يسألونك عن الجبال . # والنسف : تفريق وإذراء ، وتقدم آنفا . # والقاع : الأرض السهلة . # والصفصف : الأرض المستوية التي لا نتوء فيها . # ومعنى { يذرها قاعا صفصفا } أنها تندك في مواضعها وتسوى مع الأرض حتى ~~تصير في مستوى أرضها ، وذلك يحصل بزلزال أو نحوه ، قال تعالى : { إذا رجت ~~الأرض رجا وبست الجبال بسا فكانت هباء منبثا } ( الواقعة : 4 6 ) . # وجملة { لا ترى فيها عوجا ولا أمتا } حال مؤكدة لمعنى { قاعا صفصفا } ~~لزيادة تصوير حالة فيزيد تهويلها . والخطاب في { لا ms5187 ترى فيها عوجا } لغير ~~معين يخاطب به الرسول صلى الله عليه وسلم سائليه . # والعوج بكسر العين وفتح الواو : ضد الاستقامة ، ويقال : بفتح العين ~~والواو كذلك فهما مترادفان على الصحيح من أقوال أيمة اللغة . وهو ما جزم به ~~عمرو واختاره المرزوقي في ( شرح الفصيح ) . وقال جماعة : مكسور العين يجري ~~على الأجسام غير المنتصبة كالأرض PageV16P307 وعلى الأشياء المعنوية كالدين ~~. و مفتوح العين يوصف به الأشياء المنتصبة كالحائط والعصا ، وهو ظاهر ما في ~~( لسان العرب ) عن الأزهري . وقال فريق : مكسور العين توصف به المعاني ، و ~~مفتوح العين توصف به الأعيان . وهذا أضعف الأقوال . وهو منقول عن ابن دريد ~~في ( الجمهرة ) وتبعه في ( الكشاف ) هنا ، وكأنه مال إلى ما فيه من التفرقة ~~في الاستعمال ، وذلك من الدقائق التي يميل إليها المحققون . ولم يعرج عليه ~~صاحب ( القاموس ) ، وتعسف صاحب ( الكشاف ) تأويل الآية على اعتباره خلافا ~~لظاهرها . وهو يقتضي عدم صحة إطلاقه في كل موضع . وتقدم هذا اللفظ في أول ~~سورة الكهف فانظره . # والأمت : النتوء اليسير ، أي لا ترى فيها وهدة ولا نتوءا ما . # والمعنى : لا ترى في مكان فسقها عوجا ولا أمتا . # # | 2 ( 108 112 ) { لله يومئذ يتبعون الداعى لا عوج له وخشعت الأصوات ~~للرحمان فلا تسمع إلا همسا * يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمان ~~ورضى له قولا * يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما * وعنت ~~الوجوه للحى القيوم وقد خاب من حمل ظلما * ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن ~~فلا يخاف ظلما ولا هضما } . ) 2 # جملة { يتبعون الداعي } في معنى المفرعة على جملة { ينسفها } ( طه : 105 ~~) . و { يومئذ } ظرف متعلق ب { يتبعون الداعي } . وقدم الظرف على عامله ~~PageV16P308 للاهتمام بذلك اليوم ، وليكون تقديمه قائما مقام العطف في ~~الوصل ، أي يتبعون الداعي يوم ينسف ربك الجبال ، أي إذا نسفت الجبال نودوا ~~للحشر فحضروا يتبعون الداعي لذلك . # والداعي ، قيل : هو الملك إسرافيل عليه السلام يدعو بنداء التسخير ~~والتكوين ، فتعود الأجساد والأرواح فيها وتهطع إلى المكان المدعو إليه . ~~وقيل : الداعي الرسول ، أي ms5188 يتبع كل قوم رسولهم . # و { عوج له } حال من { الداعي } . واللام على كلا القولين في المراد من ~~الداعي للأجل ، أي لا عوج لأجل الداعي ، أي لا يروغ المدعوون في سيرهم لأجل ~~الداعي بل يقصدون متجهين إلى صوبه . ويجيء على قول من جعل المراد بالداعي ~~الرسول أن يراد بالعوج الباطل تعريضا بالمشركين الذين نسبوا إلى الرسول صلى ~~الله عليه وسلم العوج كقولهم { إن تتبعون إلا رجلا مسحورا } ( الفرقان : 8 ~~) ، ونحو ذلك من أكاذيبهم ، كما عرض بهم في قوله تعالى : { الذي أنزل على ~~عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا } ( الكهف : 1 ) . # فالمصدر المنفي أريد منه نفي جنس العوج في اتباع الداعي ، بحيث لا يسلكون ~~غير الطريق القويم ، أو لا يسلك بهم غير الطريق القويم ، أو بحيث يعلمون ~~براءة رسولهم من العوج . # وبين قوله { لا ترى فيها عوجا } ( طه : 107 ) وقوله { لا عوج له } مراعاة ~~النظير ، فكما جعل الله الأرض يومئذ غير معوجة ولا ناتئة كما قال { فإذا هم ~~بالساهرة } ( النازعات : 14 ) كذلك جعل سير الناس عليها لا عوج فيه ولا ~~مراوغة . # والخشوع : الخضوع ، وفي كل شيء من الإنسان مظهر من الخشوع ؛ فمظهر الخشوع ~~في الصوت : الإسرار به ، فلذلك فرع عليه قوله { فلا تسمع إلا همسا } . ~~PageV16P309 # والهمس : الصوت الخفي . # والخطاب بقوله { لا ترى فيها عوجا وقوله فلا تسمع إلا همسا خطاب لغير ~~معين ، أي لا يرى الرائي ولا يسمع السامع . # وجملة وخشعتت الأصوات } في موضع الحال من ضمير { يتبعون وإسناد الخشوع ~~إلى الأصوات مجاز عقلي ، فإن الخشوع لأصحاب الأصوات ؛ أو استعير الخشوع ~~لانخفاض الصوت وإسراره ، وهذا الخشوع من هول المقام . # وجملة يومئذ لا تنفع الشفاعة } كجملة { يومئذ يتبعون الداعي } في معنى ~~التفريع على { وخشعت الأصوات للرحمان } ، أي لا يتكلم الناس بينهم إلا همسا ~~ولا يجرؤون على الشفاعة لمن يهمهم نفعه . والمقصود من هذا أن جلال الله ~~والخشية منه يصدان عن التوسط عنده لنفع أحد إلا بإذنه ، وفيه تأييس ~~للمشركين من أن يجدوا شفعاء لهم عند الله . # واستثناء { من أذن له الرحمان } من عموم ms5189 الشفاعة باعتبار أن الشفاعة ~~تقتضي شافعا ، لأن المصدر فيه معنى الفعل فيقتضي فاعلا ، أي إلا أن يشفع من ~~أذن له الرحمن في أن يشفع ، فهو استثناء تام وليس بمفرغ . # واللام في { أذن له } لام تعدية فعل { أذن } ، مثل قوله { قال فرعون ~~آمنتم به قبل أن آذن لكم } ( الأعراف : 123 ) . وتفسير هذا ما ورد في حديث ~~الشفاعة من قول النبي صلى الله عليه وسلم ( فيقال لي : سل تعطه واشفع تشفع ~~) . # وقوله { ورضي له قولا } عائد إلى { من أذن له الرحمان وهو الشافع . ~~واللام الداخلة على ذلك الضمير لام التعليل ، أي رضي الرحمان قول الشافع ~~لأجل الشافع ، أي إكراما له كقوله تعالى : ألم نشرح لك صدرك } ( الشرح : 1 ~~) PageV16P310 فإن الله ما أذن للشافع بأن يشفع إلا وقد أراد قبول شفاعته ، ~~فصار الإذن بالشفاعة وقبولها عنوانا على كرامة الشافع عند الله تعالى . # والمجرور متعلق بفعل { رضي } . وانتصب { قولا على المفعولية لفعل رضي لأن ~~رضي هذا يتعدى إلى الشيء المرضي به بنفسه وبالباء . # وجملة يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } مستأنفة بيانية لجواب سؤال من قد ~~يسأل بيان ما يوجب رضى الله عن العبد الذي يأذن بالشفاعة فيه . فبين بيانا ~~إجماليا بأن الإذن بذلك يجري على ما يقتضيه علم الله بسائر العبيد ~~وبأعمالهم الظاهرة ، فعبر عن الأعمال الظاهرة بما بين أيديهم لأن شأن ما ~~بين الأيدي أن يكون واضحا ، وعبر عن السرائر بما خلفهم لأن شأن ما يجعل خلف ~~المرء أن يكون محجوبا . وقد تقدم ذلك في آية الكرسي ، فهو كناية عن ~~الظاهرات والخفيات ، أي فيأذن لمن أراد تشريفه من عباده المقربين بأن يشفع ~~في طوائف مثل ما ورد في الحديث ( يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة ~~من إيمان ) ، أو بأن يشفع في حالة خاصة مثل ما ورد في حديث الشفاعة العظمى ~~في الموقف لجميع الناس بتعجيل حسابهم . # وجملة { ولا يحيطون به علما } تذييل للتعليم بعظمة علم الله تعالى وضآلة ~~علم البشر ، نظير ما وقع في آية الكرسي . # وجملة { وعنتت الوجوه ms5190 للحي القيوم } معطوفة على جملة { وخشعتت الأصوات ~~للراحمان } ، أي ظهر الخضوع في الأصوات والعناء في الوجوه . # والعناء : الذلة ، وأصله الأسر ، والعاني : الأسير . ولما كان الأسير ~~ترهقه ذلة في وجهه أسند العناء إلى الوجوه على سبيل المجاز العقلي ، ~~والجملة كلها تمثيل لحال المجرمين الذين الكلام عليهم من قوله { ونحشر ~~المجرمين يومئذ رزقا } ( طه : 102 ) ، فاللام في { الوجوه عوض عن ~~PageV16P311 المضاف إليه ، أي وجوههم ، كقوله تعالى : فإن الجحيم هي المأوى ~~} ( النازعات : 39 ) أي لهم . وأما وجوه أهل الطاعات فهي وجوه يومئذ ضاحكة ~~مستبشرة . # ويجوز أن يجعل التعريف في { الوجوه على العموم ، ويراد بعنت خضعت ، أي ~~خضع جميع الناس إجلالا لله تعالى . # والحي : الذي ثبت له وصف الحياة ، وهي كيفية حاصلة لأرقى الموجودات ، وهي ~~قوة للموجود بها بقاء ذاته وحصول إدراكه أبدا أو إلى أمد ما . والحياة ~~الحقيقية هي حياة الله تعالى لأنها ذاتية غير مسبوقة بضدها ولا منتهية . # والقيوم : القائم بتدبير الناس ، مبالغة في القيم ، أي الذي لا يفوته ~~تدبير شيء من الأمور . وتقدم الحي القيوم في سورة البقرة ( 255 ) . # وجملة وقد خاب من حمل ظلما } ؛ إما معترضة في آخر الكلام تفيد التعليل إن ~~جعل التعريف في { الوجوه عوضا عن المضاف إليه ، أي وجوه المجرمين . والمعنى ~~: إذ قد خاب كل من حمل ظلما ؛ وإما احتراس لبيان اختلاف عاقبة عناء الوجوه ~~، فمن حمل ظلما فقد خاب يومئذ واستمر عناؤه ، ومن عمل صالحا عاد عليه ذلك ~~الخوف بالأمن والفرح . والظلم : ظلم النفس . # وجملة ومن يعمل من الصالحاتت وهو مؤمن } الخ : شرطية مفيدة قسيم مضمون ~~جملة { وقد خاب من حمل ظلما } . وصيغ هذا القسيم في صيغة الشرط تحقيقا ~~للوعد ، و { فلا يخاف جواب الشرط ، واقترانه بالفاء علامة على أن الجملة ~~غير صالحة لموالاة أداة الشرط ، فتعين ؛ إما أن تكون ( لا ) التي فيها ~~ناهية ، وإما أن يكون الكلام على نية الاستئناف . والتقدير : فهو لا يخاف . ~~PageV16P312 # وقرأ الجمهور فلا يخاف بصيغة المرفوع بإثبات ألف بعد الخاء ، على أن ~~الجملة استئناف غير مقصود بها الجزاء ، كأن انتفاء خوفه ms5191 أمر مقرر لأنه مؤمن ~~ويعمل الصالحات . وقرأه ابن كثير بصيغة الجزم بحذف الألف بعد الخاء ، على ~~أن الكلام نهي مستعمل في الانتفاء . وكتبت في المصحف بدون ألف فاحتملت ~~القراءتين . وأشار الطيبي إلى أن الجمهور توافق قوله تعالى : وقد خاب من ~~حمل ظلما في أن كلتا الجملتين خبرية . وقراءة ابن كثير تفيد عدم التردد في ~~حصول أمنه من الظلم والهضم ، أي في قراءة الجمهور خصوصية لفظية وفي قراءة ~~ابن كثير خصوصية معنوية . # ومعنى لا يخاف ظلما } لا يخاف جزاء الظالمين لأنه آمن منه بإيمانه وعمله ~~الصالحات . # والهضم : النقص ، أي لا ينقصون من جزائهم الذي وعدوا به شيئا كقوله { ~~وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص } ( هود : 109 ) . # ويجوز أن يكون الظلم بمعنى النقص الشديد كما في قوله { ولم تظلم منه شيئا ~~} ( الكهف : 33 ) ، أي لا يخاف إحباط عمله ، وعليه يكون الهضم بمعنى النقص ~~الخفيف ، وعطفه على الظلم على هذا التفسير احتراس . # # | 2 ( 113 114 ) { وكذالك أنزلناه قرءانا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد ~~لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا * فتعالى الله الملك الحق ولا تعجل بالقرءان ~~من قبل إن يقضى إليك وحيه وقل رب زدنى علما } ) 2 # عطف على جملة { كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق } ( طه : 99 ) ، والغرض ~~واحد ، وهو التنويه بالقرآن . فابتدىء بالتنويه به جزئيا PageV16P313 ~~بالتنويه بقصصه ، ثم عطف عليه التنويه به كليا على طريقة تشبه التذييل لما ~~في قوله { أنزلناه قرآنا عربيا } من معنى عموم ما فيه . # والإشارة ب { كذلك } نحو الإشارة في قوله { كذلك نقص عليك } ، أي كما ~~سمعته لا يبين بأوضح من ذلك . # و { قرآنا } حال من الضمير المنصوب في { أنزلناه } . وقرآن تسمية بالمصدر ~~. والمراد المقروء ، أي المتلو ، وصار القرآن علما بالغلبة على الوحي ~~المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم بألفاظ معينة متعبدا بتلاوتها يعجز ~~الإتيان بمثل سورة منها . وسمي قرآنا لأنه نظم على أسلوب تسهل تلاوته . ~~ولوحظ هنا المعنى الاشتقاقي قبل الغلبة وهو ما تفيده مادة قرأ من يسر ~~تلاوته ؛ وما ذلك إلا لفصاحة تأليفه ms5192 وتناسب حروفه . والتنكير يفيد الكمال ، ~~أي أكمل ما يقرأ . # و { عربيا } صفة { قرآنا } . وهذا وصف يفيد المدح ، لأن اللغة العربية ~~أبلغ اللغات وأحسنها فصاحة وانسجاما . وفيه تعريض بالامتنان على العرب ، ~~وتحميق للمشركين منهم حيث أعرضوا عنه وكذبوا به ، قال تعالى : { لقد أنزلنا ~~إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون } ( الأنبياء : 10 ) . # والتصريف : التنويع والتفنين . وقد تقدم عند قوله تعالى : { انظر كيف ~~نصرف الآيات ثم هم يصدفون في سورة الأنعام ( 46 ) ، وقوله ولقد صرفنا في ~~هذا القرآن ليذكروا في سورة الإسراء ( 41 ) . # وذكر الوعيد هنا للتهديد ، ولمناسبة قوله قبله وقد خاب من حمل ظلما } ( ~~طه : 111 ) . # والتقوى : الخوف . وهي تستعمل كناية عن الطاعة لله ، أي فعلنا ذلك رجاء ~~أن يؤمنوا ويطيعوا . والذكر هنا بمعنى التذكر ، أي يحدث لهم القرآن تذكرا ~~ونظرا فيما يحق عليهم أن يختاروه لأنفسهم . PageV16P314 # وعبر ب { يحدث } إيماء إلى أن الذكر ليس من شأنهم قبل نزول القرآن ، ~~فالقرآن أوجد فيهم ذكرا لم يكن من قبل ، قال ذو الرمة : # ولما جرت في الجزل جريا كأنه # سنا الفجر أحدثنا لخالقها شكرا # و ( لعل ) للرجاء ، أي إن حال القرآن أن يقرب الناس من التقوى والتذكر ، ~~بحيث يمثل شأن من أنزله وأمر بما فيه بحال من يرجو فيلفظ بالحرف الموضوع ~~لإنشاء الرجاء . فحرف ( لعل ) استعارة تبعية تنبىء عن تمثيلية مكنية ، وقد ~~مضى معنى ( لعل ) في القرآن عند قوله تعالى : { يا أيها الناس اعبدوا ربكم ~~الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون في سورة البقرة ( 21 ) . # وجملة فتعالى الله الملك الحق } معترضة بين جملة { وكذلك أنزلناه } وبين ~~جملة { ولا تعجل بالقرآن } . وهذا إنشاء ثناء على الله منزل القرآن وعلى ~~منة هذا القرآن ، وتلقين لشكره على ما بين لعباده من وسائل الإصلاح وحملهم ~~عليه بالترغيب والترهيب وتوجيهه إليهم بأبلغ كلام وأحسن أسلوب فهو مفرع على ~~ما تقدم من قوله { وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا } إلى آخرها . . . # والتفريع مؤذن بأن ذلك الإنزال والتصريف ووسائل الإصلاح كل ذلك ناشىء عن ~~جميل آثار يشعر جميعها بعلوه وعظمته وأنه الملك ms5193 الحق المدبر لأمور مملوكاته ~~على أتم وجوه الكمال وأنفذ طرق السياسة . # وفي وصفه بالحق إيماء إلى أن ملك غيره من المتسمين بالملوك لا يخلو من ~~نقص كما قال تعالى : { الملك يومئذ الحق للرحمان } ( الفرقان : 26 ) . وفي ~~الحديث : ( فيقول الله أنا الملك أين ملوك الأرض ) ، أي أحضروهم هل تجدون ~~منهم من ينازع في ذلك ، كقول الخليفة معاوية حين خطب في المدينة ( يا أهل ~~المدينة أين علماؤكم ) . PageV16P315 # والجمع بين اسم الجلالة واسمه ( الملك ) إشارة إلى أن إعظامه وإجلاله ~~مستحقان لذاته بالاسم الجامع لصفات الكمال ، وهو الدال على انحصار الإلهية ~~وكمالها . # ثم أتبع ب ( الحق ) للإشارة إلى أن تصرفاته واضحة الدلالة على أن ملكه ~~ملك حق لا تصرف فيه إلا بما هو مقتضى الحكمة . # والحق : الذي ليس في ملكه شائبة عجز ولا خضوع لغيره ، وفيه تعريض بأن ملك ~~غيره زائف . # وفي تفريع ذلك على إنزال القرآن إشارة أيضا إلى أن القرآن قانون ذلك ~~الملك ، وأن ما جاء به هو السياسة الكاملة الضامنة صلاح أحوال متبعيه في ~~الدنيا والآخرة . # وجملة { ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه } ناشئة على ما تقدم ~~من التنويه بالقرآن وما اشتمل عليه من تصاريف إصلاح الناس . فلما كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم حريصا على صلاح الأمة شديد الاهتمام بنجاتهم لا جرم ~~خطرت بقلبه الشريف عقب سماع تلك الآيات رغبة أو طلبة في الإكثار من نزول ~~القرآن وفي التعجيل به إسراعا بعظة الناس وصلاحهم ، فعلمه الله أن يكل ~~الأمر إليه فإنه أعلم بحيث يناسب حال الأمة العام . # ومعنى { من قبل أن يقضى إليك وحيه } أي من قبل أن يتم وحي ما قضي وحيه ~~إليك ، أي ما نفذ إنزاله فإنه هو المناسب . فالمنهي عنه هو سؤال التعجيل أو ~~الرغبة الشديدة في النفس التي تشبه الاستبطاء لا مطلق مودة الازدياد ، فقد ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم في شأن قصة موسى مع الخضر عليهما السلام ( ~~وددنا أن موسى صبر حتى يقص الله علينا من أمرهما أو من خبرهما ) . ~~PageV16P316 # ويجوز ms5194 أن يكون معنى العجلة بالقرآن العجلة بقراءته حال إلقاء جبريل آياته ~~. فعن ابن عباس : كان النبي يبادر جبريل فيقرأ قبل أن يفرغ جبريل حرصا على ~~الحفظ وخشية من النسيان فأنزل الله { ولا تعجل بالقرآن الآية . وهذا كما ~~قال ابن عباس في قوله تعالى : لا تحرك به لسانك لتعجل به } ( القيامة : 16 ~~) كما في ( صحيح البخاري ) . وعلى هذين التأويلين يكون المراد بقضاء وحيه ~~إتمامه وانتهاؤه ، أي انتهاء المقدار الذي هو بصدد النزول . # وعن مجاهد وقتادة أن معناه : لا تعجل بقراءة ما أنزل إليك لأصحابك ولا ~~تمله عليهم حتى تتبين لك معانيه . وعلى هذا التأويل يكون قضاء الوحي تمام ~~معانيه . وعلى كلا التفسيرين يجري اعتبار موقع قوله { وقل رب زدني علما . # وقرأ الجمهور يقضى بتحتية في أوله مبنيا للنائب ، ورفع وحيه على أنه نائب ~~الفاعل . وقرأه يعقوب بنون العظمة وكسر الضاد وبفتحة على آخر نقضي وبنصب ~~وحيه . # وعطف جملة وقل رب زدني علما } يشير إلى أن المنهي عنه استعجال مخصوص وأن ~~الباعث على الاستعجال محمود . وفيه تلطف مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ ~~أتبع نهيه عن التعجل الذي يرغبه بالإذن له بسؤال الزيادة من العلم ، فإن ~~ذلك مجمع كل زيادة سواء كانت بإنزال القرآن أم بغيره من الوحي والإلهام إلى ~~الاجتهاد تشريعا وفهما ، إيماء إلى أن رغبته في التعجل رغبة صالحة كقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر حين دخل المسجد فوجد النبي راكعا فلم ~~يلبث أن يصل إلى الصف بل ركع ودب إلى الصف راكعا فقال له : ( زادك الله ~~حرصا ولا تعد ) . # PageV16P317 # | 2 ( 115 ) { ولقد عهدنآ إلى ءادم من قبل فنسى ولم نجد له عزما } . ) 2 # لما كانت قصة موسى عليه السلام مع فرعون ومع قومه ذات عبرة للمكذبين ~~والمعاندين الذين كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم وعاندوه ، وذلك المقصود ~~من قصصها كما أشرنا إليه آنفا عند قوله { كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق ~~وقد آتيناك من لدنا ذكرا من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا ms5195 } ( طه : ~~99 ، 100 ) فكأن النبي صلى الله عليه وسلم استحب الزيادة من هذه القصص ذات ~~العبرة رجاء أن قومه يفيقون من ضلالتهم كما أشرنا إليه قريبا عند قوله { ~~ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه } ( طه : 114 ) ؛ أعقبت تلك ~~القصة بقصة آدم عليه السلام وما عرض له به الشيطان ، تحقيقا لفائدة قوله { ~~وقل رب زدني علما } ( طه : 114 ) . فالجملة عطف قصة على قصة والمناسبة ما ~~سمعت . # والكلام معطوف على جملة { كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق } . وافتتاح ~~الجملة بحرف التحقيق ولام القسم لمجرد الاهتمام بالقصة تنبيها على قصد ~~التنظير بين القصتين في التفريط في العهد ، لأن في القصة الأولى تفريط بني ~~إسرائيل في عهد الله ، كما قال فيها { ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا أفطال ~~عليكم العهد } ( طه : 86 ) ، وفي قصة آدم تفريطا في العهد أيضا . وفي كون ~~ذلك من عمل الشيطان كما قال في القصة الأولى { وكذلك سولت لي نفسي } ( طه : ~~96 ) وقال في هذه { فوسوس إليه الشيطان } ( طه : 120 ) . وفي أن في القصتين ~~نسيانا لما يجب الحفاظ عليه وتذكره فقال في القصة الأولى { فنسي } ( طه : ~~16 ) وقال في هذه القصة { فنسي ولم نجد له عزما } . PageV16P318 # وعليه فقوله { من قبل } حذف ما أضيف إليه ( قبل ) . وتقديره : من قبل ~~إرسال موسى أو من قبل ما ذكر ، فإن بناء ( قبل ) على الضم علامة حذف المضاف ~~إليه ونية معناه . والذي ذكر : إما عهد موسى الذي في قوله تعالى : { وأنا ~~اخترتك فاستمع لما يوحى } ( طه : 13 ) وقوله { فلا يصدنك عنها من لا يؤمن ~~بها واتبع هواه فتردى } ( طه : 16 ) ؛ وإما عهد الله لبني إسرائيل الذي ~~ذكرهم به موسى عليه السلام لما رجع إليهم غضبان أسفا ، وهو ما في قوله { ~~أفطال عليكم العهد } ( طه : 86 ) الآية . # والمراد بالعهد إلى آدم : العهد إليه في الجنة التي أنسي فيها . # والنسيان : أطلق هنا على إهمال العمل بالعهد عمدا ، كقوله في قصة السامري ~~{ فنسي } ، فيكون عصيانا ، وهو الذي يقتضيه قوله تعالى : { وقال ما نهاكما ~~ربكما ms5196 عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين وقاسمهما إني ~~لكما لمن الناصحين الآية ، وقد مضت في سورة الأعراف ( 20 ، 21 ) . وهذا ~~العهد هو المبين في الآية بقوله فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك } ( طه ~~: 117 ) الآية . # والعزم : الجزم بالفعل وعدم التردد فيه ، وهو مغالبة ما يدعو إليه الخاطر ~~من الانكفاف عنه لعسر عمله أو إيثار ضده عليه . وتقدم قوله تعالى : { وإن ~~عزموا الطلاق في سورة البقرة ( 227 ) . والمراد هنا : العزم على امتثال ~~الأمر وإلغاء ما يحسن إليه عدم الامتثال ، قال تعالى : فإذا عزمت فتوكل على ~~الله } ( آل عمران : 159 ) ، وقال { فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل } ~~( الأحقاف : 35 ) ، وهم نوح ، وإبراهيم ، وإسماعيل ، ويعقوب ، ويوسف ، ~~وأيوب ، وموسى ، وداوود ، وعيسى عليهم السلام . # واستعمل نفي وجدان العزم عند آدم في معنى عدم وجود العزم من صفته فيما ~~عهد إليه تمثيلا لحال طلب حصوله عنده بحال الباحث على عزمه فلم يجده عنده ~~بعد البحث . # PageV16P319 $ 2 ( 116 ) { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لأدم فسجدو & # 1764 ا إلا إبليس أبى } ) 2 $ # هذا بيان لجملة { ولقد عهدنا إلى آدم من قبل } ( طه : 115 ) إلى آخرها ، ~~فكان مقتضى الظاهر أن لا يكون معطوفا بالواو بل أن يكون مفصولا ، فوقوع هذه ~~الجملة معطوفة اهتمام بها لتكون قصة مستقلة فتلفت إليها أذهان السامعين . ~~فتكون الواو عاطفة قصة آدم على قصة موسى عطفا على قوله { وهل أتاك حديث ~~موسى إذ رأى نارا } ( طه : 10 ) ، ويكون التقدير : واذكر إذ قلنا للملائكة ~~اسجدوا لآدم ، وتكون جملة { ولقد عهدنا إلى آدم من قبل } تذييلا لقصة هارون ~~مع السامري وقوله { من قبل } أي من قبل هارون . والمعنى : أن هارون لم يكن ~~له عزم في الحفاظ على ما عهد إليه موسى . وانتهت القصة بذلك التذييل ، ثم ~~عطف على قصة موسى قصة آدم تبعا لقوله { كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق } ~~( طه : 99 ) . # # | 2 ( 117 119 ) { فقلنا يائادم إن هاذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من ~~الجنة فتشقى * إن ms5197 لك ألا تجوع فيها ولا تعرى * وأنك لا تظمؤا فيها ولا تضحى ~~} ) 2 # قصة خلق آدم وسجود الملائكة له وإباء الشيطان من السجود تقدمت في سورة ~~البقرة وسورة الأعراف ، فلنقتصر على بيان ما اختصت به هاته السورة من ~~الأفانين والتراكيب . # فقوله { إن هذا } إشارة إلى الشيطان إشارة مرادا منها التحقير ، كما حكى ~~الله في سورة الأنبياء ( 36 ) من قول المشركين { أهذا الذي يذكر آلهتكم ، ~~وفي سورة الأعراف ( 22 ) إن الشيطان لكما عدو عبر عنه باسمه . # وقوله عدو لك ولزوجك } هو كقوله في الأعراف ( 22 ) : { وأقل لكما إن ~~الشيطان لكما عدو مبين . فذكرت عداوته لهما جملة هنالك PageV16P320 وذكرت ~~تفصيلا هنا ، فابتدىء في ذكر متعلق عداوته بآدم لأن آدم هو منشأ عداوة ~~الشيطان لحسده ، ثم أتبع بذكر زوجه لأن عداوته إياها تبع لعداوته آدم زوجها ~~، وكانت عداوته متعلقة بكليهما لاتحاد علة العداوة ، وهي حسده إياهما على ~~ما وهبهما الله من علم الأسماء الذي هو عنوان الفكر الموصل إلى الهدى ~~وعنوان التعبير عن الضمير الموصل للإرشاد ، وكل ذلك مما يبطل عمل الشيطان ~~ويشق عليه في استهوائهما واستهواء ذريتهما ، ولأن الشيطان رأى نفسه أجدر ~~بالتفضيل على آدم فحنق لما أمر بالسجود لآدم . # قوله فلا يخرجنكما من الجنة فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى * إن لك ألا ~~تجوع فيها ولا تعرى * وأنك لا تظمؤا فيها ولا تضحى } تفريع على الإخبار ~~بعداوة إبليس له ولزوجه : بأن نهيا نهي تحذير عن أن يتسبب إبليس في خروجهما ~~من الجنة ، لأن العدو لا يروقه صلاح حال عدوه . ووقع النهي في صورة نهي عن ~~عمل هو من أعمال الشيطان لا من أعمال آدم كناية عن نهي آدم عن التأثر ~~بوسائل إخراجهما من الجنة ، كما يقال : لا أعرفنك تفعل كذا ، كناية عن : لا ~~تفعل ، أي لا تفعل كذا حتى أعرفه منك ، وليس المراد النهي عن أن يبلغ إلى ~~المتكلم خبر فعل المخاطب . # وأسند ترتب الشقاء إلى آدم خاصة دون زوجه إيجازا ، لأن في شقاء أحد ~~الزوجين شقاء الآخر لتلازمهما في الكون مع ms5198 الإيماء إلى أن شقاء الذكر أصل ~~شقاء المرأة ، مع ما في ذلك من رعاية الفاصلة . PageV16P321 # وجملة { إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى } تعليل للشقاء المترتب على الخروج ~~من الجنة المنهي عنه ، لأنه لما كان ممتعا في الجنة برفاهية العيش من مأكل ~~وملبس ومشرب واعتدال جو مناسب للمزاج كان الخروج منها مقتضيا فقدان ذلك . # و { تضحى } مضارع ضحي : كرضي ، إذا أصابه حر الشمس في وقت الضحى ، ومصدره ~~الضحو ، وحر الشمس في ذلك الوقت هو مبدأ شدته ، والمعنى : لا يصيبك ما ~~ينافر مزاجك ، فالاقتصار على انتفاء الضحو هنا اكتفاء ، أي ولا تصرد ، وآدم ~~لم يعرف الجوع والعرى والظمأ والضحو بالوجدان ، وإنما عرفها بحقائقها ضمن ~~تعليمه الأسماء كلها كما تقدم في سورة البقرة . # وجمع له في هذا الخبر أصول كفاف الإنسان في معيشته إيماء إلى أن ~~الاستكفاء منها سيكون غاية سعي الإنسان في حياته المستقبلة ، لأن الأحوال ~~التي تصاحب التكوين تكون إشعارا بخصائص المكون في مقوماته ، كما ورد في ~~حديث الإسراء من توفيق النبي صلى الله عليه وسلم لاختيار اللبن على الخمر ~~فقيل له : لو اخترت الخمر لغوت أمتك . # وقد قرن بين انتفاء الجوع واللباس في قوله { ألا تجوع فيها ولا تعرى ، ~~وقرن بين انتفاء الظمأ وألم الجسم في قوله لا تظمأ فيها ولا تضحى } لمناسبة ~~بين الجوع والعرى ، في أن الجوع خلو باطن الجسم عما يقيه تألمه وذلك هو ~~الطعام ، وأن العري خلو ظاهر الجسم عما يقيه تألمه وهو لفح الحر وقرص البرد ~~؛ ولمناسبة بين الظمأ وبين حرارة الشمس في أن الأول ألم حرارة الباطن ~~والثاني ألم حرارة الظاهر . فهذا اقتضى عدم اقتران ذكر الظمأ والجوع ، وعدم ~~اقتران ذكر العري بألم PageV16P322 الحر وإن كان مقتضى الظاهر جمع النظيرين ~~في كليهما ، إذ جمع النظائر من أساليب البديع في نظم الكلام بحسب الظاهر ~~لولا أن عرض هنا ما أوجب تفريق النظائر . # ومن هذا القبيل في تفريق النظائر قصة أدبية طريفة جرت بين سيف الدولة ~~وبين أبي الطيب المتنبي ذكرها المعري في ( معجز أحمد ms5199 ) شرحه على ( ديوان ~~أبي الطيب ) إجمالا ، وبسطها الواحدي في ( شرحه على الديوان ) . وهي : أن ~~أبا الطيب لما أنشد سيف الدولة قصيدته التي طالعها : # على قدر أهل العزم تأتي العزائم # قال في أثنائها يصف موقعة بين سيف الدولة والرومم في ثغر الحدث : # وقفت ما في الموت شك لواقف # كأنك في جفن الردى وهو نائم # تمر بك الأبطال كلمى هزيمة # ووجهك وضاح وثغرك باسم # فاستعادها سيف الدولة منه بعد ذلك فلما أنشده هذين البيتين ، قال له سيف ~~الدولة : إن صدري البيتين لا يلائمانن عجزيهما وكان ينبغي أن تقول : # وقفت وما في الموت شك لواقف # ووجهك وضاح وثغرك باسم # تمر بك الأبطال كلمى هزيمة # كأنك في جفن الردى وهو نائم # وأنت في هذا مثل امرىء القيس في قوله : # كأني لم أركب جوادا للذة # ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال # ولم أسبأ الزق الروي ولم أقل # لخيلي كري كرة بعد إجفال # ووجه الكلام على ما قال العلماء بالشعر أن يكون عجز البيت الأول للثاني ~~وعجز البيت الثاني للأول ليستقيم الكلام فيكون ركوب الخيل مع PageV16P323 ~~الأمر للخيل بالكر ، ويكون سباء الخمر للذة مع تبطن الكاعب . فقال أبو ~~الطيب : أدام الله عز الأمير ، إن صح أن الذي استدرك على امرىء القيس هذا ~~أعلم منه بالشعر فقد أخطأ امرؤ القيس وأخطأت أنا ، ومولانا يعرف أن الثوب ~~لا يعرفه البزاز معرفة الحائك لأن البزاز لا يعرف إلا جملته والحائك يعرف ~~جملته وتفصيله لأنه أخرجه من الغزلية إلى الثوبية . وإنما قرن امرؤ القيس ~~لذة النساء بلذة الركوب للصيد ، وقرن السماحة في شراء الخمر للأضياف ~~بالشجاعة في منازلة الأعداء . وأنا لما ذكرت الموت أتبعته بذكر الردى ~~لتجانسه ولما كان وجه المهزوم لا يخلو أن يكون عبوسا وعينه من أن تكون ~~باكية قلت : # ووجهك وضاح وثغرك باسم # لأجمع بين الأضداد في المعنى . # ومعنى هذا أن امرؤ القيس خالف مقتضى الظاهر في جمع شيئين مشتهري المناسبة ~~فجمع شيئين متناسبين مناسبة دقيقة ، وأن أبا الطيب خالف مقتضى الظاهر من ~~جمع النظيرين ففرقهما لسلوك طريقة ms5200 أبدع ، وهي طريقة الطباق بالتضاد وهو ~~أعرق في صناعة البديع . # وجعلت المنة على آدم بهذه النعم مسوقة في سياق انتفاء أضدادها ليطرق سمعه ~~بأسامي أصناف الشقوة تحذيرا منها لكي يتحامى من يسعى إلى إرزائه منها . # وقرأ نافع ، وأبو بكر عن عاصم { وإنك لا تظمأ } بكسر همزة ( إن ) عطفا ~~للجملة على الجملة . وقرأ الباقون { وأنك بفتح الهمزة عطفا على ألا تجوع ~~عطف المفرد على المفرد ، أي إن لك نفي الجوع والعري ونفي الظمأ والضحو . # وقد حصل تأكيد الجميع على القراءتين ب ( إن ) وبأختها ، وبين الأسلوبين ~~تفنن . # PageV16P324 # | 2 ( 120 ) فوسوس إليه الشيطان قال يائادم هل أدلك على شجرة الخلد وملك ~~لا يبلى } ) 2 # قوله { فوسوس إليه الشيطان } تقدم مثله في الأعراف . والفاء لتعقيب مضمون ~~جملتها على مضمون التي قبلها ، وهو تعقيب نسبي بما يناسب مدة تقلب في ~~خلالها بخيرات الجنة حتى حسده الشيطان واشتد حسده . # وتعدية فعل ( وسوس ) هنا بحرف ( إلى ) وباللام في سورة الأعراف ( 20 ) { ~~فوسوس لهما الشيطان باعتبار كيفية تعليق المجرور بذلك الفعل في قصد المتكلم ~~، فإنه فعل قاصر لا غنى له عن التعدية بالحرف ، فتعديته بحرف ( إلى ) هنا ~~باعتبار انتهاء الوسوسة إلى آدم وبلوغها إياه ، وتعديته باللام في الأعراف ~~باعتبار أن الوسوسة كانت لأجلهما . # وجملة قال يا آدم } ( طه : 117 ) بيان لجملة { فوسوس لهما الشيطان } . ~~وهذه الآية مثال للجملة المبينة لغيرها في علم المعاني . # وهذا القول خاطر ألقاه الشيطان في نفس آدم بطريق الوسوسة وهي الكلام ~~الخفي ؛ إما بألفاظ نطق بها الشيطان سرا لآدم لئلا يطلع عليه الملائكة ~~فيحذروا آدم من كيد الشيطان ، فيكون إطلاق القول عليه حقيقة ؛ وإما بمجرد ~~توجه أراده الشيطان كما يوسوس للناس في الدنيا ، فيكون إطلاق القول عليه ~~مجازا باعتبار المشابهة . # و { هل أدلك } استفهام مستعمل في العرض ، وهو أنسب المعاني المجازية ~~للاستفهام لقربه من حقيقته . # والافتتاح بالنداء ليتوجه إليه . # والشجرة هي التي نهاه الله عن الأكل منها دون جميع شجر الجنة ، ولم يذكر ~~النهي عنها هنا وذكر في قصة سورة البقرة . وهذا العرض متقدم ms5201 PageV16P325 ~~على الإغراء بالأكل منها المحكي في قوله تعالى في سورة الأعراف ( 20 ) { ~~قال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من ~~الخالدين ، ولم يدله الشيطان على شجرة الخلد بل كذبه ودله على شجرة أخرى ~~بآية أن آدم لم يخلد ، فحصل لآدم توهم أنه إذا أكل من الشجرة التي دله ~~عليها الشيطان أن يخلد في الحياة . # والدلالة : الإرشاد إلى شيء مطلوب غير ظاهر لطالبه ، والدلالة على الشجرة ~~لقصد الأكل من ثمرتها . # وسماها هنا شجرة الخلد } بالإجمال للتشويق إلى تعيينها حتى يقبل عليها ، ~~ثم عينها له عقب ذلك بما أنبأ به قوله تعالى : { فأكلا منها } ( طه : 121 ) ~~. # وقد أفصح هذا عن استقرار محبة الحياة في جبلة البشر . # والملك : التحرر من حكم الغير ، وهو يوهم آدم أنه يصير هو المالك للجنة ~~المتصرف فيها غير مأمور لآمر . # واستعمل البلى مجازا في الانتهاء ، لأن الثوب إذا بلي فقد انتهى لبسه . # # | 2 ( 121 122 ) { فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ~~ورق الجنة وعصى ءادم ربه فغوى * ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى } ) 2 # تفريع على ما قبله وثم جملة محذوفة دل عليها العرض ، أي فعمل آدم بوسوسة ~~الشيطان فأكل من الشجرة وأكلت حواء معه . PageV16P326 # واقتصار الشيطان على التسويل لآدم وهو يريد أن يأكل آدم وحواء ، لعلمه ~~بأن اقتداء المرأة بزوجها مركوز في الجبلة . وتقدم معنى { فبدت لهما ~~سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة في سورة الأعراف ( 22 ) . # وقوله وعصى آدم ربه } عطف على { فأكلا منها } ، أي أكلا معا ، وتعمد آدم ~~مخالفة نهي الله تعالى إياه عن الأكل من تلك الشجرة . وإثبات العصيان لآدم ~~دون زوجه يدل على أن آدم كان قدوة لزوجه فلما أكل من الشجرة تبعته زوجه ، ~~وفي هذا المعنى قال الله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ~~نارا } ( التحريم : 6 ) . # والغواية : ضد الرشد ، فهي عمل فاسد أو اعتقاد باطل ، وإثبات العصيان ~~لآدم دليل على أنه لم يكن يومئذ نبيئا ، ولأنه كان في عالم ms5202 غير عالم ~~التكليف وكانت الغواية كذلك ، فالعصيان والغواية يومئذ : الخروج عن ~~الامتثال في التربية كعصيان بعض العائلة أمر كبيرها ، وإنما كان شنيعا لأنه ~~عصيان أمر الله . # وليس في هذه الآية مستند لتجويز المعصية على الأنبياء ولا لمنعها ، لأن ~~ذلك العالم لم يكن عالم تكليف . # وجملة { ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى } معترضة بين جملة { وعصى آدم } ~~وجملة { قال اهبطا منها جميعا } ، لأن الاجتباء والتوبة عليه كانا بعد أن ~~عوقب آدم وزوجه بالخروج من الجنة كما في سورة البقرة ، وهو المناسب لترتب ~~الإخراج من الجنة على المعصية دون أن يترتب على التوبة . # وفائدة هذا الاعتراض التعجيل ببيان مآل آدم إلى صلاح . PageV16P327 # والاجتباء : الاصطفاء . وتقدم عند قوله تعالى : { واجتبيناهم وهديناهم ~~إلى صراط مستقيم في الأنعام ( 87 ) ، وقوله اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم ~~في النحل ( 121 ) . # والهداية : الإرشاد إلى النفع . والمراد بها إذا ذكرت مع الاجتباء في ~~القرآن النبوءة كما في هذه الآيات الثلاث . # $ 2 ( 123 127 ) قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم منى ~~هدى فمن اتبع هداى فلا يضل ولا يشقى * ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا ~~ونحشره يوم القيامة أعمى * قال رب لم حشرتنى & # 1764 أعمى وقد كنت بصيرا * قال كذالك أتتك آياتنا فنسيتها وكذالك اليوم ~~تنسى * وكذالك نجزى من أسرف ولم يؤمن بئايات ربه ولعذاب الاخرة أشد وأبقى } ~~) 2 $ # { # استئناف بياني ، لأن الإخبار عن آدم بالعصيان والغواية يثير في نفس ~~السامع سؤالا عن جزاء ذلك . وضمير قال قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو ~~فإما يأتينكم منى هدى فمن اتبع هداى فلا يضل ولا يشقى } عائد إلى { ربه } ( ~~طه : 121 ) من قوله { وعصى آدم ربه } والخطاب لآدم وإبليس . # والأمر في { اهبطا } أمر تكوين ، لأنهما عاجزان عن الهبوط إلى الأرض إلا ~~بتكوين من الله إذ كان قرارهما في عالم الجنة بتكوينه تعالى . # و { جميعا } يظهر أنه اسم لمعنى كل أفراد ما يوصف بجميع ، وكأنه اسم مفرد ~~يدل على التعدد مثل : فريق ، ولذلك يستوي فيه المذكر وغيره ms5203 والواحد وغيره ، ~~قال تعالى : { فكيدوني جميعا } ( هود : 55 ) ونصبه على الحال ، وهو هنا حال ~~من ضمير { اهبطا . # وجملة بعضكم لبعض عدو } حال ثانية من ضمير { اهبطا } . فالمأمور بالهبوط ~~من الجنة آدم وإبليس وأما حواء فتبع لزوجها . # والخطاب في قوله { بعضكم } خطاب لآدم وإبليس . وخوطبا بضمير الجمع لأنه ~~أريد عداوة نسليهما ، فإنهما أصلان لنوعين نوع الإنسان ونوع الشيطان . ~~PageV16P328 # ( سقط : فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض ~~عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى ~~وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى وكذلك نجزي ~~من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى ) # تفريع جملة فإما يأتينكم مني هدى فإما يأتينكم منى هدى فمن اتبع هداى فلا ~~يضل ولا يشقى * ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة ~~أعمى * قال رب لم حشرتنى & # 1764 أعمى وقد كنت بصيرا * قال كذالك أتتك آياتنا فنسيتها وكذالك اليوم ~~تنسى * وكذالك نجزى من أسرف ولم يؤمن بئايات ربه ولعذاب الاخرة أشد وأبقى } ~~على الأمر بالهبوط من الجنة إلى الدنيا إنباء بأنهم يستقبلون في هذه الدنيا ~~سيرة غير التي كانوا عليها في الجنة لأنهم أودعوا في عالم خليط خيره بشره ، ~~وحقائقه بأوهامه ، بعد أن كانوا في عالم الحقائق المحضة والخير الخالص ، ~~وفي هذا إنباء بطور طرأ على أصل الإنسان في جبلته كان معدا له من أصل ~~تركيبه . # والخطاب في قوله { يأتينكم } لآدم باعتبار أنه أصل لنوع الإنسان إشعارا ~~له بأنه سيكون منه جماعة ، ولا يشمل هذا الخطاب إبليس لأنه مفطور على الشر ~~والضلال إذ قد أنبأه الله بذلك عند إبايته السجود لآدم ، فلا يكلفه الله ~~باتباع الهدى ، لأن طلب الاهتداء ممن أعلمه الله بأنه لا يزال في ضلال يعد ~~عبثا ينزه عنه فعل الحكيم تعالى . وليس هذا مثل أمر أبي جهل وأضرابه ~~بالإسلام إذ أمثال أبي جهل لا يوقن بأنهم لا يؤمنون ، ولم يرد في السنة ms5204 أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم دعا الشيطان للإسلام ولا دعا الشياطين ، وأما ~~الحديث الذي رواه الدارقطني PageV16P329 أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ~~( ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن ، قالوا : وإياك يا رسول ~~الله ؟ قال : وإياي ولكن الله أعانني فأسلم ) . فلا يقتضي أنه دعاه للإسلام ~~ولكن الله ألهم قرينه إلى أن يأمره بالخير ، والمراد بالقرين : شيطان قرين ~~، والمراد بالهدى : الإرشاد إلى الخير . # وفي هذه الآية وصاية الله آدم وذريته باتباع رسل الله والوحي الإلهي ، ~~وبذلك يعلم أن طلب الهدى مركوز في الجبلة البشرية حتى قال كثير من علماء ~~الإسلام : إن معرفة الإله الواحد كائنة في العقول أو شائعة في الأجيال ~~والعصور . وإنه لذلك لم يعذر أهل الشرك في مدد الفتر التي لم تجىء فيها رسل ~~للأمم . وهذه مسألة عظيمة وقد استوعبها علماء الكلام ، وحررناها في ( رسالة ~~النسب النبوي ) . # وقد تقدم تفسير نظير الجملتين الأولين في سورة البقرة . # وأما قوله { فلا يضل } فمعناه : أنه إذا اتبع الهدى الوارد من الله على ~~لسان رسله سلم من أن يعتريه شيء من ضلال ، وهذا مأخوذ من دلالة الفعل في ~~حيز النفي على العموم كعموم النكرة في سياق النفي ، أي فلا يعتريه ضلال في ~~الدنيا ، بخلاف من اتبع ما فيه هدى وارد من غير الله فإنه وإن استفاد هدى ~~في بعض الأحوال لا يسلم من الوقوع في الضلال في أحوال أخرى . وهذا حال ~~متبعي الشرائع غير الإلهية وهي الشرائع الوضعية فإن واضعيها وإن أفرغوا ~~جهودهم في تطلب الحق لا يسلمون من الوقوع في ضلالات بسبب غفلات ، أو تعارض ~~أدلة ، أو انفعال بعادات مستقرة ، أو مصانعة لرؤساء أو أمم رأوا أن من ~~المصلحة طلب مرضاتهم . وهذا سقراط وهو سيد حكماء اليونان قد كان يتذرع ~~لإلقاء الأمر بالمعروف في أثينا بأن يفرغه في قوالب حكايات على ألسنة ~~الحيوان ، ولم يسلم من الخنوع لمصانعة اللفيف فإنه مع كونه لا يرى تأليه ~~آلهتهم لم يسلم من PageV16P330 أن يأمر قبل موته بقربان ديك لعطارد ms5205 رب ~~الحكمة . وحالهم بخلاف حال الرسل الذين يتلقون الوحي من علام الغيوب الذي ~~لا يضل ولا ينسى ، وأيدهم الله ، وعصمهم من مصانعة أهل الأهواء ، وكونهم ~~تكوينا خاصا مناسبا لما سبق في علمه من مراده منهم ، وثبت قلوبهم على تحمل ~~اللأواء ، ولا يخافون في الله لومة لائم . وإن الذي ينظر في القوانين ~~الوضعية نظرة حكيم يجدها مشتملة على مراعاة أوهام وعادات . # والشقاء المنفي في قوله { ولا يشقى هو شقاء الآخرة لأنه إذا سلم من ~~الضلال في الدنيا سلم من الشقاء في الآخرة . # ويدل لهذا مقابلة ضده في قوله ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره ~~يوم القيامة أعمى } ، إذ رتب على الإعراض عن هدي الله اختلال حاله في ~~الدنيا والآخرة ، فالمعيشة مراد بها مدة المعيشة ، أي مدة الحياة . # والضنك : مصدر ضنك ، من باب كرم ضناكة وضنكا ، ولكونه مصدرا لم يتغير ~~لفظه باختلاف موصوفه ، فوصف به هنا { معيشة وهي مؤنث . والضنك : الضيق ، ~~يقال : مكان ضنك ، أي ضيق . ويستعمل مجازا في عسر الأمور في الحياة ، قال ~~عنترة : # إن يلحقوا أكرر وإن يستلحموا # أشدد وإن نزلوا بضنك أنزل # أي بمنزل ضنك ، أي فيه عسر على نازله . وهو هنا بمعنى عسر الحال من ~~اضطراب البال وتبلبله . والمعنى : أن مجامع همه ومطامح نظره تكون إلى ~~التحيل في إيجاد الأسباب والوسائل لمطالبه ، فهو متهالك على الازدياد خائف ~~على الانتقاص غير ملتفت إلى الكمالات ولا مأنوس بما يسعى إليه من الفضائل ، ~~يجعله الله في تلك الحالة وهو لا يشعر ، وبعضهم يبدو للناس في حالة حسنة ~~ورفاهية عيش ولكن نفسه غير مطمئنة . PageV16P331 # وجعل الله عقابه يوم الحشر أن يكون أعمى تمثيلا لحالته الحسية يومئذ ~~بحالته المعنوية في الدنيا ، وهي حالة عدم النظر في وسائل الهدى والنجاة . ~~وذلك العمى عنوان على غضب الله عليه وإقصائه عن رحمته ، فأعمى الأول مجاز ~~وأعمى الثاني حقيقة . # وجملة قال رب لم حشرتني أعمى } مستأنفة استئنافا ابتدائيا . # وجملة { قال كذلك أتتك } الخ واقعة في طريق المحاورة فلذلك فصلت ولم تعطف ~~. # وفي هذه الآية ms5206 دليل على أن الله أبلغ الإنسان من يوم نشأته التحذير من ~~الضلال والشرك ، فكان ذلك مستقرا في الفطرة حتى قال كثير من علماء الإسلام ~~: بأن الإشراك بالله من الأمم التي يكون في الفتر بين الشرائع مستحق صاحبه ~~العقاب ، وقال جماعة من أهل السنة والمعتزلة قاطبة : إن معرفة الله واجبة ~~بالعقل ، ولا شك أن المقصود من ذكرها في القرآن تنبيه المخاطبين بالقرآن ~~إلى الحذر من الإعراض عن ذكر الله ، وإنذار لهم بعاقبة مثل حالهم . # والإشارة في { كذلك أتتك آياتنا } راجعة إلى العمى المضمن في قوله { لم ~~حشرتني أعمى } ، أي مثل ذلك الحال التي تساءلت عن سببها كنت نسيت آياتنا ~~حين أتتك ، وكنت تعرض عن النظر في الآيات حين تدعى إليه فكذلك الحال كان ~~عقابك عليه جزاء وفاقا . # وقد ظهر من نظم الآية أن فيها ثلاثة احتباكات ، وأن تقدير الأول : ونحشره ~~يوم القيامة أعمى وننساه ، أي نقصيه من رحمتنا . وتقدير الثاني والثالث : ~~قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وعميت عنها فكذلك اليوم تنسى وتحشر أعمى . ~~PageV16P332 # والنسيان في الموضعين مستعمل كناية أو استعارة في الحرمان من حظوظ الرحمة ~~. # وجملة { وكذلك نجزي من أسرف } الخ تذييل ، يجوز أن تكون من حكاية ما ~~يخاطب الله به من يحشر يوم القيامة أعمى قصد منها التوبيخ له والتنكيل ، ~~فالواو عاطفة الجملة على التي قبلها . ويجوز أن تكون تذييلا للقصة وليست من ~~الخطاب المخاطب به من يحشر يوم القيامة أعمى قصد منها موعظة السامعين ~~ليحذروا من أن يصيروا إلى مثل ذلك المصير . فالواو اعتراضية لأن التذييل ~~اعتراض في آخر الكلام ، والواو الاعتراضية راجعة إلى الواو العاطفة إلا ~~أنها عاطفة مجموع كلام على مجموع كلام آخر لا على بعض الكلام المعطوف عليه ~~. # والمعنى : ومثل ذلك الجزاء نجزي من أسرف ، أي كفر ولم يؤمن بآيات ربه . # فالإسراف : الإعتقاد الضال وعدم الإيمان بالآيات ومكابرتها وتكذيبهما . # والمشار إليه بقوله { وكذلك } هو مضمون قوله { فإن له معيشة ضنكا } ، أي ~~وكذلك نجزي في الدنيا الذين أسرفوا ولم يؤمنوا بالآيات . # وأعقبه بقوله { ولعذاب الآخرة أشد وأبقى ms5207 } ، وهذا يجوز أن يكون تذييلا ~~للقصة وليس من حكاية خطاب الله للذي حشره يوم القيامة أعمى . فالمراد بعذاب ~~الآخرة مقابل عذاب الدنيا المفاد من قوله { فإن له معيشة ضنكا } الآية ، ~~والواو اعتراضية . ويجوز أن تكون الجملة من حكاية خطاب الله للذي يحشره ~~أعمى ، فالمراد بعذاب الآخرة العذاب الذي وقع فيه المخاطب ، أي أشد من عذاب ~~الدنيا وأبقى منه لأنه أطول مدة . # PageV16P333 # | 2 ( 128 ) { أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون فى مساكنهم ~~إن فى ذلك لأيات لاولى النهى } ) 2 # تفريع على الوعيد المتقدم في قوله تعالى : { وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن ~~بآيات ربه } ( طه : 127 ) . جعل الاستفهام الإنكاري التعجيبي مفرعا على ~~الإخبار بالجزاء بالمعيشة الضنك لمن أعرض عن توحيد الله لأنه سبب عليه لا ~~محالة ، تعجيبا من حال غفلة المخاطبين المشركين عما حل بالأمم المماثلة لهم ~~في الإشراك والإعراض عن كتب الله وآيات الرسل . # فضمائر جمع الغائبين عائدة إلى معروف من مقام التعريض بالتحذير والإنذار ~~بقرينة قوله { يمشون في مساكنهم } ، فإنه لا يصلح إلا أن يكون حالا لقوم ~~أحياء يومئذ . # والهداية هنا مستعارة للإرشاد إلى الأمور العقلية بتنزيل العقلي منزلة ~~الحسي ، فيؤول معناها إلى معنى التبيين ، ولذلك عدي فعلها باللام ، كما في ~~قوله تعالى : { أو لم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها في سورة الأعراف ~~( 100 ) . # وجملة كم أهلكنا قبلهم من القرون } معلقة فعل { يهد عن العمل في المفعول ~~لوجود اسم الاستفهام بعدها ، أي ألم يرشدهم إلى جواب كم أهلكنا قبلهم } أي ~~كثرة إهلاكنا القرون . وفاعل { يهد ضمير دل عليه السياق وهو ضمير الجلالة ، ~~والمعنى : أفلم يهد الله لهم جواب كم أهلكنا } . ويجوز أن يكون الفاعل ~~مضمون جملة { كم أهلكنا } . والمعنى : أفلم يبين لهم هذا السؤال ، على أن ~~مفعول { يهد محذوف تنزيلا للفعل منزلة اللازم ، أي يحصل لهم التبيين . # وجملة يمشون في مساكنهم } حال من الضمير المجرور باللام ، لأن عدم ~~التبيين في تلك الحالة أشد غرابة وأحرى بالتعجيب . PageV16P334 # والمراد بالقرون : عاد وثمود . فقد كان العرب يمرون ms5208 بمساكن عاد في ~~رحلاتهم إلى اليمن ونجران وما جاورها ، وبمساكن ثمود في رحلاتهم إلى الشام ~~. وقد مر النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون بديار ثمود في مسيرهم إلى ~~تبوك . # وجملة { إن في ذلك لآيات لأولي النهى } في موضع التعليل للإنكار والتعجيب ~~من حال غفلتهم عن هلاك تلك القرون . فحرف التأكيد للاهتمام بالخبر وللإيذان ~~بالتعليل . # والنهى بضم النون والقصر جمع نهية بضم النون وسكون الهاء : اسم العقل . ~~وقد يستعمل النهى مفردا بمعنى العقل . وفي هذا تعريض بالذين لم يهتدوا بتلك ~~الآيات بأنهم عديمو العقول ، كقوله { إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا } ~~( الفرقان : 44 ) . # # | 2 ( 129 130 ) { ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى * فاصبر ~~على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن ءانآء اليل ~~فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى } ) 2 # جملة { ولولا كلمة } عطف على جملة { أفلم يهد لهم } ( طه : 128 ) باعتبار ~~ما فيها من التحذير والتهديد والعبرة بالقرون الماضية ، وبأنهم جديرون بأن ~~يحل بهم مثل ما حل بأولئك . فلما كانوا قد غرتهم أنفسهم بتكذيب الوعيد لما ~~رأوا من تأخر نزول العذاب بهم فكانوا يقولون { متى هذا الوعد إن كنتم ~~صادقين } ( سبأ : 29 ) عقب وعيدهم بالتنبيه على ما يزيل غرورهم بأن سبب ~~التأخير كلمة سبقت من الله بذلك لحكم يعلمها . وهذا في معنى قوله ~~PageV16P335 { ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين قل لكم ميعاد يوم لا ~~تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون } ( سبأ : 29 ، 30 ) . # والكلمة : مستعملة هنا فيما شأنه أن تدل عليه الكلمات اللفظية من المعاني ~~، وهو المسمى عند الأشاعرة بالكلام النفسي الراجع إلى علم الله تعالى بما ~~سيبرزه للناس من أمر التكوين أو أمر التشريع ، أو الوعظ . وتقدم قوله تعالى ~~: { ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم في سورة هود ( 110 ) . # فالكلمة هنا مراد بها : ما علمه الله من تأجيل حلول العذاب بهم ، فالله ~~تعالى بحكمته أنظر قريشا فلم يعجل لهم العذاب لأنه أراد أن ينشر الإسلام ~~بمن يؤمن منهم وبذرياتهم . وفي ms5209 ذلك كرامة للنبيء محمد بتيسير أسباب بقاء ~~شرعه وانتشاره لأنه الشريعة الخاتمة . وخص الله منهم بعذاب السيف والأسر من ~~كانوا أشداء في التكذيب والإعراض حكمة منه تعالى ، كما قال : وما كان الله ~~ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون وما لهم ألا يعذبهم ~~الله وهم يصدون عن المسجد الحرام } ( الأنفال : 33 34 ) . # واللزام بكسر اللام : مصدر لازم : كالخصام ، استعمل مصدرا لفعل لزم ~~الثاني لقصد المبالغة في قوة المعنى كأنه حاصل من عدة ناس . ويجوز أن يكون ~~وزن فعال بمعنى فاعل ، مثل لزاز في قول لبيد : # منا لزاز كريهة جذامها # وسداد في قول العرجي : # أضاعوني وأي فتى أضاعوا # ليوم كريهة وسداد ثغر # أي : لكان الإهلاك الشديد لازما لهم . PageV16P336 # فانتصب { لزاما على أنه خبر ( كان ) ، واسمها ضمير راجع إلى الإهلاك ~~المستفاد من كم أهلكنا } ( 128 ) ، أي لكان الإهلاك الذي أهلك مثله من ~~قبلهم من القرون ، وهو الاستيصال ، لازما لهم . # { وأجل مسمى } عطف على { كلمة } والتقدير : ولولا كلمة وأجل مسمى يقع ~~عنده الهلاك لكان إهلاكهم لزاما . والمراد بالأجل : ما سيكشف لهم من حلول ~~العذاب : إما في الدنيا بأن حل برجال منهم وهو عذاب البطشة الكبرى يوم بدر ~~؛ وإما في الآخرة وهو ما سيحل بمن ماتوا كفارا منهم . وفي معناه قوله تعالى ~~: { قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاما } ( الفرقان ~~: 77 ) . # ويظهر أنه شاع في عصر الصحابة تأويل اسم اللزام أنه عذاب توعد الله به ~~مشركي قريش . وقيل : هو عذاب يوم بدر . ففي ( صحيح البخاري ) عن ابن مسعود ~~قال : ( خمس قد مضين : الدخان ، والقمر ، والروم ، والبطشة ، واللزام { ~~فسوف يكون لزاما . يريد بذلك إبطال أن يكون اللزام مترقبا في آخر الدنيا . ~~وليس في القرآن ما يحوج إلى تأويل اللزام بهذا كما علمت . # وفرع على ذلك أمر رسول الله بالصبر على ما يقولون من التكذيب وبالوعيد ~~لتأخير نزوله بهم . والمعنى : فلا تستعجل لهم العذاب واصبر على تكذيبهم ~~ونحوه الشامل له الموصول في قوله ما يقولون } . # وأمره بأن يقبل على ms5210 مزاولة تزكية نفسه وتزكية أهله بالصلاة ، والإعراض ~~عما متع الله الكفار برفاهية العيش ، ووعده بأن العاقبة للمتقين . # فالتسبيح هنا مستعمل في الصلاة لاشتمالها على تسبيح الله وتنزيهه . # والباء في قوله { بحمد ربك } للملابسة ، وهي ملابسة الفاعل لفعله ، أي ~~سبح حامدا ربك ، فموقع المجرور موقع الحال . PageV16P337 # والأوقات المذكورة هي أوقات الصلوات ، وهي وقت الصبح قبل طلوع الشمس ، ~~ووقتان قبل غروبها وهما الظهر والعصر ، وقيل المراد صلاة العصر . وأما ~~الظهر فهي قوله : { وأطراف النهار } كما سيأتي . # و { من } في قوله { من آناء الليل } ابتدائية متعلقة بفعل ( فسبح ) . ~~وذلك وقتا المغرب والعشاء . وهذا كله من المجمل الذي بينته السنة المتواترة ~~. # وأدخلت الفاء على { فسبح } لأنه لما قدم عليه الجار والمجرور للاهتمام ~~شابه تقديم أسماء الشرط المفيدة معنى الزمان ، فعومل الفعل معاملة جواب ~~الشرط كقوله صلى الله عليه وسلم ( ففيهما فجاهد ) ، أي الأبوين ، وقوله ~~تعالى : { ومن الليل فتهجد به نافلة لك وقد تقدم في سورة الإسراء ( 79 ) . # ووجه الاهتمام بآناء الليل أن الليل وقت تميل فيه النفوس إلى الدعة فيخشى ~~أن تتساهل في أداء الصلاة فيه . # وآناء الليل : ساعاته . وهو جمع إني بكسر الهمزة وسكون النون وياء في ~~آخره . ويقال : إنو بواو في آخره . ويقال : إنى بألف في آخره مقصورا ويقال ~~: أناء بفتح الهمزة في أوله وبمد في آخره وجمع ذلك على آناء بوزن أفعال . # وقوله وأطراف النهار } بالنصب عطف على قوله { قبل طلوع الشمس } ، وطرف ~~الشيء منتهاه . قيل : المراد أول النهار وآخره ، وهما وقتا الصبح والمغرب ، ~~فيكون من عطف البعض على الكل للاهتمام بالبعض ، كقوله { حافظوا على الصلوات ~~والصلاة الوسطى } ( البقرة : 238 ) . وقيل : المراد طرف سير الشمس في قوس ~~الأفق ، وهو بلوغ سيرها وسط الأفق المعبر عنه بالزوال ، وهما طرفان طرف ~~النهاية وطرف الزوال ، وهو PageV16P338 انتهاء النصف الأول وابتداء النصف ~~الثاني من القوس ، كما قال تعالى : { وأقم الصلاة طرفي النهار } ( هود : ~~114 ) . وعلى هذا التفسير يتجه أن يكون ذكر الطرفين معا لوقت صلاة واحدة أن ~~وقتها ما بين الخروج من أحد الطرفين والدخول ms5211 في الطرف الآخر وتلك حصة دقيقة ~~. # وعلى التفسيرين فللنهار طرفان لا أطراف ، كما قال تعالى : { وأقم الصلاة ~~طرفي النهار فالجمع في قوله وأطراف النهار } من إطلاق اسم الجمع على المثنى ~~، وهو متسع فيه في العربية عند أمن اللبس ، كقوله تعالى : { فقد صغت ~~قلوبكما } ( التحريم : 4 ) . # والذي حسنه هنا مشاكلة الجمع للجمع في قوله { ومن آناء الليل فسبح } . # وقرأ الجمهور { لعلك ترضى بفتح التاء بصيغة البناء للفاعل ، أي رجاء لك ~~أن تنال من الثواب عند الله ما ترضى به نفسك . # ويجوز أن يكون المعنى : لعل في ذلك المقدار الواجب من الصلوات ما ترضى به ~~نفسك دون زيادة في الواجب رفقا بك وبأمتك . ويبينه قوله : وجعلت قرة عيني ~~في الصلاة . # وقرأ الكسائي ، وأبو بكر عن عاصم ترضى بضم التاء أي يرضيك ربك ، وهو ~~محتمل للمعنيين . # # | 2 ( 131 ) ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحيواة ~~الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى } . ) 2 # أعقب أمره بالصبر على ما يقولونه بنهيه عن الإعجاب بما ينعم به من تنعم ~~من المشركين بأموال وبنين في حين كفرهم بالله بأن PageV16P339 ذلك لحكم ~~يعلمها الله تعالى ، منها إقامة الحجة عليهم ، كما قال تعالى : { أيحسبون ~~أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون } ( ~~المؤمنون : 55 ، 56 ) . # وذكر الأزواج هنا لدلالته على العائلات والبيوت ، أي إلى ما متعناهم ~~وأزواجهم به من المتع ؛ فكل زوج ممتع بمتعة في زوجه مما يحسن في نظر كل من ~~محاسن قرينه وما يقارن ذلك من محاسن مشتركة بين الزوجين كالبنين والرياش ~~والمنازل والخدم . # ومد العينين : مستعمل في إطالة النظر للتعجيب لا للإعجاب ، شبه ذلك بمد ~~اليد لتناول شيء مشتهى . وقد تقدم نظيره في آخر سورة الحجر . # والزهرة بفتح الزاي وسكون الهاء : واحدة الزهر ، وهو نور الشجر والنباتت ~~. وتستعار للزينة المعجبة المبهتة ، لأن منظر الزهرة يزين النبات ويعجب ~~الناظر ، فزهرة الحياة : زينة الحياة ، أي زينة أمور الحياة من اللباس ~~والأنعام والجنان والنساء والبنين ، كقوله تعالى : { فمتاع الحياة ms5212 الدنيا ~~وزينتها } ( القصص : 60 ) . # وانتصب { زهرة الحياة الدنيا } على الحال من اسم الموصول في قوله { ما ~~متعنا به أزواجا منهم . # وقرأ الجمهور زهرة بسكون الهاء . وقرأه يعقوب بفتح الهاء وهي لغة . # لنفتنهم } متعلق ب { متعنا } . و ( في ) للظرفية المجازية ، أي ليحصل ~~فتنتهم في خلاله ، ففي كل صنف من ذلك المتاع فتنة مناسبة له . واللام للعلة ~~المجازية التي هي عاقبة الشيء ، مثل قوله تعالى : { فالتقطه آل فرعون ليكون ~~لهم عدوا وحزنا } ( القصص : 68 ) . PageV16P340 # وإنما متعهم الله بزهرة الدنيا لأسباب كثيرة متسلسلة عن نظم الاجتماع ~~فكانت لهم فتنة في دينهم ، فجعل الحاصل بمنزلة الباعث . # والفتنة : اضطراب النفس وتبلبل البال من خوف أو توقع أو التواء الأمور ، ~~وكانوا لا يخلون من ذلك ، فلشركهم يقذف الله في قلوبهم الغم والتوقع ، ~~وفتنتهم في الآخرة ظاهرة . فالظرفية هنا كالتي في قول سبرة بن عمرو الفقعسي ~~: # نحابي بها أكفاءنا ونهينها # ونشرب في أثمانها ونقامر # وقوله تعالى : { وارزقوهم فيها واكسوهم في سورة النساء ( 5 ) . # وجملة ورزق ربك خير وأبقى } تذييل ، لأن قوله { ولا تمدن عينيك } إلى ~~آخره يفيد أن ما يبدو للناظر من حسن شارتهم مشوب ومبطن بفتنة في النفس ~~وشقاء في العيش وعقاب عليه في الآخرة ، فذيل بأن الرزق الميسر من الله ~~للمؤمنين خير من ذلك وأبقى في الدنيا ومنفعته باقية في الآخرة لما يقارنه ~~في الدنيا من الشكر . # فإضافة { رزق ربك } إضافة تشريف ، وإلا فإن الرزق كله من الله ، ولكن رزق ~~الكافرين لما خالطه وحف به حال أصحابه من غضب الله عليهم ، ولما فيه من ~~التبعة على أصحابه في الدنيا والآخرة لكفرانهم النعمة جعل كالمنكور انتسابه ~~إلى الله ، وجعل رزق الله هو السالم من ملابسة الكفران ومن تبعات ذلك . # و { خير } تفضيل ، والخيرية حقيقة اعتبارية تختلف باختلاف نواحيها . ~~فمنها : خير لصاحبه في العاجل شر عليه في الآجل ، ومنها خير مشوب بشرور ~~وفتن ، وخير صاف من ذلك ، ومنها ملائم ملاءمة قوية ، وخير ملائم ملاءمة ~~ضعيفة ، فالتفضيل باعتبار توفر السلامة من العواقب PageV16P341 السيئة ~~والفتن كالمقرون بالقناعة ، فتفضيل الخيرية ms5213 جاء مجملا يظهر بالتدبر . # { وأبقى } تفضيل على ما متع به الكافرون لأن في رزق الكافرين بقاء ، وهو ~~أيضا يظهر بقاؤه بالتدبر فيما يحف به وعواقبه . # # | 2 ( 132 ) { وأمر أهلك بالصلواة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك ~~والعاقبة للتقوى } . ) 2 # ذكر الأهل هنا مقابل لذكر الأزواج في قوله { إلى ما متعنا به أزواجا منهم ~~} ( طه : 131 ) فإن من أهل الرجل أزواجه ، أي متعتك ومتعة أهلك الصلاة فلا ~~تلفتوا إلى زخارف الدنيا . وأهل الرجل يكونون أمثل من ينتمون إليه . # ومن آثار العمل بهذه الآية في السنة ما في ( صحيح البخاري ) : أن فاطمة ~~رضي الله عنها بلغها أن سبيا جيء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأتت ~~تشتكي إليه ما تلقى من الرحى تسأله خادما من السبي فلم تجده . فأخبرت عائشة ~~بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءها النبي صلى الله عليه وسلم وقد ~~أخذت وعلي مضجعهما فجلس في جانب الفراش وقال لها ولعلي : ألا أخبركما بخير ~~لكما مما سألتما تسبحان وتحمدان وتكبران دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين فذلك ~~خير لكما من خادم ) . # وأمر الله رسوله بما هو أعظم مما يأمر به أهله وهو أن يصطبر على الصلاة . ~~والاصطبار : الانحباس ، مطاوع صبره ، إذا حبسه ، وهو مستعمل مجازا في ~~إكثاره من الصلاة في النوافل . قال تعالى : { يا أيها PageV16P342 المزمل ~~قم الليل إلا قليلا } ( المزمل : 1 ) الآيات ، وقال { ومن الليل فتهجد به ~~نافلة لك } ( الإسراء : 79 ) . # وجملة { لا نسألك رزقا } معترضة بين التي قبلها وبين جملة { نحن نرزقك } ~~جعلت تمهيدا لهاته الأخيرة . # والسؤال : الطلب التكليفي ، أي ما كلفناك إلا بالعبادة ، لأن العبادة شكر ~~لله على ما تفضل به على الخلق ولا يطلب الله منهم جزاء آخر . وهذا إبطال ~~لما تعوده الناس من دفع الجبايات والخراج للملوك وقادة القبائل والجيوش . ~~وفي هذا المعنى قوله تعالى : { وما خلفت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد ~~منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين } ( ~~الذاريات : 56 58 ) ، فجملة { نحن نرزقك ms5214 } مبينة لجملة { ورزق ربك خير ~~وأبقى } ( طه : 131 ) . والمعنى : أن رزق ربك خير وهو مسوق إليك . # والمقصود من هذا الخطاب ابتداء هو النبي صلى الله عليه وسلم ويشمل أهله ~~والمؤمنين لأن المعلل به هذه الجملة مشترك في حكمه جميع المسلمين . # وجملة { والعاقبة للتقوى } عطف على جملة { لا نسألك رزقا } المعلل بها ~~أمره بالاصطبار للصلاة ، أي إنا سألناك التقوى والعاقبة . # وحقيقة العاقبة : أنها كل ما يعقب أمرا ويقع في آخره من خير وشر ، إلا ~~أنها غلب استعمالها في أمور الخير . فالمعنى : أن التقوى تجيء في نهايتها ~~عواقب خير . # واللام للملك تحقيقا لإرادة الخير من العاقبة لأن شأن لام الملك أن تدل ~~على نوال الأمر المرغوب ، وإنما يطرد ذلك في عاقبة خير الآخرة . وقد تكون ~~العاقبة في خير الدنيا أيضا للتقوى . PageV16P343 # وهذه الجملة تذييل لما فيها من معنى العموم ، أي لا تكون العاقبة إلا ~~للتقوى . فهذه الجملة أرسلت مجرى المثل . # # | 2 ( 133 ) { وقالوا لولا يأتينا بئاية من ربه أولم تأتهم بينة ما فى ~~الصحف الاولى } ) 2 # رجوع إلى التنويه بشأن القرآن ، وبأنه أعظم المعجزات . وهو الغرض الذي ~~انتقل منه إلى أغراض مناسبة من قوله { وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا ~~فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا } ( طه : 113 ) . # والمناسبة في الانتقال هو ما تضمنه قوله { فاصبر على ما يقولون } ( طه : ~~130 ) فجيء هنا بشنع من أقوالهم التي أمر الله رسوله بأن يصبر عليها في ~~قوله { فاصبر على ما يقولون . فمن أقوالهم التي يقصدون منها التعنت ~~والمكابرة أن قالوا : لولا يأتينا بآية من عند ربه فنؤمن برسالته ، كما قال ~~تعالى : فليأتنا بآية كما أرسل الأولون } ( الأنبياء : 5 ) . # ولولا حرف تحضيض . وجملة { أو لم تأتهم بينة ما في الصحفف الأولى } في ~~موضع الحال ، والواو للحال ، أي قالوا ذلك في حال أنهم أتتهم بينة ما في ~~الصحف الأولى . فالاستفهام إنكاري ، أنكر به نفي إتيان آية لهم الذي اقتضاه ~~تحضيضهم على الإتيان بآية . # والبينة : الحجة . # و { الصحف الأولى : كتب الأنبياء السابقين ، كقوله تعالى : إن ms5215 هذا لفي ~~الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى } ( الأعلى : 18 19 ) . PageV16P344 # والصحف : جمع صحيفة . وهي قطعة من ورق أو كاغد أو خرقة يكتب فيها . ولما ~~كان الكتاب مجموع صحف أطلق الصحف على الكتب . # ووجه اختيار { الصحف هنا على الكتب أن في كل صحيفة من الكتب علما ، وأن ~~جميعه حواه القرآن ، فكان كل جزء من القرآن آية ودليلا . # وهذه البينة هي محمد وكتابه القرآن ، لأن الرسول موعود به في الكتب ~~السالفة ، ولأن في القرآن تصديقا لما في تلك الكتب من أخبار الأنبياء ومن ~~المواعظ وأصول التشريع . وقد جاء به رسول أمي ليس من أهل الكتاب ولا نشأ في ~~قوم أهل علم ومزاولة للتاريخ مع مجيئه بما هو أوضح من فلق الصبح من أخبارهم ~~التي لم يستطع أهل الكتاب إنكارها ، قال تعالى : الذين آتيناهم الكتاب ~~يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون } ( ~~البقرة : 146 ) ، وكانوا لا يحققون كثيرا منها بما طرأ عليهم من التفرق ~~وتلاشي أصول كتبهم وإعادة كتابة كثير منها بالمعنى على حسب تأويلات سقيمة . # وأما القرآن فما حواه من دلائل الصدق والرشاد ، وما امتاز به عن سائر ~~الكتب من البلاغة والفصاحة البالغتين حد الإعجاز ، وهو ما قامت به الحجة ~~على العرب مباشرة وعلى غيرهم استدلالا . وهذا مثل قوله تعالى : { لم يكن ~~الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة رسول من ~~الله يتلو صحفا مطهرة } ( البينة : 1 2 ) . # وقرأ نافع ، وحفص ، وابن جماز عن أبي جعفر { تأتهم بتاء المضارع للمؤنث . ~~وقرأه الباقون بتحتية المذكر لأن تأنيث بينة غير حقيقي ، وأصل الإسناد ~~التذكير لأن التذكير ليس علامة ولكنه الأصل في الكلام . # PageV16P345 $ 2 ( 134 ) ولو أنآ أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا ~~لولا & # 1764 أرسلت إلينا رسولا فنتبع ءاياتك من قبل أن نذل ونخزى } ) 2 $ # الذي يظهر أن جملة { ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله } معطوفة على جملة { ~~أو لم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى } ( طه : 133 ) ، وأن المعنى على ~~الارتقاء في الاستدلال عليهم بأنهم ضالون ms5216 حين أخروا الإيمان بما جاء به ~~محمد صلى الله عليه وسلم وجعلوه متوقفا على أن يأتيهم بآية من ربه ، لأن ما ~~هم متلبسون به من الإشراك بالله ضلال بين قد حجبت عن إدراك فساده العادات ~~واشتغال البال بشؤون دين الشرك ، فالإشراك وحده كاف في استحقاقهم العذاب ~~ولكن الله رحمهم فلم يؤاخذهم به إلا بعد أن أرسل إليهم رسولا يوقظ عقولهم . ~~فمجيء الرسول بذلك كاف في استدلال العقول على فساد ما هم فيه ، فكيف يسألون ~~بعد ذلك إتيان الرسول لهم بآية على صدقه فيما دعاهم إليه من نبذ الشرك لو ~~سلم لهم جدلا أن ما جاءهم من البينة ليس هو بآية ، فقد بطل عذرهم من أصله ، ~~وهو قولهم { ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك } . وهذا كقوله تعالى ~~: { وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون أن تقولوا إنما ~~أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين أو تقولوا لو ~~أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة } ~~( الأنعام : 156 ) . فالضمير في قوله { من قبله } عائد إلى القرآن الذي ~~الكلام عليه ، أو على الرسول باعتبار وصفه بأنه بينة ، أو على إتيان البينة ~~المأخوذ من { أو لم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى } ( طه : 133 ) . # وفي هذه الآية دليل على أن الإيمان بوحدانية خالق الخلق يقتضيه العقل ~~لولا حجب الضلالات والهوى ، وأن مجيء الرسل لإيقاظ PageV16P346 العقول ~~والفطر ، وأن الله لا يؤاخذ أهل الفترة على الإشراك حتى يبعث إليهم رسولا ، ~~وأن قريشا كانوا أهل فترة قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم # ومعنى { لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا } : أنهم يقولون ذلك يوم ~~الحساب بعد أن أهلكهم الله الإهلاك المفروض ، لأن الإهلاك بعذاب الدنيا ~~يقتضي أنهم معذبون في الآخرة . # و ( لولا ) حرف تحضيض ، مستعمل في اللوم أو الاحتجاج لأنه قد فات وقت ~~الإرسال ، فالتقدير : هلا كنت أرسلت إلينا رسولا وانتصب { فنتبع } على جواب ~~التحضيض باعتبار تقدير حصوله فيما مضى . # والذل : الهوان . والخزي : الافتضاح ، أي ms5217 الذل بالعذاب . والخزي في حشرهم ~~مع الجناة كما قال إبراهيم عليه السلام { ولا تخزني يوم يبعثون } ( الشعراء ~~: 87 ) . # # | 2 ( 135 ) { قل كل متربص فتربصوا فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن ~~اهتدى } ) 2 # جواب عن قولهم { لولا يأتينا بآية من ربه } ( طه : 133 ) وما بينهما ~~اعتراض . والمعنى : كل فريق متربص فأنتم تتربصون بالإيمان ، أي تؤخرون ~~الإيمان إلى أن تأتيكم آية من ربي ، ونحن نتربص أن يأتيكم عذاب الدنيا أو ~~عذاب الآخرة ، وتفرع عليه جملة { فتربصوا . ومادة الفعل المأمور به مستعملة ~~في الدوام بالقرينة ، نحو يأيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله } ( النساء ~~: 136 ) ، أي فداوموا على تربصكم . PageV16P347 # وصيغة الأمر فيه مستعملة في الإنذار ، ويسمى المتاركة ، أي نترككم ~~وتربصكم لأنا مؤمنون بسوء مصيركم . وفي معناه قوله تعالى : { فأعرض عنهم ~~وانتظر إنهم منتظرون } ( السجدة : 30 ) . وفي ما يقرب من هذا جاء قوله { قل ~~هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من ~~عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون } ( التوبة : 52 ) . # وتنوين { كل تنوين عوض عن المضاف إليه المفهوم من المقام ، كقول الفضل بن ~~عباس اللهبي : # كل له نية في بغض صاحبه # بنعمة الله نقليكم وتقلونا # والتربص : الانتظار . تفعل من الربص ، وهو انتظار حصول حدث من خير أو شر ~~، وقد تقدم في سورة براءة . # وفرع على المتاركة إعلامهم بأنهم يعلمون في المستقبل من من الفريقين ~~أصحاب الصراط المستقيم ومن هم المهتدون . وهذا تعريض بأن المؤمنين هم أصحاب ~~الصراط المستقيم المهتدون ، لأن مثل هذا الكلام لا يقوله في مقام المحاجة ~~والمتاركة إلا الموقن بأنه المحق . وفعل ( تعلمون ) معلق عن العمل لوجود ~~الاستفهام . # والصراط : الطريق . وهو مستعار هنا للدين والاعتقاد ، كقوله اهدنا الصراط ~~المستقيم } ( الفاتحة : 6 ) . # والسوي : فعيل بمعنى مفعول ، أي الصراط المسوى ، وهو مشتق من التسوية . # والمعنى : يحتمل أنهم يعلمون ذلك في الدنيا عند انتشار الإسلام وانتصار ~~المسلمين ، فيكون الذين يعلمون ذلك من يبقى من الكفار المخاطبين حين نزول ~~الآية سواء ممن لم يسلموا مثل أبي جهل ، PageV16P348 وصناديد المشركين ~~الذين ms5218 شاهدوا نصر الدين يوم بدر ، أو من أسلموا مثل أبي سفيان ، وخالد بن ~~الوليد . ومن شاهدوا عزة الإسلام . ويحتمل أنهم يعلمون ذلك في الآخرة علم ~~اليقين . # وقد جاءت خاتمة هذه السورة كأبلغ خواتم الكلام لإيذانها بانتهاء المحاجة ~~وانطواء بساط المقارعة . # ومن محاسنها : أن فيها شبيه رد العجز على الصدر لأنها تنظر إلى فاتحة ~~السورة . وهي قوله { ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى إلا تذكرة لمن يخشى } ( ~~طه : 2 ) ، لأن الخاتمة تدل على أنه قد بلغ كل ما بعث به من الإرشاد ~~والاستدلال ، فإذا لم يهتدوا به فكفاه انثلاج صدره أنه أدى الرسالة ~~والتذكرة فلم يكونوا من أهل الخشية فتركهم وضلالهم حتى يتبين لهم أنه الحق ~~. # PageV16P349 # | 1 ( سورة الأنبياء ) 1 # سماها السلف ( سورة الأنبياء ) ، ففي ( صحيح البخاري ) عن عبد الله بن ~~مسعود قال : ( بنو إسرائيل ، والكهف ، ومريم ، وطه ، والأنبياء ، هن من ~~العتاق الأول وهن من تلادي ) . ولا يعرف لها اسم غير هذا . # ووجه تسميتها سورة الأنبياء أنها ذكر فيها أسماء ستة عشر نبيئا ومريم ولم ~~يأت في سور القرآن مثل هذا العدد من أسماء الأنبياء في سورة من سور القرآن ~~عدا ما في سورة الأنعام . فقد ذكر فيها أسماء ثمانية عشر نبيئا في قوله ~~تعالى : { وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه إلى قوله : ويونس ولوطا } ( ~~الأنعام : 83 86 ) فإن كانت سورة الأنبياء هذه نزلت قبل سورة الأنعام فقد ~~سبقت بالتسمية بالإضافة إلى الأنبياء ؛ وإلا فاختصاص سورة الأنعام بذكر ~~أحكام الأنعام أوجب تسميتها بذلك الاسم فكانت سورة الأنبياء أجدر من بقية ~~سور القرآن بهذه التسمية ، على أن من الحقائق المسلمة أن وجه التسمية لا ~~يوجبها . # وهي مكية بالاتفاق . وحكى ابن عطية والقرطبي ، الإجماع على ذلك ونقل ~~السيوطي في ( الإتقان ) استثناء قوله تعالى : { أفلا يرون أنا نأتي ~~PageV17P005 الأرض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون } ( الأنبياء : 44 ) ، ~~ولم يعزه إلى قائل . ولعله أخذه من رواية عن مقاتل والكلبي عن ابن عباس أن ~~المعنى ننقصها بفتح البلدان ، أي بناء على أن المراد من الرؤية في الآية ~~الرؤية ms5219 البصرية ، وأن المراد من الأرض أرض الحجاز ، وأن المراد من النقص ~~نقص سلطان الشرك منها . وكل ذلك ليس بالمتعين ولا بالراجح . وسيأتي بيانه ~~في موضعه . وقد تقدم بيانه في نظيرها من سورة الرعد التي هي أيضا مكية ~~فالأرجح أن سورة الأنبياء مكية كلها . # وهي السورة الحادية والسبعون في ترتيب النزول نزلت بعد حم السجدة وقبل ~~سورة النحل ، فتكون من أواخر السور النازلة قبل الهجرة . ولعلها نزلت بعد ~~إسلام من أسلم من أهل المدينة كما يقتضيه قوله تعالى : { وأسروا النجوى ~~الذين ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون } ( الأنبياء ~~: 3 ) ، كما سيأتي بيانه ، غير أن ما رواه ابن إسحق عن ابن عباس أن قوله ~~تعالى في سورة الزخرف ( 57 ) { ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون ~~} ، أن المراد بضرب المثل هو المثل الذي ضربه ابن الزبعرى لما نزل قوله ~~تعالى : { إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم } ( الأنبياء : 98 ) كما ~~يأتي يقتضي أن سورة الأنبياء نزلت قبل سورة الزخرف . وقد عدت الزخرف ثانية ~~وستين في النزول . # وعدد آيها في عد أهل المدينة ومكة والشام والبصرة مائة وإحدى عشرة وفي عد ~~أهل الكوفة مائة واثنتا عشرة . # أغراض السورة : # والأغراض التي ذكرت في هذه السورة هي : # الإنذار بالبعث ، وتحقيق وقوعه وإنه لتحقق وقوعه كان قريبا . # وإقامة الحجة عليه بخلق السماوات والأرض عن عدم وخلق الموجودات من الماء ~~. PageV17P006 # والتحذير من التكذيب بكتاب الله تعالى ورسوله . # والتذكير بأن هذا الرسول صلى الله عليه وسلم ما هو إلا كأمثاله من الرسل ~~وما جاء إلا بمثل ما جاء به الرسل من قبله . # وذكر كثير من أخبار الرسل عليهم السلام . # والتنويه بشأن القرآن وأنه نعمة من الله على المخاطبين وشأن رسول الإسلام ~~صلى الله عليه وسلم وأنه رحمة للعالمين . # والتذكير بما أصاب الأمم السالفة من جراء تكذيبهم رسلهم وأن وعد الله ~~للذين كذبوا واقع لا يغرهم تأخيره فهو جاء لا محالة . # وحذرهم من أن يغتروا بتأخيره كما اغتر الذين من قبلهم حتى ms5220 أصابهم بغتة ، ~~وذكر من أشراط الساعة فتح ياجوج وماجوج . # وذكرهم بما في خلق السماوات والأرض من الدلالة على الخالق . # ومن الإيماء إلى أن وراء هذه الحياة حياة أخرى أتقن وأحكم لتجزى كل نفس ~~بما كسبت وينتصر الحق على الباطل . # ثم ما في ذلك الخلق من الدلائل على وحدانية الخالق إذ لا يستقيم هذا ~~النظام بتعدد الآلهة . # وتنزيه الله تعالى عن الشركاء وعن الأولاد والاستدلال على وحدانية الله ~~تعالى . # وما يكرهه على فعل ما لا يريد . # وأن جميع المخلوقات صائرون إلى الفناء . PageV17P007 # وأعقب ذلك بتذكيرهم بالنعمة الكبرى عليهم وهي نعمة الحفظ . # ثم عطف الكلام إلى ذكر الرسل والأنبياء . # وتنظير أحوالهم وأحوال أممهم بأحوال محمد صلى الله عليه وسلم وأحوال قومه ~~. # وكيف نصر الله الرسل على أقوامهم واستجاب دعواتهم . # وأن الرسل كلهم جاءوا بدين الله وهو دين واحد في أصوله قطعه الضالون قطعا ~~. # وأثنى على الرسل وعلى من آمنوا بهم . # وأن العاقبة للمؤمنين في خير الدنيا وخير الآخرة ، وأن الله سيحكم بين ~~الفريقين بالحق ويعين رسله على تبليغ شرعه . # # | 2 ( 1 ) { اقترب للناس حسابهم وهم فى غفلة معرضون } . ) 2 # افتتاح الكلام بهذه الجملة أسلوب بديع في الافتتاح لما فيه من غرابة ~~الأسلوب وإدخال الروع على المنذرين ، فإن المراد بالناس مشركو مكة ، ~~والاقتراب مبالغة في القرب ، فصيغة الافتعال الموضوعة للمطاوعة مستعملة في ~~تحقق الفعل أي اشتد قرب وقوعه بهم . # وفي إسناد الاقتراب إلى الحساب استعارة تمثيلية شبه حال إظلال الحساب لهم ~~بحالة شخص يسعى ليقرب من ديار ناس ، ففيه تشبيه هيئة الحساب المعقولة بهيئة ~~محسوسة ، وهي هيئة المغير والمعجل في الإغارة على القوم فهو يلح في السير ~~تكلفا للقرب من ديارهم وهم PageV17P008 غافلون عن تطلب الحساب إياهم كما ~~يكون قوم غارين معرضين عن اقتراب العدو منهم ، فالكلام تمثيل . # والمراد من الحساب إما يوم الحساب ، ومعنى اقترابه أنه قريب عند الله ~~لأنه محقق الوقوع ، أو قريب بالنسبة إلى ما مضى من مدة بقاء الدنيا كقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم ( بعثت أنا والساعة كهاتين ms5221 ) ، أو اقترب الحساب ~~كناية عن اقتراب موتهم لأنهم إذا ماتوا رأوا جزاء أعمالهم ، وذلك من الحساب ~~. وفي هذا تعريض بالتهديد بقرب هلاكهم وذلك بفنائهم يوم بدر . # أو المراد بالحساب المؤاخذة بالذنب كما في قوله تعالى : { إن حسابهم إلا ~~على ربي } ( الشعراء : 113 ) وعليه فالاقتراب مستعمل في حقيقته أيضا فهو من ~~استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه . # واللام في قوله { للناس } إن أبقيت على معناها الأصلي من الاختصاص فذكرها ~~تأكيد لمعنى اللام المقدرة في الإضافة في قوله { حسابهم } لأن تقديره : ~~حساب لهم . والضمير عائد إلى { الناس } فصار قوله { للناس } مساويا للضمير ~~الذي أضيف إليه ( حساب ) فكأنه قيل : اقترب حساب للناس لهم فكان تأكيدا ~~لفظيا ، وكما تقول : أزف للحي رحيلهم ، أصله أزف الرحيل للحي ثم صار أزف ~~للحي رحيلهم ، ومنه قول العرب : لا أبا لك ، أصله لا أباك ، فكانت لام ( لك ~~) مؤكدة لمعنى الإضافة لإمكان إغناء الإضافة عن ذكر اللام . قال الشاعر : # أبالموت الذي لا بد أني # ملاق لا أباك تخوفيني # وأصل النظم : اقترب للناس الحساب . وإنما نظم التركيب على هذا النظم بأن ~~قدم ما يدل على المضاف إليه وعرف { الناس } تعريف الجنس ليحصل ضرب من ~~الإبهام ثم يقع بعده التبيين ، ولما في تقديم الجار PageV17P009 والمجرور ~~من الاهتمام بأن الاقتراب للناس ليعلم السامع أن المراد تهديد المشركين ~~لأنهم الذين يكنى عنهم بالناس كثيرا في القرآن ، وعند التقديم احتيج إلى ~~تقدير مضاف فصار مثل : اقترب حساب للناس الحساب ، وحذف المضاف لدلالة مفسره ~~عليه . ولما كان الحساب حساب الناس المذكورين جيء بضمير الناس ليعود إلى ~~لفظ الناس فيحصل تأكيد آخر وهذا نمط بديع من نسج الكلام ، ويجوز أن تكون ~~اللام بمعنى ( من ) أو بمعنى ( إلى ) متعلقة ب { اقترب } فيكون المجرور ~~ظرفا لغوا ، وعن ابن مالك أنه مثل لانتهاء الغاية بقولهم : ( تقربت منك ) . # وجملة { وهم في غفلة معرضون } حال من { الناس ، } أي اقترب منهم الحساب ~~في حال غفلتهم وإعراضهم . والمراد بالناس المشركون لأنهم المقصود بهذا ~~الكلام كما يدل عليه ما بعده . # والغفلة : الذهول عن الشيء وعن ms5222 طرق علمه ، وقد تقدمت عند قوله تعالى : { ~~وإن كنا عن دراستهم لغافلين } في سورة ( الأنعام : 156 ) ، وقوله تعالى : { ~~ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين } في ( سورة الأعراف : 146 ) . # والإعراض : صرف العقل عن الاشتغال بالشيء . وتقدم في قوله : { فأعرض عنهم ~~وعظهم } في سورة ( النساء : 63 ) ، وقوله : { فأعرض عنهم حتى يخوضوا في ~~حديث غيره } في سورة ( الأنعام : 68 ) . # ودلت ( في ) على الظرفية المجازية التي هي شدة تمكن الوصف منهم ، أي وهم ~~غافلون أشد الغفلة حتى كأنهم منغمسون فيها أو مظروفون في محيطها ، ذلك أن ~~غفلتهم عن يوم الحساب متأصلة فيهم بسبب سابق كفرهم . والمعنى : أنهم غافلون ~~عن الحساب وعن اقترابه . # وإعراضهم هو إبايتهم التأمل في آيات القرآن التي تذكرهم بالبعث وتستدل ~~لهم عليه ، فمتعلق الإعراض غير متعلق الغفلة لأن المعرض عن الشيء ~~PageV17P010 لا يعد غافلا عنه ، أي أنهم لما جاءتهم دعوة الرسول صلى الله ~~عليه وسلم إلى الإيمان وإنذارهم بيوم القيامة استمروا على غفلتهم عن الحساب ~~بسبب إعراضهم عن دلائل التذكير به . فكانت الغفلة عن الحساب منهم غير ~~مقلوعة من نفوسهم بسبب تعطيلهم ما شأنه أن يقلع الغفلة عنهم بإعراضهم عن ~~الدلائل المثبتة للبعث . # # | 2 ( 2 ، 3 ) { ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون * ~~لاهية قلوبهم وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هاذآ إلا بشر مثلكم أفتأتون ~~السحر وأنتم تبصرون } . ) 2 # { ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون * لاهية } . # جملة مبينة لجملة { وهم في غفلة معرضون } ( الأنبياء : 1 ) لبيان تمكن ~~الغفلة منهم وإعراضهم ، بأنهم إذا سمعوا في القرآن تذكيرا لهم بالنظر ~~والاستدلال اشتغلوا عنه باللعب واللهو فلم يفقهوا معانيه وكان حظهم منه ~~سماع ألفاظه كقوله تعالى : { ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع ~~إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون } في سورة ( البقرة : 171 ) . # والذكر : القرآن أطلق عليه اسم الذكر الذي هو مصدر لإفادة قوة وصفه ~~بالتذكير . # والمحدث : الجديد . أي الجديد نزوله متكررا ، وهو كناية عن عدم انتفاعهم ~~بالذكر كلما ms5223 جاءهم بحيث لا يزالون بحاجة إلى إعادة التذكير وإحداثه مع قطع ~~معذرتهم لأنه لو كانوا سمعوا ذكرا واحدا فلم يعبأوا به لانتحلوا لأنفسهم ~~عذرا كانوا ساعتئذ في غفلة ، فلما تكرر حدثان إتيانه تبين لكل منصف أنهم ~~معرضون عنه صدا . # ونظير هذا قوله تعالى : { وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا ~~عنه معرضين } في سورة ( الشعراء : 5 ) ، وليس المراد بمحدث ما قابل القديم ~~في اصطلاح علم الكلام لعدم مناسبته لسياق النظم . PageV17P011 # ومسألة صفة كلام الله تعالى تقدم الخوض فيها عند قوله تعالى : { وكلم ~~الله موسى تكليما } في سورة ( النساء : 164 ) . # وجملة { استمعوه } حال من ضمير النصب في { يأتيهم } وهذا الحال مستثنى من ~~عموم أحوال أي ما يأتيهم ذكر في حال إلا في حال استماعهم . # وجملة { وهم يلعبون } حال لازمة من ضمير الرفع في { استمعوه } مقيدة ~~لجملة { استمعوه } لأن جملة { استمعوه } حال باعتبار أنها مقيدة بحال أخرى ~~هي المقصودة من التقييد وإلا لصار الكلام ثناء عليهم . وفائدة هذا الترتيب ~~بين الجملتين الحاليتين الزيادة لقطع معذرتهم المستفاد من قوله { محدث } ~~كما علمت . # و { لاهية قلوبهم } حال من المبتدأ في جملة { وهم يلعبون } وهي احتراس ~~لجملة { استمعوه أي استماعا لا وعي معه . # وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هاذآ إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم ~~تبصرون } . # جملة مستأنفة يجوز أن تكون عطفا على جملة { اقترب للناس حسابهم } ( ~~الأنبياء : 1 ) إلى آخرها ، لأن كلتا الجملتين مسوقة لذكر أحوال تلقي ~~المشركين لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم بالتكذيب والبهتان والتآمر على ~~رفضها . فالذين ظلموا هم المراد بالناس كما تقدم . # وواو الجماعة عائد إلى ما عاد إليه ضمائر الغيبة الراجعة إلى { للناس ~~وليست جملة وأسروا النجوى } عطفا على جملة { استمعوه وهم يلعبون } لأن ~~مضمونها ليس في معنى التقييد لما يأتيهم من ذكر . PageV17P012 # و { الذين ظلموا } بدل من واو الجماعة لزيادة تقرير أنهم المقصود من ~~النجوى ، ولما في الموصول من الإيماء إلى سبب تناجيهم بما ذكر وأن سبب ذلك ~~كفرهم وظلمهم أنفسهم ، وللنداء على قبح ما هم ms5224 متصفون به . # وجملة { هل هذا إلا بشر مثلكم } بدل من { النجوى } لأن ذلك هو ما تناجوا ~~به ، فهو بدل مطابق . وليست هي كجملة { قالوا إن هذانن لساحران من جملة ~~فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى } في سورة ( طه : 62 63 ) فإن تلك بدل ~~بعض من كل لأن ذلك القول هو آخر ما أسفرت عليه النجوى . # ووجه إسرارهم بذلك الكلام قصدهم أن لا يطلع المسلمون على ما تآمروا به ~~لئلا يتصدى الرسول صلى الله عليه وسلم للرد عليهم لأنهم علموا أن حجتهم في ~~ذلك واهية يرومون بها أن يضللوا الدهماء ، أو أنهم أسروا بذلك لفريق رأوا ~~منهم مخائل التصديق لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم لما تكاثر بمكة ~~الذين أسلموا فخشوا أن يتتابع دخول الناس في الإسلام فاختلوا بقوم ما زالوا ~~على الشرك وناجوهم بذلك ليدخلوا الشك في قلوبهم . # والنجوى : المحادثة الخفية . والإسرار : هو الكتمان والكلام الخفي جدا . ~~وقد تقدم الجمع بينهما في قوله تعالى { ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ~~ونجواهم في سورة } ( براءة : 78 ) ، وتقدم وجه جعل النجوى مفعولا ل { أسروا ~~} في قوله تعالى { وأسروا النجوى في } ( سورة طه : 62 ) ، أي جعلوا نجواهم ~~مقصودة بالكتمان وبالغوا في إخفائها لأن شأن التشاور في المهم كتمانه كيلا ~~يطلع عليه المخالف فيفسده . # والاستفهام في قوله { هل هذا إلا بشر مثلكم } إنكاري يقتضي أنهم خاطبوا ~~من قارب أن يصدق بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم أي فكيف تؤمنون بنبوءته وهو ~~أحد منكم . PageV17P013 # وكذلك الاستفهام في قوله { أفتأتون بالسحر } إنكاري وأراد بالسحر الكلام ~~الذي يتلوه عليكم . # والمعنى : أنه لما كان بشرا مثلكم فما تصديقكم لنبوءته إلا من أثر سحر ~~سحركم به فتأتون السحر بتصديقكم بما يدعوكم إليه . # وأطلق الإتيان على القبول والمتابعة على طريق المجاز أو الاستعارة ، لأن ~~الإتيان لشيء يقتضي الرغبة فيه ، ويجوز أن يراد بالإتيان هنا حضور النبي ~~صلى الله عليه وسلم لسماع دعوته فجعلوه إتيانا ، لأن غالب حضور المجالس أن ~~يكون بإتيان إليها ، وجعلوا كلامه سحرا فنهوا من ناجوهم عن ms5225 الاستماع إليه . ~~وهذا كقوله تعالى : { وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه ~~لعلكم تغلبون } في سورة ( فصلت : 26 ) . # وقوله { وأنتم تبصرون } في موضع الحال ، أي تأتون السحر وبصركم سليم ، ~~وأرادوا به العلم البديهي ، فعبروا عنه بالبصر لأن المبصرات لا يحتاج ~~إدراكها إلى تفكير . # # | 2 ( 4 ) { قال ربى يعلم القول فى السمآء والارض وهو السميع العليم } . ~~) 2 # أطلع الله رسوله على نجواهم فلم يتم لهم ما أرادوا من الإسرار بها فبعد ~~أن حكى ما تناجوا به أمره أن يخبرهم بأن الله الذي علم نجواهم يعلم كل قول ~~في السماء والأرض من جهر أو سر ، فالتعريف في { القول } للاستغراق ، وبذلك ~~كان هذا تذييلا ، وأعلمهم بأنه المتصف بتمام العلم للمسموعات وغيرها بقوله ~~{ وهو السميع العليم } . PageV17P014 # وقرأ الجمهور { قل } بصيغة الأمر ، وقرأ حمزة والكسائي ، وحفص ، وخلف { ~~قال } بصيغة الماضي ، وكذلك هي مرسومة في المصحف الكوفي قاله أبو شامة ، أي ~~قال الرسول لهم ، حكى الله ما قاله الرسول لهم ، وإنما قاله عن وحي فكان في ~~معنى قراءة الجمهور { قل ربي يعلم القول } لأنه إذا أمر بأن يقوله فقد قاله ~~. # وإنما لم يقل يعلم السر لمراعاة العلم بأن الذي قالوه من قبيل السر وأن ~~إثبات علمه بكل قول يقتضي إثبات علمه بالسر وغيره بناء على متعارف الناس . ~~وأما قوله في سورة ( الفرقان : 6 ) { قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات ~~والأرض } فلم يتقدم قبله ذكر للإسرار ، وكان قول الذين كفروا : { إن هذا ~~إلا إفك افتراه } ( الفرقان : 4 ) صادرا منهم تارة جهرا وتارة سرا فأعلمهم ~~الله باطلاعه على سرهم . ويعلم منه أنه مطلع على جهرهم بطريقة الفحوى . # $ 2 ( 5 ) { بل قالو & # 1764 ا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بئاية كمآ أرسل الاولون ~~} . ) 2 $ # { بل } الأولى من كلام الله تعالى إضراب انتقال من حكاية قول فريق منهم { ~~أفتأتون السحر وأنتم تبصرون الأنبياء : 3 ) إلى حكاية قول آخر من أقوال ~~المشركين ، وهو زعمهم أن ما يخبر عنه ويحكيه هو أحلام يراها فيحكيها ، ~~فضمير قالوا ms5226 } لجماعة المشركين لا لخصوص القائلين الأولين . # و { بل } الثانية يجوز أن تكون من الكلام المحكي عنهم وهي إضراب انتقال ~~فيما يصفون به القرآن . والمعنى : بل افتراه واختلقه من غير أحلام ، أي هو ~~كلام مكذوب . PageV17P015 # ثم انتقلوا فقالوا { هو شاعر } أي كلامه شعر ، فحرف ( بل ) الثالثة إضراب ~~منهم عن كلامهم وذلك مؤذن باضطرابهم وهذا الاضطراب ناشىء عن ترددهم مما ~~ينتحلونه من الاعتلال عن القرآن . وذلك شأن المبطل المباهت أن يتردد في ~~حجته كما قيل : الباطل لجلج ، أي ملتبس متردد فيه . # ويجوز أن تكون ( بل ) الثانية والثالثة مثل ( بل ) الأولى للانتقال في ~~حكاية أقوالهم . والتقدير : بل قالوا افتراه بل قالوا هو شاعر ، وحذف فعل ~~القول لدلالة القول الأول عليهما ، وعلى هذا الوجه يجوز أن يكون المحكي ~~كلام جماعات من المشركين انتحلت كل جماعة اعتلالا . # والأضغاث : جمع ضغث بكسر الضاد ، وهو الحزمة من أعواد أو عشب أو حشيش ~~مختلط ثم أطلق على الأخلاط مطلقا كما في سورة يوسف ( 44 ) { قالوا أضغاث ~~أحلام } أرادوا أن ما يخبركم به من أنه أوحي إليه ومن أخبار البعث والحساب ~~ويوم القيامة هو أحلام يراها . # وفرعوا على ترددهم أو فرع كل فريق على مقالته نتيجة واحدة وهي المطالبة ~~أن يأتيهم بمعجزة تدل على صدقه غير هذا القرآن من نوع ما يحكى عن الرسل ~~السابقين أنهم أتوا به مثل انقلاب العصا حية . # ومن البهتان أن يسألوا الإتيان بآية يكون الادعاء بأنها سحر أروج في ~~مثلها فإن من أشهر أعمال السحرة إظهار ما يبدو أنه خارق عادة . وقديما قال ~~آل فرعون في معجزات موسى : إنها سحر ، بخلاف آية إعجاز القرآن . # ودخلت لام الأمر على فعل الغايب لمعنى إبلاغ الأمر إليه ، أي فقولوا له : ~~ائتنا بآية ، والتشبيه في قوله { كما أرسل الأولون } في موضع الحال من ضمير ~~{ يأتنا } أي حالة كون هذا البشر حين يأتي بالآية يشبه PageV17P016 رسالته ~~رسالة الأولين ، والمشبه ذات والمشبه به معنى الرسالة وذلك واسع في كلام ~~العرب . قال النابغة : # وقد خفت حتى ما تزيد مخافتي # على وعل ms5227 من ذي المطارة عاقل # أي على مخافة وعل أو حالة كون الآية كما أرسل الأولون ، أي به . # # | 2 ( 6 ) { مآ ءامنت قبلهم من قرية أهلكناهآ أفهم يؤمنون } . ) 2 # استئناف ابتدائي جوابا على قولهم { كما أرسل الأولون } ( الأنبياء : 5 ) ~~، والمعنى : أن الأمم التي أرسل إليها الأولون ما أغنت فيهم الآيات التي ~~جاءتهم كما وددتم أن تكون لكم مثلها فما آمنوا ، ولذلك حق عليهم الإهلاك ~~فشأنكم أيها المشركون كشأنهم . وهذا كقوله تعالى : { وما منعنا أن نرسل ~~بالآيات إلا أن كذب بها الأولون } في سورة ( الإسراء : 59 ) . # وإنما أمسك الله الآيات الخوارق عن مشركي مكة لأنه أراد استبقاءهم ليكون ~~منهم مؤمنون وتكون ذرياتهم حملة هذا الدين في العالم ، ولو أرسلت عليهم ~~الآيات البينة لكانت سنة الله أن يعقبها عذاب الاستئصال للذين لا يؤمنون ~~بها . # و ( ما ) نافية . و ( من ) في قوله تعالى { من قرية } مزيدة لتأكيد النفي ~~المستفاد من حرف ( ما ) . # ومتعلق { آمنت } محذوف دل عليه السياق ، أي ما آمنت بالآيات قرية . # وجملة { أهلكناها } صفة ل { قرية ، } وردت مستطردة للتعريض بالوعيد بأن ~~المشركين أيضا يترقبون الإهلاك . PageV17P017 # وذكرت القرية هنا مرادا بها أهلها ليبنى عليها الوصف بإهلاكها لأن ~~الإهلاك أصاب أهل القرى وقراهم ، فلذلك قيل { أهلكناها } دون ( أهلكناهم ) ~~كما في سورة ( الكهف : 59 ) { وتلك القرى أهلكناهم } . # وفرعت جملة { أفهم يؤمنون } على جملة { ما آمنت قبلهم من قرية } مقترنة ~~باستفهام الإنكار ، أي فهم لا يؤمنون لو أتيناهم بآية كما اقترحوا كما لم ~~يؤمن الذين من قبلهم الذين جعلوهم مثالا في قولهم { كما أرسل الأولون } ( ~~الأنبياء : 5 ) وهذا أخذ لهم بلازم قولهم . # $ 2 ( 7 ) { ومآ أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحى & # 1764 إليهم فاسئلو & # 1764 ا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } . ) 2 $ # عطف جواب على جواب . والمقصود من هذا إبطال مقصودهم من قولهم { هل هذا ~~إلا بشر مثلكم } ( الأنبياء : 3 ) إذا أرادوا أنه ليس بأهل للامتياز عنهم ~~بالرسالة عن الله تعالى ، فبين خطأهم في استدلالهم بأن الرسل الأولين الذين ~~اعترفوا برسالتهم ما كانوا إلا بشرا وأن ms5228 الرسالة ليست إلا وحيا من الله لمن ~~اختاره من البشر . # وقوله { إلا رجالا } يقتضي أن ليس في النساء رسلا وهذا مجمع عليه . وإنما ~~الخلاف في نبوءة النساء مثل مريم أختت موسى ومريم أم عيسى . ثم عرض بجهلهم ~~وفضح خطأهم فأمرهم أن يسألوا أهل الذكر ، أي العلم بالكتب والشرائع السالفة ~~من الأحبار والرهبان . # وجملة { فاسألوا أهل الذكر } الخ معترضة بين الجمل المتعاطفة . # وتوجيه الخطاب لهم بعد كون الكلام جرى على أسلوب الغيبة التفات ، ونكتته ~~أن الكلام لما كان في بيان الحقائق الواقعة أعرض PageV17P018 عنهم في ~~تقريره وجعل من الكلام الموجه إلى كل سامع وجعلوا فيه معبرا عنهم بضمائر ~~الغيبة ، ولما أريد تجهيلهم وإلجاؤهم إلى الحجة عليهم غير الكلام إلى ~~الخطاب تسجيلا عليهم وتقريعا لهم بتجهيلهم . # # | 2 ( 8 ) { وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين } . ) 2 # الجسد : الجسم الذي لا حياة فيه ، وهو يرادف الجثة . هذا قول المحققين من ~~أيمة اللغة مثل أبي إسحاق الزجاج في تفسير قوله تعالى : { فأخرج لهم عجلا ~~جسدا } ( طه : 88 ) . وقد تقدم هناك ، ومنه قوله تعالى : { ولقد فتنا ~~سليمان وألقينا على كرسيه جسدا } ( ص : 34 ) . قيل هو شق غلام لا روح فيه ~~ولدته إحدى نسائه ، أي ما جعلناهم أجراما غير منبثة فيها الأرواح بحيث ~~تنتفي عنهم صفات البشر التي خاصتها أكل الطعام ، وهذا رد لما يقولونه { ما ~~لهذا الرسول يأكل الطعام } ( الفرقان : 7 ) مع قولهم هنا { هل هذا إلا بشر ~~مثلكم } ( الأنبياء : 3 ) . # وذكر الجسد يفيد التهكم بالمشركين لأنهم لما قالوا { ما لهذا الرسول يأكل ~~الطعام } ( الفرقان : 7 ) ، وسألوا أن يأتي بما أرسل به الأولون كان مقتضى ~~أقوالهم أن الرسل الأولين كانوا في صور الآدميين لكنهم لا يأكلون الطعام ~~وأكل الطعام من لوازم الحياة ، فلزمهم لما قالوا ما لهذا الرسول يأكل ~~الطعام أن يكونوا قائلين بأن شأن الرسل أن يكونوا أجسادا بلا أرواح ، وهذا ~~من السخافة بمكانة . # وأما قوله : { وما كانوا خالدين } فهو زيادة استدلال لتحقيق بشريتهم ~~استدلالا بما هو واقع من عدم كفاءة أولئك ms5229 الرسل كما هو معلوم بالمشاهدة ، ~~لقطع معاذير الضالين ، فإن زعموا أن قد كان الرسل PageV17P019 الأولون ~~مخالفين للبشر فماذا يصنعون في لحاق الفناء إياهم . فهذا وجه زيادة { وما ~~كانوا خالدين } . # وأتي في نفي الخلود عنهم بصيغة { ما كانوا } تحقيقا لتمكن عدم الخلود ~~منهم . # # | 2 ( 9 ) { ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشآء وأهلكنا المسرفين } . ) ~~2 # { ثم } عاطفة الجملة على الجمل السابقة فهي للترتيب الرتبي . والمعنى : ~~وأهم مما ذكر أنا صدقناهم الوعد فأنجيناهم وأهلكنا الذين كذبوهم . ومضمون ~~هذا أهم في الغرضين التبشير والإنذار . فالتبشير للرسول صلى الله عليه وسلم ~~والمؤمنين بأن الله صادقه وعده من النصر ، والإنذار لمن ماثل أقوام الرسل ~~الأولين . # والمراد بالوعد وعدم النصر على المكذبين بقرينة قوله تعالى { فأنجيناهم } ~~المؤذنن بأنه وعد عذابب لأقوامهم ، فالكلام مسوق مساق التنويه بالرسل ~~الأولين ، وهو تعريض بوعيد الذين قالوا { فليأتنا بآية كما أرسل الأولون } ~~( الأنبياء : 5 ) . وفي هذا تقريع للمشركين ، أي إن كان أعجبكم ما أتى به ~~الأولون فسألتم من رسولكم مثله فإن حالكم كحال الذين أرسلوا إليهم فترقبوا ~~مثل ما نزل بهم ويترقب رسولكم مثل ما لقي سلفه . وهذا كقوله تعالى : { قل ~~فانتظروا إني معكم من المنتظرين في سورة } ( يونس : 102 ) . # وانتصب الوعد ب { صدقناهم } على التوسع بنزع حرف الجر . وأصل الاستعمال ~~أن يقال : صدقناهم في الوعد ، لأن ( صدق ) لا يتعدى PageV17P020 إلا إلى ~~مفعول واحد . وهذا الحذف شائع في الكلام ومنه في مثل هذا ما في المثل ( ~~صدقني سن بكره ) . # والإتيان بصيغة المستقبل في قوله تعالى { من نشاء } احتباك ، والتقدير : ~~فأنجيناهم ومن شئنا وننجي رسولنا ومن نشاء منكم ، وهو تأميل لهم أن يؤمنوا ~~لأن من المكذبين يوم نزول هذه الآية من آمنوا فيما بعد إلى يوم فتح مكة . # وهذا من لطف الله بعباده في ترغيبهم في الإيمان ، ولذلك لم يقل : ونهلك ~~المسرفين ، بل عاد إلى صيغة المضي الذي هو حكاية لما حل بالأمم السالفة ~~وبقي المقصود من ذكر الذين أهلكوا وهو التعريض بالتهديد والتحذير أن يصيبهم ~~مثل ما أصاب أولئك مع عدم التصريح ms5230 بالوعيد . # والمسرفون : المفرطون في التكذيب بالإصرار والاستمرار عليه حتى حل بهم ~~العذاب . # # | 2 ( 10 ) { لقد أنزلنآ إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون } ) 2 # استئناف جواب عن قولهم { فليأتنا بآية كما أرسل الأولون } ( الأنبياء : 5 ~~) بإيقاظهم إلى أن الآية التي جاءتهم هي أعظم من الآيات التي أرسل بها ~~PageV17P021 الأولون ، وتجهيلا لألبابهم التي لم تدرك عظم الآية التي ~~جاءتهم كما أنبأ بذلك موقع هذه الجملة في هذا المكان . # وفي ضمير ذلك تحقيق لكون القرآن حقا ، وتذكير بما يشتمل عليه من المنافع ~~التي عموا عنها فيما حكي عنهم أول السورة بقوله تعالى : { ما يأتيهم من ذكر ~~من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون لاهية قلوبهم } ( الأنبياء : 2 3 ) ~~كما أنبأ بذلك ظاهر معنى الآية . # ولقصد هذا الإيقاظ صدرت الجملة بما يفيد التحقيق من لام القسم وحرف ~~التحقيق وجعل إنزال الكتاب إليهم كما اقتضته تعدية فعل { أنزلنا } بحرف ( ~~إلى ) شأن تعدية فعل الإنزال أن يكون المجرور ب ( إلى ) هو المنزل إليه ~~فجعل الإنزال إليهم لكونهم بمنزلة من أنزل إليه نظرا إلى أن الإنزال كان ~~لأجلهم ودعوتهم . وذلك أبلغ من أن يقال : لقد أنزلنا لكم . # وتنكير { كتابا } للتعظيم إيماء إلى أنه جمع خصلتين عظيمتين : كونه كتاب ~~هدى ، وكونه آية ومعجزة للرسول صلى الله عليه وسلم لا يستطيع أحد أن يأتي ~~بمثله أو مدانيه . # والذكر يطلق على التذكير بما فيه الصلاح ، ويطلق على السمعة والصيت كقوله ~~{ ذكر رحمة ربك عبده زكرياء } ( مريم : 2 ) . وقد أوثر هذا المصدر هنا وجعل ~~معرفا بالإضافة إلى ضمير المخاطبين ليكون كلاما موجها فيصح قصد المعنيين ~~معا من كلمة ( الذكر ) بأن مجيء القرآن مشتملا على أعظم الهدى ، وهو تذكير ~~لهم بما به نهاية إصلاحهم ، ومجيئه بلغتهم ، وفي قومهم ، وبواسطة واحد منهم ~~، سمعة عظيمة لهم كما قال تعالى : { بلسان عربي مبين } ( الشعراء : 195 ) ~~وقال { كما أرسلنا فيكم رسولا منكم } ( البقرة : 151 ) . PageV17P022 # وقد فسر السلف هذه الآية بالمعنيين . وفي ( تفسير الطبري ) هنا قال جماعة ~~: معنى ( فيه ذكركم ) أنه الشرف ، أي فيه شرفكم . وقال ابن ms5231 عطية : يحتمل أن ~~يريد فيه شرفكم وذكركم آخر الدهر كما تذكر عظام الأمور ، وقد فسر بمثل ذلك ~~قوله تعالى { وإنه لذكر لك ولقومك } ( الزخرف : 44 ) . # وعلى المعنيين يكون لتفريع قوله تعالى { أفلا تعقلون } أحسن موقع لأن ~~الاستفهام الإنكاري لنفي عقلهم متجه على كلا المعنيين فإن من جاءه ما به ~~هديه فلم يهتد ينكر عليه سوء عقله ، ومن جاءه ما به مجده وسمعته فلم يعبأ ~~به ينكر عليه سوء قدره للأمور حق قدرها كما يكون الفضل في مثله مضاعفا . # وأيضا فهو متفرع على الإقناع بإنزال القرآن آية تفوق الآيات التي سألوا ~~مثلها وهو المفاد من الاستئناف ومن تأكيد الجملة بالقسم وحرفف التحقيق قال ~~تعالى : { أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة ~~وذكرى لقوم يؤمنون } في سورة ( العنكبوت : 51 ) ، وذلك لإعجازه اللفظي ~~والمعنوي . # $ 2 ( 11 14 ) { وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما ءاخرين ~~* فلمآ أحسوا بأسنآ إذا هم منها يركضون * لا تركضوا وارجعو & # 1764 ا إلى مآ أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون * قالوا ياويلنآ إنا كنا ~~ظالمين } ) 2 $ # عطف على قوله { ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها } ( الأنبياء : 6 ) أو ~~على قوله تعالى { وأهلكنا المسرفين } ، وهو تعريض بالتهديد . PageV17P023 # ومناسبة موقعها أنه بعد أن أخبر أنه صدق رسله وعده وهو خبر يفيد ابتداء ~~التنويه بشأن الرسل ونصرهم وبشأن الذين آمنوا بهم . وفيه تعريض بنصر محمد ~~صلى الله عليه وسلم وذكر إهلاك المكذبين له تبعا لذلك ، فأعقب ذلك بذكر ~~إهلاك أمم كثيرة من الظالمين ووصفف ما حل بهم ليكون ذلك مقصودا بذاته ~~ابتداء اهتماما به ليقرع أسماعهم ، فهو تعريض بإنذار المشركين بالانقراض ~~بقاعدة قياس المساواة ، وأن الله ينشىء بعدهم أمة مؤمنة كقوله تعالى { إن ~~يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد } في سورة ( إبراهيم : 19 ) . # و ( كم ) اسم ، له حق صدر الكلام لأن أصله اسم استفهام عن العدد ، وشاع ~~استعماله للإخبار عن كثرة الشيء على وجه المجاز لأن الشيء الكثير من شأنه ~~أن يستفهم عنه ، والتقدير : قصمنا كثيرا ms5232 من القرى ف ( كم ) هنا خبرية . وهي ~~واقعة في محل نصب بفعل { قصمنا . # وفي ( كم ) الدالة على كثرة العدد إيماء إلى أن هذه الكثرة تستلزم عدم ~~تخلف إهلاك هذه القرى ، وبضميمة وصف تلك الأمم بالظلم أي الشرك إيماء إلى ~~سبب الإهلاك فحصل منه ومن اسم الكثرة معنى العموم ، فيعلم المشركون التهديد ~~بأن ذلك حال بهم لا محالة بحكم العموم ، وأن هذا ليس مرادا به قرية معينة ، ~~فما روي عن ابن عباس : أن المراد بالقرية ( حضوراء ) بفتح الحاء مدينة ~~باليمن قتلوا نبيئا اسمه شعيب بن ذي مهدم في زمن أرمياء نبيء بني إسرائيل ~~فسلط الله عليهم بختنصر فأفناهم . فإنما أراد أن هذه القرية ممن شملتهم هذه ~~الآية ، والتقدير : قصمنا كثيرا . وقد تقدم الكلام على قوله تعالى ألم يروا ~~كم أهلكنا من قبلهم من قرن } في سورة ( الأنعام : 6 ) . # وأطلق القرية على أهلها كما يدل عليه قوله تعالى { وأنشأنا بعدها قوما ~~آخرين } . PageV17P024 # ووجه اختيار لفظ { قرية } هنا نظير ما قدمناه آنفا في قوله تعالى { ما ~~آمنت قبلهم من قرية أهلكناها } ( الأنبياء : 6 ) . # وحرف ( من ) في قوله تعالى { من قرية } لبيان الجنس ، وهي تدخل على ما ~~فيه معنى التمييز وهي هنا تمييز لإبهام ( كم ) . # والقصم : الكسر الشديد الذي لا يرجى بعده التئام ولا انتفاع . واستعير ~~للاستيصال والإهلاك القوي كإهلاك عاد وثمود وسبأ . # وجملة { وأنشأنا بعدها قوما آخرين } معترضة بين جملة { وكم قصمنا من قرية ~~} وجملة { فلما أحسوا بأسنا } الخ . فجملة { فلما أحسوا بأسنا } الخ تفريع ~~على جملة { وكم قصمنا من قرية } . # وضمير { منها } عائد إلى { قرية . # والإحساس : الإدراك بالحس فيكون برؤية ما يزعجهم أو سماع أصوات مؤذنة ~~بالهلاك كالصواعق والرياح . # والبأس : شدة الألم والعذاب . وحرف ( من ) في قوله منها يركضون } يجوز أن ~~يكون للابتداء ، أي خارجين منها ، ويجوز أن يكون للتعليل بتأويل ( يركضون ) ~~معنى ( يهربون ) ، أي من البأس الذي أحسوا به فلا بد من تقدير مضاف ، أي من ~~بأسنا الذي أحسوه في القرية . وذلك بحصول أشراط إنذار مثل الزلازل والصواعق ~~. # والركض : سرعة سير ms5233 الفرس ، وأصله الضرب بالرجل فيسمى به العدو ، لأن ~~العدو يقتضي قوة الضرب بالرجل وأطلق الركض في هذه الآية على سرعة سير الناس ~~على وجه الاستعارة تشبيها لسرعة سيرهم بركض الأفراس . PageV17P025 # و { منها } ظرف مستقر في موضع الحال من الضمير المنفصل المرفوع . # ودخلت ( إذا ) الفجائية في جواب ( لما ) للدلالة على أنهم ابتدروا الهروب ~~من شدة الإحساس بالبأس تصويرا لشدة الفزع . وليست ( إذا ) الفجائية برابطة ~~للجواب بالشرط لأن هذا الجواب لا يحتاج إلى رابط ، و ( إذا ) الفجائية قد ~~تكون رابطة للجواب خلفا من الفاء الرابطة حيث يحتاج إلى الرابط لأن معنى ~~الفجاءة يصلح للربط ولا يلازمه . # وجملة { لا تركضوا } معترضة وهي خطاب للراكضين بتخيل كونهم الحاضرين ~~المشاهدين في وقت حكاية قصتهم ، ترشيحا لما اقتضى اجتلاب حرف المفاجأة وهذا ~~كقول مالك بن الريب : # دعاني الهوى من أهل ودي وجيرتي # بذي الطبسين فالتفت ورائيا # أي لما دعاه الهوى ، أي ذكره أحبابه وهو غاز بذي الطبسين التفت وراءه ~~كالذي يدعوه داع من خلفه فتخيل الهوى داعيا وراءه . # وتكون هذه الجملة معترضة بين جملة { فلما أحسوا بأسنا } وبين جملة { ~~قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين } . # ويجوز جعل الجملة مقول قول محذوف خوطبوا به حينئذ بأن سمعوه بخلق من الله ~~تعالى أو من ملائكة العذاب . وهذا ما فسر به المفسرون ويبعده استبعاد أن ~~يكون ذلك واقعا عند كل عذاب أصيبت به كل قرية . وأيا ما كان فالكلام تهكم ~~بهم . # والإتراف : إعطاء الترف ، وهو النعيم ورفه العيش ، أي ارجعوا إلى ما ~~أعطيتم من الرفاهية وإلى مساكنكم . PageV17P026 # وقوله تعالى { لعلكم تسألون } من جملة التهكم . وذكر المفسرون في معنى { ~~تسألون } احتمالات ستة . أظهرها : أن المعنى : ارجعوا إلى ما كنتم فيه من ~~النعيم لتروا ما آل إليه فلعلكم يسألكم سائل عن حال ما أصابكم فتعلموا كيف ~~تجيبون لأن شأن المسافر أن يسأله الذين يقدم إليهم عن حال البلاد التي ~~تركها من خصب ورخاء أو ضد ذلك ، وفي هذا تكملة للتهكم . # وجملة { قالوا يا ويلنا } إن جعلت جملة { لا تركضوا } معترضة على ms5234 ما ~~قررته آنفا تكون هذه مستأنفة استئنافا بيانيا عن جملة { إذا هم منها يركضون ~~} كأن سائلا سأل عما يقولونه حين يسرعون هاربين لأن شأن الهارب الفزع أن ~~تصدر منه أقوال تدل على الفزع أو الندم عن الأسباب التي أحلت به المخاوف ~~فيجاب بأنهم أيقنوا حين يرون العذاب أنهم كانوا ظالمين فيقرون بظلمهم ~~وينشئون التلهف والتندم بقولهم { يا ويلنا إنا كنا ظالمين } . # وإن جعلت جملة { لا تركضوا } مقول قول محذوف على ما ذهب إليه المفسرون ~~كانت جملة { قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين } جوابا لقول من قال لهم { لا ~~تركضوا } على وجه التهكم بهم ويكون فصل الجملة لأنها واقعة في موقع ~~المحاورة كما بيناه غير مرة ، أي قالوا : قد عرفنا ذنبنا وحق التهكم بنا . ~~فاعترفوا بذنبهم . قال تعالى : { فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير } في ~~سورة ( الملك : 11 ) . # # | 2 ( 15 ) { فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين } ) 2 # تفريع على جملة { قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين } ( الأنبياء : 14 ) ، ~~فاسم { تلك } إشارة إلى القول المستفاد من قوله تعالى { قالوا يا ويلنا } ( ~~الأنبياء : 14 ) ، وتأنيثه لأنه PageV17P027 اكتسب التأنيث من الإخبار عنه ~~بدعواهم ، أي ما زالوا يكررون تلك الكلمة يدعون بها على أنفسهم . # وهذا الوجه يرجح التفسير الأول لمعنى قوله تعالى { لا تركضوا وارجعوا إلى ~~ما أترفتم فيه } ( الأنبياء : 13 ) لأن شأن الأقوال التي يقولها الخائف أن ~~يكررها إذ يغيب رأيه فلا يهتدي للإتيان بكلام آخر ، بخلاف الكلام المسوق ~~جوابا فإنه لا داعي إلى إعادته . # والمعنى : فما زالوا يكررون مقالتهم تلك حتى هلكوا عن آخرهم . # وسمي ذلك القول دعوى لأن المقصود منه هو الدعاء على أنفسهم بالويل ، ~~والدعاء يسمى دعوى كما في قوله تعالى { دعواهم فيها سبحانك اللهم } في ( ~~سورة يونس : 10 ) . أي فما زال يكرر دعاؤهم بذلك فلم يكفوا عنه إلى أن ~~صيرناهم كالحصيد ، أي أهلكناهم . # وحرف { حتى } مؤذن بنهاية ما اقتضاه قوله تعالى { فما زالت تلك دعواهم } ~~. # والحصيد : فعيل بمعنى مفعول ، أي المحصود ، وهذه الصيغة تلازم الإفراد ~~والتذكير إذا جرت على ms5235 الموصوف بها كما هنا . # والحصد : جز الزرع والنبات بالمنجل لا باليد . وقد شاع إطلاق الحصيد على ~~الزرع المحصود بمنزلة الاسم الجامد . # والخامد : اسم فاعل من خمدت النار تخمد بضم الميم إذا زال لهيبها . # شبهوا بزرع حصد ، أي بعد أن كان قائما على سوقه خضرا ، فهو يتضمن قبل ~~هلاكهم بزرع في حسن المنظر والطلعة ، PageV17P028 كما شبه بالزرع في قوله ~~تعالى : { كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع } في ~~سورة ( الفتح : 29 ) . ويقال للناشىء : أنبته الله نباتا حسنا ، قال تعالى ~~: { وأنبتها نباتا حسنا } في سورة ( آل عمران : 37 ) . فللإشارة إلى ~~الشبهين شبه البهجة وشبه الهلك أوثر تشبيههم حين هلاكهم بالحصيد . # وكذلك شبهوا حين هلاكهم بالنار الخامدة فتضمن تشبيههم قبل ذلك بالنار ~~المشبوبة في القوة والبأس كما شبه بالنار في قوله تعالى : { كلما أوقدوا ~~نارا للحرب أطفأها الله } في سورة ( المائدة : 64 ) ، وقوله تعالى : { ~~مثلهم كمثل الذي استوقد نارا } في سورة ( البقرة : 17 ) . فحصل تشبيهان ~~بليغان وليسا باستعارتين مكنيتين لأن ذكر المشبه فيهما مانع من تقوم حقيقة ~~الاستعارة خلافا للعلامتين التفتزاني والجرجاني في ( شرحيهما للمفتاح ) ~~متمسكين بصيغة جمعهم في قوله تعالى { جعلناهم ، } فجعلا ذلك استعارتين ~~مكنيتين إذ شبهوا بزرع حين انعدامه ونار ذهب قوتها وحذف المشبه بهما ورمز ~~إليهما بلازم كل منهما وهو الحصد والخمود فكان { حصيدا } وصفا في المعنى ~~للضمير المنصوب في { جعلناهم ، } فالحصيد هنا وصف ليس منزلا منزلة الجامد ~~كالذي في قوله تعالى { وحب الحصيد } ( ق : 9 ) ، وبذلك لم يكن قوله تعالى { ~~حصيدا } من قبيل التشبيه البليغ إذ لم يشبهوا بحصيد زرع بل أثبت لهم أنهم ~~محصودون استعارة مكنية مثل نظيره في قوله تعالى { خامدين } الذي هو استعارة ~~لا محالة كما هو مقتضى مجيئه بصيغة الجمع المذكر ، ومبنى الاستعارة على ~~تناسي التشبيه . وهذا تكلف منهما ولم أدر ماذا دعاهما إلى ارتكاب هذا ~~التكلف . # وانتصب { حصيدا خامدين } على أن كليهما مفعول ثان مكرر لفعل الجعل كما ~~يخبر عن المبتدأ بخبرين وأكثر ، فإن مفعولي ( جعل ) أصلهما المبتدأ والخبر ~~وليس ثانيهما ms5236 وصفا لأولهما كما هو ظاهر . # PageV17P029 # | 2 ( 16 ، 17 ) { وما خلقنا السمآء والارض وما بينهما لاعبين * لو أردنآ ~~أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنآ إن كنا فاعلين } ) 2 # كثير في القرآن الاستدلال بإتقان نظام خلق السماوات والأرض وما بينهما ~~على أن لله حكمة في خلق المخلوقات وخلق نظمها وسننها وفطرها ، بحيث تكون ~~أحوالها وآثارها وعلاقة بعضها ببعض متناسبة مجارية لما تقتضيه الحكمة ولذلك ~~قال تعالى في سورة ( الحجر : 85 ) { وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما ~~إلا بالحق } . وقد بينا هنالك كيفية ملابسة الحق لكل أصناف المخلوقات ~~وأنواعها بما يغني عن إعادته هنا . # وكثر أن ينبه القرآن العقول إلى الحكمة التي اقتضت المناسبة بين خلق ما ~~في السماوات والأرض ملتبسا بالحق ، وبين جزاء المكلفين على أعمالهم على ~~القانون الذي أقامته الشرائع لهم في مختلف أجيالهم وعصورهم وبلدانهم إلى أن ~~عمتهم الشريعة العامة الخاتمة شريعة الإسلام ، وإلى الحكمة التي اقتضت ~~تكوين حياة أبدية تلقى فيها النفوس جزاء ما قدمته في هذه الحياة الزائلة ~~جزاء وفاقا . # فلذلك كثر أن تعقب الآيات المبينة لما في الخلق من الحق بالآيات التي ~~تذكر الجزاء والحساب ، والعكس ، كقوله تعالى : { أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا ~~وأنكم إلينا لا ترجعون } في آخر سورة ( المؤمنين : 115 ) ، وقوله تعالى : { ~~وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة لآتية فاصفح ~~الصفح الجميل } آخر ( الحجر : 85 ) ، وقوله تعالى : { إن الذين يضلون عن ~~سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم PageV17P030 الحساب وما خلقنا السماء ~~والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار أم ~~نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين ~~كالفجار } في سورة ( ص : 26 28 ) ، وقوله تعالى : { أهم خير أم قوم تبع ~~والذين من قبلهم أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين وما خلقنا السماوات والأرض وما ~~بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون إن يوم الفصل ~~ميقاتهم أجمعين } في سورة ( الدخان : 37 40 ) ، وقوله تعالى : { ما خلقنا ~~السماوات والأرض وما بينهما إلا ms5237 بالحق وأجل مسمى والذين كفروا عما أنذروا ~~معرضون } في سورة ( الأحقاف : 3 ) إلى غير هذه من الآيات . # فكذلك هذه الآية عقب بها ذكر القوم المهلكين ، والمقصود من ذلك إيقاظ ~~العقول إلى الاستدلال بما في خلق السماوات والأرض وما بينهما من دقائق ~~المناسبات وإعطاء كل مخلوق ما به قوامه ، فإذا كانت تلك سنة الله في خلق ~~العوالم ظرفها ومظروفها ، استدل بذلك على أن تلك السنة لا تتخلف في ترتب ~~المسببات على أسبابها فيما يأتيه جنس المكلفين من الأعمال ، فإذا ما لاح ~~لهم تخلف سبب عن سببه أيقنوا أنه تخلف مؤقت فإذا علمهم الله على لسان ~~شرائعه بأنه ادخر الجزاء الكامل على الأعمال إلى يوم آخر آمنوا به ، وإذا ~~علمهم أنهم لا يفوتون ذلك بالموت بل إن لهم حياة آخرة وأن الله باعثهم بعد ~~الموت أيقنوا بها ، وإذا علمهم أنه ربما عجل لهم بعض الجزاء في الحياة ~~الدنيا أيقنوا به . # ولذلك كثر تعقيب ذكر نظام خلق السماوات والأرض بذكر الجزاء الآجل والبعث ~~وإهلاك بعض الأمم الظالمة ، أو تعقيب ذكر البعث والجزاء الآجل والعاجل بذكر ~~نظام خلق السماوات والأرض . PageV17P031 # وحسبك تعقيب ذلك بالتفريع بالفاء في قوله تعالى : { إن في خلق السماوات ~~والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياما ~~وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا ~~باطلا سبحانك فقنا عذاب النار } الآيات ختام سورة ( آل عمران : 190 191 ) . # ولأجل هذا اطرد أو كاد أن يطرد ذكر لفظ { وما بينهما } بعد ذكر خلق ~~السماوات والأرض في مثل هذا المقام لأن تخصيص ما بينهما بالذكر يدل على ~~الاهتمام به لأن أشرفه هو نوع الإنسان المقصود بالعبرة والاستدلال وهو مناط ~~التكليف . فليس بناء الكلام على أن يكون الخلق لعبا منظورا فيه إلى رد ~~اعتقاد معتقد ذلك ولكنه بني على النفي أخذا لهم بلازم غفلتهم عن دقائق حكمة ~~الله بحيث كانوا كقائلين بكون هذا الصنع لعبا . # واللعب : العمل أو القول الذي لا يقصد به تحصيل فائدة من مصلحة أو ms5238 دفع ~~مفسدة ولا تحصيل نفع أو دفع ضر . وإنما يقصد به إرضاء النفس حين تميل إلى ~~العبث كما قيل : ( لا بد للعاقل من حمقة يعيش بها ) . ويرادفه العبث واللهو ~~، وضده : الجد . واللعب من الباطل إذ ليس في عمله حكمة فضده الحق أيضا . # وانتصب { لاعبين } على الحال من ضمير { خلقنا } وهي حال لازمة إذ لا ~~يستقيم المعنى بدونها . # وجملة { لو أردنا أن نتخذ لهوا } مقررة لمعنى جملة { وما خلقنا السماء ~~والأرض وما بينهما لاعبين } تقريرا بالاستدلال على مضمون الجملة ، وتعليلا ~~لنفي أن يكون خلق السماوات والأرض لعبا ، أي عبثا بأن اللعب ليس من شأننا ~~أو على الفرض والتنازل لو أردنا اللهو PageV17P032 لكان ما يلهو به حاصلا ~~في أشرف الأماكن من السماوات فإنها أشد اختصاصا بالله تعالى إذ جعل سكانها ~~عبادا له مخلصين ، فلذلك عبر عنها باسم الظرف المختص وهو { لدن } مضافا إلى ~~ضمير الجلالة بقوله تعالى من { لدنا } ، أي غير العوالم المختصة بكم بل ~~لكان في عالم الغيب الذي هو أشد اختصاصا بنا إذ هو عالم الملائكة المقربين ~~. # فالظرفية المفادة من { لدن } ظرفية مجازية . وإضافة { لدن } إلى ضمير ~~الجلالة دلالة على الرفعة والتفضيل كقوله تعالى { رزقا من لدنا } في سورة ( ~~القصص : 57 ) ، وقوله تعالى : { وهب لنا من لدنك رحمة } في سورة ( آل عمران ~~: 8 ) ، أي لو أردنا أن نتخذ لهوا لما كان اتخاذه في عالم شهادتكم . وهذا ~~استدلال باللزوم العرفي لأن شأن من يتخد شيئا للتفكه به أن يستأثر به ولا ~~يبيحه لغيره وهو مبني على متعارف عقول المخاطبين من ظنهم أن العوالم العليا ~~أقرب إلى الله تعالى . # وجملة { إن كنا فاعلين } إن جعلت ( إن ) شرطية فارتباطها بالتي قبلها ~~ارتباط الشرط بجزائه المحذوف الدال عليه جواب ( لو ) وهو جملة { لاتخذناه } ~~فيكون تكريرا للتلازم ؛ وإن جعلت ( إن ) حرف نفي كانت الجملة مستأنفة ~~لتقرير الامتناع المستفاد من ( لو ) ، أي ما كنا فاعلين لهوا . # # | 2 ( 18 ) { بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل ~~مما تصفون } . ) 2 # ( بل ) للإضراب عن اتخاذ ms5239 اللهو وعن أن يكون الخلق لعبا إضراب إبطال ~~وارتقاء ، أي بل نحن نعمد إلى باطلكم فنقذف بالحق عليه كراهية للباطل بله ~~أن نعمل عملا هو باطل ولعب . PageV17P033 # والقذف ، حقيقته : رمي جسم على جسم . واستعير هنا لإيراد ما يزيل ويبطل ~~الشيء من دليل أو زجر أو إعدامم أو تكوين ما يغلب ، لأن ذلك مثل رمي الجسم ~~المبطل بشيء يأتي عليه ليتلفه أو يشتته ، فالله يبطل الباطل بالحق بأن يبين ~~للناس بطلان الباطل على لسان رسله ، وبأن أوجد في عقولهم إدراكا للتمييز ~~بين الصلاح والفساد ، وبأن يسلط بعض عباده على المبطلين لاستئصال المبطلين ~~، وبأن يخلق مخلوقات يسخرها لإبطال الباطل ، قال تعالى : { إذ يوحي ربك إلى ~~الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب } ~~في سورة الأنفال ( 12 ) . # والدمغ : كسر الجسم الصلب الأجوف ، وهو هنا ترشيح لاستعارة القذف لإيراد ~~ما يبطل ، وهو استعارة أيضا حيث استعير الدمغ لمحق الباطل وإزالته كما يزيل ~~القذف الجسم المقذوف ، فالاستعارتان من استعارة المحسوسين للمعقولين . # ودل حرف المفاجأة على سرعة محق الحق الباطل عند وروده لأن للحق صولة فهو ~~سريع المفعول إذا ورد ووضح ، قال تعالى : { أنزل من السماء ماء فسالت أودية ~~بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا } إلى قوله تعالى : { كذلك يضرب الله الحق ~~والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض } في ~~سورة الرعد ( 17 ) . # والزاهق : المنفلت من موضعه والهالك ، وفعله كسمع وضرب ، والمصدر الزهوق ~~. وتقدم في قوله تعالى : { وتزهق أنفسهم وهم كافرون في سورة براءة ( 55 ) ~~وقوله تعالى : إن الباطل كان زهوقا } في سورة الإسراء ( 81 ) . # وعندما انتهت مقارعتهم بالحجج الساطعة لإبطال قولهم في الرسول وفي القرآن ~~ابتداء من قوله تعالى : { وأسروا النجوى الذين ظلموا } إلى قوله تعالى : { ~~كما أرسل الأولون } ( الأنبياء : 3 5 ) . وما تخلل ذلك من المواعظ والقوارع ~~PageV17P034 والعبر . ختم الكلام بشتمهم وتهديدهم بقوله تعالى : { ولكم ~~الويل مما تصفون } ، أي مما تصفون به محمدا صلى الله عليه وسلم والقرآن . # والويل : كلمة دعاء بسوء . وفيها في القرآن ms5240 توجيه لأن الويل اسم للعذاب . # # | 2 ( 19 ، 20 ) { وله من فى السماوات والارض ومن عنده لا يستكبرون عن ~~عبادته ولا يستحسرون * يسبحون الليل والنهار لا يفترون } ) 2 # عطف على جملة { لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا } ( الأنبياء : ~~17 ) مبينة أن كل من في السماوات والأرض عباد لله تعالى مخلوقون لقبول ~~تكليفه والقيامم بما خلقوا لأجله ، وهو تخلص إلى إبطال الشرك بالحجة ~~الدامغة بعد الإفاضة في إثبات صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وحجية القرآن ~~. # فاللام في { وله } للملك ، والمجرور باللام خبر مقدم . و { من في السموات ~~} مبتدأ ، وتقديم المجرور للاختصاص ، أي له من في السماوات والأرض لا لغيره ~~وهو قصر إفراد ردا على المشركين الذين جعلوا لله شركاء في الإلهية . # و { من في السماوات والأرض } يعم العقلاء وغيرهم وغلب اسم الموصول الغالب ~~في العقلاء لأنهم المقصود الأول . # وقوله تعالى { ومن عنده } يجوز أن يكون معطوفا على { من في السماوات ~~والأرض } فيكون من عطف الخاص على العام للاهتمام به . ووجه الاهتمام ظاهر ~~وتكون جملة { لا يستكبرون عن عبادته } حالا من المعطوف عليه . PageV17P035 # ويجوز أن يكون { من عنده } مبتدأ وجملة { لا يستكبرون عن عبادته } خبرا . # وما صدق ( من ) جماعة كما دل عليه قوله تعالى { لا يستكبرون } بصيغة ~~الجمع . # { ومن عنده } هم المقربون في العوالم المفضلة وهم الملائكة . # وعلى كلا الوجهين في موقع جملة { لا يستكبرون عن عبادته } يكون المقصود ~~منها التعريض بالذين يستكبرون عن عبادة الله ويعبدون الأصنام وهم المشركون ~~. # والاستحسار : مصدر كالحسور وهو التعب ، فالسين والتاء فيه للمبالغة في ~~الوصف كالاستكبار والاستنكار والاسيخار ، أي لا يصدر منهم الاستحسار الذي ~~هو التعب الشديد الذي يقتضيه عملهم العظيم ، أي لا يقع منهم ما لو قام ~~بعملهم غيرهم لاستحسر ثقل ذلك العمل ، فعبر بالاستحسار هنا الذي هو الحسور ~~القوي لأنه المناسب للعمل الشديد ، ونفيه من قبيل نفي المقيد بقيد خرج مخرج ~~الغالب في أمثاله . فلا يفهم من نفي الحسور القوي أنهم قد يحسرون حسورا ~~ضعيفا . وهذا المعنى قد يعبر عنه أهل المعاني ms5241 بأن المبالغة في النفي لا في ~~المنفي . # وجملة { يسبحون الليل والنهار } بيان لجملة { ولا يستحسرون } لأن من لا ~~يتعب من عمل لا يتركه فهو يواظب عليه ولا يعيا منه . # والليل والنهار : ظرفان . والأصل في الظرف أن يستوعبه الواقع فيه ، أي ~~يسبحون في جميع الليل والنهار . # وتسبيح الملائكة بأصوات مخلوقة فيهم لا يعطلها تبليغ الوحي ولا غيره من ~~الأقوال . # والفتور : الانقطاع عن الفعل . # PageV17P036 $ 2 ( 21 ) { أم اتخذو & # 1764 ا آلهة من الارض هم ينشرون } ) 2 $ # ( أم ) هذه منقطعة عاطفة الجملة على الجملة عطف إضراب انتقالي هو انتقال ~~من إثبات صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وحجية دلالة القرآن إلى إبطال ~~الإشراك ، انتقالا من بقية الغرض السابق الذي تهيأ السامع للانتقال منه ~~بمقتضى التخلص ، الذي في قوله تعالى : { وله من في السماوات والأرض ومن ~~عنده } ( الأنبياء : 19 ) كما تقدم ، إلى التمحض لغرض إبطال الإشراك وإبطال ~~تعدد الآلهة . وهذا الانتقال وقع اعتراضا بين جملة { يسبحون الليل والنهار ~~لا يفترون } ( الأنبياء : 20 ) وجملة { لا يسأل عما يفعل } ( الأنبياء : 23 ~~) . وليس إضراب الانتقال بمقتضض عدم الرجوع إلى الغرض المنتقل إليه . # و ( أم ) تؤذن بأن الكلام بعدها مسوق مساق الاستفهام وهو استفهام إنكاري ~~، أنكر عليه اتخاذهم آلهة . # وضمير { اتخذوا } عائد إلى المشركين المتبادرين من المقام في مثل هذه ~~الضمائر . وله نظائر كثيرة في القرآن . ويجوز جعله التفاتا عن ضمير { ولكم ~~الويل مما تصفون } ( الأنبياء : 18 ) ، ويجوز أن يكون متناسقا مع ضمائر { ~~بل قالوا أضغاث أحلام } ( الأنبياء : 5 ) وما بعده . # ووصف الآلهة بأنها من الأرض تهكم بالمشركين ، وإظهار لأفن رأيهم ، أي ~~جعلوا لأنفسهم آلهة من عالم الأرض أو مأخوذة من أجزاء الأرض من حجارة أو ~~خشب تعريضا بأن ما كان مثل ذلك لا يستحق أن يكون معبودا ، كما قال إبراهيم ~~عليه السلام : { أتعبدون ما تنحتون } في ( الصافات : 95 ) . # وذكر الأرض هنا مقابلة لقوله تعالى : { ومن عنده } ( الأنبياء : 19 ) لأن ~~المراد أهل السماء ، وجملة { هم ينشرون } صفة ثانية ل { آلهة } . ~~PageV17P037 # واقترانها بضمير الفصل يفيد التخصيص أن لا ينشر ms5242 غير تلك الآلهة . والمراد ~~: إنشار الأموات ، أي بعثهم . وهذا مسوق للتهكم وإدماج لإثبات البعث بطريقة ~~سوق المعلوم مساق غيره المسمى بتجاهل العارف ، إذ أبرز تكذيبهم بالبعث الذي ~~أخبرهم الله على لسان محمد صلى الله عليه وسلم في صورة تكذيبهم استطاعة ~~الله ذلك وعجزه عنه ، أي أن الأولى بالقدرة على البعث شركاؤهم فكأن وقوع ~~البعث أمر لا ينبغي النزاع فيه فإن نازع فيه المنازعون فإنما ينازعون في ~~نسبته إلى الله ويرومون بذلك نسبته إلى شركائهم فأنكرت عليهم هذه النسبة ~~على هذه الطريقة المفعمة بالنكت ، والمشركون لم يدعوا لآلهتهم أنها تبعث ~~الموتى ولا هم معترفون بوقوع البعث ولكن نزلوا منزلة من يزعم ذلك إبداعا في ~~الإلزام . ونظيره قوله تعالى في سورة ( النحل : 21 ) في ذكر الآلهة : { ~~أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون } . # # | 2 ( 22 ) { لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش ~~عما يصفون } ) 2 # جملة مبينة للإنكار الذي في قوله تعالى { أم اتخذوا آلهة } ( الأنبياء : ~~21 ) ولذلك فصلت ولم تعطف . # وضمير المثنى عائد إلى { السموات والأرض } ( الأنبياء : 19 ) من قوله ~~تعالى : { وله من في السموات والأرض } ( الأنبياء : 19 ) أي لو كان في ~~السماوات والأرض آلهة أخرى ولم يكن جميع من فيها ملكا لله وعبادا له لفسدت ~~السماوات والأرض واختل نظامهما الذي خلقتا به . # وهذا استدلال على بطلان عقيدة المشركين إذ زعموا أن الله جعل آلهة شركاء ~~له في تدبير الخلق ، أي أنه بعد أن خلق السماوات والأرض PageV17P038 أقام ~~في الأرض شركاء له ، ولذلك كانوا يقولون في التلبية في الحج ( لبيك لا شريك ~~لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك ) وذلك من الضلال المضطرب الذي وضعه لهم ~~أيمة الكفر بجهلهم وترويج ضلالهم على عقول الدهماء . # وبذلك يتبين أن هذه الآية استدلال على استحالة وجود آلهة غير الله بعد ~~خلق السماوات والأرض لأن المشركين لم يكونوا ينكرون أن الله هو خالق ~~السماوات والأرض ، قال تعالى : { ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن ~~الله } في سورة ( الزمر : 38 ) ، وقال ms5243 تعالى : { ولئن سألتهم من خلق ~~السموات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم } في سورة الزخرف ( 9 ) . فهي ~~مسوقة لإثبات الوحدانية لا لإثبات وجود الصانع إذ لا نزاع فيه عند ~~المخاطبين ، ولا لإثبات انفراده بالخلق إذ لا نزاع فيه كذلك ، ولكنها ~~منتظمة على ما يناسب اعتقادهم الباطل لكشف خطئهم وإعلان باطلهم . # والفساد : هو اختلال النظام وانتفاء النفع من الأشياء . ففساد السماء ~~والأرض هو أن تصيرا غير صالحتين ولا منتسقتي النظام بأن يبطل الانتفاع بما ~~فيهما . فمن صلاح السماء نظام كواكبها ، وانضباط مواقيت طلوعها وغروبها ، ~~ونظام النور والظلمة . ومن صلاح الأرض مهدها للسير ، وإنباتها الشجر والزرع ~~، واشتمالها على المرعى والحجارة والمعادن والأخشاب ، وفساد كل من ذلك ~~ببطلان نظامه الصالح . # ووجه انتظام هذا الاستدلال أنه لو تعددت الآلهة للزم أن يكون كل إله ~~متصفا بصفات الإلهية المعروفة آثارها ، وهي الإرادة المطلقة والقدرة التامة ~~على التصرف ، ثم إن التعدد يقتضي اختلاف متعلقات الإرادات والقدر لأن ~~الآلهة لو استوت في تعلقات إراداتها ذلك لكان تعدد الآلهة عبثا للاستغناء ~~بواحد منهم ، ولأنه إذا حصل PageV17P039 كائن فإن كان حدوثه بإرادة متعددين ~~لزم اجتماع مؤثرين على مؤثر واحد وهو محال لاستحالة اجتماع علتين تامتين ~~على معلول واحد . فلا جرم أن تعدد الآلهة يستلزم اختلاف متعلقات تصرفاتها ~~اختلافا بالأنواع ، أو بالأحوال ، أو بالبقاع ، فالإله الذي لا تنفذ إرادته ~~في بعض الموجودات ليس بإله بالنسبة إلى تلك الموجودات التي أوجدها غيره . # ولا جرم أن تختلف متعلقات إرادات الآلهة باختلاف مصالح رعاياهم أو ~~مواطنهم أو أحوال تصرفاتهم فكل يغار على ما في سلطانه . # فثبت أن التعدد يستلزم اختلاف الإرادات وحدوث الخلاف . # ولما كان التماثل في حقيقة الإلهية يقتضي التساوي في قوة قدرة كل إله ~~منهم ، وكان مقتضيا تمام المقدرة عند تعلق الإرادة بالقهر للضد بأن لا يصده ~~شيء عن استئصال ضده ، وكل واحد منهم يدفع عن نفسه بغزو ضده وإفساد ملكه ~~وسلطانه ، تعين أنه كلما توجه واحد منهم إلى غزو ضده أن يهلك كل ما هو تحت ~~سلطانه فلا يزال يفسد ما ms5244 في السماوات والأرض عند كل خلاف كما قال تعالى : { ~~وما كان معه من إله إذن لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض } في سورة ~~المؤمنون ( 91 ) . # فلا جرم دلت مشاهدة دوام السماوات والأرض على انتظامهما في متعدد العصور ~~والأحوال على أن إلهها واحد غير متعدد . # فأما لو فرض التفاوت في حقيقة الإلهية فإن ذلك يقتضي رجحان بعض الآلهة ~~على بعض ، وهو أدخل في اقتضاء الفساد إذ تصير الغلبة للأقوى منهم فيجعل ~~الكل تحت كلاكله ويفسد على كل ضعيف منهم ما هو في حوزته فيكون الفساد أسرع ~~. PageV17P040 # وهذا الاستدلال باعتبار كونه مسوقا لإبطال تعدد خاص ، وهو التعدد الذي ~~اعتقده أهل الشرك من العرب واليونان الزاعمين تعدد الآلهة بتعدد القبائل ~~والتصرفات ، وكذا ما اعتقده المانوية من الفرس المثبتين إلهين أحدهما للخير ~~والآخر للشر أو أحدهما للنور والآخر للظلمة هو دليل قطعي . # وأما باعتبار ما نحاه المتكلمون من الاستدلال بهذه الآية على إبطال تعدد ~~الآلهة من أصله بالنسبة لإيجاد العالم وسموه برهان التمانع ، فهو دليل ~~إقناعي كما قال سعد الدين التفتزاني في ( شرح النسفية ) . وقال في ( ~~المقاصد ) : ( وفي بعضها ضعف لا يخفى ) . # وبيانه أن الاتفاق على إيجاد العالم يمكن صدوره من الحكيمين أو الحكماء ~~فلا يتم الاستدلال إلا بقياس الآلهة على الملوك في العرف وهو قياس إقناعي . # ووجه تسميته برهان التمانع أن جانب الدلالة فيه على استحالة تعدد الإله ~~هو فرض أن يتمانع الآلهة ، أي يمنع بعضهم بعضا من تنفيذ مراده ، والخوض فيه ~~مقامنا غني عنه . # والمنظور إليه في الاستدلال هنا هو لزوم فساد السماوات والأرض لا إلى شيء ~~آخر من مقدمات خارجة عن لفظ الآية حتى يصير الدليل بها دليلا قطعيا لأن ذلك ~~له أدلة أخرى كقوله تعالى { وما كان معه من إله إذن لذهب كل إله بما خلق ~~ولعلا بعضهم على بعض } ، وسيجيء في سورة المؤمنون ( 91 ) . # وأما الاستدلال ببرهان التمانع فللمتكلمين في تقريره طريقتان ذكرهما صاحب ~~( المواقف ) . # الأولى : طريقة الاستدلال بلزوم التمانع بالفعل وهي الطريقة المشهورة . ~~وتقريرها : أنه ms5245 لو كان للعالم صانعان متماثلان في القدرة ، PageV17P041 فلا ~~يخلو إما أن تتفق إرادتاهما وحينئذ فالفعل إن كان بإرادتيهما لزم اجتماع ~~مؤثرين تامين على مؤثر بفتح المثلثة واحد وهو محال لامتناع اجتماع العلتين ~~التامتين على معلول واحد . وإن كان الفعل بإحدى الإرادتين دون الأخرى لزم ~~ترجيح إحداهما بلا مرجح لاستوائهما في الصفة والموصوف بها ، وإما أن تختلف ~~إرادتاهما فيلزم التمانع ، ومعناه أن يمنع كل منهما الآخر من الفعل لأن ~~الفرض أنهما مستويان في القدرة . # ويرد على الاستدلال بهاته الطريقة أمور : # أحدها أنه لا يلزم تساوي الإلهين في القدرة بل يجوز عقلا أن يكون أحدهما ~~أقوى قدرة من الآخر ، وأجيب عنه بأن العجز مطلقا مناف للألوهية بداهة . ~~قاله عبد الحكيم في ( حاشية البيضاوي ) . # الأمر الثاني : يجوز أن يتفق الإلهان على أن لا يريد أحدهما إلا الأمر ~~الذي لم يرده الآخر فلا يلزم عجز من لم يفعل . # الأمر الثالث : يجوز أن يتفق الإلهان على إيجاد الأمر المراد بالاشتراك ~~لا بالاستقلال . # الأمر الرابع : يجوز تفويض أحدهما للآخر أن يفعل فلا يلزم عجز المفوض لأن ~~عدم إيجاد المقدور لمانعع أراده القادر لا يسمى عجزا ، لا سيما وقد حصل ~~مراده ، وإن لم يفعله بنفسه . # والجواب عن هذه الثلاثة الأخيرة أن في جميعها نقصا في الألوهية لأن ~~الألوهية من شأنها الكمال في كل حال . # إلا أن هذا الجواب لا يخرج البرهان عن حد الإقناع . # الطريقة الثانية : عول عليها التفتزاني في ( شرح العقائد النسفية ) وهي ~~أن تعدد الإلهين يستلزم إمكان حصول التمانع بينهما ، أي أن يمنع أحدهما ~~PageV17P042 ما يريده الآخر ، لأن المتعددين يجوز عليهم الاختلاف في ~~الإرادة . وإذا كان هذا الإمكان لازما للتعدد فإن حصل التمانع بينهما إذ ~~تعلقت إرادة أحدهما بوجود شخص معين وتعلقت إرادة الآخر بعدم وجوده ، فلا ~~يصح أن يحصل المرادانن معا للزوم اجتماع النقيضين ، وإن حصل أحد المرادين ~~لزم عجز صاحب المراد الذي لم يحصل ، والعجز يستلزم الحدوث وهو محال ، ~~فاجتماع النقيضين أو حدوث الإله لازم لازمم لازمم للتعدد وهو محال ، ولازم ~~اللازم لازم ms5246 فيكون الملزوم الأول محالا ، قال التفتزاني : وبه تندفع ~~الإيرادات الواردة على برهان التمانع . # وأقول يرد على هذه الطريقة أن إمكان التمانع لا يوجب نهوض الدليل ، لأن ~~هذا الإمكان يستحيل وقوعه باستحالة حدوث الاختلاف بين الإلهين بناء على أن ~~اختلاف الإرادة إنما يجيء من تفاوت العلم في الانكشاف به ، ولذلك يقل ~~الاختلاف بين الحكماء . والإلهان نفرضهما مستويين في العلم والحكمة فعلمهما ~~وحكمتهما يقتضيان انكشافا متماثلا فلا يريد أحدهما إلا ما يريده الآخر فلا ~~يقع بينهما تمانع ، ولذلك استدل في المقاصد على لزوم حصول الاختلاف بينهما ~~بحكم اللزوم العادي . # بقي النظر في كيفية صدور الفعل عنهما فذلك انتقال إلى ما بنيت عليه ~~الطريقة الأولى . # وإن احتمال اتفاق الإلهين على إرادة الأشياء إذا كانت المصلحة فيها بناء ~~على أن الإلهين حكيمان لا تختلف إرادتهما ، وإن كان احتمالا صحيحا لكن يصير ~~به تعدد الإله عبثا لأن تعدد ولاة الأمور ما كان إلا لطلب ظهور الصواب عند ~~اختلافهما ، فإذا كانا لا يختلفان فلا فائدة في التعدد ، ومن المحال بناء ~~صفة أعلى الموجودات على ما لا أثر له في نفس الأمر ، فالآية دليل قطعي . ~~PageV17P043 # ثم رجع عن ذلك في ( شرح النسفية ) فحقق أنها دليل إقناعي على التقديرين ، ~~وقال المحقق الخيالي إلى أنها لا تكون دليلا قطعيا إلا بالنظر إلى تحقيق ~~معنى الظرفية من قوله تعالى { فيهما ، } وعين أن تكون الظرفية ظرفية ~~التأثير ، أي لو كان مؤثر فيهما ، أي السماوات والأرض غير الله تكون الآية ~~حجة قطعية . وقد بسطه عبد الحكيم في ( حاشيته على الخيالي ) ولا حاجة بنا ~~إلى إثبات كلامه هنا . # والاستثناء في قوله تعالى { إلا الله } استثناء من أحد طرفي القضية لا من ~~النسبة الحكمية ، أي هو استثناء من المحكوم عليه لا من الحكم . وذلك من ~~مواقع الاستثناء لأن أصل الاستثناء هو الإخراج من المستثنى منه فالغالب أن ~~يكون الإخراج من المستثنى باعتبار تسلط الحكم عليه قبل الاستثناء وذلك في ~~المفرغ وفي المنصوب ، وقد يكون باعتباره قبل تسلط الحكم عليه وذلك في غير ~~المنصوب ولا ms5247 المفرغ فيقال حينئذ إن ( إلا ) بمعنى غير والمستثنى يعرب بدلا ~~من المستثنى منه . # وفرع على هذا الاستدلال إنشاء تنزيه الله تعالى عن المقالة التي أبطلها ~~الدليل بقوله تعالى : { فسبحان الله رب العرش عما يصفون } أي عما يصفونه به ~~من وجود الشريك . # وإظهار اسم الجلالة في مقام الإضمار لتربية المهابة . # ووصفه هنا برب العرش للتذكير بأنه انفرد بخلق السماوات وهو شيء لا ~~ينازعون فيه بل هو خالق أعظم السماوات وحاويها وهو العرش تعريضا بهم ~~بإلزامهم لازم قولهم بانفراده بالخلق أن يلزم انتفاء الشركاء له فيما دون ~~ذلك . # PageV17P044 # | 2 ( 23 ) { لا يسأل عما يفعل وهم يسئلون } ) 2 # الأظهر أن هذه الجملة حال مكملة لمدلول قوله تعالى : { لا يستكبرون عن ~~عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون } ( الأنبياء : 19 20 ~~) كما تقدم عند قوله تعالى : { أم اتخذوا آلهة من الأرض } ( الأنبياء : 21 ~~) الخ . . فالمعنى أن من عنده وهم المقربون من المخلوقات هم مع قربهم ~~يسألون عما يفعلون ولا يسألونه عما يفعل ، أي لم يبلغ بهم قربهم إلى حد ~~الإدلال عليه وانتصابهم لتعقب أفعاله . فلما كان الضمير المرفوع بالنيابة ~~عن الفاعل مشعرا بفاعل حذف لقصد التعميم ، أي لا يسأل سائل الله تعالى عما ~~يفعل . وكان ممن يشملهم الفاعل المحذوف هم من عنده من المقربين ، صح كون ~~هذه الجملة حالا من { من عنده } ( الأنبياء : 19 ) ، على أن جملة { لا يسأل ~~عما يفعل } تمهيد لجملة { وهم يسألون } . # على أن تقديمه على جملة { وهم يسألون } اقتضته مناسبة الحديث عن تنزيهه ~~تعالى عن الشركاء فكان انتقالا بديعا بالرجوع إلى بقية أحوال المقربين . # فالمقصود أن من عنده مع قربهم ورفعة شأنهم يحاسبهم الله على أعمالهم فهم ~~يخافون التقصير فيما كلفوا به من الأعمال ولذلك كانوا لا يستحسرون ولا ~~يفترون . # وبهذا تعلم أن ليس ضمير { وهم يسألون } براجع إلى ما رجع إليه ضمير { ~~يصفون } ( الأنبياء : 22 ) لأن أولئك لا جدوى للإخبار بأنهم يسألون إذ لا ~~يتردد في العلم بذلك أحد ، ولا براجع إلى { آلهة من الأرض } ( الأنبياء : ~~21 ) لعدم ms5248 صحة سؤالهم ، وذلك هو ما دعانا إلى اعتبار جملة { لا يسأل عما ~~يفعل } حالا من { من عنده } ( الأنبياء : 19 ) . PageV17P045 # والسؤال هنا بمعنى المحاسبة ، وطلب بيان سبب الفعل ، وإبداء المعذرة عن ~~فعل بعض ما يفعل ، وتخلص من ملام أو عتاب على ما يفعل . وهو مثل السؤال في ~~الحديث ( كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ) . فكونهم يسألون كناية عن ~~العبودية لأن العبد بمظنة المؤاخذة على ما يفعل وما لا يفعل وبمظنة التعرض ~~للخطأ في بعض ما يفعل . # وليس المقصود هنا نفي سؤال الاستشارة أو تطلب العلم كما في قوله تعالى { ~~قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها } في ( البقرة : 30 ) ، ولا سؤال الدعاء ، ~~ولا سؤال الاستفادة والاستنباط مثل أسئلة المتفقهين أو المتكلمين عن الحكم ~~المبثوثة في الأحكام الشرعية أو في النظم الكونية لأن ذلك استنباط وتتبع ~~وليس مباشرة بسؤال الله تعالى ، ولا لتطلب مخلص من ملام . وفي هذا إبطال ~~لإلهية المقربين التي زعمها المشركون الذين عبدوا الملائكة وزعموهم بنات ~~الله تعالى ، بطريقة انتفاء خاصية الإله الحق عنهم إذ هم يسألون عما يفعلون ~~وشأن الإله أن لا يسأل . وتستخرج من جملة { لا يسأل عما يفعل } كناية عن ~~جريان أفعال الله تعالى على مقتضى الحكمة بحيث إنها لا مجال فيها لانتقاد ~~منتقد إذا أتقن الناظر التدبر فيها أو كشف له عما خفي منها . # # | 2 ( 24 ) { أم اتخذوا من دونه ءالهة قل هاتوا برهانكم هاذا ذكر من معى ~~وذكر من قبلى بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون } ) 2 # جملة { أم اتخذوا من دونه آلهة } تأكيد لجملة { أم اتخذوا آلهة من الأرض ~~} ( الأنبياء : 21 ) . أكد ذلك الإضراب الانتقالي بمثله استعظاما ~~PageV17P046 لفظاعته وليبنى عليه استدلال آخر كما بني على نظيره السابق ؛ ~~فإن الأول بني عليه دليل استحالة من طريق العقل ، وهذا بني عليه دليل بطلان ~~بشهادة الشرائع سابقها ولاحقها ، فلقن الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن ~~يقول : { هاتوا برهانكم } أي ، هاتوا دليلا على أن لله شركاء من شواهد ~~الشرائع والرسل . # والبرهان : الحجة الواضحة . وتقدم في قوله ms5249 تعالى : { يا أيها الناس قد ~~جاءكم برهان من ربكم } في سورة النساء ( 174 ) . # والإشارة في قوله تعالى { هذا ذكر من معي } إلى مقدر في الذهن يفسره ~~الخبر . والمقصود من الإشارة تمييزه وإعلانه بحيث لا يستطيع المخاطب ~~المغالطة فيه ولا في مضمونه ، كقوله تعالى : { هذا خلق الله فأروني ماذا ~~خلق الذين من دونه في سورة لقمان ( 11 ) ، أي أن كتب الذكر أي الكتب ~~الدينية في متناول الناس فانظروا هل تجدون في أحد منها أن لله شركاء وأن ~~الله أذن باتخاذهم آلهة . وإضافة ذكر } إلى { من معي } من إضافة المصدر إلى ~~مفعوله وهم المذكرون بفتح الكاف . # والمعية في قوله تعالى { من معي } معية المتابعة ، أي من معي من المسلمين ~~، فما صدق ( من ) الموصولة الأمم ، أي هذا ذكر الأمة التي هي معي ، أي ~~الذكر المنزل لأجلكم . فالإضافة من إضافة المصدر إلى المفعول كقوله تعالى : ~~{ لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم } ( الأنبياء : 10 ) . والمراد بقوله ~~تعالى : { هذا ذكر من معي } القرآن ، وأما قوله تعالى : { وذكر من قبلي } ~~فمعناه ذكر الأمم الذين هم قبلي يشمل جميع الكتب السالفة المعروفة : ~~التوراة والزبور والإنجيل وكتاب لقمان . وهذا كقوله تعالى : { شهد الله أنه ~~لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط في } ( آل عمران : 18 ) ~~. PageV17P047 # وأضرب عن الاستدلال بأنه استدلال مضيع فيهم بقوله تعالى : { بل أكثرهم لا ~~يعلمون الحق فهم معرضون } ، أي لا ترج منهم اعترافا ببطلان شركهم من دليل ~~العقل المتقدم ولا من دليل شهادة الشرائع المذكور ثانيا ، فإن أكثرهم لا ~~يعلمون الحق ولا يكتسبون علمه . # والمراد بكونهم لا يعلمون الحق أنهم لا يتطلبون علمه كما دلت عليه قرينة ~~التفريع عليه بقوله تعالى { فهم معرضون } ، أي معرضون عن النظر في الأدلة ~~التي تدعوهم أنت إلى معرفتها والنظر فيها . # وإنما أسند هذا الحكم إلى أكثرهم لا لجميعهم تسجيلا عليهم بأن قليلا منهم ~~يعلمون الحق ويجحدونه ، أو إيماء إلى أن قليلا منهم تهيأت نفوسهم لقبول ~~الحق . وتلك هي الحالة التي تعرض للنفس عند هبوب نسمات التوفيق عليها مثل ms5250 ~~ما عرض لعمر بن الخطاب حين وجد اللوح عند أخته مكتوبا فيه سورة طه فأقبل ~~على قراءته بشراشره فما أتمها حتى عزم على الإسلام . # $ 2 ( 25 ) { ومآ أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحى & # 1764 إليه أنه لا & # 1764 إلاه إلا أنا فاعبدون } ) 2 $ # لما أظهر لرسوله أن المعاندين لا يعلمون الحق لإعراضهم عن تلقيه أقبل على ~~رسوله صلى الله عليه وسلم بتأييد مقاله الذي لقنه أن يجيبهم به وهو قوله ~~تعالى : { قل هاتوا برهانكم هذا ذكر من معي وذكر من قبلي } ( الأنبياء : 24 ~~) ، فأفاده تعميمه في شرائع سائر الرسل سواء من أنزل عليه كتاب ومن لم ينزل ~~عليه كتاب ، وسواء من كان كتابه باقيا مثل موسى وعيسى وداود ومن لم يبق ~~كتابه مثل إبراهيم . PageV17P048 # وليس ذكر هذه الجملة لمجرد تقرير ما قبلها من آي التوحيد وإن أفادت ~~التقرير تبعا لفائدتها المقصودة . وفيها إظهار لعناية الله تعالى بإزالة ~~الشرك من نفوس البشر وقطع دابره إصلاحا لعقولهم بأن يزال منها أفظع خطل ~~وأسخف رأي ، ولم تقطع دابر الشرك شريعة كما قطعه الإسلام بحيث لم يحدث ~~الإشراك في هذه الأمة . # وحرف ( من ) في قوله تعالى { من رسول } مزيد لتوكيد النفي . # وفرع فيما أوحي إليهم أمره إياهم بعبادته على الإعلان بأنه لا إله غيره ، ~~فكان استحقاق العبادة خاصا به تعالى . # وقرأ الجمهور { إلا يوحى إليه بمثناة تحتية مبنيا للنائب ، وقرأه حفص ~~وحمزة والكسائي بالنون مبنيا للفاعل ، والاستثناء المفرع في موضع الحال . # $ 2 ( 26 29 ) { وقالوا اتخذ الرحمان ولدا سبحانه بل عباد مكرمون * لا ~~يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون * يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا ~~يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون * ومن يقل منهم إنى & # 1764 إلاه من دونه فذالك نجزيه جهنم كذلك نجزى الظالمين } ) 2 $ # عطف قصة من أقوالهم الباطلة على قصة أخرى . فلما فرغ من بيان باطلهم فيما ~~اتخذوا من دون الله آلهة انتقل إلى بيان باطل آخر وهو PageV17P049 اعتقادهم ~~أن الله اتخذ ولدا . وقد كانت خزاعة من سكان ms5251 ضواحي مكة يزعمون أن الملائكة ~~بنات الله من سروات الجن وشاركهم في هذا الزعم بعض من قريش وغيرهم من العرب ~~. وقد تقدم عند قوله تعالى { ويجعلون لله البنات سبحانه } في سورة النحل ( ~~57 ) . # والولد اسم جمع مفرده مثله ، أي اتخذ أولادا ، والولد يشمل الذكر والأنثى ~~، والذين قالوا اتخذ الله ولدا أرادوا أنه اتخذ بناتت ، قال تعالى : { ~~ويجعلون لله البنات سبحانه } ( النحل : 57 ) . # ولما كان اتخاذ الولد نقصا في جانب واجب الوجود أعقب مقالتهم بكلمة { ~~سبحانه } تنزيها له عن ذلك فإن اتخاذ الولد إنما ينشأ عن الافتقار إلى ~~إكمال النقص العارض بفقد الولد كما قال تعالى في سورة يونس ( 68 ) { قالوا ~~اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني } . # ولما كان المراد من قوله تعالى : { وقالوا اتخذ الله ولدا } ( البقرة : ~~116 ) أنهم زعموا الملائكة بناتت الله تعالى أعقب حرف الإضراب عن قولهم ~~بالإخبار بأنهم عباد دون ذكر المبتدأ للعلم به . والتقدير : بل الملائكة ~~عباد مكرمون ، أي أكرمهم الله برضاه عنهم وجعلهم من عباده المقربين وفضلهم ~~على كثير من خلقه الصالحين . # والسبق ، حقيقته : التقدم في السير على سائر آخر . وقد شاع إطلاقه مجازا ~~على التقدم في كل عمل . ومنه السبق في القول ، أي التكلم قبل الغير كما في ~~هذه الآية . ونفيه هنا كناية عن عدم المساواة ، أي كناية عن التعظيم ~~والتوقير . ونظيره في ذلك النهي عن التقدم في قوله تعالى : { يأيها الذين ~~آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله } ( الحجرات : 1 ) فإن التقدم في معنى ~~السبق . # فقوله تعالى : { لا يسبقونه بالقول } معناه لا يصدر منهم قول قبل قوله ، ~~أي لا يقولون إلا ما أذن لهم أن يقولون . وهذا عام يدخل فيه PageV17P050 ~~الرد على زعم المشركين أن معبوداتهم تشفع لهم عند الله إذا أراد الله ~~عقابهم على أعمالهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله كما سيصرح بنفيه . # وتقديم { بأمره } على { يعملون } لإفادة القصر ، أي لا يعملون عملا إلا ~~عن أمر الله تعالى فكما أنهم لا يقولون قولا لم يأذن فيه كذلك لا يعملون ~~عملا إلا بأمره ms5252 . # وقوله تعالى { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } تقدم نظيره في سورة البقرة ~~( 255 ) . # وقوله تعالى { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى } تخصيص بالذكر لبعض ما شمله ~~قوله تعالى { لا يسبقونه بالقول } اهتماما بشأنه لأنه مما كفروا بسببه إذ ~~جعلوا الآلهة شفعاء لهم عند الله . # وحذف مفعول { ارتضى } لأنه عائد صلة منصوب بفعل ، والتقدير : لمن ارتضاه ~~، أي ارتضى الشفاعة له بأن يأذن الملائكة أن يشفعوا له إظهارا لكرامتهم عند ~~الله أو استجابة لاستغفارهم لمن في الأرض ، كما قال تعالى { والملائكة ~~يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض في سورة الشورى ( 5 ) . وذلك ~~الاستغفار من جملة ما خلقوا لأجله فليس هو من التقدم بالقول . # ثم زاد تعظيمهم ربهم تقريرا بقوله تعالى : وهم من خشيته مشفقون } ، أي هم ~~يعظمونه تعظيم من يخاف بطشته ويحذر مخالفة أمره . # و { من } في قوله تعالى { من خشيته } للتعليل ، والمجرور ظرف مستقر ، وهو ~~حال من المبتدأ . و { مشفقون } خبر ، أي وهم لأجل خشيته ، أي خشيتهم إياه . ~~PageV17P051 # والإشفاق : توقع المكروه والحذر منه . # والشرط الذي في قوله تعالى : { ومن يقل منهم إني إله من دونه } الخ . . . ~~شرط على سبيل الفرض ، أي لو قاله واحد منهم مع العلم بأنهم لا يقولونه لأجل ~~ما تقرر من شدة خشيتهم . فالمقصود من هذا الشرط التعريض بالذين ادعوا لهم ~~الإلهية بأنهم ادعوا لهم ما لا يرضونه ولا يقولونه ، وأنهم ادعوا ما يوجب ~~لقائله نار جهنم على حد { ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ~~ليحبطن عملك } ( الزمر : 65 ) . # وعدل عن ( إن ) الشرطية إلى ( من ) الشرطية للدلالة على العموم مع ~~الإيجاز . وأدخل اسم الإشارة في جواب الشرط لتحقيق التعليق بنسبته الشرط ~~لأداته للدلالة على جدارة مضمون الجزاء بمن ثبت له مضمون الشرط ، وفي هذا ~~إبطال لدعوى عامة النصارى إلهية عيسى عليه السلام وأنهم يقولون عليه ما لم ~~يقله . ثم صرح بما اقتضاه التعريض فقال تعالى { كذلك نجزي الظالمين } أي ~~مثل ذلك الجزاء وهو جهنم يجزي المثبتين لله شريكا . والظلم : الشرك . # $ 2 ( 30 ) { أولم ير ms5253 الذين كفرو & # 1764 ا أن السماوات والارض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من المآء كل شىء ~~حى أفلا يؤمنون } . ) 2 $ # قرأ الجمهور { أولم } بواو بعد الهمزة وهي واو العطف ، فالجملة معطوفة ~~عطف الاستدلال على الخلق الثاني بالخلق الأول وما فيه من العجائب . وقرأ ~~ابن كثير { ألم ير بدون واو عطف . قال أبو شامة : ولم تثبت الواو في مصاحف ~~أهل مكة . قلت : معناه أنها لم تثبت في المصحف الذي أرسل به عثمان إلى مكة ~~فالتزم قراء مكة رواية عدم الواو إلى أن قرأ بها ابن كثير ، وأهملت غير ~~قراءته . PageV17P052 # والاستفهام على كلتا القراءتين إنكاري ، توجه الإنكار على إهمالهم للنظر ~~. # والرؤية تحتمل أن تكون بصرية وأن تكون علمية . والاستفهام صالح لأن يتوجه ~~إلى كلتيهما لأن إهمال النظر في المشاهدات الدالة على علم ما ينقذ علمه من ~~التورط في العقائد الضالة حقيق بالإنكار ، وإنكار أعمال الفكر في دلالة ~~الأشياء على لوازمها حتى لا يقع أحد في الضلال جدير أيضا بالإنكار أو ~~بالتقرير المشوب بإنكار كما سنفصله . # والرتق : الاتصال والتلاصق بين أجزاء الشيء . # والفتق : ضده ، وهو الانفصال والتباعد بين الأجزاء . # والإخبار عن السماوات والأرض بأنهما رتق إخبار بالمصدر للمبالغة في حصول ~~الصفة . # ثم إن قوله تعالى كانتا } يحتمل أن تكونا معا رتقا واحدا بأن تكون ~~السماوات والأرض جسما ملتئما متصلا . ويحتمل أن تكون كل سماء رتقا على ~~حدتها ، والأرض رتقا على حدتها وكذلك الاحتمال في قوله تعالى { ففتقناهما } ~~. # وإنما لم يقل نحو : فصارتا فتقا ، لأن الرتق متمكن منهما أشد تمكن كما ~~قلنا ليستدل به على عظيم القدرة في فتقهما ، ولدلالة الفعل على حدثان الفتق ~~إيماء إلى حدوث الموجودات كلها وأن ليس منها أزلي . # والرتق يحتمل أن يراد به معانن تنشأ على محتملاتها معانن في الفتق ، فإن ~~اعتبرنا الرؤية بصرية فالرتق المشاهد هو ما يشاهده الرائي من عدم تخلل شيء ~~بين أجزاء السماوات وبين أجزاء الأرض ، PageV17P053 والفتق هو ما يشاهده ~~الرائي من ضد ذلك حين يرى المطر نازلا من السماء ويرى البرق يلعج منها ~~والصواعق تسقط ms5254 منها فذلك فتقها ، وحين يرى انشقاق الأرض بماء المطر وانبثاق ~~النبات والشجر منها بعد جفافها ، وكل ذلك مشاهد مرئي دال على تصرف الخالق ، ~~وفي هذا المعنى جمع بين العبرة والمنة ، كما قال ابن عطية أي هو عبرة دلالة ~~على عظم القدرة وتقريب لكيفية إحياء الموتى كما قال تعالى : { فأحيينا به ~~الأرض بعد موتها في سورة فاطر ( 9 ) . # وإن اعتبرنا الرؤية علمية احتمل أن يراد بالرتق مثل ما أريد به على ~~اعتبار كون الرؤية بصرية ، وكان الاستفهام أيضا إنكاريا متوجها إلى إهمالهم ~~التدبر في المشاهدات . واحتمل أن يراد بالرتق معانن غير مشاهدة ولكنها مما ~~ينبغي طلب العلم به لما فيه من الدلائل على عظم القدرة وعلى الوحدانية ، ~~فيحتمل أن يراد بالرتق والفتق حقيقتاهما ، أي الاتصال والانفصال . ثم هذا ~~الاحتمال يجوز أن يكون على معنى الجملة ، أي كانت السماوات والأرض رتقا ~~واحدا ، أي كانتا كتلة واحدة ثم انفصلت السماوات عن الأرض كما أشار إليه ~~قوله تعالى : وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ~~في سورة هود ( 7 ) . # ويجوز على هذا الاحتمال أن يكون الرتق والفتق على التوزيع ، أي كانت ~~السماوات رتقا في حد ذاتها وكانت الأرض رتقا في حد ذاتها ثم فتق الله ~~السماوات وفتق الله الأرض ، وهذا كقوله تعالى : قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق ~~الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من ~~فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين ثم استوى ~~إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا ~~طائعين فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء ~~الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم في سورة فصلت ( 912 ) . ~~PageV17P054 # وعلى هذين الاحتمالين يكون الاستفهام تقريريا عن إعراضهم عن استماع ~~الآيات التي وصفت بدء الخلق ومشوبا بالإنكار على ذلك . # وعلى جميع التقادير فالمقصود من ذلك أيضا الاستدلال على أن الذي خلق ~~السماوات والأرض وأنشأهما بعد العدم قادر على أن ms5255 يخلق الخلق بعد انعدامه ~~قال تعالى : أو لم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض قادر على أن يخلق ~~مثلهم } ( الإسراء : 99 ) . # ويحتمل أن يراد بالرتق العدم وبالفتق الإيجاد . وإطلاق الرؤية على العلم ~~على هذا الاحتمال ظاهر لأن الرتق والفتق بهذا المعنى محقق أمرهما عندهم قال ~~تعالى : { ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله } ( لقمان : 25 ) ~~. # ويحتمل أن يراد بالرتق الظلمة وبالفتق النور ، فالموجودات وجدت في ظلمة ~~ثم أفاض الله عليها النور بأن أوجد في بعض الأجسام نورا أضاء الموجودات . # ويحتمل أن يراد بالرتق اتحاد الموجودات حين كانت مادة واحدة أو كانت ~~أثيرا أو عماء كما جاء في الحديث : ( كان في عماء ) ، فكانت جنسا عاليا ~~متحدا ينبغي أن يطلق عليه اسم مخلوق ، وهو حينئذ كلي انحصر في فرد . ثم خلق ~~الله من ذلك الجنس أبعاضا وجعل لكل بعض مميزات ذاتية فصير كل متميز بحقيقة ~~جنسا فصارت أجناسا . ثم خلق في الأجناس مميزات بالعوارض لحقائقها فصارت ~~أنواعا . وهذا الاحتمال أسعد بطريقة الحكماء وقد اصطلحوا على تسمية هذا ~~التمييز بالرتق والفتق ، وبعض من الصوفية وهو صاحب ( مرآة العارفين ) جعل ~~الرتق علما على العنصر الأعظم يعني الجسم الكل ، والجسم الكل هو الفلك ~~الأعظم المعبر عنه بالعرش . ذكر ذلك الحكيم الصوفي لطف الله الأرضرومي صاحب ~~( معارج النور في أسماء الله PageV17P055 الحسنى ) المتوفى في أواخر القرن ~~الثاني عشر الذي دخل تونس عام 1185 ه في مقدمات كتابه ( معارج النور ) وفي ~~رسالة له سماها ( رسالة الفتق والرتق ) . # والظاهر أن الآية تشمل جميع ما يتحقق فيه معاني الرتق والفتق إذ لا مانع ~~من اعتبار معنى عام يجمعها جميعا ، فتكون الآية قد اشتملت على عبرة تعم كل ~~الناس وكل عبرة خاصة بأهل النظر والعلم فتكون من معجزات القرآن العلمية ~~التي أشرنا إليها في مقدمات هذا التفسير . # { وجعلنا من المآء كل شىء حى أفلا يؤمنون } # زيادة استدلال بما هو أظهر لرؤية الأبصار وفيه عبرة للناس في أكثر أحواله ~~. وهو عبرة للمتأملين في دقائقه في تكوين الحيوان من الرطوبات ms5256 . وهي تكوين ~~التناسل وتكوين جميع الحيوان فإنه لا يتكون إلا من الرطوبة ولا يعيش إلا ~~ملابسا لها فإذا انعدمت منه الرطوبة فقد الحياة ، ولذلك كان استمرار الحمى ~~مفضيا إلى الهزال ثم إلى الموت . # و { جعل هنا بمعنى خلق ، متعدية إلى مفعول واحد لأنها غير مراد منها ~~التحول من حال إلى حال . # و من الماء } متعلق ب { جعلنا . } و ( من ) ابتدائية . وفرع عليه { أفلا ~~يؤمنون } إنكارا عليهم عدم إيمانهم الإيمان الذي دعاهم إليه محمد صلى الله ~~عليه وسلم وهو الإيمان بوحدانية الله . # PageV17P056 # | 2 ( 31 ) { وجعلنا فى الارض رواسى أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا ~~لعلهم يهتدون } ) 2 # هذا من آثار فتق الأرض في حد ذاتها إذ أخرج الله منها الجبال وذلك فتق ~~تكوين ، وجعل فيها الطرق ، أي الأرضين السهلة التي يتمكن الإنسان من المشي ~~فيها عكس الجبال . # والرواسي : الجبال ، لأنها رست في الأرض ، أي رسخت فيها . # والميد : الاضطراب . وقد تقدم في أول سورة النحل . # وتقدم في أول سورة النحل أن معنى { أن تميد } أن لا تميد ، أو لكراهة أن ~~تميد . والمعنى : وجعلنا في الأرض فجاجا . ولما كان { فجاجا } معناه واسعة ~~كان في المعنى وصفا للسبيل ، فلما قدم على موصوفه انتصب على الحال . ~~والمقصود إتمام المنة بتسخير سطح الأرض ليسلكوا منها طرقا واسعة ولو شاء ~~لجعل مسالك ضيقة بين الجبال كأنها الأودية . # والفجاج : جمع فج . والفج : الطريق الواسع . # والسبل : جمع سبيل ، وهو : الطريق مطلقا . # وجملة { لعلهم يهتدون } مستأنفة إنشاء رجاء اهتداء المشركين إلى وحدانية ~~الله فإن هذه الدلائل مشاهدة لهم واضحة الدلالة . ويجوز أن يراد بالاهتداء ~~الاهتداء في السير ، أي جعلنا سبلا واضحة غير محجوبة بالضيق إرادة اهتدائهم ~~في سيرهم ، فتكون هذه منة أخرى وهو تدبير الله الأشياء على نحو ما يلائم ~~الإنسان ويصلح أحواله . # فقوله تعالى { لعلهم يهتدون } من الكلام الموجه . # PageV17P057 # | 2 ( 32 ) { وجعلنا السمآء سقفا محفوظا وهم عن ءاياتها معرضون } ) 2 # لما ذكر الاعتبار بخلق الأرض وما فيها ناسب بحكم الطباق ذكر خلق السماء ~~عقبه ، إلا أن حالة خلق ms5257 الأرض فيها منافع للناس . فعقب ذكرها بالامتنان ~~بقوله تعالى : { أن تميد بهم } ( الأنبياء : 31 ) وبقوله تعالى : { لعلهم ~~يهتدون } ( الأنبياء : 31 ) . # وأما حال خلق السماء فلا تظهر فيه منفعة فلم يذكر بعده امتنان ، ولكنه ~~ذكر إعراضهم عن التدبر في آيات خلق السماء الدالة على الحكمة البالغة فعقب ~~بقوله تعالى : { وهم عن آياتها معرضون } . فأدمج في خلال ذلك منة وهي حفظ ~~السماء من أن تقع بعض الأجرام الكائنة فيها أو بعض أجزائها على الأرض فتهلك ~~الناس أو تفسد الأرض فتعطل منافعها ، فذلك إدماج للمنة في خلال الغرض ~~المقصود الذي لا مندوحة عن العبرة به . # والسقف ، حقيقته : غطاء فضاء البيت الموضوع على جدرانه ، ولا يقال السقف ~~على غطاء الخباء والخيمة . وأطلق السقف على السماء على طريقة التشبيه ~~البليغ ، أي جعلناها كالسقف لأن السماء ليست موضوعة على عمد من الأرض ، قال ~~تعالى : { الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها وقد تقدم في أول سورة ~~الرعد ( 2 ) . # وجملة وهم عن آياتها معرضون } في موضع الحال . وآيات السماء ما تشتمل ~~عليه السماء من الشمس والقمر والكواكب والشهب وسيرها وشروقها وغروبها ~~وظهورها وغيبتها ، وابتناء ذلك على حساب قويم وترتيب عجيب ، وكلها دلائل ~~على الحكمة البالغة PageV17P058 فلذلك سماها آيات . وكذلك ما يبدو لنا من ~~جهة السماء مثل السحاب والبرق والرعد . # # | 2 ( 33 ) { وهو الذى خلق اليل والنهار والشمس والقمر كل فى فلك يسبحون ~~} ) 2 # { # لما كانت في إيجاد هذه الأشياء المعدودة هنا منافع للناس سيقت في معرض ~~المنة بصوغها في صيغة الجملة الاسمية المعرفة الجزأين لإفادة القصر ، وهو ~~قصر إفراد إضافي بتنزيل المخاطبين من المشركين منزلة من يعتقد أن أصنامهم ~~مشاركة لله في خلق تلك الأشياء ، لأنهم لما عبدوا الأصنام ، والعبادة شكر ، ~~لزمهم أنهم يشكرونها وقد جعلوها شركاء لله فلزمهم أنهم يزعمون أنها شريكة ~~لله في خلق ما خلق لينتقل من ذلك إلى إبطال إشراكهم إياها في الإلهية . # ولكون المنة والعبرة في إيجاد نفس الليل والنهار ، ونفس الشمس والقمر ، ~~لا في إيجادها على حالة خاصة ، جيء هنا بفعل ms5258 الخلق لا بفعل الجعل . # وخلق الليل هو جزئي من جزئيات خلق الظلمة التي أوجد الله الكائنات فيها ~~قبل خلق الأجسام التي تفيض النور على الموجودات ، فإن الظلمة عدم والنور ~~وجودي وهو ضد الظلمة ، والعدم سابق للوجود فالحالة السابقة لوجود الأجرام ~~النيرة هي الظلمة ، والليل ظلمة ترجع لجرم الأرض عند انصراف الأشعة عن ~~الأرض . # وأما خلق النهار فهو بخلق الشمس ومن توجه أشعتها إلى النصف المقابل ~~للأشعة من الكرة الأرضية ، فخلق النهار تبع لخلق الشمس وخلقق الأرض ومقابلة ~~الأرض لأشعة الشمس ، ولذلك كان لذكر خلق PageV17P059 الشمس عقب ذكر خلق ~~النهار مناسبة قوية للتنبيه على منشأ خلق النهار كما هو معلوم . # وأما ذكر خلق القمر فلمناسبة خلق الشمس ، وللتذكير بمنة إيجاد ما ينير ~~على الناس بعض النور في بعض أوقات الظلمة . وكل ذلك من المنن . # وهو الذى خلق اليل والنهار والشمس والقمر كل فى فلك يسبحون } # مستأنفة استئنافا بيانيا لأنه لما ذكر الأشياء المتضادة بالحقائق أو ~~بالأوقات ذكرا مجملا في بعضها الذي هو آيات السماء ، ومفصلا في بعض آخر وهو ~~الشمس والقمر ، كان المقام مثيرا في نفوس السامعين سؤالا عن كيفية سيرها ~~وكيف لا يقع لها اصطدام أو يقع منها تخلف عن الظهور في وقته المعلوم ، ~~فأجيب بأن كل المذكورات له فضاء يسير فيه لا يلاقي فضاء سير غيره . # وضمير { يسبحون } عائد إلى عموم آيات السماء وخصوص الشمس والقمر . وأجري ~~عليها ضمير جماعة الذكور باعتبار تذكير أسماء بعضها مثل القمر والكوكب . # وقال في ( الكشاف ) : ( إنه روعي فيه وصفها بالسباحة التي هي من أفعال ~~العقلاء فأجري عليها أيضا ضمير العقلاء ، يعني فيكون ذلك ترشيحا للاستعارة ~~) . # وقوله تعالى { في فلك } ظرف مستقر خبر عن { كل } ، و { كل } مبتدأ ~~وتنوينه عوض عن المضاف إليه ، أي كل تلك ، فهو معرفة تقديرا . وهو المقصود ~~من الاستئناف بأن يفاد أن كلا من المذكورات مستقر PageV17P060 في فلك لا ~~يصادم فلك غيره ، وقد علم من لفظ ( كل ) ومن ظرفية ( في ) أن لفظ { فلك } ~~عام ، أي لكل منها فلكه فهي أفلاك ms5259 كثيرة . # وجملة { يسبحون } في موضع الحال . # والسبح : مستعار للسير في متسع لا طرائق فيه متلاقية كطرائق الأرض ، وهو ~~تقريب لسير الكواكب في الفضاء العظيم . # والفلك فسره أهل اللغة بأنه مدار النجوم ، وكذلك فسره المفسرون لهذه ~~الآية ولم يذكروا أنه مستعمل في هذا المعنى في كلام العرب . ويغلب على ظني ~~أنه من مصطلحات القرآن ومنه أخذه علماء الإسلام وهو أحسن ما يعبر عنه عن ~~الدوائر المفروضة التي يضبط بها سير كوكب من الكواكب وخاصة سير الشمس وسير ~~القمر . # والأظهر أن القرآن نقله من فلك البحر وهو الموج المستدير بتنزيل اسم ~~الجمع منزلة المفرد . والأصل الأصيل في ذلك كله فلكة المغزل بفتح الفاء ~~وسكون اللام وهي خشبة مستديرة في أعلاها مسمار مثني يدخل فيه الغزل ويدار ~~لينفتل الغزل . # ومن بدائع الإعجاز في هذه الآية أن قوله تعالى : { كل في فلك } فيه محسن ~~بديعي فإن حروفه تقرأ من آخرها على الترتيب كما تقرأ من أولها مع خفة ~~التركيب ووفرة الفائدة وجريانه مجرى المثل من غير تنافر ولا غرابة ، ومثله ~~قوله تعالى : { ربك فكبر } ( المدثر : 3 ) بطرح واو العطف ، وكلتا الآيتين ~~بني على سبعة أحرف ، وهذا النوع سماه السكاكي ( المقلوب المستوي ) وجعله من ~~أصناف نوع سماه القلب . # وخص هذا الصنف بما يتأتى القلب في حروف كلماته . وسماه الحريري في ( ~~المقامات ) ( ما لا يستحيل بالانعكاس ) وبنى عليه المقامة السادسة عشرة ~~ووضح أمثلة نثرا ونظما ، وفي معظم ما وضعه من PageV17P061 الأمثلة تكلف ~~وتنافر وغرابة ، وكذلك ما وضعه غيره على تفاوتها في ذلك والشواهد مذكورة في ~~كتب البديع فعليك بتتبعها ، وكلما زادت طولا زادت ثقلا . # قال العلامة الشيرازي في ( شرح المفتاح ) : وهو نوع صعب المسلك قليل ~~الاستعمال . قلت : ولم يذكروا منه شيئا وقع في كلام العرب فهو من مبتكرات ~~القرآن . # ذكر أهل الأدب أن القاضي الفاضل البيساني زار العماد الكاتب فلما ركب ~~لينصرف من عنده قال له العماد : ( سر فلا كبا بك الفرس ) ففطن القاضي أن ~~فيه محسن القلب فأجابه على البديهة : ( دام علا العماد ) وفيه محسن ms5260 القلب . # # | 2 ( 34 ) { وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإين مت فهم الخالدون } ) 2 # عنيت الآيات من أول السورة باستقصاء مطاعن المشركين في القرآن ومن جاء به ~~بقولهم { أفتأتون السحر وأنتم تبصرون } ( الأنبياء : 3 ) ، وقولهم : { ~~أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر } ( الأنبياء : 5 ) وكان من جملة أمانيهم ~~لما أعياهم اختلاق المطاعن أن كانوا يتمنون موت محمد صلى الله عليه وسلم أو ~~يرجونه أو يدبرونه قال تعالى : { أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون في ~~سورة الطور ( 30 ) ، وقال تعالى : وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو ~~يقتلوك في } ( الأنفال : 30 ) . # وقد دل على أن هؤلاء هم المقصود من الآية قوله تعالى : { أفإن مت فهم ~~الخالدون } فلما كان تمنيهم موته وتربصهم به ريب المنون PageV17P062 يقتضي ~~أن الذين تمنوا ذلك وتربصوا به كأنهم واثقون بأنهم يموتون بعده فتتم ~~شماتتهم ، أو كأنهم لا يموتون أبدا فلا يشمت بهم أحد ، وجه إليهم استفهام ~~الإنكار على طريقة التعريض بتنزيلهم منزلة من يزعم أنهم خالدون . # وفي الآية إيماء إلى أن الذين لم يقدر الله لهم الإسلام ممن قالوا ذلك ~~القول سيموتون قبل موت النبي عليه الصلاة والسلام فلا يشمتون به فإن الرسول ~~صلى الله عليه وسلم لم يمت حتى أهلك الله رؤوس الذين عاندوه وهدى بقيتهم ~~إلى الإسلام . # ففي قوله تعالى : { وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد } طريقة القول بالموجب ~~، أي أنك تموت كما قالوا ولكنهم لا يرون ذلك وهم بحال من يزعمون أنهم ~~مخلدون فأيقنوا بأنهم يتربصون بك ريب المنون من فرط غرورهم ، فالتفريع كان ~~على ما في الجملة الأولى من القول بالموجب ، أي ما هم بخالدين حتى يوقنوا ~~أنهم يرون موتك . وفي الإنكار الذي هو في معنى النفي إنذار لهم بأنهم لا ~~يرى موته منهم أحد . # # | 2 ( 35 ) { كل نفس ذآئقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ~~ترجعون } ) 2 # جمل معترضات بين الجملتين المتعاطفتين . # ومضمون الجملة الأولى مؤكد لمضمون الجملة المعطوف عليها ، وهي { وما ~~جعلنا لبشر من قبلك الخلد } ( الأنبياء : 34 ) . ووجه إعادتها ms5261 اختلاف القصد ~~فإن الأولى للرد على المشركين وهذه لتعليم المؤمنين . # واستعير الذوق لمطلق الإحساس الباطني لأن الذوق إحساس باللسان يقارنه ~~ازدراد إلى بالباطن . PageV17P063 # وذوق الموت ذوق آلامم مقدماته وأما بعد حصوله فلا إحساس للجسد . # والمراد بالنفس النفوس الحالة في الأجساد كالإنسان والحيوان . ولا يدخل ~~فيه الملائكة لأن إطلاق النفوس عليهم غير متعارف في العربية بل هو اصطلاح ~~الحكماء وهو لا يطلق عندهم إلا مقيدا بوصف المجرداتت ، أي التي لا تحل في ~~الأجساد ولا تلابس المادة . وأما إطلاق النفس على الله تعالى فمشاكلة : إما ~~لفظية كما في قوله تعالى { تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك في سورة ~~المائدة ( 116 ) . وإما تقديرية كما في قوله تعالى ويحذركم الله نفسه في آل ~~عمران ( 28 ) . # وجملة ونبلوكم بالشر والخير فتنة } عطف على الجملة المعترضة بمناسبة أن ~~ذوق الموت يقتضي سبق الحياة ، والحياة مدة يعتري فيها الخير والشر جميع ~~الأحياء ، فعلم الله تعالى المسلمين أن الموت مكتوب على كل نفس حتى لا ~~يحسبوا أن الرسول صلى الله عليه وسلم مخلد . وقد عرض لبعض المسلمين عارض من ~~ذلك ، ومنهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقد قال يوم انتقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى : ( ليرجعن رسول الله فيقطع أيدي قوم وأرجلهم ~~) حتى حضر أبو بكر رضي الله عنه وثبته الله في ذلك الهول فكشف عن وجه النبي ~~صلى الله عليه وسلم وقبله وقال : ( طبت حيا وميتا والله لا يجمع الله عليك ~~موتتين ) . وقد قال عبد بني الحسحاس وأجاد : # رأيت المنايا لم يدعن محمدا # ولا باقيا إلا له الموت مرصدا # وأعقب الله ذلك بتعليمهم أن الحياة مشتملة على خير وشر وأن الدنيا دار ~~ابتلاء . PageV17P064 # والبلوى : الاختبار . وتقدم غير مرة . وإطلاق البلوى على ما يبدو من ~~الناس من تجلد ووهن وشكر وكفر ، على ما ينالهم من اللذات والآلام مما بنى ~~الله تعالى عليه نظام الحياة ، إطلاق مجازي ، لأن ابتناء النظام عليه دل ~~على اختلاف أحوال الناس في تصرفهم فيه وتلقيهم إياه . أشبه ms5262 اختبار المختبر ~~ليعلم أحوال من يختبرهم . # و { فتنة } منصوب على المفعولية المطلقة توكيدا لفعل { نبلوكم } لأن ~~الفتنة ترادف البلوى . # وجملة { وإلينا ترجعون } إثبات للبعث ، فجمعت الآية الموت والحياة والنشر ~~. # وتقديم المجرور للرعاية على الفاصلة وإفادة تقوي الخبر . وأما احتمال ~~القصر فلا يقوم هنا إذ ليس ذلك باعتقاد للمخاطبين كيفما افترضتهم . # $ 2 ( 36 ) { وإذا رآك الذين كفرو & # 1764 ا إن يتخذونك إلا هزوا أهاذا الذى يذكر آلهتكم وهم بذكر الرحمان هم ~~كافرون } ) 2 $ # هذا وصف آخر لما يؤذي به المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ~~يرونه فهو أخص من أذاهم إياه في مغيبه ، فإذا رأوه يقول بعضهم لبعض : { ~~أهذا الذي يذكر آلهتكم } . # والهزؤ بضم الهاء وضم الزاي مصدر هزأ به ، إذا جعله للعبث والتفكه . ~~ومعنى اتخاذه هزؤا أنهم يجعلونه مستهزأ به فهذا من الإخبار PageV17P065 ~~بالمصدر للمبالغة ، أو هو مصدر بمعنى المفعول كالخلق بمعنى المخلوق . وتقدم ~~في سورة ( الكهف : 106 ) قوله تعالى : { واتخذوا آياتي ورسلي هزؤا } . # وجملة { أهذا الذي يذكر آلهتكم } مبينة لجملة { إن يتخذونك إلا هزؤا } ~~فهي في معنى قول محذوف دل عليه { إن يتخذونك إلا هزؤا } لأن الاستهزاء يكون ~~بالكلام . وقد انحصر اتخاذهم إياه عند رؤيته في الاستهزاء به دون أن يخلطوه ~~بحديث آخر في شأنه . # والاستفهام مستعمل في التعجيب ، واسم الإشارة مستعمل في التحقير ، بقرينة ~~الاستهزاء . # ومعنى { يذكر آلهتكم } يذكرهم بسوء ، بقرينة المقام ، لأنهم يعلمون ما ~~يذكر به آلهتهم مما يسوءهم ، فإن الذكر يكون بخير وبشر فإذا لم يصرح ~~بمتعلقه يصار إلى القرينة كما هنا وكما في قوله تعالى الآتي : { قالوا ~~سمعنا فتى يذكرهم } ( الأنبياء : 60 ) . وكلامهم مسوق مساق الغيظ والغضب ، ~~ولذلك أعقبه الله بجملة الحال وهي { وهم بذكر الرحمن هم كافرون } ، أي ~~يغضبون من أن تذكر آلهتهم بما هو كشف لكنهها المطابق للواقع في حال غفلتهم ~~عن ذكر الرحمن الذي هو الحقيق بأن يذكروه . فالذكر الثاني مستعمل في الذكر ~~بالثناء والتمجيد بقرينة المقام . والأظهر أن المراد بذكر الرحمن هنا ~~القرآن ، أي الذكر الوارد من الرحمن . والمناسبة ms5263 الانتقال من ذكر إلى ذكر . ~~ومعنى كفرهم بذكر الرحمن إنكارهم أن يكون القرآن آية دالة على صدق الرسول ~~صلى الله عليه وسلم فقالوا : { فليأتنا بآية كما أرسل الأولون } ( الأنبياء ~~: 5 ) . وأيضا كفرهم بما جاء به القرآن من إثبات البعث . # وعبر عن الله تعالى باسم { الرحمن } توركا عليهم إذ كانوا يأبون أن يكون ~~الرحمن اسما لله تعالى : { وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمان قالوا وما الرحمن ~~أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا } في سورة ( الفرقان : 60 ) . PageV17P066 # وضمير الفصل في قوله تعالى : { هم كافرون } يجوز أن يفيد الحصر ، أي هم ~~كافرون بالقرآن دون غيرهم ممن أسلم من أهل مكة وغيرهم من العرب لإفادة أن ~~هؤلاء باقون على كفرهم مع توفر الآيات والنذر . # ويجوز أن يكون الفصل لمجرد التأكيد تحقيقا لدوام كفرهم مع ظهور ما شأنه ~~أن يقلعهم عن الكفر . # # | 2 ( 37 ) { خلق الإنسان من عجل سأوريكم ءاياتى فلا تستعجلون } . ) 2 # جملة { خلق الإنسان من عجل } معترضة بين جملة { وإذا رآك الذين كفروا } ( ~~الأنبياء : 36 ) وبين جملة { سأريكم آياتي } ، جعلت مقدمة لجملة { سأريكم ~~آياتي } . أما جملة { سأريكم آياتي } فهي معترضة بين جملة { وإذا رآك الذين ~~كفروا إن يتخذونك إلا هزؤا } ( الأنبياء : 36 ) وبين جملة { ويقولون متى ~~هذا الوعد } ( الأنبياء : 38 ) ، لأن قوله تعالى : { وإذا رآك الذين كفروا ~~إن يتخذونك إلا هزؤا } ( الأنبياء : 36 ) يثير في نفوس المسلمين تساؤلا عن ~~مدى إمهال المشركين ، فكان قوله تعالى : { سأريكم آياتي فلا تستعجلون } ~~استئنافا بيانيا جاء معترضا بين الجمل التي تحكي أقوال المشركين وما تفرع ~~عليها . فالخطاب إلى المسلمين الذين كانوا يستبطئون حلول الوعيد الذي توعد ~~الله تعالى به المكذبين . # ومناسبة موقع الجملتين أن ذكر استهزاء المشركين بالنبي صلى الله عليه ~~وسلم يهيج حنق المسلمين عليهم فيودوا أن ينزل بالمكذبين الوعيد عاجلا ~~فخوطبوا بالتريث وأن لا يستعجلوا ربهم لأنه أعلم بمقتضى الحكمة في توقيت ~~حلول الوعيد وما في تأخير نزوله من المصالح للدين . PageV17P067 وأهمها ~~مصلحة إمهال القوم حتى يدخل منهم كثير في الإسلام . والوجه أن تكون الجملة ~~الأولى تمهيدا ms5264 للثانية . # والعجل : السرعة . وخلق الإنسان منه استعارة لتمكن هذا الوصف من جبلة ~~الإنسانية . شبهت شدة ملازمة الوصف بكونه مادة لتكوين موصوفه ، لأن ضعف صفة ~~الصبر في الإنسان من مقتضى التفكير في المحبة والكراهية . فإذا فكر العقل ~~في شيء محبوب استعجل حصوله بداعي المحبة ، وإذا فكر في شيء مكروه استعجل ~~إزالته بداعي الكراهية ، ولا تخلو أحوال الإنسان عن هذين ، فلا جرم كان ~~الإنسان عجولا بالطبع فكأنه مخلوق من العجلة . ونحوه قوله تعالى : { وكان ~~الإنسان عجولا } ( الإسراء : 11 ) وقوله تعالى : { إن الإنسان خلق هلوعا } ~~( المعارج : 19 ) . ثم إن أفراد الناس متفاوتون في هذا الاستعجال على حسب ~~تفاوتهم في غور النظر والفكر ولكنهم مع ذلك لا يخلون عنه . وأما من فسر ~~العجل بالطين وزعم أنها كلمة حميرية فقد أبعد وما أسعد . # وجملة { سأريكم آياتي } هي المقصود من الاعتراض . وهي مستأنفة . # والمعنى : وعد بأنهم سيرون آيات الله في نصر الدين ، وذلك بما حصل يوم ~~بدر من النصر وهلك أيمة الشرك وما حصل بعده من أيام الإسلام التي كان النصر ~~فيها عاقبة المسلمين . # وتفرع على هذا الوعد نهي عن طلب التعجيل ، أي عليكم أن تكلوا ذلك إلى ما ~~يوقته الله ويؤجله ، ولكل أجل كتاب . فهو نهي عن التوغل في هذه الصفة وعن ~~لوازم ذلك التي تفضي إلى الشك في الوعيد . # وحذفت ياء المتكلم من كلمة { تستعجلون } تخفيفا مع بقاء حركتها فإذا وقف ~~عليه حذفت الحركة من النون . # PageV17P068 # | 2 ( 38 40 ) { ويقولون متى هاذا الوعد إن كنتم صادقين * لو يعلم الذين ~~كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون * بل ~~تأتيهم بغتة فتبهتهم فلا يستطيعون ردها ولا هم ينظرون } ) 2 # نشأ عن ذكر استبطاء المسلمين وعد الله بنصرهم على الكافرين ذكر نظيره في ~~جانب المشركين أنهم تساءلوا عن وقت هذا الوعد تهكما ، فنشأ به القولان ~~واختلف الحالان فيكون قوله تعالى : { ويقولون متى هذا الوعد } عطفا على ~~جملة { سأريكم آياتي } ( الأنبياء : 37 ) . وهذا معبر عن مقالة أخرى من ~~مقالاتهم التي يتلقون بها ms5265 دعوة النبي صلى الله عليه وسلم استهزاء وعنادا . # وذكر مقالتهم هذه هنا مناسب لاستبطاء المسلمين النصر . وبهذا الاعتبار ~~تكون متصلة بجملة { وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزؤا } ( الأنبياء ~~: 36 ) فيجوز أن تكون معطوفة عليها . # وخاطبوا بضمير الجماعة النبيء صلى الله عليه وسلم والمسلمين ، ولأجل هذه ~~المقالة كان المسلمون يستعجلون وعيد المشركين . # واستفهامهم استعملوه في التهكم مجازا مرسلا بقرينة إن كنتم صادقين لأن ~~المشركين كانوا موقنين بعدم حصول الوعد . # والمراد بالوعد ما توعدهم به القرآن من نصر رسوله واستئصال معانديه . ~~وإلى هذه الآية ونظيرها ينظر قول النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر حين وقف ~~على القليب الذي دفنت فيه جثث المشركين وناداهم بأسمائهم { قد وجدنا ما ~~وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما PageV17P069 وعد ربكم حقا } ( الأعراف : 44 ) ~~أي ما وعدنا ربنا من النصر وما وعدكم من الهلاك وعذاب النار . # وجملة { لو يعلم الذين كفروا } مستأنفة للبيان لأن المسلمين يترقبون من ~~حكاية جملة { ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين } . ماذا يكون جوابهم ~~عن تهكمهم . وحاصل الجواب أنه واقع لا محالة ولا سبيل إلى إنكاره . # وجواب ( لو ) محذوف ، تقديره : لما كانوا على ما هم عليه من الكفر ~~والاستهزاء برسولكم وبدينكم ، ونحو ذلك مما يحتمله المقام . وقد يؤخذ من ~~قرينة قوله تعالى : { وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزؤا } ( ~~الأنبياء : 36 ) . وحذف جواب ( لو ) كثير في القرآن . ونكتته تهويل جنسه ~~فتذهب نفس السامع كل مذهب . # و ( حين ) هنا : اسم زمان منصوب على المفعولية لا على الظرفية ، فهو من ~~أسماء الزمان المتصرفة ، أي لو علموا وقته وأيقنوا بحصوله لما كذبوا به ~~وبمن أنذرهم به ولما عدوا تأخيره دليلا على تكذيبه . 6 # وجملة { لا يكفون } مضاف إليها ( حين ) . وضمير { يكفون } فيه وجهان : ~~أحدهما بدا لي أن يكون الضمير عائدا إلى ملائكة العذاب فمعاد الضمير معلوم ~~من المقام ، ونظائر هذا المعاد كثيرة في القرآن وكلام العرب . ومعنى الكف ~~على هذا الوجه : الإمساك وهو حقيقته ، أي حين لا يمسك الملائكة اللفح ~~بالنار عن ms5266 وجوه المشركين . وتكون هذه الآية في معنى قوله تعالى في سورة ( ~~الأنفال : 50 ) { ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم ~~وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق } فإن ذلك ضرب بسياط من نار ويكون ما هنا ~~إنذار بما سيلقونه يوم بدر كما أن آية الأنفال حكاية لما لقوه يوم بدر . ~~PageV17P070 # وذكر الوجوه والأدبار للتنكيل بهم وتخويفهم لأن الوجوه أعز الأعضاء على ~~الناس كما قال عباس بن مرداس : # نعرض للسيوف إذا التقينا # وجوها لا تعرض لللطام # ولأن الأدبار يأنف الناس من ضربها لأن ضربها إهانة وهزي ، ويسمى الكسع . # والوجه الثاني : أن يكون ضمير { يكفون } عائدا إلى الذين كفروا ، والكف ~~بمعنى الدرء والستر مجازا بعلاقة اللزوم ، أي حين لا يستطيعون أن يدفعوا ~~النار عن وجوههم بأيديهم ولا عن ظهورهم . أي حين تحيط بهم النار مواجهة ~~ومدابرة . وذكر الظهور بعد ذكر الوجوه عن هذا الاحتمال احتراس لدفع توهم ~~أنهم قد يكفونها عن ظهورهم إن لم تشتغل أيديهم بكفها عن وجوههم . # وهذا الوجه هو الذي اقتصر عليه جميع من لدينا كتبهم من المفسرين . والوجه ~~الأول أرجح معنى ، لأنه المناسب مناسبة تامة للكافرين الحاضرين المقرعين ~~ولتكذيبهم بالوعيد بالهلاك في قولهم { متى هذا الوعد } ولقوله تعالى { ~~سأريكم آياتي } ( الأنبياء : 37 ) كما تقدم . # وقوله تعالى : { ولا هم ينصرون } عطف على { لا يكفون } أي لا يكف عنهم ~~نفح النار ، أو لا يدفعون عن أنفسهم نفح النار ولا يجدون لهم ناصرا ينصرهم ~~فهم واقعون في ورطة العذاب . وفي هذا إيماء إلى أنهم ستحل بهم هزيمة بدر ~~فلا يستطيعون خلاصا منها ولا يجدون نصيرا من أحلافهم . # و ( بل ) للإضراب الانتقالي من تهويل ما أعد لهم ، إلى التهديد بأن ذلك ~~يحل بهم بغتة وفجأة ، وهو أشد على النفوس لعدم التهيؤ له والتوطن عليه ، ~~كما قال كثير : # فقلت لها يا عز كل مصيبة # إذا وطنت يوما لها النفس ذلت PageV17P071 # وإن كان المراد عذاب الآخرة فنفي الناصر تكذيب لهم في قولهم { هؤلاء ~~شفعاؤنا عند الله } ( يونس : 18 ) . # وفاعل { تأتيهم } ضمير عائد إلى الوعد . وإنما ms5267 قرن الفعل بعلامة المؤنث ~~على الوجه الأول المتقدم في قوله تعالى : { حين لا يكفون عن وجوههم النار } ~~باعتبار الوقعة أو نحو ذلك ، وهو إيماء إلى أن ذلك سيكون فيما اسمه لفظ ~~مؤنث مثل الوقعة والغزوة . وأما على الوجه الثاني المتقدم الذي درج عليه ~~سائر المفسرين فيما رأينا فلتأويل الوعد بالساعة أو القيامة أو الحين لأن ~~الحين في معنى الساعة . # والبغتة : المفاجأة ، وهي حدوث شيء غير مترقب . # والبهت : الغلب المفاجىء المعجز عن المدافعة ، يقال : بهته فبهت . قال ~~تعالى في سورة ( البقرة : 258 ) { فبهت الذي كفر أي غلب . وهو معنى التفريع ~~في قوله تعالى : فلا يستطيعون ردها } وقوله تعالى : { ولا هم ينظرون } أي ~~لا تؤخر عنهم . وفيه تنبيه لهم إلى أنهم أنظروا زمنا طويلا لعلهم يقلعون عن ~~ضلالهم . # وما أشد انطباق هذه الهيئة على ما حصل لهم يوم بدر قال تعالى : { ولو ~~تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا في } ( ~~الأنفال : 42 ) ، وقال تعالى : { ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان ~~مفعولا } ( الأنفال : 44 ) . ولا شك في أن المستهزئين مثل أبي جهل وشيبة ~~ابني ربيعة وعتبة ابن ربيعة وأمية بن خلف ، كانوا ممن بغتهم عذاب السيف ~~وكان أنصارهم من قريش ممن بهتهم ذلك . # وأما إذا أريد بضمير { تأتيهم } الساعة والقيامة فهي تأتي بغتة لمن هم من ~~جنس المشركين أو تأتيهم النفخة والنشرة بغتة . وأما أولئك المستهزئون ~~فكانوا قد انقرضوا منذ قرون . # PageV17P072 # | 2 ( 41 ) { ولقد استهزىء برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا ~~به يستهزءون } ) 2 # عطف على جملة { سأريكم آياتي } ( الأنبياء : 37 ) تطمين للنبيء صلى الله ~~عليه وسلم وتسلية له . ومناسبة عطفها على جملة { لو يعلم الذين كفروا حين ~~لا يكفون عن وجوههم النار } ( الأنبياء : 39 ) إلى آخرها ظاهرة . # وقد تقدم نظير هذه الآية في أوائل سورة الأنعام . # $ 2 ( 42 44 ) { قل من يكلؤكم باليل والنهار من الرحمان بل هم عن ذكر ~~ربهم معرضون * أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم ~~منا ms5268 يصحبون * بل متعنا هاؤلا & # 1764 ء وءابآءهم حتى طال عليهم العمر أفلا يرون أنا نأتى الارض ننقصها من ~~أطرافهآ أفهم الغالبون } ) 2 $ # { قل من يكلؤكم باليل والنهار من الرحمان بل هم عن ذكر ربهم معرضون * أم ~~لهم آلهة تمنعهم من دوننا لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم منا يصحبون * بل } # بعد أن سلي الرسول صلى الله عليه وسلم على استهزائهم بالوعيد أمر أن ~~يذكرهم بأن غرورهم بالإمهال من قبل الله رحمة منه بهم كشأنه في الرحمة ~~بمخلوقاته بأنهم إذا نزل بهم عذابه لا يجدون حافظا لهم من العذاب غيره ولا ~~تمنعهم منه آلهتهم . # والاستفهام إنكار وتقريع ، أي لا يكلؤهم منه أحد فكيف تجهلون ذلك ، ~~تنبيها لهم إذ نسوا نعمه . # وذكر الليل والنهار لاستيعاب الأزمنة كأنه قيل : من يكلؤكم في جميع ~~الأوقات . PageV17P073 # وقدم الليل لأنه زمن المخاوف لأن الظلام يعين أسباب الضر على الوصول إلى ~~مبتغاها من إنسان وحيوان وعلل الأجسام . # وذكر النهار بعده للاستيعاب . # ومعنى { من الرحمن } من بأسه وعذابه . # وجيء بعد هذا التفريع بإضرابات ثلاثة انتقالية على سبيل التدريج الذي هو ~~شأن الإضراب . # فالإضراب الأول قوله تعالى : { بل هم عن ذكر ربهم معرضون } ، وهو ارتقاء ~~من التقريع المجعول للإصلاح إلى التأييس من صلاحهم بأنهم عن ذكر ربهم ~~معرضون فلا يرجى منهم الانتفاع بالقوارع ، أي أخر السؤال والتقريع واتركهم ~~حتى إذا تورطوا في العذاب عرفوا أن لا كالىء لهم . # ثم أضرب إضرابا ثانيا ب ( أم ) المنقطعة التي هي أخت ( بل ) مع دلالتها ~~على الاستفهام لقصد التقريع فقال : { أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا } ، أي ~~بل ألهم آلهة . والاستفهام إنكار وتقريع ، أي ما لهم آلهة مانعة لهم من ~~دوننا . وهذا إبطال لمعتقدهم أنهم اتخذوا الأصنام شفعاء . # وجملة { لا يستطيعون نصر أنفسهم } مستأنفة معترضة . وضمير { يستطيعون } ~~عائد إلى آلهة أجري عليهم ضمير العقلاء مجاراة لما يجريه العرب في كلامهم . ~~والمعنى : كيف ينصرونهم وهم لا يستطيعون نصر أنفسهم ، ولا هم مؤيدون من ~~الله بالقبول . # ثم أضرب إضرابا ثالثا انتقل به إلى كشف سبب ms5269 غرورهم الذي من جهلهم به ~~حسبوا أنفسهم آمنين من أخذ الله إياهم بالعذاب فجرأهم PageV17P074 ذلك على ~~الاستهزاء بالوعيد ، وهو قوله تعالى : { بل متعنا هؤلاء وآباءهم } ، أي فما ~~هم مستمرون فيه من النعمة إنما هو تمتيع وإمهال كما متعنا آباءهم من قبل ، ~~وكما كان لآبائهم آجال انتهوا إليها كذلك يكون لهؤلاء ، ولكن الآجال تختلف ~~بحسب ما علم الله من الحكمة في مداها حتى طالت أعمار آبائهم . وهذا تعريض ~~بأن أعمار هؤلاء لا تبلغ أعمار آبائهم ، وأن الله يحل بهم الهلاك لتكذيبهم ~~إلى أمد علمه . # وقد وجه الخطاب إليهم ابتداء بقوله تعالى : { قل من يكلؤكم } ، ثم أعرض ~~عنهم من طريق الخطاب إلى طريق الغيبة لأن ما وجه إليهم من إنكار أن يكلأهم ~~أحد من عذاب الله جعلهم أحرياء بالإعراض عنهم كما في قوله تعالى : { هو ~~الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة ~~وفرحوا بها الآية في سورة } ( يونس : 22 ) . # و { يصحبون } إما مضارع صحبه إذا خالطه ولازمه ، والصحبة تقتضي النصر ~~والتأييد ، فيجوز أن يكون الفاعل الذي ناب عنه من أسند إليه الفعل المبني ~~للنائب مرادا به الله تعالى ، أي لا يصحبهم الله ، أي لا يؤيدهم ؛ فيكون ~~قوله تعالى : { منا } متعلقا ب { يصحبون } على معنى ( من ) الاتصالية ، أي ~~صحبة متصلة بنا بمعنى صحبة متينة . وهذا نفي لما اعتقده المشركون بقولهم { ~~ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى } ( الزمر : 3 ) . # ويجوز أن يكون الفاعل المحذوف محذوفا لقصد العموم ، أي لا يصحبهم صاحب ، ~~أي لا يجيرهم جار فإن الجوار يقتضي حماية الجار فيكون قوله تعالى : { منا } ~~متعلقا ب { يصحبون } على معنى ( من ) التي بمعنى ( على ) كقوله تعالى : { ~~فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا } ( غافر : 29 ) . # وإما مضارع أصحبه المهموز بمعنى حفظه ومنعه ، أي من السوء . # والإشارة ب { هؤلاء } لحاضرين في الأذهان وهم كفار قريش . PageV17P075 # وقد استقريت أن القرآن إذا ذكرت فيه هذه الإشارة دون وجود مشار إليه في ~~الكلام فهو يعني بها كفار قريش . # { أفلا يرون أنا ms5270 نأتى الارض ننقصها من أطرافهآ أفهم الغالبون } # تقريع على إحالتهم نصر المسلمين وعدهم تأخير الوعد به دليلا على تكذيب ~~وقوعه حتى قالوا : { متى هذا الوعد إن كنتم صادقين } ( الأنبياء : 38 ) ~~تهكما وتكذيبا . فلما أنذرهم بما سيحل بهم في قوله تعالى : { لو يعلم الذين ~~كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار إلى قوله تعالى : ما كانوا به يستهزئون ~~} ( الأنبياء : 39 41 ) فرع على ذلك كله استفهاما تعجيبيا من عدم اهتدائهم ~~إلى إمارات اقتران الوعد بالموعود استدلالا على قربه بحصول أماراته . # والرؤية علمية ، وسدت الجملة مسد المفعولين لأنها في تأويل مصدر ، أي ~~أعجبوا من عدم اهتدائهم إلى نقصان أرضهم من أطرافها ، وأن ذلك من صنع الله ~~تعالى بتوجه عناية خاصة ، لكونه غير جار على مقتضى الغالب المعتاد ، فمن ~~تأمل علم أنه من عجيب صنع الله تعالى ، وكفى بذلك دليلا على تصديق الرسول ~~صلى الله عليه وسلم وعلى صدق ما وعدهم به وعناية ربه به كما دل عليه فعل { ~~نأتي . # فالإتيان تمثيل بحال الغازي الذي يسعى إلى أرض قوم فيقتل ويأسر كما تقدم ~~في قوله تعالى : فأتى الله بنيانهم من القواعد } ( النحل : 26 ) . # والتعريف في { الأرض } تعريف العهد ، أي أرض العرب كما في قوله تعالى في ~~( سورة يوسف : 80 ) { فلن أبرح الأرض } أي أرض مصر . PageV17P076 # والنقصان : تقليل كمية شيء . # والأطراف : جمع طرف بفتح الطاء والراء . وهو ما ينتهي به الجسم من جهة من ~~جهاته ، وضده الوسط . # والمراد بنقصان الأرض : نقصان من عليها من الناس لا نقصان مساحتها لأن ~~هذه السورة مكية فلم يكن ساعتئذ شيء من أرض المشركين في حوزة المسلمين ، ~~والقرينة المشاهدة . # والمراد : نقصان عدد المشركين بدخول كثير منهم في الإسلام ممن أسلم من ~~أهل مكة ، ومن هاجر منهم إلى الحبشة ، ومن أسلم من أهل المدينة إن كانت ~~الآية نزلت بعد إسلام أهل العقبة الأولى أو الثانية ، فكان عدد المسلمين ~~يومئذ يتجاوز المائتين . وتقدم نظير هذه الجملة في ختام سورة الرعد . # وجملة { أفهم الغالبون } مفرعة على جملة التعجيب من عدم اهتدائهم إلى ms5271 هذه ~~الحالة . والاستفهام إنكاري ، أي فكيف يحسبون أنهم غلبوا المسلمين وتمكنوا ~~من الحجة عليهم . # واختيار الجملة الاسمية في قوله تعالى : { أفهم الغالبون } دون الفعلية ~~لدلالتها بتعريف جزأيها على القصر ، أي ما هم الغالبون بل المسلمون ~~الغالبون ، إذ لو كان المشركون الغالبين لما كان عددهم في تناقص ، ولما خلت ~~بلدتهم من عدد كثير منهم . # # | 2 ( 45 ) { قل إنمآ أنذركم بالوحى ولا يسمع الصم الدعآء إذا ما ينذرون ~~} ) 2 # استئناف ابتدائي مقصود منه الإتيان على جميع ما تقدم من استعجالهم بالوعد ~~تهكما بقوله تعالى : { ويقولون متى هذا الوعد } ( الأنبياء : 38 ) ، ~~PageV17P077 ومن التهديد الذي وجه إليهم بقوله تعالى : { لو يعلم الذين ~~كفروا } ( الأنبياء : 39 ) الخ . . . ومن تذكيرهم بالخالق وتنبيههم إلى ~~بطلان آلهتهم بقوله تعالى : { قل من يكلؤكم بالليل والنهار إلى قوله تعالى ~~: حتى طال عليهم العمر } ( الأنبياء : 42 44 ) ، ومن الاحتجاج عليهم بظهور ~~بوارق نصر المسلمين ، واقتراب الوعد بقوله تعالى : { أفلا يرون أنا نأتي ~~الأرض ننقصها من أطرافها } ( الأنبياء : 44 ) ، عقب به أمر الله رسوله أن ~~يخاطبهم بتعريف كنه دعوته ، وهي قصره على الإنذار بما سيحل بهم في الدنيا ~~والآخرة إنذارا من طريق الوحي المنزل عليه من الله تعالى وهو القرآن ، أي ~~فلا تعرضوا عنه ، ولا تتطلبوا مني آية غير ذلك ، ولا تسألوا عن تعيين آجال ~~حلول الوعيد ، ولا تحسبوا أنكم تغيظونني بإعراضكم والتوغل في كفركم . # فالكلام قصر موصوف على صفة ، وقصره على المتعلق بتلك الصفة تبعا لمتعلقه ~~فهو قائم مقام قصرين . ولم يظهر لي مثال له من كلام العرب قبل القرآن . # وهذا الكلام يستلزم متاركة لهم بعد الإبلاغ في إقامة الحجة عليهم وذلك ~~ذيل بقوله تعالى : { ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون } . والواو للعطف ~~على { إنما أنذركم بالوحي } عطف استئناف على استئناف لأن التذييل من قبيل ~~الاستئناف . # والتعريف في { الصم } للاستغراق . والصمم مستعار لعدم الانتفاع بالكلام ~~المفيد تشبيها لعدم الانتفاع بالمسموع بعدم ولوج الكلام صماخ المخاطب به . ~~وتقدم في قوله تعالى : { صم بكم عمي في } ( سورة البقرة : 18 ) . ودخل في ~~عمومه ms5272 المشركون المعرضون عن القرآن وهم المقصود من سوق التذييل ليكون ~~دخولهم في الحكم بطريقة الاستدلال بالعموم على الخصوص . # وتقييد عدم السماع بوقت الإعراض عند سماع الإنذار لتفظيع إعراضهم عن ~~الإندار لأنه إعراض يفضي بهم إلى الهلاك فهو أفظع من PageV17P078 عدم سماع ~~البشارة أو التحديث ، ولأن التذييل مسوق عقب إنذارات كثيرة . # واختير لفظ الدعاء لأنه المطابق للغرض إذ كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~داعيا كما قال : { أدعوا إلى الله على بصيرة } ( يوسف : 108 ) . # والأظهر أن جملة { ولا يسمع الصم الدعاء } كلام مخاطب به الرسول صلى الله ~~عليه وسلم وليس من جملة المأمور بأن يقوله لهم . # وقرأ الجمهور { ولا يسمع بتحتية في أوله ورفعع الصم . وقرأه ابن عامر ولا ~~تسمع بالتاء الفوقية المضمومة ونصب الصم خطابا للرسول . وهذه القراءة نص في ~~انفصال الجملة عن الكلام المأمور بقوله لهم . # # | 2 ( 46 ) ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن ياويلنآ إنا كنا ظالمين } ~~) 2 # عطف على جملة { قل إنما أنذركم بالوحي } ( الأنبياء : 45 ) والخطاب ~~للنبيء صلى الله عليه وسلم أي أنذرهم بأنهم سيندمون عندما ينالهم أول ~~العذاب في الآخرة . وهذا انتقال من إنذارهم بعذاب الدنيا إلى إنذارهم بعذاب ~~الآخرة . # وأكد الشرط بلام القسم لتحقيق وقوع الجزاء . # والمس : اتصال بظاهر الجسم . # والنفحة : المرة من الرضخ في العطية ، يقال نفحه بشيء إذا أعطاه . ~~PageV17P079 # وفي مادة النفح أنه عطاء قليل نزر ، وبضميمة بناء المرة فيها ، والتنكير ~~، وإسناد المس إليها دون فعل آخر أربع مبالغات في التقليل ، فما ظنك بعذاب ~~يدفع قليله من حل به إلى الإقرار باستحقاقه إياه وإنشاء تعجبه من سوء حال ~~نفسه . # والويل تقدم عند قوله تعالى : { فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم في } ( ~~سورة البقرة : 79 ) ، وعند قوله تعالى : { وويل للكافرين من عذاب شديد في ~~أول } ( سورة إبراهيم : 2 ) . # ومعنى { إنا كنا ظالمين } إنا كنا معتدين على أنفسنا إذ أعرضنا عن التأمل ~~في صدق دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم فالظلم في هذه الآية مراد به ~~الإشراك لأن إشراكهم معروف لديهم فليس مما يعرفونه ms5273 إذا مستهم نفحة من ~~العذاب . # # | 2 ( 47 ) { ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن ~~كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين } ) 2 # يجوز أن تكون الواو عاطفة هذه الجملة على جملة { ولئن مستهم نفحة من عذاب ~~ربك } ( الأنبياء : 46 ) الخ لمناسبة قولهم { إنا كنا ظالمين } ( الأنبياء ~~: 46 ) ، ولبيان أنهم مجازون على جميع ما أسلفوه من الكفر وتكذيب الرسول ~~بيانا بطريق ذكر العموم بعد الخصوص في المجازين ، فشابه التذييل من أجل ~~عموم قوله تعالى { فلا تظلم نفس شيئا } ، وفي المجازى عليه من أجل قوله ~~تعالى { وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها } . # ويجوز أن تكون الواو للحال من قوله { ربك } ( الأنبياء : 46 ) ، وتكون ~~نون المتكلم المعظم التفاتا لمناسبة الجزاء للأعمال كما يقال : PageV17P080 ~~أدى إليه الكيل صاعا بصاع ، ولذلك فرع عليه قوله تعالى : { فلا تظلم نفس ~~شيئا } . # ويجوز أن تكون الجملة معترضة وتكون الواو اعتراضية . # والوضع حقيقته : حط الشيء ونصبه في مكان ، وهو ضد الرفع . ويطلق على صنع ~~الشيء وتعيينه للعمل به وهو في ذلك مجاز . # والميزان : اسم آلة الوزن . وله كيفيات كثيرة تختلف باختلاف العوائد ، ~~وهي تتحد في كونها ذات طبقين متعادلين في الثقل يسميان كفتين بكسر الكاف ~~وتشديد الفاء تكونان من خشب أو من حديد ، وإذا كانتا من صفر سميتا صنجتين ~~بصاد مفتوحة ونون ساكنة ، معلق كل طبق بخيوط في طرف يجمعهما عود من حديد أو ~~خشب صلب ، في طرفيه عروتان يشد بكل واحدة منهما طبق من الطبقين يسمى ذلك ~~العود ( شاهين ) وهو موضوع ممدودا ، وتجعل بوسطه على السواء عروة لتمسكه ~~منها يد الوازن ، وربما جعلوا تلك العروة مستطيلة من معدن وجعلوا فيها إبرة ~~غليظة من المعدن منوطة بعروة صغيرة من معدن مصوغة في وسط ( الشاهين ) فإذا ~~ارتفع الشاهين تحركت تلك الإبرة فإذا ساوت وسط العروة الطويلة على سواء عرف ~~اعتدال الوزن وإن مالت عرف عدم اعتداله ، وتسمى تلك الإبرة لسانا ، فإذا ~~أريد وزن شيئين ليعلم أنهما مستويان أو أحدهما أرجح وضع كل ms5274 واحد منهما في ~~كفة ، فالتي وضع فيها الأثقل منهما تنزل والأخرى ذات الأخف ترتفع وإن ~~استويتا فالموزونان مستويان ، وإذا أريد معرفة ثقل شيء في نفسه دون نسبته ~~إلى شيء آخر جعلوا قطعا من معدن : صفر أو نحاس أو حديد أو حجر ذات مقادير ~~مضبوطة مصطلح عليها مثل الدرهم والأوقية والرطل ، فجعلوها تقديرا لثقل ~~الموزون ليعلم مقدار ما فيه لدفع الغبن في التعاوض ، ووحدتها هو المثقال ، ~~ويسمى السنج بفتح السين المهملة وسكون النون بعدها جيم . PageV17P081 # والقسط بكسر القاف وسكون السين اسم المفعول ، وهو مصدر وفعله أقسط مهموزا ~~. وتقدم في قوله تعالى : { قائما بالقسط في } ( سورة آل عمران : 18 ) . # وقد اختلف علماء السلف في المراد من الموازين هنا : أهو الحقيقة أم ~~المجاز ، فذهب الجمهور إلى أنه حقيقة وأن الله يجعل في يوم الحشر موازين ~~لوزن أعمال العباد تشبه الميزان المتعارف ، فمنهم من ذهب إلى أن لكل أحد من ~~العباد ميزانا خاصا به توزن به أعماله ، وهو ظاهر صيغة الجمع في هذه الآية ~~وقوله تعالى : { فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية في } ( سورة ~~القارعة : 6 7 ) . # ومنهم من ذهب إلى أنه ميزان واحد توزن فيه أعمال العباد واحدا فواحدا ، ~~وأنه بيد جبريل ، وعليه فالجمع باعتبار ما يوزن فيها ليوافق الآثار الواردة ~~في أنه ميزان عام . # واتفق الجميع على أنه مناسب لعظمة ذلك لا يشبه ميزان الدنيا ولكنه على ~~مثاله تقريبا . وعلى هذا التفسير يكون الوضع مستعملا في معناه الحقيقي وهو ~~النصب والإرصاد . # وذهب مجاهد وقتادة والضحاك وروي عن ابن عباس أيضا أن الميزان الواقع في ~~القرآن مثل للعدل في الجزاء كقوله { والوزن يومئذ الحق في } ( سورة الأعراف ~~: 8 ) ، ومال إليه الطبري . قال في ( الكشاف ) : ( الموازين الحساب السوي ~~والجزاء على الأعمال بالنصفة من غير أن يظلم أحد ) ه . أي فهو مستعار للعدل ~~في الجزاء لمشابهته للميزان في ضبط العدل في المعاملة كقوله تعالى { ~~وأنزلنا معهم الكتاب والميزان } ( الحديد : 25 ) . # والوضع : ترشيح ومستعار للظهور . # وذهب الأشاعرة إلى أخذ الميزان على ظاهره . PageV17P082 # وللمعتزلة في ms5275 ذلك قولان ففريق قالوا : الميزان حقيقة ، وفريق قالوا : هو ~~مجاز . وقد ذكر القولين في ( الكشاف ) فدل صنيعه على أن القولين جاريان على ~~أقوال أيمتهم وصرح به في ( تقرير المواقف ) . # وفي ( المقاصد ) : ( ونسبة القول بانتفاء حقيقة الميزان إلى المعتزلة على ~~الإطلاق قصور من بعض المتكلمين ) ه . # قلت : لعله أراد به النسفي في ( عقائده ) . # قال أبو بكر بن العربي في كتاب ( العواصم من القواصم ) : ( انفرد القرآن ~~بذكر الميزان ، وتفردت السنة بذكر الصراط والحوض ، فلما كان هذا الأمر هكذا ~~اختلف الناس في ذلك ، فمنهم من قال إن الأعمال توزن حقيقة في ميزان له ~~كفتان وشاهين وتجعل في الكفتين صحائف الحسنات والسيئات ويخلق الله الاعتماد ~~فيها على حسب علمه بها . ومنهم من قال إنما يرجع الخبر عن الوزن إلى تعريف ~~الله العباد بمقادير أعمالهم . ونقل الطبري وغيره عن مجاهد أنه كان يميل ~~إلى هذا . # وليس بممتنع أن يكون الميزان والوزن على ظاهره وإنما يبقى النظر في كيفية ~~وزن الأعمال وهي أعراض فها هنا يقف من وقف ويمشي على هذا من مشى . فمن كان ~~رأيه الوقوف فمن الأول ينبغي أن يقف ، ومن أراد المشي ليجدن سبيلا مئتاء إذ ~~يجد ثلاثة معان ميزانا ووزنا وموزونا ، فإذا مشى في طريق الميزان والوزن ~~ووجده صحيحا في كل لفظة حتى إذا بلغ تمييز الموزون ولم يتبين له لا ينبغي ~~أن يرجع القهقرى فيبطل ما قد أثبت بل يبقي ما تقدم على حقيقته وصحته ويسعى ~~في تأويل هذا وتبيينه اه . PageV17P083 # وقلت : كلا القولين مقبول والكل متفقون على أن أسماء أحوال الآخرة إنما ~~هي تقريب لنا بمتعارفنا والله تعالى قادر على كل شيء . وليس بمثل هذه ~~المباحث تعرف قدرة الله تعالى ولا بالقياس على المعتاد المتعارف تجحد ~~تصرفاته تعالى . # ويظهر لي أن التزام صيغة جمع الموازين في الآيات الثلاث التي ذكر فيها ~~الميزان يرجح أن المراد بالوزن فيها معناه المجازي وأن بيانه بقوله { القسط ~~} في هذه الآية يزيد ذلك ترجيحا . # وتقدم ذكر الوزن في قوله تعالى : { والوزن يومئذ الحق في } ( سورة ms5276 ~~الأعراف : 8 ) . # والقسط : العدل ، ويقال : القسطاس ، وهو كلمة معربة من اللغة الرومية ( ~~اللاطينية ) . وقد نقل البخاري في آخر ( صحيحه ) ذلك عن مجاهد . # فعلى اعتبار جعل الموازين حقيقة في آلات وزن في الآخرة يكون لفظ القسط ~~الذي هو مصدر بمعنى العدل للموازين على تقدير مضاف ، أي ذات القسط ، وعلى ~~اعتبار في الموازين في العدل يكون لفظ القسط بدلا من الموازين فيكون تجريدا ~~بعد الترشيح . ويجوز أن يكون مفعولا لأجله فإنه مصدر صالح لذلك . # واللام في قوله تعالى { ليوم القيامة } تحتمل أن تكون للعلة مع تقدير ~~مضاف ، أي لأجل يوم القيامة ، أي الجزاء في يوم القيامة . وتحتمل أن تكون ~~للتوقيت بمعنى ( عند ) التي هي للظرفية الملاصقة كما يقال : كتب لثلاث خلون ~~من شهر كذا ، وكقوله تعالى : { فطلقوهن لعدتهن } ( الطلاق : 1 ) أي نضع ~~الموازين عند يوم القيامة . PageV17P084 # وتفريع { فلا تظلم نفس شيئا } على وضع الموازين تفريع العلة على المعلول ~~أو المعلول على العلة . والظلم : ضد العدل ، ولذلك فرع نفيه على إثبات وضع ~~العدل . و { شيئا } منصوب على المفعولية المطلقة ، أي شيئا من الظلم . # ووقوعه في سياق النفي دل على تأكيد العموم ، أي شيئا من الظلم . # ووقوعه في سياق النفي دل على تأكيد العموم من فعل { تظلم الواقع أيضا في ~~سياق النفي ، أي لا تظلم بنقص من خير استحقته ولا بزيادة شيء لم تستحقه ، ~~فالظلم صادق بالحالين والشيء كذلك . # وهذه الجملة كلمة جامعة لمعان عدة مع إيجاز لفظها ، فنفي جنس الظلم ونفي ~~عن كل نفس فأفاد أن لا بقاء لظلم بدون جزاء . # وجملة وإن كان مثقال حبة من خردل } في موضع الحال . و ( إن ) وصلية دالة ~~على أن مضمون ما بعدها من شأنه أن يتوهم تخلف الحكم عنه فإذا نص على شمول ~~الحكم إياه علم أن شموله لما عداه بطريق الأولى . وقد يرد هذا الشرط بحرف ( ~~لو ) غالبا كما في قوله تعالى : { فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو ~~افتدى به في } ( آل عمران : 91 ) . ويرد بحرف ( إن ) كما هنا ، وقول عمرو ~~بن ms5277 معد يكرب : # ليس الجمال بمئزر # فاعلم وإن رديت بردا # وقد تقدم في سورة آل عمران . # وقرأ الجمهور { مثقال } بالنصب على أنه خبر { كان } وأن اسمها ضمير عائد ~~إلى { شيئا . } وجواب الشرط محذوف دل عليه الجملة السابقة . # وقرأ نافع وأبو جعفر { مثقال } مرفوعا على أن { كان } تامة و { مثقال } ~~فاعل . PageV17P085 # ومعنى القراءتين متحد المآل ، وهو : أنه إن كان لنفس مثقال حبة من خردل ~~من خير أو من شر يؤت بها في ميزان أعمالها ويجاز عليها . # وجملة { أتينا بها } على القراءة الأولى مستأنفة ، وعلى القراءة الثانية ~~إما جواب للشرط أو مستأنفة وجواب الشرط محذوف . وضمير { بها } عائد إلى { ~~مثقال حبة } . واكتسب ضميره التأنيث لإضافة معاده إلى مؤنث وهو { حبة . # والمثقال : ما يماثل شيئا في الثقل ، أي الوزن ، فمثقال الحبة : مقدارها ~~. والحبة : الواحدة من ثمر النبات الذي يخرج من السنبل أو في المزادات التي ~~كالقرون أو العبابيد كالقطاني . # والخردل : حبوب دقيقة كحب السمسم هي بزور شجر يسمى عند العرب الخردل . ~~واسمه في علم النبات ( سينابيس ) . وهو صنفان بري وبستاني . وينبت في الهند ~~ومصر وأوروبا . وشجرته ذات ساق دقيقة ينتهي ارتفاعها إلى نحو متر . ~~وأوراقها كبيرة . يخرج أزهارا صفرا منها تتكون بزوره إذ تخرج في مزادات ~~صغيرة مملوءة من هذا الحب ، تخرج خضراء ثم تصير سوداء مثل الخرنوب الصغير . ~~وإذا دق هذا الحب ظهرت منه رائحة معطرة إذا قربت من الأنف شما دمعت العينان ~~، وإذا وضع معجونها على الجلد أحدث فيه بعد هنيهة لذعا وحرارة ثم لا يستطيع ~~الجلد تحملها طويلا ويترك موضعه من الجلد شديد الحمرة لتجمع الدم بظاهر ~~الجلد ولذلك يجعل معجونه بالماء دواء يوضع على المحل المصاب باحتقان الدم ~~مثل ذات الجنب والنزلات الصدرية . # وجملة وكفى بنا حاسبين } عطف على جملة { وإن كان مثقال حبة من خردل } ~~ومفعول { كفى } محذوف دل عليه قوله تعالى : { فلا PageV17P086 تظلم نفس ~~شيئا } . والتقدير : وكفى الناس نحن في حال حسابهم . # ومعنى كفاهم نحن حاسبين أنهم لا يتطلعون إلى حاسب آخر يعدل مثلنا . وهذا ~~تأمين للناس من ms5278 أن يجازى أحد منهم بما لا يستحقه . وفي ذلك تحذير من العذاب ~~وترغيب في الثواب . # وضمير الجمع في قوله تعالى { حاسبين } مراعى فيه ضمير العظمة من قوله ~~تعالى { بنا ، } والباء مزيدة للتوكيد ، وأصل التركيب : كفينا الناس ، وهذه ~~الباء تدخل بعد فعل ( كفى ) غالبا فتدخل على فاعله في الأكثر كما هنا وقوله ~~تعالى : { وكفى بالله شهيدا في } ( سورة النساء : 79 ) . وتدخل على مفعوله ~~كما في الحديث : ( كفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع ) . # وانتصب { حاسبين } على الحال أو التمييز لنسبة { كفى } . وتقدمت نظائر ~~هذا التركيب غير مرة منها في قوله تعالى { وكفى بالله شهيدا في } ( سورة ~~النساء : 79 ) . # # | 2 ( 48 50 ) { ولقد ءاتينا موسى وهارون الفرقان وضيآء وذكرا للمتقين * ~~الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون * وهاذا ذكر مبارك أنزلناه ~~أفأنتم له منكرون } ) 2 # عطف على جملة { بل قالوا أضغاث أحلام إلى قوله تعالى : فليأتنا بآية كما ~~أرسل الأولون } ( الأنبياء : 5 ) لإقامة الحجة على المشركين بالدلائل ~~العقلية والإقناعية والزجرية ، ثم بدلائل شواهد التاريخ وأحوال الأمم ~~السابقة PageV17P087 الشاهدة بتنظير ما أوتيه النبي صلى الله عليه وسلم بما ~~أوتيه سلفه من الرسل والأنبياء ، وأنه ما كان بدعا من الرسل في دعوته إلى ~~التوحيد تلك الدعوة التي كذبه المشركون لأجلها مع ما تخلل ذلك من ذكر عناد ~~الأقوام ، وثبات الأقدام ، والتأييد من الملك العلام ، وفي ذلك تسلية ~~للنبيء صلى الله عليه وسلم على ما يلاقيه من قومه بأن تلك سنة الرسل ~~السابقين كما قال تعالى : { سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا في سورة } ( ~~الإسراء : 77 ) . فجاء في هذه الآيات بأخبار من أحوال الرسل المتقدمين . # وفي سوق أخبار هؤلاء الرسل والأنبياء تفصيل أيضا لما بنيت عليه السورة من ~~قوله تعالى : { وما أرسلنا قبلك إلا رجالا يوحى إليهم } ( الأنبياء : 7 ) ~~الآيات ، ثم قوله تعالى : { وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا يوحى إليه أنه ~~لا إله إلا أنا فاعبدون } ( الأنبياء : 25 ) ، ثم قوله تعالى : { قل إنما ~~أنذركم بالوحي } ( الأنبياء : 45 ) . واتصالها بجميع ذلك ms5279 اتصال محكم ولذلك ~~أعقبت بقوله تعالى : { وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون } . # وابتدىء بذكر موسى وأخيه مع قومهما لأن أخبار ذلك مسطورة في كتاب موجود ~~عند أهله يعرفهم العرب ولأن أثر إتيان موسى عليه السلام بالشريعة هو أوسع ~~أثر لإقامة نظام أمة يلي عظمة شريعة الإسلام . # وافتتاح القصة بلام القسم المفيدة للتأكيد لتنزيل المشركين في جهل بعضهم ~~بذلك وذهول بعضهم عنه وتناسي بعضهم إياه منزلة من ينكر تلك القصة . # ومحل التنظير في هذه القصة هو تأييد الرسول صلى الله عليه وسلم بكتاب ~~مبين وتلقي القوم ذلك الكتاب بالإعراض والتكذيب . # والفرقان : ما يفرق به بين الحق والباطل من كلام أو فعل . وقد سمى الله ~~تعالى يوم بدر يوم الفرقان لأن فيه كان مبدأ ظهور قوة PageV17P088 المسلمين ~~ونصرهم . فيجوز أن يراد بالفرقان التوراة كقوله تعالى : { وآتيناهما الكتاب ~~المستبين في } ( سورة الصافات : 117 ) . # والإخبار عن الفرقان بإسناد إيتائه إلى ضمير الجلالة للتنبيه على أنه لم ~~يعد كونه إيتاء من الله تعالى ووحيا كما أوتي محمد عليه الصلاة والسلام ~~القرآن فكيف ينكرون إيتاء القرآن وهم يعلمون أن موسى عليه السلام ما جاء ~~إلا بمثله . وفيه تنبيه على جلالة ذلك الموتى . # ويجوز أن يراد بالفرقان المعجزات الفارقة بين المعجزة والسحر كقوله تعالى ~~: { ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين في } ( سورة غافر : 23 ) . ويجوز ~~أن يراد به الشريعة الفارقة بين العدل والجور كقوله تعالى : { وإذ آتينا ~~موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون في } ( سورة البقرة : 53 ) . # وعلى الاحتمالات المذكورة تجيء احتمالات في قوله تعالى الآتي : { وضياء ~~وذكرا للمتقين } . وليس يلزم أن تكون بعض هذه الصفات قسيما لبعض بل هي صفات ~~متداخلة ، فمجموع ما أوتيه موسى وهارون تتحقق فيه هذه الصفات الثلاث . # والضياء : النور . يستعمل مجازا في الهدى والعلم ، وهو استعمال كثير ، ~~وهو المراد هنا وقد قال تعالى : { إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور في } ( ~~سورة المائدة : 44 ) . # والذكر أصله : خطور شيء بالبال بعد غفلة عنه . ويطلق على الكتاب الذي فيه ~~ذكر الله ، فقوله تعالى { للمتقين } يجوز ms5280 أن يكون الكلام فيه للتقوية فيكون ~~المجرور باللام في معنى المفعول ، أي الذين اتصفوا بتقوى الله ، أي امتثال ~~أوامره واجتناب ما نهى عنه ، لأنه يذكرهم بما يجهلون وبما يذهلون عنه مما ~~علموه ويجدد في نفوسهم PageV17P089 مراقبة ربهم . ويجوز أن يكون اللام ~~للعلة ، أي ذكر لأجل المتقين ، أي كتاب ينتفع بما فيه المتقون دون غيرهم من ~~الضالين . # ووصفهم بما يزيد معنى المتقين بيانا بقوله تعالى : { الذين يخشون ربهم ~~بالغيب } وهو على نحو قوله تعالى : { هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب في } ~~( سورة البقرة : 2 3 ) . # والباء في قوله تعالى { بالغيب } بمعنى ( في ) . والغيب : ما غاب عن عيون ~~الناس ، أي يخشون ربهم في خاصتهم لا يريدون بذلك رياء ولا لأجل خوف الزواجر ~~الدنيوية والمذمة من الناس . # والإشفاق : رجاء حادث مخوف . ومعنى الإشفاق من الساعة : الإشفاق من ~~أهوالها ، فهم يعدون لها عدتها بالتقوى بقدر الاستطاعة . # وفيه تعريض بالذين لم يهتدوا بكتاب الله تعالى بدلالة مفهوم المخالفة ~~لقوله تعالى : { الذين يخشون ربهم بالغيب } . فمن لم يهتد بكتاب الله فليس ~~هو من الذين يخشون ربهم بالغيب ، وهؤلاء هم فرعون وقومه . # وقد عقب هذا التعريض بذكر المقصود من سوق الكلام الناشىء هو عنه ، وهو ~~المقابلة بقوله تعالى : { وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون } . # واسم الإشارة يشير إلى القرآن لأن حضوره في الأذهان وفي التلاوة بمنزلة ~~حضور ذاته . ووصفه القرآن بأنه ذكر لأن لفظ الذكر جامع لجميع الأوصاف ~~المتقدمة كما تقدم عند قوله تعالى : { وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما ~~نزل إليهم في } ( سورة النحل : 44 ) . # ووصف القرآن بالمبارك يعم نواحي الخير كلها لأن البركة زيادة الخير ؛ ~~فالقرآن كله خير من جهة بلاغة ألفاظه وحسنها وسرعة حفظه وسهولة تلاوته ، ~~وهو أيضا خير لما اشتمل عليه من أفنان الكلام والحكمة والشريعة واللطائف ~~البلاغية ، وهو في ذلك كله آية على PageV17P090 صدق الذي جاء به لأن البشر ~~عجزوا عن الإتيان بمثله وتحداهم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فما ~~استطاعوا . وبذلك اهتدت به أمم كثيرة في جميع الأزمان ، وانتفع به ms5281 من آمنوا ~~به وفريق ممن حرموا الإيمان . فكان وصفه بأنه مبارك وافيا على وصف كتاب ~~موسى عليه السلام بأنه فرقان وضياء . # وزاده تشريفا بإسناد إنزاله إلى ضمير الجلالة . وجعل الوحي إلى الرسول ~~إنزالا لما يقتضيه الإنزال من رفعة القدر إذ اعتبر مستقرا في العالم العلوي ~~حتى أنزل إلى هذا العالم . # وفرع على هذه الأوصاف العظيمة استفهام توبيخي تعجيبي من إنكارهم صدق هذا ~~الكتاب ومن استمرارهم على ذلك الإنكار بقوله تعالى : { أفأنتم له منكرون } ~~. ولكون إنكارهم صدقه حاصلا منهم في حال الخطاب جيء بالجملة الاسمية ليتأتى ~~جعل المسند اسما دالا على الاتصاف في زمن الحال وجعل الجملة دالة على ~~الثبات في الوصف وفاء بحق بلاغة النظم . # $ 2 ( 51 57 ) { ولقد ءاتينآ إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين * إذ ~~قال لابيه وقومه ما هاذه التماثيل التى & # 1764 أنتم لها عاكفون * قالوا وجدنآ ءابآءنا لها عابدين * قال لقد كنتم ~~أنتم وءابآؤكم فى ضلال مبين * قالو & # 1764 ا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين * قال بل ربكم رب السماوات ~~والارض الذى فطرهن وأنا PageV17P091 على ذالكم من الشاهدين * وتالله لأكيدن ~~أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين } ) 2 $ # أعقبت قصة موسى وهارون بقصة إبراهيم فيما أوحي إليه من مقاومة الشرك ~~ووضوح الحجة على بطلانه ، لأن إبراهيم كان هو المثل الأول قبل مجيء الإسلام ~~في مقاومة الشرك إذ قاومه بالحجة وبالقوة وبإعلان التوحيد إذ أقام للتوحيد ~~هيكلا بمكة هو الكعبة وبجبل ( نابو ) من بلاد الكنعانيين حيث كانت مدينة ~~تسمى يومئذ ( لوزا ) ثم بنى بيت ايل بالقرب من موضع مدينة ( أورشليم ) في ~~المكان الذي أقيم به هيكل سليمان من بعد ، فكانت قصة إبراهيم مع قومه شاهدا ~~على بطلان الشرك الذي كان مماثلا لحال المشركين بمكة الذين جاء محمد صلى ~~الله عليه وسلم لقطع دابره . وفي ذكر قصة إبراهيم تورك على المشركين من أهل ~~مكة إذ كانوا على الحالة التي نعاها جدهم إبراهيم على قومه ، وكفى بذلك حجة ~~عليهم . وأيضا فإن شريعة إبراهيم أشهر شريعة بعد شريعة موسى . # وتأكيد ms5282 الخبر عنه بلام القسم للوجه الذي بيناه آنفا في تأكيد الخبر عن ~~موسى وهارون ، وهو تنزيل العرب في مخالفتهم لشريعة أبيهم إبراهيم منزلة ~~المنكر لكون إبراهيم أوتي رشدا وهديا . # وكذلك الإخبار عن إيتاء الرشد إبراهيم بإسناد الإيتاء إلى ضمير الجلالة ~~لمثل ما قرر في قصة موسى وهارون للتنبيه على تفخيم ذلك الرشد الذي أوتيه . # والرشد : الهدى والرأي الحق ، وضده الغي ، وتقدم في قوله تعالى : { قد ~~تبين الرشد من الغي في } ( سورة البقرة : 256 ) . وإضافة { الرشد } إلى ~~ضمير PageV17P092 إبراهيم من إضافة المصدر إلى مفعوله ، أي الرشد الذي ~~أرشده . وفائدة الإضافة هنا التنبيه على عظم شأن هذا الرشد ، أي رشدا يليق ~~به ؛ ولأن رشد إبراهيم قد كان مضرب الأمثال بين العرب وغيرهم ، أي هو الذي ~~علمتم سمعته التي طبقت الخافقين فما ظنكم برشد أوتيه من جانب الله تعالى ، ~~فإن الإضافة لما كانت على معنى اللام كانت مفيدة للاختصاص فكأنه انفرد به . ~~وفيه إيماء إلى أن إبراهيم كان قد انفرد بالهدى بين قومه . # وزاده تنويها وتفخيما تذييله بالجملة المعترضة قوله تعالى : { وكنا به ~~عالمين } أي آتيناه رشدا عظيما على علم منا بإبراهيم ، أي بكونه أهلا لذلك ~~الرشد ، وهذا العلم الإلهي متعلق بالنفسية العظيمة التي كان بها محل ثناء ~~الله تعالى عليه في مواضع كثيرة من قرآنه ، أي علم من سريرته صفات قد رضيها ~~وأحمدها فاستأهل بها اتخاذه خليلا . وهذا كقوله تعالى : { ولقد اخترناهم ~~على علم على العالمين } ( الدخان : 32 ) وقوله تعالى : { الله أعلم حيث ~~يجعل رسالاته } ( الأنعام : 124 ) . # وقوله { من قبل } أي من قبل أن نوتي موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا . ~~ووجه ذكر هذه القبلية التنبيه على أنه ما وقع إيتاء الذكر موسى وهارون إلا ~~لأن شريعتهما لم تزل معروفة مدروسة . # و { إذ قال } ظرف لفعل { آتينا } أي كان إيتاؤه الرشد حين قال لأبيه ~~وقومه : { ما هذه التماثيل } الخ ، فذلك هو الرشد الذي أوتيه ، أي حين نزول ~~الوحي إليه بالدعوة إلى توحيد الله تعالى ، فذلك أول ما بدىء به من الوحي . # وقوم إبراهيم ms5283 كانوا من ( الكلدان ) وكان يسكن بلدا يقال له ( كوثى ) ~~بمثلثة في آخره بعدها ألف . وهي المسماة في التوراة ( أور الكلدان ) ، ~~ويقال : أيضا إنها ( أورفة ) في ( الرها ) ، PageV17P093 ثم سكن هو وأبوه ~~وأهله ( حاران ) وحاران هي ( حران ) ، وكانت بعد من بلاد الكلدان كما هو ~~مقتضى الإصحاح 12 من التكوين لقوله فيه : ( اذهب من أرضك ومن عشيرتك ومن ~~بيت أبيك ) . ومات أبوه في ( حاران ) كما في الإصحاح 11 من التكوين فيتعين ~~أن دعوة إبراهيم كانت من ( حاران ) لأنه من حاران خرج إلى أرض كنعان . وقد ~~اشتهر حران بأنه بلد الصابئة وفيه هيكل عظيم للصابئة ، وكان قوم إبراهيم ~~صابئة يعبدون الكواكب ويجعلون لها صورا مجسمة . # والاستفهام في قوله تعالى : { ما هذه التماثيل } يتسلط على الوصف في قوله ~~تعالى : { التي أنتم لها عاكفون } فكأنه قال : ما عبادتكم هذه التماثيل ؟ . ~~ولكنه صيغ بأسلوب توجه الاستفهام إلى ذات التماثيل لإبهام السؤال عن كنه ~~التماثيل في بادىء الكلام إيماء إلى عدم الملاءمة بين حقيقتها المعبر عنها ~~بالتماثيل وبين وصفها بالمعبودية المعبر عنه بعكوفهم عليها . وهذا من تجاهل ~~العارف استعمله تمهيدا لتخطئتهم بعد أن يسمع جوابهم فهم يظنونه سائلا ~~مستعلما ولذلك أجابوا سؤاله بقولهم { وجدنا آباءنا لها عابدين } ؛ فإن شأن ~~السؤال بكلمة ( ما ) أنه لطلب شرح ماهية المسؤول عنه . # والإشارة إلى التماثيل لزيادة كشف معناها الدال على انحطاطها عن رتبة ~~الألوهية . والتعبير عنها بالتماثيل يسلب عنها الاستقلال الذاتي . # والأصنام التي كان يعبدها الكلدان قوم إبراهيم هي ( بعل ) وهو أعظمها ، ~~وكان مصوغا من ذهب وهو رمز الشمس في عهد سميرميس ، وعبدوا رموزا للكواكب ~~ولا شك أنهم كانوا يعبدون أصنام قوم نوح : ودا ، وسواعا ، ويغوث ، ويعوق ، ~~ونسرا ، إما بتلك الأسماء وإما بأسماء أخرى . وقد دلت الآثار على أن من ~~أصنام أشور ( إخوان الكلدان ) صنما اسمه ( نسروخ ) وهو نسر لا محالة . ~~PageV17P094 # وجعل العكوف مسندا إلى ضميرهم مؤذن بأن إبراهيم لم يكن من قبل مشاركا لهم ~~في ذلك فيعلم منه أنه في مقام الرد عليهم ، ذلك أن الإتيان بالجملة الاسمية ~~في قوله تعالى ms5284 : { أنتم لها عاكفون } فيه معنى دوامهم على ذلك . # وضمن { عاكفون } معنى العبادة ، فلذلك عدي باللام لإفادة ملازمة عبادتها ~~. # وجاءوا في جوابه بما توهموا إقناعه به وهو أن عبادة تلك الأصنام كانت من ~~عادة آبائهم فحسبوه مثلهم يقدس عمل الآباء ولا ينظر في مصادفته الحق ، ~~ولذلك لم يلبث أن أجابهم : { لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين } مؤكدا ~~ذلك بلام القسم . # وفي قوله تعالى : { كنتم في ضلال } من اجتلاب فعل الكون وحرف الظرفية ، ~~إيماء إلى تمكنهم من الضلال وانغماسهم فيه لإفادة أنه ضلال بواح لا شبهة ~~فيه ، وأكد ذلك بوصفه ب { مبين . } فلما ذكروا له آباءهم شركهم في التخطئة ~~بدون هوادة بعطف الآباء عليهم في ذلك ليعلموا أنهم لا عذر لهم في اتباع ~~آبائهم ولا عذر لآبائهم في سن ذلك لهم لمنافاة حقيقة تلك الأصنام لحقيقة ~~الألوهية واستحقاق العبادة . # ولإنكارهم أن يكون ما عليه آباؤهم ضلالا ، وإيقانهم أن آباءهم على الحق ، ~~شكوا في حال إبراهيم أنطق عن جد منه وأن ذلك اعتقاده فقالوا { أجئتنا بالحق ~~} ، فعبروا عنه { بالحق } المقابل للعب وذلك مسمى الجد . فالمعنى : بالحق ~~في اعتقادك أم أردت به المزح ، فاستفهموا وسألوه { أجئتنا بالحق أم أنت من ~~اللاعبين } . والباء للمصاحبة . والمراد باللعب هنا لعب القول وهو المسمى ~~مزحا ، وأرادوا بتأويل PageV17P095 كلامه بالمزج التلطف معه وتجنب نسبته ~~إلى الباطل استجلابا لخاطره لما رأوا من قوة حجته . # وعدل عن الإخبار عنه بوصف لاعب إلى الإخبار بأنه من زمرة اللاعبين مبالغة ~~في توغل كلامه ذلك في باب المزح بحيث يكون قائله متمكنا في اللعب ومعدودا ~~من الفريق الموصوف باللعب . # وجاء هو في جوابهم بالإضراب عن قولهم { أم أنت من اللاعبين } لإبطال أن ~~يكون من اللاعبين ، وإثبات أن ربهم هو الرب الذي خلق السماوات ، أي وليست ~~تلك التماثيل أربابا إذ لا نزاع في أنها لم تخلق السماوات والأرض بل هي ~~مصنوعة منحوتة من الحجارة كما في الآية الأخرى { قال أتعبدون ما تنحتون } ( ~~الصافات : 95 ) فلما شذ عنها خلق السماوات والأرض كما هو غير منكر ms5285 منكم فهي ~~منحوتة من أجزاء الأرض فما هي إلا مربوبة مخلوقة وليست أربابا ولا خالقة . ~~فضمير الجمع في قوله تعالى { فطرهن } ضمير السماوات والأرض لا محالة . # فكان جواب إبراهيم إبطالا لقولهم { أم أنت من اللاعبين } مع مستند ~~الإبطال بإقامة الدليل على أنه جاءهم بالحق . وليس فيه طريقة الأسلوب ~~الحكيم كما ظنه الطيبي . # وقوله تعالى : { وأنا على ذلكم من الشاهدين } إعلام لهم بأنه مرسل من ~~الله لإقامة دين التوحيد لأن رسول كل أمة شهيد عليها كما قال تعالى : { ~~فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا } ( النساء : 41 ) ~~، ولم يكن يومئذ في قومه من يشهد ببطلان إلهية أصنامهم ، فتعين أن المقصود ~~من الشاهدين أنه بعض الذين شهدوا بتوحيد الله بالإلهية في مختلف الأزمان أو ~~الأقطار . # ويحتمل معنى التأكيد لذلك بمنزلة القسم ، كقول الفرزدق : # شهد الفرزدق حين يلقى ربه # أن الوليد أحق بالعذر PageV17P096 # ثم انتقل إبراهيم عليه السلام من تغيير المنكر بالقول إلى تغييره باليد ~~معلنا عزمه على ذلك بقوله : { وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين } ~~مؤكدا عزمه بالقسم ، فالواو عاطفة جملة القسم على جملة الخبر التي قبلها . # والتاء تختص بقسمم على أمر متعجب منه وتختص باسم الجلالة . وقد تقدم عند ~~قوله تعالى : { قالوا تالله تفتؤ تذكر يوسف } ( يوسف : 85 ) . # وسمى تكسيره الأصنام كيدا على طريق الاستعارة أو المشاكلة التقديرية ~~لاعتقاد المخاطبين أنهم يزعمون أن الأصنام تدفع عن أنفسها فلا يستطيع أن ~~يمسها بسوء إلا على سبيل الكيد . # والكيد : التحيل على إلحاق الضر في صورة غير مكروهة عند المتضرر . وقد ~~تقدم عند قوله تعالى : { إن كيدكن عظيم في } ( سورة يوسف : 28 ) . # وإنما قيد كيده بما بعد انصراف المخاطبين إشارة إلى أنه يلحق الضر ~~بالأصنام في أول وقت التمكن منه ، وهذا من عزمه عليه السلام لأن المبادرة ~~في تغيير المنكر مع كونه باليد مقام عزم وهو لا يتمكن من ذلك مع حضور عبدة ~~الأصنام فلو حاول كسرها بحضرتهم لكان عمله باطلا ، والمقصود من تغيير ~~المنكر : إزالته بقدر الإمكان ms5286 ، ولذلك فإزالته باليد لا تكون إلا مع المكنة ~~. # { ومدبرين } حال مؤكدة لعاملها . وقد تقدم نظيره غير مرة منها عند قوله ~~تعالى { ثم وليتم مدبرين في } ( سورة براءة : 25 ) . # # | 2 ( 58 61 ) { فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون * قالوا ~~من فعل هاذا بئالهتنآ إنه لمن الظالمين * PageV17P097 قالوا سمعنا فتى ~~يذكرهم يقال له إبراهيم * قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون } ) ~~2 # الضميران البارزان في { جعلهم } وفي { لهم } عائدان إلى الأصنام بتنزيلها ~~منزلة العاقل ، وضمير { لعلهم } عائد إلى قوم إبراهيم ، والقرينة تصرف ~~الضمائر المتماثلة إلى مصارفها مثل ضميري الجمع في قوله تعالى { وعمروها ~~أكثر مما عمروها } ( الروم : 9 ) . # والجذاذ بضم الجيم في قراءة الجمهور : اسم جمع جذاذة ، وهي فعالة من الجذ ~~، وهو القطع مثل قلامة وكناسة ، أي كسرهم وجعلهم قطعا . وقرأ الكسائي { ~~جذاذا } بكسر الجيم على أنه مصدر ، فهو من الإخبار بالمصدر للمبالغة . # قيل : كانت الأصنام سبعين صنما مصطفة ومعها صنم عظيم وكان هو مقابل باب ~~بيت الأصنام ، وبعد أن كسرها جعل الفأس في رقبة الصنم الأكبر استهزاء بهم . # ومعنى { لعلهم إليه يرجعون } رجاء أن يرجع الأقوام إلى استشارة الصنم ~~الأكبر ليخبرهم بمن كسر بقية الأصنام لأنه يعلم أن جهلهم يطمعهم في استشارة ~~الصنم الكبير . ولعل المراد استشارة سدنته ليخبروهم بما يتلقونه من وحيه ~~المزعوم . # وضمير { لهم } عائد إلى الأصنام من قوله { أصنامكم } ( الأنبياء : 57 ) . ~~وأجري على الأصنام ضمير جمع العقلاء محاكاة لمعنى كلام إبراهيم لأن قومه ~~يحسبون الأصنام عقلاء ، ومثله ضمائر قوله بعده { بل فعله كبيرهم هذا ~~فاسألوهم إن كانوا ينطقون } ( الأنبياء : 63 ) . PageV17P098 # وهذا العمل الذي عمله إبراهيم عمله بعد أن جادل أباه وقومه في عبادة ~~الأصنام والكواكب ورأى جماحهم عن الحجة الواضحة كما ذكر في سورة الأنعام . # وقول قومه { من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين } يدل على أنهم لم يخطر ~~ببالهم أن يكون كبير الآلهة فعل ذلك ، وهؤلاء القوم هم فريق لم يسمع توعد ~~إبراهيم إياهم بأن يكيد أصنامهم والذين { قالوا سمعنا فتى يذكرهم } هم ~~الذين ms5287 توعد إبراهيم الأصنام بمسمع منهم . # والفتى : الذكر الذي قوي شبابه . ويكون من الناس ومن الإبل . والأنثى : ~~فتاة ، وقد يطلقونه صفة مدح دالة على استكمال خصال الرجل المحمودة . # والذكر : التحدث بالكلام . # وحذف متعلق ( يذكر ) لدلالة القرينة عليه ، أي يذكرهم بتوعد . وهذا كقوله ~~تعالى : { أهذا الذي يذكر آلهتكم } ( الأنبياء : 36 ) كما تقدم . # وموضع جملتي { يذكرهم } و { يقال له } في موضع الصفة ل { فتى . # وفي قولهم يقال له إبراهيم } دلالة على أن المنتصبين للبحث في القضية لم ~~يكونوا يعرفون إبراهيم ، أو أن الشهداء أرادوا تحقيره بأنه مجهول لا يعرف ~~وإنما يدعى أو يسمى إبراهيم ، أي ليس هو من الناس المعروفين . # ورفع { إبراهيم } على أنه نائب فاعلل { يقال ، } لأن فعل القول إذا بني ~~إلى المجهول كثيرا ما يضمن معنى الدعوة أو التسمية ، فلذلك PageV17P099 ~~حصلت الفائدة من تعديته إلى المفرد البحت وإن كان شأن فعل القول أن لا ~~يتعدى إلا إلى الجملة أو إلى مفرد فيه معنى الجملة مثل قوله تعالى : { كلا ~~إنها كلمة هو قائلها } ( المؤمنون : 100 ) . # ومعنى { على أعين الناس } على مشاهدة الناس ، فاستعير حرف الاستعلاء ~~لتمكن البصر فيه حتى كأن المرئي مظروف في الأعين . # ومعنى { يشهدون } لعلهم يشهدون عليه بأنه الذي توعد الأصنام بالكيد . # $ 2 ( 62 67 ) { قالو & # 1764 ا ءأنت فعلت هاذا بئالهتنا ياإبراهيم * قال بل فعله كبيرهم هاذا ~~فاسئلوهم إن كانوا ينطقون * فرجعو & # 1764 ا إلى أنفسهم فقالو & # 1764 ا إنكم أنتم الظالمون * ثم نكسوا على رءوسهم لقد علمت ما هاؤلا & # 1764 ء ينطقون * قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم * ~~أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون } ) 2 $ # وقع هنا حذف جملة تقتضيها دلالة الاقتضاء . والتقدير : فأتوا به فقالوا ~~أأنت فعلت هذا بآلهتنا . # وقوله تعالى { بل } إبطال لأن يكون هو الفاعل لذلك ، فنفى أن يكون فعل ~~ذلك ، لأن ( بل ) تقتضي نفي ما دل على كلامهم من استفهامه . # وقوله تعالى { فعله كبيرهم هذا } الخبر مستعمل في معنى التشكيك ، أي لعله ~~فعله كبيرهم إذ لم ms5288 يقصد إبراهيم نسبة التحطيم إلى الصنم الأكبر PageV17P100 ~~لأنه لم يدع أنه شاهد ذلك ولكنه جاء بكلام يفيد ظنه بذلك حيث لم يبق صحيحا ~~من الأصنام إلا الكبير . وفي تجويز أن يكون كبيرهم هذا الذي حطمهم إخطار ~~دليل انتفاء تعدد الآلهة لأنه أوهمهم أن كبيرهم غضب من مشاركة تلك الأصنام ~~له في المعبودية ، وذلك تدرج إلى دليل الوحدانية ، فإبراهيم في إنكاره أن ~~يكون هو الفاعل أراد إلزامهم الحجة على انتفاء ألوهية الصنم العظيم ، ~~وانتفاء ألوهية الأصنام المحطمة بطريق الأولى على نية أن يكر على ذلك كله ~~بالإبطال ويوقنهم بأنه الذي حطم الأصنام وأنها لو كانت آلهة لدفعت عن ~~أنفسها ولو كان كبيرهم كبير الآلهة لدفع عن حاشيته وحرفائه ، ولذلك قال { ~~فاسألوهم إن كانوا ينطقون } تهكما بهم وتعريضا بأن ما لا ينطق ولا يعرب عن ~~نفسه غير أهل للآلهية . # وشمل ضمير { فاسألوهم } جميع الأصنام ما تحطم منها وما بقي قائما . ~~والقوم وإن علموا أن الأصنام لم تكن تتكلم من قبل إلا أن إبراهيم أراد أن ~~يقنعهم بأن حدثا عظيما مثل هذا يوجب أن ينطقوا بتعيين من فعله بهم . وهذا ~~نظير استدلال علماء الكلام على دلالة المعجزة على صدق الرسول بأن الله لا ~~يخرق عادة لتصديق الكاذب ، فخلقه خارق العادة عند تحدي الرسول دليل على أن ~~الله أراد تصديقه . # وأما ما روي في ( الصحيح ) عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~: ( لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات ثنتين منه في ذات الله عز وجل قوله { ~~إني سقيم } ( الصافات : 89 ) وقوله { بل فعله كبيرهم هذا } . وبينا هو ذات ~~يوم وسارة إذ أتى على جبار من الجبابرة فقيل له : إن ها هنا رجلا معه امرأة ~~من أحسن الناس فأرسل إليه فقال : من هذه ؟ قال : أختي . فأتى سارة فقال : ~~يا سارة ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك وأن هذا سألني فأخبرته أنكك ~~أختي فلا تكذبيني . . . ) وساق الحديث . PageV17P101 # فمعناه أنه كذب في جوابه عن قول قومه : { أأنت فعلت هذا بآلهتنا } حيث ~~قال : { بل ms5289 فعله كبيرهم هذا } ، لأن ( بل ) إذا جاء بعد استفهام أفاد إبطال ~~المستفهم عنه . فقولهم : { أأنت فعلت هذا } سؤال عن كونه محطم الأصنام ، ~~فلما قال : { بل } فقد نفى ذلك عن نفسه ، وهو نفي مخالف للواقع ولاعتقاده ~~فهو كذب . غير أن الكذب مذموم ومنهي عنه ويرخص فيه للضرورة مثل ما قاله ~~إبراهيم ، فهذا الإضراب كان تمهيدا للحجة على نية أن يتضح لهم الحق بآخره . ~~ولذلك قال : { أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم } الآية . # أما الإخبار بقوله { فعله كبيرهم هذا } فليس كذبا وإن كان مخالفا للواقع ~~ولاعتقاد المتكلم لأن الكلام والأخبار إنما تستقر بأواخرها وما يعقبها ، ~~كالكلام المعقب بشرط أو استثناء ، فإنه لما قصد تنبيههم على خطأ عبادتهم ~~للأصنام مهد لذلك كلاما هو جار على الفرض والتقدير فكأنه قال : لو كان هذا ~~إلها لما رضي بالاعتداء على شركائه ، فلما حصل الاعتداء عليهم بمحضر كبيرهم ~~تعين أن يكون هو الفاعل لذلك ، ثم ارتقى في الاستدلال بأن سلب الإلهية عن ~~جميعهم بقوله { إن كانوا ينطقون } كما تقدم . فالمراد من الحديث أنها كذبات ~~في بادىء الأمر وأنها عند التأمل يظهر المقصود منها . وذلك أن النهي عن ~~الكذب إنما علته خدع المخاطب وما يتسبب على الخبر المكذوب من جريان الأعمال ~~على اعتبار الواقع بخلافه . فإذا كان الخبر يعقب بالصدق لم يكن ذلك من ~~الكذب بل كان تعريضا أو مزحا أو نحوهما . # وأما ما ورد في حديث الشفاعة ( فيقول إبراهيم : لست هناكم ويذكر كذبات ~~كذبها ) فمعناه أنه يذكر أنه قال كلاما خلافا للواقع بدون إذن من الله بوحي ~~، ولكنه ارتكب قول خلاف الواقع لضرورة الاستدلال بحسب اجتهاده فخشي أن لا ~~يصادف اجتهاده الصواب من مراد الله فخشي عتاب الله فتخلص من ذلك الموقف . ~~PageV17P102 # وقوله تعالى { فرجعوا إلى أنفسهم } يجوز أن يكون معناه فرجع بعضهم إلى ~~بعض ، أي أقبل بعضهم على خطاب بعض وأعرضوا عن مخاطبة إبراهيم على نحو قوله ~~تعالى : { فسلموا على أنفسكم } ( النور : 61 ) وقوله تعالى : { ولا تقتلوا ~~أنفسكم } ( النساء : 29 ) ، أي فقال ms5290 بعضهم لبعض إنكم أنتم الظالمون . # وضمائر الجمع مراد منها التوزيع كما في : ركب القوم دوابهم ، ويجوز أن ~~يكون معناه فرجع كل واحد إلى نفسه ، أي ترك التأمل في تهمة إبراهيم وتدبر ~~في دفاع إبراهيم . فلاح لكل منهم أن إبراهيم بريء فقال بعضهم لبعض { إنكم ~~أنتم الظالمون } . وضمائر الجمع جارية على أصلها المعروف . والجملة مفيدة ~~للحصر ، أي أنتم ظالمون لا إبراهيم لأنكم ألصقتم به التهمة بأنه ظلم ~~أصنامنا مع أن الظاهر أن نسألها عمن فعل بها ذلك ، ويظهر أن الفاعل هو ~~كبيرهم . # والرجوع إلى أنفسهم على الاحتمالين السابقين مستعار لشغل البال بشيء عقب ~~شغله بالغير ، كما يرجع المرء إلى بيته بعد خروجه إلى مكان غيره . # وفعل { نكسوا } مبني للمجهول ، أي نكسهم ناكس ، ولما لم يكن لذلك النكس ~~فاعل إلا أنفسهم بني الفعل للمجهول فصار بمعنى : انتكسوا على رؤوسهم . وهذا ~~تمثيل . # والنكس : قلب أعلى الشيء أسفله وأسفله أعلاه ، يقال : صلب اللص منكوسا ، ~~أي مجعولا رأسه مباشرا للأرض ، وهو أقبح هيئات المصلوب . ولما كان شأن ~~انتصاب جسم الإنسان أن يكون منتصبا على قدميه فإذا نكس صار انتصابه كأنه ~~على رأسه ، فكان قوله هنا { نكسوا على رؤوسهم } تمثيلا لتغير رأيهم عن ~~الصواب كما قالوا { إنكم أنتم الظالمون } إلى معاودة الضلال بهيئة من تغيرت ~~أحوالهم من الانتصاب على الأرجل إلى الانتصاب على الرؤوس منكوسين . فهو من ~~تمثيل المعقول PageV17P103 بالمحسوس والمقصود به التشنيع . وحرف ( على ) ~~للاستعلاء أي علت أجسادهم فوق رؤوسهم بأن انكبوا انكبابا شديدا بحيث لا ~~تبدو رؤوسهم . وتحتمل الآية وجوها أخرى أشار إليها في ( الكشاف ) . # والمعنى : ثم تغيرت آراؤهم بعد أن كادوا يعترفون بحجة إبراهيم فرجعوا إلى ~~المكابرة والانتصار للأصنام ، فقالوا : { لقد علمت ما هؤلاء ينطقون } ، أي ~~أنت تعلم أن هؤلاء الأصنام لا تنطق فما أردت بقولك { فاسألوهم إن كانوا ~~ينطقون } إلا التنصل من جريمتك . # فجملة { لقد علمت } إلى آخرها مقول قول محذوف دل عليه { فقالوا إنكم أنتم ~~الظالمون } . # وجملة { ما هؤلاء ينطقون } تفيد تقوي الاتصاف بانعدام النطق ، وذلك بسبب ~~انعدام آلته وهي الألسن ms5291 . # وفعل { علمت } معلق عن العمل لوجود حرف النفي بعده ، فلما اعترفوا بأن ~~الأصنام لا تستطيع النطق انتهز إبراهيم الفرصة لإرشادهم مفرعا على اعترافهم ~~بأنها لا تنطق استفهاما إنكاريا على عبادتهم إياها وزائدا بأن تلك الأصنام ~~لا تنفع ولا تضر . # وجعل عدم استطاعتها النفع والضر ملزوما لعدم النطق لأن النطق هو واسطة ~~الإفهام ، ومن لا يستطيع الإفهام تبين أنه معدوم العقل وتوابعه من العلم ~~والإرادة والقدرة . # و { أف } اسم فعل دال على الضجر ، وهو منقول من صورة تنفس المتضجر لضيق ~~نفسه من الغضب . وتنوين { أف } يسمى تنوين التنكير والمراد به التعظيم ، أي ~~ضجرا قويا لكم . وتقدم في ( سورة الإسراء : 23 ) { فلا تقل لهما أف } . # واللام في { لكم } لبيان المتأفف بسببه ، أي أف لأجلكم وللأصنام التي ~~تعبدونها من دون الله . PageV17P104 # وإظهار اسم الجلالة لزيادة البيان وتشنيع عبادة غيره . # وفرع على الإنكار والتضجر استفهاما إنكاريا عن عدم تدبرهم في الأدلة ~~الواضحة من العقل والحس فقال : { أفلا تعقلون } . # $ 2 ( 68 ، 69 ) { قالوا حرقوه وانصرو & # 1764 ا ءالهتكم إن كنتم فاعلين * قلنا يانار كونى بردا وسلاما على ~~إبراهيم } . ) 2 $ # لما غلبهم بالحجة القاهرة لم يجدوا مخلصا إلا بإهلاكه . وكذلك المبطل إذا ~~قرعت باطله حجة فساده غضب على المحق ، ولم يبق له مفزع إلا مناصبته والتشفي ~~منه ، كما فعل المشركون من قريش مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين عجزوا ~~عن المعارضة . واختار قوم إبراهيم أن يكون إهلاكه بالإحراق لأن النار أهول ~~ما يعاقب به وأفظعه . # والتحريق : مبالغة في الحرق ، أي حرقا متلفا . # وأسند قول الأمر بإحراقه إلى جميعهم لأنهم قبلوا هذا القول وسألوا ملكهم ~~، وهو ( النمروذ ) ، إحراق إبراهيم فأمر بإحراقه لأن العقاب بإتلاف النفوس ~~لا يملكه إلا ولاة أمور الأقوام . قيل الذي أشار بالرأي بإحراق إبراهيم رجل ~~من القوم كردي اسمه ( هينون ) ، واستحسن القوم ذلك ، والذي أمر بالإحراق ( ~~نمروذ ) ، فالأمر في قولهم { حرقوه مستعمل في المشاورة . # ويظهر أن هذا القول كان مؤامرة سرية بينهم دون حضرة إبراهيم ، وأنهم ~~دبروه ليبغتوه به خشية هروبه لقوله ms5292 تعالى : وأرادوا به كيدا } ( الأنبياء : ~~70 ) . # ونمروذ هذا يقولون : إنه ابن ( كوش ) بن حام بن نوح ، ولا يصح ذلك لبعد ~~ما بين زمن إبراهيم وزمن ( كوش ) . فالصواب أن ( نمروذ ) PageV17P105 من ~~نسل ( كوش ) . ويحتمل أن تكون كلمة ( نمروذ ) لقبا لملك ( الكلدان ) وليست ~~علما . والمقدر في التاريخ أن ملك مدينة ( أور ) في زمن إبراهيم هو ( ألغى ~~بن أورخ ) وهو الذي تقدم ذكره عند قوله تعالى : { ألم تر إلى الذي حاج ~~إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك في } ( سورة البقرة : 258 ) . # ونصر الآلهة بإتلاف عدوها . # ومعنى { إن كنتم فاعلين } إن كنتم فاعلين النصر ، وهذا تحريض وتلهيب ~~لحميتهم . # وجملة { قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم } مفصولة عن التي ~~قبلها إما لأنها وقعت كالجواب عن قولهم { حرقوه } فأشبهت جمل المحاورة ، ~~وإما لأنها استئناف عن سؤال ينشأ عن قصة التآمر على الإحراق . وبذلك يتعين ~~تقدير جملة أخرى ، أي فألقوه في النار قلنا : يا نار كوني بردا وسلاما على ~~إبراهيم . وقد أظهر الله ذلك معجزة لإبراهيم إذ وجه إلى النار تعلق الإرادة ~~بسلب قوة الإحراق ، وأن تكون بردا وسلاما إن كان الكلام على الحقيقة ، أو ~~أزال عن مزاج إبراهيم التأثر بحرارة النار إن كان الكلام على التشبيه ~~البليغ ، أي كوني كبرد في عدم تحريق الملقى فيكك بحرك . # وأما كونها سلاما فهو حقيقة لا محالة ، وذكر { سلاما } بعد ذكر البرد ~~كالاحتراس لأن البرد مؤذ بدوامه ربما إذا اشتد ، فعقب ذكره بذكر السلام ~~لذلك . وعن ابن عباس : لو لم يقل ذلك لأهلكته ببردها . وإنما ذكر { بردا } ~~ثم أتبع ب { سلاما } ولم يقتصر على { بردا } لإظهار عجيب صنع القدرة إذ صير ~~النار بردا . # و { على إبراهيم } يتنازعه { بردا وسلاما } . وهو أشد مبالغة في حصول ~~نفعهما له ، ويجوز أن يتعلق بفعل الكون . # PageV17P106 # | 2 ( 70 ) { وأرادوا به كيدا فجعلناهم الاخسرين } . ) 2 # تسمية عزمهم على إحراقه كيدا يقتضي أنهم دبروا ذلك خفية منه . ولعل قصدهم ~~من ذلك أن لا يفر من البلد فلا يتم الانتصار لآلهتهم . # والأخسر : مبالغة في الخاسر ms5293 ، فهو اسم تفضيل مسلوب المفاضلة . # وتعريف جزأي الجملة يفيد القصر ، وهو قصر للمبالغة كأن خسارتهم لا ~~تدانيها خسارة وكأنهم انفردوا بوصف الأخسرين فلا يصدق هذا الوصف على غيرهم ~~. والمراد بالخسارة الخيبة . وسميت خيبتهم خسارة على طريقة الاستعارة ~~تشبيها لخيبة قصدهم إحراقه بخيبة التاجر في تجارته ، كما دل عليه قوله ~~تعالى : { وأرادوا به كيدا } ، أي فخابوا خيبة عظيمة . وذلك أن خيبتهم جمع ~~لهم بها سلامة إبراهيم من أثر عقابهم وإن صار ما أعدوه للعقاب معجزة ~~وتأييدا لإبراهيم عليه السلام . # وأما شدة الخسارة التي اقتضاها اسم التفضيل فهي بما لحقهم عقب ذلك من ~~العذاب إذ سلط الله عليهم عذابا كما دل عليه قوله تعالى في ( سورة الحج : ~~44 ) { فأمليت للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان نكير . وقد عد فيهم قوم إبراهيم ~~، ولم أر من فسر ذلك الأخذ بوجه مقبول . والظاهر أن الله سلط عليهم ~~الأشوريين فأخذوا بلادهم ، وانقرض ملكهم وخلفهم الأشوريون ، وقد أثبت ~~التاريخ أن العيلاميين من أهل السوس تسلطوا على بلاد الكلدان في حياة ~~إبراهيم في حدود سنة 2286 قبل المسيح . # # | 2 ( 71 73 ) ونجيناه ولوطا إلى الارض التى باركنا فيها للعالمين * ~~ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا PageV17P107 جعلنا صالحين * وجعلناهم ~~أئمة يهدون بأمرنا وأوحينآ إليهم فعل الخيرات وإقام الصلواة وإيتآء الزكواة ~~وكانوا لنا عابدين } ) 2 # هذه نجاة ثانية بعد نجاته من ضر النار ، هي نجاته من الحلول بين قوم عدو ~~له كافرين بربه وربهم ، وهي نجاة من دار الشرك وفساد الإعتقاد . وتلك بأن ~~سهل الله له المهاجرة من بلاد ( الكلدان ) إلى أرض ( فلسطين ) وهي بلاد ( ~~كنعان ) . # وهجرة إبراهيم هي أول هجرة في الأرض لأجل الدين . واستصحب إبراهيم معه ~~لوطا ابن أخيه ( هاران ) لأنه آمن بما جاء به إبراهيم . وكانت سارة امرأة ~~إبراهيم معهما ، وقد فهمت معيتها من أن المرء لا يهاجر إلا ومعه امرأته . # وانتصب { لوطا } على المفعول معه لا على المفعول به لأن لوطا لم يكن ~~مهددا من الأعداء لذاته فيتعلق به فعل الإنجاء . # وضمن { نجيناه } معنى الإخراج فعدي بحرف ms5294 ( إلى ) . # والأرض : هي أرض فلسطين . ووصفها الله بأنه باركها للعالمين ، أي للناس ، ~~يعني الساكنين بها لأن الله خلقها أرض خصب ورخاء عيش وأرض أمن . وورد في ~~التوراة : أن الله قال لإبراهيم : إنها تفيض لبنا وعسلا . # والبركة : وفرة الخير والنفعع . وتقدم في قوله تعالى : { إن أول بيت وضع ~~للناس للذي ببكة مباركا في } ( سورة آل عمران : 96 ) . # وهبة إسحاق له ازدياده له على الكبر وبعد أن يئست زوجه سارة من الولادة . ~~PageV17P108 # وهبة يعقوب ازدياده لإسحاق بن إبراهيم في حياة إبراهيم ورؤيته إياه كهلا ~~صالحا . # والنافلة : الزيادة غير الموعودة ، فإن إبراهيم سأل ربه فقال { رب هب لي ~~من الصالحين أراد الولد فولد له إسماعيل كما في } ( سورة الصافات : 100 ) ، ~~ثم ولد له إسحاق عن غير مسألة كما في سورة هود فكان نافلة ، وولد لإسحاق ~~يعقوب فكان أيضا نافلة . # وانتصب { نافلة } على الحال التي عاملها { وهبنا } فتكون حالا من إسحاق ~~ويعقوب شأن الحال الواردة بعد المفردات أن تعود إلى جميعها . # وتنوين { كلا } عوض عن المضاف إليه . والمعنى : وكلهم جعلنا صالحين ، أي ~~أصلحنا نفوسهم . والمراد إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، لأنهم الذين كان الحديث ~~الأخير عنهم . وأما لوط فإنما ذكر على طريق المعية وسيخص بالذكر بعد هذه ~~الآية . # وإعادة فعل ( جعل ) في قوله تعالى : { وجعلناهم أيمة يهدون بأمرنا } دون ~~أن يقال : وأيمة يهدون ، بعطف { أيمة } على { صالحين ، } اهتماما بهذا ~~الجعل الشريف ، وهو جعلهم هادين للناس بعد أن جعلهم صالحين في أنفسهم فأعيد ~~الفعل ليكون له مزيد استقرار . # ولأن في إعادة الفعل إعادة ذكر المفعول الأول فكانت إعادته وسيلة إلى ~~إعادة ذكر المفعول الأول . # وفي تلك الإعادة من الاعتناء ما في الإظهار في مقام الإضمار كما يظهر ~~بالذوق . # والأيمة : جمع إمام وهو القدوة والذي يعمل كعمله . وأصل الإمام المثال ~~الذي يصنع الشيء على صورته في الخير أو في الشر . PageV17P109 # وجملة { يهدون } في موضع الحال مقيدة لمعنى الإمامة ، أي أنهم أيمة هدى ~~وإرشاد . # وقوله { بأمرنا } أي كانوا هادين بأمر الله ، وهو الوحي زيادة على الجعل ~~. وفي ( الكشاف ) : ( فيه ms5295 أن من صلح ليكون قدوة في دين الله فالهداية ~~محتومة عليه مأمور هو بها ليس له أن يخل بها ويتثاقل عنها . وأول ذلك أن ~~يهتدي بنفسه لأن الانتفاع بهداه أعم والنفوس إلى الاهتداء بالمهدي أميل ) ~~اه . # وهذا الهدي هو تزكية نفوس الناس وإصلاحها وبث الإيمان ويشمل هذا شؤون ~~الإيمان وشعبه وآدابه . # وأما قوله تعالى : { وأوحينا إليهم فعل الخيرات } فذلك إقامة شرائع الدين ~~بين الناس من العبادات والمعاملات . وقد شملها قوله تعالى { فعل الخيرات } ~~. # و { فعل الخيرات } مصدر مضاف إلى { الخيرات } ، ويتعين أنه مضاف إلى ~~مفعوله لأن الخيرات مفعولة وليست فاعلة فالمصدر هنا بمنزلة الفعل المبني ~~للمجهول لأن المقصود هو مفعوله ، وأما الفاعل فتبع له ، أي أن يفعلوا هم ~~ويفعل قومهم الخيرات ، حتى تكون الخيرات مفعولة للناس كلهم ، فحذف الفاعل ~~للتعميم مع الاختصار لاقتضاء المفعول إياه . # واعتبار المصدر مصدرا لفعل مبني للنائب جائز إذا قامت القرينة . وهذا ما ~~يؤذن به صنيع الزمخشري . على أن الأخفش أجازه بدون شرط . # ويجوز أن يكون { فعل الخيرات } هو الموحى به ، أي وأوحينا إليهم هذا ~~الكلام ، فيكون المصدر قائما مقام الفعل مرادا به الطلب ، والتقدير : ~~افعلوا الخيرات ، كقوله تعالى : { فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب } ( ~~محمد : 4 ) . PageV17P110 # وتخصيص { إقام الصلاة وإيتاء الزكاة } بالذكر بعد شمول الخيرات إياهما ~~تنويه بشأنهما لأن بالصلاة صلاح النفس إذ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ، ~~وبالزكاة صلاح المجتمع لكفاية عوز المعوزين . # وهذا إشارة إلى أصل الحنيفية التي أرسل بها إبراهيم عليه السلام . # ومعنى الوحي بفعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة أنه أوحي إليهم ~~الأمر بذلك كما هو بين . # ثم خصهم بذكر ما كانوا متميزين به على بقية الناس من ملازمة العبادة لله ~~تعالى كما دل عليه فعل الكون المفيد تمكن الوصف ، ودلت عليه الإشارة بتقديم ~~المجرور إلى أنهم أفردوا الله بالعبادة فلم يعبدوا غيره قط كما تقتضيه رتبة ~~النبوءة من العصمة عن عبادة غير الله من وقت التكليف كما قال يوسف : { ما ~~كان لنا أن نشرك بالله من شيء } ( يوسف : 38 ) وقال ms5296 تعالى في الثناء على ~~إبراهيم : { وما كان من المشركين } ( البقرة : 135 ) . # # | 2 ( 74 ، 75 ) { ولوطا آتيناه حكما وعلما ونجيناه من القرية التى كانت ~~تعمل الخبائث إنهم كانوا قوم سوء فاسقين * وأدخلناه فى رحمتنآ إنه من ~~الصالحين } ) 2 # عطف على جملة { ولقد آتينا إبراهيم رشده } ( الأنبياء : 51 ) . وقدم ~~مفعول { آتيناه } اهتماما به لينبه على أنه محل العناية إذ كان قد تأخر ذكر ~~قصته بعد أن جرى ذكره تبعا لذكر إبراهيم تنبيها على أنه بعث بشريعة خاصة ، ~~وإلى قوم غير القوم الذين بعث إليهم إبراهيم ، وإلى أنه كان في مواطن غير ~~المواطن التي حل فيها إبراهيم ، بخلاف إسحاق ويعقوب في ذلك كله . ~~PageV17P111 # ولأجل البعد أعيد فعل الإيتاء ليظهر عطفه على { آتينا إبراهيم رشده } ( ~~الأنبياء : 51 ) ، ولم يعد في قصة نوح عقب هذه . # وأعقبت قصة إبراهيم بقصة لوط للمناسبة . وخص لوط بالذكر من بين الرسل لأن ~~أحواله تابعة لأحوال إبراهيم في مقاومة أهل الشرك والفساد . وإنما لم يذكر ~~ما هم عليه قوم لوط من الشرك استغناء بذكر الفواحش الفظيعة التي كانت لهم ~~سنة فإنها أثر من الشرك . # والحكم : الحكمة ، وهو النبوءة ، قال تعالى : { وآتيناه الحكم صبيا } ( ~~مريم : 12 ) . # والعلم : علم الشريعة ، والتنوين فيها للتعظيم . # والقرية ( سدوم ) . وقد تقدم ذكر ذلك في سورة هود والمراد من القرية ~~أهلها كما مر في قوله تعالى : { واسأل القرية في } ( سورة يوسف : 82 ) . # والخبائث : جمع خبيثة بتأويل الفعلة ، أي الشنيعة . والسوء بفتح السين ~~وسكون الواو مصدر ، أي القبيح المكروه . وأما بضم السين فهو اسم مصدر لما ~~ذكر وهو أعم من المفتوح لأن الوصف بالاسم أضعف من الوصف بالمصدر . # # | 2 ( 76 ، 77 ) { ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من ~~الكرب العظيم * ونصرناه من القوم الذين كذبوا بئاياتنا إنهم كانوا قوم سوء ~~فأغرقناهم أجمعين } ) 2 # لما ذكر أشهر الرسل بمناسبات أعقب بذكر أول الرسل . PageV17P112 # وعطف { ونوحا } على { لوطا } ( الأنبياء : 74 ) ، أي آتينا نوحا حكما ~~وعلما ، فحذف المفعول الثاني ل { آتينا } ( الأنبياء : 74 ) لدلالة ما قبله ~~عليه ، أي ms5297 آتيناه النبوءة حين نادى ، أي نادانا . # ومعنى { نادى } دعا ربه أن ينصره على المكذبين من قومه بدليل قوله { ~~فاستجبنا له ونجيناه وأهله من الكرب العظيم } . # وبناء { قبل } على الضم يدل على مضاف إليه مقدر ، أي من قبل هؤلاء ، أي ~~قبل الأنبياء المذكورين . وفائدة ذكر هذه القبلية التنبيه على أن نصر الله ~~أولياءه سنته المرادة له تعريضا بالتهديد للمشركين المعاندين ليتذكروا أنه ~~لم تشذ عن نصر الله رسله شاذة ولا فاذة . # وأهل نوح : أهل بيته عدا أحد بنيه الذي كفر به . # والكرب العظيم : هو الطوفان . والكرب : شدة حزن النفس بسبب خوف أو حزن . # ووجه كون الطوفان كربا عظيما أنه يهول الناس عند ابتدائه وعند مده ولا ~~يزال لاحقا بمواقع هروبهم حتى يعمهم فيبقوا زمنا يذوقون آلام الخوف فالغرق ~~وهم يغرقون ويطفون حتى يموتوا بانحباس التنفس ؛ وفي ذلك كله كرب متكرر ، ~~فلذلك وصف بالعظيم . # وعدي { نصرناه } بحرف ( من ) لتضمينه معنى المنع والحماية ، كما في قوله ~~تعالى : { إنكم منا لا تنصرون } ( المؤمنون : 65 ) ، وهو أبلغ من تعديته ب ~~( على ) لأنه يدل على نصر قوي تحصل به المنعة والحماية فلا يناله العدو ~~بشيء . وأما نصره عليه فلا يدل إلا على المدافعة والمعونة . # ووصف القوم بالموصول للإيماء إلى علة الغرق الذي سيذكر بعد . وجملة { ~~إنهم كانوا قوم سوء } علة لنصر نوح عليه السلام لأن نصره يتضمن إضرار القوم ~~المنصور عليهم . PageV17P113 # والسوء بفتح السين تقدم آنفا . # وإضافة قوم إلى السوء إشارة إلى أنهم عرفوا به . والمراد به الكفر ~~والتكبر والعناد والاستسخار برسولهم . # و { أجمعين } حال من ضمير النصب في { أغرقناهم } لإفادة أنه لم ينج من ~~الغرق أحد من القوم ولو كان قريبا من نوح فإن الله قد أغرق ابن نوح . # وهذا تهديد لقريش لئلا يتكلوا على قرابتهم بمحمد صلى الله عليه وسلم كما ~~روي أنه لما قرأ على عتبة بن ربيعة ( سورة فصلت : 13 ) حتى بلغ { فإن ~~أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود فزع عتبة وقال له : ناشدتك ~~الرحم . # # | 2 ( 78 ، 79 ) وداوود وسليمان ms5298 إذ يحكمان فى الحرث إذ نفشت فيه غنم ~~القوم وكنا لحكمهم شاهدين * ففهمناها سليمان وكلا ءاتينا حكما وعلما وسخرنا ~~مع داوود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين } ) 2 # { وداوود وسليمان إذ يحكمان فى الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم ~~شاهدين * ففهمناها } # شروع في عداد جمع من الأنبياء الذين لم يكونوا رسلا . وقد روعي في ~~تخصيصهم بالذكر ما اشتهر به كل فرد منهم من المزية التي أنعم الله بها عليه ~~، بمناسبة ذكر ما فضل الله به موسى وهارون من إيتاء الكتاب المماثل للقرآن ~~وما عقب ذلك . ولم يكن بعد موسى في بني إسرائيل عصر له ميزة خاصة مثل عصر ~~داوود وسليمان إذ تطور أمر جامعة بني إسرائيل من كونها مسوسة بالأنبياء من ~~عهد يوشع بن نون . ثم بما طرأ عليها من الفوضى من بعد موت ( شمشون ) إلى ~~قيام ( شاول ) حمي داوود إلا أنه كان ملكا قاصرا على قيادة الجند ~~PageV17P114 ولم يكن نبيئا ، وأما تدبير الأمور فكان للأنبياء والقضاة مثل ~~( صمويل ) . # فداوود أول من جمعت له النبوءة والملك في أنبياء بني إسرائيل . وبلغ ملك ~~إسرائيل في مدة داوود حدا عظيما من البأس والقوة وإخضاع الأعداء . وأوتي ~~داوود الزبور فيه حكمة وعظة فكان تكملة للتوراة التي كانت تعليم شريعة ، ~~فاستكمل زمن داوود الحكمة ورقائق الكلام . # وأوتي سليمان الحكمة وسخر له أهل الصنائع والإبداع فاستكملت دولة إسرائيل ~~في زمانه عظمة النظام والثروة والحكمة والتجارة فكان في قصتها مثل . # وكانت تلك القصة منتظمة في هذا السلك الشريف سلك إيتاء الفرقان والهدى ~~والرشد والإرشاد إلى الخير والحكم والعلم . # وكان في قصة داوود وسليمان تنبيه على أصل الاجتهاد وعلى فقه القضاء فلذلك ~~خص داوود وسليمان بشيء من تفصيل أخبارهما فيكون { داوود } عطفا على { نوحا ~~في قوله ونوحا } ( الأنبياء : 76 ) ، أي وآتينا داوود وسليمان حكما وعلما ~~إذ يحكمان . . . إلى آخره . ف { إذ يحكمان } متعلق ب ( آتينا ) المحذوف ، ~~أي كان وقت حكمهما في قضية الحرث مظهرا من مظاهر حكمهما وعلمهما . # والحكم : الحكمة ، وهو النبوءة . والعلم : أصالة الفهم . و ms5299 { وإذ نفشت } ~~متعلق ب { يحكمان } . # فهذه القضية التي تضمنتها الآية مظهر من مظاهر العدل ومبالغ تدقيق فقه ~~القضاء ، والجمع بين المصالح والتفاضل بين مراتب الاجتهاد ، PageV17P115 ~~واختلاف طرق القضاء بالحق مع كون الحق حاصلا للمحق ، فمضمونها أنها الفقه ~~في الدين الذي جاء به المرسلون من قبل . # وخلاصتها أن داوود جلس للقضاء بين الناس ، وكان ابنه سليمان حينئذ يافعا ~~فكان يجلس خارج باب بيت القضاء . فاختصم إلى داوود رجلان أحدهما عامل في ~~حرث لجماعة في زرع أو كرم ، والآخر راعي غنم لجماعة ، فدخلت الغنم الحرث ~~ليلا فأفسدت ما فيه فقضى داوود أن تعطى الغنم لأصحاب الحرث إذ كان ثمن تلك ~~الغنم يساوي ثمن ما تلف من ذلك الحرث ، فلما حكم بذلك وخرج الخصمان فقص ~~أمرهما على سليمان ، فقال : لو كنت أنا قاضيا لحكمت بغير هذا . فبلغ ذلك ~~داوود فأحضره وقال له : بماذا كنت تقضي ؟ قال : إني رأيت ما هو أرفق ~~بالجميع . قال : وما هو ؟ قال : أن يأخذ أصحاب الغنم الحرث يقوم عليه ~~عاملهم ويصلحه عاما كاملا حتى يعود كما كان ويرده إلى أصحابه ، وأن يأخذ ~~أصحاب الحرث الغنم تسلم لراعيهم فينتفعوا من ألبانها وأصوافها ونسلها في ~~تلك المدة فإذا كمل الحرث وعاد إلى حاله الأول صرف إلى كل فريق ما كان له . ~~فقال داوود : وفقت يا بني . وقضى بينهما بذلك . # فمعنى { نفشت فيه } دخلته ليلا ، قالوا : والنفش الانفلات للرعي ليلا . ~~وأضيف الغنم إلى القوم لأنها كانت لجماعة من الناس كما يؤخذ من قوله تعالى ~~{ غنم القوم } . وكذلك كان الحرث شركة بين أناس . كما يؤخذ مما أخرجه ابن ~~جرير في ( تفسيره ) من كلام مجاهد ومرة وقتادة ، وما أخرجه ابن كثير في ( ~~تفسيره ) عن مسروق من رواية ابن أبي حاتم . وهو ظاهر تقرير ( الكشاف ) . ~~وأما ما ورد في الروايات الأخرى من ذكر رجلين فإنما يحمل على أن اللذين ~~حضرا للخصومة هما راعي الغنم وعامل الحرث . PageV17P116 # واعلم أن مقتضى عطف داوود وسليمان على إبراهيم ومقتضى قوله { وكنا لحكمهم ~~شاهدين } أي عالمين وقوله تعالى : { وكلا آتينا ms5300 حكما وعلما } ومقتضى وقوع ~~الحكمين في قضية واحدة وفي وقت واحد ، إذ أن الحكمين لم يكونا عن وحي من ~~الله وأنهما إنما كانا عن علم أوتيه داوود وسليمان ، فذلك من القضاء ~~بالاجتهاد . وهو جار على القول الصحيح من جواز الاجتهاد للأنبياء ولنبينا ~~عليهم الصلاة والسلام ووقوعه في مختلف المسائل . # وقد كان قضاء داوود حقا لأنه مستند إلى غرم الأضرار على المتسببين في ~~إهمال الغنم ، وأصل الغرم أن يكون تعويضا ناجزا فكان ذلك القضاء حقا . ~~وحسبك أنه موافق لما جاءت به السنة في إفساد المواشي . # وكان حكم سليمان حقا لأنه مستند إلى إعطاء الحق لذويه مع إرفاق المحقوقين ~~باستيفاء مالهم إلى حين فهو يشبه الصلح . ولعل أصحاب الغنم لم يكن لهم ~~سواها كما هو الغالب ، وقد رضي الخصمان بحكم سليمان لأن الخصمين كانا من ~~أهل الإنصاف لا من أهل الاعتساف ، ولو لم يرضيا لكان المصير إلى حكم داوود ~~إذ ليس الإرفاق بواجب . # ونظير ذلك قضاء عمر بن الخطاب على محمد بن مسلمة بأن يمر الماء من ( ~~العريض ) على أرضه إلى أرض الضحاك بن خليفة وقال لمحمد بن مسلمة : لم تمنع ~~أخاك ما ينفعه وهو لك نافع ؟ فقال محمد : لا والله ، فقال عمر : والله ~~ليمرن به ولو على بطنك ، ففعل الضحاك . # وذلك أن عمر علم أنهما من أهل الفضل وأنهما يرضيان لما عزم عليهما ، فكان ~~قضاء سليمان أرجح . # وتشبه هذه القضية قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الزبير ~~والأنصاري في السقي من ماء شراج الحرة إذ قضى أول مرة بأن يمسك PageV17P117 ~~الزبير الماء حتى يبلغ الكعبين ثم يرسل الماء إلى جاره ، فلما لم يرض ~~الأنصاري قضى رسول الله بأن يمسك الزبير الماء حتى يبلغ الجدر ثم يرسل ، ~~فاستوفى للزبير حقه . وإنما ابتدأ النبي صلى الله عليه وسلم بالأرفق ثم لما ~~لم يرض أحد الخصمين قضى بينهما بالفصل ، فكان قضاء النبي مبتدأ بأفضل ~~الوجهين على نحو قضاء سليمان . # فمعنى قوله تعالى : { ففهمناها سليمان } أنه ألهمه وجها آخر في القضاء هو ~~أرجح ms5301 لما تقتضيه صيغة التفهيم من شدة حصول الفعل أكثر من صيغة الإفهام ، ~~فدل على أن فهم سليمان في القضية كان أعمق . وذلك أنه أرفق بهما فكانت ~~المسألة مما يتجاذبه دليلان فيصار إلى الترجيح ، والمرجحات لا تنحصر ، وقد ~~لا تبدو للمجتهد ، والله تعالى أراد أن يظهر علم سليمان عند أبيه ليزداد ~~سروره به ، وليتعزى على من فقده من أبنائه قبل ميلاد سليمان . وحسبك أنه ~~الموافق لقضاء النبي في قضية الزبير ، وللاجتهادات مجال في تعارض الأدلة . # وهذه الآية أصل في اختلاف الاجتهاد ، وفي العمل بالراجح ، وفي مراتب ~~الترجيح ، وفي عذر المجتهد إذا أخطأ الاجتهاد أو لم يهتد إلى المعارض لقوله ~~تعالى : { وكلا آتينا حكما وعلما } في معرض الثناء عليهما . # وفي بقية القصة ما يصلح لأن يكون أصلا في رجوع الحاكم عن حكمه ، كما قال ~~ابن عطية وابن العربي ؛ إلا أن ذلك لم تتضمنه الآية ولا جاءت به السنة ~~الصحيحة ، فلا ينبغي أن يكون تأصيلا وأن ما حاولاه من ذلك غفلة . # وإضافة ( حكم ) إلى ضمير الجمع باعتبار اجتماع الحاكمين والمتحاكمين . # وتأنيث الضمير في قوله { ففهمناها ، } ولم يتقدم لفظ معاد مؤنث اللفظ ، ~~على تأويل الحكم في قوله تعالى : { لحكمهم } بمعنى الحكومة أو الخصومة . ~~PageV17P118 # وجملة { وكلا آتينا حكما وعلما } تذييل للاحتراس لدفع توهم أن حكم داوود ~~كان خطأ أو جورا وإنما كان حكم سليمان أصوب . # وتقدمت ترجمة داوود عليه السلام عند قوله تعالى : { وآتينا داوود زبورا ~~في } ( سورة النساء : 163 ) ، وقوله تعالى : { ومن ذريته داوود في } ( سورة ~~الأنعام : 84 ) . # وتقدمت ترجمة سليمان عليه السلام عند قوله تعالى : { واتبعوا ما تتلوا ~~الشياطين على ملك سليمان في } ( سورة البقرة : 102 ) . # { وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين } # هذه مزية اختص بها داوود وهي تسخير الجبال له وهو الذي بينته جملة { ~~يسبحن } فهي إما بيان لجملة { سخرنا } أو حال مبينة . وذكرها هنا استطراد ~~وإدماج . # { والطير } عطف على { الجبال } أو مفعول معه ، أي مع الطير يعني طير ~~الجبال . # و { مع } ظرف متعلق بفعل { يسبحن ، } وقدم على متعلقه للاهتمام ms5302 به لإظهار ~~كرامة داوود ، فيكون المعنى : أن داوود كان إذا سبح بين الجبال سمع الجبال ~~تسبح مثل تسبيحه . وهذا معنى التأويب في قوله في الآية الأخرى : { يا جبال ~~أوبي معه } ( سبأ : 10 ) إذ التأويب الترجيع ، مشتق من الأوب وهو الرجوع . ~~وكذلك الطير إذا سمعت تسبيحه تغرد تغريدا مثل تسبيحه وتلك كلها معجزة له . ~~ويتعين أن يكون هذا التسخير حاصلا له بعد أن أوتي النبوءة كما يقتضيه سياق ~~تعداده في PageV17P119 عداد ما أوتيه الأنبياء من دلائل الكرامة على الله ، ~~ولا يعرف لداوود بعد أن أوتي النبوءة مزاولة صعود الجبال ولا الرعي فيها ~~وقد كان من قبل النبوءة راعيا . فلعل هذا التسخير كان أيام سياحته في جبل ~~برية ( زيف ) الذي به كهف كان يأوي إليه داوود مع أصحابه الملتفين حوله في ~~تلك السياحة أيام خروجه فارا من الملك شاول ( طالوت ) حين تنكر له شاول ~~بوشاية بعض حساد داوود ، كما حكي في الإصحاحين 23 24 من سفر صمويل الأول . ~~وهذا سر التعبير ب ( مع ) متعلقة بفعل { سخرنا } هنا . وفي آية سورة ص ~~إشارة إلى أنه تسخير متابعة لا تسخير خدمة بخلاف قوله الآتي { ولسليمان ~~الريح } ( الأنبياء : 81 ) إذ عدي فعل التسخير الذي نابت عنه واو العطف ~~بلام الملك . وكذلك جاء لفظ ( مع ) في آية ( سورة سبأ : 10 ) { يا جبال ~~أوبي معه . # وفي هذا التسخير للجبال والطير مع كونه معجزة له كرامة وعناية من الله به ~~إذ آنسه بتلك الأصوات في وحدته في الجبال وبعده عن أهله وبلده . # وجملة وكنا فاعلين } معترضة بين الإخبار عما أوتيه داوود . وفاعل هنا ~~بمعنى قادر ، لإزالة استبعاد تسبيح الجبال والطير معه . وفي اجتلاب فعل ~~الكون إشارة إلى أن ذلك شأن ثابت لله من قبل ، أي وكنا قادرين على ذلك . # # | 2 ( 80 ) { وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون } ~~) 2 # وامتن الله بصنعة علمها داوود فانتفع بها الناس وهي صنعة الدروع ، أي ~~دروع السرد . قيل كانت الدروع من قبلل داوود ذات PageV17P120 حراشف من ~~الحديد ، فكانت تثقل ms5303 على الكماة إذا لبسوها فألهم الله داوود صنع دروع ~~الحلق الدقيقة فهي أخف محملا وأحسن وقاية . # وفي الإصحاح السابع عشر من سفر صمويل الأول أن جالوت الفلسطيني خرج ~~لمبارزة داوود لابسا درعا حرشفيا ، فكانت الدروع الحرشفية مستعملة في وقت ~~شباب داوود فاستعمل العرب دروع السرد . واشتهر عند العرب ، ولقد أجاد كعب ~~بن زهير وصفها بقوله : # شم العرانين أبطال لبوسهم # من نسج داوود في الهيجا سرابيل # بيض سوابغ قد شكت لها حلق # كأنها حلق القفعاء مجدول # وكانت الدروع التبعية مشهورة عند العرب فلعل تبعا اقتبسها من بني إسرائيل ~~بعد داوود أو لعل الدروع التبعية كانت من ذات الحراشف ، وقد جمعها النابغة ~~بقوله : # وكل صموت نثلة تبعية # ونسج سليم كل قمصاء ذائل # أراد بسليم ترخيم سليمان ، يعني سليمان بن داوود ، فنسب عمل أبيه إليه ~~لأنه كان مدخرا لها . # واللبوس بفتح اللام أصله اسم لكل ما يلبس فهو فعول بمعنى مفعول مثل رسول ~~. وغلب إطلاقه على ما يلبس من لامة الحرب من الحديد ، وهو الدرع فلا يطلق ~~على الدرع لباس ويطلق عليها لبوس كما يطلق لبوس على الثياب . وقال ابن عطية ~~: اللبوس في اللغة السلاح فمنه الرمح ومنه قول الشاعر وهو أبو كبير الهذلي ~~. # ومعي لبوس للبئيس كأنه # روق بجبهة ذي نعاج مجفل PageV17P121 # وقرأ الجمهور { ليحصنكم } بالمثناة التحتية على ظاهر إضمار لفظ { لبوس } ~~. وإسناد الإحصان إلى اللبوس إسناد مجازي . وقرأ ابن عامر ، وحفص عن عاصم ، ~~وأبو جعفر بالمثناة الفوقية على تأويل معنى { لبوس } بالدرع ، وهي مؤنثة ، ~~وقرأ أبو بكر عن عاصم ، ورويس عن يعقوب { لنحصنكم } بالنون . # وضمائر الخطاب في { لكم ، ليحصنكم ، من بأسكم ، فهل أنتم شاكرون } موجهة ~~إلى المشركين تبعا لقوله تعالى قبل ذلك : { وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم ~~له منكرون } ( الأنبياء : 50 ) لأنهم أهملوا شكر نعم الله تعالى التي منها ~~هذه النعمة إذ عبدوا غيره . # والإحصان : الوقاية والحماية . والبأس : الحرب . # ولذلك كان الاستفهام في قوله تعالى { فهل أنتم شاكرون } مستعملا في ~~استبطاء عدم الشكر ومكنى به عن الأمر بالشكر . # وكان العدول عن ms5304 إيلاء ( هل ) الاستفهامية بجملة فعلية إلى الجملة الاسمية ~~مع أن ل ( هل ) مزيد اختصاص بالفعل ، فلم يقل : فهل تشكرون ، وعدل إلى { ~~فهل أنتم شاكرون } ليدل العدول عن الفعلية إلى الاسمية على ما تقتضيه ~~الاسمية من معنى الثبات والاستمرار ، أي فهل تقرر شكركم وثبت لأن تقرر ~~الشكر هو الشأن في مقابلة هذه النعمة نظير قوله تعالى { فهل أنتم منتهون في ~~آية تحريم الخمر } ( المائدة : 91 ) . # # | 2 ( 81 ) { ولسليمان الريح عاصفة تجرى بأمره إلى الارض التى باركنا ~~فيها وكنا بكل شىء عالمين } . ) 2 # عطف على جملة { وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن } ( الأنبياء : 79 ) ~~بمناسبة تسخير خارق للعادة في كلتا القصتين معجزة للنبئين عليهما السلام . ~~PageV17P122 # والأرض التي بارك الله فيها هي أرض الشام . وتسخير الريح : تسخيرها لما ~~تصلح له ، وهو سير المراكب في البحر . والمراد أنها تجري إلى الشام راجعة ~~عن الأقطار التي خرجت إليها لمصالح ملك سليمان من غزو أو تجارة بقرينة أنها ~~مسخرة لسليمان فلا بد أن تكون سائرة لفائدة الأمة التي هو ملكها . # وعلم من أنها تجري إلى الأرض التي بارك الله فيها أنها تخرج من تلك الأرض ~~حاملة الجنود أو مصدرة البضائع التي تصدرها مملكة سليمان إلى بلاد الأرض ~~وتقفل راجعة بالبضائع والميرة ومواد الصناعة وأسلحة الجند إلى أرض فلسطين ، ~~فوقع في الكلام اكتفاء اعتمادا على القرينة . وقد صرح بما اكتفى عنه هنا في ~~آية سورة سبأ ( 12 ) { ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر . # ووصفها هنا ب عاصفة } بمعنى قوية . ووصفها في سورة ص ( 36 ) بأنها { رخاء ~~في قوله تعالى : فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب . والرخاء : ~~الليلة المناسبة لسير الفلك . وذلك باختلاف الأحوال فإذا أراد الإسراع في ~~السير سارت عاصفة وإذا أراد اللين سارت رخاء ، والمقام قرينة على أن المراد ~~المواتاه لإرادة سليمان كما دل عليه قوله تعالى : تجري بأمره } في الآيتين ~~المشعر باختلاف مقصد سليمان منها كما إذا كان هو راكبا في البحر فإنه ~~يريدها رخاء لئلا تزعجه وإذا أصدرت مملكته بضاعة أو اجتلبتها سارت ms5305 عاصفة ~~وهذا بين بالتأمل . # وعبر { بأمره } عن رغبته وما يلائم أسفار سفائنه وهي رياح موسمية منتظمة ~~سخرها الله له . # وأمر سليمان دعاؤه الله أن يجري الريح كما يريد سليمان : إما دعوة عامة ~~كقوله { وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي } ( ص : 35 ) فيشمل PageV17P123 ~~كل ما به استقامة أمور الملك وتصاريفه ، وإما دعوة خاصة عند كل سفر لمراكب ~~سليمان فجعل الله الرياح الموسمية في بحار فلسطين مدة ملك سليمان إكراما له ~~وتأييدا إذا كان همه نشر دين الحق في الأرض . # وإنما جعل الله الريح تجري بأمر سليمان ولم يجعلها تجري لسفنه لأن الله ~~سخر الريح لكل السفن التي فيها مصلحة ملك سليمان فإنه كانت تأتيه سفن ( ~~ترشيش ) يظن أنها طرطوشة بالأندلس أو قرطجنة بإفريقية وسفن حيرام ملك صور ~~حاملة الذهب والفضة والعاج والقردة والطواويس وهدايا الآنية والحلل والسلاح ~~والطيب والخيل والبغال كما في الإصحاح 10 من سفر الملوك الأول . # وجملة { وكنا بكل شيء عالمين } معترضة بين الجمل المسوقة لذكر عناية الله ~~بسليمان . والمناسبة أن تسخير الريح لمصالح سليمان أثر من آثار علم الله ~~بمختلف أحوال الأمم والأقاليم وما هو منها لائق بمصلحة سليمان فيجري الأمور ~~على ما تقتضيه الحكمة التي أرادها سبحانه إذ قال : { وشددنا ملكه } ( ص : ~~20 ) . # # | 2 ( 82 ) { ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذالك وكنا لهم ~~حافظين } ) 2 # هذا ذكر معجزة وكرامة لسليمان . وهي أن سخر إليه من القوى المجردة من ~~طوائف الجن والشياطين التي تتأتى لها معرفة الأعمال العظيمة من غوص البحار ~~لاستخراج اللؤلؤ والمرجان ومن أعمال أخرى أجملت في قوله تعالى : { ويعملون ~~عملا دون ذلك } . وفصل بعضها في PageV17P124 آيات أخرى كقوله تعالى : { ~~يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجوابي وقدور راسيات } ( سبأ ~~: 13 ) وهذه أعمال متعارفة . وإنما اختص سليمان بعظمتها مثل بناء هيكل بيت ~~المقدس وبسرعة إتمامها . # ومعنى { وكنا لهم حافظين } أن الله بقدرته سخرهم لسليمان ومنعهم عن أن ~~ينفلتوا عنه أو أن يعصوه ، وجعلهم يعملون في خفاء ولا يؤذوا أحدا ms5306 من الناس ~~؛ فجمع الله بحكمته بين تسخيرهم لسليمان وعلمه كيف يحكمهم ويستخدمهم ~~ويطوعهم ، وجعلهم منقادين له وقائمين بخدمته دون عناء له ، وحال دونهم ودون ~~الناس لئلا يؤذوهم . ولما توفي سليمان لم يسخر الله الجن لغيره استجابة ~~لدعوته إذ قال : { وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي } ( ص : 35 ) . ولما ~~مكن الله النبي محمدا صلى الله عليه وسلم من الجني الذي كاد أن يفسد عليه ~~صلاته وهم بأن يربطه ، ذكر دعوة سليمان فأطلقه فجمع الله له بين التمكين من ~~الجن وبين تحقيق رغبة سليمان . # وقوله { لهم } يتعلق ب { حافظين } واللام لام التقوية . والتقدير : ~~حافظينهم ، أي مانعينهم عن الناس . # # | 2 ( 83 ، 84 ) { وأيوب إذ نادى ربه أنى مسنى الضر وأنت أرحم الراحمين * ~~فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وءاتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا ~~وذكرى للعابدين } . ) 2 # عطف على { وداوود وسليمان } ( الأنبياء : 78 ) أي وآتينا أيوب حكما وعلما ~~إذ نادى ربه . وتخصيصه بالذكر مع من ذكر من الأشياء لما اختص به من الصبر ~~حتى كان مثلا فيه . وتقدمت ترجمة أيوب في سورة الأنعام . PageV17P125 # وأما القصة التي أشارت إليها هذه الآية فهي المفصلة في السفر الخاص بأيوب ~~من أسفار النبيئين الإسرائلية . وحاصلها أنه كان نبيئا وذا ثروة واسعة ~~وعائلة صالحة متواصلة ، ثم ابتلي بإصابات لحقت أمواله متتابعة فأتت عليها ، ~~وفقد أبناءه السبعة وبناته الثلاث في يوم واحد ، فتلقى ذلك بالصبر والتسليم ~~. ثم ابتلي بإصابة قروح في جسده وتلقى ذلك كله بصبر وحكمة وهو يبتهل إلى ~~الله بالتمجيد والدعاء بكشف الضر . وتلقى رثاء أصحابه لحاله بكلام عزيز ~~الحكمة والمعرفة بالله ، وأوحى الله إليه بمواعظ . ثم أعاد عليه صحته ~~وأخلفه مالا أكثر من ماله وولدت له زوجه أولادا وبناتت بعدد من هلكوا له من ~~قبل . # وقد ذكرت قصته بأبسط من هنا في سورة ص ، ولأهل القصص فيها مبالغات لا ~~تليق بمقام النبوءة . # و ( إذ ) ظرف قيد به إيتاء أيوب رباطة القلب وحكمة الصبر لأن ذلك الوقت ~~كان أجلى مظاهر علمه وحكمته كما ms5307 أشارت إليه القصة . وتقدم نظيره آنفا عند ~~قوله تعالى : { ونوحا إذ نادى من قبل } ( الأنبياء : 76 ) فصار أيوب مضرب ~~المثل في الصبر . # وقوله { أني مسني الضر } بفتح الهمزة على تقدير باء الجر ، أي نادى ربه ~~بأني مسني الضر . # والمس : الإصابة الخفيفة . والتعبير به حكاية لما سلكه أيوب في دعائه من ~~الأدب مع الله إذ جعل ما حل به من الضر كالمس الخفيف . # والضر بضم الضاد ما يتضرر به المرء في جسده من مرض أو هزال ، أو في ماله ~~من نقص ونحوه . PageV17P126 # وفي قوله تعالى : { وأنت أرحم الراحمين } التعريض بطلب كشف الضر عنه بدون ~~سؤال فجعل وصف نفسه بما يقتضي الرحمة له ، ووصف ربه بالأرحمية تعريضا ~~بسؤاله ، كما قال أمية بن أبي الصلت : # إذا أثنى عليك المرء يوما # كفاه عن تعرضه الثناء # وكون الله تعالى أرحم الراحمين لأن رحمته أكمل الرحمات لأن كل من رحم ~~غيره فإما أن يرحمه طلبا للثناء في الدنيا أو للثواب في الآخرة أو دفعا ~~للرقة العارضة للنفس من مشاهدة من تحق الرحمة له فلم يخل من قصد نفع لنفسه ~~، وإما رحمته تعالى عباده فهي خلية عن استجلاب فائدة لذاته العلية . # ولكون ثناء أيوب تعريضا بالدعاء فرع عليه قوله تعالى : { فاستجبنا له ~~فكشفنا ما به من ضر } . والسين والتاء للمبالغة في الإجابة ، أي استجبنا ~~دعوته العرضية بإثر كلامه وكشفنا ما به من ضر ، إشارة إلى سرعة كشف الضر ~~عنه ، والتعقيب في كل شيء بحسبه ، وهو ما تقتضيه العادة في البرء وحصولل ~~الرزق وولادة الأولاد . # والكشف : مستعمل في الإزالة السريعة . شبهت إزالة الأمراض والأضرار ~~المتمكنة التي يعتاد أنها لا تزول إلا بطول بإزالة الغطاء عن الشيء في ~~السرعة . # والموصول في قوله تعالى : { ما به من ضر } مقصود منه الإبهام . ثم تفسيره ~~ب ( من ) البيانية لقصد تهويل ذلك الضر لكثرة أنواعه بحيث يطول عدها . ~~ومثله قوله تعالى : { وما بكم من نعمة فمن الله } ( النحل : 53 ) إشارة إلى ~~تكثيرها . ألا ترى إلى مقابلته ضدها بقوله تعالى : { ثم إذا مسكم الضر ms5308 ~~فإليه تجأرون } ( النحل : 53 ) ، لإفادة أنهم يهرعون إلى الله في أقل ضر ~~وينسون شكره على عظيم النعم ، أي كشفنا ما حل به من ضر في جسده وماله ~~فأعيدت صحته وثروته . PageV17P127 # والإيتاء : الإعطاء ، أي أعطيناه أهله ، وأهل الرجل أهل بيته وقرابته . ~~وفهم من تعريف الأهل بالإضافة أن الإيتاء إرجاع ما سلب منه من أهل ، يعني ~~بموت أولاده وبناته ، وهو على تقدير مضاف بين من السياق ، أي مثل أهله بأن ~~رزق أولادا بعدد ما فقد ، وزاده مثلهم فيكون قد رزق أربعة عشر ابنا وست ~~بنات من زوجه التي كانت بلغت سن العقم . # وانتصب { رحمة } على المفعول لأجله . ووصفت الرحمة بأنها من عند الله ~~تنويها بشأنها بذكر العندية الدالة على القرب المراد به التفضيل . والمراد ~~رحمة بأيوب إذ قال { وأنت أرحم الراحمين } . # والذكرى : التذكير بما هو مظنة أن ينسى أو يغفل عنه . وهو معطوف { على ~~رحمة } فهو مفعول لأجله ، أي وتنبيها للعابدين بأن الله لا يترك عنايته بهم ~~. # وبما في { العابدين } من العموم صارت الجملة تذييلا . # # | 2 ( 85 ، 86 ) { وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين * وأدخلناهم ~~فى رحمتنا إنهم من الصالحين } ) 2 # عطف على { وأيوب } ( الأنبياء : 83 ) أي وآتينا إسماعيل وإدريس وذا الكفل ~~حكما وعلما . # وجمع هؤلاء الثلاثة في سلك واحد لاشتراكهم في خصيصية الصبر كما أشار إليه ~~قوله تعالى { كل من الصابرين } . جرى ذلك لمناسبة ذكر المثل الأشهر في ~~الصبر وهو أيوب . PageV17P128 # فأما صبر إسماعيل عليه السلام فقد تقرر بصبره على الرضى بالذبح حين قال ~~له إبراهيم : { إني أرى في المنام أني أذبحك فقال : ستجدني إن شاء الله من ~~الصابرين } ( الصافات : 102 ) ، وتقرر بسكناه بواد غير ذي زرع امتثالا لأمر ~~أبيه المتلقى من الله تعالى ، وتقدمت ترجمة إسماعيل في سورة البقرة . # وأما إدريس فهو اسم ( أخنوخ ) على أرجح الأقوال . وقد ذكر أخنوخ في ~~التوراة في سفر التكوين جدا لنوح . وتقدمت ترجمته في سورة مريم ووصف هنالك ~~بأنه صديق نبيء وقد وصفه الله تعالى هنا فليعد في صف الصابرين . والظاهر أن ~~صبره ms5309 كان على تتبع الحكمة والعلوم وما لقي في رحلاته من المتاعب . وقد عدت ~~من صبره قصص ، منها أنه كان يترك الطعام والنوم مدة طويلة لتصفو نفسه ~~للاهتداء إلى الحكمة والعلم . # وأما ذو الكفل فهو نبيء اختلف في تعيينه ، فقيل هو إلياس المسمى في كتب ~~اليهود ( إيليا ) . # وقيل : هو خليفة اليسع في نبوءة بني إسرائيل . والظاهر أنه ( عوبديا ) ~~الذي له كتاب من كتب أنبياء اليهود وهو الكتاب الرابع من الكتب الاثني عشر ~~وتعرف بكتب الأنبياء الصغار . # والكفل بكسر الكاف وسكون الفاء ، أصله : النصيب من شيء ، مشتق من كفل إذا ~~تعهد . لقب بهذا لأنه تعهد بأمر بني إسرائيل لليسع . وذلك أن اليسع لما كبر ~~أراد أن يستخلف خليفة على بني إسرائيل فقال : من يتكفل لي بثلاث أستخلفه : ~~أن يصوم النهار ، ويقوم الليل ، ولا يغضب . فلم يتكفل له بذلك إلا شاب اسمه ~~( عوبديا ) ، وأنه ثبت على ما تكفل به فكان لذلك من أفضل الصابرين . وقد عد ~~عوبديا من أنبياء بني إسرائيل على إجمال في خبره ( انظر سفر الملوك ~~PageV17P129 الأول الإصحاح 18 . ورؤيا عوبديا صفحة 891 من الكتاب المقدس ) ~~. وروى العبري عن أبي موسى الأشعري ومجاهد أن ذا الكفل لم يكن نبيئا . ~~وتقدمت ترجمة إلياس واليسع في سورة الأنعام . # وجملة { أنهم من الصالحين } تعليل لإدخالهم في الرحمة ، وتذييل للكلام ~~يفيد أن تلك سنة الله مع جميع الصالحين . # # | 2 ( 87 ، 88 ) { وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى فى ~~الظلمات أن لا إلاه إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين * فاستجبنا له ~~ونجيناه من الغم وكذالك ننجى المؤمنين } ) 2 # عطف على { وذا الكفل } ( الأنبياء : 85 ) . وذكر ذي النون في جملة من ~~خصوا بالذكر من الأنبياء لأجل ما في قصته من الآيات في الالتجاء إلى الله ~~والندم على ما صدر منه من الجزع واستجابة الله تعالى له . # و ( ذو النون ) وصف ، أي صاحب الحوت . لقب به يونس بن متى عليه السلام . ~~وتقدمت ترجمته في سورة الأنعام وتقدمت قصته مع قومه في سورة ms5310 يونس . # وذهابه مغاضبا قيل خروجه غضبان من قومه أهل ( نينوى ) إذ أبوا أن يؤمنوا ~~بما أرسل إليهم به وهم غاضبون من دعوته ، فالمغاضبة مفاعلة . وهذا مقتضى ~~المروي عن ابن عباس . وقيل : إنه أوحي إليه أن العذاب نازل بهم بعد مدة ~~فلما أشرفت المدة على الانقضاء آمنوا فخرج غضبان من عدم تحقق ما أنذرهم به ~~، فالمغاضبة حينئذ PageV17P130 للمبالغة في الغضب لأنه غضب غريب . وهذا ~~مقتضى المروي عن ابن مسعود والحسن والشعبي وسعيد بن جبير ، وروي عن ابن ~~عباس أيضا واختاره ابن جرير . والوجه أن يكون { مغاضبا } حالا مرادا بها ~~التشبيه ، أي خرج كالمغاضب . وسيأتي تفصيل هذا المعنى في سورة الصافات . # وقوله تعالى : { فظن أن لن نقدر عليه } يقتضي أنه خرج خروجا غير مأذون له ~~فيه من الله . ظن أنه إذا ابتعد عن المدينة المرسل هو إليها يرسل الله غيره ~~إليهم . وقد روي عن ابن عباس أن ( حزقيال ) ملك إسرائيل كان في زمنه خمسة ~~أنبياء منهم يونس ، فاختاره الملك ليذهب إلى أهل ( نينوى ) لدعوتهم فأبى ~~وقال : ههنا أنبياء غيري وخرج مغاضبا للملك . وهذا بعيد من القرآن في آيات ~~أخرى ومن كتب بني إسرائيل . # ومحل العبرة من الآية لا يتوقف على تعيين القصة . # ومعنى { فظن أن لن نقدر عليه } قيل نقدر مضارع قدر عليه أمرا بمعنى ضيق ~~كقوله تعالى : { الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر } ( الرعد : 26 ) وقوله ~~تعالى : { ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله } ( الطلاق : 7 ) ، أي ~~ظن أن لن نضيق عليه تحتيم الإقامة مع القوم الذين أرسل إليهم أو تحتيم ~~قيامه بتبليغ الرسالة ، وأنه إذا خرج من ذلك المكان سقط تعلق تكليف التبليغ ~~عنه اجتهادا منه ، فعوتب بما حل به إذ كان عليه أن يستعلم ربه عما يريد ~~فعله . وفي ( الكشاف ) : أن ابن عباس دخل على معاوية فقال له معاوية : ( ~~لقد ضربتني أمواج القرآن البارحة فغرقت فلم أجد لنفسي خلاصا إلا بك . قال : ~~وما هي ؟ فقرأ معاوية هذه الآية وقال : أو يظن نبيء الله أن الله لا يقدر ~~عليه ms5311 ؟ قال ابن عباس : هذا من القدر لا من القدرة ) . يعني التضييق عليه . ~~PageV17P131 # وقيل { نقدر } هنا بمعنى نحكم مأخوذ من القدرة ، أي ظن أن لن نؤاخذه ~~بخروجه من بين قومه دون إذنن . ونقل هذا عن مجاهد وقتادة والضحاك والكلبي ~~وهو رواية عن ابن عباس واختاره الفراء والزجاج . وعلى هذا يكون يونس اجتهد ~~وأخطأ . # وعلى هذا الوجه فالتفريع تفريع خطور هذا الظن في نفسه بعد أن كان الخروج ~~منه بادرة بدافع الغضب عن غير تأمل في لوازمه وعواقبه ، قالوا : وكان في ~~طبعه ضيق الصدر . # وقيل معنى الكلام على الاستفهام حذفت همزته . والتقدير : أفظن أن لن نقدر ~~عليه ؟ ونسب إلى سليمان بن المعتمر أو أبي المعتمر . قال منذر بن سعيد في ( ~~تفسيره ) : وقد قرىء به . # وعندي فيه تأويلان آخران وهما : أنه ظن وهو في جوف الحوت أن الله غير ~~مخلصه في بطن الحوت لأنه رأى ذلك مستحيلا عادة ، وعلى هذا يكون التعقيب ~~بحسب الواقعة ، أي ظن بعد أن ابتلعه الحوت . # وأما نداؤه ربه فذلك توبة صدرت منه عن تقصيره أو عجلته أو خطأ اجتهاده ، ~~ولذلك قال : { إني كنت من الظالمين } مبالغة في اعترافه بظلم نفسه ، فأسند ~~إليه فعل الكون الدال على رسوخ الوصف ، وجعل الخبر أنه واحد من فريق ~~الظالمين وهو أدل على أرسخية الوصف ، أو أنه ظن بحسب الأسباب المعتادة أنه ~~يهاجر من دار قومه ، ولم يظن أن الله يعوقه عن ذلك إذ لم يسبق إليه وحي من ~~الله . # و { إني } مفسرة لفعل { نادى . # } وتقديمه الاعتراف بالتوحيد مع التسبيح كنى به عن انفراد الله تعالى ~~بالتدبير وقدرته على كل شيء . PageV17P132 # والظلمات : جمع ظلمة . والمراد ظلمة الليل ، وظلمة قعر البحر ، وظلمة بطن ~~الحوت . وقيل : الظلمات مبالغة في شدة الظلمة كقوله تعالى : { يخرجهم من ~~الظلمات إلى النور } ( البقرة : 257 ) . # وقد تقدم أنا نظن أن ( الظلمة ) لم ترد مفردة في القرآن . # والاستجابة : مبالغة في الإجابة . وهي إجابة توبته مما فرط منه . ~~والإنجاء وقع حين الاستجابة إذ الصحيح أنه ما بقي في بطن الحوت إلا ساعة ms5312 ~~قليلة ، وعطف بالواو هنا بخلاف عطف { فكشفنا } على { فاستجبنا } وإنجاؤه هو ~~بتقدير وتكوين في مزاج الحوت حتى خرج الحوت إلى قرب الشاطىء فتقاياه فخرج ~~يسبح إلى الشاطىء . # وهذا الحوت هو من صنف الحوت العظيم الذي يبتلع الأشياء الضخمة ولا يقضمها ~~بأسنانه . وشاع بين الناس تسمية صنفف من الحوت بحوت يونس رجما بالغيب . # وجملة { وكذلك ننجي المؤمنين } تذييل . والإشارة ب { كذلك } إلى الإنجاء ~~الذي أنجي به يونس ، أي مثل ذلك الإنجاء ننجي المؤمنين من غموم بحسب من يقع ~~فيها أن نجاته عسيرة . وفي هذا تعريض للمشركين من العرب بأن الله منجي ~~المؤمنين من الغم والنكد الذي يلاقونه من سوء معاملة المشركين إياهم في ~~بلادهم . # واعلم أن كلمة { فنجي } كتبت في المصاحف بنون واحدة كما كتبت بنون واحدة ~~في قوله في ( سورة يوسف : 110 ) { فننجي من نشاء . ووجه أبو علي هذا الرسم ~~بأن النون الثانية لما كانت ساكنة وكان وقوع الجيم بعدها يقتضي إخفاءها لأن ~~النون الساكنة تخفى مع الأحرف الشجرية وهي الجيم والشين والضاد فلما أخفيت ~~حذفت في النطق فشابه إخفاؤها حالة الإدغام فحذفها كاتب المصحف في الخط ~~لخفاء PageV17P133 النطق بها في اللفظ ، أي كما حذفوا نون ( إن ) مع ( لا ) ~~في نحو إلا فعلوه من حيث إنها تدغم في اللام . # وقرأ جمهور القراء بإثبات النونين في النطق فيكون حذف إحدى النونين في ~~الخط مجرد تنبيه على اعتبار من اعتبارات الأداء . وقرأ ابن عامر ، وأبو بكر ~~عن عاصم بنون واحدة وبتشديد الجيم على اعتبار إدغام النون في الجيم كما ~~تدغم في اللام والراء . وأنكر ذلك عليهما أبو حاتم والزجاج وقالا : هو لحن ~~. ووجه أبو عبيد والفراء وثعلب قراءتهما بأن نجي سكنت ياؤه ولم تحرك على ~~لغة من يقول بقي ورضي فيسكن الياء كما في قراءة الحسن وذروا ما بقي من ~~الربا } ( البقرة : 278 ) بتسكين ياء { بقي . وعن أبي عبيد والقتبي أن ~~النون الثانية أدغمت في الجيم . # ووجه ابن جني متابعا للأخفش الصغير بأن أصل هذه القراءة : ننجي بفتح ~~النون الثانية وتشديد الجيم ms5313 فحذفت النون الثانية لتوالي المثلين فصار نجي . ~~وعن بعض النحاة تأويل هذه القراءة بأن نجي فعل مضي مبني للنائب وأن نائب ~~الفاعل ضمير يعود إلى النجاء المأخوذ من الفعل ، أو المأخوذ من اسم الإشارة ~~في قوله وكذلك . # وانتصب المؤمنين } على المفعول به على رأي من يجوز إنابة المصدر مع وجود ~~المفعول به . كما في قراءة أبي جعفر { ليجزى بفتح الزاي قوما بما كانوا ~~يكسبون } ( الجاثية : 14 ) بتقدير ليجزى الجزاء قوما . وقال الزمخشري في ( ~~الكشاف ) : إن هذا التوجيه بارد التعسف . # PageV17P134 # | 2 ( 89 ، 90 ) { وزكريآ إذ نادى ربه رب لا تذرنى فردا وأنت خير ~~الوارثين * فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون ~~فى الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين } ) 2 # { وزكريآ إذ نادى ربه رب لا تذرنى فردا وأنت خير الوارثين * فاستجبنا } # كان أمر زكرياء الذي أشار إليه قوله : { إذ نادى ربه } آية من آيات الله ~~في عنايته بأوليائه المنقطعين لعبادته فخص بالذكر لذلك . والقول في عطف { ~~وزكرياء } كالقول في نظائره السابقة . # وجملة { رب لا تذرني فردا } مبينة لجملة { نادى ربه } . وأطلق الفرد على ~~من لا ولد له تشبيها له بالمنفرد الذي لا قرين له . قال تعالى : { وكلهم ~~آتيه يوم القيامة فردا } ( مريم : 95 ) ، ويقال مثله الواحد للذي لا رفيق ~~له ، قال الحارث بن هشام : # وعلمت أني إن أقاتل واحدا # أقتل ولا يضرر عدوي مشهدي # فشبه من لا ولد بالفرد لأن الولد يصير أباه كالشفع لأنه كجزء منه . ولا ~~يقال لذي الولد زوج ولا شفع . # وجملة { وأنت خير الوارثين } ثناء لتمهيد الإجابة ، أي أنت الوارث الحق ~~فاقض علي من صفتك العلية شيئا . وقد شاع في الكتاب والسنة ذكر صفة من صفات ~~الله عند سؤاله إعطاء ما هو من جنسها ، كما قال أيوب { وأنت أرحم الراحمين ~~} ( الأنبياء : 83 ) ، ودل ذكر ذلك على أنه سأل الولد لأجل أن يرثه كما في ~~آية ( سورة مريم : 6 ) { يرثني ويرث من آل يعقوب . حذفت هاته الجملة لدلالة ~~المحكي هنا عليها . والتقدير : يرثني ms5314 الإرث الذي لا يداني إرثك عبادك ، أي ~~بقاء ما تركوه في الدنيا لتصرف قدرتك ، أو يرثني مالي وعلمي وأنت ترث نفسي ~~PageV17P135 كلها بالمصير إليك مصيرا أبديا فأرثك خير إرث لأنه أشمل وأبقى ~~وأنت خير الوارثين في تحقق هذا الوصف . # وإصلاح زوجه : جعلها صالحة للحمل بعد أن كانت عاقرا . # وتقدم ذكر زكرياء في سورة آل عمران وذكر زوجه في سورة مريم . # إنهم كانوا يسارعون فى الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين } # جملة واقعة موقع التعليل للجمل المتقدمة في الثناء على الأنبياء ~~المذكورين ، وما أوتوه من النصر ، واستجابة الدعوات ، والإنجاء من كيد ~~الأعداء ، وما تبع ذلك ، ابتداء من قوله تعالى : { ولقد آتينا موسى وهارون ~~الفرقان وضياء } ( الأنبياء : 48 ) . فضمائر الجمع عائدة إلى المذكورين . ~~وحرف التأكيد مفيد معنى التعليل والتسبب ، أي ما استحقوا ما أوتوه إلا ~~لمبادرتهم إلى مسالك الخير وجدهم في تحصيلها . # وأفاد فعل الكون أن ذلك كان دأبهم وهجيراهم . # والمسارعة : مستعارة للحرص وصرف الهمة والجد للخيرات ، أي لفعلها ، ~~تشبيها للمداومة والاهتمام بمسارعة السائر إلى المكان المقصود الجاد في ~~مسالكه . # والخيرات : جمع خير بفتح الخاء وسكون الياء وهو جمع بالألف والتاء على ~~خلاف القياس فهو مثل سرادقات وحمامات واصطبلات . والخير ضد الشر ، فهو ما ~~فيه نفع . وأما قوله تعالى : { فيهن خيرات حسان } ( الرحمن : 70 ) ~~PageV17P136 فيحتمل أنه مثل هذا ، ويحتمل أنه جمع خيرة بفتح فسكون الذي هو ~~مخفف خيره المشدد الياء ، وهي المرأة ذات الأخلاق الخيرية . وقد تقدم ~~الكلام على { الخيرات } في قوله تعالى : { وأولئك لهم الخيرات في } ( سورة ~~براءة : 88 ) . وعطف على ذلك أنهم يدعون الله رغبة في ثوابه ورهبة من غضبه ~~، كقوله تعالى : { يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه } ( الزمر : 9 ) . # والرغب والرهب بفتح ثانيهما مصدران من رغب ورهب . وهما وصف لمصدر { ~~يدعوننا } لبيان نوع الدعاء بما هو أعم في جنسه ، أو يقدر مضاف ، أي ذوي ~~رغب ورهب ، فأقيم المضاف إليه مقامه فأخذ إعرابه . # وذكر فعل الكون في قوله تعالى : { وكانوا لنا خاشعين } مثل ذكره في قوله ~~تعالى : { كانوا يسارعون } . # والخشوع ms5315 : خوف القلب بالتفكر دون اضطراب الأعضاء الظاهرة . # $ 2 ( 91 ) { والتى & # 1764 أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنهآ ءاية للعالمين } ~~) 2 $ # لما انتهى التنويه بفضل رجال من الأنبياء أعقب بالثناء على امرأة نبيئة ~~إشارة إلى أن أسباب الفضل غير محجورة ، كما قال الله تعالى : { إن المسلمين ~~والمسلمات } ( الأحزاب : 35 ) الآية . هذه هي مريم ابنة عمران . وعبر عنها ~~بالموصول دلالة على أنها قد اشتهرت بمضمون الصلة كما هو شأن طريق الموصولية ~~غالبا ، وأيضا لما في الصلة من معنى تسفيه اليهود الذين تقولوا عنها إفكا ~~وزورا ، وليبنى على تلك الصلة ما تفرع عليها من قوله تعالى : { فنفخنا فيها ~~من روحنا } الذي هو في حكم PageV17P137 الصلة أيضا ، فكأنه قيل : والتي ~~نفخنا فيها من روحنا ، لأن كلا الأمرين موجب ثناء . وقد أراد الله إكرامها ~~بأن تكون مظهر عظيمم قدرته في مخالفة السنة البشرية لحصول حمل أنثى دون ~~قربان ذكر ، ليرى الناس مثالا من التكوين الأول كما أشار إليه قوله تعالى : ~~{ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون } ( آل ~~عمران : 59 ) . # والنفخ ، حقيقته : إخراج هواء الفم بتضييق الشفتين . وأطلق هنا تمثيلا ~~لإلقاء روح التكوين للنسل في رحم المرأة دفعة واحدة بدون الوسائل المعتادة ~~تشبيها لهيئة التكوين السريع بهيئة النفخ . وقد قيل : إن الملك نفخ مما هو ~~له كالفم . # والظرفية المفادة ب ( في ) كون مريم ظرفا لحلول الروح المنفوخ فيها إذ ~~كانت وعاءه ، ولذلك قيل { فيها } ولم يقل ( فيه ) للإشارة إلى أن الحمل ~~الذي كون في رحمها حمل من غير الطريق المعتاد ، كأنه قيل : فنفخنا في بطنها ~~. وذلك أعرق في مخالفة العادة لأن خرق العادة تقوى دلالته بمقدار ما يضمحل ~~فيه من الوسائل المعتادة . # والروح : هو القوة التي بها الحياة ، قال تعالى : { فإذا سويته ونفخت فيه ~~من روحي } ( الحجر : 29 ) ، أي جعلت في آدم روحا فصار حيا . وحرف ( من ) ~~تبعيضي ، والمنفوخ روح لأنه جعل بعض روح الله ، أي بعض جنس الروح الذي به ~~يجعل الله الأجسام ذات ms5316 حياة . # وإضافة الروح إلى الله إضافة تشريف لأنه روح مبعوث من لدن الله تعالى ~~بدون وساطة التطورات الحيوانية للتكوين النسلي . # وجعلها وابنها آية هو من أسباب تشريفهما والتنويه بهما إذ جعلهما الله ~~وسيلة لليقين بقدرته ومعجزات أنبيائه كما قال في ( سورة المؤمنين : 50 ) { ~~وجعلنا ابن مريم وأمه آية . وبهذا الاعتبار حصل تشريف PageV17P138 بعض ~~المخلوقات فأقسم الله بها نحو : والليل إذا يغشى } ( الليل : 1 ) ، { ~~والشمس وضحاها والقمر إذا تلاها } ( الشمس : 1 2 ) . # وإفراد الآية لأنه أريد بها الجنس . وحيث كان المذكور ذاتين فأخبر عنهما ~~بأنهما آية علم أن كل واحد آية خاصة . ومن لطائف هذا الإفراد أن بين مريم ~~وابنها حالة مشتركة هي آية واحدة ، ثم في كل منهما آية أخرى مستقلة باختلاف ~~حال الناظر المتأمل . # # | 2 ( 92 ) { إن هاذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون } ) 2 # { إن } مكسورة الهمزة عند جميع القراء ، فهي ابتداء كلام . واتفقت ~~القراءات المشهورة على رفع { أمتكم } . والأظهر أن الجملة محكية بقول محذوف ~~يدل عليه السياق . وحذف القول في مثله شائع في القرآن . # والخطاب للأنبياء المذكورين في الآيات السابقة . والوجه حينئذ أن يكون ~~القول المحذوف مصوغا في صيغة اسم الفاعل منصوبا على الحال . والتقدير : ~~قائلين لهم إن هذه أمتكم إلى آخره . والمقول محكي بالمعنى ، أي قائلين لكل ~~واحد من رسلنا وأنبيائنا المذكورين ما تضمنته جملة { إن هذه أمتكم } . # فصيغة الجمع مراد بها التوزيع ، وهي طريقة شائعة في الإخبار عن الجماعات ~~. ومنه قولهم : ركب القوم دوابهم ، فتكون هذه الآية جارية على أسلوب نظيرها ~~في سورة المؤمنين . وفيه ما يزيد هذه توضيحا فإنه ورد هنالك ذكر عدة من ~~الأنبياء تفصيلا وإجمالا ، كما ذكروا في هذه السورة . ثم عقب بقوله تعالى : ~~{ يأ أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم } ( ~~المؤمنون : 51 ) وأن بفتح الهمزة PageV17P139 وبكسرها { هذه أمتكم أمة ~~واحدة وأنا ربكم فاتقون } ( المؤمنون : 52 ) ، فظاهر العطف يقتضي دخول قوله ~~تعالى : { وإن هذه أمتكم أمة واحدة } في الكلام المخاطب به الرسل ، ~~والتأكيد عن هذا الوجه لمجرد ms5317 الاهتمام بالخبر ليتلقاه الأنبياء بقوة عزم ، ~~أو روعي فيه حال الأمم الذين يبلغهم ذلك لأن الإخبار باتحاد الحال المختلفة ~~غريب قد يثير ترددا في المراد منه فقد يحمل على المجاز فأكد برفع ذلك . وهو ~~وإن كان خطابا للرسل فإن مما يقصد منه تبليغ ذلك لأتباعهم ليعلموا أن دين ~~الله واحد ، وذلك عون على قبول كل أمة لما جاء به رسولها لأنه معضود بشهادة ~~من قبله من الرسل . # ويجوز أن تكون الجملة استئنافا والخطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم أي ~~أن هذه الملة ، وهي الإسلام ، هي ملة واحدة لسائر الرسل ، أي أصولها واحدة ~~كقوله تعالى : { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا } ( الشورى : 13 ) الآية ~~. والتأكيد على هذا لرد إنكار من ينكر ذلك مثل المشركين . # والإشارة بقوله تعالى : { هذه } إلى ما يفسره الخبر في قوله تعالى : { ~~أمتكم } كقوله تعالى : { قال هذا فراق بيني وبينك } ( الكهف : 78 ) . ~~فالإشارة إلى الحالة التي هم عليها يعني في أمور الدين كما هو شأن حال ~~الأنبياء والرسل . فما أفادته الإشارة من التمييز للمشار إليه مقصود منه ~~جميع ما عليه الرسل من أصول الشرائع وهو التوحيد والعمل الصالح . # والأمة هنا بمعنى الملة كقوله تعالى : { قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة ~~وإنا على آثارهم مهتدون } ( الزخرف : 22 ) ، وقال النابغة : # حلفت فلم أترك لنفسك ريبة # وهل يأثمن ذو أمة وهو طائع # وأصل الأمة : الجماعة التي حالها واحد ، فأطلقت على ما تكون عليه الجماعة ~~من الدين بقرينة أن الأمم ليست واحدة . PageV17P140 # و { أمة واحدة } حال من { أمتكم } مؤكدة لما أفادته الإشارة التي هي ~~العامل في صاحب الحال . وأفادت التمييز والتشخيص لحال الشرائع التي عليها ~~الرسل أو التي دعا إليها محمد صلى الله عليه وسلم # ومعنى كونها واحدة أنها توحد الله تعالى فليس دونه إله . وهذا حال شرائع ~~التوحيد وبخلافها أديان الشرك فإنها لتعدد آلهتها تتشعب إلى عدة أديان لأن ~~لكل صنم عبادة وأتباعا وإن كان يجمعها وصف الشرك فذلك جنس عام وقد أومأ إلى ~~هذا قوله تعالى : { وأنا ms5318 ربكم } ، أي لا غيري . وسيأتي بسط القول في عربية ~~هذا التركيب في تفسير سورة المؤمنين . # وأفاد قوله تعالى : { وأنا ربكم } الحصر ، أي أنا لا غيري بقرينة السياق ~~والعطف على { أمة واحدة } ، إذ المعنى : وأنا ربكم ربا واحدا ، ولذلك فرع ~~عليه الأمر بعبادته ، أي فاعبدون دون غيري . وهذا الأمر مراعى فيه ابتداء ~~حال السامعين من أمم الرسل ، فالمراد من العبادة التوحيد بالعبادة ~~والمحافظة عليها . # $ 2 ( 93 ) { وتقطعو & # 1764 ا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون } ) 2 $ # عطف على جملة { إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون } ( الأنبياء : ~~92 ) أي أعرضوا عن قولنا . و { تقطعوا } وضمائر الغيبة عائدة إلى مفهوم من ~~المقام وهم الذين من الشأن التحدث عنهم في القرآن المكي بمثل هذه المذام ، ~~وهم المشركون . ومثل هذه الضمائر المراد منها المشركون كثير في القرآن . ~~ويجوز أن تكون الضمائر عائدة إلى أمم الرسل . فعلى الوجه الأول الذي قدمناه ~~في ضمائر الخطاب في قوله تعالى : { إن هذه أمتكم أمة واحدة } ( الأنبياء : ~~92 ) يكون الكلام انتقالا من الحكاية عن الرسل PageV17P141 إلى الحكاية عن ~~حال أممهم في حياتهم أو الذين جاءوا بعدهم مثل اليهود والنصارى إذ نقضوا ~~وصايا أنبيائهم . وعلى الوجه الثاني تكون ضمائر الغيبة التفاتا . # ثم يجوز أن تكون الواو عاطفة قصة على قصة لمناسبة واضحة كما عطف نظيرها ~~بالفاء في سورة المؤمنين . ويجوز كونها للحال ، أي أمرنا الرسل بملة ~~الإسلام ، وهي الملة الواحدة ، فكان من ضلال المشركين أن تقطعوا أمرهم ~~وخالفوا الرسل وعدلوا عن دين التوحيد وهو شريعة إبراهيم أصلهم . ويؤيد هذا ~~الوجه أن نظير هذه الآية في سورة المؤمنين جاء فيه العطف بفاء التفريع . # والتقطع : مطاوع قطع ، أي تفرقوا . وأسند التقطع إليهم لأنهم جعلوا ~~أنفسهم فرقا فعبدوا آلهة متعددة واتخذت كل قبيلة لنفسها إلها من الأصنام مع ~~الله ، فشبه فعلهم ذلك بالتقطع . # وفي ( جمهرة الأنساب ) لابن حزم : ( كان الحصين بن عبيد الخراعي ، وهو ~~والد عمران بن حصين لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله : ~~يا حصين ما تعبد ms5319 ؟ قال : عشرة آلهة ، قال : ما هم وأين هم ؟ قال : تسعة في ~~الأرض وواحد في السماء . قال : فمن لحاجتك ؟ قال : الذي في السماء ، قال : ~~فمن لطلبتك ؟ قال : الذي في السماء ، قال : فمن لكذا ؟ فمن لكذا ؟ كل ذلك ~~يقول : الذي في السماء ، قال رسول الله : فالغ التسعة ) . وفي كتاب الدعوات ~~: من ( سنن الترمذي ) : ( أنه قال : سبعة ستة في الأرض وواحد في السماء ) . # والأمر : الحال . والمراد به الدين كما دل عليه قوله تعالى : { إن الذين ~~فرقوا دينهم في } ( سورة الأنعام : 159 ) . # ولما ضمن { تقطعوا } معنى توزعوا عدي إلى ( دينهم ) فنصبه ، والأصل : ~~تقطعوا في دينهم وتوزعوه . PageV17P142 # وزيادة { بينهم } لإفادة إنهم تعاونوا وتظاهروا على تقطع أمرهم . فرب ~~قبيلة اتخذت صنما لم تكن تعبده قبيلة أخرى ثم سولوا لجيرتهم وأحلافهم أن ~~يعبدوه فألحقوه بآلهتهم . وهكذا حتى كان في الكعبة عدة أصنام وتماثيل لأن ~~الكعبة مقصودة لجميع قبائل العرب . وقد روي أن عمرو بن لحي الملقب بخزاعة ~~هو الذي نقل الأصنام إلى العرب . # وجملة { كل إلينا راجعون } مستأنفة استئنافا بيانيا لجواب سؤال يجيش في ~~نفس سامع قوله تعالى { وتقطعوا أمرهم } وهو معرفة عاقبة هذا التقطع . # وتنوين { كل } عوض عن المضاف إليه ، أي كلهم ، أي أصحاب ضمائر الغيبة وهم ~~المشركون . والكلام يفيد تعريضا بالتهديد . # ودل على ذلك التفريع في قوله تعالى { فمن يعمل من الصالحات } ( الأنبياء ~~: 94 ) إلى آخره . # # | 2 ( 94 ) { فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له ~~كاتبون } ) 2 # فرع على الوعيد المعرض به في قوله تعالى : { كل إلينا راجعون } ( ~~الأنبياء : 94 ) تفريع بديع من بيان صفة ما توعدوا به ، وذلك من قوله تعالى ~~: { فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا } ( الأنبياء : 97 ) الآيات . # وقدم وعد المؤمنين بجزاء أعمالهم الصالحة اهتماما به ، ولوقوعه عقب ~~الوعيد تعجيلا لمسرة المؤمنين قبل أن يسمعوا قوارع تفصيل الوعيد ، فليس هو ~~مقصودا من التفريع ، ولكنه يشبه الاستطراد تنويها بالمؤمنين PageV17P143 ~~كما سيعتنى بهم عقب تفصيل وعيد الكافرين بقوله تعالى : { إن الذين سبقت لهم ~~منا الحسنى أولئك عنها مبعدون } ( الأنبياء : 101 ms5320 ) إلى آخر السورة . # والكفران مصدر أصله عدم الاعتراف بالإحسان ، ضد الشكران . واستعمل هنا في ~~حرمان الجزاء على العمل الصالح على طريقة المجاز لأن الاعتراف بالخير ~~يستلزم الجزاء عليه عرفا كقوله تعالى : { وما تفعلوا من خير فلن تكفروه } ( ~~آل عمران : 115 ) فالمعنى : أنهم يعطون جزاء أعمالهم الصالحة . # وأكد ذلك بقوله : { وإنا له كاتبون } مؤكدا بحرف التأكيد للاهتمام به . # والكتابة كناية عن تحققه وعدم إضاعته لأن الاعتناء بإيقاع الشيء يستلزم ~~الحفظ عن إهماله وعن إنكاره ، ومن وسائل ذلك كتابته ليذكر ولو طالت المدة . ~~وهذا لزوم عرفي . قال الحارث بن حلزة : # وهل ينقض ما في المهارق الأهواء # وذلك مع كون الكتابة مستعملة في معناها الأصلي كما جاءت بذلك الظواهر من ~~الكتاب والسنة . # # | 2 ( 95 ) { وحرام على قرية أهلكناهآ أنهم لا يرجعون } ) 2 # جملة معترضة ، والمراد بالقرية أهلها . وهذا يعم كل قرية من قرى الكفر ، ~~كما قال تعالى : { وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا } ( الكهف : 59 ) . # والحرام : الشيء الممنوع ، قال عنترة : # حرمت علي وليتها لم تحرم # أي : منعت أي منعها أهلها . PageV17P144 # أي ممنوع على قرية قدرنا إهلاكها أن لا يرجعوا ، ف { حرام } خبر مقدم و { ~~أنهم لا يرجعون } في قوة مصدر مبتدأ . والخبر عن ( أن ) وصلتها لا يكون إلا ~~مقدما ، كما ذكره ابن الحاجب في ( أماليه ) في ذكر هذه الآية . # وفعل { أهلكناها } مستعمل في إرادة وقوع الفعل ، أي أردنا إهلاكها . # والرجوع : العود إلى ما كان فيه المرء ؛ فيحتمل أن المراد رجوعهم عن ~~الكفر فيتعين أن تكون ( لا ) في قوله تعالى : { لا يرجعون } زائدة للتوكيد ~~، لأن ( حرام ) في معنى النفي و ( لا ) نافية ونفي النفي إثبات ، فيصير ~~المعنى منع عدم رجوعهم إلى الإيمان ، فيؤول إلى أنهم راجعون إلى الإيمان . ~~وليس هذا بمراد فتعين أن المعنى : منع على قرية قدرنا هلاكها أن يرجعوا عن ~~ضلالهم لأنه قد سبق تقدير هلاكها . وهذا إعلام بسنة الله تعالى في تصرفه في ~~الأمم الخالية مقصود منه التعريض بتأييس فريق من المشركين من المصير إلى ~~الإيمان وتهديدهم بالهلاك . وهؤلاء هم الذين قدر ms5321 الله هلاكهم يوم بدر بسيوف ~~المؤمنين . # ويجوز أن يراد رجوعهم إلى الآخرة بالبعث ، وهو المناسب لتفريعه على قوله ~~تعالى : { كل إلينا راجعون } ( الأنبياء : 93 ) فتكون ( لا ) نافية . ~~والمعنى : ممنوع عدم رجوعهم إلى الآخرة الذي يزعمونه ، أي دعواهم باطلة ، ~~أي فهم راجعون إلينا فمجازون على كفرهم ، فيكون إثباتا للبعث بنفي ضده ، ~~وهو أبلغ من صريح الإثبات لأنه إثبات بطريق الملازمة فكأنه إثبات الشيء ~~بحجة . ويفيد تأكيدا لقوله تعالى : { كل إلينا راجعون } ( الأنبياء : 93 ) ~~. # وجملة { أهلكناها } إدماج للوعيد بعذاب الدنيا قبل عذاب الآخرة . # وفعل { أهلكناها } مستعمل في أصل معناه ، أي وقع إهلاكنا إياها . والمعنى ~~: ما من قرية أهلكناها فانقرضت من الدنيا إلا وهم راجعون PageV17P145 إلينا ~~بالبعث . وقيل { حرام } اسم مشترك بين الممنوع والواجب ، وأنشدوا قول ~~الخنساء : # وإن حراما لا أرى الدهر باكيا # على شجوه إلا بكيت على صخر # وفي كتاب ( لسان العرب ) ( في حديث عمر : في الحرام كفارة يمين : هو أن ~~يقول الرجل : حرام الله لا أفعل ، كما يقول : يمين الله لا أفعل ، وهي لغة ~~العقيليين ) اه . ورأيت في مجموعة أدبية عتيقة ( من كتب جامع الزيتونة ~~عددها 4561 ) : أن بني عقيل يقولون حرام الله لآتينك كما يقال يمين الله ~~لآتينك آه . وهو يشرح كلام ( لسان العرب ) بأن هذا اليمين لا يختص بالحلف ~~على النفي كما في مثال ( لسان العرب ) . # فيتأتى على هذا وجه ثالث في تفسير قوله تعالى : { وحرام على قرية ~~أهلكناها أنهم لا يرجعون } أي ويمين منا على قرية ، فحرف ( على ) داخل على ~~المسلطة عليه اليمين ، كما تقول : عزمت عليك ، وكما يقال : حلفت على فلان ~~أن لا ينطق . وكقول الراعي : # إني حلفت على يمين برة # لا أكتم اليوم الخليفة قيلا # وفتح همزة ( أن ) في اليمين أحد وجهين فيها في سياق القسم . # ومعنى { لا يرجعون } على هذا الوجه لا يرجعون إلى الإيمان لأن الله علم ~~ذلك منهم فقدر إهلاكهم . # وقرأ الجمهور { وحرام } بفتح الحاء وبألف بعد الراء . وقرأه حمزة ~~والكسائي وأبو بكر عن عاصم { وحرم } بكسر الحاء وسكون الراء ، وهو اسم ~~بمعنى ms5322 حرام . والكلمة مكتوبة في المصحف بدون ألف ومروية في روايات القراء ~~بوجهين ، وحذف الألف المشبعة من الفتحة كثير في المصاحف . # PageV17P146 # | 2 ( 96 ، 97 ) { حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون * ~~واقترب الوعد الحق فإذا هى شاخصة أبصار الذين كفروا ياويلنا قد كنا فى غفلة ~~من هاذا بل كنا ظالمين } ) 2 # ( حتى ) ابتدائية . والجملة بعدها كلام مستأنف لا محل له من الإعراب ولكن ~~( حتى ) تكسبه ارتباطا بالكلام الذي قبله . وظاهر كلام الزمخشري : أن معنى ~~الغاية لا يفارق ( حتى ) حين تكون للابتداء ، ولذلك عني هو ومن تبعه من ~~المفسرين بتطلب المغيا بها ههنا فجعلها في ( الكشاف ) غاية لقوله { وحرام } ~~فقال : ( ( حتى ) متعلقة ب { حرام } وهي غاية له لأن امتناع رجوعهم لا يزول ~~حتى تقوم القيامة ) اه . أي : فهو من تعليق الحكم على أمر لا يقع كقوله ~~تعالى : { ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط } ( الأعراف : 40 ) ~~، ويتركب على كلامه الوجهان اللذان تقدما في معنى الرجوع من قوله تعالى : { ~~أنهم لا يرجعون } ( الأنبياء : 95 ) ، أي لا يرجعون عن كفرهم حتى ينقضي ~~العالم ، أو انتفاء رجوعهم إلينا في اعتقادهم يزول عند انقضاء الدنيا . ~~فيكون المقصود الإخبار عن دوام كفرهم على كلا الوجهين . وعلى هذا التفسير ~~ففتح ياجوج وماجوج هو فتح السد الذي هو حائل بينهم وبين الانتشار في أنحاء ~~الأرض بالفساد ، وهو المذكور في قصة ذي القرنين في سورة الكهف . # وتوقيت وعد الساعة بخروج ياجوج وماجوج أن خروجهم أول علامات اقتراب ~~القيامة . # وقد عده المفسرون من الأشراط الصغرى لقيام الساعة . PageV17P147 # وفسر اقتراب الوعد باقتراب القيامة ، وسميت وعدا لأن البعث سماه الله ~~وعدا في قوله تعالى : { كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين ~~} ( الأنبياء : 104 ) . # وعلى هذا أيضا جعلوا ضمير { وهم من كل حدب ينسلون } عائد إلى ( ياجوج ~~وماجوج ) فالجملة حال من قوله { ياجوج وماجوج } . # وبناء على هذا التفسير تكون هذه الآية وصفت انتشار ياجوج وماجوج وصفا ~~بديعا قبل خروجهم بخمسة قرون فعددنا هذه الآية من معجزات ms5323 القرآن العلمية ~~والغيبية . ولعل تخصيص هذا الحادث بالتوقيت دون غيره من علامات قرب الساعة ~~قصد منه مع التوقيت إدماج الإنذار للعرب المخاطبين ليكون ذلك نصب أعينهم ~~تحذيرا لذرياتهم من كوارث ظهور هذين الفريقين فقد كان زوال ملك العرب ~~العتيد وتدهور حضارتهم وقوتهم على أيدي ياجوج وماجوج وهم المغول والتتار ~~كما بين ذلك الإنذار النبوي في ساعة من ساعات الوحي . فقد روت زينب بنت جحش ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها فزعا يقول : ( لا إله إلا الله ، ~~ويل للعرب من شر قد اقترب ، فتح اليوم من ردم ياجوج وماجوج هكذا ) وحلق ~~بأصبعه الإبهام والتي تليها . # والاقتراب على هذا اقتراب نسبي على نسبة ما بقي من أجل الدنيا بما مضى ~~منه كقوله تعالى : { اقتربت الساعة وانشق القمر } ( القمر : 1 ) . # ويجوز أن يكون المراد بفتح ياجوج وماجوج تمثيل إخراج الأموات إلى الحشر ، ~~فالفتح معنى الشق كقوله تعالى : { يوم تشقق الأرض عنهم سراعا ذلك حشر علينا ~~يسير } ( ق : 44 ) ، ويكون اسم ياجوج وماجوج تشبيها بليغا . وتخصيصهما ~~بالذكر لشهرة كثرة عددهما عند العرب من خبر ذي القرنين . ويدل لهذا حديث ~~أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( يقول الله لآدم ( يوم ~~القيامة ) أخرج بعث النار ، فيقول : PageV17P148 يا رب ، وما بعث النار ؟ ~~فيقول الله : من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون . قالوا : يا رسول الله وأينا ~~ذلك الواحد ؟ قال : أبشروا ، فإن منكم رجلا ومن يأجوج وماجوج تسعمائة وتسعة ~~وتسعين ) . # أو يكون اسم يأجوج ومأجوج استعمل مثلا للكثرة كما في قول ذي الرمة : # لو أن ياجوج وماجوج معا # وعاد عاد واستجاشوا تبعا # أي : حتى إذا أخرجت الأموات كيأجوج ومأجوج على نحو قوله تعالى : { يخرجون ~~من الأجداث كأنهم جراد منتشر } ( القمر : 7 ) ، فيكون تشبيها بليغا من ~~تشبيه المعقول بالمعقول . ويؤيده قراءة ابن عباس وابن مسعود ومجاهد ، ( جدث ~~) بجيم ومثلثة ، أي من كل قبر في معنى قوله تعالى : { وإذا القبور بعثرت } ~~( الانفطار : 4 ) فيكون ضميرا { وهم من كل حدب ينسلون } عائدينن إلى مفهومم ~~من المقام ms5324 دلت عليه قرينة الرجوع من قوله تعالى : { لا يرجعون } ( الأنبياء ~~: 95 ) أي أهل كل قرية أهلكناها . # والاقتراب ، على هذا الوجه : القرب الشديد وهو المشارفة ، أي اقترب الوعد ~~الذي وعده المشركون ، وهو العذاب بأن رأوا النار والحساب . # وعلامة التأنيث في فعل { فتحت } لتأويل ياجوج وماجوج بالأمة . ثم يقدر ~~المضاف وهو سد فيكتسب التأنيث من المضاف إليه . # وياجوج وماجوج هم قبيلتان من أمة واحدة مثل طسم وجديس . # وإسناد فعل { فتحت } إلى { ياجوج وماجوج } بتقدير مضاف ، أي فتح ردمهما ~~أو سدهما . وفعل الفتح قرينة على المفعول . PageV17P149 # وقرأ الجمهور { فتحت } بتخفيف التاء الفوقية التي بعد الفاء . وقرأ ابن ~~عامر وأبو جعفر ويعقوب بتشديدها . # وتقدم الكلام على ياجوج وماجوج في سورة الكهف . # والحدب : النشز من الأرض ، وهو ما ارتفع منها . # و { ينسلون } يمشون النسلان بفتحتين وفعله من باب ضرب ، وأصله : مشي ~~الذئب . والمراد : المشي السريع . وإيثار التعبير به هنا من نكت القرآن ~~الغيبية ، لأن ياجوج وماجوج لما انتشروا في الأرض انتشروا كالذئاب جياعا ~~مفسدين . # هذا حاصل ما تفرق من كلام المفسرين وما فرضوه من الوجوه ، وهي تدور حول ~~محور التزام أن ( حتى ) الابتدائية تفيد أن ما بعدها غاية لما قبلها مع ~~تقدير مفعول { فتحت } بأنه سد ياجوج وماجوج . ومع حمل ياجوج وماجوج على ~~حقيقة مدلول الاسم ، وذلك ما زج بهم في مضيق تعاصى عليهم فيه تبيين انتظام ~~الكلام فألجئوا إلى تعيين المغيا وإلى تعيين غاية مناسبة له ولهاته المحامل ~~كما علمت مما سبق . # ولا أرى متابعتهم في الأمور الثلاثة . # فأما دلالة ( حتى ) الابتدائية على معنى الغاية ، أي كون ما بعدها غاية ~~لمضمون ما قبلها ، فلا أراه لازما . ولأمر ما فرق العرب بين استعمالها جارة ~~وعاطفة وبين استعمالها ابتدائية ، أليس قد صرح النحاة بأن الابتدائية يكون ~~الكلام بعدها جملة مستأنفة تصريحا جرى مجرى الصواب على ألسنتهم فما رعوه حق ~~رعايته فإن معنى الغاية في ( حتى ) الجارة ( وهي الأصل في استعمال هذا ~~الحرف ) ظاهر لأنها بمعنى ( إلى ) . وفي ( حتى ) العاطفة لأنها تفيد ~~التشريك في الحكم وبين أن ms5325 يكون المعطوف بها نهاية للمعطوف عليه في المعنى ~~المراد . PageV17P150 # فأما ( حتى ) الابتدائية فإن وجود معنى الغاية معها في مواقعها غير منضبط ~~ولا مطرد ، ولما كان ما بعدها كلاما مستقلا تعين أن يكون وجودها بين ~~الكلامين لمجرد الربط بين الكلامين فقد نقلت من معنى تنهية مدلول ما قبلها ~~بما بعدها إلى الدلالة على تنهية المتكلم غرض كلامه بما يورده بعد ( حتى ) ~~ولا يقصد تنهية مدلول ما قبل ( حتى ) بما عند حصول ما بعدها ( الذي هو ~~المعنى الأصل للغاية ) . وانظر إلى استعمال ( حتى ) في مواقع من معلقة لبيد ~~. # وفي قوله تعالى : { وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر ~~الله } ( البقرة : 214 ) فإن قول الرسول ليس غاية للزلزلة ولكنه ناشىء عنها ~~، وقد مثلت حالة الكافرين في ذلك الحين بأبلغ تمثيل وأشده وقعا في نفس ~~السامع ، إذ جعلت مفرعة على فتح ياجوج وماجوج واقترابب الوعد الحق للإشارة ~~إلى سرعة حصول تلك الحالة لهم ثم بتصدير الجملة بحرف المفاجأة والمجازاة ~~الذي يفيد الحصول دفعة بلا تدرج ولا مهلة ، ثم بالإتيان بضمير القصة ليحصل ~~للسامع علم مجمل يفصله ما يفسر ضمير القصة فقال تعالى : { فإذا هي شاخصة ~~أبصار الذين كفروا } إلى آخره . # والشخوص : إحداد البصر دون تحرك كما يقع للمبهوت . # وجملة : { يا ويلنا } مقول قول محذوف كما هو ظاهر ، أي يقولون حينئذ : يا ~~ويلنا . # ودلت ( في ) على تمكن الغفلة منهم حتى كأنها محيطة بهم إحاطة الظرف ~~بالمظروف ، أي كانت لنا غفلة عظيمة ، وهي غفلة الإعراض عن أدلة الجزاء ~~والبعث . PageV17P151 # و { يا ويلنا } دعاء على أنفسهم من شدة ما لحقهم . # و { بل } للإضراب الإبطالي ، أي ما كنا في غفلة لأننا قد دعينا وأنذرنا ~~وإنما كنا ظالمين أنفسنا بمكابرتنا وإعراضنا . # والمشار إليه ب ( هذا ) هو مجموع تلك الأحوال من الحشر والحساب والجزاء . # $ 2 ( 98 100 ) { إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون ~~* لو كان هاؤلا & # 1764 ء ءالهة ما وردوها وكل فيها خالدون * لهم فيها زفير وهم فيها لا ~~يسمعون } ) 2 $ # جملة ms5326 { إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم } جواب عن قولهم { يا ويلنا ~~قد كنا في غفلة من هذا } ( الأنبياء : 97 ) إلى آخره . فهي مقول قول محذوف ~~على طريقة المحاورات . فالتقدير : يقال لهم : إنكم وما تعبدون من دون الله ~~حصب جهنم . # وهو ارتقاء في ثبورهم فهم قالوا : { يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا } ( ~~الأنبياء : 97 ) فأخبروا بأن آلهتهم وهم أعز عليهم من أنفسهم وأبعد في ~~أنظارهم عن أن يلحقهم سوء صائرون إلى مصيرهم من الخزي والهوان ، ولذلك أكد ~~الخبر بحرف التأكيد لأنهم كانوا بحيث ينكرون ذلك . # و ( ما ) موصولة وأكثر استعمالها فيما يكون فيه صاحب الصلة غير عاقل . ~~وأطلقت هنا على معبوداتهم من الأصنام والجن والشياطين تغليبا ، على أن ( ما ~~) تستعمل فيما هو أعم من العاقل وغيره استعمالا كثيرا في كلام العرب . ~~PageV17P152 # وكانت أصنامهم ومعبوداتهم حاضرة في ذلك المشهد كما دلت عليه الإشارة { لو ~~كان هؤلاء آلهة ما وردوها } . # والحصب : اسم بمعنى المحصوب به ، أي المرمي به . ومنه سميت الحصباء لأنها ~~حجارة يرمى بها ، أي يرمون في جهنم ، كما قال تعالى : { وقودها الناس ~~والحجارة } ( البقرة : 24 ) أي الكفار وأصنامهم . # وجملة { أنتم لها واردون } بيان لجملة { إنكم وما تعبدون من دون الله حصب ~~جهنم } . والمقصود منه : تقريب الحصب بهم في جهنم لما يدل عليه قوله { ~~واردون } من الاتصاف بورود النار في الحال كما هو شأن الخبر باسم الفاعل ~~فإنه حقيقة في الحال مجاز في الاستقبال . # وقد زيد في نكايتهم بإظهار خطئهم في عبادتهم تلك الأصنام بأن أشهدوا ~~إيرادها النار وقيل لهم : { لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها } . # وذيل ذلك بقوله تعالى : { وكل فيها خالدون } أي هم وأصنامهم . # والزفير : النفس يخرج من أقصى الرئتين لضغط الهواء من التأثر بالغم . وهو ~~هنا من أحوال المشركين دون الأصنام . وقرينة معاد الضمائر واضحة . # وعطف جملة { وهم فيها لا يسمعون } اقتضاه قوله { لهم فيها زفير } لأن شأن ~~الزفير أن يسمع فأخبر الله بأنهم من شدة العذاب يفقدون السمع بهذه المناسبة ~~. # فالآية واضحة السياق في ms5327 المقصود منها غنية عن التلفيق . # وقد روى ابن إسحاق في ( سيرته ) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس ~~يوما مع الوليد بن المغيرة في المسجد الحرام فجاء النضر بن الحارث فجلس ~~معهم في مجلس من رجال قريش ، فتلا رسول PageV17P153 الله عليهم : { إنكم ~~وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون } ثم قام رسول الله وأقبل ~~عبد الله بن الزبعرى السهمي قبل أن يسلم فحدثه الوليد بن المغيرة بما جرى ~~في ذلك المجلس فقال عبدالله بن الزبعرى : أما والله لو وجدته لخصمته ، ~~فاسألوا محمدا أكل ما يعبد من دون الله في جهنم مع من عبدوهم ؟ فنحن نعبد ~~الملائكة ، واليهود تعبد عزيرا ، والنصارى تعبد عيسى ابن مريم . فحكي ذلك ~~لرسول الله ، فقال رسول الله : إن كل من أحب أن يعبد من دون الله فهو مع من ~~عبده ، إنهم إنما يعبدون الشيطان الذي أمرهم بعبادتهم ، فأنزل الله : { إن ~~الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون } ( الأنبياء : 101 ) اه . # وقريب من هذا في ( أسباب النزول ) للواحدي ، وفي ( الكشاف ) مع زيادات أن ~~ابن الزبعرى لقي النبي صلى الله عليه وسلم فذكر هذا وزاد فقال : خصمت ورب ~~هذه البنية ألست تزعم أن الملائكة عباد مكرمون ، وأن عيسى عبد صالح ، وأن ~~عزيرا عبد صالح ، وهذه بنو مليح يعبدون الملائكة ، وهذه النصارى يعبدون ~~المسيح ، وهذه اليهود يعبدون عزيرا ، فضج أهل مكة ( أي فرحا ) وقالوا : إن ~~محمدا قد خصم . ورويت القصة في بعض كتب العربية وأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال لابن الزبعرى : ما أجهلك بلغة قومك إني قلت { وما تعبدون } ، و ( ~~ما ) لما لا يعقل ولم أقل ( ومن تعبدون ) . # وإن الآية حكت ما يجري يوم الحشر وليس سياقها إنذارا للمشركين حتى يكون ~~قوله { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى } ( الأنبياء : 101 ) تخصيصا لها ، أو ~~تكون القصة سببا لنزوله . # PageV17P154 # | 2 ( 101 103 ) { لله إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولائك عنها مبعدون ~~* لا يسمعون حسيسها وهم فى ما اشتهت أنفسهم خالدون * لا يحزنهم الفزع ms5328 ~~الاكبر وتتلقاهم الملائكة هاذا يومكم الذى كنتم توعدون } ) 2 # جملة { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى } مستأنفة استئنافا ابتدائيا دعا ~~إليه مقابلة حكاية حال الكافرين وما يقال لهم يوم القيامة بحكاية ما يلقاه ~~الذين آمنوا يوم القيامة وما يقال لهم . فالذين سبقت لهم الحسنى هم الفريق ~~المقابل لفريق القرية التي سبق في علم الله إهلاكها ، ولما كان فريق القرية ~~هم المشركين فالفريق المقابل له هم المؤمنون . ولا علاقة لهذه الجملة بجملة ~~{ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم } ( الأنبياء : 98 ) ولا هي مخصصة ~~لعموم قوله تعالى : { وما تعبدون من دون الله } بل قوله تعالى : { والذين ~~سبقت لهم منا الحسنى } عام يعم كل مؤمن مات على الإيمان والعمل الصالح . # والسبق ، حقيقته : تجاوز الغير في السير إلى مكان معين ، ومنه سباق الخيل ~~، واستعمل هنا مجازا في ثبوت الأمن في الماضي ، يقال كان هذا في العصور ~~السابقة ، أي التي مضت أزمانها لما بين السبق وبين التقدم من الملازمة ، أي ~~الذين حصلت لهم الحسنى في الدنيا ، أي حصل لهم الإيمان والعمل الصالح من ~~الله ، أي بتوفيقه وتقديره ، كما حصل الإهلاك لأضدادهم بما قدر لهم من ~~الخذلان . # والحسنى : الحالة الحسنة في الدين ، قال تعالى : { للذين أحسنوا الحسنى ~~وزيادة } ( يونس : 26 ) أو الموعدة الحسنى ، أي تقرر وعد الله إياهم ~~بالمعاملة الحسنى . وتقدم في سورة يونس . PageV17P155 # وذكر الموصول في تعريفهم لأن الموصول للإيماء إلى أن سبب فوزهم هو سبق ~~تقدير الهداية لهم . وذكر اسم الإشارة بعد ذلك لتمييزهم بتلك الحالة الحسنة ~~، وللتنبيه على أنهم أحرياء بما يذكر بعد اسم الإشارة من أجل ما تقدم على ~~اسم الإشارة من الأوصاف ، وهو سبق الحسنى من الله . # واختير اسم إشارة البعيد للإيماء إلى رفعة منزلتهم ، والرفعة تشبه بالبعد ~~. # وجملة { لا يسمعون حسيسها } بيان لمعنى مبعدون ، أي مبعدون عنها بعدا ~~شديدا بحيث لا يلفحهم حرها ولا يروعهم منظرها ولا يسمعون صوتها ، والصوت ~~يبلغ إلى السمع من أبعد مما يبلغ منه المرئي . # والحسيس : الصوت الذي يبلغ الحس ، أي الصوت الذي يسمع ms5329 من بعيد ، أي لا ~~يقربون من النار ولا تبلغ أسماعهم أصواتها ، فهم سالمون من الفزع من ~~أصواتها فلا يقرع أسماعهم ما يؤلمها . # وعقب ذلك بما هو أخص من السلامة وهو النعيم الملائم . وجيء فيه بما يدل ~~على العموم وهو { فيما اشتهت أنفسهم } وما يدل على الدوام وهو { خالدون . # } والشهوة : تشوق النفس إلى ما يلذ لها . # وجملة { لا يحزنهم الفزع } خبر ثان عن الموصول . # والفزع : نفرة النفس وانقباضها مما تتوقع أن يحصل لها من الألم وهو قريب ~~من الجزع . والمراد به هنا فزع الحشر حين لا يعرف أحد ما سيؤول إليه أمره ، ~~فيكونون في أمن من ذلك بطمأنة الملائكة إياهم . PageV17P156 # وذلك مفاد قوله تعالى : { وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون ~~} فهؤلاء الذين سبقت لهم الحسنى هم المراد من الاستثناء في قوله تعالى : { ~~ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله } ( ~~النمل : 87 ) . # والتلقي : التعرض للشيء عند حلوله تعرض كرامة . والصيغة تشعر بتكلف لقائه ~~وهو تكلف تهيؤ واستعداد . # وجملة { هذا يومكم الذي كنتم توعدون } مقول لقول محذوف ، أي يقولون لهم : ~~هذا يومكم الذي كنتم توعدون ، تذكيرا لهم بما وعدوا في الدنيا من الثواب ، ~~لئلا يحسبوا أن الموعود به يقع في يوم آخر . أي هذا يوم تعجيل وعدكم . ~~والإشارة باسم إشارة القريب لتعيين اليوم وتمييزه بأنه اليوم الحاضر . # وإضافة ( يوم ) إلى ضمير المخاطبين لإفادة اختصاصه بهم وكون فائدتهم ~~حاصلة فيه كقول جرير : # يا أيها الراكب المزجي مطيته # هذا زمانك إني قد خلا زمني # أي هذا الزمن المختص بك ، أي لتتصرف فيه . # # | 2 ( 104 ) { يوم نطوى السمآء كطى السجل للكتب كما بدأنآ أول خلق نعيده ~~وعدا علينآ إنا كنا فاعلين } ) 2 # جملة مستأنفة قصد منها إعادة ذكر البعث والاستدلال على وقوعه وإمكانه ~~إبطالا لإحالة المشركين وقوعه بعلة أن الأجساد التي يدعي بعثها قد انتابها ~~الفناء العظيم { وقالوا أإذا كنا ترابا وعظاما أإنا لفي خلق جديد } ( ~~السجدة : 10 ) . PageV17P157 # والمناسبة في هذا الانتقال هو ما جرى من ذكر ms5330 الحشر والعقاب والثواب من ~~قوله تعالى { لهم فيها زفير } ( الأنبياء : 100 ) وقوله تعالى : { إن الذين ~~سبقت لهم منا الحسنى } ( الأنبياء : 101 ) الآية . # وقد رتب نظم الجملة على التقديم والتأخير لأغراض بليغة . وأصل الجملة : ~~نعيد الخلق كما بدأنا أول خلق يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب وعدا علينا ~~. فحول النظم فقدم الظرف بادىء ذي بدء للتشويق إلى متعلقه ، ولما في الجملة ~~التي أضيف إليها الظرف من الغرابة والطباقق إذ جعل ابتداء خلق جديد وهو ~~البعث مؤقتا بوقت نقض خلق قديم وهو طي السماء . # وقدم { كما بدأنا أول خلق } وهو حال من الضمير المنصوب في { نعيده } ~~للتعجيل بإيراد الدليل قبل الدعوى لتتمكن في النفس فضل تمكن . وكل ذلك وجوه ~~للاهتمام بتحقيق وقوع البعث ، فليس قوله { يوم نطوي السماء } متعلقا بما ~~قبله من قوله تعالى : { وتتلقاهم الملائكة } ( الأنبياء : 103 ) . # وعقب ذلك بما يفيد تحقق حصول البعث من كونه وعدا على الله بتضمين الوعد ~~معنى الإيجاب ، فعدي بحرف ( على ) في قوله تعالى : { وعدا علينا } أي حقا ~~واجبا . # وجملة { إنا كنا فاعلين } مؤكدة بحرف التوكيد لتنزيل المخاطبين منزلة من ~~ينكر قدرة الله لأنهم لما نفوا البعث بعلة تعذر إعادة الأجسام بعد فنائها ~~فقد لزمهم إحالتهم ذلك في جانب قدرة الله . # والمراد بقوله { فاعلين } أنه الفاعل لما وعد به ، أي القادر . والمعنى : ~~إنا كنا قادرين على ذلك . # وفي ذكر فعل الكون إفادة أن قدرته قد تحققت بما دل عليه دليل قوله { كما ~~بدأنا أول خلق نعيده } . PageV17P158 # والطي : رد بعض أجزاء الجسم اللين المطلوق على بعضه الآخر ، وضده النشر . # والسجل : بكسر السين وكسر الجيم هنا ، وفيه لغات . يطلق على الورقة التي ~~يكتب فيها ، ويطلق على كاتب الصحيفة ، ولعله تسمية على تقدير مضاف محذوف ، ~~أي صاحب السجل ، وقيل سجل : اسم ملك في السماء ترفع إليه صحائف أعمال ~~العباد فيحفظها . # ولا يحسن حمله هنا على معنى الصحيفة لأنه لا يلائم إضافة الطي إليه ولا ~~إردافه لقوله { للكتاب } أو { للكتب ، } ولا حمله على معنى الملك الموكل ~~بصحائف الأعمال لأنه لم ms5331 يكن مشهورا فكيف يشبه بفعله . فالوجه : أن يراد ~~بالسجل الكاتب الذي يكتب الصحيفة ثم يطويها عند انتهاء كتابتها ، وذلك عمل ~~معروف . فالتشبيه بعمله رشيق . # وقرأ الجمهور { للكتاب } بصيغة الإفراد ، وقرأه حفص وحمزة والكسائي وخلف ~~{ للكتب } بضم الكاف وضم التاء بصيغة الجمع . ولما كان تعريف السجل وتعريف ~~الكتاب تعريف جنس استوى في المعرف الإفراد والجمع . فأما قراءتهما بصيغة ~~الإفراد ففيها محسن مراعاة النظير في الصيغة ، وأما قراءة الكتب بصيغة ~~الجمع مع كون السجل مفردا ففيها حسن التفنن بالتضاد . # ورسمها في المصحف بدون ألف يحتمل القراءتين لأن الألف قد يحذف في مثله . # واللام في قوله { للكتاب } لتقوية العامل فهي داخلة على مفعول { طي } . # ومعنى طي السماء تغيير أجرامها من موقع إلى موقع أو اقتراب بعضها من بعض ~~كما تتغير أطراف الورقة المنشورة حين تطوى ليكتب PageV17P159 الكاتب في ~~إحدى صفحتيها ، وهذا مظهر من مظاهر انقراض النظام الحالي ، وهو انقراض له ~~أحوال كثيرة وصف بعضها في سور من القرآن . # وليس في الآية دليل على اضمحلال السماوات بل على اختلال نظامها ، وفي ( ~~سورة الزمر : 67 ) { والسماوات مطويات بيمينه . ومسألة دثور السماوات ( أي ~~اضمحلالها ) فرضها الحكماء المتقدمون ومال إلى القول باضمحلالها في آخر ~~الأمر ( انكسمائس ) الملطي و ( فيثاغورس ) و ( أفلاطون ) . # وقرأ الجمهور نطوي } بنون العظمة وكسر الواو ونصب { السماء } . وقرأه أبو ~~جعفر بضم تاء مضارعة المؤنث وفتح الواو مبنيا للنائب وبرفع { السماء } . # والبدء : الفعل الذي لم يسبق مماثله بالنسبة إلى فاعلل أو إلى زمانن أو ~~نحو ذلك . وبدء الخلق كونه لم يكن قبل ، أي كما جعلنا خلقا مبدوءا غير ~~مسبوق في نوعه . # وخلق : مصدر بمعنى المفعول . # ومعنى إعادة الخلق : إعادة مماثلة في صورته فإن الخلق أي المخلوق باعتبار ~~أنه فرد من جنس إذا اضمحل فقيل فإنما يعاد مثله لأن الأجناس لا تحقق لها في ~~الخارج إلا في ضمن أفرادها كما قال تعالى : { سنعيدها سيرتها الأولى } أي ~~مثل سيرتها في جنسها ، أي في أنها عصا من العصي . # وظاهر ما أفاده الكاف من التشبيه في قوله تعالى : { كما ms5332 بدأنا أول خلق ~~نعيده } أن إعادة خلق الأجسام شبهت بابتداء خلقها . ووجه الشبه هو إمكان ~~كليهما والقدرة عليهما وهو الذي سيق له الكلام PageV17P160 على أن التشبيه ~~صالح للمماثلة في غير ذلك . روى مسلم عن ابن عباس قال : ( قام فينا رسول ~~الله بموعظة فقال : يا أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلا { ~~كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين } الحديث . فهذا تفسير ~~لبعض ما أفاده التشبيه وهو من طريق الوحي واللفظ لا يأباه فيجب أن يعتبر ~~معنى للكاف مع المعنى الذي دلت عليه بظاهر السياق . وهذا من تفاريع المقدمة ~~التاسعة من مقدمات تفسيرنا هذا . # وانتصب { وعدا } على أنه مفعول مطلق ل { نعيده } لأن الإخبار بالإعادة في ~~معنى الوعد بذلك فانتصب على بيان النوع للإعادة . ويجوز كونه مفعولا مطلقا ~~مؤكدا لمضمون جملة { كما بدأنا أول خلق نعيده } . # # | 2 ( 105 ، 106 ) { لله ولقد كتبنا فى الزبور من بعد الذكر أن الارض ~~يرثها عبادى الصالحون * إن فى هاذا لبلاغا لقوم عابدين } ) 2 # إن كان المراد بالأرض أرض الجنة كما في قوله تعالى في ( سورة الزمر : 73 ~~74 ) { وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا إلى قوله تعالى : وقالوا ~~الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فمناسبة ~~ذكر هذه الآية عقب التي تقدمتها ظاهرة . ولها ارتباط بقوله تعالى : أفلا ~~ترون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها } ( الأنبياء : 44 ) . # وإن كان المراد أرضا من الدنيا ، أي مصيرها بيد عباد الله الصالحين كانت ~~هذه الآية مسوقة لوعد المؤمنين بميراث الأرض التي لقوا فيها الأذى ، وهي ~~أرض مكة وما حولها ، فتكون بشارة بصلاح حالهم في الدنيا بعد بشارتهم بحسن ~~مآلهم في الآخرة على حد قوله تعالى : PageV17P161 { من عمل صالحا من ذكر أو ~~أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون } ~~( النحل : 97 ) . # على أن في إطلاق اسم الأرض ما يصلح لإرادة أن سلطان العالم سيكون بيد ~~المسلمين ما استقاموا على الإيمان والصلاح . وقد صدق ms5333 الله وعده في الحالين ~~وعلى الاحتمالين . وفي حديث أبي داوود والترمذي عن ثوبان قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ( إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وأن أمتي ~~سيبلغ ملكها ما زوي لي منها ) . # وقرأ الجمهور { في الزبور } بصيغة الإفراد وهو اسم للمزبور ، أي المكتوب ~~، فعول بمعنى مفعول ، مثل : ناقة حلوب وركوب . وقرأ حمزة بصيغة الجمع { ~~زبور بوزن فعول جمع زبر بكسر فسكون أي مزبور ، فوزنه مثل قشر وقشور ، أي في ~~الكتب . # فعلى قراءة الجمهور فو غالب في الإطلاق على كتاب داوود قال تعالى : ~~وآتينا داوود زبورا في } ( سورة النساء : 163 ) وفي ( سورة الإسراء : 55 ) ~~، فيكون تخصيص هذا الوعد بكتاب داوود لأنه لم يذكر وعد عام للصالحين بهذا ~~الإرث في الكتب السماوية قبله . وما ورد في التوراة فيما حكاه القرآن من ~~قول موسى عليه السلام : { إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده ( الأعراف ~~: 128 ) فذلك خاص بأرض المقدس وببني إسرائيل . # والزبور : كتاب داوود وهو مبثوث في الكتاب المسمى بالمزامير من كتب ~~اليهود . ولم أذكر الآن الجملة التي تضمنت هذا الوعد في المزامير . ووجدت ~~في محاضرة للإيطالي المستعرب ( فويدو ) أن نص هذا الوعد من الزبور باللغة ~~العبرية هكذا : صديقين يرشون أرص بشين معجمة في يرشون وبصاد مهملة في أرص ، ~~أي الصديقون يرثون الأرض . والمقصود : الشهادة على هذا الوعد من الكتب ~~السالفة وذلك قبل أن PageV17P162 يجيء مثل هذا الوعد في القرآن في } ( سورة ~~النور : 55 ) في قوله تعالى : { وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ~~ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم } . # وعلى قراءة حمزة أن هذا الوعد تكرر في الكتب لفرق من العباد الصالحين . # ومعنى { من بعد الذكر } أن ذلك الوعد ورد في الزبور عقب تذكير ووعظ للأمة ~~. فبعد أن ألقيت إليهم الأوامر وعدوا بميراث الأرض ، وقيل المراد ب { الذكر ~~} كتاب الشريعة وهو التوراة . # قال تعالى : { ولقد آتينا موسى وهرون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين } ( ~~الأنبياء : 48 ) فيكون الظرف في قوله تعالى : { من بعد الذكر } مستقرا في ~~موضع ms5334 الحال من الزبور . والمقصود من هذه الحال الإيماء إلى أن الوعد ~~المتحدث عنه هنا هو غير ما وعد الله بني إسرائيل على لسان موسى من إعطائهم ~~الأرض المقدسة . وهو الوعد الذي ذكر في قوله تعالى حكاية عن موسى : { يا ~~قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم } ( المائدة : 21 ) ، وأنه غير ~~الإرث الذي أورثه الله بني إسرائيل من الملك والسلطان لأن ذلك وعد كان قبل ~~داوود . فإن ملك داوود أحد مظاهره . بل المراد الإيماء إلى أنه وعد وعده ~~الله قوما صالحين بعد بني إسرائيل وليسوا إلا المسلمين الذين صدقهم الله ~~وعده فملكوا الأرض ببركة رسولهم صلى الله عليه وسلم وأصحابه واتسع ملكهم ~~وعظم سلطانهم حسب ما أنبأ به نبيئهم صلى الله عليه وسلم في الحديث المتقدم ~~آنفا . # وجملة { إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين } تذييل للوعد وإعلان بأن قد آن ~~أوانه وجاء إبانه . فإن لم يأت بعد داوود قوم مؤمنون ورثوا الأرض ، فلما ~~جاء الإسلام وآمن الناس بمحمد صلى الله عليه وسلم فقد بلغ البلاغ إليهم . ~~PageV17P163 # فالإشارة بقوله تعالى : { إن في هذا } إلى الوعد الموعود في الزبور ~~والمبلغ في القرآن . # والمراد بالقوم العابدين من شأنهم العبادة لا ينحرفون عنها قيد أنملة كما ~~أشعر بذلك جريان وصف العابدين على لفظ { قوم } المشعر بأن العبادة هي قوام ~~قوميتهم كما قدمناه عند قوله تعالى : { وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا ~~يؤمنون في آخر } ( سورة يونس : 101 ) . فكأنه يقول : فقد أبلغتكم الوعد ~~فاجتهدوا في نواله . والقوم العابدون هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الموجودون يومئذ والذين جاءوا من بعدهم . # والعبادة : الوقوف عند حدود الشريعة . قال تعالى : { كنتم خير أمة أخرجت ~~للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله } ( آل عمران : 110 ~~) . وقد ورثوا هذا الميراث العظيم وتركوه للأمة بعدهم ، فهم فيه أطوار كشأن ~~مختلف أحوال الرشد والسفه في التصرف في مواريث الأسلاف . # وما أشبه هذا الوعد المذكور هنا ونوطه بالعبادة بالوعد الذي وعدته هذه ~~الأمة في القرآن : { وعد الله الذين آمنوا ms5335 منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم ~~في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ~~وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك ~~فأولئك هم الفاسقون وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ~~ترحمون } ( النور : 55 56 ) . # # | 2 ( 107 ) { ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين } . ) 2 # أقيمت هذه السورة على عماد إثبات الرسالة لمحمد صلى الله عليه وسلم ~~وتصديق دعوته . فافتتحت بإنذار المعاندين باقتراب PageV17P164 حسابهم ووشك ~~حلول وعد الله فيهم وإثبات رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وأنه لم يكن بدعا ~~من الرسل ، وذكروا إجمالا ، ثم ذكرت طائفة منهم على التفصيل ، وتخلل ذلك ~~بمواعظ ودلائل . # وعطفت هذه الجملة على جميع ما تقدم من ذكر الأنبياء الذين أوتوا حكما ~~وعلما وذكر ما أوتوه من الكرامات ، فجاءت هذه الآية مشتملة على وصف جامع ~~لبعثة محمد صلى الله عليه وسلم ومزيتها على سائر الشرائع مزية تناسب عمومها ~~ودوامها ، وذلك كونها رحمة للعالمين ، فهذه الجملة عطف على جملة { وجعلناها ~~وابنها آية للعالمين } ( الأنبياء : 91 ) ختاما لمناقب الأنبياء ، وما ~~بينهما اعتراض واستطراد . # ولهذه الجملة اتصال بآية { وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذا إلا بشر ~~مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون } ( الأنبياء : 3 ) . # ووزانها في وصف شريعة محمد صلى الله عليه وسلم وزان آية : { ولقد آتينا ~~موسى وهارون الفرقان } ( الأنبياء : 48 ) وآية : { ولقد آتينا إبراهيم رشده ~~} ( الأنبياء : 51 ) والآيات التي بعدهما في وصف ما أوتيه الرسل السابقون . # وصيغت بأبلغ نظم إذ اشتملت هاته الآية بوجازة ألفاظها على مدح الرسول ~~عليه الصلاة والسلام ومدح مرسله تعالى ، ومدح رسالته بأن كانت مظهر رحمة ~~الله تعالى للناس كافة وبأنها رحمة الله تعالى بخلقه . # فهي تشتمل على أربعة وعشرين حرفا بدون حرف العطف الذي عطفت به ، ذكر فيه ~~الرسول ، ومرسله ، والمرسل إليهم ، والرسالة ، وأوصاف هؤلاء الأربعة ، مع ~~إفادة عموم الأحوال ، واستغراق المرسل إليهم ، وخصوصية الحصر ، وتنكير { ~~رحمة } للتعظيم ، إذ لا مقتضى PageV17P165 لإيثار التنكير في هذا المقام ~~غير إرادة التعظيم وإلا لقيل : إلا لنرحم العالمين ms5336 ، أو إلا أنك الرحمة ~~للعالمين . وليس التنكير للإفراد قطعا لظهور أن المراد جنس الرحمة وتنكير ~~الجنس هو الذي يعرض له قصد إرادة التعظيم . فهذه اثنا عشر معنى خصوصيا ، ~~فقد فاقت أجمع كلمة لبلغاء العرب ، وهي : # قفا نبكك من ذكرى حبيبب ومنزل # إذ تلك الكلمة قصاراها كما قالوا : ( أنه وقف واستوقف وبكى واستبكى وذكر ~~الحبيب والمنزل ) دون خصوصية أزيد من ذلك فجمع ستة معان لا غير . وهي غير ~~خصوصية إنما هي وفرة معان . وليس تنكير ( حبيب ومنزل ) إلا للوحدة لأنه ~~أراد فردا معينا من جنس الأحباب وفردا معينا من جنس المنازل ، وهما حبيبه ~~صاحب ذلك المنزل ، ومنزله . # واعلم أن انتصاب { رحمة } على أنه حال من ضمير المخاطب يجعله وصفا من ~~أوصافه فإذا انضم إلى ذلك انحصار الموصوف في هذه الصفة صار من قصر الموصوف ~~على الصفة . ففيه إيماء لطيف إلى أن الرسول اتحد بالرحمة وانحصر فيها ، ومن ~~المعلوم أن عنوان الرسولية ملازم له في سائر أحواله ، فصار وجوده رحمة ~~وسائر أكوانه رحمة . ووقوع الوصف مصدرا يفيد المبالغة في هذا الاتحاد بحيث ~~تكون الرحمة صفة متمكنة من إرساله ، ويدل لهذا المعنى ما أشار إلى شرحه ~~النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : ( إنما أنا رحمة مهداة ) . # وتفصيل ذلك يظهر في مظهرين : الأول تخلق نفسه الزكية بخلق الرحمة ، ~~والثاني إحاطة الرحمة بتصاريف شريعته . # فأما المظهر الأول فقد قال فيه أبو بكر محمد بن طاهر القيسي الإشبيلي أحد ~~تلاميذه أبي علي الغساني وممن أجاز لهم أبو الوليد الباجي من رجال القرن ~~الخامس : ( زين الله محمدا صلى الله عليه وسلم PageV17P166 بزينة الرحمة ~~فكان كونه رحمة وجميع شمائله رحمة وصفاته رحمة على الخلق ) اه . وذكره عنه ~~عياض في ( الشفاء ) . قلت : يعني أن محمدا صلى الله عليه وسلم فطر على خلق ~~الرحمة في جميع أحوال معاملته الأمة لتتكون مناسبة بين روحه الزكية وبين ما ~~يلقى إليه من الوحي بشريعته التي هي رحمة حتى يكون تلقيه الشريعة عن انشراح ~~نفس أن يجد ما يوحى به إليه ملائما رغبته وخلقه ms5337 . قالت عائشة : ( كان خلقه ~~القرآن ) . ولهذا خص الله محمدا صلى الله عليه وسلم في هذه السورة بوصف ~~الرحمة ولم يصف به غيره من الأنبياء ، وكذلك في القرآن كله ، قال تعالى : { ~~لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف ~~رحيم } ( التوبة : 128 ) وقال تعالى : { فبما رحمة من الله لنت لهم } ( آل ~~عمران : 159 ) أي برحمة جبلك عليها وفطرك بها فكنت لهم لينا . وفي حديث ~~مسلم : أن رسول الله لما شج وجهه يوم أحد شق ذلك على أصحابه فقالوا : لو ~~دعوت عليهم فقال : ( إني لم أبعث لعانا وإنما بعثت رحمة ) . # وأما المظهر الثاني من مظاهر كونه رحمة للعالمين فهو مظهر تصاريف شريعته ~~، أي ما فيها من مقومات الرحمة العامة للخلق كلهم لأن قوله تعالى { ~~للعالمين } متعلق بقوله { رحمة } . # والتعريف في { العالمين } لاستغراق كل ما يصدق عليه اسم العالم . والعالم ~~: الصنف من أصناف ذوي العلم ، أي الإنسان ، أو النوع من أنواع المخلوقات ~~ذات الحياة كما تقدم من احتمال المعنيين في قوله تعالى : { الحمد لله رب ~~العالمين } ( الفاتحة : 2 ) . فإن أريد أصناف ذوي العلم فمعنى كون الشريعة ~~المحمدية منحصرة في الرحمة أنها أوسع الشرائع رحمة بالناس فإن الشرائع ~~السالفة وإن كانت مملوءة برحمة إلا أن الرحمة فيها غير عامة إما لأنها لا ~~تتعلق بجميع أحوال المكلفين ، فالحنيفية شريعة إبراهيم عليه السلام كانت ~~رحمة خاصة بحالة الشخص PageV17P167 في نفسه وليس فيها تشريع عام ، وشريعة ~~عيسى عليه السلام قريبة منها في ذلك ؛ وإما لأنها قد تشتمل في غير القليل ~~من أحكامها على شدة اقتضتها حكمة الله في سياسة الأمم المشروعة هي لها مثل ~~شريعة التوراة فإنها أوسع الشرائع السالفة لتعلقها بأكثر أحوال الأفراد ~~والجماعات ، وهي رحمة كما وصفها الله بذلك في قوله تعالى : { ثم آتينا موسى ~~الكتاب تماما على الذي أحسن وتفصيلا لكل شيء وهدى ورحمة لعلهم بلقاء ربهم ~~يؤمنون } ( الأنعام : 154 ) ، فإن كثيرا من عقوبات أمتها جعلت في فرض أعمال ~~شاقة على الأمة بفروض شاقة مستمرة قال تعالى : { فبظلم من ms5338 الذين هادوا ~~حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وقال : فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم إلى ~~آيات كثيرة . # لا جرم أن الله تعالى خص الشريعة الإسلامية بوصف الرحمة الكاملة . وقد ~~أشار إلى ذلك قوله تعالى فيما حكاه خطابا منه لموسى عليه السلام : ورحمتي ~~وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون ~~الذين يتبعون الرسول النبي الأمي } ( الأعراف : 156 157 ) الآية . ففي قوله ~~تعالى : { وسعت كل شيء إشارة إلى أن المراد رحمة هي عامة فامتازت شريعة ~~الإسلام بأن الرحمة ملازمة للناس بها في سائر أحوالهم وأنها حاصلة بها ~~لجميع الناس لا لأمة خاصة . # وحكمة تمييز شريعة الإسلام بهذه المزية أن أحوال النفوس البشرية مضت ~~عليها عصور وأطوار تهيأت بتطوراتها لأن تساس بالرحمة وأن تدفع عنها المشقة ~~إلا بمقادير ضرورية لا تقام المصالح بدونها ، فما في الشرائع السالفة من ~~اختلاط الرحمة بالشدة وما في شريعة الإسلام من تمحض الرحمة لم يجر في زمن ~~من الأزمان إلا على مقتضى الحكمة ، ولكن الله أسعد هذه الشريعة والذي جاء ~~بها والأمة المتبعة لها بمصادفتها للزمن والطور الذي اقتضت حكمة الله في ~~سياسة البشر أن يكون التشريع لهم تشريع رحمة إلى انقضاء العالم . ~~PageV17P168 # فأقيمت شريعة الإسلام على دعائم الرحمة والرفق واليسر . قال تعالى : وما ~~جعل عليكم في الدين من حرج } ( الحج : 78 ) وقال تعالى : { يريد الله بكم ~~اليسر ولا يريد بكم العسر } ( البقرة : 185 ) ، وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم ( بعثت بالحنيفية السمحة ) . # وما يتخيل من شدة في نحو القصاص والحدود فإنما هو لمراعاة تعارض الرحمة ~~والمشقة كما أشار إليه قوله تعالى : { ولكم في القصاص حياة } ( البقرة : ~~179 ) فالقصاص والحدود شدة على الجناة ورحمة ببقية الناس . # وأما رحمة الإسلام بالأمم غير المسلمين فإنما نعني به رحمته بالأمم ~~الداخلة تحت سلطانه وهم أهل الذمة . ورحمته بهم عدم إكراههم على مفارقة ~~أديانهم ، وإجراء العدل بينهم في الأحكام بحيث لهم ما للمسلمين وعليهم ما ~~عليهم في الحقوق العامة . # هذا وإن أريد ب { العالمين } في قوله تعالى : { إلا ms5339 رحمة للعالمين } ~~النوع من أنواع المخلوقات ذات الحياة فإن الشريعة تتعلق بأحوال الحيوان في ~~معاملة الإنسان إياه وانتفاعه به . إذ هو مخلوق لأجل الإنسان ، قال تعالى : ~~{ هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا } ( البقرة : 29 ) وقال تعالى : { ~~والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون ولكم فيها جمال حين ~~تريحون وحين تسرحون وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس ~~إن ربكم لرؤف رحيم } ( النحل : 5 7 ) . # وقد أذنت الشريعة الإسلامية للناس في الانتفاع بما ينتفع به من الحيوان ~~ولم تأذن في غير ذلك . ولذلك كره صيد اللهو وحرم تعذيب الحيوان لغير أكله ، ~~وعد فقهاؤنا سباق الخيل رخصة للحاجة في الغرو ونحوه . # ورغبت الشريعة في رحمة الحيوان ففي حديث ( الموطأ ) عن أبي هريرة مرفوعا ~~: ( أن الله غفر لرجل وجد كلبا يلهث من العطش فنزل PageV17P169 في بئر فملأ ~~خفه ماء وأمسكه بفمه حتى رقي فسقى الكلب فغفر الله له ) . # أما المؤذي والمضر من الحيوان فقد أذن في قتله وطرده لترجيح رحمة الناس ~~على رحمة البهائم . وهي تفاصيل الأحكام من هذا القبيل كثرة لا يعوز الفقيه ~~تتبعها . # # | 2 ( 108 ) { قل إنمآ يوحى إلى أنمآ إلاهكم إلاه واحد فهل أنتم مسلمون } ~~) 2 # عقب الوصف الجامع لرسالة محمد صلى الله عليه وسلم من حيث ما لها من الأثر ~~في أحوال البشر بوصف جامع لأصل الدعوة الإسلامية في ذاتها الواجب على كل ~~متبع لها وهو الإيمان بوحدانية الله تعالى وإبطال إلهية ما سواه ، لنبذ ~~الشرك المبثوث بين الأمم يومئذ . وللاهتمام بذلك صدرت جملته بالأمر بأن ~~يقول لهم لاستصغاء أسماعهم . # وصيغت الجملة في صيغة حصر الوحي إليه في مضمونها لأن مضمونها هو أصل ~~الشريعة الأعظم ، وكل ما تشتمل عليه الشريعة متفرع عليه ، فالدعوة إليه هي ~~مقادة الاجتلابب إلى الشريعة كلها ، إذ كان أصل الخلاف يومئذ بين الرسول ~~ومعانديه هو قضية الوحدانية ولذلك قالوا : { أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا ~~لشيء عجاب } ( ص : 5 ) . # وما كان إنكارهم البعث إلا لأنهم لم يجدوه في دين ms5340 شركهم إذ كان الذين ~~وضعوا لهم الشرك لا يحدثونهم إلا عن حالهم في الدنيا فما كان تصلبهم في ~~إنكار البعث إلا شعبة من شعب الشرك . فلا جرم كان الاهتمام بتقرير ~~الوحدانية تضييقا لشقة الخلاف بين النبي وبين المشركين المعرضين الذين ~~افتتحت السورة بوصف حالهم بقوله تعالى : { اقترب للناس حسابهم PageV17P170 ~~وهم في غفلة معرضون ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون ~~لاهية قلوبهم } ( الأنبياء : 1 3 ) . # وأفادت ( إنما ) المكسورة الهمزة وإتلاؤها بفعل { يوحى } قصر الوحي إلى ~~الرسول على مضمون جملة { أنما إلهكم إله واحد } . وهو قصر صفة على موصوف . ~~و ( أنما ) المفتوحة الهمزة هي أخت ( إنما ) المكسورة الهمزة في إفادة ~~القصر لأن ( أنما ) المفتوحة مركبة من ( أن ) المفتوحة الهمزة و ( ما ) ~~الكافة . كما ركبت ( إنما ) المكسورة من ( إن ) المكسورة الهمزة و ( ما ) ~~الكافة . وإذ كانت ( أن ) المفتوحة أخت ( إن ) المكسورة في إفادة التأكيد ~~فكذلك كانت عند اتصالها ب ( ما ) الكافة أختا لها في إفادة القصر . وتقدم ~~الكلام على ذلك عند قوله تعالى : { فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا ~~البلاغ المبين في سورة العقود ( 92 ) . # وإذ قد أتليت ( أنما ) المفتوحة بالاسم الجامع لحقيقة الإله ، وأخبر عنه ~~بأنه إله واحد فقد أفادت أن صاحب هذه الحقيقة مستأثر بالوحدانية فلا يكون ~~في هذه الحقيقة تعدد أفراد فأفادت قصرا ثانيا ، وهو قصر موصوف على صفة . # والقصر الأول إضافي ، أي ما يوحى إلي في شأن الإله إلا أن الإله إله واحد ~~. والقصر الثاني أيضا إضافي ، أي في شأن الإله من حيث الوحدانية . ولما كان ~~القصر الإضافي من شأنه رد اعتقاد المخاطب بجملة القصر لزم اعتبار رد اعتقاد ~~المشركين بالقصرين . # فالقصر الأول لإبطال ما يلبسون به على الناس من أن محمدا يدعو إلى ~~التوحيد ثم يذكر الله والرحمان ، ويلبسون تارة بأنه ساحر لأنه يدعو إلى ما ~~لا يعقل ، قال تعالى : وقال الكافرون هذا ساحر كذاب أجعل الآلهة إلها واحدا ~~إن هذا لشيء عجاب } ( ص : 4 5 ) فيكون معنى الآية في معنى قوله تعالى ms5341 : { ~~قل ما كنت بدعا من الرسل } ( الأحقاف : 9 ) PageV17P171 وقوله تعالى : { ~~واسأل من أرسلنا قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون } ( ~~الزخرف : 45 ) . # ثم إن كلا القصرين كان كلمة جامعة لدعوة الإسلام تقريبا لشقة الخلاف ~~والتشعيب . وعلى جميع هذه الاعتبارات تفرع عليها جملة { فهل أنتم مسلمون } ~~. # والاستفهام حقيقي ، أي فهل تسلمون بعد هذا البيان . وهو مستعمل أيضا في ~~معنى كنائي وهو التحريض على نبذ الإشراك وعلى الدخول في دعوة الإسلام . # واسم الفاعل مستعمل في الحال على أصله ، أي فهل أنتم مسلمون الآن استبطاء ~~لتأخر إسلامهم . وصيغ ذلك في الجملة الاسمية الدالة على الثبات دون أن يقال ~~: فهل تسلمون ، لإفادة أن المطلوب منهم إسلام ثابت . وكأن فيه تعريضا بهم ~~بأنهم في ريب يترددون . # $ 2 ( 109 ) { فإن تولوا فقل ءاذنتكم على سوآء وإن أدرى & # 1764 أقريب أم بعيد ما توعدون } ) 2 $ # أي فإن أعرضوا بعد هذا التبيين المفصل والجامع فأبلغهم الإنذار بحلول ما ~~توعدهم الله به . # والإيذان : الإعلام ، وهو بوزن أفعل من أذن لكذا بمعنى سمع . واشتقاقه من ~~اسم الأذن ، وهي جارحة السمع ، ثم استعمل بمعنى العلم بالسمع ثم شاع ~~استعماله في العلم مطلقا . # وأما ( آذن ) فهو فعل متعد بالهمزة وكثر استعمال الصيغتين في معنى ~~الإنذار وهو الإعلام المشوب بتحذير . فمن استعمال أذن قوله PageV17P172 ~~تعالى : { فأذنوا بحرب من الله ورسوله } ( البقرة : 279 ) ، ومن استعمال ( ~~آذن ) قول الحارث بن حلزة : # آذنتنا ببينها أسماء # وحذف مفعول { آذنتكم } الثاني لدلالة قوله تعالى { ما توعدون } عليه ، أو ~~يقدر : آذنتكم ما يوحى إلي لدلالة ما تقدم عليه . والأظهر تقدير ما يشمل ~~المعنيين كقوله تعالى : { فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم } ( هود ~~: 57 ) . # وقوله تعالى : { على سواء } ( على ) فيه للاستعلاء المجازي ، وهو قوة ~~الملابسة وتمكن الوصف من موصوفه . # و ( سواء ) اسم معناه مستو . والاستواء : المماثلة في شيء ويجمع على ~~أسواء . وأصله مصدر ثم عومل معاملة الأسماء فجمعوه لذلك ، وحقه أن لا يجمع ~~فيجوز أن يكون { على سواء } ظرفا مستقرا هو حال من ضمير الخطاب في ms5342 قوله ~~تعالى { آذنتكم } أي أنذرتكم مستوين في إعلامكم به لا يدعي أحد منكم أنه لم ~~يبلغه الإنذار . وهذا إعذار لهم وتسجيل عليهم كقوله في خطبته ( ألا هل بلغت ~~) . # ويجوز أن يتعلق المجرور بفعل { آذنتكم } قال أبو مسلم : الإيذان على ~~السواء : الدعاء إلى الحرب مجاهرة لقوله تعالى : { فانبذ إليهم على سواء } ~~( الأنفال : 58 ) آه . يريد أن هذا مثل بحال النذير بالحرب إذ لم يكن في ~~القرآن النازل بمكة دعاء إلى حرب حقيقية . وعلى هذا المعنى يجوز أن يكون { ~~على سواء } حالا من ضمير المتكلم . # وحذف متعلق { آذنتكم } لدلالة قوله تعالى : { وإن أدري أقريب أم بعيد ما ~~توعدون } عليه ، ولأن السياق يؤذن به لقوله قبله : { حتى إذا فتحت ياجوج ~~وماجوج } ( الأنبياء : 96 ) الآية . وتقدم عند قوله تعالى : { فانبذ إليهم ~~على سواء } في ( سورة الأنفال : 58 ) . PageV17P173 # وقوله : { وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون } يشمل كل ما يوعدونه من ~~عقاب في الدنيا والآخرة إن عاشوا أو ماتوا . # و ( إن ) نافية وعلق فعل { أدري } عن العمل بسبب حرف الاستفهام وحذف ~~العائد . وتقديره : ما توعدون به . # # | 2 ( 110 ) { إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون } ) 2 # جملة معترضة بين الجمل المتعاطفة . وضمير الغائب عائد إلى الله تعالى ~~بقرينة المقام . والمقصود من الجملة تعليل الإنذار بتحقيق حلول الوعيد بهم ~~وتعليل عدم العلم بقربه أو بعده ؛ علل ذلك بأن الله تعالى يعلم جهرهم وسرهم ~~وهو الذي يؤاخذهم عليه وهو الذي يعلم متى يحل بهم عذابه . # وعائد الموصول في قوله تعالى : ما { تكتمون } ضمير محذوف . # # | 2 ( 111 ) { وإن أدرى لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين } ) 2 # عطف على جملة { وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون } ( الأنبياء : 109 ) . ~~والضمير الذي هو اسم ( لعل ) عائد إلى ما يدل عليه قوله تعالى : { أقريب أم ~~بعيد ما توعدون } من أنه أمر منتظر الوقوع وأنه تأخر عن وجود موجبه ، ~~والتقدير : لعل تأخيره فتنة لكم ، أو لعل تأخير ما توعدون فتنة لكم ، أي ما ~~أدرى حكمة هذا التأخير فلعله فتنة لكم أرادها ms5343 الله ليملي لكم إذ بتأخير ~~الوعد يزدادون في التكذيب والتولي وذلك فتنة . # والفتنة : اختلال الأحوال المفضي إلى ما فيه مضرة . PageV17P174 # والمتاع : ما ينتفع به مدة قليلة ، كما تقدم في قوله تعالى : { لا يغرنك ~~تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل في } ( سورة آل عمران : 196 197 ) . # والحين : الزمان . # # | 2 ( 112 ) { قال رب احكم بالحق وربنا الرحمان المستعان على ما تصفون } ~~) 2 # استئناف ابتدائي بعدما مضى من وصف رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وإجمال ~~أصلها وأمره بإنذارهم وتسجيل التبليغ . قصد من هذا الاستئناف التلويح إلى ~~عاقبة أمر هذا الدين المرجوة المستقبلة لتكون قصة هذا الدين وصاحبه مستوفاة ~~المبدأ والعاقبة على وزان ما ذكر قبلها من قصص الرسل السابقين من قوله ~~تعالى : { ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء } ( الأنبياء : 48 ) إلى ~~هنا . # وفي أمر الله تعالى نبيئه عليه الصلاة والسلام بالالتجاء إليه والاستعانة ~~به بعدما قال له : { فإن تولوا فقل آذنتكم على سواء } ( الأنبياء : 109 ) ~~رمز إلى أنهم متولون لا محالة وأن الله سيحكم فيهم بجزاء جرمهم لأن الحكم ~~بالحق لا يغادرهم ، وإن الله في إعانته لأن الله إذا لقن عباده دعاء فقد ~~ضمن لهم إجابته كقوله تعالى : { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } ( ~~البقرة : 286 ) ونحو ذلك ، وقد صدق الله وعده واستجاب لعبده فحكم في هؤلاء ~~المعاندين بالحق يوم بدر . # والمعنى : قل ذلك بمسمع منهم إظهارا لتحديه إياهم بأنه فوض أمره إلى ربه ~~ليحكم فيهم بالحق الذي هو خضد شوكتهم وإبطال دينهم ، لأن الله يقذف بالحق ~~على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق . PageV17P175 # الباء في قوله تعالى { بالحق } للملابسة . وحذف المتعلق الثاني لفعل { ~~احكم } لتنبيههم إلى أن النبي على الحق فإنه ما سأل الحكم بالحق إلا لأنه ~~يريده ، أي احكم لنا أو فيهم أو بيننا . # وقرأ الجمهور { قل } بصيغة الأمر . وقرأ حفص { قال } بصيغة الماضي مثل ~~قوله تعالى : { قل ربي يعلم القول } ( الأنبياء : 4 ) في أول هذه السورة . ~~ولم يكتب في المصحف الكوفي بإثبات الألف . على أنه حكاية عن الرسول ms5344 صلى ~~الله عليه وسلم # و { رب } منادى مضاف حذفت منه ياء المتكلم المضاف هو إليها وبقيت الكسرة ~~دليلا على الياء . # وقرأ الجمهور بكسر الباء من { رب . وقرأه أبو جعفر بضم الباء وهو وجه ~~عربي في المنادى المضاف إلى ياء المتكلم كأنهم جعلوه بمنزلة الترخيم وهو ~~جائز إذا أمن اللبس . # وتعريف المسند إليه بالإضافة في قوله تعالى وربنا } لتضمنها تعظيما لشأن ~~المسلمين بالاعتزاز بأن الله ربهم . # وضمير المتكلم المشارك للنبيء ومن معه من المسلمين . وفيه تعريض ~~بالمشركين بأنهم ليسوا من مربوبية الله في شيء حسب إعراضهم عن عبادته إلى ~~عبادة الأصنام كقوله تعالى : { ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين ~~لا مولى لهم } ( محمد : 11 ) . # والرحمان عطف بيان من { ربنا } لأن المراد به هنا الاسم لا الوصف توركا ~~على المشركين ، لأنهم أنكروا اسم الرحمن { وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمان ~~قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا } ( الفرقان : 60 ) . # وتعريف { المستعان } لإفادة القصر ، أي لا أستعين بغيره على ما تصفون ، ~~إذ لا ينصرنا غير ربنا وهو ناظر إلى قوله تعالى : { وإياك نستعين } ( ~~الفاتحة : 5 ) . PageV17P176 # وفي قوله تعالى : { على ما تصفون } مضاف محذوف هو مجرور ( على ) ، أي على ~~إبطال ما تصفون بإظهار بطلانكم للناس حتى يؤمنوا ولا يتبعوكم ، أو على ~~إبطال ما يترتب عليه من أذاهم له وللمؤمنين وتأليب العرب عليه . # ومعنى { ما تصفون } وما تصدر به أقوالكم من الأذى لنا . فالوصف هنا هو ~~الأقوال الدالة عن الأوصاف ، وقد تقدم في سورة يوسف . وهم وصفوا النبي صلى ~~الله عليه وسلم بصفات ذم كقولهم : مجنون وساحر ، ووصفوا القرآن بأنه شعر ~~وأساطير الأولين ، وشهروا ذلك في دهمائهم لتأليب الناس عليه . PageV17P177 ~~PageV17P178 # | 1 ( سورة الحج ) 1 # سميت هذه السورة سورة الحج في زمن النبي صلى الله عليه وسلم أخرج أبو ~~داود ، والترمذي عن عقبة بن عامر قال : ( قلت : يا رسول الله أفضلت سورة ~~الحج على سائر القرآن بسجدتين ؟ قال : نعم ) . وأخرج أبو داود ، وابن ماجه ~~عن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه ms5345 وسلم أقرأه خمس عشرة سجدة في ~~القرآن منها ثلاث في المفصل ، وفي سورة الحج سجدتان . وليس لهذه السورة اسم ~~غير هذا . # ووجه تسميتها سورة الحج أن الله ذكر فيها كيف أمر إبراهيم عليه السلام ~~بالدعوة إلى حج البيت الحرام ، وذكر ما شرع للناس يومئذ من النسك تنويها ~~بالحج وما فيه من فضائل ومنافع ، وتقريعا للذين يصدون المؤمنين عن المسجد ~~الحرام وإن كان نزولها قبل أن يفرض الحج على المسلمين بالاتفاق ، وإنما فرض ~~الحج بالآيات التي في سورة البقرة وفي سورة آل عمران . PageV17P179 # واختلف في هذه السورة هل هي مكية أو مدنية ، أو كثير منها مكي وكثير منها ~~مدني . # فعن ابن عباس ومجاهد وعطاء : هي مكية إلا ثلاث آيات من قوله { هذان خصمان ~~إلى وذوقوا عذاب الحريق } ( الحج : 19 22 ) . قال ابن عطية : وعد النقاش ما ~~نزل منها بالمدينة عشر آيات . # وعن ابن عباس أيضا والضحاك وقتادة والحسن : هي مدنية إلا آيات { وما ~~أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبيء إلى قوله تعالى : أو يأتيهم عذاب يوم عقيم ~~} ( الحج : 52 55 ) فهن مكيات . # وعن مجاهد ، عن ابن الزبير : أنها مدنية . ورواه العوفي عن ابن عباس . # وقال الجمهور هذه السورة بعضها مكي وبعضها مدني وهي مختلطة ، أي لا يعرف ~~المكي بعينه ، والمدني بعينه . قال ابن عطية : وهو الأصح . # وأقول : ليس هذا القول مثل ما يكثر أن يقولوه في بضع آيات من عدة سور : ~~إنها نزلت في غير البلد الذي نزل فيه أكثر السورة المستثنى منها ، بل ~~أرادوا أن كثيرا منها مكي وأن مثله أو يقاربه مدني ، وأنه لا يتعين ما هو ~~مكي منها وما هو مدني ولذلك عبروا بقولهم : هي مختلطة . قال ابن عطية : روي ~~عن أنس بن مالك أنه قال : ( نزل أول السورة في السفر فنادى رسول الله بها ~~فاجتمع إليه الناس ) وساق الحديث الذي سيأتي . يريد ابن عطية أن نزولها في ~~السفر يقتضي أنها نزلت بعد الهجرة . # ويشبه أن يكون أولها نزل بمكة فإن افتتاحها ب { ياأيها الناس } ( الحج : ~~1 ms5346 ) جار على سنن فواتح السور المكية . وفي أساليب نظم كثير PageV17P180 من ~~آياتها ما يلائم أسلوب القرآن النازل بمكة . ومع هذا فليس الافتتاح ب { ~~ياأيها الناس بمعين أن تكون مكية ، وإنما قال ابن عباس : ياأيها الناس يراد ~~به المشركون . ولذا فيجوز أن يوجه الخطاب به إلى المشركين في المدينة في ~~أول مدة حلول النبي بها ، فإن قوله : إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله ~~والمسجد الحرام } ( الحج : 25 ) يناسب أنه نزل بالمدينة حيث صد المشركون ~~النبي والمؤمنين عن البقاء معهم بمكة . وكذلك قوله : { أذن للذين يقاتلون ~~بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق } ( ~~الحج : 39 40 ) فإنه صريح في أنه نزل في شأن الهجرة . # روى الترمذي بسنده عن ابن عباس قال : لما أخرج النبي من مكة قال أبو بكر ~~: أخرجوا نبيئهم ليهلكن فأنزل الله : { أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن ~~الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا ~~الله } ( الحج : 39 40 ) ، وكذلك قوله : { والذين هاجروا في سبيل الله ثم ~~قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا } ( الحج : 58 ) ففيه ذكر الهجرة ~~وذكر من يقتل من المهاجرين وذلك مؤذن بجهاد متوقع كما سيجيء هنالك . # وأحسب أنه لم تتعين طائفة منها متوالية نزلت بمكة ونزل ما بعدها بالمدينة ~~بل نزلت آياتها متفرقة . ولعل ترتيبها كان بتوقيف من النبي صلى الله عليه ~~وسلم ومثل ذلك كثير . # وقد قيل في قوله تعالى : { هذان خصمان اختصموا في ربهم } ( الحج : 19 ) ~~إنه نزل في وقعة بدر ، لما في ( الصحيح ) عن علي وأبي ذر : أنها نزلت في ~~مبارزة حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث مع شيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة ~~والوليد بن عتبة يوم بدر وكان أبو ذر يقسم على ذلك . PageV17P181 # ولذلك فأنا أحسب هذه السورة نازلا بعضها آخر مدة مقام النبي صلى الله ~~عليه وسلم بمكة كما يقتضيه افتتاحها ب { ياأيها الناس فقد تقرر أن ذلك ~~الغالب في أساليب القرآن المكي ، وأن بقيتها نزلت ms5347 في مدة مقام النبي ~~بالمدينة . # وروى الترمذي وحسنه وصححه عن ابن أبي عمر ، عن سفيان عن ابن جدعان ، عن ~~الحسن ، عن عمران بن حصين أنه لما نزلت على النبي : ياأيها الناس اتقوا ~~ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم إلى قوله : ولكن عذاب الله شديد } ( الحج : ~~1 2 ) ، قال : أنزلت عليه هذه وهو في سفر ؟ فقال : ( أتدرون . . . ) وساق ~~حديثا طويلا . فاقتضى قوله : أنزلت عليه وهو في سفر ؟ أن هذه السورة أنزلت ~~على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة فإن أسفاره كانت في الغزوات ~~ونحوها بعد الهجرة . # وفي رواية عنه أن ذلك السفر في غروة بني المصطلق من خزاعة وتلك الغزوة في ~~سنة أربع أو خمس ، فالظاهر من قوله ( أنزلت وهو في سفر ) أن عمران بن حصين ~~لم يسمع الآية إلا يومئذ فظنها أنزلت يومئذ فإن عمران بن حصين ما أسلم إلا ~~عام خيبر وهو عام سبعة ، أو أن أحد رواة الحديث أدرج كلمة ( أنزلت عليه وهو ~~في سفر ) في كلام عمران بن حصين ولم يقله عمران . ولذلك لا يوجد هذا اللفظ ~~فيما روى الترمذي وحسنه وصححه أيضا عن محمد بن بشار ، عن يحيي بن سعيد عن ~~هشام بن أبي عبدالله عن قتادة ، عن الحسن ، عن عمران بن حصين قال : كنا مع ~~النبي في سفر فرفع صوته بهاتين الآيتين : { ياأيها الناس اتقوا ربكم إن ~~زلزلة الساعة شيء عظيم إلى قوله : ولكن عذاب الله شديد } ( الحج : 1 2 ) ~~PageV17P182 إلى آخره . فرواية قتادة عن الحسن أثبت من رواية ابن جدعان عن ~~الحسن ، لأن ابن جدعان واسمه علي بن زيد قال فيه أحمد وأبو زرعة : ليس ~~بالقوي . وقال فيه ابن خزيمة : سيء الحفظ ، وقد كان اختلط فينبغي عدم ~~اعتماد ما انفرد به من الزيادة . وروى ابن عطية عن أنس بن مالك أنه قال : ~~أنزل أول هذه السورة على رسول الله في سفر ، ولم يسنده ابن عطية . # وذكر القرطبي عن الغزنوي أنه قال : سورة الحج من أعاجيب السور نزلت ليلا ~~ونهارا ، سفرا وحضرا ، مكيا ومدنيا ms5348 ، سلميا وحربيا ، ناسخا ومنسوخا ، محكما ~~ومتشابها . # وقد عدت السورة الخامسة والمائة في عداد نزول سور القرآن في رواية جابر ~~بن زيد ، عن ابن عباس قال : نزلت بعد سورة النور وقبل سورة المنافقين . ~~وهذا يقتضي أنها عنده مدنية كلها لأن سورة النور وسورة المنافقين مدنيتان ~~فينبغي أن يتوقف في اعتماد هذا فيها . # وعدت آياتها عند أهل المدينة ومكة : سبعا وسبعين . وعدها أهل الشام : ~~أربعا وسبعين . وعدها أهل البصرة : خمسا وسبعين . وعدها أهل الكوفة : ثمانا ~~وسبعين . # ومن أغراض هذه السورة : # خطاب الناس بأمرهم أن يتقوا الله ويخشوا يوم الجزاء وأهواله . # والاستدلال على نفي الشرك وخطاب المشركين بأن يقلعوا عن المكابرة في ~~الاعتراف بانفراد الله تعالى بالإلهية وعن المجادلة في ذلك اتباعا لوساوس ~~الشياطين ، وأن الشياطين لا تغني عنهم شيئا ولا ينصرونهم في الدنيا وفي ~~الآخرة . PageV17P183 # وتفظيع جدال المشركين في الوحدانية بأنهم لا يستندون إلى علم وأنهم ~~يعرضون عن الحجة ليضلوا الناس . # وأنهم يرتابون في البعث وهو ثابت لا ريبة فيه وكيف يرتابون فيه بعلة ~~استحالة الإحياء بعد الإماتة ولا ينظرون أن الله أوجد الإنسان من تراب ثم ~~من نطفة ثم طوره أطوارا . # وأن الله ينزل الماء على الأرض الهامدة فتحيا وتخرج من أصناف النبات ، ~~فالله هو القادر على كل ذلك ، فهو يحيي الموتى وهو على كل شيء قدير . # وأن مجادلتهم بإنكار البعث صادرة عن جهالة وتكبر عن الامتثال لقول الرسول ~~عليه الصلاة والسلام . # ووصف المشركين بأنهم في تردد من أمرهم في اتباع دين الإسلام . # والتعريض بالمشركين بتكبرهم عن سنة إبراهيم عليه السلام الذي ينتمون إليه ~~ويحسبون أنهم حماة دينه وأمناء بيته وهم يخالفونه في أصل الدين . # وتذكير لهم بما من الله عليهم في مشروعية الحج من المنافع فكفروا نعمته . # وتنظيرهم في تلقي دعوة الإسلام بالأمم البائدة الذين تلقوا دعوة الرسل ~~بالإعراض والكفر فحل بهم العذاب . # وأنه يوشك أن يحل بهؤلاء مثله فلا يغرهم تأخير العذاب فإنه إملاء من الله ~~لهم كما أملى للأمم من قبلهم ، وفي ذلك تأنيس للرسول عليه الصلاة والسلام ms5349 ~~والذين آمنوا ، وبشارة لهم بعاقبة النصر على الذين فتنوهم وأخرجوهم من ~~ديارهم بغير حق . PageV17P184 # وأن اختلاف الأمم بين أهل هدى وأهل ضلال أمر به افترق الناس إلى ملل ~~كثيرة . # وأن يوم القيامة هو يوم الفصل بينهم لمشاهدة جزاء أهل الهدى وجزاء أهل ~~الضلال . # وأن المهتدين والضالين خصمان اختصموا في أمر الله فكان لكل فريق جزاؤه . # وسلى الله رسوله عليه الصلاة والسلام والمؤمنين بأن الشيطان يفسد في قلوب ~~أهل الضلالة آثار دعوة الرسل ولكن الله يحكم دينه ويبطل ما يلقي الشيطان ~~فلذلك ترى الكافرين يعرضون وينكرون آيات القرآن . # وفيها التنويه بالقرآن والمتلقين له بخشية وصبر ، ووصف الكفار بكراهيتهم ~~القرآن وبغض المرسل به ، والثناء على المؤمنين وأن الله يسر لهم اتباع ~~الحنيفية وسماهم المسلمين . # والإذن للمسلمين بالقتال وضمان النصر والتمكين في الأرض لهم . # وختمت السورة بتذكير الناس بنعم الله عليهم وأن الله اصطفى خلقا من ~~الملائكة ومن الناس فأقبل على المؤمنين بالإرشاد إلى ما يقربهم إلى الله ~~زلفى وأن الله هو مولاهم وناصرهم . # # | 2 ( 1 ) { ياأيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شىء عظيم } ) 2 # نداء للناس كلهم من المؤمنين وأهل الكتاب والمشركين الذين يسمعون هذه ~~الآية من الموجودين يوم نزولها ومن يأتون بعدهم PageV17P185 إلى يوم ~~القيامة ، ليتلقوا الأمر بتقوى الله وخشيته ، أي خشية مخالفة ما يأمرهم به ~~على لسان رسوله ، فتقوى كل فريق بحسب حالهم من التلبس بما نهى الله عنه ~~والتفريط فيما أمر به ، ليستبدلوا ذلك بضده . # وأول فريق من الناس دخولا في خطاب { ياأيها الناس } هم المشركون من أهل ~~مكة حتى قيل إن الخطاب بذلك خاص بهم . وهذا يشمل مشركي أهل المدينة قبل ~~صفائها منهم . # وفي التعبير عن الذات العلية بصفة الرب مضافا إلى ضمير المخاطبين إيماء ~~إلى استحقاقه أن يتقى لعظمته بالخالقية ، وإلى جدارة الناس بأن يتقوه لأنه ~~بصفة تدبير الربوبية لا يأمر ولا ينهى إلا لمرعي مصالح الناس ودرء المفاسد ~~عنهم . # وكلا الأمرين لا يفيده غير وصف الرب دون نحو الخالق والسيد . # وتعليق التقوى بذات الرب يقتضي ms5350 بدلالة الاقتضاء معنى اتقاء مخالفته أو ~~عقابه أو نحو ذلك لأن التقوى لا تتعلق بالذات بل بشأنن لها مناسبب للمقام . ~~وأول تقواه هو تنزيهه عن النقائص ، وفي مقدمة ذلك تنزيهه عن الشركاء ~~باعتقاد وحدانيته في الإلهية . # وجملة { إن زلزلة الساعة شيء عظيم } في موضع العلة للأمر بالتقوى كما ~~يفيده حرف التوكيد الواقع في مقام خطابب لا تردد للسامع فيه . # والتعليل يقتضي أن لزلزلة الساعة أثرا في الأمر بالتقوى وهو أنه وقت ~~لحصول الجزاء على التقوى وعلى العصيان وذلك على وجه الإجمال المفصل بما ~~بعده في قوله : { ولكن عذاب الله شديد } ( الحج : 2 ) . PageV17P186 # والزلزلة حقيقتها : تحرك عنيف في جهة من سطح الأرض من أثر ضغط مجاري ~~الهواء الكائن في طبقات الأرض القريبة من ظاهر الأرض . وهي من الظواهر ~~الأرضية المرعبة ينشأ عنها تساقط البناء وقد ينشأ عنها خسف الأشياء في باطن ~~الأرض . # والساعة : علم بالغلبة في اصطلاح القرآن على وقت فناء الدنيا والخلوص إلى ~~عالم الحشر الأخروي ، قال تعالى : { إذا زلزلت الأرض زلزالها إلى قوله : ~~يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم } ( الزلزلة : 1 6 ) . # وإضافة { زلزلة } إلى { الساعة } على معنى ( في ) ، أي الزلزلة التي تحدث ~~وقت حلول الساعة . # فيجوز أن تكون الزلزلة في الدنيا أو في وقت الحشر . والظاهر حمل الزلزلة ~~على الحقيقة ، وهي حاصلة عند إشراف العالم الدنيوي على الفناء وفساد نظامه ~~فإضافتها إلى الساعة إضافة حقيقية فيكون في معنى قوله تعالى : { إذا زلزلت ~~الأرض زلزالها } ( الزلزلة : 1 ) الآية . # ويجوز أن تكون الزلزلة مجازا عن الأهوال والمفزعات التي تحصل يوم القيامة ~~فإن ذلك تستعار له الزلزلة ، قال تعالى : { وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين ~~آمنوا معه متى نصر الله } ( البقرة : 214 ) أي أصيبوا بالكوارث والأضرار ~~لقوله قبله : { مستهم البأساء والضراء } ( البقرة : 214 ) . وفي دعاء النبي ~~صلى الله عليه وسلم على الأحزاب : ( اللهم اهزمهم وزلزلهم ) . # والإتيان بلفظ { شيء } للتهويل بتوغله في التنكير ، أي زلزلة الساعة لا ~~يعرف كنهها إلا بأنها شيء عظيم ، وهذا من المواقع التي يحسن فيها موقع كلمة ~~{ شيء } وهي ms5351 التي نبه عليها الشيخ عبد القاهر PageV17P187 في ( دلائل ~~الإعجاز ) في فصل في تحقيق القول على البلاغة والفصاحة وقد ذكرناه عند قوله ~~تعالى : { ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا في } ( سورة البقرة : ~~229 ) . # والعظيم : الضخم ، وهو هنا استعارة للقوي الشديد ، والمقام يفيد أنه شديد ~~في الشر . # # | 2 ( 2 ) { يوم ترونها تذهل كل مرضعة عمآ أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها ~~وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولاكن عذاب الله شديد } ) 2 # جملة { يوم ترونها تذهل } الخ . . . بيان لجملة { إن زلزلة الساعة شيء ~~عظيم } ( الحج : 1 ) لأن ما ذكر في هذه الجملة يبين معنى كونها شيئا عظيما ~~وهو أنه عظيم في الشر والرعب . # ويتعلق { يوم ترونها } بفعل { تذهل . } وتقديمه على عامله للاهتمام ~~بالتوقيت بذلك اليوم وتوقع رؤيته لكل مخاطب من الناس . وأصل نظم الجملة : ~~تذهل كل مرضعة عما أرضعت يوم ترون زلزلة الساعة . فالخطاب لكل من تتأتى منه ~~رؤية تلك الزلزلة بالإمكان . # وضمير النصب في { ترونها } يجوز أن يعود على { زلزلة } ( الحج : 1 ) ~~وأطلقت الرؤية على إدراكها الواضح الذي هو كرؤية المرئيات لأن الزلزلة تسمع ~~ولا ترى . ويجوز أن يعود إلى الساعة . # ورؤيتها : رؤية ما يحدث فيها من المرئيات من حضور الناس للحشر وما يتبعه ~~ومشاهدة أهوال العذاب . وقرينة ذلك قوله { تذهل كل مرضعة } الخ . ~~PageV17P188 # والذهول : نسيان ما من شأنه أن لا ينسى لوجود مقتضى تذكره ؛ إما لأنه ~~حاضر أو لأن علمه جديد وإنما ينسى لشاغل عظيم عنه ، فذكر لفظ الذهول هنا ~~دون النسيان لأنه أدل على شدة التشاغل . قاله شيخنا الجد الوزير قال : ~~وشفقة الأم على الابن أشد من شفقة الأب ، فشفقتها على الرضيع أشد من شفقتها ~~على غيره . وكل ذلك يدل بدلالة الأولى على ذهول غيرها من النساء والرجال . ~~وقد حصل من هذه الكناية دلالة على جميع لوازم شدة الهول وليس يلزم في ~~الكناية أن يصرح بجميع اللوازم لأن دلالة الكناية عقلية وليست لفظية . # والتحقت هاء التأنيث بوصف { مرضعة } للدلالة على تقريب الوصف من معنى ~~الفعل ، فإن الفعل ms5352 الذي لا يوصف بحدثه غير المرأة تلحقه علامة التأنيث ~~ليفاد بهذا التقريب أنها في حالة التلبس بالإرضاع ، كما يقال : هي ترضع . ~~ولولا هذه النكتة لكان مقتضى الظاهر أن يقال : كل مرضع ، لأن هذا الوصف من ~~خصائص الأنثى فلا يحتاج معه إلى الهاء التي أصل وضعها للفرق بين المؤنث ~~والمذكر خيفة اللبس . وهذا من دقائق مسائل نحاة الكوفة وقد تلقاها الجميع ~~بالقبول ونظمها ابن مالك في أرجوزته ( الكافية ) بقوله : # وما من الصفات بالأنثى يخص # عن تاء استغنى لأن اللفظ نص # وحيث معنى الفعل تنوي التاء زد # كذي غدت مرضعة طفلا ولد # والمراد : أن ذلك يحصل لكل مرضعة موجودة في آخر أيام الدنيا . فالمعنى ~~الحقيقي مراد ، فلم يقتض أن يكون الإرضاع واقعا ، فأطلق ذهول المرضع وذات ~~الحمل وأريد ذهول كل ذي علق نفيس عن علقه على طريقة الكناية . # وزيادة كلمة ( كل ) للدلالة على أن هذا الذهول يعتري كل مرضع وليس هو ~~لبعض المراضع باحتمال ضعف في ذاكرتها . ثم PageV17P189 تقتضي هذه الكناية ~~كناية عن تعميم هذا الهول لكل الناس لأن خصوصية هذا المعنى بهذا المقام أنه ~~أظهر في تصوير حالة الفزع والهلع بحيث يذهل فيه من هو في حال شدة التيقظ ~~لوفرة دواعي اليقظة . وذلك أن المرأة لشدة شفقتها كثيرة الاستحضار لما تشفق ~~عليه ، وأن المرضع أشد النساء شفقة على رضيعها ، وأنها في حال ملابسة ~~الإرضاع أبعد شيء عن الذهول فإذا ذهلت عن رضيعها في هذه الأحوال دل ذلك على ~~أن الهول العارض لها هول خارق للعادة . وهذا من بديع الكناية عن شدة ذلك ~~الهول لأن استلزام ذهول المرضع عن رضيعها لشدة الهول يستلزم شدة الهول ~~لغيرها بطريق الأولى ، فهو لزوم بدرجة ثانية ، وهذا النوع من الكناية يسمى ~~الإيماء . # و ( ما ) في { عما أرضعت } موصولة ما صدقها الطفل الرضيع . والعائد محذوف ~~لأنه ضمير متصل منصوب بفعل ، وحذف مثله كثير . # والإتيان بالموصول وصلته في تعريف المذهول عنه دون أن يقول عن ابنها ~~للدلالة على أنها تذهل عن شيء هو نصب عينها وهي في عمل ms5353 متعلق به وهو ~~الإرضاع زيادة في التكني عن شدة الهول . # وقوله { وتضع كل ذات حمل حملها } هو كناية أيضا كقوله { تذهل كل مرضعة ~~عما أرضعت } . ووضع الحمل لا يكون إلا لشدة اضطراب نفس الحامل من فرط الفزع ~~والخوف لأن الحمل في قرار مكين . # والحمل : مصدر بمعنى المفعول ، بقرينة تعلقه بفعل { تضع } أي تضع جنينها ~~. # والتعبير ب { ذات حمل } دون التعبير : بحامل ، لأنه الجاري في الاستعمال ~~في الأكثر . فلا يقال : امرأة حامل ، بل يقال : ذات PageV17P190 حمل قال ~~تعالى : { وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } ( الطلاق : 4 ) ، مع ما في ~~هذه الإضافة من التنبيه على شدة اتصال الحمل بالحامل فيدل على أن وضعها ~~إياه لسبب مفظع . # والقول في حمله على الحقيقة أو على معنى الكناية كالقول في { تذهل كل ~~مرضعة عما أرضعت } . # والخطاب في { ترى الناس } لغير معين ، وهو كل من تتأتى منه الرؤية من ~~الناس ، فهو مساو في المعنى للخطاب الذي في قوله { يوم ترونها } ، وإنما ~~أوثر الإفراد هنا للتفنن كراهية إعادة الجمع . وعدل عن فعل المضي إلى ~~المضارع في قوله { وترى لاستحضار الحالة والتعجيب منها كقوله فتثير سحابا } ~~( الروم : 48 ) وقوله { ويصنع الفلك } ( هود : 38 ) . # وقرأ الجمهور { سكارى } بضم السين المهملة وبألف بعد الكاف . ووصف الناس ~~بذلك على طريقة التشبيه البليغ . وقوله بعده { وما هم بسكارى } قرينة على ~~قصد التشبيه وليبنى عليه قوله بعده { ولكن عذاب الله شديد } . # وقرأه حمزة والكسائي { سكرى } بوزن عطشى في الموضعين . وسكارى وسكرى جمع ~~سكران . وهو الذي اختل شعور عقله من أثر شرب الخمر ، وقياس جمعه سكارى . ~~وأما سكرى فهو محمول على نوكى لما في السكر من اضطراب العقل . وله نظير وهو ~~جمع كسلان على كسالى وكسلى . # وجملة { وما هم بسكارى } في موضع الحال من الناس . # و { عذاب الله } صادق بعذابه في الدنيا وهو عذاب الفزع والوجع ، وعذاب ~~الرعب في الآخرة بالإحساس بلفح النار وزبن ملائكة العذاب . # وجملة { وما هم بسكارى } في موضع الحال من { الناس . # PageV17P191 # | 2 ( 3 ) { ومن الناس من يجادل فى الله بغير ms5354 علم ويتبع كل شيطان مريد } ~~. ) 2 # عطف على جملة { ياأيها الناس اتقوا ربكم } ( الحج : 1 ) ، أي الناس ~~فريقان : فريق يمتثل الأمر فيتقي الله ويخشى عذابه ، وفريق يعرض عن ذلك ~~ويعارضه بالجدل الباطل في شأن الله تعالى من وحدانيته وصفاته ورسالته . ~~وهذا الفريق هم أيمة الشرك وزعماء الكفر لأنهم الذين يتصدون للمجادلة بما ~~لهم من أغاليط وسفسطة وما لهم من فصاحة وتمويه . # والاقتصار على ذكرهم إيماء إلى أنهم لولا تضليلهم قومهم وصدهم إياهم عن ~~متابعة الدين لاتبع عامة المشركين الإسلام لظهور حجته وقبولها في الفطرة . # وقيل : أريد ب { من يجادل في الله } النضر بن الحارث أو غيره كما سيأتي ، ~~فتكون ( من ) الموصولة صادقة على متعدد عامة لكل من تصدق عليه الصلة . # والمجادلة : المخاصمة والمحاجة . والظرفية مجازية ، أي يجادل جدلا واقعا ~~في شأن الله . ووصف الجدل بأنه بغير علم ، أي جدلا ملتبسا بمغايرة العلم ، ~~وغير العلم هو الجهل ، أي جدلا ناشئا عن سوء نظر وسوء تفكير فلا يعلم ما ~~تقتضيه الألوهية من الصفات كالوحدانية والعلم وفعل ما يشاء . # واتباع الشيطان : الانقياد إلى وسوسته التي يجدها في نفسه والتي تلقاها ~~بمعتاده والعمل بذلك دون تردد ولا عرض على نظر واستدلال . # وكلمة ( كل ) في قوله { كل شيطان } مستعملة في معنى الكثرة . كما سيأتي ~~قريبا عند قوله تعالى : { وعلى كل ضامر } ( الحج : 27 ) في هذه السورة . ~~PageV17P192 وتقدم في تفسير قوله تعالى : { ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب ~~بكل آية ما تبعوا قبلتك في } ( سورة البقرة : 145 ) . # والمريد : صفة مشبهة من مرد بضم الراء على عمل ، إذا عتا فيه وبلغ الغاية ~~التي تتجاوز ما يكون عليه أصحاب ذلك العمل ، وكأنه محول من مرد بفتح الراء ~~بمعنى مرن إلى ضم الراء للدلالة على أن الوصف صار له سجية ، فالمريد صفة ~~مشبهة ، أي العاتي في الشيطنة . # # | 2 ( 4 ) { كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير } ) ~~2 # جملة { كتب عليه أنه من تولاه } إلى آخرها صفة ثانية ل { شيطان مريد } ( ~~الحج : 3 ) ، فالضمير المجرور عائد إلى ms5355 { شيطان . وكذلك الضمائر في أنه من ~~تولاه فأنه } . # وأما الضميران البارزان في قوله { يضله ويهديه إلى عذاب السعير } فعائدان ~~إلى ( من ) الموصولة ، أي يضل الشيطان متوليه عن الحق ويهدي متوليه إلى ~~عذاب السعير . # واتفقت القراءات العشر على قراءة { كتب بضم الكاف على أنه مبني للنائب . ~~واتفقت أيضا على فتح الهمزتين من قوله تعالى : أنه من تولاه فأنه يضله } . # والكتابة مستعارة للثبوت واللزوم ، أي لزمه إضلال متوليه ودلالته على ~~عذاب السعير ، فأطلق على لزوم ذلك فعل { كتب عليه } أي وجب عليه ، فقد شاع ~~أن العقد إذا أريد تحقيق العمل به وعدم الإخلال به كتب في صحيفة . قال ~~الحارث بن حلزة : # وهل ينقض ما في المهارق الأهواء PageV17P193 # والضمير في { أنه } عائد إلى { شيطان } ( الحج : 3 ) وليس ضمير شأن لأن ~~جعله ضمير شأن لا يناسب كون الجملة في موقع نائب فاعل { كتب ، } إذ هي ~~حينئذ في تأويل مصدر وضمير الشأن يتطلب بعده جملة ، والمصدران المنسبكان من ~~قوله { أنه من تولاه } وقوله { فأنه يضله } نائب فعل { كتب } ومفرع عليه ~~بفاء الجزاء ، أي كتب عليه إضلال من تولاه . والتولي : اتخاذ ولي ، أي نصير ~~، أي من استنصر به . # و ( من ) موصولة وليست شرطية لأن المعنى على الإخبار الثابت لا على ~~التعليق بالشرط . وهي مبتدأ ثان ، والضمير المستتر في قوله { تولاه } عائد ~~إلى ( من ) الموصولة . والضمير المنصوب البارز عائد إلى { شيطان } ( الحج : ~~3 ) ، أي أن الذي يتخذ الشيطان وليا فذلك الشيطان يضله . # والفاء في قوله { فأنه يضله } داخلة على الجملة الواقعة خبرا عن ( من ) ~~الموصولة تشبيها لجملة الخبر عن الموصول بجملة الجزاء لشبه الموصول بالشرط ~~قصدا لتقوية الإخبار . والمصدر المنسبك من قوله { فأنه يضله ويهديه إلى ~~عذاب السعير } في تقدير مبتدأ هو صدر للجملة الواقعة خبرا عن ( من ) ~~الموصولة . والتقدير : فإضلاله إياه ودلالته إياه إلى عذاب السعير . وخبر ~~هذا المبتدأ مقدر لأنه حاصل من معنى إسناد فعلي الإضلال والهداية إلى ضمير ~~المبتدأ . والتقدير : ثابتان . # ويجوز أن تجعل الفاء في قوله { فأنه يضله } فاء تفريع ويجعل ما بعدها ms5356 ~~معطوفا على { من تولاه } ويكون المعطوف هو المقصود من الإخبار كما هو مقتضى ~~التفريع . والتقدير : كتب عليه ترتب الإضلال منه لمتوليه وترتب إيصاله ~~متوليه إلى عذاب السعير . # هذان هما الوجهان في نظم الآية وما عداهما تكلفات . # واعلم أن ما نظمت به الآية هنا لا يجري على نظم قوله تعالى في ( سورة ~~براءة : 63 ) { ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له PageV17P194 ~~نار جهنم خالدا فيها لأن مقتضى فعل العلم غير مقتضى فعل ( كتب ) . فلذلك ~~كانت ( من ) في قوله من يحادد } شرطية لا محالة وكان الكلام جاريا على ~~اعتبار الشرطية وكان الضمير هنالك في قوله { أنه } ضمير شأن . # ولما كان الضلال مشتهرا في معنى البعد عن الخير والصلاح لم يحتج في هذه ~~الآية إلى ذكر متعلق فعل { يضله } لظهور المعنى . # وذكر متعلق فعل { يهديه } وهو { إلى عذاب السعير } لأن تعلقه به غريب إذ ~~الشأن أن يكون الهدي إلى ما ينفع لا إلى ما يضر ويعذب . # وفي الجمع بين { يضله ويهديه } محسن الطباق بالمضادة . وقد عد من هذا ~~الفريق الشامل له قوله تعالى : { ومن الناس من يجادل في الله بغير علم } ~~النضر بن الحارث . وقيل نزلت فيه ؛ كان كثير الجدل يقول : الملائكة بنات ~~الله ، والقرآن أساطير الأولين ، والله غير قادر على إحياء أجساد بليت ~~وصارت ترابا . وعد منهم أيضا أبو جهل ، وأبي بن خلف . ومن قال : إن المقصود ~~بقوله { من يجادل } معينا خص الآية به ، ولا وجه للتخصيص وما هو إلا تخصيص ~~بالسبب . # $ 2 ( 5 ) { ياأيها الناس إن كنتم فى ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ~~ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر فى ~~الارحام ما نشآء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم PageV17P195 طفلا ثم لتبلغو & # 1764 ا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من ~~بعد علم شيئا وترى الارض هامدة فإذآ أنزلنا عليها المآء اهتزت وربت وأنبتت ~~من كل زوج بهيج } ) 2 $ # أعاد خطاب الناس بعد ms5357 أن أنذرهم بزلزلة الساعة ، وذكر أن منهم من يجادل في ~~الله بغير علم ، فأعاد خطابهم بالاستدلال على إمكان البعث وتنظيره بما هو ~~أعظم منه . وهو الخلق الأول . قال تعالى : { أفعيينا بالخلق الأول بل هم في ~~لبس من خلق جديد } ( ق : 15 ) . فالذي خلق الإنسان من عدم وأخرجه من تراب ، ~~ثم كونه من ماء . ثم خلقه أطوارا عجيبة ، إلى أن يتوفاه في أحوال جسمه وفي ~~أحوال عقله وإدراكه ، قادر على إعادة خلقه بعد فنائه . # ودخول المشركين بادىء ذي بدء في هذا الخطاب أظهر من دخولهم في الخطاب ~~السابق لأنهم الذين أنكروا البعث ، فالمقصود الاستدلال عليهم ولذلك قيل إن ~~الخطاب هنا خاص بهم . # وجعل ريبهم في البعث مفروضا ب ( إن ) الشرطية مع أن ريبهم محقق للدلالة ~~على أن المقام لما حف به من الأدلة المبطلة لريبهم ينزل منزلة مقام من لا ~~يتحقق ريبه كما في قوله تعالى : { أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما ~~مسرفين } ( الزخرف : 5 ) . # والظرفية المفادة ب ( في ) مجازية . شبهت ملابسة الريب إياهم بإحاطة ~~الظرف بالمظروف . # وجملة { فإنا خلقناكم من تراب } واقعة موقع جواب الشرط ولكنها لا يصلح ~~لفظها لأن يكون جوابا لهذا الشرط بل هي دليل الجواب ، والتقدير : فاعلموا ~~أو فنعلمكم بأنه ممكن كما خلقناكم من تراب مثل الرفات الذي تصير إليه ~~الأجساد بعد الموت ، أو التقدير : فانظروا في بدء خلقكم فإنا خلقناكم من ~~تراب . PageV17P196 # والذي خلق من تراب هو أصل النوع ، وهو آدم عليه السلام وحواء ، ثم كونت ~~في آدم وزوجه قوة التناسل ، فصار الخلق من النطفة فلذلك عطفت ب ( ثم ) . # والنطفة : اسم لمني الرجل ، وهو بوزن فعلة بمعنى مفعول ، أي منطوف ، ~~والنطف : القطر والصب . والعلقة : القطعة من الدم الجامد اللين . # والمضغة : القطعة من اللحم بقدر ما يمضغ مثله ، وهي فعلة بمعنى مفعولة ~~بتأويل : مقدار ممضوغة . و ( ثم ) التي عطف بها { ثم من نطفة ثم من علقة ثم ~~من مضغة } عاطفة مفردات فهي للتراخي الحقيقي . # و ( من ) المكررة أربع مرات هنا ابتدائية وتكريرها توكيد . # وكون الإنسان مخلوقا ms5358 من النطفة لأنه قد تقرر في علم الطب أن في رحم ~~المرأة مدة الحيض جزءا هو مقر الأجرام التي أعدت لأن يتكون منها الجنين ، ~~وهذا الجزء من الرحم يسمى في الاصطلاح الطبي ( المبيض ) بفتح الميم وكسر ~~الموحدة على وزن اسم المكان لأنه مقر بيضات دقيقة هي حبيبات دقيقة جدا وهي ~~من المرأة بمنزلة البيضة من الدجاجة أو بمنزلة حبوب بيض الحوت ، مودعة في ~~كرة دقيقة كالغلاف لها يقال لها ( الحويصلة ) بضم الحاء بصيغة تصغير حوصلة ~~تشتمل على سائل تسبح فيه البيضة فإذا حاضت المرأة ازدادت كمية ذلك السائل ~~الذي تسبح فيه البيضة فأوجب ذلك انفجار غلاف الحويصلة ، فيأخذ ذلك السائل ~~في الانحدار يحمل البيضة السابحة فيه إلى قناة دقيقة تسمى ( بوق فلوبيوس ) ~~لشبهه بالبوق ، وأضيف إلى ( فلوبيوس ) اسم مكتشفه وهو البزرخ بين المبيض ~~والرحم ، PageV17P197 فإذا نزل فيه ماء الرجل وهو النطفة بعد انتهاء سيلان ~~دم الحيض لقحت فيه البيضة واختلطت أجزاؤها بأجزاء النطفة المشتملة على ~~جرثومات ذات حياة وتمكث مع البيضة متحركة مقدار سبعة أيام تكون البيضة في ~~أثنائها تتطور بالشكل بشبه تقسيم من أثر ضغط طبيعي . وفي نهاية تلك المدة ~~تصل البيضة إلى الرحم وهنالك تأخذ في التشكل ، وبعد أربعين يوما تصير ~~البيضة علقة في حجم نملة كبيرة طولها من 12 إلى 14 مليمتر ، ثم يزداد ~~تشكلها فتصير قطعة صغيرة من لحم هي المسماة ( مضغة ) طولها ثلاثة سنتيمتر ~~تلوح فيها تشكلات الوجه والأنف خفية جدا كالخطوط ، ثم يزداد التشكل يوما ~~فيوما إلى أن يستكمل الجنين مدته فيندفع للخروج وهو الولادة . # فقوله تعالى : { مخلقة وغير مخلقة } صفة { مضغة . وذلك تطور من تطورات ~~المضغة . أشار إلى أطوار تشكل تلك المضغة فإنها في أول أمرها تكون غير ~~مخلقة ، أي غير ظاهر فيها شكل الخلقة ، ثم تكون مخلقة ، والمراد تشكيل ~~الوجه ثم الأطراف ، ولذلك لم يذكر مثل هذين الوصفين عند ذكر النطفة والعلقة ~~، إذ ليس لهما مثل هذين الوصفين بخلاف المضغة . وإذ قد جعلت المضغة من ~~مبادىء الخلق تعين أن كلا الوصفين لازمان ms5359 للمضغة ، فلا يستقيم تفسير من فسر ~~غير المخلقة بأنها التي لم يكمل خلقها فسقطت . # والتخليق : صيغة تدل على تكرير الفعل ، أي خلقا بعد خلق ، أي شكلا بعد ~~شكل . # وقدم ذكر المخلقة على ذكر غير المخلقة على خلاف الترتيب في الوجود لأن ~~المخلقة أدخل في الاستدلال ، وذكر بعده غير المخلقة PageV17P198 لأنه إكمال ~~للدليل وتنبيه على أن تخليقها نشأ عن عدم . فكلا الحالين دليل على القدرة ~~على الإنشاء وهو المقصود من الكلام . # ولذلك عقب بقوله تعالى لنبين لكم } ، أي لنظهر لكم إذا تأملتم دليلا ~~واضحا على إمكان الإحياء بعد الموت . # واللام للتعليل متعلقة بما في تضمينه جواب الشرط المقدر من فعل ونحوه تدل ~~عليه جملة { فإنا خلقناكم من تراب } الخ ، وهو فعل : فاعلموا ، أو فنعلمكم ~~، أو فانظروا . # وحذف مفعول { لنبين } لتذهب النفس في تقديره كل مذهب مما يرجع إلى بيان ~~ما في هذه التصرفات من القدرة والحكمة ، أي لنبين لكم قدرتنا وحكمتنا . # وجملة { ونقر } عطف على جملة { فإنا خلقناكم من تراب } . وعدل عن فعل ~~المضي إلى الفعل المضارع للدلالة على استحضار تلك الحالة لما فيها من ~~مشابهة استقرار الأجساد في الأجداث ثم إخراجها منها بالبعث كما يخرج الطفل ~~من قرارة الرحم ، مع تفاوت القرار . فمن الأجنة ما يبقى ستة أشهر ، ومنها ~~ما يزيد على ذلك ، وهو الذي أفاده إجمال قوله تعالى : { إلى أجل مسمى } . ~~والاستدلال في هذا كله بأنه إيجاد بعد العدم وإعدام بعد الوجود لتبيين ~~إمكان البعث بالنظير وبالضد . # والأجل : الأمد المجعول لإتمام عمل ما ، والمراد هنا مدة الحمل . # والمسمى : اسم مفعول من سماه ، إذا جعل له اسما ، ويستعار المسمى للمعين ~~المضبوط تشبيها لضبط الأمور غير المشخصة بعدد معين أو وقت محسوب ، بتسمية ~~الشخص بوجه شبه يميزه عما شابهه . PageV17P199 ومنه قول الفقهاء : المهر ~~المسمى ، أي المعين من نقد معدود أو عرض موصوف ، وقول الموثقين : وسمى لها ~~من الصداق كذا وكذا . # ولكل مولود مدة معينة عند الله لبقائه في رحم أمه قبل وضعه . والأكثر ~~استكمال تسعة أشهر وتسعة أيام ، وقد يكون الوضع ms5360 أسرع من تلك المدة لعارض ، ~~وكل معين في علم الله تعالى . وتقدم في قوله تعالى : { إلى أجل مسمى ~~فاكتبوه في } ( سورة البقرة : 282 ) . # وعطف جملة { ثم نخرجكم طفلا } بحرف ( ثم ) للدلالة على التراخي الرتبي ~~فإن إخراج الجنين هو المقصود . وقوله { طفلا } حال من ضمير { نخرجكم ، } أي ~~حال كونكم أطفالا . وإنما أفرد { طفلا } لأن المقصود به الجنس فهو بمنزلة ~~الجمع . # وجملة { ثم لتبلغوا أشدكم } مرتبطة بجملة { ثم نخرجكم طفلا } ارتباط ~~العلة بالمعلول ، واللام للتعليل . والمعلل فعل { نخرجكم طفلا } . # وإذ قد كانت بين حال الطفل وحال بلوغ الأشد أطوار كثيرة علم أن بلوغ ~~الأشد هو العلة الكاملة لحكمة إخراج الطفل . وقد أشير إلى ما قبل بلوغ ~~الأشد وما بعده بقوله { ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر } . # وحرف ( ثم ) في قوله : { ثم لتبلغوا أشدكم } تأكيد لمثله في قوله { ثم ~~نخرجكم طفلا } . هذا ما ظهر لي في اتصال هذه الجملة بما قبلها وللمفسرين ~~توجيهات غير سالمة من التعقب ذكرها الألوسي . # وإنما جعل بلوغ الأشد علة لأنه أقوى أطوار الإنسان وأجلى مظاهر مواهبه في ~~الجسم والعقل وهو الجانب الأهم كما أومأ إلى PageV17P200 ذلك قوله بعد هذا ~~{ لكيلا يعلم من بعد علم شيئا } فجعل ( الأشد ) كأنه الغاية المقصودة من ~~تطويره . # والأشد : سن الفتوة واستجماع القوى . وقد تقدم في ( سورة يوسف : 22 ) { ~~ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما . # ووقع في } ( سورة المؤمن : 67 ) { ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخا ، ~~فعطف طور الشيخوخة على طور الأشد باعتبار أن الشيخوخة مقصد للأحياء لحبهم ~~التعمير ، وتلك الآية وردت مورد الامتنان فذكر فيها الطور الذي يتملى المرء ~~فيه بالحياة ، ولم يذكر في آية سورة الحج لأنها وردت مورد الاستدلال على ~~الإحياء بعد العدم فلم يذكر فيها من الأطوار إلا ما فيه ازدياد القوة ونماء ~~الحياة دون الشيخوخة القريبة من الاضمحلال ، ولأن المخاطبين بها فريق معين ~~من المشركين كانوا في طور الأشد ، وقد نبهوا عقب ذلك إلى أن منهم نفرا ~~يردون إلى أرذل العمر ، وهو طور الشيخوخة بقوله : ومنكم ms5361 من يرد إلى أرذل ~~العمر } . # وجيء بقوله { ومنكم من يتوفى } على وجه الاعتراض استقراء لأحوال الأطوار ~~الدالة على عظيم القدرة والحكمة الإلهية مع التنبيه على تخلل الوجود والعدم ~~أطوار الإنسان بدءا ونهاية كما يقتضيه مقام الاستدلال على البعث . والمعنى ~~: ومنكم من يتوفى قبل بلوغ بعض الأطوار . وأما أصل الوفاة فهي لاحقة لكل ~~إنسان لا لبعضهم ، وقد صرح بهذا في سورة المؤمن ( 67 ) : { ومنكم من يتوفى ~~من قبل . # وقوله ومنكم من يرد إلى أرذل العمر } هو عديل قوله تعالى : { ومنكم من ~~يتوفى } . وسكت عن ذكر الموت بعد أرذل العمر لأنه معلوم بطريقة لحن الخطاب ~~. PageV17P201 # وجعل انتفاء علم الإنسان عند أرذل العمر علة لرده إلى أرذل العمر باعتبار ~~أنه علة غائية لذلك لأنه مما اقتضته حكمة الله في نظام الخلق فكان حصوله ~~مقصودا عند رد الإنسان إلى أرذل العمر ، فإن ضعف القوى الجسمية يستتبع ضعف ~~القوى العقلية . قال تعالى : { ومن نعمره ننكسه في الخلق } ( يس : 68 ) ~~فالخلق يشمل كل ما هو من الخلقة ولا يختص بالجسم . # وقوله { من بعد علم } أي بعدما كان علمه فيما قبل أرذل العمر . # و ( من ) الداخلة على ( بعد ) هنا مزيدة للتأكيد على رأي الأخفش وابن ~~مالك من عدم انحصار زيادة ( من ) في خصوص جر النكرة بعد نفي وشبهه ، أو هي ~~للابتداء عند الجمهور وهو ابتداء صوري يساوي معنى التأكيد ولذلك لم يؤت ب ( ~~من ) في قوله تعالى : { لكي لا يعلم بعد علم شيئا في } ( سورة النحل : 70 ) ~~. # والآيتان بمعنى واحد فذكر ( من ) هنا تفنن في سياق العبرتين . # و { شيئا } واقع في سياق النفي يعم كل معلوم ، أي لا يستفيد معلوما جديدا ~~. ولذلك مراتب في ضعف العقل بحسب توغله في أرذل العمر تبلغ إلى مرتبة ~~انعدام قبوله لعلم جديد ، وقبلها مراتب من الضعف متفاوتة كمرتبة نسيان ~~الأشياء ومرتبة الاختلاط بين المعلومات وغير ذلك . # { وترى الارض هامدة فإذآ أنزلنا عليها المآء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج ~~بهيج } . # عطف على جملة { فإنا خلقناكم من تراب } ، والخطاب لغير معين فيعم ms5362 كل من ~~يسمع هذا الكلام . PageV17P202 # وهذا ارتقاء في الاستدلال على الإحياء بعد الموت بقياس التمثيل لأنه ~~استدلال بحالة مشاهدة فلذلك افتتح بفعل الرؤية ، بخلاف الاستدلال بخلق ~~الإنسان فإن مبدأه غير مشاهد فقيل في شأنه { فإنا خلقناكم من تراب } الآية ~~. ومحل الاستدلال من قوله تعالى : { فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت } ، فهو ~~مناسب قوله في الاستدلال الأول { فإنا خلقناكم من تراب } ، فهمود الأرض ~~بمنزلة موت الإنسان واهتزازها وإنباتها بعد ذلك يماثل الإحياء بعد الموت . # والهمود : قريب من الخمود ، فهمود الأرض جفافها وزوال نبتها ، وهمود ~~النار خمودها . # والاهتزاز : التحرك إلى أعلى ، فاهتزاز الأرض تمثيل لحال ارتفاع ترابها ~~بالماء وحال ارتفاع وجهها بما عليه من العشب بحال الذي يهتز ويتحرك إلى ~~أعلى . # وربت : حصل لها ربو بضم الراء وضم الموحدة وهو ازدياد الشيء يقال : ربا ~~يربو ربوا ، وفسر هنا بانتفاخ الأرض من تفتق النبت والشجر . وقرأ أبو جعفر ~~{ وربأت بهمزة مفتوحة بعد الموحدة ، أي ارتفعت . ومنه قولهم : ربأ بنفسه عن ~~كذا ، أي ارتفع مجازا ، وهو فعل مشتق من اسم الربيئة وهو الذي يعلو ربوة من ~~الأرض لينظر هل من عدو يسير إليهم . # والزوج : الصنف من الأشياء . أطلق عليه اسم الزوج تشبيها له بالزوج من ~~الحيوان وهو صنف الذكر وصنف الأنثى ، لأن كل فرد من أحد الصنفين يقترن ~~بالفرد من الصنف الآخر فيصير زوجا فيسمى كل واحد منهما زوجا بهذا المعنى ، ~~ثم شاع إطلاقه على أحد الصنفين ، ثم أطلق على كل نوع وصنف وإن لم يكن ذكرا ~~ولا أنثى ، فأطلق هنا على أنواع النبات . PageV17P203 # والبهيج : الحسن المنظر السار للناظر ، وقد سيق هذا الوصف إدماجا ~~للامتنان في أثناء الاستدلال امتنانا بجمال صورة الأرض المنبتة ، لأن كونه ~~بهيجا لا دخل له في الاستدلال ، فهو امتنان محض كقوله تعالى : ولكم فيها ~~جمال حين تريحون وحين تسرحون } ( النحل : 6 ) وقوله تعالى : { ولقد زينا ~~السماء الدنيا بمصابيح } ( الملك : 5 ) . # # | 2 ( 6 ، 7 ) { ذالك بأن الله هو الحق وأنه يحى الموتى وأنه على كل شىء ~~قدير * وأن الساعة ءاتية لا ريب ms5363 فيها وأن الله يبعث من فى القبور } ) 2 # فذلكة لما تقدم ، فالجملة تذييل . # والإشارة ب { ذلك } إلى ما تقدم من أطوار خلق الإنسان وفنائه ، ومن إحياء ~~الأرض بعد موتها وانبثاق النبت منها . # وإفراد حرف الخطاب المقترن باسم الإشارة لإرادة مخاطب غير معين على نسق ~~قوله { وترى الأرض هامدة } ( الحج : 5 ) على أن اتصال اسم الإشارة بكاف ~~خطاب الواحد هو الأصل . # والمجرور خبر عن اسم الإشارة ، أي ذلك حصل بسبب أن الله هو الحق الخ . . ~~. والباء للسببية فالمعنى : تكون ذلك الخلق من تراب وتطور ، وتكون إنزال ~~الماء على الأرض الهامدة والنبات البهيج بسبب أن الله هو الإله الحق دون ~~غيره . ويجوز أن تكون الباء للملابسة ، أي كان ذلك الخلق وذلك الإنبات ~~البهيج ملابسا لحقية إلهية الله . وهذه الملابسة ملابسة الدليل لمدلوله ، ~~وهذا أرشق من حمل الباء على معنى السببية وهو أجمع لوجوه الاستدلال . ~~PageV17P204 # والحق : الثابت الذي لا مراء فيه ، أي هو الموجود . والقصر إضافي ، أي ~~دون غيره من معبوداتكم فإنها لا وجود لها ، قال تعالى : { إن هي إلا أسماء ~~سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان } ( الحج : 23 ) وهذا ~~الاستدلال هو أصل بقية الأدلة لأنه نقض للشرك الذي هو الأصل لجميع ضلالات ~~أهله كما قال تعالى : { إنما النسيء زيادة في الكفر } ( التوبة : 37 ) . # وأما بقية الأمور المذكورة بعد قوله { ذلك بأن الله هو الحق } ، فهي ~~لبيان إمكان البعث . # ووجه كون هذه الأمور الخمسة المعدودة في هذه الآية ملابسة لأحوال خلق ~~الإنسان وأحوال إحياء الأرض أن تلك الأحوال دالة على هذه الأمور الخمسة : ~~إما بدلالة المسبب على السبب بالنسبة إلى وجود الله وإلى ثبوت قدرته على كل ~~شيء ، وإما بدلالة التمثيل على الممثل والواقعع على إمكان نظيره الذي لم ~~يقع بالنسبة إلى إحياء الله الموتى ، ومجيء الساعة ، والبعثث . وإذا تبين ~~إمكان ذلك حق التصديق بوقوعه لأنهم لم يكن بينهم وبين التصديق به حائل إلا ~~ظنهم استحالته ، فالذي قدر على خلق الإنسان عن عدم سابق قادر على إعادته ~~بعد اضمحلاله الطارىء ms5364 على وجوده الأحرى ، بطريقة . # والذي خلق الأحياء بعد أن لم تكن فيها حياة يمكنه فعل الحياة فيها أو في ~~بقية آثارها أو خلق أجسام مماثلة لها وإيداع أرواحها فيها بالأولى . وإذا ~~كان كذلك علم أن ساعة فناء هذا العالم واقعة قياسا على انعدام المخلوقات ~~بعد تكوينها ، وعلم أن الله يعيدها قياسا على إيجاد النسل وانعدام أصله ~~PageV17P205 الحاصل للمشركين في وقوع الساعة منزل منزلة العدم لانتفاء ~~استناده إلى دليل . # وصيغة نفي الجنس على سبيل التنصيص صيغة تأكيد ، لأن ( لا ) النافية للجنس ~~في مقام النفي بمنزلة ( إن ) في مقام الإثبات ولذلك حملت عليها في العمل . # # | 2 ( 8 10 ) { ومن الناس من يجادل فى الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب ~~منير * ثانى عطفه ليضل عن سبيل الله له فى الدنيا خزى ونذيقه يوم القيامة ~~عذاب الحريق * ذالك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد } ) 2 # عطف على جملة { ياأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث } ( الحج : 5 ) كما ~~عطفت جملة { ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير } ~~على جملة { ياأيها الناس اتقوا ربكم } ( الحج : 1 ) . والمعنى : إن كنتم في ~~ريب من وقوع البعث فإنا نزيل ريبكم بهذه الأدلة الساطعة ، فالناس بعد ذلك ~~فريقان : فريق يوقن بهذه الدلالة فلا يبقى في ريب ، وفريق من الناس يجادل ~~في الله بغير علم وهؤلاء هم أيمة الشرك وزعماء الباطل . # وجملة { لا ريب فيها } ( الحج : 7 ) معترضة بين المتعاطفات ، أي ليس ~~الشأن أن يرتاب فيها ، فلذلك نفي جنس الريب فيها ، أي فالريب . PageV17P206 # والمعني بهذه الآية هو المعني بقوله فيما مضى { ومن الناس من يجادل في ~~الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد } ( الحج : 3 ) ، فيكون المراد فريق ~~المعاندين المكابرين الذين يجادلون في الله بغير علم بعد أن بلغهم الإنذار ~~من زلزلة الساعة ، فهم كذلك يجادلون في الله بغير علم بعد أن وضحت لهم ~~الأدلة على وقوع البعث . # ودافعهم إلى الجدال في الله عند سماع الإنذار بالساعة عدم علمهم ما ms5365 ~~يجادلون فيه واتباعهم وسواس الشياطين . # ودافعهم إلى الجدال في الله عند وضوح الأدلة على البعث علم علمهم ما ~~يجادلون فيه ، وانتفاء الهدى ، وانتفاء تلقي شريعة من قبل ، والتكبر عن ~~الاعتراف بالحجة ، ومحبة إضلال الناس عن سبيل الله . فيؤول إلى معنى أن ~~أحوال هؤلاء مختلفة وأصحابها فريق واحد هو فريق أهل الشرك والضلالة . ومن ~~أساطين هذا الفريق من عدوا في تفسير الآية الأولى مثل : النضر بن الحارث ، ~~وأبي جهل ، وأبي بن خلف . # وقيل : المراد من هذه الآية بمن يجادل في الله : النضر بن الحارث . كرر ~~الحديث عنه تبيينا لحالتي جداله ، وقيل المراد بمن يجادل في هذه الآية أبو ~~جهل ، كما قيل : إن المراد في الآية الماضية النضر بن الحارث فجعلت الآية ~~خاصة بسبب نزولها في نظر هذا القائل . وروي ذلك عن ابن عباس . وقيل : هو ~~الأخنس بن شريق . وتقدم معنى قوله { بغير علم } في نظير هذه الآية . وقيل ~~المراد ب { من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد } ( الحج : 3 ) ~~المقلدون بكسر اللام من المشركين الذين يتبعون ما تمليه عليهم سادة الكفر ، ~~والمراد ب { من يجادل في الله بغير علم ولا هدى } المقلدون بفتح اللام أئمة ~~الكفر . PageV17P207 # والهدى مصدر في معنى المضاف إلى مفعوله ، أي ولا هدى هو مهدي به . وتلك ~~مجادلة المقلد إذا كان مقلدا هاديا للحق مثل أتباع الرسل ، فهذا دون مرتبة ~~من يجادل في الله بعلم ، ولذلك لم يستغن بذكر السابق عن ذكر هذا . # والكتاب المنير : كتب الشرائع مثل : التوراة والإنجيل ، وهذا كما يجادل ~~أهل الكتاب قبل مجيء الإسلام المشركين والدهريين فهو جدال بكتاب منير . # والمنير : المبين للحق . شبه بالمصباح المضيء في الليل . # ويجيء في وصف { كتاب } بصفة { منير } تعريض بالنضر بن الحارث إذ كان ~~يجادل في شأن الإسلام بالموازنة بين كتاب الله المنير وبين كتاب أخبار رستم ~~، وكتاب أخبار أسفنديار المظلمة الباطلة . # والثني : لي الشيء . يقال : ثنى عنان فرسه ، إذا لواه ليدير رأس فرسه إلى ~~الجهة التي يريد أن يوجهه إليها . ويطلق أيضا الثني على ms5366 الإمالة . # والعطف : المنكب والجانب . و { ثاني عطفه } تمثيل للتكبر والخيلاء . ~~ويقال : لوى جيده ، إذا أعرض تكبرا . وهذه الصفة تنطبق على حالة أبي جهل ~~فلذلك قيل إنه المراد هنا . # واللام في قوله { ليضل } لتعليل المجادلة ، فهو متعلق ب { يجادل } أي ~~غرضه من المجادلة الإضلال . # وسبيل الله : الدين الحق . PageV17P208 # وقوله { ليضل } بضم الياء أي ليضلل الناس بجداله . فهذا المجادل يريد ~~بجدله أن يوهم العامة بطلان الإسلام كيلا يتبعوه . # وإفراد الضمير في قوله { عطفه } وما ذكر بعده مراعاة للفظ ( من ) وإن كان ~~معنى تلك الضمائر الجمع . # وخزي الدنيا : الإهانة ، وهو ما أصابهم من القتل يوم بدر ومن القتل ~~والأسر بعد ذلك . وهؤلاء هم الذين لم يسلموا بعد . وينطبق الخزي على ما حصل ~~لأبي جهل يوم بدر من قتله بيد غلامين من شباب الأنصار وهما ابنا عفراء . ~~وباعتلاء عبد الله بن مسعود على صدره وذبحه وكان في عظمته لا يخطر أمثال ~~هؤلاء الثلاثة بخاطره . # وينطبق الخزي أيضا على ما حل بالنضر بن الحارث من الأسر يوم بدر وقتله ~~صبرا في موضع يقال له : الأثيل قرب المدينة عقب وقعة بدر كما وصفته أخته ~~قتيلة في رثائه من قصيدة : # صبرا يقاد إلى المنية متعبا # صبر المقيد وهو عانن موثق # وإذ كانت هذه الآية ونظيرتها التي سبقت مما نزل بمكة لا محالة كان قوله ~~تعالى : { له في الدنيا خزي } من الإخبار بالغيب وهو من معجزات القرآن . # وإذاقة العذاب تخييل للمكنية . # وجملة { ذلك بما قدمت يداك } مقول قول محذوف تدل عليه صيغة الكلام وهي ~~جملة مستأنفة ، أو في موضع الحال من ضمير النصب في قوله تعالى { ونذيقه } . ~~PageV17P209 # و { قدمت } بمعنى : أسلفت . جعل كفره كالشيء الذي بعث به إلى دار الجزاء ~~قبل أن يصل هو إليها فوحده يوم القيامة حاضرا ينتظره قال تعالى : { ووجدوا ~~ما عملوا حاضرا } ( الكهف : 49 ) . # والإشارة إلى العذاب والباء سببية . و ( ما ) موصولة . وعطف على ( ما ) ~~الموصولة قوله تعالى : { وأن الله ليس بظلام للعبيد } لأنه في تأويل مصدر ، ~~أي وبانتفاء ظلم الله العبيد ، أي ذلك ms5367 العذاب مسبب لهذين الأمرين فصاحبه ~~حقيق به لأنه جزاء فساده ولأنه أثر عدل الله تعالى وأنه لم يظلمه فيما ~~أذاقه . # وصيغة المبالغة تقتضي بظاهرها نفي الظلم الشديد ، والمقصود أن الظلم من ~~حيث هو ظلم أمر شديد فيصغت له زنة المبالغة ، وكذلك التزمت في ذكره حيثما ~~وقع في القرآن ، وقد اعتاد جمع من المتأخرين أن يجعلوا المبالغة راجعة ~~للنفي لا للمنفي وهو بعيد . # # | 2 ( 11 ) { ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن ~~أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والاخرة ذالك هو الخسران المبين } ) ~~2 # هذا وصف فريق آخر من الذين يقابلون الأمر بالتقوى والإنذار بالساعة ~~مقابلة غير المطمئن بصدق دعوة الإسلام ولا المعرض عنها إعراضا تاما ولكنهم ~~يضعون أنفسهم في معرض الموازنة بين دينهم القديم ودين الإسلام . فهم يقبلون ~~دعوة الإسلام ويدخلون في عداد PageV17P210 متبعيه ويرقبون ما ينتابهم بعد ~~الدخول في الإسلام فإن أصابهم الخير عقب ذلك علموا أن دينهم القديم ليس بحق ~~وأن آلهتهم لا تقدر على شيء لأنها لو قدرت لانتقمت منهم على نبذ عبادتها ~~وظنوا أن الإسلام حق ، وإن أصابهم شر من شرور الدنيا العارضة في الحياة ~~المسببة عن أسباب عادية سخطوا على الإسلام وانخلعوا عنه . وتوهموا أن ~~آلهتهم أصابتهم بسوء غضبا من مفارقتهم عبادتها كما حكى الله عن عاد إذ ~~قالوا لرسولهم { إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء } ( هود : 54 ) . # فالعبادة في قوله تعالى { من يعبد الله على حرف } مراد بها عبادة الله ~~وحده بدليل قوله تعالى : { يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه } ( ~~الحج : 12 ) . # والظاهر أن هذه الآية نزلت بالمدينة ، ففي ( صحيح البخاري ) عن ابن عباس ~~في قوله : { ومن الناس من يعبد الله على حرف } قال : كان الرجل يقدم ~~المدينة فإن ولدت امرأته غلاما ونتجت خيله قال : هذا دين صالح ، وإن لم تلد ~~امرأته ولم تنتج خيله قال : هذا دين سوء . # وفي رواية الحسن : أنها نزلت في المنافقين يعني المنافقين من الذين كانوا ~~مشركين ms5368 مثل : عبد الله بن أبي بن سلول ، وهذا بعيد لأن أولئك كانوا مبطنين ~~الكفر فلا ينطبق عليهم قوله { فإن أصابه خير اطمأن به } . وممن يصلح مثالا ~~لهذا الفريق العرنيون الذين أسلموا وهاجروا فاجتووا المدينة ، فأمرهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم بأن يلحقوا براعي إبل الصدقة خارج المدينة فيشربوا من ~~ألبانها وأبوالها حتى يصحوا فلما صحوا قتلوا الراعي واستاقوا الذود وفروا ، ~~فألحق بهم النبي صلى الله عليه وسلم الطلب في أثرهم حتى لحقوا بهم فأمر بهم ~~فقتلوا . PageV17P211 # وفي حديث ( الموطأ ) : أن أعرابيا أسلم وبايع النبي صلى الله عليه وسلم ~~فأصابه وعك بالمدينة ، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستقيله بيعته ~~فأبى أن يقيله ، فخرج من المدينة فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( المدينة ~~كالكير تنفي خبثها وينصع طيبها ) فجعله خبثا لأنه لم يكن مؤمنا ثابتا . ~~وذكر الفخر عن مقاتل أن نفرا من أسد وغطفان قالوا : نخاف أن لا ينصر الله ~~محمدا فينقطع الذي بيننا وبين حلفائنا من اليهود فلا يميروننا فنزل فيهم ~~قوله تعالى : { من كان يظن أن لن ينصره الله } ( الحج : 15 ) الآيات . # وعن الضحاك : أن الآية نزلت في المؤلفة قلوبهم ، منهم : عيينة بن حصن ~~والأقرع بن حابس والعباس بن مرداس قالوا : ندخل في دين محمد فإن أصبنا خيرا ~~عرفنا أنه حق ، وإن أصبنا غير ذلك عرفنا أنه باطل . وهذا كله ناشىء عن ~~الجهل وتخليط الأسباب الدنيوية بالأسباب الأخروية ، وجعل المقارنات ~~الاتفاقية كالمعلومات اللزومية . وهذا أصل كبير من أصول الضلالة في أمور ~~الدين وأمور الدنيا . ولنعم المعبر عن ذلك قوله تعالى { خسر الدنيا والآخرة ~~} إذ لا يهتدي إلى تطلب المسببات من أسبابها . # وحرف الشيء طرفه وجانبه سواء كان مرتفعا كحرف الجبل والوادي أم كان ~~مستويا كحرف الطريق . ويطلق الحرف على طرف الجيش ويجمع على طرف بوزن عنب ~~قال في ( القاموس ) : ولا نظير له سوى طلل وطلل . # وقوله تعالى : { يعبد الله على حرف } تمثيل لحال المتردد في عمله ، يريد ~~تجربة عاقبته بحال من يمشي على حرف جبل أو حرف واد ms5369 فهو متهيىء لأن يزل عنه ~~إلى أسفله فينقلب ، أي ينكب . PageV17P212 # ومعنى اطمأن : استقر وسكن في مكانه . ومصدره الاطمئنان واسم المصدر ~~الطمأنينة . وتقدم في قوله تعالى : { ولكن ليطمئن قلبي في } ( سورة البقرة ~~: 260 ) . # والمعنى : استمر على التوحيد فرحا بالخير الذي أصابه ، واستقرار مثل هذا ~~على الإيمان يصيره مؤمنا إذا زال عنه التردد . وحال هؤلاء قريب من حال ~~المؤلفة قلوبهم . # والانقلاب : مطاوع قلبه إذا كبه ، أي ألقاه على عكس ما كان عليه بأن جعل ~~ما كان أعلاه أسفله كما يقلب القالب بفتح اللام . فالانقلاب مستعمل في ~~حقيقته ، والكلام تمثيل . وتفسيرنا الانقلاب هنا بهذا المعنى هو المناسب ~~لقوله { على وجهه } أي سقط وانكب عليه ، كقول امرىء القيس : # يكب على الأذقان دوح الكنهبل # وكقول النبي صلى الله عليه وسلم ( إن هذا الأمر في قريش لا ينازعهم فيه ~~أحد إلا كبه الله على وجهه ) . # وحرف الاستعلاء ظاهر وهو أيضا الملائم لتمثيل أول حاله بحال من هو على ~~حرف . # ويطلق الانقلاب كثيرا على الانصراف من الجهة التي أتاها إلى الجهة التي ~~جاء منها ، وهو مجاز شائع وبه فسر المفسرون . ولا يناسب اعتباره هنا لأن ~~مثله يقال فيه : انقلب على عقبيه لا على وجهه ، كما قال تعالى : { إلا ~~لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه } ( البقرة : 143 ) إذ الرجوع ~~إنما يكون إلى جهة غير جهة الوجه . # والفتنة : اضطراب الحال وقلق البال من حدوث شر لا مدفع له ، وهي مقابل ~~الخير . PageV17P213 # وجملة { خسر الدنيا والآخرة } بدل اشتمال من جملة { انقلب على وجهه } . # وجملة { ذلك هو الخسران المبين } معترضة بين جملة { انقلب على وجهه } ~~وجملة { يدعو من دون الله } ( الحج : 12 ) التي هي في موضع الحال من ضمير { ~~انقلب } أي أسقط في الشرك . # والخسران : تلف جزء من أصل مال التجارة ، فشبه نفع الدنيا ونفع الآخرة ~~بمال التاجر الساعي في توفيره لأن الناس يرغبون تحصيله ، وثني على ذلك ~~إثبات الخسران لصاحبه الذي هو من مرادفات مال التجارة المشبه به ، فشبه ~~فوات النفع المطلوب بخسارة المال . # وتعليق الخسران بالدنيا والآخرة ms5370 على حذف مضاف . والتقدير خسر خير الدنيا ~~وخير الآخرة . # فخسارة الدنيا بسبب ما أصابه فيها من الفتنة ، وخسارة الآخرة بسبب عدم ~~الانتفاع بثوابها المرجو له . # والمبين : الذي فيه ما يبين للناس أنه خسران بأدنى تأمل . والمراد أنه ~~خسران شديد لا يخفى . # والإتيان باسم الإشارة لزيادة تمييز المسند إليه أتم تمييز لتقرير مدلوله ~~في الأذهان . # وضمير { هو } ضمير فصل ، والقصر المستفاد من تعريف المسند قصر ادعائي . ~~ادعي أن ماهية الخسران المبين انحصرت في خسرانهم ، والمقصود من القصر ~~الادعائي تحقيق الخبر ونفي الشك في وقوعه . وضمير الفصل أكد معنى القصر ~~فأفاد تقوية الخبر المقصور . # PageV17P214 # | 2 ( 12 ) { يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه ذالك هو الضلال ~~البعيد } ) 2 # جملة { يدعو من دون الله } الخ حال من ضمير { انقلب } ( الحج : 11 ) . # وقدم الضر على النفع في قوله { ما لا يضره } إيماء إلى أنه تملص من ~~الإسلام تجنبا للضر لتوهمه أن ما لحقه من الضر بسبب الإسلام وبسبب غضب ~~الأصنام عليه ، فعاد إلى عبادة الأصنام حاسبا أنها لا تضره . وفي هذا ~~الإيماء تهكم به يظهر بتعقيبه بقوله تعالى : { وما لا ينفعه } أي فهو مخطىء ~~في دعائه الأصنام لتزيل عنه الضر فينتفع بفعلها . والمعنى : أنها لا تفعل ~~ما يجلب ضرا ولا ما يجلب نفعا . # والإشارة في قوله { ذلك هو الضلال } إلى الدعاء المستفاد من { يدعو . # والقول في اسم الإشارة وضمير الفصل والقصر مثل ما تقدم في قوله ذلك هو ~~الخسران المبين } ( الحج : 11 ) . # والبعيد : المتجاوز الحد المعروف في مدى الضلال ، أي هو الضلال الذي لا ~~يماثله ضلال لأنه يعبد ما لا غناء له . # # | 2 ( 13 ) { يدعو لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير } ) 2 # جملة في موضع حال ثانية ، ومضمونها ارتقاء في تضليل عابدي الأصنام . فبعد ~~أن بين لهم أنهم يعبدون ما لا غناء لهم فيه زاد PageV17P215 فبين أنهم ~~يعبدون ما فيه ضر . فموضع الارتقاء هو مضمون جملة { ما لا يضره } ( الحج : ~~12 ) كأنه قيل : ما لا يضره بل ما ms5371 ينجر له منه ضر . وذلك أن عبادة الأصنام ~~تضره في الدنيا بالتوجه عند الاضطرار إليها فيضيع زمنه في تطلب ما لا يحصل ~~وتضره في الآخرة بالإلقاء في النار . # ولما كان الضر الحاصل من الأصنام ليس ضرا ناشئا عن فعلها بل هو ضر ملابس ~~لها أثبت الضر بطريق الإضافة للضمير دون طريق الإسناد إذ قال تعالى : { لمن ~~ضره أقرب من نفعه } ولم يقل : لمن يضر ولا ينفع ، لأن الإضافة أوسع من ~~الإسناد فلم يحصل تناف بين قوله { ما لا يضره } ( الحج : 12 ) وقوله { لمن ~~ضره أقرب من نفعه } . # وكونه أقرب من النفع كناية عن تمحضه للضر وانتفاء النفع منه لأن الشيء ~~الأقرب حاصل قبل البعيد فيقتضي أن لا يحصل معه إلا الضر . # واللام في قوله { لمن } لام الابتداء ، وهي تفيد تأكيد مضمون الجملة ~~الواقعة بعدها ، فلام الابتداء تفيد مفاد ( إن ) من التأكيد . # وقدمت من تأخير إذ حقها أن تدخل على صلة ( من الموصولة . والأصل : يدعو ~~من لضره أقرب من نفعه ) . # ويجوز أن تعتبر اللام داخلة على ( من ) الموصولة ويكون فعل { يدعو معلقا ~~عن العمل لدخول لام الابتداء بناء على الحق من عدم اختصاص التعليق بأفعال ~~القلوب . # وجملة لبئس المولى ولبئس العشير } إنشاء ذم للأصنام التي يدعونها بأنها ~~شر الموالي وشر العشراء لأن شأن المولى جلب النفع لمولاه ، وشأن العشير جلب ~~الخير لعشيره فإذا تخلف ذلك منهما نادرا كان مذمة وغضاضة ، فأما أن يكون ~~ذلك منه مطردا فذلك شر الموالي . # PageV17P216 # | 2 ( 14 ) { إن الله يدخل الذين ءامنوا وعملوا الصالحات جنات تجرى من ~~تحتها الانهار إن الله يفعل ما يريد } ) 2 # هذا مقابل قوله { ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق } ( الحج : 9 ) وقوله : ~~{ خسر الدنيا والآخرة } ( الحج : 11 ) . فالجملة معترضة ، وقد اقتصر على ~~ذكر ما للمؤمنين من ثواب الآخرة دون ذكر حالهم في الدنيا لعدم أهمية ذلك ~~لديهم ولا في نظر الدين . # وجملة { إن الله يفعل ما يريد } تذييل للكلام المتقدم من قوله { ومن ~~الناس من يجادل في الله بغير علم } ( الحج : 8 ) إلى ms5372 هنا ، وهو اعتراض بين ~~الجمل الملتئم منها الغرض . وفيها معنى التعليل الإجمالي لاختلاف أحوال ~~الناس في الدنيا والآخرة . # وفعل الله ما يريد هو إيجاد أسباب أفعال العباد في سنة نظام هذا العالم ، ~~وتبيينه الخير والشر ، وترتيبه الثواب والعقاب ، وذلك لا يحيط بتفاصيله إلا ~~الله تعالى . # # | 2 ( 15 ) { من كان يظن أن لن ينصره الله فى الدنيا والاخرة فليمدد بسبب ~~إلى السمآء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ } . ) 2 # موقع هذه الآية غامض ، ومفادها كذلك . ولنبدأ ببيان موقعها ثم نتبعه ~~ببيان معناها فإن بين موقعها ومعناها اتصالا . PageV17P217 # فيحتمل أن يكون موقعها استئنافا ابتدائيا أريد به ذكر فريق ثالث غير ~~الفريقين المتقدمين في قوله تعالى : { ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ~~} ( الحج : 8 ) الآية ، وقوله : { ومن الناس من يعبد الله على حرف } ( الحج ~~: 11 ) . وهذا الفريق الثالث جماعة أسلموا واستبطأوا نصر المسلمين فأيسوا ~~منه وغاظهم تعجلهم للدخول في الإسلام وأن لم يتريثوا في ذلك وهؤلاء هم ~~المنافقون . # ويحتمل أن يكون موقعها تذييلا لقوله : { ومن الناس من يعبد الله على حرف ~~} ( الحج : 11 ) الآية بعد أن اعترض بين تلك الجملة وبين هاته بجمل أخرى ~~فيكون المراد : أن الفريق الذين يعبدون الله على حرف والمخبر عنهم بقوله : ~~{ خسر الدنيا والآخرة } ( الحج : 11 ) هم قوم يظنون أن الله لا ينصرهم في ~~الدنيا ولا في الآخرة إن بقوا على الإسلام . # فأما ظنهم انتفاء النصر في الدنيا فلأنهم قد أيسوا من النصر استبطاء ، ~~وأما في الآخرة فلأنهم لا يؤمنون بالبعث ومن أجل هذا علق فعل { لن ينصره } ~~بالمجرور بقوله { في الدنيا والآخرة } إيماء إلى كونه متعلق الخسران في ~~قوله { خسر الدنيا والآخرة } ( الحج : 11 ) . فإن عدم النصر خسران في ~~الدنيا بحصول ضده ، وفي الآخرة باستحالة وقوع الجزاء في الآخرة حسب اعتقاد ~~كفرهم ، وهؤلاء مشركون مترددون . # ويترجح هذا الاحتمال بتغيير أسلوب الكلام ، فلم يعطف بالواو كما عطف قوله ~~{ ومن الناس من يعبد الله } ( الحج : 11 ) ولم تورد فيه جملة { ومن الناس } ~~كما أوردت في ms5373 ذكر الفريقين السابقين ويكون المقصود من الآية تهديد هذا ~~الفريق . فيكون التعبير عن هذا الفريق بقوله { من كان يظن } الخ إظهارا في ~~مقام الإضمار ؛ فإن مقتضى الظاهر أن يؤتى بضمير ذلك الفريق فيقال بعد قوله ~~: { إن الله يفعل ما يريد } ( الحج : 14 ) ، PageV17P218 { فليمدد بسبب إلى ~~السماء } الخ . . . عائدا الضمير المستتر في قوله { فليمدد } على { من يعبد ~~الله على حرف } ( الحج : 11 ) . # والعدول عن الإضمار إلى الإظهار لوجهين ، أحدهما : بعد معاد الضمير ، ~~وثانيهما : التنبيه على أن عبادته الله على حرف ناشئة عن ظنه أن لن ينصره ~~الله في الدنيا والآخرة إن صمم على الاستمرار في اتباع الإسلام لأنه غير ~~واثق بوعد النصر للمسلمين . # وضمير النصب في { ينصره } عائد إلى { من يعبد الله على حرف } ( الحج : 11 ~~) على كلا الاحتمالين . # واسم { السماء } مراد به المعنى المشهور على كلا الاحتمالين أيضا أخذا ~~بما رواه القرطبي عن ابن زيد ( يعني عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ) أنه قال ~~في قوله تعالى : { فليمدد بسبب إلى السماء } قال : هي السماء المعروفة ، ~~يعني المظلة . فالمعنى : فلينط حبلا بالسماء مربوطا به ثم يقطعه فيسقط من ~~السماء فيتمزق كل ممزق فلا يغني عنه فعله شيئا من إزالة غيظه . # ومفعول { يقطع } محذوف لدلالة المقام عليه . والتقدير : ثم ليقطعه ، أي ~~ليقطع السبب . # والأمر في قوله { فليمدد بسبب إلى السماء } للتعجيز ، فيعلم أن تعليق ~~الجواب على حصول شرط لا يقع كقوله تعالى : { يا معشر الجن والإنس إن ~~استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا } ( الرحمن : 33 ) . # وأما استخراج معنى الآية من نظمها فإنها نسجت على إيجاز بديع ، شبهت حالة ~~استبطان هذا الفريق الكفر وإظهارهم الإسلام على حنق ، أو حالة ترددهم بين ~~البقاء في المسلمين وبين الرجوع إلى الكفار بحالة المغتاظ مما صنع فقيل لهم ~~: عليكم أن تفعلوا PageV17P219 ما يفعله أمثالكم ممن ملأهم الغيظ وضاقت ~~عليهم سبل الانفراج ، فامددوا حبلا بأقصى ما يمد إليه حبل ، وتعلقوا به في ~~أعلى مكان ثم قطعوه تخروا إلى الأرض ، وذلك تهكم بهم في أنهم لا يجدون ms5374 غنى ~~في شيء من أفعالهم ، وإنذار باستمرار فتنتهم في الدنيا مع الخسران في ~~الآخرة . # ويحتمل أن تكون الآية مشيرة إلى فريق آخر أسلموا في مدة ضعف الإسلام ~~واستبطأوا النصر فضاقت صدورهم فخطرت لهم خواطر شيطانية أن يتركوا الإسلام ~~ويرجعوا إلى الكفر فزجرهم الله وهددهم بأنهم إن كانوا آيسين من النصر في ~~الدنيا ومرتابين في نيل ثواب الآخرة فإن ارتدادهم عن الإسلام لا يضر الله ~~ولا رسوله ولا يكيد الدين وإن شاءوا فليختنقوا فينظروا هل يزيل الاختناق ~~غيظهم ، ولعل هؤلاء من المنافقين . # فموقع الآية على هذا الوجه موقع الاستئناف الابتدائي لذكر فريق آخر يشبه ~~من يعبد الله على حرف ، والمناسبة ظاهرة . # ويجيء على هذا الوجه أن يكون ضمير { ينصره الله } عائدا إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وهذا مروي عن ابن عباس واختاره الفراء والزجاج . # ويستتبع ذلك في كل الوجوه تعريضا بالتنبيه لخلص المؤمنين أن لا ييأسوا من ~~نصر الله في الدنيا والآخرة أو في الآخرة فقط . قال تعالى : { من المؤمنين ~~رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما ~~بدلوا تبديلا ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين } ( الأحزاب : 23 ~~24 ) الآية . PageV17P220 # والسبب : الحبل . وتقدم في قوله { وتقطعت بهم الأسباب في } ( سورة البقرة ~~: 166 ) . # والقطع : قيل يطلق على الاختناق لأنه يقطع الأنفاس . # و ( ما ) مصدرية ، أي غيظه . # والاستفهام ب { هل } إنكاري ، وهو معلق فعل { فلينظر } عن العمل ، والنظر ~~قلبي ، وسمي الفعل كيدا لأنه يشبه الكيد في أنه فعله لأن يكيد المسلمين على ~~وجه الاستعارة التهكمية فإنه لا يكيد به المسلمين بل يضر به نفسه . # وقرأ الجمهور { ثم ليقطع } بسكون لام ليقطع وهو لام الأمر . فإذا كان في ~~أول الكلمة كان مكسورا ، وإذا وقع بعد عاطف غير ( ثم ) كان ساكنا مثل { ~~ولتكن منكم أمة } ( آل عمران : 104 ) . فإذا وقع بعد ( ثم ) جاز فيه ~~الوجهان . وقرأه ابن عامر ، وأبو عمرو وورش عن نافع ، وأبو جعفر ورويس عن ~~يعقوب بكسر اللام . # # | 2 ( 16 ) { وكذالك أنزلناه ءايات بينات وأن ms5375 الله يهدى من يريد } ) 2 # لما تضمنت هذه الآيات تبيين أحوال الناس تجاه دعوة الإسلام بما لا يبقى ~~بعده التباس عقبت بالتنويه بتبيينها ، بأن شبه ذلك التبيين بنفسه كناية عن ~~بلوغه الغاية في جنسه بحيث لا يلحق بأوضح منه ، أي مثل هذا الإنزال أنزلنا ~~القرآن آيات بينات . # فالجملة معطوفة على الجمل التي قبلها عطف غرض على غرض . والمناسبة ظاهرة ~~، فهي استئناف ابتدائي . وعطف على التنويه PageV17P221 تعليل إنزاله كذلك ~~بأن الله يهدي من يريد هديه أي بالقرآن . فلام التعليل محذوفة ، وحذف حرف ~~الجر مع ( أن ) مطرد . # $ 2 ( 17 ) { إن الذين ءامنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس ~~والذين أشركو & # 1764 ا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شىء شهيد } ) 2 $ # فذلكة لما تقدم ، لأنه لما اشتملت الآيات السابقة على بيان أحوال ~~المترددين في قبول الإسلام كان ذلك مثارا لأن يتساءل عن أحوال الفرق بعضهم ~~مع بعض في مختلف الأديان ، وأن يسأل عن الدين الحق لأن كل أمة تدعي أنها ~~على الحق وغيرها على الباطل وتجادل في ذلك . # فبينت هذه الآية أن الفصل بين أهل الأديان فيما اختصموا فيه يكون يوم ~~القيامة ، إذ لم تفدهم الحجج في الدنيا . # وهذا الكلام بما فيه من إجمال هو جار مجرى التفويض ، ومثله يكون كناية عن ~~تصويب المتكلم طريقته وتخطئته طريقة خصمه ، لأن مثل ذلك التفويض لله لا ~~يكون إلا من الواثق بأنه على الحق وهو كقوله تعالى : { لنا أعمالنا ولكم ~~أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير } ( الشورى : 15 ~~) وذلك من قبيل الكناية التعريضية . # وذكر المؤمنين واليهود والنصارى والصابئين تقدم في آية البقرة وآية ~~العقود . PageV17P222 # وزاد في هذه الآية ذكر المجوس والمشركين ، لأن الآيتين المتقدمتين كانتا ~~في مساق بيان فضل التوحيد والإيمان بالله واليوم الآخر في كل زمان وفي كل ~~أمة . وزيد في هذه السورة ذكر المجوس والمشركين لأن هذه الآية مسوقة لبيان ~~التفويض إلى الله في الحكم بين أهل الملل ، فالمجوس والمشركون ليسوا من أهل ~~الإيمان بالله واليوم ms5376 الآخر . # فأما المجوس فهم أهل دين يثبت إلهين : إلها للخير ، وإلها للشر ، وهم أهل ~~فارس . ثم هي تتشعب شعبا تأوي إلى هذين الأصلين . وأقدم النحل المجوسية ~~أسسها ( كيومرث ) الذي هو أول ملك بفارس في أزمنة قديمة يظن أنها قبل زمن ~~إبراهيم عليه السلام ، ولذلك يلقب أيضا بلقب ( جل شاه ) تفسيره : ملك الأرض ~~. غير أن ذلك ليس مضبوطا بوجه علمي وكان عصر ( كيومرث ) يلقب ( زروان ) أي ~~الأزل ، فكان أصل المجوسية هم أهل الديانة المسماة : الزروانية وهي تثبت ~~إلهين هما ( يزدان ) و ( أهرمن ) . قالوا : كان يزذان منفردا بالوجود ~~الأزلي ، وأنه كان نورانيا ، وأنه بقي كذلك تسعة آلاف وتسعين سنة ثم حدث له ~~خاطر في نفسه : أنه لو حدث له منازع كيف يكون الأمر فنشأ من هذا الخاطر ~~موجود جديد ظلماني سمي ( أهرمن ) وهو إله الظلمة مطبوعا على الشر والضر . ~~وإلى هذا أشار أبو العلاء المعري بقوله في لزومياته : # قال أناس باطل زعمهم # فراقبوا الله ولا تزعمن # فكر يزدان على غرة # فصيغ من تفكيره أهرمن # فحدث بين ( أهرمن ) وبين ( يزدان ) خلاف ومحاربة إلى الأبد . ثم نشأت على ~~هذا الدين نحل خصت بألقاب وهي متقاربة التعاليم PageV17P223 أشهرها نحلة ( ~~زرادشت ) الذي ظهر في القرن السادس قبل ميلاد المسيح ، وبه اشتهرت المجوسية ~~. وقد سمي إله الخير ( أهورا مزدا ) أو ( أرمزد ) أو ( هرمز ) ، وسمي إله ~~الشر ( أهرمن ) ، وجعل إله الخير نورا ، وإله الشر ظلمة . ثم دعا الناس إلى ~~عبادة النار على أنها مظهر إله الخير وهو النور . # ووسع شريعة المجوسية ، ووضع لها كتابا سماه ( زندافستا ) . ومن أصول ~~شريعته تجنب عبادة التماثيل . # ثم ظهرت في المجوس نحلة ( المانوية ) ، وهي المنسوبة إلى ( ماني ) الذي ~~ظهر في زمن سابور بن أردشير ملك الفرس بين سنة 238 وسنة 271 م . # وظهرت في المجوس نحلة ( المزدكية ) ، وهي منسوبة إلى ( مزدك ) الذي ظهر ~~في زمن قباذ بين سنة 487 وسنة 523 م . وهي نحلة قريبة من ( المانوية ) ، ~~وهي آخر نحلة ظهرت في تطور المجوسية قبل الفتح الإسلامي لبلاد الفرس . # وللمجوسية شبه في الأصل ms5377 بالإشراك إلا أنها تخالفه بمنع عبادة الأحجار ، ~~وبأن لها كتابا ، فأشبهوا بذلك أهل الكتاب . ولذلك قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم فيهم : ( سنوا بهم سنة أهل الكتاب ) أي في الاكتفاء بأخذ الجزية منهم ~~دون الإكراه على الإسلام كما يكره المشركون على الدخول في الإسلام . # وقد تقدم شيء من هذا عند قوله تعالى : { وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين ~~} في ( سورة النحل : 51 ) . # وأعيدت ( إن ) في صدر الجملة الواقعة خبرا عن اسم ( إن ) الأولى توكيدا ~~لفظيا للخبر لطول الفصل بين اسم ( إن ) وخبرها . وكون PageV17P224 خبرها ~~جملة وهو توكيد حسن بسبب طول الفصل . وتقدم منه قوله تعالى : { إن الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا في } ( سورة الكهف : ~~30 ) . وإذا لم يطل الفصل فالتوكيد بإعادة ( إن ) أقل حسنا كقول جرير : # إن الخليفة أن الله سربله # سربال ملك به تزجى الخواتيم # ولا يحسن إذا كان مبتدأ الجملة الواقعة خبرا ضمير اسم ( إن ) الأولى كما ~~تقول : إن زيدا إنه قائم ، بل لا بد من الاختلاف ليكون المؤكد الثاني غير ~~الأول فتقبل إعادة المؤكد وإن كان المؤكد الأول كافيا . # والفصل : الحكم ، أي يحكم بينهم فيما اختلفوا فيه من تصحيح الديانة . # وجملة { إن الله على كل شيء شهيد } مستأنفة استئنافا ابتدائيا للإعلام ~~بإحاطة علم الله بأحوالهم واختلافهم والصحيح من أقوالهم . # # | 2 ( 18 ) { ألم تر أن الله يسجد له من فى السماوات ومن فى الارض والشمس ~~والقمر والنجوم والجبال والشجر والدوآب وكثير من الناس وكثير حق عليه ~~العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشآء } ) 2 # جملة مستأنفة لابتداء استدلال على انفراد الله تعالى بالإلهية . وهي ~~مرتبطة بمعنى قوله { يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه إلى قوله : ~~لبئس المولى ولبئس العشير } ( الحج : 12 ، 13 ) ارتباط الدليل بالمطلوب فإن ~~PageV17P225 دلائل أحوال المخلوقات كلها عاقلها وجمادها شاهدة بتفرد الله ~~بالإلهية . وفي تلك الدلالة شهادة على بطلان دعوة من يدعو من دون الله ما ~~لا يضره وما ms5378 لا ينفعه . # وما وقع بين هاتين الجملتين استطراد واعتراض . # والرؤية : علمية . والخطاب لغير معين . # والاستفهام إنكاري . أنكر على المخاطبين عدم علمهم بدلالة أحوال ~~المخلوقات على تفرد الله بالإلهية . ويجوز أن يكون الخطاب للنبيء صلى الله ~~عليه وسلم والاستفهام تقريريا ، لأن حصول علم النبي صلى الله عليه وسلم ~~بذلك متقرر من سورة الرعد وسورة النحل . وقد تقدم الكلام على معنى هذا ~~السجود في السورتين المذكورتين . # وقد استعمل السجود في حقيقته ومجازه ، وهو حسن وإن أباه الزمخشري ، وقد ~~حققناه في المقدمة التاسعة ، لأن السجود المثبت لكثير من الناس هو السجود ~~الحقيقي ، ولولا إرادة ذلك لما احترس بإثباته لكثير من الناس لا لجميعهم . # ووجه هذا التفكيك أن سجود الموجودات غير الإنسانية ليس إلا دلالة تلك ~~الموجودات على أنها مسخرة بخلق الله ، فاستعير السجود لحالة التسخير ~~والانطياع . وأما دلالة حال الإنسان على عبوديته لله تعالى فلما خالطها ~~إعراض كثير من الناس عن السجود لله تعالى ، وتلبسهم بالسجود للأصنام كما هو ~~حال المشركين غطى سجودهم الحقيقي على السجود المجازي الدال على عبوديتهم ~~لله لأن المشاهدة أقوى من دلالة الحال فلم يثبت لهم السجود الذي أثبت لبقية ~~الموجودات وإن كان حاصلا في حالهم كحال المخلوقات الأخرى . PageV17P226 # وجملة { وكثير حق عليه العذاب } معترضة بالواو . # وجملة { حق عليه العذاب } مكنى بها عن ترك السجود لله ، أي حق عليهم ~~العذاب لأنهم لم يسجدوا لله ، وقد قضى الله في حكمه استحقاق المشرك لعذاب ~~النار . فالذين أشركوا بالله وأعرضوا عن إفراده بالعبادة قد حق عليهم ~~العذاب بما قضى الله به وأنذرهم به . # وجملة { ومن يهن الله فما له من مكرم } اعتراض ثان بالواو . # والمعنى : أن الله أهانهم باستحقاق العذاب فلا يجدون من يكرمهم بالنصر أو ~~بالشفاعة . # وجملة { إن الله يفعل ما يشاء } في محل العلة للجملتين المعترضتين لأن ~~وجود حرف التوكيد في أول الجملة مع عدم المنكر يمحض حرف التوكيد إلى إفادة ~~الاهتمام فنشأ من ذلك معنى السببية والتعليل ، فتغني ( أن ) غناء حرف ~~التعليل أو السببية . # وهذا موضع سجود من سجود ms5379 القرآن باتفاق الفقهاء . # $ 2 ( 19 22 ) { هاذان خصمان اختصموا فى ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب ~~من نار يصب من فوق رءوسهم الحميم * يصهر به ما فى بطونهم والجلود * ولهم ~~مقامع من حديد * كلمآ أرادو & # 1764 ا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق } ) 2 $ # مقتضى سياق السورة واتصال آي السورة وتتابعها في النزول أن تكون هذه ~~الآيات متصلة النزول بالآيات التي قبلها فيكون موقع PageV17P227 جملة { ~~هذان خصمان } موقع الاستئناف البياني . لأن قوله { وكثير حق عليه العذاب } ~~( الحج : 18 ) يثير سؤال من يسأل عن بعض تفصيل صفة العذاب الذي حق على كثير ~~من الناس الذين لم يسجدوا لله تعالى ، فجاءت هذه الجملة لتفصيل ذلك ، فهي ~~استئناف بياني . فاسم الإشارة المثنى مشير إلى ما يفيده قوله تعالى : { ~~وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب } ( الحج : 18 ) من انقسام المذكورين ~~إلى فريقين أهل توحيد وأهل شرك كما يقتضيه قوله : { وكثير من الناس وكثير ~~حق عليه العذاب } ( الحج : 18 ) من كون أولئك فريقين : فريق يسجد لله تعالى ~~، وفريق يسجد لغيره . فالإشارة إلى ما يستفاد من الكلام بتنزيله منزلة ما ~~يشاهد بالعين ، ومثلها كثير في الكلام . # والاختصام : افتعال من الخصومة ، وهي الجدل والاختلاف بالقول يقال : ~~خاصمه واختصما ، وهو من الأفعال المقتضية جانبين فلذلك لم يسمع منه فعل ~~مجرد إلا إذا أريد منه معنى الغلب في الخصومة لأنه بذلك يصير فاعله واحدا . ~~وتقدم قوله تعالى : { ولا تكن للخائنين خصيما في } ( سورة النساء : 105 ) . ~~واختصام فريقي المؤمنين وغيرهم معلوم عند السامعين قد ملأ الفضاء جلبته ، ~~فالإخبار عن الفريقين بأنهما خصمان مسوق لغير إفادة الخبر بل تمهيدا ~~للتفصيل في قوله { فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار } . # فالمراد من هذه الآية ما يعم جميع المؤمنين وجميع مخالفيهم في الدين . # ووقع في ( الصحيحين ) عن أبي ذر : أنه كان يقسم أن هذه الآية { هذان ~~خصمان اختصموا في ربهم } نزلت في حمزة وصاحبيه علي بن أبي طالب وعتبة بن ~~الحارث الذين بارزوا يوم بدر شيبة بن ربيعة ms5380 ، وعتبة بن ربيعة ، والوليد بن ~~عتبة . PageV17P228 # وفي ( صحيح البخاري ) عن علي بن أبي طالب قال : أنا أول من يجثو بين يدي ~~الرحمن للخصومة يوم القيامة . قال قيس بن عبادة : وفيهم نزلت { هذان خصمان ~~اختصموا في ربهم } . قال : هم الذين بارزوا يوم بدر : علي ، وحمزة ، وعبيدة ~~، وشيبة بن ربيعة ، وعتبة بن ربيعة ، والوليد بن عتبة . وليس في كلام علي ~~أن الآية نزلت في يوم بدر ولكن ذلك مدرج من كلام قيس بن عبادة ، وعليه فهذه ~~الآية مدنية فتكون { هذان } إشارة إلى فريقين حاضرين في أذهان المخاطبين ~~فنزل حضور قصتهما العجيبة في الأذهان منزلة المشاهدة حتى أعيد عليها اسم ~~الإشارة الموضوع للمشاهد ، وهو استعمال في كلام البلغاء ، ومنه قول الأحنف ~~بن قيس : ( خرجت لأنصر هذا الرجل ) يريد علي بن أبي طالب في قصة صفين . # والأظهر أن أبا ذر عنى بنزول الآية في هؤلاء أن أولئك النفر الستة هم ~~أبرز مثال وأشهر فرد في هذا العموم ، فعبر بالنزول وهو يريد أنهم ممن يقصد ~~من معنى الآية . ومثل هذا كثير في كلام المتقدمين . والاختصام على الوجه ~~الأول حقيقي وعلى الوجه الثاني أطلق الاختصام على المبارزة مجازا مرسلا لأن ~~الاختصام في الدين هو سبب تلك المبارزة . # واسم الخصم يطلق على الواحد وعلى الجماعة إذا اتحدت خصومتهم كما في قوله ~~تعالى : { وهل أتاك نبأ الخصم إذا تسوروا المحراب } ( ص : 21 ) فلمراعاة ~~تثنية اللفظ أتي باسم الإشارة الموضوع للمثنى ولمراعاة العدد أتي بضمير ~~الجماعة في قوله تعالى : { اختصموا في ربهم } . # ومعنى { في ربهم } في شأنه وصفاته ، فالكلام على حذف مضاف ظاهر . وقرأ ~~الجمهور { هاذان } بتخفيف النون . وقرأه ابن كثير بتشديد النون وهما لغتان ~~. PageV17P229 # والتقطيع : مبالغة القطع ، وهو فصل بعض أجزاء شيء عن بقيته . والمراد : ~~قطع شقة الثوب . وذلك أن الذي يريد اتخاذ قميص أو نحوه يقطع من شقة الثوب ~~ما يكفي كما يريده ، فصيغت صيغة الشدة في القطع للإشارة إلى السرعة في ~~إعداد ذلك لهم فيجعل لهم ثياب من نار . والثياب من النار ثياب محرقة للجلود ~~وذلك ms5381 من شؤون الآخرة . # والحميم : الماء الشديد الحرارة . # والإصهار : الإذابة بالنار أو بحرارة الشمس ، يقال : أصهره وصهره . # وما في بطونهم : أمعاؤهم ، أي هو شديد في النفاذ إلى باطنهم . # والمقامع : جمع مقمعة بكسر الميم بصيغة اسم آلة القمع . والقمع : الكف عن ~~شيء بعنف . والمقمعة : السوط ، أي يضربون بسياط من حديد . # ومعنى { كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها } أنهم لشدة ما ~~يغمهم ، أي يمنعهم من التنفس ، يحاولون الخروج فيعادون فيها فيحصل لهم ألم ~~الخيبة ، ويقال لهم : ذوقوا عذاب الحريق . # والحريق : النار الضخمة المنتشرة . وهذا القول إهانة لهم فإنهم قد علموا ~~أنهم يذوقونه . # $ 2 ( 23 ، 24 ) { إن الله يدخل الذين ءامنوا وعملوا الصالحات جنات تجرى ~~من تحتها الانهار يحلون فيها من أساور PageV17P230 من ذهب ولؤلؤا ولباسهم ~~فيها حرير * وهدو & # 1764 ا إلى الطيب من القول وهدو & # 1764 ا إلى صراط الحميد } ) 2 $ # كان مقتضى الظاهر أن يكون هذا الكلام معطوفا بالواو على جملة { فالذين ~~كفروا قطعت لهم ثياب من نار } ( الحج : 19 ) لأنه قسيم تلك الجملة في تفصيل ~~الإجمال الذي في قوله : { هذان خصمان اختصموا في ربهم } ( الحج : 19 ) بأن ~~يقال : والذين آمنوا وعملوا الصالحات يدخلهم الله جنات . . . إلى آخره . ~~فعدل عن ذلك الأسلوب إلى هذا النظم لاسترعاء الأسماع إلى هذا الكلام إذا ~~جاء مبتدأ به مستقلا مفتتحا بحرف التأكيد ومتوجا باسم الجلالة ، والبليغ لا ~~تفوته معرفة أن هذا الكلام قسيم للذي قبله في تفصيل إجمال { هذان خصمان ~~اختصموا في ربهم } ( الحج : 19 ) لوصف حال المؤمنين المقابل لحال الذين ~~كفروا في المكان واللباس وخطاب الكرامة . # فقوله : { يدخل الذين آمنوا } الخ مقابل قوله : { كلما أرادوا أن يخرجوا ~~منها من غم أعيدوا فيها } ( الحج : 22 ) . وقوله : { يحلون فيها من أساور ~~من ذهب } يقابل قوله { يصب من فوق رؤوسهم الحميم } ( الحج : 19 ) . وقوله : ~~{ ولباسهم فيها حرير } مقابل قوله : { قطعت لهم ثياب من نار } ( الحج : 19 ~~) . وقوله : { وهدوا إلى الطيب من القول } مقابل قوله : { وذوقوا عذاب ~~الحريق } ( الحج : 22 ) فإنه من القول النكد . # والتحلية وضع ms5382 الحلي على أعضاء الجسم . حلاه : ألبسه الحلي مثل جلبب . # والأساور : جمع أسورة الذي هو جمع سوار . أشير بجمع الجمع إلى التكثير ~~كما تقدم في قوله : { يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ثيابا خضرا في } ~~( سورة الكهف : 31 ) . PageV17P231 # و ( من ) في قوله { من أساور } زائدة للتوكيد . ووجهه أنه لما لم يعهد ~~تحلية الرجال بالأساور كان الخبر عنهم بأنهم يحلون أساور معرضا للتردد في ~~إرادة الحقيقة فجيء بالمؤكد لإفادة المعنى الحقيقي ، ولذلك ف { أساور } في ~~موضع المفعول الثاني ل { يحلون . # ولؤلؤا } قرأه ناقع ، ويعقوب ، وعاصم بالنصب عطفا على محل { أساور } أي ~~يحلون لؤلؤا أي عقودا ونحوها . وقرأه الباقون بالجر عطفا على اللفظ والمعنى ~~: أساور من ذهب وأساور من لؤلؤ . # وهي مكتوبة في المصحف بألف بعد الواو الثانية في هذه السورة فكانت قراءة ~~جر { لؤلؤ } مخالفة لمكتوب المصحف . والقراءة نقل ورواية فليس اتباع الخط ~~واجبا على من يروي بما يخالفه . وكتب نظيره في سورة فاطر بدون ألف ، والذين ~~قرأوه بالنصب خالفوا أيضا خط المصحف واعتمدوا روايتهم . # وسريان معنى التأكيد على القراءتين واحد لأن التأكيد تعلق بالجملة كلها ~~لا بخصوص المعطوف عليه حتى يحتاج إلى إعادة المؤكد مع المعطوف . # واللؤلؤ : الدر . ويقال له الجمان والجوهر . وهو حبوب بيضاء وصفراء ذات ~~بريق رقراق تستخرج من أجواف حيوان مائي حلزوني مستقر في غلاف ذي دفتين ~~مغلقتين عليه يفتحهما بحركة حيوية منه لامتصاص الماء الذي يسبح فيه ويسمى ~~غلافه صدفا ، فتوجد في جوف الحيوان حبة ذات بريق وهي تتفاوت بالكبر والصغر ~~وبصفاء اللون وبياضه . وهذا الحيوان يوجد في عدة بحار : كبحر العجم وهو ~~المسمى بالبحرين ، وبحر الجابون ، وشط جزيرة جربة من البلاد التونسية ، ~~وأجوده وأحسنه الذي يوجد منه في البحرين حيث مصب نهري الدجلة والفرات ، ~~ويستخرجه غواصون مدربون على التقاطه PageV17P232 من قعر البحر بالغوص ، ~~يغوص الغائص مشدودا بحبل بيد من يمسكه على السفينة وينتشله بعد لحظة تكفيه ~~للالتقاط . وقد جاء وصف ذلك في قول المسيب بن علس أو الأعشى : # لجمانة البحري جاء بها # غواصها من لجة ms5383 البحر # نصف النهار الماء غامره # ورفيقه بالغيب لا يدري # وقال أبو ذؤيب الهذلي يصف لؤلؤة : # فجاء بها ما شئت من لطمية # على وجهها ماء الفرات يموج # وقد أشارت إليه آية ( سورة النحل : 14 ) { وهو الذي سخر لكم البحر ~~لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها . # ولما كانت التحلية غير اللباس جيء باسم اللباس بعد يحلون } بصيغة الاسم ~~دون ( يلبسون ) لتحصيل الدلالة على الثبات والاستمرار كما دلت صيغة { يحلون ~~} على أن التحلية متجددة بأصناف وألوان مختلفة ، ومن عموم الصيغتين يفهم ~~تحقق مثلها في الجانب الآخر فيكون في الكلام احتباك كأنه قيل : يحلون بها ~~وحليتهم من أساور من ذهب ولباسهم فيها حرير يلبسونه . # والحرير : يطلق على ما نسج من خيوط الحرير كما هنا . وأصل اسم الحرير اسم ~~لخيوط تفرزها من لعابها دودة مخصوصة تلفها لفا بعضها إلى بعض مثل كبة تلتئم ~~مشدودة كصورة الفول السوداني تحيط بالدودة كمثل الجوزة وتمكث فيه الدودة ~~مدة إلى أن تتحول الدودة إلى فراشة ذات جناحين فتثقب ذلك البيت وتخرج منه . ~~وإنما تحصل الخيوط من ذلك البيت بوضعها في ماء حار في درجة الغليان حتى ~~يزول تماسكها بسبب انحلال المادة الصمغية اللعابية التي تشدها فيطلقونها ~~خيطا واحدا طويلا . ومن تلك الخيوط تنسج ثياب PageV17P233 تكون بالغة في ~~اللين واللمعان . وثياب الحرير أجود الثياب في الدنيا قديما وحديثا ، وأقدم ~~ظهورها في بلاد الصين منذ خمسة آلاف سنة تقريبا حيث يكثر شجر التوت ، لأن ~~دود الحرير لا يفرز الحرير إلا إذا كان علفه ورق التوت ، والأكثر أنه يبني ~~بيوته في أغصان التوت . وكان غير أهل الصين لا يعرفون تربية دود الحرير فلا ~~يحصلون الحرير إلا من طريق بلاد الفرس يجلبه التجار فلذلك يباع بأثمان ~~غالية . وكانت الأثواب الحريرية تباع بوزنها من الذهب ، ثم نقل بزر دود ~~الحرير الذي يتولد منه الدود إلى القسطنطينية في زمن الأمبراطور ( ~~بوستنيانوس ) بين سنة 527 وسنة 565 م . ومن أصناف ثياب الحرير السندس ~~والإستبرق وقد تقدما في سورة الكهف . وعرفت الأثواب الحريرية في الرومان ms5384 في ~~حدود أوائل القرن الثالث المسيحي . # ومعنى { وهدوا إلى الطيب من القول } أن الله يرشدهم إلى أقوال ، أي ~~يلهمهم أقوالا حسنة يقولونها بينهم ، وقد ذكر بعضها في قوله تعالى : { ~~دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب ~~العالمين } ( يونس : 10 ) وفي قوله : { وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده ~~وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين } ( الزمر : 74 ) ~~. # ويجوز أن يكون المعنى : أنهم يرشدون إلى أماكن يسمعون فيها أقوالا طيبة . ~~وهو معنى قوله تعالى : { والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما ~~صبرتم فنعم عقبى الدار } ( الرعد : 24 ) . وهذا أشد مناسبة بمقابلة مما ~~يسمعه أهل النار في قوله : { وذوقوا عذاب الحريق } ( الحج : 22 ) . # وجملة { وهدوا إلى صراط الحميد } معترضة في آخر الكلام ، والواو للاعتراض ~~، هي كالتكملة لوصف حسن حالهم لمناسبة PageV17P234 ذكر الهداية في قوله : { ~~وهدوا إلى الطيب من القول } ، ولم يسبق مقابل لمضمون هذه الجملة بالنسبة ~~لأحوال الكافرين وسيجيء ذكر مقابلها في قوله : { إن الذين كفروا ويصدون عن ~~سبيل الله } إلى قوله : { نذقه من عذاب أليم } ( الحج : 25 ) وذلك من ~~أفانين المقابلة . والمعنى : وقد هدوا إلى صراط الحميد في الدنيا ، وهو دين ~~الإسلام ، شبه بالصراط لأنه موصل إلى رضى الله . # والحميد من أسماء الله تعالى ، أي المحمود كثيرا فهو فعيل بمعنى مفعول ، ~~فإضافة { صراط } إلى اسم ( الله ) لتعريف أي صراط هو . ويجوز أن يكون { ~~الحميد } صفة ل { صراط ، } أي المحمود لسالكه . فإضافة صراط إليه من إضافة ~~الموصوف إلى الصفة ، والصراط المحمود هو صراط دين الله . وفي هذه الجملة ~~إيماء إلى سبب استحقاق تلك النعم أنه الهداية السابقة إلى دين الله في ~~الحياة الدنيا . # # | 2 ( 25 ) { إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذى ~~جعلناه للناس سوآء العاكف فيه والباد ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب ~~أليم } ) 2 # هذا مقابل قوله { وهدوا إلى صراط الحميد } ( الحج : 24 ) بالنسبة إلى ~~أحوال المشركين إذ لم يسبق لقوله ذلك مقابل في الأحوال ms5385 المذكورة في آية { ~~فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار } ( الحج : 19 ) كما تقدم . فموقع هذه ~~الجملة الاستئناف البياني . والمعنى : كما كان سبب استحقاق المؤمنين ذلك ~~النعيم اتباعهم صراط الله كذلك كان سبب استحقاق المشركين ذلك العذاب كفرهم ~~وصدهم عن سبيل الله . PageV17P235 # وفيه مع هذه المناسبة لما قبله تخلص بديع إلى ما بعده من بيان حق ~~المسلمين في المسجد الحرام ، وتهويل أمر الإلحاد فيه ، والتنويه به وتنزيهه ~~عن أن يكون مأوى للشرك ورجس الظلم والعدوان . # وتأكيد الخبر بحرف التأكيد للاهتمام به . # وجاء { يصدون } بصيغة المضارع للدلالة على تكرر ذلك منهم وأنه دأبهم سواء ~~فيه أهل مكة وغيرهم لأن البقية ظاهروهم على ذلك الصد ووافقوهم . # أما صيغة الماضي في قوله : { إن الذين كفروا } فلأن ذلك الفعل صار كاللقب ~~لهم مثل قوله : { إن الله يدخل الذين آمنوا } ( الحج : 24 ) . # وسبيل الله : الإسلام ، فصدهم عنه هو الذي حقق لهم عذاب النار ، كما حقق ~~اهتداء المؤمنين إليه لهم نعيم الجنة . # والصد عن المسجد الحرام مما شمله الصد عن سبيل الله فخص بالذكر للاهتمام ~~به ، ولينتقل منه إلى التنويه بالمسجد الحرام ، وذكر بنائه ، وشرع الحج له ~~من عهد إبراهيم . والمراد بصدهم عن المسجد الحرام صد عرفه المسلمون يومئذ . ~~ولعله صدهم المسلمين عن دخول المسجد الحرام والطواف بالبيت . والمعروف من ~~ذلك أنهم منعوا المسلمين بعد الهجرة من زيارة البيت فقد قال أبو جهل لسعد ~~بن معاذ لما جاء إلى مكة معتمرا وقال لصاحبه أمية بن خلف : انتظر لي ساعة ~~من النهار لعلي أطوف بالبيت ، فبينما سعد يطوف إذ أتاه أبو جهل وعرفه . ~~فقال له أبو جهل : أتطوف بالكعبة آمنا وقد أوتيتم الصباة ؟ ( يعني المسلمين ~~) . ومن ذلك ما صنعوه يوم الحديبية . وقد قيل : إن الآية نزلت في ذلك . ~~وأحسب أن الآية نزلت قبل ذلك سواء نزلت بمكة أم بالمدينة . PageV17P236 # ووصف المسجد بقوله : { الذي جعلناه للناس } الآية للإيماء إلى علة مؤاخذة ~~المشركين بصدهم عنه لأجل أنهم خالفوا ما أراد الله منه فإنه جعله للناس ~~كلهم يستوي في أحقية ms5386 التعبد به العاكف فيه ، أي المستقر في المسجد ، ~~والبادي ، أي البعيد عنه إذا دخله . # والمراد بالعاكف : الملازم له في أحوال كثيرة ، وهو كناية عن الساكن بمكة ~~لأن الساكن بمكة يعكف كثيرا في المسجد الحرام ، بدليل مقابلته بالبادي ، ~~فأطلق العكوف في المسجد على سكنى مكة مجازا بعلاقة اللزوم العرفي . وفي ذكر ~~العكوف تعريض بأنهم لا يستحقون بسكنى مكة مزية على غيرهم ، وبأنهم حين ~~يمنعون الخارجين عن مكة من الدخول للكعبة قد ظلموهم باستئثارهم بمكة . # وقرأ الجمهور { سواء } بالرفع على أنه مبتدأ { والعاكف فيه } فاعل سد مسد ~~الخبر ، والجملة مفعول ثان ل { جعلناه . } وقرأه حفص بالنصب على أنه ~~المفعول الثاني ل { جعلناه . # والعكوف : الملازمة . والبادي : ساكن البادية . # وقوله سواء } لم يبين الاستواء فيما ذا لظهور أن الاستواء فيه بصفة كونه ~~مسجدا إنما هي في العبادة المقصودة منه ومن ملحقاته وهي : الطواف ، والسعي ~~، ووقوف عرفة . # وكتب { والباد } في المصحف بدون ياء في آخره ، وقرأ ابن كثير { والبادي } ~~بإثبات الياء على القياس لأنه معرف ، والقياس إثبات ياء الاسم المنقوص إذا ~~كان معرفا باللام ، ومحمل كتابته في المصحف بدون ياء عند أهل هذه القراءة ~~أن الياء عوملت معاملة الحركات وألفات أواسط الأسماء فلم يكتبوها . وقرأه ~~نافع بغير PageV17P237 ياء في الوقف وأثبتها في الوصل . ومحمل كتابته على ~~هذه القراءة بدون ياء أنه روعي فيه التخفيف في حالة الوقف لأن شأن الرسم أن ~~يراعى فيه حالة الوقف . # وقرأه الباقون بدون ياء في الحالين الوصل والوقف . والوجه فيه قصد ~~التخفيف ومثله كثير . # وليس في هذه الآية حجة لحكم امتلاك دور مكة إثباتا ولا نفيا لأن سياقها ~~خاص بالمسجد الحرام دون غيره . ويلحق به ما هو من تمام مناسكه : كالمسعى ، ~~والموقف ، والمشعر الحرام ، والجمار . وقد جرت عادة الفقهاء أن يذكروا ~~مسألة امتلاك دور مكة عند ذكر هذه الآية على وجه الاستطراد . ولا خلاف بين ~~المسلمين في أن الناس سواء في أداء المناسك بالمسجد الحرام وما يتبعه إلا ~~ما منعته الشريعة كطواف الحائض بالكعبة . # وأما مسألة امتلاك دور مكة فللفقهاء ms5387 فيها ثلاثة أقوال : فكان عمر بن ~~الخطاب وابن عباس وغيرهما يقولون : إن القادم إلى مكة للحج له أن ينزل حيث ~~شاء من ديارها وعلى رب المنزل أن يؤويه . وكانت دور مكة تدعى السوائب في ~~زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما . # وقال مالك والشافعي : دور مكة ملك لأهلها ، ولهم الامتناع عن إسكان غيرهم ~~، ولهم إكراؤها للناس ، وإنما تجب المواساة عند الضرورة ، وعلى ذلك حملوا ~~ما كان يفعله عمر فهو من المواساة . وقد اشترى عمر دار صفوان بن أمية ~~وجعلها سجنا . وقال أبو حنيفة : دور مكة لا تملك وليس لأهلها أن يكروها . ~~وقد ظن أن الخلاف في ذلك مبني على الاختلاف في أن مكة فتحت عنوة أو صلحا . ~~والحق أنه لا PageV17P238 بناء على ذلك لأن من القائلين بأنها فتحت عنوة ~~قائلين بتملك دور مكة فهذا مالك بن أنس يراها فتحت عنوة ويرى صحة تملك ~~دورها . ووجه ذلك : أن النبي صلى الله عليه وسلم أقر أهلها في منازلهم ~~فيكون قد أقطعهم إياها كما من على أهلها بالإطلاق من الأسر ومن السبي . ولم ~~يزل أهل مكة يتبايعون دورهم ولا ينكر عليهم أحد من أهل العلم . # وخبر { إن الذين كفروا } محذوف تقديره : نذقهم من عذاب أليم ، دل عليه ~~قوله في الجملة الآتية : { ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم } . # وإذ كان الصد عن المسجد الحرام إلحادا بظلم فإن جملة { ومن يرد فيه ~~بإلحاد بظلم } تذييل للجملة السابقة لما في ( من ) الشرطية من العموم . # والإلحاد : الانحراف عن الاستقامة وسواء الأمور . والظلم يطلق على ~~الإشراك وعلى المعاصي لأنها ظلم النفس . # والباء في { بإلحاد } زائدة للتوكيد مثلها في { وامسحوا برؤوسكم } ( ~~المائدة : 6 ) . أي من يرد إلحادا وبعدا عن الحق والاستقامة وذلك صدهم عن ~~زيارته . # والباء في { بظلم } للملابسة . فالظلم : الإشراك ، لأن المقصود تهديد ~~المشركين الذين حملهم الإشراك على مناوأة المسلمين ومنعهم من زيارة المسجد ~~الحرام . # و ( من ) في قوله : { من عذاب أليم } مزيدة للتوكيد على رأي من لا ~~يشترطون ms5388 لزيادة ( من ) وقوعها بعد نفي أو نهي . ولك أن تجعلها للتبعيض ، أي ~~نذقه عذابا من عذاب أليم . # PageV17P239 # | 2 ( 26 ) { وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بى شيئا وطهر ~~بيتى للطآئفين والقآئمين والركع السجود } ) 2 # عطف على جملة { ومن يرد فيه بإلحاد بظلم } ( الحج : 25 ) عطف قصة على قصة ~~. ويعلم منها تعليل الجملة المعطوفة عليها بأن الملحد في المسجد الحرام قد ~~خالف بإلحاده فيه ما أراده الله من تطهيره حتى أمر ببنائه ، والتخلص من ذلك ~~إلى إثبات ظلم المشركين وكفرانهم نعمة الله في إقامة المسجد الحرام وتشريع ~~الحج . # و ( إذ ) اسم زمان مجرد عن الظرفية فهو منصوب بفعل مقدر على ما هو متعارف ~~في أمثاله . والتقدير : واذكر إذ بوأنا ، أي اذكر زمان بوأنا لإبراهيم فيه ~~كقوله تعالى : { وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة } ( البقرة ~~: 30 ) ، أي اذكر ذلك الوقت العظيم ، وعرف معنى تعظيمه من إضافة اسم الزمان ~~إلى الجملة الفعلية دون المصدر فصار بما يدل عليه الفعل من التجدد كأنه زمن ~~حاضر . # والتبوئة : الإسكان . وتقدم في قوله تعالى : { وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ~~يتبوأ منها } ( يوسف : 56 ) . # والمكان : الساحة من الأرض وموضع للكون فيه ، فهو فعل مشتق من الكون ، ~~فتبوئته المكان : إذنه بأن يتخذه مباءة ، أي مقرا يبني فيه بيتا ، فوقع ~~بذكر { مكان } إيجاز في الكلام كأنه قيل : وإذ أعطيناه مكانا ليتخذ فيه ~~بيتا ، فقال : مكان البيت ، لأن هذا حكاية عن قصة معروفة لهم . وسبق ذكرها ~~فيما نزل قبل هذه الآية من القرآن . # واللام في { لإبراهيم } لام العلة لأن { إبراهيم } مفعول أول ل { بوأنا } ~~الذي هو من باب أعطى ، فاللام مثلها في قولهم : شكرت PageV17P240 لك ، أي ~~شكرتك لأجلك . وفي ذكر اللام في مثله ضرب من العناية والتكرمة . # و { البيت } معروف معهود عند نزول القرآن فلذلك عرف بلام العهد ولولا هذه ~~النكتة لكان ذكر { مكان } حشوا . والمقصود أن يكون مأوى للدين ، أي معهدا ~~لإقامة شعائر الدين . # فكان يتضمن بوجه الإجمال أنه يترقب تعليما بالدين فلذلك أعقب بحرف ms5389 ( أن ) ~~التفسيرية التي تقع بعد جملة فيها معنى القول دون حروفه . وكان أصل الدين ~~هو نفي الإشراك بالله فعلم أن البيت جعل معلما للتوحيد بحيث يشترط على ~~الداخل إليه أن لا يكون مشركا ، فكانت الكعبة لذلك أول بيت وضع للناس ، ~~لإعلان التوحيد كما بيناه عند قوله تعالى : { إن أول بيت وضع للناس للذي ~~ببكة مباركا وهدى للعالمين في } ( سورة آل عمران : 96 ) . # وقوله تعالى : { وطهر بيتي } مؤذن بكلام مقدر دل عليه { بوأنا لإبراهيم ~~مكان البيت } . والمعنى : وأمرناه ببناء البيت في ذلك المكان ، وبعد أن ~~بناه قلنا لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي . # وإضافة البيت إلى ضمير الجلالة تشريف للبيت . والتطهير : تنزيهه عن كل ~~خبيث معنى كالشرك والفواحش وظلم الناس وبث الخصال الذميمة ، وحسا من ~~الأقذار ونحوها ، أي أعدده طاهرا للطائفين والقائمين فيه . # والطواف : المشي حول الكعبة ، وهو عبادة قديمة من زمن إبراهيم قررها ~~الإسلام وقد كان أهل الجاهلية يطوفون حول أصنامهم كما يطوفون بالكعبة . ~~PageV17P241 # والمراد بالقائمين : الداعون تجاه الكعبة ، ومنه سمي مقام إبراهيم ، وهو ~~مكان قيامه للدعاء فكان الملتزم موضعا للدعاء . قال زيد بن عمرو بن نفيل : # عذت مما عاذ به إبراهيم # مستقبل الكعبة وهو قائم # والركع : جمع راكع ، ووزن فعل يكثر جمعا لفاعل وصفا إذا كان صحيح اللام ~~نحو : عذل وسجد . # والسجود : جمع ساجد مثل : الرقود ، والقعود ، وهو من جموع أصحاب الأوصاف ~~المشابهة مصادر أفعالها . # $ 2 ( 27 ، 28 ) { وأذن فى الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين ~~من كل فج عميق * ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله فى & # 1764 أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الانعام فكلوا منها وأطعموا ~~البآئس الفقير } ) 2 $ # { وأذن } عطف على { وطهر بيتي } ( الحج : 26 ) . وفيه إشارة إلى أن من ~~إكرام الزائر تنظيف المنزل وأن ذلك يكون قبل نزول الزائر بالمكان . # والتأذين : رفع الصوت بالإعلام بشيء . وأصله مضاعف أذن إذا سمع ثم صار ~~بمعنى بلغه الخبر فجاء منه آذن بمعنى أخبر . وأذن بما فيه من مضاعفة الحروف ~~مشعر بتكرير الفعل ، أي أكثر الإخبار ms5390 بالشيء . والكثرة تحصل بالتكرار وبرفع ~~الصوت القائم مقام التكرار . ولكونه بمعنى الإخبار يعدى إلى المفعول الثاني ~~بالباء . # والناس يعم كل البشر ، أي كل ما أمكنه أن يبلغ إليه ذلك . PageV17P242 # والمراد بالحج : القصد إلى بيت الله . وصار لفظ الحج علما بالغلبة على ~~الحضور بالمسجد الحرام لأداء المناسك . ومن حكمة مشروعيته تلقي عقيدة توحيد ~~الله بطريق المشاهدة للهيكل الذي أقيم لذلك حتى يرسخ معنى التوحيد في ~~النفوس لأن للنفوس ميلا إلى المحسوسات ليتقوى الإدراك العقلي بمشاهدة ~~المحسوس . فهذه أصل في سنة المؤثرات لأهل المقصد النافع . # وفي تعليق فعل { يأتوك } بضمير خطاب إبراهيم دلالة على أنه كان يحضر موسم ~~الحج كل عام يبلغ للناس التوحيد وقواعد الحنيفية . روي أن إبراهيم لما أمره ~~الله بذلك اعتلى جبل أبي قيس وجعل أصبعيه في أذنيه ونادى : ( إن الله كتب ~~عليكم الحج فحجوا ) . وذلك أقصى استطاعته في امتثال الأمر بالتأذين . وقد ~~كان إبراهيم رحالة فلعله كان ينادي في الناس في كل مكان يحل فيه . # وجملة { يأتوك } جواب للأمر ، جعل التأذين سببا للإتيان تحقيقا لتيسير ~~الله الحج على الناس . فدل جواب الأمر على أن الله ضمن له استجابة ندائه . # وقوله { رجالا } حال من ضمير الجمع في قوله { يأتوك . # وعطف عليه وعلى كل ضامر } بواو التقسيم التي بمعنى ( أو ) كقوله تعالى : ~~{ ثيبات وأبكارا } ( التحريم : 5 ) إذ معنى العطف هنا على اعتبار التوزيع ~~بين راجل وراكب ، إذ الراكب لا يكون راجلا ولا العكس . والمقصود منه ~~استيعاب أحوال الآتين تحقيقا للوعد بتيسير الإتيان المشار إليه بجعل ~~إتيانهم جوابا للأمر ، أي يأتيك من لهم رواحل ومن يمشون على أرجلهم . ~~PageV17P243 # ولكون هذه الحال أغرب قدم قوله { رجالا } ثم ذكر بعده { وعلى كل ضامر } ~~تكملة لتعميم الأحوال إذ إتيان الناس لا يعدو أحد هذين الوصفين . # و { رجالا } : جمع راجل وهو ضد الراكب . # والضامر : قليل لحم البطن . يقال : ضمر ضمورا فهو ضامر ، وناقة ضامر أيضا ~~. والضمور من محاسن الرواحل والخيلل لأنه يعينها على السير والحركة . # فالضامر هنا بمنزلة الاسم كأنه قال : وعلى كل راحلة . # وكلمة ms5391 ( كل ) من قوله { وعلى كل ضامر } مستعملة في الكثرة ، أي وعلى ~~رواحل كثيرة . وكلمة ( كل ) أصلها الدلالة على استغراق جنس ما تضاف إليه ~~ويكثر استعمالها في معنى كثير مما تضاف إليه كقوله تعالى : { وأوتيت من كل ~~شيء } ( النمل : 23 ) أي من أكثر الأشياء التي يؤتاها أهل الملك ، وقول ~~النابغة : # بها كل ذيال وخنساء ترعوي # إلى كل رجاف من الرمل فارد # أي : بها وحش كثير في رمال كثيرة . # وتكرر هذا الإطلاق ثلاث مرات في قول عنترة : # جادت عليه كل بكر حرة # فتركن كل قرارة كالدرهم # سحا وتسكابا فكل عشية # يجري عليها الماء لم يتصرم # وتقدم عند قوله تعالى : { ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا ~~قبلتك في } ( سورة البقرة : 145 ) . ويأتي إن شاء الله في سورة النمل . ~~PageV17P244 # و { يأتين } يجوز أن يكون صفة ل { كل ضامر } لأن لفظ ( كل ) صيره في معنى ~~الجمع . وإذ هو جمع لما لا يعقل فحقه التأنيث ، وإنما أسند الإتيان إلى ~~الرواحل دون الناس فلم يقل : يأتون ، لأن الرواحل هي سبب إتيان الناس من ~~بعد لمن لا يستطيع السفر على رجليه . # ويجوز أن تجعل جملة { يأتين } حالا ثانية من ضمير الجمع في { يأتوك } لأن ~~الحال الأولى تضمنت معنى التنويع والتصنيف ، فصار المعنى : يأتوك جماعات ، ~~فلما تأول ذلك بمعنى الجماعات جرى عليهم الفعل بضمير التأنيث . # وهذا الوجه أظهر لأنه يتضمن زيادة التعجيب من تيسير الحج حتى على المشاة ~~. وقد تشاهد في طريق الحج جماعات بين مكة والمدينة يمشون رجالا بأولادهم ~~وأزوادهم وكذلك يقطعون المسافات بين مكة وبلادهم . # والفج : الشق بين جبلين تسير فيه الركاب ، فغلب الفج على الطريق لأن أكثر ~~الطرق المؤدية إلى مكة تسلك بين الجبال . # والعميق : البعيد إلى أسفل لأن العمق البعد في القعر ، فأطلق على البعيد ~~مطلقا بطريقة المجاز المرسل ، أو هو استعارة بتشبيه مكة بمكان مرتفع والناس ~~مصعدون إليه . وقد يطلق على السفر من موطن المسافر إلى مكان آخر إصعاد كما ~~يطلق على الرجوع انحدار وهبوط ، فإسناد الإتيان إلى الرواحل تشريف لها ms5392 بأن ~~جعلها مشاركة للحجيج في الإتيان إلى البيت . # وقوله { ليشهدوا } يتعلق بقوله { يأتوك } فهو علة لإتيانهم الذي هو مسبب ~~على التأذين بالحج فآل إلى كونه علة في التأذين بالحج . # ومعنى { ليشهدوا } ليحضروا منافع لهم ، أي ليحضروا فيحصلوا منافع لهم إذ ~~يحصل كل واحد ما فيه نفعه . وأهم المنافع PageV17P245 ما وعدهم الله على ~~لسان إبراهيم عليه السلام من الثواب . فكني بشهود المنافع عن نيلها . ولا ~~يعرف ما وعدهم الله على ذلك بالتعيين . وأعظم ذلك اجتماع أهل التوحيد في ~~صعيد واحد ليتلقى بعضهم عن بعض ما به كمال إيمانه . # وتنكير { منافع } للتعظيم المراد منه الكثرة وهي المصالح الدينية ~~والدنيوية لأن في مجمع الحج فوائد جمة للناس : لأفرادهم من الثواب والمغفرة ~~لكل حاج ، ولمجتمعهم لأن في الاجتماع صلاحا في الدنيا بالتعارف والتعامل . # وخص من المنافع أن يذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من ~~بهيمة الأنعام . وذلك هو النحر والذبح للهدايا . وهو مجمل في الواجبة ~~والمتطوع بها . وقد بينته شريعة إبراهيم من قبل بما لم يبلغ إلينا ، وبينه ~~الإسلام بما فيه شفاء . # وحرف { على } متعلق ب { يذكروا ، } وهو للاستعلاء المجازي الذي هو بمعنى ~~الملابسة والمصاحبة ، أي على الأنعام . وهو على تقدير مضاف ، أي عند نحر ~~بهيمة الأنعام أو ذبحها . # و ( ما ) موصولة ، و { من بهيمة الأنعام } بيان لمدلول ( ما ) . والمعنى ~~: ليذكروا اسم الله على بهيمة الأنعام . وأدمج في هذا الحكم الامتنان بأن ~~الله رزقهم تلك الأنعام ، وهذا تعريض بطلب الشكر على هذا الرزق بالإخلاص ~~لله في العبادة وإطعام المحاويج من عباد الله من لحومها ، وفي ذلك سد لحاجة ~~الفقراء بتزويدهم ما يكفيهم لعامهم ، ولذلك فرع عليه { فكلوا منها وأطعموا ~~البائس الفقير } . PageV17P246 # فالأمر بالأكل منها يحتمل أن يكون أمر وجوب في شريعة إبراهيم عليه السلام ~~فيكون الخطاب في قوله { فكلوا } لإبراهيم ومن معه . # وقد عدل عن الغيبة الواقعة في ضمائر { ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم ~~الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام } ، إلى الخطاب بذلك ~~في قوله : { فكلوا منها ms5393 وأطعموا البائس } الخ . على طريقة الالتفات أو على ~~تقدير قول محذوف مأمور به إبراهيم عليه السلام . # وفي حكاية هذا تعريض بالرد على أهل الجاهلية إذ كانوا يمنعون الأكل من ~~الهدايا . # ثم عاد الأسلوب إلى الغيبة في قوله : { ثم ليقضوا تفثهم } ( الحج : 29 ) ~~. # ويحتمل أن تكون جملة { فكلوا منها } الخ معترضة مفرعة على خطاب إبراهيم ~~ومن معه تفريع الخبر على الخبر تحذيرا من أن يمنع الأكل من بعضها . # والأيام المعلومات أجملت هنا لعدم تعلق الغرض ببيانها إذ غرض الكلام ذكر ~~حج البيت وقد بينت عند التعرض لأعمال الحج عند قوله تعالى : { واذكروا الله ~~في أيام معدودات } ( البقرة : 203 ) . # والبائس : الذي أصابه البؤس ، وهو ضيق المال ، وهو الفقير ، هذا قول جمع ~~من المفسرين . وفي ( الموطأ ) : في باب ما يكره من أكل الدواب ، قال مالك : ~~سمعت أن البائس هو الفقير اه . وقلت : من أجل ذلك لم يعطف أحد الوصفين على ~~الآخر لأنه كالبيان له وإنما ذكر البائس مع أن الفقير مغن عنه لترقيق أفئدة ~~الناس على الفقير بتذكيرهم أنه في بؤس لأن وصف فقير لشيوع تداوله على ~~الألسن صار كاللقب PageV17P247 غير مشعر بمعنى الحاجة وقد حصل من ذكر ~~الوصفين التأكيد . وعن ابن عباس : البائس الذي ظهر بؤسه في ثيابه وفي وجهه ~~، والفقير : الذي تكون ثيابه نقية ووجهه وجه غني . # فعلى هذا التفسير يكون البائس هو المسكين ويكون ذكر الوصفين لقصد استيعاب ~~أحوال المحتاجين والتنبيه إلى البحث عن موقع الامتناع . # # | 2 ( 29 ) { ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق } ) ~~2 # هذا من جملة ما خاطب الله به إبراهيم عليه السلام . # وقرأ ورش عن نافع ، وقنبل عن ابن كثير ، وابن عامر ، وأبو عمرو بكسر لام ~~{ ليقضوا } . وقرأه الباقون بسكون اللام . وهما لغتان في لام الأمر إذا ~~وقعت بعد ( ثم ) ، كما تقدم آنفا في قوله تعالى : { ثم ليقطع } ( الحج : 15 ~~) . # و ( ثم ) هنا عطفت جملة على جملة فهي للتراخي الرتبي لا الزمني فتفيد أن ~~المعطوف بها أهم في الغرض المسوق إليه الكلام من المعطوف عليه ms5394 . وذلك في ~~الوفاء بالنذر والطواف بالبيت العتيق ظاهر إذ هما نسكان أهم من نحر الهدايا ~~، وقضاء التفث محول على أمر مهم كما سنبينه . # والتفث : كلمة وقعت في القرآن وتردد المفسرون في المراد منها . واضطرب ~~علماء اللغة في معناها لعلهم لم يعثروا عليها في كلام العرب المحتج به . ~~قال الزجاج : إن أهل اللغة لا يعلمون التفث إلا من التفسير ، أي من أقوال ~~المفسرين . فعن ابن عمر وابن عباس : PageV17P248 التفث : مناسك الحج ~~وأفعاله كلها . قال ابن العربي : لم صح عنهما لكان حجة الإحاطة باللغة . ~~قلت : رواه الطبري عنهما بأسانيد مقبولة . ونسبة الجصاص إلى سعيد . وقال ~~نفطويه وقطرب : التفث : هو الوسخ والدرن . ورواه ابن وهب عن مالك بن أنس ، ~~واختاره أبو بكر بن العربي وأنشد قطرب لأمية بن أبي الصلت : # حفوا رؤوسهم لم يحلقوا تفثا # ولم يسلموا لهم قملا وصئبانا # ويحتمل أن البيت مصنوع لأن أيمة اللغة قالوا : لم يجىء في معنى التفث شعر ~~يحتج به . قال نفطويه : سألت أعرابيا : ما معنى قوله { ثم ليقضوا تفثهم } ، ~~فقال : ما أفسر القرآن ولكن نقول للرجل ما أتفثك ، أي ما أدرنك . # وعن أبي عبيدة : التفث : قص الأظفار والأخذ من الشارب وكل ما يحرم على ~~المحرم ، ومثله قوله عكرمة ومجاهد وربما زاد مجاهد مع ذلك : رمي الجمار . # وعن صاحب ( العين ) والفراء والزجاج : التفث الرمي ، والذبح ، والحلق ، ~~وقص الأظفار والشارب وشعر الإبط . وهو قول الحسن ونسب إلى مالك بن أنس أيضا ~~. # وعندي : أن فعل { ليقضوا } ينادي على أن التفث عمل من أعمال الحج وليس ~~وسخا ولا ظفرا ولا شعرا . ويؤيده ما روي عن ابن عمر وابن عباس آنفا . وأن ~~موقع ( ثم ) في عطف جملة الأمر على ما قبلها ينادي على معنى التراخي الرتبي ~~فيقتضي أن المعطوف ب ( ثم ) أهم مما ذكر قبلها فإن أعمال الحج هي المهم في ~~الإتيان إلى مكة ، فلا جرم أن التفث هو من مناسك الحج وهذا الذي درج عليه ~~الحريري في قوله في المقامة المكية : ( فلما قضيت بعون الله التفث ، ~~واستبحت الطيب والرفث ، صادف ms5395 موسم الخيف ، معمعان الصيف ) . PageV17P249 # وقوله : { وليوفوا نذورهم } أي إن كانوا نذورا أعمالا زائدة على ما ~~تقتضيه فريضة الحج مثل نذر طواف زائد أو اعتكاف في المسجد الحرام أو نسكا ~~أو إطعام فقير أو نحو ذلك . # والنذر : التزام قربة لله تعالى لم تكن واجبة على ملتزمها بتعليقق على ~~حصول مرغوب أو بدون تعليق ، وبالنذر تصير القربة الملتزمة واجبة على الناذر ~~. وأشهر صيغه : لله علي . . . وفي هذه الآية دليل على أن النذر كان مشروعا ~~في شريعة إبراهيم ، وقد نذر عمر في الجاهلية اعتكاف ليلة بالمسجد الحرام ~~ووفى به بعد إسلامه كما في الحديث . # وقرأ الجمهور { وليوفوا } بضم التحتية وسكون الواو بعدها مضارع أوفى ، ~~وقرأ أبو بكر عن عاصم { وليوفوا } بتشديد الفاء وهو بمعنى قراءة التخفيف ~~لأن كلتا الصيغتين من فعل وفي المزيد فيه بالهمزة وبالتضعيف . # وختم خطاب إبراهيم بالأمر بالطواف بالبيت إيذانا بأنهم كانوا يجعلون آخر ~~أعمال الحج الطواف بالبيت وهو المسمى في الإسلام طواف الإفاضة . # والعتيق : المحرر غير المملوك للناس . شبه بالعبد العتيق في أنه لا ملك ~~لأحد عليه . وفيه تعريض بالمشركين إذ كانوا يمنعون منه من يشاءون حتى جعلوا ~~بابه مرتفعا بدون درج لئلا يدخله إلا من شاءوا كما جاء في حديث عائشة أيام ~~الفتح . وأخرج الترمذي بسند حسن أن رسول الله قال : ( إنما سمى الله البيت ~~العتيق لأنه أعتقه من الجبابرة فلم يظهر عليه جبار قط ) . # واعلم أن هذه الآيات حكاية عما كان في عهد إبراهيم عليه السلام فلا تؤخذ ~~منها أحكام الحج والهدايا في الإسلام . PageV17P250 # وقرأ الجمهور { ثم ليقضوا وليوفوا وليطوفوا } بإسكان لام الأمر في جميعها ~~. وقرأ ابن ذكوان عن ابن عامر : { وليوفوا وليطوفوا } بكسر اللام فيهما . ~~وقرأ ابن هشام عن ابن عامر ، وأبو عمرو ، وورش عن نافع ، وقنبل عن ابن كثير ~~، ورويس عن يعقوب : { ثم ليقضوا } بكسر اللام . وتقدم توجيه الوجهين آنفا ~~عند قوله تعالى : { ثم ليقطع } ( الحج : 15 ) . # وقرأ أبو بكر عن عاصم { وليوفوا } بفتح الواو وتشديد الفاء من وفى ~~المضاعف . # # | 2 ( 30 ، 31 ) { ذالك ومن ms5396 يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه وأحلت ~~لكم الانعام إلا ما يتلى عليكم فاجتنبوا الرجس من الاوثان واجتنبوا قول ~~الزور * حنفآء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السمآء ~~فتخطفه الطير أو تهوى به الريح فى مكان سحيق } . ) 2 # اسم الإشارة مستعمل هنا للفصل بين كلامين أو بين وجهين من كلام واحد ، ~~والقصد منه التنبيه على الاهتمام بما سيذكر بعده . فالإشارة مراد بها ~~التنبيه ، وذلك حيث يكون ما بعده غير صالح لوقوعه خبرا عن اسم الإشارة ~~فيتعين تقدير خبر عنه في معنى : ذلك بيان ، أو ذكر ، وهو من أساليب ~~الاقتضاب في الانتقال . والمشهور في هذا الاستعمال لفظ ( هذا ) كما في قوله ~~تعالى : { هذا وإن للطاغين لشر مئاب } ( ص : 55 ) وقولل زهير : # هذا وليس كمن يعيا بخطبته # وسط الندي إذا ما قائل نطقا # وأوثر في الآية اسم إشارة البعيد للدلالة على بعد المنزلة كناية عن تعظيم ~~مضمون ما قبله . # فاسم الإشارة مبتدأ حذف خبره لظهور تقديره ، أي ذلك بيان ونحوه . وهو كما ~~يقدم الكاتب جملة من كتابه في بعض الأغراض فإذا أراد الخوض في غرض آخر ، ~~قال : هذا وقد كان كذا وكذا . PageV17P251 # وجملة { ومن يعظم } الخ . . . معترضة عطفا على جملة { وإذا بوأنا ~~لإبراهيم مكان البيت } ( الحج : 26 ) عطف الغرض على الغرض . وهو انتقال إلى ~~بيان ما يجب الحفاظ عليه من الحنيفية والتنبيه إلى أن الإسلام بني على ~~أساسها . # وضمير { فهو } عائد إلى التعظيم المأخوذ من فعل { ومن يعظم حرمات الله } ~~. والكلام موجه إلى المسلمين تنبيها لهم على أن تلك الحرمات لم يعطل ~~الإسلام حرمتها ، فيكون الانتقال من غرض إلى غرض ومن مخاطب إلى مخاطب آخر . ~~فإن المسلمين كانوا يعتمرون ويحجون قبل إيجاب الحج عليهم ، أي قبل فتح مكة ~~. # والحرمات : جمع حرمة بضمتين : وهي ما يجب احترامه . # والاحترام : اعتبار الشيء ذا حرم ، كناية عن عدم الدخول فيه . أي عدم ~~انتهاكه بمخالفة أمر الله في شأنه ، والحرمات يشمل كل ما أوصى الله بتعظيم ~~أمره فتشمل مناسك الحج كلها ms5397 . # وعن زيد بن أسلم : الحرمات خمس : المسجد الحرام ، والبيت الحرام ، والبلد ~~الحرام ، والشهر الحرام ، والمحرم ما دام محرما ، فقصره على الذوات دون ~~الأعمال . والذي يظهر أن الحرمات يشمل الهدايا والقلائد والمشعر الحرام ~~وغير ذلك من أعمال الحج ، كالغسل في مواقعه ، والحلق ومواقيته ومناسكه . # { وأحلت لكم الانعام إلا ما يتلى عليكم فاجتنبوا الرجس من الاوثان ~~واجتنبوا قول الزور } { حنفآء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر ~~من السمآء فتخطفه الطير أو تهوى به الريح فى مكان سحيق } # لما ذكر آنفا بهيمة الأنعام وتعظيم حرمات الله أعقب ذلك بإبطال ما حرمه ~~المشركون على أنفسهم من الأنعام مثل : البحيرة ، والسائبة ، PageV17P252 ~~والوصيلة ، والحامي وبعض ما في بطونها . وقد ذكر في سورة الأنعام . # واستثني منه ما يتلى تحريمه في القرآن وهو ما جاء ذكره في ( سورة الأنعام ~~: 145 ) في قوله : { قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما الآيات وما ذكر في سورة ~~النحل وكلتاهما مكيتان سابقتان . # وجيء بالمضارع في قوله : إلا ما يتلى عليكم } ليشمل ما نزل من القرآن في ~~ذلك مما سبق نزول سورة الحج بأنه تلي فيما مضى ولم يزل يتلى ، ويشمل ما عسى ~~أن ينزل من بعد مثل قوله : { ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة الآية في } ( ~~سورة العقود : 103 ) . # والأمر باجتناب الأوثان مستعمل في طلب الدوام كما في قوله : { يأيها ~~الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله } ( النساء : 136 ) . وفرع على ذلك جملة ~~معترضة للتصريح بالأمر باجتناب ما ليس من حرمات الله ، وهو الأوثان . # واجتناب الكذب على الله بقولهم لبعض المحرمات { هذا حلال مثل الدم وما ~~أهل لغير الله به ، وقولهم لبعض : هذا حرام مثل البحيرة ، والسائبة . قال ~~تعالى : ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على ~~الله الكذب } ( النحل : 116 ) . # والرجس : حقيقته الخبث والقذارة ، وتقدم في قوله تعالى : { فإنه رجس } في ~~( سورة الأنعام : 145 ) . # ووصف الأوثان بالرجس أنها رجس معنوي لكون اعتقاد إلهيتها في النفوس ~~بمنزلة تعلق الخبث بالأجساد فإطلاق الرجس عليها تشبيه بليغ . # و ms5398 ( من ) في قوله من الأوثان بيان لمجمل الرجس ، فهي تدخل على بعض أسماء ~~التمييز بيانا للمراد من الرجس هنا لا أن معنى PageV17P253 ذلك أن الرجس هو ~~عين الأوثان بل الرجس أعم أريد به هنا بعض أنواعه فهذا تحقيق معنى ( من ) ~~البيانية . # و { حنفاء لله } حال من ضمير { اجتنبوا } أي تكونوا إن اجتنبتم ذلك حنفاء ~~لله ، جمع حنيف وهو المخلص لله في العبادة ، أي تكونوا على ملة إبراهيم حقا ~~، ولذلك زاد معنى { حنفاء } بيانا بقوله { غير مشركين به } . وهذا كقوله : ~~{ إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين } ( النحل : 120 ~~) . # والباء في قوله { مشركين به } للمصاحبة والمعية ، أي غير مشركين معه غيره ~~. # { ومن يشرك بالله فكأنما خر من السمآء فتخطفه الطير أو تهوى به الريح فى ~~مكان سحيق } # أعقب نهيهم عن الأوثان بتمثيل فظاعة حال من يشرك بالله في مصيره بالشرك ~~إلى حال انحطاط وتلقف الضلالات إياه ويأسه من النجاة ما دام مشركا تمثيلا ~~بديعا إذ كان من قبيل التمثيل القابل لتفريق أجزائه إلى تشبيهات . # قال في ( الكشاف ) : ( يجوز أن يكون هذا التشبيه من المركب والمفرق بأن ~~صور حال المشرك بصورة حال من خر من السماء فاختطفته الطير فتفرق مزعا في ~~حواصلها ، أو عصفت به الريح حتى هوت به في بعض المطاوح البعيدة ، وإن كان ~~مفرقا فقد شبه الإيمان في علوه بالسماء ، والذي ترك الإيمان وأشرك بالله ~~بالساقط من السماء ، والأهواء التي تتوزع أفكاره بالطير المختطفة ، ~~والشيطان الذي يطوح PageV17P254 به في وادي الضلالة بالريح التي تهوى بما ~~عصفت به في بعض المهاوي المتلفة ) أ . ه . # يعني أن المشرك لما عدل عن الإيمان الفطري وكان في مكنته فكأنه كان في ~~السماء فسقط منها ، فتوزعته أنواع المهالك ، ولا يخفى عليك أن في مطاوي هذا ~~التمثيل تشبيهات كثيرة لا يعوزك استخراجها . # والسحيق : البعيد فلا نجاة لمن حل فيه . # وقوله : { أو تهوي به الريح } تخيير في نتيجة التشبيه ، كقوله : { أو ~~كصيب من السماء } ( البقرة : 19 ) . أشارت الآية إلى أن الكافرين قسمان : ~~قسم ms5399 شركه ذبذبة وشك ، فهذا مشبه بمن اختطفته الطير فلا يستولي طائر على ~~مزعة منه إلا انتهبها منه آخر ، فكذلك المذبذب متى لاح له خيال اتبعه وترك ~~ما كان عليه . وقسم مصمم على الكفر مستقر فيه ، فهو مشبه بمن ألقته الريح ~~في واد سحيق ، وهو إيماء إلى أن من المشركين من شركه لا يرجى منه خلاص ~~كالذي تخطفته الطير ، ومنهم من شركه قد يخلص منه بالتوبة إلا أن توبته أمر ~~بعيد عسير الحصول . # والخرور : السقوط . وتقدم في قوله : { فخر عليهم السقف من فوقهم في } ( ~~سورة النحل : 26 ) . # و { تخطفه } مضاعف خطف للمبالغة ، الخطف والخطف : أخذ شيء بسرعة سواء كان ~~في الأرض أم كان في الجو ومنه تخطف الكرة . والهوي : نزول شيء من علو إلى ~~الأرض . والباء في { تهوي به } للتعدية مثلها في : ذهب به . # وقرأ نافع ، وأبو جعفر { فتخطفه } بفتح الخاء وتشديد الطاء مفتوحة مضارع ~~خطف المضاعف . وقرأه الجمهور بسكون الخاء وفتح الطاء مخففة مضارع خطف ~~المجرد . # PageV17P255 # | 2 ( 32 ) { ذالك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب } . ) 2 # { ذلك } تكرير لنظيره السابق . # الشعائر : جمع شعيرة : المعلم الواضح مشتقة من الشعور . وشعائر الله : ~~لقب لمناسك الحج ، جمع شعيرة بمعنى : مشعرة بصيغة اسم الفاعل أي معلمة بما ~~عينه الله . # فمضمون جملة { ومن يعظم شعائر الله } الخ . . . أخص من مضمون جملة { ومن ~~يعظم حرمات الله } ( الحج : 30 ) وذكر الأخص بعد الأعم للاهتمام . أو بمعنى ~~مشعر بها فتكون شعيرة فعيلة بمعنى مفعولة لأنها تجعل ليشعر بها الرائي . ~~وتقدم ذكرها في قوله تعالى : { إن الصفا والمروة من شعائر الله في } ( سورة ~~البقرة : 158 ) . فكل ما أمر الله به بزيارته أو بفعل يوقع فيه فهو من ~~شعائر الله ، أي مما أشعر الله الناس وقرره وشهره . وهي معالم الحج : ~~الكعبة ، والصفا والمروة ، وعرفة ، والمشعر الحرام ، ونحوها من معالم الحج ~~. # وتطلق الشعيرة أيضا على بدنة الهدى . قال تعالى : { والبدن جعلناها لكم ~~من شعائر الله } ( الحج : 36 ) لأنهم يجعلون فيها شعارا ، والشعار العلامة ~~بأن يطعنوا في جلد جانبها الأيمن ms5400 طعنا حتى يسيل منه الدم فتكون علامة على ~~أنها نذرت للهدي ، فهي فعلية بمعنى مفعولة مصوغة من أشعر على غير قياس . # فعلى التفسير الأول تكون جملة { ومن يعظم شعائر الله } إلى آخرها عطفا ~~على جملة { ومن يعظم حرمات الله } ( الحج : 30 ) الخ . وشعائر الله أخص من ~~حرمات الله فعطف هذه الجملة للعناية بالشعائر . PageV17P256 # وعلى التفسير الثاني للشعائر تكون جملة { ومن يعظم شعائر الله } عطفا على ~~جملة { ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام } ~~( الحج : 28 ) تخصيصا لها بالذكر بعد ذكر حرمات الله . # وضمير { فإنها } عائد إلى شعائر الله المعظمة فيكون المعنى : فإن تعظيمها ~~من تقوى القلوب . # وقوله { فإنها من تقوى القلوب } جواب الشرط والرابط بين الشرط وجوابه هو ~~العموم في قوله : { القلوب } فإن من جملة القلوب قلوب الذين يعظمون شعائر ~~الله . فالتقدير : فقد حلت التقوى قلبه بتعظيم الشعائر لأنها من تقوى ~~القلوب ، أي لأن تعظيمها من تقوى القلوب . # وإضافة { تقوى } إلى { القلوب } لأن تعظيم الشعائر اعتقاد قلبي ينشأ عنه ~~العمل . # # | 2 ( 33 ) { لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلهآ إلى البيت العتيق } . ~~) 2 # جملة { لكم فيها منافع } حال من الأنعام في قوله : { وأحلت لكم الأنعام } ~~( الحج : 30 ) وما بينهما اعتراضات أو حال من { شعائر الله } ( الحج : 32 ) ~~على التفسير الثاني للشعائر . والمقصود بالخبر هنا : هو صنف من الأنعام ، ~~وهو صنف الهدايا بقرينة قوله : { ثم محلها إلى البيت العتيق } . # وضمير الخطاب موجه للمؤمنين . # والمنافع : جمع منفعة ، وهي اسم النفع ، وهو حصول ما يلائم ويحف . وجعل ~~المنافع فيها يقتضي أنها انتفاع بخصائصها مما يراد من نوعها قبل أن تكون ~~هديا . PageV17P257 # وفي هذا تشريع لإباحة الانتفاع بالهدايا انتفاعا لا يتلفها ، وهو رد على ~~المشركين إذ كانوا إذا قلدوا الهدي وأشعروه حظروا الانتفاع به من ركوبه ~~وحمل عليه وشرب لبنه ، وغير ذلك . # وفي ( الموطأ ) : ( عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ~~رجلا يسوق بدنة فقال : اركبها ؟ فقال : إنها بدنة ، فقال : اركبها ، فقال : ~~إنها بدنة ms5401 ، فقال : اركبها ، ويلك في الثانية أو الثالثة ) . # والأجل المسمى هو وقت نحرها ، وهو يوم من أيام منى . وهي الأيام ~~المعدودات . # والمحل : بفتح الميم وكسر الحاء مصدر ميمي من حل يحل إذا بلغ المكان ~~واستقر فيه . وهو كناية عن نهاية أمرها ، كما يقال : بلغ الغاية ، ونهاية ~~أمرها النحر أو الذبح . # و { إلى } حرف انتهاء مجازي لأنها لا تنحر في الكعبة ، ولكن التقرب بها ~~بواسطة تعظيم الكعبة لأن الهدايا إنما شرعت تكملة لشرع الحج ، والحج قصد ~~البيت . قال تعالى : { ولله على الناس حج البيت } ( آل عمران : 97 ) ، ~~فالهدايا تابعة للكعبة ، قال تعالى : { هديا بالغ الكعبة } ( المائدة : 95 ~~) وإن كانت الكعبة لا ينحر فيها ، وإنما المناحر : منى ، والمروة ، وفجاج ~~مكة أي طرقها بحسب أنواع الهدايا ، وتبيينه في السنة . # وقد جاء في قوله تعالى : { ثم محلها إلى البيت العتيق } رد العجز على ~~الصدر باعتبار مبدأ هذه الآيات وهو قوله تعالى : { وإذا بوأنا لإبراهيم ~~مكان البيت } ( الحج : 26 ) . # PageV17P258 # | 2 ( 34 ، 35 ) { ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم ~~من بهيمة الانعام فإلاهكم إلاه واحد فله أسلموا وبشر المخبتين * الذين إذا ~~ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على مآ أصابهم والمقيمى الصلواة ومما ~~رزقناهم ينفقون } ) 2 # { ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الانعام ~~فإلاهكم إلاه واحد فله أسلموا وبشر المخبتين } . # عطف على جملة { ثم محلها إلى البيت العتيق } ( الحج : 33 ) . # والأمة : أهل الدين الذين اشتركوا في اتباعه . والمراد : أن المسلمين لهم ~~منسك واحد وهو البيت العتيق كما تقدم . والمقصود من هذا الرد على المشركين ~~إذ جعلوا لأصنامهم مناسك تشابه مناسك الحج وجعلوا لها مواقيت ومذابح مثل ~~الغبغب منحر العزى ، فذكرهم الله تعالى بأنه ما جعل لكل أمة إلا منسكا ~~واحدا للقربان إلى الله تعالى الذي رزق الناس الأنعام التي يتقربون إليه ~~منها فلا يحق أن يجعل لغير الله منسك لأن ما لا يخلق الأنعام المقرب بها ~~ولا يرزقها الناس لا يستحق أن يجعل له منسك لقربانها فلا تتعدد ms5402 المناسك . # فالتنكير في قوله { منسكا } للإفراد ، أي واحدا لا متعددا ، ومحل الفائدة ~~هو إسناد الجعل إلى ضمير الجلالة . # وقد دل على ذلك قوله : { ليذكروا اسم الله } وأدل عليه التفريع بقوله { ~~فإلهكم إله واحد } . والكلام يفيد الاقتداء ببقية الأمم أهل الأديان الحق . # و { على } يجوز أن تكون للاستعلاء المجازي متعلقة ب { يذكروا اسم الله } ~~مع تقدير مضاف بعد { على } تقديره : إهداء ما رزقهم ، أي عند إهداء ما ~~رزقهم ، يعني ونحرها أو ذبحها . # ويجوز أن تكون { على } بمعنى : لام التعليل . والمعنى : ليذكروا اسم الله ~~لأجل ما رزقهم من بهيمة الأنعام . PageV17P259 # وقد فرع على هذا الانفراد بالإلهية بقوله : { فإلهكم إله واحد فله أسلموا ~~} أي إذ كان قد جعل لكم منسكا واحدا فقد نبهكم بذلك أنه إله واحد ، ولو ~~كانت آلهة كثيرة لكانت شرائعها مختلفة . وهذا التفريع الأول تمهيد للتفريع ~~الذي عقبه وهو المقصود ، فوقع في النظم تغيير بتقديم وتأخير . وأصل النظم : ~~فلله أسلموا ، لأن إلهكم إله واحد . وتقديم المجرور في { فله أسلموا } ~~للحصر ، أي أسلموا له لا لغيره . والإسلام : الانقياد التام ، وهو الإخلاص ~~في الطاعة ، أي لا تخلصوا إلا لله ، أي فاتركوا جميع المناسك التي أقيمت ~~لغير الله فلا تنسكوا إلا في المنسك الذي جعله لكم ، تعريضا بالرد على ~~المشركين . # وقرأ الجمهور { منسكا } بفتح السين وقرأه حمزة ، والكسائي ، وخلف بكسر ~~السين ، وهو على القراءتين اسم مكان للنسك ، وهو الذبح . إلا أنه على قراءة ~~الجمهور جار على القياس لأن قياسه الفتح في اسم المكان إذ هو من نسك ينسك ~~بضم العين في المضارع . وأما على قراءة الكسر فهو سماعي مثل مسجد من سجد ~~يسجد ، قال أبو علي الفارسي : ويشبه أن الكسائي سمعه من العرب . # { وبشر المخبتين } { الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على مآ ~~أصابهم والمقيمى الصلواة ومما رزقناهم ينفقون } . # اعتراض بين سوق المنن ، والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم وأصحاب هذه ~~الصفات هم المسلمون . # والمخبت : المتواضع الذي لا تكبر عنده . وأصل المخبت من سلك الخبت . وهو ~~المكان المنخفض ضد المصعد ، ثم استعير ms5403 للمتواضع PageV17P260 كأنه سلك نفسه ~~في الانخفاض ، والمراد بهم هنا المؤمنون ، لأن التواضع من شيمهم كما كان ~~التكبر من سمات المشركين قال تعالى : { كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر ~~جبار } ( غافر : 35 ) . # والوجل : الخوف الشديد . وتقدم في قوله تعالى : { قال إنا منكم وجلون في ~~} ( سورة الحجر : 52 ) . # وقد أتبع صفة { المخبتين } بأربع صفات وهي : وجل القلوب عند ذكر الله ، ~~والصبر على الأذى في سبيله ، وإقامة الصلاة ، والإنفاق . وكل هذه الصفات ~~الأربع مظاهر للتواضع فليس المقصود من جمع تلك الصفات لأن بعض المؤمنين لا ~~يجد ما ينفق منه وإنما المقصود من لم يخل بواحدة منها عند إمكانها . ~~والمراد من الإنفاق الإنفاق على المحتاجين الضعفاء من المؤمنين لأن ذلك هو ~~دأب المخبتين . وأما الإنفاق على الضيف والأصحاب فذلك مما يفعله المتكبرون ~~من العرب كما تقدم عند قوله تعالى : { كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ~~ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين } ( البقرة : 180 ) . وهو نظير الإنفاق ~~على الندماء في مجالس الشراب . ونظير إتمام الإيسار في مواقع الميسر ، كما ~~قال النابغة : # أني أتمم أيساري وأمنحهم # مثنى الأيادي وأكسوا الجفنة الأدما # والمراد بالصبر : الصبر على ما يصيبهم من الأذى في سبيل الإسلام . وأما ~~الصبر في الحروب وعلى فقد الأحبة فمما تتشرك فيه النفوس الجلدة من ~~المتكبرين والمخبتين . وفي كثير من ذلك الصبر فضيلة إسلامية إذا كان تخلقا ~~بأدب الإسلام قال تعالى : { وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا ~~إنا لله وإنا إليه راجعون } ( البقرة : 155 156 ) الآية . # PageV17P261 # | 2 ( 36 ) { والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم ~~الله عليها صوآف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذالك ~~سخرناها لكم لعلكم تشكرون } . ) 2 # عطف على جملة { ولكل أمة جعلنا منسكا } ( الحج : 34 ) أي جعلنا منسكا ~~للقربان والهدايا ، وجعلنا البدن التي تهدى ويتقرب بها شعائر من شعائر الله ~~. # والمعنى : أن الله أمر بقربان البدن في الحج من عهد إبراهيم عليه السلام ~~وجعلها جزاء عما يترخص فيه من أعمال الحج . وأمر بالتطوع بها ms5404 فوعد عليها ~~بالثواب الجزيل فنالت بذلك الجعل الإلهي يمنا وبركة وحرمة ألحقتها بشعائر ~~الله ، وامتن بذلك على الناس بما اقتضته كلمة { لكم } . # والبدن : جمع بدنة بالتحريك ، وهي البعير العظيم البدن . وهو اسم مأخوذ ~~من البدانة ، وهي عظم الجثة والسمن ، وفعله ككرم ونصر ، وليست زنة بدنة ~~وصفا ولكنها اسم مأخوذ من مادة الوصف ، وجمعه بدن . وقياس هذا الجمع أن ~~يكون مضموم الدال مثل خشب جمع خشبة ، وثمر جمع ثمرة ، فتسكين الدال تخفيف ~~شائع ، وغلب اسم البدنة على البعير المعين للهدي . # وفي ( الموطأ ) : ( عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ~~رجلا يسوق بدنة فقال : اركبها ، فقال : إنها بدنة ، فقال : اركبها ، فقال : ~~إنها بدنة ، فقال : اركبها ويلك في الثانية أو الثالثة ) فقول الرجل : إنها ~~بدنة ، متعين لإرادة هديه للحج . PageV17P262 # وتقديم { البدن } على عامله للاهتمام بها تنويها بشأنها . # والاقتصار على البدن الخاصص بالإبل لأنها أفضل في الهدي لكثرة لحمها ، ~~وقد ألحقت بها البقر والغنم بدليل السنة ، واسم ذلك هدي . # ومعنى كونها من شعائر الله : أن الله جعلها معالم تؤذن بالحج وجعل لها ~~حرمة . وهذا وجه تسميتهم وضع العلامة التي يعلم بها بعير الهدي في جلده ~~إشعارا . # قال مالك في ( الموطأ ) : ( كان عبد الله بن عمر إذا أهدى هديا من ~~المدينة قلده وأشعره بذي الحليفة ، يقلده قبل أن يشعره . . . يقلده بنعلين ~~ويشعره من الشق الأيسر . . . ) بطعن في سنامه فالإشعار إعداد للنحر . # وقد عدها في جملة الحرمات في قوله : { لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر ~~الحرام ولا الهدي في سورة العقود ( 2 ) . # وتقديم لكم } على المبتدأ ليتأتى كون المبتدأ نكرة ليفيد تنوينه التعظيم ~~، وتقديم { فيها } على متعلقه وهو { خير } للاهتمام بما تجمعه وتحتوي عليه ~~من الفوائد . # والخير : النفع ، وهو ما يحصل للناس من النفع في الدنيا من انتفاع ~~الفقراء بلحومها وجلودها وجلالها ونعالها وقلائدها . وما يحصل للمهدين ~~وأهلهم من الشبع من لحمها يوم النحر ، وخير الآخرة من ثواب المهدين ، وثواب ~~الشكر من المعطين لحومها لربهم الذي أغناهم بها . # وفرع على ذلك أن ms5405 أمر الناس بأن يذكروا اسم الله عليها حين نحرها . ~~PageV17P263 # وصواف : جمع صافة . يقال : صف إذا كان مع غيره صفا بأن اتصل به . ولعلهم ~~كانوا يصفونها في المنحر يوم النحر بمنى ، لأنه كان بمنى موضع أعد للنحر ~~وهو المنحر . # وقد ورد في حديث مسلم عن جابر بن عبدالله في حجة الوداع قال فيه : ( ثم ~~انصرف رسول الله إلى المنحر فنحر رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ثلاثا ~~وستين بدنة جعل يطعنها بحربة في يده ثم أعطى الحربة عليا فنحر ما غبر ، أي ~~ما بقي وكانت مائة بدنة ) وهذا يقتضي أنها كانت مجتمعة متقاربة . # وانتصب { صواف } على الحال من الضمير المجرور في قوله { عليها } . وفائدة ~~هذه الحال ذكر محاسن من مشاهد البدن فإن إيقاف الناس بدنهم للنحر مجتمعة ~~ومنتظمة غير متفرقة مما يزيد هيئتها جلالا . وقريب منه قوله تعالى : { إن ~~الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص } ( الصف : 4 ) . # ومعنى { وجبت } سقطت ، أي إلى الأرض ، وهو كناية عن زوال الروح التي بها ~~الاستقلال . والقصد من هذا التوقيت المبادرة بالانتفاع بها إسراعا إلى ~~الخير الحاصل من ذلك في الدنيا بإطعام الفقراء وأكل أصحابها منها فإنه ~~يستحب أن يكون فطور الحاج يوم النحر من هديه ، وكذلك الخير الحاصل من ثواب ~~الآخرة . # والأمر في قوله { فكلوا منها } مجمل ، يحتمل الوجوب ويحتمل الإباحة ~~ويحتمل الندب ، وقرينة عدم الوجوب ظاهرة لأن المكلف لا يفرض عليه ما الداعي ~~إلى فعله من طبعه . وإنما أراد الله إبطال ما كان عند أهل الجاهلية من ~~تحريم أكل المهدي من لحوم هديه فبقي النظر في أنه مباح بحت أو هو مندوب . # واختلف الفقهاء في الأكل من لحوم الهدايا الواجبة . PageV17P264 # فقال مالك : يباح الأكل من لحوم الهدايا الواجبة ، وهو عنده مستحب ولا ~~يؤكل من فدية الأذى وجزاء الصيد ونذر المساكين ، والحجة لمالك صريح الآية . ~~فإنها عامة إلا ما قام الدليل على منعه وهي الثلاثة الأشياء المستثناة . # وقال أبو حنيفة : يأكل من هدي التمتع والقران ، ولا يأكل من الواجب الذي ms5406 ~~عينه الحاج عند إحرامه . # وقال الشافعي : لا يأكل من لحوم الهدايا بحالل مستندا إلى القياس ، وهو ~~أن المهدي أوجب إخراج الهدي من ماله فكيف يأكل منه . كذا قال ابن العربي . ~~وإذا كان هذا قصارى كلام الشافعي فهو استدلال غير وجيه ولفظ القرآن ينافيه ~~لا سيما وقد ثبت أكل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من لحوم الهدايا ~~بأحاديث صحيحة . # وقال أحمد : يؤكل من الهدايا الواجبة إلا جزاء الصيد والنذر . # وأما الأمر في قوله : { وأطعموا القانع والمعتر } فقال الشافعي : للوجوب ~~، وهو الأصح . قال ابن العربي وهو صريح قول مالك . وقلت : المعروف من قول ~~مالك أنه لو اقتصر المهدي على نحر هديه ولم يتصدق منه ما كان آثما . # والقانع : المتصف بالقنوع ، وهو التذلل . يقال : قنع من باب سأل . قنوعا ~~بضم القاف إذا سأل بتذلل . # وأما القناعة ففعلها من باب تعب ويستوي الفعل المضارع مع اختلاف الموجب . ~~ومن أحسن ما جمع من النظائر ما أنشده الخفاجي : # العبد حر إن قنع # والحر عبد إن قنع # فاقنع ولا تقنع فما # شيء يشين سوى الطمع PageV17P265 # وللزمخشري في ( مقاماته ) : ( يا أبا القاسم اقنع من القناعة لا من ~~القنوع ، تستغن عن كل معطاء ومنوع ) . وفي ( الموطأ ) في كتاب الصيد قال ~~مالك : ( والقانع هو الفقير ) . # والمعتر : اسم فاعل من اعتر ، إذا تعرض للعطاء ، أي دون سؤال بل بالتعريض ~~وهو أن يحضر موضع العطاء ، يقال : اعتر ، إذا تعرض . وفي ( الموطأ ) في ~~كتاب الصيد قال مالك : ( وسمعت أن المعتر هو الزائر ، أي فتكون من عرا إذا ~~زار ) والمراد زيارة التعرض للعطاء . # وهذا التفسير أحسن ويرجحه أنه عطف { المعتر } على { القانع ، } فدل العطف ~~على المغايرة ، ولو كانا في معنى واحد لما عطف عليه كما لم يعطف في قوله { ~~وأطعموا البائس الفقير } ( الحج : 28 ) . # وجملة { وكذلك سخرناها لكم } استئناف للامتنان بما خلق من المخلوقات لنفع ~~الناس . والأمارة الدالة على إرادته ذلك أنه سخرها للناس مع ضعف الإنسان ~~وقوة تلك الأنعام فيأخذ الرجل الواحد العدد منها ويسوقها منقادة ويؤلمونها ~~بالإشعار ثم بالطعن . ولولا أن ms5407 الله أودع في طباعها هذا الانقياد لما كانت ~~أعجز من بعض الوحوش التي هي أضعف منها فتنفر من الإنسان ولا تسخر له . # وقوله { كذلك } هو مثل نظائره ، أي مثل ذلك التسخير العجيب الذي ترونه ~~كان تسخيرها لكم . # ومعنى { لعلكم تشكرون } خلقناها مسخرة لكم استجلابا لأن تشكروا الله ~~بإفراده بالعبادة . وهذا تعريض بالمشركين إذا وضعوا الشكر موضع الشكر . # PageV17P266 # | 2 ( 37 ) { لن ينال الله لحومها ولا دمآؤها ولاكن يناله التقوى منكم ~~كذالك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين } ) 2 # ( هذه الآية مكررة : # { لن ينال الله لحومها ولا دمآؤها ولاكن يناله التقوى منكم كذالك سخرها ~~لكم لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين } ) # جملة في موضع التعليل لجملة { كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون } ( الحج : ~~36 ) ، أي دل على أنا سخرناها لكم لتشكروني أنه لا انتفاع لله بشيء من ~~لحومها ولا دمائها حين تتمكنون من الانتفاع بها فلا يريد الله منكم على ذلك ~~إلا أن تتقوه . # والنيل : الإصابة . يقال ناله ، أي أصابه ووصل إليه . ويقال أيضا بمعنى ~~أحرز ، فإن فيه معنى الإصابة كقوله تعالى : { لن تنالوا البر حتى تنفقوا ~~مما تحبون } ( آل عمران : 92 ) وقوله : { وهموا بما لم ينالوا } ( التوبة : ~~74 ) . # والمقصود من نفي أن يصل إلى الله لحومها ودماؤها إبطال ما يفعله المشركون ~~من نضح الدماء في المذابح وحول الكعبة وكانوا يذبحون بالمروة . قال الحسن : ~~كانوا يلطخون بدماء القرابين وكانوا يشرحون لحوم الهدايا وينصبونها حول ~~الكعبة قربانا لله تعالى ، يعني زيادة على ما يعطونه للمحاويج . # وفي قوله : { لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم } ~~إيماء إلى أن إراقة الدماء وتقطيع اللحوم ليسا مقصودين بالتعبد ولكنهما ~~وسيلة لنفع الناس بالهدايا إذ لا ينتفع بلحومها وجلودها وأجزائها إلا ~~بالنحر أو الذبح وإن المقصد من شرعها انتفاع الناس المهدين وغيرهم . # فأما المهدون فانتفاعهم بالأكل منها في يوم عيدهم كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم في تحريم صيام يوم النحر : PageV17P267 ( يوم تأكلون فيه من ~~نسككم ) فذلك نفع لأنفسهم ولأهاليهم ولو ms5408 بالادخار منه إلى رجوعهم إلى ~~آفاقهم . # وأما غيرهم فانتفاع من ليس له هدي من الحجيج بالأكل مما يهديه إليهم ~~أقاربهم وأصحابهم ، وانتفاع المحاويج من أهل الحرم بالشبع والتزود منها ~~والانتفاع بجلودها وجلالها وقلائدها . # كما أومأ إليه قوله تعالى : { جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس ~~والشهر الحرام والهدي والقلائد } ( المائدة : 97 ) . # وقد عرض غير مرة سؤال عما إذا كانت الهدايا أوفر من حاجة أهل الموسم قطعا ~~أو ظنا قريبا من القطع كما شوهد ذلك في مواسم الحج ، فما يبقى منها حيا ~~يباع وينفق ثمنه في سد خلة المحاويج أجدى من نحره أو ذبحه حين لا يرغب فيه ~~أحد ، ولو كانت اللحوم التي فات أن قطعت وكانت فاضلة عن حاجة المحاويج يعمل ~~تصبيرها بما يمنع عنها التعفن فينتفع بها في خلال العام أجدى للمحاويج . # وقد ترددت في الجواب عن ذلك أنظار المتصدين للإفتاء من فقهاء هذا العصر ، ~~وكادوا أن تتفق كلمات من صدرت منهم فتاوى على أن تصبيرها مناف للتعبد ~~بهديها . # أما أنا فالذي أراه أن المصير إلى كلا الحالين من البيع والتصبير لما فضل ~~عن حاجة الناس في أيام الحج ، لينتفع بها المحتاجون في عامهم ، أوفق بمقصد ~~الشارع تجنبا لإضاعة ما فضل منها رعيا لمقصد الشريعة من نفع المحتاج وحفظ ~~الأموال مع عدم تعطيل النحر والذبح للقدر المحتاج إليه منها المشار إليه ~~بقوله تعالى : { فاذكروا اسم الله عليها صواف } ( الحج : 36 ) وقوله : { ~~وكذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم } ، جمعا بين المقاصد الشرعية . ~~PageV17P268 # وتعرض صورة أخرى وهي توزيع المقادير الكافية للانتفاع بها على أيام النحر ~~الثلاثة بحيث لا يتعجل بنحر جميع الهدايا في اليوم الأول طلبا لفضيلة ~~المبادرة ، فإن التقوى التي تصل إلى الله من تلك الهدايا هي تسليمها للنفع ~~بها . # وهذا قياس على أصل حفظ الأموال كما فرضوه في بيع الفرس الحبس إذا أصابه ~~ما يفضي به إلى الهلاك أو عدم النفع ، وهي المعاوضة لربع الحبس إذا خرب . # وحكم الهدايا مركب من تعبد وتعليل ، ومعنى التعليل فيه أقوى ms5409 ، وعلته ~~انتفاع المسلمين ، ومسلك العلة الإيماء الذي في قوله تعال : { فكلوا منها ~~وأطعموا القانع والمعتر } ( الحج : 36 ) . # واعلم أن توهم التقرب بتلطيخ دماء القرابين وانتفاع المتقرب إليه بتلك ~~الدماء عقيدة وثنية قديمة فربما كانوا يطرحون ما يتقربون به من لحم وطعام ~~فلا يدعون أحدا يأكله . وكان اليونان يشوون لحوم القرابين على النار حتى ~~تصير رمادا ويتوهمون أن رائحة الشواء تسر الآلهة المتقرب إليها بالقرابين ، ~~وكان المصريون يلقون الطعام للتماسيح التي في النيل لأنها مقدسة . # وقرأ الجمهور { ينال ، ويناله } بتحتية في أولهما . وقرأه يعقوب بفوقية ~~على مراعاة ما يجوز في ضمير جمع غير العاقل . وربما كانوا يقذفون بمزع من ~~اللحم على أنها لله فربما أصابها محتاج وربما لم يتفطن لها فتأكلها السباع ~~أو تفسد . # ويشمل التقوى ذكر اسم الله عليها والتصدق ببعضها على المحتاجين . # و { يناله } مشاكلة ل { ينال } الأول ، استعير النيل لتعلق العلم . شبه ~~علم الله تقواهم بوصول الشيء المبعوث إلى الله تشبيها وجهه الحصول في كل ~~وحسنته المشاكلة . PageV17P269 # و ( من ) في قوله { منكم } ابتدائية . وهي ترشيح للاستعارة ، ولذلك عبر ~~بلفظ { التقوى منكم } دون : تقواكم أو التقوى . مجردا مع كون المعدول عنه ~~أوجز لأن في هذا الإطناب زيادة معنى من البلاغة . # { كذالك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين } . # تكرير لجملة : { كذلك سخرناها لكم } ( الحج : 36 ) ، وليبنى عليه التنبيه ~~إلى أن الثناء على الله مسخرها هو رأس الشكر المنبه عليه في الآية السابقة ~~، فصار مدلول الجملتين مترادفا . فوقع التأكيد . فالقول في جملة { كذلك ~~سخرها لكم لتكبروا الله } كالقول في أشباهها . # وقوله { على ما هداكم } { على } فيه للاستعلاء المجازي الذي هو بمعنى ~~التمكن ، أي لتكبروا الله عند تمكنكم من نحرها . و ( ما ) موصولة ، والعائد ~~محذوف مع جاره . والتقدير : على ما هداكم إليه من الأنعام . # والهداية إليها : هي تشريع الهدايا في تلك المواقيت لينتفع بها الناس ~~ويرتزق سكان الحرم الذين اصطفاهم الله ليكونوا دعاة التوحيد لا يفارقون ذلك ~~المكان ، والخطاب للمسلمين . # وتغيير الأسلوب تخريج على خلاف مقتضى الظاهر بالإظهار في ms5410 مقام الإضمار ~~للإشارة إلى أنهم قد اهتدوا وعملوا بالاهتداء فأحسنوا . # PageV17P270 $ 2 ( 38 ) { إن الله يدافع عن الذين ءامنو & # 1764 ا إن الله لا يحب كل خوان كفور } . ) 2 $ # استئناف بياني جوابا لسؤال يخطر في نفوس المؤمنين ينشأ من قوله تعالى : { ~~إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله } الآية ، فإنه توعد المشركين على صدهم ~~عن سبيل الله والمسجد الحرام بالعذاب الأليم ، وبشر المؤمنين المخبتين ~~والمحسنين بما يتبادر منه ضد وعيد المشركين وذلك ثواب الآخرة . وطال الكلام ~~في ذلك بما تبعه لا جرم تشوفت نفوس المؤمنين إلى معرفة عاقبة أمرهم في ~~الدنيا ، وهل ينتصر لهم من أعدائهم أو يدخر لهم الخير كله إلى الدار الآخرة ~~. فكان المقام خليقا بأن يطمئن الله نفوسهم بأنه كما أعد لهم نعيم الآخرة ~~هو أيضا مدافع عنهم في الدنيا وناصرهم ، وحذف مفعول { يدافع } لدلالة ~~المقام . # فالكلام موجه إلى المؤمنين ، ولذلك فافتتاحه بحرف التوكيد إما لمجرد ~~تحقيق الخبر ، وإما لتنزيل غير المتردد منزلة المتردد لشدة انتظارهم النصر ~~واستبطائهم إياه . # والتعبير بالموصول لما فيه من الإيماء إلى وجه بناء الخبر وأن دفاع الله ~~عنهم لأجل إيمانهم . # وقرأ الجمهور لفظ { يدافع } بألف بعد الدال فيفيد قوة الدفع . وقرأه أبو ~~عمرو ، وابن كثير ، ويعقوب { يدفع } بدون ألف بعد الدال . # وجملة { إن الله لا يحب كل خوان كفور } تعليل لتقييد الدفاع بكونه عن ~~الذين آمنوا ، بأن الله لا يحب الكافرين الخائنين ، PageV17P271 فلذلك يدفع ~~عن المؤمنين لرد أذى الكافرين : ففي هذا إيذان بمفعول { يدافع } المحذوف ، ~~أي يدافع الكافرين الخائنين . # والخوان : الشديد الخون ، والخون كالخيانة ، الغدر بالأمانة ، والمراد ~~بالخوان الكافر ، لأن الكفر خيانة لعهد الله الذي أخذه على المخلوقات بأن ~~يوحدوه فجعله في الفطرة وأبلغه الناس على ألسنة الرسل فنبه بذلك ما أودعهم ~~في فطرتهم . # والكفور : الشديد الكفر : وأفادت ( كل ) في سياق النفي عموم نفي محبة ~~الله عن جميع الكافرين إذ لا يحتمل المقام غير ذلك . ولا يتوهم من قوله { ~~لا يحب كل خوان } أنه يحب بعض الخوانين لأن كلمة ( كل ) اسم جامد لا ms5411 يشعر ~~بصفة فلا يتوهم توجه النفي إلى معنى الكلية المستفاد من كلمة { كل } وليس ~~هو مثل قوله تعالى : { وما ربك بظلام للعبيد } ( فصلت : 46 ) الموهم أن نفي ~~قوة الظلم لا يقتضي نفي قليل الظلم . # # | 2 ( 39 ) { أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير } ~~) 2 # جملة وقعت بدل اشتمال من جملة : { إن الله يدافع } ( الحج : 38 ) لأن ~~دفاع الله عن الناس يكون تارة بالإذن لهم بمقاتلة من أراد الله مدافعتهم ~~عنهم فإنه إذا أذن لهم بمقاتلتهم كان متكفلا لهم بالنصر . # وقرأ نافع ، وأبو عمرو ، وعاصم { أذن } بالبناء للنائب . وقرأه الباقون ~~بالبناء إلى الفاعل . PageV17P272 # وقرأ نافع ، وابن عامر ، وحفص ، وأبو جعفر { يقاتلون } بفتح التاء ~~الفوقية مبنيا إلى المجهول . وقرأه البقية بكسر التاء مبنيا للفاعل . # والذين يقاتلون مراد بهم المؤمنون على كلتا القراءتين لأنهم إذا قوتلوا ~~فقد قاتلوا . والقتال مستعمل في المعنى المجازي إما بمادته ، وإما بصيغة ~~المضي . # فعلى قراءة فتح التاء فالمراد بالقتال فيه القتل المجازي ، وهو الأذى . ~~وأما على قراءة { يقاتلون } بكسر التاء فصيغة المضي مستعملة مجازا في ~~التهيؤ والاستعداد ، أي أذن للذين تهيئوا للقتال وانتظروا إذن الله . # وذلك أن المشركين كانوا يؤذون المؤمنين بمكة أذى شديدا فكان المسلمون ~~يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين مضروب ومشجوج يتظلمون إليه ، ~~فيقول لهم : اصبروا فإني لم أومر بالقتال ، فلما هاجر نزلت هذه الآية بعد ~~بيعة العقبة إذنا لهم بالتهيؤ للدفاع عن أنفسهم ولم يكن قتال قبل ذلك كما ~~يؤذن به قوله تعالى عقب هذا : { الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق } ( الحج : ~~40 ) . # والباء في { بأنهم ظلموا } أراها متعلقة ب { أذن } لتضمينه معنى الإخبار ~~، أي أخبرناهم بأنهم مظلومون . وهذا الإخبار كناية عن الإذن للدفاع لأنك ~~إذا قلت لأحد : إنك مظلوم ، فكأنك استعديته على ظالمه ، وذكرته بوجوب ~~الدفاع ، وقرينة ذلك تعقيبه بقوله : { وإن الله على نصرهم لقدير } ، ويكون ~~قوله : { بأنهم ظلموا } نائب فاعل { أذن } على قراءة ضم الهمزة أو مفعولا ~~على قراءة فتح الهمزة . وذهب المفسرون إلى أن الباء ms5412 سببية وأن المأذون به ~~محذوف دل عليه قوله { يقاتلون ، } أي أذن لهم في القتال . PageV17P273 وهذا ~~يجري على كلتا القراءتين في قوله { يقاتلون } والتفسير الذي رأيته أنسب ~~وأرشق . # وجملة { وإن الله على نصرهم لقدير } عطف على جملة { أذن للذين يقاتلون } ~~أي أذن لهم بذلك وذكروا بقدرة الله على أن ينصرهم . وهذا وعد من الله ~~بالنصر وارد على سنن كلام العظيم المقتدر بإيراد الوعد في صورة الإخبار بأن ~~ذلك بمحل العلم منه ونحوه ، كقولهم : عسى أن يكون كذا ، أو أن عندنا خيرا ، ~~أو نحو ذلك ، بحيث لا يبقى للمترقب شك في الفوز بمطلوبه . # وتوكيد هذا الخبر بحرف التوكيد لتحقيقه أو تعريض بتنزيلهم منزلة المتردد ~~في ذلك لأنهم استبطأوا النصر . # # | 2 ( 40 ) { الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ~~ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها ~~اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوى عزيز } ) 2 # بدل من { الذين يقاتلون } ( الحج : 39 ) ، وفي إجراء هذه الصلة عليهم ~~إيماء إلى أن المراد بالمقاتلة الأذى ، وأعظمه إخراجهم من ديارهم كما قال ~~تعالى : { والفتنة أشد من القتل } ( البقرة : 191 ) . # و { بغير حق } حال من ضمير { أخرجوا ، } أي أخرجوا متلبسين بعدم الحق ~~عليهم الموجب إخراجهم ، فإن للمرء حقا في وطنه ومعاشرة قومه ، وهذا الحق ~~ثابت بالفطرة لأن من الفطرة أن الناشىء في أرض والمتولد بين قوم هو مساو ~~لجميع أهل ذلك الموطن في حق القرار في وطنهم وبين قومهم بالوجه الذي ثبت ~~لجمهورهم في ذلك المكان من نشأة متقادمة أو قهر وغلبة لسكانه ، كما قال عمر ~~بن الخطاب : PageV17P274 ( إنها لبلادهم قاتلوا عليها في الجاهلية وأسلموا ~~عليها في الإسلام ) . ولا يزول ذلك الحق إلا بموجب قرره الشرع أو العوائد ~~قبل الشرع . كما قال زهير : # فإن الحق مقطعه ثلاث # يمين أو نفار أو جلاء # فمن ذلك في الشرائع التغريب والنفي ، ومن ذلك في قوانين أهل الجاهلية ~~الجلاء والخلع ، وإنما يكون ذلك لاعتداء يعتديه المرء على قومه لا ms5413 يجدون له ~~مسلكا من الردع غير ذلك . # ولذلك قال تعالى : { بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله } فإن إيمانهم ~~بالله لا ينجر منه اعتداء على غيرهم إذ هو شيء قاصر على نفوسهم والإعلان به ~~بالقول لا يضر بغيرهم . فالاعتداء عليهم بالإخراج من ديارهم لأجل ذلك ظلم ~~بواح واستخدام للقوة في تنفيذ الظلم . # والاستثناء في قوله : { إلا أن يقولوا ربنا الله } استثناء من عموم الحق ~~، ولما كان المقصود من الحق حقا يوجب الإخراج ، أي الحق عليهم ، كان هذا ~~الاستثناء مستعملا على طريقة الاستعارة التهكمية ، أي إن كان عليهم حق فهو ~~أن يقولوا ربنا الله ، فيستفاد من ذلك تأكيد عدم الحق عليهم بسبب استقراء ~~ما قد يتخيل أنه حق عليهم . وهذا من تأكيد الشيء بما يوهم نقضه . ويسمى عند ~~أهل البديع تأكيد المدح بما يشبه الذم ، وشاهده قول النابغة : # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم # بهن فلول من قراع الكتائب # وهذه الآية لا محالة نزلت بالمدينة . PageV17P275 # { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر ~~فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوى عزيز } # اعتراض بين جملة { أذن للذين يقاتلون } ( الحج : 39 ) الخ وبين قوله { ~~الذين إن مكناهم في الأرض } ( الحج : 41 ) الخ . فلما تضمنت جملة { أذن ~~للذين يقاتلون } ( الحج : 39 ) الخ الإذن للمسلمين بدفاع المشركين عنهم ~~أتبع ذلك ببيان الحكمة في هذا الإذن بالدفاع ، مع التنويه بهذا الدفاع ، ~~والمتولين له بأنه دفاع عن الحق والدين ينتفع به جميع أهل أديان التوحيد من ~~اليهود والنصارى والمسلمين ، وليس هو دفاعا لنفع المسلمين خاصة . والواو في ~~قوله { ولولا دفاع الله الناس } إلى آخره ، اعتراضية وتسمى واو الاستئناف ~~ومفاد هذه الجملة تعليل مضمون جملة { أذن للذين يقاتلون } ( الحج : 39 ) ~~الخ . # و { لولا } حرف امتناع لوجود ، أي حرف يدل على امتناع جوابه ، أي انتفائه ~~لأجل وجود شرطه ، أي عند تحقق مضمون جملة شرطه فهو حرف يقتضي جملتين . ~~والمعنى : لولا دفاع الناس عن مواضع عبادة المسلمين لصري المشركون ~~ولتجاوزوا فيه المسلمين ms5414 إلى الاعتداء على ما يجاور بلادهم من أهل الملل ~~الأخرى المناوية لملة الشرك ولهدموا معابدهم من صوامع ، وبيعع ، وصلوات ، ~~ومساجد ، يذكر فيها اسم الله كثيرا ، قصدا منهم لمحو دعوة التوحيد ومحقا ~~للأديان المخالفة للشرك . فذكر الصوامع ، والبيع ، إدماج لينتبهوا إلى ~~تأييد المسلمين فالتعريف في { الناس } تعريف العهد ، أي الناس الذين ~~يتقاتلون وهم المسلمون ومشركو أهل مكة . PageV17P276 # ويجوز أن يكون المراد : لولا ما سبق قبل الإسلام من إذن الله لأمم ~~التوحيد بقتال أهل الشرك ( كما قاتل داوود جالوت ، وكما تغلب سليمان على ~~ملكة سبأ ) . لمحق المشركون معالم التوحيد ( كما محق بختنصر هيكل سليمان ) ~~فتكون هذه الجملة تذييلا لجملة { أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا } ( الحج : ~~39 ) ، أي أذن للمسلمين بالقتال كما أذن لأمم قبلهم لكيلا يطغى عليهم ~~المشركون كما طغوا على من قبلهم حين لم يأذن الله لهم بالقتال ، فالتعريف ~~في { الناس } تعريف الجنس . # وإضافة الدفاع إلى الله إسناد مجازي عقلي لأنه أذن للناس أن يدفعوا عن ~~معابدهم فكان إذن الله سبب الدفع . وهذا يهيب بأهل الأديان إلى التألب على ~~مقاومة أهل الشرك . # وقرأ نافع ، وأبو جعفر ، ويعقوب { دفاع . } وقرأ الباقون { دفع } بفتح ~~الدال وبدون ألف . و { بعضهم } بدل من { الناس } بدل بعض . و { ببعض } ~~متعلق ب { دفاع } والباء للآلة . # والهدم : تقويض البناء وتسقيطه . # وقرأ نافع ، وابن كثير ، وأبو جعفر { لهدمت } بتخفيف الدال . وقرأه ~~الباقون بتشديد الدال للمبالغة في الهدم ، أي لهدمت هدما ناشئا عن غيظ بحيث ~~لا يبقون لها أثرا . # والصوامع : جمع صومعة بوزن فوعلة ، وهي بناء مستطيل مرتفع يصعد إليه بدرج ~~وبأعلاه بيت ، كان الرهبان يتخذونه للعبادة ليكونوا بعداء عن مشاغلة الناس ~~إياهم ، وكانوا يوقدون به مصابيح للإعانة على السهر للعبادة ولإضاءة الطريق ~~للمارين . من أجل ذلك سميت الصومعة المنارة . قال امرؤ القيس : # تضيء الظلام بالعشي كأنها # منارة ممسى راهب متبتل PageV17P277 # والبيع : جمع بيعة بكسر الباء وسكون التحتية مكان عبادة النصارى ولا يعرف ~~أصل اشتقاقها ، ولعلها معربة عن لغة أخرى . # والصلوات : جمع صلاة وهي هنا مراد بها كنائس اليهود معربة ms5415 عن كلمة ( ~~صلوثا ) ( بالمثلثة في آخره بعدها ألف ) . فلما عربت جعلوا مكان المثلثة ~~مثناة فوقية وجمعوها كذلك . وعن مجاهد ، والجحدري ، وأبي العالية ، وأبي ~~رجاء أنهم قرأوها هنا { وصلواث } بمثلثة في آخره . وقال ابن عطية : قرأ ~~عكرمة ، ومجاهد { صلويثا بكسر الصاد وسكون اللام وكسر الواو وقصر الألف بعد ~~الثاء ( أي المثلثة كما قال القرطبي ) وهذه المادة قد فاتت أهل اللغة وهي ~~غفلة عجيبة . # والمساجد : اسم لمحل السجود من كل موضع عبادة ليس من الأنواع الثلاثة ~~المذكورة قبله وقت نزول هذه الآية فتكون الآية نزلت في ابتداء هجرة ~~المسلمين إلى المدينة حين بنوا مسجد قباء ومسجد المدينة . # وجملة يذكر فيها اسم الله كثيرا } صفة والغالب في الصفة الواردة بعد جمل ~~متعاطفة فيها أن ترجع إلى ما في تلك الجمل من الموصوف بالصفة . فلذلك قيل ~~برجوع صفة { يذكر فيها اسم الله } إلى { صوامع ، وبيع ، وصلوات ، ومساجد } ~~للأربعة المذكورات قبلها وهي معاد ضمير { فيها . # وفائدة هذا الوصف الإيماء إلى أن سبب هدمها أنها يذكر فيها اسم الله ~~كثيرا ، أي ولا تذكر أسماء أصنام أهل الشرك فإنهم لما أخرجوا المسلمين بلا ~~سبب إلا أنهم يذكرون اسم الله فيقولون ربنا الله ، لمحو ذكر اسم الله من ~~بلدهم لا جرم أنهم يهدمون المواضع المجعولة لذكر اسم الله كثيرا ، أي دون ~~ذكر الأصنام . فالكثرة مستعملة في الدوام PageV17P278 لاستغراق الأزمنة ، ~~وفي هذا إيماء إلى أن في هذه المواضع فائدة دينية وهي ذكر اسم الله . # قال ابن خويز منداد من أيمة المالكية ( من أهل أواخر القرن الرابع ) ~~تضمنت هذه الآية المنع من هدم كنائس أهل الذمة وبيعهم وبيوت نارهم اه . # قلت : أما بيوت النار فلا تتضمن هذه الآية منع هدمها فإنها لا يذكر فيها ~~اسم الله وإنما منع هدمها عقد الذمة الذي ينعقد بين أهلها وبين المسلمين ، ~~وقيل الصفة راجعة إلى مساجد خاصة . # وتقديم الصوامع في الذكر على ما بعده لأن صوامع الرهبان كانت أكثر في ~~بلاد العرب من غيرها ، وكانت أشهر عندهم ، لأنهم كانوا يهتدون بأضوائها في ~~أسفارهم ويأوون ms5416 إليها ، وتعقيبها بذكر البيع للمناسبة إذ هي معابد النصارى ~~مثل الصوامع . وأما ذكر الصلوات بعدهما فلأنه قد تهيأ المقام لذكرها ، ~~وتأخير المساجد لأنها أعم ، وشأن العموم أن يعقب به الخصوص إكمالا للفائدة ~~. # وقوله ولينصرن الله من ينصره } عطف على جملة { ولولا دفاع الله الناس } ، ~~أي أمر الله المسلمين بالدفاع عن دينهم . وضمن لهم النصر في ذلك الدفاع ~~لأنهم بدفاعهم ينصرون دين الله ، فكأنهم نصروا الله ، ولذلك أكد الجملة ~~بلام القسم ونون التوكيد . وهذه الجملة تذييل لما فيها من العموم الشامل ~~للمسلمين الذين أخرجهم المشركون . # وجملة { إن الله لقوي عزيز } تعليل لجملة { ولينصرن الله من ينصره } ، أي ~~كان نصرهم مضمونا لأن ناصرهم قدير على ذلك بالقوة والعزة . والقوة مستعملة ~~في القدرة : والعزة هنا حقيقة لأن العزة هي المنعة ، أي عدم تسلط غير ~~صاحبها على صاحبها . PageV17P279 # بدل من { الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق } وما بينهما اعتراض . فالمراد ~~من { الذين إن مكناهم في الأرض } ( الحج : 41 ) المهاجرون فهو ثناء على ~~المهاجرين وشهادة لهم بكمال دينهم . وعن عثمان : ( هذا والله ثناء قبل بلاء ~~) ، أي قبل اختبار ، أي فهو من الإخبار بالغيب الذي علمه الله من حالهم . ~~ومعنى { إن مكناهم في الأرض } ( الحج : 41 ) أي بالنصر الذي وعدناهم في ~~قوله : { إن الله على نصرهم لقدير } ( الحج : 39 ) . # # | 2 ( 41 ) { الذين إن مكناهم فى الارض أقاموا الصلواة وآتوا الزكواة ~~وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الامور } . ) 2 # ويجوز أن يكون بدلا من { من الموصولة في قوله : من ينصره } ( الحج : 40 ) ~~فيكون المراد : كل من نصر الدين من أجيال المسلمين ، أي مكناهم بالنصر ~~الموعود به إن نصروا دين الله : وعلى الاحتمالين فالكلام مسوق للتنبيه على ~~الشكر على نعمة النصر بأن يأتوا بما أمر الله به من أصول الإسلام فإن بذلك ~~دوام نصرهم ، وانتظام عقد جماعتهم ، والسلامة من اختلال أمرهم ، فإن حادوا ~~عن ذلك فقد فرطوا في ضمان نصرهم وأمرهم إلى الله . # فأما إقامة الصلاة فلدلالتها على القيام بالدين وتجديد لمفعوله في النفوس ~~، وأما إيتاء الزكاة ms5417 فهو ليكون أفراد الأمة متقاربين في نظام معاشهم ، وأما ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلتنفيذ قوانين الإسلام بين سائر الأمة من ~~تلقاء أنفسهم . # والتمكين : التوثيق ، وأصله إقرار الشيء في مكان وهو مستعمل هنا في ~~التسليط والتمليك ، والأرض للجنس ، أي تسليطهم على شيء من الأرض فيكون ذلك ~~شأنهم فيما هو من ملكهم وما بسطت فيه أيديهم . PageV17P280 وقد تقدم قوله ~~تعالى : { ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش } في ( سورة الأعراف ~~: 10 ) ، وقوله : { وكذلك مكنا ليوسف في الأرض في } ( سورة يوسف : 56 ) . # والمراد بالمعروف ما هو مقرر من شؤون الدين : إما بكونه معروفا للأمة ~~كلها ، وهو ما يعلم من الدين بالضرورة فيستوي في العلم بكونه من الدين سائر ~~الأمة . وإما بكونه معروفا لطائفة منهم وهو دقائق الأحكام فيأمر به الذين ~~من شأنهم أن يعلموه وهم العلماء على تفوت مراتب العلم ومراتب علمائه . # والمنكر : ما شأنه أن ينكر في الدين ، أي أن لا يرضى بأنه من الدين . ~~وذلك كل عمل يدخل في أمور الأمة والشريعة وهو مخالف لها فعلم أن المقصود ~~بالمنكر الأعمال التي يراد إدخالها في شريعة المسلمين وهي مخالفة لها ، فلا ~~يدخل في ذلك ما يفعله الناس في شؤون عاداتهم مما هو في منطقة المباح ، ولا ~~ما يفعلون في شؤون دينهم مما هو من نوع الديانات كالأعمال المندرجة تحت ~~كليات دينية ، والأعمال المشروعة بطريق القياس وقواعد الشريعة من مجالات ~~الاجتهاد والتفقه في الدين . # والنهي عن المنكر آيل إلى الأمر بالمعروف وكذلك الأمر بالمعروف آيل إلى ~~النهي عن المنكر وإنما جمعت الآية بينهما باعتبار أولل ما تتوجه إليه نفوس ~~الناس عند مشاهدة الأعمال ، ولتكون معرفة المعروف دليلا على إنكار المنكر ~~وبالعكس إذ بضدها تتمايز الأشياء ، ولم يزل من طرق النظر والحجاج الاستدلال ~~بالنقائض والعكوس . PageV17P281 # { ولله عاقبة الامور } # عطف على جملة { ولينصرن الله من ينصره } ( الحج : 40 ) ، أو على جملة { ~~إن الله لقوي عزيز } ( الحج : 40 ) ، والمآل واحد ، وهو تحقيق وقوع النصر ، ~~لأن الذي وعد به لا يمنعه من تحقيق وعده مانع ms5418 ، وفيه تأنيس للمهاجرين لئلا ~~يستبطئوا النصر . # والعاقبة : آخر الشيء وما يعقب الحاضر . وتأنيثها لملاحظة معنى الحالة ~~وصارت بكثرة الاستعمال اسما . وفي حديث هرقل ( ثم تكون لهم العاقبة ) . # وتقديم المجرور هنا للاهتمام والتنبيه على أن ما هو لله فهو يصرفه كيف ~~يشاء . # # | 2 ( 42 44 ) { وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود * وقوم ~~إبراهيم وقوم لوط * وأصحاب مدين وكذب موسى فأمليت للكافرين ثم أخذتهم فكيف ~~كان نكير } . ) 2 # لما نعى على المشركين مساويهم في شؤون الدين بإشراكهم وإنكارهم البعث ~~وصدهم عن الإسلام وعن المسجد الحرام وما ناسب ذلك في غرضه من إخراج أهله ~~منه ، عطف هنا إلى ضلالهم بتكذيب النبي صلى الله عليه وسلم فقصد من ذلك ~~تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم وتمثيلهم بأمثال الأمم التي استأصلها الله ~~، وتهديدهم PageV17P282 بالمصير إلى مصيرهم ، ونظير هذه الآية إجمالا ~~وتفصيلا تقدم غير مرة في سورة آل عمران وغيرها . # وجواب الشرط محذوف دل عليه قوله : { فقد كذبت قبلهم } الخ إذ التقدير : ~~فلا عجب في تكذيبهم ، أو فلا غضاضة عليك في تكذيب قومك إياك فإن تلك عادة ~~أمثالهم . # وقوم إبراهيم هم الكلدان ، وأصحاب مدين هم قوم شعيب ، وإنما لم يعبر عنهم ~~بقوم شعيب لئلا يتكرر لفظ قوم أكثر من ثلاث مرات . # وقال : { وكذب موسى } لأن مكذبيه هم القبط قوم فرعون ولم يكذبه قومه بنو ~~إسرائيل . # وقوله : { فأمليت للكافرين } معناه فأمليت لهم ، فوضع الظاهر موضع الضمير ~~للإيماء إلى أن علة الإملاء لهم ثم أخذهم هو الكفر بالرسل تعريضا بالنذارة ~~لمشركي قريش . # والأخذ حقيقته : التناول لما لم يكن في اليد ، واستعير هنا للقدرة عليهم ~~بتسليط الإهلاك بعد إمهالهم ، ومناسبة هذه الاستعارة أن الإملاء لهم يشبه ~~بعد الشيء عن متناوله فشبه انتهاء ذلك الإملاء بالتناول ، شبه ذلك بأخذ ~~الله إياهم عنده ، لظهور قدرته عليهم بعد وعيدهم ، وهذا الأخذ معلوم في ~~آيات أخرى عدا أن قوم إبراهيم لم يتقدم في القرآن ذكر لعذابهم أو أخذهم سوى ~~أن قوله تعالى في ( سورة الأنبياء : 70 ) { وأرادوا به كيدا فجعلناهم ms5419 ~~الأخسرين مشير إلى سوء عاقبتهم مما أرادوا به من الكيد ، وهذه الآية صريحة ~~في ذلك كما أشرنا إليه هنالك . # ومناسبة عد قوم إبراهيم هنا في عداد الأقوام الذين أخذهم الله دون الآيات ~~الأخرى التي ذكر فيها من أخذوا من الأقوام ، أن PageV17P283 قوم إبراهيم ~~أتم شبها بمشركي قريش في أنهم كذبوا رسولهم وآذوه . وألجأوه إلى الخروج من ~~موطنه وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين } ( الصافات : 99 ) . فكان ذكر إلجاء ~~قريش المؤمنين إلى الخروج من موطنهم في قوله : { الذين أخرجوا من ديارهم ~~بغير حق } ( الحج : 40 ) مناسبة لذكر قوم إبراهيم . # والإملاء : ترك المتلبس بالعصيان دون تعجيل عقوبته وتأخيرها إلى وقت ~~متأخر حتى يحسب أنه قد نجا ثم يؤخذ بالعقوبة . # والفاء في { فأمليت للكافرين } للتعقيب دلالة على أن تقدير هلاكهم حاصل ~~من وقت تكذيبهم وإنما أخر لهم ، وهو تعقيب موزع ، فلكل قوم من هؤلاء تعقيب ~~إملائه ، والأخذ حاصل بعد الإملاء بمهلة ، فلذلك عطف فعله بحرف المهلة . # وعطفت جملة { فكيف كان نكير } بالفاء لأن حق ذلك الاستفهام أن يحصل عند ~~ذكر ذلك الأخذ ، وهو استفهام تعجيبي ، أي فأعجب من نكيري كيف حصل . ووجه ~~التعجيب منه أنهم أبدلوا بالنعمة محنة ، وبالحياة هلاكا ، وبالعمارة خرابا ~~فهو عبرة لغيرهم . # والنكير : الإنكار الزجري لتغيير الحالة التي عليها الذي ينكر عليه : # و { نكير } بكسرة في آخره دالة على ياء المتكلم المحذوفة تخفيفا . # وكأن مناسبة اختيار النكير في هذه الآية دون العذاب ونحوه أنه وقع بعد ~~التنويه بالنهي عن المنكر لينبه المسلمين على أن يبذلوا في تغيير المنكر ~~منتهى استطاعتهم ، فإن الله عاقب على المنكر بأشد العقاب ، فعلى المؤمنين ~~الائتساء بصنع الله ، وقد قال الحكماء : PageV17P284 إن الحكمة هي التشبه ~~بالخالق بقدر ما تبلغه القوة الإنسانية ، وفي هذا المجال تتسابق جياد الهمم ~~. # # | 2 ( 45 ) { فكأين من قرية أهلكناها وهى ظالمة فهى خاوية على عروشها ~~وبئر معطلة وقصر مشيد } . ) 2 # تفرع ذكر جملة { كأين من قرية } على جملة { فكيف كان نكير } ( الحج : 44 ~~) فعطفت عليها بفاء التفريع ، والتعقيب في الذكر لا في ms5420 الوجود ، لأن ~~الإملاء لكثير من القرى ثم أخذها بعد الإملاء لها يبين كيفية نكير الله ~~وغضبه على القرى الظالمة ويفسره ، فناسب أن يذكر التفسير عقب المفسر بحرف ~~التفريع ، ثم هو يفيد بما ذكر فيه من اسم كثرة العدد شمولا للأقوام الذين ~~ذكروا من قبل في قوله : { فقد كذبت قبلهم قوم نوح } ( الحج : 42 ) إلى آخره ~~فيكون لتلك الجملة بمنزلة التذييل . # و { كأين } اسم دال على الإخبار عن عدد كثير . # وموضعها من الجملة محل رفع بالابتداء وما بعده خبر . والتقدير : كثير من ~~القرى أهلكناها ، وجملة { أهلكناها } الخبر . # ويجوز كونها في محل نصب على المفعولية بفعل محذوف يفسره { أهلكناها } ~~والتقدير : أهلكنا كثيرا من القرى أهلكناها ، والأحسن الوجه الأول لأنه ~~يحقق الصدارة التي تستحقها ( كأين ) بدون حاجة إلى الاكتفاء بالصدارة ~~الصورية ، وعلى الوجه الأول فجملة { أهلكناها } في محل جر صفة ل { قرية } . ~~وجملة { فهي خاوية } معطوفة على جملة { أهلكناها ، } وقد تقدم نظيره في ~~قوله { وكأين من نبيء في } ( سورة آل عمران : 146 ) . PageV17P285 # وأهل المدن الذين أهلكهم الله لظلمهم كثيرون ، منهم من ذكر في القرآن مثل ~~عاد وثمود . ومنهم من لم يذكر مثل طسم وجديس وآثارهم باقية في اليمامة . # ومعنى { خاوية على عروشها } أنها لم يبق فيها سقف ولا جدار . وجملة { على ~~عروشها } خبر ثان عن ضمير { فهي } والمعنى : ساقطة على عروشها ، أي ساقطة ~~جدرانها فوق سقفها . # والعروش : جمع عرش ، وهو السقف ، وقد تقدم تفسير نظير هذه الآية عند قوله ~~تعالى : { أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها في } ( سورة البقرة : ~~259 ) . # والمعطلة : التي عطل الانتفاع بها مع صلاحها للانتفاع ، أي هي نابعة ~~بالماء وحولها وسائل السقي ولكنها لا يستقى منها لأن أهلها هلكوا . وقد وجد ~~المسلمون في مسيرهم إلى تبوك بئارا في ديار ثمود ونهاهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن الشرب منها إلا بئرا واحدة التي شربت منها ناقة صالح عليه ~~السلام . # والقصر : المسكن المبني بالحجارة المجعول طباقا . # والمشيد : المبني بالشيد بكسر الشين وسكون الياء وهو الجص : وإنما يبنى ~~به ms5421 البناء من الحجر لأن الجص أشد من التراب فبشدة مسكه يطول بقاء الحجر ~~الذي رص به . # والقصور المشيدة : وهي المخلفة عن القرى التي أهلكها الله كثيرة مثل : ~~قصر غمدان في اليمن ، وقصور ثمود في الحجر ، وقصور الفراعنة في صعيد مصر ، ~~وفي ( تفسير القرطبي ) يقال : ( إن هذه البئر وهذا القصر بحضرموت معروفان . ~~ويقال : إنها بئر الرس وكانت في عدن وتسمى حضور بفتح الحاء . وكان أهلها ~~بقية من المؤمنين بصالح الرسول عليه السلام . وكان صالح معهم ، وأنهم آل ~~أمرهم PageV17P286 إلى عبادة صنم وأن الله بعث إليهم حنظلة بن صفوان رسولا ~~فنهاهم عن عبادة الصنم فقتلوه فغارت البئر وهلكوا عطشا ) . يريد أن هذه ~~القرية واحدة من القرى المذكورة في هذه الآية وإلا فإن كلمة ( كأين ) تنافي ~~إرادة قرية معينة . # وقرأ الجمهور { أهلكناها } بنون العظمة : وقرأه أبو عمرو ويعقوب { ~~أهلكتها } بتاء المتكلم . # # | 2 ( 46 ) { أفلم يسيروا فى الارض فتكون لهم قلوب يعقلون بهآ أو ءاذان ~~يسمعون بها فإنها لا تعمى الابصار ولاكن تعمى القلوب التى فى الصدور } ) 2 # تفريع على جملة { فكأين من قرية أهلكناها } ( الحج : 45 ) وما بعدها . # والاستفهام تعجيبي من حالهم في عدم الاعتبار بمصارع الأمم المكذبة ~~لأنبيائها ، والتعجيب متعلق بمن سافروا منهم ورأوا شيئا من تلك القرى ~~المهلكة وبمن لم يسافروا ، فإن شأن المسافرين أن يخبروا القاعدين بعجائب ما ~~شاهدوه في أسفارهم كما يشير إليه قوله تعالى : { أو آذان يسمعون بها } . ~~فالمقصود بالتعجيب هو حال الذين ساروا في الأرض ، ولكن جعل الاستفهام داخلا ~~على نفي السير لأن سير السائرين منهم لما لم يفدهم عبرة وذكرى جعل كالعدم ~~فكان التعجيب من انتفائه ، فالكلام جار على خلاف مقتضى الظاهر . # والفاء في { فتكون } سببية جوابية مسبب ما بعدها على السير ، أي لم ~~يسيروا سيرا تكون لهم به قلوب يعقلون بها وآذان يسمعون PageV17P287 بها ، ~~أي انتفى أن تكون لهم قلوب وآذان بهذه المثابة لانتفاء سيرهم في الأرض . ~~وهذا شأن الجواب بالفاء بعد النفي أن تدخل الفاء على ما هو مسبب على المنفي ~~لو كان ثابتا ms5422 وفي هذا المعنى قال المعري : # وقيل أفاد بالأسفار مالا # فقلنا هل أفاد بها فؤادا # وهذا شأن الأسفار أن تفيد المسافر ما لا تفيده الإقامة في الأوطان من ~~اطلاع على أحوال الأقوام وخصائص البلدان واختلاف العادات ، فهي تفيد كل ذي ~~همة في شيء فوائد تزيد همته نفاذا فيما تتوجه إليه وأعظم ذلك فوائد العبرة ~~بأسباب النجاح والخسارة . # وأطلقت القلوب على تقاسيم العقل على وجه المجاز المرسل لأن القلب هو مفيض ~~الدم وهو مادة الحياة على الأعضاء الرئيسية وأهمها الدماغ الذي هو عضو ~~العقل ، ولذلك قال : { يعقلون بها } وإنما آلة العقل هي الدماغ ولكن الكلام ~~جرى أوله على متعارف أهل اللغة ثم أجري عقب ذلك على الحقيقة العلمية فقال : ~~{ يعقلون بها } فأشار إلى أن القلوب هي العقل . # ونزلت عقولهم منزلة المعدوم كما نزل سيرهم في الأرض منزلة المعدوم . # وأما ذكر الآذان فلأن الأذن آلة السمع والسائر في الأرض ينظر آثار الأمم ~~ويسمع أخبار فنائهم فيستدل من ذلك على ترتب المسببات على أسبابها ؛ على أن ~~حظ كثير من المتحدث إليهم وهم الذين لم يسافروا أن يتلقوا الأخبار من ~~المسافرين فيعلموا ماعلمه المسافرون علما سبيله سماع الأخبار . # وفي ذكر الآذان اكتفاء عن ذكر الأبصار إذ يعلم أن القلوب التي تعقل إنما ~~طريق علمها مشاهدة آثار العذاب والاستئصال كما أشار PageV17P288 إليه قوله ~~بعد ذلك : { فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمي القلوب التي في الصدور } . # فحصل من مجموع نظم الآية أنهم بمنزلة الأنعام لهم آلات الاستدلال وقد ~~انعدمت منهم آثارها فلهم قلوب لا يعقلون بها ولهم آذان لا يسمعون بها ولهم ~~أعين لا يبصرون بها وهذا كقوله تعالى : { ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق ~~بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون } ( البقرة : 171 ) . # والفاء في جملة { فإنها لا تعمى الأبصار } تفريع على جواب النفي في قوله ~~: { فتكون لهم قلوب يعقلون بها } ، وفذلكة للكلام السابق ، وتذييل له بما ~~في هذه الجملة من العموم . # والضمير في قوله { فإنها } ضمير القصة والشأن ، أي فإن ms5423 الشأن والقصة هو ~~مضمون الجملة بعد الضمير ، أي لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب ، أي فإن ~~الأبصار والأسماع طرق لحصول العلم بالمبصرات والمسموعات ، والمدرك لذلك هو ~~الدماغ فإذا لم يكن في الدماغ عقل كان المبصر كالأعمى والسامع كالأصم ، ~~فآفة ذلك كله هو اختلال العقل . # واستعير العمى الثاني لانتفاء إدراك المبصرات بالعقل مع سلامة حاسة البصر ~~لشبهه به في الحالة الحاصلة لصاحبه . # والتعريف في { الأبصار } ، و { القلوب } ، و { الصدور } تعريف الجنس ~~الشامل لقلوب المتحدث عنهم وغيرهم ، والجمع فيها باعتبار أصحابها . # وحرف التوكيد في قوله : { فإنها لا تعمى الأبصار } لغرابة الحكم لا لأنه ~~مما يشك فيه . PageV17P289 # وغالب الجمل المفتتحة بضمير الشأن اقترانها بحرف التوكيد . # والقصر المستفاد من النفي وحرف الاستدراك قصر ادعائي للمبالغة بجعل فقد ~~حاسة البصر المسمى بالعمى كأنه غير عمى ، وجعل عدم الاهتداء إلى دلالة ~~المبصرات مع سلامة حاسة البصر هو العمى مبالغة في استحقاقه لهذا الاسم الذي ~~استعير إليه ، فالقصر ترشيح للاستعارة . # ففي هذه الآية أفانين من البلاغة والبيان وبداعة النظم . # و { التي في الصدور } صفة ل { القلوب } تفيد توكيدا للفظ { القلوب . } ~~فوزانه وزان الوصف في قوله تعالى : { ولا طائر يطير بجناحيه } ( الأنعام : ~~38 ) . ووزان القيد في قوله : { يقولون بأفواههم } ( آل عمران : 167 ) فهو ~~لزيادة التقرير والتشخيص . # ويفيد هذا الوصف وراء التوكيد تعريضا بالقوم المتحدث عنهم بأنهم لم ~~ينتفعوا بأفئدتهم مع شدة اتصالها بهم إذ هي قارة في صدورهم على نحو قول عمر ~~بن الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ( فالآن أنت أحب إلي من نفسي التي ~~بين جنبي ) ، فإن كونها بين جنبيه يقتضي أن تكون أحب الأشياء إليه . # # | 2 ( 47 ) { ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده وإن يوما عند ربك ~~كألف سنة مما تعدون } . ) 2 # عطف على جملة { وإن يكذبوك } ( الحج : 42 ) عطف القصة على القصة فإن من ~~تكذيبهم أنهم كذبوا بالوعيد وقالوا : لو كان محمد صادقا في وعيده لعجل لنا ~~وعيده ، فكانوا يسألونه التعجيل بنزول العذاب استهزاء ، PageV17P290 كما ~~حكى الله عنهم في قوله : { وإذ قالوا اللهم ms5424 إن كان هذا هو الحق من عندك ~~فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم } ( الأنفال : 32 ) ، ~~وقال : { ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين } ( السجدة : 28 ) فذكر ذلك ~~في هذه الآية بمناسبة قوله { فأمليت للكافرين } ( الحج : 44 ) الآية . # وحكي { ويستعجلونك } بصيغة المضارع للإشارة إلى تكريرهم ذلك تجديدا منهم ~~للاستهزاء وتوركا على المسلمين . # والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم والمقصود إبلاغه إياهم . # والباء من قوله { بالعذاب } زائدة لتأكيد معنى الاستعجال بشدته كأنه قيل ~~يحرصون على تعجيله . وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى : { ويستعجلونك بالسيئة ~~قبل الحسنة } في أول ( سورة الرعد : 6 ) . # ولما كان استعجالهم إياه تعريضا منهم بأنهم موقنون بأنه غير واقع أعقب ~~بقوله : { ولن يخلف الله وعده } ، أي فالعذاب الموعود لهم واقع لا محالة ~~لأنه وعد من الله والله لا يخلف وعده . وفيه تأنيس للنبي صلى الله عليه ~~وسلم والمؤمنين لئلا يستبطئونه . # وقوله : { وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون } عطف على جملة { ولن ~~يخلف الله وعده } ، فإن الله توعدهم بالعذاب وهو صادق على عذاب الدنيا ~~والآخرة وهم إنما استعجلوا عذاب الدنيا تهكما وكناية عن إيقانهم بعدم وقوعه ~~بلازم واحد ، وإيماء إلى عدم وقوع عذاب الآخرة بلازمين ، فرد الله عليهم ~~ردا عاما بقوله : { ولن يخلف الله وعده } ، وكان ذلك تثبيتا للمؤمنين ، ثم ~~أعقبه بإنذارهم بأن عذاب الآخرة لا يفلتون منه أيضا وهو أشد العذاب . # فقوله : { وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون } خبر مستعمل في التعريض ~~بالوعيد ، وهذا اليوم هو يوم القيامة . PageV17P291 # وفي معنى هذه الآية قوله تعالى : { يستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى ~~لجاءهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم ~~لمحيطة بالكافرين } ( العنكبوت : 53 54 ) . # وليس المراد بقوله : { وإن يوما عند ربك } إلى آخره استقصار أجل حلول ~~العذاب بهم في الدنيا كما درج عليه أكثر المفسرين لعدم رشاقة ذلك على أن ~~هذا الاستقصار يغني عنه قوله عقب هذا : { وكأين من قرية أمليت لها وهي ~~ظالمة ثم أخذتها } ( الحج : 48 ) . # والخطاب في { تعدون ms5425 } للنبيء صلى الله عليه وسلم والمؤمنين . وقرأ ~~الجمهور { تعدون } بالفوقية ، وقرأه ابن كثير ، وحمزة ، والكسائي { مما ~~يعدون } بياء الغائبين . أي مما يعده المشركون المستعجلون بالعذاب . # # | 2 ( 48 ) { وكأين من قرية أمليت لها وهى ظالمة ثم أخذتها وإلى المصير } ~~. ) 2 # عطف على جملة { ويستعجلونك بالعذاب } ( الحج : 47 ) أو على جملة { ولن ~~يخلف الله وعده } ( الحج : 47 ) باعتبار ما تضمنه استعجالهم بالعذاب من ~~التعريض بأنهم آيسون منه لتأخر وقوعه ، فذكروا بأن أمما كثيرة أمهلت ثم حل ~~بها العذاب . فوزان هذه الآية وزان قوله آنفا : { فكأين من قرية أهلكناها ~~وفي ظالمة } ( الحج : 45 ) الخ ؛ إلا أن الأولى قصد منها كثرة الأمم التي ~~أهلكت لئلا يتوهم من ذكر قوم نوح ومن عطف عليهم أن الهلاك لم يتجاوزهم ~~ولذلك اقتصر فيها على ذكر الإهلاك دون الإمهال . وهذه الآية القصد منها ~~التذكير بأن تأخير PageV17P292 الوعيد لا يقتضي إبطاله ، ولذلك اقتصر فيها ~~على ذكر الإمهال ثم الأخذ بعده المناسب للإملاء من حيث إنه دخول في القبضة ~~بعد بعده عنها . # وأما عطف جملة { فكأين من قرية أهلكناها } ( الحج : 45 ) بالفاء وعطف ~~جملة { وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة } بالواو فلأن الجملة الأولى ~~وقعت بدلا من جملة { فكيف كان نكير } ( الحج : 44 ) فقرنت بالفاء التي دخلت ~~نظيرتها على الجملة المبدل منها ، وأما هذه الجملة الثانية فخلية عن ذلك ~~فعطفت بالحرف الأصلي للعطف . # وجملة { وإلي المصير } تذييل ، أي مصير الناس كلهم إلي . والمصير مصدر ~~ميمي ل ( صار ) بمعنى : رجع ، وهو رجوع مجازي بمعنى الحصول في المكنة . # وتقديم المجرور للحصر الحقيقي ، أي لا يصير الناس إلا إلى الله ، وهو ~~يقتضي أن المصير إليه كائن لا محالة ، وهو المقصود من الحصر لأن الحصر ~~يقتضي حصول الفعل بالأحرى فهو كناية عن عدم الإفلات . # $ 2 ( 49 51 ) { قل ياأيها الناس إنمآ أنا لكم نذير مبين * فالذين ءامنوا ~~وعملوا الصالحات لهم مغفرة ورزق كريم * والذين سعوا فى & # 1764 ءاياتنا معاجزين أولائك أصحاب الجحيم } . ) 2 $ # استئناف بعد المواعظ السالفة والإنذارات ، وافتتاحه ب { قل } للاهتمام به ms5426 ~~، وافتتاح المقول بنداء الناس للفت ألبابهم إلى الكلام . والمخاطبون هم ~~المشركون . PageV17P293 # والغرض من خطابهم إعلامهم بأن تكذيبهم واستهزاءهم لا يغيظ النبي صلى الله ~~عليه وسلم ولا يصده عن أداء رسالته ، ففي ذلك قمع لهم إذ كانوا يحسبون أنهم ~~بتكذيبهم واستهزائهم يملونه فيترك دعوتهم ، وفيه تثبيت للنبيء وتسلية له ~~فيما يلقاه منهم . # وقصر النبي على صفة النذارة قصر إضافي ، أي لست طالبا نكايتكم ولا تزلفا ~~إليكم فمن آمن فلنفسه ومن عمى فعليها . # والنذير : المحذر من شر يتوقع . # وفي تقديم المجرور المؤذن بالاهتمام بنذارتهم إيماء إلى أنهم مشرفون على ~~شر عظيم فهم أحرياء بالنذارة . # والمبين : المفصح الموضح ، أي مبين للإنذار بما لا إيهام فيه ولا مصانعة ~~. # وفرع على الأمر بالقول تقسيم للناس في تلقي هذا الإنذار المأمور الرسول ~~بتبليغه إلى مصدق ومكذب لبيان حال كلا الفريقين في الدنيا والآخرة ترغيبا ~~في الحالة الحسنى وتحذيرا من الحالة السوأى فقال تعالى : { فالذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات لهم } إلى آخره . . . فهذا إخبار من الله تعالى كما يقتضيه ~~قوله { في آياتنا } . # والجملة معترضة بالفاء . # والمغفرة : غفران ما قدموه من الشرك وما يتبعه من شرائع الشرك وضلالاته ~~ومفاسده . وهذه المغفرة تفضي إلى نعيم الآخرة ، فالمعنى : أنهم فازوا في ~~الدار الآخرة . # والرزق : العطاء . ووصفه بالكريم يجمع وفرته وصفاءه من المكدرات كقوله ~~تعالى : { لهم أجر غير ممنون } ( فصلت : 8 ) ذلك هو الجنة . PageV17P294 # والرزق منه ما هو حاصل لهم في الدنيا ، فهم متمتعون بانشراح صدورهم ~~ورضاهم عن ربهم ، وأعظمه ما يحصل لهم في الآخرة . # والذين سعوا هم الفريق المقابل للذين آمنوا ، فمعناه : والذين استمروا ~~على الكفر ، فعبر عن الاستمرار بالسعي في الآيات لأنه أخص من الكفر ، وذلك ~~حال المشركين المتحدث عنهم . # والسعي : المشي الشديد . ويطلق على شدة الحرص في العمل تشبيها للعامل ~~الحريص بالماشي الشديد المشي في كونه يكد للوصول إلى غاية كما قال تعالى : ~~{ ثم أدبر يسعى فحشر فنادى } ( النازعات : 22 23 ) فليس المراد أن فرعون ~~خرج يمشي وإنما المراد أنه صرف عنايته لإحضار السحرة لإحباط دعوة موسى . ~~وقال تعالى ms5427 : { ويسعون في الأرض فسادا } ( المائدة : 64 ) . # والكلام تمثيل ، شبهت هيئة تفننهم في التكذيب بالقرآن وتطلب المعاذير ~~لنقض دلائله من قولهم : هو سحر ، هو شعر ، هو أساطير الأولين ، هو قول ~~مجنون ، وتعرضهم بالمجادلات والمناقضات للنبيء صلى الله عليه وسلم بهيئة ~~الساعي في طريق يسابق غيره ليفوز بالوصول . # والمعاجز : المسابق الطالب عجز مسايره عن الوصول إلى غايته وعن اللحاق به ~~، فصيغ له المفاعلة لأن كل واحد يطلب عجز الآخر عن لحاقه . والمعنى : أنهم ~~بعملهم يغالبون رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم لا يشعرون أنهم يحاولون ~~أن يغلبوا الله وقد ظنوا أنهم نالوا مرادهم في الدنيا ولم يعلموا ما لهم من ~~سوء العاقبة . # وقرأ الجمهور { معاجزين } بألف بعد العين وقرأه ابن كثير ، وأبو عمرو { ~~معجزين } بفتح العين وتضعيف الجيم ، أي محاولين إعجاز الله تعالى وهم لا ~~يعلمون . PageV17P295 # والتصدير باسم الإشارة في قوله { أولئك أصحاب الجحيم } للتنبيه على أن ~~المخبر عنهم جديرون بما سيرد بعد اسم الإشارة من الحكم لأجل ما ذكر قبله من ~~الأوصاف ، أي هم أصحاب الجحيم لأنهم سعوا في آياتنا معاجزين . ومن أحسن ما ~~يفسر هذه الآية ما جاء في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ~~( إن مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قومه فقال : يا قوم إني رأيت ~~الجيش بعيني وأنا النذير العريان فالنجاء النجاء ، فأطاعته طائفة من قومه ~~فأدلجوا وانطلقوا على مهلهم ، وكذبت طائفة منهم فأصبحوا مكانهم فصبحهم ~~الجيش فأهلكهم واجتاحهم . فذلك مثلي ومثل من أطاعني واتبع ما جئت به ، ومثل ~~من عصاني وكذب ما جئت به من الحق ) . # $ 2 ( 52 54 ) { ومآ أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى إلا إذا تمنى ألقى ~~الشيطان فى & # 1764 أمنيته فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله ءاياته والله عليم ~~حكيم * ليجعل ما يلقى الشيطان فتنة للذين فى قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم ~~وإن الظالمين لفى شقاق بعيد * وليعلم PageV17P296 الذين أوتوا العلم أنه ~~الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله لهاد ms5428 الذين ءامنو & # 1764 ا إلى صراط مستقيم } . ) 2 $ # عطف على جملة { قل ياأيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين } ( الحج : 49 ) ~~لأنه لما أفضى الكلام السابق إلى تثبيت النبي عليه الصلاة والسلام وتأنيس ~~نفسه فيما يلقاه من قومه من التكذيب بأن تلك شنشنة الأمم الظالمة من قبلهم ~~فيما جاء عقب قوله : { وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة } ( الحج : 48 ) ~~الخ . . وأنه مقصور على النذارة فمن آمن فقد نجا ومن كفر فقد هلك ، أريد ~~الانتقال من ذلك إلى تفصيل تسليته وتثبيته بأنه لقي ما لقيه سلفه من الرسل ~~والأنبياء عليهم السلام ، وأنه لم يسلم أحد منهم من محاولة الشيطان أن يفسد ~~بعض ما يحاولونه من هدي الأمم وأنهم لقوا من أقوامهم مكذبين ومصدقين سنة ~~الله في رسله عليهم السلام . # فقوله : { من رسول ولا نبيء } نص في العموم ، فأفاد أن ذلك لم يعد أحدا ~~من الأنبياء والرسل . # وعطف { نبيء } على { رسول } دال على أن للنبيء معنى غير معنى الرسول : # فالرسول : هو الرجل المبعوث من الله إلى الناس بشريعة . والنبي : من أوحى ~~الله إليه بإصلاح أمر قوم بحملهم على شريعة سابقة أو بإرشادهم إلى ما هو ~~مستقر في الشرائع كلها فالنبي أعم من الرسول ، وهو التحقيق . # والتمني : كلمة مشهورة ، وحقيقتها : طلب الشيء العسير حصوله . والأمنية : ~~الشيء المتمنى . وإنما يتمنى الرسل والأنبياء أن يكون قومهم PageV17P297 ~~كلهم صالحين مهتدين ، والاستثناء من عمومم أحوال تابعة لعموم أصحابها وهو { ~~من رسول ولا نبيء } ، أي ما أرسلناهم في حال من الأحوال إلا في حالل إذا ~~تمنى أحدهم أمنية ألقى الشيطان فيها الخ ، أي في حال حصول الإلقاء عند حصول ~~التمني لأن أماني الأنبياء خير محض والشيطان دأبه الإفساد وتعطيل الخير . # والقصر المستفاد من النفي والاستثناء قصر موصوف على صفة ، وهو قصر إضافي ~~، أي دون أن نرسل أحدا منهم في حال الخلو من إلقاء الشيطان ومكره . # والإلقاء حقيقته : رمي الشيء من اليد . واستعير هنا للوسوسة وتسويل ~~الفساد تشبيها للتسويل بإلقاء شيء من اليد بين الناس . ومنه قوله تعالى ms5429 : { ~~فكذلك ألقى السامري } ( طه : 87 ) وقوله : { فألقوا إليهم القول } ( النحل ~~: 86 ) وكقوله تعالى : { فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها } ( طه : 96 ) ~~على ما حققناه فيما مضى . # ومفعول { ألقى } محذوف دل عليه المقام لأن الشيطان إنما يلقي الشر ~~والفساد ، فإسناد التمني إلى الأنبياء دل على أنه تمني الهدى والصلاح ، ~~وإسناد الإلقاء إلى الشيطان دل على أنه إلقاء الضلال والفساد . فالتقدير : ~~أدخل الشيطان في نفوس الأقوام ضلالات تفسد ما قاله الأنبياء من الإرشاد . # ومعنى إلقاء الشيطان في أمنية النبي والرسول إلقاء ما يضادها ، كمن يمكر ~~فيلقى السم في الدسم ، فإلقاء الشيطان بوسوسته : أن يأمر الناس بالتكذيب ~~والعصيان ، ويلقي في قلوب أيمة الكفر مطاعن يبثونها في قومهم ، ويروج ~~الشبهات بإلقاء الشكوك التي تصرف نظر العقل عن تذكر البرهان ، والله تعالى ~~يعيد الإرشاد ويكرر الهدي على لسان النبي ، ويفضح وساوس الشيطان وسوء فعله ~~PageV17P298 بالبيان الواضح كقوله تعالى : { يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان ~~كما أخرج أبويكم من الجنة } ( الأعراف : 27 ) وقوله : { إن الشيطان لكم عدو ~~فاتخذوه عدوا } ( فاطر : 6 ) . فالله بهديه وبيانه ينسخ ما يلقي الشيطان ، ~~أي يزيل الشبهات التي يلقيها الشيطان ببيان الله الواضح ، ويزيد آيات دعوة ~~رسله بيانا ، وذلك هو إحكام آياته ، أي تحقيقها وتثبيت مدلولها وتوضيحها ~~بما لا شبهة بعده إلا لمن رين على قلبه ، وقد تقدم معنى الآيات المحكمات في ~~آل عمران . # وقد فسر كثير من المفسرين { تمنى } بمعنى قرأ ، وتبعهم أصحاب كتب اللغة ~~وذكروا بيتا نسبوه إلى حسان بن ثابت وذكروا قصة بروايات ضعيفة سنذكرها . ~~وأيا ما كان فالقول فيه هو والقول في تفسير التمني بالمعنى المشهور سواء ، ~~أي إذا قرأ على الناس ما أنزل إليه ليهتدوا به ألقى الشيطان في أمنيته ، أي ~~في قراءته ، أي وسوس لهم في نفوسهم ما يناقضه وينافيه بوسوسته للناس ~~التكذيب والإعراض عن التدبر . فشبه تسويل الشيطان بوسوسته للكافرين عدم ~~امتثال النبي بإلقاء شيء في شيء لخلطه وإفساده . # وعندي في صحة إطلاق لفظ الأمنية على القراءة شك عظيم ، فإنه وإن كان قد ~~ورد تمنى ms5430 بمعنى قرأ في بيت نسب إلى حسان بن ثابت إن صحت رواية البيت عن ~~حسان على اختلاف في مصراعه الأخير : # تمنى كتاب الله أول ليله # تمني داوود الزبور على مهل # فلا أظن أن القراءة يقال لها أمنية . # ويجوز أن يكون المعنى أن النبي إذا تمنى هدي قومه أو حرص على ذلك فلقي ~~منهم العناد ، وتمنى حصول هداهم بكل وسيلة ألقى الشيطان في نفس النبي خاطر ~~اليأس من هداهم عسى أن يقصر النبيء PageV17P299 من حرصه أو أن يضجره ، وهي ~~خواطر تلوح في النفس ولكن العصمة تعترضها فلا يلبث ذلك الخاطر أن ينقشع ~~ويرسخ في نفس الرسول ما كلف به من الدأب على الدعوة والحرص على الرشد . ~~فيكون معنى الآية على هذا الوجه ملوحا إلى قوله تعالى : { وإن كان كبر عليك ~~إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية ~~ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين } ( الأنعام : 35 ) . # و { ثم } في قوله : { ثم يحكم الله آياته } للترتيب الرتبي ، لأن إحكام ~~الآيات وتقريرها أهم من نسخ ما يلقي الشيطان إذ بالإحكام يتضح الهدى ويزداد ~~ما يلقيه الشيطان نسخا . # وجملة { والله عليم حكيم } معترضة . # ومعنى هذه الآية : أن الأنبياء والرسل يرجون اهتداء قومهم ما استطاعوا ~~فيبلغونهم ما ينزل إليهم من الله ويعظونهم ويدعونهم بالحجة والمجادلة ~~الحسنة حتى يظنوا أن أمنيتهم قد نجحت ويقترب القوم من الإيمان ، كما حكى ~~الله عن المشركين قولهم : { أهذا الذي بعث الله رسولا إن كاد ليضلنا عن ~~آلهتنا لولا أن صبرنا عليها } ( الفرقان : 41 42 ) فيأتي الشيطان فلا يزال ~~يوسوس في نفوس الكفار فينكصون على أعقابهم ، وتلك الوساوس ضروب شتى من ~~تذكيرهم بحب آلهتهم ، ومن تخويفهم بسوء عاقبة نبذ دينهم ، ونحو ذلك من ضروب ~~الضلالات التي حكيت عنهم في تفاصيل القرآن ، فيتمسك أهل الضلالة بدينهم ~~ويصدون عن دعوة رسلهم ، وذلك هو الصبر الذي في قوله : { لولا أن صبرنا ~~عليها } ( الفرقان : 42 ) وقوله : { وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا ~~على آلهتكم } ( ص ms5431 : 6 ) . وكلما أفسد الشيطان دعوة الرسل أمر الله رسله ~~فعاودوا الإرشاد وكرروه وهو سبب تكرر مواعظ متماثلة في القرآن ، فبتلك ~~PageV17P300 المعاودة ينسخ ما ألقاه الشيطان وتثبت الآيات السالفة . فالنسخ ~~: الإزالة ، والإحكام : التثبيت . وفي كلتا الجملتين حذف مضاف ، أي ينسخ ~~آثار ما يلقي الشيطان ، ويحكم آثار آياته . # واللامان في قوله { ليجعل } وفي قوله { وليعلم } متعلقان بفعل { ينسخ ~~الله } فإن النسخ يقتضي منسوخا ، وفي { يجعل } ضمير عائد إلى الله في قوله ~~: { فينسخ الله } . # والجعل هنا : جعل نظام ترتب المسببات على أسبابها ، وتكوينن تفاوت ~~المدارك ومراتب درجاتها . فالمعنى : أن الله مكن الشيطان من ذلك الفعل بأصل ~~فطرته من يوم خلق فيه داعية الإضلال ، ونسخ ما يلقيه الشيطان بواسطة رسله ~~وآياته ليكون من ذلك فتنة ضلال كفر وهدي إيمان بحسب اختلاف القابليات . ~~فهذا كقوله تعالى : { قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم ~~أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين قال هذا صراط علي مستقيم إن عبادي ليس لك ~~عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين } ( الحجر : 39 40 ) . # ولام { ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة } مستعار لمعنى الترتب مثل اللام في ~~قوله تعالى : { فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا } ( القصص : 8 ) . وهي ~~مستعارة لمعنى التعقيب الذي حقه أن يكون بحرف الفاء ، أي تحصل عقب النسخ ~~الذي فعله الله فتنة من افتتن من المشركين بانصرافهم عن التأمل في أدلة نسخ ~~ما يلقيه الشيطان ، وعن استماع ما أحكم الله به آياته ، فيستمر كفرهم ويقوى ~~. # وأما لام { وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك } فهي على أصل معنى ~~التعليل ، أي ينسخ الله ما يلقي الشيطان لإرادة أن يعلم المؤمنون أنه الحق ~~برسوخ ما تمناه الرسول والأنبياء لهم من الهدى كما يحصل لهم بما يحكم الله ~~من آياته ازدياد الهدى في قلوبهم . PageV17P301 # و { الذين في قلوبهم مرض } هم المترددون في قبول الإيمان . و { القاسية ~~قلوبهم } هم الكافرون المصممون على الكفر . والفريقان هم المراد ب { ~~الظالمين } في قوله : { وإن الظالمين لفي شقاق بعيد } . فذكر { الظالمين } ~~إظهار في مقام الإضمار ms5432 للإيماء إلى أن علة كونهم في شقاق بعيد هي ظلمهم ، ~~أي كفرهم . # والشقاق : الخلاف والعداوة . # والبعيد هنا مستعمل في معنى : البالغ حدا قويا في حقيقته . تشبيها ~~لانتشار الحقيقة فيه بانتشار المسافة في المكان البعيد كما في قوله تعالى { ~~فذو دعاء عريض } ( فصلت : 51 ) أي دعاء كثير ملح . # وجملة { وإن الظالمين لفي شقاق بعيد } معترضة بين المتعاطفات . # و { الذين أوتوا العلم } هم المؤمنون بقرينة مقابلته ب { الذين في قلوبهم ~~مرض } وبقوله { وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم } . فالمراد ~~بالعلم الوحي والكتب التي أوتيها أصحاب الرسل السابقين فإنهم بها يصيرون من ~~أهل العلم . # وإطلاق { الذين أوتوا العلم } على المؤمنين تكرر في القرآن . # وهذا ثناء على أصحاب الرسل بأنهم أوتوا العلم ، وهو علم الدين الذي ~~يبلغهم الرسل عليهم الصلاة والسلام ، فإن نور النبوءة يشرق في قلوب الذين ~~يصحبون الرسول . ولذلك تجد من يصحب الرسول صلى الله عليه وسلم قد يكون قبل ~~الإيمان جلفا فإذا آمن انقلب حكيما ، مثل عمر بن الخطاب رضي الله عنه . # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ( أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم ~~اهتديتم ) . PageV17P302 # وضمير { أنه الحق } عائد إلى العلم الذي أوتوه ، أي ليزدادوا يقينا بأن ~~الوحي الذي أوتوه هو الحق لا غيره مما ألقاه الشيطان لهم من التشكيك والشبه ~~والتضليل ، فالقصر المستفاد من تعريف الجزأين قصر إضافي . ويجوز أن يكون ~~ضمير { أنه } عائدا إلى ما تقدم من قوله { فينسخ الله } إلى قوله { ثم يحكم ~~الله آياته } ، أي أن المذكور هو الحق ، كقول رؤبة : # فيها خطوط من سواد وبلق # كأنه في الجلد توليع البهق # أي كان كالمذكور . # وقوله { فيؤمنوا به } معناه : فيزدادوا إيمانا أو فيؤمنوا بالناسخ ~~والمحكم كما آمنوا بالأصل . # والإخبات : الاطمئنان والخشوع . وتقدم آنفا عند قوله تعالى : { وبشر ~~المخبتين } ( الحج : 34 ) ، أي فيستقر ذلك في قلوبهم كقوله تعالى : { قال ~~بلى ولكن ليطمئن قلبي } ( البقرة : 260 ) . # وبما تلقيت في تفسير هذه الآية من الانتظام البين الواضح المستقل بدلالته ~~والمستغني بنهله عن علالته ، والسالم من التكلفات والاحتياج إلى ضميمة ~~القصص ms5433 ترى أن الآية بمعزل عما ألصقه بها الملصقون والضعفاء في علوم السنة ، ~~وتلقاه منهم فريق من المفسرين حبا في غرائب النوادر دون تأمل ولا تمحيص ، ~~من أن الآية نزلت في قصة تتعلق بسورة النجم فلم يكتفوا بما أفسدوا من معنى ~~الآية حتى تجاوزوا بهذا الإلصاق إلى إفساد معاني سورة النجم ، فذكروا في ~~ذلك روايات عن سعيد بن جبير ، وابن شهاب ، ومحمد بن كعب القرطبي ، وأبي ~~العالية ، والضحاك وأقربها رواية عن ابن شهاب وابن جبير والضحاك قالوا : إن ~~النبي صلى الله عليه وسلم جلس في ناد من أندية قريش كثير أهله من مسلمين ~~وكافرين ، فقرأ عليهم سورة PageV17P303 النجم فلما بلغ قوله : { أفرأيتم ~~اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى } ( النجم : 19 ، 20 ) ألقى الشيطان بين ~~السامعين عقب ذلك قوله : { تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى ففرح ~~المشركون بأن ذكر آلهتهم بخير ، وكان في آخر تلك السورة سجدة من سجود ~~التلاوة ، فلما سجد في آخر السورة سجد كل من حضر من المسلمين والمشركين ، ~~وتسامع الناس بأن قريشا أسلموا حتى شاع ذلك ببلاد الحبشة ، فرجع من مهاجرة ~~الحبشة نفر منهم عثمان بن عفان إلى المدينة ، وأن النبي لم يشعر بأن ~~الشيطان ألقى في القوم ، فأعلمه جبريل عليه السلام فاغتم لذلك فنزل قوله ~~تعالى : وما أرسلنا من قبلك } الآية تسلية له . # وهي قصة يجدها السامع ضغثا على إبالة ، ولا يلقي إليها النحرير باله . ~~وما رويت إلا بأسانيد واهية ومنتهاها إلى ذكر قصة ، وليس في أحد أسانيدها ~~سماع صحابي لشيء في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم وسندها إلى ابن عباس سند ~~مطعون . على أن ابن عباس يوم نزلت سورة النجم كان لا يحضر مجالس النبي صلى ~~الله عليه وسلم وهي أخبار آحاد تعارض أصول الدين لأنها تخالف أصل عصمة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم لا التباس عليه في تلقي الوحي . ويكفي تكذيبا ~~لها قوله تعالى : { وما ينطق عن الهوى } ( النجم : 3 ) وفي معرفة الملك . ~~فلو رووها الثقات لوجب رفضها وتأويلها فكيف وهي ضعيفة واهية . وكيف يروج ms5434 ~~على ذي مسكة من عقل أن يجتمع في كلامم واحد تسفيه المشركين في عبادتهم ~~الأصنام بقوله تعالى : { أفرأيتم اللات والعزى } ( النجم : 19 ) إلى قوله : ~~{ ما أنزل الله بها من سلطان } ( النجم : 23 ) فيقع في خلال ذلك مدحها ~~بأنها ( الغرانيق العلى وأن شفاعتهن لترتجى ) . وهل هذا إلا كلام يلعن بعضه ~~بعضا . وقد اتفق الحاكون أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ سورة النجم كلها ~~PageV17P304 حتى خاتمتها { فاسجدوا لله واعبدوا } ( النجم : 62 ) لأنهم ~~إنما سجدوا حين سجد المسلمون ، فدل على أنهم سمعوا السورة كلها وما بين آية ~~{ أفرأيتم اللات والعزى } ( النجم : 19 ) وبين آخر السورة آيات كثيرة في ~~إبطال الأصنام وغيرها من معبودات المشركين ، وتزييف كثير لعقائد المشركين ~~فكيف يصح أن المشركين سجدوا من أجل الثناء على آلهتهم . فإن لم تكن تلك ~~الأخبار مكذوبة من أصلها فإن تأويلها : أن بعض المشركين وجدوا ذكر اللات ~~والعزى فرصة للدخل لاختلاق كلمات في مدحهن ، وهي هذه الكلمات وروجوها بين ~~الناس تأنيسا لأوليائهم من المشركين وإلقاء للريب في قلوب ضعفاء الإيمان . # وفي ( شرح الطيبي على الكشاف ) نقلا عن بعض المؤرخين : أن كلمات ( ~~الغرانيق . . . ) ( أي هذه الجمل ) من مفتريات ابن الزبعرى . ويؤيد هذا ما ~~رواه الطبري عن الضحاك : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أنزل عليه قصة آلهة ~~العرب ( أي قوله تعالى : { أفرأيتم اللات والعزى } ( النجم : 19 ) الخ ) ~~فجعل يتلو : اللات والعزى ( أي الآية المشتملة على هذا ) فسمع أهل مكة نبيء ~~الله يذكر آلهتهم ففرحوا ودنوا بستمعون فألقى الشيطان تلك الغرانيق العلى ~~منها الشفاعة ترتجى ) فإن قوله : ( دنوا يستمعون فألقى الشيطان ) الخ يؤذن ~~بأنهم لم يسمعوا أول السورة ولا آخرها وأن شيطانهم ألقى تلك الكلمات . ولعل ~~ابن الزبعرى كانت له مقدرة على محاكاة الأصوات وهذه مقدرة توجد في بعض ~~الناس . وكنت أعرف فتى من أترابنا ما يحاكي صوت أحد إلا ظنه السامع أنه صوت ~~المحاكى . # وأما تركيب تلك القصة على الخبر الذي ثبت فيه أن المشركين سجدوا في آخر ~~سورة النجم لما سجد المسلمون ، وذلك مروي في ms5435 الصحيح ، فذلك من تخليط ~~المؤلفين . PageV17P305 # وكذلك تركيب تلك القصة على آية سورة الحج . وكم بين نزول سورة النجم التي ~~هي من أوائل السور النازلة بمكة وبين نزول سورة الحج التي بعضها من أول ما ~~نزل بالمدينة وبعضها من آخر ما نزل بمكة . # وكذلك ربط تلك القصة بقصة رجوع من رجع من مهاجرة الحبشة . وكم بين مدة ~~نزول سورة النجم وبين سنة رجوع من رجع من مهاجرة الحبشة . # فالوجه : أن هذه الشائعة التي أشيعت بين المشركين في أول الإسلام ، إنما ~~هي من اختلاقات المستهزئين من سفهاء الأحلام بمكة مثل ابن الزبعرى ، وأنهم ~~عمدوا إلى آية ذكرت فيها اللات والعزى ومناة فركبوا عليها كلمات أخرى ~~لإلقاء الفتنة في الناس وإنما خصوا سورة النجم بهذه المرجفة لأنهم حضروا ~~قراءتها في المسجد الحرام وتعلقت بأذهانهم وتطلبا لإيجاد المعذرة لهم بين ~~قومهم على سجودهم فيها الذي جعله الله معجزة النبي صلى الله عليه وسلم وقد ~~سرى هذا التعسف إلى إثبات معنى في اللغة ، فزعموا أن { تمنى بمعنى : قرأ ، ~~والأمنية : القراءة ، وهو ادعاء لا يوثق به ولا يوجد له شاهد صريح في كلام ~~العرب . وأنشدوا بيتا لحسان بن ثابت في رثاء عثمان رضي الله عنه : # تمنى كتاب الله أول ليله # وآخره لاقى حمام المقادر # وهو محتمل أن معناه تمنى أن يقرأ القرآن في أول الليل على عادته فلم ~~يتمكن من ذلك بتشغيب أهل الحصار عليه وقتلوه آخر الليل . ولهذا جعله تمنيا ~~لأنه أحب ذلك فلم يستطع . وربما أنشدوه برواية أخرى فظن أنه شاهد آخر ، ~~وربما توهموا الرواية الثانية بيتا آخر . ولم يذكر الزمخشري هذا المعنى في ~~الأساس } . وقد قدمنا ذلك عند PageV17P306 قوله تعالى : { ومنهم أميون لا ~~يعلمون الكتاب إلا أماني في سورة } ( البقرة : 78 ) . # وجملة { إن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم } معترضة . والواو ~~للاعتراض ، والذين أوتوا العلم هم المؤمنون . وقد جمع لهم الوصفان كما في ~~قوله تعالى : { وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله ~~إلى يوم البعث } في سورة ( الروم : 56 ms5436 ) . وكما في سورة ( سبأ : 6 ) { ويرى ~~الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق } . فإظهار لفظ { الذين ~~آمنوا } في مقام ضمير { الذين أوتوا العلم } لقصد مدحهم بوصف الإيمان ، ~~والإيماء إلى أن إيمانهم هو سبب هديهم . وعكسه قوله تعالى : { إن الله لا ~~يهدي من هو كاذب كفار } ( الزمر : 3 ) . فالمراد بالهدى في كلتا الآيتين ~~عناية الله بتيسيره وإلا فإن الله هدى الفريقين بالدعوة والإرشاد فمنهم من ~~اهتدى ومنهم من كفر . # وكتب في المصحف { لهاد } بدون ياء بعد الدال واعتبارا بحالة الوصل على ~~خلاف الغالب . وفي الوقف يثبت يعقوب الياء بخلاف البقية . # # | 2 ( 55 ) { ولا يزال الذين كفروا فى مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة ~~أو يأتيهم عذاب يوم عقيم } . ) 2 # لما حكى عن الذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم أن ما يلقيه لهم الشيطان ~~من إبطال ما جاءت به الرسل يكون عليهم فتنة . خص في هذه الآية الكافرين ~~بالقرآن بعد أن عمهم مع جملة الكافرين بالرسل ، فخصهم بأنهم يستمر شكهم ~~فيما جاء به PageV17P307 محمد صلى الله عليه وسلم ويترددون في الإقدام على ~~الإسلام إلى أن يحال بينهم وبينه بحلول الساعة بغتة أو بحلول عذاب بهم قبل ~~الساعة ، فالذين كفروا هنا هم مشركو العرب بقرينة المضارع في فعل { لا يزال ~~} وفعل { حتى تأتيهم } الدالين على استمرار ذلك في المستقبل . # ولأجل ذلك قال جمع من المفسرين : إن ضمير { في مرية منه } عائد إلى ~~القرآن المفهوم من المقام ، والأظهر أنه عائد إلى ما عاد عليه ضمير { أنه ~~الحق من ربك فيؤمنوا به } ( الحج : 54 ) . # و { الساعة } علم بالغلبة على يوم القيامة في اصطلاح القرآن ، واليوم : ~~يوم الحرب ، وقد شاع إطلاق اسم اليوم على وقت الحرب . ومنه دعيت حروب العرب ~~المشهورة ( أيام العرب ) . # والعقيم : المرأة التي لا تلد ؛ استعير العقيم للمشؤوم لأنهم يعدون ~~المرأة التي لا تلد مشؤومة . # فالمعنى : يأتيهم يوم يستأصلون فيه قتلا : وهذا إنذار بيوم بدر . # $ 2 ( 56 59 ) { الملك يومئذ لله يحكم بينهم فالذين ءامنوا وعملوا ~~الصالحات فى جنات النعيم ms5437 * والذين كفروا وكذبوا بئاياتنا فأولائك لهم عذاب ~~مهين * والذين هاجروا فى سبيل الله ثم قتلو & # 1764 ا أو ماتوا ليرزقنهم الله PageV17P308 رزقا حسنا وإن الله لهو خير ~~الرازقين * ليدخلنهم مدخلا يرضونه وإن الله لعليم حليم } ) 2 $ # آذنت الغاية التي في قوله : { حتى تأتيهم الساعة بغتة } ( الحج : 55 ) أن ~~ذلك وقت زوال مرية الذين كفروا ، فكان ذلك منشأ سؤال سائل عن صورة زوال ~~المرية : وعن ماذا يلقونه عند زوالها ، فكان المقام أن يجاب السؤال بجملة { ~~الملك يومئذ لله يحكم بينهم } إلى آخر ما فيها من التفصيل ، فهي استئناف ~~بياني . # فقوله { يومئذ } تقدير مضافه الذي عوض عنه التنوين : يوم إذ تزول مريتهم ~~بحلول الساعة وظهور أن ما وعدهم الله هو الحق ، أو يوم إذ تأتيهم الساعة ~~بغتة . # وجملة { يحكم بينهم } اشتمال من جملة { الملك يومئذ لله } . # والحكم بينهم : الحكم فيما اختلفوا فيه من ادعاء كل فريق أنه على الحق ~~وأن ضده على الباطل ، الدال عليه قوله : { وليعلم الذين أوتوا العلم أنه ~~الحق من ربك } ( الحج : 54 ) وقوله : { ولا يزال الذين كفروا في مرية منه } ~~( الحج : 55 ) فقد يكون الحكم بالقول ، وقد يكون بظهور آثار الحق لفريق ~~وظهور آثار الباطل لفريق ، وقد فصل الحكم بقوله : { فالذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات } الخ ، وهو تفصيل لأثر الحكم يدل على تفصيل أصله ، أي ذلك حكم ~~الله بينهم في ذلك اليوم . # وأريد بالذين آمنوا وعملوا الصالحات عمومه . وخص بالذكر منهم الذين ~~هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا تنويها بشأن الهجرة ، ولأجلها استوى ~~أصحابها في درجات الآخرة سواء منهم من قتل في سبيل الله أو مات في غير قتال ~~بعد أن هاجر من دار الكفر . PageV17P309 # والتعريف في { الملك } تعريف الجنس ، فدلت جملة { الملك يومئذ لله } على ~~أن ماهية الملك مقصورة يومئذ على الكون ملكا لله ، كما تقدم في قوله تعالى ~~{ الحمد لله } ( الفاتحة : 2 ) أي لا ملك لغيره يومئذ . # والمقصود بالكلام هو جملة { يحكم بينهم } إذ هم البدل . وإنما قدمت جملة ~~{ الملك يومئذ لله } تمهيدا لها وليقع ms5438 البيان بالبدل بعد الإبهام الذي في ~~المبدل منه . # وافتتح الخبر عن الذين كفروا باسم الإشارة في قوله { فأولئك لهم عذاب ~~مهين } للتنبيه على أنهم استحقوا العذاب المهين لأجل ما تقدم من صفتهم ~~بالكفر والتكذيب بالآيات . # والمهين : المذل ، أي لهم عذاب مشتمل على ما فيه مذلتهم كالضرب بالمقامع ~~ونحوه . # وقرن { فأولئك لهم عذاب مهين } بالفاء لما تضمنه التقسيم من معنى حرف ~~التفصيل وهو ( أما ) ، كأنه قيل : وأما الذين كفروا ، لأنه لما تقدم ثواب ~~الذين آمنوا كان المقام مثيرا لسؤال من يترقب مقابلة ثواب المؤمنين بعقاب ~~الكافرين وتلك المقابلة من مواقع حرف التفصيل . # والرزق : العطاء ، وهو كل ما يتفضل به من أعيان ومنافع ، ووصفه بالحسن ~~لإفادة أنه يرضيهم بحيث لا يتطلبون غيره لأنه لا أحسن منه . # وجملة { ليدخلنهم مدخلا يرضونه } بدل من جملة { ليرزقنهم الله رزقا حسنا ~~} ، وهي بدل اشتمال ، لأن كرامة المنزل من جملة PageV17P310 الإحسان في ~~العطاء بل هي أبهج لدى أهل الهمم ، ولذلك وصف المدخل ب { يرضونه . # ووقعت جملة وإن الله لهو خير الرازقين } معترضة بين البدل والمبدل منه ، ~~وصريحها الثناء على الله . وكنايتها التعريض بأن الرزق الذي يرزقهم الله هو ~~خير الأرزاق لصدوره من خير الرازقين . # وأكدت الجملة بحرف التوكيد ولامه وضمير الفصل تصويرا لعظمة رزق الله ~~تعالى . وجملة : { وإن الله لعليم حليم } تذييل ، أي عليم بما تجشموه من ~~المشاق في شأن هجرتهم من ديارهم وأهلهم وأموالهم ، وهو حليم بهم فيما لاقوه ~~فهو يجازيهم بما لقوه من أجله . وهذه الآية تبين مزية المهاجرين في الإسلام ~~. # وقرأ نافع { مدخلا } بفتح الميم على أنه اسم مكان من دخل المجرد لأن ~~الإدخال يقتضي الدخول . وقرأ الباقون بضم الميم جريا على فعل { ليدخلنهم } ~~المزيد وهو أيضا اسم مكان للإدخال . # # | 2 ( 60 ) { ذالك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغى عليه لينصرنه الله إن ~~الله لعفو غفور } ) 2 # اسم الإشارة للفصل بين الكلامين لفتا لأذهان السامعين إلى ما سيجيء من ~~الكلام لأن ما بعده غير صالح لأن يكون خبرا عن اسم الإشارة . وقد ms5439 تقدم ~~نظيره عند قوله : { ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه } ( الحج : ~~30 ) . # وجملة { ومن عاقب } الخ ، معطوفة على جملة { والذين هاجروا في سبيل الله ~~} ( الحج : 58 ) الآية . PageV17P311 # والغرض منها التهيئة للجهاد والوعد بالنصر الذي أشير إليه سابقا بقوله ~~تعالى : { أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير } إلى ~~قوله : { ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز } ( الحج : 39 40 ) ، ~~فإنه قد جاء معترضا في خلال النعي على تكذيب المكذبين وكفرهم النعم ، فأكمل ~~الغرض الأول بما فيه من انتقالات ، ثم عطف الكلام إلى الغرض الذي جرت منه ~~لمحة فعاد الكلام هنا إلى الوعد بنصر الله القوم المعتدى عليهم كما وعدهم ~~بأن يدخلهم في الآخرة مدخلا يرضونه . # وجيء بإشارة الفصل للتنبيه على أهمية ما بعده . # وما صدق ( من ) الموصولة العموم لقوله فيما سلف { أذن للذين يقاتلون ~~بأنهم ظلموا } ( الحج : 39 ) ، فنبه على أن القتال المأذون فيه هو قتال ~~جزاء على اعتداء سابق كما دل عليه أيضا قوله { بأنهم ظلموا } ( الحج : 39 ) ~~. # وتغيير أسلوب الجمع الذي في قوله { أذن للذين يقاتلون } ( الحج : 39 ) ~~إلى أسلوب الإفراد في قوله { ومن عاقب } للإشارة إلى إرادة العموم من هذا ~~الكلام ليكون بمنزلة القاعدة الكلية لسنة من سنن الله تعالى في الأمم . # ولما أتي في الصلة هنا بفعل { عاقب } مع قصد شمول عموم الصلة للذين أذن ~~لهم بأنهم ظلموا علم السامع أن القتال المأذون لهم به قتال جزاء على ظلم ~~سابق . # وفي ذلك تحديد لقانون العقاب أن يكون مماثلا للعدوان المجزى عليه ، أي أن ~~لا يكون أشد منه . # وسمي اعتداء المشركين على المؤمنين عقابا في قوله { بمثل ما عوقب به } ~~لأن الذي دفع المعتدين إلى الاعتداء قصد العقاب على خروجهم عن دين الشرك ~~ونبذ عبادة أصنامهم . ويعلم أن ذلك العقاب PageV17P312 ظلم بقوله فيما مضى ~~: { الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله } ( الحج : 40 ~~) . # ومعنى { بمثل ما عوقب به } المماثلة في الجنس فإن المشركين آذوا المسلمين ~~وأرغموهم ms5440 على مغادرة موطنهم فيكون عقابهم على ذلك بإخراج من يمكنهم أن ~~يخرجوه من ذلك الوطن . ولا يستطيعون ذلك إلا بالجهاد لأن المشركين كانوا ~~أهل كثرة وكانوا مستعصمين ببلدهم فإلجاء من يمكن إلجاؤه إلى مفارقة وطنه ، ~~إما بالقتال فهو إخراج كامل ، أو بالأسر . # و { ثم } من قوله : { ثم بغي عليه } عطف على جملة { ومن عاقب بمثل ما ~~عوقب به } ، ف ( ثم ) للتراخي الرتبي فإن البغي عليه أهم من كونه عاقب بمثل ~~ما عوقب به إذ كان مبدوءا بالظلم كما يقال ( البادىء أظلم ) . فكان ~~المشركون محقوقين بأن يعاقبوا لأنهم بغوا على المسلمين . ومعنى الآية في ~~معني قوله : { ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم ~~بدأوكم أول مرة } ( التوبة : 13 ) . # وكان هذا شرعا لأصول الدفاع عن البيضة ، وأما آيات الترغيب في العفو فليس ~~هذا مقام تنزيلها وإنما هي في شرع معاملات الأمة بعضها مع بعض ، وقد أكد ~~لهم الله نصره إن هم امتثلوا لما أذنوا به وعاقبوا بمثل ما عوقبوا به ، ~~وللمفسرين في تقرير هذه الآية تكلفات تنبىء عن حيرة في تلئيم معانيها . # وجملة { إن الله لعفو غفور } تعليل للاقتصار على الإذن في العقاب ~~بالمماثلة في قوله : { ومن عاقب بمثل ما عوقب به } دون الزيادة في الانتقام ~~مع أن البادىء أظلم بأن عفو الله ومغفرته لخلقه قضيا بحكمته أن لا يأذن إلا ~~بمماثلة العقاب للذنب لأن ذلك أوفق بالحق . ومما يؤثر عن كسرى أنه قيل له : ~~بم دام ملككم ؟ فقال : PageV17P313 لأننا نعاقب على قدر الذنب لا على قدر ~~الغضب ، فليس ذكر وصفي { عفو غفور } إيماء إلى الترغيب في العفو عن ~~المشركين . # ويجوز أن يكون تعليلا للوعد بجزاء المهاجرين اتباعا للتعليل في قوله : { ~~إن الله لعليم حليم } ( الحج : 59 ) لأن الكلام مستمر في شأنهم . # # | 2 ( 61 ) { ذالك بأن الله يولج اليل فى النهار ويولج النهار فى اليل ~~وأن الله سميع بصير } ) 2 # ليس اسم الإشارة مستعملا في الفصل بين الكلامين مثل شبيهه الذي قبله ، بل ~~الإشارة هنا إلى الكلام السابق الدال على ms5441 تكفل النصر ، فإن النصر يقتضي ~~تغليب أحد الضدين على ضده وإقحام الجيش في الجيش الآخر في الملحمة ، فضرب ~~له مثلا بتغليب مدة النهار على مدة الليل في بعض السنة ، وتغليب مدة الليل ~~على مدة النهار في بعضها ، لما تقرر من اشتهار التضاد بين الليل والنهار ، ~~أي الظلمة والنور ، وقريب منها استعارة التلبيس للإقحام في الحرب في قول ~~المرار السلمي : # وكتيبة لبستها بكتيبة حتى # إذا التبست نفضت لها يدي # فخبر اسم الإشارة هنا هو قوله : { بأن الله يولج الليل } الخ . # ويجوز أن يكون اسم الإشارة تكريرا لشبيهه السابق لقصر توكيده لأنه متصل ~~به لأن جملة { بأن الله يولج الليل في النهار } الخ ، مرتبطة بجملة { ومن ~~عاقب بمثل ما عوقب به } الخ ، ولذلك يصح جعل { بأن الله يولج الليل في ~~النهار } الخ متعلقا بقوله { لينصرنه الله } ( الحج : 60 ) . # والإيلاج : الإدخال . مثل به اختفاء ظلام الليل عند ظهور نور النهار ~~وعكسه تشبيها لذلك التصيير بإدخال جسم في جسم آخر ، PageV17P314 فإيلاج ~~الليل في النهار : غشيان ضوء النهار على ظلمة الليل ، وإيلاج النهار في ~~الليل : غشيان ظلمة الليل على ما كان من ضوء النهار . فالمولج هو المختفي ، ~~فإيلاج الليل انقضاؤه . واستعارة الإيلاج لذلك استعارة بديعة لأن تقلص ظلمة ~~الليل يحصل تدريجا ، وكذلك تقلص ضوء النهار يحصل تدريجا ، فأشبه ذلك إيلاج ~~شيء في شيء إذ يبدو داخلا فيه شيئا فشيئا . # والباء للسببية ، أي لا عجب في النصر الموعود به المسلمون على الكافرين ~~مع قلة المسلمين ، فإن القادر على تغليب النهار على الليل حينا بعد أن كان ~~أمرهما على العكس حينا آخر قادر على تغليب الضعيف على القوي ، فصار حاصل ~~المعنى : ذلك بأن الله قادر على نصرهم . # والجمع بين ذكر إيلاج الليل في النهار وإيلاج النهار في الليل للإيماء ~~إلى تقلب أحوال الزمان فقد يصير المغلوب غالبا ، ويصير ذلك الغالب مغلوبا . ~~مع ما فيه من التنبيه على تمام القدرة بحيث تتعلق بالأفعال المتضادة ولا ~~تلزم طريقة واحدة كقدرة الصناع من البشر . وفيه إدماج التنبيه بأن العذاب ~~الذي ms5442 استبطأه المشركون منوط بحلول أجله ، وما الأجل إلا إيلاج ليل في نهار ~~ونهار في ليل . # وفي ذكر الليل والنهار في هذا المقام إدماج تشبيه الكفر بالليل والإسلام ~~بالنهار لأن الكفر ضلالة اعتقاد ، فصاحبه مثل الذي يمشي في ظلمة ، ولأن ~~الإيمان نور يتجلى به الحق والاعتقاد الصحيح ، فصاحبه كالذي يمشي في النهار ~~، ففي هذا إيماء إلى أن الإيلاج المقصود هو ظهور النهار بعد ظلمة الليل ، ~~أي ظهور الدين الحق بعد ظلمة الإشراك ، ولذلك ابتدىء في الآية بإيلاج الليل ~~في النهار ، أي دخول ظلمة الليل تحت ضوء النهار . PageV17P315 # وقوله : { ويولج النهار في الليل } تتميم لإظهار صلاحية القدرة الإلهية . ~~وتقدم في سورة ( آل عمران : 27 ) { تولج الليل في النهار . # وعطف وأن الله سميع بصير } على السبب للإشارة إلى علم الله بالأحوال كلها ~~فهو ينصر من ينصره بعلمه وحكمته ويعد بالنصر من علم أنه ناصره لا محالة ، ~~فلا يصدر منه شيء إلا عن حكمة . # # | 2 ( 62 ) { ذالك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن ~~الله هو العلى الكبير } ) 2 # اسم الإشارة هنا تكرير لاسم الإشارة الذي سبقه ولذلك لم يعطف . ثم أخبر ~~عنه بسبب آخر لنصر المؤمنين على المشركين بأن الله هو الرب الحق الذي إذا ~~أراد فعل وقدر فهو ينصر أولياءه وأن ما يدعوه المشركون من دون الله هو ~~الباطل فلا يستطيعون نصرهم ولا أنفسهم ينصرون . وهذا على حمل الباء في قوله ~~: { بأن الله هو الحق } على معنى السببية ، وهو محمل المفسرين . وسيأتي في ~~سورة لقمان في نظيرها : أن الأظهر حمل الباء على الملابسة ليلتئم عطف { وأن ~~ما تدعون من دونه هو الباطل } . # والحق : المطابق للواقع ، أي الصدق ، مأخوذ من حق الشيء إذا ثبت : ~~والمعنى : أنه الحق في الإلهية ، فالقصر في هذه الجملة المستفاد من ضمير ~~الفصل قصر حقيقي . # وأما القصر في قوله { وأن ما تدعون من دونه هو الباطل } المستفاد من ضمير ~~الفصل فهو قصر ادعائي لعدم الاعتداد بباطلل غيرها حتى كأنه ليس من الباطل . ~~وهذا مبالغة ms5443 في تحقير أصنامهم لأن PageV17P316 المقام مقام مناضلة وتوعد ، ~~وإلا فكثير من أصنام وأوثان غير العرب باطل أيضا . # وقرأ نافع ، وابن عامر ، وأبو بكر عن عاصم ، وأبو جعفر { تدعون } بالتاء ~~الفوقية على الالتفات إلى خطاب المشركين لأن الكلام السابق الذي جرت عليهم ~~فيه ضمائر الغيبة مقصود منه إسماعهم والتعريض باقتراب الانتصار عليهم . ~~وقرأ البقية بالتحتية على طريقة الكلام السابق . # وعلو الله : مستعار للجلال والكمال التام . # والكبر : مستعار لتمام القدرة ، أي هو العلي الكبير دون الأصنام التي ~~تعبدونها إذ ليس لها كمال ولا قدرة ببرهان المشاهدة . # # | 2 ( 63 ) { ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء فتصبح الارض مخضرة إن ~~الله لطيف خبير } ) 2 # انتقال إلى التذكير بنعم الله تعالى على الناس بمناسبة ما جرى من قوله { ~~بأن الله يولج الليل في النهار } ( الحج : 62 ) الآية . والمقصود : التعريض ~~بشكر الله على نعمه وأن لا يعبدوا غيره كما دل عليه التذييل عقب تعداد هذه ~~النعم بقوله { إن الإنسان لكفور } ( الحج : 66 ) ، أي الإنسان المشرك . وفي ~~ذلك كله إدماج الاستدلال على انفراده بالخلق والتدبير فهو الرب الحق ~~المستحق للعبادة . والمناسبة هي ما جرى من أن الله هو الحق وأن ما يدعونه ~~الباطل ، فالجملة مستأنفة استئنافا ابتدائيا . # والخطاب لكل من تصلح منه الرؤية لأن المرئي مشهور . PageV17P317 # والاستفهام : إنكاري ، نزلت غفلة كثير من الناس عن الاعتبار بهذه النعمة ~~والاعتداد بها منزلة عدم العلم بها ، فأنكر ذلك العدم على الناس الذين ~~أهملوا الشكر والاعتبار . # وإنما حكي الفعل المستفهم عنه الإنكاري مقترنا بحرف ( لم ) الذي يخلصه ~~إلى المضي ، وحكي متعلقه بصيغة الماضي في قوله : { أنزل من السماء ماء } ~~وهو الإنزال بصيغة الماضي كذلك ولم يراع فيهما معنى تجدد ذلك لأن موقع ~~إنكار عدم العلم بذلك هو كونه أمرا متقررا ماضيا لا يدعى جهله . # و { تصبح } بمعنى تصير فإن خمسا من أخوات ( كان ) تستعمل بمعنى : صار . # واختير في التعبير عن النبات الذي هو مقتضى الشكر لما فيه من إقامة أقوات ~~الناس والبهائم بذكر لونه الأخضر لأن ذلك اللون ممتع ms5444 للأبصار فهو أيضا موجب ~~شكر على ما خلق الله من جمال المصنوعات في المرأى كما قال تعالى : { ولكم ~~فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون } ( النحل : 6 ) . # وإنما عبر عن مصير الأرض خضراء بصيغة { تصبح مخضرة } مع أن ذلك مفرع على ~~فعل { أنزل من السماء ماء } الذي هو بصيغة الماضي لأنه قصد من المضارع ~~استحضار تلك الصورة العجيبة الحسنة ، ولإفادة بقاء أثر إنزال المطر زمانا ~~بعد زمانن كما تقول : أنعم فلان علي فأروح وأغدو شاكرا له . # وفعل { تصبح } مفرع على فعل { أنزل } فهو مثبت في المعنى . وليس مفرعا ~~على النفي ولا على الاستفهام ، فلذلك لم ينصب بعد الفاء لأنه لم يقصد ~~بالفاء جواب للنفي إذ ليس المعنى : ألم تر فتصبح الأرض . PageV17P318 قال ~~سيبويه : ( وسألته ( يعني الخليل ) عن { ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء ~~فتصبح الأرض مخضرة } فقال : هذا واجب ( أي الرفع واجب ) وهو تنبيه كأنك قلت ~~: أتسمع : أنزل الله من السماء ماء فكان كذا وكذا اه . # قال في ( الكشاف ) : ( لو نصب لأعطى ما هو عكس الغرض لأن معناه ( أي ~~الكلام ) إثبات الاخضرار فينقلب بالنصب إلى نفي الاخضرار . مثاله أن تقول ~~لصاحبك : ألم تر أني أنعمت عليك فتشكر ، إن نصبته فأنت ناف لشكره شاك ~~تفريطه فيه ، وإن رفعته فأنت مثبت للشكر . وهذا وأمثاله مما يجب أن يرغب له ~~من اتسم بالعلم في علم الإعراب ) اه . # والمخضرة : التي صار لونها الخضرة . يقال : اخضر الشيء ، كما يقال : اصفر ~~الثمر واحمر ، واسود الأفق : وصيغة افعل مما يصاغ للاتصاف بالألوان . # وجملة { إن الله لطيف خبير } في موقع التعليل للإنزال ، أي أنزل الماء ~~المتفرع عليه الاخضرار لأنه لطيف ، أي رفيق بمخلوقاته ، ولأنه عليم بترتيب ~~المسببات على أسبابها . # # | 2 ( 64 ) { له ما فى السماوات وما فى الارض وإن الله لهو الغنى الحميد ~~} ) 2 # الجملة خبر ثان عن اسم الجلالة في قوله : { إن الله لطيف خبير } ( الحج : ~~63 ) للتنبيه على اختصاصه بالخالقية والملك الحق ليعلم من ذلك أنه المختص ~~بالمعبودية فيرد زعم المشركين أن الأصنام له شركاء ms5445 في الإلهية وصرف عبادتهم ~~إلى أصنامهم ، والمناسبة هي ذكر إنزال PageV17P319 المطر وإنبات العشب فما ~~ذلك إلا بعض ما في السماوات وما في الأرض . # وإنما لم تعطف الجملة على التي قبلها مع اتحادهما في الغرض لأن هذه تتنزل ~~من الأولى منزلة التذييل بالعموم الشامل لما تضمنته الجملة التي قبلها ، ~~ولأن هذه لا تتضمن تذكيرا بنعمة . # وجملة { إن الله لهو الغني الحميد } عطف على جملة { له ما في السماوات ~~وما في الأرض } . وتقديم المجرور للدلالة على القصر . أي له ذلك لا لغيره ~~من أصنامكم ، إن جعلت القصر إضافيا ، أو لعدم الاعتداد بغنى غيره ومحموديته ~~إن جعلت القصر ادعائيا . # ونبه بوصف الغنى على أنه غير مفتقر إلى غيره ، وهو معنى الغنى في صفاته ~~تعالى أنه عدم الافتقار بذاته وصفاته لا إلى محل ولا إلى مخصص بالوجود دون ~~العدم والعكس تنبيها على أن افتقار الأصنام إلى من يصنعها ومن ينقلها من ~~مكان إلى آخر ومن ينفض عنها القتام والقذر دليل على انتفاء الإلهية عنها . # وأما وصف { الحميد } بمعنى المحمود كثيرا ، فذكره لمزاوجة وصف الغنى لأن ~~الغني مفيض على الناس فهم يحمدونه . # وفي ضمير الفصل إفادة أنه المختص بوصف الغنى دون الأصنام وبأنه المختص ~~بالمحمودية فإن العرب لم يكونوا يوجهون الحمد لغير الله تعالى . وأكد الحصر ~~بحرف التوكيد وبلام الابتداء تحقيقا لنسبة القصر إلى المقصور كقول عمرو بن ~~معد يكرب : ( إني أنا الموت ) . وهذا التأكيد لتنزيل تحققهم اختصاصه بالغنى ~~أو المحمودية منزلة الشك أو الإنكار لأنهم لم يجروا على موجب علمهم حين ~~عبدوا غيره وإنما يعبد من وصفه الغنى . # PageV17P320 # | 2 ( 65 ) { ألم تر أن الله سخر لكم ما فى الارض والفلك تجرى فى البحر ~~بأمره ويمسك السمآء أن تقع على الارض إلا بإذنه إن الله بالناس لرءوف رحيم ~~} ) 2 # هذا من نسق التذكير بنعم الله واقع موقه قوله { ألم تر أن الله أنزل من ~~السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة } ( الحج : 63 ) ، فهو من عداد الامتنان ~~والاستدلال ، فكان كالتكرير للغرض ، ولذلك فصلت الجملة ولم تعطف . وهذا ms5446 ~~تذكير بنعمة تسخير الحيوان وغيره . وفيه إدماج الاستدلال على انفراده ~~بالتسخير . والتقدير : فهو الرب الحق . # وجملة { ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض } مستأنفة كجملة { ألم تر أن ~~الله أنزل من السماء ماء } ( الحج : 63 ) . # والخطاب هنا والاستفهام كلاهما كما في الآية السابقة . # والتسخير : تسهيل الانتفاع بدون مانع وهو يؤذن بصعوبة الانتفاع لولا ذلك ~~التسخير ، وأصله تسهيل الانتفاع بما فيه إرادة التمنع مثل تسخير الخادم ~~وتسهيل استخدام الحيوان الداجن من الخيل ، والإبل ، والبقر ، والغنم ونحوها ~~بأن جعل الله فيها طبع الخوف من الإنسان مع تهيئتها للإلف بالإنسان ، ثم ~~أطلق على تسهيل الانتفاع بما في طبعه أو في حاله ما يعذر الانتفاع به لولا ~~ما ألهم الله إليه الإنسان من وسائل التغلب عليها بتعرف نواميسه وأحواله ~~وحركاته وأوقات ظهوره ، وبالاحتيال على تملكه مثل صيد الوحش ومغاصات اللؤلؤ ~~والمرجان ، ومثل آلات الحفر والنقر للمعادن ، ومثل التشكيل في صنع الفلك ~~والعجل ، ومثل التركيب والتصهير في صنع البواخر والمزجيات والصياغة ، ومثل ~~الإرشاد إلى ضبط أحوال المخلوقات PageV17P321 العظيمة من الشمس والقمر ~~والكواكب والأنهار والأودية والأنواء والليل والنهار ، باعتبار كون تلك ~~الأحوال تظهر على وجه الأرض ، وما لا يحصى مما ينتفع به الإنسان مما على ~~الأرض فكل ذلك داخل في معنى التسخير . # وقد تقدم القول في التسخير آنفا في هذه السورة . وتقدم في سورة الأعراف ~~وسورة إبراهيم وغيرهما ، وفي كلامنا هنا زيادة إيضاح لمعنى التسخير . # وجملة { تجري في البحر بأمره } في موضع الحال من { الفلك } وإنما خص هذا ~~بالذكر لأن ذلك الجري في البحر هو مظهر التسخير إذ لولا الإلهام إلى صنعها ~~على الصفة المعلومة لكان حظها من البحر الغرق . # وقوله { بأمره } هو أمر التكوين إذ جعل البحر صالحا لحملها ، وأوحى إلى ~~نوح عليه السلام معرفة صنعها ، ثم تتابع إلهام الصناع لزيادة اتقانها . # والإمساك : الشد ، وهو ضد الإلقاء . وقد ضمن معنى المنع هنا وفي قوله ~~تعالى : { إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا } ( فاطر : 41 ) فيقدر ~~حرف جر لتعدية فعل الإمساك بعد هذا التضمين ms5447 فيقدر ( عن ) أو ( من ) . # ومناسبة عطف إمساك السماوات على تسخير ما في الأرض وتسخير الفلك أن إمساك ~~السماء عن أن تقع على الأرض ضرب من التسخير لما في عظمة المخلوقات السماوية ~~من مقتضيات تغلبها على المخلوقات الأرضية وحطمها إياها لولا ما قدر الله ~~تعالى لكل نوع منها من سنن ونظم تمنع من تسلط بعضها على بعض ، كما أشار ~~إليه قوله تعالى : { لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق ~~النهار وكل في فلك يسبحون } ( يس : 40 ) . فكما سخر الله للناس ما ظهر عل ~~وجه PageV17P322 الأرض من موجودات مع ما في طبع كثير منها من مقتضيات إتلاف ~~الإنسان ، وكما سخر لهم الأحوال التي تبدو للناس من مظاهر الأفق مع كثرتها ~~وسعتها وتباعدها ، ومع ما في تلك الأحوال من مقتضيات تعذر الضبط ، كذلك سخر ~~لمصلحة الناس ما في السماوات من الموجودات بالإمساك المنظم المنوط بما قدره ~~الله كما أشار إليه قوله { إلا بإذنه } أي تقديره . # ولفظ { السماء } في قوله : { ويمسك السماء } يجوز أن يكون بمعنى ما قابل ~~الأرض في اصطلاح الناس فيكون كلا شاملا للعوالم العلوية كلها التي لا نحيط ~~بها علما كالكواكب السيارة وما الله أعلم به وما يكشفه للناس في متعاقب ~~الأزمان . # ويكون وقوعها على الأرض بمعنى الخرور والسقوط فيكون المعنى : أن الله ~~بتدبير علمه وقدرته جعل للسماء نظاما يمنعها من الخرور على الأرض ، فيكون ~~قوله { ويمسك السماء } امتنانا على الناس بالسلامة مما يفسد حياتهم ، ويكون ~~قوله { إلا بإذنه } احتراسا جمعا بين الامتنان والتخويف ، ليكون الناس ~~شاكرين مستزيدين من النعم خائفين من غضب ربهم أن يأذن لبعض السماء بالوقوع ~~على الأرض . وقد أشكل الاستثناء بقوله { إلا بإذنه } فقيل في دفع الإشكال : ~~إن معناه إلا يوم القيامة يأذن الله لها في الوقوع على الأرض . ولكن لم يرد ~~في الآثار أنه يقع سقوط السماء وإنما ورد تشقق السماء وانفطارها . وفيما ~~جعلنا ذلك احتراسا دفع للإشكال لأن الاحتراس أمر فرضي فلا يقتضي الاستثناء ~~وقوع المستثنى . # ويجوز أن يكون لفظ { السماء } بمعنى ms5448 المطر ، كقول معاوية بن مالك : # 6 إذا نزل السماء بأرض قوم # رعيناه وإن كانوا غضابا PageV17P323 # وقول زيد بن خالد الجهني في حديث ( الموطأ ) : ( صلى بنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يوم الحديبية على إثر سماء كانت من الليل ) ، فيكون معنى ~~الآية : أن الله بتقديره جعل لنزول المطر على الأرض مقادير قدر أسبابها ، ~~وأنه لو استمر نزول المطر على الأرض لتضرر الناس فكان في إمساك نزوله ~~باطراد منة على الناس ، وكان في تقدير نزوله عند تكوين الله إياه منة أيضا ~~. فيكون هذا مشتملا على ذكر نعمتين : نعمة الغيث ، ونعمة السلامة من طغيان ~~المياه . # ويجوز أن يكون لفظ السماء قد أطلق على جميع الموجودات العلوية التي ~~يشملها لفظ { السماء } الذي هو ما علا الأرض فأطلق على ما يحويه ، كما أطلق ~~لفظ الأرض على سكانها في قوله تعالى : { أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها ~~من أطرافها } ( الرعد : 41 ) . فالله يمسك ما في السماوات من الشهب ومن ~~كريات الأثير والزمهرير عن اختراق كرة الهواء ، ويمسك ما فيها من القوى ~~كالمطر والبرد والثلج والصواعق من الوقوع على الأرض والتحكك بها إلا بإذن ~~الله فيما اعتاد الناس إذنه به من وقوع المطر والثلج والصواعق والشهب وما ~~لم يعتادوه من تساقط الكواكب . فيكون موقع { ويمسك السماء } بعد قوله تعالى ~~: { والفلك تجري في البحر بأمره } كموقع قوله تعالى : { الله الذي سخر لكم ~~البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون وسخر لكم ما ~~في السماوات وما في الأرض جميعا منه في } ( سورة الجاثية : 12 13 ) . # ويكون في قوله { إلا بإذنه } إدماجا بين الامتنان والتخويف : فإن من ~~الإذن بالوقوع على الأرض ما هو مرغوب للناس ، ومنه ما هو مكروه ، وهذا ~~المحمل الثالث أجمع لما في المحملين الأخرين وأوجز ، فهو لذلك أنسب ~~بالإعجاز . PageV17P324 # والاستثناء في قوله : { إلا بإذنه } استثناء من عموم متعلقات فعل { يمسك ~~} وملابسات مفعوله وهو كلمة { السماء } على اختلاف محامله ، أي يمنع ما في ~~السماء من الوقوع على الأرض في جميع أحواله إلا وقوعا ms5449 ملابسا لإذن من الله ~~: هذا ما ظهر لي في معنى الآية . # وقال ابن عطية : ( يحتمل أن يعود قوله { إلا بإذنه } على الإمساك لأن ~~الكلام يقتضي بغير عمد ( أي يدل بدلالة الاقتضاء على تقدير هذا المتعلق ~~أخذا من قوله تعالى : { بغير عمد ترونها } ( الرعد : 2 ) ) ونحوه فكأنه ~~أراد : إلا بإذنه فيمسكها ) اه . يريد أن حرف الاستثناء قرينة على المحذوف ~~. # والإذن حقيقته : قول يطلب به فعل شيء ، واستعير هنا للمشيئة والتكوين ، ~~وهما متعلق الإرادة والقدرة . # وقد استوعبت الآية العوالم الثلاثة : البر ، والبحر ، والجو . # وموقع جملة { إن الله بالناس لرؤوف رحيم } موقع التعليل للتسخير ~~والإمساكك باعتبار الاستثناء لأن في جميع ذلك رأفة بالناس بتيسير منافعهم ~~الذي في ضمنه دفع الضر عنهم . # والرؤوف : صيغة مبالغة من الرأفة أو صفة مشبهة ، وهي صفة تقتضي صرف الضر ~~. # والرحيم : وصف من الرحمة ، وهي صفة تقتضي النفع لمحتاجه . وقد تتعاقب ~~الصفتان ، والجمع بينهما يفيد ما تختص به كل صفة منهما ويؤكد ما تجتمعان ~~عليه . # PageV17P325 $ 2 ( 66 ) { وهو الذى & # 1764 أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم إن الإنسان لكفور } ) 2 $ # { # بعد أن أدمج الاستدلال على البعث بالمواعظ والمنن والتذكير بالنعم أعيد ~~الكلام على البعث هنا بمنزلة نتيجة القياس ، فذكر الملحدون بالحياة الأولى ~~التي لا ريب فيها ، وبالإماتة التي لا يرتابون فيها ، وبأن بعد الإماتة ~~إحياء آخر كما أخذ من الدلائل السابقة . وهذا محل الاستدلال ، فجملة وهو ~~الذي أحياكم وهو الذى & # 1764 أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم إن الإنسان لكفور } عطف على جملة { ~~ويمسك السماء } ( الحج : 65 ) لأن صدر هذه من جملة النعم فناسب أن تعطف على ~~سابقتها المتضمنة امتنانا واستدلالا كذلك . # { إن الإنسان لكفور } # تذييل يجمع المقصد من تعداد نعم المنعم بجلائل النعم المقتضية انفراده ~~باستحقاق الشكر واعتراف الخلق له بوحدانية الربوبية . # وتوكيد الخبر بحرف ( إن ) لتنزيلهم منزلة المنكر أنهم كفراء . # والتعريف في { الإنسان } تعريف الاستغراق العرفي المؤذن بأكثر أفراد ~~الجنس من باب قولهم : جمع الأمير الصاغة ، أي صاغة بلده ، وقوله تعالى : { ~~فجمع السحرة لميقات يوم معلوم } ( الشعراء : 38 ) . وقد ms5450 كان أكثر العرب ~~يومئذ منكرين للبعث ، أو أريد بالإنسان خصوص المشرك كقوله تعالى : { ويقول ~~الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيا } ( مريم : 66 ) . # والكفور : مبالغة في الكافر ، لأن كفرهم كان عن تعنت ومكابرة . ~~PageV17P326 # ويجوز كون الكفور مأخوذا من كفر النعمة وتكون المبالغة باعتبار آثار ~~الغفلة عن الشكر ، وحينئذ يكون الاستغراق حقيقيا . # # | 2 ( 67 ) { لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه فلا ينازعنك فى الامر وادع ~~إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم } ) 2 # هذا متصل في المعنى بقوله : { ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ~~ما رزقهم } ( الحج : 34 ) الآية . وقد فصل بين الكلامين ما اقتضى الحال ~~استطراده من قوله : { وبشر المحسنين إن الله يدافع عن الذين آمنوا } ( الحج ~~: 37 38 ) إلى هنا ، فعاد الكلام إلى الغرض الذي في قوله : { ولكل أمة ~~جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله } ( الحج : 34 ) الآية ليبنى عليه قوله : { ~~فلا ينازعنك في الأمر } . فهذا استدلال على توحيد الله تعالى بما سبق من ~~الشرائع لقصد إبطال تعدد الآلهة ، بأن الله ما جعل لأهل كل ملة سبقت إلا ~~منسكا واحدا يتقربون فيه إلى الله لأن المتقرب إليه واحد . وقد جعل ~~المشركون مناسك كثيرة فلكل صنم بيت يذبح فيه مثل الغبغب للعزى ، قال ~~النابغة : # وما هريق على الأنصاب من جسد # . . . . . . . . . . . . # ( أي دم ) . وقد أشار إلى هذا المعنى قوله تعالى : { ولكل أمة جعلنا ~~منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فإلهكم إله واحد فله ~~أسلموا } ( الحج : 34 ) كما تقدم آنفا . # فالجملة استئناف . والمناسبة ظاهرة ولذلك فصلت الجملة ولم تعطف كما عطفت ~~نظيرتها المتقدمة . PageV17P327 # والمنسك بفتح الميم وفتح السين : اسم مكان النسك بضمهما كما تقدم . وأصل ~~النسك العبادة ويطلق على القربان ، فالمراد بالنسك هنا مواضع الحج بخلاف ~~المراد به في الآية السابقة فهو موضع القربان . والضمير في { ناسكوه } ~~منصوب على نزع الخافض ، أي ناسكون فيه . # وفي ( الموطأ ) : ( أن قريشا كانت تقف عند المشعر الحرام بالمزدلفة بقزح ~~، وكانت العرب وغيرهم يقفون بعرفة فكانوا يتجادلون يقول هؤلاء : نحن أصوب ، ~~ويقول هؤلاء ms5451 : نحن أصوب ، فقال الله تعالى : { لكل أمة جعلنا منسكا هم ~~ناسكوه } الآية ، فهذا الجدال فيما نرى والله أعلم وقد سمعت ذلك من أهل ~~العلم اه . # قال الباجي في ( المنتقى ) : ( وهو قول ربيعة ) . وهذا يقتضي أن أصحاب ~~هذا التفسير يرون الآية قد نزلت بعد فرض الحج في الإسلام وقبل أن يمنع ~~المشركون منه ، أي نزلت في سنة تسع ، والأظهر خلافه كما تقدم في أول السورة ~~. # وفرع على هذا الاستدلال أنهم لم تبق لهم حجة ينازعون بها النبي صلى الله ~~عليه وسلم في شأن التوحيد بعد شهادة الملل السابقة كلها ، فالنهي ظاهره ~~موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأن ما أعطيه من الحجج كافف في قطع ~~منازعة معارضيه ، فالمعارضون هم المقصود بالنهي ، ولكن لما كان سبب نهيهم ~~هو ما عند الرسول صلى الله عليه وسلم من الحجج وجه إليه النهي عن منازعتهم ~~إياه كأنه قيل : فلا تترك لهم ما ينازعونك به ، وهو من باب قول العرب : لا ~~أعرفنك تفعل كذا ، أي لا تفعل فأعرفك ، فجعل المتكلم النهي موجها إلى نفسه ~~، والمراد نهي السامع عن أسبابه ، وهو نهي للغير بطريق الكناية . ~~PageV17P328 # وقال الزجاج : هو نهي للرسول عن منازعتهم لأن صيغة المفاعلة تقتضي حصول ~~الفعل من جانبي فاعله ومفعوله ، فيصح نهي كل من الجانبين عنه . وإنما أسند ~~الفعل هنا لضمير المشركين مبالغة في نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~منازعته إياهم التي تفضي إلى منازعتهم إياه فيكون النهي عن منازعته إياهم ~~كإثبات الشيء بدليله . وحاصل معنى هذا الوجه أنه أمر للرسول بالإعراض عن ~~مجادلتهم بعدما سيق لهم من الحجج . # واسم { الأمر } هنا مجمل مراد به التوحيد بالقرينة ، ويحتمل أن المشركين ~~كانوا ينازعون في كونهم على ضلال بأنهم على ملة إبراهيم وأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قرر الحج الذي هو من مناسكهم ، فجعلوا ذلك ذريعة إلى ادعاء أنهم ~~على الحق وملة إبراهيم ، فكان قوله تعالى : { لكل أمة جعلنا منسكا هم ~~ناسكوه } كشفا لشبهتهم بأن الحج منسك حق ، وهو رمز التوحيد ، وأن ما ms5452 عداه ~~باطل طارىء عليه فلا ينازعن في أمر الحج بعد هذا . وهذا المحمل هو المناسب ~~لتناسق الضمائر العائدة على المشركين مما تقدم إلى قوله { وعدها الله الذين ~~كفروا وبئس المصير } ( الحج : 72 ) ، ولأن هذه السورة نزل بعضها بمكة في ~~آخر مقام النبي صلى الله عليه وسلم بها وبالمدينة في أول مقامه بها فلا ~~منازعة بين النبي وبين أهل الكتاب يومئذ ، فيبعد تفسير المنازعة بمنازعة ~~أهل الكتاب . # وقوله { وادع إلى ربك } عطف على جملة { فلا ينازعنك في الأمر } . عطف على ~~انتهاء المنازعة في الدين أمر بالدوام على الدعوة وعدم الاكتفاء بظهور ~~الحجة لأن المكابرة تجافي الاقتناع ، ولأن في الدوام على الدعوة فوائد ~~للناس أجمعين ، وفي حذف مفعول { ادع } إيذان بالتعميم . PageV17P329 # وجملة { إنك لعلى هدى مستقيم } تعليل للدوام على الدعوة وأنها قائمة مقام ~~فاء التعليل لا لرد الشك . و { على } مستعارة للتمكن من الهدى . # ووصف الهدى بالمستقيم استعارة مكنية ؛ شبه الهدى بالطريق الموصل إلى ~~المطلوب ورمز إليه بالمستقيم لأن المستقيم أسرع إيصالا ، فدين الإسلام أيسر ~~الشرائع في الإيصال إلى الكمال النفساني الذي هو غاية الأديان . وفي هذا ~~الخبر تثبيت للنبيء صلى الله عليه وسلم وتجديد لنشاطه في الاضطلاع بأعباء ~~الدعوة . # # | 2 ( 68 ، 69 ) { وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون * الله يحكم ~~بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون } ) 2 # عطف على جملة { فلا ينازعنك في الأمر } ( الحج : 67 ) . والمعنى : إن ~~تبين عدم اقتناعهم بالأدلة التي تقطع المنازعة وأبوا إلا دوام المجادلة ~~تشغيبا واستهزاء فقل : الله أعلم بما تعملون . # وفي قوله : { الله أعلم بما تعملون } تفويض أمرهم إلى الله تعالى ، وهو ~~كناية عن قطع المجادلة معهم ، وإدماج بتعريض بالوعيد والإنذار بكلام موجه ~~صالح لما يتظاهرون به من تطلب الحجة : ولما في نفوسهم من إبطان العناد ~~كقوله تعالى : { فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون } ( السجدة : 30 ) . # والمراد ب { ما تعملون } ما يعملونه من أنواع المعارضة والمجادلة بالباطل ~~ليدحضوا به الحق وغير ذلك . PageV17P330 # وجملة { الله يحكم بينكم يوم القيامة } كلام مستأنف ليس من المقول ، فهو ms5453 ~~خطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم وليس خطابا للمشركين بقرينة قوله { بينكم . ~~} والمقصود تأييد الرسول والمؤمنين . # وما كانوا فيه يختلفون : هو ما عبر عنه بالأمر في قوله { فلا ينازعنك في ~~الأمر } ( الحج : 67 ) . # # | 2 ( 70 ) { ألم تعلم أن الله يعلم ما فى السمآء والارض إن ذالك فى كتاب ~~إن ذالك على الله يسير } ) 2 # استئناف لزيادة تحقيق التأييد الذي تضمنه قوله { الله يحكم بينكم يوم ~~القيامة } ( الحج : 69 ) ، أي فهو لا يفوته شيء من أعمالكم فيجازي كلا على ~~حساب عمله ، فالكلام كناية عن جزاء كل بما يليق به . # و { ما في السماء والأرض } يشمل ما يعمله المشركون وما كانوا يخالفون فيه ~~. # والاستفهام إنكاري أو تقريري ، أي أنك تعلم ذلك ، وهذا الكلام كناية عن ~~التسلية أي فلا تضق صدرا مما تلاقيه منهم . # وجملة { إن ذلك في كتاب } بيان للجملة قبلها ، أي يعلم ما في السماء ~~والأرض علما مفصلا لا يختلف ، لأن شأن الكتاب أن لا تتطرق إليه الزيادة ~~والنقصان . # واسم الإشارة إلى العمل في قوله { الله أعلم بما تعملون } أو إلى ( ما ) ~~في قوله : { ما كنتم فيه تختلفون } ( الحج : 69 ) . PageV17P331 # والكتاب هو ما به حفظ جميع الأعمال : إما على تشبيه تمام الحفظ بالكتابة ~~، وإما على الحقيقة ، وهو جائز أن يجعل الله لذلك كتابا لائقا بالمغيبات . # وجملة { إن ذلك على الله يسير } بيان لمضمون الاستفهام من الكتابة عن ~~الجزاء . # واسم الإشارة عائد إلى مضمون الاستفهام من الكناية فتأويله بالمذكور . ~~ولك أن تجعلها بيانا لجملة { يعلم ما في السماء والأرض } واسم الإشارة عائد ~~إلى العلم المأخوذ من فعل { يعلم ، } أي أن علم الله بما في السماء والأرض ~~لله حاصل دون اكتساب ، لأن علمه ذاتي لا يحتاج إلى مطالعة وبحث . # وتقديم المجرور على متعلقه وهو { يسير } للاهتمام بذكره للدلالة على ~~إمكانة في جانب علم الله تعالى . # # | 2 ( 71 ) { ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا وما ليس لهم به ~~علم وما للظالمين من نصير } ) 2 # يجوز أن يكون الواو حرف عطف وتكون ms5454 الجملة معطوفة على الجملة السابقة بما ~~تفرع عليها عطف غرض على غرض . # ويجوز أن يكون الواو للحال والجملة بعدها حالا من الضمير المرفوع في قوله ~~{ جادلوك } ( الحج : 68 ) ، والمعنى : جادلوك في الدين مستمرين على عبادة ~~ما لا يستحق العبادة بعدما رأوا من الدلائل ، وتتضمن الحال تعجيبا من شأنهم ~~في مكابرتهم وإصرارهم . PageV17P332 # والإتيان بالفعل المضارع المفيد للتجدد على الوجهين لأن في الدلائل التي ~~تحف بهم والتي ذكروا ببعضها في الآيات الماضية ما هو كاف لإقلاعهم عن عبادة ~~الأصنام لو كانوا يريدون الحق . # و { من دون } يفيد أنهم يعرضون عن عبادة الله ، لأن كلمة { دون } وإن ~~كانت اسما للمباعدة قد يصدق بالمشاركة بين ما تضاف إليه وبين غيره . فكلمة ~~( دون ) إذا دخلت عليها ( من ) صارت تفيد معنى ابتداء الفعل من جانب مباعد ~~لما أضيف إليه ( دون ) . فاقتضى أن المضاف إليه غير مشارك في الفعل . فوجه ~~ذلك أنهم لما أشربت قلوبهم الإقبال على عبادة الأصنام وإدخالها في شؤون ~~قرباتهم حتى الحج إذ قد وضعوا في شعائره أصناما بعضها وضعوها في الكعبة ~~وبعضها فوق الصفا والمروة جعلوا كالمعطلين لعبادة الله أصلا . # والسلطان : الحجة . والحجة المنزلة : هي الأمر الإلهي الوارد على ألسنة ~~رسله وفي شرائعه ، أي يعبدون ما لا يجدون عذرا لعبادته من الشرائع السالفة ~~: وقصارى أمرهم أنهم اعتذروا بتقدم آبائهم بعبادة أصنامهم ، ولم يدعوا أن ~~نبيئا أمر قومه بعبادة صنم ولا أن دينا إلهيا رخص في عبادة الأصنام . # و { ما ليس لهم به علم } ، أي ليس لهم به اعتقاد جازم لأن الإعتقاد ~~الجازم لا يكون إلا عن دليل ، والباطل لا يمكن حصول دليل عليه . وتقديم ~~انتفاء الدليل الشرعي على انتفاء الدليل العقلي لأن الدليل الشرعي أهم . # و { ما } التي في قوله { وما للظالمين من نصير } نافية . والجملة عطف على ~~جملة { ويعبدون من دون الله } أي يعبدون ما ذكر وما لهم نصير فلا تنفعهم ~~عبادة الأصنام . فالمراد بالظالمين المشركون المتحدث عنهم ، فهو من الإظهار ~~في مقام الإضمار للإيماء إلى PageV17P333 أن سبب انتفاء النصير لهم هو ms5455 ~~ظلمهم ، أي كفرهم . وقد أفاد ذلك ذهاب عبادتهم الأصنام باطلا لأنهم عبدوها ~~رجاء النصر . ويفيد بعمومه أن الأصنام لا تنصرهم فأغنى عن موصول ثالث هو من ~~صفات الأصنام كأنه قيل : وما لا ينصرهم ، كقوله تعالى : { والذين تدعون من ~~دونه لا يستطيعون نصركم } ( الأعراف : 197 ) . # # | 2 ( 72 ) { وإذا تتلى عليهم ءاياتنا بينات تعرف فى وجوه الذين كفروا ~~المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم ءاياتنا قل أفأنبئكم بشر من ذالكم ~~النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير } . ) 2 # { وإذا تتلى عليهم ءاياتنا بينات تعرف فى وجوه الذين كفروا المنكر يكادون ~~يسطون بالذين يتلون عليهم ءاياتنا قل أفأنبئكم بشر من ذالكم النار وعدها ~~الله الذين كفروا وبئس المصير } . # عطف على جملة { ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا } ( الحج : 71 ~~) لبيان جرم آخر من أجرامهم مع جرم عبادة الأصنام ، وهو جرم تكذيب الرسول ~~والتكذيب بالقرآن . # والآيات هي القرآن لا غيره من المعجزات لقوله { وإذا تتلى عليهم } . # والمنكر : إما الشيء الذي تنكره الأنظار والنفوس فيكون هنا اسما ، أي ~~دلائل كراهيتهم وغضبهم وعزمهم على السوء ، وإما مصدر ميمي بمعنى الإنكار ~~كالمكرم بمعنى الإكرام . والمحملان آيلان إلى معنى أنهم يلوح على وجوههم ~~الغيظ والغضب عندما يتلى عليهم القرآن ويدعون إلى الإيمان . وهذا كناية عن ~~امتلاء نفوسهم من الإنكار والغيظ حتى تجاوز أثره بواطنهم فظهر على وجوههم . ~~كما في قوله تعالى : { تعرف في وجوههم نضرة النعيم } ( المطففين : 24 ) ~~كناية عن وفرة نعيمهم وفرط مسرتهم به . ولأجل هذه الكناية عدل عن التصريح ~~بنحو : اشتد غيظهم ، أو يكادون يتميزون غيظا ، ونحو قوله : { قلوبهم منكرة ~~وهم مستكبرون } ( النحل : 22 ) . PageV17P334 # وتقييد الآيات بوصف البينات لتفظيع إنكارها إياها ، إذ ليس فيها ما يعذر ~~به منكروها . # والخطاب في قوله { تعرف } لكل من يصلح للخطاب بدليل قوله { بالذين يتلون ~~عليهم آياتنا } . # والتعبير ب { الذين كفروا } إظهار في مقام الإضمار . ومقتضى الظاهر أن ~~يكون { تعرف في وجوه الذين كفروا } ، أي وجوه الذين يعبدون من دون الله ما ~~لم ينزل به سلطانا ، فخولف مقتضى ms5456 الظاهر للتسجيل عليهم بالإيماء إلى أن علة ~~ذلك هو ما يبطنونه من الكفر . # والسطو : البطش ، أي يقاربون أن يصولوا على الذين يتلون عليهم الآيات من ~~شدة الغضب والغيظ من سماع القرآن . # { والذين يتلون } يجوز أن يكون مرادا به النبي صلى الله عليه وسلم من ~~إطلاق اسم الجمع على الواحد كقوله : { وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم } ~~( الفرقان : 37 ) ، أي كذبوا الرسول . # ويجوز أن يراد به من يقرأ عليهم القرآن من المسلمين والرسول ، أما الذين ~~سطوا عليهم من المؤمنين فلعلهم غير الذين قرأوا عليهم القرآن ، أو لعل ~~السطو عليهم كان بعد نزول هذه الآية فلا إشكال في ذكر فعل المقاربة . # وجملة { يكادون يسطون } في موضع بدل الاشتمال لجملة { تعرف في وجوه الذين ~~كفروا المنكر } لأن الهم بالسطو مما يشتمل عليه المنكر . PageV17P335 # { قل أفأنبئكم بشر من ذالكم النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير } ~~. # استئناف ابتدائي يفيد زيادة إغاظتهم بأن أمر الله النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن يتلو عليهم ما يفيد أنهم صائرون إلى النار . # والتفريع بالفاء ناشىء من ظهور أثر المنكر على وجوههم فجعل دلالة ملامحهم ~~بمنزلة دلالة الألفاظ . ففرع عليها ما هو جواب عن كلام فيزيدهم غيظا . # ويجوز كون التفريع على التلاوة المأخوذة من قوله { وإذا تتلى عليهم ~~آياتنا } ، أي اتل عليهم الآيات المنذرة والمبينة لكفرهم ، وفرع عليها ~~وعيدهم بالنار . # والاستفهام مستعمل في الاستئذان ، وهو استئذان تهكمي لأنه قد نبأهم بذلك ~~دون أن ينتظر جوابهم . # وشر : اسم تفضيل ، أصله أشر : كثر حذف الهمزة تخفيفا ، كما حذفت في خير ~~بمعنى أخير . # والإشارة ب { ذلكم } إلى ما أثار منكرهم وحفيظتهم ، أي بما هو أشد شرا ~~عليكم في نفوسكم مما سمعتموه فأغضبكم ، أي فإن كنتم غاضبين لما تلي عليكم ~~من الآيات فازدادوا غضبا بهذا الذي أنبئكم به . # وقوله { النار } خبر مبتدأ محذوف دل عليه قوله { بشر من ذلكم } . ~~والتقدير : شر من ذلكم النار . PageV17P336 # فالجملة استئناف بياني ، أي إن سألتم عن الذي هو أشد شرا فاعلموا أنه ~~النار . # وجملة { وعدها الله } حال من ms5457 النار ، أو هي استئناف . # والتعبير عنهم بقوله : { الذين كفروا } إظهار في مقام الإضمار ، أي وعدها ~~الله إياكم لكفركم . # { وبئس المصير } أي بئس مصيرهم هي ، فحرف التعريف عوض عن المضاف إليه ، ~~فتكون الجملة إنشاء ذم معطوفة على جملة الحال على تقدير القول . ويجوز أن ~~يكون التعريف للجنس فيفيد العموم ، أي بئس المصير هي لمن صار إليها ، فتكون ~~الجملة تذييلا لما فيها من عموم الحكم للمخاطبين وغيرهم وتكون الواو ~~اعتراضية تذييلية . # # | 2 ( 73 ) { ياأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون ~~الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه ~~منه ضعف الطالب والمطلوب } . ) 2 # أعقبت تضاعيف الحجج والمواعظ والإنذارات التي اشتملت عليها السورة مما ~~فيه مقنع للعلم بأن إله الناس واحد وأن ما يعبد من دونه باطل ، أعقبت تلك ~~كلها بمثل جامع لوصف حال تلك المعبودات وعابديها . # والخطاب ب { يا أيها الناس } للمشركين لأنهم المقصود بالرد والزجر ~~وبقرينة قوله : { إن الذين تدعون } على قراءة الجمهور { تدعون } بتاء ~~الخطاب . PageV17P337 # فالمراد ب { الناس } هنا المشركون على ما هو المصطلح الغالب في القرآن . ~~ويجوز أن يكون المراد ب { الناس } جميع الناس من مسلمين ومشركين . # وفي افتتاح السورة ب { يا أيها الناس } وتنهيتها بمثل ذلك شبه برد العجز ~~على الصدر . ومما يزيده حسنا أن يكون العجز جامعا لما في الصدر وما بعده ، ~~حتى يكون كالنتيجة للاستدلال والخلاصة للخطبة والحوصلة للدرس . # وضرب المثل : ذكره وبيانه ؛ استعير الضرب للقول والذكر تشبيها بوضع الشيء ~~بشدة ، أي ألقي إليكم مثل . وتقدم بيانه عند قوله تعالى : { أن يضرب مثلا ~~ما في } ( سورة البقرة : 26 ) . # وبني فعل { ضرب } بصيغة النائب فلم يذكر له فاعل بعكس ما في المواضع ~~الأخرى التي صرح فيها بفاعل ضرب المثل نحو قوله تعالى : { إن الله لا ~~يستحيي أن يضرب مثلا ما في } ( سورة البقرة : 26 ) و { ضرب الله مثلا عبدا ~~مملوكا في } ( سورة النحل : 75 ) و { ضرب الله مثلا رجلا في } ( سورة الزمر ~~: 29 ) و { ضرب الله مثلا رجلين ms5458 في } ( سورة النحل : 76 ) . إذ أسند في تلك ~~المواضع وغيرها ضرب المثل إلى الله ، ونحو قوله : { فلا تضربوا لله الأمثال ~~في } ( سورة النحل : 74 ) . و { ضرب لنا مثلا ونسي خلقه في } ( سورة يس : ~~78 ) ، إذ أسند الضرب إلى المشركين ، لأن المقصود هنا نسج التركيب على ~~إيجاز صالح لإفادة احتمالين : # أحدهما : أن يقدر الفاعل الله تعالى وأن يكون المثل تشبيها تمثيليا ، أي ~~أوضح الله تمثيلا يوضح حال الأصنام في فرط العجز عن إيجاد أضعف المخلوقات ~~كما هو مشاهد لكل أحد . # والثاني : أن يقدر الفاعل المشركين ويكون المثل بمعنى المماثل ، أي جعلوا ~~أصنامهم مماثلة لله تعالى في الإلهية . PageV17P338 # وصيغة الماضي في قوله { ضرب } مستعملة في تقريب زمن الماضي من الحال على ~~الاحتمال الأول ، نحو قوله تعالى : { لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا } ( ~~النساء : 9 ) ، أي لو شارفوا أن يتركوا ، أي بعد الموت . # وجملة { إن الذين تدعون من دون الله } إلى آخرها يجوز أن تكون بيانا لفعل ~~{ ضرب } على الاحتمال الأول في التقدير ، أي بين تمثيل عجيب . # ويجوز أن تكون بيانا للفظ { مثل } لما فيها من قوله : { تدعون من دون ~~الله } على الاحتمال الثاني . # وفرع على ذلك المعنى من الإيجاز قوله : { فاستمعوا له } لاسترعاء الأسماع ~~إلى مفاد هذا المثل مما يبطل دعوى الشركة لله في الإلهية ، أي استمعوا ~~استماع تدبر . # فصيغة الأمر في { استمعوا له } مستعملة في التحريض على الاحتمال الأول ، ~~وفي التعجيب على الاحتمال الثاني . وضمير { له } عائد على المثل على ~~الاحتمال الأول لأن المثل على ذلك الوجه من قبيل الألفاظ المسموعة ، وعائد ~~على الضرب المأخوذ من فعل { ضرب } على الاحتمال الثاني على طريقة { اعدلوا ~~هو أقرب للتقوى } ( المائدة : 8 ) ، أي استمعوا للضرب ، أي لما يدل على ~~الضرب من الألفاظ ، فيقدر مضاف بقرينة { استمعوا } لأن المسموع لا يكون إلا ~~ألفاظا ، أي استمعوا لما يدل على ضرب المثل المتعجب منه في حماقة ضاربيه . # واستعملت صيغة الماضي في { ضرب } مع أنه لما يقل لتقريب زمن الماضي من ~~الحال كقوله : { لو تركوا من خلفهم ذرية ms5459 ضعافا } ( النساء : 9 ) ، أي لو ~~قاربوا أن يتركوا ، وذلك تنبيه للسامعين بأن يتهيأوا لتلقي هذا المثل ، لما ~~هو معروف لدى البلغاء من استشرافهم للأمثال ومواقعها . PageV17P339 # والمثل : شاع في تشبيه حالة بحالة ، كما تقدم في قوله { مثلهم كمثل الذي ~~استوقد نارا في } ( سورة البقرة : 17 ) ، فالتشبيه في هذه الآية ضمني خفي ~~ينبىء عنه قوله : { ولو اجتمعوا له } وقوله { لا يستنقذوه منه ضعف الطالب ~~والمطلوب } . فشبهت الأصنام المتعددة المتفرقة في قبائل العرب وفي مكة ~~بالخصوص بعظماء ، أي عند عابديها . وشبهت هيئتها في العجز بهيئة ناس تعذر ~~عليهم خلق أضعف المخلوقات ، وهو الذباب ، بله المخلوقات العظيمة كالسماوات ~~والأرض . وقد دل إسناد نفي الخلق إليهم على تشبيههم بذوي الإرادة لأن نفي ~~الخلق يقتضي محاولة إيجاده ، وذلك كقوله تعالى : { أموات غير أحياء كما ~~تقدم في } ( سورة النحل : 21 ) . ولو فرض أن الذباب سلبهم شيئا لم يستطيعوا ~~أخذه منه ، ودليل ذلك مشاهدة عدم تحركهم ، فكما عجزت عن إيجاد أضعف الخلق ~~وعن دفع أضعف المخلوقات عنها فكيف توسم بالإلهية ، ورمز إلى الهيئة المشبه ~~بها بذكر لوازم أركان التشبيه من قوله { لن يخلقوا } وقوله { وإن يسلبهم ~~الذباب شيئا } إلى آخره ، لا جرم حصل تشبيه هيئة الأصنام في عجزها بما دون ~~هيئة أضعف المخلوقات فكانت تمثيلية مكنية . # وفسر صاحب ( الكشاف ) المثل هنا بالصفة الغريبة تشبيها لما ببعض الأمثال ~~السائرة . وهو تفسير بما لا نظير له ولا استعمال يعضده اقتصادا منه في ~~الغوص عن المعنى لا ضعفا عن استخراج حقيقة المثل فيها وهو جذيعها المحكك ~~وعذيقها المرجب ولكن أحسبه صادف منه وقت سرعة في التفسير أو شغلا بأمر خطير ~~، وكم ترك الأول للأخير . # وفرع على التهيئة لتلقي هذا المثل الأمر بالاستماع له وإلقاء الشراشر ~~لوعيه وترقب بيان إجماله توخيا للتفطن لما يتلى بعد . PageV17P340 # وجملة { إن الذين تدعون } الخ بيان ل { مثل } على كلا الاحتمالين ~~السابقين في معنى { ضرب مثل } ، فإن المثل في معنى القول فصح بيانه بهذا ~~الكلام . # وأكد إثبات الخبر بحرف توكيد الإثبات وهو ( إن ) ، وأكد ما فيه من ms5460 النفي ~~بحرف توكيد النفي ( لن ) لتنزيل المخاطبين منزلة المنكرين لمضمون الخبر ، ~~لأن جعلهم الأصنام آلهة يقتضي إثباتهم الخلق إليها وقد نفي عنها الخلق في ~~المستقبل لأنه أظهر في إقحام الذين ادعوا لها الإلهية لأن نفي أن تخلق في ~~المستقبل يقتضي نفي ذلك في الماضي بالأحرى لأن الذي يفعل شيئا يكون فعله من ~~بعد أيسر عليه . # وقرأ الجمهور { تدعون } بتاء الخطاب على أن المراد بالناس في قوله : { يا ~~أيها الناس } خصوص المشركين . وقرأه يعقوب بياء الغيبة على أن يقصد ب { يا ~~أيها الناس } جميع الناس وأنهم علموا بحال فريق منهم وهم أهل الشرك . ~~والتقدير : إن الذين يدعون هم فريق منكم . # والذباب : اسم جمعع ذبابة ، وهي حشرة طائرة معروفة ، وتجمع على ذبان بكسر ~~الذال وتشديد النون ولا يقال في العربية للواحدة ذبانة . # وذكر الذباب لأنه من أحقر المخلوقات التي فيها الحياة المشاهدة . وأما ما ~~في الحديث في المصورين قال الله تعالى : ( فليخلقوا حبة وليخلقوا ذرة ) فهو ~~في سياق التعجيز لأن الحبة لا حياة فيها والذرة فيها حياة ضعيفة . # وموقع { لو اجتمعوا له } موقع الحال ، والواو واو الحال ، و ( لو ) فيه ~~وصلية . وقد تقدم بيان حقيقتها عند قوله : { فلن يقبل PageV17P341 من أحدهم ~~ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به في } ( سورة آل عمران : 91 ) . أي لن يستطيعوا ~~ذلك الخلق وهم مفترقون ، بل ولو اجتمعوا من مفترق القبائل وتعاونوا على خلق ~~الذباب لن يخلقوه . # والاستنقاذ : مبالغة في الإنقاذ مثل الاستحياء والاستجابة . # وجملة { ضعف الطالب والمطلوب } تذييل وفذلكة للغرض من التمثيل ، أي ضعف ~~الداعي والمدعو ، إشارة إلى قوله : { إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ~~ذبابا } الخ ، أي ضعفتم أنتم في دعوتهم آلهة وضعفت الأصنام عن صفات الإله . # وهذه الجملة كلام أرسل مثلا ، وذلك من بلاغة الكلام . # # | 2 ( 74 ) { ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوى عزيز } . ) 2 # تذييل للمثل بأن عبادتهم الأصنام مع الله استخفاف بحق إلهيته تعالى إذ ~~أشركوا معه في أعظم الأوصاف أحقر الموصوفين ، وإذ استكبروا عند تلاوة آياته ~~تعالى عليهم ms5461 ، وإذ هموا بالبطش برسوله . # والقدر : العظمة ، وفعل قدر يفيد أنه عامل بقدره . فالمعنى : ما عظموه حق ~~تعظيمه إذ أشركوا معه الضعفاء العجز وهو الغالب القوي . وقد تقدم تفسيره في ~~قوله { وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء في } ~~( سورة الأنعام : 91 ) . # وجملة { إن الله لقوي عزيز } تعليل لمضمون الجملة قبلها ، فإن ما أشركوهم ~~مع الله في العبادة كل ضعيف ذليل فما قدروه حق قدره لأنه قوي عزيز فكيف ~~يشاركه الضعيف الذليل . والعدول عن أن يقال : ما قدرتم الله حق قدره ، إلى ~~أسلوب الغيبة ، التفات تعريضا بهم بأنهم PageV17P342 ليسوا أهلا للمخاطبة ~~توبيخا لهم ، وبذلك يندمج في قوله : { إن الله لقوي عزيز } تهديد لهم بأنه ~~ينتقم منهم على وقاحتهم . # وتوكيد الجملة بحرف التوكيد ولام الابتداء مع أن مضمونها مما لا يختلف ~~فيه لتنزيل علمهم بذلك منزلة الإنكار لأنهم لم يجروا على موجب العلم حين ~~أشركوا مع القوي العزيز ضعفاء أذلة . # والقوي : من أسمائه تعالى . وهو مستعمل في القدرة على كل مراد له . ~~والعزيز : من أسمائه ، وهو بمعنى : الغالب لكل معاند . # # | 2 ( 75 ) { الله يصطفى من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير } ~~. ) 2 # لما نفت الآيات السابقة أن يكون للأصنام التي يعبدها المشركون مزية في ~~نصرهم بقوله : { وما للظالمين من نصير } ( الحج : 71 ) ، وقوله : { ضعف ~~الطالب والمطلوب } ( الحج : 73 ) ونعى على المشركين تكذيبهم الرسول عليه ~~الصلاة والسلام بقوله : { يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا } ( الحج ~~: 72 ) ، وقد كان من دواعي التكذيب أنهم أحالوا أن يأتيهم رسول من البشر : ~~{ وقالوا لولا أنزل عليه ملك } ( الأنعام : 8 ) أي يصاحبه ، { وقال الذين ~~لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا } ( الفرقان : 21 ) ~~أعقب إبطال أقوالهم بأن الله يصطفي من شاء اصطفاءه من الملائكة ومن الناس ~~دون الحجارة ، وأنه يصطفيهم ليرسلهم إلى الناس ، أي لا ليكونوا شركاء ، فلا ~~جرح أبطل قوله { الله يصطفي من الملائكة رسلا من الناس } جميع مزاعمهم في ~~أصنامهم . # فالجملة استئناف ابتدائي ، والمناسبة ms5462 ما علمت . PageV17P343 # وتقديم المسند إليه وهو اسم الجلالة على الخبر الفعلي في قوله { الله ~~يصطفي } دون أن يقول : نصطفي ، لإفادة الاختصاص ، أي الله وحده هو الذي ~~يصطفي لا أنتم تصطفون وتنسبون إليه . # والإظهار في مقام الإضمار هنا حيث لم يقل : هو يصطفي من الملائكة رسلا ، ~~لأن اسم الجلالة أصله الإله ، أي الإله المعروف الذي لا إله غيره ، ~~فاشتقاقه مشير إلى أن مسماه جامع كل الصفات العلى تقريرا للقوة الكاملة ~~والعزة القاهرة . # وجملة { إن الله سميع بصير } تعليل لمضمون جملة { الله يصطفي } لأن ~~المحيط علمه بالأشياء هو الذي يختص بالاصطفاء . وليس لأهل العقول ما بلغت ~~بهم عقولهم من الفطنة والاختيار أن يطلعوا على خفايا الأمور فيصطفوا ~~للمقامات العليا من قد تخفى عنهم نقائصهم بله اصطفاء الحجارة الصماء . # والسميع البصير : كناية عن عموم العلم بالأشياء بحسب المتعارف في ~~المعلومات أنها لا تعدو المسموعات والمبصرات . # # | 2 ( 76 ) { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم وإلى الله ترجع الامور } ) 2 # جملة مقررة لمضمون جملة { إن الله سميع بصير } ( الحج : 75 ) وفائدتها ~~زيادة على التقرير أنها تعريض بوجوب مراقبتهم ربهم في السر والعلانية لأنه ~~لا تخفى عليه خافية . # و { ما بين أيديهم } مستعار لما يظهرونه ، { وما خلفهم } هو ما يخفونه ~~لأن الشيء الذي يظهره صاحبه يجعله بين يديه والشيء الذي يخفيه يجعله وراءه ~~. PageV17P344 # ويجوز أن يكون { ما بين أيديهم } مستعارا لما سيكون من أحوالهم لأنها ~~تشبه الشيء الذي هو تجاه الشخص وهو يمشي إليه ، { وما خلفهم } مستعارا لما ~~مضى وعبر من أحوالهم لأنها تشبه ما تركه السائر وراءه وتجاوزه . # وضمير { أيديهم } و { خلفهم } عائدان : إما إلى المشركين الذين عاد إليهم ~~ضمير { فلا ينازعنك في الأمر } ( الحج : 67 ) ، وإما إلى الملائكة والناس . ~~وإرجاع الأمور إرجاع القضاء في جزائها من ثواب وعقاب إليه يوم القيامة . # وبني فعل { ترجع } إلى النائب لظهور من هو فاعل الإرجاع فإنه لا يليق إلا ~~بالله تعالى ، فهو يمهل الناس في الدنيا وهو يرجع الأمور إليه يوم القيامة ~~. # وتقديم المجرور لإفادة الحصر الحقيقي ، أي ms5463 إلى الله لا إلى غيره يرجع ~~الجزاء لأنه ملك يوم الدين . والتعريف في { الأمور } للاستغراق ، أي كل أمر ~~. وذلك جمع بين البشارة والنذارة تبعا لما قبله من قوله : { يعلم ما بين ~~أيديهم وما خلفهم } . # # | 2 ( 77 ) { ياأيها الذين ءامنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا ~~الخير لعلكم تفلحون } . ) 2 # لما كان خطاب المشركين فاتحا لهذه السورة وشاغلا لمعظمها عدا ما وقع ~~اعتراضا في خلال ذلك ، فقد خوطب المشركون ب { يا أيها الناس } أربع مرات ، ~~فعند استيفاء ما سيق إلى المشركين من الحجج والقوارع والنداء على مساوي ~~أعمالهم ، ختمت السورة بالإقبال على خطاب المؤمنين بما يصلح أعمالهم وينوه ~~بشأنهم . PageV17P345 # وفي هذا الترتيب إيماء إلى أن الاشتغال بإصلاح الإعتقاد مقدم على ~~الاشتغال بإصلاح الأعمال . # والمراد بالركوع والسجود الصلوات . وتخصيصهما بالذكر من بين أعمال الصلاة ~~لأنهما أعظم أركان الصلاة إذ بهما إظهار الخضوع والعبودية . وتخصيص الصلاة ~~بالذكر قبل الأمر ببقية العبادات المشمولة لقوله { واعبدوا ربكم } تنبيه ~~على أن الصلاة عماد الدين . # والمراد بالعبادة : ما أمر الله الناس أن يتعبدوا به مثل الصيام والحج . # وقوله { وافعلوا الخير } أمر بإسداء الخير إلى الناس من الزكاة ، وحسن ~~المعاملة كصلة الرحم ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، وسائر مكارم ~~الأخلاق ، وهذا مجمل بينته وبينت مراتبه أدلة أخرى . # والرجاء المستفاد من { لعلكم تفلحون } مستعمل في معنى تقريب الفلاح لهم ~~إذا بلغوا بأعمالهم الحد الموجب للفلاح فيما حدد الله تعالى ، فهذه حقيقة ~~الرجاء . وأما ما يستلزمه الرجاء من تردد الراجي في حصول المرجو فذلك لا ~~يخطر بالبال لقيام الأدلة التي تحيل الشك على الله تعالى . # واعلم أن قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا } إلى { ~~لعلكم تفلحون } اختلف الأيمة في كون ذلك موضع سجدة من سجود القرآن . والذي ~~ذهب إليه الجمهور أن ليس ذلك موضع سجدة وهو قول مالك في ( الموطأ ) و ( ~~المدونة ) ، وأبي حنيفة ، والثوري . # وذهب جمع غفير إلى أن ذلك موضع سجدة ، وروى الشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، ~~وفقهاء المدينة ، ونسبه ابن العربي إلى مالك PageV17P346 في رواية المدنيين ~~من أصحابه ms5464 عنه . وقال ابن عبد البر في ( الكافي ) : ( ومن أهل المدينة ~~قديما وحديثا من يرى السجود في الثانية من الحج قال : وقد رواه ابن وهب عن ~~مالك ) . وتحصيل مذهبه أنها إحدى عشرة سجدة ليس في المفصل منها شيء ) ، فلم ~~ينسبه إلى مالك إلا من رواية ابن وهب ، وكذلك ابن رشد في ( المقدمات ) : ~~فما نسبه ابن العربي إلى المدنيين من أصحاب مالك غريب . # وروى الترمذي عن ابن لهيعة عن مشرح عن عقبة بن عامر قال : ( قلت يا رسول ~~الله فضلت سورة الحج لأن فيها سجدتين ؟ قال : نعم ، ومن لم يسجدهما فلا ~~يقرأهما ) اه . قال أبو عيسى : هذا حديث إسناده ليس بالقوي اه ، أي من أجل ~~أن ابن لهيعة ضعفه يحيى بن معين ، وقال مسلم : تركه وكيع ، والقطان ، وابن ~~مهدي . وقال أحمد : احترقت كتبه فمن روى عنه قديما ( أي قبل احتراق كتبه ) ~~قبل . # # | 2 ( 78 ) { وجاهدوا فى الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم فى ~~الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفى هاذا ليكون ~~الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهدآء على الناس فأقيموا الصلواة وءاتوا ~~الزكواة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير } ) 2 # الجهاد بصيغة المفاعلة حقيقة عرفية في قتال أعداء المسلمين في الدين لأجل ~~إعلاء كلمة الإسلام أو للدفع عنه كما فسره النبي صلى الله عليه وسلم ( من ~~قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ) . وأن ما روي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه حين قفل من غزوة تبوك قال لأصحابه : ( رجعنا من ~~الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ) ، وفسره لهم بمجاهدة العبد هواه ، فذلك ~~PageV17P347 محمول على المشاكلة بإطلاق الجهاد على منع داعي النفس إلى ~~المعصية . # ومعنى ( في ) التعليل ، أي لأجل الله ، أي لأجل نصر دينه كقول النبي صلى ~~الله عليه وسلم ( دخلت امرأة النار في هرة ) أي لأجل هرة ، أي لعمل يتعلق ~~بهرة كما بينه بقوله : ( حبستها لا هي أطعمتها ولا هي أرسلتها ترمم من خشاش ~~الأرض حتى ماتت هزلا ) . # وانتصب ms5465 { حق جهاده } على المفعول المطلق المبين للنوع ، وأضيفت الصفة إلى ~~الموصوف ، وأصله : جهاده الحق ، وإضافة جهاد إلى ضمير الجلالة لأدنى ملابسة ~~، أي حق الجهاد لأجله ، وقرينة المراد تقدم حرف ( في ) كقوله تعالى : { يا ~~أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته } ( آل عمران : 102 ) . # والحق بمعنى الخالص ، أي الجهاد الذي لا يشوبه تقصير . # والآية أمر بالجهاد ، ولعلها أول آية جاءت في الأمر بالجهاد لأن السورة ~~بعضها مكي وبعضها مدني ولأنه تقدم آنفا قوله : { ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب ~~به ثم بغي عليه لينصرنه الله } ( الحج : 60 ) ، فهذا الآن أمر بالأخذ في ~~وسائل النصر ، فالآية نزلت قبل وقعة بدر لا محالة . PageV17P348 # { هو اجتباكم وما جعل عليكم فى الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم ~~المسلمين من قبل وفى هاذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهدآء على ~~الناس } # جملة { هو اجتباكم } إن حملت على أنها واقعة موقع العلة لما أمروا به ~~ابتداء من قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا } ( الحج : ~~77 ) الخ ، أي لأنه لما اجتباكم ، كان حقيقا بالشكر له بتلك الخصال المأمور ~~بها . # والاجتباء : الاصطفاء والاختبار ، أي هو اختاركم لتلقي دينه ونشره ونصره ~~على معانديه . فيظهر أن هذا موجه لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أصالة ويشركهم فيه كل من جاء بعدهم بحكم اتحاد الوصف في الأجيال كما هو ~~الشأن في مخاطبات التشريع . # وإن حمل قوله { هو اجتباكم } على معنى التفضيل على الأمم كان ملحوظا فيه ~~تفضيل مجموع الأمة على مجموع الأمم السابقة الراجع إلى تفضيل كل طبقة من ~~هذه الأمة على الطبقة المماثلة لها من الأمم السالفة . # وقد تقدم مثل هذين المحملين في قوله تعالى : { كنتم خير أمة أخرجت للناس ~~} ( آل عمران : 110 ) . # وأعقب ذلك بتفضيل هذا الدين المستتبع تفضيل أهله بأن جعله دينا لا حرج ~~فيه لأن ذلك يسهل العمل به مع حصول مقصد الشريعة من العمل فيسعد أهله ~~بسهولة امتثاله ، وقد امتن الله تعالى بهذا المعنى في آيات كثيرة من القرآن ~~، منها قوله تعالى ms5466 : { يريد الله بكم PageV17P349 اليسر ولا يريد بكم العسر ~~} ( البقرة : 185 ) . ووصفه الدين بالحنيف ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~( بعثت بالحنيفية السمحة ) . # والحرج : الضيق ، أطلق على عسر الأفعال تشبيها للمعقول بالمحسوس ثم شاع ~~ذلك حتى صار حقيقة عرفية كما هنا . # والملة : الدين والشريعة . وقد تقدم عند قوله تعالى : { ثم أوحينا إليك ~~أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا في } ( سورة النحل : 123 ) . وقوله : { واتبعت ~~ملة آباءي في } ( سورة يوسف : 38 ) . # وقوله { ملة أبيكم إبراهيم } زيادة في التنويه بهذا الدين وتحضيض على ~~الأخذ به بأنه اختص بأنه دين جاء به رسولان إبراهيم ومحمد صلى الله عليه ~~وسلم وهذا لم يستتب لدين آخر ، وهو معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم ( ~~أنا دعوة أبي إبراهيم ) أي بقوله : { ربنا وابعث فيهم رسولا منهم } ( ~~البقرة : 129 ) ، وإذ قد كان هذا هو المقصود فمحمل الكلام أن هذا الدين دين ~~إبراهيم ، أي أن الإسلام احتوى على دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام . ~~ومعلوم أن للإسلام أحكاما كثيرة ولكنه اشتمل على ما لم يشتمل عليه غيره من ~~الشرائع الأخرى من دين إبراهيم ، جعل كأنه عين ملة إبراهيم ، فعلى هذا ~~الاعتبار يكون انتصاب { ملة أبيكم إبراهيم } على الحال من { الدين } ~~باعتبار أن الإسلام حوى ملة إبراهيم . # ثم إن كان الخطاب موجها إلى الذين صحبوا النبي صلى الله عليه وسلم فإضافة ~~أبوة إبراهيم إليهم باعتبار غالب الأمة ، لأن غالب الأمة يومئذ من العرب ~~المضرية وأما الأنصار فإن نسبهم لا ينتمي إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام ~~لأنهم من العرب القحطانيين ؛ على أن أكثرهم كانت لإبراهيم عليهم ولادة من ~~قبل الأمهات . PageV17P350 # وإن كان الخطاب لعموم المسلمين كانت إضافة أبوة إبراهيم لهم على معنى ~~التشبيه في الحرمة واستحقاق التعظيم كقوله تعالى : { وأزواجه أمهاتهم } ( ~~الأحزاب : 6 ) ، ولأنه أبو النبي محمد صلى الله عليه وسلم ومحمد له مقام ~~الأبوة للمسلمين وقد قرىء قوله تعالى : { وأزواجه أمهاتهم } ( الأحزاب : 6 ~~) بزيادة وهو أبوهم . # ويجوز أن يكون الخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم على طريقة التعظيم كأنه ~~قال : ملة أبيك ms5467 إبراهيم . # والضمير في { هو سماكم المسلمين } عائد إلى الجلالة كضمير { هو اجتباكم } ~~فتكون الجملة استئنافا ثانيا ، أي هو اجتباكم وخصكم بهذا الاسم الجليل فلم ~~يعطه غيركم ولا يعود إلى إبراهيم . # و { قبل } إذا بني على الضم كان على تقدير مضاف إليه منوي بمعناه دون ~~لفظه . والاسم الذي أضيف إليه { قبل } محذوف ، وبني { قبل } على الضم ~~إشعارا بالمضاف إليه . والتقدير : من قبل القرآن . والقرينة قوله { وفي هذا ~~} ، أي وفي هذا القرآن . # والإشارة في قوله { وفي هذا } إلى القرآن كما في قوله تعالى : { ائتوني ~~بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين } ( الأحقاف : 4 ) ، أي ~~وسماكم المسلمين في القرآن . وذلك في نحو قوله : { فإن تولوا فقولوا اشهدوا ~~بأنا مسلمون } ( آل عمران : 64 ) وقوله : { وأمرت لأن أكون أول المسلمين } ~~( الزمر : 12 ) . # واللام في قوله { ليكون الرسول شهيدا عليكم } يتعلق بقوله { اركعوا ~~واسجدوا } ( الحج : 77 ) أو بقوله { اجتباكم } أي ليكون الرسول ، أي محمد ~~عليه الصلاة والسلام شهيدا على الأمة الإسلامية بأنها آمنت به ، وتكون ~~الأمة الإسلامية شاهدة على الناس ، أي على الأمم بأن PageV17P351 رسلهم ~~بلغوهم الدعوة فكفر بهم الكافرون . ومن جملة الناس القوم الذين كفروا بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم # وقدمت شهادة الرسول للأمة هنا ، وقدمت شهادة الأمة في آية ( البقرة : 143 ~~) { وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم ~~شهيدا ؛ لأن آية هذه السورة في مقام التنويه بالدين الذي جاء به الرسول . ~~فالرسول هنا أسبق إلى الحضور فكان ذكر شهادته أهم ، وآية البقرة صدرت ~~بالثناء على الأمة فكان ذكر شهادة الأمة أهم . # فأقيموا الصلواة وءاتوا الزكواة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ~~ونعم النصير } # تفريع على جملة { هو اجتباكم } وما بعدها ، أي فاشكروا الله بالدوام على ~~إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والاعتصام بالله . # والاعتصام : افتعال من العصم ، وهو المنع من الضر والنجاة ، قال تعالى : ~~{ قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله } ( هود ~~: 43 ) ، وقال النابغة : # يظل من خوفه الملاح معتصما # بالخيزرانة ms5468 بعد الأين والنجد # والمعنى : اجعلوا الله ملجأكم ومنجاكم . # وجملة { هو مولاكم } مستأنفة معللة للأمر بالاعتصام بالله لأن المولى ~~يعتصم به ويرجع إليه لعظيم قدرته وبديع حكمته . # والمولى : السيد الذي يراعي صلاح عبده . PageV17P352 # وفرع عليه إنشاء الثناء على الله بأنه أحسن مولى وأحسن نصير . أي نعم ~~المدبر لشؤونكم ، ونعم الناصر لكم . ونصير : صيغة مبالغة في النصر ، أي نعم ~~المولى لكم ونعم النصير لكم . وأما الكافرون فلا يتولاهم تولي العناية ولا ~~ينصرهم . # وهذا الإنشاء يتضمن تحقيق حسن ولاية الله تعالى وحسن نصره . وبذلك ~~الاعتبار حسن تفريعه على الأمر بالاعتصام به . # وهذا من براعة الختام ، كما هو بين لذوي الأفهام . # PageV17P353 # | 1 ( سورة المؤمنون ) 1 # ويقال ( سورة المؤمنون ) . # فالأول على اعتبار إضافة السورة إلى المؤمنين لافتتاحها بالإخبار عنهم ~~بأنهم أفلحوا . ووردت تسميتها بمثل هذا فيما رواه النسائي : ( عن عبد الله ~~بن السائب قال : حضرت رسول الله يوم الفتح فصلى في قبل الكعبة فخلع نعليه ~~فوضعهما عن يساره فافتتح سورة المؤمنين فلما جاء ذكر موسى أو عيسى أخذته ~~سعلة فركع ) . # والثاني على حكاية لفظ { المؤمنون } الواقع أولها في قوله تعالى : { قد ~~أفلح المؤمنون } ( المؤمنون : 1 ) فجعل ذلك اللفظ تعريفا للسورة . # وقد وردت تسمية هذه السورة ( سورة المؤمنين ) في السنة ، روى أبو داود : ~~( عن عبد الله بن السائب قال : صلى بنا رسول الله الصبح بمكة فاستفتح سورة ~~المؤمنين حتى إذا جاء ذكر موسى وهارون أو ذكر موسى وعيسى أخذت النبي سعلة ~~فحذف فركع ) . # ومما جرى على الألسنة أن يسموها سورة ( قد أفلح ) ، ووقع ذلك في كتاب ~~الجامع من ( العتبية ) في سماع ابن القاسم ، قال ابن القاسم : أخرج لنا ~~مالك مصحفا لجده فتحدثنا أنه كتبه على عهد عثمان بن عفان وغاشيته من كسوة ~~الكعبة فوجدنا . . ) إلى أن قال : ( وفي قد أفلح كلها الثلاثث لله ) أي ~~خلافا لقراءة : { سيقولون الله } ( المؤمنون : 85 ) . ويسمونها أيضا سورة ~~الفلاح . # وهي مكية بالاتفاق . ولا اعتداد بتوقف من توقف في ذلك بأن الآية التي ~~ذكرت فيها الزكاة وهي قوله : { والذين هم للزكاة فاعلون ms5469 } ( المؤمنون : 4 ) ~~تعين أنها PageV18P005 مدنية لأن الزكاة فرضت في المدينة . فالزكاة ~~المذكورة فيها هي الصدقة لا زكاة النصب المعينة في الأموال . وإطلاق الزكاة ~~على الصدقة مشهور في القرآن ، قال تعالى : { وويل للمشركين الذين لا يؤتون ~~الزكاة } ( فصلت : 6 ، 7 ) وهي من سورة مكية بالاتفاق ، وقال : { واذكر في ~~الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا وكان يأمر أهله بالصلاة ~~والزكاة } ( مريم : 54 ، 55 ) ولم تكن زكاة النصب مشروعة في زمن إسماعيل . # وهي السورة السادسة والسبعون في عداد نزول سور القرآن نزلت بعد سورة { ~~الطور وقبل سورة تبارك الذي بيده الملك . # وآياتها مائة وسبع عشرة في عد الجمهور . وعدها أهل الكوفة مائة وثمان ~~عشرة ، فالجمهور عدوا أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها ~~خالدون } ( المؤمنون : 10 ، 11 ) آية ، وأهل الكوفة عدوا { أولئك هم ~~الوارثون } آية وما بعدها آية أخرى ، كما يؤخذ من كلام أبي بكر ابن العربي ~~في ( العارضة ) في الحديث الذي سنذكره عقب تفسير قوله تعالى : { أولئك هم ~~الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون } . # أغراض السورة # هذه السورة تدور آيها حول محور تحقيق الوحدانية وإبطال الشرك ونقض قواعده ~~، والتنويه بالإيمان وشرائعه . # فكان افتتاحها بالبشارة للمؤمنين بالفلاح العظيم على ما تحلوا به من أصول ~~الفضائل الروحية والعملية التي بها تزكية النفس واستقامة السلوك . # وأعقب ذلك بوصف خلق الإنسان أصله ونسله الدال على تفرد الله تعالى ~~بالإلهية لتفرده بخلق الإنسان ونشأته ليبتدىء الناظر بالاعتبار في تكوين ~~ذاته ثم بعدمه بعد الحياة . ودلالة ذلك الخلق على إثبات البعث بعد الممات ~~وأن الله لم يخلق الخلق سدى ولعبا . # وانتقل إلى الاعتبار بخلق السماوات ودلالته على حكمة الله تعالى . ~~PageV18P006 وإلى الاعتبار والامتنان بمصنوعات الله تعالى التي أصلها الماء ~~الذي به حياة ما في هذا العالم من الحيوان والنبات وما في ذلك من دقائق ~~الصنع ، وما في الأنعام من المنافع ومنها الحمل . # ومن تسخير المنافع للناس وما أوتيه الإنسان من آلات الفكر والنظر . وورد ~~ذكر الحمل على الفلك فكان منه تخلص إلى بعثة ms5470 نوح وحدث الطوفان . # وانتقل إلى التذكير ببعثة الرسل للهدى والإرشاد إلى التوحيد والعمل ~~الصالح ، وما تلقاها به أقوامهم من الإعراض والطعن والتفرق ، وما كان من ~~عقاب المكذبين ، وتلك أمثال لموعظة المعرضين عن دعوة محمد صلى الله عليه ~~وسلم فأعقب ذلك بالثناء على الذين آمنوا واتقوا . # وبتنبيه المشركين على أن حالهم مماثل لأحوال الأمم الغابرة وكلمتهم واحدة ~~فهم عرضة لأن يحل بهم ما حل بالأمم الماضية المكذبة . وقد أراهم الله مخائل ~~العذاب لعلهم يقلعون عن العناد فأصروا على إشراكهم بما ألقى الشيطان في ~~عقولهم . # وذكروا بأنهم يقرون إذا سئلوا بأن الله مفرد بالربوبية ولا يجرون على ~~مقتضى إقرارهم وأنهم سيندمون على الكفر عندما يحضرهم الموت وفي يوم القيامة ~~. # وبأنهم عرفوا الرسول وخبروا صدقه وأمانته ونصحه المجرد عن طلب المنفعة ~~لنفسه إلا ثواب الله فلا عذر لهم بحال في إشراكهم وتكذيبهم الرسالة ، ~~ولكنهم متبعون أهواءهم معرضون عن الحق . وما تخلل ذلك من جوامع الكلم . # وختمت بأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يغض عن سوء معاملتهم ويدفعها ~~بالتي هي أحسن ، ويسأل المغفرة للمؤمنين ، وذلك هو الفلاح الذي ابتدئت به ~~السورة . # # | 2 ( 1 ) { قد أفلح المؤمنون } . ) 2 # PageV18P007 # افتتاح بديع لأنه من جوامع الكلم فإن الفلاح غاية كل ساع إلى عمله ، ~~فالإخبار بفلاح المؤمنين دون ذكر متعلق بفعل الفلاح يقتضي في المقام ~~الخطابي تعميم ما به الفلاح المطلوب ، فكأنه قيل : قد أفلح المؤمنون في كل ~~ما رغبوا فيه . # ولما كانت همة المؤمنين منصرفة إلى تمكن الإيمان والعملل الصالح من ~~نفوسهم كان ذلك إعلاما بأنهم نجحوا فيما تعلقت به هممهم من خير الآخرة ~~وللحق من خير الدنيا ، ويتضمن بشارة برضى الله عنهم ووعدا بأن الله مكمل ~~لهم ما يتطلبونه من خير . # وأكد هذا الخبر بحرف ( قد ) الذي إذا دخل على الفعل الماضي أفاد التحقيق ~~أي التوكيد ، فحرف ( قد ) في الجملة الفعلية يفيد مفاد ( إن واللام ) في ~~الجملة الاسمية ، أي يفيد توكيدا قويا . # ووجه التوكيد هنا أن المؤمنين كانوا مؤملين مثل هذه البشارة فيما سبق لهم ms5471 ~~من رجاء فلاحهم كالذي في قوله : { وافعلوا الخير لعلكم تفلحون } ( الحج : ~~77 ) ، فكانوا لا يعرفون تحقق أنهم أتوا بما أرضى ربهم ويخافون أن يكونوا ~~فرطوا في أسبابه وما علق عليه وعده إياهم ، بله أن يعرفوا اقتراب ذلك ؛ ~~فلما أخبروا بأن ما ترجوه قد حصل حقق لهم بحرف التحقيق وبفعل المضي ~~المستعمل في معنى التحقق . فالإتيان بحرف التحقيق لتنزيل ترقبهم إياه لفرط ~~الرغبة والانتظار منزلة الشك في حصوله ، ولعل منه : قد قامت الصلاة ، إشارة ~~إلى رغبة المصلين في حلول وقت الصلاة ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ( ~~أرحنا بها يا بلال ) وشأن المؤمنين التشوق إلى عبادتهم كما يشاهد في تشوق ~~كثير إلى قيام رمضان . # وحذف المتعلق للإشارة إلى أنهم أفلحوا فلاحا كاملا . # والفلاح : الظفر بالمطلوب من عمل العامل ، وقد تقدم في أول البقرة . ونيط ~~الفلاح بوصف الإيمان للإشارة إلى أنه السبب الأعظم في الفلاح فإن الإيمان ~~وصف جامع للكمال لتفرع جميع الكمالات عليه . # PageV18P008 # | 2 ( 2 ) { الذين هم فى صلاتهم خاشعون } . ) 2 # إجراء الصفات على { المؤمنون } ( المؤمنون : 1 ) بالتعريف بطريق الموصول ~~وبتكريره للإيماء إلى وجه فلاحهم وعلته ، أي أن كل خصلة من هاته الخصال هي ~~من أسباب فلاحهم . وهذا يقتضي أن كل خصلة من هذه الخصال سبب للفلاح لأنه لم ~~يقصد أن سبب فلاحهم مجموع الخصال المعدودة هنا فإن الفلاح لا يتم إلا بخصال ~~أخرى مما هو مرجع التقوى ، ولكن لما كانت كل خصلة من هذه الخصال تنبىء عن ~~رسوخ الإيمان من صاحبها اعتبرت لذلك سببا للفلاح ، كما كانت أضدادها كذلك ~~في قوله تعالى { ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم ~~المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيومم الدين } ( المدثر : 42 46 ) ~~على أن ذكر عدة أشياء لا يقتضي الاقتصار عليها في الغرض المذكور . # والخشوع تقدم في قوله تعالى : { وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين } في سورة ~~البقرة ( 45 ) وفي قوله : { وكانوا لنا خاشعين في سورة الأنبياء ( 90 ) . ~~وهو خوف يوجب تعظيم المخوف منه ، ولا شك ms5472 أن الخشوع ، أي الخشوع لله ، يقتضي ~~التقوى فهو سبب فلاح . # وتقييده هنا بكونه في الصلاة لقصد الجمع بين وصفهم بأداء الصلاة وبالخشوع ~~وخاصة إذا كان في حال الصلاة لأن الخشوع لله يكون في حالة الصلاة وفي غيرها ~~، إذ الخشوع محله القلب فليس من أفعال الصلاة ولكنه يتلبس به المصلي في ~~حالة صلاته . وذكر مع الصلاة لأن الصلاة أولى الحالات بإثارة الخشوع وقوته ~~ولذلك قدمت ، ولأنه بالصلاة أعلق فإن الصلاة خشوع لله تعالى وخضوع له ، ~~ولأن الخشوع لما كان لله تعالى كان أولى الأحوال به حال الصلاة لأن المصلي ~~يناجي ربه فيشعر نفسه أنه بين يدي ربه فيخشع له . وهذا من آداب المعاملة مع ~~الخالق تعالى وهي رأس الآداب الشرعية ومصدر الخيرات كلها . PageV18P009 # ولهذا الاعتبار قدم هذا الوصف على بقية أوصاف المؤمنين وجعل مواليا ~~للإيمان فقد حصل الثناء عليهم بوصفين . # وتقديم في صلاتهم } على { خاشعون } للاهتمام بالصلاة للإيذان بأن لهم ~~تعلقا شديدا بالصلاة لأن شأن الإضافة أن تفيد شدة الاتصال بين المضاف ~~والمضاف إليه لأنها على معنى لام الاختصاص . فلو قيل : الذين إذا صلوا ~~خشعوا ، فات هذا المعنى ، وأيضا لم يتأت وصفهم بكونهم خاشعين إلا بواسطة ~~كلمة أخرى نحو : كانوا خاشعين . وإلا يفت ما تدل عليه الجملة الاسمية من ~~ثبات الخشوع لهم ودوامه ، أي كون الخشوع خلقا لهم بخلاف نحو : الذين خشعوا ~~، فحصل الإيجاز ، ولم يفت الإعجاز . # # | 2 ( 3 ) { والذين هم عن اللغو معرضون } . ) 2 # العطف من عطف الصفات لموصوف واحد كقول بعض الشعراء وهو من شواهد النحو : # إلى الملكك القرم وابنن الهمام # وليث الكتيبة في المزدحم # وتكرير الصفات تقوية للثناء عليهم . # والقول في تركيب جملة { هم عن اللغو معرضون } كالقول في { هم في صلاتهم ~~خاشعون } ( المؤمنون : 2 ) ، وكذلك تقديم { عن اللغو } على متعلقه . # وإعادة اسم الموصول دون اكتفاء بعطف صلة على صلة للإشارة إلى أن كل صفة ~~من الصفات موجبة للفلاح فلا يتوهم أنهم لا يفلحون حتى يجمعوا بين مضامين ~~الصلاة كلها ، ولما في الإظهار في مقام الإضمار من زيادة ms5473 تقرير للخبر في ~~ذهن السامع . # واللغو : الكلام الباطل . وتقدم في قوله تعالى : { لا يؤاخذكم الله ~~باللغو في أيمانكم } في البقرة ( 225 ) ، وقوله : { لا يسمعون فيها لغوا } ~~في سورة مريم ( 62 ) . PageV18P010 # والإعراض : الصد أي عدم الإقبال على الشيء ، من العرض بضم العين وهو ~~الجانب ، لأن من يترك الشيء يوليه جانبه ولا يقبل عليه فيشمل الإعراض إعراض ~~السمع عن اللغو ، وتقدم عند قوله : { فأعرض عنهم وعظهم في سورة النساء ( 63 ~~) ، وقوله : وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم } في سورة ~~الأنعام ( 68 ) ، وأهمه الإعراض عن لغو المشركين عند سماع القرآن { وقال ~~الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون } ( فصلت : 26 ~~) وقال تعالى : { وإذا مروا باللغو مروا كراما } ( الفرقان : 72 ) . ويشمل ~~الإعراض عن اللغو بالألسنة ، أي أن يلغوا في كلامهم . # وعقب ذكر الخشوع بذكر الإعراض عن اللغو لأن الصلاة في الأصل الدعاء ، وهو ~~من الأقوال الصالحة ، فكان اللغو مما يخطر بالبال عند ذكر الصلاة بجامع ~~الضدية ، فكان الإعراض عن اللغو بمعنيي الإعراض مما تقتضيه الصلاة والخشوع ~~لأن من اعتاد القول الصالح تجنب القول الباطل ومن اعتاد الخشوع لله تجنب ~~قول الزور ، وفي الحديث ( إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي ~~لها بالا يرفعه الله بها درجات وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا ~~يلقي لها بالا يهوي بها في جهنم ) . # والإعراض عن جنس اللغو من خلق الجد ومن تخلق بالجد في شؤونه كملت نفسه ~~ولم يصدر منه إلا الأعمال النافعة ، فالجد في الأمور من خلق الإسلام كما ~~أفصح عن ذلك قول أبي خراش الهذلي بذكر الإسلام : # وعاد الفتى كالكهل ليس بقائل # سوى العدل شيئا فاستراح العواذل # والإعراض عنه يقتضي بالأولى اجتناب قول اللغو ويقتضي تجنب مجالس أهله . # واعلم أن هذا أدب عظيم من آداب المعاملة مع بعض الناس وهم الطبقة غير ~~المحترمة لأن أهل اللغو ليسوا بمرتبة التوقير ، فالإعراض عن لغوهم ربء عن ~~التسفل معهم . # PageV18P011 # | 2 ( 4 ) { والذين هم للزكواة فاعلون } . ) 2 # أصل الزكاة أنها اسم ms5474 مصدر ( زكى ) المشدد ، إذا طهر النفس من المذمات . ~~ثم أطلقت على إنفاق المال لوجه الله مجازا لأن القصد من ذلك المال تزكية ~~النفس أو لأن ذلك يزيد في مال المعطي . فأطلق اسم المسبب على السبب . وأصله ~~قوله تعالى : { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها } ( التوبة : 103 ) ~~، وأطلقت على نفس المال المنفق من إطلاق اسم المصدر على المفعول لأنه حاصل ~~به وهو المتعين هنا بقرينة تعليقه ب { فاعلون } المقتضي أن الزكاة مفعول . ~~وأما المصدر فلا يكون مفعولا به لفعل من مادة ( ف . ع . ل ) لأن صوغ الفعل ~~من مادة ذلك المصدر يغني عن الإتيان بفعل مبهم ونصبب مصدره على المفعولية ~~به . فلو قال أحد : فعلت مشيا ، إذا أراد أن يقول : مشيت ، كان خارجا عن ~~تركيب العربية ولو كان مفيدا ، ولو قال أحد : فعلت مما تريده ، لصح التركيب ~~قال تعالى : { من فعل هذا بآلهتنا } ( الأنبياء : 59 ) ، أي هذا المشاهد من ~~الكسر والحطم ، أي هذا الحاصل بالمصدر . وليس المراد المصدر لأنه لا يشار ~~إليه ولا سيما بعد غيبة فاعله . # والمراد بالفعل هنا الفعل المناسب لهذا المفعول وهو الإيتاء ، فهو كقوله ~~{ ويؤتون الزكاة } ( المائدة : 55 ) فلا حاجة إلى تقدير أداء الزكاة . # وإنما أوثر هنا الاسم الأعم وهو { فاعلون } لأن مادة ( ف ع ل ) مشتهرة في ~~إسداء المعروف ، واشتق منها الفعال بفتح الفاء ، قال محمد بن بشير الخارجي ~~: # إن تنفق المال أو تكلف مساعيه # يشقق عليك وتفعل دون ما فعلا # وعلى هذا الاعتبار جاء ما نسب إلى أمية بن أبي الصلت : # المطعمون الطعام في السنة الأز # مة والفاعلون للزكوات # أنشده في ( الكشاف ) . وفي نفسي من صحة نسبته تردد لأني أحسب استعمال ~~الزكاة في معنى المال المبذول لوجه الله إلا من مصطلحات القرآن ، ~~PageV18P012 فلعل البيت مما نحل من الشعر على ألسنة الشعراء . قال ابن ~~قتيبة في كتاب ( الشعر والشعراء ) ( وعلماؤنا لا يرون شعر أمية حجة على ~~الكتاب ) . # واللام على هذا الوجه لام التقوية لضعف العامل بالفرعية وبالتأخير عن ~~معموله . # وقال أبو مسلم والراغب : اللام للتعليل ms5475 وجعلا الزكاة تزكية النفس . ومعنى ~~{ فاعلون } فاعلون الأفعال الصالحات فحذف معمول { فاعلون } بدلالة علته ~~عليه . # وفي ( الكشاف ) أن الزكاة هنا مصدر وهو فعل المزكي ، أي إعطاء الزكاة وهو ~~الذي يحسن أن يتعلق ب { فاعلون } لأنه ما من مصدر إلا ويعبر عن معناه بمادة ~~فعل فيقال للضارب : فاعل الضرب ، وللقاتل : فاعل القتل . وإنما حاول بذلك ~~إقامة تفسير الآية فغلب جانب الصناعة اللفظية على جانب المعنى وجوز الوجه ~~الآخر على شرط تقدير مضاف ، وكلا الاعتبارين غير ملتزم . # وعقب ذكر الصلاة بذكر الزكاة لكثرة التآخي بينهما في آيات القرآن ، وإنما ~~فصل بينهما هنا بالإعراض عن اللغو للمناسبة التي سمعت آنفا . # وهذا من آداب المعاملة مع طبقة أهل الخصاصة وهي ترجع إلى آداب التصرف في ~~المال . والقول في إعادة الموصول وتقديم المعمول كما تقدم آنفا . # # | 2 ( 5 7 ) { والذين هم لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم أو ما ملكت ~~أيمانهم فإنهم غير ملومين * فمن ابتغى ورآء ذالك فأولائك هم العادون } . ) ~~2 # الحفظ : الصيانة والإمساك . وحفظ الفرج معلوم ، أي عن الوطء ، والاستثناء ~~في قوله : { إلا على أزواجهم } الخ استثناء من عموم متعلقات الحفظ التي دل ~~عليها حرف { على } ، أي حافظونها على كل ما يحفظ عليه إلا المتعلق الذي هو ~~PageV18P013 أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ، فضمن { حافظون } معنى عدم البذل ~~، يقال : احفظ علي عنان فرسي كما يقال : أمسك علي كما في آية { أمسك عليك ~~زوجك } ( الأحزاب : 37 ) . والمراد حل الصنفين من بين بقية أصناف النساء . ~~وهذا مجمل تبينه تفاصيل الأحكام في عدد الزوجات وما يحل منهن بمفرده أو ~~الجمع بينه . وتفاصيل الأحوال من حال حل الانتفاع أو حال عدة فذلك كله ~~معلوم للمخاطبين ، وكذلك في الإماء . # والتعبير عن الإماء باسم { ما } الموصولة الغالب استعمالها لغير العاقل ~~جرى على خلاف الغالب وهو استعمال كثير لا يحتاج معه إلى تأويل . # وقوله : { فإنهم غير ملومين } تصريح بزائد على حكم مفهوم الاستثناء ، لأن ~~الاستثناء لم يدل على أكثر من كون عدم الحفظ على الأزواج والمملوكات لا ~~يمنع الفلاح فأريد زيادة بيان ms5476 أنه أيضا لا يوجب اللوم الشرعي ، فيدل هذا ~~بالمفهوم على أن عدم الحفظ على من سواهن يوجب اللوم الشرعي ليحذره المؤمنون ~~. # والفاء في قوله : { فإنهم غير ملومين } تفريع للتصريح على مفهوم ~~الاستثناء الذي هو في قوة الشرط فأشبه التفريع عليه جواب الشرط فقرىء ~~بالفاء تحقيقا للاشتراط . # وزيد ذلك التحذير تقريرا بأن فرع عليه { فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم ~~العادون } لأن داعية غلبة شهوة الفرج على حفظ صاحبه إياه غريزة طبيعية يخشى ~~أن تتغلب على حافظها ، فالإشارة بذلك إلى المذكور في قوله : { إلا على ~~أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم } أي وراء الأزواج والمملوكات ، أي غير ذينك ~~الصنفين . # وذكر حفظ الفرج هنا عطفا على الإعراض عن اللغو لأن من الإعراض عن اللغو ~~ترك اللغو بالأحرى كما تقدم آنفا ؛ لأن زلة الصالح قد تأتيه من انفلات أحد ~~هذين العضوين من جهة ما أودع في الجبلة من شهوة استعمالهما PageV18P014 ~~فلذلك ضبطت الشريعة استعمالهما بأن يكون في الأمور الصالحة التي أرشدت ~~إليها الديانة . وفي الحديث : ( من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه ~~أضمن له الجنة ) . # واللوم : الإنكار على الغير ما صدر منه من فعل أو قول لا يليق عند ~~الملائم ، وهو مرادف العذل وأضعف من التعنيف . # و { وراء } منصوب على المفعول به . وأصل الوراء اسم المكان الذي في جهة ~~الظهر ، ويطلق على الشيء الخارج عن الحد المحدود تشبيها للمتجاوز الشيء ~~بشيء موضوع خلف ظهر ذلك الشيء لأن ما كان من أعلاق الشخص يجعل بين يديه ~~وبمرأى منه وما كان غير ذلك ينبذ وراء الظهر ، وهذا التخيل شاع عنه هذا ~~الإطلاق بحيث يقال : هو وراء الحد ، ولو كان مستقبله . ثم توسع فيه فصار ~~بمعنى ( غير ) أو ( ما عدا ) كما هنا ، أي فمن ابتغوا بفروجهم شيئا غير ~~الأزواج وما ملكت أيمانهم . # وأتي لهم باسم الإشارة في قوله : { فأولئك هم العادون } لزيادة تمييزهم ~~بهذه الخصلة الذميمة ليكون وصفهم بالعدوان مشهورا مقررا كقوله تعالى : { ~~وأولئك هم المتقون في سورة البقرة ( 177 ) ، والعادي هو المعتدي ، أي ~~الظالم ms5477 لأنه عدا على الأمر . # وتوسيط ضمير الفصل لتقوية الحكم ، أي هم البالغون غاية العدوان على ~~الحدود الشرعية . # والقول في إعادة الموصول وتقديم المعمول كما مر . # # | 2 ( 8 ) والذين هم لاماناتهم وعهدهم راعون } . ) 2 # هذه صفة أخرى من جلائل صفات المؤمنين تنحل إلى فضيلتين هما فضيلة أداء ~~الأمانة التي يؤتمنون عليها وفضيلة الوفاء بالعهد . PageV18P015 # فالأمانة تكون غالبا من النفائس التي يخشى صاحبها عليها التلف فيجعلها ~~عند من يظن فيه حفظها ، وفي الغالب يكون ذلك على انفراد بين المؤتمنن ~~والأمين ، فهي لنفاستها قد تغري الأمين عليها بأن لا يردها وبأن يجحدها ~~ربها ، ولكون دفعها في الغالب عريا عن الإشهاد تبعث محبتها الأمين على ~~التمسك بها وعدم ردها ، فلذلك جعل الله ردها من شعب الإيمان . # وقد جاء في الحديث عن حذيفة بن اليمان قال ( حدثنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال ثم علموا من القرآن ثم علموا ~~من السنة ) ، وحدثنا عن رفعها قال : ( ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من ~~قلبه فيظل أثرها مثل أثر الوكت ثم ينام النومة فتقبض فيبقى أثرها مثل المجل ~~كجمر دحرجته على رجلك فنفط فتراه منتبرا وليس فيه شيء فيصبح الناس يتبايعون ~~فلا يكاد أحد يؤدي الأمانة ، فيقال : إن في بني فلان رجلا أمينا ، ويقال ~~للرجل : ما أعقله وما أظرفه وما أجلده وما في قلبه مثقال حبة من خردل من ~~إيمان ) اه . # الوكت : سواد يكون في قشر التمر . والمجل : انتفاخ في الجلد الرقيق يكون ~~شبه قشر العنبة ينشأ من مس النار الجلد ومن كثرة العمل باليد وقوله : ( ~~مثقال حبة خردل من إيمان ) هو مصدر آمنه ، أي وما في قرارة نفسه شيء من ~~إيمان الناس إياه فلا يأتمنه إلا مغرور . # وقد تقدم الكلام على الأمانة في قوله تعالى : { إن الله يأمركم أن تؤدوا ~~الأماناتت إلى أهلها } في سورة النساء ( 58 ) . وجمع { الأمانات باعتبار ~~تعدد أنواعها وتعدد القائمين بالحفظ تنصيصا على العموم . # وقرأ الجمهور : لأماناتهم } بصيغة الجمع ، وقرأه ابن كثير { لأمانتهم } ~~بالإفراد باعتبار المصدر ms5478 مثل { الذين هم في صلاتهم خاشعون } ( المؤمنون : 2 ~~) . PageV18P016 # والعهد : التزام بين اثنين أو أكثر على شيء يعامل كل واحد من الجانبين ~~الآخر به . وسمي عهدا لأنهما يتحالفان بعهد الله ، أي بأن يكون الله رقيبا ~~عليهما في ذلك لا يفيتهم المؤاخذة على تخلفه ، وتقدم عند قوله تعالى : { ~~الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه } في سورة البقرة ( 27 ) . # والوفاء بالعهد من أعظم الخلق الكريم لدلالته على شرف النفس وقوة العزيمة ~~، فإن المرأينن قد يلتزم كل منهما للآخر عملا عظيما فيصادف أن يتوجه الوفاء ~~بذلك الإلتزام على أحدهما فيصعب عليه أن يتجشم عملا لنفع غيره بدون مقابل ~~ينتفع به هو فتسول له نفسه الختر بالعهد شحا أو خورا في العزيمة ، فلذلك ~~كان الوفاء بالعهد علامة على عظم النفس قال تعالى : { وأوفوا بالعهد إن ~~العهد كان مسؤولا } ( الإسراء : 34 ) . # والرعي : مراقبة شيء بحفظه من التلاشي وبإصلاح ما يفسد منه ، فمنه رعي ~~الماشية ، ومنه رعي الناس ، ومنه أطلقت المراعاة على ما يستحقه ذو الأخلاق ~~الحميدة من حسن المعاملة . والقائم بالرعي راع . # فرعي الأمانة : حفظها ، ولما كان الحفظ مقصودا لأجل صاحبها كان ردها إليه ~~أولى من حفظها . ورعي العهد مجاز ، أي ملاحظته عند كل مناسبة . # والقول في تقديم { لأماناتهم وعهدهم } على { راعون } كالقول في نظايره ~~السابقة ، وكذلك إعادة اسم الموصول . # والجمع بين رعي الأمانات ورعي العهد لأن العهد كالأمانة لأن الذي عاهدك ~~قد ائتمنك على الوفاء بما يقتضيه ذلك العهد . # وذكرهما عقب أداء الزكاة لأن الزكاة أمانة الله عند الذين أنعم عليهم ~~بالمال ، ولذلك سميت : حق الله ، وحق المال ، وحق المسكين . # # | 2 ( 9 ) { والذين هم على صلواتهم يحافظون } . ) 2 # PageV18P017 # ثناء على المؤمنين بالمحافظة على الصلوات ، أي بعدم إضاعتها أو إضاعة ~~بعضها ، والمحافظة مستعملة في المبالغة في الحفظ إذ ليست المفاعلة هنا ~~حقيقية كقوله تعالى : { حافظوا على الصلوات } ( البقرة : 238 ) وتقدم معنى ~~الحفظ قريبا . # وجيء بالصلوات بصيغة الجمع للإشارة إلى المحافظة على أعدادها كلها تنصيصا ~~على العموم . # وإنما ذكر هذا مع ما تقدم من قوله : { الذين ms5479 هم في صلاتهم خاشعون } ( ~~المؤمنون : 2 ) لأن ذكر الصلاة هنالك جاء تبعا للخشوع فأريد ختم صفات مدحهم ~~بصفة محافظتهم على الصلوات ليكون لهذه الخصلة كمال الاستقرار في الذهن ~~لأنها آخر ما قرع السمع من هذه الصفات . # وقد حصل بذلك تكرير ذكر الصلاة تنويها بها ، وردا للعجز على الصدر تحسينا ~~للكلام الذي ذكرت فيه تلك الصفات لتزداد النفس قبولا لسماعها ووعيها فتتأسى ~~بها . # والقول في إعادة الموصول وتقديم المعمول وإضافة الصلوات إلى ضميرهم مثل ~~القول في نظيره ونظائره . # وقرأ الجمهور { على صلواتهم } بصيغة الجمع ، وقرأه حمزة والكسائي وخلف { ~~على صلاتهم } بالإفراد . # وقد جمعت هذه الآية أصول التقوى الشرعية لأنها أتت على أعسر ما تراض له ~~النفس من أعمال القلب والجوارح . # فجاءت بوصف الإيمان وهو أساس التقوى لقوله تعالى : { ثم كان من الذين ~~آمنوا } ( البلد : 17 ) وقوله : { والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه ~~الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا } ( النور : 39 ) . # ثم ذكرت الصلاة وهي عماد التقوى والتي تنهى عن الفحشاء والمنكر لما فيها ~~من تكرر استحضار الوقوف بين يدي الله ومناجاته . PageV18P018 # وذكرت الخشوع وهو تمام الطاعة لأن المرء قد يعمل الطاعة للخروج من عهدة ~~التكليف غير مستحضر خشوعا لربه الذي كلفه بالأعمال الصالحة ، فإذا تخلق ~~المؤمن بالخشوع اشتدت مراقبته ربه فامتثل واجتنب . فهذان من أعمال القلب . # وذكرت الإعراض عن اللغو ، واللغو من سوء الخلق المتعلق باللسان الذي يعسر ~~إمساكه فإذا تخلق المؤمن بالإعراض عنن اللغو فقد سهل عليه ما هو دون ذلك . ~~وفي الإعراض عن اللغو خلق للسمع أيضا كما علمت . # وذكرت إعطاء الصدقات وفي ذلك مقاومة داء الشح { ومن يوق شح نفسه فأولئك ~~هم المفلحون } ( التغابن : 16 ) . # وذكرت حفظ الفرج ، وفي ذلك خلق مقاومة اطراد الشهوة الغريزية بتعديلها ~~وضبطها والترفع بها عن حضيض مشابهة البهائم فمن تخلق بذلك فقد صار كبح ~~الشهوة ملكة له وخلقا . # وذكرت أداء الأمانة وهو مظهر للإنصاف وإعطاء ذي الحق حقه ومغالبة شهوة ~~النفس لأمتعة الدنيا . # وذكرت الوفاء بالعهد وهو مظهر لخلق العدل في ms5480 المعاملة والإنصاف من النفس ~~بأن يبذل لأخيه ما يحب لنفسه من الوفاء . # وذكرت المحافظة على الصلوات وهو التخلق بالعناية بالوقوف عند الحدود ~~والمواقيت وذلك يجعل انتظام أمر الحياتين ملكة وخلقا راسخا . # وأنت إذا تأملت هذه الخصال وجدتها ترجع إلى حفظ ما من شأن النفوس إهماله ~~مثل الصلاة والخشوع وترك اللغو وحفظ الفرج وحفظ العهد ، وإلى بذل ما من شأن ~~النفوس إمساكه مثل الصدقة وأداء الأمانة . # فكان في مجموع ذلك أعمال ملكتي الفعلل والترك في المهمات ، وهما منبع ~~الأخلاق الفاضلة لمن تتبعها . PageV18P019 # روى النسائي : أن عائشة قيل لها : كيف كان خلق رسول الله ؟ قالت : كان ~~خلقه القرآن . وقرأت : { قد أفلح المؤمنون } ( المؤمنون : 1 ) حتى انتهت ~~إلى قوله : { والذين هم على صلواتهم يحافظون } . وقد كان خلق أهل الجاهلية ~~على العكس من هذا ، فيما عدا حفظ العهد غالبا ، قال تعالى : { وما كان ~~صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية } ( الأنفال : 35 ) ، وقال في شأن ~~المؤمنين مع الكافرين { وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ~~ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين } ( القصص : 55 ) ، وقال : { ~~وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة } ( فصلت : 6 ، 7 ) ، وقد كان البغاء ~~والزنى فاشيين في الجاهلية . # # | 2 ( 10 ، 11 ) { لله أولائك هم الوارثون * الذين يرثون الفردوس هم فيها ~~خالدون } . ) 2 # جيء لهم باسم الإشارة بعد أن أجريت عليهم الصفات المتقدمة ليفيد اسم ~~الإشارة أن جدارتهم بما سيذكر بعد اسم الإشارة حصلت من اتصافهم بتلك الصفات ~~على نحو قوله تعالى : { أولئك على هدى من ربهم } ( البقرة : 5 ) بعد قوله : ~~{ هدى للمتقين } إلى آخره في سورة البقرة ( 2 ) . والمعنى : أولئك هم ~~الأحقاء بأن يكونوا الوارثين بذلك . # وتوسيط ضمير الفصل لتقوية الخبر عنهم بذلك ، وحذف معمول { الوارثون } ~~ليحصل إبهام وإجمال فيترقب السامع بيانه فبين بقوله : { الذين يرثون ~~الفردوس } قصدا لتفخيم هذه الوراثة ، والإتيان في البيان باسم الموصول الذي ~~شأنه أن يكون معلوما للسامع بمضمون صلته إشارة إلى أن تعريف { الوارثون } ~~تعريف العهد كأنه قيل : هم أصحاب هذا الوصف المعروفون به . # واستعيرت الوراثة ms5481 للاستحقاق الثابت لأن الإرث أقوى الأسباب لاستحقاق ~~المال ، قال تعالى : { وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون } ( ~~الزخرف : 72 ) . PageV18P020 # والفردوس : اسم من أسماء الجنة في مصطلح القرآن ، أو من أسماء أشرف جهات ~~الجنات ، وأصل الفردوس : البستان الواسع الجامع لأصناف الثمر . وفي الحديث ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأم حارثة بن سراقة لما أصابه سهم غرب يوم ~~بدر فقتله ، وقالت أمه : إن كان في الجنة أصبر وأحتسب فقال لها : ( ويحكك ~~أهبلت أو جنة واحدة هي ، إنها لجنان كثيرة وإنه لفي الفردوس ) . # وقد ورد في فضل هذه الآيات حديث عن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال : ( أنزل علي عشر آيات من أقامهن دخل الجنة ثم قرأ { قد أفلح ~~المؤمنون } ( المؤمنون : 1 ) حتى ختم عشر آيات . قال ابن العربي في ( ~~العارضة ) : قوله : { الذين يرثون الفردوس } هي العاشرة ، رواه الترمذي ~~وصححه . # # | 2 ( 12 14 ) { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين * ثم جعلناه نطفة فى ~~قرار مكين * ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما ~~فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا ءاخر فتبارك الله أحسن الخالقين } . ) ~~2 # الواو عاطفة غرضا على غرض ويسمى عطف القصة على القصة ، فللجملة حكم ~~الاستيناف لأنها عطف على جملة { قد أفلح المؤمنون } ( المؤمنون : 1 ) التي ~~هي ابتدائية وهذا شروع في الاستدلال على انفراد الله تعالى بالخلق وبعظيم ~~القدرة التي لا يشاركه فيها غيره ، وعلى أن الإنسان مربوب لله تعالى وحده ، ~~والاعتبار بما في خلق الإنسان وغيره من دلائل القدرة ومن عظيم النعمة . ~~فالمقصود منه إبطال الشرك لأن ذلك الأصل الأصيل في ضلال المعرضين عن الدعوة ~~المحمدية ، PageV18P021 ويتضمن ذلك امتنانا على الناس بأنه أخرجهم من مهانة ~~العدم إلى شرف الوجود وذلك كله ليظهر الفرق بين فريق المؤمنين الذين جروا ~~في إيمانهم على ما يليق بالاعتراف بذلك وبين فريق المشركين الذين سلكوا ~~طريقا غير بينة فحادوا عن مقتضى الشكر بالشركك . # وتأكيد الخبر بلام القسم وحرف التحقيق مراعى فيه التعريض بالمشركين ~~المنزلين منزلة ms5482 من ينكر هذا الخبر لعدم جريهم على موجب العلم . # والخلق : الإنشاء والصنع ، وقد تقدم في قوله : { قال كذلك الله يخلق ما ~~يشاء } في آل عمران ( 47 ) . والمراد بالإنسان يجوز أن يكون النوع الإنساني ~~، وفسر به ابن عباس ومجاهد ، فالتعريف للجنس . وضمير { جعلناه } عائد إلى ~~الإنسان . # والسلالة : الشيء المسلول ، أي المنتزع من شيء آخر ، يقال : سللت السيف ، ~~إذا أخرجته من غمده ، فالسلالة خلاصة من شيء ، ووزن فعالة يؤذن بالقلة مثل ~~القلامة والصبابة . # و { من } ابتدائية ، أي خلقناه منفصلا وآتيا من سلالة ، فتكون السلالة ~~على هذا مجموع ماء الذكر والأنثى المسلول من دمهما . # وهذه السلالة هي ما يفرزه جهاز الهضم من الغذاء حين يصير دما ؛ فدم الذكر ~~حين يمر على غدتي التناسل ( الأنثيين ) تفرز منه الأنثيان مادة دهنية شحمية ~~تحتفظ بها وهي التي تتحول إلى مني حين حركة الجماع ، فتلك السلالة مخرجة من ~~الطين لأنها من الأغذية التي أصلها من الأرض . ودم المرأة إذا مر على قناة ~~في الرحم ترك فيها بويضات دقيقة هي بذر الأجنة . ومن اجتماع تلك المادة ~~الدهنية التي في الأنثيين مع البويضة من البويضات التي في قناة الرحم يتكون ~~الجنين فلا جرم هو مخلوق من سلالة من طينن . # وقوله { ثم جعلناه نطفة في قرار مكين } طور آخر للخلق وهو طور اختلاط ~~السلالتين في الرحم . سميت سلالة الذكر نطفة لأنها تنطف ، أي تقطر في الرحم ~~في قناة معروفة وهو القرار المكين . PageV18P022 # ف { نطفة } منصوب على الحال وقوله : { في قرار مكين } هو المفعول الثاني ~~ل { جعلناه } . و { ثم } للترتيب الرتبي لأن ذلك الجعل أعظم من خلق السلالة ~~. فضمير { جعلناه } عائد إلى الإنسان باعتبار أنه من السلالة ، فالمعنى : ~~جعلنا السلالة في قرار مكين ، أي وضعناها فيه حفظا لها ، ولذلك غير في ~~الآية التعبير عن فعل الخلق إلى فعل الجعل المتعدي ب ( في ) بمعنى الوضع . # والقرار في الأصل : مصدر قر إذا ثبت في مكانه ، وقد سمي به هنا المكان ~~نفسه . والمكين : الثابت في المكان بحيث لا يقلع من مكانه ، فمقتضى الظاهر ~~أن ms5483 يوصف بالمكين الشيء الحال في المكان الثابت فيه . وقد وقع هنا وصفا لنفس ~~المكان الذي استقرت فيه النطفة ، على طريقة المجاز العقلي للمبالغة ، ~~وحقيقته مكين حاله ، وقد تقدم قوله تعالى : { أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم ~~من نطفة } في سورة الكهف ( 37 ) وقوله : { فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ~~في سورة الحج ( 5 ) . # ويجوز أن يراد بالإنسان في قوله : ولقد خلقنا الإنسان } آدم . وقال بذلك ~~قتادة فتكون السلالة الطينة الخاصة التي كون الله منها آدم وهي الصلصال ~~الذي ميزه من الطين في مبدإ الخليقة ، فتلك الطينة مسلولة سلا خاصا من ~~الطين ليتكون منها حي ، وعليه فضمير { جعلناه نطفة } على هذا الوجه عائد ~~إلى الإنسان باعتبار كونه نسلا لآدم فيكون في الضمير استخدام ، ويكون معنى ~~هذه الآية كمعنى قوله تعالى : { وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من ~~سلالة من ماء مهين } ( السجدة : 7 ، 8 ) . # وحرف ( ثم ) في قوله : { ثم خلقنا النطفة علقة } للترتيب الرتبي إذ كان ~~خلق النطفة علقة أعجب من خلق النطفة إذ قد صير الماء السائل دما جامدا ~~فتغير بالكثافة وتبدل اللون من عوامل أودعها الله في الرحم . # ومن إعجاز القرآن العلمي تسمية هذا الكائن باسم العلقة فإنه وضع بديع ~~لهذا الاسم إذ قد ثبت في علم التشريح أن هذا الجزء الذي استحالت ~~PageV18P023 إليه النطفة هو كائن له قوة امتصاص القوة من دم الأم بسبب ~~التصاقه بعروق في الرحم تدفع إليه قوة الدم ، والعلقة : قطعة من دم عاقد . # والمضغة : القطعة الصغيرة من اللحم مقدار اللقمة التي تمضغ . وقد تقدم في ~~أول سورة الحج كيفية تخلق الجنين . # وعطف جعل العلقة مضغة بالفاء لأن الانتقال من العلقة إلى المضغة يشبه ~~تعقيب شيء عن شيء إذ اللحم والدم الجامد متقاربان فتطورهما قريب وإن كان ~~مكث كل طور مدة طويلة . # وخلق المضغة عظاما هو تكوين العظام في داخل تلك المضغة وذلك ابتداء تكوين ~~الهيكل الإنساني من عظم ولحم ، وقد دل عليه قوله : { فكسونا العظام لحما } ~~بفاء التفريع على الوجه الذي ms5484 قرر في عطف { فخلقنا المضغة } بالفاء . # فمعنى { فكسونا } أن اللحم كان كالكسوة للعظام ولا يقتضي ذلك أن العظام ~~بقيت حينا غير مكسوة ، وفي الحديث الصحيح : ( إن أحدكم يجمع خلقه في بطن ~~أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل ~~إليه الملك فينفخ فيه الروح ) الحديث ، فإذا نفخ فيه الروح فقد تهيأ للحياة ~~والنماء وذلك هو المشار إليه بقوله تعالى : { ثم أنشأناه خلقا آخر } لأن ~~الخلق المذكور قبله كان دون حياة ثم نشأ فيه خلق الحياة وهي حالة أخرى طرأت ~~عليه عبر عنها بالإنشاء . وللإشارة إلى التفاوت الرتبي بين الخلقين عطف هذا ~~الإنشاء ب ( ثم ) الدالة على أصل الترتيب في عطف الجمل ب ( ثم ) . # وهذه الأطوار التي تعرضت لها الآية سبعة أطوار فإذا تمت فقد صار المتخلق ~~حيا ، وفي ( شرح الموطأ ) : ( تناجى رجلان في مجلس عمر بن الخطاب وعلي حاضر ~~فقال لهما عمر : ما هذه المناجاة ؟ فقال أحدهما : إن اليهود يزعمون أن ~~العزل هو الموءودة الصغرى ، فقال علي : لا تكون موءودة حتى PageV18P024 تمر ~~عليها التارات السبع { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين } الآية ، فقال ~~عمر لعلي : صدقت أطال الله بقاءك ) . فقيل : إن عمر أول من دعا بكلمة ( ~~أطال الله بقاءك ) . # وقرأ الجمهور { فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام } بصيغة جمع { العظام ~~} فيهما . وقرأه ابن عامر وأبو بكر عن عاصم { عظما . . والعظم } بصيغة ~~الإفراد . # وفرع على حكاية هذا الخلق العجيب إنشاء الثناء على الله تعالى بأنه { ~~أحسن الخالقين } أي أحسن المنشئين إنشاء ، لأنه أنشأ ما لا يستطيع غيره ~~إنشاءه . # ولما كانت دلالة خلق الإنسان على عظم القدرة أسبق إلى اعتبار المعتبر كان ~~الثناء المعقب به ثناء على بديع قدرة الخالق مشتقا من البركة وهي الزيادة . # وصيغة تفاعل صيغة مطاوعة في الأصل ، وأصل المطاوعة قبول أثر الفعل ، ~~وتستعمل في لازم ذلك وهو التلبس بمعنى الفعل تلبسا مكينا لأن شأن المطاوعة ~~أن تكون بعد معالجة الفعل فتقتضي ارتساخ معنى الفعل في المفعول القابل له ~~حتى يصير ms5485 ذلك المفعول فاعلا فيقال : كسرته فتكسر ، فلذلك كان تفاعل إذا جاء ~~بمعنى فعل دالا على المبالغة كما صرح به الرضي في ( شرح الشافية ) ، ولذلك ~~تتفق صيغ المطاوعة وصيغ التكلف غالبا في نحو : تثنى . وتكبر ، وتشامخ ، ~~وتقاعس . فمعنى { تبارك الله } أنه موصوف بالعظمة في الخير ، أي عظمة ما ~~يقدره من خير للناس وصلاح لهم . # وبهذا الاعتبار تكون الجملة تذييلا لأن { تبارك } لما حذف متعلقه كان ~~عاما فيشمل عظمة الخير في الخلق وفي غيره . وكذلك حذف متعلق { الخالقين } ~~يعم خلق الإنسان وخلق غيره كالجبال والسماوات . # # | 2 ( 15 ، 16 ) { ثم إنكم بعد ذالك لميتون * ثم إنكم يوم القيامة تبعثون ~~} . ) 2 # PageV18P025 # إدماج في أثناء تعداد الدلائل على تفرد الله بالخلق على اختلاف أصناف ~~المخلوقات لقصد إبطال الشرك . و { ثم } للترتيب الرتبي لأن أهمية التذكير ~~بالموت في هذا المقام أقوى من أهمية ذكر الخلق لأن الإخبار عن موتهم توطئة ~~للجملة بعده وهي قوله { ثم إنكم يوم القيامة تبعثون } وهو المقصود . فهو ~~كقوله : { الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا } ( الملك : 2 ) ~~. وهذه الجملة لها حكم الجملة الابتدائية وهي معترضة بين التي قبلها وبين ~~جملة : { ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق } ( المؤمنون : 17 ) . ولكون { ثم } ~~لم تفد مهلة في الزمان هنا صرح بالمهلة في قوله بعد ذلك . والإشارة إلى ~~الخلق المبين آنفا ، أي بعد ذلك التكوين العجيب والنماء المحكم أنتم صائرون ~~إلى الموت الذي هو تعطيل أثر ذلك الإنشاء ثم مصيره إلى الفساد والاضمحلال . ~~وأكد هذا الخبر ب ( إن ) واللام مع كونهم لا يرتابون فيه لأنهم لما أعرضوا ~~عن التدبر فيما بعد هذه الحياة كانوا بمنزلة من ينكرون أنهم يموتون . # وتوكيد خبر { ثم إنكم يوم القيامة تبعثون } لأنهم ينكرون البعث . ويكون ~~ما ذكر قبله من الخلق الأول دليلا على إمكان الخلق الثاني كما قال تعالى : ~~{ أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد } ( ق : 15 ) ، فلم يحتج ~~إلى تقوية التأكيد بأكثر من حرف التأكيد وإن كان إنكارهم البعث قويا . # ونقل الكلام من الغيبة إلى ms5486 الخطاب على طريقة الالتفات ، ونكتته هنا أن ~~المقصود التذكير بالموت وما بعده على وجه التعريض بالتخويف وإنما يناسبه ~~الخطاب . # # | 2 ( 17 ) { ولقد خلقنا فوقكم سبع طرآئق وما كنا عن الخلق غافلين } . ) ~~2 # انتقال من الاستدلال بخلق الإنسان إلى الاستدلال بخلق العوالم العلوية ~~لأن أمرها أعجب ، وإن كان خلق الإنسان إلى نظره أقرب ، فالجملة عطف ~~PageV18P026 على جملة { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين } ( المؤمنون : ~~12 ) وإنما ذكر هذا عقب قوله : { ثم إنكم يوم القيامة تبعثون } ( المؤمنون ~~: 16 ) للتنبيه على أن الذي خلق هذا العالم العلوي ما خلقه إلا لحكمة ، وأن ~~الحكيم لا يهمل ثواب الصالحين على حسناتهم ، ولا جزاء المسيئين على سيئاتهم ~~، وأن جعله تلك الطرائق فوقنا بحيث نراها ليدلنا على أن لها صلة بنا لأن ~~عالم الجزاء كائن فيها ومخلوقاته مستقرة فيها ، فالإشارة بهذا الترتيب مثل ~~الإشارة بعكسه في قوله : { وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما ~~خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين } ( ~~الدخان : 38 40 ) . # والطرائق : جمع طريقة وهي اسم للطريق تذكر وتؤنث ، والمراد بها هنا طرائق ~~سير الكواكب السبعة وهي أفلاكها ، أي الخطوط الفرضية التي ضبط الناس بها ~~سموت سير الكواكب ، وقد أطلق على الكوكب اسم الطارق في قوله تعالى : { ~~والسماء والطارق } ( الطارق : 1 ) من أجل أنه ينتقل في سمت يسمى طريقة فإن ~~الساير في طريق يقال له : طارق ، ولا شك أن الطرائق تستلزم سائرات فيها ، ~~فكان المعنى : خلقنا سيارات وطرائقها . # وذكر { فوقكم } للتنبيه على وجوب النظر في أحوالها للاستدلال بها على ~~قدرة الخالق لها تعالى فإنها بحالة إمكان النظر إليها والتأمل فيها . # ولأن كونها فوق الناس مما سهل انتفاعهم بها في التوقيت ولذلك عقب بجملة { ~~وما كنا عن الخلق غافلين } المشعر بأن في ذلك لطفا بالخلق وتيسيرا عليهم في ~~شؤون حياتهم ، وهذا امتنان ، فالواو في جملة { وما كنا عن الخلق غافلين } ~~للحال ، والجملة في موضع الحال ، وفيه تنبيه للنظر في أن عالم الجزاء كائن ~~بتلك العوالم قال تعالى : { وفي ms5487 السماء رزقكم وما توعدون } ( الذاريات : 22 ~~) . # والخلق مفعول سمي بالمصدر ، أي ما كنا غافلين عن حاجة مخلوقاتنا يعني ~~البشر ، ونفي الغفلة كناية عن العناية والملاحظة ، فأفاد ذلك أن في خلق ~~الطرائق السماوية لما خلقت له لطفا بالناس أيضا إذ كان نظام خلقها صالحا ~~PageV18P027 لانتفاع الناس به في مواقيتهم وأسفارهم في البر والبحر كما قال ~~: { وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلماتت البر والبحر } ( ~~الأنعام : 97 ) . وأعظم تلك الطرائق طريقة الشمس مع ما زادت به من النفع ~~بالإنارة وإصلاح الأرض والأجساد ، فصار المعنى : خلقنا فوقكم سبع طرائق ~~لحكمة لا تعلمونها وما أهملنا في خلقها رعي مصالحكم أيضا . # والعدول عن الإضمار إلى الإظهار في قوله : { وما كنا عن الخلق غافلين } ~~دون أن يقال : وما كنا عنكم غافلين ، لما يفيده المشتق من معنى التعليل ، ~~أي ما كنا عنكم غافلين لأنكم مخلوقاتنا فنحن نعاملكم بوصف الربوبية ، وفي ~~ذلك تنبيه على وجوب الشكر والإقلاع عن الكفر . # # | 2 ( 18 20 ) { وأنزلنا من السمآء مآء بقدر فأسكناه فى الارض وإنا على ~~ذهاب به لقادرون * فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب لكم فيها فواكه ~~كثيرة ومنها تأكلون * وشجرة تخرج من طور سينآء تنبت بالدهن وصبغ للأكلين } ~~. ) 2 # مناسبة عطف إنزال ماء المطر على جملة { ولقد خلقنا فوقكم سبع طرايق } ( ~~المؤمنون : 17 ) أن ماء المطر ينزل من صوب السماء ، أي من جهة السماء . # وفي إنزال ماء المطر دلالة على سعة العلم ودقيق القدرة ، وفي ذلك أيضا ~~منة على الخلق فالكلام اعتبار وامتنان من قوله : { فأنشأنا لكم به جنات } ~~إلى آخره . ومعنى هذه الآية تقدم في سورة الأنعام وسورة الرعد وسورة النحل ~~. # وإنزال الماء هو إسقاطه من السحب ماء وثلجا وبردا على السهول والجبال . ~~PageV18P028 # والقدر هنا : التقدير والتعيين للمقدار في الكم وفي النوبة ، فيصح أن ~~يحمل على صريحه ، أي بمقدار معين مناسب للإنعام به لأنه إذا أنزل كذلك حصل ~~به الري والتعاقب ، وكذلك ذوبان الثلوج النازلة . ويصح أن يقصد مع ذلك ~~الكناية عن الضبط والإتقان . وليس المراد ms5488 بالقدر هنا المعنى الذي في قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم ( وتؤمن بالقدر خيره وشره ) . # والإسكان : جعل الشيء في مسكن ، والمسكن : محل القرار ، وهو مفعل اسم ~~مكان مشتق من السكون . # وأطلق الإسكان على الإقرار في الأرض على طريق الاستعارة . وهذا الإقرار ~~على نوعين : إقرار قصير مثل إقرار ماء المطر في القشرة الظاهرة من الأرض ~~عقب نزول الأمطار على حسب ما تقتضيه غزارة المطر ورخاوة الأرض وشدة الحرارة ~~أو شدة البرد ، وهو ما ينبت به النبات في الحرث والبقل في الربيع وتمتص منه ~~الأشجار بعروقها فتثمر إثمارها وتخرج به عروق الأشجار وأصولها من البزور ~~التي في الأرض . # ونوع آخر هو إقرار طويل وهو إقرار المياه التي تنزل من المطر وعن ذوب ~~الثلوج النازلة فتتسرب إلى دواخل الأرض فتنشأ منها العيون التي تنبع بنفسها ~~أو تفجر بالحفر آبارا . # وجملة { وإنا على ذهاب به لقادرون } معترضة بين الجملة وما تفرع عليها . ~~وفي هذا تذكير بأن قدرة الله تعالى صالحة للإيجاد والإعدام # وتنكير { ذهاب } للتفخيمم والتعظيم . ومعنى التعظيم هنا تعدد أحوال ~~الذهاب به من تغويره إلى أعماق الأرض بانشقاق الأرض بزلزال ونحوه ، ومن ~~تجفيفه بشدة الحرارة ، ومن إمساك إنزاله زمنا طويلا . # وفي معناه قوله تعالى : { قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء ~~معين } ( الملك : 30 ) ، وفي ( الكشاف ) : ( وهو ( أي ما في هاته الآية ) ~~أبلغ في الإيعاد PageV18P029 من قوله : { قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن ~~يأتيكم بماء معين } ( الملك : 30 ) اه . فبين صاحب ( التقريب ) للأبلغية ~~ثمانية عشر وجها : # الأول : أن ذلك على الفرض والتقدير وهذا على الجزم على معنى أنه أدل على ~~تحقيق ما أوعد به وإن لم يقع . # الثاني : التوكيد ب ( إن ) . # الثالث : اللام في الخبر . # الرابع : أن هذه في مطلق الماء المنزل من السماء وتلك في ماء مضاف إليهم ~~. # الخامس : أن الغائر قد يكون باقيا بخلاف الذاهب . # السادس : ما في تنكير { ذهاب } من المبالغة . # السابع : إسناده ههنا إلى مذهب بخلافه ثمت حيث قيل { غورا } ( الملك : 30 ~~) . # الثامن : ما في ضمير ms5489 المعظم نفسه من الروعة . # التاسع : ما في { قادرون } من الدلالة على القدرة عليه والفعل الواقع من ~~القادر أبلغ . # العاشر : ما في جمعه . # الحادي عشر : ما في لفظ { به } من الدلالة على أن ما يمسكه فلا مرسل له . # الثاني عشر : إخلاؤه من التعقيب بإطماعع وهنالك ذكر الإتيان المطمع . # الثالث عشر : تقديم ما فيه الإيعاد وهو الذهاب على ما هو كالمتعلق له أو ~~متعلقه على المذهبين البصري والكوفي . # الرابع عشر : ما بين الجملتين الاسمية والفعلية من التفاوت ثباتا وغيره . # الخامس عشر : ما في لفظ { أصبح } ( الملك : 30 ) من الدلالة على الانتقال ~~والصيرورة . # السادس عشر : أن الإذهاب ههنا مصرح به وهنالك مفهوم من سياق الاستفهام . ~~PageV18P030 # السابع عشر : أن هنالك نفي ماء خاص أعني المعين بخلافه ههنا . # الثامن عشر : اعتبار مجموع هذه الأمور التي يكفي كل منها مؤكدا . # وزاد الألوسي في ( تفسيره ) فقال : # التاسع عشر : إخباره تعالى نفسه به من دون أمر للغير ههنا بخلافه هنالك ~~فإنه سبحانه أمر نبيه عليه الصلاة والسلام أن يقول ذلك . # العشرون : عدم تخصيص مخاطب ههنا وتخصيص الكفار بالخطاب هنالك . # الحادي والعشرون : التشبيه المستفاد من جعل الجملة حالا فإنه يفيد تحقيق ~~القدرة ولا تشبيه ثمت . # الثاني والعشرون : إسناد القدرة إليه تعالى مرتين . # ونقل الألوسي عن عصريه المولى محمد الزهاوي وجوها وهي : # الثالث والعشرون : تضمين الإيعاد هنا إيعادهم بالإبعاد عن رحمة الله ~~تعالى لأن ( ذهب به ) يستلزم مصاحبة الفاعل المفعول ، وذهاب الله تعالى ~~عنهم مع الماء بمعنى ذهاب رحمته سبحانه عنهم ولعنهم وطردهم عنها ولا كذلك ~~ما هناك . # الرابع والعشرون : أنه ليس الوقت للذهاب معينا هنا بخلافه في { إن أصبح } ~~( الملك : 30 ) فإنه يفهم منه أن الصيرورة في الصبح على أحد استعمالي ( ~~أصبح ) ناقصا . # الخامس والعشرون : أن جهة الذهاب به ليست معينة بأنها السفل ( أي ما دل ~~عليه لفظ غورا ) . # السادس والعشرون : أن الإيعاد هنا بما لم يبتلوا به قط بخلافه بما هنالك ~~. # السابع والعشرون : أن الموعد به هنا إن وقع فهم هالكون البتة . # الثامن والعشرون : أنه لم يبق هنا ms5490 لهم متشبث ولو ضعيفا في تأميل امتناع ~~الموعد به وهناك حيث أسند الإصباح غورا إلى الماء ، ومعلوم أن الماء ~~PageV18P031 لا يصبح غورا بنفسه كما هو تحقيق مذهب الحكيم ، أيضا احتمل أن ~~يتوهم الشرطية مع صدقها ممتنعة المقدم فيأمنوا وقوعه . # التاسع والعشرون : أن الموعد به هنا يحتمل في بادىء النظر وقوعه حالا ~~بخلافه هناك فإن المستقبل متعين لوقوعه لمكان ( إن ) . وظاهر أن التهديد ~~بمحتمل الوقوع في الحال أهول ، ومتعين الوقوع في الاستقبال أهون . # الثلاثون : أن ما هنا لا يحتمل غير الإيعاد بخلاف ما هناك فإنه يحتمل ولو ~~علم بعد أن يكون المراد به الامتنان بأنه : إن أصبح ماؤكم غورا فلا يأتيكم ~~بماء معين سوى الله تعالى . # وأنا أقول : عني هؤلاء النحارير ببيان التفاوت بين الآيتين ولم يتعرض ~~أحدهم للكشف عن وجه توفير الخصائص في هذه الآية دون الآية الأخرى مما ~~يوازنها ، وليس ذلك لخلو الآية عن نكت الإعجاز ولا عجز الناظرين عن استخراج ~~أمثالها ، ولكن ما يبين من الخصائص البلاغية في القرآن ليس يريد من يبينه ~~أن ما لاح له ووفق إليه هو قصارى ما أودعه الله في نظم القرآن من الخصائص ~~والمعاني ولكنه مبلغ ما صادف لوحه للناظر المتدبر ، والعلماء متفاوتون في ~~الكشف عنه على قدر القرائح والفهوم فقد يفاض على أحد من إدراك الخصائص ~~البلاغية في بعض الآيات ولا يفاض عليه مثله أو على مثله في غيرها . وإنما ~~يقصد أهل المعاني بإفاضة القول في بعض الآيات أن تكون نموذجا لاستخراج ~~أمثال تلك الخصائص في آيات أخرى كما فعل السكاكي في بيان خصائص قوله تعالى ~~: { وقيل يا أرض ابلعي ماءك } ( هود : 44 ) الآية من مبحث الفصاحة والبلاغة ~~من ( المفتاح ) ، وأنه قال في منتهى كلامه ( ولا تظنن الآية مقصورة على ما ~~ذكرت فلعل ما تركت أكثر مما ذكرت لأن المقصود لم يكن إلا الإرشاد لكيفية ~~اجتناء ثمرات علمي المعاني والبيان ) . PageV18P032 # وقد نقول : إن آية سورة المؤمنين قصد منها الإنذار والتهديد بسلب تلك ~~النعمة العظيمة ، وأما آية سورة الملك فالقصد منها الاعتبار ms5491 بقدرة الله ~~تعالى على سلبها ، فاختلاف المقامين له أثر في اختلاف المقتضيات فكانت آية ~~سورة المؤمنين آثر بوفرة الخصائص المناسبة لمقام الإنذار والتهديد دون ~~تعطيل لاستخراج خصائص فيها لعلنا نلم بها حين نصل إليها . # على أن سورة الملك نزلت عقب نزول سورة المؤمنين وقد يتداخل نزول بعضها مع ~~نزول بعض سورة المؤمنين ، فلما أشبعت آية سورة المؤمنين بالخصوصيات التي ~~اقتضاها المقام اكتفي عن مثلها في نظيرتها من سورة الملك فسلك في الثانية ~~مسلك الإيجاز لقرب العهد بنظيرها . # وإنشاء الجنات من صنع الله تعالى أول إنبات الجنات في الأرض ومن بعد ذلك ~~أنبتت الجنات بغرس البشر وذلك أيضا من صنع الله بما أودع في العقول من ~~معرفة الغرس والزرع والسقي وتفجير المياه واجتلابها من بعد فكل هذا الإنشاء ~~من الله تعالى . # والجنة : المكان ذو الشجر ، وأكثر إطلاقه على ما كان فيه نخل وكرم . وقد ~~تقدم عند قوله تعالى : { كمثل جنة بربوة } الآية في سورة البقرة ( 265 ) . # وما ذكر هنا من أصناف الشجر الثلاثة هو أكرم الشجر وأنفعه ثمرا وهو ~~النخيل والأعناب والزيتون ، وتقدم الكلام على النخيل والأعناب والزيتون في ~~سورة الأنعام ( 99 ) وفي سورة النحل ( 11 ) . # والفواكه : جمع فاكهة ، وهي الطعام الذي يتفكه بأكله ، أي يتلذذ بطعمه من ~~غير قصد القوت ، فإن قصد به القوت قيل له طعام . فمن الأطعمة ما هو فاكهة ~~وطعام كالتمر والعنب لأنه يؤكل رطبا ويابسا ، ومنها ما هو فاكهة وليس بطعام ~~كاللوز والكمثرى ، ومنها ما هو طعام غير فاكهة كالزيتون ، ولذلك أخر ذكر ~~شجرة الزيتون عن ذكر أخويها لأنه أريد الامتنان بما في ثمرتهما من التفكه ~~والقوت فتكون منة بالحاجي والتحسيني . PageV18P033 # ووصف الفواكه ب { كثيرة } باعتبار اختلاف الأصناف كالبسر والرطب والتمر ، ~~وكالزيت والعنب الرطب ، وأيضا باعتبار كثرة إثمار هذين الشجرين . # { وشجرة } عطف على { جنات } أي وأخرجنا لكم به شجرة تخرج من طور سيناء ~~وهي شجرة الزيتون ، وجملة { تخرج } صفة ل { شجرة } وتخصيصها بالذكر مع طي ~~كون الناس منها يأكلون تنويه بشأنها ، وإيماء إلى كثرة منافعها لأن ms5492 من ~~ثمرتها طعاما وإصلاحا ومداواة ، ومن أعوادها وقود وغيره ، وفي الحديث ( ~~كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة ) . # وطور سيناء : جبل في صحراء سيناء الواقعة بين عقبة أيلة وبين مصر ، وهي ~~من بلاد فلسطين في القديم وفيه ناجى موسى ربه تعالى ، وتقدم الكلام عليه في ~~سورة الأعراف ( 143 ) عند قوله : { ولكن انظر إلى الجبل ، وغلب عليه اسم ~~الطور بدون إضافة ، وطور سيناء أو طور سينين . ومعنى الطور الجبل . وسيناء ~~قيل اسم شجر يكثر هنالك . وقيل اسم حجارة . وقيل هو اسم لذلك المكان ، قيل ~~هو اسم نبطي وقيل هو اسم حبشي ولا يصح . وإنما اغتر من قاله بمشابهة هذا ~~الاسم لوصف الحسن في اللغة الحبشية وهو كلمة سناه ، ومثل هذا التشابه قد ~~أثار أغلاطا . # وسكنت ياء سيناء } سكونا ميتا وبه قرأ الجمهور . ويجوز فيها الفتح وسكون ~~الياء سكونا حيا ، وبه قرأ ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي وخلف ، وهو في ~~القراءتين ممدود ، وهو فيهما ممنوع من الصرف فقيل للعلمية والعجمة على ~~قراءة الكسر لأن وزن فعلاء إذا كان عينه أصلا لا تكون ألفه للتأنيث بل ~~للإلحاق وألف الإلحاق لا تمنع الصرف ، وعلى قراءة الفتح فمنعه لأجل ألف ~~التأنيث لأن وزن فعلاء من أوزان ألف التأنيث . # وقوله : { تخرج من طور سيناء } يقتضي أن لها مزيد اختصاص بطور سيناء . ~~وقد غمض وجه ذاك . والذي أراه أن الخروج مستعمل في معنى النشأة PageV18P034 ~~والتخلق كقوله تعالى : { فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى } ( طه : 53 ) ~~وقوله : { يخرج به زرعا مختلفا ألوانه } ( الزمر : 21 ) ، وذلك أن حقيقة ~~الخروج هو البروز من المكان ولما كان كل مخلوق يبرز بعد العدم وكان المكان ~~لازما لكل حادث شبه ظهور الشيء بعد أن كان معدوما بخروج الشيء من المكان ~~الذي كان محجوبا فيه . وهي استعارة شائعة في القرآن . # فيظهر أن المعنى أن الله خلق أول شجر الزيتون في طور سيناء ، وذلك أن ~~الأجناس والأنواع الموجودة على الكرة الأرضية لا بد لها من مواطن كان فيها ~~ابتداء وجودها قبل وجودها في غيرها ms5493 لأن بعض الأمكنة تكون أسعد لنشأة بعض ~~الموجودات من بعض آخر لمناسبة بين طبيعة المكان وطبيعة الشيء الموجود فيه ~~من حرارة أو برودة أو اعتدال ، وكذلك فصول السنة كالربيع لبعض الحيوان ~~والشتاء لبعض آخر والصيف لبعض غيرها فالله تعالى يوجد الموجودات في الأحوال ~~المناسبة لها فالحيوان والنبات كله جار على هذا القانون . # ثم إن البشر إذا نقلوا حيوانا أو نباتا من أرض إلى أرض أو أرادوا ~~الانتفاع به في فصل غير فصله ورأوا عدم صلاحية المكان أو الزمان المنقول ~~إليهما يحتالون له بما يكمل نقصه من تدفئة في شدة برد أو تبريد بسبح في ~~الماء في شدة الحر حتى لا يتعطل تناسل ذلك المنقول إلى غير مكانه ، فكما أن ~~بعض الحيوان أو النبات لا يعيش طويلا في بعض المناطق غير الملايمة لطباعه ~~كالغزال في بلاد الثلوج فكذلك قد يكون بعض الأماكن من المنطقة الملائمة ~~للحيوان أو النبات أصلح به من بعض جهات تلك المنطقة ، فلعل جو طور سيناء ~~لتوسطه بين المناطق المتطرفة حرا وبردا ولتوسط ارتفاعه بين النجود والسهول ~~يكون أسعد بطبع فصيلة الزيتون كما قال تعالى : { زيتونة لا شرقية ولا غربية ~~} ( النور : 35 ) ، فالله تعالى هيأ لتكوينها حين أراد تكوينها ذلك المكان ~~كما هيأ لتكوين آدم طينة خاصة فقال : { خلق الإنسان من صلصال } ( الرحمن : ~~14 ) ثم يكون الزيتون قد نقل من أول مكان PageV18P035 ظهر فيه إلى أمكنة ~~أخرى نقله إليها ساكنوها للانتفاع به فنجح في بعضها ولم ينجح في بعض . # وقد ثبت في التوراة أن شجرة الزيتون كانت موجودة قبل الطوفان وبعده . ففي ~~الإصحاح الثامن من سفر التكوين : أن نوحا أرسل حمامة تبحث عن مكان غيضت عنه ~~مياه الطوفان فرجعت الحمامة عند المساء تحمل في منقارها ورقة زيتون خضراء ~~فعلم نوح أن الماء أخذ يغيض عن الأرض . ومعلوم أن ابتداء غيض الماء إنما ~~ينكشف عن أعالي الجبال أول الأمر فلعل ورقة الزيتون التي حملتها الحمامة ~~كانت من شجرة في طور سيناء . # وأيا ما كان فقد عرف نوح ورقة الزيتون ms5494 فدل على أنهم كانوا يعرفون هذه ~~الشجرة من قبل الطوفان . ولكن لم يرد ذكر استعمال زيت الزيتون في طعام في ~~التاريخ القديم إلا في عهد موسى عليه السلام أيام كان بنو إسرائيل حول طور ~~سيناء ؛ فقد استعمل الزيت لإنارة خيمة الاجتماع بوحي الله لموسى ، وسكب ~~موسى دهن المسحة على رأس هارون أخيه حين أقامه كاهنا لبني إسرائيل . # ويجوز أن يكون معنى { تخرج } تظهر وتعرف ، فيكون أول اهتداء الناس إلى ~~منافع هذه الشجرة وانتقالهم إياها كان من الزيتون الذي بطور سيناء . وهذا ~~كما نسمي الديك الرومي في بلدنا بالديك الهندي لأن الناس عرفوه من بلاد ~~الهند ، وكما تسمى بعض السيوف في بلاد العرب بالمشرفية لأنها عرفت من مشارف ~~الشام ، وبعض الرماح الخطية لأنها ترد إلى بلاد العرب من مرفأ يقال له : ~~الخط ، وبعض السيوف بالمهند لأنه يجلب من الهند ، وقد كان الزيت يجلب إلى ~~بلاد العرب من الشام ومن فلسطين . PageV18P036 # وأيا ما كان فليس القصد من ذكر أنها تخرج من طور سيناء إلا التنبيه على ~~أنه منبتها الأصلي وإلا فإن الامتنان بها لم يكن موجها يومئذ لسكان طور ~~سيناء ، وما كان هذا التنبيه إلا للتنويه بشرف منبتها وكرم الموطن الذي ~~ظهرت فيه ، ولم تزل شجرة الزيتون مشهورة بالبركة بين الناس . ورأيت في ( ~~لسان العرب ) عن الأصمعي عن عبد الملك بن صالح : أن كل زيتونة بفلسطين فهي ~~من غرس أمم يقال لهم اليونانيون اه . والظاهر أنه يعني به زيتون زمانهم ~~الذي أخلفوا به أشجارا قديمة بادت . # وفي أساطير اليونان ( ميثولوجيا ) أن منيرفا ونبتون ( الربين في اعتقاد ~~اليونان ) تنازعا في تعيين أحدهما ليضع اسما لمدينة بناها ( ككرابيس ) ~~فحكمت الأرباب بينهما بأن هذا الشرف لا يناله إلا من يصنع أنفع الأشياء . ~~فأما ( نبتون ) فأوجد فرسا بحريا عظيم القوة ، وأما ( مينيرفا ) فصنعت شجرة ~~الزيتون بثمرتها ، فحكم الأرباب لها بأنها أحق ، فلذلك وضعوا للمدينة اسم ( ~~أثينا ) الذي هو اسم منيرفا . وزعموا أن ( هيركول ) لما رجع من بعض غزواته ~~جاء معه بأغصان من الزيتون فغرسها في جبل ms5495 ( أولمبوس ) وهو مسكن آلهتهم في ~~زعمهم . # فقد كان زيت الزيتون مستعملا عند اليونان من عهد ( هوميروس ) إذ ذكر في ~~الإلياذة أن ( أخيل ) سكب زيتا على شلو ( فطر قليوس ) وشلو ( هكتور ) . # وكان الزيت نادرا في معظم بلاد العرب إذ كان يجلب إلى بلاد العرب من ~~الشام . # وقد ضرب الله بزيت الزيتونة مثلا لنوره في قوله : { مثل نوره كمشكاة فيها ~~مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة ~~لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور } ( ~~النور : 35 ) . PageV18P037 # والتعبير بالمضارع في قوله : { تخرج من طور سيناء } لاستحضار الصورة ~~العجيبة المهمة التي كونت بها تلك الشجرة في أول تكوينها حتى كأن السامع ~~يبصرها خارجة بالنبات في طور سيناء ، وذلك كقوله : { وإذ تخلق من الطين ~~كهيئة الطير } ( المائدة : 110 ) ، وهذا أنسب بالوجه الأول في تفسير معنى { ~~تخرج من طور سيناء } . # ومعنى { تنبت بالدهن } أنها تنبت ملابسة للدهن فالباء للملابسة . # وهذه الآية مثال لباء الملابسة ، والملابسة معنى واسع ، فملابسة نبات ~~شجرة الزيتون للدهن والصبغ ملابسة بواسطة ملابسة ثمرتها للدهن والصبغ ، فإن ~~ثمرتها تشتمل على الزيت وهو يكون دهنا وصبغا للآكلين ، فأما كونه دهنا ، ~~فهو أنه يدهن به الناس أجسادهم ويرجلون به شعورهم ويجعلون فيه عطورا ~~فيرجلون به الشعور ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يدهن بالزيت في رأسه ~~. # والدهن بضم الدال : اسم لما يدهن به ، أي يطلى به شيء ، ويطلق الدهن على ~~الزيت باعتبار أنه يطلى به الجسد للتداوي والشعر للترجيل . # والصبغ ، بكسر الصاد : ما يصبغ به أي يغير به اللون . ثم توسع في إطلاقه ~~على كل مائع يطلى به ظاهر جسم ما ، ومنه قوله تعالى : { صبغة الله } ( ~~البقرة : 138 ) . وسمي الزيت صبغا لأنه يصبغ به الخبز . وعطف { صبغ } على { ~~الدهن } باعتبار المغايرة في ما تدل عليه مادة اشتقاق الوصف فإن الصبغ ما ~~يصبغ به والدهن ما يدهن به والصبغ أخص ؛ فهو من باب عطف الخاص على العام ~~للاهتمام ، وكانوا يأدمون به الطعام ms5496 وذلك صبغ للطعام ، أخرج الترمذي في ( ~~سننه ) عن عمر بن الخطاب وعن أبي أسيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ~~كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة ) . # وقرأ الجمهور { تنبت } بفتح التاء وضم الموحدة ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ~~ورويس ويعقوب بضم التاء وكسر الموحدة على لغة من يقول : PageV18P038 أنبت ~~بمعنى نبت أو على حذف المفعول ، أي تنبت هي ثمرها ، أي تخرجه . # # | 2 ( 21 ، 22 ) { وإن لكم فى الانعام لعبرة نسقيكم مما فى بطونها ولكم ~~فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون * وعليها وعلى الفلك تحملون } . ) 2 # هذا العطف مثل عطف جملة { وأنزلنا من السماء } ( المؤمنون : 18 ) ففيه ~~كذلك استدلال ومنة . # والعبرة : الدليل لأنه يعبر من معرفته إلى معرفة أخرى . والمعنى : إن في ~~الأنعام دليلا على انفراد الله تعالى بالخلق وتمام القدرة وسعة العلم . ~~والأنعام تقدم أنها الإبل في غالب عرف العرب . # وجملة { نسقيكم مما في بطونها } بيان لجملة { وإن لكم في الأنعام لعبرة } ~~فلذلك لم تعطف لأنها في موقع المعطوف عطف البيان . # والعبرة حاصلة من تكوين ما في بطونها من الألبان الدال عليه { نسقيكم } . ~~وأما { نسقيكم } بمجردة فهو منة . وقد تقدم نظير هذه الآية مفصلا في سورة ~~النحل ( 66 ) . # وجملة { ولكم فيها منافع كثيرة } وما بعدها معطوفة على جملة { نسقيكم مما ~~في بطونها } فإن فيه بقية بيان العبرة وكذلك الجمل بعده . وهذه المنافع هي ~~الأصواف والأوبار والأشعار والنتاج . # وأما الأكل منها فهو عبرة أيضا إذ أعدها الله صالحة لتغذية البشر بلحومها ~~لذيذة الطعم ، وألهم إلى طريقة شيها وصلقها وطبخها ، وفي ذلك منة عظيمة ~~ظاهرة . # وكذلك القول في معنى { وعليها . . تحملون } فإن في ذلك عبرة بإعداد الله ~~تعالى إياها لذلك وفي ذلك منة ظاهرة ، والحمل صادق بالركوب وبحمل الأثقال . ~~PageV18P039 # وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر عن عاصم بفتح النون ، وقرأه الباقون عدا ~~أبا جعفر بضم النون يقال : سقاه وأسقاه بمعنى ، وقرأه أبو جعفر بتاء ~~التأنيث مفتوحة على أن الضمير للأنعام . # وعطف { وعلى الفلك } إدماج وتهيئة للتخلص إلى قصة نوح . # $ 2 ms5497 ( 23 25 ) { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال ياقوم اعبدوا الله ما ~~لكم من إلاه غيره أفلا تتقون * فقال الملؤا الذين كفروا من قومه ما هاذا ~~إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شآء الله لانزل ملائكة ما سمعنا ~~بهاذا فى & # 1764 ءابآئنا الاولين * إن هو إلا رجل به جنة فتربصوا به حتى حين } . ) 2 ~~$ # لما كان الاستدلال والامتنان اللذان تقدما موجهين إلى المشركين الذين ~~كفروا بالنبي صلى الله عليه وسلم واعتلوا لذلك بأنهم لا يؤمنون برسالة بشر ~~مثلهم وسألوا إنزال ملائكة ووسموا الرسول عليه الصلاة والسلام بالجنون ، ~~فلما شابهوا بذلك قوم نوح ومن جاء بعدهم ناسب أن يضرب لهم بقوم نوح مثل ~~تحذيرا مما أصاب قوم نوح من العذاب ، وقد جرى في أثناء الاستدلال والامتنان ~~ذكر الحمل في الفلك فكان ذلك مناسبة للانتقال فحصل بذلك حسن التخلص ، ~~فيعتبر ذكر قصص الرسل إما استطرادا في خلال الاستدلال على الوحدانية ، وإما ~~انتقالا كما سيأتي عند قوله تعالى : { وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار } ~~( المؤمنون : 78 ) . # وتصدير الجملة بلام القسم تأكيد للمضمون التهديدي من القصة ، فالمعنى ~~تأكيد الإرسال إلى نوح وما عقب به ذلك . PageV18P040 # وعطف مقالة نوح على جملة إرساله بفاء التعقيب لإفادة أدائه رسالة ربه ~~بالفور من أمره وهو شأن الامتثال . # وأمره قومه بأن يعبدوا الله يقتضي أنهم كانوا معرضين عن عبادة الله بأن ~~أقبلوا على عبادة أصنامهم ( ود ، وسواع ، ويغوث ، ويعوق ، ونسر ) حتى ~~أهملوا عبادة الله ونسوها . وكذلك حكيت دعوة نوح قومه في أكثر الآيات بصيغة ~~أمر بأصل عبادة الله دون الأمر بقصر عبادتهم على الله مع الدلالة على أنهم ~~ما كانوا ينكرون وجود الله ولذلك عقب كلامه بقوله : { ما لكم من إلاه غيره ~~} . # ويدل على هذا قولهم : { ولو شاء الله لأنزل ملائكة } فهم مثبتون لوجود ~~الله ، فجملة { ما لكم من إلاه غيره } في موقع التعليل للأمر بعبادته وهو ~~تعليل أخص من المعلل ، وهو أوقع لما فيه من الإيجاز لاقتضائه معنى : اعبدوا ~~الله وحده . فالمعنى : اعبدوا الله الذي تركتم ms5498 عبادته وهو إلاهكم دون غيره ~~فلا يستحق غيره العبادة فلا تعبدوا أصنامكم معه . # و { غيره } نعت ل { إلاه } . قرأه الجمهور بالرفع على اعتبار محل المنعوت ~~ب ( غير ) لأن المنعوت مجرور بحرف جر زائد ، وقرأه الكسائي بالجر على ~~اعتبار اللفظ المجرور بالحرف الزائد . # وفرع على الأمر بإفراده بالعبادة استفهام إنكار على عدم اتقائهم عذاب ~~الله تعالى . وقد خولفت في حكاية جواب الملإ من قومه الطريقة المألوفة في ~~القرآن في حكاية المحاورات وهي ترك العطف التي جرى عليها قوله : { وإذ قال ~~ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة } في سورة البقرة ( 30 ) . فعطف هنا ~~جواب الملإ من قومه بالفاء لوجهين : # أحدهما : أنهم لم يوجهوا الكلام إليه بل تركوه وأقبلوا على قومهم يفندون ~~لهم ما دعاهم إليه نوح . # والثاني : ليفاد أنهم أسرعوا بتكذيبه وتزييف دعوته قبل النظر . ووصف ~~الملإ بأنهم الذين كفروا للإيماء إلى أن كفرهم هو الذي أنطقهم PageV18P041 ~~بهذا الرد على نوح ، وهو تعريض بأن مثل ذلك الرد لا نهوض له ولكنهم روجوا ~~به كفرهم خشية على زوال سيادتهم . # وقوله : { من قومه } صفة ثانية . # وقول الملأ من قومه : { ما هذا إلا بشر مثلكم } خاطب به بعضهم بعضا إذ ~~الملأ هم القوم ذوو السيادة والشارة ، أي فقال عظماء القوم لعامتهم . # وإخبارهم بأنه بشر مثلهم مستعمل كناية عن تكذيبه في دعوى الرسالة بدليلل ~~من ذاته ، أوهموهم أن المساواة في البشرية مانعة من الوساطة بين الله وبين ~~خلقه ، وهذا من الأوهام التي أضلت أمما كثيرة . واسم الإشارة منصرف إلى نوح ~~وهو يقتضي أن كلام الملإ وقع بحضرة نوح في وقت دعوته ، فعدلوا من اسمه ~~العلم إلى الإشارة لأن مقصودهم تصغير أمره وتحقيره لدى عامتهم كيلا يتقبلوا ~~قوله ، وقد تقدم نظير هذا في سورة هود . # وزادت هذه القصة بحكاية قولهم : { يريد أن يتفضل عليكم } فإن سادة القوم ~~ظنوا أنه ما جاء بتلك الدعوة إلا حبا في أن يسود على قومهم فخشوا أن تزول ~~سيادتهم وهم بجهلهم لا يتدبرون أحوال النفوس ولا ينظرون مصالح الناس ولكنهم ~~يقيسون ms5499 غيرهم على مقياس أنفسهم . # فلما كانت مطامح أنفسهم حب الرئاسة والتوسل إليها بالانتصاب لخدمة ~~الأصنام توهموا أن الذي جاء بإبطال عبادة الأصنام إنما أراد منازعتهم ~~سلطانهم . # والتفضل : تكلف الفضل وطلبه ، والفضل أصله الزيادة ثم شاع في زيادة الشرف ~~والرفعة ، أي يريد أن يكون أفضل الناس لأنه نسبهم كلهم إلى الضلال . # وقولهم : { ولو شاء الله لأنزل ملائكة } عطف على جملة { ما هذا إلا بشر ~~مثلكم } بعد أن مهدوا له بأن البشرية مانعة من أن يكون صاحبها رسولا لله ، ~~وحذف مفعول فعل المشيئة لظهوره من جواب ( لو ) ، أي لو شاء الله إرسال ~~PageV18P042 رسول لأنزل ملائكة رسلا ، وحذف مفعول المشيئة جائز إذا دلت ~~عليه القرينة ، وذلك من الإيجاز ، ولا يختص بالمفعول الغريب مثلما قال صاحب ~~( المفتاح ) : ألا ترى قول المعري : # وإن شئت فازعم أن من فوق ظهرها # عبيدك واستشهد إلاهك يشهد # وهل أغرب من هذا الزعم لو كانت الغرابة مقتضية ذكر مفعول المشيئة . فلما ~~دل عليه مفعول جواب الشرط حسن حذفه من فعل الشرط . # وجملة { ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين } مستأنفة قصدوا بها تكذيب ~~الدعوة بعد تكذيب الداعي ، فلذلك جيء بها مستأنفة غير معطوفة تنبيها على ~~أنها مقصودة بذاتها وليست تكملة لها قبلها ، بخلاف أسلوب عطف جملة : { ولو ~~شاء الله لأنزل ملائكة } إذ كان مضمونها من تمام غرض ما قبلها . # فالإشارة ب { هذا } إلى الكلام الذي قاله نوح ، أي ما سمعنا بأن ليس لنا ~~إلاه غير الله في مدة أجدادنا ، فالمقصود بالإشارة معنى الكلام لا نفسه ، ~~وهو استعمال شائع . ولما كان حرف الظرفية يقتضي زمنا تعين أن يكون مدخوله ~~على تقدير مضاف ، أي في مدة آبائنا لأن الآباء لا يصلح للظرفية . والآباء ~~الأولون هم الأجداد . # ولما كان السماع المنفي ليس سماعا بآذانهم لكلام في زمن آبائهم بل المراد ~~ما بلغ إلينا وقوع مثل هذا في زمن آبائنا ، عدي فعل { سمعنا } بالباء ~~لتضمينه معنى الاتصال . جعلوا انتفاء علمهم بالشيء حجة على بطلان ذلك الشيء ~~، وهو مجادلة سفسطائية إذ قد يكون انتفاء العلم عن ms5500 تقصير في اكتساب ~~المعلومات ، وقد يكون لعدم وجود سبب يقتضي حدوث مثله بأن كان الناس على حق ~~فلم يكن داع إلى مخاطبتهم بمثل ذلك ، وقد كان الناس من زمن آدم على الفطرة ~~حتى حدث الشرك في الناس فأرسل الله نوحا فهو أول رسول أرسل إلى أهل الأرض ~~كما ورد في حديث الشفاعة . PageV18P043 # وجملة { إن هو إلا رجل به جنة } استئناف بياني لأن جميع ما قالوه يثير في ~~نفوس السامعين أن يتساءلوا إذا كان هذا حال دعوته في البطلان والزيف فماذا ~~دعاه إلى القول بها ؟ فيجاب بأنه أصابه خلل في عقله فطلب ما لم يكن ليناله ~~مثله من التفضل على الناس كلهم بنسبتهم إلى الضلال فقد طمع فيما لا يطمع ~~عاقل في مثله فدل طمعه في ذلك على أنه مجنون . # والتنوين في { جنة } للنوعية ، أي هو متلبس بشيء من الجنون ، وهذا اقتصاد ~~منهم في حاله حيث احترزوا من أن يورطوا أنفسهم في وصفه بالخبال مع أن ~~المشاهد من حاله ينافي ذلك فأوهموا قومهم أن به جنونا خفيفا لا يبدو آثاره ~~واضحة . # وقصروه على صفة المجنون وهو قصر إضافي ، أي ليس برسول من الله . # وفرعوا على ذلك الحكم أمرا لقومهم بانتظار ما ينكشف عنه أمره بعد زمان : ~~إما شفاء من الجنة فيرجع إلى الرشد ، أو ازدياد الجنون به فيتضح أمره ~~فتعلموا أن لا اعتداد بكلامه . # والحين : اسم للزمان غير المحدود . # والتربص : التوقف عن عمل يراد عمله والتريث فيه انتظارا لما قد يغني عن ~~العمل أو انتظارا لفرصة تمكن من إيقاعه على أتقن كيفية لنجاحه ، وهو فعل ~~قاصر يتعدى إلى المفعول بالباء التي هي للتعدية ومعناها السببية ، أي كان ~~تربص المتربص بسبب مدخول الباء . والمراد : بسبب ما يطرأ عليه من أحوال ، ~~فهو على نية مضاف حذف لكثرة الاستعمال ، وقد تقدم عند قوله تعالى : { ~~ويتربص بكم الدوائر في سورة براءة ( 98 ) فانظره مع ما هنا . # $ 2 ( 26 ، 27 ) قال رب انصرنى بما كذبون * فأوحينآ إليه أن اصنع الفلك ~~بأعيننا ووحينا فإذا جآء أمرنا وفار ms5501 التنور PageV18P044 فاسلك فيها من كل ~~زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم ولا تخاطبنى فى الذين ظلمو & # 1764 ا إنهم مغرقون } . ) 2 $ # استئناف بياني لأن ما حكي عن صدهم الناس عن تصديق دعوة نوح وما لفقوه من ~~البهتان في نسبته إلى الجنون ، مما يثير سؤال من يسأل عماذا صنع نوح حين ~~كذبه قومه فيجاب بأنه قال : { رب انصرني } الخ . # ودعاؤه بطلب النصر يقتضي أنه عد فعلهم معه اعتداء عليه بوصفه رسولا من ~~عند ربه . # والنصر : تغليب المعتدى عليه على المعتدي ، فقد سأل نوح نصرا مجملا كما ~~حكي هنا ، وأعلمه الله أنه لا رجاء في إيمان قومه إلا من آمن منهم كما جاء ~~في سورة هود ، فلا رجاء في أن يكون نصره برجوعهم إلى طاعته وتصديقه واتباع ~~ملته ، فسأل نوح حينذاك نصرا خاصا وهو استئصال الذين لم يؤمنوا كما جاء في ~~سورة نوح ( 26 ، 27 ) { وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ~~إنك إن تذرهم يضلوا عبادك . فالتعقيب الذي في قوله تعالى هنا : فأوحينا ~~إليه } تعقيب بتقدير جمل محذوفة كما علمت ، وهو إيجاز في حكاية القصة كما ~~في قوله تعالى : { أن أضرب بعصاك البحر فانفلق الخ في سورة الشعراء ( 63 ) ~~. # والباء في بما كذبون } سببية في موضع الحال من النصر المأخوذ من فعل ~~الدعاء ، أي نصرا كائنا بسبب تكذيبهم ، فجعل حظ نفسه فيما اعتدوا عليه ملغى ~~واهتم بحظ الرسالة عن الله لأن الاعتداء على الرسول استخفاف بمن أرسله . # وجملة { أن اصنع } جملة مفسره لجملة { أوحينا } لأن فعل { أوحينا } فيه ~~معنى القول دون حروفه ، وتقدم نظير جملة { واصنع الفلك بأعيننا ووحينا } في ~~سورة هود ( 37 ) . PageV18P045 # وفرع على الأمر بصنع الفلك تفصيل ما يفعله عند الحاجة إلى استعمال الفلك ~~فوقت له استعماله بوقت الاضطرار إلى إنجاء المؤمنين والحيوان . # وتقدم الكلام على معنى { فار التنور } ومعنى { زوجين اثنين وأهلك إلا من ~~سبق عليه القول } في سورة هود ( 40 ) . # والزوج : اسم لكل شيء له شيء آخر متصل به بحيث يجعله ms5502 شفعا في حالة ما . ~~وتقدم في سورة هود . # وإنما عبر هنالك بقوله : { قلنا احمل فيها } ( هود : 40 ) وهنا بقوله : { ~~فاسلك فيها } لأن آية سورة هود حكت ما خاطبه الله به عند حدوث الطوفان وذلك ~~وقت ضيق فأمر بأن يحمل في السفينة من أراد الله إبقاءهم ، فأسند الحمل إلى ~~نوح تمثيلا للإسراع بإركاب ما عين له في السفينة حتى كأن حاله في إدخاله ~~إياهم حال من يحمل شيئا ليضعه في موضع ، وآية هذه السورة حكت ما خاطبه الله ~~به من قبل حدوث الطوفان إنباء بما يفعله عند حدوث الطوفان فأمره بأنه حينئذ ~~يدخل في السفينة من عين الله إدخالهم ، مع ما في ذلك من التفنن في حكاية ~~القصة . # ومعنى { اسلك } أدخل ، وفعل ( سلك ) يكون قاصرا بمعنى دخل ومتعديا بمعنى ~~أدخل ومنه قوله تعالى : { ما سلككم في سقر } ( المدثر : 42 ) . وقول الأعشى ~~: # كما سلك السكي في الباب فيتق # وتقدم الكلام على مثل قوله : { ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون } ~~في سورة هود ( 37 ) . # وقرأ الجمهور { من كل زوجين } بإضافة { كل } إلى { زوجين } . وقرأه حفص ~~بالتنوين { كل } على أن يكون { زوجين } مفعول { فاسلك } ، وتنوين { كل } ~~تنوين عوض يشعر بمحذوف أضيف إليه { كل } . وتقديره : من كل ما أمرتك أن ~~تحمله في السفينة . # PageV18P046 # | 2 ( 28 ، 29 ) { فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذى ~~نجانا من القوم الظالمين * وقل رب أنزلنى منزلا مباركا وأنت خير المنزلين } ~~. ) 2 # الاستواء : الاعتلاء . وتقدم عند قوله تعالى : { ثم استوى على العرش } في ~~سورة الأعراف ( 54 ) . # وإطلاق الاستواء على الاستقرار في داخل السفينة مجاز مرسل بعلاقة الإطلاق ~~وإلا فحقيقة الاستقرار في الفلك أنه دخول . وأتي بحرف الاستعلاء دون حرف ~~الظرفية لأنه الذي يتعدى به معنى الاعتلاء إيذانا بالتمكن من الفلك فهو ~~ترشيح للمجاز . # والتنجية من القوم الظالمين : الإنجاء من أذاهم والكونن فيهم لأن في ~~الكون بينهم مشاهدة كفرهم ومناكرهم وذلك مما يؤذي المؤمن . # والظلم : يجوز أن يراد به الشرك كما قال تعالى : { إن الشرك لظلم عظيم ms5503 } ~~( لقمان : 13 ) ، ويجوز أن يراد به الاعتداء على الحق لأن الكافرين كانوا ~~يؤذون نوحا والمؤمنين بشتى الأذى باطلا وعدوانا وإنما كان ذلك إنجاء لأنهم ~~قد استقلوا بجماعتهم فسلموا من الاختلاط بأعدائهم . # وقد ألهمه الله بالوحي أن يحمد ربه على ما سهل له من سبيل النجاة وأن ~~يسأله نزولا في منزل مبارك عقب ذلك الترحل ، والدعاء بذلك يتضمن سؤال سلامة ~~من غرق السفينة . وهذا كالمحامد التي يعلمها الله محمدا صلى الله عليه وسلم ~~يوم الشفاعة . فيكون في ذلك التعليم إشارة إلى أنه سيتقبل ذلك منه . # وجملة { وأنت خير المنزلين } في موضع الحال . وفيها معنى تعليل سؤاله ذلك ~~. PageV18P047 # وقرأ الجمهور { منزلا } بضم الميم وفتح الزاي وهو اسم مفعول من ( أنزله ) ~~على حذف المجرور ، أي منزلا فيه . ويجوز أن يكون مصدرا ، أي إنزالا مباركا ~~. والمعنيان متلازمان . وقرأه أبو بكر عن عاصم بفتح الميم وكسر الزاي ، وهو ~~اسم لمكان النزول . # # | 2 ( 30 ) { إن فى ذالك لأيات وإن كنا لمبتلين } . ) 2 # لما ذكر هذه القصة العظيمة أعقبها بالتنبيه إلى موضع العبرة منها ~~للمسلمين فأتى بهذا الاستئناف لذلك . # والإشارة إلى ما ذكر من قصة نوح مع قومه وما فيها . والآيات : الدلالات ، ~~أي لآيات كثيرة منها ما هي دلائل على صدق رسالة نوح وهي إجابة دعوته وتصديق ~~رسالته وإهلاك مكذبيه ، ومنها آيات لأمثال قوم نوح من الأمم المكذبين ~~لرسلهم ، ومنها آيات على عظيم قدرة الله تعالى في إحداث الطوفان وإنزال من ~~في السفينة منزلا مباركا ، ومنها آيات على علم الله تعالى وحكمته إذ قدر ~~لتطهير الأرض من الشرك مثل هذا الاستيصال العام لأهله . وإذ قدر لإبقاء ~~الأنواع مثل هذا الصنع الذي أنجى به من كل نوع زوجين ليعاد التناسل . # وعطف على جملة { إن في ذلك لآيات } جملة { وإن كنا لمبتلين } لأن مضمون { ~~وإن كنا لمبتلين } يفيد معنى : إن في ذلك لبلوى ، فكأنه قيل : إن في ذلك ~~لآيات وابتلاء وكنا مبتلين ، أي وشأننا ابتلاء أوليائنا . فإن الابتلاء من ~~آثار الحكمة الإلهية لترتاض به نفوس أوليائه وتظهر مغالبتها للدواعي ms5504 ~~الشيطانية فتحمد عواقب البلوى ، ولتتخبط نفوس المعاندين وينزوي بعض شرها ~~زمانا . # والمعنى : أن ما تقدم قبل الطوفان من بعد بعثة نوح من تكذيب قومه وأذاهم ~~إياه والمؤمنين معه إنما كان ابتلاء من الله لحكمته تعالى ليميز ~~PageV18P048 الله للناس الخبيث من الطيب ولو شاء الله لآمن بنوح قومه ثم لو ~~شاء الله لنصره عليهم من أول يوم وهذه سنة إلهية . وفي هذا المعنى ما جاء ~~في حديث أبي سفيان أن هرقل قال له ( وكذلك الأنبياء تبتلى ثم تكون لهم ~~العاقبة ) ، وفي القرآن { والعاقبة للمتقين } ( القصص : 83 ) . # والابتلاء تقدم في قوله تعالى : { وإذ ابتلى إبراهيم ربه } ( البقرة : ~~124 ) وقوله : { وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم في سورة البقرة ( 49 ) . # وفي قوله : وإن كنا لمبتلين } تسلية للنبيء محمد صلى الله عليه وسلم على ~~ما يلقاه من المشركين ، وتعريض بتهديد المشركين بأن ما يواجهون به الرسول ~~صلى الله عليه وسلم لا بقاء له وإنما هو بلوى تزول عنه وتحل بهم ولكل حظ ~~يناسبه . # ولكون هذا مما قد يغيب عن الألباب نزل منزلة الشيء المتردد فيه فأكد ب { ~~إن } المخففة وبفعل { كنا } . # واللام هي الفارقة بين ( إن ) المؤكدة المخففة عند إهمال عملها وبين ( إن ~~) النافية . # # | 2 ( 31 ، 32 ) { ثم أنشأنا من بعدهم قرنا ءاخرين * فأرسلنا فيهم رسولا ~~منهم أن اعبدوا الله ما لكم من إلاه غيره أفلا تتقون } . ) 2 # تعقيب قصة نوح وقومه بقصة رسول آخر ، أي أخرى ، وما بعدها من القصص يراد ~~منه أن ما أصاب قوم نوح على تكذيبهم له لم يكن صدفة ولكنه سنة الله في ~~المكذبين لرسله ولذلك لم يعين القرن ولا القرون بأسمائهم . # والقرن : الأمة . والأظهر أن المراد به هنا ثمود لأنه الذي يناسبه قوله ~~في آخر القصة { فأخذتهم الصيحة بالحق } ( المؤمنون : 41 ) ، لأن ثمود ~~أهلكوا بالصاعقة PageV18P049 ولقوله { قال عما قليلل ليصبحن نادمين } ( ~~المؤمنون : 40 ) مع قوله في سورة الحجر ( 83 ) { فأخذتهم الصيحة مصبحين } ~~فكان هلاكهم في الصباح . ولعل تخصيصهم بالذكر هنا دون عاد خلافا لما تكرر ~~في غير هذه ms5505 الآية لأن العبرة بحالهم أظهر لبقاء آثار ديارهم بالحجر كما قال ~~تعالى : { وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليلل أفلا تعقلون } ( الصافات : ~~137 ، 138 ) . # وقوله { فأرسلنا فيهم رسولا } أي جعل الرسول بينهم وهو منهم ، أي من ~~قبيلتهم . وضمير الجمع عائد إلى { قرنا } لأنه في تأويل ( الناس ) كقوله { ~~وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا } ( الحجرات : 9 ) . # وعدي فعل { أرسلنا } ب ( في ) دون ( إلى ) لإفادة أن الرسول كان منهم ~~ونشأ فيهم لأن القرن لما لم يعين باسم حتى يعرف أن رسولهم منهم أو واردا ~~إليهم مثل لوط لأهل ( سدوم ) ، ويونس لأهل ( نينوى ) ، وموسى للقبط . وكان ~~التنبيه على أن رسولهم منهم مقصودا إتماما للمماثلة بين حالهم وحال الذين ~~أرسل إليهم محمد صلى الله عليه وسلم وكلام رسولهم مثل كلام نوح . # و ( أن ) تفسير لما تضمنه { أرسلنا } من معنى القول . # # | 2 ( 33 38 ) { وقال الملا من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقآء الاخرة ~~وأترفناهم فى الحيواة الدنيا ما هاذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ~~ويشرب مما تشربون * ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون * أيعدكم أنكم ~~إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون * هيهات هيهات لما توعدون * إن هى ~~إلا حياتنا الدنيا نموت PageV18P050 ونحيا وما نحن بمبعوثين * إن هو إلا ~~رجل افترى على الله كذبا وما نحن له بمؤمنين } . ) 2 # عطفت حكاية قول قومه على حكاية قوله ولم يؤت بها مفصولة كما هو شأن حكاية ~~المحاورات كما بيناه غير مرة في حكاية المحاورات ب ( قال ) ونحوها دون عطف ~~. وقد خولف ذلك في الآية السابقة للوجه الذي بيناه ، وخولف أيضا في سورة ~~الأعراف وفي سورة هود إذ حكي جواب هؤلاء القوم رسولهم بدون عطف . # ووجه ذلك أن كلام الملأ المحكي هنا غير كلامهم المحكي في السورتين لأن ما ~~هنا كلامهم الموجه إلى خطاب قومهم إذ قالوا : { ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل ~~مما تأكلون منه } إلى آخره خشية منهم أن تؤثر دعوة رسولهم في عامتهم ، ~~فرأوا الاعتناء بأن يحولوا دون تأثر نفوس قومهم بدعوة رسولهم أولى من ms5506 أن ~~يجاوبوا رسولهم كما تقدم بيانه آنفا في قصة نوح . # وبهذا يظهر وجه الإعجاز في المواضع المختلفة التي أورد فيها صاحب ( ~~الكشاف ) سؤالا ولم يكن في جوابه شافيا وتحير شراحه فكانوا على خلاف . # وإنما لم يعطف قول الملأ بفاء التعقيب كما ورد في قصة نوح آنفا لأن قولهم ~~هذا كان متأخرا عن وقت مقالة رسولهم التي هي فاتحة دعوته بأن يكونوا أجابوا ~~كلامه بالرد والزجر فلما استمر على دعوتهم وكررها فيهم وجهوا مقالتهم ~~المحكية هنا إلى قومهم ومن أجل هذا عطفت جملة جوابهم ولم تأت على أسلوب ~~الاستعمال في حكاية أقوال المحاورات . # وأيضا لأن كلام رسولهم لم يحك بصيغة القول بل حكي ب ( أن ) التفسيرية لما ~~تضمنه معنى الإرسال في قوله : { فأرسلنا فيهم رسولا منهم أن اعبدوا الله } ~~( المؤمنون : 32 ) . PageV18P051 # وقد حكى الله في آيات أخرى عن قوم هود وعن قوم صالح أنهم أجابوا دعوة ~~رسولهم بالرد والزجر كقول قوم هود { قالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن ~~بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا ~~بسوء } ( هود : 53 ، 54 ) ، وقول قوم صالح { قالوا يا صالح قد كنت فينا ~~مرجوا قبل هذا أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا وإننا لفي شك مما تدعونا ~~إليه مريب } ( هود : 62 ) . # وقوله { وقال الملأ من قومه الذين كفروا } { الذين كفروا } نعت ثان ل { ~~الملأ } فيكون على وزان قوله في قصة نوح { فقال الملأ الذين كفروا من قومه ~~} ( المؤمنون : 24 ) . وإنما أخر النعت هنا ليتصل به الصفتان المعطوفتان من ~~قوله : { وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم } . # واللقاء : حضور أحد عند آخر . والمراد لقاء الله تعالى للحساب كقوله ~~تعالى : { واعلموا أنكم ملاقوه في سورة البقرة ( 223 ) وعند قوله تعالى : ~~يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا } في سورة الأنفال ( 45 ) . # وإضافة { لقاء } إلى { الآخرة } على معنى ( في ) أي اللقاء في الآخرة . # والإتراف : جعلهم أصحاب ترف . والترف : النعمة الواسعة . وقد تقدم عند ~~قوله : { وارجعوا إلى ما أترفتم فيه } في سورة الأنبياء ms5507 ( 13 ) . # وفي هذين الوصفين إيماء إلى أنهما الباعث على تكذيبهم رسولهم لأن تكذيبهم ~~بلقاء الآخرة ينفي عنهم توقع المؤاخذة بعد الموت ، وثروتهم ونعمتهم تغريهم ~~بالكبر والصلف إذ ألفوا أن يكونوا سادة لا تبعا ، قال تعالى : { وذرني ~~والمكذبين أولي النعمة } ( المزمل : 11 ) ، ولذلك لم يتقبلوا ما دعاهم إليه ~~رسولهم من اتقاء عذاب يوم البعث وطلبهم النجاة باتباعهم ما يأمرهم به فقال ~~بعضهم لبعض { ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون أيعدكم أنكم إذا متم ~~وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون } . # و { ما هذا إلا بشر مثلكم } كناية عن تكذيبه في دعوى الرسالة لتوهمهم أن ~~البشرية تنافي أن يكون صاحبها رسولا من الله فأتوا بالملزوم وأرادوا لازمه ~~. PageV18P052 # وجملة { يأكل مما تأكلون منه } في موقع التعليل والدليل للبشرية لأنه ~~يأكل مثلهم ويشرب مثلهم ولا يمتاز فيما يأكله وما يشربه . # وحذف متعلق { تشربون } وهو عائد الصلة للاستغناء عنه بنظيره الذي في ~~الصلة المذكورة قبلها . # واللام في { ولئن أطعتم } موطئة للقسم ، فجملة { إنكم إذا لخاسرون } جواب ~~القسم ، وجواب الشرط محذوف دل عليه جواب القسم . وأقحم حرف الجزاء في جواب ~~القسم لما في جواب القسم من مشابهة الجزاء لا سيما متى اقترن القسم بحرف ~~شرط . # والاستفهام في قوله { أيعدكم } للتعجب ، وهو انتقال من تكذيبه في دعوى ~~الرسالة إلى تكذيبه في المرسل به . # وقوله { أنكم إذا متم } إلى آخره مفعول { يعدكم } أي يعدكم إخراج مخرج ~~إياكم . والمعنى : يعدكم إخراجكم من القبور بعد موتكم وفناء أجسامكم . # وأما قوله : { أنكم مخرجون } فيجوز أن يكون إعادة لكلمة ( أنكم ) الأولى ~~اقتضى إعادتها بعد ما بينها وبين خبرها . وتفيد إعادتها تأكيدا للمستفهم ~~عنه استفهام استبعاد تأكيدا لاستبعاده . وهذا تأويل الجرمي والمبرد . # ويجوز أن يكون { أنكم مخرجون } مبتدأ . ويكون قوله : { إذا متم وكنتم ~~ترابا وعظاما } خبرا عنه مقدما عليه وتكون جملة { إذا متم } إلى قوله { ~~مخرجون } خبرا عن ( أن ) من قوله { أنكم } الأولى . # وجعلوا موجب الاستبعاد هو حصول أحوال تنافي أنهم مبعوثون بحسب قصور ~~عقولهم ، وهي حال الموت المنافي للحياة ، وحال الكون ترابا وعظاما ms5508 المنافي ~~لإقامة الهيكل الإنساني بعد ذلك . # وأريد بالإخراج إخراجهم أحياء بهيكل إنساني كامل ، أي مخرجون للقيامة ~~بقرينة السياق . PageV18P053 # وجملة { هيهات } بيان لجملة { يعدكم } فلذلك فصلت ولم تعطف . # و { هيهات } كلمة مبنية على فتح الآخر وعلى كسره أيضا . وقرأها الجمهور ~~بالفتح . وقرأها أبو جعفر بالكسر . وتدل على البعد . وأكثر ما تستعمل مكررة ~~مرتين كما في هذه الآية أو ثلاثا كما جاء في شعر لحميد الأرقط وجرير يأتيان ~~. # واختلف فيها أهي فعل أم اسم ؛ فجمهور النحاة ذهبوا إلى أن ( هيهات ) اسم ~~فعل للماضي من البعد ، فمعنى هيهات كذا : بعد . فيكون ما يلي ( هيهات ) ~~فاعلا . وقيل هي اسم للبعد ، أي فهي مصدر جامد وهو الذي اختاره الزجاج في ( ~~تفسيره ) . قال الراغب : وقال البعض : غلط الزجاج في ( تفسيره ) واستهواه ~~اللام في قوله تعالى : { هيهات هيهات لما توعدون } . # وقيل : هيهات ظرف غير متصرف ، وهو قول المبرد . ونسبه في ( لسان العرب ) ~~إلى أبي علي الفارسي . قال : قال ابن جني : كان أبو علي يقول في هيهات : ~~أنا أفتي مرة بكونها اسما سمي به الفعل مثل صه ومه ، وأفتي مرة بكونها ظرفا ~~على قدر ما يحضرني في الحال . # وفيها لغات كثيرة وأفصحها أنها بهاءين وتاء مفتوحة فتحة بناء ، وأن تاءها ~~تثبت في الوقف وقيل يوقف عليها هاء ، وأنها لا تنون تنوين تنكير . # وقد ورد ما بعد ( هيهات ) مجرورا باللام كما في هذه الآية . وورد مرفوعا ~~كما في قول جرير : # فهيهات هيهات العقيق وأهله # وهيهات خل بالعقيق نحاوله # وورد مجرورا ب ( من ) في قول حميد الأرقط : # هيهاتت من مصبحها هيهات # ههياتت حجر من صنيبعات # فالذي يتضح في استعمال ( هيهات ) أن الأصل فيما بعدها أن يكون مرفوعا على ~~تأويل ( هيهات ) بمعنى فعل ماض من البعد كما في بيت جرير ، PageV18P054 وأن ~~الأفصح أن يكون ما بعدها مجرورا باللام فيكون على الاستغناء عن فاعل اسم ~~الفعل للعلم به مما يسبق ( هيهات ) من الكلام لأنها لا تقع غالبا إلا بعد ~~كلام ، وتجعل اللام للتبيين ، أي إيضاح المراد من الفاعل ، فيحصل بذلك ~~إجمال ثم ms5509 تفصيل يفيد تقوية الخبر . وهذه اللام ترجع إلى لام التعليل . وإذا ~~ورد ما بعدها مجرورا ب ( من ) ف ( من ) بمعنى ( عن ) أي بعد عنه أو بعدا ~~عنه . # على أنه يجوز أن تؤول ( هيهات ) مرة بالفعل وهو الغالب ومرة بالمصدر ~~فتكون اسم مصدر مبنيا جامدا غير مشتق . ويكون الإخبار بها كالإخبار بالمصدر ~~، وهو الوجه الذي سلكه الزجاج في تفسير هذه الآية ويشير كلام الزمخشري إلى ~~اختياره . # وجاء هنا فعل { توعدون } من ( أوعد ) وجاء قبله فعل { أيعدكم } وهو من ( ~~وعد ) مع أن الموعود به شيء واحد . قال الشيخ ابن عرفة : لأن الأول : راجع ~~إليهم في حال وجودهم فجعل وعدا ، والثاني راجع إلى حالتهم بعد الموت ~~والانعدام فناسب التعبير عنه بالوعيد اه . # وأقول : أحسن من هذا أنه عبر مرة بالوعد ومرة بالوعيد على وجه الاحتباك ، ~~فإن إعلامهم بالبعث مشتمل على وعد بالخير إن صدقوا وعلى وعيد إن كذبوا ، ~~فذكر الفعلان على التوزيع إيجازا . # وقوله : { إن هي إلا حياتنا الدنيا } يجوز أن يكون بيانا للاستبعاد الذي ~~في قوله : { هيهات لما توعدون } واستدلالا وتعليلا له ، ولكلا الوجهين كانت ~~الجملة مفصولة عن التي قبلها . # وضمير { هي } عائد إلى ما لم يسبق في الكلام بل عائد على مذكور بعده قصدا ~~للإبهام ثم التفصيل ليتمكن المعنى في ذهن السامع . وهذا من مواضع عود ~~الضمير على ما بعده إذا كان ما بعده بيانا له ، ولذلك يجعل PageV18P055 ~~الاسم الذي بعد الضمير عطف بيان . ومنه قول الشاعر أنشده في ( الكشاف ) ~~المصراع الأول وأثبته الطيبي كاملا : # هي النفس ما حملتها تتحمل # وللدهر أيام تجور وتعدل # وقول أبي العلاء ( المعري ) : # هو الهجر حتى ما يلم خيال # وبعض صدود الزائرين وصال # ومبين الضمير هنا قوله { إلا حياتنا } فيكون الاسم الذي بعد ( إلا ) عطف ~~بيان من الضمير . والتقدير : إن حياتنا إلا حياتنا الدنيا . ووصفها بالدنيا ~~وصف زائد على البيان فلا يقدر مثله في المبين . # وليس هذا الضمير ضمير القصة والشأن لعدم صلاحية المقام له . ولأنه في ~~الآية مفسر بالمفرد لا بالجملة وكذلك في بيت أبي ms5510 العلاء . # ولأن دخول ( لا ) النافية عليه يأبى من جعله ضمير شأن إذ لا معنى لأن ~~يقال : لا قصة إلا حياتنا ، فدخلت عليه ( لا ) النافية للجنس لأنه في معنى ~~اسم جنس لتبيينه باسم الجنس وهو { حياتنا } . فالمعنى ليست الحياة إلا ~~حياتنا هذه ، أي لا حياة بعدها . # والدنيا : مؤنث الأدنى ، أي القريبة بمعنى الحاضرة . # وضمير { حياتنا } مراد به جميع القوم الذين دعاهم رسولهم . فقولهم : { ~~نموت ونحيا } معناه : يموت هؤلاء القوم ويحيا قوم بعدهم . ومعنى { نحيا } : ~~نولد ، أي يموت من يموت ويولد من يولد ، أو المراد : يموت من يموت فلا يرجع ~~ويحيا من لم يمت إلى أن يموت . والواو لا تفيد ترتيبا بين معطوفها والمعطوف ~~عليه . وعقبوه بالعطف في قوله : { وما نحن بمبعوثين } أي لا نحيا حياة بعد ~~الموت . # وهو عطف على جملة { نموت ونحيا } باعتبار اشتمالها على إثبات حياة عاجلة ~~وموت ، فإن الاقتصار على الأمرين مفيد للانحصار في المقام الخطابي مع قرينة ~~قوله : { إن هي إلا حياتنا الدنيا } . وأفاد صوغ الخبر في الجملة الاسمية ~~تقوية مدلوله وتحقيقه . PageV18P056 # ثم جاءت جملة { إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا } نتيجة عقب الاستدلال ~~، فجاءت مستأنفة لأنها مستقلة على ما تقدمها فهي تصريح بما كني عنه آنفا في ~~قوله : { ما هذا إلا بشر مثلكم } وما بعده من تكذيب دعوته ، فاستخلصوا من ~~ذلك أن حاله منحصر في أنه كاذب على الله فيما ادعاه من الإرسال . وضمير { ~~إن هو } عائد إلى اسم الإشارة من قوله : { ما هذا إلا بشر مثلكم } . # فجملة { افترى على الله كذبا } صفة ل { رجل } وهي منصب الحصر فهو من قصر ~~الموصوف على الصفة قصر قلب إضافيا ، أي لا كما يزعم أنه مرسل من الله . # وإنما أجروا عليه أنه رجل متابعة لوصفه بالبشرية في قولهم : { ما هذا إلا ~~بشر مثلكم } تقريرا لدليل المماثلة المنافية للرسالة في زعمهم ، أي زيادة ~~على كونه رجلا مثلهم فهو رجل كاذب . # والافتراء : الاختلاق . وهو الكذب الذي لا شبهة فيه للمخبر . وتقدم عند ~~قوله تعالى : { ولكن الذين كفروا يفترون على ms5511 الله الكذب } في سورة المائدة ~~( 103 ) . # وإنما صرحوا بأنهم لا يؤمنون به مع دلالة نسبته إلى الكذب على أنهم لا ~~يؤمنون به إعلانا بالتبري من أن ينخدعوا لما دعاهم إليه ، وهو مقتضى حال ~~خطاب العامة . # والقول في إفادة الجملة الاسمية التقوية كالقول في { وما نحن بمبعوثين } ~~. # # | 2 ( 39 ، 40 ) { قال رب انصرنى بما كذبون * قال عما قليل ليصبحن نادمين ~~} . ) 2 # استئناف بياني لأن ما حكي من صد الملإ الناس عند اتباعه وإشاعتهم عنه أنه ~~مفتر على الله وتلفيقهم الحجج الباطلة على ذلك مما يثير سؤال سائل عما ~~PageV18P057 كان من شأنه وشأنهم بعد ذلك ، فيجاب بأنه توجه إلى الله الذي ~~أرسله بالدعاء بأن ينصره عليهم . وتقدم القول في نظيره آنفا في قصة نوح . # وجاء جواب دعاء هذا الرسول غير معطوف لأنه جرى على أسلوب حكاية المحاورات ~~الذي بيناه في مواضع منها قوله : { قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها } في ~~سورة البقرة ( 30 ) . # { وعما قليل } أفاد حرف ( عن ) المجاوزة ، أي مجاوزة معنى متعلقها الاسم ~~المجرور بها . ويكثر أن تفيد مجاوزة معنى متعلقها الاسم المجرور بها فينشأ ~~منها معنى ( بعد ) نحو { لتركبن طبقا عن طبق } ( الانشقاق : 19 ) فيقال : ~~إنها تجيء بمعنى ( بعد ) كما ذكره النحاة وهم جروا على الظاهر وتفسير ~~المعنى إذ لا يكون حرف بمعنى اسم ، فإن معاني الحروف ناقصة ومعاني الأسماء ~~تامة . فمعنى { عما قليل ليصبحن نادمين } : أن إصباحهم نادمين يتجاوز زمنا ~~قليلا : أي من زمان التكلم وهو تجاوز مجازي بحرف ( عن ) مستعار لمعنى ( بعد ~~) استعارة تبعية . و { ما } زائدة للتوكيد . # و { قليل } صفة لموصوف محذوف دل عليه السياق أو فعل الإصباح الذي هو من ~~أفعال الزمن فوعد الله هذا الرسول نصرا عاجلا . # وندمهم يكون عند رؤية مبدأ الاستئصال ولا ينفعهم ندمهم بعد حلول العذاب . # والإصباح هنا مراد به زمن الصباح لا معنى الصيرورة بدليل قوله في سورة ~~الحجر ( 83 ) { فأخذتهم الصيحة مصبحين . # # | 2 ( 41 ) فأخذتهم الصيحة بالحق فجعلناهم غثآء فبعدا للقوم الظالمين } . ~~) 2 # PageV18P058 # تقتضي الفاء تعجيل إجابة دعوة رسولهم . # والأخذ ms5512 مستعار للإهلاك . # والصيحة : صوت الصاعقة ، وهذا يرجح أو يعين أن يكون هؤلاء القرن هم ثمود ~~قال تعالى : { فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية } ( الحاقة : 5 ) وقال في شأنهم ~~في سورة الحجر ( 83 ) { فأخذتهم الصيحة مصبحين } . # وإسناد الأخذ إلى الصيحة مجاز عقلي لأن الصيحة سبب الأخذ أو مقارنة سببه ~~فإنها تحصل من تمزق كرة الهواء عند نزول الصاعقة . # والباء في { بالحق } للملابسة ، أي أخذتهم أخذا ملابسا للحق ، أي لا ~~اعتداء فيه عليهم لأنهم استحقوه بظلمهم . # والغثاء : ما يحمله السيل من الأعواد اليابسة والورق . والكلام على ~~التشبيه البليغ للهيئة فهو تشبيه حالة بحالة ، أي جعلناهم كالغثاء في البلى ~~والتكدس في موضع واحد فهلكوا هلكة واحدة . # وفرع على حكاية تكذيبهم دعاء عليهم وعلى أمثالهم دعاء شتم وتحقير بأن ~~يبعدوا تحقيرا لهم وكراهية ، وليس مستعملا في حقيقة الدعاء لأن هؤلاء قد ~~بعدوا بالهلاك . وانتصب { بعدا } على المفعولية المطلقة بدلا من فعله مثل : ~~تبا وسحقا ، أي أتبه الله وأسحقه . # وعكس هذا المعنى قول العرب لا تبعد ( بفتح العين ) أي لا تفقد . قال مالك ~~بن الريب : # يقولون لا تبعد وهم يدفنوني # وأين مكان البعد إلا مكانيا # والمراد بالقوم الظالمين الكافرون { إن الشرك لظلم عظيم } ( لقمان : 13 ) ~~. واختير هذا الوصف هنا لأن هؤلاء ظلموا أنفسهم بالإشراك وظلموا هودا لأنه ~~تعمد الكذب على الله إذ قالوا : { إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا } ( ~~المؤمنون : 38 ) . # والتعريف في { الظالمين } للاستغراق فشملهم ، ولذلك تكون الجملة بمنزلة ~~التذييل . PageV18P059 # واللام في { للقوم الظالمين } للتبيين وهي مبينة للمقصود بالدعاء زيادة ~~في البيان كما في قولهم : سحقا لك وتبا له ، فإنه لو قيل : فبعدا ، لعلم ~~أنه دعاء عليه فبزيادة اللام يزيد بيان المدعو عليهم وهي متعلقة بمحذوف ~~مستأنف للبيان . # # | 2 ( 42 ، 43 ) { ثم أنشأنا من بعدهم قرونا ءاخرين * ما تسبق من أمة ~~أجلها وما يستئخرون } . ) 2 # القرون : الأمم ، وهذا كقوله تعالى : { وقرونا بين ذلك كثيرا } ( الفرقان ~~: 38 ) . # وهم الأمم الذين لم ترسل إليهم رسل وبقوا على اتباع شريعة نوح أو شريعة ~~هود أو شريعة صالح ms5513 ، أو لم يؤمروا بشرع لأن الاقتصار على ذكر الأمم هنا دون ~~ذكر الرسل ثم ذكر الرسل عقب هذا يومىء إلى أن هذه إما أمم لم تأتهم رسل ~~لحكمة اقتضت تركهم على ذلك لأنهم لم يتأهلوا لقبول شرائع ، أو لأنهم كانوا ~~على شرائع سابقة . # وجملة { ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون } معترضة بين المتعاطفة . وهي ~~استئناف بياني لما يؤذن به قوله : { ثم أنشأنا من بعدهم قرونا } من كثرتها ~~ولا يؤذن به وصفهم ب { آخرين } من جهل الناس بهم ، ولما يؤذن به عطف جملة { ~~ثم أرسلنا رسلنا تترى } ( المؤمنون : 44 ) من انقراض هذه القرون بعد الأمة ~~التي ذكرت قصتها آنفا في قوله { ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين } دون أن ~~تجيئهم رسل ، فكان ذلك كله مما يثير سؤال سائل عن مدة تعميرهم ووقت ~~انقراضهم . فيجاب بالإجمال لأن لكل قرن منهم أجلا عينه الله يبقى إلى مثله ~~ثم ينقرض ويخلفه قرن آخر يأتي بعده ، أو يعمر بعده قرن كان معاصرا له ، وأن ~~ما عين لكل قرن لا يتقدمه ولا يتأخر عنه كقوله تعالى : { لكل أمة أجل إذا ~~جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } ( يونس : 49 ) . PageV18P060 # والسبق : تجاوز السائر وتركه مسائره خلفه ، وعكسه التأخر . والمعنى واضح ~~. والسين والتاء في { يستأخرون } زائدتان للتأكيد مثل : استجاب . وضمير { ~~يستأخرون } عائد إلى { أمة } باعتبار الناس . # # | 2 ( 44 ) { ثم أرسلنا رسلنا تترى كل ما جآء أمة رسولها كذبوه فأتبعنا ~~بعضهم بعضا وجعلناهم أحاديث فبعدا لقوم لا يؤمنون } . ) 2 # الرسل الذين جاءوا من بعد ، أي من بعد هذه القرون منهم إبراهيم ولوط ~~ويوسف وشعيب . ومن أرسل قبل موسى ، ورسل لم يقصصهم الله على رسوله . # والمقصود بيان اطراد سنة الله تعالى في استئصال المكذبين رسله المعاندين ~~في آياته كما دل عليه قوله : { فأتبعنا بعضهم بعضا } . # { وتترى } قرأه الجمهور بألف في آخره دون تنوين فهو مصدر على وزن فعلى ~~مثل دعوى وسلوى ، وألفه للتأنيث مثل ذكرى ، فهو ممنوع من الصرف . وأصله : ~~وترى بواو في أوله مشتقا من الوتر وهو الفرد ms5514 . وظاهر كلام اللغويين أنه لا ~~فعل له ، أي فردا فردا ، أي فردا بعد فرد فهو نظير مثنى . وأبدلت الواو تاء ~~إبدالا غير قياسي كما أبدلت في ( تجاه ) للجهة المواجهة وفي ( تولج ) لكناس ~~الوحش ( وتراث ) للموروث . # ولا يقال تترى إلا إذا كان بين الأشياء تعاقب مع فترات وتقطع . ومنه ~~التواتر وهو تتابع الأشياء وبينها فجوات . والوتيرة : الفترة عن العمل . ~~وأما التعاقب بدون فترة فهو التدارك . يقال : جاءوا متداركين ، أي متتابعين ~~. # وقرأه ابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر منونا وهي لغة كنانة . وهو على ~~القراءتين منصوب على الحال من { رسلنا } . PageV18P061 # واعلم أن كلمة { تترى } كتبت في المصاحف كلها بصورة الألف في آخرها على ~~صورة الألف الأصلية مع أنها في قراءة الجمهور ألف تأنيث مقصورة وشأن ألف ~~التأنيث المقصورة أن تكتب بصورة الياء مثل تقوى ودعوى ، فلعل كتاب المصاحف ~~راعوا كلتا القراءتين فكتبوا الألف بصورتها الأصلية لصلوحية نطق القارىء ~~على كلتا القراءتين . على أن أصل الألف أن تكتب بصورتها الأصلية ، وأما ~~كتابتها في صورة الياء حيث تكتب كذلك فهو إشارة إلى أصلها أو جواز إمالتها ~~فخولف ذلك في هذه اللفظة لدفع اللبس . # ومعنى الآية : ثم بعد تلك القرون أرسلنا رسلا ، أي أرسلناهم إلى أمم أخرى ~~، لأن إرسال الرسول يستلزم وجود أمة وقد صرح به في قوله { كلما جاء أمة ~~رسولها كذبوه } . والمعنى : كذبه جمهورهم وربما كذبه جميعهم . # وفي حديث ابن عباس عند مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ~~عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه الرهط والنبي ومعه الرجل والرجلان والنبي ~~وليس معه أحد . . . ) الحديث . # وإتباع بعضهم بعضا إلحاقهم بهم في الهلاك بقرينة المقام وبقرينة قوله { ~~وجعلناهم أحاديث } ، أي صيرناهم أحدوثات يتحدث الناس بما أصابهم . وإنما ~~يتحدث الناس بالشيء الغريب النادر مثله . والأحاديث هنا جمع أحدوثة ، وهي ~~اسم لما يتلهى الناس بالحديث عنه . ووزن الأفعولة يدل على ذلك مثل الأعجوبة ~~والأسطورة . # وهو كناية عن إبادتهم ، فالمعنى : جعلناهم أحاديث بائدين غير مبصرين . # والقول في { فبعدا لقوم لا يؤمنون } مثل الكلام على { فبعدا ms5515 للقوم ~~الظالمين } ( المؤمنون : 41 ) ؛ إلا أن الدعاء نيط هنا بوصف أنهم لا يؤمنون ~~ليحصل من مجموع الدعوتين التنبيه على مذمة الكفر وعلى مذمة عدم الإيمان ~~بالرسل تعريضا PageV18P062 بمشركي قريش ، على أنه يشمل كل قوم لا يؤمنون ~~برسل الله لأن النكرة في سياق الدعاء تعم كما في قول الحريري : ( يا أهل ذا ~~المغنى وقيتم ضرا ) . # $ 2 ( 45 48 ) { ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بئاياتنا وسلطان مبين * إلى ~~فرعون وملئه فاستكبروا وكانوا قوما عالين * فقالو & # 1764 ا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون * فكذبوهما فكانوا من ~~المهلكين } . ) 2 $ # الآيات : المعجزات ، وإضافتها إلى ضمير الجلالة للتنويه بها وتعظيمها . ~~والسلطان المبين : الحجة الواضحة التي لقنها الله موسى فانتهضت على فرعون ~~وملئه . والباء للملابسة ، أي بعثناه ملابسا للمعجزات والحجة . # وملأ فرعون : أهل مجلسه وعلماء دينه وهم السحرة . وإنما جعل الإرسال ~~إليهم دون بقية أمة القبط لأن دعوة موسى وأخيه إنما كانت خطابا لفرعون وأهل ~~دولته الذين بيدهم تصريف أمور الأمة لتحرير بني إسرائيل من استعبادهم إياهم ~~قال تعالى : { فاتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا ~~تعذبهم } ( طه : 47 ) . ولم يرسلا بشريعة إلى القبط . وأما الدعوة إلى ~~التوحيد فمقدمة لإثبات الرسالة لهم . # وعطف { فاستكبروا } بفاء التعقيب يفيد أنهم لم يتأملوا الدعوة والآيات ~~والحجة ولكنهم أفرطوا في الكبرياء ، فالسين والتاء للتوكيد ، أي تكبروا ~~كبرياء شديدة بحيث لم يعيروا آيات موسى وحجته أذنا صاغية . # وجملة { وكانوا قوما عالين } معترضة بين فعل { استكبروا } وما تفرع عليه ~~من قوله { فقالوا } في موضع الحال من فرعون وملئه ، أي فاستكبروا بأن ~~أعرضوا عن استجابة دعوة موسى وهارون وشأنهم الكبرياء والعلو ، أي كان الكبر ~~خلقهم وسجيتهم . وقد بينا عند قوله تعالى : { لآيات PageV18P063 لقوم ~~يعقلون } في سورة البقرة ( 164 ) أن إجراء وصف على لفظ ( قوم ) أو الإخبار ~~بلفظ ( قوم ) متبوع باسم فاعل إنما يقصد منه تمكن ذلك الوصف من الموصوف ~~بلفظ ( قوم ) أو تمكنه من أولئك القوم . فالمعنى هنا : أن استكبارهم على ~~تلقي دعوة موسى وآياته وحجته إنما نشأ عن سجيتهم ms5516 من الكبر وتطبعهم . فالعلو ~~بمعنى التكبر والجبروت . وسيجيء بيانه عند قوله : { إن فرعون علا في الأرض ~~} في سورة القصص ( 4 ) . # وبين ذلك بالتفريع بقوله : { فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا ~~عابدون } فهو متفرع على قوله { فاستكبروا } ، أي استكبر فرعون وملؤه عن ~~اتباع موسى وهارون ، فأفصحوا عن سبب استكبارهم عن ذلك بقولهم { أنؤمن ~~لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون } . وهذا ليس من قول فرعون ولكنه قول بعض ~~الملإ لبعض ، ولما كانوا قد تراوضوا عليه نسب إليهم جميعا . وأما فرعون ~~فكان مصغيا لرأيهم ومشورتهم وكان له قول آخر حكي في قوله تعالى : { وقال ~~فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إلاه غيري } ( القصص : 38 ) فإن فرعون ~~كان معدودا في درجة الآلهة لأنه وإن كان بشرا في الصورة لكنه اكتسب الإلهية ~~بأنه ابن الآلهة . # والاستفهام في { أنؤمن } إنكاري ، أي ما كان لنا أن نؤمن بهما وهما مثلنا ~~في البشرية وليسا بأهل لأن يكونا ابنين للآلهة لأنهما جاءا بتكذيب إلهية ~~الآلهة ، فكان ملأ فرعون لضلالهم يتطلبون لصحة الرسالة عن الله أن يكون ~~الرسول مباينا للمرسل إليهم ، فلذلك كانوا يتخيلون آلهتهم أجناسا غريبة مثل ~~جسد آدمي ورأس بقرة أو رأس طائر أو رأس ابن آوى أو جسد أسد ورأس آدمي ، ولا ~~يقيمون وزنا لتباين مراتب النفوس والعقول وهي أجدر بظهور التفاوت لأنها ~~قرارة الإنسانية . وهذه الشبهة هي سبب ضلال أكثر الأمم الذين أنكروا رسلهم ~~. # واللام في قوله : { لبشرين } لتعدية فعل { نؤمن } . يقال للذي يصدق ~~المخبر فيما أخبر به : آمن له ، فيعدى فعل ( آمن ) باللام على اعتبار أنه ~~PageV18P064 صدق بالخبر لأجل المخبر ، أي لأجل ثقته في نفسه . فأصل هذه ~~اللام لام العلة والأجل . ومنه قوله تعالى : { فآمن له لوط } ( العنكبوت : ~~26 ) وقوله : { وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون } ( الدخان : 21 ) . وأما تعدية ~~فعل الإيمان بالباء فإنها إذا علق به ما يدل على الخبر تقول : آمنت بأن ~~الله واحد . وبهذا ظهر الفرق بين قولك : آمنت بمحمد وقولك : آمنت لمحمد . ~~فمعنى الأول : أنك صدقت شيئا . ولذلك لا يقال : آمنت ms5517 لله وإنما يقال : آمنت ~~بالله . وتقول : آمنت بمحمد وآمنت لمحمد . ومعنى الأول يتعلق بذاته وهو ~~الرسالة ومعنى الثاني أنك صدقته فيما جاء به . # و { مثلنا } وصف { لبشرين } وهو مما يصح التزام إفراده وتذكيره دون نظر ~~إلى مخالفة صيغه موصوفه كما هنا . ويصح مطابقته لموصوفه كما في قوله تعالى ~~: { إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم } ( الأعراف : 194 ) . # وهذا طعن في رسالتهما من جانب حالهما الذاتي ثم أعقبوه بطعن من جهة ~~منشئهما وقبيلهما فقالوا : { وقومهما لنا عابدون } ، أي وهم من فريق هم ~~عباد لنا وأحط منا فكيف يسوداننا . # وقوله : { عابدون } جمع عابد ، أي مطيع خاضع . وقد كانت بنو إسرائيل خولا ~~للقبط وخدما لهم قال تعالى : { وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل } ~~( الشعراء : 22 ) . # وتفرع على قولهم التصميم على تكذيبهم إياهما المحكي بقوله { فكذبوهما } ، ~~أي أرسى أمرهم على أن كذبوهما ، ثم فرع على تكذيبهم أن كانوا من المهلكين ~~إذ أهلكهم الله بالغرق ، أي فانتظموا في سلك الأقوام الذين أهلكوا . وهذا ~~أبلغ من أن يقال : فأهلكوا ، كما مر بنا غير مرة . # والتعقيب هنا تعقيب عرفي لأن الإغراق لما نشأ عن التكذيب فالتكذيب مستمر ~~إلى حين الإهلاك . # وفي هذا تعريض بتهديد قريش على تكذيبهم رسولهم صلى الله عليه وسلم لأن في ~~قوله : { من المهلكين } إيماء إلى أن الإهلاك سنة الله في الذين يكذبون ~~رسله . # PageV18P065 # | 2 ( 49 ) { ولقد ءاتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون } . ) 2 # لما ذكرت دعوة موسى وهارون لفرعون وملئه وما ترتب على تكذيبهم من إهلاكهم ~~أكملت قصة بعثة موسى بالمهم منها الجاري ومن بعثة من سلف من الرسل المتقدم ~~ذكرهم وهو إيتاء موسى الكتاب لهداية بني إسرائيل لحصول اهتدائهم ليبني على ~~ذلك الاتعاظ بخلافهم على رسلهم في قوله بعد ذلك { فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا ~~} ( المؤمنون : 53 ) فإن موعظة المكذبين رسولهم بذلك أولى . وهنا وقع ~~الإعراض عن هارون لأن رسالته قد انتهت لاقتصاره على تبليغ الدعوة لفرعون ~~وملئه إذ كانت مقام محاجة واستدلال فسأل موسى ربه إشراك أخيه هارون في ~~تبليغها ms5518 لأنه أفصح منه لسانا في بيان الحجة والسلطان المبين . # والتعريف في { الكتاب } للعهد ، وهو التوراة . # ولذلك كان ضمير { لعلهم يهتدون } ظاهر العود إلى غير مذكور في الكلام بل ~~إلى معلوم من المقام وهم القوم المخاطبون بالتوراة وهم بنو إسرائيل فانتساق ~~الضمائر ظاهر في المقام دون حاجة إلى تأويل قوله : { آتينا موسى } بمعنى : ~~آتينا قوم موسى ، كما سلكه في ( الكشاف ) . # و ( لعل ) للرجاء ، لأن ذلك الكتاب من شأنه أن يترقب من إيتائه اهتداء ~~الناس به . # # | 2 ( 50 ) { وجعلنا ابن مريم وأمه ءاية وءاويناهمآ إلى ربوة ذات قرار ~~ومعين } . ) 2 # لما كانت آية عيسى العظمى في ذاته في كيفية تكوينه كان الاهتمام بذكرها ~~هنا ، ولم تذكر رسالته لأن معجزة تخليقه دالة على صدق رسالته . وأما قوله { ~~وأمه } فهو إدماج لتسفيه اليهود فيما رموا به مريم عليها السلام فإن ما ~~جعله الله آية لها ولابنها جعلوه مطعنا ومغمزا فيهما . PageV18P066 # وتنكير { آية } للتعظيم لأنها آية تحتوي على آيات . ولما كان مجموعها ~~دالا على صدق عيسى في رسالته جعل مجموعها آية عظيمة على صدقه كما علمت . # وأما قوله : { وآويناهما إلى ربوة } فهو تنويه بهما إذ جعلهما الله محل ~~عنايته ومظهر قدرته ولطفه . # والإيواء : جعل الغير آويا ، أي ساكنا . وتقدم عند قوله : { أو آوي إلى ~~ركن شديد } في سورة هود ( 80 ) وعند قوله : { سآوي إلى جبل يعصمني من الماء ~~} في سورة هود ( 43 ) . # والربوة بضم الراء : المرتفع من الأرض . ويجوز في الراء الحركات الثلاث . ~~وتقدم في قوله تعالى : { كمثل جنة بربوة } في البقرة ( 265 ) . والمراد ~~بهذا الإيواء وحي الله لمريم أن تنفرد بربوة حين اقترب مخاضها لتلد عيسى في ~~منعزل من الناس حفظا لعيسى من أذاهم . # والقرار : المكث في المكان ، أي هي صالحة لأن تكون قرارا ، فأضيفت الربوة ~~إلى المعنى الحاصل فيها لأدنى ملابسة وذلك بما اشتملت عليه من النخيل ~~المثمر فتكون في ظله ولا تحتاج إلى طلب قوتها . # والمعين : الماء الظاهر الجاري على وجه الأرض ، وهو وصف جرى على موصوف ~~محذوف ، أي ماء معين ، لدلالة ms5519 الوصف عليه كقوله : { حملناكم في الجارية } ( ~~الحاقة : 11 ) . وهذا في معنى قوله في سورة مريم ( 24 26 ) { قد جعل ربك ~~تحتكك سريا وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا فكلي واشربي وقري ~~عينا } . # # | 2 ( 51 ) { ياأيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إنى بما تعملون ~~عليم } . ) 2 # PageV18P067 # يتعين تقدير قول محذوف اكتفاء بالمقول ، وهو استئناف ابتدائي ، أي قلنا : ~~يا أيها الرسل كلوا . والمحكي هنا حكي بالمعنى لأن الخطاب المذكور هنا لم ~~يكن موجها للرسل في وقت واحد بضرورة اختلاف عصورهم . فالتقدير : قلنا لكل ~~رسول ممن مضى ذكرهم كل من الطيبات واعمل صالحا إني بما تعمل عليم . # وذلك على طريقة التوزيع لمدلول الكلام وهي شائعة في خطاب الجماعات . ومنه ~~: ركب القوم دوابهم . # والغرض من هذا بيان كرامة الرسل عند الله ونزاهتهم في أمورهم الجسمانية ~~والروحانية ، فالأكل من الطيبات نزاهة جسمية والعمل الصالح نزاهة نفسانية . # والمناسبة لهذا الاستئناف هي قوله : { وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين ~~} ( المؤمنون : 50 ) وليحصل من ذلك الرد على اعتقاد الأقوام المعللين ~~تكذيبهم رسلهم بعلة أنهم يأكلون الطعام كما قال تعالى في الآية السابقة { ~~ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون } ( المؤمنون : ~~33 ) ، وقال : { وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق } ( ~~الفرقان : 7 ) ، وليبطل بذلك ما ابتدعه النصارى من الرهبانية . وهذه فوائد ~~من الاستدلال والتعليم كان لها في هذا المكان الوقع العظيم . # والأمر في قوله : { كلوا } للإباحة ، وإن كان الأكل أمرا جبليا للبشر إلا ~~أن المراد به هنا لازمه وهو إعلام المكذبين بأن الأكل لا ينافي الرسالة وأن ~~الذي أرسل الرسل أباح لهم الأكل . # وتعليق { من الطيبات } بكسب الإباحة المستفادة من الأمر شرط أن يكون ~~المباح من الطيبات ، أي أن يكون المأكول طيبا . ويزيد في الرد على المكذبين ~~بأن الرسل إنما يجتنبون الخبائث ولا يجتنبون ما أحل الله لهم من الطيبات . ~~والطيبات : ما ليس بحرام ولا مكروه . PageV18P068 # وعطف العمل الصالح على الأمر بأكل الطيبات إيماء إلى أن همة الرسل إنما ms5520 ~~تنصرف إلى الأعمال الصالحة ، وهذا كقوله تعالى { ليس على الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات } ( ~~المائدة : 93 ) المراد به ما تناولوه من الخمر قبل تحريمها . # وقوله : { إني بما تعملون عليم } تحريض على الاستزادة من الأعمال الصالحة ~~لأن ذلك يتضمن الوعد بالجزاء عنها وأنه لا يضيع منه شيء ، فالخبر مستعمل في ~~التحريض . # # | 2 ( 52 ) { وإن هاذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون } . ) 2 # يجوز أن تكون الواو عاطفة على جملة { يا أيها الرسل كلوا من الطيبات } ( ~~المؤمنون : 51 ) الخ ، فيكون هذا مما قيل للرسل . والتقدير : وقلنا لهم { ~~إن هذه أمتكم أمة واحدة } الآية . ويجوز أن تكون عطفا على قصص الإرسال ~~المبدوءة من قوله : { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه } ( المؤمنون : 23 ) لأن ~~تلك القصص إنما قصت عليهم ليهتدوا بها إلى أن شأن الرسل منذ ابتداء الرسالة ~~هو الدعوة إلى توحيد الله بالإلهية . وعلى هذا الوجه يكون سياقها كسياق آية ~~سورة الأنبياء ( 92 ) { إن هذه أمتكم أمة واحدة } الآية . # وفي هذه الآية ثلاث قراءات بخلاف آية سورة الأنبياء . فتلك اتفق القراء ~~على قراءتها بكسر همزة ( إن ) . فأما هذه الآية فقرأ الجمهور { وأن } بفتح ~~الهمزة وتشديد النون ، فيجوز أن تكون خطابا للرسل وأن تكون خطابا للمقصودين ~~بالنذارة على الوجهين وفتح الهمزة بتقدير لام كي متعلقة بقوله : { فاتقون } ~~عند من لا يرى وجود الفاء فيه مانعا من تقديم معموله ، أو متعلقة بمحذوف دل ~~عليه { فاتقون } عند من يمنع تقديم المعمول على العامل المقترن بالفاء ، ~~كما تقدم في قوله تعالى : { فإياي فارهبون } في سورة النحل ( 51 ) . ~~PageV18P069 # والمعنى عليه : ولكون دينكم دينا واحدا لا يتعدد فيه المعبود . وكوني ~~ربكم فاتقون ولا تشركوا بي غيري ، خطابا للرسل والمراد أممهم . أو خطابا ~~لمن خاطبهم القرآن . # وقرأه عاصم وحمزة والكسائي وخلف بكسر همزة ( إن ) وتشديد النون ، فكسر ~~همزة ( إن ) إما لأنها واقعة في حكاية القول على الوجه الأول ، وإما لأنها ~~مستأنفة على الوجه الثاني . والمعنى كما تقدم في معنى قراءة الجمهور . # وقرأ ابن ms5521 عامر بفتح الهمزة وتخفيف النون على أنها مخففة من ( أن ) ~~المفتوحة واسمها ضمير شأن محذوف وخبرها الجملة التي بعدها . ومعناه كمعنى ~~قراءة الجمهور سواء . # واسم الإشارة مراد به شريعة كل من الأنبياء أو شريعة الإسلام على الوجهين ~~في المخاطب بهذه الآية . # وتأكيد الكلام بحرف ( إن ) على القراءات كلها للرد على المشركين من أمم ~~الرسل أو المشركين المخاطبين بالقرآن . # وتقدم تفسير نظيرها في سورة الأنبياء ، إلا أن الواقع هنا { فاتقون } ~~وهناك { فاعبدون } ( الأنبياء : 92 ) فيجوز أن الله أمرهم بالعبادة ~~وبالتقوى ولكن حكى في كل سورة أمرا من الأمرين ، ويجوز أن يكون الأمران ~~وقعا في خطاب واحد ، فاقتصر على بعضه في سورة الأنبياء وذكر معظمه في سورة ~~المؤمنين بحسب ما اقتضاه مقام الحكاية في كلتا السورتين . ويحتمل أن يكون ~~كل أمر من الأمرين : الأمر بالعبادة والأمر بالتقوى . قد وقع في خطاب مستقل ~~تماثل بعضه وزاد الآخر عليه بحسب ما اقتضاه مقام الخطاب من قصد إبلاغه ~~للأمم كما في سورة الأنبياء ، أو من قصد اختصاص الرسل كما في سورة المؤمنين ~~. ويرجح هذا أنه قد ذكر في سورة المؤمنين خطاب الرسل بالصراحة . # وأيا ما كان من الاحتمالين فوجه ذلك أن آية سورة الأنبياء لم تذكر فيها ~~رسالات الرسل إلى أقوامهم بالتوحيد عدا رسالة إبراهيم في قوله : { ولقد ~~آتينا PageV18P070 إبراهيم رشده } ( الأنبياء : 51 ) ثم جاء ذكر غيره من ~~الرسل والأنبياء مع الثناء عليهم وطال البعد بين ذلك وبين قصة إبراهيم فكان ~~الأمر بعبادة الله تعالى ، أي إفراده بالعبادة الذي هو المعنى الذي اتحدت ~~فيه الأديان . أولى هنالك لأن المقصود من ذلك الأمر أن يبلغ إلى أقوامهم ، ~~فكان ذكر الأمر بالعبادة أولى بالمقام في تلك السورة لأنه الذي حظ الأمم ~~منه أكثر . إذ الأنبياء والرسل لم يكونوا بخلاف ذلك قط فلا يقصد أمر ~~الأنبياء بذلك إذ يصير من تحصيل الحاصل إلا إذا أريد به الأمر بالدوام . # وأما آية هذه السورة فقد جاءت بعد ذكر ما أرسل به الرسل إلى أقوامهم من ~~التوحيد وإبطال الشرك فكان حظ ms5522 الرسل من ذلك أكثر كما يقتضيه افتتاح الخطاب ~~ب { يا أيها الرسل } ( المؤمنون : 51 ) فكان ذكر الأمر بالتقوى هنا أنسب ~~بالمقام لأن التقوى لا حد لها ، فالرسل مأمورون بها وبالازدياد منها كما ~~قال تعالى في حق نبيه { يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص ~~منه قليلا أو زد عليه } ( المزمل : 1 4 ) ثم قال في حق الأمة { فاقرأوا ما ~~تيسر من القرآن } ( المزمل : 20 ) الآية . وقد مضى في تفسير سورة الأنبياء ~~شيء من الإشارة إلى هذا ولكن ما ذكرناه هنا أبسط فضمه إليه وعول عليه . # وقد فات في سورة الأنبياء ( 92 ) أن نبين عربية قوله تعالى : { إن هذه ~~أمتكم أمة واحدة } فوجب أن نشبع القول فيه هنا . فالإشارة بقوله { هذه } ~~إلى أمر مستحضر في الذهن بينه الخبر والحال ولذلك أنث اسم الإشارة ، أي هذه ~~الشريعة التي أوحينا إليك هي شريعتك . ومعنى هذا الإخبار أنك تلتزمها ولا ~~تنقص منها ولا تغير منها شيئا . ولأجل هذا المراد جعل الخبر ما حقه أن يكون ~~بيانا لاسم الإشارة لأنه لم يقصد به بيان اسم الإشارة بل قصد به الإخبار عن ~~اسم الإشارة لإفادة الاتحاد بين مدلولي اسم الإشارة وخبره فيفيد أنه هو هو ~~لا يغير عن حاله . # قال الزجاج : ومثل هذه الحال من لطيف النحو وغامضه إذ لا تجوز إلا حيث ~~يعرف الخبر . ففي قولك : هذا زيد قائما ، لا يقال إلا لمن يعرفه ~~PageV18P071 فيفيده قيامه . ولو لم يكن كذلك لزم أن لا يكون زيدا عند عدم ~~القيام وليس بصحيح . # وبهذا يعلم أن ليس المقصود من الإخبار عن اسم الإشارة حقيقته بل الخبر ~~مستعمل مجازا في معنى التحريض والملازمة ، وهو يشبه لازم الفائدة وإن لم ~~يقع في أمثلتهم . ومنه قوله تعالى : { وهذا بعلي شيخا } ( هود : 72 ) فإن ~~سارة قد علمت أن الملائكة عرفوا أن إبراهيم بعلها إذ قد بشروها بإسحاق . ~~وإنما المعنى : وهذا الذي ترونه هو بعلي الذي يترقب منه النسل المبشر به ، ~~أي حاله ينافي البشارة ، ولذلك يتبع مثل هذا التركيب ms5523 بحال تبين المقصود من ~~الإخبار كما في هذه الآية . وقد تقدم ذكر لطيفة في تلك الآية . # $ 2 ( 53 ) { فتقطعو & # 1764 ا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون } . ) 2 $ # جيء بفاء التعقيب لإفادة أن الأمم لم يتريثوا عقب تبليغ الرسل إياهم { إن ~~هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون } ( المؤمنون : 52 ) أن تقطعوا أمرهم ~~بينهم فاتخذوا آلهة كثيرة فصار دينهم متقطعا قطعا لكل فريق صنم وعبادة خاصة ~~به . فضمير { تقطعوا } عائد إلى الأمم المفهوم من السياق الذين هم المقصود ~~من قوله { وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون } ( المؤمنون : 52 ) . ~~وضمير الجمع عائد إلى أمم الرسل يدل عليه السياق . # فالكلام مسوق مساق الذم . ولذلك قد تفيد الفاء مع التعقيب معنى التفريع ، ~~أي فتفرع على ما أمرناهم به من التوحيد أنهم أتوا بعكس المطلوب منهم فيفيد ~~الكلام زيادة على الذم تعجيبا من حالهم . ومما يزيد معنى الذم تذييله بقوله ~~{ كل حزب بما لديهم فرحون } أي وهم ليسوا بحال من يفرح . # والتقطع أصله مطاوع قطع . واستعمل فعلا متعديا بمعنى قطع بقصد إفادة ~~الشدة في حصول الفعل ، ونظيره تخوفه السير ، أي تنقصه ، وتجهمه الليل ~~وتعرفه الزمن . فالمعنى : قطعوا أمرهم بينهم قطعا كثيرة ، أي تفرقوا على ~~PageV18P072 نحل كثيرة فجعل كل فريق منهم لنفسه دينا . ويجوز أن يجعل { ~~تقطعوا } قاصرا أسند التقطع إليهم على سبيل الإبهام ثم ميز بقوله { أمرهم } ~~كأنه قيل : تقطعوا أمرا ، فإن كثيرا من نحاة الكوفة يجوزون كون التمييز ~~معرفة . وقد بسطنا القول في معنى { تقطعوا أمرهم بينهم } في سورة الأنبياء ~~( 93 ) . # والأمر هنا بمعنى الشأن والحال وما صدقه أمور دينهم . # والزبر بضم الزاي وضم الموحدة كما قرأ به الجمهور جمع زبور وهو الكتاب . ~~استعير اسم الكتاب للدين لأن شأن الدين أن يكون لأهله كتاب ، فيظهر أنها ~~استعارة تهكمية إذ لم يكن لكل فريق كتاب ولكنهم اتخذوا لأنفسهم أديانا ~~وعقائد لو سجلت لكانت زبرا . # وقرأه أبو عمرو بخلاف عنه { زبرا } بضم الزاء وفتح الموحدة وهو جمع زبرة ~~بمعنى قطعة . # وجملة ms5524 { كل حزب بما لديهم فرحون } تذييل لما قبله لأن التقطع يقتضي ~~التحزب فذيل بأن كل فريق منهم فرح بدينه ، ففي الكلام صفة محذوفة ل { حزب } ~~، أي كل حزب منهم ، بدلالة المقام . # والفرح : شدة المسرة ، أي راضون جذلون بأنهم اتخذوا طريقتهم في الدين . ~~والمعنى : أنهم فرحون بدينهم عن غير دليل ولا تبصر بل لمجرد العكوف على ~~المعتاد . وذلك يومىء إليه { لديهم } المقتضي أنه متقرر بينهم من قبل ، أي ~~بالدين الذي هو لديهم فهم لا يرضون على من خالفهم ويعادونه ، وذلك يفضي إلى ~~التفريق والتخاذل بين الأمة الواحدة وهو خلاف مراد الله ولذلك ذيل به قوله ~~{ وإن هذه أمتكم أمة واحدة } ( المؤمنون : 52 ) . وقديما كان التحزب مسببا ~~لسقوط الأديان والأمم وهو من دعوة الشيطان التي يلبس فيها الباطل في صورة ~~الحق . # والحزب : الجماعة المجتمعون على أمر من اعتقاد أو عمل ، أو المتفقون عليه ~~. # PageV18P073 # | 2 ( 54 ) { فذرهم فى غمرتهم حتى حين } . ) 2 # انتقال بالكلام إلى خطاب النبي صلى الله عليه وسلم وضمير الجمع عائد إلى ~~معروف من السياق وهم مشركو قريش فإنهم من جملة الأحزاب الذين تقطعوا أمرهم ~~بينهم زبرا ، أو هم عينهم : فمنهم من اتخذ إلهه العزى . ومنهم من اتخذ مناة ~~، ومنهم من اتخذ ذا الخلصة إلى غير ذلك . # والكلام ظاهره المتاركة ، والمقصود منه الإملاء لهم وإنذارهم بما ~~يستقبلهم من سوء العاقبة في وقت ما . ولذلك نكر لفظ { حين } المجعول غاية ~~لاستدراجهم ، أي زمن مبهم ، كقوله : { لا تأتيكم إلا بغتة } ( الأعراف : ~~187 ) . # والغمرة حقيقتها : الماء الذي يغمر قامة الإنسان بحيث يغرقه . وتقدم في ~~قوله تعالى : { ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت في سورة الأنعام ( 93 ) ~~. وإضافتها إلى ضميرهم باعتبار ملازمتها إياهم حتى قد عرفت بهم ، وذلك ~~تمثيل لحال اشتغالهم بما هم فيه من الازدهار وترف العيش عن التدبر فيما ~~يدعوهم إليه الرسول لينجيهم من العقاب بحال قوم غمرهم الماء فأوشكوا على ~~الغرق وهم يحسبون أنهم يسبحون . # # | 2 ( 55 ، 56 ) أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين * نسارع لهم فى ~~الخيرات بل ms5525 لا يشعرون } . ) 2 # الأشبه أن تكون هذه الجملة بدل اشتمال من جملة { فذرهم في غمرتهم حتى حين ~~} ( المؤمنون : 54 ) باعتبار أن جملة { فذرهم } تشتمل على معنى عدم ~~الاكتراث بما هم فيه من الأحوال التي ألهتهم عن النظر في دعوة الإسلام ~~وغرتهم بأنهم بمحل الكرامة على الله بما خولهم من العزة و الترف ، وما ~~تشتمل عليه من التوعد بأن ذلك له نهاية ينتهون إليها وأن الله أعطاهم ما هم ~~فيه زمن النعمة استدراجا لهم . وهذا كقوله تعالى { وذرني والمكذبين ~~PageV18P074 أولي النعمة ومهلهم قليلا } ( المزمل : 11 ) وقوله : { لا ~~يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل } ( آل عمران : 196 ، 197 ) . # والاستفهام في { أيحسبون } إنكاري وتوبيخ على هذا الحسبان سواء كان هذا ~~الحسبان حاصلا لجميع المشركين أم غير حاصل لبعض ، لأن حالهم حال من هو مظنة ~~هذا الحسبان فينكر عليه هذا الحسبان لإزالته من نفسه أو لدفع حصوله فيها . # و { أنما } هنا كلمتان ( أن ) المؤكدة ( وما ) الموصولة وكتبتا في المصحف ~~متصلتين كما تكتب ( إنما ) المكسورة التي هي أداة حصر لأن الرسم القديم لم ~~يكن منضبطا كل الضبط وحقها أن تكتب مفصولة . # والإمداد : إعطاء المدد وهو العطاء . و { من مال وبنين } بيان ل ( ما ) ~~الموصولة . # والمسارعة : التعجيل ، وهي هنا مستعارة لتوخي المرغوب والحرص على تحصيله ~~. وفي حديث عائشة أنها قالت للنبيء صلى الله عليه وسلم ( ما أرى ربك إلا ~~يسارع في هواك ) أي يعطيك ما تحبه لأن الراغب في إرضاء شخص يكون متسارعا في ~~إعطائه مرغوبه ، ويقال : فلان يجري في حظوظك . ومتعلق { نسارع } محذوف ~~تقديره : نسارع لهم به ، أي بما نمدهم به من مال وبنين . وحذف لدلالة { ~~نمدهم به } عليه . # وظرفية ( في ) مجازية . جعلت { الخيرات } بمنزلة الطريق يقع فيه المسارعة ~~بالمشي فتكون ( في ) قرينة مكنية . وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى : { يا ~~أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر } ( المائدة : 41 ) وقوله : { ~~فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم } ( المائدة : 52 ) كلاهما في سورة ~~العقود ، وقوله : { إنهم كانوا يسارعون في الخيرات } في سورة ms5526 الأنبياء ( 90 ~~) . # والخيرات : جمع خير بالألف والتاء ، وهو من الجموع النادرة مثل سرادقات . ~~PageV18P075 وقد تقدم عند قوله تعالى : { وأولئك لهم الخيرات } في سورة ~~براءة ( 88 ) ، وتقدم في سورة الأنبياء ( 73 90 ) . # و ( بل ) إضراب عن المظنون لا على الظن كما هو ظاهر بالقرينة ، أي لسنا ~~نسارع لهم بالخيرات كما ظنوا بل لا يشعرون بحكمة ذلك الإمداد وأنها ~~لاستدراجهم وفضحهم بإقامة الحجة عليهم . # # | 2 ( 57 61 ) { إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون * والذين هم بئايات ~~ربهم يؤمنون * والذين هم بربهم لا يشركون * والذين يؤتون مآ ءاتوا وقلوبهم ~~وجلة أنهم إلى ربهم راجعون * أولائك يسارعون فى الخيرات وهم لها سابقون } . ~~) 2 # هذا الكلام مقابل ما تضمنته الغمرة من قوله { فذرهم في غمرتهم } ( ~~المؤمنون : 54 ) من الإعراض عن عبادة الله وعن التصديق بآياته ، ومن ~~إشراكهم آلهة مع الله ، ومن شحهم عن الضعفاء وإنفاق مالهم في اللذات ، ومن ~~تكذيبهم بالبعث . كل ذلك مما شملته الغمرة فجيء في مقابلها بذكر أحوال ~~المؤمنين ثناء عليهم ، ألا ترى إلى قوله بعد هذا { بل قلوبهم في غمرة من ~~هذا } ( المؤمنون : 63 ) . # فكانت هذه الجملة كالتفصيل لإجمال الغمرة مع إفادة المقابلة بأحوال ~~المؤمنين . واختير أن يكون التفصيل بذكر المقابل لحسن تلك الصفات وقبح ~~أضدادها تنزيها للذكر عن تعداد رذائلهم ، فحصل بهذا إيجاز بديع ، وطباق من ~~ألطف البديع ، وصون للفصاحة من كراهة الوصف الشنيع . # وافتتاح الجملة ب { إن } للاهتمام بالخبر ، والإتيان بالموصولات للإيماء ~~إلى وجه بناء الخبر وهو أنهم يسارعون في الخيرات ويسابقون إليها وتكرير ~~PageV18P076 أسماء الموصولات للاهتمام بكل صلة من صلاتها فلا تذكر تبعا ~~بالعطف . والمقصود الفريق الذين اتصفوا بصلة من هذه الصلات . و ( من ) في ~~قوله { من خشية ربهم } للتعليل . # والإشفاق : توقع المكروه وتقدم عند قوله تعالى : { وهم من خشيته مشفقون } ~~في سورة الأنبياء ( 28 ) . وقد حذف المتوقع منه لظهور أنه هو الذي كان ~~الإشفاق بسبب خشيته ، أي يتوقعون غضبه وعقابه . # والمراد بالآيات الدلائل التي تضمنها القرآن ومنها إعجاز القرآن . ~~والمعنى : أنهم لخشية ربهم يخافون عقابه ، فحذف ms5527 متعلق { مشفقون } لدلالة ~~السياق عليه . # وتقديم المجرورات الثلاثة على عواملها للرعاية على الفواصل مع الاهتمام ~~بمضمونها . # ومعنى : { يؤتون ما آتوا } يعطون الأموال صدقات وصلات ونفقات في سبيل ~~الله . قال تعالى : { وآتى المال على حبه ذوي القربى } ( البقرة : 177 ) ~~الآية وقال : { وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة } ( فصلت : 6 ، 7 ) . ~~واستعمال الإيتاء في إعطاء المال شائع في القرآن متعين أنه المراد هنا . # وإنما عبر ب { ما آتوا } دون الصدقات أو الأموال ليعم كل أصناف العطاء ~~المطلوب شرعا وليعم القليل والكثير ، فلعل بعض المؤمنين ليس له من المال ما ~~تجب فيه الزكاة وهو يعطي مما يكسب . # وجملة { وقلوبهم وجلة } في موضع الحال وحق الحال إذا جاءت بعد جمل ~~متعاطفة أن تعود إلى جميع الجمل التي قبلها ، أي يفعلون ما ذكر من الأعمال ~~الصالحة بقلوبهم وجوارحهم وهم مضمرون وجلا وخوفا من ربهم أن يرجعوا إليه ~~فلا يجدونه راضيا عنهم ، أو لا يجدون ما يجده غيرهم ممن يفوتهم في الصالحات ~~، فهم لذلك يسارعون في الخيرات ويكثرون منها ما استطاعوا وكذلك كان شأن ~~المسلمين الأولين . وفي الحديث ( أن أهل PageV18P077 الصفة قالوا : يا رسول ~~الله ذهب أهل الدثور بالأجور يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون ~~بفضول أموالهم . قال : أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدقون به ، إن لكم بكل ~~تسبيحة صدقة وكل تحميدة صدقة ، وكل تكبيرة صدقة ، وأمر بالمعروف صدقة ، ~~ونهي عن المنكر صدقة ) . # وقال أبو مسعود الأنصاري : لما أمرنا بالصدقة كما نحامل فيصيب أحدنا المد ~~فيتصدق به . ومما يشير إلى معنى هذه الآية قوله تعالى : { ويطعمون الطعام ~~على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا ~~شكورا إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا } ( الإنسان : 8 10 ) الآيات . # وخبر { إن } جملة { أولئك يسارعون في الخيرات } . # وافتتح باسم الإشارة لزيادة تمييزهم للسامعين لأن مثلهم أحرياء بأن ~~يعرفوا . # وتقدم الكلام على معنى { يسارعون في الخيرات } آنفا . # ومعنى { وهم لها سابقون } أنهم يتنافسون في الإكثار من أعمال الخير ، ~~فالسبق تمثيل للتنافس ms5528 والتفاوت في الإكثار من الخيرات بحال السابق إلى ~~الغاية ، أو المعنى وهم محرزون لما حرصوا عليهم ، فالسبق مجاز لإحراز ~~المطلوب لأن الإحراز من لوازم السبق . # وعلى التقديرين فاللام بمعنى ( إلى ) . وقد قيل إن فعل السبق يتعدى ~~باللام كما يتعدى ب ( إلى ) . وتقديم المجرور للاهتمام ولرعاية الفاصلة . # # | 2 ( 62 ) { ولا نكلف نفسا إلا وسعها ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا ~~يظلمون } . ) 2 # تذييل لما تقدم من أحوال الذين من خشية ربهم مشفقون . لأنه لما ذكر ما ~~اقتضى مخالفة المشركين لما أمروا به من توحيد الدين ، وذكر بعده ما دل ~~PageV18P078 على تقوى المؤمنين بالخشية وصحة الإيمان والبذل ومسارعتهم في ~~الخيرات ، ذيل ذلك بأن الله ما طلب من الذين تقطعوا أمرهم إلا تكليفا لا ~~يشق عليهم ، وبأن الله عذر من المؤمنين من لم يبلغوا مبلغ من يفوتهم في ~~الأعمال عذرا يقتضي اعتبار أجرهم على ما فاتهم إذا بذلوا غاية وسعهم . قال ~~تعالى { ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون ~~حرج إذا نصحوا لله ورسوله } ( التوبة : 91 ) . # فقوله : { ولا نكلف نفسا إلا وسعها } خبر مراد منه لازمه وهو تسجيل ~~التقصير على الذين تقطعوا أمرهم بينهم . وقطع معذرتهم ، وتيسير الاعتذار ~~على الذين هم من خشية ربهم مشفقون كقوله تعالى : { يريد الله بكم اليسر } ( ~~البقرة : 185 ) مع ما في ذلك من جبر الخواطر المنكسرة من أهل الإيمان الذين ~~لم يلحقوا غيرهم لعجز أو خصاصة . # ولمراعاة هذا المعنى عطف قوله : { ولدينا كتاب ينطق بالحق } وهو معنى ~~إحاطة العلم بأحوالهم ونواياهم . فالكتاب هنا هو الأمر الذي فيه تسجيل ~~الأعمال من حسنات وسيئات وإطلاق الكتاب عليه لإحاطته . وفي قوله { لدينا } ~~دلالة على أن ذلك محفوظ لا يستطيع أحد تغييره بزيادة ولا نقصان . والنطق ~~مستعار للدلالة ، ويجوز أن يكون نطق الكتاب حقيقة بأن تكون الحروف المكتوبة ~~فيه ذات أصوات وقدرة الله لا تحد . # وأما قوله { وهم لا يظلمون } فالمناسب أن يكون مسوقا لمؤاخذة المفرطين ~~والمعرضين فيكون الضمير عائدا إلى ما عاد إليه ضمير { فتقطعوا ms5529 أمرهم } ( ~~المؤمنون : 53 ) وأشباهه من الضمائر والاعتماد على قرينة السياق ، وقوله { ~~بل قلوبهم في غمرة من هذا } ( المؤمنون : 63 ) وما بعده من الضمائر . ~~والظلم على هذا الوجه محمول على ظاهره وهو حرمان الحق والاعتداء . # ويجوز أن يكون الضمير عائدا إلى عموم الأنفس في قوله { ولا نكلف نفسا إلا ~~وسعها } فيكون قوله { وهم لا يظلمون } من بقية التذييل ، PageV18P079 ~~والظلم على هذا الوجه مستعمل في النقص من الحق كقوله تعالى : { كلتا ~~الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا } ( الكهف : 33 ) فيكون وعيدا لفريق ~~ووعدا لفريق . وهذا أليق الوجهين بالإعجاز . # # | 2 ( 63 ) { بل قلوبهم فى غمرة من هاذا ولهم أعمال من دون ذالك هم لها ~~عاملون } . ) 2 # إضراب انتقال إلى ما هو أغرب مما سبق وهو وصف غمرة أخرى انغمس فيها ~~المشركون فهم في غمرة غمرت قلوبهم وأبعدتها عن أن تتخلق بخلق الذين هم من ~~خشية ربهم مشفقون كيف وأعمالهم على الضد من أعمال المؤمنين تناسب كفرهم ، ~~فكل يعمل على شاكلته . # فحرف ( من ) في قوله : { من هذا } يوهم البدلية ، أي في غمرة تباعدهم عن ~~هذا . # والإشارة ب { هذا } إلى ما ذكر آنفا من صفات المؤمنين في قوله : { إن ~~الذين هم من خشية ربهم مشفقون إلى قوله : وهم لها سابقون } ( المؤمنون : 57 ~~61 ) . # و { دون } تدل على المخالفة لأحوال المؤمنين ، أي ليسوا أهلا للتحلي بمثل ~~تلك المكارم . # وقوله : { ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون } يبين ( هذا ) ، أي ~~وأعمالهم التي يعملونها غير ذلك . ويذكرني هذا قول محمد بن بشير الخارجي في ~~مدح عروة بن زيد الخيل : # يا أيها المتمني أن يكون فتى # مثل ابن زيد لقد أخلى لك السبلا # أعدد فضائل أخلاق عددن له # هل سب من أحد أو سب أو بخلا # إن تنفق المال أو تكلف مساعيه # يشفق عليك وتفعل دون ما فعلا PageV18P080 # ولام { لهم أعمال } للاختصاص . وتقديم المجرور بها على المبدأ لقصر ~~المسند إليه على المسند ، أي لهم أعمال لا يعملون غيرها من أعمال الإيمان ~~والخيرات . # ووصف { أعمال } بجملة { هم لها ms5530 عاملون } للدلالة على أنهم مستمرون عليها ~~لا يقلعون عنها لأنهم ضروا بها لكثرة انغماسهم فيها . # وجيء بالجملة الاسمية لإفادة الدوام على تلك الأعمال وثباتهم عليها . # ويجوز أن يكون تقديم { لها } على { عاملون } لإفادة الاختصاص لقصر القلب ~~، أي لا يعملون غيرها من الأعمال الصالحة التي دعوا إليها . ويجوز أن يكون ~~للرعاية على الفاصلة لأن القصر قد أفيد بتقديم المسند إليه . # # | 2 ( 64 67 ) { حتى إذآ أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجئرون * لا ~~تجئروا اليوم إنكم منا لا تنصرون * قد كانت ءايتى تتلى عليكم فكنتم على ~~أعقابكم تنكصون * مستكبرين به سامرا تهجرون } . ) 2 # { حتى } ابتدائية . وقد تقدم ذكرها في سورة الأنبياء عند قوله تعالى : { ~~حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج } ( الأنبياء : 96 ) . # و ( حتى ) الابتدائية . يكون ما بعدها ابتداء كلام ، فليس الدال على ~~الغاية لفظا مفردا كما هو الشأن مع ( حتى ) الجارة و ( حتى ) العاطفة ، بل ~~هي غاية يدل عليها المقام والأكثر أن تكون في معنى التفريع . # وبهذه الغاية صار الكلام تهديدا لهم بعذاب سيحل بهم يجأرون منه ولا ملجأ ~~لهم منه . والظاهر أنه عذاب في الدنيا بقرينة قوله : { ولو رحمناهم وكشفنا ~~ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون } ( المؤمنون : 75 ) . PageV18P081 # و { إذا } الأولى ظرفية فيها معنى الشرط فلذلك كان الأصل والغالب فيها أن ~~تدل على ظرف مستقبل . و { إذا } الثانية فجائية داخلة على جواب شرط ( إذا ) ~~. # والمترفون : المعطون ترفا وهو الرفاهية ، أي المنعمون كقوله تعالى : { ~~وذرني والمكذبين أولي النعمة } ( المزمل : 11 ) فالمترفون منهم هم سادتهم ~~وأكابرهم والضمير المضاف إليه عائد إلى جميع المشركين أصحاب الغمرة . # وإنما جعل الأخذ واقعا على المترفين منهم لأنهم الذين أضلوا عامة قومهم ~~ولولا نفوذ كلمتهم على قومهم لاتبعت الدهماء الحق لأن العامة أقرب إلى ~~الإنصاف إذا فهموا الحق بسبب سلامتهم من جل دواعي المكابرة من توقع تقلص ~~سؤدد وزوال نعيم . وكذلك حق على قادة الأمم أن يؤاخذوا بالتبعات اللاحقة ~~للعامة من جراء أخطائهم ومغامرتهم عن تضليل أو سوء تدبر ، وأن يسألوا عن ~~الخيبة أن ألقوا بالذين ms5531 اتبعوهم في مهواة الخطر كما قال تعالى : { وقالوا ~~ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا ربنا آتهم ضعفين من العذاب ~~والعنهم لعنا كبيرا } ( الأحزاب : 67 ، 68 ) ، وقال { ليحملوا أوزارهم ~~كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون } ( ~~النحل : 25 ) . # وتخصيص المترفين بالتعذيب مع أن شأن العذاب الإلهي إن كان دنيويا أن يعم ~~الناس كلهم إيماء إلى أن المترفين هم سبب نزول العذاب بالعامة ، ولأن ~~المترفين هم أشد إحساسا بالعذاب لأنهم لم يعتادوا مس الضراء والآلام . وقد ~~علم مع ذلك أن العذاب يعم جميعهم من قوله : { إذا هم يجئرون } فإن الضميرين ~~في { إذا هم } و { يجأرون } عائدان إلى ما عاد إليه ضمير { مترفيهم } ~~بقرينة قوله : { قد كانت آياتي تتلى عليكم } إلى قوله { سامرا تهجرون } فإن ~~ذلك كان من عمل جميعهم . # ويجوز أن يكون المراد بالمترفين جميع المشركين فتكون الإضافة بيانية ~~ويكون ذكر المترفين تهويلا في التهديد تذكيرا لهم بأن العذاب PageV18P082 ~~يزيل عنهم ترفهم ؛ فقد كان أهل مكة في ترف ودعة إذ كانوا سالمين من غارات ~~الأقوام لأنهم أهل الحرم الآمن وكانوا تجبى إليهم ثمرات كل شيء وكانوا ~~مكرمين لدى جميع القبائل ، قال الأخطل : # فأما الناس ما حاشا قريشا # فإنا نحن أفضلهم فعالا # وكانت أرزاقهم تأتيهم من كل مكان قال تعالى : { الذي أطعمهم من جوع ~~وآمنهم من خوف } ( قريش : 4 ) ، فيكون المعنى : حتى إذا أخذناهم وهم في ~~ترفهم ، كقوله : { وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا } ( المزمل : ~~11 ) . # ويجوز أن يكون المراد حلول العذاب بالمترفين خاصة ، أي بسادتهم وصناديدهم ~~وهو عذاب السيف يوم بدر فإنه قتل يومئذ كبراء قريش وهم أصحاب القليب . قال ~~شداد ابن الأسود : # وماذا بالقليب قليب بدر # من الشيزى تزين بالسنام # وماذا بالقليب قليب بدر # من القينات والشرب الكرام # يعني ما ضمنه القليب من رجال كانت سجاياهم الإطعام والطرب واللذات . # وضمير { إذا هم يجأرون } على هذا الوجه عائد إلى غير المترفين لأن ~~المترفين قد هلكوا فالبقية يجأرون من التلهف على ما أصاب قومهم والإشفاق أن ms5532 ~~يستمر القتل في سائرهم فهم يجأرون كلما صرع واحد من سادتهم ولأن أهل مكة ~~عجبوا من تلك المصيبة ورثوا أمواتهم بالمراثي والنياحات . # ثم الظاهر أن المراد من هذا العذاب عذاب يحل بهم في المستقبل بعد نزول ~~هذه الآية التي هي مكية فيتعين أن هذا عذاب مسبوق بعذاب حل بهم قبله كما ~~يقتضيه قوله تعالى بعد { ولقد أخذناهم بالعذاب } ( المؤمنون : 76 ) الآية . # ولذا فالعذاب المذكور هنا عذاب هددوا به ، وهو إما عذاب الجوع الثاني ~~الذي أصاب أهل مكة بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم بعد هجرته . ذلك أنه لما ~~أسلم ثمامة بن أثال الحنفي عقب سرية خالد بن الوليد إلى بني كلب ~~PageV18P083 التي أخذ فيها ثمامة أسيرا وأسلم فمنع صدور الميرة من أرض قومه ~~باليمامة إلى أهل مكة وكانت اليمامة مصدر أقواتهم حتى سميت ريف أهل مكة ~~فأصابهم جوع حتى أكلوا العلهز والجيف سبع سنين ، وإما عذاب السيف الذي حل ~~بهم يوم بدر . # وقيل إن هذا العذاب عذاب وقع قبل نزول الآية وتعين أنه عذاب الجوع الذي ~~أصابهم أيام مقام النبي صلى الله عليه وسلم في مكة ثم كشفه الله عنهم ببركة ~~نبيه وسلامة للمؤمنين ، وذلك المذكور في سورة الدخان ( 12 ) { ربنا اكشف ~~عنا العذاب إنا مؤمنون } . # وقيل العذاب عذاب الآخرة . ويبعد هذا القول أنه سيذكر عذاب الآخرة في ~~قوله تعالى : { حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون . . . } الآيات إلى ~~قوله : { إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون } ( المؤمنون : 99 114 ) ~~كما ستعلمه . # وتجيء منه وجوه من الوجوه المتقدمة لا يخفى تقريرها . # ومعنى { يجأرون } يصرخون ومصدره الجأر . والاسم الجؤار بضم الجيم وهو ~~كناية عن شدة ألم العذاب بحيث لا يستطيعون صبرا عليه فيصدر منهم صراخ ~~التأوه والويل والثبور . # وجملة { لا تجأروا اليوم } معترضة بين ما قبلها وما تفرع عليه من قوله : ~~{ أفلم يدبروا القول } ( المؤمنون : 68 ) وهي مقول قول محذوف ، أي تقول لهم ~~: لا تجأروا اليوم . # وهذا القول كلام نفسي أعلمهم الله به لتخويفهم من عذاب لا يغني عنهم ms5533 حين ~~حلوله جؤار إذ لا مجيب لجؤارهم ولا مغيث لهم منه إذ هو عذاب خارج عن مقدور ~~الناس لا يطمع أحد في تولي كشفه . وهذا تأييس لهم من PageV18P084 النجاة من ~~العذاب الذي هددوا به . وإذا كان المراد بالعذاب عذاب الآخرة فالقول لفظي ~~والمقصود منه قطع طماعيتهم في النجاة . # والنهي عن الجؤار مستعمل في معنى التسوية . وورود النهي في معنى التسوية ~~مقيس على ورود الأمر في التسوية . وعثرت على اجتماعهما في قوله تعالى : { ~~اصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم } ( الطور : 16 ) . # وجملة { إنكم منا لا تنصرون } تعليل للنهي المستعمل في التسوية ، أي لا ~~تجأروا إذ لا جدوى لجؤاركم إذ لا يقدر مجير أن يجيركم من عذابنا ، فموقع ( ~~إن ) إفادة التعليل لأنها تغني غناء فاء التفريع . # وضمن { تنصرون } معنى النجاة فعدي الفعل ب ( من ) ، أي لا تنجون من ~~عذابنا . فثم مضاف محذوف بعد ( من ) ، وحذف المضاف في مثل هذا المقام شائع ~~في الاستعمال . وتقديم المجرور للاهتمام بجانب الله تعالى ولرعاية الفاصلة ~~. # وقوله : { قد كانت آياتي تتلى عليكم } استئناف . والخبر مستعمل في ~~التنديم والتلهيف . وإنما لم تعطف الجملة على جملة { إنكم منا لا تنصرون } ~~لقصد إفادة معنى بها غير التعليل إذ لا كبير فائدة في الجمع بين علتين . # والآيات هنا هي آيات القرآن بقرينة { تتلى } إذ التلاوة القراءة . # والنكوص : الرجوع من حيث أتى ، وهو الفرار . والأعقاب : مؤخر الأرجل . ~~والنكوص هنا تمثيل للإعراض وذكر الأعقاب ترشيح للتمثيل . وقد تقدم في قوله ~~تعالى : { فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه } في سورة الأنفال ( 48 ) . # وذكر فعل ( كنتم ) للدلالة على أن ذلك شأنهم . وذكر المضارع للدلالة على ~~التكرر فلذلك خلق منهم معاد مكرور . # وضمير { به } يجوز أن يكون عائدا على الآيات لأنها في تأويل القرآن فيكون ~~{ مستكبرين } بمعنى معرضين استكبارا ويكون الباء بمعنى ( عن ) ، أو ضمن { ~~مستكبرين } معنى ساخرين فعدي بالباء للإشارة إلى تضمينه . PageV18P085 # ويجوز أيضا أن يكون الضمير للبيت أو المسجد الحرام وإن لم يتقدم له ذكر ~~لأنه حاضر في الأذهان فلا يسمع ضمير لم يتقدم ms5534 له معاد إلا ويعلم أنه ~~المقصود بمعونة السياق لا سيما وقد ذكرت تلاوة الآيات عليهم . وإنما كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يتلو عليهم آيات القرآن في المسجد الحرام إذ هو ~~مجتمعهم . فتكون الباء للظرفية . وفيه إنحاء عليهم في استكبارهم . وفي كون ~~استكبارهم في ذلك الموضع الذي أمر الله أن يكون مظهرا للتواضع ومكارم ~~الأخلاق ، فالاستكبار في الموضع الذي شأن القائم فيه أن يكون قانتا لله ~~حنيفا أشنع استكبار . # وعن منذر بن سعيد البلوطي الأندلسي قاضي قرطبة أن الضمير في قوله { به } ~~للنبيء صلى الله عليه وسلم والباء حينئذ للتعدية ، وتضمين { مستكبرين } ~~معنى مكذبين لأن استكبارهم هو سبب التكذيب . # { وسامرا } حال ثانية من ضمير المخاطبين ، أي حال كونكم سامرين . والسامر ~~: اسم لجمع السامرين ، أي المتحدثين في سمر الليل وهو ظلمته ، أو ضوء قمره ~~. وأطلق السمر على الكلام في الليل ، فالسامر كالحاج والحاضر والجامل بمعنى ~~الحجاج والحاضرين وجماعة الجمال . وعندي أنه يجوز أن يكون { سامرا } مرادا ~~منه مجلس السمر حيث يجتمعون للحديث ليلا ويكون نصبه على نزع الخافض ، أي في ~~سامركم ، كما قال تعالى : { وتأتون في ناديكم المنكر } ( العنكبوت : 29 ) . # { وتهجرون } بضم التاء وسكون الهاء وكسر الجيم في قراءة نافع مضارع أهجر ~~: إذا قال الهجر بضم الهاء وسكون الجيم وهو اللغو والسب والكلام السيء . ~~وقرأ بقية العشرة بفتح التاء من هجر إذا لغا . والجملة في موضع الصفة ل { ~~سامرا } ، أي في حال كونكم متحدثين هجرا وكان كبراء قريش يسمرون حول الكعبة ~~يتحدثون بالطعن في الدين وتكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم # PageV18P086 # | 2 ( 68 70 ) { أفلم يدبروا القول أم جآءهم ما لم يأت ءابآءهم الاولين * ~~أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون * أم يقولون به جنة بل جآءهم بالحق ~~وأكثرهم للحق كارهون } . ) 2 # الفاء لتفريع الكلام على الكلام السابق وهو قوله { بل قلوبهم في غمرة من ~~هذا } إلى قوله { سامرا تهجرون } ( المؤمنون : 63 67 ) . وهذا التفريع ~~معترض بين جملة { بل قلوبهم في غمرة من هذا } وجملة { ولو رحمناهم وكشفنا ~~ما بهم من ms5535 ضر للجوا في طغيانهم يعمهون } ( المؤمنون : 75 ) . # والمفرع استفهامات عن سبب إعراضهم واستمرار قلوبهم في غمرة إلى أن يحل ~~بهم العذاب الموعودونه . # وهذه الاستفهامات مستعملة في التخطئة على طريقة المجاز المرسل لأن اتضاح ~~الخطأ يستلزم الشك في صدوره عن العقلاء فيقتضي ذلك الشك السؤال عن وقوعه من ~~العقلاء . # ومآل معاني هذه الاستفهامات أنها إحصاء لمثار ضلالهم وخطئهم ولذلك خصت ~~بذكر أمور من هذا القبيل . وكذلك احتجاج عليهم وقطع لمعذرتهم وإيقاظ لهم ~~بأن صفات الرسول كلها دالة على صدقه . # فالاستفهام الأول : عن عدم تدبرهم فيما يتلى عليهم من القرآن وهو المقصود ~~بالقول أي الكلام ، قال تعالى : { أفلا يتدبرون القرآن } ( النساء : 82 ) . ~~والتدبر : إعمال النظر العقلي في دلالات الدلائل على ما نصبت له . وأصله ~~أنه من النظر في دبر الأمر ، أي فيما لا يظهر منه للمتأمل بادىء ذي بدء . ~~وقد تقدم عند قوله تعالى : { أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله ~~لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } في سورة النساء ( 82 ) . PageV18P087 # والمعنى : أنهم لو تدبروا قول القرآن لعلموا أنه الحق بدلالة إعجازه ~~وبصحة أغراضه ، فما كان استمرار عنادهم إلا لأنهم لم يدبروا القول . وهذا ~~أحد العلل التي غمرت بهم في الكفر . # والاستفهام الثاني : هو المقدر بعد ( أم ) وقوله : { أم لم يعرفوا رسولهم ~~} . ف ( أم ) حرف إضراب انتقالي من استفهام إلى غيره وهي ( أم ) المنقطعة ~~بمعنى ( بل ) ويلزمها تقدير استفهام بعدها لا محالة . فقوله { جاءهم ما لم ~~يأت آباءهم } تقديره : بل أجاءهم . والمجيء مجاز في الإخبار والتبليغ ، ~~وكذلك الإتيان . # و ( ما ) الموصولة صادقة على دين . والمعنى : أجاءهم دين لم يأت آباءهم ~~الأولين وهو الدين الداعي إلى توحيد الإلاه وإثبات البعث ، ولذلك كانوا ~~يقولون : { إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون } ( الزخرف : ~~22 ) . ولهذا قال الله تعالى { وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير ~~إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون قل أو لو ~~جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به ms5536 كافرون } ( ~~الزخرف : 23 ، 24 ) . # ثم إنه إن كان المراد ظاهر معنى الصلة وهي { ما لم يأت آباءهم الأولين } ~~من أن الدين الذي جاءهم لا عهد لهم به ، تعين أن يكون في الكلام تهكم بهم ~~إذ قد أنكروا دينا جاءهم ولم يسبق مجيئه لآباءهم . ووجه التهكم أن شأن كل ~~رسول جاء بدين أن يكون دينه أنفا ولو كان للقوم مثله لكان مجيئه تحصيل حاصل ~~. # وإن كان المراد من الصلة أنه مخالف لما كان عليه آباؤهم لأن ذلك من معنى ~~: لم يأت آباءهم ، كان الكلام مجرد تغليط ، أي لا اتجاه لكفرهم به لأنه ~~مخالف لما كان عليه آباؤهم إذ لا يكون الدين إلا مخالفا للضلالة ويكون في ~~معنى قوله تعالى : { أم آتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون بل قالوا ~~إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون } ( الزخرف : 21 ، 22 ) . ~~PageV18P088 # وأما الاستفهام الثالث : المقدر بعد ( أم ) الثانية في قوله : { أم لم ~~يعرفوا رسولهم } فهو استفهام عن عدم معرفتهم الرسول بناء على أن عدم ~~المعرفة به هو أحد احتمالين في شأنهم إذ لا يخلون عن أحدهما ، فأما كونهم ~~يعرفونه فهو المظنون بهم فكان الأجدر بالاستفهام هو عدم معرفتهم به إذ تفرض ~~كما يفرض الشيء المرجوح لأنه محل الاستغراب المستلزم للتغليط ؛ فإن رميهم ~~الرسول بالكذب وبالسحر والشعر يناسب أن لا يكونوا يعرفونه من قبل ، إذ ~~العارف بالمرء لا يصفه بما هو منه بريء ، ولذلك تفرع على عدم معرفتهم ~~إنكارهم إياه ، أي إنكارهم صفاته الكاملة . # فتعليق ضمير ذاتت الرسول ب { منكرون } هو من باب إسناد الحكم إلى الذات ~~والمراد صفاتها مثل { حرمت عليكم أمهاتكم } ( النساء : 23 ) . وهذه الصفات ~~هي الصدق والنزاهة عن السحر وأنه ليس في عداد الشعراء . # ولله در أبي طالب في قوله : # لقد علموا أن ابننا لا مكذب # لدينا ولا يعزى لقول الأباطل # وقال تعالى فيما أمر به رسوله { فقد لبثت فيكم عمرا من قبله ( أي القرآن ~~) أفلا تعقلون } ( يونس : 16 ) . # ولما كان البشر قد يعرض له ما يسلب خصاله وهو ms5537 اختلال عقله عطف على { أم ~~لم يعرفوا رسولهم } قوله { أم يقولون به جنة } ، وهو الاستفهام الرابع ، أي ~~ألعلهم ادعوا أن رسولهم الذي يعرفونه قد أصيب بجنون فانقلب صدقه كذبا . # والجنة : الجنون ، وهو الخلل العقلي الذي يصيب الإنسان ، كانوا يعتقدون ~~أنه من مس الجن . # والجنة يطلق على الجن وهو المخلوقات المستترة عن أبصارنا كما في قوله : { ~~من الجنة والناس } ( الناس : 6 ) . ويطلق الجنة على الداء اللاحق من إصابة ~~الجن وصاحبه مجنون ، وهو المراد هنا بدليل باء الملابسة . وتقدم عند قوله ~~PageV18P089 تعالى { أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة } في سورة الأعراف ( ~~184 ) . وهم لم يظنوا به الجنون ولكنهم كانوا يقولونه بألسنتهم بهتانا . ~~وليس القول بألسنتهم هو مصب الاستفهام . ثم قد نقض ما تسبب على ما اختلقوه ~~فجيء بحرف الإضراب في الخبر في معنى الاستدراك وهو ( بل ) . # والحق : الثابت في الواقع ونفس الأمر ، يكون في الذوات وأوصافها . وفي ~~الأجناس ، وفي المعاني ، وفي الأخبار . فهو ضد الكذب وضد السحر وضد الشعر ، ~~فما جاءهم به النبي صلى الله عليه وسلم من الأخبار والأوامر والنواهي كله ~~ملابس للحق ، فبطل بهذا ما قالوه في القرآن وفي الرسول عليه الصلاة والسلام ~~مقالة من لم يتدبروا القرآن ومن لم يراعوا إلا موافقة ما كان عليه آباؤهم ~~الأولون ومن لم يعرفوا حال رسولهم الذي هو من أنفسهم ومقالة من يرمي ~~بالبهتان فنسبوا الصادق إلى التلبيس والتغليط . # فالحق الذي جاءهم به النبي أوله إثبات الوحدانية لله تعالى وإثبات البعث ~~وما يتبع ذلك من الشرائع النازلة بمكة ، كالأمر بالصلاة والزكاة وصلة الرحم ~~، والاعتراف للفاضل بفضله . وزجر الخبيث عن خبثه ، وأخوة المسلمين ، بعضهم ~~لبعض ، والمساواة بينهم في الحق . ومنع الفواحش من الزنى وقتل الأنفس ووأد ~~البنات والاعتداء وأكل الأموال بالباطل وإهانة اليتيم والمسكين . ونحو ذلك ~~من إبطال ما كان عليه أمر الجاهلية من العدوان . والخلافة التي نشأوا عليها ~~من عهد قديم . فكل ما جاء به الرسول يومئذ هو الموافق لمقتضى نظام العمران ~~الذي خلق الله عليه العالم فهو الحق كما قال { ما خلقناهما ms5538 إلا بالحق } ( ~~الدخان : 39 ) . ولما كان قول الكاذب وقول المجنون المختص بهذا الذي لا ~~يشاركهما فيه العقلاء والصادقون غير جاريين على هذا الحق كان إثبات أن ما ~~جاء به الرسول حق نقضا لإنكارهم صدقه . ولقولهم هو مجنون كان ما بعد ( بل ) ~~نقضا لقولهم . # وظاهر تناسق الضمائر يقتضي أن ضمير { أكثرهم } يعود إلى القوم المتحدث ~~عنهم في قوله { فذرهم في غمرتهم } ( المؤمنون : 54 ) فيكون المعنى : أكثر ~~PageV18P090 المشركين من قريش كارهون للحق . وهذا تسجيل عليهم بأن طباعهم ~~تأنف الحق الذي يخالف هواهم لما تخلقوا به من الشرك وإتيان الفواحش والظلم ~~والكبر والغصب وأفانين الفساد ، بله ما هم عليه من فساد الإعتقاد بالإشراك ~~وما يتبعه من الأعمال كما قال تعالى : { ولهم أعمال من دون ذلك هم لها ~~عاملون } ( المؤمنون : 63 ) ، فلا جرم كانوا بذلك يكرهون الحق لأن جنس الحق ~~يجافي هذه الطباع . ومن هؤلاء أبو جهل قال تعالى : { ولا تطرد الذين يدعون ~~ربهم بالغداة والعشي إلى قوله : ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا } ( ~~الأنعام : 52 ، 53 ) . # وإنما أسندت كراهية الحق إلى أكثرهم دون جميعهم إنصافا لمن كان منهم من ~~أهل الأحلام الراجحة الذين علموا بطلان الشرك وكانوا يجنحون إلى الحق ~~ولكنهم يشايعون طغاة قومهم مصانعة لهم واستبقاء على حرمة أنفسهم بعلمهم ~~أنهم إن صدعوا بالحق لقوا من طغاتهم الأذى والانتقاص ، وكان من هؤلاء أبو ~~طالب والعباس والوليد بن المغيرة . فكان المعنى : بل جاءهم بالحق فكفروا به ~~كلهم ، فأما أكثرهم فكراهية للحق ، وأما قليل منهم مصانعة لسائرهم وقد شمل ~~الكفر جميعهم . # وتقدم المعمول في قوله { للحق كارهون } اهتمام بذكر الحق حتى يستوعي ~~السامع ما بعده فيقع من نفسه حسن سماعه موقع العجب من كارهيه ، ولما ضعف ~~العامل فيه بالتأخير قرن المعمول بلام التقوية . # # | 2 ( 71 ) { ولو اتبع الحق أهوآءهم لفسدت السماوات والارض ومن فيهن بل ~~أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون } . ) 2 # عطف هذا الشرط الامتناعي على جملة { وأكثرهم للحق كارهون } ( المؤمنون : ~~70 ) زيادة في التشنيع على أهوائهم فإنها مفضية إلى فساد العالم ms5539 ومن فيه ~~وكفى بذلك فظاعة وشناعة . PageV18P091 # والحق هنا هو الحق المتقدم في قوله : { بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق ~~كارهون } ( المؤمنون : 70 ) وهو الشيء الموافق للوجود الواقعي ولحقائق ~~الأشياء . وعلم من قوله { ولو اتبع الحق أهواءهم } أن كراهة أكثرهم للحق ~~ناشئة عن كون الحق مخالفا أهواءهم فسجل عليهم أنهم أهل هوى والهوى شهوة ~~ومحبة لما يلائم غرض صاحبه ، وهو مصدر بمعنى المفعول . وإنما يجري الهوى ~~على شهوة دواعي النفوس أعني شهوات الأفعال غير التي تقتضيها الجبلة ، فشهوة ~~الطعام والشراب ونحوهما مما تدعو إليه الجبلة ليست من الهوى وإنما الهوى ~~شهوة ما لا تقتضيه الفطرة كشهوة الظلم وإهانة الناس ، أو شهوة ما تقتضيه ~~الجبلة لكن يشتهى على كيفية وحالة لا تقتضيها الجبلة لما يترتب على تلك ~~الحالة من فساد وضر مثل شهوة الطعام المغصوب وشهوة الزنا ، فمرجع معنى ~~الهوى إلى المشتهى الذي لا تقتضيه الجبلة . # والاتباع : مجاز شائع في الموافقة ، أي لو وافق الحق ما يشتهونه . # ومعنى موافقة الحق الأهواء أن تكون ماهية الحق موافقة لأهواء النفوس . ~~فإن حقائق الأشياء لها تقرر في الخارج سواء كانت موافقة لما يشتهيه الناس ~~أم لم تكن موافقة له ؛ فمنها الحقائق الوجودية وهي الأصل فهي متقررة في نفس ~~الأمر مثل كون الإلاه واحدا ، وكونه لا يلد ، وكون البعث واقعا للجزاء ، ~~فكونها حقا هو عين تقررها في الخارج . # ومنها الحقائق المعنوية وهي الموجودة في الاعتبار فهي متقررة في ~~الاعتبارات . وكونها حقا هو كونها جارية على ما يقتضيه نظام العالم مثل كون ~~الوأد ظلما ، وكون القتل عدوانا ، وكون القمار أخذ مال بلا حق لآخذه في ~~أخذه ، فلو فرض أن يكون الحق في أضداد هذه المذكورات لفسدت السماوات والأرض ~~وفسد من فيهن ، أي من في السماوات والأرض من الناس . # ووجه الملازمة بين فساد السماوات والأرض وفساد الناس وبين كون الحق جاريا ~~على أهواء المشركين في الحقائق هو أن أهواءهم شتى ؛ فمنها PageV18P092 ~~المتفق ، وأكثرهم مختلف ، وأكثر اتفاق أهوائهم حاصل بالشرك ، فلو كان الحق ~~الثابت في الواقع موافقا لمزاعمهم لاختلت أصول ms5540 انتظام العوالم . # فإن مبدأ الحقائق هو حقيقة الخالق تعالى ، فلو كانت الحقيقة هي تعدد ~~الآلهة لفسدت العوالم بحكم قوله تعالى { لو كان فيهما ءالهة إلا الله ~~لفسدتا } ( الأنبياء : 22 ) وقد تقدم تفصيله في سورة الأنبياء . وذلك أصل ~~الحق وقوامه وانتقاضه انتقاض لنظام السموات والأرض كما تقدم . وقد قال الله ~~تعالى في هذه السورة { ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله } ( ~~المؤمنون : 91 ) الآية ، فمن هواهم الباطل أن جعلوا من كمال الله أن يكون ~~له ولد . # ثم ننتقل بالبحث إلى بقية حقائق ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من ~~الحق لو فرض أن يكون الثابت نقيض ذلك لتسرب الفساد إلى السموات والأرض ومن ~~فيهن . فلو فرض عدم البعث للجزاء لكان الثابت أن لا جزاء على العمل ؛ فلم ~~يعمل أحد خيرا إذ لا رجاء في ثواب . ولم يترك أحد شرا إلا إذ لا خوف من ~~عقاب فيغمر الشر الخير والباطل الحق وذلك فساد لمن في السموات والأرض قال ~~تعالى : { أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون } ( المؤمنون : ~~115 ) . # وكذا لو كان الحق حسن الاعتداء والباطل قبح العدل لارتمى الناس بعضهم على ~~بعض بالإهلاك جهد المستطاع فهلك الضرع والزرع قال تعالى : { وإذا تولى سعى ~~في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد } ( البقرة : ~~205 ) ، وهكذا الحال في أهوائهم المختلفة . ويزيد أمرها فسادا بأن يتبع ~~الحق كل ساعة هوى مخالفا للهوى الذي اتبعه قبل ذلك فلا يستقر نظام ولا ~~قانون . # وهذا المعنى ناظر إلى معنى قوله تعالى : { وما خلقنا السموات والأرض وما ~~بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون } ( الدخان : ~~38 ، 39 ) . PageV18P093 # والظاهر أن ( من ) في قوله : { ومن فيهن } صادقة على العقلاء من البشر ~~والملائكة . ففساد البشر على فرض أن يكون جاريا على أهواء المشركين ظاهر ~~مما قررناه . # وأما فساد الملائكة فلأن من أهواء المشركين زعمهم أن الملائكة بنات الله ~~فلو كان الواقع أن حقيقة الملائكة بنوة الله لأفضى ذلك إلى أنهم ms5541 ءالهة لأن ~~المتولد من جنس يجب أن يكون مماثلا لما تولد هو منه إذ الولد نسخة من أبيه ~~فلزم عليه ما يلزم على القول بتعدد الآلهة . وأيضا لو لم يكن من فصول حقيقة ~~الملائكة أنهم مسخرون لطاعة الله وتنفيذ أوامره لفسدت حقائقهم فأفسدوا ما ~~يأمرهم الله بإصلاحه وبالعكس فتنتقض المصالح . # ويجوز أن يكون { من } صادقا على المخلوقات كلها على وجه التغليب في ~~استعمال ( من ) . ووجه الملازمة ينتظم بالأصالة مع وجه الملازمة بين تعدد ~~الآلهة وبين فساد السماوات والأرض ثم يسري إلى اختلال مواهي الموجودات ~~فتصبح غير صالحة لما خلقت عليه ، فيفسد العالم . وقد كان بعض الفلاسفة ~~المتأخرين فرض بحثا في إمكان فناء العالم وفرض أسبابا إن وجد واحد منها في ~~هذا العالم . وعد من جملتها أن تحدث حوادث جوية تفسد عقول البشر كلهم ~~فيتألبون على إهلاك العالم فلو أجرى الله النظام على مقتضى الأهواء من ~~مخالفة الحق لما هو عليه في نفس الأمر كما يشتهون لعاد ذلك بالفساد على ~~جميع العالم فكانوا مشمولين لذلك الفساد لأنهم من جملة ما في السماوات ~~والأرض ، فناهيك بأفن آراء لا تميز بين الضر والنافع لأنفسهما . وكفى بذلك ~~شناعة لكراهيتهم الحق وإبطالا لزعمهم أن ما جاء به الرسول تصرفات مجنون . # إبطال لما اقتضاه الفرض في قوله { ولو اتبع الحق أهواءهم } أي بل لم يتبع ~~الحق أهواءهم فأبلغنا إليهم الحق على وجهه بالقرآن الذي هو ذكر لهم ~~PageV18P094 يوقظ عقولهم من سباتها . كأنه يذكر عقولهم الحق الذي نسيته ~~بتقادم الزمان على ضلالات آبائهم التي سنوها لهم فصارت أهواء لهم ألفوها ~~فلم يقبلوا انزياحا عنها وأعرضوا عن الحق بأنه خالفها ، فجعل إبلاغ الحق ~~لهم بالأدلة بمنزلة تذكير الناسي شيئا طال عهده به كما قال عمر بن الخطاب ~~في كتابه إلى أبي موسى الأشعري ( فإن الحق قديم ) قال تعالى { ويحق الله ~~الحق بكلماته ولو كره المجرمون } ( يونس : 82 ) . # وعدي فعل { أتيناهم } بالباء لأنه استعمل مجازا في الإرسال والتوجيه . # والذكر يجوز أن يكون مصدرا بمعنى التذكير . ويجوز أن يكون اسما ms5542 للكلام ~~الذي يذكر سامعه بما غفل عنه وهو شأن الكتب الربانية . وإضافة الذكر إلى ~~ضميرهم لفظية من الإضافة إلى مفعول المصدر . # والفاء لتفريع إعراضهم على الإتيان بالذكر إليهم ، أي فتفرع على الإرسال ~~إليهم بالذكر إعراضهم عنه . والمعنى : أرسلنا إليهم القرآن ليذكرهم . # وقيل : إضافة الذكر إلى ضميرهم معنوية ، أي الذكر الذي سألوه حين كانوا ~~يقولون { لو أن عندنا ذكرا من الأولين لكنا عباد الله المخلصين } ( الصافات ~~: 168 ، 169 ) فيكون الذكر على هذا مصدرا بمعنى الفاعل ، أي ما يتذكرون به ~~. والفاء على هذا الوجه فاء فصيحة ، أي فها قد أعطيناهم كتابا فأعرضوا عن ~~ذكرهم الذي سألوه كقوله تعالى : ( لو أن عندنا ذكرا من الأولين ( أي من رسل ~~قبل محمد صلى الله عليه وسلم لكنا عباد الله المخلصين فكفروا به ) ، وقول ~~عباس بن الأحنف : # قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا # ثم القفول فقد جئنا خراسان # وقوله تعالى : { أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ~~ونذير } ( المائدة : 19 ) . # والتعبير عن إعراضهم بالجملة الاسمية للدلالة على ثبات إعراضهم وتمكنه ~~منهم . وتقديم المجرور على عامله للاهتمام بذكرهم ليكون إعراضهم عنه محل ~~عجب . # PageV18P095 # | 2 ( 72 ) { أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير وهو خير الرازقين } . ) 2 # ( أم ) عاطفة على { أم يقولون به جنة } ( المؤمنون : 70 ) وهي للانتقال ~~إلى استفهام آخر عن دواعي إعراضهم عن الرسول واستمرار قلوبهم في غمرة . # والاستفهام المقدر هنا إنكاري ، أي ما تسألهم خرجا فيعتذروا بالإعراض عنك ~~لأجله شحا بأموالهم . وهذا في معنى قوله تعالى { قل ما سألتكم من أجر فهو ~~لكم إن أجري إلا على الله } ( سبأ : 47 ) على سبيل الفرض ، والتقدير : إن ~~كنت سألتكم أجرا فقد رددته عليكم فماذا يمنعكم من اتباعي . وقوله : { أم ~~تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون } ( القلم : 46 ) كل ذلك على معنى التهكم . ~~وأصرح منهما قوله تعالى { قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى } ( ~~الشورى : 23 ) . # وهذا الانتقال كان إلى غرض نفي أن يكون موجب إعراضهم عن دعوة الرسول ~~جائيا من قبله وتسببه ms5543 بعد أن كانت الاستفهامات السابقة الثلاثة متعلقة ~~بموجبات الإعراض الجائية من قبلهم ، فالاستفهام الذي في قوله { أم تسألهم ~~خرجا } إنكاري إذ لا يجوز أن يصدر عن الرسول ما يوجب إعراض المخاطبين عن ~~دعوته فانحصرت تبعة الإعراض فيهم . # والخرج : العطاء المعين على الذوات أو على الأرضين كالإتاوة ، وأما ~~الخراج فقيل هو مرادف الخرج وهو ظاهر كلام جمهور اللغويين . وعن ابن ~~الأعرابي : التفرقة بينهما بأن الخرج الإتاوة على الذوات والخراج الإتاوة ~~على الأرضين . # وقيل الخرج : ما تبرع به المعطي والخراج : ما لزمه أداؤه . وفي ( الكشاف ~~) : والوجه أن الخرج أخص من الخراج ( يريد أن الخرج أعم كما أصلح عبارته ~~صاحب ( الفرائد ) في نقل الطيبي ) كقولك خراج القرية وخرج الكردة ~~PageV18P096 زيادة اللفظ لزيادة المعنى ، ولذلك حسنت قراءة من قرأ { خرجا ~~فخراج ربك خير } يعني أم تسألهم على هدايتك لهم قليلا من عطاء الخلق ~~فالكثير من عطاء الخالق خير ) اه . # وهذا الذي ينبغي التعويل عليه لأن الأصل في اللغة عدم الترادف . # هذا وقد قرأ الجمهور { أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير } . وقرأ ابن عامر { ~~خرجا فخرج ربك } . وقرأ حمزة والكسائي وخلف { أم تسألهم خراجا فخراج ربك ~~خير } . فأما قراءة الجمهور فتوجيهها على اعتبار ترادف الكلمتين أنها جرت ~~على التفنن في الكلام تجنبا لإعادة اللفظ في غير المقام المقتضي إعادة ~~اللفظين مع قرب اللفظين بخلاف قوله تعالى { قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن ~~أجري إلا على الله } ( سبأ : 47 ) فإن لفظ أجر أعيد بعد ثلاثة ألفاظ . # وأما على اعتبار الفرق الذي اختاره الزمخشري فتوجيهها باشتمالها على ~~التفنن وعلى محسن المبالغة . # وأما قراءة ابن عامر وحمزة والكسائي وخلف فتوجيهها على طريقة الترادف ~~أنهما وردتا على اختيار المتكلم في الاستعمال مع محسن المزاوجة بتماثل ~~اللفظين . ولا توجهان على طريقة الزمخشري . # قال صاحب ( الكشاف ) : ألزمهم الله الحجة في هذه الآيات ( أي قوله { أفلم ~~يدبروا القول } ( المؤمنون : 68 ) إلى هنا ) وقطع معاذيرهم وعللهم بأن الذي ~~أرسل إليهم رجل معروف أمره وحاله ، مخبور سره وعلنه ، خليق بأن يجتبى مثله ms5544 ~~للرسالة من بين ظهرانيهم ، وأنه لم يعرض له حتى يدعي بمثل هذه الدعوى ~~العظيمة بباطل ، ولم يجعل ذلك سلما إلى النيل من دنياهم واستعطاء أموالهم ، ~~ولم يدعهم إلا إلى دين الإسلام الذي هو الصراط المستقيم مع إبراز المكنون ~~PageV18P097 من أدوائهم وهو إخلالهم بالتدبر والتأمل . واستهتارهم بدين ~~الآباء الضلال من غير برهان ، وتعللهم بأنه مجنون بعد ظهور الحق وثبات ~~التصديق من الله بالمعجزات والآيات النيرة ، وكراهتهم للحق وإعراضهم عما ~~فيه حظهم من الذكر ) اه . # وجملة { وهو خير الرازقين } معترضة تكميلا للغرض بالثناء على الله ~~والتعريف بسعة فضله . ويفيد تأكيدا لمعنى { فخراج ربك خير } . # # | 2 ( 73 ، 74 ) { وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم * وإن الذين لا يؤمنون ~~بالاخرة عن الصراط لناكبون } . ) 2 # أعقب تنزيه الرسول عما افتروه عليه بتنزيه الإسلام عما وسموه به من ~~الأباطيل والتنزيه بإثبات ضد ذلك وهو أنه صراط مستقيم ، أي طريق لا التواء ~~فيه ولا عقبات ، فالكلام تعريض بالذين اعتقدوا خلاف ذلك . وإطلاق الصراط ~~المستقيم عليه من حيث إنه موصل إلى ما يتطلبه كل عاقل من النجاة وحصول ~~الخير ، فكما أن السائر إلى طلبته لا يبلغها إلا بطريق ، ولا يكون بلوغه ~~مضمونا ميسورا إلا إذا كان الطريق مستقيما فالنبي صلى الله عليه وسلم لما ~~دعاهم إلى الإسلام دعاهم إلى السير في طريق موصل بلا عناء . # والتأكيد ب ( إن ) واللام باعتبار أنه مسوق للتعريض بالمنكرين على ما ~~دعاهم إليه النبي صلى الله عليه وسلم # وكذلك التوكيد في قوله : { وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط ~~الناكبون } . والتعبير فيه بالموصول وصلته إظهار في مقام الإضمار حيث عدل ~~عن أن يقول : وإنهم عن الصراط لناكبون . والغرض منه ما تنبىء به الصلة من ~~سبب تنكبهم عن الصراط المستقيم أن سببه عدم إيمانهم بالآخرة . وتقدم قوله ~~تعالى : { قال هذا صراط علي مستقيم } في سورة الحجر ( 41 ) . PageV18P098 # والتعريف في { الصراط } للجنس ، أي هم ناكبون عن الصراط من حيث هو حيث لم ~~يتطلبوا طريق نجاة فهم ناكبون عن الطريق بله الطريق المستقيم ولذلك لم يكن ~~التعريف ms5545 في قوله { عن الصراط } للعهد بالصراط المذكور لأن تعريف الجنس أتم ~~في نسبتهم إلى الضلال بقرينة أنهم لا يؤمنون بالآخرة التي هي غاية العامل ~~من عمله فهم إذن ناكبون عن كل صراط موصل إذ لا همة لهم في الوصول . # والناكب : العادل عن شيء ، المعرض عنه ، وفعله كنصر وفرح . وكأنه مشتق من ~~المنكب وهو جانب الكتف لأن العادل عن شيء يولي وجهه عنه بجانبه . # # | 2 ( 75 ) { ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا فى طغيانهم يعمهون } ~~. ) 2 # عطف على جملة { حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون } ( ~~المؤمنون : 64 ) وما بينهما اعتراضات باستدلال عليهم وتنديم وقطع لمعاذيرهم ~~، أي ليسوا بحيث لو استجاب الله جؤارهم عند نزول العذاب بهم وكشف عنهم ~~العذاب لعادوا إلى ما كانوا فيه من الغمرة والأعمال السيئة لأنها صارت سجية ~~لهم لا تتخلف عنهم . وهذا في معنى قوله تعالى : { إنا كاشفوا العذاب قليلا ~~إنكم عائدون } ( الدخان : 15 ) . # و { لو } هنا داخلة على الفعل الماضي المراد منه الاستقبال بقرينة المقام ~~إذ المقام للإنذار والتأييس من الإغاثة عند نزول العذاب الموعود به ، وليس ~~مقام اعتذار من الله عن عدم استجابته لهم أو عن إمساك رحمته عنهم لظهور أن ~~ذلك لا يناسب مقام الوعيد والتهديد . وأما مجيء هذا الفعل بصيغة المضي فذلك ~~مراعاة لما شاع في الكلام من مقارنة ( لو ) لصيغة الحاضر لأن أصلها أن تدل ~~على الامتناع في الماضي ولذلك كان الأصل عدم جزم الفعل بعدها . PageV18P099 # واللجاج بفتح اللام : الاستمرار على الخصام وعدم الإقلاع عن ذلك . يقال : ~~لج يلج ويلج بكسر اللام وفتحها في المضارع على اختلاف حركة العين في الماضي ~~. # والطغيان : أشد الكبر . والعمه : التردد في الضلالة . و { في طغيانهم } ~~متعلق ب { يعمهون } قدم عليه للاهتمام بذكره ، وللرعي على الفاصلة . و ( في ~~) للظرفية المجازية المراد منها معنى السببية وتقدم قوله تعالى : { ويمدهم ~~في طغيانهم يعمهون } في سورة البقرة ( 15 ) . # # | 2 ( 76 ، 77 ) { ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون ~~* حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب ms5546 شديد إذا هم فيه مبلسون } . ) 2 # استدلال على مضمون قوله { ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في ~~طغيانهم يعمهون } ( المؤمنون : 75 ) بسابق إصرارهم على الشرك والإعراض عن ~~الالتجاء إلى الله وعدم الاتعاظ بأن ما حل بهم من العذاب هو جزاء شركهم . # والجملة المتقدمة خطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم وهو يعلم صدقه فلم يكن ~~بحاجة إلى الاستظهار عليه . ولكنه لما كان متعلقا بالمشركين وكان بحيث يبلغ ~~أسماعهم وهم لا يؤمنون بأنه كلام من لا شك في صدقه ، كان المقام محفوفا بما ~~يقتضي الاستدلال عليهم بشواهد أحوالهم فيما مضى ؛ ولذلك وقع قبله { فذرهم ~~في غمرتهم حتى حين } ( المؤمنون : 54 ) ، ووقع بعده { قل لمن الأرض ومن ~~فيها إن كنتم تعلمون } ( المؤمنون : 84 ) . # والتعريف في قوله { بالعذاب } للعهد ، أي بالعذاب المذكور آنفا في قوله : ~~{ حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب } ( المؤمنون : 64 ) الخ . ومصب الحال هو ~~ما عطف على جملتها من قوله { فما استكانوا لربهم } ، فلا تتوهمن أن إعادة ~~ذكر PageV18P100 العذاب هنا تدل على أنه عذاب آخر غير المذكور آنفا مستندا ~~إلى أن إعادة ذكر الأول لا طائل تحتها . وهذه الآية في معنى قوله في سورة ~~الدخان ( 13 15 ) { أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين ثم تولوا عنه } إلى ~~قوله { إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون } . والمعنى فلم يكن حظهم حين ~~أخذناهم بالعذاب إلا العويل والجؤار دون التوبة والاستغفار . # وقيل : هذا عذاب آخر سابق للعذاب المذكور آنفا فيتركب هذا على التفاسير ~~المتقدمة أنه عذاب الجوع الأول أو عذاب الجوع الثاني بالنسبة لعذاب يوم بدر ~~. # والاستكانة : مصدر بمعنى الخضوع مشتقة من السكون لأن الذي يخضع يقطع ~~الحركة أمام من خضع له ، فهو افتعال من السكون للدلالة على تمكن السكون ~~وقوته . وألفه ألف الافتعال مثل الاضطراب ، والتاء زائدة كزيادتها في ~~استعاذة . # وقيل الألف للإشباع ، أي زيدت في الاشتقاق فلازمت الكلمة . وليس ذلك من ~~الإشباع الذي يستعمله المستعملون شذوذا كقول طرفة : # ينباع من ذفري غضوب جسرة # أي ينبع . وأشار في ( الكشاف ) إلى الاستشهاد على ms5547 الإشباع في نحوه إلى ~~قول ابن هرمة : # وأنت من الغوائل حين ترمي # ومن ذم الرجال بمنتزاح # أراد : بمنتزح فأشبع الفتحة . # ويبعد أن يكون { استكانوا } استفعالا من الكون من جهتين : جهة مادته فإن ~~معنى الكون فيه غير وجيه وجهة صيغته لأن حمل السين والتاء فيه على معنى ~~الطلب غير واضح . # والتعبير بالمضارع في { يتضرعون } لدلالته على تجدد انتفاء تضرعهم . ~~والتضرع : الدعاء بتذلل ، وتقدم في قوله : { لعلهم يتضرعون } في سورة ~~PageV18P101 الأنعام ( 42 ) . والقول في جملة { حتى إذا فتحنا عليهم بابا } ~~كالقول في { حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب } ( المؤمنون : 64 ) . # و ( إذا ) من قوله { حتى إذا فتحنا عليهم بابا } مثل ( إذا ) التي تقدمت ~~في قوله { حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب } إلخ . # وفتح الباب تمثيل لمفاجأتهم بالعذاب بعد أن كان محجوزا عنه حسب قوله ~~تعالى : { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم } ( الأنفال : 33 ) . وقريب من ~~هذا التمثيل قوله تعالى { ولو دخلت عليهم من أقطارها } ( الأحزاب : 14 ) . # شبهت هيئة إصابتهم بالعذاب بعد أن كانوا في سلامة وعافية بهيئة ناس في ~~بيت مغلق عليهم ففتح عليهم باب البيت من عدو مكروه ، أو تقول : شبهت هيئة ~~تسليط العذاب عليهم بهيئة فتح باب اختزن فيه العذاب فلما فتح الباب انهال ~~العذاب عليهم . وهذا كما مثل بقوله : { وفار التنور } ( هود : 40 ) وقولهم ~~: طفحت الكأس بأعمال فلان ، وقوله تعالى : { فإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ~~ذنوب أصحابهم } ( الذاريات : 59 ) وقول علقمة : # فحق لشاس من نداك ذنوب # ومنه قول الكتاب : فتح باب كذا على مصراعيه ، تمثيلا لكثرة ذلك وأفاض ~~عليه سجلا من الإحسان ، وقول أبي تمام : # من شاعر وقف الكلام ببابه # واكتن في كنفي ذراه المنطق # ووصف { بابا } بكونه { ذا عذاب شديد } دون أن يضاف باب إلى عذاب فيقال : ~~باب عذاب كما قال تعالى : { فصب عليهم ربك سوط عذاب } ( الفجر : 13 ) لأن { ~~ذا عذاب } يفيد من شدة انتساب العذاب إلى الباب ما لا تفيده إضافة باب إلى ~~عذاب ، وليتأتى بذلك وصف ( عذاب ) ب ( شديد ) بخلاف قوله { سوط عذاب } فقد ~~استغني عن وصفه ms5548 ب ( شديد ) بأنه معمول لفعل ( صب ) الدال على الوفرة . ~~PageV18P102 # والمراد بالعذاب الشديد عذاب مستقبل . والأرجح : أن المراد به عذاب السيف ~~يوم بدر . وعن مجاهد : أنه عذاب الجوع . # وقيل : عذاب الآخرة . وعلى هذا الوجه يجوز أن يكون الباب حقيقة وهو باب ~~من أبواب جهنم كقوله تعالى : { حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها } ( الزمر : 71 ~~) . # والإبلاس : شدة اليأس من النجاة . يقال : أبلس ، إذا ذل ويئس من التخلص ، ~~وهو ملازم للهمزة ولم يذكروا له فعلا مجردا . فالظاهر أنه مشتق من البلاس ~~كسحاب وهو المسح ، وأن أصل أبلس صار ذا بلاس . وكان شعار من زهدوا في ~~النعيم . يقال : لبس المسوح ، إذا ترهب . # وهنا انتهت الجمل المعترضة المبتدأة بجملة { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه } ~~( المؤمنون : 23 ) وما تفرع عليها من قوله { فذرهم في غمرتهم حتى حين } ( ~~المؤمنون : 54 ) إلى قوله { إذا هم فيه مبلسون } # $ 2 ( 78 ) { وهو الذى & # 1764 أنشأ لكم السمع والابصار والافئدة قليلا ما تشكرون } . ) 2 $ # هذا رجوع إلى غرض الاستدلال على انفراد الله تعالى بصفات الإلهية ~~والامتنان بما منح الناس من نعمة لعلهم يشكرون بتخصيصه بالعبادة ، وذلك قد ~~انتقل عنه من قوله { وعليها وعلى الفلك تحملون } ( المؤمنون : 22 ) فانتقل ~~إلى الاعتبار بآية فلك نوح عليه السلام فأتبع بالاعتبار بقصص أقوام الرسل ~~عقب قوله تعالى : { وعليها وعلى الفلك تحملون } ( المؤمنون : 22 ) فالجملة ~~إما معطوفة على جملة { وإن لكم في الأنعام لعبرة } ( المؤمنون : 21 ) ~~والغرض واحد وما بينهما انتقالات . # وإما مستأنفة رجوعا إلى غرض الاستدلال والامتنان وقد تقدمت الإشارة إلى ~~هذا عند قوله تعالى : { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه } ( المؤمنون : 23 ) . # وفي هذا الانتقال من أسلوب إلى أسلوب ثم الرجوع إلى الغرض تجديد لنشاط ~~الذهن وتحريك للإصغاء إلى الكلام وهو من أساليب كلام PageV18P103 العرب في ~~خطبهم وطوالهم . وسماه السكاكي : قرى الأرواح . وجعله من آثار كرم العرب . # وقوله : { وهو الذي أنشأ لكم السمع } تذكير بوحدانية الله تعالى . # والأظهر أن يكون ضمير الجلالة مسندا واسم الموصول مسندا إليه لأنهم علموا ~~أن منشئا أنشأ لهم السمع والأبصار ، فصاحب ms5549 الصلة هو الأولى بأن يعتبر مسندا ~~إليه وهم لما عبدوا غيره نزلوا منزلة من جهل أنه الذي أنشأ لهم السمع فأتى ~~لهم بكلام مفيد لقصر القلب أو الإفراد ، أي الله الذي أنشأ ذلك دون أصنامكم ~~. والخطاب للمشركين على طريقة الالتفات ، أو لجميع الناس ، أو للمسلمين ، ~~والمقصود منه التعريض بالمشركين . # والإنشاء : الإحداث ، أي الإيجاد . # وجمع الأبصار والأفئدة باعتبار تعدد أصحابها . وأما إفراد السمع فجرى على ~~الأصل في إفراد المصدر لأن أصل السمع أنه مصدر . وقيل : الجمع باعتبار ~~المتعلقات فلما كان البصر يتعلق بأنواع كثيرة من الموجودات وكانت العقول ~~تدرك أجناسا وأنواعا جمعا بهذا الاعتبار . وأفرد السمع لأنه لا يتعلق إلا ~~بنوع واحد وهو الأصوات . # وانتصب { قليلا } على الحال من ضمير { لكم } . و { ما } مصدرية . ~~والتقدير : في حال كونكم قليلا شكركم . فإن كان الخطاب للمشركين فالشكر ~~مراد به التوحيد ، أي فالشكر الصادر منكم قليل بالنسبة إلى تشريككم غيره ~~معه في العبادة . وإن كان الخطاب لجميع الناس فالشكر عام في كل شكر نعمة ~~وهو قليل بالنسبة لقلة عدد الشاكرين ، لأن أكثر الناس مشركون كما قال تعالى ~~: { ولا تجد أكثرهم شاكرين } ( الأعراف : 17 ) . وإن كان الخطاب للمسلمين ~~والمقصود التعريض بالمشركين فالشكر عام وتقليله تحريض على الاستزادة منه ~~ونبذ الشرك . # # | 2 ( 79 ) { وهو الذى ذرأكم فى الارض وإليه تحشرون } . ) 2 # PageV18P104 # هو على شاكلة قوله : { وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار } ( المؤمنون : ~~78 ) . # والذرء : البث . وتقدم في سورة الأنعام ( 136 ) . وهذا امتنان بنعمة ~~الإيجاد والحياة وتيسير التمكن من الأرض وإكثار النوع لأن الذرء يستلزم ذلك ~~كله . وهذا استدلال آخر على انفراد الله تعالى بالإلهية إذ قد علموا أنه لا ~~شريك له في الخلق فكيف يشركون معه في الإلهية أصنافا هم يعلمون أنها لا ~~تخلق شيئا . وهو أيضا استدلال على البعث لأن الذي أحيا الناس عن عدم قادر ~~على إعادة إحيائهم بعد تقطع أوصالهم . # وقوبل الذرء بضده وهو الحشر والجمع ، فإن الحشر يجمع كل من كان على الأرض ~~من البشر . وفيه محسن الطباق . # والمقصود من هذه المقابلة ms5550 الرد على منكري البعث ، فتقديم المجرور في { ~~إليه تحشرون } تعريض بالتهديد بأنهم محشورون إلى الله فهو يجازيهم . # # | 2 ( 80 ) { وهو الذى يحاى ويميت وله اختلاف اليل والنهار أفلا تعقلون } ~~. ) 2 # هو من أسلوب { وهو الذي أنشأ لكم السمع } ( المؤمنون : 78 ) وأعقب ذكر ~~الحشر بذكر الإحياء لأن البعث إحياء إدماجا للاستدلال على إمكان البعث في ~~الاستدلال على عموم التصرف في العالم . # وأما ذكر الإماتة فلمناسبة التضاد ، ولأن فيها دلالة على عظيم القدرة ~~والقهر . ولما كان من الإحياء خلق الإيقاظ ومن الإماتة خلق النوم كما قال ~~تعالى : { الله يتوفى الأنفس حين موتها } ( الزمر : 42 ) الآية عطف على ذلك ~~أن بقدرته اختلاف الليل والنهار لتلك المناسبة ، ولأن في تصريف الليل ~~والنهار دلالة على عظيم القدرة ، والعلم دلالة على الانفراد بصفات الإلهية ~~وعلى وقوع البعث كما قال تعالى : { كما بدأكم تعودون } ( الأعراف : 29 ) . ~~PageV18P105 # واللام في { له اختلاف الليل والنهار } للملك ، أي بقدرته تصريف الليل ~~والنهار ، فالنهار يناسب الحياة ولذلك يسمى الهبوب في النهار بعثا ، والليل ~~يناسب الموت ولذلك سمى الله النوم وفاة في قوله : { وهو الذي يتوفاكم ~~بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه } ( الأنعام : 60 ) . # وتقديم المجرور للقصر ، أي له اختلاف الليل والنهار لا لغيره ، أي فغيره ~~لا تحق له الإلهية . # ولما كانت هذه الأدلة تفيد من نظر فيها علما بأن الإله واحد وأن البعث ~~واقع وكان المقصودون بالخطاب قد أشركوا به ولم يهتدوا بهذه الأدلة جعلوا ~~بمنزلة غير العقلاء فأنكر عليهم عدم العقل بالاستفهام الإنكاري المفرع على ~~الأدلة الأربعة بالفاء في قوله { أفلا تعقلون } . # وهذا تذييل راجع إلى قوله { وإليه تحشرون } ( المؤمنون : 79 ) وما بعده . # $ 2 ( 81 83 ) { بل قالوا مثل ما قال الاولون * قالو & # 1764 ا أءذا متنا وكنا ترابا وعظاما أءنا لمبعوثون * لقد وعدنا نحن ~~وءابآؤنا هاذا من قبل إن هاذآ إلا أساطير الاولين } . ) 2 $ # هذا إدماج لذكر أصل آخر من أصول الشرك وهو إحالة البعث بعد الموت . و ( ~~بل ) للإضراب الإبطالي إبطالا لكونهم يعقلون . وإثبات لإنكارهم البعث مع ms5551 ~~بيان ما بعثهم على إنكاره وهو تقليد الآباء . والمعنى : أنهم لا يعقلون ~~الأدلة لكنهم يتبعون أقوال آبائهم . # والكلام جرى على طريقة الالتفات من الخطاب إلى الغيبة لأن الكلام انتقل ~~من التقريع والتهديد إلى حكاية ضلالهم فناسب هذا الانتقال مقام الغيبة لما ~~في الغيبة من الإبعاد فالضمير عائد إلى المخاطبين . PageV18P106 # والقول هنا مراد به ما طابق الإعتقاد لأن الأصل في الكلام مطابقة اعتقاد ~~قائله ، فالمعنى : بل ظنوا مثل ما ظن الأولون . # والأولون : أسلافهم في النسب أو أسلافهم في الدين من الأمم المشركين . # وجملة { قالوا أإذا متنا } إلخ بدل مطابق من جملة { قالوا مثل ما قال ~~الأولون } تفصيل لإجمال المماثلة ، فالضمير الذي مع { قالوا } الثاني عائد ~~إلى ما عاد إليه ضمير { قالوا } الأول وليس عائدا على { الأولون } . ويجوز ~~جعل { قالوا } الثاني استئنافا بيانيا لبيان { ما قال الأولون } ويكون ~~الضمير عائدا إلى { الأولون } والمعنى واحد على التقديرين . وعلى كلا ~~الوجهين فإعادة فعل ( قالوا ) من قبيل إعادة الذي عمل في المبدل منه . ~~ونكتته هنا التعجيب من هذا القول . # وقرأ الجمهور { أإذا متنا } بهمزتين على أنه استفهام عن الشرط . وقرأه ~~ابن عامر بهمزة واحدة على صورة الخبر والاستفهام مقدر في جملة { إنا ~~لمبعوثون } . # وقرأ الجمهور { أإنا لمبعوثون } بهمزتين على تأكيد همزة الاستفهام الأولى ~~بإدخال مثلها على جواب الشرط . وقرأه نافع وأبو جعفر بدون همزة استفهام ~~ووجود همزة الاستفهام داخلة على الشرط كاف في إفادة الاستفهام عن جوابه . # والاستفهام إنكاري ، و { إذا } ظرف لقوله { مبعوثون } . # والجمع بين ذكر الموت والكون ترابا وعظاما لقصد تقوية الإنكار بتفظيع ~~إخبار القرآن بوقوع البعث ، أي الإحياء بعد ذلك التلاشي القوي . # وأما ذكر حرف ( إن ) في قولهم { أإنا لمبعوثون } فالمقصود منه حكاية دعوى ~~البعث بأن الرسول الذي يدعيها بتحقيق وتوكيد مع كونها شديدة الاستحالة ، ~~ففي حكاية توكيد مدعيها زيادة في تفظيع الدعوى في وهمهم . # وجملة { لقد وعدنا } إلخ تعليل للإنكار وتقوية له . وقد جعلوا مستند ~~تكذيبهم بالبعث أنه تكرر الوعد به في أزمان متعددة فلم يقع ولم يبعث واحد ~~من آبائهم ms5552 . PageV18P107 # ووجه ذكر الآباء دفع ما عسى أن يقول لهم قائل : إنكم تبعثون قبل أن ~~تصيروا ترابا وعظاما ، فأعدوا الجواب بأن الوعد بالبعث لم يكن مقتصرا عليهم ~~فيقعوا في شك باحتمال وقوعه بهم بعد موتهم وقبل فناء أجسامهم بل ذلك وعد ~~قديم وعد به آباؤهم الأولون وقد مضت أزمان وشوهدت رفاتهم في أجداثهم وما ~~بعث أحد منهم . # وجملة { إن هذا إلا أساطير الأولين } من القول الأول وهي مستأنفة ~~استئنافا بيانيا لجواب سؤال يثيره قولهم { لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من ~~قبل } وهو أن يقول سائل : فكيف تمالأ على هذه الدعوى العدد من الدعاة في ~~عصور مختلفة مع تحققهم عدم وقوعه ، فيجيبون بأن هذا الشيء تلقفوه عن بعض ~~الأولين فتناقلوه . # والإشارة في قوله { لقد وعدنا هذا } إلى ما تقدم في قولهم { أإذا متنا } ~~إلى آخره ، أي هذا المذكور من الكلام . وكذلك اسم الإشارة الثاني { إن هذا ~~إلا أساطير الأولين } . وصيغة القصر بمعنى : هذا منحصر في كونه من حكايات ~~الأولين . وهو قصر إضافي لا يعدو كونه من الأساطير إلى كونه واقعا كما زعم ~~المدعون . # والعدول عن الإضمار إلى اسم الإشارة الثاني لقصد زيادة تمييزه تشهيرا ~~بخطئه في زعمهم . # والأساطير : جمع أسطورة وهي الخبر الكاذب الذي يكسى صفة الواقع مثل ~~الخرافات والروايات الوهمية لقصد التلهي بها . وبناء الأفعولة يغلب فيما ~~يراد به التلهي مثل : الأعجوبة والأضحوكة والأرجوحة والأحدوثة وقد مضى ~~قريبا . # # | 2 ( 84 ، 85 ) { قل لمن الارض ومن فيهآ إن كنتم تعلمون * سيقولون لله ~~قل أفلا تذكرون } . ) 2 # PageV18P108 # استئناف استدلالل عليهم في إثبات الوحدانية لله تعالى عاد به الكلام ~~متصلا بقوله : { وهو الذي يحيي ويميت وله اختلاف الليل والنهار أفلا تعقلون ~~} ( المؤمنون : 80 ) . # والاستفهام تقريري ، أي أجيبوا عن هذا ، ولا يسعهم إلا الجواب بأنها لله ~~. والمقصود : إثبات لازم جوابهم وهو انفراده تعالى بالوحدانية . # و { إن كنتم تعلمون } شرط حذف جوابه لدلالة الاستفهام عليه ، تقديره : ~~فأجيبوني عن السؤال . وفي هذا الشرط توجيه لعقولهم أن يتأملوا فيظهر لهم أن ~~الأرض لله وأن من فيها لله فإن ms5553 كون جميع ذلك لله قد يخفى لأن الناس اعتادوا ~~نسبة المسببات إلى أسبابها المقارنة والتصرفات إلى مباشريها فنبهوا بقوله { ~~إن كنتم تعلمون } إلى التأمل ، أي إن كنتم تعلمون علم اليقين ، ولذلك عقب ~~بقوله : { سيقولون لله } ، أي يجيبون عقب التأمل جوابا غير بطيء . وانظر ما ~~تقدم في تفسير قوله تعالى : { قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله } في ~~سورة الأنعام ( 12 ) . # ووقعت جملة { قل أفلا تذكرون } جوابا لإقرارهم واعترافهم بأنها لله . ~~والاستفهام إنكاري إنكار لعدم تذكرهم بذلك ، أي تفطن عقولهم لدلالة ذلك على ~~انفراده تعالى بالإلهية . وخص بالتذكر لما في بعضه من خفاء الدلالة ~~والاحتياج إلى النظر . # # | 2 ( 86 ، 87 ) { قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم * سيقولون ~~لله قل أفلا تتقون } . ) 2 # تكرير الأمر بالقول وإن كان المقول مختلفا دون أن تعطف جملة { من رب ~~السماوات } لأنها وقعت في سياق التعداد فناسب أن يعاد الأمر بالقول دون ~~الاستغناء بحرف العطف . والمقصود وقوع هذه الأسئلة متتابعة دفعا ~~PageV18P109 لهم بالحجة ، ولذلك لم تعد في السؤالين الثاني والثالث جملة { ~~إن كنتم تعلمون } ( المؤمنون : 84 ) اكتفاء بالافتتاح بها . # وقرأ الجمهور { سيقولون لله } بلام جارة لاسم الجلالة على أنه حكاية ~~لجوابهم المتوقع بمعناه لا بلفظه ، لأنهم لما سئلوا ب ( من ) التي هي ~~للاستفهام عن تعيين ذات المستفهم عنه كان مقتضى الاستعمال أن يكون الجواب ~~بذكر اسم ذات المسؤول عنه ، فكان العدول عن ذلك إلى الجواب عن كون السماوات ~~السبع والعرش مملوكة لله عدولا إلى جانب المعنى دون اللفظ مراعاة لكون ~~المستفهم عنه لوحظ بوصف الربوبية والربوبية تقتضي الملك . ونظير هذا ~~الاستعمال ما أنشده القرطبي وصاحب ( المطلع ) : # إذا قيل من رب المزالف والقرى # ورب الجياد الجرد ؟ قلت لخالد # ولم أقف على من سبقهما بذكر هذا البيت ولعلهما أخذاه من ( تفسير الزجاج ) ~~ولم يعزواه إلى قائل ولعل قائله حذا به حذو استعمال الآية . # وأقول : إن الأجدر أن نبين وجه صوغ الآية بهذا الأسلوب فأرى أن ذلك لقصد ~~التعريض بأنهم يحترزون عن أن يقولوا : رب السماوات ms5554 السبع الله ، لأنهم ~~أثبتوا مع الله أربابا في السماوات إذ عبدوا الملائكة فهم عدلوا عما فيه ~~نفي الربوبية عن معبوداتهم واقتصروا على الإقرار بأن السماوات ملك لله لأن ~~ذلك لا يبطل أوهام شركهم من أصلها ؛ ألا ترى أنهم يقولون في التلبية في ~~الحج ( لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك ، تملكه وما ملك ) . ففي حكاية ~~جوابهم بهذا اللفظ تورك عليهم ، ولذلك ذيل حكاية جوابهم بالإنكار عليهم ~~انتفاء اتقائهم الله تعالى . PageV18P110 # وقرأه أبو عمرو ويعقوب { سيقولون الله } بدون لام الجر وهو كذلك في مصحف ~~البصرة وبذلك كان اسم الجلالة مرفوعا على أنه خبر ( من ) في قوله { من رب ~~السماوات } والمعنى واحد . # ولم يؤت مع هذا الاستفهام بشرط { إن كنتم تعلمون } ( المؤمنون : 84 ) ~~ونحوه كما جاء في سابقه لأن انفراد الله تعالى بالربوية في السماوات والعرش ~~لا يشك فيه المشركون لأنهم لم يزعموا إلهية أصنامهم في السماوات والعوالم ~~العلوية . # وخص وعظهم عقب جوابهم بالحث على تقوى الله لأنه لما تبين من الآية التي ~~قبلها أنهم لا يسعهم إلا الاعتراف بأن الله مالك الأرض ومن فيها وعقبت تلك ~~الآية بحظهم على التذكر ليظهر لهم أنهم عباد الله لا عباد الأصنام . وتبين ~~من هذه الآية أنه رب السماوات وهي أعظم من الأرض وأنهم لا يسعهم إلا ~~الاعتراف بذلك ناسب حثهم على تقواه لأنه يستحق الطاعة له وحده وأن يطيعوا ~~رسوله فإن التقوى تتضمن طاعة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم # وحذف مفعول { تتقون } لتنزيل الفعل منزلة القاصر لأنه دال على معنى خاص ~~وهو التقوى الشاملة لامتثال المأمورات واجتناب المنهيات . # # | 2 ( 88 ، 89 ) { قل من بيده ملكوت كل شىء وهو يجير ولا يجار عليه إن ~~كنتم تعلمون * سيقولون لله قل فأنى تسحرون } . ) 2 # قد عرفت آنفا نكتة تكرير القول . # والملكوت : مبالغة في الملك بضم الميم . فالملكوت : الملك المقترن ~~بالتصرف في مختلف الأنواع والعوالم لذلك جاء بعده { كل شيء } . # واليد : القدرة . ومعنى { يجير } يغيث ويمنع من يشاء من الأذى . ومصدره ~~الإجارة فيفيد معنى ms5555 الغلبة ، وإذا عدي بحرف الاستعلاء أفاد أن المجرور ~~PageV18P111 مغلوب على أن لا ينال المجار بأذى فمعنى { لا يجار عليه } لا ~~يستطيع أحد أن يمنع أحدا من عقابه . فيفيد معنى العزة التامة . # وبني فعل { يجار عليه } للمجهول لقصد انتفاء الفعل عن كل فاعل فيفيد ~~العموم مع الاختصار . # ولما كان تصرف الله هذا خفيا يحتاج إلى تدبر العقل لإدراكه عقب الاستفهام ~~بقوله : { إن كنتم تعلمون } كما عقب الاستفهام الأول بمثله حثا لهم على ~~علمه والاهتداء إليه . # ثم عقب بما يدل على أنهم إذا تدبروا علموا فقيل { سيقولون لله } . # وقرأ الجمهور { سيقولون لله } بلام الجر داخلة على اسم الجلالة مثل سالفه ~~. وقرأه أبو عمرو ويعقوب بدون لام وقد علمت ذلك في نظيره السابق . # ( وأنى ) يجوز أن تكون بمعنى ( من أين ) كما تقدم في سورة آل عمران ( 37 ~~) { قال يا مريم أنى لك هذا } والاستفهام تعجيبي . والسحر مستعار لترويج ~~الباطل بجامع تخيل ما ليس بواقع واقعا . والمعنى : فمن أين اختل شعوركم ~~فراج عليكم الباطل . فالمراد بالسحر ترويج أيمة الكفر عليهم الباطل حتى ~~جعلوهم كالمسحورين . # # | 2 ( 90 ) { بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون } . ) 2 # إضراب لإبطال أن يكونوا مسحورين ، أي بل ليس الأمر كما خيل إليهم . فالذي ~~أتيناهم به الحق يعني القرآن . والباء للتعدية كما يقال : ذهب به أي أذهبه ~~. وهذا كقوله آنفا { بل أتيناهم بذكرهم } ( المؤمنون : 71 ) . # والعدول عن الخطاب من قوله { فأنى تسحرون } ( المؤمنون : 89 ) إلى الغيبة ~~التفات لأنهم الموجه إليهم الكلام في هذه الجملة . والحق هنا : الصدق فلذلك ~~قوبل بنسبتهم إلى الكذب فيما رموا به القرءان من قولهم { إن هذا إلا أساطير ~~الأولين } ( المؤمنون : 83 ) وفي مقابلة الحق ب { كاذبون } محسن الطباق . ~~PageV18P112 # وتأكيد نسبتهم إلى الكذب ب ( إن ) واللام لتحقيق الخبر . # وقد سلكت في ترتيب هذه الأدلة طريقة الترقي ؛ فابتدىء بالسؤال عن مالك ~~الأرض ومن فيها لأنها أقرب العوالم لإدراك المخاطبين ، ثم ارتقي إلى ~~الاستدلال بربوبية السماوات والعرش ، ثم ارتقي إلى ما هو أعم وأشمل وهو ~~تصرفه المطلق في الأشياء كلها ولذلك اجتلبت ms5556 فيه أداة العموم وهي ( كل ) . # # | 2 ( 91 ، 92 ) { ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل ~~إلاه بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون * عالم الغيب ~~والشهادة فتعالى عما يشركون } . ) 2 # أتبع الاستدلال على إثبات الوحدانية لله تعالى بالاستدلال على انتفاء ~~الشركاء له في الإلهية . وقدمت النتيجة على القياس لتجعل هي المطلوب فإن ~~النتيجة والمطلوب متحدان في المعنى مختلفان بالاعتبار ، فهي باعتبار حصولها ~~عقب القياس تسمى نتيجة ، وباعتبار كونها دعوى مقام عليها الدليل وهو القياس ~~تسمى مطلوبا كما في علم المنطق . ولتقديمها نكتة أن هذا المطلوب واضح ~~النهوض لا يفتقر إلى دليل إلا لزيادة الاطمئنان فقوله : { ما اتخذ الله من ~~ولد وما كان معه من إلاه } هو المطلوب وقوله { إذا لذهب كل إلاه بما خلق } ~~إلى آخر الآية هو الدليل . وتقديم هذا المطلوب على الدليل أغنى عن التصريح ~~بالنتيجة عقب الدليل . وذكر نفي الولد استقصاء للرد على مختلف عقائد أهل ~~الشرك من العرب فإن منهم من توهم أنه ارتقى عن عبادة الأصنام فعبدوا ~~الملائكة وقالوا : هم بنات الله . # وإنما قدم نفي الولد على نفي الشريك مع أن أكثر المشركين عبدة أصنام لا ~~عبدة الملائكة نظرا إلى أن شبهة عبدة الملائكة أقوى من شبهة عبدة ~~PageV18P113 الأصنام لأن الملائكة غير مشاهدين فليست دلائل الحدوث بادية ~~عليهم كالأصنام ، ولأن الذين زعموهم بنات الله أقرب للتمويه من الذين زعموا ~~الحجارة شركاء لله ، وقد أشرنا إلى ذلك آنفا عند قوله تعالى { قل من رب ~~السماوات السبع } ( المؤمنون : 86 ) الآية . # و ( إذن ) حرف جواب وجزاء لكلام قبلها ملفوظ أو مقدر . والكلام المجاب ~~هنا هو ما تضمنه قوله { وما كان معه من إلاه } فالجواب ضد ذلك النفي . وإذ ~~قد كان هذا الضد أمرا مستحيل الوقوع تعين أن يقدر له شرط على وجه الفرض ~~والتقدير ، والحرف المعد لمثل هذا الشرط هو ( لو ) الامتناعية ، فالتقدير : ~~ولو كان معه إله لذهب كل إله بما خلق . # وبقاء اللام في صدر الكلام الواقع بعد ms5557 ( إذن ) دليل على أن المقدر شرط ( ~~لو ) لأن اللام تلزم جواب ( لو ) ولأن غالب مواقع ( إذن ) أن تكون جواب ( ~~لو ) فلذلك جاز حذف الشرط هنا لظهور تقديره . # وقد تقدم بيان ذلك عند قوله تعالى : { إنكم إذن مثلهم } في سورة النساء ( ~~140 ) . # فقوله : { إذن لذهب كل إلاه بما خلق } استدلال على امتناع أن يكون مع ~~الله آلهة . # وإنما لم يستدل على امتناع أن يتخذ الله ولدا لأن الاستدلال على ما بعده ~~مغن عنه لأن ما بعده أعم منه وانتفاء الأعم يقتضي انتفاء الأخص فإنه لو كان ~~لله ولد لكان الأولاد آلهة لأن ولد كل موجود إنما يتكون على مثل ماهية أصله ~~كما دل عليه قوله تعالى : { قل إن كان للرحمان ولد فأنا أول العابدين } ( ~~الزخرف : 81 ) أي له . # والذهاب في قوله { لذهب كل إلاه } مستعار للاستقلال بالمذهوب به وعدم ~~مشاركة غيره له فيه . وبيان انتظام هذا الاستدلال أنه لو كان مع الله ءالهة ~~لاقتضى ذلك أن يكون الآلهة سواء في صفات الإلهية وتلك الصفات كمالات ~~PageV18P114 تامة فكان كل إلاه خالقا لمخلوقات لثبوت الموجودات الحادثة وهي ~~مخلوقة ، فلا جائز أن تتوارد الآلهة على مخلوق واحد لأن ذلك : إما لعجز عن ~~الانفراد بخلق بعض المخلوقات وهذا لا ينافي الإلهية ، وإما تحصيل للحاصل ~~وهو محال ، فتعين أن ينفرد كل إلاه بطائفة من المخلوقات . ولنفرض أن تكون ~~مخلوقات كل إلاه مساوية لمخلوقات غيره بناء على أن الحكمة تقتضي مقدارا ~~معينا من المخلوقات يعلمها الإلاه الخالق لها ؛ فتعين أن لا تكون للإلاه ~~الذي لم يخلق طائفة من المخلوقات ربوبية على ما لم يخلقه وهذا يفضي إلى نقص ~~في كل من الآلهة وهو يستلزم المحال لأن الإلاهية تقتضي الكمال لا النقص . ~~ولا جرم أن تلك المخلوقات ستكون بعد خلقها معرضة للزيادة والنقصان والقوة ~~والضعف بحسب ما يحف بها عن عوارض الوجود التي لا تخلو عنها المخلوقات كما ~~هو مشاهد في مخلوقات الله تعالى الواحد . ولا مناص عن ذلك لأن خالق ~~المخلوقات أودع فيها خصائص ملازمة لها كما ms5558 اقتضته حكمته ، فتلك المخلوقات ~~مظاهر لخصائصها لا محالة فلا جرم أن ذلك يقتضي تفوق مخلوقات بعض الآلهة على ~~مخلوقات بعض آخر بعوارض من التصرفات والمقارنات لازمة لذلك ، لا جرم يستلزم ~~ذلك كله لازمين باطلين : # أولهما : أن يكون كل إلاه مختصا بمخلوقاته فلا يتصرف فيها غيره من الآلهة ~~ولا يتصرف هو في مخلوقات غيره ، فيقتضي ذلك أن كل إلاه من الآلهة عاجز عن ~~التصرف في مخلوقات غيره . وهذا يستلزم المحال لأن العجز نقص والنقص ينافي ~~حقيقة الإلهية . وهذا دليل برهاني على الوحدانية لأنه أدى إلى استحالة ضدها ~~. فهذا معنى قوله تعالى : { لذهب كل إلاه بما خلق } . # وثاني : اللازمين أن تصير مخلوقات بعض الآلهة أوفر أو أقوى من مخلوقات ~~إلاه آخر بعوارض تقتضي ذلك من آثار الأعمال النفسانية وآثار الأقطار ~~والحوادث كما هو المشاهد في اختلاف أحوال مخلوقات الله تعالى الواحد ، فلا ~~جرم أن ذلك يفضي إلى اعتزاز الإلاه الذي تفوقت مخلوقاته على الإلاه ~~PageV18P115 الذي تنحط مخلوقاته ، وهذا يقتضي أن يصير بعض تلك الآلهة أقوى ~~من بعض وهو مناف للمساواة في الإلهية . وهذا معنى قوله تعالى : { ولعلا ~~بعضهم على بعض } . # وهذا الثاني بناء على المعتاد من لوازم الإلهية في أنظار المفكرين ، وإلا ~~فيجوز اتفاق الآلهة على أن لا يخلقوا مخلوقات قابلة للتفاوت بأن لا يخلقوا ~~إلا حجارة أو حديدا مثلا ؛ إلا أن هذا ينافي الواقع في المخلوقات . # ويجوز اتفاق الآلهة أيضا على أن لا يعتز بعضهم على بعض بسبب تفاوت ملكوت ~~كل على ملكوت الآخر بناء على ما اتصفوا به من الحكمة المتماثلة التي تعصمهم ~~عن صدور ما يؤدي إلى اختلال المجد الإلهي ؛ إلا أن هذا المعنى لا يخلو من ~~المصانعة وهي مشعرة بضعف المقدرة . فبذلك كان الاستدلال الذي في هذه الآية ~~برهانيا ، وهو مثل الاستدلال الذي في قوله تعالى { لو كان فيهما آلهة إلا ~~الله لفسدتا } ( الأنبياء : 22 ) إلا أن هذا بني على بعض لزوم النقص في ذات ~~الآلهة وهو ما لا يجوزه المردود عليهم ، والآخر بني على لزوم اختلال أحوال ms5559 ~~المخلوقات السماوية والأرضية وهو ما تبطله المشاهدة . # أما الدليل البرهاني الخالص على استحالة تعدد الآلهة بالذات فله مقدمات ~~أخرى قد وفى أيمة علم الكلام بسطها بما لارواج بعده لعقيدة الشرك . وقد ~~أشار إلى طريقة منها المحقق عمر القزويني في هذا الموضع من ( حاشيته ) على ~~( الكشاف ) ولكنه انفرد بادعاء أنه مأخوذ من الآية وليس كما ادعى . وقد ~~ساقه الشهاب الآلوسي فإن شئت فتأمله . # ولما اقتضى هذا الدليل بطلان قولهم عقب الدليل بتنزيه الله تعالى عن ~~أقوال المشركين بقوله تعالى : { سبحان الله عمايصفون } وهو بمنزلة نتيجة ~~PageV18P116 الدليل . وما يصفونه به هو ما اختصوا بوصفهم الله به من ~~الشركاء في الإلهية ومن تعذر البعث عليه ونحو ذلك وهو الذي جرى فيه غرض ~~الكلام . # وإنما أتبع الاستدلال على انتفاء الشريك بقوله { علام الغيب والشهادة } ~~المراد به عموم العلم وإحاطته بكل شيء كما أفادته لام التعريف في { الغيب ~~والشهادة } من الاستغراق الحقيقي ، أي عالم كل مغيب وكل ظاهر ، لدفع توهم ~~أن يقال : إن استقلال كل إلاه بما خلق قد لا يفضي إلى علو بعض الآلهة على ~~بعض ، لجواز أن لا يعلم أحد من الآلهة بمقدار تفاوت ملكوته على ملكوت الآخر ~~فلا يحصل علو بعضهم على بعض لاشتغال كل إله بملكوته . ووجه الدفع أن الإله ~~إذا جاز أن يكون غير خالق لطائفة من المخلوقات التي خلقها غيره لئلا تتداخل ~~القدر في مقدورات واحدة لا يجوز أن يكون غير عالم بما خلقه غيره لأن صفات ~~العلم لا تتداخل ، فإذا علم أحد الآلهة مقدار ملكوت شركائه فالعالم بأشدية ~~ملكوته يعلو على من هو دونه في الملكوت . فظهر أن قوله { عالم الغيب ~~والشهادة } من تمام الاستدال على انتفاء الشركاء ، ولذلك فرع عنه بالفاء ~~قوله { فتعالى عما يشركون } . # وقرأ نافع وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم وأبو جعفر وخلف { عالم الغيب ~~} برفع { عالم } على أنه خبر مبتدأ محذوف وهو من الحذف الشائع في الاستعمال ~~إذا أريد الإخبار عن شيء بعد أن أجريت عليه أخبار أو صفات . # وقرأه ابن كثير وابن ms5560 عامر وأبو عمرو وحفص عن عاصم ويعقوب بجر { عالم } ~~على الوصف لاسم الجلالة في قوله { سبحان الله عما يصفون } . # و ( ما ) مصدرية . والمعنى فتعالى عن إشراكهم ، أي هو أعظم من أن يكون ~~موصوفا بكونه مشاركا في وصفه العظيم ، أي هو منزه عن ذلك . # # | 2 ( 93 95 ) { قل رب إما ترينى ما يوعدون * رب فلا تجعلنى فى القوم ~~الظالمين * وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون } . ) 2 # PageV18P117 # آذنت الآيات السابقة بأقصى ضلال المشركين وانتفاء عذرهم فيما دانوا به ~~الله تعالى وبغضب الله عليهم لذلك ، وأنهم سواء في ذلك مع الأمم التي عجل ~~الله لها العذاب في الدنيا وادخر لها عذابا آخر في الآخرة ، فكان ذلك نذراة ~~لهم بمثله وتهديدا بما سيقولونه وكان مثارا لخشية النبي صلى الله عليه وسلم ~~أن يحل العذاب بقومه في حياته والخوف من هوله فلقن الله نبيئه أن يسأل ~~النجاة من ذلك العذاب . وفي هذا التلقين تعريض بأن الله منجيهم من العذاب ~~بحكمته ، وإيماء إلى أن الله يري نبيئه حلول العذاب بمكذبيه كما هو شأن ~~تلقين الدعاء كما في قوله : { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } ( ~~البقرة : 286 ) الآية . # فهذه الجملة استئناف بياني جوابا عما يختلج في نفس رسول الله عليه الصلاة ~~والسلام . وقد تحقق ذلك فيما حل بالمشركين يوم بدر ويوم حنين . فالوعيد ~~المذكور هنا وعيد بعقاب في الدنيا كما يقتضيه قوله : { فلا تجعلني في القوم ~~الظالمين } . # وذكر في هذا الدعاء لفظ ( رب ) مكررا تمهيدا للإجابة لأن وصف الربوبية ~~يقتضي الرأفة بالمربوب . # وأدخل بعد حرف الشرط ( ما ) الزائدة للتوكيد فاقترن فعل الشرط بنون ~~التوكيد لزيادة تحقيق ربط الجزاء بالشرط . # ونظيره في تكرير المؤكدات بين الشرط وجوابه قول الأعشى : # إما ترينا حفاة لا نعال لنا # إنا كذلك ما نحفى وننتعل # أي فاعلمي حقا أنا نحفى تارة وننتعل أخرى لأجل ذلك ، أي لأجل إخفاء الخطى ~~لا للأجل وجدان نعل مرة وفقدانها أخرى كحال أهل الخصاصة . # وقد تقدم في قوله { وإما ينزغنك من الشيطان نزغ } في آخر الأعراف ms5561 ( 200 ) ~~. والمعنى : إذا كان ما يوعدون حاصلا في حياتي فأنا أدعوكم أن لا تجعلوني ~~فيهم حينئذ . PageV18P118 # واستعمال حرف الظرفية من قوله : { في القوم الظالمين } يشير إلى أنه أمر ~~أن يسأل الكون في موضع غير موضع المشركين ، وقد تحقق ذلك بالهجرة إلى ~~المدينة فالظرفية هنا حقيقية ، أي بينهم . # والخبر الذي هو قوله : { وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون } مستعمل في ~~إيجاد الرجاء بحصول وعيد المكذبين في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وإلا ~~فلا حاجة إلى إعلام الرسول بقدرة الله على ذلك . # وفي قوله : { أن نريك } إيماء إلى أنه في منجاة من أن يلحقه ما يوعدون به ~~وأنه سيراه مرأى عين دون كون فيه . وقد يبدو أن هذا وعد غريب لأن المتعارف ~~أن يكون العذاب سماويا فإذا نجى الله منه بعض رسله مثل لوط فإنه يبعده عن ~~موضع العذاب ولكن كان عذاب هؤلاء غير سماوي فتحقق في مصرع صناديدهم يوم بدر ~~بمرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ووقف رسول الله على القليب قليب بدر ~~وناداهم بأسمائهم واحدا واحدا وقال لهم ( لقد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل ~~وجدتم ما وعد ربكم حقا ) . وبهذا القصد يظهر موقع حرفي التأكيد ( إن ) ~~واللام من إصابة محز الإعجاز . # # | 2 ( 96 ) { ادفع بالتى هى أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون } . ) 2 # لما أنبأ الله رسوله عليه الصلاة والسلام بما يلمح له بأنه منجز وعيده من ~~الذين كذبوه فعلم الرسول والمسلمون أن الله ضمن لهم النصر أعقب ذلك بأن ~~أمره بأن يدفع مكذبيه بالتي هي أحسن وأن لا يضيق بتكذيبهم صدره فذلك دفع ~~السيئة بالحسنة كما هو أدب الإسلام . وسيأتي بيانه في سورة فصلت ( 34 ) عند ~~قوله { ادفع بالتي هي أحسن . # وقوله نحن أعلم بما يصفون } خبر مستعمل كناية عن كون الله يعامل أصحاب ~~الإساءة لرسوله بما هم أحقاء به من العقاب لأن الذي هو أعلم بالأحوال يجري ~~عمله على مناسب تلك الأحوال بالعدل وفي هذا تطمين لنفس الرسول صلى الله ~~عليه وسلم PageV18P119 # وحذف مفعول ms5562 { يصفون } وتقديره : بما يصفونك ، أي مما يضيق به صدرك . وذلك ~~تعهد بأنه يجازيهم على ما يعلم منهم قرب أحد يبدو منه السوء ينطوي ضميره ~~على بعض الخير فقد كان فيهم من يحدب على النبي في نفسه ، ورب أحد هو بعكسه ~~كما قال تعالى : { ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله ~~على ما في قلبه وهو ألد الخصام } ( البقرة : 204 ) . # و { التي هي أحسن } مراد بها الحسنة الكاملة ، فاسم التفضيل للمبالغة مثل ~~قوله { السجن أحب إلي } ( يوسف : 33 ) . # والتخلق بهذه الآية هو أن المؤمن الكامل ينبغي له أن يفوض أمر المعتدين ~~عليه إلى الله فهو يتولى الانتصار لمن توكل عليه وأنه إن قابل السيئة ~~بالحسنة كان انتصار الله أشفى لصدره وأرسخ في نصره ، وماذا تبلغ قدرة ~~المخلوق تجاه قدرة الخالق ، وهو الذي هزم الأحزاب بلا جيوش ولا فيالق . # وهكذا كان خلق النبي صلى الله عليه وسلم فقد كان لا ينتقم لنفسه وكان ~~يدعو ربه . وذكر في ( المدارك ) في ترجمة عبد الله بن غانم : أن رجلا يقال ~~له ابن زرعة كان له جاه ورئاسة وكان ابن غانم حكم عليه بوجه حق ترتب عليه ، ~~فلقي ابن غانم في موضع خال فشتمه فأعرض عنه ابن غانم فلما كان بعد ذلك لقيه ~~بالطريق فسلم ابن زرعة على ابن غانم فرد عليه ابن غانم ورحب به ومضى معه ~~إلى منزله وعمل له طعاما فلما أراد مفارقته قال لابن غانم : يا أبا عبد ~~الرحمن اغفر لي واجعلني في حل مما كان من خطابي ، فقال له ابن غانم : أما ~~هذا فلست أفعله حتى أوقفك بين يدي الله تعالى ، وأما أن ينالك مني في ~~الدنيا مكروه أو عقوبة فلا . # # | 2 ( 97 ، 98 ) { وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين * وأعوذ بك رب أن ~~يحضرون } . ) 2 # PageV18P120 # الظاهر أن يكون المعطوف مواليا للمعطوف هو عليه ، فيكون قوله { وقل رب ~~أعوذ بك من همزات الشياطين } متصلا بقوله : { ادفع بالتي هي أحسن السيئة } ~~( المؤمنون : 96 ) فلما أمر الله رسوله صلى ms5563 الله عليه وسلم أن يفوض جزاءهم ~~إلى ربه أمره بالتعوذ من حيلولة الشياطين دون الدفع بالتي هي أحسن ، أي ~~التعوذ من تحريك الشيطان داعية الغضب والانتقام في نفس النبي صلى الله عليه ~~وسلم فيكون { الشياطين } مستعملا في حقيقته . والمراد من همزات الشياطين : ~~تصرفاتهم بتحريك القوى التي في نفس الإنسان ( أي في غير أمور التبليغ ) مثل ~~تحريك القوة الغضبية كما تأول الغزالي في قول النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الحديث ( ولكن الله أعانني عليه فأسلم ) . ويكون أمر الله تعالى نبيه عليه ~~الصلاة والسلام بالتعوذ من همزات الشياطين مقتضيا تكفل الله تعالى ~~بالاستجابة كما في قوله تعالى : { ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على ~~الذين من قبلنا } ( البقرة : 286 ) ، أو يكون أمره بالتعوذ من همزات ~~الشياطين مرادا به الاستمرار على السلامة منهم . قال في ( الشفاء ) : الأمة ~~مجتمعة ( أي مجمعة ) على عصمة النبي صلى الله عليه وسلم من الشيطان لا في ~~جسمه بأنواع الأذى ، ولا على خاطره بالوساوس . # ويجوز أن تكون جملة { وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين } عطفا على جملة ~~{ قل رب إما تريني ما يوعدون } ( المؤمنون : 93 ) بأن أمره الله بأن يلجأ ~~إليه بطلب الوقاية من المشركين وأذاهم ، فيكون المراد من الشياطين المشركين ~~فإنهم شياطين الإنس كما قال تعالى : { وكذلك جعلنا لكل نبيء عدوا شياطين ~~الإنس والجن } ( الأنعام : 112 ) ويكون هذا في معنى قوله : { قل أعوذ برب ~~الناس } إلى قوله { الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس } ( الناس : ~~1 6 ) فيكون المراد : أعوذ بك من همزات القوم الظالمين أو من همزات ~~الشياطين منهم . # والهمز حقيقته : الضغط باليد والطعن بالإصبع ونحوه ، ويستعمل مجازا بمعنى ~~الأذى بالقول أو بالإشارة ، ومنه قوله تعالى : { هماز مشاء بنميم } ( القلم ~~: 11 ) وقوله : { ويل لكل همزة لمزة } ( الهمزة : 1 ) . PageV18P121 # ومحمله هنا عندي على المعنى المجازي على كلا الوجهين في المراد من ~~الشياطين . وهمز شياطين الجن ظاهر ، وأما همز شياطين الإنس فقد كان من أذى ~~المشركين النبي صلى الله عليه وسلم لمزه والتغامز عليه والكيد ms5564 له . # ومعنى التعوذ من همزهم : التعوذ من آثار ذلك . فإن من ذلك أن يغمزوا بعض ~~سفهائهم إغراء لهم بأذاه ، كما وقع في قصة إغرائهم من أتى بسلا جزور فألقاه ~~على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في صلاته حول الكعبة . وهذا الوجه في ~~تفسير الشياطين هو الأليق بالغاية في قوله { حتى إذا جاء أحدهم الموت } ( ~~المؤمنون : 99 ) كما سيأتي . # وأما قوله : { وأعوذ بك رب أن يحضرون } فهو تعوذ من قربهم لأنهم إذا ~~اقتربوا منه لحقه أذاهم . # $ 2 ( 99 ، 100 ) { حتى إذا جآء أحدهم الموت قال رب ارجعون * لعلى & # 1764 أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قآئلها ومن ورآئهم برزخ إلى ~~يوم يبعثون } . ) 2 $ # { حتى } ابتدائية وقد علمت مفادها غير مرة ، وتقدمت في سورة الأنبياء . ~~ولا تفيد أن مضمون ما قبلها مغيا بها فلا حاجة إلى تعليق ( حتى ) ب { يصفون ~~} ( المؤمنون : 91 ) . والوجه أن ( حتى ) متصلة بقوله { وإنا على أن نريك ~~ما نعدهم لقادرون } ( المؤمنون : 95 ) . فهذا انتقال إلى وصف ما يلقون من ~~العذاب في الآخرة بعد أن ذكر عذابهم في الدنيا فيكون قوله هنا { حتى إذا ~~جاء أحدهم الموت } وصفا أنفا لعذابهم في الآخرة . وهو الذي رجحنا به أن ~~يكون ما سبق ذكره من العذاب ثلاث مرات عذابا في الدنيا لا في الآخرة . فإن ~~حملت العذاب السابق الذكر على عذاب الآخرة كان ذلك إجمالا وكان قوله ~~PageV18P122 { حتى إذا جاء أحدهم الموت } إلى آخره تفصيلا له . # وضمائر الغيبة عائدة إلى ما عادت عليه الضمائر السابقة من قوله { قالوا ~~أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون } ( المؤمنون : 82 ) إلى ما هنا ~~وليست عايدة إلى الشياطين . ولقصد إدماج التهديد بما سيشاهدون من عذاب أعد ~~لهم فيندمون على تفريطهم في مدة حياتهم . # وضمير الجمع في { ارجعون } تعظيم للمخاطب . والخطاب بصيغة الجمع لقصد ~~التعظيم طريقة عربية ، وهو يلزم صيغة التذكير فيقال في خطاب المرأة إذا قصد ~~تعظيمها : أنتم . ولا يقال : أنتن . قال العرجي : # فإن شئتت حرمت النساء سواكم # وإن شئتت لم أطعم نقاخا ms5565 ولا بردا # فقال : سواكم ، وقال جعفر بن علبة الحارثي من شعراء الحماسة : # فلا تحسبي أني تخشعت بعدكم # لشيء ولا أني من الموت أفرق # فقال : بعدكم ، وقد حصل لي هذا باستقراء كلامهم ولم أر من وقف عليه . # وجملة الترجي في موضع العلة لمضمون { ارجعون } . # والترك هنا مستعمل في حقيقته وهو معنى التخلية والمفارقة . وما صدق { ما ~~تركت } عالم الدنيا . ويجوز أن يراد بالترك معناه المجازي وهو الإعراض ~~والرفض ، على أن يكون ما صدق الموصول الإيمان بالله وتصديق رسوله ، فذلك هو ~~الذي رفضه كل من يموت على الكفر ، فالمعنى : لعلي أسلم وأعمل صالحا في حالة ~~إسلامي الذي كنت رفضته ، فاشتمل هذا المعنى على وعد بالامتثال واعتراف ~~بالخطأ فيما سلف . وركب بهذا النظم الموجز قضاء لحق البلاغة . # و { كلا } ردع للسامع ليعلم إبطال طلبة الكافر . # وقوله : { إنها كلمة هو قائلها } تركيب يجري مجرى المثل وهو من مبتكرات ~~القرآن . وحاصل معناه : أن قول المشرك { رب ارجعون } إلخ لا يتجاوز أن يكون ~~كلاما صدر من لسانه لا جدوى له فيه ، أي لا يستجاب طلبه به . PageV18P123 # فجملة { هو قائلها } وصف ل { كلمة } ، أي هي كلمة هذا وصفها . وإذ كان من ~~المحقق أنه قائلها لم يكن في وصف { كلمة } به فائدة جديدة فتعين أن يكون ~~الخبر مستعملا في معنى أنه لا وصف لكلمته غير كونها صدرت من في صاحبها . # وبذلك يعلم أن التأكيد بحرف ( إن ) لتحقيق المعنى الذي استعمل له الوصف . # والكلمة هنا مستعمل في الكلام كقول النبي صلى الله عليه وسلم ( أصدق كلمة ~~قالها شاعر كلمة لبيد : # ألا كل شيء ما خلا الله باطل ) # وكما في قولهم : كلمة الشهادة وكلمة الإسلام . وتقدم قوله تعالى { ولقد ~~قالوا كلمة الكفر } في سورة براءة ( 74 ) . # والوراء هنا مستعار للشيء الذي يصيب المرء لا محالة ويناله وهو لا يظنه ~~يصيبه . شبه ذلك بالذي يريد اللحاق بالسائر فهو لاحقه ، وهذا كقوله تعالى { ~~والله من ورائهم محيط } ( البروج : 20 ) وقوله { ومن ورائهم جهنم } ( ~~الجاثية : 10 ) وقوله { من ورائهم عذاب غليظ } ( إبراهيم : 17 ms5566 ) . وتقدم ~~قوله : { وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا } ( الكهف : 79 ) . # وقال لبيد : # أليس ورائي أن تراخت منيتي # لزوم العصا تحنى عليها الأصابع # والبرزخ : الحاجز بين مكانين . قيل : المراد به في هذه الآية القبر ، ~~وقيل : هو بقاء مدة الدنيا ، وقيل : هو عالم بين الدنيا والآخرة تستقر فيه ~~الأرواح فتكاشف على مقرها المستقبل ، وإلى هذا مال الصوفية . وقال السيد في ~~( التعريفات ) : البرزخ العالم المشهود بين عالم المعاني المجردة وعالم ~~الأجسام المادية ، أعني الدنيا والآخرة ويعبر به عن عالم المثال اه ، أي ~~عند الفلاسفة القدماء . # ومعنى { إلى يوم يبعثون } أنهم غير راجعين إلى الحياة إلى يوم البعث . ~~فهي إقناط لهم لأنهم يعلمون أن يوم البعث الذي وعدوه لا رجوع بعده ~~PageV18P124 إلى الدنيا فالذي قال لهم { إلى يوم يبعثون } هو الذي أعلمهم ~~بما هو البعث . # $ 2 ( 101 104 ) { لله فإذا نفخ فى الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا ~~يتسآءلون * فمن ثقلت موازينه فأولائك هم المفلحون * ومن خفت موازينه ~~فأولائك الذين خسرو & # 1764 ا أنفسهم فى جهنم خالدون * تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون } . ) ~~2 $ # تفريع على قوله { إلى يوم يبعثون } ( المؤمنون : 100 ) فإن زمن النفخ في ~~الصور هو يوم البعث فالتقدير : فإذا جاء يوم يبعثون ، ولكن عدل عن ذلك إلى ~~{ فإذا نفخ في الصور } تصوير لحالة يوم البعث . # والصور : البوق الذي ينفخ فيه النافخ للتجمع والنفير ، وهو مما ينادى به ~~للحرب وينادى به للصلاة عند اليهود كما جاء في حديث بدء الأذان من ( صحيح ~~البخاري ) . وتقدم ذكر الصور عند قوله تعالى : { وله الملك يوم ينفخ في ~~الصور } في سورة الأنعام ( 73 ) . # وأسند { نفخ } إلى المجهول لأن المعتنى به هو حدوث النفخ لا تعيين النافخ ~~. وإنما ينفخ فيه بأمر تكوين من الله تعالى ، أو ينفخ فيه أحد الملائكة وقد ~~ورد أنه الملك إسرافيل . # والمقصود التفريع الثاني في قوله { فمن ثقلت موازينه } إلى آخره لأنه ~~مناط بيان الرد على قول قائلهم { رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت } ( ~~المؤمنون : 99 ، 100 ) المردود إجمالا بقوله تعالى ms5567 { كلا إنها كلمة هو ~~قائلها } ( المؤمنون : 100 ) فقدم عليه ما هو كالتمهيد له وهو قوله { فلا ~~أنساب بينهم } إلى آخره مبادرة بتأييسهم من أن تنفعهم أنسابهم أو استنجادهم ~~. PageV18P125 # والأظهر أن جواب ( إذا ) هو قوله الآتي { قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين ~~} ( المؤمنون : 112 ) كما سيأتي وما بينهما كله اعتراض نشأ بعضه عن بعض . # وضمير { بينهم } عائد إلى ما عادت عليه ضمائر جمع الغائبين قبله وهي ~~عائدة إلى المشركين . # ومعنى نفي الأنساب نفي آثارها من النجدة والنصر والشفاعة لأن تلك في ~~عرفهم من لوازم القرابة . فقوله { فلا أنساب بينهم } كناية عن عدم النصير . # والتساؤل : سؤال بعضهم بعضا . والمعني به التساؤل المناسب لحلول يوم ~~الهول ، وهو أن يسأل بعضهم بعضا المعونة والنجدة ، كقوله تعالى { ولا يسأل ~~حميم حميما } ( المعارج : 10 ) . # وأما إثبات التساؤل يومئذ في قوله تعالى { وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ~~قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين قالوا بل لم تكونوا مؤمنين وما كان لنا ~~عليكم من سلطان بل كنتم قوما طاغين فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون ~~فأغويناكم إنا كنا غاوين فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون } ( الصافات : 27 ~~33 ) فذلك بعد يأسهم من وجود نصير أو شفيع . وفي ( البخاري ) : أن رجلا ( ~~هو نافع بن الأزرق الخارجي ) قال لابن عباس : إني أجد في القرآن أشياء ~~تختلف علي قال { فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون } وقال { وأقبل بعضهم ~~على بعض يتساءلون } ( الصافات : 27 ) فقال ابن عباس : أما قوله { فلا أنساب ~~بينهم } فهو في النفخة الأولى فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء ~~الله فلا أنساب بينهم عند ذلك ولا يتساءلون ، ثم في النفخة الآخرة أقبل ~~بعضهم على بعض يتساءلون اه . يريد اختلاف الزمان وهو قريب مما قلناه . # وذكر من { ثقلت موازينه } في هذه الآية إدماج للتنويه بالمؤمنين وتهديد ~~المشركين لأن المشركين لا يجدون في موازين الأعمال الصالحة شيئا ، قال ~~تعالى : { وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا } ( الفرقان : ~~23 ) . وتقدم الكلام على نظير قوله { فمن ثقلت ms5568 موازينه } في أول سورة ~~الأعراف ( 8 ) . PageV18P126 # والخسارة : نقصان مال التجارة وتقدم في قوله تعالى : { الذين خسروا ~~أنفسهم } في سورة الأنعام ( 12 ) ، وقوله { فأولئك الذين خسروا أنفسهم } في ~~أول الأعراف ( 9 ) . وهي هنا تمثيل لحال خيبتهم فيما كانوا يأملونه من ~~شفاعة أصنامهم وأن لهم النجاة في الآخرة أو من أنهم غير صائرين إلى البعث ، ~~فكذبوا بما جاء به الإسلام وحسبوا أنهم قد أعدوا لأنفسهم الخير فوجدوا ضده ~~فكانت نفوسهم مخسورة كأنها تلفت منهم . ولذلك نصب { أنفسهم } على المفعول ب ~~{ خسروا } . واسما الإشارة لزيادة تمييز الفريقين بصفاتهم . # وجملة { تلفح وجوههم النار } في موضع الحال من { الذين خسروا أنفسهم } . ~~ومعنى { تلفح وجوههم النار } تحرق . واللفح : شدة إصابة النار . # والكالح : الذي به الكلوح وهو تقلص الشفتين وظهور الأسنان من أثر تقطب ~~أعصاب الوجه عند شدة الألم . # # | 2 ( 105 107 ) { لله ألم تكن ءاياتى تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون * ~~قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضآلين * ربنآ أخرجنا منها فإن عدنا ~~فإنا ظالمون } . ) 2 # جملة { ألم تكن آياتي تتلى عليكم } مقول قول محذوف ، أي يقال لهم يومئذ . ~~وهذا تعرض لبعض ما يجري يومئذ . والآيات : آيات القرآن بقرينة قوله { تتلى ~~عليكم } وقوله { فكنتم بها تكذبون } حملا على ظاهر اللفظ . # والتلاوة : القراءة . وقد تقدم عند قوله تعالى : { واتبعوا ما تتلوا ~~الشياطين على ملك سليمان في البقرة ( 102 ) ، وقوله : إذا تليت عليهم آياته ~~زادتهم إيمانا في سورة الأنفال ( 2 ) . والاستفهام إنكار . # والغلب حقيقته : الاستيلاء والقهر . وأطلق هنا على التلبس بالشقوة دون ~~التلبس بالسعادة . ومفعول غلبت } محذوف يدل عليه { شقوتنا } لأن الشقوة ~~PageV18P127 تقابلها السعادة ، أي غلبت شقوتنا السعادة . والمجرور ب ( على ~~) بعد مادة الغلب هو الشيء المتغالب عليه كما في الحديث ( قال النساء : ~~غلبنا عليك الرجال ) . مثلت حالة اختيارهم لأسباب الشقوة بدل أسباب السعادة ~~بحالة غائرة بين السعادة والشقاوة على نفوسهم . وإضافة الشقوة إلى ضميرهم ~~لاختصاصها بهم حين صارت غالبة عليهم . # والشقوة بكسر الشين وسكون القاف في قراءة الجمهور . وهي زنة الهيئة من ~~الشقاء . وقرأ حمزة والكسائي وخلف ms5569 { شقاوتنا } بفتح الشين وبألف بعد القاف ~~وهو مصدر على صيغة الفعالة مثل الجزالة والسذاجة . وزيادة قوله { قوما } ~~على أن الضلالة من شيمتهم وبها قوام قوميتهم كما تقدم عند قوله { لآيات ~~لقوم يعقلون } في سورة البقرة ( 164 ) وعند قوله { وما تغني الآيات والنذر ~~عن قوم لا يؤمنون في آخر سورة يونس ( 101 ) . # وهم ظنوا أنهم إن أخرجوا من النار رجعوا إلى الإيمان والعمل الصالح ~~فالتزموا لله بأنهم لا يعودون إلى الكفر والتكذيب . # وحذف متعلق عدنا } لظهوره من المقام إذ كان إلقاؤهم في النار لأجل ~~الإشراك والتكذيب كما دل عليه قولهم { وكنا قوما ضالين } . # والظلم في { فإنا ظالمون } هو تجاوز العدل ، والمراد ظلم آخر بعد ظلمهم ~~الأول وهو الذي ينقطع عنده سؤال العفو . # $ 2 ( 108 111 ) { لله قال اخسئوا فيها ولا تكلمون * إنه كان فريق من ~~عبادى يقولون ربنآ ءامنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين * فاتخذتموهم ~~سخريا حتى أنسوكم ذكرى وكنتم منهم تضحكون * إنى جزيتهم اليوم بما صبرو & # 1764 ا أنهم هم الفآئزون } . ) 2 $ PageV18P128 # { اخسئوا } زجر وشتم بأنهم خاسئون ، ومعناه عدم استجابة طلبهم . وفعل خسأ ~~من باب منع ومعناه ذل . ونهوا عن خطاب الله والمقصود تأييسهم من النجاة مما ~~هم فيه . # وجملة { إنه كان فريق من عبادي } إلى آخرها استئناف قصد منه إغاظتهم ~~بمقابلة حالهم يوم العذاب بحال الذين أنعم الله عليهم ، وتحسيرهم على ما ~~كانوا يعاملون به المسلمين . # والإخبار في قوله : { إنه كان فريق من عبادي } إلى قوله : { سخريا } ~~مستعمل في كون المتكلم عالما بمضمون الخبر بقرينة أن المخاطب يعلم أحوال ~~نفسه . وتأكيد الخبر ب ( إن ) وضمير الشأن للتعجيل بإرهابهم . # وجملة { إنى جزيتهم } خبر ( إن ) الأولى لزيادة التأكيد . وتقدم نظيره في ~~قوله : { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا في ~~سورة الكهف ( 30 ) . # والسخري بضم السين في قراءة نافع والكسائي وأبي جعفر وخلف ، وبكسر السين ~~في قراءة الباقين ، وهما وجهان ومعناهما واحد عند المحققين من أيمة اللغة ~~لا فرق بينهما خلافا لأبي عبيدة والكسائي والفراء ms5570 الذين جعلوا المكسور ~~مأخوذا من سخر بمعنى هزأ ، والمضموم مأخوذا من السخرة بضم السين وهي ~~الاستخدام بلا أجر . فلما قصد منه المبالغة في حصول المصدر أدخلت ياء ~~النسبة كما يقال : الخصوصية لمصدر الخصوص . # وسلط الاتخاذ على المصدر للمبالغة كما يوصف بالمصدر . والمعنى : ~~اتخذتموهم مسخورا بهم ، فنصب سخريا } على أنه مفعول ثان ل { اتخذتموهم } . # و { حتى } ابتدائية ومعنى ( حتى ) الابتدائية معنى فاء السببية فهي ~~استعارة تبعية . شبه التسبب القوي بالغاية فاستعملت فيه ( حتى ) . والمعنى ~~: أنكم لهوتم عن التأمل فيما جاء به القرآن من الذكر ، لأنهم سخروا منهم ~~لأجل أنهم مسلمون فقد سخروا من الدين الذي كان اتباعهم إياه سبب السخرية ~~بهم فكيف PageV18P129 يرجى من هؤلاء التذكر بذلك الذكر وهو من دواعي ~~السخرية بأهله . وتقدم الكلام على فعل ( سخر ) عند قوله : { فحاق بالذين ~~سخروا منهم } في سورة الأنعام ( 10 ) وقوله : { يسخرون منهم في سورة براءة ~~( 79 ) . # فإسناد الإنساء إلى الفريق مجاز عقلي لأنهم سببه ، أو هو مجاز بالحذف ~~بتقدير : حتى أنساكم السخري بهم ذكري . والقرينة على الأول معنوية وعلى ~~الثاني لفظية . # وقوله : أنهم هم الفائزون } قرأه الجمهور بفتح همزة ( أن ) على معنى ~~المصدرية والتأكيد ، أي جزيتهم بأنهم . وقرأه حمزة والكسائي بكسر همزة ( إن ~~) على التأكيد فقط فتكون استئنافا بيانيا للجزاء . # وضمير الفصل للاختصاص ، أي هم الفائزون لا أنتم . # وقوله : { بما صبروا } إدماج للتنويه بالصبر ، والتنبيه على أن سخريتهم ~~بهم كانت سببا في صبرهم الذي أكسبهم الجزاء . وفي ذلك زيادة تلهيف ~~للمخاطبين بأن كانوا هم السبب في ضر أنفسهم ونفع من كانوا يعدونهم أعداءهم ~~. # # | 2 ( 112 114 ) { قال كم لبثتم فى الارض عدد سنين * قالوا لبثنا يوما أو ~~بعض يوم فاسأل العآدين * قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون } . ) ~~2 # قرأ الجمهور : { قال كم لبثتم } بصيغة الماضي فيتعين أن هذا القول يقع ~~عند النفخ في الصور وحياة الأموات من الأرض ، فالأظهر أن يكون هو جواب ( ~~إذا ) في قوله فيما سبق { فإذا نفخ في الصور } ( المؤمنون : 101 ) . ~~والتقدير : قال الله لهم إذا ms5571 نفخ في الصور . كم لبثتم في الأرض عدد سنين . ~~وما بينهما اعتراضات نشأت بالتفريع والعطف والحال والمقاولات العارضة في ~~خلال ذلك كما علمته PageV18P130 مما تقدم في تفسير تلك الآي . وليس من ~~المناسب أن يكون هذا القول حاصلا بعد دخول الكافرين النار ، والمفسرون ~~الذين حملوه على ذلك تكلفوا ما لا يناسب انتظام المعاني . # وقرأه ابن كثير وحمزة و الكسائي { قل } بصيغة الأمر . والخطاب للملك ~~الموكل بإحياء الأموات . # وجملة : { فسئل العادين } تفريع على جملة : { لبثنا يوما أو بعض يوم } ~~لما تضمنته من ترددهم في تقدير مدة لبثهم في الأرض . وأرى في تفسير ذلك ~~أنهم جاءوا في كلامهم بما كان معتادهم في حياتهم في الدنيا من عدم ضبط حساب ~~السنين إذ كان علم موافقة السنين القمرية للسنين الشمسية تقوم به بنو كنانة ~~الذين بيدهم النسيء ويلقبون بالنسأة ، قال الكناني : # ونحن الناسئون على معد # شهور الحل نجعلها حراما # والمفسرون جعلوا المراد من العادين الملائكة أو الناس الذين يتذكرون حساب ~~مدة المكث . ولكن القرطبي قال : أي سلل الحساب الذين يعرفون ذلك فإنا ~~نسيناه . # وقوله : { قال إن لبثتم إلا قليلا } قرأه الجمهور كما قرأوا الذي قبله ~~فهو حكاية للمحاورة فلذلك لم يعطف فعل { قال إن لبثتم إلا قليلا } وهي ~~طريقة حكاية المحاورات كما في قوله تعالى : { قالوا أتجعل فيها من يفسد ~~فيها } في سورة البقرة ( 30 ) . وقرأه ابن كثير وحمزة والكسائي بصيغة الأمر ~~كالذي قبله . # والاستفهام عن عدد سنوات المكث في الأرض مستعمل في التنبيه ليظهر لهم ~~خطؤهم إذ كانوا يزعمون أنهم إذا دفنوا في الأرض لا يخرجون منها . # وانتصب { عدد سنين } على التمييز ل { كم } الاستفهامية والتمييز إنما هو ~~{ سنين } . وإضافة لفظ { عدد } إليه تأكيد لمضمون ( كم ) لأن ( كم ) اسم ~~استفهام عن العدد فذكر لفظ { عدد } معها تأكيد لبعض مدلولها . PageV18P131 # وجوابهم يقتضي أنهم تحققوا أنهم كانوا في الأرض وأنهم لم يتذكروا طول مدة ~~مكثهم على تفاوت فيها . والظاهر أن المراد بقولهم { يوما أو بعض يوم } أنهم ~~قدروا مدة مكثهم في باطن الأرض بنحو يوم من ms5572 الأيام المعهودة لديهم في ~~الدنيا كما دل عليه قوله تعالى في سورة الروم ( 55 ) { ويوم تقوم الساعة ~~يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة } . # ولم يعرج المفسرون على تبيين المقصد من سؤالهم وإجابتهم عنه وتعقيبه بما ~~يقرره في الظاهر . والذي لاح لي في ذلك أن إيقافهم على ضلال اعتقادهم ~~الماضي جيء به في قالب السؤال عن مدة مكثهم في الأرض كناية عن ثبوت خروجهم ~~من الأرض أحياء وهو ما كانوا ينكرونه ، وكناية عن خطأ استدلالهم على إبطال ~~البعث باستحالة رجوع الحياة إلى عظام ورفات . وهي حالة لا تقتضي مدة قرن ~~واحد فكيف وقد أعيدت إليهم الحياة بعد أن بقوا قرونا كثيرة ، فذلك أدل ~~وأظهر في سعة القدرة الإلهية وأدخل في إبطال شبهتهم إذ قد تبين بطلانها ~~فيما هو أكثر مما قدروه من علة استحالة عود الحياة إليهم . # وقد دل على هذا قوله في آخر الآية { أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم ~~إلينا لا ترجعون } ( المؤمنون : 115 ) وقد ألجأهم الله إلى إظهار اعتقادهم ~~قصر المدة التي بقوها زيادة في تشويه خطإهم فإنهم لما أحسوا من أنفسهم أنهم ~~صاروا أحياء كحياتهم الأولى وعاد لهم تفكيرهم القديم الذي ماتوا عليه ، ~~وكانوا يتوهمون أنهم إذا فنيت أجسادهم لا تعود إليهم الحياة أوهمهم كمال ~~أجسادهم أنهم ما مكثوا في الأرض إلا زمنا يسيرا لا يتغير في مثله الهيكل ~~الجثماني فبنوا على أصل شبهتهم الخاطئة خطأ آخر . # وأما قولهم : { فسئل العادين } فهو اعتراف بأنهم لم يضبطوا مدة مكثهم ~~فأحالوا السائل على من يضبط ذلك من الذين يظنونهم لم يزالوا أحياء لأنهم ~~حسبوا أنهم بعثوا والدنيا باقية وحسبوا أن السؤال على ظاهره فتبرأوا من ~~عهدة عدم ضبط الجواب . PageV18P132 # وأما رد الله عليهم بقوله : { إن لبثتم إلا قليلا } فهو يؤذن بكلام محذوف ~~على طريقة دلالة الاقتضاء ، لأنهم قد لبثوا أكثر من يوم أو بعض يوم بكثير ~~فكيف يجعل قليلا ، فتعين أن قوله : { إن لبثتم إلا قليلا } لا يستقيم أن ~~يكون جوابا لكلامهم إلا بتقدير : قال بل لبثتم قرونا ، كما في ms5573 قوله في الذي ~~مر على قرية { فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو ~~بعض يوم قال بل لبثت مائة عام } ( البقرة : 259 ) . ولذلك تعين أن يكون ~~التقدير : قال بل لبثتم قرونا ، وإن لبثتم إلا قليلا فيما عند الله { وإن ~~يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون } ( الحج : 47 ) . # وقرينة ذلك ما تفيده ( لو ) من الامتناع في قوله : { لو أنكم كنتم تعلمون ~~} أي لو كنتم تعلمون لعلمتم أنكم ما لبثتم إلا قليلا ، فيقتضي الامتناع ~~أنهم ما علموا أنهم لبثوا قليلا مع أن صريح جوابهم يقتضي أنهم علموا لبثا ~~قليلا ، فالجمع بين تعارض مقتضى جوابهم ومقتضى الرد عليهم إنما يكون ~~باختلاف النسبة في قلة مدة المكث إذا نسبت إلى ما يراعى فيها ، فهي إذا ~~نسبت إلى شبهتهم في إحالة البعث كانت طويلة وقد وقع البعث بعدها فهذا خطأ ~~منهم ، وهي إذا نسبت إلى ما يترقبهم من مدة العذاب كانت مدة قليلة وهذا ~~إرهاب لهم . # # | 2 ( 115 ) { أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون } . ) 2 # هذا من تمام القول المحكي في { قال كم لبثتم في الأرض } ( المؤمنون : 112 ~~) مفرع على ما قبله . فرع الاستفهام عن حسبانهم أن الخلق لأجل العبث على ~~إظهار بطلان ما زعموه من إنكار البعث . والاستفهام تقرير وتوبيخ لأن لازم ~~إنكارهم البعث أن يكون خلق الناس مشتملا على عبث فنزلوا منزلة من حسب ذلك ~~فقرروا ووبخوا أخذا لهم بلازم اعتقادهم . # وأدخلت أداة الحصر بعد ( حسب ) فجعلت الفعل غير ناصب إلا مفعولا واحدا ~~وهو المصدر المستخلص من { أنما خلقناكم } PageV18P133 والتقدير : أفحسبتم ~~خلقنا إياكم لأجل العبث ، وذلك أن أفعال الظن والعلم نصبت مفعولين غالبا ~~لأن أصل مفعوليها مبتدأ وخبر ، أي اسم ذات واسم صفة فاحتياجها إلى المفعول ~~الثاني من باب احتياج المبتدأ إلى الخبر لئلا تنعدم الفائدة في المبتدأ ~~مجردا عن خبره ، وبذلك فارقت بقية الأفعال المتعدية باحتياجها إلى منصوبين ~~لأن معناها لا يتعلق بالذوات ؛ فقولك : ظننت زيدا قائما ، إنما هو في ~~الحقيقة : ظننت قيام ms5574 زيد ، فمفعولها هو المصدر وحقه أن يكون خبرا مضافا إلى ~~ضمير مبتدئه كما قال الرضي : يعني أن العرب استعملوها بمفعولين كراهية لجعل ~~المصدر مفعولا به كأنهم تجنبوا اللبس بين المفعول به والمفعول المطلق ، ~~وهذا كما استعملوا أفعال الكون مسندة إلى اسم الذوات ثم أتوا بعد اسم الذات ~~باسم وصفها ولم يأتوا باسم الوصف من أول وهلة ولذلك إذا أوقعوا بعدها حرف ~~المصدر اكتفوا به عن المفعولين ، ولم يسمع عنهم أنهم نصبوا بها مصدرا صريحا ~~. فإذا وقع مفعول أفعال الظن اسم معنى وهو المصدر الصريح أو المنسبك وحذف ~~الفائدة فاجتزأت بالمصدر كقوله تعالى : { إني ظننت أني ملاقق حسابيه } ( ~~الحاقة : 20 ) . # وحيث كانت ( أنما ) مركبة من ( أن ) المفتوحة الهمزة ومن ( ما ) الكافة ~~فوقوعها بعد فعل الحساب بمنزلة وقوع المصدر ، ولولا ( أن ) لكان الكلام : ~~أحسبتمونا خالقينكم عبثا . # وانتصب { عبثا } على الحال من ضمير الجلالة مؤولا باسم الفاعل . والعبث : ~~العمل الذي لا فائدة فيه . وكلما تضاءلت الفائدة كان لها حكم العدم فلو لم ~~يكن خلق البشر في هذه الحياة مرتبا عليه مجازاة الفاعلين على أفعالهم لكان ~~خالقه قد أتى في فعله بشيء عديم الفائدة فكان فيه حظ من العبث . # وبيان كونه عبثا أنه لو خلق الخلق فأحسن المحسن وأساء المسيء ولم يلق كل ~~جزاءه لكان ذلك إضاعة لحق المحسن وإغضاء عما حصل من فساد المسيء فكان ذلك ~~تسليطا للعبث . وليس معنى الحال أن يكون عاملها غير مفارق لمدلولها بل يكفي ~~حصول معناها في بعض أكوان عاملها . PageV18P134 # وأما قوله : { وأنكم إلينا لا ترجعون } فهم قد حسبوا ذلك حقيقة بلا تنزيل ~~وهذا من تمام الإنكار . # وقرأ الجمهور : { ترجعون } بضم التاء وفتح الجيم ، أي أن الله يرجعهم ~~قهرا . وقرأه حمزة والكسائي وخلف بفتح التاء وكسر الجيم ، أي يرجعون طوعا ~~أو كرها . # # | 2 ( 116 ) { فتعالى الله الملك الحق لا إلاه إلا هو رب العرش الكريم } ~~. ) 2 # تفرع على ما تقدم بيانه من دلائل الوحدانية والقدرة والحكمة ظهور أن الله ~~هو الملك الذي ليس في اتصافه بالملك شائبة من ms5575 معنى الملك . فملكه الملك ~~الكامل في حقيقته . الشامل في نفاذه . # والتعريف في { الملك } للجنس . # والحق : ما قابل الباطل ، ومفهوم الصفة يقتضي أن ملك غيره باطل ، أي فيه ~~شائبة الباطل لا من جهة الجور والظلم لأنه قد يوجد ملك لا جور فيه ولا ظلم ~~كملك الأنبياء والخلفاء الراشدين وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~الخلفاء والأمراء ، بل من جهة أنه ملك غير مستكمل حقيقة المالكية فإن كل من ~~ينسب إليه الملك عدا الله تعالى هو مالك من جهة ومملوك من جهة لما فيه من ~~نقص واحتياج ؛ فهو مملوك لما يتطلبه من تسديد نقصه بقدر الحاجة ومن استعانة ~~بالغير لجبر احتياجه فذلك ملك باطل لأنه ادعاء ملك غير تام . # وجملة : { تعالى } يجوز أن تكون خبرا قصد منه التذكير والاستنتاج مما ~~تقدم من الدلائل المبينة لمعنى تعاليه وأن تكون إنشاء ثناء عليه بالعلو . # والتعالي : مبالغة في العلو . وأتبع ذلك بما هو دليل عليه وهو انفراده ~~بالإلهية وذلك وصف ذاتي ، وبأنه مالك أعظم المخلوقات أعني العرش وذلك دليل ~~عظمة القدرة . PageV18P135 # و { الكريم } بالجر صفة العرش . وكرم الجنس أن يكون مستوفيا فضائل جنسه ~~كما في قوله تعالى : { إني ألقي إلي كتاب كريم } في سورة النمل ( 29 ) . # # | 2 ( 117 ) { ومن يدع مع الله إلها ءاخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ~~ربه إنه لا يفلح الكافرون } . ) 2 # لما كان أعظم ما دعا الله إليه توحيده وكان أصل ضلال المشركين إشراكهم ~~أعقب وصف الله بالعلو العظيم والقدرة الواسعة ببيان أن الحساب الواقع بعد ~~البعث ينال الذين دعوا مع الله آلهة دعوى لا عذر لهم فيها لأنها عرية عن ~~البرهان أي الدليل ، لأنهم لم يثبتوا لله الملك الكامل إذ أشركوا معه آلهة ~~ولم يثبتوا ما يقتضي له عظيم التصرف إذ أشركوا معه تصرف آلهة . فقوله : { ~~لا برهان له به } حال من { من يدع مع الله إلها آخر } ، وهي حال لازمة لأن ~~دعوى الإله مع الله لا تكون إلا عرية عن البرهان ونظير هذا الحال قوله ms5576 ~~تعالى : { ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله } ( القصص : 50 ) . # والقصر في قوله : { فإنما حسابه عند ربه } قصر حقيقي . وفيه إثبات الحساب ~~وأنه لله وحده مبالغة في تخطئتهم وتهديدهم . # ويجوز أن يكون القصر إضافيا تطمينا للنبيء صلى الله عليه وسلم بأن الله ~~لا يؤاخذه باستمرارهم على الكفر كقوله { إن عليك إلا البلاغ } ( الشورى : ~~48 ) وقوله : { لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين } ( الشعراء : 3 ) وهذا ~~أسعد بقوله بعده { وقل رب اغفر وارحم } ( المؤمنون : 118 ) . # ويدل على ذلك تذييله بجملة { إنه لا يفلح الكافرون } . وفيه ضرب من رد ~~العجز على الصدر إذ افتتحت السورة ب { قد أفلح المؤمنون } ( المؤمنون : 1 ) ~~وختمت ب { إنه لا يفلح الكافرون } وهو نفي الفلاح عن الكافرين ضد المؤمنين ~~. # # | 2 ( 118 ) { وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين } . ) 2 # PageV18P136 # عطف على جملة : { ومن يدع مع الله إلها آخر } ( المؤمنون : 117 ) إلخ ~~باعتبار قوله : { فإنما حسابه عند ربه } . فإن المقصود من الجملة خطاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم بأن يدعو ربه بالمغفرة والرحمة . وفي حذف متعلق { ~~اغفر وارحم } تفويض الأمر إلى الله في تعيين المغفور لهم والمرحومين ، ~~والمراد من كانوا من المؤمنين ويجوز أن يكون المعنى اغفر لي وارحمني ، ~~بقرينة المقام . # وأمره بأن يدعو بذلك يتضمن وعدا بالإجابة . # وهذا الكلام مؤذن بانتهاء السورة فهو من براعة المقطع . # # PageV18P137 PageV18P138 # | 1 ( سورة النور ) 1 # سميت هذه السورة ( سورة النور ) من عهد النبي صلى الله عليه وسلم روي عن ~~مجاهد ، قال رسول الله : ( علموا نساءكم سورة النور ) ولم أقف على إسناده . ~~وعن حارثة بن مضر : ( كتب إلينا عمر بن الخطاب أن تعلموا سورة النساء ~~والأحزاب والنور ) . وهذه تسميتها في المصاحف وكتب التفسير والسنة ، ولا ~~يعرف لها اسم آخر . ووجه التسمية أن فيها آية { الله نور السماوات والأرض } ~~( النور : 35 ) . # وهي مدنية باتفاق أهل العلم ولا يعرف مخالف في ذلك . وقد وقع في نسخ ( ~~تفسير القرطبي ) عند قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ~~ملكت أيمانكم } ( النور : 58 ) الآية في المسألة ms5577 الرابعة كلمة ( وهي مكية ) ~~يعني الآية . فنسب الخفاجي في ( حاشيته ) على ( تفسير البيضاوي ) وتبعه ~~الآلوسي ، إلى القرطبي أن تلك الآية مكية مع أن سبب نزولها الذي ذكره ~~القرطبي صريح في أنها نزلت بالمدينة كيف وقد قال القرطبي في أول هذه السورة ~~( مدنية بالإجماع ) . ولعل تحريفا طرأ على النسخ من تفسير القرطبي وأن صواب ~~الكلمة ( وهي محكمة ) أي غير منسوخ حكمها فقد وقعت هذه العبارة في تفسير ~~ابن عطية ، قال ( وهي محكمة قال ابن عباس : تركها الناس ) . وسيأتي أن سبب ~~نزول قوله تعالى : { الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة } ( النور : 3 ) ~~الآية قضية مرثد بن أبي مرثد مع عناق . ومرثد بن أبي مرثد استشهد في صفر ~~سنة ثلاث للهجرة في غزوة الرجيع ، فيكون أوائل هذه السورة نزل قبل سنة ثلاث ~~، والأقرب أن يكون في أواخر السنة الأولى أو أوائل السنة الثانية أيام كان ~~المسلمون يتلاحقون للهجرة وكان المشركون جعلوهم كالأسرى . PageV18P139 # ومن آياتها آيات قصة الإفك وهي نازلة عقب غزوة بني المصطلق من خزاعة . ~~والأصح أن غزوة بني المصطلق كانت سنة أربع فإنها قبل غزوة الخندق . # ومن آياتها { والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم } ( ~~النور : 6 ) الآية نزلت في شعبان سنة تسع بعد غزوة تبوك فتكون تلك الآيات ~~مما نزل بعد نزول أوائل هذه السورة وهذا يقتضي أن هذه السورة نزلت منجمة ~~متفرقة في مدة طويلة وألحق بعض آياتها ببعض . # وقد عدت هذه السورة المائة في ترتيب نزول سور القرآن عند جابر بن زيد عن ~~ابن عباس . قال : نزلت بعد سورة { إذا جاء نصر الله } وقبل سورة الحج ، أي ~~عند القائلين بأن سورة الحج مدنية . # وآيها اثنتان وستون في عد المدينة ومكة ، وأربع وستون في عد البقية . # أغراض هذه السورة # شملت من الأغراض كثيرا من أحكام معاشرة الرجال للنساء . ومن آداب الخلطة ~~والزيارة . # وأول ما نزلت بسببه قضية التزوج بامرأة اشتهرت بالزنى وصدر ذلك ببيان حد ~~الزنى . # وعقاب الذين يقذفون المحصنات . # وحكم اللعان . # والتعرض إلى براءة عائشة رضي ms5578 الله عنها مما أرجفه عليها أهل النفاق ، ~~وعقابهم ، والذين شاركوهم في التحدث به . # والزجر عن حب إشاعة الفواحش بين المؤمنين والمؤمنات . # والأمر بالصفح عن الأذى مع الإشارة إلى قضية مسطح بن أثاثة . # وأحكام الاستئذان في الدخول إلى بيوت الناس المسكونة ، ودخول البيوت غير ~~المسكونة . PageV18P140 # وآداب المسلمين والمسلمات في المخالطة . # وإفشاء السلام . # والتحريض على تزويج العبيد والإماء . # والتحريض على مكاتبتهم ، أي إعتاقهم على عوض يدفعونه لمالكيهم . # وتحريم البغاء الذي كان شائعا في الجاهلية . # والأمر بالعفاف . # وذم أحوال أهل النفاق والإشارة إلى سوء طويتهم مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم # والتحذير من الوقوع في حبائل الشيطان . # وضرب المثل لهدي الإيمان وضلال الكفر . # والتنويه ببيوت العبادة والقائمين فيها . # وتخلل ذلك وصف عظمة الله تعالى وبدائع مصنوعاته وما فيها من منن على ~~الناس . # وقد أردف ذلك بوصف ما أعد الله للمؤمنين ، وأن الله علم بما يضمره كل أحد ~~وأن المرجع إليه والجزاء بيده . # # | 2 ( 1 ) { سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيهآ ءايات بينات لعلكم ~~تذكرون } . ) 2 # يجوز أن يكون { سورة } خبرا عن مبتدأ مقدر دل عليه ابتداء السورة ، فيقدر ~~: هذه سورة . واسم الإشارة المقدر يشير إلى حاضر في السمع وهو الكلام ~~المتتالي ، فكل ما ينزل من هذه السورة وألحق بها من الآيات فهو من المشار ~~إليه باسم الإشارة المقدر . وهذه الإشارة مستعملة في الكلام كثيرا . ~~PageV18P141 # ويجوز أن تكون { سورة } مبتدأ ويكون قوله : { الزانية والزاني } ( النور ~~: 2 ) إلى آخر السورة خبرا عن { سورة } ويكون الابتداء بكلمة { سورة } ثم ~~أجري عليه من الصفات تشويقا إلى ما يأتي بعده مثل قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم ( كلمتان حبيبتان إلى الرحمن خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان ~~سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ) . # وأحسن وجوه التقدير ما كان منساقا إليه ذهن السامع دون كلفة ، فدع عنك ~~التقادير الأخرى التي جوزوها هنا . # ومعنى { سورة } جزء من القرآن معين بمبدأ ونهاية وعدد آيات . وتقدم بيانه ~~في المقدمة الثامنة من مقدمات هذا التفسير . # وجملة : { أنزلناها } وما عطف عليها في موضع الصفة ل ms5579 { سورة } . والمقصود ~~من تلك الأوصاف التنويه بهذه السورة ليقبل المسلمون بشراشرهم على تلقي ما ~~فيها . وفي ذلك امتنان على الأمة بتحديد أحكام سيرتها في أحوالها . # ففي قوله : { أنزلناها } تنويه بالسورة بما يدل عليه ( أنزلنا ) من ~~الإسناد إلى ضمير الجلالة الدال على العناية بها وتشريفها . وعبر ب ( ~~أنزلنا ) عن ابتداء إنزال آياتها بعد أن قدرها الله بعلمه بكلامه النفسي . ~~فالمقصود من إسناد إنزالها إلى الله تعالى تنويه بها . وعبر عن إنزالها ~~بصيغة المضي وإنما هو واقع في الحال باعتبار إرادة إنزالها ، فكأنه قيل : ~~أردنا إنزالها وإبلاغها ، فجعل ذلك الاعتناء كالماضي حرصا عليه . وهذا من ~~استعمال الفعل في معنى إرادة وقوعه كقوله تعالى : { إذا قمتم إلى الصلاة ~~فاغسلوا وجوهكم } ( المائدة : 6 ) الآية . # والقرينة قوله : { وفرضناها } ومعنى { فرضناها } عند المفسرين : أوجبنا ~~العمل بما فيها . وإنما يليق هذا التفسير بالنظر إلى معظم هذه السورة لا ~~إلى جميعها فإن منها ما لا يتعلق به عمل كقوله : { الله نور السماوات ~~والأرض } ( النور : 35 ) الآيات وقوله : { والذين كفروا أعمالهم كسراب ~~بقيعة } ( النور : 39 ) . PageV18P142 # فالذي أختاره أن يكون الفرض هنا بمعنى التعيين والتقدير كقوله تعالى : { ~~نصيبا مفروضا } ( النساء : 7 ) وقوله : { ما كان على النبي من حرج فيما فرض ~~الله له } ( الأحزاب : 38 ) . وتعدية فعل ( فرضنا ) إلى ضمير السورة من ~~قبيل ما يعبر عنه في مسائل أصول الفقه من إضافة الأحكام إلى الأعيان بإرادة ~~أحوالها ، مثل { حرمت عليكم الميتة } ( المائدة : 3 ) ، أي أكلها . فالمعنى ~~: وفرضنا آياتها . وسنذكر قريبا ما يزيد هذا بيانا عند قوله تعالى : { ولقد ~~أنزلنا إليكم آيات مبينات } ( النور : 34 ) وكيف قوبلت الصفات الثلاث ~~المذكورة هنا بالصفات الثلاث المذكورة هنالك . # وقرأ الجمهور : { وفرضناها } بتخفيف الراء بصيغة الفعل المجرد . وقرأه ~~ابن كثير وأبو عمرو { وفرضناها } بتشديد الراء للمبالغة مثل نزل المشدد . ~~ونقل في حواشي ( الكشاف ) عن الزمخشري قوله : # كأنه عامل في دين سؤدده # بسورة أنزلت فيه وفرضت # وهذان الحكمان وهما الإنزال والفرض ثبتا لجميع السورة . # وأما قوله : { أنزلنا فيها آيات بينات } فهو تنويه آخر بهذه السورة تنويه ~~بكل ms5580 آية اشتملت عليها السورة : من الهدى إلى التوحيد ، وحقية الإسلام ، ومن ~~حجج وتمثيل ، وما في دلائل صنع الله على سعة قدرته وعلمه وحكمته ، وهي ما ~~أشار إليه قوله : { ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلا من الذين خلوا من ~~قبلكم وموعظة للمتقين } ( النور : 34 ) وقوله : { ألم تر أن الله يزجي ~~سحابا } إلى قوله : { صراط مستقيم } ( النور : 43 46 ) . # ومن الآيات البينات التي أنزلت فيها إطلاع الله رسوله على دخائل ~~المنافقين مما كتموه في نفوسهم من قوله : { وإذا دعوا إلى الله ورسوله ~~ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون إلى قوله : إن الله خبير بما تعلمون } ( ~~النور : 48 53 ) فحصل التنويه بمجموع السورة ابتداء والتنويه بكل جزء منها ~~ثانيا . # فالآيات جمع آية وهي قطعة من الكلام القرآني دالة على معنى مستقل وتقدم ~~بيانها في المقدمة الثامنة من مقدمات هذا التفسير . PageV18P143 # فالمراد من الآيات المنزلة في هذه السورة جميع ما اشتملت عليه من الآيات ~~لا آيات مخصوصة من بينها . والمقصود التنويه بآياتها بإجراء وصف { بينات } ~~عليها . # وإذا كانت الآيات التي اشتملت السورة على جميعها هي عين السورة لا بعضا ~~منها إذ ليس ثم شيء غير تلك الآيات حاو لتلك الآيات حقيقة ولا مشبه بما ~~يحوي ، فكان حرف ( في ) الموضوع للظرفية مستعملا في غير ما وضع له لا حقيقة ~~ولا استعارة مصرحة . # فتعين أن كلمة { فيها } تؤذن باستعارة مكنية بتشبيه آيات هذه السورة ~~بأعلاق نفسية تكتنز ويحرص على حفظها من الإضاعة والتلاشي كأنها مما يجعل في ~~خزانة ونحوها . ورمز إلى المشبه به بشيء من روادفه وهو حرف الظرفية فيكون ~~حرف ( في ) تخييلا مجردا وليس باستعارة تخيلية إذ ليس ثم ما يشبه بالخزانة ~~ونحوها ، فوزان هذا التخييل وزان أظفار المنية في قول أبي ذؤيب الهذلي : # وإذا المنية أنشبت أظفارها # ألفيت كل تميمة لا تنفع # وهذه الظرفية شبيهة بالإضافة البيانية مثل قوله تعالى : { أحلت لكم بهيمة ~~الأنعام } ( المائدة : 1 ) وقوله : { أكفاركم خير } ( القمر : 43 ) فإن ~~الكفار هم عين ضمير الجماعة المخاطبين وهم المشركون . # فقوله : { وأنزلنا فيها } هو ms5581 : بمعنى وأنزلناها آيات بينات . ووصف { آيات ~~} ب { بينات } أي واضحات ، مجاز عقلي لأن البين هو معانيها ، وأعيد فعل ~~الإنزال مع إغناء حرف العطف عنه لإظهار مزيد العناية بها . # والوجه أن جملة { لعلكم تذكرون } مرتبطة بجملة : { أنزلنا فيها آيات ~~بينات } لأن الآيات بهذا المعنى مظنة التذكر ، أي دلائل مظنة لحصول تذكركم ~~. فحصل بهذا الرجاء وصف آخر للسورة هو أنها مبعث تذكر وعظة . والتذكر : ~~خطور ما كان منسيا بالذهن وهو هنا مستعار لاكتساب العلم من أدلته ~~PageV18P144 اليقينية بجعله كالعلم الحاصل من قبل فنسيه الذهن ، أي العلم ~~الذي شأنه أن يكون معلوما ، فشبه جهله بالنسيان وشبه علمه بالتذكر . # وقرأ الجمهور : { تذكرون } بتشديد الذال وأصله تتذكرون فأدغم . وقرأه ~~حمزة والكسائي وحفص وخلف { تذكرون } بتخفيف الذال فحذفت إحدى التائين ~~اختصارا . # # | 2 ( 2 ) { الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم ~~بهما رأفة فى دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الاخر وليشهد عذابهما ~~طآئفة من المؤمنين } . ) 2 # ابتداء كلام وهو كالعنوان والترجمة في التبويب فلذلك أتي بعده بالفاء ~~المؤذنة بأن ما بعدها في قوة الجواب وأن ما قبلها في قوة الشرط . فالتقدير ~~: الزانية والزاني مما أنزلت له هذه السورة وفرضت . ولما كان هذا يستدعي ~~استشراف السامع كان الكلام في قوة : إن أردتم حكمهما فاجلدوا كل واحد منهما ~~مائة جلدة . وهكذا شأن هذه الفاء كلما جاءت بعد ما هو في صورة المبتدأ ~~فإنما يكون ذلك المبتدأ في معنى ما للسامع رغبة في استعلام حاله كقول ~~الشاعر ، وهو من شواهد ( كتاب سيبويه ) التي لم يعرف قائلها : # وقائلة : خولان فانكح فتاتهم # وأكرومة الحيين خلو كما هيا # التقدير : هذه خولان ، أو خولان مما يرغب في صهرها فانكح فتاتهم إن رغبت ~~. ومن صرفوا ذهنهم عن هذه الدقائق في الاستعمال قالوا الفاء زائدة في الخبر ~~. وتقدم زيادة الفاء في قوله تعالى : { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ~~في سورة العقود ( 38 ) . # وصيغتا الزانية والزاني } صيغة اسم فاعل وهو هنا مستعمل في أصل معناه وهو ~~اتصاف صاحبه بمعنى مادته فلذلك يعتبر بمنزلة ms5582 الفعل المضارع في الدلالة على ~~الاتصاف بالحدث في زمن الحال ، فكأنه قيل : التي تزني PageV18P145 والذي ~~يزني فاجلدوا كل واحد منهما إلخ . ويؤيد ذلك الأمر بجلد كل واحد منهما فإن ~~الجلد يترتب على التلبس بسببه . # ثم يجوز أن تكون قصة مرثد بن أبي مرثد النازل فيها قوله تعالى : { الزاني ~~لا ينكح إلا زنية أو مشركة } ( النور : 3 ) إلخ هي سبب نزول أول هذه السورة ~~. فتكون آية { الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة } هي المقصد الأول من هذه ~~السورة ويكون قوله : { الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة } ~~تمهيدا ومقدمة لقوله : { الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة } ( النور : 3 ~~) فإن تشنيع حال البغايا جدير بأن يقدم قبله ما هو أجدر بالتشريع وهو عقوبة ~~فاعل الزنى . ذلك أن مرثد ما بعثه على الرغبة في تزوج عناق إلا ما عرضته ~~عليه من أن يزني معها . # وقدم ذكر { الزانية } على { الزاني } للاهتمام بالحكم لأن المرأة هي ~~الباعث على زنى الرجل وبمساعفتها الرجل يحصل الزنى ولو منعت المرأة نفسها ~~ما وجد الرجل إلى الزنى تمكينا ، فتقديم المرأة في الذكر لأنه أشد في ~~تحذيرها . وقوله : { كل واحد منهما } للدلالة على أنه ليس أحدهما بأولى ~~بالعقوبة من الآخر . # وتعريف { الزانية والزاني } تعريف الجنس وهو يفيد الاستغراق غالبا ومقام ~~التشريع يقتضيه ، وشأن ( أل ) الجنسية إذا دخلت على اسم الفاعل أن تبعد ~~الوصف عن مشابهة الفعل فلذلك لا يكون اسم الفاعل معها حقيقة في الحال ولا ~~في غيره وإنما هو تحقق الوصف في صاحبه . وبهذا العموم شمل الإماء والعبيد ، ~~ف { الزانية والزاني } من اتصفت بالزنى واتصف بالزنى . # والزنى : اسم مصدر زنى ، وهو جماع بين الرجل والمرأة اللذين لا يحل ~~أحدهما للآخر ، يقال : زنى الرجل وزنت المرأة ، ويقال : زانى بصيغة ~~المفاعلة لأن الفعل حاصل من فاعلين ولذلك جاء مصدره الزناء بالمد أيضا بوزن ~~الفعال ويخفف همزه فيصير اسما مقصورا . وأكثر ما كان في الجاهلية أن ~~PageV18P146 يكون بداعي المحبة والموافقة بين الرجل والمرأة دون عوض ، فإن ~~كان بعوض فهو ms5583 البغاء يكون في الحرائر ويغلب في الإماء وكانوا يجهرون به ~~فكانت البغايا يجعلن رايات على بيوتهن مثل راية البيطار ليعرفن بذلك وكل ~~ذلك يشمله اسم الزنى في اصطلاح القرآن وفي الحكم الشرعي . وتقدم ذكر الزنى ~~في قوله تعالى : { ولا تقربوا الزنى } في سورة الإسراء ( 32 ) . # والجلد : الضرب بسير من جلد . مشتق من الجلد بكسر الجيم لأنه ضرب الجلد . ~~أي البشرة . كما اشتق الجبه ، والبطن ، والرأس في قولهم جبهه إذا ضرب جبهته ~~، وبطنه إذا ضرب بطنه ، ورأسه إذا ضرب رأسه . قال في ( الكشاف ) : وفي لفظ ~~الجلد إشارة إلى أنه لا ينبغي أن يتجاوز الألم إلى اللحم اه . أي لا يكون ~~الضرب يطير الجلد حتى يظهر اللحم ، فاختيار هذا اللفظ دون الضرب مقصود به ~~الإشارة إلى هذا المعنى على طريقة الإدماج . # واتفق فقهاء الأمصار على : أن ضرب الجلد بالسوط . أي بسير من جلد . ~~والسوط : هو ما يضرب به الراكب الفرس وهو جلد مضفور ، وأن يكون السوط متوسط ~~اللين ، وأن يكون رفع يد الضارب متوسطا . ومحل الجلد هو الظهر عند مالك . ~~وقال الشافعي : تضرب سائر الأعضاء ما عدا الوجه والفرج . وأجمعوا على ترك ~~الضرب على المقاتل ، ومنها الرأس في الحد . روى الطبري أن عبد الله بن عمر ~~حد جارية أحدثت فقال للجالد : اجلد رجليها وأسفلها ، فقال له ابنه عبد الله ~~: فأين قول الله تعالى : { ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله } فقال فاقتها ~~. وقوله : { كل واحد منهما } تأكيد للعموم المستفاد من التعريف فلم يكتف ~~بأن يقال : فاجلدوهما ، كما قال : { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } ( ~~المائدة : 38 ) وتذكير كل واحد تغليب للمذكر مثل { وكانت من القانتين } ( ~~التحريم : 12 ) . # والخطاب بالأمر بالجلد موجه إلى المسلمين فيقوم به من يتولى أمور ~~المسلمين من الأمراء والقضاة ولا يتولاه الأولياء ، وقال مالك والشافعي ~~وأحمد : يقيم السيد على عبده وأمته حد الزنى ، وقال أبو حنيفة لا يقيمه ~~PageV18P147 إلا الإمام . وقال مالك : لا يقيم السيد حد الزنى على أمته إذا ~~كانت ذات زوج حر أو عبد ولا يقيم الحد عليها إلا ms5584 ولي الأمر . # وكان أهل الجاهلية لا يعاقبون على الزنى لأنه بالتراضي بين الرجل والمرأة ~~إلا إذا كان للمرأة زوج أو ولي يذب عن عرضه بنفسه كما أشار إليه قول امرىء ~~القيس : # تجاوزت أحراسا إليها ومعشرا # علي حراصا لو يسرون مقتلي # وقول عبد بني الحسحاس : # وهن بنات القوم إن يشعروا بنا # يكن في بنات القوم إحدى الدهارس # الدهارس : الدواهي . ولم تكن في ذلك عقوبة مقدرة ولكنه حكم السيف أو ~~التصالح على ما يتراضيان عليه . وفي ( الموطأ ) عن أبي هريرة وزيد بن خالد ~~الجهني أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما : يا ~~رسول الله اقض بيننا بكتاب الله . وقال الآخر وهو أفقههما : أجل يا رسول ~~الله فاقض بيننا بكتاب الله وائذن لي أن أتكلم . فقال : تكلم . قال : إن ~~ابني كان عسيفا على هذا فزنى بامرأته فأخبروني أن على ابني الرجم فافتديت ~~منه بمائة شاة وبجارية لي ، ثم إني سألت أهل العلم فأخبروني أنما على ابني ~~جلد مائة وتغريب عام وأخبروني أنما الرجم على امرأته ، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أما والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله ، أما غنمك ~~وجاريتك فرد عليك . وجلد ابنه مائة وغربه عاما وأمر أنيسا الأسلمي أن يأتي ~~امرأة الآخر فإن اعترفت رجمها فاعترفت فرجمها . قال مالك : والعسيف الأجير ~~اه . # فهذا الافتداء أثر مما كانوا عليه في الجاهلية ، ثم فرض عقاب الزنى في ~~الإسلام بما في سورة النساء وهو الأذى للرجل الزاني ، أي بالعقاب الموجع ، ~~وحبس للمرأة الزانية مدة حياتها . وأشارت الآية إلى أن ذلك حكم مجمل ~~بالنسبة للرجل لأن الأذى صالح لأن يبين بالضرب أو بالرجم وهو حكم موقت ~~PageV18P148 بالنسبة إلى المرأة بقوله : { أو يجعل الله لهن سبيلا } ( ~~النساء : 15 ) ثم فرض حد الزنى بما في هذه السورة . # ففرض حد الزنى بهذه الآية جلد مائة فعم المحصن وغيره ، وخصصته السنة بغير ~~المحصن من الرجال والنساء . فأما من أحصن منهما ، أي تزوج بعقد صحيح ووقع ~~الدخول فإن الزاني المحصن حده الرجم ms5585 بالحجارة حتى يموت . وكان ذلك سنة ~~متواترة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ورجم ماعز بن مالك . وأجمع على ~~ذلك العلماء وكان ذلك الإجماع أثرا من آثار تواترها . # وقد روي عن عمر أن الرجم كان في القرآن ( الثيب والثيبة إذا زنيا ~~فارجموهما البتة ) وفي رواية ( الشيخ والشيخة ) وأنه كان يقرأ ونسخت تلاوته ~~. وفي ( أحكام ابن الفرس ) في سورة النساء : ( وقد أنكر هذا قوم ) ، ولم أر ~~من عين الذين أنكروا . وذكر في سورة النور أن الخوارج بأجمعهم يرون هذه ~~الآية على عمومها في المحصن وغيره ولا يرون الرجم ويقولون : ليس في كتاب ~~الله الرجم فلا رجم . # ولا شك في أن القضاء بالرجم وقع بعد نزول سورة النور . وقد سئل عبد الله ~~بن أبي أوفى عن الرجم : أكان قبل سورة النور أو بعدها ؟ ( يريد السائل بذلك ~~أن تكون آية سورة النور منسوخة بحديث الرجم أو العكس ، أي أن الرجم منسوخ ~~بالجلد ) فقال ابن أبي أوفى : لا أدري . وفي رواية أبي هريرة أنه شهد الرجم ~~. وهذا يقتضي أنه كان معمولا به بعد سورة النور لأن أبا هريرة أسلم سنة سبع ~~وسورة النور نزلت سنة أربع أو خمس كما علمت وأجمع العلماء على أن حد الزاني ~~المحصن الرجم . # وقد ثبت بالسنة أيضا تغريب الزاني بعد جلده تغريب سنة كاملة ، ولا تغريب ~~على المرأة . وليس التغريب عند أبي حنيفة بمتعين ولكنه لاجتهاد PageV18P149 ~~الإمام إن رأى تغريبه لدعارته . وصفة الرجم والجلد وآلتهما مبينة في كتب ~~الفقه ولا يتوقف معنى الآية على ذكرها . # عطف على جملة { فاجلدوا } ؛ فلما كان الجلد موجعا وكان المباشر له قد يرق ~~على المجلود من وجعه نهي المسلمون أن تأخذهم رأفة بالزانية والزاني فيتركوا ~~الحد أو ينقصوه . # والأخذ : حقيقته الاستيلاء . وهو هنا مستعار لشدة تأثير الرأفة على ~~المخاطبين وامتلاكها إرادتهم بحيث يضعفون عن إقامة الحد فيكون كقوله : { ~~أخذته العزة بالإثم } ( البقرة : 206 ) فهو مستعمل في قوة ملابسة الوصف ~~للموصوف . # و { بهما } يجوز أن يتعلق ب { رأفة } فالباء للمصاحبة لأن معنى الأخذ هنا ms5586 ~~حدوث الوصف عند مشاهدتهما . ويجوز تعليقه ب { تأخذكم } فتكون الباء للسببية ~~، أي أخذ الرأفة بسببهما أي بسبب جلدهما . # وتقديم المجرور على عامله للاهتمام بذكر الزاني والزانية تنبيها على ~~الاعتناء بإقامة الحد . والنهي عن أن تأخذهم رأفة كناية عن النهي عن أثر ~~ذلك وهو ترك الحد أو نقصه . وأما الرأفة فتقع في النفس بدون اختيار فلا ~~يتعلق بها النهي ؛ فعلى المسلم أن يروض نفسه على دفع الرأفة في المواضع ~~المذمومة فيها الرأفة . # والرأفة : رحمة خاصة تنشأ عند مشاهدة ضر بالمرؤوف . وتقدم الكلام عليها ~~عند قوله تعالى : { إن الله بالناس لرؤوف رحيم } في سورة البقرة ( 143 ) . ~~ويجوز سكون الهمزة وبذلك قرأ الجمهور . ويجوز فتحها وبالفتح قرأ ابن كثير . # وعلق بالرأفة قوله : { في دين الله } لإفادة أنها رأفة غير محمودة لأنها ~~تعطل دين الله ، أي أحكامه ، وإنما شرع الله الحد استصلاحا فكانت الرأفة ~~PageV18P150 في إقامته فسادا . وفيه تعريض بأن الله الذي شرع الحد هو أرأف ~~بعباده من بعضهم ببعض . وفي ( مسند أبي يعلى ) عن حذيفة مرفوعا : ( يؤتى ~~بالذي ضرب فوق الحد فيقول الله له : عبدي لم ضربت فوق الحد ؟ فيقول : غضبت ~~لك فيقول الله : أكان غضبك أشد من غضبي ؟ ويؤتى بالذي قصر فيقول : عبدي لم ~~قصرت ؟ فيقول : رحمته . فيقول : أكانت رحمتك أشد من رحمتي . ويؤمر بهما إلى ~~النار ) . # وجملة : { إن كنتم تؤمنون بالله } شرط محذوف الجواب لدلالة ما قبله عليه ~~، أي إن كنتم مؤمنين فلا تأخذكم بهما رأفة ، أي لا تؤثر فيكم رأفة بهما . ~~والمقصود : شدة التحذير من أن يتأثروا بالرأفة بهما بحيث يفرض أنهم لا ~~يؤمنون . وهذا صادر مصدر التلهيب والتهييج حتى يقول السامع : كيف لا أومن ~~بالله واليوم الآخر . # وعطف الإيمان باليوم الآخر على الإيمان بالله للتذكير بأن الرأفة بهما في ~~تعطيل الحد أو نقصه نسيان لليوم الآخر فإن تلك الرأفة تفضي بهما إلى أن ~~يؤخذ منهما العقاب يوم القيامة فهي رأفة ضارة كرأفة ترك الدواء للمريض ، ~~فإن الحدود جوابر على ما تؤذن به أدلة الشريعة . # { وليشهد عذابهما طآئفة من المؤمنين ms5587 } . # أمر أن تحضر جماعة من المسلمين إقامة حد الزنا تحقيقا لإقامة الحد وحذرا ~~من التساهل فيه فإن الإخفاء ذريعة للإنساء ، فإذا لم يشهده المؤمنون فقد ~~يتساءلون عن عدم إقامته فإذا تبين لهم إهماله فلا يعدم بينهم من يقوم ~~بتغيير المنكر من تعطيل الحدود . # وفيه فائدة أخرى وهي أن من مقاصد الحدود مع عقوبة الجاني أن يرتدع غيره ، ~~وبحضور طائفة من المؤمنين يتعظ به الحاضرون ويزدجرون ويشيع الحديث فيه بنقل ~~الحاضر إلى الغائب . PageV18P151 # والطائفة : الجماعة من الناس . وقد تقدم ذكرها عند قوله تعالى : { فلتقم ~~طائفة منهم معك } في سورة النساء ( 102 ) ، وعند قوله : { أن تقولوا إنما ~~أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا } في آخر الأنعام ( 156 ) . وقد اختلف في ~~ضبط عددها هنا . والظاهر أنه عدد تحصل بخبره الاستفاضة وهو يختلف باختلاف ~~الأمكنة . والمشهور عن مالك الاثنان فصاعدا ، وقال ابن أبي زيد : أربعة ~~اعتبارا بشهادة الزنا . وقيل عشرة . # وظاهر الأمر يقتضي وجوب حضور طائفة للحد . وحمله الحنفية على الندب وكذلك ~~الشافعية ولم أقف على تصريح بحكمه في المذهب المالكي . ويظهر من إطلاق ~~المفسرين وأصحاب الأحكام من المالكية ومن اختلافهم في أقل ما يجزىء من عدد ~~الطائفة أنه يحمل على الوجوب إذ هو محمل الأمر عند مالك . وأيا ما كان حكمه ~~فهو في الكفاية ولا يطالب به من له بالمحدود مزيد صلة يحزنه أن يشاهد إقامة ~~الحد عليه . # # | 2 ( 3 ) { الزانى لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحهآ إلا ~~زان أو مشرك وحرم ذالك على المؤمنين } . ) 2 # هذه الآية نزلت مستقلة بأولها ونهايتها كما يأتي قريبا في ذكر سبب نزولها ~~، سواء كان نزولها قبل الآيات التي افتتحت بها السورة أم كان نزولها بعد ~~تلك الآيات . فهذه الجملة ابتدائية . ومناسبة موقعها بعد الجملة التي قبلها ~~واضحة . # وقد أعضل معناها فتطلب المفسرون وجوها من التأويل وبعض الوجوه ينحل إلى ~~متعدد . # وسبب نزول هذه الآية ما رواه أبو داود وما رواه الترمذي وصححه وحسنه : ( ~~أنه كان رجل يقال له مرثد بن أبي مرثد ( الغنوي ms5588 من المسلمين ) PageV18P152 ~~كان يخرج من المدينة إلى مكة يحمل الأسرى فيأتي بهم إلى المدينة . وكانت ~~امرأة بغي بمكة يقال لها : عناق . وكانت خليلة له ، وأنه كان وعد رجلا من ~~أسارى مكة ليحمله . قال : فجئت حتى انتهيت إلى ظل حائط من حوائط مكة في ~~ليلة مقمرة . قال : فجاءت عناق فقالت : مرثد ؟ قلت : مرثد . قالت : مرحبا ~~وأهلا هلم فبت عندنا الليلة . قال فقلت : حرم الله الزنى . فقالت عناق : يا ~~أهل الخيام هذا الرجل يحمل أسراكم ، فتبعني ثمانية ( من المشركين ) . . إلى ~~أن قال : ثم رجعوا ورجعت إلى صاحبي فحملته ففككت عنه كبله حتى قدمت المدينة ~~فأتيت رسول الله فقلت : يا رسول الله أنكح عناق ؟ فأمسك رسول الله فلم يرد ~~علي شيئا حتى نزلت { الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها ~~إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين } فقال رسول الله : يا مرثد لا ~~تنكحها ) . # فتبين أن هذه الآية نزلت جوابا عن سؤال مرثد بن أبي مرثد هل يتزوج عناق . ~~ومثار ما يشكل ويعضل من معناها : أن النكاح هنا عقد التزوج كما جزم به ~~المحققون من المفسرين مثل الزجاج والزمخشري وغيرهما . وأنا أرى لفظ النكاح ~~لم يوضع ولم يستعمل إلا في عقد الزواج وما انبثق زعم أنه يطلق على الوطء ~~إلا من تفسير بعض المفسرين قوله تعالى : { فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا ~~غيره } ( البقرة : 230 ) بناء على اتفاق الفقهاء على أن مجرد العقد على ~~المرأة بزوج لا يحلها لمن بتها إلا إذا دخل بها الزوج الثاني . وفيه بحث ~~طويل ، ليس هذا محله . # وأنه لا تردد في أن هذه الآية نزلت بعد تحريم الزنى إذ كان تحريم الزنى ~~من أول ما شرع من الأحكام في الإسلام كما في الآيات الكثيرة النازلة بمكة ، ~~وحسبك أن الأعشى عد تحريم الزنى في عداد ما جاء به PageV18P153 النبي صلى ~~الله عليه وسلم من التشريع إذ قال في قصيدته لما جاء مكة بنية الإسلام ومدح ~~النبي صلى الله عليه وسلم فصده أبو جهل ms5589 فانصرف إلى اليمامة ومات هناك قال : # أجدك لم تسمع وصاة محمد # نبيء الإله حين أوصى وأشهدا # إلى أن قال . . . . # ولا تقربن جارة إن سرها # عليك حرام فانكحن أو تأبدا # وقد ذكرنا ذلك في تفسير سورة الإسراء . # وأنه يلوح في بادىء النظر من ظاهر الآية أن صدرها إلى قوله أو { مشرك } ~~إخبار عن حال تزوج امرأة زانية وأنه ليس لتشريع حكم النكاح بين الزناة ~~المسلمين ، ولا نكاح بين المشركين . فإذا كان إخبارا لم يستقم معنى الآية ~~إذ الزاني قد ينكح الحصينة والمشرك قد ينكح الحصينة وهو الأكثر فلا يستقيم ~~لقوله تعالى : { الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة } معنى ، وأيضا الزانية ~~قد ينكحها المسلم العفيف لرغبة في جمالها أو لينقذها من عهر الزنى وما هو ~~بزان ولا مشرك فلا يستقيم معنى لقوله : { والزانية لا ينكحها إلا زان أو ~~مشرك } وإننا لو تنازلنا وقبلنا أن تكون لتشريع حكم فالإشكال أقوى إذ لا ~~معنى لتشريع حكم نكاح الزاني والزانية والمشرك والمشركة فتعين تأويل الآية ~~بما يفيد معنى معتبرا . # والوجه في تأويلها : أن مجموع الآية مقصود منه التشريع دون الإخبار لأن ~~الله تعالى قال في آخرها { وحرم ذلك على المؤمنين } . ولأنها نزلت جوابا عن ~~سؤال مرثد تزويجه عناق وهي زانية ومشركة ومرثد مسلم تقي . غير أن صدر الآية ~~ليس هو المقصود بالتشريع بل هو تمهيد لآخرها مشير إلى تعليل ما شرع في ~~آخرها ، وفيه ما يفسر مرجع اسم الإشارة الواقع في قوله : { وحرم ~~PageV18P154 ذلك } . وأن حكمها عام لمرثد وغيره من المسلمين بحق عموم لفظ { ~~المؤمنين } . # وينبني على هذا التأصيل أن قوله : { الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة } ~~تمهيد للحكم المقصود الذي في قوله : { وحرم ذلك على المؤمنين } وأنه مسوق ~~مساق الإخبار دون التشريع فيتعين أن المراد من لفظ { الزاني } المعنى ~~الإسمي لاسم الفاعل وهو معنى التلبس بمصدره دون معنى الحدوث ؛ إذ يجب أن لا ~~يغفل عن كون اسم الفاعل له شائبتان : شائبة كونه مشتقا من المصدر فهو بذلك ~~بمنزلة الفعل المضارع ، فضارب يشبه ms5590 يضرب في إفادة حصول الحدث من فاعل ، ~~وشائبة دلالته على ذات متلبسة بحدث فهو بتلك الشائبة يقوى فيه جانب الأسماء ~~الدالة على الذوات . وحمله في هذه الآية على المعنى الإسمي تقتضيه قرينة ~~السياق إذ لا يفهم أن يكون المعنى أن الذي يحدث الزنى لا يتزوج إلا زانية ~~لانتفاء جدوى تشريع منع حالة من حالات النكاح عن الذي أتى زنى . وهذا على ~~عكس محمل قوله : { الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة } ( ~~النور : 2 ) فإنه بالمعنى الوصفي ، أي التلبس بإحداث الزنى حسبما حملناه ~~على ذلك آنفا بقرينة سياق ترتب الجلد على الوصف إذ الجلد عقوبة إنما تترتب ~~على إحداث جريمة توجبها . # فتمحض أن يكون المراد من قوله : { الزاني لا ينكح إلا زانية } إلخ : من ~~كان الزنى دأبا له قبل الإسلام وتخلق به ثم أسلم وأراد تزوج امرأة ملازمة ~~للزنى مثل البغايا ومتخذات الأخدان ( ولا يكن إلا غير مسلمات لا محالة ) ~~فنهى الله المسلمين عن تزوج مثلها بقوله { وحرم ذلك على المؤمنين } . وقدم ~~له ما يفيد تشويهه بأنه لا يلائم حال المسلم وإنما هو شأن أهل الزنى ، أي ~~غير المؤمنين ، لأن المؤمن لا يكون الزنى له دأبا ، ولو صدر منه لكان على ~~سبيل الفلتة كما وقع لماعز بن مالك . # فقوله : { الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة } تمهيد وليس بتشريع ، لأن ~~الزاني بمعنى من الزنى له عادة لا يكون مؤمنا فلا تشرع له أحكام الإسلام . ~~PageV18P155 وهذا من قبيل قوله تعالى : { الخبيثات للخبيثين والخبيثون ~~للخبيثات } ( النور : 26 ) وهذا يتضمن أن المسلم إذا تزوج زانية فقد وضع ~~نفسه في صف الزناة ، أي المشركين . # وعطف قوله : { أو مشركة } على { زانية } لزيادة التفظيع فإن الزانية غير ~~المسلمة قد تكون غير مشركة مثل زواني اليهود والنصارى وبغاياهما . وكذلك ~~عطف { أو مشرك } على { إلا زان } لظهور أن المقام ليس بصدد التشريع ~~للمشركات والمشركين أحكام التزوج بينهم إذ ليسوا بمخاطبين بفروع الشريعة . # فتمحض من هذا أن المؤمن الصالح لا يتزوج الزانية . ذلك لأن الدربة على ~~الزنى يتكون بها ms5591 خلق يناسب أحوال الزناة من الرجال والنساء فلا يرغب في ~~معاشرة الزانية إلا من تروق له أخلاق أمثالها ، وقد كان المسلمون أيامئذ ~~قريبي عهد بشرك وجاهلية فكان من مهم سياسة الشريعة للمسلمين التباعد بهم عن ~~كل ما يستروح منه أن يذكرهم بما كانوا يألفونه قصد أن تصير أخلاق الإسلام ~~ملكات فيهم فأراد الله أن يبعدهم عما قد يجدد فيهم أخلاقا أوشكوا أن ينسوها ~~. # فموقع هذه الآية موقع المقصود من الكلام بعد المقدمة ولذلك جاءت مستأنفة ~~كما تقع النتائج بعد أدلتها ، وقدم قبلها حكم عقوبة الزنى لإفادة حكمه وما ~~يقتضيه ذلك من تشنيع فعله . فلذلك فالمراد بالزاني : من وصف الزنى عادته . # وفي ( تفسير القرطبي ) عن عمرو بن العاص ومجاهد : أن هذه الآية خاصة في ~~رجل من المسلمين استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في نكاح امرأة يقال ~~لها : أم مهزول ، وكانت من بغايا الزانيات وشرطت له أن تنفق عليه ( ولعل أم ~~مهزول كنية عناق ولعل القصة واحدة ) إذ لم يرو غيرها . قال الخطابي : هذا ~~خاص بهذه المرأة إذ كانت كافرة فأما الزانية المسلمة فإن العقد عليها لا ~~يفسخ . PageV18P156 # وابتدىء في هذه الآية بذكر الزاني قبل ذكر الزانية على عكس ما تقدم في ~~قوله { الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة } ( النور : 2 ) ~~فإن وجه تقديم الزانية في الآية السابقة هو ما عرفته ، فأما هنا فإن سبب ~~نزول هذه الآية كان رغبة رجل في تزوج امرأة تعودت الزنى فكان المقام مقتضيا ~~الاهتمام بما يترتب على هذا السؤال من مذمة الرجل الذي يتزوج مثل تلك ~~المرأة . # وجملة { وحرم ذلك على المؤمنين } تكميل للمقصود من الجملتين قبلها ، وهو ~~تصريح بما أريد من تفظيع نكاح الزانية وببيان الحكم الشرعي في القضية . # والإشارة بقوله : { ذلك } إلى المعنى الذي تضمنته الجملتان من قبل وهو ~~نكاح الزانية ، أي وحرم نكاح الزانية على المؤمنين ، فلذلك عطفت جملة { ~~وحرم ذلك على المؤمنين } لأنها أفادت تكميلا لما قبلها وشأن التكميل أن ~~يكون بطريق العطف . ومن العلماء من حمل الآية ms5592 على ظاهرها من التحريم وقالوا ~~: هذا حكم منسوخ نسختها الآية بعدها { وأنكحوا الأيامي منكم } ( النور : 32 ~~) فدخلت الزانية في الأيامى ، أي بعد أن استقر الإسلام وذهب الخوف على ~~المسلمين من أن تعاودهم أخلاق أهل الجاهلية . # وروي هذا عن سعيد بن المسيب وعن عبد الله بن عمرو بن العاص وابن عمر ، ~~وبه أخذ مالك وأبو حنيفة والشافعي ، ولم يؤثر أن أحدا تزوج زانية فيما بين ~~نزول هذه الآية ونزول ناسخها ، ولا أنه فسخ نكاح مسلم امرأة زانية . ومقتضى ~~التحريم الفساد وهو يقتضي الفسخ . وقال الخطابي : هذا خاص بهذه المرأة إذ ~~كانت كافرة فأما الزانية المسلمة فإن العقد عليها لا يفسخ . ومنهم من رأى ~~حكمها مستمرا . ونسب الفخر القول باستمرار حكم التحريم إلى أبي بكر وعمر ~~وعلي وابن مسعود وعائشة رضي الله عنهم ونسبه غيره إلى التابعين ولم يأخذ به ~~فقهاء الأمصار من بعد . # PageV18P157 # | 2 ( 4 ، 5 ) { والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهدآء ~~فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولائك هم الفاسقون * إلا ~~الذين تابوا من بعد ذالك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم } . ) 2 # كان فاشيا في الجاهلية رمي بعضهم بعضا بالزنى إذا رأوا بين النساء ~~والرجال تعارفا أو محادثة . # وكان فاشيا فيهم الطعن في الأنساب بهتانا إذا رأوا قلة شبه بين الأب ~~والابن ، فكان مما يقترن بحكم حد الزنى أن يذيل بحكم الذين يرمون المحصنات ~~بالزنى إذا كانوا غير أزواجهن وهو حد القذف . وقد تقدم وجه الاقتران بالفاء ~~في قوله : { الزانية والزاني فاجلدوا } ( النور : 2 ) الآية . # والرمي حقيقته : قذف شيء من اليد . وشاع استعماله في نسبة فعل أو وصف إلى ~~شخص . وتقدم في قوله تعالى : { ثم يرم به بريئا في سورة النساء ( 112 ) . ~~وحذف المرمي به في هذه الآية لظهور المقصود بقرينة السياق وذكر المحصنات . # والمحصنات : هن المتزوجات من الحرائر . والإحصان : الدخول بزوج بعقد نكاح ~~. والمحصن : اسم مفعول من أحصن الشيء إذا منعه من الإضاعة واستيلاء الغير ~~عليه ، فالزوج يحصن امرأته ، أي يمنعها من الإهمال واعتداء الرجال ms5593 . وهذا ~~كتسمية الأبكار مخدرات ومقصورات ، وتقدم في سورة النساء . ولا يطلق وصف ~~المحصنات } إلا على الحرائر المتزوجات دون الإماء لعدم صيانتهن في عرف ~~الناس قبل الإسلام . # وحذف متعلق الشهادة لظهور أنهم شهداء على إثبات ما رمى به القاذف ، أي ~~إثبات وقوع الزنى بحقيقته المعتد بها شرعا ، ومن البين PageV18P158 أن ~~الشهداء الأربعة هم غير القاذف لأن معنى { يأتوا بأربعة شهداء } لا يتحقق ~~فيما إذا كان القاذف من جملة الشهداء . والجلد تقدم آنفا . وشرع هذا الجلد ~~عقابا للرامي بالكذب أو بدون تثبت ولسد ذريعة ذلك . # وأسند فعل { يرمون } إلى اسم موصول المذكر وضمائر { تابوا وأصلحوا } ~~وكذلك وصف { الفاسقون } بصيغ التذكير ، وعدي فعل الرمي إلى مفعول بصيغة ~~الإناث كل ذلك بناء على الغالب أو على مراعاة قصة كانت سب نزول الآية ولكن ~~هذا الحكم في الجميع يشمل ضد أهل هذه الصيغة في مواقعها كلها بطريق القياس ~~. ولا اعتداد بما يتوهم من فارق إلصاق المعرة بالمرأة إذا رميت بالزنى دون ~~الرجل يرمى بالزنى لأن جعل العار على المرأة تزني دون الرجل يزني إنما هو ~~عادة جاهلية لا التفات إليها في الإسلام فقد سوى الإسلام التحريم والحد ~~والعقاب الآجل والذم العاجل بين المرأة والرجل . # وقد يعد اعتداء الرجل بزناه أشد من اعتداء المرأة بزناها لأن الرجل ~~الزاني يضيع نسب نسله فهو جان على نفسه ، وأما المرأة فولدها لاحق بها لا ~~محالة فلا جناية على نفسها في شأنه ، وهما مستويان في الجناية على الولد ~~بإضاعة نسبه فهذا الفارق الموهوم ملغى في القياس . # أما عدم قبول شهادة القاذف في المستقبل فلأنه لما قذف بدون إثبات قد دل ~~على تساهله في الشهادة فكان حقيقا بأن لا يؤخذ بشهادته . # والأبد : الزمن المستقبل كله . واسم الإشارة للإعلان بفسقهم ليتميزوا في ~~هذه الصفة الذميمة . # والحصر في قوله : { وأولئك هم الفاسقون } للمبالغة في شناعة فسقهم حتى ~~كأن ما عداه من الفسوق لا يعد فسقا . # والاستثناء في قوله : { إلا الذين تابوا } حقه أن يعود إلى جميع ما تقدم ~~قبله كما هو شأن الاستثناء ms5594 عند الجمهور إلا أنه هنا راجع إلى خصوص عدم ~~PageV18P159 قبول شهادتهم وإثبات فسقهم وغير راجع إلى إقامة الحد ، بقرينة ~~قوله : { من بعد ذلك } ، أي بعد أن تحققت الأحكام الثلاثة فالحد قد فات على ~~أنه قد علم من استقراء الشريعة أن الحدود الشرعية لا تسقطها توبة مقترف ~~موجبها وقال أبو حنيفة وجماعة : الاستثناء يرجع إلى الجملة الأخيرة جريا ~~على أصله في عود الاستثناء الوارد بعد جمل متعاطفة . # والتوبة : الإقلاع والندم وظهور عزمه على أن لا يعود لمثل ذلك . وقد تقدم ~~ذكر التوبة في سورة النساء ( 17 ) عند قوله تعالى : { إنما التوبة على الله ~~الآيات . وليس من شرط التوبة أن يكذب نفسه فيما قذف به عند الجمهور ، وهو ~~قول مالك ، لأنه قد يكون صادقا ولكنه عجز عن إثبات ذلك بأربعة شهداء على ~~الصفة المعلومة ، فتوبته أن يصلح ويحسن حاله ويتثبت في أمره . وقال قوم : ~~لا تعتبر توبته حتى يكذب نفسه . وهذا قول عمر بن الخطاب والشعبي ، ولم يقبل ~~عمر شهادة أبي بكرة لأنه أبى أن يكذب نفسه فيما رمى به المغيرة بن شعبة . ~~وقبل من بعد شهادة شبل بن معبد ونافع بن كلدة لأنهما أكذبا أنفسهما في تلك ~~القضية وكان عمر قد حد ثلاثتهم حد القذف . # ومعنى أصلحوا } فعلوا الصلاح ، أي صاروا صالحين . فمفعول الفعل محذوف دل ~~عليه السياق ، أي أصلحوا أنفسهم باجتناب ما نهوا عنه ، وقد تقدم عند قوله ~~تعالى : { قالوا إنما نحن مصلحون } ( البقرة : 11 ) ، وقوله : { إلا الذين ~~تابوا وأصلحوا وبينوا في سورة البقرة ( 160 ) . # وفرع فإن الله غفور رحيم } على ما يقتضيه الاستثناء من معنى : فاقبلوا ~~شهادتهم واغفروا لهم ما سلف فإن الله غفور رحيم ، أي فإن الله أمر بالمغفرة ~~لهم لأنه غفور رحيم ، كما قال في آية البقرة ( 160 ) : { إلا الذين تابوا ~~وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم . # وإنما صرح في آية البقرة بما قدر نظيره هنا لأن المقام هنالك مقام إطناب ~~لشدة الاهتمام بأمرهم إذ ثابوا إلى الإيمان والإصلاح وبيان ما أنزل إليهم ~~من الهدى ms5595 بعدما كتموه وكتمه سلفهم . PageV18P160 # وظاهر الآية يقتضي أن حد القذف حق لله تعالى ، وهو قول أبي حنيفة . وقال ~~مالك والشافعي : حق للمقذوف . ويترتب على الخلاف سقوطه بالعفو من المقذوف . # وهذه الآية أصل في حد الفرية والقذف الذي كان أول ظهوره في رمي المحصنات ~~بالزنى . فكل رمي بما فيه معرة موجب للحد بالإجماع المستند للقياس . # # | 2 ( 6 9 ) والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهدآء إلا أنفسهم فشهادة ~~أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين * والخامسة أن لعنة الله عليه إن ~~كان من الكاذبين * ويدرؤا عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن ~~الكاذبين * والخامسة أن غضب الله عليهآ إن كان من الصادقين } . ) 2 # هذا تخصيص للعمومين الذين في قوله : { والذين يرمون المحصنات } ( النور : ~~4 ) فإن من المحصنات من هن أزواج لمن يرميهن ، فخص هؤلاء الذين يرمون ~~أزواجهم من حكم قوله : { والذين يرمون المحصنات } إلخ إذ عذر الأزواج خاصة ~~في إقدامهم على القول في أزواجهم بالزنى إذا لم يستطيعوا إثباته بأربعة ~~شهداء . # ووجه عذرهم في ذلك ما في نفوس الناس من سجية الغيرة على أزواجهم وعدم ~~احتمال رؤية الزنى بهن فدفع عنهم حد القذف بما شرع لهم من الملاعنة . # وفي هذا الحكم قبول لقول الزوج في امرأته في الجملة إذا كان متثبتا حتى ~~أن المرأة بعد أيمان زوجها تكلف بدفع ذلك بأيمانها وإلا قبل قوله ~~PageV18P161 فيها مع أيمانه فكان بمنزلة شهادة أربعة فكان موجبا حدها إذا ~~لم تدفع ذلك بأيمانها . # وعلة ذلك هو أن في نفوس الأزواج وازعا يزعهم عن أن يرموا نساءهم بالفاحشة ~~كذبا وهو وازع التعير من ذلك ووازع المحبة في الأزواج غالبا ، ولذلك سمى ~~الله ادعاء الزوج عليها باسم الشهادة بظاهر الاستثناء في قوله : { ولم يكن ~~لهم شهداء إلا أنفسهم } ، وفي نفوسهم من الغيرة عليهن ما لا يحتمل معه ~~السكوت على ذلك ، وكانوا في الجاهلية يقتلون على ذلك وكان الرجل مصدقا فيما ~~يدعيه على امرأته . وقد قال سعد بن عبادة ( لو وجدت رجلا مع امرأتي لضربته ~~بالسيف ms5596 غير مصفح ) . ولكن الغيرة قد تكون مفرطة وقد يذكيها في النفوس تنافس ~~الرجال في أن يشتهروا بها ، فمنع الإسلام من ذلك إذ ليس من حق أحد إتلاف ~~نفس إلا الحاكم . ولم يقرر جعل أرواح الزوجات تحت تصرف مختلف نفسيات ~~أزواجهن . # ولما تقرر حد القذف اشتد الأمر على الأزواج الذين يعثرون على ريبة في ~~أزواجهم . ونزلت قضية عويمر العجلاني مع زوجه خولة بنت عاصم ويقال بنت قيس ~~وكلاهما من بني عم عاصم بن عدي من الأنصار . روى مالك في ( الموطأ ) عن سهل ~~بن سعد أن عويمرا العجلاني جاء إلى عاصم بن عدي الأنصاري فقال له : يا عاصم ~~أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل ؟ سل لي يا ~~عاصم رسول الله عن ذلك . فسأل عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ~~فكره رسول الله المسائل وعابها حتى كبر على عاصم ما سمع من رسول الله . ~~فلما رجع عاصم إلى أهله جاءه عويمر فقال : يا عاصم ماذا قال لك رسول الله ؟ ~~فقال عاصم لعويمر : لم تأتني بخير ، قد كره رسول الله المسألة التي سألته ~~عنها . فقال عويمر : والله لا أنتهي حتى أسأله عنها . فقام عويمر حتى أتى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وسط الناس فقال : يا رسول الله أرأيت رجلا ~~وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل ؟ فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قد أنزل فيك وفي صاحبتك فاذهب فأت بها . قال سهل : PageV18P162 ~~فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث . فكانت ~~هذه الآية مبدأ شرع الحكم في رمي الأزواج نساءهم بالزنى . واختلط صاحب ~~القصة على بعض الرواة فسموه هلال ابن أمية الواقفي . وزيد في القصة : أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال له : ( البينة وإلا حد في ظهرك ) . والصواب ~~أن سبب نزول الآية قصة عويمر العجلاني وكانت هذه الحادثة في شعبان سنة تسع ~~عقب القفول من غزوة تبوك والتحقيق أنهما قصتان حدثتا في وقت واحد أو متقارب ~~. # ولما ms5597 سمع النبي صلى الله عليه وسلم قول سعد بن عبادة عند نزول آية القذف ~~السالفة قال : ( أتعجبون من غيرة سعد لأنا أغير منه والله أغير مني ) يعني ~~أنها غيرة غير معتدلة الآثار لأنه جعل من آثارها أن يقتل من يجده مع امرأته ~~والله ورسوله لم يأذنا بذلك . فإن الله ورسوله أغير من سعد ، ولم يجعلا ~~للزوج الذي يرى زوجته تزني أن يقتل الزاني ولا المرأة ولذلك قال عويمر ~~العجلاني ( من وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل ) ؟ . # وحذف متعلق { شهداء } لظهوره من السياق ، أي شهداء على ما ادعوه مما رموا ~~به أزواجهم . # وشمل قوله : { إلا أنفسهم } ما لا تتأتى فيه الشهادة مثل الرمي بنفي حمل ~~منه ادعى قبله الزوج الاستبراء . # وقد علم من أحاديث سبب نزول الآية ومن علة تخصيص الأزواج في حكم القذف ~~بحكم خاص ومن لفظ { يرمون } ومن ذكر الشهداء أن اللعان رخصة من الله بها ~~على الأزواج في أحوال الضرورة فلا تتعداها . فلذلك قال مالك في المشهور عنه ~~وآخر قوليه وجماعة : لا يلاعن بين الزوجين إلا إذا ادعى الزوج رؤية امرأته ~~تزني أو نفى حملها نفيا مستندا إلى حدوث الحمل بعد تحقق براءة رحم زوجه ~~وعدم قربانه إياها ، فإن لم يكن كذلك PageV18P163 ورماها بالزنى . أي بمجرد ~~السماع أو برؤية رجل في البيت في غير حال الزنى ، أو بقوله لها : يا زانية ~~، أو نحو ذلك مما يجري مجرى السب والشتم فلا يشرع اللعان . ويحد الزوج في ~~هذه الأحوال حد القذف لأنه افتراء لا بينة عليه ولا عذر يقتضي تخصيصه إذ ~~العذر هو عدم تحمل رؤية امرأته تزني وعدم تحمل رؤية حمل يتحقق أنه ليس منه ~~. وقال أبو حنيفة والشافعي والجمهور : إذا قال تحمل لها : يا زانية ، وجب ~~اللعان ، ذهابا منهم إلى أن اللعان بين الزوجين يجري في مجرد القذف أيضا ~~تمسكا بمطلق لفظ { يرمون } . ويقدح في قياسهم أن بين دعوى الزنى على المرأة ~~وبين السب بألفاظ فيها نسبة إلى الزنا فرقا بينا عند الفقيه . وتسمية ~~القرآن ms5598 أيمان اللعان شهادة يومىء إلى أنها لرد دعوى وشرط ترتب الآثار على ~~الدعوى أن تكون محققة فقول مالك أرجح من قول الجمهور لأنه أغوص على الحقيقة ~~الشرعية . # وقوله : { فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله } إلخ لما تعذر على الأزواج ~~إلفاء الشهادة في مثل هذا الحال وعذرهم الله في الادعاء بذلك ولم يترك ~~الأمر سبهللا ولا ترك النساء مضغة في أفواه من يريدون التشهير بهن من ~~أزواجهن لشقاق أو غيظ مفرط أو حماقة كلف الأزواج شهادة لا تعسر عليهم إن ~~كانوا صادقين فيما يدعون فأوجب عليهم الحلف بالله أربع مرات لتقوم الأيمان ~~مقام الشهود الأربعة المفروضين للزنا في قوله تعالى : { والذين يرمون ~~المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء } ( النور : 4 ) إلخ . # وسمي اليمين شهادة لأنه بدل منها فهو مجاز بعلاقة الحلول الاعتباري ، وأن ~~صيغة الشهادة تستعمل في الحلف كثيرا وهنا جعلت بدلا من الشهادة فكأن المدعي ~~أخرج من نفسه أربعة شهود هي تلك الأيمان الأربع . # ومعنى كون الأيمان بدلا من الشهادة أنها قائمة مقامها للعذر الذي ذكرناه ~~آنفا ؛ فلا تأخذ جميع أحكام الشهادة ، ولا يتوهم أن لا تقبل أيمان اللعان ~~إلا من عدل فلو كان فاسقا لم يلتعن ولم يحد حد القذف بل كل PageV18P164 من ~~صحت يمينه صح لعانه وهذا قول مالك والشافعي ، واشترط أبو حنيفة الحرية ~~وحجته في ذلك إلحاق اللعان بالشهادة لأن الله سماه شهادة . # ولأجل المحافظة على هذه البدلية اشترط أن تكون أيمان اللعان بصيغة : ( ~~أشهد بالله ) عند الأيمة الأربعة . وأما ما بعد صيغة ( أشهد ) فيكون ~~كاليمين على حسب الدعوى التي حلف عليها بلفظ لا احتمال فيه . # وقوله : { فشهادة أحدهم أربع شهادات } قرأه الجمهور بنصب { أربع } على ~~أنه مفعول مطلق ل { شهادة } فيكون { شهادة أحدهم } محذوف الخبر دل عليه ~~معنى الشرطية الذي في الموصول واقتران الفاء بخبره ، والتقدير : فشهادة ~~أحدهم لازمة له . ويجوز أن يكون الخبر قوله : { إنه لمن الصادقين } على ~~حكاية اللفظ مثل قولهم : ( هجيرا أبي بكر لا إله إلا الله ) . وقرأه حمزة ~~والكسائي وحفص وخلف برفع { أربع ms5599 } على أنه خبر المبتدأ وجملة { إنه لمن ~~الصادقين } إلى آخرها بدل من { شهادة أحدهم } . ولا خلاف بين القراء في نصب ~~{ أربع شهادات } الثاني . # وفي قوله : { إنه لمن الصادقين } حكاية للفظ اليمين مع كون الضمير مراعى ~~فيه سياق الغيبة ، أي يقول : إني لمن الصادقين فيما ادعيت عليها . # وأما قوله : { والخامسة } أي فالشهادة الخامسة ، أي المكملة عدد خمس ~~للأربع التي قبلها . وأنث اسم العدد لأنه صفة لمحذوف دل عليه قوله { فشهادة ~~أحدهم } والتقدير : والشهادة الخامسة . وليس لها مقابل في عدد شهود الزنى . ~~فلعل حكمة زيادة هذه اليمين مع الأيمان الأربع القائمة مقام الشهود الأربعة ~~أنها لتقوية الأيمان الأربع باستذكار ما يترتب على أيمانه إن كانت غموسا من ~~الحرمان من رحمة الله تعالى . وهذا هو وجه كونها مخالفة في صيغتها لصيغ ~~الشهادات الأربع التي تقدمتها . وفي ذلك إيماء إلى أن الأربع هي المجعولة ~~بدلا عن الشهود وأن هذه الخامسة تذييل للشهادة وتغليظ لها . # وقرأ الجمهور : { والخامسة أن غضب الله عليها } بالرفع كقوله : { ~~والخامسة أن لعنت الله عليه } وهو من عطف الجمل . وقرأه حفص عن PageV18P165 ~~عاصم بالنصب عطفا على { أربع شهادات } الثاني وهو من عطف المفردات . # وقرأ الجمهور : { أن لعنة الله عليه } و { أن غضب الله عليها } بتشديد ~~نون ( أن ) وبلفظ المصدر في { أن غضب الله } وجر اسم الجلالة بإضافة ( غضب ~~) إليه . ويتعين على هذه القراءة أن تقدر باء الجر داخلة على { أن } في ~~الموضعين متعلقة ب { الخامسة } لأنها صفة لموصوف تقديره : والشهادة الخامسة ~~، ليتجه فتح همزة ( أن ) فيهما . والمعنى : أن يشهد الرجل أو تشهد المرأة ~~بأن لعنة الله أو بأن غضب الله ، أي بما يطابق هذه الجملة . # وقرأ نافع بتخفيف نون ( أن ) في الموضعين و { غضب الله } بصيغة فعل المضي ~~، ورفع اسم الجلالة الذي بعد { غضب } . وخرجت قراءته على جعل ( أن ) مخففة ~~من الثقيلة مهملة العمل واسمها ضمير الشأن محذوف أي تهويلا لشأن الشهادة ~~الخامسة . ورد بما تقرر من عدم خلو جملة خبر ( أن ) المخففة من أحد أربعة ~~أشياء : قد ، وحرف النفي ، وحرف ms5600 التنفيس ، ولولا . والذي أرى أن تجعل ( أن ~~) على قراءة نافع تفسيرية لأن الخامسة يمين ففيها معنى القول دون حروفه ~~فيناسبها التفسير . # وقرأ يعقوب { أن لعنة الله } بتخفيف ( أن ) ورفع { لعنة } وجر اسم ~~الجلالة مثل قراءة نافع . وقرأ وحده { أن غضب الله عليها } بتخفيف ( أن ) ~~وفتح ضاد { غضب } ورفع الباء على أنه مصدر ويجر اسم الجلالة بالإضافة . # وعلى كل القراءات لا يذكر المتلاعنان في الخامسة من يمين اللعان لفظ ( أن ~~) فإنه لم يرد في وصف أيمان اللعان في كتب الفقه وكتب السنة . # والقول في صيغة الخامسة مثل القول في صيغ الأيمان الأربع . وعين له في ~~الدعاء خصوص اللعنة لأنه وإن كان كاذبا فقد عرض بامرأته للعنة الناس ونبذ ~~الأزواج إياها فناسب أن يكون جزاؤه اللعنة . PageV18P166 # واللعنة واللعن : الإبعاد بتحقير . وقد تقدم في قوله : { وإن عليك اللعنة ~~إلى يوم الدين } في سورة الحجر ( 35 ) . # واعلم أن الزوج إن سمى رجلا معينا زنى بامرأته صار قاذفا له زيادة على ~~قذفه المرأة ، وأنه إذا لاعن وأتم اللعان سقط عنه حد القذف للمرأة وهو ظاهر ~~ويبقى النظر في قذفه ذلك الرجل الذي نسب إليه الزنى . وقد اختلف الأيمة في ~~سقوط حد القذف للرجل فقال الشافعي : يسقط عنه حد القذف للرجل لأن الله ~~تعالى لم يذكر إلا حدا واحدا ولأنه لم يثبت بالسنة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أقام حد الفرية على عويمر العجلاني ولا على هلال بن أمية بعد ~~اللعان . وقال مالك وأبو حنيفة : يسقط اللعان حد الملاعن لقذف امرأته ولا ~~يسقط حد القذف لرجل سماه ، والحجة لهما بأن الله شرع حد القذف . # ولما كانت هذه الأيمان مقتضية صدق دعوى الزوج على المرأة كان من أثر ذلك ~~أن تعتبر المرأة زانية أو أن يكون حملها ليس منه فهو من زنى لأنها في عصمة ~~فكان ذلك مقتضيا أن يقام عليها حد الزنى ، فلم تهمل الشريعة حق المرأة ولم ~~تجعلها مأخوذة بأيمان قد يكون حالفها كاذبا فيها لأنه يتهم بالكذب لتبرئة ~~نفسه فجعل للزوجة معارضة ms5601 أيمان زوجها كما جعل للمشهود عليه الطعن في ~~الشهادة بالتجريح أو المعارضة فقال تعالى : { ويدرؤا عنها العذاب أن تشهد ~~أربع شهادات بالله } الآية . وإذ قد كانت أيمان المرأة لرد أيمان الرجل ، ~~وكانت أيمان الرجل بدلا من الشهادة وسميت شهادة ، كانت أيمان المرأة لردها ~~يناسب أن تسمى شهادة ؛ ولأنها كالشهادة المعارضة ، ولكونها بمنزلة المعارضة ~~كانت أيمان المرأة كلها على إبطال دعواه لا على إثبات براءتها أو صدقها . # والدرء : الدفع بقوة ، واستعير هنا للإبطال . وتقدم عند قوله تعالى : { ~~ويدرؤون بالحسنة السيئة } في سورة الرعد ( 22 ) . PageV18P167 # والتعريف في { العذاب } ظاهر في العهد لتقدم ذكر العذاب في قوله : { ~~وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين } ( النور : 2 ) . فيؤخذ من الآية أن ~~المرأة إذا لم تحلف أيمان اللعان أقيم عليها الحد . وهذا هو الذي تشهد به ~~روايات حديث اللعان في السنة . وقال أبو حنيفة : إذا نكلت المرأة عن أيمان ~~اللعان لم تحد لأن الحد عنده لا يكون إلا بشهادة شهود أو إقرار . فعنده ~~يرجع بها إلى حكم الحبس المنسوخ عندنا ، وعنده إنما نسخ في بعض الأحوال ~~وبقي في البعض . # والقول في صيغة أيمان المرأة كالقول في صيغة أيمان الزوج سواء . وعين لها ~~في الخامسة الدعاء بغضب الله عليها إن صدق زوجها لأنها أغضبت زوجها بفعلها ~~فناسب أن يكون جزاؤها على ذلك غضب ربها عليها كما أغضبت بعلها . # وتتفرع من أحكام اللعان فروع كثيرة يتعرض بعض المفسرين لبعضها وهي من ~~موضوع كتب الفروع . # # | 2 ( 10 ) { ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم } . ) 2 # تذييل لما مر من الأحكام العظيمة المشتملة على التفضل من الله والرحمة ~~منه ، والمؤذنة بأنه تواب على من تاب من عباده ، والمنبئة بكمال حكمته ~~تعالى إذ وضع الشدة موضعها والرفق موضعه وكف بعض الناس عن بعض فلما دخلت ~~تلك الأحكام تحت كلي هذه الصفات كان ذكر الصفات تذييلا . # وجواب ( لولا ) محذوف لقصد تهويل مضمونه فيدل تهويله على تفخيم مضمون ~~الشرط الذي كان سببا في امتناع حصوله . والتقدير : لولا فضل الله عليكم ~~فدفع عنكم ms5602 أذى بعضكم لبعض بما شرع من الزواجر لتكالب بعضكم على بعض ، ولولا ~~رحمة الله بكم فقدر لكم تخفيضا مما شرع من الزواجر في حالة الاضطرار والعذر ~~لما استطاع أحد أن يسكت على ما يرى من مثار الغيرة ، فإذا باح بذلك أخذ ~~بعقاب وإذا انتصف لنفسه PageV18P168 أهلك بعضا أو سكت على ما لا على مثله ~~يغضى ، ولولا أن الله تواب حكيم لما رد على من تاب فأصلح ما سلبه منه من ~~العدالة وقبول الشهادة . # وفي ذكر وصف ( الحكيم ) هنا مع وصف { تواب } إشارة إلى أن في هذه التوبة ~~حكمة وهي استصلاح الناس . # وحذف جواب { لولا } للتفخيم والتعظيم وحذفه طريقة لأهل البلاغة ، وقد ~~تكرر في هذه السورة وهو مثل حذف جواب ( لو ) ، وتقدم حذف جواب ( لو ) عند ~~قوله تعالى : { ولو ترى الذين ظلموا إذ يرون العذاب } في سورة البقرة ( 165 ~~) . وجواب ( لولا ) لم يحضرني الآن شاهد لحذفه وقد قال بعض الأئمة : إن ( ~~لولا ) مركبة من ( لو ) و ( لا ) . # # | 2 ( 11 ) { إن الذين جآءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو ~~خير لكم لكل امرىء منهم ما اكتسب من الإثم والذى تولى كبره منهم له عذاب ~~عظيم } . ) 2 # استئناف ابتدائي فإن هذه الآيات العشر إلى قوله تعالى : { والله سميع ~~عليم } ( النور : 21 ) نزلت في زمن بعيد عن زمن نزول الآيات التي من أول ~~هذه السورة كما ستعرفه . # والإفك : اسم يدل على كذب لا شبهة فيه فهو بهتان يفجأ الناس . وهو مشتق ~~من الأفك بفتح الهمزة وهو قلب الشيء ، ومنه سمي أهل سدوم وعمورة وأدمة ~~وصبوييم قرى قوم لوط أصحاب المؤتفكة لأن قراهم ائتفكت ، أي قلبت وخسف بها ~~فصار أعلاها أسفلها فكان الإخبار عن الشيء بخلاف حالته الواقعية قلبا له عن ~~حقيقته فسمي إفكا . وتقدم عند قوله تعالى : { فإذا هي تلقف ما يأفكون } في ~~سورة الأعراف ( 117 ) . # و { جاءو بالإفك } معناه : قصدوا واهتموا . وأصله : أن الذي يخبر بخبر ~~غريب يقال له : جاء بخبر كذا ، لأن شأن الأخبار الغريبة أن تكون مع ~~الوافدين ms5603 من PageV18P169 أسفار أو المبتعدين عن الحي قال تعالى : { إن ~~جاءكم فاسق بنبأ } ( الحجرات : 6 ) ؛ فشبه الخبر بقدوم المسافر أو الوافد ~~على وجه المكنية وجعل المجيء ترشيحا وعدي بباء المصاحبة تكميلا للترشح . # والإفك : حديث اختلقه المنافقون وراج عند المنافقين ونفر من سذج المسلمين ~~إما لمجرد اتباع النعيق وإما لإحداث الفتنة بين المسلمين . وحاصل هذا الخبر ~~: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قفل من غزوة بني المصطلق من خزاعة ، ~~وتسمى غزوة المريسيع ولم تبق بينه وبين المدينة إلا مرحلة . آذن بالرحيل ~~آخر الليل . فلما علمت عائشة بذلك خرجت من هودجها وابتعدت عن الجيش لقضاء ~~شأنها كما هو شأن النساء قبل الترحل فلما فرغت أقبلت إلى رحلها فافتقدت ~~عقدا من جزع ظفار كان في صدرها فرجعت على طريقها تلتمسه فحبسها طلبه وكان ~~ليل . فلما وجدته رجعت إلى حيث وضع رحلها فلم تجد الجيش ولا رحلها ، وذلك ~~أن الرجال الموكلين بالترحل قصدوا الهودج فاحتملوه وهم يحسبون أن عائشة فيه ~~وكانت خفيفة قليلة اللحم فرفعوا الهودج وساروا فلما لم تجد أحدا اضطجعت في ~~مكانها رجاء أن يفتقدوها فيرجعوا إليها فنامت وكان صفوان بن المعطل ( بكسر ~~الطاء ) السلمي ( بضم السين وفتح اللام نسبة إلى بني سليم وكان مستوطنا ~~المدينة من مهاجرة العرب ) قد أوكل إليه النبي صلى الله عليه وسلم حراسة ~~ساقة الجيش ، فلما علم بابتعاد الجيش وأمن عليه من غدر العدو ركب راحلته ~~ليلتحق بالجيش فلما بلغ الموضع الذي كان به الجيش بصر بسواد إنسان فإذا هي ~~عائشة وكان قد رآها قبل الحجاب فاسترجع ، واستيقظت عائشة بصوت استرجاعه ~~ونزل عن ناقته وأدناها منها وأناخها فركبتها عائشة وأخذ يقودها حتى لحق ~~بالجيش في نحر الظهيرة وكان عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين في ~~الجيش فقال : والله ما نجت منه ولا نجا منها ، فراج قوله على حسان بن ثابت ~~ومسطح بن أثاثة ( بكسر ميم مسطح وفتح طائه وضم همزة أثاثة ) وحمنة بنت جحش ~~أخت زينب أم المؤمنين PageV18P170 حملتها الغيرة لأختها ضرة عائشة وساعدهم ~~في ms5604 حديثهم طائفة من المنافقين أصحاب عبد الله بن أبي . # فالإفك : علم بالغلبة على ما في هذه القصة من الاختلاق . # والعصبة : الجماعة من عشرة إلى أربعين كذا قال جمهور أهل اللغة . وقيل ~~العصبة : الجماعة من الثلاثة إلى العشرة وروي عن ابن عباس . وقيل في مصحف ~~حفصة ( عصبة أربعة منكم ) . وهم اسم جمع لا واحد له من لفظه ، ويقال : ~~عصابة . وقد تقدم في أول سورة يوسف ( 8 ) . # { وعصبة } بدل من ضمير { جاءو } . # وجملة : { لا تحسبوه شرا لكم } خبر { إن } . والمعنى : لا تحسبوا إفكهم ~~شرا لكم ، لأن الضمير المنصوب من { تحسبوه } لما عاد إلى الإفك وكان الإفك ~~متعلقا بفعل { جاءو } صار الضمير في قوة المعرف بلام العهد . فالتقدير : لا ~~تحسبوا الإفك المذكور شرا لكم . ويجوز أن يكون خبر { إن } قوله : { لكل ~~امرىء منهم ما اكتسب من الإثم } وتكون جملة { لا تحسبوه } معترضة . # ويجوز جعل { عصبة } خبر { إن } ويكون الكلام مستعملا في التعجيب من فعلهم ~~مع أنهم عصبة من القوم أشد نكرا ، كما قال طرفة : # وظلم ذوي القربى أشد مضاضة # على المرء من وقع الحسام المهند # وذكر { عصبة } تحقير لهم ولقولهم ، أي لا يعبأ بقولهم في جانب تزكية جميع ~~الأمة لمن رموهما بالإفك . ووصف العصبة بكونهم { منكم } يدل على أنهم من ~~المسلمين ، وفي ذلك تعريض بهم بأنهم حادوا عن خلق الإسلام حيث تصدوا لأذى ~~المسلمين . # وقوله : { لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم } لإزالة ما حصل في نفوس ~~المؤمنين من الأسف من اجتراء عصبة على هذا البهتان الذي اشتملت عليه القصة ~~فضمير { تحسبوه } عائد إلى الإفك . PageV18P171 # والشر المحسوب : أنه أحدث في نفر معصية الكذب والقذف والمؤمنون يودون أن ~~تكون جماعتهم خالصة من النقائص ( فإنهم أهل المدينة الفاضلة ) . فلما حدث ~~فيهم هذا الاضطراب حسبوه شرا نزل بهم . # ومعنى نفي أن يكون ذلك شرا لهم لأنه يضيرهم بأكثر من ذلك الأسف الزائل ~~وهو دون الشر لأنه آيل إلى توبة المؤمنين منهم فيتمحض إثمه للمنافقين وهم ~~جماعة أخرى لا يضر ضلالهم المسلمين . # وقال أبو بكر ابن ms5605 العربي : حقيقة الخير ما زاد نفعه على ضره وحقيقة الشر ~~ما زاد ضره على نفعه . وأن خيرا لا شر فيه هو الجنة وشرا لا خير فيه هو ~~جهنم . فنبه الله عائشة ومن ماثلها ممن ناله هم من هذا الحديث أنه ما ~~أصابهم منه شر بل هو خير على ما وضع الله الشر والخير عليه في هذه الدنيا ~~من المقابلة بين الضر والنفع ورجحان النفع في جانب الخير ورجحان الضر في ~~جانب الشر اه . وتقدم ذكر الخير عند قوله تعالى : { أينما يوجهه لا يأت ~~بخير } في سورة النحل ( 76 ) . # وبعد إزالة خاطر أن يكون ذلك شرا للمؤمنين أثبت أنه خير لهم فأتى ~~بالإضراب لإبطال أن يحسبوه شرا ، وإثبات أنه خير لهم لأن فيه منافع كثيرة ؛ ~~إذ يميز به المؤمنون الخلص من المنافقين ، وتشرع لهم بسببه أحكام تردع أهل ~~الفسق عن فسقهم ، وتتبين منه براءة فضلائهم ، ويزداد المنافقون غيظا ~~ويصبحون محقرين مذمومين ، ولا يفرحون بظنهم حزن المسلمين ، فإنهم لما ~~اختلقوا هذا الخبر ما أرادوا إلا أذى المسلمين ، وتجيء منه معجزات بنزول ~~هذه الآيات بالإنباء بالغيب . قال في ( الكشاف ) : . . . وفوائد دينية ~~وآداب لا تخفى على متأملها اه . # وعدل عن أن يعطف { خيرا } على { شرا } بحرف ( بل ) فيقال : بل خيرا لكم ، ~~إيثارا للجملة الاسمية الدالة على الثبات والدوام . PageV18P172 # والإثم : الذنب وتقدم عند قوله تعالى : { قل فيهما إثم كبير } في سورة ~~البقرة ( 219 ) وعند قوله : { وذروا ظاهر الإثم وباطنه } في سورة الأنعام ( ~~120 ) . # وتولي الأمر : مباشرة عمله والتهمم به . # { والكبر } بكسر الكاف في قراءة الجمهور ، ويجوز ضم الكاف . وقرأ به ~~يعقوب وحده ، ومعناه : أشد الشيء ومعظمه ، فهما لغتان عند جمهور أيمة اللغة ~~. وقال ابن جني والزجاج : المكسور بمعنى الإثم ، والمضموم : معظم الشيء . { ~~والذي تولى كبره } هو عبد الله بن أبي بن سلول وهو منافق وليس من المسلمين ~~. # وضمير { منهم } عائد إلى { الذين جاءو بالإفك } . وقيل : الذي تولى كبره ~~حسان ابن ثابت لما وقع في ( صحيح البخاري ) : ( عن مسروق قال : دخل حسان ~~على عائشة فأنشد عندها ms5606 أبياتا منها : # حصان رزان ما تزن بريبة # وتصبح غرثى من لحوم الغوافل # فقالت له عائشة : لكن أنت لست كذلك . قال مسروق فقلت : تدعين مثل هذا ~~يدخل عليك وقد أنزل الله تعالى : { والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم } ~~فقالت : أي عذاب أشد من العمى ) . # والوعيد بأن له عذابا عظيما يقتضي أنه عبد الله بن أبي بن سلول . وفيه ~~إنباء بأنه يموت على الكفر فيعذب العذاب العظيم في الآخرة وهو عذاب الدرك ~~الأسفل من النار ، وأما بقية العصبة فلهم من الإثم بمقدار ذنبهم . وفيه ~~إيماء بأن الله يتوب عليهم إن تابوا كما هو الشأن في هذا الدين . # $ 2 ( 12 ) { لولا & # 1764 إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هاذآ إفك ~~مبين } . ) 2 $ # استئناف لتوبيخ عصبة الإفك من المؤمنين وتعنيفهم بعد أن سماه إفكا . ~~PageV18P173 # و { لولا } هنا حرف بمعنى ( هلا ) للتوبيخ كما هو شأنها إذا وليها الفعل ~~الماضي وهو هنا { ظن المؤمنون } . وأما { إذ سمعتموه } فهو ظرف متعلق بفعل ~~الظن فقدم عليه ومحل التوبيخ جملة : { ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا ~~} فأسند السماع إلى جميع المخاطبين وخص بالتوبيخ من سمعوا ولم يكذبوا الخبر ~~. # وجرى الكلام على الإبهام في التوبيخ بطريقة التعبير بصيغة الجمع وإن كان ~~المقصود دون عدد الجمع فإن من لم يظن خيرا رجلان ، فعبر عنهما بالمؤمنين ~~وامرأة فعبر عنها بالمؤمنات على حد قوله : { الذين قال لهم الناس إن الناس ~~قد جمعوا لكم } ( آل عمران : 173 ) . # وقوله : { بأنفسهم خيرا } وقع في مقابلة { ظن المؤمنون والمؤمنات } ~~فيقتضي التوزيع ، أي ظن كل واحد منهم بالآخرين ممن رموا بالإفك خيرا إذ لا ~~يظن المرء بنفسه . # وهذا كقوله تعالى : { ولا تلمزوا أنفسكم } ( الحجرات : 11 ) أي يلمز ~~بعضكم بعضا ، وقوله : { فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم } ( النور : 61 ~~) . # روي أن أبا أيوب الأنصاري لما بلغه خبر الإفك قال لزوجه : ألا ترين ما ~~يقال ؟ فقالت له : لو كنت بدل صفوان أكنت تظن بحرمة رسول الله سوءا ؟ قال : ~~لا . قالت : ولو كنت أنا بدل عائشة ما خنت رسول ms5607 الله فعائشة خير مني وصفوان ~~خير منك . قال : نعم . # وتقديم الظرف وهو { إذ سمعتموه } على عامله وهو { قلتم } ( النور : 16 ) ~~للاهتمام بمدلول ذلك الظرف تنبيها على أنهم كان من واجبهم أن يطرق ظن الخير ~~قلوبهم بمجرد سماع الخير وأن يتبرؤا من الخوض فيه بفور سماعه . # والعدول عن ضمير الخطاب في إسناد فعل الظن إلى المؤمنين التفات ، فمقتضى ~~الظاهر أن يقال : ظننتم بأنفسكم خيرا ، فعدل عن الخطاب للاهتمام بالتوبيخ ~~فإن الإلتفات ضرب من الاهتمام بالخبر ، وليصرح بلفظ PageV18P174 الإيمان ، ~~دلالة على أن الاشتراك في الإيمان يقتضي أن لا يصدق مؤمن على أخيه وأخته في ~~الدين ولا مؤمنة على أخيها وأختها في الدين قول عائب ولا طاعن . وفيه تنبيه ~~على أن حق المؤمن إذا سمع قالة في مؤمن أن يبني الأمر فيها على الظن لا على ~~الشك ثم ينظر في قرائن الأحوال وصلاحية المقام فإذا نسب سوء إلى من عرف ~~بالخير ظن أن ذلك إفك وبهتان حتى يتضح البرهان . وفيه تعريض بأن ظن السوء ~~الذي وقع هو من خصال النفاق التي سرت لبعض المؤمنين عن غرور وقلة بصارة ~~فكفى بذلك تشنيعا له . # وهذا توبيخ على عدم إعمالهم النظر في تكذيب قول ينادي حاله ببهتانه وعلى ~~سكوتهم عليه وعدم إنكاره . # وعطف { وقالوا هذا إفك مبين } تشريع لوجوب المبادرة بإنكار ما يسمعه ~~المسلم من الطعن في المسلم بالقول كما ينكره بالظن وكذلك تغيير المنكر ~~بالقلب واللسان . # والباء في { بأنفسهم } لتعدية فعل الظن إلى المفعول الثاني لأنه متعد هنا ~~إلى واحد إذ هو في معنى الاتهام . # والمبين : البالغ الغاية في البيان ، أي الوضوح كأنه لقوة بيانه قد صار ~~يبين غيره . # # | 2 ( 13 ) { لولا جآءو عليه بأربعة شهدآء فإذ لم يأتوا بالشهدآء فأولائك ~~عند الله هم الكاذبون } . ) 2 # استئناف ثان لتوبيخ العصبة الذين جاءوا بالإفك وذم لهم . و ( لولا ) هذه ~~مثل ( لولا ) السابقة بمعنى ( هلا ) . # والمعنى : أن الذي يخبر خبرا عن غير مشاهدة يجب أن يستند في خبره إلى ~~إخبار مشاهد ، ويجب كون المشاهدين المخبرين عددا يفيد ms5608 خبرهم PageV18P175 ~~الصدق في مثل الخبر الذي أخبروا به ؛ فالذين جاءوا بالإفك اختلقوه من سوء ~~ظنونهم فلم يستندوا إلى مشاهدة ما أخبروا به ولا إلى شهادة من شاهدوه ممن ~~يقبل مثلهم فكان خبرهم إفكا . وهذا مستند إلى الحكم المتقرر من قبل في أول ~~السورة بقوله تعالى : { والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ~~فاجلدوهم ثمانين جلدة } ( النور : 4 ) فقد علمت أن أول سورة النور نزل ~~أواخر سنة اثنتين أو أوائل سنة ثلاث قبل استشهاد مرثد بن أبي مرثد . # وصيغة الحصر في قوله : { فأولئك عند الله هم الكاذبون } للمبالغة كأن ~~كذبهم لقوته وشناعته لا يعد غيرهم من الكاذبين كاذبا فكأنهم انحصرت فيهم ~~ماهية الموصوفين بالكذب . # واسم الإشارة لزيادة تمييزهم بهذه الصفة ليحذر الناس أمثالهم . # والتقييد بقوله : { عند الله } لزيادة تحقيق كذبهم ، أي هو كذب في علم ~~الله فإن علم الله لا يكون إلا موافقا لنفس الأمر . وليس المراد ما ذكره ~~كثير من المفسرين أن معنى { عند الله } في شرعه لأن ذلك يصيره قيدا ~~للاحتراز . فيصير المعنى : هم الكاذبون في إجراء أحكام الشريعة . وهذا ~~ينافي غرض الكلام ويجافي ما اقترن به من تأكيد وصفهم بالكذب ؛ على أن كون ~~ذلك هو شرع الله معلوم من قوله : { والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا ~~بأربعة شهداء فاجلودهم ثمانين جلدة } ( النور : 4 ) إلى قوله : { فأولئك ~~عند الله هم الكاذبون } . فمسألة الأخذ بالظاهر في إجراء الأحكام الشرعية ~~مسألة أخرى لا تؤخذ من هذه الآية . # # | 2 ( 14 ) { ولولا فضل الله عليكم ورحمته فى الدنيا والاخرة لمسكم فى مآ ~~أفضتم فيه عذاب عظيم } . ) 2 # { لولا } هذه حرف امتناع لوجود . والفضل في الدنيا يتعين أنه إسقاط عقوبة ~~الحد عنهم بعفو عائشة وصفوان عنهم ، وفي الآخرة إسقاط العقاب PageV18P176 ~~عنهم بالتوبة . والخطاب للمؤمنين دون رأس المنافقين . وهذه الآية تؤيد ما ~~عليه الأكثر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحد حد القذف أحدا من العصبة ~~الذين تكلموا في الإفك . وهو الأصح من الروايات : إما لعفو عائشة وصفوان ، ~~وإما لأن كلامهم في الإفك ms5609 كان تخافتا وسرارا ولم يجهروا به ولكنهم أشاعوه ~~في أوساطهم ومجالسهم . وهذا الذي يشعر به حديث عائشة في الإفك في ( صحيح ~~البخاري ) وكيف سمعت الخبر من أم مسطح وقولها : أو قد تحدث بهذا وبلغ النبي ~~وأبوي ؟ . وقيل : حد حسان ومسطحا وحمنة ، قاله ابن إسحاق وجماعة ، وأما عبد ~~الله بن أبي فقال فريق : إنه لم يحد حد القذف تأليفا لقلبه للإيمان . وعن ~~ابن عباس أن أبيا جلد حد القذف أيضا . # والإفاضة في القول مستعار من إفاضة الماء في الإناء ، أي كثرته فيه . ~~فالمعنى : ما أكثرتم القول فيه والتحدث به بينكم . # # | 2 ( 15 ) { إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم ~~وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم } . ) 2 # { إذ } ظرف متعلق ب { أفضتم } ( النور : 14 ) والمقصود منه ومن الجملة ~~المضاف هو إليها استحضار صورة حديثهم في الإفك وبتفظيعها . # وأصل { تلقونه } تتلقونه بتاءين حذفت إحداهما . وأصل التلقي أنه التكلف ~~للقاء الغير ، وتقدم في قوله تعالى : { فتلقى آدم من ربه كلمات } ( البقرة ~~: 37 ) أي علمها ولقنها ، ثم يطلق التلقي على أخذ شيء باليد من يد الغير ~~كما قال الشماخ : # إذا ما راية رفعت لمجد # تلقاها عرابة باليمين # وفي الحديث : ( من تصدق بصدقة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا طيبا تلقاها ~~الرحمن بيمينه . . ) الحديث ، وذلك بتشبيه التهيؤ لأخذ المعطى PageV18P177 ~~بالتهيؤ للقاء الغير وذلك هو إطلاقه في قوله : { إذ تلقونه بألسنتكم } . ~~ففي قوله : { بألسنتكم } تشبيه الخبر بشخص وتشبيه الراوي للخبر بمن يتهيأ ~~ويستعد للقائه استعارة مكنية فجعلت الألسن آلة للتلقي على طريقة تخييلية ~~بتشبيه الألسن في رواية الخبر بالأيدي في تناول الشيء . وإنما جعلت الألسن ~~آلة للتلقي مع أن تلقي الأخبار بالأسماع لأنه لما كان هذا التلقي غايته ~~التحدث بالخبر جعلت الألسن مكان الأسماع مجازا بعلاقة الأيلولة . وفيه ~~تعريض بحرصهم على تلقي هذا الخبر فهم حين يتلقونه يبادرون بالإخبار به بلا ~~ترو ولا تريث . وهذا تعريض بالتوبيخ أيضا . # وأما قوله : { وتقولون بأفواهكم } فوجه ذكر { بأفواهكم } مع أن القول لا ~~يكون بغير الأفواه أنه ms5610 أريد التمهيد لقوله : { ما ليس لكم به علم } ، أي هو ~~قول غير موافق لما في العلم ولكنه عن مجرد تصور لأن أدلة العلم قائمة بنقيض ~~مدلول هذا القول فصار الكلام مجرد ألفاظ تجري على الأفواه . # وفي هذا من الأدب الأخلاقي أن المرء لا يقول بلسانه إلا ما يعلمه ويتحققه ~~وإلا فهو أحد رجلين : أفن الرأي يقول الشيء قبل أن يتبين له الأمر فيوشك أن ~~يقول الكذب فيحسبه الناس كذابا . وفي الحديث : ب ( حسب المرء من الكذب أن ~~يحدث بكل ما سمع ) ، أو رجل مموه مراء يقول ما يعتقد خلافه قال تعالى : { ~~ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ~~ألد الخصام } ( البقرة : 204 ) وقال : { كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا ~~تفعلون } ( الصف : 3 ) . # هذا في الخبر وكذلك الشأن في الوعد فلا يعد إلا بما يعلم أنه يستطيع ~~الوفاء به . وفي الحديث : ( آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب ، وإذا وعد ~~أخلف ، وإذا ائتمن خان ) . # وزاد في توبيخهم بقوله : { وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم } ، أي ~~تحسبون الحديث بالقذف أمرا هينا . وإنما حسبوه هينا لأنهم استخفوا الغيبة ~~والطعن في الناس استصحابا لما كانوا عليه في مدة الجاهلية إذ لم يكن ~~PageV18P178 لهم وازع من الدين يرعهم فلذلك هم يحذرون الناس فلا يعتدون ~~عليهم باليد وبالسب خشية منهم فإذا خلوا أمنوا من ذلك . فهذا سبب حسبانهم ~~الحديث في الإفك شيئا هينا وقد جاء الإسلام بإزالة مساوي الجاهلية وإتمام ~~مكارم الأخلاق . # والهين : مشتق من الهوان ، وهوان الشيء عدم توقيره واللمبالاة بشأنه ، ~~يقال : هان على فلان كذا ، أي لم يعد ذلك أمرا مهما ، والمعنى : شيئا هينا ~~. وإنما حسبوه هينا مع أن الحد ثابت قبل نزول الآية بحسب ظاهر ترتيب الآي ~~في قوله تعالى : { والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ~~فاجلدوهم } ( النور : 4 ) الآية لجواز أنه لم تحدث قضية قذف فيما بين نزول ~~تلك الآية ونزول هذه الآية ، أو حدثت قضية عويمر العجلاني ولم يعلم بها ms5611 ~~أصحاب الإفك ، أو حسبوه هينا لغفلتهم عما تقدم من حكم الحد إذ كان العهد به ~~حديثا . وفيه من أدب الشريعة أن احترام القوانين الشرعية يجب أن يكون سواء ~~في الغيبة والحضرة والسر والعلانية . # ومعنى : { عند الله } في علم الله مما شرعه لكم من الحكم كما تقدم آنفا ~~في قوله تعالى : { فأولئك عند الله هم الكاذبون } ( النور : 13 ) . # $ 2 ( 16 ) { ولولا & # 1764 إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنآ أن نتكلم بهاذا سبحانك هاذا بهتان عظيم ~~} . ) 2 $ # عطف على جملة : { لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون } ( النور : 12 ) إلخ . ~~وأعيدت ( لولا ) وشرطها وجوابها لزيادة الاهتمام بالجملة فلذلك لم يعطف { ~~قلتم } الذي في هذه الجملة على { قلتم } الذي في الجملة قبلها لقصد أن يكون ~~صريحا في عطف الجمل . # وتقديم الظرف وهو { إذ سمعتموه } على عامله وهو { قلتم ما يكون لنا } ~~كتقديم نظيره في قوله : { لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون } ( النور : 12 ) ~~إلخ وهو الاهتمام بمدلول الظرف . PageV18P179 # وضمير { سمعتموه } عائد إلى الإفك مثل الضمائر المماثلة له في الآيات ~~السابقة . # واسم الإشارة عائد إلى الإفك بما يشتمل عليه من الاختلاق الذي يتحدث به ~~المنافقون والضعفاء ، فالإشارة إلى ما هو حاضر في كل مجلس من مجالس سماع ~~الإفك . # ومعنى { قلتم ما يكون لنا } أن يقولوا للذين أخبروهم بهذا الخبر الآفك . ~~أي قلتم لهم زجرا وموعظة . # وضمير { لنا } مراد به القائلون والمخاطبون . فأما المخاطبون فلأنهم ~~تكلموا به حين حدثوهم بخبر الإفك . والمعنى : ما يكون لكم أن تتكلموا بهذا ~~، وأما المتكلمون فلتنزههم من أن يجري ذلك البهتان على ألسنتهم . # وإنما قال : { ما يكون لنا أن نتكلم بهذا } دون أن يقول : ليس لنا أن ~~نتكلم بهذا ، للتنبيه على أن الكلام في هذا وكينونة الخوض فيه حقيق ~~بالانتفاء . وذلك أن قولك : ما يكون لي أن أفعل ، أشد في نفي الفعل عنك من ~~قولك : ليس لي أن أفعل . ومنه قوله تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام { قال ~~سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق } ( المائدة : 116 ) . # وهذا مسوق للتوبيخ ms5612 على تناقلهم الخبر الكاذب وكان الشأن أن يقول القائل ~~في نفسه : ما يكون لنا أن نتكلم بهذا ، ويقول ذلك لمن يجالسه ويسمعه منه . ~~فهذا زيادة على التوبيخ على السكوت عليه في قوله تعالى : { وقالوا هذا إفك ~~مبين } ( النور : 12 ) . # و { سبحانك } جملة إنشاء وقعت معترضة بين جملة : { ما يكون لنا أن نتكلم ~~بهذا } وجملة : { هذا بهتان عظيم } . و { سبحانك } مصدر وقع بدلا من فعله ، ~~أي نسبح سبحانا لك . وإضافته إلى ضمير الخطاب من إضافة المصدر إلى مفعوله ، ~~وهو هنا مستعار للتعجب كما تقدم عند قوله تعالى : { سبحان الذي أسرى بعبده ~~ليلا } ( الإسراء : 1 ) وقوله : { وسبحان الله وما أنا من المشركين } ~~PageV18P180 في سورة يوسف ( 108 ) . والأحسن أن يكون هنا لإعلان المتكلم ~~البراءة من شيء بتمثيل حال نفسه بحال من يشهد الله على ما يقول فيبتدىء ~~بخطاب الله بتعظيمه ثم بقول : { هذا بهتان عظيم } تبرئا من لازم ذلك وهو ~~مبالغة في إنكار الشيء والتعجب من وقوعه . # وتوجيه الخطاب إلى الله في قوله : { سبحانك } للإشعار بأن الله غاضب على ~~من يخوض في ذلك فعليهم أن يتوجهوا لله بالتوبة منه لمن خاضوا فيه ~~وبالاحتراز من المشاركة فيه لمن لم يخوضوا فيه . # وجملة : { هذا بهتان عظيم } تعليل لجملة : { ما يكون لنا أن نتكلم بهذا } ~~فهي داخلة في توبيخ المقول لهم . # ووصف البهتان بأنه { عظيم } معناه أنه عظيم في وقوعه ، أي بالغ في كنه ~~البهتان مبلغا قويا . # وإنما كان عظيما لأنه مشتمل على منكرات كثيرة وهي : الكذب ، وكون الكذب ~~يطعن في سلامة العرض ، وكونه يسبب إحنا عظيمة بين المفترين والمفترى عليهم ~~بدون عذر ، وكون المفترى عليهم من خيرة الناس وانتمائهم إلى أخير الناس من ~~أزواج وآباء وقرابات ، وأعظم من ذلك أنه اجتراء على مقام النبي صلى الله ~~عليه وسلم ومقام أم المؤمنين رضي الله عنها . # والبهتان مصدر مثل الكفران والغفران . والبهتان : الخبر الكذب الذي يبهت ~~السامع لأنه لا شبهة فيه . وقد مضى عند قوله تعالى : { وقولهم على مريم ~~بهتانا عظيما } في سورة النساء ( 156 ) . # # | 2 ( 17 ms5613 ، 18 ) { يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين * ~~ويبين الله لكم الايات والله عليم حكيم } . ) 2 # بعد أن بين الله تعالى ما في خبر الإفك من تبعات لحق بسببها للذين جاءوا ~~به والذين تقبلوه عديد التوبيخ والتهديد ، وافتضاح للذين روجوه PageV18P181 ~~وخيبة مختلقة بنقيض قصدهم ، وانتفاع للمؤمنين بذلك ، وبين بادىء ذي بدء أنه ~~لا يحسب شرا لهم بل هو خير لهم ، وأن الذين جاءوا به ما اكتسبوا به إلا ~~إثما ، وما لحق المسلمين به ضر ، ونعى على المؤمنين تهاونهم وغفلتهم عن سوء ~~نية مختلقيه ، وكيف ذهلوا عن ظن الخير بمن لا يعلمون منها إلا خيرا فلم ~~يفندوا الخبر ، وأنهم اقتحموا بذلك ما يكون سببا للحاق العذاب بهم في ~~الدنيا والآخرة ، وكيف حسبوه أمرا هينا وهو عند الله عظيم ، ولو تأملوا ~~لعلموا عظمه عند الله ، وسكوتهم عن تغيير هذا ؛ أعقب ذلك كله بتحذير ~~المؤمنين من العود إلى مثله من المجازفة في التلقي ، ومن الاندفاع وراء كل ~~ساع دون تثبت في مواطىء الأقدام ، ودون تبصر في عواقب الإقدام . # والوعظ : الكلام الذي يطلب به تجنب المخاطب به أمرا قبيحا . وتقدم في آخر ~~سورة النحل ( 125 ) . # وفعل { يعظكم } لا يتعدى إلى مفعول ثان بنفسه ، فالمصدر المأخوذ من { أن ~~تعودوا } لا يكون معمولا لفعل { يعظكم } إلا بتقدير شيء محذوف ، أو بتضمين ~~فعل الوعظ معنى فعل متعد ، أو بتقدير حرف جر محذوف ، فلك أن تضمن فعل { ~~يعظكم } معنى التحذير . فالتقدير : يحذركم من العود لمثله ، أو يقدر : ~~يعظكم الله في العود لمثله ، أو يقدر حرف نفي ، أي أن لا تعودوا لمثله ، ~~وحذف حرف النفي كثير إذا دل عليه السياق ، وعلى كل الوجوه يكون في الكلام ~~إيجاز . # والأبد : الزمان المستقبل كله ، والغالب أن يكون ظرفا للنفي . # وقوله : { إن كنتم مؤمنين } تهييج وإلهاب لهم يبعث حرصهم على أن لا ~~يعودوا لمثله لأنهم حريصون على إثبات إيمانهم ، فالشرط في مثل هذا لا يقصد ~~بالتعليق ، إذ ليس المعنى : إن لم تكونوا مؤمنين فعودوا لمثله ، ولكن لما ~~كان احتمال حصول مفهوم ms5614 الشرط مجتنبا كان في ذكر الشرط بعث على الامتثال ، ~~فلو تكلم أحد في الإفك بعد هذه الآية معتقدا وقوعه PageV18P182 فمقتضى ~~الشرط أنه يكون كافرا وبذلك قال مالك . قال ابن العربي : قال هشام بن عمار ~~: ( سمعت مالكا يقول : من سب أبا بكر وعمر أدب ، ومن سب عائشة قتل لأن الله ~~يقول : { يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين } فمن سب عائشة ~~فقد خالف القرآن ومن خالف القرآن قتل ) اه . يريد بالمخالفة إنكار ما جاء ~~به القرآن نصا وهو يرى أن المراد بالعود لمثله في قضية الإفك لأن الله ~~برأها بنصوص لا تقبل التأويل ، وتواتر أنها نزلت في شأن عائشة . وذكر ابن ~~العربي عن الشافعية أن ذلك ليس بكفر . وأما السب بغير ذلك فهو مساو لسب ~~غيرها من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم # { ويبين الله لكم الآيات } أي يجعلها لكم واضحة الدلالة على المقصود ~~والآيات : آيات القرآن النازلة في عقوبة القذف وموعظة الغافلين عن المحرمات ~~. # ومناسبة التذكير بصفتي العلم والحكمة ظاهرة . # # | 2 ( 19 ) { إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة فى الذين ءامنوا لهم عذاب ~~أليم فى الدنيا والاخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون } . ) 2 # PageV18P183 # لما حذر الله المؤمنين من العود إلى مثل ما خاضوا به من الإفك على جميع ~~أزمنة المستقبل أعقب تحذيرهم بالوعيد على ما عسى أن يصدر منهم في المستقبل ~~بالوعيد على محبة شيوع الفاحشة في المؤمنين ؛ فالجملة استئناف ابتدائي ، ~~واسم الموصول يعم كل من يتصف بمضمون الصلة فيعم المؤمنين والمنافقين ~~والمشركين ، فهو تحذير للمؤمنين وإخبار عن المنافقين والمشركين . # وجعل الوعيد على المحبة لشيوع الفاحشة في المؤمنين تنبيها على أن محبة ~~ذلك تستحق العقوبة لأن محبة ذلك دالة على خبث النية نحو المؤمنين . ومن شأن ~~تلك الطوية أن لا يلبث صاحبها إلا يسيرا حتى يصدر عنه ما هو محب له أو يسر ~~بصدور ذلك من غيره ، فالمحبة هنا كناية عن التهيؤ لإبراز ما يحب وقوعه . ~~وجيء بصيغة الفعل المضارع للدلالة على الاستمرار . وأصل الكناية أن تجمع ~~بين ms5615 المعنى الصريح ولازمه فلا جرم أن ينشأ عن تلك المحبة عذاب الدنيا وهو ~~حد القذف وعذاب الآخرة وهو أظهر لأنه مما تستحقه النوايا الخبيثة . وتلك ~~المحبة شيء غير الهم بالسيئة وغير حديث النفس لأنهما خاطران يمكن أن ينكف ~~عنهما صاحبهما ، وأما المحبة المستمرة فهي رغبة في حصول المحبوب . وهذا ~~نظير الكناية في قوله تعالى : { ولا يحض على طعام المسكين } ( الماعون : 3 ~~) كناية عن انتفاء وقوع طعام المسكين . فالوعيد هنا على محبة وقوع ذلك في ~~المستقبل كما هو مقتضى قوله : { أن تشيع } لأن ( أن ) تخلص المضارع ~~للمستقبل . وأما المحبة الماضية فقد عفا الله عنها بقوله : { ولولا فضل ~~الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم } ( ~~النور : 14 ) . # ومعنى : { أن تشيع الفاحشة } أن يشيع خبرها ، لأن الشيوع من صفات الأخبار ~~والأحاديث كالفشو وهو : اشتهار التحدث بها . فتعين تقدير مضاف ، أي أن يشيع ~~خبرها إذ الفاحشة هي الفعلة البالغة حدا عظيما في الشناعة . # وشاع إطلاق الفاحشة على الزنى ونحوه وتقدم في قوله تعالى : { واللاتي ~~يأتين الفاحشة من نسائكم } في سورة النساء ( 15 ) . وتقدم ذكر الفاحشة ~~بمعنى الأمر PageV18P184 المنكر في قوله : { وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا ~~عليها آباءنا } في سورة الأعراف ( 28 ) . وتقدم الفحشاء في قوله تعالى : { ~~إنما يأمركم بالسوء والفحشاء } في سورة البقرة ( 169 ) . # ومن أدب هذه الآية أن شأن المؤمن أن لا يحب لإخوانه المؤمنين إلا ما يحب ~~لنفسه ، فكما أنه لا يحب أن يشيع عن نفسه خبر سوء كذلك يجب عليه أن لا يحب ~~إشاعة السوء عن إخوانه المؤمنين . ولشيوع أخبار الفواحش بين المؤمنين ~~بالصدق أو بالكذب مفسدة أخلاقية فإن مما يزع الناس عن المفاسد تهيبهم ~~وقوعها وتجهمهم وكراهتهم سوء سمعتها وذلك مما يصرف تفكيرهم عن تذكرها بله ~~الإقدام عليها رويدا رويدا حتى تنسى وتنمحي صورها من النفوس ، فإذا انتشر ~~بين الأمة الحديث بوقوع شيء من الفواحش تذكرتها الخواطر وخف وقع خبرها على ~~الأسماع فدب بذلك إلى النفوس التهاون بوقوعها وخفة وقعها على الأسماع فلا ~~تلبث النفوس ms5616 الخبيثة أن تقدم على اقترافها وبمقدار تكرر وقوعها وتكرر ~~الحديث عنها تصير متداولة . هذا إلى ما في إشاعة الفاحشة من لحاق الأذى ~~والضر بالناس ضرا متفاوت المقدار على تفاوت الأخبار في الصدق والكذب . # ولهذا ذيل هذا الأدب الجليل بقوله : { والله يعلم وأنتم لا تعلمون } أي ~~يعلم ما في ذلك من المفاسد فيعظكم لتجتنبوا وأنتم لا تعلمون فتحسبون التحدث ~~بذلك لا يترتب عليه ضر وهذا كقوله : { وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم } ( ~~النور : 15 ) . # # | 2 ( 20 ) { ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رءوف رحيم } . ) 2 # هذه ثالث مرة كرر فيها { ولولا فضل الله عليكم ورحمته } وحذف في الأول ~~والثالث جواب ( لولا ) لتذهب النفس كل مذهب ممكن في تقديره بحسب المقام . ~~PageV18P185 # وقد ذكر في المرة الأولى وصف الله بأنه تواب حكيم للمناسبة المتقدمة ، ~~وذكر هنا بأنه رؤوف رحيم ، لأن هذا التنبيه الذي تضمنه التذييل فيه انتشال ~~للأمة من اضطراب عظيم في أخلاقها وآدابها وانفصام عرى وحدتها فأنقذها من ~~ذلك رأفة ورحمة لآحادها وجماعتها وحفظا لأواصرها . # وذكر وصف الرأفة والرحمة هنا لأنه قد تقدمه إنقاذه إياهم من سوء محبة أن ~~تشيع الفاحشة في الذين آمنوا تلك المحبة التي انطوت عليها ضمائر المنافقين ~~كان إنقاذ المؤمنين من التخلق بها رأفة بهم من العذاب ورحمة لهم بثواب ~~المتاب . # وهذه الآية هي منتهى الآيات العشر التي نزلت في أصحاب الإفك على عائشة ~~رضي الله عنها ، نزلت متتابعة على النبي صلى الله عليه وسلم وتلاها حين ~~نزولها وهو في بيته . # # | 2 ( 21 ) { ياأيها الذين ءامنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع ~~خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشآء والمنكر ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما ~~زكى منكم من أحد أبدا ولاكن الله يزكى من يشآء والله سميع عليم } . ) 2 # هذه الآية نزلت بعد العشر الآيات المتقدمة ، فالجملة استئناف ابتدائي ، ~~ووقوعه عقب الآيات العشر التي في قضية الإفك مشير إلى أن ما تضمنته تلك ~~الآيات من المناهي وظنون السوء ومحبة شيوع الفاحشة كله من وساوس الشيطان ، ~~فشبه حال فاعلها ms5617 في كونه متلبسا بوسوسة الشيطان بهيئة الشيطان يمشي والعامل ~~بأمره يتبع خطى ذلك الشيطان . ففي قوله : { لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن ~~يتبع خطوات الشيطان } تمثيل مبني على تشبيه حالة محسوسة بحالة معقولة إذ لا ~~يعرف السامعون للشيطان خطوات حتى ينهوا على اتباعها . PageV18P186 # وفيه تشبيه وسوسة الشيطان في نفوس الذين جاءوا بالإفك بالمشي . # { وخطوات } جمع خطوة بضم الخاء . قرأه نافع وأبو عمرو وحمزة وأبو بكر عن ~~عاصم والبزي عن ابن كثير بسكون الطاء كما هي في المفرد فهو جمع سلامة . ~~وقرأه من عداهم بضم الطاء لأن تحريك العين الساكنة أو الواقعة بعد فاء ~~الاسم المضمومة أو المكسورة جائز كثير . # والخطوة بضم الخاء : اسم لنقل الماشي إحدى قدميه التي كانت متأخرة عن ~~القدم الأخرى وجعلها متقدمة عليها . وتقدم عند قوله : { ولا تتبعوا خطوات ~~الشيطان } في سورة البقرة ( 168 ) . # و ( من ) شرطية ولذلك وقع فعل { يتبع } مجزوما باتفاق القراء . # وجملة : { فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر } جواب الشرط ، والرابط هو مفعول { ~~يأمر } المحذوف لقصد العموم فإن عمومه يشمل فاعل فعل الشرط فبذلك يحصل ~~الربط بين جملة الشرط وجملة الجواب . وضميرا { فإنه يأمر } عائدان إلى ~~الشيطان . والمعنى : ومن يتبع خطوات الشيطان يفعل الفحشاء والمنكر لأن ~~الشيطان يأمر الناس بالفحشاء والمنكر ، أي بفعلهما : فمن يتبع خطوات ~~الشيطان يقع في الفحشاء والمنكر لأنه من أفراد العموم . # والفحشاء : كل فعل أو قول قبيح . وقد تقدم عند قوله تعالى : { إنما ~~يأمركم بالسوء والفحشاء } في سورة البقرة ( 169 ) . # والمنكر : ما تنكره الشريعة وينكره أهل الخير . وتقدم عند قوله تعالى : { ~~وينهون عن المنكر } في سورة آل عمران ( 104 ) . # وقوله : { ولولا فضل الله عليكم } الآية ، أي لولا فضله بأن هداكم إلى ~~الخير ورحمته بالمغفرة عند التوبة ما كان أحد من الناس زاكيا لأن فتنة ~~الشيطان فتنة عظيمة لا يكاد يسلم منها الناس لولا إرشاد الدين ، قال تعالى ~~حكاية عن الشيطان { قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين } ~~( ص : 82 ، 83 ) . PageV18P187 # و { زكى } بتخفيف الكاف على المشهور من القراءات . وقد كتب { زكى } في ms5618 ~~المصحف بألف في صورة الياء . وكان شأنه أن يكتب بالألف الخالصة لأنه غير ~~ممال ولا أصله ياء فإنه واوي اللام . ورسم المصحف قد لا يجري على القياس . ~~ولا تعد قراءته بتخفيف الكاف مخالفة لرسم المصحف لأن المخالفة المضعفة ~~للقراءة هي المخالفة المؤدية إلى اختلاف النطق بحروف الكلمة ، وأما مثل هذا ~~فمما يرجع إلى الأداء والرواية تعصم من الخطأ فيه . # وقوله : { والله سميع عليم } تذييل بين الوعد والوعيد ، أي سميع لمن يشيع ~~الفاحشة ، عليم بما في نفسه من محبة إشاعتها ، وسميع لمن ينكر على ذلك ، ~~عليم لما في نفسه من كراهة ذلك فيجازي كلا على عمله . # وإظهار اسم الجلالة فيه ليكون التذييل مستقلا بنفسه لأنه مما يجري مجرى ~~المثل . # $ 2 ( 22 ) { ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتو & # 1764 ا أولى القربى والمساكين والمهاجرين فى سبيل الله وليعفوا وليصفحو & # 1764 ا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم } . ) 2 $ # عطف على جملة : { لا تتبعوا خطوات الشيطان } ( النور : 21 ) عطف خاص على ~~عام للاهتمام به لأنه قد يخفى أنه من خطوات الشيطان فإن من كيد الشيطان أن ~~يأتي بوسوسة في صورة خواطر الخير إذا علم أن الموسوس إليه من الذين يتوخون ~~البر والطاعة ، وأنه ممن يتعذر عليه ترويج وسوسته إذا كانت مكشوفة . # وإن من ذيول قصة الإفك أن أبا بكر رضي الله عنه كان ينفق على مسطح بن ~~أثاثة المطلبي إذ كان ابن خالة أبي بكر الصديق وكان من فقراء المهاجرين ~~فلما علم بخوضه في قضية الإفك أقسم أن لا ينفق عليه . ولما تاب مسطح وتاب ~~الله عليه لم يزل أبو بكر واجدا في نفسه على مسطح PageV18P188 فنزلت هذه ~~الآية . فالمراد من أولي الفضل ابتداء أبو بكر ، والمراد من أولي القربى ~~ابتداء مسطح بن أثاثة ، وتعم الآية غيرهما ممن شاركوا في قضية الإفك وغيرهم ~~ممن يشمله عموم لفظها فقد كان لمسطح عائلة تنالهم نفقة أبي بكر . قال ابن ~~عباس : إن جماعة من المؤمنين قطعوا منافعهم عن كل من قال ms5619 في الإفك وقالوا : ~~والله لا نصل من تكلم في شأن عائشة . فنزلت الآية في جميعهم . # ولما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية إلى قوله : { ألا تحبون أن ~~يغفر الله لكم } قال أبو بكر : بلى أحب أن يغفر الله لي . ورجع إلى مسطح ~~وأهله ما كان ينفق عليهم . قال ابن عطية : وكفر أبو بكر عن يمينه ، رواه عن ~~عائشة . # وقرأ الجمهور : { ولا يأتل } . والايتلاء افتعال من الإلية وهي الحلف ~~وأكثر استعمال الإلية في الحلف على امتناع ، يقال : آلى وائتلى . وقد تقدم ~~عند قوله تعالى : { للذين يؤلون من نسائهم } في سورة البقرة ( 226 ) . ~~وقرأه أبو جعفر { ولا يتأل } من تألى تفعل من الألية . # والفضل : أصله الزيادة فهو ضد النقص ، وشاع إطلاقه على الزيادة في الخير ~~والكمال الديني وهو المراد هنا . ويطلق على زيادة المال فوق حاجة صاحبه ~~وليس مرادا هنا لأن عطف { والسعة } عليه يبعد ذلك . والمعني من أولي الفضل ~~ابتداء أبو بكر الصديق . # والسعة : الغنى . والأوصاف في قوله : { أولى القربى والمساكين والمهاجرين ~~في سبيل الله } مقتضية المواساة بانفرادها ، فالحلف على ترك مواساة واحد ~~منهم سد لباب عظيم من المعروف وناهيك بمن جمع الأوصاف كلها مثل مسطح الذي ~~نزلت الآية بسببه . # والاستفهام في قوله : { ألا تحبون } إنكاري مستعمل في التحضيض على السعي ~~فيما به المغفرة وذلك العفو والصفح في قوله : { وليعفوا وليصفحوا } . وفيه ~~إشعار بأنه قد تعارض عن أبي بكر سبب PageV18P189 المعروف وسبب البر في ~~اليمين وتجهم الحنث وأنه أخذ بجانب البر في يمينه وترك جانب ما يفوته من ~~ثواب الإنفاق ومواساة القرابة وصلة الرحم وكأنه قدم جانب التأثم على جانب ~~طلب الثواب فنبهه الله على أنه يأخذ بترجيح جانب المعروف لأن لليمين مخرجا ~~وهو الكفارة . # وهذا يؤذن بأن كفارة اليمين كانت مشروعة من قبل هذه القصة ولكنهم كانوا ~~يهابون الإقدام على الحنث كما جاء في خبر عائشة . أن لا تكلم عبد الله بن ~~الزبير حين بلغها قوله : إنه يحجر عليها لكثرة إنفاقها المال . وهو في ( ~~صحيح البخاري ) في كتاب ms5620 الأدب باب الهجران . # وعطف { والله غفور رحيم } على جملة : { ألا تحبون أن يغفر الله لكم } ~~زيادة في الترغيب في العفو والصفح وتطمينا لنفس أبي بكر في حنثه وتنبيها ~~على الأمر بالتخلق بصفات الله تعالى . # # | 2 ( 23 25 ) { إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا فى ~~الدنيا والاخرة ولهم عذاب عظيم * يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم ~~بما كانوا يعملون * يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق ~~المبين } . ) 2 # جملة : { إن الذين يرمون المحصنات } استئناف بعد استئناف قوله : { إن ~~الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا } ( النور : 19 ) والكل تفصيل ~~للموعظة التي في قوله : { يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين ~~} ( النور : 17 ) ؛ فابتدىء بوعيد العود إلى محبة ذلك وثني بوعيد العود إلى ~~إشاعة القالة ، فالمضارع في PageV18P190 قوله : { يرمون } للاستقبال . ~~وإنما لم تعطف هذه الجملة لوقوع الفصل بينها وبين التي تناسبها بالآيات ~~النازلة بينهما من قوله : { يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان } ~~( النور : 21 ) . # واسم الموصول ظاهر في إرادة جماعة وهم عبد الله بن أبي بن سلول ومن معه . # و { الغافلات } هن اللاتي لا علم لهن بما رمين به . وهذا كناية عن عدم ~~وقوعهن فيما رمين به لأن الذي يفعل الشيء لا يكون غافلا عنه فالمعنى : إن ~~الذين يرمون المحصنات كذبا عليهن ، فلا تحسب المراد الغافلات عن قول الناس ~~فيهن . وذكر وصف { المؤمنات } لتشنيع قذف الذين يقذفونهن كذبا لأن وصف ~~الإيمان وازع لهن عن الخنى . # وقوله : { لعنوا } إخبار عن لعن الله إياهم بما قدر لهم من الإثم وما شرع ~~لهم . # واللعن : في الدنيا التفسيق ، وسلب أهلية الشهادة ، واستيحاش المؤمنين ~~منهم ، وحد القذف ، واللعن في الآخرة : الإبعاد من رحمة الله . # والعذاب العظيم : عذاب جهنم فلا جدوى في الإطالة بذكر مسألة جواز لعن ~~المسلم المعين هنا ولا في أن المقصود بها من كان من الكفرة . # والظرف في قوله : { يوم تشهد عليهم } متعلق بما تعلق به الظرف المجعول ~~خبرا للمبتدأ في قوله : { ولهم عذاب عظيم } . وذكر ms5621 شهادة ألسنتهم وأيديهم ~~وأرجلهم للتهويل عليهم لعلهم يتقون ذلك الموقف فيتوبون . # وشهادة الأعضاء على صاحبها من أحوال حساب الكفار . # وتخصيص هذه الأعضاء بالذكر مع أن الشهادة تكون من جميع الجسد كما قال ~~تعالى : { وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا } ( فصلت : 21 ) لأن لهذه الأعضاء ~~عملا في رمي المحصنات فهم ينطقون بالقذف ويشيرون بالأيدي إلى المقذوفات ~~ويسعون بأرجلهم إلى مجالس الناس لإبلاغ القذف . PageV18P191 # وقرأ حمزة والكسائي وخلف { يشهد عليهم } بالتحتية ، وذلك وجه في الفعل ~~المسند إلى ضمير جمع تكسير . # وقوله : { يومئذ يوفيهم الله دينهم } استئناف بياني لأن ذكر شهادة ~~الأعضاء يثير سؤالا عن آثار تلك الشهادة فيجاب بأن أثرها أن يجازيهم الله ~~على ما شهدت به أعضاؤهم عليهم . فدينهم جزاؤهم كما في قوله : { ملك يوم ~~الدين } ( الفاتحة : 4 ) . # و { الحق } نعت للدين ، أي الجزاء العادل الذي لا ظلم فيه فوصف بالمصدر ~~للمبالغة . # وقوله : { ويعلمون أن الله هو الحق المبين } أي ينكشف للناس أن الله الحق ~~. ووصف الله بأنه { الحق } وصف بالمصدر لإفادة تحقق اتصافه بالحق ، كقول ~~الخنساء : # ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت # فإنما هي إقبال وإدبار # وصفة الله بأنه { الحق } بمعنيين : # أولهما : بمعنى الثابت الحاق ، وذلك لأن وجوده واجب فذاته حق متحققة لم ~~يسبق عليها عدم ولا انتفاء فلا يقبل إمكان العدم . وعلى هذا المعنى في اسمه ~~تعالى : { الحق } اقتصر الغزالي في ( شرح الأسماء الحسنى ) . # وثانيهما : معنى أنه ذو الحق ، أي العدل وهو الذي يناسب وقوع الوصف بعد ~~قوله : { دينهم الحق } . وبه فسر صاحب ( الكشاف ) فيحتمل أنه أراد تفسير ~~معنى الحق هنا ، أي وصف الله بالمصدر وليس مراده تفسير الاسم . ويحتمل ~~إرادة الإخبار عن الله بأنه صاحب هذا الاسم وهذا الذي درج عليه ابن برجان ~~الإشبيلي في كتابه ( شرح الأسماء الحسنى ) والقرطبي في ( التفسير ) . ~~PageV18P192 # و { الحق } من أسماء الله الحسنى . ولما وصف بالمصدر زيد وصف المصدر ب { ~~المبين } . والمبين : اسم فاعل من أبان الذي يستعمل متعديا بمعنى أظهر على ~~أصل معنى إفادة الهمزة التعدية ، ويستعمل بمعنى بان ، أي ظهر على اعتبار ms5622 ~~الهمزة زائدة ، فلك أن تجعله وصفا ل { الحق } بمعنى العدل كما صرح به في ( ~~الكشاف ) ، أي الحق الواضح . ولك أن تجعله وصفا لله تعالى بمعنى أن الله ~~مبين وهاد . وإلى هذا نحا القرطبي وابن برجان ، فقد أثبتا في عداد أسمائه ~~تعالى اسم { المبين } . # فإن كان وصف الله ب { الحق } بالمعنى المصدري فالحصر المستفاد من ضمير ~~الفصل ادعائي لعدم الاعداد ب { الحق } الذي يصدر من غيره من الحاكمين لأنه ~~وإن يصادف المحز فهو مع ذلك معرض للزوال وللتقصير وللخطأ فكأنه ليس بحق أو ~~ليس بمبين . وإن كان الخبر عن الله بأنه { الحق } بالمعنى الاسمي لله تعالى ~~فالحصر حقيقي إذ ليس اسم الحق مسمى به غير ذات الله تعالى ، فالمعنى : أن ~~الله هو صاحب هذا الاسم كقوله تعالى : { هل تعلم له سميا } ( مريم : 65 ) . ~~وعلى هذين الوجهين يجري الكلام في وصفه تعالى ب { المبين } . # ومعنى كونهم يعلمون أن الله هو الحق المبين : أنهم يتحققون ذلك يومئذ ~~بعلم قطعي لا يقبل الخفاء ولا التردد وإن كانوا عالمين ذلك من قبل لأن ~~الكلام جار في موعظة المؤمنين ؛ ولكن نزل علمهم المحتاج للنظر والمعرض ~~للخفاء والغفلة منزلة عدم العلم . # ويجوز أن يكون المراد ب { الذين يرمون المحصنات الغافلات } خصوص عبد الله ~~بن أبي بن سلول ومن يتصل به من المنافقين المبطنين الكفر بله الإصرار على ~~ذنب الإفك إذ لا توبة لهم فهم مستمرون على الإفك فيما بينهم لأنه زين عند ~~أنفسهم ، فلم يروموا الإقلاع عنه في بواطنهم مع علمهم بأنه اختلاق منهم ؛ ~~لكنهم لخبث طواياهم يجعلون الشك الذي خالج أنفسهم بمنزلة اليقين فهم ~~ملعونون عند الله في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم في الآخرة ويعلمون أن ~~الله هو الحق المبين فيما كذبهم فيه من حديث الإفك وقد كانوا من قبل ~~PageV18P193 مبطنين الشرك مع الله فجاعلين الحق ثابتا لأصنامهم ، فالقصر ~~حيئنذ إضافي ، أي يعلمون أن الله وحده دون أصنامهم . # ويجوز أن يكون المراد ب { الذين يرمون المحصنات الغافلات } عبد الله بن ~~أبي بن سلول وحده فعبر ms5623 عنه بلفظ الجمع لقصد إخفاء اسمه تعريضا به ، كما في ~~قوله تعالى : { الذين قال لهم الناس } ( آل عمران : 173 ) وقول النبي صلى ~~الله عليه وسلم ( ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله ) . # # | 2 ( 26 ) { الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين ~~والطيبون للطيبات أولائك مبرءون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم } . ) 2 # بعد أن برأ الله عائشة رضي الله عنها مما قال عصبة الإفك ففضحهم بأنهم ما ~~جاؤا إلا بسيء الظن واختلاق القذف وتوعدهم وهددهم ثم تاب على الذين تابوا ~~أنحى عليهم ثانية ببراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن تكون له أزواج ~~خبيثات لأن عصمته وكرامته على الله يأبى الله معها أن تكون أزواجه غير ~~طيبات . فمكانة الرسول صلى الله عليه وسلم كافية في الدلالة على براءة زوجه ~~وطهارة أزواجه كلهن . وهذا من الاستدلال على حال الشيء بحال مقارنه ومماثله ~~. وفي هذا تعريض بالذين اختلقوا الإفك بأن ما أفكوه لا يليق مثله إلا ~~بأزواجهم ، فقوله : { الخبيثات للخبيثين } تعريض بالمنافقين المختلقين ~~للإفك . # والابتداء بذكر { الخبيثات } لأن غرض الكلام الاستدلال على براءة عائشة ~~وبقية أمهات المؤمنين . واللام في قوله : { للخبيثين } لام الاستحقاق . ~~والخبيثات والخبيثون والطيبات والطيبون أوصاف جرت على موصوفات محذوفة يدل ~~عليها السياق . والتقدير في الجميع : الأزواج . PageV18P194 # وعطف { والخبيثون للخبيثات } إطناب لمزيد العناية بتقرير هذا الحكم ~~ولتكون الجملة بمنزلة المثل مستقلة بدلالتها على الحكم وليكون الاستدلال ~~على حال القرين بحال مقارنه حاصلا من أي جانب ابتدأه السامع . # وذكر { والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات } إطناب أيضا للدلالة على أن ~~المقارنة دليل على حال القرينين في الخير أيضا . # وعطف { والطيبون للطيبات } كعطف { والخبيثون للخبيثات } . # وتقدم الكلام على الخبيث والطيب عند قوله تعالى : { ليميز الله الخبيث من ~~الطيب } في سورة الأنفال ( 37 ) وقوله : { قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة ~~} في سورة آل عمران ( 38 ) وقوله : { ويحرم عليهم الخبائث } في سورة ~~الأعراف ( 157 ) . # وغلب ضمير التذكير في قوله : { مبرءون } وهذه قضية كلية ولذلك حق لها أن ~~تجري مجرى المثل وجعلت ms5624 في آخر القصة كالتذييل . # والمراد بالخبث : خبث الصفات الإنسانية كالفواحش . وكذلك المراد بالطيب : ~~زكاء الصفات الإنسانية من الفضائل المعروفة في البشر فليس الكفر من الخبث ~~ولكنه من متمماته . وكذلك الإيمان من مكملات الطيب فلذلك لم يكن كفر امرأة ~~نوح وامرأة لوط ناقضا لعموم قوله : { الخبيثات للخبيثين } فإن المراد بقوله ~~تعالى : { كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما } ( التحريم : 10 ) ~~أنهما خانتا زوجيهما بإبطان الكفر . ويدل لذلك مقابلة حالهما بحال امرأة ~~فرعون { إذ قالت رب ابنن لي عندك بيتا في الجنة إلى قوله : ونجني من القوم ~~الظالمين } ( التحريم : 11 ) . # والعدول عن التعبير عن الإفك باسمه إلى { ما يقولون } إلى أنه لا يعدو ~~كونه قولا ، أي أنه غير مطابق للواقع كقوله تعالى : { ونرثه ما يقول } ( ~~مريم : 80 ) لأنه لا مال له ولا ولد في الآخرة . # والرزق الكريم : نعيم الجنة . وتقدم أن الكريم هو النفيس في جنسه عند ~~قوله : { درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم في سورة الأنفال ( 4 ) . ~~PageV18P195 # وبهذه الآيات انتهت زواجر قصة الإفك . # # | 2 ( 27 ، 28 ) ياأيها الذين ءامنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى ~~تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذالكم خير لكم لعلكم تذكرون * فإن لم تجدوا ~~فيهآ أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى ~~لكم والله بما تعملون عليم } . ) 2 # ذكرنا أن من أكبر الأغراض في هذه السورة تشريع نظام المعاشرة والمخالطة ~~العائلية في التجاور . فهذه الآيات استئناف لبيان أحكام التزاور وتعليم ~~آداب الاستئذان ، وتحديد ما يحصل المقصود منه كيلا يكون الناس مختلفين في ~~كيفيته على تفاوت اختلاف مداركهم في المقصود منه والمفيد . # وقد كان الاستئذان معروفا في الجاهلية وصدر الإسلام ، وكان يختلف شكله ~~باختلاف حال المستأذن عليه من ملوك وسوقة فكان غير متماثل . وقد يتركه أو ~~يقصر فيه من لا يهمه إلا قضاء وطره وتعجيل حاجته ، ولا يبعد بأن يكون ولوجه ~~محرجا للمزور أو مثقلا عليه فجاءت هذه الآيات لتحديد كيفيته وإدخاله في ~~آداب الدين حتى لا يفرط الناس فيه أو في بعضه ms5625 باختلاف مراتبهم في الاحتشام ~~والأنفة واختلاف أوهامهم في عدم المؤاخذة أو في شدتها . # وشرع الاستئذان لمن يزور أحدا في بيته لأن الناس اتخذوا البيوت للاستتار ~~مما يؤذي الأبدان من حر وقر ومطر وقتام ، ومما يؤذي العرض والنفس من انكشاف ~~ما لا يحب الساكن اطلاع الناس عليه ، فإذا كان في PageV18P196 بيته وجاءه ~~أحد فهو لا يدخله حتى يصلح ما في بيته وليستر ما يحب أن يستره ثم يأذن له ~~أو يخرج له فيكلمه من خارج الباب . # ومعنى { تستأنسوا } تطلبوا الأنس بكم ، أي تطلبوا أن يأنس بكم صاحب البيت ~~، وأنسه به بانتفاء الوحشة والكراهية . وهذا كناية لطيفة عن الاستئذان ، أي ~~أن يستأذن الداخل ، أي يطلب إذنا من شأنه أن لا يكون معه استيحاش رب المنزل ~~بالداخل . قال ابن وهب قال مالك : الاستئناس فيما نرى والله أعلم الاستئذان ~~. يريد أنه المراد كناية أو مرادفة فهو من الأنس ، وهذا الذي قاله مالك هو ~~القول الفصل . ووقع لابن القاسم في ( جامع العتيبة ) أن الاستئناس التسليم ~~. قال ابن العربي : وهو بعيد . وقلت : أراد ابن القاسم السلام بقصد ~~الاستئذان فيكون عطف { وتسلموا } عطف تفسير . وليس المراد بالاستئناس أنه ~~مشتق من آنس بمعنى علم لأن ذلك إطلاق آخر لا يستقيم هنا فلا فائدة في ذكره ~~وذلك بحسب الظاهر فإنه إذا أذن له دل إذنه على أنه لا يكره دخوله وإذا كره ~~دخوله لا يأذن له والله متولي علم ما في قلبه فلذلك عبر عن الاستئذان ~~بالاستئناس مع ما في ذلك من الإيماء إلى علة مشروعية الاستئذان . # وفي ذلك من الآداب أن المرء لا ينبغي أن يكون كلا على غيره ، ولا ينبغي ~~له أن يعرض نفسه إلى الكراهية والاستثقال ، وأنه ينبغي أن يكون الزائر ~~والمزور متوافقين متآنسين وذلك عون على توفر الأخوة الإسلامية . # وعطف الأمر بالسلام على الاستئناس وجعل كلاهما غاية للنهي عن دخول البيوت ~~تنبيها على وجوب الإتيان بهما لأن النهي لا يرتفع إلا عند حصولهما . وعن ~~ابن سيرين : ( أن رجلا استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم ms5626 فقال : أأدخل ؟ ~~فأمر النبي رجلا عنده أو أمة اسمها روضة فقال : إنه لا يحسن أن يستأذن ~~فليقل : السلام عليكم أأدخل . فسمعه الرجل فقال : السلام عليكم أأدخل . ~~فقال : ادخل ) ، وروى مطرف عن مالك عن زيد بن أسلم : ( أنه استأذن على عبد ~~الله بن عمر فقال : أألج . فأذن له ابن عمر ، فلما دخل قال له ابن عمر : ما ~~لك واستئذان العرب ؟ ( يريد أهل الجاهلية ) إذا استأذنت PageV18P197 فقل : ~~السلام عليكم . فإذا رد عليك السلام فقل : أأدخل ، فإن أذن لك فادخل ) . # وظاهر الآية أن الاستئذان واجب وأن السلام واجب غير أن سياق الآية لتشريع ~~الاستئذان . وأما السلام فتقررت مشروعيته من قبل في أول الإسلام ولم يكن ~~خاصا بحالة دخول البيوت فلم يكن للسلام اختصاص هنا وإنما ذكر مع الاستئذان ~~للمحافظة عليه مع الاستئذان لئلا يلهي الاستئذان الطارق فينسى السلام أو ~~يحسب الاستئذان كافيا عن السلام . قال المازري في كتاب ( المعلم على صحيح ~~مسلم ) : الاستئذان مشروع . وقال ابن العربي في ( أحكام القرآن ) قال جماعة ~~: الاستئذان فرض والسلام مستحب . وروي عن عطاء : الاستئذان واجب على كل ~~محتلم . ولم يفصح عن حكم الاستئذان سوى فقهاء المالكية . قال الشيخ أبو ~~محمد في ( الرسالة ) : الاستئذان واجب فلا تدخل بيتا فيه أحد حتى تستأذن ~~ثلاثا فإن أذن لك وإلا رجعت . وقال ابن رشد في ( المقدمات ) : الاستئذان ~~واجب . وحكى أبو الحسن المالكي في ( شرح الرسالة ) الإجماع على وجوب ~~الاستئذان . وقال النووي في ( شرح صحيح مسلم ) : الاستئذان مشروع . وهي ~~كلمة المازري في ( شرح مسلم ) . # وأقول : ليس قرن الاستئذان بالسلام في الآية بمقتض مساواتهما في الحكم ~~إذا كانت هنالك أدلة أخرى تفرق بين حكميهما وتلك أدلة من السنة ، ومن ~~المعنى فإن فائدة الاستئذان دفع ما يكره عن المطروق المزور وقطع أسباب ~~الإنكار أو الشتم أو الإغلاظ في القول مع سد ذرائع الريب وكلها أو مجموعها ~~يقتضي وجوب الاستئذان . # وأما فائدة السلام مع الاستئذان فهي تقوية الألفة المتقررة فلا تقتضي ~~أكثر من تأكد الاستحباب . فالقرآن أمر بالحالة الكاملة وأحال تفصيل أجزائها ~~على تبيين السنة ms5627 كما قال تعالى : { لتبين للناس ما نزل إليهم } ( النحل : ~~44 ) . # وقد أجملت حكمة الاستئذان في قوله تعالى : { ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون } ~~أي ذلكم الاستئذان خير لكم ، أي فيه خير لكم ونفع فإذا تدبرتم علمتم ما فيه ~~من خير لكم كما هو المرجو منكم . PageV18P198 # وقد جمعت الآية الاستئذان والسلام بواو العطف المفيد التشريك فقط فدلت ~~على أنه إن قدم الاستئذان على السلام أو قدم السلام على الاستئذان فقد جاء ~~بالمطلوب منه ، وورد في أحاديث كثيرة الأمر بتقديم السلام على الاستئذان ~~فيكون ذلك أولى ولا يعارض الآية . # وليس للاستئذان صيغة معينة . وما ورد في بعض الآثار فإنما محمله على أنه ~~المتعارف بينهم أو على أنه كلام أجمع من غيره في المراد . وقد بينت السنة ~~أن المستأذن إن لم يؤذن له بالدخول يكرره ثلاث مرات فإذا لم يؤذن له انصرف ~~. # وورد في هذا حديث أبي موسى الأشعري مع عمر بن الخطاب في ( صحيح البخاري ) ~~وهو ما روي : ( عن أبي سعيد الخدري قال : كنت في مجلس من مجالس الأنصار إذ ~~جاء أبو موسى الأشعري كأنه مذعور قال : استأذنت على عمر ثلاثا فلم يأذن لي ~~فرجعت ( وفسره في رواية أخرى بأن عمر كان مشتغلا ببعض أمره ثم تذكر فقال : ~~ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس ؟ قالوا : استأذن ثلاثا ثم رجع ) فأرسل وراءه ~~فجاء أبو موسى فقال عمر : ما منعك ؟ قال قلت : استأذنت ثلاثا فلم يؤذن لي ~~فرجعت . وقال رسول الله : إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع . ~~فقال عمر : والله لتقيمن عليه بينة . قال أبو موسى : أمنكم أحد سمعه من ~~النبي ؟ فقال أبي بن كعب : والله لا يقوم معك إلا أصغرنا فكنت أصغرهم فقمت ~~معه فأخبرت عمر أن النبي قال ذلك . فقال عمر : خفي علي هذا من أمر رسول ~~الله ألهاني الصفق بالأسواق . # وقد علم أن الاستئذان يقتضي إذنا ومنعا وسكوتا فإن أذن له فذاك وإن منع ~~بصريح القول فذلك قوله تعالى : { وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم } ~~. والضمير عائد ms5628 إلى الرجوع المفهوم من { ارجعوا } كقوله : { اعدلوا هو أقرب ~~للتقوى } ( المائدة : 8 ) . PageV18P199 # ومعنى { ازكى لكم } أنه أفضل وخير لكم من أن يأذنوا على كراهية . وفي هذا ~~أدب عظيم وهو تعليم الصراحة بالحق دون المواربة ما لم يكن فيه أذى . وتعليم ~~قبول الحق لأنه أطمن لنفس قابله من تلقي ما لا يدري أهو حق أم مواربة ، ولو ~~اعتاد الناس التصارح بالحق بينهم لزالت عنهم ظنون السوء بأنفسهم . # وأما السكوت فهو ما بين حكمه حديث أبي موسى . وفعل { تسلموا } معناه ~~تقولوا : السلام عليكم ، فهو من الأفعال المشتقة من حكاية الأقوال الواقعة ~~في الجمل مثل : رحب وأهل ، إذا قال : مرحبا وأهلا ، وحيا ، إذا قال : حياك ~~الله ، وجزأ إذ قال له : جزاك الله خيرا . وسهل ، إذا قال : سهلا ، أي حللت ~~سهلا . قال البعيث بن حريث : # فقلت لها أهلا وسهلا ومرحبا # فردت بتأهيل وسهل ومرحب # وفي الحديث : ( تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين ) . ~~وهي قريبة من النحت مثل : بسمل ، إذا قال : باسم الله ، وحسبل ، إذا قال : ~~حسبنا الله . # و { على أهلها } يتعلق ب { تسلموا } لأنه أصله من بقية الجملة التي صيغ ~~منها الفعل التي أصلها : السلام عليكم ، كما يعدى رحب به ، إذا قال : مرحبا ~~بك ، وكذلك أهل به وسهل به . ومنه قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا صلوا ~~عليه وسلموا تسليما } ( الأحزاب : 56 ) . # وصيغة التسليم هي : السلام عليكم . وقد علمها النبي صلى الله عليه وسلم ~~أصحابه ، ونهى أبا جزي الهجيمي عن أن يقول : عليك السلام . وقال له : إن ~~عليك السلام تحية الميت ثلاثا ، أي الابتداء بذلك . وأما الرد فيقول : ~~وعليك السلام بواو العطف وبذلك فارقت تحية الميت ورحمة الله . أخرج ذلك ~~الترمذي في كتاب الاستئذان . وتقدم السلام في قوله تعالى : { وإذا جاءك ~~الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم } في سورة الأنعام ( 54 ) . ~~PageV18P200 # وأما قوله : { فإن لم تجدوا فيها أحدا } إلخ للاحتراس من أن يظن ظان أن ~~المنازل غير المسكونة يدخلها الناس في غيبة أصحابها بدون إذن منهم توهما ~~بأن علة شرع الاستئذان ما ms5629 يكره أهل المنازل من رؤيتهم على غير تأهب بل ~~العلة هي كراهتهم رؤية ما يحبون ستره من شؤونهم . فالشرط هنا يشبه الشرط ~~الوصلي لأنه مراد به المبالغة في تحقيق ما قبله ولذلك ليس له مفهوم مخالفة ~~. # والغاية في قوله : { حتى يؤذن لكم } لتأكيد النهي بقوله : { فلا تدخلوها ~~} أي حتى يأتي أهلها فيأذنوا لكم . # وقوله : { والله بما تعملون عليم } تذييل لهذه الوصايا بتذكيرهم بأن الله ~~عليم بأعمالهم ليزدجر أهل الإلحاح عن إلحاحهم بالتثقيل ، وليزدجر أهل الحيل ~~أو التطلع من الشقوق ونحوها . وهذا تعريض بالوعيد لأن في ذلك عصيانا لما ~~أمر الله به . فعلمه به كناية عن مجازاته فاعليه بما يستحقون . # وخطاب { لا تدخلوا } يعم وهو مخصوص بمفهوم قوله تعالى : { يا أيها الذين ~~آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم } ( النور : 58 ) كما سيأتي . ولذا فإن ~~المماليك والأطفال مخصصون من هذا العموم كما سيأتي . # وقرأ الجمهور : { بيوتا } حيثما وقع بكسر الباء . وقرأه أبو عمرو وورش عن ~~نافع وحفص عن عاصم وأبو جعفر بضم الباء . وقد تقدم في سورة آل عمران . # # | 2 ( 29 ) { ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم ~~والله يعلم ما تبدون وما تكتمون } . ) 2 # هذا تخصيص لعموم قوله : { بيوتا غير بيوتكم } ( النور : 27 ) بالبيوت ~~المعدة للسكنى ، فأما البيوت التي ليست معدودة للسكنى إذا كان لأحد حاجة في ~~دخولها أن له أن يدخلها لأن كونها غير معدودة للسكنى تجعل القاطن بها غير ~~محترز PageV18P201 من دخول الغير إليها بل هو على استعداد لمن يغشاه فهي لا ~~تخلو من أن تكون خاوية من الساكن مثل البيوت المقامة على طرق المسافرين ~~لنزولهم ، كما كانت بيوت على الطريق بين الحجاز والشام في طريق التجار ~~كانوا يأوون إليها ويحطون فيها متاعهم للاستراحة ثم يرتحلون عنها ويستأنفون ~~سيرهم ، وتسمى الخانات جمع خان بالخاء المعجمة فهو اسم معرب من الفارسية . ~~ومثلها بيوت كانت في بعض سكك المدينة كانوا يضعون بها متاعا وأقتابا وقد ~~بناها بعض من يحتاج إليها وارتفق بها غيرهم . # وأما أن تكون تلك البيوت ms5630 مأهولة بأناس يقطنونها يأوون المسافرين ورحالهم ~~ورواحلهم ويحفظون أمتعتهم ويبيتونهم حتى يستأنفوا المرحلة مثل الخانات ~~المأهولة والفنادق . وكذلك البيوت المعدودة لبيع السلع ، والحمامات ، ~~وحوانيت التجار ، وكذلك المكتبات وبيوت المطالعة فهذه مأهولة ولا تسمى ~~مسكونة لأن السكنى هي الإقامة التي يسكن بها المرء ويستقر فيها ويقيم فيها ~~شؤونه . فمعنى قوله : { غير مسكونة } أنها غير مأهولة على حالة الاستقرار ~~أو غير مأهولة البتة . # وأما الخوانيق ( جمع خانقاه ويقال الخانكات جمع خانكاه ) وهي منازل ذات ~~بيوت يقطنها طلبة الصوفية ، وكذلك المدارس يقطنها طلبة العلم ، وكذلك الربط ~~جمع رباط وهو مأوى الحراس على الثغور ، فلا استئذان بين قطانها لأنهم قد ~~طرحوا الكلفة فيما بينهم فصاروا كأهل البيت الواحد ولكن على الغريب عنهم أن ~~يستأذن في الدخول عليهم فيأذن له ناظرهم أو كبيرهم أو من يبلغ عنهم . # وقوله : { فيها متاع لكم } صفة ثانية ل { بيوتا } . # والمتاع : الجهاز من العروض والسلع والرحال . وظاهر قوله : { فيها متاع } ~~أن المتاع موضوع هناك قبل دخول الداخل فلا مفهوم لهذه الصفة لأنها خرجت ~~مخرج التنبيه على العذر في الدخول . ويشمل ذلك أن يدخلها PageV18P202 لوضع ~~متاعه بدلالة لحن الخطاب . وكذلك يشمل دخول المسافر وإن كان لا متاع له ~~لقصد التظلل أو المبيت بدلالة لحن الخطاب أو القياس . # وقد فسر المتاع بالمصدر ، أي التمتع والانتفاع . قال جابر بن زيد : كل ~~منافع الدنيا متاع . وقال أبو جعفر النحاس : هذا شرح حسن من قول إمام من ~~أيمة المسلمين وهو موافق للغة ، وتبعه على ذلك في ( الكشاف ) . ونوه بهذا ~~التفسير أبو بكر ابن العربي فيكون إيماء إلى أن من لا منفعة له في دخولها ~~لا يؤذن له في دخولها لأنه يضيق على أصحاب الاحتياج إلى بقاعها . # وجملة : { والله يعلم ما تبدون وما تكتمون } مستعملة في التحذير من تجاوز ~~ما أشارت إليه الآية من القيود وهي كون البيوت غير مسكونة وكون الداخل ~~محتاجا إلى دخولها بله أن يدخلها بقصد التجسس على قطانها أو بقصد أذاهم أو ~~سرقة متاعهم . # # | 2 ( 30 ) { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا ms5631 فروجهم ذالك أزكى لهم ~~إن الله خبير بما يصنعون } . ) 2 # أعقب حكم الاستئذان ببيان آداب ما تقتضيه المجالسة بعد الدخول وهو أن لا ~~يكون الداخل إلى البيت محدقا بصره إلى امرأة فيه بل إذا جالسته المرأة غض ~~بصره واقتصر على الكلام ولا ينظر إليها إلا النظر الذي يعسر صرفه . # ولما كان الغض التام لا يمكن جيء في الآية بحرف { من } الذي هو للتبعيض ~~إيماء إلى ذلك إذ من المفهوم أن المأمور بالغض فيه هو ما لا يليق تحديق ~~النظر إليه وذلك يتذكره المسلم من استحضاره أحكام الحلال والحرام في هذا ~~الشأن فيعلم أن غض البصر مراتب : منه واجب ومنه دون ذلك ، فيشمل غض البصر ~~عما اعتاد الناس كراهية التحقق فيه كالنظر إلى خبايا المنازل ، بخلاف ما ~~ليس كذلك فقد جاء في حديث عمر بن الخطاب حين PageV18P203 دخل مشربة النبي ~~صلى الله عليه وسلم ( فرفعت بصري إلى السقف فرأيت أهبة معلقة ) . # وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي : ( لا تتبع النظرة النظرة فإنما لك ~~الأولى وليست لك الثانية ) . # وفي هذا الأمر بالغض أدب شرعي عظيم في مباعدة النفس عن التطلع إلى ما عسى ~~أن يوقعها في الحرام أو ما عسى أن يكلفها صبرا شديدا عليها . # والغض : صرف المرء بصره عن التحديق وتثبيت النظر . ويكون من الحياء كما ~~قال عنترة : # وأغض طرفي حين تبدو جارتي # حتى يواري جارتي مأواها # ويكون من مذلة كما قال جرير : # فغض الطرف إنك من نمير # ومادة الغض تفيد معنى الخفض والنقص . # والأمر بحفظ الفروج عقب الأمر بالغض من الأبصار لأن النظر رائد الزنى . ~~فلما كان ذريعة له قصد المتذرع إليه بالحفظ تنبيها على المبالغة في غض ~~الأبصار في محاسن النساء . فالمراد بحفظ الفروج حفظها من أن تباشر غير ما ~~أباحه الدين . # واسم الإشارة إلى المذكور ، أي ذلك المذكور من غض الأبصار وحفظ الفروج . # واسم التفضيل بقوله : { أزكى } مسلوب المفاضلة . والمراد تقوية تلك ~~التزكية لأن ذلك جنة من ارتكاب ذنوب عظيمة . # وذيل بجملة : { إن الله خبير بما يصنعون ms5632 } لأنه كناية عن جزاء ما يتضمنه ~~الأمر من الغض والحفظ لأن المقصد من الأمر الامتثال . PageV18P204 # ( 31 ) { وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن ~~إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن ~~أو ءابآئهن أو ءابآء بعولتهن أو أبنآئهن أو أبنآء بعولتهن أو إخوانهن أو ~~بنى & # 1764 إخوانهن أو بنى أخواتهن أو نسآئهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين ~~غير أولى الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النسآء ولا ~~يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبو & # 1764 ا إلى الله جميعا أيه المؤمنون لعلكم تفلحون } . # { وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ~~ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو ~~ءابآئهن أو ءابآء بعولتهن أو أبنآئهن أو أبنآء بعولتهن أو إخوانهن أو بنى & # 1764 إخوانهن أو بنى أخواتهن أو نسآئهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين ~~غير أولى الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النسآء ولا ~~يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبو & # 1764 ا إلى الله جميعا أيه المؤمنون لعلكم تفلحون } . # أردف أمر المؤمنين بأمر المؤمنات لأن الحكمة في الأمرين واحدة ، وتصريحا ~~بما تقرر في أوامر الشريعة المخاطب بها الرجال من أنها تشمل النساء أيضا . ~~ولكنه لما كان هذا الأمر قد يظن أنه خاص بالرجال لأنهم أكثر ارتكابا لضده ~~وقع النص على هذا الشمول بأمر النساء بذلك أيضا . # وانتقل من ذلك إلى نهي النساء عن أشياء عرف منهن التساهل فيها ونهيهن عن ~~إظهار أشياء تعودن أن يحببن ظهورها وجمعها القرآن في لفظ الزينة بقوله : { ~~ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها } . # والزينة : ما يحصل به الزين . والزين : الحسن ، مصدر زانه . قال عمر بن ~~أبي ربيعة : # جلل الله ذلك الوجه زينا # يقال : زين بمعنى حسن ، قال تعالى : { زين للناس حب الشهوات } في سورة آل ~~عمران ( 14 ) وقال : { وزيناها للناظرين } في سورة الحجر ( 16 ) . # والزينة ms5633 قسمان خلقية ومكتسبة . فالخلقية : الوجه والكفان أو نصف الذراعين ~~، والمكتسبة : سبب التزين من اللباس الفاخر والحلي والكحل PageV18P205 ~~والخضاب بالحناء . وقد أطلق اسم الزينة على اللباس في قوله تعالى : { يا ~~بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد } ( الأعراف : 31 ) وقوله : { قل من حرم ~~زينة الله التي أخرج لعباده في سورة الأعراف ( 32 ) ، وعلى اللباس الحسن في ~~قوله قال موعدكم يوم الزينة } ( طه : 59 ) . والتزين يزيد المرأة حسنا ~~ويلفت إليها الأنظار لأنها من الأحوال التي لا تقصد إلا لأجل التظاهر ~~بالحسن فكانت لافتة أنظار الرجال ، فلذلك نهى النساء عن إظهار زينتهن إلا ~~للرجال الذين ليس من شأنهم أن تتحرك منهم شهوة نحوها لحرمة قرابة أو صهر . # واستثني ما ظهر من الزينة وهو ما في ستره مشقة على المرأة أو في تركه حرج ~~على النساء وهو ما كان من الزينة في مواضع العمل التي لا يجب سترها مثل ~~الكحل والخضاب والخواتيم . # وقال ابن العربي : إن الزينة نوعان : خلقية ومصطنعة . فأما الخلقية : ~~فمعظم جسد المرأة وخاصة : الوجه والمعصمين والعضدين والثديين والساقين ~~والشعر . وأما المصطنعة : فهي ما لا يخلو عنه النساء عرفا مثل : الحلي ~~وتطريز الثياب وتلوينها ومثل الكحل والخضاب بالحناء والسواك . والظاهر من ~~الزينة الخلقية ما في إخفائه مشقة كالوجه والكفين والقدمين ، وضدها الخفية ~~مثل أعالي الساقين والمعصمين والعضدين والنحر والأذنين . والظاهر من الزينة ~~المصطنعة ما في تركه حرج على المرأة من جانب زوجها وجانب صورتها بين ~~أترابها ولا تسهل إزالته عند البدو أمام الرجال وإرجاعه عند الخلو في البيت ~~، وكذلك ما كان محل وضعه غير مأمور بستره كالخواتيم بخلاف القرط والدمالج . ~~واختلف في السوار والخلخال والصحيح أنهما من الزينة الظاهرة وقد أقر القرآن ~~الخلخال بقوله : { ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن } كما سيأتي ~~. قال ابن العربي : روى ابن القاسم عن مالك : ليس الخضاب من الزينة اه ولم ~~يقيده بخضاب اليدين . وقال ابن العربي : والخضاب من الزينة الباطنة إذا كان ~~في القدمين . PageV18P206 # فمعنى { ما ظهر منها } ما كان موضعه مما لا تستره ms5634 المرأة وهو الوجه ~~والكفان والقدمان . # وفسر جمع من المفسرين الزينة بالجسد كله وفسر ما ظهر بالوجه والكفين قيل ~~والقدمين والشعر . وعلى هذا التفسير فالزينة الظاهرة هي التي جعلها الله ~~بحكم الفطرة بادية يكون سترها معطلا الانتفاع بها أو مدخلا حرجا على ~~صاحبتها وذلك الوجه والكفان ، وأما القدمان فحالهما في الستر لا يعطل ~~الانتفاع ولكنه يعسره لأن الحفاء غالب حال نساء البادية . فمن أجل ذلك ~~اختلف في سترهما الفقهاء ؛ ففي مذهب مالك قولان : أشهرهما أنها يجب ستر ~~قدميها ، وقيل : لا يجب ، وقال أبو حنيفة : لا يجب ستر قدميها ، أما ما كان ~~من محاسن المرأة ولم يكن عليها مشقة في ستره فليس مما ظهر من الزينة مثل ~~النحر والثدي والعضد والمعصم وأعلى الساقين ، وكذلك ما له صورة حسنة في ~~المرأة وإن كان غير معرى كالعجيزة والأعكان والفخذين ولم يكن مما في إرخاء ~~الثوب عليه حرج عليها . وروى مالك في ( الموطأ ) عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال : ( نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات لا يدخلن الجنة ) قال ابن ~~عبد البر : أراد اللواتي يلبسن من الثياب الخفيف الذي يصف ولا يستر ، أي هن ~~كاسيات بالاسم عاريات في الحقيقة اه . وفي نسخة ابن بشكوال من ( الموطأ ) ~~عن القنازعي قال فسر مالك : إنهن يلبسن الثياب الرقاق التي لا تسترهن اه . ~~وفي سماع ابن القاسم من ( جامع العتبية ) قال مالك : بلغني أن عمر بن ~~الخطاب نهى النساء عن لبس القباطي . قال ابن رشد في ( شرحه ) : هي ثياب ~~ضيقة تلتصق بالجسم لضيقها فتبدو ثخانة لابستها من نحافتها ، وتبدي ما ~~يستحسن منها ، امتثالا لقوله تعالى : { ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها } ~~اه . وفي روايات ابن وهب من ( جامع العتبية ) قال مالك في الإماء يلبسن ~~الأقبية : ما يعجبني فإذا شدته عليها كان إخراجا لعجزتها . # وجمهور الأئمة على أن استثناء إبداء الوجه والكفين من عموم منع إبداء ~~زينتهن يقتضي إباحة إبداء الوجه والكفين في جميع الأحوال لأن PageV18P207 ~~الشأن أن يكون للمستثنى جميع أحوال المستثنى منه . وتأوله الشافعي بأنه ~~استثناء في ms5635 حالة الصلاة خاصة دون غيرها وهو تخصيص لا دليل عليه . # ونهين عن التساهل في الخمرة . والخمار : ثوب تضعه المرأة على رأسها لستر ~~شعرها وجيدها وأذنيها وكان النساء ربما يسدلن الخمار إلى ظهورهن كما تفعل ~~نساء الأنباط فيبقى العنق والنحر والأذنان غير مستورة فلذلك أمرن بقوله ~~تعالى : { وليضربن بخمرهن على جيوبهن } . والضرب : تمكين الوضع وتقدم في ~~قوله تعالى : { إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا } في سورة البقرة ( 26 ) . # والمعنى : ليشددن وضع الخمر على الجيوب ، أي بحيث لا يظهر شيء من بشرة ~~الجيد . # والباء في قوله { بخمرهن } لتأكيد اللصوق مبالغة في إحكام وضع الخمار على ~~الجيب زيادة على المبالغة المستفادة من فعل { يضربن } . # والجيوب : جمع جيب بفتح الجيم وهو طوق القميص مما يلي الرقبة . والمعنى : ~~وليضعن خمرهن على جيوب الأقمصة بحيث لا يبقى بين منتهى الخمار ومبدأ الجيب ~~ما يظهر منه الجيد . # وقوله : { ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن } أعيد لفظ { ولا يبدين زينتهن ~~} تأكيدا لقوله { ولا يبدين زينتهن } المتقدم وليبني عليه الاستثناء في ~~قوله : { إلا لبعولتهن } إلخ الذي مقتضى ظاهره أن يعطف على { إلا لبعولتهن ~~} لبعد ما بين الأول والثاني ، أي ولا يبدين زينتهن غير الظاهرة إلا لمن ~~ذكروا بعد حرف الاستثناء لشدة الحرج في إخفاء الزينة غير الظاهرة في أوقات ~~كثيرة ، فإن الملابسة بين المرأة وبين أقربائها وأصهارها المستثنين ملابسة ~~متكررة فلو وجب عليها ستر زينتها في أوقاتها كان ذلك حرجا عليها . # وذكرت الآية اثني عشر مستثنى كلهم ممن يكثر دخولهم . وسكتت الآية عن ~~غيرهم ممن هو في حكمهم بحسب المعنى . وسنذكر ذلك عند الفراغ من ذكر المصرح ~~بهم في الآية . PageV18P208 # والبعولة : جمع بعل . وهو الزوج ، وسيد الأمة . وأصل البعل الرب والمالك ~~( وسمي الصنم الأكبر عند أهل العراق القدماء بعلا وجاء ذكره في القرآن في ~~قصة أهل نينوى ورسولهم إلياس ) ، فأطلق على الزوج لأن أصل الزواج ملك وقد ~~بقي من آثار الملك فيه الصداق لأنه كالثمن . ووزن فعولة في الجموع قليل ~~وغير مطرد وهو مزيد التاء في زنة فعول من ms5636 جموع التكسير . # وكل من عد من الرجال الذين استثنوا من النهي هم من الذين لهم بالمرأة صلة ~~شديدة هي وازع من أن يهموا بها . وفي سماع ابن القاسم من كتاب ( الجامع من ~~العتبية ) : سئل مالك عن الرجل تضع أم امرأته عنده جلبابها قال : لا بأس ~~بذلك . قال ابن رشد في ( شرحه ) : لأن الله تعالى قال : { وليضربن بخمرهن ~~على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن } الآية ، فأباح الله تعالى أن ~~تضع خمارها عن جيبها وتبدي زينتها عند ذوي محارمها من النسب أو الصهر ا ه . ~~أي قاس مالك زوج بنت المرأة على ابن زوج المرأة لاشتراكهما في حرمة الصهر . # والإضافة في قوله : { نسائهن } إلى ضمير { المؤمنات } : إن حملت على ظاهر ~~الإضافة كانت دالة على أنهن النساء اللاتي لهن بهن مزيد اختصاص فقيل المراد ~~نساء أمتهن ، أي المؤمنات ، مثل الإضافة في قوله تعالى : { واستشهدوا ~~شهيدين من رجالكم } ( البقرة : 282 ) ، أي من رجال دينكم . ويجوز أن يكون ~~المراد أو النساء . وإنما أضافهن إلى ضمير النسوة إتباعا لبقية المعدود . # قال ابن العربي : إن في هذه الآية خمسة وعشرين ضميرا فجاء هذا للإتباع ا ~~ه . أي فتكون الإضافة لغير داع معنوي بل لداع لفظي تقتضيه الفصاحة مثل ~~الضميرين المضاف إليهما في قوله تعالى : { فألهمها فجورها وتقواها } ( ~~الشمس : 8 ) أي ألهمها الفجور والتقوى . فإضافتهما إلى الضمير إتباع ~~للضمائر التي من أول السورة : { والشمس وضحاها } ( الشمس : 1 ) وكذلك قوله ~~فيها : { كذبت ثمود بطغواها } ( الشمس : 11 ) PageV18P209 أي بالطغوى وهي ~~الطغيان فذكر ضمير ثمود مستغنى عنه لكنه جيء به لمحسن المزاوجة . # ومن هذين الاحتمالين اختلف الفقهاء في جواز نظر النساء المشركات ~~والكتابيات إلى ما يجوز للمرأة المسلمة إظهاره للأجنبي من جسدها . وكلام ~~المفسرين من المالكية وكلام فقهائهم في هذا غير مضبوط . والذي يستخلص من ~~كلامهم قول خليل في ( التوضيح ) عند قول ابن الحاجب : وعورة الحرة ما عدا ~~الوجه والكفين . ومقتضى كلام سيدي أبي عبد الله بن الحاج : أما الكافرة ~~فكالأجنبية مع الرجال اتفاقا ا ه . # وفي مذهب الشافعي قولان ms5637 : أحدهما : أن غير المسلمة لا ترى من المرأة ~~المسلمة إلا الوجه والكفين ورجحه البغوي وصاحب ( المنهاج ) البيضاوي ~~واختاره الفخر في ( التفسير ) . ونقل مثل هذا عن عمر بن الخطاب وابن عباس ، ~~وعلله ابن عباس بأن غير المسلمة لا تتورع عن أن تصف لزوجها المسلمة . وكتب ~~عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة بن الجراح : ( أنه بلغني أن نساء أهل ~~PageV18P210 الذمة يدخلن الحمامات مع نساء المسلمين فامنع من ذلك وحل دونه ~~فإنه لا يجوز أن ترى الذمية عرية المسلمة ) . # القول الثاني : أن المرأة غير المسلمة كالمسلمة ورجحه الغزالي . # ومذهب أبي حنيفة كذلك فيه قولان : أصحهما أن المرأة غير المسلمة كالرجل ~~الأجنبي فلا ترى من المرأة المسلمة إلا الوجه والكفين والقدمين ، وقيل : هي ~~كالمرأة المسلمة . # وأما ما ملكت أيمانهن فهو رخصة لأن في ستر المرأة زينتها عنهم مشقة عليها ~~. لكثرة ترددهم عليها . ولأن كونه مملوكا لها وازع له ولها عن حدوث ما يحرم ~~بينهما ، والإسلام وازع له من أن يصف المرأة للرجال . # وأما التابعون غير أولي الإربة من الرجال فهم صنف من الرجال الأحرار ~~تشترك أفراده في الوصفين وهما التبعية وعدم الإربة . # فأما التبعية فهي كونهم من أتباع بيت المرأة وليسوا ملك يمينها ولكنهم ~~يترددون على بيتها لأخذ الصدقة أو للخدمة . # والإربة : الحاجة . والمراد بها الحاجة إلى قربان النساء . وانتفاء هذه ~~الحاجة تظهر في المجبوب والعنين والشيخ الهرم فرخص الله في إبداء الزينة ~~لنظر هؤلاء لرفع المشقة عن النساء مع السلامة الغالبة من تطرق الشهوة ~~وآثارها من الجانبين . # واختلف في الخصي غير التابع هل يلحق بهؤلاء على قولين مرويين عن السلف . ~~وقد روي القولان عن مالك . وذكر ابن الفرس : أن الصحيح جواز دخوله على ~~المرأة إذا اجتمع فيه الشرطان التبعية وعدم الإربة . وروي ذلك عن معاوية بن ~~أبي سفيان . PageV18P211 # وأما قضية ( هيت ) المخنث أو المخصي ونهى النبي صلى الله عليه وسلم نساءه ~~أن يدخلن عليهن فتلك قضية عين تعلقت بحالة خاصة فيه . وهي وصفه النساء ~~للرجال فتقصى على أمثاله . ألا ترى أنه لم ينه ms5638 عن دخوله على النساء قبل أن ~~يسمع منه ما سمع . # وقرأ الجمهور : { غير أولي الإربة } بخفض { غير } . وقرأه ابن عامر وأبو ~~بكر عن عاصم وأبو جعفر بنصب { غير } على الحال . # والطفل مفرد مراد به الجنس فلذلك أجري عليه الجمع في قوله : { الذين لم ~~يظهروا } وذلك مثل قوله : { ثم نخرجكم طفلا } ( الحج : 5 ) أي أطفالا . # ومعنى : { لم يظهروا على عورات النساء } لم يطلعوا عليها . وهذا كناية عن ~~خلو بالهم من شهوة النساء وذلك ما قبل سن المراهقة . # ولم يذكر في عداد المستثنيات العم والخال فاختلف العلماء في مساواتهما في ~~ذلك : فقال الحسن والجمهور : هما مساويان لمن ذكر من المحارم وهو ظاهر مذهب ~~مالك إذ لم يذكر المفسرون من المالكية مثل ابن الفرس وابن جزي عنه المنع . ~~وقال الشعبي بالمنع وعلل التفرقة بأن العم والخال قد يصفان المرأة ~~لأبنائهما وأبناؤهما غير محارم . وهذا تعليل واه لأن وازع الإسلام يمنع من ~~وصف المرأة . PageV18P212 # والظاهر أن سكوت الآية عن العم والخال ليس لمخالفة حكمهما حكم بقية ~~المحارم ولكنه اقتصار على الذين تكثر مزاولتهم بيت المرأة ، فالتعداد جرى ~~على الغالب . ويلحق بهؤلاء القرابة من كان في مراتبهم من الرضاعة لقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم ( يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ) . وجزم بذلك ~~الحسن ، ولم أر فيه قولا للمالكية . وظاهر الحديث أن فيهم من الرخصة ما في ~~محارم النسب والصهر . # { ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن } . # الضرب بالأرجل إيقاع المشي بشدة كقوله : يضرب في الأرض . # روى الطبري عن حضرمي : أن امرأة اتخذت برتين ( تثنية برة بضم الباء ~~وتخفيف الراء المفتوحة ضرب من الخلخال ) من فضة واتخذت جزعا في رجليها فمرت ~~بقوم فضربت برجلها فوقع الخلخال على الجزع فصوت فنزلت هذه الآية . # والتحقيق أن من النساء من كن إذا لبسن الخلخال ضربن بأرجلهن في المشي ~~بشدة لتسمع قعقعة الخلاخل غنجا وتباهيا بالحسن فنهين عن ذلك مع النهي عن ~~إبداء الزينة . # قال الزجاج : سماع هذه الزينة أشد تحريكا للشهوة من النظر للزينة فأما ~~صوت ms5639 الخلخال المعتاد فلا ضير فيه . # وفي أحاديث ابن وهب من ( جامع العتبية ) : سئل مالك عن الذي يكون في أرجل ~~النساء من الخلاخل قال : ( ما هذا الذي جاء فيه الحديث وتركه أحب إلي من ~~غير تحريم ) . قال ابن رشد في ( شرحه ( : أراد أن الذي يحرم إنما هو أن ~~يقصدن في مشيهن إلى إسماع قعقعة الخلاخل إظهارا بهن من زينتهن . # وهذا يقتضي النهي عن كل ما من شأنه أن يذكر الرجل بلهو النساء ويثير منه ~~إليهن من كل ما يرى أو يسمع من زينة أو حركة كالتثني والغناء PageV18P213 ~~وكلم الغزل . ومن ذلك رقص النساء في مجالس الرجال ومن ذلك التلطخ بالطيب ~~الذي يغلب عبيقه . وقد أومأ إلى علة ذلك قوله تعالى : { ليعلم ما يخفين من ~~زينتهن } ولعن النبي صلى الله عليه وسلم المستوشمات والمتفلجات للحسن . # قال مكي بن أبي طالب ليس في كتاب الله آية أكثر ضمائر من هذه الآية جمعت ~~خمسة وعشرين ضميرا للمؤمنات من مخفوض ومرفوع وسماها أبو بكر ابن العربي : ~~آية الضمائر . # { وتوبو & # 1764 ا إلى الله جميعا أيه المؤمنون لعلكم تفلحون } . # أعقبت الأوامر والنواهي الموجهة إلى المؤمنين والمؤمنات بأمر جميعهم ~~بالتوبة إلى الله إيماء إلى أن فيما أمروا به ونهوا عنه دفاعا لداع تدعو ~~إليه الجبلة البشرية من الاستحسان والشهوة فيصدر ذلك عن الإنسان عن غفلة ثم ~~يتغلغل هو فيه فأمروا بالتوبة ليحاسبوا أنفسهم على ما يفلت منهم من ذلك ~~اللمم المؤدي إلى ما هو أعظم . # والجملة معطوفة على جملة : { قل للمؤمنين } ( النور : 30 ) . ووقع التفات ~~من خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم إلى خطاب الأمة لأن هذا تذكير بواجب ~~التوبة المقررة من قبل وليس استئناف تشريع . # ونبه بقوله : { جميعا } على أن المخاطبين هم المؤمنون والمؤمنات وإن كان ~~الخطاب ورد بضمير التذكير على التغليب ، وأن يؤملوا الفلاح إن هم تابوا ~~وأنابوا . # وتقدم الكلام على التوبة في سورة النساء ( 17 ) عند قوله تعالى : { إنما ~~التوبة على الله } . # وكتب في المصحف { أيه } بهاء في آخره اعتبارا بسقوط الألف في حال ms5640 الوصل ~~مع كلمة { المؤمنون } . فقرأها الجمهور بفتح الهاء بدون ألف في الوصل . ~~وقرأها أبو عامر بضم الهاء إتباعا لحركة ( أي ) . ووقف عليها PageV18P214 ~~أبو عمرو والكسائي بألف في آخرها . ووقف الباقون عليها بسكون الهاء على ~~اعتبار ما رسمت به . # # | 2 ( 32 ) { وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن ~~يكونوا فقرآء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم } . ) 2 # أردفت أوامر العفاف بالإرشاد إلى ما يعين عليه ، ويعف نفوس المؤمنين ~~والمؤمنات ، ويغض من أبصارهم ، فأمر الأولياء بأن يزوجوا أياماهم ولا ~~يتركوهن متأيمات لأن ذلك أعف لهن وللرجال الذين يتزوجونهن . وأمر السادة ~~بتزويج عبيدهم وإمائهم . وهذا وسيلة لإبطال البغاء كما سيتبع به في آخر ~~الآية . # والآيامى : جمع أيم بفتح الهمزة وتشديد الياء المكسورة بوزن فيعل وهي ~~المرأة التي لا زوج لها كانت ثيبا أم بكرا . والشائع إطلاق الأيم على التي ~~كانت ذات زوج ثم خلت عنه بفراق أو موته ، وأما إطلاقه على البكر التي لا ~~زوج لها فغير شائع فيحمل على أنه مجاز كثر استعماله . والأيم في الأصل من ~~أوصاف النساء قاله أبو عمرو والكسائي ولذلك لم تقترن به هاء التأنيث فلا ~~يقال : امرأة أيمة . واطلاق الأيم على الرجل الخلي عن امرأة إما لمشاكلة أو ~~تشبيه ، وبعض أيمة اللغة كأبي عبيد والنضر بن شميل يجعل الأيم مشتركا ~~للمرأة والرجل وعليه درج في ( الكشاف ) و ( القاموس ) . # ووزن أيامى عند الزمخشري أفاعل لأنه جمع أيم بوزن فيعل ، وفيعل لا يجمع ~~على فعالى . فأصل أيامى أيائم فوقع فيه قلب مكاني قدمت الميم PageV18P215 ~~للتخلص من ثقل الياء بعد حرف المد ، وفتحت الميم للتخفيف فقلبت الياء ألفا ~~. وعند ابن مالك وجماعة : وزنه فعالى على غير قياس وهو ظاهر كلام سيبويه . # و { الأيامى } صيغة عموم لأنه جمع معرف باللام فتشمل البغايا . أمر ~~أولياؤهن بتزويجهن فكان هذا العموم ناسخا لقوله تعالى : { والزانية لا ~~ينكحها إلا زان أو مشرك } ( النور : 3 ) فقد قال جمهور الفقهاء : إن هذه ~~ناسخة للآية التي تقدمت وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد . ونقل ~~القول ms5641 بأن التي قبلها محكمة عن غير معين . وزوج أبو بكر امرأة من رجل زنى ~~بها لما شكاه أبوها . # ومعنى التبعيض في قوله { منكم } أنهن من المسلمات لأن غير المسلمات لا ~~يخلون عند المسلمين من أن يكن أزواجا لبعض المسلمين فلا علاقة للآية بهن ، ~~أو أن يكن مملوكات فهن داخلات في قوله : { والصالحين من عبادكم وإمائكم } ~~على الاحتمالات الآتية في معنى { الصالحين } وأما غيرهن فولايتهن لأهل ~~ملتهن . # والمقصود : الأيامى الحرائر ، خصصه قوله بعده { والصالحين من عبادكم ~~وإمائكم } . وظاهر وصف العبيد والإماء بالصالحين أن المراد اتصافهم بالصلاح ~~الديني . أي الأتقياء . والمعنى : لا يحملكم تحقق صلاحهم على إهمال إنكاحهم ~~لأنكم آمنون من وقوعهم في الزنى بل عليكم أن تزوجوهم رفقا بهم ودفعا لمشقة ~~العنت عنهم . # فيفيد أنهم إن لم يكونوا صالحين كان تزويجهم آكد أمرا . وهذا من دلالة ~~الفحوى فيشمل غير الصالحين غير الأعفاء والعفائف من المماليك المسلمين ، ~~ويشمل المماليك غير المسلمين . وبهذا التفسير تنقشع الحيرة التي عرضت ~~للمفسرين في التقييد بهذا الوصف . وقيل أريد بالصالحين الصلاح للتزوج بمعنى ~~اللياقة لشؤون الزوج ، أي إذا كانوا مظنة القيام بحقوق الزوجية . ~~PageV18P216 # وصيغة الأمر في قوله تعالى : { وأنكحوا الأيامى منكم } إلى آخره مجملة ~~تحتمل الوجوب والندب بحسب ما يعرض من حال المأمور بإنكاحهم : فإن كانوا ~~مظنة الوقوع في مضار في الدين أو الدنيا كان إنكاحهم واجبا ، وإن لم يكونوا ~~كذلك فعند مالك وأبي حنيفة إنكاحهم مستحب . وقال الشافعي : لا يندب . وحمل ~~الأمر على الإباحة ، وهو محمل ضعيف في مثل هذا المقام إذ ليس المقام مظنة ~~تردد في إباحة تزويجهم . # وجملة : { إن يكونوا فقراء } الخ استئناف بياني لأن عموم الأيامى والعبيد ~~والإماء في صيغة الأمر يثير سؤال الأولياء والموالي أن يكون الراغب في تزوج ~~المرأة الأيم فقيرا فهل يرده الولي ، وأن يكون سيد العبد فقيرا لا يجد ما ~~ينفقه على زوجه ، وكذلك سيد الأمة يخطبها رجل فقير حر أو عبد فجاء هذا ~~لبيان إرادة العموم في الأحوال . ووعد الله المتزوج من هؤلاء إن كان فقيرا ~~أن يغنيه ms5642 الله ، وإغناؤه تيسير الغنى إليه إن كان حرا وتوسعة المال على ~~مولاه إن كان عبدا فلا عذر للولي ولا للمولى أن يرد خطبته في هذه الأحوال . # وإغناء الله إياهم توفيق ما يتعاطونه من أسباب الرزق التي اعتادوها مما ~~يرتبط به سعيهم الخاص من مقارنة الأسباب العامة أو الخاصة التي تفيد سعيهم ~~نجاحا وتجارتهم رباحا . والمعنى : أن الله تكفل لهم أن يكفيهم مؤنة ما ~~يزيده التزوج من نفقاتهم . # وصفة الله ( الواسع ) مشتقة من فعل وسع باعتبار أنه وصف مجازي لأن ~~الموصوف بالسعة هو إحسانه . قال حجة الإسلام : والسعة تضاف مرة إلى العلم ~~إذا اتسع وأحاط بالمعلومات الكثيرة ، وتضاف مرة إلى الإحسان وبذل النعم ، ~~وكيفما قدر وعلى أي شيء نزل فالواسع المطلق هو الله تعالى لأنه إن نظر إلى ~~علمه فلا ساحل لبحر معلوماته وإن نظر إلى إحسانه ونعمه فلا نهاية لمقدوراته ~~ا ه . # والذي يؤخذ من استقراء القرآن وصف الواسع المطلق إنما يراد به سعة الفضل ~~والنعمة ، ولذلك يقرن بوصف العلم ونحوه قال PageV18P217 تعالى : { وإن ~~يتفرقا يغن الله كلا من سعته وكان الله واسعا حكيما } ( النساء : 130 ) . ~~أما إذا ذكرت السعة بصيغة الفعل فيراد بها الإحاطة فيما تميز به كقوله ~~تعالى : { وسع ربنا كل شيء علما } ( الأعراف : 89 ) . # وذكر { عليم } بعد { واسع } إشارة إلى أنه يعطي فضله على مقتضى ما علمه ~~من الحكمة في مقدار الإعطاء . # $ 2 ( 33 ) { وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله ~~والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا ~~وءاتوهم من مال الله الذى & # 1764 ءاتاكم ولا تكرهوا فتياتكم على البغآء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض ~~الحيواة الدنيا ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم } . ) 2 $ # { } { وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله والذين ~~يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وءاتوهم من ~~مال الله الذى & # 1764 ءاتاكم ولا تكرهوا فتياتكم على البغآء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض ~~الحيواة الدنيا ومن يكرههن فإن ms5643 الله من بعد إكراههن غفور رحيم } . # أمر كل من تعلق به الأمر بالإنكاح بأن يلازموا العفاف في مدة انتظارهم ~~تيسير النكاح لهم بأنفسهم أو بإذن أوليائهم ومواليهم . والسين والتاء ~~للمبالغة في الفعل ، أي وليعف الذين لا يجدون نكاحا . ووجه دلالته على ~~المبالغة أنه في الأصل استعارة . جعل طلب الفعل بمنزلة طلب السعي فيه ليدل ~~على بذل الوسع . # ومعنى { لا يجدون نكاحا } لا يجدون قدرة على النكاح ففيه حذف مضاف . وقيل ~~النكاح هنا اسم ما هو سبب تحصيل النكاح كاللباس واللحاف . فالمراد المهر ~~الذي يبذل للمرأة . # والإغناء هنا هو إغناؤهم بالزواج . والفضل : زيادة العطاء . # { والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا ~~وءاتوهم من مال الله الذى & # 1764 ءاتاكم } . # لما ذكر وعد الله من يزوج من العبيد الفقراء بالغنى وكان من وسائل غناه ~~أن يذهب يكتسب بعمله وكان ذلك لا يستقل به العبد لأنه في خدمة سيده ~~PageV18P218 جعل الله للعبيد حقا في الاكتساب لتحرير أنفسهم من الرق ويكون ~~في ذلك غنى للعبد إن كان من ذوي الأزواج . أمر الله السادة بإجابة من يبتغي ~~الكتابة من عبيدهم تحقيقا لمقصد الشريعة من بث الحرية في الأمة ، ولمقصدها ~~من إكثار النسل في الأمة ، ولمقصدها من تزكية الأمة واستقامة دينها . # { والذين } مرفوع بالابتداء أو منصوب بفعل مضمر يفسره { فكاتبوهم } وهذا ~~الثاني هو اختيار سيبويه والخليل . # ودخول الفاء في { فكاتبوهم } لتضمين الموصول معنى الشرطية كأنه قيل : إن ~~ابتغى الكتاب ما ملكت أيمانكم فكاتبوهم ، تأكيدا لترتب الخير على تحقق ~~مضمون صلة الموصول بأن يكون كترتب الشروط على الشرط . # والكتاب : مصدر كاتب إذا عاقد على تحصيل الحرية من الرق على قدر معين من ~~المال يدفع لسيد العبد منجما ، أي موزعا على مواقيت معينة ، كانوا في ~~الغالب يوقتونها بمطالع نجوم المنازل مثل الثريا فلذلك سموا توقيت دفعها ~~نجما وسموا توزيعها تنجيما ، ثم غلب ذلك في كل توقيت فيقال فيه : تنجيم . ~~وكذلك الديات والحمالات كانوا يجعلونها موزعة على مواقيت فيسمون ذلك تنجيما ~~وكان تنجيم الدية في ثلاث ms5644 سنين على السواء ، قال زهير : # تعفى الكلوم بالمئين فأصبحت # ينجمها من ليس فيها بمجرم # وسموا ذلك كتابة لأن السيد وعبده كانا يسجلان عقد تنجيم عوض الحرية بصك ~~يكتبه كاتب بينهما ، فلما كان في الكتب حفظ لحق كليهما أطلق على ذلك ~~التسجيل كتابة لأن ما يتضمنه هو عقد من جانبين ، وإن كان الكاتب واحدا ~~والكتب واحدا . وفي حديث عبد الرحمن بن عوف : كاتبت أمية بن خلف كتابا بأن ~~يحفظني في صاغيتي بمكة وأحفظه في صاغيته بالمدينة . # ومعنى { إن علمتم فيهم خيرا } إن ظننتم أنهم لا يبتغون بذلك إلا تحرير ~~أنفسهم ولا يبتغون بذلك تمكنا من الإباق ، وذلك الخير بالقدرة على الاكتساب ~~وبصفة الأمانة ولا يلزم أن يتحقق دوام ذلك لأنه إن عجز عن إكمال ما عليه ~~رجع عبدا كما كان . PageV18P219 # وكانت الكتابة معروفة من عهد الجاهلية ولكنها كانت على خيار السيد فجاءت ~~هذه الآية تأمر السادة بذلك إن رغبه العبد أو لحثه على ذلك على اختلاف بين ~~الأئمة في محمل الأمر من قوله تعالى : { فكاتبوهم } . فعن عمر بن الخطاب ~~ومسروق وعمرو بن دينار وابن عباس والضحاك وعطاء وعكرمة والظاهرية أن ~~الكتابة واجبة على السيد إذا علم خيرا في عبده وقد وكله الله في ذلك إلى ~~علمه ودينه ، واختاره الطبري وهو الراجح لأنه يجمع بين مقصد الشريعة وبين ~~حفظ حق السادة في أموالهم فإذا عرض العبد اشتراء نفسه من سيده وجب عليه ~~إجابته . وقد هم عمر بن الخطاب أن يضرب أنس بن مالك بالدرة لما سأله سيرين ~~عبده أن يكاتبه فأبى أنس . وذهب الجمهور إلى حمل الأمر على الندب . # وقد ورد في السنة حديث كتابة بريرة مع سادتها وكيف أدت عنها عائشة أم ~~المؤمنين مال الكتابة كله . وذكر ابن عطية عن النقاش ومكي بن أبي طالب أن ~~سبب نزول هذه الآية : أن غلاما لحويطب بن عبد العزى أو لحاطب بن أبي بلتعة ~~اسمه صبيح القبطي أو صبح سأل مولاه الكتابة فأبى عليه فأنزل الله هذه الآية ~~فكاتبه مولاه . وفي ( الكشاف ) أن عمر ms5645 بن الخطاب كاتب عبدا له يكنى أبا ~~أمية وهو أول عبد كوتب في الإسلام . # والظاهر أن الخطاب في قوله : { وآتوهم من مال الله الذي ءاتاكم } موجه ~~إلى سادة العبيد ليتناسق الخطابان وهو أمر للسادة بإعانة مكاتبيهم بالمال ~~الذي أنعم الله به عليهم فيكون ذلك بالتخفيف عنهم من مقدار المال الذي وقع ~~التكاتب عليه . وكذلك قال مالك : يوضع عن المكاتب من آخر كتابته ما تسمح به ~~نفس السيد . وحدده بعض السلف بالربع وبعضهم بالثلث وبعضهم بالعشر . # وهذا التخفيف أطلق عليه لفظ ( الإيتاء ) وليس ثمة إيتاء ولكنه لما كان ~~إسقاطا لما وجب على المكاتب كان ذلك بمنزلة الإعطاء كما سمي إكمال المطلق ~~قبل البناء لمطلقته جميع الصداق عفوا في قوله تعالى : { أو يعفو الذي ~~PageV18P220 بيده عقدة النكاح } ( البقرة : 237 ) في قول جماعة في محمل { ~~الذي بيده عقدة النكاح } منهم الشافعي . # وقال بعض المفسرين : الخطاب في قوله : { وءاتوهم } للمسلمين . أمرهم الله ~~بإعانة المكاتبين . # والأمر محمول على الندب عند أكثر العلماء وحمله الشافعي على الوجوب . ~~وقال إسماعيل بن حماد القاضي : وجعل الشافعي الكتابة غير واجبة وجعل الأمر ~~بالإعطاء للوجوب فجعل الأصل غير واجب والفرع واجبا وهذا لا نظير له ا ه . ~~وفيه نظر . # وإضافة المال إلى الله لأنه ميسر أسباب تحصيله . وفيه إيماء إلى أن ~~الإعطاء من ذلك المال شكر والإمساك جحد للنعمة قد يتعرض به الممسك لتسلب ~~النعمة عنه . # والموصول في قوله { الذي آتاكم } يجوز أن يكون وصفا ل { مال الله } ويكون ~~العائد محذوفا تقديره : آتاكموه . ويجوز أن يكون وصفا لاسم الجلالة فيكون ~~امتنانا وحثا على الامتثال بتذكير أنه ولي النعمة ويكون مفعول { ءاتاكم } ~~محذوفا للعموم ، أي ءاتاكم على الامتثال بتذكير أنه ولي النعمة . ويكون ~~مفعول { ءاتاكم } محذوفا للعموم ، أي ءاتاكم نعما كثيرة كقوله : { وءاتاكم ~~من كل ما سألتموه } ( إبراهيم : 34 ) . # وأحكام الكتابة وعجز المكاتب عن أداء نجومه ورجوعه مملوكا وموت المكاتب ~~وميراث الكتابة وأداء أبناء المكاتب نجوم كتابته مبسوطة في كتب الفروع . # { ولا تكرهوا فتياتكم على البغآء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض ms5646 الحيواة ~~الدنيا ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم } . PageV18P221 # انتقال إلى تشريع من شؤون المعاملات بين الرجال والنساء التي لها أثر في ~~الأنساب ومن شؤون حقوق الموالي والعبيد ، وهذا الانتقال لمناسبة ما سبق من ~~حكم الاكتساب المنجر من العبيد لمواليهم وهو الكتابة فانتقل إلى حكم البغاء ~~. # والبغاء مصدر : باغت الجارية ، إذا تعاطت الزنى بالأجر حرفة لها ، ~~فالبغاء الزنى بأجرة . واشتقاق صيغة المفاعلة فيه للمبالغة والتكرير ولذلك ~~لا يقال إلا : باغت الأمة . ولا يقال : بغت . وهو مشتق من البغي بمعنى ~~الطلب كما قال عياض في ( المشارق ) لأن سيد الأمة بغى بها كسبا . وتسمى ~~المرأة المحترفة به بغيا بوزن فعول بمعنى فاعل ولذلك لا تقترن به هاء ~~التأنيث . فأصل بغي بغوي فاجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت ~~الواو ياء وأدغمت الياء في الياء . # وقد كان هذا البغاء مشروعا في الشرائع السالفة فقد جاء في سفر التكوين في ~~الإصحاح 38 : ( فخلعت عنها ثياب ترملها وتغطت ببرقع وتلففت وجلست في مدخل ( ~~عينائم ) التي على الطريق ) ثم قال فنظرها يهوذا وحسبها زانية لأنها كانت ~~قد غطت وجهها فمال إليها على الطريق وقال : هاتي أدخل عليك . فقالت : ماذا ~~تعطيني ؟ فقال : أرسل لك جدي معزى من الغنم . . ثم قال ودخل عليها فحبلت ~~منه ) . # وقد كانت في المدينة إماء بغايا منهن ست إماء لعبد الله بن أبي بن سلول ~~وهن : معاذة ومسيكة وأميمة وعمرة وأروى وقتيلة ، وكان يكرههن على البغاء ~~بعد الإسلام . قال ابن العربي : روى مالك عن الزهري أن رجلا من أسرى قريش ~~في يوم بدر قد جعل عند عبد الله بن أبي وكان هذا الأسير يريد معاذة على ~~نفسها وكانت تمتنع منه لأنها أسلمت وكان عبد الله بن أبي يضربها على ~~امتناعها منه رجاء أن تحمل منه ( أي من الأسير القرشي ) فيطلب فداء ولده ، ~~أي فداء رقه من ابن أبي . ولعل هذا الأسير كان مؤسرا له مال بمكة وكان ~~الزاني بالأمة يفتدي ولده بمائة من الإبل يدفعها PageV18P222 لسيد الأمة ، ~~وأنها شكته إلى النبي ms5647 صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية . # وقالوا إن عبد الله بن أبي كان قد أعد معاذة لإكرام ضيوفه فإذا نزل عليه ~~ضيف أرسلها إليه ليواقعها إرادة الكرامة له . فأقبلت معاذة إلى أبي بكر ~~فشكت ذلك إليه فذكر أبو بكر ذلك للنبيء صلى الله عليه وسلم فأمر النبي أبا ~~بكر بقبضها فصاح عبد الله بن أبي : من يعذرنا من محمد يغلبنا على مماليكنا ~~. فأنزل الله هذه الآية ، أي وذلك قبل أن يتظاهر عبد الله بن أبي بالإسلام ~~. وجميع هذه الآثار متظافرة على أن هذه الآية كان بها تحريم البغاء على ~~المسلمين والمسلمات المالكات أمر أنفسهن . # وكان بمكة تسع بغايا شهيرات يجعلن على بيوتهن رايات مثل رايات البيطار ~~ليعرفهن الرجال ، وهن كما ذكر الواحدي : أم مهزول جارية السائب المخزومي ، ~~وأم غليظ جارية صفوان بن أمية ، وحية القبطية جارية العاصي بن وائل ، ومزنة ~~جارية مالك بن عميلة بن السباق ، وجلالة جارية سهيل بن عمرة ، وأم سويد ~~جارية عمرو بن عثمان المخزومي ، وشريفة جارية ربيعة بن أسود . وقرينة أو ~~قريبة جارية هشام بن ربيعة ، وقرينة جارية هلال بن أنس . وكانت بيوتهن تسمى ~~في الجاهلية المواخير . # قلت : وتقدم أن من البغايا عناق ولعلها هي أم مهزول كما يقتضيه كلام ~~القرطبي في تفسير قوله تعالى : { الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة } ( ~~النور : 3 ) . ولم أقف على أن واحدة من هؤلاء اللاتي كن بمكة أسلمت وأما ~~اللائي كن بالمدينة فقد أسلمت منهن معاذة ومسيكة وأميمة ، ولم أقف على ~~أسماء الثلاث الأخر في الصحابة فلعلهن هلكن قبل أن يسلمن . # والبغاء في الجاهلية كان معدودا من أصناف النكاح . ففي الصحيح من حديث ~~عائشة أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء : # فنكاح منها نكاح الناس اليوم يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته ~~فيصدقها ثم ينكحها . PageV18P223 # ونكاح آخر كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها أرسلي إلى فلان ~~فاستبضعي منه ويعتزلها زوجها ولا يمسها حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي ~~تستبضع منه فإذا تبين حملها ms5648 أصابها زوجها إذا أحب . وإنما يفعل ذلك رغبة في ~~نجابة الولد فكان هذا النكاح يسمى نكاح الاستبضاع . # ونكاح آخر يجتمع الرهط ما دون العشرة فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها ~~فإذا حملت ووضعت ومر عليها الليالي بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم فلم يستطع ~~رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها تقول لهم : قد عرفتم الذي كان من ~~أمركم وقد ولدت فهو ابنك يا فلان . تسمي من أحبت باسمه فيلحق به ولدها . # ونكاح رابع يجتمع الناس فيدخلون على المرأة لا تمتنع ممن جاءها ، وهن ~~البغايا كن ينصبن على أبوابهن الرايات تكون علما ، فمن أرادهن دخل عليهن ~~فإذا حملت إحداهن ووضعت جمعوا لها ودعوا لهم القافة ثم ألحقوا ولدها بالذي ~~يرون فالتاط به ودعي ابنه ، فلما بعث محمد بالحق هدم نكاح الجاهلية كله إلا ~~نكاح الناس اليوم اه . # فكان البغاء في الحرائر باختيارهن إياه للارتزاق . وكانت عناق صاحبة مرثد ~~بن أبي مرثد التي تقدم ذكرها عند قوله تعالى : { الزاني لا ينكح إلازانية ~~أو مشركة } ( النور : 3 ) . وكان في الإماء من يلزمهن سادتهن عليه لاكتساب ~~أجور بغائهن فكما كانوا يتخذون الإماء للخدمة وللتسري كانوا يتخذون بعضهن ~~للاكتساب وكانوا يسمون أجرهن مهرا كما جاء في حديث أبي مسعود أن رسول الله ~~نهى عن مهر البغي ولأجل هذا اقتصرت الآية على ذكر الفتيات جمع فتاة بمعنى ~~الأمة ، كما قالوا للعبد : غلام . # واعلم أن تفسير هذه الآية معضل وأن المفسرين ما وفوها حق البيان وما أتوا ~~إلا إطنابا في تكرير مختلف الروايات في سبب نزولها وأسماء من وردت أسماؤهم ~~في قضيتها دون إفصاح عما يستخلصه الناظر من معانيها وأحكامها . PageV18P224 # ولا ريب أن الخطاب بقوله تعالى : { ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء } موجه ~~إلى المسلمين ، فإن كانت قصة أمة ابن أبي حدثت بعد أن أظهر سيدها الإسلام ~~كان هو سبب النزول فشمله العموم لا محالة ، وإن كانت حدثت قبل أن يظهر ~~الإسلام فهو سبب ولا يشمله الحكم لأنه لم يكن من المسلمين يومئذ وإنما كان ~~تذمر أمته منه ms5649 داعيا لنهي المسلمين عن إكراه فتياتهم على البغاء . وأيا ما ~~كان فالفتيات مسلمات لأن المشركات لا يخاطبن بفروع الشريعة . # وقد كان إظهار عبد الله بن أبي الإسلام في أثناء السنة الثانية من الهجرة ~~فإنه تردد زمنا في الإسلام ولما رأى قومه دخلوا في الإسلام دخل فيه كارها ~~مصرا على النفاق . ويظهر أن قصة أمته حدثت في مدة صراحة كفره لما علمت مما ~~روي عن الزهري من قول ابن أبي حين نزلت : من يعذرنا من محمد يغلبنا على ~~مماليكنا ، ونزول سورة النور كان في حدود السنة الثانية كما علمت في أول ~~الكلام عليها فلا شك أن البغاء الذي هو من عمل الجاهلية استمر زمنا بعد ~~الهجرة بنحو سنة . # ولا شك أن البغاء يمت إلى الزنى بشبه لما فيه من تعريض الأنساب للاختلاط ~~وإن كان لا يبلغ مبلغ الزنى في خرم كلية حفظ النسب من حيث كان الزنى سرا لا ~~يطلع عليه إلا من اقترفه وكان البغاء علنا ، وكانوا يرجعون في إلحاق ~~الأبناء الذين تلدهم البغايا بآبائهم إلى إقرار البغي بأن الحمل ممن تعينه ~~. واصطلحوا على الأخذ بذلك في النسب فكان شبيها بالاستلحاق على أنه قد يكون ~~من البغايا من لا ضبط لها في هذا الشأن فيفضي الأمر إلى عدم التحاق الولد ~~بأحد . # ولا شك في أن الزنى كان محرما تحريما شديدا على المسلم من مبدإ ظهور ~~الإسلام . وكانت عقوبته فرضت في حدود السنة الأولى بعد الهجرة بنزول سورة ~~النور كما تقدم في أولها . وقد أثبتت عائشة أن الإسلام هدم أنكحة الجاهلية ~~الثلاثة وأبقى النكاح المعروف ولكنها لم تعين ضبط زمان ذلك الهدم . ~~PageV18P225 # ولا يعقل أن يكون البغاء محرما قبل نزول هذه الآية إذ لم يعرف قبلها شيء ~~في الكتاب والسنة يدل على تحريم البغاء ، ولأنه لو كان كذلك لم يتصور حدوث ~~تلك الحوادث التي كانت سبب نزول الآية إذ لا سبيل للإقدام على محرم بين ~~المسلمين أمثالهم . # ولذلك فالآية نزلت توطئة لإبطاله كما نزل قوله تعالى : { يا أيها الذين ~~آمنوا لا ms5650 تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } ( النساء : 43 ) توطئة لتحريم الخمر ~~البتة . وهو الذي جرى عليه المفسرون مثل الزمخشري والفخر بظاهر عباراتهم ~~دون صراحة بل بما تأولوا به معاني الآية إذ تأولوا قوله : { إن أردن تحصنا ~~} بأن الشرط لا يراد به عدم النهي عن الإكراه على البغاء إذا انتفت إرادتهن ~~التحصن بل كان الشرط خرج مخرج الغالب لأن إرادة التحصن هي غالب أحوال ~~الإماء البغايا المؤمنات إذ كن يحببن التعفف ، أو لأن القصة التي كانت سبب ~~نزول الآية كانت معها إرادة التحصن . # والداعي إلى ذكر القيد تشنيع حالة البغاء في الإسلام بأنه عن إكراه وعن ~~منع من التحصن . ففي ذكر القيدين إيماء إلى حكمة تحريمه وفساده وخباثة ~~الاكتساب به . # وذكر { إن أردن تحصنا } لحالة الإكراه إذ إكراههم إياهن لا يتصور إلا وهن ~~يأبين وغالب الإباء أن يكون عن إرادة التحصن . هذا تأويل الجمهور ورجعوا في ~~الحامل على التأويل إلى حصول إجماع الأمة على حرمة البغاء سواء كان الإجماع ~~لهذه الآية أو بدليل آخر انعقد الإجماع على مقتضاه فلا نزاع في أن الإجماع ~~على تحريم البغاء ولكن النظر في أن تحريمه هل كان بهذه الآية . # وأنا أقول : إن ذكر الإكراه جرى على النظر لحال القضية التي كانت سبب ~~النزول . # والذي يظهر من كلام ابن العربي أنه قد نحا بعض العلماء إلى اعتبار الشرط ~~في الآية دليلا على تحريم الإكراه على البغاء بقيد إرادة الإماء التحصن . ~~PageV18P226 فقد تكون الآية توطئة لتحريم البغاء تحريما باتا . فحرم على ~~المسلمين أن يكرهوا إماءهم على البغاء لأن الإماء المسلمات يكرهن ذلك ولا ~~فائدة لهن فيه ، ثم لم يلبث أن حرم تحريما مطلقا كما دل عليه حديث أبي ~~مسعود الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن مهر البغي ، فإن ~~النهي عن أكله يقتضي إبطال البغاء . # وقد يكون هذا الاحتمال معضودا بقوله تعالى بعده : { ومن يكرههن فإن الله ~~من بعد إكراههن غفور رحيم } كما يأتي . # وفي ( تفسير الأصفهاني ) : ( وقيل إنما جاء النهي عن الإكراه لا عن ~~البغاء ms5651 لأن حد الزنا نزل بعد هذا ) . وهذا يقتضي أن صاحب هذا القول يجعل ~~أول السورة نزل بعد هذه الآيات ولا يعرف هذا . # وقوله : { لتبتغوا عرض الحياة الدنيا } متعلق ب { تكرهوا } أي لا تكرهوهن ~~لهذه العلة . ذكر هذه العلة لزيادة التبشيع كذكر { إن أردن تحصنا } . # و { عرض الحياة } هو الأجر الذي يكتسبه الموالي من إمائهم وهو ما يسمى ~~بالمهر أيضا . # وأما قوله : { ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم } فهو صريح ~~في أنه حكم متعلق بالمستقبل لأنه مضارع في حيز الشرط ، وهو صريح في أنه عفو ~~عن إكراه . # والذي يشتمل عليه الخبر جانبان : جانب المكرهين وجانب المكرهات ( بفتح ~~الراء ) ، فأما جانب المكرهين فلا يخطر بالبال أن الله غفور رحيم لهم بعد ~~أن نهاهم عن الإكراه إذ ليس لمثل هذا التبشير نظير في القرآن . # وأما الإماء المكرهات فإن الله غفور رحيم لهن . وقد قرأ بهذا المقدر عبد ~~الله بن مسعود وابن عباس فيما يروى عنهما وعن الحسن أنه كان يقول : ~~PageV18P227 ( غفور رحيم لهن والله لهن والله ) . وجعلوا فائدة هذا الخبر ~~أن الله عذرالمكرهات لأجل الإكراه ، وأنه من قبيل قوله : { فمن اضطر غير ~~باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم } ( البقرة : 173 ) . 5 وعلى هذا فهو تعريض ~~بالوعيد للذين يكرهون الإماء على البغاء . # ومن المفسرين من قدر المحذوف ضمير ( من ) الشرطية ، أي غفور رحيم له ، ~~وتأولوا ذلك بأنه بعد أن يقلع ويتوب وهو تأويل بعيد . # وقوله : { فإن الله غفور رحيم } دليل جواب الشرط إذ حذف الجواب إيجازا ~~واستغني عن ذكره بذكر علته التي تشمله وغيره . والتقدير : فلا إثم عليهن ~~فإن الله غفور رحيم لأمثالهن ممن أكره على فعل جريمة . والفاء رابطة الجواب ~~. # وحرف ( إن ) في هذا المقام يفيد التعليل ويغني غناء لام التعليل . # # | 2 ( 34 ) { ولقد أنزلنآ إليكم ءايات مبينات ومثلا من الذين خلوا من ~~قبلكم وموعظة للمتقين } . ) 2 # ذيلت الأحكام والمواعظ التي سبقت بإثبات نفعها وجدواها لما اشتملت عليه ~~مما ينفع الناس ويقيم عمود جماعتهم ويميز الحق من الباطل ويزيل ms5652 من الأذهان ~~اشتباه الصواب بالخطأ فيعلم الناس طرق النظر الصائب والتفكير الصحيح ، وذلك ~~تنبيه لما تستحقه من التدبر فيها ولنعمة الله على الأمة بإنزالها ليشكروا ~~الله حق شكره . # ووصف هذه الآيات المنزلة بثلاث صفات كما وصف السورة في طالعتها بثلاث ~~صفات . والمقصد من الأوصاف في الموضعين هو الإمتنان فكان هذا يشبه رد العجز ~~على الصدر ، فجملة : { ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات } مستأنفة استئناف ~~التذييل وكان مقتضى الظاهر أن لا تعطف لأن شأن التذييل والاستئناف الفصل ~~كما فصلت أختها الآتية قريبا بقوله تعالى : PageV18P228 { لقد أنزلنا آيات ~~مبينات } ( النور : 46 ) . وإنما عدل عن الفصل إلى العطف لأن هذا ختام ~~التشريعات والأحكام التي نزلت السورة لأسبابها . وقد خللت بمثل هذا التذييل ~~مرتين قبل هذا بقوله تعالى في ابتداء السورة { وأنزلنا فيها آيات بينات } ( ~~النور : 1 ) ثم قوله : { ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم } ( النور ~~: 18 ) ثم قوله هنا : { ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات } فكان كل واحد من ~~هذه التذييلات زائدا على الذي قبله ؛ فالأول زائد بقوله : { يبين الله لكم ~~الآيات } ( النور : 18 ) لأنه أفاد أن بيان الآيات لفائدة الأمة ، وما هنا ~~زاد بقوله : { ومثلا من الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين } . فكانت كل ~~زيادة من هاتين مقتضية العطف لما حصل من المغايرة بينها وبين أختها ، ~~وتعتبر كل واحدة عطفا على نظيرتها ، فوصفت السورة كلها بثلاث صفات ووصف ما ~~كان من هذه السورة مشتملا على أحكام القذف والحدود وما يفضي إليها أو إلى ~~مقاربها من أحوال المعاشرة بين الرجال والنساء بثلاث صفات ، فقوله هنا : { ~~ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات } يطابق قوله في أول السورة { وأنزلنا فيها ~~آيات بينات } ( النور : 1 ) ، وقوله : { ومثلا من الذين خلوا من قبلكم } ~~يقابل قوله في أول السورة { وفرضناها } ( النور : 1 ) على ما اخترناه في ~~تفسير ذلك بأن معناه التعيين والتقدير لأن في التمثيل تقديرا وتصويرا ~~للمعاني بنظائرها وفي ذلك كشف للحقائق ، وقوله : { وموعظة للمتقين } يقابل ~~قوله في أولها { لعلكم تذكرون } ( النور : 1 ) . # والآيات جمل القرآن لأنها لكمال بلاغتها ms5653 وإعجازها المعاندين عن أن يأتوا ~~بمثلها كانت دلائل على أنه كلام منزل من عند الله . # وابتدىء الكلام بلام القسم وحرف التحقيق للاهتمام به . # وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم وأبو جعفر ويعقوب { ~~مبينات } بفتح التحتية على صيغة المفعول . فالمعنى : أن الله بينها ووضحها ~~. وقرأ الباقون بكسر التحتية على معنى أنها أبانت المقاصد التي أنزلت ~~لأجلها . ومعنيا القراءتين متلازمان فبذلك لم يكن تفاوت بين مفاد هذه الآية ~~ومفاد قوله في نظيرتها { وأنزلنا فيها آيات بينات } ( النور : 1 ) في أول ~~السورة لأن البينات هي الواضحة ، أي الواضحة الدلالة والإفادة . ~~PageV18P229 # والمثل : النظير والمشابه . ويجوز أن يراد به الحال العجيبة . # و ( من ) في قوله : { من الذين خلوا } ابتدائية ، أي مثلا ينشأ ويتقوم من ~~الذين خلوا . والمراد نشأة المشابهة . وفي الكلام حذف مضاف يدل عليه السياق ~~تقديره : من أمثال الذين خلوا من قبلكم . وحذف المضاف في مثل هذا طريقة ~~فصيحة ، قال النابغة : # وقد خفت حتى ما تزيد مخافتي # على وعلل في ذي المطارة عاقل # أراد على مخافة وعل . # و { الذين خلوا من قبلكم } هم الأمم الذين سبقوا المسلمين ، وأراد : من ~~أمثال صالحي الذين خلوا من قبلكم . # وهذا المثل هو قصة الإفك النظيرة لقصة يوسف وقصة مريم في تقول البهتان ~~على الصالحين البرآء . # والموعظة : كلام أو حالة يعرف منها المرء مواقع الزلل فينتهي عن اقتراف ~~أمثالها . وقد تقدم عند قوله تعالى { فأعرض عنهم وعظهم } في سورة النساء ( ~~63 ) وقوله : { موعظة وتفصيلا لكل شيء } في سورة الأعراف ( 145 ) . # ومواعظ هذه الآيات من أول السورة كثيرة كقوله : { وليشهد عذابهما طائفة ~~من المؤمنين } ( النور : 2 ) وقوله : { لولا إذ سمعتموه } ( النور : 12 ) ~~الآيات ، وقوله : { يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا } ( النور : 17 ) . # والمتقون : الذين يتقون ، أي يتجنبون ما نهوا عنه . # $ 2 ( 35 ) { الله نور السماوات والارض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح ~~المصباح فى زجاجة الزجاجة كأنها كوكب درى يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا ~~شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضى & # 1764 ء ولو لم تمسسه نار ms5654 نور على نور يهدى الله لنوره من يشآء ويضرب الله ~~الامثال للناس والله بكل شىء عليم } . ) 2 $ ( هذه الآية مكررة : # { الله نور السماوات والارض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح فى زجاجة ~~الزجاجة كأنها كوكب درى يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية ~~يكاد زيتها يضى & # 1764 ء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدى الله لنوره من يشآء ويضرب الله ~~الامثال للناس والله بكل شىء عليم } . ) # أتبع منة الهداية الخاصة في أحكام خاصة المفادة من قوله تعالى : { ولقد ~~أنزلنا إليكم آيات مبينات } ( النور : 34 ) الآية بالامتنان بأن الله هو ~~مكون أصول الهداية العامة والمعارف الحق للناس كلهم بإرسال رسوله بالهدى ~~ودين الحق ، مع ما في هذا الامتنان من الإعلام بعظمة الله تعالى ومجده ~~وعموم علمه وقدرته . PageV18P230 # والذي يظهر لي أن جملة : { الله نور السماوات والأرض } معترضة بين الجملة ~~التي قبلها وبين جملة : { مثل نوره كمشكاة } وأن جملة : { مثل نوره كمشكاة ~~} بيان لجملة : { ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات } ( النور : 34 ) كما ~~سيأتي في تفسيرها فتكون جملة : { الله نور السماوات والأرض } تمهيدا لجملة ~~: { مثل نوره كمشكاة } . # ومناسبة موقع جملة : { مثل نوره كمشكاة } بعد جملة : { ولقد أنزلنا إليكم ~~آيات مبينات } أن آيات القرآن نور قال تعالى : { وأنزلنا إليكم نورا مبينا ~~في سورة النساء ( 174 ) ، وقال : قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين } في ~~سورة العقود ( 15 ) ، فكان قوله : { الله نور السماوات والأرض } كلمة جامعة ~~لمعان جمة تتبع معاني النور في إطلاقه في الكلام . # وموقع الجملة عجيب من عدة جهات ، وانتقال من بيان الأحكام إلى غرض آخر من ~~أغراض الإرشاد وأفانين من الموعظة والبرهان . # والنور : حقيقته الإشراق والضياء . وهو اسم جامد لمعنى ، فهو كالمصدر ~~لأنا وجدناه أصلا لاشتقاق أفعال الإنارة فشابهت الأفعال المشتقة من الأسماء ~~الجامدة نحو : استنوق الجمل ، فإن فعل أنار مثل فعل أفلس ، وفعل استنار مثل ~~فعل استحجر الطين . وبذلك كان الإخبار به بمنزلة الإخبار بالمصدر أو باسم ~~الجنس في إفادة المبالغة لأنه اسم ماهية من المواهي فهو ms5655 والمصدر سواء في ~~الاتصاف . فمعنى : { الله نور السماوات والأرض } أن منه ظهورهما . والنور ~~هنا صالح لعدة معان تشبه بالنور . وإطلاق اسم النور عليها مستعمل في اللغة ~~. # فالإخبار عن الله تعالى بأنه نور إخبار بمعنى مجازي للنور لا محالة ~~بقرينة أصل عقيدة الإسلام أن الله تعالى ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض لا ~~يتردد في ذلك أحد من أصحاب اللسان العربي ولا تخلو حقيقة معنى النور عن ~~كونه جوهرا أو عرضا . وأسعد إطلاقات النور في اللغة بهذا المقام أن يراد به ~~جلاء الأمور التي شأنها أن تخفى عن مدارك الناس وتلتبس فيقل الاهتداء إليها ~~، PageV18P231 فإطلاقه على ذلك مجاز بعلامة التسبب في الحس والعقل وقال ~~الغزالي في رسالته المعروفة ( بمشكاة الأنوار ) : النور هو الظاهر الذي به ~~كل ظهور ، أي الذي تنكشف به الأشياء وتنكشف له وتنكشف منه وهو النور ~~الحقيقي وليس فوقه نور . وجعل اسمه تعالى النور دالا على التنزه عن العدم ~~وعلى إخراج الأشياء كلها عن ظلمة العدم إلى ظهور الوجود فآل إلى ما يستلزمه ~~اسم النور من معنى الإظهار والتبيين في الخلق والإرشاد والتشريع وتبعه ابن ~~برجان الإشبيلي في ( شرح الأسماء الحسنى ) فقال : إن اسمه النور آل إلى ~~صفات الأفعال اه . # أما وصف النور هنا فيتعين أن يكون ملائما لما قبل الآية من قوله : { لقد ~~أنزلنا إليكم آيات مبينات } ( النور : 34 ) وما بعدها من قوله : { مثل نوره ~~كمشكاة } إلى قوله : { يهدي الله لنوره من يشاء } وقوله عقب ذلك : { ومن لم ~~يجعل الله له نورا فما له من نور } ( النور : 40 ) . وقد أشرنا آنفا إلى أن ~~للنور إطلاقات كثيرة وإضافات أخرى صالحة لأن تكون مرادا من وصفه تعالى ~~بالنور . وقد ورد في مواضع من القرآن والحديث فيحمل الاطلاق في كل مقام على ~~ما يليق بسياق الكلام ولا يطرد ذلك على منوال واحد حيثما وقع ، كما في قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم ( ولك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن ) ~~فإن عطف ( من فيهن ) يؤذن بأن المراد ب ( السماوات والأرض ) ذاتهما ms5656 لا ~~الموجودات التي فيهما فيتعين أن يراد بالنور هنالك إفاضة الوجود المعبر عنه ~~بالفتق في قوله تعالى : { كانتا رتقا ففتقناهما } ( الأنبياء : 30 ) . ~~والمعنى : أنه بقدرته تعالى استقامت أمورهما . # والتزم حكماء الإشراق من المسلمين وصوفية الحكماء معاني من إطلاقات النور ~~. وأشهرها ثلاثة : البرهان العلمي ، والكمال النفساني ، وما به مشاهدة ~~النورانيات من العوالم . وإلى ثلاثتها أشار شهاب الدين يحيى PageV18P232 ~~السهروردي في أول كتابه ( هياكل النور ) بقوله : ( يا قيوم أيدنا بالنور ~~وثبتنا على النور واحشرنا إلى النور ) كما بينه جلال الدين الدواني في ( ~~شرحه ) . # ونلحق بهذه المعاني اطلاق النور على الإرشاد إلى الأعمال الصالحة وهو ~~الهدي . # وقد ورد في آيات من القرآن إطلاق النور على ما هو أعم من الهدي كما في ~~قوله تعالى : { إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور } ( المائدة : 44 ) وقوله ~~: { قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس } ( الأنعام : 91 ~~) فعطف أحد اللفظين على الآخر مشعر بالمغايرة بينهما . وليس شيء من معاني ~~لفظ النور الوارد في هذه الآيات بصالح لأن يكون هو الذي جعل وصفا لله تعالى ~~لا حقيقة ولا مجازا فتعين أن لفظ ( نور ) في قوله : { مثل نوره كمشكاة } ~~غير المراد بلفظ نور في قوله : { الله نور السماوات والأرض } فالنور لفظ ~~مشترك استعمل في معنى وتارة أخرى في معنى آخر . # فأحسن ما يفسر به قوله تعالى : { الله نور السماوات والأرض } أن الله ~~موجد كل ما يعبر عنه بالنور وخاصة أسباب المعرفة الحق والحجة القائمة ~~والمرشد إلى الأعمال الصالحة التي بها حسن العاقبة في العالمين العلوي ~~والسفلي ، وهو من استعمال المشترك في معانيه . # ويجوز أن يراد بالسماوات والأرض من فيهما من باب : { واسأل القرية } ( ~~يوسف : 82 ) وهو أبلغ من ذكر المضاف المحذوف لأن في هذا الحذف إيهام أن ~~السماوات والأرض قابلة لهذا النور كما أن القرية نفسها تشهد بما يسأل منها ~~، وذلك أبلغ في الدلالة على الإحاطة بالمقصود وألطف دلالة . فيشمل تلقين ~~العقيدة الحق والهداية إلى الصلاح ؛ فأما هداية البشر إلى الخير والصلاح ~~فظاهرة ، وأما هداية الملائكة ms5657 إلى ذلك فبأن خلقهم الله على فطرة الصلاح ~~والخير . وبأن أمرهم بتسخير القوى للخير ، وبأن أمر بعضهم بإبلاغ الهدى ~~بتبليغ الشرائع وإلهام القلوب الصالحة إلى الصلاح وكانت تلك مظاهر هدى لهم ~~وبهم . PageV18P233 # { مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح فى زجاجة الزجاجة كأنها كوكب درى ~~يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضى & # 1764 ء ولو لم تمسسه نار نور على نور } . # يظهر أن هذه الجملة بيان لجملة : { ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات } ( ~~النور : 34 ) إذ كان ينطوي في معنى { آيات } ووصفها ب { مبينات } ما يستشرف ~~إليه السامع من بيان لما هي الآيات وما هو تبيينها ، فالجملة مستأنفة ~~استئنافا بيانيا . ووقعت جملة : { الله نور السماوات والأرض } معترضة بين ~~هذه الجملة والتي قبلها تمهيدا لعظمة هذا النور الممثل بالمشكاة . # وجرى كلام كثير من المفسرين على ما يقتضي أنها بيان لجملة : { الله نور ~~السماوات والأرض } فيكون موقعها موقع عطف البيان فلذلك فصلت فلم تعطف . # والضمير في قوله : { نوره } عائد إلى اسم الجلالة ، أي مثل نور الله . ~~والمراد ب { نوره } كتابه أو الدين الذي اختاره ، أي مثله في إنارة عقول ~~المهتدين . # فالكلام تمثيل لهيئة إرشاد الله المؤمنين بهيئة المصباح الذي حفت به ~~وسائل قوة الإشراق فهو نور الله لا محالة . وإنما أوثر تشبيهه بالمصباح ~~الموصوف بما معه من الصفات دون أن يشبه نوره بطلوع الشمس بعد ظلمة الليل ~~لقصد إكمال مشابهة الهيئة المشبه بها بأنها حالة ظهور نور يبدو في خلال ~~ظلمة فتنقشع به تلك الظلمة في مساحة يراد تنويرها . ودون أن يشبه بهيئة ~~بزوغ القمر في خلال ظلمة الأفق لقصد إكمال المشابهة PageV18P234 لأن القمر ~~يبدو ويغيب في بعض الليلة بخلاف المصباح الموصوف . وبعد هذا فلأن المقصود ~~ذكر ما حف بالمصباح من الأدوات ليتسنى كمال التمثيل بقبوله تفريق التشبيهات ~~كما سيأتي وذلك لا يتأتى في القمر . # والمثل : تشبيه حال بحال ، وقد تقدم في أوائل سورة البقرة . فمعنى { مثل ~~نوره } : شبيه هديه حال مشكاة . . إلى آخره ، فلا حاجة إلى تقدير : كنور ms5658 ~~مشكاة ، لأن المشبه به هو المشكاة وما يتبعها . # وقوله : { كمشكاة فيها مصباح } المقصود كمصباح في مشكاة . وإنما قدم { ~~المشكاة } في الذكر لأن المشبه به هو مجموع الهيئة ، فاللفظ الدال على ~~المشبه به هو مجموع المركب المبتدىء بقوله : { كمشكاة } والمنتهي بقوله : { ~~ولو لم تمسسه نار } فلذلك كان دخول كاف الشبه على كلمة { مشكاة } دون لفظ { ~~مصباح } لا يقتضي أصالة لفظ مشكاة في الهيئة المشبه بها دون لفظ { مصباح } ~~بل موجب هذا الترتيب مراعاة الترتيب الذهني في تصور هذه الهيئة المتخيلة ~~حين يلمح الناظر إلى انبثاق النور ثم ينظر إلى مصدره فيرى مشكاة ثم يبدو له ~~مصباح في زجاجة . # والمشكاة المعروف من كلام أهل اللغة أنها فرجة في الجدار مثل الكوة لكنها ~~غير نافذة فإن كانت نافذة فهي الكوة . ولا يوجد في كلام الموثوق عنهم من ~~أهل العربية غير هذا المعنى ، واقتصر عليه الراغب وصاحب ( القاموس ) و ( ~~الكشاف ) واتفقوا على أنها كلمة حبشية أدخلها العرب في كلامهم فعدت في ~~الألفاظ الواقعة في القرآن بغير لغة العرب . ووقع ذلك في ( صحيح البخاري ) ~~فيما فسره من مفردات سورة النور . # ووقع في ( تفسير الطبري ) وابن عطية عن مجاهد : أن المشكاة العمود الذي ~~فيه القنديل يكون على رأسه ، وفي ( الطبري ) عن مجاهد أيضا : المشكاة الصفر ~~( أي النحاس أي قطعة منه شبيه القصيبة ) الذي في جوف القنديل . وفي معناه ~~ما رواه هو عن ابن عباس : المشكاة موقع الفتيلة ، وفي معناه أيضا ما ~~PageV18P235 قاله ابن عطية عن أبي موسى الأشعري : المشكاة الحديدة والرصاصة ~~التي يكون فيها الفتيل في جوف الزجاجة . وقول الأزهري : أراد قصبة الزجاجة ~~التي يستصبح فيها وهي موضع الفتيلة . # وقد تأوله الأزهري بأن قصبة الزجاجة شبهت بالمشكاة وهي الكوة فأطلق عليها ~~مشكاة . # والمصباح : اسم للإناء الذي يوقد فيه بالزيت للإنارة ، وهو من صيغ أسماء ~~الآلات مثل المفتاح ، وهو مشتق من اسم الصبح ، أي ابتداء ضوء النهار ، ~~فالمصباح آلة الإصباح أي الإضاءة . وإذا كان المشكاة اسما للقصيبة التي ~~توضع في جوف القنديل كان المصباح مرادا به الفتيلة ms5659 التي توضع في تلك ~~القصيبة . # وإعادة لفظ { المصباح } دون أن يقال : فيها مصباح في زجاجة ، كما قال : { ~~كمشكاة فيها مصباح } إظهار في مقام الإضمار للتنويه بذكر المصباح لأنه أعظم ~~أركان هذا التمثيل ، وكذلك إعادة لفظ { الزجاجة } في قوله : { الزجاجة ~~كأنها كوكب دري } لأنه من أعظم أركان التمثيل . ويسمى مثل هذه الإعادة ~~تشابه الأطراف في فن البديع ، وأنشدوا فيه قول ليلى الأخيلية في مدح الحجاج ~~بن يوسف : # إذا أنزل الحجاج أرضا مريضة # تتبع أقصى دائها فشفاها # شفاها من الداء العضال الذي بها # غلام إذا هز القناة سقاها # سقاها فرواها بشرب سجاله # دماء رجال يحلبون صراها # ومما فاقت به الآية عدم تكرار ذلك أكثر من مرتين . # والزجاجة : اسم إناء يصنع من الزجاج ، سميت زجاجة لأنها قطعة مصنوعة من ~~الزجاج بضم الزاي وتخفيف الجيمين ملحقة بآخر الكلمة هاء هي علامة الواحد من ~~اسم الجمع كأنهم عاملوا الزجاج معاملة أسماء الجموع مثل تمر ، ونمل ، ونخل ~~، كانوا يتخذون من الزجاج آنية للخمر وقناديل PageV18P236 للإسراج بمصابيح ~~الزيت لأن الزجاج شفاف لا يحجب نور السراج ولا يحجب لون الخمر وصفاءها ~~ليعلمه الشارب . # والزجاج : صنف من الطين المطين من عجين رمل مخصوص يوجد في طبقة الأرض ~~وليس هو رمل الشطوط . وهذا العجين اسمه في اصطلاح الكيمياء ( سليكا ) يخلط ~~بأجزاء من رماد نبت يسمى في الكيمياء ( صودا ) ويسمى عند العرب الغاسول وهو ~~الذي يتخذون منه الصابون . ويضاف إليهما جزء من الكلس ( الجير ) ومن ( ~~البوتاس ) أو من ( أكسيد الرصاص ) فيصير ذلك الطين رقيقا ويدخل للنار فيصهر ~~في أتون خاص به شديد الحرارة حتى يتميع وتختلط أجزاؤه ثم يخرج من الأتون ~~قطعا بقدر ما يريد الصانع أن يصنع منه ، وهو حينئذ رخو يشبه الحلواء فيكون ~~حينئذ قابلا للامتداد وللانتفاخ إذا نفخ فيه بقصبة من حديد يضعها الصانع في ~~فمه وهي متصلة بقطعة الطين المصهورة فينفخ فيها فإذا داخلها هواء النفس ~~تمددت وتشكلت بشكل كما يتفق فيتصرف فيه الصانع بتشكيله بالشكل الذي يبتغيه ~~فيجعل منه أواني مختلفة الأشكال من كؤوس وباطيات وقنينات ms5660 كبيرة وصغيرة ~~وقوارير للخمر وآنية لزيت المصابيح تفضل ما عداها بأنها لا تحجب ضوء السراج ~~وتزيده إشعاعا . # وقد كان الزجاج معروفا عند القدماء من الفنيقيين وعند القبط من نحو القرن ~~الثلاثين قبل المسيح ثم عرفه العرب وهم يسمونه الزجاج والقوارير . قال بشار ~~: # ارفق بعمرو إذا حركت نسبته # فإنه عربي من قوارير # وقد عرفه العبرانيون في عهد سليمان واتخذ منه سليمان بلاطا في ساحة صرحه ~~كما ورد في قوله تعالى : { قال إنه صرح ممرد من قوارير } ( النمل : 44 ) . ~~وقد عرفه اليونان قديما ومن أقوال الحكيم ( ديوجينوس اليوناني ) : ( تيجان ~~الملوك كالزجاج يسرع إليها العطب ) . وسمى العرب الزجاج بلورا بوزن سنور ~~وبوزن تنور . واشتهر بصناعته أهل الشام . قال الزمخشري في ( الكشاف ) : { ~~في زجاجة } أراد قنديلا من زجاج شامي أزهر اه . واشتهر بدقة صنعه في القرن ~~PageV18P237 الثالث المسيحي أهل البندقية ولونوه وزينوه بالذهب وما زالت ~~البندقية إلى الآن مصدر دقائق صنع الزجاج على اختلاف أشكاله وألوانه يتنافس ~~فيه أهل الأذواق . وكذلك بلاد ( بوهيميا ) من أرض ( المجر ) لجودة التراب ~~الذي يصنع منه في بلادهم . ومن أصلح ما انتفع فيه الزجاج اتخاذ أطباق منه ~~توضع على الكوى النافذة والشبابيك لتمنع الرياح وبرد الشتاء والمطر عن سكان ~~البيوت ولا يحجب عن سكانها الضوء . وكان ابتكار استعمال هذه الأطباق في ~~القرن الثالث من التاريخ المسيحي ولكن تأخر الانتفاع به في ذلك مع الاضطرار ~~إليه لعسر استعماله وسرعة تصدعه في النقل ووفرة ثمنه ، ولذلك اتخذ في ~~النوافذ أول الأمر في البلاد التي يصنع فيها فبقي زمانا طويلا خاصا بمنازل ~~الملوك والأثرياء . # والكوكب : النجم ، والدري بضم الدال وتشديد التحتية في قراءة الجمهور ~~واحد الدراري وهي الكواكب الساطعة النور مثل الزهرة والمشتري منسوبة إلى ~~الدر في صفاء اللون وبياضه ، والياء فيه ياء النسبة وهي نسبة المشابهة كما ~~في قول طرفة يصف راحلته : # جمالية وجناء . . . البيت أي كالجمل في عظم الجثة وفي القوة . وقولهم في ~~المثل ( بات بليلة نابغية ) أي كليلة النابغة في قوله : # فبت كأني ساورتني ضئيلة . . . الأبيات قال الحريري : ( فبت ms5661 بليلة نابغية ~~. وأحزان يعقوبية ) المقامة السابعة والعشرون . # ومنه قولهم : وردي اللون ، أي كلون الورد . والدر يضرب مثلا للإشراق ~~والصفاء . قال لبيد : # وتضيء في وجه الظلام منيرة # كجمانة البحري سل نظامها # وقيل : الكوكب الدري علم بالغلبة على كوكب الزهرة . PageV18P238 # وقرأ أبو عمرو والكسائي { دريء } بكسر الدال ومد الراء على وزن شريب من ~~الدرء وهو الدفع ، لأنه يدفع الظلام بضوئه أو لأن بعض شعاعه يدفع بعضا فيما ~~يخاله الرائي . # وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم بضم الدال ومد الراء من الدرء أيضا على أن ~~وزنه فعيل وهو وزن نادر في كلام العرب لكنه من أبنية كلامهم عند سيبويه ~~ومنه علية وسرية وذرية بضم الأول في ثلاثتها . # وإنما سلك طريق التشبيه في التعبير عن شدة صفاء الزجاجة لأنه أوجز لفظا ~~وأبين وصفا . وهذا تشبيه مفرد في أثناء التمثيل ولا حظ له في التمثيل . # وجملة : { يوقد من شجرة } الخ في موضع الصفة ل { مصباح } . # وقرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم { يوقد } بتحتية في أوله مضمومة بعدها ~~واو ساكنة وبفتح القاف مبنيا للنائب ، أي يوقده الموقد . فالجملة حال من { ~~مصباح } . # وقرأه حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم وخلف { توقد } بفوقية مفتوحة في ~~أوله وبفتح الواو وتشديد القاف مفتوحة ورفع الدال على أنه مضارع توقد حذفت ~~منه إحدى التاءين وأصله تتوقد على أنه صفة أو حال من { مشكاة } أو من { ~~زجاجة } أو من المذكورات وهي مشكاة ومصباح وزجاجة ، أي تنير . وإسناد ~~التوقد إليها مجاز عقلي . # وقرأه ابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر مثل قراءة حمزة ومن معه لكن بفتح ~~الدال على أنه فعل مضي حال أو صفة لمصباح . # والإيقاد : وضع الوقود وهو ما يزاد في النار المشتعلة ليقوى لهبها ، ~~وأريد به هنا ما يمد به المصباح من الزيت . # وفي صيغة المضارع على قراءة الأكثرين إفادة تجدد إيقاده ، أي لا يذوى ولا ~~يطفأ . وعلى قراءة ابن كثير ومن معه بصيغة المضي إفادة أن وقوده ثبت وتحقق ~~. PageV18P239 # وذكرت الشجرة باسم جنسها ثم أبدل منه { زيتونة } وهو اسم ms5662 نوعها للإبهام ~~الذي يعقبه التفصيل اهتماما بتقرر ذلك في الذهن . ووصف الزيتونة بالمباركة ~~لما فيها من كثرة النفع فإنها ينتفع بحبها أكلا وبزيتها كذلك ويستنار ~~بزيتها ويدخل في أدوية وإصلاح أمور كثيرة . وينتفع بحطبها وهو أحسن حطب لأن ~~فيه المادة الدهنية قال تعالى : { تنبت بالدهن } ( المؤمنون : 20 ) ، ~~وينتفع بجودة هواء غاباتها . # وقد قيل إن بركتها لأنها من شجر بلاد الشام والشام بلد مبارك من عهد ~~إبراهيم عليه السلام قال تعالى : { ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا ~~فيها للعالمين } ( الأنبياء : 71 ) يريد أرض الشام . # ووصف الزيتونة ب { مباركة } على هذا وصف كاشف ، ويجوز أن يكون وصفا مخصصا ~~ل { زيتونة } أي شجرة ذات بركة ، أي نماء ووفرة ثمر من بين شجر الزيتون ~~فيكون ذكر هذا الوصف لتحسين المشبه به لينجر منه تحسين للمشبه كما في قول ~~كعب بن زهير : # شجت بذي شبم من ماء محنية # صافف بأبطح أصحى وهو مشمول # تنفي الرياح القذى عنه وأفرطه # من صوب سارية بيض يعاليل # فإن قوله ، وأفرطه الخ لا يزيد الماء صفاء ولكنه حالة تحسنه عند السامع . # وقوله : { لا شرقية ولا غربية } وصف ل { زيتونة } . دخل حرف ( لا ) ~~النافية في كلا الوصفين فصار بمنزلة حرف هجاء من الكلمة بعده ولذلك لم يكن ~~في موضع إعراب نظير ( ال ) المعرفة التي ألغز فيها الدماميني بقوله : # حاجيتكم لتخبروا ما اسمان # وأول إعرابه في الثاني # وهو مبني بكل حال # ها هو للناظر كالعيان # لإفادة الاتصاف بنفي كل وصف وعطف على كل وصف ضده لإرادة الاتصاف بوصف وسط ~~بين الوصفين المنفيين لأن الوصفين ضدان على طريقة قولهم : ( الرمان حلو ~~حامض ) . والعطف هنا من عطف الصفات PageV18P240 كقوله تعالى : { لا إلى ~~هؤلاء ولا إلى هؤلاء } ( النساء : 143 ) وقول المرأة الرابعة من حديث أم ~~زرع : ( زوجي كليل تهامة لا حر ولا قر ) أي وسطا بين الحر والقر وقول ~~العجاج يصف حمار وحش : # حشرج في الجوف قليلا وشهق # حتى يقال ناهق وما نهق # والمعنى : أنها زيتونة جهتها بين جهة الشرق وجهة الغرب ، فنفي عنها أن ms5663 ~~تكون شرقية وأن تكون غربية ، وهذا الاستعمال من قبيل الكناية لأن المقصود ~~لازم المعنى لا صريحه . وأما إذا لم يكن الأمران المنفيان متضادين فإن ~~نفيهما لا يقتضي أكثر من نفي وقوعهما كقوله تعالى : { وظل من يحموم لا بارد ~~ولا كريم } ( الواقعة : 43 ، 44 ) وقول المرأة الأولى من نساء حديث أم زرع ~~: ( زوجي لحم جمل على رأس جبل ، لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقل ) . # واعلم أن هذا الاستعمال إنما يكون في عطف نفي الأسماء وأما عطف الأفعال ~~المنفية فهو من عطف الجمل نحو : { فلا صدق ولا صلى } ( القيامة : 31 ) ~~وقوله صلى الله عليه وسلم ( لا هي أطعمتها ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض ) ~~. # واعلم أيضا أن هذا لم يرد إلا في النفي بلا النافية ولذلك استقام للحريري ~~أن يلقب شجرة الزيتون بلقب ( لا و لا ) بقوله في المقامة السادسة والأربعين ~~( بورك فيك من طلا . كما بورك في لا و لا ) أي في الشجرة التي قال الله في ~~شأنها : { لا شرقية ولا غربية } . # ثم يحتمل أن يكون معنى : { لا شرقية ولا غربية } أنها نابتة في موضع بين ~~شرق بلاد العرب وغربها وذلك هو البلاد الشامية . وقد قيل إن أصل منبت شجرة ~~الزيتون بلاد الشام . ويحتمل أن يكون المعنى أن جهة تلك الشجرة من بين ما ~~يحف بها من شجر الزيتون موقع غير شرق الشمس وغربها وهو أن تكون متجهة إلى ~~الجنوب ، أي لا يحجبها عن جهة الجنوب حاجب وذلك PageV18P241 أنفع لحياة ~~الشجرة وطيب ثمرتها ، فبذلك يكون زيتها أجود زيت وإذا كان أجود كان أشد ~~وقودا ولذلك أتبع بجملة : { يكاد زيتها يضيء } وهي في موضع الحال . # وجملة : { ولو لم تمسسه نار } في موضع الحال من { زيتها } . # والزيت : عصارة حب الزيتون وما يشبهه من كل عصارة دهنية ، مثل زيت السمسم ~~والجلجلان . وهو غذاء . ولذلك تجب الزكاة في زيت الزيتون إذا كان حبه نصابا ~~خمسة أوسق وكذلك زكاة زيت الجلجلان والسمسم . # و { لو } وصلية . والتقدير : يكاد يضيء في كل حال حتى في حالة لم تمسسه ms5664 ~~فيها نار . # وهذا تشبيه بالغ كمال الإفصاح بحيث هو مع أنه تشبيه هيئة بهيئة هو أيضا ~~مفرق التشبيهات لأجزاء المركب المشبه مع أجزاء المركب المشبه به وذلك أقصى ~~كمال التشبيه التمثيلي في صناعة البلاغة . # ولما كان المقصود تشبيه الهيئة بالهيئة والمركب بالمركب حسن دخول حرف ~~التشبيه على بعض ما يدل على بعض المركب ليكون قرينة على أن المراد التشبيه ~~المركب ولو كان المراد تشبيه الهدى فقط لقال : نوره كمصباح في مشكاة . . ~~إلى آخره . # فالنور هو معرفة الحق على ما هو عليه المكتسبة من وحي الله وهو القرآن . ~~شبه بالمصباح المحفوف بكل ما يزيد نوره انتشارا وإشراقا . # وجملة : { نور على نور } مستأنفة إشارة إلى أن المقصود من مجموع أجزاء ~~المركب التمثيلي هنا هو البلوغ إلى إيضاح أن الهيئة المشبه بها قد بلغت حد ~~المضاعفة لوسائل الإنارة إذ تظاهرت فيها المشكاة والمصباح والزجاج الخالص ~~والزيت الصافي ، فالمصباح إذا كان في مشكاة كان شعاعه منحصرا فيها غير ~~منتشر فكان أشد إضاءة لها مما لو كان في بيت ، وإذا كان موضوعا في زجاجة ~~صافية تضاعف نوره ، وإذا كان زيته نقيا PageV18P242 صافيا كان أشد إسراجا ، ~~فحصل تمثيل حال الدين أو الكتاب المنزل من الله في بيانه وسرعة فشوه في ~~الناس بحال انبثاق نور المصباح وانتشاره فيما حف به من أسباب قوة شعاعه ~~وانتشاره في الجهة المضاءة به . # فقوله : { نور } خبر مبتدأ محذوف دل عليه قوله : { مثل نوره كمشكاة } إلى ~~آخره ، أي هذا المذكور الذي مثل به الحق هو نور على نور . # و { على } للاستعلاء المجازي وهو التظاهر والتعاون . والمعنى : أنه نور ~~مكرر مضاعف . وقد أشرت آنفا إلى أن هذا التمثيل قابل لتفريق التشبيه في ~~جميع أجزاء ركني التمثيل بأن يكون كل جزء من أجزاء الهيئة المشبهة مشابها ~~لجزء من الهيئة المشبه بها وذلك أعلى التمثيل . # فالمشكاة يشبهها ما في الإرشاد الإلهي من انضباط اليقين وإحاطة الدلالة ~~بالمدلولات دون تردد ولا انثلام . وحفظ المصباح من الانطفاء مع ما يحيط ~~بالقرآن من حفظه من الله بقوله : { إنا ms5665 نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } ~~( الحجر : 9 ) . # ومعاني هداية إرشاد الإسلام تشبه المصباح في التبصير والإيضاح ، وتبيين ~~الحقائق من ذلك الإرشاد . # وسلامته من أن يطرقه الشك واللبس يشبه الزجاجة في تجلية حال ما تحتوي ~~عليه كما قال : { ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات } ( النور : 34 ) . # والوحي الذي أبلغ الله به حقائق الديانة من القرآن والسنة يشبه الشجرة ~~المباركة التي تعطي ثمرة يستخرج منها دلائل الإرشاد . # وسماحة الإسلام وانتفاء الحرج عنه يشبه توسط الشجرة بين طرفي الأفق فهو ~~وسط بين الشدة المحرجة وبين اللين المفرط . # ودوام ذلك الإرشاد وتجدده يشبه الإيقاد . # وتعليم النبي صلى الله عليه وسلم أمته ببيان القرآن وتشريع الأحكام يشبه ~~الزيت الصافي الذي حصلت به البصيرة وهو مع ذلك بين قريب التناول يكاد لا ~~يحتاج إلى إلحاح المعلم . PageV18P243 # وانتصاب النبي عليه الصلاة والسلام للتعليم يشبه مس النار للسراج وهذا ~~يومىء إلى استمرار هذا الإرشاد . # كما أن قوله : { من شجرة } يوميء إلى الحاجة إلى اجتهاد علماء الدين في ~~استخراج إرشاده على مرور الأزمنة لأن استخراج الزيت من ثمر الشجرة يتوقف ~~على اعتصار الثمرة وهو الاستنباط . # { يهدى الله لنوره من يشآء ويضرب الله الامثال للناس والله بكل شىء عليم ~~} . # هذه الجمل الثلاث معترضة أو تذييل للتمثيل . والمعنى : دفع التعجب من عدم ~~اهتداء كثير من الناس بالنور الذي أنزله الله وهو القرآن والإسلام فإن الله ~~إذا لم يشأ هدي أحد خلقه وجبله على العناد والكفر . # وأن الله يضرب الأمثال للناس مرجوا منهم التذكر بها : فمنهم من يعتبر بها ~~فيهتدي ، ومنهم من يعرض فيستمر على ضلاله ولكن شأن تلك الأمثال أن يهتدي ~~بها غير من طبع على قلبه . # وجملة : { والله بكل شيء عليم } تذييل لمضمون الجملتين قبلها ، أي لا ~~يعزب عن علمه شيء . ومن ذلك علم من هو قابل للهدى ومن هو مصر على غيه . ~~وهذا تعريض بالوعد للأولين والوعيد للآخرين . # # | 2 ( 36 38 ) { فى بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها ~~بالغدو والاصال * رجال لا تلهيهم تجارة ms5666 ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلواة ~~وإيتآء الزكواة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والابصار * PageV18P244 ~~ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشآء بغير حساب ~~} . ) 2 # تردد المفسرون في تعلق الجار والمجرور من قوله : { في بيوت } الخ . فقيل ~~قوله : { في بيوت } من تمام التمثيل ، أي فيكون { في بيوت } متعلقا بشيء ~~مما قبله . فقيل يتعلق بقوله : { يوقد } ( النور : 35 ) أي يوقد المصباح في ~~بيوت . وقيل هو صفة لمشكاة ، أي مشكاة في بيوت وما بينهما اعتراض ؛ وإنما ~~جاء بيوت بصيغة الجمع مع أن { مشكاة } و { مصباح } ( النور : 35 ) مفردان ~~لأن المراد بهما الجنس فتساوى الإفراد والجمع . # ثم قيل : أريد بالبيوت المساجد . ولا يستقيم ذلك إذ لم يكن في مساجد ~~المسلمين يومئذ مصابيح وإنما أحدثت المصابيح في المساجد الإسلامية في خلافة ~~عمر بن الخطاب فقال له علي : نور الله مضجعك يا بن الخطاب كما نورت مسجدنا ~~. وروي أن تميما الداري أسرج المسجد النبوي بمصابيح جاء بها من الشام ولكن ~~إنما أسلم تميم سنة تسع ، أي بعد نزول هذه الآية . وقيل البيوت مساجد بيت ~~المقدس وكانت يومئذ بيعا للنصارى . ويجوز عندي على هذا الوجه أن يكون ~~المراد بالبيوت صوامع الرهبان وأديرتهم وكانت معروفة في بلاد العرب في طريق ~~الشام يمرون عليها وينزلون عندها في ضيافة رهبانها . وقد ذكر صاحب ( ~~القاموس ) عددا من الأديرة . ويرجح هذا قوله : { أن ترفع } فإن الصوامع ~~كانت مرفوعة والأديرة كانت تبنى على رؤوس الجبال . أنشد الفراء : # لو أبصرت رهبان دير بالجبل # لانحدر الرهبان يسعى ويصل # والمراد بإذن الله برفعها أنه ألهم متخذيها أن يجعلوها عالية وكانوا ~~صالحين يقرأون الإنجيل فهو كقوله تعالى : { لهدمت صوامع وبيع } إلى قوله : ~~{ يذكر فيها اسم الله كثيرا } ( الحج : 40 ) . وعبر بالإذن دون الأمر لأن ~~الله لم يأمرهم باتخاذ الأديرة PageV18P245 في أصل النصرانية ولكنهم ~~أحدثوها للعون على الانقطاع للعبادة باجتهاد منهم ، فلم ينههم الله عن ذلك ~~إذ لا يوجد في أصل الدين ما يقتضي النهي عنها فكانت في قسم المباح ، فلما ~~انضم ms5667 إلى إباحة اتخاذها نية العون على العبادة صارت مرضية لله تعالى . وهذا ~~كقوله تعالى : { ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله ~~} ( الحديد : 27 ) . وقد كان اجتهاد أحبار الدين في النصرانية وإلهامهم ~~دلائل تشريع لهم كما تقتضيه نصوص من الإنجيل . والمقصد من ذكر هذا على هذه ~~الوجوه زيادة إيضاح المشبه به كقول النبي صلى الله عليه وسلم في صفة جهنم : ~~( فإذا لها كلاليب مثل حسك السعدان هل رأيتم حسك السعدان ؟ ) . وفيه مع ذلك ~~تحسين المشبه به ليسري ذلك إلى تحسين المشبه كما في قول كعب بن زهير : # شجت بذي شبم من ماء محنية # صافف بأبطح أضحى وهو مشمول # تنفي الرياح القذى عنه وأفرطه # من صوب سارية بيض يعاليل # لأن ما ذكر من وصف البيوت وما يجري فيها مما يكسبها حسنا في نفوس ~~المؤمنين . # وتخصيص التسبيح بالرجال لأن الرهبان كانوا رجالا . # وأريد بالرجال الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله : الرهبان ~~الذين انقطعوا للعبادة وتركوا الشغل بأمور الدنيا ، فيكون معنى : { لا ~~تلهيهم تجارة ولا بيع } : أنهم لا تجارة لهم ولا بيع من شأنهما أن يلهياهم ~~عن ذكر الله ، فهو من باب : على لاحب لا يهتدى بمناره . # والثناء عليهم يومئذ لأنهم كانوا على إيمان صحيح إذ لم تبلغهم يومئذ دعوة ~~الإسلام ولم تبلغهم إلا بفتوح مشارف الشام بعد غزوة تبوك ، وأما كتاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل فإنه لم يذع في العامة . وكان الرهبان ~~يتركون الكوى مفتوحة ليظهر ضوء صوامعهم وقد كان العرب يعرفون صوامع الرهبان ~~وأضواءها في الليل . قال امرؤ القيس : # تضيء الظلام بالعشي كأنها # منارة ممسى راهب متبتل PageV18P246 # وقال أيضا : # يضيء سناه أو مصابيح راهب # أمال السليط بالذبال المفتل # السليط : الزيت . أي صب الزيت على الذبال فهو في تلك الحالة أكثر إضاءة . ~~وكانوا يهتدون بها في أسفارهم ليلا . قال امرؤ القيس : # سموت إليها والنجوم كأنها # مصابيح رهبان تشب لقفال # القفال : جمع قافل وهم الراجعون من أسفارهم . # وقيل : أريد بالرفع الرفع المعنوي وهو التعظيم والتنزيه ms5668 عن النقائص . ~~فالإذن حينئذ بمعنى الأمر . # وبعد فهذا يبعد عن أغراض القرآن وخاصة المدني منه لأن الثناء على هؤلاء ~~الرجال ثناء جم ومعقب بقوله : { ليجزيهم الله أحسن ما عملوا } . # والأظهر عندي : أن قوله : { في بيوت } ظرف مستقر هو حال من { نوره } في ~~قوله { مثل نوره كمشكاة } ( النور : 35 ) الخ مشير إلى أن ( نور ) في قوله ~~: { مثل نوره } مراد منه القرآن ، فيكون هذا الحال تجريدا للاستعارة ~~التمثيلية بذكر ما يناسب الهيئة المشبهة أعني هيئة تلقي القرآن وقراءته ~~وتدبره بين المسلمين مما أشار إليه قول النبي صلى الله عليه وسلم ( وما ~~اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت ~~عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله فيمن عنده ) ، فكان هذا التجريد ~~رجوعا إلى حقيقة التركيب الدال على الهيئة المشبهة كقول طرفة : # وفي الحي أحوى ينفض المرد شادف # مظاهر سمطي لؤلؤ وزبرجد # مع ما في الآية من بيان ما أجمل في لفظ : { مثل نوره } وبذلك كانت الآية ~~أبلغ من بيت طرفة لأن الآية جمعت بين تجريد وبيان وبيت طرفة تجريد فقط . ~~PageV18P247 # ويجوز أن يكون { في بيوت } غير مرتبط بما قبله وأنه مبدأ استئناف ابتدائي ~~وأن المجرور متعلق بقوله : { يسبح له فيها } . وتقديم المجرور للاهتمام ~~بتلك البيوت وللتشويق إلى متعلق المجرور وهو التسبيح وأصحابه . والتقدير : ~~يسبح لله رجال في بيوت ، ويكون قوله : { فيها } تأكيدا لقوله : { في بيوت } ~~لزيادة الاهتمام بها . وفي ذلك تنويه بالمساجد وإيقاع الصلاة والذكر فيها ~~كما في الحديث : ( صلاة أحدكم في المسجد ( أي الجماعة ) تفضل صلاته في بيته ~~بسبع وعشرين درجة ) . # والمراد بالغدو : وقت الغدو وهو الصباح لأنه وقت خروج الناس في قضاء ~~شؤونهم . # والآصال : جمع أصيل وهو آخر النهار ، وتقدم في آخر الأعراف ( 205 ) وفي ~~سورة الرعد ( 15 ) . # والمراد بالرجال : أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن كان مثلهم في ~~التعلق بالمساجد . # وتخصيص التسبيح بالرجال على هذا لأنهم الغالب على المساجد كما في الحديث ~~: ( . . . ورجل قلبه معلق بالمساجد . . . ) . # ويجوز عندي أن يكون { في بيوت ms5669 } خبرا مقدما و { رجال } مبتدأ ، والجملة ~~مستأنفة استئنافا بيانيا ناشئا عن قوله : { يهدي الله لنوره من يشاء } ( ~~النور : 35 ) فيسأل السائل في نفسه عن تعيين بعض ممن هداه الله لنوره فقيل ~~: رجال في بيوت . والرجال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والبيوت ~~مساجد المسلمين وغيرها من بيوت الصلاة في أرض الإسلام والمسجد النبوي ومسجد ~~قباء بالمدينة ومسجد جؤاثى بالبحرين . # ومعنى { لا تلهيهم تجارة } أنهم لا تشغلهم تجارة ولا بيع عن الصلوات ~~وأوقاتها في المساجد . فليس في الكلام أنهم لا يتجرون ولا يبيعون بالمرة . ~~PageV18P248 # والتجارة : جلب السلع للربح في بيعها ، والبيع أعم وهو أن يبيع أحد ما ~~يحتاج إلى ثمنه . # وقرأ الجمهور : { يسبح } بكسر الموحدة بالبناء للفاعل و { رجال } فاعله . ~~وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم بفتح الموحدة على البناء للمجهول فيكون ~~نائب الفاعل أحد المجرورات الثلاثة وهي { له فيها بالغدو } ويكون { رجال } ~~فاعلا بفعل محذوف من جملة هي استئناف . ودل على المحذوف قوله : { يسبح } ~~كأنه قيل : من يسبحه ؟ فقيل : يسبح له رجال . على نحو قول نهشل بن حري يرثي ~~أخاه يزيد : # ليبك يزيد ضارع لخصومة # ومختبط مما تطيح الطوائح # وجملة : { لا تلهيهم تجارة } وجملة : { يخافون } صفتان ل { رجال } ، أي ~~لا يشغلهم ذلك عن أداء ما وجب عليهم من خوف الله { وإقام الصلاة } الخ وهذا ~~تعريض بالمنافقين . # و { إقام } مصدر على وزن الإفعال . وهو معتل العين فاستحق نقل حركة عينه ~~إلى الساكن الصحيح قبله وانقلاب حرف العلة ألفا إلا أن الغالب في نظائره أن ~~يقترن آخره بهاء تأنيث نحو إدامة واستقامة . وجاء مصدر { إقام } غير مقترن ~~بالهاء في بعض المواضع كما هنا . وتقدم معنى إقامة الصلاة في صدر سورة ~~البقرة ( 3 ) . # وانتصب { يوما } من قوله : { يخافون يوما } على المفعول به لا على الظرف ~~بتقدير مضاف ، أي يخافون أهواله . # وتقلب القلوب والأبصار : اضطرابها عن مواضعها من الخوف والوجل كما يتقلب ~~المرء في مكانه . وقد تقدم في قوله تعالى : { ونقلب أفئدتهم وأبصارهم } في ~~سورة الأنعام ( 110 ) . والمقصود من خوفه : العمل لما ms5670 فيه الفلاح يومئذ كما ~~يدل عليه قوله : { ليجزيهم الله أحسن ما عملوا } . PageV18P249 # ويتعلق قوله : { ليجزيهم الله أحسن ما عملوا } ب { يخافون } ، أي كان ~~خوفهم سببا للجزاء على أعمالهم الناشئة عن ذلك الخوف . # والزيادة : من فضله هي زيادة أجر الرهبان إن آمنوا بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم حينما تبلغهم دعوته لما في الحديث الصحيح : ( أن لهم أجرين ) ، أو هي ~~زيادة فضل الصلاة في المساجد إن كان المراد بالبيوت مساجد الإسلام . # وجملة : { والله يرزق من يشاء بغير حساب } تذييل لجملة : { ليجزيهم الله ~~} . وقد حصل التذييل لما في قوله : { من يشاء } من العموم ، أي وهم ممن ~~يشاء الله لهم الزيادة . # والحساب هنا بمعنى التحديد كما في قوله : { إن الله يرزق من يشاء بغير ~~حساب } في سورة آل عمران ( 37 ) . وأما قوله : { جزاء من ربك عطاء حسابا } ~~( النبأ : 36 ) فهو بمعنى التعيين والإعداد للاهتمام بهم . # $ 2 ( 39 ) { والذين كفرو & # 1764 ا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم يجده شيئا ~~ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب } . ) 2 $ # لما جرى ذكر أعمال المتقين من المؤمنين وجزائهم عليها بقوله تعالى : { ~~يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال } إلى قوله : { ليجزيهم الله أحسن ما ~~عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب } ( النور : 36 38 ) ~~أعقب ذلك بضده من حال أعمال الكافرين التي يحسبونها قربات عند الله تعالى ~~وما هي بمغنية عنهم شيئا على عادة القرآن في إرداف البشارة بالنذارة ، وعكس ~~ذلك كقوله : { ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات } ~~( آل عمران : 197 ، 198 ) الخ فعطف حال أعمال الكافرين عطف القصة على القصة ~~. ولعل المشركين كانوا إذا سمعوا ما وعد الله به المؤمنين من الجزاء على ~~الأعمال الصالحة PageV18P250 يقولون : ونحن نعمر المسجد الحرام ونطوف ونطعم ~~المسكين ونسقي الحاج ونقري الضيف . كما أشار إليه قوله تعالى : { أجعلتم ~~سقاية الحج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر } ( التوبة : ~~19 ) يعدون أعمالا من أفعال الخير فكانت هذه الآيات إبطالا ms5671 لحسبانهم ، قال ~~تعالى : { وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا } ( الفرقان : ~~23 ) وقد أعلمناك أن هذه السورة نزل أكثرها عقب الهجرة وذلك حين كان ~~المشركون يتعقبون أخبار المسلمين في مهاجرهم ويتحسسون ما نزل من القرآن . # والجملة مستأنفة استئنافا ابتدائيا . { والذين كفروا } مبتدأ وخبره جملة ~~: { أعمالهم كسراب } الخ . وجعل المسند إليه ما يدل على ذوات الكافرين ثم ~~بني عليه مسند إليه آخر وهو { أعمالهم } . ولم يجعل المسند إليه أعمال ~~الذين كفروا من أول وهلة لما في الافتتاح بذكر الذين كفروا من التشويق إلى ~~معرفة ما سيذكر من شؤونهم ليتقرر في النفس كمال التقرر وليظهر أن للذين ~~كفروا حظا في التمثيل بحيث لا يكون المشبه أعمالهم خاصة . # وفي الإتيان بالموصول وصلته إيماء إلى وجه بناء الخبر . وهو أنه من جزاء ~~كفرهم بالله . على أنه قد يكون عنوان الذين كفروا قد غلب على المشركين من ~~أهل مكة فيكون افتتاح الكلام بهذا الوصف إشارة إلى أنه إبطال لشيء اعتقده ~~الذين كفروا . فتشبيه الكافرين وأعمالهم تشبيه تمثيلي : شبهت حالة كدهم في ~~الأعمال وحرصهم على الاستكثار منها مع ظنهم أنها تقربهم إلى رضى الله ثم ~~تبين أنها لا تجديهم بل يلقون العذاب في وقت ظنهم الفوز : شبه ذلك بحالة ~~ظمئان يرى السراب فيحسبه ماء فيسعى إليه فإذا بلغ المسافة التي خال أنها ~~موقع الماء لم يجد ماء ووجد هنالك غريما يأسره ويحاسبه على ما سلف من ~~أعماله السيئة . # واعلم أن الحالة المشبهة مركبة من محسوس ومعقول والحالة المشبه بها حالة ~~محسوسة . أي داخلة تحت إدراك الحواس . PageV18P251 # والسراب : رطوبة كثيفة تصعد على الأرض ولا تعلو في الجو تنشأ من بين ~~رطوبة الأرض وحرارة الجو في المناطق الحارة الرملية فيلوح من بعيد كأنه ماء ~~. وسبب حدوث السراب اشتداد حرارة الرمال في أرض مستوية فتشتد حرارة طبقة ~~الهواء الملاصقة للرمل وتحر الطبقة الهوائية التي فوقها حرا أقل من حرارة ~~الطبقة الملاصقة . وهكذا تتناقص الحرارة في كل طبقة من الهواء عن حرارة ~~الطبقة التي دونها . وبذلك تزداد كثافة ms5672 الهواء بزيادة الارتفاع عن سطح ~~الأرض . وبحرارة الطبقة السفلى التي تلي الأرض تحدث فيها حركات تموجية ~~فيصعد جزء منها إلى ما فوقها من الطبقات وهكذا . . فتكون كل طبقة أكثف من ~~التي تحتها . فإذا انعكس على تلك الأشعة نور الجو من قرب طلوع الشمس إلى ~~بقية النهار تكيفت تلك الأشعة بلون الماء . ففي أول ظهور النور يلوح السراب ~~كأنه الماء الراكد أو البحر وكلما اشتد الضياء ظهر في السراب ترقرق كأنه ~~ماء جار . # ثم قد يطلق السراب على هذا الهواء المتموج في سائر النهار من الغدوة إلى ~~العصر . وقد يخص ما بين أول النهار إلى الضحى باسم الآل ثم سراب . وعلى هذا ~~قول أكثر أهل اللغة والعرب يتسامحون في إطلاق أحد اللفظين مكان الآخر ، وقد ~~شاهدته في شهر نوفمبر فيما بين الفجر وطلوع الشمس بمقربة من موضع يقال له : ~~أم العرائس من جهات توزر ، وأنا في قطار السكة الحديدية فخلت في أول النظر ~~أنا أشرفنا على بحر . # وقوله : { بقيعة } الباء بمعنى في . و ( قيعة ) أرض ، والجار والمجرور ~~وصف { لسراب } وهو وصف كاشف لأن السراب لا يتكون إلا في قيعة . وهذا كقولهم ~~في المثل للذليل ( هو فقع في قرقر ) فإن الفقع لا ينبت إلا في قرقر . ~~والقيعة : الأرض المنبسطة ليس فيها ربى ويرادفها القاعة . وقيل قيعة جمع ~~قاع مثل جيرة جمع جار ، ولعله غلب لفظ الجمع فيه حتى ساوى المفرد . ~~PageV18P252 # وقوله : { يحسبه الظمآن ماء } يفيد وجه الشبه ويتضمن أحد أركان التمثيل ~~وهو الرجل العطشان وهو مشابه الكافر صاحب العمل . # و { حتى } ابتدائية فهي بمعنى فاء التفريع . ومجيء الظمآن إلى السراب ~~يحصل بوصوله إلى مسافة كان يقدرها مبدأ الماء بحسب مرأى تخيله ، كأن يحدده ~~بشجرة أو صخرة . فلما بلغ إلى حيث توهم وجود الماء لم يجد الماء فتحقق أن ~~ما لاح له سراب . فهذا معنى قوله : { حتى إذا جاءه } ، أي إذا جاء الموضع ~~الذي تخيل أنه إن وصل إليه يجد ماء . وإلا فإن السراب لا يزال يلوح له على ~~بعد كلما تقدم السائر ms5673 في سيره . فضرب ذلك مثلا لقرب زمن إفضاء الكافر إلى ~~عمله وقت موته حين يرى مقعده أو في وقت الحشر . # وقوله : { لم يجده شيئا } أي لم يجد ما كان يخيل إلى عينه أنه ماء لم ~~يجده شيئا . # والشيء : هو الموجود وجودا معلوما للناس ، والسراب موجود ومرئي ، فقوله : ~~{ شيئا } أي شيئا من ماء بقرينة المقام . وهذا التمثيل كقوله تعالى : { ~~وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا } ( الفرقان : 23 ) . # و ( إذا ) هنا ظرف مجرد عن الشرطية . والمعنى : زمن مجيئه إلى السراب ، ~~أي وصوله إلى الموضع . # وقوله : { ووجد الله عنده } هو من تمام التمثيل ، أي لم يجد الماء ووجد ~~في مظنة الماء الذي ينتفع به وجد من إن أخذ بناصيته لم يفلته ، أي هو عند ~~ظنه الفوز بمطلوبه فاجأه من يأخذه للعذاب ، وهو معنى قوله : { فوفاه حسابه ~~} أي أعطاه جزاء كفره وافيا . فمعنى { فوفاه } أنه لا تخفيف فيه ، فهو قد ~~تعب ونصب في العمل فلم يجد جزاء إلا العذاب بمنزلة من ورد الماء للسقي فوجد ~~من له عنده ترة فأخذه . PageV18P253 # وجملة : { والله سريع الحساب } تذييل . والسريع : ضد البطيء . والمعنى : ~~أنه لا يماطل الحساب ولا يؤخره عند حلول مقتضيه ، فهو عام في حساب الخير ~~والشر ولذلك كان تذييلا . # واعلم أن هذا التمثل العجيب صالح لتفريق أجزائه في التشبيه بأن ينحل إلى ~~تشبيهات واستعارات . فأعمال الكافرين شبيهة بالسراب في أن لها صورة الماء ~~وليست بماء ، والكافر يشبه الظمآن في الاحتياج إلى الانتفاع بعمله . ففي ~~قوله : { يحسبه الظمآن } استعارة مصرحة ، وخيبة الكافر عند الحساب تشبه ~~خيبة الظمآن عند مجيئه السراب ففيه استعارة مصرحه ، ومفاجأة الكافر بالأخذ ~~والعتل من جند الله أو بتكوين الله تشبه مفاجأة من حسب أنه يبلغ الماء ~~للشراب فبلغ إلى حيث تحقق أنه لا ماء فوجد عند الموضع الذي بلغه من يترصد ~~له لأخذه أو أسره . فهنا استعارة مكنية إذ شبه أمر الله أو ملائكته بالعدو ~~، ورمز إلى العدو بقوله : { فوفاه حسابه } . وتعدية فعل { وجد } إلى اسم ~~الجلالة على حذف مضاف ms5674 هي تعدية المجاز العقلي . # # | 2 ( 40 ) { أو كظلمات فى بحر لجى يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ~~ظلمات بعضها فوق بعض إذآ أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا ~~فما له من نور } . ) 2 # شأن { أو } إذا جاءت في عطف التشبيهات أن تدل على تخيير السامع أن يشبه ~~بما قبلها وبما بعدها . وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى : { أو كصيب من السماء ~~} في سورة البقرة ( 19 ) ، أي مع اتحاد وجه الشبه . ومنه قول أمرىء القيس : # يضيء سناه أو مصابيح راهب # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV18P254 # وقول لبيد : # أفتلك أم وحشية مسبوعة # خذلت وهادية الصوار قوامها # فإذا كان الكلام هنا جاريا على ذلك الشأن كان المعنى تمثيل الذين كفروا ~~في أعمالهم التي يظنون أنهم يتقربون بها إلى الله بحال ظلمات ليل غشيت ~~ماخرا في بحر شديد الموج قد اقتحم ذلك البحر ليصل إلى غاية مطلوبة ، فحالهم ~~في أعمالهم تشبه حال سابح في ظلمات ليل في بحر عميق يغشاه موج يركب بعضه ~~بعضا لشدة تعاقبه ، وإنما يكون ذلك عند اشتداد الرياح حتى لا يكاد يرى يده ~~التي هي أقرب شيء إليه وأوضحه في رؤيته فكيف يرجو النجاة . # وإن كان الكلام جاريا على التخيير في التشبيه مع اختلاف وجه الشبه كان ~~المعنى تمثيل حال الذين كفروا في أعمالهم التي يعملونها وهم غير مؤمنين ~~بحال من ركب البحر يرجو بلوغ غاية فإذا هو في ظلمات لا يهتدي معها طريقا . ~~فوجه الشبه هو ما حف بأعمالهم من ضلال الكفر الحائل دون حصول مبتغاهم . # ويرجح هذا الوجه تذييل التمثيل بقوله : { ومن لم يجعل الله له نورا فما ~~له من نور } . # وعلى الوجهين فقوله : { كظلمات } عطف على { كسراب } ( النور : 39 ) ~~والتقدير : والذين كفروا أعمالهم كظلمات . # وهذا التمثيل من قبيل تشبيه حالة معقولة بحالة محسوسة كما يقال : شاهدت ~~سواد الكفر في وجه فلان . # والظلمات : الظلمة الشديدة . والجمع مستعمل في لازم الكثرة وهو الشدة ، ~~فالجمع كناية لأن شدة الظلمة يحصل من تظاهر عدة ظلمات . ألا ترى أن ظلمة ms5675 ~~بين العشاءين أشد من ظلمة عقب الغروب وظلمة العشاء أشد مما قبلها . # وقد ذكرنا فيما مضى أن لفظ ظلمة بالإفراد لم يرد في القرآن انظر أول سورة ~~الأنعام . ومعنى كونها { في بحر } أنها انطبع سوادها على ماء بحر ~~PageV18P255 فصار كأنها في البحر كقوله تعالى : { أو كصيب من السماء فيه ~~ظلمات } وقد تقدم في سورة البقرة ( 19 ) إذ جعل الظلمات في الصيب . # واللجي منسوب إلى اللجة ، واللج هو معظم البحر ، أي في بحر عميق ، فالنسب ~~مستعمل في التمكن من الوصف كقول أبي النجم : # والدهر بالإنسان دواري . # أي دوار ، وكقولهم : رجل مشركي ورجل غلابي ، أي قوي الشرك وكثير الغلب . # والموج : اسم جمع موجة والموجة : مقدار يتصاعد من ماء البحر أو النهر عن ~~سطح مائه بسبب اضطراب في سطحه بهبوب ريح من جانبه يدفعه إلى الشاطىء . ~~وأصله مصدر : ماج البحر ، أي اضطرب وسمي به ما ينشأ عنه . # ومعنى : { من فوقه موج } أن الموج لا يتكسر حتى يلحقه موج آخر من فوقه ~~وذلك أبقى لظلمته . # والسحاب تقدم في سورة الرعد ( 12 ) . والسحاب يزيد الظلمة إظلاما لأنه ~~يحجب ضوء النجم والهلال . # وقوله : { ظلمات بعضها فوق بعض } استئناف . والتقدير : هي ظلمات والمراد ~~بالظلمات التي هنا غير المراد بقوله : { أو كظلمات } لأن الجمع هنا جمع ~~أنواع وهنالك جمع أفراد من نوع واحد . # وقرأ الجمهور : { سحاب ظلمات } بالتنوين فيهما . وقرأ البزي عن ابن كثير ~~{ من فوقه سحاب ظلمات } بترك التنوين في { سحاب } وبإضافته إلى { ظلمات } . ~~وقرأه قنبل عن ابن كثير برفع { سحاب } منونا وبجر { ظلمات } على البدل من ~~قوله : { أو كظلمات } . # وقوله : { لم يكد يراها } هو من قبيل قوله { فذبحوها وما كادوا يفعلون } ~~( البقرة : 71 ) وقد تقدم وجه هذا الاستعمال في سورة البقرة وما فيه من قصة ~~بيت ذي الرمة . PageV18P256 # وجملة : { ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور } تذييل للتمثيل ، أي ~~هم باءوا بالخيبة فيما ابتغوا مما عملوا وقد حفهم الضلال الشديد فيما عملوا ~~حتى عدموا فائدته لأن الله لم يخلق في قلوبهم الهدى حين ms5676 لم يوفقهم إلى ~~الإيمان ، أي أن الله جبلهم غير قابلين للهدى فلم يجعل لهم قبوله في قلوبهم ~~فلا يحل بها شيء من الهدى . # وفيه تنبيه على أن الله تعالى متصرف بالإعطاء والمنع على حسب إرادته ~~وحكمته وما سبق من نظام تدبيره . # وهذا التمثيل صالح لاعتبار التفريق في تشبيه أجزاء الهيئة المشبهة بأجزاء ~~الهيئة المشبه بها ؛ فالضلالات تشبه الظلمات ، والأعمال التي اقتحمها ~~الكافر لقصد التقرب بها تشبه البحر ، وما يخالط أعماله الحسنة من الأعمال ~~الباطلة كالبحيرة ، والسائبة يشبه الموج في تخليطه العمل الحسن وتخلله فيه ~~وهو الموج الأول . وما يرد على ذلك من أعمال الكفر كالذبح للأصنام يشبه ~~الموج الغامر الآتي على جميع ذلك بالتخلل والإفساد وهو الموج الثاني ، وما ~~يحف اعتقاده من الحيرة في تمييز الحسن من العبث ومن القبيح يشبه السحاب ~~الذي يغشى ما بقي في السماء من بصيص أنوار النجوم ، وتطلبه الانتفاع من ~~عمله يشبه إخراج الماخر يده لإصلاح أمر سفينته أو تناول ما يحتاجه فلا يرى ~~يده بله الشيء الذي يريد تناوله . # # | 2 ( 41 ) { ألم تر أن الله يسبح له من فى السماوات والارض والطير صآفات ~~كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون } . ) 2 # أعقب تمثيل ضلال أهل الضلالة وكيف حرمهم الله الهدى في قوله : { والذين ~~كفروا أعمالهم كسراب بقيعة } إلى قوله : { ومن لم يجعل الله PageV18P257 له ~~نورا فما له من نور } ( النور : 39 ، 40 ) بطلب النظر والاعتبار كيف هدى ~~الله تعالى كثيرا من أهل السماوات والأرض إلى تنزيه الله المقتضي الإيمان ~~به وحده ، وبما ألهم الطير إلى أصواتها المعربة عن بهجتها بنعمة وجودها ~~ورزقها الناشئين عن إمداد الله إياها بهما فكانت أصواتها دلائل حال على ~~تسبيح الله وتنزيهه عن الشريك ، فأصواتها تسبيح بلسان الحال . # والجملة استئناف ابتدائي ومناسبته ما علمت . # وجملة : { كل قد علم صلاته وتسبيحه } استئناف ثانن وهو من تمام العبرة إذ ~~أودع الله في جميع أولئك ما به ملازمتهم لما فطروا عليه من تعظيم الله ~~وتنزيهه . # فتسبيح العقلاء حقيقة ، وتسبيح الطير مجاز ms5677 مرسل في الدلالة على التنزيه . ~~وفيه استعمال لفظ التسبيح في حقيقته ومجازه ، ولذلك خولف بينهما في الجملة ~~الثانية فعبر بالصلاة والتسبيح مراعاة لاختلاف حال الفريقين : فريق العقلاء ~~. وفريق الطير وإن جمعتهما كلمة { كل } فأطلق على تسبيح العقلاء اسم الصلاة ~~لأنه تسبيح حقيقي . فالمراد بالصلاة الدعاء وهو من خصائص العقلاء ، وليس في ~~أحوال الطير ما يستقيم إطلاق الدعاء عليه على وجه المجاز وأبقي لدلالة ~~أصوات الطير اسم التسبيح لأنه يطلق مجازا على الدلالة بالصوت بعلاقة ~~الإطلاق وذلك على التوزيع ؛ ولولا إرادة ذلك لقيل : كل قد علم تسبيحه ، أو ~~كل قد علم صلاته . # والخطاب في قوله : { ألم تر } للنبيء صلى الله عليه وسلم والمراد من يبلغ ~~إليه ، أو الخطاب لغير معين فيعم كل مخاطب كما هو الشأن في أمثاله . # والاستفهام مستعمل كناية عن التعجيب من حال فريق المشركين الذين هم من ~~أصحاب العقول ومع ذلك قد حرموا الهدى لما لم يجعله الله فيهم . وقد جعل ~~الهدى في العجماوات إذ جبلها على إدراك أثر نعمة الوجود والرزق . وهذا في ~~معنى قوله تعالى : { إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا } ( الفرقان : 44 ~~) . PageV18P258 # والصافات من صفات الطير يراد به صفهن أجنحتهن في الهواء حين الطيران . ~~وتخصيص الطير بالذكر من بين المخلوقات للمقابلة بين مخلوقات الأرض والسماء ~~بذكر مخلوقات في الجو بين السماء والأرض ولذلك قيدت ب { صافات } . # وفعل { علم } مراد به المعرفة لظهور الفرق بين علم العقلاء بصلاتهم وعلم ~~الطير بتسبيحها فإن الثاني مجرد شعور وقصد للعمل . # وضمائر { علم صلاته وتسبيحه } راجعة إلى { كل } لا محالة . # ولو كان المراد بها التوزيع على من في السماوات والأرض والطير من جهة ~~وعلى اسم الجلالة من جهة لوقع ضمير فصل بعد { علم } فلكان راجعا إلى الله ~~تعالى . # والرؤية هنا بصرية لأن تسبيح العقلاء مشاهد لكل ذي بصر ، وتسبيح الطير ~~مشاهد باعتبار مسماه فما على الناظر إلا أن يعلم أن ذلك المسمى جدير باسم ~~التسبيح . # وعلى هذا الاعتبار كان الاستفهام الإنكاري مكين الوقع . # وإن شئت قلت : إن جملة ms5678 { ألم تر } جارية مجرى الأمثال في كلام البلغاء ~~فلا التفات فيها إلى معنى الرؤية . # وقيل : الرؤية هنا قلبية . وأغنى المصدر عن المفعولين . # وجملة : { والله عليم بما يفعلون } تذييل وهو إعلام بسعة علم الله تعالى ~~الشامل للتسبيح وغيره من الأحوال . # والإتيان بضمير جمع العقلاء تغليب . وقد تقدم في قوله تعالى : { ألم تر ~~إلى الذين خرجوا من ديارهم } في سورة البقرة ( 243 ) وقوله : { ألم يروا كم ~~أهلكنا من قبلهم من قرن في سورة الأنعام ( 6 ) . # # | 2 ( 42 ) ولله ملك السماوات والارض وإلى الله المصير } . ) 2 # PageV18P259 # تحقيق لما دل عليه الكلام السابق من إعطائه الهدى للعجماوات في شؤونه ~~وحرمانه إياه فريقا من العقلاء فلو كان ذلك جاريا على حسب الاستحقاق لكان ~~هؤلاء أهدى من الطير في شأنهم . # وتقديم المعمولين للاختصاص ، أي أن التصرف في العوالم لله لا لغيره . # وفي هذا انتقال إلى دلالة أحوال الموجودات على تفرد الله تعالى بالخلق ~~ولذلك أعقب بقوله : # # | 2 ( 43 ) { ألم تر أن الله يزجى سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما ~~فترى الودق يخرج من خلاله وينزل من السمآء من جبال فيها من برد فيصيب به من ~~يشآء ويصرفه عن من يشآء يكاد سنا برقه يذهب بالابصار } . ) 2 # أعقب الدلالة على إعطاء الهدى في قوانين الإلهام في العجماوات بالدلالة ~~على خلق الخصائص في الجماد بحيث تسير على السير الذي قدره الله لها سيرا لا ~~يتغير ، فهي بذلك أهدى من فريق الكافرين الذين لهم عقول وحواس لا يهتدون ~~بها إلى معرفة الله تعالى والنظر في أدلتها ، وفي ذلك دلالة على عظم القدرة ~~وسعة العلم ووحدانية التصرف . وهذا استدلال بنظام بعض حوادث الجو حتى آل ~~إلى قوله { فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء } . # وقد حصل من هذا حسن التخلص للانتقال إلى الاستدلال على عظم القدرة وسمو ~~الحكمة وسعة العلم الإلهي . # و { يزجي } : يسوق . يقال : أزجى الإبل إزجاء . # وأطلق الإزجاء على دنو بعض السحاب من بعض بتقدير الله تعالى الشبيه ~~بالسوق حتى يصير سحابا كثيفا ، فانضمام بعض السحاب ms5679 إلى بعض عبر عنه ~~بالتأليف بين أجزائه بقوله تعالى : { ثم يؤلف بينه } الخ . PageV18P260 # وتقدم الكلام على السحاب في سورة البقرة ( 164 ) في قوله : { والسحاب ~~المسخر } وفي أول سورة الرعد ( 12 ) . # ودخلت ( بين ) على ضمير السحاب لأن السحاب ذو أجزاء كقول امرىء القيس : # بين الدخول فحومل # أي يؤلف بين السحابات منه . # والركام : مشتق من الركم . والركم : الجمع والضم . ووزن فعال وفعالة يدل ~~على معنى المفعول . فالركام بمعنى المركوم كما جاء في قوله تعالى : { وإن ~~يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم } في سورة الطور ( 44 ) . # فإذا تراكم السحاب بعضه على بعض حدث فيه ما يسمى في علم حوادث الجو ~~بالسيال الكهربائي وهو البرق . فقال بعض المفسرين : هو الودق . وأكثر ~~المفسرين على أن الودق هو المطر ، وهو الذي اقتصرت عليه دواوين اللغة ، ~~والمطر يخرج من خلال السحاب . # والخلال : الفتوق ، جمع خلل كجبل وجبال . وتقدم { خلال الديار } في سورة ~~الإسراء ( 5 ) . # ومعنى { ينزل من السماء } يسقط من علو إلى سفل ، أي ينزل من جو السماء ~~إلى الأرض . والسماء : الجو الذي فوق جهة من الأرض . # وقوله : { من جبال } بدل من { السماء } بإعادة حرف الجر العامل في المبدل ~~منه وهو بدل بعض لأن المراد بالجبال سحاب أمثال الجبال . # وإطلاق الجبال في تشبيه الكثرة معروف . يقال : فلان جبل علم ، وطود علم . ~~وفي حديث البخاري من طريق أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ( لو كان لي مثل أحد ذهبا لسرني أن لا تمر علي ثلاث ليال وعندي منه ~~شيء إلا شيئا أرصده لدين ) أي ما كان يسرني ، فالكلام بمعنى النفي ، أي لما ~~سرني . أو لما كان سرني الخ . PageV18P261 # وحرف { من } الأول للابتداء و { من } الثاني كذلك و { من } في قوله { من ~~برد } مزيدة في الإثبات على رأي الذين جوزوا زيادة { من } في الإثبات . أو ~~تكون { من } اسما بمعنى بعض . # ومفعول { ينزل } محذوف يدل عليه قوله : { فيها من برد } والتقدير : ينزل ~~بردا . # ووقوع { من } زائدة لقصد مشاكلة قوله : { من جبال } . # وقوله : { فيصيب به ms5680 من يشاء } جعل نزول البرد إصابة لأن الإصابة إذا ~~أطلقت في كلامهم دلت على أنها حلول مكروه . ومن ذلك سميت المصيبة الحادثة ~~المكروهة . وأما قوله تعالى : { إن تصبك حسنة تسؤهم } ( التوبة : 50 ) فلأن ~~قوله : { حسنة } قرينة على إطلاق الإصابة على مطلق الحدوث إما مجازا مرسلا ~~وإما مشتركا لفظيا أو مشتركا معنويا فإن ( أصاب ) مشتق من الصوب وهو النزول ~~ومنه صوب المطر ، فجعل نزول البرد إصابة لأنه يفسد الزرع والثمرة ، فضمير { ~~به } للبرد . # وجملة : { يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار } وصف ل { سحابا } . وضمير { برقه ~~} عائد إلى { سحابا } . وفائدة هذه الصفة تنبيه العقول إلى التدبر في هذه ~~التغيرات إذ كان شعور الناس بحدوث البرق أوضح وأكثر من شعورهم بتكون السحاب ~~وتراكمه ونزول المطر والبرد ، إذ قد يغفل الناس عن ذلك لكثرة حدوثه وتعودهم ~~به بخلاف اشتداد البرق فإنه لا يخلو أحد من أن يكون قد عرض له مرات ، فإن ~~أصحاب الأبصار التي حركها خفق البرق يتذكرون تلك الحالة العجيبة الدالة على ~~القدرة . ولهذه النكتة خصصت هذه الحالة من أحوال البرق بالذكر . # والسنا مقصورا : ضوء البرق وضوء النار . وأما السناء الممدود فهو الرفعة ~~. قال ابن دريد في أبيات له في متشابه المقصور والممدود : # زال السنا عن ناظري # ه وزال عن شرف السناء PageV18P262 # ولام التعريف في { بالأبصار } لام الحقيقة . وقوله : { يكاد سنا برقه ~~يذهب بالأبصار } هو كقوله في سورة البقرة ( 20 ) { يكاد البرق يخطف أبصارهم ~~} سوى أن هذه الآية زيد فيها لفط { سنا } لأن هذه الآية واردة في مقام ~~الاعتبار بتكوين السحاب وإنزال الغيث فكان المقام مقتضيا للتنويه بهذا ~~البرق وشدة ضيائه حتى يكون الاعتبار بأمرين : بتكوين البرق في السحاب . ~~وبقوة ضيائه حتى يكاد يذهب بالأبصار . وآية البقرة واردة في مقام التهديد ~~والتشويه لحالهم حين كانوا مظهرين الإسلام ومنطوين على الكفر والجحود فكانت ~~حالهم كحالة الغيث المشتمل على صواعق ورعد وبرق فظاهره منفعة وفي باطنه ~~قوارع ومصائب . # ومن أجل اختلاف المقامين وضع التعبير هنا ب { يذهب بالأبصار } وهنالك ~~بقوله : { يخطف أبصارهم } لأن في الخطف ms5681 من معنى النكاية بهم والتسلط عليهم ~~ما ليس في { يذهب } إذ هو مجرد الاستلاب . # وأما التعبير هنا ب { الأبصار } معرفا باللام فلأن المقصود أن البرق ~~مقارب أن يزيل طائفة من جنس الأبصار إذ اللام هنا لام الحقيقة كما في قوله ~~: { أن يأكله الذئب } ( يوسف : 13 ) وقولهم : ادخل السوق ، لأن الحكم على ~~حالة البرق الشديد من حيث هي . بخلاف آية البقرة فإنها في مقام التوبيخ لهم ~~بأن ما شأنه أن ينتفع الناس به قد أشرف على الضر بهم فلذلك ذكر لفظ أبصار ~~مضافا إلى ضميرهم مع ما في هذا التخالف من تفنين الكلام الواحد على أفانين ~~مختلفة حتى لا يكون الكلام معادا وإن كان المعنى متحدا ولا تجد حق الإيجاز ~~فائتا فإن هذين الكلامين في حد التساوي في الحروف والنطق . وهكذا نرى بلاغة ~~القرآن وإعجازه وحلاوة نظمه . # وقرأ الجمهور { يذهب } بفتح التحتية وفتح الهاء ، فالباء للتعدية ، أي ~~يذهب الأبصار . وقرأه أبو جعفر وحده بضم التحتية وكسر الهاء فتكون الباء ~~مزيدة لتأكيد اللصوق مثل { وامسحوا برؤوسكم } ( المائدة : 6 ) . # PageV18P263 # | 2 ( 44 ) { يقلب الله اليل والنهار إن فى ذالك لعبرة لأولى الابصار } . ~~) 2 # التقليب تغيير هيئة إلى ضدها ومنه { فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها } ~~( الكهف : 42 ) أي يدير كفيه من ظاهر إلى باطن ، فتقليب الليل والنهار ~~تغيير الأفق من حالة الليل إلى حالة الضياء ومن حالة النهار إلى حالة ~~الظلام ، فالمقلب هو الجو بما يختلف عليه من الأعراض ولكن لما كانت حالة ~~ظلمة الجو تسمى ليلا وحالة نوره تسمى نهارا عبر عن الجو في حالتيه بهما ، ~~وعدي التقليب إليهما بهذا الاعتبار . # ومما يدخل في معنى التقليب تغيير هيئة الليل والنهار بالطول والقصر . ~~ولرعي تكرر التقلب بمعنييه عبر بالمضارع المقتضي للتكرر والتجدد . # والكلام استئناف . وجيء به مستأنفا غير معطوف على آيات الاعتبار المذكورة ~~قبله لأنه أريد الانتقال من الاستدلال بما قد يخفى على بعض الأبصار إلى ~~الاستدلال بما يشاهده كل ذي بصر كل يوم وكل شهر فهو لا يكاد يخفى على ذي ~~بصر ms5682 . وهذا تدرج في موقع هذه الجملة عقب جملة { يكاد سنا برقه يذهب ~~بالأبصار } ( النور : 43 ) كما أشرنا إليه آنفا . ولذلك فالمقصود من الكلام ~~هو جملة { إن في ذلك لعبرة لأولى الأبصار } ، ولكن بني نظم الكلام على ~~تقديم الجملة الفعلية لما تقتضيه من إفادة التجدد بخلاف أن يقال : إن في ~~تقليب الليل والنهار لعبرة . # والإشارة الواقعة في قوله : { إن في ذلك } إلى ما تضمنه فعل { يقلب } من ~~المصدر . أي إن في التقليب . ويرجح هذا القصد ذكر العبرة بلفظ المفرد ~~المنكر . # والتأكيد ب { إن } إما لمجرد الاهتمام بالخبر وإما لتنزيل المشركين في ~~تركهم الاعتبار بذلك منزلة من ينكر أن في ذلك عبرة . PageV18P264 # وقيل : الإشارة بقوله : { إن في ذلك } إلى جميع ما ذكر آنفا ابتداء من ~~قوله : { ألم تر أن الله يزجي سحابا } ( النور : 43 ) فيكون الإفراد في ~~قوله : { لعبرة } ناظرا إلى أن مجموع ذلك يفيد جنس العبرة الجامعة لليقين ~~بأن الله هو المتصرف في الكون . # ولم ترد العبرة في القرآن معرفة بلام الجنس ولا مذكورة بلفظ الجمع . # # | 2 ( 45 ) { والله خلق كل دآبة من مآء فمنهم من يمشى على بطنه ومنهم من ~~يمشى على رجلين ومنهم من يمشى على أربع يخلق الله ما يشآء إن الله على كل ~~شىء قدير } . ) 2 # لما كان الاعتبار بتساوي أجناس الحيوان في أصل التكوين من ماء التناسل مع ~~الاختلاف في أول أحوال تلك الأجناس في آثار الخلقة وهو حال المشي إنما هو ~~باستمرار ذلك النظام بدون تخلف وكان ذلك محققا كان إفراغ هذا المعنى بتقديم ~~المسند إليه على الخبر الفعلي مفيدا لأمرين : التحقق بالتقديم على الخبر ~~الفعلي . والتجدد بكون الخبر فعليا . # وإظهار اسم الجلالة دون الإضمار للتنويه بهذا الخلق العجيب . # واختير فعل المضي للدلالة على تقرير التقوي بأن هذا شأن متقرر منذ القدم ~~مع عدم فوات الدلالة على التكرير حيث عقب الكلام بقوله : { يخلق الله ما ~~يشاء } . # وقرأ الجمهور { والله خلق كل دابة } بصيغة فعل المضي ونصب { كل } . وقرأه ~~الكسائي { والله خالق كل دابة } بصيغة اسم ms5683 الفاعل وجر { كل } بإضافة اسم ~~الفاعل إلى مفعوله . PageV18P265 # والدابة : ما دب على وجه الأرض ، أي مشى . وغلب هنا الإنسان فأتي بضمير ~~العقلاء مرادا به الإنسان وغيره مرتين . # وتنكير { ماء } لإرادة النوعية تنبيها على اختلاف صفات الماء لكل نوع من ~~الدواب إذ المقصود تنبيه الناس إلى اختلاف النطف للزيادة في الاعتبار . # وهذا بخلاف قوله : { وجعلنا من الماء كل شيء حي } ( الأنبياء : 30 ) إذ ~~قصد ثمة إلى أن أجناس الحيوان كلها مخلوقة من جنس الماء وهو جنس واحد ~~اختلفت أنواعه ، فتعريف الجنس هناك إشارة إلى ما يعرفه الناس إجمالا ~~ويعهدونه من أن الحيوان كله مخلوق من نطف أصوله . وهذا مناط الفرق بين ~~التنكير كما هنا وبين تعريف الجنس كما في آية { وجعلنا من الماء كل شيء حي ~~} ( الأنبياء : 30 ) . # و { من } ابتدائية متعلقة ب { خلق } . # ورتب ذكر الأجناس في حال المشي على ترتيب قوة دلالتها على عظم القدرة لأن ~~الماشي بلا آلة مشي متمكنة أعجب من الماشي على رجلين ، وهذا المشي زحفا . ~~أطلق المشي على الزحف بالبطن للمشاكلة مع بقية الأنواع . وليس في الآية ما ~~يقتضي حصر المشي في هذه الأحوال الثلاثة لأن المقصود الاعتبار بالغالب ~~المشاهد . # وجملة : { يخلق الله ما يشاء } زيادة في العبرة ، أي يتجدد خلق الله ما ~~يشاء أن يخلقه مما علمتم وما لم تعلموا . فهي جملة مستأنفة . # وجملة : { إن الله على كل شيء قدير } تعليل وتذييل . ووقع فيه إظهار اسم ~~الجلالة في مقام الإضمار ليكون كلاما مستقلا بذاته لأن شأن التذييل أن يكون ~~كالمثل . # # | 2 ( 46 ) { لقد أنزلنآ ءايات مبينات والله يهدى من يشآء إلى صراط ~~مستقيم } . ) 2 # PageV18P266 # تذييل للدلائل والعبر السالفة وهو نتيجة الاستدلال ولذلك ختم بقوله : { ~~والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم } ، أي إن لم يهتد بتلك الآيات أهل ~~الضلالة فذلك لأن الله لم يهدهم لأنه يهدي من يشاء . والمراد بالآيات هنا ~~آيات القرآن كما يقتضيه فعل { أنزلنا } ولذلك لم تعطف هذه الجملة على ما ~~قبلها بعكس قوله السابق { ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات } ( النور ms5684 : 34 ) ~~. # ولما كان المقصود من هذا إقامة الحجة دون الامتنان لم يقيد إنزال الآيات ~~بأنه إلى المسلمين كما قيد في قوله تعالى قبله : { ولقد أنزلنا إليكم آيات ~~مبينات } ( النور : 34 ) كما تقدم . # وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب { مبينات } بفتح الياء ~~على صيغة اسم المفعول ، أي بينها الله ووضحها ببلاغتها وقوة حجتها . وقرأ ~~الباقون بكسر الياء على صيغة اسم الفاعل ، فإسناد التبيين إلى الآيات على ~~هذه القراءة مجاز عقلي لأنها سبب البيان . # والمعنى أن دلائل الحق ظاهرة ولكن الله يقدر الهداية إلى الحق لمن يشاء ~~هدايته . # $ 2 ( 47 50 ) { ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم ~~من بعد ذالك ومآ أولائك بالمؤمنين * وإذا دعو & # 1764 ا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون * وإن يكن لهم ~~الحق يأتو & # 1764 ا إليه مذعنين * أفى قلوبهم مرض أم ارتابو & # 1764 ا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولائك هم الظالمون } . ) ~~2 $ PageV18P267 # عطف جملة : { ويقولون } على جملة : { والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ~~} ( النور : 46 ) لما تتضمنه جملة : { يهدي من يشاء } من هداية بعض الناس ~~وحرمان بعضهم من الهداية كما هو مقتضى : { من يشاء } . وهذا تخلص إلى ذكر ~~بعض ممن لم يشأ الله هدايتهم وهم الذين أبطنوا الكفر وأظهروا الإسلام وهم ~~أهل النفاق . فبعد أن ذكرت دلائل انفراد الله تعالى بالإلاهية وذكر الكفار ~~الصرحاء الذين لم يهتدوا بها في قوله : { والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة ~~} ( النور : 39 ) الآيات تهيأ المقام لذكر صنف آخر من الكافرين الذين لم ~~يهتدوا بآيات الله وأظهروا أنهم اهتدوا بها . # وضمير الجمع عائد إلى معروفين عند السامعين وهم المنافقون لأن ما ذكر ~~بعده هو من أحوالهم ، وعود الضمير إلى شيء غير مذكور كثير في القرآن ، على ~~أنهم قد تقدم ما يشير إليهم بطريق التعريض في قوله : { رجال لا تلهيهم ~~تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة } ( النور : 37 ) . # وقد أشارت الآية إلى المنافقين عامة ، ثم إلى ms5685 فريق منهم أظهروا عدم الرضى ~~بحكم الرسول صلى الله عليه وسلم فكلا الفريقين موسوم بالنفاق ، ولكن أحدهما ~~استمر على النفاق والمواربة وفريقا لم يلبثوا أن أظهروا الرجوع إلى الكفر ~~بمعصية الرسول علنا . # ففي قوله : { يقولون } إيماء إلى أن حظهم من الإيمان مجرد القول دون ~~الإعتقاد كما قال تعالى : { قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا ~~أسلمنا ولما يدخلل الإيمان في قلوبكم } ( الحجرات : 14 ) . # وعبر بالمضارع لإفادة تجدد ذلك منهم واستمرارهم عليه لما فيه من تكرر ~~الكذب ونحوه من خصال النفاق التي بينتها في سورة البقرة . ومفعول { أطعنا } ~~محذوف دل عليه ما قبله ، أي أطعنا الله والرسول . # والإشارة في قوله : { وما أولئك } إلى ضمير { يقولون } ، أي يقولون آمنا ~~وهم كاذبون في قولهم . وإنما يظهر كفرهم عندما تحل بهم النوازل PageV18P268 ~~والخصومات فلا يطمئنون بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يصح جعله ~~إشارة إلى { فريق } من قوله : { إذا فريق منهم معرضون } لأن إعراضهم كاف في ~~الدلالة على عدم الإيمان . # فالضمير في قوله : { وإذا دعوا } عائد إلى معاد ضمير { يقولون } . وإسناد ~~فعل { دعوا } إلى جميعهم وإن كان المعرضون فريقا منهم لا جميعهم للإشارة ~~إلى أنهم سواء في التهيؤ إلى الإعراض ولكنهم لا يظهرونه إلا عندما تحل بهم ~~النوازل فالمعرضون هم الذين حلت بهم الخصومات . # وقد شملت الآية نفرا من المنافقين كانوا حلت بهم خصومات فأبوا حكم النبي ~~صلى الله عليه وسلم قبل أن يحكم عليهم أو بعدما حكم عليهم فلم يرضهم حكمه ، ~~فروى المفسرون أن بشرا أحد الأوس أو الخزرج تخاصم إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم مع يهودي فلما حكم النبي لليهودي لم يرض بشر بحكمه ودعاه إلى الحكم ~~عند كعب بن الأشرف اليهودي فأبى اليهودي وتساوقا إلى عمر بن الخطاب فقصا ~~عليه القضية فلما علم عمر أن بشرا لم يرض بحكم النبي قال لهما : مكانكما ~~حتى آتيكما . ودخل بيته فأخرج سيفه وضرب بشرا بالسيف فقتله . فروي أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لقب عمر يومئذ الفاروق لأنه فرق بين ms5686 الحق والباطل ، أي ~~فرق بينهما بالمشاهدة . وقيل : إن أحد المنافقين اسمه المغيرة بن وائل من ~~الأوس من بني أمية بن زيد الأوسي تخاصم مع علي بن أبي طالب في أرض اقتسماها ~~ثم كره أمية القسم الذي أخذه فرام نقض القسمة وأبى علي نقضها ودعاه إلى ~~الحكومة لدى النبي صلى الله عليه وسلم فقال المغيرة : أما محمد فلست آتية ~~لأنه يبغضني وأنا أخاف أن يحيف علي . فنزلت هذه الآية . وتقدم ذلك عند قوله ~~تعالى : { ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك } الآية في ~~سورة النساء ( 60 ) . # ومن سماجة الأخبار ما نقله الطبرسي الشيعي في تفسيره المسمى ( مجمع ~~البيان ) عن البلخي أنه كانت بين علي وعثمان منازعة في أرض اشتراها ~~PageV18P269 من علي فخرجت فيها أحجار وأراد ردها بالعيب فلم يأخذها فقال : ~~بيني وبينك رسول الله . فقال له الحكم بن أبي العاص إن حاكمته إلى ابن عمه ~~يحكم له فلا تحاكمه إليه . فنزلت الآيات . وهذا لم يروه أحد من ثقات ~~المفسرين ولا أشك في أنه مما اعتيد إلصاقه ببني أمية من تلقاء المشوهين ~~لدولتهم تطلعا للفتنة ، والحكم بن أبي العاص أسلم يوم الفتح وسكن المدينة ~~وهل يظن به أن يقول مثل هذه المقالة بين مسلمين . # وإنما جعل الدعاء إلى الله ورسوله كليهما مع أنهم دعوا إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لأن حكم الرسول حكم الله لأنه لا يحكم إلا عن وحي . ولهذا ~~الاعتبار أفرد الضمير في قوله : { ليحكم } العائد إلى أقرب مذكور ولم يقل : ~~ليحكما . # وقوله : { وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه } أي إلى الرسول صلى الله عليه ~~وسلم # ومعنى : { وإن يكن لهم الحق } أنه يكون في ظن صاحب الحق ويقينه أنه على ~~الحق . ومفهومه أن من لم يكن له الحق منهم وهو العالم بأنه مبطل لا يأتي ~~إذا دعي إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ، فعلم منه أن الفريق المعرضين هم ~~المبطلون . وكذلك شأن كل من هو على الحق أنه لا يأبى من القضاء العادل ، ~~وشأن المبطل أن ms5687 يأبى العدل لأن العدل لا يلائم حبه الاعتداء على حقوق الناس ~~، فسبب إعراض المعرضين علمهم بأن في جانبهم الباطل وهم قد تحققوا أن الرسول ~~لا يحكم إلا بصراح الحق . # وهذا وجه موقع جملة : { أفى قلوبهم مرض } إلى آخرها . # ووقع حرف { إذا } المفاجأة في جواب { إذا } الشرطية لإفادة مبادرتهم ~~بالإعراض دون تريث لأنهم قد أيقنوا من قبل بعدالة الرسول وأيقنوا بأن ~~الباطل في جانبهم فلم يترددوا في الإعراض . # والإذعان : الانقياد والطاعة . # ولما كان هذا شأنا عجيبا استؤنف عقبه بالجملة ذات الاستفهامات ~~PageV18P270 المستعملة في التنبيه على أخلاقهم ولفت الأذهان إلى ما انطووا ~~عليه والداعي إلى ذلك أنها أحوال خفية لأنهم كانوا يظهرون خلافها . # وأتبع بعض الاستفهامات بعضا بحرف { أم } المنقطعة التي هي هنا للإضراب ~~الانتقالي كشأنها إذا عطفت الجمل الاستفهامية فإنها إذا عطفت الجمل لم تكن ~~لطلب التعيين كما هي في عطف المفردات لأن المتعاطفات بها حينئذ ليست مما ~~يطلب تعيين بعضه دون بعض ، وأما معنى الاستفهام فملازم لها لأنه يقدر بعد { ~~أم } . # والانتقال هنا تدرج في عد أخلاقهم . فالمعنى أنه إن سأل سائل عن اتصافهم ~~بخلق من هذه المذكورات علم المسؤول أنهم متصفون به ، فكان الاستفهام المكرر ~~ثلاث مرات مستعملا في التنبيه مجازا مرسلا ، ومنه قوله تعالى : { ألهم أرجل ~~يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان ~~يسمعون بها } في سورة الأعراف ( 195 ) . # والقلوب : العقول . والمرض مستعار للفساد أو للكفر قال تعالى : { في ~~قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا } ( البقرة : 10 ) أو للنفاق . # وأتي في جانب هذا الاستفهام بالجملة الاسمية للدلالة على ثبات المرض في ~~قلوبهم وتأصله فيها بحيث لم يدخل الإيمان في قلوبهم . # والارتياب : الشك . والمراد : ارتابوا في حقية الإسلام ، أي حدث لهم ~~ارتياب بعد أن آمنوا إيمانا غير راسخ . # وأتي في جانبه بالجملة الفعلية المفيدة للحدوث والتجدد ، أي حدث لهم ~~ارتياب بعد أن اعتقدوا الإيمان اعتقادا مزلزلا . وهذا يشير إلى أنهم فريقان ~~: فريق لم يؤمنوا ولكنهم أظهروا الإيمان وكتموا كفرهم ، وفريق آمنوا إيمانا ms5688 ~~ضعيفا ثم ظهر كفرهم بالإعراض . # والحيف : الظلم والجور في الحكومة . وجيء في جانبه بالفعلين المضارعين ~~للإشارة إلى أنه خوف في الحال من الحيف في المستقبل كما PageV18P271 يقتضيه ~~دخول { أن } ، وهي حرف الاستقبال ، على فعل { يحيف } . فهم خافوا من وقوع ~~الحيف بعد نشر الخصومة فمن ثمة أعرضوا عن التحاكم إلى الرسول صلى الله عليه ~~وسلم # وأسند الحيف إلى الله ورسوله بمعنى أن يكون ما شرعه الإسلام حيفا لا يظهر ~~الحقوق . وهذا كناية عن كونهم يعتقدون أنه غير منزل من الله وأن يكون حكم ~~الرسول بغير ما أمر الله ، فهم يطعنون في الحكم وفي الحاكم وما ذلك إلا ~~لأنهم لا يؤمنون بأن شريعة الإسلام منزلة من الله ولا يؤمنون بأن محمدا ~~عليه الصلاة والسلام مرسل من عند الله ، فالكلام كناية عن إنكارهم أن تكون ~~الشريعة إلاهية وأن يكون الآتي بها صادقا فيما أتى به . # واعلم أن المنافقين اتصفوا بهذه الأمور الثلاثة وكلها ناشئة عن عدم ~~تصديقهم الرسول سواء في ذلك من حلت به قضية ومن لم تحل . # وفيما فسرنا به قوله تعالى : { أفي قلوبهم مرض } ما يثلج صدر الناظر ~~ويخرج به من سكوت الساكت وحيرة الحائر . # و { بل } للإضراب الانتقالي من الاستفهام التنبيهي إلى خبر آخر . ولم يؤت ~~في هذا الإضراب ب { أم } لأن { أم } لا بد معها من معنى الاستفهام ، وليس ~~المراد عطف كونهم ظالمين على الاستفهام المستعمل في التنبيه بل المراد به ~~إفادة اتصافهم بالظلم دون غيرهم لأنه قد اتضح حالهم فلا داعي لإيراده بصيغة ~~استفهام التنبيه . وليست { بل } هنا للإبطال لأنه لا يستقيم إبطال جميع ~~الأقسام المتقدمة فإن منها مرض قلوبهم وهو ثابت ، ولا دليل على قصد إبطال ~~القسم الأخير خاصة ، ولا على إبطال القسمين الآخرين . # وجملة : { أولئك هم الظالمون } مستأنفة استئنافا بيانيا لأن السامع بعد ~~أن طنت بأذنه تلك الاستفهامات الثلاثة ثم أعقبت بحرف الإضراب يترقب ماذا ~~سيرسي عليه تحقيق حالهم فكان قوله : { أولئك هم الظالمون } بيانا لما ~~يترقبه السامع . PageV18P272 # والمعنى : أنهم يخافون أن يحيف الرسول عليهم ويظلمهم ms5689 . وليس الرسول بالذي ~~يظلم بل هم الظالمون . فالقصر الحاصل من تعريف الجزأين ومن ضمير الفصل حصر ~~مؤكد ، أي هم الظالمون لا شرع الله ولا حكم رسوله . # وزاد اسم الإشارة تأكيدا للخبر فحصل فيه أربعة مؤكدات : اثنان من صيغة ~~الحصر إذ ليس الحصر والتخصيص إلا تأكيدا على تأكيد ، والثالث ضمير الفصل ، ~~والرابع اسم الإشارة . # واسم الإشارة الموضوع للتمييز استعمل هنا مجازا لتحقيق اتصافهم بالظلم ، ~~فهم يقيسون الناس على حسب ما يقيسون أنفسهم ، فلما كانوا أهل ظلم ظنوا بمن ~~هو أهل الإنصاف أنه ظالم كما قال أبو الطيب : # إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه # وصدق ما يعتاده من توهم # ولا تعلق لهذه الآية بحكم من دعي إلى القاضي للخصومة فامتنع لأن الذم ~~والتوبيخ فيها كانا على امتناع ناشىء عن كفرهم ونفاقهم . # $ 2 ( 51 ) { إنما كان قول المؤمنين إذا دعو & # 1764 ا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولائك هم ~~المفلحون } . ) 2 $ # استئناف بياني لأن الإخبار عن الذين يعرضون عندما يدعون إلى الحكومة ~~بأنهم ليسوا بالمؤمنين في حين أنهم يظهرون الإيمان يثير سؤال سائل عن ~~الفاصل الذي يميز بين المؤمن الحق وبين الذي يرائي بإيمانه في حين يدعى إلى ~~الحكومة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقتضي أن يبين للسائل الفرق بين ~~الحالين لئلا يلتبس عنده الإيمان المزور بالإيمان الصادق ، فقد كان ~~المنافقون يموهون بأن إعراض من أعرض منهم عن التحاكم عند رسول الله ليس ~~لتزلزل في إيمانه بصدق الرسول ولكنه إعراض PageV18P273 لمراعاة أعراض من ~~العلائق الدنيوية كقول بشر : إن الرسول يبغضني . فبين الله بطلان ذلك بأن ~~المؤمن لا يرتاب في عدل الرسول وعدم مصانعته . # وقد أفاد هذا الاستئناف أيضا الثناء على المؤمنين الأحقاء بضد ما كان ذما ~~للمنافقين . وذلك من مناسبات هذا الاستئناف على عادة القرآن في إرداف ~~التوبيخ بالترغيب والوعيد بالوعد والنذارة بالبشارة والذم بالثناء . # وجيء بصيغة الحصر ب { إنما } لدفع أن يكون مخالف هذه الحالة في شيء من ~~الإيمان وإن قال بلسانه إنه مؤمن ، فهذا القصر ms5690 إضافي ، أي هذا قول المؤمنين ~~الصادقين في إيمانهم لا كقول الذين أعرضوا عن حكم الرسول حين قالوا : { ~~آمنا بالله وبالرسول وأطعنا } ( النور : 47 ) فلما دعوا إلى حكم الرسول ~~عصوا أمره فإن إعراضهم نقيض الطاعة ، وسيأتي بيانه قريبا . وليس قصرا ~~حقيقيا لأن أقوال المؤمنين حين يدعون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ليحكم بينهم غير منحصرة في قول : { سمعنا وأطعنا } ولا في مرادفه ، فلعل ~~منهم من يزيد على ذلك . # وفي ( الموطأ ) من حديث زيد بن خالد الجهني : ( أن رجلين اختصما إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما : يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله ~~( يعني وهو يريد أن رسول الله يقضي له كما وقع التصريح في رواية الليث بن ~~سعد في ( البخاري ) أن رجلا من الأعراب أتى رسول الله فقال : أنشدك بالله ~~إلا قضيت لي بكتاب الله ) . وقال الآخر وهو أفقههما : أجل يا رسول الله ~~فاقض بيننا بكتاب الله وأذن لي أن أتكلم ( يريد لا تقض له علي فأذن لي أن ~~أبين ) فقال رسول الله تكلم . . ) الخ . # وليس المراد بقول { سمعنا وأطعنا } خصوص هذين اللفظين بل المراد لفظهما ~~أو مرادفهما للتسامح في مفعول فعل القول أن لا يحكى بلفظه كما هو مشهور . ~~وإنما خص هذان اللفظان بالذكر هنا من أجل أنهما كلمة مشهورة تقال في مثل ~~هذه الحالة وهي مما جرى مجرى المثل كما يقال أيضا ( سمع وطاعة ) بالرفع و ( ~~سمعا وطاعة ) بالنصب ، وقد تقدم الكلام على ذلك PageV18P274 عند قوله تعالى ~~: { ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا } في سورة النساء ( 46 ) . وفي حديث أبي ~~هريرة : ( قال النبي للأنصار : تكفوننا المؤونة ونشرككم في الثمرة . فقال ~~الأنصار : سمعنا وأطعنا ) . # و { قول المؤمنين } خبر { كان } و { أن يقولوا } هو اسم { كان } وقدم خبر ~~كان على اسمها متابعة للاستعمال العربي لأنهم إذا جاؤوا بعد { كان } بأن ~~والفعل لم يجيئوا بالخبر إلا مقدما على الاسم نظرا إلى كون المصدر المنسبك ~~من أن والفعل أعرف من المصدر الصريح ، ولم يجيئوا بالخبر إلا مقدما كراهية ~~توالي ms5691 أداتين وهما : { كان } و { أن } . ونظائر هذا الاستعمال كثيرة في ~~القرآن . وتقدم عند قوله تعالى : { وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر ~~لنا ذنوبنا } في سورة آل عمران ( 147 ) . # وجيء في وصف المؤمنين بالفلاح بمثل التركيب الذي وصف به المنافقون بالظلم ~~بصيغة القصر المؤكد ليكون الثناء على المؤمنين ضدا لمذمة المنافقين تاما . # واعلم أن القصر المستفاد من { إنما } هنا قصر إفراد لأحد نوعي القول . ~~فالمقصود منه الثناء على المؤمنين برسوخ إيمانهم وثبات طاعتهم في المنشط ~~والمكره . وفيه تعريض بالمنافقين إذ يقولون كلمة الطاعة ثم ينقضونها بضدها ~~من كلمات الإعراض والارتياب . ونظير هذه الآية في طريق قصر ب ( إلا ) قوله ~~تعالى : { وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا } في سورة آل ~~عمران ( 147 ) . # # | 2 ( 52 ) { ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولائك هم الفآئزون } ~~. ) 2 # الواو اعتراضية أو عاطفة على جملة { وأولئك هم المفلحون } ( النور : 51 ) ~~. والتقدير : وهم الفائزون . فجاء نظم الكلام على هذا الإطناب ليحصل تعميم ~~الحكم PageV18P275 والمحكوم عليه . وموقع هذه الجملة موقع تذييل لأنها تعم ~~ما ذكر قبلها من قول المؤمنين { سمعنا وأطعنا } ( النور : 51 ) وتشمل غيره ~~من الطاعات بالقول أو بالفعل . # و { من } شرطية عامة ، وجملة : { فأولئك } جواب الشرط . والفوز : الظفر ~~بالمطلوب الصالح . والطاعة : امتثال الأوامر واجتناب النواهي . # والخشية : الخوف . وهي تتعلق بالخصوص بما عسى أن يكون قد فرط فيه من ~~التكاليف على أنها تعم التقصير كله . # والتقوى : الحذر من مخالفة التكاليف في المستقبل . # فجمعت الآية أسباب الفوز في الآخرة وأيضا في الدنيا . # وصيغة الحصر للتعريض بالذين أعرضوا إذا دعوا إلى الله ورسوله وهي على وزن ~~صيغة القصر التي تقدمتها . # # | 2 ( 53 ) { وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن قل لا تقسموا ~~طاعة معروفة إن الله خبير بما تعملون } . ) 2 # عطف على جملة : { ويقولون ءامنا بالله وبالرسول } ( النور : 47 ) . أتبعت ~~حكاية قولهم ذلك بحكاية قسم أقسموه بالله ليتنصلوا من وصمة أن يكون إعراضهم ~~عن الحكومة عند الرسول صلى الله عليه وسلم فجاءوه فأقسموا ms5692 إنهم لا يضمرون ~~عصيانه فيما يقضي به فإنه لو أمرهم الرسول بأشق شيء وهو الخروج للقتال ~~لأطاعوه . قال ابن عطية : وهذه في المنافقين الذين تولوا حين دعوا إلى الله ~~ورسوله . وقال القرطبي : لما بين كراهتهم لحكم النبي أتوه فقالوا : والله ~~لو أمرتنا أن نخرج من ديارنا وأموالنا لخرجنا ولو أمرتنا بالجهاد لجاهدنا . ~~فنزلت هذه الآية . # وكلام القرطبي يقتضي أنهم ذكروا خروجين . وبذلك يكون من الإيجاز في الآية ~~حذف متعلق الخروج ليشمل ما يطلق عليه لفظ الخروج PageV18P276 من حقيقة ~~ومجاز بقرينة ما هو معروف من قصة سبب نزول الآية يومئذ ، فإنه بسبب خصومة ~~في مال فكان معنى الخروج من المال أسبق في القصد . واقتصر جمهور المفسرين ~~على أن المراد ليخرجن من أموالهم وديارهم . واقتصر الطبري على أن المراد ~~ليخرجن إلى الجهاد على اختلاف الرأيين في سبب النزول . # والإقسام : النطق بالقسم ، أي اليمين . # وضمير { أقسموا } عائد إلى ما عاد إليه ضمير { ويقولون } ( النور : 47 ) ~~. والتعبير بفعل المضي هنا لأن ذلك شيء وقع وانقضى . # والجهد بفتح الجيم وسكون الهاء منتهى الطاقة . ولذلك يطلق على المشقة كما ~~في حديث بدء الوحي ( فغطني حتى بلغ مني الجهد ) لأن الأمر الشاق لا يعمل ~~إلا بمنتهى الطاقة . وهو مصدر ( جهد ) كمنع متعديا إذا أتعب غيره . # ونصب { جهد أيمانهم } يجوز أن يكون على الحال من ضمير { أقسموا } على ~~تأويل المصدر باسم الفاعل كقوله { لا تأتيكم إلا بغتة } ( الأعراف : 187 ) ~~، أي جاهدين . والتقدير : جاهدين أنفسهم ، أي بالغين بها أقصى الطاقة وهذا ~~على طريقة التجريد . ومعنى ذلك : أنهم كرروا الأيمان وعددوا عباراتها حتى ~~أتعبوا أنفسهم ليوهموا أنهم صادقون في أيمانهم . وإضافة { جهد } إلى { ~~أيمانهم } على هذا الوجه إضافة على معنى ( من ) ، أي جهدا ناشئا عن أيمانهم ~~. # ويجوز أن يكون { جهد } منصوبا على المفعول المطلق الواقع بدلا من فعله . ~~والتقدير : جهدوا أيمانهم جهدا . والفعل المقدر في موضع الحال من ضمير { ~~أقسموا } . والتقدير : أقسموا يجهدون أيمانهم جهدا . وإضافة { جهد } إلى { ~~أيمانهم } على هذا الوجه من إضافة المصدر إلى مفعوله ؛ جعلت الأيمان كالشخص ms5693 ~~الذي له جهد ، ففيه استعارة مكنية ، ورمز إلى المشبه PageV18P277 به بما هو ~~من روادفه وهو أن أحدا يجهده ، أي يستخرج منه طاقته فإن كل إعادة لليمين هي ~~كتكليف لليمين بعمل متكرر كالجهد له ، فهذا أيضا استعارة . # وتقدم الكلام على شيء من هذا عند قوله تعالى : { أهؤلاء الذين أقسموا ~~بالله جهد أيمانهم في سورة العقود ( 53 ) وقوله : وأقسموا بالله جهد ~~أيمانهم لئن جاءتهم آية } في سورة الأنعام ( 109 ) . # وجملة : { لئن أمرتهم } الخ بيان لجملة : { أقسموا } . وحذف مفعول { ~~أمرتهم } لدلالة قوله : { ليخرجن } . والتقدير : لئن أمرتهم بالخروج ليخرجن ~~. # فأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم هذه الكلمات ذات المعاني ~~الكثيرة وهي { لا تقسموا طاعة معروفة } . وذلك كلام موجه لأن نهيهم عن أن ~~يقسموا بعد أن صدر القسم يحتمل أن يكون نهيا عن إعادته لأنهم كانوا بصدد ~~إعادته ، بمعنى : لا حاجة بكم إلى تأكيد القسم ، أي فإن التأكيد بمنزلة ~~المؤكد في كونه كذبا . # ويحتمل أن يكون النهي مستعملا في معنى عدم المطالبة بالقسم ، أي ما كان ~~لكم أن تقسموا إذ لا حاجة إلى القسم لعدم الشك في أمركم . # ويحتمل أن يكون النهي مستعملا في التسوية مثل { اصبروا أو لا تصبروا سواء ~~عليكم } ( الطور : 16 ) . # ويحتمل أن يكون النهي مستعملا في حقيقته والمقسم عليه محذوف ، أي لا ~~تقسموا على الخروج من دياركم وأموالكم فإن الله لا يكلفكم بذلك . ومقام ~~مواجهة نفاقهم يقتضي أن تكون هذه الاحتمالات مقصودة . # وقوله : { طاعة معروفة } كلام أرسل مثلا وتحته معان جمة تختلف باختلاف ~~الاحتمالات المتقدمة في قوله : { لا تقسموا } . # وتنكير { طاعة } لأن المقصود به نوع الطاعة وليست طاعة معينة فهو من باب ~~: تمرة خير من جرادة ، و { معروفة } خبره . PageV18P278 # فعلى احتمال أن يكون النهي عن القسم مستعملا في النهي عن تكريره يكون ~~المعنى من قبيل التهكم ، أي لا حرمة للقسم فلا تعيدوه فطاعتكم معروفة ، أي ~~معروف وهنها وانتفاؤها . # وعلى احتمال استعمال النهي في عدم المطالبة باليمين يكون المعنى : لماذا ~~تقسمون أفأنا أشك في حالكم فإن طاعتكم معروفة ms5694 عندي ، أي أعرف عدم وقوعها ، ~~والكلام تهكم أيضا . # وعلى احتمال استعمال النهي في التسوية فالمعنى : قسمكم ونفيه سواء لأن ~~أيمانكم فاجرة وطاعتكم معروفة . # أو يكون { طاعة } مبتدأ محذوف الخبر ، أي طاعة معروفة أولى من الأيمان ، ~~ويكون وصف { معروفة } مشتقا من المعرفة بمعنى العلم ، أي طاعة تعلم وتتحقق ~~أولى من الأيمان على طاعة غير واقعة ، وهو كالعرفان في قولهم : لا أعرفنك ~~تفعل كذا . # وإن كان النهي مستعملا في حقيقته فالمعنى : لا تقسموا هذا القسم ، أي على ~~الخروج من دياركم وأموالكم لأن الله لا يكلفكم الطاعة إلا في معروف ، فيكون ~~وصف { معروفة } مشتقا من العرفان ، أي عدم النكران كقوله تعالى : { ولا ~~يعصينك في معروف } ( الممتحنة : 12 ) . # وجملة : { إن الله خبير بما تعملون } صالحة لتذييل الاحتمالات المتقدمة ، ~~وهي تعليل لما قبلها . # # | 2 ( 54 ) { قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل ~~وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين } . ) ~~2 # تلقين آخر للرسول عليه الصلاة والسلام بما يرد بهتانهم بقلة الاكتراث ~~بمواعيدهم الكاذبة وأن يقتصروا من الطاعة على طاعة الله PageV18P279 ورسوله ~~فيما كلفهم دون ما تبرعوا به كذبا ، ويختلف معنى { أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول } بين معاني الأمر بإيجاد الطاعة المفقودة أو إيهام طلب الدوام على ~~الطاعة على حسب زعمهم . # وأعيد الأمر بالقول للاهتمام بهذا القول فيقع كلاما مستقلا غير معطوف . # وقوله : { فإن تولوا } يجوز أن يكون تفريعا على فعل { أطيعوا } فيكون فعل ~~{ تولوا } من جملة ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقوله لهم ويكون ~~فعلا مضارعا بتاء الخطاب . وأصله : تتولوا بتاءين حذفت منهما تاء الخطاب ~~للتخفيف وهو حذف كثير في الاستعمال . والكلام تبليغ عن الله تعالى إليهم ، ~~فيكون ضميرا ف { عليه ما حمل } عائدين إلى الرسول صلى الله عليه وسلم # ويجوز أن يكون تفريعا على فعل { قل } أي فإذا قلت ذلك فتولوا ولم يطيعوا ~~الخ ، فيكون فعل { تولوا } ماضيا بتاء واحدة مواجها به النبي صلى الله عليه ~~وسلم أي فإن تولوا ولم يطيعوا فإنما ms5695 عليك ما حملت من التبليغ وعليهم ما ~~حملوا من تبعة التكليف . كمعنى قوله تعالى : { فإن تولوا فإنما عليك البلاغ ~~المبين في سورة النحل ( 82 ) فيكون في ضمائر فإنما عليه ما حمل وعليكم ما ~~حملتم } التفات . وأصل الكلام : فإنما عليك ما حملت وعليهم ما حملوا . ~~والالتفات محسن لا يحتاج إلى نكتة . # وبهذين الوجهين تكون الآية مفيدة معنيين : معنى من تعلق خطاب الله تعالى ~~بهم وهو تعريض بتهديد ووعيد ، ومعنى من موعظة النبي صلى الله عليه وسلم ~~إياهم وموادعة لهم . وهذا كله تبكيت لهم ليعلموا أنهم لا يضرون بتوليهم إلا ~~أنفسهم . ونظيره قوله في سورة آل عمران ( 23 32 ) : { ألم تر إلى الذين ~~أوتوا نصيبا من الكتاب ( هم اليهود ) يدعون إلى كتاب الله } إلى قوله : { ~~قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين } PageV18P280 # واعلم أن هذين الاعتبارين لا يتأتيان في المواضع التي يقع فيها الفعل ~~المضارع المفتتح بتاءين في سياق النهي نحو قوله تعالى : { ولا تتبدلوا ~~الخبيث بالطيب } ( النساء : 4 ) وقوله : { ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون } ~~( البقرة : 267 ) وقوله : { ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون } في سورة الأنفال ~~( 20 ) ، وأما قوله تعالى في سورة القتال ( 38 ) { وإن تتولوا يستبدل قوما ~~غيركم } فثبتت فيه التاءان لأن الكلام فيه موجه إلى المؤمنين فلم يكن فيه ~~ما يقتضي نسج نظمه بما يصلح لإفادة المعنيين المذكورين في سورة النور وفي ~~سورة آل عمران . # والبلاغ : اسم مصدر بمعنى التبليغ كالأداء بمعنى التأدية . ومعنى كونه ~~مبينا أنه فصيح واضح . # وجملة : { وإن تطيعوه تهتدوا } إرداف الترهيب الذي تضمنه قوله : { وعليكم ~~ما حملتم } بالترغيب في الطاعة استقصاء في الدعوة إلى الرشد . # وجملة { وما على الرسول إلا البلاغ المبين } بيان لإبهام قوله : { ما حمل ~~} . # # | 2 ( 55 ) { وعد الله الذين ءامنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم فى ~~الارض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذى ارتضى لهم ~~وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدوننى لا يشركون بى شيئا ومن كفر بعد ذالك ~~فأولائك هم الفاسقون } . ) 2 # الأشبه أن هذا الكلام ms5696 استئناف ابتدائي انتقل إليه بمناسبة التعرض إلى ~~أحوال المنافقين الذين أبقاهم على النفاق ترددهم في عاقبة أمر المسلمين ، ~~وخشيتهم أن لا يستقر بالمسلمين المقام بالمدينة حتى يغزوهم المشركون ، أو ~~PageV18P281 يخرجهم المنافقون حين يجدون الفرصة لذلك كما حكى الله تعالى من ~~قول عبد الله بن أبي : { لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل } ~~( المنافقون : 8 ) ، فكانوا يظهرون الإسلام اتقاء من تمام أمر الإسلام ~~ويبطنون الكفر ممالاة لأهل الشرك حتى إذا ظهروا على المسلمين لم يلمزوا ~~المنافقين بأنهم قد بدلوا دينهم ، مع ما لهذا الكلام من المناسبة مع قوله : ~~{ وإن تطيعوه تهتدوا } ( النور : 54 ) ، فيكون المعنى : وإن تطيعوه تهتدوا ~~وتنصروا وتأمنوا . ومع ما روي من حوادث تخوف المسلمين ضعفهم أمام أعدائهم ~~فكانوا مشفقين عن غزو أهل الشرك ومن كيد المنافقين ودلالتهم المشركين على ~~عورات المسلمين فقيل كانت تلك الحوادث سببا لنزول هذه الآية . # قال أبو العالية : مكث رسول الله بمكة عشر سنين بعد ما أوحي إليه خائفا ~~هو وأصحابه ثم أمر بالهجرة إلى المدينة وكانوا فيها خائفين يصبحون ويمسون ~~في السلاح . فقال رجل : يا رسول الله أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع ~~السلاح ؟ فقال رسول الله : لا تغبرون ( أي لا تمكثون ) إلا قليلا حتى يجلس ~~الرجل منكم في الملإ العظيم محتبيا ليس عليه حديدة ) . ونزلت هذه الآية . # فكان اجتماع هذه المناسبات سببا لنزول هذه الآية في موقعها هذا بما ~~اشتملت عليه من الموعود به الذي لم يكن مقتصرا على إبدال خوفهم أمنا كما ~~اقتضاه أثر أبي العالية ، ولكنه كان من جملة الموعود كما كان سببه من عداد ~~الأسباب . # وقد كان المسلمون واثقين بالأمن ولكن الله قدم على وعدهم بالأمن أن وعدهم ~~بالاستخلاف في الأرض وتمكين الدين والشريعة فيهم تنبيها لهم بأن سنة الله ~~أنه لا تأمن أمة بأس غيرها حتى تكون قوية مكينة مهيمنة على أصقاعها . ففي ~~الوعد بالاستخلاف والتمكين وتبديل الخوف أمنا إيماء إلى التهيؤ لتحصيل ~~أسبابه مع ضمان التوفيق لهم والنجاح إن هم أخذوا في ذلك ، وأن ملاك ms5697 ذلك هو ~~طاعة الله والرسول صلى الله عليه وسلم { وإن تطيعوه تهتدوا } ( النور : 54 ~~) ، وإذا حل الاهتداء في النفوس نشأت الصالحات PageV18P282 فأقبلت مسبباتها ~~تنهال على الأمة ، فالأسباب هي الإيمان وعمل الصالحات . # والموصول عام لا يختص بمعين ، وعمومه عرفي ، أي غالب فلا يناكده ما يكون ~~في الأمة من مقصرين في عمل الصالحات فإن تلك المنافع عائدة على مجموع الأمة ~~. # والخطاب في { منكم } لأمة الدعوة بمشركيها ومنافقيها بأن الفريق الذي ~~يتحقق فيه الإيمان وعمل الصالحات هو الموعود بهذا الوعد . # والتعريف في { الصالحات } للاستغراق ، أي عملوا جميع الصالحات ، وهي ~~الأعمال التي وصفها الشرع بأنها صلاح ، وترك الأعمال التي وصفها الشرع ~~بأنها فساد لأن إبطال الفساد صلاح . # فالصالحات جمع صالحة : وهي الخصلة والفعلة ذات الصلاح ، أي التي شهد ~~الشرع بأنها صالحة . وقد تقدم في أول البقرة . # واستغراق { الصالحات } استغراق عرفي ، أي عمل معظم الصالحات ومهماتها ~~ومراجعها مما يعود إلى تحقيق كليات الشريعة وجري حالة مجتمع الأمة على مسلك ~~الاستقامة ، وذلك يحصل بالاستقامة في الخويصة وبحسن التصرف في العلاقة ~~المدنية بين الأمة على حسب ما أمر به الدين أفراد الأمة كل فيما هو من عمل ~~أمثاله الخليفة فمن دونه ، وذلك في غالب أحوال تصرفاتهم ، ولا التفات إلى ~~الفلتات المناقضة فإنها معفو عنها إذا لم يسترسل عليها وإذا ما وقع السعي ~~في تداركها . # والاستقامة في الخويصة هي موجب هذا الوعد وهي الإيمان وقواعد الإسلام ، ~~والاستقامة في المعاملة هي التي بها تيسير سبب الموعود به . # وقد بين الله تعالى أصول انتظام أمور الأمة في تضاعيف كتابه وعلى لسان ~~رسوله صلى الله عليه وسلم مثل قوله تعالى : { إن الله يأمر بالعدل والإحسان ~~وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي } ( النحل : 90 ) وقوله ~~: { يا أيها الذين PageV18P283 آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا ~~أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم } ( النساء : 29 ) وقوله في ~~سياق الذم : { وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله ~~لا يحب الفساد } ( البقرة : 205 ) وقوله : { فهل عسيتم إن ms5698 توليتم أن تفسدوا ~~في الأرض وتقطعوا أرحامكم } ( محمد : 22 ) . وبين الرسول عليه الصلاة ~~والسلام تصرفات ولاة الأمور في شؤون الرعية ومع أهل الذمة ومع الأعداء في ~~الغزو والصلح والمهادنة والمعاهدة ، وبين أصول المعاملات بين الناس . # فمتى اهتم ولاة الأمور وعموم الأمة باتباع ما وضح لهم الشرع تحقق وعد ~~الله إياهم بهذا الوعد الجليل . # وهذه التكاليف التي جعلها الله قواما لصلاح أمور الأمة ووعد عليها بإعطاء ~~الخلافة والتمكين والأمن صارت بترتيب تلك الموعدة عليها أسبابا لها . وكانت ~~الموعدة كالمسبب عليها فشابهت من هذه الحالة خطاب الوضع ، وجعل الإيمان ~~عمودها وشرطا للخروج من عهدة التكليف بها وتوثيقا لحصول آثارها بأن جعله ~~جالب رضاه وعنايته . فبه يتيسر للأمة تناول أسباب النجاح ، وبه يحف اللطف ~~الإلاهي بالأمة في أطوار مزاولتها واستجلابها بحيث يدفع عنهم العراقيل ~~والموانع ، وربما حف بهم اللطف والعناية عند تقصيرهم في القيام بها . وعند ~~تخليطهم الصلاح بالفساد فرفق بهم ولم يعجل لهم الشر وتلوم لهم في إنزال ~~العقوبة . وقد أشار إلى هذا قوله تعالى : { ولقد كتبنا في الزبور من بعد ~~الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين وما ~~أرسلناك إلا رحمة للعالمين } ( الأنبياء : 105 107 ) يريد بذلك كله ~~المسلمين . وقد مضى الكلام على ذلك في سورة الأنبياء وقوله : { إن الله ~~يدافع عن الذين آمنوا } في سورة الحج ( 38 ) . # فلو أن قوما غير مسلمين عملوا في سيرتهم وشؤون رعيتهم بمثل ما أمر الله ~~به المسلمين من الصالحات بحيث لم يعوزهم إلا الإيمان بالله ورسوله لاجتنوا ~~من سيرتهم صورا تشبه الحقائق التي يجتنيها المسلمون لأن PageV18P284 تلك ~~الأعمال صارت أسبابا وسننا تترتب عليها آثارها التي جعلها الله سننا ~~وقوانين عمرانية سوى أنهم لسوء معاملتهم ربهم بجحوده أو بالإشراك به أو ~~بعدم تصديق رسوله يكونون بمنأى عن كفالته وتأييده إياهم ودفع العوادي عنهم ~~، بل يكلهم إلى أعمالهم وجهودهم على حسب المعتاد . ألا ترى أن القادة ~~الأروبيين بعد أن اقتبسوا من الإسلام قوانينه ونظامه بما مارسوه من شؤون ~~المسلمين في خلال ms5699 الحروب الصليبية ثم بما اكتسبوه من ممارسة كتب التاريخ ~~الإسلامي والفقه الإسلامي والسيرة النبوية قد نظموا ممالكهم على قواعد ~~العدل والإحسان والمواساة وكراهة البغي والعدوان فعظمت دولهم واستقامت ~~أمورهم . ولا عجب في ذلك فقد سلط الله الأشوريين وهم مشركون على بني ~~إسرائيل لفسادهم فقال : { وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في ~~الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا ~~أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا وقد تقدم في سورة ~~الإسراء ( 4 ، 5 ) . # والاستخلاف : جعلهم خلفاء ، أي عن الله في تدبير شؤون عباده كما قال : ~~إني جاعل في الأرض خليفة وقد تقدم في سورة البقرة ( 30 ) . والسين والتاء ~~للتأكيد . وأصله : ليخلفنهم في الأرض . # وتعليق فعل الاستخلاف بمجموع الذين آمنوا وعملوا الصالحات وإن كان تدبير ~~شؤون الأمة منوطا بولاة الأمور لا بمجموع الأمة من حيث إن لمجموع الأمة ~~انتفاعا بذلك وإعانة عليه كل بحسب مقامه في المجتمع ، كما حكى تعالى قول ~~موسى لبني إسرائيل : وجعلكم ملوكا } كما تقدم في سورة العقود ( 20 ) . # ولهذا فالوجه أن المراد من الأرض جميعها ، وأن الظرفية المدلولة بحرف ( ~~في ) ظاهرة في جزء من الأرض وهو موطن حكومة الأمة وحيث تنال أحكامها سكانه ~~. والأصل في الظرفية عدم استيعاب المظروف الظرف كقوله تعالى : { واستعمركم ~~فيها } ( هود : 61 ) . PageV18P285 # وإنما صيغ الكلام في هذا النظم ولم يقتصر على قوله : { ليستخلفنهم } دون ~~تقييد بقوله : { في الأرض } ل { ليستخلفنهم } للإيماء إلى أن الاستخلاف ~~يحصل في معظم الأرض . وذلك يقبل الامتداد والانقباض كما كان الحال يوم خروج ~~بلاد الأندلس من حكم الإسلام . ولكن حرمة الأمة واتقاء بأسها ينتشر في ~~المعمورة كلها بحيث يخافهم من عداهم من الأمم في الأرض التي لم تدخل تحت ~~حكمهم ويسعون الجهد في مرضاتهم ومسالمتهم . وهذا اسخلاف كامل ولذلك نظر ~~بتشبيهه باستخلاف الذين من قبلهم يعني الأمم التي حكمت معظم العالم وأخافت ~~جميعه مثل الأشوريين والمصريين والفنيقيين واليهود زمن سليمان ، والفرس ، ~~واليونان ، والرومان . # وعن مالك : أن هذه الآية نزلت في أبي ms5700 بكر وعمر فيكون موصول الجمع مستعملا ~~في معنى المثنى . وعن الضحاك : هذه الآية تتضمن خلافة أبي بكر وعمر وعثمان ~~وعلي . ولعل هذا مراد مالك . وعلى هذا فالمراد بالذين من قبلهم صلحاء ~~الملوك مثل : يوسف ، وداود ، وسليمان ، وأنوشروان ، وأصحمة النجاشي ، وملكي ~~صادق الذي كان في زمن إبراهيم ويدعى حمورابي ، وذي القرنين ، وإسكندر ~~المقدوني ، وبعض من ولي جمهورية اليونان . # وفي الآية دلالة واضحة على أن خلفاء الأمة مثل : أبي بكر وعمر وعثمان ~~وعلي والحسن ومعاوية كانوا بمحل الرضى من الله تعالى لأنه استخلفهم ~~استخلافا كاملا كما استخلف الذين من قبلهم وفتح لهم البلاد من المشرق إلى ~~المغرب وأخاف منهم الأكاسرة والقياصرة . # وجملة : { ليستخلفنهم } بيان لجملة : { وعد } لأنها عين الموعود به . ~~ولما كانت جملة قسم وهو من قبيل القول كانت إحداهما بيانا للأخرى . # وقرأ الجمهور : { كما استخلف } بالبناء للفاعل ، أي كما استخلف الله ~~الذين من قبلهم . وقرأه أبو بكر عن عاصم بالبناء للنائب فيكون { الذين } ~~نائب فاعل . PageV18P286 # وتمكين الدين : انتشاره في القبائل والأمم وكثرة متبعيه . استعير التمكين ~~الذي حقيقته التثبيت والترسيخ لمعنى الشيوع والانتشار لأنه إذا انتشر لم ~~يخش عليه الانعدام فكان كالشيء المثبت المرسخ ، وإذا كان متبعوه في قلة كان ~~كالشيء المضطرب المتزلزل . وهذا الوعد هو الذي أشار إليه النبي صلى الله ~~عليه وسلم في أحاديث كثيرة منها حديث الحديبية إذ جاء فيه قوله : ( وإن هم ~~أبوا ( أي إلا القتال ) فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد ~~سالفتي ( أي ينفصل مقدم العنق عن الجسد ) ولينفذن الله أمره ) . # وقوله : { لهم } مقتضى الظاهر فيه أن يكون بعد قوله : { دينهم } لأن ~~المجرور بالحرف أضعف تعلقا من مفعول الفعل ، فقدم { لهم } عليه للإيماء إلى ~~العناية بهم ، أي بكون التمكين لأجلهم ، كتقديم المجرور على المفعولين في ~~قوله : { ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك } ( الشرح : 1 ، 2 ) . # وإضافة الدين إلى ضميرهم لتشريفهم به لأنه دين الله كما دل عليه قوله ~~عقبه : { الذي ارتضى لهم } ، أي الذي اختاره ليكون دينهم ، فيقتضي ذلك أنه ~~اختارهم أيضا ليكونوا ms5701 أتباع هذا الدين . وفيه إشارة إلى أن الموصوفين بهذه ~~الصلة هم الذين ينشرون هذا الدين في الأمم لأنه دينهم فيكون تمكنه في الناس ~~بواسطتهم . # وإنما قال : { وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا } ولم يقل : وليؤمننهم ، كما ~~قال في سابقيه لأنهم ما كانوا يطمحون يومئذ إلا إلى الأمن ، كما ورد في ~~حديث أبي العالية المتقدم آنفا ، فكانوا في حالة هي ضد الأمن ولو أعطوا ~~الأمن دون أن يكونوا في حالة خوف لكان الأمن منة واحدة . وإضافة الخوف إلى ~~ضميرهم للإشارة إلى أنه خوف معروف مقرر . # وتنكير { أمنا } للتعظيم بقرينة كونه مبدلا من بعد خوفهم المعروف بالشدة ~~. والمقصود : الأمن من أعدائهم المشركين والمنافقين . وفيه بشارة بأن الله ~~مزيل الشرك والنفاق من الأمة . وليس هذا الوعد بمقتض أن لا تحدث حوادث ~~PageV18P287 خوف في الأمة في بعض الأقطار كالخوف الذي اعترى أهل المدينة من ~~ثورة أهل مصر الذين قادهم الضال مالك الأشتر النخعي ، ومثل الخوف الذي حدث ~~في المدينة يوم الحرة وغير ذلك من الحوادث وإنما كانت تلك مسببات عن أسباب ~~بشرية وإلى الله إيابهم وعلى الله حسابهم . # وقرأ الجمهور : { وليبدلنهم } بفتح الموحدة وتشديد الدال . وقرأه ابن ~~كثير وأبو بكر عن عاصم ويعقوب بسكون الموحدة وتخفيف الدال والمعنى واحد . # وجملة : { يعبدونني } حال من ضمائر الغيبة المتقدمة ، أي هذا الوعد جرى ~~في حال عبادتهم إياي . وفي هذه الحال إيذان بأن ذلك الوعد جزاء لهم ، أي ~~وعدتهم هذا الوعد الشامل لهم والباقي في خلفهم لأنهم يعبدونني عبادة خالصة ~~عن الإشراك . # وعبر بالمضارع لإفادة استمرارهم على ذلك تعريضا بالمنافقين إذ كانوا ~~يؤمنون ثم ينقلبون . # وجملة : { لا يشركون بي شيئا } حال من ضمير الرفع في { يعبدونني } تقييدا ~~للعبادة بهذه الحالة لأن المشركين قد يعبدون الله ولكنهم يشركون معه غيره . ~~وفي هاتين الجملتين ما يؤيد ما قدمناه آنفا من كون الإيمان هو الشريطة في ~~كفالة الله للأمة هذا الوعد . # وجملة : { ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون } تحذير بعد البشارة على ~~عادة القرآن في تعقيب البشارة بالنذارة والعكس دفعا للاتكال ms5702 . # والإشارة في قوله : { بعد ذلك } إلى الإيمان المعبر عنه هنا ب { يعبدونني ~~لا يشركون بي شيئا } والمعبر عنه في أول الآيات بقوله : { وعد الله الذين ~~آمنوا } ، أي ومن كفر بعد الإيمان وما حصل له من البشارة عليه فهم الفاسقون ~~عن الحق . # وصيغة الحصر المأخوذة من تعريف المسند بلام الجنس مستعملة مبالغة للدلالة ~~على أنه الفسق الكامل . PageV18P288 # ووصف الفاسقين له رشيق الموقع ، لأن مادة الفسق تدل على الخروج من المكان ~~من منفذ ضيق . # # | 2 ( 56 ) { وأقيموا الصلواة وآتوا الزكواة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون ~~} . ) 2 # عطف على جملة : { يعبدونني لا يشركون بي شيئا } ( النور : 55 ) لما فيها ~~من معنى الأمر بترك الشرك ، فكأنه قيل : اعبدوني ولا تشركوا وأقيموا الصلاة ~~، لأن الخبر إذا كان يتضمن معنى الأمر كان في قوة فعل الأمر حتى أنه قد ~~يجزم جوابه كما في قوله تعالى : { تؤمنون بالله ورسوله } إلى قوله : { يغفر ~~لكم ذنوبكم } ( الصف : 11 12 ) بجزم { يغفر } لأن قوله : { تؤمنون } في قوة ~~أن يقول : آمنوا بالله . # والخطاب موجه للذين آمنوا خاصة بعد أن كان موجها لأمة الدعوة على حد قوله ~~تعالى : { يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك } ( يوسف : 29 ) ، فالطاعة ~~المأمور بها هنا غير الطاعة التي في قوله : { قل أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول فإن تولوا } ( النور : 54 ) الخ لأن تلك دعوة للمعرضين وهذه ازدياد ~~للمؤمنين . # وقد جمعت هذه الآية جميع الأعمال الصالحات فأهمها بالتصريح وسائرها بعموم ~~حذف المتعلق بقوله : { وأطيعوا الرسول } أي في كل ما يأمركم وينهاكم . # ورتب على ذلك رجاء حصول الرحمة لهم ، أي في الدنيا بتحقيق الوعد الذي من ~~رحمته الأمن وفي الآخرة بالدرجات العلى . والكلام على ( لعل ) تقدم في غير ~~موضع في سورة البقرة . # # | 2 ( 57 ) { لا تحسبن الذين كفروا معجزين فى الارض ومأواهم النار ولبئس ~~المصير } . ) 2 # PageV18P289 # استئناف ابتدائي لتحقيق ما اقتضاه قوله : { وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا ~~} ( النور : 55 ) ، فقد كان المشركون يومئذ لم يزالوا في قوة وكثرة ، وكان ~~المسلمون لم يزالوا يخافون بأسهم فربما كان الوعد بالأمن من بأسهم متلقى ms5703 ~~بالتعجب والاستبطاء الشبيه بالتردد فجاء قوله : { لا تحسبن الذين كفروا ~~معجزين في الأرض } تطمينا وتسلية . # والخطاب لمن قد يخامره التعجب والاستبطاء دون تعيين . # والمقصود من النهي عن هذا الحسبان التنبيه على تحقيق الخبر . # وقراءة الجمهور : { تحسبن } بتاء الخطاب . وقرأ ابن عامر وحمزة وحده بياء ~~الغيبة فصار { الذين كفروا } فاعل { يحسبن } فيبقى ل { يحسبن } مفعول واحد ~~هو { معجزين } . فقال أبو حاتم والنحاس والفراء : هي خطأ أو ضعيفة لأن فعل ~~الحسبان يقتضي مفعولين . وهذا القول جرأة على قراءة متواترة . وقال الزجاج ~~: المفعول الأول محذوف تقديره : أنفسهم ، وقد وفق لأن الحذف ليس بعزيز في ~~الكلام . وفي ( الكشاف ) أن { في الأرض } هو المفعول الثاني ، أي لا يحسبوا ~~ناسا معجزين في الأرض ( يعني ما من كائن في الأرض إلا وهو في متناول قدرة ~~الله إن شاء أخذه ، أي فلا ملجأ لهم في الأرض كلها ) قال : ( وهذا معنى قوي ~~جيد ) . # والمعجز : الذي يعجز غيره ، أي يجعله عاجزا عن غلبه . وقد تقدم عند قوله ~~تعالى : { إن ما توعدون لآتت وما أنتم بمعجزين في سورة الأنعام ( 134 ) . ~~وكذلك المعاجز بمعنى المحاول عجز ضده تقدم في قوله تعالى : والذين سعوا في ~~آياتنا معاجزين في سورة الحج ( 51 ) . # والأرض : هي أرض الدنيا ، أي هم غير غالبين في الدنيا كما حسبوا أنه ليس ~~ثمة عالم آخر . وفي الأرض } متعلق ب { بمعجزين } على قراءة الجمهور وعلى ~~بعض التوجيهات من قراءة حمزة وابن عامر ، أو هو مفعول ثان على بعض ~~التوجيهات كما علمت . PageV18P290 # وقوله : { ومأواهم النار } أي هم في الآخرة معلوم أن مأواهم النار فقد ~~خسروا الدارين . # # | 2 ( 58 ، 59 ) { ياأيها الذين ءامنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم ~~والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلواة الفجر وحين تضعون ~~ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلواة العشآء ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا ~~عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض كذلك يبين الله لكم الايات ~~والله عليم حكيم * وإذا بلغ الاطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن ~~الذين من قبلهم كذالك يبين الله ms5704 لكم ءاياته والله عليم حكيم } . ) 2 # استئناف انتقالي إلى غرض من أحكام المخالطة والمعاشرة . وهو عود إلى ~~الغرض الذي ابتدئت به السورة وقطع عند قوله { وموعظة للمتقين } ( النور : ~~34 ) كما تقدم . # وقد ذكر في هذه الآية شرع الاستئذان لأتباع العائلة ومن هو شديد الاختلاط ~~إذا أراد دخول بيت ، فهو من متممات ما ذكر في قوله تعالى : { يا أيها الذين ~~آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا } ( النور : 27 ) وهو ~~بمفهوم الزمان يقتضي تخصيص عموم قوله : { لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم } ~~الآيات لأن ذلك عام في الأعيان والأوقات فكان قوله : { الذين ملكت أيمانكم ~~والذين PageV18P291 لم يبلغوا الحلم } إلى قوله : { ومن بعد صلاة العشاء } ~~تشريعا لاستئذانهم في هذه الأوقات وهو يقتضي عدم استئذانهم في غير تلك ~~الأوقات الثلاثة ، فصار المفهوم مخصصا لعموم النهي في قوله : { لا تدخلوا ~~بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا } . وأيضا هذا الأمر مخصص بعموم { ما ملكت ~~أيمانهن } ( النور : 31 ) وعموم { الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ~~} من قوله تعالى : { ولا يبدين زينتهن } ( النور : 31 ) الخ المتقدم آنفا . # وقد روي أن أسماء بنت مرثد دخل عليها عبد لها كبير في وقت كرهت دخوله فيه ~~فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : إنما خدمنا وغلماننا يدخلون علينا ~~في حالة نكرهها . فنزلت الآية ، ( يعني أنها اشتكت إباحة ذلك لهم ) . ولو ~~صحت هذه الرواية لكانت هذه الآية نسخا لعموم { أو ما ملكت أيمانهن } وعموم ~~{ أو الطفل } لأنها تقتضي أنه وقع العمل بذلك العموم ثم خصص بهذه الآية . ~~والتخصيص إذا ورد بعد العمل بعموم العام صار نسخا . # والأمر في قوله : { ليستئذنكم } للوجوب عند الجمهور . وقال أبو قلابة : ~~هو ندب . # فأما المماليك فلأن في عرف الناس أن لا يتحرجوا من اطلاع المماليك عليهم ~~إذ هم خول وتبع . وقد تقدم ذلك آنفا عند قوله تعالى : { أو ما ملكت أيمانهن ~~} ( النور : 31 ) . وأما الأطفال فلأنهم لا عناية لهم بتطلع أحوال الناس . ~~وتقدم آنفا عند قوله : { أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء } ( ~~النور : 31 ms5705 ) . # كانت هذه الأوقات أوقاتا يتجرد فيها أهل البيت من ثيابهم كما آذن به قوله ~~تعالى : { وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة } فكان من القبيح أن يرى مماليكهم ~~وأطفالهم عوراتهم لأن ذلك منظر يخجل منه المملوك وينطبع في نفس الطفل لأنه ~~لم يعتد رؤيته ، ولأنه يجب أن ينشأ الأطفال على ستر العورة حتى يكون ذلك ~~كالسجية فيهم إذا كبروا . # ووجه الخطاب إلى المؤمنين وجعلت صيغة الأمر موجهة إلى المماليك والصبيان ~~على معنى : لتأمروا الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم PageV18P292 ~~أن يستأذنوا عليكم ، لأن على أرباب البيوت تأديب أتباعهم ، فلا يشكل توجيه ~~الأمر إلى الذين لم يبلغوا الحلم . # وقوله : { الذين ملكت أيمانكم } يشمل الذكور والإناث لمالكيهم الذكور ~~والإناث . # وأما مسألة النظر وتفصيلها في الكبير والصغير والذكر والأنثى فهي من ~~علائق ستر العورة المفصلة في كتب الفقه . وقد تقدم شيء من ذلك عند قوله ~~تعالى : { ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها } إلى قوله : { على عورات ~~النساء } ( النور : 31 ) فلا ينبغي التصدي بإيراد صورها في هذه الآية . # وتعيين الاستئذان في هذه الأوقات الثلاثة لأنها أوقات خلوة الرجال ~~والنساء وأوقات التعري من الثياب ، وهي أوقات نوم وكانوا غالبا ينامون ~~مجردين من الثياب اجتزاء بالغطاء ، وقد سماها الله تعالى : { عورات } . # وما بعد صلاة العشاء هو الليل كله إلى حين الهبوب من النوم قبل الفجر . ~~وانتصب { ثلاث مرات } على أنه مفعول مطلق ل { يستأذنكم } لأن مرات في قوة ~~استئذانات . # وقوله : { من قبل صلاة الفجر } ظرف مستقر في محل نصب على البدل من { ثلاث ~~مرات } بدل مفصل من مجمل . وحرف ( من ) مزيد للتأكيد . # وعطف عليه { وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء } . ~~والظهيرة : وقت الظهر وهو انتصاف النهار . # وقوله : { ثلاث عورات } قرأه الجمهور مرفوعا على أنه خبر مبتدإ محذوف أي ~~هي ثلاث عورات ، أي أوقات ثلاث عورات . وحذف المسند إليه هنا مما اتبع فيه ~~الاستعمال في كل إخبار عن شيء تقدم الحديث عنه . # و { لكم } متعلق ب { عورات } . وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم ms5706 ~~بالنصب على البدل من { ثلاث مرات } . PageV18P293 # والعورة في الأصل : الخلل والنقص . وفيه قيل لمن فقدت عينه أعور وعورت ~~عينه ، ومنه عورة الحي وهي الجهة غير الحصينة منه بحيث يمكن الدخول منها ~~كالثغر ، قال لبيد : # وأجن عورات الثغور ظلامها # وقال تعالى : { يقولون إن بيوتنا عورة } ( الأحزاب : 13 ) ثم أطلقت على ~~ما يكره انكشافه كما هنا وكما سمي ما لا يحب الإنسان كشفه من جسده عورة . ~~وفي قوله : { ثلاث عورات لكم } نص على علة إيجاب الاستئذان فيها . # وقوله : { ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن } تصريح بمفهوم الظروف في قوله ~~: { من قبل صلاة الفجر } وما عطف عليه ، أي بعد تلك الأوقات المحددة . ~~فصلاة الفجر حد معلوم ، وحالة وضع الثياب من الظهيرة تحديد بالعرف ، وما ~~بعد صلاة العشاء من الحصة التي تسع في العرف تصرف الناس في التهيؤ إلى ~~النوم . # ولك أن تجعل ( بعد ) بمعنى ( دون ) ، أي في غير تلك الأوقات الثلاثة ~~كقوله تعالى : { فمن يهديه من بعد الله } ( الجاثية : 23 ) ، وضمير { بعدهن ~~} عائد إلى ثلاث عورات ، أي بعد تلك الأوقات . # ونفي الجناح عن المخاطبين في قوله : { ليس عليكم } بعد أن كان الكلام على ~~استئذان المماليك والذين لم يبلغوا الحلم إيماء إلى لحن خطاب حاصل من قوله ~~: { ليستئذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم } فإن الأمر ~~باستئذان هؤلاء عليهم يقتضي أمر أهل البيت بالاستئذان على الذين ملكت ~~أيمانهم إذا دعاهم داع إلى الدخول عليهم في تلك الأوقات كما يرشد السامع ~~إليه قوله : { ثلاث عورات لكم } . وإنما لم يصرح بأمر المخاطبين بأن ~~يستأذنوا على الذين ملكت أيمانهم لندور دخول السادة على عبيدهم أو على ~~غلمانهم إذ الشأن أنهم إذا دعتهم حاجة إليهم أن ينادوهم فأما إذا دعت ~~الحاجة إلى الدخول عليهم فالحكم فيهم سواء . وقد أشار إلى العلة قوله تعالى ~~: { طوافون عليكم بعضكم على بعض } . PageV18P294 # وقوله : { طوافون عليكم } خبر مبتدأ محذوف تقديره : هم طوافون ، يعود على ~~{ الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم } . # والكلام استئناف بياني ، أي إنما رفع الجناح عليهم وعليكم في ms5707 الدخول بدون ~~استئذان بعد تلك الأوقات الثلاثة لأنهم طوافون عليكم فلو وجب أن يستأذنوا ~~كان ذلك حرجا عليهم وعليكم . # وفي الكلام اكتفاء . تقديره : وأنتم طوافون عليهم دل عليه قوله : { ليس ~~عليكم ولا عليهم جناح بعدهن } وقوله عقبه : { بعضكم على بعض } . # و { بعضكم على بعض } جملة مستأنفة أيضا . ويجعل { بعضكم } مبتدأ ، ويتعلق ~~قوله : { على بعض } بحبر محذوف تقديره : طواف على بعض . وحذف الخبر وبقي ~~المتعلق به وهو كون خاص حذف لدلالة { طوافون } عليه . والتقدير : بعضكم ~~طواف على بعض . ولا يحسن من جعل { بعضكم على بعض } بدلا من الواو في { ~~طوافون عليكم } لأنه عائد إلى { الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم ~~} فلا يحسن أن يبدل منه بعض المخاطبين وهم ليسوا من الفريقين إلا بتقدير . # وقوله : { كذلك يبين الله لكم الآيات } أي مثل ذلك البيان الذي طرق ~~أسماعكم يبين الله لكم الآيات ، فبيانه بالغ الغاية في الكمال حتى لو أريد ~~تشبيهه لما شبه إلا بنفسه . وقد تقدم عند قوله تعالى : { وكذلك جعلناكم أمة ~~وسطا } في سورة البقرة ( 143 ) . # والتعريف في { الآيات } تعريف الجنس . والمراد بالآيات القرآن فإن ما يقع ~~فيه إجمال منها يبين بآيات أخرى ، فالآيات التي أولها { يا أيها الذين ~~آمنوا ليستئذنكم الذين ملكت أيمانكم } جاءت بيانا لآيات { يأيها الذين ~~آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم } ( النور : 27 ) . # وجملة : { والله عليم حكيم } معترضة . والمعنى : يبين الله لكم الآيات ~~بيانا كاملا وهو عليم حكيم ، فبيانه بالغ غاية الكمال لا محالة . ~~PageV18P295 # ووقع قوله : { وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم } في موقع التصريح بمفهوم ~~الصفة في قوله : { والذين لم يبلغوا الحلم } ليعلم أن الأطفال إذا بلغوا ~~الحلم تغير حكمهم في الاستئذان إلى حكم استئذان الرجال الذي في قوله : { يا ~~أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم } ( النور : 27 ) الآيات ، ~~فالمراد بقوله : { الذين من قبلهم } فيما ذكر من الآية السابقة أو الذين ~~كانوا يستأذنون من قبلهم وهم كانوا رجالا قبل أن يبلغ أولئك الأطفال مبلغ ~~الرجال . # وقوله : { كذلك يبين الله لكم آياته والله عليم حكيم ms5708 } القول فيه كالقول ~~في نظيره المتقدم آنفا ، وهو تأكيد له بالتكرير لمزيد الاهتمام والامتنان . ~~وإنما أضيفت الآيات هنا لضمير الجلالة تفننا ولتقوية تأكيد معنى كمال ~~التبيين الحاصل من قوله : { كذلك } . وتأكيد معنى الوصفين ( العليم الحكيم ~~) . أي هي آيات من لدن من هذه صفاته ومن تلك صفات بيانه . # # | 2 ( 60 ) { والقواعد من النسآء اللاتى لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح ~~أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن والله سميع عليم } . ~~) 2 # هذه الآية مخصصة لقوله تعالى : { ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ~~وليضربن بخمرهن على جيوبهن } إلى قوله : { على عورات النساء } ( النور : 31 ~~) . # ومناسبة هذا التخصيص هنا أنه وقع بعد فرض الاستيذان في الأوقات التي يضع ~~الرجال والنساء فيها ثيابهم عن أجسادهم ، فعطف الكلام إلى نوع من وضع ~~الثياب عن لابسها وهو وضع النساء القواعد بعض ثيابهن عنهن فاستثني من عموم ~~النساء النساء المتقدمات في السن بحيث بلغن إبان الإياس من المحيض فرخص لهن ~~أن لا يضربن بخمرهن على جيوبهن ، وأن لا يدنين عليهن من جلابيبهن . فعن ابن ~~مسعود وابن عباس : الثياب الجلباب ، أي الرداء والمقنعة التي فوق الخمار . ~~وقال السدي : يجوز لهن وضع الخمار أيضا . PageV18P296 # والقواعد : جمع قاعد بدون هاء تأنيث مثل : حامل وحائض لأنه وصف نقل لمعنى ~~خاص بالنساء وهو القعود عن الولادة وعن المحيض . استعير القعود لعدم القدرة ~~لأن القعود يمنع الوصول إلى المرغوب وإنما رغبة المرأة في الولد والحيض من ~~سبب الولادة فلما استعير لذلك وغلب في الاستعمال صار وصف قاعد بهذا المعنى ~~خاصا بالمؤنث فلم تلحقه هاء التأنيث لانتفاء الداعي إلى الهاء من التفرقة ~~بين المذكر والمؤنث وقد بينه قوله : { اللاتي لا يرجون نكاحا } ، وذلك من ~~الكبر . # وقوله : { اللاتي لا يرجون نكاحا } وصف كاشف ل { القواعد } وليس قيدا . # واقترن الخبر بالفاء في قوله { فليس عليهن جناح } لأن الكلام بمعنى ~~التسبب والشرطية ، لأن هذا المبتدأ يشعر بترقب ما يرد بعده فشابه الشرط كما ~~تقدم في قوله تعالى : { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } ( المائدة : 38 ms5709 ~~) . ولا حاجة إلى ادعاء أن ( ال ) فيه موصولة إذ لا يظهر معنى الموصول لحرف ~~التعريف وإن كثر ذلك في كلام النحويين . و { أن يضعن } متعلق ب { جناح } ~~بتقدير ( في ) . # والمراد بالثياب بعضها وهو المأمور بإدنائه على المرأة بقرينة مقام ~~التخصيص . # والوضع : إناطة شيء على شيء ، وأصله أن يعدى بحرف ( على ) وقد يعدى بحرف ~~( عن ) إذا أريد أنه أزيل عن مكان ووضع على غيره وهو المراد هنا كفعل ( ~~ترغبون ) في قوله تعالى : { وترغبون أن تنكحوهن } في سورة النساء ( 127 ) ، ~~أي أن يزلن عنهن ثيابهن فيضعنها على الأرض أو على المشجب . وعلة هذه الرخصة ~~هي أن الغالب أن تنتفي أو تقل رغبة الرجال في أمثال هذه القواعد لكبر السن ~~. فلما كان في الأمر بضرب الخمر على الجيوب أو إدناء الجلابيب كلفة على ~~النساء المأمورات اقتضاها سد الذريعة ، فلما انتفت الذريعة رفع ذلك الحكم ~~رحمة من الله ، فإن الشريعة ما جعلت في حكم مشقة لضرورة إلا رفعت تلك ~~المشقة بزوال الضرورة وهذا معنى الرخصة . # ولذلك عقب هذا الترخيص بقوله : { وأن يستعففن خير لهن } . PageV18P297 # والاستعفاف : التعفف ، فالسين والتاء فيه للمبالغة مثل استجاب ، أي ~~تعففهن عن وضع الثياب عنهن أفضل لهن ولذلك قيد هذا الإذن بالحال وهو { غير ~~متبرجات بزينة } أي وضعا لا يقارنه تبرج بزينة . # والتبرج : التكشف . والباء في { بزينة } للملابسة فيؤول إلى أن لا يكون ~~وضع الثياب إظهارا لزينة كانت مستورة . والمراد : إظهار ما عادة المؤمنات ~~ستره . قال تعالى : { ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى } ( الأحزاب : 33 ) ، ~~فإن المرأة إذا تجلت بزينة من شأنها إخفاؤها إلا عن الزوج فكأنها تعرض ~~باستجلاب استحسان الرجال إياها وإثارة رغبتهم فيها ، وهي وإن كانت من ~~القواعد فإن تعريضها بذلك يخالف الآداب ويزيل وقار سنها ، وقد يرغب فيها ~~بعض أهل الشهوات لما في التبرج بالزينة من الستر على عيوبها أو الإشغال عن ~~عيوبها بالنظر في محاسن زينتها . # فالتبرج بالزينة : التحلي بما ليس من العادة التحلي به في الظاهر من ~~تحمير وتبييض وكذلك الألوان النادرة ، قال بشار : # وإذا خرجتت تقنعي ms5710 # بالحمر إن الحسن أحمر # وسألت عائشة أم المؤمنين عن الخضاب والصباغ والتمايم ( أي حقاق من فضة ~~توضع فيها تمايم ومعاذات تعلقها المرأة ) والقرطين والخلخال وخاتم الذهب ~~ورقاق الثياب فقالت : ( أحل الله لكن الزينة غير متبرجات لمن لا يحل لكن أن ~~يروا منكن محرما ) . فأحالت الأمر على المعتاد والمعروف ، فيكون التبرج ~~بظهور ما كان يحجبه الثوب المطروح عنها كالوشام في اليد أو الصدر والنقش ~~بالسواد في الجيد أو الصدر المسمى في تونس بالحرقوص ( غير عربية ) . وفي ( ~~الموطإ ) : ( دخلت حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر على عائشة أم المؤمنين ~~وعلى حفصة خمار رقيق فشقته عائشة وكستها خمارا كثيفا ) أي شقته لئلا تختمر ~~به فيما بعد . # وقيل : إن المعني بقوله : { غير متبرجات بزينة } غير منكشفات من منازلهن ~~بالخروج في الطريق ، أي أن يضعن ثيابهن في بيوتهن ، أي فإذا خرجت فلا ~~PageV18P298 يحل لها ترك جلبابها ، فيؤول المعنى ، إلى أن يضعن ثيابهن في ~~بيوتهن ، ويكون تأكيدا لما تقدم في قوله تعالى : { ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ~~ما يخفين من زينتهن } ( النور : 31 ) أي كونهن من القواعد لا يقتضي الترخيص ~~لهن إلا في وضع ثيابهن وضعا مجردا عن قصد ترغيب فيهن . # وجملة : { والله سميع عليم } مسوقة مساق التذييل للتحذير من التوسع في ~~الرخصة أو جعلها ذريعة لما لا يحمد شرعا ، فوصف ( السميع ) تذكير بأنه يسمع ~~ما تحدثهن به أنفسهن من المقاصد ، ووصف ( العليم ) تذكير بأنه يعلم أحوال ~~وضعهن الثياب وتبرجهن ونحوها . # # | 2 ( 61 ) { ليس على الاعمى حرج ولا على الاعرج حرج ولا على المريض حرج ~~ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت ءابآئكم أو بيوت أمهاتكم أو ~~بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت ~~أخوالكم أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم ليس عليكم جناح أن ~~تأكلوا جميعا أو أشتاتا فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند ~~الله مباركة طيبة كذلك يبين الله لكم الايات لعلكم تعقلون } . ) 2 # { ليس على الاعمى حرج ولا على ms5711 الاعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على ~~أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت ءابآئكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت ~~إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم ~~أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم ليس عليكم جناح أن تأكلوا ~~جميعا أو أشتاتا فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله ~~مباركة طيبة كذلك يبين الله لكم الايات لعلكم تعقلون } . # اختلف في أن قوله تعالى : { ليس على الأعمى حرج } الخ منفصل عن قوله { ~~ولا على أنفسكم } وأنه في غرض غير غرض الأكل في البيوت ، أي فيكون من تمام ~~آية الاستيذان ، أو هو متصل بما بعده في غرض واحد . # فقال بالأول الحسن وجابر بن زيد وهو مختار الجبائي وابن عطية وابن العربي ~~وأبي حيان . وقال ابن عطية : إنه ظاهر الآية . وهو الذي نختاره تفاديا من ~~التكلف الذي ذكره مخالفوهم لبيان اتصاله بما بعده في بيان وجه الرخصة ~~لهؤلاء الثلاثة الأصناف في الطعام في البيوت المذكورة ، ولأن في قوله : { ~~أن تأكلوا من بيوتكم } إلى آخر المعدودات لا يظهر اتصاله بالأعمى والأعرج ~~والمريض ، فتكون هذه الآية نفيا للحرج عن هؤلاء الثلاثة فيما تجره ضرارتهم ~~إليهم من الحرج من الأعمال ، فالحرج مرفوع عنهم في كل ما تضطرهم إليه ~~أعذارهم ، فتقتضي نيتهم الإتيان فيه بالإكمال ويقتضي العذر أن يقع منهم . ~~فالحرج منفي عن الأعمى في التكليف الذي يشترط فيه البصر ، وعن الأعرج فيما ~~يشترط فيه المشي والركوب ، وعن المريض في التكليف PageV18P299 الذي يؤثر ~~المرض في إسقاطه كالصوم وشروط الصلاة والغزو . ولكن المناسبة في ذكر هذه ~~الرخصة عقب الاستئذان أن المقصد الترخيص للأعمى أنه لا يتعين عليه استئذان ~~لانتفاء السبب الموجبه . ثم ذكر الأعرج والمريض إدماجا وإتماما لحكم الرخصة ~~لهما للمناسبة بينهما وبين الأعمى . # وقال بالثاني جمهور المفسرين وقد تكلفوا لوجه عد هذه الأصناف الثلاثة في ~~عداد الآكلين من الطعام الذي في بيوت من ذكروا في الآية الموالية . # والجملة : على كلا الوجهين مستأنفة استئنافا ابتدائيا . # { ولا ms5712 على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت ءابآئكم أو بيوت أمهاتكم ~~أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت ~~أخوالكم أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم ليس عليكم جناح أن ~~تأكلوا جميعا أو أشتاتا } . # مناسبة عطف هذه الرخص على رخصة الأعمى ، على تقدير أنه منفصل عنه كما ~~تقدم وهو المختار عند المحققين ، هو تعلق كليهما بالاستئذان والدخول للبيوت ~~سواء كان لغرض الطعام فيها أو كان للزيارة ونحوها لاشتراك الكل في رفع ~~الحرج ، وعلى تقدير أنه متصل به على قول الجمهور فاقتران الجميع في الحكم ~~هو الرخصة للجميع في الأكل ، فأذن الله للأعمى والأعرج والمريض أن يدخلوا ~~البيوت للأكل لأنهم محاويج لا يستطيعون التكسب وكان التكسب زمانئذ بعمل ~~الأبدان فرخص لهؤلاء أن يدخلوا بيوت المسلمين لشبع بطونهم . PageV18P300 # هذا أظهر الوجوه في توجيه عد هؤلاء الثلاثة مع من عطف عليهم . وقد ذكر ~~المفسرون وجوها أخر أنهاها أبو بكر ابن العربي في ( أحكام القرآن ) إلى ~~ثمانية ليس منها واحد ينثلج له الصدر . ولا نطيل بها . # وأعيد حرف ( لا ) مع المعطوف على المنفي قبله تأكيدا لمعنى النفي وهو ~~استعمال كثير . # والمقصود بالأكل هنا الأكل بدون دعوة وذلك إذا كان الطعام محضرا دون ~~المختزن . # والمراد بالأنفس ذوات المخاطبين بعلامات الخطاب فكأنه قيل : ولا عليكم ~~جناح أن تأكلوا إلى آخره ، فالخطاب للأمة . # والمراد بأكل الإنسان من بيته الأكل غير المعتاد ، أي أن يأكل أكلا لا ~~يشاركه فيه بقية أهله كأن يأكل الرجل وزوجه غائبة ، أو أن تأكل هي وزوجها ~~غائب فهذه أثرة مرخص فيها . # وعطف على بيوت أنفسهم بيوت آبائهم ، ولم يذكر بيوت أولادهم مع أنهم أقرب ~~إلى الآكلين من الآباء فهم أحق بأن يأكلوا من بيوتهم . قيل : لأن الأبناء ~~كائنون مع الآباء في بيوتهم ، ولا يصح ، فقد كان الابن إذا تزوج بنى لنفسه ~~بيتا كما في خبر عبد الله بن عمر . فالوجه أن بيوت الأبناء معلوم حكمها ~~بالأولى من البقية لقول النبي صلى الله عليه ms5713 وسلم ( أنت ومالك لأبيك ) . # وهؤلاء المعدودون في الآية بينهم من القرابة أو الولاية أو الصداقة ما ~~يعتاد بسببه التسامح بينهم في الحضور للأكل بدون دعوة لا يتحرج أحد منهم من ~~ذلك غالبا . # و ( ما ) في قوله : { ما ملكتم مفاتحه } موصولة صادقة على المكان أو ~~الطعام ، عطف على { بيوت خالاتكم } لا على { أخوالكم } ولهذا جيء ب ( ما ) ~~الغالب استعمالها في غير العاقل . PageV18P301 # وملك المفاتيح أريد به حفظها بقرينة إضافته إلى المفاتيح دون الدور أو ~~الحوائط . والمفاتح : جمع مفتح وهو اسم آلة الفتح . ويقال فيها مفتاح ويجمع ~~على مفاتيح . # وهذه رخصة للوكيل والمختزن للطعام وناطور الحائط ذي الثمر أن يأكل كل ~~منهم مما تحت يده بدون إذن ولا يتجاوز شبع بطنه وذلك للعرف بأن ذلك ~~كالإجارة فلذلك قال الفقهاء : إذا كان لواحد من هؤلاء أجرة على عمله لم يجز ~~له الأكل مما تحت يده . # و ( صديق ) هنا مراد به الجنس الصادق بالجماعة بقرينة إضافته إلى ضمير ~~جماعة المخاطبين ، وهو اسم تجوز فيه المطابقة لمن يجري عليه إن كان وصفا أو ~~خبرا في الإفراد والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث وهو الأصل ، والغالب في ~~فصيح الاستعمال أن يلزم حالة واحدة قال تعالى : { فما لنا من شافعين ولا ~~صديق حميم } ( الشعراء : 100 ، 101 ) ومثله الخليط والقطين . # والصديق : فعيل بمعنى فاعل وهو الصادق في المودة . وقد جعل في مرتبة ~~القرابة مما هو موقور في النفوس من محبة الصلة مع الأصدقاء . وسئل بعض ~~الحكماء : أي الرجلين أحب إليك أخوك أم صديقك ؟ فقال : إنما أحب أخي إذا ~~كان صديقي . # وأعيدت جملة : { ليس عليكم جناح } تأكيدا للأولى في قوله : { ولا على ~~أنفسكم } إذ الجناح والحرج كالمترادفين . وحسن هذا التأكيد بعد ما بين ~~الحال وصاحبها وهو واو الجماعة في قوله : { أن تأكلوا من بيوتكم } ، ولأجل ~~كونها تأكيدا فصلت بلا عطف . # والجميع : المجتمعون على أمر . # والأشتات : الموزعون فيما الشأن اجتماعهم فيه ، قال تعالى : { تحسبهم ~~جميعا وقلوبهم شتى } ( الحشر : 14 ) . # والأشتات : جمع شت ، وهو مصدر شت إذا تفرق . وأما شتى فجمع شتيت . ~~PageV18P302 # والمعنى ms5714 : لا جناح عليكم أن يأكل الواحد منكم مع جماعة جاءوا للأكل مثله ~~؛ أو أن يأكل وحده متفرقا عن مشارك ، لئلا يحسب أحدهم أنه إن وجد من سبقه ~~للأكل أن يترك الأكل حتى يخرج الذي سبقه ، أو أن يأكل الواحد منكم مع أهل ~~البيت . أو أن يأكل وحده . # وتقدم قراءة { بيوت } بكسر الباء للجمهور وبضمها لورش وحفص عن عاصم عند ~~قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم } في هذه ~~السورة ( 27 ) . # { فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة كذلك ~~يبين الله لكم الايات لعلكم تعقلون } . # تفريع على الإذن لهم في الأكل من هذه البيوت بأن ذكرهم بأدب الدخول ~~المتقدم في قوله : { يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى ~~تستأنسوا وتسلموا على أهلها } ( النور : 27 ) لئلا يجعلوا القرابة والصداقة ~~والمخالطة مبيحة لإسقاط الآداب فإن واجب المرء أن يلازم الآداب مع القريب ~~والبعيد ولا يغرنه قول الناس : إذا استوى الحب سقط الأدب . # ومعنى { فسلموا على أنفسكم } فليسلم بعضكم على بعض ، كقوله : { ولا ~~تقتلوا أنفسكم } ( النساء : 29 ) . # ولقد عكف قوم على ظاهر هذا اللفظ وأهملوا دقيقته فظنوا أن الداخل يسلم ~~على نفسه إذا لم يجد أحدا وهذا بعيد من أغراض التكليف والآداب . وأما ما ~~ورد في التشهد من قول : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، فذلك سلام ~~بمعنى الدعاء بالسلامة جعله النبي صلى الله عليه وسلم لهم عوضا عما كانوا ~~يقولون : السلام على الله ، السلام على النبي ، السلام على جبريل ومكائيل ، ~~السلام PageV18P303 على فلان وفلان . فقال لهم رسول الله : ( إن الله هو ~~السلام ، إبطالا لقولهم السلام على الله . ثم قال لهم : ( قولوا السلام ~~علينا وعلى عباد الله الصالحين ، فإنكم إذا قلتموها أصابت كل عبد لله صالح ~~في السماء وفي الأرض ) . # وأما السلام في هذه الآية فهو التحية كما فسره بقوله : { تحية من عند ~~الله مباركة طيبة } ولا يؤمر أحد بأن يسلم على نفسه . # والتحية : أصلها مصدر حياه تحية ثم أدغمت الياءان تخفيفا ms5715 وهي قول : حياك ~~الله . وقد تقدم في قوله تعالى : { وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها } في ~~سورة النساء ( 86 ) . # فالتحية مصدر فعل مشتق من الجملة المشتملة على فعل ( حيا ) مثل قولهم : ~~جزاه . إذا قال له : جزاك الله خيرا ، كما تقدم في فعل { وتسلموا على أهلها ~~} ( النور : 27 ) آنفا . وكان هذا اللفظ تحية العرب قبل الإسلام تحية ~~العامة قال النابغة : # حياكك ربي فإنا لا يحل لنا # لهو النساء وإن الدين قد عزما # وكانت تحية الملوك ( عم صباحا ) فجعل الإسلام التحية كلمة ( السلام عليكم ~~) ، وهي جائية من الحنيفية { قالوا سلاما قال سلام } ( هود : 69 ) وسماها ~~تحية الإسلام ، وهي من جوامع الكلم لأن المقصود من التحية تأنيس الداخل ~~بتأمينه إن كان لا يعرفه وباللطف له إن كان معروفا . # ولفظ ( السلام ) يجمع المعنيين لأنه مشتق من السلامة فهو دعاء بالسلامة ~~وتأمين بالسلام لأنه إذا دعا له بالسلامة فهو مسالم له فكان الخبر كناية عن ~~التأمين ، وإذا تحقق الأمران حصل خير كثير لأن السلامة لا تجامع شيئا من ~~الشر في ذات السالم ، والأمان لا يجامع شيئا من الشر يأتي من قبل المعتدي ~~فكانت دعاء ترجى إجابته وعهدا بالأمن يجب الوفاء به . وفي كلمة { عليكم } ~~معنى التمكن ، أي السلامة مستقرة عليكم . # ولكون كلمة ( السلام ) جامعة لهذا المعنى امتن الله على المسلمين بها بأن ~~جعلها من عند الله إذ هو الذي علمها رسوله بالوحي . PageV18P304 # وانتصب { تحية } على الحال من التسليم الذي يتضمنه { فسلموا } نظير عود ~~الضمير على المصدر في قوله : { اعدلوا هو أقرب للتقوى } ( المائدة : 8 ) . # والمباركة : المجعولة فيها البركة . والبركة : وفرة الخير . وإنما كانت ~~هذه التحية مباركة لما فيها من نية المسالمة وحسن اللقاء والمخالطة وذلك ~~يوفر خير الأخوة الإسلامية . # والطيبة : ذات الطيب ، وهو طيب مجازي بمعنى النزاهة والقبول في نفوس ~~الناس ووجه طيب التحية أنها دعاء بالسلامة وإيذان بالمسالمة والمصافاة . ~~ووزن { طيبة } فيعلة مبالغة في الوصف مثل : الفيصل . وتقدم في قوله تعالى : ~~{ قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة } في آل عمران ( 38 ) وفي ms5716 قوله : { وجرين ~~بهم بريح طيبة } في سورة يونس ( 22 ) . # والمعنى أن كلمة ( السلام عليكم ) تحية خير من تحية أهل الجاهلية . وهذا ~~كقوله تعالى : { وتحيتهم فيها سلام } ( يونس : 10 ) أي تحيتهم هذا اللفظ . # وجملة { كذلك يبين الله لكم الآيات } تكرير للجملتين الواقعتين قبلها في ~~آية الاستئذان لأن في كل ما وقع قبل هذه الجملة بيانا لآيات القرآن اتضحت ~~به الأحكام التي تضمنتها وهو بيان يرجى معه أن يحصل لكم الفهم والعلم بما ~~فيه كمال شأنكم . # # | 2 ( 62 ) { إنما المؤمنون الذين ءامنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه ~~على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستئذنوه إن الذين يستئذنونك أولائك الذين ~~يؤمنون بالله ورسوله فإذا استئذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر ~~لهم الله إن الله غفور رحيم } . ) 2 # PageV18P305 # لما جرى الكلام السابق في شأن الاستئذان للدخول عقب ذلك بحكم الاستئذان ~~للخروج ومفارقة المجامع فاعتني من ذلك بالواجب منه وهو استئذان الرسول صلى ~~الله عليه وسلم في مفارقة مجلسه أو مفارقة جمعع جمع عن إذنه لأمر مهم ~~كالشورى والقتال والاجتماع للوعظ ونحو ذلك . # وكان من أعمال المنافقين أن يحضروا هذه المجامع ثم يتسللوا منها تفاديا ~~من عمل يشق أو سآمة من سماع كلام لا يهتبلون به ، فنعى الله عليهم فعلهم ~~هذا وأعلم بمنافاته للإيمان وأنه شعار النفاق ، بأن أعرض عن وصف نفاق ~~المنافقين واعتنى باتصاف المؤمنين الأحقاء بضد صفة المنافقين قال تعالى : { ~~وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم انصرفوا صرف الله ~~قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون } ( التوبة : 127 ) ولذلك جاء في أواخر هذه ~~الآيات قوله : { قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا } ( النور : 63 ) . # فالقصر المستفاد من ( إنما ) قصر موصوف على صفة . والتعريف في { المؤمنون ~~} تعريف الجنس أو العهد ، أي أن جنس المؤمنين أو أن الذين عرفوا بوصف ~~الإيمان هم الذين آمنوا بالله ورسوله ولم ينصرفوا حتى يستأذنوه . فالخبر هو ~~مجموع الأمور الثلاثة وهو قصر إضافي قصر إفراد ، أي لا غير أصحاب هذه الصفة ~~من الذين ms5717 أظهروا الإيمان ولا يستأذنون الرسول عند إرادة الانصراف ، فجعل ~~هذا الوصف علامة مميزة للمؤمنين الأحقاء عن المنافقين يومئذ إذ لم يكن في ~~المؤمنين الأحقاء يومئذ من ينصرف عن مجلس النبي صلى الله عليه وسلم بدون ~~إذنه ، فالمقصود : إظهار علامة المؤمنين وتمييزهم عن علامة المنافقين . ~~فليس سياق الآية لبيان حقيقة الإيمان لأن للإيمان حقيقة معلومة ليس استئذان ~~النبي صلى الله عليه وسلم عند إرادة الذهاب من أركانها ، فعلمت أن ليس ~~المقصود من هذا الحصر سلب الإيمان عن الذي ينصرف دون إذن من المؤمنين ~~الأحقاء لو وقع منه ذلك عن غير قصد الخذل للنبيء صلى الله عليه وسلم أو ~~أذاه ، إذ لا يعدو ذلك لو فعله أحد المؤمنين عن أن يكون تقصيرا في الأدب ~~يستحق التأديب والتنبيه على تجنب ذلك لأنه خصلة من النفاق كما ورد التحذير ~~من خصال النفاق في أحاديث كثيرة . PageV18P306 # وعلمت أيضا أن ليس المقصود من التعريف في { المؤمنون } معنى الكمال لأنه ~~لو كان كذلك لم يحصل قصد التشهير بنفاق المنافقين . # والأمر : الشأن والحال المهم . وتقدم في قوله : { وأولي الأمر منكم } في ~~سورة النساء ( 59 ) . # والجامع : الذي من شأنه أن يجتمع الناس لأجله للتشاور أو التعلم . ~~والمراد : ما يجتمع المسلمون لأجله حول الرسول عليه الصلاة والسلام في ~~مجلسه أو في صلاة الجماعة . وهذا ما يقتضيه ( مع ) و ( على ) من قوله : { ~~معه على أمر جامع } لإفادة ( مع ) معنى المشاركة وإفادة ( على ) معنى ~~التمكن منه . # ووصف الأمر ب { جامع } على سبيل المجاز العقلي لأنه سبب الجمع . وتقدم في ~~قوله تعالى : { فأجمعوا أمركم } في سورة يونس ( 71 ) . # وعن مالك : أن هذه الآية نزلت في المنافقين يوم الخندق ( وذلك سنة خمس ) ~~كان المنافقون يتسللون من جيش الخندق ويعتذرون بأعذار كاذبة . # وجملة : { إن الذين يستأذنونك } إلى آخرها تأكيد لجملة : { إنما المؤمنون ~~} لأن مضمون معنى هذه الجملة هو مضمون معنى جملة : { إنما المؤمنون الذين ~~آمنوا بالله ورسوله } الآية . وقد تفنن في نظم الجملة الثانية بتغيير أسلوب ~~الجملة الأولى فجعل مضمون المسند في الأولى مسندا إليه ms5718 في الثانية والمسند ~~إليه في الأولى مسندا في الثانية ومآل الأسلوبين واحد لأن المآل الإخبار ~~بأن هذا هو ذاك على حد : وشعري شعري ، تنويها بشأن الاستئذان ، وليبنى ~~عليها تفريع { فإذا استئذنوك لبعض شأنهم } ليعلم المؤمنين الأعذار الموجبة ~~للاستئذان ، أي ليس لهم أن يستأذنوا في الذهاب إلا لشأن مهم من شؤونهم . # ووقع الالتفات من الغيبة إلى الخطاب في قوله : { يستأذنوك } تشريفا ~~للرسول صلى الله عليه وسلم بهذا الخطاب . # وقد خير الله رسوله في الإذن لمن استأذنه من المؤمنين لأنه أعلم بالشأن ~~الذي قضاؤه أرجح من حضور الأمر الجامع لأن مشيئة النبي لا تكون عن هوى ولكن ~~لعذر ومصلحة . PageV18P307 # وقوله : { واستغفر لهم الله } مؤذن بأن ذلك الانصراف خلاف ما ينبغي لأنه ~~لترجيح حاجته على الإعانة على حاجة الأمة . # وهذه الآية أصل من نظام الجماعات في مصالح الأمة لأن من السنة أن يكون ~~لكل اجتماع إمام ورئيس يدير أمر ذلك الاجتماع . وقد أشارت مشروعية الإمامة ~~إلى ذلك النظام . ومن السنة أن لا يجتمع جماعة إلا أمروا عليهم أميرا فالذي ~~يترأس الجمع هو قائم مقام ولي أمر المسلمين فهو في مقام النبي صلى الله ~~عليه وسلم فلا ينصرف أحد عن اجتماعه إلا بعد أن يستأذنه ، لأنه لو جعل أمر ~~الانسلال لشهوة الحاضر لكان ذريعة لانفضاض الاجتماعات دون حصول الفائدة ~~التي جمعت لأجلها ، وكذلك الأدب أيضا في التخلف عن الاجتماع عند الدعوة ~~إليه كاجتماع المجالس النيابية والقضائية والدينية أو التخلف عن ميقات ~~الاجتماع المتفق عليه إلا لعذر واستئذان . # # | 2 ( 63 ) { لا تجعلوا دعآء الرسول بينكم كدعآء بعضكم بعضا قد يعلم الله ~~الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو ~~يصيبهم عذاب أليم } . ) 2 # لما كان الاجتماع للرسول في الأمور يقع بعد دعوته الناس للاجتماع وقد ~~أمرهم الله أن لا ينصرفوا عن مجامع الرسول صلى الله عليه وسلم إلا لعذر بعد ~~إذنه أنبأهم بهذه الآية وجوب استجابة دعوة الرسول إذا دعاهم . وقد تقدم ~~قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله ms5719 وللرسول إذا دعاكم } في ~~سورة الأنفال ( 24 ) . والمعنى : لا تجعلوا دعوة الرسول إياكم للحضور لديه ~~مخيرين في استجابتها كما تتخيرون في استجابة دعوة بعضكم بعضا ، PageV18P308 ~~فوجه الشبه المنفي بين الدعوتين هو الخيار في الإجابة . والغرض من هذه ~~الجملة أن لا يتوهموا أن الواجب هو الثبات في مجامع الرسول إذا حضروها ، ~~وأنهم في حضورها إذا دعوا إليها بالخيار ، فالدعاء على هذا التأويل مصدر ~~دعاه إذا ناداه أو أرسل إليه ليحضر . # وإضافة { دعاء } إلى { الرسول } من إضافة المصدر إلى فاعله . ويجوز أن ~~تكون إضافة { دعاء } من إضافة المصدر إلى مفعوله والفاعل المقدر ضمير ~~المخاطبين . والتقدير : لا تجعلوا دعاءكم الرسول ، فالمعنى نهيهم . # ووقع الالتفات من الغيبة إلى خطاب المسلمين حثا على تلقي الجملة بنشاط ~~فهمم ، فالخطاب للمؤمنين الذين تحدث عنهم بقوله : { إنما المؤمنون الذين ~~آمنوا بالله ورسوله } ( النور : 62 ) وقوله : { إن الذين يستأذنونك } ( ~~النور : 62 ) الخ . نهوا عن أن يدعوا الرسول عند مناداته كما يدعو بعضهم ~~بعضا في اللفظ أو في الهيئة . فأما في اللفظ فبأن لا يقولوا : يا محمد ، أو ~~يا ابن عبد الله ، أو يا ابن عبد المطلب ، ولكن يا رسول الله ، أو يا نبيء ~~الله ، أو بكنيته يا أبا القاسم . وأما في الهيئة فبأن لا يدعوه من وراء ~~الحجرات ، وأن لا يلحوا في دعائه إذا لم يخرج إليهم ، كما جاء في سورة ~~الحجرات . لأن ذلك كله من الجلافة التي لا تليق بعظمة قدر الرسول صلى الله ~~عليه وسلم فهذا أدب للمسلمين وسد لأبواب الأذى عن المنافقين . وإذ كانت ~~الآية تحتمل ألفاظها هذا المعنى صح للمتدبر أن ينتزع هذا المعنى منها إذ ~~يكفي أن يأخذ من لاح له معنى ما لاح له . # و { بينكم } ظرف إما لغو متعلق ب { تجعلوا } ، أو مستقر صفة ل { دعاء } ، ~~أي دعاءه في كلامكم . وفائدة ذكره على كلا الوجهين التعريض بالمنافقين ~~الذين تمالؤوا بينهم على التخلف عن رسول الله إذا دعاهم كلما وجدوا لذلك ~~سبيلا كما أشار إليه قوله تعالى : { ما كان لأهل المدينة ومن حولهم ms5720 من ~~الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله } ( التوبة : 120 ) . فالمعنى . لا تجعلوا ~~دعاء الرسول بينكم كما جعل المنافقون بينهم وتواطأوا على ذلك . PageV18P309 # وهذه الجملة معترضة بين جملة : { إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ~~} ( النور : 62 ) وما تبعها وبين جملة : { قد يعلم الله الذين يتسللون منكم ~~لواذا } . # وجملة : { قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا } استئناف تهديد للذين ~~كانوا سبب نزول آية { إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله } ( النور : ~~62 ) الآية ، أي أولئك المؤمنون وضدهم المعرض بهم ليسوا بمؤمنين . وقد ~~علمهم الله وأطلع على تسللهم . # ( وقد ) لتحقيق الخبر لأنهم يظنون أنهم إذا تسللوا متسترين لم يطلع عليهم ~~النبي فأعلمهم الله أنه علمهم ، أي أنه أعلم رسوله بذلك . # ودخول ( قد ) على المضارع يأتي للتكثير كثيرا لأن ( قد ) فيه بمنزلة ( رب ~~) تستعمل في التكثير ، ومنه قوله تعالى : { قد يعلم الله المعوقين منكم } ( ~~الأحزاب : 18 ) وقول زهير : # أخو ثقة لا تهلك الخمر ماله # ولكنه قد يهلك المال نائله # و { الذين يتسللون } هم المنافقون . والتسلل : الانسلال من صبرة ، أي ~~الخروج منه بخفية خروجا كأنه سل شيء من شيء . يقال : تسلل ، أي تكلف ~~الانسلال مثل ما يقال : تدخل إذا تكلف إدخال نفسه . # واللواذ : مصدر لاوذه ، إذا لاذ به ولاذ به الآخر . شبه تستر بعضهم ببعض ~~عن اتفاق وتآمر عند الانصراف خفية بلوذ بعضهم ببعض لأن الذي ستر الخارج حتى ~~يخرج هو بمنزلة من لاذ به أيضا فجعل حصول فعله مع فعل اللائذ كأنه مفاعلة ~~من اللوذ . # وانتصب { لواذا } على الحال لأنه في تأويل اسم الفاعل . # و { منكم } متعلق ب { يتسللون } . وضمير { منكم } خطاب للمؤمنين ، أي قد ~~علم الله الذين يخرجون من جماعتكم متسللين ملاوذين . # وفرع على ما تضمنته جملة : { قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا } ~~تحذير من مخالفة ما نهى الله عنه بقوله : { لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم } ~~الآية بعد التنبيه على أنه تعالى مطلع على تسللهم . PageV18P310 # والمخالفة : المغايرة في الطريق التي يمشي فيها بأن يمشي الواحد في طريق ~~غير الطريق الذي مشى فيه الآخر ms5721 ، ففعلها متعد . وقد حذف مفعوله هنا لظهور ~~أن المراد الذين يخالفون الله ، وتعدية فعل المخالفة بحرف ( عن ) لأنه ضمن ~~معنى الصدود كما عدي ب ( إلى ) في قوله تعالى : { وما أريد أن أخالفكم إلى ~~ما أنهاكم عنه } لما ضمن معنى الذهاب . يقال خالفه إلى الماء ، إذا ذهب ~~إليه دونه ، ولو تركت تعديته بحرف جر لأفاد أصل المخالفة في الغرض المسوق ~~له الكلام . # وضمير { عن أمره } عائد إلى الله تعالى . والأمر هو ما تضمنه قوله : { لا ~~تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا } فإن النهي عن الشيء يستلزم ~~الأمر بضده فكأنه قال : اجعلوا لدعاء الرسول الامتثال في العلانية والسر . ~~وهذا كقول ابن أبي ربيعة . # فقلن لها سرا فديناكك لا يرح # صحيحا وإن لم تقتليه فألمم # فجعل قولهن : ( لا يرح صحيحا ) وهو نهي في معنى : اقتليه ، فبنى عليه ~~قوله : ( وإن لم تقتليه فألمم ) . # والحذر : تجنب الشيء المخيف . والفتنة : اضطراب حال الناس ، وقد تقدمت ~~عند قوله تعالى : { والفتنة أشد من القتل } في البقرة ( 191 ) . والعذاب ~~الأليم هنا عذاب الدنيا ، وهو عذاب القتل . # $ 2 ( 64 ) { ألا & # 1764 إن لله ما فى السماوات والارض قد يعلم مآ أنتم عليه ويوم يرجعون ~~إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شىء عليم } . ) 2 $ # ث تذييل لما تقدم في هذه السورة كلها . وافتتاحه بحرف التنبيه إيذان ~~بانتهاء الكلام وتنبيه للناس ليعوا ما يرد بعد حرف التنبيه ، وهو أن الله ~~PageV18P311 مالك ما في السماوات والأرض ، فهو يجازي عباده بما يستحقون وهو ~~عالم بما يفعلون . # ومعنى : { ما أنتم عليه } الأحوال الملابسين لها من خير وشر ، فحرف ~~الاستعلاء مستعار للتمكن . # وذكرهم بالمعاد إذ كان المشركون والمنافقون منكرينه . # وقوله : { فينبئهم بما عملوا } كناية عن الجزاء لأن إعلامهم بأعمالهم لو ~~لم يكن كناية عن الجزاء لما كانت له جدوى . # وقوله : { والله بكل شيء عليم } تذييل لجملة : { قد يعلم ما أنتم عليه } ~~لأنه أعم منه . # وفي هذه الآية لطيفة الاطلاع على أحوالهم لأنهم كانوا يسترون نفاقهم . # PageV18P312 # | 1 ( سورة الفرقان ) 1 # سميت هذه السورة ( سورة الفرقان ) في ms5722 عهد النبي صلى الله عليه وسلم ~~وبمسمع منه . ففي ( صحيح البخاري ) عن عمر بن الخطاب أنه قال : ( سمعت هشام ~~بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله فاستمعت لقراءته فإذا ~~هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله فكدت أساوره في الصلاة ~~فتصبرت حتى سلم فلببته برادئه فانطلقت به أقوده إلى رسول الله فقلت : إني ~~سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها . . ) الحديث . # ولا يعرف لهذه السورة اسم غير هذا . والمؤدبون من أهل تونس يسمونها ( ~~تبارك الفرقان ) كما يسمون ( سورة الملك ) تبارك ، وتبارك الملك . # ووجه تسميتها ( سورة الفرقان ) لوقوع لفظ الفرقان فيها . ثلاث مرات في ~~أولها ووسطها وآخرها . # وهي مكية عند الجمهور . وروي عن ابن عباس أنه استثنى منها ثلاث آيات نزلت ~~بالمدينة وهي قوله تعالى : { والذين لا يدعون مع الله إلاها آخر } إلى قوله ~~: { وكان الله غفورا رحيما } ( الفرقان : 68 70 ) . والصحيح عنه أن هذه ~~الآيات الثلاث مكية كما في ( صحيح البخاري ) في تفسير سورة الفرقان : ( عن ~~القاسم بن أبي بزة أنه سأل سعيد بن جبير : هل لمن قتل مؤمنا متعمدا من توبة ~~؟ فقرأت عليه : { ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق } ( الفرقان : ~~68 ) . فقال سعيد : قرأتها على ابن عباس كما قرأتها علي ؟ فقال : هذه مكية ~~نسختها آية ) مدنية التي في سورة النساء . يريد قوله تعالى : { ومن يقتل ~~مؤمنا متعمدا } ( النساء : 93 ) الآية . وعن الضحاك : أنها مدنية إلا ~~الآيات الثلاث من أولها إلى قوله : { ولا نشورا } ( الفرقان : 3 ) . ~~PageV18P313 وأسلوب السورة وأغراضها شاهدة بأنها مكية . # وهي السورة الثانية والأربعون في ترتيب النزول ، نزلت بعد سورة يس وقبل ~~سورة فاطر ، وعدد آيها سبع وسبعون باتفاق أهل العدد . # أغراض هذه السورة # واشتملت هذه السورة على الابتداء بتمجيد الله تعالى وإنشاء الثناء عليه ، ~~ووصفه بصفات الإلاهية والوحدانية فيها . # وأدمج في ذلك التنويه بالقرآن ، وجلال منزله ، وما فيه من الهدى ، وتعريض ~~بالامتنان على الناس بهديه وإرشاده إلى اتقاء المهالك ، والتنويه بشأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم # وأقيمت ms5723 هذه السورة على ثلاث دعائم : # الأولى : إثبات أن القرآن منزل من عند الله ، والتنويه بالرسول المنزل ~~عليه صلى الله عليه وسلم ودلائل صدقه ، ورفعة شأنه عن أن تكون له حظوظ ~~الدنيا ، وأنه على طريقة غيره من الرسل ، ومن ذلك تلقى قومه دعوته بالتكذيب ~~. # الدعامة الثانية : إثبات البعث والجزاء ، والإنذار بالجزاء في الآخرة ، ~~والتبشير بالثواب فيها للصالحين ، وإنذار المشركين بسوء حظهم يومئذ ، وتكون ~~لهم الندامة على تكذيبهم الرسول وعلى إشراكهم واتباع أيمة كفرهم . # الدعامة الثالثة : الاستدلال على وحدانية الله ، وتفرده بالخلق ، وتنزيهه ~~عن أن يكون له ولد أو شريك ، وإبطال إلاهية الأصنام ، وإبطال ما زعموه من ~~بنوة الملائكة لله تعالى . # وافتتحت في آيات كل دعامة من هذه الثلاث بجملة ( تبارك الذي ) الخ . # قال الطيبي : مدار هذه السورة على كونه صلى الله عليه وسلم مبعوثا إلى ~~الناس كافة ينذرهم ما بين أيديهم وما خلفهم ولهذا جعل براعة استهلالها ~~PageV18P314 { تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا } ( ~~الفرقان : 1 ) . # وذكر بدائع من صنعه تعالى جمعا بين الاستدلال والتذكير . # وأعقب ذلك بتثبيت الرسول صلى الله عليه وسلم على دعوته ومقاومته الكافرين ~~. # وضرب الأمثال للحالين ببعثة الرسل السابقين وما لقوا من أقوامهم مثل قوم ~~موسى وقوم نوح وعاد وثمود وأصحاب الرس وقوم لوط . # والتوكل على الله ، والثناء على المؤمنين به ، ومدح خصالهم ومزايا ~~أخلاقهم ، والإشارة إلى عذاب قريب يحل بالمكذبين . # # | 2 ( 1 ) { تبارك الذى نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا } . ) ~~2 # افتتاح بديع لندرة أمثاله في كلام بلغاء العرب لأن غالب فواتحهم أن تكون ~~بالأسماء مجردة أو مقترنة بحرف غير منفصل ، مثل قول طرفة : # لخولة أطلال ببرقة ثهمد # أو بأفعال المضارعة ونحوها كقول امرىء القيس : # قفا نبك البيت أو بحروف التأكيد أو الاستفهام أو التنبيه مثل ( إن ) و ( ~~قد ) والهمزة و ( هل ) . ومن قبيل هذا الافتتاح قول الحارث بن حلزة : # آذنتنا ببينها أسماء # وقول النابغة : # كتمتك ليلا بالجمومين ساهرا # وهمين هما مستكنا وظاهرا # وبهذه الندرة يكون في طالع هذه السورة براعة المطلع لأن ms5724 الندرة من ~~PageV18P315 العزة ، والعزة من محاسن الألفاظ وضدها الابتذال . # وتبارك : تعاظم خيره وتوفر ، والمراد بخيره كمالاته وتنزهاته . وتقدم في ~~قوله تعالى : { تبارك الله رب العالمين } في سورة الأعراف ( 54 ) . # والبركة : الخير ، وتقدم عند قوله تعالى : { اهبط بسلام منا وبركات عليك ~~} في سورة هود ( 48 ) وعند قوله : { تحية من عند الله مباركة طيبة } في ~~سورة النور ( 61 ) . # وظاهر قوله : { تبارك الذي نزل الفرقان } أنه إخبار عن عظمة الله وتوفر ~~كمالاته فيكون المقصود به التعليم والإيقاظ ، ويجوز مع ذلك أن يكون كناية ~~عن إنشاء ثناء على الله تعالى أنشأ الله به ثناء على نفسه كقوله : { سبحان ~~الذي أسرى بعبده } ( الإسراء : 1 ) على طريقة الكلام العربي في إنشاء ~~التعجب من صفات المتكلم في مقام الفخر والعظمة ، أو إظهار غرايب صدرت ، ~~كقول امرىء القيس : # ويوم عقرت للعذارى مطيتي # فيا عجبا من كورها المتحمل # وإنما يتعجب من إقدامه على أن جعل كور المطية يحمله هو بعد عقرها . ومنه ~~قول الفند الزماني : # أيا طعنة ما شيخ # كبير يفن بالي # يريد طعنة طعنها قرنه . # والذي نزل الفرقان هو الله تعالى . وإذ قد كانت الصلة من خصائص الله ~~تعالى كان الفعل كالمسند إلى ضمير المتكلم فكأنه قيل : تباركت . # والموصول يومىء إلى علة ما قبله فهو كناية عن تعظيم شأن الفرقان وبركته ~~على الناس من قوله : { ليكون للعالمين نذيرا } . فتلك منة عظيمة توجب ~~الثناء على الله . وهو أيضا كناية عن تعظيم شأن الرسول عليه الصلاة السلام ~~. # والتعريف بالموصول هنا لكون الصلة من صفات الله في نفس الأمر وعند ~~المؤمنين وإن كان الكفار ينكرونها لكنهم يعرفون أن الرسول أعلنها فالله ~~معروف بذلك عندهم معرفة بالوجه لا بالكنه الذي ينكرونه . PageV18P316 # والفرقان : القرآن وهو في الأصل مصدر فرق ، كما في قوله : { وما أنزلنا ~~على عبدنا يوم الفرقان } ( الأنفال : 41 ) وقوله : { يجعل لكم فرقانا } ( ~~الأنفال : 29 ) . وجعل علما بالغلبة على القرآن لأنه فرق بين الحق والباطل ~~لما بين من دلائل الحق ودحض الباطل . وقد تقدم في قوله تعالى : { وأنزل ~~الفرقان } في سورة آل ms5725 عمران ( 4 ) . # وإيثار اسم الفرقان بالذكر هنا للإيماء إلى أن ما سيذكر من الدلائل على ~~الوحدانية وإنزال القرآن دلائل قيمة تفرق بين الحق والباطل . # ووصف النبي ب { عبده } تقريب له وتمهيد لإبطال طلبهم منه في قوله : { ~~وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام } ( الفرقان : 7 ) الآية . # والمراد ب { للعالمين } جميع الأمم من البشر لأن العالم يطلق على الجنس ~~وعلى النوع وعلى الصنف بحسب ما يسمح به المقام ، والنذارة لا تكون إلا ~~للعقلاء ممن قصدوا بالتكليف . وقد مضى الكلام على لفظ { العالمين في سورة ~~الفاتحة ( 2 ) . # والنذير : المخبر بسوء يقع ، وهو فعيل بمعنى مفعل بصيغة اسم الفاعل مثل ~~الحكيم . والاقتصار في وصف الرسول هنا على النذير دون البشير كما في قوله : ~~وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا } ( سبأ : 28 ) لأن المقام هنا ~~لتهديد المشركين إذ كذبوا بالقرآن وبالرسول عليه الصلاة والسلام . فكان ~~مقتضيا لذكر النذارة دون البشارة ، وفي ذلك اكتفاء لأن البشارة تخطر ببال ~~السامع عند ذكر النذارة . وسيجيء : { وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا في هذه ~~السورة ( 56 ) . # وفي هذه الآية جمع بين التنويه بشأن القرآن وأنه منزل من الله وتنويه ~~بشأن النبي عليه الصلاة والسلام ورفعة منزلته عند الله وعموم رسالته . # # | 2 ( 2 ) الذى له ملك السماوات والارض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك فى ~~الملك وخلق كل شىء فقدره تقديرا } . ) 2 # PageV18P317 # أجريت على اسم الله تعالى هذه الصفات الأربع بطريق تعريف الموصولية لأن ~~بعض الصلات معروف عند المخاطبين اتصاف الله به وهما الصفتان الأولى ~~والرابعة ؛ وإذ قد كانتا معلومتين كانت الصلتان الأخريان المذكورتان معهما ~~في حكم المعروف لأنهما أجريتا على من عرف بالصلتين الأولى والرابعة فإن ~~المشركين ما كانوا يمترون في أن الله هو مالك السماوات والأرض ولا في أن ~~الله هو خالق كل شيء كما في قوله : { قل من رب السماوات السبع ورب العرش ~~العظيم سيقولون لله الآياتت من سورة المؤمنين ( 86 ، 87 ) ، ولكنهم يثبتون ~~لله ولدا وشريكا في الملك . # ومن بديع النظم أن جعل الوصفان المختلف ms5726 فيهما معهم متوسطين بين الوصفين ~~اللذين لا مرية فيهما حتى يكون الوصفان المسلمين كالدليل أولا والنتيجة ~~آخرا ، فإن الذي له ملك السماوات والأرض لا يليق به أن يتخذ ولدا ولا أن ~~يتخذ شريكا لأن ملكه العظيم يقتضي غناه المطلق فيقتضي أن يكون اتخاذه ولدا ~~وشريكا عبثا إذ لا غاية له ، وإذا كانت أفعال العقلاء تصان عن العبث فكيف ~~بأفعال أحكم الحكماء تعالى وتقدس . # فقوله : الذي له ملك السموات والأرض } بدل من { الذي نزل الفرقان } ( ~~الفرقان : 1 ) . # وإعادة اسم الموصول لاختلاف الغرض من الصلتين لأن الصلة الأولى في غرض ~~الامتنان بتنزيل القرآن للهدى ، والصلة الثانية في غرض اتصاف الله تعالى ~~بالوحدانية . # وفي الملك إيماء إلى أن الاشتراك في الملك ينافي حقيقة الملك التامة التي ~~لا يليق به غيرها . # والخلق : الإيجاد ، أي أوجد كل موجود من عظيم الأشياء وحقيرها . وفرع على ~~{ خلق كل شيء فقدره تقديرا } لأنه دليل على إتقان الخلق إتقانا يدل على أن ~~الخالق متصف بصفات الكمال . PageV18P318 # ومعنى { قدره } جعله على مقدار وحد معين لا مجرد مصادفة ، أي خلقه مقدرا ~~، أي محكما مضبوطا صالحا لما خلق لأجله لا تفاوت فيه ولا خلل . وهذا يقتضي ~~أنه خلقه بإرادة وعلم على كيفية أرادها وعينها كقوله : { إنا كل شيء خلقناه ~~بقدر } ( القمر : 49 ) . وقد تقدم في قوله تعالى : { أنزل من السماء ماء ~~فسالت أودية بقدرها في سورة الرعد ( 17 ) . وتأكيد الفعل بالمفعول المطلق ~~بقوله : تقديرا } للدلالة على أنه تقدير كامل في نوع التقادير . # وما جاء من أول السورة إلى هنا براعة استهلال بأغراضها وهو يتنزل منزلة ~~خطبة الكتاب أو الرسالة . # # | 2 ( 3 ) { واتخذوا من دونه ءالهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون ~~لانفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حيواة ولا نشورا } . ) 2 # استطراد لانتهاز الفرصة لوصف ضلال أهل الشرك وسفالة تفكيرهم ، فهو عطف ~~على جملة : { الذي له ملك السماوات والأرض } ( الفرقان : 2 ) وما تلاها مما ~~هو استدلال على انفراده تعالى بالإلهية ، وأردفت بقوله : { وخلق كل شيء } ( ~~الفرقان : 2 ) الشامل لكون ms5727 ما اتخذوه من الآلهة مخلوقات فكان ما تقدم مهيئا ~~للتعجيب من اتخاذ المشركين آلهة دون ذلك الإلاه المنعوت بصفات الكمال ~~والجلال . # فالخبر غير مقصود به الإفادة بل هو للتعجيب من حالهم كيف قابلوا نعمة ~~إنزال الفرقان بالجحد والطغيان وكيف أشركوا بالذي تلك صفاته آلهة أخرى ~~صفاتهم على الضد من صفات من أشركوهم به ، وإلا فإن اتخاذ المشركين آلهة أمر ~~معلوم لهم وللمؤمنين فلا يقصد إفادتهم لحكم الخبر . # وبين قوله : { ولم يتخذ ولدا } ( الفرقان : 2 ) وقوله : { واتخذوا من ~~دونه آلهة } محسن الطباق . # وضمير : { اتخذوا } عائد إلى المشركين ولم يسبق لهم ذكر في الكلام وإنما ~~PageV18P319 هم معروفون في مثل هذا المقام وخاصة من قوله : { ولم يكن له ~~شريك في الملك } ( الفرقان : 2 ) . # وجملة : { لا يخلقون شيئا } مقابلة جملة { الذي له ملك السماوات والأرض } ~~( الفرقان : 2 ) . # وجملة : { وهم يخلقون } مقابلة جملة : { ولم يتخذ ولدا } ( الفرقان : 2 ) ~~لأن ولد الخالق يجب أن يكون متولدا منه فلا يكون مخلوقا . # وجملة : { ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا } مقابلة جملة : { ولم يكن له ~~شريك في الملك } ( الفرقان : 2 ) لأن الشركة في الملك تقتضي الشركة في ~~التصرف . # وضمير : { لأنفسهم } يجوز أن يعود إلى { آلهة } أي لا تقدر الأصنام ~~ونحوها على ضر أنفسهم ولا على نفعهم . ويجوز أن يعود إلى ما عاد إليه ضمير ~~{ واتخذوا } أي لا تقدر الأصنام على نفع الذين عبدوهم ولا على ضرهم . # واعلم أن { ضرا ولا نفعا } هنا جرى مجرى المثل لقصد الإحاطة بالأحوال ، ~~فكأنه قيل : لا يملكون التصرف بحال من الأحوال . وهذا نظير أن يقال : شرقا ~~وغربا ، وليلا ونهارا . وبذلك يندفع ما يشكل في بادىء الرأي من وجه نفي ~~قدرتهم على إضرار أنفسهم بأنه لا تتعلق إرادة أحد بضر نفسه ، وبذلك أيضا لا ~~يتطلب وجه لتقديم الضر على النفع ، لأن المقام يقتضي التسوية في تقديم أحد ~~الأمرين ، فالمتكلم مخير في ذلك والمخالفة بين الآيات في تقديم أحد الأمرين ~~مجرد تفنن . # والمجرور في { لأنفسهم } متعلق ب { يملكون } . # والضر بفتح الضاد مصدر ضره ، إذا أصابه بمكروه ms5728 . وقد تقدم نظيره في قوله ~~تعالى : { قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله } في سورة يونس ( ~~49 ) . # وجملة : { ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا } مقابلة جملة { وخلق كل ~~شيء فقدره تقديرا } ( الفرقان : 2 ) لأن أعظم مظاهر تقدير الخلق هو مظهر ~~الحياة والموت ، وذلك من المشاهدات . وأما قوله : { ولا نشورا } فهو تكميل ~~لقرع المشركين نفاة البعث لأن نفي أن يكون الآلهة يملكون نشورا يقتضي إثبات ~~حقيقة النشور في نفس الأمر إذ الأكثر في كلام العرب أن نفي الشيء ~~PageV18P320 يقتضي تحقق ماهيته . وأما نحو قول امرىء القيس : # على لاحب لا يهتدي بمناره # يريد لا منار فيه . وقول ابن أحمر : # لا تفزع الأرنب أهوالها # ولا ترى الضب بها ينجحر # أراد : أنها لا أرنب فيها ولا ضب . فهو من قبيل التلميح . # ذكر في هذه الآية من أقوالهم المقابلة للجمل الموصوف بها الله تعالى ~~اهتماما بإبطال كفرهم المتعلق بصفات الله لأن ذلك أصل الكفر ومادته . # واعلم أن معنى : { وهم يخلقون } وهم يصنعون ، أي يصنعهم الصانعون لأن ~~أصنامهم كلها حجارة منحوتة فقد قومتها الصنعة ، فأطلق الخلق على التشكيل ~~والنحت من فعل الناس ، وإن كان الخلق شاع في الإيجاد بعد العدم ؛ إما ~~اعتبارا بأصل مادة الخلق وهو تقدير مقدار الجلد قبل فريه كما قال زهير : # ولأنت تفري ما خلقت وبع # ض الناس يخلق ثم لا يفري # فأطلق الخلق على النحت ؛ إما على سبيل المجاز المرسل ، وإما مشاكلة لقوله ~~: { لا يخلقون شيئا } . # والملك في قوله : { لا يملكون } مستعمل في معنى القدرة والاستطاعة كما ~~تقدم في قوله تعالى : { قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ~~ابن مريم في سورة العقود ( 17 ) ، وقوله فيها : قل أتعبدون من دون الله ما ~~لا يملك لكم ضرا ولا نفعا } ( المائدة : 76 ) ، أي من لا يقدر على ضركم ولا ~~نفعكم . فقوله هنا : { لأنفسهم } متعلق ب { يملكون } ، واللام فيه لام ~~التعليل ، أي لا يملكون لأجل أنفسهم ، أي لفائدتها . # ثم إن المراد ب { أنفسهم } يجوز أن يكون ms5729 الجمع فيه باعتبار التوزيع على ~~الآحاد المفادة بضمير { يملكون } ، أي لا يملك كل واحد لنفسه ضرا ولا نفعا ~~، ويكون المراد بالضر دفعه على تقدير مضاف دل عليه المقام لأن PageV18P321 ~~الشخص لا يتعلق غرضه بضر نفسه حتى يقرع بأنه عاجز عن ضر نفسه . # وتنكير { موتا و حياة } في سياق النفي للعموم ، أي موت أحد من الناس ولا ~~حياته . # والنشور : الإحياء بعد الموت . وأصله نشر الشيء المطوي . # $ 2 ( 4 ) { وقال الذين كفرو & # 1764 ا إن هاذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم ءاخرون فقد جآءوا ظلما ~~وزورا } . ) 2 $ # انتقال من ذكر كفرهم في أفعالهم إلى ذكر كفرهم بأقوالهم الباطلة . # والإظهار هنا لإفادة أن مضمون الصلة هو علة قولهم هذا ، أي ما جرأهم على ~~هذا البهتان إلا إشراكهم وتصلبهم فيه ، وليس ذلك لشبهة تبعثهم على هذه ~~المقالة لانتفاء شبهة ذلك ، بخلاف ما حكي آنفا من كفرهم بالله فإنهم تلقوه ~~من آبائهم ، فالوصف الذي أجري عليهم هنا مناسب لمقالتهم لأنها أصل كفرهم . # وهذه الجملة مقابلة جملة : { تبارك الذي نزل الفرقان على عبده } ( ~~الفرقان : 1 ) فهي المقصود من افتتاح الكلام كما آذنت بذلك فاتحة السورة . ~~وإنما أخرت هذه الجملة التي تقابل الجملة الأولى مع أن مقتضى ظاهر المقابلة ~~أن تذكر هذه الجملة قبل جملة : { واتخذوا من دونه آلهة } ( الفرقان : 3 ) ~~اهتماما بإبطال الكفر المتعلق بصفات الله كما تقدم آنفا . # والقصر المشتمل عليه كلامهم المستفاد من ( إن ) النافية و ( إلا ) قصر ~~قلب ؛ زعموا به رد دعوى أن القرآن منزل من عند الله . # وممن قال هذه المقابلة النضر بن الحارث ، وعبد الله بن أمية ، ونوفل بن ~~خويلد . فإسناد هذا القول إلى جميع الكفار لأنه واقع بين ظهرانيهم وكلهم ~~يتناقلونه . وهذه طريقة مألوفة في نسبة أمر إلى القبيلة كما يقال : بنو أسد ~~قتلوا حجرا . PageV18P322 # واسم الإشارة إلى القرآن حكاية لقولهم حين يسمعون آيات القرآن . # والضمير المرفوع في { افتراه } عائد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ~~المعلوم من قوله : { على عبده } ( الفرقان : 1 ) . # والإفك : الكذب . وتقدم عند قوله تعالى ms5730 : { إن الذين جاءو بالإفك } في ~~سورة النور ( 11 ) . والإفتراء : اختلاق الأخبار ، أي ابتكارها وهو الكذب ~~عن عمد ، وتقدم في قوله : { ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب } في ~~سورة العقود ( 103 ) . # { وأعانه عليه } أي على ما يقوله من القرآن قوم آخرون لقنوه بعض ما يقوله ~~، وأرادوا بالقوم الآخرين اليهود . روي هذا التفسير عن مجاهد وعن ابن عباس ~~: أشاروا إلى عبيد أربعة كانوا للعرب من الفرس وهم : عداس مولى حويطب بن ~~عبد العزى ، ويسار أبو فكيهة الرومي مولى العلاء بن الحضرمي ، وفي ( سيرة ~~ابن هشام ) أنه مولى صفوان بن أمية بن محرث ، وجبر مولى عامر . وكان هؤلاء ~~من موالي قريش بمكة ممن دانوا بالنصرانية وكانوا يعرفون شيئا من التوراة ~~والإنجيل ثم أسلموا ، وقد مر ذلك في سورة النحل ، فزعم المشركون أن الرسول ~~صلى الله عليه وسلم كان يتردد إلى هؤلاء سرا ويستمد منهم أخبار ما في ~~التوراة والإنجيل . # والقصر المستفاد من قوله : { إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم ~~آخرون } متسلط على كلتا الجملتين ، أي لا يخلو هذا القرآن من مجموع الأمرين ~~، هما : أن يكون افترى بعضه من نفسه ، وأعانه قوم على بعضه . # وفرع على حكاية قولهم هذا ظهور أنهم ارتكبوا بقولهم ظلما وزورا لأنهم حين ~~قالوا ذلك ظهر أن قولهم زور وظلم لأنه اختلاق واعتداء . # و { جاءو } مستعمل في معنى ( عملوا ) وهو مجاز في العناية بالعمل والقصد ~~إليه لأن من اهتم بتحصيل شيء مشى إليه ، وبهذا الاستعمال صح تعديته إلى ~~مفعول كما في هذه الآية . # والظلم : الاعتداء بغير حق بقول أو فعل قال تعالى : { قال لقد ظلمك بسؤال ~~PageV18P323 نعجتك إلى نعاجه } ( ص : 24 ) وتقدم في قوله : { ومن أظلم ممن ~~منع مساجد الله } في سورة البقرة ( 114 ) . والظلم الذي أتوه هو نسبتهم ~~الرسول إلى الاختلاق فإنه اعتداء على حقه الذي هو الصدق . # والزور : الكذب ، وأحسن ما قيل في الزور : إنه الكذب المحسن المموه بحيث ~~يشتبه بالصدق . # وكون قولهم ذلك كذبا ظاهر لمخالفته الواقع فالقرآن ليس فيه شيء من الإفك ~~، والذين ms5731 زعموهم معينين عليه لا يستطيع واحد منهم أن يأتي بكلام عربي بالغ ~~غاية البلاغة ومرتق إلى حد الإعجاز ، وإذا كان لبعضهم معرفة ببعض أخبار ~~الرسل فما هي إلا معرفة ضئيلة غير محققة كشأن معرفة العامة والدهماء . # $ 2 ( 5 ) { وقالو & # 1764 ا أساطير الاولين اكتتبها فهى تملى عليه بكرة وأصيلا } . ) 2 $ # الضمير عائد إلى الذين كفروا ، فمدلول الصلة مراعى في هذا الضمير إيماء ~~إلى أن هذا القول من آثار كفرهم . # الأساطير : جمع أسطورة بضم الهمزة كالأحدوثة والأحاديث ، والأغلوطة ~~والأغاليط ، وهي القصة المسطورة . وقد تقدم معناها مفصلا عند قوله : { حتى ~~إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين } في سورة ~~الأنعام ( 25 ) . وقائل هذه المقالة هو النضر بن الحارث العبدري قال : إن ~~القرآن قصص من قصص الماضين . وكان النضر هذا قد تعلم بالحيرة قصص ملوك ~~الفرس وأحاديث رستم واسفنديار فكان يقول لقريش : أنا والله يا معشر قريش ~~أحسن حديثا من محمد فهلم أحدثكم ؛ وكان يقول في القرآن : هو أساطير الأولين ~~. قال ابن عباس : كل ما ذكر فيه أساطير الأولين في القرآن فالمقصود منه قول ~~النضر بن الحارث . وقد تقدم هذا في سورة الأنعام وفي أول سورة يوسف . ~~PageV18P324 # وجملة : { اكتتبها } نعت أو حال ل { أساطير الأولين } . # والاكتتاب : افتعال من الكتابة ، وصيغة الافتعال تدل على التكلف لحصول ~~الفعل ، أي حصوله من فاعل الفعل ، فيفيد قوله : { اكتتبها } أنه تكلف أن ~~يكتبها . ومعنى هذا التكلف أن النبي عليه الصلاة والسلام لما كان أميا كان ~~إسناد الكتابة إليه إسنادا مجازيا فيؤول المعنى : أنه سأل من يكتبها له ، ~~أي ينقلها ، فكان إسناد الاكتتاب إليه إسنادا مجازيا لأنه سببه ، والقرينة ~~ما هو مقرر لدى الجميع من أنه أمي لا يكتب ، ومن قوله : { فهي تملى عليه } ~~لأنه لو كتبها لنفسه لكان يقرأها بنفسه . فالمعنى : استنسخها . وهذا كله ~~حكاية لكلام النضر بلفظه أو بمعناه ، ومراد النضر بهذا الوصف ترويج بهتانه ~~لأنه علم أن هذا الزور مكشوف قد لا يقبل عند الناس لعلمهم بأن النبي أمي ~~فكيف يستمد قرآنه ms5732 من كتب الأولين فهيأ لقبول ذلك أنه كتبت له ، فاتخذها ~~عنده فهو يناولها لمن يحسن القراءة فيملي عليه ما يقصه القرآن . # والإملاء : هو الإملال وهو إلقاء الكلام لمن يكتب ألفاظه أو يرويها أو ~~يحفظها . وتفريع الإملاء على الاكتتاب كان بالنظر إلى أن إملاءها عليه ~~ليقرأها أو ليحفظها . # والبكرة : أول النهار . والأصيل : آخر المساء ، وتقدم في قوله : { بالغدو ~~والآصال } في آخر الأعراف ( 205 ) ، أي تملى عليه طرفي النهار . وهذا ~~مستعمل كناية عن كثرة الممارسة لتلقي الأساطير . # # | 2 ( 6 ) { قل أنزله الذى يعلم السر فى السماوات والارض إنه كان غفورا ~~رحيما } . ) 2 # لقن الله رسوله الجواب لرد بهتان القائلين إن هذا القرآن إلا إفك ، وإنه ~~أساطير الأولين ، بأنه أنزله الله على رسوله . PageV18P325 # وعبر عن منزل القرآن بطريق الموصول لما تقتضيه الصلة من استشهاد الرسول ~~الله على ما في سره لأن الله يعلم كل سر في كل مكان . # فجملة الصلة مستعملة في لازم الفائدة وهو كون المتكلم ، أي الرسول ، ~~عالما بذلك . وفي ذلك كناية عن مراقبته الله فيما يبلغه عنه . وفي ذلك ~~إيقاظ لهم بأن يتدبروا في هذا الذي زعموه إفكا أو أساطير الأولين ليظهر لهم ~~اشتماله على الحقائق الناصعة التي لا يحيط بها إلا الله الذي يعلم السر ، ~~فيوقنوا أن القرآن لا يكون إلا من إنزاله ، وليعلموا براءة الرسول صلى الله ~~عليه وسلم من الاستعانة بمن زعموهم يعينونه . # والتعريف في { السر } تعريف الجنس يستغرق كل سر ، ومنه إسرار الطاعنين في ~~القرآن عن مكابرة وبهتان ، أي يعلم أنهم يقولون في القرآن ما لا يعتقدونه ~~ظلما وزورا منهم ، وبهذا يعلم موقع جملة : { إنه كان غفورا رحيما } ترغيبا ~~لهم في الإقلاع عن هذه المكابرة وفي اتباع دين الحق ليغفر الله لهم ويرحمهم ~~، وذلك تعريض بأنهم إن لم يقلعوا ويتوبوا حق عليهم الغضب والنقمة . # $ 2 ( 7 9 ) { وقالوا ما لهاذا الرسول يأكل الطعام ويمشى فى الاسواق لولا ~~& # 1764 أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا * أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة ~~يأكل منها وقال الظالمون ms5733 إن تتبعون إلا رجلا مسحورا * انظر كيف ضربوا لك ~~الامثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا } . ) 2 $ # { وقالوا ما لهاذا الرسول يأكل الطعام ويمشى فى الاسواق لولا & # 1764 أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا } { أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة ~~يأكل منها وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا } . # انتقال من حكاية مطاعنهم في القرآن وبيان إبطالها إلى حكاية مطاعنهم في ~~الرسول عليه الصلاة والسلام . # والضمير عائد إلى الذين كفروا ، فمدلول الصفة مراعى كما تقدم . ~~PageV18P326 # وقد أوردوا طعنهم في نبوءة النبي صلى الله عليه وسلم بصيغة الاستفهام عن ~~الحالة المختصة به إذ أوردوا اسم الاستفهام ولام الاختصاص والجملة الحالية ~~التي مضمونها مثار الاستفهام . # والاستفهام تعجيبي مستعمل في لازمه وهو بطلان كونه رسولا بناء على أن ~~التعجب من الدعوى يقتضي استحالتها أو بطلانها . وتركيب { ما لهذا } ونحوه ~~يفيد الاستفهام عن أمر ثابت له ، فاسم الاستفهام مبتدأ و { لهذا } خبر عنه ~~فمثار الاستفهام في هذه الآية هو ثبوت حال أكل الطعام والمشي في الأسواق ~~للذي يدعي الرسالة من الله . # فجملة : { يأكل الطعام } جملة حال . وقولهم : { لهذا الرسول } أجروا عليه ~~وصف الرسالة مجاراة منهم لقوله وهم لا يؤمنون به ولكنهم بنوا عليه ليتأتى ~~لهم التعجب والمراد منه الإحالة والإبطال . # والإشارة إلى حاضر في الذهن ، وقد بين الإشارة ما بعدها من اسم معرف بلام ~~العهد وهو الرسول . # وكنوا بأكل الطعام والمشي في الأسواق عن مماثلة أحواله لأحوال الناس ~~تذرعا منهم إلى إبطال كونه رسولا لزعمهم أن الرسول عن الله تكون أحواله غير ~~مماثلة لأحوال الناس ، وخصوا أكل الطعام والمشي في الأسواق لأنهما من ~~الأحوال المشاهدة المتكررة ، ورد الله عليهم قولهم هذا بقوله : { وما ~~أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق } ( ~~الفرقان : 20 ) . ثم انتقلوا إلى اقتراح أشياء تؤيد رسالته فقالوا : { لولا ~~أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا } . وخصوا من أحوال الرسول حال النذارة ~~لأنها التي أنبتت حقدهم عليه . # و ( لولا ) حرف تحضيض مستعمل في التعجيز ، أي لو أنزل إليه ملك ms5734 لاتبعناه ~~. # وانتصب ( فيكون ) على جواب التحضيض . # و ( أو ) للتخيير في دلائل الرسالة في وهمهم . PageV18P327 # ومعنى { يلقى إليه كنز } أي ينزل إليه كنز من السماء ، إذ كان الغنى فتنة ~~لقلوبهم . والإلقاء : الرمي ، وهو هنا مستعار للإعطاء من عند الله لأنهم ~~يتخيلون الله تعالى في السماء . # والكنز تقدم في قوله تعالى : { أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز } في سورة ~~هود ( 12 ) . وجعلوا إعطاء جنة له علامة على النبوءة لأن وجود الجنة في مكة ~~خارق للعادة . # وقرأ الجمهور : { يأكل منها } بياء الغائب ، والضمير المستتر عائد إلى { ~~هذا الرسول } . # وقرأ حمزة والكسائي وخلف { نأكل منها } بنون الجماعة . والمعنى : ~~ليتيقنوا أن ثمرها حقيقة لا سحر . # ذكر أصحاب السير أن هذه المقالة صدرت من كبراء المشركين وفي مجلس لهم مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة ، وأبا ~~سفيان بن حرب ، وأبا البختري ، والأسود بن عبد المطلب ، وزمعة بن الأسود ، ~~والوليد بن المغيرة ، وأبا جهل بن هشام ، وأمية بن خلف ، وعبد الله بن أبي ~~أمية ، والعاصي بن وائل ، ونبيه بن الحجاج ومنبه بن الحجاج ، والنضر بن ~~الحارث ، وأن هذه الأشياء التي ذكروها تداولها أهل المجلس إذ لم يعين أهل ~~السير قائلها . # قال ابن عطية : وأشاعوا ذلك في الناس فنزلت هذه الآية في ذلك . وقد تقدم ~~شيء من هذا في سورة الإسراء . # وكتبت لام { مال هذا } منفصلة عن اسم الإشارة الذي بعدها في المصحف ~~الإمام فاتبعته المصاحف لأن رسم المصحف سنة فيه ، كما كتب { مال هذا الكتاب ~~لا يغادر صغيرة ولا كبيرة في سورة الكهف ( 49 ) ، وكما كتب : مال الذين ~~كفروا قبلك مهطعين في سورة سأل سائل ( 36 ) ، وكما كتب : فمال هؤلاء القوم ~~} في سورة النساء ( 78 ) . ولعل وجه هذا الانفصال أنه طريقة رسم قديم كانت ~~الحروف تكتب منفصلا بعضها عن بعض ولا سيما حروف المعاني فعاملوا ~~PageV18P328 ما كان على حرف واحد معاملة ما كان على حرفين فبقيت على يد أحد ~~كتاب المصحف أثارة من ذلك ، وأصل حروف الهجاء كلها الانفصال ms5735 ، وكذلك هي في ~~الخطوط القديمة للعرب وغيرهم . وكان وصل حروف الكلمة الواحدة تحسينا للرسم ~~وتسهيلا لتبادر المعنى ، وأما ما كان من كلمتين فوصله اصطلاح . وأكثر ما ~~وصلوا منه هو الكلمة الموضوعة على حرف واحد مثل حروف القسم أو كالواحد مثل ~~( ال ) . # { وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا } { انظر كيف ضربوا لك ~~الامثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا } . # الظالمون : هم المشركون ، فغير عنوانهم الأول إلى عنوان الظلم وهم هم ~~تنبيها على أن في هذا القول اعتداء على الرسول بنبزه بما هو بريء منه وهم ~~يعلمون أنه ليس كذلك فظلمهم له أشد ظلم ، وصلى الله عليه وسلم . # ذكر الماوردي : أن قائل : { إن تتبعون إلا رجلا مسحورا } هو عبد الله بن ~~الزبعرى ، أي هو مبتكر هذا البهتان وإنما أسند القول إلى جميع الظالمين ~~لأنهم تلقفوه ولهجوا به . # والمسحور : الذي أصابه السحر ، وهو يورث اختلال العقل عندهم ، أي ما ~~تتبعون إلا رجلا أصابه خلل العقل فهو يقول ما لا يقول مثله العقلاء . # وذكر { رجلا } هنا لتمهيد استحالة كونه رسولا لأنه رجل من الناس . وهذا ~~الخطاب خاطبوا به المسلمين الذين اتبعوا النبي صلى الله عليه وسلم # ومعنى : { انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا } أنهم ضربوا لك الأمثال ~~الباطلة بأن مثلوك برجل مسحور . PageV18P329 # وقوله : { انظر } مستعار لمعنى العلم تشبيها للأمر المعقول بالأمر المرئي ~~لشدة وضوحه . # و ( كيف ) اسم للكيفية والحالة مجرد هنا عن معنى الاستفهام . # وفرع على هذا التعجيب إخبار عنهم بأنهم ضلوا في تلفيق المطاعن في رسالة ~~الرسول فسلكوا طرائق لا تصل بهم إلى دليل مقنع على مرادهم ، ففعل { ضلوا } ~~مستعمل في معنييه المجازيين هما : معنى عدم التوفق في الحجة ، ومعنى عدم ~~الوصول للدين الحق ، وهو هنا تعجيب من خطلهم وإعراض عن مجاوبتهم . # $ 2 ( 10 ) { تبارك الذى & # 1764 إن شآء جعل لك خيرا من ذالك جنات تجرى من تحتها الانهار ويجعل لك ~~قصورا } . ) 2 $ # ابتدئت السورة بتعظيم الله وثنائه على أن أنزل الفرقان على رسوله ، وأعقب ~~ذلك بما تلقى به المشركون هذه المزية من الجحود ms5736 والإنكار الناشىء عن تمسكهم ~~بما اتخذوه من آلهة من صفاتهم ما ينافي الإلاهية ، ثم طعنوا في القرآن ~~والذي جاء به بما هو كفران للنعمة ومن جاء بها . # فلما أريد الإعراض عن باطلهم والإقبال على خطاب الرسول بتثبيته وتثبيت ~~المؤمنين أعيد اللفظ الذي ابتدئت به السورة على طريقة وصل الكلام بقوله : { ~~تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك } . # وهذه الجملة استئناف واقع موقع الجواب عن قولهم { أو تكون له جنة } ( ~~الفرقان : 8 ) الخ ، أي إن شاء جعل لك خيرا من الذي اقترحوه ، أي أفضل منه ~~، أي إن شاء عجله لك في الدنيا ، فالإشارة إلى المذكور من قولهم ، فيجوز أن ~~يكون المراد بالجنات والقصور جناتت في الدنيا وقصورا فيها ، أي خيرا من ~~الذي اقترحوه دليلا على صدقك في زعمهم بأن تكون عدة جنات وفيها قصور . ~~وبهذا فسر PageV18P330 جمهور المفسرين . وعلى هذا التأويل تكون ( إن ) ~~الشرطية واقعة موقع ( لو ) ، أي أنه لم يشأ ولو شاءه لفعله ولكن الحكمة ~~اقتضت عدم البسط للرسول في هذه الدنيا ولكن المشركين لا يدركون المطالب ~~العالية . # وقال ابن عطية : يحتمل أن يكون المراد بالجنات والقصور ليست التي في ~~الدنيا ، أي هي جنات الخلد وقصور الجنة فيكون وعدا من الله لرسوله . # واقتران هذا الوعد بشرط المشيئة جار على ما تقتضيه العظمة الإلاهية وإلا ~~فسياق الوعد يقتضي الجزم بحصوله ، فالله شاء ذلك لا محالة ، بأن يقال : ~~تبارك الذي جعل لك خيرا من ذلك . فموقع { إن شاء } اعتراض . # وأصل المعنى : تبارك الذي جعل لك خيرا من ذلك جنات إلى آخره . ويساعد هذا ~~قراءة ابن كثير وابن عامر وأبي بكر عن عاصم { ويجعل لك قصورا } برفع { يجعل ~~} على الاستئناف دون إعمال حرف الشرط ، وقراءة الأكثر بالجزم عطفا على فعل ~~الشرط وفعل الشرط محقق الحصول بالقرينة ، وهذا المحمل أشد تبكيتا للمشركين ~~وقطعا لمجادلتهم ، وقرينة ذلك قوله بعده : { بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن ~~كذب بالساعة سعيرا } ( الفرقان : 11 ) ، وهو ضد ومقابل لما أعده لرسوله ~~والمؤمنين . # والقصور : المباني العظيمة الواسعة على وجه الأرض ms5737 وتقدم في قوله : { ~~تتخذون من سهولها قصورا } في سورة الأعراف ( 74 ) ، وقوله : { وقصر مشيد } ~~في سورة الحج ( 45 ) . # # | 2 ( 11 ) { بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا } . ) 2 # { بل } للإضراب ، فيجوز أن يكون إضراب انتقال من ذكر ضلالهم في صفة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ذكر ضلالهم في إنكار البعث على تأويل ~~الجمهور قوله : { إن شاء جعل لك خيرا من ذلك } ( الفرقان : 10 ) كما تقدم . # ويجوز أن يكون اضراب إبطال لما تضمنه قوله : { إن شاء جعل لك خيرا ~~PageV18P331 من ذلك على تأويل ابن عطية من الوعد بإيتائه ذلك في الآخرة ، ~~أي بل هم لا يقنعون بأن حظ الرسول عند ربه ليس في متاع الدنيا الفاني ~~الحقير ولكنه في خيرات الآخرة الخالدة غير المتناهية ، أي أن هذا رد عليهم ~~ومقنع لهم لو كانوا يصدقون بالساعة ولكنهم كذبوا بها فهم متمادون على ~~ضلالهم لا تقنعهم الحجج . # والساعة : اسم غلب على عالم الخلود ، تسمية باسم مبدئه وهو ساعة البعث . ~~وإنما قصر تكذيبهم على الساعة لأنهم كذبوا بالبعث فهم بما وراءه أحرى ~~تكذيبا . # وجملة : وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا } معترضة بالوعيد لهم ، وهو ~~لعمومه يشمل المشركين المتحدث عنهم ، فهو تذييل . ومن غرضه مقابلة ما أعد ~~الله للمؤمنين في العاقبة بما أعده للمشركين . # والسعير : الالتهاب ، وهو فعيل بمعنى مفعول ، أي مسعور ، أي زيد فيها ~~الوقود ، وهو معامل معاملة المذكر لأنه من أحوال اللهب ، وتقدم في قوله ~~تعالى : { كلما خبت زدناهم سعيرا } في سورة الإسراء ( 97 ) . وقد يطلق علما ~~بالغلبة على جهنم وذلك على حذف مضاف ، أي ذات سعير . # # | 2 ( 12 14 ) { إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا * وإذآ ~~ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا * لا تدعوا اليوم ثبورا ~~واحدا وادعوا ثبورا كثيرا } . ) 2 # تخلص من اليأس من اقتناعهم إلى وصف السعير الذي أعد لهم ، وأجري على ~~السعير ضمير { رأتهم } بالتأنيث لتأويل السعير بجهنم إذ هو علم عليها ~~بالغلبة كما تقدم . # وإسناد الرؤية إلى النار استعارة والمعنى : إذا سيقوا ms5738 إليها فكانوا من ~~النار بمكان ما يرى الرائي من وصل إليه سمعوا لها تغيظا وزفيرا من مكان ~~PageV18P332 بعيد ، ويجوز أن يكون معنى : { رأتهم } رآهم ملائكتها أطلقوا ~~منافذها فانطلقت ألسنتها بأصوات اللهيب كأصوات المتغيظ وزفيره فيكون إسناد ~~الرؤية إلى جهنم مجازا عقليا . # والتغيظ : شدة الغيظ . والغيظ : الغضب الشديد ، وتقدم عند قوله : { عضوا ~~عليكم الأنامل من الغيظ } في سورة آل عمران ( 119 ) . فصيغة التفعل هنا ~~الموضوعة في الأصل لتكلف الفعل مستعملة مجازا في قوته لأن المتكلف لفعل ~~يأتي به كأشد ما يكون . # والمراد به هنا صوت المتغيظ ، بقرينة تعلقه بفعل : { سمعوا } فهو تشبيه ~~بليغ . # والزفير : امتداد النفس من شدة الغيظ وضيق الصدر ، أي صوتا كالزفير فهو ~~تشبيه بليغ أيضا . ويجوز أن يكون الله قد خلق لجهنم إدراكا للمرئيات بحيث ~~تشتد أحوالها عند انطباع المرئيات فيها فتضطرب وتفيض وتتهيأ لالتهام بعثها ~~فتحصل منها أصوات التغيظ والزفير فيكون إسناد الرؤية والتغيظ والزفير حقيقة ~~، وأمور العالم الأخرى لا تقاس على الأحوال المتعارفة في الدنيا . # وعلى هذين الاحتمالين يحمل ما ورد في القرآن والحديث نحو قوله تعالى : { ~~يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد } ( ق : 30 ) ، وقول النبي صلى ~~الله عليه وسلم ( اشتكت النار إلى ربها فقالت يا رب أكل بعضي بعضا ، فأذن ~~لها بنفسين نفس في الصيف ونفس في الشتاء ) رواه في ( الموطأ ) : زاد في ~~رواية مسلم : ( فما ترون من شدة البرد فذلك من زمهريرها وما ترون من شدة ~~الحر فهو من سمومها ) . # وجعل إزجاؤهم إلى النار من مكان بعيد زيادة في الكناية بهم لأن بعد ~~المكان يقتضي زيادة المشقة إلى الوصول ويقتضي طول الرعب مما سمعوا . # ووصف وصولهم إلى جهنم من مكان بعيد ووضعهم فيها بقوله : { وإذا ألقوا ~~منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا } فصيغ نظمه في صورة توصيف ضجيج ~~أهل النار من قوله : { دعوا هنالك ثبورا } ، وأدمج في خلال PageV18P333 ذلك ~~وصف داخل جهنم ووصف وضع المشركين فيها بقوله : { مكانا ضيقا } وقوله : { ~~مقرنين } تفننا في أسلوب الكلام . # والإلقاء : الرمي . وهو هنا ms5739 كناية عن الإهانة . # وانتصب { مكانا } على نزع الخافض ، أي في مكان ضيق . # وقرأ الجمهور { ضيقا } بتشديد الياء ، وقرأه ابن كثير { ضيقا } بسكون ~~الياء وكلاهما للمبالغة في الوصف مثل : ميت وميت ، لأن الضيق بالتشديد صيغة ~~تمكن الوصف من الموصوف ، والضيق بالسكون وصف بالمصدر . # و { مقرنين } حال من ضمير { ألقوا } أي مقرنا بعضهم في بعض كحال الأسرى ~~والمساجين أن يقرن عدد منهم في وثاق واحد ، كما قال تعالى : { وآخرين ~~مقرنين في الأصفاد } ( ص : 38 ) . والمقرن : المقرون ، صيغت له مادة ~~التفعيل للإشارة إلى شدة القرن . # والدعاء : النداء بأعلى الصوت ، والثبور : الهلاك ، أي نادوا : يا ثبورنا ~~، أو واثبوراه بصيغة الندبة ، وعلى كلا الاحتمالين فالنداء كناية عن التمني ~~، أي تمنوا حلول الهلاك فنادوه كما ينادى من يطلب حضوره ، أو ندبوه كما ~~يندب من يتحسر على فقده ، أي تمنوا الهلاك للاستراحة من فظيع العذاب . # وجملة : { لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا } إلى آخرها مقولة لقول محذوف ، أي ~~يقال لهم ، ووصف الثبور بالكثير إما لكثرة ندائه بالتكرير وهو كناية عن عدم ~~حصول الثبور لأن انتهاء النداء يكون بحضور المنادى ، أو هو يأس يقتضي تكرير ~~التمني أو التحسر . # # | 2 ( 15 ، 16 ) { قل أذالك خير أم جنة الخلد التى وعد المتقون كانت لهم ~~جزآء ومصيرا * لهم فيها ما يشآءون خالدين كان على ربك وعدا مسئولا } . ) 2 # PageV18P334 # الأمر بالقول يقتضي مخاطبا مقولا له ذلك : فيجوز أن يقصد : قل لهم ، أي ~~للمشركين الذين يسمعون الوعيد والتهديد السابق : ( أذلك خير أم الجنة ) ؟ ~~فالجمل متصلة السياق ، والاستفهام حينئذ للتهكم إذ لا شبهة في كون الجنة ~~الموصوفة خيرا . ويجوز أن يقصد : قل للمؤمنين ، فالجملة معترضة بين آيات ~~الوعيد لمناسبة إبداء البون بين حال المشركين وحال المؤمنين ، والاستفهام ~~حينئذ مستعمل في التلميح والتلطف . وهذا كقوله : { أذلك خير نزلا أم شجرة ~~الزقوم } في سورة الصافات ( 62 ) . # والإشارة إلى المكان الضيق في جهنم . # و { خير } اسم تفضيل ، وأصله ( أخير ) بوزن اسم التفضيل فحذفت الهمزة ~~لكثرة الاستعمال . والتفضيل على المحمل الأول في موقع الآية مستعمل للتهكم ~~بالمشركين . وعلى المحمل ms5740 الثاني مستعمل للتلميح في خطاب المؤمنين وإظهار ~~المنة عليهم . # ووصف الموعودين بأنهم متقون على المحمل الأول جار على مقتضى الظاهر ، ~~وعلى المحمل الثاني جار على خلاف مقتضى الظاهر لأن مقتضى الظاهر أن يؤتى ~~بضمير الخطاب ، فوجه العدول إلى الإظهار ما يفيده { المتقون } من العموم ~~للمخاطبين ومن يجيء بعدهم . # وجملة : { كانت لهم جزاء ومصيرا } تذييل لجملة : { جنة الخلد التي وعد ~~المتقون } لما فيها من التنويه بشأن الجنة بتنكير { جزاء ومصيرا } مع ~~الإيماء إلى أنهم وعدوا بها وعد مجازاة على نحو قوله تعالى : { نعم الثواب ~~وحسنت مرتفقا } ( الكهف : 31 ) وقوله : { بئس الشراب وساءت مرتفقا في سورة ~~الكهف ( 31 29 ) . # وجملة : لهم فيها ما يشاؤون } ، حال من { جنة الخلد } أو صفة ثانية . ~~وجملة : { كان على ربك وعدا مسئولا } حال ثانية والرابط محذوف إذ التقدير : ~~وعدا لهم . # والضمير المستتر في : { كان على ربك وعدا } عائد إما إلى الوعد المفهوم ~~PageV18P335 من قوله : { التي وعد المتقون } ، أي كان الوعد وعدا مسؤولا ~~وأخبر عن الوعد ب { وعدا } وهو عينه ليبنى عليه { مسئولا } . # ويجوز أن يعود الضمير إلى { ما يشاءون } والإخبار عنه ب { وعدا } من ~~الإخبار بالمصدر والمراد المفعول كالخلق بمعنى المخلوق . # ويتعلق : { على ربك } ب { وعدا } لتضمين { وعدا } معنى ( حقا ) لإفادة ~~أنه { وعدا } لا يخلف كقوله تعالى { وعدا علينا إنا كنا فاعلين } ( ~~الأنبياء : 104 ) . # والمسؤول : الذي يسأله مستحقه ويطالب به ، أي حقا للمتقين أن يترقبوا ~~حصوله كأنه أجر لهم عن عمل . وهذا مسوق مساق المبالغة في تحقيق الوعد ~~والكرم كما يشكرك شاكر على إحسان فتقول : ما أتيت إلا واجبا ، إذ لا يتبادر ~~هنا غير هذا المعنى ، إذ لا معنى للوجوب على الله تعالى سوى أنه تفضل وتعهد ~~به ، ولا يختلف في هذا أهل الملة وإنما اختلفوا في جواز إخلاف الوعد . # # | 2 ( 17 ، 18 ) { ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أءنتم ~~أضللتم عبادى هاؤلاء أم هم ضلوا السبيل * قالوا سبحانك ما كان ينبغى لنآ أن ~~نتخذ من دونك من أوليآء ولاكن متعتهم وءابآءهم حتى نسوا الذكر ms5741 وكانوا قوما ~~بورا } . ) 2 # عطف { ويوم نحشرهم } إما على جملة : { قل أذلك خير } ( الفرقان : 15 ) إن ~~كان المراد : قل للمشركين ، أو عطف على جملة : { وأعتدنا لمن كذب بالساعة ~~سعيرا } ( الفرقان : 11 ) على جواز أن المراد : قل للمؤمنين . # وعلى كلا الوجهين فانتصاب { يوم نحشرهم } على المفعولية لفعل محذوف ~~PageV18P336 معلوم في سياق أمثاله ، تقديره : اذكر ذلك اليوم لأنه لما ~~توعدهم بالسعير وما يلاقون من هولها بين لهم حال ما قبل ذلك وهو حالهم في ~~الحشر مع أصنامهم . وهذا مظهر من مظاهر الهول لهم في المحشر إذ يشاهدون ~~خيبة آمالهم في آلهتهم إذ يرون حقارتها بين يدي الله وتبرؤها من عبادها ~~وشهادتها عليهم بكفرانهم نعمة الله وإعراضهم عن القرآن ، وإذ يسمعون تكذيب ~~من عبدوهم من العقلاء من الملائكة وعيسى عليهم السلام والجن ونسبوا إليهم ~~أنهم أمروهم بالضلالات . # وعموم الموصول من قوله : { وما يعبدون } شامل لأصناف المعبودات التي ~~عبدوها ولذلك أوثرت ( ما ) الموصولة لأنها تصدق على العقلاء وغيرهم . على ~~أن التغليب هنا لغير العقلاء . والخطاب في { أأنتم أضللتم } للعقلاء بقرينة ~~توجيه الخطاب . # فجملة : { قالوا سبحانك } جواب عن سؤال الله إياهم : { أأنتم أضللتم ~~عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل } ، فهو استئناف ابتدائي ولا يتعلق به { يوم ~~نحشرهم } . # وقرأ الجمهور : { نحشرهم } بالنون و { يقول } بالياء ففيه التفات من ~~التكلم إلى الغيبة . وقرأه ابن كثير وأبو جعفر ويعقوب { يحشرهم ويقول } ~~كليهما بالياء . وقرأ ابن عامر { نحشرهم ونقول } كليهما بالنون . # والاستفهام تقريري للاستنطاق والاستشهاد . والمعنى : أأنتم أضللتموهم أم ~~ضلوا من تلقاء أنفسهم دون تضليل منكم . ففي الكلام حذف دل عليه المذكور . # وأخبر بفعل : { أضللتم } عن ضمير المخاطبين المنفصل وبفعل { ضلوا } عن ~~ضمير الغائبين المنفصل ليفيد تقديم المسند إليهما على الخبرين الفعليين ~~تقوي الحكم المقرر به لإشعارهم بأنهم لا مناص لهم من الإقرار بأحد الأمرين ~~وأن أحدهم محقق الوقوع لا محالة . فالمقصود بالتقوية هو معادل همزة ~~الاستفهام وهو : { أم هم ضلوا السبيل } . PageV18P337 # والمجيبون هم العقلاء من المعبودين الملائكة وعيسى عليهم السلام . # وقولهم : { سبحانك } كلمة تنزيه كني بها عن التعجب ms5742 من قول فظيع . كقول ~~الأعشى : # قد قلت لما جاءني فخره # سبحان من علقمة الفاخر # وتقدم في سورة النور ( 16 ) : { سبحانك هذا بهتان عظيم . واعلم أن ظاهر ~~ضمير نحشرهم } أن يعود على المشركين الذين قرعتهم الآية بالوعيد وهم الذين ~~قالوا : { مال هذا الرسول يأكل الطعام } إلى قوله : { مسحورا } ( الفرقان : ~~7 ، 8 ) ؛ لكن ما يقتضيه وصفهم ب { الظالمون } والإخبار عنهم بأنهم كذبوا ~~بالساعة وما يقتضيه ظاهر الموصول في قوله : { لمن كذب بالساعة } ( الفرقان ~~: 11 ) من شمول كل من تحقق فيه مضمون الصلة ، كل ذلك يقتضي أن يكون ضمير { ~~نحشرهم } عائدا إلى { من كذب بالساعة } فيشمل المشركين الموجودين في وقت ~~نزول الآية ومن انقرض منهم بعد بلوغ الدعوة المحمدية ومن سيأتي بعدهم من ~~المشركين . # ووصف العباد هنا تسجيل على المشركين بالعبودية وتعريض بكفرانهم حقها . # والإشارة إليهم لتمييزهم من بين بقية العباد . # وهذا أصل في أداء الشهادة على عين المشهود عليه لدى القاضي . # وإسناد القول إلى ما يعبدون من دون الله يقتضي أن الله يجعل في الأصنام ~~نطقا يسمعه عبدتها ، أما غير الأصنام ممن عبد من العقلاء فالقول فيهم ظاهر ~~. # وإعادة فعل { ضلوا } في قوله : { أم هم ضلوا السبيل } ليجري على ضميرهم ~~مسند فعلي فيفيد التقوي في نسبة الضلال إليهم . والمعنى : أم هم ضلوا من ~~تلقاء أنفسهم دون تضليل منكم . وحق الفعل أن يعدى ب ( عن ) ولكنه عدي بنفسه ~~لتضمنه معنى ( أخطؤوا ) ، أو على نزع الخافض . # و { سبحانك } تعظيم لله تعالى في مقام الاعتراف بأنهم ينزهون الله عن أن ~~يدعوا لأنفسهم مشاركته في الإلاهية . PageV18P338 # ومعنى : { ما كان ينبغي لنا } ما يطاوعنا طلب أن نتخذ عبدة لأن ( انبغى ) ~~مطاوع ( بغاه ) إذا طلبه . فالمعنى : لا يمكن لنا اتخاذنا أولياء ، أي ~~عبادا ، قال تعالى : { وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي } ( ص : 35 ) . ~~وقد تقدم في قوله تعالى : { وما ينبغي للرحمان أن يتخذ ولدا } في سورة مريم ~~( 92 ) . وهو هنا كناية عن انتفاء طلبهم هذا الاتخاذ انتفاء شديدا ، أي ~~نتبرأ من ذلك ، لأن نفي ( كان ) وجعل ms5743 المطلوب نفيه خبرا عن ( كان ) أقوى في ~~النفي ولذلك يسمى جحودا . والخبر مستعمل في لازم فائدته ، أي نعلم أنه لا ~~ينبغي لنا فكيف نحاوله . # ( ومن ) في قوله : { من دونك } للابتداء لأن أصل ( دون ) أنه اسم للمكان ~~، ويقدر مضاف محذوف يضاف إليه ( دون ) نحو : جلست دون ، أي دون مكانه ، ~~فموقع ( من ) هنا موقع الحال من { أولياء } . وأصلها صفة ل { أولياء } فلما ~~قدمت الصفة على الموصوف صارت حالا . والمعنى : لا نتخذ أولياء لنا موصوفين ~~بأنهم من جانب دون جانبك ، أي أنهم لا يعترفون لك بالوحدانية في الإلاهية ~~فهم يشركون معك في الإلاهية . # وعن ابن جني : أن ( من ) هنا زائدة . وأجاز زيادة ( من ) في المفعول . # و ( من ) في قوله : { من أولياء } مزيدة لتأكيد عموم النفي ، أي استغراقه ~~لأنه نكرة في سياق النفي . # والأولياء : جمع الولي بمعنى التابع في الولاء فإن الولي يرادف المولى ~~فيصدق على كلا طرفي الولاء ، أي على السيد والعبد ، أو الناصر والمنصور . ~~والمراد هنا : الولي التابع كما في قوله : { فتكون للشيطان وليا } في سورة ~~مريم ( 45 ) ، أي لا نطلب من الناس أن يكونوا عابدين لنا . # وقرأ الجمهور { نتخذ } بالبناء للفاعل . وقرأه أبو جعفر { نتخذ } بضم ~~النون وفتح الخاء على البناء للمفعول ، أي أن يتخذنا الناس أولياء لهم من ~~دونك . فموقع { من دونك } موقع الحال من ضمير { نتخذ } . والمعنى عليه : ~~أنهم يتبرؤون من أن يدعوا الناس لعبادتهم ، وهذا تسفيه للذين عبدوهم ~~PageV18P339 ونسبوا إليهم موالاتهم . والمعنى لا نتخذ من يوالينا دونك ، أي ~~من يعبدنا دونك . # والاستدراك الذي أفاده ( لكن ) ناشىء عن التبريء من أن يكونوا هم المضلين ~~لهم بتعقيبه ببيان سبب ضلالهم لئلا يتوهم أن تبرئة أنفسهم من إضلالهم يرفع ~~تبعة الضلال عن الضالين . والمقصود بالاستدراك ما بعد ( حتى ) وهو { نسوا ~~الذكر } . وأما ما قبلها فقد أدمج بين حرف الاستدراك ومدخوله ما يسجل عليهم ~~فظاعة ضلالهم بأنهم قابلوا رحمة الله ونعمته عليهم وعلى آبائهم بالكفران ، ~~فالخبر عن الله بأنه متع الضالين وآباءهم مستعمل في الثناء على الله بسعة ~~الرحمة ، وفي الإنكار على ms5744 المشركين مقابلة النعمة بالكفران غضبا عليهم . # وجعل نسيانهم الذكر غاية للتمتيع للإيماء إلى أن ذلك التمتيع أفضى إلى ~~الكفران لخبث نفوسهم فهو كجود في أرضض سبخة قال تعالى : { وتجعلون رزقكم ~~أنكم تكذبون } ( الواقعة : 82 ) . # والتعرض إلى تمتيع آبائهم هنا مع أن نسيان الذكر إنما حصل من المشركين ~~الذين بلغتهم الدعوة المحمدية ونسوا الذكر ، أي القرآن ، هو زيادة تعظيم ~~نعمة التمتيع عليهم بأنها نعمة متأثلة تليدة ، مع الإشارة إلى أن كفران ~~النعمة قد انجر لهم من آبائهم الذين سنوا لهم عبادة الأصنام . ففيه تعريض ~~بشناعة الإشراك ولو قبل مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم # وبهذا يظهر أن ضمير { نسوا } وضمير { كانوا } عائدان إلى الظالمين ~~المكذبين بالإسلام دون آبائهم لأن الآباء لم يسمعوا الذكر . # والنسيان مستعمل في الإعراض عن عمد على وجه الاستعارة لأنه إعراض يشبه ~~النسيان في كونه عن غير تأمل ولا بصيرة . وتقدم في قوله تعالى : { وتنسون ~~ما تشركون } في سورة الأنعام ( 41 ) . # والذكر : القرآن لأنه يتذكر به الحق ، وقد تقدم في قوله تعالى : ~~PageV18P340 { وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون في سورة ~~الحجر ( 6 ) . # والبور : جمع بائر كالعوذ جمع عائذ ، والبائر : هو الذي أصابه البوار ، ~~أي الهلاك . وتقدم في قوله تعالى : وأحلوا قومهم دار البوار } ( إبراهيم : ~~28 ) أي الموت . وقد استعير البور لشدة سوء الحالة بناء على العرف الذي يعد ~~الهلاك آخر ما يبلغ إليه الحي من سوء الحال كما قال تعالى : { يهلكون ~~أنفسهم } ( التوبة : 42 ) ، أي سوء حالهم في نفس الأمر و هم عنه غافلون . ~~وقيل : البوار الفساد في لغة الأزد وأنه وما اشتق منه مما جاء في القرآن ~~بغير لغة مضر . # واجتلاب فعل ( كان ) وبناء { بورا } على { قوما } دون أن يقال : حتى نسوا ~~الذكر وباروا للدلالة على تمكن البوار منهم بما تقتضيه ( كان ) من تمكن ~~معنى الخبر ، وما يقتضيه ( قوما ) من كون البوار من مقومات قوميتهم كما ~~تقدم عند قوله تعالى : { لآيات لقوم يعقلون } في سورة البقرة ( 164 ) . # # | 2 ( 19 ) { فقد كذبوكم بما تقولون فما ms5745 تستطيعون صرفا ولا نصرا ومن يظلم ~~منكم نذقه عذابا كبيرا } . ) 2 # { فقد كذبوكم بما تقولون فما تستطيعون صرفا ولا نصرا ومن يظلم منكم نذقه ~~عذابا كبيرا } . # الفاء فصيحة ، أي إفصاح عن حجة بعد تهيئة ما يقتضيها ، وهو إفصاح رائع ~~وزاده الالتفات في قوله : { كذبوكم } . # وفي الكلام حذف فعل قول يدل عليه المقام . والتقدير : إن قلتم هؤلاء ~~آلهتنا فقد كذبوكم ، وقد جاء التصريح بما يدل على القول المحذوف في قول ~~عباس بن الأحنف : # قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا # ثم القفول فقد جئنا خراسانا # أي إن قلتم ذلك فقد جئنا خراسان . وفي حذف فعل القول في هذه الآية ~~استحضار لصورة المقام كأنه مشاهد غير محكي وكأن السامع آخر الآية قد سمع ~~لهذه المحاورة مباشرة دون حكاية فقرع سمعه شهادة الأصنام عليهم PageV18P341 ~~ثم قرع سمعه توجه خطاب التكذيب إلى المشهود عليهم ، وهو تفنن بديع في ~~الحكاية يعتمد على تخييل المحكي واقعا ، ومنه قوله تعالى : { يوم يسحبون في ~~النار على وجوههم ذوقوا مس سقر } ( القمر : 48 ) . فجملة { فقد كذبوكم } ~~إلخ مستأنفة ابتدائية هو إقبال على خطاب الحاضرين وهو ضرب من الالتفات مثل ~~قوله تعالى : { واستغفري لذنبك } بعد قوله : { يوسف أعرض عن هذا } ( يوسف : ~~29 ) . # والباء في قوله : { بما تقولون } يجوز أن تكون بمعنى ( في ) للظرفية ~~المجازية ، أي كذبوكم تكذيبا واقعا فيما تقولون ، ويجوز أن تكون للسببية ، ~~أي كذبوكم بسبب ما تقولون . # و ( ما ) موصولة . والذي قالوه هو ما يستفاد من السؤال والجواب وهو أنهم ~~قالوا إنهم دعوهم إلى أن يعبدوهم . # وفرع على الإعلان بتكذيبهم إياهم تأييسهم من الانتفاع بهم في ذلك الموقف ~~إذ بين لهم أنهم لا يستطيعون صرفا ، أي صرف ضر عنهم ، ولا نصرا ، أي إلحاق ~~ضر بمن يغلبهم . ووجه التفريع ما دل عليه قولهم { سبحانك } ( الفرقان : 18 ~~) الذي يقتضي أنهم في موقف العبودية والخضوع . # وقرأ الجمهور : { يستطيعون } بياء الغائب ، وقرأه حفص بتاء الخطاب على ~~أنه خطاب للمشركين الذين عبدوا الأصنام من دون الله . # { ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا } . # تذييل للكلام ms5746 يشمل عمومه جميع الناس ، ويكون خطاب { منكم } لجميع ~~المكلفين . ويفيد ذلك أن المشركين المتحدث عنهم معذبون عذابا كبيرا : ~~والعذاب الكبير هو عذاب جهنم . # # | 2 ( 20 ) { ومآ أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ~~ويمشون فى الاسواق وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا } . ) 2 # PageV18P342 ( هذه الآية مكررة : # { ومآ أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون فى ~~الاسواق وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا } . ) # هذا رد على قولهم : { مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق } ( ~~الفرقان : 7 ) بعد أن رد عليهم قولهم { أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة ~~يأكل منها } ( الفرقان : 8 ) بقوله : { تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ~~ذلك } ( الفرقان : 10 ) ، ولكن لما كان قولهم : { أو يلقى إليه كنز } حالة ~~لم تعط للرسل في الحياة الدنيا كان رد قولهم فيها بأن الله أعطاه خيرا من ~~ذلك في الآخرة . # وأما قولهم : { مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق } فقد ~~توسلوا به إلى إبطال رسالته بثبوت صفات البشر له ، فكان الرد عليهم بأن ~~جميع الرسل كانوا متصفين بصفات البشر ، ولم يكن المشركون منكرين وجود رسل ~~قبل محمد صلى الله عليه وسلم فقد قالوا : { فليأتنا بآية كما أرسل الأولون ~~} ( الأنبياء : 5 ) ، وإذ كانوا موجودين فبالضرورة كانوا يأكلون الطعام إذ ~~هم من البشر ويمشون في أسواق المدن والبادية لأن الدعوة تكون في مجامع ~~الناس . وقد قال موسى { موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى } ( طه : 59 ~~) . وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو قريشا في مجامعهم ونواديهم ويدعو ~~سائر العرب في عكاظ وفي أيام الموسم . # وجملة : { ليأكلون الطعام } في موضع الحال لأن المستثنى منه عموم الأحوال ~~. والتقدير : وما أرسلنا قبلك من المرسلين في حالل إلا في حال { إنهم ~~ليأكلون الطعام } . والتوكيد ب ( إن ) واللام لتحقيق وقوع الحال تنزيلا ~~للمشركين في تناسيهم أحوال الرسل منزلة من ينكر أن يكون الرسل السابقون ~~يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق . ولم تقترن جملة الحال بالواو لأن وجود ms5747 ~~أداة الاستثناء كاف في الربط ولا سيما وقد تأكد الربط بحرف التوكيد فلا ~~يزاد حرف آخر فيتوالى أربعة حروف وهي : إلا ، وإن ، واللام ، ويزاد الواو ~~بخلاف قوله تعالى : { وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم } ( الحجر : ~~4 ) ، وقوله : { وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون } ( الشعراء : 208 ) . # وإنما أبقى الله الرسل على الحالة المعتادة للبشر فيما يرجع إلى أسباب ~~الحياة المادية إذ لا حكمة في تغيير حالهم عن ذلك وإنما يغير الله حياتهم ~~PageV18P343 النفسية لأن في تغييرها إعداد نفوسهم لتلقي الفيوضات الإلهية . # ولله تعالى حفاظ على نواميس نظام الخلائق والعوالم لأنه ما خلقها عبثا ~~فهو لا يغيرها إلا بمقدار ما تتعلق به إرادته من تأييد الرسل بالمعجزات ~~ونحو ذلك . # { وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا } . # تذييل ، فضمير الخطاب في قوله : { بعضكم } يعم جميع الناس بقرينة السياق ~~. وكلا البعضين مبهم يبينه المقام . وحال الفتنة في كلا البعضين مختلف ، ~~فبعضها فتنة في العقيدة ، وبعضها فتنة في الأمن ، وبعضها فتنة في الأبدان . # والإخبار عنه ب { فتنة } مجازي لأنه سبب الفتنة ، وشمل أحد البعضين النبي ~~صلى الله عليه وسلم والمؤمنين معه ، والبعض الآخر المشركين ؛ فكان حال ~~الرسول فتنة للمشركين إذ زعموا أن حاله مناف للرسالة فلم يؤمنوا به وكان ~~حال المؤمنين في ضعفهم فتنة للمشركين إذ ترفعوا عن الإيمان الذي يسويهم بهم ~~، فقد كان أبو جهل والوليد بن المغيرة والعاصي بن وائل وأضرابهم يقولون : ~~إن أسلمنا وقد أسلم قبلنا عمار بن ياسر وصهيب وبلال ترفعوا علينا إدلالا ~~بالسابقة . وهذا كقول صناديد قوم نوح لا نؤمن حتى تطرد الذين آمنوا بك فقال ~~: { وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ربهم ولكني أراكم قوما تجهلون ~~ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون } ( هود : 29 ، 30 ) . # وقال تعالى للنبيء صلى الله عليه وسلم { ولا تطرد الذين يدعون ربهم ~~بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم ~~من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين وكذلك فتنا بعضهم ms5748 ببعض ليقولوا أهؤلاء من ~~الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين } ( الأنعام : 52 ، 53 ) . ~~PageV18P344 # والكلام تسلية للنبيء صلى الله عليه وسلم عن إعراض بعض قومه عن الإسلام ، ~~ولذلك عقب بقوله : { أتصبرون } ، وهو استفهام مستعمل في الحث والأمر كقوله ~~: { فهل أنتم منتهون } ( المائدة : 91 ) . # وموقع { وكان ربك بصيرا } موقع الحث على الصبر المأمور به ، أي هو عليم ~~بالصابرين ، وإيذان بأن الله لا يضيع جزاء الرسول على ما يلاقيه من قومه ~~وأنه ناصره عليهم . # وفي الإسناد إلى وصف الرب مضافا إلى ضمير النبي إلماع إلى هذا الوعد فإن ~~الرب لا يضيع أولياءه كقوله : { ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح ~~بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } ( الحجر : 97 99 ) ~~أي النصر المحقق . # PageV18P345 $ 2 ( 21 ) { وقال الذين لا يرجون لقآءنا لولا أنزل علينا ~~الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا فى & # 1764 أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا } . ) 2 $ # حكاية مقالة أخرى من مقالات تكذيبهم الرسول عليه الصلاة والسلام ، وقد ~~عنون عليهم في هذه المقالة ب { الذين لا يرجون لقاءنا } وعنون عليهم في ~~المقالات السابقة ب { الذين كفروا } ( الفرقان : 4 ) وب { الظالمون } ( ~~الفرقان : 8 ) لأن بين هذا الوصف وبين مقالتهم انتقاض ، فهم قد كذبوا بلقاء ~~الآخرة بما فيه من رؤية الله والملائكة ، وطلبوا رؤية الله في الدنيا ، ~~ونزول الملائكة عليهم في الدنيا ، وأرادوا تلقي الدين من الملائكة أو من ~~الله مباشرة ، فكان في حكاية قولهم وذكر وصفهم تعجيب من تناقض مداركهم . # واعلم أن أهل الشرك شهدوا أنفسهم بإنكار البعث وتوهموا أن شبهتهم في ~~إنكاره أقوى حجة لهم في تكذيب الرسل ، فمن أجل ذلك أيضا جعل قولهم ذلك ~~طريقا لتعريفهم بالموصول كما قال تعالى : { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ~~قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله } في سورة يونس ( 15 ~~) . # و { لولا } حرف تحضيض مستعمل في التعجيز والاستحالة ، أي هلا أنزل علينا ~~الملائكة فنؤمن بما جئت به ، يعنون أنه إن كان صادقا فليسأل من ربه وسيلة ~~أخرى ms5749 لإبلاغ الدين إليهم . # ومعنى : { لا يرجون } لا يظنون ظنا قريبا ، أي يعدون لقاء الله محالا . ~~ومقصدهم من مقالهم أنهم أعلى من أن يتلقوا الدين من رجل مثلهم ، ولذلك عقب ~~بقوله : { لقد استكبروا في أنفسهم وعتو عتوا كبيرا } على معنى التعجيب من ~~ازدهائهم وغرورهم الباطل . PageV19P005 # والجملة استئناف يتنزل منزلة جواب عن قولهم . والتأكيد بلام القسم لإفادة ~~معنى التعجيب لأن القسم يستعمل في التعجب كقول أحد بني كلاب أو بني نمير ~~أنشده ثعلب في ( مجالسه ) والقالي في ( أماليه ) : # ألا يا سنا برقق على قللل الحمى # لهنك من برقق علي كريم # فإن قوله : من برق ، في قوة التمييز وإنما يكون التمييز فيه لما فيه من ~~معنى التعجب . # والاستكبار : مبالغة في التكبر ، فالسين والتاء للمبالغة مثل استجاب . # و { في } للظرفية المجازية ؛ شبهت أنفسهم بالظروف في تمكن المظروف منها ، ~~أي هو استكبار متمكن منهم كقوله تعالى : { وفي أنفسكم أفلا تبصرون } ( ~~الذاريات : 21 ) . # ويجوز أن تكون { في } للتعليل كما في الحديث ( دخلتت امرأة النار في هرة ~~حبستها ) الحديث ، أي استكبروا لأجل عظمة أنفسهم في زعمهم . وليست الظرفية ~~حقيقية لقلة جدوى ذلك ؛ إذ من المعلوم أن الاستكبار لا يكون إلا في النفس ~~لأنه من الأفعال النفسية . # والعتو : تجاوز الحد في الظلم ، وتقدم في قوله تعالى : { وعتوا عن أمر ~~ربهم } في الأعراف ( 77 ) . وإنما كان هذا ظلما لأنهم تجاوزوا مقدار ما ~~خولهم الله من القابلية . # وفي هذا إيماء إلى أن النبوءة لا تكون بالاكتساب وإنما هي إعداد من الله ~~تعالى قال : { الله أعلم حيث يجعل رسالاته } ( الأنعام : 124 ) . # # | 2 ( 22 ) { يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا ~~محجورا } . ) 2 # استئناف ثان جواب عن مقالتهم ، فبعد إبداء التعجيب منها عقب بوعيد لهم ، ~~فيه حصول بعض ما طلبوا حصوله الآن ، أي هم سيرون الملائكة ولكنها رؤية ~~تسوءهم حين يرون زبانية العذاب يسوقونهم إلى النار ، ففي هذا الاستئناف ~~تلميح وتهكم بهم لأن ابتداءه مطمع بالاستجابة وآخره مؤيس بالوعيد ، فالكلام ~~جرى PageV19P006 على طريقة الغيبة لأنه حكاية عن توركهم ، والمقصود إبلاغه ms5750 ~~لهم حين يسمعونه . وانتصب { يوم يرون } على الظرفية ل { لا بشرى } . وتقديم ~~الظرف للاهتمام به لإثارة الطمع وللتشويق إلى تعيين إبانه حتى إذا ورد ما ~~فيه خيبة طمعهم كان له وقع الكآبة على نفوسهم حينما يسمعونه . وإعادة { ~~يومئذ } تأكيد . # وذكر وصف المجرمين إظهار في مقام الإضمار للتسجيل عليهم بأنهم مجرمون بعد ~~أن وصفوا بالكفر والظلم واليأس من لقاء الله . وانتفاء البشرى مستعمل في ~~إثبات ضده وهو الحزن . # و ( حجر ) بكسر الحاء وسكون الجيم ، ويقال بفتح الحاء وضمها على الندرة ~~فهي كلمة يقولونها عند رؤية ما يخاف من إصابته بمنزلة الاستعاذة . قال ~~الخليل وأبو عبيدة : كان الرجل إذا رأى الرجل الذي يخاف منه أن يقتله في ~~الأشهر الحرم يقول له : { حجرا محجورا } ، أي حرام قتلي ، وهي عوذة . # و ( حجر ) مصدر : حجره ، إذا منعه ، قال تعالى { وحرث حجر } ( الأنعام : ~~138 ) ، وهو في هذا الاستعمال لازم النصب على المفعول المطلق المنصوب بفعل ~~مضمر مثل : معاذ الله ، وأما رفعه في قول الراجز : # قالت فيها حيدة وذعر # عوذ بربي منكم وحجر # فهو تصرف فيه ، ولعله عند سيبويه ضرورة لأنه لم يذكر الرفع في استعمال ~~هذه الكلمات في هذا الغرض وهو الذي حكاه الراجز . وأما رفع ( حجر ) في غير ~~حالة استعماله للتعوذ فلا مانع منه لأنه الأصل ، وقد جاء في القرآن منصوبا ~~لا على المفعولية المطلقة في قوله تعالى : { وجعل بينهما برزخا وحجرا ~~محجورا } ( الفرقان : 53 ) ، فإنه معطوف على مفعول { جعل } وسننبه عليه ~~قريبا . # و { محجورا } وصف ل { حجرا } مشتق من مادته للدلالة على تمكن المعنى ~~المشتق منه كما قالوا : ليل أليل ، وذيل ذائل ، وشعر شاعر . # PageV19P007 # | 2 ( 23 ) { وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء منثورا } . ) 2 # كانوا في الجاهلية يعدون الأعمال الصالحة مجلبة لخير الدنيا لأنها ترضي ~~الله تعالى فيجازيهم بنعم في الدنيا إذ كانوا لا يؤمنون بالبعث ، وقد قالت ~~خديجة للنبيء صلى الله عليه وسلم حين تحير في أمر ما بدأه من الوحي وقال ~~لها : ( لقد خشيت على نفسي ) ، فقالت : ( والله لا يخزيك ms5751 الله أبدا . إنك ~~لتصل الرحم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق ) . فالظاهر أن المشركين إذا ~~سمعوا آيات الوعيد يقولون في أنفسهم : لئن كان البعث حقا لنجدن أعمالا ~~عملناها من البر تكون سببا لنجاتنا ، فعلم الله ما في نفوسهم فأخبر بأن ~~أعمالهم تكون كالعدم يومئذ . # والقدوم مستعمل في معنى العمد والإرادة ، وأفعال المشي والمجيء تجيء في ~~الاستعمال لمعاني القصد والعزم والشروع مثل : قام يفعل ، وذهب يقول ، وأقبل ~~، ونحوها . وأصل ذلك ناشىء عن تمثيل حال العامد إلى فعل باهتمام بحال من ~~يمشي إليه ، فموقعه في الكلام أرشق من أن يقول : وعمدنا أو أردنا إلى ما ~~عملوا . # و { من } في قوله : { من عمل } بيانية لإبهام { ما } وتنكير { عمل } ~~للنوعية ، والمراد به عمل الخير ، أي إلى ما عملوه من جنس عمل الخير . # والهباء : كائنات جسمية دقيقة لا ترى إلا في أشعة الشمس المنحصرة في كوة ~~ونحوها ، تلوح كأنها سابحة في الهواء وهي أدق من الغبار ، أي فجعلناه كهباء ~~منثور ، وهو تشبيه لأعمالهم في عدم الانتفاع بها مع كونها موجودة بالهباء ~~في عدم إمساكه مع كونه موجودا ، وهذا تشبيه بليغ وهو هنا رشيق . ونظيره ~~قوله تعالى : { وبست الجبال بسا فكانت هباء منبثا } ( الواقعة : 5 ، 6 ) . # والمنثور : غير المنتظم ، وهو وصف كاشف لأن الهباء لا يكون إلا منثورا ، ~~فذكر هذا الوصف للإشارة إلى ما في الهباء من الحقارة ومن التفرق . # # | 2 ( 24 ) { أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا } . ) 2 # استئناف ابتدائي جيء به لمقابلة حال المشركين في الآخرة بضدها من حال ~~PageV19P008 أصحاب الجنة وهم المؤمنون ، لأنه لما وصف حال المشركين في ~~الآخرة علم أن لا حظ لهم في الجنة فتعينت الجنة لغير المشركين يومئذ وهم ~~المؤمنون ، إذ أهل مكة في وقت نزول هذه الآية فريقان : مشركون ومؤمنون . ~~فمعنى الكلام : المؤمنون يومئذ هم أصحاب الجنة وهم { خير مستقرا وأحسن ~~مقيلا } . # والخير هنا : تفضيل ، وهو تهكم بالمشركين ، وكذلك { أحسن } . # والمستقر : مكان الاستقرار . # والمقيل : المكان الذي يؤوى إليه في القيلولة والاستراحة في ذلك الوقت من ~~عادة المترفين . # $ 2 ms5752 ( 25 ، 26 ) { ويوم تشقق السمآء بالغمام ونزل المل & # 1764 ائكة تنزيلا * الملك يومئذ الحق للرحمان وكان يوما على الكافرين ~~عسيرا } . ) 2 $ # عطف على جملة { يوم يرون الملائكة } ( الفرقان : 22 ) . والمقصود تأييسهم ~~من الانتفاع بأعمالهم وبآلهتهم وتأكيد وعيدهم . وأدمج في ذلك وصف بعض شؤون ~~ذلك اليوم ، وأنه يوم تنزيل الملائكة بمرأى من الناس . # وأعيد لفظ { يوم } على طريقة الإظهار في مقام الإضمار وإن كان ذلك يوما ~~واحدا لبعد ما بين المعاد ومكان الضمير . # والتشقق : التفتح بين أجزاء ملتئمة ، ومنه { إذا السماء انشقت } ( ~~الانشقاق : 1 ) . ولعله انخراق يحصل في كور تلك العوالم ، والذين قالوا : ~~السموات لا تقبل الخرق ثم الالتئام بنوه على تخيلهم إياها كقباب من معادن ~~صلبة ، والحكماء لم يصلوا إلى حقيقتها حتى الآن . # وتشقق السماء حالة عجيبة تظهر يوم القيامة ، ومعناه زوال الحواجز والحدود ~~التي كانت تمنع الملائكة من مبارحة سماواتهم إلا من يؤذن له بذلك ، فاللام ~~في الملائكة للاستغراق ، أي بين جمع الملائكة فهو بمنزلة أن يقال : يوم ~~تفتح أبواب السماء . قال ( تعالى ) : { وفتحت السماء فكانت أبوابا } ( ~~النبأ : 19 ) ؛ على أن التشقق يستعمل في معنى انجلاء النور كما قال النابغة ~~: PageV19P009 # فانشق عنها عمود الصبح جافلة # عدو النحوص تخاف القانص اللحما # وحاصل المعنى : أن هنالك انبثاقا وانتفاقا يقارنه نزول الملائكة لأن ذلك ~~الانشقاق إذن للملائكة بالحضور إلى موقع الحشر والحساب . # والتعبير بالتنزيل يقتضي أن السموات التي تنشق عن الملائكة أعلى من مكان ~~حضور الملائكة . # وقرأ الجمهور { تشقق } بتشديد الشين . وقرأه أبو عمرو وحمزة والكسائي ~~وخلف بتخفيف الشين . # والغمام : السحاب الرقيق . وهو ما يغشى مكان الحساب ، قال تعالى : { هل ~~ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر } تقدم ~~في سورة البقرة ( 210 ) . # والباء في قوله : { بالغمام } قيل بمعنى ( عن ) أي تشقق عن غمام يحف ~~بالملائكة . وقيل للسببية ، أي يكون غمام يخلقه الله فيه قوة تنشق بها ~~السماء لينزل الملائكة مثل قوة البرق التي تشق السحاب . وقيل الباء ~~للملابسة ، أي تشقق ملابسة لغمام يظهر حينئذ . وليس في الآية ms5753 ما يقتضي ~~مقارنة التشقق لنزول الملائكة ولا مقارنة الغمام للملائكة ، فدع الفهم يذهب ~~في ترتيب ذلك كل مذهب ممكن . # وأكد { نزل الملائكة } بالمفعول المطلق لإفادة أنه نزول بالذات لا بمجرد ~~الاتصال النوراني مثل الخواطر الملكية التي تشعشع في نفوس أهل الكمال . # وقرأ الجمهور { ونزل الملائكة } بنون واحدة وتشديد الزاي وفتح اللام ورفع ~~{ الملائكة } مبنيا للنائب . وقرأه ابن كثير { وننزل } بنونين أولاهما ~~مضمومة والثانية ساكنة وبضم اللام ونصب { الملائكة } . # وقوله : { الملك يومئذ } هو صدر الجملة المعطوفة فيتعلق به { يوم تشقق ~~السماء بالغمام } ، وإنما قدم عليه للوجه المذكور في تقديم قوله : { يوم ~~يرون الملائكة } ( الفرقان : 22 ) وكذلك القول في تكرير { يومئذ } . ~~PageV19P010 # و { الحق } : الخالص ، كقولك : هذا ذهب حقا . وهو الملك الظاهر أنه لا ~~يماثله ملك ، لأن حالة الملك في الدنيا متفاوتة . والملك الكامل إنما هو ~~لله ، ولكن العقول قد لا تلتفت إلى ما في الملوك من نقص وعجز وتبهرهم بهرجة ~~تصرفاتهم وعطاياهم فينسون الحقائق ، فأما في ذلك اليوم فالحقائق منكشفة ~~وليس ثمة من يدعي شيئا من التصرف ، وفي الحديث : ( ثم يقول الله : أنا ~~الملك أين ملوك الأرض ) . # ووصف اليوم بعسير باعتبار ما فيه من أمور عسيرة على المشركين . # وتقديم { على الكافرين } للحصر . وهو قصر إضافي ، أي دون المؤمنين . # # | 2 ( 27 29 ) { ويوم يعض الظالم على يديه يقول ياليتنى اتخذت مع الرسول ~~سبيلا * ياويلتا ليتنى لم أتخذ فلانا خليلا * لقد أضلنى عن الذكر بعد إذ ~~جآءنى وكان الشيطان للإنسان خذولا } . ) 2 # هذا هو ذلك اليوم أعيد الكلام عليه باعتبار حال آخر من أحوال المشركين ~~فيه ، أو باعتبار حال بعض المشركين المقصود من الآية . # والتعريف في { الظالم } يجوز أن يكون للاستغراق . والمراد بالظلم الشرك ~~فيعم جميع المشركين الذين أشركوا بعد ظهور الدعوة المحمدية بقرينة قوله : { ~~يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا } ، ويكون قوله : { ليتني لم أتخذ ~~فلانا خليلا } إعلاما بما لا تخلو عنه من صحبة بعضهم مع بعض وإغراء بعضهم ~~بعضا على مناوأة الإسلام . # ويجوز أن يكون للعهد المخصوص . والمراد بالظلم الاعتداء الخاص ms5754 المعهود من ~~قصة معينة وهي قصة عقبة بن أبي معيط وما أغراه به أبي بن خلف . قال الواحدي ~~وغيره عن الشعبي وغيره : كان عقبة بن أبي معيط خليلا لأمية بن خلف ، وكان ~~عقبة لا يقدم من سفر إلا صنع طعاما ودعا إليه أشراف قومه ، وكان يكثر ~~مجالسة النبي صلى الله عليه وسلم فقدم من بعض أسفاره فصنع طعاما ودعا رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم فلما قربوا الطعام قال رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم : ما أنا بآكل من طعامك حتى تشهد أن لا PageV19P011 إلاه إلا ~~الله وأني رسول الله ، فقال عقبة : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول ~~الله ، فأكل رسول الله من طعامه . وكان أبي بن خلف غائبا فلما قدم أخبر ~~بقضيته ، فقال : صبأت يا عقبة ، قال : والله ما صبأت ولكن دخل علي رجل فأبى ~~أن يأكل من طعامي حتى أشهد له ، فاستحييت أن يخرج من بيتي ولم يطعم ، فشهدت ~~له فطعم ، فقال أبي : ما أنا بالذي أرضى عنك أبدا إلا أن تأتيه فتبصق في ~~وجهه ، فكفر عقبة وأخذ في امتثال ما أمره به أبي بن خلف ، فيكون المراد ب ( ~~فلان ) الكناية عن أبي بن خلف فخصوصه يقتضي لحاق أمثاله من المشركين الذين ~~أطاعوا أخلتهم في الشرك ولم يتبعوا سبيل الرسول ، ولا يخلو أحد من المشركين ~~عن خليل مشرك مثله يصده عن متابعة الإسلام إذا هم به ويثبته على دين الشرك ~~فيتندم يوم الجزاء على طاعته ويذكره باسمه . # والعض : الشد بالأسنان على الشيء ليؤلمه أو ليمسكه ، وحقه التعدية بنفسه ~~إلا أنه كثرت تعديته ب { على } لإفادة التمكن من المعضوض إذا قصدوا عضا ~~شديدا كما في هذه الآية . # والعض على اليد كناية عن الندامة لأنهم تعارفوا في بعض أغراض الكلام أن ~~يصحبوها بحركات بالجسد مثل التشذر ، وهو رفع اليد عند كلام الغضب قال ، ~~لبيد : # غلب تشذر بالدخول كأنهم # جن البدي رواسيا أقدامها # ومثل وضع اليد على الفم عند التعجب . قال تعالى : { فردوا أيديهم في ~~أفواههم } ( إبراهيم : 9 ms5755 ) . ومنه في الندم قرع السن بالأصبع ، وعض السبابة ~~، وعض اليد . ويقال : حرق أسنانه وحرق الأرم ( بوزن ركع ) الأضراس أو أطراف ~~الأصابع ، وفي الغيظ عض الأنامل قال تعالى : { عضوا عليكم الأنامل من الغيظ ~~} في سورة آل عمران ( 119 ) ، وكانت كناياتت بناء على ما يلازمها في العرف ~~من معان نفسية ، وأصل نشأتها عن تهيج القوة العصبية من جراء غضب أو تلهف . # والرسول : هو المعهود وهو محمد صلى الله عليه وسلم PageV19P012 # واتخاذ السبيل : أخذه ، وأصل الأخذ : التناول باليد ، فأطلق هنا على قصد ~~السير فيه قال تعالى : { واتخذ سبيله في البحر } ( الكهف : 63 ) . # و { مع الرسول } أي متابعا للرسول كما يتابع المسافر دليلا يسلك به أحسن ~~الطرق وأفضاها إلى المكان المقصود . وإنما عدل عن الإتيان بفعل الاتباع ~~ونحوه بأن يقال : يا ليتني اتبعت الرسول ، إلى هذا التركيب المطنب لأن في ~~هذا التركيب تمثيل هيئة الاقتداء بهيئة مسايرة الدليلل تمثيلا محتويا على ~~تشبيه دعوة الرسول بالسبيل ، ومتضمنا تشبيه ما يحصل عن سلوك ذلك السبيل من ~~النجاة ببلوغ السائر إلى الموضع المقصود ، فكان حصول هذه المعاني صائرا ~~بالإطناب إلى إيجاز ، وأما لفظ المتابعة فقد شاع إطلاقه على الاقتداء فهو ~~غير مشعر بهذا التمثيل . وعلم أن هذا السبيل سبيل نجاح من تمناه لأن التمني ~~طلب الأمر المحبوب العزيز المنال . # و { يا ليتني } نداء للكلام الدال على التمني بتنزيل الكلمة منزلة العاقل ~~الذي يطلب حضوره لأن الحاجة تدعو إليه في حالة الندامة ، كأنه يقول : هذا ~~مقامك فاحضري ، على نحو قوله : { يا حسرتنا على ما فرطنا فيها } في سورة ~~الأنعام ( 31 ) . وهذا النداء يزيد المتمني استبعادا للحصول . # وكذلك قوله : { يا ويلتا } هو تحسر بطريق نداء الويل . والويل : سوء ~~الحال ، والألف عوض عن ياء المتكلم ، وهو تعويض مشهور في نداء المضاف إلى ~~ياء المتكلم . # وقد تقدم الكلام على الويل في قوله تعالى : { فويل للذين يكتبون الكتاب } ~~في سورة البقرة ( 79 ) . وعلى { يا ويلتنا } في قوله : { يا ويلتنا مال هذا ~~الكتاب } في سورة الكهف ( 49 ) . # وأتبع التحسر بتمني أن لا يكون ms5756 { اتخذ فلانا خليلا } . # وجملة { ليتني لم أتخذ فلانا خليلا } بدل من جملة { ليتني اتخذت مع ~~الرسول سبيلا } بدل اشتمال لأن اتباع سبيل الرسول يشتمل على نبذ خلة الذين ~~يصدون عن سبيله فتمني وقوع أولهما يشتمل على تمني وقوع الثاني . ~~PageV19P013 # وجملة { يا ويلتا } معترضة بين جملة { يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا } ~~وجملة { ليتني لم اتخذ فلانا خليلا } . # و ( فلان ) : اسم يكنى عمن لا يذكر اسمه العلم ، كما يكنى ب ( فلانة ) ~~عمن لا يراد ذكر اسمها العلم ، سواء كان ذلك في الحكاية أم في غيرها . قاله ~~ابن السكيت وابن مالك خلافا لابن السراج وابنن الحاجب في اشتراط وقوعه في ~~حكاية بالقول ، فيعامل ( فلان ) معاملة العلم المقرون بالنون الزائدة و ( ~~فلانة ) معاملة العلم المقترن بهاء التأنيث ، وقد جمعهما قول الشاعر : # ألا قاتل الله الوشاة وقولهم # فلانة أضحت خلة لفلان # أراد نفسه وحبيبته . # وقال المرار العبسي : # وإذا فلان مات عن أكرومة # دفعوا معاوز فقده بفلان # أراد : إذا مات من له اسم منهم أخلفوه بغيره في السؤدد ، وكذلك قول معن ~~بن أوس : # وحتى سألت القرض من كل ذي # الغنى ورد فلان حاجتي وفلان # وقال أبو زيد في ( نوادره ) : أنشدني المفضل لرجل من ضبة هلك منذ أكثر من ~~مائة سنة ، أي في أواسط القرن الأول للهجرة : # إن لسعد عندنا ديوانا # يخزي فلانا وابنه فلانا # والداعي إلى الكناية بفلان إما قصد إخفاء اسمه خيفة عليه أو خيفة من ~~أهلهم أو للجهل به ، أو لعدم الفائدة لذكره ، أو لقصد نوع من له اسم علم . ~~وهذان الأخيران هما اللذان يجريان في هذه الآية إن حملت على إرادة خصوص ~~عقبة وأبي أو حملت على إرادة كل مشرك له خليل صده عن اتباع الإسلام . # وإنما تمنى أن لا يكون اتخذه خليلا دون تمني أن يكون عصاه فيما سول له ~~قصدا للاشمئزاز من خلته من أصلها إذ كان الإضلال من أحوالها . # وفيه إيماء إلى أن شأن الخلة الثقة بالخليل وحمل مشورته على النصح فلا ~~ينبغي PageV19P014 أن يضع المرء خلته إلا حيث ms5757 يوقن بالسلامة من إشارات ~~السوء قال الله تعالى { يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا ~~يألونكم خبالا } ( آل عمران : 118 ) فعلى من يريد اصطفاء خليل أن يسير ~~سيرته في خويصته فإنه سيحمل من يخاله على ما يسير به لنفسه ، وقد قال خالد ~~بن زهير وهو ابن أخت أبي ذؤيب الهذلي : # فأول راضض سنة من يسيرها # وهذا عندي هو محمل قول النبي صلى الله عليه وسلم ( لو كنت متخذا خليلا ~~غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلا ) فإن مقام النبوءة يستدعي من الأخلاق ما هو ~~فوق مكارم الأخلاق المتعارفة في الناس فلا يليق به إلا متابعة ما لله من ~~الكمالات بقدر الطاقة ولهذا قالت عائشة : كان خلقه القرآن . وعلمنا بهذا أن ~~أبا بكر أفضل الأمة مكارم أخلاق بعد النبي صلى الله عليه وسلم لأن النبي ~~جعله المخير لخلته لو كان متخذا خليلا غير الله . # وجملة { لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني } تعليلية لتمنيه أن لا يكون ~~اتخذ فلانا خليلا بأنه قد صدر عن خلته أعظم خسران لخليله إذ أضله عن الحق ~~بعد أن كاد يتمكن منه . # وقوله : { أضلني عن الذكر } معناه سول لي الانصراف عن الحق . والضلال : ~~إضاعة الطريق وخطؤه بحيث يسلك طريقا غير المقصود فيقع في غير المكان الذي ~~أراده ، وإنما وقع في أرض العدو أو في مسبعة . ويستعار الضلال للحياد عن ~~الحق والرشد إلى الباطل والسفه كما يستعار ضده وهو الهدى ( الذي هو إصابة ~~الطريق ) لمعرفة الحق والصواب حتى تساوى المعنيان الحقيقيان والمعنيان ~~المجازيان لكثرة الاستعمال ، ولذلك سموا الدليل الذي يسلك بالركب الطريق ~~المقصود هاديا . # والإضلال مستعار هنا للصرف عن الحق لمناسبة استعارة السبيل لهدى الرسول ~~وليس مستعملا هنا في المعنى الذي غلب على الباطل بقرينة تعديته بحرف { عن } ~~في قوله : { عن الذكر } فإنه لو كان الإضلال هو تسويل الضلال لما احتاج إلى ~~تعديته ولكن أريد هنا متابعة التمثيل السابق . ففي قوله : { أضلني } مكنية ~~تقتضي تشبيه الذكر بالسبيل الموصل إلى المنجى ، وإثبات الإضلال عنه تخييل ~~كإثبات الأظفار ms5758 للمنية ، فهذه نكت من بلاغة نظم الآية . PageV19P015 # و { الذكر } : هو القرآن ، أي نهاني عن التدبر فيه والاستماع له بعد أن ~~قاربت فهمه . # والمجيء في قوله : { إذ جاءني } مستعمل في إسماعه القرآن فكأن القرآن جاء ~~حل عنده . ومنه قولهم : أتاني نبأ كذا ، قال النابغة : # أتاني أبيت اللعن أنك لمتني # فإذا حمل الظالم في قوله : { ويوم يعض الظالم على يديه } على معين وهو ~~عقبة بن أبي معيط فمعنى مجيء الذكر إياه أنه كان يجلس إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم ويأنس إليه حتى صرفه عن ذلك أبي بن خلف وحمله على عداوته وأذاته ~~، وإذا حمل الظالم على العموم فمجيء الذكر هو شيوع القرآن بينهم ، وإمكان ~~استماعهم إياه . وإضلال خلانهم إياهم صرف كل واحد خليله عن ذلك ، وتعاون ~~بعضهم على بعض في ذلك . # وقيل : { الذكر } : كلمة الشهادة ، بناء على تخصيص الظالم بعقبة بن أبي ~~معيط كما تقدم ، وتأتي في ذلك الوجوه المتقدمة ، فإن كلمة الشهادة لما كانت ~~سبب النجاة مثلت بسبيل الرسول الهادي ، ومثل الصرف عنها بالإضلال عن السبيل ~~. # و { إذ } ظرف للزمن الماضي ، أي بعد وقتت جاءني فيه الذكر ، والإتيان ~~بالظرف هنا دون أن يقال : بعد ما جاءني ، أو بعد أن جاءني ، للإشارة إلى ~~شدة التمكن من الذكر لأنه قد استقر في زمن وتحقق ، ومنه قوله تعالى : { وما ~~كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم } ( التوبة : 115 ) أي تمكن هديه منهم . # وجملة { وكان الشيطان للإنسان خذولا } تذييل من كلام الله تعالى لا من ~~كلام الظالم تنبيها للناس على أن كل هذا الإضلال من عمل الشيطان فهو الذي ~~يسول لخليل الظالم إضلال خليله لأن الشيطان خذول الإنسان ، أي مجبول على ~~شدة خذله . # والخذل : ترك نصر المستنجد مع القدرة على نصره ، وقد تقدم عند قوله تعالى ~~: { وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده في سورة آل عمران ( 160 ) . # فإذا أعان على الهزيمة فهو أشد الخذل ، وهو المقصود من صيغة المبالغة في ~~PageV19P016 وصف الشيطان بخذل الإنسان لأن الشيطان يكيد الإنسان فيورطه في ~~الضر فهو ms5759 خذول . # # | 2 ( 30 ) وقال الرسول يارب إن قومى اتخذوا هاذا القرءان مهجورا } . ) 2 # عطف على أقوال المشركين ومناسبته لقوله : { لقد أضلني عن الذكر } ( ~~الفرقان : 29 ) أن الذكر هو القرآن فحكيت شكاية الرسول إلى ربه قومه من ~~نبذهم القرآن بتسويل زعمائهم وسادتهم الذين أضلوهم عن القرآن ، أي عن ~~التأمل فيه بعد أن جاءهم وتمكنوا من النظر ، وهذا القول واقع في الدنيا ~~والرسول هو محمد صلى الله عليه وسلم وهو خبر مستعمل في الشكاية . # والمقصود من حكاية قول الرسول إنذار قريش بأن الرسول توجه إلى ربه في هذا ~~الشأن فهو يستنصر به ويوشك أن ينصره ، وتأكيده ب { إن } للاهتمام به ليكون ~~التشكي أقوى . والتعبير عن قريش ب { قومي } لزيادة التذمر من فعلهم معه لأن ~~شأن قوم الرجل أن يوافقوه . # وفعل الاتخاذ إذا قيد بحالة يفيد شدة اعتناء المتخذ بتلك الحالة بحيث ~~ارتكب الفعل لأجلها وجعله لها قصدا . فهذا أشد مبالغة في هجرهم القرآن من ~~أن يقال : إن قومي هجروا القرآن . # واسم الإشارة في { هذا القرآن } لتعظيمه وأن مثله لا يتخذ مهجورا بل هو ~~جدير بالإقبال عليه والانتفاع به . # والمهجور : المتروك والمفارق . والمراد هنا ترك الاعتناء به وسماعه . # # | 2 ( 31 ) { وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ~~ونصيرا } . ) 2 # هذه تسلية للنبيء صلى الله عليه وسلم بأن ما لقيه من بعض قومه هو سنة من ~~سنن الأمم مع أنبيائهم . وفيه تنبيه للمشركين ليعرضوا أحوالهم على هذا ~~الحكم التاريخي فيعلموا PageV19P017 أن حالهم كحال من كذبوا من قوم نوح ~~وعاد وثمود . # والقول في قوله : { وكذلك } تقدم في قوله تعالى : { وكذلك جعلناكم أمة ~~وسطا } ( البقرة : 143 ) . والعدو : اسم يقع على المفرد والجمع والمراد هنا ~~الجمع . # ووصف أعداء الأنبياء بأنهم من المجرمين ، أي من جملة المجرمين ، فإن ~~الإجرام أعم من عداوة الأنبياء وهو أعظمها . وإنما أريد هنا تحقيق انضواء ~~أعداء الأنبياء في زمرة المجرمين ، لأن ذلك أبلغ في الوصف من أن يقال : ~~عدوا مجرمين كما تقدم عند قوله تعالى : { قال أعوذ بالله أن أكون ms5760 من ~~الجاهلين في سورة البقرة ( 67 ) . # وأعقب التسلية بالوعد بهداية كثير ممن هم يومئذ معرضون عنه كما قال النبي ~~: لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده وبأنه ينصره على الذين يصرون على ~~عداوته لأن قوله : وكفى بربك هاديا ونصيرا } تعريض بأن يفوض الأمر إليه ~~فإنه كاف في الهداية والنصر . # والباء في قوله : { بربك } تأكيد لاتصال الفاعل بالفعل . وأصله : كفى ربك ~~في هذه الحالة . # # | 2 ( 32 ) { وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرءان جملة واحدة كذلك ~~لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا } . ) 2 # عود إلى معاذيرهم وتعللاتهم الفاسدة إذ طعنوا في القرآن بأنه نزل منجما ~~وقالوا : لو كان من عند الله لنزل كتابا جملة واحدة . وضمير { وقال } ظاهر ~~في أنه عائد إلى المشركين ، وهذه جهالة منهم بنسبة كتب الرسل فإنها لم ينزل ~~شيء منها جملة واحدة وإنما كانت وحيا مفرقا ؛ فالتوراة التي أنزلت على موسى ~~عليه السلام في الألواح هي عشر كلمات بمقدار سورة الليل في القرآن ، وما ~~كان الإنجيل إلا أقوالا ينطق بها عيسى عليه السلام في الملإ ، وكذلك الزبور ~~نزل قطعا كثيرة ، فالمشركون نسوا ذلك أو جهلوا فقالوا : هلا نزل القرآن على ~~محمد جملة واحدة فنعلم أنه رسول الله . وقيل : إن قائل هذا اليهود أو ~~النصارى ، فإن صح ذلك فهو بهتان منهم لأنهم يعلمون أنه لم تنزل التوراة ~~والإنجيل والزبور إلا مفرقة . PageV19P018 فخوض المفسرين في بيان الفرق بين ~~حالة رسولنا من الأمية وحالة الرسل الذين أنزلت عليهم الكتب اشتغال بما لا ~~طائل فيه ، فإن تلك الكتب لم تنزل أسفارا تامة قط . # و { نزل } هنا مرادف أنزل وليس فيه إيذان بما يدل عليه التفعيل من ~~التكثير كما تقدم في المقدمة الأولى من مقدمات هذا التفسير بقرينة قولهم : ~~{ جملة واحدة } . # وقد جاء قوله : { كذلك لنثبت به فؤادك } ردا على طعنهم ، فهو كلام مستأنف ~~فيه رد لما أرادوه من قولهم : { لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة } وعدل ~~فيه عن خطابهم إلى خطاب الرسول عليه الصلاة والسلام إعلاما له بحكمة تنزيله ~~مفرقا ، وفي ms5761 ضمنه امتنان على الرسول بما فيه تثبيت قلبه والتيسير عليه . # وقوله : { كذلك } جواب عن قولهم : { لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة } ~~إشارة إلى الإنزال المفهوم من ( لو نزل عليه القرآن ) وهو حالة إنزال ~~القرآن منجما ، أي أنزلناه كذلك الإنزال ، أي المنجم ، أي كذلك الإنزال ~~الذي جهلوا حكمته ، فاسم الإشارة في محل نصب على أنه نائب عن مفعول مطلق ~~جاء بدلا عن الفعل . فالتقدير : أنزلناه إنزالا كذلك الإنزال المنجم . ~~فموقع جملة { كذلك } موقع الاستئناف في المحاورة . واللام في { لنثبت } ~~متعلقة بالفعل المقدر الذي دل عليه { كذلك } . والتثبيت : جعل الشيء ثابتا ~~. والثبات : استقرار الشيء في مكانه غير متزلزل قال تعالى : { كشجرة طيبة ~~أصلها ثابت } ( إبراهيم : 24 ) . ويستعار الثبات لليقين وللاطمئنان بحصول ~~الخير لصاحبه قال تعالى : { لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا } ( النساء : 66 ) ، ~~وهي استعارات شائعة مبنية على تشبيه حصول الاحتمالات في النفس باضطراب ~~الشيء في المكان تشبيه معقول بمحسوس . والفؤاد : هنا العقل . وتثبيته بذلك ~~الإنزال جعله ثابتا في ألفاظه ومعانيه لا يضطرب فيه . # وجاء في بيان حكمة إنزال القرآن منجما بكلمة جامعة وهي { لنثبت به فؤادك ~~} لأن تثبيت الفؤاد يقتضي كل ما به خير للنفس ، فمنه ما قاله الزمخشري : ~~الحكمة في تفريقه أن نقوي بتفريقه فؤادك حتى تعيه وتحفظه ، لأن المتلقن ~~إنما يقوى قلبه على حفظ العلم يلقى إليه إذ ألقي إليه شيئا بعد شيء وجزءا ~~PageV19P019 عقب جزء ، وما قاله أيضا : ( أنه كان ينزل على حسب الدواعي ~~والحوادث وجوابات السائلين ) اه ، أي فيكونون أوعى لما ينزل فيه لأنهم ~~بحاجة إلى علمه ، فيكثر العمل بما فيه وذلك مما يثبت فؤاد النبي صلى الله ~~عليه وسلم ويشرح صدره . # وما قاله بعد ذلك : ( إن تنزيله مفرقا وتحديهم بأن يأتوا ببعض تلك ~~التفارق كلما نزل شيء منها ، أدخل في الإعجاز وأنور للحجة من أن ينزل كله ~~جملة ) اه . # ومنه ما قاله الجد الوزير رحمه الله : إن القرآن لو لم ينزل منجما على ~~حسب الحوادث لما ظهر في كثير من آياته مطابقتها لمقتضى الحال ومناسبتها ~~للمقام وذلك ms5762 من تمام إعجازها . وقلت : إن نزوله منجما أعون لحفاظه على فهمه ~~وتدبره . # وقوله : { ورتلناه ترتيلا } عطف على قوله { كذلك } ، أي أنزلناه منجما ~~ورتلناه ، والترتيل يوصف به الكلام إذا كان حسن التأليف بين الدلالة . ~~واتفقت أقوال أيمة اللغة على أن هذا الترتيل مأخوذ من قولهم : ثغر مرتل ~~ورتل ، إذا كانت أسنانه مفلجة تشبه نور الأقحوان . ولم يوردوا شاهدا عليه ~~من كلام العرب . # والترتيل يجوز أن يكون حالة لنزول القرآن ، أي نزلناه مفرقا منسقا في ~~ألفاظه ومعانيه غير متراكم فهو مفرق في الزمان فإذا كمل إنزال سورة جاءت ~~آياتها مرتبة متناسبة كأنها أنزلت جملة واحدة ، ومفرق في التأليف بأنه مفصل ~~واضح . وفي هذا إشارة إلى أن ذلك من دلائل أنه من عند الله لأن شأن كلام ~~الناس إذا فرق تأليفه على أزمنة متباعدة أن يعتوره التفكك وعدم تشابه الجمل ~~. # ويجوز أن يراد ب { رتلناه } أمرنا بترتيله ، أي بقراءته مرتلا ، أي بتمهل ~~بأن لا يعجل في قراءته بأن تبين جميع الحروف والحركات بمهل ، وهو المذكور ~~في سورة المزمل ( 4 ) في قوله تعالى : { ورتل القرآن ترتيلا } . # و { ترتيلا } مصدر منصوب على المفعول المطلق قصد به ما في التنكير من ~~معنى التعظيم فصار المصدر مبينا لنوع الترتيل . # PageV19P020 # | 2 ( 33 ) { ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا } . ) 2 # لما استقصى أكثر معاذيرهم وتعللاتهم وألقمهم أحجار الرد إلى لهواتهم عطف ~~على ذلك فذلكة جامعة تعم ما تقدم وما عسى أن يأتوا به من الشكوك والتمويه ~~بأن كل ذلك مدحوض بالحجة الواضحة الكاشفة لترهاتهم . # والمثل : المشابه . وفعل الإتيان مجاز في أقوالهم والمحاجة به ، وتنكير ( ~~مثل ) في سياق النفي للتعميم ، أي بكل مثل . والمقصود : مثل من نوع ما تقدم ~~من أمثالهم المتقدمة ابتداء من قوله ( تعالى ) : { وقال الذين كفروا إن هذا ~~إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون } ( الفرقان : 4 ) ، و { قالوا ~~أساطير الأولين } ( النحل : 24 ) بقرينة سوق هذه الجملة عقب استقصاء شبهتهم ~~، و { قالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام } ( الفرقان : 7 ) { وقال الظالمون ~~إن تتبعون إلا رجلا ms5763 مسحورا } ( الفرقان : 8 ) { وقال الذين لا يرجون لقاءنا ~~لولا أنزل علينا الملائكة } ( الفرقان : 21 ) { وقال الذين كفروا لولا نزل ~~عليه القرآن جملة واحدة } ( الفرقان : 32 ) . ودل على إرادة هذا المعنى من ~~قوله : { بمثل } قوله آنفا { انظر كيف ضربوا لك الأمثال } ( الفرقان : 9 ) ~~عقب قوله : { وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا } ( الفرقان : 8 ) . ~~وتعدية فعل { يأتونك } إلى ضمير النبي صلى الله عليه وسلم لإفادة أن ~~إتيانهم بالأمثال يقصدون به أن يفحموه . # والإتيان مستعمل مجازا في الإظهار . والمعنى : لا يأتونك بشبه يشبهون به ~~حالا من أحوالك يبتغون إظهار أن حالك لا يشبه حال رسول من الله إلا أبطلنا ~~تشبيههم وأريناهم أن حالة الرسالة عن الله لا تلازم ما زعموه سواء كان ما ~~أتوا به تشبيها صريحا بأحوال غير الرسل كقولهم : { أساطير الأولين اكتتبها ~~} ( الفرقان : 5 ) وقولهم { مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشى في الأسواق } ~~( الفرقان : 7 ) ، وقولهم : { إن تتبعون إلا رجلا مسحورا } ( الفرقان : 8 ) ~~، أم كان نفي مشابهة حاله بأحوال الرسل في زعمهم فإن نفي مشابهة الشيء ~~يقتضي إثبات ضده كقولهم : { لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا } ( ~~الفرقان : 21 ) وكذلك قولهم : { لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة } ( ~~الفرقان : 32 ) إذا كانوا قالوه على معنى أنه مخالف لحالل نزول التوراة ~~والإنجيل . فهذا نفي تمثيل حال الرسول صلى الله عليه وسلم بحال الرسل ~~الأسبقين في زعمهم . ويدخل في هذا النوع ما يزعمون أنه تقتضيه النبوءة من ~~المكانة عند الله أن يسأله ، فيجاب إليه كقولهم : { لولا أنزل إليه ملك ~~فيكون معه نذيرا أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها } ( الفرقان : ~~7 ، 8 ) . PageV19P021 # وصيغة المضارع في قوله : { لا يأتونك } تشمل ما عسى أن يأتوا به من هذا ~~النوع كقولهم : { أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا } ( الإسراء : 92 ) . # والاستثناء في قوله : { إلا جئناك بالحق } استثناء من أحوال عامة يقتضيها ~~عموم الأمثال لأن عموم الأشخاص يستلزم عموم الأحوال . # وجملة { جئناك } حالية كما تقدم في قوله : { وما أرسلنا قبلك من المرسلين ~~إلا إنهم ms5764 ليأكلون الطعام } ( الفرقان : 20 ) . # وقوله { جئناك بالحق } مقابل قوله : { لا يأتونك بمثل } وهو مجيء مجازي . ~~ومقابلة { جئناك بالحق } لقوله : { ولا يأتونك بمثل } إشارة إلى أن ما ~~يأتون به باطل . مثال ذلك أن قولهم : { مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي ~~في الأسواق } ( الفرقان : 7 ) ، أبطله قوله : { وما أرسلنا قبلك من ~~المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق } ( الفرقان : 20 ) . # والتعبير في جانب ما يؤيده الله من الحجة ب { جئناك } دون : أتيناك ، كما ~~عبر عما يجيئون به ب { يأتونك } إما لمجرد التفنن ، وإما لأن فعل الإتيان ~~إذا استعمل مجازا كثر فيما يسوء وما يكره ، كالوعيد والهجاء ، قال شقيق بن ~~شريك الأسدي : # أتاني من أبي أنس وعيد # فسل لغيظة الضحاك جسمي # وقول النابغة : # أتاني أبيت اللعن أنك لمتني # وقوله : # فليأتينك قصائد وليدفعن # جيشا إليك قوادم الأكوار # يريد قصائد الهجاء . وقول الملائكة للوط { وآتيناك بالحق } ( الحجر : 64 ~~) أي عذاب قومه ، ولذلك قالوا له في المجيء الحقيقي { بل جئناك بما كانوا ~~فيه يمترون . وتقدم في سورة الحجر ( 63 ) ، وقال الله تعالى : أتاها أمرنا ~~ليلا أو نهارا } ( يونس : 24 ) { أتى أمر الله فلا تستعجلوه } ( النحل : 1 ~~) { فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا } ( الحشر : 2 ) ، بخلاف فعل المجيء إذا ~~PageV19P022 استعمل في مجازه فأكثر ما يستعمل في وصول الخير والوعد والنصر ~~والشيء العظيم ، قال تعالى : { قد جاءكم برهان من ربكم } ( النساء : 174 ) ~~{ وجاء ربك والملك صفا صفا } ( الفجر : 22 ) { إذا جاء نصر الله } ( النصر ~~: 1 ) ، وفي حديث الإسراء : ( . . . مرحبا به ونعم المجيء جاء ) ، { وقل ~~جاء الحق وزهق الباطل } ( الإسراء : 81 ) ، وقد يكون متعلق الفعل ذا وجهين ~~باختلاف الاعتبار فيطلق كلا الفعلين نحو { حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور } ~~( هود : 40 ) ، فإن الأمر هنا منظور فيه إلى كونه تأييدا نافعا لنوح . # والتفسير : البيان والكشف عن المعنى ، وقد تقدم ما يتعلق به مفصلا في ~~المقدمة الأولى من مقدمات هذا الكتاب ، والمراد هنا كشف الحجة والدليل . # ومعنى كونه { أحسن } ، أنه أحق في الاستدلال ، فالتفضيل للمبالغة إذ ليس ~~في حجتهم حسن ms5765 أو يراد بالحسن ما يبدو من بهرجة سفسطتهم وشبههم فيجيء الكشف ~~عن الحق أحسن وقعا في نفوس السامعين من مغالطاتهم ، فيكون التفضيل بهذا ~~الوجه على حقيقته ، فهذه نكتة من دقائق الاستعمال ودقائق التنزيل . # # | 2 ( 34 ) { الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولائك شر مكانا وأضل ~~سبيلا } . ) 2 # استئناف ابتدائي لتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم ولوعيد المشركين وذمهم ~~. # والموصول واقع موقع الضمير كأنه قيل : هم يحشرون على وجوههم ، فيكون ~~الضمير عائدا إلى الذين كفروا من قوله : { وقال الذين كفروا لولا نزل عليه ~~القرآن جملة واحدة } ( الفرقان : 32 ) إظهارا في مقام الإضمار لتحصيل فائدة ~~أن أصحاب الضمير ثبت لهم مضمون الصلة ، وليبنى على الصلة موقع اسم الإشارة ~~، ومقتضى ظاهر النظم أن يقال : ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن ~~تفسيرا ، هم شر مكانا وأضل سبيلا ، ونحشرهم على وجوههم إلى جهنم ، كما قال ~~في سورة الإسراء ( 97 ) { ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عقب قوله : وما ~~منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا } ( ~~الإسراء : 94 ) ويعلم من السياق بطريق التعريض أن الذين يحشرون على وجوههم ~~هم الذين يأتون بالأمثال تكذيبا PageV19P023 للنبيء صلى الله عليه وسلم وإذ ~~كان قصدهم مما يأتون به من الأمثال تنقيص شأن النبي ذكروا بأنهم أهل شر ~~المكان وضلالل السبيل دون النبي صلى الله عليه وسلم فالموصول مبتدأ واسم ~~الإشارة خبر عنه . # وقد تقدم معنى { يحشرون على وجوههم } في سورة الإسراء ( 97 ) عند قوله { ~~ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم . وتقدم ذكر الحديث في السؤال عن كيف يمشون ~~على وجوههم . # وشر : اسم تفضيل . وأصله أشر وصيغتا التفضيل في قوله شر ، وأضل } ~~مستعملتان للمبالغة في الاتصاف بالشر والضلال كقوله { قال أنتم شر مكانا } ~~( يوسف : 77 ) في جواب قول إخوة يوسف { إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل } ( ~~يوسف : 77 ) . # وتعريف جزأي الجملة يفيد القصر وهو قصر للمبالغة بتنزيلهم منزلة من انحصر ~~الشر والضلال فيهم . وروي عن مقاتل أن الكفار قالوا للمسلمين : هم شر الخلق ms5766 ~~، فنزلت هذه الآية فيكون القصر قصر قلب ، أي هم شر مكانا وأضل سبيلا لا ~~المسلمون ، وصيغتا التفضيل مسلوبتا المفاضلة على كلا الوجهين . # والمكان : المقر . والسبيل : الطريق ، مكانهم جهنم ، وطريقهم الطريق ~~الموصل إليها وهو الذي يحشرون فيه على وجوههم . # والإتيان باسم الإشارة عقب ما تقدم للتنبيه على أن المشار إليهم أحرياء ~~بالمكان الأشر والسبيل الأضل ، لأجل ما سبق من أحوالهم التي منها قولهم { ~~لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة } ( الفرقان : 32 ) . # و { سبيلا } تمييز محول عن الفاعل ، فأصله : وضل سبيلهم . وإسناد الضلال ~~إلى السبيل في التركيب المحول عنه مجاز عقلي لأن السبيل سبب ضلالهم . # # | 2 ( 35 ، 36 ) { ولقد ءاتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا ~~* فقلنا اذهبآ إلى القوم الذين كذبوا بئاياتنا فدمرناهم تدميرا } . ) 2 # لما جرى الوعيد والتسلية بذكر حال المكذبين للرسول عليه الصلاة والسلام ~~PageV19P024 عطف على ذلك تمثيلهم بالأمم المكذبين رسلهم ليحصل من ذلك موعظة ~~هؤلاء وزيادة تسلية الرسول والتعريض بوعده بالانتصار له . # وابتدىء بذكر موسى وقومه لأنه أقرب زمنا من الذين ذكروا بعده ولأن بقايا ~~شرعه وأمته لم تزل معروفة عند العرب ، فإن صح ما روي أن الذين قالوا : { ~~لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة } ( الفرقان : 32 ) اليهود ، فوجه ~~الابتداء بذكر ما أوتي موسى أظهر . # وحرف التحقيق ولام القسم لتأكيد الخبر باعتبار ما يشتمل عليه من الوعيد ~~بتدميرهم . وأريد بالكتاب الوحي الذي يكتب ويحفظ وذلك من أول ما ابتدىء ~~بوحيه إليه ، وليس المراد بالكتاب الألواح لأن إيتاءه الألواح كان بعد زمن ~~قوله { اذهبا إلى القوم } ، فقوله { فقلنا اذهبا } مفرع عن إيتاء الكتاب ، ~~فالإيتاء متقدم عليه . # وفي وصف الوحي بالكتاب تعريض بجهالة المشركين القائلين { لولا نزل عليه ~~القرآن جملة واحدة } ( الفرقان : 32 ) ، فإن الكتب التي أوتيها الرسل ما ~~كانت إلا وحيا نزل منجما فجمعه الرسل وكتبه أتباعهم . # والتعرض هنا إلى تأييد موسى بهارون تعريض بالرد على المشركين إذ قالوا { ~~لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا } ( الفرقان : 7 ) فإن موسى لما اقتضت ~~الحكمة تأييده لم يؤيد بملك ولكنه ms5767 أيد برسول مثله . # والوزير : المؤازر وهو المعاون المظاهر ، مشتق من الأزر وهو القوة . وأصل ~~الأزر : شد الظهر بإزار عند الإقبال على عمل ذي تعب ، وقد تقدم في سورة طه ~~. وكان هارون رسولا ثانيا وموسى هو الأصل . والقوم هم قبط مصر قوم فرعون . # و { الذين كذبوا بآياتنا } وصف للقوم وليس هو من المقول لموسى وهارون لأن ~~التكذيب حينئذ لما يقع منهم ، ولكنه وصف لإفادة قراء القرآن أن موسى وهارون ~~بلغا الرسالة وأظهر الله منهما الآيات فكذب بها قوم فرعون فاستحقوا التدمير ~~تعريضا بالمشركين في تكذيبهم محمدا صلى الله عليه وسلم وتمهيدا للتفريع ب { ~~دمرناهم تدميرا } الذي هو المقصود من الموعظة والتسلية . PageV19P025 # والموصول في قوله : { الذين كذبوا بآياتنا } للإيماء إلى علة الخبر عنهم ~~بالتدمير . # وقد حصل بهذا النظم إيجاز عجيب اختصرت به القصة فذكر منها حاشيتاها : ~~أولها وآخرها لأنهما المقصود بالقصة وهو استحقاق الأمم التدمير بتكذيبهم ~~رسلهم . # والتدمير : الإهلاك ، والهلاك : دمور . # وإتباع الفعل بالمفعول المطلق لما في تنكير المصدر من تعظيم التدمير وهو ~~الإغراق في اليم . # # | 2 ( 37 ) { وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم وجعلناهم للناس ءاية ~~وأعتدنا للظالمين عذابا أليما } . ) 2 # عطف على جملة { ولقد آتينا موسى الكتاب } ( الفرقان : 35 ) باعتبار أن ~~المقصود وصف قومه بالتكذيب والإخبار عنهم بالتدمير . # وانتصب { قوم نوح } بفعل محذوف يفسره { أغرقناهم } على طريقة الاشتغال ، ~~ولا يضر الفصل بكلمة { لما } لأنها كالظرف ، وجوابها محذوف دل عليه مفسر ~~الفعل المحذوف ، وفي هذا النظم اهتمام بقوم نوح لأن حالهم هو محل العبرة ~~فقدم ذكرهم ثم أكد بضميرهم . # ويجوز أن يكون { وقوم نوح } عطفا على ضمير النصب في قوله { فدمرناهم } ( ~~الفرقان : 36 ) أي ودمرنا قوم نوح ، وتكون جملة { لما كذبوا الرسل أغرقناهم ~~} مبينة لجملة { دمرناهم } . # والآية : الدليل ، أي جعلناهم دليلا على مصير الذين يكذبون رسلهم . ~~وجعلهم آية : هو تواتر خبرهم بالغرق آية . # وجعل قوم نوح مكذبين الرسل مع أنهم كذبوا رسولا واحدا لأنهم استندوا في ~~تكذيبهم رسولهم إلى إحالة أن يرسل الله بشرا لأنهم قالوا : { ما هذا إلا ~~بشر PageV19P026 مثلكم ms5768 يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة ما ~~سمعنا بهذا في آبائنا الأولين } ( المؤمنون : 24 ) فكان تكذيبهم مستلزما ~~تكذيب عموم الرسل ، ولأنهم أول من كذب رسولهم ، فكانوا قدوة للمكذبين من ~~بعدهم . وقصة قوم نوح تقدمت في سورة الأعراف وسورة هود . # وجملة { وأعتدنا للظالمين عذابا أليما } عطف على { أغرقناهم } . والمعنى ~~: عذبناهم في الدنيا بالغرق وأعتدنا لهم عذابا أليما في الآخرة . ووقع ~~الإظهار في مقام الإضمار فقيل { للظالمين } عوضا عن : أعتدنا لهم ، لإفادة ~~أن عذابهم جزاء على ظلمهم بالشرك وتكذيب الرسول . # # | 2 ( 38 ، 39 ) { وعادا وثمودا وأصحاب الرس وقرونا بين ذالك كثيرا * ~~وكلا ضربنا له الامثال وكلا تبرنا تتبيرا } . ) 2 # انتصبت الأسماء الأربعة بفعل محذوف دل عليه { تبرنا } . وفي تقديمها ~~تشويق إلى معرفة ما سيخبر به عنها . ويجوز أن تكون هذه الأسماء منصوبة ~~بالعطف على ضمير النصب من قوله : { فدمرناهم تدميرا } ( الفرقان : 36 ) . # وتنوين { عادا وثمودا } مع أن المراد الامتان . فأما تنوين { عادا } فهو ~~وجه وجيه لأنه اسم عري عن علامة التأنيث وغير زائد على ثلاثة أحرف فحقه ~~الصرف . وأما صرف { ثمودا } في قراءة الجمهور فعلى اعتبار اسم الأب ، ~~والأظهر عندي أن تنوينه للمزاوجة مع { عادا } كما قال تعالى : { سلاسلا ~~وأغلالا وسعيرا } ( الإنسان : 4 ) . # وقرأه حمزة وحفص ويعقوب بغير تنوين على ما يقتضيه ظاهر اسم الأمة من ~~التأنيث المعنوي . وتقدم ذكر عاد في سورة الأعراف . # وأما { أصحاب الرس } فقد اختلف المفسرون في تعيينهم واتفقوا على أن الرس ~~بئر عظيمة أو حفير كبير . ولما كان اسما لنوع من أماكن الأرض أطلقه العرب ~~على أماكن كثيرة في بلاد العرب . # قال زهير : PageV19P027 # بكرن بكورا واستحرن بسحرة # فهن ووادي الرس كاليد للفم # وسموا بالرس ما عرفوه من بلاد فارس ، وإضافة { أصحاب } إلى { الرس } إما ~~لأنهم أصابهم الخسف في رس ، وإما لأنهم نازلون على رس ، وإما لأنهم احتفروا ~~رسا ، كما سمي أصحاب الأخدود الذين خدوه وأضرموه . والأكثر على أنه من بلاد ~~اليمامة ويسمى ( فلجا ) . # واختلف في المعني من { أصحاب الرس } في هذه الآية فقيل هم ms5769 قوم من بقايا ~~ثمود . وقال السهيلي : هم قوم كانوا في عدن أرسل إليهم حنظلة بن صفوان ~~رسولا . ' وكانت العنقاء وهي طائر أعظم ما يكون من الطير ( سميت العنقاء ~~لطول عنقها ) وكانت تسكن في جبل يقال له ( فتح ) ، وكانت تنقض على صبيانهم ~~فتخطفهم إن أعوزها الصيد فدعا عليها حنظلة فأهلكها الله بالصواعق . وقد ~~عبدوا الأصنام وقتلوا نبيئهم فأهلكهم الله . قال وهب بن منبه : خسف بهم ~~وبديارهم . وقيل : هم قوم شعيب . وقيل : قوم كانوا مع قوم شعيب ، وقال ~~مقاتل والسدي : الرس بئر بأنطاكية ، وأصحاب الرس أهل أنطاكية بعث إليهم ~~حبيب النجار فقتلوه ورسوه في بئر وهو المذكور في سورة يس ( 20 ) { وجاء من ~~أقصا المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين الآيات . وقيل : الرس ~~واد في أذربيجان في أران يخرج من قاليقلا ويصب في بحيرة جرجان ولا أحسب أنه ~~المراد في هذه الآية . ولعله من تشابه الأسماء يقال : كانت عليه ألف مدينة ~~هلكت بالخسف ، وقيل غير ذلك مما هو أبعد . # والقرون : الأمم فإن القرن يطلق على الأمة ، وقد تقدم عند قوله تعالى : ~~ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن في أول الأنعام ( 6 ) . وفي الحديث : ~~خير القرون قرني ثم الذين يلونهم الحديث . PageV19P028 # والإشارة في قوله : بين ذلك } إلى المذكور من الأمم . ومعنى { بين ذلك } ~~أن أمما تخللت تلك الأقوام ابتداء من قوم نوح . # وفي هذه الآية إيذان بطولل مدد هذه القرون وكثرتها . # والتنوين في { كلا } تنوين عوض عن المضاف إليه . والتقدير : وكلهم ضربنا ~~له الأمثال وانتصب { كلا } الأول بإضمار فعل يدل عليه { ضربنا له } تقديره ~~: خاطبنا أو حذرنا كلا وضربنا له الأمثال ، وانتصب { كلا } الثاني بإضمار ~~فعل يدل عليه { تبرنا } وكلاهما من قبيل الاشتغال . # والتتبير : التفتيت للأجسام الصلبة كالزجاج والحديد . أطلق التتبير على ~~الإهلاك على طريقة الاستعارة تبعية في { تبرنا } وأصلية في { تتبيرا } ، ~~وتقدم في قوله تعالى : { إن هؤلاء متبر ما هم فيه } في سورة الأعراف ( 139 ~~) ، وقوله : { وليتبروا ما علوا تتبيرا } في سورة الإسراء ( 7 ) . وانتصب { ~~تتبيرا } على أنه ms5770 مفعول مطلق مؤكد لعامله لإفادة شدة هذا الإهلاك . # ومعنى ضرب الأمثال : قولها وتبيينها وتقدم عند قوله تعالى : { إن الله لا ~~يستحيي أن يضرب مثلا ما } في سورة البقرة ( 26 ) . # والمثل : النظير والمشابه ، أي بينا لهم الأشباه والنظائر في الخير والشر ~~ليعرضوا حال أنفسهم عليها . قال تعالى : { وسكنتم في مساكن الذين ظلموا ~~أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال } ( إبراهيم : 45 ) . # $ 2 ( 40 ) { ولقد أتوا على القرية التى & # 1764 أمطرت مطر السوء أفلم يكونوا يرونها بل كانوا لا يرجون نشورا } . ) ~~2 $ # لما كان سوق خبر قوم نوح وعاد وثمود وأصحاب الرس وما بينهما من القرون ~~مقصودا لاعتبار قريش بمصائرهم نقل نظم الكلام هنا إلى إضاعتهم الاعتبار ~~بذلك وبما هو أظهر منه لأنظارهم ، وهو آثار العذاب الذي نزل بقرية قوم لوط ~~. # واقتران الخبر بلام القسم لإفادة معنى التعجيب من عدم اعتبارهم كما تقدم ~~في قوله : { لقد استكبروا في أنفسهم } ( الفرقان : 21 ) . وكانت قريش يمرون ~~بديار قوم لوط في أسفارهم PageV19P029 للتجارة إلى الشام فكانت ديارهم يمر ~~بها طريقهم قال تعالى : { وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون } ~~( الصافات : 137 ، 138 ) . وكان طريق تجارتهم من مكة على المدينة ويدخلون ~~أرض فلسطين فيمرون حذو بحيرة لوط التي على شافتها بقايا مدينة ( سدوم ) ~~ومعظمها غمرها الماء . وتقدم ذكر ذلك عند قوله تعالى : { وإنهما لبإمامم ~~مبين } في سورة الحجر ( 79 ) . # والإتيان : المجيء . وتعديته ب { على } لتضمينه معنى : مروا ، لأن ~~المقصود من التذكير بمجيء القرية التذكير بمصير أهلها فكأن مجيئهم إياها ~~مرور بأهلها ، فضمن المجيء معنى المرور لأنه يشبه المرور ، فإن المرور ~~يتعلق بالسكان والمجيء يتعلق بالمكان فيقال : جئنا خراسان ، ولا يقال : ~~مررنا بخراسان . وقال تعالى : { وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا ~~تعقلون } ( الصافات : 137 ، 138 ) . # ووصف القرية ب { التي أمطرت مطر السوء } لأنها اشتهرت بمضمون الصلة بين ~~العرب وأهل الكتاب . وهذه القرية هي المسماة ( سدوم ) بفتح السين وتخفيف ~~الدال وكانت لقوم لوط قرى خمس أعظمها ( سدوم ) . وتقدم ذكرها عند قوله ~~تعالى : { ولوطا إذ قال لقومه ms5771 } في سورة الأعراف ( 80 ) . # و { مطر السوء } هو عذاب نزل عليهم من السماء وهو حجارة من كبريت ورماد ، ~~وتسميته مطرا على طريقة التشبيه لأن حقيقة المطر ماء السماء . # والسوء بفتح السين : الضر والعذاب ، وأما بضم السين فهو ما يسوء . والفتح ~~هو الأصل في مصدر ساءه ، وأما السوء بالضم فهو اسم مصدر ، فغلب استعمال ~~المصدر في الذي يسوء بضر ، واستعمال اسم المصدر في ضد الإحسان . # وتفرع على تحقيق إتيانهم على القرية مع عدم انتفاعهم به استفهام صوري عن ~~انتفاء رؤيتهم إياها حينما يأتون عليها ، لأنهم لما لم يتعظوا بها كانوا ~~بحال من يسأل عنهم : هل رأوها ، فكان الاستفهام لإيقاظ العقول للبحث عن ~~حالهم . وهو استفهام إما مستعمل في الإنكار والتهديد ، وإما مستعمل في ~~الإيقاظ لمعرفة سبب عدم اتعاظهم . # وقوله : { بل كانوا لا يرجون نشورا } يجوز أن يكون { بل } للإضراب ~~الانتقالي PageV19P030 انتقالا من وصف تكذيبهم بالنبي صلى الله عليه وسلم ~~وعدم اتعاظهم بما حل بالمكذبين من الأمم إلى ذكر تكذيبهم بالبعث ، فيكون ~~انتهاء الكلام عند قوله : { أفلم يكونوا يرونها } وهو الذي يجري على الوجه ~~الأول في الاستفهام . وعبر عن إنكارهم البعث بعدم رجائه لأن منكر البعث لا ~~يرجو منه نفعا ولا يخشى منه ضرا ، فعبر عن إنكار البعث بأحد شقي الإنكار ~~تعريضا بأنهم ليسوا مثل المؤمنين يرجون رحمة الله . # والنشور : مصدر نشر الميت أحياه ، فنشر ، أي حيي . وهو من الألفاظ التي ~~جرت في كلام العرب على معنى التخيل لأنهم لا يعتقدونه ، ويروى للمهلهل في ~~قتاله لبني بكر ابن وائل الذين قتلوا أخاه كليبا قوله : # يا لبكر انشروا لي كليبا # يا لبكر أين أين الفرار # فإذا صحت نسبة البيت إليه كان مراده من ذلك تعجيزهم ليتوسل إلى قتالهم . # والمعنى : أنهم كانوا لا يؤمنون بالبعث فلم يكن لهم استعداد للاعتبار ، ~~لأن الاعتبار ينشأ عن المراقبة ومحاسبة النفس لطلب النجاة ، وهؤلاء ~~المشركون لما نشأوا على إهمال الاستعداد لما بعد الموت قصرت أفهامهم على ~~هذا العالم العاجل فلم يعنوا إلا بأسباب وسائل العاجلة ، فهم مع زكانتهم ms5772 في ~~تفرس الذوات والشيات ومراقبة سير النجوم وأنواء المطر والريح ورائحة أتربة ~~منازل الأحياء ، هم مع ذلك كله معرضون بأنظارهم عن توسم الإلهيات وحياة ~~الأنفس ونحو ذلك . وأصل ذلك الضلالل كله انجر لهم من إنكار البعث فلذلك جعل ~~هنا علة لانتفاء اعتبارهم بمصير أمة كذبت رسولها وعصت ربها . وفي هذا ~~المعنى جاء قوله تعالى : { إن في ذلك لآيات للمتوسمين } ( الحجر : 75 ) أي ~~دون من لا يتوسمون . # # | 2 ( 41 ، 42 ) { وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهاذا الذى بعث الله ~~رسولا * إن كاد ليضلنا عن ءالهتنا لولا أن صبرنا عليها وسوف يعلمون حين ~~يرون العذاب من أضل سبيلا } . ) 2 # كان ما تقدمت حكايته من صنوف أذاهم الرسول عليه الصلاة والسلام أقوالا ~~PageV19P031 في مغيبه ، فعطف عليها في هذه الآية أذى خاص وهو الأذى حين ~~يرونه . وهذا صنف من الأذى تبعثهم إليه مشاهدة الرسول في غير زي الكبراء ~~والمترفين لا يجر المطارف ولا يركب النجائب ولا يمشي مرحا ولا ينظر خيلاء ~~ويجالس الصالحين ويعرض عن المشركين ، ويرفق بالضعفاء ويواصل الفقراء ، ~~وأولئك يستخفون بالخلق الحسن ، لما غلب على آرائهم من أفن ، لذلك لم يخل ~~حاله عندهم من الاستهزاء به إذا رأوه بأن حاله ليست حال من يختاره الله ~~لرسالته دونهم ، ولا هو أهل لقيادتهم وسياستهم . وهذا الكلام صدر من أبي ~~جهل وأهل ناديه . # و { إذا } ظرف زمان مضمن معنى الشرط فلذلك يجعل متعلقه جوابا له . فجملة ~~{ إن يتخذونك إلا هزؤا } جواب { إذا } . والهزؤ بضمتين : مصدر هزأ به . ~~وتقدم في قوله : ( تعالى ) { قالوا أتتخذنا هزوءا } في سورة البقرة ( 67 ) ~~. والوصف للمبالغة في استهزائهم به حتى كأنه نفس الهزؤ لأنهم محضوه لذلك ، ~~وإسناد { يتخذونك } إلى ضمير الجمع للدلالة على أن جماعاتهم يستهزئون به ~~إذا رأوه وهم في مجالسهم ومنتدياتهم . وصيغة الحصر للتشنيع عليهم بأنهم ~~انحصر اتخاذهم إياه في الاستهزاء به يلازمونه ويدأبون عليه ولا يخلطون معه ~~شيئا من تذكر أقواله ودعوته ، فالاستثناء من عموم الأحوال المنفية ، أي لا ~~يتخذونك في حالة إلا في حالة الاستهزاء . # وجملة ms5773 { أهذا الذي بعث الله رسولا } بيان لجملة { إن يتخذونك إلا هزؤا } ~~لأن الاستهزاء من قبيل القول فكان بيانه بما هو من أقوالهم ومجاذبتهم ~~الأحاديث بينهم . # والاستفهام إنكار لأن يكون بعثه الله رسولا . # واسم الإشارة مستعمل في الاستصغار كما علمت في أول تفسير هذه الآية . # والمعنى : إنكار أن يكون المشار إليه رسولا لأن في الإشارة إليه ما يكفي ~~للقطع بانتفاء أنه رسول الله في زعمهم ، وقد تقدم قريب من هذه الجملة في ~~قوله تعالى : { وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزؤا أهذا الذي يذكر ~~آلهتكم في سورة الأنبياء ( 36 ) ، سوى أن الاستفهام هنالك تعجبي فانظره . ~~PageV19P032 # أما قولهم إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها } فالمقصود منه ~~تفاخرهم بتصلبهم في دينهم وأنهم كادوا أن يتبعوا دعوة الرسول بما يلقيه ~~إليهم من الإقناع والإلحاح فكان تأثر أسماعهم بأقواله يوشك بهم أن يرفضوا ~~عبادة الأصنام لولا أنهم تريثوا ، فكان في الريث أن أفاقوا من غشاوة أقواله ~~وخلابة استدلاله واستبصروا مرآة فانجلى لهم أنه لا يستأهل أن يكون مبعوثا ~~من عند الله ، فقد جمعوا من كلامهم بين تزييف حجته وتنويه ثباتهم في مقام ~~يستفز غير الراسخين في الكفر . وهذا الكلام مشوب بفساد الوضع ومؤلف على ~~طرائق الدهماء إذ يتكلمون كما يشتهون ويستبلهون السامعين . ومن خلابة ~~المغالطة إسنادهم مقاربة الإضلال إلى الرسول دون أنفسهم ترفعا على أن ~~يكونوا قاربوا الضلال عن آلهتهم مع أن مقاربته إضلالهم تستلزم اقترابهم من ~~الضلال . # و { إن } مخففة من ( إن ) المشددة ، والأكثر في الكلام إهمالها ، أي ترك ~~عملها نصب الاسم ورفع الخبر ، والجملة التي تليها يلزم أن تكون مفتتحة بفعل ~~من أخوات كان أو من أخوات ظن وهذا من غرائب الاستعمال . ولو ذهبنا إلى أن ~~اسمها ضمير شأن وأن الجملة التي بعدها خبر عن ضمير الشأن كما ذهبوا إليه في ~~( أن ) المفتوحة الهمزة إذا خففت لما كان ذلك بعيدا . وفي كلام صاحب ( ~~الكشاف ) ما يشهد له في تفسير قوله تعالى : { وإن كانوا من قبل لفي ضلال ~~مبين في ms5774 سورة آل عمران ( 164 ) ، والجملة بعدها مستأنفة ، واللام في قوله ~~ليضلنا } هي الفارقة بين ( إن ) المحققة وبين ( إن ) النافية . # والصبر : الاستمرار على ما يشق عمله على النفس . ويعدى فعله بحرف ( على ) ~~لما يقتضيه من التمكن من الشيء المستمر عليه . # و { لولا } حرف امتناع لوجود ، أي امتناع وقوع جوابها لأجل وجود شرطها ~~فتقتضي جوابا لشرطها ، والجواب هنا محذوف لدلالة ما قبل { لولا } عليه ، ~~وهو { إن كاد ليضلنا } . وفائدة نسج الكلام على هذا المنوال دون أن يؤتى ~~بأداة الشرط ابتداء متلوة بجوابها قصد العناية بالخبر ابتداء بأنه حاصل ثم ~~يؤتى بالشرط بعده تقييدا لإطلاق الخبر فالصناعة النحوية تعتبر المقدم دليل ~~الجواب ، والجواب محذوفا لأن نظر النحوي لإقامة أصل التركيب ، فأما أهل ~~البلاغة فيعتبرون PageV19P033 ذلك للاهتمام وتقييد الخبر بعد إطلاقه ، ولذا ~~قال في ( الكشاف ) : ( { لولا } في مثل هذا الكلام جار مجرى التقييد للحكم ~~المطلق من حيث المعنى لا من حيث الصنعة ) فهذا شأن الشروط الواقعة بعد كلام ~~مقصود لذاته كقوله تعالى : { لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء } إلى قوله : { ~~إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي } ( الممتحنة : 1 ) فإن قوله : { إن كنتم } ~~قيد في المعنى للنهي عن موالاة أعداء الله . وتأخير الشرط ليظهر أنه قيد ~~للفعل الذي هو دليل الجواب . قال في ( الكشاف ) : { إن كنتم خرجتم } متعلق ~~ب { لا تتخذوا } يعني : لا تتولوا أعدائي إن كنتم أوليائي . وقول النحويين ~~في مثله هو شرط جوابه محذوف لدلالة ما قبله عليه ) اه . وكذلك ما قدم فيه ~~على الشرط ما حقه أن يكون جوابا للشرط تقديما لقصد الاهتمام بالجواب كقوله ~~تعالى : { قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين } ( آل عمران : 93 ) . # هذا جواب قولهم { إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها } المتضمن ~~أنهم على هدى في دينهم ، وكان الجواب بقطع مجادلتهم وإحالتهم على حين ~~رؤيتهم العذاب ينزل بهم ، فتضمن ذلك وعيدا بعذاب . والأظهر أن المراد عذاب ~~السيف النازل بهم يوم بدر ، وممن رآه أبو جهل سيد أهل الوادي ، وزعيم ~~القالة في ذلك النادي . # ولما كان الجواب ms5775 بالإعراض عن المحاجة ارتكب فيه أسلوب التهكم بجعل ما ~~ينكشف عنه المستقبل هو معرفة من هو أشد ضلالا من الفريقين على طريقة ~~المجاراة وإرخاء العنان للمخطىء إلى أن يقف على خطئه وقد قال أبو جهل يوم ~~بدر وهو مثخن بالجراح في حالة النزع لما قال له عبد الله بن مسعود : أنت ~~أبو جهل ؟ فقال : ( وهل أعمد من رجل قتله قومه ) . # و { من } الاستفهامية أوجبت تعليق فعل { يعلمون } عن العمل . # # | 2 ( 43 ) { أرءيت من اتخذ إلاهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا } . ) 2 # استئناف خوطب به الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يخطر بنفسه من الحزن على ~~تكرر PageV19P034 إعراضهم عن دعوته إذ كان حريصا على هداهم والإلحاح في ~~دعوتهم ، فأعلمه بأن مثلهم لا يرجى اهتداؤه لأنهم جعلوا هواهم إلههم ، ~~فالخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم # وفعل { اتخذ } يتعدى إلى مفعولين وهو من أفعال التصيير الملحقة بأفعال ~~الظن في العمل ، وهو إلى باب كسا وأعطى أقرب منه إلى باب ظن ، فإن { اتخذ } ~~معناه صير شيئا إلى حالة غير ما كان عليه أو إلى صورة أخرى . والأصل فيه أن ~~مفعوله الأول هو الذي أدخل عليه التغيير إلى حال المفعول الثاني فكان الحق ~~أن لا يقدم مفعوله الثاني على مفعوله الأول إلا إذا لم يكن في الكلام لبس ~~يلتبس فيه المعنى فلا يدري أي المفعولين وقع تغييره إلى مدلول المفعول ~~الآخر ، أو كان المعنى الحاصل من التقديم مساويا للمعنى الحاصل من الترتيب ~~في كونه مرادا للمتكلم . # فقوله تعالى : { أرأيت من اتخذ إلاهه هواه } إذا أجري على الترتيب كان ~~معناه جعل إلهه الشيء الذي يهوى عبادته ، أي ما يحب أن يكون إلها له ، أي ~~لمجرد الشهوة لا لأن إلهه مستحق للإلهية ، فالمعنى : من اتخذ ربا له محبوبه ~~فإن الذين عبدوا الأصنام كانت شهوتهم في أن يعبدوها وليست لهم حجة على ~~استحقاقها العبادة . فإطلاق { إلاهه } على هذا الوجه إطلاق حقيقي . وهذا ~~يناسب قوله قبله { إن كاد ليضلنا عن آلهتنا } ( الفرقان : 42 ) ، ومعناه ~~منقول عن سعيد بن جبير ms5776 . واختاره ابن عرفة في ( تفسيره ) وجزم بأنه الصواب ~~دون غيره وليس جزمه بذلك بوجيه وقد بحث معه بعض طلبته . # وإذا أجري على اعتبار تقديم المفعول الثاني كان المعنى : من اتخذ هواه ~~قدوة له في أعماله لا يأتي عملا إلا إذا كان وفاقا لشهوته فكأن هواه إلهه . ~~وعلى هذا يكون معنى { إلهه } شبيها بإلهه في إطاعته على طريقة التشبيه ~~البليغ . # وهذا المعنى أشمل في الذم لأنه يشمل عبادتهم الأصنام ويشمل غير ذلك من ~~المنكرات والفواحش من أفعالهم . ونحا إليه ابن عباس ، وإلى هذا المعنى ذهب ~~صاحب ( الكشاف ) وابن عطية . وكلا المعنيين ينبغي أن يكون محملا للآية . # واعلم أنه إن كان مجموع جملتي { أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه ~~وكيلا } كلاما واحدا متصلا ثانيه بأوله اتصال المفعول بعامله ، تعين فعل ~~PageV19P035 ( رأيت ) لأن يكون فعلا قلبيا بمعنى العلم وكان الاستفهام الذي ~~في الجملة الأولى بقوله : { أرأيت } إنكاريا كالثاني في قوله : { أفأنت ~~تكون عليه وكيلا } وكان مجموع الجملتين كلاما على طريقة الإجمال ثم التفصيل ~~. والمعنى : أرأيتك تكون وكيلا على من اتخذ إلهه هواه ، وتكون الفاء في ~~قوله { أفأنت } فاء الجواب للموصول لمعاملته معاملة الشرط ، وهمزة ~~الاستفهام الثانية تأكيد للاستفهام الأول كقوله { أئذا كنا عظاما ورفاتا ~~إنا لمبعوثون } ( الإسراء : 49 ) على قراءة إعادة همزة الاستفهام ، وتكون ~~جملة { أفأنت تكون عليه وكيلا } عوضا عن المفعول الثاني لفعل { أرأيت } ، ~~والفعل معلق عن العمل فيه بسبب الاستفهام على نحو قوله تعالى : { أفمن حق ~~عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار } ( الزمر : 19 ) وعليه لا يوقف ~~على قوله { هواه } بل يوصل الكلام . وهذا النظم هو الذي مشى عليه كلام ( ~~الكشاف ) . # وإن كانت كل جملة من الجملتين مستقلة عن الأخرى في نظم الكلام كان ~~الاستفهام الذي في الجملة الأولى مستعملا في التعجيب من حال الذين اتخذوا ~~إلههم هواهم تعجيبا مشوبا بالإنكار ، وكانت الفاء في الجملة الثانية ~~للتفريع على ذلك التعجيب والإنكار ، وكان الاستفهام الذي في الجملة الثانية ~~من قوله { أفأنت تكون عليه وكيلا } إنكاريا بمعنى : إنك لا ms5777 تستطيع قلعه عن ~~ضلاله كما أشار إليه قوله قبله { من أضل سبيلا } ( الفرقان : 42 ) . # و { من } صادقة على الجمع المتحدث عنه في قوله { وسوف يعلمون حين يرون ~~العذاب } ( الفرقان : 42 ) وروعي في ضمائر الصلة لفظ { من } فأفردت الضمائر ~~. والمعنى : من اتخذوا هواهم إلها لهم أو من اتخذوا آلهة لأجل هواهم . # و ( إلاه ) جنس يصدق بعدة آلهة إن أريد معنى اتخذوا آلهة لأجل هواهم . ~~وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي في قوله { أنت تكون عليه وكيلا } ~~للتقوي إشارة إلى إنكار ما حمل الرسول عليه الصلاة والسلام نفسه من الحرص ~~والحزن في طلب إقلاعهم عن الهوى كقوله تعالى : { أفأنت تكره الناس حتى ~~يكونوا مؤمنين } ( يونس : 99 ) . والمعنى : تكون وكيلا عليه في حال إيمانه ~~بحيث لا تفارق إعادة دعوته إلى الإيمان حتى تلجئه إليه . # PageV19P036 # | 2 ( 44 ) { أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالانعام بل ~~هم أضل سبيلا } . ) 2 # انتقال عن التأييس من اهتدائهم لغلبة الهوى على عقولهم إلى التحذير من أن ~~يظن بهم إدراك الدلائل والحجج ، وهذا توجيه ثان للإعراض عن مجادلتهم التي ~~أنبأ عنها قوله تعالى : { وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا } ( ~~الفرقان : 42 ) ، ف { أم } منقطعة للإضراب الانتقالي من إنكار إلى إنكار ~~وهي مؤذنة باستفهام عطفته على الاستفهام الذي قبلها . والتقدير : أم أتحسب ~~أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون . # والمراد من نفي { أن أكثرهم يسمعون } نفي أثر السماع وهو فهم الحق لأن ما ~~يلقيه إليهم الرسول صلى الله عليه وسلم لا يرتاب فيه إلا من هو كالذي لم ~~يسمعه . وهذا كقوله تعالى { ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين } ( ~~النمل : 80 ) . # وعطف { أو يعقلون } على { يسمعون } لنفي أن يكونوا يعقلون الدلائل غير ~~المقالية وهي دلائل الكائنات قال تعالى : { قل انظروا ماذا في السموات ~~والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون } ( يونس : 101 ) . # وإنما نفي فهم الأدلة السمعية والعقلية عن أكثرهم دون جميعهم ، لأن هذا ~~حال دهمائهم ومقلديهم ، وفيهم معشر عقلاء يفهمون ويستدلون بالكائنات ولكنهم ms5778 ~~غلب عليهم حب الرئاسة وأنفوا من أن يعودوا أتباعا للنبيء صلى الله عليه ~~وسلم ومساوين للمؤمنين من ضعفاء قريش وعبيدهم مثل عمار ، وبلال . # وجملة { إن هم إلا كالأنعام } مستأنفة استئنافا بيانيا لأن ما تقدم من ~~إنكار أنهم يسمعون يثير في نفس السامعين سؤالا عن نفي فهمهم لما يسمعون مع ~~سلامة حواس السمع منهم ، فكان تشبيههم بالأنعام تبيينا للجمع بين حصول ~~اختراق أصوات الدعوة آذانهم مع عدم انتفاعهم بها لعدم تهيئهم للاهتمام بها ~~، فالغرض من التشبيه التقريب والإمكان كقول أبي الطيب : # فإن تفق الأنام وأنت منهم # فإن المسك بعض دم الغزال # وضمائر الجمع عائدة إلى أكثرهم باعتبار معنى لفظه كما عاد عليه ضمير { ~~يسمعون } . PageV19P037 # وانتقل في صفة حالهم إلى ما هو أشد من حال الأنعام بأنهم أضل سبيلا من ~~الأنعام . وضلال السبيل عدم الاهتداء للمقصود لأن الأنعام تفقه بعض ما ~~تسمعه من أصوات الزجر ونحوها من رعاتها وسائقيها وهؤلاء لا يفقهون شيئا من ~~أصوات مرشدهم وسائسهم وهو الرسول عليه الصلاة والسلام . وهذا كقوله تعالى { ~~فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار } ( البقرة ~~: 74 ) الآية . # # | 2 ( 45 ، 46 ) { ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شآء لجعله ساكنا ثم ~~جعلنا الشمس عليه دليلا * ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا } . ) 2 # استئناف ابتدائي فيه انتقال من إثبات صدق الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وإثبات أن القرآن من عند الله أنزله على رسوله ، وصفات الرسل وما تخلل ذلك ~~من الوعيد وهو من هذا الاعتبار متصل بقوله : { وقال الذين كفروا لولا نزل ~~عليه القرآن جملة واحدة } ( الفرقان : 32 ) الآية . # وفيه انتقال إلى الاستدلال على بطلان شركهم وإثبات الوحدانية لله وهو من ~~هذه الجهة متصل بقوله في أول السورة { واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا ~~} ( الفرقان : 3 ) الآية . # وتوجيه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقتضي أن الكلام متصل بنظيره ~~من قوله تعالى : { قل أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض } ( الفرقان ~~: 6 ) . وما عطف عليه { قل أذلك خير ms5779 } ( الفرقان : 15 ) { وما أرسلنا قبلك ~~من المرسلين } ( الفرقان : 20 ) { وكفى بربك هاديا } ( الفرقان : 31 ) ~~فكلها مخاطبات للنبيء صلى الله عليه وسلم وقد جعل مد الظل وقبضه تمثيلا ~~لحكمة التدريج في التكوينات الإلهية والعدول بها عن الطفرة في الإيجاد ~~ليكون هذا التمثيل بمنزلة كبرى القياسس للتدليل على أن تنزيل القرآن منجما ~~جار على حكمة التدرج لأنه أمكن في حصول المقصود ، وذلك ما دل عليه قوله ~~سابقا { كذلك لنثبت به فؤادك } ( الفرقان : 32 ) . فكان في قوله : { ألم تر ~~إلى ربك كيف مد الظل . . . } الآية زيادة في التعليل على ما في قوله { كذلك ~~لنثبت به فؤادك } ( الفرقان : 32 ) . # ويستتبع هذا إيماء إلى تمثيل نزول القرآن بظهور شمس في المواضع التي كانت ~~PageV19P038 مظللة إذ قال تعالى : { ثم جعلنا الشمس عليه دليلا } فإن حال ~~الناس في الضلالة قبل نزول القرآن تشبه بحال امتداد ظلمة الظل ، وصار ما ~~كان مظللا ضاحيا بالشمس وكان زوال ذلك الظل تدريجا حتى ينعدم الفيء . # فنظم الآية بما اشتمل عليه من التمثيل أفاد تمثيل هيئة تنزيل القرآن ~~منجما بهيئة مد الظل مدرجا ولو شاء لجعله ساكنا . # وكان نظمها بحمله على حقيقة تركيبه مفيدا العبرة بمد الظل وقبضه في إثبات ~~دقائق قدرة الله تعالى ، وهذان المفادان من قبيل استعمال اللفظ في حقيقته ~~ومجازه الذي ذكرناه في المقدمة التاسعة . وكان نظم الكلام بمعنى ما فيه من ~~الاستعارة التصريحية من تشبيه الهداية بنور الشمس ، وتقلص ضلال الكفر ~~بانقباض الظل بعد أن كان مديدا قبل طلوع الشمس . وبهذه النكتة عطف قوله { ~~ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا } إلى قوله { وجعل النهار نشورا } ( الفرقان : ~~47 ) . # والاستفهام تقريري فهو صالح لطبقات السامعين : من غافل يسأل عن غفلته ~~ليقر بها تحريضا على النظر ، ومن جاحد ينكر عليه إهماله النظر ، ومن موفق ~~يحث على زيادة النظر . # والرؤية بصرية ، وقد ضمن الفعل معنى النظر فعدي إلى المرئي بحرف ( إلى ) ~~. والمد : بسط الشيء المنقبض المتداخل يقال : مد الحبل ومد يده ، ويطلق ~~المد على الزيادة في الشيء وهو استعارة شائعة ، وهو هنا الزيادة ms5780 في مقدار ~~الظل . # ثم إذا كان المقصود بفعل الرؤية حالة من أحوال الذات تصح رؤيتها فلك ~~تعدية الفعل إلى الحالة كقوله تعالى : { ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل } ~~( الفيل : 1 ) { ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا } ( نوح : 15 ) ، ~~وصح تعديته إلى اسم الذات مقيدة بالحالة المقصودة بحال أو ظرف أو صلة نحو { ~~أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت } ( الغاشية : 17 ) { ألم تر إلى الذي حاج ~~إبراهيم في ربه } ( البقرة : 258 ) { ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من ~~بعد موسى إذ قالوا لنبيء لهم ابعث لنا ملكا } ( البقرة : 246 ) . # والفرق بين التعديتين أن الأولى يقصد منها العناية بالحالة لا بصاحبها ، ~~فالمقصود من آية سورة الفيل : الامتنان على أهل مكة بما حل بالذين انتهكوا ~~حرمتها من PageV19P039 الاستئصال ، والمقصود من آية سورة الغاشية العبرة ~~بكيفية خلقه الإبل لما تشتمل عليه من عجيب المنافع ، وكذلك الآيتان ~~الأخيرتان . وإذ قد كان المقام هنا مقام إثبات الوحدانية والإلهية الحق لله ~~تعالى ، أوثر تعلق فعل الرؤية باسم الذات ابتداء ثم مجيء الحال بعد ذلك ~~مجيئا كمجيء بدل الاشتمال بعد ذكر المبدل منه . # وأما قوله في سورة نوح ( 15 ) { ألم تروا كيف خلق الله } دون أن يقال : ~~ألم تروا ربكم كيف خلق ، لأن قومه كانوا متصلبين في الكفر وكان قد جادلهم ~~في الله غير مرة فعلم أنه إن ابتدأهم بالدعوة إلى النظر في الوحدانية جعلوا ~~أصابعهم في آذانهم فلم يسمعوا إليه فبادأهم باستدعاء النظر إلى كيفية الخلق ~~. # وعلى كل فإن { كيف } هنا مجردة عن الاستفهام وهي اسم دال على الكيفية فهي ~~في محل بدل الاشتمال من { ربك } ، والتقدير : ألم تر إلى ربك إلى هيئة مده ~~الظل . وقد تقدم ذكر خروج ( كيف ) عن الاستفهام عند قوله تعالى : { هو الذي ~~يصوركم في الأرحام كيف يشاء في سورة آل عمران ( 6 ) ، فإنه لا يخلو النهار ~~من وجود الظل . # وفي وجود الظل دقائق من أحوالل النظام الشمسي فإن الظل مقدار محدد من ~~الظلمة يحصل من حيلولة جسم بين ms5781 شعاع الشمس وبين المكان الذي يقع عليه ~~الشعاع فينطبع على المكان مقدار من الظل مقدر بمقدار كيفية الجسم الحائل ~~بين الشعاع وبين موقع الشعاع على حسب اتجاه ذلك الجسم الحائل من جهته ~~الدقيقة أو الضخمة ، ويكون امتداد تلك الظلمة المكيفية بكيفية ذلك الجسم ~~متفاوتا على حسب تفاوت بعد اتجاه الأشعة من موقعها ومن الجسم الحائل ~~ومختلفا باستواء المكان وتحدبه ، فذلك التفاوت في مقادير ظل الشيء الواحد ~~هو المعبر عنه بالمد في هذه الآية لأنه كلما زاد مقدار الظلمة المكيفية ~~لكيفية الحائل زاد امتداد الظل . فتلك كلها دلائل كثيرة من دقائق التكوين ~~الإلهي والقدرة العظيمة . # وقد أفاد هذا المعنى كاملا فعل مد } . PageV19P040 # وهذا الامتداد يكثر على حسب مقابلة الأشعة للحائل فكلما اتجهت الأشعة إلى ~~الجسم من أخفض جهة كان الظل أوسع ، وإذا اتجهت إليه مرتفعة عنه تقلص ظله ~~رويدا رويدا إلى أن تصير الأشعة مسامتة أعلى الجسم ساقطة عليه فيزول ظله ~~تماما أو يكاد يزول ، وهذا معنى قوله تعالى : { ولو شاء لجعله ساكنا } أي ~~غير متزايد لأنه لما كان مد الظل يشبه صورة التحرك أطلق على انتفاء ~~الامتداد اسم السكون بأن يلازم مقدارا واحدا لا ينقص ولا يزيد ، أي لو شاء ~~الله لجعل الأرض ثابتة في سمت واحد تجاه أشعة الشمس فلا يختلف مقدار ظل ~~الأجسام التي على الأرض وتلزم ظلالها حالة واحدة فتنعدم فوائد عظيمة . # ودلت مقابلة قوله : { مد الظل } بقوله { لجعله ساكنا } على حالة مطوية من ~~الكلام ، وهي حالة عموم الظل جميع وجه الأرض ، أي حالة الظلمة الأصلية التي ~~سبقت اتجاه أشعة الشمس إلى وجه الأرض كما أشار إليه قول التوراة ( وكانت ~~الأرض خالية ، وعلى وجه القمر ظلمة ) ثم قال ( وقال الله ليكن نور فكان نور ~~. . . ) وفصل الله بين النور والظلمة ( إصحاح واحد من سفر الخروج ) ، ~~فاستدلال القرآن بالظل أجدى من الاستدلال بالظلمة لأن الظلمة عدم لا يكاد ~~يحصل الشعور بجمالها بخلاف الظل فهو جامع بين الظلمة والنور فكلا دلالتيه ~~واضحة . # وجملة { ولو شاء لجعله ساكنا } معترضة للتذكير بأن ms5782 في الظل منة . # وقوله : { ثم جعلنا الشمس عليه دليلا } عطف على جملة { مد الظل } وأفادت ~~{ ثم } أن مدلول المعطوف بها متراخ في الرتبة عن مدلول المعطوف عليه شأن { ~~ثم } إذا عطفت الجملة . ومعنى تراخي الرتبة أنها أبعد اعتبارا ، أي أنها ~~أرفع في التأثير أو في الوجود فإن وجود الشمس هو علة وجود الظل للأجسام ~~التي على الأرض والسبب أرفع رتبة من المسبب ، أي أن الله مد الظل بأن جعل ~~الشمس دليلا على مقادير امتداده . ولم يفصح المفسرون عن معنى هذه الجملة ~~إفصاحا شافيا . # والالتفات من الغيبة إلى التكلم في قوله : { ثم جعلنا } لأن ضمير المتكلم ~~PageV19P041 أدخل في الامتنان من ضمير الغائب فهو مشعر بأن هذا الجعل نعمة ~~وهي نعمة النور الذي به تمييز أحوال المرئيات وعليه فقوله ( تعالى ) : { ثم ~~جعلنا الشمس عليه دليلا } ارتقاء في المنة . # والدليل : المرشد إلى الطريق والهادي إليه ، فجعل امتداد الظل لاختلاف ~~مقاديره كامتداد الطريق وعلامات مقادير مثل صوى الطريق ، وجعلت الشمس من ~~حيث كانت سببا في ظهور مقادير الظل كالهادي إلى مراحل ، بطريقة التشبيه ~~البليغ ، فكما أن الهادي يخبر السائر أين ينزل من الطريق ، كذلك الشمس ~~بتسببها في مقادير امتداد الظل تعرف المستدل بالظل بأوقات أعماله ليشرع ~~فيها . # وتعدية { دليلا } بحرف ( على ) تفيد أن دلالة الشمس على الظل هنا دلالة ~~تنبيه على شيء قد يخفى كقول الشاعر : # ( إلا علي دليل ) وشمل هذا حالتي المد والقبض . # وجملة { ثم قبضناه إلينا } إلخ عطف على جملة { مد الظل } ، أو على جملة { ~~جعلنا الشمس عليه دليلا } لأن قبض الظل من آثار جعل الشمس دليلا على الظل . # و { ثم } الثانية مثل الأولى مفيدة التراخي الرتبي ، لأن مضمون جملة { ~~قبضناه إلينا قبضا يسيرا } أهم في الاعتبار بمضمونها من مضمون { جعلنا ~~الشمس عليه دليلا } إذ في قبض الظل دلالة من دلالة الشمس هي عكس دلالتها ~~على امتداده فكانت أعجب إذ هي عمل ضد للعمل الأول ، وصدور الضدين من السبب ~~الواحد أعجب من صدور أحدهما السابق في الذكر . # والقبض : ضد المد فهو مستعمل ms5783 في معنى النقص ، أي نقصنا امتداده ، والقبض ~~هنا استعارة للنقص . وتعديته بقوله : { إلينا } تخييل ، شبه الظل بحبل أو ~~ثوب PageV19P042 طواه صاحبه بعد أن بسطه على طريقة المكنية ، وحرف ( إلى ) ~~ومجروره تخييل . # وموقع وصف القبض بيسير هنا أنه أريد أن هذا القبض يحصل ببطء دون طفرة ، ~~فإن في التريث تسهيلا لقبضه لأن العمل المجزأ أيسر على النفوس من المجتمع ~~غالبا ، فأطلق اليسر وأريد به لازم معناه عرفا ، وهو التدريج ببطء ، على ~~طريقة الكناية ، ليكون صالحا لمعنى آخر سنتعرض إليه في آخر كلامنا . # وتعدية القبض ب { إلينا } لأنه ضد المد الذي أسند إلى الله في قوله : { ~~مد الظل } . وقد علم من معنى { قبضناه } أن هذا القبض واقع بعد المد فهو ~~متأخر عنه . # وفي مد الظل وقبضه نعمة معرفة أوقات النهار للصلوات وأعمال الناس ، ونعمة ~~التناوب في انتفاع الجماعات والأقطار بفوائد شعاع الشمس وفوائد الفيء بحيث ~~إن الفريق الذي كان تحت الأشعة يتبرد بحلول الظل ، والفريق الذي كان في ~~الظل ينتفع بانقباضه . # هذا محل العبرة والمنة اللتين تتناولهما عقول الناس على اختلاف مداركهم . ~~ووراء ذلك عبرة علمية كبرى توضحها قواعد النظام الشمسي وحركة الأرض حول ~~الشمس وظهور الظلمة والضياء ، فليس الظل إلا أثر الظلمة فإن الظلمة هي أصل ~~كيفيات الأكوان ثم انبثق النور بالشمس ونشأ عن تداول الظلمة والنور نظام ~~الليل والنهار وعن ذلك نظام الفصول وخطوط الطول والعرض للكرة الأرضية وبها ~~عرفت مناطق الحرارة والبرودة . # ومن وراء ذلك إشارة إلى أصل المخلوقات كيف طرأ عليها الإيجاد بعد أن كانت ~~عدما ، وكيف يمتد وجودها في طور نمائها ، ثم كيف تعود إلى العدم تدريجا في ~~طور انحطاطها إلى أن تصير إلى العدم ، فذلك مما يشير إليه { ثم قبضناه ~~إلينا قبضا يسيرا } فيكون قد حصل من التذكير بأحوال الظل في هذه الآية مع ~~المنة والدلالة على نظام القدرة تقريب لحالة إيجاد الناس وأحوال الشباب ~~وتقدم السن ، PageV19P043 وأنهم عقب ذلك صائرون إلى ربهم يوم البعث مصيرا ~~لا إحالة فيه ولا بعد ، كما يزعمون ، فلما صار قبض ms5784 الظل مثلا لمصير الناس ~~إلى الله بالبعث وصف القبض بيسير تلميحا إلى قوله : { ذلك حشر علينا يسير } ~~( ق : 44 ) . # وفي هذا التمثيل إشارة إلى أن الحياة في الدنيا كظل يمتد وينقبض وما هو ~~إلا ظل . # فهذان المحملان في الآية من معجزات القرآن العلمية . # # | 2 ( 47 ) { وهو الذى جعل لكم اليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار ~~نشورا } . ) 2 # مناسبة الانتقال من الاستدلال باعتبار أحوال الظل والضحاء إلى الاعتبار ~~بأحوال الليل والنهار ظاهرة ، فالليل يشبه الظل في أنه ظلمة تعقب نور الشمس ~~. # ومورد الاستدلال المقصد المستفاد من تعريف جزأي الجملة وهو قصر إفراد ، ~~أي لا يشركه غيره في جعل الليل والنهار . أما كون الجعل المذكور بخلق الله ~~فهم يقرون به ؛ ولكنهم لما جعلوا له شركاء على الإجمال أبطلت شركتهم بقصر ~~التصرف في الأزمان على الله تعالى لأنه إذا بطل تصرفهم في بعض الموجودات ~~اختلت حقيقة الإلهية عنهم إذ الإلهية لا تقبل التجزئة . # و { لكم } متعلق ب { جعل } أي من جملة ما خلق له الليل أنه يكون لباسا ~~لكم . وهذا لا يقتضي أن الليل خلق لذلك فقط لأن الليل عود الظلمة إلى جانب ~~من الكرة الأرضية المحتجب عن شعاع الشمس باستداراته فتحصل من ذلك فوائد جمة ~~منها ما في قوله تعالى بعد هذا { وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد ~~أن يذكر . . . } ( الفرقان : 62 ) إلخ . # وقد رجع أسلوب الكلام من المتكلم إلى الغيبة على طريقة الإلتفات . # و { لباسا } مشبه به على طريقة التشبيه البليغ ، أي ساترا لكم يستر بعضكم ~~PageV19P044 عن بعض . وفي هذا الستر منن كثيرة لقضاء الحوائج التي يجب ~~إخفاؤها . # وتقديم الاعتبار بحالة ستر الليل على الاعتبار بحالة النوم لرعي مناسبة ~~الليل بالظل كما تقدم ، بخلاف قوله : { وخلقناكم أزواجا وجعلنا نومكم سباتا ~~وجعلنا الليل لباسا } في سورة النبأ ( 8 10 ) ، فإن نعمة النوم أهم من نعمة ~~الستر ، ولأن المناسبة بين نعمة خلق الأزواج وبين النوم أشد . # وقد جمعت الآية استدلالا وامتنانا فهي دليل على عظم قدرة الخالق ، وهي ~~أيضا تذكير بنعمة ms5785 ، فإن في اختلاف الليل والنهار آيات جمة لما يدل عليه ~~حصول الظلمة من دقة نظام دوران الأرض حول الشمس ومن دقة نظام خلق الشمس ، ~~ولما يتوقف عليه وجود النهار من تغير دوران الأرض ومن فوائد نور الشمس ، ثم ~~ما في خلال ذلك من نظام النوم المناسب للظلمة حين ترتخي أعصاب الناس فيحصل ~~لهم بالنوم تجدد نشاطهم ، ومن الاستعانة على التستر بظلمة الليل ومن نظام ~~النهار من تجدد النشاط وانبعاث الناس للعمل وسآمتهم من الدعة ، مع ما هو ~~ملائم لذلك من النور الذي به إبصار ما يقصده العاملون . # والسبات له معان متعددة في اللغة ناشئة عن التوسع في مادة السبت وهو ~~القطع . وأنسب المعاني بمقام الامتنان هو معنى الراحة وإن كان في كلا ~~المعنيين اعتبار بدقيق صنع الله تعالى . وفسر الزمخشري السبات بالموت على ~~طريقة التشبيه البليغ ناظرا في ذلك إلى مقابلته بقوله : { وجعل النهار ~~نشورا } . # وإعادة فعل { جعل } في قوله : { وجعل النهار نشورا } دون أن يعاد في قوله ~~{ والنوم سباتا } مشعرة بأنه تنبيه إلى أنه جعل مخالف لجعل الليل لباسا . ~~وذلك أنه أخبر عنه بقوله { نشورا } ، والنشور : بعث الأموات ، وهو إدماج ~~للتذكير بالبعث وتعريض بالاستدلال على من أحالوه ، بتقريبه بالهبوب في ~~النهار . وفي هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم إذا أصبح ( الحمد ~~لله الذي أحيانا بعد إذ أماتنا وإليه النشور ) . # والنشور : الحياة بعد الموت ، وتقدم قريبا عند قوله تعالى : { بل كانوا ~~لا يرجون نشورا } ( الفرقان : 40 ) . وهو هنا يحتمل معنيين أن يكون مرادا ~~به البروز والانتشار فيكون ضد PageV19P045 اللباس في قوله : { وهو الذي جعل ~~لكم الليل لباسا } فيكون الإخبار به عن النهار حقيقيا ، والمنة في أن ~~النهار ينتشر فيه الناس لحوائجهم واكتسابهم . ويحتمل أن يكون مرادا به بعث ~~الأجساد بعد موتها فيكون الإخبار على طريقة التشبيه البليغ . # $ 2 ( 48 50 ) { وهو الذى & # 1764 أرسل الرياح بشرى بين يدى رحمته وأنزلنا من السمآء مآء طهورا * ~~لنحيى به بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنآ أنعاما وأناسى كثيرا * ولقد صرفناه ~~بينهم ليذكروا ms5786 فأبى أكثر الناس إلا كفورا } . ) 2 $ # استدلال على الانفراد بالخلق وامتنان بتكوين الرياح والأسحبة والمطر . ~~ومناسبة الانتقال من حيث ما في الاستدلال الذي قبله من ذكر حال النشور ~~والامتنان به فانتقل إلى ما في الرياح من النشور بذكر وصفها بأنها نشر على ~~قراءة الجمهور ، أو لكونها كذلك في الواقع على قراءة عاصم . ومردود ~~الاستدلال قصر إرسال الرياح وما عطف عليه على الله تعالى إبطالا لادعاء ~~الشركاء له في الإلهية بنفي الشركة في التصرف في هذه الكائنات وذلك ما لا ~~ينكره المشركون كما تقدم مثله في قوله : { وهو الذي جعل لكم الليل لباسا } ~~( الفرقان : 47 ) إلخ . . # وأطلق على تكوين الرياح فعل { أرسل } الذي هو حقيقة في بعث شيء وتوجيهه ، ~~لأن حركة الرياح تشبه السير . وقد شاع استعمال الإرسال في إطلاق العنان ~~لخيل السباق . # وهذا استدلال بدقيق صنع الله في تكوين الرياح ، فالعامة يعتبرون بما هو ~~داخل تحت مشاهدتهم من ذلك ، والخاصة يدركون كيفية حدوث الرياح وهبوبها ~~واختلافها ، وذلك ناشىء عن التقاء حرارة جانب من الجو ببرودة جانب آخر . ثم ~~إن الرياح بهبوبها حارة مرة وباردة أخرى تكون الأسحبة وتؤذن بالمطر فلذلك ~~وصفت بأنها نشر بين يدي المطر . # قرأ الجمهور { أرسل الرياح } بصيغة الجمع وقرأ ابن كثير { الريح } ~~PageV19P046 بصيغة الإفراد على معنى الجنس . والقراءتان متحدتان في المعنى ~~، ولكن غلب جمع الريح في ريح الخير وإفراد الريح في ريح العذاب قاله ابن ~~عطية . وتقدم قوله تعالى { وتصريف الرياح في سورة البقرة ( 164 ) . # وقرأ الجمهور نشرا } بنون في أوله وبضمتين جمع نشور كرسول ورسل . وقرأ ~~ابن عامر بضم فسكون على تخفيف الحركة . وقرأ حمزة والكسائي وخلف بفتح النون ~~وسكون الشين على أنه من الوصف بالمصدر ، وكلها من النشر وهو البسط كما ينشر ~~الثوب المطوي لأن الرياح تنشر السحاب . وقرأ عاصم بباء موحدة وسكون الشين ~~جمع بشور من التبشير لأنها تبشر بالمطر . وتقدم قوله { وهو الذي يرسل ~~الرياح نشرا بين يدي رحمته } في سورة الأعراف ( 57 ) . # والإلتفات من الغيبة إلى التكلم في قوله { وأنزلنا لنحيي ms5787 ونسقيه ولقد ~~صرفناه } للداعي الذي قدمناه في قوله آنفا { ثم جعلنا الشمس عليه دليلا ثم ~~قبضناه إلينا } ( الفرقان : 45 ، 46 ) . # والمراد ب { رحمته } المطر لأنه رحمة للناس والحيوان بما ينبته من الشجر ~~والمرعى . # وجملة { وأنزلنا من السماء ماء طهورا } عطف على جملة { أرسل الرياح } إلخ ~~، فهي داخلة في حيز القصر ، أي وهو الذي أنزل من السماء ماء طهورا . وضمير ~~{ أنزلنا } التفات من الغيبة إلى التكلم لأن التكلم أليق بمقام الامتنان . ~~وتقدم معنى إنزال الماء من السماء عند قوله : { أو كصيب من السماء } في ~~سورة البقرة ( 19 ) . # والطهور بفتح الطاء من أمثلة المبالغة في الوصف بالمصدر كما يقال : رجل ~~صبور . وماء المطر بالغ منتهى الطهارة إذ لم يختلط به شيء يكدره أو يقذره ~~وهو في علم الكيمياء أنقى المياه لخلوه عن جميع الجراثيم فهو الصافي حقا . ~~والمعنى : أن الماء النازل من السماء هو بالغ نهاية الطهارة في جنسه من ~~المياه ووصف الماء بالطهور يقتضي أنه مطهر لغيره إذ العدول عن صيغة فاعل ~~إلى صيغة فعول لزيادة معنى في الوصف ، فاقتضاؤه في هذه الآية أنه مطهر ~~لغيره اقتضاء التزامي PageV19P047 ليكون مستكملا وصف الطهارة القاصرة ~~والمتعدية ، فيكون ذكر هذا الوصف إدماجا لمنة في أثناء المنن المقصودة ، ~~ويكون كقوله تعالى : { وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به } ( الأنفال : ~~11 ) وصف الطهارة الذاتية وتطهيره ، فيكون هذا الوصف إدماجا ولولا ذلك لكان ~~الأحق بمقام الامتنان وصف الماء بالصفاء أو نحو ذلك . # والبلدة : الأرض . ووصفها بالحياة والموت مجازان للري والجفاف لأن ري ~~الأرض ينشأ عنه النبات وهو يشبه الحي ، وجفاف الأرض يجف به النبات فيشبه ~~الميت . # ولماء المطر خاصية الإحياء لكل أرض لأنه لخلوه من الجراثيم ومن بعض ~~الأجزاء المعدنية والترابية التي تشتمل عليها مياه العيون ومياه الأنهار ~~والأودية كان صالحا بكل أرض وبكل نبات على اختلاف طباع الأرضين والمنابت . # والبلدة : البلد . والبلد يذكر ويؤنث مثل كثير من أسماء أجناس البقاع كما ~~قالوا : دار ودارة . ووصفت البلدة بميت ، وهو وصف مذكر لتأويل { بلدة } ~~بمعنى مكان لقصد التخفيف ms5788 . وقال في ( الكشاف ) ما معناه : إنه لما دل على ~~المبالغة في الاتصاف بالموت ولم يكن جاريا على أمثلة المبالغة نزل منزلة ~~الاسم الجامد ( أي فلم يغير ) . وأحسن من هذا أنه أريد به اسم الميت ، ووصف ~~البلدة به وصف على معنى التشبيه البليغ . # وفي قوله { لنحي به بلدة ميتا } إيماء إلى تقريب إمكان البعث . # و { نسقيه } بضم النون مضارع أسقى مثل الذي بفتح النون فقيل هما لغتان ~~يقال : أسقى وسقى . قال تعالى : { قالتا لا نسقي } ( القصص : 23 ) بفتح ~~النون . وقيل : سقى : أعطى الشراب ، وأسقى : هيأ الماء للشرب . وهذا القول ~~أسد لأن الفروق بين معاني الألفاظ من محاسن اللغة فيكون المعنى هيأناه لشرب ~~الأنعام والأناسي فكل من احتاج للشرب شرب منه سواء من شرب ومن لم يشرب . # و { أنعاما } مفعول ثان ل { نسقيه } . وقوله : { مما خلقنا } حال من { ~~أنعاما وأناسي } . و ( من ) تبعيضية . و ( ما ) موصولة ، أي بعض ما خلقناه ~~، والموصول للإيماء إلى علة الخبر ، أي نسقيهم لأنهم مخلوقات . ففائدة هذا ~~الحال الإشارة إلى رحمة الله بها لأنها خلقه . وفيه إشارة إلى أن أنواعا ~~أخرى من PageV19P048 الخلائق تسقى بماء السماء ، ولكن الاقتصار على ذكر ~~الأنعام والأناسي لأنهما موقع المنة ، فالأنعام بها صلاح حال البادين ~~بألبانها وأصوافها وأشعارها ولحومها ، وهي تشرب من مياه المطر من الأحواض ~~والغدران . # والأناسي : جمع إنسي ، وهو مرادف إنسان . فالياء فيه ليست للنسب . وجمع ~~على فعالي مثل كرسي وكراسي . ولو كانت ياؤه نسب لجمع على أناسية كما قالوا ~~: صيرفي وصيارفة . ووصف الأناسي ب { كثيرا } لأن بعض الأناسي لا يشربون من ~~ماء السماء وهم الذين يشربون من مياه الأنهار كالنيل والفرات ، والآبار ~~والصهاريج ، ولذلك وصف العرب بأنهم بنو ماء السماء . فالمنة أخص بهم ، قال ~~زيادة الحارثي : # ونحن بنو ماء السماء فلا نرى # لأنفسنا من دون مملكة قصرا # وفي أحاديث ذكر هاجر زوج إبراهيم عليه السلام قال أبو هريرة ( فتلك أمكم ~~يا بني ماء السماء ) يعني العرب . وماء المطر لنقاوته التي ذكرناها صالح ~~بأمعاء كل الناس وكل الأنعام دون بعض مياه ms5789 العيون والأنهار . # ووصف أناسي وهو جمع بكثير وهو مفرد لأن فعيلا قد يراد به المتعدد مثل ~~رفيق وكذلك قليل قال تعالى : { واذكروا إذ كنتم قليلا } ( الأعراف : 86 ) . # وتقديم ذكر الأنعام على الأناسي اقتضاه نسج الكلام على طريقة الأحكام في ~~تعقيبه بقوله : { ولقد صرفناه بينهم ليذكروا } ، ولو قدم ذكر { أناسي } ~~لتفكك النظم . ولم يقدم ذكر الناس في قوله تعالى : { متاعا لكم ولأنعامكم ~~في سورة النازعات ( 33 ) لانتفاء الداعي للتقديم فجاء على أصل الترتيب . # وضمير صرفناه } عائد إلى { ماء طهورا } . والتصريف : التغيير . والمراد ~~هنا تغيير أحوال الماء ، أي مقاديره ومواقعه . # وتوكيد الجملة بلام القسم و ( قد ) لتحقيق التعليل لأن تصرف المطر محقق ~~لا PageV19P049 يحتاج إلى التأكيد وإنما الشيء الذي لم يكن لهم علم به هو ~~أن من حكمة تصريفه بين الناس أن يذكروا نعمة الله تعالى عليهم مع نزوله ~~عليهم وفي حالة إمساكه عنهم ، لأن كثيرا من الناس لا يقدر قدر النعمة إلا ~~عند فقدها فيعلموا أن الله هو الرب الواحد المختار في خلق الأسباب ~~والمسببات وقد كانوا لا يتدبرون حكمة الخالق ويسندون الآثار إلى مؤثرات ~~وهمية أو صورية . # ولما كان التذكر شاملا لشكر المنعم عليهم بإصابة المطر ولتفطن المحرومين ~~إلى سبب حرمانهم إياه لعلهم يستغفرون ، جيء في التعليل بفعل { ليذكروا } ~~ليكون علة لحالتي التصريف بينهم . # وقوله : { فأبى أكثر الناس إلا كفورا } تركيب جرى بمادته وهيئته مجرى ~~المثل في الإخبار عن تصميم المخبر عنه على ما بعد حرف الاستثناء ، وذلك ~~يقتضي وجود الصارف عن المستثنى ، أي فصمموا على الكفور لا يرجعون عنه لأن ~~الاستثناء من عموم أشياء مبهمة جعلت كلها مما تعلق به الإباء كأن الآبين قد ~~عرضت عليهم من الناس أو من خواطرهم أمور وراجعوا فلم يقبلوا منها إلا ~~الكفور ، وإن لم يكن هنالك عرض ولا إباء ، ومنه قوله تعالى في سورة براءة : ~~( 32 ) { ويأبى الله إلا أن يتم نوره } ؛ ألا ترى أن ذلك استعمل هنا في ~~مقام معارضة المشركين للتوحيد وفي سورة براءة في مقام معارضة أهل الكتاب ~~للإسلام . وشدة ms5790 الفريقين في كفرهم معلومة مكشوفة ولم يستعمل في قوله تعالى ~~في سورة الصف : ( 8 ) : { يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ~~} . # والكفور : مصدر بمعنى الكفر . وتقدم نظيره في سورة الإسراء ، أي أبوا إلا ~~الإشراك بالله وعدم التذكر . # وقرأ الجمهور { ليذكروا } بتشديد الذال وتشديد الكاف مدغمة فيها التاء ~~وأصله ليتذكروا . وقرأ حمزة والكسائي وخلف بسكون الذال وتخفيف الكاف مضمومة ~~، أي ليذكروا ما هم عنه غافلون . # ويؤخذ من الآية أن الماء المنزل من السماء لا يختلف مقداره وإنما تختلف ~~مقادير توزيعه على مواقع القطر ، فعن ابن عباس : ما عام أقل مطرا من عام ~~ولكن PageV19P050 الله قسم ذلك بين عباده على ما شاء . وتلا هذه الآية . ~~وذكر القرطبي عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ما من ~~سنة بأمطر من أخرى ولكن إذا عمل قوم المعاصي صرف الله ذلك إلى غيرهم فإذا ~~عصوا جميعا صرف الله ذلك إلى الفيافي والبحار ) اه . فحصل من هذا أن ~~المقدار الذي تفضل الله به من المطر على هذه الأرض لا تختلف كميته وإنما ~~يختلف توزيعه . وهذه حقيقة قررها علماء حوادث الجو في القرن الحاضر ، فهو ~~من معجزات القرآن العلمية الراجعة إلى الجهة الثالثة من المقدمة العاشرة ~~لهذا التفسير . # وجوز فريق أن يكون ضمير { صرفناه } عائدا إلى غير مذكور معلوم في المقام ~~مراد به القرآن ؛ قالوا لأنه المقصود في هذه السورة فإنها افتتحت بذكره ، ~~وتكرر في قوله : { إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا } ( الفرقان : 30 ) . ~~وأصل هذا التأويل مروي عن عطاء ، ولقوله بعده { وجاهدهم به جهادا كبيرا } ( ~~الفرقان : 52 ) . # وقيل الضمير عائد إلى الكلام المذكور ، أي ولقد صرفنا هذا الكلام وكررناه ~~على ألسنة الرسل ليذكروا . # # | 2 ( 51 ، 52 ) { ولو شئنا لبعثنا فى كل قرية نذيرا * فلا تطع الكافرين ~~وجاهدهم به جهادا كبيرا } . ) 2 # جملة اعتراض بين ذكر دلائل تفرد الله بالخلق وذكر منته على الخلق . ~~ومناسبة موقع هذه الجملة وتفريعها بموقع الآية التي قبلها خفية . وقال ابن ~~عطية في قوله { ولو شئنا لبعثنا ms5791 في كل قرية نذيرا } : اقتضاب يدل عليه ما ~~ذكر . تقديره : ولكنا أفردناك بالنذارة وحملناك { فلا تطع الكافرين } اه . # فإن كان عنى بقوله : اقتضاب ، معنى الاقتضاب الاصطلاحي بين علماء الأدب ~~والبيان ، وهو عدم مراعاة المناسبة بين الكلام المنتقل منه والكلام المنتقل ~~إليه ، كان عدولا عن التزام تطلب المناسبة بين هذه الآية والآية التي قبلها ~~، وليس الخلو عن المناسبة ببدع فقد قال صاحب ( تلخيص المفتاح ) ( وقد ينقل ~~منه ( أي مما شبب به الكلام ) إلى ما لا يلائمه ( أي لا يناسب المنتقل منه ~~) ويسمى الاقتضاب وهو مذهب العرب ومن يليهم من المخضرمين ) الخ . وإذا كان ~~ابن عطية عنى PageV19P051 بالاقتضاب معنى القطع ( أي الحذف من الكلام ) أي ~~إيجاز الحذف كما يشعر به قوله ( يدل عليه ما ذكر تقديره إلخ ) ، كأن لم ~~يعرج على اتصال هذه الآية بالتي قبلها . # وفي ( الكشاف ) : ( ولو شئنا لخففنا عنك أعباء نذارة جميع القرى ولبعثنا ~~في كل قرية نبيئا ينذرها ، وإنما قصرنا الأمر عليك وعظمناك على سائر الرسل ~~( أي بعموم الدعوة ) فقابل ذلك بالتصبر ) اه . وقد قال الطيبي : ( ومدار ~~السورة على كونه صلى الله عليه وسلم مبعوثا إلى الناس كافة ولذلك افتتحت ~~بما يثبت عموم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم إلى جميع الناس بقوله تعالى : ~~{ ليكون للعالمين نذيرا } ( الفرقان : 1 ) . # وليس في كلام ( الكشاف ) والطيبي إلا بيان مناسبة الآية لمهم أغراض ~~السورة دون بيان مناسبتها للتي قبلها . # والذي أختاره أن هذه الآية متصلة بقوله تعالى : { وقال الذين كفروا لولا ~~نزل عليه القرآن جملة واحدة } ( الفرقان : 32 ) الآية ، فبعد أن بين إبطال ~~طعنهم فقال : { كذلك لنثبت به فؤادك } ( الفرقان : 32 ) انتقل إلى تنظير ~~القرآن بالكتاب الذي أوتيه موسى عليه السلام وكيف استأصل الله من كذبوه ، ~~ثم استطرد بذكر أمم كذبوا رسلهم ، ثم انتقل إلى استهزاء المشركين بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم وأشار إلى تحرج النبي صلى الله عليه وسلم من إعراض قومه ~~عن دعوته بقوله : { أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا } ( ~~الفرقان : 43 ) . # وتسلسل الكلام بضرب المثل ms5792 بمد الظل وقبضه ، وبحال الليل والنهار ، ~~وبإرسال الرياح ، أمارة على رحمة غيثه الذي تحيا به الموات حتى انتهى إلى ~~قوله : { ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا } ويؤيد ما ذكرنا اشتمال ~~التفريع على ضمير القرآن في قوله { وجاهدهم به } . # ومما يزيد هذه الآية اتصالا بقوله تعالى : { وقال الذين كفروا لولا نزل ~~عليه القرآن جملة واحدة } ( الفرقان : 32 ) أن في بعث نذير إلى كل قرية ما ~~هو أشد من تنزيل القرآن مجزأ ؛ فلو بعث الله في كل قرية نذيرا لقال الذين ~~كفروا : لولا أرسل رسول واحد إلى الناس جميعا فإن مطاعنهم لا تقف عند حد ~~كما قال تعالى : { ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي ~~وعربي في سورة حم فصلت ( 44 ) . PageV19P052 # وتفريع فلا تطع الكافرين } على جملة { ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا ~~} لأنها تتضمن أنه مرسل إلى المشركين من أهل مكة وهم يطلبون منه الكف عن ~~دعوتهم وعن تنقص أصنامهم . # والنهي مستعمل في التحذير والتذكير ، وفعل { تطع } في سياق النهي يفيد ~~عموم التحذير من أدنى طاعة . # والطاعة : عمل المرء بما يطلب منه ، أي فلا تهن في الدعوة رعيا لرغبتهم ~~أن تلين لهم . # وبعد أن حذره من الوهن في الدعوة أمره بالحرص والمبالغة فيها . وعبر عن ~~ذلك بالجهاد وهو الاسم الجامع لمنتهى الطاقة . وصيغة المفاعلة فيه ليفيد ~~مقابلة مجهودهم بمجهوده فلا يهن ولا يضعف ولذلك وصف بالجهاد الكبير ، أي ~~الجامع لكل مجاهدة . # وضمير { به } عائد إلى غير مذكور : فإما أن يعود إلى القرآن لأنه مفهوم ~~من مقام النذارة ، وإما أن يعود إلى المفهوم من ( لا تطع ) وهو الثبات على ~~دعوته بأن يعصيهم ، فإن النهي عن الشيء أمر بضده كما دل عليه قول أبي حية ~~النميري : # فقلن لها سرا فديناكك لا يرح # صحيحا وإن لم تقتليه فألمم # فقابل قوله : ( لا يرح صحيحا ) بقوله : ( وإن لم تقتليه فألمم ) كأنه قال ~~: فديناك فاقتليه . # والمعنى : قاومهم بصبرك . وكبر الجهاد تكريره والعزم فيه وشدة ما يلقاه ~~في ذلك من المشقة . وهذا كقول النبي ms5793 صلى الله عليه وسلم لأصحابه عند قفوله ~~من بعض غزواته ( رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ) . قالوا : ( ~~وما الجهاد الأكبر ) ؟ قال : مجاهدة العبد هواه ) . رواه البيهقي بسند ضعيف ~~. # # | 2 ( 53 ) { وهو الذى مرج البحرين هاذا عذب فرات وهاذا ملح أجاج وجعل ~~بينهما برزخا وحجرا محجورا } . ) 2 # عود إلى الاستدلال على تفرده تعالى بالخلق . جمعت هذه الآية استدلالا ~~وتمثيلا PageV19P053 وتثبيتا ووعدا ؛ فصريحها استدلال على شيء عظيم من آثار ~~القدرة الإلهية وهو التقاء الأنهار والأبحر كما سيأتي ، وفي ضمنها تمثيل ~~لحال دعوة الإسلام في مكة يومئذ واختلاط المؤمنين مع المشركين بحال تجاوز ~~البحرين : أحدهما عذب فرات والآخر ملح أجاج . وتمثيل الإيمان بالعذب الفرات ~~والشرك بالملح الأجاج ، وأن الله تعالى كما جعل بين البحرين برزخا يحفظ ~~العذب من أن يكدره الأجاج ، كذلك حجز بين المسلمين والمشركين فلا يستطيع ~~المشركون أن يدسوا كفرهم بين المسلمين . وفي هذا تثبيت للمسلمين بأن الله ~~يحجز عنهم ضر المشركين لقوله : { لن يضروكم إلا أذى } ( آل عمران : 111 ) . ~~وفي ذلك تعريض كنائي بأن الله ناصر لهذا الدين من أن يكدره الشرك . # ولأجل ما فيها من التمثيل والتثبيت والوعد كان لموقعها عقب جملة { فلا ~~تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا } ( الفرقان : 52 ) أكمل حسن . وهي ~~معطوفة على جملة { وهو الذي أرسل الرياح نشرا بين يدي رحمته } ( الفرقان : ~~48 ) . ومناسبة وقوعها عقب التي قبلها أن كلتيهما استدلال بآثار القدرة في ~~تكوين المياه المختلفة . ومفاد القصر هنا نظير ما تقدم في الآيتين ~~السابقتين . # والمرج : الخلط . واستعير هنا لشدة المجاورة ، والقرينة قوله : { وجعل ~~بينهما برزخا وحجرا محجورا } . والبحر : الماء المستبحر ، أي الكثير العظيم ~~. والعذب : الحلو . والفرات : شديد الحلاوة . والملح بكسر الميم وصف به ~~بمعنى المالح ، ولا يقال في الفصيح إلا ملح وأما مالح فقليل . وأريد هنا ~~ملتقى ماء نهري الفرات والدجلة مع ماء بحر خليج العجم . # والبرزخ : الحائل بين شيئين . والمراد بالبرزخ تشبيه ما في تركيب الماء ~~الملح مما يدفع تخلل الماء العذب فيه بحيث لا يختلط أحدهما بالآخر ويبقى ~~كلاهما حافظا ms5794 لطعمه عند المصب . # و { حجرا } مصدر منصوب على المفعولية به لأنه معطوف على مفعول { جعل } . ~~وليس هنا مستعملا في التعوذ PageV19P054 كالذي تقدم آنفا في قوله تعالى { ~~ويقولون حجرا محجورا } ( الفرقان : 22 ) . و { محجورا } وصف ل { حجرا } ~~مشتق من مادته للدلالة على تمكن المعنى المشتق منه كما قالوا : ليل أليل . ~~وقد تقدم في هذه السورة . ووقع في ( الكشاف ) تكلف بجعل { حجرا محجورا } ~~هنا بمعنى التعوذ كالذي في قوله { ويقولون حجرا محجورا } ( الفرقان : 22 ) ~~ولا داعي إلى ذلك لأن ما ذكروه من استعمال { حجرا محجورا } في التعوذ لا ~~يقتضي أنه لا يستعمل إلا كذلك . # # | 2 ( 54 ) { وهو الذى خلق من المآء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك ~~قديرا } . ) 2 # مناسبة موقع هذا الاستدلال بعد ما قبله أنه استدلال بدقيق آثار القدرة في ~~تكوين المياه وجعلها سبب حياة مختلفة الأشكال والأوضاع . ومن أعظمها دقائق ~~الماء الذي خلق منه أشرف الأنواع التي على الأرض وهو نطفة الإنسان بأنها ~~سبب تكوين النسل للبشر فإنه يكون أول أمره ماء ثم يتخلق منه البشر العظيم ، ~~فالتنوين في قوله { بشرا } للتعظيم . # والقصر المستفاد من تعريف الجزءين قصر إفراد لإبطال دعوى شركة الأصنام ~~لله في الإلهية . # والبشر : الإنسان . وقد تقدم في قوله تعالى : { فتمثل لها بشرا سويا } في ~~سورة مريم ( 17 ) . والضمير المنصوب في { فجعله } عائد إلى البشر ، أي فجعل ~~البشر الذي خلقه من الماء نسبا وصهرا ، أي قسم الله البشر قسمين : نسبب ، ~~وصهر . فالواو للتقسيم بمعنى ( أو ) والواو أجود من ( أو ) في التقسيم . # و { نسبا وصهرا } مصدران سمي بهما صنفان من القرابة على تقدير : ذا نسب ~~وصهر وشاع ذلك في الكلام . # والنسب لا يخلو من أبوة وبنوة وأخوة لأولئك وبنوة لتلك الأخوة . # وأما الصهر فهو : اسم لما بين المرء وبين قرابة زوجه وأقاربه من العلاقة ~~، ويسمى أيضا مصاهرة لأنه يكون من جهتين ، وهو آصرة اعتبارية تتقوم ~~بالإضافة إلى ما تضاف إليه ، فصهر الرجل قرابة امرأته ، وصهر المرأة قرابة ~~زوجها ، ولذلك يقال : صاهر فلان فلانا إذا تزوج من قرابته ms5795 ولو قرابة بعيدة ~~كقرابة القبيلة . وهذا لا يخلو عنه البشر المتزوج وغير المتزوج . # ويطلق الصهر على مع له من الآخر علاقة المصاهرة من إطلاق المصدر في ~~PageV19P055 موضع الوصف فالأكثر حينئذ أن يخص بقريب زوج الرجل ، وأما قريب ~~زوج المرأة فهو ختن لها أو حم . ولا يخلو أحد عن آصرة صهر ولو بعيدا . وقد ~~أشار إلى ما في هذا الخلق العجيب من دقائق نظام إيجاد طبيعي واجتماعي بقوله ~~: { وكان ربك قديرا } ، أي عظيم القدرة إذ أوجد من هذا الماء خلقا عظيما ~~صاحب عقل وتفكير فاختص باتصال أواصر النسب وأواصر الصهر ، وكان ذلك أصل ~~نظام الاجتماع البشري لتكوين القبائل والشعوب وتعاونهم مما جاء بهذه ~~الحضارة المرتقية مع العصور والأقطار قال تعالى : { يأيها الناس إنا ~~خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا } ( الحجرات : 13 ) . # وفي تركيب { وكان ربك قديرا } من دقيق الإيذان بأن قدرته راسخة واجبة له ~~متصف بها في الأزل بما اقتضاه فعل { كان } ، وما في صيغة ( قدير ) من ~~الدلالة على قوة القدرة المقتضية تمام الإرادة والعلم . # # | 2 ( 55 ) { ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر ~~على ربه ظهيرا } . ) 2 # الواو للحال ، وهذا مستعمل في التعجيب من استمرارهم في الشرك ، أعقب ذكر ~~ما نفع الله به الناس من إلطافه بهم في تصاريف الكائنات إذ جعل لهم الليل ~~والنهار ، وخلق لهم الماء فأنبت به الزرع وسقى به الناس والأنعام ، مع ما ~~قارنه من دلائل القدرة بذكر عبادتهم ما لا ينفع الناس عودا إلى حكاية شيء ~~من أحوال مشركي مكة . # ونفي الضر بعد نفي النفع للتنبيه على انتفاء شبهة عبدة الأصنام في شركهم ~~لأن موجب العبادة إما رجاء النفع وإما اتقاء ضر المعبود وكلاهما منتف عن ~~الأصنام بالمشاهدة . # والتعبير بالفعل المضارع للدلالة على تجدد عبادتهم الأصنام وعدم إجداء ~~الدلائل المقلعة عنها في جانبهم . # وجملة { وكان الكافر على ربه ظهيرا } تذييل لما قبله ، فاللام في تعريف { ~~الكافر } للاستغراق ، أي كل كافر على ربه ظهير . PageV19P056 # وجعل الخبر عن الكافر خبرا ل ms5796 { كان } للدلالة على أن اتصافه بالخبر أمر ~~متقرر معتاد من كل كافر . # والظهير : المظاهر ، أي المعين ، وتقدم في قوله تعالى : { ولو كان بعضهم ~~لبعض ظهيرا } في سورة الإسراء ( 88 ) وهو فعيل بمعنى مفاعل ، أي مظاهر مثل ~~حكيم بمعنى محكم ، وعوين بمعنى معاون . وقول عمر بن معد يكرب : # أمن ريحانة الداعي السميع # أي المسمع . قال في ( الكشاف ) : ( ومجيء فعيل بمعنى مفاعل غير عزيز ) . ~~وهو مشتق من : ظاهر عليه ، إذا أعان من يغالبه على غلبه ، وأصله الأصيل ~~مشتق من اسم جامد وهو اسم الظهر من الإنسان أو الدابة لأن المعاون أحدا على ~~غلب غيره كأنه يحمل الغالب على المغلوب كما يحمل على ظهر الحامل ، جعل ~~المشرك في إشراكه مع وضوح دلالة عدم استئهال الأصنام للإلهية كأنه ينصر ~~الأصنام على ربه الحق . وفي ذكر الرب تعريض بأن الكافر عاق لمولاه . وعن ~~أبي عبيدة : ظهير بمعنى مظهور ، أي كفر الكافر هين على الله ، يعني أي ~~فعيلا فيه بمعنى مفعول ، أي مظهور عليه وعلى هذا يكون { على } متعلقا بفعل ~~{ كان } أي كان على الله هينا . # # | 2 ( 56 ، 57 ) { ومآ أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا * قل مآ أسألكم عليه من ~~أجر إلا من شآء أن يتخذ إلى ربه سبيلا } . ) 2 # لما أفضى الكلام بأفانين انتقالاته إلى التعجيب من استمرارهم على أن ~~يعبدوا ما لا يضرهم ولا ينفعهم أعقب بما يومىء إلى استمرارهم على تكذيبهم ~~محمدا صلى الله عليه وسلم في دعوى الرسالة بنسبة ما بلغه إليهم إلى الإفك ، ~~وأنه أساطير الأولين ، وأنه سحر ، فأبطلت دعاويهم كلها بوصف النبي بأنه ~~مرسل من الله ، وقصره على صفتي التبشير والنذارة . وهذا الكلام الوارد في ~~الرد عليهم جامع بين إبطال إنكارهم لرسالته وبين تأنيس الرسول عليه الصلاة ~~والسلام بأنه ليس بمضل ولكنه مبشر ونذير . وفيه تعريض بأن لا يحزن لتكذيبهم ~~إياه . # ثم أمره بأن يخاطبهم بأنه غير طامع من دعوتهم في أن يعتز باتباعهم إياه ~~PageV19P057 حتى يحسبوا أنهم إن أعرضوا عنه فقد بلغوا من النكاية به أملهم ~~، بل ما عليه إلا ms5797 التبليغ بالتبشير والنذارة لفائدتهم لا يريد منهم الجزاء ~~على عمله ذلك . # والأجر : العوض على العمل ولو بعمل آخر يقصد به الجزاء . # والاستثناء تأكيد لنفي أن يكون يسألهم أجرا لأنه استثناء من أحوال عامة ~~محذوف ما يدل عليها لقصد التعميم ، والاستثناء معيار العموم فلذلك كثر في ~~كلام العرب أن يجعل تأكيد الفعلل في صورة الاستثناء ، ويسمى تأكيد المدح ~~بما يشبه الذم ، وبعبارة أتقن تأكيد الشيء بما يشبه ضده وهو مرتبتان : منه ~~ما هو تأكيد محض وهو ما كان المستثنى فيه منقطعا عن المستثنى منه أصلا كقول ~~النابغة : # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم # بهن فلول من قراع الكتائب # فإن فلول سيوفهم ليس من جنس العيب فيهم بحال ؛ ومنه مرتبة ما هو تأكيد في ~~الجملة وهو ما المستثنى فيه ليس من جنس المستثنى منه لكنه قريب منه ~~بالمشابهة لم يطلق عليه اسم المشبه به بما تضمنه الاستثناء كما في قوله : { ~~قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى } ( الشورى : 23 ) ، ألا ترى ~~أنه نفى أن يكون يسألهم أجرا على الإطلاق في قوله تعالى { قل ما أسألكم ~~عليه من أجر وما أنا من المتكلفين } ( ص : 86 ) . فقوله تعالى : { إلا من ~~شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا } من قبيل المرتبة الثانية لأن الكلام على حذف ~~مضاف يناسب أجرا إذ التقدير : إلا عمل من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا ، وذلك ~~هو اتباع دين الإسلام . ولما كان هذا إجابة لدعوة الرسول صلى الله عليه ~~وسلم أشبه الأجر على تلك الدعوة فكان نظير قوله { قل لا أسألكم عليه أجرا ~~إلا المودة في القربى } ( الشورى : 23 ) . وقد يسمون مثل هذا الاستثناء ~~الاستثناء المنقطع ويقدرونه كالاستدراك . # والسبيل : الطريق . واتخاذ السبيل تقدم آنفا في قوله : { يا ليتني اتخذت ~~مع الرسول سبيلا } ( الفرقان : 27 ) . وجعل السبيل هنا إلى الله لأنه وسيلة ~~إلى إجابته فيما دعاهم إليه وهذا كقوله تعالى : { فمن شاء اتخذ إلى ربه ~~مئابا } ( النبأ : 39 ) . # وذكر وصف الرب دون الاسم العلم للإشارة إلى استحقاقه السير إليه لأن ms5798 ~~العبد محقوق بأن يرجع إلى ربه وإلا كان آبقا . # PageV19P058 # | 2 ( 58 ) { وتوكل على الحى الذى لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب ~~عباده خبيرا } . ) 2 # عطف على جملة { قل ما أسألكم عليه من أجر } ( الفرقان : 57 ) أي قل لهم ~~ذلك وتوكل على الله في دعوتك إلى الدين فهو الذي يجازيك على ذلك ويجازيهم . # والتوكل : الاعتماد وإسلام الأمور إلى المتوكل عليه وهو الوكيل ، أي ~~المتولي مهمات غيره ، وقد تقدم في قوله تعالى : { فإذا عزمت فتوكل على الله ~~} في آل عمران ( 159 ) . # و { الحي الذي لا يموت } هو الله تعالى . وعدل عن اسم الجلالة إلى هذين ~~الوصفين لما يؤذن به من تعليل الأمر بالتوكل عليه لأنه الدائم فيفيد ذلك ~~معنى حصر التوكل في الكون عليه ، فالتعريف في { الحي } للكامل ، أي الكامل ~~حياته لأنها واجبة باقية مستمرة وحياة غيره معرضة للزوال بالموت ومعرضة ~~لاختلال أثرها بالذهول كالنوم ونحوه فإنه من جنس الموت ، فالتوكل على غيره ~~معرض للاختلال وللانخرام . وفي ذكر الوصفين تعريض بالمشركين إذ ناطوا ~~آمالهم بالأصنام وهي أموات غير أحياء . # وفي الآية إشارة إلى أن المرء الكامل لا يثق إلا بالله لأن التوكل على ~~الأحياء المعرضين للموت وإن كان قد يفيد أحيانا لكنه لا يدوم . # وأما أمره بالتسبيح فهو تنزيه الله عما لا يليق به وأول ذلك الشركة في ~~الإلهية ، أي إذا أهمك أمر إعراض المشركين عن دعوة الإسلام فعليك نفسك فنزه ~~الله . # والباء في { بحمده } للمصاحبة ، أي سبحه تسبيحا مصاحبا للثناء عليه بما ~~هو أهله . فقد جمع له في هذا الأمر التخلية والتحلية مقدما التخلية لأن شأن ~~الإصلاح أن يبدأ بإزالة النقص . # وأمر النبي صلى الله عليه وسلم يشمل الأمة ما لم يكن دليل على الخصوصية . # وجملة { وكفى به بذنوب عباده خبيرا } اعتراض في آخر الكلام ، فيفيد معنى ~~التذييل لما فيه من الدلالة على عموم علمه تعالى بذنوب الخلق ، ومن ذلك ~~أحوال PageV19P059 المشركين الذين هم غرض الكلام . ففي ( ذنوب عباده ) ~~عمومان : عموم ذنوبهم كلها لإفادة الجمع المضاف عموم إفراد المضاف ، وعموم ms5799 ~~الناس لإضافة ( عباد ) إلى ضمير الجلالة ، أي جميع عباده ، مع ما في صيغة ( ~~خبير ) من شدة العلم وهو يستلزم العموم فكان كعموم ثالث . والكفاية : ~~الإجزاء ، وفي فعل { كفى } إفادة أنه لا يحتاج إلى غيره وهو مستعمل في ~~الأمر بالاكتفاء بتفويض الأمر إليه . # والباء لتأكيد إسناد الفعل إلى الفاعل . وقد كثر دخول باء التأكيد بعد ~~فعل الكفاية على فاعله أو مفعوله ، وتقدم في قوله تعالى : { كفى بنفسك ~~اليوم عليك حسيبا } في سورة الإسراء ( 14 ) . و { خبيرا } حال من ضمير { به ~~} أي كفى به من حيث الخبرة . # والعلم بالذنوب كناية عن لازمه وهو أنه يجازيهم على ذنوبهم ، والشرك جامع ~~الذنوب . وفي الكلام أيضا تعريض بتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم على ما ~~يلاقيه من أذاهم . # # | 2 ( 59 ) { الذى خلق السماوات والارض وما بينهما فى ستة أيام ثم استوى ~~على العرش الرحمان فاسأل به خبيرا } . ) 2 # أجريت هذه الصلة وصفا ثانيا ل { الحي الذي لا يموت } ( الفرقان : 58 ) ~~لاقتضائها سعة العلم وسعة القدرة وعظيم المجد ، فصاحبها حقيق بأن يتوكل ~~عليه ويفوض أمر الجزاء إليه . وهذا تخلص إلى العود إلى الاستدلال على تصرف ~~الله تعالى بالخلق . # وتقدم الكلام على خلق السماوات والأرض في ستة أيام في سورة البقرة ، وعلى ~~الاستواء في سورة الأعراف . # و { الرحمن } خبر مبتدأ محذوف ، أي هو الرحمن . وهذا من حذف المسند إليه ~~الغالب في الاستعمال عندما تتقدم أخبار أو أوصاف لصاحبها ، ثم يراد الإخبار ~~عنه بما هو إفصاح عن وصف جامع لما مضى أو أهم في الغرض مما تقدمه ، فإن وصف ~~الرحمن أهم في الغرض المسوق له الكلام وهو الأمر بالتوكل عليه فإنه وصف ~~يقتضي أنه يدبر أمور من توكل عليه بقوي الإسعاف . PageV19P060 # وفرع على وصفه ب { الرحمن } قوله { فسئل به خبيرا } للدلالة على أن في ~~رحمته من العظمة والشمول ما لا تفي فيه العبارة فيعدل عن زيادة التوصيف إلى ~~الحوالة على عليم بتصاريف رحمته مجرب لها متلق أحاديثها ممن علمها وجربها . # وتنكير { خبيرا } للدلالة على العموم ، فلا يظن خبيرا ms5800 معينا ، لأن النكرة ~~إذا تعلق بها فعل الأمر اقتضت عموما بدليل أي خبير سألته أعلمك . # وهذا يجري مجرى المثل ولعله من مبتكرات القرآن نظير قول العرب : ( على ~~الخبير سقطت ) يقولها العارف بالشيء إذا سئل عنه . والمثلان وإن تساويا في ~~عدد الحروف المنطوق بها فالمثل القرآني أفصح لسلامته من ثقل تلاقي القاف ~~والطاء والتاء في ( سقطت ) . وهو أيضا أشرف لسلامته من معنى السقوط ، وهو ~~أبلغ معنى لما فيه من عموم كل خبير ، بخلاف قولهم : على الخبير سقطت ، ~~لأنها إنما يقولها الواحد المعين . وقريب من معنى { فسئل به خبيرا } قول ~~النابغة : # هلا سألت بني ذبيان ما حسبي # إذا الدخان تغشى الأشمط البرما # إلى قوله : # يخبرك ذو عرضهم عني وعالمهم # وليس جاهل شيء مثل من علما # والباء في { به } بمعنى ( عن ) أي فاسأل عنه كقول علقمة : # فإن تسألوني بالنساء فإنني # خبير بأدواء النساء طبيب # ويجوز أن تكون الباء متعلقة ب { خبيرا } وتقديم المجرور للرعي على ~~الفاصلة وللاهتمام ، فله سببان . # # | 2 ( 60 ) { وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمان قالوا وما الرحمان أنسجد لما ~~تأمرنا وزادهم نفورا } . ) 2 # لما جرى وصف الله تعالى بالرحمان مع صفات أخر استطرد ذكر كفر المشركين ~~بهذا الوصف . وقد علمت عند الكلام على البسملة في أول هذا التفسير أن وصف ~~الله تعالى باسم ( الرحمن ) هو من وضع القرآن ولم يكن معهودا للعرب ، وأما ~~قول شاعر اليمامة في مدح مسيلمة : PageV19P061 # سموت بالمجد يابن الأكرمين أبا # وأنت غيث الورى لا زلت رحمانا # فذلك بعد ظهور الإسلام في مدة الردة ، ولذلك لما سمعوه من القرآن أنكروه ~~قصدا بالتورك على النبي صلى الله عليه وسلم وليس ذلك عن جهل بمدلول هذا ~~الوصف ولا بكونه جاريا على مقاييس لغتهم ولا أنه إذا وصف الله به فهو رب ~~واحد وأن التعدد في الأسماء ؛ فكانوا يقولون : انظروا إلى هذا الصابىء ~~ينهانا أن ندعو إلهين وهو يدعو الله ويدعو الرحمن . وفي ذلك نزل قوله تعالى ~~: { قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى } . ~~وقد تقدم ms5801 في آخر سورة الإسراء ( 110 ) وهذه الآية تشير إلى آية سورة ~~الإسراء . # والخبر هنا مستعمل كناية في التعجيب من عنادهم وبهتانهم ، وليس المقصود ~~إفادة الإخبار عنهم بذلك لأنه أمر معلوم من شأنهم . # والسجود الذي أمروا به سجود الاعتراف له بالوحدانية وهو شعار الإسلام ، ~~ولم يكن السجود من عبادتهم وإنما كانوا يطوفون بالأصنام ، وأما سجود الصلاة ~~التي هي من قواعد الإسلام فليس مرادا هنا إذ لم يكونوا ممن يؤمر بالصلاة ~~ولا فائدة في تكليفهم بها قبل أن يسلموا . ويدل لذلك حديث معاذ بن جبل حين ~~أرسله النبيء صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فأمره أن يدعوهم إلى شهادة أن ~~لا إلاه إلا الله وأن محمدا رسول الله ، ثم قال : فإن هم أطاعوا لذلك ~~فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة الخ . ومسألة ~~تكليف الكفار بفروع الشريعة لا طائل تحتها . # وواو العطف في قولهم { وما الرحمن } لعطفهم الكلام الذي صدر منهم على ~~الكلام الذي وجه إليهم في أمرهم بالسجود للرحمان ، على طريقة دخول العطف ~~بين كلامي متكلمين كما في قوله تعالى : { قال إني جاعلك للناس إماما قال ~~ومن ذريتي } ( البقرة : 124 ) . و { ما } من قوله { وما الرحمن } استفهامية ~~. # والاستفهام مستعمل في الاستغراب ، يعنون تجاهل هذا الاسم ، ولذلك ~~استفهموا عنه بما دون ( من ) باعتبار السؤال عن معنى هذا الاسم . # والاستفهام في { أنسجد لما تأمرنا } إنكار وامتناع ، أي لا نسجد لشيء ~~PageV19P062 تأمرنا بالسجود له على أن { ما } نكرة موصوفة ، أو لا نسجد ~~للذي تأمرنا بالسجود له إن كانت { ما } موصولة ، وحذف العائد من الصفة أو ~~الصلة مع ما اتصل هو به لدلالة ما سبق عليه ، ومقصدهم من ذلك إباء السجود ~~لله لأن السجود الذي أمروا به سجود لله بنية انفراد الله به دون غيره ، وهم ~~لا يجيبون إلى ذلك كما قال الله تعالى : { وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم ~~سالمون } ( القلم : 43 ) ، أي فيأبون ، وقال : { وإذا قيل لهم اركعوا لا ~~يركعون } ( المرسلات : 48 ) . ويدل على ذلك قوله { وزادهم نفورا } فالنفور ~~من ms5802 السجود سابق قبل سماع اسم الرحمن . # وقرأ الجمهور { تأمرنا } بتاء الخطاب . وقرأه حمزة والكسائي بياء الغيبة ~~على أن قولهم ذلك يقولونه بينهم ولا يشافهون به النبي صلى الله عليه وسلم # والضمير المستتر في { زادهم } عائد إلى القول المأخوذ من { وإذا قيل لهم ~~} . والنفور : الفرار من الشيء . وأطلق هنا على لازمه وهو البعد . وإسناد ~~زيادة لنفور إلى القول لأنه سبب تلك الزيادة فهم كانوا أصحاب نفور من سجود ~~لله فلما أمروا بالسجود للرحمان زادوا بعدا من الإيمان ، وهذا كقوله في ~~سورة نوح ( 6 ) { فلم يزدهم دعائي إلا فرارا . # وهذا موضع سجدة من سجود القرآن بالاتفاق . ووجه السجود هنا إظهار مخالفة ~~المشركين إذ أبوا السجود للرحمان ، فلما حكي إباؤهم من السجود للرحمان في ~~معرض التعجيب من شأنهم عزز ذلك بالعمل بخلافهم فسجد النبي هنا مخالفا لهم ~~مخالفة بالفعل مبالغة في مخالفته لهم بعد أن أبطل كفرهم بقوله : وتوكل على ~~الحي الذي لا يموت } ( الفرقان : 58 ) الآيات الثلاث . وسن الرسول عليه ~~السلام السجود في هذا الموضع . # # | 2 ( 61 ) { تبارك الذى جعل فى السمآء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا ~~منيرا } . ) 2 # استئناف ابتدائي جعل تمهيدا لقوله { وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض ~~هونا } ( الفرقان : 63 ) الآيات التي هي محصول الدعامة الثالثة من الدعائم ~~الثلاث التي أقيم عليها بناء هذه السورة ، وافتتحت كل دعامة منها ب { تبارك ~~الذي . . . } إلخ كما تقدم في PageV19P063 صدر السورة . وافتتح ذلك بإنشاء ~~الثناء على الله بالبركة والخير لما جعله للخلق من المنافع . وتقدم { تبارك ~~} أول السورة ( 1 ) وفي قوله { تبارك الله رب العالمين } في الأعراف ( 54 ) ~~. # والبروج : منازل مرور الشمس فيما يرى الراصدون . وقد تقدم الكلام عليها ~~عند قوله تعالى : { ولقد جعلنا في السماء بروجا في أول سورة الحجر ( 16 ) . # والامتنان بها لأن الناس يوقتون بها أزمانهم . # وقرأ الجمهور سراجا } بصيغة المفرد . والسراج : الشمس كقوله : { وجعل ~~الشمس سراجا } في سورة نوح ( 16 ) . ومناسبة ذلك لما يرد بعده من قوله : { ~~وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة . . . } ( الفرقان : 62 ) . # وقرأ حمزة والكسائي ms5803 { سرجا } بضم السين والراء جمع سراج فيشمل مع الشمس ~~النجوم ، فيكون امتنانا بحسن منظرها للناس كقوله { ولقد زينا السماء الدنيا ~~بمصابيح } ( الملك : 5 ) . والامتنان بمحاسن المخلوقات وارد في القرآن قال ~~تعالى : { ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون } ( النحل : 6 ) . # والكلام جار على التشبيه البليغ لأن حقيقة السراج : المصباح الزاهر ~~الضياء . والمقصود : أنه جعل الشمس مزيلة للظلمة كالسراج ، أو خلق النجوم ~~كالسراج في التلألؤ وحسن المنظر . # ودلالة خلق البروج وخلق الشمس والقمر على عظيم القدرة دلالة بينة للعاقل ~~، وكذلك دلالته على دقيق الصنع ونظامه بحيث لا يختل ولا يختلف حتى تسنى ~~للناس رصد أحوالها وإناطة حسابهم بها . # # | 2 ( 62 ) { وهو الذى جعل اليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد ~~شكورا } . ) 2 # الاستدلال هذا بما في الليل والنهار من اختلاف الحال بين ظلمة ونور ، ~~وبرد PageV19P064 وحر ، مما يكون بعضه أليق ببعض الناس من بعض ببعض آخر ، ~~وهذا مخالف للاستدلال الذي في قوله { وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم ~~سباتا وجعل النهار نشورا } ( الفرقان : 47 ) ، فهذه دلالة أخرى ونعمة أخرى ~~والحكم في المخلوقات كثيرة . # والقصر هنا قصر حقيقي وليس إضافيا فلذلك لا يراد به الرد على المشركين ~~بخلاف صيغ القصر السابقة من قوله { وهو الذي جعل لكم الليل لباسا إلى قوله ~~وكان ربك قديرا } ( الفرقان : 47 54 ) . # والخلفة بكسر الخاء وسكون اللام : اسم لما يخلف غيره في بعض ما يصلح له . ~~صيغ هذا الاسم على زنة فعلة لأنه في الأصل ذو خلفة ، أي صاحب حالة خلف فيها ~~غيره ثم شاع استعماله فصار اسما ، قال زهير : # بها العين والآرام يمشين خلفة # وأطلاؤها ينهضن من كل مجثم # أي يمشي سرب ويخلفه سرب آخر ثم يتعاقب هكذا . فالمعنى : جعل الليل خلفة ~~والنهار خلفة : أي كل واحد منهما خلفة عن الآخر ، أي فيما يعمل فيها من ~~التدبر في أدلة العقيدة والتعبد والتذكر . # واللام في { لمن أراد أن يذكر } لام التعليل وهي متعلقة ب { جعل } ، ~~فأفاد ذلك أن هذا الجعل نافع من أراد أن ms5804 يذكر أو أراد شكورا . # والتذكر : تفعل من الذكر ، أي تكلف الذكر . والذكر جاء في القرآن بمعنى ~~التأمل في أدلة الدين ، وجاء بمعنى : تذكر فائت أو منسي ، ويجمع المعنيين ~~استظهار ما احتجب عن الفكر . # والشكور : بضم الشين مصدر مرادف الشكر ، والشكر : عرفان إحسان المحسن . ~~والمراد به هنا العبادة لأنها شكر لله تعالى . # فتفيد الآية معنى : لينظر في اختلافهما المتفكر فيعلم أن لا بد ~~لانتقالهما من حال إلى حال مؤثر حكيم فيستدل بذلك على توحيد الخالق ويعلم ~~أنه عظيم القدرة فيوقن بأنه لا يستحق غيره الإلهية ، وليشكر الشاكر على ما ~~في اختلاف PageV19P065 الليل والنهار من نعم عظيمة منها ما ذكر في قوله ~~تعالى : { وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا } ~~( الفرقان : 47 ) فيكثر الشاكرون على اختلاف أحوالهم ومناسباتهم ، وتفيد ~~معنى : ليتدارك الناسي ما فاته في الليل بسبب غلبة النوم أو التعب فيقضيه ~~في النهار أو ما شغله عنه شواغل العمل في النهار فيقضيه بالليل عند التفرغ ~~فلا يرزؤه ذلك ثواب أعماله . روي أن عمر بن الخطاب أطال صلاة الضحى يوما ~~فقيل له : صنعت شيئا لم تكن تصنعه ؟ فقال : إنه بقي علي من وردي شيء فأحببت ~~أن أقضيه وتلا قوله تعالى : { وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة } الآية . ~~ولمن أراد أن يتقرب إلى الله شكرا له بصلاة أو صيام فيكون الليل أسعد ببعض ~~ذلك والنهار أسعد ببعض ، فهذا مفاد عظيم في إيجاز بديع . # وجيء في جانب المتذكرين بقوله { أن يذكر } لدلالة المضارع على التجدد . ~~واقتصر في جانب الشاكرين على المصدر بقوله { أو أراد شكورا } لأن الشكر ~~يحصل دفعة . ولأجل الاختلاف بين النظمين أعيد فعل { أراد } إذ لا يلتئم عطف ~~{ شكورا } على { أن يذكر } . # وقرأ الجمهور { أن يذكر } بتشديد الذال مفتوحة ، وأصله : يتذكر فأدغمت ~~التاء في الذال لتقاربهما . وقرأ حمزة وخلف { أن يذكر } بسكون الذال وضم ~~الكاف وهو بمعنى المشدد إلا أن المشدد أشد عملا ، وكلا العملين يستدركان في ~~الليل والنهار . # # | 2 ( 63 ) { وعباد الرحمان الذين يمشون على الارض هونا ms5805 وإذا خاطبهم ~~الجاهلون قالوا سلاما } . ) 2 # عطف جملة على جملة ، فالجملة المعطوفة هي { عباد الرحمن } إلخ ، فهو ~~مبتدأ وخبره { الذين يمشون على الأرض هونا } إلخ . وقيل : الخبر { أولئك ~~يجزون الغرفة بما صبروا } ( الفرقان : 75 ) . والجملة المعطوف عليها جملة { ~~وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة } ( الفرقان : 62 ) إلخ . فبمناسبة ذكر من ~~أراد أن يذكر تخلص إلى خصال المؤمنين أتباع النبي صلى الله عليه وسلم حتى ~~تستكمل السورة أغراض التنويه بالقرآن ومن جاء به ومن اتبعوه كما أشرنا إليه ~~في الإلمام بأهم أغراضها في طالعة تفسيرها . وهذا من PageV19P066 أبدع ~~التخلص إذ كان مفاجئا للسامع مطمعا أنه استطراد عارض كسوابقه حتى يفاجئه ما ~~يؤذن بالختام وهو { قل ما يعؤا بكم ربي } ( الفرقان : 77 ) الآية . # والمراد ب { عباد الرحمن } بادىء ذي بدء أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فالصلات الثمان التي وصفوا بها في هذه الآية حكاية لأوصافهم التي ~~اختصوا بها . # وإذ قد أجريت عليهم تلك الصفات في مقام الثناء والوعد بجزاء الجنة علم أن ~~من اتصف بتلك الصفات موعود بمثل ذلك الجزاء وقد شرفهم الله بأن جعل عنوانهم ~~عباده ، واختار لهم من الإضافة إلى اسمه اسم الرحمن لوقوع ذكرهم بعد ذكر ~~الفريق الذين قيل لهم : { اسجدوا للرحمان . قالوا : وما الرحمن } ( الفرقان ~~: 60 ) . فإذا جعل المراد من { عباد الرحمن } أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان الخبر في قوله { الذين يمشون على الأرض هونا } إلى آخر المعطوفات ~~وكان قوله الآتي { أولئك يجزون الغرفة بما صبروا } ( الفرقان : 75 ) ~~استئنافا لبيان كونهم أحرياء بما بعد اسم الإشارة . # وإذا كان المراد من { عباد الرحمن } جميع المؤمنين المتصفين بمضمون تلك ~~الصلات كانت تلك الموصولات وصلاتها نعوتا ل { عباد الرحمن } وكان الخبر اسم ~~الإشارة في قوله { أولئك يجزون الغرفة } ( الفرقان : 75 ) إلخ . # وفي الإطناب بصفاتهم الطيبة تعريض بأن الذين أبوا السجود للرحمان وزادهم ~~نفورا هم على الضد من تلك المحامد ، تعريضا تشعر به إضافة { عباد } إلى { ~~الرحمن } . # واعلم أن هذه الصلات التي أجريت على { عباد الرحمن } جاءت على ms5806 أربعة ~~أقسام : # قسم هو من التحلي بالكمالات الدينية وهي التي ابتدىء بها من قوله تعالى { ~~الذين يمشون على الأرض هونا } إلى قوله { سلاما } ( الفرقان : 75 ) . # وقسم هو من التخلي عن ضلالات أهل الشرك وهو الذي من قوله : { والذين لا ~~يدعون مع الله إلها آخر } ( الفرقان : 68 ) . # وقسم هو من الاستقامة على شرائع الإسلام وهو قوله : { والذين يبيتون ~~لربهم PageV19P067 سجدا وقياما } ( الفرقان : 64 ) ، وقوله { والذين إذا ~~أنفقوا لم يسرفوا } ( الفرقان : 67 ) الآية ، وقوله : { ولا يقتلون النفس } ~~إلى قوله { لا يشهدون الزور } ( الفرقان : 68 72 ) إلخ . # وقسم من تطلب الزيادة من صلاح الحال في هذه الحياة وهو قوله : { والذين ~~يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا إلى قوله : للمتقين إماما } ( الفرقان : 74 ~~) . # وظاهر قوله { يمشون PageV19P068 على الأرض هونا } أنه مدح لمشية بالأرجل ~~وهو الذي حمل عليه جمهور المفسرين . # وجوز الزجاج أن يكون قوله { يمشون } عبارة عن تصرفاتهم في معاشرة الناس ~~فعبر عن ذلك بالانتقال في الأرض وتبعه ابن عطية وهذا الذي ذكره مأخوذ مما ~~روي عن زيد ابن أسلم كما سيأتي . فعلى الوجه الأول يكون تقييد المشي بأنه ~~على الأرض ليكون في وصفه بالهون ما يقتضي أنهم يمشون كذلك اختيارا وليس ذلك ~~عند المشي في الصعدات أو على الجنادل . # والهون : اللين والرفق . ووقع هنا صفة لمصدر المشي محذوف تقديره ( مشيا ) ~~فهو منصوب على النيابة عن المفعول المطلق . # والمشي الهون : هو الذي ليس فيه ضرب بالأقدام وخفق النعال فهو مخالف لمشي ~~المتجبرين المعجبين بنفوسهم وقوتهم . وهذا الهون ناشىء عن التواضع لله ~~تعالى والتخلق بآداب النفس العالية وزوال بطر أهل الجاهلية فكانت هذه ~~المشية من خلال الذين آمنوا على الضد من مشي أهل الجاهلية . وعن عمر بن ~~الخطاب أنه رأى غلاما يتبختر في مشيته فقال له ( إن البخترة مشية تكره إلا ~~في سبيل الله ) . وقد مدح الله تعالى أقواما بقوله سبحانه { وعباد الرحمن ~~الذين يمشون على الأرض هونا } فاقصد في مشيتك ، وحكى الله تعالى عن لقمان ~~قوله لابنه { ولا تمشش في الأرض مرحا } ( الإسراء : 37 ms5807 ) . # والتخلق بهذا الخلق مظهر من مظاهر التخلق بالرحمة المناسب لعباد الرحمن ~~لأن الرحمة ضد الشدة ، فالهون يناسب ماهيتها وفيه سلامة من صدم المارين . # وعن زيد بن أسلم قال : كنت أسأل عن تفسير قوله تعالى : { الذين يمشون على ~~الأرض هونا } فما وجدت في ذلك شفاء فرأيت في المنام من جاءني فقال لي : ( ~~هم الذين لا يريدون أن يفسدوا في الأرض ) . فهذا رأي لزيد بن أسلم ألهمه ~~يجعل معنى { يمشون على الأرض } أنه استعارة للعمل في الأرض كقوله تعالى { ~~وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها } ( البقرة : 205 ) وأن الهون مستعار ~~لفعل الخير لأنه هون على الناس كما يسمى بالمعروف . # وقرن وصفهم بالتواضع في سمتهم وهو المشي على الأرض هونا بوصف آخر يناسب ~~التواضع وكراهية التطاول وهو متاركة الذين يجهلون عليهم في الخطاب بالأذى ~~والشتم وهؤلاء الجاهلون يومئذ هم المشركون إذ كانوا يتعرضون للمسلمين ~~بالأذى والشتم فعلمهم الله متاركة السفهاء ، فالجهل هنا ضد الحلم ، وذلك ~~أشهر إطلاقاته عند العرب قبل الإسلام وذلك معلوم في كثير من الشعر والنثر . # وانتصب { سلاما } على المفعولية المطلقة . وذكرهم بصفة الجاهلين دون ~~غيرها مما هو أشد مذمة مثل الكافرين لأن هذا الوصف يشعر بأن الخطاب الصادر ~~منهم خطاب الجهالة والجفوة . # و ( السلام ) يجوز أن يكون مصدرا بمعنى السلامة ، أي لا خير بيننا ولا شر ~~فنحن مسلمون منكم . ويجوز أن يكون مرادا به لفظ التحية فيكون مستعملا في ~~لازمه وهو المتاركة لأن أصل استعمال لفظ السلام في التحية أنه يؤذن ~~بالتأمين ، أي عدم لإهاجة ، والتأمين : أول ما يلقى به المرء من يريد ~~إكرامه ، فتكون الآية في معنى قوله { وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا ~~لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين } ( القصص : 55 ) . # قال ابن عطية : وأريت في بعض التواريخ أن إبراهيم بن المهدي وكان من ~~المائلين على علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال يوما بحضرة المأمون وعنده ~~جماعة : كنت أرى علي بن أبي طالب في النوم فكنت أقول له : من أنت ؟ فكان ~~يقول ms5808 : علي بن أبي طالب ، فكنت أجيء معه إلى قنطرة فيذهب فيتقدمني في ~~عبورها فكنت أقول : إنما تدعي هذا الأمر بامرأة ونحن أحق PageV19P069 به ~~منك ، فما رأيت له في الجواب بلاغة كما يذكر عنه ، قال المأمون : وبماذا ~~جاوبك ؟ قال : فكان يقول لي : سلاما . قال الراوي : فكأن إبراهيم بن المهدي ~~لا يحفظ الآية أو ذهبت عنه في ذلك الوقت ، فنبه المأمون على الآية من حضره ~~وقال : هو والله يا عم علي بن أبي طالب وقد جاوبك بأبلغ جواب ، فخزي ~~إبراهيم واستحيا . ولأجل المناسبة بين الصيغتين عطفت هذه على الصلة الأولى ~~. ولم يكرر اسم الموصول كما كرر في الصفات بعدها . # # | 2 ( 64 ) { والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما } . ) 2 # عطف صفة أخرى على صفتيهم السابقتين على حد قول الشاعر : # إلى الملك القرم وابن الهمام # وليث الكتيبة في المزدحم # وإعادة الموصول لتأكيد أنهم يعرفون بهذه الصلة ، والظاهر أن هذه ~~الموصولات وصلاتها كلها أخبار أو أوصاف لعباد الرحمن . روي عن الحسن البصري ~~أنه كان إذا قرأ { الذين يمشون على الأرض هونا } ( الفرقان : 63 ) قال : ~~هذا وصف نهارهم ، ثم إذا قرأ { والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما } قال : ~~هذا وصف ليلهم . # والقيام : جمع قائم كالصحاب ، والسجود والقيام ركنا الصلاة ، فالمعنى : ~~يبيتون يصلون ، فوقع إطناب في التعبير عن الصلاة بركنيها تنويها بكليهما . ~~وتقديم { سجدا } على { قياما } للرعي على الفاصلة مع الإشارة إلى الاهتمام ~~بالسجود وهو ما بينه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : ( أقرب ما يكون ~~العبد من ربه وهو ساجد ) . وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيري ~~التهجد كما أثنى الله عليهم بذلك بقوله { تتجافى جنوبهم عن المضاجع } ( ~~السجدة : 16 ) . # # | 2 ( 65 ، 66 ) { والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان ~~غراما * إنها سآءت مستقرا ومقاما } . ) 2 # دعاؤهم هذا أمارة على شدة مخافتهم الذنوب فهم يسعون في مرضاة ربهم لينجوا ~~من العذاب ، فالمراد بصرف العذاب : إنجاؤهم منه بتيسير العمل الصالح ~~وتوفيره واجتناب السيئات . PageV19P070 # وجملة { إن عذابها كان غراما } يجوز أن تكون حكاية من كلام ms5809 القائلين . ~~ويجوز أن تكون من كلام الله تعالى معترضة بين اسمي الموصول ، وعلى كل فهي ~~تعليل لسؤال صرف عذابها عنهم . # والغرام : الهلاك الملح الدائم ، وغلب إطلاقه على الشر المستمر . # وجملة { إنها ساءت مستقرا ومقاما } يجوز أن تكون حكاية لكلام القائلين ~~فتكون تعليلا ثانيا مؤكدا لتعليلهم الأول ، وأن تكون من جانب الله تعالى ~~دون التي قبلها فتكون تأييدا لتعليل القائلين . وأن تكون من كلام الله مع ~~التي قبلها فتكون تكريرا للاعتراض . # والمستقر : مكان الاستقرار . والاستقرار : قوة القرار . والمقام : اسم ~~مكان الإقامة ، أي ساءت موضعا لمن يستقر فيها بدون إقامة مثل عصاة أهل ~~الأديان ولمن يقيم فيها من المكذبين للرسل المبعوثين إليهم . # # | 2 ( 67 ) { والذين إذآ أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما ~~} . ) 2 # أفاد قوله { إذا أنفقوا } أن الإنفاق من خصالهم فكأنه قال : والذين ~~ينفقون وإذا أنفقوا إلخ . وأريد بالإنفاق هنا الإنفاق غير الواجب وذلك ~~إنفاق المرء على أهل بيته وأصحابه لأن الإنفاق الواجب لا يذم الإسراف فيه ، ~~والإنفاق الحرام لا يحمد مطلقا بله أن يذم الإقتار فيه على أن في قوله { ~~إذا أنفقوا } إشعارا بأنهم اختاروا أن ينفقوا ولم يكن واجبا عليهم . # والإسراف : تجاوز الحد الذي يقتضيه الإنفاق بحسب حال المنفق وحال المنفق ~~عليه . وتقدم معنى الإسراف في قوله تعالى : { ولا تأكلوها إسرافا } في سورة ~~النساء ( 6 ) ، وقوله : { ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين في سورة الأنعام ~~( 141 ) . # والإقتار عكسه ، وكان أهل الجاهلية يسرفون في النفقة في اللذات ويغلون ~~السباء في الخمر ويتممون الأيسار في الميسر . وأقوالهم في ذلك كثيرة في ~~أشعارهم PageV19P071 وهي في معلقة طرفة وفي معلقة لبيد وفي ميمية النابغة ، ~~ويفتخرون بإتلاف المال ليتحدث العظماء عنهم بذلك ، قال الشاعر مادحا : # مفيد ومتلاف إذا ما أتيته # تهلل واهتز اهتزاز المهند # وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر ولا يقتروا } بضم التحتية وكسر الفوقية من ~~الإقتار وهو مرادف التقتير . وقرأه ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب بفتح التحتية ~~وكسر الفوقية من قتر من باب ضرب وهو لغة . وقرأ عاصم وحمزة ms5810 والكسائي وخلف ~~بفتح التحتية وضم الفوقية من فعل قتر من باب نصر . # والإقتار والقتر : الإجحاف والنقص مما تسعه الثروة ويقتضيه حال المنفق ~~عليه . وكان أهل الجاهلية يقترون على المساكين والضعفاء لأنهم لا يسمعون ~~ثناء العظماء في ذلك . وقد تقدم ذلك عند قوله : { كتب عليكم إذا حضر أحدكم ~~الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين } ( البقرة : 180 ) . # والإشارة في قوله : { بين ذلك } إلى ما تقدم بتأويل المذكور ، أي الإسراف ~~والإقتار . # والقوام بفتح القاف : العدل والقصد بين الطرفين . # والمعنى : أنهم يضعون النفقات مواضعها الصالحة كما أمرهم الله فيدوم ~~إنفاقهم وقد رغب الإسلام في العمل الذي يدوم عليه صاحبه ، وليسير نظام ~~الجماعة على كفاية دون تعريضه للتعطيل فإن الإسراف من شأنه استنفاد المال ~~فلا يدوم الإنفاق ، وأما الإقتار فمن شأنه إمساك المال فيحرم من يستأهله . # وقوله : { بين ذلك } خبر { كان } و { قواما } حال موكدة لمعنى { بين ذلك ~~} . وفيها إشعار بمدح ما بين ذلك بأنه الصواب الذي لا عوج فيه . ويجوز أن ~~يكون { قواما } خبر { كان } و { بين ذلك } ظرفا متعلقا به . وقد جرت الآية ~~على مراعاة الأحوال الغالبة في إنفاق الناس . قال القرطبي : والقوام في كل ~~واحد بحسب عياله وحاله ولهذا ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر ~~الصديق يتصدق بجميع ماله ومنع غيره من ذلك . # PageV19P072 # | 2 ( 68 ، 69 ) { والذين لا يدعون مع الله إلاها ءاخر ولا يقتلون النفس ~~التى حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذالك يلق أثاما * يضاعف له ~~العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا } . ) 2 # هذا قسم آخر من صفات عباد الرحمن ، وهو قسم التخلي عن المفاسد التي كانت ~~ملازمة لقومهم من المشركين ؛ فتنزه عباد الرحمن عنها بسبب إيمانهم ، وذكر ~~هنا تنزههم عن الشرك وقتل النفس والزنا ، وهذه القبائح الثلاث كانت غالبة ~~على المشركين . # ووصف النفس ب { التي حرم الله } بيان لحرمة النفس التي تقررت من عهد آدم ~~فيما حكى الله من محاورة ولدي آدم بقوله { قال لأقتلنك } ( المائدة : 27 ) ~~الآيات ، فتقرر تحريم قتل النفس من أقدم ms5811 أزمان البشر ولم يجهله أحد من ذرية ~~آدم ، فذلك معنى وصف النفس بالموصول في قوله { التي حرم الله } . وكان قتل ~~النفس متفشيا في العرب بالعداوات ، والغارات ، وبالوأد في كثير من القبائل ~~بناتهم ، وبالقتل لفرط الغيرة ، كما قال امرؤ القيس : # تجاوزت أحراسا إليها ومعشرا # علي حراصا لو يسرون مقتلي # وقال عنترة : # علقتها عرضا وأقتل قومها # زعما لعمر أبيك ليس بمزعم # وقوله { إلا بالحق } المراد به يومئذ : قتل قاتل أحدهم ، وهو تهيئة ~~لمشروعية الجهاد عقب مدة نزول هذه السورة . ولم يكن بيد المسلمين يومئذ ~~سلطان لإقامة القصاص والحدود . ومضى الكلام على الزنا في سورة سبحان . # وقد جمع التخلي عن هذه الجرائم الثلاث في صلة موصول واحد ولم يكرر اسم ~~الموصول كما كرر في ذكر خصال تحليهم ، للإشارة إلى أنهم لما أقلعوا عن ~~الشرك ولم يدعوا مع الله إلها آخر فقد أقلعوا عن أشد القبائح لصوقا بالشرك ~~وذلك قتل النفس والزنا . فجعل ذلك شبيه خصلة واحدة ، وجعل في صلة موصول ~~واحد . PageV19P073 # وقد يكون تكرير { لا } مجزئا عن إعادة اسم الموصول وكافيا في الدلالة على ~~أن كل خصلة من هذه الخصال موجبة لمضاعفة العذاب ، ويؤيده ما في ( صحيح مسلم ~~) من حديث عبد الله بن مسعود قال : قلت يا رسول الله أي الذنب أكبر ؟ قال : ~~أن تدعو لله ندا وهو خلقك . قلت : ثم أي ؟ قال : أن تقتل ولدك خيفة أن يطعم ~~معك . قلت : ثم أي : قال : أن تزاني حليلة جارك . فأنزل الله تعالى تصديقها ~~{ والذين لا يدعون مع الله إلاها آخرا } إلى { أثاما } ، وفي رواية ابن ~~عطية ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية . # وقد علمت أن هذه الآيات الثلاث إلى قوله { غفورا رحيما } ( الفرقان : 68 ~~70 ) قيل نزلت بالمدينة . # والإشارة ب { ذلك } إلى ما ذكر من الكبائر على تأويله بالمذكور ، كما ~~تقدم في نظيره آنفا . والمتبادر من الإشارة أنها إلى المجموع ، أي من يفعل ~~مجموع الثلاث . ويعلم أن جزاء من يفعل بعضها ويترك بعضا عدا الإشراك دون ~~جزاء من يفعل جميعها ms5812 ، وأن البعض أيضا مراتب ، وليس المراد من يفعل كل ~~واحدة مما ذكر يلق آثاما لأن لقي الآثام بين هنا بمضاعفة العذاب والخلود ~~فيه . وقد نهضت أدلة متظافرة من الكتاب والسنة على أن ما عدا الكفر من ~~المعاصي لا يوجب الخلود ، مما يقتضي تأويل ظواهر الآية . # ويجوز أن تكون مضاعفة العذاب مستعملة في معنى قوته ، أي يعذب عذابا شديدا ~~وليست لتكرير عذاب مقدر . # والآثام بفتح الهمزة جزاء الإثم على زنة الوبال والنكال ، وهو أشد من ~~الإثم ، أي يجازى على ذلك سوءا لأنها آثام . # وجملة : { يضاعف له العذاب } بدل اشتمال من { يلق أثاما } ، وإبدال الفعل ~~من الفعل إبدال جملة فإن كان في الجملة فعل قابل للإعراب ظهر إعراب المحل ~~في ذلك الفعل لأنه عماد الجملة . وجعل الجزاء مضاعفة العذاب والخلود . # فأما مضاعفة العذاب فهي أن يعذب على كل جرم مما ذكر عذابا مناسبا ولا ~~يكتفى بالعذاب الأكبر عن أكبر الجرائم وهو الشرك ، تنبيها على أن الشرك لا ~~PageV19P074 ينجي صاحبه من تبعة ما يقترفه من الجرائم والمفاسد ، وذلك لأن ~~دعوة الإسلام للناس جاءت بالإقلاع عن الشرك وعن المفاسد كلها . وهذا معنى ~~قول من قال من العلماء بأن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة يعنون خطاب ~~المؤاخذة على ما نهوا عن ارتكابه ، وليس المراد أنهم يطلب منهم العمل إذ لا ~~تقبل منهم الصالحات بدون الإيمان ، ولذلك رام بعض أهل الأصول تخصيص الخلاف ~~بخطاب التكليف لا الاتلاف والجنايات وخطاب الوضع كله . # وأما الخلود في العذاب فقد اقتضاه الإشراك . # وقوله : { مهانا } حال قصد منها تشنيع حالهم في الآخرة ، أي يعذب ويهان ~~إهانة زائدة على إهانة التعذيب بأن يشتم ويحقر . # وقرأ الجمهور : { يضاعف } بألف بعد الضاد وبجزم الفعل . وقرأه ابن كثير ~~وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب { يضعف } بتشديد العين وبالجزم . وقرأه ابن ~~عامر وأبو بكر عن عاصم { يضاعف } بألف بعد الضاد وبرفع الفعل على أنه ~~استئناف بياني . # # | 2 ( 70 ) { إلا من تاب وءامن وعمل عملا صالحا فأولائك يبدل الله ~~سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما } . ) 2 # الاستثناء من العموم ms5813 الذي أفادته { من } الشرطية في قوله : { ومن يفعل ~~ذلك } ( الفرقان : 68 ) . والتقدير : إلا من تاب فلا يضاعف له العذاب ولا ~~يخلد فيه ، وهذا تطمين لنفوس فريق من المؤمنين الذين قد كانوا تلبسوا بخصال ~~أهل الشرك ثم تابوا عنها بسبب توبتهم من الشرك ، وإلا فليس في دعوتهم مع ~~الله إلها آخر بعد العنوان عنهم بأنهم عباد الرحمن ثناء زائد . # وفي ( صحيح مسلم ) : عن ابن عباس ( أن ناسا من أهل الشرك قتلوا فأكثروا ~~وزنوا فأكثروا ، فأتوا محمدا صلى الله عليه وسلم فقالوا : إن الذي تقول ~~وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة فنزلت : { والذين لا يدعون ~~مع الله إلها آخر } ( الفرقان : 68 ) الآية ، والمعنى : أنه يعفى عنه من ~~عذاب الذنوب التي تاب منها ، ولا يخطر بالبال أنه PageV19P075 يعذب عذابا ~~غير مضاعف وغير مخلد فيه ، لأن ذلك ليس من مجاري الاستعمال العربي بل الأصل ~~في ارتفاع الشيء المقيد أن يقصد منه رفعه بأسره لا رفع قيوده ، إلا بقرينة ~~. # والتوبة : الإقلاع عن الذنب ، والندم على ما فرط ، والعزم على أن لا يعود ~~إلى الذنب ، وإذ كان فيما سبق ذكر الشرك فالتوبة هنا التلبس بالإيمان ، ~~والإيمان بعد الكفر يوجب عدم المؤاخدة كما اقترفه المشرك في مدة شركه كما ~~في الحديث ( الإسلام يجب ما قبله ) ، ولذلك فعطف { وآمن } على { من تاب } ~~للتنويه بالإيمان ، وليبنى عليه قوله : { وعمل عملا صالحا } وهو شرائع ~~الإسلام تحريضا على الصالحات وإيماء إلى أنها لا يعتد بها إلا مع الإيمان ~~كما قال تعالى في سورة البلد ( 17 ) { ثم كان من الذين آمنوا ، وقال في ~~عكسه والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم ~~يجده شيئا } ( النور : 39 ) . # وقتل النفس الواقع في مدة الشرك يجبه إيمان القاتل لأجل مزية الإيمان ، ~~والإسلام يجب ما قبله بلا خلاف ، وإنما الخلاف الواقع بين السلف في صحة ~~توبة القاتل إنما هو في المؤمن القاتل مؤمنا متعمدا . ولما كان مما تشمله ~~هذه الآية لأن سياقها في الثناء على المؤمنين فقد دلت الآية ms5814 على أن التوبة ~~تمحو آثام كل ذنب من هذه الذنوب المعدودة ومنها قتل النفس بدون حق وهو ~~المعروف من عمومات الكتاب والسنة . وقد تقدم ذلك مفصلا في سورة النساء ( 93 ~~) عند قوله تعالى : { ومن يقتل مؤمنا متعمدا الآية . # وفرع على الاستثناء الذين تابوا وآمنوا وعملوا عملا صالحا أنهم يبدل الله ~~سيئاتهم حسنات ، وهو كلام مسوق لبيان فضل التوبة المذكورة التي هي الإيمان ~~بعد الشرك لأن من تاب } مستثنى من { من يفعل ذلك } ( الفرقان : 68 ) فتعين ~~أن السيئات المضافة إليهم هي السيئات المعروفة ، أي التي تقدم ذكرها ، ~~الواقعة منهم في زمن شركهم . # والتبديل : جعل شيء بدلا عن شيء آخر ، وتقدم عند قوله تعالى : { ثم بدلنا ~~مكان السيئة الحسنة في سورة الأعراف ( 95 ) ، أي يجعل الله لهم حسنات كثيرة ~~عوضا عن تلك السيئات التي اقترفوها قبل التوبة وهذا التبديل جاء مجملا وهو ~~PageV19P076 تبديل يكون له أثر في الآخرة بأن يعوضهم عن جزاء السيئات ثواب ~~حسنات أضداد تلك السيئات ، وهذا لفضل الإيمان بالنسبة للشرك ولفضل التوبة ~~بالنسبة للآثام الصادرة من المسلمين . # وبه يظهر موقع اسم الإشارة في قوله : فأولئك } المفيد التنبيه على أنهم ~~أحرياء بما أخبر عنهم به بعد اسم الإشارة لأجل ما ذكر من الأوصاف قبل اسم ~~الإشارة ، أي فأولئك التائبون المؤمنون العاملون الصالحات في الإيمان يبدل ~~الله عقاب سيئاتهم التي اقترفوها من الشرك والقتل والزنا بثواب . ولم تتعرض ~~الآية لمقدار الثواب وهو موكول إلى فضل الله ، ولذلك عقب هذا بقوله : { ~~وكان الله غفورا رحيما } المقتضي أنه عظيم المغفرة . # # | 2 ( 71 ) { ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا } . ) 2 # إذا وقع الإخبار عن شيء أو توصيف له أو حالة منه بمرادف لما سبق مثله في ~~المعنى دون زيادة تعين أن يكون الخبر الثاني مستعملا في شيء من لوازم معنى ~~الإخبار يبينه المقام ، كقول أبي الطمحان لقيني : # وإني من القوم الذين هم هم # وقول أبي النجم : # أنا أبو النجم وشعري شعري # وقول النبي صلى الله عليه وسلم ( من رآني في المنام ms5815 فقد رآني ) . فقوله ~~تعالى هنا : { ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا } وقع الإخبار ~~عن التائب بأنه تائب إذ المتاب مصدر ميمي بمعنى التوبة فيتعين أن يصرف إلى ~~معنى مفيد ، فيجوز أن يكون المقصود هو قوله : { إلى الله } فيكون كناية عن ~~عظيم ثوابه . # ويجوز أن يكون المقصود ما في المضارع من الدلالة على التجدد ، أي فإنه ~~PageV19P077 يستمر على توبته ولا يرتد على عقبيه فيكون وعدا من الله تعالى ~~أن يثبته على القول الثابت إذا كان قد تاب وأيد توبته بالعمل الصالح . # ويجوز أن يكون المقصود ما للمفعول المطلق من معنى التأكيد ، أي من تاب ~~وعمل صالحا فإن توبته هي التوبة الكاملة الخالصة لله على حد قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم ( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى ، فمن كانت ~~هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته إلى دنيا ~~يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه ) فيكون كقوله تعالى : { ~~يأيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا } ( التحريم : 8 ) . وذكر ~~المفسرون احتمالات أخرى بعيدة . # والتوكيد ب ( إن ) على التقادير كلها لتحقيق مضمون الخبر . # # | 2 ( 72 ) { والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما } . ) ~~2 # أتبع خصال المؤمنين الثلاث التي هي قوام الإيمان بخصال أخرى من خصالهم هي ~~من كمال الإيمان ، والتخلق بفضائله ، ومجانبة أحوال أهل الشرك . وتلك ثلاث ~~خصال أولاها أفصح عنه قوله هنا { والذين لا يشهدون الزور } الآية . # وفعل ( شهد ) يستعمل بمعنى ( حضر ) وهو أصل إطلاقه كقوله تعالى : { فمن ~~شهد منكم الشهر فليصمه } ( البقرة : 185 ) ، ويستعمل بمعنى أخبر عن شيء ~~شهده وعلمه كقوله تعالى : { وشهد شاهد من أهلها } ( يوسف : 26 ) . # والزور : الباطل من قول أو فعل وقد غلب على الكذب . وقد تقدم في أول ~~السورة فيجوز أن يكون معنى الآية : أنهم لا يحضرون محاضر الباطل التي كان ~~يحضرها المشركون وهي مجالس اللهو والغناء والغيبة ونحوها ، وكذلك أعياد ~~المشركين وألعابهم ، فيكون الزور مفعولا به ل { يشهدون } . وهذا ثناء على ~~المؤمنين ms5816 بمقاطعة المشركين وتجنبهم . فأما شهود مواطن عبادة الأصنام فذلك ~~قد دخل في قوله : { والذين لا يدعون مع الله إلها آخر } ( الفرقان : 68 ) . ~~وفي معنى هذه الآية قوله في سورة الأنعام ( 68 ) { وإذا رأيت الذين يخوضون ~~في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا ~~تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين ويجوز أن PageV19P078 يكون فعل يشهدون } ~~بمعنى الإخبار عما علموه ويكون الزور منصوبا على نزع الخافض ، أي لا يشهدون ~~بالزور ؛ أو مفعولا مطلقا لبيان نوع الشهادة ، أي لا يشهدون شهادة هي زور ~~لا حق . # وقوله : { وإذا مروا باللغو مروا كراما } مناسب لكلا الجملتين . # واللغو : الكلام العبث والسفه الذي لا خير فيه . وتقدم في قوله تعالى : { ~~لا يسمعون فيها لغوا } في سورة مريم ( 62 ) . ومعنى المرور به المرور ~~بأصحابه اللاغين في حال لغوهم ، فجعل المرور بنفس اللغو للإشارة إلى أن ~~أصحاب اللغو متلبسون به وقت المرور . # ومعنى : { مروا كراما } أنهم يمرون وهم في حال كرامة ، أي غير متلبسين ~~بالمشاركة في اللغو فيه فإن السفهاء إذا مروا بأصحاب اللغو أنسوا بهم ~~ووقفوا عليهم وشاركوهم في لغوهم فإذا فعلوا ذلك كانوا في غير حال كرامة . # والكرامة : النزاهة ومحاسن الخلال ، وضدها اللؤم والسفالة . وأصل الكرامة ~~أنها نفاسة الشيء في نوعه قال تعالى : { أنبتنا فيها من كل زوج كريم } ( ~~الشعراء : 7 ) . وقال بعض شعراء حمير في ( الحماسة ) : # ولا يخيم اللقاء فارسهم # حتى يشق الصفوف من كرمه # أي شجاعته ، وقال تعالى : { وأعد لهم أجرا كريما } ( الأحزاب : 44 ) . # وإذا مر أهل المروءة على أصحاب اللغو تنزهوا عن مشاركتهم وتجاوزوا ناديهم ~~فكانوا في حال كرامة ، وهذا ثناء على المؤمنين بترفعهم على ما كانوا عليه ~~في الجاهلية كقوله تعالى : { وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا } ( ~~الأنعام : 70 ) ، وقوله : { وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا ~~أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين } ( القصص : 55 ) . # وإعادة فعل { مروا } لبناء الحال عليه ، وذلك من محاسن الاستعمال ، كقول ~~الأحوص : # فإذا تزول تزول عن متخمط # تخشى بوادره على الأقران ms5817 PageV19P079 # ومنه قوله تعالى : { ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا } ( ~~القصص : 63 ) كما ذكره ابن جني في ( شرح مشكل أبيات الحماسة ) ، وقد تقدم ~~عند قوله تعالى : { صراط الذين أنعمت عليهم } ( الفاتحة : 7 ) . # # | 2 ( 73 ) { والذين إذا ذكروا بئايات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا } ~~. ) 2 # أريد تمييز المؤمنين بمخالفة حالة هي من حالات المشركين وتلك هي حالة ~~سماعهم دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم وما تشتمل عليه من آيات القرآن وطلب ~~النظر في دلائل الوحدانية ، فلذلك جيء بالصلة منفية لتحصيل الثناء عليهم مع ~~التعريض بتفظيع حال المشركين فإن المشركين إذا ذكروا بآيات الله خروا صما ~~وعميانا كحال من لا يحب أن يرى شيئا فيجعل وجهه على الأرض ، فاستعير الخرور ~~لشدة الكراهية والتباعد بحيث إن حالهم عند سماع القرآن كحال الذي يخر إلى ~~الأرض لئلا يرى ما يكره بحيث لم يبق له شيء من التقوم والنهوض ، فتلك حالة ~~هي غاية في نفي إمكان القبول . # ومنه استعارة القعود للتخلف عن القتال ، وفي عكس ذلك يستعار الإقبال ~~والتلقي والقيام للاهتمام بالأمر والعناية به . # ويجوز أن يكون الخرور واقعا منهم أو من بعضهم حقيقة لأنهم يكونون جلوسا ~~في مجتمعاتهم ونواديهم فإذا دعاهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام ~~طأطأوا رؤوسهم وقربوها من الأرض لأن ذلك للقاعد يقوم مقام الفرار ، أو ستر ~~الوجه كقول أعرابي يهجو قوما من طيء ، أنشده المبرد : # إذا ما قيل أيهم لأي # تشابهت المناكب والرؤوس # وقريب من هذا المعنى قوله تعالى حكاية في سورة نوح ( 7 ) { واستغشوا ~~ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا } . وتقدم الخرور الحقيقي في قوله تعالى ~~: { يخرون للأذقان سجدا } في سورة الإسراء ( 107 ) ، وقوله : { فخر عليهم ~~السقف من فوقهم } ( النحل : 26 ) وقوله : { وخر موسى صعقا في الأعراف ( 143 ~~) . PageV19P080 # وصما وعميانا } حالان من ضمير { يخروا } ، مراد بهما التشبيه بحذف حرف ~~التشبيه ، أي يخرون كالصم والعميان في عدم الانتفاع بالمسموع من الآيات ~~والمبصر منها مما يذكرون به . فالنفي على هذا منصب إلى الفعل وإلى قيده ، ~~وهو استعمال كثير في الكلام . وهذا ms5818 الوجه أوجه . # ويجوز أن يكون توجه النفي إلى القيد كما هو استعمال غالب وهو مختار صاحب ~~( الكشاف ) ، فالمعنى : لم يخروا عليها في حالة كالصمم والعمى ولكنهم يخرون ~~عليها سامعين مبصرين فيكون الخرور مستعارا للحرص على العمل بشراشر القلب ، ~~كما يقال : أكب على كذا ، أي صرف جهده فيه ، فيكون التعريض بالمشركين في ~~أنهم يصمون ويعمون عن الآيات ومع ذلك يخرون على تلقيها تظاهرا منهم بالحرص ~~على ذلك . وهذا الوجه ضعيف لأنه إنما يليق لو كان المعرض بهم منافقين ، ~~وكيف والسورة مكية فأما المشركون فكانوا يعرضون عن تلقي الدعوة علنا ، قال ~~تعالى : { وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون ~~} ( فصلت : 26 ) . وقال : { وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي ~~آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب } ( فصلت : 5 ) . # # | 2 ( 74 ) { والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين ~~واجعلنا للمتقين إماما } . ) 2 # هذه صفة ثالثة للمؤمنين بأنهم يعنون بانتشار الإسلام وتكثير أتباعه ~~فيدعون الله أن يرزقهم أزواجا وذريات تقر بهم أعينهم ، فالأزواج يطعنهم ~~باتباع الإسلام وشرائعه ؛ فقد كان بعض أزواج المسلمين مخالفات أزواجهم في ~~الدين ، والذريات إذا نشأوا نشأوا مؤمنين ، وقد جمع ذلك لهم في صفة { قرة ~~أعين } . فإنها جامعة للكمال في الدين واستقامة الأحوال في الحياة إذ لا ~~تقر عيون المؤمنين إلا بأزواج وأبناء مؤمنين . وقد نهى الله المسلمين عن ~~إبقاء النساء الكوافر في العصمة بقوله : { ولا تمسكوا بعصم الكوافر } ( ~~الممتحنة : 10 ) ، وقال : { والذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني أن أخرج } ~~( الأحقاف : 17 ) الآية . فمن أجل ذلك جعل دعاؤهم هذا من أسباب جزائهم ~~بالجنة وإن كان فيه حظ لنفوسهم بقرة أعينهم إذ لا يناكد حظ النفس حظ الدين ~~في أعمالهم ، كما في قول عبد الله ابن رواحة وهو خارج إلى غزوة مؤتة ، فدعا ~~له المسلمون ولمن معه أن يردهم الله سالمين فقال : PageV19P081 # لكنني أسأل الرحمان مغفرة # وضربة ذات فرغ تقذف الزبدا # أو طعنة بيدي حران مجهزة # بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا # حتى يقولوا إذا مروا على ms5819 جدثي # أرشدك الله من غاز وقد رشدا # فإن في قوله : حتى يقولوا ، حظا لنفسه من حسن الذكر وإن كان فيه دعاء له ~~بالرشد وهو حظ ديني أيضا ، وقوله : وقد رشد ، حسن ذكر محض . وفي كتاب ( ~~الجامع ) من ( جامع العتبية ) من أحاديث ابن وهب قال مالك : رأيت رجلا يسأل ~~ربيعة يقول : إني لأحب أن أرى رائحا إلى المسجد ، فكأنه كره من قوله ولم ~~يعجبه أن يحب أحد أن يرى في شيء من أعمال الخير . وقال ابن رشد في ( شرحه ) ~~: وهذا خلاف قول مالك في رسم العقول من سماع أشهب من كتاب الصلاة : إنه لا ~~بأس بذلك إذا كان أوله لله ( أي القصد الأول من العمل لله ) . وقال ابن رشد ~~في موضع آخر من ( شرحه ) قال الله تعالى : { وألقيت عليك محبة مني } ( طه : ~~39 ) ، وقال : { واجعل لي لسان صدق في الآخرين } ( الشعراء : 84 ) . وقال ~~الشاطبي في ( الموافقات ) : ( عد مالك ذلك من قبيل الوسوسة ، أي أن الشيطان ~~باقي للإنسان إذا سره مرأى الناس له على الخير فيقول لك : إنك لمراء . وليس ~~كذلك وإنما هو أمر يقع في قلبه لا يملك ) اه . # وفي ( المعيار ) عن كتاب ( سراج المريدين ) لأبي بكر بن العربي قال : ~~سألت شيخنا أبا منصور الشيرازي الصوفي عن قوله تعالى : { إلا الذين تابوا ~~وأصلحوا وبينوا } ( البقرة : 160 ) ما بينوا ؟ قال : أظهروا أفعالهم للناس ~~بالصلاح والطاعات . # قال الشاطبي : وهذا الموضع محل اختلاف إذا كان القصد المذكور تابعا لقصد ~~العبادة . وقد التزم الغزالي فيها وفي أشباهها أنها خارجة عن الإخلاص لكن ~~بشرط أن يصير العمل أخف عليه بسبب هذه الأغراض . وأما ابن العربي فذهب إلى ~~خلاف ذلك وكأن مجال النظر يلتفت إلى انفكاك القصدين ، على أن القول بصحة ~~الانفكاك فيما يصح فيه الانفكاك أوجه لما جاء من الأدلة على ذلك ، إلى آخره ~~. PageV19P082 # و { من } في قوله : { من أزواجنا } للابتداء ، أي اجعل لنا قرة أعين تنشأ ~~من أزواجنا وذرياتنا . # وقرأ الجمهور : { وذرياتنا } جمع ذرية ، والجمع مراعى فيه التوزيع على ~~الطوائف من الذين يدعون بذلك ، وإلا ms5820 فقد يكون لأحد الداعين ولد واحد . ~~وقرأه أبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم ويعقوب وخلف و { ذريتنا } ~~بدون ألف بعد التحتية ، ويستفاد معنى الجمع من الإضافة إلى ضمير { الذين ~~يقولون } ، أي ذرية كل واحد . # والأعين : هي أعين الداعين ، أي قرة أعين لنا . وإذ قد كان الدعاء صادرا ~~منهم جميعا اقتضى ذلك أنهم يريدون قرة أعين جميعهم . # وكما سألوا التوفيق والخير لأزواجهم وذرياتهم سألوا لأنفسهم بعد أن وفقهم ~~الله إلى الإيمان أن يجعلهم قدوة يقتدي بهم المتقون . وهذا يقتضي أنهم ~~يسألون لأنفسهم بلوغ الدرجات العظيمة من التقوى فإن القدوة يجب أن يكون ~~بالغا أقصى غاية العمل الذي يرغب المهتمون به الكمال فيه . وهذا يقتضي أيضا ~~أنهم يسألون أن يكونوا دعاة للدخول في الإسلام وأن يهتدي الناس إليه ~~بواسطتهم . # والإمام أصله : المثال والقالب الذي يصنع على شكله مصنوع من مثله ، قال ~~النابغة : # أبوه قبله وأبو أبيه # بنوا مجد الحياة على إمام # وأطلق الإمام على القدوة تشبيها بالمثال والقالب ، وغلب ذلك فصار الإمام ~~بمعنى القدوة . وقد تقدم في قوله تعالى : { قال إني جاعلك للناس إماما في ~~سورة البقرة ( 124 ) . ووقع الإخبار بإماما } وهو مفرد عن ضمير جماعة ~~المتكلمين لأن المقصود أن يكون كل واحد منهم إماما يقتدى به ، فالكلام على ~~التوزيع ، أو أريد من إمام معناه الحقيقي وجرى الكلام على التشبيه البليغ . ~~وقيل إمام جمع ، مثل هجان وصيام ومفرده : إم . # PageV19P083 # | 2 ( 75 ، 76 ) { أولائك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية ~~وسلاما * خالدين فيها حسنت مستقرا ومقاما } . ) 2 # التصدير باسم الإشارة للتنبيه على أن ما يرد بعده كانوا أحرياء به لأجل ~~ما ذكر قبل اسم الإشارة . وتلك مجموع إحدى عشرة خصلة وهي : التواضع ، ~~والحلم ، والتهجد ، والخوف ، وترك الإسراف ، وترك الإقتار ، والتنزه عن ~~الشرك ، وترك الزنا ، وترك قتل النفس ، والتوبة ، وترك الكذب ، والعفو عن ~~المسيء ، وقبول دعوة الحق ، وإظهار الاحتياج إلى الله بالدعاء . واسم ~~الإشارة هو الخبر عن قوله { وعباد الرحمن } ( الفرقان : 63 ) كما تقدم على ~~أرجح الوجهين . # و { الغرفة } : البيت المعتلي ms5821 يصعد إليه بدرج وهو أعز منزلا من البيت ~~الأرضي . والتعريف في الغرفة تعريف الجنس فيستوي فيه المفرد والجمع مثل ~~قوله تعالى : { وأنزلنا معهم الكتاب } ( الحديد : 25 ) فالمعنى : يجزون ~~الغرف ، أي من الجنة ، قال تعالى : { وهم في الغرفات آمنون } ( سبأ : 37 ) ~~. # والباء للسببية . و ( ما ) مصدرية في قوله : { بما صبروا } ، أي بصبرهم ~~وهو صبرهم على ما لقوا من المشركين من أذى ، وصبرهم على كبح شهواتهم لأجل ~~إقامة شرائع الإسلام ، وصبرهم على مشقة الطاعات . # وقرأ الجمهور : { ويلقون } بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف المفتوحة ~~مضارع لقاه إذا جعله لاقيا . وقرأه حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم وخلف { ~~ويلقون } بفتح الياء وسكون اللام وتخفيف القاف المفتوحة مضارع لقي . واللقي ~~واللقاء : استقبال شيء ومصادفته ، وتقدم في قوله تعالى : { واتقوا الله ~~واعلموا أنكم ملاقوه في سورة البقرة ( 223 ) ، وفي قوله : يأيها الذين ~~آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا في سورة الأنفال ( 15 ) ، وتقدم قريبا ~~قوله تعالى : ومن يفعل ذلك يلق أثاما } ( الفرقان : 68 ) . # وقد استعير اللقي لسماع التحية والسلام ، أي أنهم يسمعون ذلك في الجنة من ~~غير أن يدخلوا على بأس أو يدخل عليهم بأس بل هم مصادفون تحية إكرام وثناء ~~مثل تحيات العظماء والملوك التي يرتلها الشعراء والمنشدون . PageV19P084 # ويجوز أن يكون إطلاق اللقي لسماع ألفاظ التحية والسلام لأجل الإيماء إلى ~~أنهم يسمعون التحية من الملائكة يلقونهم بها ، فهو مجاز بالحذف قال تعالى : ~~{ وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون } في سورة الأنبياء ( 103 ~~) . # وقوله : { حسنت مستقرا ومقاما } هو ضد ما قيل في المشركين { إنها ساءت ~~مستقرا ومقاما } ( الفرقان : 66 ) . والتحية تقدمت في قوله : { وإذا حييتم ~~بتحية } في سورة النساء ( 86 ) ، وفي قوله : { وتحيتهم فيها سلام } في سورة ~~يونس ( 10 ) ، وقوله : { تحية من عند الله مباركة طيبة } في آخر النور ( 61 ~~) . # # | 2 ( 77 ) { قل ما يعبؤا بكم ربى لولا دعآؤكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاما ~~} . ) 2 # لما استوعبت السورة أغراض التنويه بالرسالة والقرآن ، وما تضمنته من ~~توحيد الله ، ومن صفة كبرياء المعاندين وتعللاتهم ، وأحوال المؤمنين ms5822 ، ~~وأقيمت الحجج الدامغة للمعرضين ، ختمت بأمر الله رسوله عليه الصلاة والسلام ~~أن يخاطب المشركين بكلمة جامعة يزال بها غرورهم وإعجابهم بأنفسهم وحسبانهم ~~أنهم قد شفوا غليلهم من الرسول بالإعراض عن دعوته وتوركهم في مجادلته ؛ ~~فبين لهم حقارتهم عند الله تعالى وأنه ما بعث إليهم رسوله وخاطبهم بكتابه ~~إلا رحمة منه بهم لإصلاح حالهم وقطعا لعذرهم فإذ كذبوا فسوف يحل بهم العذاب ~~. # و { ما } من قوله : { ما يعبؤا بكم } نافية . وتركيب : ما يعبأ به ، يدل ~~على التحقير ، وضده عبأ به يفيد الحفاوة . # ومعنى { ما يعبأ } : ما يبالي وما يهتم ، وهو مضارع عبأ مثل : ملأ يملأ ~~مشتق من العبء بكسر العين وهو الحمل بكسر الحاء وسكون الميم ، أي الشيء ~~الثقيل الذي يحمل على البعير ولذلك يطلق العبء على العدل بكسر فسكون ، ثم ~~تشعبت عن هذا إطلاقات كثيرة . فأصل { ما يعبأ } : ما يحمل عبئا ، تمثيلا ~~بحالة المتعب من الشيء ، فصار المقصود : ما يهتم وما يكترث ، وهو كناية عن ~~قلة العناية . PageV19P085 # والباء فيه للسببية ، أي بسببكم وهو على حذف مضاف يدل عليه مقام الكلام . ~~فالتقدير هنا : ما يعبأ بخطابكم . # والدعاء : الدعوة إلى شيء ، وهو هنا مضاف إلى مفعوله ، والفاعل يدل عليه ~~{ ربي } أي لولا دعاؤه إياكم ، أي لولا أنه يدعوكم . وحذف متعلق الدعاء ~~لظهوره من قوله : { فقد كذبتم } ، أي الداعي وهو محمد صلى الله عليه وسلم ~~فتعين أن الدعاء الدعوة إلى الإسلام . والمعنى : أن الله لا يلحقه من ذلك ~~انتفاع ولا اعتزاز بكم . وهذا كقوله تعالى : { وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون } ( الذاريات : 56 ، 57 ) ~~. # وضمير الخطاب في قوله : { دعاؤكم } موجه إلى المشركين بدليل تفريع { فقد ~~كذبتم } عليه وهو تهديد لهم ، أي فقد كذبتم الداعي وهو الرسول عليه الصلاة ~~والسلام . وهذا التفسير هو الذي يقتضيه المعنى ، ويؤيده قول مجاهد والكلبي ~~والفراء . وقد فسر بعض المفسرين الدعاء بالعبادة فجعلوا الخطاب موجها إلى ~~المسلمين فترتب على ذلك التفسير تكلفات وقد أغنى عن التعرض إليها اعتماد ~~المعنى الصحيح ms5823 فمن شاء فلينظرها بتأمل ليعلم أنها لا داعي إليها . # وتفريع { فقد كذبتم } على قوله : { لولا دعاؤكم } ، والتقدير : فقد دعاكم ~~إلى الإسلام فكذبتم الذي دعاكم على لسانه . # والضمير في { يكون } عائد إلى التكذيب المأخوذ من { كذبتم } ، أي سوف ~~يكون تكذيبهم لزاما لكم ، أي لازما لكم لا انفكاك لكم منه . وهذا تهديد ~~بعواقب التكذيب تهديدا مهولا بما فيه من الإبهام كما تقول للجاني : قد فعلت ~~كذا فسوف تتحمل ما فعلت . ودخل في هذا الوعيد ما يحل بهم في الدنيا من قتل ~~وأسر وهزيمة وما يحل بهم في الآخرة من العذاب . # واللزام : مصدر لازم ، وقد صيغ على زنة المفاعلة لإفادة اللزوم ، أي عدم ~~المفارقة ، قال تعالى : { ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما في سورة طه ( ~~129 ) . والضمير المستتر في ( كان ) عائد إلى عذاب الآخرة في قوله : ولعذاب ~~الآخرة أشد وأبقى } ( طه : 127 ) ، فالإخبار باللزام من باب الإخبار ~~بالمصدر للمبالغة . وقد اجتمع فيه PageV19P086 مبالغتان : مبالغة في صيغته ~~تفيد قوة لزومه ، ومبالغة في الإخبار به تفيد تحقيق ثبوت الوصف . # وعن ابن مسعود وأبي بن كعب : اللزام : عذاب يوم بدر . ومرادهما بذلك أنه ~~جزئي من جزئيات اللزام الموعود لهم . ولعل ذلك شاع حتى صار اللزام كالعلم ~~بالغلبة على يوم بدر . وفي الصحيح عن ابن مسعود : خمس قد مضين : الدخان ~~والقمر ، والروم ، والبطشة ، واللزام ، يعني أن اللزام غير عذاب الآخرة . # # PageV19P087 PageV19P088 # | 1 ( سورة الشعراء ) 1 # اشتهرت عند السلف بسورة الشعراء ؛ لأنها تفردت من بين سورة القرآن بذكر ~~كلمة الشعراء . وكذلك جاءت تسميتها في كتب السنة . وتسمى أيضا سورة طسم . # وفي ( أحكام ابن العربي ) أنها تسمى أيضا الجامعة ، ونسبه ابن كثير ~~والسيوطي في ( الإتقان ) إلى تفسير مالك المروي عنه . ولم يظهر وجه وصفها ~~بهذا الوصف . ولعلها أول سورة جمعت ذكر الرسل أصحابب الشرائع المعلومة إلى ~~الرسالة المحمدية . # وهي مكية ، فقيل جميعها مكي ، وهو المروي عن ابن الزبير . ورواية عن ابن ~~عباس ونسبه ابن عطية إلى الجمهور . وروي عن ابن عباس أن قوله تعالى : { ~~والشعراء يتبعهم الغاوون } ( الشعراء : 224 ms5824 ) إلى آخر السورة نزل بالمدينة ~~لذكر شعراء رسول الله صلى الله عليه وسلم حسانن بن ثابت وابنن رواحة وكعبب ~~بن مالك وهم المعني بقوله : { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } ( الشعراء ~~: 227 ) الآية . ولعل هذه الآية هي التي أقدمت هؤلاء على القول بأن تلك ~~الآيات مدنية . وعن الداني قال : نزلت { والشعراء يتبعهم الغاوون } ( ~~الشعراء : 224 ) في شاعرين تهاجيا في الجاهلية . # وأقول : كان شعراء بمكة يهجون النبي صلى الله عليه وسلم منهم النضر بن ~~الحارث ، والعوراء بنت حرب زوج أبي لهب ونحوهما ، وهم المراد بآيات { ~~والشعراء يتبعهم الغاوون } . وكان شعراء المدينة قد أسلموا قبل الهجرة ، ~~وكان في مكة شعراء مسلمون من الذين هاجروا إلى الحبشة كما سيأتي . ~~PageV19P089 # وعن مقاتل : أن قوله تعالى : { أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماؤا بني ~~إسرائيل } ( الشعراء : 197 ) نزل بالمدينة . وكان الذي دعاه إلى ذلك أن ~~مخالطة علماء بني إسرائيل كانت بعد الهجرة . ولا يخفى أن الحجة لا تتوقف ~~على وقوع مخالطة علماء بني إسرائيل ؛ فقد ذكر القرآن مثل هذه الحجة في آيات ~~نزلت بمكة ، من ذلك قوله : { قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم ~~الكتاب في سورة الرعد ( 43 ) وهي مكية ، وقوله : الذين آتيناهم الكتاب من ~~قبله هم به يؤمنون } في سورة القصص ( 52 ) وهي مكية ، وقوله : { وكذلك ~~أنزلنا إليك الكتاب فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به في سورة العنكبوت ( 47 ~~) وهي مكية . وشأن علماء بني إسرائيل مشهور بمكة وكان لأهل مكة صلات مع ~~اليهود بالمدينة ومراجعة بينهم في شأن بعثة محمد كما تقدم عند قوله تعالى : ~~ويسألونك عن الروح } في سورة الإسراء ( 85 ) ، ولذا فالذي نوقن به أن ~~السورة كلها مكية . # وهي السورة السابعة والأربعون في عداد نزول السور نزلت بعد سورة الواقعة ~~وقبل سورة النمل . وسيأتي في تفسير قوله تعالى : { وأنذر عشيرتك الأقربين } ~~( الشعراء : 214 ) ما يقتضي أن تلك الآية نزلت قبل نزول سورة أبي لهب ~~وتعرضنا لإمكان الجمع بين الأقوال . # وقد جعل أهل المدينة وأهل مكة وأهل البصرة عدد آيها مائتين ms5825 وستا وعشرين ، ~~وجعله أهل الشام وأهل الكوفة مائتين وسبعا وعشرين . # الأغراض التي اشتملت عليها # أولها التنويه بالقرآن ، والتعريض بعجزهم عن معارضته ، وتسلية النبي صلى ~~الله عليه وسلم على ما يلاقيه من إعراض قومه عن التوحيد الذي دعاهم إليه ~~القرآن . # وفي ضمنه تهديدهم على تعرضهم لغضب الله تعالى ، وضرب المثل لهم بما حل ~~بالأمم المكذبة رسلها والمعرضة عن آيات الله . # وأحسب أنها نزلت إثر طلب المشركين أن يأتيهم الرسول بخوارق ، فافتتحت ~~بتسلية النبي صلى الله عليه وسلم وتثبيت له ورباطة لجأشه بأن ما يلاقيه من ~~قومه هو سنة PageV19P090 الرسل من قبله مع أقوامهم مثل موسى وإبراهيم ونوح ~~وهود وصالح ولوط وشعيب ؛ ولذلك ختم كل استدلال جيء به على المشركين ~~المكذبين بتذييل واحد هو قوله : { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين ~~وإن ربك لهو العزيز الرحيم } ( الشعراء : 190 ، 191 ) تسجيلا عليهم بأن ~~آيات الوحدانية وصدق الرسل عديدة كافية لمن يتطلب الحق ولكن أكثر المشركين ~~لا يؤمنون وأن الله عزيز قادر على أن ينزل بهم العذاب وأنه رحيم برسله ~~فناصرهم على أعدائهم . # قال في ( الكشاف ) : كل قصة من القصص المذكورة في هذه السورة كتنزيل ~~برأسه . وفيها من الاعتبار ما في غيرها ، فكانت كل واحدة منها تدلي بحق في ~~أن تختم بما اختتمت به صاحبتها ، ولأن في التكرير تقريرا للمعاني في الأنفس ~~وكلما زاد ترديده كان أمكن له في القلب وأرسخ في الفهم وأبعد من النسيان ، ~~ولأن هذه القصص طرقت بها آذان وقرت عن الإنصات للحق فكوثرت بالوعظ والتذكير ~~وروجعت بالترديد والتكرير لعل ذلك يفتح أذنا أو يفتق ذهنا اه . # ثم التنويه بالقرآن ، وشهادة أهل الكتاب له ، والرد على مطاعنهم في ~~القرآن وجعله عضين ، وأنه منزه عن أن يكون شعرا ومن أقوال الشياطين ، وأمر ~~الرسول صلى الله عليه وسلم بإنذار عشيرته ، وأن الرسول ما عليه إلا البلاغ ~~، وما تخلل ذلك من دلائل . # $ 2 ( 1 ) { طس & # 1764 م & # 1764 } . ) 2 $ # يأتي في تفسيره من التأويلات ما سبق ذكره في جميع الحروف المقطعة في ms5826 ~~أوائل السور في معان متماثلة . وأظهر تلك المعاني أن المقصود التعريض ~~بإلهاب نفوس المنكرين لمعارضة بعض سور القرآن بالإتيان بمثله في بلاغته ~~وفصاحته وتحديهم بذلك والتورك عليهم بعجزهم عن ذلك . # وعن ابن عباس : أن { طسم } قسم ، وهو اسم من أسماء الله تعالى ، والمقسم ~~عليه قوله : { إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية } ( الشعراء : 4 ) . فقال ~~القرظي : أقسم الله بطوله وسنائه وملكه . وقيل الحروف مقتضبة من أسماء الله ~~تعالى ذي الطول ، القدوس ، الملك . وقد علمت في أول سورة البقرة أنها حروف ~~للتهجي واستقصاء في PageV19P091 التحدي يعجزهم عن معارضة القرآن ، وعليه ~~تظهر مناسبة تعقيبه بآية { تلك آيات الكتاب المبين } ( الشعراء : 2 ) . # والجمهور قرأوا : { طسم } كلمة واحدة ، وأدغموا النون من سين في الميم ~~وقرأ حمزة بإظهار النون . وقرأ أبو جعفر حروفا مفككة ، قالوا وكذلك هي ~~مرسومة في مصحف ابن مسعود حروفا مفككة ( ط س م ) . # والقول في عدم مد اسم ( طا ) مع أن أصله مهموز الآخر لأنه لما كان قد عرض ~~له سكون السكت حذفت همزته كما تحذف للوقف ، كما تقدم في عدم مد ( را ) في ( ~~الر ) في سورة يونس ( 1 ) . # # | 2 ( 2 ) { تلك ءايات الكتاب المبين } . ) 2 # الإشارة إلى الحاضر في الأذهان من آيات القرآن المنزل من قبل ، وبينه ~~الإخبار عن اسم الإشارة بأنها آيات الكتاب . # ومعنى الإشارة إلى آيات القرآن قصد التحدي بأجزائه تفصيلا كما قصد التحدي ~~بجميعه إجمالا . والمعنى : هذه آيات القرآن تقرأ عليكم وهي بلغتكم وحروف ~~هجائها فأتوا بسورة من مثلها ودونكموها . والكاف المتصلة باسم الإشارة ~~للخطاب وهو خطاب لغير معين من كل متأهل لهذا التحدي من بلغائهم . # و { المبين } الظاهر ، وهو من أبان مرادف بان ، أي تلك آيات الكتاب ~~الواضح كونه من عند الله لما فيه من المعاني العظيمة والنظم المعجز ، وإذا ~~كان الكتاب مبينا كانت آياته المشتمل عليها آيات مبينة على صدق الرسل بها . # ويجوز أن يكون { المبين } من أبان المتعدي ، أي الذي يبين ما فيه من ~~معاني الهدى والحق وهذا من استعمال اللفظ في معنييه كالمشترك ms5827 . # والمعنى : أن ما بلغكم وتلي عليكم هو آيات القرآن المبين ، أي البين صدقه ~~ودلالته على صدق ما جاء به ما لا يجحده إلا مكابر . # PageV19P092 # | 2 ( 3 ) { لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين } . ) 2 # حول الخطاب من توجيهه إلى المعاندين إلى توجيهه للرسول عليه الصلاة ~~والسلام . والكلام استئناف بياني جوابا عما يثيره مضمون قوله : { تلك آيات ~~الكتاب المبين } ( الشعراء : 2 ) من تساؤل النبي صلى الله عليه وسلم في ~~نفسه عن استمرار إعراض المشركين عن الإيمان وتصديق القرآن كما قال تعالى : ~~{ فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا } ( الكهف : 6 ~~) ، وقوله : { فلا تذهب نفسك عليهم حسرات } ( فاطر : 8 ) . # و ( لعل ) إذا جاءت في ترجي الشيء المخوف سميت إشفاقا وتوقعا . وأظهر ~~الأقوال أن الترجي من قبيل الخبر ، وأنه ليس بإنشاء مثل التمني . # والترجي مستعمل في الطلب ، والأظهر أنه حث على ترك الأسف من ضلالهم على ~~طريقة تمثيل شأن المتكلم الحاث على الإقلاع بحال من يستقرب حصول هلاك ~~المخاطب إذا استمر على ما هو فيه من الغم . # والباخع : القاتل . وحقيقة البخع إعماق الذبح . يقال : بخع الشاة ، قال ~~الزمخشري : إذا بلغ بالسكين البخاع بالموحدة المكسورة وهو عرق مستبطن ~~الفقار ، كذا قال في ( الكشاف ) هنا وذكره أيضا في ( الفائق ) . وقد تقدم ~~ما فيه عند قوله تعالى : { فلعلك باخع نفسك على آثارهم } في سورة الكهف ( 6 ~~) . وهو هنا مستعار للموت السريع ، والإخبار عنه ب { باخع } تشبيه بليغ . ~~وفي { باخع } ضمير المخاطب هو الفاعل . # و { أن لا يكونوا } في موضع نصب على نزع الخافض بعد ( أن ) والخافض لام ~~التعليل ، والتقدير : لأن لا يكونوا مؤمنين ، أي لانتفاء إيمانهم في ~~المستقبل ، لأن ( أن ) تخلص المضارع للاستقبال . والمعنى : أن غمك من عدم ~~إيمانهم فيما مضى يوشك أن يوقعك في الهلاك في المستقبل بتكرر الغم والحزن ، ~~كقول إخوة يوسف لأبيهم لما قال { يا أسفا على يوسف } ( يوسف : 84 ) فقالوا ~~: { تالله تفتؤ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين } ( يوسف : 85 ~~) ؛ فوزان هذا المعنى وزان معنى قوله ms5828 في سورة الكهف ( 6 ) { فلعلك باخع ~~نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا } ، فإن ( إن ) الشرطية ~~تتعلق بالمستقبل . ويجوز أن يجعل { أن لا يكونوا } في موضع PageV19P093 ~~الفاعل ل { باخع } والجملة خبر ( لعل ) . وإسناد { باخع } إلى { أن لا ~~يكونون مؤمنين } مجاز عقلي لأن عدم إيمانهم جعل سببا للبخع . # وجيء بمضارع الكون للإشارة إلى أنه لا يأسف على عدم إيمانهم ولو استمر ~~ذلك في المستقبل فيكون انتفاؤه فيما مضى أولى بأن لا يؤسف له . # وحذف متعلق { مؤمنين } ؛ إما لأن المراد مؤمنين بما جئت به من التوحيد ~~والبعث وتصديق القرآن وتصديق الرسول ، وإما لأنه أريد بمؤمنين المعنى ~~اللقبي ، أي أن لا يكونوا في عداد الفريق المعروف بالمؤمنين وهم أمة ~~الإسلام . وضمير { أن لا يكونوا } عائد إلى معلوم من المقام وهم المشركون ~~الذين دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم # وعدل عن : أن لا يؤمنوا ، إلى { أن لا يكونوا مؤمنين } لأن في فعل الكون ~~دلالة على الاستمرار زيادة على ما أفادته صيغة المضارع ، فتأكد استمرار عدم ~~إيمانهم الذي هو مورد الإقلاع عن الحزن له . وقد جاء في سورة الكهف ( 6 ) { ~~فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث } بحرف نفي الماضي ~~وهو ( لم ) لأن سورة الكهف متأخرة النزول عن سورة الشعراء فعدم إيمانهم قد ~~تقرر حينئذ وبلغ حد المأيوس منه . # وضمير { يكونوا } عائد إلى معلوم من مقام التحدي الحاصل بقوله : { طسم ~~تلك آيات الكتاب المبين } ( الشعراء : 1 ، 2 ) للعلم بأن المتحدين هم ~~الكافرون المكذبون . # # | 2 ( 4 ) { إن نشأ ننزل عليهم من السمآء ءاية فظلت أعناقهم لها خاضعين } ~~. ) 2 # استئناف بياني ناشىء عن قوله : { أن لا يكونوا مؤمنين } ( الشعراء : 3 ) ~~لأن التسلية على عدم إيمانهم تثير في النفس سؤالا عن إمهالهم دون عقوبة ~~ليؤمنوا ، كما قال موسى { ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في ~~الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على ~~قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم } ( يونس : 88 ) ، فأجيب بأن ~~الله قادر على ذلك ms5829 ، فهذا الاستئناف اعتراض بين الجملتين المعطوفة إحداهما ~~على الأخرى . PageV19P094 # ومفعول { نشأ } محذوف يدل عليه جواب الشرط على الطريقة الغالبة في حذف ~~مفعول فعل المشيئة . والتقدير : إن نشأ تنزيل آية ملجئة ننزلها . # وجيء بحرف { إن } الذي الغالب فيه أن يشعر بعدم الجزم بوقوع الشرط ~~للإشعار بأن ذلك لا يشاؤه الله لحكمة اقتضت أن لا يشاءه . # ومعنى انتفاء هذه المشيئة أن الحكمة الإلهية اقتضت أن يحصل الإيمان عن ~~نظر واختيار لأن ذلك أجدى لانتشار سمعة الإسلام في مبدإ ظهوره . فالمراد ~~بالآية العلامة التي تدل على تهديدهم بالإهلاك تهديدا محسوسا بأن تظهر لهم ~~بوارق تنذر باقتراب عذاب . وهذا من معنى قوله تعالى : { وإن كان كبر عليك ~~إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية ~~} ( الأنعام : 35 ) ، وليس المراد آيات القرآن وذلك أنهم لم يقتنعوا بآيات ~~القرآن . # وجعل تنزيل الآية من السماء حينئذ أوضح وأشد تخويفا لقلة العهد بأمثالها ~~ولتوقع كل من تحت السماء أن تصيبه . فإن قلت : لماذا لم يرهم آية كما أري ~~بنو إسرائيل نتق الجبل فوقهم كأنه ظلة ؟ قلت : كان بنو إسرائيل مؤمنين ~~بموسى وما جاء به فلم يكن إظهار الآيات لهم لإلجائهم على الإيمان ولكنه كان ~~لزيادة تثبيتهم كما قال إبراهيم { أرني كيف تحيي الموتى } ( البقرة : 260 ) ~~. # وفرع على تنزيل الآية ما هو في معنى الصفة لها وهو جملة { فظلت أعناقهم ~~لها خاضعين } بفاء التعقيب . # وعطف { فظلت } وهو ماض على المضارع قوله : { ننزل } لأن المعطوف عليه ~~جواب شرط ، فللمعطوف حكم جواب الشرط فاستوى فيه صيغة المضارع وصيغة الماضي ~~لأن أداة الشرط تخلص الماضي للاستقبال ؛ ألا ترى أنه لو قيل : إن شئنا ~~نزلنا أو إن نشأ نزلنا ، لكان سواء إذ التحقيق أنه لا مانع من اختلاف فعلي ~~الشرط والجزاء بالمضارعية والماضوية ، على أن المعطوفات يتسع فيها ما لا ~~يتسع في المعطوف عليها لقاعدة : أن يغتفر في الثواني ما لا يغتفر في ~~الأوائل ، كما في القاعدة الثامنة من الباب الثامن من ( مغني اللبيب ) ، ~~غير أن هذا ms5830 الاختلاف بين الفعلين لا يخلو من خصوصية في كلام البليغ وخاصة ~~في الكلام المعجز ، وهي هنا أمران : PageV19P095 التفنن بين الصيغتين ، ~~وتقريب زمن مضي المعقب بالفاء من زمن حصول الجزاء بحيث يكون حصول خضوعهم ~~للآية بمنزلة حصول تنزيلها فيتم ذلك سريعا حتى يخيل لهم من سرعة حصوله أنه ~~أمر مضى فلذلك قال : { فظلت } ولم يقل : فتظل . وهذا قريب من استعمال ~~الماضي في قوله تعالى : { أتى أمر الله فلا تستعجلوه } ( النحل : 1 ) ~~وكلاهما للتهديد ، ونظيره لقصد التشويق : قد قامت الصلاة . # والخضوع : التطامن والتواضع . ويستعمل في الانقياد مجازا لأن الانقياد من ~~أسباب الخضوع . وإسناد الخضوع إلى الأعناق مجاز عقلي ، وفيه تمثيل لحال ~~المنقادين الخائفين الأذلة بحال الخاضعين الذين يتقون أن تصيبهم قاصمة على ~~رؤوسهم فهم يطأطئون رؤوسهم وينحنون اتقاء المصيبة النازلة بهم . # والأعناق : جمع عنق بضمتين وقد تسكن النون وهو الرقبة ، وهو مؤنث . وقيل ~~: المضموم النون مؤنث ، والساكن النون مذكر . # ولما كانت الأعناق هي مظهر الخضوع أسند الخضوع إليها وهو في الحقيقة مما ~~يسند إلى أصحابها ومنه قوله تعالى : { وخشعت الأصوات للرحمان } ( طه : 108 ~~) أي أهل الأصوات بأصواتهم كقول الأعشى : # ( كذلك فافعل ما حييت إذا شتوا ) # وأقدم إذا ما أعين الناس تفرق # فأسند الفرق إلى العيون على سبيل المجاز العقلي لأن الأعين سبب الفرق عند ~~رؤية الأشياء المخيفة . ومنه قوله تعالى : { سحروا أعين الناس } ( الأعراف ~~: 116 ) وإنما سحروا الناس سحرا ناشئا عن رؤية شعوذة السحر بأعينهم ، مع ما ~~يزيد به قوله : ( ظلت أعناقهم لها خاضعين ) من الإشارة إلى تمثيل حالهم ، ~~ومقتضى الظاهر فظلوا لها خاضعين بأعناقهم . # وفي إجراء ضمير العقلاء في قوله : { خاضعين } على الأعناق تجريد للمجاز ~~العقلي في إسناد { خاضعين إلى أعناقهم } لأن مقتضى الجري على وتيرة المجاز ~~أن يقال لها : خاضعة ، وذلك خضوع من توقع لحاق العذاب النازل . وعن مجاهد : ~~أن الأعناق هنا جمع عنق بضمتين يطلق على سيد القوم ورئيسهم كما يطلق عليه ~~رأس القوم وصدر القوم ، أي فظلت سادتهم ، يعني الذين أغروهم PageV19P096 ~~بالكفر خاضعين ، فيكون الكلام تهديدا لزعمائهم الذين ms5831 زينوا لهم الاستمرار ~~على الكفر ، وهو تفسير ضعيف . وعن ابن زيد والأخفش : الأعناق الجماعات ~~واحدها عنق بضمتين جماعة الناس ، أي فظلوا خاضعين جماعات جماعات ، وهذا ~~أضعف من سابقه . # ومن بدع التفاسير وركيكها ما نسبه الثعلبي إلى ابن عباس أنه قال : نزلت ~~هذه الآية فينا وفي بني أمية فتذل لنا أعناقهم بعد صعوبة ويلحقهم هوان بعد ~~عزة ، وهذا من تحريف كلم القرآن عن مواضعه ونحاشي ابن عباس رضي الله عنه أن ~~يقوله وهو الذي دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يعلمه التأويل . ~~وهذا من موضوعات دعاة المسودة مثل أبي مسلم الخراساني وكم لهم في الموضوعات ~~من اختلاق ، والقرآن أجل من أن يتعرض لهذه السفاسف . # وقرأ الجمهور : { ننزل } بالتشديد في الزاي وفتح النون الثانية . وقرأ ~~ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب بضم النون الثانية وتخفيف الزاي . # # | 2 ( 5 ) { وما يأتيهم من ذكر من الرحمان محدث إلا كانوا عنه معرضين } . ~~) 2 # عطف على جملة : { لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين } ( الشعراء : 3 ) أي ~~هذه شنشنتهم فلا تأسف لعدم إيمانهم بآيات الكتاب المبين ، وما يجيئهم منها ~~من بعد فسيعرضون عنه لأنهم عرفوا بالإعراض . # والمضارع هنا لإفادة التجدد والاستمرار . فالذكر هو القرآن لأنه تذكير ~~للناس بالأدلة . وقد تقدم وجه تسميته ذكرا عند قوله تعالى : { وقالوا يأيها ~~الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون } في سورة الحجر ( 6 ) . # والمحدث : الجديد ، أي من ذكر بعد ذكر يذكرهم بما أنزل من القرآن من قبله ~~فالمعنى المستفاد من وصفه بالمحدث غير المعنى المستفاد من إسناد صيغة ~~المضارع في قوله : { ما يأتيهم من ذكر } . فأفاد الأمران أنه ذكر متجدد ~~مستمر وأن بعضه يعقب بعضا ويؤيده . وقد تقدم في سورة الأنبياء ( 2 ، 3 ) ~~قوله : { ما يأتيهم من ذكر من PageV19P097 ربهم محدث إلا استمعوه وهم ~~يلعبون لاهية قلوبهم . # وذكر اسم الرحمن هنا دون وصف الرب كما في سورة الأنبياء لأن السياق هنا ~~لتسلية النبي على إعراض قومه فكان في وصف مؤتي الذكر بالرحمان تشنيع لحال ~~المعرضين وتعريض لغباوتهم أن يعرضوا عما ms5832 هو رحمة لهم ، فإذا كانوا لا ~~يدركون صلاحهم فلا تذهب نفسك حسراتت على قوم أضاعوا نفعهم وأنت قد أرشدتهم ~~إليه وذكرتهم ، كما قال المثل : لا يحزنك دم هراقه أهله وقال النابغة : # فإن تغلب شقاوتكم عليكم # فإني في صلاحكم سعيت # وفي الإتيان بفعل كانوا } وخبره دون أن يقال : إلا أعرضوا ، إفادة أن ~~إعراضهم راسخ فيهم وأنه قديم مستمر إذ أخبر عنهم قبل ذلك بقوله : { أن لا ~~يكونوا مؤمنين } ( الشعراء : 3 ) ، فانتفاء كون إيمانهم واقعا هو إعراض ~~منهم عن دعوة الرسول التي طريقها الذكر بالقرآن فإذا أتاهم ذكر بعد الذكر ~~الذي لم يؤمنوا بسببه وجدهم على إعراضهم القديم . # و { من } في قوله : { من ذكر } مؤكدة لعموم نفي الأحوال . # و { من } التي في قوله : { من الرحمن } ابتدائية . # والاستثناء من أحوال عامة ، فجملة : { كانوا عنه معرضين } في موضع الحال ~~من ضمير { يأتيهم من ذكر } . وتقدم المجرور لرعاية الفاصلة . # # | 2 ( 6 ) { فقد كذبوا فسيأتيهم أنباؤا ما كانوا به يستهزءون } . ) 2 # فاء { فقد كذبوا } فصيحة ، أي فقد تبين أن إعراضهم إعراض تكذيب بعد ~~الإخبار عنهم بأن سنتهم الإعراض عن الذكر الآتي بعضه عقب بعض فإن الإعراض ~~كان لأنهم قد كذبوا بالقرآن . وأما الفاء في قوله : { فسيأتيهم } فلتعقيب ~~الإخبار بالوعيد بعد الإخبار بالتكذيب . # والأنباء : جمع نبأ ، وهو الخبر عن الحدث العظيم ، وتقدم عند قوله تعالى ~~{ ولقد جاءك من نبأ المرسلين في سورة الأنعام ( 34 ) . PageV19P098 # والأنباء : ظهور صدقها ، وليس المراد من الإتيان هنا البلوغ كالذي في ~~قوله : وهل أتاك نبؤا الخصم } ( ص : 21 ) لأن بلوغ الأنباء قد وقع فلا يحكى ~~بعلامة الاستقبال في قوله : { فسيأتيهم } . # و { ما } في قوله : { ما كانوا به يستهزءون } يجوز أن تكون موصولة فيجوز ~~أن يكون ماصدقها القرآن وذلك كقوله تعالى : { ولا تتخذوا آيات الله هزؤا } ~~( البقرة : 231 ) . وجيء في صلته بفعل { يستهزءون } دون ( يكذبون ) لتحصل ~~فائدة الإخبار عنهم بأنهم كذبوا به واستهزأوا به ، وتكون الباء في { به } ~~لتعدية فعل { يستهزءون } ، والضمير المجرور عائدا إلى { ما } الموصولة ، ~~وأنباؤه أخباره بالوعيد . ويجوز أن يكون ما ms5833 صدق { ما } جنس ما عرفوا ~~باستهزائهم به وهو التوعد ، كانوا يقولون : متى هذا الوعد ؟ ونحو ذلك . # وإضافة { أنبؤا } إلى { ما كانوا به يستهزءون } على هذا إضافة بيانية ، ~~أي ما كانوا به يستهزئون الذي هو أنباء ما سيحل بهم . # وجمع الأنباء على هذا باعتبار أنهم استهزأوا بأشياء كثيرة منها البعث ، ~~ومنها العذاب في الدنيا ، ومنها نصر المسلمين عليهم { ويقولون متى هذا ~~الوعد إن كنتم صادقين } ( يونس : 48 ) ، ومنها فتح مكة ، ومنها عذاب جهنم ، ~~وشجرة الزقوم . وكان أبو جهل يقول : زقمونا ، استهزاء . # ويجوز كون { ما } مصدرية ، أي أنباء كون استهزائهم ، أي حصوله ، وضمير { ~~به } عائدا إلى معلوم من المقام ، وهو القرآن أو الرسول صلى الله عليه وسلم # والمراد بأنباء استهزائهم أنباء جزائه وعاقبته وهو ما توعدهم به القرآن ~~في غير ما آية . # والقول في إقحام فعل { كانوا } هنا كالقول في إقحامه في قوله آنفا { ~~كانوا عنه معرضين } ( الشعراء : 5 ) ولكن أوثر الإتيان بالفعل المضارع وهو ~~{ يستهزءون } دون اسم الفاعل كالذي في قوله : { كانوا عنه معرضين } لأن ~~الاستهزاء يتجدد عند تجدد وعيدهم بالعذاب ، وأما الإعراض فمتمكن منهم . ~~PageV19P099 # ومعنى { فسيأتيهم أنبؤا ما كانوا به يستهزءون } على الوجه الأول أن يكون ~~الإتيان بمعنى التحقق كما في قوله : { أتى أمر الله } ( النحل : 1 ) ، أي ~~تحقق ، أي سوف تتحقق أخبار الوعيد الذي توعدهم به القرآن الذي كانوا ~~يستهزئون به . # وعلى الوجه الثاني سوف تبلغهم أخبار استهزائهم بالقرآن ، أي أخبار العقاب ~~على ذلك . وأوثر إفراد فعل ( يأتيهم ) مع أن فاعله جمع تكسير لغير مذكر ~~حقيقي يجوز تأنيثه لأن الإفراد أخف في الكلام لكثرة دورانه . # # | 2 ( 7 9 ) { أولم يروا إلى الارض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم * إن ~~في ذلك لأية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم } . ) 2 # الواو عاطفة على جملة : { وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا ~~عنه معرضين } ( الشعراء : 5 ) ؛ فالهمزة الاستفهامية منه مقدمة على واو ~~العطف لفظا لأن للاستفهام الصدارة ، والمقصود منه إقامة الحجة عليهم بأنهم ~~لا تغني ms5834 فيهم الآيات لأن المكابرة تصرفهم عن التأمل في الآيات ، والآيات ~~على صحة ما يدعوهم إليه القرآن من التوحيد والإيمان بالبعث قائمة متظاهرة ~~في السماوات والأرض وهم قد عموا عنها فأشركوا بالله ، فلا عجب أن يضلوا عن ~~آيات صدق الرسول عليه الصلاة والسلام ، وكون القرآن منزلا من الله فلو كان ~~هؤلاء متطلعين إلى الحق باحثين عنه لكان لهم في الآيات التي ذكروا بها مقنع ~~لهم عن الآيات التي يقترحونها قال تعالى : { أولم ينظروا في ملكوت السموات ~~والأرض وما خلق الله من شيء } ( الأعراف : 185 ) ، وقال : { قل انظروا ماذا ~~في السماوات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون } ( يونس : ~~101 ) أي عن قوم لم يعدوا أنفسهم للإيمان . # فالمذكور في هذه الآية أنواع النبات دالة على وحدانية الله لأن هذا الصنع ~~الحكيم لا يصدر إلا عن واحد لا شريك له . وهذا دليل من طريق العقل ، ودليل ~~أيضا على إمكان البعث لأن الإنبات بعد الجفاف مثيل لإحياء الأموات بعد ~~رفاتهم كما قال تعالى : { وآية لهم الأرض الميتة أحييناها } ( يس : 33 ) . ~~وهذا دليل تقريبي PageV19P100 للإمكان فكان في آية الإنبات تنبيه على إبطال ~~أصلي عدم إيمانهم وهما : أصل الإشراك بالله ، وأصل إنكار البعث . # والاستفهام إنكار على عدم رؤيتهم ذلك لأن دلالة الإنبات على الصانع ~~الواحد دلالة بينة لكل من يراه ؛ فلما لم ينتفعوا بتلك الرؤية نزلت رؤيتهم ~~منزلة العدم فأنكر عليهم ذلك . والمقصود : إنكار عدم الاستدلال به . # وجملة : { كم أنبتنا } بدل اشتمال من جملة { يروا } فهي مصب الإنكار . ~~وقوله : { إلى الأرض } متعلق بفعل { يروا } ، أي ألم ينظروا إلى الأرض وهي ~~بمرأى منهم . # و { كم } اسم دال على الكثرة ، وهي هنا خبرية منصوبة ب { أنبتنا } . ~~والتقدير : أنبتنا فيها كثيرا من كل زوج كريم . # و { من } تبعيضية . ومورد التكثير الذي أفادته { كم } هو كثرة الإنبات في ~~أمكنة كثيرة ، ومورد الشمول المفاد من { كل } هو أنواع النبات وأصنافه وفي ~~الأمرين دلالة على دقيق الصنع . واستغني بذكر أبعاض كل زوج عن ذكر مميز { ~~كم } لأنه قد علم من ms5835 التبعيض . # والزوج : النوع ، وشاع إطلاق الزوج على النوع في غير الحيوان قال تعالى : ~~{ ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين } على أحد احتمالين تقدما في سورة ~~الرعد ( 3 ) ، وتقدم قوله تعالى : { فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى في طه ( ~~53 ) . # والكريم : النفيس من نوعه قال تعالى : ورزق كريم } في الأنفال ( 4 ) ، ~~وتقدم عند قوله تعالى : { مروا كراما في سورة الفرقان ( 72 ) . وهذا من ~~إدماج الامتنان في ضمن الاستدلال لأن الاستدلال على بديع الصنع يحصل بالنظر ~~في إنبات الكريم وغيره . ففي الاستدلال بإنبات الكريم من ذلك وفاء بغرض ~~الامتنان مع عدم فوات الاستدلال . وأيضا فنظر الناس في الأنواع الكريمة ~~أنفذ وأشهر لأنه يبتدىء بطلب المنفعة منها والإعجاب بها فإذا تطلبها وقع في ~~الاستدلال فيكون الاقتصار على الاستدلال بها في الآية من قبيل التذكير ~~للمشركين بما هم ممارسون له وراغبون فيه . PageV19P101 # والمشار إليه بذلك } هو المذكور من الأرض ، وإنبات الله الأزواج فيها ، ~~وما في تلك الأزواج من منافع وبهجة . # والتأكيد بحرف { إن } لتنزيل المتحدث عنهم منزلة من ينكر دلالة ذلك ~~الإنبات وصفاته على ثبوت الوحدانية التي هي باعث تكذيبهم الرسول لما دعاهم ~~إلى إثباتها ، وإفراد ( آية ) لإرادة الجنس ، أو لأن في المذكور عدة أشياء ~~في كل واحد منها آية فيكون على التوزيع . # وجملة : { وما كان أكثرهم مؤمنين } عطف على جملة : { إن في ذلك لآية } ~~إخبارا عنهم بأنهم مصرون على الكفر بعد هذا الدليل الواضح ، وضمير { أكثرهم ~~} عائد إلى معلوم من المقام كما عاد الضمير الذي في قوله : { ألا يكونوا ~~مؤمنين } ( الشعراء : 3 ) ، وهم مشركو أهل مكة وهذا تحد لهم كقوله : { ولن ~~تفعلوا } ( البقرة : 24 ) . # وأسند نفي الإيمان إلى أكثرهم لأن قليلا منهم يؤمنون حينئذ أو بعد ذلك . # و { كان } هنا مقحمة للتأكيد على رأي سيبويه والمحققين . # وجملة : { وإن ربك لهو العزيز الرحيم } تذييل لهذا الخبر : بوصف الله ~~بالعزة ، أي تمام القدرة فتعلمون أنه لو شاء لعجل لهم العقاب ، وبوصف ~~الرحمة إيماء إلى أن في إمهالهم رحمة بهم لعلهم يشكرون ، ورحيم بك . قال ms5836 ~~تعالى : { وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب } ( ~~الكهف : 58 ) . وفي وصف الرحمة إيماء إلى أنه يرحم رسله بتأييده ونصره . # واعلم أن هذا الاستدلال لما كان عقليا اقتصر عليه ولم يكرر بغيره من نوع ~~الأدلة العقلية كما كررت الدلائل الحاصلة من العبرة بأحوال الأمم من قوله : ~~{ وإذ نادى ربك موسى } ( الشعراء : 10 ) إلى آخر قصة أصحاب ليكة . # # | 2 ( 10 ، 11 ) { لله وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين * قوم ~~فرعون ألا يتقون } . ) 2 # شروع في عد آيات على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم بذكر عواقب المكذبين ~~برسلهم PageV19P102 ليحذر المخاطبون بالدعوة إلى الإسلام من أن يصيبهم ما ~~أصاب المكذبين . وفي ضمن ذلك تبيين لبعض ما نادى به الرسل من البراهين . # وإذ قد كانت هذه الأدلة من المثلات قصد ذكر كثير اشتهر منها ولم يقتصر ~~على حادثة واحدة لأن الدلالة غير العقلية يتطرقها احتمال عدم الملازمة بأن ~~يكون ما أصاب قوما من أولئك على وجه الصدفة والاتفاق فإذا تبين تكرر ~~أمثالها ضعف احتمال الاتفاقية ، لأن قياس التمثيل لا يفيد القطع إلا ~~بانضمام مقومات له من تواتر وتكرر . # وإنما ابتدىء بذكر قصة موسى ثم قصة إبراهيم على خلاف ترتيب حكاية القصص ~~الغالب في القرآن من جعلها على ترتيب سبقها في الزمان ، لعله لأن السورة ~~نزلت للرد على المشركين في إلحاحهم على إظهار آيات من خوارق العادات في ~~الكائنات زاعمين أنهم لا يؤمنون إلا إذا جاءتهم آية ؛ فضرب لهم المثل ~~بمكابرة فرعون وقومه في آيات موسى إذ قالوا : { إن هذا لساحر مبين } ( يونس ~~: 2 ) وعطف { وإذا نادى ربك موسى } عطف جملة على جملة : { أو لم يروا إلى ~~الأرض } ( الشعراء : 7 ) بتمامها . # ويكون { إذ } اسم زمان منصوبا بفعل محذوف تقديره : واذكر إذ نادى ربك ~~موسى على طريقة قوله في القصة التي بعدها { واتل عليهم نبأ إبراهيم } ( ~~الشعراء : 69 ) . وفي هذا المقدر تذكير للرسول عليه الصلاة والسلام بما ~~يسليه عما يلقاه من قومه . # ونداء الله موسى الوحي إليه بكلام سمعه ms5837 من غير واسطة ملك . # جملة : { أن ائت القوم الظالمين } تفسير لجملة : { نادى } ، و { أن } ~~تفسيرية . والمقصود من سوق هذه القصة هو الموعظة بعاقبة المكذبين وذلك عند ~~قوله تعالى : { فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر إلى قوله : وإن ربك ~~لهو العزيز الرحيم } ( الشعراء : 63 68 ) . وأما ما تقدم ذلك من قوله : { ~~وإذ نادى ربك موسى } إلخ فهو تفصيل لأسباب الموعظة بذكر دعوة موسى إلى ما ~~أمر بإبلاغه وإعراضض فرعون وقومه وما عقب ذلك إلى الخاتمة . # واستحضار قوم فرعون بوصفهم بالقوم الظالمين إيماء إلى علة الإرسال . وفي ~~هذا الإجمال توجيه نفس موسى لترقب تعيين هؤلاء القوم بما يبينه ، وإثارة ~~لغضب PageV19P103 موسى عليهم حتى ينضم داعي غضبه عليهم إلى داعي امتثال أمر ~~الله الباعثه إليهم ، وذلك أوقع لكلامه في نفوسهم . وفيه إيماء إلى أنهم ~~اشتهروا بالظلم . # ثم عقب ذلك بذكر وصفهم الذاتي بطريقة البيانن من القوم الظالمين وهو قوله ~~: { قوم فرعون } ، وفي تكرير كلمة { قوم } موقع من التأكيد فلم يقل : ائت ~~قوم فرعون الظالمين ، كقول جرير : # يا تيم تيم عدي لا أبا لكم # لا يلفينكم في سوأة عمر # والظلم يعم أنواعه ، فمنها ظلمهم أنفسهم بعبادة ما لا يستحق العبادة ، ~~ومنها ظلمهم الناس حقوقهم إذ استعبدوا بني إسرائيل واضطهدوهم ، وتقدم ~~استعماله في المعنيين مرارا في ضد العدل { ومن أظلم ممن منع مساجد الله في ~~البقرة ( 114 ) ، وبمعنى الشرك في قوله : الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم ~~بظلم في الأنعام ( 82 ) . # واعلم أنه قد عدل هنا عن ذكر ما ابتدىء به نداء موسى مما هو في سورة طه ( ~~12 23 ) بقوله : إني أنا ربك فاخلع نعليك إلى قوله : لنريك من آياتنا ~~الكبرى لأن المقام هنا يقتضي الاقتصار على ما هو شرح دعوة قوم فرعون ~~وإعراضهم للاتعاظ بعاقبتهم . وأما مقام ما في سورة طه فلبيان كرامة موسى ~~عند ربه ورسالته معا فكان مقام إطناب مع ما في ذلك من اختلاف الأسلوب في ~~حكاية القصة الواحدة كما تقدم في المقدمة السابعة من مقدمات هذا التفسير . # والإتيان المأمور ms5838 به هو ذهابه لتبليغ الرسالة إليهم . وهذا إيجاز يبينه ~~قوله : فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين } ( الشعراء : 16 ) إلى ~~آخره . # وجملة : { ألا يتقون } مستأنفة استئنافا بيانيا لأنه لما أمره بالإتيان ~~إليهم لدعوتهم ووصفهم بالظالمين كان الكلام مثيرا لسؤالل في نفس موسى عن ~~مدى ظلمهم فجيء بما يدل على توغلهم في الظلم ودوامهم عليه تقوية للباعث ~~لموسى على بلوغ الغاية في الدعوة وتهيئة لتلقيه تكذيبهم بدون مفاجأة ، ~~فيكون { ألا } من قوله : { ألا يتقون } مركبا من حرفين همزة الاستفهام و ( ~~لا ) النافية . والاستفهام لإنكار انتفاء تقواهم ، وتعجيب موسى من ذلك ، ~~فإن موسى كان مطلعا على أحوالهم إذ كان قد نشأ فيهم وقد علم مظالمهم ~~وأعظمها الإشراك وقتل أنبياء بني إسرائيل . . . . PageV19P104 # ويجوز أن يكون { ألا } كلمة واحدة هي أداة العرض والتحضيض فتكون جملة : { ~~ألا يتقون } بيانا لجملة { ائت } . والمعنى : قل لهم : ألا تتقون . فحكى ~~مقالته بمعناها لا بلفظها . وذلك واسع في حكاية القول كما في قوله تعالى : ~~{ ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم } ( المائدة : 117 ~~) فإن جملة : { أن اعبدوا الله } مفسرة لجملة { أمرتني } . وإنما أمره الله ~~أن يعبدوا الله رب موسى وربهم ، فحكى ما أمره الله به بالمعنى . وهذا العرض ~~نظير قوله في سورة النازعات ( 18 ) { فقل هل لك إلى أن تزكى . # والاتقاء : الخوف والحذر ، وحذف متعلق فعل يتقون } لظهور أن المراد : ألا ~~يتقون عواقب ظلمهم . وتقدم في قوله تعالى : { الذين عاهدت منهم ثم ينقضون ~~عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون } في سورة الأنفال ( 56 ) . # ويعلم موسى من إجراء وصف الظلم وعدم التقوى على قوم فرعون في معرض أمره ~~بالذهاب إليهم أن من أول ما يبدأ به دعوتهم أن يدعوهم إلى ترك الظلم وإلى ~~التقوى . # وذكر موسى تقدم عند قوله تعالى : { وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة في سورة ~~البقرة ( 51 ) . وتقدمت ترجمة فرعون عند قوله تعالى : إلى فرعون وملائه في ~~الأعراف ( 103 ) . # # | 2 ( 12 14 ) قال رب إنى أخاف أن يكذبون * ويضيق صدرى ولا ينطلق ms5839 لسانى ~~فأرسل إلى هارون * ولهم على ذنب فأخاف أن يقتلون } . ) 2 # افتتاح مراجعته بنداء الله بوصف الرب مضافا إليه تحنين واستسلام . وإنما ~~خاف أن يكذبوه لعلمه بأن مثل هذه الرسالة لا يتلقاها المرسل إليهم إلا ~~بالتكذيب ، وجعل نفسه خائفا من التكذيب لأنه لما خلعت عليه الرسالة عن الله ~~وقر في صدره الحرص على نجاح رسالته فكان تكذيبه فيها مخوفا منه . # و { يضيق صدري } قرأه الجمهور بالرفع فهو عطف على { أخاف } أو ~~PageV19P105 تكون الواو للحال فتكون حالا مقدرة ، أي والحال يضيق ساعتئذ ~~صدري من عدم اهتدائهم . # والضيق : ضد السعة ، وهو هنا مستعار للغضب والكمد لأن من يعتريه ذلك يحصل ~~له انفعال وينشأ عنه انضغاط الأعصاب في الصدر والقلب من تأثير الإدراك ~~الخاص على جمع الأعصاب الكائن بالدماغ الذي هو المدرك فيحس بشبه امتلاء في ~~الصدر . وقد تقدم عند قوله تعالى : { يجعل صدره ضيقا حرجا } ( الأنعام : ~~125 ) وقوله : { وضائق به صدرك في سورة هود ( 12 ) . والمعنى : أنه يأسف ~~ويكمد لتكذيبهم إياه ويجيش في نفسه روم إقناعهم بصدقه ، وتلك الخواطر إذا ~~خطرت في العقل نشأ منها إعداد البراهين ، وفي ذلك الإعداد تكلف وتعب للفكر ~~فإذا أبانها أحس بارتياح وبشبه السعة في الصدر فسمى ذلك شرحا للصدر ، ولذلك ~~سأله موسى في الآية الأخرى قال : رب اشرح لي صدري } ( طه : 25 ) . # والانطلاق حقيقته مطاوع أطلقه إذا أرسله ولم يحبسه فهو حقيقة في الذهاب . ~~واستعير هنا لفصاحة اللسان وبيانه في الكلام ، أي ينحبس لساني فلا يبين عند ~~إرادة المحاجة والاستدلالل وعطفه على { يضيق صدري ينبىء بأنه أراد بضيق ~~الصدر تكاثر خواطر الاستدلال ، في نفسه على الذين كذبوه ليقنعهم بصدقه حتى ~~يحس كأن صدره قد امتلأ ، والشأن أن ذلك ينقص شيئا بعد شيء بمقدار ما يفصح ~~عنه صاحبه من إبلاغه إلى السامعين ، فإذا كانت في لسانه حبسة وعي بقيت ~~الخواطر متلجلجة في صدره . والمعنى : ويضيق صدري حين يكذبونني ولا ينطلق ~~لساني . # وقرأ الجمهور : يضيق . . . ولا ينطلق } مرفوعين عطفا على { أخاف } ولذلك ~~حققه بحرف التأكيد لأنه أيقن بحصول ms5840 ذلك لأنه جبلي عند تلقي التكذيب ، ولأن ~~أمانة الرسالة والحرص على تنفيذ مراد الله يحدث ذلك في نفسه لا محالة ، وإذ ~~قد كان انحباس لسانه يقينا عنده لأنه كان كذلك من أجل ذلك التيقن كان فعلا ~~{ يضيق . . . ولا ينطلق } معطوفين على ما هو محقق عنده وهو حصول الخوف من ~~التكذيب ، ولم يكونا معطوفين على { يكذبون } المخوف منه المتوقع على أن ~~كونه محقق الحصول يجعله أحرى من المتوقع . PageV19P106 # وقرأ يعقوب { ويضيق . . . ولا ينطلق } بنصب الفعلين عطفا على { يكذبون } ~~، أي يتوقع أن يضيق صدره ولا ينطلق لسانه . قيل كانت بموسى حبسة في لسانه ~~إذا تكلم . وقد تقدم في سورة طه وسيجيء في سورة الزخرف . وليس القصد من هذا ~~الكلام التنصل من الاضطلاع بهذا التكليف العظيم ولكن القصد تمهيد ما فرعه ~~عليه من طلب تشريك أخيه هارون معه لأنه أقدر منه على الاستدلال والخطابة ~~كما قال في الآية الأخرى { وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي } ( ~~القصص : 34 ) . فقوله هنا { فأرسل إلى هارون } مجمل يبينه ما في الآية ~~الأخرى فيعلم أن في الكلام هنا إيجازا . وأنه ليس المراد : فأرسل إلى هارون ~~عوضا عني . # وإنما سأل الله الإرسال إلى هارون ولم يسأله أن يكلم هارون كما كلمه هو ~~لأن هارون كان بعيدا عن مكان المناجاة . والمعنى : فأرسل ملكا بالوحي إلى ~~هارون أن يكون معي . # وقوله : { ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون } تعريض بسؤال النصر والتأييد ~~وأن يكفيه شر عدوه حتى يؤدي ما عهد الله إليه على أكمل وجه . وهذا كقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر : ( اللهم إني أسألك نصرك ووعدك اللهم إن ~~شئت لم تعبد في الأرض ) . # والذنب : الجرم ومخالفة الواجب في قوانينهم . وأطلق الذنب على المؤاخذة ~~فإن الذي لهم عليه هو حق المطالبة بدم القتيل الذي وكزه موسى فقضى عليه ، ~~وتوعده القبط إن ظفروا به ليقتلوه فخرج من مصر خائفا ، وكان ذلك سبب توجهه ~~إلى بلاد مدين . وسماه ذنبا بحسب ما في شرع القبط ، فإنه لم يكن يومئذ شرع ~~إلهي ms5841 في أحكام قتل النفس . ويصح أن يكون سماه ذنبا لأن قتل أحد في غير قصاص ~~ولا دفاع عن نفس المدافع يعتبر جرما في قوانين جماعات البشر من عهد قتل أحد ~~ابني آدم أخاه ، وقد قال في سورة القصص ( 15 ، 16 ) { قال هذا من عمل ~~الشيطان إنه عدو مضل مبين قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي . وأيا ما كان فهو ~~جعله ذنبا لهم عليه . # وقوله : فأخاف أن يقتلون } ليس هلعا وفرقا من الموت فإنه لما أصبح في ~~مقام الرسالة ما كان بالذي يبالي أن يموت في سبيل الله ؛ ولكنه خشي العائق ~~من PageV19P107 إتمام ما عهد إليه مما فيه له ثواب جزيل ودرجة عليا . # وحذفت ياء المتكلم من { يقتلون } للرعاية على الفاصلة كما تقدم في قوله ~~تعالى : { وإياي فارهبون في سورة البقرة ( 40 ) . # وذكر هارون تقدم عند قوله تعالى : وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون في ~~سورة البقرة ( 248 ) . # $ 2 ( 15 17 ) قال كلا فاذهبا بئاياتنآ إنا معكم مستمعون * فأتيا فرعون ~~فقولا & # 1764 إنا رسول رب العالمين * أن أرسل معنا بنى & # 1764 إسراءيل } . ) 2 $ # { كلا } حرف إبطال . وتقدم في قوله تعالى : { كلا سنكتب ما يقول } في ~~سورة مريم ( 79 ) . والإبطال لقوله : { فأخاف أن يقتلون } ( الشعراء : 14 ) ~~، أي لا يقتلونك . وفي هذا الإبطال استجابة لما تضمنه التعريض بالدعاء حين ~~قال : { ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون } ( الشعراء : 14 ) . # وقوله : { فاذهبا بآياتنا } تفريع على مفاد كلمة { كلا } . والأمر لموسى ~~أن يذهب هو وهارون يقتضي أن موسى مأمور بإبلاغ هارون ذلك فكان موسى رسولا ~~إلى هارون بالنبوءة . ولذلك جاء في التوراة أن موسى أبلغ أخاه هارون ذلك ~~عندما تلقاه في حوريب إذ أوحى الله إلى هارون أن يتلقاه ، والباء للمصاحبة ~~، أي مصاحبين لآياتنا ، وهو وعد بالتأييد بمعجزات تظهر عند الحاجة . ومن ~~الآيات : العصا التي انقلبت حية عند المناجاة ، وكذلك بياض يده كما في آية ~~سورة طه ( 17 ) { وما تلك بيمينك يا موسى } الآيات . # وجملة : { إنا معكم مستمعون } مستأنفة استئنافا بيانيا لأن أمرهما ~~بالذهاب ms5842 إلى فرعون يثير في النفس أن يتعامى فرعون عن الآيات ولا يرعوي عند ~~رؤيتها عن إلحاق أذى بهما فأجيب بأن الله معهما ومستمع لكلامهما وما يجيب ~~فرعون به . وهذا كناية عن عدم إهمال تأييدهما وكف فرعون عن أذاهما . فضمير ~~{ معكم } عائد PageV19P108 إلى موسى وهارون وقوم فرعون . والمعية معية علم ~~كالتي في قوله تعالى : { إلا هو معهم أين ما كانوا } ( المجادلة : 7 ) . # و { مستمعون } أشد مبالغة من ( سامعون ) لأن أصل الاستماع أنه تكلف ~~السماع والتكلف كناية عن الاعتناء ، فأريد هنا علم خاص بما يجري بينها وبين ~~فرعون وملئه وهو العلم الذي توافقه العناية واللطف . # والجمع بين قوله : { بآياتنا } وقوله : { إنا معكم مستمعون } تأكيد ~~للطمأنة ورباطة لجأشهما . # والرسول : فعول بمعنى مفعل ، أي مرسل . والأصل فيه مطابقة موصوفه ، بخلاف ~~فعول بمعنى فاعل فحقه عدم المطابقة سماعا ، وفعول بمعنى اسم المفعول قليل ~~في كلامهم ومنه : بقرة ذلول ، وقولهم : صبوح ، لما يشرب في الصباح ، وغبوق ~~، لما يشرب في العشي ، والنشوق ، لما ينشق من دواء ونحوه . ولكن رسول يجوز ~~فيه أن يجرى مجرى المصدر فلا يطابق ما يجري عليه في تأنيث وما عدا الإفراد ~~، وورد في كلامهم بالوجهين تارة ملازما الإفراد والتذكير كما في هذه الآية ~~، وورد مطابقا كما في قوله تعالى : { فقولا إنا رسولا ربك في سورة طه ( 47 ~~) ، فذهب الجوهري إلى أنه مشترك بين كونه اسما بمعنى مفعول وبين كونه اسم ~~مصدر ولم يجعله مصدرا إذ لا يعرف فعول مصدرا لغير الثلاثي ، واحتج بقول ~~الأشعر الجعفي : # ألا أبلغ بني عمرو رسولا # بأني عن فتاحتكم غني # ( الفتاحة : الحكم ) . وتبعه الزمخشري في هذه الآية إذ قال : الرسول يكون ~~بمعنى المرسل وبمعنى الرسالة فجعل ثم ( أي في قوله : إنا رسولا ربك } في ~~سورة طه ( 47 ) ) بمعنى المرسل ، وجعل هنا بمعنى الرسالة . وقد قال أبو ~~ذؤيب الهذلي : # ألكني إليها وخير الرسو # ل أعلمهم بنواحي الخبر # فهل من ريبة في أن ضمير الرسول في البيت مراد به المرسلون . وتصريح ~~النحاة بأن فعولا الذي بمعنى المفعول يجوز إجراؤه على حالة ms5843 المتصفف به من ~~التذكير والتأنيث فيجوز أن تقول : ناقة ركوبة وركوب ، يقتضي أن التثنية ~~والجمع فيه PageV19P109 مثل التأنيث . وقد تقدمت الإشارة إلى هذا في سورة ~~طه وأحلنا تحقيقه على ما هنا . # ومبادأة خطابهما فرعون بأن وصفا الله بصفة رب العالمين مجابهة لفرعون ~~بأنه مربوب وليس برب ، وإثبات ربوبية الله تعالى للعالمين . والنفي يقتضي ~~وحدانية الله تعالى لأن العالمين شامل جميع الكائنات فيشمل معبودات القبط ~~كالشمس وغيرها ، فهذه كلمة جامعة لما يجب اعتقاده يومئذ . # وجملة : { أن أرسل معنا بني إسرائيل } تفسيرية لما تضمنه { رسول } من ~~الرسالة التي هي في معنى القول ، أي هذا قول رب العالمين لك . و { أرسل ~~معنا } أطلق ولا تحبسهم ، فالإرسال هنا ليس بمعنى التوجيه . وهذا الكلام ~~يتضمن أن موسى أمر بإخراج بني إسرائيل من بلاد الفراعنة لقصد تحريرهم من ~~استعباد المصريين كما سيأتي عند قوله تعالى : { أن عبدت بني إسرائيل } ( ~~الشعراء : 22 ) ، وقد تقدم في سورة البقرة بيان أسباب سكنى بني إسرائيل ~~بأرض مصر ومواطنهم بها وعملهم لفرعون . # # | 2 ( 18 ، 19 ) { قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين * ~~وفعلت فعلتك التى فعلت وأنت من الكافرين } . ) 2 # طوي من الكلام ذهاب موسى وهارون إلى فرعون واستئذانهما عليه وإبلاغهما ما ~~أمرهما الله أن يقولا لفرعون إيجازا للكلام . ووجه فرعون خطابه إلى موسى ~~وحده لأنه علم من تفصيل كلام موسى وهارون أن موسى هو الرسول بالأصالة وأن ~~هارون كان عونا له على التبليغ فلم يشتغل بالكلام مع هارون . وأعرض فرعون ~~عن الاعتناء بإبطال دعوة موسى فعدل إلى تذكيره بنعمة الفراعنة أسلافه على ~~موسى وتخويفه من جنايته حسبانا بأن ذلك يقتلع الدعوة من جذمها ويكف موسى ~~عنها ، وقصده من هذا الخطاب إفحام موسى كي يتلعثم من خشية فرعون حيث أوجد ~~له سببا يتذرع به إلى قتله ويكون معذورا فيه حيث كفر نعمة الولاية بالتربية ~~، واقترف جرم الجناية على الأنفس . PageV19P110 # والاستفهام تقريري ، وجعل التقرير على نفي التربية مع أن المقصود الإقرار ~~بوقوع التربية مجاراة لحال موسى في نظر فرعون ms5844 إذ رأى في هذا الكلام جرأة ~~عليه لا تناسب حال من هو ممنون لأسرته بالتربية لأنها تقتضي المحبة والبر ، ~~فكأنه يرخي له العنان بتلقين أن يجحد أنه مربى فيهم حتى إذا أقر ولم ينكر ~~كان الإقرار سالما من التعلل بخوف أو ضغط ، فهذا وجه تسليط الاستفهام ~~التقريري على النفي في حين أن المقرر به ثابت . وهذا كما تقول للرجل الذي ~~طال عهدك برؤيته : ألست فلانا ، ومثله كثير . ومنه قول الحجاج في خطبته يوم ~~دير الجماجم يهدد الخوارج ( ألستم أصحابي بالأهواز ) . # والتقرير مستعمل في لازمه وهو أن يقابل المقرر عليه بالبر والطاعة لا ~~بالجفاء ، ويجوز أن يجعل الاستفهام إنكاريا عليه لأن لسان حال موسى في نظر ~~فرعون حال من يجحد أنه مربى فيهم ومن يظن نسيانهم لفعلته فأنكر فرعون عليه ~~ذلك ، وكلا الوجهين لا يخلو من تنزيل موسى منزلة من يجحد ذلك . # والتربية : كفالة الصبي وتدبير شؤونه . ومعنى { فينا } في عائلتنا ، أي ~~عائلة ملك مصر . والوليد : الطفل من وقت ولادته وما يقاربها فإذا نمى لم ~~يسم وليدا وسمي طفلا ، ويعني بذلك التقاطه من نهر النيل . وذلك أن موسى ربي ~~عند ( رعمسيس الثاني ) من ملوك العائلة التاسعة عشرة من عائلات فراعنة مصر ~~حسب ترتيب المحققين من المؤرخين . وخرج موسى من مصر بعد أن قتل القبطي ~~وعمره أربعون سنة لقوله تعالى : { ولما بلغ أشده واستوى أتيناه حكما إلى ~~قوله : ودخل المدينة } ( القصص : 14 ، 15 ) الآية وبعث وعمره ثمانون سنة ~~حسبما في التوراة . وكان فرعون الذي بعث إليه موسى هو ( منفتاح الثاني ابن ~~رعمسيس الثاني ) وهو الذي خلفه في الملك بعد وفاته أواسط القرن الخامس عشر ~~قبل المسيح ، فلا جرم كان موسى مربى والده ، فلذلك قال له : ألم نربك فينا ~~وليدا ، ولعله ربي مع فرعون هذا كالأخ . # والسنين التي لبثها موسى فيهم هي نحو أربعين سنة . PageV19P111 # والفعلة : المرة الواحدة من الفعل ، وأراد بها الحاصل بالمصدر كما اقتضته ~~إضافتها إلى ضمير المخاطب ، وأراد بالفعلة قتله القبطي ، قيل هو خباز فرعون ~~. وعبر عنها بالموصول لعلم موسى ms5845 بها ، وفي ذلك تهويل للفعلة يكنى به عن ~~تذكيره بما يوجب توبيخه . # وفي العدول عن ذكر فعلة معينة إلى ذكرها مبهمة مضافة إلى ضميره ثم وصفها ~~بما لا يزيد على معنى الموصوف تهويل مراد به التفظيع وأنها مشتهرة معلومة ~~مع تحقيق إلصاق تبعتها به حتى لا يجد تنصلا منها . # وجملة : { وأنت من الكافرين } حال من ضمير { فعلت } . والمراد به كفر ~~نعمة فرعون من حيث اعتدى على أحد خاصته وموالي آله ، وكان ذلك انتصارا لرجل ~~من بني إسرائيل الذين يعدونهم عبيد فرعون وعبيد قومه ، فجعل فرعون انتصار ~~موسى لرجل من عشيرته كفرانا لنعمة فرعون لأنه يرى واجب موسى أن يعد نفسه من ~~قوم فرعون فلا ينتصر لإسرائيلي ، وفي هذا إعمال أحكام التبني وإهمال أحكام ~~النسب وهو قلب حقائق وفساد وضع . قال تعالى : { وما جعل أدعياءكم أبناءكم ~~ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل } ( الأحزاب : 4 ) . ~~وليس المراد الكفر بديانة فرعون لأن موسى لم يكن يوم قتل القبطي متظاهرا ~~بأنه على خلاف دينهم وإن كان في باطنه كذلك لأن الأنبياء معصومون من الكفر ~~قبل النبوءة وبعدها . # ويجوز أن تكون جملة : { وأنت من الكافرين } عطفا على الجمل التي قبلها ~~التي هي توبيخ ولوم ، فوبخه على تقدم رعيه تربيتهم إياه فيما مضى ، ثم وبخه ~~على كونه كافرا بدينهم في الحال ، لأن قوله : { من الكافرين } حقيقة في ~~الحال إذ هو اسم فاعل واسم الفاعل حقيقة في الحال . # ويجوز أن يكون المعنى : وأنت حينئذ من الكافرين بديننا ، استنادا منه إلى ~~ما بدا من قرائن دلته على استخفاف موسى بدينهم فيما مضى لأن دينهم يقتضي ~~الإخلاص لفرعون وإهانة من يهينهم فرعون . ولعل هذا هو السبب في عزم فرعون ~~على أن يقتص من موسى للقبطي لأن الاعتداء عليه كان مصحوبا باستخفاف بفرعون ~~وقومه . PageV19P112 # ويفيد الكلام بحذافره تعجبا من انتصاب موسى منصب المرشد مع ما اقترفه من ~~النقائص في نظر فرعون المنافية لدعوى كونه رسولا من الرب . # # | 2 ( 20 22 ) { لله قال فعلتهآ إذا وأنا من الضآلين ms5846 * ففررت منكم لما ~~خفتكم فوهب لى ربى حكما وجعلنى من المرسلين * وتلك نعمة تمنها على أن عبدت ~~بنى إسراءيل } . ) 2 # كانت رباطة جأش موسى وتوكله على ربه باعثة له على الاعتراف بالفعلة وذكر ~~ما نشأ عنها من خير له ، ليدل على أنه حمد أثرها وإن كان قد اقترفها غير ~~مقدر ما جرته إليه من خير ؛ فابتدأ بالإقرار بفعلته ليعلم فرعون أنه لم يجد ~~لكلامه مدخل تأثير في نفس موسى . وأخر موسى الجواب عن قول فرعون { ألم نربك ~~فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين } ( الشعراء : 18 ) لأنه علم أن القصد ~~منه الإقصار من مواجهته بأن ربا أعلى من فرعون أرسل موسى إليه . وابتدأ ~~بالجواب عن الأهم من كلام فرعون وهو { وفعلت فعلتك } ( الشعراء : 19 ) لأنه ~~علم أنه أدخل في قصد الإفحام ، وليظهر لفرعون أنه لا يوجل من أن يطالبوه ~~بذحل ذلك القتيل ثقة بأن الله ينجيه من عدوانهم . # وكلمة { إذا } هنا حرف جواب وجزاء ، فنونه الساكنة ليست تنوينا بل حرفا ~~أصليا للكلمة ، وقدم { فعلتها } على ( إذن ) مبادرة بالإقرار ليكون كناية ~~عن عدم خشيته من هذا الإقرار . ومعنى المجازاة هنا ما بينه في ( الكشاف ) : ~~أن قول فرعون { فعلت فعلتك } ( الشعراء : 19 ) يتضمن معنى جازيت نعمتنا بما ~~فعلت ؛ فقال له موسى : نعم فعلتها مجازيا لك ، تسليما لقوله ، لأن نعمته ~~كانت جديرة بأن تجازى بمثل ذلك الجزاء . وهذا أظهر ما قيل في تفسير هذه ~~الآية . وقال القزويني في ( حاشية الكشاف ) قال بعض المحققين : { إذا } ظرف ~~مقطوع عن الإضافة مؤثرا فيه الفتح على الكسر لخفته وكثرة الدوران ، ولعله ~~يعني ببعض المحققين رضي الدين الاسترابادي في ( شرح الكافية الحاجبية ) ~~فإنه قال في باب الظروف : والحق أن ( إذ ) إذا حذف المضاف إليه منه وأبدل ~~منه التنوين في غير نحو يومئذ ، جاز فتحه أيضا ، ومنه قوله تعالى : { ~~فعلتها إذا وأنا من الضالين } أي فعلتها إذ ربيتني ، PageV19P113 إذ لا ~~معنى للجزاء ههنا اه . فيكون متعلقا ب { فعلتها } مقطوعا عن الإضافة لفظا ~~لدلالة العامل على المضاف إليه . والمعنى : فعلتها ms5847 زمنا فعلتها ، فتذكيري ~~بها بعد زمن طويل لا جدوى له . وهذا الوجه في { إذا } في الآية هو مختار ~~ابن عطية والرضي في ( شرح الحاجبية ) والدماميني في ( المزج على المغني ) ، ~~وظاهر كلام القزويني في ( الكشف على الكشاف ) أنه يختاره . # ومعنى الجزاء في قوله : { فعلتها إذا } أن قول فرعون { وفعلت فعلتك التي ~~فعلت } ( الشعراء : 19 ) قصد به إفحام موسى وتهديده ، فجعل موسى الاعتراف ~~بالفعلة جزاء لذلك التهديد على طريقة القول بالموجب ، أي لا أتهيب ما أردت ~~. # وجعل موسى نفسه من الضالين إن كان مراد كلامه الذي حكت الآية معناه إلى ~~العربية المعنى المشهور للضلال في العربية وهو ضلال الفساد فيكون مراده : ~~أن سورة الغضب أغفلته عن مراعاة حرمة النفس وإن لم يكن يومئذ شريعة ( فإن ~~حفظ النفوس مما اتفق عليه شرائع البشر وتوارثوه في الفتر ، ويؤيد هذا قوله ~~في الآية الأخرى { قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له } ( القصص : 16 ) ~~) ؛ وإن كان مراده معنى ضلال الطريق ، أي كنت يومئذ على غير معرفة بالحق ~~لعدم وجود شريعة ، وهو معنى الجهالة كقوله تعالى : { ووجدك ضالا فهدى } ( ~~الضحى : 7 ) فالأمر ظاهر . # وعلى كلا الوجهين فجواب موسى فيه اعتراف بظاهر التقرير وإبطال لما ~~يستتبعه من جعله حجة لتكذيبه برسالته عن الله ، ولذلك قابل قول فرعون { ~~وأنت من الكافرين } ( الشعراء : 19 ) بقوله : { وأنا من الضالين } إبطالا ~~لأن يكون يومئذ كافرا ، ولذلك كان هذا أهم بالإبطال . # وبهذا يظهر وجه الاسترسال في الجواب بقوله : { فوهب لي ربي حكما وجعلني ~~من المرسلين } ، أي فكان فراري قد عقبه أن الله أنعم علي فأصلح حالي وعلمني ~~وهداني وأرسلني . فليس ذلك من موسى مجرد إطناب بل لأنه يفيد معنى أن ~~الإنسان ابن يومه لا ابن أمسه ، والأحوال بأواخرها فلا عجب فيما قصدت فإن ~~الله أعلم حيث يجعل رسالاته . PageV19P114 # وقوله : { ففررت منكم } أي فرارا مبتدئا منكم ، لأنهم سبب فراره ، وهو ~~بتقدير مضاف ، أي من خوفكم . والضمير لفرعون وقومه الذين ائتمروا على قتل ~~موسى ، كما قال تعالى : { وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى ms5848 قال يا موسى إن ~~الملأ يأتمرون بك ليقتلوك } ( القصص : 20 ) . والحكم : الحكمة والعلم ، ~~وأراد بها النبوءة وهي الدرجة الأولى حين كلمه ربه . ثم قال : { وجعلني من ~~المرسلين } أي بعد أن أظهر له المعجزة وقال له : { إني اصطفيتك على الناس } ~~( الأعراف : 144 ) أرسله بقوله : { اذهب إلى فرعون إنه طغى } ( طه : 24 ) . # ثم عاد إلى أول الكلام فكر على امتنانه عليه بالتربية فأبطله وأبى أن ~~يسميه نعمة ، فقوله : { وتلك نعمة } إشارة إلى النعمة التي اقتضاها ~~الامتنان في كلام فرعون إذ الامتنان لا يكون إلا بنعمة . # ثم إن جعلت جملة { أن عبدت } بيانا لاسم الإشارة كان ذلك لزيادة تقرير ~~المعنى مع ما فيه من قلب مقصود فرعون وهو على حد قوله تعالى : { وقضينا ~~إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين } ( الحجر : 66 ) إذ قوله { أن ~~دابر هؤلاء } بيان لقوله : { ذلك الأمر } . # ويجوز أن يكون { أن عبدت } في محل نصب على نزع الخافض وهو لام التعليل ~~والتقدير : لأن عبدت بني إسرائيل . # وقيل الكلام استفهام بحذف الهمزة وهو استفهام إنكار . ومعنى { عبدت } ~~ذللت ، يقال : عبد كما يقال : أعبد بهمزة التعدية . أنشد أيمة اللغة : # حتام يعبدني قومي وقد كثرت # فيهم آباعر ما شاءوا وعبدان # وكلام موسى على التقادير الثلاثة نقض لامتنان فرعون بقلب النعمة نقمة ~~بتذكيره أن نعمة تربيته ما كانت إلا بسبب إذلال بني إسرائيل إذ أمر فرعون ~~باستئصال أطفال بني إسرائيل الذي تسبب عليه إلقاء أم موسى بطفلها في اليم ~~حيث عثرت عليه امرأة فرعون ومن معها من حاشيتها وكانوا قد علموا أنه من ~~أطفال إسرائيل بسماتت وجهه ولون جلده ، ولذلك قالت امرأة فرعون { قرت عين ~~لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا } ( القصص : 9 ) . وفيه أن ~~الإحسان إليه مع الإساءة إلى قومه لا يزيد إحسانا ولا منة . # PageV19P115 # | 2 ( 23 ، 24 ) { قال فرعون وما رب العالمين * قال رب السماوات والارض ~~وما بينهمآ إن كنتم موقنين } . ) 2 # لما لم يرج تهويله على موسى عليه السلام وعلم أنه غير مقلع عن دعوته ms5849 ~~تنفيذا لما أمره الله ثنى عنان جداله إلى تلك الدعوة فاستفهم عن حقيقة رب ~~العالمين الذي ذكر موسى وهارون أنهما مرسلان منه إذ قالا : { إنا رسول رب ~~العالمين } ( الشعراء : 16 ) وإظهار اسم فرعون مع أن طريقة حكاية المقاولات ~~والمحاورة يكتفى فيها بضمير القائلين بطريقة قال قال ، أو قال فقال ، فعدل ~~عن تلك الطريقة إلى إظهار اسمه لإيضاح صاحب هذه المقالة لبعد ما بين قوله ~~هذا وقوله الآخر . # والواو عاطفة هذا الاستفهام على الاستفهام الأول الذي وقع كلام موسى ~~فاصلا بينه وبين ما عطف عليه . # وحرف { ما } الغالب فيه أن يكون للسؤال عن حقيقة الاسم بعده التي تميزه ~~عن غيره ، ولذلك يسأل بها عن تعيين القبيلة ، ففي حديث الوفود أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال لهم : ( ما أنتم ) ، ففرعون سأل موسى عليه السلام تبيين ~~حقيقة هذا الذي وصفه بأنه { رب العالمين } ( الشعراء : 16 ) ، فقد كانت ~~عقائد القبط تثبت آلهة متفرقة قد اقتسمت التصرف في عناصر هذا العالم وأجناس ~~الموجودات ، وتلك العناصر هي العالمون ولا يدينون بإله واحد ، فإن تعدد ~~الآلهة المتصرفة ينافي وحدانية التصرف ، فلما سمع فرعون من كلام موسى إثبات ~~رب العالمين قرع سمعه بما لم يألفه من قبل لاقتضائه إثبات إله واحد وانتفاء ~~الإلهية عن الآلهة المعروفة عندهم ، على أنهم كانوا يزعمون أن فرعون هو ~~المجتبى من الآلهة ليكون ملك مصر . فهو مظهر الآلهة الأخرى في تدبير ~~المملكة { قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي } ( ~~الزخرف : 51 ) . وبهذا الانتساب إلى الآلهة وتمثيله إرادتهم في الأرض كان ~~فرعون يدعى إلها . # وقد كانت الأمم يومئذ في غفلة عما عدا أنفسها فكانوا لا يفكرون في مختلف ~~أحوال الأمم وعوائد البشر . ولا تشعر كل أمة إلا بنفسها وخصائصها من آلهتها ~~وملوكها فكان الملك لا يشيع في أمته غير قوته وانتصاره على الثائرين ، ~~ويخيل للناس أن العالم منحصر في تلك الرقعة من الأرض . فلا تجد في آثار ~~القبط PageV19P116 صورا للأمم غير صور القبائل الذين يغزوهم فرعون ويأتي ~~بأسراهم ms5850 في الأغلال والسلاسل خاضعين عابدين حتى يخيل لقومه أنه لما غلب ~~أولئك فقد كان قهار البشر كلهم ، ويخفي أخبار انكساره إلا إذا لحقه غلب ~~عظيم من أمة كبرى بحيث لا يستطيع إخفاءه ، فحينئذ ينتقل أسلوب التاريخ ~~عندهم وتنتحل الدولة الجديدة أساليب الدولة الماضية وتنسى حوادث الماضي ~~وتغلب على مخيلاتهم الحالة الحاضرة ، وللدعاة والمروجين أثر كبير في ذلك . ~~وبهذا يتضح باعث فرعون على هذا السؤال الذي ألقاه على موسى ، وهو استفهام ~~مشوب بتعجب وإنكار على طريق الكناية . # ومن دقائق هذه المجادلة أن الاستفسار مقدم في المناظرات ، ولذلك ابتدأ ~~فرعون بالسؤال عن حقيقة الذي أرسل موسى عليه السلام . # وكان جواب موسى عليه السلام بيانا لحقيقة رب العالمين بما يصير وصفه برب ~~العالمين نصا لا يحتمل غير ما أراده من ظاهره ، فأتى بشرح اللفظ بما هو ~~تفصيل لمعناه ، إذ قال : { رب السماوات والأرض وما بينهما } ، فبذكر ~~السموات والأرض وبعموم ما بينهما حصل بيان حقيقة المسؤول عنه ب { ما } ~~ومرجع هذا البيان إلى أنه تعريف لحقيقة الرب بخصائصها لأن ذلك غاية ما تصل ~~إليه العقول في معرفة الله أن يعرف بآثار خلقه ، فهو تعريف رسمي في ~~الاصطلاح المنطقي . # وانتظم السؤال والجواب على طريقة السؤال بكلمة { ما } عن الجنس . وهو جار ~~على الوجه الأول من وجوه ثلاثة في تقرير السؤال والجواب من كلام ( الكشاف ) ~~، وهو أيضا مختار السكاكي في قانون الطلب من كتاب ( المفتاح ) ، وطابق ~~الجواب السؤال تمام المطابقة . # وأشار صاحب ( الكشاف ) وصرح صاحب ( المفتاح ) بأن جواب موسى بما يبين ~~حقيقة { رب العالمين } تضمن تنبيها على أن الاستدلال على ثبات الخالق ~~الواحد يحصل بالنظر في السماوات والأرض وما بينهما نظرا يؤدي إلى العلم ~~بحقيقة الرب الواحد الممتازة عن حقائق المخلوقات . # ولهذا أتبع بيانه بقوله : { إن كنتم موقنين } ، أي إن كنتم مستعدين ~~للإيقان طالبين لمعرفة الحقائق غير مكابرين . وسمي العلم بذلك إيقانا لأن ~~شأن اليقين PageV19P117 بأن خالق السموات والأرض وما بينهما هو الإلاه لا ~~يشاركه غيره . # وضمير الجمع في { كنتم موقنين } مراد به جميع حاضري مجلس ms5851 فرعون ، أراد ~~موسى تشريكهم في الدعوة تقصيا لكمال الدعوة وأن مؤاخذة القائل لا تقع إلا ~~بعد اتضاح مراده من مقاله إذ لا يؤاخذ بالمجملات . ومن هذا قال سحنون فيمن ~~صدر منه قول أو فعل يستلزم كفرا : إنه يحضر ويوقف على لازم قوله فإن فهمه ~~والتزم ما يلزمه حينئذ يعتبر مرتدا ويستتاب ثلاثة أيام بعد ذلك . # # | 2 ( 25 ) { قال لمن حوله ألا تستمعون } . ) 2 # أعرض فرعون عن خطاب موسى واستثار نفوس الملأ من حوله وهم أهل مجلسه ~~فاستفهمهم استفهام تعجب من حالهم كيف لم يستمعوا ما قاله موسى فنزلهم منزلة ~~من لم يستمعه تهييجا لنفوسهم كي لا تتمكن منهم حجة موسى ، فسلط الاستفهام ~~على نفي استماعهم كما تقدم . وهذا التعجب من حال استماعهم وسكوتهم يقتضي ~~التعجب من كلام موسى بطريق فحوى الخطاب فهو كناية عن تعجب آخر . ومرجع ~~التعجبين أن إثبات رب واحد لجميع المخلوقات منكر عند فرعون لأنه كان مشركا ~~فيرى توحيد الإله لا يصح السكوت عليه ، ولكون خطاب فرعون لمن حوله يتضمن ~~جوابا عن كلام موسى حكي كلام فرعون بالصيغة التي اعتيدت في القرآن حكاية ~~المقاولات بها ، كما تقدم غير مرة ، كأنه يجيب موسى عن كلامه . # # | 2 ( 26 ) { قال ربكم ورب ءابآئكم الاولين } . ) 2 # كلام موسى هذا في معرض الجواب عن تعجب فرعون من سكوت من حوله فلذلك كانت ~~حكايته قوله على الطريقة التي تحكى بها المقاولات . ولما كان في كلام فرعون ~~إعراض عن مخاطبة موسى إذ تجاوزه إلى مخاطبة من حوله ، وجه موسى خطابه إلى ~~جميعهم ، وإذ رأى موسى أنهم جميعا لم يهتدوا إلى الاقتناع بالاستدلال على ~~خلق الله العوالم الذي ابتدأ به هو أوسع دلالة على وجود الله تعالى ~~ووحدانيته إذ في كل شيء مما في السموات والأرض وما بينهما آية تدل على أنه ~~PageV19P118 واحد ، فنزل بهم إلى الاستدلال بأنفسهم وبآبائهم إذ أوجدهم ~~الله بعد العدم ثم أعدم آباءهم بعد وجودهم ؛ لأن أحوال أنفسهم وآبائهم أقرب ~~إليهم وأيسر استدلالا على خالقهم ، فالاستدلال الأول يمتاز بالعموم ، ~~والاستدلال الثاني ms5852 يمتاز بالقرب من الضرورة ، فإن كثيرا من العقلاء توهموا ~~السموات قديمة واجبة الوجود ، فأما آباؤهم فكثير من السامعين شهدوا انعدام ~~كثير من آبائهم بالموت ، وكفى به دليلا على انتفاء القدم الدال على انتفاء ~~الإلهية . # وشمل عموم الآباء بإضافته إلى الضمير وبوصفه بالأولين بعض من يزعمونهم في ~~مرتبة الآلهة مثل الفراعنة القدماء الملقبين عندهم بأبناء الشمس ، والشمس ~~معدودة في الآلهة ويمثلها الصنم ( آمون رع ) . # والرب : الخالق والسيد بموجب الخالقية . # $ 2 ( 27 ) { قال إن رسولكم الذى & # 1764 أرسل إليكم لمجنون } . ) 2 $ # احتد فرعون لما ذكر موسى ما يشمل آباءه المقدسين بذكر يخرجهم من صفة ~~الإلهية زاعما أن هذا يخالف العقل بالضرورة فلا يصدر إلا من مختل الإدراك ، ~~وكأنه رأى أن الاستدلال بخالقيتهم وخالقية آبائهم عبث لأن فرعون وملأه يرون ~~تكوين الآدمي بالتولد وهم لا يحسبون التكوين الدال على الخالقية إلا ~~التكوين بالطفرة دون التدريج بناء على أن الأشياء المعتادة لا تتفطن إلى ~~دقائقها العقول الساذجة ، فهم يحسبون تكوين الفرخ من البيضة أقل من تكوين ~~الرعد ، وأن تكوين دودة القز أدل على الخالق من تكوين الآدمي مع أنه ليس ~~كذلك ؛ فلذلك زعم أن ادعاء دلالة تكوين الآباء والأبناء ودلالة فناء الآباء ~~على ثبوت الإله الواحد رب الآباء والأبناء ضربا من الجنون إذ هو تكوين لم ~~يشهدوا دقائقه ، والمعروف المألوف ولادة الأجنة وموت الأموات . # وأكد كلامه بحرفي التأكيد لأن حالة موسى لا تؤذن بجنونه فكان وصفه ~~بالمجنون معرضا للشك فلذلك أكد فرعون أنه مجنون يعني أنه علم من حال موسى ~~ما عسى أن لا يعلمه السامعون . PageV19P119 # وقصد بإطلاق وصف الرسول على موسى التهكم به بقرينة رميه بالجنون المحقق ~~عنده . # وأضاف الرسول إلى المخاطبين ربئا بنفسه عن أن يكون مقصودا بالخطاب ، وأكد ~~التهكم والربء بوصفه بالموصول { الذي أرسل إليكم } فإن مضمون الموصول وصلته ~~هو مضمون { رسولكم } فكان ذكره كالتأكيد ، وتنصيصا على المقصود لزيادة ~~تهييج السامعين كيلا يتأثروا أو يتأثر بعضهم بصدق موسى لأن فرعون يتهيأ ~~لإعداد العدة لمقاومة موسى لعلمه بأن له قوما في مصر ms5853 ربما يستنصر بهم . # # | 2 ( 28 ) { قال رب المشرق والمغرب وما بينهمآ إن كنتم تعقلون } . ) 2 # لما رأى موسى سوء فهمهم وعدم اقتناعهم بالاستدلال على الوحدانية بالتكوين ~~المعتاد إذ التبس عليهم الأمر المعتاد بالأمر الذي لا صانع له انتقل موسى ~~إلى ما لا قبل لهم بجحده ولا التباسه وهو التصرف العجيب المشاهد كل يوم ~~مرتين ، كما انتقل إبراهيم عليه السلام من الاستدلال على وجود الله ~~بالإحياء والإماتة لما تموه على النمرود حقيقة معنى الإحياء والإماتة ~~فانتقل إبراهيم إلى الاستدلال بطلوع الشمس فيما حكى الله تعالى : { ألم تر ~~إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي ~~يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق ~~فأتت بها من المغرب } ( البقرة : 258 ) فكانت حجة موسى حجة خليلية . # والمشرق والمغرب يجوز أن يراد بهما مكان شروق الشمس ومكان غروبها في ~~الأفق ، فيكون تحريكا للاستدلال بما يقع في ذلك المكان من الأفق من شروق ~~الشمس وغروبها ، فيكون المراد برب المشرق والمغرب خالق ذلك النظام اليومي ~~على طريقة الإيجاز . # ويجوز أن يراد بالمشرق والمغرب المصدر الميمي ، أي رب الشروق والغروب ، ~~فيكون المراد بالرب الخالق ، أي مكون الشروق والغروب ويكون المراد بما ~~بينهما على PageV19P120 هاذين الوجهين ما بين الحالين وضمير ( بينهما ) ~~للمشرق والمغرب فكأنه قيل وما بين المشرق والمغرب وما بين المغرب والمشرق ، ~~أي ما يقع في خلال ذلك من الأحوال ، فأما ما بين الشروق والغروب فالضحى ~~والزوال والعصر والاصفرار ، وأما ما بين الغروب والشروق فالشفق والفجر ~~والإسفار كلها دلائل على تكوين ذلك النظام العجيب المتقن . # وقيل المراد برب المشرق والمغرب مالك الجهتين . وهذا التفسير يفيت مناسبة ~~الكلام لمقام الاستدلال بعظيم ولا يلاقي التذييل الواقع بعده في قوله : { ~~إن كنتم تعقلون } . # وتانك الجهتان هما منتهى الأرض المعروفة للناس يومئذ فكأنه قيل : رب طرفي ~~الأرض ، وهو كناية عن كون جميع الأرض ملكا لله . وهذا استدلال عرفي إذ لم ~~يكونوا يعرفون يومئذ ملكا يملك ما بين المشرق ms5854 والمغرب ، وما كان ملك فرعون ~~المؤله عندهم إلا لبلاد مصر والسودان . # والتذييل بجملة : { إن كنتم تعقلون } تنبيه لنظرهم العقلي ليعاودوا النظر ~~فيدركوا وجه الاستدلال ، أي إن كنتم تعملون عقولكم ، ومن اللطائف جعل ذلك ~~مقابل قول فرعون : إن رسولكم لمجنون ، لأن الجنون يقابله العقل فكان موسى ~~يقول لهم قولا لينا ابتداء ، فلما رأى منهم المكابرة ووصفوه بالجنون خاشنهم ~~في القول وعارض قول فرعون { إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون } ( الشعراء ~~: 27 ) فقال : { إن كنتم تعقلون } أي إن كنتم أنتم العقلاء ، أي فلا تكونوا ~~أنتم المجانين ، وهذا كقول أبي تمام للذين قالا له : ( لم تقول ما لا يفهم ~~) قال : ( لم لا تفهمان ما يقال ) . # # | 2 ( 29 ) { قال لئن اتخذت إلاها غيرى لأجعلنك من المسجونين } . ) 2 # لما لم يجد فرعون لحجاجه نجاحا ورأى شدة شكيمة موسى في الحق عدل عن ~~الحجاج إلى التخويف ليقطع دعوة موسى من أصلها . وهذا شأن من قهرته الحجة ، ~~وفيه كبرياء أن ينصرف عن الجدل إلى التهديد . # واللام في قوله : { لئن اتخذت إلاها } موطئة للقسم . والمعنى أن فرعون ~~أكد وعيده بما يساوي اليمين المجملة التي تؤذن بها اللام الموطئة في اللغة ~~العربية كأن PageV19P121 يكون فرعون قال : علي يمين ، أو بالأيمان ، أو ~~أقسم . وفعل { اتخذت } للاستمرار ، أي أصررت على أن لك إلها أرسلك وأن تبقى ~~جاحدا للإله فرعون ، وكان فرعون معدودا إلها للأمة لأنه يمثل الآلهة وهو ~~القائم بإبلاغ مرادها في الأمة ، فهو الواسطة بينها وبين الأمة . # ومعنى : { لأجعلنك من المسجونين } لأسجننك ، فسلك فيه طريقة الإطناب لأنه ~~أنسب بمقام التهديد لأنه يفيد معنى لأجعلنك واحدا ممن عرفت أنهم في سجني ، ~~فالمقصود تذكير موسى بهول السجن . وقد تقدم أن مثل هذا التركيب يفيد تمكن ~~الخبر من المخبر عنه عند قوله تعالى : { قال أعوذ بالله أن أكون من ~~الجاهلين في سورة البقرة ( 67 ) . وقد كان السجن عندهم قطعا للمسجون عن ~~التصرف بلا نهاية ، فكان لا يدري متى يخرج منه قال تعالى : فأنساه الشيطان ~~ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين } ( يوسف : 42 ms5855 ) . # # | 2 ( 30 33 ) { لله قال أولو جئتك بشىء مبين * قال فأت به إن كنت من ~~الصادقين * فألقى عصاه فإذا هى ثعبان مبين * ونزع يده فإذا هى بيضآء ~~للناظرين } . ) 2 # لما رأى موسى من مكابرة فرعون عن الاعتراف بدلالة النظر ما لا مطمع معه ~~إلى الاسترسال في الاستدلال لأنه متعامم عن الحق عدل موسى إلى إظهار آية من ~~خوارق العادة دلالة على صدقه ، وعرض عليه ذلك قبل وقوعه ليسد عليه منافذ ~~ادعاء عدم الرضى بها . # واستفهمه استفهاما مشوبا بإنكار واستغراب على تقدير عدم اجتزاء فرعون ~~بالشيء المبين ، وأنه ساجنه لا محالة إن لم يعترف بإلهية فرعون ، قطعا ~~لمعذرته من قبل الوقوع . وهذا التقدير دلت عليه { لو } الوصلية التي هي ~~لفرض حالة خاصة . فالواو في قوله : { أولو جئتك } واو الحال ، والمستفهم ~~عنه بالهمزة محذوف دل عليه أن الكلام جواب قول فرعون { لأجعلنك من ~~المسجونين } ( الشعراء : 29 ) والتقدير : أتجعلني من المسجونين والحال لو ~~جئتك بشيء مبين ، إذ القصد الاستفهام عن الحالة التي تضمنها شرط { لو } ~~بأنها أولى الحالات بأن لا يثبت معها PageV19P122 الغرض المستفهم عنه على ~~فرض وقوعها وهو غرض الاستمرار على التكذيب ، وهو استفهام حقيقي . # وليست الواو مؤخرة عن همزة الاستفهام لأن لحرف الاستفهام الصدارة بل هي ~~لعطف الاستفهام . # والعامل في الحال وصاحب الحال مقدران دل عليهما قوله : { لأجعلنك } ( ~~الشعراء : 29 ) ، أي أتجعلني من المسجونين . # ووصف ( شيء ) ب { مبين } اسم فاعل من أبان المتعدي ، أي مظهر أني رسول من ~~الله . # وأعرض فرعون عن التصريح بالتزام الاعتراف بما سيجىء به موسى فجاء بكلام ~~محتمل إذ قال { فأت به إن كنت من الصادقين } . وفي قوله : { إن كنت من ~~الصادقين } إيماء إلى أن في كلام فرعون ما يقتضي أن فرض صدق موسى فرض ضعيف ~~كما هو الغالب في شرط { إن } مع إيهام أنه جاء بشيء مبين يعتبر صادقا فيما ~~دعا إليه ، فبقي تحقيق أن ما سيجيء به موسى مبين أو غير مبين . وهذا قد ~~استبقاه كلام فرعون إلى ما بعد الوقوع والنزول ليتأتى إنكاره إن ms5856 احتاج إليه ~~. # والثعبان : الحية الضخمة الطويلة . # ووصف { ثعبان } بأنه { مبين } الذي هو اسم فاعل من أبان القاصر الذي ~~بمعنى بان بمعنى ظهر ، ف { مبين } دال على شدة الظهور من أجل أن زيادة ~~المبنى تدل على زيادة المعنى ، أي ثعبان ظاهر أنه ثعبان لا لبس فيه ولا ~~تخييل . # وبالاختلاف بين { مبين } الأول و { مبين } الثاني اختلفت الفاصلتان معنى ~~فكانتا من قبيل الجناس ولم تكونا مما يسمى مثله إيطاء . # والإلقاء : الرمي من اليد إلى الأرض ، وتقدم في سورة الأعراف . # والنزع : سل شيء مما يحيط به ، ومنه نزع اللباس ، ونزع الدلو من البئر . ~~ونزع اليد : إخراجها من القميص ، فلذلك استغنى عن ذكر المنزوع منه لظهوره ، ~~أي أخرج يده من جيب قميصه . PageV19P123 # ودلت ( إذا ) المفاجئة على سرعة انقلاب لون يده بياضا . # واللام في قوله : { للناظرين } . يجوز أن تكون اللام التي يسميها ابن ~~مالك وابن هشام لام التعدية ، أي اتصال متعلقها بمجرورها . والأظهر أن تكون ~~اللام بمعنى ( عند ) ويكون الجار والمجرور حالا . وقد مضى بيان ذلك عند ~~قوله تعالى في سورة الأعراف ( 108 ) { ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين . # ومعنى : للناظرين } أن بياضها مما يقصده الناظرون لأعجوبته ، وكان لون ~~جلد موسى السمرة . والتعريف في { للناظرين } للاستغراق العرفي ، أي لجميع ~~الناظرين في ذلك المجلس . وهذا يفيد أن بياضها كان واضحا بينا مخالفا لون ~~جلده بصورة بعيدة عن لون البرص . # # | 2 ( 34 ، 35 ) { قال للملإ حوله إن هاذا لساحر عليم * يريد أن يخرجكم ~~من أرضكم بسحره فماذا تأمرون } . ) 2 # تقدم الكلام على نظير هذه الآية في سورة الأعراف ، سوى أن في هذه الآية ~~زيادة { بسحره } وهو واضح ، وفي هذه الآية أن هذا قول فرعون للملإ ، وفي ~~آية الأعراف ( 109 ) { قال الملأ من قوم فرعون } والجمع بينهما أن فرعون ~~قاله لمن حوله فأعادوه بلفظه للموافقة التامة بحيث لم يكتفوا بقول : نعم ، ~~بل أعادوا كلام فرعون ليكون قولهم على تمام قوله . # وانتصب { حوله } على الظرفية . والظرف هنا مستقر لأنه متعلق بكون محذوف ~~هو حال من الملأ . وتقدم وجه التعبير ms5857 عن إشارتهم عليه بقوله : { تأمرون } ~~في سورة الأعراف ( 110 ) . # $ 2 ( 36 ، 37 ) { قالو & # 1764 ا أرجه وأخاه وابعث فى المدآئن حاشرين * يأتوك بكل سحار عليم } . ) ~~2 $ # تقدم الكلام على نظيرها في سورة الأعراف سوى أن في هذه الآية { وابعث } ~~بدل { وأرسل } ( الأعراف : 111 ) وهما مترادفان ، وفي هذه الآية { سحار } ~~وهنالك { ساحر } ( الأعراف : 112 ) PageV19P124 والسحار مرادف للساحر في ~~الاستعمال لأن صيغة فعال هنا للنسب دلالة على الصناعة مثل النجار والقصار ~~ولذلك أتبع هنا وهناك بوصف { عليم } ، أي قوي العلم بالسحر . # # | 2 ( 38 40 ) { فجمع السحرة لميقات يوم معلوم * وقيل للناس هل أنتم ~~مجتمعون * لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين } . ) 2 # دلت الفاء على أن جمع السحرة وقع في أسرع وقت عقب بعث الحاشرين حرصا من ~~الحاشرين والمحشورين على تنفيذ أمر فرعون . # وبني ( جمع وقيل ) للنائب لعدم تعين جامعين وقائلين ، أي جمع من يجمع ، ~~وقال القائلون . # واللام في { لميقات } بمعنى ( عند ) كاللام في قوله تعالى : { أقم الصلاة ~~لدلوك الشمس } ( الإسراء : 78 ) . واليوم : هو يوم الزينة وهو يوم وفاء ~~النيل . والوقت هو الضحى كما في سورة طه . # والميقات : الوقت ، وأصله اسم آلة التوقيت . سمي به الوقت المعين تشبيها ~~له بالآلة . # والتعريف في { للناس } للاستغراق العرفي ، وهم ناس بلدة فرعون ( منفيس ) ~~أو ( طيبة ) . # و { هل أنتم مجتمعون } استحثاث للناس على الاجتماع ، فالاستفهام مستعمل ~~في طلب الإسراع بالاجتماع بحيث نزلوا منزلة من يسأل سؤال تحقيق عن عزمه على ~~الاجتماع كقوله تعالى : { فهل أنتم منتهون } في سورة العقود ( 91 ) ، وقول ~~تأبط شرا : # هل أنت باعث دينار لحاجتنا # أو عبد رب أخا عون بن مخراق PageV19P125 # يريد ابعث إلينا دينارا أو عبد رب سريعا لأجل حاجتنا بأحدهما . ورجوا ~~اتباع السحرة ، أي اتباع ما يؤيده سحر السحرة وهو إبطال دين ما جاء به موسى ~~، فكان قولهم { لعلنا نتبع السحرة } كناية عن رجاء تأييدهم في إنكار رسالة ~~موسى فلا يتبعونه . وليس المقصود أن يصير السحرة أيمة لهم لأن فرعون هو ~~المتبع . وقد جيء في شرط { إن كانوا هم الغالبين ms5858 } بحرف { إن } لأنها أصل ~~أدوات الشرط ولم يكن لهم شك في أن السحرة غالبون . وهذا شأن المغرورين ~~بهواهم ، العمي عن النظر في تقلبات الأحوال أنهم لا يفرضون من الاحتمالات ~~إلا ما يوافق هواهم ولا يأخذون العدة لاحتمال نقيضه . # # | 2 ( 41 ، 42 ) { فلما جآء السحرة قالوا لفرعون أإن لنا لاجرا إن كنا ~~نحن الغالبين * قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين } . ) 2 # تقدم نظيرها في سورة الأعراف بقوله : { وجاء السحرة } ( الأعراف : 113 ) ~~وبطرح همزة الاستفهام إذ قال هناك { إن لنا لأجرا } ( الأعراف : 113 ) ، ~~وهو تفنن في حكاية مقالتهم عند إعادتها لئلا تعاد كما هي ، وبدون كلمة { ~~إذا } ، فحكى هنا ما في كلام فرعون من دلالة على جزاء مضمونن قولهم : { إن ~~لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين } ( الأعراف : 113 ) زيادة على ما اقتضاه ~~حرف ( نعم ) من تقرير استفهامهم عن الأجر . فتقدير الكلام : إن كنتم غالبين ~~إذا إنكم لمن المقربين . وهذا وقع الاستغناء عنه في سورة الأعراف فهو زيادة ~~في حكاية القصة هنا . وكذلك شأن القرآن في قصصه أن لا يخلو المعاد منها عن ~~فائدة غير مذكورة في موضع آخر منه تجديدا لنشاط السامع كما تقدم في المقدمة ~~السابعة من مقدمات هذا التفسير . وسؤالهم عن استحقاق الأجر إدلال بخبرتهم ~~وبالحاجة إليهم إذ علموا أن فرعون شديد الحرص على أن يكونوا غالبين وخافوا ~~أن يسخرهم فرعون بدون أجر فشرطوا أجرهم من قبل الشروع في العمل ليقيدوه ~~بوعده . # # | 2 ( 43 ، 44 ) { قال لهم موسى ألقوا مآ أنتم ملقون * فألقوا حبالهم ~~وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون } . ) 2 # حكي كلام موسى في ذلك الجمع بإعادة فعل { قال } مفصولا بطريقة حكاية ~~PageV19P126 المحاورات لأنه كان المقصود بالمحاورة إذ هم حضروا لأجله . # ووقع في سورة الأعراف ( 115 ) { قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون ~~نحن الملقين قال ألقوا ، واختصر هنا تخييرهم موسى في الابتداء بالأعمال ، ~~وقد تقدم بيانه هناك ، فقول موسى لهم ألقوا } المحكي هنا هو أمر لمجرد ~~كونهم المبتدئين بالإلقاء لتعقبه إبطال سحرهم بما سيلقيه موسى ms5859 ، كما يقول ~~صاحب الجدل في علم الكلام للملحد : قرر شبهتك ، وهو يريد أن يدحضها له . ~~وهذا عضد الدين في كتاب ( المواقف ) يذكر شبه أهل الزيغ والضلال قبل ذكر ~~الأدلة الناقضة لها . وتقدم الإلقاء آنفا . وذكر هنا مفعول { ألقوا } ~~واختصر في سورة الأعراف . # وفي كلام موسى عليه السلام استخفاف بما سيلقونه لأنه عبر عنه بصيغة ~~العموم ، أي ما تستطيعون إلقاءه . وتقدم الكلام على الحبال والعصي في السحر ~~عند الكلام على مثل هذه القصة في سورة طه . # وقرنت حكاية قول السحرة بالواو خلافا للحكايات التي سبقتها لأن هذا قول ~~لم يقصد به المحاورة وإنما هو قول ابتدؤا به عند الشروع في السحر استعانة ~~وتيمنا بعزة فرعون . فالباء في قولهم { بعزة فرعون } كالباء في ( بسم الله ~~) أرادوا التيمن بقدرة فرعون ، قاله ابن عطية . # وقيل الباء للقسم : أقسموا بعزة فرعون على أنهم يغلبون ثقة منهم باعتقاد ~~ضلالهم أن إرادة فرعون لا يغلبها أحد لأنها إرادة آلهتهم . وهذا الذي نحاه ~~المفسرون ، والوجه الأول أحسن لأن الجملتين على مقتضاه تفيدان فائدتين . # والعزة : القدرة ، وتقدم في قوله { أخذته العزة بالإثم في سورة البقرة ( ~~206 ) . # وجملة : إنا لنحن الغالبون } استئناف إنشاء عن قولهم : { بعزة فرعون } : ~~كأن السامع وهو موسى أو غيره يقول في نفسه : ماذا يؤثر قولهم { بعزة فرعون ~~} ؟ فيقولون : { إنا لنحن الغالبون } ، وأرادوا بذلك إلقاء الخوف في نفس ~~موسى ليكون ما سيلقيه في نوبته عن خور نفس لأنهم يعلمون أن العزيمة من أكبر ~~أسباب نجاح السحر وتأثيره على الناظرين . وقد أفادت جملة : { إنا لنحن ~~الغالبون } بما فيها من المؤكدات مفاد القسم . # PageV19P127 # | 2 ( 45 ) { فألقى موسى عصاه فإذا هى تلقف ما يأفكون } . ) 2 # تقدم قريب منه في سورة الأعراف وفي سورة طه . # # | 2 ( 46 49 ) { فألقى السحرة ساجدين * قالوا آمنا برب العالمين * رب ~~موسى وهارون * قال ءامنتم له قبل أن ءاذن لكم إنه لكبيركم الذى علمكم السحر ~~فلسوف تعلمون لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولاصلبنكم أجمعين } . ) 2 # قصد فرعون إرهابهم بهذا الوعيد لعلهم يرجعون عن الإيمان بالله . ونظير ms5860 ~~أول هذه الآية تقدم في سورة الأعراف ، ونظير آخرها تقدم فيها وفي سورة طه . ~~وهنالك ذكرنا عدد السحرة وكيف آمنوا . واللام في { فلسوف } لام القسم . # # | 2 ( 50 ، 51 ) { لله قالوا لا ضير إنآ إلى ربنا منقلبون * إنا نطمع أن ~~يغفر لنا ربنا خطايانآ أن كنآ أول المؤمنين } . ) 2 # الضير : مرادف الضر ، يقال : ضاره بتخفيف الراء يضيره ، ومعنى { لا ضير } ~~لا يضرنا وعيدك . ومعنى نفي ضره هنا : أنه ضر لحظة يحصل عقبه النعيم الدائم ~~فهو بالنسبة لما تعقبه بمنزلة العدم . وهذه طريقة في النفي إذا قامت عليها ~~قرينة . ومنها قولهم : هذا ليس بشيء ، أي ليس بموجود ، وإنما المقصود أن ~~وجوده كالعدم . # وجملة : { إنا إلى ربنا منقلبون } تعليل لنفي الضير ، وهي القرينة على ~~المراد من النفي . # والانقلاب : الرجوع ، وتقدم في سورة الأعراف . # وجملة : { إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطيانا } بيان للمقصود من جملة : { ~~إنا إلى ربنا منقلبون } . والطمع : يطلق على الظن الضعيف ، وعرف بطلب ما ~~فيه PageV19P128 عسر . ويطلق ويراد به الظن كما في قول إبراهيم { والذي ~~أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين } ( الشعراء : 82 ) ، فهذا الإطلاق تأدب ~~مع الله لأنه يفعل ما يريد . وعللوا ذلك الطمع بأنهم كانوا أول المؤمنين ~~بالله بتصديق موسى عليه السلام ، وفي هذا دلالة على رسوخ إيمانهم بالله ~~ووعده . # $ 2 ( 52 ) { وأوحينآ إلى موسى أن أسر بعبادى & # 1764 إنكم متبعون } . ) 2 $ # هذه قصة أخرى من أحوال موسى في دعوة فرعون ، فالواو لعطف القصة ولا تفيد ~~قرب القصة من القصة ، فقد لبث موسى زمنا يطالب فرعون بإطلاق بني إسرائيل ~~ليخرجوا من مصر ، وفرعون يماطل في ذلك حتى رأى الآياتت التسع كما تقدم في ~~سورة الأعراف . ونظير بعض هذه الآية تقدم في سورة طه . وزادت هذه بقوله : { ~~إنكم متبعون } ، أي أعلم الله موسى أن فرعون سيتبعهم بجنده كما في آية سورة ~~طه . والقصد من إعلامه بذلك تشجيعه . # وقرأ نافع وابن كثير وأبو جعفر { اسر } بهمزة وصل فعل أمر من ( سرى ) ~~وبكسر نون { أن } . لأجل التقاء الساكنين . وقرأ الباقون ms5861 بهمزة قطع وسكون ~~نون ( أن ) وفعلا سرى وأسرى متحدان كما تقدم في قوله تعالى : { سبحان الذي ~~أسرى } ( الإسراء : 1 ) . # $ 2 ( 53 56 ) { فأرسل فرعون فى المدآئن حاشرين * إن هاؤلا & # 1764 ء لشرذمة قليلون * وإنهم لنا لغآئظون * وإنا لجميع حاذرون } . ) 2 $ # ظاهر ترتيب الجمل يقتضي أن الفاء للتعقيب على جملة : { وأوحينا إلى موسى ~~} ( الشعراء : 52 ) وأن بين الجملتين محذوفا تقديره : فأسرى موسى وخرج بهم ~~فأرسل فرعون حاشرين ، أي لما خرج بنو إسرائيل خشي فرعون أن ينتشروا في ~~مدائن مصر فأرسل فرعون في المدائن شرطا يحشرون الناس ليلحقوا بني إسرائيل ~~فيردوهم إلى المدينة قاعدة الملك . # و { المدائن } : جمع مدينة ، أي البلد العظيم . ومدائن القطر المصري ~~يومئذ كثيرة . منها ( مانوفرى أو منفيس ) هي اليوم ميت رهينة بالجيزة و ( ~~تيبة أو طيبة ) هي PageV19P129 بالأقصر و ( أبودو ) وتسمى اليوم العرابة ~~المدفونة ، و ( أبو ) وهي ( بو ) وهي ادنو ، و ( اون رميسي ) ، و ( أرمنت ) ~~و ( سنى ) وهي أسناء و ( ساورت ) وهي السيوط ، و ( خمونو ) وهي الاشمونيين ~~، و ( بامازيت ) وهي البهنسا ، و ( خسوو ) وهي سخا ، و ( كاريينا ) وهي سد ~~أبي قيرة ، و ( سودو ) وهي الفيوم ، و ( كويتي ) وهي قفط . # والتعريف في { المدائن } للاستغراق ، أي في مدائن القطر المصري ، وهو ~~استغراق عرفي ، أي المدائن التي لحكم فرعون أو المظنون وقوعها قرب طريقهم . ~~وكان فرعون وقومه لا يعلمون أين اتجه بنو إسرائيل فأراد أن يتعرض لهم في كل ~~طريق يظن مرورهم به . وكان لا يدري لعلهم توجهوا صوب الشام ، أو صوب ~~الصحراء الغربية ، وما كان يظن أنهم يقصدون شاطىء البحر الأحمر بحر ( ~~القلزم ) وكان يومئذ يسمى بحر ( سوف ) . # وجملة { إن هؤلاء لشرذمة قليلون } مقول لقول محذوف لأن { حاشرين } يتضمن ~~معنى النداء ، أي يقولون إن هؤلاء لشرذمة قليلون . # والإشارة ب { هؤلاء } إلى حاضر في أذهان الناس لأن أمر بني إسرائيل قد ~~شاع في أقطار مصر في تلك المدة التي بين جمع السحرة وبين خروج بني إسرائيل ~~، وليست الإشارة للسحرة خاصة إذ لا يلتئم ذلك مع القصة . # وفي اسم الإشارة إيماء إلى ms5862 تحقير لشأنهم أكده التصريح بأنهم شرذمة قليلون ~~. # والشرذمة : الطائفة القليلة من الناس ، هكذا فسره المحققون من أئمة اللغة ~~، فإتباعه بوصف { قليلون } للتأكيد لدفع احتمال استعمالها في تحقير الشأن ~~أو بالنسبة إلى جنود فرعون ، فقد كان عدد بني إسرائيل الذين خرجوا ستمائة ~~ألف ، هكذا قال المفسرون ، وهو موافق لما في سفر العدد من التوراة في ~~الإصحاح السادس والعشرين . # و { قليلون } خبر ثان عن اسم الإشارة ، فهو وصف في المعنى لمدلول { هؤلاء ~~} وليس وصفا لشرذمة ولكنه مؤكد لمعناها ، ولهذا جيء به بصيغة جمع السلامة ~~الذي هو ليس من جموع الكثرة . PageV19P130 # و ( قليل ) إذا وصف به يجوز مطابقته لموصوفه كما هنا ، ويجوز ملازمته ~~الإفراد والتذكير كما قال السموأل أو الحارثي : # وما ضرنا أنا قليل . . . البيت # ونظيره في ذلك لفظ ( كثير ) وقد جمعهما قوله تعالى : { إذ يريكهم الله في ~~منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم } ( الأنفال : 43 ) . # و ( غائظون ) اسم فاعل من غاظه الذي هو بمعنى أغاظه ، أي جعله ذا غيظ . ~~والغيظ : أشد الغضب . وتقدم في قوله تعالى : { عضوا عليكم الأنامل من الغيظ ~~في آل عمران ( 119 ) ، وقوله : ويذهب غيظ قلوبهم في سورة براءة ( 15 ) ، أي ~~وأنهم فاعلون ما يغضبنا . # واللام في قوله : لنا } لام التقوية واللام في { لغائظون } لام الابتداء ~~، وتقديم { لنا } على { لغائظون } للرعاية على الفاصلة . # وقوله : { وإنا لجميع حاذرون } حث لأهل المدائن على أن يكونوا حذرين على ~~أبلغ وجه إذ جعل نفسه معهم في ذلك بقوله : { لجميع } وذلك كناية عن وجوب ~~الاقتداء به في سياسة المملكة ، أي إنا كلنا حذرون ، ف { جميع } وقع مبتدأ ~~وخبره { حاذرون } ، والجملة خبر { إن } ، و ( جميع ) بمعنى : ( كل ) كقوله ~~تعالى : { إليه مرجعكم جميعا } في سورة يونس ( 4 ) . # و { حاذرون } قرأه الجمهور بدون ألف بعد الحاء فهو جمع حذر وهو من أمثلة ~~المبالغة عند سيبويه والمحققين . وقرأه حمزة وعاصم والكسائي وابن ذكوان عن ~~ابن عامر وخلف بألف بعد الحاء جمع ( حاذر ) بصيغة اسم الفاعل . والمعنى : ~~أن الحذر من شيمته وعادته فكذلك يجب أن تكون الأمة معه في ms5863 ذلك ، أي إنا من ~~عادتنا التيقظ للحوادث والحذر مما عسى أن يكون لها من سيىء العواقب . # وهذا أصل عظيم من أصول السياسة وهو سد ذرائع الفساد ولو كان احتمال ~~إفضائها إلى الفساد ضعيفا ، فالذرائع الملغاة في التشريع في حقوق الخصوص ~~غير ملغاة في سياسة العموم ، ولذلك يقول علماء الشريعة : إن نظر ولاة ~~الأمور في مصالح الأمة أوسع من نظر القضاة ، فالحذر أوسع من حفظ الحقوق وهو ~~الخوف PageV19P131 من وقوع شيء ضار يمكن وقوعه ، والترصد لمنع وقوعه ، ~~وتقدم في قوله { يحذر المنافقون } في براءة ( 64 ) . والمحمود منه هو الخوف ~~من الضار عند احتمال حدوثه دون الأمر الذي لا يمكن حدوثه فالحذر منه ضرب من ~~الهوس . # وهذا يرجح أن يكون المحذور هو الاغترار بإيمان السحرة بالله وتصديق موسى ~~ويبعد أن يكون المراد خروج بني إسرائيل من مصر لأنه حينئذ قد وقع فلا يحذر ~~منه وإنما يكون السعي في الانتقام منهم . # $ 2 ( 57 60 ) { فأخرجناهم من جنات وعيون * وكنوز ومقام كريم * كذلك ~~وأورثناها بنى & # 1764 إسراءيل * فأتبعوهم مشرقين } . ) 2 $ # إن جريت على ما فسر به المفسرون قوله : { فأرسل فرعون في المدائن حاشرين ~~} ( الشعراء : 53 ) لزمك أن تجعل الفاء في قوله : { فأخرجناهم } لتفريع ~~الخروج على إرسال الحاشرين ، أي ابتدأ بإرسال الحاشرين وأعقب ذلك بخروجه ، ~~فالتعقيب الذي دلت عليه الفاء بحسب ما يناسب المدة التي بين إرسال الحاشرين ~~وبين وصول الأنباء من أطراف المملكة بتعيين طريق بني إسرائيل إذ لا يخرج ~~فرعون بجنده على وجهه ، غير عالم بطريقهم . وضمير النصب عائد إلى فرعون ومن ~~معه مفهوما من قوله : { إنكم متبعون } ( الشعراء : 52 ) . # وإن جريت على ما فسرنا به قوله تعالى : { فأرسل فرعون } ( الشعراء : 53 ) ~~ولا إخالك إلا منشرح الصدر لاختيار ذلك ، فلتجعل الفاء في { فأخرجناهم } ~~تفريعا على جملة : { إنكم متبعون } ( الشعراء : 52 ) . والتقدير : فأسرى ~~موسى ببني إسرائيل فأخرجنا فرعون وجنده من بلادهم في طلب بني إسرائيل ~~فاتبعوا بني إسرائيل . # وضمير : { أخرجناهم } على كل تقدير عائد إلى ما يفهم من المقام ، أي ~~أخرجنا فرعون وجنده . والجنات ms5864 : جنات النخيل التي كانت على ضفاف النيل . ~~والعيون : منابع تحفر على خلجان النيل . والكنوز : الأموال المدخرة . # والمقام : أصله محل القيام أو مصدر قام . والمعنى على الأول : مساكن ~~كريمة ، وعلى الثاني : قيامهم في مجتمعهم ، والكريم : النفيس في نوعه . ~~وذلك ما PageV19P132 كانوا عليه من الأمن والثروة والرفاهية ، كل ذلك تركه ~~فرعون وجنوده الذين خرجوا منه لمطاردة بني إسرائيل لأنهم هلكوا فلم يرجعوا ~~إلى شيء مما تركوا . # { كذلك } تقدم الكلام على نظيره عند قوله تعالى : { كذلك وقد أحطنا بما ~~لديه خبرا } في سورة الكهف ( 91 ) . فهو بمنزلة الاعتراض . # وجملة : { وأورثناها بني إسرائيل } معترضة أيضا والواو اعتراضية وليست ~~عطفا لأجزاء القصة لما ستعلمه . والإيراث : جعل أحد وارثا . وأصله إعطاء ~~مال الميت ويطلق على إعطاء ما كان ملكا لغير المعطى ( بفتح الطاء ) كما قال ~~تعالى : { وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي ~~باركنا فيها } ( الأعراف : 137 ) ، أي أورثنا بني إسرائيل أرض الشام ، وقال ~~: { ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا } ( فاطر : 32 ) . # والمعنى : أن الله أرزأ أعداء موسى ما كان لهم من نعيم إذ أهلكهم وأعطى ~~بني إسرائيل خيرات مثلها لم تكن لهم ، وليس المراد أنه أعطى بني إسرائيل ما ~~كان بيد فرعون وقومه من الجنات والعيون والكنوز ، لأن بني إسرائيل فارقوا ~~أرض مصر حينئذ وما رجعوا إليها كما يدل عليه قوله في سورة الدخان ( 28 ) { ~~كذلك وأورثناها قوما آخرين . ولا صحة لما يقوله بعض أهل قصص القرآن من أن ~~بني إسرائيل رجعوا فملكوا مصر بعد ذلك ، فإن بني إسرائيل لم يملكوا مصر بعد ~~خروجهم منها سائر الدهر فلا محيص من صرف الآية عن ظاهرها إلى تأويل يدل ~~عليه التاريخ ويدل عليه ما في سورة الدخان . # فضمير أورثناها } هنا عائد للأشياء المعدودة باعتبار أنها أسماء أجناس ، ~~أي أورثنا بني إسرائيل جناتت وعيونا وكنوزا ، فعود الضمير هنا إلى لفظ ~~مستعمل في الجنس وهو قريب من الاستخدام وأقوى منه ، أي أعطيناهم أشياء ما ~~كانت لهم من قبل وكانت للكنعانيين فسلط الله عليهم بني إسرائيل فغلبوهم ms5865 على ~~أرض فلسطين والشام . وقد يعود الضمير على اللفظ دون المعنى كما في قولهم : ~~عندي درهم ونصفه ، وقوله تعالى : { إن امرؤا هلك ليس له ولد وله أخت فلها ~~نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد } ( النساء : 176 ) ، إذ ليس ~~المراد أن المرء الذي هلك يرث أخته التي لها نصف ما ترك بل المراد : والمرء ~~يرث أختا له إن لم يكن لها ولد ، ويجوز أن PageV19P133 يكون نصب الضمير ~~لفعل ( أورثنا ) على معنى التشبيه البليغ ، أي أورثنا أمثالها . وقيل ضمير ~~: { أورثناها } عائد إلى خصوص الكنوز لأن بني إسرائيل استعاروا ليلة خروجهم ~~من جيرانهم المصريين مصوغهم من ذهب وفضة وخرجوا به كما تقدم في سورة طه . # ويجوز عندي وجه آخر وهو أن تكون جملة { فأخرجناهم من جنات } إلى قوله : { ~~وأورثناها } حكاية لكلام من الله معترض بين كلام فرعون . وضمير { فأخرجناهم ~~} عائد إلى قوم فرعون المفهوم من قوله : { في المدائن } ( الشعراء : 53 ) ، ~~أي فأخرجنا أهل المدائن . وحذف المفعول الثاني لفعل { أورثناها } . ~~والتقدير : وأورثناها غيرهم ، ويكون قوله : { بني إسرائيل } بيانا لاسم ~~الإشارة في قوله : { إن هؤلاء } ( الشعراء : 54 ) سلك به طريق الإجمال ثم ~~البيان ليقع في أنفس السامعين أمكن وقع . # وجملة : { فأتبعوهم مشرقين } مفرعة على جملة : { فأخرجناهم } وما بينهما ~~اعتراض . والتقدير : فأخرجناهم فأتبعوهم . والضمير المرفوع عائد إلى ما عاد ~~عليه ضمير النصب من قوله : { فأخرجناهم } ، وضمير النصب عائد إلى { عبادي } ~~( الشعراء : 52 ) من قوله : { أن اسر بعبادي } ( الشعراء : 52 ) . # و { أتبعوهم } بهمزة قطع وسكون التاء بمعنى تبع ، أي فلحقوهم . # و { مشرقين } حال من الضمير المرفوع يجوز أن يكون معناه قاصدين جهة الشرق ~~يقال : أشرق ، إذا دخل في أرض الشرق ، كما يقال : أنجد وأتهم وأعرق وأشأم ، ~~ويعلم من هذا أن بني إسرائيل توجهوا صوب الشرق وهو صوب بحر ( القلزم ) وهو ~~البحر الأحمر وسمي يومئذ بحر سوف وهو شرقي مصر . ويجوز أن يكون المعنى ~~داخلين في وقت الشروق ، أي أدركوهم عند شروق بعد أن قضوا ليلة أو ليالي ~~مشيا فما بصر بعضهم ببعض إلا ms5866 عند شروق الشمس بعد ليالي السفر . # PageV19P134 # | 2 ( 61 66 ) { فلما ترآءا الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون * قال ~~كلا إن معى ربى سيهدين * فأوحينآ إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان ~~كل فرق كالطود العظيم * وأزلفنا ثم الاخرين * وأنجينا موسى ومن معه أجمعين ~~* ثم أغرقنا الاخرين } . ) 2 # أي لما بلغ فرعون وجنوده قريبا من مكان جموع بني إسرائيل بحيث يرى كل ~~فريق منهما الفريق الآخر . فالترائي تفاعل لأنه حصول الفعل من الجانبين . # وقولهم : { إنا لمدركون } بالتأكيد لشدة الاهتمام بهذا الخبر وهو مستعمل ~~في معنى الجزع . و { كلا } ردع . وتقدم في سورة مريم ( 79 ) { كلا سنكتب ما ~~يقول } ردع به موسى ظنهم أنهم يدركهم فرعون ، وعلل ردعهم عن ذلك بجملة : { ~~إن معي ربي سيهدين } . # وإسناد المعية إلى الرب في { إن معي ربي } على معنى مصاحبة لطف الله به ~~وعنايته بتقدير أسباب نجاته من عدوه . وذلك أن موسى واثق بأن الله منجيه ~~لقوله تعالى : { إنا معكم مستمعون } ( الشعراء : 15 ) ، وقوله : { اسر ~~بعبادي إنكم متبعون } ( الشعراء : 52 ) كما تقدم آنفا أنه وعد بضمان النجاة ~~. # وجملة : { سيهدين } مستأنفة أو حال من { ربي } . ولا يضر وجود حرف ~~الاستقبال لأن الحال مقدرة كما في قوله تعالى حكاية عن إبراهيم { قال إني ~~ذاهب إلى ربي سيهدين } ( الصافات : 99 ) . والمعنى : أنه سيبين لي سبيل ~~سلامتنا من فرعون وجنده . واقتصر موسى على نفسه في قوله : { إن معي ربي ~~سيهدين } لأنهم لم يكونوا عالمين بما ضمن الله له من معية العناية فإذا ~~علموا ذلك علموا أن هدايته تنفعهم لأنه قائدهم والمرسل لفائدتهم . ووجه ~~اقتصاره على نفسه أيضا أن طريق نجاتهم بعد أن أدركهم فرعون وجنده لا يحصل ~~إلا بفعل يقطع دابر العدو ، وهذا الفعل خارق للعادة فلا يقع إلا على يد ~~الرسول . وهذا وجه اختلاف المعية بين ما في هذه الآية وبين ما في قوله ~~تعالى في قصة الغار { إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا } ( التوبة : 40 ~~) لأن تلك معية حفظهما كليهما بصرف أعين الأعداء عنهما ، وقد ms5867 أمره الله ~~PageV19P135 أن يضرب بعصاه البحر وانفلق البحر طرقا مرت منها أسباط بني ~~إسرائيل ، واقتحم فرعون البحر فمد البحر عليهم حين توسطوه فغرق جميعهم . # والفرق بكسر الفاء وسكون الراء : الجزء المفروق منه ، وهو بمعنى مفعول ~~مثل الفلق . والطود : الجبل . # و { أزلفنا } قربنا وأدنينا ، مشتق من الزلف بالتحريك وهو القرب . ~~والظاهر أن فعله كفرح . ويقال : ازدلف : اقترب ، وتزلف : تقرب ، فهمزة { ~~أزلفنا } للتعدية . # والمعنى أن الله جرأهم حتى أرادوا اقتحام طرق البحر كما رأوا فعل بني ~~إسرائيل يظنون أنه ماء غير عميق . # والآخرون : هم قوم فرعون لوقوعه في مقابلة فريق بني إسرائيل . # # | 2 ( 67 ، 68 ) { إن فى ذلك لأية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو ~~العزيز الرحيم } . ) 2 # تقدم القول في نظيره آنفا قبل قصة موسى . وكانت هذه القصة آية لأنها دالة ~~على أن ذلك الانقلاب العظيم في أحوال الفريقين الخارج عن معتاد تقلبات ~~الدول والأمم دليل على أنه تصرف إلهي خاص أيد به رسوله وأمته وخضد به شوكة ~~أعدائهم ومن كفروا به ، فهو آية على عواقب تكذيب رسل الله مع ما تتضمنه ~~القصة من دلائل التوحيد . # ووجه تذييل كل استدلال من دلائل الوحدانية وصدق الرسل في هذه السورة ~~بجملة : { إن في ذلك لآية } إلى آخرها تقدم في طالعة هذه السورة . # PageV19P136 $ 2 ( 69 77 ) { واتل عليهم نبأ إبراهيم * إذ قال لابيه ~~وقومه ما تعبدون * قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين * قال هل يسمعونكم إذ ~~تدعون * أو ينفعونكم أو يضرون * قالوا بل وجدنآ ءابآءنا كذلك يفعلون * قال ~~أفرءيتم ما كنتم تعبدون * أنتم وءابآؤكم الاقدمون * فإنهم عدو لى & # 1764 إلا رب العالمين } . ) 2 $ # عقبت قصة موسى مع فرعون وقومه بقصة رسالة إبراهيم . وقدمت هنا على قصة ~~نوح على خلاف المعتاد في ترتيب قصصهم في القرآن لشدة الشبه بين قوم إبراهيم ~~وبين مشركي العرب في عبادة الأصنام التي لا تسمع ولا تبصر . وفي تمسكهم ~~بضلال آبائهم وأن إبراهيم دعاهم إلى الاستدلال على انحطاط الأصنام عن مرتبة ~~استحقاق العبادة ليكون إيمان الناس مستندا لدليل الفطرة ms5868 ، وفي أن قوم ~~إبراهيم لم يسلط عليهم من عذاب الدنيا مثل ما سلط على قوم نوح وعلى عاد ~~وثمود وقوم لوط وأهل مدين فأشبهوا قريشا في إمهالهم . # فرسالة محمد وإبراهيم صلى الله عليهما قائمتان على دعامة الفطرة في العقل ~~والعمل ، أي في الإعتقاد والتشريع ، فإن الله ما جعل في خلق الإنسان هذه ~~الفطرة ليضيعها ويهملها بل ليقيمها ويعملها . فلما ضرب الله المثل للمشركين ~~لإبطال زعمهم أنهم لا يؤمنون حتى تأتيهم الآيات كما أوتي موسى ، فإن آيات ~~موسى وهي أكثر آيات الرسل السابقين لم تقض شيئا في إيمان فرعون وقومه لما ~~كان خلقهم المكابرة والعناد أعقب ذلك بضرب المثل بدعوة إبراهيم المماثلة ~~لدعوة محمد صلى الله عليه وسلم في النداء على إعمال دليل النظر . وضمير { ~~عليهم } عائد إلى معلوم من السياق كما تقدم في قوله أول السورة { ألا ~~يكونوا مؤمنين } ( الشعراء : 3 ) . # والتلاوة : القراءة . وتقدم في قوله : { ما تتلوا الشياطين } في البقرة ( ~~102 ) . # و { نبأ إبراهيم } : قصته المذكورة هنا ، أي اقرأ عليهم ما ينزل عليك ~~الآن من نبأ إبراهيم . وإنما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بتلاوته ~~للإشارة إلى أن الكلام المتضمن نبأ إبراهيم هو آية معجزة ، وما تضمنته من ~~دليل العقل على انتفاء إلهية الأصنام التي هي PageV19P137 كأصنام العرب آية ~~أيضا . فحصل من مجموع ذلك آيتان دالتان على صدق الرسول . وتقدم ذكر إبراهيم ~~عند قوله تعالى : { وإذ ابتلى إبراهيم في البقرة ( 124 ) . # وإذ قال } ظرف ، أي حين قال . والجملة بيان للنبأ ، لأن الخبر عن قصة مضت ~~فناسب أن تبين باسم زمان مضاف إلى ما يفيد القصة . وقد تقدم نظيره في قوله ~~تعالى : { واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم } الآية في سورة يونس ( ~~71 ) . # و { ما } اسم استفهام يسأل به عن تعيين الجنس كما تقدم في قوله : { وما ~~رب العالمين في هذه السورة ( 23 ) . والاستفهام صوري فإن إبراهيم يعلم أنهم ~~يعبدون أصناما ولكنه إراد بالاستفهام افتتاح المجادلة معهم فألقى عليهم هذا ~~السؤال ليكونوا هم المبتدئين بشرح حقيقة عبادتهم ms5869 ومعبوداتهم ، فتلوح لهم من ~~خلال شرح ذلك لوائح ما فيه من فساد ، لأن الذي يتصدى لشرح الباطل يشعر بما ~~فيه من بطلان عند نظم معانيه أكثر مما يشعر بذلك من يسمعه ، ولأنه يعلم أن ~~جوابهم ينشأ عنه ما يريده من الاحتجاج على فساد دينهم وقد أجابوا استفهامه ~~بتعيين نوع معبوداتهم . # وأدخل أباه في إلقاء السؤال عليهم : إما لأنه كان حاضرا في مجلس قومه إذ ~~كان سادن بيت الأصنام كما روي ، وإما لأنه سأله على انفراد وسأل قومه مرة ~~أخرى فجمعت الآية حكاية ذلك . # والأظهر أن إبراهيم ابتدأ بمحاجة أبيه في خاصتهما ثم انتقل إلى محاجة ~~قومه ، وأن هذه هي المحاجة الأولى في ملإ أبيه وقومه ؛ ألقى فيها دعوته في ~~صورة سؤال استفسار غير إنكار استنزالا لطائر نفورهم ، وأما قوله في الآية ~~الأخرى إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون أئفكا آلهة دون الله تريدون } ( ~~الصافات 85 ، 86 ) فذلك مقام آخر له في قومه كان بعد الدعوة الأولى المحكية ~~في سورة الصافات . ولأجل ذلك كان الاستفهام مقترنا بما يقتضي التعجب من ~~حالهم بزيادة كلمة ( ذا ) بعد ( ما ) الاستفهامية في سورة الأنبياء . وكلمة ~~( ذا ) إذا وقعت بعد ( ما ) تؤول إلى معنى اسم الموصول فصار المعنى في سورة ~~الأنبياء : ما هذا الذي تعبدونه ، فصار الإنكار مسلطا إلى كون تلك الأصنام ~~تعبد . PageV19P138 # والظاهر أنه ألقى عليهم السؤال حين تلبسهم بعبادة الأصنام كما هو مناسب ~~الإتيان بالمضارع في قوله : { تعبدون } وما فهم قومه من كلامه إلا ~~الاستفسار فأجابوا : بأنهم يعبدون أصناما يعكفون على عبادتها . # والتنوين في { أصناما } للتعظيم ، ولذا عدل عن تعريفها وهم يعلمون أن ~~إبراهيم يعرفها ويعلم أنهم يعبدونها . واسم الأصنام عندهم اسم عظيم فهم ~~يفتخرون به على عكس أهل التوحيد . ولهذا قال إبراهيم لهم في مقام آخر { ~~إنما تعبدون من دون الله أوثانا } ( العنكبوت : 17 ) على وجه التحقير ~~لمعبوداتهم والتحميق لهم . وأتوا في جوابهم بفعل { نعبد } مع أن الشأن ~~الاستغناء عن التصريح إذ كان جوابهم عن سؤال فيه { تعبدون } . فلا حاجة إلى ~~تعيين جنس ms5870 المعبودات فيقولوا أصناما كما في قوله تعالى : { ويسألونك ماذا ~~ينفقون قل العفو } ( البقرة : 219 ) ، { ماذا قال ربكم قالوا الحق } ( سبأ ~~: 23 ) { ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا } ( النحل : 30 ) فعدلوا عن سنة الجواب ~~إلى تكرير الفعل الواقع في السؤال ابتهاجا بهذا الفعل وافتخارا به ، ولذلك ~~عطفوا على قولهم : { نعبد } ما يزيد فعل العبادة تأكيدا بقولهم : { فنظل ~~لها عاكفين } . وفي فعل ( نظل ) دلالة الاستمرار جميع النهار . وأيضا فهم ~~كانوا صابئة يعبدون الكواكب وجعلوا الأصنام رموزا على الكواكب تكون خلفا ~~عنها في النهار ، فإذا جاء الليل عبدوا الكواكب الطالعة . # وضمن { عاكفين } معنى ( عابدين ) فعدي إليه الفعل باللام دون ( على ) . ~~ولما كان شأن الرب أن يلجأ إليه في الحاجة وأن ينفع أو يضر ألقى إبراهيم ~~عليهم استفهاما عن حال هذه الأصنام هل تسمع دعاء الداعين وهل تنفع أو تضر ~~تنبيها على دليل انتفاء الإلهية عنها . # وكانت الأمم الوثنية تعبد الوثن لرجاء نفعه أو لدفع ضره ولذلك عبد بعضهم ~~الشياطين . # وجعل مفعول { يسمعونكم } ضمير المخاطبين توسعا بحذف مضاف تقديره : هل ~~يسمعون دعاءكم كما دل عليه الظرف في قوله : { إذ تدعون } . وأراد إبراهيم ~~فتح المجادلة ليعجزوا عن إثبات أنها تسمع وتنفع . PageV19P139 # و { بل } في حكاية جواب القوم لإضراب الانتقال من مقام إثبات صفاتهم إلى ~~مقام قاطع للمجادلة في نظرهم وهو أنهم ورثوا عبادة هذه الأصنام ، فلما طووا ~~بساط المجادلة في صفات آلهتهم وانتقلوا إلى دليل التقليد تفاديا من كلفة ~~النظر والاستدلال بالمصير إلى الاستدلال بالاقتداء بالسلف . # وقوله : { كذلك يفعلون } تشبيه فعل الآباء بفعلهم وهو نعت لمصدر محذوف ، ~~والتقدير : يفعلون فعلا كذلك الفعلل . وقدم الجار والمجرور على { يفعلون } ~~للاهتمام بمدلول اسم الإشارة . # واقتصر إبراهيم في هذا المقام ( الذي رجحنا أنه أول مقام قام فيه للدعوة ~~) على أن أظهر قلة اكتراثه بهذه الأصنام فقال : { فإنهم عدو لي } لأنه أيقن ~~بأن سلامته بعد ذلك تدل على أن الأصنام لا تضر وإلا لضرته لأنه عدوها . # وضمير { فإنهم } عائد إلى { ما كنتم تعبدون } . وقوله : { وآباءكم } عطف ~~على اسم { كنتم } . والعدو : مشتق ms5871 من العدوان ، وهو الإضرار بالفعل أو ~~القول . والعدو : المبغض ، فعدو : فعول بمعنى فاعل يلازم الإفراد والتذكير ~~فلا تلحقه علامات التأنيث ( إلا نادرا كقول عمر لنساء من الأنصار : يا ~~عدوات أنفسهن ) . قال في ( الكشاف ) : حملا على المصدر الذي على وزن فعول ~~كالقبول والولوع . # والأصنام لا إدراك لها فلا توصف بالعداوة . ولذلك فقوله { فإنهم عدو لي } ~~من قبيل التشبيه البليغ ، أي هم كالعدو لي في أني أبغضهم وأضرهم . وهذا ~~قريب من قوله تعالى : { إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا } ( فاطر : 6 ) أي ~~عاملوه معاملة العدو عدوه . وبهذا الاعتبار جمع بني قوله { لكم عدو } ( ~~فاطر : 6 ) وقوله : { فاتخذوه عدوا } ( فاطر : 6 ) . # والتعبير عن الأصنام بضمير جمع العقلاء في قوله : { فإنهم } دون ( فإنها ~~) جري على غالب العبارات الجارية بينهم عن الأصنام لأنهم يعتقدونها مدركة . # وجملة : { أفرأيتم ما كنتم تعبدون } مفرعة على جمل كلام القوم المتضمنة ~~عبادتهم الأصنام وأنهم مقتدون في ذلك بآبائهم . فالفاء في { أفرأيتم } ~~للتفريع PageV19P140 وقدم عليها همزة الاستفهام اتباعا للاستعمال المعروف ~~وهو صدارة أدوات الاستفهام . وفعل الرؤية قلبي . # ومثل هذا التركيب يستعمل في التنبيه على ما يجب أن يعلم على إرادة ~~التعجيب مما يعلم من شأنه . ولذلك كثر إردافه بكلام يشير إلى شيء من عجائب ~~أحوال مفعول الرؤية كقوله تعالى : { أفرأيت الذي تولى وأعطى قليلا } ( ~~النجم : 33 ، 34 ) الآية ، ومنه تعقيب قوله هنا { أفرأيتم ما كنتم تعبدون } ~~بقوله : { فإنهم عدو لي } . # وعطف { آباؤكم } على { أنتم } لزيادة إظهار قلة اكتراثه بتلك الأصنام مع ~~العلم بأن الأقدمين عبدوها فتضمن ذلك إبطال شبهتهم في استحقاقها العبادة . # ووصف الآباء بالأقدمية إيغال في قلة الاكتراث بتقليدهم لأن عرف الأمم أن ~~الآباء كلما تقادم عهدهم كان تقليدهم آكد . # والفاء في قوله : { فإنهم عدو لي } للتفريع على ما اقتضته جملة : { ~~أفرأيتم ما كنتم تعبدون } من التعجيب من شأن عبادتهم إياها . ويجوز جعل ~~الرؤية بصرية لها مفعول واحد وجعل الاستفهام تقريريا والكلام مستعمل في ~~التنبيه لشيء يريد المتكلم الحديث عنه ليعيه السامع حق الوعي ، أو فاء ~~فصيحة بتقدير : إن رأيتموهم ms5872 فاعلموا أنهم عدو لي . وهذا الوجه أظهر . # والاستثناء في قوله : { إلا رب العالمين } منقطع . و { إلا } بمعنى ( لكن ~~) إذا كان رب العالمين غير مشمول لعبادتهم إذ الظاهر أنهم ما كانوا يعترفون ~~بالخالق ولم يكونوا يجعلون آلهتهم شركاء لله كما هو حال مشركي العرب ، ألا ~~ترى إلى قوله تعالى : { قال بل فعله كبيرهم هذا } ( الأنبياء : 63 ) فهو ~~الصنم الأعظم عندهم ، وإلى قوله : { قال أتحاجوني في الله وقد هدان } ( ~~الأنعام : 80 ) . ويظهر أن الكلدانيين ( قوم إبراهيم ) لم يكونوا يؤمنون ~~بالخالق الذي لا تدركه الأبصار . وكان أعظم الآلهة عندهم هو كوكب الشمس ~~والصنم الذي يمثل الشمس هو ( بعل ) ، فوظيفة الأصنام عندهم تدبير شؤون ~~الناس في حياتهم . وأما الإيجاد والإعدام فكانوا من الذين يقولون { وما ~~يهلكنا إلا الدهر } ( الجاثية : 24 ) وأن الإيجاد من أعمال التناسل وهم في ~~غفلة عن سر تكوين تلك النظم الحيوانية وإيداعها فيها . وقد يكونون معترفين ~~برب عظيم خالق للأكوان وإنما جعلوا الأصنام شركاء له في التصرف في ~~PageV19P141 نظام تلك المخلوقات كما كان حال الإشراك في العرب فيكون ~~الاستثناء متصلا لأن الله من جملة معبوديهم ، أي إلا الرب الذي خلق العوالم ~~. وتقدم ذكر أصنام قوم إبراهيم في سورة الأنبياء . وانظر ما يأتي في سورة ~~العنكبوت . # $ 2 ( 78 82 ) { الذى خلقنى فهو يهدين * والذى هو يطعمنى ويسقين * وإذا ~~مرضت فهو يشفين * والذى يميتنى ثم يحيين * والذى & # 1764 أطمع أن يغفر لى خطيئتى يوم الدين } . ) 2 $ # الأظهر أن الموصول في موضع نعت ل { رب العالمين } ( الشعراء : 77 ) وأن { ~~فهو يهدين } عطف على الصلة مفرع عليه لأنه إذا كان هو الخالق فهو الأولى ~~بتدبير مخلوقاته دون أن يتولاها غيره . ويجوز أن يكون الموصول مبتدأ ~~مستأنفا به ويكون { فهو يهدين } خبرا عن { الذي } . وزيدت الفاء في الخبر ~~لمشابهة الموصول للشرط . وعلى الاحتمالين ففي الموصولية إيماء إلى وجه بناء ~~الخبر وهو الاستدراك بالاستثناء الذي في قوله : { إلا رب العالمين } ( ~~الشعراء : 77 ) ، أي ذلك هو الذي أخلص له لأنه خلقني كقوله في الآية الأخرى ~~: { إني وجهت وجهي ms5873 للذي فطر السماوات والأرض } ( الأنعام : 79 ) . # وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي في قوله : { فهو يهدين } دون أن ~~يقول : فيهدين ، لتخصيصه بأنه متولي الهداية دون غيره لأن المقام لإبطال ~~اعتقادهم تصرف أصنامهم بالقصر الإضافي ، وهو قصر قلب . وليس الضمير ضمير ~~فصل لأن ضمير الفصل لا يقع بعد العاطف . # والتعبير بالمضارع في قوله : { يهدين } لأن الهداية متجددة له . وجعل فعل ~~الهداية مفرعا بالفاء على فعل الخلق لأنه معاقب له لأن الهداية بهذا المعنى ~~من مقتضى الخلق لأنها ناشئة عن خلق العقل كما قال تعالى : { الذي أعطى كل ~~شيء خلقه ثم هدى } ( طه : 50 ) . والمراد بالهداية الدلالة على طرق العلم ~~كما في قوله تعالى : { وهديناه النجدين } ( البلد : 10 ) فيكون المعنى : ~~الذي خلقني جسدا وعقلا . ومن الهداية المذكورة دفع وساوس الباطل عن العقل ~~حتى يكون إعمال النظر معصوما من الخطأ . PageV19P142 # والقول في تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي في قوله : { والذي هو ~~يطعمني ويسقين } ، وقوله : { فهو يشفين } كالقول في سابقهما للرد على زعمهم ~~أن الأصنام تقدر لهم تيسير ما يأكلون وما يشربون وبها برؤهم إذا مرضوا ، ~~وليسا بضميري فصل أيضا . # وعطف { إذا مرضت } على { يطعمني ويسقين } لأنه لم يكن حين قال ذلك مريضا ~~فإن { إذا } تخلص الفعل بعدها للمستقبل ، أي إذا طرأ علي مرض . # وفي إسناده فعل المرض إلى نفسه تأدب مع الله راعى فيه الإسناد إلى ~~الأسباب الظاهرة في مقام الأدب ، فأسند إحداث المرض إلى ذاته ولأنه المتسبب ~~فيه ، فأما قوله : { والذي يميتني ثم يحيين } فلم يأت فيه بما يقتضي الحصر ~~لأنهم لم يكونوا يزعمون أن الأصنام تميت بل عمل الأصنام قاصر على الإعانة ~~أو الإعاقة في أعمال الناس في حياتهم . فأما الموت فهو من فعل الدهر ~~والطبيعة إن كانوا دهريين وإن كانوا يعلمون أن الخلق والإحياء والإماتة ~~ليست من شؤون الأصنام وأنها من فعل الله تعالى كما يعتقد المشركون من العرب ~~فظاهر . # وتكرير اسم الموصول في المواضع الثلاثة مع أن مقتضى الظاهر أن تعطف ~~الصلتان على الصلة الأولى للاهتمام بصاحب تلك ms5874 الصلات الثلاث لأنها نعت عظيم ~~لله تعالى فحقيق أن يجعل مستقلا بدلالته . # وأطلق على رجاء المغفرة لفظ الطمع تواضعا لله تعالى ومباعدة لنفسه عن ~~هاجس استحقاقه المغفرة وإنما طمع في ذلك لوعد الله بذلك . # والخطيئة : الذنب . يقال : خطىء إذا أذنب . وتقدم في قوله تعالى : { نغفر ~~لكم خطاياكم في البقرة ( 58 ) . والمقصود في لسان الشرائع : مخالفة ما أمر ~~به الشرع . وإذ قد كان إبراهيم حينئذ نبيئا والأنبياء معصومون من الذنوب ~~كبيرها وصغيرها فالخطيئة منهم هي مخالفة مقتضى المقام النبوي . # والمغفرة : العفو عن الخطايا ، وإنما قيده بيوم الدين } لأنه اليوم الذي ~~يظهر فيه أثر العفو ، فأما صدور العفو من الله لمثل إبراهيم عليه السلام ~~ففي الدنيا ، وقد يغفر خطايا بعض الخاطئين يوم القيامة بعد الشفاعة . ~~PageV19P143 # ويوم الدين : هو يوم الجزاء ، وهذا الكلام خبر يتضمن تعريضا بالدعاء . ~~وقد أشار في هذه النعوت إلى ما هو من تصرفات الله في العالم الحسي بحيث لا ~~يخفى عن أحد قصدا لاقتصاص إيمان المشركين إن راموا الاهتداء . # وفي تلك النعوت إشارة إلى أنها مهيئات للكمال النفساني فقد جمعت كلمات ~~إبراهيم عليه السلام مع دلالتها على انفراد الله بالتصرف في تلك الأفعال ~~التي هي أصل أطوار الخلق الجسماني دلالة أخرى على جميع أصول النعم من أول ~~الخلق إلى الخلق الثاني وهو البعث ، فذكر خلق الجسد وخلق العقل وإعطاء ما ~~به بقاء المخلوق وهو الغذاء والماء ، وما يعتري المرء من اختلال المزاج ~~وشفائه ، وذكر الموت الذي هو خاتمة الحياة الأولى ، وأعقبه بذكر الحياة ~~الثانية للإشارة إلى أن الموت حالة لا يظهر كونها نعمة إلا بغوص فكر ولكن ~~وراءه حياة هي نعمة لا محالة لمن شاء أن تكون له نعمة . # وحذفت ياآت المتكلم من { يهدين ، ويسقين ، ويشفين ، ويحيين } لأجل ~~التخفيف ورعاية الفاصلة لأنها يوقف عليها ، وفواصل هذه السورة أكثرها ~~بالنون الساكنة ، وقد تقدم ذلك في قوله : { فأخاف أن يقتلون } ( الشعراء : ~~14 ) في قصة موسى المتقدمة . # $ 2 ( 83 89 ) { رب هب لى حكما وألحقنى بالصالحين * واجعل لى لسان صدق فى ~~الاخرين ms5875 * واجعلنى من ورثة جنة النعيم * واغفر لابى & # 1764 إنه كان من الضآلين * ولا تخزنى يوم يبعثون * يوم لا ينفع مال ولا ~~بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم } . ) 2 $ # لما كان آخر مقاله في الدعوة إلى الدين الحق متضمنا دعاء بطلب المغفرة ~~تخلص منه إلى الدعاء بما فيه جمع الكمال النفساني بالرسالة وتبليغ دعوة ~~الخلق إلى الله فإن الحجة التي قام بها في قومه بوحي من الله كما قال تعالى ~~: { وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه } ( الأنعام : 83 ) فكان حينئذ في ~~حال قرب من الله . وجهر بذلك في ذلك الجمع لأنه عقب الانتهاء من أقدس واجب ~~وهو الدعوة إلى الدين ، فهو PageV19P144 ابتهال أرجى للقبول كالدعاء عقب ~~الصلوات وعند إفطار الصائم ودعاء يوم عرفة والدعاء عند الزحف ، وكلها فراغ ~~من عبادات . ونظير ذلك دعاؤه عند الانتهاء من بناء أساس الكعبة المحكي في ~~قوله تعالى : { وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل إلى قوله : ~~ربنا واجعلنا مسلمين لك إلى إنك أنت العزيز الحكيم } ( البقرة : 127 129 ) ~~وابتدأ بنفسه في أعمال هذا الدين كما قال تعالى حكاية عن موسى عليه السلام ~~: { وأنا أول المؤمنين } ( الأعراف : 143 ) ، وكما أمر رسوله محمد صلى الله ~~عليه وسلم إذ قال : { وأمرت لأن أكون أول المسلمين } ( الزمر : 12 ) . # وللأوليات في الفضائل مرتبة مرغوبة ، قال سعد بن أبي وقاص ( أنا أول من ~~رمى بسهم في سبيل الله ) . وبضد ذلك أوليات المساوىء ففي الحديث : ( ما من ~~نفس تقتل ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها ذلك لأنه أول من سن ~~القتل ) . # وقد قابل إبراهيم في دعائه النعم الخمس التي أنعم الله بها عليه المذكورة ~~في قوله : { الذي خلقني فهو يهدين إلى قوله : يوم الدين } ( الشعراء : 78 ~~82 ) الراجعة إلى مواهب حسية بسؤال خمس نعم راجعة إلى الكمال النفساني كما ~~أومأ إليه قوله : { إلا من أتى الله بقلب سليم } وأقحم بين طلباته سؤاله ~~المغفرة لأبيه لأن ذلك داخل في قوله : { ولا تخزني يوم يبعثون } . # فابتداء دعائه بأن يعطى ms5876 حكما . والحكم : هو الحكمة والنبوءة ، قال تعالى ~~عن يوسف : { آتيناه حكما وعلما } ( القصص : 14 ) أي النبوءة ، وقد كان ~~إبراهيم حين دعا نبيئا فلذلك كان السؤال طلبا للازدياد لأن مراتب الكمال لا ~~حد لها بأن يعطى الرسالة مع النبوءة أو يعطى شريعة مع الرسالة ، أو سأل ~~الدوام على ذلك . # ثم ارتقى فطلب إلحاقه بالصالحين . ولفظ الصالحين يعم جميع الصالحين من ~~الأنبياء والمرسلين ، فيكون قد سأل بلوغ درجات الرسل أولي العزم نوح وهود ~~وصالح والشهداء والصالحين فجعل الصالحين آخرا لأنه يعم ، فكان تذييلا . # ثم سأل بقاء ذكر له حسن في الأمم والأجيال الآتية من بعده . وهذا يتضمن ~~سؤال الدوام والختام على الكمال وطلب نشر الثناء عليه وهذا ما تتغذى به ~~الروح PageV19P145 من بعد موته لأن الثناء عليه يستعدي دعاء الناس له ~~والصلاة عليه والتسليم جزاء على ما عرفوه من زكاء نفسه . # وقد جعل الله في ذريته أنبياء ورسلا يذكرونه وتذكره الأمم التابعة لهم ~~ويخلد ذكره في الكتب . قال ابن العربي : ( قال مالك : لا بأس أن يحب الرجل ~~أن يثنى عليه صالحا ويرى في عمل الصالحين إذا قصد به وجه الله وهو الثناء ~~الصالح ) ، وقد قال الله تعالى : { وألقيت عليك محبة مني } ( طه : 39 ) ، ~~وهي رواية أشهب عن مالك رحمه الله . وقد تقدم الكلام على هذا مشبعا عند ~~قوله تعالى : { والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين ~~واجعلنا للمتقين إماما } في سورة الفرقان ( 74 ) . # واللسان مراد به الكلام من إطلاق اسم الآلة على ما يتقوم بها . واللام في ~~قوله : { لي } تقتضي أن الذكر الحسن لأجله فهو ذكره بخير . وإضافة { لسان } ~~إلى { صدق } من إضافة الموصوف إلى الصفة ، ففيه مبالغة الوصف بالمصدر ، أي ~~لسانا صادقا . # والصدق هنا كناية عن المحبوب المرغوب فيه لأنه يرغب في تحققه ووقوعه في ~~نفس الأمر . وسأل أن يكون من المستحقين الجنة خالدا فاستعير اسم الورثة إلى ~~أهل الاستحقاق لأن الوارث ينتقل إليه ملك الشيء الموروث بمجرد موت المالك ~~السابق . ولما لم يكن للجنة مالكون تعين أن ms5877 يكون الوارثون المستحقين من وقت ~~تبوؤ أهل الجنة الجنة ، قال تعالى : { أولئك هم الوارثون الذين يرثون ~~الفردوس هم فيها خالدون } ( المؤمنون : 10 ، 11 ) . # وسأل المغفرة لأبيه قبل سؤال أن لا يخزيه الله يوم القيامة لأنه أراد أن ~~لا يلحقه يومئذ شيء ينكسر منه خاطره وقد اجتهد في العمل المبلغ لذلك ~~واستعان الله على ذلك وما بقيت له حزازة إلا حزازة كفر أبيه فسأل المغفرة ~~له لأنه إذا جيء بأبيه مع الضالين لحقه انكسار ولو كان قد استجيب له بقية ~~دعواته ، فكان هذا آخر شيء تخوف منه لحاق مهانة نفسية من جهة أصله لا من ~~جهة ذاته . وفي الحديث أنه يؤتى بأبي إبراهيم يوم القيامة في صورة ذيح ( أي ~~ضبع ذكر ) فيلقى في النار فلا يشعر به أهل الموقف فذلك إجابة قوله : { ولا ~~تخزني يوم يبعثون } أي قطعا لما فيه شائبة الخزي . PageV19P146 # وتقدم الكلام على معنى الخزي عند تفسير قوله تعالى : { إلا خزي في الحياة ~~الدنيا } في سورة البقرة ( 85 ) . وقوله : { إنك من تدخل النار فقد أخزيته ~~في آل عمران ( 192 ) . # وضمير يبعثون } راجع إلى العباد المعلوم من المقام . # وجملة : { إنه كان من الضالين } تعليل لطلب المغفرة لأبيه فيه إيماء إلى ~~أنه سأل له مغفرة خاصة وهي مغفرة أكبر الذنوب أعني الإشراك بالله ، وهو ~~سؤال اقتضاه مقام الخلة وقد كان أبوه حيا حينئذ لقوله في الآية الأخرى : { ~~قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا } ( مريم : 47 ) . ولعل ~~إبراهيم علم من حال أبيه أنه لا يرجى إيمانه بما جاء به ابنه ؛ أو أن الله ~~أوحى إليه بذلك ما ترشد إليه آية { وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن ~~موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه } ( التوبة : 114 ) . ~~ويجوز أنه لم يتقرر في شرع إبراهيم حينئذ حرمان المشركين من المغفرة فيكون ~~ذلك من معنى قوله تعالى : { فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه } ( التوبة ~~: 114 ) . ويجوز أن يكون طلب الغفران له كناية عن سبب الغفران ms5878 وهو هدايته ~~إلى الإيمان . # و { يوم لا ينفع مال } الخ يظهر أنه من كلام إبراهيم عليه السلام فيكون { ~~يوم لا ينفع } بدلا من { يوم يبعثون } قصد به إظهار أن الالتجاء في ذلك ~~اليوم إلى الله وحده ولا عون فيه بما اعتاده الناس في الدنيا من أسباب ~~الدفع عن أنفسهم . # واستظهر ابن عطية : أن الآيات التي أولها { يوم لا ينفع مال ولا بنون } ~~يريد إلى قوله : { فنكون من المؤمنين } ( الشعراء : 102 ) منقطعة عن كلام ~~إبراهيم عليه السلام وهي إخبار من الله تعالى صفة لليوم الذي وقف إبراهيم ~~عنده في دعائه أن لا يخزى فيه اه . وهو استظهار رشيق فيكون : { يوم لا ينفع ~~مال } استئنافا خبرا لمبتدأ محذوف تقديره : هو يوم لا ينفع مال ولا بنون . ~~وفتحة { يوم } فتحة بناء لأن ( يوم ) ظرف أضيف إلى فعل معرب فيجوز إعرابه ~~ويجوز بناؤه على الفتح ، فهو كقوله تعالى : { هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم ~~} ( المائدة : 119 ) . ويظهر على هذا الوجه أن يكون المراد ب { من أتى الله ~~بقلب سليم } الإشارة إلى إبراهيم عليه السلام لأن الله تعالى وصفه ~~PageV19P147 بمثل هذا في آية سورة الصافات ( 83 ، 84 ) في قوله : { وإن من ~~شيعته } ( أي شيعة نوح ) لإبراهيم إذ جاء ربه بقلب سليم . # وفيه أيضا تذكير قومه بأن أصنامهم لا تغني عنهم شيئا ، ونفي نفع المال ~~صادق بنفي وجود المال يومئذ من باب ( على لاحب لا يهتدى بمناره ) ، أي لا ~~منار له فيهتدى به ، وهو استعمال عربي إذا قامت عليه القرينة . ومن عبارات ~~علم المنطق ( السالبة تصدق بنفي الموضوع ) . # والاقتصار على المال والبنين في نفي النافعين جرى على غالب أحوال القبائل ~~في دفاع أحد عن نفسه بأن يدافع إما بفدية وإما بنجدة ( وهي النصر ) ، ~~فالمال وسيلة الفدية ، والبنون أحق من ينصرون أباهم ، ويعتبر ذلك النصر ~~عندهم عهدا يجب الوفاء به . قال قيس ابن الخطيم : # ثأرت عديا والخطيم ولم أضع # ولاية أشياخ جعلت إزاءها # واقتضى ذلك أن انتفاء نفع ما عدا المال والبنين من وسائل الدفاع حاصل ~~بالأولى بحكم ms5879 دلالة الاقتضاء المستندة إلى العرف . فالكلام من قبيل ~~الاكتفاء ، كأنه قيل : يوم لا ينفع مال ولا بنون ولا شيء آخر . وقوله : { ~~إلا من أتى الله بقلب سليم } استثناء من مفعول { ينفع } ، أي إلا منفوعا ~~أتى الله بقلب سليم . # هذا معنى الآية وهو مفهوم للسامعين فلذلك لم يؤثر عن أحد من سلف المفسرين ~~عد هذه الآية من متشابه المعنى وإنما أعضل على خلفهم طريق استخلاص هذا ~~المعنى المجمل من تفاصيل أجزاء تركيب الكلام . وذكر صاحب ( الكشاف ) ~~احتمالات لا يسلم شيء منها من تقدير حذفف ، فبنا أن نفصل وجه استفادة هذا ~~المعنى من نظم الآية بوجه يكون أليق بتركيبها دون تكلف . # فاعلم أن فعل { ينفع } رافع لفاعل ومتعد إلى مفعول ، فهو بحق تعديه إلى ~~المفعول يقتضي مفعولا ، كما يصلح لأن تعلق به متعلقات بحروف تعدية ، أي ~~حروف جر ، وإن أول متعلقاته خطورا بالذهن متعلق سبب الفعل ، فيعلم أن قوله ~~: { يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم } يشير إلى فاعل ~~PageV19P148 { ينفع } ومفعوله وسببه الذي يحصل به ، فقوله : { بقلب سليم } ~~هو المتعلق بفعل { أتى الله } لأن فاعل الإتيان إلى الله هو المنفوع فهو في ~~المعنى مفعول فعل { ينفع } والمتعلق بأحد فعليه وهو فعل { أتى } الذي هو ~~فاعله متعلق في المعنى بفعله الآخر وهو { ينفع } الذي { من أتى الله } ~~مفعوله . فعلم أن تقدير الكلام : يوم لا ينفع نافع أو شيء ، أو نحو ذلك مما ~~يفيد عموم نفي النافع ، حسبما دل عليه { مال و بنون } من عموم الأشياء كما ~~قررنا . وحذف مفعول { ينفع } لقصد العموم كحذفه في قوله تعالى : { والله ~~يدعوا إلى دار السلام } ( يونس : 25 ) أي يدعو كل أحد ، فتحصل أن التقدير : ~~يوم لا ينفع أحدا شيء يأتي به للدفع عن نفسه . # والمستثنى وهو { من أتى الله بقلب سليم } متعين لأن يكون استثناء من ~~مفعول { ينفع } وليس مستثنى من فاعل { ينفع } لأن من أتى الله بقلب سليم ~~يومئذ هو منفوع لا نافع فليس مستثنى من صريح أحد الاسمين السابقين قبله ms5880 ، ~~ولا مما دل عليه الاسمان من المعنى الأعم الذي قدرناه بمعنى : ( ولا غيرهما ~~) ، فتمحض أن يكون هذا المستثنى مخرجا من عموم مفعول { ينفع } . وتقديره : ~~إلا أحدا أتى الله بقلب سليم ، أي فهو منفوع ، واستثناؤه من مفعول فعل { ~~ينفع } يضطرنا إلى وجوب تقدير نافعه فاعل فعل { ينفع } ، أي فإنه نفعه شيء ~~نافع . ويبين إجماله متعلق فعل { ينفع } وهو { بقلب سليم } إذ كان القلب ~~السليم سبب النفع فهو أحد أفراد الفاعل العام المقدر بلفظ ( شيء ) كما تقدم ~~آنفا . # فالخلاصة أن الذي يأتي الله يومئذ بقلب سليم هو منفوع بدلالة الاستثناء ~~وهو نافع ( أي نافع نفسه ) بدلالة المجرور المتعلق بفعل { أتى } ، فإن ~~القلب السليم قلب ذلك الشخص المنفوع فصار ذلك الشخص نافعا ومنفوعا باختلاف ~~الاعتبار ، وهو ضرب من التجريد . وقريب من وقوع الفاعل مفعولا في باب ظن في ~~قولهم : خلتني ورأيتني ، فجعل القلب السليم سببا يحصل به النفع ، ولهذا ~~فالاستثناء متصل مفرغ عن المفعول . وقد حصل من نسج الكلام على هذا المنوال ~~إيجاز مغنن أضعاف من الجمل المطوية . وجعل الاستثناء منقطعا لا يدفع ~~الإشكال . PageV19P149 # والقلب : الإدراك الباطني . # والسليم : الموصوف بقوة السلامة ، والمراد بها هنا السلامة المعنوية ~~المجازية ، أي الخلوص من عقائد الشرك مما يرجع إلى معنى الزكاء النفسي . ~~وضده المريض مرضا مجازيا قال تعالى : { في قلوبهم مرض } ( البقرة : 10 ) . ~~والاقتصار على السليم هنا لأن السلامة باعث الأعمال الصالحة الظاهرية وإنما ~~تثبت للقلوب هذه السلامة في الدنيا باعتبار الخاتمة فيأتون بها سالمة يوم ~~القيامة بين يدي ربهم . # # | 2 ( 90 95 ) { لله وأزلفت الجنة للمتقين * وبرزت الجحيم للغاوين * وقيل ~~لهم أين ما كنتم تعبدون * من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون * فكبكبوا ~~فيها هم والغاوون * وجنود إبليس أجمعون } . ) 2 # الظاهر أن الواو في قوله : { وأزلفت الجنة للمتقين } واو الحال ، والعامل ~~فيها { لا ينفع مال } ( الشعراء : 88 ) ، أي يوم عدم نفع من عدا من أتى ~~الله بقلب سليم وقد أزلفت الجنة للمتقين . والخروج إلى تصوير هذه الأحوال ~~شيء اقتضاه مقام الدعوة إلى الإيمان بالرغبة والرهبة لأنه ms5881 ابتدأ الدعوة ~~بإلقاء السؤال على قومه فيما يعبدون إيقاظا لبصائرهم ، ثم أعقب ذلك بإبطال ~~إلهية أصنامهم . والاستدلال على عدم استئهالها الإلهية بدليل التأمل ، وهو ~~أنها فاقدة السمع والبصر وعاجزة عن النفع والضر ، ثم طال دليل التقليد الذي ~~نحا إليه قومه لما عجزوا عن تأييد دينهم بالنظر . # فلما نهضت الحجة على بطلان إلهية أصنامهم انتصب لبيان الإله الحق رب ~~العالمين ، الذي له صفات التصرف في الأجسام والأرواح ، تصرف المنعم المتوحد ~~بشتى التصرف إلى أن يأتي تصرفه بالإحياء المؤبد وأنه الذي نطمع في تجاوزه ~~عنه يوم البعث فليعلموا أنهم إن استغفروا الله عما سلف منهم من كفر فإن ~~الله يغفر لهم ، وأنهم إن لم يقلعوا عن الشرك لا ينفعهم شيء يوم البعث ، ثم ~~صور لهم عاقبة حالي التقوى والغواية بذكر دار إجزاء الخير ودار إجزاء الشر ~~. # ولما كان قومه مستمرين على الشرك ولم يكن يومئذ أحد مؤمنا غيره وغير زوجه ~~PageV19P150 وغير لوط ابن أخيه كان المقام بذكر الترهيب أجدر ، فلذلك أطنب ~~في وصف حال الضالين يوم البعث وسوء مصيرهم حيث يندمون على ما فرطوا في ~~الدنيا من الإيمان والطاعة ويتمنون أن يعودوا إلى الدنيا ليتداركوا الإيمان ~~ولات ساعة مندم . # والإزلاف : التقريب . وقد تقدم في قوله : { وأزلفنا ثم الآخرين } في هذه ~~السورة ( 64 ) . والمعنى : أن المتقين يجدون الجنة حاضرة فلا يتجشمون مشقة ~~السوق إليها . # واللام في { للمتقين } لام التعدية . # و { برزت } مبالغة في أبرزت لأن التضعيف فيه مبالغة ليست في التعدية ~~بالهمزة ، ونظيره قوله تعالى : { وبرزت الجحيم لمن يرى } في سورة النازعات ~~( 36 ) . والمراد ب { الغاوين } الموصوفون بالغواية ، أي ضلال الرأي . # وذكر ما يقال للغاوين للإنحاء عليهم وإظهار حقارة أصنامهم ، فقيل لهم { ~~أين ما كنتم تعبدون } وفي الاقتصار على ذكر هذا دون غيره مما يخاطبون به ~~يومئذ مناسبة لمقام طلب الإقلاع عن عبادة تلك الأصنام . # وأسند فعل القول إلى غير معلوم لأن الغرض تعلق بمعرفة القول لا بمعرفة ~~القائل ، فالقائل الملائكة بإذن من الله تعالى لأن المشركين أحقر من أن ~~يوجه الله إليهم ms5882 خطابه مباشرة . # والاستفهام في قوله : { أين ما كنتم تعبدون } استفهام عن تعيين مكان ~~الأصنام إن لم تكن حاضرة ، أو عن عملها إن كانت حاضرة في ذلك الموقف ، ~~تنزيلا لعدم جدواها فيما كانوا يأملونه منها منزلة العدم تهكما وتوبيخا ~~وتوقيفا على الخطأ . # والاستفهام في { هل ينصرونكم } كذلك مع الإنكار أن تكون الأصنام نصراء . ~~والانتصار طلب النصير . # وكتب { أينما } في المصاحف موصولة نون ( أين ) بميم ( ما ) والمتعارف في ~~الرسم القياسي أن مثله يكتب مفصولا لأن ( ما ) هنا اسم موصول وليست المزيدة ~~PageV19P151 بعد ( أين ) التي تصير ( أين ) بزيادتها اسم شرط لعموم الأمكنة ~~، ورسم المصحف سنة متبعة . # و { أو } للتخيير في التوبيخ والتخطئة ، أي هل أخطأتم في رجاء نصرها ~~إياكم ، أو في الأقل هل تستطيع نصر أنفسها وذلك حين يلقى بالأصنام في النار ~~بمرأى من عبدتها ولذلك قال : { فكبكبوا فيها } ، أي كبكبت الأصنام في جهنم ~~. # ومعنى { كبكبوا } كبوا فيها كبا بعد كب فإن { كبكبوا } مضاعف كبوا ~~بالتكرير وتكرير اللفظ مفيد تكرير المعنى مثل : كفكف الدمع ، ونظيره في ~~الأسماء : جيش لملم ، أي كثير ، مبالغة في اللم ، وذلك لأن له فعلا مرادفا ~~له مشتملا على حروفه ولا تضعيف فيه فكان التضعيف في مرادفه لأجل الدلالة ~~على الزيادة في معنى الفعل . # وضمائر { ينصرونكم و ينتصرون و كبكبوا } عائدة إلى { ما كنتم تعبدون } ~~بتنزيلها منزلة العقلاء . وجنود إبليس : هم أولياؤه وأصناف أهل الضلالات ~~التي هي من وسوسة إبليس . وتقدم الكلام على إبليس في سورة البقرة . # # | 2 ( 96 102 ) { لله قالوا وهم فيها يختصمون * تالله إن كنا لفى ضلال ~~مبين * إذ نسويكم برب العالمين * ومآ أضلنآ إلا المجرمون * فما لنا من ~~شافعين * ولا صديق حميم * فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين } . ) 2 # يجوز أن يكون هذا من حكاية كلام إبراهيم عليه السلام أطنب به الموعظة ~~لتصوير هول ذلك اليوم فتكون الجملة حالا ، أو تكون مستأنفة استئنافا بيانيا ~~كما سيأتي . # ويجوز أن يكون حكاية كلام إبراهيم انتهت عند قوله : { وجنود إبليس أجمعون ~~} ( الشعراء : 95 ) أو عند قوله تعالى : { يوم ms5883 يبعثون } ( الشعراء : 87 ) ~~على ما استظهر ابن عطية . ويكون هذا الكلام موعظة من الله للسامعين من ~~المشركين وتعليما منه للمؤمنين فتكون الجملة استئنافا معترضا بين ذكر القصة ~~والتي بعدها وهو استئناف بياني ناشىء PageV19P152 عن قوله : { فكبكبوا فيها ~~} ( الشعراء : 94 ) لأن السامع بحيث يسأل عن فائدة إيقاع الأصنام في النار ~~مع أنها لا تفقه ولا تحس فبين له ذلك ، فحكاية مخاصمة عبدتها بينهم لأن ~~رؤيتهم أصنامهم هو مثار الخصومة بينهم إذ رأى الأتباع كذب مضلليهم معاينة ~~ولا يجد المضللون تنصلا ولا تفصيا ، فإن مذلة الأصنام وحضورها معهم وهم في ~~ذلك العذاب أقوى شاهد على أنها لا تملك شيئا لهم ولا لأنفسها . 4 # وأما جملة : { وهم فيها يختصمون } فهي في موضع الحال ، وجملة { تالله } ~~مقول القول ، وجملة : { إن كنا لفي ضلال مبين } جواب القسم . و { إن } ~~مخففة من ( إن ) الثقيلة وقد أهملت عن العمل بسبب التخفيف فإنه مجوز ~~للإهمال . والجملة بعدها سادة مسد اسمها وخبرها . واقتران خبر ( كان ) ~~باللام في الجملة التي بعدها للفرق بين { إن } المخففة المؤكدة وبين ( إن ) ~~النافية ، والغالب أن لا تخلو الجملة التي بعد { إن } المخففة عن فعل من ~~باب ( كان ) . # وجيء في القسم بالتاء دون الواو والباء لأن التاء تختص بالقسم في شيء ~~متعجب منه كما تقدم في قوله تعالى : { قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد ~~في الأرض } في سورة يوسف ( 73 ) ، وقوله : { وتالله لأكيدن أصنامكم } في ~~سورة الأنبياء ( 57 ) ، فهم يعجبون من ضلالهم إذ ناطوا آمالهم المعونة ~~والنصر بحجارة لا تغني عنهم شيئا . ولذلك أفادوا تمكن الضلال منهم باجتلاب ~~حرف الظرفية المستعار لمعنى الملابسة لأن المظروف شديد الملابسة لظرفه ، ~~وأكدوا ذلك بوصفهم الضلال بالمبين ، أي الواضح البين . وفي هذا تسفيه منهم ~~لأنفسهم إذ تمشى عليها هذا الضلال الذي ما كان له أن يروج على ذي مسكة من ~~عقل . # و { إذ نسويكم } ظرف متعلق ب { كنا } أي كنا في ضلال في وقت إنا نسويكم ~~برب العالمين . وليست { إذ } بموضوعة للتعليل كما توهمه الشيخ أحمد بن ~~علوان ms5884 التونسي الشهير بالمصري فيما حكاه عنه المقري في ( نفح الطيب ) في ~~ترجمة أبي جعفر اللبلي في الباب الخامس من القسم الأول ، وإنما غشي عليه ~~حاصل المعنى المجازي فتوهمه معنى من معاني { إذ } ومنه قول النابغة : # فعد عما ترى إذ # لا ارتجاع له PageV19P153 # أي حين لا ارتجاع له . # والتسوية : المعادلة والمماثلة ، أي إذ نجعلكم مثل رب العالمين ، فالظاهر ~~أنهم جعلوهم مثله مع الاعتراف بالإلهية وهو ظاهر حال إشراكهم كما تقدم في ~~قوله : { فإنهم عدو لي إلا رب العالمين } ( الشعراء : 77 ) ، ويحتمل أنهم ~~جعلوه مثله فيما تبين لهم من إلهيته يومئذ إذ كانوا لا يؤمنون بالله أصلا ~~في الدنيا فهي تسوية بالمآل وقد آبوا إلى الاعتراف بما تضمنته كلمة إبراهيم ~~لهم في الدنيا إذ قال لهم { فإنهم عدو لي إلا رب العالمين } ( الشعراء : 77 ~~) . # وضمير الخطاب في { نسويكم } موجه إلى الأصنام ، وهو من توجيه المتندم ~~الخطاب إلى الشيء الذي لا يعقل وكان سببا في الأمر الذي جر إليه الندامة ~~بتنزيله منزلة من يعقل ويسمع . والمقصود من ذلك المبالغة في توبيخ نفسه . ~~ومنه ما روى الغزالي في ( الإحياء ) : أن عمر بن الخطاب دخل على أبي بكر ~~الصديق فوجده ممسكا بلسانه بأصبعيه وهو يقول : أنت أوردتني الموارد . وعن ~~ابن مسعود أنه وقف على الصفا يلبي ويقول : يا لسان قل خيرا تغنم واسكت عن ~~شر تسلم . وهذا أسلوب متبع في الكلام نثرا ونظما قال أبو تمام : # فيا دمع أنجدني على ساكني نجد # وصيغ { نسويكم } في صيغة المضارع لاستحضار الصورة العجيبة حين يتوجهون ~~إلى الأصنام بالدعاء والنعوت الإلهية . # وقولهم : { وما أضلنا إلا المجرمون } خطاب بعض العامة لبعض . وعنوا ~~بالمجرمين أيمة الكفر الذين ابتدعوا لهم الشرك واختلقوا لهم دينا . # والمناسب أن يكون التعريف في { المجرمون } مستعملا في كمال الإجرام فإن ~~من معاني اللام أن تدل على معنى الكمال . # ورتبوا بالفاء انتفاء الشافعين على جملة : { وما أضلنا إلا المجرمون } ~~حيث أطمعوهم بشفاعة الأصنام لهم عند الله مثل المشركين من العرب { ويقولون ~~هؤلاء شفعاؤنا عند الله } ( يونس : 18 ) فتبين ms5885 لهم أن لا شفاعة لها ، وهذا ~~الخبر مستعمل في التحسر والتوجع . PageV19P154 # والشافع : الذي يكون واسطة جلب نفع لغيره أو دفع ضر عنه . وتقدم ذكر ~~الشفاعة في قوله : { ولا تنفعها شفاعة } في البقرة ( 123 ) ، والشفيع في ~~أول سورة يونس . # وأما قولهم : { ولا صديق حميم } فهو تتميم أثاره ما يلقونه من سوء ~~المعاملة من كل من يمرون به أو يتصلون ، ومن الحرمان الذي يعاملهم كل من ~~يسألونه الرفق بهم حتى علموا أن جميع الخلق تتبرأ منهم كما قال تعالى : { ~~ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب } فإن الصديق هو الذي يواسيك أو يسليك أو ~~يتوجع ويومئذ حقت كلمة الله { الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين } ~~( الزخرف : 67 ) وتقدم الكلام على الصديق في قوله تعالى : { أو صديقكم } في ~~سورة النور ( 61 ) . # والحميم : القريب ، فعيل من حم ( بفتح الحاء ) إذا دنا وقرب فهو أخص من ~~الصديق . # والمراد نفي جنس الشفيع وجنس الصديق لوقوع الاسمين في سياق النفي المؤكد ~~ب { من } الزائدة ، وفي ذلك السياق يستوي المفرد والجمع في الدلالة على ~~الجنس . وإنما خولف بين اسمي هذين الجنسين في حكاية كلامهم إذ جيء ب { ~~شافعين } جمعا ، وب { صديق } مفردا ، لأنهم أرادوا بالشافعين الآلهة ~~الباطلة وكانوا يعهدونهم عديدين فجرى على كلامهم ما هو مرتسم في تصورهم . ~~وأما الصديق فإنه مفروض جنسه دون عدد أفراده إذ لم يعنوا عددا معينا فبقي ~~على أصل نفي الجنس ، وعلى الأصل في الألفاظ إذ لم يكن داع لغير الإفراد . ~~والذي يبدو لي أنه أوثر جمع { شافعين } لأنه أنسب بصورة ما في أذهانهم كما ~~تقدم . وأما إفراد { صديق } فلأنه أريد أن يجرى عليه وصف { حميم } فلو جيء ~~بالموصوف جمعا لاقتضى جمع وصفه ، وجمع { حميم } فيه ثقل لا يناسب منتهى ~~الفصاحة ولا يليق بصورة الفاصلة مع ما حصل في ذلك من التفنن الذي هو من ~~مقاصد البلغاء . # ثم فرعوا على هذا التحسر والندامة تمني أن يعادوا إلى الدنيا ليتداركوا ~~أمرهم في الإيمان بالله وحده . # و ( لو ) هذه للتمني ، وأصلها ( لو ) الشرطية لكنها تنوسي منها ms5886 معنى ~~الشرط . PageV19P155 وأصلها : لو أرجعنا إلى الدنيا لآمنا ، لكنه إذا لم ~~يقصد تعليق الامتناع على امتناع تمحضت ( لو ) للتمني لما بين الشيء الممتنع ~~وبين كونه متمنى من المناسبة . والكرة : مرة من الكر وهو الرجوع . # وانتصب { فنكون } في جواب التمني . # # | 2 ( 103 ، 104 ) { لله إن فى ذلك لأية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك ~~لهو العزيز الرحيم } . ) 2 # تكرير ثالث لهاته الجملة تعدادا على المشركين وتسجيلا لتصميمهم . واسم ~~الإشارة إشارة إلى كلام إبراهيم عليه السلام فإن فيه دليلا بينا على ~~الوحدانية لله تعالى وبطلان إلهية الأصنام ، فكما لم يهتد بها قوم إبراهيم ~~فما كان أكثر المشركين بمكة بمؤمنين بها بعد سماعها ، ولكن التبليغ حق على ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وقد تقدم الكلام على نظير هذه الآية . # # | 2 ( 105 110 ) { لله كذبت قوم نوح المرسلين * إذ قال لهم أخوهم نوح ألا ~~تتقون * إني لكم رسول أمين * فاتقوا الله وأطيعون * ومآ أسئلكم عليه من أجر ~~إن أجرى إلا على رب العالمين * فاتقوا الله وأطيعون } . ) 2 # استئناف لتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم ناشىء عن قوله : { وما كان ~~أكثرهم مؤمنين } ( الشعراء : 103 ) أي لا تأس عليهم ولا يعظم عليك أنهم ~~كذبوك فقد كذبت قوم نوح المرسلين ؛ وقد علم العرب رسالة نوح ، وكذلك شأن ~~أهل العقول الضالة أنهم يعرفون الأحوال وينسون أسبابها . # وأنث الفعل المسند إلى قوم نوح لتأويل { قوم } بمعنى الأمة أو الجماعة ~~كما PageV19P156 يقال : قالت قريش ، وقالت بنو عامر ، وذلك قياس في كل اسم ~~جمع لا واحد له من لفظه إذا كان للآدمي مثل نفر ورهط ، فأما إذا كان لغير ~~الآدميين نحو إبل فمؤنث لا غير . قاله الجوهري وتبعه صاحب ( اللسان ) و ( ~~المصباح ) . # ووقع في ( الكشاف ) هذه العبارة ( القوم مؤنثة وتصغيرها قويمة ) فظاهر ~~عبارته أن هذا اللفظ مؤنث المعنى في الاستعمال لا غير ، وهذا لم يقله غيره ~~وسكت شراحه عليه ولم يعرج الزمخشري عليه في ( الأساس ) فإن حمل على ظاهر ~~العبارة فهو مخالف لكلام الجوهري وابن سيده . ويحتمل أنه أراد جواز تأنيث ms5887 ( ~~قوم ) وأنه يجوز أن يصغر على قويمة فيجمع بين كلامه وكلام الجوهري وابن ~~سيده ، وهو احتمال بعيد من ظاهر كلامه الموكد بقوله : وتصغيره قويمة ، لما ~~هو مقرر من أن التصغير يرد الأسماء إلى أصولها . وأيا ما كان فهو صريح في ~~أن تأنيثه ليس بتأويله بمعنى الأمة لأن التأويل اعتبار للمتكلم فلا يكون له ~~أثر في إجراء الصيغ مثل التصغير ، فإن الصيغ من آثار الوضع دون الاستعمال ، ~~ألا ترى أنه لا تجعل للمعاني المجازية صيغ خاصة بالمجاز . # وجمع { المرسلين } وإنما كذبوا رسولا واحدا أول الرسل ولم يكن قبله رسول ~~وهم أول المكذبين ، فإنما جمع لأن تكذيبهم لم يكن لأجل ذاته ولكنه كان ~~لإحالتهم أن يرسل الله بشرا ، وأن تكون عبادة أصنامهم ضلالا فكان تكذيبهم ~~إياه مقتضيا تكذيب كل رسول لأن كل رسول يقول مثل ما قاله نوح عليه السلام ، ~~ولذلك تكرر في قوله : { كذبت عاد المرسلين } ( الشعراء : 123 ) وما بعده . ~~وقد حكي تكذيبهم أن يكون الرسول بشرا في قوله : { أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ~~ربكم على رجل منكم لينذركم في الأعراف ( 63 ) . # وسيأتي حكاية تكذيب عاد وثمود وقوم لوط وأصحاب ليكة على هذا النمط فيما ~~تكرر من قوله : كذبت } وقوله : { المرسلين } . PageV19P157 # و { إذ قال } ظرف ، أي كذبوه حين قال لهم { ألا تتقون } فقالوا : { أنؤمن ~~لك } ( الشعراء : 111 ) . ويظهر أن قوله : { ألا تتقون } صدر بعد أن دعاهم ~~من قبل وكرر دعوتهم إذ رآهم مصرين على الكفر ويدل لذلك قولهم في مجاوبته { ~~واتبعك الأرذلون } ( الشعراء : 111 ) . # وخص بالذكر في هذه السورة هذا الموقف من مواقفه لأنه أنسب بغرض السورة في ~~تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم بذكر مماثل حاله مع قومه . والأخ مستعمل ~~في معنى القريب من القبيلة . وقد تقدم في قوله تعالى : { وإلى عاد أخاهم ~~هودا } في سورة الأعراف ( 65 ) . # وقوله : { ألا تتقون } يجوز أن يكون لفظ { ألا } مركبا من حرفين همزة ~~استفهام دخلت على ( لا ) النافية ، فهو استفهام عن انتفاء تقواهم مستعمل في ~~الإنكار وهو يقتضي امتناعهم من الامتثال لدعوته . # ويجوز ms5888 أن يكون { ألا } حرفا واحدا هو حرف التحضيض مثل قوله تعالى : { ألا ~~تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم } ( التوبة : 13 ) وهو يقتضي تباطؤهم عن تصديقه ~~. # والمراد بالتقوى : خشية الله من عقابه إياهم على أن جعلوا معه شركاء . # وجملة : { إني لكم رسول أمين } تعليل للإنكار أو للتحضيض ، أي كيف ~~تستمرون على الشرك وقد نهيتكم عنه وأنا رسول لكم أمين عندكم . # وكان نوح موسوما بالأمانة لا يتهم في قومه كما كان محمد صلى الله عليه ~~وسلم يلقب الأمين في قريش . قال النابغة : # كذلك كان نوح لا يخون # وتأكيده بحرف التأكيد مع عدم سبق إنكارهم أمانته لأنه توقع حدوث الإنكار ~~فاستدل عليهم بتجربة أمانته قبل تبليغ الرسالة ، فإن الأمانة دليل على صدقه ~~فيما بلغهم من رسالة الله ، كما قال هرقل لأبي سفيان وقد سأله : هل جربتم ~~عليه ( يعني النبي صلى الله عليه وسلم كذبا ، فقال أبو سفيان : لا ونحن منه ~~في مدة لا ندري ما فعل فيها . فقال له هرقل بعد ذلك : فقد علمت أنه ما كان ~~ليترك الكذب على الناس ويكذب على الله . ففي حكاية استدلال نوح بأمانته بين ~~قومه في هذه PageV19P158 القصة المسوقة مثلا للمشركين في تكذيبهم محمدا صلى ~~الله عليه وسلم تعريض بهم إذ كذبوه بعد أن كانوا يدعونه الأمين ، ويحتمل أن ~~يراد به أمين من جانب الله على الأمة التي أرسل إليها . والتأكيد أيضا ~~لتوقع الإنكار منهم . # وجملة : { وما أسئلكم عليه من أجر } عطف على جملة : { إني لكم رسول أمين ~~} أي علمتم أني أمين لكم وتعلمون أني لا أطلب من دعوتكم إلى الإيمان نفعا ~~لنفسي . وضمير { عليه } عائد إلى معلوم من مقام الدعوة . # وقوله : { فاتقوا الله وأطيعون } تأكيد لقوله : { ألا تتقون } وهو اعتراض ~~بين الجملتين المتعاطفتين . وكرر جملة : { فاتقوا الله وأطيعون } لزيادة ~~التأكيد فيكون قد افتتح دعوته بالنهي عن ترك التقوى ثم علل ذلك ثم أعاد ما ~~تقتضيه جملة الاستفتاح ، ثم علل ذلك بقوله : { وما أسئلكم عليه من أجر } ، ~~ثم أعاد جملة الدعوة في آخر كلامه إذ قال : { فاتقوا الله وأطيعون ms5889 } مرة ~~ثانية بمنزلة النتيجة للدعوة ولتعليلها . # وحذفت الياء من { أطيعون } في الموضعين كما حذفت في قوله : { فأخاف أن ~~يقتلون } ( الشعراء : 14 ) في أوائل السورة . # وفي قوله : { إن أجري إلا على رب العالمين } إشارة إلى يوم الجزاء وكانوا ~~ينكرون البعث كما دل عليه قوله في سورة نوح ( 17 ، 18 ) { والله أنبتكم من ~~الأرض نباتا ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا } . وتقدم ذكر نوح عند قوله ~~تعالى : { إن الله اصطفى آدم ونوحا } في آل عمران ( 33 ) . # $ 2 ( 111 115 ) { قالو & # 1764 ا أنؤمن لك واتبعك الارذلون * قال وما علمى بما كانوا يعملون * إن ~~حسابهم إلا على ربى لو تشعرون * ومآ أنا بطارد المؤمنين * إن أنا إلا نذير ~~مبين } . ) 2 $ # جملة : { قالوا } استئناف بياني لما يثيره قوله : { كذبت قوم نوح } ( ~~الشعراء : 105 ) من استشراف السامع لمعرفة ما دار بينهم وبين نوح من حوار ، ~~ولذلك حكيت مجادلتهم بطريقة : قالوا ، وقال . والقائلون : هم كبراء القوم ~~الذين تصدوا لمحاورة نوح . PageV19P159 # والاستفهام في { أنؤمن } استفهام إنكاري ، أي لا نؤمن لك وقد اتبعك ~~الأرذلون فجملة : { واتبعك } حالية . # و { الأرذلون } : سقط القوم موصوفون بالرذالة وهي الخسة والحقارة ، ~~أرادوا بهم ضعفاء القوم وفقراءهم فتكبروا وتعاظموا أن يكونوا والضعفاء سواء ~~في اتباع نوح . وهذا كما قال عظماء المشركين للنبيء صلى الله عليه وسلم لما ~~كان من المؤمنين عمار وبلال وزيد بن حارثة : أنحن نكون تبعا لهؤلاء أطردهم ~~عنك فلعلك إن طردتهم أن نتبعك . فأنزل الله تعالى : { ولا تطرد الذين يدعون ~~ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه } الآيات من سورة الأنعام ( 52 ) . # وقرأ الجمهور : { واتبعك } بهمزة وصل وتشديد التاء الفوقية على أنه فعل ~~مضي من صيغة الافتعال . والمعنى : أنهم كانوا من أتباعه أو كانوا أكثر ~~أتباعه . وقرأ يعقوب { وأتباعك } بهمزة قطع وسكون الفوقية وألف بعد الموحدة ~~على أنه جمع تابع . والمعنى : أنهم أتباعه لا غيرهم فالصيغة صيغة قصر . # وجواب نوح عن كلام قومه يحتاج إلى تدقيق في لفظه ومعناه . فأما لفظه ~~فاقتران أوله بالواو يجعله في حكم المعطوف على كلام قومه تنبيها على اتصاله ms5890 ~~بكلامهم . وذلك كناية عن مبادرته بالجواب كما في قوله تعالى حكاية عن ~~إبراهيم عليه السلام { قال ومن ذريتي } ( البقرة : 124 ) بعد قوله : { قال ~~إني جاعلك للناس إماما } ( البقرة : 124 ) . ويسمى عطف تلقين مراعاة لوقوعه ~~في تلك الآية والأولى أن يسمى عطف تكميل . # وأما معناه فهو استفهام مؤذن بأن قومه فصلوا إجمال وصفهم أتباعه ~~بالأرذلين بأن بينوا أوصافا من أحوال أهل الحاجة الذين لا يعبأ الناس بهم ~~فأتى بالاستفهام عن علمه استفهاما مستعملا في قلة الاعتناء بالمستفهم عنه ، ~~وهو كناية عن قلة جدواه لأن الاستفهام عن الشيء يؤذن بالجهل به ، والجهل ~~تلازمه قلة العناية بالمجهول وضعف شأنه ، كما يقال لك : يهددك فلان ، فتقول ~~: وما فلان ، أي لا يعبأ به . وفي خبر وهب بن كيسان عن جابر ابن عبد الله ~~أن أبا عبيدة كان يقوتنا كل يوم تمرة فقال وهب : قلت وما تغني عنكم تمرة . ~~PageV19P160 # والمعنى : أي شيء علمي بما كانوا يعملون حتى اشتغل بتحصيل علم ما كانوا ~~يعملون وأعمالهم بما يناسب مراتبهم فأنا لا أهتم بما قبل إيمانهم . # وضمن { علمي } معنى اشتغالي واهتمامي فعدي بالباء . # و { ما كانوا يعملون } موصول ما صدقه الحالة لأن الحالة لا تخلو من عمل . ~~فالمعنى : وما علمي بأعمالهم . وهذا كما يقال في السؤال عن أحد : ماذا فعل ~~فلان ؟ أي ما خبره وما حاله ؟ ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم للصبي ~~الأنصاري : ( يا أبا عمير ما فعل النغير ) لطائر يسمى النغر ( بوزن صرد ) ~~وهو من نوع البلبل كان عند الصبي يلعب به ، ومنه قوله لمن سأله عن الذين ~~ماتوا من صبيان المشركين : ( الله أعلم بما كانوا عاملين ) أي الله أعلم ~~بحالهم ، فهو إمساك عن الجواب . وقريب منه قول العرب : ما باله ، أي ما ~~حاله ؟ . # وفعل { كانوا } مزيد بين ( ما ) الموصولة وصلتها لإفادة التأكيد ، أي ~~تأكيد مدلول ( ما علمي بما يعملون ) . والمعنى : أي شيء علمي بما يعملون . ~~وليس المراد بما كانوا عملوه من قبل . والواو في قوله : { بما كانوا } فاعل ~~وليست اسما ل ( كان ) لأن ( كان ) الزائدة ms5891 لا تنصب الخبر . # وشمل قوله : { بما كانوا يعملون } جميع أحوالهم في دينهم ودنياهم في ~~الماضي والحال والمستقبل والظاهر والباطن . # والحساب حقيقته : العد ، واستعمل في معنى تمحيض الأعمال وتحقيق ظواهرها ~~وبواطنها بحيث لا يفوت منها شيء أو يشتبه . # والمعنى : أن الله هو الذي يتولى معاملتهم بما أسلفوا وما يعملون وبحقائق ~~أعمالهم . وهذا المقال اقتضاه قوله : { وما علمي بما كانوا يعملون } من ~~شموله جميع أعمالهم الظاهرة والباطنة التي منها ما يحاسبون عليه وهو الأهم ~~عند الرسول المشرع ، فلذلك لما قال : { وما علمي بما كانوا يعملون } أتبعه ~~بقوله : { إن حسابهم إلا على ربي } على عادة أهل الإرشاد في عدم إهمال ~~فرصته . وهذا كقول النبي صلى الله عليه وسلم ( فإذا قالوها ( أي لا إلاه ~~إلا الله ) عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ) ، أي ~~تحقيق مطابقة باطنهم لظاهرهم على الله . PageV19P161 # وزاد نوح قوله بيانا بقوله : { وما أنا بطارد المؤمنين إن أنا إلا نذير ~~مبين } وبين هذا المعنى قوله في الآية الأخرى { الله أعلم بما في أنفسهم } ~~في سورة هود ( 31 ) . # والقصر في قوله : { إن حسابهم إلا على ربي } قصر موصوف على الصفة ، ~~والموصوف هو { حسابهم } والصفة هي { على ربي } ، لأن المجرور الخبر في قوة ~~الوصف ، فإن المجرورات والظروف الواقعة أخبارا تتضمن معنى يتصف به المبتدأ ~~وهو الحصول والثبوت المقدر في الكلام بكائن أو مستقر كما بينه علماء النحو ~~. والتقدير : حسابهم مقصور على الاتصاف بمدلول { على ربي } . وكذلك قدره ~~السكاكي في ( المفتاح ) ، وهو قصر إفراد إضافي ، أي لا يتجاوز الكون على ~~ربي إلى الاتصاف بكونه علي . وهو رد لما تضمنه كلام قومه من مطالبته بإبعاد ~~الذين آمنوا لأنهم لا يستحقون أن يكونوا مساوين لهم في الإيمان الذي طلبه ~~نوح من قومه . # وقوله : { لو تشعرون } تجهيل لهم ورغم لغرورهم وإعجابهم الباطل . وجواب { ~~لو } محذوف دل عليه ما قبله . والتقدير : لو تشعرون لشعرتم بأن حسابهم على ~~الله لا علي فلما سألتمونيه . ودل على أنه جهلهم قوله في سورة هود ( 29 ) { ~~ولكني أراكم قوما تجهلون . هذا ms5892 هو التفسير الذي يطابق نظم الآية ومعناها من ~~غير احتياج إلى زيادات وفروض . # والمفسرون نحوا منحى تأويل الأرذلون } أنهم الموصوفون بالرذالة الدنية ، ~~أي الطعن في صدق إيمان من آمن به ، وجعلوا قوله : { وما علمي بما كانوا ~~يعملون } تبرؤا من الكشف على ضمائرهم وصحة إيمانهم . ولعل الذي حملهم على ~~ذلك هو لفظ الحساب في قوله : { إن حسابهم إلا على ربي } ، فحملوه على ~~الحساب الذي يقع يوم الجزاء وذلك لا يثلج له الصدر . # وعطف قوله : { وما أنا بطارد المؤمنين } على قوله : { وما علمي بما كانوا ~~يعملون } فبعد أن أبطل مقتضى طردهم صرح بأنه لا يفعله . # وجملة : { إن أنا إلا نذير مبين } استئناف في معنى التعليل ، أي لأن وصفي ~~يصرفني عن موافقتكم . PageV19P162 # والمبين : من أبان المتعدي بمعنى بين ووضح . والقصر إضافي وهو قصر موصوف ~~على صفة . # وقد تقدم في سورة هود حكاية موقف لنوح عليه السلام مع قومه شبيه بما حكي ~~هنا وبين الحكايتين اختلاف ما ، فلعلهما موقفان أو هما كلامان في موقف واحد ~~حكي أحدهما هنالك والآخر هنا على عادة قصص القرآن ، فما في إحدى الآيتين من ~~زيادة يحمل على أنه مكمل لما في الأخرى . # # | 2 ( 116 120 ) { قالوا لئن لم تنته يانوح لتكونن من المرجومين * قال رب ~~إن قومى كذبون * فافتح بينى وبينهم فتحا ونجنى ومن معى من المؤمنين * ~~فأنجيناه ومن معه فى الفلك المشحون * ثم أغرقنا بعد الباقين } . ) 2 # لما أعياهم الاستدلال صاروا إلى سلاح المبطلين وهو المناضلة بالأذى . # والرجم : الرمي بالحجارة ، وقد غلب استعماله في القتل به ، و { من ~~المرجومين } يفيد من بين الذين يعاقبون بالرجم ، أي من فئة الدعار الذين ~~يستحقون الرجم ، كما تقدم في قوله : { وما أنا من المهتدين } في سورة ~~الأنعام ( 56 ) . # وقوله : { إن قومي كذبون } تمهيد للدعاء عليهم وهو خبر مستعمل في إنشاء ~~التحسر واليأس من إقلاعهم عن التكذيب . # والفتح : الحكم ، وتأكيده ب { فتحا } لإرادة حكم شديد ، وهو الاستئصال ~~ولذلك أعقبه بالاحتراس بقوله : { ونجني ومن معي من المؤمنين } . # و { المشحون } : المملوء . # و { ثم } للتراخي الرتبي ms5893 في الإخبار لأن إغراق أمة كاملة أعظم دلالة على ~~عظيم القدرة من إنجاء طائفة من الناس . # وحذف الياء من قوله : { كذبون } للفاصلة كما تقدم في قوله : { فأخاف أن ~~يقتلون } ( الشعراء : 14 ) . # PageV19P163 # | 2 ( 121 ، 122 ) { إن فى ذلك لاية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو ~~العزيز الرحيم } . ) 2 # الآية في قصة نوح دلالتها على أن الله لا يقر الذين يكذبون رسله ، ففي ~~هذه القصة آية للمشركين من قريش وهم يعلمون قصة نوح والطوفان . # # | 2 ( 123 127 ) { كذبت عاد المرسلين * إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون * ~~إنى لكم رسول أمين * فاتقوا الله وأطيعون * ومآ أسألكم عليه من أجر إن أجرى ~~إلا على رب العالمين } . ) 2 # جملة مستأنفة استئناف تعداد لأخبار التسلية للرسول وتكرير الموعظة ~~للمكذبين بعد جملة : { كذبت قوم نوح المرسلين } ( الشعراء : 105 ) . # والقول في هذه الآيات كالقول في نظيرتها في أول قصة نوح سواء ، سوى أن ~~قوله تعالى : { كذبت عاد المرسلين } يفيد أنهم كذبوا رسولهم هودا وكذبوا ~~رسالة نوح لأن هودا وعظهم بمصير قوم نوح في آية : { واذكروا إذ جعلكم خلفاء ~~من بعد قوم نوح } في سورة الأعراف ( 69 ) . # واقتران فعل { كذبت } بتاء التأنيث لان اسم عاد علم على أمة فهو مؤول ~~بمعنى الأمة . # والقول في { ألا تتقون } مثل القول في نظيره المتقدم في قصة قوم نوح . ~~وقوله : { إني لكم رسول أمين } هو كقول نوح لقومه ، فإن الرسول لا يبعث إلا ~~وقد كان معروفا بالأمانة وحسن الخلق قبل الرسالة . ويدل لكون هود قد كان ~~كذلك في قومه قول قومه له { إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء في سورة ~~هود ( 54 ) الدال على أنهم زعموا أن تغير حاله عما كان معروفا به من قبل ~~بسبب سوء اعتقاده في آلهتهم . PageV19P164 # وتفريع فاتقوا الله وأطيعون } عليه كما تقدم في قصة نوح . وحذف ياء { ~~وأطيعون } للفاصلة كحذفها في قصة نوح وإبراهيم آنفا . # وتقدم ذكر عاد وهود عند قوله تعالى : { وإلى عاد أخاهم هودا } في سورة ~~الأعراف ( 65 ) . # # | 2 ( 128 130 ) { أتبنون بكل ms5894 ريع ءاية تعبثون * وتتخذون مصانع لعلكم ~~تخلدون * وإذا بطشتم بطشتم جبارين } . ) 2 # رأى من قومه تمحضا للشغل بأمور دنياهم ، وإعراضا عن الفكر في الآخرة ~~والعمل لها والنظر في العاقبة ، وإشراكا مع الله في إلهيته ، وانصرافا عن ~~عبادة الله وحده الذي خلقهم وأعمرهم في الأرض وزادهم قوة على الأمم ، ~~فانصرفت هماتهم إلى التعاظم والتفاخر واللهو واللعب . # وكانت عاد قد بلغوا مبلغا عظيما من البأس وعظم السلطان والتغلب على ~~البلاد مما أثار قولهم : { من أشد منا قوة } ( فصلت : 15 ) فقد كانت قبائل ~~العرب تصف الشيء العظيم في نوعه بأنه ( عادي ) وكانوا أهل رأي سديد ورجاحة ~~أحلام ، قال وداك بن ثميل المازني : # وأحلام عاد لا يخاف جليسهم # ولو نطق العوار غرب لسان # وقال النابغة يمدح غسان : # أحلام عاد وأجساد مطهرة # من المعقة والآفات والأثم # فطال عليهم الأمد ، وتفننوا في إرضاء الهوى ، وأقبلوا على الملذات واشتد ~~الغرور بأنفسهم فأضاعوا الجانب الأهم للإنسان وهو جانب الدين وزكاء النفس ، ~~وأهملوا أن يقصدوا من أعمالهم المقاصد النافعة ونية إرضاء الله على أعمالهم ~~لحب الرئاسة والسمعة ، فعبدوا الأصنام ، واستخفوا بجانب الله تعالى ، ~~واستحمقوا الناصحين ، وأرسل الله إليهم هودا ففاتحهم بالتوبيخ على ما فتنوا ~~بالإعجاب به وبذمه إذ ألهاهم التنافس فيه عن معرفة الله فنبذوا اتباع ~~الشرائع وكذبوا الرسول . فمن سابق أعمال عاد أنهم كانوا بنوا في طرق ~~أسفارهم أعلاما ومنارات تدل على الطريق كيلا يضل PageV19P165 السائرون في ~~تلك الرمال المتنقلة التي لا تبقى فيها آثار السائرين واحتفروا وشيدوا ~~مصانع للمياه وهي الصهاريج تجمع ماء المطر في الشتاء ليشرب منها المسافرون ~~وينتفع بها الحاضرون في زمن قلة الأمطار ، وبنوا حصونا وقصورا على أشراف من ~~الأرض ، وهذا من الأعمال النافعة في ذاتها لأن فيها حفظ الناس من الهلاك في ~~الفيافي بضلال الطرق ، ومن الهلكة عطشا إذا فقدوا الماء وقت الحاجة إليه ، ~~فمتى أريد بها رضى الله تعالى بنفع عبيده كانت جديرة بالثناء عاجلا والثواب ~~آجلا . # فأما إذا أهمل إرضاء الله تعالى بها واتخذت للرياء والغرور بالعظمة ~~وكانوا معرضين عن التوحيد ms5895 وعن عبادة الله انقلبت عظمة دنيوية محضة لا ينظر ~~فيها إلى جانب النفع ولا تحث الناس على الاقتداء في تأسيس أمثالها وقصاراها ~~التمدح بما وجدوه منها . فصار وجودها شبيها بالعبث لأنها خلت عن روح ~~المقاصد الحسنة فلا عبرة عند الله بها لأن الله خلق هذا العالم ليكون مظهر ~~عبادته وطاعته . وكانوا أيضا في الإعراض عن الآخرة والاقتصار على التزود ~~للحياة الدنيا بمنزلة من يحسبون أنفسهم خالدين في الدنيا . # والأعمال إذا خلت عن مراعاة المقاصد التي ترضي الله تعالى اختلفت مشارب ~~عامليها طرائق قددا على اختلاف الهمم واجتلاب المصالح الخاصة ، فلذلك ~~أنكرها عليهم رسولهم بالاستفهام الإنكاري على سنة المواعظ فإنها تبنى على ~~مراعاة ما في الأعمال من الضر الراجح على النفع ، فلا يلفت الواعظ إلى ما ~~عسى أن يكون في الأعمال من مرجوح إذا كان ذلك النفع مرغوبا للناس ، فإن ~~باعث الرغبة المنبث في الناس مغنن عن ترغيبهم فيه ، وتصدي الواعظ لذلك فضول ~~وخروج عن المقصد بتحذيرهم أو تحريضهم فيما عدا ذلك ، إذا كان الباعث على ~~الخير مفقودا أو ضئيلا . وقد كان هذا المقام مقام موعظة كما دل عليه قوله ~~تعالى عنهم { قالوا سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين } ( الشعراء : ~~136 ) . ومقام الموعظة أوسع من مقام تغيير المنكر ، فموعظة هود عليه السلام ~~متوجهة إلى ما في نفوسهم من الأدواء الروحية ، وليس في موعظته أمر بتغيير ~~ما بنوه من العلامات ولا ما اتخذوه من المصانع . # ولما صار أثر البناء شاغلا عن المقصد النافع للحياة في الآخرة نزل فعلهم ~~PageV19P166 المفضي إلى العبث منزلة الفعل الذي أريد منه العبث عند الشروع ~~فيه فأنكر عليهم البناء بإدخال همزة الإنكار على فعل { تبنون } ، وقيد ~~بجملة : { تعبثون } التي هي في موضع الحال من فاعل { تبنون } ، مع أنهم لما ~~بنوا ذلك ما أرادوا بفعلهم عبثا ، فمناط الإنكار من الاستفهام الإنكاري هو ~~البناء المقيد بالعبث ، لأن الحكم إذا دخل على مقيد بقيد انصرف إلى ذلك ~~القيد . # وكذلك المعطوف على الفعل المستفهم عنه وهو جملة : { وتتخذون مصانع } هو ms5896 ~~داخل في حيز الإنكار ومقيد بجملة الحال المقيد بها المعطوف عليه بناء على ~~أن الحال المتوسطة بين الجملتين ترجع إلى كلتيهما على رأي كثير من علماء ~~أصول الفقه لا سيما إذا قامت القرينة على ذلك . # وقد اختلفت أقوال المفسرين في تعيين البناء والآيات والمصانع كما سيأتي . ~~وفي بعض ما قالوه ما هو متمحض للهو والعبث والفساد ، وفي بعضه ما الأصل فيه ~~الإباحة ، وفي بعضه ما هو صلاح ونفع كما سيأتي . # وموقع جملة : { أتبنون } في موضع بدل الاشتمال لجملة : { ألا تتقون } ( ~~الشعراء : 124 ) فإن مضمونها مما يشتمل عليه عدم التقوى الذي تسلط عليه ~~الإنكار وهو في معنى النفي . # والريع بكسر الراء : الشرف ، أي المكان المرتفع ، كذا عن ابن عباس ، ~~والطريق والفج بين الجبلين ، كذا قال مجاهد وقتادة . # والآية : العلامة الدالة على الطريق ، وتطلق الآية على المصنوع المعجب ~~لأنه يكون علامة على إتقان صانعه أو عظمة صاحبه . # و ( كل ) مستعمل في الكثرة ، أي في الأرياع المشرفة على الطرق المسلوكة ، ~~والعبث : العمل الذي لا فائدة نفع فيه . # والمصانع : جمع مصنع وأصله مفعل مشتق من صنع فهو مصدر ميمي وصف به ~~للمبالغة ، فقيل : هو الجابية المحفورة في الأرض . وروي عن قتادة : مبنية ~~بالجير يخزن بها الماء ويسمى صهريجا وماجلا ، وقيل : قصور وهو عن مجاهد . # وكانت بلاد عاد ما بين عمان وحضرموت شرقا وغربا ومتغلغلة في الشمال إلى ~~الرمال وهي الأحقاق . PageV19P167 # وجملة : { لعلكم تخلدون } مستأنفة . و ( لعل ) للترجي ، وهو طلب المتكلم ~~شيئا مستقرب الحصول ، والكلام تهكم بهم ، أي أرجو لكم الخلود بسبب تلك ~~المصانع . وقيل : جعلت عاد بنايات على المرتفعات على الطرق يعبثون فيها ~~ويسخرون بالمارة . وقد يفسر هذا القول بأن الأمة في حال انحطاطها حولت ما ~~كان موضوعا للمصالح إلى مفاسد فعمدوا إلى ما كان مبنيا لقصد تيسير السير ~~والأمن على السابلة من الضلال في الفيافي المهلكة فجعلوه مكامن لهو وسخرية ~~، كما اتخذت بعض أديرة النصارى في بلاد العرب مجالس خمر ، وكما أدركنا ~~الصهاريج التي في قرطاجنة كانت خزانا لمياه زغوان المنسابة إليها على ms5897 ~~الحنايا فرأيناها مكامن للصوص ومخازن للدواب إلى أول هذا القرن سنة 1303 ه ~~. # وقيل : إن المصانع قصور عظيمة اتخذوها فيكون الإنكار عليهم متوجها إلى ~~الإسراف في الإنفاق على أبنية راسخة مكينة كأنها تمنعهم من الموت ، فيكون ~~الكلام مسوقا مساق الموعظة من التوغل في الترف والتعاظم . هذا ما استخلصناه ~~من كلمات انتثرت في أقوال عن المفسرين وهي تدل على حيرة من خلال كلامهم في ~~توجيه إنكار هود على قومه عملين كانا معدودين في النافع من أعمال الأمم ، ~~وأحسب أن قد أزلنا تلك الحيرة . # وقوله : { وإذا بطشتم بطشتم جبارين } أعقب به موعظتهم على اللهو واللعب ~~والحرص على الدنيا بأن وعظهم على الشدة على الخلق في العقوبة ، وهذا من عدم ~~التوازن في العقول فهم يبنون العلامات لإرشاد السابلة ويصطنعون المصانع ~~لإغاثة العطاش فكيف يلاقي هذا التفكير تفكيرا بالإفراط في الشدة على الناس ~~في البطش بهم ، أي عقوبتهم . # والبطش : الضرب عند الغضب بسوط أو سيف ، وتقدم في قوله : { أم لهم أيد ~~يبطشون بها } في آخر الأعراف ( 195 ) . # و { جبارين } حال من ضمير { بطشتم } وهو جمع جبار ، والجبار : الشديد في ~~غير الحق ، فالمعنى : إذا بطشتم كان بطشكم في حالة التجبر ، أي الإفراط في ~~الأذى وهو ظلم ، قال تعالى : { إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما ~~تريد أن تكون من المصلحين } ( القصص : 19 ) . وشأن العقاب أن يكون له حد ~~مناسب للذنب PageV19P168 المعاقب عليه بلا إفراط ولا تفريط ، فالإفراط في ~~البطش استخفاف بحقوق الخلق . # وفي ( صحيح مسلم ) عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ~~صنفان من أهل النار لم أرهما : قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها ~~الناس ، ونساء كاسيات عاريات . . . . ) الحديث . ووقع فعل { بطشتم } الثاني ~~جوابا ل { إذا } وهو مرادف لفعل شرطها ، لحصول الاختلاف بين فعل الشرط وفعل ~~الجواب بالعموم والخصوص كما تقدم في قوله تعالى : { وإذا مروا باللغو مروا ~~كراما في سورة الفرقان ( 72 ) وإنما يقصد مثل هذا النظم لإفادة الاهتمام ~~بالفعل إذ يحصل من تكريره تأكيد مدلوله . # $ 2 ( 131 ms5898 135 ) فاتقوا الله وأطيعون * واتقوا الذى & # 1764 أمدكم بما تعلمون * أمدكم بأنعام وبنين * وجنات وعيون * إنى & # 1764 أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } . ) 2 $ # لما أفاد الاستفهام في قوله : { أتبنون بكل ريع آية } ( الشعراء : 128 ) ~~معنى الإنكار على ما قارن بناءهم الآيات واتخاذهم المصانع وعلى شدتهم على ~~الناس عند الغضب فرع عليه أمرهم باتقاء الله ، وحصل مع ذلك التفريع تكرير ~~جملة الأمر بالتقوى والطاعة . # وحذف ياء المتكلم من { أطيعون } كحذفها في نظيرها المتقدم . وأعيد فعل { ~~واتقوا } وهو مستغنى عنه لو اقتصر على الموصول وصفا لاسم الجلالة لأن ظاهر ~~النظم أن يقال : فاتقوا الله الذي أمدكم بما تعلمون ، فعدل عن مقتضى الظاهر ~~وبني الكلام على عطف الأمر بالتقوى على الأمر الذي قبله تأكيدا له واهتماما ~~بالأمر بالتقوى مع أن ما عرض من الفصل بين الصفة والموصوف بجملة { وأطيعون ~~} قضى بأن يعاد اتصال النظم بإعادة فعل { اتقوا } . # وإنما أتي بفعل { اتقوا } معطوفا ولم يؤت به مفصولا لما في الجملة ~~الثانية من الزيادة على ما في الجملة الأولى من التذكير بإنعام الله عليهم ~~، فعلق بفعل التقوى في الجملة الأولى اسم الذات المقدسة للإشارة إلى ~~استحقاقه التقوى لذاته ، ثم علق بفعل التقوى في الجملة الثانية اسم الموصول ~~بصلته الدالة على إنعامه للإشارة إلى استحقاقه التقوى لاستحقاقه الشكر على ~~ما أنعم به . PageV19P169 # وقد جاء في ذكر النعمة بالإجمال الذي يهيىء السامعين لتلقي ما يرد بعده ~~فقال : { الذي أمدكم بما تعلمون } ثم فصل بقوله : { أمدكم بأنعام وبنين ~~وجنات وعيون } وأعيد فعل { أمدكم } في جملة التفصيل لزيادة الاهتمام بذلك ~~الإمداد فهو للتوكيد اللفظي . وهذه الجملة بمنزلة بدل البعض من جملة { ~~أمدكم بما تعلمون } فإن فعل { أمدكم } الثاني وإن كان مساويا ل { أمدكم } ~~الأول فإنما صار بدلا منه باعتبار ما تعلق به من قوله : { بأنعام وبنين } ~~إلخ الذي هو بعض مما تعلمون . وكلا الاعتبارين التوكيد والبدل يقتضي الفصل ~~، فلأجله لم تعطف الجملة . # وابتدأ في تعداد النعم بذكر الأنعام لأنها أجل نعمة على أهل ذلك البلد ، ~~لأن منها أقواتهم ولباسهم ms5899 وعليها أسفارهم وكانوا أهل نجعة فهي سبب بقائهم ، ~~وعطف عليها البنين لأنهم نعمة عظيمة بأنها أنسهم وعونهم على أسباب الحياة ~~وبقاء ذكرهم بعدهم وكثرة أمتهم ، وعطف الجنات والعيون لأنها بها رفاهية ~~حالهم واتساع رزقهم وعيش أنعامهم . # وجملة : { إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } تعليل لإنكار عدم تقواهم ~~وللأمر بالتقوى ، أي أخاف عليكم عذابا إن لم تتقوا ، فإن الأمر بالشيء ~~يستلزم النهي عن ضده . # والعذاب يجوز أن يريد به عذابا في الدنيا توعدهم الله به على لسانه ، ~~ويجوز أن يريد به عذاب يوم القيامة . # ووصف { يوم } ب { عظيم } على طريقة المجاز العقلي ، أي عظيم ما يحصل فيه ~~من الأهوال . # # | 2 ( 136 140 ) { قالوا سوآء علينآ أوعظت أم لم تكن من الواعظين * إن ~~هاذا إلا خلق الاولين * وما نحن بمعذبين * فكذبوه فأهلكناهم إن فى ذلك لأية ~~وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم } . ) 2 # أجابوا بتأييسه من أن يقبلوا إرشاده فجعلوا وعظه وعدمه سواء ، أي هما ~~سواء في انتفاء ما قصده من وعظه وهو امتثالهم . PageV19P170 # والهمزة للتسوية . وتقدم بيانها عند قوله : { سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم ~~تنذرهم لا يؤمنون } في سورة البقرة ( 6 ) . # والوعظ : التخويف والتحذير من شيء فيه ضر ، والاسم الموعظة . وتقدم في ~~قوله : { وهدى وموعظة للمتقين } في سورة العقود ( 46 ) . # ومعنى : { أم لم تكن من الواعظين } أم لم تكن في عداد الموصوفين ~~بالواعظين ، أي لم تكن من أهل هذا الوصف في شيء ، وهو أشد في نفي الصفة عنه ~~من أن لو قيل : أم لم تعظ ، كما تقدم في قوله تعالى : { قال أعوذ بالله أن ~~أكون من الجاهلين في سورة البقرة ( 67 ) ، وقد تقدم بيانه عند قوله تعالى : ~~وما أنا من المهتدين } في سورة الأنعام ( 56 ) ، وتقدم آنفا قوله في قصة ~~نوح { لتكونن من المرجومين } ( الشعراء : 116 ) . # وجملة : { إن هذا إلا خلق الأولين } تعليل لمضمون جملة : { سواء علينا ~~أوعظت أم لم تكن من الواعظين } ، أي كان سواء علينا فلا نتبع وعظك لأن هذا ~~خلق الأولين . والإشارة ب { هذا } إلى ms5900 شيء معلوم للفريقين حاصل في مقام ~~دعوة هود إياهم ، وسيأتي بيانه . # وقوله : { خلق الأولين } قرأه نافع وابن كثير وابن عامر وحمزة وعاصم وخلف ~~بضم الخاء وضم اللام . وقرأه ابن كثير وأبو عمرو والكسائي وأبو جعفر ويعقوب ~~بفتح الخاء وسكون اللام . # فعلى قراءة الفريق الأول { خلق } بضمتين ، فهو السجية المتمكنة في النفس ~~باعثة على عمل يناسبها من خير أو شر وقد فسر بالقوى النفسية ، وهو تفسير ~~قاصر فيشمل طبائع الخير وطبائع الشر ، ولذلك لا يعرف أحد النوعين من اللفظ ~~إلا بقيد يضم إليه فيقال : خلق حسن ، ويقال في ضده : سوء خلق ، أو خلق ذميم ~~، قال تعالى : { وإنك لعلى خلق عظيم } ( القلم : 4 ) . وفي الحديث : ( ~~وخالقق الناس بخلق حسن ) . # فإذا أطلق عن التقييد انصرف إلى الخلق الحسن ، كما قال الحريري في ( ~~المقامة التاسعة ) ( وخلقي نعم العون ، وبيني وبين جاراتي بون ) أي في حسن ~~الخلق . PageV19P171 # والخلق في اصطلاح الحكماء : ملكة ( أي كيفية راسخة في النفس أي متمكنة من ~~الفكر ) تصدر بها عن النفس أفعال صاحبها بدون تأمل . # فخلق المرء مجموع غرائز ( أي طبائع نفسية ) مؤتلفة من انطباع فكري : إما ~~جبلي في أصل خلقته ، وإما كسبي ناشىء عن تمرن الفكر عليه وتقلده إياه ~~لاستحسانه إياه عن تجربة نفعه أو عن تقليد ما يشاهده من بواعث محبة ما شاهد ~~. وينبغي أن يسمى اختيارا من قول أو عمل لذاته ، أو لكونه من سيرة من يحبه ~~ويقتدي به ويسمى تقليدا ، ومحاولته تسمى تخلقا . قال سالم بن وابصة : # عليك بالقصيد فيما أنت فاعله # إن التخلق يأتي دونه الخلق # فإذا استقر وتمكن من النفس صار سجية له يجري أعماله على ما تمليه عليه ~~وتأمره به نفسه بحيث لا يستطيع ترك العمل بمقتضاها ، ولو رام حمل نفسه على ~~عدم العمل بما تمليه سجيته لاستصغر نفسه وإرادته وحقر رأيه . وقد يتغير ~~الخلق تغييرا تدريجيا بسبب تجربة انجرار مضرة من داعيه ، أو بسبب خوف عاقبة ~~سيئة من جرائه بتحذير من هو قدوة عنده لاعتقاد نصحه أو لخوف عقابه . وأول ~~ذلك هو المواعظ ms5901 الدينية . # ومعنى الآية على هذا يجوز أن يكون المحكي عنهم أرادوا مدحا لما هم عليه ~~من الأحوال التي أصروا على عدم تغييرها فيكون أرادوا أنها خلق أسلافهم ~~وأسوتهم فلا يقبلوا فيه عذلا ولا ملاما ، كما قال تعالى عن أمثالهم { ~~تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا } ( إبراهيم : 10 ) . فالإشارة تنصرف ~~إلى ما هم عليه الذي نهاهم عنه رسولهم . # ويجوز أن يكونوا أرادوا ما يدعو إليه رسولهم : أي ما هو إلا من خلق أناس ~~قبله ، أي من عقائدهم وما راضوا عليه أنفسهم وأنه عبر عليها وانتحلها ، أي ~~ما هو بإذن من الله تعالى كما قال مشركو قريش { إن هذا إلا أساطير الأولين ~~} ( الأنعام : 25 ) والإشارة إلى ما يدعوهم إليه . # وأما على قراءة الفريق الثاني فالخلق بفتح الخاء وسكون اللام مصدر هو ~~الإنشاء والتكوين ، والخلق أيضا مصدر خلق ، إذا كذب في خبره ، ومنه قوله ~~تعالى : PageV19P172 { وتخلقون إفكا } ( العنكبوت : 17 ) . وتقول العرب : ~~حدثنا فلان بأحاديث الخلق وهي الخرافات المفتعلة ، ويقال له : اختلاق بصيغة ~~الافتعال الدالة على التكلف والاختراع ، قال تعالى : { إن هذا إلا اختلاق } ~~( ص : 7 ) وذلك أن الكاذب يخلق خبرا لم يقع . # فيجوز أن يكون المعنى أن ما تزعمه من الرسالة عن الله كذب وما تخبرنا من ~~البعث اختلاق ، فالإشارة إلى ما جاء به صالح . # ويجوز أن يكون المعنى أن حياتنا كحياة الأولين نحيا ثم نموت ، فالكلام ~~على التشبيه البليغ وهو كناية عن التكذيب بالبعث الذي حذرهم جزاءه في قوله ~~: { إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } ( الشعراء : 135 ) يقولون : كما مات ~~الأولون ولم يبعث أحد منهم قط فكذلك نحيا نحن ثم نموت ولا نبعث . وهذا كقول ~~المشركين { ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين } ( الجاثية : 25 ) فالإشارة في ~~قوله : { إن هذا إلا خلق الأولين } إلى الخلق الذي هم عليه كما دل عليه ~~المستنثى . فهذه أربعة معان واحد منها مدح ، واثنان ذم ، وواحد ادعاء . # وجملة : { وما نحن بمعذبين } على المعاني الأولل والثاني والثالث عطف على ~~جملة { إن هذا إلا خلق الأولين } عطف مغاير . # وعلى المعنى ms5902 الرابع عطف تفسير لقولهم { إن هذا إلا خلق الأولين } تصريحا ~~بعد الكناية . والقصر قصر إضافي على المعاني كلها . # ولا شك أن قوم صالح نطقوا بلغتهم جملا كثيرة تنحل إلى هذه المعاني فجمعها ~~القرآن في قوله : { إن هذا إلا خلق الأولين } باحتمال اسم الإشارة واختلاف ~~النطق بكلمة خلق فلله إيجازه وإعجازه . # والفاء في { فكذبوه } فصيحة ، أي فتبين أنهم بقولهم : سواء علينا ذلك ~~أوعظت الخ قد كذبوه فأهلكناهم . # وقوله : { إن في ذلك لآية } إلى آخره هو مثل نظيره في قصة نوح . # PageV19P173 # | 2 ( 141 145 ) { كذبت ثمود المرسلين * إذ قال لهم أخوهم صالح ألا تتقون ~~* إنى لكم رسول أمين * فاتقوا الله وأطيعون * ومآ أسئلكم عليه من أجر إن ~~أجرى إلا على رب العالمين } . ) 2 # موقع هذه الجملة استئناف تعداد وتكرير كما تقدم في قوله : { كذبت عاد ~~المرسلين } ( الشعراء : 123 ) . والكلام على هذه الآيات مثل الكلام على ~~نظيرها في قصة قوم نوح ، وثمود قد كذبوا المرسلين لأنهم كذبوا صالحا وكذبوا ~~هودا لأن صالحا وعظهم بعاد في قوله : { واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد ~~في سورة الأعراف ( 74 ) وبتكذيبهم كذبوا بنوح أيضا ، لأن هودا ذكر قومه ~~بمصير قوم نوح في آية واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح } ( الأعراف : ~~69 ) . # وتقدم ذكر ثمود وصالح عند قوله تعالى : { وإلى ثمود أخاهم صالحا } في ~~سورة الأعراف ( 73 ) ، وكان صالح معروفا بالأمانة لأنه لا يرسل رسول إلا ~~وهو معروف بالفضائل { الله أعلم حيث يجعل رسالاته } ( الأنعام : 124 ) وقد ~~دل على هذا المعنى قولهم { إنما أنت من المسحرين } ( الشعراء : 153 ) ~~المقتضي تغيير حاله عما كان عليه وهو ما حكاه الله عن قومه { قالوا يا صالح ~~قد كنت فينا مرجوا قبل هذا في سورة هود ( 62 ) . وحذف ياء المتكلم من ~~أطيعون } هو مثل نظائره المتقدمة آنفا . # $ 2 ( 146 152 ) { أتتركون فى ما هاهنآ ءامنين * فى جنات وعيون * وزروع ~~ونخل طلعها هضيم * وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين * فاتقوا الله وأطيعون * ~~ولا تطيعو & # 1764 ا أمر المسرفين * الذين يفسدون فى ms5903 الارض ولا يصلحون } . ) 2 $ # كانوا قد أعرضوا عن عبادة الله تعالى ، وأنكروا البعث وغرهم أيمة كفرهم ~~في ذلك فجاءهم صالح عليه السلام رسولا يذكرهم بنعمة الله عليهم بما مكن لهم ~~من خيرات ، وما سخر لهم من أعمال عظيمة ، ونزل حالهم منزلة من يظن الخلود ~~ودوام النعمة فخاطبهم بالاستفهام الإنكاري التوبيخي وهو في المعنى إنكار ~~على PageV19P174 ظنهم ذلك ، وسلط الإنكار على فعل الترك لأن تركهم على تلك ~~النعم لا يكون . فكان إنكار حصوله مستلزما إنكار اعتقاده . # وهذا الكلام تعليل للإنكار الذي في قوله : { ألا تتقون } ( الشعراء : 142 ~~) لأن الإنكار عليهم دوام حالهم يقتضي أنهم مفارقون هذه الحياة وصائرون إلى ~~الله . # وفيه حث على العمل لاستبقاء تلك النعم بأن يشكروا الله عليها كما قال ~~صاحب ( الحكم ) ( من لم يشكر النعم فقد تعرض لزوالها ومن شكرها فقد قيدها ~~بعقالها ) . # و { هاهنا } إشارة إلى بلادهم ، أي في جميع ما تشاهدونه ، وهذا إيجاز ~~بديع . و { آمنين } حال مبينة لبعض ما أجمله قوله : { فيما هاهنا } . وذلك ~~تنبيه على نعمة عظيمة لا يدل عليها اسم الإشارة لأنها لا يشار إليها وهي ~~نعمة الأمن التي هي من أعظم النعم ولا يتذوق طعم النعم الأخرى إلا بها . # وقوله : { في جنات } ينبغي أن يعلق ب { آمنين } ليكون مجموع ذلك تفصيلا ~~لإجمال اسم الإشارة ، أي اجتمع لهم الأمن ورفاهية العيش . والجنات : ~~الحوائط التي تشجر بالنخيل والأعناب . # والطلع : وعاء يطلع من النخل فيه ثمر النخلة في أول أطواره يخرج كنصل ~~السيف في باطنه شماريخ القنو ، ويسمى هذا الطلع الكم ( بكسر الكاف ) وبعد ~~خروجه بأيام ينفلق ذلك الوعاء عن الشماريخ وهي الأغصان التي فيها الثمر كحب ~~صغير ، ثم يغلظ ويصير بسرا ثم تمرا . # والهضيم : بمعنى المهضوم ، وأصل الهضم شدخ الشيء حتى يلين ، واستعير هنا ~~للدقيق الضامر ، كما يقال : امرأة هضيم الكشح . وتلك علامة على أنه يخرج ~~تمرا جيدا . والنخل الذي يثمر تمرا جيدا يقال له : النخل الإناث وضده ~~فحاحيل ، وهي جمع فحال ( بضم الفاء وتشديد الحاء المهملة ) أي ذكر ، وطلعه ~~غليظ وتمره كذلك ms5904 . # وخص النخل بالذكر مع أنه مما تشمله الجنات لقصد بيان جودته بأن طلعه هضيم ~~. PageV19P175 # و { تنحتون } عطف على { آمنين } ، أي وناحتين ، عبر عنه بصيغة المضارع ~~لاستحضار الحالة في نحتهم بيوتا من الجبال . وتقدم ذلك في سورة الأعراف . # و { فرهين } صيغة مبالغة في قراءة الجمهور بدون ألف بعد الفاء ، مشتق من ~~الفراهة وهي الحذق والكياسة ، أي عارفين حذقين بنحت البيوت من الجبال بحيث ~~تصير بالنحت كأنها مبنية . وقرأه ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وخلف { ~~فارهين } بصيغة اسم الفاعل . # وقوله : { فاتقوا الله وأطيعون } مفرع مثل نظيره في قصة عاد . # والمراد ب { المسرفين } أيمة القوم وكبراؤهم الذين يغرونهم بعبادة ~~الأصنام ويبقونهم في الضلالة استغلالا لجهلهم وليسخروهم لفائدتهم . ~~والإسراف : الإفراط في شيء ، والمراد به هنا الإسراف المذموم كله في المال ~~وفي الكفر ، ووصفهم بأنهم { يفسدون في الأرض } ، فالإسراف منوط بالفساد . # وعطف { ولا يصلحون } على جملة : { يفسدون في الأرض } تأكيد لوقوع الشيء ~~بنفي ضده مثل قوله تعالى : { وأضل فرعون قومه وما هدى } ( طه : 79 ) وقول ~~عمرو بن مرة الجهني : # النسب المعروف غير المنكر # يفيد أن فسادهم لا يشوبه صلاح ؛ فكأنه قيل : الذين إنما هم مفسدون في ~~الأرض ، فعدل عن صيغة القصر لئلا يحتمل أنه قصر مبالغة لأن نفي الإصلاح ~~عنهم يؤكد إثبات الإفساد لهم ، فيتقرر ذلك في الذهن ، ويتأكد معنى إفسادهم ~~بنفي ضده كقول السموأل أو الحارثي : # تسيل على حد الظبات نفوسنا # وليست على غير الظبات تسيل # والتعريف في { الأرض } تعريف العهد . # PageV19P176 $ 2 ( 153 ، 154 ) { قالو & # 1764 ا إنمآ أنت من المسحرين * مآ أنت إلا بشر مثلنا فأت بئاية إن كنت من ~~الصادقين } . ) 2 $ # أجابوا موعظته بالبهتان فزعموه فقد رشده وتغير حاله واختلقوا أن ذلك من ~~أثر سحر شديد . فالمسحر : اسم مفعول سحره إذا سحره سحرا متمكنا منه ، و { ~~من المسحرين } أبلغ في الاتصاف بالتسحير من أن يقال : إنما أنت مسحر كما ~~تقدم في قوله : { لتكونن من المرجومين } ( الشعراء : 116 ) . # ولما تضمن قولهم : { إنما أنت من المسحرين } تكذيبهم إياه أيدوا تكذيبه ~~بأنه بشر مثلهم . وذلك ms5905 في زعمهم ينافي أن يكون رسولا من الله لأن الرسول في ~~زعمهم لا يكون إلا مخلوقا خارقا للعادة كأن يكون ملكا أو جنيا . فجملة : { ~~ما أنت إلا بشر مثلنا } في حكم التأكيد بجملة : { إنما أنت من المسحرين } ~~باعتبار مضمون الجملتين . # وفرعوا على تكذيبه المطالبة بأن يأتي بآية على صدقه ، أي أن يأتي بخارق ~~عادة يدل على أن الله صدقه في دعوى الرسالة عنه . وفرضوا صدقه بحرف { إن } ~~الشرطية الغالب استعمالها في الشك . # ومعنى { من الصادقين } من الفئة المعروفين بالصدق يعنون بذلك الرسل ~~الصادقين لدلالته على تمكن الصدق منه ، كما تقدم في قوله : { من المرجومين ~~} ( الشعراء : 116 ) . # $ 2 ( 155 159 ) { قال هاذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم * ولا ~~تمسوها بسو & # 1764 ء فيأخذكم عذاب يوم عظيم * فعقروها فأصبحوا نادمين * فأخذهم العذاب ~~إن فى ذلك لأية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم } . ) 2 ~~$ # اسم الإشارة إلى ناقة جعلها لهم آية . وتقدم خبر هذه الناقة في سورة هود ~~، وذكر أن صالحا جعل لها شربا ، وهو بكسر الشين وسكون الراء : النوبة في ~~الماء ، للناقة يوما تشرب فيه لا يزاحمونها فيه بأنعامهم . والكلام على { ~~عذاب يوم عظيم } نظير الكلام على نظيره في قصة عاد ورسولهم . PageV19P177 # وأصبحوا نادمين لما رأوا أشراط العذاب الذي توعدهم به صالح ولذلك لم ~~ينفعهم الندم لأن العذاب قد حل بهم سريعا ، فلذلك عطف بفاء التعقيب على { ~~نادمين فأخذهم العذاب } . # وتقدم نظير قوله : { إن في ذلك لآية } الآية . # # | 2 ( 160 164 ) { لله كذبت قوم لوط المرسلين * إذ قال لهم أخوهم لوط ألا ~~تتقون * إنى لكم رسول أمين * فاتقوا الله وأطيعون * ومآ أسألكم عليه من أجر ~~إن أجرى إلا على رب العالمين } . ) 2 # القول في موقعها كالقول في سابقتها ، والقول في تفسيرها كالقول في ~~نظيرتها . # وجعل لوط أخا لقومه ولم يكن من نسبهم وإنما كان نزيلا فيهم ، إذ كان قوم ~~لوط من أهل فلسطين من الكنعانيين ، وكان لوط عبرانيا وهو ابن أخي إبراهيم ~~ولكنه لما استوطن بلادهم وعاشر ms5906 فيهم وحالفهم وظاهرهم جعل أخا لهم كقول سحيم ~~عبد بني الحسحاس : # أخوكم ومولى خيركم وحليفكم # ومن قد ثوى فيكم وعاشركم دهرا # يعني نفسه يخاطب مواليه بني الحسحاس . وقال تعالى في الآية الأخرى { ~~وإخوان لوط } ( ق : 13 ) . وهذا من إطلاق الأخوة على ملازمة الشيء وممارسته ~~كما قال : # أخور الحرب لباسا إليها جلالها # إذا عدموا زادا فإنك عاقر # وقوله تعالى : { إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين } ( الإسراء : 27 ) . # # | 2 ( 165 ، 166 ) { أتأتون الذكران من العالمين * وتذرون ما خلق لكم ~~ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون } . ) 2 # هو في الاستئناف كقوله { أتتركون } ( الشعراء : 146 ) في قصة ثمود . ~~والإتيان : كناية . والذكران : جمع ذكر وهو ضد الأنثى . وقوله : { من ~~العالمين } الأظهر فيه أنه في PageV19P178 موضع الحال من الواو في { أتأتون ~~} . و { من } فصلية ، أي تفيد معنى الفصل بين متخالفين بحيث لا يماثل ~~أحدهما الآخر . فالمعنى : مفصولين من العالمين لا يماثلكم في ذلك صنف من ~~العالمين . وهذا المعنى جوزه في ( الكشاف ) ثانيا وهو أوفق بمعنى : { ~~العالمين } الذي المختار فيه أنه جمع ( عالم ) بمعنى النوع من المخلوقات ~~كما تقدم في سورة الفاتحة . # وإثبات معنى الفصل لحرف { من } قاله ابن مالك ، ومثل بقوله تعالى : { ~~والله يعلم المفسد من المصلح } ( البقرة : 220 ) ، وقوله : { ليميز الله ~~الخبيث من الطيب } ( الأنفال : 37 ) . ونظر فيه ابن هشام في ( مغني اللبيب ~~) وهو معنى رشيق متوسط بين معنى الابتداء ومعنى البدلية وليس أحدهما . وقد ~~تقدم بيانه عند قوله تعالى { والله يعلم المفسد من المصلح في سورة البقرة ( ~~220 ) . # والمعنى : أتأتون الذكران مخالفين جميع العالمين من الأنواع التي فيها ~~ذكور وإناث فإنها لا يوجد فيها ما يأتي الذكور . # فهذا تنبيه على أن هذا الفعل الفظيع مخالف للفطرة لا يقع من الحيوان ~~العجم فهو عمل ابتدعوه ما فعله غيرهم ، ونحوه قوله تعالى في الآية الأخرى ~~إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين } ( العنكبوت : 28 ) ~~. # والمراد بالأزواج : الإناث من نوع ، وإطلاق اسم الأزواج عليهن مجاز مرسل ~~بعلاقة الأول ، ففي هذا المجاز تعريض بأنه يرجو ms5907 ارعواءهم . # وفي قوله : { ما خلق لكم ربكم } إيماء إلى الاستدلال بالصلاحية الفطرية ~~لعملل على بطلان عمل يضاده ، لأنه مناف للفطرة . فهو من تغيير الشيطان ~~وإفساده لسنة الخلق والتكوين ، قال تعالى حكاية عنه { ولآمرنهم فليغيرن خلق ~~الله } ( النساء : 119 ) . # و { بل } لإضراب الانتقال من مقام الموعظة والاستدلال إلى مقام الذم ~~تغليظا للإنكار بعد لينه لأن شرف الرسالة يقتضي الإعلان بتغيير المنكر ~~والأخذ بأصرح مراتب الإعلان فإنه إن استطاع بلسانه غليظ الإنكار لا ينزل ~~منه إلى لينه وأنه يبتدىء باللين فإن لم ينفع انتقل منه إلى ما هو أشد ~~ولذلك انتقل لوط من قوله : PageV19P179 { أتأتون الذكران } إلى قوله : { بل ~~أنتم قوم عادون } . # وفي الإتيان بالجملة الاسمية في قوله : { أنتم قوم عادون } دون أن يقول : ~~بل كنتم عادين ، مبالغة في تحقيق نسبة العدوان إليهم . وفي جعل الخبر { قوم ~~عادون } دون اقتصار على { عادون } تنبيه على أن العدوان سجية فيهم حتى كأنه ~~من مقومات قوميتهم كما تقدم في قوله تعالى : { لآيات لقوم يعقلون } في سورة ~~البقرة ( 164 ) . # والعادي : هو الذي تجاوز حد الحق إلى الباطل ، يقال : عدا عليه ، أي ظلمه ~~، وعدوانهم خروجهم عن الحد الموضوع بوضع الفطرة إلى ما هو مناف لها محفوف ~~بمفاسد التغيير للطبع . # # | 2 ( 167 173 ) { قالوا لئن لم تنته يالوط لتكونن من المخرجين * قال إنى ~~لعملكم من القالين * رب نجنى وأهلى مما يعملون * فنجيناه وأهله أجمعين * ~~إلا عجوزا فى الغابرين * ثم دمرنا الاخرين * وأمطرنا عليهم مطرا فسآء مطر ~~المنذرين } . ) 2 # قولهم كقول قوم نوح لنوح إلا أن هؤلاء قالوا : { لتكونن من المخرجين } ~~فهددوه بالإخراج من مدينتهم لأنه كان من غير أهل المدينة بل كان مهاجرا ~~بينهم وله صهر فيهم . # وصيغة { من المخرجين } أبلغ من : لنخرجنك ، كما تقدم في قوله : { لتكونن ~~من المرجومين } ( الشعراء : 116 ) . وكان جواب لوط على وعيدهم جواب مستخف ~~بوعيدهم إذ أعاد الإنكار قال : { إني لعملكم من القالين } أي من المبغضين . ~~وقوله : { من القالين } أبلغ في الوصف من أن يقول : إني لعملكم قالل ، كما ~~تقدم في قوله تعالى ms5908 : { قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين } في سورة ~~البقرة ( 67 ) . وذلك أكمل في الجناس لأنه يكون جناسا تاما فقد حصل بين { ~~قال } وبين { القالين } جناس مذيل ويسمى مطرفا . PageV19P180 # وأقبل على الدعاء إلى الله أن ينجيه وأهله مما يعمل قومه ، أي من عذاب ما ~~يعملونه فلا بد من تقدير مضاف كما دل عليه قوله : { فنجيناه } . ولا يحسن ~~جعل المعنى : نجني من أن أعمل عملهم ، لأنه يفوت معه التعريض بعذاب سيحل ~~بهم . والقصة تقدمت في الأعراف وفي هود والحجر . # والفاء في قوله : { فنجيناه } للتعقيب ، أي كانت نجاته عقب دعائه حسبما ~~يقتضي ذلك من أسرع مدة بين الدعاء وأمر الله إياه بالخروج بأهله إلى قرية ( ~~صوغر ) . # والعجوز : المرأة المسنة وهي زوج لوط ، وقوله : { في الغابرين } صفة { ~~عجوزا } . # والغابر : المتصف بالغبور وهو البقاء بعد ذهاب الأصحاب أو أهل الخيل ، أي ~~باقية في العذاب بعد نجاة زوجها وأهله وهي مستثناة من { وأهله أجمعين } . ~~وذلك أنها لحقها العذاب من دون أهلها فكان صفة لها . وقد تقدم ذلك في قصتهم ~~في سورة هود . # و { ثم } للتراخي الرتبي لأن إهلاك المكذبين أجدر بأن يذكر في مقام ~~الموعظة من ذكر إنجاء لوط المؤمنين . # والتدمير : الإصابة بالدمار وهو الهلاك ، وذلك أنهم استؤصلوا بالخسف ~~وإمطار الحجارة عليهم . # والمطر : الماء الذي يسقط من السحاب على الأرض . والإمطار : إنزال المطر ~~، يقال : أمطرت السماء . وسمي ما أصابهم من الحجارة مطرا لأن نزل عليهم من ~~الجو . وقيل هو من مقذوفات براكين في بلادهم أثارتها زلازل الخسف فهو تشبيه ~~بليغ . # و ( ساء ) فعل ذم بمعنى بئس . وفي قوله : { المنذرين } تسجيل عليهم بأنهم ~~أنذروا فلم ينتذروا . # PageV19P181 # | 2 ( 174 ، 175 ) { إن فى ذلك لاية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو ~~العزيز الرحيم } . ) 2 # أي في قصتهم المعلومة للمشركين آية ، قال تعالى : { وإنكم لتمرون عليهم ~~مصبحين وبالليل أفلا تعقلون } ( الصافات : 137 ، 138 ) وتقدم القول في ~~نظيره آنفا . # # | 2 ( 176 180 ) { كذب أصحاب لئيكة المرسلين * إذ قال لهم شعيب ألا تتقون ~~* إنى لكم رسول أمين * فاتقوا الله وأطيعون ms5909 * ومآ أسألكم عليه من أجر إن ~~أجرى إلا على رب العالمين } . ) 2 # استئناف تعداد وتكرير كما تقدم في جملة : { كذبت عاد المرسلين } ( ~~الشعراء : 123 ) . ولم يقرن فعل { كذب } هذا بعلامة التأنيث لأن { أصحاب } ~~جمع صاحب وهو مذكر معنى ولفظا بخلاف قوله : { كذبت قوم لوط } ( الشعراء : ~~160 ) فإن ( قوم ) في معنى الجماعة والأمة كما تقدم في قوله : { كذبت قوم ~~نوح المرسلين } ( الشعراء : 105 ) . # وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر وأبو جعفر { ليكة } بلام مفتوحة بعدها ياء ~~تحتية ساكنة ممنوعا من الصرف للعلمية والتأنيث . وقرأه الباقون { الأيكة } ~~بحرف التعريف بعده همزة مفتوحة وبجر آخره على أنه تعريف عهد لأيكة معروفة . ~~والأيكة : الشجر الملتف وهي الغيضة . وعن أبي عبيد : رأيتها في الإمام مصحف ~~عثمان رضي الله عنه في الحجر وق { الأيكة } وفي الشعراء وص { ليكة } ~~واجتمعت مصاحف الأمصار كلها بعد ذلك ولم تختلف . # وأصحاب ليكة : هم قوم شعيب أو قبيلة منهم . قالوا : وكانت غيضتهم من شجر ~~المقل ( بضم الميم وسكون القاف وهو النبق ) ويقال له الدوم ( بفتح الدال ~~المهملة وسكون الواو ) . # وإفرادها بتاء الوحدة على إرادة البقعة واسم الجمع : أيك ، واشتهرت ~~بالأيكة فصارت علما بالغلبة معرفا باللام مثل العقبة . ثم وقع فيه تغيير ~~ليكون علما شخصيا فحذفت الهمزة وألقيت حركتها على لام التعريف وتنوسي معنى ~~التعريف PageV19P182 باللام . وعن الزجاج : جاء في التفسير أن اسم المدينة ~~التي أرسل إليها شعيب كان ليكة . وعن أبي عبيد : وجدنا في بعض كتب التفسير ~~أن ليكة اسم القرية والأيكة البلاد كلها كمكة وبكة . وهذا من التغيير لأجل ~~التسمية ، كما سموا شمسا بضم الشين ليكون علما وأصله الشمس علما بالغلبة . ~~والتغيير لأجل النقل إلى العلمية وارد بكثرة ، ذكره ابن جني في ( شرح مشكل ~~الحماسة ) عند قول تأبط شرا : # إني لمهد من ثنائي فقاصد # به لابن عم الصدق شمس بن مالك # وذكره في ( الكشاف ) في سورة أبي لهب . وقد تقدم بيانه عند الكلام على ~~البسملة قبل سورة الفاتحة ، فلما صار اسم ليكة علما على البلاد جاز منعه من ~~الصرف لذلك ms5910 ، وليس ذلك لمجرد نقل حركة الهمزة على اللام كما توهمه النحاس ، ~~ولا لأن القراءة اغترار بخط المصحف كما تعسفه صاحب ( الكشاف ) على عادته في ~~الاستخفاف بتوهيم القراء ، وقد علمتم أن الاعتماد في القراءات على الرواية ~~قبل نسخ المصاحف كما بيناه في المقدمة السادسة من مقدمات هذا التفسير فلا ~~تتبعوا الأوهام المخطئة . # وقد اختلف في أن أصحاب ليكة هم مدين أو هم قوم آخرون ساكنون في ليكة جوار ~~مدين أرسل شعيب إليهم وإلى أهل مدين . وإلى هذا مال كثير من المفسرين . روى ~~عبد الله بن وهب عن جبير بن حازم عن قتادة قال : أرسل شعيب إلى أمتين : إلى ~~قومه من أهل مدين وإلى أصحاب الأيكة . وقال جابر بن زيد : أرسل شعيب إلى ~~قومه أهل مدين وإلى أهل البادية وهم أصحاب الأيكة . وفي ( تفسير ابن كثير ) ~~: روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة شعيب عليه السلام من طريق محمد بن عثمان ~~بن أبي شيبة بسنده إلى عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ( إن قوم مدين وأصحاب الأيكة أمتان بعث الله إليهما شعيبا النبي ) ، ~~وقال ابن كثير : هذا غريب ، وفي رفعه نظر ، والأشبه أنه موقوف . وروى ابن ~~جريج عن ابن عباس أن أصحاب الأيكة هم أهل مدين . والأظهر أن أهل الأيكة ~~قبيلة غير مدين فإن مدين هم أهل نسب شعيب وهم ذرية مدين بن إبراهيم من زوجه ~~( قطورة ) سكن مدين في شرق بلد الخليل كما في التوراة ، فاقتضى ذلك أنه ~~وجده بلدا مأهولا بقوم فهم إذن أصحاب الأيكة فبنى مدين وبنوه المدينة ~~وتركوا البادية لأهلها وهم سكان الغيضة . PageV19P183 # والذي يشهد لذلك ويرجحه أن القرآن لما ذكر هذه القصة لأهل مدين وصف شعيبا ~~بأنه أخوهم ، ولما ذكرها لأصحاب ليكة لم يصف شعيبا بأنه أخوهم إذ لم يكن ~~شعيب نسيبا ولا صهرا لأصحاب ليكة ، وهذا إيماء دقيق إلى هذه النكتة . ومما ~~يرجح ذلك قوله تعالى في سورة الحجر ( 78 ، 79 ) { وإن كان أصحاب الأيكة ~~لظالمين فانتقمنا منهم وإنهما لبإمام مبين ms5911 ، فجعل ضميرهم مثنى باعتبار أنهم ~~مجموع قبيلتين : مدين وأصحاب ليكة . وقد بينا ذلك في سورة الحجر . وإنما ~~ترسل الرسل من أهل المدائن قال تعالى : وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا يوحى ~~إليهم من أهل القرى } ( يوسف : 109 ) وتكون الرسالة شاملة لمن حول القرية . # وافتتح شعيب دعوته بمثل دعوات الرسل من قبله للوجه الذي قدمناه . # وشمل قوله : { ألا تتقون } النهي عن الإشراك فقد كانوا مشركين كما في آية ~~سورة هود . # # | 2 ( 181 183 ) { أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين * وزنوا بالقسطاس ~~المستقيم * ولا تبخسوا الناس أشيآءهم ولا تعثوا فى الارض مفسدين } . ) 2 # استئناف من كلامه انتقل به من غرض الدعوة الأصلية بقوله : { ألا تتقون } ~~( الشعراء : 177 ) إلى آخره إلى الدعوة التفصيلية بوضع قوانين المعاملة ~~بينهم ، فقد كانوا مع شركهم بالله يطففون المكيال والميزان ويبخسون أشياء ~~الناس إذا ابتاعوها منهم ، ويفسدون في الأرض . فأما تطفيف الكيل والميزان ~~فظلم وأكل مال بالباطل ، ولما كان تجارهم قد تمالؤوا عليه اضطر الناس إلى ~~التبايع بالتطفيف . # و { أوفوا } أمر بالإيفاء ، أي جعل الشيء وافيا ، أي تاما ، أي اجعلوا ~~الكيل غير ناقص . والمخسر : فاعل الخسارة لغيره ، أي المنقص ، فمعنى { ولا ~~تكونوا من المخسرين } لا تكونوا من المطففين . وصوغ { من المخسرين } أبلغ ~~من : لا تكونوا مخسرين . لأنه يدل على الأمر بالتبرؤ من أهل هذا الصنيع ، ~~كما تقدم آنفا في عدة آيات منها قوله : { لتكونن من المرجومين } ( الشعراء ~~: 116 ) في قصة نوح . PageV19P184 # والقسطاس : بضم القاف وبكسرها من أسماء العدل ، ومن أسماء الميزان ، ~~وتقدم في قوله تعالى : { وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا } ~~في سورة الإسراء ( 35 ) ، حمل على المعنيين هنا كما هنالك وإن كان الوصف ب ~~{ المستقيم } يرجح أن المقصود به الميزان ، وتقدم تفصيل ما يرجع إليه هذا ~~التشريع في قصته في الأعراف . # وقرأ الجمهور : { بالقسطاس } بضم القاف . وقرأه حمزة والكسائي وحفص عن ~~عاصم وخلف بكسر القاف . # وبخس أشياء الناس : غبن منافعها وذمها بغير ما فيها ليضطروهم إلى بيعها ~~بغبن . وأما الفساد فيقع على جميع المعاملات الضارة . # والبخس ms5912 : النقص والذم . وتقدم في قوله : { ولا يبخس منه شيئا في سورة ~~البقرة ( 282 ) ونظيره في سورة الأعراف . وقد تقدم نظير بقية الآية في سورة ~~هود . ومن بخس الأشياء أن يقولوا للذي يعرض سلعة سليمة للبيع : إن سلعتك ~~رديئة ، ليصرف عنها الراغبين فيشتريها برخص . # # | 2 ( 184 ) واتقوا الذى خلقكم والجبلة الاولين } . ) 2 # أكد قوله في صدر خطابه { فاتقوا الله } ( الشعراء : 179 ) بقوله هنا : { ~~واتقوا الذي خلقكم والجبلة الأولين } وزاد فيه دليل استحقاقه التقوى بأن ~~الله خلقهم وخلق الأمم من قبلهم ، وباعتبار هذه الزيادة أدخل حرف العطف على ~~فعل { اتقوا } ولو كان مجرد تأكيد لم يصح عطفه . وفي قوله : { الذي خلقكم } ~~إيماء إلى نبذ اتقاء غيره من شركائهم . # و { الجبلة } : بكسر الجيم والباء وتشديد اللام : الخلقة ، وأريد به ~~المخلوقات لأن الجبلة اسم كالمصدر ولهذا وصف ب { الأولين } . وقيل : أطلق ~~الجبلة على أهلها ، أي وذوي الجبلة الأولين . والمعنى : الذي خلقكم وخلق ~~الأمم قبلكم . # PageV19P185 $ 2 ( 185 188 ) { قالو & # 1764 ا إنمآ أنت من المسحرين * ومآ أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن ~~الكاذبين * فأسقط علينا كسفا من السمآء إن كنت من الصادقين * قال ربى & # 1764 أعلم بما تعملون } . ) 2 $ # نفوا رسالته عن الله كناية وتصريحا فزعموه مسحورا ، أي مختل الإدراك ~~والتصورات من جراء سحر سلط عليه . وذلك كناية عن بطلان أن يكون ما جاء به ~~رسالة عن الله . وفي صيغة { من المسحرين } من المبالغة ما تقدم في قوله : { ~~من المرجومين } ( الشعراء : 116 ) { من المسحرين } ( الشعراء : 153 ) { من ~~المخرجين } ( الشعراء : 167 ) . # والإتيان بواو العطف في قوله : { وما أنت إلا بشر مثلنا } يجعل كونه بشرا ~~إبطالا ثانيا لرسالته . وترك العطف في قصة ثمود يجعل كونه بشرا حجة على أن ~~ما يصدر منه ليس وحيا على الله بل هو من تأثير كونه مسحورا . فمآل معنيي ~~الآيتين متحد ولكن طريق إفادته مختلف وذلك على حسب أسلوب الحكايتين . # وأطلق الظن على اليقين في { وإن نظنك لمن الكاذبين } وهو إطلاق شائع ~~كقوله : { الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم } ( البقرة : 46 ) ، وقرينته ms5913 هنا ~~دخول اللام على المفعول الثاني ل ( ظن ) لأن أصلها لام قسم . # و { إن } مخففة من الثقيلة ، واللام في { لمن الكاذبين } اللام الفارقة ، ~~وحقها أن تدخل على ما أصله الخبر فيقال هنا مثلا : وإن أنت لمن الكاذبين ، ~~لكن العرب توسعوا في المخففة فكثيرا ما يدخلونها على الفعل الناسخ لشدة ~~اختصاصه بالمبتدأ والخبر فيجتمع في الجملة حينئذ ناسخان مثل قوله تعالى : { ~~وإن كانت لكبيرة } ( البقرة : 143 ) وكان أصل التركيب في مثله : ونظن أنك ~~لمن الكاذبين ، فوقع تقديم وتأخير لأجل تصدير حرف التوكيد لأن ( إن ) ~~وأخواتها لها صدر الكلام ما عدا ( أن ) المفتوحة . وأحسب أنهم ما يخففون ( ~~إن ) إلا عند إرادة الجمع بينها وبين فعل من النواسخ على طريقة التنازع ، ~~فالذي يقول : إن أظنك لخائفا ، أراد أن يقول : أظن إنك لخائف ، فقدم ( إن ) ~~وخففها وصير خبرها مفعولا لفعل الظن ، فصار : إن أظنك لخائفا ، والكوفيون ~~يجعلون { إن } في مثل هذا الموقع حرف نفي ويجعلون اللام بمعنى ( إلا ) . ~~PageV19P186 # والآمر في { فأسقط } أمر تعجيز . # والكسف بكسر الكاف وسكون السين في قراءة من عدا حفصا : القطعة من الشيء . ~~وقال في ( الكشاف ) : هو جمع كسفة مثل قطع وسدر . والأول أظهر ، قال تعالى ~~: { وإن يروا كسفا من السماء ساقطا } ( الطور : 44 ) . # وقرأ حفص { كسفا } بكسر الكاف وفتح السين على أنه جمع كسف كما في قوله : ~~{ أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا ، وقد تقدم في سورة الإسراء ( 92 ) . # وقولهم : إن كنت من الصادقين } كقول ثمود : { فأتت بآية إن كنت من ~~الصادقين } ( الشعراء : 154 ) إلا أن هؤلاء عينوا الآية فيحتمل أن تعيينها ~~اقتراح منهم ، ويحتمل أن شعيبا أنذرهم بكسف يأتي فيه عذاب . وذلك هو يوم ~~الظلة المذكور في هذه الآية ، فكان جواب شعيب بإسناد العلم إلى الله فهو ~~العالم بما يستحقونه من العذاب ومقداره . و { أعلم } هنا مبالغة في العالم ~~وليس هو بتفضيل . # # | 2 ( 189 ) { فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم } . ) ~~2 # { الظلة } : السحابة ، كانت فيها صواعق متتابعة أصابتهم فأهلكتهم كما ~~تقدم في سورة الأعراف ms5914 . وقد كان العذاب من جنس ما سألوه ، ومن إسقاط شيء من ~~السماء . وقوله : { فكذبوه } الفاء فصيحة ، أي فتبين من قولهم : { إنما أنت ~~من المسحرين } ( الشعراء : 185 ) أنهم كذبوه ، أي تبين التكذيب والثبات ~~عليه بما دل عليه ما قصدوه من تعجيزه إذ قالوا : { فأسقط علينا كسفا من ~~السماء إن كنت من الصادقين } ( الشعراء : 187 ) . وفي إعادة فعل التكذيب ~~إيقاظ للمشركين بأن حالهم كحال أصحاب شعيب فيوشك أن يكون عقابهم كذلك . # # | 2 ( 190 ، 191 ) { إن في ذلك لاية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو ~~العزيز الرحيم } . ) 2 # أي في ذلك آية لكفار قريش إذ كان حالهم كحال أصحاب ليكة فقد كانوا ~~PageV19P187 من المطففين مع الإشراك قال تعالى : { ويل للمطففين } إلى قوله ~~: { ليوم عظيم } ( المطففين : 1 5 ) . وقد تقدم القول في نظائره . وقد ~~ذكرنا في طالعة هذه السورة ( 8 ) وجه تكرير آية { إن في ذلك لآية } . # # | 2 ( 192 195 ) { وإنه لتنزيل رب العالمين * نزل به الروح الامين * على ~~قلبك لتكون من المنذرين * بلسان عربى مبين } . ) 2 # عود إلى ما افتتحت به السورة من التنويه بالقرآن وكونه الآية العظمى بما ~~اقتضاه قوله : { تلك آيات الكتاب المبين } ( الشعراء : 2 ) كما تقدم لتختتم ~~السورة بإطناب التنويه بالقرآن كما ابتدئت بإجمال التنويه به ، والتنبيه ~~على أنه أعظم آية اختارها الله أن تكون معجزة أفضل المرسلين . فضمير { وإنه ~~} عائد إلى معلوم من المقام بعد ذكر آيات الرسل الأولين . فبواو العطف ~~اتصلت الجملة بالجمل التي قبلها ، وبضمير القرآن اتصل غرضها بغرض صدر ~~السورة . # فجملة : { وإنه لتنزيل رب العالمين } معطوفة على الجمل التي قبلها ~~المحكية فيها أخبار الرسل المماثلة أحوال أقوامهم لحال قوم محمد صلى الله ~~عليه وسلم وما أيدهم الله به من الآيات ليعلم أن القرآن هو آية الله لهذه ~~الأمة ، فعطفها على الجمل التي مثلها عطف القصة على القصة لتلك المناسبة . ~~ولكن هذه الجملة متصلة في المعنى بجملة : { تلك آيات الكتاب المبين } ( ~~الشعراء : 2 ) بحيث لولا ما فصل بينها وبين الأخرى من طول الكلام لكانت ~~معطوفة عليها ms5915 . ووجه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأن في التنويه ~~بالقرآن تسلية له على ما يلاقيه من إعراض الكافرين عن قبوله وطاعتهم فيه . # والتأكيد ب ( إن ) ولام الابتداء لرد إنكار المنكرين . # والتنزيل مصدر بمعنى المفعول للمبالغة في الوصف حتى كأن المنزل نفس ~~التنزيل . وجملة : { نزل به الروح الأمين } بيان ل { تنزيل رب العالمين } ، ~~أي كان تنزيله على هذه الكيفية . # وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وحفص وأبو جعفر بتخفيف زاي { نزل } ورفع { ~~الروح } . وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم ويعقوب وخلف { ~~نزل } بتشديد الزاي ونصب { الروح الأمين } ، أي نزله الله به . PageV19P188 # و { الروح الأمين } جبريل وهو لقبه في القرآن ، سمي روحا لأن الملائكة من ~~عالم الروحانيات وهي المجردات . وتقدم الكلام على الروح في سورة الإسراء ، ~~وتقدم { روح القدس في البقرة ( 87 ) . ونزول جبريل إذن الله تعالى ، فنزوله ~~تنزيل من رب العالمين . # والأمين } صفة جبريل لأن الله أمنه على وحيه . والباء في قوله : { نزل به ~~} للمصاحبة . # والقلب : يطلق على ما به قبول المعلومات كما قال تعالى : { إن في ذلك ~~لذكرى لمن كان له قلب } ( ق : 37 ) أي إدراك وعقل . # وقوله : { على قلبك } يتعلق بفعل { نزل } ، و { على } للاستعلاء المجازي ~~لأن النزول وصول من مكان عال فهو مقتض استقرار النازل على مكان . # ومعنى نزول جبريل على قلب النبي عليهما السلام : اتصاله بقوة إدراك النبي ~~لإلقاء الوحي الإلهي في قوته المتلقية للكلام الموحى بألفاظه ، ففعل ( نزل ~~) حقيقة . # وحرف { على } مستعار للدلالة على التمكن مما سمي بقلب النبي مثل استعارته ~~في قوله تعالى : { أولئك على هدى من ربهم } ( البقرة : 5 ) . # وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم ذلك كما في حديث ( الصحيحين ) عن عائشة ~~رضي الله عنها أن الحارث بن هشام سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ~~يا رسول الله كيف يأتيك الوحي ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ~~أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال ، وأحيانا ~~يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني ms5916 فأعي ما يقول ) . # وهذان الوصفان خاصان بوحي نزول القرآن . وثمة وحي من قبيل إبلاغ المعنى ~~وسماه النبي صلى الله عليه وسلم في حديث آخر نفثا . فقال : ( إن روح القدس ~~نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستوفي أجلها ) . فهذا اللفظ ليس من ~~القرآن فهو وحي بالمعنى ( والروع : العقل ) وقد يكون الوحي في رؤيا النوم ~~فإن النبي لا ينام PageV19P189 قلبه ، ويكون أيضا بسماع كلام الله من وراء ~~حجاب ، وقد بينا في شرح الحديث النكتة في اختصاص إحدى الحالتين ببعض ~~الأوقات . # وأشعر قوله : { على قلبك } أن القرآن ألقي في قلبه بألفاظه ، قال تعالى : ~~{ وما كنت تتلو من قبله من كتاب } ( العنكبوت : 48 ) . # ومعنى : { لتكون من المنذرين } لتكون من الرسل . واختير من أفعاله ~~النذارة لأنها أخص بغرض السورة فإنها افتتحت بذكر إعراضهم وبإنذارهم . # وفي : { من المنذرين } من المبالغة في تمكن وصف الرسالة منه ما تقدم غير ~~مرة في مثل هذه الصيغة في هذه القصص وغيرها . و { بلسان } حال من الضمير ~~المجرور في { نزل به الروح الأمين } . # والباء للملابسة . واللسان : اللغة ، أي نزل بالقرآن ملابسا للغة عربية ~~مبينة أي كائنا القرآن بلغة عربية . # والمبين : الموضح الدلالة على المعاني التي يعنيها المتكلم ، فإن لغة ~~العرب أفصح اللغات وأوسعها لاحتمال المعاني الدقيقة الشريفة مع الاختصار ، ~~فإن ما في أساليب نظم كلام العرب من علامات الإعراب ، والتقديم والتأخير ، ~~وغير ذلك ، والحقيقة والمجاز والكناية ، وما في سعة اللغة من الترادف ، ~~وأسماء المعاني المقيدة ، وما فيها من المحسنات ، ما يلج بالمعاني إلى ~~العقول سهلة متمكنة ، فقدر الله تعالى هذه اللغة أن تكون هي لغة كتابه الذي ~~خاطب به كافة الناس ، فأنزل بادىء ذي بدء بين العرب أهل ذلك اللسان ومقاويل ~~البيان ثم جعل منهم حملته إلى الأمم تترجم معانيه فصاحتهم وبيانهم ، ويتلقى ~~أساليبه الشادون منهم وولدانهم ، حين أصبحوا أمة واحدة يقوم باتحاد الدين ~~واللغة كيانهم . # $ 2 ( 196 ، 197 ) { وإنه لفى زبر الاولين * أو لم يكن لهم ءاية أن يعلمه ~~علماء بنى & # 1764 إسراءيل } . ) 2 $ # عطف على { وإنه لتنزيل ms5917 رب العالمين } ( الشعراء : 192 ) ، والضمير للقرآن ~~كضمير { وإنه لتنزيل رب العالمين } . وهذا تنويه آخر بالقرآن بأنه تصدقه ~~كتب الأنبياء الأولين PageV19P190 بموافقتها لما فيه وخاصة في أخباره عن ~~الأمم وأنبيائها . # وقوله : { في زبر الأولين } أي كتب الرسل السالفين ، أي أن القرآن كائن ~~في كتب الأنبياء السالفين مثل التوراة والإنجيل والزبور ، وكتب الأنبياء ~~التي نعلمها إجمالا . ومعلوم أن ضمير القرآن لا يراد به ذات القرآن ، أي ~~ألفاظه المنزلة على النبي صلى الله عليه وسلم إذ ليست سور القرآن وآياته ~~مسطورة في زبر الأولين بلفظها كله فتعين أن يكون الضمير للقرآن باعتبار ~~اسمه ووصفه الخاص أو باعتبار معانيه . فأما الاعتبار الأول فالضمير مؤول ~~بالعود إلى اسم القرآن كقوله تعالى : { الرسول النبي الأمي الذي يجدونه ~~مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل } ( الأعراف : 157 ) ، أي يجدون اسمه ~~ووصفه الذي يعينه . فالمعنى أن ذكر القرآن وارد في كتب الأولين ، أي جاءت ~~بشارات بمحمد صلى الله عليه وسلم وأنه رسول يجيء بكتاب . ففي سفر التثنية ~~من كتب موسى عليه السلام في الإصحاح الثامن عشر قول موسى : ( قال لي الرب : ~~أقيم لهم نبيئا من وسط إخوتهم مثلك ، وأجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما ~~أوصيه به ) إذ لا شك أن إخوة بني إسرائيل هم العرب كما ورد في سفر التكوين ~~في الإصحاح السادس عشر عند ذكر الحمل بإسماعيل ( وأمام جميع إخوته يسكن ) ~~أي لا يسكن معهم ولكن قبالتهم . ولم يأت نبيء بوحي مثل موسى بشرع كشرع موسى ~~غير محمد صلى الله عليه وسلم وكلام الله المجعول في فمه هو القرآن الموحى ~~به إليه وهو يتلوه . # وفي إنجيل متى الإصحاح الرابع والعشرين قال عيسى عليه السلام : ( ويقوم ~~أنبياء كذبة كثيرون ويضلون كثيرا . . . . ولكن الذي يصبر إلى المنتهى ( أي ~~يدوم إلى آخر الدهر أي دينه إذ لا خلود للأشخاص ) فهذا يخلص ويكرز ( أي ~~يدعو ) ببشارة الملكوت هذه في كل المسكونة ( أي الأرض المأهولة ) شهادة ~~لجميع الأمم ( رسالة عامة ) ثم يأتي المنتهى ( أي نهاية العالم ) ) . # فالبشارة هي الوحي وهو القرآن وهو الكتاب ms5918 الذي دعا جميع الأمم ، قال ~~تعالى : { كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور } ( إبراهيم ~~: 1 ) وقال : { ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل } ( الإسراء : 89 ~~) . # وفي إنجيل يوحنا قول المسيح الإصحاح الرابع عشر : ( وأنا أطلب من الأب ~~PageV19P191 فيعطيكم معزيا ( أي رسولا ) آخر ليمكث معكم إلى الأبد ( هذا هو ~~دوام الشريعة ) روح الحق الذي لا يستطيع العالم أن يقبله ( إشارة إلى تكذيب ~~المكذبين ) لأنه لا يراه ولا يعرفه ) . ثم قال : ( وأما المعزي الروح القدس ~~الذي سيرسله الأب باسمي ( أي بوصف الرسالة ) فهو يعلمكم كل شيء ويذكركم بكل ~~ما قلته لكم ( وهذا التعليم لكل شيء هو القرآن ما فرطنا في الكتاب من شيء ) ~~) . # وأما الاعتبار الثاني فالضمير مؤول بمعنى مسماه كقولهم : عندي درهم ونصفه ~~، أي نصف مسمى درهم فكما يطلق اسم الشيء على معناه نحو { إليه يصعد الكلم ~~الطيب } ( فاطر : 10 ) وقوله : { واذكر في الكتاب إبراهيم } ( مريم : 41 ) ~~أي أحواله ، كذلك يطلق ضمير الاسم على معناه ، فالمعنى : أن ما جاء به ~~القرآن موجود في كتب الأولين . وهذا كقول الإنجيل آنفا ( ويذكركم بكل ما ~~قلته لكم ) ، ولا تجد شيئا من كلام المسيح عليه السلام المسطور في الأناجيل ~~غير المحرف عنه إلا وهو مذكور في القرآن ، فيكون الضمير باعتبار بعضه كقوله ~~: { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا } ( الشورى : 13 ) الآية . # والمقصود : أن ذلك آية على صدق أنه من عند الله . وهذا معنى كون القرآن ~~مصدقا لما بين يديه . # وقوله : { أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل } تنويه ثالث ~~بالقرآن وحجة على التنويه الثاني به الذي هو شهادة كتب الأنبياء له بالصدق ~~، بأن علماء بني إسرائيل يعلمون ما في القرآن مما يختص بعلمهم ، فباعتبار ~~كون هذه الجملة تنويها آخر بالقرآن عطفت على الجملة التي قبلها ولولا ذلك ~~لكان مقتضى كونها حجة على صدق القرآن أن لا تعطف . # وفعل : { يعلمه } شامل للعلم بصفة القرآن ، أي تحقق صدق الصفات الموصوف ~~بها من جاء به ، وشامل للعلم بما يتضمنه ما ms5919 في كتبهم . # وضمير { أن يعلمه } عائد إلى القرآن على تقدير : أن يعلم ذكره . ويجوز أن ~~يعود على الحكم المذكور في قوله : { وإنه لفي زبر الأولين } . # PageV19P192 # | 2 ( 198 ، 199 ) { ولو نزلناه على بعض الاعجمين * فقرأه عليهم ما كانوا ~~به مؤمنين } . ) 2 # كان من جملة مطاعن المشركين في القرآن أنه ليس من عند الله ، ويقولون : ~~تقوله محمد من عند نفسه ، وقالوا { أساطير الأولين اكتتبها } ( الفرقان : 5 ~~) فدمغهم الله بأن تحداهم بالإتيان بمثله فعجزوا . # وقد أظهر الله بهتانهم في هذه الآية بأنهم إنما قالوا ذلك حيث جاءهم ~~بالقرآن رسول عربي ، وأنه لو جاءهم بهذا القرآن رسول أعجمي لا يعرف العربية ~~بأن أوحى الله بهذه الألفاظ إلى رسول لا يفهمها ولا يحسن تأليفها فقرأه ~~عليهم ، وفي قراءته وهو لا يحسن اللغة أيضا خارق عادة ؛ لو كان ذلك لما ~~آمنوا بأنه رسول مع أن ذلك خارق للعادة فزيادة قوله : { عليهم } زيادة بيان ~~في خرق العادة . يعني أن المشركين لا يريدون مما يلقونه من المطاعن البحث ~~عن الحق ولكنهم أصروا على التكذيب وطفقوا يتحملون أعذارا لتكذيبهم جحودا ~~للحق وتسترا من اللائمين . # وجملة : { ولو نزلناه على بعض الأعجمين } معطوفة على جملة : { نزل به ~~الروح الأمين على قلبك إلى قوله : بلسان عربي مبين } ( الشعراء : 193 195 ) ~~لأن قوله : { على قلبك } أفاد أنه أوتيه من عند الله وأنه ليس من قول النبي ~~لا كما يقول المشركون : تقوله ، كما أشرنا إليه آنفا . # فلما فرغ من الاستدلال بتعجيزهم فضح نياتهم بأنهم لا يؤمنون به في كل حال ~~، قال تعالى : { إن الذين حقت عليهم كلمات ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية ~~} ( يونس : 96 ، 97 ) . # و { الأعجمين } جمع أعجم . والأعجم : الشديد العجمة ، أي لا يحسن كلمة ~~بالعربية ، وهو هنا مرادف أعجمي بياء النسب فيصح في جمعه على أعجمين اعتبار ~~أنه لا حذف فيه باعتبار جمع أعجم كما قال حميد بن ثور يصف حمامة : # ولم أر مثلي شاقه لفظ مثلها # ولا عربيا شاقه لفظ أعجما PageV19P193 # ويصح اعتبار حذف ياء النسب للتخفيف . وأصله : الأعجميين ms5920 كما في الشعر ~~المنسوب إلى أبي طالب : # وحيث ينيخ الأشعرون رحالهم # بملقى السيول بين سافف ونائل # أي الأشعريون ، وعلى هذين الاعتبارين يحمل قول النابغة : # فعودا له غسان يرجون أوبه # وترك ورهط الأعجمين وكابل # # | 2 ( 200 207 ) { فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين * كذلك سلكناه في قلوب ~~المجرمين * لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الاليم * فيأتيهم بغتة وهم لا ~~يشعرون * فيقولوا هل نحن منظرون * أفبعذابنا يستعجلون * أفرأيت إن متعناهم ~~سنين * ثم جآءهم ما كانوا يوعدون * مآ أغنى عنهم ما كانوا يمتعون } . ) 2 # تقدم نظير أول هذه الآية في سورة الحجر ( 12 ) ، إلا أن آية الحجر قيل ~~فيها : { كذلك نسلكه وفي هذه الآية قيل سلكناه } ، والمعنى في الآيتين واحد ~~، والمقصود منهما واحد ، فوجه اختيار المضارع في آية الحجر أنه دال على ~~التجدد لئلا يتوهم أن المقصود إبلاغ مضى وهو الذي أبلغ لشيع الأولين لتقدم ~~ذكرهم فيتوهم أنهم المراد بالمجرمين مع أن المراد كفار قريش . وأما هذه ~~الآية فلم يتقدم فيها ذكر لغير كفار قريش فناسبها حكاية وقوع هذا الإبلاغ ~~منذ زمن مضى . وهم مستمرون على عدم الإيمان . # وجملة : { كذلك سلكناه } إلخ مستأنفة بيانية ، أي إن سألت عن استمرار ~~تكذيبهم بالقرآن في حين أنه نزل بلسان عربي مبين فلا تعجب فكذلك السلوكك ~~سلكناه في قلوب المشركين ؛ فهو تشبيه للسلوك المأخوذ من { سلكناه } بنفسه ~~لغرابته . وهذا نظير ما تقدم في قوله تعالى : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } ~~في سورة البقرة ( 143 ) ، أي هو سلوك لا يشبهه سلوك وهو أنه دخل قلوبهم ~~بإبانته وعرفوا دلائل صدقه من أخبار علماء بني إسرائيل ومع ذلك لم يؤمنوا ~~به . # ومعنى : { سلكناه } أدخلناه ، قال الأعشى : # كما سلك السكي في الباب فيتق PageV19P194 # وعبر عن المشركين ب { المجرمين } لأن كفرهم بعد نزول القرآن إجرام . ~~وجملة : { لا يؤمنون به } في موضع الحال من { المجرمين } . # والغاية في { حتى يروا العذاب } تهديد بعذاب سيحل بهم ، وحث على المبادرة ~~بالإيمان قبل أن يحل بهم العذاب . والعذاب صادق بعذاب الآخرة لمن هلكوا قبل ~~حلول عذاب الدنيا ، وصادق ms5921 بعذاب السيف يوم بدر ، ومعلوم أنه { لا ينفع نفسا ~~إيمانها لم تكن آمنت من قبل } ( الأنعام : 158 ) . # وقوله : { فيأتيهم بغتة } صالح للعذابين : عذاب الآخرة يأتي عقب الموت ~~والموت يحصل بغتة ، وعذابب الدنيا بالسيف يحصل بغتة حين الضرب بالسيف . # والفاء في قوله : { فيأتيهم } عاطفة لفعل { يأتيهم } على فعل { يروا } ~~كما دل عليه نصب { يأتيهم } وذلك ما يستلزمه معنى العطف من إفادة التعقيب ~~فيثير إشكالا بأن إتيان العذاب لا يكون بعد رؤيتهم إياه بل هما حاصلان ~~مقترنين فتعين تأويل معنى الآية . وقد حاول صاحب ( الكشاف ) والكاتبون عليه ~~تأويلها بما لا تطمئن له النفس . # والوجه عندي في تأويلها أن تكون جملة : { فيأتيهم بغتة } بدل اشتمال من ~~جملة { يروا العذاب الأليم } وأدخلت الفاء فيها لبيان صورة الاشتمال ، أي ~~أن رؤية العذاب مشتملة على حصوله بغتة ، أي يرونه دفعة دون سبق أشراط له . # أما الفاء في قوله : { فيقولوا } فهي لإفادة التعقيب في الوجود وهو صادق ~~بأسرع تعذيب فتكون خطرة في نفوسهم قبل أن يهلكوا في الدنيا ، أو يقولون ذلك ~~ويرددونه يوم القيامة حين يرون العذاب وحين يلقون فيه . # و { هل } مستعملة في استفهام مراد به التمني مجازا . وجيء بعدها بالجملة ~~الاسمية الدالة على الثبات ، أي تمنوا إنظارا طويلا يتمكنون فيه من الإيمان ~~والعمل الصالح . PageV19P195 # نشأ عن قوله : { فيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون } ( الشعراء : 202 ) تقدير ~~جواب عن تكرر سؤالهم : { متى هذا الوعد إن كنتم صادقين } ( يونس : 48 ) ، ~~حيث جعلوا تأخر حصول العذاب دليلا على انتفاء وقوعه ، فأعقب ذلك بقوله : { ~~أفبعذابنا يستعجلون } . فالفاء في قوله : { أفبعذابنا يستعجلون } تفيد ~~تعقيب الاستفهام عقب تكرر قولهم { متى هذا الوعد } ( يونس : 48 ) ونحوه . ~~والاستفهام مستعمل في التعجيب من غرورهم . والمعنى : أيستعجلون بعذابنا فما ~~تأخيره إلا تمتيع لهم . وكانوا يستهزئون فيقولون : { متى هذا الوعد } ، ~~ويستعجلون بالعذاب { وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب } ( ص : 16 ) ~~. قال مقاتل : قال المشركون للنبيء صلى الله عليه وسلم يا محمد إلى متى ~~تعدنا بالعذاب ولا تأتي به ، فنزلت { أفبعذابنا يستعجلون } . # وتقديم ( بعذابنا ) للرعاية على ms5922 الفاصلة وللاهتمام به في مقام الإنذار ، ~~أي ليس شأن مثله أن يستعجل لفظاعته . # ولما كان استعجالهم بالعذاب مقتضيا أنهم في مهلة منه ومتعة بالسلامة وأن ~~ذلك يغرهم بأنهم في منجاة من الوعيد الذي جاءهم على لسان الرسول صلى الله ~~عليه وسلم جابههم بجملة : { أفرأيت إن متعناهم سنين } . # والاستفهام في { أفرأيت إن متعناهم } للتقرير . و { ما } في قوله : { ما ~~أغنى عنهم } استفهامية وهو استفهام مستعمل في الإنكار ، أي لم يغن عنهم ~~شيئا . والرؤية في { أفرأيت } قلبية ، أي أفعلمت . والخطاب لغير معين يعم ~~كل مخاطب حتى المجرمين . # وجملة : { إن متعناهم سنين } معترضة وجواب الشرط محذوف دل عليه ما سد مسد ~~مفعولي ( رأيت ) . و { ثم جاءهم } معطوف على جملة الشرط المعترضة ، و { ثم ~~} فيه للترتيب والمهلة ، أي جاءهم بعد سنين . وفيه رمز إلى أن PageV19P196 ~~العذاب جائيهم وحال بهم لا محالة . و { ما كانوا يوعدون } موصول وصلته . ~~والعائد محذوف تقديره : يوعدونه . # وجملة : { ما أغنى عنهم } سادة مسد مفعولي ( رأيت ) لأنه معلق عن العمل ~~بسبب الاستفهام بعده . و { ما كانوا يمتعون } موصول وصلته . والعائد محذوف ~~تقديره : يمتعونه . # والمعنى : أعلمت أن تمتيعهم بالسلامة وتأخير العذاب إن فرض امتداده سنين ~~عديدة غير مغن عنهم شيئا إن جاءهم العذاب بعد ذلك . وهذا كقوله تعالى : { ~~ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه ألا يوم يأتيهم ليس ~~مصروفا عنهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن } ( هود : 8 ) ، وذلك أن الأمور ~~بالخواتيم . في ( تفسير القرطبي ) : روى ابن شهاب أن عمر بن عبد العزيز كان ~~إذا أصبح أمسك بلحيته ثم قرأ : { أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا ~~يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون } ثم يبكي ويقول : # نهارك يا مغرور سهو وغفلة # وليلك نوم والردى لك لازم # فلا أنت في الأيقاظ يقظان حازم # ولا أنت في النوام ناج فسالم # تسر بما يفنى وتفرح بالمنى # كما سر باللذات في النوم حالم # وتسعى إلى ما سوف تكره غبه # كذلك في الدنيا تعيش البهائم # ولم أقف على صاحب هذه الأبيات ms5923 قال ابن عطية : ولأبي جعفر المنصور قصة في ~~هذه الآية . ولعل ما روي عن عمر بن عبد العزيز روي مثيله عن المنصور . # # | 2 ( 208 ) { ومآ أهلكنا من قرية إلا لها منذرون } . ) 2 # تذكير لقريش بأن القرى التي أهلكها الله والتي تقدم ذكرها في هذه السورة ~~قد كان لها رسل ينذرونها عذاب الله ليقيسوا حالتهم على أحوال الأمم التي ~~قبلهم . # والاستثناء من أحوال محذوفة . والتقدير : وما أهلكنا من قرية في حال من ~~الأحوال إلا في حال لها منذرون . وعريت جملة الحال عن الواو استغناء عن ~~الواو PageV19P197 بحرف الاستثناء ، ولو ذكرت الواو لجاز كقوله في سورة ~~الحجر ( 4 ) { إلا ولها كتاب معلوم } . وعبر عن الرسل بصفة الإنذار لأنه ~~المناسب للتهديد بالإهلاك . # # | 2 ( 209 ) { ذكرى وما كنا ظالمين } . ) 2 # أي هذه ذكرى ، فذكرى في موضع رفع على الخبرية لمبتدأ محذوف دلت عليه ~~قرينة السياق كقوله تعالى في سورة الأحقاف ( 35 ) { بلاغ } أي هذا بلاغ ، ~~وفي سورة إبراهيم ( 52 ) { هذا بلاغ للناس } وفي سورة ص ( 49 ) { هذا ذكر } ~~. والمعنى : هذه ذكرى لكم يا معشر قريش . وهذا المعنى هو أحسن الوجوه في ~~موقع قوله : { ذكرى } وهو قول أبي إسحاق الزجاج والفراء وإن اختلفا في ~~تقدير المحذوف قال ابن الأنباري : قال بعض المفسرين : ليس في الشعراء وقف ~~تام إلا قوله : { إلا لها منذرون } ( الشعراء : 208 ) . # وقد تردد الزمخشري في موقع قوله : { ذكرى } بوجوه جعلها جميعا على اعتبار ~~قوله : { ذكرى } تكملة للكلام السابق وهي غير خلية عن تكلف . والذكرى : اسم ~~مصدر ذكر . # وجملة : { وما كنا ظالمين } يجوز أن تكون معطوفة على { ذكرى } أي نذكركم ~~ولا نظلم ، وأن تكون حالا من الضمير المستتر في { ذكرى } لأنه كالمصدر ~~يقتضي مسندا إليه ، وعلى الوجهين فمفاد { وما كنا ظالمين } الإعذار لكفار ~~قريش والإنذار بأنهم سيحل بهم هلاك . # وحذف مفعول { ظالمين } لقصد تعميمه كقوله تعالى : { ولا يظلم ربك أحدا } ~~( الكهف : 49 ) . # # | 2 ( 210 212 ) { وما تنزلت به الشياطين * وما ينبغى لهم وما يستطيعون * ~~إنهم عن السمع لمعزولون } . ) 2 # عطف على جملة : { وإنه ms5924 لتنزيل رب العالمين } ( الشعراء : 192 ) وما ~~بينهما اعتراض استدعاه تناسب المعاني وأخذ بعضها بحجز بعض تفننا في الغرض . ~~وهذا رد على قولهم في PageV19P198 النبي صلى الله عليه وسلم هو كاهن قال ~~تعالى : { فذكر فما أنت بنعمت ربك بكاهن ولا مجنون } ( الطور : 29 ) ، ~~وزعمهم أن الذي يأتيه شيطان ؛ فقد قالت العوراء بنت حرب امرأة أبي لهب لما ~~تخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قيام الليل ليلتين لمرض : أرجو أن ~~يكون شيطانك قد تركك . ولذلك كان من جملة ما راجعهم به الوليد بن المغيرة ~~حين شاوره المشركون فيما يصفون النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا : نقول : ~~كلامه كلام كاهن ، فقال : والله ما هو بزمزمته . وكلام الكهان في مزاعمهم ~~من إلقاء الجن إليهم وإنما هي خواطر نفوسهم ينسبونها إلى شياطينهم المزعومة ~~. نفي عن القرآن أن يكون من ذلك القبيل ، أي الكهان لا يجيش في نفوسهم كلام ~~مثل القرآن فما كان لشياطين الكهان أن يفيضوا على نفوس أوليائهم مثل هذا ~~القرآن . فالكهانة من كذب الكهان وتمويههم ، وأخبار الكهان كلها أقاصيص ~~وسعها الناقلون . # فالتعريف في { السمع } للعهد وهو ما يعتقده العرب من أن الشياطين تسترق ~~السمع ، أي تتحيل على الاتصال بعلم ما يجري في الملإ الأعلى . ذلك أن ~~الكهان كانوا يزعمون أن الجن تأتيهم بأخبار ما يقدر في الملأ الأعلى مما ~~سيظهر حدوثه في العالم الأرضي ، فلذلك نفي هنا تنزل الشياطين بكلام القرآن ~~بناء على أن المشركين يزعمون أن الشياطين تنزل من السماء بأخبار ما سيكون . ~~وبيان ذلك تقدم في سورة الحجر ويأتي في سورة الصافات . # ومعنى : { وما ينبغي لهم } ما يستقيم وما يصح ، أي لا يستقيم لهم تلقي ~~كلام الله تعالى الذي الشأن أن يتلقاه الروح الأمين ، وما يستطيعون تلقيه ~~لأن النفوس الشيطانية ظلمانية خبيثة بالذات فلا تقبل الانتقاش بصور ما يجري ~~في عالم الغيب ، فإن قبول فيضان الحق مشروط بالمناسبة بين المبدأ والقابل . # فضمير { ينبغي } عائد إلى ما عاد عليه ضمير { به } ، أي ما ينبغي القرآن ~~لهم ، أي ما ينبغي أن ms5925 ينزلوا به كما زعم المشركون . ومفعول { يستطيعون } ~~محذوف ، أي ما يستطيعونه . وأعيدت الضمائر بصيغة العقلاء بعد أن أضمر لهم ~~بضمير غير العقلاء في قوله : { وما تنزلت } اعتبارا بملابسة ذلك للكهان . ~~وقد تقدم في سورة الحجر أن صنفا من الشياطين يتهيأ للتلقي بما يسمى استراق ~~السمع وأنه يصرف عنه بالشهب . واستؤنف ب { إنهم عن السمع لمعزولون } فكان ~~PageV19P199 ذلك كالفذلكة لما قبله وهو بعمومه يتنزل منزلة التذييل . # والمعزول : المبعد عن أمر فهو في عزلة عنه . وفي هذا إبطال للكهانة من ~~أصلها وهي وإن كانت فيها شيء من الاتصال بالقوى الروحية في سالف الزمان فقد ~~زال ذلك منذ ظهور الإسلام . # # | 2 ( 213 ) { فلا تدع مع الله إلاها ءاخر فتكون من المعذبين } . ) 2 # لما وجه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قوله : { نزل به الروح ~~الأمين على قلبك } ( الشعراء : 193 ، 194 ) إلى هنا ، في آيات أشادت بنزول ~~القرآن من عند الله تعالى وحققت صدقه بأنه مذكور في كتب الأنبياء السالفين ~~وشهد به علماء بني إسرائيل ، وأنحى على المشركين بإبطال ما ألصقوه بالقرآن ~~من بهتانهم ، لا جرم اقتضى ذلك ثبوت ما جاء به القرآن . وأصل ذلك هو إبطال ~~دين الشرك الذي تقلدته قريش وغيرها وناضلت عليه بالأكاذيب ؛ فناسب أن يتفرع ~~عليه النهي عن الإشراك بالله والتحذير منه . # فقوله : { فلا تدع مع الله إلاها آخر } خطاب لغير معين فيعم كل من يسمع ~~هذا الكلام ، ويجوز أن يكون الخطاب موجها إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~لأنه المبلغ عن الله تعالى فللاهتمام بهذا النهي وقع توجيهه إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم مع تحقق أنه منته عن ذلك ، فتعين أن يكون النهي للذين هم ~~متلبسون بالإشراك ، ونظير هذا قوله تعالى : { ولقد أوحي إليك وإلى الذين من ~~قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين } ( الزمر : 65 ) . ~~والمقصود من مثل ذلك الخطاب غيره ممن يبلغه الخطاب . # فالمعنى : فلا تدعوا مع الله إلها آخر فتكونوا من المعذبين . وفي هذا ~~تعريض بالمشركين أنهم سيعذبون للعلم بأن النبي صلى ms5926 الله عليه وسلم وأصحابه ~~غير مشركين . # # | 2 ( 214 ) { وأنذر عشيرتك الاقربين } . ) 2 # عطف على قوله : { نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين } ( ~~الشعراء : 193 ، 194 ) ، فهو تخصيص بعد تعميم للاهتمام بهذا الخاص . ووجه ~~الاهتمام أنهم أولى الناس بقبول PageV19P200 نصحه وتعزيز جانبه ولئلا يسبق ~~إلى أذهانهم أن ما يلقيه الرسول من الغلظة في الإنذار وأهوال الوعيد لا يقع ~~عليهم لأنهم قرابة هذا المنذر وخاصته . ويدل على هذا قوله صلى الله عليه ~~وسلم في ندائه لهم : ( لا أغني عنكم من الله شيئا ) ، وأن فيه تعريضا بقلة ~~رعي كثير منهم حق القرابة إذ آذاه كثير منهم وعصوه مثل أبي لهب فلا يحسبوا ~~أنهم ناجون في الحالتين وأن يعلموا أنهم لا يكتفى من مؤمنهم بإيمانه حتى ~~يضم إليه العمل الصالح ؛ فهذا مما يدخل في النذارة ، ولذلك دعا النبي صلى ~~الله عليه وسلم عند نزول هذه الآية قرابته مؤمنين وكافرين . # ففي حديث عائشة وابن عباس وأبي هريرة في ( صحيحي البخاري ومسلم ) يجمعها ~~قولهم : ( لما نزلت { وأنذر عشيرتك الأقربين } قام رسول الله على الصفا ~~فدعا قريشا فجعل ينادي : يا بني فهر يا بني عدي ، لبطون قريش حتى اجتمعوا ، ~~فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو ، فقال : يا معشر ~~قريش ، فعم وخص ، يا بني كعب بنن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار ، يا بني مرة ~~بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار ، يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار ، ~~يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار ، يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من ~~النار ، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار ، اشتروا أنفسكم من الله ~~لا أغني عنكم من الله شيئا ، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله ~~شيئا ، يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنكك من الله شيئا ، يا فاطمة بنت ~~رسول الله سليني من مالي ما شئتت لا أغني عنك من الله شيئا ، غير أن لكم ~~رحما سأبلها ببلالها ) وكانت صفية وفاطمة من المؤمنين ms5927 وكان إنذارهما إعمالا ~~لفعل الأمر في معانيه كلها من الدعوة إلى الإيمان وإلى صالح الأعمال ؛ فجمع ~~النبي صلى الله عليه وسلم بين الإنذار من الشرك والإنذار من المعاصي لأنه ~~أنذر صفية وفاطمة وكانتا مسلمتين . # وفي ( صحيح البخاري ) عن ابن عباس قال : لما نزلت : { وأنذر عشيرتك ~~الأقربين } صعد النبي ( صلى الله عليه وسلم على الصفا فجعل ينادي : يا بني ~~فهر يا بني عدي ، لبطون قريش حتى اجتمعوا فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج ~~أرسل رسولا لينظر ما هو ، فجاء أبو لهب وقريش فقال : أرأيتكم لو أخبرتكم أن ~~خيلا بالوادي PageV19P201 تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي ؟ قالوا : نعم ما ~~جربنا عليك إلا صدقا . قال : فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد . فقال أبو ~~لهب : تبا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا ؟ فنزلت { تبت يدا أبي لهب وتب ما ~~أغنى عنه ماله وما كسب } ( المسد : 1 ، 2 ) . # وهذا الحديث يقتضي أن سورة الشعراء نزلت قبل سورة أبي لهب مع أن سورة أبي ~~لهب عدت السادسة في عداد نزول السور ، وسورة الشعراء عدت السابعة والأربعين ~~. فالظاهر أن قوله : { وأنذر عشيرتك الأقربين } نزل قبل سورة الشعراء مفردا ~~، فقد جاء في بعض الروايات عن ابن عباس في ( صحيح مسلم ) : لما نزلت ( ~~وأنذر عشيرتك الأقربين ورهطك منهم المخلصين ) وأن ذلك نسخ . فلعل الآية ~~نزلت أول مرة ثم نسخت تلاوتها ثم أعيد نزول بعضها في جملة بسورة الشعراء . # والعشيرة : الأدنون من القبيلة ، فوصف { الأقربين } تأكيد لمعنى العشيرة ~~واجتلاب لقلوبهم إلى إجابة ما دعاهم إليه وتعريض بأهل الإدانة منهم . # وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على المرء من وقع الحسام المهند . # وإلى هذا يشير قول النبي صلى الله عليه وسلم لهم في آخر الدعوة المتقدمة ~~( غير أن لكم رحما سأبلها ببلالها ) أي ذلك منتهى ما أملك لكم حين لا أملك ~~لكم من الله شيئا ، فيحق عليكم أن تبلوا لي رحمي مما تملكون ، فإنكم تملكون ~~أن تستجيبوا لي . # وتقدم ذكر العشيرة في قوله تعالى : { قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم ~~وأزواجكم ms5928 وعشيرتكم } في سورة براءة ( 24 ) . # # | 2 ( 215 ) { واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين } . ) 2 # معترض بين الجملتين ابتدارا لكرامة المؤمنين قبل الأمر بالتبرؤ من الذين ~~لا يؤمنون ، وبعد الأمر بالإنذار الذي لا يخلو من وقع أليم في النفوس . # وخفض الجناح : مثل للمعاملة باللين والتواضع . وقد تقدم عند قوله تعالى : ~~{ واخفض جناحك للمؤمنين } في سورة الحجر ( 88 ) ، وقوله : { واخفض لهما ~~جناح PageV19P202 الذل من الرحمة } في سورة الإسراء ( 24 ) . والجناح ~~للطائر بمنزلة اليدين للدواب ، وبالجناحين يكون الطيران . # و { من المؤمنين } بيان { لمن اتبعك } فإن المراد المتابعة في الدين وهي ~~الإيمان . والغرض من هذا البيان التنويه بشأن الإيمان كأنه قيل : واخفض ~~جناحك لهم لأجل إيمانهم كقوله تعالى : { ولا طائر يطير بجناحيه } ( الأنعام ~~: 38 ) وجبر لخاطر المؤمنين من قرابته . ولذلك لما نادى في دعائه صفية قال ~~: ( عمة رسول الله ) ولما نادى فاطمة قال : ( بنت رسول الله ) تأنيسا لهما ~~، فهذا من خفض الجناح ، ولم يقل مثل ذلك للعباس لأنه كان يومئذ مشركا . # $ 2 ( 216 ) { فإن عصوك فقل إنى برى & # 1764 ء مما تعملون } . ) 2 $ # تفريع على جملة : { وأنذر عشيرتك الأقربين } ( الشعراء : 214 ) أي فإن ~~عصوا أمرك المستفاد من الأمر بالإنذار ، أي فإن عصاك عشيرتك فما عليك إلا ~~أن تتبرأ من عملهم ، وهذا هو مثار قول النبي صلى الله عليه وسلم لهم في ~~دعوته : ( غير أن لكم رحما سأبلها ببلالها ) فالتبرؤ إنما هو من كفرهم وذلك ~~لا يمنع من صلتهم لأجل الرحم وإعادة النصح لهم كما قال : { قل لا أسألكم ~~عليه أجرا إلا المودة في القربى } ( الشورى : 23 ) . وإنما أمر بأن يقول ~~لهم ذلك لإظهار أنهم أهل للتبرؤ من أعمالهم فلا يقتصر على إضمار ذلك في ~~نفسه . # # | 2 ( 217 220 ) { وتوكل على العزيز الرحيم * الذى يراك حين تقوم * ~~وتقلبك فى الساجدين * إنه هو السميع العليم } . ) 2 # وعطف الأمر بالتوكل بفاء التفريع في قراءة نافع وابن عامر وأبي جعفر ~~فيكون تفريعا على : { فقل إني بريء مما تعملون } ( الشعراء : 216 ) تنبيها ~~على المبادرة بالعوذ من شر أولئك الأعداء ms5929 وتنصيصا على اتصال التوكل بقوله : ~~{ إني بريء } . # وقرأ الجمهور : { وتوكل } بالواو وهو عطف على جواب الشرط ، أي قل : إني ~~بريء وتوكل ، وعطفه على الجواب يقتضي تسببه على الشرط كتسبب الجواب وهو ~~يستلزم البدار به ، فمآل القراءتين واحد وإن اختلف طريق انتزاعه . ~~PageV19P203 # والمعنى : فإن عصاك أهل عشيرتك فتبرأ منهم . ولما كان التبرؤ يؤذن بحدوث ~~مجافاة وعداوة بينه وبينهم ثبت الله جأش رسوله بأن لا يعبأ بهم وأن يتوكل ~~على ربه فهو كافيه كما قال : { ومن يتوكل على الله فهو حسبه } ( الطلاق : 3 ~~) . وعلق التوكل بالاسمين { العزيز الرحيم } وما تبعهما من الوصف بالموصول ~~وما ذيل به من الإيماء إلى أنه يلاحظ قوله ويعلم نيته ، إشارة إلى أن ~~التوكل على الله يأتي بما أومأت إليه هذه الصفات ومستتبعاتها بوصف { العزيز ~~الرحيم } للإشارة إلى أنه بعزته قادر على تغلبه على عدوه الذي هو أقوى منه ~~، وأنه برحمته يعصمه منهم . وقد لوحظ هذان الاسمان غير مرة في هذه السورة ~~لهذا الاعتبار كما تقدم . # والتوكل : تفويض المرء أمره إلى من يكفيه مهمه ، وقد تقدم عند قوله تعالى ~~: { فإذا عزمت فتوكل على الله } في سورة آل عمران ( 159 ) . # ووصفه تعالى : ب { الذي يراك حين تقوم } مقصود به لازم معناه . وهو أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم بمحل العناية منه لأنه يعلم توجهه إلى الله ويقبل ~~ذلك منه ، فالمراد من قوله : { يراك } رؤية خاصة وهي رؤية الإقبال والتقبل ~~كقوله : { فإنك بأعيننا } ( الطور : 48 ) . # والقيام : الصلاة في جوف الليل ، غلب هذا الاسم عليه في اصطلاح القرآن ، ~~والتقلب في الساجدين هو صلاته في جماعات المسلمين في مسجده . وهذا يجمع ~~معنى العناية بالمسلمين تبعا للعناية برسولهم ، فهذا من بركته صلى الله ~~عليه وسلم وقد جمعها هذا التركيب العجيب الإيجاز . # وفي هذه الآية ذكر صلاة الجماعة . قال مقاتل لأبي حنيفة : هل تجد الصلاة ~~في الجماعة في القرآن ؟ فقال أبو حنيفة : لا يحضرني فتلا مقاتل هذه الآية . # وموقع { إنه هو السميع العليم } موقع التعليل للأمر ب { فقل إني بريء مما ~~تعملون } ( الشعراء : 216 ms5930 ) ، وللأمر ب { توكل على العزيز الرحيم } ، فصفة ~~{ السميع } مناسبة للقول ، وصفة { العليم } مناسبة للتوكل ، أي أنه يسمع ~~قولك ويعلم عزمك . # وضمير الفصل في قوله : { هو السميع العليم } للتقوية . # PageV19P204 # | 2 ( 221 223 ) { هل أنبئكم على من تنزل الشياطين * تنزل على كل أفاك ~~أثيم * يلقون السمع وأكثرهم كاذبون } . ) 2 # لما سفه قولهم في القرآن : إنه قول كاهن ، فرد عليهم بقوله : { وما تنزلت ~~به الشياطين } ( الشعراء : 210 ) وأنه لا ينبغي للشياطين ولا يستطيعون مثله ~~، وأنهم حيل بينهم وبين أخبار أوليائهم ، عاد الكلام إلى وصف حال كهانهم ~~ليعلم أن الذي رموا به القرآن لا ينبغي أن يلتبس بحال أوليائهم . فالجملة ~~متصلة في المعنى بجملة : { وما تنزلت به الشياطين } ( الشعراء : 210 ) ، أي ~~ما تنزلت الشياطين بالقرآن على محمد { هل أنبئكم على من تنزل الشياطين } . # وألقي الكلام إليهم في صورة استفهامهم عن أن يعرفهم بمن تتنزل عليه ~~الشياطين ، استفهاما فيه تعريض بأن المستفهم عنه مما يسوءهم لذلك ويحتاج ~~فيه إلى إذنهم بكشفه . # وهذا الاستفهام صوري مستعمل كناية عن كون الخبر مما يستأذن في الإخبار به ~~. واختير له حرف الاستفهام الدال على التحقيق وهو { هل } لأن هل في ~~الاستفهام بمعنى ( قد ) والاستفهام مقدر فيها بهمزة الاستفهام ، فالمعنى : ~~أنبئكم إنباء ثابتا محققا وهو استفهام لا يترقب منه جواب المستفهم لأنه ليس ~~بحقيقي فلذلك يعقبه الإفضاء بما استفهم عنه قبل الإذن من السامع . ونظيره ~~في الجواب قوله تعالى : { عم يتساءلون عن النبإ العظيم } ( النبأ : 1 ، 2 ) ~~وإن كان بين الاستفهامين فرق . # وفعل { أنبئكم } معلق عن العمل بالاستفهام في قوله : { على من تنزل ~~الشياطين } . وهو أيضا استفهام صوري معناه الخبر كناية عن أهمية الخبر بحيث ~~إنه مما يستفهم عنه المتحسسون ويتطلبونه ، فالاستفهام من لوازم الاهتمام . # والمجرور مقدم على عامله للاهتمام بالمتنزل عليه ، وأصل التركيب : من ~~تنزل عليه الشياطين ، فلما قدم المجرور دخل حرف { على } على اسم الاستفهام ~~وهو { من } لأن ما صدقها هو المتنزل عليه ، ولا يعكر عليه أن المتعارف أن ~~يكون الاستفهام في صدر الكلام ، لأن أسماء الاستفهام تضمنت ms5931 معنى الإسمية ~~وهو أصلها ، وتضمنت معنى همزة الاستفهام كما تضمنته { هل } ، فإذا لزم مجيء ~~حرف الجر مع PageV19P205 أسماء الاستفهام ترجح فيها جانب الإسمية فدخل ~~الحرف عليها ولم تقدم هي عليه ، فلذلك تقول : أعلى زيد مررت ؟ ولا تقول : ~~من على مررت ؟ وإنما تقول : على من مررت ؟ وكذا في بقية أسماء الاستفهام ~~نحو { عم يتساءلون } ( النبأ : 1 ) ، { من أي شيء خلقه } ( عبس : 18 ) ، ~~وقولهم : علام ، وإلام ، وحتام ، و { فيم أنت من ذكراها } ( النازعات : 43 ~~) . # وأجيب الاستفهام هنا بقوله : { تنزل على كل أفاكك أثيم } . # و { كل } هنا مستعملة في معنى التكثير ، أي على كثير من الأفاكين وهم ~~الكهان ، قال النابغة : # وكل صموت نثلة تبعية # ونسج سليم كل قمصاء ذائل # والأفاك كثير الإفك ، أي الكذب ، والأثيم كثير الإثم . وإنما كان الكاهن ~~أثيما لأنه يضم إلى كذبه تضليل الناس بتمويه أنه لا يقول إلا صدقا ، وأنه ~~يتلقى الخبر من الشياطين التي تأتيه بخبر السماء . # وجعل للشياطين { تنزل } لأن اتصالها بنفوس الكهان يكون بتسلسل تموجات في ~~الأجواء العليا كما تقدم في سورة الحجر . # و { يلقون السمع } صفة ل { كل أفاك أثيم } ، أي يظهرون أنهم يلقون ~~أسماعهم عند مشاهدة كواكب لتتنزل عليهم شياطينهم بالخبر ، وذلك من إفكهم ~~وإثمهم . # وإلقاء السمع : هو شدة الإصغاء حتى كأنه إلقاء للسمع من موضعه ، شبه ~~توجيه حاسة السمع إلى المسموع الخفي بإلقاء الحجر من اليد إلى الأرض أو في ~~الهواء قال تعالى : { أو ألقى السمع وهو شهيد } ( ق : 37 ) ، أي أبلغ في ~~الإصغاء ليعي ما يقال له . # وهذا كما أطلق عليه إصغاء ، أي إمالة السمع إلى المسموع . # وقوله : { وأكثرهم كاذبون } أي أكثر هؤلاء الأفاكين كاذبون فيما يزعمون ~~أنهم تلقوه من الشياطين وهم لم يتلقوا منها شيئا ، أي وبعضهم يتلقى شيئا ~~قليلا من الشياطين فيكذب عليه أضعافه . PageV19P206 # ففي الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الكهان فقال : ( ~~ليسوا بشيء ) قيل : يا رسول الله فإنهم يحدثون أحيانا بالشيء يكون حقا . ~~فقال : ( تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقرها في أذن وليه ms5932 قر الدجاجة ~~فيخلطون عليها أكثر من مائة كذبة ) . فهم أفاكون وهم متفاوتون في الكذب ~~فمنهم أفاكون فيما يزيدونه على خبر الجن ، ومنهم أفاكون في أصل تلقي شيء من ~~الجن ، ولما كان حال الكهان قد يلتبس على ضعفاء العقول ببعض أحوال النبوءة ~~في الإخبار عن غيب ، وأسجاعهم قد تلتبس بآيات القرآن في بادىء النظر . ~~أطنبت الآية في بيان ماهية الكهانة وبينت أن قصاراها الإخبار عن أشياء ~~قليلة قد تصدق فأين هذا من هدي النبي والقرآن وما فيه من الآداب والإرشاد ~~والتعليم والبلاغة والفصاحة والصراحة والإعجاز ولا تصدي منه للإخبار ~~بالمغيبات . كما قال : { ولا أعلم الغيب } ( الأنعام : 50 ) في آيات كثيرة ~~من هذا المعنى . # $ 2 ( 224 227 ) { والشعرآء يتبعهم الغاوون * ألم تر أنهم فى كل واد ~~يهيمون * وأنهم يقولون ما لا يفعلون * إلا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات ~~وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلمو & # 1764 ا أى منقلب ينقلبون } . ) 2 $ # كان مما حوته كنانة بهتان المشركين أن قالوا في النبي صلى الله عليه وسلم ~~هو شاعر ، فلما نثلت الآيات السابقة سهام كنانتهم وكسرتها وكان منها قولهم ~~: هو كاهن ، لم يبق إلا إبطال قولهم : هو شاعر ، وكان بين الكهانة والشعر ~~جامع في خيال المشركين إذ كانوا يزعمون أن للشاعر شيطانا يملي عليه الشعر ~~وربما سموه الرئي ، فناسب أن يقارن بين تزييف قولهم في القرآن : هو شعر ، ~~وقولهم في النبي صلى الله عليه وسلم هو شاعر ، وبين قولهم : هو قول كاهن ، ~~كما قرن بينهما في قوله تعالى : { وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا ~~بقولل كاهن قليلا ما تذكرون } ( الحاقة : 41 ، 42 ) ؛ فعطف هنا قوله : { ~~والشعراء يتبعهم الغاون } على جملة : { تنزل على كل أفاك أثيم } ( الشعراء ~~: 222 ) . # ولما كان حال الشعراء في نفس الأمر مخالفا لحال الكهان إذ لم يكن لملكة ~~الشعر اتصال ما بالنفوس الشيطانية وإنما كان ادعاء ذلك من اختلاق بعض ~~الشعراء أشاعوه بين عامة العرب ، اقتصرت الآية على نفي أن يكون الرسول ~~PageV19P207 شاعرا ، وأن يكون القرآن ms5933 شعرا . دون تعرض إلى أنه تنزيل ~~الشياطين كما جاء في ذكر الكهانة . # وقد كان نفر من الشعراء بمكة يهجون النبي صلى الله عليه وسلم وكان ~~المشركون يعنون بمجالسهم وسماعع أقوالهم ويجتمع إليهم الأعراب خارج مكة ~~يستمعون أشعارهم وأهاجيهم ، أدمجت الآية حال من يتبع الشعراء بحالهم تشويها ~~للفريقين وتنفيرا منهما . ومن هؤلاء : النضر بن الحارث ، وهبيرة بن أبي وهب ~~ومسافع بن عبد مناف ، وأبو عزة الجمحي ، وابن الزبعرى ، وأمية بن أبي الصلت ~~، وأبو سفيان ابن الحارث ، وأم جميل العوراء بنت حرب زوج أبي لهب التي ~~لقبها القرآن : { حمالة الحطب } ( المسد : 4 ) وكانت شاعرة وهي التي قالت : # مذمما عصينا وأمره أبينا ودينه قلينا # فكانت هذه الآية نفيا للشعر أن يكون من خلق النبي صلى الله عليه وسلم ~~وذما للشعراء الذين تصدوا لهجائه . # فقوله : { يتبعهم الغاوون } ذم لأتباعهم وهو يقتضي ذم المتبوعين بالأحرى ~~. والغاوي : المتصف بالغي والغواية ، وهي الضلالة الشديدة ، أي يتبعهم أهل ~~الضلالة والبطالة الراغبون في الفسق والأذى . فقوله : { يتبعهم الغاوون } ~~خبر ، وفيه كناية عن تنزيه النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون منهم فإن ~~أتباعه خيرة قومهم وليس فيهم أحد من الغاوين ، فقد اشتملت هذه الجملة على ~~تنزيه النبي صلى الله عليه وسلم وتنزيه أصحابه وعلى ذم الشعراء وذم أتباعهم ~~وتنزيه القرآن عن أن يكون شعرا . # وتقديم المسند إليه على المسند الفعلي هنا يظهر أنه لمجرد التقوي ~~والاهتمام بالمسند إليه للفت السمع إليه والمقام مستغن عن الحصر لأنه إذا ~~كانوا يتبعهم الغاوون فقد انتفى أتباعهم عن الصالحين لأن شأن المجالس أن ~~يتحد أصحابها في النزعة كما قيل : # عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه # وجعله في ( الكشاف ) للحصر ، أي لا يتبعهم إلا الغاوون ، لأنه أصرح في ~~نفي اتباع الشعراء عن المسلمين . وهذه طريقته باطراد في تقديم المسند إليه ~~على الخبر PageV19P208 الفعلي أنه يفيد تخصيصه بالخبر ، أي قصر مضمون الخبر ~~عليه ، أي فهو قصر إضافي كما تقدم بيانه عند قوله تعالى : { الله يستهزىء ~~بهم } في سورة البقرة ( 15 ) . # والرؤية في { ألم تر ms5934 } قلبية لأن الهيام والوادي مستعاران لمعاني اضطراب ~~القول في أغراض الشعر وذلك مما يعلم لا مما يرى . # والاستفهام تقريري ، وأجري التقرير على نفي الرؤية لإظهار أن الإقرار لا ~~محيد عنه كما تقدم في قوله : { قال ألم نربك فينا وليدا } ( الشعراء : 18 ) ~~، والخطاب لغير معين . وضمائر { إنهم و يهيمون و يقولون و يفعلون عائدة إلى ~~الشعراء . # فجملة : ألم تر أنهم في كل واد يهيمون } وما عطف عليها مؤكدة لما اقتضته ~~جملة : { يتبعهم الغاوون } من ذم الشعراء بطريق فحوى الخطاب . # ومثلت حال الشعراء بحال الهائمين في أودية كثيرة مختلفة لأن الشعراء ~~يقولون في فنون من الشعر من هجاء واعتداء على أعراض الناس ، ومن نسيب ~~وتشبيب بالنساء ، ومدح من يمدحونه رغبة في عطائه وإن كان لا يستحق المدح ، ~~وذم من يمنعهم وإن كان من أهل الفضل ، وربما ذموا من كانوا يمدحونه ومدحوا ~~من سبق لهم ذمه . # والهيام : هو الحيرة والتردد في المرعى . والواد : المنخفض بين عدوتين . ~~وإنما ترعى الإبل الأودية إذا أقحلت الربى ، والربى أجود كلأ ، فمثل حال ~~الشعراء بحال الإبل الراعية في الأودية متحيرة ، لأن الشعراء في حرص على ~~القول لاختلاب النفوس . # و { كل } مستعمل في الكثرة . روي أنه اندس بعض المزاحين في زمرة الشعراء ~~عند بعض الخلفاء فعرف الحاجب الشعراء ، وأنكر هذا الذي اندس فيهم ، فقال له ~~: هؤلاء الشعراء وأنت من الشعراء ؟ قال : بل أنا من الغاوين ، فاستطرفها . # وشفع مذمتهم هذه بمذمة الكذب فقال : { وأنهم يقولون ما لا يفعلون } ، ~~والعرب يتمادحون بالصدق ويعيرون بالكذب ، والشاعر يقول ما لا يعتقد وما ~~يخالف الواقع حتى قيل : أحسن الشعر أكذبه ، والكذب مذموم في الدين الإسلامي ~~فإن PageV19P209 كان الشعر كذبا لا قرينة على مراد صاحبه فهو قبيح ، وإن ~~كان عليه قرينة كان كذبا معتذرا عنه فكان غير محمود . # وفي هذا إبداء للبون الشاسع بين حال الشعراء وحال النبي صلى الله عليه ~~وسلم الذي كان لا يقول إلا حقا ولا يصانع ولا يأتي بما يضلل الأفهام . # ومن اللطائف أن الفرزدق أنشد عند سليمان بن عبد الملك ms5935 قوله : # فبتن بجانبي مصرعات # وبت أفض أغلاق الختام # فقال سليمان : قد وجب عليك الحد . فقال : يا أمير المؤمنين قد درأ الله ~~عني الحد بقوله : { وأنهم يقولون ما لا يفعلون } . وروي أن النعمان بن عدي ~~بن نضلة كان عاملا لعمر بن الخطاب فقال شعرا : # من مبلغ الحسناء أن حليلها # بميسان يسقى في زجاج وحنتم # إلى أن قال : # لعل أمير المؤمنين يسوءه # تنادمنا بالجوسقق المتهدم # فبلغ ذلك عمر فأرسل إليه بالقدوم عليه وقال له : أي والله إني ليسوءني ~~ذلك وقد وجب عليك الحد ، فقال : يا أمير المؤمنين ما فعلت شيئا مما قلت ~~وإنما كان فضلة من القول ، وقد قال الله تعالى : { وأنهم يقولون ما لا ~~يفعلون } فقال له عمر : أما عذرك فقد درأ عنك الحد ولكن لا تعمل لي عملا ~~أبدا وقد قلت ما قلت . # وقد كني باتباع الغاوين إياهم عن كونهم غاوين ، وأفيد بتفظيع تمثيلهم ~~بالإبل الهائمة تشويه حالتهم ، وأن ذلك من أجل الشعر كما يؤذن به إناطة ~~الخبر بالمشتق ، فاقتضى ذلك أن الشعر منظور إليه في الدين بعين الغض منه ، ~~واستثناء { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } الخ . . . من عموم الشعراء ، ~~أي من حكم ذمهم . وبهذا الاستثناء تعين أن المذمومين هم شعراء المشركين ~~الذين شغلهم الشعر عن سماع القرآن والدخول في الإسلام . PageV19P210 # ومعنى : { وذكروا الله كثيرا } إي كان إقبالهم على القرآن والعبادة أكثر ~~من إقبالهم على الشعر . { وانتصروا من بعد ما ظلموا } وهم من أسلموا من ~~الشعراء وقالوا الشعر في هجاء المشركين والانتصار للنبيء صلى الله عليه ~~وسلم مثل الذين أسلموا وهاجروا إلى الحبشة ، فقد قالوا شعرا كثيرا في ذم ~~المشركين . وكذلك من أسلموا من الأنصار كعبد الله بن رواحة ، وحسان بن ثابت ~~ومن أسلم بعد من العرب مثل لبيد ، وكعب بن زهير ، وسحيم عبد بني الحسحاس ، ~~وليس ذكر المؤمنين من الشعراء بمقتضي كون بعض السورة مدنيا كما تقدم في ~~الكلام على ذلك أول السورة . # وقد دلت الآية على أن للشعر حالتين : حالة مذمومة ، وحالة مأذونة ، فتعين ~~أن ذمه ليس لكونه ms5936 شعرا ولكن لما حف به من معان وأحوال اقتضت المذمة ، ~~فانفتح بالآية للشعر باب قبول ومدح فحق على أهل النظر ضبط الأحوال التي ~~تأوي إلى جانب قبوله أو إلى جانب مدحه ، والتي تأوي إلى جانب رفضه . وقد ~~أومأ إلى الحالة الممدوحة قوله : { وانتصروا من بعد ما ظلموا } ، وإلى ~~الحالة المأذونة قوله : { وعملوا الصالحات } . وكيف وقد أثنى النبي صلى ~~الله عليه وسلم على بعض الشعر مما فيه محامد الخصال واستنصت أصحابه لشعر ~~كعب بن زهير مما فيه دقة صفات الرواحل الفارهة ، على أنه أذن لحسان في ~~مهاجاة المشركين وقال له : ( كلامك أشد عليهم من وقع النبل . . ) وقال له : ~~( قل ومعك روح القدس ) . وسيأتي شيء من هذا عند قوله تعالى : { وما علمناه ~~الشعر وما ينبغي له في سورة يس ( 69 ) . وأجاز عليه كما أجاز كعب بن زهير ~~فخلع عليه بردته ، فتلك حالة مقبولة لأنه جاء مؤمنا . # وقال أبو هريرة : سمعت رسول الله يقول على المنبر : أصدق كلمة ، أو أشعر ~~كلمة قالتها العرب كلمة لبيد : # ألا كل شيء ما خلا الله باطل # وكان يستنشد شعر أمية بن أبي الصلت لما فيه من الحكمة وقال : كاد أمية أن ~~يسلم ، وأمر حسانا بهجاء المشركين وقال له : قل ومعك روح القدس . وقال ~~لكعبب بن مالك : لكلامك أشد عليهم من وقع النبل . PageV19P211 # روى أبو بكر ابن العربي في أحكام القرآن } بسنده إلى خريم بن أوس بن ~~حارثة أنه قال : هاجرت إلى رسول الله بالمدينة منصرفه من تبوك فسمعت العباس ~~قال : يا رسول الله إني أريد أن أمتدحك . فقال : قل لا يفضض الله فاك . ~~فقال العباس : # من قبلها طبت في الظلال وفي # مستودع حيث يخصف الورق # الأبيات السبعة . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ( لا يفضض الله فاك ) ~~. # وروى الترمذي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة في عمرة القضاء ~~وعبد الله بن رواحة يمشي بين يديه يقول : # خلوا بني الكفار عن سبيله # اليوم نضربكم على تنزيله # ضربا يزيل الهام عن مقيله # ويذهل الخليل ms5937 عن خليله # فقال له عمر : يا ابن رواحة في حرم الله وبين يدي رسول الله تقول الشعر ~~فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ( خل عنه يا عمر فإنه أسرع فيهم من نضح ~~النبل ) . # وعن الزهري أن كعب بن مالك قال : يا رسول الله ما تقول في الشعر ؟ قال : ~~( إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه ، والذي نفسي بيده لكأنما تنضحونهم بالنبل ~~) . # ولعلي بن أبي طالب شعر كثير ، وكثير منه غير صحيح النسبة إليه . # وقد بين القرطبي في ( تفسيره ) في هذه السورة وفي سورة النور القول في ~~التفرقة بين حالي الشعر . وكذلك الشيخ عبد القاهر الجرجاني في أول كتاب ( ~~دلائل الإعجاز ) . # ووجب أن يكون النظر في معاني الشعر وحال الشاعر ، ولم يزل العلماء يعنون ~~بشعر العرب ومن بعدهم ، وفي ذلك الشعر تحبيب لفصاحة العربية وبلاغتها وهو ~~آيل إلى غرض شرعي من إدراك بلاغة القرآن . # ومعنى : { من بعد ما ظلموا } أي من بعد ما ظلمهم المشركون بالشتم والهجاء ~~. PageV19P212 # { ظلموا وسيعلم الذين ظلمو & # 1764 ا أى منقلب } . # ناسب ذكر الظلم أن ينتقل منه إلى وعيد الظالمين وهم المشركون الذين ظلموا ~~المسلمين بالأذى والشتم بأقوالهم وأشعارهم . وجعلت هذه الآية في موقع ~~التذييل فاقتضت العموم في مسمى الظلم الشامل للكفر وهو ظلم المرء نفسه ~~وللمعاصي القاصرة على النفس كذلك ، وللاعتداء على حقوق الناس . وقد تلاها ~~أبو بكر في عهده إلى عمر بالخلافة بعده ، والواو اعتراضية للاستئناف . # وهذه الآية تحذير عن غمص الحقوق وحث عن استقصاء الجهد في النصح للأمة وهي ~~ناطقة بأهيب موعظة وأهول وعيد لمن تدبرها لما اشتملت عليه من حرف التنفيس ~~المؤذن بالاقتراب ، ومن اسم الموصول المؤذن بأن سوء المنقلب يترقب الظالمين ~~لأجل ظلمهم ، ومن الإبهام في قوله : { أي منقلب ينقلبون } إذ ترك تبيينه ~~بعقاب معين لتذهل نفوس الموعدين في كل مذهب ممكن من هول المنقلب وهو على ~~الإجمال منقلب سوء . # والمنقلب : مصدر ميمي من الانقلاب وهو المصير والمآل ، لأن الانقلاب هو ~~الرجوع . وفعل العلم معلق عن العمل بوجود اسم الاستفهام بعده . واسم ~~الاستفهام ms5938 في موضع نصب بالنيابة عن المفعول المطلق الذي أضيف هو إليه . قال ~~في ( الكشاف ) : وكان السلف الصالح يتواعظون بها ويتناذرون شدتها . # PageV19P213 PageV19P214 # | 1 ( سورة النمل ) 1 # أشهر أسمائها ( سورة النمل ) . وكذلك سميت في ( صحيح البخاري ) و ( جامع ~~الترمذي ) . وتسمى أيضا ( سورة سليمان ) ، وهذان الاسمان اقتصر عليهما في ( ~~الإتقان ) وغيره . # وذكر أبو بكر ابن العربي في ( أحكام القرآن ) أنها تسمى ( سورة الهدهد ) ~~. ووجه الأسماء الثلاثة أن لفظ النمل ولفظ الهدهد لم يذكرا في سورة من ~~القرآن غيرها ، وأما تسميتها ( سورة سليمان ) فلأن ما ذكر فيها من ملك ~~سليمان مفصلا لم يذكر مثله في غيرها . # وهذه السورة مكية بالاتفاق كما حكاه ابن عطية والقرطبي والسيوطي وغير ~~واحد . وذكر الخفاجي أن بعضهم ذهب إلى مكية بعض آياتها ( كذا ولعله سهو ~~صوابه مدنية بعض آياتها ) ولم أقف على هذا لغير الخفاجي . # وهي السورة الثامنة والأربعون في عداد نزول السور ، نزلت بعد الشعراء ~~وقبل القصص . كذا روي عن ابن عباس وسعيد بن جبير . # وقد عدت آياتها في عدد أهل المدينة ومكة خمسا وتسعين ، وعند أهل الشام ~~والبصرة والكوفة أربعا وتسعين . # من أغراض هذه السورة # أول أغراض هذه السورة افتتاحها بما يشير إلى إعجاز القرآن ببلاغة نظمه ~~وعلو معانيه ، بما يشير إليه الحرفان المقطعان في أولها . PageV19P215 # والتنويه بشأن القرآن وأنه هدى لمن ييسر الله الاهتداء به دون من جحدوا ~~أنه من عند الله . # والتحدي بعلم ما فيه من أخبار الأنبياء . # والاعتبار بملك أعظم ملك أوتيه نبيء . وهو ملك داود وملك سليمان عليهما ~~السلام ، وما بلغه من العلم بأحوال الطير ، وما بلغ إليه ملكه من عظمة ~~الحضارة . # وأشهر أمة في العرب أوتيت قوة وهي أمة ثمود . والإشارة إلى ملك عظيم من ~~العرب وهو ملك سبأ . وفي ذلك إيماء إلى أن نبوءة محمد صلى الله عليه وسلم ~~رسالة تقارنها سياسة الأمة ثم يعقبها ملك ، وهو خلافة النبي صلى الله عليه ~~وسلم # وأن الشريعة المحمدية سيقام بها ملك للأمة عتيد كما أقيم لبني إسرائيل ~~ملك سليمان . # ومحاجة المشركين في بطلان ms5939 دينهم وتزييف آلهتهم وإبطال أخبار كهانهم ~~وعرافيهم ، وسدنة آلهتهم . وإثبات البعث وما يتقدمه من أهوال القيامة ~~وأشراطها . # وأن القرآن مهيمن على الكتب السابقة . ثم موادعة المشركين وإنباؤهم بأن ~~شأن الرسول الاستمرار على إبلاغ القرآن وإنذارهم بأن آيات الصدق سيشاهدونها ~~والله مطلع على أعمالهم . # قال ابن الفرس : ليس في هذه السورة إحكام ولا نسخ . ونفيه أن يكون فيها ~~إحكام ولا نسخ معناه أنها لم تشتمل على تشريع قار ولا على تشريع منسوخ . ~~وقال القرطبي في تفسير آية { وأمرت أن أكون من المسلمين وأن أتلوا القرآن ~~فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه } ( النمل : 91 ، 92 ) الآية نسختها آية ~~القتال اه ، يعني الآية النازلة بالقتال في سورة البراءة . وتسمى آية السيف ~~، والقرطبي معاصر لابن الفرس إلا أنه كان بمصر وابن الفرس بالأندلس ، وقوله ~~: { لأعذبنه عذابا شديدا } ( النمل : 21 ) ويؤخذ منهما حكمان كما سيأتي . ~~PageV19P216 ( سقط : طس ) # تقدم القول في أن الراجح أن هذه الحروف تعريض بالتحدي بإعجاز القرآن وأنه ~~مؤتلف من حروف كلامهم . وتقدم ما في أمثالها من المحامل التي حاولها كثير ~~من المتأولين . # ويجيء على اعتبار أن تلك الحروف مقتضبة من أسماء الله تعالى أن يقال في ~~حروف هذه السورة ما روي عن ابن عباس أن : طس مقتضب من طاء اسمه تعالى ~~اللطيف ، ومن سين اسمه تعالى السميع . وأن المقصود القسم بهاذين الاسمين ، ~~أي واللطيفف والسميعع تلك آيات القرآن المبين . # $ 2 ( { طس & # 1764 تلك ءايات القرءان وكتاب مبين } . ) 2 $ # القول فيه كالقول في صدر سورة الشعراء وخالفت آية هذه السورة سابقتها ~~بثلاثة أشياء : بذكر اسم القرآن وبعطف { وكتاب } على { القرآن } وبتنكير { ~~كتاب } . # فأما ذكر اسم القرآن فلأنه علم للكتاب الذي أنزل على محمد صلى الله عليه ~~وسلم للإعجاز والهدي . وهذا العلم يرادف الكتاب المعرف بلام العهد المجعول ~~علما بالغلبة على القرآن ، إلا أن اسم القرآن أدخل في التعريف لأنه علم ~~منقول . وأما الكتاب فعلم بالغلبة ، فالمراد بقوله : { وكتاب مبين } القرآن ~~أيضا ولا وجه لتفسيره باللوح المحفوظ للتفصي من إشكال عطف الشيء على نفسه ~~لأن ms5940 التفصي من ذلك حاصل بأن عطف إحدى صفتين على أخرى كثير في الكلام . ولما ~~كان في كل من { القرآن } و { كتاب مبين } شائبة الوصف فالأول باشتقاقه من ~~القراءة ، والثاني بوصفه ب { مبين } ، كان عطف أحدهما على الآخر راجعا إلى ~~عطف الصفات بعضها على بعض ، وإنما لم يؤت بالثاني بدلا ، لأن العطف أعلق ~~باستقلال كلا المتعاطفين بأنه مقصود في الكلام بخلاف البدل . # ونظير هذه الآية آية سورة الحجر ( 1 ) { تلك آيات الكتاب وقرآنن مبين فإن ~~قرآن } في تلك الآية في معنى عطف البيان من { الكتاب } ولكنه عطف لقصد ~~جمعهما بإضافة { آيات } إليهما . PageV19P217 # وإنما قدم في هذه الآية { القرآن } وعطف عليه { كتاب مبين } على عكس ما ~~في طالعة سورة الحجر لأن المقام هنا مقام التنويه بالقرآن ومتبعيه المؤمنين ~~، فلذلك وصف بأنه { هدى وبشرى للمؤمنين } ( النمل : 2 ) أي بأنهم على هدى ~~في الحال ومبشرون بحسن الاستقبال فكان الأهم هنا للوحي المشتمل على الآيات ~~هو استحضاره باسمه العلم المنقول من مصدر القراءة لأن القراءة تناسب حال ~~المؤمنين به والمتقبلين لآياته فهم يدرسونها ، ولأجل ذلك أدخلت اللام للمح ~~الأصل ، تذكيرا بأنه مقروء مدروس . ثم عطف عليه { كتاب مبين } ليكون ~~التنويه به جامعا لعنوانيه ومستكملا للدلالة بالتعريف على معنى الكمال في ~~نوعه من المقروءات ، والدلالة بالتنكير على معنى تفخيمه بين الكتب كقوله ~~تعالى : { مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه } ( المائدة : 48 ) . # وأما ما في أول سورة الحجر فهو مقام التحسير للكافرين من جراء إعراضهم عن ~~الإسلام فناسب أن يبتدئوا باسم الكتاب المشتق من الكتابة دون القرآن لأنهم ~~بمعزل عن قراءته ولكنه مكتوب ، وحجة عليهم باقية على مر الزمان . وقد تقدم ~~تفصيل ذلك في أول سورة الحجر ، ولهذا عقب هنا ذكر { كتاب مبين } بالحال { ~~هدى وبشرى للمؤمنين } ( النمل : 2 ) . # و { مبين } اسم فاعل إما من ( أبان ) القاصر بمعنى ( بان ) لأن وصفه بأنه ~~بين واضح له حظ من التنويه به ما ليس من الوصف بأنه موضح مبين . فالمبين ~~أفاد معنيين أحدهما : أن شواهد صدقه وإعجازه وهديه ms5941 لكل متأمل ، وثانيهما : ~~أنه مرشد ومفصل . # # | 2 ( 2 ، 3 ) { هدى وبشرى للمؤمنين * الذين يقيمون الصلواة ويؤتون ~~الزكواة وهم بالاخرة هم يوقنون } . ) 2 # { هدى وبشرى } حالان من كتاب بعد وصفه بمبين . # وجعل الحال مصدرا للمبالغة بقوة تسببه في الهدى وتبليغه البشرى للمؤمنين ~~. # فالمعنى : أن الهدى للمؤمنين والبشرى حاصلان منه ومستمران من آياته . ~~PageV19P218 # والبشرى : اسم للتبشير ، ووصف الكتاب بالهدى والبشرى جار على طريقة ~~المجاز العقلي ، وإنما الهادي والمبشر الله أو الرسول بسبب الكتاب . ~~والعامل في الحال ما في اسم الإشارة من معنى : أشير ، كقوله : { وهذا بعلي ~~شيخا } ( هود : 72 ) ، وقد تقدم ما فيه في سورة إبراهيم . # و { للمؤمنين } يتنازعه { هدى وبشرى } لأن المؤمنين هم الذين انتفعوا ~~بهديه كقوله : { هدى للمتقين } ( البقرة : 2 ) . # ووصف المؤمنين بالموصول لتمييزهم عن غيرهم لأنهم عرفوا يومئذ بإقامة ~~الصلاة وإعطاء الصدقات للفقراء والمساكين ، ألا ترى أن الله عرف الكفار ~~بقوله { وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة } ( فصلت : 6 ، 7 ) ، ولأن في ~~الصلة إيماء إلى وجه بناء الإخبار عنهم بأنهم على هدى من ربهم ومفلحون . # و { الزكاة } : الصدقة لأنها تزكي النفس أو تزكي المال ، أي تزيده بركة . ~~والمراد بالزكاة هنا الصدقة مطلقا أو صدقة واجبة كانت على المسلمين ، وهي ~~مواساة بعضهم بعضا كما دل عليه قوله في صفة المشركين { بل لا تكرمون اليتيم ~~ولا تحضون على طعام المسكين } ( الفجر : 17 ، 18 ) . وأما الزكاة المقدرة ~~بالنصب والمقادير الواجبة على أموال الأغنياء فإنها فرضت بعد الهجرة فليست ~~مرادا هنا لأن هذه السورة مكية . # وجملة : { وهم بالأخرة هم يوقنون } عطف على الصلة وليست من الصلة ، ولذلك ~~خولف بين أسلوبها وأسلوب الصلة فأتي له بجملة اسمية اهتماما بمضمونها لأنه ~~باعث على فعل الخيرات ، على أن ضمير { هم } الثاني يجوز أن يعتبر ضمير فصل ~~دالا على القصر ، أي ما يوقن بالآخرة إلا هؤلاء . # والقصر إضافي بالنسبة إلى مجاوريهم من المشركين ، وإلا فإن أهل الكتاب ~~يوقنون بالآخرة ، إلا أنهم غير مقصود حالهم للمخاطبين من الفريقين . وتقديم ~~{ بالأخرة } للرعاية على الفاصلة وللاهتمام بها . # PageV19P219 # | 2 ( 4 ) { إن ms5942 الذين لا يؤمنون بالاخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون } . ~~) 2 # لا محالة يثير كون الكتاب المبين هدى وبشرى للذين يوقنون بالآخرة سؤالا ~~في نفس السامع عن حال أضدادهم الذين لا يوقنون بالآخرة لماذا لا يهتدون ~~بهدي هذا الكتاب البالغ حدا عظيما في التبين والوضوح . فلا جرم أن يصلح ~~المقام للإخبار عما صرف هؤلاء الأضداد عن الإيمان بالحياة الآخرة فوقع هذا ~~الاستئناف البياني لبيان سبب استمرارهم على ضلالهم . ذلك بأن الله يعلم خبث ~~طواياهم فحرمهم التوفيق ولم يصرف إليهم عناية تنشلهم من كيد الشيطان لحكمة ~~علمها الله من حال ما جبلت عليه نفوسهم ، فوقع هذا الاستئناف بتوابعه موقع ~~الاعتراض بين أخبار التنويه بالقرآن بما سبق ، والتنويه به بمن أنزل عليه ~~بقوله : { وإنك لتلقى القرآن } ( النمل : 6 ) . # وتأكيد الخبر بحرف التوكيد للاهتمام به لأنه بحيث يلتبس على الناس سبب ~~افتراق الناس في تلقي الهدى بين مبادر ومتقاعس ومصر على الاستمرار في ~~الضلال . ومجيء المسند إليه موصولا يومىء إلى أن الصلة علة في المسند . # وتزيين تلك الأعمال لهم : تصورهم إياها في نفوسهم زينا ، وإسناد التزيين ~~إلى الله تعالى يرجع إلى أمر التكوين ، أي خلقت نفوسهم وعقولهم قابلة ~~للانفعال وقبول ما تراه من مساوىء الاعتقادات والأعمال التي اعتادوها ، ~~فإضافة أعمال إلى ضمير الذين لا يؤمنون بالآخرة يقتضي أن تلك الأعمال هي ~~أعمال الإشراك الظاهرة والباطنة فهم لإلفهم إياها وتصلبهم فيها صاروا غير ~~قابلين لهدي هذا الكتاب الذي جاءتهم آياته . # وقد أشارت الآية إلى معنى دقيق جدا وهو أن تفاوت الناس في قبول الخير ~~كائن بمقدار رسوخ ضد الخير في نفوسهم وتعلق فطرتهم به . وذلك من جراء ما ~~طرأ على سلامة الفطرة التي فطر الله الناس عليها من التطور إلى الفساد كما ~~أشار إليه قوله تعالى : { لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل ~~سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } ( التين : 5 ، 6 ) الآية . ~~فمبادرة أبي بكر رضي الله عنه إلى الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم أمارة ~~على أن الله فطره بنفس وعقل ms5943 بريئين من التعلق بالشر مشتاقين PageV19P220 ~~إلى الخير حتى إذا لاح لهما تقبلاه . وهذا معنى قول أبي الحسن الأشعري ( ما ~~زال أبو بكر بعين الرضى من الرحمن ) . # وقد أومأ جعل صلة الموصول مضارعا إلى أن الحكم منوط بالاستمرار على عدم ~~الإيمان ، وأومأ جعل الخبر ماضيا في قوله : { زينا } إلى أن هذا التزيين ~~حكم سبق وتقرر من قبل ، وحسبك أنه من آثار التكوين بحسب ما طرأ على النفوس ~~من الأطوار . # فإسناد تزيين أعمال المشركين إلى الله في هذه الآية وغيرها مثل قوله : { ~~كذلك زينا لكل أمة عملهم } في سورة الأنعام ( 108 ) لا ينافي إسناد ذلك إلى ~~الشيطان في قوله الآتي { وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل } ( ~~النمل : 24 ) ؛ فإن وسوسة الشيطان تجد في نفوس أولئك مرتعا خصبا ومنبتا لا ~~يقحل ؛ فالله تعالى مزين لهم بسبب تطور جبلة نفوسهم من أثر ضعف سلامة الفطر ~~عندهم ، والشيطان مزين لهم بالوسوسة التي تجد قبولا في نفوسهم كما قال ~~تعالى حكاية عنه { قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين } ( ~~ص : 82 ، 83 ) وقال تعالى : { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من ~~الغاوين } ( الحجر : 42 ) وقد تقدم ذلك في قوله تعالى : { ختم الله على ~~قلوبهم } الآية في سورة البقرة ( 7 ) . # وفرع على تزيين أعمالهم لهم أنهم في عمه متمكن منهم بصوغ الإخبار عنهم ~~بذلك بالجملة الاسمية . وأفادت صيغة المضارع أن العمه متجدد مستمر فيهم ، ~~أي فهم لا يرجعون إلى اهتداء لأنهم يحسبون أنهم على صواب . # والعمه : الضلال عن الطريق بدون اهتداء . وقد تقدم في قوله تعالى : { ~~ويمدهم في طغيانهم يعمهون } في سورة البقرة ( 15 ) . وفعله كمنع وفرح . # فضمير { هم } عائد إلى { الذين لا يؤمنون بالآخرة } بمراعاة هذا العنوان ~~لا بذواتهم . # واعلم أن هذا الاستمرار متفاوت الامتداد فمنه أشده وهو الذي يمتد بصاحبه ~~إلى الموت ، ومنه دون ذلك . وكل ذلك على حسب تزيين الكفر في نفوسهم تزيينا ~~PageV19P221 خالصا أو مشوبا بشيء من التأمل في مفاسده ، وتلك مراتب لا يحيط ~~بها إلا الذي يعلم ms5944 خائنة الأعين وما تخفي الصدور . # $ 2 ( 5 ) { أولائك الذين لهم سو & # 1764 ء العذاب وهم فى الاخرة هم الاخسرون } . ) 2 $ # قصد باسم الإشارة زيادة تمييزهم فضحا لسوء حالهم مع ما ينبه إليه اسم ~~الإشارة في مثل هذا المقام من أن استحقاقهم ما يخبر به عنهم ناشىء عما تقدم ~~اسم الإشارة كما في { أولئك على هدى من ربهم } في سورة البقرة ( 5 ) . # وعزز ما نبه عليه باسم الإشارة فأعقب باسم الموصول وصلته لما فيه من ~~الإيماء إلى وجه بناء الخبر . # وجيء بلام الاختصاص للإشارة إلى أنهم في حالتهم هذه قد هيىء لهم سوء ~~العذاب . والظاهر أن المراد به عذاب الدنيا وهو عذاب السيف وخزي الغلب يوم ~~بدر وما بعده بقرينة عطف : { وهم في الآخرة هم الأخسرون . # ففي الآية إشارة إلى جزاءين : جزاء في الدنيا معدود لهم يستحقونه بكفرهم ~~، فهم ما داموا كافرين متهيئون للوقوع في ذلك العذاب إن جاء إبانه وهم على ~~الكفر . # وجزاء في الآخرة ينال من صار إلى الآخرة وهو كافر ، وهذا المصير يسمى ~~بالموافاة عند الأشعري . # ولكون نوال العذاب الأول إياهم قابلا للتفصي منه بالإيمان قبيل حلوله بهم ~~جيء في جانبه بلام الاختصاص المفيدة كونه مهيأ تهيئة ، أما أصالة جزاء ~~الآخرة إياهم فلا مندوحة لهم عنه إن جاؤوا يوم القيامة بكفرهم . # فالضمائر في قوله لهم } وقوله : { وهم في الآخرة هم } عائدة إلى { الذين ~~لا يؤمنون بالآخرة } ( النمل : 4 ) بمراعاة ذلك العنوان الذي أفادته الصلة ~~فلا دلالة في الضمير على أشخاص معينين ولكن على موصوفين بمضمون الصلة فمن ~~تنقشع عنه PageV19P222 الضلالة ويثوب إلى الإيمان يبرأ من هذا الحكم . وصيغ ~~الخبر عنهم بالخسران في صيغة الجملة الاسمية وقرن بضمير الفصل للدلالة على ~~ثبات مضمون الجملة وعلى انحصار مضمونها فيهم كما تقدم في قوله : { وهم ~~بالآخرة هم يوقنون } ( النمل : 3 ) . # وجاء المسند اسم تفضيل للدلالة على أنهم أوحدون في الخسران لا يشبهه ~~خسران غيرهم ، لأن الخسران في الآخرة متفاوت المقدار والمدة وأعظمه فيهما ~~خسران المشركين . # # | 2 ( 6 ) { وإنك لتلقى القرءان من ms5945 لدن حكيم عليم } . ) 2 # عطف على جملة : { تلك آيات القرآن } ( النمل : 1 ) انتقال من التنويه ~~بالقرآن إلى التنويه بالذي أنزل عليه بأن القرآن آيات دالة على أنه كتاب ~~مبين . وذلك آية أنه من عند الله ، ثم بأنه آية على صدق من أنزل عليه إذ ~~أنبأه بأخبار الأنبياء والأمم الماضين التي ما كان يعلمها هو ولا قومه قبل ~~القرآن . وما كان يعلم خاصة أهل الكتاب إلا قليلا منها أكثره محرف . وأيضا ~~فهذا تمهيد لما يذكر بعده من القصص . # و { تلقى } مضارع لقاه مبني للمجهول ، أي جعله لاقيا . واللقي واللقاء : ~~وصول أحد الشيئين إلى شيء آخر قصدا أو مصادفة . والتلقية : جعل الشيء لاقيا ~~غيره ، قال تعالى : { ولقاهم نضرة وسرورا } ( الإنسان : 11 ) ، وهو هنا ~~تمثيل لحال إنزال القرآن إلى النبي صلى الله عليه وسلم بحال التلقية كأن ~~جبريل سعى للجمع بين النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن . # وإنما بني الفعل إلى غير مذكور للعلم بأنه الله أو جبريل ، والمعنى واحد ~~: وهو أنك مؤتى الوحي من لدن حكيم عليم . # وتأكيد الخبر لمجرد الاهتمام لأن المخاطب هو النبي وهو لا يتردد في ذلك ، ~~أو يكون التأكيد موجها إلى السامعين من الكفار على طريقة التعريض . # وفي إقحام اسم { لدن } بين { من } و { حكيم } تنبيه على شدة انتساب ~~القرآن إلى جانب الله تعالى ، فإن أصل { لدن } الدلالة على المكان مثل ( ~~عند ) ثم شاع PageV19P223 إطلاقها على ما هو من خصائص ما تضاف هي إليه ~~تنويها بشأنه ، قال تعالى : { وعلمناه من لدنا علما } ( الكهف : 65 ) . # والحكيم : القوي الحكمة ، والعليم : الواسع العلم . وفي التنكير إيذان ~~بتعظيم هذا الحكيم العليم كأنه قيل : من حكيم أي حكيم ، وعليم أي عليم . # وفي الوصفين الشريفين مناسبة للمعطوف عليه وللممهد إليه ، فإن ما في ~~القرآن دليل على حكمة وعلم من أوحى به ، وأن ما يذكر هنا من القصص وما ~~يستخلص منها من المغازي والأمثال والموعظة ، من آثار حكمة وعلم حكيمم عليم ~~، وكذلك ما في ذلك من تثبيت فؤاد الرسول صلى الله عليه وسلم # $ 2 ( 7 ms5946 ) { إذ قال موسى لاهله إنى & # 1764 آنست نارا سئاتيكم منها بخبر أو ءاتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون } . ~~) 2 $ # قال الزجاج والزمخشري وغيرهما : انتصب { إذ } بفعل مضمر تقديره : اذكر ، ~~أي أن { إذ } مجرد عن الظرفية مستعمل بمعنى مطلق الوقت ، ونصبه على المفعول ~~به ، أي اذكر قصة زمن قال موسى لأهله ، يعني أنه جار على طريقة { وإذ قال ~~ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة } ( البقرة : 30 ) . # فالجملة استئناف ابتدائي . ومناسبة موقعها إفادة تنظير تلقي النبي صلى ~~الله عليه وسلم القرآن بتلقي موسى عليه السلام كلام الله إذ نودي { يا موسى ~~إنه أنا الله العزيز الحكيم } ( النمل : 9 ) . # وذلك من بديع التخلص إلى ذكر قصص هؤلاء الأنبياء عقب التنويه بالقرآن ، ~~وأنه من لدن حكيم عليم . والمعنى : أن الله يقص عليك من أنباء الرسل ما فيه ~~مثل لك ولقومك وما يثبت به فؤادك . # وفي ذلك انتقال لنوع آخر من الإعجاز وهو الإخبار عن المغيبات وهو ما ~~عددناه في الجهة الرابعة من جهات إعجاز القرآن في المقدمة العاشرة من ~~المقدمات . PageV19P224 # وجملة : { قال موسى لأهله } إلى آخرها تمهيد لجملة { فلما جاءها نودي أن ~~بورك من في النار } ( النمل : 8 ) إلخ . وزمان قول موسى لأهله هذه المقالة ~~هو وقت اجتلابه للمبادرة بالوحي إليه . فهذه القصة مثل ضربه الله لحال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مع قومه ، ابتدئت بما تقدم رسالة موسى من الأحوال ~~إدماجا للقصة في الموعظة . # والأهل : مراد به زوجه ، ولم يكن معه إلا زوجه وابنان صغيران . والمخاطب ~~بالقول زوجه ، ويكنى عن الزوجة بالأهل . وفي الحديث : ( والله ما علمت على ~~أهلي إلا خيرا ) . # ولم تظهر النار إلا لموسى دون غيره من أهله لأنها لم تكن نارا معتادة ، ~~لكنها من أنوار عالم الملكوت جلاه الله لموسى فلا يراه غيره . ويؤيد هذا ~~تأكيده الخبر ب ( إن ) المشير إلى أن زوجه ترددت في ظهور نار لأنها لم ترها ~~. # والإيناس : الإحساس والشعور بأمر خفي ، فيكون في المرئيات وفي الأصوات ~~كما قال الحارث بن حلزة : # آنست نبأة وأفزعها القن ms5947 # اص عصرا وقد دنا الإمساء # والمراد بالخبر خبر المكان الذي تلوح منه النار . ولعله ظن أن هنالك بيتا ~~يرجو استضافتهم إياه وأهله تلك الليلة ، وإن لم يكن أهل النار أهل بيت ~~يستضيفون بأن كانوا رجالا مقوين يأتت منهم بجمرة نار ليوقد أهله نارا من ~~حطب الطريق للتدفؤ بها . # والشهاب : الجمر المشتعل . والقبس : جمرة أو شعلة نار تقبس ، أي يؤخذ ~~اشتعالها من نار أخرى ليشعل بها حطب أو ذبالة نار أو غيرهما . # وقرأ الجمهور بإضافة { شهاب } إلى { قبس } إضافة العام إلى الخاص مثل : ~~خاتم حديد . وقرأه عاصم وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف بتنوين { شهاب } ، ~~فيكون { قبس } بدلا من { شهاب } أو نعتا له . وتقدم في أول سورة طه . # والاصطلاء : افتعال من الصلي وهو الشي بالنار . ودلت صيغة الافتعال أنه ~~محاولة الصلي فصار بمعنى التدفؤ بوهج النار . # PageV19P225 $ 2 ( 8 11 ) { فلما جآءها نودى أن بورك من فى النار ومن ~~حولها وسبحان الله رب العالمين * ياموسى إنه أنا الله العزيز الحكيم * وألق ~~عصاك فلما رءاها تهتز كأنها جآن ولى مدبرا ولم يعقب ياموسى لا تخف إنى لا ~~يخاف لدى المرسلون * إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سو & # 1764 ء فإنى غفور رحيم } . ) 2 $ # أنث ضمير { جاءها } جريا على ما تقدم من تسمية النور نارا بحسب ما لاح ~~لموسى . وتقدم ذكر هذه القصة في سورة طه ، فبنا أن نتعرض هنا لما انفردت به ~~هذه الآيات من المفردات والتراكيب ، فقوله : { أن بورك من في النار ومن ~~حولها } هو بعض ما اقتضاه قوله في طه ( 12 ) : { فاخلع نعليك إنك بالواد ~~المقدس طوى لأن معنى بورك } قدس وزكي . # وفعل ( بارك ) يستعمل متعديا ، يقال : باركك الله ، أي جعل لك بركة وتقدم ~~بيان معنى البركة في قوله تعالى : { للذي ببكة مباركا } في آل عمران ( 96 ) ~~، وقوله { وبركاتت عليك وعلى أمم ممن معك } في سورة هود ( 48 ) . و ( أن ) ~~تفسيرية لفعل { نودي } لأن فيه معنى القول دون حروفه ، أي نودي بهذا الكلام ~~. # و { من في النار } مراد به موسى فإنه لما ms5948 حل في موضع النور صار محيطا به ~~فتلك الإحاطة تشبه إحاطة الظرف بالمظروف ، فعبر عنه ب { من في النار } وهو ~~نفسه . # والعدول عن ذكره بضمير الخطاب كما هو مقتضى الظاهر ، أو باسمه العلم إن ~~أريد العدول عن مقتضى الظاهر ، لأن في معنى صلة الموصول إيناسا له وتلطفا ~~كقول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي ( قم أبا تراب ) وكثير التلطف بذكر بعض ~~ما التبس به المتلطف به من أحواله . وهذا الكلام خبر هو بشارة لموسى عليه ~~السلام ببركة النبوءة . # ومن حول النار : هو جبريل الذي أرسل إليه بما نودي به والملائكة الذين ~~وكل إليهم إنارة المكان وتقديسه إن كان النداء بغير واسطة جبريل بل كان من ~~لدن PageV19P226 الله تعالى . فهذا التبريك تبريك ذوات لا تبريك مكان بدليل ~~ذكر { من } الموصولة في الموضعين ، وهو تبريك الاصطفاء الإلهي بالكرامة . ~~وقيل إن قوله { أن بورك من في النار } إنشاء تحية من الله تعالى إلى موسى ~~عليه السلام كما كانت تحية الملائكة لإبراهيم { رحمت الله وبركاته عليكم ~~أهل البيت } ( هود : 73 ) أي أهل هذا البيت الذي نحن فيه . # و { سبحان الله رب العالمين } عطف على ما نودي به موسى على صريح معناه ~~إخبارا بتنزيه الله تعالى عما لا يليق بإلهيته من أحوال المحدثات ليعلم ~~موسى أمرين : أحدهما أن النداء وحي من الله تعالى ، والثاني أن الله منزه ~~عما عسى أن يخطر بالبال أن جلالته في ذلك المكان . ويجوز أن يكون { سبحان ~~الله } مستعملا للتعجيب من ذلك المشهد وأنه أمر عظيم من أمر الله تعالى ~~وعنايته يقتضي تذكر تنزيهه وتقديسه . # وفي حذف متعلق التنزيه إيذان بالعموم المناسب لمصدر التنزيه وهو عموم ~~الأشياء التي لا يليق إثباتها لله تعالى وإنما يعلم تفصيلها بالأدلة ~~العقلية والشرعية . # فالمعنى : ونزه الله تنزيها عن كل ما لا يليق به ، ومن أول تلك الأشياء ~~تنزيهه عن أن يكون حالا في ذلك المكان . # وإرداف اسم الجلالة بوصف { رب العالمين } فيه معنى التعليل للتنزيه عن ~~شؤون المحدثات لأنه رب العالمين فلا يشبه شأنه تعالى ms5949 شؤونهم . # وضمير { إنه } ضمير الشأن ، وجملة : { أنا الله العزيز الحكيم } خبر عن ~~ضمير الشأن . والمعنى : إعلامه بأن أمرا مهما يجب علمه وهو أن الله عزيز ~~حكيم ، أي لا يغلبه شيء ، لا يستصعب عليه تكوين . # وتقديم هذا بين يدي ما سيلقى إليه من الأمر لإحداث رباطة جأش لموسى ليعلم ~~أنه خلعت عليه النبوءة إذ ألقي إليه الوحي ، ويعلم أنه سيتعرض إلى أذى ~~وتألب عليه ، وذلك كناية عن كونه سيصير رسولا ، وأن الله يؤيده وينصره على ~~كل قوي ، وليعلم أن ما شاهد من النار وما تلقاه من الوحي وما سيشاهده من ~~قلب العصا حية ليس بعجيب في جانب حكمة الله تعالى ، فتلك ثلاث كنايات ، ~~فلذلك PageV19P227 أتبع هذا بقوله : { وألق عصاك } . والمعنى : وقلنا ألق ~~عصاك . # والاهتزاز : الاضطراب ، وهو افتعال من الهز وهو الرفع كأنها تطاوع فعل ~~هاز يهزها . والجان : ذكر الحيات ، وهو شديد الاهتزاز وجمعه جنان ( وأما ~~الجان بمعنى واحد الجن فاسم جمعه جن ) . والتشبيه في سرعة الاضطراب لأن ~~الحيات خفيفة التحرك ، وأما تشبيه العصا بالثعبان في آية { فإذا هي ثعبان ~~مبين } ( الأعراف : 107 ) فذلك لضخامة الجرم . # والتولي : الرجوع عن السير في طريقه . وفعل ( تولى ) مرادف فعل { ولى } ~~كما هو ظاهر صنيع ( القاموس ) وإن كان مقتضى ما في فعل ( تولى ) من زيادة ~~المبنى أن يفيد ( تولى ) زيادة في معنى الفعل . وقد قال تعالى : { ثم تولى ~~إلى الظل } في سورة القصص ( 24 ) . ولعل قصد إفادة قوة توليه لما رأى عصاه ~~تهتز هو الداعي لتأكيد فعل { ولى } بقوله : { مدبرا ولم يعقب } فتأمل . # والإدبار : التوجه إلى جهة الخلف وهو ملازم للتولي فقوله : { مدبرا } حال ~~لازمة لفعل { ولى } . # والتعقب : الرجوع بعد الانصراف مشتق من العقب لأنه رجوع إلى جهة العقب ، ~~أي الخلف ، فقوله : { ولم يعقب } تأكيد لشدة توليه ، أي ولى توليا قويا لا ~~تردد فيه . وكان ذلك التولي منه لتغلب القوة الواهمة التي في جبلة الإنسان ~~على قوة العقل الباعثة على التأمل فيما دل عليه قوله : { أنا الله العزيز } ~~من الكناية عن إعطائه النبوءة والتأييد ، إذ كانت ms5950 القوة الواهمة متأصلة في ~~الجبلة سابقة على ما تلقاه من التعريض بالرسالة ، وتأصل القوة الواهمة يزول ~~بالتخلق وبمحاربة العقل للوهم فلا يزالان يتدافعان ويضعف سلطان الوهم ~~بتعاقب الأيام . # وقوله : { يا موسى لا تخف } مقول قول محذوف ، أي قلنا له . والنهي عن ~~الخوف مستعمل في النهي عن استمرار الخوف . لأن خوفه قد حصل . والخوف الحاصل ~~لموسى عليه السلام خوف رغب من انقلاب العصا حية وليس خوف ذنب ، فالمعنى : ~~لا يجبن لدي المرسلون لأني أحفظهم . # و { إني لا يخاف لدي المرسلون } تعليل للنهي عن الخوف وتحقيق لما يتضمنه ~~PageV19P228 نهيه عن الخوف من انتفاء موجبه . وهذا كناية عن تشريفه بمرتبة ~~الرسالة إذ علل بأن المرسلين لا يخافون لدى الله تعالى . # ومعنى { لدي } في حضرتي ، أي حين تلقي رسالتي . وحقيقة { لدي } مستحيلة ~~على الله لأن حقيقتها المكان . # وإذا قد كان انقلاب العصا حية حصل حين الوحي كان تابعا لما سبقه من الوحي ~~، وهذا تعليم لموسى عليه السلام التخلق بخلق المرسلين من رباطة الجأش . ~~وليس في النهي حط لمرتبة موسى عليه السلام عن مراتب غيره من المرسلين وإنما ~~هو جار على طريقة : مثلك لا يبخل . والمراد النهي عن الخوف الذي حصل له من ~~انقلاب العصا حية وعن كل خوف يخافه كما في قوله : { فاضرب لهم طريقا في ~~البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى } ( طه : 77 ) . # والاستثناء في قوله : { إلا من ظلم } ظاهره أنه متصل . ونسب ابن عطية هذا ~~إلى مقاتل وابن جريج فيكون { من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء } مستثنى من عموم ~~الخوف الواقع فعله في حيز النفي فيعم الخوف بمعنى الرعب والخوف الذي هو خوف ~~العقاب على الذنب ، أي إلا رسولا ظلم ، أي فرط منه ظلم ، أي ذنب قبل ~~اصطفائه للرسالة ، أي صدر منه اعتداء بفعل ما لا يفعله مثله في متعارف ~~شرائع البشر المتقرر أنها عدل ، بأن ارتكب ما يخالف المتقرر بين أهل ~~الاستقامة أنه عدل ( قبل أن يكون الرسول متعبدا بشرع ) فهو يخاف أن يؤاخذه ~~الله به ويجازيه على ارتكابه ms5951 وذلك مثل كيد إخوة يوسف لأخيهم ، واعتداء موسى ~~على القبطي بالقتل دون معرفة المحق في تلك القضية ؛ فذلك الذي ظلم ثم بدل ~~حسنا بعد سوء ، أي تاب عن فعله وأصلح حاله يغفر الله له . # والمقصود من هذا الاستثناء على هذا الوجه تسكين خاطر موسى وتبشيره بأن ~~الله غفر له ما كان فرط فيه ، وأنه قبل توبته مما قاله يوم الاعتداء { هذا ~~من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي } ( القصص ~~: 15 ، 16 ) ، فأفرغ هذا التطمين لموسى في قالب العموم تعميما للفائدة . # واستقامة نظم الكلام بهذا المعنى يكون بتقدير كلام محذوف يدل عليه ~~التفريع PageV19P229 في قوله : { فإني غفور رحيم } . فالتقدير : إلا من ظلم ~~من قبل الإرسال وتاب من ظلمه فخاف عقابي فلا يخاف لأني غافر له وقابل ~~لتوبته لأني غفور رحيم . وانتظم الكلام على إيجاز بديع اقتضاه مقام تعجيل ~~المسرة ، ونسج على منسج التذكرة الرمزية لعلم المتخاطبين بذلك كأنه يقول : ~~لم أهمل توبتك يوم اعتديت وقولك { هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين قال ~~رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي } ( القصص : 15 ، 16 ) ، وعزمك على الاستقامة ~~يوم قلت : { رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين } ( القصص : 17 ) . # ولذلك اقتصر في الاستثناء على خصوص من بدل حسنا بعد سوء إذ لا يتصور في ~~الرسول الإصرار على الظلم . # ومن ألطف الإيماء الإتيان بفعل { ظلم } ليومىء إلى قول موسى يوم ارتكب ~~الاعتداء { رب إني ظلمت نفسي } ( القصص : 16 ) ولذلك تعين أن يكون المقصود ~~ب { من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء } موسى نفسه . # وقال الفراء والزجاج والزمخشري وجرى عليه كلام الضحاك : الاستثناء منقطع ~~وحرف الاستثناء بمعنى الاستدراك فالكلام استطراد للتنبيه على أن من ظلم ~~وبدل حسنا بعد سوء من الناس يغفر له . وعليه تكون { من } صادقة على شخص ظلم ~~وليس المراد بها مخالفات بعض الرسل . وهذا التأويل دعا إليه أن الرسالة ~~تنافي سبق ظلم النفس . والذي حداهم إلى ذلك أن من مقتضى الاستثناء المتصل ~~إثبات نقيض ms5952 حكم المستثنى منه للمستثنى ، ونقيض انتفاء الخوف حصول الخوف . ~~والموجود بعد أداة الاستثناء أنه مغفور له فلا خلاف عليه . ويفهم منه أنه ~~لو ظلم ولم يبدل حسنا بعد سوء يخاف عذاب الآخرة . # أما الزمخشري فزاد على ما سلكه الفراء والزجاج فجعل ما صدق { من ظلم } ~~رسولا ظلم . والذي دعاه إلى اعتبار الاستثناء منقطعا هو أحد الداعيين ~~اللذين دعيا الفراء والزجاج وهو أن الحكم المثبت للمستثنى ليس نقيضا لحكم ~~المستثنى منه ولذلك جعل ما صدق { من ظلم } رسولا من الرسل ظلم بما فرط منه ~~من صغائر ليشمل موسى وهو واحد منهم . # وقد تحصل من الاحتمالين في معنى الاستثناء أن الرسل في حضرة الله ( أي ~~حين PageV19P230 القيام بواجبات الرسالة ) لا يخافون شيئا من المخلوقات لأن ~~الله تعالى تكفل لهم السلامة ، ولا يخافون الذنوب لأن الله تكفل لهم العصمة ~~. ولا يخافون عقابا على الذنوب لأنهم لا يقربونها ، وأن من عداهم إن ظلم ~~نفسه ثم بدل حسنا بعد سوء أمن مما يخاف من عقاب الذنوب لأنه تدارك ظلمه ~~بالتوبة ، وإن ظلم نفسه ولم يتب يخف عقاب الذنب فإن لم يظلم نفسه فلا خوف ~~عليه . فهذه معان دل عليها الاستثناء باحتماليه ، وذلك إيجاز . # وفي ( تفسير ابن عطية ) أن أبا جعفر قرأ : { ألا من ظلم } بفتح همزة ( ~~ألا ) وتخفيف اللام فتكون حرف تنبيه ، ولا تعرف نسبة هذه القراءة لأبي جعفر ~~فيما رأينا من كتب علم القراءات فلعلها رواية ضعيفة عن أبي جعفر . # وفعل { بدل } يقتضي شيئين : مأخوذا ، ومعطى ، فيتعدى الفعل إلى الشيئين ~~تارة بنفسه كقوله تعالى في الفرقان ( 70 ) { فأولئك يبدل الله سيئاتهم ~~حسنات ، ويتعدى تارة إلى المأخوذ بنفسه وإلى المعطى بالباء على تضمينه معنى ~~عاوض كما قال تعالى : ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب } ( النساء : 2 ) ، أي لا ~~تأخذوا خبيث المال وتضيعوا طيبه ، فإذا ذكر المفعولان منصوبين تعين المأخوذ ~~والمبذول بالقرينة وإلا فالمجرور بالباء هو المبذول ، وإن لم يذكر إلا ~~مفعول واحد فهو المأخوذ كقول امرىء القيس : # وبدلت قرحا داميا بعد صحة # فيا لكك من نعمى تبدلن ms5953 أبؤسا # وكذلك قوله تعالى هنا : { ثم بدل حسنا بعد سوء } أي أخذ حسنا بسوء ، فإن ~~كلمة { بعد } تدل على أن ما أضيفت إليه هو الذي كان ثابتا ثم زال وخلفه ~~غيره . وكذلك ما يفيد معنى ( بعد ) كقوله تعالى : { ثم بدلنا مكان السيئة ~~الحسنة } ( الأعراف : 95 ) فالحالة الحسنة هي المأخوذة مجعولة في موضع ~~الحالة السيئة . # $ 2 ( 12 ) { وأدخل يدك فى جيبك تخرج بيضآء من غير سو & # 1764 ء فى تسع ءايات إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين } . ) 2 $ # عطف على قوله : { وألق عصاك } ( النمل : 10 ) وما بينهما اعتراض ، بعد أن ~~أراه آية انقلاب العصا ثعبانا أراه آية أخرى ليطمئن قلبه بالتأييد ، وقد ~~مضى في ( طه ) التصريح بأنه PageV19P231 أراه آية أخرى . والمقصود من ذلك ~~أن يعجل له ما تطمئن له نفسه من تأييد الله تعالى إياه عند لقاء فرعون . # وقوله : { في تسع آيات } حال من { تخرج بيضاء } أي حالة كونها آية من تسع ~~آيات ، و { إلى فرعون } صفة لآيات ، أي آيات مسوقة إلى فرعون . وفي هذا ~~إيذان بكلام محذوف إيجازا وهو أمر الله موسى بأن يذهب إلى فرعون كما بين في ~~سورة الشعراء . # والآيات هي : العصا ، واليد ، والطوفان ، والجراد ، والقمل ، والضفادع ، ~~والدم ، والقحط ، وانفلاق البحر وهو أعظمها ، وقد عد بعضها في سورة الأعراف ~~. وجمعها الفيروزآبادي في بيت ذكره في مادة ( تسع ) من ( القاموس ) وهو : # عصا سنة بحر جراد وقمل # يد ودم بعد الضفادع طوفان # # | 2 ( 13 ، 14 ) { فلما جآءتهم ءاياتنا مبصرة قالوا هاذا سحر مبين * ~~وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين } . ~~) 2 # أوجز بقية القصة وانتقل إلى العبرة بتكذيب فرعون وقومه الآيات ، ليعتبر ~~بذلك حال الذين كذبوا بآيات محمد صلى الله عليه وسلم وقصد من هذا الإيجاز ~~طي بساط القصة لينتقل منها إلى قصة داود ثم قصة سليمان المبسوطة في هذه ~~السورة . والمراد بمجيء الآيات حصولها واحدة بعد أخرى وهي الآيات الثمان ~~التي قبل الغرق . # والمبصرة : الظاهرة . صيغ لها وزن اسم فاعل الإبصار على طريقة المجاز ms5954 ~~العقلي ، وإنما المبصر الناظر إليها . وقد تقدم في قوله تعالى : { وآتينا ~~ثمود الناقة مبصرة } في سورة الإسراء ( 59 ) . # والجحود : الإنكار باللسان . # و { استيقنتها } بمعنى أيقنت بها ، فحذف حرف الجر وعدي الفعل إلى المجرور ~~على التوسع أو على نزع الخافض ، أي تحققتها عقولهم ، والسين والتاء ~~PageV19P232 للمبالغة . والظلم في تكذيبهم الرسول لأنهم ألصقوا به ما ليس ~~بحق فظلموه حقه . # والعلو : الكبر ويحسن أن تكون جملة : { واستيقنتها } حالية ، فقوله : { ~~ظلما وعلوا } نشر على ترتيب اللف . فالظلم في الجحد بها والعلو في كونهم ~~موقنين بها . # وانتصب { ظلما وعلوا } على الحال من ضمير { جحدوا } وجعل ما هو معلوم من ~~حالهم فيما لحق بهم من العذاب بمنزلة الشيء المشاهد للسامعين فأمر بالنظر ~~إليه بقوله : { فانظر كيف كان عاقبة المفسدين } . والخطاب لغير معين . ~~ويجوز أن يكون الخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم تسلية له بما حل بالمكذبين ~~بالرسل قبله لأن في ذلك تعريضا بتهديد المشركين بمثل تلك العاقبة . # و { كيف } يجوز أن يكون مجردا عن معنى الاستفهام منصوبا على المفعولية ، ~~ويجوز أن يكون استفهاما معلقا فعل النظر عن العمل ، والاستفهام حينئذ ~~للتعجيب . # # | 2 ( 15 ) { ولقد ءاتينا داوود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذى فضلنا ~~على كثير من عباده المؤمنين } . ) 2 # كما كان في قصة موسى وإرساله إلى فرعون آيات عبرة ومثل للذين جحدوا ~~برسالة محمد صلى الله عليه وسلم كذلك في قصة سليمان وملكة سبأ وما رأته من ~~آياته وإيمانها به مثل لعلم النبي صلى الله عليه وسلم وإظهار لفضيلة ملكة ~~سبأ إذ لم يصدها ملكها عن الاعتراف بآيات سليمان فآمنت به ، وفي ذلك مثل ~~للذين اهتدوا من المؤمنين . # وتقديم ذكر داود ليبنى عليه ذكر سليمان إذ كان ملكه ورثه من أبيه داود . ~~ولأن في ذكر داود مثل لإفاضة الحكمة على من لم يكن متصديا لها . وما كان من ~~أهل العلم بالكتاب أيام كان فيهم أحبار وعلماء ؛ فقد كان داود راعيا غنم ~~أبيه ( يسي ) في بيت لحم فأمر الله شمويل النبيء أن يجعل داود نبيئا في مدة ms5955 ~~ملك PageV19P233 طالوت ( شاول ) . فما كان عجب في نبوءة محمد الأمي بين ~~الأميين ليعلم المشركون أن الله أعطى الحكمة والنبوءة محمدا صلى الله عليه ~~وسلم ولم يكن يعلم ذلك من قبل ولكن في قومه من يعلم ذلك كما قال تعالى : { ~~ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا } ( هود : 49 ) ، فهذه القصة تتصل ~~بقوله تعالى : { وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم } ( النمل : 6 ) . # فيصح أن تكون جملة : { ولقد آتينا داود } معطوفا على { إذ قال موسى لأهله ~~} ( النمل : 7 ) إذا جعلنا ( إذ ) مفعولا لفعل ( اذكر ) محذوف . # ويصح أن تكون الواو للاستئناف فالجملة مستأنفة . ومناسبة الذكر ظاهرة . ~~وبعد ففي كل قصة من قصص القرآن علم وعبرة وأسوة . # وافتتاح الجملة بلام القسم وحرف التحقيق لتنزيل المخاطبين به منزلة من ~~يتردد في ذلك لأنهم جحدوا نبوءة مثلل داود وسليمان إذ قالوا : { لن نؤمن ~~بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه } ( سبأ : 31 ) . # وتنكير { علما } للتعظيم لأنه علم بنبوءة وحكمة كقوله في صاحب موسى { ~~وعلمناه من لدنا علما } ( الكهف : 65 ) . # وفي فعل { آتينا } ما يؤذن بأنه علم مفاض من عند الله ، لأن الإيتاء أخص ~~من { علمناه } فلذلك استغني هنا عن كلمة ( من لدنا ) . # وحكاية قولهما { الحمد لله الذي فضلنا } كناية عن تفضيلهما بفضائل غير ~~العلم . ألا ترى إلى قوله : { على كثير من عباده المؤمنين } ومنهم أهل ~~العلم وغيرهم ، وتنويه بأنهما شاكران نعمته . # ولأجل ذلك عطف قولهما هذا بالواو دون الفاء لأنه ليس حمدا لمجرد الشكر ~~على إيتاء العلم . # والظاهر أن حكاية قوليهما وقعت بالمعنى ، بأن قال كل واحد منهما : الحمد ~~لله الذي فضلني ، فلما حكي القولان جمع ضمير المتكلم ، ويجوز أن يكون كل ~~واحد شكر الله على منحه ومنحح قريبه ، على أنه يكثر استعمال ضمير المتكلم ~~PageV19P234 المشارك لا لقصد التعظيم بل لإخفاء المتكلم نفسه بقدر الإمكان ~~تواضعا كما قال سليمان عقب هذا { علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء } ( ~~النمل : 16 ) . وجعلا تفضيلهما على كثير من المؤمنين دون جميع المؤمنين ؛ ~~إما لأنهما أرادا بالعباد المؤمنين ms5956 كل من ثبت له هذا الوصف من الماضين ~~وفيهم موسى وهارون ، وكثير من الأفضل والمساوي ، وإما لأنهما اقتصدا في ~~العبارة إذ لم يحيطا بمن ناله التفضيل ، وإما لأنهما أرادا بالعباد أهل ~~عصرهما فعبرا ب { كثير من عباده } تواضعا لله . ثم إن كان قولهما هذا جهرا ~~وهو الظاهر كان حجة على أنه يجوز للعالم أن يذكر مرتبته في العلم لفوائد ~~شرعية ترجع إلى أن يحذر الناس من الاغترار بمن ليست له أهلية من أهل الدعوى ~~الكاذبة والجعجعة الجالبة ، وهذا حكم يستنبط من الآية لأن شرع من قبلنا شرع ~~لنا ، وإن قالاه في سرهما لم يكن فيه هذه الحجة . # # | 2 ( 16 ) { وورث سليمان داوود وقال ياأيها الناس علمنا منطق الطير ~~وأوتينا من كل شىء إن هاذا لهو الفضل المبين } . ) 2 # طوى خبر ملك داود وبعض أحواله إلى وفاته لأن المقصود هو قصة سليمان كما ~~قدمناه آنفا . وقد كان داود ملكا على بني إسرائيل ودام ملكه أربعين سنة ~~وتوفي وهو ابن سبعين سنة . # فخلفه سليمان فهو وارث ملكه والقائم في مقامه في سياسة الأمة وظهور ~~الحكمة ونبوءة بني إسرائيل والسمعة العظيمة بينهم . فالإرث هنا مستعمل في ~~معناه المجازي وهو تشبيه الأحوال الجليلة بالمال وتشبيه الخلفة بانتقال ملك ~~الأموال لظهور أن ليس غرض الآية إفادة من انتقلت إليه أموال داود بعد قوله ~~: { ولقد آتينا داوود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا } ( النمل : ~~15 ) فتعين أن إرث المال غير مقصود فإنه غرض تافه . # وقد كان لداود أحد عشر ولدا فلا يختص إرث ماله بسليمان وليس هو أكبرهم ، ~~وكان داود قد أقام سليمان ملكا على إسرائيل . وبهذا يظهر أن ليس في الآية ~~ما يحتج به لجواز أن يورث مال النبي ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ( لا نورث ما تركنا صدقة ) ، وظاهره أنه أراد من الضمير جماعة ~~الأنبياء وشاع على ألسنة العلماء : إنا أو نحن معاشر الأنبياء لا نورث ، ~~ولا يعرف بهذا اللفظ ، ووقع في كلام PageV19P235 عمر بن الخطاب مع العباس ~~وعلي في ms5957 شأن صدقة النبي صلى الله عليه وسلم قال عمر : ( أنشدكما الله هل ~~تعلمان أن رسول الله قال : لا نورث ما تركنا صدقة ، يريد رسول الله نفسه ) ~~وكذلك قالت عائشة ، فإذا أخذنا بظاهر الآية كان هذا حكما في شرع من قبلنا ~~فينسخ بالإسلام ، وإذا أخذنا بالتأويل فظاهر . وقد أجمع الخلفاء الراشدون ~~وغيرهم على ذلك ، خلافا للعباس وعلي ، ثم رجعا حين حاجهما عمر . والعلة هي ~~سد ذريعة خطور تمني موت النبي في نفس بعض ورثته . # قال سليمان هذه المقالة في مجمع عظيم لأن لهجة هذا الكلام لهجة خطبته في ~~مجمع من الناس الحاضرين مجلسه من الخاصة والسامعين من العامة . فهذه الجملة ~~متضمنة شكر الله تعالى ما منحه من علم وملك ، وليقدر الناس قدره ويعلموا ~~واجب طاعته إذ كان الله قد اصطفاه لذلك ، وأطلعه على نوايا أنفر الحيوان ~~وأبعده عن إلف الإنسان وهو الطير ، فما ظنك بمعرفة نوايا الناس من رعيته ~~وجنده فإن تخطيط رسوم الملك وواجباته من المقاصد لصلاح المملكة بالتفاف ~~الناس حول ملكهم وصفاء النيات نحوه ، وبمقدار ما يحصل ذلك من جانبهم يكون ~~التعاون على الخير وتنزل السكينة الربانية ، فلما حصل من جانب سليمان ~~الاعتراف بهذا الفضل لله تعالى فقد أدى واجبه نحو أمته فلم يبق إلا أن تؤدي ~~الأمة واجبها نحو ملكها ، كما كان تعليم فضائل النبوة من مقاصد الشارع ، ~~فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ( أنا سيد ولد آدم ولا فخر ) أي أقوله ~~لقصد الإعلام بواجب التقادير لا لقصد الفخر على الناس ، ويعلموا واجب طاعته ~~. # وعلم منطق الطير أوتيه سليمان من طريق الوحي بأن أطلعه الله على ما في ~~تقاطيع وتخاليف صفير الطيور أو نعيقها من دلالة على ما في إدراكها وإرادتها ~~. وفائدة هذا العلم أن الله جعله سبيلا له يهتدي به إلى تعرف أحوال عالمية ~~يسبق الطير إلى إدراكها بما أودع فيه من القوى الكثيرة ، وللطير دلالة في ~~تخاطب أجناسها واستدعاء أصنافها والإنباء بما حولها ما فيه عون على تدبير ~~ملكه PageV19P236 وسياسة أمته ، مثل استخدام نوع الهدهد ms5958 في إبلاغ الأخبار ~~وردها ونحو ذلك . # ووراء ذلك كله انشراح الصدر بالحكمة والمعرفة لكثير من طبائع الموجودات ~~وخصائصها . ودلالة أصوات الطير على ما في ضمائرها : بعضها مشهور كدلالة بعض ~~أصواته على نداء الذكور لإناثها ، ودلالة بعضها على اضطراب الخوف حين يمسكه ~~ممسك أو يهاجمه كاسر ، ووراء ذلك دلالات فيها تفصيل ، فكل كيفية من تلك ~~الدلالات الإجمالية تنطوي على تقاطيع خفية من كيفيات صوتية يخالف بعضها ~~بعضا فيها دلالات على أحوال فيها تفضيل لما أجملته الأحوال المجملة ، فتلك ~~التقاطيع لا يهتدي إليها الناس ولا يطلع عليها إلا خالقها ، وهذا قريب من ~~دلالة مخارج الحروف وصفاتها في لغة من اللغات وفكها وإدغامها واختلاف ~~حركاتها على معانن لا يهتدي إليها من يعرف تلك اللغة معرفة ضعيفة ولم يتقن ~~دقائقها . مثل أن يسمع ضللت وظللت ، فالله تعالى اطلع سليمان بوحي على ~~مختلف التقاطيع الصوتية التي في صفير الطير وأعلمه بأحوال نفوس الطير عندما ~~تصفر بتلك التقاطيع ، وقد كان الناس في حيرة من ذلك كما قال المعري : # أبكت تلكم الحمامة أم غن # ت على غصن دوحها المياد # وقال صاحبنا الشاعر البليغ الشيخ عبد العزيز المسعودي من أبيات في هذا ~~المعنى : # فمن كان مسرورا يراه تغنيا # ومن كان محزونا يقول ينوح # والاقتصار على منطق الطير إيجاز لأنه إذا علم منطق الطير وهي أبعد ~~الحيوان عن الركون إلى الإنسان وأسرعها نفورا منه ، علم أن منطق ما هو أكثر ~~اختلاطا بالإنسان حاصل له بالأحرى كما يدل عليه قوله تعالى فيما يأتي قريبا ~~: { فتبسم ضاحكا من قولها } ( النمل : 19 ) ، فتدل هذه الآية على أنه علم ~~منطق كل صنف من أصناف الحيوان . وهذا العلم سماه العرب علم الحكل ( بضم ~~الحاء المهملة وسكون الكاف ) قال العجاج وقيل ابنه رؤبة : # لو أنني أوتيت علم الحكل # علم سليمان كلام النمل PageV19P237 # أو أنني عمرت عمر الحسل # أو عمر نوح زمن الفطحل # كنت رهين هرم أو قتل # وعبر عن أصوات الطير بلفظ { منطق } تشبيها له بنطق الإنسان من حيث هو ذو ~~دلالة لسليمان على ما ms5959 في ضمائر الطير ، فحقيقة المنطق الصوت المشتمل على ~~حروف تدل على معان . # وضمير { علمنا أوتينا } مراد به نفسه ، جاء به على صيغة المتكلم المشارك ~~؛ إما لقصد التواضع كأن جماعة علموا وأوتوا وليس هو وحده كما تقدم في بعض ~~احتمالات قوله تعالى آنفا : { وقالا الحمد لله الذي فضلنا } ( النمل : 15 ) ~~، وإما لأنه المناسب لإظهار عظمة الملك ، وفي ذلك تهويل لأمر السلطان عند ~~الرعية ، وقد يكون ذلك من مقتضى السياسة في بعض الأحوال كما أجاب معاوية ~~عمر رضي الله عنهما حين لقيه في جند ( وأبهة ) ببلاد الشام فقال عمر ~~لمعاوية ( أكسروية يا معاوية ؟ فقال معاوية : إنا في بلاد من ثغور العدو ~~فلا يرهبون إلا مثل هذا . فقال عمر : خدعة أريب أو اجتهاد مصيب لا آمرك ولا ~~أنهاك ) فترك الأمر لعهدة معاوية وما يتوسمه من أساليب سياسة الأقوام . # والمراد ب { كل شيء } كل شيء من الأشياء المهمة ففي { كل شيء } عمومان ~~عموم { كل } وعموم النكرة وكلاهما هنا عموم عرفي ، ف { كل } مستعملة في ~~الكثرة و { شيء } مستعمل في الأشياء المهمة مما له علاقة بمقام سليمان ، ~~وهو كقوله تعالى فيما حكى عن أخبار الهدهد . { وأوتيت من كل شيء } ( النمل ~~: 23 ) ، أي كثيرا من النفائس والأموال . وفي كل مقام يحمل على ما يناسب ~~المتحدث عنه . # والتأكيد في { إن هذا لهو الفضل المبين } بحرف التوكيد ولامه الذي هو في ~~الأصل لام قسم وبضمير الفصل مقصود به تعظيم النعمة أداء للشكر عليها ~~بالمستطاع من العبارة . # و { الفضل } : الزيادة من الخير والنفع . و { المبين } : الظاهر الواضح . # PageV19P238 # | 2 ( 17 ) { وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون } . ) ~~2 # وهب الله سليمان قوة من قوى النبوءة يدرك بها من أحوال الأرواح والمجردات ~~كما يدرك منطق الطير ودلالة النمل ونحوها . ويزع تلك الموجودات بها فيوزعون ~~تسخيرا كما سخر بعض العناصر لبعض في الكيمياء والكهربائية . وقد وهب الله ~~هذه القوة محمدا صلى الله عليه وسلم فصرف إليه نفرا من الجن يستمعون القرآن ~~، ويخاطبونه . وإنما أمسك رسول الله عن أن يتصرف فيها ms5960 ويزعها كرامة لأخيه ~~سليمان إذ سأل الله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فلم يتصرف فيها النبي صلى ~~الله عليه وسلم مع المكنة من ذلك ، لأن الله محضه لما هو أهم وأعلى فنال ~~بذلك فضلا مثل فضل سليمان ، ورجح بإعراضه عن التصرف تبريرا لدعوة أخيه في ~~النبوءة لأن جانب النبوءة في رسول الله أقوى من جانب الملك ، كما قال للرجل ~~الذي رعد حين مثل بين يديه : ( إني لست بملك ولا جبار ) . وقد ورد في ~~الحديث : ( أنه خير بين أن يكون نبيئا عبدا أو نبيئا ملكا فاختار أن يكون ~~نبيئا عبدا ) ، فرتبة رسول الله صلى الله عليه وسلم رتبة التشريع وهي أعظم ~~من رتبة الملك ، وسليمان لم يكن مشرعا لأنه ليس برسول ، فوهبه الله ملكا ~~يتصرف به في السياسة ، وهذه المراتب يندرج بعضها فيما هو أعلى منه فهو ليس ~~بملك ، وهو يتصرف في الأمة تصرف الملوك تصرفا بريئا مما يقتضيه الملك من ~~الزخرف والأبهة كما بيناه في كتاب ( النقد ) على كتاب الشيخ علي عبد الرازق ~~المصري الذي سماه ( الإسلام وأصول الحكم ) . # والحشر : الجمع . والمعنى : أن جنوده كانت محضرة في حضرته مسخرة لأمره ~~حيث هو . # والجنود : جمع جند ، وهو الطائفة التي لها عمل متحد تسخر له . وغلب إطلاق ~~الجند على طائفة من الناس يعدها الملك لقتال العدو ولحراسة البلاد . ~~PageV19P239 # وقوله : { من الجن والإنس والطير } بيان للجنود فهي ثلاثة أصناف : صنف ~~الجن وهو لتوجيه القوى الخفية ، والتأثير في الأمور الروحية . وصنف الإنس ~~وهو جنود تنفيذ أوامره ومحاربة العدو وحراسة المملكة ، وصنف الطير وهو من ~~تمام الجند لتوجيه الأخبار وتلقيها وتوجيه الرسائل إلى قواده وأمرائه . ~~واقتصر على الجن والطير لغرابة كونهما من الجنود فلذلك لم يذكر الخيل وهي ~~من الجيش . # والوزع : الكف عما لا يراد ، فشمل الأمر والنهي ، أي فهم يؤمرون فيأتمرون ~~وينهون فينتهون ، فقد سخر الله له الرعية كلها . # والفاء للتفريع على معنى حشر لأن الحشر إنما يراد لذلك . # وفي الآية إشارة إلى أن جمع الجنود وتدريبها من واجبات الملوك ليكون ~~الجنود متعهدين ms5961 لأحوالهم وحاجاتهم ليشعروا بما ينقصهم ويتذكروا ما قد ~~ينسونه عند تشوش الأذهان عند القتال وعند النفير . # $ 2 ( 18 ، 19 ) { حتى إذآ أتوا على وادى النمل قالت نملة ياأيها النمل ~~ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون * فتبسم ضاحكا من ~~قولها وقال رب أوزعنى & # 1764 أن أشكر نعمتك التى & # 1764 أنعمت على وعلى والدى وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلنى برحمتك فى عبادك ~~الصالحين } . ) 2 $ # { حتى } ابتدائية ، ومعنى الغاية لا يفارقها ، ولكنها مع الابتدائية غاية ~~غير نهاية . # و { إذا } ظرف زمان بمعنى حين ، وهو يقتضي فعلين بعده يشبهان فعلي الشرط ~~وجوابه لأن { إذا } مضمنة معنى الشرط ، و { إذا } معمول لفعل جوابه ، وأما ~~فعل شرطه فهو جملة مضاف إليها { إذا } . والتقدير : حتى قالت نملة حين أتوا ~~على واد النمل . وواد النمل يجوز أن يكون مرادا به الجنس لأن للنمل شقوقا ~~ومسالك هي بالنسبة إليها كالأودية للساكنين من الناس ، ويجوز أن يراد به ~~مكان مشتهر بالنمل غلب عليه هذا المضاف كما سمي وادي السباع موضع معلوم بين ~~البصرة ومكة . قيل : PageV19P240 واد النمل في جهة الطائف ، وقيل غير ذلك ، ~~وكله غير ظاهر من سياق الآية . # و { النمل } : اسم جنس لحشرات صغيرة ذات ست أرجل تسكن في شقوق من الأرض . ~~وهي أصناف متفاوتة في الحجم ، والواحد منه نملة بتاء الوحدة ، فكلمة نملة ~~لا تدل إلا على فرد واحد من هذا النوع دون دلالة على تذكير ولا تأنيث فقوله ~~: { نملة } مفاده : قال واحد من هذا النوع . # واقتران فعله بتاء التأنيث جرى على مراعاة صورة لفظه لشبه هائه بهاء ~~التأنيث وإنما هي علامة الوحدة ، والعرب لا يقولون : مشى شاة ، إذا كان ~~الماشي فحلا من الغنم ، وإنما يقولون : مشت شاة ، وطارت حمامة ، فلو كان ~~ذلك الفرد ذكرا وكان مما يفرق بين ذكره وأنثاه في أغراض الناس وأرادوا بيان ~~كونه ذكرا قالوا : طارت حمامة ذكر ، ولا يقولون طار حمامة ، لأن ذلك لا ~~يفيد التفرقة . ألا ترى أنه لا يصلح أن يكون علامة على كون الفاعل أنثى ، ~~ألا ترى ms5962 إلى قول النابغة : # ماذا رزئنا به من حية ذكر # نضناضة بالرزايا صل أصلال # فجاء باسم ( حية ) وهو اسم للجنس مقترن بهاء التأنيث ، ثم وصفه بوصف ذكر ~~ثم أجرى عليه التأنيث في قوله : نضناضة ، لأنه صفة ل ( حية ) . # وفي حديث ابن عباس عن صلاة العيد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ~~أقبلت راكبا على حمار أتان ) فوصف ( حمار ) الذي هو اسم جنس باسم خاص ~~بأنثاه . ولذلك فاقتران فعل { قالت } هنا بعلامة التأنيث لمراعاة اللفظ فقط ~~، على أنه لا يتعلق غرض بالتمييز بين أنثى النمل وذكره بله أن يتعلق به غرض ~~القرآن لأن القصد وقوع هذا الحادث وبيان علم سليمان لا فيما دون ذلك من ~~السفاسف . # وذكر في ( الكشاف ) : أن قتادة دخل الكوفة فالتف عليه الناس فقال : سلوا ~~عما شئتم ، وكان أبو حنيفة حاضرا وهو غلام حدث ، فقال لهم أبو حنيفة : سلوه ~~عن نملة سليمان : أكانت ذكرا أم أنثى ؟ فسألوه ، فأفحم . فقال أبو حنيفة : ~~كانت أنثى . فقيل له : من أين عرفت ؟ قال : من كتاب الله وهو قوله تعالى : ~~{ قالت نملة } ولو كانت ذكرا لقال : قال نملة . قال في ( الكشاف ) : وذلك ~~أن النملة مثل الحمامة والشاة في وقوعها على الذكر والأنثى فيميز بينهما ~~بعلامة نحو PageV19P241 قولهم : حمامة ذكر وحمامة أنثى ، وقولهم : وهو وهي ~~. اه . # ولعل مراد صاحب ( الكشاف ) إن كان قصد تأييد قولة أبي حنيفة أن يقاس على ~~الوصف بالتذكير ما يقوم مقامه في الدلالة على التفرقة بين الذكر والأنثى ~~فتقاس حالة الفعل على حالة الوصف ، إلا أن الزمخشري جاء بكلام غير صريح لا ~~يدرى أهو تأييد لأبي حنيفة أم خروج من المضيق . فلم يقدم على التصريح بأن ~~الفعل يقترن بتاء التأنيث إذا أريد التفرقة في حالة فاعله . وقد رد عليه ~~ابن المنير في ( الانتصاف ) وابن الحاجب في ( إيضاح المفصل ) والقزويني في ~~( الكشف على الكشاف ) . ورأوا أن أبا حنيفة ذهل فيما قاله بأنه لا يساعد ~~قول أحد من أيمة اللغة ولا يشهد به استعمال ولا سيما نحاة الكوفة ببلده ~~فإنهم زادوا فجوزوا ms5963 تأنيث الفعل إذا كان فعله علما مؤنث اللفظ مثل : طلحة ~~وحمزة . واعلم أن إمامة أبي حنيفة في الدين والشريعة لا تنافي أن تكون ~~مقالته في العربية غير ضليعة . وأعجب من ذهول أبي حنيفة انفحام قتادة من ~~مثل ذلك الكلام . وغالب ظني أن القصة مختلقة اختلاقا غير متقن . # ويجوز أن يخلق الله لها دلالة وللنمل الذي معها فهما لها وأن يخلق فيها ~~إلهاما بأن الجيش جيش سليمان على سبيل المعجزة له . # والحطم : حقيقته الكسر لشيء صلب . واستعير هنا للرفس بجامع الإهلاك . و { ~~لا يحطمنكم } إن جعلت { لا } فيه ناهية كانت الجملة مستأنفة تكريرا للتحذير ~~ودلالة على الفزع لأن المحذر من شيء مفزع يأتي بجمل متعددة للتحذير من فرط ~~المخافة والنهي عن حطم سليمان إياهن كناية عن نهيهن عن التسبب فيه وإهمال ~~الحذر منه كما يقال : لا أعرفنك تفعل كذا ، أي لا تفعله فأعرفك بفعله ، ~~والنون توكيد للنهي ؛ وإن جعلت { لا } نافية كانت الجملة واقعة في جواب ~~الأمر فكان لها حكم جواب شرط مقدر . فالتقدير : إن تدخلوا مساكنكم لا ~~يحطمنكم سليمان ، أي ينتف حطم سليمان إياكن ، وإلا حطمكم . وهذا مما جوزه ~~في ( الكشاف ) . وفي هذا الوجه كون الفعل مؤكدا بالنون وهو منفي ب { لا } ~~وذلك جائز على رأي المحققين إلا أنه قليل . وأما من منعه من النحاة فيمنع ~~أن تجعل { لا } نافية هنا . وصاحب ( الكشاف ) جعله من اقتران جواب الشرط ~~بنون PageV19P242 التوكيد لأن جواب الأمر في الحكم جواب الشرط وهو عنده أخف ~~من دخولها في الفعل المنفي بناء على أن النفي يضاد التوكيد . # وتسمية سليمان في حكاية كلام النملة يجوز أن تكون حكاية بالمعنى وإنما ~~دلت دلالة النملة على الحذر من حطم ذلك المحاذي لواديها ، فلما حكيت ~~دلالتها حكيت بالمعنى لا باللفظ ، ويجوز أن يكون قد خلق الله علما في ~~النملة علمت به أن المار بها يدعى سليمان على سبيل المعجزة وخرق العادة . # وتبسم سليمان من قولها تبسم تعجب . والتبسم أضعف حالات الضحك فقوله : { ~~ضاحكا } حال موكدة ل { تبسم } وضحك الأنبياء التبسم ms5964 ، كما ورد في صفة ضحك ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ما يقرب من التبسم مثل بدو النواجذ كما ~~ورد في بعض صفات ضحكه . وأما القهقهة فلا تكون للأنبياء ، وفي الحديث ( ~~كثرة الضحك تميت القلب ) . وإنما تعجب من أنها عرفت اسمه وأنها قالت : { ~~وهم لا يشعرون } فوسمته وجنده بالصلاح والرأفة وأنهم لا يقتلون ما فيه روح ~~لغير مصلحة ، وهذا تنويه برأفته وعدله الشامل لكل مخلوق لا فساد منه أجراه ~~الله على نملة ليعلم شرف العدل ولا يحتقر مواضعه ، وأن ولي الأمر إذا عدل ~~سرى عدله في سائر الأشياء وظهرت آثاره فيها حتى كأنه معلوم عند ما لا إدراك ~~له ، فتسير جميع أمور الأمة على عدل . ويضرب الله الأمثال للناس ، فضرب هذا ~~المثل لنبيئه سليمان بالوحي من دلالة نملة ، وذلك سر بينه وبين ربه جعله ~~تنبيها له وداعية لشكر ربه فقال : { رب أوزعني أن أشكر نعمتك } . # وأوزع : مزيد ( وزع ) الذي هو بمعنى كف كما تقدم آنفا ، والهمزة للإزالة ~~، أي أزال الوزع ، أي الكف . والمراد أنه لم يترك غيره كافا عن عمل وأرادوا ~~بذلك الكناية عن ضد معناه ، أي كناية عن الحث على العمل . وشاع هذا الإطلاق ~~فصار معنى أوزع أغرى بالعمل . فالمعنى : وفقني للشكر ، ولذلك كان حقه أن ~~يتعدى بالباء . # فمعنى قوله : { أوزعني } ألهمني وأغرني . و { أن أشكر نعمتك } منصوب ~~PageV19P243 بنزع الخافض وهو الباء . والمعنى : اجعلني ملازما شكر نعمتك . ~~وإنما سأل الله الدوام على شكر النعمة لما في الشكر من الثواب ومن ازدياد ~~النعم ، فقد ورد : النعمة وحشية قيدوها بالشكر فإنها إذا شكرت قرت . وإذا ~~كفرت فرت . ومن كلام الشيخ ابن عطاء الله : ( من لم يشكر النعمة فقد تعرض ~~لزوالها ، ومن شكرها فقد قيدها بعقالها ) . وفي ( الكشاف ) عند قوله : { ~~ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه } ( لقمان : 12 ) وفي كلام بعض المتقدمين ( أن ~~كفران النعم بوار ، وقلما أقشعت نافرة فرجعت في نصابها فاستدع شاردها ~~بالشكر ، واستدم راهنها بكرم الجوار ، واعلم أن سبوغ ستر الله متقلص عما ~~قريب إذا أنت لم ترج لله ms5965 وقارا ) . # وأدرج سليمان ذكر والديه عند ذكره إنعام الله تعالى عليه لأن صلاح الولد ~~نعمة على الوالدين بما يدخل عليهما من مسرة في الدنيا وما ينالهما من دعائه ~~وصدقاته عنهما من الثواب . # ووالداه هما أبوه داود بن يسي وأمه ( بثشبع ) بنت ( اليعام ) وهي التي ~~كانت زوجة ( أوريا ) الحثي فاصطفاها داود لنفسه ، وهي التي جاءت فيها قصة ~~نبأ الخصم المذكورة في سورة ص . # و { أن أعمل } عطف على { أن أشكر } . والإدخال في العباد الصالحين مستعار ~~لجعله واحدا منهم ، فشبه إلحاقه بهم في الصلاح بإدخاله عليهم في زمرتهم ، ~~وسؤاله ذلك مراد به الاستمرار والزيادة من رفع الدرجات لأن لعباد الله ~~الصالحين مراتب كثيرة . # PageV19P244 # | 2 ( 20 ، 21 ) { وتفقد الطير فقال مالي لا أرى الهدهد أم كان من ~~الغآئبين * لأعذبنه عذابا شديدا أو لاذبحنه أو ليأتينى بسلطان مبين } . ) 2 # صيغة التفعل تدل على التكلف ، والتكلف : الطلب . واشتقاق { تفقد } من ~~الفقد يقتضي أن { تفقد } بمعنى طلب الفقد . ولكنهم توسعوا فيه فأطلقوه على ~~طلب معرفة سبب الفقد ، أي معرفة ما أحدثه الفقد في شيء ، فالتفقد : البحث ~~عن الفقد ليعرف بذلك أن الشيء لم ينقص وكان الطير من جملة الجند لأن كثيرا ~~من الطير صالح للانتفاع به في أمور الجند فمنه الحمام الزاجل ، ومنه الهدهد ~~أيضا لمعرفة الماء ، ومنه البزاة والصقور لصيد الملك وجنده ولجلب الطعام ~~للجند من الصيد إذا حل الجند في القفار أو نفد الزاد . وللطير جنود يقومون ~~بشؤونها . وتفقد الجند من شعار الملك والأمراء وهو من مقاصد حشر الجنود ~~وتسييرها . والمعنى : تفقد الطير في جملة ما تفقده ، فقال لمن يلون أمر ~~الطير : { ما لي لا أرى الهدهد } . # ومن واجبات ولاة الأمور تفقد أحوال الرعية وتفقد العمال ونحوهم بنفسه كما ~~فعل عمر في خروجه إلى الشام سنة سبع عشرة هجرية ، أو بمن يكل إليه ذلك ، ~~فقد جعل عمر محمد بن مسلمة الأنصاري يتفقد العمال . # و { الهدهد } : نوع من الطير وهو ما يقرقر ، وفي رائحته نتن وفوق رأسه ~~قزعة سوداء ، وهو أسود البراثن ، أصفر الأجفان ، يقتات ms5966 الحبوب والدود ، يرى ~~الماء من بعد ويحس به في باطن الأرض ، فإذا رفرف على موضع علم أن به ماء ، ~~وهذا سبب اتخاذه في جند سليمان . قال الجاحظ : يزعمون أنه هو الذي كان يدل ~~سليمان على مواضع الماء في قعور الأرضين إذا أراد استنباط شيء منها . # وقوله : { ما لي لا أرى الهدهد } استفهام عن شيء حصل له في حال عدم رؤيته ~~الهدهد ، ف { ما } استفهام . واللام من قوله : { لي } للاختصاص . والمجرور ~~PageV19P245 باللام خبر عن { ما } الاستفهامية . والتقدير : ما الأمر الذي ~~كان لي . # وجملة : { لا أرى الهدهد } في موضع الحال من ياء المتكلم المجرورة باللام ~~، فالاستفهام عما حصل له في هذه الحال ، أي عن المانع لرؤية الهدهد . ~~والكلام موجه إلى خفرائه ، يعني : أكان انتفاء رؤيتي الهدهد من عدم إحاطة ~~نظري أم من اختفاء الهدهد ؟ فالاستفهام حقيقي وهو كناية عن عدم ظهور الهدهد ~~. # و { أم } منقطعة لأنها لم تقع بعد همزة الاستفهام التي يطلب بها تعيين ~~أحد الشيئين . و { أم } لا يفارقها تقدير معنى الاستفهام بعدها ، فأفادت ~~هنا إضراب الانتقال من استفهام إلى استفهام آخر . والتقدير : بل أكان من ~~الغائبين ؟ وليست { أم } المنقطعة خاصة بالوقوع بعد الخبر بل كما تقع بعد ~~الخبر تقع بعد الاستفهام . # وصاحب ( المفتاح ) مثل بهذه الآية لاستعمال الاستفهام في التعجب والمثال ~~يكفي فيه الفرض . ولما كان قول سليمان هذا صادرا بعد تقصيه أحوال الطير ~~ورجح ذلك عنده أنه غاب فقال : { لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه } لأن ~~تغيبه من دون إذن عصيان يقتضي عقابه ، وذلك موكول لاجتهاد سليمان في ~~المقدار الذي يراه استصلاحا له إن كان يرجى صلاحه ، أو إعداما له لئلا يلقن ~~بالفساد غيره فيدخل الفساد في الجند وليكون عقابه نكالا لغيره . فصمم ~~سليمان على أنه يفعل به عقوبة جزاء على عدم حضوره في الجنود . ويؤخذ من هذا ~~جواز عقاب الجندي إذا خالف ما عين له من عمل أو تغيب عنه . # وأما عقوبة الحيوان فإنما تكون عند تجاوزه المعتاد في أحواله . قال ~~القرافي في ( تنقيح الفصول ) في آخر فصوله ms5967 : سئل الشيخ عز الدين بن عبد ~~السلام عن قتل الهر الموذي هل يجوز ؟ فكتب وأنا حاضر : إذا خرجت أذيته عن ~~عادة القطط وتكرر ذلك منه قتل اه . قال القرافي : فاحترز بالقيد الأول عما ~~هو في طبع الهر من أكل اللحم إذا ترك فإذا أكله لم يقتل لأنه طبعه ، واحترز ~~بالقيد الثاني عن أن يكون ذلك منه على وجه القلة فإن ذلك لا يوجب قتله . ~~قال القرافي : وقال أبو حنيفة : إذا آذت الهرة وقصد قتلها لا تعذب ولا تخنق ~~بل تذبح بموسى حادة لقوله صلى الله عليه وسلم ( إن الله كتب الإحسان على كل ~~شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة ) اه . PageV19P246 وقال الشيخ ابن أبي زيد ~~في ( الرسالة ) : ولا بأس إن شاء الله بقتل النمل إذا آذت ولم يقدر على ~~تركها . فقول سليمان { لأعذبنه عذابا شديدا } شريعة منسوخة . # أما العقاب الخفيف للحيوان لتربيته وتأديبه كضرب الخيل لتعليم السير ونحو ~~ذلك فهو مأذون فيه لمصلحة السير ، وكذلك السبق بين الخيل مع ما فيه من ~~إتعابها لمصلحة السير عليها في الجيوش . # و { أو } تفيد أحد الأشياء فقوله : { أو ليأتيني بسلطان مبين } جعله ثالث ~~الأمور التي جعلها جزاء لغيبته وهو أن يأتي بما يدفع به العقاب عن نفسه من ~~عذر في التخلف مقبول . # والسلطان : الحجة . والمبين : المظهر لحق المحتج بها . وهذه الزيادة من ~~النبي سليمان استقصاء للهدهد في حقه لأن الغائب حجته معه . # وأكد عزمه على عقابه بتأكيد الجملتين { لأعذبنه لأذبحنه } باللام الموكدة ~~التي تسمى لام القسم وبنون التوكيد ليعلم الجند ذلك حتى إذا فقد الهدهد ولم ~~يرجع يكون ذلك التأكيد زاجرا لباقي الجند عن أن يأتوا بمثل فعلته فينالهم ~~العقاب . # وأما تأكيد جملة : { أو ليأتيني بسلطان مبين } فلإفادة تحقيق أنه لا منجى ~~له من العقاب إلا أن يأتي بحجة تبرر تغيبه ، لأن سياق تلك الجملة يفيد أن ~~مضمونها عديل العقوبة . فلما كان العقاب مؤكدا محققا فقد اقتضى تأكيد ~~المخرج منه لئلا يبرئه منه إلا تحقق الإتيان بحجة ظاهرة لئلا تتوهم هوادة ~~في الإدلاء بالحجة ms5968 فكان تأكيد العديل كتأكيد معادله . وبهذا يظهر أن { أو } ~~الأولى للتخيير و { أو } الثانية للتقسيم . وقيل جيء بتوكيد جملة : { ~~ليأتيني } مشاكلة للجملتين اللتين قبلها وتغليبا . واختاره بعض المحققين ~~وليس من التحقيق . # وكتب في المصاحف { لا أذبحنه } بلام ألفف بعدها ألف حتى يخال أنه نفي ~~الذبح وليس بنفي ، لأن وقوع نون التوكيد بعده يؤذن بأنه إثبات إذ لا يؤكد ~~المنفي بنون التأكيد إلا نادرا في كلامهم ، ولأن سياق الكلام والمعنى حارس ~~من تطرق PageV19P247 احتمال النفي ، ولأن اعتماد المسلمين في ألفاظ القرآن ~~على الحفظ لا على الكتابة ، فإن المصاحف ما كتبت حتى قرىء القرآن نيفا ~~وعشرين سنة . وقد تقع في رسم المصحف أشياء مخالفة لما اصطلح عليه الراسمون ~~من بعد لأن الرسم لم يكن على تمام الضبط في صدر الإسلام وكان اعتماد العرب ~~على حوافظهم . # وقرأ ابن كثير : { أو ليأتينني } بنونين ، الأولى مشددة وهي نون التوكيد ~~، والثانية نون الوقاية . وقرأ الباقون بنون واحدة مشددة بحذف نون الوقاية ~~لتلاقي النونات . # # | 2 ( 22 26 ) { فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ ~~بنبإ يقين * إنى وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شىء ولها عرش عظيم * ~~وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن ~~السبيل فهم لا يهتدون * ألا يسجدوا لله الذى يخرج الخبء فى السماوات والارض ~~ويعلم ما تخفون وما تعلنون * الله لا إلاه إلا هو رب العرش العظيم } . ) 2 # الفاء لتفريع الحكاية عطفت جملة على جملة وضمير { مكث } للهدهد . # والمكث : البقاء في المكان وملازمته زمنا ما ، وفعله من باب كرم ونصر . ~~وقرأه الجمهور بالأول . وقرأ عاصم وروح عن يعقوب بالثاني . # وأطلق المكث هنا على البطء لأن الهدهد لم يكن ماكثا بمكان ولكنه كان يطير ~~وينتقل ، فأطلق المكث على البطء مجاز مرسل لأن المكث يستلزم زمنا . # و { غير بعيد } صفة لاسم زمن أو اسم مكان محذوف منصوب على الظرفية ، أي ~~مكث زمنا غير بعيد ، أو في مكان غير بعيد ، وكلا المعنيين يقتضي أنه رجع ~~إلى ms5969 سليمان بعد زمن قليل . # و { غير بعيد } قريب قربا يوصف بضد البعد ، أي يوشك أن يكون بعيدا . وهذا ~~وجه إيثار التعبير ب { غير بعيد } لأن { غير } تفيد دفع توهم أن يكون بعيدا ~~، وإنما يتوهم ذلك إذا كان القرب يشبه البعد . # والبعد والقرب حقيقتهما من أوصاف المكان ويستعاران لقلة الحصة بتشبيه ~~PageV19P248 الزمن القصير بالمكان القريب وشاع ذلك حتى ساوى الحقيقة قال ~~تعالى : { وما قوم لوط منكم ببعيد ( هود : 89 ) . # والفاء في فقال } عاطفة على ( مكث ) وجعل القول عقيب المكث لأنه لما حضر ~~صدر القول من جهته فالتعقيب حقيقي . # والقول المسند إلى الهدهد إن حمل على حقيقة القول وهو الكلام الذي من ~~شأنه أن ينطق به الناس ، فقول الهدهد هذا ليس من دلالة منطق الطير الذي ~~علمه سليمان لأن ذلك هو المنطق الدال على ما في نفوس الطير من المدركات وهي ~~محدودة كما قدمنا بيانه عند قوله تعالى : { علمنا منطق الطير } ( النمل : ~~16 ) . وليس للهدهد قبل بإدراك ما اشتمل عليه القول المنسوب إليه ولا ~~باستفادة الأحوال من مشاهدة الأقوام والبلدان حتى تخطر في نفسه وحتى يعبر ~~عنها بمنطقه الذي علم سليمان دلالته كما قدمناه . فهذا وحي لسليمان أجراه ~~الله على لسان الهدهد . # وأما قول سليمان { سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين } ( النمل : 27 ) ~~فيجوز أن يكون سليمان خشي أن يكون ذلك الكلام الذي سمعه من تلقاء الهدهد ~~كلاما ألقاه الشيطان من جانب الهدهد ليضلل سليمان ويفتنه بالبحث عن مملكة ~~موهومة ليسخر به كما يسخر بالمتثائب ، فعزم سليمان على استثبات الخبر ~~بالبحث الذي لا يترك ريبة في صحته خزيا للشيطان . # ولنشتغل الآن بما اشتمل عليه هذا الكلام فابتداؤه ب { أحطت بما لم تحط به ~~} تنبيه لسليمان بأن في مخلوقات الله ممالك وملوكا تداني ملكه أو تفوقه في ~~بعض أحوال الملك جعله الله مثلا له ، كما جعل علم الخضر مثلا لموسى عليه ~~السلام لئلا يغتر بانتهاء الأمر إلى ما بلغه هو . وفيه استدعاء لإقباله على ~~ما سيلقى إليه بشراشره لأهمية هذا المطلع في الكلام ms5970 ، فإن معرفة أحوال ~~الممالك والأمم من أهم ما يعنى به ملوك الصلاح ليكونوا على استعداد بما ~~يفاجئهم من تلقائها ، ولتكون من دواعي الازدياد من العمل النافع للمملكة ~~بالاقتداء بالنافع من أحوال غيرها والانقباض عما في أحوال المملكة من الخلل ~~بمشاهدة آثار مثله في غيرها . PageV19P249 # ومن فقرات الوزير ابن الخطيب الأندلسي : فأخبار الأقطار مما تنفق فيه ~~الملوك أسمارها ، وترقم ببديع هالاته أقمارها ، وتستفيد منه حسن السير ، ~~والأمن من الغير ، فتستعين على الدهر بالتجارب . . وتستدل بالشاهد على ~~الغايب اه . # والإحاطة : الاشتمال على الشيء وجعله في حوزة المحيط . وهي هنا مستعارة ~~لاستيعاب العلم بالمعلومات كقوله تعالى : { وكيف تصبر على ما لم تحط به ~~خبرا } ( الكهف : 68 ) فما صدق { ما لم تحط به } معلومات لم يحط بها علم ~~سليمان . # و { سبأ } : بهمزة في آخره وقد يخفف اسم رجل هو عبشمس بن يشجب بن يعرب ~~ابن قحطان . لقب بسبأ . قالوا : لأنه أول من سبى في غزوه . وكان الهمز فيه ~~لتغييره العلمية عن المصدر . وهو جد جذم عظيم من أجذام العرب . وذريته ~~كانوا باليمن ثم تفرقوا كما سيأتي في سورة سبأ . وأطلق هذا الاسم هنا على ~~ديارهم لأن { من } ابتدائية وهي لابتداء الأمكنة غالبا . # فاسم { سبأ } غلب على القبيلة المتناسلة من سبأ المذكور وهم من الجذم ~~القحطاني المعروف بالعرب المستعربة ، أي الذين لم ينشأوا في بلاد العرب ~~ولكنهم نزحوا من العراق إلى بلاد العرب ، وأول نازح منهم هو يعرب ( بفتح ~~التحتية وضم الراء ) بن قحطان ( وبالعبرانية يقطان ) بن عابر بن شالخ بن ~~أرفخشد ( وبالعبرانية أرفكشاد ) بن سام بن نوح . وهذا النسب يتفق مع ما في ~~سفر التكوين من سام إلى عابر ، فمن عابر يفترق نسب القحطانيين من نسب ~~العبرانيين ؛ فأما أهل أنساب العرب فيجعلون لعابر ابنين أحدهما اسمه قحطان ~~والآخر اسمه ( فالغ ) . وأما سفر التكوين فيجعل أن أحدهما اسمه ( يقطن ) ~~ولا شك أنه المسمى عند العرب قحطان ، والآخر اسمه ( فالج ) بفاء في أوله ~~وجيم في آخره ، فوقع تغيير في بعض حروف الاسمين لاختلاف اللغتين . # ولما انتقل ms5971 يعرب سكن جنوب البلاد العربية ( اليمن ) فاستقر بموضع بنى فيه ~~مدينة ظفار ( بفتح الظاء المشالة المعجمة وكسر الراء ) فهي أول مدينة في ~~بلاد اليمن PageV19P250 وانتشر أبناؤه في بلاد الجنوب الذي على البحر وهو ~~بلاد ( حضرموت ) ثم بنى ابنه يشجب ( بفتح التحتية وضم الجيم ) مدينة صنعاء ~~وسمى البلاد باليمن ، ثم خلفه ابنه عبشمس ( بتشديد الموحدة ومعناه ضوء ~~الشمس ) وساد قومه ولقب سبأ ( بفتحتين وهمزة في آخره ) واستقل بأهله فبنى ~~مدينة مأرب حاضرة سبأ ، قال النابغة الجعدي : # من سبأ الحاضرين مأرب إذ # يبنون من دون سيله العرما # وبين مأرب وصنعاء مسيرة ثلاث مراحل خفيفة . # ثم جاء بعد سبأ ابنه حمير ويلقب العرنجح ( أي العتيق ) ، ويظهر أنه جعل ~~بلاده ظفار بعد أن انتقل أبناء يشجب منها إلى صنعاء . وفي المثل : من ظفر ~~حمر ، أي من دخل ظفار فليتكلم بالحميرية ، ولهذا المثل قصة . # فكانت البلاد اليمنية أو القحطانية منقسمة إلى ثلاث قبائل : اليمنية ، ~~والسبئية ، والحميرية . وكان على كل قبيلة ملك منها ، واستقلت أفخاذهم ~~بمواقع أطلقوا على الواحد منها اسم مخلاف ( بكسر الميم ) وكان لكل مخلاف ~~رئيس يلقب بالقيل ويقال له : ذو كذا ، بالإضافة إلى اسم مخلافه ، مثل ذو ~~رعين . والملك الذي تتبعه الأقيال كلها ويحكم اليمن كلها يلقب تبع لأنه ~~متبوع بأمراء كثيرين . # وقد انفردت سبأ بالملك في حدود القرن السابع عشر قبل الهجرة وكان أشهر ~~ملوكهم أو أولهم الهدهاد بن شرحبيل ويلقب اليشرح ( بفتح التحتية وفتح الشين ~~المعجمة وفتح الراء مشددة وبحاء مهملة في آخره ) . ثم وليت بعده بلقيس ابنة ~~شرحبيل أيضا أو شراحيل ولم تكن ذات زوج فيما يظهر من سياق القرآن . وقيل ~~كانت متزوجة شدد بن زرعة ، فإن صح ذلك فلعله لم تطل مدته فمات . وكان أهل ~~سبأ صابئة يعبدون الشمس . وبقية ذكر حضارتهم تأتي في تفسير سورة سبأ . # و { أحطت } يقرأ بطاء مشددة لأنه التقاء طاء الكلمة وتاء المتكلم فقلبت ~~هذه التاء طاء وأدغمتا . PageV19P251 # والباء في قوله : { بنبإ } للمصاحبة لأن النبأ كان مصاحبا للهدهد حين ~~مجيئه ، والنبأ : الخبر المهم . # وبين ms5972 ب { سبأ } و { بنبإ } الجناس المزدوج . وفيه أيضا جناس الخط وهو أن ~~تكون صورة الكلمتين واحدة في الخط وإنما تختلفان في النطق . ومنه قوله ~~تعالى : { والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين } ( الشعراء : 79 ، ~~80 ) . # ووصفه ب { يقين } تحقيق لكون ما سيلقى إليه شيء محقق لا شبهة فيه فوصف ~~بالمصدر للمبالغة . # وجملة : { إنى وجدت امرأة } بيان ل { نبأ } فلذلك لم تعطف . وإدخال ( إن ~~) في صدر هذه الجملة لأهمية الخبر إذ لم يكن معهودا في بني إسرائيل أن تكون ~~المرأة ملكا . # وفعل { تملكهم } هنا مشتق من الملك بضم الميم وفعله كفعل ملك الأشياء . ~~وروي حديث هرقل ( هل كان في آبائه من ملك ) بفتح اللام ، أي كان ملكا ، ~~ويفرق بين الفعلين بالمصدر فمصدر هذا ملك بضم الميم ، والآخر بكسرها ، ~~وضمير الجمع راجع إلى سبأ . # وهذه المرأة أريد بها بلقيس ( بكسر الموحدة وسكون اللام وكسر القاف ) ~~ابنة شراحيل وفي ترتيبها مع ملوك سبأ وتعيين اسمها واسم أبيها اضطراب ~~للمؤرخين . والموثوق به أنها كانت معاصرة سليمان في أوائل القرن السابع عشر ~~قبل الهجرة وكانت امرأة عاقلة . ويقال : هي التي بنت سد مأرب . وكانت حاضرة ~~ملكها مأرب مدينة عظيمة باليمن بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث مراحل وسيأتي ~~ذكرها في سورة سبأ . # وتنكير { امرأة } وهو مفعول أول ل { وجدت } له حكم المبتدأ فهو كالابتداء ~~بالنكرة إذا أريد بالنكرة التعجب من جنسها كقولهم : بقرة تكلمت ، لأن ~~المراد حكاية أمر عجيب عندهم أن تكون امرأة ملكة على قوم . ولذلك لم يقل : ~~وجدتهم تملكهم امرأة . # والإيتاء : الإعطاء ، وهو مشعر بأن المعطى مرغوب فيه ، وهو مستعمل في ~~لازمه وهو النول . PageV19P252 # ومعنى { أوتيت من كل شيء } نالت من كل شيء حسن من شؤون الملك . فعموم كل ~~شيء عموم عرفي من جهتين يفسره المقام كما فسر قول سليمان { أوتينا من كل ~~شيء } ( النمل : 16 ) ، أي أوتيت من خصال الملوك ومن ذخائرهم وعددهم ~~وجيوشهم وثراء مملكتهم وزخرفها ونحو ذلك من المحامد والمحاسن . # وبناء فعل { أوتيت } إلى المجهول إذ لا يتعلق الغرض بتعيين ms5973 أسباب ما ~~نالته بل المقصود ما نالته على أن الوسائل والأسباب شتى ، فمنه ما كان إرثا ~~من الملوك الذين سلفوها ، ومنه ما كان كسبا من كسبها واقتنائها ، ومنه ما ~~وهبها الله من عقل وحكمة ، وما منح بلادها من خصب ووفرة مياه . وقد كان ~~اليونان يلقبون مملكة اليمن بالعربية السعيدة أخذا من معنى اليمن في ~~العربية ، وقال تعالى : { لقد كان لسبإ في مساكنهم آية جنتان عن يمين وشمال ~~كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور } ( سبأ : 15 ) . وأما ~~رجاحة العقول ففي الحديث : ( أتاكم أهل اليمن هم أرق أفئدة ، الإيمان يمانن ~~، والحكمة يمانية ) فليس المراد خصوص ما آتاها الله في أصل خلقتها وخلقة ~~أمتها وبلادها ، ولذا فلم يتعين الفاعل عرفا . وكل من عند الله . # وخص من نفائس الأشياء عرشها إذ كان عرشا بديعا ولم يكن لسليمان عرش مثله ~~. وقد جاء في الإصحاح العاشر من سفر الملوك الأول ما يقتضي أن سليمان صنع ~~كرسيه البديع بعد أن زارته ملكة سبأ . وسنشير إليه عند قوله تعالى : { أيكم ~~يأتيني بعرشها } ( النمل : 38 ) . # والعظيم : مستعمل في عظمة القدر والنفاسة في ضخامة الهيكل والذات . وأعقب ~~التنويه بشأنها بالحط من حال اعتقادهم إذ هم يسجدون ، أي يعبدون الشمس . ~~ولأجل الاهتمام بهذا الخبر أعيد فعل وجدتها إنكارا لكونهم يسجدون للشمس ، ~~فذلك من انحطاط العقلية الاعتقادية فكان انحطاطهم في الجانب الغيبي من ~~التفكير وهو ما يظهر فيه تفاوت عوض العقول على الحقائق لأنه جانب متمحض ~~لعمل الفكر لا يستعان فيه بالأدلة المحسوسة ، فلا جرم أن تضل فيه عقول كثير ~~من أهل العقول الصحيحة في الشؤون الخاضعة للحواس . قال تعالى في المشركين { ~~يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون أو لم PageV19P253 ~~يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق } ( ~~الروم : 7 ، 8 ) وكان عرب اليمن أيامئذ من عبدة الشمس ثم دخلت فيهم الديانة ~~اليهودية في زمن تبع أسعد من ملوك حمير ، ولكونهم عبدة شمس كانوا يسمون عبد ~~شمس كما تقدم في ms5974 اسم سبأ . # وقد جمع هذا القول الذي ألقي إلى سليمان أصول الجغرافية السياسية من صفة ~~المكان والأديان ، وصبغة الدولة وثروتها ، ووقع الاهتمام بأخبار مملكة سبأ ~~لأن ذلك أهم لملك سليمان إذ كانت مجاورة لمملكته يفصل بينهما البحر الأحمر ~~، فأمور هذه المملكة أجدى بعمله . # وقرأ الجمهور : { من سبأ } بالصرف . وقرأه أبو عمرو والبزي عن ابن كثير ~~بفتحة غير مصروف على تأويل البلاد أو القبيلة . وقرأه قنبل عن ابن كثير ~~بسكون الهمزة على اعتبار الوقف إجراء للوصل مجرى الوقف . # يجوز أن يكون هذا من جملة الكلام الذي ألقي على لسان الهدهد ، فالواو ~~للعطف . والأظهر أنه كلام آخر من القرآن ذيل به الكلام الملقى إلى سليمان ، ~~فالواو للاعتراض بين الكلام الملقى لسليمان وبين جواب سليمان ، والمقصود ~~التعريض بالمشركين . # وقوله : { ألا يسجدوا } قرأه الجمهور بتشديد اللام على أنه مركب في الخط ~~من ( أن ) و ( لا ) النافية كتبتا كلمة واحدة اعتبارا بحالة النطق بها على ~~كل المعاني المرادة منها . و { يسجدوا } فعل مضارع منصوب . ويقدر لام جر ~~يتعلق ب { صدهم عن السبيل } أي صدهم لأجل أن لا يسجدوا لله ، أي فسجدوا ~~للشمس . PageV19P254 # ويجوز أن يكون المصدر المسبوك من { ألا يسجدوا } بدل بعض من { أعمالهم } ~~وما بينهما اعتراض . # وجوز أن يكون { ألا } كلمة واحدة بمعنى ( هلا ) فإن هاءها تبدل همزة . ~~وجعل { يسجدوا } مركبا من ياء النداء المستعملة تأكيدا للتنبيه وفعلل أمر ~~من السجود كقول ذي الرمة : # ألا يا اسلمي يا دار مي على البلى # وهو لا يلائم رسم المصحف إلا أن يقال : إنه رسم كذلك على خلاف القياس . ~~وقرأ الكسائي بتخفيف اللام على أنها ( ألا ) حرف الاستفتاح ويتعين أن يكون ~~{ يسجدوا } مركبا من ياء النداء وفعل الأمر ، كما تقدم وفيه ما تقدم . ~~والوقف في هذه على ( ألا ) . # وتزيين الأعمال تقدم في أول السورة عند قوله تعالى : { إن الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون } ( النمل : 4 ) . وإسناده هنا ~~للشيطان حقيقي و { السبيل } مستعار للدين الذي باتباعه تكون النجاة من ~~العذاب وبلوغ دار الثواب . # و ms5975 { الخبء } : مصدر خبأ الشيء إذا أخفاه . أطلق هنا على اسم المفعول ، أي ~~المخبوء على طريقة المبالغة في الخفاء كما هو شأن الوصف بالمصدر . ومناسبة ~~وقوع الصفة بالموصول في قوله : { الذي يخرج الخبء } لحالة خبر الهدهد ظاهرة ~~لأن فيها اطلاعا على أمر خفي . وإخراج الخبء : إبرازه للناس ، أي إعطاؤه ، ~~أي إعطاء ما هو غير معلوم لهم من المطر وإخراج النبات وإعطاء الأرزاق ، ~~وهذا مؤذن بصفة القدرة . وقوله : { ويعلم ما يخفون وما يعلنون } مؤذن بعموم ~~صفة العلم . # وقرأ الجمهور : { يخفون . . . ويعلنون } بياء الغيبة . وقرأه الكسائي ~~وحفص عن عاصم بتاء الخطاب فهو التفات . # ومجيء جملة : { الله لا إلاه إلا هو } عقب ذلك استئناف هو بمنزلة النتيجة ~~PageV19P255 للصفات التي أجريت على اسم الجلالة وهو المقصود من هذا التذييل ~~، أي ليس لغير الله شبهة إلهية . # وقوله : { رب العرش العظيم } أي مالك الفلك الأعظم المحيط بالعوالم ~~العليا وقد تقدم . وفي هذا تعريض بأن عظمة ملك بلقيس وعظم عرشها ما كان ~~حقيقا بأن يغرها بالإعراض عن عبادة الله تعالى لأن الله هو رب الملك الأعظم ~~، فتعريف { العرش } للدلالة على معنى الكمال . ووصفه ب { العظيم } للدلالة ~~على كمال العظم في تجسم النفاسة . # وفي منتهى هذه الآية موضع سجود تلاوة تحقيقا للعمل بمقتضى قوله : { ألا ~~يسجدوا لله } . وسواء قرىء بتشديد اللام من قوله : { ألا يسجدوا } أم ~~بتخفيفها لأن مآل المعنى على القراءتين واحد وهو إنكار سجودهم لغير الله ~~لأن الله هو الحقيق بالسجود . # # | 2 ( 27 ) { قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين } . ) 2 # تقدم عند قوله : { فقال أحطت بما لم تحط به } ( النمل : 22 ) بيان وجه ~~تطلب سليمان تحقيق صدق خبر الهدهد . والنظر هنا نظر العقل وهو التأمل ، لا ~~سيما وإقحام { كنت } أدخل في نسبته إلى الكذب من صيغة { أصدقت } لأن فعل { ~~كنت من الكاذبين } يفيد الرسوخ في الوصف بأنه كائن عليه . وجملة : { من ~~الكاذبين } أشد في النسبة إلى الكذب بالانخراط في سلك الكاذبين بأن يكون ~~الكذب عادة له . وفي ذلك إيذان بتوضيح تهمته بالكذب ليتخلص من العقاب ، ~~وإيذان ms5976 بالتوبيخ والتهديد وإدخال الروع عليه بأن كذبه أرجح عند الملك ليكون ~~الهدهد مغلبا الخوف على الرجاء ، وذلك أدخل في التأديب على مثل فعلته وفي ~~حرصه على تصديق نفسه بأن يبلغ الكتاب الذي يرسله معه . # # | 2 ( 28 ) { اذهب بكتابى هاذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا ~~يرجعون } . ) 2 # الجملة مبينة لجملة { سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين } ( النمل : 27 ) ~~PageV19P256 لأن فيما سينكشف بعد توجيه كتابه إلى ملكة سبأ ما يصدق خبر ~~الهدهد إن جاء من الملكة جواب عن كتابه ، أو يكذب خبر الهدهد إن لم يجىء ~~منها جواب . ألهم الله سليمان بحكمته أن يجعل لاتصاله ببلاد اليمن طريق ~~المراسلة لإدخال المملكة في حيز نفوذه والانتفاع باجتلاب خيراتها وجعلها ~~طريق تجارة مع شرق مملكته فكتب إلى ملكة سبأ كتابا لتأتي إليه وتدخل تحت ~~طاعته وتصلح ديانة قومها ، وليعلم أن الله ألقى في نفوس الملوك المعاصرين ~~له رهبة من ملكه وجلبا لمرضاته لأن الله أيده وإن كانت مملكته أصغر من ~~ممالك جيرانه مثل مملكة اليمن ومملكة مصر . وكانت مملكة سليمان يومئذ ~~محدودة بالأردن وتخوم مصر وبحر الروم . ولم يزل تبادل الرسائل بين الملوك ~~من سنة الدول ومن سنة الدعاة إلى الخير . وقد كتب النبي صلى الله عليه وسلم ~~إلى كسرى وقيصر . وقد عظم شأن الكتابة في دول الإسلام ، قال الحريري في ( ~~المقامة الثانية والعشرين ) : ( والمنشىء جهنية الأخبار ، وحقيبة الأسرار ، ~~وقلمه لسان الدولة ، وفارس الجولة . . . ) إلخ . # واتخذ للمراسلة وسيلة الطير الزاجل من حمام ونحوه ، فالهدهد من فصيلة ~~الحمام وهو قابل للتدجين ، فقوله : { اذهب بكتابي هذا } يقتضي كلاما محذوفا ~~وهو أن سليمان فكر في الاتصال بين مملكته وبين مملكة سبأ فأحضر كتابا وحمله ~~الهدهد . # وتقدم القول على ( ماذا ) عند قوله تعالى : { وإذا قيل لهم ماذا أنزل ~~ربكم } في سورة النحل ( 24 ) . وفعل { انظر } معلق عن العمل بالاستفهام . # والإلقاء : الرمي إلى الأرض . وتقدم في قوله تعالى : { وألقوه في غيابات ~~الجب } في سورة يوسف ( 10 ) وهو هنا مستعمل إما في حقيقته إن كان شأن ~~الهدهد أن ms5977 يصل إلى المكان فيرمي الكتاب من منقاره ، وإما في مجازه إن كان ~~يدخل المكان المرسل إليه فيتناول أصحابه الرسالة من رجله التي تربط فيها ~~الرسالة فيكون الإلقاء مثل قوله : { فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون في ~~سورة النحل ( 86 ) . # والمراد بالرجع : رجع الجواب عن الكتاب ، أي من قبول أو رفض . وهذا كقوله ~~الآتي : فانظري ماذا تأمرين } ( النمل : 33 ) . # PageV19P257 $ 2 ( 29 31 ) { قالت ياأيها الملأ إنى & # 1764 ألقى إلى كتاب كريم * إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمان الرحيم * ~~ألا تعلوا على وأتونى مسلمين } . ) 2 $ # طويت أخبار كثيرة دل عليها ما بين الخبرين المذكورين من اقتضاء عدة أحداث ~~، إذ التقدير : فذهب الهدهد إلى سبأ فرمى بالكتاب فأبلغ الكتاب إلى الملكة ~~وهي في مجلس ملكها فقرأته ، قالت : يأيها الملأ إلخ . # وجملة : { قالت } مستأنفة استئنافا بيانيا لأن غرابة قصة إلقاء الكتاب ~~إليها يثير سؤالا عن شأنها حين بلغها الكتاب . # و { الملأ } : الجماعة من أشراف القوم وهم أهل مجلسها . وظاهر قولها : { ~~ألقي إلي } أن الكتاب سلم إليها دون حضور أهل مجلسها . وتقدم غير مرة وذلك ~~أن يكون نظام بلاطها أن تسلم الرسائل إليها رأسا . والإلقاء تقدم آنفا . # ووصف الكتاب بالكريم ينصرف إلى نفاسته في جنسه كما تقدم عند قوله تعالى : ~~{ لهم مغفرة ورزق كريم } في سورة الأنفال ( 74 ) ؛ بأن كان نفيس الصحيفة ~~نفيس التخطيط بهيج الشكل مستوفيا كل ما جرت عادة أمثالهم بالتأنق فيه . ومن ~~ذلك أن يكون مختوما ، وقد قيل : كرم الكتاب ختمه ، ليكون ما في ضمنه خاصا ~~باطلاع من أرسل إليه وهو يطلع عليه من يشاء ويكتمه عمن يشاء . قال ابن ~~العربي : ( الوصف بالكرم في الكتاب غاية الوصف ؛ ألا ترى إلى قوله تعالى : ~~{ إنه لقرآن كريم } ( الواقعة : 77 ) وأهل الزمان يصفون الكتاب بالخطير ، ~~والأثير ، والمبرور ، فإن كان لملك قالوا : العزيز ، وأسقطوا الكريم غفلة ~~وهو أفضلها خصلة ) . # وأما ما يشتمل عليه الكتاب من المعاني فلم يكن محمودا عندها لأنها قالت : ~~{ إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة } ( النمل : 34 ~~) . # ثم قصت ms5978 عليهم الكتاب حين قالت : { إنه من سليمان وإنه } إلى آخره . ~~فيحتمل أن يكون قد ترجم لها قبل أن تخرج إلى مجلس مشورتها ، ويحتمل أن ~~PageV19P258 تكون عارفة بالعبرانية ، ويحتمل أن يكون الكتاب مكتوبا ~~بالعربية القحطانية ، فإن عظمة ملك سليمان لا تخلو من كتاب عارفين بلغات ~~الأمم المجاورة لمملكته ، وكونه بلغته أظهر وأنسب بشعار الملوك ، وقد كتب ~~النبي صلى الله عليه وسلم للملوك باللغة العربية . # أما الكلام المذكور في هذه الآية فهو ترجمة الكتاب إلى اللغة العربية ~~الفصحى بتضمين دقائقه وخصوصيات اللغة التي أنشىء بها . # وقوله : { إنه من سليمان } هو من كلام الملكة ابتدأت به مخاطبة أهل ~~مشورتها لإيقاظ أفهامهم إلى التدبر في مغزاه لأن اللائق بسليمان أن لا يقدم ~~في كتابه شيئا قبل اسم الله تعالى ، وأن معرفة اسم سليمان تؤخذ من ختمه وهو ~~خارج الكتاب فلذلك ابتدأت به أيضا . # والتأكيد ب ( إن ) في الموضعين يترجم عما في كلامهما باللغة السبائية من ~~عبارات دالة على اهتمامها بمرسل الكتاب وبما تضمنه الكتاب اهتماما يؤدى ~~مثله في العربية الفصحى بحرف التأكيد الذي يدل على الاهتمام في مقام لا شك ~~فيه . # وتكرير حرف ( إن ) بعد واو العطف إيماء إلى اختلاف المعطوف والمعطوف عليه ~~بأن المراد بالمعطوف عليه ذات الكتاب ، والمراد بالمعطوف معناه وما اشتمل ~~عليه ، كما تقول : إن فلانا لحسن الطلعة وإنه لزكي . وهذا من خصوصيات إعادة ~~العامل بعد حرف العطف مع إغناء حرف العطف عن ذكر العامل ، ونظيره قوله ~~تعالى : { يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ~~} ( النساء : 59 ) ، أعيد { أطيعوا } لاختلاف معنى الطاعتين ، لأن طاعة ~~الله تنصرف إلى الأعمال الدينية ، وطاعة الرسول مراد بها طاعته في التصرفات ~~الدنيوية ، ولذلك عطف على الرسول أولو الأمر من الأمة . # وقوله : { إنه من سليمان } حكاية لمقالها ، وعرفت هي ذلك من عنوان الكتاب ~~بأعلاه أو بظاهره على حسب طريقة الرسائل السلطانية في ذلك العهد في بني ~~إسرائيل ، مثل افتتاح كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الملوك بجملة : ~~( من محمد رسول الله ) . PageV19P259 # وافتتاح ms5979 الكتاب بجملة البسملة يدل على أن مرادفها كان خاصا بكتب النبي ~~سليمان أن يتبع اسم الجلالة بوصفي : الرحمن الرحيم ، فصار ذلك سنة لافتتاح ~~الأمور ذوات البال في الإسلام ادخره الله للمسلمين من بقايا سنة الأنبياء ~~بعد أن تنوسي ذلك فإنه لم يعرف أن بني إسرائيل افتتحوا كتبهم باسم الله ~~الرحمن الرحيم . # روى أبو داود في كتاب ( المراسيل ) : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~يكتب ( باسمك اللهم ) كما كانت قريش تكتب ، فلما نزلت هذه الآية صار يكتب ( ~~بسم الله الرحمن الرحيم ) ، أي صار يكتب البسملة في أول كتبه . وأما جعلها ~~فصلا بين السور أو آية من كل سورة فمسألة أخرى . # وكان كتاب سليمان وجيزا لأن ذلك أنسب بمخاطبة من لا يحسن لغة المخاطب ~~فيقتصر له على المقصود لإمكان ترجمته وحصول فهمه فأحاط كتابه بالمقصود ، ~~وهو تحذير ملكة سبأ من أن تحاول الترفع على الخضوع إلى سليمان والطاعة له ~~كما كان شأن الملوك المجاورين له بمصر وصور والعراق . # فالإتيان المأمور به في قوله : { وأتوني مسلمين } هو إتيان مجازي مثل ما ~~يقال : اتبع سبيلي . # و { مسلمين } مشتق من أسلم إذا تقلد الإسلام . وإطلاق اسم الإسلام على ~~الدين يدل على أن سليمان إنما دعا ملكة سبأ وقومها إلى نبذ الشرك والاعتراف ~~لله بالإلهية والوحدانية ولم يدعهم إلى اتباع شريعة التوراة لأنهم غير ~~مخاطبين بها وأما دعوتهم إلى إفراد الله بالعبادة والاعتراف له بالوحدانية ~~في الإلهية فذلك مما خاطب الله به البشر كلهم وشاع ذلك فيهم من عهد آدم ~~ونوح وإبراهيم . وقد بينا ذلك عند قوله تعالى : { فلا تموتن إلا وأنتم ~~مسلمون } في سورة البقرة ( 132 ) ، قال تعالى : { ألم أعهد إليكم يا بني ~~آدم أن لا تعبدوا الشيطان } ( يس : 60 ) . جمع سليمان بين دعوتها إلى ~~مسالمته وطاعته وذلك تصرف بصفة الملك ، وبين دعوة قومها إلى اتباع دين ~~التوحيد وذلك تصرف بالنبوءة لأن النبي يلقي الإرشاد إلى الهدى حيثما تمكن ~~منه كما قال شعيب { إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت } ( هود : 88 ) وهذا ~~نظير قول ms5980 يوسف لصاحبي السجن { أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار } ~~( يوسف : 39 ) الآية . وإن كان لم يرسل PageV19P260 إليهم ، فالأنبياء ~~مأمورون أمرا عاما بالإرشاد إلى الحق ، وكذلك دعاء سليمان هنا ، وقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم ( لأن يهدي الله بك رجلا خير لك من حمر النعم ) فهذه ~~سنة الشرائع لأن الغاية المهمة عندها هو إصلاح النفوس دون التشفي وحب ~~الغلبة . # وحرف ( أن ) من قوله : { أن لا تعلوا علي } في موقعه غموض لأن الظاهر أنه ~~مما شمله كتاب سليمان لوقوعه بعد البسملة التي هي مبدأ الكتاب . وهذا الحرف ~~لا يخلو من كونه ( أن ) المصدرية الناصبة للمضارع ، أو المخففة من الثقيلة ~~، أو التفسيرية . # فأما معنى ( أن ) المصدرية الناصبة للمضارع فلا يتضح لأنها تستدعي عاملا ~~يكون مصدرها المنسبك بها معمولا له وليس في الكلام ما يصلح لذلك لفظا مطلقا ~~ولا معنى إلا بتعسف ، وقد جوزه ابن هشام في ( مغني اللبيب ) في بحث ( ألا ) ~~الذي هو حرف تحضيض وهو وجهة شيخنا محمد النجار رحمه الله بأن يجعل { أن لا ~~تعلوا } إلخ خبرا عن ضمير { كتاب } في قوله : { وإنه } فحيث كان مضمون ~~الكتاب النهي عن العلو جعل { أن لا تعلوا } نفس الكتاب كما يقع الإخبار ~~بالمصدر . وهذا تكلف لأنه يقتضي الفصل بين أجزاء الكتاب بقوله : { بسم الله ~~الرحمن الرحيم } . # وأما معنى المخففة من الثقيلة فكذلك لوجوب سد مصدر مسدها وكونها معمولة ~~لعامل ، وليس في الكلام ما يصلح لذلك أيضا . وقد ذكر وجها ثالثا في الآية ~~في بعض نسخ ( مغني اللبيب ) في بحث ( ألا ) أيضا ولم يوجد في النسخ الصحيحة ~~من ( المغني ) ولا من ( شروحه ) ولعله من زيادات بعض الطلبة . وقد اقتصر في ~~( الكشاف ) على وجه التفسيرية لعلمه بأن غير ذلك لا ينبغي أن يفرض . وأعقبه ~~بما روي من نسخة كتاب سليمان ليظهر أن ليس في كتاب سليمان ما يقابل حرف ( ~~أن ) فلذلك تتعين ( أن ) لمعنى التفسيرية لضمير { وإنه } العائد إلى { كتاب ~~} كما علمته آنفا لأنه لما كان عائدا إلى { كتاب } كان بمعنى معاده فكان ~~مما فيه ms5981 معنى القول دون حروفه فصح وقع ( أن ) بعده فيكون ( أن ) من كلام ~~PageV19P261 ملكة سبأ فسرت بها وبما بعدها مضمون { كتاب } في قولها : { ~~ألقى إلى كتاب كريم } . # و { ألا تعلوا علي } يكون هو أول كتاب سليمان ، وأنها حكاية لكلام بلقيس ~~. قال في ( الكشف ) يتبين أن قوله : { إنه من سليمان } بيان لعنوان الكتاب ~~وأن قوله : { وإنه بسم الله الرحمن الرحيم } إلخ بيان لمضمون الكتاب فلا ~~يرد سؤال كيف قدم قوله : { إنه من سليمان } على { إنه بسم الله الرحمن ~~الرحيم } . ولم تزل نفسي غير منثلجة لهذه الوجوه في هذه الآية ويخطر ببالي ~~أن موقع ( أن ) هذه استعمال خاص في افتتاح الكلام يعتمد عليه المتكلم في ~~أول كلامه . وأنها المخففة من الثقيلة . وقد رأيت في بعض خطب النبي صلى ~~الله عليه وسلم الافتتاح ب ( أن ) في ثاني خطبة خطبها بالمدينة في ( سيرة ~~ابن إسحاق ) . وذكر السهيلي : أن الحمد ، مضبوط بضمة على تقدير ضمير الأمر ~~والشأن . ولكن كلامه جرى على أن حرف ( إن ) مكسور الهمزة مشدد النون . ~~ويظهر لي أن الهمزة مفتوحة وأنه استعمال ل ( أن ) المخففة من الثقيلة في ~~افتتاح الأمور المهمة وأن منه قوله تعالى : { وآخر دعواهم أن الحمد لله رب ~~العالمين } ( يونس : 10 ) . # و { ألا تعلوا علي } نهي مستعمل في التهديد ولذلك أتبعته ملكة سبأ بقولها ~~: { يأيها الملأ أفتوني في أمري } ( النمل : 32 ) . # $ 2 ( 32 ) { قالت ياأيها الملا أفتونى فى & # 1764 أمرى ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون } . ) 2 $ # سألتهم إبداء آرائهم ماذا تعمل تجاه دعوة سليمان . والجملة مستأنفة ~~استئنافا بيانيا مثل التي قبلها . # والإفتاء : الإخبار بالفتوى وهي إزالة مشكل يعرض . وقد تقدمت عند قوله ~~تعالى : { قضي الأمر الذي فيه تستفتيان في سورة يوسف ( 41 ) . # والأمر : الحال المهم ، وإضافته إلى ضميرها لأنها المخاطبة بكتاب سليمان ~~ولأنها المضطلعة بما يجب إجراؤه من شؤون المملكة وعليها تبعة الخطأ في ~~المنهج PageV19P262 الذي تسلكه من السياسة ، ولذلك يقال للخليفة وللملك ~~وللأمير ولعالم الدين : ولي الأمر . وبهذه الثلاثة فسر قوله تعالى : يأيها ~~الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا ms5982 الرسول وأولي الأمر منكم } ( النساء : 59 ~~) . وقال الراعي يخاطب عبد الملك بن مروان : # أولي أمر الله إنا معشر # حنفاء نسجد بكرة وأصيلا # فهذا معنى قولهم لها : { والأمر إليك } ( النمل : 33 ) . # وقد أفادت إضافة { أمري } تعريفا ، أي في الحادثة المعينة . # ومعنى { قاطعة أمرا } عاملة عملا لا تردد فيه بالعزم على ما تجيب به ~~سليمان . # وصيغة { كنت قاطعة } تؤذن بأن ذلك دأبها وعادتها معهم ، فكانت عاقلة ~~حكيمة مستشيرة لا تخاطر بالاستبداد بمصالح قومها ولا تعرض ملكها لمهاوي ~~أخطاء المستبدين . # والأمر في { ما كنت قاطعة أمرا } هو أيضا الحال المهم ، أي أنها لا تقضي ~~في المهمات إلا عن استشارتهم . # و { تشهدون } مضارع شهد المستعمل بمعنى حضر كقوله تعالى : { فمن شهد منكم ~~الشهر } ( البقرة : 185 ) ، أي حتى تحضرون . وشهد هذا يتعدى بنفسه إلى كل ~~ما يحضر فاعل الفعل عنده من مكان وزمان واسم ذات ، وذلك تعد على التوسع ~~لكثرته ، وحق الفعل أن يعدى بحرف الجر أو يعلق به ظرف . يقال : شهد عند ~~فلان وشهد مجلس فلان . ويقال : شهد الجمعة . وفعل { تشهدون } هنا مستعمل ~~كناية عن المشاورة لأنها يلزمها الحضور غالبا إذ لا تقع مشاورة مع غائب . # والنون في { تشهدون } نون الوقاية وحذفت ياء المتكلم تخفيفا وألقيت كسرة ~~النون المجتلبة لوقاية الحرف الأخير من الفعل عن أن يكون مكسورا ، ونون ~~الوقاية دالة على المحذوف . # وقرأه الجمهور بحذف الياء وصلا ووقفا . وقرأ يعقوب بإثبات الياء وصلا ~~ووقفا . PageV19P263 # وفي قولها : { حتى تشهدون } كناية عن معنى : توافقوني فيما أقطعه ، أي ~~يصدر منها في مقاطع الحقوق والسياسة : إما بالقول كما جرى في هذه الحادثة ، ~~وإما بالسكوت وعدم الإنكار لأن حضور المعدود للشورى في مكان الاستشارة مغن ~~عن استشارته إذ سكوته موافقة . ولذلك قال فقهاؤنا : إن على القاضي إذا جلس ~~للقضاء أن يقضي بمحضر أهل العلم ، أو مشاورتهم . وكان عثمان يقضي بمحضر أهل ~~العلم وكان عمر يستشيرهم وإن لم يحضروا . وقال الفقهاء : إن سكوتهم مع ~~حضورهم تقرير لحكمه . # وليس في هذه الآية دليل على مشروعية الشورى لأنها لم تحك شرعا ms5983 إلهيا ولا ~~سيق مساق المدح ، ولكنه حكاية ما جرى عند أمة غير متدينة بوحي إلهي ؛ غير ~~أن شأن القرآن فيما يذكره من القصص أن يذكر المهم منها للموعظة أو للإسوة ~~كما قدمناه في المقدمة السابعة . فلذلك يستروح من سياق هذه الآية حسن ~~الشورى . وتقدم ذكر الشورى في سورة آل عمران . # # | 2 ( 33 ) { قالوا نحن أولوا قوة وأولو بأس شديد والامر إليك فانظرى ~~ماذا تأمرين } . ) 2 # جواب بأسلوب المحاورة فلذلك فصل ولم يعطف كما هي طريقة المحاورات . ~~أرادوا من قولهم : نحن ، جماعة المملكة الذين هم من أهل الحرب . فهو من ~~إخيار عرفاء القوم عن حال جماعاتهم ومن يفوض أمرهم إليهم . والقوة : ~~حقيقتها ومجازها تقدم عند قوله تعالى : { فخذها بقوة في سورة الأعراف ( 145 ~~) . وأطلقت على وسائل القوة كما تقدم في قوله تعالى : وأعدوا لهم ما ~~استطعتم من قوة في سورة الأنفال ( 60 ) ، أي وسائل القدرة على القتال ~~والغلبة ، ومن القوة كثرة القادرين على القتال والعارفين بأساليبه . # والبأس : الشدة على العدو ، قال تعالى : والصابرين في البأساء والضراء ~~وحين البأس } ( البقرة : 177 ) أي في مواقع القتال ، وقال : { بأسهم بينهم ~~شديد } ( الحشر : 14 ) ، وهذا الجواب تصريح بأنهم مستعدون للحرب للدفاع عن ~~ملكهم وتعريض بأنهم يميلون إلى الدفع PageV19P264 بالقوة إن أراد أن يكرههم ~~على الدخول تحت طاعته لأنهم حملوا ما تضمنه كتابه على ما قد يفضي إلى هذا . # ومع إظهار هذا الرأي فوضوا الأمر إلى الملكة لثقتهم بأصالة رأيها لتنظر ~~ما تأمرهم فيمتثلونه ، فحذف مفعول { تأمرين } ومتعلقه لظهورهما من المقام ، ~~والتقدير : ما تأمريننا به ، أي إن كان رأيك غير الحرب فمري به نطعك . # وفعل { انظري } معلق عن العمل بما بعده من الاستفهام وهو { ماذا تأمرين } ~~. # وتقدم الكلام على { ماذا } في قوله : { وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم } في ~~سورة النحل ( 24 ) . # $ 2 ( 34 ، 35 ) { قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلو & # 1764 ا أعزة أهلهآ أذلة وكذالك يفعلون * وإنى مرسلة إليهم بهدية فناظرة ~~بم يرجع المرسلون } . ) 2 $ # { قالت } جواب محاورة فلذلك فصل . # أبدت لهم ms5984 رأيها مفضلة جانب السلم على جانب الحرب ، وحاذرة من الدخول تحت ~~سلطة سليمان اختيارا لأن نهاية الحرب فيها احتمال أن ينتصر سليمان فتصير ~~مملكة سبأ إليه ، وفي الدخول تحت سلطة سليمان إلقاء للمملكة في تصرفه ، وفي ~~كلا الحالين يحصل تصرف ملك جديد في مدينتها فعلمت بقياس شواهد التاريخ ~~وبخبرة طبائع الملوك إذا تصرفوا في مملكة غيرهم أن يقلبوا نظامها إلى ما ~~يساير مصالحهم واطمئنان نفوسهم من انقلاب الأمة المغلوبة عليهم في فرص ~~الضعف أو لوائح الاشتغال بحوادث مهمة ، فأول ما يفعلونه إقصاء الذين كانوا ~~في الحكم لأن الخطر يتوقع من جانبهم حيث زال سلطانهم بالسلطان الجديد ، ثم ~~يبدلون القوانين والنظم التي كانت تسير عليها الدولة ، فأما إذا أخذوها ~~عنوة فلا يخلو الأخذ من تخريب وسبي ومغانم ، وذلك أشد فسادا . وقد اندرج ~~الحالان في قولها { إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة } . ~~PageV19P265 # وافتتاح جملة : { إن الملوك } بحرف التأكيد للاهتمام بالخبر وتحقيقه ، ~~فقولها { إذا دخلوا قرية أفسدوها } استدلال بشواهد التاريخ الماضي ولهذا ~~تكون { إذا } ظرفا للماضي بقرينة المقام كقوله تعالى : { وإذا رأوا تجارة ~~أو لهوا انفضوا إليها } ( الجمعة : 11 ) وقوله : { ولا على الذين إذا ما ~~أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا } ( التوبة : 92 ) . # وجملة : { وكذلك يفعلون } استدلال على المستقبل بحكم الماضي على طريقة ~~الاستصحاب وهو كالنتيجة للدليل الذي في قوله : { إن الملوك إذا دخلوا قرية ~~أفسدوها } . والإشارة إلى المذكور من الإفساد وجعلل الأعزة أذلة ، أي فكيف ~~نلقي بأيدينا إلى من لا يألو إفسادا في حالنا . # فدبرت أن تتفادى من الحرب ومن الإلقاء باليد ، بطريقة المصانعة والتزلف ~~إلى سليمان بإرسال هدية إليه ، وقد عزمت على ذلك ولم تستطلع رأي أهل ~~مشورتها لأنهم فوضوا الرأي إليها ، ولأن سكوتهم على ما تخبرهم به يعد ~~موافقة ورضى . # وهذا الكلام مقدمة لما ستلقيه إليهم من عزمها ، ويتضمن تعليلا لما عزمت ~~عليه . # والباء في { بهدية } باء المصاحبة . ومفعول { مرسلة } محذوف دل عليه وصف ~~{ مرسلة } وكون التشاور فيما تضمنه كتاب سليمان . فالتقدير : مرسلة إليهم ~~كتابا ms5985 ووفدا مصحوبا بهدية إذ لا بد أن يكون الوفد مصحوبا بكتاب تجيب به ~~كتاب سليمان فإن الجواب عن الكتاب عادة قديمة ، وهو من سنن المسلمين ، وعد ~~من حق المسلم على المسلم ، قال القرطبي : إذا ورد على إنسان في كتاب ~~بالتحية أو نحوها ينبغي أن يرد الجواب لأن الكتاب من الغائب كالسلام من ~~الحاضر . وروي عن ابن عباس أنه كان يرى رد الكتاب واجبا كرد السلام اه . ~~ولم أقف على حكم فيه من مذاهب الفقهاء . والظاهر أن الجواب إن كان عن كتاب ~~مشتمل على صيغة السلام أن يكون رد الجواب واجبا وأن يشتمل على رد السلام ~~لأن الرد بالكتابة يقاس على الرد بالكلام مع إلغاء فارق ما في المكالمة من ~~المواجهة التي يكون ترك الرد معها أقرب لإلقاء العداوة . ولم أر في كتب ~~النبي صلى الله عليه وسلم جوابا عن كتاب إلا جوابه عن كتاب مسيلمة والسلام ~~على من اتبع الهدى . PageV19P266 # والهدية : فعيلة من أهدى : فالهدية ما يعطى لقصد التقرب والتحبب ، والجمع ~~هدايا على اللغة الفصحى ، وهي لغة سفلى معد . وأصل هدايا : هدائي بهمزة بعد ~~ألف الجمع ثم ياء لأن فعيلة يجمع على فعائل بإبدال ياء فعيلة همزة لأنها ~~حرف وقع في الجمع بعد حرف مد فلما وجدوا الضمة في حالة الرفع ثقيلة على ~~الياء سكنوا الياء طردا للباب ثم قلبوا الياء الساكنة ألفا للخفة فوقعت ~~الهمزة بين ألفين فثقلت فقلبوها ياء لأنها مفتوحة وهي أخف ، وأما لغة سفلى ~~معد فيقولون : هداوى بقلب الهمزة التي بين الألفين واوا لأنها أخت الياء ~~وكلتاهما أخت الهمزة . # و { ناظرة } اسم فاعل من نظر بمعنى انتظر ، أي مترقبة ، فتكون جملة : { ~~بم يرجع المرسلون } مبينة لجملة { فناظرة } ، أو مستأنفة . وأصل النظم : ~~فناظرة ما يرجع المرسلون به ، فغير النظم لما أريد أنها مترددة فيما يرجع ~~به المرسلون . فالباء في قوله : { بم يرجع المرسلون } متعلقة بفعل { يرجع } ~~قدمت على متعلقها لاقترانها بحرف ( ما ) الاستفهامية لأن الاستفهام له صدر ~~الكلام . # ويجوز أن يكون { ناظرة } من النظر العقلي ، أي عالمة ms5986 ، وتعلق الباء بفعل ~~{ يرجع } ، وعلى كلا الوجهين ف { ناظرة } معلق عن العمل في مفعوله أو ~~مفعوليه لوجود الاستفهام ، ولا يجوز تعلق الباء ب { ناظرة } لأن ما قبل ~~الاستفهام لا يعمل فيما بعده فمن ثم غلطوا الحوفي في ( تفسيره ) لتعليقه ~~الباء ب { ناظرة } كما في الجهة السادسة من الباب الخامس من ( مغني اللبيب ~~) . # # | 2 ( 36 ، 37 ) { فلما جآء سليمان قال أتمدونن بمال فمآ ءاتانى الله خير ~~ممآ ءاتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون * ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل ~~لهم بها ولنخرجنهم منهآ أذلة وهم صاغرون } . ) 2 # أي فلما جاء الرسول الذي دل عليه قوله : { وإني مرسلة إليهم بهدية } ( ~~النمل : 35 ) ، فالإرسال يقتضي رسولا ، والرسول لفظه مفرد ويصدق بالواحد ~~والجماعة ، كما تقدم في قصة موسى في سورة الشعراء . وأيضا فإن هدايا الملوك ~~يحملها ركب ، فيجوز أن يكون فاعل { جاء } الركب المعهود في إرسال هدايا ~~أمثال الملوك . PageV19P267 # وقد أبى سليمان قبول الهدية لأن الملكة أرسلتها بعد بلوغ كتابه ولعلها ~~سكتت عن الجواب عما تضمنه كتابه من قوله : { وأتوني مسلمين } ( النمل : 31 ~~) فتبين له قصدها من الهدية أن تصرفه عن محاولة ما تضمنه الكتاب ، فكانت ~~الهدية رشوة لتصرفه عن بث سلطانه على مملكة سبأ . # والخطاب في { أتمدونن } لوفد الهدية لقصد تبليغه إلى الملكة لأن خطاب ~~الرسل إنما يقصد به من أرسلهم فيما يرجع إلى الغرض المرسل فيه . # والاستفهام إنكاري لأن حال إرسال الهدية والسكوت عن الجواب يقتضي محاولة ~~صرف سليمان عن طلب ما طلبه بما بذل له من المال ، فيقتضي أنهم يحسبونه ~~محتاجا إلى مثل ذلك المال فيقتنع بما وجه إليه . # ويظهر أن الهدية كانت ذهبا ومالا . # وقرأ الجمهور : { أتمدونني } بنونين . وقرأه حمزة وخلف بنون واحدة مشددة ~~بالإدغام . والفاء لتفريع الكلام الذي بعدها على الإنكار السابق ، أي أنكرت ~~عليكم ظنكم فرحي بما وجهتم إلي لأن ما أعطاني الله خير مما أعطاكم ، أي هو ~~أفضل منه في صفات الأموال من نفاسة ووفرة . # وسوق التعليل يشعر بأنه علم أن الملكة لا تعلم أن لدى سليمان من ms5987 الأموال ~~ما هو خير مما لديها ، لأنه لو كان يظن أنها تعلم ذلك لما احتاج إلى ~~التفريع . # وهذا من أسرار الفرق في الكلام البليغ بين الواو والفاء في هذه الجملة ~~فلو قال : وما آتاني الله خير مما آتاكم ، لكان مشعرا بأنها تعلم ذلك لأن ~~الواو تكون واو الحال . # و { بل } للإضراب الانتقالي وهو انتقال من إنكاره عليهم إمداده بمال إلى ~~رد ذلك المال وإرجاعه إليهم . # وإضافة { هديتكم } تشبيه ؛ تحتمل أن تكون من إضافة الشيء إلى ما هو في ~~معنى المفعول ، أي بما تهدونه . ويجوز أن يكون شبيهة بالإضافة إلى ما هو في ~~معنى المفعول ، أي بما يهدى إليكم . والخبر استعمل كناية عن رد الهدية ~~للمهدي . PageV19P268 # ومعنى : { تفرحون } يجوز أن يكون تسرون ، ويجوز أن يكون تفتخرون ، أي ~~أنتم تعظم عندكم تلك الهدية لا أنا ، لأن الله أعطاني خيرا منها . # وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي في ( أنتم تفرحون ) لإفادة القصر ، ~~أي أنتم . وهو الكناية عن رد الهدية . # وتوعدهم وهددهم بأنه مرسل إليهم جيشا لا قبل لهم بحربه . وضمائر جمع ~~الذكور الغائب في قوله : { فلنأتينهم } و { لنخرجنهم } عائدة إلى القوم ، ~~أي لنخرجن من نخرج من الأسرى . # وقوله : { فلنأتينهم بجنود } يحتمل أنه أراد غزو بلدها بنفسه ، فتكون ~~الباء للمصاحبة . ويحتمل أنه أراد إرسال جنود لغزوها فتكون الباء للتعدية ~~كالتي في قوله تعالى : { ذهب الله بنورهم } ( البقرة : 17 ) أي أذهبه ؛ ~~فيكون المعنى : فلنؤتينهم جنودا ، أي نجعلها آتية إياهم . # والقبل : الطاقة . وأصله المقابلة فأطلق على الطاقة لأن الذي يطيق شيئا ~~يثبت للقائه ويقابله . فإذا لم يطقه تقهقر عن لقائه . ولعل أصل هذا ~~الاستعمال ناظر إلى المقابلة في القتال . # والباء في { بها } للسببية ، أي انتفى قبلهم بسببها ، أو تكون الباء ~~للمصاحبة ، أي انتفى قبلهم المصاحب لها ، أي للقدرة على لقائها . # وضمير { بها } للجنود وضمير { منها } للمدينة ، وهي مأرب ، أي يخرجهم ~~أسرى ويأتي بهم إلى مدينته . # والصاغر : الذليل ، اسم فاعل من صغر بضم الغين المستعمل بمعنى ذل ومصدره ~~الصغار . والمراد : ذل الهزيمة والأسر . # PageV19P269 $ 2 ( 38 40 ) { قال ms5988 ياأيها الملا أيكم يأتينى بعرشها قبل أن ~~يأتونى مسلمين * قال عفريت من الجن أنا ءاتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإنى ~~عليه لقوى أمين * قال الذى عنده علم من الكتاب أنا ءاتيك به قبل أن يرتد ~~إليك طرفك فلما رءاه مستقرا عنده قال هاذا من فضل ربى ليبلونى & # 1764 أءشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربى غنى كريم } ~~. ) 2 $ # استئناف ابتدائي لذكر بعض أجزاء القصة طوي خبر رجوع الرسل والهدية ، وعلم ~~سليمان أن ملكة سبأ لا يسعها إلا طاعته ومجيئها إليه ، أو ورد له منها أنها ~~عزمت على الحضور عنده عملا بقوله : { وأتوني مسلمين } ( النمل : 31 ) . # ثم يحتمل أن يكون سليمان قال ذلك بعد أن حطت رحال الملكة في مدينة ~~أورشليم وقبل أن تتهيأ للدخول على الملك ، أو حين جاءه الخبر بأنها شارفت ~~المدينة فأراد أن يحضر لها عرشها قبل أن تدخل عليه ليريها مقدرة أهل دولته ~~. # وقد يكون عرشها محمولا معها في رحالها جاءت به معها لتجلس عليه خشية أن ~~لا يهيىء لها سليمان عرشا ، فإن للملوك تقادير وظنونا يحترزون منها خشية ~~الغضاضة . # وقوله : { آتيك } يجوز أن يكون فعلا مضارعا من أتى ، وأن يكون اسم فاعل ~~منه ، والباء على الاحتمالين للتعدية . ولما علم سليمان بأنها ستحضر عنده ~~أراد أن يبهتها بإحضار عرشها الذي تفتخر به وتعده نادرة الدنيا ، فخاطب ~~ملأه ليظهر منهم منتهى علمهم وقوتهم . فالباء في { بعرشها } كالباء في قوله ~~: { فلنأتينهم بجنود } ( النمل : 37 ) تحتمل الوجهين . # وجملة : { قال يا أيها الملؤا } مستأنفة ابتداء لجزء من قصة . وجملة : { ~~قال عفريت } واقعة موقع جواب المحاورة ففصلت على أسلوب المحاورات كما تقدم ~~غير مرة . وجملة : { قال الذي عنده علم من الكتاب } أيضا جواب محاورة . # ومعنى { عفريت } حسبما يستخلص من مختلف كلمات أهل اللغة أنه اسم ~~PageV19P270 للشديد الذي لا يصاب ولا ينال ، فهو يتقى لشره . وأصله اسم ~~لعتاة الجن ، ويوصف به الناس على معنى التشبيه . # و { الذي عنده علم من الكتاب } رجل من أهل الحكمة من ms5989 حاشية سليمان . # و { من } في قوله : { من الكتاب } ابتدائية ، أي عنده علم مكتسب من الكتب ~~، أي من الحكمة ، وليس المراد بالكتاب التوراة . وقد عد في سفر الملوك ~~الأول في الإصحاح الرابع أحد عشر رجلا أهل خاصة سليمان بأسمائهم وذكر أهل ~~التفسير والقصص أن : { الذي عنده علم من الكتاب } هو ( آصف بن برخيا ) وأنه ~~كان وزير سليمان . # وارتداد الطرف حقيقته : رجوع تحديق العين من جهة منظورة تحول عنها لحظة . ~~وعبر عنه بالارتداد لأنهم يعبرون عن النظر بإرسال الطرف وإرسال النظر فكان ~~الارتداد استعارة مبنية على ذلك . # وهذه المناظرة بين العفريت من الجن والذي عنده علم من الكتاب ترمز إلى ~~أنه يتأتى بالحكمة والعلم ما لا يتأتى بالقوة ، وأن الحكمة مكتسبة لقوله : ~~{ عنده علم من الكتاب } ، وأن قوة العناصر طبيعة فيها ، وأن الاكتساب ~~بالعلم طريق لاستخدام القوى التي لا تستطيع استخدام بعضها بعضا . فذكر في ~~هذه القصة مثلا لتغلب العلم على القوة . ولما كان هذان الرجلان مسخرين ~~لسليمان كان ما اختصا به من المعرفة مزية لهما ترجع إلى فضل سليمان وكرامته ~~أن سخر الله له مثل هذه القوى . ومقام نبوته يترفع عن أن يباشر بنفسه ~~الإتيان بعرش بلقيس . # والظاهر أن قوله : { قبل أن تقوم من مقامك } وقوله : { قبل أن يرتد إليك ~~طرفك } مثلان في السرعة والأسرعية ، والضمير البارز في { رءاه } يعود إلى ~~العرش . # والاستقرار : التمكن في الأرض وهو مبالغة في القرار . وهذا استقرار خاص ~~هو غير الاستقرار العام المرادف للكون ، وهو الاستقرار الذي يقدر في ~~الإخبار عن المبتدأ بالظرف والمجرور ليكون متعلقا بهما إذا وقعا خبرا أو ~~وقعا حالا ، إذ يقدر PageV19P271 ( كائن ) أو ( مستقر ) فإن ذلك الاستقرار ~~ليس شأنه أن يصرح به . وابن عطية جعله في الآية من إظهار المقدر وهو بعيد . # ولما ذكر الفضل أضافه إلى الله بعنوان كونه ربه لإظهار أن فضله عليه عظيم ~~إذ هو عبد ربه . فليس إحسان الله إليه إلا فضلا محضا ، ولم يشتغل سليمان ~~حين أحضر له العرش بأن يبتهج بسلطانه ولا بمقدرة رجاله ولكنه انصرف ms5990 إلى شكر ~~الله تعالى على ما منحه من فضل وأعطاه من جند مسخرين بالعلم والقوة ، ~~فمزايا جميعهم وفضلهم راجع إلى تفضيله . # وضرب حكمة خلقية دينية وهي : { من شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي ~~غني كريم } ؛ فكل متقرب إلى الله بعمل صالح يجب أن يستحضر أن عمله إنما هو ~~لنفسه يرجو به ثواب الله ورضاه في الآخرة ويرجو دوام التفضل من الله عليه ~~في الدنيا ، فالنفع حاصل له في الدارين ولا ينتفع الله بشيء من ذلك . # فالكلام في قوله : { يشكر لنفسه } لام الأجل وليست اللام التي يعدى بها ~~فعل الشكر في نحو { واشكروا لي } ( البقرة : 152 ) . والمراد ب { من كفر } ~~من كفر فضل الله عليه بأن عبد غير الله ، فإن الله غني عن شكره وهو كريم في ~~إمهاله ورزقه في هذه الدنيا . وقد تقدم عند قوله فيما تقدم : { قال رب ~~أوزعني أن أشكر نعمتك } ( النمل : 19 ) . # والعدول عن الإضمار إلى الإظهار في قوله : { فإن ربي غني كريم } دون أن ~~يقول : فإنه غني كريم ، تأكيد للاعتراف بتمحض الفضل المستفاد من قوله : { ~~فضل ربي } . # $ 2 ( 41 ) { قال نكروا لها عرشها ننظر أتهتدى & # 1764 أم تكون من الذين لا يهتدون } . ) 2 $ # هذا من جملة المحاورة التي جرت بين سليمان عليه السلام وبين ملئه ، ولذلك ~~لم يعطف لأنه جرى على طريقة المقاولة والمحاورة . # والتنكير : التغيير للحالة . قال جميل : # وقالوا نراها يا جميل تنكرت # وغيرها الواشي فقلت : لعلها PageV19P272 # أراد : تنكرت حالة معاشرتها بسبب تغيير الواشين ، بأن يغير بعض أوصافه ، ~~قالوا : أراد مفاجأتها واختبار مظنتها . # والمأمور بالتنكير أهل المقدرة على ذلك من ملئه . # و { من الذين لا يهتدون } أبلغ في انتفاء الاهتداء من : لا تهتدي ، كما ~~تقدم في نظائره غير مرة . # # | 2 ( 42 ، 43 ) { فلما جآءت قيل أهكذا عرشك قالت كأنه هو وأوتينا العلم ~~من قبلها وكنا مسلمين * وصدها ما كانت تعبد من دون الله إنها كانت من قوم ~~كافرين } . ) 2 # دل قوله : { لما جاءت } أن الملكة لما بلغها ما أجاب به سليمان رسلها ~~أزمعت ms5991 الحضور بنفسها لدى سليمان داخلة تحت نفوذ مملكته ، وأنها تجهزت للسفر ~~إلى أورشليم بما يليق بمثلها . # وقد طوي خبر ارتحالها إذ لا غرض مهما يتعلق به في موضع العبرة . والمقصود ~~أنها خضعت لأمر سليمان وجاءته راغبة في الانتساب إليه . # وبني فعل { قيل } للمجهول إذ لا يتعلق غرض بالقائل . والظاهر أن الذي قال ~~ذلك هو سليمان . # يجوز أن يكون عطفا على قوله : { هذا من فضل ربي } ( النمل : 40 ) الآية ~~وما بينهما اعتراضا ، أي هذا من قول سليمان . # ويجوز أن يكون عطفا على قوله : { ننظر أتهتدي } ( النمل : 41 ) الآية وما ~~بينهما اعتراضا كذلك ، ويجوز أن يكون عطفا على { أهكذا عرشك } وما بينهما ~~اعتراضا به جوابها ، أي وقيل أوتينا العلم من قبلها ، أي قال القائل : ~~أهكذا عرشك ، أي قال سليمان ذلك في ملئه عقب اختيار رأيها شكرا لله على ما ~~لديه من العلم ، أو قال بعض ملأ سليمان لبعض هذه المقالة . ولعلهم تخافتوا ~~به أو رطنوه بلغتهم العبرية PageV19P273 بحيث لا تفهمهم . وقالوا ذلك بهجين ~~بأن فيهم من له من العلم ما ليس لملأ ملكة سبأ ، أي لا ننسى بما نشاهده من ~~بهرجات هذه الملكة أننا في حالة عقلية أفضل . وأرادوا بالعلم علم الحكمة ~~الذي علمه الله سليمان ورجال مملكته وتشاركهم بعض أهل سبأ في بعضه فقد ~~كانوا أهل معرفة أنشأوا بها حضارة مبهتة . # فمعنى : { من قبلها } إن حمل على ظاهره أن قومهم بني إسرائيل كانوا أسبق ~~في معرفة الحكمة وحضارة الملك من أهل سبأ لأن الحكمة ظهرت في بني إسرائيل ~~من عهد موسى ، فقد سن لهم الشريعة ، وأقام لهم نظام الجماعة ، وعلمهم أسلوب ~~الحضارة بتخطيط رسوم مساكنهم وملابسهم ونظام الجيش والحرب والمواسم ~~والمحافل . ثم أخذ ذلك يرتقي إلى أن بلغ غاية بعيدة في مدة سليمان ، فبهذا ~~الاعتبار كان بنو إسرائيل أسبق إلى علم الحكمة قبل أهل سبأ ، وإن أريد ب { ~~من قبلها } القبلية الاعتبارية وهي الفضل والتفوق في المزايا وهو الأليق ~~بالمعنى كان المعنى : إنا أوسع وأقوى منها علما ، كما قال النبي صلى ms5992 الله ~~عليه وسلم ( نحن الأولون السابقون بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا ) أي نحن ~~الأولون في غايات الهدى ، وجعل مثلا لذلك اهتداء أهل الإسلام ليوم الجمعة ~~فقال : ( وهذا يومهم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله إليه ) . فكان الأرجح أن ~~يكون معنى { من قبلها } أنا فائتونها في العلم وبالغون ما لم تبلغه . ~~وزادوا في إظهار فضلهم عليها بذكر الناحية الدينية ، أي وكنا مسلمين دونها ~~. وفي ذكر فعل الكون دلالة على تمكنهم من الإسلام منذ القدم . # وصدها هي عن الإسلام ما كانت تعبد من دون الله ، أي صدها معبودها من دون ~~الله ، ومتعلق الصد محذوف لدلالة الكلام عليه في قوله : { وكنا مسلمين } . ~~وما كانت تعبده هو الشمس . وإسناد الصد إلى المعبود مجاز عقلي لأنه سبب ~~صدها عن التوحيد كقوله تعالى : { وما زادوهم غير تتبيب } ( هود : 101 ) ~~وقوله : { غر هؤلاء دينهم } ( الأنفال : 49 ) . # وفي ذكر فعل الكون مرتين في { ما كانت تعبد } . و { إنها كانت من قوم ~~كافرين } دلالة على تمكنها من عبادة الشمس وكان ذلك التمكن بسبب الانحدار ~~من سلالة المشركين ، فالشرك منطبع في نفسها بالوراثة ، فالكفر قد أحاط بها ~~PageV19P274 بتغلغله في نفسها وبنشأتها عليه وبكونها بين قوم كافرين ، فمن ~~أين يخلص إليها الهدى والإيمان . # # | 2 ( 44 ) { قيل لها ادخلى الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها ~~قال إنه صرح ممرد من قوارير قالت رب إنى ظلمت نفسى وأسلمت مع سليمان لله رب ~~العالمين } . ) 2 # جملة : { قيل لها ادخلي الصرح } استئناف ابتدائي لجزء من القصة . وطوي ~~ذكر ترحلها إلى وصولها في ذكر ما يدل عليه من حلولها أمام صرح سليمان ~~للدخول معه إليه أو الدخول عليه وهو فيه . # لما أراها سليمان عظمة حضارته انتقل بها حيث تشاهد أثرا بديعا من آثار ~~الصناعة الحكيمة وهو الصرح . والصرح يطلق على صحن الدار وعرصتها . والظاهر ~~أن صرح القصر الذي ذكر في سفر الملوك الأول في الإصحاح السابع وهو بيت وعر ~~له بابان كان يجلس فيه سليمان للقضاء بين الناس . # والقائل لها : { ادخلي الصرح } هم الذين ms5993 كانوا في رفقتها . # والقائل { إنه صرح ممرد من قوارير } هو سليمان كان مصاحبا لها أو كان ~~يترقبها وزجاج الصرح المبلط به الصرح بينهما . # وذكر الدخول يقتضي أن الصرح مكان له باب . وفي سفر الملوك الأول في ~~الإصحاح العاشر : فلما رأت البيت الذي بناه . # وحكاية أنها حسبته لجة عندما رأته تقتضي أن ذلك بدا لها في حين دخولها ~~فدل على أن الصرح هو أول ما بدا لها من المدخل فهو لا محالة ساحة معنية ~~للنزهة فرشت بزجاج شفاف وأجري تحته الماء حتى يخاله الناظر لجة ماء . وهذا ~~من بديع الصناعة التي اختصت بها قصور سليمان في ذلك الزمان لم تكن معروفة ~~في اليمن على ما بلغته من حضارة وعظمة بناء . # وقرأ قنبل عن ابن كثير { عن سأقيها } بهمزة ساكنة بعد السين عوضا عن ~~الألف على لغة من يهمز حرف المد إذا وقع وسط الكلمة . ومنه قول جرير : ~~PageV19P275 # لحب المؤقدانن إلي مؤسى # وجعدة إذ أضاءهما الوقود # فهمز المؤقدان ومؤسى . # وكشف ساقيها كان من أجل أنها شمرت ثيابها كراهية ابتلالها بما حسبته ماء ~~. فالكشف عن ساقيها يجوز أن يكون بخلع خفيها أو نعليها ، ويجوز أن يكون ~~بتشمير ثوبها . وقد قيل : إنها كانت لا تلبس الخفين . والممرد : المملس . # والقوارير : جمع قارورة وهي اسم لإناء من الزجاج كانوا يجعلونه للخمر ~~ليظهر للرائي ما قر في قعر الإناء من تفث الخمر فيظهر المقدار الصافي منها ~~. فسمى ذلك الإناء قارورة لأنه يظهر منه ما يقر في قعره ، وجمعت على قوارير ~~، ثم أطلق هذا الجمع على الطين الذي تتخذ منه القارورة وهو الزجاج ، ~~فالقوارير من أسماء الزجاج ، قال بشار : # ارفق بعمرو إذا حركت نسبته # فإنه عربي من قوارير # يريد أن نسبته في العرب ضعيفة إذا حركت تكسرت . وقد تقدم ذكر الزجاج عند ~~قوله تعالى : { المصباح في زجاجة } في سورة النور ( 35 ) . # بهرها ما رأت من آيات علمت منها أن سليمان صادق فيما دعاها إليه وأنه ~~مؤيد من الله تعالى ، وعلمت أن دينها ودين قومها باطل فاعترفت بأنها ظلمت ms5994 ~~نفسها في اتباع الضلال بعبادة الشمس . وهذا درجة أولى في الإعتقاد وهو درجة ~~التخلية ، ثم صعدت إلى الدرجة التي فوقها وهي درجة التحلي بالإيمان الحق ~~فقالت : { وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين } فاعترفت بأن الله هو رب جميع ~~الموجودات ، وهذا مقام التوحيد . # وفي قولها : { مع سليمان } إيمان بالدين الذي تقلده سليمان وهو دين ~~PageV19P276 اليهودية ، وقد أرادت جمع معاني الدين في هذه الكلمة ليكون ~~تفصيلها فيما تتلقاه من سليمان من الشرائع والأحكام . # وجملة : { قالت رب إني ظلمت نفسي } جواب عن قول سليمان { إنه صرح ممرد من ~~قوارير } ولذلك لم تعطف . # والإسلام : الانقياد إلى الله تعالى . وتقلد بلقيس للتوحيد كان في خاصة ~~نفسها لأنها دانت لله بذلك إذ لم يثبت أن أهل سبأ انخلعوا عن عبادة الأصنام ~~كما يأتي في سورة سبأ . وأما دخول اليهودية بلاد اليمن فيأتي في سورة ~~البروج . وسكت القرآن عن بقية خبرها ورجوعها إلى بلادها ، وللقصاصين أخبار ~~لا تصح فهذا تمام القصة . # ومكان العبرة منها الاتعاظ بحال هذه الملكة ، إذ لم يصدها علو شأنها ~~وعظمة سلطانها مع ما أوتيته من سلامة الفطرة وذكاء العقل عن أن تنظر في ~~دلائل صدق الداعي إلى التوحيد وتوقن بفساد الشرك وتعترف بالوحدانية لله ، ~~فما يكون إصرار المشركين على شركهم بعد أن جاءهم الهدي الإسلامي إلا لسخافة ~~أحلامهم أو لعمايتهم عن الحق وتمسكهم بالباطل وتصلبهم فيه . ولا أصل لما ~~يذكره القصاصون وبعض المفسرين من أن سليمان تزوج بلقيس ، ولا أن له ولدا ~~منها . فإن رحبعام ابنه الذي خلفه في الملك كان من زوجة عمونية . # # | 2 ( 45 ) { ولقد أرسلنآ إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله فإذا هم ~~فريقان يختصمون } . ) 2 # هذا مثل ثالث ضربه الله لحال المشركين مع المؤمنين وجعله تسلية لرسوله ~~صلى الله عليه وسلم بأن له أسوة بالرسل والأنبياء من قبله . # والانتقال من ذكر ملك سليمان وقصة ملكة سبأ إلى ذكر ثمود ورسولهم دون ذكر ~~عاد لمناسبة جوار البلاد ، لأن ديار ثمود كانت على تخوم مملكة سليمان وكانت ~~في طريق السائر ms5995 من سبأ إلى فلسطين . # ألا ترى أنه أعقب ذكر ثمود بذكر قوم لوط وهم أدنى إلى بلاد فلسطين ، فكان ~~PageV19P277 سياق هذه القصص مناسبا لسياق السائر من بلاد اليمن إلى فلسطين ~~. ولما كان ما حل بالقوم أهم ذكرا في هذا المقام قدم المجرور على المفعول ~~لأن المجرور هو محل العبرة ، وأما المفعول فهو محل التسلية ، والتسلية غرض ~~تبعي . # ولام القسم لتأكيد الإرسال باعتبار ما اتصل به من بقية الخبر ؛ فإما أن ~~يكون التأكيد لمجرد الاهتمام ، وإما أن يبنى على تنزيل المخاطبين منزلة من ~~يتردد فيما تضمنه الخبر من تكذيب قومه إياه واستخفافهم بوعيد ربهم على ~~لسانه . وحلول العذاب بهم لأجل ذلك لأن حالهم في عدم العظة بما جرى ~~للمماثلين في حالهم جعلهم كمن ينكر ذلك . # و { أن أعبدوا الله } تفسير لما دل عليه { أرسلنا } من معنى القول . وفرع ~~على { أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا } إلخ { إذا هم فريقان يختصمون } . ~~فالمعنى : أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا لإنقاذهم من الشرك ففاجأ من حالهم ~~أن أعرض فريق عن الإيمان وآمن فريق . # والإتيان بحرف المفاجأة كناية عن كون انقسامهم غير مرضي فكأنه غير مترقب ~~، ولذلك لم يقع التعرض لإنكار كون أكثرهم كافرين إشارة إلى أن مجرد بقاء ~~الكفر فيهم كاف في قبح فعلهم . وحالهم هذا مساو لحال قريش تجاه الرسالة ~~المحمدية . وأعيد ضمير { يختصمون } على المثنى وهو { فريقان } باعتبار ~~اشتمال الفريقين على عدد كثير . كقوله تعالى : { وإن طائفتان من المؤمنين ~~اقتتلوا } ( الحجرات : 9 ) ولم يقل : اقتتلتا . # والفريقان هما : فريق الذين استكبروا ، وفريق الذين استضعفوا وفيهم صالح ~~. والفاء للتعقيب وهو تعقيب بحسب ما يقتضيه العرف بعد سماع الدعوة . ~~والاختصام واقع مع صالح ابتداء ، ومع أتباعه تبعا . # # | 2 ( 46 ) { قال ياقوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة لولا تستغفرون ~~الله لعلكم ترحمون } . ) 2 # لما كان الاختصام بين الفريقين في شأن صالح ابتداء جيء بجواب صالح عما ~~PageV19P278 تضمنه اختصامهم من محاولتهم إفحامه بطلب نزول العذاب . فمقول ~~صالح هذا ليس هو ابتداء دعوته فإنه تقدم قوله : { أن اعبدوا الله } ( النمل ms5996 ~~: 45 ) ولكنه جواب عما تضمنه اختصامهم معه ، ولذلك جاءت جملة : { قال يا ~~قوم } مفصولة جريا على طريقة المحاورة لأنها حكاية جواب عما تضمنه اختصامهم ~~. # واقتصر على مراجعة صالح قومه في شأن غرورهم بظنهم أن تأخر العذاب أمارة ~~على كذب الذي توعدهم به فإنهم قالوا : { فآتنا بما تعدنا إن كنت من ~~الصادقين } ( الأعراف : 70 ) كما حكي عنهم في سورة الأعراف لأن الغرض هنا ~~موعظة قريش في قولهم : { فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ~~} ( الأنفال : 32 ) بحال ثمود المساوي لحالهم ليعلموا أن عاقبة ذلك مماثلة ~~لعاقبة ثمود لتماثل الحالين قال تعالى : { ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل ~~مسمى لجاءهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون } ( العنكبوت : 53 ) . # والاستفهام في قوله : { لم تستعجلون } إنكار لأخذهم بجانب العذاب دون ~~جانب الرحمة . # ف { السيئة } : صفة لمحذوف ، أي بالحالة السيئة ، وكذلك { الحسنة } . # فيجوز أن يكون المراد ب { السيئة } الحالة السيئة في معاملتهم إياه ~~بتكذيبهم إياه . والمراد بالحسنة ضد ذلك ، أي تصديقهم لما جاء به ، ~~فالاستعجال : المبادرة . والباء للملابسة . ومفعول { تستعجلون } محذوف ~~تقديره : تستعجلونني متلبسين بسيئة التكذيب . والمعنى : أنه أنكر عليهم ~~أخذهم بطرف التكذيب إذ أعرضوا عن التدبر في دلائل صدقه ، أي إن كنتم ~~مترددين في أمري فافرضوا صدقي ثم انظروا . وهذا استنزال بهم إلى النظر بدلا ~~عن الإعراض ، ولذلك جمع في كلامه بين السيئة والحسنة . # ويجوز أن يكون المراد ب { السيئة } الحالة السيئة التي يترقبون حلولها ، ~~وهي ما سألوا من تعجيل العذاب المحكي عنهم في سورة الأعراف ، وب { الحسنة } ~~ضد ذلك أي حالة سلامتهم من حلول العذاب ف { السيئة } مفعول { تستعجلون } ~~والباء مزيدة لتأكيد اللصوق مثل ما في قوله تعالى : { وامسحوا برؤوسكم } ( ~~المائدة : 6 ) . PageV19P279 # والمعنى : إنكار جعلهم تأخير العذاب أمارة على كذب الوعيد به وأن الأولى ~~بهم أن يجعلوا امتداد السلامة أمارة على إمهال الله إياهم فيتقوا حلول ~~العذاب ، أي لم تبقون على التكذيب منتظرين حلول العذاب ، وكان الأجدر بكم ~~أن تبادروا بالتصديق منتظرين عدم حلول العذاب بالمرة . وعلى كلا الوجهين ~~فجواب صالح إياهم جار ms5997 على الأسلوب الحكيم بجعل يقينهم بكذبه محمولا على ~~ترددهم بين صدقه وكذبه . # وقوله : { قبل الحسنة } حال من { السيئة } . وهذا تنبيه لهم على خطئهم في ~~ظنهم أنه لو كان صالح صادقا فيما توعدهم به لعجل لهم به ، فما تأخيره إلا ~~لأنه ليس بوعيد حق ، لأن العذاب أمر عظيم لا يجوز الدخول تحت احتماله في ~~مجاري العقول . فالقبلية في قوله : { قبل الحسنة } مجاز في اختيار الأخذ ~~بجانب احتمال السيئة وترجيحه على الأخذ بجانب الحسنة ، فكأنهم بادروا إليها ~~فأخذوها قبل أن يأخذوا الحسنة . # وظاهر الاستفهام أنه استفهام عن علة استعجالهم ، وإنما هو استفهام عن ~~المعلول كناية عن انتفاء ما حقه أن يكون سببا لاستعجال العذاب ، فالإنكار ~~متوجه للاستعجال لا لعلته . # ثم أعقب الإنكار المقتضي طلب التخلية عن ذلك بتحريضهم على الإقلاع عن ذلك ~~بالتوبة وطلب المغفرة لما مضى منهم ويرجون أن يرحمهم الله فلا يعذبهم ، وإن ~~كان ما صدر منهم موجبا لاستمرار غضب الله عليهم ، إلا أن الله برحمته جعل ~~التائب من الذنب كمن لم يذنب . # # | 2 ( 47 ) { قالوا اطيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند الله بل أنتم قوم ~~تفتنون } . ) 2 # هذا من محاورتهم مع صالح فلذلك لم يعطف فعلا القول وجاء على سنن حكاية ~~أقوال المحاورات كما بيناه غير مرة . # وأصل { اطيرنا } تطيرنا فقلبت التاء طاء لقرب مخرجيهما وسكنت لتخفيف ~~PageV19P280 الإدغام وأدخلت همزة الوصل لابتداء الكلمة بساكن ، والباء ~~للسببية . # ومعنى التطير : التشاؤم . أطلق عليه التطير لأن أكثره ينشأ من الاستدلال ~~بحركات الطير من سانح وبارح . وكان التطير من أوهام العرب وثمود من العرب ، ~~فقولهم المحكي في هذه الآية حكي به مماثله من كلامهم ولا يريدون التطير ~~الحاصل من زجر الطير لأنه يمنع من ذلك قولهم : { بك وبمن معك } وقد تقدم ~~مثله عند قوله تعالى : { وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه في سورة ~~الأعراف ( 131 ) . وتقدم معنى الشؤم هنالك . # وأجاب صالح كلامهم بأنه ومن معه ليسوا سبب شؤم ولكن سبب شؤمهم وحلول ~~المضار بهم هو قدرة الله . # واستعير لما حل بهم ms5998 اسم الطائر مشاكلة لقولهم اطيرنا بك وبمن معك } ، ~~ومخاطبة لهم بما يفهمون لإصلاح اعتقادهم ، بقرينة قولهم { اطيرنا بك } . # و { عند } للمكان المجازي مستعارا لتحقق شأن من شؤون الله به يقدر الخير ~~والشر وهو تصرف الله وقدره . وقد تقدم نظيره في الأعراف . # وأضرب ب { بل } عن مضمون قولهم : { اطيرنا بك وبمن معك } بأن لا شؤم ~~بسببه هو وسبب من معه ولكن الذين زعموا ذلك قوم فتنهم الشيطان فتنة متجددة ~~بإلقاء الإعتقاد بصحة ذلك في قلوبهم . # وصيغ الإخبار عنهم بأنهم مفتونون بتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي ~~لتقوي الحكم بذلك . وصيغ المسند فعلا مضارعا لدلالته على تجدد الفتون ~~واستمراره . # وغلب جانب الخطاب في قوله : { تفتنون } على جانب الغيبة مع أن كليهما ~~مقتضى الظاهر ترجيحا لجانب الخطاب لأنه أدل من الغيبة . # PageV19P281 # | 2 ( 48 ، 49 ) { وكان فى المدينة تسعة رهط يفسدون فى الارض ولا يصلحون ~~* قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله ~~وإنا لصادقون } . ) 2 # عطف جزء القصة على جزء منها . و { المدينة } : هي حجر ثمود بكسر الحاء ~~وسكون الجيم المعروف مكانها اليوم بديار ثمود ومدائن صالح ، وهي بقايا تلك ~~المدينة من أطلال وبيوت منحوتة في الجبال . وهي بين المدينة المنورة وتبوك ~~في طريق الشام وقد مر بها النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون في مسيرهم في ~~غزوة تبوك ورأوا فيها آبارا نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن الشرب ~~والوضوء منها إلا بئرا واحدة أمرهم بالشرب والوضوء بها وقال : ( إنها البئر ~~التي كانت تشرب منها ناقة صالح ) . # والرهط : العدد من الناس حوالي العشرة وهو مثل النفر . وإضافة تسعة إليه ~~من إضافة الجزء إلى اسم الكل على التوسع وهو إضافة كثيرة في الكلام العربي ~~مثل : خمس ذود . واختلف أيمة النحو في القياس عليها ، ومذهب سيبويه والأخفش ~~أنها سماعية . # وكان هؤلاء الرهط من عتاة القوم ، واختلف في أسمائهم على روايات هي من ~~أوضاع القصاصين ولم يثبت في ذلك ما يعتمد . واشتهر أن الذي عقر الناقة اسمه ~~( قدار ) بضم القاف وتخفيف ms5999 الدال ، وقد تشاءم بعض الناس بعدد التسعة بسبب ~~قصة ثمود وهو من التشاؤم المنهي عنه . # و { الأرض } : أرض ثمود فالتعريف للعهد . # وعطف { لا يصلحون } على { يفسدون } احتراس للدلالة على أنهم تمحضوا ~~للإفساد ولم يكونوا ممن خلطوا إفسادا بإصلاح . # وجملة : { قالوا } صفة ل { تسعة } ، أو خبر ثان ل { كان } ، أو هو الخبر ~~ل { كان } . وفي { المدينة } متعلق ب { كان } ظرفا لغوا ولا يحسن جعل ~~الجملة استئنافا لأنها المقصود من القصة والمعنى : قال بعضهم لبعض . # و { تقاسموا } فعل أمر ، أي قال بعضهم : تقاسموا ، أي ابتدأ بعضهم ~~PageV19P282 فقال : تقاسموا . وهو يريد شمول نفسه إذ لا يأمرهم بذلك إلا ~~وهو يريد المشاركة معهم في المقسم عليه كما دل عليه قوله : { لنبيتنه } . ~~فلما قال ذلك بعضهم توافقوا عليه وأعادوه فصار جميعهم قائلا ذلك فلذلك أسند ~~القول إلى التسعة . # والقسم بالله يدل على أنهم كانوا يعترفون بالله ولكنهم يشركون به الآلهة ~~كما تقدم في قصصهم فيما مر من السور . # و { لنبيتنه } جواب القسم ، والضمير عائد إلى صالح . والتبييت والبيات : ~~مباغتة العدو ليلا . وعكسه التصبيح : الغارة في الصباح ، وكان شأن الغارات ~~عند العرب أن تكون في الصباح ، ولذلك يقول من ينذر قوما بحلول العدو : ( يا ~~صباحاه ) ، فالتبييت لا يكون إلا لقصد غدر . والمعنى : أنهم يغيرون على ~~بيته ليلا فيقتلونه وأهله غدرا من حيث لا يعرف قاتله ثم ينكرون أن يكونوا ~~هم قتلوهم ولا شهدوا مقتلهم . # والمهلك : مصدر ميمي من أهلك الرباعي ، أي شهدنا إهلاك من أهلكهم . ~~وقولهم : { وإنا لصادقون } هو من جملة ما هيأوا أن يقولوه فهو عطف على { ما ~~شهدنا مهلك } أي ونؤكد إنا لصادقون . ولم يذكروا أنهم يحلفون على أنهم ~~صادقون . # وقرأ الجمهور : { لنبيتنه } بنون الجماعة وفتح التاء التي قبل نون ~~التوكيد . وقرأه حمزة والكسائي وخلف بتاء الخطاب في أوله وبضم التاء ~~الأصلية قبل نون التوكيد . وذلك على تقدير : أمر بعضهم لبعض . وهكذا قرأ ~~الجمهور { لنقولن } بنون الجماعة في أوله وفتح اللام . وقرأه حمزة والكسائي ~~وخلف بتاء الخطاب وبضم اللام . # وقرأ الجمهور : { مهلك } بضم الميم ms6000 وفتح اللام وهو مصدر الإهلاك أو مكانه ~~أو زمانه . وقرأه حفص بفتح الميم وكسر اللام ويحتمل المصدر والمكان والزمان ~~. وقرأ أبو بكر عن عاصم بفتح الميم وفتح اللام فهو مصدر لا غير . # وولي صالح هم أقرب القوم له إذا راموا الأخذ بثأره . # وهذا الجزء من قصة ثمود لم يذكر في غير هذه السورة . وأحسب أن سبب ~~PageV19P283 ذكره أن نزول هذه السورة كان في وقتت تآمر فيه المشركون على ~~الإيقاع بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو التآمر الذي حكاه الله في قوله : { ~~وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله ~~والله خير الماكرين } ( الأنفال : 30 ) ؛ فضرب الله لهم مثلا بتآمر الرهط ~~من قوم صالح عليه ومكرهم وكيف كان عاقبة مكرهم ، ولذلك ترى بين الآيتين ~~تشابها وترى تكرير ذكر مكرهم ومكر الله بهم ، وذكر أن في قصتهم آية لقوم ~~يعلمون . # $ 2 ( 50 53 ) { ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون * فانظر كيف كان ~~عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين * فتلك بيوتهم خاوية بما ظلمو & # 1764 ا إن فى ذالك لاية لقوم يعلمون * وأنجينا الذين ءامنوا وكانوا يتقون ~~} . ) 2 $ # سمى الله تآمرهم مكرا لأنه كان تدبير ضر في خفاء . وأكد مكرهم بالمفعول ~~المطلق للدلالة على قوته في جنس المكر ، وتنوينه للتعظيم . # والمكر الذي أسند إلى اسم الجلالة مكر مجازي . استعير لفظ المكر لمبادرة ~~الله إياهم باستئصالهم قبل أن يتمكنوا من تبييت صالح وأهله ، وتأخيره ~~استئصالهم إلى الوقت الذي تآمروا فيه على قتل صالح لشبه فعلل الله ذلك بفعل ~~الماكر في تأجيل فعل إلى وقت الحاجة ، مع عدم إشعار من يفعل به . # وأكد مكر الله وعظم كما أكد مكرهم وعظم ، وذلك بما يناسب جنسه ، فإن عذاب ~~الله لا يدانيه عذاب الناس فعظيمه أعظم من كل ما يقدره الناس . # والمراد بالمكر المسند إلى الجلالة هو ما دلت عليه جملة : { إنا دمرناهم ~~وقومهم أجمعين } الآية . # وفي قوله : { وهم لا يشعرون } تأكيد لاستعارة المكر لتقدير الاستئصال ~~فليس في ذلك ترشيح للاستعارة ولا ms6001 تجريد . # والخطاب في قوله : { فانظر } للنبيء صلى الله عليه وسلم واقترانه بفاء ~~التفريع إيماء إلى أن PageV19P284 الاعتبار بمكر الله بهم هو المقصود من ~~سوق القصة تعريضا بأن عاقبة أمره مع قريش أن يكف عنه كيدهم وينصره عليهم ، ~~وفي ذلك تسلية له على ما يلاقيه من قومه . # والنظر : نظر قلبي ، وقد علق عن المفعولين بالاستفهام . # وقرأ الجمهور : { إنا دمرناهم } بكسر الهمزة فتكون الجملة مستأنفة ~~استئنافا بيانيا لما يثيره الاستفهام في قوله : { كيف كان عاقبة مكرهم } من ~~سؤال عن هذه الكيفية . والتأكيد للاهتمام بالخبر . وقرأه عاصم والكسائي ~~ويعقوب وخلف بفتح الهمزة فيكون المصدر بدلا من { عاقبة } . والتأكيد أيضا ~~للاهتمام . # وضمير الغيبة في { دمرناهم } للرهط . وعطف قومهم عليهم لموافقة الجزاء ~~للمجزي عليه لأنهم مكروا بصالح وأهله فدمرهم الله وقومهم . # والتدمير : الإهلاك الشديد ، وتقدم غير مرة منها في سورة الشعراء . # والقصة تقدمت . وتقدم إنجاء صالح والذين آمنوا معه وذلك أن الله أوحى ~~إليه أن يخرج ومن معه إلى أرض فلسطين حين أنذر قومه بتمتع ثلاثة أيام . # وتفريع قوله : { فتلك بيوتهم خاوية } على جملة : { دمرناهم } لتفريع ~~الإخبار . والإشارة منصرفة إلى معلوم غير مشاهد لأن تحققه يقوم مقام حضوره ~~فإن ديار ثمود معلومة لجميع قريش وهي في طريقهم في ممرهم إلى الشام . # وانتصب { خاوية } على الحال . وعاملها ما في اسم الإشارة من معنى الفعل ~~كقوله تعالى : { وهذا بعلي شيخا وقد تقدم في سورة هود ( 72 ) . # والخاوية : الخالية ، ومصدره الخواء ، أي فالبيوت باق بعضها في الجبال لا ~~ساكن بها . # والباء في بما ظلموا } للسببية ، و ( ما ) مصدرية ، أي كان خواؤها بسبب ~~ظلمهم . والظلم : الشرك وتكذيب رسولهم ، فذلك ظلم في جانب الله لأنه اعتداء ~~على حق وحدانيته ، وظلم للرسول بتكذيبه وهو الصادق . # ولما خص الله عملهم بوصف الظلم من بين عدة أحوال يشتمل عليها كفرهم ~~PageV19P285 كالفساد كان ذلك إشارة إلى أن للظلم أثرا في خراب بلادهم . ~~وهذا معنى ما روي عن ابن عباس أنه قال : أجد في كتاب الله أن الظلم يخرب ~~البيوت وتلا : { فتلك بيوتهم خاوية بما ms6002 ظلموا } . وهذا من أسلوب أخذ كل ما ~~يحتمل من معاني الكلام في القرآن كما ذكرناه في المقدمة التاسعة من مقدمات ~~هذا التفسير . # ونزيده هنا ما لم يسبق لنا في نظائره ، وهو أن الحقائق العقلية لما كان ~~قوام ماهياتها حاصلا في الوجود الذهني كان بين كثير منها انتساب وتقارب يرد ~~بعضها إلى بعض باختلاف الاعتبار . فالشرك مثلا حقيقة معروفة يكون بها جنسا ~~عقليا وهو بالنظر إلى ما يبعث عليه وما ينشأ عنه ينتسب إلى حقائق أخرى مثل ~~الظلم ، أي الاعتداء على الناس بأخذ حقوقهم فإنه من أسبابه ، ومثل الفسق ~~فإنه من آثاره ، وكذلك التكذيب فإنه من آثاره أيضا : { وذرني والمكذبين } ( ~~المزمل : 11 ) ، ومثل الكبر ومثل الإسراف فإنهما من آثاره أيضا . فمن ~~أساليب القرآن أن يعبر عن الشرك بألفاظ هذه الحقائق للإشارة إلى أنه جامع ~~عدة فظائع ، وللتنبيه على انتسابه إلى هذه الأجناس ، وليعلم المؤمنون فساد ~~هذه الحقائق من حيث هي فيعبر عنه هنا بالظلم وهو كثير ليعلم السامع أن جنس ~~الظلم قبيح مذموم ، ناهيك أن الشرك من أنواعه . وكذلك قوله : { إن الله لا ~~يهدي من هو مسرف كذاب } ( غافر : 28 ) أي هو متأصل في الشرك وإلا فإن الله ~~هدى كثيرا من المسرفين والكاذبين بالتوبة ، ومن قوله : { أليس في جهنم مثوى ~~للمتكبرين } ( الزمر : 60 ) ونحو ذلك . # وجملة : { إن في ذلك لآية } معترضة بين الجمل المتعاطفة . والإشارة إلى ~~ما ذكر من عاقبة مكرهم . والآية : الدليل على انتصار الله لرسله . # واللام في { لقوم يعلمون } لام التعليل يعني آية لأجلهم ، أي لأجل ~~إيمانهم . وفيه تعريض بأن المشركين الذين سبقت إليهم هذه الموعظة إن لم ~~يتعظوا بها فهم قوم لا يعلمون . # وفي ذكر كلمة ( قوم ) إيماء إلى أن من يعتبر بهذه الآية متمكن في العقل ~~حتى كان العقل من صفته القومية ، كما تقدم في قوله تعالى : { لآيات لقوم ~~يعقلون في سورة البقرة ( 164 ) . PageV19P286 # وفي تأخير جملة : وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون } عن جملة : { إن في ~~ذلك لآية لقوم يعلمون } طمأنة لقلوب المؤمنين بأن الله ينجيهم مما ms6003 توعد به ~~المشركين كما نجى الذين آمنوا وكانوا يتقون من ثمود وهم صالح ومن آمن معه . ~~وقيل : كان الذين آمنوا مع صالح أربعة آلاف ، فلما أراد الله إهلاك ثمود ~~أوحى الله إلى صالح أن يخرج هو ومن معه فخرجوا ونزلوا في موضع الرس فكان ~~أصحاب الرس من ذرياتهم . وقيل : نزلوا شاطىء اليمن وبنوا مدينة حضرموت . ~~وفي بعض الروايات أن صالحا نزل بفلسطين . وكلها أخبار غير موثوق بها . # وزيادة فعل الكون في { وكانوا يتقون } للدلالة على أنهم متمكنون من ~~التقوى . # # | 2 ( 54 ، 55 ) { ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون * ~~أءنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النسآء بل أنتم قوم تجهلون } . ) 2 # عطف { لوطا } على { صالحا } في قوله السابق { ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم ~~صالحا } ( النمل : 45 ) . ولا يمنع من العطف أن العامل في المعطوف تعلق به ~~قوله : { إلى ثمود } لأن المجرور ليس قيدا لمتعلقه ، ولكنه كواحد من ~~المفاعيل فلا ارتباط له بالمعطوف على مفعول آخر . فإن الإتباع في الإعراب ~~يميز المعطوف عليه من غيره . وقد سبق نظير هذا في سورة الأعراف . ولم يذكر ~~المرسل إليهم هنا كما ذكر في قصة ثمود لعدم تمام المشابهة بين قوم لوط وبين ~~قريش فيما عدا التكذيب والشرك . ويجوز أن ينصب { ولوطا } بفعل مقدر تقديره ~~: واذكر لوطا ، لأن وجود { إذ } بعده يقربه من نحو : { وإذ قال ربك ~~للملائكة } ( البقرة : 30 ) . # وتعقيب قصة ثمود بقصة قوم لوط جار على معتاد القرآن في ترتيب قصص هذه ~~الأمم ، فإن قوم لوط كانوا متأخرين في الزمن عن ثمود . # وإنما الذي يستثير سؤالا هنا هو الاقتصار على قصة قوم لوط دون قصة عاد ~~وقصة مدين . وقد بينته آنفا أنه لمناسبة مجاورة ديار قوم لوط لمملكة سليمان ~~ووقوعها بين ديار ثمود وبين فلسطين وكانت ديارهم ممر قريش إلى بلاد الشام ، ~~قال PageV19P287 تعالى { وإنها لبسبيل مقيم } ( الحجر : 76 ) وقال { وإنكم ~~لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون } ( الصافات : 137 ، 138 ) . # وظرف { إذ } يتعلق ب ( أرسلنا ) أو ب ( اذكر ) المقدرين . والاستفهام في ~~{ أتأتون ms6004 } إنكاري . # وجملة : { وأنتم تبصرون } حال زيادة في التشنيع ، أي تفعلون ذلك علنا ~~يبصر بعضكم بعضا ، فإن التجاهر بالمعصية معصية لأنه يدل على استحسانها وذلك ~~استخفاف بالنواهي . # وقوله : { أئنكم لتأتون } تقدم في الأعراف ( 81 ) { إنكم لتأتون ، فهنا ~~جيء بالاستفهام الإنكاري ، وما في الأعراف جاء الخبر المستعمل في الإنكار ، ~~فيجوز أن يكون اختلاف الحكاية لاختلاف المحكي بأن يكون لوط قد قال لهم ~~المقالتين في مقامين مختلفين . ويجوز أن يكون اختلاف الحكاية تفننا مع ~~اتحاد المعنى . وكلا الأسلوبين يقع في قصص القرآن ، لأن في تغيير الأسلوب ~~تجديدا لنشاط السامع . # على أن ابن كثير وأبا عمرو وابن عامر وحمزة وأبا بكر عن عاصم قرأوا ما في ~~سورة الأعراف بهمزتين فاستوت الآيتان على قراءة هؤلاء . وقد تقدمت وجوه ذلك ~~في سورة الأعراف . # ووقع في الأعراف ( 80 ) أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين ~~ولم يذكر هنا لأن ما يجري في القصة لا يلزم ذكر جميعه . وكذلك القول في عدم ~~ذكر وأنتم تبصرون } في سورة الأعراف مع ذكره هنا . # ونظير بقية الآية تقدم في سورة الأعراف ، إلا أن الواقع هنا { بل أنتم ~~قوم تجهلون } ، فوصفهم بالجهالة وهي اسم جامع لأحوال أفن الرأي وقساوة ~~القلب . # وفي الأعراف وصفهم بأنهم قوم مسرفون وذلك يحمل على اختلاف المقالتين في ~~مقامين . # وفي إقحام لفظ { قوم } في الآيتين من الخصوصية ما تقدم آنفا في قوله في ~~هذه السورة { إن في ذلك لآية لقوم يعلمون } ( النمل : PageV19P288 52 ) . # ورجح في قوله : { تجهلون } جانب الخطاب على جانب الغيبة فلم يقل : يجهلون ~~، بياء الغيبة وكلاهما مقتضى الظاهر لأن الخطاب أقوى دلالة كما قرىء في ~~قوله : { بل أنتم قوم تفتنون } ( النمل : 47 ) . # PageV19P289 $ 2 ( 56 58 ) { فما كان جواب قومه إلا أن قالو & # 1764 ا أخرجو & # 1764 ا ءال لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون * فأنجيناه وأهله إلا امرأته ~~قدرناها من الغابرين * وأمطرنا عليهم مطرا فسآء مطر المنذرين } ) 2 $ # تقدم نظير هاته الآية في سورة الأعراف ( 82 ) ، وخالفتها هذه بوقوع العطف ~~بالفاء في قوله { فما ms6005 كان جواب قومه } دون الواو ، وبقوله { أخرجوا ءال لوط ~~} عوض { أخرجوهم } ( الأعراف : 82 ) وبقوله { قدرناها } عوض { كانت } ( ~~الأعراف : 83 ) ، وبقوله { فساء مطر المنذرين } عوض { فانظر كيف كان عاقبة ~~المجرمين } ( الأعراف : 84 ) . # فأما موقع الفاء هنا فهو لتعقيب الجملة المعطوفة بالفاء على التي قبلها ~~تعقيب جزء القصة على أوله فلا تفيد إلا تعقيب الإخبار ، وهي في ذلك مساوية ~~للواو . ولكن أوثر حرف التعقيب في هذه الآية لكونها على نسج ما حكيت به قصة ~~ثمود في قوله تعالى { فإذا هم فريقان يختصمون } ( النمل : 45 ) ، فالاختلاف ~~بين هذه الآية وآية الأعراف تفنن في الحكاية ، ومراعاة للنظير في النسج . ~~وهذا من أساليب قصص القرآن كما بينته في المقدمة السابعة من مقدمات هذا ~~التفسير . # وكذلك قوله { أخرجوا آل لوط } دون { أخرجوهم } ( الأعراف : 82 ) لأن ~~المحكي من كلام القوم هو تآمرهم على إخراج آل لوط ؛ فما هنا حكاية بمرادف ~~كلامهم وما في الأعراف حكاية بالمعنى والغرض هو التفنن أيضا . # وكذلك الاختلاف بين { قدرناها } هنا وبين { كانت في الأعراف } ( 83 ) . ~~وأما PageV20P005 الاختلاف بين { فساء مطر المنذرين } وبين { فانظر كيف كان ~~عاقبة المجرمين } ( الأعراف : 84 ) فهما عبرتان بحالهم تفرعتا على وصف ما ~~حل بهم فوزعت العبرتان على الآيتين لئلا يخلو تكرير القصة من فائدة . # والمراد بآل لوط لوط وأهل بيته لأن رب البيت ملاحظ في هذا الاستدلال ~~كقوله تعالى { أدخلوا ءال فرعون أشد العذاب } ( غافر : 46 ) ، أراد فرعون ~~وآله . # # | 2 ( 59 ) { قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى ءآلله خير أما ~~يشركون } ) 2 # لما استوفى غرض الاعتبار والإنذار حقه بذكر عواقب بعض الأمم التي كذبت ~~الرسل وهي أشبه أحوالا بأحوال المكذبين بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالكتاب ~~الذي أنزل عليه ، وفي خلال ذلك وحفافيه تسلية النبي صلى الله عليه وسلم على ~~ما يلقاه من قومه أقبل الله بالخطاب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يلقنه ~~ماذا يقوله عقب القصص والمواعظ السالفة استخلاصا واستنتاجا منها ، وشكر ~~الله على المقصود منها . # فالكلام استئناف والمناسبة ما علمت . أمر الرسول بالحمد ms6006 على ما احتوت ~~عليه القصص السابقة من نجاة الرسل من العذاب الحال بقومهم وعلى ما أعقبهم ~~الله على صبرهم من النصر ورفعة الدرجات . وعلى أن أهلك الأعداء الظالمين ~~كقوله { فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين } ( الأنعام : ~~45 ) ونظيره قوله في سورة العنكبوت ( 63 ) { قل الحمد لله بل أكثرهم لا ~~يعقلون وقوله في آخر هذه السورة } ( 93 ) { وقل الحمد لله سيريكم الآية . ~~فأمر الرسول بحمد الله على ذلك باعتبار ما أفاده سوق تلك القصص من الإيماء ~~إلى وعد الرسول بالنصر على أعدائه . فقوله قل الحمد لله } أمر للرسول صلى ~~الله عليه وسلم بإنشاء حمد الله . وقد تقدمت صيغة الحمد في أول الفاتحة . # وعطف على المأمور بأن يقوله من الحمد أمر بأن يتبعه بالسلام على الرسل ~~الذين سبقوه قدرا لقدر ما تجشموه في نشر الدين الحق . # وأصل { سلام } سلمت سلاما ، مقصود منه الإنشاء فحذف الفعل وأقيم ~~PageV20P006 مفعوله المطلق بدلا عنه . وعدل عن نصب المفعول المطلق إلى ~~تصييره مبتدأ مرفوعا للدلالة على الثبات والدوام كما تقدم عند قوله { الحمد ~~لله في أول سورة الفاتحة } ( 2 ) . # والسلام في الأصل اسم يقوله القائل لمن يلاقيه بلفظ : سلام عليك ، أو ~~السلام عليك . ومعناه سلامة وأمن ثابت لك لا نكول فيه ، لما تؤذن به ( على ~~) من الاستعلاء المجازي المراد به التمكن كما في { أولئك على هدى من ربهم } ~~( البقرة : 5 ) . # وأصل المقصود منه هو التأمين عند اللقاء إذ قد تكون بين المتلاقين إحن أو ~~يكون من أحدهما إغراء بالآخر ، فكان لفظ ( السلام عليك ) كالعهد بالأمان . ~~ثم لما كانت المفاتحة بذلك تدل على الابتداء بالإكرام والتلطف عند اللقاء ~~ونية الإعانة والقرى ، شاع إطلاق كلمة : السلام عليك ، ونحوها عند قصد ~~الإعراب عن التلطف والتكريم وتنوسي ما فيها من معنى بذل الأمن والسلامة ، ~~فصار الناس يتقاولونها في غير مظان الريبة والمخافة فشاعت في العرب في ~~أحيائهم وبيوتهم وصارت بمنزلة الدعاء الذي هو إعراب عن إضمار الخير للمدعو ~~له بالسلامة في حياته . فلذلك قال تعالى { فإذا دخلتم بيوتا ms6007 فسلموا على ~~أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة كما تقدم في سورة النور } ( 61 ) وصار ~~قول : السلام ، بمنزلة قول : حياك الله ، ولكنهم خصوا كلمة : ( حياك الله ) ~~بملوكهم وعظمائهم فانتقلت كلمة ( السلام عليكم ) بهذا إلى طور آخر من أطوار ~~استعمالها من عهد الجاهلية وقد قيل إنها كانت تحية للبشر من عهد آدم . # ثم ذكر القرآن السلام من عند الله تعالى على معنى كونه معاملة منه سبحانه ~~بكرامة الثناء وحسن الذكر للذين رضي الله عنهم من عباده في الدنيا كقوله ~~حكاية عن عيسى إذ أنطقه بقوله { والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت } ( مريم : ~~33 ) . وكذلك في الآخرة وما في معناها من أحوال الأرواح بعد الموت كقوله عن ~~عيسى { ويوم أبعث حيا } ( مريم : 33 ) ، وقوله عن أهل الجنة { لهم فيها ~~فاكهة ولهم ما يدعون سلام قولا من رب رحيم } ( يس : 57 ، 58 ) . ~~PageV20P007 # وجاء في القرآن السلام على خمسة من الأنبياء في سورة الصافات . وأيضا أمر ~~الله الأمة بالسلام على رسولها فقال { يأ أيها الذين ءامنوا صلوا عليه ~~وسلموا تسليما } ( الأحزاب : 56 ) أي قولوا : السلام عليك أيها النبي لأن ~~مادة التفعيل قد يؤتى بها للدلالة على قول منحوب من صيغة التفعيل ، فقوله : ~~{ سلموا تسليما معناه : قولوا كلمة السلام . مثل بسمل ، إذا قال : بسم الله ~~، وكبر ، إذا قال : الله أكبر . وفي الحديث تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل ~~صلاة ثلاثا وثلاثين . # ومعنى وسلام على عباده الذين اصطفى } إنشاء طلب من الله أن يسلم على أحد ~~المصطفين ، أي أن يجعل لهم ذكرا حسنا في الملأ الأعلى . # فإذا قال القائل : السلام على فلان ؛ وفلان غائب أو في حكم الغائب كان ~~ذلك قرينة على أن المقصود الدعاء له بسلام من الله عليه . فقد أزيل منه ~~معنى التحية لا محالة وتعين للدعاء ، ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم ~~المسلمين . عن أن يقولوا في التشهد : السلام على الله السلام على النبي ~~السلام على فلان وفلان . فقال لهم ( إن الله هو السلام ) أي لا معنى للسلام ~~على الله في مقام ms6008 الدعاء لأن الله هو المدعو بأن يسلم على من يطلب له ذلك . # فلما أمر تعالى في هذه السورة رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول { سلام ~~على عباده الذين اصطفى } فقد عين له هذه الجملة ليقولها يسأل من الله أن ~~يكرم عباده الذين اصطفى بالثناء عليهم في الملأ الأعلى وحسن الذكر ، إذ ~~قصارى ما يستطيعه الحاضر من جزاء الغائب على حسن صنيعه أن يبتهل إلى الله ~~أن ينفحه بالكرامة . # والعباد الذين اصطفاهم الله في مقدمتهم الرسل والأنبياء ويشمل ذلك ~~الصالحين من عباده كما في صيغة التشهد : ( السلام علينا وعلى عباد الله ~~الصالحين ) . وسيأتي الكلام على التسليم على النبي صلى الله عليه وسلم في ~~سورة الأحزاب . # هذا مما أمر الرسول عليه الصلاة والسلام أن يقوله فأمر أن يقول : { الحمد ~~لله وسلام على عباده الذين اصطفى } تمهيدا لقوله : { آلله خير أما تشركون } ~~PageV20P008 لأن العباد الذين اصطفاهم الله جاؤوا كلهم بحاصل هذه الجملة . ~~وأمر أن يشرع في الاستدلال على مسامع المشركين فيقول لهم هذا الكلام ، ~~بقرينة قوله { أما تشركون } بصيغة الخطاب في قراءة الجمهور ، ولأن المناسب ~~للاستفهام أن يكون موجها إلى الذين أشركوا بالله ما لا يخلق ولا يرزق ولا ~~يفيض النعم ولا يستجيب الدعاء ، فليس هذا لقصد إثبات التوحيد للمسلمين . # والاستفهام مستعمل في الإلجاء وإلزام المخاطب بالإقرار بالحق وتنبيهه على ~~خطئه . وهذا دليل إجمالي يقصد به ابتداء النظر في التحقيق بالإلهية ~~والعبادة . فهذا من قبيل ما قال الباقلاني وإمام الحرمين وابن فورك إن أول ~~الواجبات أول النظر أو القصد إلى النظر ثم تأتي بعده الأدلة التفصيلية ، ~~وقد ناسب إجماله أنه دليل جامع لما يأتي من التفاصيل فلذلك جيء فيه بالاسم ~~الجامع لمعاني الصفات كلها ، وهو اسم الجلالة . فقيل : { آلله خير } . وجيء ~~فيما بعد بالاسم الموصول لما في صلاته من الصفات . # وجاء { خير } بصيغة التفضيل لقصد مجاراة معتقدهم أن أصنامهم شركاء الله ~~في الإلهية بحيث كان لهم حظ وافر من الخير في زعمهم ، فعبر ب { خير } ~~لإيهام أن المقام لإظهار رجحان إلهية الله ms6009 تعالى على أصنامهم استدراجا لهم ~~في التنبيه على الخطأ مع التهكم بهم إذ آثروا عبادة الأصنام على عبادة الله ~~. والعاقل لا يؤثر شيئا على شيء إلا لداع يدعو إلى إيثاره ، ففي هذا ~~الاستفهام عن الأفضل في الخير تنبيه لهم على الخطأ المفرط والجهل المورط ~~لتنفتح بصائرهم إلى الحق إن أرادوا اهتداء . والمعنى : ءالله الحقيق ~~بالإلهية أم ما تشركونهم معه . # والاستفهام على حقيقته بقرينة وجود { أم } المعادلة للهمزة فإن التهكم ~~يبنى على الاستعمال الحقيقي . # وهذا الكلام كالمقدمة للأدلة الآتية جميعها على هذا الدليل الإجمالي كما ~~ستعلمه . . # وقرأ الجمهور { تشركون } بتاء الخطاب . وقرأه أبو عمرو وعاصم ويعقوب ~~PageV20P009 بياء الغيبة فيكون القول الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم ~~محكيا بالمعنى روعي فيه غيبة المشركين في مقام الخطاب بالأمر . # و { ما } موصولة والعائد محذوف . والتقدير : ما يشركونها إياه ، أي ~~أصنامكم . # # | 2 ( 60 ) { أمن خلق السماوات والارض وأنزل لكم من السمآء مآء فأنبتنا ~~به حدآئق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإلاه مع الله بل هم قوم ~~يعدلون } . ) 2 # { أم } منقطعة بمعنى ( بل ) للإضراب الانتقالي من غرض إلى غرض مع مراعاة ~~وجود معنى الاستفهام أو لفظه بعدها لأن ( أم ) لا تفارق معنى الاستفهام . ~~انتقل بهذا الإضراب من الاستفهام الحقيقي التهكمي إلى الاستفهام التقريري ، ~~ومن المقدمة الإجمالية وهي قوله { ءالله خير أم ما تشركون } ( النمل : 59 ) ~~، إلى الغرض المقصود وهو الاستدلال . عدد الله الخيرات والمنافع من آثار ~~رحمته ومن آثار قدرته . فهو استدلال مشوب بامتنان لأنه ذكرهم بخلق السموات ~~والأرض فشمل ذلك كل الخلائق التي تحتوي عليها الأرض من الناس والعجماوات ، ~~فهو امتنان بنعمة إيجادهم وإيجاد ما به قوام شؤونهم في الحياة ، وبسابق ~~رحمته ، كما عددها في موضع آخر عليهم بقوله { الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم ~~يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شي سبحانه وتعالى عما ~~يشركون } ( الروم : 40 ) . # و { من } للاستفهام . وهي مبتدأ والخبر جملة { خلق السموات . . } الخ وهو ~~استفهام تقريري على أن الله إله ms6010 واحد لا شريك له ، ولا تقدير في الكلام . ~~وذهب الزمخشري وجميع متابعيه إلى أن ( من ) موصولة وأن خبرها محذوف دل عليه ~~قوله فيما تقدم { ءالله خير } ( النمل : 59 ) وأن بعد ( أم ) همزة استفهام ~~محذوفة ، والتقدير : بل أمن خلق السموات الخ خير أم ما تشركون . وهو تفسير ~~لا داعي إليه ولا يناسب معنى الإضراب لأنه يكون من جملة الغرض الأول على ما ~~فسر به في ( الكشاف ) فلا يجدر به إضراب الانتقال . # فالاستفهام تقرير كما دل عليه قوله في نهايته في { أإله مع الله ، } فهو ~~تقرير PageV20P010 لإثبات أن الخالق والمنبت والرازق هو الله ، وهو مشوب ~~بتوبيخ ، فلذلك ذيل بقوله { بل هم قوم يعدلون } كما سيأتي ، أي من غرض ~~الدليل الإجمالي إلى التفصيل . # والخطاب ب { لكم } موجه إلى المشركين للتعريض بأنهم ما شكروا نعمة الله . # وذكر إنزال الماء لأنه من جملة ما خلقه الله ، ولقطع شبهة أن يقولوا : إن ~~المنبت للشجر الذي فيه رزقنا هو الماء ، اغترارا بالسبب فبودروا بالتذكير ~~بأن الله خلق الأسباب وهو خالق المسببات بإزالة الموانع والعوارض العارضة ~~لتأثير الأسباب وبتوفير القوى الحاصلة في الأسباب ، وتقدير المقادير ~~المناسبة للانتفاع بالأسباب ، فقد ينزل الماء بإفراط فيجرف الزرع والشجر أو ~~يقتلهما ، ولذلك جمع بين قوله { وأنزل } وقوله { فأنبتنا } تنبيها على ~~إزالة الشبهة . # ونون الجمع في { أنبتنا } إلتفات من الغيبة إلى الحضور . ومن لطائفه هنا ~~التنصيص على أن المقصود إسناد الإنبات إليه لئلا ينصرف ضمير الغائب إلى ~~الماء لأن التذكير بالمنبت الحقيقي الذي خلق الأسباب أليق بمقام التوبيخ ~~على عدم رعايتهم نعمه . # والإنبات : تكوين النبات . # والحدائق : جمع حديقة وهي البستان والجنة التي فيها نخل وعنب . سميت ~~حديقة لأنهم كانوا يحدقون بها حائطا يمنع الداخل إليها صونا للعنب لأنه ليس ~~كالنخل الذي يعسر اجتناء ثمره لارتفاع شجره فهي بمعنى : محدق بها . ولا ~~تطلق الحديقة إلا على ذلك . # والبهجة : حسن المنظر لأن الناظر يبتهج به . # ومعنى { ما كان لكم أن تنبتوا شجرها } ليس في ملككم أن تنبتوا شجر تلك ~~الحدائق ، فاللام في { لكم } للملك و ms6011 { أن تنبتوا } اسم { كان } و { لكم } ~~خبرها . وقدم الخبر على الاسم للاهتمام بنفي ملك ذلك . # وجملة { أإله مع الله } استئناف هو كالنتيجة للجملة قبلها لأن إثبات ~~الخلق PageV20P011 والرزق والإنعام لله تعالى بدليل لا يسعهم إلا الإقرار ~~به ينتج أنه لا إله معه . # والاستفهام إنكاري . و { بل } للإضراب عن الاستفهام الإنكاري تفيد معنى ( ~~لكن ) باعتبار ما تضمنه الإنكار من انتفاء أن يكون مع الله إله فكان حق ~~الناس أن لا يشركوا معه في الإلهية غيره فجيء بالاستدراك لأن المخاطبين ~~بقوله { وأنزل لكم } وقوله { ما كان لكم أن تنبتوا شجرها } لم ينتفعوا ~~بالدليل مع أنه دليل ظاهر مكشوف ، فهم مكابرون في إعراضهم عن الاهتداء بهذا ~~الدليل ، فهم يعدلون بالله غيره ، أي يجعلون غيره عديلا مثيلا له في ~~الإلهية مع أن غيره عاجز عن ذلك فيكون { يعدلون } من عدل الذي يتعدى بالباء ~~، أو يعدلون عن الحق من عدل الذي يعدى ب ( عن ) . # وسئل بعض العرب عن الحجاج فقال : ( قاسط عادل ) ، فظنوه أثنى عليه فبلغت ~~كلمته للحجاج ، فقال : أراد قوله تعالى { وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا ~~} ( الجن : 15 ) أي وذلك قرينة على أن المرار ب ( عادل ) أنه عادل عن الحق ~~. # وأيا ما كان فالمقصود توبيخهم على الإشراك مع وضوح دلالة خلق السموات ~~والأرض وما ينزل من السماء إلى الأرض من الماء . # ولما كانت تلك الدلالة أوضح الدلالات المحسوسة الدالة على انفراد الله ~~بالخلق وصف الذين أشركوا مع الله غيره بأنهم في إشراكهم معرضون إعراض ~~مكابرة عدولا عن الحق الواضح قال تعالى { ولئن سألتهم من خلق السماوات ~~والأرض ليقولن الله } ( لقمان : 25 ) . # والإخبار عنهم بالمضارع لإفادة أنهم مستمرون على شركهم لم يستنيروا بدليل ~~العقل ولا أقلعوا بعد التذكير بالدلائل . وفي الإخبار عنهم بأنهم قوم إيماء ~~إلى تمكن صفة العدول عن الحق منهم حتى كأنها من مقومات قوميتهم كما تقدم ~~غير مرة . # # | 2 ( 61 ) { أمن جعل الارض قرارا وجعل خلالهآ أنهارا وجعل لها رواسى ~~وجعل بين البحرين حاجزا أءلاه مع الله بل أكثرهم لا يعلمون } . ) 2 ms6012 # { أم } للإضراب الانتقالي مثل أختها السابقة . وهذا انتقال من الاستدلال ~~PageV20P012 المشوب بالامتنان إلى الاستدلال المجرد بدلائل قدرته وعلمه بأن ~~خلق المخلوقات العظيمة وبتدبيره نظامها حتى لا يطغى بعضها على بعض فيختل ~~نظام الجميع . # ولأجل كون الغرض من هذا الاستدلال إثبات عظم القدرة وحكمة الصنع لم يجيء ~~خلاله بخطاب للمشركين كما جاء في قوله في الآية قبلها { وأنزل لكم من ~~السماء ماء } ( النمل : 60 ) الآية ، وإن كان هذا الصنع العجيب لا يخلو من ~~لطف بالمخلوقات أراده خالقها ، ولكن ذلك غير مقصود بالقصد الأول من سوق ~~الدليل هنا . # والقرار : مصدر قر ، إذا ثبت وسكن . ووصف الأرض به للمبالغة ، أي ذات ~~قرار . والمعنى جعل الأرض ثابتة قارة غير مضطربة . وهذا تدبير عجيب ولا ~~يدرك تمام هذا الصنع العجيب إلا عند العلم بأن هذه الأرض سابحة في الهواء ~~متحركة في كل لحظة وهي مع ذلك قارة فيما يبدو لسكانها فهذا تدبير أعجب ، ~~وفيه مع ذلك رحمة ونعمة . ولولا قرارها لكان الناس عليها متزلزلين مضطربين ~~ولكانت أشغالهم معنتة لهم . # ومع جعلها قرارا شق فيها الأنهار فجعلها خلالها . وخلال الشيء : منفرج ما ~~بين أجزائه . والأنهار تشق الأرض في أخاديد فتجري خلال الأرض . # والرواسي : الجبال ، جمع راسس وهو الثابت . واللام في { لها } لام العلة ~~، أي الرواسي لأجلها أي لفائدتها ، فإن في تكوين الجبال حكمة لدفع الملاسة ~~عن الأرض ليكون سيرها في الكرة الهوائية معدلا غير شديد السرعة وبذلك دوام ~~سيرها . # وجعل الحاجز بين البحرين من بديع الحكمة ، وهو حاجز معنوي حاصل من دفع ~~كلا الماءين : أحدهما الآخر عن الاختلاط به ، بسبب تفاوت الثقل النسبي ~~لاختلاف الأجزاء المركب منها الماء الملح والماء العذب . فالحاحز حاجز من ~~طبعهما وليس جسما آخر فاصلا بينهما ، وتقدم في سورة النحل . # وهذا الجعل كناية عن خلق البحرين أيضا لأن الحجز بينهما يقتضي خلقهما ~~وخلق الملوحة والعذوبة فيهما . # ثم ذيل بالاستفهام الإنكاري وبالاستدراك بجملة مماثلة لما ذيل به ~~الاستدلال PageV20P013 الذي قبلها على طريقة التكرير تعديدا للإنكار ~~وتمهيدا للتوبيخ بقوله { بل أكثرهم لا يعلمون . } وأوثر ms6013 هنا نفي صفة العلم ~~عن أكثر المشركين لقلة من ينظر في دقائق هذه المصنوعات وخصائصها منهم فإن ~~اعتياد مشاهدتها من أول نشأة الناظر يذهله عما فيها من دلائل بديع الصنع . ~~فأكثر المشركين يجهل ذلك ولا يهتدي بما فيه ، أما المؤمنون فقد نبههم ~~القرآن إلى ذلك فهم يقرأون آياته المتكرر فيها الاستدلال والنظر . # وهذه الدلائل لا تخلو عن نعمة من ورائها كما علمته آنفا ولكنها سيقت هنا ~~لإرادة الاستدلال لا للامتنان . # $ 2 ( 62 ) { أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السو & # 1764 ء ويجعلكم حلفآء الارض أءلاه مع الله قليلا ما تذكرون } . ) 2 $ # ارتقى الاستدلال من التذكير بالتصرف الرباني في ذوات المخلوقات إلى ~~التذكير بتصرفه في أحوال الناس التي لا يخلو عنها أحد في بعض شؤون الحياة ~~وذلك حال الاضطرار إلى تحصيل الخير ، وحال انتياب السوء ، وحال التصرف في ~~الأرض ومنافعها . فهذه ثلاثة الأنواع لأحوال البشر . وهي : حالة الاحتياج ، ~~وحالة البؤس ، وحالة الانتفاع . # فالأولى : هي المضمنة في قوله { أمن يجيب المضطر إذا دعاه } فالمضطر هو ~~ذو الضرورة أي الحالة المحوجة إلى الأشياء العسرة الحصول ، وهذه مرتبة ~~الحاجيات فالمرء محتاج إلى أمور كثيرة بها قوام أوده ليست متصلة بذاته مثل ~~الأقوات والنكاح والملابس اللازمة فالمرء يتطلبها بوجوه من المعاوضات ، وقد ~~يتعسر بعضها وهي تتعسر بقدر وفرة منافعها وعزة حصولها فيسأل الله أن يعطيها ~~. # والاضطرار : افتعال من الضرورة لا من الضر . وتقديره : أنه نالته الضرورة ~~فطاوعها . وليس له فعل مجرد وإنما يقال : اضطره كذا إلى كذا . # واللام في { المضطر } لتعريف الجنس المسمى بلام العهد الذهني ، أي يجيب ~~فردا معهودا في الذهن بحالة الاضطرار . PageV20P014 # والإجابة : إعطاء الأمر المسؤول . والمعنى : أن المضطر إذا دعا لتحصيل ما ~~اضطر إليه فإنه لا يجيبه إلا الله بقطع النظر عن كونه يجيب بعضا ويؤخر بعضا ~~. # وحالة البؤس : هي المشار إليها بقوله { ويكشف السوء . # والكشف : أصله رفع الغشاء ، فشبه السوء الذي يعتري المضرور بغشاء يحول ~~دون المرء ودون الاهتداء إلى الخلاص تشبيه معقول بمحسوس . # ورمز إلى المشبه به بالكشف الذي هو ms6014 من روادف الغشاء . وهو أيضا مستعار ~~للإزالة بقرينة تعديته إلى السوء . والمعنى : من يزيل السوء . وهذه مرتبة ~~الضروري فإن معظمها أو جميعها حفظ من تطرق السوء إلى مهم أحوال الناس مثل ~~الكليات وهي : حفظ الدين ، والنفس ، والعقل ، والنسب ، والمال ، والعرض . # والمعنى : إن الله يكشف السوء عن المسوء إذا دعاه أيضا فحذف من الجملة ~~المعطوفة لدلالة ما ذكر مع الجملة المعطوف عليها ، أي يكشف السوء عن ~~المستاء إذا دعاه . # وظاهر التقييد بالظرف يقتضي ضمان الإجابة . والواقع أن الإجابة منوطة ~~بإرادة الله تعالى بحسب ما يقتضيه حال الداعي وما يقتضيه معارضه من أصول ~~أخرى ، والله أعلم بذلك . # وحالة الانتفاع : } هي المشار إليها بقوله { ويجعلكم خلفاء الأرض } أي ~~يجعلكم تعمرون الأرض وتجتنون منافعها ، فضمن الخلفاء معنى المالكين فأضيف ~~إلى الأرض على تقدير : مالكين لها ، والملك يستلزم الانتفاع بما ينتفع به ~~منها . وأفاد خلفاء بطريق الإلتزام معنى الوراثة لمن سبق ، فكل حي هو خلف ~~عن سلفه . والأمة خلف عن أمة كانت قبلها جيلا بعد جيل . وهذا كقوله تعالى ~~حكاية لقول نوح { هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها } ( هود : 61 ) . وهذه ~~مرتبة التحسيني . # وقد جمعت الآية الإشارة إلى مراتب المناسب وهو ما يجلب نفعا أو يدفع ضررا ~~وهو من مسالك العلة في أصول الفقه . # ولما اقتضته الخلافة من تجدد الأبناء عقب الآباء والأجيال بعد الأجيال ، ~~وما PageV20P015 اقتضته الاستجابة وكشف السوء من كثرة الداعين والمستائين ~~عبر في أفعال الجعل التي تعلقت بها بصيغة المضارع الدال على التجدد بخلاف ~~أفعال الجعل الأربعة التي في الآية قبلها . # ثم استؤنف عقب هذا الاستدلال باستفهام إنكاري تكريرا لما تقدم عقب الأدلة ~~السابقة زيادة في تعداد خطئهم بقوله { أإله مع الله قليلا ما تذكرون . # وانتصب قليلا } على الحال من ضمير الخطاب في قوله { ويجعلكم خلفاء الأرض ~~} أي فعل ذلك لكم وأنتم في حال قلة تذكركم ، فتفيد الحال معنى التعجب من ~~حالهم . # والتذكر : من الذكر بضم الذال وهو ضد النسيان فهو استحضار المعلوم ، أي ~~قليلا استحضاركم الافتقار إلى الله وما أنتم فيه ms6015 من إنعامه فتهتدوا بأنه ~~الحقيق بأن لا تشركوا معه غيره . فالمقصود من التذكر التذكر المفيد ~~استدلالا . و { ما } مصدرية والمصدر هو فاعل { قليلا . # والقليل هنامكنى به عن المعدوم لأن التذكر المقصود معدوم منهم ، والكناية ~~بالقليل عن المعدوم مستعملة في كلامهم . وهذه الكناية تلميح وتعريض ، أي إن ~~كنتم تذكرون فإن تذكركم قليل . # وأصل تذكرون } تتذكرون فأدغمت تاء التفعل في الذال لتقارب مخرجيهما ~~تخفيفا وهو إدغام سماعي . # وقرأ الجمهور { تذكرون } بتاء الخطاب . وقرأه روح عن أبي عمرو وهشام عن ~~ابن عامر بياء الغيبة على الالتفات من الخطاب إلى الغيبة ، ففي قراءة ~~الجمهور نكتة توجيه الخطاب إلى المشركين مكافحة لهم ، وفي قراءة روح وهشام ~~نكتة الإعراض عنهم لأنهم استأهلوا الإعراض بعد تذكرهم . # # | 2 ( 63 ) { أمن يهديكم فى ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشرا بين ~~يدى رحمته أءلاه مع الله تعالى الله عما يشركون } . ) 2 # ( بل ) لإضراب الانتقال من نوع دلائل التصرف في أحوال عامة الناس إلى ~~PageV20P016 دلائل التصرف في أحوال المسافرين منهم في البر والبحر فإنهم ~~أدرى بهذه الأحوال وأقدر لما في خلالها من النعمة والامتنان . # ذكر الهداية في ظلمات الليل في البر والبحر . وإضافة الظلمات إلى البر ~~والبحر على معنى ( في ) . والهدى في هذه الظلمات بسير النجوم كما قال تعالى ~~{ وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر } ( الأنعام : ~~97 ) . فالله الهادي للسير في تلك الظلمات بأن خلق النجوم على نظام صالح ~~للهداية في ذلك ، وبأن ركب في الناس مدارك للمعرفة بإرصاد سيرها وصعودها ~~وهبوطها ، وهداهم أيضا بمهاب الرياح ، وخولهم معرفة اختلافها بإحساس جفافها ~~ورطوبتها ، وحرارتها وبردها . # وبهذه المناسبة أدمج الامتنان بفوائد الرياح في إثارة السحاب الذي به ~~المطر وهو المعني برحمة الله . وإرساله الرياح هو خلق أسباب تكونها . # وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو { نشرا } بضمتين وبالنون . وقرأه ابن عامر ~~بالنون بضم فسكون . وقرأ عاصم { بشرا } بالموحدة وبسكون الشين مع التنوين . ~~وقرأه حمزة والكسائي بفتح النون وسكون الشين . وقد تقدم في سورة الفرقان ( ~~48 ) { وهو الذي أرسل ms6016 الرياح نشرا بين يدي رحمته وتقدم في سورة الأعراف ( ~~57 ) وهو الذي يرسل الرياح نشرا بين يدي رحمته ، وتوجيه هذه القراءات هنالك ~~. # وذيل هذا الدليل بتنزيه الله تعالى عن إشراكهم معه آلهة لأن هذا خاتمة ~~الاستدلال عليهم بما لا ينازعون في أنه من تصرف الله فجيء بعده بالتنزيه عن ~~الشرك كله وذلك تصريح بما أشارت إليه التذييلات السابقة . # # | 2 ( 64 ) أمن يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السمآء والارض أءلاه ~~مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين } . ) 2 # هذا انتقال إلى الاستدلال بتصرف الله تعالى بالحياة الأولى والثانية ~~وبإعطاء PageV20P017 المدد لدوام الحياة الأولى مدة مقدرة . وفيه تذكير ~~بنعمة الإيجاد ونعمة الإمداد . والاستفهام تقريري لأنهم لا ينكرون أنه يبدأ ~~الخلق وأنه يرزقهم . # وأدمج في خلال الاستفهام قوله { ثم يعيده } لأن تسليم بدئه الخلق يلجئهم ~~إلى فهم إمكان إعادة الخلق التي أحالوها . ولما كان إعادة الخلق محل جدل ~~وكان إدماجها إيقاظا وتذكيرا أعيد الاستفهام في الجملة التي عطفت عليه ~~بقوله { ومن يرزقكم من السماء والأرض } ولأن الرزق مقارن لبدء الخلق فلو ~~عطف على إعادة الخلق لتوهم أنه يرزق الخلق بعد الإعادة فيحسبوا أن رزقهم في ~~الدنيا من نعم آلهتهم . # وإذ قد كانوا منكرين للبعث ذيلت الآية بأمر التعجيز بالإتيان ببرهان على ~~عدم البعث . # والبرهان : الحجة . وتقدم عند قوله تعالى { يأيها الناس قد جاءكم برهان ~~من ربكم في آخر سورة النساء } ( 174 ) . # وإضافة البرهان إلى ضمير المخاطبين وهم المشركون مشير إلى أن البرهان ~~المعجزين عليه هو برهان عدم البعث ، أي إن كنتم صادقين فهاتوه لأن الصادق ~~هو الذي قوله مطابق للواقع . والشيء الواقع لا يعدم دليلا عليه . # وجماع ما تقدم في هذه الآيات من قوله { آلله خير أما تشركون } ( النمل : ~~59 ) أنها أجملت الاستدلال على أحقية الله تعالى بالإلهية وحده ثم فصلت ذلك ~~بآيات { أمن خلق السموات والأرض إلى قوله قل هاتو برهانكم إن كنتم صادقين } ~~( النمل : 60 64 ) فابتدأت بدليل قريب من برهان المشاهدة وهو خلق السموات ~~والأرض وما يأتي ms6017 منهما من خير للناس . ودليل كيفية خلق الكرة الأرضية وما ~~على وجهها منها ، وهذا ملحق بالمشاهدات . # وانتقلت إلى استدلال من قبيل الأصول الموضوعة وهو ما تمالأ عليه الناس من ~~اللجأ إلى الله تعالى عند الاضطرار . # وانتقلت إلى الاستدلال عليهم بما مكنهم من التصرف في الأرض إذ جعل البشر ~~PageV20P018 خلفاء في الأرض ، وسخر لهم التصرف بوجوه التصاريف المعينة على ~~هذه الخلافة ، وهي تكوين هدايتهم في البر والبحر . وذلك جامع لأصول تصرفات ~~الخلافة المذكورة في الارتحال والتجارة والغزو . # وختم ذلك بكلمة جامعة لنعمتي الإيجاد والإمداد وفي مطاويها جوامع التمكن ~~في الأرض . # # | 2 ( 65 66 ) { قل لا يعلم من فى السماوات والارض الغيب إلا الله وما ~~يشعرون أيان يبعثون * بل ادارك علمهم فى الاخرة بل هم فى شك منها بل هم ~~منها عمون } . ) 2 # لما أبطلت الآيات السابقة إلهية أصنام المشركين بالأدلة المتظاهرة فانقطع ~~دابر عقيدة الإشراك ثني عنان الإبطال إلى أثر من آثار الشرك وهو ادعاء علم ~~الغيب بالكهانة وإخبار الجن ، كما كان يزعمه الكهان والعرافون وسدنة ~~الأصنام . ويؤمن بذلك المشركون . وفي ( معالم التنزيل ) وغيره نزلت في ~~المشركين حين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وقت قيام الساعة فما ~~كان سؤالهم عن ذلك إلا لظنهم أن ادعاء العلم بوقتها من شأن النبوءة توصلا ~~لجحد النبوءة إن لم يعين لهم وقت الساعة فأبطلت الآية هذه المزاعم إبطالا ~~عاما معياره الاستثناء بقوله { إلا الله . } وهو عام مراد به الخصوص أعني ~~خصوص الكهان وسدنة بيوت الأصنام . وإنما سلك مسلك العموم لإبطال ما عسى أن ~~يزعم من ذلك ، ولأن العموم أكثر فائدة وأوجز ، فإن ذلك حال أهل الشرك من ~~بين من في السماوات والأرض . فالقصد هنا تزييف آثار الشرك وهو الكهانة ~~ونحوها . وإذ قد كانت المخلوقات لا يعدون أن يكونوا من أهل السموات أو من ~~أهل الأرض لانحصار عوالم الموجودات في ذلك كان قوله { لا يعلم من في ~~السموات والأرض الغيب } في قوة لا يعلم أحد الغيب ، ولكن أطنب الكلام لقصد ~~التنصيص على تعميم ms6018 المخلوقات كلها فإن مقام علم العقيدة مقام بيان يناسبه ~~الإطناب . # واستثناء { إلا الله } منه لتأويل { من في السماوات والأرض } بمعنى : أحد ~~، PageV20P019 فهو استثناء متصل على رأي المحققين وهو واقع من كلام منفي . ~~فحق المستثنى أن يكون بدلا من المستثنى منه في اللغة الفصحى فلذلك جاء اسم ~~الجلالة مرفوعا ولو كان الاستثناء منقطعا لكانت اللغة الفصحى تنصب المستثنى ~~. # وبعد فإن دلائل تنزيه الله عن الحلول في المكان وعن مماثلة المخلوقات ~~متوافرة فلذلك يجري استعمال القرآن والسنة على سنن الاستعمال الفصيح للعلم ~~بأن المؤمن لا يتوهم ما لا يليق بجلال الله تعالى . ومن المفسرين من جعل ~~الاستثناء منقطعا وقوفا عند ظاهر صلة { من في السماوات والأرض } لأن الله ~~ينزه عن الحلول في السماء والأرض . # وأما من يتفضل الله عليه بأن يظهره على الغيب فذلك داخل في علم الله قال ~~تعالى { عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول } ( الجن ~~: 26 ، 27 ) . فأضاف ( غيب ) إلى ضمير الجلالة . # وأردف هذا الخبر بإدماج انتفاء علم هؤلاء الزاعمين علم الغيب أنهم لا ~~يشعرون بوقت بعثهم بل جحدوا وقوعه إثارة للتذكير بالبعث لشدة عناية القرآن ~~بإثباته وتسفيه الذين أنكروه . فذلك موقع قوله { وما يشعرون أيان يبعثون ، ~~} أي أن الذين يزعمون علم الغيب ما يشعرون بوقت بعثهم . # و { أيان } اسم استفهام عن الزمان وهو معلق فعل { يشعرون } عن العمل في ~~مفعوليه . وهذا تورك وتعيير للمشركين فإنهم لا يؤمنون بالبعث بلة شعورهم ~~بوقته . # و { بل } للإضراب الانتقالي من الإخبار عنهم ب { لا يشعرون أيان يبعثون } ~~وهو ارتقاء إلى ما هو أغرب وأشد ارتقاء من تعييرهم بعدم شعورهم بوقت بعثهم ~~إلى وصف علمهم بالآخرة التي البعث من أول أحوالها وهو الواسطة بينها وبين ~~الدنيا بأنه علم متدارك أو مدرك . # وقرأ الجمهور { إدارك } بهمز وصل في أوله وتشديد الدال على أن أصله ( ~~تدارك ) فأدغمت تاء التفاعل في الدال لقرب مخرجيها بعد أن سكنت واجتلب ~~PageV20P020 همز الوصل للنطق بالساكن . قال الفراء وشمر : وهو تفاعل من ~~الدرك بتفحتين وهو ms6019 اللحاق . # وقد امتلكت اللغويين والمفسرين حيرة في تصوير معنى الآية على هذه القراءة ~~تثار منه حيرة للناظر في توجيه الإضرابين اللذين بعد هذا الإضراب وكيف ~~يكونان ارتقاء على مضمون هذا الانتقال ، وذكروا وجوها مثقلة بالتكلف . # والذي أراه في تفسيرها على هذا الاعتبار اللغوي أن معنى التدارك هو أن ~~علم بعضهم لحق علم بعض آخر في أمر الآخرة لأن العلم ، وهو جنس ، لما أضيف ~~إلى ضمير الجماعة حصل من معناه علوم عديدة بعدد أصناف الجماعات التي هي ~~مدلول الضمير فصار المعنى : تداركت علومهم بعضها بعضا . # وذلك صالح لمعنيين : أولهما : أن يكون التدارك وهو التلاحق الذي هو ~~استعمال مجازي يساوي الحقيقة ، أي تداركت علوم الحاضرين مع علوم أسلافهم ، ~~أي تلاحقت وتتابعت فتلقى الخلف عن السلف علمهم في الآخرة وتقلدوها عن غير ~~بصيرة ولا نظر ، وذلك أنهم أنكروا البعث ويشعر لذلك قوله تعالى عقبه { وقال ~~الذين كفروا أإذا كنا ترابا وءاباؤنا أئنا لمخرجون لقد وعدنا هذا نحن ~~وءاباؤنا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين } ( النمل : 67 68 ) . وقريب من ~~هذا قوله تعالى في سورة المؤمنين ( 81 ) { بل قالوا مثل ما قال الأولون . # الوجه الثاني : } أن يكون التدارك مستعملا مجازا مرسلا في الاختلاط ~~والاضطراب لأن التدارك والتلاحق يلزمه التداخل كما إذا لحقت جماعة من الناس ~~جماعة أخرى أي لم يرسوا على أمر واختلفت أقوالهم اختلافا يؤذن بتناقضها ، ~~فهم ينفون البعث ثم يزعمون أن الأصنام شفعاؤهم عند الله من العذاب ، وهذا ~~يقتضي إثبات البعث ولكنهم لا يعذبون ثم يتزودون تارة للآخرة ببعض أعمالهم ~~التي منها : أنهم كانوا يحبسون الراحلة على قبر صاحبها ويتركونها لا تأكل ~~ولا تشرب حتى تموت فيزعمون أن صاحبها يركبها ، ويسمونها البلية ، فذلك من ~~اضطراب أمرهم في الآخرة . # وفعل المضي على هذين الوجهين على أصله . وحرف ( في ) على هاذين الوجهين ~~في تفسيرها على قراءة الجمهور مستعمل في السببية ، أي بسبب الآخرة . # ويجوز وجه آخر وهو أن يكون { ادارك } مبالغة في ( أدرك ) ومفعوله محذوفا ~~PageV20P021 تقديره : إدراكهم ، أي حصل لهم علمهم بوقت بعثهم ms6020 في اليوم الذي ~~يبعثون فيه ، أي يومئذ يوقنون بالبعث ، فيكون فعل المضي مستعملا في معنى ~~التحقق ، ويكون حرف ( في ) على أصله من الظرفية . . # وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر { بل أدرك } بهمز قطع وسكون الدال ، ~~ومعناه ؛ انتهى علمهم في الآخرة . يقال : أدرك ، إذا فني . وفي ثبوت معنى ~~فني لفعل أدرك خلاف بين أيمة اللغة ، فقد أثبته ابن المظفر في رواية شمر ~~عنه قال شمر : ولم أسمعه لغيره ، وأثبته الزمخشري في ( الكشاف ) في هذه ~~الآية وصاحب ( القاموس ) . وقال أبو منصور : هذا غير صحيح في لغة العرب وما ~~علمت أحدا قال : أدرك الشيء إذا فني . # وأقول قد ثبت في اللغة : أدركت الثمار ، إذا انتهى نضجها ، ونسبه في ( ~~تاج العروس ) لليث ولابن جني وحسبك بإثبات هؤلاء الأثبات . قال الكواشي في ~~( تبصرة المتذكر ) : المعنى فني علمهم في الآخرة من أدركت الفاكهة ، إذا ~~بلغت النضج وذلك مؤذن بفنائها وزوالها . # فحاصل المعنى على قراءة الجمهور { وما يشعرون أيان يبعثون } وقد تلقى ~~بعضهم عن بعض ما يعلمون في شأن الآخرة وهو ما اشتهر عنهم من إنكار الحياة ~~الآخرة ، أو قد اضطرب ما يعلمونه في شأن الآخرة وأنهم سيعلمون ذلك لا محالة ~~في يوم الدار الآخرة . # وحاصل المعنى على قراءة ابن كثير وأبي عمرو وأبي جعفر : ما يشعرون أيان ~~يبعثون فإنهم لا علم لهم بالحياة الآخرة ، أي جهلوا الحياة الآخرة . # أما عدد القراءات الشاذة في هذه الجملة فبلغت عشرا . # وأما جملة { بل هم في شك منها } فهو إضراب انتقال للارتقاء من كونهم ~~اضطرب علمهم في الآخرة ، أو تقلد خلفهم ما لقنه سلفهم ، أو من أنهم انتفى ~~عملهم في الآخرة إلى أن ذلك الاضطراب في العلم قد أثار فيهم شكا من وقوع ~~الآخرة . و ( من ) للابتداء المجازي ، أي في شك ناشىء عن أمر الآخرة . وجيء ~~بالجملة الاسمية للدلالة على ثبات الخبر ودوامه ، والظرفية للدلالة على ~~إحاطة الشك بهم . PageV20P022 # وجملة { بل هم منها عمون } ارتقاء ثالث وهو آخر درجات الارتقاء في إثبات ~~ضلالهم وهو أنهم عميان عن شأن الآخرة ms6021 . # و { عمون } : جمع عمم بالتنوين وهو فعل من العمى ، صاغوا له مثال ~~المبالغة للدلالة على شدة العمى ، وهو تشبيه عدم العلم بالعمى ، وعادم ~~العلم بالأعمى . وقال زهير : # وأعلم علم اليوم والأمس قبله # ولكنني عن علم ما في غد عم # فشبه ضلالهم عن البعث بالعمى في عدم الاهتداء إلى المطلوب تشبيه المعقول ~~بالمحسوس . # و ( من ) في قوله { منها عمون } للابتداء المجازي ، جعل عماهم وضلالهم في ~~إثبات الآخرة كأنه ناشىء لهم من الآخرة إذ هي سبب عماهم ، أي إنكارها سبب ~~ضلالهم . وفي الكلام مضاف محذوف تقديره : من إنكار وجودها عمون ، فالمجرور ~~متعلق ب { عمون } . وقدم على متعلقه للاهتمام بهذا المتعلق وللرعاية على ~~الفاصلة . وصيغت الجملة الاسمية للدلالة على الثبات كما في قوله { بل هم في ~~شك منها } . # وترتيب هذه الاضرابات الثلاثة ترتيب لتنزيل أحوالهم ؛ فوصفوا أولا بأنهم ~~لا يشعرون بوقت البعث ثم بأنهم تلقفوا في شأن الآخرة التي البعث من شؤونها ~~علما مضطربا أو جهلا فخبطوا في شك ومرية ، فأعقبهم عمى وضلالة بحيث إن هذه ~~الانتقالات مندرجة متصاعدة حتى لو قيل : بل أدارك علمهم في الآخرة فهم في ~~شك منها فهم منها عمون لحصل المراد . ولكن جاءت طريقة التدرج بالإضراب ~~الانتقالي أجزل وأبهج وأروع وأدل على أن كلا من هذه الأحوال المترتبة جدير ~~بأن يعتبر فيه المعتبر باستقلاله لا بكونه متفرعا على ما قبله ، وهذا ~~البيان هو ما أشرت إليه آنفا عند الكلام على قراءة الجمهور { أدارك } من ~~خفاء توجيه الإضرابين اللذين بعد الإضراب الأول . # وضمائر جمع الغائبين في قوله { يشعرون ، ويبعثون ، علمهم ، هم في شك ، هم ~~منها عمون } عائدة إلى ( من ) الموصولة في قوله تعالى { قل لا يعلم من في ~~PageV20P023 السموات والأرض الغيب إلا الله } . و ( من ) هذه وإن كانت من ~~صيغ العموم فالضمائر المذكورة عائدة إليها بتخصيص عمومها ببعض من في الأرض ~~وهم الذين يزعمون أنهم يعلمون الغيب من الكهان والعرافين وسدنة الأصنام ~~الذين يستقسمون للناس بالأزلام ، وهو تخصيص لفظي من دلالة السياق وهو من ~~قسم المخصص المنفصل اللفظي . والخلاف ms6022 الواقع بين علماء الأصول في اعتبار ~~عود الضمير إلى بعض أفراد العام مخصصا للعموم يقرب من أن يكون خلافا لفظيا ~~. ومنه قوله تعالى { وبعولتهن أحق بردهن } ( البقرة : 228 ) فإن ضمير { ~~بعولتهن } عائد إلى المطلقات الرجعيات من قوله تعالى { والمطلقات يتربصن ~~بأنفسهن } ( البقرة : 228 ) الذي هو عام للرجعيات وغيرهن . # وبهذا تعلم أن التعبير ب { الذين كفروا } ( النمل : 67 ) هنا ليس من ~~الإظهار في مقام الإضمار لأن الذين كفروا أعم من ما صدق ( من ) في قوله { ~~لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب } . # $ 2 ( 67 68 ) { وقال الذين كفرو & # 1764 ا أءذا كنا ترابا وءابآؤنآ أءنا لمخرجون * لقد وعدنا هاذا نحن ~~وءابآؤنا من قبل إن هاذآ إلا أساطير الاولين } ) 2 $ # أعقب وصف عماية الزاعمين علم الغيب بذكر شبهتهم التي أرتهم البعث مستحيل ~~الوقوع ، ولذلك أسند القول هنا إلى جميع الذين كفروا دون خصوص الذين يزعمون ~~علم الغيب ، ولذلك عطفت الجملة لأنها غايرت التي قبلها بأنها أعم . # والتعبير عنهم باسم الموصول لما في الموصول من الإيماء إلى علة قولهم هذه ~~المقالة وهي ما أفادته الصلة من كونهم كافرين فكأنه قيل وقالوا بكفرهم أإذا ~~كنا ترابا . . إلى آخره استفهاما بمعنى الإنكار . # أتوا بالإنكار في صورة الاستفهام لتجهيل معتقد ذلك وتعجيزه عن الجواب ~~بزعمهم . والتأكيد ب { إن } لمجاراة كلام المردود عليه بالإنكار . والتأكيد ~~تهكم . PageV20P024 # وقرأ نافع وأبو جعفر { إذا كنا ترابا } بهمزة واحدة هي همزة ( إذا ) على ~~تقدير همزة استفهام محذوفة للتخفيف من اجتماع همزتين ، أو بجعل ( إذا ) ~~ظرفا مقدما على عامله والمستفهم عنه هو { إنا لمخرجون } . # وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة بهمزتين في { أإذا وأإنا } على اعتبار تكرير ~~همزة الاستفهام في الثانية لتأكيد الأولى ، إلا أن أبا عمرو خفف الثانية من ~~الهمزتين في الموضعين وعاصما وحمزة حققاهما . وهؤلاء كهلم حذفوا نون ~~المتكلم المشارك تخفيفا من الثقل الناشىء من وقوع نون المتلكم بعد نون ( إن ~~) . وقرأ ابن عامر والكسائي { أإذا } بهمزتين و { إننا } بهمزة واحدة ~~وبنونين اكتفاء بالهمزة الأولى للاستفهام ، وكلها استعمال فصيح . # وقد تقدم ms6023 في سورة المؤمنين حكاية مثل هذه المقالة عن الذين كفروا إلا أن ~~اسم الإشارة الأول وقع مؤخرا عن { نحن في سورة المؤمنين } ( 83 ) ووقع ~~مقدما عليه هنا ، وتقديمه وتأخيره سواء في أصل المعنى لأنه مفعول ثانن ل { ~~وعدنا } وقع بعد نائب الفاعل في الآيتين . وإنما يتجه أن يسأل عن تقديمه ~~على توكيد الضمير الواقع نائبا على الفاعل . وقد ناطها في ( الكشاف ) بأن ~~التقديم دليل على أن المقدم هو الغرض المعتمد بالذكر وبسوق الكلام لأجله . ~~وبينه السكاكي في ( المفتاح ) بأن ما وقع في سورة المؤمنين كان بوضع ~~المنصوب بعد المرفوع وذلك موضعه . وأما ما في سورة النمل فقدم المنصوب على ~~المرفوع لكونه فيها أهم ، يدلك على ذلك أن الذي قبله { إذا كنا ترابا ~~وءاباؤنا } والذي قبل آية سورة المؤمنين { أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما } ( ~~المؤمنون : 82 ) فالجهة المنظور فيها هناك ( في سورة المؤمنين ) هي كون ~~أنفسهم ترابا وعظاما ، والجهة المنظور فيها هنا في سورة النمل هي كون ~~أنفسهم وكون آبائهم ترابا لا جزء هناك من بناهم ( جمع بنية ) على أي باقيا ~~صورة نفسه ( أي على صورته التي كان عليها وهو حي ) . ولا شبهة أنها أدخل ~~عندهم في تبعيد البعث فاستلزم زيادة الاعتناء بالقصد إلى ذكره فصيره هذا ~~العارض أهم اه . # وحاصل الكلام أن كل آية حكت أسلوبا من مقالهم { بل قالوا مثل ما قال ~~الأولون . . . قالوا أإذا متنا } ( المؤمنون : 81 ، 82 ) { لقد وعدنا هذا ~~نحن وءاباؤنا } . PageV20P025 # وبعد فقد حصل في الاختلاف بين أسلوب الآيتين تفنن كما تقدم في المقدمة ~~السابعة . # والأساطير : جمع أسطورة ، وهي القصة والحكاية . وتقدم الكلام على ذلك عند ~~قوله تعالى { وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين } في سورة ~~النحل ( 24 ) . والمعنى : ما هذا إلا كلام معاد قاله الأولون وسطروه وتلقفه ~~من جاء بعدهم ولم يقع شيء منه . # # | 2 ( 69 ) { قل سيروا فى الارض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين } ) 2 # أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم هذه الكلمة ولذلك فصل فعل { ~~قل } وتقدم ms6024 نظيره في سورة الأنعام ( 11 ) . والمناسبة في الموضعين هي ~~الموعظة بحال المكذبين لأن إنكارهم البعث تكذيب للرسول وإجرام . والوعيد ~~بأن يصيبهم مثل ما أصابهم إلا أنها هنالك عطفت ب { ثم انظروا } وهنا بالفاء ~~{ فانظروا } وهما متئايلان . وذكر هنالك { عاقبة المكذبين } ( الأنعام : 11 ~~) وذكر هنا { عاقبة المجرمين } : والمكذبون مجرمون . والاختلاف بين ~~الحكايتين للتفنن كما قدمناه في المقدمة السابعة . # # | 2 ( 70 ) { ولا تحزن عليهم ولا تكن فى ضيق مما يمكرون } ) 2 # كانت الرحمة غالبة على النبي صلى الله عليه وسلم والشفقة على الأمة من ~~خلاله ، فلما أنذر المكذبون بهذا الوعيد تحركت الشفقة في نفس الرسول عليه ~~الصلاة والسلام فربط الله على قلبه بهذا التشجيع أن لا يحزن عليهم إذا ~~أصابهم ما أنذروا به . وكان من رحمته صلى الله عليه وسلم حرصه على إقلاعهم ~~عما هم عليه من تكذيبه والمكر به ، فألقى الله في روعه رباطة جاش بقوله { ~~ولا تكن في ضيق مما يمكرون . # والضيق : بفتح الضاد وكسرها ، قرأه الجمهور بالفتح ، وابن كثير بالكسر . ~~وحقيقته : عدم كفاية المكان أو الوعاء لما يراد حلوله فيه ، وهو هنا مجاز ~~في الحالة PageV20P026 الحرجة التي تعرض للنفس عند كراهية شيء فيحس المرء ~~في مجاري نفسه بمثل ضيق عرض لها . وإنما هو انضغاط في أعصاب صدره . وقد ~~تقدم عند قوله ولا تك في ضيق مما يمكرون } في آخر سورة النحل ( 127 ) . # والظرفية مجازية ، أي لا تكن ملتبسا ومحوطا بشيء من الضيق بسبب مكرهم . # والمكر تقدم عند قوله تعالى { ومكروا ومكر الله } في سورة آل عمران ( 54 ~~) . و ( ما ) مصدرية ، أي من مكرهم . # # | 2 ( 71 72 ) { ويقولون متى هاذا الوعد إن كنتم صادقين * قل عسى أن يكون ~~ردف لكم بعض الذى تستعجلون } ) 2 # عطف على { وقال الذين كفروا إذا كنا ترابا } ( النمل : 67 ) . والتعبير ~~هنا بالمضارع للدلالة على تجدد ذلك القول منهم ، أي لم يزالوا يقولون . # والمراد بالوعد ما أنذروا به من العقاب . والاستفهام عن زمانه ، وهو ~~استفهام تهكم منهم بقرينة قوله { إن كنتم صادقين } . # وأمر الله نبيه بالجواب ms6025 عن قولهم لأن هذا من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا ~~الله ومن أطلعه على شيء منه من عباده المصطفين . # والجواب جار على الأسلوب الحكيم بحمل استفهامهم على حقيقة الاستفهام ~~تنبيها على أن حقهم أن يسألوا عن وقت الوعيد ليتقدموه بالإيمان . # و { عسى } للرجاء ، وهو مستعمل في التقريب مع التحقيق . # و { ردف } تبع بقرب . وعدي باللام هنا مع أنه صالح للتعدية بنفسه لتضمينه ~~معنى ( اقترب ) أو اللام للتوكيد مثل شكر له . والمعنى : رجاء أن يكون ذلك ~~قريب الزمن . وهذا إشارة إلى ما سيحل بهم يوم بدر . PageV20P027 # وحذف متعلق { تستعجلون } أي تستعجلون به . # # | 2 ( 73 ) { وإن ربك لذو فضل على الناس ولاكن أكثرهم لا يشكرون } . ) 2 # موقع هذا موقع الاستدراك على قوله { عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي ~~تستعجلون } ( النمل : 72 ) أي أن تأخير العذاب عنهم هو من فضل الله عليهم . ~~وهذا خبر خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم تنبيها على أن تأخير الوعيد أثر من ~~آثار رحمة الله لأن أزمنة التأخير أزمنة إمهال فهم فيها بنعمة ، لأن الله ~~ذو فضل على الناس كلهم . وقد كنا قدمنا مسألة أن نعمة الكافر نعمة حقيقية ~~أو ليست نعمة والخلاف في ذلك بين الأشعري والماتريدي . # والتعبير ب { ذو فضل } يدل على أن الفضل من شؤونه . وتنكير { فضل } ~~للتعظيم . والتأكيد ب { إن } واللام منظور فيه إلى حال الناس لا إلى حال ~~النبي صلى الله عليه وسلم فالتأكيد واقع موقع التعريض بهم بقرينة قوله { ~~ولكن أكثرهم لا يشكرون } . # و { لكن } استدراك ناشىء عن عموم الفضل منه تعالى فإن عمومه وتكرره يستحق ~~بأن يعلمه الناس فيشكروه ولكن أكثر الناس لا يشكرون كهؤلاء الذين قالوا { ~~متى هذا الوعد } ( النمل : 71 ) فإنهم يستعجلون العذاب تهكما وتعجيزا في ~~زعمهم غير قادرين قدر نعمة الإمهال . # # | 2 ( 74 ) { وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون } . ) 2 # موقع هذا موقع الاستئناف البياني لأن قوله { وإن ربك لذو فضل على الناس } ~~( النمل : 73 ) يثير سؤالا في نفوس المؤمنين أن يقولوا : إن هؤلاء ms6026 المكذبين ~~قد أضمروا المكر وأعلنوا الاستهزاء فحالهم لا يقتضي إمهالهم ؟ فيجاب بأن ~~الذي أمهلهم مطلع على ما في صدورهم وما أعلنوه وأنه أمهلهم مع علمه بهم ~~لحكمة يعلمها . PageV20P028 # وفيه إشارة إلى أنهم يكنون أشياء للنبيء صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين ، ~~منها : أنهم يتربصون بهم الدوائر ، وأنهم تخامر نفوسهم خواطر إخراجه وإخراج ~~المؤمنين . وهذا الاستئناف لما كان ذا جهة من معنى وصف الله بإحاطة العلم ~~عطفت جملته على جملة وصف الله بالفضل ، فحصل بالعطف غرض ثان مهم ، وحصل ~~معنى الاستئناف البياني من مضمون الجملة . # وأما التوكيد ب { إن } فهو على نحو توكيد الجملة التي قبله . ولك أن ~~تجعله لتنزيل السائل منزلة المتردد وذلك تلويح بالعتاب . # و { تكن } تخفي وهو من ( أكن ) إذا جعل شيئا كانا ، أي حاصلا في كن . ~~والكن : المسكن . وإسناد { تكن } إلى الصدور مجاز عقلي باعتبار أن الصدور ~~مكانه . والإعلان : الإظهار . # # | 2 ( 75 ) { وما من غآئبة فى السمآء والارض إلا فى كتاب مبين } . ) 2 # عطف على جملة { وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون } ( النمل : 74 ) ~~. وهو في معنى الذييل للجملة المذكورة لأنها ذكر منها علم الله بضمائرهم ~~فذيل ذلك بأن الله يعلم كل غائبة في السماء والأرض . # وإنما جاء معطوفا لأنه جدير بالاستقلال بذاته من حيث إنه تعليم لصفة علم ~~الله تعالى وتنبيه لهم من غفلتهم عن إحاطة علم الله لما تكن صدورهم وما ~~يعلنون . # والغائبة : اسم للشيء الغائب والتاء فيه للنقل من الوصفية إلى الاسمية ~~كالتاء في العافية ، والعاقبة ، والفاتحة . وهو اسم مشتق من الغيب وهو ضد ~~الحضور ، والمراد : الغائبة عن علم الناس . استعمل الغيب في الخفاء مجازا ~~مرسلا . # والكتاب يعبر به عن علم الله ، استعير له الكتاب لما فيه من التحقق وعدم ~~قبول التغيير . ويجوز أن يكون مخلوقا غيبيا يسجل فيه ما سيحدث . # والمبين : المفصل ، لأن الشيء المفصل يكون بينا واضحا . والمعنى : أن ~~الله لا يعزب عن علمه حقيقة شيء مما خفي على العالمين . وذلك يقتضي أن كل ~~ما PageV20P029 يتلقاه الرسل من جانب الله تعالى ms6027 فهو حق لا يحتمل أن يكون ~~الأمر بخلافه . ومن ذلك ما كان الحديث فيه من أمر البعث الذي أنكروه وكذبوا ~~بما جاء فيه . # $ 2 ( 76 ) { إن هاذا القرءان يقص على بنى & # 1764 إسراءيل أكثر الذى هم فيه يختلفون } . ) 2 $ # إبطال لقول الذين كفروا { إن هذا إلا أساطير الأولين } ( النمل : 68 ) . ~~وله مناسبة بقوله { وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب مبين } ( ~~النمل : 75 ) ، فإن القرآن وحي من عند الله إلى رسوله محمد صلى الله عليه ~~وسلم فكل ما فيه فهو من آثار علم الله تعالى فإذا أراد الله تعليم المسلمين ~~شيئا مما يشتمل عليه القرآن فهو العلم الحق إذا بلغت الأفهام إلى إدراك ~~المراد منه على حسب مراتب الدلالة التي أصولها في علم العربية وفي علم أصول ~~الفقه . # ومن ذلك ما اشتمل عليه القرآن من تحقيق أمور الشرائع الماضية والأمم ~~الغابرة مما خبطت فيه كتب بني إسرائيل خبطا من جراء ما طرأ على كتبهم من ~~التشتت والتلاشي وسوء النقل من لغة إلى لغة في عصور انحطاط الأمة ~~الإسرائيلية ، ولما في القرآن من الأصول الصريحة في الإلهيات مما يكشف سوء ~~تأويل بني إسرائيل لكلمات كتابهم في متشابه التجسيم ونحوه ، فإنك لا تجد في ~~التوراة ما يساوي قوله تعالى { ليس كمثله شيء } ( الشورى : 11 ) . فالمعنى ~~: نفي أن يكون أساطير الأولين بإثبات أنه تعليم للمؤمنين ، وتعليم لأهل ~~الكتاب . وإنما قص عليهم أكثر ما اختلفوا وهو ما في بيان الحق منه نفع ~~للمسلمين ، وأعرض عما دون ذلك . فموقع هذه الآية استكمال نواحي هدي القرآن ~~للأمم فإن السورة افتتحت بأنه هدى وبشرى للمؤمنين ، وأن المشركين الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة يعمهون في ضلالهم فلم ينتفعوا بهديه . فاستكملت هذه الآية ~~ما جاء به من هدي بني إسرائيل لما يهم مما اختلفوا فيه . # والتأكيد ب { إن } مثل ما تقدم في نظائره . وأكثر الذي يختلفون فيه هو ما ~~جاء في القرآن من إبطال قولهم فيما يقتضي إرشادهم إلى الحق أن يبين لهم ، ~~وغير PageV20P030 الأكثر ما لا مصلحة ms6028 في بيانه لهم . # ومن مناسبة التنبيه على أن القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر ما هم فيه ~~مختلفون ، أن ما قصه مما جرى بين ملكة سبأ مع سليمان كان فيه مما يخالف ما ~~في كتاب الملوك الأول وكتاب الأيام الثاني ففي ذينك الكتابين أن ملكة سبأ ~~تحملت وجاءت إلى أورشليم من تلقاء نفسها محبة منها في الاطلاع على ما بلغ ~~مسامعها من عظمة ملك سليمان وحكمته ، وأنها بعد ضيافتها عند سليمان قفلت ~~إلى مملكتها . وليس مما يصح في حكم العقل وشواهد التاريخ في تلك العصور أن ~~ملكة عظيمة كملكة سبأ تعمد إلى الارتحال عن بلدها وتدخل بلد ملك آخر غير ~~هائبة ، لولا أنها كانت مضطرة إلى ذلك بسياسة ارتكاب أخف الضرين إذ كان ~~سليمان قد ألزمها بالدخول في دائرة نفوذ ملكه ، فكان حضورها لديه استسلاما ~~واعترافا له بالسيادة بعد أن تنصلت من ذلك بتوجيه الهدية وبعد أن رأت العزم ~~من سليمان على وجوب امتثال أمره . # ومن العجيب إهمال كتاب اليهود دعوة سليمان بلقيس إلى عقيدة التوحيد وهل ~~يظن بنبي أن يقر الشرك على منتحليه . # # | 2 ( 77 ) { وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين } . ) 2 # هذا راجع إلى قوله في طالع السورة { هدى وبشرى للمؤمنين } ( النمل : 2 ) ~~ذكر هنا لاستيعاب جهات هدي القرآن . أما كونه هدى للمؤمنين فظاهر ، وأما ~~كونه رحمة لهم فلأنهم لما اهتدوا به قد نالوا الفوز في الدنيا بصلاح نفوسهم ~~واستقامة أعمالهم واجتماع كلمتهم ، وفي الآخرة بالفوز بالجنة . والرسالة ~~المحمدية وإن كانت رحمة للعالمين كلهم كما تقدم في قوله تعالى { وما ~~أرسلناك إلا رحمة للعالمين } في سورة ( الأنبياء : 107 ) فرحمته للمؤمنين ~~أخص . # والتأكيد ب { إن } منظور فيه إلى المعرض كما تقدم في قوله { وإن ربك لذو ~~فضل على الناس } ( النمل : 73 ) . # PageV20P031 # | 2 ( 78 ) { إن ربك يقضى بينهم بحكمه وهو العزيز العليم } . ) 2 # لما سبق ذكر المشركين بطعنهم في القرآن وتكذيبهم بوعيده ، وذكر بني ~~إسرائيل بما يقتضي طعنهم فيه بأنه لمخالفة ما في كتبهم ، وذكر المؤمنين ~~بأنهم اهتدوا به وكان لهم رحمة ms6029 فهم موقنون بما فيه ، تمخض الكلام عن خلاصة ~~هي افتراق الناس في القرآن فريقين : فريق طاعن ، وفريق موقن ، فلا جرم ~~اقتضى ذلك حدوث تدافع بين الفريقين . وهو مما يثير في نفوس المؤمنين سؤالا ~~عن مدى هذا التدافع ، والتخالف بين الفريقين ومتى ينكشف الحق ، فجاء قوله { ~~إن ربك يقضي بينهم بحكمه } استئنافا بيانيا فيعلم أن القضاء يقتضي مختلفين ~~. وأن كلمة ( بين ) تقتضي متعددا ، فأفاد أن الله يقضي بين المؤمنين ~~بالقرآن والطاعنين فيه قضاء يبين المحق من المبطل . وهذا تسلية للنبيء صلى ~~الله عليه وسلم وللمؤمنين عن استبطائهم النصر فإن النبي أول المؤمنين ، ~~وإنما تقلد المؤمنون ما أنبأهم به فالقضاء للمؤمنين قضاء له بادىء ذي بدء . # وفيه توجيه الخطاب إلى جناب الرسول صلى الله عليه وسلم وإسناد القضاء إلى ~~الله في شأنه بعنوان أنه رب له إيماء بأن القضاء سيكون مرضيا له وللمؤمنين ~~. فجعل الرسول في هذا الكلام بمقام المبلغ وجعل القضاء بين أمته مؤمنهم ~~وكافرهم ، وتعجيل لمسرة الرسول بهذا اللإيماء . # وإذا قد أسند القضاء إلى الله وعلق به حكم مضاف إلى ضميره فقد تعين أن ~~يكون المراد من المتعلق غير المتعلق به وذلك يلجيء : إما إلى تأويل معنى ~~إضافة الحكم بما يخالف معنى إسناد القضاء إذا اعتبر اللفظان مترادين لفظا ~~ومعنى ، فيكون ما تدل عليه الإضافة من اختصاص المضاف بالمضاف إليه مقصودا ~~به ما اشتهر به المضاف باعتبار المضاف إليه . وذلك أن الكل يعلمون أن حكم ~~الله هو العدل ولأن المضاف إليه هو الحكم العدل . فالمعنى على هذا : أن ربك ~~يقضي بينهم بحكمه المعروف المشتهر اللائق بعموم علمه واطراد عدله . # وإما أن يؤول الحكم بمعنى الحكمة وهو إطلاق شائع قال تعالى { وكلا ءاتينا ~~حكما وعلما } ( الأنبياء : 79 ) وقال { وءاتيناه الحكم صبيا } ( مريم : 12 ~~) ولم يكن يحيى حاكما وإنما كان حكيما نبيئا فيكون PageV20P032 المعنى على ~~هذا : إن ربك يقضي بينهم بحكمته ، أي بما تقتضيه الحكمة ، أي من نصر المحق ~~على المبطل . # ومآل التأويلين إلى معنى واحد وبه يظهر حسن موقع الاسمين الجليلين ms6030 في ~~تذييله بقوله { وهو العزيز العليم } ، فإن العزيز لا يصانع ، والعليم لا ~~يفوته الحق ، ويظهر حسن موقع التفريغ بقوله : # # | 2 ( 79 ) { فتوكل على الله إنك على الحق المبين } . ) 2 # فرعت الفاء على الإخبار بأن رب الرسول عليه الصلاة والسلام يقضي بين ~~المختلفين في شأن القرآن أمرا للرسول بأن يطمئن بالا ويتوكل على ربه فيما ~~يقضي به فإنه يقضي له بحقه ، وعلى معانده بما يستحقه ، فالأمر بالتوكل ~~مستعمل في كنايته وصريحه فإن من لازمه أنه أدى رسالة ربه ، وأن إعراض ~~المعرضين عن أمر الله ليس تقصيرا من الرسول صلى الله عليه وسلم وهو معنى ~~تكرر في القرآن كقوله { لعلك باخع نفسك } ( الكهف : 6 ) وقوله { ولا تحزن ~~عليهم } ( النمل : 70 ) . # والتوكل : تفعل من وكل إليه الأمر ، إذا أسند إليه تدبيره ومباشرته ، ~~فالتفعل للمبالغة . وقد تقدم عند قوله تعالى { فإذا عزمت فتوكل على الله } ~~في آل عمران ( 159 ) ، وقوله { وعلى الله فتوكلوا } في المائدة ( 23 ) ~~وقوله { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } في سورة إبراهيم ( 11 ) . # وقد وقعت جملة { إنك على الحق المبين } موقعا لم يخاطب الله تعالى أحدا ~~من رسله بمثله فكان ذلك شهادة لرسوله بالعظمة الكاملة المنزهة عن كل نقص ، ~~لما دل عليه حرف { على } من التمكن ، وما دل عليه اسم { الحق } من معنى ~~جامع لحقائق الأشياء . وما دل عليه وصف { مبين } من الوضوح والنهوض . # وجاءت جملة { إنك على الحق المبين } مجيء التعليل للأمر بالتوكل على الله ~~إشعارا بأنه على الحق فلا يترقب من توكله على الحكم العدل إلا أن يكون حكمه ~~PageV20P033 في تأييده ونفعه . وشأن ( إن ) إذا جاءت في مقام التعليل أن ~~تكون بمعنى الفاء فلا تفيد تأكيدا ولكنها للاهتمام . # وجيء في فعل التوكل بعنوان اسم الجلالة لأن ذلك الاسم يتضمن معاني الكمال ~~كلها ، ومن أعلاها العدل في القضاء ونصر المحق . وذلك بعد أن عجلت مسرة ~~الإيماء إلى أن القضاء في جانب الرسول عليه الصلاة والسلام بإسناده القضاء ~~إلى عنوان الرب مضافا إلى ضمير الرسول كما تقدم آنفا . # وتقديم المسند إليه على ms6031 الخبر الفعلي اقتضاه وجود مقتضي جلب حرف التوكيد ~~لإفادة التعليل فلا يفيد التقديم تخصيصا ولا تقويا . # و { المبين } : الواضح الذي لا ينبغي الامتراء فيه ولا المصانعة للمحكوم ~~له . # وفي الآية إشارة إلى أن الذي يعلم أن الحق في جانبه حقيق بأن يثق بأن ~~الله مظهر حقه ولو بعد حين . # # | 2 ( 80 ) { إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعآء إذا ولوا مدبرين } ~~. ) 2 # استئناف بياني جوابا عما يخطر في بال السامع عقب قوله { إنك على الحق ~~المبين } ( النمل : 79 ) من التساؤل عن إعراض أهل الشرك لما عليه الرسول من ~~الحق المبين . وهو أيضا تعليل آخر للأمر بالتوكل على الله بالنظر إلى ~~مدلوله الكنائي ، فموقع حرف التوكيد فيه كموقعه في التعليل بالجملة التي ~~قبله . وهذا عذر للرسول صلى الله عليه وسلم وتسلية له ، ولكونه تعليلا ~~لجانب من التركيب وهو الجانب الكنائي غير الذي علل بجملة { إنك على الحق ~~المبين } ( النمل : 79 ) لم تعطف هذه الجملة على التي قبلها تنبيها على ~~استقلالها بالتعليل . # والإسماع : إبلاغ الكلام إلى المسامع . # و { الموتى } و { الصم } : مستعاران للقوم الذين لا يقبلون القول الحق ~~ويكابرون من يقوله لهم . شبهوا بالموتى على طريقة الاستعارة في انتفاء ~~فهمهم معاني القرآن ، PageV20P034 وشبهوا بالصم كذلك في انتفاء أثر بلاغة ~~ألفاظه عن نفوسهم . وللقرآن أثران : # أحدهما : ما يشتمل عليه من المعاني المقبولة لدى أهل العقول السليمة وهي ~~المعاني التي يدركها ويسلم لها من تبلغ إليه ولو بطريق الترجمة بحيث يستوي ~~في إدراكها العربي والعجمي وهذا أثر عقلي . # والأثر الثاني : دلالة نظمه وبلاغته على أنه خارج عن مقدرة بلغاء العرب . ~~وهذا أثر لفظي وهو دليل الإعجاز وهو خاص بالعرب مباشرة ، وحاصل لغيرهم من ~~أهل النظر والتأمل إذا تدبروا في عجز البلغاء من أهل اللسان الذي جاء به ~~القرآن ، فهؤلاء يوقنون بأن عجز بلغاء أهل ذلك اللسان عن معارضته دال على ~~أنه فوق مقدرتهم ؛ فالمشركون شبهوا بالموتى بالنظر إلى الأثر الأول ، ~~وشبهوا بالصم بالنظر إلى الأثر الثاني ، فحصلت استعارتان . ونفي الإسماع ~~فيهما ترشيحان للاستعارتين ms6032 وهما مستعاران لانتفاء معالجة إبلاغهم . # ولأجل اعتبار كلا الأثرين المبني عليه ورود تشبيهين كرر ذكر الترشيحين ~~فعطف { ولا تسمع الصم } على { لا تسمع الموتى } ، ولم يكتف بأن يقال : إنك ~~لا تسمع الموتى ولا الصم . # وتقييد الصم بزمان توليهم مدبرين لأن تلك الحالة أوغل في انتفاء إسماعهم ~~لأن الأصم إذا كان مواجها للمتكلم قد يسمع بعض الكلام بالصراخ ويستفيد ~~بقيته بحركة الشفتين ، فأما إذا ولى مدبرا فقد ابتعد عن الصوت ولم يلاحظ ~~حركة الشفتين فذلك أبعد له عن السمع . # واستدلت عائشة رضي الله عنها بهذه الآية على رد ظاهر حديث ابن عمر : ( أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف على قليب بدر وفيه قتلى المشركين فناداهم ~~بأسمائهم وقال : هل وجدتم ما وعد ربكم حقا ، قال ابن عمر : فقيل له : يا ~~رسول الله أتنادي أمواتنا فقال : إنهم الآن يسمعون ما أقول لهم ) . فقالت ~~عائشة : إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم إنهم الآن ليعلمون أن الذي كنت ~~أقول لهم هو الحق ثم قرأت { إنك لا تسمع الموتى } حتى قرأت الآية . ~~PageV20P035 # وهذا من الاستدلال بظاهر الدلالة من القرآن ولو باحتمال مرجوح كما بيناه ~~في المقدمة التاسعة . وإلا فإن الموتى هنا استعارة وليس بحقيقة . # وضميرا { ولوا مدبرين } عائدان إلى الصم ، وهو تتميم للتشبيه حيث شبهوا ~~في عدم بلوغ الأقوال إلى عقولهم بصم ولوا مدبرين ، فإن المدبر يبعد عن مكان ~~من يكلمه فكان أبعد عن الاستماع كما تقدم آنفا . # # | 2 ( 81 ) { ومآ أنت بهادى العمى عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن ~~بئاياتنا فهم مسلمون } . ) 2 # كرر تشبيه المشركين في إعراضهم عن الحق بأن شبهوا في ذلك بالعمي بعد أن ~~شبهوا بالموتى وبالصم على طريقة الاستعارة إطنابا في تشنيع حالهم الموصوفة ~~على ما هو المعروف عند البلغاء في تكرير التشبيه كما تقدم عند قوله تعالى { ~~أو كصيب من السماء } في سورة البقرة ( 19 ) . # وحسن هذا التكرير هنا ما بين التشبيهين من الفروق مع اتحاد الغاية ؛ ~~فإنهم شبهوا بالموتى في انتفاء إدراك المعاني الذي يتمتع ms6033 به العقلاء ، ~~وبالصم في انتفاء إدراك بلاغة الكلام الذي يضطلع به بلغاء العرب . وشبهوا ~~ثالثا بالعمي في انتفاء التمييز بين طريق الهدى وطريق الضلال من حيث إنهم ~~لم يتبعوا هدي دين الإسلام . والغاية واحدة وهي انتفاء اتباعهم الإسلام ففي ~~تشبيههم بالعمي استعارة مصرحة ، ونفي إنقاذهم عن ضلالتهم ترشيح للاستعارة ~~لأن الأعمى لا يبلغ إلى معرفة الطريق بوصف الواصف . # والهدى : الدلالة على طريق السائر بأن يصفه له فيقول مثلا : إذا بلغت ~~الوادي فخذ الطريق الأيمن . # والذي يسلك بالقوافل مسالك الطرق يسمى هاديا . # والتوصل إلى معرفة الطريق يسمى اهتداء . وهذا الترشيح هو أيضا مستعار ~~لبيان الحق والصواب للناس ، والأعمى غير قابل للهداية بالحالتين حالة الوصف ~~وهي ظاهرة ، وحالة الاقتياد فإن العرب لم يكونوا يأخذون العمي معهم في ~~أسفارهم لأنهم يعرقلون على القافلة سيرها . PageV20P036 # وقوله { عن ضلالتهم } يتضمن استعارة مكنية قرينتها حالية . شبه الدين ~~الحق بالطريق الواضحة ، وإسناد الضلالة إلى سالكيه ترشيح لها وتخييل ، ~~والضلالة أيضا مستعارة لعدم إدراك الحق تبعا للاستعارة المكنية ، وأطلقت ~~هنا على عدم الاهتداء للطريق ، وضمير { ضلالتهم } عائد إلى العمي ، ولتأتي ~~هذه الاستعارة الرشيقة عدل عن تعليق ما حقه أن يعلق بالهدي فعلق به ما ~~يقتضيه نفي الهدي من معنى الصرف والمباعدة . فقيل { عن ضلالتهم } بتضمين { ~~هادي } معنى صارف . فصار : ما أنت بهاد ، بمعنى : ما أنت بصارفهم عن ~~ضلالتهم كما يقال : سقاه عن العيمة ، أي سقاه صارفا له عن العيمة ، وهي ~~شهوة اللبن . # وعدل في هذه الجملة عن صيغتي النفيين السابقين في قوله { إنك لا تسمع ~~الموتى ولا تسمع الصم الدعاء } ( النمل : 80 ) الواقعين على مسندين فعليين ~~، إلى تسليط النفي هنا على جملة اسمية للدلالة على ثبات النفي . وأكد ذلك ~~الثبات بالباء المزيدة لتأكيد النفي . # ووجه إيثار هذه الجملة بهاذين التحقيقين هو أنه لما أفضى الكلام إلى نفي ~~اهتدائهم وكان اهتداؤهم غاية مطمح الرسول صلى الله عليه وسلم كان المقام ~~مشعرا ببقية من طمعه في اهتدائهم حرصا عليهم فأكد له ما يقلع طمعه ، وهذا ~~كقوله تعالى { إنك لا تهدي ms6034 من أحببت } ( القصص : 56 ) وقوله { وما أنت ~~عليهم بجبار } ( ق : 45 ) . وسيجيء في تفسير نظير هذه الآية من سورة الروم ~~توجيه لتعداد التشابيه الثلاثة زائدا على ما هنا فانظره . # وقرأ حمزة وحده { وما أنت تهدي } بمثناه فوقيه في موضع الموحدة وبدون ألف ~~بعد الهاء . # { ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بئاياتنا فهم } . # استئناف بياني لترقب السامع معرفة من يهتدون بالقرآن . # والإسماع مستعمل في معناه المجازي كما تقدم . PageV20P037 # وأوثر التعبير بالمضارع في قوله { من يؤمن } ليشمل من آمنوا من قبل فيفيد ~~المضارع استمرار إيمانهم ومن سيؤمنون . # وقد ظهر من التقسيم الحاصل من قوله { إنك لا تسمع الموتى } ( النمل : 80 ~~) إلى هنا ، أن الناس قسمان منهم من طبع الله على قلبه وعلم أنه لا يؤمن ~~حتى يعاجله الهلاك ، ومنهم من كتب الله له السعادة فيؤمن سريعا أو بطيئا ~~قبل الوفاة . # وفرع عليه { فهم مسلمون } المفيد للدوام والثبات لأنهم إذا آمنوا فقد صار ~~الإسلام راسخا فيهم ومتمكنا منهم ، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب ~~. # # | 2 ( 82 ) { وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دآبة من الارض تكلمهم أن ~~الناس كانوا بئاياتنا لا يوقنون } . ) 2 # هذا انتقال إلى التذكير بالقيامة وما ادخر لهم من الوعيد . فهذه الجملة ~~معطوفة على الجمل قبلها عطف قصة على قصة . ومناسبة ذكرها ما تقدم من قوله { ~~إنك لا تسمع الموتى } إلى قوله { عن ضلالتهم } ( النمل : 80 ، 81 ) . ~~والضمير عائد إلى الموتى والصم والعمي وهم المشركون . # و { القول } أريد به أخبار الوعيد التي كذبوها متهكمين باستبطاء وقوعها ~~بقولهم { متى هذا الوعد إن كنتم صادقين } ( النمل : 71 ) ، فالتعريف فيه ~~للعهد يفسره المقام . # والوقوع مستعار لحلول وقته وذلك من وقت تهيؤ العالم للفناء إلى أن يدخل ~~أهل الجنة الجنة وأهل النار النار . # والآية تشير إلى شيء من أشراط حلول الوعيد الذي أنذروا به وهو الوعيد ~~الأكبر يعني وعيد البعث ، فتشير إلى شيء من أشراط الساعة وهو من خوارق ~~العادات . والتعبير عن وقوعه بصيغة الماضي لتقريب زمن الحال من المضي ، أي ~~أشرف وقوعه ، على ms6035 أن فعل المضي مع ( إذا ) ينقلب إلى الاستقبال . # والدابة : اسم للحي من غير الإنسان ، مشتق من الدبيب ، وهو المشي على ~~PageV20P038 الأرض وهو من خصائص الأحياء . وتقدم الكلام على لفظ { دابة } ~~في سورة الأنعام ( 38 ) . وقد رويت في وصف هذه الدابة ووقت خروجها ومكانه ~~أخبار مضطربة ضعيفة الأسانيد فانظرها في ( تفسير القرطبي ) وغيره إذ لا ~~طائل في جلبها ونقدها . # وإخراج الدابة من الأرض ليريهم كيف يحي الله الموتى إذ كانوا قد أنكروا ~~البعث . ولا شك أن كلامها لهم خطاب لهم بحلول الحشر . وإنما خلق الله ~~الكلام لهم على لسان دابة تحقيرا لهم وتنديما على إعراضهم عن قبول أبلغ ~~كلام وأوقعه من أشرف إنسان وأفصحه ، ليكون لهم خزيا في آخر الدهر يعيرون به ~~في المحشر . فيقال : هؤلاء الذين أعرضوا عن كلام رسول كريم فخوطبوا على ~~لسان حيوان بهيم . على نحو ما قيل : استفادة القابل من المبدإ تتوقف على ~~المناسبة بينهما . # وجملة { إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون } تعليل لإظهار هذا الخارق ~~للعادة حيث لم يوقن المشركون بآيات القرآن فجعل ذلك إلجاء لهم حين لا ~~ينفعهم . # وقرأ الجمهور { إن الناس } بكسر همزة ( إن ) ، وموقع ( إن ) في مثل هذا ~~التعليل . وقرأ عاصم وحمزة والكسائي { أن الناس } بفتح الهمزة وهي أيضا ~~للتعليل لأن فتح همزة ( أن ) يؤذن بتقدير حرف جر وهو باء السببية ، أي ~~تكلمهم بحاصل هذا وهو المصدر . والمعنى : أنها تسجل على الناس وهم المشركون ~~عدم تصديقهم بآيات الله . وهو تسجيل توبيخ وتنديم لأنهم حينئذ قد وقع القول ~~عليهم ف { لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل } ( الأنعام : 158 ) . ~~وحمل هذه الجملة على أن تكون حكاية لما تكلمهم به الدابة بعيد . # # | 2 ( 83 84 ) { ويوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب بئاياتنا فهم يوزعون ~~* حتى إذا جآءوا قال أكذبتم بئاياتى ولم تحيطوا بها علما أما ذا كنتم ~~تعملون } . ) 2 # انتصب { يوم } على تقدير ( اذكر ) فهو مفعول به ، أو على أنه ظرف متعلق ~~بقوله { قال أكذبتم } مقدم عليه للاهتمام به . وهذا حشر ms6036 خاص بعد حشر جميع ~~PageV20P039 الخلق المذكور في قوله تعالى بعد هذا { ويوم ينفخ في الصور ~~ففزع من في السماوات ومن في الأرض } ( النمل : 87 ) وهو في معنى قوله تعالى ~~{ وامتازوا اليوم أيها المجرمون } ( يس : 59 ) فيحشر من كل أمة مكذبو ~~رسولها . # والفوج : الجماعة من الناس . و { من } الداخلة على { كل أمة } تبعيضية ~~وأما ( من ) الداخلة على { من يكذب } فيجوز جعلها بيانية فيكون فوج كل أمة ~~هو جماعة المكذبين منها ، أي يحشر من الأمة كفارها ويبقى صالحوها . ويجوز ~~جعل ( من ) هذه تبعيضية أيضا بأن يكون المعنى إخراج فوج من المكذبين من كل ~~أمة . وهذا الفوج هو زعماء المكذبين وأيمتهم فيكونون في الرعيل الأول إلى ~~العذاب . # وهذا قول ابن عباس إذ قال : مثل أبي جهل والوليد بن المغيرة وشيبة بن ~~ربيعة يساقون بين يدي أهل مكة ، وكذلك يساق أمام كل طائفة زعماؤها . وتقدم ~~تفسير { فهم يوزعون } في قصة سليمان من هذه السورة ( 17 ) . # والمعنى هنا : أنهم يزجرون إغلاظا عليهم كما يفعل بالأسرى . # والقول في { حتى إذا جاءو } كالقول في { حتى إذا أتوا على واد النمل } ( ~~النمل : 18 ) ولم يذكر الموضع الذي جاءوه لظهوره وهو مكان العذاب ، أي جهنم ~~كما قال في الآية { حتى إذا ما جاءوها } ( فصلت : 20 ) . # و { حتى } في { حتى إذا جاءو } ابتدائية . و { إذا } الواقعة بعد { حتى } ~~ظرفية والمعنى : حتى حين جاءوا . # وفعل { قال أكذبتم بآياتي } هو صدر الجملة في التقدير وما قبله مقدم من ~~تأخير للاهتمام . والتقدير : وقال أكذبتم بآياتي يوم نحشر من كل أمة فوجا ~~وحين جاءوا . وفي { قال } التفات من التكلم إلى الغيبة . # وقوله { أكذبتم بآياتي } قول صادر من جانب الله تعالى يسمعونه أو يبلغهم ~~إياه الملائكة . # والاستفهام يجوز أن يكون توبيخيا مستعملا في لازمه وهو الإلجاء إلى ~~الاعتراف بأن المستفهم عنه واقع منهم تبكيتا لهم ، ولهذا عطف عليه قوله { ~~أم ماذا كنتم PageV20P040 تعملون } . فحرف { أم } فيه بمعنى ( بل ) ~~للانتقال ومعادل همزة الاستفهام المقدرة محذوف دل عليه قوله { ماذا كنتم ~~تعملون } . والتقدير : أكذبتم بآياتي أم لم ms6037 تكذبوا فماذا كنتم تعملون إن لم ~~تكذبوا فإنكم لم توقنوا فماذا كنتم تعملون في مدة تكرير دعوتكم إلى الإسلام ~~. ومن هنا حصل الإلجاء إلى الاعتراف بأنهم كذبوا . # ومن لطائف البلاغة أنه جاء بالمعادل الأول مصرحا به لأنه المحقق منهم ~~فقال { أكذبتم بآياتي } وحذف معادله الآخر تنبيها على انتفائه كأنه قيل : ~~أهو ما عهد منكم من التكذيب أم حدث حادث آخر ، فجعل هذا المعادل مترددا فيه ~~، وانتقل الكلام إلى استفهام . وهذا تبكيت لهم . قال في الكشاف ) : ( ~~ومثاله أن تقول لراعيك وقد علمت أنه راعي سوء : أتأكل نعمي أم ماذا تعمل ~~بها ، فتجعل ما ابتدأت به وجعلته أساس كلامك هو الذي صح عندك من أكله ~~وفساده وترمي بقولك : أم ماذا تعمل بها ، مع علمك أنه لا يعمل بها إلا ~~الأكل لتبهته . ويجوز أن يكون الاستفهام تقريريا وتكون { أم } متصلة وما ~~بعدها هو معادل الاستفهام باعتبار المعنى كأنه قيل : أكذبتم أم لم تكذبوا ~~فماذا كنتم تعملون إن لم تكذبوا فإنكم لم تتبعوا آياتي ) . # وجملة { ولم تحيطوا بها علما } في موضع الحال ، أي كذبتم دون أن تحيطوا ~~علما بدلالة الآيات . وانتصب { علما } على أنه تمييز نسبة { تحيطوا } ، أي ~~لم يحط علمكم بها ، فعدل عن إسناد الإحاطة إلى العلم إلى إسنادها إلى ذوات ~~المخاطبين ليقع تأكيد الكلام بالإجمال في الإسناد ثم التفصيل بالتمييز . # وإحاطة العلم بالآيات مستعملة في تمكن العلم حتى كأنه ظرف محيط بها وهذا ~~تعيير لهم وتوبيخ بأنهم كذبوا بالآيات قبل التدبر فيها . # و { ماذا } استفهام واسم إشارة وهو بمعنى اسم الموصول إذا وقع بعد ( ما ) ~~. والمشار إليه هو مضمون الجملة بعده في قوله { كنتم تعملون } . ولكون ~~المشار إليه في مثل هذا هو الجملة صار اسم الإشارة بعد الاستفهام في قوة ~~موصول فكأنه قيل : ما الذي كنتم تعملون ؟ فذلك معنى قول النحويين : إن ( ذا ~~) بعد ( ما ) و ( من ) الاستفهاميتين يكون بمعنى ( ما ) الموصولة فهو بيان ~~معنى لا بيان وضع . # PageV20P041 # | 2 ( 85 ) { ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون } . ) 2 # يجوز أن يكون ms6038 الواو للحال ، والمعنى : يقال لهم أكذبتم بآياتي وقد وقع ~~القول عليهم . وهذا القول هو القول السابق في آية { وإذا وقع القول عليهم } ~~( النمل : 82 ) فإن ذلك القول مشتمل على حوادث كثيرة فكلما تحقق شيء منها ~~فقد وقع القول . # والتعبير بالماضي في قوله { وقع } هنا على حقيقته ، وأعيد ذكره تعظيما ~~لهوله ويجوز أن تكون الواو عاطفة والقول هو القول الأول وعطفت الجملة على ~~الجملة المماثلة لها ليبنى عليها سبب وقوع القول وهو أنه بسبب ظلمهم وليفرع ~~عليه قوله { فهم لا ينطقون } . # والتعبير بفعل المضي على هذا الوجه لأنه محقق الحصول في المستقبل فجعل ~~كأنه حصل ومضى . # و { ما ظلموا } بمعنى المصدر ، والباء للسببية ، أي بسبب ظلمهم ، والظلم ~~هنا الشرك وما يتبعه من الاعتداء على حقوق الله وحقوق المؤمنين فكان ظلمهم ~~سبب حلول الوعيد بهم ، وفي الحديث ( الظلم ظلمات يوم القيامة ) فكل من ظلم ~~سيقع عليه القول الموعود به الظالمون لأن الظلم ينتسب إلى الشرك وينتسب هذا ~~إليه كما تقدم عند قوله تعالى { فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا } في هذه ~~السورة ( 52 ) . # وجملة { فهم لا ينطقون } مفرعة على { وقع القول } أي وقع عليهم وقوعا ~~يمنعهم الكلام ، أي كلام الاعتذار أو الإنكار ، أي فوجموا لوقوع ما وعدوا ~~به قال تعالى { هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون } ( المرسلات : 35 ~~، 36 ) . # # | 2 ( 86 ) { ألم يروا أنا جعلنا اليل ليسكنوا فيه والنهار مبصرا إن فى ~~ذلك لايات لقوم يؤمنون } . ) 2 # هذا الكلام متصل بقوله { ووقع القول عليهم بما ظلموا } ( النمل : 85 ) أي ~~بما أشركوا ، PageV20P042 فذكرهم بدلائل الوحدانية بذكر أظهر الآيات ~~وأكثرها تكرارا على حواسهم وأجدرها بأن تكون مقنعة في ارعوائهم عن شركهم . ~~وهي آية ملازمة لهم طول حياتهم تخطر ببالهم مرتين كل يوم على الأقل . وتلك ~~هي آية اختلاف الليل والنهار الدالة على انفراده تعالى بالتصرف في هذا ~~العالم ؛ فأصنامهم تخضع لمفعولها فتظلم ذواتهم في الليل وتنير في النهار ، ~~وفيها تذكير بتمثيل الموت والحياة بعده بسكون الليل وانبثاق النهار عقبه . # والجملة معترضة بين جملة ms6039 { ووقع القول عليهم } ( النمل : 85 ) وجملة { ~~ويوم ينفخ في الصور } ( النمل : 87 ) ليتخلل الوعيد بالاستدلال فتكون ~~الدعوة إلى الحق بالإرهاب تارة واستدعاء النظر تارة أخرى . # والاستفهام مستعمل كناية عن التعجيب من حالهم لأنها لغرابتها تستلزم سؤال ~~من يسأل عن عدم رؤيتهم فهذه علاقة أو مسوغ استعمال الاستفهام في التعجيب ، ~~وهي علاقة خفية أشار سعد الدين في ( المطول ) إلى عدم ظهورها وتصدى السيد ~~الشريف إلى بيانها غاية البيان وأرجعها إلى المجاز المرسل فتأمله . # والرؤية يجوز أن تكون قلبية وجملة { أنا جعلنا } سادة مسد المفعولين ، أي ~~كيف لم يعلموا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصرا مع أن ذلك واضح ~~الدلالة على هذا الجعل . واختير من أفعال العلم فعل الرؤية لشبه هذا العلم ~~بالمعلومات المبصرة . # ويجوز أن تكون الرؤية بصرية والمصدر المنسبك من الجملة مفعول الرؤية ~~والمعنى : كيف لم يبصروا جعل الليل للسكون والنهار للإبصار مع أن ذلك بمرأى ~~من أبصارهم . والجعل مراد منه أثره وهو اضطرار الناس إلى السكون في الليل ~~وإلى الانتشار في النهار . فجعلت رؤية أثر الجعل بمنزلة رؤية ذلك الجعل ~~وهذا واسع في العربية أن يجعل الأثر محل المؤثر ، والدال محل المدلول . قال ~~النابغة : # وقد خفت حتى ما تزيد مخافتي # على وعل في ذي المطارة عاقل # أي على مخافة وعل . # والمبصر : اسم فاعل أبصر بمعنى رأى . ووصف النهار بأنه مبصر من قبيل ~~PageV20P043 المجاز العقلي لأن نور النهار سبب الإبصار . ويجوز أن تكون ~~الهمزة للتعدية من أبصره ، إذا جعله باصرا . # وجملة { إن في ذلك لآيات } تعليل للتعجيب من حالهم إذ لم يستدلوا باختلاف ~~الليل والنهار على الوحدانية ولا على البعث . # ووجه كون الآيات في ذلك كثيرة كما اقتضاه الجمع هو أن في نظام الليل آيات ~~على الانفراد بخلق الشمس وخلق نورها الخارق للظلمات ، وخلق الأرض ، وخلق ~~نظام دورانها اليومي تجاه أشعة الشمس وهي الدورة التي تكون الليل والنهار ، ~~وفي خلق طبع الإنسان بأن يتلقى الظلمة بطلب السكون لما يعتري الأعصاب من ~~الفتور دون بعض الدواب التي تنشط في الليل ms6040 كالهوام والخفافيش وفي ذلك أيضا ~~دلالة على تعاقب الموت والحياة ، فتلك آيات وفي كل آية منها دقائق ونظم ~~عظيمة لو بسط القول فيها لأوعب مجلدات من العلوم . # وفي جعل النهار مبصرا آيات كثيرة على الوحدانية ودقة صنع تقابل ما تقدم ~~في آيات جعل الليل سكنا . وفيه دلالة على أن لا إحالة ولا استبعاد في البعث ~~بعد الموت ، وأنه نظير بعث اليقظة بعد النوم ، وفي جليل تلك الآيات ودقيقها ~~عدة آيات فهذا وجه جعل ذلك آيات ولم يجعل آيتين . # ومعنى { لقوم يؤمنون } لناس شأنهم الإيمان والاعترف بالحجة ولذلك جعل ~~الإيمان صفة جارية على { قوم } لما قلناه غير مرة من أن إناطة الحكم بلفظ ( ~~قوم ) يومىء إلى أن ذلك الحكم متمكن منهم حتى كأنه من مقومات قوميتهم ومنه ~~قوله تعالى { ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون } ( ~~التوبة : 56 ) ، أي الفرق من مقومات قوميتهم فكيف يكونون منكم وأنتم لا ~~تفرقون ، أي في ذلك آيات لمن من شعارهم التدبر والاتصاف ، أي فهؤلاء ليسوا ~~بتلك المثابة . # ولكون الإيمان مقصودا به أنه مرجو منهم جيء فيه بصيغة المضارع إذ ليس ~~المقصود أن في ذلك آيات للذين آمنوا لأن ذلك حاصل بالفحوى والأولوية ، فصار ~~المعنى : أن في ذلك لآيات للمؤمنين ولمن يرجى منهم الإيمان عند النظر في ~~الأدلة . وقريب من هذا المعنى قوله تعالى { إن هو إلا ذكر للعالمين لمن شاء ~~PageV20P044 منكم أن يستقيم } ( التكوير : 27 ، 28 ) . ولهذا خولف بين ما ~~هنا وبين ما في سورة يونس ( 67 ) إذ قال { هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا ~~فيه والنهار مبصرا إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون } لأن آية يونس مسوقة مساق ~~الاستدلال والامتنان فخاطب بها جميع الناس من مؤمن وكافر فجاءت بصيغة ~~الخطاب ، وجعلت دلالتها لكل من يسمع أدلة القرآن فمنهم مهتد وضال ولذلك جيء ~~فيها بفعل { يسمعون } ( يونس : 67 ) المؤذن بالامتثال والإقبال على طلب ~~الهدى . # وأما هذه الآية فمسوقة مساق التعجيب والتوبيخ فجعل ما فيها آيات لمن ~~الإيمان من شأنهم ليفيد بمفهومه أنه ms6041 لا تحصل منه دلالة لمن ليس من شأنهم ~~الانصاف والاعتراف ولذلك أوثر فيه فعل { يؤمنون } . # وجاء ما في الليل من الخصوصية بصيغة التعليل باللام بقوله { ليسكنوا فيه ~~} ، وما في النهار بصيغة مفعول الجعل بقوله { مبصرا } تفننا ، ولما يفيده { ~~مبصرا } من المبالغة . والمعنى على التعليل والمفعول واحد في المآل . وبهذا ~~قال في ( الكشاف ) ( التقابل مراعى من حيث المعنى وهكذا النظم المطبوع غير ~~المتكلف ) أي ففي الآية احتباك إذ المعنى : جعلنا الليل مظلما ليسكنوا فيه ~~والنهار مبصرا لينتشروا فيه . # واعلم أن ما قرر هنا يأتي في آية سورة يونس عدا ما هو من وجوه الفروق ~~البلاغية فارجع إليها هنالك . # # | 2 ( 87 ) { ويوم ينفخ فى الصور ففزع من فى السماوات ومن فى الارض إلا ~~من شآء الله وكل أتوه داخرين } . ) 2 # عطف على { ويوم نحشر من كل أمة فوجا } ( النمل : 83 ) ، عاد به السياق ~~إلى الموعظة والوعيد فإنهم لما ذكروا ب ( يوم يحشرون إلى النار ) ذكروا ~~أيضا بما قبل ذلك وهو يوم النفخ في الصور ، تسجيلا عليهم بإثبات وقوع البعث ~~وإنذارا بما يعقبه مما دل عليه قوله { ءاتوه داخرين } وقوله { ففزع من في ~~السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله } . PageV20P045 # والنفخ في الصور تقدم في قوله { وله الملك يوم ينفخ في الصور } في سورة ~~الأنعام ( 73 ) وهو تقريب لكيفية صدور الأمر التكويني لإحياء الأموات وهو ~~النفخة الثانية المذكورة في قوله تعالى { ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ~~ينظرون } ( الزمر : 68 ) ، وذلك هو يوم الحساب . وأما النفخة الأولى فهي ~~نفخة يعنى بها الإحياء ، أي نفخ الأرواح في أجسامها وهي ساعة انقضاء الحياة ~~الدنيا فهم يصعقون ، ولهذا فرع عليه قوله { ففزع من في السموات ومن في ~~الأرض } ، أي عقبه حصول الفزع وهو الخوف من عاقبة الحساب ومشاهدة معدات ~~العذاب ، فكل أحد يخشى أن يكون معذبا ، فالفزع حاصل مما بعد النفخة وليس هو ~~فزعا من النفخة لأن الناس حين النفخة أموات . # والاستثناء مجمل يبينه قوله تعالى بعد { من جاء بالحسنة فله خير منها وهم ms6042 ~~من فزع يومئذ ءامنون } ( النمل : 89 ) وقوله { إن الذين سبقت لهم منا ~~الحسنى } إلى قوله { لا يحزنهم الفزع الأكبر } ( الأنبياء : 101 103 ) وذلك ~~بأن يبادرهم الملائكة بالبشارة . قال تعالى { وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم ~~الذي كنتم توعدون } ( الأنبياء : 103 ) وقال { لهم البشرى في الحياة الدنيا ~~وفي الآخرة } ( يونس : 64 ) . # وجيء بصيغة الماضي في قوله { ففزع } مع أن النفخ مستقبل ، للإشعار بتحقق ~~الفزع وأنه واقع لا محالة كقوله { أتى أمر الله } ( النحل : 1 ) لأن المضي ~~يستلزم التحقق فصيغة الماضي كناية عن التحقق ، وقرينة الاستقبال ظاهرة من ~~المضارع في قوله { ينفخ } . # والداخرون : الصاغرون . أي الأذلاء ، يقال : دخر بوزن منع وفرح والمصدر ~~الدخر بالتحريك والدخور . # وضمير الغيبة الظاهر في { ءاتوه } عائد إلى اسم الجلالة ، والإتيان إلى ~~الله الإحضار في مكان قضائه ويجوز أن يعود الضمير على { يوم ينفخ في الصور ~~} على تقدير : ءاتون فيه والمضاف إليه ( كل ) المعوض عنه التنوين ، تقديره ~~: من فزع ممن في السموات والأرض آتوه داخرين . وأما من استثنى الله بأنه ~~شاء أن لا يفزعوا فهم لا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة . # وقرأ الجمهور { آتوه } بصيغة اسم الفاعل من أتى . وقرأ حمزة وحفص ~~PageV20P046 { أتوه } بصيغة فعل الماضي فهو كقوله { ففزع } . # $ 2 ( 88 ) { وترى الجبال تحسبها جامدة وهى تمر مر السحاب صنع الله الذى ~~& # 1764 أتقن كل شىء إنه خبير بما تفعلون } . ) 2 $ # الذي قاله جمهور المفسرين : إن الآية حكت حادثا يحصل يوم ينفخ في الصور ~~فجعلوا قوله { وترى الجبال تحسبها جامدة } عطفا على { ينفخ في الصور } ( ~~النمل : 87 ) أي ويوم ترى الجبال تحسبها جامدة الخ . . وجعلوا الرؤية بصرية ~~، ومر السحاب تشبيها لتنقلها بمر السحاب في السرعة ، وجعلوا اختيار التشبيه ~~بمرور السحاب مقصودا منه إدماج تشبيه حال الجبال حين ذلك المرور بحال ~~السحاب في تخلخل الأجزاء وانتفاشها فيكون من معنى قوله { وتكون الجبال ~~كالعهن المنفوش } ( القارعة : 5 ) ، وجعلوا الخطاب في قوله { ترى } لغير ~~معين ليعم كل من يرى ، وجعلوا معنى هذه الآية في معنى قوله تعالى { ويوم ~~نسير الجبال } ( الكهف : 47 ) . فلما ms6043 أشكل أن هذه الأحوال تكون قبل يوم ~~الحشر لأن الآيات التي ورد فيها ذكر دك الجبال ونسفها تشير إلى أن ذلك في ~~انتهاء الدنيا عند القارعة وهي النفخة الأولى أو قبيلها ، فأجابوا بأنها ~~تندك حينئذ ثم تسير يوم الحشر لقوله { فقل ينسفها ربي نسفا } إلى أن قال { ~~يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له } ( طه : 105 108 ) لأن الداعي هو إسرافيل ( ~~وفيه أن للاتباع أحوالا كثيرة ، وللداعي معاني أيضا ) . # وقال بعض المفسرين : هذا مما يكون عند النفخة الأولى وكذلك جميع الآيات ~~التي ذكر فيها نسف الجبال ودكها وبسها . وكأنهم لم يجعلوا عطف { وترى ~~الجبال } على { ينفخ في الصور } ( النمل : 87 ) حتى يتسلط عليه عمل لفظ ( ~~يوم ) بل يجعلوه من عطف الجملة على الجملة ، والواو لا تقتضي ترتيب المعطوف ~~بها مع المعطوف عليه ، فهو عطف عبرة على عبرة وإن كانت المذكورة أولى حاصلة ~~ثانيا . # وجعل كلا الفريقين قوله { صنع الله } الخ مرادا به تهويل قدرة الله تعالى ~~وأن النفخ في الصور وتسيير الجبال من عجيب قدرته ، فكأنهم تأولوا الصنع ~~بمعنى مطلق الفعل من غير التزام ما في مادة صنع من معنى التركيب والإيجاد ، ~~فإن الإتقان إجادة ، والهدم لا يحتاج إلى إتقان . PageV20P047 # وقال الماوردي : قيل هذا مثل ضربه الله ، أي وليس بخبر . وفيما ضرب فيه ~~المثل ثلاثة أقوال : # أحدهما : أنه مثل للدنيا يظن الناظر إليها أنها ثابتة كالجبال وهي آخذة ~~بحظها من الزوال كالسحاب ، قاله سهل بن عبد الله التستري . # الثاني : أنه مثل للإيمان تحسبه ثابتا في القلب ، وعمله صاعد إلى السماء ~~. # الثالث : إنه مثل للنفس عند خروج الروح ، والروح تسير إلى العرش . # وكأنهم أرادوا بالتمثيل التشبيه والاستعارة . # ولا يخفى على الناقد البصير بعد هذه التأويلات الثلاثة لأنه إن كان { ~~الجبال } مشبها بها فهذه الحالة غير ثابتة لها حتى تكون هي وجه الشبه وإن ~~كان لفظ { الجبال } مستعارا لشيء وكان مر السحاب كذلك كان المستعار له غير ~~مصرح به ولا ضمنيا . # وليس في كلام المفسرين شفاء لبيان اختصاص هذه الآية بأن الرائي يحسب ms6044 ~~الجبال جامدة ، ولا بيان وجه تشبيه سيرها بسير السحاب ، ولا توجيه التذليل ~~بقوله تعالى { صنع الله الذي أتقن كل شيء } فلذلك كان لهذه الآية وضع دقيق ~~، ومعنى بالتأمل خليق ، فوضعها أنها وقعت موقع الجملة المعترضة بين المجمل ~~وبيانه من قوله { ففزع من في السموات ومن في الأرض } إلى قوله { من جاء ~~بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ ءامنون } ( النمل : 87 89 ) بأن ~~يكون من تخلل دليل على دقيق صنع الله تعالى في أثناء الإنذار والوعيد ~~إدماجا وجمعا بين استدعاء للنظر ، وبين الزواجر والنذر ، كما صنع في جملة { ~~ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه } ( النمل : 86 ) الآية . # أو هي معطوفة على جملة { ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه } ( النمل ~~: 86 ) الآية ، وجملة { ويوم ينفخ في الصور } ( النمل : 87 ) معترضة بينهما ~~لمناسبة ما في الجملة المعطوف عليها من الإيماء إلى تمثيل الحياة بعد الموت ~~، ولكن هذا استدعاء لأهل العلم والحكمة لتتوجه أنظارهم إلى ما في هذا الكون ~~من دقائق الحكمة وبديع الصنعة . وهذا من العلم الذي أودع في القرآن ليكون ~~معجزة من الجانب العلمي يدركها PageV20P048 أهل العلم ، كما كان معجزة ~~للبلغاء من جانبه النظمي كما قدمناه في الجهة الثانية من المقدمة العاشرة . # فإن الناس كانوا يحسبون أن الشمس تدور حول الأرض فينشأ من دورانها نظام ~~الليل والنهار ، ويحسبون الأرض ساكنة . واهتدى بعض علماء اليونان إلى أن ~~الأرض هي التي تدور حول الشمس في كل يوم وليلة دورة تتكون منها ظلمة نصف ~~الكرة الأرضي تقريبا وضياء النصف الآخر وذلك ما يعبر عنه بالليل والنهار ، ~~ولكنها كانت نظرية مرموقة بالنقد وإنما كان الدال عليها قاعدة أن الجرم ~~الأصغر أولى بالتحرك حول الجرم الأكبر المرتبط بسيره وهي علة إقناعية لأن ~~الحركة مختلفة المدارات فلا مانع من أن يكون المتحرك الأصغر حول الأكبر في ~~رأي العين وضبط الحساب وما تحققت هذه النظرية إلا في القرن السابع عشر ~~بواسطة الرياضي ( غاليلي ) الإيطالي . # والقرآن يدمج في ضمن دلائله الجمة وعقب دليل تكوين النور والظملة ms6045 دليلا ~~رمز إليه رمزا ، فلم يتناوله المفسرون أو تسمع لهم ركزا . # وإنما ناط دلالة تحرك الأرض بتحرك الجبال منها لأن الجبال هي الأجزاء ~~الناتئة من الكرة الأرضية فظهور تحرك ظلالها متناقصة قبل الزوال إلى منتهى ~~نقصها ، ثم آخذة في الزيادة بعد الزوال . ومشاهدة تحرك تلك الظلال تحركا ~~يحاكي دبيب النمل أشد وضوحا للراصد ، وكذلك ظهور تحرك قممها أمام قرص الشمس ~~في الصباح والماء أظهر مع كون الشمس ثابتة في مقرها بحسب أرصاد البروج ~~والأنواء . # ولهذا الاعتبار غير أسلوب الاستدلال الذي في قوله تعالى { ألم يروا أنا ~~جعلنا الليل ليسكنوا فيه } ( النمل : 86 ) فجعل هنا بطريق الخطاب { وترى ~~الجبال } . والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم تعليما له لمعنى يدرك هو ~~كنهه ولذلك خص الخطاب به ولم يعمم كما عمم قوله { ألم يروا أنا جعلنا الليل ~~ليسكنوا فيه } ( النمل : 86 ) في هذا الخطاب ، وادخارا لعلماء أمته الذين ~~يأتون في وقت ظهور هذه الحقيقة الدقيقة . فالنبي صلى الله عليه وسلم أطلعه ~~الله على هذا السر العجيب في نظام الأرض كما أطلع إبراهيم عليه السلام على ~~كيفية إحياء الموتى ، اختص الله رسوله صلى الله عليه وسلم بعلم ذلك في وقته ~~وائتمنه على علمه بهذا السر العجيب في قرآنه ولم يأمره بتبليغه إذ لا يتعلق ~~بعلمه للناس مصلحة حينئذ PageV20P049 حتى إذا كشف العلم عنه من نقابه وجد ~~أهل القرآن ذلك حقا في كتابه فاستلوا سيف الحجة به وكان في قرابة . # وهذا التأويل للآية هو الذي يساعد قوله { وترى الجبال } المقتضي أن ~~الرائي يراها في هيئة الساكنة ، وقوله { تحسبها جامدة } إذ هذا التأويل ~~بمعنى الجامدة هو الذي يناسب حالة الجبال إذ لا تكون الجبال ذائبة . # وقوله { وهي تمر } الذي هو بمعنى السير { مر السحاب } أي مرا واضحا لكنه ~~لا يبين من أول وهلة . وقوله بعد ذلك كله { صنع الله الذي أتقن كل شيء } ~~المقتضي أنه اعتبار بحالة نظامها المألوف لا بحالة انخرام النظام لأن خرم ~~النظام لا يناسب وصفه بالصنع المتقن ولكنه يوصف بالأمر العظيم أو ms6046 نحو ذلك ~~من أحوال الآخرة التي لا تدخل تحت التصور . # و { مر السحاب } مصدر مبين لنوع مرور الجبال ، أي مرورا تنتقل به من جهة ~~إلى جهة مع أن الرائي يخالها ثابتة في مكانها كما يخال ناظر السحاب الذي ~~يعم الأفق أنه مستقر وهو ينتقل من صوب إلى صوب ويمطر من مكان إلى آخر فلا ~~يشعر به الناظر إلا وقد غاب عنه . وبهذا تعلم أن المر غير السير الذي في ~~قوله تعالى { ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة } ( الكهف : 47 ) فإن ذلك ~~في وقت اختلال نظام العالم الأرضي . # وانتصب قوله { صنع الله } على المصدرية مؤكدا لمضمون جملة { تمر مر ~~السحاب } بتقدير : صنع الله ذلك صنعا . وهذا تمجيد لهذا النظام العجيب إذ ~~تتحرك الأجسام العظيمة مسافات شاسعة والناس يحسبونها قارة ثابتة وهي تتحرك ~~بهم ولا يشعرون . # والجامدة : الساكنة ، قاله ابن عباس . وفي ( الكشاف ) : الجامدة من جمد ~~في مكانه إذا لم يبرح ، يعني أنه جمود مجازي ، كثر استعمال هذا المجاز حتى ~~ساوى الحقيقة والصنع . قال الراغب : إجادة الفعل فكل صنع فعل وليس كل فعل ~~صنعا قال تعالى { ويصنع الفلك } ( هود : 38 ) { وعلمناه صنعة لبوس لكم } ( ~~الأنبياء : 80 ) يقال للحاذق المجيد : صنع ، وللحاذقة المجيدة : صناع . اه ~~. وقصر في تفسير الصنع الجوهري وصاحب ( اللسان ) PageV20P050 وصاحب ( ~~القاموس ) واستدركه في ( تاج العروس ) . # قلت : وأما قولهم : بئس ما صنعت ، فهو على معنى التخطئة لمن ظن أنه فعل ~~فعلا . حسنا ولم يتفطن لقبحه . فالصنع إذا أطلق انصرف للعمل الجيد النافع ~~وإذا أريد غير ذلك وجب تقييده على أنه قليل أو تهكم أو مشاكلة . # واعلم أن الصنع يطلق على العمل المتقن في الخير أو الشر قال تعالى { تلقف ~~ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر } ( طه : 69 ) ، ووصف الله ب { الذي أتقن كل ~~شيء } تعميم قصد به التذييل ، أي ما هذا الصنع العجيب إلا مماثلا لأمثاله ~~من الصنائع الإلهية الدقيقة الصنع . وهذا يقتضي أن تسيير الجبال نظام متقن ~~، وأنه من نوع التكوين والخلق واستدامة النظام وليس من نوع الخرم والتفكيك ~~. # وجملة ms6047 { إنه خبير بما تفعلون } تذييل أو اعتراض في آخر الكلام للتذكير ~~والوعظ والتحذير ، عقب قوله { الذي أتقن كل شيء } لأن إتقان الصنع أثر من ~~آثار سعة العلم فالذي بعلمه أتقن كل شيء هو خبير بما يفعل الخلق فليحذروا ~~أن يخالفوا عن أمره . # ثم جيء لتفصيل هذا بقوله { من جاء بالحسنة } ( النمل : 89 ) الآية فكان ~~من التخلص والعود إلى ما يحصل يوم ينفخ في الصور ، ومن جعلوا أمر الجبال من ~~أحداث يوم الحشر جعلوا جملة { إنه خبير بما تفعلون } استئنافا بيانيا لجواب ~~سائل : فماذا يكون بعد النفخ والفزع والحضور بين يدي الله وتسيير الجبال ، ~~فأجيب جوابا إجماليا بأن الله عليم بأفعال الناس ثم فصل بقوله { من جاء ~~بالحسنة فله خير منها . . } ( النمل : 89 ) الآية . # قرأ الجمهور { بما تفعلون } بتاء الخطاب . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو { ~~يفعلون } بياء الغائبين عائدا ضميره على { من في السماوات ومن في الأرض } ( ~~النمل : 87 ) . # $ 2 ( 89 90 ) { من جآء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ ءامنون * ~~ومن جآء بالسيئة فكبت وجوههم فى النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون } . # هذه الجملة بيان ناشىء عن قوله { ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا ~~PageV20P051 من شاء الله } ( النمل : 87 ) لأن الفزع مقتضض الحشر والحضور ~~للحساب . و ( من ) في كلتا الجملتين شرطية . # والمجيء مستعمل في حقيقته . والباء في { بالحسنة } و { بالسيئة } ~~للمصاحبة المجازية ، ومعناها : أنه ذو الحسنة أو ذو السيئة . وليس هذا ~~كقوله { من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا ~~مثلها } في آخر الأنعام ( 160 ) . فالمعنى هنا : من يجيء يومئذ وهو من ~~فاعلي الحسنة ومن جاء وهو من أهل السيئة ، فالمجيء ناظر إلى قوله { وكل ~~أتوه داخرين } ( النمل : 87 ) والحسنة والسيئة هنا للجنس وهو يحمل على أكمل ~~أفراده في المقام الخطابي ، أي من تمحضت حالته للحسنات أو كانت غالب أحواله ~~كما يقتضيه قوله { وهم من فزع يومئذ ءامنون } ، وكذلك الذي كانت حالته ~~متمحضة للسيئات أو غالبة عليه ، كما اقتضاه قوله { فكبت ms6048 وجوههم في النار } ~~. # و { خير منها } اسم تفضيل اتصلت به ( من ) التفضيلية ، أي فله جزاء خير ~~من حسنة واحدة لقوله تعالى في الآية الأخرى { فله عشر أمثالها } ( الأنعام ~~: 160 ) أو خير منها شرفا لأن الحسنة من فعل العبد والجزاء عليها من عطاء ~~الله . # وقوله { وهم من فزع يومئذ ءامنون } تبيين قوله آنفا { إلا من شاء الله } ~~( النمل : 87 ) . وهؤلاء هم الذين كانوا أهل الحسنات ، أي تمحضوا لها أو ~~غلبت على سيئاتهم غلبة عظيمة بحيث كانت سيئاتهم من النوع المغفور بالحسنات ~~أو المدحوض بالتوبة ورد المظالم . وكذلك قوله { ومن جاء بالسيئة فكبت ~~وجوههم في النار } ، أي غلبت سيئاتهم وغطت على حسناتهم أو تمحضوا للسيئات ~~بأن كانوا غير مؤمنين أو كانوا من المؤمنين أهل الجرائم والشقاء . وبين أهل ~~هاتين الحالتين أصناف كثيرة في درجات الثواب ودركات العقاب . وجماع أمرها ~~أن الحسنة لها أثرها يومئذ عاجلا أو بالآخارة ، وأن السيئة لها أثرها السيء ~~بمقدارها ومقدار ما معها من أمثالها وما يكافئها من الحسنات أضدادها { فلا ~~تظلم نفس شيئا } ( الأنبياء : 47 ) . # وقرأ الجمهور { من فزع يومئذ } بإضافة { فزع } إلى ( يوم ) من { يومئذ } ~~وإضافة ( يوم ) إلى { إذ } ففتحة ( يوم ) فتحة بناء ، لأنه اسم زمان أضيف ~~إلى اسم PageV20P052 غير متمكن ف { فزع } معرف بالإضافة إلى ( يوم ) و ( ~~يوم ) معرف بالإضافة إلى ( إذ ) و ( إذ ) مضافة إلى جملتها المعوض عنها ~~تنوين العوض . والتقدير : من فزع يوم إذ يأتون ربهم . # وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بتنوين { فزع } ، و { يومئذ } منصوبا على ~~المفعول فيه فيه متعلقا ب { آمنون } . والمعنى واحد على القراءتين إذ ~~المراد الفزع المذكور في قوله { ففزع من في السماوات ومن في الأرض } ( ~~النمل : 87 ) فلما كان معينا استوى تعريفه وتنكيره . فاتحدت القراءتان معنى ~~لأن إضافة المصدر وتنكيره سواء في عدم إفادة العموم فتعين أنه فزع واحد . # والكب : جعل ظاهر الشيء إلى الأرض . وعدي الكب في هذه الآية إلى الوجوه ~~دون بقية الجسد وإن كان الكب لجميع الجسم لأن الوجوه أول ما يقلب إلى الأرض ~~عند الكب كقول ms6049 امرىء القيس : # يكب على الأذقان دوح الكنهبل # وهذا من قبيل قوله تعالى { سحروا أعين الناس } ( الأعراف : 116 ) وقوله { ~~ولما سقط في أيديهم } ( الأعراف : 149 ) وقول الأعشى : # وأقدم إذا ما أعين الناس تفرق # { فى النار هل تجزون إلا ما } . # تذييل للزواجر المتقدمة ، فالخطاب للمشركين الذين يسمعون القرآن على ~~طريقة الالتفات من الغيبة بذكر الأسماء الظاهرة وهي من قبيل الغائب . وذكر ~~ضمائرها ابتداء من قوله { إنك لا تسمع الموتى } ( النمل : 80 ) وما بعده من ~~الآيات إلى هنا . ومقتضى الظاهر أن يقال : هل يجزون إلا ما كانوا يعملون ~~فكانت هذه الجملة كالتلخيص لما تقدم وهو أن الجزاء على حسب عقائدهم ~~وأعمالهم وما العقيدة إلا عمل القلب فلذلك وجه الخطاب إليهم بالمواجهة . # ويجوز أن تكون مقولا لقول محذوف يوجه إلى الناس يومئذ ، أي لا يقال لكل ~~فريق : { هل تجزون إلا ما كنتم تعملون } . PageV20P053 # والاستفهام في معنى النفي بقرينة الاستثناء . وورود { هل } لمعنى النفي ~~أثبته في ( مغني اللبيب ) استعمالا تاسعا قال : ( أن يراد بالاستفهام بها ~~النفي ولذلك دخلت على الخبر بعدها ( إلا ) نحو { هل جزاء الإحسان إلا ~~الإحسان } ( الرحمن : 60 ) . والباء في قوله : # ألا هل أخو عيش لذيذ بدائم # وقال في آخر كلامه : إن من معاني الإنكار الذي يستعمل فيه الاستفهام ~~إنكار وقوع الشيء وهو معنى النفي . وهذا تنفرد به { هل } دون الهمزة . قال ~~الدماميني في ( الحواشي الهندية ) قوله : يراد بالاستفهام ب { هل النفي ~~يشعر بأن ثمة استفهاما لكنه مجازي لا حقيقي اه . # وأقول : هذا استعمال كثير ومنه قول لبيد : # وهل أنا إلا من ربيعة أو مضر # وقول النابغة : # وهل علي بأن أخشاك من عار # حيث جاء ب ( من ) التي تدخل على النكرة في سياق النفي لقصد التنصيص على ~~العموم وشواهده كثيرة . ولعل أصل ذلك أنه استفهام عن النفي لقصد التقرير ~~بالنفي . والتقدير : هل لا تجزون إلا ما كنتم تعملون ، فلما اقترن به ~~الاستثناء غالبا والحرف الزائد في النفي في بعض المواضع حذفوا النافي ~~وأشربوا حرف الاستفهام معنى النفي اعتمادا على القرينة فصار مفاد الكلام ms6050 ~~نفيا وانسلخت ( هل ) عن الاستفهام فصارت مفيدة النفي . وقد أشرنا إلى هذه ~~الآية عند قوله تعالى هل يجزون إلا ما كانوا يعملون } في الأعراف ( 147 ) . # # | 2 ( 91 92 ) { إنمآ أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذى حرمها وله كل شىء ~~وأمرت أن أكون من المسلمين * وأن أتلو القرءان فمن اهتدى فإنما يهتدى لنفسه ~~ومن ضل فقل إنمآ أنا من المنذرين } . ) 2 # أتت هذه السورة على كثير من مطاعن المشركين في القرآن وفيما جاء به من ~~PageV20P054 أصول الإسلام من التوحيد والبعث والوعيد بأفانين من التصريح ~~والتضمن والتعريض بأحوال المكذبين السالفين مفصلا ذلك تفصيلا ابتداء من ~~قوله { تلك ءايات القرآن وكتاب مبين هدى وبشرى للمؤمنين } ( النمل : 1 ، 2 ~~) إلى هنا ، فلما كان في خلال ذلك إلحافهم على الرسول صلى الله عليه وسلم ~~أن يأتيهم بما وعدهم أو أن يعين لهم أجل ذلك ويقولون { متى هذا الوعد إن ~~كنتم صادقين } ( النمل : 71 ) . # وأتت على دحض مطاعنهم وتعللاتهم وتوركهم بمختلف الأدلة قياسا وتمثيلا ، ~~وثبت الله رسوله بضروب من التثبيت ابتداء من قوله { إذ قال موسى لأهله إني ~~آنست نارا } ( النمل : 7 ) وقوله { فتوكل على الله إنك على الحق المبين } ( ~~النمل : 79 ) ، وما صاحب ذلك من ذكر ما لقيه الرسل السابقون . بعد ذلك كله ~~استؤنف الكلام استئنافا يكون فذلكة الحساب ، وختاما للسورة وفصل الخطاب ، ~~أفسد به على المشركين ازدهاءهم بما يحسبون أنهم أفحموا الرسول صلى الله ~~عليه وسلم بما ألقوه عليه ويطير غراب غرورهم بما نظموه من سفسطة ، وجاءوا ~~به من خلبطة ، ويزيد الرسول تثبيتا وتطمينا بأنه أرضى ربه بأداء أمانة ~~التبليغ وذلك بأن أمر الرسول عليه الصلاة والسلام أن يقول لهم { إنما أمرت ~~أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها } فهذا تلقين للرسول صلى الله عليه وسلم ~~والجملة مقول قول محذوف دل عليه ما عطف عليه في هذه الآية مرتين وهو { فقل ~~إنما أنا من المنذرين وقل الحمد لله } ( النمل : 92 ، 93 ) فإن الأول : ~~مفرع عليه فهو متصل به . # والثاني : معطوف على أول الكلام ms6051 . # وافتتاح الكلام بأداة الحصر لإفادة حصر إضافي باعتبار ما تضمنته ~~محاوراتهم السابقة من طلب تعجيب الوعيد ، وما تطاولوا به من إنكار الحشر . # والمعنى : ما أمرت بشيء مما تبتغون من تعيين أجل الوعيد ولا من اقتلاع ~~إحالة البعث من نفوسكم ولا بما سوى ذلك إلا بأن أثبت على عبادة رب واحد وأن ~~أكون مسلما وأن أتلو القرآن عليكم ، ففيه البراهين الساطعة والدلالات ~~القاطعة فمن اهتدى فلا يمن علي اهتداءه وإنما نفع به نفسه ؛ ومن ضل فما أنا ~~بقادر على اهتدائه ، ولكني منذره كما أنذرت الرسل أقوامها فلم يملكوا لهم ~~هديا حتى أهلك الله الضالين . وهذا في معنى قوله تعالى { فإن حاجوك فقل ~~أسلمت وجهي لله ومن اتبعن } ( آل عمران : 20 ) . PageV20P055 # وقد أدمج في خلال هذا تنويها بشأن مكة وتعريضا بهم بكفرهم بالذي أسكنهم ~~بها وحرمها فانتفعوا بتحريمها ، وأشعرهم بأنهم لا يملكون تلك البلدة ~~فكاشفهم الله بما تكنه صدورهم من خواطر إخراج الرسول صلى الله عليه وسلم ~~والمؤمنين من مكة وذلك من جملة ما اقتضاه قوله { وإن ربك ليعلم ما تكن ~~صدورهم وما يعلنون } ( النمل : 74 ) . # فلهذه النكت أجرى على الله صلة حرم تلك البلدة ، دون أن يكون الموصول ~~للبلدة فلذا لم يقل : التي حرمها الله ، لما تتضمنه الصلة من التذكير ~~بالنعمة عليهم ومن التعريض بضلالهم إذ عبدوا أصناما لا تملك من البلدة شيئا ~~ولا أكسبتها فضلا ومزية ، وهذا كقوله { فليعبدوا رب هذا البيت } ( قريش : 3 ~~) . # والإشارة إلى البلدة التي هم بها لأنها حاضرة لديهم بحضور ما هو باد منها ~~للأنظار . والإشارة إلى البقاع بهذا الاعتبار فاشية قال تعالى { وأتبعوا في ~~هذه الدنيا لعنة } ( هود : 60 ) وقال { إنا مهلكوا أهل هذه القرية } ( ~~العنكبوت : 31 ) . # والعدول عن ذكر مكة باسمها العلم إلى طريقة الإشارة لما تقتضيه الإشارة ~~من التعظيم . # وتبيين اسم الإشارة بالبلدة لأن البلدة بهاء التأنيث اسم لطائفة من الأرض ~~معينة معروفة محوزة فيشمل مكة وما حولها إلى نهاية حدود الحرم . ومعنى { ~~حرمها } جعلها حراما ، والحرام الممنوع ، والتحريم المنع . ويعلم متعلق ~~المنع ms6052 بسياق ما يناسب الشيء الممنوع . فالمراد من تحريم البلدة تحريم أن ~~يدخل فيها ما يضاد صلاحها وصلاح ما بها من ساكن ودابة وشجر . فيدخل في ذلك ~~منع غزو أهلها والاعتداء عليهم وظلمهم وإخافتهم ومنع صيدها وقطع شجرها على ~~حدود معلومة . وهذا التحريم مما أوحى الله به إلى إبراهيم عليه السلام إذ ~~أمره بأن يبني بيتا لتوحيده وباستجابته لدعوة إبراهيم إذ قال { رب اجعل هذا ~~بلدا ءامنا } ( البقرة : 126 ) . # فالتحريم يكون كمالا للمحرم ويكون نقصا على اختلاف اعتبار سبب التحريم ~~وصفته ، فتحريم المكان والزمان مزية وتفضيل ، وتحريم الفواحش والميتة والدم ~~والخمر تحقير لها ، والمحرمات للنسل والرضاع والصهر زيادة في الحرمة . ~~PageV20P056 # فتحريم المكان : منع ما يضر بالحال فيه . وتحريم الزمان ، كتحريم الأشهر ~~الحرم : منع ما فيه ضر للموجودين فيه . # وتعقيب هذا بجملة { وله كل شيء } احتراس لئلا يتوهم من إضافة ربوبيته إلى ~~البلدة اقتصار ملكه عليها ليعلم أن تلك الإضافة لتشريف المضاف إليه لا ~~لتعريف المضاف بتعيين مظهر ملكه . # وتكرير ( أمرت ) في قوله { وأمرت أن أكون من المسلمين } للإشارة إلى ~~الاختلاف بين الأمرين فإن الأول أمر يعمله في خاصة نفسه وهو أمر إلهام إذ ~~عصمه الله من عبادة الأصنام من قبل الرسالة . والأمر الثاني أمر يقتضي ~~الرسالة وقد شمل دعوة الخلق إلى التوحيد . ولهذه النكتة لم يكرر ( أمرت ) ~~في قوله { وأن أتلوا القرءان } لأن كلا من الإسلام والتلاوة من شؤون ~~الرسالة . # وفي قوله { أن أكون من المسلمين } تنويه بهذه الأمة إذ جعل الله رسوله من ~~آحادها ، وذلك نكتة عن العدول عن أن يقول : أن أكون مسلما . # والتلاوة : قراءة كلام معين على الناس ، وقد تقدم في قوله تعالى { الذين ~~ءاتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته } ( البقرة : 121 ) ، وقوله { واتبعوا ما ~~تتلوا الشياطين على ملك سليمان } في سورة البقرة ( 102 ) . # وحذف متعلق التلاوة لظهوره ، أي أن أتلوا القرآن على الناس . وفرع على ~~التلاوة ما يقتضي انقسام الناس إلى مهتد وضال ، أي منتفع بتلاوة القرآن ~~عليه وغير منتفع مبينا أن من اهتدى فإنما كان اهتداؤه لفائدة ms6053 نفسه . وهذا ~~زيادة في تحريض السامعين على الاهتداء بهدي القرآن لأن فيه نفعه كما آذنت ~~به اللام . # وإظهار فعل القول هنا لتأكيد أن حظ النبي صلى الله عليه وسلم ن دعوة ~~المعرضين الضالين أن يبلغهم الإنذار فلا يطمعوا أن يحمله إعراضهم على أن ~~يلح عليهم قبول دعوته . والمراد بالمنذرين : الرسل ، أي إنما أنا واحد من ~~الرسل ما كنت بدعا من الرسل وسنتي سنة من أرسل من الرسل قبلي وهي التبليغ { ~~فهل على الرسل إلا البلاغ المبين } ( النحل : 35 ) . # PageV20P057 # | 2 ( 93 ) { وقل الحمد لله سيريكم ءاياته فتعرفونها وما ربك بغافل عما ~~تعملون } . ) 2 # كان ما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يقوله للمعاندين مشتملا على أن ~~الله هداه للدين الحق من التوحيد وشرائع الإسلام وأن الله هدى به الناس بما ~~أنزل الله عليه من القرآن المتلو ، وأنه جعله في عداد الرسل المنذرين ، ~~فكان ذلك من أعظم النعم عليه في الدنيا وأبشرها بأعظم درجة في الآخرة من ~~أجل ذلك أمر بأن يحمد الله بالكلمة التي حمد الله بها نفسه وهي كلمة { ~~الحمد لله } الجامعة لمعان من المحامد تقدم بيانها في أول سورة الفاتحة . ~~وقد تقدم الكلام على قوله { قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى } في ~~هذه السورة ( 59 ) . # ثم استأنف بالاحتراس مما يتوهمه المعاندون حين يسمعون آيات التبرؤ من ~~معرفة الغيب ، وقصر مقام الرسالة على الدعوة إلى الحق من أن يكون في ذلك ~~نقض للوعيد بالعذاب فختم الكلام بتحقيق أن الوعيد قريب لا محالة وأن الله ~~لا يخلف وعده فتظهر لهم دلائل صدق الله في وعده . ولذلك عبر عن الوعيد ~~بالآيات إشارة إلى أنهم سيحل بهم ما فيه تصديق لما أخبرهم به الرسول صلى ~~الله عليه وسلم حين يوقنون أن ما كان يقول لهم هو الحق ، فمعنى { فتعرفونها ~~} تعرفون دلالتها على ما بلغكم الرسول من النذارة لأن المعرفة لما علقت بها ~~بعنوان أنها آيات الله كان متعلق المعرفة هو ما في عنوان الآيات من معنى ~~الدلالة والعلامة . # والسين تؤذن ms6054 بأنها إراءة قريبة ، فالآيات حاصلة في الدنيا مثل الدخان ، ~~وانشقاق القمر ، واستئصال صناديدهم يوم بدر ، ومعرفتهم إياها تحصل عقب ~~حصولها ولو في وقت النزع والغرغرة . وقد قال أبو سفيان ليلة الفتح : لقد ~~علمت أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى عني شيئا . وقال تعالى { سنريهم ~~آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق } ( فصلت : 53 ) . فمن ~~الآيات في أنفسهم إعمال سيوف المؤمنين الذين كانوا يستضعفونهم في أعناق ~~سادتهم وكبرائهم يوم بدر . قال أبو جهل وروحه في الغلصمة يوم بدر ( وهل ~~أعمد من رجل قتله قومه ) يعني نفسه وهو ما لم يكن يخطر له على بال . ~~PageV20P058 # وقوله { وما ربك بغافل عما تعملون } قرأه نافع وابن عامر وحفص وأبو جعفر ~~ويعقوب { تعملون } بتاء الخطاب فيكون ذلك من تمام ما أمر الرسول عليه ~~الصلاة والسلام بأن يقوله للمشركين . وفيه زيادة إنذار بأن أعمالهم تستوجب ~~ما سيرونه من الآيات . والمراد : ما يعملونه في جانب تلقي دعوة رسوله محمد ~~صلى الله عليه وسلم وقرآنه لأن نفي الغفلة عن الله مستعمل في التعريض بأنه ~~منهم بالمرصاد لا يغادر لهم من عملهم شيئا . # وقرأ الباقون { يعملون } بياء الغيبة فهو عطف على { قل } ، والمقصود ~~تسلية الرسول عليه السلام بعدما أمر به من القول بأن الله أحصى أعمالهم ~~وأنه مجازيهم عنها فلا ييأس من نصر الله . # وقد جاءت خاتمة جامعة بالغة أقصى حد من بلاغة حسن الختام . PageV20P059 ~~PageV20P060 # | 1 ( سورة القصص ) 1 # سميت سورة القصص ولا يعرف لها اسم آخر . ووجه التسمية بذلك وقوع لفظ { ~~القصص } فيها عند قوله تعالى { فلما جاءه وقص عليه القصص } ( القصص : 25 ) ~~. فالقصص الذي أضيفت إليه السورة هو قصص موسى الذي قصه على شعيب عليهما ~~السلام فيما لقيه في مصر قبل خروجه منها . فلما حكي في السورة ما قصه موسى ~~كانت هاته السورة ذات قصص لحكاية قصص ، فكان القصص متوغلا فيها . وجاء لفظ ~~{ القصص في سورة ( 3 ) يوسف ولكن سورة يوسف نزلت بعد هذه السورة . # وهي مكية في قول جمهور التابعين ms6055 . وفيها آية إن الذي فرض عليك القرآن ~~لرادك إلى معاد } ( القصص : 85 ) . قيل نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم ~~في الجحفة في طريقه إلى المدينة للهجرة تسلية له على مفارقة بلده . وهذا لا ~~يناكد أنها مكية لأن المراد بالمكي ما نزل قبل حلول النبي صلى الله عليه ~~وسلم بالمدينة كما أن المراد بالمدني ما نزل بعد ذلك ولو كان نزوله بمكة . # وعن مقاتل وابن عباس أن قوله تعالى { الذين ءاتيناهم الكتاب من قبله هم ~~به يؤمنون } إلى قوله { سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين } ( القصص : 52 55 ) ~~نزل بالمدينة . # وهي السورة التاسعة والأربعون في عداد نزول سور القرآن ، نزلت بعد سورة ~~النمل وقبل سورة الإسراء ، فكانت هذه الطواسين الثلاث متتابعة في النزول ~~كما هو ترتيبها في المصحف ، وهي متماثلة في افتتاح ثلاثتها بذكر موسى عليه ~~السلام . ولعل ذلك الذي حمل كتاب المصحف على جعلها متلاحقة . # وهي ثمان وثمانون آية باتفاق العادين . PageV20P061 # أغراضها # اشتملت هذه السورة على التنويه بشأن القرآن والتعريض بأن بلغاء المشركين ~~عاجزون عن الإتيان بسورة مثله . وعلى تفصيل ما أجمل في سورة الشعراء ( 18 ، ~~19 ) من قول فرعون لموسى { ألم نربك فينا وليدا } إلى قوله { وأنت من ~~الكافرين } ففصلت سورة القصص كيف كانت تربية موسى في آل فرعون . # وبين فيها سبب زوال ملك فرعون . # وفيها تفصيل ما أجمل في سورة النمل ( 7 ) من قوله { إذ قال موسى لأهله ~~إني ءانست نارا } ففصلت سورة القصص كيف سار موسى وأهله وأين آنس النار ووصف ~~المكان الذي نودي فيه بالوحي إلى أن ذكرت دعوة موسى فرعون فكانت هذه السورة ~~أوعب لأحوال نشأة موسى إلى وقت إبلاغه الدعوة ثم أجملت ما بعد ذلك لأن ~~تفصيله في سورة الأعراف وفي سورة الشعراء . والمقصود من التفصيل ما يتضمنه ~~من زيادة المواعظ والعبر . # وإذ قد كان سوق تلك القصة إنما هو للعبرة والموعظة ليعلم المشركون سنة ~~الله في بعثة الرسل ومعاملته الأمم المكذبة لرسلها . # وتحدى المشركين بعلم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وهو أمي ms6056 لم يقرأ ولم ~~يكتب ولا خالط أهل الكتاب ، ذيل الله ذلك بتنبيه المشركين إليه وتحذيرهم من ~~سوء عاقبة الشرك وأنذرهم إنذارا بليغا . # وفند قولهم { لولا أوتي مثل ما أوتي موسى } ( القصص : 48 ) من الخوارق ~~كقلب العصا حية ثم انتقاضهم في قولهم إذ كذبوا موسى أيضا . # وتحداهم بإعجاز القرآن وهديه مع هدي التوراة . # وأبطل معاذيرهم ثم أنذرهم بما حل بالأمم المكذبة رسل الله . # وساق لهم أدلة على وحدانية الله تعالى وفيها كلها نعم عليهم وذكرهم بما ~~سيحل بهم يوم الجزاء . PageV20P062 # وأنحى عليهم في اعتزازهم على المسلمين بقوتهم ونعمتهم ومالهم بأن ذلك ~~متاع الدنيا وأن ما ادخر للمسلمين عند الله خير وأبقى . # وأعقبه بضرب المثل لهم بحال قارون في قوم موسى . وتخلص من ذلك إلى ~~التذكير بأن أمثال أولئك لا يحظون بنعيم الآخرة وأن العاقبة للمتقين . # وتخلل ذلك إيماء إلى اقتراب مهاجرة المسلمين إلى المدينة ، وإيماء إلى أن ~~الله مظهرهم على المشركين بقوله { ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في ~~الأرض } ( القصص : 5 ) الآية . # وختم الكلام بتسلية النبي صلى الله عليه وسلم وتثبيته ووعده بأنه يجعل ~~بلده في قبضته ويمكنه من نواصي الضالين . # ويقرب عندي أن يكون المسلمون ودوا أن تفصل لهم قصة رسالة موسى عليه ~~السلام فكان المقصود انتفاعهم بما في تفاصيلها من معرفة نافعة لهم تنظيرا ~~لحالهم وحال أعدائهم . فالمقصود ابتداء هم المسلمون ولذلك قال تعالى في ~~أولها { نتلو عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون } ( القصص : 3 ) ~~أي للمؤمنين . # $ 2 ( { طس & # 1764 م & # 1764 * تلك ءايات الكتاب المبين * نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق ~~لقوم يؤمنون * إن فرعون علا فى الارض وجعل أهلها شيعا يستضعف طآئفة منهم ~~يذبح أبنآءهم ويستحى نساءهم إنه كان من المفسدين * ونريد أن نمن على الذين ~~استضعفوا فى الارض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين * ونمكن لهم فى الارض ~~ونرى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون * وأوحينآ إلى أم موسى أن ~~أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه فى اليم ولا تخافى ولا تحزنى & # 1764 إنا ms6057 رآدوه إليك وجاعلوه من المرسلين * فالتقطه ءال فرعون ليكون لهم ~~عدوا وحزنا إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين * وقالت امرأت فرعون قرة ~~عين لى ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وهم لا يشعرون * وأصبح ~~فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدى به لولا & # 1764 أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين * وقالت لأخته قصيه فبصرت به ~~عن جنب وهم لا يشعرون * وحرمنا عليه المراضع من قبل فقالت هل أدلكم على أهل ~~بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون * فرددناه إلى أمه كى تقر عينها ولا تحزن ~~ولتعلم أن وعد الله حق ولاكن أكثرهم لا يعلمون * ولما بلغ أشده واستوى ~~ءاتيناه حكما وعلما وكذلك نجزى المحسنين * ودخل المدينة على حين غفلة من ~~أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هاذا من شيعته وهاذا من عدوه فاستغاثه الذى ~~من شيعته على الذى من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه قال هاذا من عمل الشيطان ~~إنه عدو مضل مبين * قال رب إنى ظلمت نفسى فاغفر لى فغفر له إنه هو الغفور ~~الرحيم * قال رب بمآ أنعمت على فلن أكون ظهيرا للمجرمين * فأصبح فى المدينة ~~خآئفا يترقب فإذا الذى استنصره بالامس يستصرخه قال له موسى إنك لغوى مبين * ~~فلمآ أن أراد أن يبطش بالذى هو عدو لهما قال ياموسى أتريد أن تقتلنى كما ~~قتلت نفسا بالامس إن تريد إلا أن تكون جبارا فى الارض وما تريد أن تكون من ~~المصلحين * وجآء رجل من أقصى المدينة يسعى قال ياموسى إن الملا يأتمرون بك ~~ليقتلوك فاخرج إنى لك من الناصحين * فخرج منها خآئفا يترقب قال رب نجنى من ~~القوم الظالمين * ولما توجه تلقآء مدين قال عسى ربى & # 1764 أن يهدينى سوآء السبيل * ولما ورد مآء مدين وجد عليه أمة من الناس ~~يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقى حتى يصدر ~~الرعآء وأبونا شيخ كبير * فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إنى لمآ ~~أنزلت إلى من خير فقير * فجآءته إحداهما تمشى ms6058 على استحيآء قالت إن أبى ~~يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا فلما جآءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من ~~القوم الظالمين * قالت إحداهما ياأبت استئجره إن خير من استئجرت القوى ~~الأمين * قال إنى & # 1764 أريد أن أنكحك إحدى ابنتى هاتين على أن تأجرنى ثمانى حجج فإن أتممت ~~عشرا فمن عندك ومآ أريد أن أشق عليك ستجدنى إن شاء الله من الصالحين * قال ~~ذلك بينى وبينك أيما الاجلين قضيت فلا عدوان على والله على ما نقول وكيل * ~~فلما قضى موسى الاجل وسار بأهله ءانس من جانب الطور نارا قال لاهله امكثو & # 1764 ا إنى & # 1764 ءانست نارا لعلى & # 1764 ءاتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون * فلمآ أتاها نودى ~~من شاطىء الوادى الأيمن فى البقعة المباركة من الشجرة أن ياموسى إنى & # 1764 أنا الله رب العالمين * وأن ألق عصاك فلما رءاها تهتز كأنها جآن ولى ~~مدبرا ولم يعقب ياموسى أقبل ولا تخف إنك من الامنين * اسلك يدك فى جيبك ~~تخرج بيضآء من غير سو & # 1764 ء واضمم إليك جناحك من الرهب فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه ~~إنهم كانوا قوما فاسقين * قال رب إنى قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون * ~~وأخى هرون هو أفصح منى لسانا فأرسله معى ردءا يصدقنى إنى & # 1764 أخاف أن يكذبون * قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون ~~إليكما بئاياتنآ أنتما ومن اتبعكما الغالبون * فلما جآءهم موسى بئاياتنا ~~بينات قالوا ما هاذآ إلا سحر مفترى وما سمعنا بهاذا فى & # 1764 ءابآئنا الاولين * وقال موسى ربى & # 1764 أعلم بمن جآء بالهدى من عنده ومن تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح ~~الظالمون * وقال فرعون ياأيها الملا ما علمت لكم من إلاه غيرى فأوقد لى ~~ياهامان على الطين فاجعل لى صرحا لعلى & # 1764 أطلع إلى إلاه موسى وإنى لأظنه من الكاذبين * واستكبر هو وجنوده فى ~~الارض بغير الحق وظنو & # 1764 ا أنهم إلينا لا يرجعون * فأخذناه وجنوده فنبذناهم فى اليم فانظر ~~كيف ms6059 كان عاقبة الظالمين * وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ~~ينصرون * وأتبعناهم فى هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين * ~~ولقد ءاتينا موسى الكتاب من بعد مآ أهلكنا القرون الاولى بصآئر للناس وهدى ~~ورحمة لعلهم يتذكرون * وما كنت بجانب الغربى إذ قضينآ إلى موسى الامر وما ~~كنت من الشاهدين * ولكنآ أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاويا فى ~~& # 1764 أهل مدين تتلو عليهم ءاياتنا ولكنا كنا مرسلين * وما كنت بجانب ~~الطور إذ نادينا ولاكن رحمة من ربك لتنذر قوما مآ أتاهم من نذير من قبلك ~~لعلهم يتذكرون * ولولا & # 1764 أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا & # 1764 أرسلت إلينا رسولا فنتبع ءاياتك ونكون من المؤمنين * فلما جآءهم ~~الحق من عندنا قالوا لولا & # 1764 أوتى مثل مآ أوتى موسى أولم يكفروا بمآ أوتى موسى من قبل قالوا ~~سحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون * قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى ~~منهمآ أتبعه إن كنتم صادقين * فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون ~~أهوآءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدى القوم ~~الظالمين * ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون * الذين ءاتيناهم الكتاب من ~~قبله هم به يؤمنون * وإذا يتلى عليهم قالو & # 1764 ا ءامنا به إنه الحق من ربنآ إنا كنا من قبله مسلمين * أولائك يؤتون ~~أجرهم مرتين بما صبروا ويدرؤن بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون * وإذا ~~سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنآ أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا ~~نبتغى الجاهلين * إنك لا تهدى من أحببت ولاكن الله يهدى من يشآء وهو أعلم ~~بالمهتدين * وقالو & # 1764 ا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنآ أولم نمكن لهم حرما ءامنا يجبى ~~إليه ثمرات كل شىء رزقا من لدنا ولاكن أكثرهم لا يعلمون * وكم أهلكنا من ~~قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن ~~الوارثين * وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث فى & # 1764 أمها رسولا يتلو ms6060 عليهم ءاياتنا وما كنا مهلكى القرى إلا وأهلها ~~ظالمون * ومآ أوتيتم من شىء فمتاع الحيواة الدنيا وزينتها وما عند الله خير ~~وأبقى أفلا تعقلون * أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه كمن متعناه متاع ~~الحيواة الدنيا ثم هو يوم القيامة من المحضرين * ويوم يناديهم فيقول أين ~~شركآئى الذين كنتم تزعمون * قال الذين حق عليهم القول ربنا هاؤلا & # 1764 ء الذين أغوينآ أغويناهم كما غوينا تبرأنآ إليك ما كانو & # 1764 ا إيانا يعبدون * وقيل ادعوا شركآءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ورأوا ~~العذاب لو أنهم كانوا يهتدون * ويوم يناديهم فيقول ماذآ أجبتم المرسلين * ~~فعميت عليهم الانبآء يومئذ فهم لا يتسآءلون * فأما من تاب وءامن وعمل صالحا ~~فعسى أن يكون من المفلحين * وربك يخلق ما يشآء ويختار ما كان لهم الخيرة ~~سبحان الله وتعالى عما يشركون * وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون * وهو ~~الله لا & # 1764 إلاه إلا هو له الحمد فى الاولى والاخرة وله الحكم وإليه ترجعون * ~~قل أرأيتم إن جعل الله عليكم اليل سرمدا إلى يوم القيامة من إلاه غير الله ~~يأتيكم بضيآء أفلا تسمعون * قل أرءيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى ~~يوم القيامة من إلاه غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون * ومن ~~رحمته جعل لكم اليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون * ~~ويوم يناديهم فيقول أين شركآئي الذين كنتم تزعمون * ونزعنا من كل أمة شهيدا ~~فقلنا هاتوا برهانكم فعلمو & # 1764 ا أن الحق لله وضل عنهم ما كانوا يفترون * إن قارون كان من قوم موسى ~~فبغى عليهم وءاتيناه من الكنوز مآ إن مفاتحه لتنوأ بالعصبة أولى القوة إذ ~~قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين * وابتغ فيمآ ءاتاك الله الدار ~~الاخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كمآ أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد ~~فى الارض إن الله لا يحب المفسدين * قال إنمآ أوتيته على علم عندى & # 1764 أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد ms6061 منه قوة ~~وأكثر جمعا ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون * فخرج على قومه فى زينته قال ~~الذين يريدون الحيواة الدنيا ياليت لنا مثل مآ أوتى قارون إنه لذو حظ عظيم ~~* وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن ءامن وعمل صالحا ولا ~~يلقاهآ إلا الصابرون * فخسفنا به وبداره الارض فما كان له من فئة ينصرونه ~~من دون الله وما كان من المنتصرين * وأصبح الذين تمنوا مكانه بالامس يقولون ~~ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشآء من عباده ويقدر لولا & # 1764 أن من الله علينا لخسف بنا ويكأنه لا يفلح الكافرون * تلك الدار ~~الاخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا فى الارض ولا فسادا والعاقبة للمتقين * ~~من جآء بالحسنة فله خير منها ومن جآء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات ~~إلا ما كانوا يعملون * إن الذى فرض عليك القرءان لرآدك إلى معاد قل ربى & # 1764 أعلم من جآء بالهدى ومن هو فى ضلال مبين * وما كنت ترجو & # 1764 أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك فلا تكونن ظهيرا للكافرين * ~~ولا يصدنك عن ءايات الله بعد إذ أنزلت إليك وادع إلى ربك ولا تكونن من ~~المشركين * ولا تدع مع الله إلاها ءاخر لا إلاه إلا هو كل شىء هالك إلا ~~وجهه له الحكم وإليه ترجعون } ) 2 $ تقدم القول في نظيره في فاتحة سورة ~~الشعراء . # الإشارة في قوله { تلك ءايات الكتاب المبين } على نحو الإشارة في نظيره ~~في سورة الشعراء ( 2 ) . فالمشار إليه ما هو مقروء يوم نزول هذه الآية من ~~القرآن تنويها بشأن القرآن وأنه شأن عظيم . # وجملة { نتلو عليك من نبأ موسى } مستأنفة استئنافا ابتدائيا . ~~PageV20P063 # ومهد لنبأ موسى وفرعون بقوله { نتلو عليك } للتشويق لهذا النبأ لما فيه ~~من شتى العبر بعظيم تصرف الله في خلقه . # والتلاوة : القراءة لكلام مكتوب أو محفوظ كما قال تعالى { وأن أتلو ~~القرآن } ( النمل : 92 ) ، وهو يتعدى إلى من تبلغ إليه التلاوة بحرف ( على ~~) وتقدمت عند قوله { واتبعوا ما تتلو الشياطين } في البقرة ( 102 ) ، وقوله ~~{ وإذا تليت عليهم ms6062 ءاياته } في سورة الأنفال ( 2 ) . # وإسناد التلاوة إلى الله إسناد مجازي لأنه الذي يأمر بتلاوة ما يوحى إليه ~~من الكلام والذي يتلو حقيقة هو جبريل بأمر من الله ، وهذا كقوله تعالى { ~~تلك ءايات الله نتلوها عليك بالحق } في سورة البقرة ( 252 ) . # وجلعت التلاوة على النبي صلى الله عليه وسلم لأنه الذي يتلقى ذلك المتلو ~~. وعبر عن هذا الخبر بالنبإ لإفادة أنه خبر ذو شأن وأهمية . # واللام في { لقوم يؤمنون } لام التعليل ، أي نتلو عليك لأجل قوم يؤمنون ~~فكانت الغاية من تلاوة النبأ على النبي صلى الله عليه وسلم هي أن ينتفع ~~بذلك قوم يؤمنون فالنبي يبلغ ذلك للمؤمنين ؛ فإن كان فريق من المؤمنين ~~سألوا أو تشوفوا إلى تفصيل ما جاء من قصة موسى وفرعون في سورة الشعراء ~~وسورة النمل وهو الظاهر ، فتخصيصهم بالتعليل واضح وانتفاع النبي صلى الله ~~عليه وسلم بذلك معهم أجدر وأقوى ، فلذلك لم يتعرض له بالذكر اجتزاء بدلالة ~~الفحوى لأن المقام لإفادة من سأل وغيرهم غير ملتفت إليه في هذا المقام . # وإن لم يكن نزول هذه القصة عن تشوف من المسلمين فتخصيص المؤمنين بالتلاوة ~~لأجلهم تنويه بأنهم الذين ينتفعون بالعبر والمواعظ لأنهم بإيمانهم أصبحوا ~~متطلبين للعلم والحكمة متشوفين لأمثال هذه القصص النافعة ليزدادوا بذلك ~~يقينا . # وحصول ازدياد العلم للنبيء صلى الله عليه وسلم بذلك معلوم من كونه هو ~~المتلقي والمبلغ ليتذكر من ذلك ما علمه من قبل ويزداد علما بما عسى أن لا ~~يكون قد علمه ، وفي ذلك تثبيت فؤاده كما قال تعالى { وكلا نقص عليك من ~~أنباء الرسل ما PageV20P064 نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى ~~للمؤمنين } ( هود : 120 ) . # فالمراد بقوم يؤمنون قوم الإيمان شأنهم وسجيتهم . وللإشارة إلى معنى تمكن ~~الإيمان من نفوسهم أجري وصف الإيمان على كلمة ( قوم ) ليفيد أن كونهم ~~مؤمنين هو من مقومات قوميتهم كما قدمناه غير مرة . فالمراد : المتلبسون ~~بالإيمان . وجيء بصيغة المضارع للدلالة على أن إيمانهم موجود في الحال ~~ومستمر متجدد . # وفي هذا إعراض عن العبء بالمشركين في سوق ms6063 هذه القصة بما يقصد فيها من ~~العبرة والموعظة فإنهم لم ينتفعوا بذلك وإنما انتفع بها من آمن ومن سيؤمن ~~بعد سماعها . # والباء في قوله { بالحق } للملابسة ، وهو حال من ضمير { نتلو } ، أو صفة ~~للتلاوة المستفادة من { نتلو } . # والحق : الصدق لأن الصدق حق إذ الحق هو ما يحق له أن يثبت عند أهل العقول ~~السليمة والأديان القويمة . # ومفعول { نتلو } محذوف دل عليه صفته وهي { من نبإ موسى وفرعون } فالتقدير ~~: نتلو عليك كلاما من نبأ موسى وفرعون . # و { من } تبعيضية فإن المتلو في هذه السورة بعض قصة موسى وفرعون في ~~الواقع ألا ترى أنه قد ذكرت في القرآن أشياء من قصة موسى لم تذكر هنا مثل ~~ذكر آية الطوفان والجراد . # وجعل الزمخشري { من } اسما بمعنى ( بعض ) فجعلها مفعول { نتلو } . وجعل ~~الأخفش { من } زائدة لأنه يرى أن { من } تزاد في الإثبات ، فجعل { نبإ موسى ~~} هو المفعول جر بحرف الجر الزائدة . # والنبأ : الخبر المهم العظيم . PageV20P065 # ( 4 ) # وهذه الجملة وما عطف عليها بيان لجملة { نتلو } ( القصص : 3 ) أو بيان ل ~~{ نبأ موسى وفرعون } ( القصص : 3 ) فقدم له الإجمال للدلالة على أنه نبأ له ~~شأن عظيم وخطر بما فيه من شتى العبر . وافتتاحها بحرف التوكيد للاهتمام ~~بالخبر . # وابتدئت القصة بذكر أسبابها لتكون عبرة للمؤمنين يتخذون منها سننا يعلمون ~~بها علل الأشياء ومعلولاتها ، ويسيرون في شؤونهم على طرائقها ، فلولا تجبر ~~فرعون وهو من قبيح الخلال من حل به وبقومه الاستئصال ، ولما خرج بنو ~~إسرائيل من ذل العبودية . وهذا مصداق المثل : مصائب قوم عند قوم فوائد ، ~~وقوله تعالى { وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم } ( البقرة : 216 ) . # وصورت عظمة فرعون في الدنيا بقوله { علا في الأرض } لتكون العبرة بهلاكه ~~بعد ذلك العلو أكبر العبر . # ومعنى العلو هنا الكبر ، وهو المذموم من العلو المعنوي كالذي في قوله ~~تعالى { نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض } ( القصص : 83 ) . ومعناه : ~~أن يستشعر نفسه عاليا على موضع غيره ليس يساويه أحد ، فالعلو مستعار لمعنى ~~التفوق على غيره ، غير محقوق لحق من دين ms6064 أو شريعة أو رعي حقوق المخلوقات ~~معه فإذا استشعر ذلك لم يعبأ في تصرفاته برعي صلاح وتجنب فساد وضر وإنما ~~يتبع ما تحدوه إليه شهوته وإرضاء هواه ، وحسبك أن فرعون كان يجعل نفسه إلها ~~وأنه ابن الشمس . # فليس من العلو المذموم رجحان أحد في أمر من الأمور لأنه جدير بالرجحان ~~فيه جريا على سبب رجحان عقلي كرجحان العالم على الجاهل والصالح على الطالح ~~والذكي على الغبي ، أو سبب رجحان عادي ويشمل القانوني وهو كل رجحان لا ~~يستقيم نظام الجماعات إلا بمراعاته كرجحان أمير الجيش على جنوده ورجحان ~~القاضي على المتخاصمين . # وأعدل الرجحان ما كان من قبل الدين والشريعة كرجحان المؤمن على ~~PageV20P066 الكافر ، والتقي على الفاسق ، قال تعالى { لا يستوي منكم من ~~أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا ~~وكلا وعد الله الحسنى } ( الحديد : 10 ) ويترجح في كل عمل أهل الخبرة به ~~والإجادة فيه وفيما وراء ذلك فالأصل المساواة . # وفرعون هذا هو ( رعمسيس ) الثاني وهو الملك الثالث من ملوك العائلة ~~التاسعة عشرة في اصطلاح المؤرخين للفراعنة ، وكان فاتحا كبيرا شديد السطوة ~~وهو الذي ولد موسى عليه السلام في زمانه على التحقيق . # و { الأرض } : هي أرض مصر ، فالتعريف فيها للعهد لأن ذكر فرعون يجعلها ~~معهودة عند السامع لأن فرعون اسم ملك مصر . ويجوز أن تجعل المراد بالأرض ~~جميع الأرض يعني المشهور المعروف منها ، فإطلاق الأرض كإطلاق الاستغراق ~~العرفي فقد كان ملك فرعون ( رعمسيس ) الثاني ممتدا من بلاد الهند من حدود ~~نهر ( الكنك ) في الهند إلى نهر ( الطونة ) في أوروبا ، فالمعنى أرض مملكته ~~، وكان علوه أقوى من علو ملوك الأرض وسادة الأقوام . # والشيع : جمع شيعة . والشيعة : الجماعة التي تشايع غيرها على ما يريد ، ~~أي تتابعه وتطيعه وتنصره كما قال تعالى { هذا من شيعته وهذا من عدوه } ( ~~القصص : 15 ) ، وأطلق على الفرقة من الناس على سبيل التوسع بعلاقة الإطلاق ~~عن التقييد قال تعالى { من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم ~~فرحون } ( الروم : 32 ) . # ومن ms6065 البلاغة اختياره هنا ليدل على أنه جعل أهل بلاد القبط فرقا ذات نزعات ~~تتشيع كل فرقة إليه وتعادي الفرقة الأخرى ليتم لهم ضرب بعضهم ببعض ، وقد ~~أغرى بينهم العداوة ليأمن تألبهم عليه كما يقال ( فرق تحكم ) وهي سياسة لا ~~تليق إلا بالمكر بالضد والعدو ولا تليق بسياسة ولي أمر الأمة الواحدة . # وكان ( رعمسيس ) الثاني قسم بلاد مصر إلى ست وثلاثين إيالة وأقام على كل ~~إيالة أمراء نوابا عنه ليتسنى له ما حكي عنه في هذه الآية بقوله تعالى { ~~يستضعف طائفة منهم } الواقع موقع الحال من ضمير { جعل } وأبدلت منها بدل ~~اشتمال جملة { يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم } لأنه ما فعل ذلك بهم إلا ~~PageV20P067 لأنه عدهم ضعفاء ، أي أذلة فكان يسومهم العذاب ويسخرهم لضرب ~~اللبن وللأعمال الشاقة . والطائفة المستضعفة هي طائفة بني إسرائيل ، وضمير ~~{ منهم } عائد إلى { أهلها } لا إلى { شيعا } . وتقدم الكلام على ذبح أبناء ~~بني إسرائيل في سورة البقرة . # وجملة { إنه كان من المفسدين } تعليل لجملة { إن فرعون علا في الأرض } . ~~وقد علمت مما مضى عند قوله { قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين } في سورة ~~البقرة ( 67 ) أن الخبر بتلك الصيغة أدل على تمكن الوصف مما لو قيل : أن ~~أكون جاهلا ، فكذلك قوله { إنه كان من المفسدين } دال على شدة تمكن الإفساد ~~من خلقه ولفعل الكون إفادة تمكن خبر الفعل من اسمه . # فحصل تأكيد لمعنى تمكن الإفساد من فرعون ، ذلك أن فعله هذا اشتمل على ~~مفاسد عظيمة . # المفسدة الأولى : التكبر والتجبر فإنه مفسدة نفسية عظيمة تتولد منها ~~مفاسد جمة من احتقار الناس والاستخفاف بحقوقهم وسوء معاشرتهم وبث عداوته ~~فيهم ، وسوء ظنه بهم وأن لا يرقب فيهم موجبات فضل سوى ما يرضي شهوته وغضبه ~~، فإذا انضم إلى ذلك أنه ولي أمرهم وراعيهم كانت صفة الكبر مقتضية سوء ~~رعايته لهم والاجتراء على دحض حقوقهم ، وأن يرمقهم بعين الاحتقار فلا يعبأ ~~بجلب الصالح لهم ودفع الضر عنهم ، وأن يبتز منافعهم لنفسه ويسخر من استطاع ~~منهم لخدمة أغراضه وأن لا يلين لهم في ms6066 سياسة فيعاملهم بالغلظة وفي ذلك بث ~~الرعب في نفوسهم من بطشه وجبروته ، فهذه الصفة هي أم المفاسد وجماعها ولذلك ~~قدمت على ما يذكر بعدها ثم أعقبت بأنه { كان من المفسدين } . # المفسدة الثانية : أنه جعل أهل المملكة شيعا وفرقهم أقساما وجعل منهم ~~شيعا مقربين منه ويفهم منه أنه جعل بعضهم بضد ذلك وذلك فساد في الأمة لأنه ~~يثير بينها التحاسد والتباغض ، ويجعل بعضها يتربص الدوائر ببعض ، فتكون ~~الفرق المحظوظة عنده متطاولة على الفرق الأخرى ، وتكدح الفرق الأخرى لتزحزح ~~المحظوظين عن حظوتهم بإلقاء النميمة والوشايات الكاذبة فيحلوا محل الآخرين ~~. وهكذا يذهب الزمان في مكائد بعضهم لبعض فيكون بعضهم لبعض فتنة ، ~~PageV20P068 وشأن الملك الصالح أن يجعل الرعية منه كلها بمنزلة واحدة ~~بمنزلة الأبناء من الأب يحب لهم الخير ويقومهم بالعدل واللين ، لا ميزة ~~لفرقة على فرقة ، ويكون اقتراب أفراد الأمة منه بمقدار المزايا النفسية ~~والعقلية . # المفسدة الثالثة : أنه يستضعف طائفة من أهل مملكته فيجعلها محقرة مهضومة ~~الجانب لا مساواة بينها وبين فرق أخرى ولا عدل في معاملتها بما يعامل به ~~الفرق الأخرى ، في حين أن لها من الحق في الأرض ما لغيرها لأن الأرض لأهلها ~~وسكانها الذين استوطنوها ونشأوا فيها . # والمراد بالطائفة : بنو إسرائيل وقد كانوا قطنوا في أرض مصر برضى ملكها ~~في زمن يوسف وأعطوا أرض ( جاسان ) وعمروها وتكاثروا فيها ومضى عليهم فيها ~~أربعمائة سنة ، فكان لهم من الحق في أرض المملكة ما لسائر سكانها فلم يكن ~~من العدل جعلهم بمنزلة دون منازل غيرهم ، وقد أشار إلى هذا المعنى قوله ~~تعالى { طائفة منهم } إذ جعلها من أهل الأرض الذين جعلهم فرعون شيعا . # وأشار بقوله { طائفة } إلى أنه استضعف فريقا كاملا ، فأفاد ذلك أن ~~الاستضعاف ليس جاريا على أشخاص معينين لأسباب تقتضي استضعافهم ككونهم ساعين ~~بالفساد أو ليسوا أهلا للاعتداد بهم لانحطاط في أخلاقهم وأعمالهم بل جرى ~~استضعافه على اعتبار العنصرية والقبلية وذلك فساد لأنه يقرن الفاضل ~~بالمفضول . # من أجل ذلك الاستضعاف المنوط بالعنصرية أجرى شدته على أفراد تلك الطائفة ~~دون تمييز بين ms6067 مستحق وغيره ولم يراع غير النوعية من ذكورة وأنوثة وهي : # المفسدة الرابعة : أنه { يذبح أبناءهم } أي يأمر بذبحهم ، فإسناد الذبح ~~إليه مجاز عقلي . والمراد بالأبناء : الذكور من الأطفال . وقد تقدم ذكر ذلك ~~في سورة البقرة . وقصده من ذلك أن لا تكون لبني إسرائيل قوة من رجال ~~قبيلتهم حتى يكون النفوذ في الأرض لقومه خاصة . # المفسدة الخامسة : أنه يستحيي النساء ، أي يستبقي حياة الإناث من الأطفال ~~، فأطلق عليهم اسم النساء باعتبار المآل إيماء إلى أنه يستحييهن ليصرن نساء ~~PageV20P069 فتصلحن لما تصلح له النساء وهو أن يصرن بغايا إذ ليس لهن أزواج ~~. وإذ كان احتقارهن بصد قومه عن التزوج بهن فلم يبق لهن حظ من رجال القوم ~~إلا قضاء الشهوة ، وباعتبار هذا المقصد انقلب الاستحياء مفسدة بمنزلة تذبيح ~~الأبناء إذ كل ذلك اعتداء على الحق . وقد تقدم آنفا موقع جملة { إنه كان من ~~المفسدين } . # ( 5 6 ) . # عطفت جملة { ونريد } على جملة { إن فرعون علا في الأرض } ( القصص : 4 ) ~~لمناسبة ما في تلك الجملة من نبأ تذبيح الأبناء واستحياء النساء ، فذلك من ~~علو فرعون في الأرض وهو بيان لنبإ موسى وفرعون فإن إرادة الله الخير بالذين ~~استضعفهم فرعون من تمام نبإ موسى وفرعون ، وهو موقع عبرة عظيمة من عبر هذه ~~القصة . # وجيء بصيغة المضارع في حكاية إرادة مضت لاستحضار ذلك الوقت كأنه في الحال ~~لأن المعنى أن فرعون يطغى عليهم والله يريد في ذلك الوقت إبطال عمله وجعلهم ~~أمة عظيمة ، ولذلك جاز أن تكون جملة { ونريد } في موضع الحال من ضمير { ~~يستضعف } ( القصص : 4 ) باعتبار أن تلك الإرادة مقارنة لوقت استضعاف فرعون ~~إياهم . فالمعنى على الاحتمالين : ونحن حينئذ مريدون أن ننعم في زمن مستقبل ~~على الذين استضعفوا . # والمن : الإنعام ، وجاء مضارعه مضموم العين على خلاف القياس . # و { الذين استضعفوا في الأرض } هم الطائفة التي استضعفها فرعون . و { ~~الأرض } هي الأرض في قوله { إن فرعون علا في الأرض } ( القصص : 4 ) . # ونكتة إظهار { الذين استضعفوا } دون إيراد ضمير الطائفة للتنبيه على ما ~~في الصلة من ms6068 التعليل فإن الله رحيم لعباده ، وينصر المستضعفين المظلومين ~~الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا . PageV20P070 # وخص بالذكر من المن أربعة أشياء عطفت على فعل { نمن } عطف الخاص على ~~العام وهي : جعلهم أيمة ، وجعلهم الوارثين ، والتمكين لهم في الأرض ، وأن ~~يكون زوال ملك فرعون على أيديهم في نعم أخرى جمة ، ذكر كثير منها في سورة ~~البقرة . # فأما جعلهم أيمة فذلك بأن أخرجهم من ذل العبودية وجعلهم أمة حرة مالكة ~~أمر نفسها لها شريعة عادلة وقانون معاملاتها وقوة تدفع بها أعداءها ومملكة ~~خالصة لها وحضارة كاملة تفوق حضارة جيرتها بحيث تصير قدوة للأمم في شؤون ~~الكمال وطلب الهناء ، فهذا معنى جعلهم أيمة ، أي يقتدي بهم غيرهم ويدعون ~~الناس إلى الخير وناهيك بما بلغه ملك إسرائيل في عهد سليمان عليه السلام . # وأما جعلهم الوارثين فهو أن يعطيهم الله ديار قوم آخرين ويحكمهم فيهم ، ~~فالإرث مستعمل مجازا في خلافة أمم أخرى . # فالتعريف في { الوارثين } تعريف الجنس المفيد أنهم أهل الإرث الخاص وهو ~~إرث السلطة في الأرض بعد من كان قبلهم من أهل السلطان ، فإن الله أورثهم ~~أرض الكنعانيين والحثيين والأموريين والأراميين ، وأحلهم محلهم على ما ~~كانوا عليه من العظمة حتى كانوا يعرفون بالجبابرة قال تعالى { قالوا يا ~~موسى إن فيها قوما جبارين } ( المائدة : 22 ) . # والتمكين لهم في الأرض تثبيت سلطانهم فيما ملكوه منها وهي أرض الشام إن ~~كانت اللام عوضا عن المضاف إليه . ويحتمل أن يكون المعنى تقويتهم بين أمم ~~الأرض إن حمل التعريف على جنس الأرض المنحصر في فرد ، أو على العهد ، أي ~~الأرض المعهودة للناس . # وأصل التمكين : الجعل في المكان ، وقد تقدم في قوله تعالى { إنا مكنا له ~~في الأرض } في سورة الكهف ( 84 ) ، وتقدم الكلام على اشتقاق التمكين ~~وتصاريفه عند قوله تعالى { مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم } في سورة ~~الأنعام ( 6 ) . # و { ما كانوا يحذرون } هو زوال ملكهم بسبب رجل من بني إسرائيل حسبما ~~أنذره بذلك الكهان . PageV20P071 # ومعنى إراءتهم ذلك إراءتهم مقدماته وأسبابه . # وفرعون الذي أري ذلك هو ملك ms6069 مصر ( منفتاح ) الثالث وهو الذي حكم مصر بعد ~~( رعمسيس ) الثاني الذي كانت ولادة موسى في زمانه وهو الذي كان يحذر ظهور ~~رجل من إسرائيل يكون له شأن . و { هامان } قال المفسرون : هو وزير فرعون . ~~وظاهر آيات هذه السورة يقتضي أنه وزير فرعون وأحسب أن هامان ليس باسم علم ~~ولكنه لقب خطة مثل فرعون وكسرى وقيصر ونجاشي . فالظاهر أن هامان لقب وزير ~~الملك في مصر في ذلك العصر . وجاء في كتاب ( أستير ) من كتب اليهود الملحقة ~~بالتوراة تسمية وزير ( أحشويروش ) ملك الفرس ( هامان ) فظنوه علما فزعموا ~~أنه لم يكن لفرعون وزير اسمه هامان واتخذوا هذا الظن مطعنا في هذه الآية . ~~وهذا اشتباه منهم فإن الأعلام لا تنحصر وكذلك ألقاب الولايات قد تشترك بين ~~أمم وخاصة الأمم المتجاورة ، فيجوز أن يكون { هامان } علما من الأمان فإن ~~الأعلام تتكرر في الأمم والعصور ، ويجوز أن يكون لقب خطة في مصر فنقل ~~اليهود هذا اللقب إلى بلاد الفرس في مدة أسرهم . # ويشبه هذا الطعن طعن بعض المستشرقين من نصارى العصر في قوله تعالى في شأن ~~مريم حين حكى قول أهلها لها { يا أخت هارون } ( مريم : 28 ) فقالوا : هذا ~~وهم انجر من كون أبي مريم اسمه عمران فتوهم أن عمران هو أبو موسى الرسول ~~عليه السلام ، وتبع ذلك توهم أن مريم أخت موسى وهارون وهو مجازفة فإن ~~النصارى لا يعرفون اسم أبي مريم وهل يمتنع أن يكون مسمى على اسم أبي موسى ~~وهارون وهل يمتنع أن يكون لمريم أخ اسمه هارون . وقد تكلمنا على ذلك في ~~سورة مريم . # والجنود جمع الجند . ويطلق الجند على الأمة قال تعالى { هل أتاك حديث ~~الجنود فرعون وثمود } ( البروج : 17 ، 18 ) . # وقرأ الجمهور { ونري } بنون العظمة ونصب الفعل ونصب { فرعون } وما عطف ~~عليه . وقرأه حمزة والكسائي وخلف { ويرى } بياء الغائب مفتوحة وفتح الراء ~~على أنه مضارع رأى ورفع { فرعون } وما عطف عليه . ومآل معنى القراءتين واحد ~~. PageV20P072 # والجند اسم جمع لا واحد له من لفظه : هو الجماعة من الناس التي تجتمع على ms6070 ~~أمر تتبعه ، فلذلك يطلق على العسكر لأن عملهم واحد وهو خدمة أميرهم وطاعته ~~. # ( 7 ) . # عطف على جملة { ونريد أن نمن على الذين استضعفوا } ( القصص : 5 ) ، إذ ~~الكل من أجزاء النبأ . وتتضمن هذه الجملة تفصيلا لمجمل قوله { ونريد أن نمن ~~على الذين استضعفوا } ، فإن الإرادة لما تعلقت بإنقاذ بني إسرائيل من الذل ~~خلق الله المنقذ لهم . # والوحي هنا وحي إلهام يوجد عنده من انشراح الصدر ما يحقق عندها أنه خاطر ~~من الواردات الإلهية . فإن الإلهام الصادق يعرض للصالحين فيوقع في نفوسهم ~~يقينا ينبعثون به إلى عمل ما ألهموا إليه . وقد يكون هذا الوحي برؤيا صادقة ~~رأتها . وأم موسى لم يعرف اسمها في كتب اليهود ، وذكر المفسرون لها أسماء ~~لا يوثق بصحتها . # وقوله { أن أرضعيه } تفسير ل { أوحينا } . والأمر بإرضاعه يؤذن بجمل طويت ~~وهي أن الله لما أراد ذلك قدر أن يكون مظهر ما أراده هو الجنين الذي في بطن ~~أم موسى ووضعته أمه ، وخافت عليه اعتداء أنصار فرعون على وليدها وتحيرت في ~~أمرها فألهمت أو أريت ما قصه الله هنا وفي مواضع أخرى . # والإرضاع الذي أمرت به يتضمن أن : أخفيه مدة ترضعه فيها فإذا خفت عليه أن ~~يعرف خبره فألقيه في اليم . # وإنما أمرها الله بإرضاعه لتقوى بنيته بلبان أمه فإنه أسعد بالطفل في أول ~~عمره من لبان غيرها ، وليكون له من الرضاعة الأخيرة قبل إلقائه في اليم قوت ~~يشد بنيته فيما بين قذفه في اليم وبين التقاط آل فرعون إياه وإيصاله إلى ~~بيت فرعون PageV20P073 وابتغاء المراضع ودلالة أخته إياهم على أمه إلى أن ~~أحضرت لإرضاعه فأرجع إليها بعد أن فارقها بعض يوم . وحكت كتب اليهود أن أم ~~موسى خبأته ثلاثة أشهر ثم خافت أن يفشو أمره فوضعته في سفط مقير وقذفته في ~~النهر . وقد بشرها الله بما يزيل همها بأنه راده إليها وزاد على ذلك بما ~~بشرها بما سيكون له من مقام كريم في الدنيا والآخرة بأنه { من المرسلين } . # والظاهر أن هذا الوحي إليها كان عند ولادته وأنها أمرت بأن ms6071 تلقيه في اليم ~~عندما ترى دلائل المخافة من جواسيس فرعون وذلك ليكون إلقاؤه في اليم عند ~~الضرورة دفعا للضر المحقق بالضر المشكوك فيه ثم ألقي في يقينها بأنه لا بأس ~~عليه . # و { اليم } : البحر وهو هنا نهر النيل الذي كان يشق مدينة فرعون حيث ~~منازل بني إسرائيل . واليم في كلام العرب مرادف البحر ، والبحر في كلامهم ~~يطلق على الماء العظيم المستبحر ، فالنهر العظيم يسمى بحرا قال تعالى { وما ~~يستوي البحران هذا عذاب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج } ( فاطر : 12 ) ، ~~فإن اليم من الأنهار . # وقد كانت هذه الآية مثالا من أمثلة دقائق الإعجاز القرآني فذكر عياض في ( ~~الشفاء ) والقرطبي في ( التفسير ) يزيد أحدهما على الآخر عن الأصمعي : أنه ~~سمع جارية أعرابية تنشد : # أستغفر الله لأمري كله # قتلت إنسانا بغير حله # مثل غزال ناعما في دله # انتصف الليل ولم أصله # وهي تريد التورية بالقرآن . فقال لها : قاتلك الله ما أفصحك يريد ما ~~أبلغك ( وكانوا يسمون البلاغة فصاحة ) فقالت له : أو يعد هذا فصاحة مع قوله ~~تعالى { وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا ~~تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين } فجمع في آية واحدة ~~خبرين ، وأمرين ، ونهيين ، وبشارتين . PageV20P074 # فالخبران هما { وأوحينا إلى أم موسى } وقوله { فإذا خفت عليه } لأنه يشعر ~~بأنها ستخاف عليه . # والأمران هما : { أرضعيه } و ( ألقيه ) . # والنهيان : { ولا تخافي } و { لا تحزني } . # والبشارتان : { إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين } . # والخوف : توقع أمر مكروه ، والحزن : حالة نفسية تنشأ من حادث مكروه للنفس ~~كفوات أمر محبوب ، أو فقد حبيب ، أو بعده ، أو نحو ذلك . # والمعنى : لا تخافي عليه الهلاك من الإلقاء في اليم ، ولا تحزني على ~~فراقه . # والنهي عن الخوف وعن الحزن نهي عن سببيهما وهما توقع المكروه والتفكر في ~~وحشة الفراق . # وجملة { إنا رادوه إليك } في موقع العلة للنهيين لأن ضمان رده إليها ~~يقتضي أنه لا يهلك وأنها لا تشتاق إليه بطول المغيب . وأما قوله { وجاعلوه ~~من المرسلين } فإدخال للمسرة عليها . # ( 8 ms6072 ) . # الالتقاط افتعال من اللقط ، وهو تناول الشيء الملقى في الأرض ونحوها بقصد ~~أو ذهول . أسند الالتقاط إلى آل فرعون لأن استخراج تابوت موسى من النهر كان ~~من إحدى النساء الحافات بابنة فرعون حين كانت مع أترابها وداياتها على ساحل ~~النيل كما جاء في الإصحاح الثاني من سفر الخروج . # واللام في { ليكون لهم عدوا } لام التعليل وهي المعروفة عند النحاة بلام ~~كي وهي لام جارة مثل كي ، وهي هنا متعلقة ب ( التقطه ) . وحق لام كي أن ~~تكون جارة لمصدر منسبك من ( أن ) المقدرة بعد اللام ومن الفعل المنصوب بها ~~فذلك المصدر هو العلة الباعثة على صدور ذلك الفعل من فاعله . وقد استعملت ~~في PageV20P075 الآية استعمالا واردا على طريقة الاستعارة دون الحقيقة ~~لظهور أنهم لم يكن داعيهم إلى التقاطه أن يكون لهم عدوا وحزنا ولكنهم ~~التقطوه رأفة به وحبا له لما ألقي في نفوسهم من شفقة عليه ولكن لما كانت ~~عاقبة التقاطهم إياه أن كان لهم عدوا في الله وموجب حزن لهم ، شبهت العاقبة ~~بالعلة في كونها نتيجة للفعل كشأن العلة غالبا فاستعير لترتب العاقبة ~~المشبهة الحرف الذي يدل على ترتيب العلة تبعا لاستعارة معنى الحرف إلى معنى ~~آخر استعارة تبعية ، أي استعير الحرف تبعا لاستعارة معناه لأن الحروف بمعزل ~~عن الاستعارة لأن الحرف لا يقع موصوفا ، فالاستعارة تكون في معناه ثم تسري ~~من المعنى إلى الحرف فلذلك سميت استعارة تبعية عند جمهور علماء المعاني ~~خلافا للسكاكي . # وضمير { لهم } يعود إلى آل فرعون باعتبار الوصف العنواني لأن موسى كان ~~عدوا لفرعون آخر بعد هذا ، أي ليكون لدولتهم وأمتهم عدوا وحزنا فقد كانت ~~بعثة موسى في مدة ابن فرعون هذا . # ووصفه بالحزن وهو مصدر على تقدير متعلق محذوف ، أي حزنا لهم لدلالة قوله ~~لهم السابق . وليس هذا من الوصف بالمصدر للمبالغة مثل قولك : فلان عدل ، ~~لأن ذلك إذا كان المصدر واقعا موقع اسم الفاعل فكان معنى المصدر قائما ~~بالموصوف . والمعنى هنا : ليكون لهم حزنا . والإسناد مجاز عقلي لأنه سبب ~~الحزن وليس هو حزنا ms6073 . # وقرأ الجمهور { وحزنا } بفتح الحاء والزاي . وقرأه حمزة والكسائي وخلف ~~بضم الحاء وسكون الزاي وهما لغتان كالعدم والعدم . # وجملة { إن فرعون وهامان } إلى آخرها في موضع العلة لجملة { ليكون لهم ~~عدوا وحزنا } أي قدر الله نجاة موسى ليكون لهم عدوا وحزنا ، لأنهم كانوا ~~مجرمين فجعل الله ذلك عقابا لهم على ظلمهم بني إسرائيل وعلى عبادة الأصنام ~~. # والخاطىء : اسم فاعل من خطىء كفرح إذا فعل الخطيئة وهي الإثم والذنب ، ~~قال تعالى { ناصية كاذبة خاطئة } ( العلق : 16 ) . ومصدره الخطء بكسر الخاء ~~وسكون الطاء . وتقدم في قوله تعالى { إن قتلهم كان خطئا كبيرا } في الإسراء ~~( 31 ) . وأما PageV20P076 الخطأ وهو ضد العمد ففعله أخطأ فهو مخطىء ، قال ~~تعالى { ليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم } ( الأحزاب : ~~5 ) ، فعلى هذا يتعين أن الفصحاء فرقوا الاستعمال بين مرتكب الخطيئة ومرتكب ~~الخطأ ، وعلى التفرقة بين أخطأ وخطىء درج نفطويه وتبعه الجوهري والحريري . # وذهب أبو عبيد وابن قتيبة إلى أن اللفظين مترادفان وأنهما لغتان ، وظاهر ~~كلام الزمخشري هنا أنه جار على قول أبي عبيد وابن قتيبة فقد فسر هذه الآية ~~بالمعنيين وقال في ( الأساس ) : ( أخطأ في الرأي وخطىء إذا تعمد الذنب . ~~وقيل : هما واحد ) . # ويظهر أن أصلهما لغتان في معنى مخالفة الصواب عن غير عمد أو عن عمد ، ثم ~~غلب الاستعمال الفصيح على تخصيص أخطأ بفعل على غير عمد وخطىء بالإجرام ~~والذنب وهذا الذي استقر عليه استعمال اللغة . وإن الفروق بين الألفاظ من ~~أحسن تهذيب اللغة . # فأما محمل الآية هنا فلا يناسبه إلا أن يكون { خاطئين } من الخطيئة ليكون ~~الكلام تعليلا لتكوين حزنهم منه بالأخارة . وتقدم ذكر هامان آنفا ( القصص : ~~6 ) . # ( 9 ) . # يدل الكلام على أن الذين انتشلوه جعلوه بين أيدي فرعون وامرأته فرقت له ~~امرأة فرعون وصرفت فرعون عن قتله بعد أن هم به لأنه علم أن الطفل ليس من ~~أبناء القبط بلون جلوته وملامح وجهه ، وعلم أنه لم يكن حمله النيل من مكان ~~بعيد لظهوره أنه لم يطل مكث تابوته في الماء ولا ms6074 اضطرابه بكثرة التنقل ، ~~فعلم أن وقعه في التابوت لقصد إنجائه من الذبح . وكان ذلك وقت انتشاله من ~~الماء وإخراجه من التابوت . وكانت امرأة فرعون امرأة ملهمة للخير وقدر الله ~~نجاة موسى بسببها . وقد قال الله تعالى في شأنها { وضرب الله مثلا للذين ~~ءامنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون ~~وعمله ونجني PageV20P077 من القوم الظالمين } ( التحريم : 11 ) ، وهي لم تر ~~عداوة موسى لآل فرعون ولا حزنت منه لأنها انقرضت قبل بعثة موسى . # و { امرأة فرعون } سميت آسية كما في الحديث المروي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم ( كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم ابنة عمران ~~وآسية امرأة فرعون ) ويفيد قولها ذلك أن فرعون حين رآه استحسنه ثم خالجه ~~الخوف من عاقبة أمره فلذلك أنذرته امرأته بقولها { قرة عين لي ولك لا ~~تقتلوه } . # وارتفع { قرة عين } على أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره : هذا الطفل . وحذفه ~~لأنه دل عليه حضوره بين أيديهم وهو على حذف مضاف ، أي هو سبب قرة عين لي ~~ولك . # و ( قرة العين ) كناية عن السرور وهي كناية ناشئة عن ضدها وهو سخنة العين ~~التي هي أثر البكاء اللازم للأسف والحزن ، فلما كني عن الحزن بسخنة العين ~~في قولهم في الدعاء بالسوء : أسخن الله عينه . وقول الراجز : # أوه أديم عرضه وأسخن # بعينه بعد هجوع الأعين # أتبعوا ذلك بأن كنوا عن السرور بضد هذه الكناية فقالوا : قرة عين ، وأقر ~~الله عينه ، فحكى القرآن ما في لغة امرأة فرعون من دلالة على معنى المسرة ~~الحاصلة للنفس ببليغ ما كنى به العرب عن ذلك وهو { قرة عين } ، ومن لطائفه ~~في الآية أن المسرة المعنية هي مسرة حاصلة من مرأى محاسن الطفل كما قال ~~تعالى { وألقيت عليك محبة مني } ( طه : 39 ) . # ويجوز أن يكون قوله { قرة عين } قسما كما يقال : أيمن الله . فإن العرب ~~يقسمون بذلك ، أي أقسم بما تقر به عيني . وفي الحديث الصحيح : أن أبا بكر ~~الصديق استضاف نفرا وتأخر ms6075 عن وقت عشائهم ثم حضر ، وفيه قصة إلى أن قال ~~الراوي : فجعلوا لا يأكلون لقمة إلا ربت من أسفلها أكثر منها . فقال أبو ~~بكر لامرأته : يا أخت بني فراس ما هذا ؟ فقالت : وقرة عيني إنها الآن أكثر ~~من قبل . فتكون امرأة فرعون أقسمت على فرعون بما فيه قرة عينها ، وقرة عينه ~~أن لا يقتل موسى ، ويكون رفع { قرة عين } على الابتداء وخبره محذوفا ، وهو ~~حذف PageV20P078 كثير في نص اليمين مثل : لعمرك . وابتدأت بنفسها في { قرة ~~عين لي } قبل ذكر فرعون إدلالا عليه لمكانتها عنده أرادت أن تبتدره بذلك ~~حتى لا يصدر عنه الأمر بقتل الطفل . # وضمير الجمع في قولها { لا تقتلوه } يجوز أن يراد به فرعون نزلته منزلة ~~الجماعة على وجه التعظيم كما في قوله { قال رب ارجعون } ( المؤمنون : 99 ) ~~. ويجوز أن يراد به خطاب فرعون داخلا فيه أهل دولته هامان والكهنة الذين ~~ألقوا في نفس فرعون أن فتى من إسرائيل يفسد عليه مملكته . وهذا أحسن لأن ~~فيه تمهيدا لإجابة سؤلها حين أسندت معظم القتل لأهل الدولة وجعلت لفرعون ~~منه حظ الواحد من الجماعة فكأنها تعرض بأن ذلك ينبغي أن لا يكون عن رأيه ~~فتهون عليه عدوله في هذا الطفل عما تقرر من قتل الأطفال . وقيل { لا تقتلوه ~~} التفات عن خطاب فرعون إلى خطاب الموكلين بقتل أطفال إسرائيل كقوله { يوسف ~~أعرض عن هذا واستغفري لذنبك } ( يوسف : 29 ) . # فموقع جملة { قرة عين لي ولك } موقع التمهيد والمقدمة للعرض . وموقع جملة ~~{ لا تقتلوه } موقع التفريع عن المقدمة ولذلك فصلت عنها . # وأما جملة { عسى أن ينفعنا } فهي في موقع العلة لمضمون جملة { لا تقتلوه ~~} فاتصالها بها كاتصال جملة { قرة عين لي ولك } بها ، ولكن نظم الكلام قضى ~~بهذا الترتيب البليغ بأن جعل الوازع الطبيعي عن القتل وهو وازع المحبة هو ~~المقدمة لأنه أشد تعلقا بالنفس فهو يشبه المعلوم البديهي . وجعل الوازع ~~العقلي بعد النهي علة لاحتياجه إلى الفكر ، فتكون مهلة التفكير بعد سماع ~~النهي الممهد بالوازع الطبيعي فلا يخشى جماح السامع من النهي ms6076 ورفضه إياه . # ويتضمن قولها { عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا } إزالة ما خامر نفس فرعون ~~من خشية فساد ملكه على يد فتى إسرائيلي بأن هذا الطفل لا يكون هو المخوف ~~منه لأنه لما انضم في أهلهم وسيكون ربيهم فإنه يرجى منه نفعهم وأن يكون لهم ~~كالولد . فأقنعت فرعون بقياس على الأحوال المجربة في علاقة التربية ~~والمعاشرة والتبني والإحسان ، وإن الخير لا يأتي بالشر . ولذلك وقع بعده ~~الاعتراض بقوله تعالى { وهم لا يشعرون } أي وفرعون وقومه لا يعلمون خفي ~~إرادة الله من PageV20P079 الانتقام من أمة القبط بسبب موسى . ولعل الله ~~حقق لامرأة فرعون رجاءها فكان موسى قرة عين لها ولزوجها ، فلما هلكا وجاء ~~فرعون آخر بعدهما كان ما قدره الله من نصر بني إسرائيل . # واختير { يشعرون } هنا لأنه من العلم الخفي ، أي لا يعلمون هذا الأمر ~~الخفي . # ( 10 ) . # { أصبح } مستعمل في معنى ( صار ) فاقتضى تحولا من حالة إلى حالة أخرى ، ~~أي كان فؤادها غير فارغ فأصبح فارغا . # والفؤاد مستعمل في معنى العقل واللب . # والفراغ مجازي . ومعنى فراغ العقل من أمر أنه مجاز عن عدم احتواء العقل ~~على ذلك الأمر احتواء مجازيا ، أي عدم جولان معنى ذلك الأمر في العقل ، أي ~~ترك التفكير فيه . # وإذ لم يذكر أن فؤاد أم موسى لماذا أصبح فارغا احتملت الآية معاني ترجع ~~إلى محتملات متعلق الفراغ ما هو . فاختلف المفسرون في ذلك قديما ، ومرجع ~~أقوالهم إلى ناحيتين : ناحية تؤذن بثبات أم موسى ورباطة جاشها ، وناحية ~~تؤذن بتطرق الضعف والشك إلى نفسها . # فأما ما يرجع إلى الناحية الأولى فهو أنه فارغ من الخوف والحزن فأصبحت ~~واثقة بحسن عاقبته تبعا لما ألهمها من أن لا تخاف ولا تحزن فيرجع إلى ~~الثناء عليها . وهذا أسعد بقوله تعالى بعد { لولا أن ربطنا على قلبها لتكون ~~من المؤمنين } لأن ذلك الربط من توابع ما ألهمها الله من أن لا تخاف ولا ~~تحزن . # فالمعنى : أنها لما ألقته في اليم كما ألهمها الله زال عنها ما كانت ~~تخافه عليه من الظهور عليه عندها ms6077 وقتله لأنها لما تمكنت من إلقائه في اليم ~~ولم يشعر بها أحد قد PageV20P080 علمت أنه نجا . وهذا المحمل يساعده أيضا ~~ما شاع من قولهم : فلان خلي البال : إذا كان لا هم بقلبه . وهو تفسير أبي ~~عبيدة والأخفش والكسائي وهذا أحسن ما فسرت به وهو من معنى الثناء عليها ~~بثباتها . وعن ابن عباس من طرق شتى أنه قال : فارغا من كل شيء إلا ذكر موسى ~~. وفي هذا شيء من رباطة جاشها إذ فرغ لبها من كل خاطر يخطر في شأن موسى . # وأما زيادة ما أداه الاستثناء بقوله : إلا ذكر موسى ، فلعله انتزعه من ~~قوله { إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها } وإلا فليس في الآية ما ~~يؤذن بذلك الاستثناء . وهذا التفسير يقتضي الجمع بين الثناء عليها بحسن ~~ثقتها بالله والإشارة إلى ضعف الأمومة بالتشوق إلى ولدها وإن كانت عالمة ~~بأنه يتقلب في أحوال صالحة به وبها . # وأما الأقوال الراجعة إلى الناحية الثانية فقال ابن عطية والقرطبي عن ابن ~~القاسم عن مالك : الفراغ هو ذهاب العقل . قال ابن عطية : هو كقوله تعالى { ~~وأفئدتهم هواء } ( إبراهيم : 43 ) أي لا عقول فيها . وفي ( الكشاف ) : أي ~~لما سمعت بوقوعه في يد فرعون طار عقلها لما دهمها من فرط الجزع . وقال ابن ~~زيد والحسن وابن إسحاق : أصبح فارغا من تذكر الوعد الذي وعدها الله إذ ~~خامرها خاطر شيطاني فقالت في نفسها : إني خفت عليه من القتل فألقيته بيدي ~~في يد العدو الذي أمر بقتله . قال ابن عطية : وقالت فرقة : فارغا من الصبر ~~. ولعله يعني من الصبر على فقده . وكل الأقوال الراجعة إلى هذه الناحية ~~ترمي إلى أن أم موسى لم تكن جلدة على تنفيذ ما أمرها الله تعالى وأن الله ~~تداركها بوضع اليقين في نفسها . # وجملة { إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها } تكون بالنسبة ~~للتفسير الأول استئنافا بيانيا لما اقتضاه فعل { أصبح } من أنها كانت على ~~حالة غير حالة فراغ فبينت بأنها كانت تقارب أن تظهر أمر ابنها من شدة ~~الاضطراب ms6078 فإن الاضطراب ينم بها . # فالمعنى : أصبح فؤادها فارغا ، وكادت قبل ذلك أن تبدي خبر موسى في مدة ~~إرضاعه من شدة الهلع والإشفاق عليه أن يقتل . وعلى تفسير ابن عباس تكون ~~جملة { إن كادت } بمنزلة عطف البيان على معنى { فارغا } . وهي دليل على ~~الاستثناء المحذوف . فالتقدير : فارغا إلا من ذكر موسى فكادت PageV20P081 ~~تظهر ذكر موسى وتنطق باسمه من كثرة تردد ذكره في نفسها . # وأما على الأقوال الراجعة إلى الناحية الثانية فجملة { إن كادت لتبدي به ~~} بيان لجملة : { وأصبح فؤاد أم موسى فارغا } ، أي كادت لتبدي أمر موسى من ~~قلة ثبات فؤادها . # وعن مجاهد : لما رأت الأمواج حملت التابوت كادت أن تصيح . # والباء في { به } إما لتأكيد لصوق المفعول بفعله والأصل : لتبديه ، وإما ~~لتضمين ( تبدي ) معنى ( تبوح ) وهو أحسن و { إن } مخففة من الثقيلة . ~~واللام في { لتبدي } فارقة بين { إن } المخففة و ( إن ) النافية . # والربط على القلب : توثيقه عن أن يضعف كما يشد العضو الوهن ، أي ربطنا ~~على قلبها بخلق الصبر فيه . وجواب { لولا } هو جملة { إن كادت لتبدي به } . # والمراد بالمؤمنين المصدقون بوعد الله ، أي لولا أن ذكرناها ما وعدناها ~~فاطمأن فؤادها . فالإيمان هنا مستعمل في معناه اللغوي دون الشرعي لأنها ~~كانت من المؤمنين من قبل ، أو أريد من كاملات المؤمنين . # واللام للتعليل ، أي لتحرز رتبة المؤمنين بأمر الله الذين لا يتطرقهم ~~الشك فيما يأتيهم من الواردات الإلهية . # ( 11 ) . # ظاهر ترتيب الأخبار أنها على وفق ترتيب مضامينها في الحصول ، وهذا يرجح ~~أن يكون حصول مضمون { وأصبح فؤاد أم موسى فارغا } ( القصص : 10 ) سابقا على ~~حصول مضمون { وقالت لأخته قصيه } ، أي قالت لأخته ذلك بعد أن اطمأن قلبها ~~لما ألهمته من إلقائه في اليم ، أي لما ألقته في اليم قالت لأخته : انظري ~~أين يلقيه اليم ومتى يستخرج منه ، وقد علمت أن اليم لا يلقيه بعيدا عنها ~~لأن ذلك مقتضى وعد الله برده إليها . PageV20P082 # وأخت موسى اسمها مريم ، وقد مضى ذكر القصة في سورة طه . # والقص : اتباع الأثر ، استعمل في تتبع الذات بالنظر ms6079 فلذلك عدي إلى ضمير ~~موسى دون ذكر الأثر . وقد تقدم في سورة الكهف ( 64 ) عند قوله { فارتدا على ~~ءاثارهما قصصا } . # وبصر بالشيء صار ذا بصر به ، أي باصرا له فهو يفيد قوة الإبصار ، أي قوة ~~استعمال حاسة البصر وهو التحديق إلى المبصر ، ف ( بصر ) أشد من ( أبصر ) . ~~فالباء الداخلة على مفعوله باء السببية للدلالة على شدة العناية برؤية ~~المرئي حتى كأنه صار باصرا بسببه . ولك أن تجعل الباء زائدة لتأكيد الفعل ~~فتفيد زيادة مبالغة في معنى الفعل . وتقدم في قوله تعالى { قال بصرت بما لم ~~يبصروا به } في سورة طه ( 96 ) . # والجنب : بضمتين البعيد . وهو صفة لموصوف يعرف من المقام ، أي عن مكان ~~جنب . # و { عن } للمجاوزة والمجرور في موضع حال من ضمير ( بصرت ) لأن المجاوزة ~~هنا من أحوال أخته لا من صفات المكان . # و { هم } أي آل فرعون حين التقطوه لا يشعرون بأن أخته تراقب أحواله وذلك ~~من حذق أخته في كيفية مراقبته . # ( 12 ) . # الواو للحال من ضمير { لأخته } ( القصص : 11 ) . والتحريم : المنع ، وهو ~~تحريم تكويني ، أي قدرنا في نفس الطفل الامتناع من التقام أثداء المراضع ~~وكراهتها ليضطر آل فرعون إلى البحث عن مرضع يتقبل ثديها ؛ لأن فرعون ~~وامرأته حريصان على حياة الطفل ، ومن مقدمات ذلك أن جعل الله إرضاعه من أمه ~~مدة تعود فيها بثديها . PageV20P083 # ومعنى { من قبل } من قبل التقاطه وهو إيذان بأن ذلك التحريم مما تعلق به ~~علم الله وإرادته في الأزل . # والفاء في قوله { فقالت } فاء فصيحة تؤذن بجملة مقدرة ، أي فأظهرت أخته ~~نفسها كأنها مرت بهم عن غير قصد . وإنما قالت ذلك بعد أن فشا في الناس طلب ~~المراضع له وتبديل مرضعة عقب أخرى حتى عرض على عدد كثير في حصة قصيرة ، ~~وذلك بسرعة مقدرة آل فرعون وكثرة تفتيشهم على المراضع حتى ألفوا عددا كثيرا ~~في زمن يسير ، وأيضا لعرض المراضع أنفسهن على آل فرعون لما شاع أنهم ~~يتطلبون مرضعا . # وعرضت سعيها في ذلك بطريق الاستفهام المستعمل في العرض تلطفا مع آل فرعون ~~وإبعادا ms6080 للظنة عن نفسها . # ومعنى { يكفلونه } يتعهدون بحفظه وإرضاعه . فيدل هذا على أن عادتهم في ~~الإرضاع أن يسلم الطفل الرضيع إلى المرأة التي ترضعه يكون عندها كما كانت ~~عادة العرب لأن النساء الحرائر لم يكن يرضين بترك بيوتهن والانتقال إلى ~~بيوت آل الأطفال الرضعاء . كما جاء في خبر إرضاع محمد صلى الله عليه وسلم ~~عند حليمة بنت وهب في حي بني سعد بن بكر . قال صاحب ( الكشاف ) : فدفعه ~~فرعون إليها وأجرى لها وذهبت به إلى بيتها . # والعدول عن الجملة الفعلية إلى الإسمية في قوله { وهم له ناصحون } لقصد ~~تأكيد أن النصح من سجاياهم ومما ثبت لهم فلذلك لم يقل : وينصحون له كما قيل ~~{ يكفلونه لكم } لأن الكفالة أمر سهل بخلاف النصح والعناية . # وتعليق { له } ب { ناصحون } ليس على معنى التقييد بل لأنه حكاية الواقع . ~~فالمعنى : أن النصح من صفاتهم فهو حاصل له كما يحصل لأمثاله حسب سجيتهم . ~~والنصح : العمل الخالص الخلي من التقصير والفساد . PageV20P084 # ( 13 ) . # تقدم نظير قوله { فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن } في سورة طه ( ~~40 ) . وقوله { ولتعلم أن وعد الله حق } فإنما تأكيد حرف { كي } بمرادفه ~~وهو لام التعليل للتنصيص من أول وهلة على أنه معطوف على الفعل المثبت لا ~~على الفعل المنفي . # وضمير { أكثرهم لا يعلمون } عائد إلى الناس المفهوم من المقام أو إلى ~~رعية فرعون ، ومن الناس بنو إسرائيل . # والاستدراك ناشىء عن نصب الدليل لها على أن وعد الله حق ، أي فعلمت ذلك ~~وحدها وأكثر القوم لا يعلمون ذلك لأنهم بين مشركين وبين مؤمنين تقادم العهد ~~على إيمانهم وخلت أقوامهم من علماء يلقنونهم معاني الدين فأصبح إيمانهم ~~قريبا من الكفر . # وموضع العبرة من هذه القصة أنها تتضمن أمورا ذات شأن فيها ذكرى للمؤمنين ~~وموعظة للمشركين . # فأول ذلك وأعظمه : إظهار أن ما علمه الله وقدره هو كائن لا محالة كما دل ~~عليه قوله { ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض } إلى قوله { يحذرون ~~} ( القصص : 5 ، 6 ) وأن الحذر لا ينجي من القدر . # وثانيه : إظهار ms6081 أن العلو الحق لله تعالى وللمؤمنين وأن علو فرعون لم يغنن ~~عنه شيئا في دفع عواقب الجبروت والفساد ليكون ذلك عبرة لجبابرة المشركين من ~~أهل مكة . # وثالثه : أن تمهيد القصة بعلو فرعون وفساد أعماله مشير إلى أن ذلك هو سبب ~~الانتقام منه والأخذ بناصر المستضعفين ليحذر الجبابرة سوء عاقبة ظلمهم ~~وليرجو الصابرون على الظلم أن تكون العاقبة لهم . # ورابعه : الإشارة إلى حكمة { وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم } ( البقرة ~~: 216 ) في PageV20P085 جانب بني إسرائيل { وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم ~~} ( البقرة : 216 ) في جانب فرعون إذ كانوا فرحين باستخدام بني إسرائيل ~~وتدبير قطع نسلهم . # وخامسه : أن إصابة قوم فرعون بغتة من قبل من أملوا منه النفع أشد عبرة ~~للمعتبر وأوقع حسرة على المستبصر ، وأدل على أن انتقام الله يكون أعظم من ~~انتقام العدو كما قال { فالتقطه ءال فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا } ( القصص ~~: 8 ) مع قوله { عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا } ( القصص : 9 ) . # وسادسه : أنه لا يجوز بحكم التعقل أن تستأصل أمة كاملة لتوقع مفسد فيها ~~لعدم التوازن بين المفسدتين ، ولأن الإحاطة بأفراد أمة كاملة متعذرة فلا ~~يكون المتوقع فساده إلا في الجانب المغفول عنه من الأفراد فتحصل مفسدتان ~~هما أخذ البريء وانفلات المجرم . # وسابعه : تعليم أن الله بالغ أمره بتهيئة الأسباب المفضية إليه ولو شاء ~~الله لأهلك فرعون ومن معه بحادث سماوي ولما قدر لإهلاكهم هذه الصورة ~~المرتبة ولأنجى موسى وبني إسرائيل إنجاء أسرع ولكنه أراد أن يحصل ذلك ~~بمشاهدة تنقلات الأحوال ابتداء من إلقاء موسى في اليم إلى أن رده إلى أمه ~~فتكون في ذلك عبرة للمشركين الذين { قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من ~~عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم } ( الأنفال : 32 ) ~~وليتوسموا من بوارق ظهور النبي محمد صلى الله عليه وسلم وانتقال أحوال ~~دعوته في مدارج القوة أن ما وعدهم به واقع بأخرة . # وثامنه : العبرة بأن وجود الصالحين من بين المفسدين يخفف من لأواء فساد ~~المفسدين فإن وجود ms6082 امرأة فرعون كان سببا في صد فرعون عن قتل الطفل مع أنه ~~تحقق أنه إسرائيلي فقالت امرأته { لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا } ~~( القصص : 9 ) كما قدمنا تفسيره . # وتاسعه : ما في قوله { ولتعلم أن وعد الله حق } من الإيماء إلى تذكير ~~المؤمنين بأن نصرهم حاصل بعد حين ، ووعيد المشركين بأن وعيدهم لا مفر لهم ~~منه . # وعاشره : ما في قوله { ولكن أكثرهم لا يعلمون } من الإشارة إلى أن المرء ~~يؤتى من جهله النظر في أدلة العقل . PageV20P086 # ولما في هذه القصة من العبر اكتفى مصعب بن الزبير بطالعها عن الخطبة التي ~~حقه أن يخطب بها في الناس حين حلوله بالعراق من قبل أخيه عبد الله بن ~~الزبير مكتفيا بالإشارة مع التلاوة فقال { طسم تلك ءايات الكتاب المبين ~~نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون إن فرعون علا في الأرض ~~وأشار إلى جهة الشام يريد عبد الملك بن مروان وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة ~~منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين ونريد أن نمن على ~~الذين استضعفوا في الأرض وأشار بيده نحو الحجاز ، يعني أخاه عبد الله بن ~~الزبير وأنصاره ونجعلهم أيمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري ~~فرعون وهامان وجنودهما وأشار إلى العراق يعني الحجاج منهم ما كانوا يحذرون ~~} ( القصص : 1 6 ) . # ( 14 ) . # هذا اعتراض بين أجزاء القصة المرتبة على حسب ظهورها في الخارج . وهذا ~~الاعتراض نشأ عن جملة { ولتعلم أن وعد الله حق } ( القصص : 13 ) فإن وعد ~~الله لها قد حكي في قوله تعالى { إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين } ( ~~القصص : 7 ) . فلما انتهى إلى حكاية رده إلى أمه بقوله { فرددناه إلى أمه ~~كي تقر عينها } ( القصص : 13 ) إلى آخره كمل ما فيه وفاء وعد الله إياها ~~بهذا الاستطراد في قوله { ولما بلغ أشده واستوى ءاتيناه حكما وعلما } وإنما ~~أوتي الحكم أعني النبوءة بعد خروجه من أرض مدين كما سيجيء في قوله تعالى { ~~فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله } ( القصص : 29 ) . وتقدم نظير هذه ms6083 الآية ~~في سورة يوسف ، إلا قوله { واستوى } فقيل : إن { استوى } بمعنى بلغ أشده ، ~~فيكون تأكيدا ، و الحق أن الأشد كمال القوة لأن أصله جمع شدة بكسر الشين ~~بوزن نعمة وأنعم وهي اسم هيئة بمعنى القوة ثم عومل معاملة المفرد . وأن ~~الاستواء : كمال البنية كقوله تعالى في وصف الزرع { فاستغلظ فاستوى على ~~سوقه } ( الفتح : 29 ) ، ولهذا أريد لموسى الوصف بالاستواء ولم يوصف يوسف ~~إلا ببلوغ الأشد خاصة لأن موسى كان رجلا طوالا كما في الحديث ( كأنه من ~~رجال شنؤة ) فكان كامل الأعضاء ولذلك كان وكزه القبطي قاضيا على الموكوز . ~~والحكم : الحكمة ، والعلم : المعرفة بالله . PageV20P087 # ( 15 ) . # طويت أخبار كثيرة تنبىء عنها القصة وذلك أن موسى يفع وشب في قصر فرعون ~~فكان معدودا من أهل بيت فرعون ، وقيل : كان يدعى موسى ابن فرعون . # وجملة { ودخل المدينة } عطف على جملة { وأوحينا إلى أم موسى أن أرضيعه } ~~( القصص : 7 ) عطف جزء القصة على جزء آخر منها ، وقد علم موسى أنه من بني ~~إسرائيل ، لعله بأن أمه كانت تتصل به في قصر فرعون وكانت تقص عليه نبأه كله ~~. والمدينة هي ( منفيس ) قاعدة مصر الشمالية . # ويتعلق { على حين غفلة } ب { دخل } . و { على } للاستعلاء المجازي كما في ~~قوله تعالى { على هدى من ربهم } ( البقرة : 5 ) ، أي متمكنا من حين غفلة . # وحين الغفلة : هو الوقت الذي يغفل فيه أهل المدينة عما يجري فيها وهو وقت ~~استراحة الناس وتفرقهم وخلو الطريق منهم . قيل : كان ذلك في وقت القيلولة ~~وكان موسى مجتازا بالمدينة وحده ، قيل ليلحق بفرعون إذ كان فرعون قد مر ~~بتلك المدينة . والمقصود من ذكر هذا الوقت الإشارة إلى أن قتله القبطي لم ~~يشعر به أحد تمهيدا لقوله بعد { قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا ~~بالأمس } ( القصص : 19 ) الآيات ومقدمة لذكر خروجه من أرض مصر . # والإشارتان في قوله { هذا من شيعته وهذا من عدوه } تفصيل لما أجمل في ~~قوله { رجلين يقتتلان } . # واسم الإشارة في مثل هذا لا يراعى فيه بعد ولا قرب ، فلذلك قد تكون ms6084 ~~الإشارتان متماثلتين كما هنا وكما في قوله تعالى { لا إلى هؤلاء } ( النساء ~~: 143 ) . ويجوز اختلافهما كقول المتلمس : PageV20P088 # ولا يقيم على ضيم يراد به # إلا الأذلان غير الحي والوتد # هذا على الخسف مربوط برمته # وذا يشج فلا يرثي له أحد # والشيعة : الجماعة المنتمية إلى أحد ، وتقدم آنفا في قوله { وجعل أهلها ~~شيعا } ( القصص : 4 ) . والعدو : الجماعة التي يعاديها موسى ، أي يبغضها . ~~فالمراد بالذي من شيعته أنه رجل من بني إسرائيل ، وبالذي من عدوه رجل من ~~القبط قوم فرعون . والعدو وصف يستوي فيه الواحد والجمع كما تقدم عند قوله ~~تعالى { فإنهم عدو لي } في سورة الشعراء ( 77 ) . # ومعنى كون { هذا من شيعته وهذا من عدوه } يجوز أن يكون المراد بهذين ~~الوصفين أن موسى كان يعلم أنه من بني إسرائيل بإخبار قصة التقاطه من اليم ~~وأن تكون أمه قد أفضت إليه بخبرها وخبره كما تقدم ، فنشأ موسى على عداوة ~~القبط وعلى إضمار المحبة لبني إسرائيل . # وأما وكزه القبطي فلم يكن إلا انتصارا للحق على جميع التقادير ، ولذلك ~~لما تكررت الخصومة بين ذلك الإسرائيلي وبين قبطي آخر وأراد موسى أن يبطش ~~بالقبطي لم يقل له القبطي : إن تريد إلا أن تنصر قومك وإنما قال { إن تريد ~~إلا أن تكون جبارا في الأرض } ( القصص : 19 ) . # قيل : كان القبطي من عملة مخبز فرعون فأراد أن يحمل حطبا إلى الفرن فدعا ~~إسرائيليا ليحمله فأبى فأراد أن يجبره على حمله وأن يضعه على ظهره فاختصما ~~وتضاربا ضربا شديدا وهو المعبر عنه بالتقاتل على طريق الاستعارة . # والاستغاثة : طلب الغوث وهو التخليص من شدة أو العون على دفع مشقة . ~~وإنما يكون هذا الطلب بالنداء فذكر الاستغاثة يؤذن بأن الإسرائيلي كان ~~مغلوبا وأن القبطي اشتد عليه وكان ظالما إذ لا يجبر أحد على عمل يعمله . # والوكز : الضرب باليد بجمع أصابعها كصورة عقد ثلاثة وسبعين ، ويسمى الجمع ~~بضم الجيم وسكون الميم . # و { فقضى عليه } جملة تقال بمعنى مات لا تغير . ففاعل ( قضى ) محذوف أبدا ~~على معنى قضى عليه قاض وهو الموت . ويجوز ms6085 أن يكون عائدا إلى الله تعالى ~~PageV20P089 المفهوم من المقام إذ لا يقضي بالموت غيره كقوله { فلما قضينا ~~عليه الموت } ( سبأ : 14 ) . وقيل ضمير { فقضى } عائد إلى موسى وليس هذا ~~بالبين . فالمعنى : فوكزه موسى فمات القبطي . وكان هذا قتل خطأ صادف الوكز ~~مقاتل القبطي ولم يرد موسى قتله . ووقع في سفر الخروج من التوراة في ~~الإصحاح الثاني أن موسى لما رأى المصري يضرب العبراني التفت هنا وهناك ورأى ~~أن ليس أحد فقتل المصري وطمره في الرمل . # وجملة { قال هذا من عمل الشيطان } مستأنفة استئنافا بيانيا كأن سائلا سأل ~~: ماذا كان من أمر موسى حين فوجىء بموت القبطي . وحكاية ذلك للتنبيه على أن ~~موسى لم يخطر بباله حينئذ إلا النظر في العاقبة الدينية . وقوله هو كلامه ~~في نفسه . # والإشارة بهذا إلى الضربة الشديدة التي تسبب عليها الموت أو إلى الموت ~~المشاهد من ضربته ، أو إلى الغضب الذي تسبب عليه موت القبطي . والمعنى : أن ~~الشيطان أوقد غضبه حتى بالغ في شدة الوكز . وإنما قال موسى ذلك لأن قتل ~~النفس مستقبح في الشرائع البشرية فإن حفظ النفس المعصومة من أصول الأديان ~~كلها . وكان موسى يعلم دين آبائه لعله بما تلقاه من أمه المرأة الصالحة في ~~مدة رضاعه وفي مدة زيارته إياها . # وجملة { إنه عدو مضل مبين } تعليل لكون شدة غضبه من عمل الشيطان إذ لولا ~~الخاطر الشيطاني لاقتصر على زجر القبطي أو كفه عن الذي من شيعته ، فلما كان ~~الشيطان عدوا للإنسان وكانت له مسالك إلى النفوس استدل موسى بفعله المؤدي ~~إلى قتل نفس أنه فعل ناشىء عن وسوسة الشيطان ولولاها لكان عمله جاريا على ~~الأحوال المأذونة . # وفي هذا دليل على أن الأصل في النفس الإنسانية هو الخير وأنه الفطرة وأن ~~الانحراف عنها يحتاج إلى سبب غير فطري وهو تخلل نزغ الشيطان في النفس . # ومتعلق { عدو } محذوف لدلالة المقام أي عدو لآدم وذرية آدم . PageV20P090 # ورتب على الإخبار عنه بالعداوة وصفه بالإضلال لأن العدو يعمل لإلحاق الضر ~~بعدوه و { مبين } وصف ل { مضل } لا خبر ms6086 ثان ولا ثالث . # ( 16 ) . # بدل اشتمال من جملة { قال هذا من عمل الشيطان } ( القصص : 15 ) لأن الجزم ~~بكون ما صدر منه عملا من عمل الشيطان وتغريره يشتمل على أن ذلك ظلم لنفسه ، ~~وأن يتوجه إلى الله بالاعتراف بخطئه ويفرع عليه طلب غفرانه . وسمى فعله ~~ظلما لنفسه لأنه كان من أثر فرط الغضب لأجل رجل من شيعته ، وكان يستطيع أن ~~يملك من غضبه فكان تعجيله بوكز القبطي وكزة قاتلة ظلما جره لنفسه . وسماه ~~في سورة الشعراء ( 20 ) ضلالا { قال فعلتها إذن وأنا من الضالين } . # وأراد بظلمه نفسه أنه تسبب لنفسه في مضرة إضمار القبط قتله ، وأنه تجاوز ~~الحد في عقاب القبطي على مضاربته الإسرائيلي . ولعله لم يستقص الظالم منهما ~~وذلك انتصار جاهلي كما قال وداك بن ثميل المازني يمدح قومه : # إذا استنجدوا لم يسألوا من دعاهم # لأية حرب أم بأي مكان # وقد اهتدى موسى إلى هذا كله بالإلهام إذ لم تكن يومئذ شريعة إلهية في ~~القبط . ويجوز أن يكون علمه بذلك مما تلقاه من أمه وقومها من تدين ببقايا ~~دين إسحاق ويعقوب . # ولا التفات في هذا إلى جواز صدور الذنب من النبي لأنه لم يكن يومئذ نبيئا ~~، ولا مسألة صدور الذنب من النبي قبل النبوءة ، لأن تلك مفروضة فيما تقرر ~~حكمه من الذنوب بحسب شرع ذلك النبي أو شرع نبيء هو متبعه مثل عيسى عليه ~~السلام قبل نبوءته لوجود شريعة التوراة وهو من أتباعها . # والفاء في قوله { فغفر له } للتعقيب ، أي استجاب استغفاره فعجل له ~~بالمغفرة . PageV20P091 # وجملة { فغفر له } معترضة بين جملة { قال رب إني ظلمت نفسي } وجملة { قال ~~رب بما أنعمت علي } ( القصص : 17 ) كان اعتراضها إعلاما لأهل القرآن بكرامة ~~موسى عليه السلام عند ربه . # وجملة { إنه هو الغفور الرحيم } تعليل لجملة { فغفر له } ؛ علل المغفرة ~~له بأنه شديد الغفران ورحيم بعباده ، مع تأكيد ذلك بصيغة القصر إيماء إلى ~~أن ما جاء به هو من ظلم نفسه وما حفه من الأمور التي ذكرناها . # ( 17 ) . # إعادة { قال } أفاد تأكيدا لفعل { قال ms6087 رب إني ظلمت نفسي } ( القصص : 16 ) ~~. أعيد القول للتنبيه على اتصال كلام موسى حيث وقع الفصل بينه بجملتي { ~~فغفر له إنه هو الغفور الرحيم } ( القصص : 16 ) . ونظم الكلام : قال رب إني ~~ظلمت نفسي فاغفر لي ، رب بما أنعمت فلن أكون ظهيرا للمجرمين ، وليس قوله { ~~قال رب بما أنعمت علي } مستأنفا عن قوله { فغفر له } ( القصص : 16 ) لأن ~~موسى لم يعلم أن الله غفر له إذ لم يكن يوحى إليه يومئذ . # والباء للسببية في { بما أنعمت علي } و ( ما ) موصولة وحذف العائد من ~~الصلة لأنه ضمير مجرور بمثل ما جر به الموصول ، والحذف في مثله كثير . ~~والتقدير : بالذي أنعمت به علي . ويجوز أن تكون ( ما ) مصدرية وما صدق ~~الإنعام عليه ، هو ما أوتيه من الحكمة والعلم فتميزت عنده الحقائق ولم يبق ~~للعوائد والتقاليد تأثير على شعوره . فأصبح لا ينظر الأشياء إلا بعين ~~الحقيقة ، ومن ذلك أن لا يكون ظهيرا وعونا للمجرمين . # وأراد بالمجرمين من يتوسم منهم الإجرام ، وأراد بهم الذين يستذلون الناس ~~ويظلمونهم لأن القبطي أذل الإسرائيلي بغصبه على تحميله الحطب دون رضاه . # ولعل هذا الكلام ساقه مساق الاعتبار عن قتله القبطي وثوقا بأنه قتله خطأ ~~. # واقتران جملة { فلن أكون ظهيرا للمجرمين } بالفاء لأن الموصول كثيرا ما ~~PageV20P092 يعامل معاملة اسم الشرط فيقترن خبره ومتعلقه بالفاء تشبيها له ~~بجزاء الشرط وخاصة إذا كان الموصول مجرورا مقدما فإن المجرور المقدم قد ~~يقصد به معنى الشرطية فيعامل معاملة الشرط كقوله في الحديث ( كما تكونوا ~~يول عليكم ) بجزم ( تكونوا ) وإعطائه جوابا مجزوما . والظهير : النصير . # وقد دل هذا النظم على أن موسى أراد أن يجعل عدم مظاهرته للمجرمين جزاء ~~على نعمة الحكمة والعلم بأن جعل شكر تلك النعمة الانتصار للحق وتغيير ~~الباطل لأنه إذا لم يغير الباطل والمنكر وأقرهما فقد صانع فاعلهما ، ~~والمصانعة مظاهرة . ومما يؤيد هذا التفسير أن موسى لما أصبح من الغد فوجد ~~الرجل الذي استصرخه في أمسه يستصرخه على قبطي آخر أراد أن يبطش بالقبطي ~~وفاء بوعده ربه إذ قال { فلن أكون ظهيرا ms6088 للمجرمين } لأن القبطي مشرك بالله ~~والإسرائيلي موحد . # وقد جعل جمهور من السلف هذه الآية حجة على منع إعانة أهل الجور في شيء من ~~أمورهم . ولعل وجه الاحتجاج بها أن الله حكاها عن موسى في معرض التنويه به ~~فاقتضى ذلك أنه من القول الحق . # ( 18 ، 19 ) . # أي أصبح خائفا من أن يطالب بدم القبطي الذي قتله وهو يترقب ، أي يراقب ما ~~يقال في شأنه ليكون متحفزا للاختفاء أو الخروج من المدينة لأن خبر قتل ~~القبطي لم يفش أمره لأنه كان في وقت تخلو فيه أزقة المدينة كما تقدم ، ~~فلذلك كان موسى يترقب أن يظهر أمر القبطي المقتول . # و ( إذا ) للمفاجأة ، أي ففاجأه أن الذي استنصره بالأمس يستنصره اليوم . ~~PageV20P093 # والتعريف في ( الأمس ) عوض عن المضاف إليه ، أي بأمسه إذ ليس هو أمسا ~~لوقت نزول الآية . # والاستصراخ : المبالغة في الصراخ ، أي النداء ، وهو المعبر عنه في القصة ~~الماضية بالاستغاثة فخولف بين العبارتين للتفنن . وقول موسى له { إنك لغوي ~~مبين } تذمر من الإسرائيلي إذ كان استصراخه السالف سببا في قتل نفس ، وهذا ~~لا يقتضي عدم إجابة استصراخه وإنما هو بمنزلة التشاؤم واللوم عليه في كثرة ~~خصوماته . # والغوي : الشديد الغواية وهي الضلال وسوء النظر ، أي أنك تشاد من لا ~~تطيقه ثم تروم الغوث مني يوما بعد يوم ، وليس المراد أنه ظالم أو مفسد لأنه ~~لو كان كذلك لما أراد أن يبطش بعدوه . # والبطش : الأخذ بالعنف ، والمراد به الضرب . وظاهر قوله { عدو لهما } أنه ~~قبطي . وربما جعل عدوا لهما لأن عداوته للإسرائيلي معروفة فاشية بين القبط ~~وأما عداوته لموسى فلأنه أراد أن يظلم رجلا والظلم عدو لنفس موسى لأنه نشأ ~~على زكاء نفس هيأها الله للرسالة . ، والاستفهام مستعمل في الإنكار . # والجبار : الذي يفعل ما يريد مما يضر بالناس ويؤاخذ الناس بالشدة دون ~~الرفق . وتقدم في سورة إبراهيم ( 15 ) قوله { وخاب كل جبار عنيد } ، وفي ~~سورة مريم ( 32 ) قوله { ولم يجعلني جبارا شقيا } . # والمعنى : إنك تحاول أن تكون متصرفا بالانتقام وبالشدة ولا تحاول أن تكون ~~من المصلحين ms6089 بين الخصمين بأن تسعى في التراضي بينهما . ويظهر أن كلام ~~القبطي زجر لموسى عن البطش به وصار بينهما حوارا أعقبه مجيء رجل من أقصى ~~المدينة . PageV20P094 # ( 20 21 ) . # ظاهر النظم أن الرجل جاء على حين محاورة القبطي مع موسى فلذلك انطوى أمر ~~محاورتهما إذ حدث في خلاله ما هو أهم منه وأجدى في القصة . # والظاهر أن أقصى المدينة هو ناحية قصور فرعون وقومه فإن عادة الملوك ~~السكنى في أطراف المدن توقيا من الثورات والغارات لتكون مساكنهم أسعد ~~بخروجهم عند الخوف . وقد قيل : الأطراف منازل الأشراف . وأما قول أبي تمام ~~: # كانت هي الوسط المحمي فاتصلت # بها الحوادث حتى أصبحت طرفا # فذلك معنى آخر راجع إلى انتقاص العمران كقوله تعالى { يقولون إن بيوتنا ~~عورة } ( الأحزاب : 13 ) . # وبهذا يظهر وجه ذكر المكان الذي جاء منه الرجل وأن الرجل كان يعرف موسى . # و { الملأ } : الجماعة أولو الشأن ، وتقدم عند قوله تعالى { قال الملأ من ~~قومه } أي نوح في الأعراف ( 60 ) ، وأراد بهم أهل دولة فرعون : فالمعنى : ~~أن أولي الأمر يأتمرون بك ، أي يتشاورون في قتلك . وهذا يقتضي أن القضية ~~رفعت إلى فرعون وفي سفر الخروج في الإصحاح الثاني : ( فسمع فرعون هذا الأمر ~~فطلب أن يقتل موسى ) . ولما علم هذا الرجل بذلك أسرع بالخبر لموسى لأنه كان ~~معجبا بموسى واستقامته . وقد قيل : كان هذا الرجل من بني إسرائيل . وقيل : ~~كان من القبط ولكنه كان مؤمنا يكتم إيمانه ، لعل الله ألهمه معرفة فساد ~~الشرك بسلامة فطرته وهيأه لإنقاذ موسى من يد فرعون . # والسعي : السير السريع ، وقد تقدم عند قوله { فإذا هي حية تسعى } في سورة ~~طه ( 20 ) . وتقدم بيان حقيقته ومجازه في قوله { ومن أراد الآخرة وسعى لها ~~سعيها } في سورة الإسراء ( 19 ) . وجملة { يسعى } في موضع الحال من { رجل } ~~PageV20P095 الموصوف بأنه من { أقصى المدينة } . و { يأتمرون بك } يتشاورون ~~. وضمن معنى ( يهمون ) فعدي بالباء فكأنه قيل : يأتمرون ويهمون بقتلك . # وأصل الائتمار : قبول أمر الآمر فهو مطاوع أمره ، قال امرؤ القيس : # ويعدو على المرء ما يأتمر # أي يضره ms6090 ما يطيع فيه أمر نفسه . ثم شاع إطلاق الائتمار على التشاور لأن ~~المتشاورين يأخذ بعضهم أمر بعض فيأتمر به الجميع ، قال تعالى { وائتمروا ~~بينكم بمعروف } ( الطلاق : 6 ) . # وجملة { قال يا موسى } بدل اشتمال من جملة { جاء رجل } لأن مجيئه يشتمل ~~على قوله ذلك . # ومتعلق الخروج محذوف لدلالة المقام ، أي فاخرج من المدينة . # وجملة { إني لك من الناصحين } تعليل لأمره بالخروج . واللام في قوله { لك ~~من الناصحين } صلة ، لأن أكثر ما يستعمل فعل النصح معدى باللام . يقال : ~~نصحت لك قال تعالى { إذا نصحوا لله ورسوله } في سورة التوبة ( 91 ) ووهما ~~قالوا : نصحتك . وتقديم المجرور للرعاية على الفاصلة . # والترقب : حقيقته الانتظار ، وهو مشتق من رقب إذا نظر أحوال شيء . ومنه ~~سمي المكان المرتفع : مرقبة ومرتقبا ، وهو هنا مستعار للحذر . # وجملة { قال رب نجني } بدل اشتمال من جملة { يترقب } لأن ترقبه يشتمل على ~~الدعاء إلى الله بأن ينجيه . # والقوم الظالمون هم قوم فرعون . ووصفهم بالظلم لأنهم مشركون ولأنهم راموا ~~قتله قصاصا عن قتل خطإ وذلك ظلم لأن الخطأ في القتل لا يقتضي الجزاء بالقتل ~~في نظر العقل والشرع . # ومحل العبرة من قصة موسى مع القبطي وخروجه من المدينة من قوله { ولما بلغ ~~أشده } ( القصص : 14 ) إلى هنا هو أن الله يصطفي من يشاء من عباده ، وأنه ~~أعلم حيث يجعل رسالاته ، وأنه إذا تعلقت إرادته بشيء هيأ له أسبابه بقدرته ~~فأبرزه على أتقن PageV20P096 تدبير ، وأن الناظر البصير في آثار ذلك ~~التدبير يقتبس منها دلالة على صدق الرسول في دعوته كما أشار إليه قوله ~~تعالى { فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون } ( يونس : 16 ) . وإن ~~أوضح تلك المظاهر هو مظهر استقامة السيرة ومحبة الحق ، وأن دليل عناية الله ~~بمن اصطفاه لذلك هو نصره على أعدائه ونجاته مما له من المكائد . وفي ذلك ~~كله مثل للمشركين لو نظروا في حال محمد صلى الله عليه وسلم في ذاته وفي ~~حالهم معه . ثم { إن } في قوله تعالى { إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك } ~~الآية إيماء إلى أن رسوله ms6091 صلى الله عليه وسلم سيخرج من مكة وأن الله منجيه ~~من ظالميه . # ( 22 ) . # هذه هجرة نبوية تشبه هجرة إبراهيم عليه السلام إذ قال { إني مهاجر إلى ~~ربي } ( العنكبوت : 26 ) . وقد ألهم الله موسى عليه السلام أن يقصد بلاد ~~مدين إذ يجد فيها نبيئا يبصره بآداب النبوءة ولم يكن موسى يعلم إلى أين ~~يتوجه ولا من سيجد في وجهته كما دل عليه قوله { عسى ربي أن يهديني سواء ~~السبيل } . # فقوله تعالى { ولما توجه تلقاء مدين } عطف على جمل محذوفة إذ التقدير : ~~ولما خرج من المدينة هائما على وجهه فاتفق أن كان مسيره في طريق يؤدي إلى ~~أرض مدين حينئذ قال { عسى ربي أن يهديني سواء السبيل } . قال ابن عباس : ~~خرج موسى ولا علم له بالطريق إلا حسن ظن بربه . # و { توجه } : ولى وجهه ، أي استقبل بسيره تلقاء مدين . # و { تلقاء } : أصله مصدر على وزن التفعال بكسر التاء ، وليس له نظير في ~~كسر التاء إلا تمثال ، وهو بمعنى اللقاء والمقاربة . وشاع إطلاق هذا المصدر ~~على جهته فصار من ظروف المكان التي تنصب على الظرفية . والتقدير : لما توجه ~~جهة تلاقي مدين ، أي جهة تلاقي بلاد مدين ، وقد تقدم قوله تعالى { وإذا ~~صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار } في سورة الأعراف ( 47 ) . PageV20P097 # و { مدين } : قوم من ذرية مدين بن إبراهيم . وقد مضى الكلام عليهم عند ~~قوله تعالى { وإلى مدين أخاهم شعيبا } في سورة الأعراف ( 85 ) . # وأرض مدين واقعة على الشاطىء الغربي من البحر الأحمر وكان موسى قد سلك ~~إليها عند خروجه من بلد ( رعمسيس ) أو ( منفيس ) طريقا غربية جنوبية فسلك ~~برية تمر به على أرض العمالقة وأرض الأدوميين ثم بلاد النبط إلى أرض مدين . ~~تلك مسافة ثمانمائة وخمسين ميلا تقريبا . وإذ قد كان موسى في سيره ذلك ~~راجلا فتلك المسافة تستدعي من المدة نحوا من خمسة وأربعين يوما . وكان يبيت ~~في البرية لا محالة . وكان رجلا جلدا وقد ألهمه الله سواء السبيل فلم يضل ~~في سيره . # والسواء : المستقيم النهج الذي لا التواء فيه . وقد ألهمه ms6092 الله هذه ~~الدعوة التي في طيها توفيقه إلى الدين الحق . # ( 23 ، 24 ) . # يدل قوله { لما ورد ماء مدين } أنه بلغ أرض مدين ، وذلك حين ورد ماءهم . ~~والورود هنا معناه الوصول والبلوغ كقوله تعالى { وإن منكم إلا واردها } ( ~~مريم : 71 ) . والمراد بالماء موضع الماء . وماء القوم هو الذي تعرف به ~~ديارهم لأن القبائل كانت تقطن عند المياه وكانوا يكنون عن أرض القبيلة بماء ~~بني فلان ، فالمعنى : ولما ورد ، أي عندما بلغ بلاد مدين . ويناسب الغريب ~~إذا جاء ديار قوم أن يقصد الماء لأنه مجتمع الناس فهنالك يتعرف لمن يصاحبه ~~ويضيفه . # و { لما } حرف توقيت وجود شيء بوجود غيره ، أي عندما حل بأرض مدين وجد ~~أمة . PageV20P098 # والأمة : الجماعة الكثيرة العدد ، وتقدم في قوله تعالى { كان الناس أمة ~~واحدة } في البقرة ( 213 ) . وحذف مفعول { يسقون } لتعميم ما شأنه أن يسقى ~~وهو الماشية والناس ، ولأن الغرض لا يتعلق بمعرفة المسقي ولكن بما بعده من ~~انزواء المرأتين عن السقي كما في ( الكشاف ) تبعا ( لدلائل الإعجاز ) ، ~~فيكون من تنزيل الفعل المتعدي منزلة اللازم ، أو الحذف هنا للاختصار كما ~~اختاره السكاكي وأيده شارحاه السعد والسيد . وأما حذف مفاعيل { تذودان لا ~~نسقي فسقى لهما } فيتعين فيها ما ذهب إليه الشيخان . وأما ما ذهب إليه صاحب ~~( المفتاح ) وشارحاه فشيء لا دليل عليه في القرآن حتى يقدر محذوف وإنما ~~استفادة كونهما تذودان غنما مرجعها إلى كتب الإسرائيليين . # ومعنى { من دونهم } في مكان غير المكان الذي حول الماء ، أي في جانب ~~مباعد للأمة من الناس لأن حقيقة كلمة ( دون ) أنها وصف للشيء الأسفل من ~~غيره . وتتفرع من ذلك معان مجازية مختلفة العلاقات ، ومنها ما وقع في هذه ~~الآية . ف ( دون ) بمعنى جهة يصل إليها المرء بعد المكان الذي فيه الساقون ~~. شبه المكان الذي يبلغ إليه الماشي بعد مكان آخر بالمكان الأسفل من الآخر ~~كأنه ينزل إليه الماشي لأن المشي يشبه بالصعود وبالهبوط باختلاف الاعتبار . # ويحذف الموصوف ب ( دون ) لكثرة الاستعمال فيصير ( دون ) بمنزلة ذلك الاسم ~~المحذوف . # وحرف { من } مع ( دون ) يجوز ms6093 أن يكون للظرفية مثل { إذا نودي للصلاة من ~~يوم الجمعة } ( الجمعة : 9 ) . ويجوز أن يكون بمعنى ( عند ) وهو معنى أثبته ~~أبو عبيدة في قوله تعالى { لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا ~~} ( آل عمران : 10 ) . والمعنى : ووجد امرأتين في جهة مبتعدة عن جهة ~~الساقين . # و { تذودان } تطردان . وحقيقة الذود طرد الأنعام عن الماء ولذلك سموا ~~القطيع من الإبل الذود فلا يقال : ذدت الناس ، إلا مجازا مرسلا ، ومنه قوله ~~في الحديث ( فليذادن أقوام عن حوضي ) الحديث . # والمعنى في الآية : تمنعان إبلا عن الماء . وفي التوراة : أن شعيبا كان ~~صاحب PageV20P099 غنم وأن موسى رعى غنمه . فيكون إطلاق { تذودان } هنا ~~مجازا مرسلا ، أو تكون حقيقة الذود طرد الأنعام كلها عن حوض الماء . وكلام ~~أيمة اللغة غير صريح في تبيين حقيقة هذا . وفي سفر الخروج : أنها كانت لهما ~~غنم ، والذود لا يكون إلا للماشية . والمقصود من حضور الماء بالأنعام سقيها ~~. فلما رأى موسى المرأتين تمنعان أنعامهما من الشرب سألهما : ما خطبكما ؟ ~~وهو سؤال عن قصتهما وشأنهما إذ حضرا الماء ولم يقتحما عليه لسقي غنمهما . # وجملة { قال ما خطبكما } بدل اشتمال من جملة { ووجد من دونهم امرأتين ~~تذودان } . # والخطب : الشأن والحدث المهم ، وتقدم عند قوله تعالى { قال ما خطبكن إذ ~~راودتن يوسف عن نفسه } ( يوسف : 51 ) ، فأجابتا بأنهما كرهتا أن تسقيا في ~~حين اكتظاظ المكان بالرعاء وأنهما تستمران على عدم السقي كما اقتضاه ~~التعبير بالمضارع إلى أن ينصرف الرعاء . # و { الرعاء } : جمع راع . # والإصدار : الإرجاع عن السقي ، أي حتى يسقي الرعاء ويصدروا مواشيهم ، ~~فالإصدار جعل الغير صادرا ، أي حتى يذهب رعاء الإبل بأنعامهم فلا يبقى ~~الزحام . وصدهما عن المزاحمة عادتهما لأنهما كانتا ذواتي مروءة وتربية زكية ~~. # وقرأ الجمهور { يصدر } بضم الياء وكسر الدال . وقرأه ابن عامر وأبو عمرو ~~وأبو جعفر { يصدر } بفتح حرف المضارعة وضم الدال على إسناد الصدر إلى ~~الرعاء ، أي حتى يرجعوا عن الماء ، أي بمواشيهم لأن وصف الرعاء يقتضي أن ~~لهم مواشي . وهذا يقتضي أن تلك عادتهما كل يوم سقي ms6094 ، وليس في اللفظ دلالة ~~على أنه عادة . # وكان قولهما { وأبونا شيخ كبير } اعتذارا عن حضورهما للسقي مع الرجال ~~لعدم وجدانهما رجلا يستقي لهما لأن الرجل الوحيد لهما هو أبوهما وهو شيخ ~~كبير لا يستطيع ورود الماء لضعفه عن المزاحمة . PageV20P100 # واسم المرأتين ( ليا ) و ( صفورة ) . وفي سفر الخروج : أن أباهما كاهن ~~مدين . وسماه في ذلك السفر أول مرة رعويل ثم أعاد الكلام عليه فسماه يثرون ~~ووصفه بحمي موسى ، فالمسمى واحد . وقال ابن العبري في ( تاريخه ) : يثرون ~~بن رعويل له سبع بنات خرج للسقي منهما اثنتان ، فيكون شعيب هو المسمى عند ~~اليهود يثرون . والتعبير عن النبي بالكاهن اصطلاح . لأن الكاهن يخبر عن ~~الغيب ولأنه يطلق على القائم بأمور الدين عند اليهود . وللجزم بأنه شعيب ~~الرسول جعل علماؤنا ما صدر منه في هذه القصة شرعا سابقا ففرعوا عليه مسائل ~~مبنية على أصل : أن شرع من قبلنا من الرسل الإلهيين شرع لنا ما لم يرد ناسخ ~~. # ومنها مباشرة المرأة الأعمال والسعي في طرق المعيشة ، ووجوب استحيائها ، ~~وولاية الأب في النكاح ، وجعل العمل البدني مهرا ، وجمع النكاح والإجارة في ~~عقد واحد ، ومشروعية الإجارة . وقد استوفى الكلام عليها القرطبي . وفي أدلة ~~الشريعة الإسلامية غنية عن الاستنباط مما في هذه الآية إلا أن بعض هذه ~~الأحكام لا يوجد دليله في القرآن ففي هذه الآية دليل لها من الكتاب عند ~~القائلين بأن شرع من قبلنا شرع لنا . # وفي إذنه لابنتيه بالسقي دليل على جواز معالجة المرأة أمور مالها وظهورها ~~في مجامع الناس إذا كانت تستر ما يجب ستره فإن شرع من قبلنا شرع لنا إذا ~~حكاه شرعنا ولم يأت من شرعنا ما ينسخه . وأما تحاشي الناس من نحو ذلك فهو ~~من المروءة والناس مختلفون فيما تقتضيه المروءة والعادات متباينة فيه ~~وأحوال الأمم فيه مختلفة وخاصة ما بين أخلاق البدو والحضر من الاختلاف . # ودخول { لما } التوقيتية يؤذن باقتران وصوله بوجود الساقين . واقتران فعل ~~( سقى ) بالفاء يؤذن بأنه بادر فسقى لهن ، وذلك بفور وروده . # ومعنى { فسقى لهما } أنه سقى ما ms6095 جئن ليسقينه لأجلهما ، فاللام للأجل ، أي ~~لا يدفعه لذلك إلا هما ، أي رأفة بهما وغوثا لهما . وذلك من قوة مروءته أن ~~اقتحم ذلك العمل الشاق على ما هو عليه من الإعياء عند الوصول . # والتولي : الرجوع على طريقه ، وذلك يفيد أنه كان جالسا من قبل في ظل فرجع ~~إليه . ويظهر أن { تولى } مرادف ( ولى ) ولكن زيادة المبنى من شأنها أن ~~تقتضي PageV20P101 زيادة المعنى فكيون { تولى } أشد من ( ولى ) ، وقد تقدم ~~ذلك عند قوله تعالى { ولى مدبرا } في سورة النمل ( 10 ) . # وقد أعقب إيواءه إلى الظل بمناجاته ربه إذ قال { رب إني لما أنزلت إلي من ~~خير فقير } . لما استراح من مشقة المتح والسقي لماشية المرأتين والاقتحام ~~بها في عدد الرعاء العديد ، ووجد برد الظل تذكر بهذه النعمة نعما سابقة ~~أسداها الله إليه من نجاته من القتل وإيتائه الحكمة والعلم ، وتخليصه من ~~تبعة قتل القبطي ، وإيصاله إلى أرض معمورة بأمة عظيمة بعد أن قطع فيافي ~~ومفازات ، تذكر جميع ذلك وهو في نعمة برد الظل والراحة من التعب فجاء بجملة ~~جامعة للشكر والثناء والدعاء وهي { إني لما أنزلت إلي من خير فقير } . ~~والفقير : المحتاج فقوله { إني لما أنزلت إلي من خير } شكر على نعم سلفت . # وقوله { إني لما أنزلت إلي من خير } ثناء على الله بأنه معطي الخير . # والخير : ما فيه نفع وملاءمة لمن يتعلق هو به فمنه خير الدنيا ومنه خير ~~الآخرة الذي قد يرى في صورة مشقة فإن العبرة بالعواقب ، قال تعالى { ولا ~~تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق ~~أنفسهم وهم كافرون } ( التوبة : 85 ) . # وقد أراد النوعين كما يرمز إلى ذلك التعبير عن إيتائه الخير بفعل { أنزلت ~~} المشعر برفعة المعطى . فأول ذلك إيتاء الحكمة والعلم . # ومن الخير إنجاؤه من القتل ، وتربيته الكاملة في بذخة الملك وعزته ، ~~وحفظه من أن تتسرب إليه عقائد العائلة التي ربي فيها فكان منتفعا بمنافعها ~~مجنبا رذائلها وأضرارها . ومن الخير أن جعل نصر قومه على يده ، وأن أنجاه ~~من القتل الثاني ms6096 ظلما ، وأن هداه إلى منجى من الأرض ، ويسر له التعرف ببيت ~~نبوءة ، وأن آواه إلى ظل . # و ( ما ) من قوله { لما أنزلت إلي } موصولة كما يقتضيه فعل المضي في قوله ~~{ أنزلت } لأن الشيء الذي أنزل فيما مضى صار معروفا غير نكرة ، فقوله ( ما ~~PageV20P102 أنزلت إلي ) بمنزلة المعرف بلام الجنس لتلائم قوله { فقير } أي ~~فقير لذلك النوع من الخير ، أي لأمثاله . # وأحسن خير للغريب وجود مأوى له يطعم فيه ويبيت وزوجة يأنس إليها ويسكن . # فكان استجابة الله له بأن ألهم شعيبا أن يرسل وراءه لينزله عنده ويزوجه ~~بنته ، كما أشعرت بذلك فاء التعقيب في قوله { فجاءته إحداهما } ( القصص : ~~25 ) . # ( 25 ) . # . # عرفت أن الفاء تؤذن بأن الله استجاب له فقيض شعيبا أن يرسل وراء موسى ~~ليضيفه ويزوجه بنته ، فذلك يضمن له أنسا في دار غربة ومأوى وعشيرا صالحا . ~~وتؤذن الفاء أيضا بأن شعيبا لم يتريث في الإرسال وراءه فأرسل إحدى البنتين ~~اللتين سقى لهما وهي ( صفورة ) فجاءته وهو لم يزل عن مكانه في الظل . # وذكر { تمشي } ليبني عليه قوله { على استحياء } وإلا فإن فعل ( جاءته ) ~~مغن عن ذكر { تمشي } . # و { على } للاستعلاء المجازي مستعارة للتمكن من الوصف . والمعنى : أنها ~~مستحيية في مشيها ، أي تمشي غير متبخترة ولا متثنية ولا مظهرة زينة . وعن ~~عمر بن الخطاب أنها كانت ساترة وجهها بثوبها ، أي لأن ستر الوجه غير واجب ~~عليها ولكنه مبالغة في الحياء . والاستحياء مبالغة في الحياء مثل الاستجابة ~~قال تعالى { وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن إلى قوله ليعلم ما يخفين من ~~زينتهن } ( النور : 31 ) . # وجملة { قالت } بدل من ( جاءته ) . وإنما بينت له الغرض من دعوته مبادرة ~~بالإكرام . # والجزاء : المكافأة على عمل حسن أو سيىء بشيء مثله في الحسن أو الإساءة ، ~~PageV20P103 قال تعالى { هل جزاء الإحسان إلا الإحسان } ( الرحمن : 60 ) ~~وقال تعالى { ذلك جزيناهم بما كفروا } ( سبأ : 17 ) . # وتأكيد الجملة في قوله { إن أبي يدعوك } حكاية لما في كلامها من تحقيق ~~الخبر للاهتمام به وإدخال المسرة على المخبر به . # والأجر : التعويض على عمل نافع ms6097 للمعوض ، ومنه سمي ثواب الطاعات أجرا ، ~~قال تعالى { وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم } ( محمد : 36 ) . وانتصب { ~~أجر ما سقيت لنا } على المفعول المطلق لبيان نوع الجزاء أنه جزاء خير ، وهو ~~أن أراد ضيافته ، وليس هو من معنى إجارة الأجير لأنه لم يكن عن تقاول ولا ~~شرط ولا عادة . # والجزاء : إكرام ، والإجارة : تعاقد . ويدل لذلك قوله عقبه { قالت ~~إحداهما يا أبت استأجره } ( القصص : 26 ) فإنه دليل على أن أباها لم يسبق ~~منه عزم على استئجار موسى . وكان فعل موسى معروفا محضا لا يطلب عليه جزاء ~~لأنه لا يعرف المرأتين ولا بيتهما ، وكان فعل شعيب كرما محضا ومحبة لقري كل ~~غريب ، وتضييف الغريب من سنة إبراهيم فلا غرو أن يعمل بها رجلان من ذرية ~~إبراهيم عليه السلام . # و { ما } في قوله { ما سقيت لنا } مصدرية ، أي سقيك ، ولام { لنا } لام ~~العلة . # . # كانت العوائد أن يفاتح الضيف بالسؤال عن حاله ومقدمه فلذلك قص موسى قصة ~~خروجه ومجيئه على شعيب . وذلك يقتضي أن شعيبا سأله عن سبب قدومه ، و { ~~القصص } : الخبر . و { قص عليه } أخبره . # والتعريف في { القصص } عوض عن المضاف إليه ، أي قصصه ، أو للعهد ، أي ~~القصص المذكور آنفا . وتقدم نظيره في أول سورة يوسف . # فطمأنه شعيب بأنه يزيل عن نفسه الخوف لأنه أصبح في مأمن من أن يناله حكم ~~فرعون لأن بلاد مدين تابعة لملك الكنعانيين وهم أهل بأس ونجدة . ومعنى نهيه ~~عن الخوف نهيه عن ظن أن تناله يد فرعون . PageV20P104 # وجملة { نجوت من القوم الظالمين } تعليل للنهي عن الخوف . ووصف قوم فرعون ~~بالظالمين تصديقا لما أخبره به موسى من رومهم قتله قصاصا عن قتل خطأ . وما ~~سبق ذلك من خبر عداوتهم على بني إسرائيل . # ( 26 28 ) . # حذف ما لقيه موسى من شعيب من الجزاء بإضافته وإطعامه ، وانتقل منه إلى ~~عرض إحدى المرأتين على أبيها أن يستأجره للعمل في ماشيته إذ لم يكن لهم ~~ببيتهم رجل يقوم بذلك وقد كبر أبوهما فلما رأت أمانته وورعه رأت أنه خير من ~~يستأجر للعمل عندهم ms6098 لقوته على العمل وأمانته . # والتاء في { أبت } عوض عن ياء المتكلم في النداء خاصة وهي يجوز كسرها وبه ~~قرأ الجمهور . ويجوز فتحها وبه قرأ ابن عامر وأبو جعفر . # وجملة { إن خير من استأجرت القوي الأمين } علة للإشارة عليه باستئجاره ، ~~أي لأن مثله من يستأجر . وجاءت بكلمة جامعة مرسلة مثلا لما فيها من العموم ~~ومطابقة الحقيقة بدون تخلف ، فالتعريف باللام في { القوي الأمين } للجنس ~~مراد به العموم . والخطاب في { من استأجرت } موجه إلى شعيب ، وصالح لأن يعم ~~كل من يصلح للخطاب لتتم صلاحية هذا الكلام لأن يرسل مثلا . فالتقدير : من ~~استأجر المستأجر . و { من } موصولة في معنى المعرف بلام الجنس إذ لا يراد ~~بالصلة هنا وصف خاص بمعين . # وجعل { خير من استأجرت } مسندا إليه بجعله اسما لأن جعل { القوي ~~PageV20P105 الأمين } خبرا مع صحة جعل { القوي الأمين } هو المسند إليه ~~فإنهما متساويان في المعرفة من حيث إن المراد بالتعريف في الموصول المضاف ~~إليه { خير } ، وفي المعرف باللام هنا العموم في كليهما ، فأوثر بالتقديم ~~في جزأي الجملة ما هو أهم وأولى بالعناية وهو خير أجير ، لأن الجملة سيقت ~~مساق التعليل لجملة { استأجره } فوصف الأجير أهم في مقام تعليلها ونفس ~~السامع أشد ترقبا لحاله . # ومجيء هذا العموم عقب الحديث عن شخص معين يؤذن بأن المتحدث عنه ممن يشمله ~~ذلك العموم فكان ذلك مصادفا المحز من البلاغة إذ صار إثبات الأمانة والقوة ~~لهذا المتحدث عنه إثباتا للحكم بدليل . فتقدير معنى الكلام : استأجره فهو ~~قوي أمين وإن خير من استأجر مستأجر القوي الأمين . فكانت الجملة مشتملة على ~~خصوصية تقديم الأهم وعلى إيجاز الحذف وعلى المذهب الكلامي ، وبذلك استوفت ~~غاية مقتضى الحال فكانت بالغة حد الإعجاز . # وعن عمر بن الخطاب أنه قال ( أشكو إلى الله ضعف الأمين وخيانة القوي ) . ~~يريد : أسأله أن يؤيدني بقوي أمين أستعين به . # والإشارة في قوله { هاتين } إلى المرأتين اللتين سقى لهما أن كانتا ~~حاضرتين معا دون غيرهما من بنات شعيب لتعلق القضية بشأنهما ، أو تكون ~~الإشارة إليهما لحضورهما في ذهن موسى باعتبار ms6099 قرب عهده بالسقي لهما إن كانت ~~الأخرى غائبة حينئذ . # وفيه جواز عرض الرجل مولاته على من يتزوجها رغبة في صلاحه . وجعل لموسى ~~اختيار إحداهما لأنه قد عرفها وكانت التي اختارها موسى ( صفورة ) وهي ~~الصغرى كما جاء في رواية أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم وإنما اختارها ~~دون أختها لأنها التي عرف أخلاقها باستحيائها وكلامها فكان ذلك ترجيحا لها ~~عنده . # وكان هذا التخيير قبل انعقاد النكاح ، فليس فيه جهل المعقود عليها . # وقوله { على أن تأجرني ثماني حجج } حرف { على } من صيغ الشرط في العقود . ~~و { تأجرني } مضارع آجره مثل نصره إذا كان أجيرا له . والحجج : اسم ~~PageV20P106 جمع حجة بكسر الحاء وهي السنة ، مشتقة من اسم الحج لأن الحج ~~يقع كل سنة وموسم الحج يقع في آخر شهر من السنة العربية . # والتزام جعل تزويجه مشروطا بعقد الإجارة بينهما عرض منه على موسى وليس ~~بعقد نكاح ولا إجارة حتى يرضى موسى . وفي هذا العرض دليل لمسألة جمع عقد ~~النكاح مع عقد الإجارة . والمسألة أصلها من السنة حديث المرأة التي عرضت ~~نفسها على النبي صلى الله عليه وسلم فلم يتزوجها وزوجها من رجل كان حاضرا ~~مجلسه ولم يكن عنده ما يصدقها فزوجه إياها بما معه من القرآن ، أي على أن ~~يعلمها إياه . # والمشهور من مذهب مالك أن الشرط المقارن لعقد النكاح إن كان مما ينافي ~~عقد النكاح فهو باطل ويفسخ النكاح قبل البناء ويثبت بعده بصداق المثل . ~~وأما غير المنافي لعقد النكاح فلا يفسخ النكاح لأجله ولكن يلغى الشرط . وعن ~~مالك أيضا : تكره الشروط كلها ابتداء فإن وقع مضى . وقال أشهب وأصبغ : ~~الشرط جائز واختاره أبو بكر بن العربي وهو الحق للآية ، ولقول النبي صلى ~~الله عليه وسلم ( أحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم عليه الفروج ) . # وظاهر الآية أيضا أن الإجارة المذكورة جعلت مهرا للبنت . ويحتمل أن ~~المشروط التزام الإجارة لا غير ، وأما المهر فتابع لما يعتبر في شرعهم ركنا ~~في النكاح ، والشرائع قد تختلف في معاني الماهيات الشرعية . وإذا أخذنا ms6100 ~~بظاهر الآية كانت دالة على أنهما جعلا المهر منافع إجارة الزوج لشعيب ~~فيحتمل أن يكون ذلك برضاها لأنها سمعت وسكتت بناء على عوائد مرعية عندهم ~~بأن ينتفع بتلك المنافع أبوها . # ويحتمل أن يكون لولي المرأة بالأصالة إن كان هو المستحق للمهر في تلك ~~الشريعة ، فإن عوائد الأمم مختلفة في تزويج ولاياهم . وإذ قد كان في الآية ~~إجمال لم تكن كافية في الاحتجاج على جواز جعل مهر المرأة منافع من إجارة ~~زوجها فيرجع النظر في صحة جعل المهر إجارة إلى التخريج على قواعد الشريعة ~~والدخول تحت عموم معنى المهر ، فإن منافع الإجارة ذات قيمة فلا مانع من أن ~~تجعل مهرا . # والتحقيق من مذهب مالك أنه مكروه ويمضي . وأجازه الشافعي وعبد الملك بن ~~PageV20P107 حبيب من المالكية . وقال أبو حنيفة : لا يجوز جعل المهر منافع ~~حر ويجوز كونه منافع عبد . ولم ير في الآية دليلا لأنها تحتمل عنده أن يكون ~~النكاح مستوفيا شروطه فوقع الإجمال فيها . ووافقه ابن القاسم من أصحاب مالك ~~. # وإذ قد كان حكم شرع من قبلنا مختلفا في جعله شرعا لنا كان حجة مختلفا ~~فيها بين علماء أصول الفقه فزادها ضعفا في هذه الآية الإجمال الذي تطرقها ~~فوجب الرجوع إلى أدلة أخرى من شريعة الإسلام . ودليل الجواز داخل تحت عموم ~~معنى المهر . فإن كانت المنافع المجعولة مهرا حاصلة قبل البناء فالأمر ظاهر ~~، وإن كان بعضها أو جميعها لا يتحقق إلا بعد البناء كما في هذه الآية رجعت ~~المسألة إلى النكاح بمهر مؤجل وهو مكروه غير باطل . وإلى الإجارة بعوض غير ~~قابل للتبعيض بتبعيض العمل فإذا لم يتم الأجير العمل في هذه رجعت إلى مسألة ~~عجز العامل عن العمل بعد أن قبض الأجر . # وقد ورد في الصحيح وفي حديث المرأة التي وهبت نفسها للنبيء صلى الله عليه ~~وسلم فظهر عليه أنه لم يقبلها وأن رجلا من أصحابه قال له : إن لم تكن لك ~~بها حاجة فزوجنيها . قال : هل عندك ما تصدقها ؟ إلى أن قال له صلى الله ~~عليه وسلم ( التمس ولو ms6101 خاتما من حديد ) قال : ما عندي ولا خاتم من حديد ، ~~وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : ما معك من القرآن ؟ قال : معى سورة ~~كذا وسورة كذا لسور سماها . قال له : قد ملكتكها بما معك من القرآن . وفي ~~رواية أن النبي أمره أن يعلمها عشرين آية مما معه من القرآن وتكون امرأته . ~~فإن صحت هذه الزيادة كان الحديث جاريا على وفق ما في هذه الآية وكان حجة ~~لصحة جعل الصداق إجارة على عمل ، وإن لم تصح كما هو المشهور في كتب الصحيح ~~فالقصة خصوصية يقتصر على موردها . # ولم يقع التعرض في الآية للعمل المستأجر عليه . وورد في سفر الخروج أنه ~~رعى غنم يثرون ( وهو شعيب ) ، ولا غرض للقرآن في بيان ذلك . ولم يقع التعرض ~~إلى الأجر وقد علمت أن الظاهر أنه إنكاحه البنت فإذا لم نأخذ بهذا الظاهر ~~كانت الآية غير متعرضة للأجر إذ لا غرض فيه من سوق القصة فيكون جاريا على ~~ما هو متعارف عندهم في أجور الأعمال وكانت للقبائل عوائد في ذلك . # وقد أدركت PageV20P108 منذ أول هذا القرن الرابع عشر أن راعي الغنم له في ~~كل عام قميص وحذاء يسمى ( بلغة ) ونحو ذلك لا أضبطه الآن . # وقوله { فإن أتممت عشرا فمن عندك } جعل ذلك إلى موسى تفضلا منه أن اختاره ~~ووكله إلى ما تكون عليه حاله في منتهى الحجج الثمان من رغبة في الزيادة . # و ( من ) ابتدائية . و ( عند ) مستعملة في الذات والنفس مجازا ، والمجرور ~~خبر مبتدأ محذوف ، والتقدير : فإتمام العشر من نفسك ، أي لا مني ، يعني : ~~أن الإتمام ليس داخلا في العقدة التي هي من الجانبين فكان مفهوم الظرف ~~معتبرا هنا . # واحتج مالك بقوله { إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين } على أن للأب ~~إنكاح ابنته البكر بدون إذنها وهو أخذ بظاهرها إذ لم يتعرض لاستئذانها . ~~ولمن يمنع ذلك أن يقول : إن عدم التعرض له لا يقتضي عدم وقوعه . # وقوله { ستجدني إن شاء الله من الصالحين } يريد الصالحين بالناس في حسن ~~المعاملة ولين الجانب . قصد ms6102 بذلك تعريف خلقه لصاحبه ، وليس هذا من تزكية ~~النفس المنهي عنه لأن المنهي عنه ما قصد به قائله الفخر والتمدح ، فأما ما ~~كان لغرض في الدين أو المعاملة فذلك حاصل لداع حسن كما قال يوسف { اجعلني ~~على خزائن الأرض إني حفيظ عليم } ( يوسف : 55 ) . # و { أشق عليك } معناه : أكون شاقا عليك ، أي مكلفك مشقة ، والمشقة : ~~العسر والتعب والصعوبة في العمل . والأصل أن يوصف بالشاق العمل المتعب ~~فإسناد { أشق } إلى ذاته إسناد مجازي لأنه سبب المشقة ، أي ما أريد أن ~~أشترط عليك ما فيه مشقتك . وهذا من السماحة الوارد فيها حديث : ( رحم الله ~~امرأ سمحا إذا باع ، سمحا إذا اشترى . . ) . # وجملة { قال ذلك بيني وبينك } حكاية لجواب موسى عن كلام شعيب . واسم ~~الإشارة إلى المذكور وهو { أن تأجرني ثماني حجج } إلى آخره . وهذا قبول ~~موسى لما أوجبه شعيب وبه تم التعاقد على النكاح وعلى الإجارة ، أي الأمر ~~على ما شرطت علي وعليك . وأطلق { بيني وبينك } مجازا في معنى الثبوت ~~واللزوم والارتباط ، أي كل فيما هو من عمله . PageV20P109 # و { أيما } منصوب ب { قضيت } . و ( أي ) اسم موصول مبهم مثل ( ما ) . ~~وزيدت بعدها ( ما ) للتأكيد ليصير الموصول شبيها بأسماء الشرط لأن تأكيد ما ~~في اسم الموصول من الإبهام يكسبه عموما فيشبه الشرط فلذلك جعل له جواب ~~كجواب الشرط . والجملة كلها بدل اشتمال من جملة { ذلك بيني وبينك } لأن ~~التخيير في منتهى الأجل مما اشتمل عليه التعاقد المفاد بجملة { ذلك بيني ~~وبينك } . # والعدوان بضم العين : الاعتداء على الحق ، أي فلا تعتدي علي . فنفى جنس ~~العدوان الذي منه عدوان مستأجره . واستشهد موسى على نفسه وعلى شعيب بشهادة ~~الله . # وأصل الوكيل : الذي وكل إليه الأمر ، وأراد هنا أنه وكل على الوفاء بما ~~تعاقدا عليه حتى إذا أخل أحدهما بشيء كان الله مؤاخذه . ولما ضمن الوكيل ~~معنى الشاهد عدي بحرف { على } وكان حقه أن يعدى ب ( إلى ) . # والعبرة من سياقة هذا الجزء من القصة المفتتح بقوله تعالى { ولما توجه ~~تلقاء مدين } إلى قوله { والله على ما نقول ms6103 وكيل } ( القصص : 22 28 ) هو ما ~~تضمنته من فضائل الأعمال ومناقب أهل الكمال وكيف هيأ الله تعالى موسى لتلقي ~~الرسالة بأن قلبه في أطوار الفضائل ، وأعظمها معاشرة رسول من رسل الله ~~ومصاهرته ، وما تتضمنه من خصال المروءة والفتوة التي استكنت في نفسه من فعل ~~المعروف ، وإغاثة الملهوف ، والرأفة بالضعيف ، والزهد ، والقناعة ، وشكر ~~ربه على ما أسدى إليه ، ومن العفاف والرغبة في عشرة الصالحين ، والعمل لهم ~~، والوفاء بالعقد ، والثبات على العهد حتى كان خاتمة ذلك تشريفه بالرسالة ~~وما تضمنته من خصال النبوءة التي أبداها شعيب من حب القرى ، وتأمين الخائف ~~، والرفق في المعاملة ، ليعتبر المشركون بذلك إن كان لهم اعتبار في مقايسة ~~تلك الأحوال بأجناسها من أحوال النبي صلى الله عليه وسلم فيهتدوا إلى أن ما ~~عرفوه به من زكي الخصال قبل رسالته وتقويم سيرته ، وزكاء سريرته ، وإعانته ~~على نوائب الحق ، وتزوجه بأفضل امرأة من نساء قومه ، إن هي إلا خصال فاذة ~~فيه بين قومه وإن هي إلا PageV20P110 بوارق لانهطال سحاب الوحي عليه . ~~والله أعلم حيث يجعل رسالاته وليأتسي المسلمون بالأسوة الحسنة من أخلاق أهل ~~النبوءة والصلاح . # . # لم يذكر القرآن أي الأجلين قضى موسى إذ لا يتعلق بتعيينه غرض في سياق ~~القصة . وعن ابن عباس ( قضى أوفاهما وأطيبهما إن رسول الله إذا قال فعل ) ~~أي أن رسول الله المستقبل لا يصدر من مثله إلا الوفاء التام ، وورد ذلك عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث ضعيفة الأسانيد أنه سئل عن ذلك فأجاب ~~بمثل ما قال ابن عباس . والأهل من إطلاقه الزوجة كما في الحديث : ( والله ~~ما علمت على أهلي إلا خيرا ) . # وفي سفر الخروج : أنه استأذن صهره في الذهاب إلى مصر لافتقاد أخته وآله . ~~وبقية القصة تقدمت في سورة النمل ( 7 ) إلا زيادة قوله : { آنس من جانب ~~الطور نارا } وذلك مساو لقوله هنا ( إذ رأى نارا فقال لأهله امكثوا إني ~~آنست نارا ) . # والجذوة مثلث الجيم ، وقرىء بالوجوه الثلاثة ، فالجمهور بكسر الجيم ، ~~وعاصم بفتح الجيم وحمزة وخلف بضمها ، وهي العود الغليظ ms6104 . قيل مطلقا وقيل ~~المشتعل وهو الذي في ( القاموس ) . فإن كان الأول فوصف الجذوة بأنها من ~~النار وصف مخصص ، وإن كان الثاني فهو وصف كاشف ، و { من } على الأول بيانية ~~وعلى الثاني تبعيضية . PageV20P111 # ( 30 32 ) . # { لله } . # تقدم مثل هذا في سورة النمل إلا مخالفة ألفاظ مثل { أتاها } هنا و { ~~جاءها هناك } ( النمل : 8 ) و { إني أنا الله } هنا ، و { إنه أنا الله ~~هناك } ( النمل : 9 ) بضمير عائد إلى الجلالة هنالك ، وضمير الشأن هنا وهما ~~متساويان في الموقع لأن ضمير الجلالة شأنه عظيم . وقوله هنا { رب العالمين ~~} وقوله هنالك العزيز الحكيم ( النمل : 9 ) . وهذا يقتضي أن الأوصاف ~~الثلاثة قيلت له حينئذ . # والقول في نكتة تقديم صفة الله تعالى قبل إصدار أمره له بإلقاء العصا ~~كالقول الذي تقدم في سورة النمل لأن وصف { رب العالمين } يدل على أن جميع ~~الخلائق مسخرة له ليثبت بذلك قلب موسى من هول تلقي الرسالة . # و { أن ألق } هنا و { ألق هناك } ( النمل : 10 ) ، و { اسلك } هنا { ~~وأدخل هناك } ( النمل : 12 ) . وتلك المخالفة تفنن في تكرير القصة لتجدد ~~نشاط السامع لها ، وإلا زيادة { من شاطىء الواد الأيمن في البقعة المباركة ~~من الشجرة } وهذا واد في سفح الطور . وشاطئه : جانبه وضفته . # ووصف الشاطىء بالأيمن إن حمل الأيمن على أنه ضد الأيسر فهو أيمن باعتبار ~~أنه واقع على يمين المستقبل القبلة على طريقة العرب من جعل القبلة هي الجهة ~~الأصلية لضبط الواقع وهم ينعتون الجهات باليمين واليسار يريدون هذا المعنى ~~قال امرؤ القيس : # على قطن بالشيم أيمن صوبه # وأيسره على الستار فيذبل # وعلى ذلك جرى اصطلاح المسلمين في تحديد المواقع الجغرافية ومواقع الأرضين ~~، فيكون الأيمن يعني الغربي للجبل ، أي جهة مغرب الشمس من الطور . ~~PageV20P112 ألا ترى أنهم سموا اليمن يمنا لأنه على يمين المستقبل باب ~~الكعبة وسموا الشام شاما لأنه على شآم المستقبل لبابها ، أي على شماله ، ~~فاعتبروا استقبال الكعبة ، وهذا هو الملائم لقوله الآتي { وما كنت بجانب ~~الغربي } ( القصص : 44 ) . # وأما جعله بمعنى الأيمن لموسى فلا يستقيم مع قوله ms6105 تعالى { وواعدناكم جانب ~~الطور الأيمن } ( طه : 80 ) فإنه لم يجر ذكر لموسى هناك . # وإن حمل على أنه تفضيل من اليمن وهو البركة فهو كوصفه ب { المقدس } في ~~سورة النازعات ( 16 ) { إذ ناداه ربه بالوادي المقدس طوى } . # و { البقعة } بضم الباء ويجوز فتحها هي القطعة من الأرض المتميزة عن ~~غيرها . و { المباركة } لما فيها من اختيارها لنزول الوحي على موسى . وقوله ~~{ من الشجرة } يجوز أن يتعلق بفعل { نودي } فتكون الشجرة مصدر هذا النداء ~~وتكون { من } للابتداء ، أي سمع كلاما خارجا من الشجرة . ويجوز أن يكون ~~ظرفا مستقرا نعتا ثانيا للواد أو حالا فتكون { من } اتصالية ، أي متصلا ~~بالشجرة ، أي عندها ، أي البقعة التي تتصل بالشجرة . # والعريف في { الشجرة } تعريف الجنس وعدل عن التنكير للإشارة إلى أنها ~~شجرة مقصودة وليس التعريف للعهد إذ لم يتقدم ذكر الشجرة ، والذي في التوراة ~~أن تلك الشجرة كانت من شجر العليق ( وهو من شجر العضاه ) وقيل : هي عوسجة ~~والعوسج من شجر العضاه أيضا . وزيادة { أقبل } وهي تصريح بمضمون قوله { لا ~~تخف } في سورة النمل ( 10 ) لأنه لما أدبر خوفا من الحية كان النهي عن ~~الخوف يدل على معنى طلب إقباله فكان الكلام هنالك إيجازا وكان هنا مساواة ~~تفننا في حكاية القصتين ، وكذلك زيادة { إنك من الآمنين } هنا ولم يحك في ~~سورة النمل وهو تأكيد لمفاد { ولا تخف } . وفيه زيادة تحقيق أمنه بما دل ~~عليه التأكيد ب ( إن ) وجعله من جملة الآمنين فإنه أشد في تحقيق الأمن من ~~أن يقال : إنك آمن كما تقدم في قوله تعالى { أن أكون من الجاهلين } في سورة ~~البقرة ( 67 ) . # وقوله { واضمم إليك جناحك من الرهب } خفي فيه محصل المعنى المنتزع من ~~تركيبه فكان مجال تردد المفسرين في تبيينه ، واعتكرت محامل كلماته فما ~~PageV20P113 استقام محمل إحداها إلا وناكده محمل أخرى . وهي ألفاظ : جناح ، ~~ورهب ، وحرف { من } . فسلكوا طرائق لا توصل إلى مستقر . وقد استوعبت في ~~كلام القرطبي والزمخشري . قال بعضهم : إن في الكلام تقديما وتأخيرا وإن ~~قوله { من الرهب } متعلق بقوله { ولى ms6106 مدبرا } على أن { من } حرف للتعليل ، ~~أي أدبر لسبب الخوف ، وهذا لا ينبغي الالتفات إليه إذ لا داعي لتقديم ~~وتأخير ما زعموه على ما فيه من طول الفصل بين فعل { ولى } وبين { من الرهب ~~} . # وقيل الجناح : اليد ، ولا يحسن أن يكون مجازا عن اليد لأنه يفضي إما إلى ~~تكرير مفاد قوله { اسلك يدك في جيبك } وحرف العطف مانع من احتمال التأكيد . ~~وادعاء أن يكون التكرير لاختلاف الغرض من الأول والثاني كما في ( الكشاف ) ~~بعيد ، أو يؤول بأن وضع اليد على الصدر يذهب الخوف كما عزي إلى الضحاك عن ~~ابن عباس وإلى مجاهد وهو تأويل بعيد . وهذا ميل إلى أن الجناح مجاز مرسل ~~مراد به يد الإنسان . وللجناح حقيقة ومجازات بين مرسل واستعارة وقد ورد في ~~القرآن وغيره في تصاريف معانيه وليس وروده في بعض المواضع بمعنى بقاض بحمله ~~على ذلك المعنى حيثما وقع في القرآن . ولذا فالوجه أن قوله { واضمم إليك ~~جناحك } تمثيل بحال الطائر إذا سكن عن الطيران أو عن الدفاع جعل كناية عن ~~سكون اضطراب الخوف . ويكون { من } هنا للبدلية ، أي اسكن سكون الطائر بدلا ~~من أن تطير خوفا . وهذا مأخوذ من أحد وجهين ذكرهما الزمخشري قيل : وأصله ~~لأبي علي الفارسي . و { الرهب } معروف أنه الخوف كقوله تعالى { يدعوننا ~~رغبا ورهبا } ( الأنبياء : 90 ) . # والمعنى : انكفف عن التخوف من أمر الرسالة . وفي الكلام إيجاز وهو ما دل ~~عليه قوله بعده { قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون } ( القصص : ~~33 ) فقوله { واضمم إليك جناحك من الرهب } في معنى قوله تعالى { فلا يصلون ~~إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون } ( القصص : 35 ) . # وقرأ الجمهور { الرهب } بفتح الراء والهاء ، وقرأه حمزة والكسائي وأبو ~~بكر عن عاصم وخلف بضم الراء وسكون الهاء . وقرأه حفص عن عاصم بفتح الراء ~~وسكون الهاء وهي لغات فصيحة . PageV20P114 # . # تفريع على قوله { واضمم إليك جناحك من الرهب } والإشارة إلى العصا وبياض ~~اليد . والبرهان : الحجة القاطعة . و { من } للابتداء ، و { إلى } للانتهاء ~~المجازي أي حجتان على أن أرسل بهما ms6107 إليهم . # وجملة { إنهم كانوا قوما فاسقين } تعليل لجملة { فذانك برهانان من ربك ~~إلى فرعون وملائه } لتضمنها أنهم بحيث يقرعون بالبراهين فبين أن سبب ذلك ~~تمكن الكفر من نفوسهم حتى كان كالجبلة فيهم وبه قوام قوميتهم لما يؤذن به ~~قوله { كانوا } . وقوله { قوما } كما تقدم في قوله تعالى { لآيات لقوم ~~يعقلون } في سورة البقرة ( 164 ) . والفسق : الإشراك بالله . # وقرأ الجمهور { فذانك } بتخفيف النون من ( ذانك ) على الأصل في التثنية . ~~وقرأه ابن كثير وأبو عمرو ورويس عن يعقوب بتشديد نون { فذانك } وهي لغة ~~تميم وقيس . وعللها النحويون بأن تضعيف النون تعويض على الألف من ( ذا ) و ~~( تا ) المحذوفة لأجل صيغة التثنية . وفي ( الكشاف ) : أن التشديد عوض عن ~~لام البعد التي تلحق اسم الإشارة فلذلك قال ( فالمخفف مثنى ذاك والمشدد ~~مثنى ذلك ) . وهذا أحسن . # ( 33 ) . # جرى التأكيد على الغالب في استعمال أمثاله من الأخبار الغريبة ليتحقق ~~السامع وقوعها وإلا فإن الله قد علم ذلك لما قال له { اضمم إليك جناحك من ~~الرهب } ( القصص : 32 ) . والمعنى : فأخاف أن يذكروا قتلي القبطي فيقتلوني ~~. فهذا كالاعتذار وهو يعلم أن رسالة الله لا يتخلص منها بعذر ، ولكنه أراد ~~أن يكون في أمن إلهي من أعدائه . فهذا تعريض بالدعاء ، ومقدمة لطلب تأييده ~~بهارون أخيه . PageV20P115 # ( 34 ) . # هذا سؤال صريح يدل على أن موسى لا يريد بالأول التنصل من التبليغ ولكنه ~~أراد تأييده بأخيه . وإنما عينه ولم يسأل مؤيدا ما لعلمه بأمانته وإخلاصه ~~لله ولأخيه وعلمه بفصاحة لسانه . # و { ردى } بالتخفيف مثل ( ردء ) بالهمز في آخره : العون . قرأه نافع وأبو ~~جعفر { ردى } مخففا . وقرأه الباقون { ردءا } بالهمز على الأصل . # و { يصدقني } قرأه الجمهور مجزوما في جواب الطلب بقوله { فأرسله معي } . ~~وقرأه عاصم وحمزة بالرفع على أن الجملة حال من الهاء من { أرسله } . # ومعنى تصديقه إياه أن يكون سببا في تصديق فرعون وملئه إياه بإبانته عن ~~الأدلة التي يلقيها موسى في مقام مجادلة فرعون كما يقتضيه قوله { هو أفصح ~~مني لسانا فأرسله معي ردى يصدقني } . فإنه فرع طلب إرساله معه على ms6108 كونه ~~أفصح لسانا وجعل تصديقه جواب ذلك الطلب أو حالا من المطلوب فهو تفريع على ~~تفريع ، فلا جرم أن يكون معناه مناسبا لمعنى المفرع عنه وهو أنه أفصح لسانا ~~. وليس للفصاحة أثر في التصديق إلا بهذا المعنى . # وليس التصديق أن يقول لهم : صدق موسى ، لأن ذلك يستوي فيه الفصيح وذو ~~الفهاهة . فإسناد التصديق إلى هارون مجاز عقلي لأنه سببه ، والمصدقون حقيقة ~~هم الذين يحصل لهم العلم بأن موسى صادق فيما جاء به . # وجملة { إني أخاف أن يكذبون } تعليل لسؤال تأييده بهارون ، فهذه مخافة ~~ثانية من التكذيب ، والأولى مخافة من القتل . PageV20P116 # ( 35 ) . # استجاب الله له دعوتيه وزاده تفضلا بما لم يسأله فاستجابة الدعوة الثانية ~~بقوله { سنشد عضدك بأخيك } ، واستجابة الأولى بقوله { فلا يصلون إليكما } ، ~~والتفضل بقوله { ونجعل لكما سلطانا } ، فأعطى موسى ما يماثل ما لهارون من ~~المقدرة على إقامة الحجة إذ قال { ونجعل لكما سلطانا } . وقد دل على ذلك ما ~~تكلم به موسى عليه السلام من حجج في مجادلة فرعون كما في سورة الشعراء ، ~~وهنا وما خاطب به بني إسرائيل مما حكي في سورة الأعراف . ولم يحك في القرآن ~~أن هارون تكلم بدعوة فرعون على أن موسى سأل الله تعالى أن يحلل عقدة من ~~لسانه كما في سورة طه ، ولا شك أن الله استجاب له . # والشد : الربط ، وشأن العامل بعضو إذا أراد أن يعمل به عملا متعبا للعضو ~~أن يربط عليه لئلا يتفكك أو يعتريه كسر ، وفي ضد ذلك قال تعالى { ولما سقط ~~في أيديهم } ( الأعراف : 149 ) وقولهم : فت في عضده ، وجعل الأخ هنا بمنزلة ~~الرباط الذي يشد به . والمراد : أنه يؤيده بفصاحته ، فتعليقه بالشد ملحق ~~بباب المجاز العقلي . وهذا كله تمثيل لحال إيضاح حجته بحال تقوية من يريد ~~عملا عظيما أن يشد على يده وهو التأييد الذي شاع في معنى الإعانة والإمداد ~~، وإلا فالتأييد أيضا مشتق من اليد . فأصل معنى ( أيد ) جعل يدا ، فهو ~~استعارة لإيجاد الإعانة . # والسلطان هنا مصدر بمعنى التسلط على القلوب والنفوس ، أي مهابة في قلوب ~~الأعداء ms6109 ورعبا منكما كما ألقى على موسى محبة حين التقطه آل فرعون . وتقدم ~~معنى السلطان حقيقة في قوله تعالى { فقد جعلنا لوليه سلطانا } في سورة ~~الإسراء ( 33 ) . # وفرع على جعل السلطان { فلا يصلون إليكما } أي لا يؤذونكما بسوء وهو ~~القتل ونحوه . فالوصول مستعمل مجازا في الإصابة . والمراد : الإصابة بسوء ، ~~بقرينة المقام . # وقوله { بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون } يجوز أن يكون { بآياتنا } ~~متعلقا PageV20P117 بمحذوف دل عليه قوله { إلى فرعون وملائه } ( القصص : 32 ~~) تقديره : اذهبا بآياتنا على نحو ما قدر في قوله تعالى { في تسع آيات إلى ~~فرعون } ( النمل : 12 ) وقوله في سورة النمل بعد قوله { وأدخل يدك في جيبك ~~تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات } ( النمل : 12 ) أي اذهبا في تسع آيات ~~. وقد صرح بذلك في قوله في سورة الشعراء ( 15 ) { قال كلا فاذهبا بآياتنا ~~إنا معكم مستمعون } . # ويجوز أن يتعلق ب { نجعل لكما سلطانا } ، أي سلطانا عليهم بآياتنا حتى ~~تكون رهبتهم منكما آية من آياتنا ، ويجوز أن يتعلق ب { لا يصلون إليكما } ~~أي يصرفون عن أذاكم بآيات منا كقول النبي صلى الله عليه وسلم ( نصرت بالرعب ~~) . ويجوز أن يكون متعلقا بقوله { الغالبون } أي تغلبونهم وتقهرونهم ~~بآياتنا التي نؤيدكما بها . وتقديم المجرور على متعلقه في هذا الوجه ~~للاهتمام بعظمة الآيات التي سيعطيانها . ويجوز أن تكون الباء حرف قسم ~~تأكيدا لهما بأنهما الغالبون وتثبيتا لقلوبهما . # وعلى الوجوه كلها فالآيات تشمل خوارق العادات المشاهدة مثل الآيات التسع ~~، وتشمل المعجزات الخفية كصرف قوم فرعون عن الإقدام على أذاهما مع ما لديهم ~~من القوة وما هم عليه من العداوة بحيث لولا الصرفة من الله لأهلكوا موسى ~~وأخاه . # ومحل العبرة من هذا الجزء من القصة التنبيه إلى أن الرسالة فيض من الله ~~على من اصطفاه من عباده وأن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم كرسالة موسى ~~جاءته بغتة فنودي محمد في غار جبل حراء كما نودي موسى في جانب جبل الطور ، ~~وأنه اعتراه من الخوف مثل ما اعترى موسى ، وأن الله ثبته كما ثبت موسى ms6110 ، ~~وأن الله يكفيه أعداءه كما كفى موسى أعداءه . # ( 36 ) . # طوي ما بين نداء الله إياه وبين حضوره عند فرعون من الأحداث لعدم تعلق ~~العبرة به . وأسند المجيء بالآيات إلى موسى عليه السلام وحده دون هارون ~~لأنه PageV20P118 الرسول الأصلي الذي تأتي المعجزات على يديه بخلاف قوله { ~~فاذهبا بآياتنا } في سورة الشعراء ( 15 ) ، وقوله { بآياتنا أنتما ومن ~~اتبعكما الغالبون } ( القصص : 35 ) إذ جعل تعلق الآيات بضميريها لأن معنى ~~الملابسة معنى متسع فالمصاحب لصاحب الآيات هو ملابس له . # والآيات البينات هي خوارق العادات التي أظهرها ، أي جاءهم بها آية بعد ~~آية في مواقع مختلفة ، قالوا عند كل آية { ما هذا إلا سحر مفترى وما سمعنا ~~بهذا في آبائنا الأولين } . # والمفترى : المكذوب . ومعنى كونها سحرا مكذوبا أنه مكذوب ادعاء أنه من ~~عند الله وإخفاء كونه سحرا . # والإشارة في قوله { وما سمعنا بهذا } إلى ادعاء الرسالة من عند الله لأن ~~ذلك هو الذي يسمع وأما الآيات فلا تسمع . فمرجع اسمي الإشارة مختلف ، أي ما ~~سمعنا من يدعو آباءنا إلى مثل ما تدعو إليه فالكلام على حذف مضاف دل عليه ~~حرف الظرفية ، أي في زمن آبائنا . وقد جعلوا انتفاء بلوغ مثل هذه الدعوة ~~إلى آبائهم حتى تصل إليهم بواسطة آبائهم الأولين ، دليلا على بطلانها وذلك ~~آخر ملجأ يلجأ إليه المحجوج المغلوب حين لا يجد ما يدفع به الحق بدليل ~~مقبول فيفزع إلى مثل هذه التلفيقات والمباهتات . # ( 37 ) . # لما قالوا قولا صريحا في تكذيبه واستظهروا على قولهم بأن ما جاء به موسى ~~شيء من علمه آباؤهم أجاب موسى كلامهم بمثله في تأييد صدقه فإنه يعلمه الله ~~، فما علم آبائهم في جانب علم الله بشيء ، فلما تمسكوا بعلم آبائهم تمسك ~~موسى بعلم الله تعالى ، فقد احتج موسى بنفسه ولم يكل ذلك إلى هارون . # وكان مقتضى الاستعمال أن يحكى كلام موسى بفعل القول غير معطوف بالواو شأن ~~حكاية المحاورات كما قدمناه غير مرة ، فخولف ذلك هنا بمجيء حرف PageV20P119 ~~العطف في قراءة الجمهور غير ابن كثير لأنه قصد هنا التوازن ms6111 بين حجة ملأ ~~فرعون وحجة موسى ، ليظهر للسامع التفاوت بينهما في مصادفة الحق ويتبصر فساد ~~أحدهما وصحة الآخر ، وبضدها تتبين الأشياء ، فلهذا عطفت الجملة جريا على ~~الأصل غير الغالب للتنبيه على أن فيه خصوصية غير المعهودة في مثله فتكون ~~معرفة التفاوت بين المحتجين محالة على النظر في معناهما . وقرأ ابن كثير { ~~قال موسى } بدون واو وهي مرسومة في مصحف أهل مكة بدون واو على أصل حكاية ~~المحاورات وقد حصل من مجموع القراءتين الوفاء بحق الخصوصيتين من مقتضى حالي ~~الحكاية . وعبر عن الله بوصف الربوبية مضافا إلى ضميره للتنصيص على أن الذي ~~يعلم الحق هو الإله الحق لا آلهتهم المزعومة . # ويظهر أن القبط لم يكن في لغتهم اسم على الرب واجب الوجود الحق ولكن ~~أسماء آلهة مزعومة . # وعبر في جانب { من جاء بالهدى } بفعل المضي وفي جانب { من تكون له عاقبة ~~الدار } بالمضارع لأن المجيء بالهدى المحقق والمزعوم أمر قد تحقق ومضى سواء ~~كان الجائي به موسى أم آباؤهم الأولون وعلماؤهم . وأما كيان عاقبة الدار ~~لمن فمرجو لما يظهر بعد . ففي قوله { ربي أعلم بمن جاء بالهدى } إشهاد لله ~~تعالى وكلام منصف ، أي ربي أعلم بتعيين الجائي بالهدى أنحن أم أنتم على نحو ~~قوله تعالى { وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين } ( سبأ : 24 ) . # وفي قوله : { ومن تكون له عاقبة الدار } تفويض إلى ما سيظهر من نصر أحد ~~الفريقين على الآخر وهو تعريض بالوعيد بسوء عاقبتهم . # و { عاقبة الدار } كلمة جرت مجرى المثل في خاتمة الخير بعد المشقة تشبيها ~~لعامل العمل بالسائر المنتجع إذا صادف دار خصب واستقر بها وقال الحمد لله ~~الذي أحلنا دار المقامة من فضله . فأصل عاقبة الدار : الدار العاقبة . ~~فأضيفت الصفة إلى موصوفها . # والعاقبة : هي الحالة العاقبة ، أي التي تعقب ، أي تجيء عقب غيرها ، ~~فيؤذن هذا اللفظ بتبدل حال إلى ما هو خير ، فلذلك لا تطلق إلا على العاقبة ~~المحمودة . وقد PageV20P120 تقدم في سورة الأنعام ( 135 ) قوله { فسوف ~~تعلمون من تكون له عاقبة الدار } وفي ms6112 سورة الرعد ( 22 ) قوله { أولئك لهم ~~عقبى الدار } وقوله { وسيعلم الكافر لمن عقبى الدار } ( الرعد : 42 ) . # وقرأ الجمهور { تكون } بالمثناة الفوقية على أصل تأنيث لفظ { عاقبة الدار ~~} وقرأ حمزة والكسائي بالتحتية على الخيار في فعل الفاعل المجازي التأنيث . # وأيد ذلك كله بجملة { إنه لا يفلح الظالمون } ، دلالة على ثقته بأنه على ~~الحق وذلك يفت من أعضادهم ، ويلقي رعب الشك في النجاة في قلوبهم . وضمير { ~~إنه } ضمير الشأن لأن الجملة بعده ذات معنى له شأن وخطر . # ( 38 ) . # كلام فرعون المحكي هنا واقع في مقام غير مقام المحاورة مع موسى فهو كلام ~~أقبل به على خطاب أهل مجلسه إثر المحاورة مع موسى فلذلك حكي بحرف العطف عطف ~~القصة على القصة . فهذه قصة محاورة بين فرعون وملئه في شأن دعوة موسى فهي ~~حقيقة بحرف العطف كما لا يخفى . # أراد فرعون بخطابه مع ملئه أن يثبتهم على عقيدة إلهيته فقال { ما علمت ~~لكم من إله غيري } إبطالا لقول موسى المحكي في سورة الشعراء ( 26 ) { قال ~~ربكم ورب آبائكم الأولين } وقوله هناك { رب السماوات والأرض وما بينهما إن ~~كنتم موقنين } ( الشعراء : 24 ) . فأظهر لهم فرعون أن دعوة موسى لم ترج ~~عنده وأنه لم يصدق بها فقال { ما علمت لكم من إله غيري } . # والمراد بنفي علمه بذلك نفي وجود إله غيره بطريق الكناية يريهم أنه أحاط ~~علمه بكل شيء حق فلو كان ثمة إله غيره لعلمه . # والمقصود بنفي وجود إله غيره نفي وجود الإله الذي أثبته موسى وهو خالق ~~PageV20P121 الجميع . وأما آلهتهم التي يزعمونها فإنها مما تقتضيه إلهية ~~فرعون لأن فرعون عندهم هو مظهر الآلهة المزعومة عندهم لأنه في اعتقادهم ابن ~~الآلهة وخلاصة سرهم ، وكل الصيد في جوف الفرا . # وحيث قال موسى إن الإله الحق هو رب السموات فقد حسب فرعون أن مملكة هذا ~~الرب السماء تصورا مختلا ففرع على نفي إله غيره وعلى توهم أن الرب المزعوم ~~مقره السماء أن أمر { هامان } وزيره أن يبني له صرحا يبلغ به عنان السماء ~~ليرى الإله الذي زعمه ms6113 موسى حتى إذا لم يجده رجع إلى قومه فأثبت لهم عدم إله ~~في السماء إثبات معاينة ، أراد أن يظهر لقومه في مظهر المتطلب للحق ~~المستقصي للعوالم حتى إذا أخبر قومه بعد ذلك بأن نتيجة بحثه أسفرت عن كذب ~~موسى ازدادوا ثقة ببطلان قول موسى عليه السلام . # وفي هذا الضغث من الجدل السفسطائي مبلغ من الدلالة على سوء انتظام تفكيره ~~وتفكير ملئه ، أو مبلغ تحيله وضعف آراء قومه . # و { هامان } لقب أو اسم لوزير فرعون كما تقدم آنفا . وأراد بقوله { فأوقد ~~لي يا هامان على الطين } أن يأمر { هامان } العملة أن يطبخوا الطين ليكون ~~آجرا ويبنوا به فكني عن البناء بمقدماته وهي إيقاد الأفران لتجفيف الطين ~~المتخذ آجرا . والآجر كانوا يبنون به بيوتهم فكانوا يجعلون قوالب من طين ~~يتصلب إذا طبخ وكانوا يخلطونه بالتبن ليتماسك قبل إدخاله التنور كما ورد ~~وصف صنع الطين في الإصحاح الخامس من سفر الخروج . # وابتدأ بأمره بأول أشغال البناء للدلالة على العناية بالشروع من أول ~~أوقات الأمر لأن ابتداء البناء يتأخر إلى ما بعد إحضار مواده فلذلك أمره ~~بالأخذ في إحضار تلك المواد التي أولها الإيقاد ، أي إشعال التنانير لطبخ ~~الآجر . وعبر عن الآجر بالطين لأنه قوام صنع الآجر وهو طين معروف . وكأنه ~~لم يأمره ببناء من حجر وكلس قصدا للتعجيل بإقامة هذا الصرح المرتفع إذ ليس ~~مطلوبا طول بقائه بإحكام بنائه على مر العصور بل المراد سرعة الوصول إلى ~~ارتفاعه كي يشهده الناس ، ويحصل اليأس ثم ينقض من الأساس . PageV20P122 # وعدل عن التعبير بالآجر ، قال ابن الأثير في ( المثل السائر ) : لأن كلمة ~~الآجر ونحوها كالقرمد والطوب كلمات مبتذلة فذكر بلفظ الطين اه . وأظهر من ~~كلام ابن الأثير : أن العدول إلى الطين لأنه أخف وأفصح . # وإسناد الإيقاد على الطين إلى هامان مجاز عقلي باعتبار أنه الذي يأمر ~~بذلك كما يقولون : بنى السلطان قنطرة وبنى المنصور بغداد . # وتقدم ذكر هامان آنفا وأنه وزير فرعون . وكانت أوامر الملوك في العصور ~~الماضية تصدر بواسطة الوزير فكان الوزير هو المنفذ لأوامر ms6114 الملك بواسطة ~~أعوانه من كتاب وأمراء ووكلاء ونحوهم ، كل فيما يليق به . # والصرح : القصر المرتفع ، وقد تقدم عند قوله تعالى { قيل لها ادخلي الصرح ~~} في سورة النمل ( 44 ) . # ورجا أن يصل بهذا الصرح إلى السماء حيث مقر إله موسى . وهذا من فساد ~~تفكيره إذ حسب أن السماء يوصل إليها بمثل هذا الصرح ما طال بناؤه ، وأن ~~الله مستقر في مكان من السماء . # والاطلاع : الطلوع القوي المتكلف لصعوبته . # وقوله { وإني لأظنه من الكاذبين } استعمل فيه الظن بمعنى القطع فكانت ~~محاولته الوصول إلى السماء لزيادة تحقيق ظنه ، أو لأنه أراد أن يقنع قومه ~~بذلك . ولعله أراد بهذا تمويه الأمر على قومه ليلقي في اعتقادهم أن موسى ~~ادعى أن الله في مكان معين يبلغ إليه ارتفاع صرحه . ثم يجعل عدم العثور على ~~الإله في ذلك الارتفاع دليلا على عدم وجود الإله الذي ادعاه موسى . وكانت ~~عقائد أهل الضلالة قائمة على التخيل الفاسد ، وكانت دلائلها قائمة على ~~تمويه الدجالين من زعمائهم . # وقوله { من الكاذبين } يدل على أنه يعده من الطائفة الذين شأنهم الكذب ~~كما تقدم في قوله تعالى { قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين } ( البقرة : ~~67 ) . # ولم يذكر القرآن أن هذا الصرح بني ، وليس هو أحد الأهرام لأن الأهرام ~~بنيت PageV20P123 من حجارة لا من آجر ، ولأنها جعلت مدافن للذين بنوها من ~~الفراعنة . واختلف المفسرون هل وقع بناء هذا الصرح وتم أو لم يقع ؛ فحكى ~~بعضهم أنه تم وصعد فرعون إلى أعلاه ونزل وزعم أنه قتل رب موسى . وحكى بعضهم ~~أن الصرح سقط قبل إتمام بنائه فأهلك خلقا كثيرا من عملة البناء والجند . ~~وحكى بعضهم أنه لم يشرع في بنائه . وقد لاح لي في معنى الآية وجه آخر ~~سأذكره في سورة المؤمن . # ( 39 ) . # الاستكبار : أشد من الكبر ، أي تكبر تكبرا شديدا إذ طمع في الوصول إلى ~~الرب العظيم وصول الغالب أو القرين . # و { جنوده } : أتباعه . فاستكباره هو الأصل واستكبار جنوده تبع لاستكباره ~~لأنهم يتبعونه ويتلقون ما يمليه عليهم من العقائد . # و { الأرض } يجوز أن ms6115 يراد بها المعهودة ، أي أرض مصر وأن يراد بها الجنس ~~، أي في عالم الأرض لأنهم كانوا يومئذ أعظم أمم الأرض . # وقوله { بغير الحق } حال لازمة لعاملها إذ لا يكون الاستكبار إلا بغير ~~الحق . # وقوله { وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون } معلوم بالفحوى من كفرهم بالله ، ~~وإنما صرح به لأهمية إبطاله فلا يكتفى فيه بدلالة مفهوم الفحوى ، ولأن في ~~التصريح به تعريضا بالمشركين في أنهم وإياهم سواء فليضعوا أنفسهم في أي ~~مقام من مقامات أهل الكفر ، وقد كان أبو جهل يلقب عند المسلمين بفرعون هذه ~~الأمة أخذا من تعريضات القرآن . # ومعنى ذلك : ظنوا أن لا بعث ولا رجوع لأنهم كفروا بالمرجوع إليه . فذكر { ~~إلينا } لحكاية الواقع وليس بقيد فلا يتوهم أنهم أنكروا البعث ولم ينكروا ~~وجود الله مثل المشركين . وتقديم { إلينا } على عامله لأجل الفاصلة . # ويجوز أن يكون المعنى : وظنوا أنهم في منعة من أن يرجعوا في قبضة قدرتنا ~~كما PageV20P124 دل عليه قوله في سورة الشعراء ( 24 ، 25 ) { قال رب ~~السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين قال لمن حوله ألا تستمعون } ~~استعجابا من ذلك . وعلى هذا الاحتمال فالتعريض بالمشركين باق على حاله ~~فإنهم ظنوا أنهم في منعة من الاستئصال فقالوا { اللهم إن كان هذا هو الحق ~~من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء } ( الأنفال : 32 ) . # قرأ نافع وحمزة والكسائي { لا يرجعون } بفتح ياء المضارعة من ( رجع ) . ~~وقرأه الباقون بضمها من ( أرجع ) إذا فعل به الرجوع . # ( 40 ) . # أي ظنوا أنهم لا يرجعون إلينا فعجلنا بهلاكهم فإن ذلك من الرجوع إلى الله ~~لأنه رجوع إلى حكمه وعقابه ، ويعقبه رجوع أرواحهم إلى عقابه ، فلهذا فرع ~~على ظنهم ذلك الإعلام بأنه أخذ وجنوده . وجعل هذا التفريع كالاعتراض بين ~~حكاية أحوالهم . # وجعل في ( الكشاف ) هذا من الكلام الفخم لدلالته على عظمة شأن الله إذ ~~كان قوله { فنبذناهم في اليم } يتضمن استعارة مكنية : شبه هو وجنوده بحصيات ~~أخذهن في كفه فطرحهن في البحر . وإذا حمل الأخذ على حقيقته كان فيه استعارة ~~مكنية أيضا لأنه يستتبع تشبيها بقبضة ms6116 تؤخذ باليد كقوله تعالى { وحملت الأرض ~~والجبال فدكتا دكة واحدة } ( الحاقة : 14 ) وقوله { والأرض جميعا قبضته يوم ~~القيامة } ( الزمر : 67 ) . ويجوز أن يجعل جميع ذلك استعارة تمثيلية كما لا ~~يخفى . # وقوله { فانظر كيف كان عاقبة الظالمين } اعتبار بسوء عاقبتهم لأجل ظلمهم ~~أنفسهم بالكفر وظلمهم الرسول بالاستكبار عن سماع دعوته . وهذا موضع العبرة ~~من سوق هذه القصة ليعتبر بها المشركون فيقيسوا حال دعوة محمد صلى الله عليه ~~وسلم بحال دعوة موسى عليه السلام ويقيسوا حالهم بحال فرعون وقومه ، فيوقنوا ~~بأن ما أصاب فرعون وقومه من عقاب سيصيبهم لا محالة . وهذا من جملة محل ~~العبرة بهذا الجزء من القصة ابتداء من قوله تعالى { فلما جاءهم موسى ~~بآياتنا PageV20P125 بينات } ( القصص : 36 ) ليعتبر الناس بأن شأن أهل ~~الضلالة واحد فإنهم يتلقون دعاة الخير بالإعراض والاستكبار واختلاق ~~المعاذير فكما قال فرعون وقومه { ما هذا إلا سحر مفترى وما سمعنا بهذا في ~~آبائنا الأولين } ( القصص : 36 ) قالت قريش { بل افتراه بل هو شاعر } ( ~~الأنبياء : 5 ) ، وقالوا { ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة } ( ص : 7 ) أي ~~التي أدركناها . # وكما طمع فرعون أن يبلغ إلى الله استكبارا منه في الأرض سأل المشركون { ~~لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا ~~كبيرا } ( الفرقان : 21 ) وظنوا أنهم لا يرجعون إلى الله كما ظن أولئك ~~فيوشك أن يصيبهم من الاستئصال ما أصاب أولئك . # ( 41 ) . # عطف على جملة { واستكبر هو وجنوده } ( القصص : 39 ) أي استكبروا فكانوا ~~ينصرون الضلال ويبثونه ، أي جعلناه وجنوده أيمة للضلالة المفضية إلى النار ~~فكأنهم يدعون إلى النار فكل يدعو بما تصل إليه يده ؛ فدعوة فرعون أمره ، ~~ودعوة كهنته باختراع قواعد الضلالة وأوهامها ، ودعوة جنوده بتنفيذ ذلك ~~والانتصار له . # والأيمة : جمع إمام وهو من يقتدى به في عمل من خير أو شر قال تعالى { ~~وجعلناهم أيمة يهدون بأمرنا } ( الأنبياء : 73 ) . ومعنى جعلهم أيمة يدعون ~~إلى النار : خلق نفوسهم منصرفة إلى الشر ومعرضة عن الإصغاء للرشد وكان ~~وجودهم بين ناس ذلك شأنهم . فالجعل جعل تكويني ms6117 بجعل أسباب ذلك ، والله بعث ~~إليهم الرسل لإرشادهم فلم ينفع ذلك فلذلك أصروا على الكفر . # والدعاء إلى النار هو الدعاء إلى العمل الذي يوقع في النار فهي دعوة إلى ~~النار بالمآل . وإذا كانوا يدعون إلى النار فهم من أهل النار بالأحرى فلذلك ~~قال { ويوم القيامة لا ينصرون } أي لا يجدون من ينصرهم فيدفع عنهم عذاب ~~النار . ومناسبة عطف { ويوم القيامة لا ينصرون } هي أن الدعاء يقتضي جندا ~~وأتباعا يعتزون بهم في الدنيا ولكنهم لا يجدون عنهم يوم القيامة { وقال ~~الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا } ( البقرة : 167 ) ~~. PageV20P126 # ( 42 ) . # إتباعهم باللعنة في الدنيا جعل اللعنة ملازمة لهم في علم الله تعالى ؛ ~~فقدر لهم هلاكا لا رحمة فيه ، فعبر عن تلك الملازمة بالاتباع على وجه ~~الاستعارة لأن التابع لا يفارق متبوعه ، وكانت تلك عاقبة تلك اللعنة ~~إلقاءهم في اليم . ويجوز أن يراد باللعنة لعن الناس إياهم ، يعني أن أهل ~~الإيمان يلعنونهم . # وجزاؤهم يوم القيامة أنهم { من المقبوحين } ، والمقبوح المشتوم بكلمة ( ~~قبح ) ، أي قبحه الله أو الناس ، أي جعله قبيحا بين الناس في أعماله أي ~~مذموما ، يقال : قبحه بتخفيف الباء فهو مقبوح كما في هذه الآية ويقال : ~~قبحه بتشديد الباء إذا نسبه إلى القبيح فهو مقبح ، كما في حديث أم زرع مما ~~قالت العاشرة : ( فعنده أقول فلا أقبح ) أي فلا يجعل قولي قبيحا عنده غير ~~مرضي . # والإشارة إلى الدنيا ب { هذه } لتهوين أمر الدنيا بالنسبة للآخرة . # والتخالف بين صيغتي قوله { وأتبعناهم } وقوله { هم من المقبوحين } ، لأن ~~اللعنة في الدنيا قد انتهى أمرها بإغراقهم ، أو لأن لعن المؤمنين إياهم في ~~الدنيا يكون في أحيان يذكرونهم ، فكلا الاحتمالين لا يقتضي الدوام فجيء معه ~~بالجملة الفعلية . وأما تقبيح حالهم يوم القيامة فهو دائم معهم ملازم لهم ~~فجيء في جانبه بالاسمية المقتضية الدوام والثبات . # وضمير { هم } في قوله { هم من المقبوحين } ليس ضمير فصل ولكنه ضمير مبتدأ ~~وبه كانت الجملة اسمية دالة على ثبات التقبيح لهم يوم القيامة . # ( 43 ) . # المقصود من الآيات ms6118 السابقة ابتداء من قوله { فلما آتاها نودي } ( القصص : ~~30 ) إلى هنا الاعتبار بعاقبة المكذبين القائلين { ما سمعنا بهذا في آبائنا ~~الأولين } ( القصص : 36 ) ليقاس النظير PageV20P127 على النظير ، فقد كان ~~المشركون يقولون مثل ذلك يريدون إفحام الرسول عليه الصلاة والسلام بأنه لو ~~كان الله أرسله حقا لكان أرسل إلى الأجيال من قبله ، ولما كان الله يترك ~~الأجيال التي قبلهم بدون رسالة رسول ثم يرسل إلى الجيل الأخير ، فكان قوله ~~{ ولقد آتينا موسى الكتاب من بعدما أهلكنا القرون الأولى } إتماما لتنظير ~~رسالة محمد صلى الله عليه وسلم برسالة موسى عليه السلام في أنها جاءت بعد ~~فترة طويلة لا رسالة فيها ، مع الإشارة إلى أن سبق إرسال الرسل إلى الأمم ~~شيء واقع بشهادة التواتر ، وأنه قد ترتب على تكذيب الأمم رسلهم إهلاك ~~القرون الأولى فلم يكن ذلك موجبا لاستمرار إرسال الرسل متعاقبين بل كانوا ~~يجيئون في أزمنة متفرقة ؛ فإذا كان المشركون يحاولون بقولهم { ما سمعنا ~~بهذا في آبائنا الأولين } ( القصص : 36 ) إبطال رسالة محمد صلى الله عليه ~~وسلم بعلة تأخر زمانها سفسطة ووهما فإن دليلهم مقدوح فيه بقادح القلب بأن ~~الرسل قد جاءوا إلى الأمم من قبل ثم جاء موسى بعد فترة من الرسل . وقد كان ~~المشركون لما بهرهم أمر الإسلام لاذوا باليهود يسترشدونهم في طرق المجادلة ~~الدينية فكان المشركون يخلطون ما يلقنهم اليهود من المغالطات بما استقر في ~~نفوسهم من تضليل أيمة الشرك فيأتون بكلام يلعن بعضه بعضا ، فمرة يقولون { ~~ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين } ( القصص : 36 ) وهو من مجادلات الأميين ~~، ومرة يقولون { لولا أوتي مثل ما أوتي موسى } ( القصص : 48 ) وهو من تلقين ~~اليهود ، ومرة يقولون { ما أنزل الله على بشر من شيء } ( الأنعام : 91 ) ، ~~فكان القرآن يدمغ باطلهم بحجة الحق بإلزامهم تناقض مقالاتهم . وهذه الآية ~~من ذلك فهي حجة بتنظير رسالة محمد برسالة موسى عليهما الصلاة والسلام ~~والمقصود منها ذكر القرون الأولى . # وأما ذكر إهلاكهم فهو إدماج للنذارة في ضمن الاستدلال . وجملة { ولقد ~~آتينا موسى الكتاب من بعد ما ms6119 أهلكنا القرون الأولى } تخلص من قصة بعثة موسى ~~عليه السلام إلى تأييد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم والمقصود قوله ( من ~~بعد القرون الأولى ) . # ثم إن القرآن أعرض عن بيان حكمة الفتر التي تسبق إرسال الرسل ، واقتصر ~~على بيان الحكمة في الإرسال عقبها لأنه المهم في مقام نقض حجة المبطلين ~~PageV20P128 للرسالة أو اكتفاء بأن ذلك أمر واقع لا يستطاع إنكاره وهو ~~المقصود هنا ، وأما حكمة الفصل بالفتر فشيء فوق مراتب عقولهم . فأشار بقوله ~~{ بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون } إلى بيان حكمة الإرسال عقب ~~الفترة . وأشار بقوله { من بعد ما أهلكنا القرون الأولى } إلى الأمم التي ~~استأصلها الله لتكذيبها رسل الله . # فتأكيد الجملة بلام القسم وحرف التحقيق لتنزيل المخاطبين منزلة المنكرين ~~لوقوع ذلك حتى يحتاج معهم إلى التأكيد بالقسم ، فموقع التأكيد هو قوله { من ~~بعد ما أهلكنا القرون الأولى } . # و { الكتاب } : التوراة التي خاطب الله بها موسى عليه السلام . والبصائر ~~: جمع بصيرة ، وهي إدراك العقل . سمي بصيرة اشتقاقا من بصر العين ، وجعل ~~الكتاب بصائر باعتبار عدة دلائله وكثرة بيناته ، كما في الآية الأخرى قال { ~~لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر } ( الإسراء : 102 ) . # و { القرون الأولى } : قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط . والقرن : الأمة ، ~~قال تعالى { كم أهلكنا من قبلهم من قرن } ( الأنعام : 6 ) . وفي الحديث ( ~~خير القرون قرني ) . # والناس هم الذين أرسل إليهم موسى من بني إسرائيل وقوم فرعون ، ولمن يريد ~~أن يهتدي بهديه مثل الذين تهودوا من عرب اليمن ، و { هدى ورحمة } لهم ، ~~ولمن يقتبس منهم قال تعالى { إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور } ( المائدة ~~: 44 ) . ومن جملة ما تشتمل عليه التوراة تحذيرها من عبادة الأصنام . # وضمير { لعلهم يتذكرون } عائد إلى الناس الذين خوطبوا بالتوراة ، أي ~~فكذلك إرسال محمد لكم هدى ورحمة لعلكم تتذكرون . # ( 44 ) . # لما بطلت شبهتهم التي حاولوا بها إحالة رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ~~نقل الكلام إلى إثبات رسالته بالحجة الدامغة ؛ وذلك بما أعلمه الله به من ~~أخبار رسالة PageV20P129 موسى مما ms6120 لا قبل له بعلمه لولا أن ذلك وحي إليه من ~~الله تعالى . فهذا تخلص من الاعتبار بدلالة الالتزام في قصة موسى إلى ~~الصريح من إثبات نبوءة محمد صلى الله عليه وسلم # وجيء في الاستدلال بطريقة المذهب الكلامي حيث بني الاستدلال على انتفاء ~~كون النبي عليه الصلاة والسلام موجودا في المكان الذي قضى الله فيه أمر ~~الوحي إلى موسى ، لينتقل منه إلى أن مثله ما كان يعمل ذلك إلا عن مشاهدة ~~لأن طريق العلم بغير المشاهدة له مفقود منه ومن قومه إذ لم يكونوا أهل ~~معرفة بأخبار الرسل كما كان أهل الكتاب ، فلما انتفى طريق العلم المتعارف ~~لأمثاله تعين أن طريق علمه هو إخبار الله تعالى إياه بخبر موسى . # ولما كان قوله { وما كنت بجانب الغربي } نفيا لوجوده هناك وحضوره تعين أن ~~المراد من الشاهدين أهل الشهادة ، أي الخبر اليقين ، وهم علماء بني إسرائيل ~~لأنهم الذين أشهدهم الله على التوراة وما فيها ، ألا ترى أنه ذمهم بكتمهم ~~بعض ما تتضمنه التوراة من البشارة بالنبي صلى الله عليه وسلم بقوله { ومن ~~أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله } ( البقرة : 140 ) . والمعنى ما كنت من ~~أهل ذلك الزمن ولا ممن تلقى أخبار ذلك بالخبر اليقين المتواتر من كتبهم ~~يومئذ فتعين أن طريق علمك بذلك وحي الله تعالى . # والأمر المقضي : هو أمر النبوءة لموسى إذ تلقاها موسى . # وقوله { بجانب الغربي } هو من إضافة الموصوف إلى صفته ، وأصله بالجانب ~~الغربي ، وهو كثير في الكلام العربي وإن أنكره نحاة البصرة وأكثروا من ~~التأويل ، والحق جوازه . # والجانب الغربي هو الذي ذكر آنفا بوصف { شاطىء الواد الأيمن } ( القصص : ~~30 ) أي على بيت القبلة . # ( 45 ) . # . # خفي اتصال هذا الاستدراك بالكلام الذي قبله وكيف يكون استدراكا وتعقيبا ~~للكلام الأول برفع ما يتوهم ثبوته . PageV20P130 # فبيانه أن قوله { ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى ~~} ( القصص : 43 ) مسوق مساق إبطال تعجب المشركين من رسالة محمد صلى الله ~~عليه وسلم حين لم يسبقها رسالة رسول إلى آبائهم الأولين ، كما علمت ms6121 مما ~~تقدم آنفا ، فذكرهم بأن الله أرسل موسى كذلك بعد فترة عظيمة ، وأن الذين ~~أرسل إليهم موسى أثاروا مثل هذه الشبهة فقالوا { ما سمعنا بهذا في آبائنا ~~الأولين } ( القصص : 36 ) فكما كانت رسالة موسى عليه السلام بعد فترة من ~~الرسل كذلك كانت رسالة محمد صلى الله عليه وسلم فالمعنى : فكان المشركون ~~حقيقين بأن ينظروا رسالة محمد برسالة موسى ولكن الله أنشأ قرونا أي أمما ~~بين زمن موسى وزمنهم فتطاول الزمن فنسي المشركون رسالة موسى فقالوا { ما ~~سمعنا بهذا في الملة الآخرة } ( ص : 7 ) . وحذف بقية الدليل وهو تقدير : ~~فنسوا ، للإيجاز لظهوره من قوله { فتطاول عليهم العمر } كما قال تعالى عن ~~اليهود حين صاروا يحرفون الكلم عن مواضعه { ونسوا حظا مما ذكروا به } ( ~~المائدة : 13 ) ، وقال عن النصارى { أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به ~~} ( المائدة : 14 ) وقال لأمة محمد صلى الله عليه وسلم { ولا تكونوا كالذين ~~أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم } ( الحديد : 16 ) ، ~~فضمير الجمع في قوله { عليهم } عائد إلى المشركين لا إلى القرون . # فتبين أن الاستدراك متصل بقوله { ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما ~~أهلكنا القرون الأولى } ( القصص : 43 ) وأن ما بين ذلك وبين هذا استطراد . ~~وهذا أحسن في بيان اتصال الاستدراك مما احتفل به صاحب ( الكشاف ) . ولله ~~دره في استشعاره ، وشكر الله مبلغ جهده . وهو بهذا مخالف لموقع الاستدراكين ~~الآتيين بعده من قوله { ولكنا كنا مرسلين } وقوله { ولكن رحمة من ربك } ( ~~القصص : 46 ) . و { العمر } الأمد كقوله { فقد لبثت فيكم عمرا من قبله } ( ~~يونس : 16 ) . # . # هذا تكرير للدليل بمثل آخر مثل ما في قوله { وما كنت بجانب الغربي } ( ~~القصص : 44 ) أي ما كنت مع موسى في وقت التكليم ولا كنت في أهل مدين إذ ~~جاءهم موسى وحدث بينه وبين شعيب ما قصصنا عليك . PageV20P131 # والثواء : الإقامة . # وضمير { عليهم } عائد إلى المشركين من أهل مكة لا إلى أهل مدين لأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم يتلو آيات الله على المشركين . # والمراد بالآيات ، الآيات المتضمنة قصة ms6122 موسى في أهل مدين من قوله { ولما ~~توجه تلقاء مدين } إلى قوله { فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله } ( القصص : ~~22 29 ) . وبمثل هذا المعنى قال مقاتل وهو الذي يستقيم به نظم الكلام ، ولو ~~جعل الضمير عائدا إلى أهل مدين لكان أن يقال : تشهد فيهم آياتنا . # وجملة { تتلو عليهم آياتنا } على حسب تفسير مقاتل في موضع الحال من ضمير ~~{ كنت } وهي حال مقدرة لاختلاف زمنها مع زمن عاملها كما هو ظاهر . والمعنى ~~: ما كنت مقيما في أهل مدين كما يقيم المسافرون فإذا قفلوا من أسفارهم ~~أخذوا يحدثون قومهم بما شاهدوا في البلاد الأخرى . # والاستدراك في قوله { ولكنا كنا مرسلين } ظاهر ، أي ما كنت حاضرا في أهل ~~مدين فتعلم خبر موسى عن معاينة ولكنا كنا مرسلينك بوحينا فعلمناك ما لم تكن ~~تعلمه أنت ولا قومك من قبل هذا . # وعدل عن أن يقال : ولكنا أوحينا بذلك ، إلى قوله { ولكنا كنا مرسلين } ~~لأن المقصد الأهم هو إثبات وقوع الرسالة من الله للرد على المشركين في ~~قولهم وقول أمثالهم { ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين } ( القصص : 36 ) ~~وتعلم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم بدلالة الالتزام مع ما يأتي من قوله { ~~ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما } ( القصص : 46 ) الآية فالاحتجاج والتحدي في ~~هذه الآية والآية التي قبلها تحد بما علمه النبي عليه الصلاة والسلام من ~~خبر القصة الماضية . # ( 46 ) . # جانب الطور : هو الجانب الغربي ، وهو الجانب الأيمن المتقدم وصفه بذينك ~~PageV20P132 الوصفين ، فعري عن الوصف هنا لأنه صار معروفا ، وقيد الكون ~~المنفي بظرف { نادينا } أي بزمن ندائنا . # وحذف مفعول النداء لظهور أنه نداء موسى من قبل الله تعالى وهو النداء ~~لميقات أربعين ليلة وإنزال ألواح التوراة عقب تلك المناجاة كما حكي في ~~الأعراف وكان ذلك في جانب الطور إذ كان بنو إسرائيل حول الطور كما قال ~~تعالى { يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم وواعدناكم جانب الطور الأيمن ~~} ( طه : 80 ) وهو نفس المكان الذي نودي فيه موسى للمرة الأولى في رجوعه من ~~ديار مدين كما ms6123 تقدم ، فالنداء الذي في قوله هنا { إذ نادينا } غير النداء ~~الذي في قوله { فلما أتاها نودي من شاطىء الواد الأيمن } إلى قوله { أن يا ~~موسى إني أنا الله } ( القصص : 30 ) الآية لئلا يكون تكرارا مع قوله : { ~~وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر } ( القصص : 44 ) . وهذا ~~الاحتجاج بما علمه النبي صلى الله عليه وسلم من خبر استدعاء موسى عليه ~~السلام للمناجاة . وتلك القصة لم تذكر في هذه السورة وإنما ذكرت في سورة ~~أخرى مثل سورة الأعراف . # وقوله { ولكن رحمة من ربك } كلمة { لكن } بسكون النون هنا باتفاق القراء ~~فهي حرف لا عمل له فليس حرف عطف لفقدان شرطيه : تقدم النفي أو النهي ، وعدم ~~الوقوع بعد واو عطف . وعليه فحرف { لكن } هنا لمجرد الاستدراك لا عمل له ~~وهو معترض . والواو التي قبل { لكن } اعتراضية . # والاستدراك في قوله { ولكن رحمة من ربك } ناشىء عن دلالة قوله { وما كنت ~~بجانب الطور } على معنى : ما كان علمك بذلك لحضورك ، ولكن كان علمك رحمة من ~~ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك . # فانتصاب { رحمة } مؤذن بأنه معمول لعامل نصب مأخوذ من سياق الكلام : إما ~~على تقدير كون محذوف يدل عليه نفي الكون في قوله { وما كنت بجانب الطور } ، ~~والتقدير : ولكن كان علمك رحمة منا ؛ وإما على المفعول المطلق الآتي بدلا ~~من فعله ، والتقدير : ولكن رحمناك رحمة بأن علمناك ذلك بالوحي رحمة ، ~~بقرينة قوله { لتنذر قوما } . PageV20P133 # ويجوز أن يكون { رحمة } منصوبا على المفعول لأجله معمولا لفعل { لتنذر } ~~فيكون فعل { لتنذر } متعلقا بكون محذوف هو مصب الاستدراك . وفي هذه ~~التقادير توفير معان وذلك من بليغ الإيجاز . وعدل عن : رحمة منا ، إلى { ~~رحمة من ربك } بالإظهار في مقام الإضمار لما يشعر به معنى الرب المضاف إلى ~~ضمير المخاطب من العناية به عناية الرب بالمربوب . # ويتعلق { لتنذر قوما } بما دل عليه مصدر { رحمة } على الوجوه المتقدمة . ~~واللام للتعليل . والقوم : قريش والعرب ، فهم المخاطبون ابتداء بالدين ~~وكلهم لم يأتهم نذير قبل محمد صلى الله عليه وسلم ms6124 وأما إبراهيم واسماعيل ~~عليهما السلام فكانا نذيرين حين لم تكن قبيلة قريش موجودة يومئذ ولا قبائل ~~العرب العدنانية ، وأما القحطانية فلم يرسل إليهم إبراهيم لأن اشتقاق نسب ~~قريش كان من عدنان وعدنان بينه وبين إسماعيل قرون كثيرة . # وإنما اقتصر على قريش أو على العرب دون سائر الأمم التي بعث إليها النبي ~~صلى الله عليه وسلم لأن المنة عليهم أوفى إذ لم تسبق لهم شريعة من قبل فكان ~~نظامهم مختلا غير مشوب بإثارة من شريعة معصومة ، فكانوا في ضرورة إلى إرسال ~~نذير ، وللتعريض بكفرانهم هذه النعمة ، وليس في الكلام ما يقتضي تخصيص ~~النذارة بهم ولا ما يقتضي أن غيرهم ممن أنذرهم محمد صلى الله عليه وسلم لم ~~يأتهم نذير من قبله مثل اليهود والنصارى وأهل مدين . # وفي قوله { لتنذر } مع قوله { ما أتاهم من نذير } إشارة إلى أنهم بلغوا ~~بالكفر حدا لا يتجاوزه حلم الله تعالى . # والتذكر : هو النظر العقلي في الأسباب التي دعت إلى حكمة إنذارهم وهي ~~تناهي ضلالهم فوق جميع الأمم الضالة إذ جمعوا إلى الإشراك مفاسد جمة من قتل ~~النفوس ، وارتزاق بالغارات وبالمقامرة ، واختلاط الأنساب ، وانتهاك الأعراض ~~. فوجب تذكيرهم بما فيه صلاح حالهم . # وتقدم آنفا نظير قوله { لعلهم يتذكرون } . PageV20P134 # ( 47 ) . # هذا متصل بقوله { لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون } ( ~~القصص : 46 ) ، لأن الإنذار يكون بين يدي عذاب . # و { لولا } الأولى حرف امتناع لوجود ، أي انتفاء جوابها لأجل وجود شرطها ~~وهو حرف يلزم الابتداء فالواقع بعده مبتدأ والخبر عن المبتدأ الواقع بعد { ~~لولا } واجب الحذف وهو مقدر بكون عام . والمبتدأ هنا هو المصدر المنسبك من ~~{ أن } وفعل { تصيبهم } والتقدير : لولا إصابتهم بمصيبة ، وقد عقب الفعل ~~المسبوك بمصدر بفعل آخر وهو { فيقولوا } ، فوجب أن يدخل هذا الفعل المعطوف ~~في الانسباك بمصدر ، وهو معطوف بفاء التعقيب . فهذا المعطوف هو المقصود مثل ~~قوله تعالى { أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى } ( البقرة : 282 ) ~~فالمقصود هو ( أن تذكر إحداهما الأخرى ) . # وإنما حيك نظم الكلام على هذا المنوال ولم يقل : ولولا ms6125 أن يقولوا ربنا ~~الخ حين تصيبهم مصيبة إلى آخره ، لنكتة الاهتمام بالتحذير من إصابة المصيبة ~~فوضعت في موضع المبتدأ دون موضع الظرف لتساوي المبتدأ المقصود من جملة شرط ~~{ لولا } فيصبح هو وظرفه عمدتين في الكلام ، فالتقدير هنا : ولولا إصابتهم ~~بمصيبة يعقبها قولهم { ربنا لولا أرسلت } الخ لما عبأنا بإرسالك إليهم ~~لأنهم أهل عناد وتصميم على الكفر . # فجواب { لولا } محذوف دل عليه ما تقدم من قوله { وما كنت بجانب الغربي } ~~إلى قوله { لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك } ( القصص : 44 46 ) ، أي ~~ولكنا أعذرنا إليهم بإرسالك لنقطع معذرتهم . وجواب { لولا } محذوف دل عليه ~~الكلام السابق ، أي لولا الرحمة بهم بتذكيرهم وإنذارهم لكانوا مستحقين حلول ~~المصيبة بهم . # و { لولا } الثانية حرف تحضيض ، أي هلا أرسلت إلينا قبل أن تأخذنا بعذاب ~~فتصلح أحوالنا وأنت غني عن عذابنا . وانتصب { فنتبع } ( بأن ) مضمرة وجوبا ~~في جواب التحضيض . PageV20P135 # وضمير { تصيبهم } عائد إلى القوم الذين لم يأتهم نذير من قبل . والمراد { ~~بما قدمت أيديهم } ما سلف من الشرك . # والمصيبة : ما يصيب الإنسان ، أي يحل به من الأحوال ، وغلب اختصاصها بما ~~يحل بالمرء من العقوبة والأذى . # والباء في { بما قدمت أيديهم } للسببية ، أي عقوبة كان سببها ما سبق على ~~أعمالهم السيئة . والمراد بها هنا عذاب الدنيا بالاستئصال ونحوه ، وتقدم ~~عند قوله تعالى { فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم } في سورة النساء ~~( 62 ) . وهي ما يجترجونه من الأعمال الفاحشة . # و ( ما قدمت أيديهم ) ما اعتقدوه من الإشراك وما عملوه من آثار الشرك . # والأيدي مستعار للعقول المكتسبة لعقائد الكفر . فشبه الإعتقاد القلبي ~~بفعل اليد تشبيه معقول بمحسوس . # وهذه الآية تقتضي أن المشركين يستحقون العقاب بالمصائب في الدنيا ولو لم ~~يأتهم رسول لأن أدلة وحدانية الله مستقرة في الفطرة ومع ذلك فإن رحمة الله ~~أدركتهم فلم يصبهم بالمصائب حتى أرسل إليهم رسولا . # ومعنى الآية على أصول الأشعري وما بينه أصحاب طريقته مثل القشيري وأبي ~~بكر ابن العربي : أن ذنب الإشراك لا عذر فيه لصاحبه لأن توحيد الله قد ms6126 دعي ~~إليه الأنبياء والرسل من عهد آدم بحيث لا يعذر بجهله عاقل فإن الله قد وضعه ~~في الفطرة إذ أخذ عهده به على ذرية آدم كما أشار إليه قوله تعالى { وإذ أخذ ~~ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى ~~كما بيناه في سورة الأعراف } ( 172 ) . # ولكن الله يرأف بعباده إذا طالت السنون وانقرضت القرون وصار الناس مظنة ~~الغفلة فيتعهدهم ببعثة الرسل للتذكير بما في الفطرة وليشرعوا لهم ما به ~~صلاح الأمة . # فالمشركون الذين انقرضوا قبل البعثة المحمدية مؤاخذون بشركهم ومعاقبون ~~عليه في الآخرة ولو شاء الله لعاقبهم عليه بالدنيا بالاستئصال ولكن الله ~~أمهلهم ، PageV20P136 والمشركون الذين جارتهم الرسل ولم يصدقوهم مستحقون ~~عذاب الدنيا زيادة على عذاب الآخرة ، قال تعالى { ولنذيقنهم من العذاب ~~الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون } ( السجدة : 21 ) . # وأما الفرق الذين يعدون دليل توحيد الله بالإلهية عقليا مثل الماتريدية ~~والمعتزلة فمعنى الآية على ظاهره ، وهو قول ليس ببعيد . # ( 48 ) . # الفاء فصيحة كالفاء في قول عباس بن الأحنف : # قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا # ثم القفول فقد جئنا خراسانا # وتقدير الكلام : فإن كان من معذرتهم أن يقولوا ذلك فقد أرسلنا إليهم ~~رسولا بالحق فلما جاءهم الحق لفقوا المعاذير وقالوا : لا نؤمن به حتى نؤتى ~~مثل ما أوتي موسى . # و { الحق } : هو ما في القرآن من الهدى . # وإثبات المجيء إليه استعارة بتشبيه الحق بشخص وتشبيه سماعه بمجيء الشخص ، ~~أو هو مجاز عقلي وإنما الجائي الرسول الذي يبلغه عن الله ، فعبر عنه بالحق ~~لإدماج الثناء عليه في ضمن الكلام . # ولما بهرتهم آيات الرسول صلى الله عليه وسلم لم يجدوا من المعاذير إلا ما ~~لقنهم اليهود وهو أن يقولوا : { لولا أوتي مثل ما أوتي موسى } ، أي بأن ~~تكون آياته مثل آيات موسى التي يقصها عليهم اليهود وقص بعضها القرآن . # وضمير { يكفروا } عائد إلى القوم من قوله { لتنذر قوما } ( القصص : 46 ) ~~لتتناسق الضمائر من قوله { ولولا أن تصيبهم } ( القصص : 47 ) وما بعده من ~~الضمائر أمثاله . # فيشكل عليه ms6127 أن الذين كفروا بما أوتي موسى هو قوم فرعون دون مشركي العرب ~~PageV20P137 فقال بعض المفسرين هذا من إلزام المماثل بفعل مثيله لأن ~~الإشراك يجمع الفريقين فتكون أصول تفكيرهم واحدة ويتحد بهتانهم ، فإن القبط ~~أقدم منهم في دين الشرك فهم أصولهم فيه والفرع يتبع أصله ويقول بقوله ، كما ~~قال تعالى { كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون ~~أتواصوا به بل هم قوم طاغون } ( الذاريات : 52 ، 53 ) أي متماثلون في سبب ~~الكفر والطغيان فلا يحتاج بعضهم إلى وصية بعض بأصول الكفر . وهذا مثل قوله ~~تعالى { غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون } ( الروم : 2 ~~3 ) ثم قال { ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله } ( الروم : 4 5 ) أي بنصر ~~الله إياهم إذ نصر المماثلين في كونهم غير مشركين إذ كان الروم يومئذ على ~~دين المسيح . # فقولهم { لولا أوتي مثل ما أوتي موسى } من باب التسليم الجدلي ، أو من ~~اضطرابهم في كفرهم فمرة يكونون معطلين ومرة يكونون مشترطين . والوجه أن ~~المشركين كانوا يجحدون رسالة الرسل قاطبة . وكذلك حكاية قولهم { ساحران ~~تظاهرا } من قول مشركي مكة في موسى وهارون لما سمعوا قصتهما أو في موسى ~~ومحمد عليهما الصلاة والسلام . وهو الأظهر وهو الذي يلتئم مع قوله بعده { ~~وقالوا إنا بكل كافرون قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما } ( القصص ~~: 48 49 ) . # وقرأ الجمهور { ساحران } تثنية ساحر . وقرأ عاصم وحمزة والكسائي وخلف { ~~قالوا سحران } على أنه من الإخبار بالمصدر للمبالغة ، أي قالوا : هما ذوا ~~سحر . # والتظاهر : التعاون . # والتنوين في { بكل } تنوين عوض عن المضاف إليه فيقدر المضاف إليه بحسب ~~الاحتمالين إما بكل من الساحرين ، وإما أن يقدر بكل من ادعى رسالة وهو أنسب ~~بقول قريش لأنهم قالوا { ما أنزل الله على بشر من شيء } ( الأنعام : 91 ) . ~~PageV20P138 # ( 49 50 ) . # أي أجب كلامهم المحكي من قولهم { ساحران } ( القصص : 48 ) وقولهم { إنا ~~بكل كافرون } ( القصص : 48 ) . # ووصف ( كتاب ) ب { من عند الله } إدماج لمدح القرآن والتوراة بأنهما ~~كتابان من ms6128 عند الله . والمراد بالتوراة ما تشتمل عليه الأسفار الأربعة ~~المنسوبة إلى موسى من كلام الله إلى موسى أو من إسناد موسى أمرا إلى الله ~~لا كل ما اشتملت عليه تلك الأسفار فإن فيها قصصا وحوادث ما هي من كلام الله ~~. فيقال للمصحف هو كلام الله بالتحقيق ولا يقال لأسفار العهدين كلام الله ~~إلا على التغليب إذ لم يدع ذلك المرسلان بكتابي العهد . وقد تحداهم القرآن ~~في هذه الآية بما يشتمل عليه القرآن من الهدى ببلاغة نظمه . وهذا دليل على ~~أن مما يشتمل عليه من العلم والحقائق هو من طرق إعجازه كما قدمناه في ~~المقدمة العاشرة . # فمعنى { فإن لم يستجيبوا لك } إن لم يستجيبوا لدعوتك ، أي إلى الدين بعد ~~قيام الحجة عليهم بهذا التحدي ، فاعلم أن استمرارهم على الكفر بعد ذلك ما ~~هو إلا اتباع للهوى ولا شبهة لهم في دينهم . # ويجوز أن يراد بعدم الاستجابة عدم الإتيان بكتاب أهدى من القرآن لأن فعل ~~الاستحابة يقتضي دعاء ولا دعاء في قوله { فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى ~~منهما } بل هو تعجيز ، فالتقدير : فإن عجزوا ولم يستجيبوا لدعوتك بعد العجز ~~فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ، أي لا غير . واعلم أن فعل الاستجابة بزيادة ~~السين والتاء يتعدى إلى الدعاء بنفسه ويتعدى إلى الداعي باللام ، وحينئذ ~~يحذف لفظ الدعاء غالبا فقلما قيل : استجاب الله له دعاءه ، بل يقتصر على : ~~استجاب الله له ، فإذا قالوا : دعاه فاستجابه كان المعنى فاستجاب دعاءه . ~~وهذا كقوله { فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله } في سورة ~~هود ( 14 ) . PageV20P139 # و { أنما } المفتوحة الهمزة تفيد الحصر مثل ( إنما ) المكسورة الهمزة لأن ~~المفتوحة الهمزة فرع عن المكسورتها لفظا ومعنى فلا محيص من إفادتها مفادها ~~، فالتقدير فاعلم أنهم ما يتبعون إلا أهواءهم . وجيء بحرف ( إن ) الغالب في ~~الشرط المشكوك على طريقة التهكم أو لأنها الحرف الأصلي . وإقحام فعل { ~~فاعلم } للاهتمام بالخبر الذي بعده كما تقدم في قوله تعالى { واعلموا أن ~~الله يحول بين المرء وقلبه } في سورة الأنفال ( 24 ) . # وقوله { أتبعه ms6129 } جواب { فأتوا } أي إن تأتوا به أتبعه ، وهو مبالغة في ~~التعجيز لأنه إذا وعدهم بأن يتبع ما يأتون به فهو يتبعهم أنفسهم وذلك مما ~~يوفر دواعيهم على محاولة الإتيان بكتاب أهدى من كتابه لو استطاعوه فإن لم ~~يفعلوا فقد حق عليهم الحق ووجبت عليهم المغلوبية فكان ذلك أدل على عجزهم ~~وأثبت في إعجاز القرآن . # وهذا من التعليق على ما تحقق عدم وقوعه ، فالمعلق حينئذ ممتنع الوقوع ~~كقوله { قل إن كان للرحمان ولد فأنا أول العابدين } ( الزخرف : 81 ) . ~~ولكونه ممتنع الوقوع أمر الله رسوله أن يقوله . وقد فهم من قوله { فإن لم ~~يستجيبوا } ومن إقحام { فاعلم } أنهم لا يأتون بذلك البتة وهذا من الإعجاز ~~بالإخبار عن الغيب . # وجاء في آخر الكلام تذييل عجيب وهو أنه لا أحد أشد ضلالا من أحد اتبع ~~هواه المنافي لهدى الله . # و { من } اسم استفهام عن ذات مبهمة وهو استفهام الإنكار فأفاد الانتفاء ~~فصار معنى الاسمية الذي فيه في معنى نكرة في سياق النفي أفادت العموم فشمل ~~هؤلاء الذين اتبعوا أهواءهم وغيرهم . وبهذا العموم صار تذييلا وهو كقوله ~~تعالى { ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله } في سورة البقرة ( 140 ) . # وأطلق الاتباع على العمل بما تمليه إرادة المرء الناشئة عن ميله إلى ~~المفاسد والأضرار تشبيها للعمل بالمشي وراء السائر ، وفيه تشبيه الهوى ~~بسائر ، والهوى مصدر لمعنى المفعول كقول جعفر بن علبة : # هواي مع الركب اليمانين مصعد PageV20P140 # وقوله { بغير هدى من الله } الباء فيه للملابسة وهو في موضع الحال من ~~فاعل { اتبع هواه } وهو حال كاشفة لتأكيد معنى الهوى لأن الهوى لا يكون ~~ملابسا للهدى الرباني ولا صاحبه ملابسا له لأن الهدى يرجع إلى معنى إصابة ~~المقصد الصالح . # وجعل الهدى من الله لأنه حق الهدى لأنه وارد من العالم بكل شيء فيكون ~~معصوما من الخلل والخطأ . # ووجه كونه لا أضل منه أن الضلال في الأصل خطأ الطريق وأنه يقع في أحوال ~~متفاوتة في عواقب المشقة أو الخطر أو الهلاك بالكلية ، على حسب تفاوت شدة ~~الضلال . واتباع ms6130 الهوى مع إلغاء إعمال النظر ومراجعته في النجاة يلقي ~~بصاحبه إلى كثير من أحوال الضر بدون تحديد ولا انحصار . # فلا جرم يكون هذا الاتباع المفارق لجنس الهدى أشد الضلال فصاحبه أشد ~~الضالين ضلالا . # ثم ذيل هذا التدييل بما هو تمامه إذ فيه تعيين هذا الفريق المبهم الذي هو ~~أشد الضالين ضلالا فإنه الفريق الذين كانوا قوما ظالمين ، أي كان الظلم ~~شأنهم وقوام قوميتهم ولذلك عبر عنهم بالقوم . # والمراد بالظالمين : الكاملون في الظلم ، وهو ظلم الأنفس وظلم الناس ، ~~وأعظمه الإشراك وإتيان الفواحش والعدوان ، فإن الله لا يخلق في نفوسهم ~~الاهتداء عقابا منه على ظلمهم فهم باقون في الضلال يتخبطون فيه ، فهم أضل ~~الضالين ، وهم مع ذلك متفاوتون في انتفاء هدى الله عنهم على تفاوتهم في ~~التصلب في ظلمهم ؛ فقد يستمر أحدهم زمانا على ضلاله ثم يقدر الله له الهدى ~~فيخلق في قلبه الإيمان . ولأجل هذا التفاوت في قابلية الإقلاع عن الضلال ~~استمرت دعوة النبي صلى الله عليه وسلم إياهم للإيمان في عموم المدعوين إذ ~~لا يعلم إلا الله مدى تفاوت الناس في الاستعداد لقبول الهدى ، فالهدى ~~المنفي عن أن يتعلق بهم هنا هو الهدى التكويني . # وأما الهدى بمعنى الإرشاد فهو من عموم الدعوة . وهذا معنى قول الأيمة من ~~PageV20P141 الأشاعرة أن الله يخاطب بالإيمان من يعلم أنه لا يؤمن مثل أبي ~~جهل لأن التعلق التكويني غير التعلق التشريعي . # وبين { هواه } و { هدى } جناس محرف وجناس خط . # ( 51 ) . # عطف على جملة { ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم } ( القصص : 47 ) ~~الآية ، وما عطف عليها من قوله { فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي ~~مثل ما أوتي موسى } ( القصص : 48 ) . # والتوصيل : مبالغة في الوصل ، وهو ضم بعض الشيء إلى بعض يقال : وصل الحبل ~~إذا ضم قطعه بعضها إلى بعض فصار حبلا . # والقول مراد به القرآن قال تعالى { إنه لقول فصل } ( الطارق : 13 ) وقال ~~{ إنه لقول رسول كريم } ( الحاقة : 40 ) ، فالتعريف للعهد ، أي القول ~~المعهود . وللتوصيل أحوال كثيرة فهو باعتبار ألفاظه وصل بعضه ببعض ms6131 ولم ينزل ~~جملة واحدة ، وباعتبار معانيه وصل أصنافا من الكلام : وعدا ، ووعيدا ، ~~وترغيبا ، وترهيبا ، وقصصا ومواعظ وعبرا ، ونصائح يعقب بعضها بعضا وينتقل ~~من فن إلى فن وفي كل ذلك عون على نشاط الذهن للتذكر والتدبر . # واللام و ( قد ) كلاهما للتأكيد ردا عليه إذ جهلوا حكمة تنجيم نزول ~~القرآن وذكرت لهم حكمة تنجيمه هنا بما يرجع إلى فائدتهم بقوله { لعلهم ~~يذكرون } . وذكر في آية سورة الفرقان ( 32 ) حكمة أخرى راجعة إلى فائدة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله { وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن ~~جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك } وفهم من ذلك أنهم لم يتذكروا . وضمير { ~~لهم } عائد إلى المشركين . PageV20P142 # ( 52 53 ) . # لما أفهم قوله { لعلهم يتذكرون } ( القصص : 51 ) أنهم لم يفعلوا ولم ~~يكونوا عند رجاء الراجي عقب ذلك بهذه الجملة المستأنفة استئنافا بيانيا ~~لأنها جواب لسؤال من يسأل هل تذكر غيرهم بالقرآن أو استوى الناس في عدم ~~التذكر به . فأجيب بأن الذين أوتوا الكتاب من قبل نزول القرآن يؤمنون به ~~إيمانا ثابتا . # والمراد بالذين أوتوا الكتاب طائفة معهودة من أهل الكتاب شهد الله لهم ~~بأنهم يؤمنون بالقرآن ويتدبرونه وهم بعض النصارى ممن كان بمكة مثل ورقة بن ~~نوفل ، وصهيب ، وبعض يهود المدينة مثل عبد الله بن سلام ورفاعة بن رفاعة ~~القرظي ممن بلغته دعوة النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يهاجر النبي إلى ~~المدينة فلما هاجر أظهروا إسلامهم . # وقيل : أريد بهم وفد من نصارى الحبشة اثنا عشر رجلا بعثهم النجاشي ~~لاستعلام أمر النبي صلى الله عليه وسلم بمكة فجلسوا إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فآمنوا به وكان أبو جهل وأصحابه قريبا منهم يسمعون إلى ما يقولون ~~فلما قاموا من عند النبي صلى الله عليه وسلم تبعهم أبو جهل ومن معه فقال ~~لهم : خيبكم الله من ركب وقبحكم من وفد لم تلبثوا أن صدقتموه ، فقالوا : ~~سلام عليكم لم نأل أنفسنا رشدا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم . وبه ظهر أنهم ~~لما رجعوا أسلم النجاشي وقد أسلم بعض نصارى الحبشة ms6132 لما وفد إليهم أهل ~~الهجرة إلى الحبشة وقرأوا عليهم القرآن وأفهموهم الدين . # وضمير { من قبله } عائد إلى القول من { ولقد وصلنا لهم القول } ( القصص : ~~51 ) ، وهو القرآن . وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي في { هم به ~~يؤمنون } لتقوي الخبر . وضمير الفصل مقيد للقصر الإضافي ، أي هم يوقنون ~~بخلاف هؤلاء الذين وصلنا لهم القول . PageV20P143 # ومجيء المسند مضارعا للدلالة على استمرار إيمانهم وتجدده . # وحكاية إيمانهم بالمضي في قوله { آمنا به } مع أنهم يقولون ذلك عند أول ~~سماعهم القرآن : إما لأن المضي مستعمل في إنشاء الإيمان مثل استعماله في ~~صيغ العقود ، وإما لللإشارة إلى أنهم آمنوا به من قبل نزوله ، أي آمنوا ~~بأنه سيجيء رسول بكتاب مصدق لما بين يديه ، يعني إيمانا إجماليا يعقبه ~~إيمان تفصيلي عند سماع آياته . وينظر إلى هذا المعنى قوله { إنا كنا من ~~قبله مسلمين } ، أي مصدقين بمجيء رسول الإسلام . # ويجوز أن يراد ب { مسلمين } موحدين مصدقين بالرسل فإن التوحيد هو الإسلام ~~كما قال إبراهيم { فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون } ( البقرة : 132 ) . # وجملة { إنه الحق من ربنا } في موقع التعليل لجملة { آمنا به } . # وجملة { إنا كنا من قبله مسلمين } بيان لمعنى { آمنا به } . # ( 54 55 ) . # التعبير عنهم باسم الإشارة هنا للتنبيه على أنهم أحرياء بما سيذكر بعد ~~اسم الإشارة من أجل الأوصاف التي ذكرت قبل اسم الإشارة مثل ما تقدم في قوله ~~{ أولئك على هدى من ربهم } في سورة البقرة ( 5 ) . # عد الله لهم سبع خصال من خصال أهل الكمال : # إحداها : أخروية ، وهي { يؤتون أجرهم مرتين } أي أنهم يؤتون أجرين على ~~إيمانهم ، أي يضاعف لهم الثواب لأجل أنهم آمنوا بكتابهم من قبل ثم آمنوا ~~بالقرآن ، فعبر عن مضاعفة الأجر ضعفين بالمرتين تشبيها للمضاعفة بتكرير ~~الإيتاء وإنما هو إيتاء واحد . PageV20P144 # وفائدة هذا المجاز إظهار العناية حتى كأن المثيب يعطي ثم يكرر عطاءه ففي ~~{ يؤتون أجرهم مرتين } تمثيلة . وفي الصحيح عن أبي موسى أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال ( ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين : رجل من أهل الكتاب آمن ~~بنبيئه ms6133 وأدركني فآمن بي واتبعني وصدقني فله أجران ، وعبد مملوك أدى حق الله ~~تعالى وحق سيده فله أجران ، ورجل كانت له أمة فغذاها فأحسن غذاءها ثم أدبها ~~فأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوجها فله أجران ) . رواه الشعبي وقال لعطاء ~~الخراساني : خذه بغير شيء فقد كان الرجل يرحل فيما دون هذا إلى المدينة . # والثانية : الصبر ، والصبر من أعظم خصال البر وأجمعها للمبرات ، وأعونها ~~على الزيادة والمراد بالصبر صبرهم على أذى أهل ملتهم أو صبرهم على أذى قريش ~~، وهذا يتحقق في مثل الوفد الحبشي . ولعلهم المراد من هذه الآية ولذلك أتبع ~~بقوله { ويدرؤون بالحسنة السيئة } وقوله { وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ~~سلام عليكم } . # والخصلة الثالثة : درؤهم السيئة بالحسنة وهي من أعظم خصال الخير وأدعاها ~~إلى حسن المعاشرة قال تعالى { ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي ~~أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم } ( فصلت : 34 ) ، فيحصل ~~بذلك فائدة دفع مضرة المسيء عن النفس ، وإسداء الخير إلى نفس أخرى ، فهم لم ~~يردوا جلافة أبي جهل بمثلها ولكن بالإعراض مع كلمة حسنة وهي { سلام عليكم } ~~. # وأما الإنفاق فلعلهم كانوا ينفقون على فقراء المسلمين بمكة ، وهو الخصلة ~~الرابعة ولا يخفى مكانها من البر . # والخصلة الخامسة : الإعراض عن اللغو ، وهو الكلام العبث الذي لا فائدة ~~فيه ، وهذا الخلق من مظاهر الحكمة ، إذ لا ينبغي للعاقل أن يشغل سمعه ولبه ~~بما لا جدوى له وبالأولى يتنزه عن أن يصدر منه ذلك . # والخصلة السادسة : الكلام الفصل وهو قولهم { لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ~~سلام عليكم } وهذا من أحسن ما يجاب به السفهاء وهو أقرب لإصلاحهم وأسلم من ~~تزايد سفههم . PageV20P145 # ولقد أنطقهم الله بحكمة جعلها مستأهلة لأن تنظم في سلك الإعجاز فألهمهم ~~تلك الكلمات ثم شرفها بأن حيكت في نسج القرآن ، كما ألهم عمر قوله { عسى ~~ربه إن طلقكن } ( التحريم : 5 ) الآية . # ومعنى { لنا أعمالنا ولكم أعمالكم } أن أعمالنا مستحقة لنا كناية عن ~~ملازمتهم إياها وأما قولهم { ولكم أعمالكم } فهو تتميم على حد { لكم دينكم ~~ولي دين } ( الكافرون : 6 ms6134 ) . # والمقصود من السلام أنه سلام المتاركة المكنى بها عن الموادعة أن لا نعود ~~لمخاطبتكم قال الحسن : كلمة : السلام عليكم ، تحية بين المؤمنين ، وعلامة ~~الاحتمال من الجاهلين . ولعل القرآن غير مقالتهم بالتقديم والتأخير لتكون ~~مشتملة على الخصوصية المناسبة للإعجاز لأن تأخير الكلام الذي فيه المتاركة ~~إلى آخر الخطاب أولى ليكون فيه براعة المقطع . # وحذف القرآن قولهم : لم نأل أنفسنا رشدا ، للاستغناء عنه بقولهم { لنا ~~أعمالنا ولكم أعمالكم } . # السابعة : ما أفصح عنه قولهم { لا نبتغي الجاهلين } من أن ذلك خلقهم أنهم ~~يتطلبون العلم ومكارم الأخلاق . والجملة تعليل للمتاركة ، أي لأنا لا نحب ~~مخالطة أهل الجهالة بالله وبدين الحق وأهل خلق الجهل الذي هو ضد الحلم ، ~~فاستعمل الجهل في معنييه المشترك فيها ولعله تعريض بكنية أبي جهل الذي بذا ~~عليهم بلسانه . # والظاهر أن هذه الكلمة يقولونها بين أنفسهم ولم يجهروا بها لأبي جهل ~~وأصحابه بقرينة قوله { ويدرأون بالحسنة السيئة } وقوله { سلام عليكم } ~~وبذلك يكون القول المحكي قولين : قول وجهوه لأبي جهل وصحبه ، وقول دار بين ~~أهل الوفد . PageV20P146 # ( 56 ) . # لما ذكر معاذير المشركين وكفرهم بالقرآن ، وأعلم رسوله أنهم يتبعون ~~أهواءهم وأنهم مجردون عن هدى الله ، ثم أثنى على فريق من أهل الكتاب أنهم ~~يؤمنون بالقرآن ، وكان ذلك يحزن النبي صلى الله عليه وسلم أن يعرض قريش وهم ~~أخص الناس به عن دعوته أقبل الله على خطاب نبيئه صلى الله عليه وسلم بما ~~يسلي نفسه ويزيل كمده بأن ذكره بأن الهدى بيد الله . وهو كناية عن الأمر ~~بالتفويض في ذلك إلى الله تعالى . # والجملة استئناف ابتدائي . وافتتاحها بحرف التوكيد اهتمام باستدعاء إقبال ~~النبي عليه السلام على علم ما تضمنته على نحو ما قررناه آنفا في قوله { ~~فاعلم أنما يتبعون أهواءهم } ( القصص : 50 ) . ومفعول { أحببت } محذوف دل ~~عليه { لا تهدي } . # والتقدير : من أحببت هديه أو اهتداءه . وما صدق { من } الموصولة كل من ~~دعاه النبي إلى الإسلام فإنه يحب اهتداءه . # وقد تضافرت الروايات على أن من أول المراد بذلك أبا طالب عم النبي صلى ~~الله عليه وسلم ms6135 إذ كان النبي صلى الله عليه وسلم قد اغتم لموته على غير ~~الإسلام كما في الأحاديث الصحيحة . قال الزجاج : أجمع المسلمون أنها نزلت ~~في أبي طالب . وقال الطبري : وذكر أن هذه الآية نزلت من أجل امتناع أبي ~~طالب عمه من إجابته إذ دعاه إلى الإيمان بالله وحده . قال القرطبي : وهو نص ~~حديث البخاري ومسلم وقد تقدم ذلك في براءة . # وهذا من العام النازل على سبب خاص فيعمه وغيره وهو يقتضي أن تكون هذه ~~السورة نزلت عقب موت أبي طالب وكانت وفاة أبي طالب سنة ثلاث قبل الهجرة ، ~~أو كان وضع هذه الآية عقب الآيات التي قبلها بتوقيف خاص . # ومعنى { ولكن الله يهدي من يشاء } أنه يخلق من يشاء قابلا للاهتداء في ~~مدى معين وبعد دعوات محدودة حتى ينشرح صدره للإيمان فإذا تدبر ما خلقه الله ~~عليه وحدده كثر في علمه وإرادته جعل منه الاهتداء ، فالمراد الهداية بالفعل ~~. وأما PageV20P147 قوله تعالى { وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم } ( الشورى : ~~52 ) فهي الهداية بالدعوة والإرشاد فاختلف الإطلاقان . # ومفعول فعل المشيئة محذوف لدلالة ما قبله عليه ، أي من يشاء اهتداءه ، ~~والمشيئة تعرف بحصول الاهتداء وتتوقف على ما سبق من علمه وتقديره . # وفي قوله { وهو أعلم بالمهتدين } إيماء إلى ذلك ، أي هو أعلم من كل أحد ~~بالمهتدين في أحوالهم ومقادير استعدادهم على حسب ما تهيأت إليه فطرهم من ~~صحيح النظر وقبول الخير واتقاء العاقبة والانفعال لما يلقى إليها من الدعوة ~~ودلائلها . ولكل ذلك حال ومدى ولكليهما أسباب تكوينية في الشخص وأسلافه ~~وأسباب نمائه أو ضعفه من الكيان والوسط والعصر والتعقل . # ( 57 ) . # هذه بعض معاذيرهم قالها فريق منهم ممن غلبه الحياء على أن يكابر ويجاهر ~~بالتكذيب ، وغلبه إلف ما هو عليه من حال الكفر على الاعتراف بالحق ، ~~فاعتذروا بهذه المعذرة ، فروي عن ابن عباس أن الحارث بن عثمان بن نوفل بن ~~عبد مناف وناسا من قريش جاءوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال الحارث ( إنا ~~لنعلم أن قولك حق ولكنا نخاف إن اتبعنا الهدى معك ونؤمن بك ms6136 أن يتخطفنا ~~العرب من أرضنا ولا طاقة لنا بهم وإنما نحن أكلة رأس ) ( أي أن جمعنا يشبعه ~~الرأس الواحد من الإبل وهذه الكلمة كناية عن القلة ) فهؤلاء اعترفوا في ~~ظاهر الأمر بأن النبي صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الهدى . # والتخطف : مبالغة في الخطف ، وهو انتزاع شيء بسرعة ، وتقدم في قوله تعالى ~~{ تخافون أن يتخطفكم الناس } في سورة الأنفال ( 26 ) . والمراد : يأسرنا ~~الأعداء معهم إلى ديارهم ، فرد الله عليهم بأن قريشا مع قلتهم عدا وعدة ~~أتاح الله لهم بلدا هو حرم آمن يكونون فيه آمنين من العدو على كثرة قبائل ~~العرب واشتغالهم بالغارة على PageV20P148 جيرتهم وجبى إليهم ثمرات كثيرة ~~قرونا طويلة ، فلو اعتبروا لعلموا أن لهم منعة ربانية وأن الله الذي أمنهم ~~في القرون الخالية يؤمنهم إن استجابوا لله ورسوله . # والتمكين : الجعل في مكان ، وتقدم في قوله تعالى { مكناهم في الأرض ما لم ~~نمكن لكم } في سورة الأنعام ( 6 ) ، وقوله في أول هذه السورة ( 6 ) { ونمكن ~~لهم في الأرض } . واستعمل هنا مجازا في الإعداد والتيسير . # والجبي : الجمع والجلب ومنه جباية الخراج . # والاستفهام إنكار أن يكون الله لم يمكن لهم حرما . ووجه الإنكار أنهم ~~نزلوا منزلة من ينفي أن ذلك الحرم من تمكين الله فاستفهموا على هذا النفي ~~استفهام إنكار . # وهذا الإنكار يقتضي توبيخا على هذه الحالة التي نزلوا لأجلها منزلة من ~~ينفي أن الله مكن لهم حرما . # والواو عطفت جملة الاستفهام على جملة { وقالوا } . والتقدير : ونحن مكنا ~~لهم حرما . # و { كل شيء } عام في كل ذي ثمرة وهو عموم عرفي ، أي ثمر كل شيء من ~~الأشياء المثمرة المعروفة في بلادهم والمجاورة لهم أو استعمل { كل } في ~~معنى الكثرة . # و { رزقا } حال من { ثمرات } وهو مصدر بمعنى المفعول . # ومعنى { من لدنا } من عندنا ، والعندية مجاز في التكريم والبركة ، أي ~~رزقا قدرناه لهم إكراما فكأنه رزق خاص من مكان شديد الاختصاص بالله تعالى . # وقد حصل في خلال الرد لقولهم إدماج للامتنان عليهم بهذه النعمة ليحصل لهم ~~وازعان عن الكفر بالمنعم : وازع إبطال ms6137 معذرتهم عن الكفر ، ووازع التذكير ~~بنعمة المكفور به . # وموقع الاستدراك في قوله { ولكن أكثرهم لا يعلمون } أنه متعلق بالكلام ~~المسوق مساق الرد على قولهم { إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا } إذ ~~التقدير : أن تلك نعمة ربانية ولكن أكثرهم لا علم لهم فلذلك لم يتفطنوا إلى ~~PageV20P149 كنه هذه النعمة فحسبوا أن الإسلام مفضض إلى اعتداء العرب عليهم ~~ظنا بأن حرمتهم بين العرب مزية ونعمة أسداها إليهم قبائل العرب . # وفعل { لا يعلمون } منزل منزلة اللازم فلا يقدر له مفعول ، أي ليسوا ذوي ~~علم ونظر بل هم جهلة لا يتدبرون الأحوال . ونفي العلم عن أكثرهم لأن بعضهم ~~أصحاب رأي فلو نظروا وتدبروا لما قالوا مقالتهم تلك . # ولو قدر لفعل { يعلمون } مفعول دل عليه الكلام ، أي لا يعلمون تمكين ~~الحرم لهم وأن جلب الثمرات إليهم من فضلنا لما استقام إسناد نفي العلم إلى ~~أكثرهم بل كان يسند إلى جميعهم لإطباق كلمتهم على مقالة { إن نتبع الهدى ~~معك نتخطف من أرضنا } . # وقرأ نافع وأبو جعفر ورويس عن يعقوب { تجبى } بالمثناة الفوقية . وقرأ ~~الباقون بالياء التحتية مراعاة للمضاف إليه وهو { كل شيء } فأكسب المضاف ~~تأنيثا . # ( 58 ) . # عطف على جملة { أو لم نمكن لهم حرما آمنا } ( القصص : 57 ) باعتبار ما ~~تضمنته من الإنكار والتوبيخ ، فإن ذلك يقتضي التعرض للانتقام شأن الأمم ~~التي كفرت بنعم الله فهو تخويف لقريش من سوء عاقبة أقوام كانوا في مثل ~~حالهم من الأمن والرزق فغمطوا النعمة وقابلوها بالبطر . # والبطر : التكبر . وفعله قاصر من باب فرح ، فانتصاب { معيشتها } بعد { ~~بطرت } على تضمين { بطرت } معنى ( كفرت ) لأن البطر وهو التكبر يستلزم عدم ~~الاعتراف بما يسدى إليه من الخير . # والمراد : بطرت حالة معيشتها ، أي نعمة عيشها . # والمعيشة هنا اسم مصدر بمعنى العيش والمراد حالته فهو على حذف مضاف دل ~~عليه المقام ، ويعلم أنها حالة حسنة من قوله : { بطرت } وهي حالة الأمن ~~والرزق . PageV20P150 # والإشارة ب ( تلك ) إلى { مساكنهم } الذي بين به اسم الإشارة لأنه في قوة ~~تلك المساكن . وبذلك صارت الإشارة إلى حاضر في الذهن ms6138 منزل منزلة الحاضر ~~بمرأى السامع ، ولذلك فقوله : { لم تسكن من بعدهم } خبر عن اسم الإشارة ~~والتقدير : فمساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا . # والسكنى : الحلول في البيت ونحوه في الأوقات المعروفة بقصد الاستمرار ~~زمنا طويلا . # ومعنى { لم تسكن من بعدهم } لم يتركوا فيها خلفا لهم . وذلك كناية عن ~~انقراضهم عن بكرة أبيهم . # وقوله { إلا قليلا } احتراس أي إلا إقامة المارين بها المعتبرين بهلاك ~~أهلها . # وانتصب { قليلا } على الاستثناء من عموم أزمان محذوفة . والتقدير : إلا ~~زمانا قليلا ، أو على الاستثناء من مصدر محذوف . والتقدير : لم تسكن سكنا ~~إلا سكنا قليلا ، والسكن القليل : هو مطلق الحلول بغير نية إطالة فهي إلمام ~~لا سكنى . فإطلاق السكنى على ذلك مشاكلة ليتأتى الاستثناء ، أي لم تسكن إلا ~~حلول المسافرين أو إناخة المنتجعين مثل نزول جيش غزوة تبوك بحجر ثمود ~~واستقائهم من بئر الناقة . والمعنى : فتلك مساكنهم خاوية خلاء لا يعمرها ~~عامر ، أي أن الله قدر بقاءها خالية لتبقى عبرة وموعظة بعذاب الله في ~~الدنيا . # وبهذه الآية يظهر تأويل قول النبي صلى الله عليه وسلم حين مر في طريقه ~~إلى تبوك بحجر ثمود فقال : ( لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبك ~~مثل ما أصابهم إلا أن تكونوا باكين ) أي خائفين أي اقتصارا على ضرورة ~~المرور لئلا يتعرضوا إلى تحقق حقيقة السكنى التي قدر الله انتفاءها بعد ~~قومها فربما قدر إهلاك من يسكنها تحقيقا لقدره . # وجملة { وكنا نحن الوارثين } عطف على جملة { لم تسكن من بعدهم } وهو يفيد ~~أنها لم تسكن من بعدهم فلا يحل فيها قوم آخرون بعدهم فعبر عن تداول السكنى ~~بالإرث على طريقة الاستعارة . # وقصر إرث تلك المساكن على الله تعالى حقيقي ، أي لا يرثها غيرنا . وهو ~~كناية PageV20P151 عن حرمان تلك المساكن من الساكن . وتلك الكناية رمز إلى ~~شدة غضب الله تعالى على أهلها الأولين بحيث تجاوز غضبه الساكنين إلى نفس ~~المساكن فعاقبها بالحرمان من بهجة المساكن لأن بهجة المساكن سكانها ، فإن ~~كمال الموجودات هو به قوام حقائقها . # ( 59 ) . # أعقب الاعتبار بالقرى المهلكة ms6139 ببيان أشراط هلاكها وسببه ، استقصاء ~~للإعذار لمشركي العرب ، فبين لهم أن ليس من عادة الله تعالى أن يهلك القرى ~~المستأهلة الإهلاك حتى يبعث رسولا في القرية الكبرى منها لأن القرية الكبرى ~~هي مهبط أهل القرى والبوادي المجاورة لها فلا تخفى دعوة الرسول فيها ولأن ~~أهلها قدوة لغيرهم في الخير والشر فهم أكثر استعدادا لإدراك الأمور على ~~وجهها فهذا بيان أشراط الإهلاك . # و { القرى } : هي المنازل لجماعات من الناس ذوات البيوت المبنية ، وتقدم ~~عند قوله تعالى { وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية } في البقرة ( 58 ) . # وخصت بالذكر لأن العبرة بها أظهر لأنها إذا أهلكت بقيت آثارها وأطلالها ~~ولم ينقطع خبرها من الأجيال الآتية بعدها ويعلم أن الحلل والخيام مثلها ~~بحكم دلالة الفحوى . # وإفراغ النفي في صيغة ما كان فاعلا ونحوه من صيغ الجحود يفيد رسوخ هذه ~~العادة واطرادها كما تقدم في نظائره منها قوله تعالى { ما كان لبشر أن ~~يؤتيه الله الكتاب والحكم } في سورة آل عمران ( 79 ) وقوله { وما كان هذا ~~القرآن أن يفترى من دون الله } في سورة يونس ( 37 ) . # وقرى بلاد العرب كثيرة مثل مكة وجدة ومنى والطائف ويثرب وما حولها من ~~القرى وكذلك قرى اليمن وقرى البحرين . وأم القرى هي القرية العظيمة منها ~~وكانت مكة أعظم بلاد العرب شهرة وأذكرها بينهم وأكثرها مارة وزوارا لمكان ~~الكعبة فيها والحج لها . PageV20P152 # والمراد بإهلاك القرى إهلاك أهلها . وإنما علق الإهلاك بالقرى للإشارة ~~إلى أن شدة الإهلاك بحيث يأتي على الأمة وأهلها وهو الإهلاك بالحوادث التي ~~لا تستقر معها الديار بخلاف إهلاك الأمة فقد يكون بطاعون ونحوه فلا يترك ~~أثرا في القرى . # وإسناد الخبر إلى الله بعنوان ربوبيته للنبيء صلى الله عليه وسلم إيماء ~~إلى أن المقصود بهذا الإنذار هم أمة محمد الذين كذبوا فالخطاب للنبيء عليه ~~السلام لهذا المقصد . ولهذا وقع الالتفات عنه إلى ضمير المتكلم في قوله { ~~ءاياتنا } للإشارة إلى أن الآيات من عند الله وأن الدين دين الله . # وضمير { عليهم } عائد إلى المعلوم من القرى وهو أهلها كقوله { واسأل ms6140 ~~القرية التي كنا فيها } ( يوسف : 82 ) ، ومنه قوله { فليدع ناديه } ( العلق ~~: 17 ) . # وقد حصل في هذه الجملة تفنن في الأساليب إذ جمعت الاسم الظاهر وضمائر ~~الغيبة والخطاب والتكلم . # ثم بين السبب بقوله { وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون } أي ما كان ~~من عادتنا في عبادنا أن نهلك أهل القرى في حالة إلا في حالة ظلمهم أنفسهم ~~بالإشراك ، فالإشراك سبب الإهلاك وإرسال رسول شرطه ، فيتم ظلمهم بتكذيبهم ~~الرسول . # وجملة { وأهلها ظالمون } في موضع الحال ، وهو حال مستثنى من أحوال محذوفة ~~اقتضاها الاستثناء المفرغ ، أي ما كنا مهلكي القرى في حال إلا في حال ظلم ~~أهلها . # ( 60 ) . # لما ذكرهم الله بنعمه عليهم تذكيرا أدمج في خلال الرد على قولهم { إن ~~نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا } ( القصص : 57 ) بقوله { تجبى إليه ثمرات ~~كل شيء رزقا من لدنا } ( القصص : 57 ) أعقبه بأن كل ما أوتوه من نعمة هو من ~~متاع الحياة الدنيا كالأمن والرزق ، ومن زينتها كاللباس والأنعام والمال ، ~~وأما ما عند الله من نعيم الآخرة من ذلك وأبقى لئلا PageV20P153 يحسبوا أن ~~ما هم فيه من الأمن والرزق هو الغاية المطلوبة فلا يتطلبوا ما به تحصيل ~~النعيم العظيم الأبدي ، وتحصيله بالإيمان . ولا يجعلوا ذلك موازنا لاتباع ~~الهدى وإن كان في اتباع الهدى تفويت ما هم فيه من أرضهم وخيراتها لو سلم ~~ذلك . هذا وجه مناسبة هذه الآية لما قبلها . # و { من شيء } بيان ل { ما أوتيتم } والمراد من أشياء المنافع كما دل عليه ~~المقام لأن الإيتاء شائع في إعطاء ما ينفع . # وقد التفت الكلام من الغيبة من قوله { أو لم نمكن لهم حرما } ( القصص : ~~57 ) إلى الخطاب في قوله { أوتيتم } لأن ما تقدم من الكلام أوجب توجيه ~~التوبيخ مواجهة اليهم . # والمتاع : ما ينتفع به زمنا ثم يزول . # والزينة : ما يحسن الأجسام . # والمراد بكون ما عند الله خيرا ، أن أجناس الآخرة خير مما أوتوه في كمال ~~أجناسها ، وأما كونه أبقى فهو بمعنى الخلود . # وتفرع على هذا الخبر استفهام توبيخي وتقريري على عدم عقل ms6141 المخاطبين لأنهم ~~لما لم يستدلوا بعقولهم على طريق الخير نزلوا منزلة من أفسد عقله فسئلوا : ~~أهم كذلك ؟ . # وقرأ الجمهور { تعقلون } بتاء الخطاب . وقرأ أبو عمرو ويعقوب { يعقلون } ~~بياء الغيبة على الالتفات عن خطابهم لتعجب المؤمنين من حالهم ، وقيل : ~~لأنهم لما كانوا لا يعقلون نزلوا منزلة الغائب لبعدهم عن مقام الخطاب . # ( 61 ) . # أحسب أن موقع فاء التفريع هنا أن مما أومأ إليه قوله { وما أوتيتم من شيء ~~فمتاع الحياة الدنيا } ( القصص : 60 ) ما كان المشركون يتبجحون به على ~~المسلمين من وفرة الأموال ونعيم الترف في حين كان معظم المسلمين فقراء ~~ضعفاء قال تعالى { وإذا انقلبوا إلى PageV20P154 أهلهم انقلبوا فاكهين } ( ~~المطففين : 31 ) أي منعمين ، وقال { وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم ~~قليلا } ( المزمل : 11 ) فيظهر من آيات القرآن أن المشركين كان من دأبهم ~~التفاخر بما هم فيه من النعمة قال تعالى { واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه ~~وكانوا مجرمين } ( هود : 116 ) وقال { وارجعوا إلى ما أترفتم فيه } ( ~~الأنبياء : 13 ) فلما أنبأهم الله بأن ما هم فيه من الترف إن هو إلا متاع ~~قليل ، قابل ذلك بالنعيم الفائق الخالد الذي أعد للمؤمنين ، وهي تفيد مع ~~ذلك تحقيق معنى الجملة التي قبلها لأن الثانية زادت الأولى بيانا بأن ما ~~أوتوه زائل زوالا معوضا بضد المتاع والزينة وذلك قوله { ثم هو يوم القيامة ~~من المحضرين } . # فما صدق { من } الأولى هم الذين وعدهم الله الوعد الحسن وهم المؤمنون ، ~~وما صدق { من } الثانية جمع هم الكافرون . والاستفهام مستعمل في إنكار ~~المشابهة والمماثلة التي أفادها كاف التشبيه فالمعنى أن الفريقين ليسوا ~~سواء إذ لا يستوي أهل نعيم عاجل زائل وأهل نعيم آجل خالد . # وجملة { فهو لاقيه } معترضة لبيان أنه وعد محقق ، والفاء للتسبب . # وجملة { ثم هو } الخ عطف على جملة { متعناه متاع الحياة الدنيا } فهي من ~~تمام صلة الموصول . و { ثم } للتراخي الرتبي لبيان أن رتبة مضمونها في ~~الخسارة أعظم من مضمون التي قبلها ، أي لم تقتصر خسارتهم على حرمانهم من ~~نعيم الآخرة بل تجاوزت إلى التعويض بالعذاب الأليم ms6142 . # ومعنى { من المحضرين } أنه من المحضرين للجزاء على ما دل عليه التوبيخ في ~~{ أفلا تعقلون } ( القصص : 60 ) . والمقابلة في قوله { أفمن وعدناه وعدا ~~حسنا } المقتضية أن الفريق المعين موعودون بضد الحسن ، فحذف متعلق { ~~المحضرين } اختصارا كما حذف في قوله { ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين } ( ~~الصافات : 57 ) وقوله { فكذبوه فإنهم لمحضرون إلا عباد الله المخلصين } ( ~~الصافات : 127 ، 128 ) . PageV20P155 # ( 62 63 ) . # تخلص من إثبات بعثة الرسل وبعثة محمد صلى الله عليه وسلم إلى إبطال ~~الشركاء لله ، فالجملة معطوفة على جملة { أفمن وعدناه وعدا حسنا } ( القصص ~~: 61 ) مفيدة سبب كونهم من المحضرين ، أي لأنهم اتخذوا من دون الله شركاء ، ~~وزعموا أنهم يشفعون لهم فإذا هم لا يجدونهم يوم يحضرون للعذاب ، فلك أن ~~تجعل مبدأ الجملة قوله { يناديهم } فيكون عطفا على جملة { ثم هو يوم ~~القيامة من المحضرين } ( القصص : 61 ) أي يحضرون و { يناديهم فيقول : أين ~~شركائي } الخ . ولك أن تجعل مبدأ الجملة قوله { يوم يناديهم } . ولك أن ~~تجعله عطف مفردات فيكون { يوم يناديهم } عطفا على { يوم القيامة من ~~المحضرين } ( القصص : 61 ) فيكون { يوم يناديهم } عين { يوم القيامة } وكان ~~حقه أن يأتي بدلا من { يوم القيامة } لكنه عدل عن الإبدال إلى العطف ~~لاختلاف حال ذلك اليوم باختلاف العنوان ، فنزل منزلة يوم مغاير زيادة في ~~تهويل ذلك اليوم . # ولك أن تجعل { يوم يناديهم } منصوبا بفعل مقدر بعد واو العطف بتقدير : ~~اذكر ، أو بتقدير فعل دل عليه معنى النداء . واستفهام التوبيخ من حصول أمر ~~فظيع ، تقديره : يوم يناديهم يكون ما لا يوصف من الرعب . # وضمير { يناديهم } المرفوع عائد إلى الله تعالى . وضمير الجمع المنصوب ~~عائد إلى المتحدث عنهم في الآيات السابقة ابتداء من قوله { وقالوا إن نتبع ~~الهدى معك نتخطف من أرضنا } ( القصص : 57 ) فالمنادون جميع المشركين كما ~~اقتضاه قوله تعالى { أين شركائي الذين كنتم تزعمون } . # والاستفهام بكلمة { أين } ظاهره استفهام عن المكان الذي يوجد فيه الشركاء ~~ولكنه مستعمل كناية عن انتفاء وجود الشركاء المزعومين يومئذ ، فالاستفهام ~~مستعمل في الانتفاء . # ومفعولا { تزعمون } محذوفان دل عليهما ms6143 { شركائي الذين كنتم تزعمون } أي ~~تزعمونهم شركائي ، وهذا الحذف اختصار وهو جائز في مفعولي ( ظن ) . ~~PageV20P156 # وجردت جملة { قال الذين حق عليهم القول } عن حرف العطف لأنها وقعت في ~~موقع المحاورة فهي جواب عن قوله تعالى { أين شركائي الذين كنتم تزعمون } . # والذين تصدوا للجواب هم بعض المنادين ب { أين شركائي الذين كنتم تزعمون } ~~علموا أنهم الأحرياء بالجواب . وهؤلاء هم أيمة أهل الشرك من أهل مكة مثل ~~أبي جهل وأمية بن خلف وسدنة أصنامهم كسادن العزى . ولذلك عبر عنهم ب { ~~الذين حق عليهم القول } ولم يعبر عنهم ب ( قالوا ) . # ومعنى { حق عليهم القول } يجوز أن يكون { حق } بمعنى تحقق وثبت ويكون ~~القول قولا معهودا وهو ما عهد للمسلمين من قوله تعالى { وحق القول مني ~~لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين } ( السجدة : 13 ) وقوله { أفمن حق ~~عليه كلمة العذاب } ( الزمر : 19 ) فالذين حق عليهم القول هم الذين حل ~~الإبان الذي يحق عليهم فيه هذا القول . والمعنى : أن الله ألجأهم إلى ~~الاعتراف بأنهم أضلوا الضالين وأغووهم . # ويجوز أن يكون { حق } بمعنى وجب وتعين ، أي حق عليهم الجواب لأنهم علموا ~~أن قوله تعالى { فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون } موجه إليهم فلم يكن ~~لهم بد من إجابة ذلك السؤال . ويكون المراد بالقول جنس القول ، أي الكلام ~~الذي يقال في ذلك المقام وهو الجواب عن الاستفهام بقوله { أين شركائي الذين ~~كنتم تزعمون } وعلى كلا الاحتمالين فالذين حق عليهم القول هم أيمة الكفر ~~كما يقتضيه قوله تعالى { هؤلاء الذين أغوينا . . . } الخ . # والتعريف في { القول } الأظهر أنه تعريف الجنس وهو ما دل عليه { قال } ، ~~أي قال الذين حق عليهم أن يقولوا ، أي الذين كانوا أحرى بأن يجيبوا لعلمهم ~~بأن تبعة المسؤول عنه واقعة عليهم لأنه لما وجه التوبيخ إلى جملتهم تعين أن ~~يتصدى للجواب الفريق الذين ثبتوا العامة على الشرك وأضلوا الدهماء . # وابتدأوا جوابهم بتوجيه النداء إلى الله بعنوان أنه ربهم ، نداء أريد منه ~~الاستعطاف بأنه الذي خلقهم اعترافا منهم بالعبودية وتمهيدا للتنصل من أن ~~يكونوا هم المخترعين ms6144 لدين الشرك فإنهم إنما تلقوه عن غيرهم من سلفهم ، ~~والإشارة PageV20P157 ب { هؤلاء } إلى بقية المنادين معهم قصدا لأن يتميزوا ~~عمن سواهم من أهل الموقف وذلك بإلهام من الله ليزدادوا رعبا ، وأن يكون لهم ~~مطمع في التخليص . و { الذين أغوينا } خبر عن اسم الإشارة وهو اعتراف بأنهم ~~أغووهم . # وجملة { أغويناهم كما غوينا } استئناف بياني لجملة { الذين أغوينا } لأن ~~اعترافهم بأنهم أغووهم يثير سؤال سائل متعجب كيف يعترفون بمثل هذا الجرم ~~فأرادوا بيان الباعث لهم على إغواء إخوانهم وهو أنهم بثوا في عامة أتباعهم ~~الغواية المستقرة في نفوسهم وظنوا أن ذلك الاعتراف يخفف عنهم من العذاب ~~بقرينة قولهم { تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون } . # وإنما لم يقتصر على جملة { أغويناهم } بأن يقال : هؤلاء الذين أغويناهم ~~كما غوينا ، لقصد الاهتمام بذكر هذا الإغواء بتأكيده اللفظي ، وبإجماله في ~~المرة الأولى وتفصيله في المرة الثانية ، فليست إعادة فعل { أغوينا } لمجرد ~~التأكيد . قال ابن جني في كتاب ( التنبيه ) على إعراب الحماسة عند قول ~~الأحوص : # فإذا تزول تزول عن متخمط # تخشى بوادره على الأقران # إنما جاز أن يقول : فإذا تزول تزول ، لما اتصل بالفعل الثاني من حرف الجر ~~المفاد منه الفائدة ، ومثله قول الله تعالى { هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم ~~كما غوينا } ولو قال : هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم لم يفد القول شيئا ، ~~لأنه كقولك : الذي ضربته ضربته ، والتي أكرمتها أكرمتها ، ولكن لما اتصل ب ~~{ أغويناهم } الثانية قوله { كما غوينا } أفاد الكلام كقولك : الذي ضربته ~~ضربته لأنه جاهل . وقد كان أبو علي امتنع في هذه الآية مما اخترناه غير أن ~~الأمر فيها عندي على ما عرفتك ) اه . وقد تقدم بيان كلامه عند قوله تعالى { ~~إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم } في سورة الاسراء ( 7 ) ، وقوله { وإذا بطشتم ~~بطشتم جبارين } في سورة الشعراء ( 130 ) ، وقوله { وإذا مروا باللغو مروا ~~كراما } في سورة الفرقان ( 72 ) ، فإن تلك الآيات تطابق بيت الأحوص ~~لاشتمالهن على ( إذا ) . # و { كما غوينا } صفة لمصدر ، أي إغواء يوقع في نفوسهم غيا مثل الغي الذي ~~في قلوبنا . ووجه الشبه في ms6145 أنهم تلقوا الغواية من غيرهم فأفاد التشبيه أن ~~المجيبين أغواهم مغوون قبلهم ، وهم يحسبون هذا الجواب يدفع التبعة عنهم ~~ويتوهمون أن PageV20P158 السير على قدم الغاوين يبرر الغواية ، وهذا كما ~~حكى عنهم في سورة الشعراء ( 96 ، 99 ) : { قالوا وهم فيها يختصمون تالله إن ~~كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين وما أضلنا إلا المجرمون } . وحذف ~~مفعول فعل { أغوينا } الأول وهو العائد من الصلة إلى الموصول لكثرة حذف ~~أمثاله من كل عائد صلة هو ضمير نصب متصل وناصبه فعل أو وصف شبيه بالفعل ، ~~لأن اسم الموصول مغن عن ذكره ودال عليه فكان حذف العائد اختصارا . وذكر ~~مفعول فعل { أغويناهم } الثاني اهتماما بذكره لعدم الاستغناء عنه في ~~الاستعمال . # وجملة { تبرأنا إليك } استئناف . والتبرؤ : تفعل من البراءة وهي انتفاء ~~ما يصم ، فالتبرؤ : معالجة إثبات البراءة وتحقيقها . وهو يتعدى إلى من ~~يحاول إثبات البراءة لأجله بحرف ( إلى ) الدال على الانتهاء المجازي ؛ يقال ~~: إني أبرأ إلى الله من كذا ، أي أوجه براءتي إلى الله ، كما يتعدى إلى ~~الشيء الذي يصم بحرف ( من ) الاتصالية التي هي للابتداء المجازي قال تعالى ~~{ فبراه الله مما قالوا } ( الأحزاب : 69 ) . وقد تدخل ( من ) على اسم ذات ~~باعتبار مضاف مقدر نحو قوله تعالى { وقال إني بريء منكم } ( الأنفال : 48 ) ~~أي من كفركم . والتقدير : من أعمالكم وشؤونكم إما من أعمال خاصة يدل عليها ~~المقام أو من عدة أعمال . # فالمعنى هنا تحقق التبرؤ لديك والمتبرأ منه هو مضمون جملة { ما كانوا ~~إيانا يعبدون } فهي بيان لإجمال التبرؤ . # والمقصود : أنهم يتبرؤون من أن يكونوا هم المزعوم أنهم شركاء وإنما قصارى ~~أمرهم أنهم مضلون وكان هذا المقصد إلجاء من الله إياهم ليعلنوا تنصلهم من ~~ادعاء أنهم شركاء على رؤوس الملأ ، أو حملهم على ذلك ما يشاهدون من فظاعة ~~عذاب كل من ادعى المشركون له الإلهية باطلا لما سمعوا قوله تعالى { إنكم ~~وما تعبدون عن دون الله حصب جهنم } ( الأنبياء : 98 ) . هذا ما انطوت عليه ~~هذه الآية من المعاني . # وتقديم { إيانا } على { يعبدون } دون أن يقال ms6146 يعبدوننا للاهتمام بهذا ~~التبرؤ مع الرعاية على الفاصلة . PageV20P159 # ( 64 ) . # هذا موجه إلى جميع الذين نودوا بقوله { أين شركائي الذين كنتم تزعمون } ( ~~القصص : 62 ) فإن ذلك النداء كان توبيخا لهم على اتخاذهم آلهة شركاء لله ~~تعالى . فلما شعروا بالمقصد من ندائهم وتصدى كبراؤهم للاعتذار عن اتخاذهم ~~أتبع ذلك بهذا القول . # وأسند فعل القول إلى المجهول لأن الفاعل معلوم مما تقدم ، أي وقال الله . ~~والأمر مستعمل في الإطماع لتعقب الإطماع باليأس . # وإضافة الشركاء إلى ضمير المخاطبين لأنهم الذين ادعوا لهم الشركة كما في ~~آية الأنعام ( 94 ) { الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء . والدعاء دعاء ~~الاستغاثة حسب زعمهم أنهم شفعاؤهم عند الله في الدنيا . وقوله فلم يستجيبوا ~~لهم } هو محل التأييس المقصود من الكلام . # وأما قوله تعالى { ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون } فيحتمل معاني ~~كثيرة فرضها المفسرون : وجماع أقوالهم فيها أخذا وردا أن نجمعها في أربعة ~~وجوه : # أحدها : أن يكون عطفا على جملة { فلم يستجيبوا لهم } . والرؤية بصرية ، ~~والعذاب عذاب الآخرة ، أي أحضر لهم آلة العذاب ليعلموا أن شركاءهم لا يغنون ~~عنهم شيئا . وعلى هذا تكون جملة { لو أنهم كانوا يهتدون } مستأنفة ابتدائية ~~مستقلة عن جملة { ورأوا العذاب } . # الثاني : أن تكون الواو للحال والرؤية أيضا بصرية والعذاب عذاب الآخرة ، ~~أي وقد رأوا العذاب فارتبكوا في الاهتداء إلى سبيل الخلاص فقيل لهم : ادعوا ~~شركاءكم لخلاصكم ، وتكون جملة { لو أنهم كانوا يهتدون } كذلك مستأنفة ~~ابتدائية . # الثالث : أن تكون الرؤية علمية ، وحذف المفعول الثاني اختصارا ، والعذاب ~~عذاب الآخرة . والمعنى : وعلموا العذاب حائقا بهم ، والواو للعطف أو الحال ~~. وجملة { لو أنهم كانوا يهتدون } مستأنفة استئنافا بيانيا كأن سائلا سأل : ~~ماذا PageV20P160 صنعوا حين تحققوا أنهم معذبون ؟ فأجيب بأنهم لو أنهم ~~كانوا يهتدون سبيلا لسلكوه ولكنهم لا سبيل لهم إلى النجاة . # وعلى هذه الوجوه الثلاثة تكون { لو } حرف شرط وجوابها محذوفا دل عليه حذف ~~مفعول { يهتدون } أي يهتدون خلاصا أو سبيلا . والتقدير : لتخلصوا منه . ~~وعلى الوجوه الثلاثة ففعل { كانوا } مزيد في الكلام لتوكيد خبر ( أن ) أي ~~لو أنهم يهتدون ms6147 اهتداء متمكنا من نفوسهم ، وفي ذلك إيماء أنهم حينئذ لا ~~قرارة لنفوسهم . وصيغة المضارع في { يهتدون } دالة على التجدد فالاهتداء ~~منقطع عنهم وهو كناية عن عدم الاهتداء من أصله . # الوجه الرابع : أن تكون { لو } للتمني المستعمل في التحسر عليهم . ~~والمراد اهتداؤهم في حياتهم الدنيا كيلا يقعوا في هذا العذاب ، وفعل { ~~كانوا } حينئذ في موقعه الدال على الاتصاف بالخبر في الماضي ، وصيغة ~~المضارع في { يهتدون } لقصد تجدد الهدى المتحسر على فواته عنهم فإن الهدى ~~لا ينفع صاحبه إلا إذا استمر إلى آخر حياته . # ووجه خامس عندي : أن يكون المراد بالعذاب عذاب الدنيا ، والكلام على حذف ~~مضاف تقديره : ورأوا آثار العذاب . والرؤية بصرية ، أي وهم رأوا العذاب في ~~حياتهم أي رأوا آثار عذاب الأمم الذين كذبوا الرسل وهذا في معنى قوله تعالى ~~في سورة إبراهيم ( 45 ) { وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم ~~كيف فعلنا بهم } ؛ وجملة { لو أنهم كانوا يهتدون } شرط جوابه محذوف دل عليه ~~{ لو أنهم كانوا يهتدون } أي بالاتعاظ وبالاستدلال بحلول العذاب في الدنيا ~~على أن وراءه عذابا أعظم منه لاهتدوا فأقلعوا عن الشرك وصدقوا النبي صلى ~~الله عليه وسلم وهذا لأنه يفيد معنى زائدا على ما أفادته جملة { فلم ~~يستجيبوا لهم } . فهذه عدة معان يفيدها لفظ الآية ، وكلها مقصودة ، فالآية ~~من جوامع الكلم . # ( 65 66 ) . # هو { يوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون } ( القصص : 62 ) . ~~كرر الحديث عنه PageV20P161 باعتبار تعدد ما يقع فيه لأن مقام الموعظة ~~يقتضي الإطناب في تعداد ما يستحق به التوبيخ . وكررت جملة { يوم يناديهم } ~~لأن التكرار من مقتضيات مقام الموعظة . وهذا توبيخ لهم على تكذيبهم الرسل ~~بعد انقضاء توبيخهم على الإشراك بالله . # والمراد : ماذا أجبتم المرسلين في الدعوة إلى توحيد الله وإبطال الشركاء ~~. والمراد ب { المرسلين } محمد صلى الله عليه وسلم كما في قوله تعالى في ~~سورة سبأ ( 45 ) { فكذبوا رسلي } . وله نظائر في القرآن منها قوله { ثم ~~ننجي رسلنا والذين ءامنوا } يريد محمدا صلى الله عليه وسلم في سورة يونس ( ~~103 ms6148 ) وقوله { كذبت قوم نوح المرسلين } الآيات في سورة الشعراء ( 105 ) ، ~~وإنما كذب كل فريق من أولئك رسولا واحدا . والذي اقتضى صيغة الجمع أن جميع ~~المكذبين إنما كذبوا رسلهم بعلة استحالة رسالة البشر إلى البشر فهم إنما ~~كذبوا بجنس المرسلين ، ولام الجنس إذا دخلت على ( جميع ) أبطلت منه معنى ~~الجمعية . # والاستفهام ب { ماذا } صوري مقصود منه إظهار بلبلتهم . و ( ذا ) بعد ( ما ~~) الاستفهامية تعامل معاملة الموصول ، أي ما الذي أجبتم المرسلين ، أي ما ~~جوابكم . و { الأنباء } : جمع نبأ ، وهو الخبر عن أمر مهم ، والمراد به هنا ~~الجواب عن سؤال { ماذا أجبتم المرسلين } لأن ذلك الجواب إخبار عما وقع منهم ~~مع رسلهم في الدنيا . # والمعنى : عميت الأنباء على جميع المسؤولين فسكتوا كلهم ولم ينتدب ~~زعماؤهم للجواب كفعلهم في تلقي السؤال السابق : { أين شركائي الذين كنتم ~~تزعمون } ( القصص : 62 ) . # ومعنى { عميت } خفيت عليهم وهو مأخوذ من عمى البصر لأنه يجعل صاحبه لا ~~يتبين الأشياء ، فتصرفت من العمى معان كثيرة متشابهة يبينها تعدية الفعل ~~كما عدي هنا بحرف ( على ) المناسب للخفاء . ويقال : عمي عليه الطريق . إذا ~~لم يعرف ما يوصل منه ، قال عبد الله بن رواحة : # أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا # به موقنات أن ما قال واقع # والمعنى : خفيت عليهم الأنباء ولم يهتدوا إلى جواب وذلك من الحيرة والوهل ~~PageV20P162 فإنهم لما نودوا { أين شركائي الذين كنتم تزعمون } ( القصص : ~~62 ) انبرى رؤساؤهم فلفقوا جوابا عدلوا به عن جادة الاستفهام إلى إنكار أن ~~يكونوا هم الذين سنوا لقومهم عبادة الأصنام ، فلما سئلوا عن جواب دعوة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم عيوا عن الجواب فلم يجدوا مغالطة لأنهم لم ~~يكونوا مسبوقين من سلفهم بتكذيب الرسول فإن الرسول بعث إليهم أنفسهم . # ولهذا تفرع على ( عميت عليهم الأنباء ) قوله { فهم لا يتساءلون } أي لا ~~يسأل بعضهم بعضا لاستخراج الآراء وذلك من شدة البهت والبغت على الجميع أنهم ~~لا متنصل لهم من هذا السؤال فوجموا . # وإذ كان الاستفهام لتمهيد أنهم محقوقون بالعذاب علم من عجزهم عن الجواب ~~عنه أنهم قد ms6149 حق عليهم العذاب . # ( 67 ) . # تخلل بين حال المشركين ذكر حال الفريق المقابل وهو فريق المؤمنين على ~~طريقة الاعتراض لأن الأحوال تزداد تميزا بذكر أضدادها ، والفاء للتفريع على ~~ما أفاده قوله { فعميت عليهم الأنباء } ( القصص : 66 ) من أنهم حق عليهم ~~العذاب . # ولما كانت ( أما ) تفيد التفصيل وهو التفكيك والفصل بين شيئين أو أشياء ~~في حكم فهي مفيدة هنا أن غير المؤمنين خاسرون في الآخرة وذلك ما وقع ~~الإيماء إليه بقوله { فهم لا يتساءلون } ( القصص : 66 ) فإنه يكتفى بتفصيل ~~أحد الشيئين عن ذكر مقابله ومنه قوله تعالى { فأما الذين آمنوا بالله ~~واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل } ( النساء : 175 ) أي وأما الذين ~~كفروا بالله فبضد ذلك . # والتوبة هنا : الإقلاع عن الشرك والندم على تقلده . وعطف الإيمان عليها ~~لأن المقصود حصول إقلاع عن عقائد الشرك وإحلال عقائد الإسلام محلها ولذلك ~~عطف عليه { وعمل صالحا } لأن بعض أهل الشرك كانوا شاعرين بفساد دينهم ~~PageV20P163 وكان يصدهم عن تقلد شعائر الإسلام أسباب مغرية من الأعراض ~~الزائلة التي فتنوا بها . # و ( عسى ) ترج لتمثيل حالهم بحال من يرجى منه الفلاح . و { أن يكون من ~~المفلحين } أشد في إثبات الفلاح من : أن يفلح ، كما تقدم غير مرة . # ( 68 ) . # . # هذا من تمام الاعتراض وهي جملة { فأما من تاب وءامن وعمل صالحا } ( القصص ~~: 67 ) وظاهر عطفه على ما قبله أن معناه آيل إلى التفويض إلى حكمة الله ~~تعالى في خلق قلوب منفتحة للاهتداء ولو بمراحل ، وقلوب غير منفتحة له فهي ~~قاسية صماء ، وأنه الذي اختار فريقا على فريق . وفي ( أسباب النزول ) ~~للواحدي ( قال أهل التفسير نزلت جوابا للوليد بن المغيرة حين قال فيما أخبر ~~الله عنه { وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم } ( ~~الزخرف : 31 ) اه . يعنون بذلك الوليد بن المغيرة من أهل مكة وعروة بن ~~مسعود الثقفي من أهل الطائف . وهما المراد بالقريتين . وتبعه الزمخشري وابن ~~عطية . فإذا كان كذلك كان اتصال معناها بقوله { ماذا أجبتم المرسلين } ( ~~القصص : 65 ) ، فإن قولهم { لولا نزل هذا القرآن ms6150 على رجل من القريتين عظيم ~~} هو من جملة ما أجابوا به دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم والمعنى : أن ~~الله يخلق ما يشاء من خلقه من البشر وغيرهم ويختار من بين مخلوقاته لما ~~يشاء مما يصلح له جنس ما منه الاختيار ، ومن ذلك اختياره للرسالة من يشاء ~~إرساله ، وهذا في معنى قوله { الله أعلم حيث يجعل رسالاته } ( الأنعام : ~~124 ) ، وأن ليس ذلك لاختيار الناس ورغباتهم ؛ والوجهان لا يتزاحمان . # والمقصود من الكلام هو قوله { ويختار } فذكر { يخلق ما يشاء } إيماء إلى ~~أنه أعلم بمخلوقاته . # وتقديم المسند إليه على خبره الفعلي يفيد القصر في هذا المقام إن لوحظ ~~سبب النزول أي ربك وحده لا أنتم تختارون من يرسل إليكم . # وجوز أن يكون { ما } من قوله { ما كان لهم الخيرة } موصولة مفعولا لفعل ~~PageV20P164 { يختار } وأن عائد الموصول مجرور ب ( في ) محذوفين . والتقدير ~~: ويختار ما لهم فيه الخير ، أي يختار لهم من الرسل ما يعلم أنه صالح بهم ~~لا ما يشتهونه من رجالهم . # وجملة { ما كان لهم الخيرة } استئناف مؤكد لمعنى القصر لئلا يتوهم أن ~~الجملة قبله مفيدة مجرد التقوي . وصيغة { ما كان } تدل على نفي للكون يفيد ~~أشد مما يفيد لو قيل : ما لهم الخيرة ، كما تقدم في قوله تعالى { وما كان ~~ربك نسيا } في سورة مريم ( 64 ) . # والابتداء بقوله { وربك يخلق ما يشاء } تمهيد للمقصود وهو قوله { ويختار ~~ما كان لهم الخيرة } أي كما أن الخلق من خصائصه فكذلك الاختيار . # و { الخيرة } بكسر الخاء وفتح التحتية : اسم لمصدر الاختيار مثل الطيرة ~~اسم لمصدر التطير . قال ابن الأثير : ولا نظير لهما . وفي ( اللسان ) ما ~~يوهم أن نظيرهما : سبي طيبة ، إذا لم يكن فيه غدر ولا نقض عهد . ويحتمل أنه ~~أراد التنظير في الزنة لا في المعنى ، لأنها زنة نادرة . # واللام في { لهم } للملك ، أي ما كانوا يملكون اختيارا في المخلوقات حتى ~~يقولوا { لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم } ( الزخرف : 31 ) ~~. ونفي الملك عنهم مقابل لقوله { ما يشاء } لأن { ما يشاء ms6151 } يفيد معنى ملك ~~الاختيار . # وفي ذكر الله تعالى بعنوان كونه ربا للنبيء صلى الله عليه وسلم إشارة إلى ~~أنه اختاره لأنه ربه وخالقه فهو قد علم استعداده لقبول رسالته . # . # استئناف ابتدائي لإنشاء تنزيه الله وعلوه على طريقة الثناء عليه بتنزهه ~~عن كل نقص وهي معترضة بين المتعاطفين . و { سبحان } مصدر نائب مناب فعله ~~كما تقدم في قوله { قالوا سبحانك لا علم لنا } في سورة البقرة ( 32 ) . ~~وأضيف { سبحان } إلى اسمه العلم دون أن يقال : وسبحانه ، بعد أن قال { وربك ~~يعلم } ( القصص : 69 ) لأن اسم الجلالة مختص به تعالى وهو مستحق للتنزيه ~~بذاته لأن استحقاق PageV20P165 جميع المحامد مما تضمنه اسم الجلالة في أصل ~~معناه قبل نقله إلى العلمية . # والمجرور يتنازعه كلا الفعلين . ووجه تقييد التنزيه والترفيع ب ( ما ~~يشركون ) أنه لم يجترىء أحد أن يصف الله تعالى بما لا يليق به ويستحيل عليه ~~إلا أهل الشرك بزعمهم أن ما نسبوه إلى الله إنما هو كمال مثل اتخاذ الولد ~~أو هو مما أنبأهم الله به ، و { إذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا ~~والله أمرنا بها } ( الأعراف : 28 ) . وزعموا أن الآلهة شفعاؤهم عند الله . ~~وقالوا في التلبية : لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك . وأما ~~ما عدا ذلك فهم معترفون بالكمال لله ، قال تعالى { ولئن سألتهم من خلق ~~السماوات والأرض ليقولن الله } ( لقمان : 25 ) . و { ما } مصدرية أي سبحانه ~~وتعالى عن إشراكهم . # ( 69 ) . # عطف على { وربك يخلق ما يشاء ويختار } ( القصص : 68 ) أي هو خالقهم ~~ومركبهم على النظام الذي تصدر عنه الأفعال والاعتقادات فيكونون مستعدين ~~لقبول الخير والشر وتغليب أحدهما على الآخر اعتقادا وعملا ، وهو يعلم ما ~~تخفيه صدورهم ، أي نفوسهم وما يعلنونه من أقوالهم وأفعالهم . فضمير { ~~صدورهم } عائد إلى { ما } من قوله { يخلق ما يشاء } ( القصص : 68 ) باعتبار ~~معناها ، أي ما تكن صدور المخلوقات وما يعلنون . وحيث أجريت عليهم ضمائر ~~العقلاء فقد تعين أن المقصود البشر من المخلوقات وهم المقصود من العموم في ~~{ ما يشاء } ( القصص : 68 ms6152 ) فبحسب ما يعلم منهم يختارهم ويجازيهم فحصل بهذا ~~إيماء إلى علة الاختيار وإلى الوعد والوعيد . وهذا منتهى الإيجاز . # وفي إحضار الجلالة بعنوان { وربك } إيماء إلى أن مما تكنه صدورهم بغض ~~محمد صلى الله عليه وسلم وتقدم { ما تكن صدورهم وما يعلنون } آخر النمل ( ~~74 ) . # ( 70 ) . . # عطف على جملة { وربك يخلق ما يشاء ويختار } ( القصص : 68 ) الآية . ~~والمقصود هو قوله PageV20P166 { وله الحكم } وإنما قدم عليه ما هو دليل على ~~أنه المنفرد بالحكم مع إدماج صفات عظمته الذاتية المقتضية افتقار الكل إليه ~~. # ولذلك ابتدئت الجملة بضمير الغائب ليعود إلى المتحدث عنه بجميع ما تقدم ~~من قوله { وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها } ( القصص : 58 ) إلى هنا ، أي ~~الموصوف بتلك الصفات العظيمة والفاعل لتلك الأفعال الجليلة . والمذكور ~~بعنوان { ربك } ( القصص : 69 ) هو المسمى الله اسما جامعا لجميع معاني ~~الكمال . فضمير الغيبة مبتدأ واسم الجلالة خبره ، أي فلا تلتبسوا فيه ولا ~~تخطئوا بادعاء ما لا يليق باسمه . وقريب منه قوله { فذلكم الله ربكم الحق } ~~( يونس : 32 ) . # وقوله { لا إله إلا هو } خبر ثان عن ضمير الجلالة ، وفي هذا الخبر الثاني ~~زيادة تقرير لمدلول الخبر الأول فإن اسم الجلالة اختص بالدلالة على الإله ~~الحق إلا أن المشركين حرفوا أو أثبتوا الإلهية للأصنام مع اعترافهم بأنها ~~إلهية دون إلهية الله تعالى فكان من حق النظر أن يعلم أن لا إله إلا هو ، ~~فكان هذا إبطالا للشرك بعد إبطاله بحكاية تلاشيه عن أهل ملته يوم القيامة ~~بقوله { وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم } ( القصص : 64 ) . # وأخبر عن اسم الجلالة خبرا ثانيا بقوله { له الحمد في الأولى والآخرة } ~~وهو استدلال على انتفاء إلهية غيره بحجة أن الناس مؤمنهم وكافرهم لا يحمدون ~~في الدنيا إلا الله فلا تسمع أحدا من المشركين يقول : الحمد للعزى ، مثلا . # فاللام في { له } للملك ، أي لا يملك الحمد غيره ، وتقديم المجرور لإفادة ~~الاختصاص وهو اختصاص حقيقي . # وتعريف { الحمد } تعريف الجنس المفيد للاستغراق ، أي له كل حمد . # و { الأولى } هي الدنيا وتخصيص الحمد به ms6153 في الدنيا اختصاص لجنس الحمد به ~~لأن حمد غيره مجاز كما تقدم في أول الفاتحة . # وأما الحمد في الآخرة فهو ما في قوله { يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده } ( ~~الإسراء : 52 ) . واختصاص الجنس به في الآخرة حقيقة . PageV20P167 # وقوله { وله الحكم } اللام فيه أيضا للملك . والتقديم للاختصاص أيضا . و ~~{ الحكم } : القضاء وهو تعيين نفع أو ضر للغير . وحذف المتعلق بالحكم ~~لدلالة قوله { في الأولى والآخرة } عليه ، أي له الحكم في الدارين . ~~والاختصاص مستعمل في حقيقته ومجازه لأن الحكم في الدنيا يثبت لغير الله على ~~المجاز ، وأما الحكم في الآخرة فمقصور على الله . وفي هذا إبطال لتصرف آلهة ~~المشركين فيما يزعمونه من تصرفاتها وإبطال لشفاعتها التي يزعمونها في قولهم ~~{ هؤلاء شفعاؤنا عند الله } ( يونس : 18 ) أي في الآخرة إن كان ما زعمتم من ~~البعث . # وأما جملة { وإليه ترجعون } فمسوقة مساق التخصيص بعد التعميم ، فبعد أن ~~أثبت لله كل حمد وكل حكم ، أي أنكم ترجعون إليه في الآخرة فتمجدونه ويجري ~~عليكم حكمه . والمقصود بهذا إلزامهم بإثبات البعث . # وتقديم المجرور في { وإليه ترجعون } للرعاية على الفاصلة وللاهتمام ~~بالانتهاء إليه أي إلى حكمه . # ( 71 72 ) . # انتقال من الاستدلال على انفراده تعالى بالإلهية بصفات ذاته إلى ~~الاستدلال على ذلك ببديع مصنوعاته ، وفي ضمن هذا الاستدلال إدماج الامتنان ~~على الناس وللتعريض بكفر المشركين جلائل نعمه . # ومن أبدع الاستدلال أن اختير للاستدلال على وحدانية الله هذا الصنع ~~العجيب المتكرر كل يوم مرتين ، والذي يستوي في إدراكه كل مميز ، والذي هو ~~أجلى مظاهر التغير في هذا العالم فهو دليل الحدوث وهو مما يدخل في التكيف ~~به جميع الموجودات في هذا العالم حتى الأصنام فهي تظلم وتسود أجسامها بظلام ~~الليل وتشرق وتضيء بضياء النهار ، وكان الاستدلال بتعاقب الضياء والظلمة ~~على PageV20P168 الناس أقوى وأوضح من الاستدلال بتكوين أحدهما لو كان دائما ~~، لأن قدرة خالق الضدين وجاعل أحدهما ينسخ الآخر كل يوم أظهر منها لو لم ~~يخلق إلا أقواهما وأنفعهما ، ولأن النعمة بتعاقبهما دوما أشد من الأنعام ~~بأفضلهما وأنفعهما لأنه لو كان دائما لكان ms6154 مسؤوما ولحصلت منه طائفة من ~~المنافع ، وفقدت منافع ضده . فالتنقل في النعم مرغوب فيه ولو كان تنقلا إلى ~~ما هو دون . وسيق إليهم هذا الاستدلال بأسلوب تلقين النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن يقوله لهم اهتماما بهذا التذكير لهذا الاستدلال ولاشتماله على ضدين ~~متعاقبين ، حتى لو كانت عقولهم قاصرة عن إدراك دلالة أحد الضدين لكان في ~~الضد الآخر تنبيه لهم ، ولو قصروا عن حكمة كل واحد منهما كان في تعاقبهما ~~ما يكفي للاستدلال . # وجيء في الشرطين بحرف { إن } لأن الشرط مفروض فرضا مخالفا للواقع . وعلم ~~أنه قصد الاستدلال بعبرة خلق النور ، فلذلك فرض استمرار الليل ، والمقصود ~~ما بعده وهو قوله { من إله غير الله يأتيكم بضياء } . # والسرمد : الدائم الذي لا ينقطع . قال في ( الكشاف ) : من السرد وهو ~~المتابعة ومنه قولهم في الأشهر الحرم : ثلاثة سرد وواحد فرد . والميم مزيدة ~~ووزنه فعمل ، ونظيره دلامص من الدلاص اه . دلامص ( بضم الدال وكسر الميم ) ~~من صفات الدرع وأصلها دلاص ( بدال مكسورة ) أي براقة . ونسب إلى صاحب ( ~~القاموس ) وبعض النحاة أن ميم سرمد أصلية وأن وزنه فعلل . والمراد بجعل ~~الليل سرمدا أن لا يكون الله خلق الشمس ويكون خلق الأرض فكانت الأرض مظلمة ~~. # والرؤية قلبية . والاستفهام في { أرأيتم } تقريري ، والاستفهام في { من ~~إله غير الله يأتيكم بضياء } إنكاري وهم معترفون بهذا الانتفاء وأن خالق ~~الليل والنهار هو الله تعالى لا غيره . # والمراد بالغاية في قوله { إلى يوم القيامة } إحاطة أزمنة الدنيا وليس ~~المراد انتهاء جعله سرمدا . # والإتيان بالضياء وبالليل مستعار للإيجاد ؛ شبه إيجاد الشيء الذي لم يكن ~~PageV20P169 موجودا بالإجاءة بشيء من مكان إلى مكان ، ووجه الشبه المثول ~~والظهور . # والضياء : النور . وهو في هذا العالم من شعاع الشمس قال تعالى { هو الذي ~~جعل الشمس ضياء } . وتقدم في سورة يونس ( 5 ) . وعبر بالضياء دون النهار ~~لأن ظلمة الليل قد تخف قليلا بنور القمر فكان ذكر الضياء إيماء إلى ذلك . # وفي تعدية فعل { يأتيكم } في الموضعين إلى ضمير المخاطبين إيماء إلى أن ~~إيجاد الضياء وإيجاد الليل نعمة ms6155 على الناس . وهذا إدماج للامتنان في أثناء ~~الاستدلال على الانفراد بالإلهية . وإذ قد استمر المشركون على عبادة ~~الأصنام بعد سطوع هذا الدليل وقد علموا أن الأصنام لا تقدر على إيجاد ~~الضياء جعلوا كأنهم لا يسمعون هذه الآيات التي أقامت الحجة الواضحة على ~~فساد معتقدهم ، ففرع على تلك الحجة الاستفهام الإنكاري عن انتفاء سماعهم ~~بقوله { أفلا تسمعون } أي أفلا تسمعون الكلام المشتمل على التذكير بأن الله ~~هو خالق الليل والضياء ومنه هذه الآية . وليس قوله { أفلا تسمعون } تذييلا ~~. # وكرر الأمر بالقول في مقام التقرير لأن التقرير يناسبه التكرير مثل مقام ~~التوبيخ ومقام التهويل . # وعكس الاستدلال الثاني بفرض أن يكون النهار وهو انتشار نور الشمس ، سرمدا ~~بأن خلق الله الأرض غير كروية الشكل بحيث يكون شعاع الشمس منتشرا على جميع ~~سطح الأرض دوما . # ووصف الليل ب { تسكنون فيه } إدماج للمنة في أثناء الاستدلال للتذكير ~~بالنعمة المشتملة على نعم كثيرة وتلك هي نعمة السكون فيه فإنها تشمل لذة ~~الراحة ، ولذة الخلاص من الحر ، ولذة استعادة نشاط المجموع العصبي الذي به ~~التفكير والعمل ، ولذة الأمن من العدو . # ولم يوصف الضياء بشيء لكثرة منافعه واختلاف أنواعها . # وتفرع على هذا الاستدلال أيضا تنزيلهم منزلة من لا يبصرون الأشياء الدالة ~~على عظيم صنع الله وتفرده بصنعها وهي منهم بمرأى الأعين . PageV20P170 # وناسب السمع دليل فرض سرمدة الليل لأن الليل لو كان دائما لم تكن للناس ~~رؤية فإن رؤية الأشياء مشروطة بانتشار شيء من النور على سطح الجسم المرئي ، ~~فالظلمة الخالصة لا ترى فيها المرئيات . ولذلك جيء في جانب فرض دوام الليل ~~بالإنكار على عدم سماعهم ، وجيء في جانب فرض دوام النهار بالإنكار على عدم ~~إبصارهم . # وليس قوله { أفلا تبصرون } تذييلا . # ( 73 ) . # تصريح بنعمة تعاقب الليل والنهار على الناس بقوله { لتسكنوا فيه ولتبتغوا ~~من فضله } ، وذلك مما دلت عليه الآية السابقة بطريق الإدماج بقوله { يأتيكم ~~} ( القصص : 71 ) وبقوله { تسكنون فيه } ( القصص : 72 ) كما تقدم آنفا . # وجملة { جعل لكم الليل والنهار } الخ معطوفة على جملة { أرأيتم إن جعل ~~الله عليكم ms6156 الليل سرمدا } ( القصص : 71 ) . # و { من } تبعيضية فإن رحمة الله بالناس حقيقة كلية لها تحقق في وجود ~~أنواعها وآحادها العديدة ، والمجرور ب { من } يتعلق بفعل { جعل لكم الليل } ~~، وكذلك يتعلق به { لكم } ، والمقصود إظهار أن هذا رحمة من الله وأنه بعض ~~من رحمته التي وسعت كل شيء ليتذكروا بهما نعما أخرى . # وقدم المجرور ب { من رحمته } على عامله للاهتمام بمنة الرحمة . # وقد سلك في قوله { لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله } طريقة اللف والنشر ~~المعكوس فيعود { لتسكنوا فيه } إلى الليل ، ويعود { ولتبتغوا من فضله } إلى ~~النهار ، والتقدير : ولتبتغوا من فضله فيه ، فحذف الضمير وجاره إيجازا ~~اعتمادا على المقابلة . # والابتغاء من فضل الله : كناية عن العمل والطلب لتحصيل الرزق قال تعالى { ~~وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله } ( المزمل : 20 ) . والرزق : ~~فضل من الله . PageV20P171 # وتقدم في قوله تعالى { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم } في سورة ~~البقرة ( 198 ) . ولام { لتسكنوا } ولام { ولتبتغوا } للتعليل ، ومدخولاهما ~~علتان للجعل المستفاد من فعل { جعل } . # وعطف على العلتين رجاء شكرهم على هاتين النعمتين اللتين هما من جملة ~~رحمته بالناس فالشأن أن يتذكروا بذلك مظاهر الرحمة الربانية وجلائل النعم ~~فيشكروه بإفراده بالعبادة . وهذا تعريض بأنهم كفروا فلم يشكروا . # وقرأ الجمهور { أرأيتم } ( القصص : 71 ) بألف بعد الراء تخفيفا لهمزة رأى ~~. وقرأ الكسائي بحذف الهمزة زيادة في التخفيف وهي لغة . # ( 74 75 ) . # كررت جملة { يوم يناديهم } مرة ثانية لأن التكرير من مقتضيات مقام ~~التوبيخ فلذلك لم يقل : ويوم ننزع من كل أمة شهيدا ، فأعيد ذكر أن الله ~~يناديهم بهذا الاستفهام التقريعي وينزع من كل أمة شهيدا ، فظاهر الآية أن ~~ذلك النداء يكرر يوم القيامة . ويحتمل أنه إنما كررت حكايته وأنه نداء واحد ~~يقع عقبه جواب الذين حق عليهم القول من مشركي العرب ويقع نزع شهيد من كل ~~أمة عليهم فهو شامل لمشركي العرب وغيرهم من الأمم . وجيء بفعل المضي في { ~~نزعنا } : إما للدلالة على تحقيق وقوعه حتى كأنه قد وقع ، وإما لأن الواو ~~للحال وهي يعقبها الماضي ms6157 ب ( قد ) وبدون ( قد ) أي يوم يكون ذلك النداء وقد ~~أخرجنا من كل أمة شهيدا عليهم وأخرجنا من هؤلاء شهيدا وهو محمد صلى الله ~~عليه وسلم كما قال تعالى { ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم ~~وجئنا بك شهيدا على هؤلاء } ( النحل : 89 ) . وشهيد كل أمة رسولها . # والنزع : جذب شيء من بين ما هو مختلط به واستعير هنا لإخراج بعض من جماعة ~~كما في قوله تعالى { ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمان ~~PageV20P172 عتيا } في سورة مريم ( 69 ) . وذلك أن الأمم تأتي إلى المحشر ~~تتبع أنبياءها ، وهذا المجيء الأول ، ثم تأتي الأنبياء مع كل واحد منهم من ~~آمنوا به كما ورد في الحديث ( يأتي النبي معه الرهط والنبي وحده ما معه أحد ~~) . # والتفت من الغيبة إلى التكلم في { ونزعنا } لإظهار عظمة التكلم ، وعطف { ~~فقلنا } على { ونزعنا } لأنه المقصود . والمخاطب ب { هاتوا } هم المشركون ، ~~أي هاتوا برهانكم على إلهية أصنامكم . # و { هاتوا } اسم فعل معناه ناولوا ، وهات مبني على الكسر . وقد تقدم في ~~قوله تعالى { قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين } في سورة البقرة ( 111 ) ، ~~واستعيرت المناولة للإظهار . # والأمر مستعمل في التعجيز فهو يقتضي أنهم على الباطل فيما زعموه من ~~الشركاء ، ولما علموا عجزهم من إظهار برهان لهم في جعل الشركاء لله أيقنوا ~~أن الحق مستحق لله تعالى ، أي علموا علم اليقين أنهم لا حق لهم في إثبات ~~الشركاء وأن الحق لله إذ كان ينهاهم عن الشرك على لسان الرسول في الدنيا ، ~~وأن الحق لله إذ ناداهم بأمر التعجيز في قوله { هاتوا برهانكم } . # و { ما كانوا يفترون } يشمل ما كانوا يكذبونه من المزاعم في إلهية ~~الأصنام وما كانوا يفترون له الإلهية من الأصنام ، كل ذلك كانوا يفترونه . # والضلال : أصله عدم الاهتداء إلى الطريق . واستعير هنا لعدم خطور الشيء ~~في البال ولعدم حضوره في المحضر من استعمال اللفظ في مجازيه . # و { عنهم } متعلق بفعل { ضل } . والمراد : ضل عن عقولهم وعن مقامهم ؛ ~~مثلوا بالمقصود للسائر في طريق حين يخطىء ms6158 الطريق فلا يبلغ المكان المقصود . ~~وعلق بالضلال ضمير ذواتهم ليشمل ضلال الأمرين فيفيد أنهم لم يجدوا حجة ~~يروجون بها زعمهم إلهية الأصنام ، ولم يجدوا الأصنام حاضرة للشفاعة فيهم ~~فوجموا عن الجواب وأيقنوا بالمؤاخذة . PageV20P173 # ( 76 ، 77 ) { } . # . # كان من صنوف أذى أيمة الكفر النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين ، ومن ~~دواعي تصلبهم في إعراضهم عن دعوته اعتزازهم بأموالهم وقالوا { لولا نزل هذا ~~القرآن على رجل من القريتين عظيم } ( الزخرف : 31 ) أي على رجل من أهل ~~الثروة فهي عندهم سبب العظمة ونبزهم المسلمين بأنهم ضعفاء القوم ، وقد تكرر ~~في القرآن توبيخهم على ذلك كقوله { وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا } ( سبأ ~~: 35 ) وقوله { وذرني والمكذبين أولي النعمة } ( المزمل : 11 ) الآية . روى ~~الواحدي عن ابن مسعود وغيره بأسانيد : إن الملأ من قريش وسادتهم منهم عتبة ~~بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والمطعم بن عدي والحارث بن نوفل . قالوا : ( أيريد ~~محمد أن نكون تبعا لهؤلاء ( يعنون خبابا ، وبلالا ، وعمارا ، وصهيبا ) فلو ~~طرد محمد عنه موالينا وعبيدنا كان أعظم له في صدورنا وأطمع له عندنا وأرجى ~~لاتباعنا إياه وتصديقنا له فأنزل الله تعالى { ولا تطرد الذين يدعون ربهم } ~~إلى قوله { بالشاكرين } ( الأنعام : 52 ، 53 ) . وكان فيما تقدم من الآيات ~~قريبا قوله تعالى { وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها } إلى ~~قوله { من المحضرين } ( القصص : 60 ، 61 ) كما تقدم . # وقد ضرب الله الأمثال للمشركين في جميع أحوالهم بأمثال نظرائهم من الأمم ~~السالفة فضرب في هذه السورة لحال تعاظمهم بأموالهم مثلا بحال قارون مع موسى ~~وأن مثل قارون صالح لأن يكون مثلا لأبي لهب ولأبي سفيان بن الحارث بن عبد ~~المطلب قبل إسلامه في قرابتهما من النبي صلى الله عليه وسلم وأذاهما إياه ، ~~وللعاصي بن وائل السهمي في أذاه لخباب بن الأرت وغيره ، وللوليد بن المغيرة ~~من التعاظم بماله وذويه . قال تعالى { ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ~~ممدودا } ( المدثر : 11 ، 12 ) فإن المراد به الوليد بن المغيرة . # فقوله { إن قارون كان من قوم موسى } اسئناف ابتدائي لذكر ms6159 قصة ضربت مثلا ~~لحال بعض كفار مكة وهم سادتهم مثل الوليد بن المغيرة وأبي جهل بن هشام ولها ~~مزيد تعلق بجملة { وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها } إلى ~~قوله { ثم هو يوم القيامة من المحضرين } ( القصص : 60 ، 61 ) . PageV20P174 # ولهذه القصة اتصال بانتهاء قصة جند فرعون المنتهية عند قوله تعالى { وما ~~كنت بجانب الطور إذ نادينا } ( القصص : 46 ) الآية . # و { قارون } اسم معرب أصله في العبرانية ( قورح ) بضم القاف مشبعة وفتح ~~الراء ، وقع في تعريبه تغيير بعض حروفه للتخفيف ، وأجري وزنه على متعارف ~~الأوزان العربية مثل طالوت ، وجالوت ، فليست حروفه حروف اشتقاق من مادة قرن ~~. # و ( قورح هذا ابن عم موسى عليه السلام دنيا ) ، فهو قورح بن يصهار بن ~~قهات بن لاوى بن يعقوب . وموسى هو ابن عمرم المسمى عمران في العربية ابن ~~قاهت فيكون يصاهر أخا عمرم ، وورد في الإصحاح السادس عشر من سفر العدد أن ( ~~قورح ) هذا تألب مع بعض زعماء بني إسرائيل مائتين وخمسين رجلا منهم على ~~موسى وهارون عليهما السلام حين جعل الله الكهانة في بني هارون من سبط ( ~~لاوى ) فحسدهم قورح إذ كان ابن عمهم وقال لموسى وهارون : ما بالكما ترتفعان ~~على جماعة الرب إن الجماعة مقدسة والرب معها فغضب الله على قورح وأتباعه ~~وخسف بهم الأرض وذهبت أموال ( قورح ) كلها ، وكان ذلك حين كان بنو إسرائيل ~~على أبواب ( أريحا ) قبل فتحها . وذكر المفسرون أن فرعون كان جعل ( قورح ) ~~رئيسا على بني إسرائيل في مصر وأنه جمع ثروة عظيمة . # وما حكاه القرآن يبين سبب نشوء الحسد في نفسه لموسى لأن موسى لما جاء ~~بالرسالة وخرج ببني إسرائيل زال تأمر { قارون } على قومه فحقد على موسى . ~~وقد أكثر القصاص من وصف بذخة قارون وعظمته ما ليس في القرآن . وما لهم به ~~من برهان . وتلقفه المفسرون حاشا ابن عطية . # وافتتاح الجملة بحرف التوكيد يجوز أن يكون لإفادة تأكيد خبر { إن } وما ~~عطف عليه وتعلق به مما اشتملت عليه القصة وهو سوء عاقبة الذين تغرهم ~~أموالهم وتزدهيهم ms6160 فلا يكترثون بشكر النعمة ويستخفون بالدين ، ويكفرون ~~بشرائع الله لظهور أن الإخبار عن قارون بأنه من قوم موسى ليس من شأنه أن ~~يتردد فيه السامع حتى يؤكد له ، فمصب التأكيد هو ما بعد قوله { إذ قال له ~~قومه لا تفرح } إلى آخر القصة المنتهية بالخسف . PageV20P175 # ويجوز أن تكون { إن } لمجرد الاهتمام بالخبر ومناط الاهتمام هو مجموع ما ~~تضمنته القصة من العبر التي منها أنه من قوم موسى فصار عدوا له ولأتباعه ، ~~فأمره أغرب من أمر فرعون . # وعدل عن أن يقال : كان من بني إسرائيل ، لما في إضافة { قوم } إلى { موسى ~~} من الإيماء إلى أن لقارون اتصالا خاصا بموسى فهو اتصال القرابة . # وجملة { فبغى عليهم } معترضة بين جملة { إن قارون كان من قوم موسى } ~~وجملة { وءاتيناه من الكنوز } ، والفاء فيها للترتيب والتعقيب ، أي لم يلبث ~~أن بطر النعمة واجترأ على ذوي قرابته ، للتعجيب من بغي أحد على قومه كما ~~قال طرفة : # وظلم ذوي القربى أشد مضاضة # على المرء من وقع الحسام المهند # والبغي : الاعتداء ، والاعتداء على الأمة الاستخفاف بحقوقها ، وأول ذلك ~~خرق شريعتها . وفي الإخبار عنه بأنه { من قوم موسى } تمهيد للكناية بهذا ~~الخبر عن إرادة التنظير بما عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم من بغي بعض ~~قرابته من المشركين عليه . # وفي قوله { إن قارون كان من قوم موسى } محسن بديعي وهو ما يسمى النثر ~~المتزن ، أي النثر الذي يجيء بميزان بعض بحور الشعر ، فإن هذه الجملة جاءت ~~على ميزان مصراع من بحر الخفيف ، ووجه وقوع ذلك في القرآن أن الحال البلاغي ~~يقتضي التعبير بألفاظ وتركيب يكون مجموعه في ميزان مصراع من أحد بحور الشعر ~~. # وجملة { إن مفاتحه لتنوء بالعصبة } صلة { ما } الموصولة عند نحاة البصرة ~~الذين لا يمنعون أن تقع { إن } في افتتاح صلة الموصول . ومنع الكوفيون من ~~ذلك واعتذر عنهم بأن ذلك غير مسموع في كلام العرب ولذلك تأولوا { ما } هنا ~~بأنها نكرة موصوفة وأن الجملة بعدها في محل الصفة . # والمفاتح : جمع مفتح بكسر الميم وفتح المثناة الفوقيية ms6161 وهو آلة الفتح ، ~~ويسمى المفتاح أيضا . وجمعه مفاتيح وقد تقدم عند قوله تعالى { وعنده مفاتح ~~الغيب } في سورة الأنعام ( 59 ) . PageV20P176 # و { الكنوز } : جمع كنز وهو مختزن المال من صندوق أو خزانة ، وتقدم في ~~قوله تعالى { لولا أنزل عليه كنز } في سورة هود ( 12 ) ، وأنه كان يقدر ~~بمقدار من المال مثل ما يقولون : بدرة مال ، وأنه كان يجعل لذلك المقدار ~~خزانة أو صندوق يسعه ولكل صندوق أو خزانة مفتاحه . وعن أبي رزين لقيط بن ~~عامر العقيلي أحد الصحابة أنه قال ( يكفي الكوفة مفتاح ) أي مفتاح واحد ، ~~أي كنز واحد من المال له مفتاح ، فتكون كثرة المفاتيح كناية عن كثرة ~~الخزائن وتلك كناية عن وفرة المال فهو كناية بمرتبتين مثل : # جبان الكلب مهزول الفصيل # ( وتنوء ) : تثقل . ويظهر أن الباء في قوله { بالعصبة } باء الملابسة أن ~~تثقل مع العصبة الذين يحملونها فهي لشدة ثقلها تثقل مع أن حملتها عصبة أولو ~~قوة وليست هذه الباء باء السببية كالتي في قول امرىء القيس : # وأردف إعجازا وناء بكلكل # ولا كمثال صاحب ( الكشاف ) : ناء به الحمل ، إذا أثقله الحمل حتى أماله . # وأما قول أبي عبيدة بأن تركيب الآية فيه قلب ، فلا يقبله من كان له قلب . # والعصبة : الجماعة ، وتقدم في سورة يوسف . وأقرب الأقوال في مقدارها قول ~~مجاهد أنه من عشرة إلى خمسة عشر . وكان اكتسب الأموال في مصر وخرج بها . # . # { إذ } ظرف منصوب بفعل ( بغى عليهم ) والمقصود من هذا الظرف القصة وليس ~~القصد به توقيت البغي ولذلك قدره بعض المفسرين متعلقا ب ( أذكر ) محذوفا ~~وهو المعني في نظائره من القصص . # والمراد بالقوم بعضهم إما جماعة منهم وهم أهل الموعظة وإما موسى عليه ~~السلام أطلق عليه اسم القوم لأن أقواله قدوة للقوم فكأنهم قالوا قوله . ~~PageV20P177 # والفرح يطلق على السرور كما في قوله تعالى { وفرحوا بها } في يونس ( 22 ) ~~. ويطلق على البطر والازدهاء ، وهو الفرح المفرط المذموم ، وتقدم في قوله ~~تعالى { وفرحوا بالحياة الدنيا } في سورة الرعد ( 26 ) وهو التمحض للفرح . ~~والفرح المنهي عنه هو المفرط منه ، أي ms6162 الذي تمحض للتعلق بمتاع الدنيا ولذات ~~النفس به لأن الانكباب على ذلك يميت من النفس الاهتمام بالأعمال الصالحة ~~والمنافسة لاكتسابها فينحدر به التوغل في الإقبال على اللذات إلى حضيض ~~الإعراض عن الكمال النفساني والاهتمام بالآداب الدينية ، فحذف المتعلق ~~بالفعل لدلالة المقام على أن المعنى لا تفرح بلذات الدنيا معرضا عن الدين ~~والعمل للآخرة كما أفصح عنه قوله { وابتغ فيما ءاتاك الله الدار الآخرة } . ~~وأحسب أن الفرح إذا لم يعلق به شيء دل على أنه صار سجية الموصوف فصار مرادا ~~به العجب والبطر . وقد أشير إلى بيان المقصود تعضيدا لدلالة المقام بقوله { ~~إن الله لا يحب الفرحين } ، أي المفرطين في الفرح فإن صيغة ( فعل ) صيغة ~~مبالغة مع الإشارة إلى تعليل النهي ، فالجملة علة للتي قبلها ، والمبالغة ~~في الفرح تقتضي شدة الإقبال على ما يفرح به وهي تستلزم الإعراض عن غيره ~~فصار النهي عن شدة الفرح رمزا إلى الإعراض عن الجد والواجب في ذلك . # وابتغاء الدار الآخرة طلبها ، أي طلب نعيمها وثوابها . وعلق بفعل ~~الابتغاء قوله { فيما ءاتاك الله } بحرف الظرفية ، أي اطلب بمعظمه وأكثره . ~~والظرفية مجازية للدلالة على تغلغل ابتغاء الدار الآخرة في ما آتاه الله ~~وما آتاه هو كنوز المال ، فالظرفية هنا كالتي في قوله تعالى { وارزقوهم ~~فيها واكسوهم } ( النساء : 5 ) أي منها ومعظمها ، وقول سبرة بن عمرو ~~الفقعسي : # نحابي بها أكفاءنا ونهينها # ونشرب في أثمانها ونقامر # أي اطلب بكنوزك أسباب حصول الثواب بالإنفاق منها في سبيل الله وما أوجبه ~~ورغب فيه من القربان ووجوه البر . # . # جملة معترضة بين الجملتين الحافتين بها ، والواو اعتراضية . PageV20P178 # والنهي في { ولا تنس نصيبك } مستعمل في الإباحة . والنسيان كناية عن ~~الترك كقوله في حديث الخيل ( ولم ينس حق الله في رقابها ) ، أي لا نلومك ~~على أن تأخذ نصيبك من الدنيا أي الذي لا يأتي على نصيب الآخرة . وهذا ~~احتراس في الموعظة خشية نفور الموعوظ من موعظة الواعظ لأنهم لما قالوا ~~لقارون { وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة } أوهموا أن يترك حظوظ الدنيا ~~فلا يستعمل ماله ms6163 إلا في القربات ، فأفيد أن له استعمال بعضه في ما هو متمحض ~~لنعيم الدنيا إذا آتى حق الله في أمواله . فقيل : أرادوا أن لك أن تأخذ ما ~~أحل الله لك . # والنصيب : الحظ والقسط ، وهو فعيل من النصب لأن ما يعطى لأحد ينصب له ~~ويميز ، وإضافة النصيب إلى ضميره دالة على أنه حقه وأن للمرء الانتفاع ~~بماله في ما يلائمه في الدنيا خاصة مما ليس من القربات ولم يكن حراما . قال ~~مالك : في رأيي معنى { ولا تنس نصيبك من الدنيا } تعيش وتأكل وتشرب غير ~~مضيق عليك . وقال قتادة : نصيب الدنيا هو الحلال كله . وبذلك تكون هذه ~~الآية مثالا لاستعمال صيغة النهي لمعنى الإباحة . و { من } للتبعيض . ~~والمراد بالدنيا نعيمها . فالمعنى : نصيبك الذي هو بعض نعيم الدنيا . # . # الإحسان داخل في عموم ابتغاء الدار الآخرة ولكنه ذكر هنا ليبنى عليه ~~الاحتجاج بقوله { كما أحسن الله إليك } . # والكاف للتشبيه ، و ( ما ) مصدرية ، أي كإحسان الله إليك ، والمشبه هو ~~الإحسان المأخوذ من { أحسن } أي إحسانا شبيها بإحسان الله إليك . ومعنى ~~الشبه : أن يكون الشكر على كل نعمة من جنسها . وقد شاع بين النحاة تسمية ~~هذه الكاف كاف التعليل ، ومثلها قوله تعالى { واذكروه كما هداكم } ( البقرة ~~: 198 ) . والتحقيق أن التعليل حاصل من معنى التشبيه وليس معنى مستقلا من ~~معاني الكاف . # وحذف متعلق الإحسان لتعميم ما يحسن إليه فيشمل نفسه وقومه ودوابه ~~ومخلوقات الله الداخلة في دائرة التمكن من الإحسان إليها . وفي الحديث : ( ~~إن PageV20P179 الله كتب الإحسان على كل شيء ) فالإحسان في كل شيء بحسبه ، ~~والإحسان لكل شيء بما يناسبه حتى الأذى المأذون فيه فبقدره ويكون بحسن ~~القول وطلاقة الوجه وحسن اللقاء . # وعطف { لا تبغ الفساد في الأرض } للتحذير من خلط الإحسان بالفساد فإن ~~الفساد ضد الإحسان ، فالأمر بالإحسان يقتضي النهي عن الفساد وإنما نص عليه ~~لأنه لما تعددت موارد الإحسان والإساءة فقد يغيب عن الذهن أن الإساءة إلى ~~شيء مع الإحسان إلى أشياء يعتبر غير إحسان . # والمراد بالأرض أرضهم التي هم حالون بها ، وإذ قد كانت ms6164 جزءا من الكرة ~~الأرضية فالإفساد فيها إفساد مظروف في عموم الأرض . وقد تقدمت نظائره منها ~~في قوله تعالى { وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها } في سورة البقرة ( 205 ~~) . # وجملة { إن الله لا يحب المفسدين } علة للنهي عن الإفساد ، لأن العمل ~~الذي لا يحبه الله لا يجوز لعباده عمله ، وقد كان { قارون } موحدا على دين ~~إسرائيل ولكنه كان شاكا في صدق مواعيد موسى وفي تشريعاته . # ( 78 ) . # جواب عن موعظة واعظيه من قومه . وقد جاء على أسلوب حكاية المحاورات فلم ~~يعطف وهو جواب متصلف حاول به إفحامهم وأن يقطعوا موعظتهم لأنها أمرت بطره ~~وازدهاءه . # و { إنما } هذه هي أداة الحصر المركبة من ( إن ) و ( ما ) الكافة مصيرتين ~~كلمة واحدة وهي التي حقها أن تكتب موصولة النون بميم ( ما ) . والمعنى : ما ~~أوتيت هذا المال إلا على علم علمته . # وضمير { أوتيته } عائد إلى ( ما ) الموصولة في قولهم { وابتغ فيما ءاتاك ~~الله الدار الآخرة } ( القصص : 77 ) . وبني الفعل للنائب للعلم بالفاعل من ~~كلام واعظيه . PageV20P180 # و { على علم } في موضع الحال من الضمير المرفوع . # و { على } للاستعلاء المجازي بمعنى التمكن والتحقق ، أي ما أوتيت المال ~~الذي ذكرتموه في حال من الأحوال إلا في حال تمكني من علم راسخ ، فيجوز أن ~~يكون المراد من العلم علم أحكام إنتاج المال من التوراة ، أي أنا أعلم منكم ~~بما تعظونني به ، يعني بذلك قولهم له { لا تفرح وابتغ فيما آتاك الله الدار ~~الآخرة وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض } ( القصص : 76 ، ~~77 ) . وقد كان قارون مشهورا بالعلم بالتوراة ولكنه أضله الله على علم ~~فأراد بهذا الجواب قطع موعظتهم نظير جواب عمرو بن سعيد بن العاص الملقب ~~بالأشدق لأبي شريح الكعبي حين قدم إلى المدينة أميرا من قبل يزيد بن معاوية ~~سنة ستين فجعل يجهز الجيوش ويبعث البعوث إلى مكة لقتال عبد الله بن الزبير ~~الذي خرج على يزيد ، فقال أبو شريح له : ائذن لي أيها الأمير أحدثك قولا ~~قام به رسول الله الغد من يوم ms6165 الفتح فسمعته أذناي ووعاه قلبي وأبصرته عيناي ~~حين تكلم به إنه حمد الله وأثنى عليه ثم قال : ( إن مكة حرمها الله ولم ~~يحرمها الناس فلا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما ولا ~~يعضد شجرة فإن أحد ترخص لقتال رسول الله فقولوا : إن الله أذن لرسوله ولم ~~يأذن لكم وإنما أذن لي ساعة من نهار وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس ~~وليبلغ الشاهد الغائب ) فقال عمرو بن سعيد : أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح ~~إن الحرم لا يعيذ عاصيا ولا فارا بدم ولا فارا بخربة . # ويجوز أن يكون المراد بالعلم علم اكتساب المال من التجارة ونحوها ، فأراد ~~بجوابه إنكار قولهم : آتاك الله صلفا منه وطغيانا . # وقوله { عندي } صفة ل { علم } تأكيدا لتمكنه من العلم وشهرته به . هذا هو ~~الوجه في تفسير هذه الجملة من الآية وهو الذي يستقيم مع قوله تعالى عقبه { ~~أو لم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون } الآية ، كما ستعرفه . وذكر ~~المفسرون وجوها تسفر عن أشكال أخرى من تركيب نظم الآية في محمل معنى { على ~~} ومحمل المراد من ( العلم ) ومحمل { عندي } فلا نطيل بذكرها فهي منك على ~~طرف الثمام . # وقوله { أو لم يعلم } الآية إقبال على خطاب المسلمين . PageV20P181 # والهمزة في { أو لم يعلم } للاستفهام الإنكاري التعجيبي تعجيبا من عدم ~~جريه على موجب علمه بأن الله أهلك أمما على بطرهم النعمة وإعجابهم لقوتهم ~~ونسيانه حتى صار كأنه لم يعلمه تعجيبا من فوات مراعاة ذلك منه مع سعة علمه ~~بغيره من باب ( حفظت شيئا وغابت عنك أشياء ) . # وعطف هذا الاستفهام على جملة { قال إنما أوتيته } . وهذه جملة معترضة بين ~~أجزاء القصة . # والقوة : ما به يستعان على الأعمال الصعبة تشبيها لها بقوة الجسم التي ~~تخول صاحبها حمل الأثقال ونحوها قال تعالى { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ~~} ( الأنفال : 60 ) . # والجمع : الجماعة من الناس . قيل : كان أشياع قارون مائتين وخمسين من بني ~~إسرائيل رؤساء جماعات . # وجملة { ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون } تذييل للكلام فهو ms6166 استئناف وليس ~~عطفا على أن الله قد أهلك من قبله . والسؤال المنفي السؤال في الدنيا وليس ~~سؤال الآخرة . والمعنى : يحتمل أن يكون السؤال كناية عن عدم الحاجة إلى ~~السؤال عن ذنوبهم فهو كناية عن علم الله تعالى بذنوبهم ، وهو كناية عن ~~عقابهم على إجرامهم فهي كناية بوسائط . والكلام تهديد للمجرمين ليكونوا ~~بالحذر من أن يؤخذوا بغتة ، ويحتمل أن يكون السؤال بمعناه الحقيقي ، أي لا ~~يسأل المجرم عن جرمه قبل عقابه لأن الله قد بين للناس على ألسنة الرسل بحدي ~~الخير والشر ، وأمهل المجرم فإذا أخذه أخذه بغتة وهذا كقوله تعالى { حتى ~~إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون } ( الأنعام : 44 ) وقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم ( إن الله يمهل الظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ) . # ( 79 ) . # عطف على جملة { وآتيناه من الكنوز } ( القصص : 76 ) إلى آخرها مع ما عطف ~~عليها وتعلق بها ، فدلت الفاء على أن خروجه بين قومه في زينته بعد ذلك كله ~~كان من أجل PageV20P182 أنه لم يقصر عن شيء من سيرته ولم يتعظ بتلك المواعظ ~~ولا زمنا قصيرا بل أعقبها بخروجه هذه الخرجة المليئة صلفا وازدهاء . ~~فالتقدير : قال إنما أوتيته على علم عندي فخرج ، أي رفض الموعظة بقوله ~~وفعله . وتعدية ( خرج ) بحرف { على } لتضمينه معنى النزول إشارة إلى أنه ~~خروج متعال مترفع ، و { في زينته } حال من ضمير ( خرج ) . # والزينة : ما به جمال الشيء والتباهي به من الثياب والطيب والمراكب ~~والسلاح والخدم ، وتقدم قوله تعالى { ولا يبدين زينتهن } في سورة النور ( ~~31 ) . وإنما فصلت جملة { قال الذين يريدون الحياة الدنيا } ولم تعطف لأنها ~~تتنزل منزلة بدل الاشتمال لما اشتملت عليه الزينة من أنها مما يتمناه ~~الراغبون في الدنيا . وذلك جامع لأحوال الرفاهية وعلى أخصر وجه لأن الذين ~~يريدون الحياة الدنيا لهم أميال مختلفة ورغبات متفاوتة فكل يتمنى أمنية مما ~~تلبس به قارون من الزينة ، فحصل هذا المعنى مع حصول الأخبار عن انقسام قومه ~~إلى مغترين بالزخارف العاجلة عن غير علم ، وإلى علماء يؤثرون الآجل على ms6167 ~~العاجل ، ولو عطفت جملة { قال الذين يريدون } بالواو وبالفاء لفاتت هذه ~~الخصوصية البليغة فصارت الجملة إما خبرا من جملة الأخبار عن حال قومه ، أو ~~جزء خبر من قصته . # و { الذين يريدون الحياة الدنيا } لما قوبلوا ب { الذين أوتوا العلم } ( ~~القصص : 80 ) كان المعني بهم عامة الناس وضعفاء اليقين الذين تلهيهم زخارف ~~الدنيا عما يكون في مطاويها من سوء العواقب فتقصر بصائرهم عن التدبر إذا ~~رأوا زينة الدنيا فيتلهفون عليها ولا يتمنون غير حصولها فهؤلاء وإن كانوا ~~مؤمنين إلا أن إيمانهم ضعيف فلذلك عظم في عيونهم ما عليه قارون من البذخ ~~فقالوا { إنه لذو حظ عظيم } أي إنه لذو بخت وسعادة . # وأصل الحظ : القسم الذي يعطاه المقسوم له عند العطاء ، وأريد به هنا ما ~~قسم له من نعيم الدنيا . # والتوكيد في قوله { إنه لذو حظ عظيم } كناية عن التعجب حتى كأن السامع ~~ينكر حظه فيؤكده المتكلم . PageV20P183 # ( 80 ) . # . # عطف على جملة { قال الذين يريدون الحياة الدنيا } ( القصص : 79 ) فهي ~~مشاركة لها في معناها لأن ما تشتمل عليه خرجة قارون ما تدل عليه ملامحه من ~~فتنة ببهرجته وبزته دالة على قلة اعتداده بثواب الله وعلى تمحضه للإقبال ~~على لذائذ الدنيا ومفاخرها الباطلة ففي كلام { الذين أوتوا العلم } تنبيه ~~على ذلك وإزالة لما تستجلبه حالة قارون من نفوس المبتلين بزخارف الدنيا . # و ( ويل ) اسم للهلاك وسوء الحال ، وتقدم الكلام عليه عند قوله تعالى { ~~فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم } في سورة البقرة ( 79 ) . ويستعمل لفظ ( ~~ويل ) في التعجب المشوب بالزجر ، فليس { الذين أوتوا العلم } داعين بالويل ~~على الذين يريدون الحياة الدنيا لأن المناسب لمقام الموعظة لين الخطاب ~~ليكون أعون على الاتعاظ ، ولكنهم يتعجبون من تعلق نفوس أولئك بزينة الحياة ~~الدنيا واغتباطهم بحال قارون دون اهتمام بثواب الله الذي يستطيعون تحصيله ~~بالإقبال على العمل بالدين والعمل النافع وهم يعلمون أن قارون غير متخلق ~~بالفضائل الدينية . # وتقديم المسند إليه في قوله { ثواب الله خير } ليتمكن الخبر في ذهن ~~السامعين لأن الابتداء بما يدل على الثواب المضاف إلى ms6168 أوسع الكرماء كرما ~~مما تستشرف إليه النفس . # وعدل عن الإضمار إلى الموصولية في قوله { لمن آمن وعمل صالحا } دون : خير ~~لكم ، لما في الإظهار من الإشارة إلى أن ثواب الله إنما يناله المؤمنون ~~الذين يعملون الصالحات وأنه على حسب صحة الإيمان ووفرة العمل ، مع ما في ~~الموصول من الشمول لمن كان منهم كذلك ولغيرهم ممن لم يحضر ذلك المقام . # . # يجوز أن تكون الواو للعطف فهي من كلام { الذين أوتوا العلم } ، أمروا ~~الذين فتنهم حال قارون بأن يصبروا على حرمانهم مما فيه قارون . PageV20P184 # ويجوز أن تكون الواو اعتراضية والجملة معترضة من جانب الله تعالى علم بها ~~عباده فضيلة الصبر . # وضمير { يلقاها } عائد إلى مفهوم من الكلام يجري على التأنيث ، أي الخصلة ~~وهي ثواب الله أو السيرة القويمة ، وهي سيرة الإيمان والعمل الصالح . # والتلقية : جعل الشيء لاقيا ، أي مجتمعا مع شيء آخر . وتقدم عند قوله ~~تعالى { ويلقون فيها تحية وسلاما } في سورة الفرقان ( 75 ) . وهو مستعمل في ~~الإعطاء على طريقة الاستعارة ، أي لا يعطى تلك الخصلة أو السيرة إلا ~~الصابرون ؛ لأن الصبر وسيلة لنوال الأمور العظيمة لاحتياج السعي لها إلى ~~تجلد لما يعرض في خلاله من مصاعب وعقبات كأداء فإن لم يكن المرء متخلقا ~~بالصبر خارت عزيمته فترك ذاك لذاك . # ( 81 ) . # دلت الفاء على تعقيب ساعة خروج قارون في ازدهائه وما جرى فيها من تمني ~~قوم أن يكونوا مثله ، وما أنكر عليهم علماؤهم من غفلتهم عن التنافس في ثواب ~~الآخرة بتعجيل عقابه في الدنيا بمرأى من الذين تمنوا أن يكونوا مثله . # والخسف : انقلاب بعض ظاهر الأرض إلى باطنها ، وعكسه . يقال : خسفت الأرض ~~وخسف الله الأرض فانخسفت ، فهو يستعمل قاصرا ومتعديا ، وإنما يكون الخسف ~~بقوة الزلزال . وأما قولهم : خسفت الشمس فذلك على التشبيه . والباء في قوله ~~{ فخسفنا به } باء المصاحبة ، أي خسفنا الأرض مصاحبة له ولداره ، فهو وداره ~~مخسوفان مع الأرض التي هو فيها ، وتقدم قوله تعالى { أن يخسف الله بهم ~~الأرض } في سورة النحل ( 45 ) . # وهذا الخسف خارق للعادة لأنه لم يتناول ms6169 غير قارون ومن ظاهره ، وهما رجلان ~~من سبط ( روبين ) وغير دار قارون ، فهو معجزة لموسى عليه السلام . ~~PageV20P185 # جاء في الإصحاح السادس عشر من سفر العدد أن قورح ( وهو قارون ) ومن معه ~~لما آذوا موسى كما تقدم ، وذكرهم موسى بأن الله أعطاهم مزية خدمة خيمته ~~ولكنه أعطى الكهانة بني هارون ولم تجد فيهم الموعظة غضب موسى عليهم ودعا ~~عليهم ثم أمر الناس بأن يبتعدوا من حوالي دار قورح ( قارون ) وخيام جماعته ~~. وقال موسى : إن مات هؤلاء كموت عامة الناس فاعلموا أن الله لم يرسلني ~~إليكم وان ابتدع الله بدعة ففتحت الأرض فاها وابتلعتهم وكل مالهم فهبطوا ~~أحياء إلى الهاوية تعلمون أن هؤلاء قد ازدروا بالرب . فلما فرغ موسى من ~~كلامه انشقت الأرض التي هم عليها وابتلعتهم وبيوتهم وكل ما كان لقورح مع كل ~~أمواله وخرجت نار من الأرض أهلكت المائتين والخمسين رجلا . وقد كان قارون ~~معتزا على موسى بالطائفة التي كانت شايعته على موسى وهم كثير من رؤساء ~~جماعة اللاويين وغيرهم ، فلذلك قال الله تعالى { فما كان له من فئة ينصرونه ~~من دون الله } ، إذ كان قد أعدهم للنصر على موسى رسول الله فخسف بهم معه ~~وهو يراهم ، { وما كان من المنتصرين } كما كان يحسب . يقال : انتصر فلان ، ~~إذا حصل له النصر ، أي فما نصره أنصاره ولا حصل له النصر بنفسه . # ( 82 ) . # { أصبح } هنا بمعنى صار . # و ( الأمس ) مستعمل في مطلق زمن مضى قريبا على طريقة المجاز المرسل . و ( ~~مكان ) مستعمل مجازا في الحالة المستقر فيها صاحبها ، وقد يعبر عن الحالة ~~أيضا بالمنزلة . # ومعنى { يقولون } أنهم يجهرون بذلك ندامة على ما تمنوه ورجوعا إلى ~~التفويض لحكمة الله فيما يختاره لمن يشاء من عباده . وحكي مضمون مقالاتهم ~~بقوله تعالى { ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء } الآية . PageV20P186 # وكلمة { ويكأن } عند الأخفش وقطرب مركبة من ثلاث كلمات : ( وي ) وكاف ~~الخطاب و ( أن ) . فأما ( وي ) فهي اسم فعل بمعنى : أعجب ، وأما الكاف فهي ~~لتوجيه الخطاب تنبيها عليه مثل الكاف اللاحقة لأسماء الإشارة ، وأما ( أن ) ~~فهي ms6170 ( أن ) المفتوحة الهمزة أخت ( إن ) المكسورة الهمزة فما بعدها في تأويل ~~مصدر هو المتعجب منه فيقدر لها حرف جر ملتزم حذفه لكثرة استعماله وكان حذفه ~~مع ( أن ) جائزا فصار في هذا التركيب واجبا وهذا الحرف هو اللام أو ( من ) ~~فالتقدير : أعجب يا هذا من بسط الله الرزق لمن يشاء . # وكل كلمة من هذه الكلمات الثلاث تستعمل بدون الأخرى فيقال : وي بمعنى ~~أعجب ، ويقال ( ويك ) بمعناه أيضا قال عنترة : # ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها # قيل الفوارس ويك عنتر أقدم # ويقال : { ويكأن } ، كما في هذه الآية وقول سعيد بن زيد أو نبيه بن ~~الحجاج السهمي : # ويكأن من يكن له نشب يح # بب ومن يفتقر يعش عيش ضر # فخفف ( أن ) وكتبوها متصلة لأنها جرت على الألسن كذلك في كثير الكلام فلم ~~يتحققوا أصل تركيبها وكان القياس أن تكتب ( ويك ) مفصولة عن ( أن ) وقد ~~وجدوها مكتوبة مفصولة في بيت سعيد بن زيد . وذهب الخليل ويونس وسيبويه ~~والجوهري والزمخشري إلى أنها مركبة من كلمتين ( وي ) و ( كأن ) التي ~~للتشبيه . # والمعنى : التعجب من الأمر وأنه يشبه أن يكون كذا والتشبيه مستعمل في ~~الظن واليقين . والمعنى : أما تعجب كأن الله يبسط الرزق . # وذهب أبو عمرو بن العلاء والكسائي والليث وثعلب ونسبه في ( الكشاف ) إلى ~~الكوفيين ( وأبو عمرو بصري ) أنها مركبة من أربع كلمات كلمة ( ويل ) وكاف ~~الخطاب وفعل ( اعلم ) و ( أن ) . وأصله : ويلك أعلم أنه كذا ، فحذف لام ~~الويل وحذف فعل ( اعلم ) فصار ( ويكأنه ) . وكتابتها متصلة على هذا الوجه ~~متعينة لأنها صارت رمزا لمجموع كلماته فكانت مثل النحت . PageV20P187 # ولاختلاف هذه التقادير اختلفوا في الوقف فالجمهور يقفون على { ويكأنه } ~~بتمامه والبعض يقف على ( وي ) والبعض يقف على ( ويك ) . # ومعنى الآية على الأقوال كلها أن الذين كانوا يتمنون منزلة قارون ندموا ~~على تمنيهم لما رأوا سوء عاقبته وامتلكهم العجب من تلك القصة ومن خفي ~~تصرفات الله تعالى في خلقه وعلموا وجوب الرضى بما قدر للناس من الرزق فخاطب ~~بعضهم بعضا بذلك وأعلنوه . # والبسط : مستعمل مجازا في السعة والكثرة . # و ms6171 { يقدر } مضارع قدر المتعدي ، وهو بمعنى : أعدى بمقدار ، وهو مجاز في ~~القلة لأن التقدير يستلزم قلة المقدر لعسر تقدير الشيء الكثير قال تعالى { ~~ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما ءاتاها } ~~( الطلاق : 7 ) . # وفائدة البيان بقوله { من عباده } الإيماء إلى أنه في بسطة الأرزاق ~~وقدرها متصرف تصرف المالك في ملكه إذ المبسوط لهم والمقدور عليهم كلهم ~~عبيده فحقهم الرضى بما قسم لهم مولاهم . # ومعنى { لولا أن من الله علينا لخسف بنا } : لولا أن من الله علينا ~~فحفظنا من رزق كرزق قارون لخسف بنا ، أي لكنا طغينا مثل طغيان قارون فخسف ~~بنا كما خسف به ، أو لولا أن من الله علينا بأن لم نكن من شيعة قارون لخسف ~~بنا كما خسف به وبصاحبيه ، أو لولا أن من الله علينا بثبات الإيمان . # وقرأ الجمهور { لخسف بنا } على بناء فعل ( خسف ) للمجهول للعلم بالفاعل ~~من قولهم : لولا أن من الله علينا . وقرأه يعقوب بفتح الخاء والسين ، أي ~~لخسف الله الأرض بنا . # وجملة { ويكأنه لا يفلح الكافرون } تكرير للتعجيب ، أي قد تبين أن سبب ~~هلاك قارون هو كفره برسول الله . PageV20P188 # ( 83 ) . # انتهب قصة قارون بما فيها من العبر من خير وشر ، فأعقبت باستئناف كلام عن ~~الجزاء على الخير وضده في الحياة الأبدية وأنها معدة للذين حالهم بضد حال ~~قارون ، مع مناسبة ذكر الجنة بعنوان الدار لذكر الخسف بدار قارون للمقابلة ~~بين دار زائلة ودار خالدة . # وابتدىء الكلام بابتداء مشوق وهو اسم الإشارة إلى غير مذكور من قبل ~~ليستشرف السامع إلى معرفة المشار إليه فيعقبه بيانه بالاسم المعرف باللام ~~الواقع بيانا أو بدلا من اسم الإشارة كما في قول عبيدة بن الأبرص : # تلك عرسي غضبى تريد زيالي # ألبينن تريد أم لدلالل . . # الأبيات . # وجملة { نجعلها } هو خبر المبتدأ وكاف الخطاف الذي في اسم الإشارة غير ~~مراد به مخاطب معين موجه إلى كل سامع من قراء القرآن . ويجوز أن يكون خطابا ~~للنبيء صلى الله عليه وسلم والمقصود تبليغه إلى الأمة ms6172 شأن جميع آي القرآن . # و { الدار } : محل السكنى ، كقوله تعالى { لهم دار السلام عند ربهم } في ~~الأنعام ( 127 ) . وأما إطلاق الدار على جهنم في قوله تعالى { وأحلوا قومهم ~~دار البوار } ( إبراهيم : 28 ) فهو تهكم كقول أبي الغول الطهوي : # ولا يرعون أكناف الهوينا # إذا نزلوا ولا روض الهدون # فاستعمال الروض للهدون تهكم لأن المقام مقام تعريض . # و { الآخرة } : مراد به الدائمة ، أي التي لا دار بعدها ، فاللفظ مستعمل ~~في صريح معناه وكنايته . # ومعنى جعلها لهم أنها محضرة لأجلهم ليس لهم غيرها . وأما من عداهم فلهم ~~أحوال ذات مراتب أفصحت عنها آيات أخرى وأخبار نبوية فإن أحكام الدين لا ~~يقتصر في استنباطها على لوك كلمة واحدة . PageV20P189 # وعن الفضيل بن عياض أنه قرأ هذه الآية ثم قال : ذهبت الأماني ههنا ، أي ~~أماني الذين يزعمون أنه لا يضر مع الإيمان شيء وأن المؤمنين كلهم ناجون من ~~العقاب ، وهذا قول المرجئة قال قائلهم : # كن مسلما ومن الذنوب فلا تخف # حاشا المهيمن أن يري تنكيدا # لو شاء أن يصليك نار جهنم # ما كان ألهم قلبك التوحيدا # ومعنى { لا يريدون } كناية عن : لا يفعلون ، لأن من لا يريد الفعل لا ~~يفعله إلا مكرها . وهذا من باب { ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ~~} كما تقدم في أول هذه السورة ( 5 ) . # والعلو : التكبر عن الحق وعلى الخلق ، والطغيان في الأعمال ، والفساد : ~~ضد الصلاح ، وهو كل فعل مذموم في الشريعة أو لدى أهل العقول الراجحة . # وقوله { والعاقبة للمتقين } تذييل وهو معطوف على جملة { تلك الدار } وبه ~~صارت جملة { تلك الدار } كلها تذييلا لما اشتملت عليه من إثبات الحكم للعام ~~بالموصول من قوله { للذين لا يريدون علوا في الأرض } والمعرف بلام ~~الاستغراق . # و { العاقبة } : وصف عومل معاملة الأسماء لكثرة الوصف به وهي الحالة ~~الآخرة بعد حالة سابقة وغلب إطلاقها على عاقبة الخير . وتقدم عند قوله ~~تعالى { ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين } في أول الأنعام ( 11 ) . # ( 84 ) . # تتنزل جملة { من جاء بالحسنة } منزلة بدل الاشتمال لجملة { والعاقبة ~~للمتقين } ( القصص ms6173 : 83 ) لأن العاقبة ذات أحوال من الخير ودرجات من النعيم ~~وهي على حسب ما يجيء به المتقون من الحسنات فتفاوت درجاتهم بتفاوتها . # وفي اختيار فعل { جاء } في الموضعين هنا إشارة إلى أن المراد من حضر ~~بالحسنة PageV20P190 ومن حضر بالسيئة يوم العرض على الحساب . ففيه إشارة ~~إلى أن العبرة بخاتمة الأمر وهي مسألة الموافاة . وأما اختيار فعل { عملوا ~~} في قوله { الذين عملوا السيئات } فلما فيه من التنبيه على أن عملهم هو ~~علة جزائهم زيادة في التنبيه على عدل الله تعالى . # ومعنى { فله خير منها } أن كل حسنة تحتوي على خير لا محالة يصل إلى نفس ~~المحسن أو إلى غيره فللجائي بالحسنة خير أفضل مما في حسنته من الخير ، أو ~~فله من الله إحسان عليها خير من الإحسان الذي في الحسنة قال تعالى في آيات ~~أخرى { فله عشر أمثالها } ( الأنعام : 160 ) أي فله من الجزاء حسنات ~~أمثالها وهو تقدير يعلمه الله . # ولما ذكر جزاء الإحسان أعقب بضد ذلك مع مقابلة فضل الله تعالى على المحسن ~~بعدله مع المسيء على عادة القرآن من قرن الترغيب بالترهيب . # و { من جاء بالسيئة } ما صدقه الذين عملوا السيئات ، و { الذين عملوا ~~السيئات } الثاني هو عين { من جاء بالسيئة } فكان المقام مقام الإضمار بأن ~~يقال : ومن جاء بالسيئة فلا يجزون الخ ؛ ولكنه عدل عن مقتضى الظاهر لأن في ~~التصريح بوصفهم ب { عملوا السيئات } تكريرا لإسناد عمل السيئات إليهم لقصد ~~تهجين هذا العمل الذميم وتبغيض السيئة إلى قلوب السامعين من المؤمنين . # وفي قوله { إلا ما كانوا يعملون } استثناء مفرغ عن فعل { يجزى } المنفي ~~المفيد بالنفي عموم أنواع الجزاء ، والمستثنى تشبيه بليغ ، أي جزاء شبه ~~الذي كانوا يعملونه . والمراد المشابهة والمماثلة في عرف الدين ، أي جزاء ~~وفاقا لما كانوا يعملون وجاريا على مقداره لا حيف فيه وذلك موكول إلى العلم ~~الإلهي . # ( 85 ) . # ابتداء كلام للتنويه بشأن محمد صلى الله عليه وسلم وتثبيت فؤاده ووعده ~~بحسن العاقبة في الدنيا والآخرة ، وأن إنكار أهل الضلال رسالته لا يضيره ~~لأن الله أعلم ms6174 بأنه على PageV20P191 هدى وأنهم على ضلال بعد أن قدم لذلك من ~~أحوال رسالة موسى عليه السلام ما فيه عبرة بالمقارنة بين حالي الرسولين وما ~~لقياه من المعرضين . # وافتتاح الكلام بحرف التأكيد للاهتمام به . وجيء بالمسند إليه اسم موصول ~~دون اسمه تعالى العلم لما في الصلة من الإيماء إلى وجه بناء الخبر . وأنه ~~خبر الكرامة والتأييد أي أن الذي أعطاك القرآن ما كان إلا مقدرا نصرك ~~وكرامتك ؛ لأن إعطاء القرآن شيء لا نظير له فهو دليل على كمال عناية الله ~~بالمعطى . قال كعب بن زهير : # مهلا هداك الذي أعطاك نافلة ال # قرآن فيها مواعيظ وتفصيل # وفيه إيماء إلى تعظيم شأن الرسول صلى الله عليه وسلم # ومعنى { فرض عليك القرآن } اختاره لك من قولهم : فرض له كذا ، إذا عين له ~~فرضا ، أي نصيبا . ولما ضمن { فرض } معنى ( أنزل ) لأن فرض القرآن هو ~~إنزاله ، عدي فرض بحرف ( على ) . # والرد : إرجاع شيء إلى حاله أو مكانه . والمعاد : اسم مكان العود ، أي ~~الأولل كما يقتضيه حرف الانتهاء . والتنكير في { معاد } للتعظيم كما يقتضيه ~~مقام الوعد والبشارة ، وموقعهما بعد قوله { من جاء بالحسنة فله خير منها } ~~( القصص : 84 ) ، أي إلى معاد أي معاد . # والمعاد يجوز أن يكون مستعملا في معنى آخر أحوال الشيء وقراره الذي لا ~~انتقال منه تشبيها بالمكان العائد إليه بعد أن صدر منه أو كناية عن الأخارة ~~فيكون مرادا به الحياة الآخرة . قال ابن عطية : وقد اشتهر يوم القيامة ~~بالمعاد لأنه معاد الكل اه . أي فأبشر بما تلقى في معادك من الكرامة التي ~~لا تعادلها كرامة والتي لا تعطى لأحد غيرك . فتنكير { معاد } أفاد أنه عظيم ~~الشأن ، وترتبه على الصلة أفاد أنه لا يعطى لغيره مثله كما أن القرآن لم ~~يفرض على أحد مثله . # ويجوز أن يراد بالمعاد معناه المشهود القريب من الحقيقة . وهو ما يعود ~~إليه المرء إن غاب عنه ، فيراد به هنا بلده الذي كان به وهو مكة . وهذا ~~الوجه يقتضي أنه كناية عن خروجه منه ثم عوده إليه لأن الرد ms6175 يستلزم المفارقة ~~. وإذ قد كانت السورة PageV20P192 مكية ورسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~مكة فالوعد بالرد كناية عن الخروج منه قبل أن يرد عليه . وقد كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم أري في النوم أنه يهاجر إلى أرض ذات نخل كما في حديث ~~البخاري ، وكان قال له ورقة ابن نوفل : يا ليتني أكون معك إذ يخرجك قومك ~~وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا ، فما كان ذلك كله ليغيب عن علم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على أنه قد قيل : إن هذه الآية نزلت عليه وهو في ~~الجحفة في طريقه إلى الهجرة كما تقدم في أول السورة فوعد بالرد عليها وهو ~~دخوله إليها فاتحا لها ومتمكنا منها . فقد روي عن ابن عباس تفسير المعاد ~~بذلك وكلا الوجهين يصح أن يكون مرادا على ما تقرر في المقدمة التاسعة . # ثم تكون جملة { قل ربي أعلم من جاء بالهدى } بالنسبة إلى الوجه الأول ~~بمنزلة التفريع على جملة { لرادك إلى معاد } ، أي رادك إلى يوم المعاد ~~فمظهر المهتدي والضالين ، فيكون علم الله بالمهتدي والضال مكنى به عن اتضاح ~~الأمر بلا ريب لأن علم الله تعالى لا يعتريه تلبيس وتكون هذه الكناية ~~تعريضا بالمشركين أنهم الضالون . وأن النبي صلى الله عليه وسلم هو المهتدي ~~. # ولهذه النكتة عبر عن جانب المهتدي بفعل { من جاء } للإشارة إلى أن ~~المهتدي هو الذي جاء بهدي لم يكن معروفا من قبل كما يقتضيه : جاء بكذا . ~~وعبر عن جانب الضالين بالجملة الإسمية المقتضية ثبات الضلال المشعر بأن ~~الضلال هو أمرهم القديم الراسخ فيهم مع ما أفاده حرف الظرفية من انغماسهم ~~في الضلال وإحاطته بهم . ويكون المعنى حينئذ على حد قوله تعالى { وإنا أو ~~إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين } ( سبأ : 24 ) لظهور أن المبلغ لهذا ~~الكلام لا يفرض في حقه أن يكون هو الشق الضال فيتعين أن الضال من خالفه . # وبالنسبة إلى الوجه الثاني تكون بمنزلة الموادعة والمتاركة وقطع المجادلة ~~. فالمعنى : عد عن إثبات هداك وضلالهم وكلهم إلى يوم ms6176 ردك إلى معادك يوم ~~يتبين أن الله نصرك وخذلهم . وعلى المعنيين فجملة { قل ربي أعلم } مستأنفة ~~استئنافا بيانيا عن جملة { إن الذي فرض عليك القرآن } جوابا لسؤال سائل ~~يثيره أحد المعنيين . PageV20P193 # وفي تقديم جملة { إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد } على جملة { ~~قل ربي أعلم من جاء بالهدى } إعداد لصلاحية الجملة الثانية للمعنيين ~~المذكورين . فهذا من الدلالة على معاني الكلام بمواقعه وترتيب نظامه وتقديم ~~الجمل عن مواضع تأخيرها لتوفير المعاني . # ( 86 ، 87 ) { } . # . # عطف على جملة : { إن الذي فرض عليك القرآن } ( القصص : 85 ) الخ باعتبار ~~ما تضمنته من الوعد بالثواب الجزيل أو بالنصر المبين ، أي كما حملك تبليغ ~~القرآن فكان ذلك علامة على أنه أعد لك الجزاء بالنصر في الدنيا والآخرة . ~~كذلك إعطاؤه إياك الكتاب عن غير ترقب منك بل بمحض رحمة ربك ، أي هو كذلك في ~~أنه علامة لك على أن الله لا يترك نصرك على أعدائك فإنه ما اختارك لذلك إلا ~~لأنه أعد لك نصرا مبينا وثوابا جزيلا . # وهذا أيضا من دلالة الجملة على معنى غير مصرح به بل على معنى تعريضي ~~بدلالة موقع الجملة . # وإلقاء الكتاب إليه وحيه به إليه . أطلق عليه اسم الإلقاء على وجه ~~الاستعارة كما تقدم في قوله تعالى : { فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون ~~وألقوا إلى الله يومئذ السلم } في سورة النحل ( 86 ، 87 ) . # والاستثناء في { إلا رحمة من ربك } استثناء منقطع لأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لم يخامر نفسه رجاء أن يبعثه الله بكتاب من عنده بل كان ذلك مجرد ~~رحمة من الله تعالى به واصطفاء له . # . # تفريع على جملة { إن الذي فرض عليك القرآن } ( القصص : 85 ) وما عطف ~~عليها وما تخلل PageV20P194 بينهما مما اقتضى جميعه الوعد بنصره وظهور أمره ~~وفوزه في الدنيا والآخرة ، وأنه جاء من الله إلى قوم هم في ضلال مبين ، وأن ~~الذي رحمه فآتاه الكتاب على غير ترقب منه لا يجعل أمره سدى فأعقب ذلك ~~بتحذيره من أدنى مظاهرة للمشركين فإن فعل الكون لما وقع في سياق ms6177 النهي وكان ~~سياق النهي مثل سياق النفي لأن النهي أخو النفي في سائر تصاريف الكلام كان ~~وقوع فعل الكون في سياقه مفيدا تعميم النهي عن كل كون من أكوان المظاهرة ~~للمشركين . # والظهير : المعين . والمظاهرة : المعاونة ، وهي مراتب أعلاها النصرة ~~وأدناها المصانعة والتسامح ، لأن في المصانعة على المرغوب إعانة لراغبه . ~~فلما شمل النهي جميع أكوان المظاهرة لهم اقتضى النهي عن مصانعتهم والتسامح ~~معهم ، وهو يستلزم الأمر بضد المظاهرة فيكون كناية عن الأمر بالغلظة عليهم ~~كصريح قوله تعالى { واغلظ عليهم } ( التوبة : 73 ) . وهذا المعنى يناسب كون ~~هذه الآيات آخر ما نزل قبل الهجرة وبعد متاركته المشركين ومغادرته البلد ~~الذي يعمرونه . # وقيل النهي للتهييج لإثارة غضب النبي صلى الله عليه وسلم عليهم وتقوية ~~داعي شدته معهم . ووجه تأويل النهي بصرفه عن ظاهره أو عن بعض ظاهره هو أن ~~المنهي عنه لا يفرض وقوعه من الرسول صلى الله عليه وسلم حتى ينهى عنه فكان ~~ذلك قرينة على أنه مؤول . # وتوجيه النهي إليه عن أن يصدوه عن آيات الله في قوله { ولا يصدنك عن آيات ~~الله } كناية عن نهيه عن أن يتقبل منهم ما فيه صد عن آيات الله كما يقول ~~العرب : لا أعرفنك تفعل كذا ، كنوا به عن : أنه لا يفعله . فيعرف المتكلم ~~الناهي فعله . والمقصود : تحذير المسلمين من الركون إلى الكافرين في شيء من ~~شؤون الإسلام فإن المشركين يحاولون صرف المسلمين عن سماع القرآن { وقال ~~الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون } ( فصلت : 26 ~~) . # وقيل هو للتهييج أيضا ، وتأويل هذا النهي آكد من تأويل قوله { فلا تكونن ~~ظهيرا للكافرين } . # ويجوز أن يكون النهي في { لا يصدنك } نهي صرفة كما كان الأمر في قوله ~~PageV20P195 { فقال لهم الله موتوا } ( البقرة : 243 ) أمر تكوين . فالمعنى ~~: أن الله قد ضمن لرسوله صرف المشركين عن أن يصدوه عن آيات الله وذلك إذ ~~حال بينه وبينهم بأن أمره بالهجرة ويسرها له وللمسلمين معه . # والتقييد بالبعدية في قوله { بعد إذ أنزلت إليك } لتعليل النهي أياما كان ~~المراد ms6178 منه ، أي لا يجوز أن يصدوك عن آيات الله بعد إذ أنزلها إليك فإنه ما ~~أنزلها إليك إلا للأخذ بها ودوام تلاوتها ، فلو فرض أن يصدوك عنها لذهب ~~إنزالها إليك بطلا وعبثا كقوله تعالى { من بعد ما جاءتهم البينات } ( ~~البقرة : 213 ) . # والأمر في قوله { وادع إلى ربك } مستعمل في الأمر بالدوام على الدعوة إلى ~~الله لا إلى إيجاد الدعوة لأن ذلك حاصل ، أي لا يصرفك إعراض المشركين عن ~~إعادة دعوتهم إعذارا لهم . # ويجوز أن يكون الدعاء مستعملا في الأكمل من أنواعه ، أي أنك بعد الخروج ~~من مكة أشد تمكنا في الدعوة إلى الله مما كنت من قبل لأن تشغيب المشركين ~~عليه كان يرنق صفاء تفرغه للدعوة . # وجميع هذه النواهي والأوامر داخلة في حيز التفريع بالفاء في قوله { فلا ~~تكونن ظهيرا للكافرين } . # أما قوله { ولا تكونن من المشركين } فإن حملت { من } فيه على معنى ~~التبعيض كان النهي مؤولا يمثل ما أولوا به النهيين اللذين قبله أنه للتهييج ~~، أو أن المقصود به المسلمون . # ( 88 ) . # هذا النهي موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم في الظاهر ، والمقصود به ~~إبطال الشرك وإظهار ضلال أهله إذ يزعمون أنهم معترفون بإلهية الله تعالى ~~وأنهم إنما اتخذوا له شركاء وشفعاء ، فبين لهم أن الله لا إله غيره ، وأن ~~انفراده بالإلهية في نفس الأمر يقضي PageV20P196 ببطلان الإشراك في ~~الإعتقاد ولو أضعف إشراك ، فجملة { لا إله إلا هو } في معنى العلة للنهي ~~الذي في الجملة قبلها . # وجملة { كل شيء هالك إلا وجهه } علة ثانية للنهي لأن هلاك الأشياء التي ~~منها الأصنام وكل ما عبد مع الله وأشرك به دليل على انتفاء الإلهية عنها ~~لأن الإلهية تنافي الهلاك وهو العدم . # والوجه مستعمل في معنى الذات . والمعنى : كل موجود هالك إلا الله تعالى . ~~والهلاك : الزوال والانعدام . # وجملة { له الحكم وإليه ترجعون } تذييل فلذلك كانت مفصولة عما قبلها . ~~وتقديم المجرور باللام لإفادة الحصر ، والمحصور فيه هو الحكم الأتم ، أي ~~الذي لا يرده راد . # والرجوع مستعمل في معنى : آخر الكون على وجه الاستعارة ms6179 ، لأن حقيقته ~~الانصراف إلى مكان قد فارقه فاستعمل في مصير الخلق وهو البعث بعد الموت ؛ ~~شبه برجوع صاحب المنزل إلى منزله ، ووجه الشبه هو الاستقرار والخلود فهو ~~مراد منه طول الإقامة . # وتقديم المجرور ب ( إلى ) للاهتمام بالخبر لأن المشركين نفوا الرجوع من ~~أصله ولم يقولوا بالشركة في ذلك حتى يكون التقديم للتخصيص . # والمقصود من تعدد هذه الجملة إثبات أن الله منفرد بالإلهية في ذاته وهو ~~مدلول جملة { لا إله إلا هو } . وذلك أيضا يدل على صفة القدم لأنه لما ~~انتفى جنس الإلهية عن غيره تعالى تعين أنه لم يوجده غيره فثبت له القدم ~~الأزلي وأن الله تعالى باق لا يعتريه العدم لاستحالة عدم القديم ، وذلك ~~مدلول { كل شيء هالك إلا وجهه } ، وأنه تعالى منفرد في أفعاله بالتصرف ~~المطلق الذي لا يرده غيره فيتضمن ذلك إثبات الإرادة والقدرة . وفي كل هذا ~~رد على المشركين الذين جوزوا شركته في الإلهية ، وأشركوا معه آلهتهم في ~~التصرف بالشفاعة والغوث . # ثم أبطل إنكارهم البعث بقوله { وإليه ترجعون } . # PageV20P197 PageV20P198 # | 1 ( سورة العنكبوت ) 1 # اشتهرت هذه السورة بسورة العنكبوت من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لما رواه عكرمة قال : كان المشركون إذا سمعوا تسمية سورة البقرة وسورة ~~العنكبوت يستهزئون بهما ، أي بهذه الإضافة فنزل قوله تعالى { إنا كفيناك ~~المستهزئين } ( الحجر : 95 ) يعني المستهزئين بهذا ومثله وقد تقدم الإلماع ~~إلى ذلك عند قوله تعالى { إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما ~~فوقها } في سورة البقرة ( 26 ) . # ووجه إطلاق هذا الاسم على هذه السورة أنها اختصت بذكر مثل العنكبوت في ~~قوله تعالى فيها { مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت ~~اتخذت بيتا } ( العنكبوت : 41 ) . # وهي مكية كلها في قول الجمهور ، ومدنية كلها في أحد قولي ابن عباس وقتادة ~~، وقيل بعضها مدني . روى الطبري والواحدي في ( أسباب النزول ) عن الشعبي أن ~~الآيتين الأوليين منها ( أي إلى قوله { وليعلمن الكاذبين } ( العنكبوت : 3 ~~) نزلتا بعد الهجرة في أناس من أهل مكة أسلموا فكتب إليهم أصحاب النبي ms6180 صلى ~~الله عليه وسلم من المدينة أن لا يقبل منهم إسلام حتى يهاجروا إلى المدينة ~~فخرجوا مهاجرين فاتبعهم المشركون فردوهم . # وروى الطبري عن عكرمة عن ابن عباس أن قوله تعالى { ومن الناس من يقول ~~ءامنا بالله } إلى قوله { وليعلمن المنافقين } ( العنكبوت : 10 ، 11 ) نزلت ~~في قوم بمكة وذكر قريبا مما روي عن الشعبي . # وفي ( أسباب النزول ) للواحدي عن مقاتل : نزلت الآيتان الأوليان في مهجع ~~مولى عمر بن الخطاب خرج في جيش المسلمين إلى بدر فرماه عامر بن الحضرمي من ~~PageV20P199 المشركين بسهم فقتله فجزع عليه أبوه وامرأته فأنزل الله هاتين ~~الآيتين . وعن علي بن أبي طالب أن السورة كلها نزلت بين مكة والمدينة . ~~وقيل : إن آية { ومن الناس من يقول ءامنا بالله } ( العنكبوت : 10 ) نزلت ~~في ناس من ضعفة المسلمين بمكة كانوا إذا مسهم أذى من الكفار وافقوهم في ~~باطن الأمر وأظهروا للمسلمين أنهم لم يزالوا على إسلامهم كما سيأتي عند ~~تفسيرها . # وقال في ( الإتقان ) : ويضم إلى ما استثني من المكي فيها قوله تعالى { ~~وكأين من دابة لا تحمل رزقها } ( العنكبوت : 60 ) لما أخرجه ابن أبي حاتم ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر المؤمنين الذين كانوا بمكة بالمهاجرة إلى ~~المدينة فقالوا كيف نقدم بلدا ليست لنا فيه معيشة فنزلت { وكأين من دابة لا ~~تحمل رزقها } ( العنكبوت : 60 ) . # وقيل : هذه السورة آخر ما نزل بمكة وهو يناكد بظاهره جعلهم هذه السورة ~~نازلة قبل سورة المطففين . وسورة المطففين آخر السور المكية . ويمكن الجمع ~~بأن ابتداء نزول سورة العنكبوت قبل ابتداء نزول سورة المطففين ثم نزلت سورة ~~المطففين كلها في المدة التي كانت تنزل فيها سورة العنكبوت ثم تم بعد ذلك ~~جميع هذه السورة . # وهذه السورة هي السورة الخامسة والثامنون في ترتيب نزول سور القرآن نزلت ~~بعد سورة الروم وقبل سورة المطففين ، وسيأتي عند ذكر سورة الروم ما يقتضي ~~أن العنكبوت نزلت في أواخر سنة إحدى قبل الهجرة فتكون من أخريات السور ~~المكية بحيث لم ينزل بعدها بمكة إلا سورة المطففين . # وآياتها تسع ms6181 وستون باتفاق أصحاب العدد من أهل الأمصار . # أغراض هذه السورة # $ 2 ( { ال & # 1764 م & # 1764 * أحسب الناس أن يتركو & # 1764 ا أن يقولو & # 1764 ا ءامنا وهم لا يفتنون * ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله ~~الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين * أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ~~سآء ما يحكمون * من كان يرجو لقآء الله فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم ~~* ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغنى عن العالمين * والذين ءامنوا ~~وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم ولنجزينهم أحسن الذى كانوا يعملون * ~~ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بى ما ليس لك به علم فلا ~~تطعهمآ إلى مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون * والذين ءامنوا وعملوا ~~الصالحات لندخلنهم فى الصالحين * ومن الناس من يقول ءامنا بالله فإذآ أوذى ~~فى الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ولئن جآء نصر من ربك ليقولن إنا كنا ~~معكم أو ليس الله بأعلم بما فى صدور العالمين * وليعلمن الله الذين ءامنوا ~~وليعلمن المنافقين * وقال الذين كفروا للذين ءامنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل ~~خطاياكم وما هم بحاملين من خطاياهم من شىء إنهم لكاذبون * وليحملن أثقالهم ~~وأثقالا مع أثقالهم وليسئلن يوم القيامة عما كانوا يفترون * ولقد أرسلنا ~~نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون ~~* فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناهآ ءاية للعالمين * وإبراهيم إذ قال لقومه ~~اعبدوا الله واتقوه ذالكم خير لكم إن كنتم تعلمون * إنما تعبدون من دون ~~الله أوثانا وتخلقون إفكا إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا ~~فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون * وإن تكذبوا فقد ~~كذب أمم من قبلكم وما على الرسول إلا البلاغ المبين * أولم يروا كيف يبدىء ~~الله الخلق ثم يعيده إن ذالك على الله يسير * قل سيروا فى الارض فانظروا ~~كيف بدأ الخلق ثم الله ينشىء النشأة الاخرة إن الله على كل شىء قدير * يعذب ~~من يشآء ويرحم من يشآء وإليه تقلبون * ومآ أنتم بمعجزين فى الارض ولا ms6182 فى ~~السمآء وما لكم من دون الله من ولى ولا نصير * والذين كفروا بئايات الله ~~ولقآئه أولائك يئسوا من رحمتى وأولائك لهم عذاب أليم * فما كان جواب قومه ~~إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه فأنجاه الله من النار إن فى ذالك لايات لقوم ~~يؤمنون * وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم فى الحيواة ~~الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما ~~لكم من ناصرين * فئامن له لوط وقال إنى مهاجر إلى ربى & # 1764 إنه هو العزيز الحكيم * ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا فى ذريته ~~النبوة والكتاب وءاتيناه أجره فى الدنيا وإنه فى لاخرة لمن الصالحين * ~~ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين * ~~أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون فى ناديكم المنكر فما كان جواب ~~قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين * قال رب انصرنى ~~على القوم المفسدين * ولما جآءت رسلنآ إبراهيم بالبشرى قالو & # 1764 ا إنا مهلكو & # 1764 أهل هاذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين * قال إن فيها لوطا قالوا ~~نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين * ولمآ أن ~~جآءت رسلنا لوطا سىء بهم وضاق بهم ذرعا وقالوا لا تخف ولا تحزن إنا منجوك ~~وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين * إنا منزلون على أهل هاذه القرية رجزا ~~من السمآء بما كانوا يفسقون * ولقد تركنا منهآ ءاية بينة لقوم يعقلون * ~~وإلى مدين أخاهم شعيبا فقال ياقوم اعبدوا الله وارجوا اليوم الاخر ولا ~~تعثوا فى الارض مفسدين * فكذبوه فأخذتهم الرجفة فأصبحوا فى دارهم جاثمين * ~~وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن ~~السبيل وكانوا مستبصرين * وقارون وفرعون وهامان ولقد جآءهم موسى بالبينات ~~فاستكبروا فى الارض وما كانوا سابقين * فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا ~~عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الارض ومنهم من أغرقنا ~~وما كان الله ليظلمهم ولاكن كانو & # 1764 ms6183 ا أنفسهم يظلمون * مثل الذين اتخذوا من دون الله أوليآء كمثل ~~العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون * إن ~~الله يعلم ما يدعون من دونه من شىء وهو العزيز الحكيم * وتلك الامثال ~~نضربها للناس وما يعقلهآ إلا العالمون * خلق الله السماوات والارض بالحق إن ~~فى ذالك لآية للمؤمنين * اتل ما أوحى إليك من الكتاب وأقم الصلواة إن ~~الصلواة تنهى عن الفحشآء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون * ~~ولا تجادلو & # 1764 ا أهل الكتاب إلا بالتى هى أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولو & # 1764 ا ءامنا بالذى & # 1764 أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلاهنا وإلاهكم واحد ونحن له مسلمون * ~~وكذلك أنزلنآ إليك الكتاب فالذين ءاتيناهم الكتاب يؤمنون به ومن هاؤلا & # 1764 ء من يؤمن به وما يجحد باياتنآ إلا الكافرون * وما كنت تتلو من قبله ~~من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون * بل هو ءايات بينات فى صدور ~~الذين أوتوا العلم وما يجحد بئاياتنآ إلا الظالمون * وقالوا لولا أنزل عليه ~~ءايات من ربه قل إنما الايات عند الله وإنمآ أنا نذير مبين * أولم يكفهم ~~أنآ أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن فى ذالك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون * ~~قل كفى بالله بينى وبينكم شهيدا يعلم ما فى السماوات والارض والذين ءامنوا ~~بالباطل وكفروا بالله أولائك هم الخاسرون * ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل ~~مسمى لجآءهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون * يستعجلونك بالعذاب وإن ~~جهنم لمحيطة بالكافرين * يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ويقول ~~ذوقوا ما كنتم تعملون * ياعبادى الذين ءامنو & # 1764 ا إن أرضى واسعة فإياى فاعبدون * كل نفس ذآئقة الموت ثم إلينا ~~ترجعون * والذين ءامنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفا تجرى من ~~تحتها الانهار خالدين فيها نعم أجر العاملين * الذين صبروا وعلى ربهم ~~يتوكلون * وكأين من دآبة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع ~~العليم * ولئن سألتهم من خلق السماوات والارض وسخر الشمس والقمر ليقولن ~~الله فأنى يؤفكون * الله يبسط الرزق لمن ms6184 يشآء من عباده ويقدر له إن الله ~~بكل شىء عليم * ولئن سألتهم من نزل من السمآء مآء فأحيا به الارض من بعد ~~موتها ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون * وما هاذه الحيواة ~~الدنيآ إلا لهو ولعب وإن الدار الاخرة لهى الحيوان لو كانوا يعلمون * فإذا ~~ركبوا فى الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم ~~يشركون * ليكفروا بمآ ءاتيناهم وليتمتعوا فسوف يعلمون * أولم يروا أنا ~~جعلنا حرما ءامنا ويتخطف الناس من حولهم أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله ~~يكفرون * ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جآءه أليس فى ~~جهنم مثوى للكافرين * والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع ~~المحسنين } ) 2 $ افتتاح هذه السورة بالحروف المقطعة يؤذن بأن من أغراضها ~~تحدي المشركين بالإتيان بمثل سورة منه كما بينا في سورة البقرة ، وجدال ~~المشركين في أن القرآن نزل من عند الله هو الأصل فيما حدث بين المسلمين ~~والمشركين من الأحداث المعبر عنها بالفتنة في قوله هنا { أن يقولوا ءامنا ~~وهم لا يفتنون } ( العنكبوت : 2 ) . فتعين أن أول أغراض PageV20P200 هذه ~~السورة تثبيت المسلمين الذين فتنهم المشركون وصدوهم عن الإسلام أو عن ~~الهجرة مع من هاجروا . # ووعد الله بنصر المؤمنين وخذل أهل الشرك وأنصارهم وملقنيهم من أهل الكتاب ~~. # والأمر بمجافاة المشركين والابتعاد منهم ولو كانوا أقرب القرابة . # ووجوب صبر المؤمنين على أذى المشركين وأن لهم في سعة الأرض ما ينجيهم من ~~أذى أهل الشرك . # ومجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن ما عدا الظالمين منهم للمسلمين . # وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالثبات على إبلاغ القرآن وشرائع الإسلام ~~. # والتأسي في ذلك بأحوال الأمم التي جاءتها الرسل ، وأن محمدا صلى الله ~~عليه وسلم جاء بمثل ما جاؤوا به . # وما تخلل أخبار من ذكر فيها من الرسل من العبر . # والاستدلال على أن القرآن منزل من عند الله بدليل أمية من أنزل عليه صلى ~~الله عليه وسلم # وتذكير المشركين بنعم الله عليهم ليقلعوا عن عبادة ما سواه ms6185 . # وإلزامهم بإثبات وحدانيته بأنهم يعترفون بأنه خالق من في السموات ومن في ~~الأرض . # والاستدلال على البعث بالنظر في بدء الخلق وهو أعجب من إعادته . # وإثبات الجزاء على الأعمال . # وتوعد المشركين بالعذاب الذي يأتيهم بغتة وهم يتهكمون باستعجاله . # وضرب المثل لاتخاذ المشركين أولياء من دون الله بمثل وهي بيت العنكبوت . ~~PageV20P201 # ( 1 ) . # تقدم القول في معاني أمثالها مستوفى عند مفتتح سورة البقرة . # واعلم أن التهجي المقصود به التعجيز يأتي في كثير من سور القرآن وليس ~~يلزم أن يقع ذكر القرآن أو الكتاب بعد تلك الحروف وإن كان ذلك هو الغالب في ~~سور القرآن ما عدا ثلاث سور وهي فاتحة سورة مريم وفاتحة هذه السورة وفاتحة ~~سورة الروم . على أن هذه السورة لم تخل من إشارة إلى التحدي بإعجاز القرآن ~~لقوله تعالى { أو لم يكفهم أنا أنزلنا إليك الكتاب يتلى عليهم } ( العنكبوت ~~: 51 ) . # ( 2 ) . # الاستفهام في { أحسب } مستعمل في الإنكار ، أي إنكار حسبان ذلك . وحسب ~~بمعنى ظن ، وتقدم في قوله تعالى { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة } في سورة ~~البقرة ( 214 ) . والمراد بالناس كل الذين آمنوا ، فالقول كناية عن حصول ~~المقول في نفس الأمر ، أي أحسب الناس وقوع تركهم لأن يقولوا آمنا ، فقوله { ~~أن يتركوا } مفعول أول ل { حسب } . وقوله { أن يقولوا ءامنا } شبه جملة في ~~محل المفعول الثاني وهو مجرور بلام جر محذوف مع ( أن ) حذفا مطردا ، ~~والتقدير : أحسب الناس تركهم غير مفتونين لأجل قولهم : آمنا ، فإن أفعال ~~الظن والعلم لا تتعدى إلى الذوات وإنما تتعدى إلى الأحوال والمعاني وكان ~~حقها أن يكون مفعولها واحدا دالا على حالة ، ولكن جرى استعمال الكلام على ~~أن يجعلوا لها اسم ذات مفعولا ، ثم يجعلوا ما يدل على حالة للذات مفعولا ~~ثانيا . ولذلك قالوا : إن مفعولي أفعال القلوب ( أي العلم ونحوه ) أصلهما ~~مبتدأ وخبر . # والترك : عدم تعهد الشيء بعد الاتصال به . # والترك هنا مستعمل في حقيقته لأن الذين آمنوا قد كانوا مخالطين للمشركين ~~ومن زمرتهم ، فلما آمنوا اختصوا بأنفسهم وخالفوا أحوال قومهم وذلك مظنة أن ~~يتركهم المشركون ms6186 وشأنهم ، فلما أبى المشركون إلا منازعتهم طمعا في إقلاعهم ~~عن PageV20P202 الإيمان وقع ذلك منهم موقع المباغتة والتعجب ، وتقدم الترك ~~المجازي في قوله تعالى { وتركهم في ظلمات لا يبصرون } أوائل البقرة ( 17 ) ~~. # و { أن يقولوا } في موضع نصب على نزع الخافض الذي هو لام التعليل . ~~والتقدير : لأجل أن يقولوا آمنا . # وجملة { وهم لا يفتنون } حال ، أي لا يحسبوا أنهم سالمون من الفتنة إذا ~~آمنوا . # والفتن والفتون : فساد حال الناس بالعدوان والأذى في الأنفس والأموال ~~والأهلين . والاسم : الفتنة ، وقد تقدم عند قوله تعالى { إنما نحن فتنة فلا ~~تكفر } في سورة البقرة ( 102 ) . # وبناء فعلي { يتركوا . . . ويفتنون } للمجهول للاستغناء عن ذكر الفاعل ~~لظهور أن الفاعل قوم ليسوا بمؤمنين ، أي أن يتركوا خالين عن فتون الكافرين ~~إياهم لما هو معروف من الأحداث قبيل نزولها ، ولما هو معلوم من دأب الناس ~~أن يناصبوا العداء من خالفهم في معتقداتهم ومن ترفع عن رذائلهم . والمعنى : ~~أحسب الذين قالوا آمنا أن يتركهم أعداء الدين دون أن يفتنوهم . ومن فسروا ~~الفتون هنا بما شمل التكاليف الشاقة مثل الهجرة والجهاد قد ابتعدوا عن مهيع ~~المعنى و اللفظ وناكدوا ما تفرع عنه من قوله { فليعلمن الله الذين صدقوا ~~وليعلمن الكاذبين } ( العنكبوت : 3 ) . # وإنما لم نقدر فاعل { يتركوا } و { يفتنون } أنه الله تعالى تحاشا مع ~~التشابه مع وجود مندوحة عنه . # وهذه الفتنة مراتب أعظمها التعذيب كما فعل ببلال ، وعمار بن ياسر وأبويه ~~. # ( 3 ) . # انتقال إلى التنويه بالفتون لأجل الإيمان بالله بأنه سنة الله في سالف ~~أهل الإيمان وتأكيد الجملة بلام القسم وحرف التحقيق لتنزيل المؤمنين حين ~~استعظموا ما نالهم PageV20P203 من الفتنة من المشركين واستبطأوا النصر على ~~الظالمين ، وذهولهم عن سنة الكون في تلك الحالة منزلة من ينكر أن من يخالف ~~الدهماء في ضلالهم ويتجافى عن أخلاقهم ورذالتهم لا بد أن تلحقه منهم فتنة . # ولما كان هذا السنن من آثار ما طبع الله عليه عقول غالب البشر وتفكيرهم ~~غير المعصوم بالدلائل وكان حاصلا في الأمم السالفة كلها أسند فتون تلك ~~الأمم إلى الله ms6187 تعالى إسنادا مجازيا لأنه خالق أسبابه كما خلق أسباب العصمة ~~منه لمن كان أهلا للعصمة من مثله ، وفي هذا الإسناد إيماء إلى أن الذي خلق ~~أسباب تلك الفتن قريبها وبعيدها قادر على صرفها بأسباب تضادها . وإلى هذا ~~يشير دعاء موسى عليه السلام المحكي في سورة يونس ( 88 ) { وقال موسى ربنا ~~إنك ءاتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ~~ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ~~} فسأل الله أن يخلق ضد الأسباب التي غرت فرعون وملأه وغشيت على قلبه ~~بالضلال . # والمقصود التذكير بما لحق صالحي الأمم السالفة من الأذى والاضطهاد كما ~~لقي صالحو النصارى من مشركي الرومان في عصور المسيحية الأولى ، وقد قص ~~القرآن بعض ذلك في سورة البروج . # وحكمها سار في حال كل من يتمسك بالحق بين قوم يستخفون به من المسلمين لأن ~~نكران الحق أنواع كثيرة . # والواو الداخلة على جملة { ولقد فتنا الذين من قبلهم } يجوز أن تكون ~~عاطفة على جملة { أحسب الناس } ( العنكبوت : 2 ) ، ويجوز كونها عاطفة على ~~جملة { وهم لا يفتنون } ( العنكبوت : 2 ) فتكون بمعنى الحال ، أي والحال قد ~~فتنا الذين من قبلهم ، وعلى كلا التقديرين فالجملة معترضة بين ما قبلها وما ~~تفرع عنه من قوله { فليعلمن الله الذين صدقوا } . فلك أن تسمي تلك الواو ~~اعتراضية . وإسناد فعل { فتنا } إلى الله تعالى لقصد تشريف هذه الفتون بأنه ~~جرى على سنة الله في الأمم . فالفاء في قوله { فليعلمن الله الذين صدقوا } ~~تفريع على جملة { وهم لا يفتنون } ( العنكبوت : 2 ) ، أي يفتنون فيعلم الله ~~الذين صدقوا منهم والكاذبين . والمفرع هو علم الله الحاصل في PageV20P204 ~~المستقبل كما يقتضيه توكيد فعل العلم بنون التوكيد التي لا يؤكد بها ~~المضارع إلا مستقبلا . وهو تعلق بالمعلوم شبيه بالتعلق التنجيزي لصفتي ~~الإرادة والقدرة وإن لم يسموه بهذا الاسم . # والمراد بالصدق هنا ثبات الشيء ورسوخه ، وبالكذب ارتفاعه وتزلزله ؛ وذلك ~~أن المؤمنين حين قالوا { آمنا } ( العنكبوت : 2 ) لم يكن منهم من هو كاذب ~~في إخباره ms6188 عن نفسه بأنه اعتقد عقيدة الإيمان واتبع رسوله ، فإذا لحقهم ~~الفتون من أجل دخولهم في دين الإسلام فمن لم يعبأ بذلك ولم يترك اتباع ~~الرسول فقد تبين رسوخ إيمانه ورباطة عزمه فكان إيمانه حقا وصدقا ، ومن ترك ~~الإيمان خوف الفتنة فقد استبان من حاله عدم رسوخ إيمانه وتزلزله ، وهذا ~~كقول النابغة : # أولئك قوم بأسهم غير كاذب # وقول الأعشى في ضده يصف راحلته : # جمالية تغتلي بالردا # فف إذا كذب الآثمات الهجيرا # وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى : { أن لهم قدم صدق عند ربهم في أول سورة ~~يونس } ( 2 ) . # ولما كان علم الله بمن يكون إيمانه صادقا عند الفتون ومن يكون إيمانه ~~كاذبا بهذين المعنيين متقررا في الأزل من قبل أن يحصل الفتون والصدق والكذب ~~تعين تأويل فعل { فليعلمن } بمعنى : فليعلمن بكذب إيمانهم بهذا المعنى ، ~~فهو من تعلق العلم بحصول أمر كان في علم الله أنه سيكون وهو شبيه بتعلق ~~الإرادة المعبر عنه بالتعلق التنجيزي ولا مانع من إثبات تعلقين لعلم الله ~~تعالى : أحدهما قديم ، والآخر تنجيزي حادث . ولا يفضي ذلك إلى اتصاف الله ~~تعالى بوصف حادث لأن تعلق الصفة تحقق مقتضاها في الخارج لا في ذات موصوفها ~~، وتقدم عند قوله تعالى { إلا لنعلم من يتبع الرسول } في سورة البقرة ( 143 ~~) ، وقوله { وليعلم الله الذين ءامنوا ويتخذ منكم شهداء } في آل عمران ( ~~140 ) . # ولك أن تجعل العلم هنا مكنى به عن وعد الصادقين ووعيد الكاذبين لأن العلم ~~سبب للجزاء بما يقتضيه فكانت الكناية مقصودة وهو المعنى الأهم . ~~PageV20P205 # وقد عدل في قوله { فليعلمن الله } عن طريق التكلم إلى طريق الغيبة بإظهار ~~اسم الجلالة على أسلوب الالتفات لما في هذا الإظهار من الجلالة ليعلم أن ~~الجزاء على ذلك جزاء مالك الملك . # وتعريف المتصفين بصدق الإيمان بالموصول والصلة الماضوية لإفادة أنهم ~~اشتهروا بحدثان صدق الإيمان وأن صدقهم محقق . # وأما تعريف المتصفين بالكذب بطريق التعريف باللام وبصيغة اسم الفاعل ~~فلإفادة أنهم عهدوا بهذا الوصف وتميزوا به مع ما في ذلك من التفنن والرعاية ~~على الفاصلة . # روى ms6189 الطبري عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال : نزلت هذه الآية { الم أحسب ~~الناس أن يتركوا } إلى قوله { وليعلمن الكاذبين } ( العنكبوت : 1 3 ) في ~~عمار بن ياسر إذ كان يعذب في الله ، أي وأمثاله عياش بن أبي ربيعة ، ~~والوليد بن الوليد ، وسلمة بن هشام ممن كانوا يعذبون بمكة وكان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يدعو لهم الله بالنجاة لهم وللمستضعفين من المؤمنين . # ( 4 ) . # أعقب تثبيت المؤمنين على ما يصيبهم من فتون المشركين وما في ذلك من الوعد ~~والوعيد بزجر المشركين على ما يعملونه من السيئات في جانب المؤمنين وأعظم ~~تلك السيئات فتونهم المسلمين . فالمراد بالذين يعملون السيئات الفاتنون ~~للمؤمنين . # وهذا ووعيدهم بأن الله لا يفلتهم . وفي هذا أيضا زيادة تثبيت للمؤمنين ~~بأن الله ينصرهم من أعدائهم . # ف { أم } للإضراب الانتقالي ويقدر بعدها استفهام إنكاري . # و { السيئات } : الأعمال السوء . وهي التنكيل والتعذيب وفتون المسلمين . # والسبق : مستعمل مجازا في النجاة والانفلات كقول مرة بن عداء الفقعسي : ~~PageV20P206 # كأنك لم تسبق من الدهر مرة # إذا أنت أدركت الذي كنت تطلب # وقوله تعالى { وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم } ( الواقعة : 60 ، ~~61 ) وقوله { فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين فكلا أخذنا بذنبه } ( ~~العنكبوت : 39 ، 40 ) . # وقد تقدم عند قوله تعالى { ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا } في سورة ~~الأنفال ( 59 ) . والمعنى : أم حسبوا أن قد شفوا غيظهم من المؤمنين ، فهم ~~بذلك غلبوا أولياءنا فغلبونا . # وجملة { ساء ما يحكمون } ذم لحسبانهم ذلك وإبطال له . فهي مقررة لمعنى ~~الإنكار في جملة { أم حسب الذين يعملون السيئات } فلها حكم التوكيد فلذلك ~~فصلت . # وهذه الجملة تقتضي أن يكون هذا الحسبان واقعا منهم . ومعنى وقوعه : أنهم ~~اعتقدوا ما يساوي هذا الحسبان لأنهم حين لم يستطع المؤمنون رد فتنتهم قد ~~اغتروا بأنهم غلبوا المؤمنين ، وإذ قد كان المؤمنون يدعون إلى الله دون ~~الأصنام فمن غلبهم فقد حسب أنه غلب من يدعون إليه وهم لا يشعرون بهذا ~~الحسبان ، فافهمه . # والحكم مستعمل في معنى الظن والاعتقاد تهكما بهم بأنهم نصبوا أنفسهم منصب ms6190 ~~الذي يحكم فيطاع و { ما يحكمون } موصول وصلته ، أي ساء الحكم الذي يحكمونه ~~. # وهذه الآية وإن كانت واردة في شأن المشركين المؤذين للمؤمنين فهي تشير ~~إلى تحذير المسلمين من مشابهتهم في اقتراف السيئات استخفافا بوعيد الله ~~عليها لأنهم في ذلك يأخذون بشيء من مشابهة حسبان الانفلات ، وإن كان المؤمن ~~لا يظن ذلك ولكنه ينزل منزلة من يظنه لإعراضه عن الوعيد حين يقترف السيئة . # ( 5 ) . # هذا مسوق للمؤمنين خاصة لأنهم الذين يرجون لقاء الله ، فالجملة مفيدة ~~التصريح بما أومأ إليه قوله { أن يسبقونا } ( العنكبوت : 4 ) من الوعد بنصر ~~المؤمنين على عدوهم PageV20P207 مبينة لها ولذلك فصلت . ولولا هذا الوقع ~~لكان حق الإخبار بها أن يجيء بواسطة حرف العطف . ورجاء لقاء الله : ظن وقوع ~~الحضور لحساب الله . # و { لقاء الله } : الحشر للجزاء لأن الناس يتلقون خطاب الله المتعلق بهم ~~، لهم أو عليهم ، مباشرة بدون واسطة ، وقد تقدم في قوله { الذين يظنون أنهم ~~ملاقوا ربهم } ( البقرة : 46 ) وقوله { واعلموا أنكم ملاقوه } في سورة ~~البقرة ( 223 ) . # و { أجل الله } يجوز أن يكون الوقت الذي عينه الله في علمه للبعث والحساب ~~فيكون من الإظهار في مقام الإضمار ، ومقتضى الظاهر أن يقال : فإنه لآتت ~~فعدل إلى الإظهار كما في إضافة { أجل } إلى اسم الجلالة من الإيماء إلى أنه ~~لا يخلف . والمقصود الاهتمام بالتحريض على الاستعداد . ويجوز أن يكون ~~المراد ب { أجل الله } الأجل الذي عينه الله لنصر المؤمنين وانتهاء فتنة ~~المشركين إياهم باستئصال مساعير تلك الفتنة ، وهم صناديد قريش وذلك بما كان ~~من النصر يوم بدر ثم ما عقبه إلى فتح مكة فيكون الكلام تثبيتا للرسول صلى ~~الله عليه وسلم وللمؤمنين حين استبطأ المؤمنون النصر للخلاص من فتنة ~~المشركين حتى يعبدوا الله لا يفتنوهم في عبادته . والمعنى عليه : إن كنتم ~~مؤمنين بالبعث إيقانا ينبعث من تصديق وعد الله به فإن تصديقكم بمجيء النصر ~~أجدر لأنه وعدكم به ، ف { من } شرطية ، وجعل فعل الشرط فعل الكون للدلالة ~~على تمكن هذ الرجاء من فاعل فعل الشرط . # ولهذا كان قوله ms6191 { فإن أجل الله لآت } جوابا لقوله { من كان يرجو لقاء ~~الله } باعتبار دلالته على الجواب المقدر ليلتئم الربط بين مدلول جملة ~~الشرط ومدلول جملة الجزاء . ولولا ذلك لاختل الربط بين الشرط والجزاء إذ ~~يفضي إلى معنى من لم يكن يرجو لقاء الله فإن أجل الله غير آتت . وهذا لا ~~يستقيم في مجاري الكلام فلزم تقدير شيء من باب دلالة الاقتضاء . # وتأكيد جملة الجزاء بحرف التوكيد على الوجه الأول للتحريض والحث على ~~الاستعداد للقاء الله ، وعلى الوجه الثاني لقصد تحقيق النصر الموعود به ~~تنزيلا لاستبطائه منزلة التردد لقصد إذكاء يقينهم بما وعد الله ولا يوهنهم ~~طول المدة الذي يضخمه الانتظار . وبهذا يظهر وقع التذييل بوصفي { السميع ~~العليم } دون غيرهما من الصفات العلى للإيماء بوصف { السميع } إلى أن الله ~~تعالى سمع PageV20P208 مقالة بعضهم من الدعاء بتعجيل النصر كما أشار إليه ~~قوله تعالى { وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين ءامنوا معه متى نصر الله } ( ~~البقرة : 214 ) . وكقول النبي صلى الله عليه وسلم # ( اللهم أنجج عياش بن أبي ربيعة اللهم أنج الوليد بن الوليد اللهم أنج ~~سلمة بن هشام اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين ، اللهم اشدد وطأتك على مضر ~~اللهم اجعلها عليهم سنين كسنين يوسف ) . # والإيماء بوصف { العليم } إلى أن الله علم ما في نفوسهم من استعجال النصر ~~ولو كان المراد من { أجل الله } الموت لما كان وجه للإعلام بإتيانه بله ~~تأكيده ، وكذا لو كان المراد منه البعث لكان قوله { من كان يرجو لقاء الله ~~} كافيا ، فهذا وجه ما أشارت إليه الآيات بالمنطوق والاقتضاء ، والعدول بها ~~عن هذا المهيع وإلى ما في ( الكشاف ) و ( مفاتيح الغيب ) أخذا من كلام أبي ~~عبيدة تحويل لها عن مجراها وصرف كلمة الرجاء عن معناها وتفكيك لنظم الكلام ~~عن أن يكون آخذا بعضه بحجز بعض . # وإظهار اسم الجلالة في جملة { فإن أجل الله لآت } مع كون مقتضى الظاهر ~~الإضمار لتقدم اسم الجلالة في جملة الشرط { من كان يرجو لقاء الله } لئلا ~~يلتبس معاد الضمير بأن يعاد إلى { من } إذ المقصود ms6192 الإعلام بأجل مخصوص وهو ~~وقت النصر الموعود كما في قوله تعالى { ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم ~~صادقين قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون } ( سبأ : 29 ، ~~30 ) . # وعبر بفعل الرجاء عن ترقب البعث لأن الكلام مسوق للمؤمنين وهم ممن يرجو ~~لقاء الله لأنهم يترقبون البعث لما يأملون من الخيرات فيه . قال بلال رضي ~~الله عنه حين احتضاره متمثلا بقول بعض الأشعريين الذين وفدوا على النبي صلى ~~الله عليه وسلم # غدا ألقى الأحبه # محمدا وصحبه # ( 6 ) . # أي ومن جاهد ممن يرجون لقاء الله ، فليست الواو للتقسيم ، وليس { من ~~PageV20P209 جاهد } بقسيم لمن كانوا يرجون لقاء الله بل الجهاد من عوارض من ~~كانوا يرجون لقاء الله . # والجهاد : مبالغة في الجهد الذي هو مصدر جهد كمنع ، إذا جد في عمله وتكلف ~~فيه تعبا ، ولذلك شاع إطلاقه على القتال في نصر الإسلام . وهو هنا يجوز أن ~~يكون الصبر على المشاق والأذى اللاحقة بالمسلمين لأجل دخولهم في الإسلام ~~ونبذ دين الشرك حيث تصدى المشركون لأذاهم . فإطلاق الجهاد هنا هو مثل ~~إطلاقه في قوله تعالى بعد هذا { وإن جاهداك لتشرك بي } ( العنكبوت : 8 ) ، ~~ومثل إطلاقه في قول النبي صلى الله عليه وسلم وقد قفل من إحدى غزواته ( ~~رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ) . # وهذا المحل هو المتبادر في هذه السورة بناء على أنها كلها مكية لأنه لم ~~يكن جهاد القتال في مكة . # ومعنى { فإنما يجاهد لنفسه } على هذا المحمل أن ما يلاقيه من المشاق ~~لفائدة نفسه ليتأتى له الثبات على الإيمان الذي به ينجو من العذاب في ~~الآخرة . # ويجوز أن يراد بالجهاد المعنى المنقول إليه في اصطلاح الشريعة وهو قتال ~~الكفار لأجل نصر الإسلام والذب عن حوزته ، ويكون ذكره هنا لإعداد نفوس ~~المسلمين لما سيلجأون إليه من قتال المشركين قبل أن يضطروا إليه فيكون ~~كقوله تعالى { قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد ~~تقاتلونهم أو يسلمون } ( الفتح : 16 ) ومناسبة التعرض له على هذا المحمل هو ~~أن قوله { فإن أجل ms6193 الله لآت } ( العنكبوت : 5 ) تضمن ترقبا لوعد نصرهم على ~~عدوهم فقدم إليهم أن ذلك بعد جهاد شديد وهو ما وقع يوم بدر . # ومعنى { فإنما يجاهد لنفسه } على هذا المحمل هو معناه في المحمل الأول ~~لأن ذلك الجهاد يدافع صد المشركين إياهم عن الإسلام ، فكان الدوام على ~~الإسلام موقوفا عليه ، وزيادة معنى آخر وهو أن ذلك الجهاد وإن كان في ظاهر ~~الأمر دفاعا عن دين الله فهو أيضا به نصرهم وسلامة حياة الأحياء منهم ~~وأهلهم وأبنائهم وأساس سلطانهم في الأرض كما قال تعالى : { وعد الله الذين ~~ءامنوا منكم PageV20P210 وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف ~~الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم ~~أمنا } ( النور : 55 ) . وقال علقمة بن شيبان التميمي : # ونقاتل الأعداء عن أبنائنا # وعلى بصائرنا وإن لم نبصر # والأوفق ببلاغة القرآن أن يكون المحملان مرادين كما قدمنا في المقدمة ~~التاسعة من مقدمات هذا التفسير . # والقصر المستفاد من ( إنما ) هو قصر الجهاد على الكون لنفس المجاهد ، أي ~~الصالح نفسه إذ العلة لا تتعلق بالنفس بل بأحوالها ، أي جهاد لفائدة نفسه ~~لا لنفع ينجر إلى الله تعالى ، فالقصر الحاصل بأداة ( إنما ) قصر ادعائي ~~للتنبيه إلى ما يغفلون عنه حين يجاهدون الجهاد بمعنييه من الفوائد المنجرة ~~إلى أنفس المجاهدين ولذلك عقب الرد المستفاد من القصر بتعليله بأن الله غني ~~عن العالمين فلا يكون شيء من الجهاد نافعا لله تعالى ولكن نفعة للأمة . # فموقع حرف التأكيد هنا هو موقع فاء التفريع الذي نبه عليه صاحب ( دلائل ~~الإعجاز ) وتقدم غير مرة . # ( 7 ) . # يجوز أن يكون عطفا على جملة { أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا } ~~( العنكبوت : 4 ) لما تضمنته الجملة المعطوف عليها من التهديد والوعيد ، ~~فعطف عليها ما هو وعد وبشارة للذين آمنوا وعملوا الصالحات مع ما أفضى إلى ~~ذكر هذا الوعد من قوله قبله { ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه } ( العنكبوت : 6 ~~) فإن مضمون جملة { والذين ءامنوا وعملوا الصالحات } الآية يفيد بيان كون ~~جهاد من جاهد لنفسه . # ويجوز أن ms6194 تكون عطفا على جملة { ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه } ( العنكبوت ~~: 6 ) وسلك بها طريق العطف باعتبار ما أومأ إليه الموصول وصلته من أن سبب ~~هذا الجزاء الحسن PageV20P211 هو أنهم آمنوا وعملوا الصالحات وهو على الوجه ~~إظهار في مقام الإضمار لنكتة هذا الإيماء . # فالجزاء فضل لأن العبد إذا امتثل أمر الله فإنما دفع عن نفسه تبعة ~~العصيان ؛ فأما الجزاء على طاعة مولاه فذلك فضل من المولى ، وغفران ما تقدم ~~من سيئاتهم فضل عظيم لأنهم كانوا أحقاء بأن يؤاخذوا بما عملوه وبأن إقلاعهم ~~عن ذلك في المستقبل لا يقتضي التجاوز عن الماضي لكنه زيادة في الفضل . # وانتصب { أحسن } على أنه وصف لمصدر محذوف هو مفعول مطلق من فعل { ~~لنجزينهم } . والتقدير : ولنجزينهم جزاء أحسن . # وإضافته إلى { الذي كانوا يعملون } لإفادة عظم الجزاء كله فهو مقدر بأحسن ~~أعمالهم . وتقدير الكلام : لنجزينهم عن جميع صالحاتهم جزاء أحسن صالحاتهم . ~~وشمل هذا من يكونون مشركين فيؤمنون ويعملون الصالحات بعد نزول هذه الآية . # ( 8 9 ) . # لم يترك القرآن فاذة من أحوال علائق المسلمين بالمشركين إلا بين واجبهم ~~فيها المناسب لإيمانهم ، ومن أشد تلك العلائق علاقة النسب فالنسب بين ~~المشرك والمؤمن يستدعي الإحسان وطيب المعاشرة ولكن اختلاف الدين يستدعي ~~المناواة والمغاضبة ولا سيما إذا كان المشركون متصلبين في شركهم ومشفقين من ~~أن تأتي دعوة الإسلام على أساس دينهم فهم يلحقون الأذى بالمسلمين ليقلعوا ~~عن متابعة الإسلام ، فبين الله بهذه الآية ما على المسلم في معاملة أنسبائه ~~من المشركين . وخص بالذكر منها نسب الوالدين لأنه أقرب نسب فيكون ما هو ~~دونه أولى بالحكم الذي يشرع له . # وحدثت قضية أو قضيتان دعتا إلى تفصيل هذا الحكم . روي أن سعد بن ~~PageV20P212 أبي وقاص حين أسلم قالت له أمه حمنة بنت أبي سفيان يا سعد ~~بلغني أنك صبأت ، فوالله لا يظلني سقف بيت ، وإن الطعام والشراب علي حرام ~~حتى تكفر بمحمد ، وبقيت كذلك ثلاثة أيام فشكا سعد ذلك إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية فأمره رسول الله صلى الله ms6195 عليه وسلم أن ~~يداريها ويترضاها بالإحسان . # وروي أنه لما أسلم عياش بن أبي ربيعة المخزومي وهاجر مع عمر بن الخطاب ~~إلى المدينة قبل هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج أبو جهل وأخوه ~~الحارث وكانا أخوي عياش لأمه فنزلا بعياش وقالا له : إن محمدا يأمر ببر ~~الوالدين وقد تركت أمك وأقسمت أن لا تطعم ولا تشرب ولا تأوي بيتا حتى تراك ~~وهي أشد حبا لك منها لنا ، فاخرج معنا . فاستشار عمر فقال عمر : هما ~~يخدعانك ، فلم يزالا به حتى عصى نصيحة عمر وخرج معهما . فلما انتهوا إلى ~~البيداء قال أبو جهل : إن ناقتي كلت فاحملني معك . قال عياش : نعم ، ونزل ~~ليوطىء لنفسه ولأبي جهل . فأخذاه وشداه وثاقا وذهبا به إلى أمه فقالت له : ~~لا تزال بعذاب حتى ترجع عن دين محمد وأوثقته عندها ، فقيل : إن هذه الآية ~~نزلت في شأنهما . # والمقصود من الآية هو قوله { وإن جاهداك لتشرك بي } إلى آخره ، وإنما ~~افتتحت ب { وصينا الإنسان بوالديه حسنا } لأنه كالمقدمة للمقصود ليعلم أن ~~الوصاية بالإحسان إلى الوالدين لا تقتضي طاعتهما في السوء ونحوه لقول النبي ~~صلى الله عليه وسلم ( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ) . ولقصد تقرير حكم ~~الإحسان للوالدين في كل حال إلا في حال الإشراك حتى لا يلتبس على المسلمين ~~وجه الجمع بين الأمر بالإحسان للوالدين وبين الأمر بعصيانهما إذا أمرا ~~بالشرك لإبطال قول أبي جهل : أليس من دين محمد البر بالوالدين ونحوه . # وهذا من أساليب الجدل وهو الذي يسمى القول بالموجب وهو تسليم الدليل مع ~~بقاء النزاع ، ومنه في القرآن قوله تعالى : { قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا ~~تريدون أن تصدونا عما كان يعبد ءاباؤنا فأتونا بسلطان مبين قالت لهم رسلهم ~~إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده } ( إبراهيم : 10 ~~، 11 ) فعلم أنه لا تعارض بين PageV20P213 الإحسان إلى الوالدين وبين إلغاء ~~أمرهما بما لا يرجع إلى شأنهما . # والتوصية : كالإيصاء ، يقال : أوصى ووصى ، وهي أمر بفعل شيء في مغيب ~~الآمر به ms6196 ففي الإيصاء معنى التحريض على المأمور به ، وتقدم في قوله تعالى { ~~الوصية للوالدين } ( البقرة : 180 ) وقوله { وأوصى بها إبراهيم } في البقرة ~~( 132 ) . # وفعل الوصاية يتعدى إلى الموصى عليه بالباء ، تقول : أوصى بأبنائه إلى ~~فلان ، على معنى أوصى بشؤونهم ، ويتعدى إلى الفعل المأمور به بالباء أيضا ~~وهو الأصل مثل { وأوصى بها إبراهيم بنيه } ( البقرة : 132 ) . فإذا جمع بين ~~الموصى عليه والموصى به تقول : أوصى به خيرا وأصله : أوصى به بخير له فكان ~~أصل التركيب بدل اشتمال . وغلب حذف الباء من البدل اكتفاء بوجودها في ~~المبدل منه فكذلك قوله تعالى هنا { ووصينا الإنسان بوالديه حسنا } تقديره : ~~وصينا الإنسان بوالديه بحسن ، بنزع الخافض . # والحسن : اسم مصدر ، أي بإحسان . والجملة { وإن جاهداك لتشرك بي } عطف ~~على جملة { وصينا } وهو بتقدير قول محذوف لأن المعطوف عليه فيه معنى القول ~~. # والمجاهدة : الإفراط في بذل الجهد في العمل ، أي ألحا لأجل أن تشرك بي . # والمراد بالعلم في قوله : { ما ليس لك به علم } العلم الحق المستند إلى ~~دليل العقل أو الشرع ، أي أن تشرك بي أشياء لا تجد في نفسك دليلا على ~~استحقاقها العبادة كقوله تعالى { فلا تسألني ما ليس لك به علم } ( هود : 46 ~~) ، أي علم بإمكان حصوله . وفي ( الكشاف ) : أن نفي العلم كناية عن نفي ~~المعلوم ، كأنه قال : أن تشرك بي شيئا لا يصح أن يكون إلها ، أي لا يصح أن ~~يكون معلوما يعني أنه من باب قولهم : هذا ليس بشيء كما صرح به في تفسير ~~سورة لقمان ( 30 ) كقوله تعالى { ما يدعون من دونه الباطل . # وجملة : إلي مرجعكم } مستأنفة استئنافا بيانيا لزيادة تحقيق ما أشارت ~~إليه مقدمة الآية من قوله { ووصينا الإنسان بوالديه حسنا } ، لأن بقية ~~الآية لما آذنت بفظاعة أمر الشرك وحذرت من طاعة المرء والديه فيه كان ذلك ~~مما يثير PageV20P214 سؤالا في نفوس الأبناء أنهم هل يعاملون الوالدين ~~بالإساءة لأجل إشراكهما فأنبئوا أن عقابهما على الشرك مفوض إلى الله تعالى ~~فهو الذي يجازي المحسنين والمسيئين . # والمرجع : البعث . والإنباء : الإخبار ، وهو مستعمل كناية ms6197 عن علمه تعالى ~~بما يعملونه من ظاهر الأعمال وخفيها ، أي ما يخفونه عن المسلمين وما يكنونه ~~في قلوبهم ، وذلك أيضا كناية عن الجزاء عليه من خير أو شر ، ففي قوله { ~~فأنبئكم } كنايتان : أولاهما إيماء ، وثانيتهما تلويح ، أي فأجازيكم ثوابا ~~على عصيانهما فيما يأمران ، وأجازيهما عذابا على إشراكهما . # فجملة { والذين ءامنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين } تصريح ~~ببعض ما أفادته الكناية التي في قوله { فأنبئكم بما كنتم تعملون } ، ~~اهتماما بجانب جزاء المؤمنين . وقد أشير إلى شرف هذا الجزاء بأنه جزاء ~~الصالحين الكاملين كقوله { فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيئين ~~والصديقين والشهداء والصالحين } ( النساء : 69 ) ؛ ألا ترى إلى قول سليمان ~~{ وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين } ( النمل : 19 ) . # ومن لطيف مناسبة هذا الظرف في هذا المقام أن المؤمن لما أمر بعصيان ~~والديه إذا أمراه بالشرك كان ذلك مما يثير بينه وبين أبويه جفاء وتفرقة ~~فجعل الله جزاء عن وحشة تلك التفرقة أنسا بجعله في عداد الصالحين يأنس بهم ~~. # ( 10 ) . # هذا فريق من الذين أسلموا بمكة كان حالهم في علاقاتهم مع المشركين حال من ~~لا يصبر على الأذى فإذا لحقهم أذى رجعوا إلى الشرك بقلوبهم وكتموا ذلك عن ~~المسلمين فكانوا منافقين فأنزل الله فيهم هذه الآية قبل الهجرة ، قاله ~~الضحاك وجابر بن زيد . وقد تقدم في آخر سورة النحل أن من هؤلاء الحارث بن ~~ربيعة بن الأسود ، وأبا قيس بن الوليد ابن المغيرة ، وعلي بن أمية بن خلف ، ~~والعاصي بن PageV20P215 منبه بن الحجاج . فهؤلاء استنزلهم الشيطان فعادوا ~~إلى الكفر بقلوبهم لضعف إيمانهم وكان ما لحقهم من الأذى سببا لارتدادهم ~~ولكنهم جعلوا يظهرون للمسلمين أنهم معهم . ولعل هذا التظاهر كان بتمالؤ ~~بينهم وبين المشركين فرضوا منهم بأن يختلطوا بالمسلمين ليأتوا المشركين ~~بأخبار المسلمين : فعدهم الله منافقين وتوعدهم بهذه الآية . # وقد أومأ قوله تعالى { من يقول ءامنا بالله } إلى أن إيمان هؤلاء لم يرسخ ~~في قلوبهم وأومأ قوله { جعل فتنة الناس كعذاب الله } إلى أن هذا الفريق ~~معذبون بعذاب الله ، وأومأ قوله : { وليعلمن الله ms6198 الذين آمنوا وليعلمن ~~المنافقين } ( العنكبوت : 11 ) إلى أنهم منافقون يبطنون الكفر ، فلا جرم ~~أنهم من الفريق الذين قال الله تعالى فيهم { ولكن من شرح بالكفر صدرا ~~فعليهم غضب من الله } ( النحل : 106 ) ، وأنهم غير الفريق الذين استثنى ~~الله تعالى بقوله { إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان } ( النحل : 106 ) . ~~فليس بين هذه الآية وآيات أواخر سورة النحل اختلاف كما قد يتوهم من سكوت ~~المفسرين عن بيان الأحكام المستنبطة من هذه الآية مع ذكرهم الأحكام ~~المستنبطة من آيات سورة النحل . # وحرف الظرفية من قوله { أوذي في الله } مستعمل في معنى التعليل كاللام ، ~~أي أوذي لأجل الله ، أي لأجل اتباع ما دعاه الله إليه . # وقوله { جعل فتنة الناس كعذاب الله } يريد جعلها مساوية لعذاب الله كما ~~هو مقتضى أصل التشبيه ، فهؤلاء إن كانوا قد اعتقدوا البعث والجزاء فمعنى ~~هذا الجعل : أنهم سووا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة كما هو ظاهر التشبيه ~~فتوقوا فتنة الناس وأهملوا جانب عذاب الله فلم يكترثوا به إعمالا لما هو ~~عاجل ونبذا للآجل وكان الأحق بهم أن يجعلوا عذاب الله أعظم من أذى الناس ، ~~وإن كانوا نبذوا اعتقاد البعث تبعا لنبذهم الإيمان ، فمعنى الجعل : أنهم ~~جعلوه كعذاب الله عند المؤمنين الذين يؤمنون بالجزاء . # فالخبر من قوله { ومن الناس } إلى قوله { كعذاب الله } مكنى به عن الذم ~~والاستحماق على كلا الاحتمالين وإن كان الذم متفاوتا . PageV20P216 # وبين الله تعالى نيتهم في إظهارهم الإسلام بأنهم جعلوا إظهار الإسلام عدة ~~لما يتوقع من نصر المسلمين بأخارة فيجدون أنفسهم متعرضين لفوائد ذلك النصر ~~. وهذا يدل على أن هذه الآية نزلت بقرب الهجرة من مكة حين دخل الناس في ~~الإسلام وكان أمره في ازدياد . # وتأكيد جملة الشرط في قوله { ولئن جاء نصر من ربك ليقولن } باللام ~~الموطئة للقسم لتحقيق حصول الجواب عند حصول الشرط ، وهو يقتضي تحقيق وقوع ~~الأمرين . ففيه وعد بأن الله تعالى ناصر المسلمين وأن المنافقين قائلون ذلك ~~حينئذ ، ولعل ذلك حصل يوم فتح مكة فقال ذلك من كان حيا من هذا الفريق ms6199 ، وهو ~~قول يريدون به نيل رتبة السابقية في الإسلام . وذكر أهل التاريخ أن الأقرع ~~بن حابس ، وعيينة بن حصن ، وسهيل ابن عمرو ، وجماعة من وجوه العرب كانوا ~~على باب عمر ينتظرون الإذن لهم ، وكان على الباب بلال وسلمان وعمار بن ياسر ~~، فخرج إذن عمر أن يدخل سلمان وبلال وعمار فتمعرت وجوه البقية فقال لهم ~~سهيل بن عمرو : ( لم تتمعر وجوهكم ، دعوا ودعينا فأسرعوا وأبطأنا ولئن ~~حسدتموهم على باب عمر لما أعد الله لهم في الجنة أكثر ) . # وقوله { أوليس الله بأعلم بما في صدور العالمين } تذييل ، والواو ~~اعتراضية ، والاستفهام إنكاري إنكارا عليهم قولهم { ءامنا بالله } وقولهم { ~~إنا كنا معكم } ، لأنهم قالوا قولهم ذلك ظنا منهم أن يروج كذبهم ونفاقهم ~~على رسول الله ، فكان الإنكار عليهم متضمنا أنهم كاذبون في قوليهم ~~المذكورين . # والخطاب موجه للنبيء صلى الله عليه وسلم لقصد إسماعهم هذا الخطاب فإنهم ~~يحضرون مجالس النبي والمؤمنين ويستمعون ما ينزل من القرآن وما يتلى منه بعد ~~نزوله ، فيشعرون أن الله مطلع على ضمائرهم . # ويجوز أن يكون الاستفهام تقريريا وجه الله به الخطاب للنبيء صلى الله ~~عليه وسلم في صورة التقرير بما أنعم الله به عليه من إنبائه بأحوال ~~الملتبسين بالنفاق . وهذا الأسلوب شائع في الاستفهام التقريري وكثيرا ما ~~يلتبس بالإنكاري ولا يفرق بينهما إلا المقام ، أي فلا تصدق مقالهم . ~~PageV20P217 # والتفضيل في قوله { بأعلم } مراعى فيه علم بعض المسلمين ببعض ما في صدور ~~هؤلاء المنافقين ممن أوتوا فراسة وصدق نظر . ولك أن تجعل اسم التفضيل مسلوب ~~المفاضلة ، أي أليس الله عالما علما تفصيليا لا تخفى عليه خافية . # ( 11 ) . # خص بالذكر فريقان هما ممن شمله عموم قوله { العالمين } ( العنكبوت : 10 ) ~~اهتماما بهاذين الفريقين وحاليهما : فريق الذين آمنوا ، وفريق المنافقين ~~لأن العلم بما في صدور الفريقين من إيمان ونفاق يترتب عليه الجزاء المناسب ~~لحاليهما في العاجل والآجل ، فذلك ترغيب وترهيب . # ووجه تأكيد كلا الفعلين بلام القسم ونون التوكيد أن المقصود من هذا الخبر ~~رد اعتقاد المنافقين أن الله لا يطلع رسوله على ما في ms6200 نفوسهم ، فالمقصود من ~~الخبرين هو ثانيهما أعني قوله { وليعلمن المنافقين } . # وأما قوله { وليعلمن الله الذين ءامنوا } فهو تمهيد لما بعده وتنصيص على ~~عدم التباس الإيمان المكذوب بالإيمان الحق . # وفي هذا أيضا إرادة المعنى الكنائي من العلم وهو مجازاة كل فريق على حسب ~~ما علم الله من حاله . # وجيء في جانب هاذين بالفعل المضارع المستقبل إذ نون التوكيد لا يؤكد بها ~~الخبر المثبت إلا وهو مستقبل ؛ إما لأن العلم مكنى به عن لازمه وهو مقابلة ~~كل فريق بما يستحقه بحسب ما علم من حاله والمجازاة أمر مستقبل ، وإما لأن ~~المراد علم بمستقبل وهو اختلاف أحوالهم يوم يجيء النصر ، فلعل من كانوا ~~منافقين وقت نزول الآية يكونون مؤمنين يوم النصر ويبقى قوم على نفاقهم . # والمخالفة بين المؤمنين والمنافقين في التعبير عن الأولين بطريق الموصول ~~والصلة الماضوية وعن الآخرين بطريق اللام واسم الفاعل لما يؤذن به الموصول ~~من اشتهارهم بالإيمان وما يؤذن به الفعل الماضي من تمكن الإيمان منهم ~~وسابقيته ، وما يؤذن به PageV20P218 التعريف باللام من كونهم عهدوا بالنفاق ~~وطريانه عليهم بعد أن كانوا مؤمنين ، ففيه تعريف بسوء عاقبتهم مع ما في ذلك ~~من التفنن ورعاية الفاصلة . # ( 12 ) . # هذا غرض آخر من أغراض مخالطة المشركين مع المؤمنين وهو محاولة المشركين ~~ارتداد المسلمين بمحاولات فتنة بالشك والمغالطة للذين لم يقدروا على فتنتهم ~~بالأذى والعذاب : إما لعزتهم وخشية بأسهم مثل عمر بن الخطاب فقد قيل : إن ~~هذه المقالة قيلت له ، وإما لكثرتهم حين كثر المسلمون وأعيت المشركين حيل ~~الصد عن الإسلام . # والمراد بالذين كفروا طائفة منهم وهم : أبو جهل ، والوليد بن المغيرة ، ~~وأمية بن خلف ، وأبو سفيان بن حرب ( قبل أن يسلم ) قالوا للمسلمين ومنهم ~~عمر بن الخطاب : لا نبعث نحن ولا أنتم فإن عسى كان ذلك فإنا نحمل عنكم ~~آثامكم . وإنما قالوا ذلك جهلا وغرورا حاولوا بهما أن يحجوا المسلمين في ~~إيمانهم بالبعث توهما منهم بأنهم إن كان البعث واقعا فسيكونون في الحياة ~~الآخرة كما كانوا في الدنيا أهل ذمام وحمالة ونقض وإبرام شأن ms6201 سادة العرب ~~أنهم إذا شفعوا شفعوا وإن تحملوا حملوا . # وهذا كقول العاصي بن وائل لخباب بن الأرت : لئن بعثني الله ليكونن لي مال ~~فأقضيك دينك ، وهو الذي نزل فيه قوله تعالى { أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال ~~لأوتين مالا وولدا } ( مريم : 77 ) . وكل هذا من الجدال بالباطل وهو طريقة ~~جدلية إن بنيت على الحق كما ينسب إلى علي بن أبي طالب في ضد هذا : # زعم المنجم والطبيب كلاهما # لا تحشر الأجساد قلت إليكما # إن صح قولكما فلست بخاسر # أو صح قولي فالخسار عليكما # وحكى الله عنهم قولهم { ولنحمل خطاياكم } بصيغة الأمر بلام الأمر : إما ~~لأنهم نطقوا بمثل ذلك لبلاغتهم ، وإما لإفادة ما تضمنته مقالتهم من تأكيد ~~تحملهم PageV20P219 بذلك . فصيغة أمرهم أنفسهم بالحمل آكد من الخبر عن ~~أنفسهم بذلك ، ومن الشرط وما في معناه ، لأن الأمر يستدعي الامتثال فكانت ~~صيغة الأمر دالة على تحقيق الوفاء بالحمالة . # وواو العطف لجملة { ولنحمل } على جملة { اتبعوا سبيلنا } مراد منها ~~المعية بين مضمون الجملتين في الأمر وليس المراد منه الجمع في الحصول ~~فالجملتان في قوة جملتي شرط وجزاء ، والتعويل على القرينة . # فكان هذا القول أدل على تأكيد الالتزام بالحالة إن اتبع المسلمون سبيل ~~المشركين ، من أن يقال : إن تتبعوا سبيلنا نحمل خطاياكم ، بصيغة الشرط ، أو ~~أن يقال : اتبعوا سبيلنا فنحمل خطاياكم ، بفاء السببية . # والحمل : مجاز تمثيلي لحال الملتزم بمشقة غيره بحال من يحمل متاع غيره ~~فيؤول إلى معنى الحمالة والضمان . # ودل قوله { خطاياكم } على العموم لأنه جمع مضاف وهو من صيغ العموم . # وقوله { وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء } إبطال لقولهم { ولنحمل ~~خطاياكم } ، نقض العموم في الإثبات بعموم في النفي ، لأن { شيء } في سياق ~~النفي يفيد العموم لأنه نكرة ، وزيادة حرف { من } تنصيص على العموم . # والحمل المنفي هو ما كان المقصود منه دفع التبعة عن الغير وتبرئته من ~~جناياته ، فلا ينافيه إثبات حمل آخر عليهم هو حمل المؤاخذة على التضليل في ~~قوله { وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم } ( العنكبوت : 13 ) . # والكذب المخبر به عنهم هو الكذب ms6202 فيما اقتضاه أمرهم أنفسهم بأن يحملوا عن ~~المسلمين خطاياهم حسب زعمهم والوفاء بذلك كما كانوا في الدنيا فهو كذب لا ~~شك فيه لأنه مخالف للواقع ولاعتقادهم . # ولذلك فجملة { إنهم لكاذبون } بدل اشتمال من جملة { وما هم بحاملين من ~~خطاياهم من شيء } لأن جملة { وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء } تضمنت عرو ~~قولهم { ولنحمل خطاياكم } عن مطابقته للواقع في شيء وذلك PageV20P220 يشتمل ~~على أن مضمونها كذب صريح ، فكان مضمون جملة { إنهم لكاذبون } مما اشتمل ~~عليه مضمون جملة { وما هم بحاملين } . وليس مضمون الثانية عين مضمون الأولى ~~بل الثانية أوفى بالدلالة على أن كذبهم محقق وأنه صفة لهم في خبرهم هذا وفي ~~غيره ، ووزان هذه الجملة وزان بيت علم المعاني : # أقول له ارحل لا تقيمن عندنا # إذ جعل الأيمة جملة ( لا تقيمن عندنا ) بدل اشتمال من جملة ( ارحل ) لأن ~~جملة ( لا تقيمن ) أوفى بالدلالة على كراهيته وطلب ارتحاله ، ولهذا لم تعطف ~~جملة { إنهم لكاذبون } لكمال الاتصال بينها وبين { وما هم بحاملين من ~~خطاياهم من شيء } . # ( 13 ) . # بعد أن كذبهم في قولهم { ولنحمل خطاياكم } ( العنكبوت : 12 ) وكشف كيدهم ~~بالمسلمين عطف عليه ما أفاد أنهم غير ناجين من حمل تبعات لأقوام آخرين وهم ~~الأقوام الذين أضلوهم وسولوا لهم الشرك والبهتان على وجه التأكيد بحملهم ~~ذلك . فذكر الحمل تمثيل . والأثقال مجاز عن الذنوب والتبعات . وهو تمثيل ~~للشقاء والعناء يوم القيامة بحال الذي يحمل متاعه وهو موقر به فيزاد حمل ~~أمتعة أناس آخرين . # وقد علم من مقام المقابلة أن هذا حمل تثقيل وزيادة في العذاب وليس حملا ~~يدفع التبعة عن المحمول عنه ، وأن الأثقال المحمولة مع أثقالهم هي ذنوب ~~الذين أضلوهم وليس من بينها شيء من ذنوب المسلمين لأن المسلمين سالمون من ~~تضليل المشركين بما كشف الله لهم من بهتانهم . # وجملة { وليسألن يوم القيامة عما كانون يفترون } تذييل جامع لمؤاخذتهم ~~بجميع ما اختلقوه من الإفك والتضليل سواء ما أضلوا به أتباعهم وما حاولوا ~~به بتضليل المسلمين فلم يقعوا في أشراكهم ، وقد شمل ذلك كله لفظ ms6203 الافتراء ، ~~كما عبر عن محاولتهم تغرير المسلمين بأنهم فيه كاذبون . PageV20P221 # ( 14 15 ) . # سيقت هذه القصة واللاتي بعدها شواهد على ما لقي الرسل والذين آمنوا معهم ~~من تكذيب المشركين كما صرح به قوله عقب القصتين { وإن تكذبوا فقد كذب أمم ~~من قبلكم } ( العنكبوت : 18 ) على أحد الوجهين الآتيين . # وابتدئت القصص بقصة أول رسول بعثه الله لأهل الأرض فإن لأوليات الحوادث ~~وقعا في نفوس المتأملين في التاريخ ، وقد تقدم تفصيل قصته في سورة هود . # وزادت هذه الآية أنه لبث في قومه تسعمائة وخمسين سنة . وظاهر الآية أن ~~هذه مدة رسالته إلى قومه ولا غرض في معرفة عمره يوم بعثه الله إلى قومه ، ~~وفي ذلك اختلاف بين المفسرين ، وفائدة ذكر هذه المدة للدلالة على شدة ~~مصابرته على أذى قومه ودوامه على إبلاغ الدعوة تثبيتا للنبيء صلى الله عليه ~~وسلم وأوثر تمييز { ألف } ب { سنة } لطلب الخفة بلفظ { سنة } ، وميز { ~~خمسين } بلفظ { عاما } لئلا يكرر لفظ { سنة } . # والفاء من قوله : { فأخذهم الطوفان } عطف على { أرسلنا } كما عطف عليه { ~~فلبث } وقد طوي ذكر ما ترتب عليه أخذهم بالطوفان وهو استمرار تكذيبهم . # وجملة { وهم ظالمون } حال ، أي أخذهم وهم متلبسون بالظلم ، أي الشرك ~~وتكذيب الرسول ، تلبسا ثابتا لهم متقررا وهذا تعريض للمشركين بأنهم سيأخذهم ~~عذاب . # وفاء { فأنجيناه } عطف على { فأخذهم الطوفان } . وهذا إيماء إلى أن الله ~~منجي المؤمنين من العذاب . # وقوله { وجعلناها ءاية للعالمين } الضمير للسفينة . ومعنى كونها آية أنها ~~دليل على وقوع الطوفان عذابا من الله للمكذبين الرسل ، فكانت السفينة آية ~~ماثلة في PageV20P222 عصور جميع الأمم الذين جاءتهم الرسل بعد نوح موعظة ~~للمكذبين وحجة للمؤمنين . وقد أبقى الله بقية السفينة إلى صدر الأمة ~~الإسلامية ففي ( صحيح البخاري ) : ( قال قتادة : بقيت بقايا السفينة على ~~الجودي حتى نظرتها أوائل هذه الأمة ) . ويقال إنها دامت إلى أوائل الدولة ~~العباسية ثم غمرتها الثلوج . وكان الجودي قرب ( باقردى ) وهي قرية من جزيرة ~~ابن عمر بالموصل شرقي دجلة ( وباقردى بموحدة بعدها ألف ثم قاف مكسورة ويجوز ~~فتحها ودال فألف مقصورة ) وقال ms6204 تعالى في سورة القمر ( 15 ) { ولقد تركناها ~~ءاية فهل من مدكر } . # وإنما قال { للعالمين } الشامل لجميع سكان الأرض لأن من لم يشاهد بقايا ~~سفينة نوح يشاهد السفن فيتذكر سفينة نوح وكيف كان صنعها بوحي من الله ~~لإنجاء نوح ومن شاء الله نجاته ، ولأن الذين من أهل قريتها يخبرون عنها ~~وتنقل أخبارهم فتصير متواترة . # هذا وقد وقع في الإصحاح الثامن من سفر التكوين من التوراة ( واستقر الفلك ~~على جبال آراراط ) ، وقد اختلف الباحثون في تعيين جبال أراراط ، فمنهم من ~~قال : إنه اسم الجودي وعينوا أنه من جبال بلاد الأكراد في الحد الجنوبي ~~لأرمينيا في سهول ما بين النهرين ووصفوه بأن نهر دجلة يجري بين مرتفعاته ~~بحيث لا يمكن العبور بين الجبل ونهر دجلة إلا في الصيف ، وأيدوا قولهم ~~بوجود بقية سفينة على قمة ذلك الجبل . وبعضهم زعم أن ( أراراط ) في بلاد ~~أرمينيا وهو قريب من القول الأول لتجاور مواطن الكردستان وأرمينيا وقد ~~تختلف حدود المواطن باختلاف الدول والفتوح . # ويجوز أن يكون ضمير النصب في { وجعلناها } عائدا إلى الخبر المذكور ~~بتأويل القصة أو الحادثة . PageV20P223 # ( 16 17 ) . # انتقل من خبر نوح إلى خبر إبراهيم لمناسبة إنجاء إبراهيم من النار كإنجاء ~~نوح من الماء . وفيه تنبيه إلى عظم القدرة إذ أنجت من الماء ومن النار . # و { إبراهيم } عطف على { نوحا } ( العنكبوت : 14 ) . والتقدير : وأرسلنا ~~إبراهيم . # و { إذ } ظرف متعلق ب ( أرسلنا ) المقدر ، أي في وقت قوله لقومه { اعبدوا ~~الله } الخ وهو أول زمن دعوته . واقتضى قوله { اعبدوا الله } أنهم لم ~~يكونوا عابدين لله أصلا . # وجملة { ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون } تعليل للأمر بعبادة الله . وقد ~~أجمل الخبر في هذه الجملة وفصل بقوله { إن الذين تعبدون من دون الله لا ~~يملكون لكم رزقا } الآية . # ومعنى { إن كنتم تعلمون } إن كنتم تعلمون أدلة اختصاص الله بالإلهية ~~فمفعول العلم محذوف لدلالة ما قبله عليه . ويجوز جعل فعل { تعلمون } منزلا ~~منزلة اللازم ، أي إن كنتم أهل علم ونظر . # وجملة { إنما تعبدون من دون الله أوثانا } تعليل لجملة ms6205 { اعبدوا الله } . ~~وقصرهم على عبادة الأوثان يجوز أن يكون قصرا على عبادتهم الأوثان ، أي دون ~~أن يعبدوا الله فهو قصر حقيقي إذ كان قوم إبراهيم لا يعبدون الله فالقصر ~~منصب على قوله { من دون الله } أي إنما تعبدون غير الله وبذلك يكون { من ~~دون الله } حالا من { أوثانا } ، أي حال كونها معبودة من دون الله ، وهذا ~~مقابل قوله { اعبدوا الله } دون أن يقول لهم : لا تعبدوا إلا الله ؛ لكن ~~قوم إبراهيم قد وصفوا بالشرك في قوله تعالى في سورة الأنعام ( 78 ) { قال ~~يا قوم إني بريء مما تشركون } فهم مثل مشركي العرب ، فالقصر منصب على ~~عبادتهم الموصوفة بالوثنية ، أي ما PageV20P224 تعبدون إلا صورا لا إدراك ~~لها ، فيكون قصر قلب لإبطال اعتقادهم إلهية تلك الصور كما قال تعالى { قال ~~أتعبدون ما تنحتون } ( الصافات : 95 ) . # وعلى كلا الوجهين يتخرج معنى قوله { من دون الله } فإن { دون } يجوز أن ~~تكون بمعنى ( غير ) فتكون { من } زائدة ، والمعنى : تعبدون أوثانا غير الله ~~. ويجوز أن تكون كلمة { دون } اسما للمكان المباعد فهي إذن مستعارة لمعنى ~~المخالفة فتكون { من } ابتدائية ، والمعنى : تعبدون أوثانا موصوفة بأنها ~~مخالفة لصفات الله . # والأوثان : جمع وثن بفتحتين ، وهو صورة من حجر أو خشب مجسمة على صورة ~~إنسان أو حيوان . والوثن أخص من الصنم لأن الصنم يطلق على حجارة غير مصورة ~~مثل أكثر أصنام العرب كصنم ذي الخلصة لخثعم ، وكانت أصنام قوم إبراهيم صورا ~~قال تعالى { قال أتعبدون ما تنحتون } ( الصافات : 95 ) . وتقدم وصف أصنامهم ~~في سورة الأنبياء . # و { تخلقون } مضارع خلق الخبر ، أي اختلقه ، أي كذبه ووضعه ، أي وتضعون ~~لها أخبارا ومناقب وأعمالا مكذوبة موهومة . # والإفك : الكذب . وتقدم في قوله { إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم } في ~~سورة النور ( 11 ) . # وجملة { إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا } إن كان قوم ~~إبراهيم يعترفون لله تعالى بالإلهية والخلق والرزق ولكنهم يجعلون له شركاء ~~في العبادة ليكونوا لهم شفعاء كحال مشركي العرب تكون الجملة تعليلا لجملة { ~~اعبدوا الله واتقوه } أي هو ms6206 المستحق للعبادة التي هي شكر على نعمه ، وإن ~~كان قومه لا يثبتون إلهية لغير أصنامهم كانت جملة { إن الذين تعبدون من دون ~~الله } مستأنفة ابتدائية إبطالا لاعتقادهم أن آلهتهم ترزقهم ، ويرجح هذا ~~الاحتمال التفريع في قوله { فابتغوا عند الله الرزق } . وقد تقدم في سورة ~~الشعراء التردد في حال إشراك قوم إبراهيم وكذلك في سورة الأنبياء . # وتنكير { رزقا } في سياق النفي يدل على عموم نفي قدرة أصنامهم على كل رزق ~~ولو قليلا . وتفريع الأمر بابتغاء الرزق من الله إبطال لظنهم الرزق من ~~أصنامهم PageV20P225 أو تذكير بأن الرازق هو الله ، فابتغاء الرزق منه ~~يقتضي تخصيصه بالعبادة كما دل عليه عطف { واعبدوه واشكروا له } . وقد سلك ~~إبراهيم مسلك الاستدلال بالنعم الحسية لأن إثباتها أقرب إلى أذهان العموم . # و { عند } ظرف مكان وهو مجاز . شبه طلب الرزق من الله بالبحث عن شيء في ~~مكان يختص به فاستعير له { عند } الدالة على المكان المختص بما يضاف إليه ~~الظرف . # وعدي الشكر باللام جريا على أكثر استعماله في كلام العرب لقصد إفادة ما ~~في اللام من معنى الاختصاص أي الاستحقاق . # ولام التعريف في { الرزق } لام الجنس المفيدة للاستغراق بمعونة المقام ، ~~أي فاطلبوا كل رزق قل أو كثر من الله دون غيره . والمعرف بلام الجنس في قوة ~~النكرة فكأنه قيل : فابتغوا عند الله رزقا ، ولذلك لم تكن إعادة لفظ الرزق ~~بالتعريف مقتضية كونه غير الأول ، فلا تنطبق هنا قاعدة النكرة إذا أعيدت ~~معرفة كانت عين الأولى . # وجملة { إليه ترجعون } تعليل للأمر بعبادته وشكره ، أي لأنه الذي يجازي ~~على ذلك ثوابا وعلى ضده عقابا إذ إلى الله لا إلى غيره مرجعكم بعد الموت . ~~وفي هذا إدماج تعليل بالعبادة بإثبات البعث . # ( 18 ) . # يجوز أن تكون هذه الجملة من بقية مقالة إبراهيم عليه السلام بأن يكون رأى ~~منهم مخائل التكذيب ففرض وقوعه ، أو يكون سبق تكذيبهم إياه مقالته هذه ، ~~فيكون الغرض من هذه الجملة لازم الخبر وهو أن تكذيبهم إياه ليس بعجيب فلا ~~يضيره ولا يحسبوا أنهم يضيرونه به ويتشفون منه ms6207 فإن ذلك قد انتاب الرسل قبله ~~من أممهم ، ولذلك أجمع القراء على قراءة فعل { تكذبوا } بتاء الخطاب ولم ~~يختلفوا فيه اختلافهم في قراءة قوله { أو لم يروا كيف يبدىء الله الخلق } ( ~~العنكبوت : 19 ) الخ . PageV20P226 # ويجوز أن تكون الجملة معترضة والواو اعتراضية واعترض هذا الكلام بين كلام ~~إبراهيم وجواب قومه ، فهو كلام موجه من جانب الله تعالى إلى المشركين التفت ~~به من الغيبة إلى الخطاب تسجيلا عليهم ، والمقصود منه بيان فائدة سوق قصة ~~نوح وإبراهيم وأن للرسول صلى الله عليه وسلم إسوة برسل الأمم الذين قبله ~~وخاصة إبراهيم جد العرب المقصودين بالخطاب على هذا الوجه . # وجملة { وما على الرسول إلا البلاغ المبين } إعلام للمخاطبين بأن تكذيبهم ~~لا يلحقه منه ما فيه تشف منه ؛ فإن كان من كلام إبراهيم فالمراد بالرسول ~~إبراهيم سلك مسلك الإظهار في مقام الإضمار لإيذان عنوان الرسول بأن واجبه ~~إبلاغ ما أرسل به بينا واضحا ، وإن كان من خطاب الله مشركي قريش فالمراد ~~بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم وقد غلب عليه هذا الوصف في القرآن مع ~~الإيذان بأن عنوان الرسالة لا يقتضي إلا التبليغ الواضح . # ( 19 ) . # يجري هذا الكلام على الوجهين المذكورين في قوله { وإن تكذبوا } ( ~~العنكبوت : 18 ) . ويترجح أن هذا مسوق من جانب الله تعالى إلى المشركين بأن ~~الجمهور قرأوا { أو لم يروا } بياء الغيبة ولم يجر مثل قوله { وإن تكذبوا ~~فقد كذب أمم من قبلكم } ( العنكبوت : 18 ) . ومناسبة التعرض لهذا هو ما جرى ~~من الإشارة إلى البعث في قوله { وإليه ترجعون } ( العنكبوت : 17 ) تنظيرا ~~لحال مشركي العرب بحال قوم إبراهيم . # وقرأ الجمهور { أو لم يروا } بياء الغائب والضمير عائد إلى { الذين كفروا ~~} ( العنكبوت : 12 ) في قوله { وقال الذين كفروا للذين ءامنوا } ( العنكبوت ~~: 12 ) ، أو إلى معلوم من سياق الكلام . وعلى وجه أن يكون قوله { وإن ~~تكذبوا } ( العنكبوت : 18 ) الخ خارجا عن مقالة إبراهيم يكون ضمير الغائب ~~في { أو لم يروا } التفاتا . والالتفات من الخطاب إلى الغيبة لنكتة إبعادهم ~~عن شرف الحضور بعد الإخبار عنهم بأنهم ms6208 مكذبون . # وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم وخلف { أو لم تروا } بالفوقية على ~~PageV20P227 طريقة { وإن تكذبوا } ( العنكبوت : 18 ) على الوجهين المذكورين ~~. # والهمزة للاستفهام الإنكاري عن عدم الرؤية ، نزلوا منزلة من لم ير فأنكر ~~عليهم . # والرؤية يجوز أن تكون بصرية ، والاستدلال بما هو مشاهد من تجدد المخلوقات ~~في كل حين بالولادة وبروز النبات دليل واضح لكل ذي بصر . # وإبداء الخلق : بدؤه وإيجاده بعد أن لم يكن موجودا . يقال : أبدأ بهمزة ~~في أوله وبدأ بدونها وقد وردا معا في هذه الآية إذ قال { كيف يبدىء الله ~~الخلق } ثم قال { فانظروا كيف بدأ الخلق } ( العنكبوت : 20 ) ولم يجىء في ~~أسمائه تعالى إلا المبدىء دون البادىء . # وأحسب أنه لا يقال ( أبدأ ) بهمز في أوله إلا إذا كان معطوفا عليه ( يعيد ~~) ولم أر من قيده بهذا . # و { الخلق } : مصدر بمعنى المفعول ، أي المخلوق كقوله تعالى { هذا خلق ~~الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه } ( لقمان : 11 ) . # وجيء { يبدىء } بصيغة المضارع لإفادة تجدد بدء الخلق كلما وجه الناظر ~~بصره في المخلوقات ، والجملة انتهت بقوله { يبدىء الله الخلق } . وأما جملة ~~{ ثم يعيده } فهي مستأنفة ابتدائية فليست معمولة لفعل { يروا } لأن إعادة ~~الخلق بعد انعدامه ليست مرئية لهم ولا هم يظنونها فتعين أن تكون جملة { ثم ~~يعيده } مستقلة معترضة بين جملة { أو لم يروا } وجملة { قل سيروا في الأرض ~~} . و { ثم } للتراخي الرتبي لأن أمر إعادة الخلق أهم وأرفع رتبة من بدئه ~~لأنه غير مشاهد ولأنهم ينكرونه ولا ينكرون بدء الخلق قال في ( الكشاف ) : ~~هو كقولك : ما زلت أوثر فلانا وأستخلفه على من أخلفه ) يعني فجملة : ~~وأستخلفه ، ليست معطوفة على جملة : أوثر ، ولا داخلة في خبر : ما زلت ، ~~لأنك تقوله قبل أن تستخلفه فضلا PageV20P228 عن تكرر الاستخلاف منك . هذه ~~طريقة ( الكشاف ) وهو يجعل موقع { ثم يعيده } كموقع التفريع على الاستفهام ~~الإنكاري . # واعلم أن هذين الفعلين ( يبدىء ويعيد ) وما تصرف منهما مما جرى ~~استعمالهما متزاوجين بمنزلة الاتباع كقوله تعالى { وما يبدىء الباطل وما ~~يعيد } في سورة سبأ ( 49 ms6209 ) . قال في ( الكشاف ) في سورة سبأ : فجعلوا قولهم ~~: لا يبدىء ولا يعيد ، مثلا في الهلاك ، ومنه قول عبيد : # فاليوم لا يبدي ولا يعيد # ويقال : أبدأ وأعاد بمعنى تصرف تصرفا واسعا ، قال بشار : # فهمومي مظلة # بادئاتت وعودا # ويجوز أن تكون الرؤية علمية متعدية إلى مفعولين : أنكر عليهم تركهم النظر ~~والاستدلال الموصل إلى علم كيف يبدىء الله الخلق ثم يعيده لأن أدلة بدء ~~الخلق تفضي بالناظر إلى العلم بأن الله يعيد الخلق فتكون { ثم } عاطفة فعل ~~{ يعيده } على فعل { يبدىء } والجميع داخل في حيز الإنكار . # و { كيف } اسم استفهام وهي معلقة فعل { يروا } عن العمل في معموله أو ~~معموليه . والمعنى : ألم يتأملوا في هذا السؤال ، أي في الجواب عنه . ~~والاستفهام ب { كيف } مستعمل في التنبيه ولفت النظر لا في طلب الإخبار . # وجملة { إن ذلك على الله يسير } مبينة لما تضمنه الاستفهام من إنكار عدم ~~الرؤية المؤدية إلى العلم بوقوع الإعادة ، إذ أحالوها مع أن إعادة الخلق إن ~~لم تكن أيسر من الإعادة في العرف فلا أقل من كونها مساوية لها وهذا كقوله ~~تعالى { وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه } ( الروم : 27 ) . ~~والإشارة ب { ذلك } إلى المصدر المفاد من { يعيده } مثل عود الضمير على ~~نظيره في قوله { وهو أهون عليه } ( الروم : 27 ) . ووجه توكيد الجملة ب { ~~إن } رد دعواهم أنه مستحيل . PageV20P229 # ( 20 ) . # اعتراض انتقالي من الإنكار عليهم ترك الاستدلال بما هو بمرأى منهم ، إلى ~~إرشادهم للاستدلال بما هو بعيد عنهم من أحوال إيجاد المخلوقات وتعاقب الأمم ~~وخلف بعضها عن بعض ، فإن تعود الناس بما بين أيديهم يصرف عقولهم عن التأمل ~~فيما وراء ذلك من دلائل دقائقها على ما تدل عليه ، فلذلك أمر الله رسوله أن ~~يدعوهم إلى السير في الأرض ليشاهدوا آثار خلق الله الأشياء من عدم فيوقنوا ~~أن إعادتها بعد زوالها ليس بأعجب من ابتداء صنعها . # وإنما أمر بالسير في الأرض لأن السير يدني إلى الرائي مشاهدات جمة من ~~مختلف الأرضين بجبالها وأنهارها ومحوياتها ويمر به على منازل الأمم ms6210 حاضرها ~~وبائدها فيرى كثيرا من أشياء وأحوال لم يعتد رؤية أمثالها ، فإذا شاهد ذلك ~~جال نظر فكره في تكوينها بعد العدم جولانا لم يكن يخطر له ببال حينما كان ~~يشاهد أمثال تلك المخلوقات في ديار قومه ، لأنه لما نشأ فيها من زمن ~~الطفولة فما بعده قبل حدوث التفكير في عقله اعتاد أن يمر ببصره عليها دون ~~استنتاج من دلائلها حتى إذا شاهد أمثالها مما كان غائبا عن بصره جالت في ~~نفسه فكرة الاستدلال ، فالسير في الأرض وسيلة جامعة لمختلف الدلائل فلذلك ~~كان الأمر به لهذا الغرض من جوامع الحكمة . وجيء في جانب بدء الخلق بالفعل ~~الماضي لأن السائر ليس له من قرار في طريقه فندر أن يشهد حدوث بدء مخلوقات ~~، ولكنه يشهد مخلوقات مبدوءة من قبل فيفطن إلى أن الذي أوجدها إنما أوجدها ~~بعد أن لم تكن وأنه قادر على إيجاد أمثالها فهو بالأحرى قادر على إعادتها ~~بعد عدمها . # والاستدلال بالأفعال التي مضت أمكن لأن للشيء المتقرر تحققا محسوسا . # وجيء في هذا الاستدلال بفعل النظر لأن إدراك ما خلقه الله حاصل بطريق ~~البصر وهو بفعل النظر أولى وأشهر لينتقل منه إلى إدراك أنه ينشىء النشأة ~~الآخرة . PageV20P230 # ولذلك أعقب بجملة { ثم الله ينشىء النشأة الآخرة } فهي جملة مستقلة . ( ~~وثم ) للترتيب الرتبي كما تقدم في قوله { ثم يعيده } ( العنكبوت : 19 ) . # وإظهار اسم الجلالة بعد تقدم ضميره في قوله { كيف بدأ الخلق } وكان مقتضى ~~الظاهر أن يقول : ثم ينشىء . قال في ( الكشاف ) : لأن الكلام كان واقعا في ~~الإعادة فلما قررهم في الإبداء بأنه من الله احتج عليهم بأن الإعادة إنشاء ~~مثل الإبداء ، فالذي لم يعجزه الإبداء فهو الذي وجب أن لا تعجزه الإعادة . ~~فكأنه قال : ثم ذاك الذي أنشأ النشأة الأولى هو الذي ينشىء النشأة الآخرة ~~فللتنبيه على هذا المعنى أبرز اسمه وأوقعه مبتدأ اه . يريد أن العدول عن ~~الإضمار إلى الإسم الظاهر لتسجيل وقوع هذا الإنشاء الثاني ، فتكون الجملة ~~مستقلة حتى تكون عنوان اعتقاد بمنزلة المثل لأن في اسم الجلالة إحضارا ~~لجميع ms6211 الصفات الذاتية التي بها التكوين ، وليفيد وقوع المسند إليه مخبرا ~~عنه بمسند فعلي معنى التقوي . # وجملة { إن الله على كل شيء قدير } تذييل ، أي قدير على البعث وعلى كل ~~شيء إذا أراده . وإظهار اسم الجلالة لتكون جملة التذييل مستقلة بنفسها ~~فتجري مجرى الأمثال . # و { النشأة } بوزن فعلة : المرة من النشء وهو الإيجاد ، وكذلك قرأها ~~الجمهور ، عبر عنها بصيغة المرة لأنها نشأة دفعية تخالف النشء الأول ويقال ~~: النشاءة بمد بعد الشين بوزن الكآبة ومثلها الرأفة والرءافة . # وقرأ ابن كثير وأبو عمرو { النشاءة } بالمد . ووصفها ب { الآخرة } إيماء ~~بأنها مساوية للنشأة الأولى فلا شبهة لهم في إحالة وقوعها . وأما قوله ~~تعالى { ولقد علمتم النشأة الأولى } ( الواقعة : 62 ) فذلك على سبيل ~~المشاكلة التقديرية لأن قوله قبله { وننشئكم فيما لا تعلمون } ( الواقعة : ~~61 ) يتضمن النشأة الآخرة فعبر عن مقابلتها بالنشأة . # ( 21 ) . # لما ذكر النشأة الآخرة أتبع ذكرها بذكر أهم ما تشتمل عليه وما أوجدت ~~لأجله وهو الثواب والعقاب . PageV20P231 # وابتدىء بذكر العقاب لأن الخطاب جار مع منكري البعث الذين حظهم فيه هو ~~التعذيب . ومفعولا فعلي المشيئة محذوفان جريا على غالب الاستعمال فيهما . ~~والتقدير : من يشاء تعذيبه ومن يشاء رحمته . والفريقان معلومان من آيات ~~الوعد والوعيد ؛ فأصحاب الوعد شاء الله رحمتهم وأصحاب الوعيد شاء تعذيبهم ، ~~فمن الذين شاء تعذيبهم المشركون ومن الذين شاء رحمتهم المؤمنون ، والمقصود ~~هنا هم الفريقان معا كما دل عليه الخطاب العام في قوله { وإليه تقلبون } . # والقلب : الرجوع ، أي وإليه ترجعون . # وتقديم المجرور على عامله للاهتمام والتأكيد إذ ليس المقام للحصر إذ ليس ~~ثمة اعتقاد مردود . وفي هذا إعادة إثبات وقوع البعث وتعريض بالوعيد . # ( 22 ) . # عطف على جملة { وإليه تقلبون } ( العنكبوت : 21 ) باعتبار ما تضمنته من ~~الوعيد . # والمعجز حقيقته : هو الذي يجعل غيره عاجزا عن فعل ما ، وهو هنا مجاز في ~~الغلبة والانفلات من المكنة ، وقد تقدم عند قوله تعالى { إن ما توعدون لآت ~~وما أنتم بمعجزين } في سورة الأنعام ( 134 ) . # فالمعنى : وما أنتم بمفلتين من العذاب . ومفعول ( معجزين ) محذوف للعلم ~~به ، أي ms6212 بمعجزين الله . # ويتعلق قوله { في الأرض } { بمعجزين } ، أي ليس لكم انفلات في الأرض ، أي ~~لا تجدون موئلا ينجيكم من قدرتنا عليكم في مكان من الأرض سهلها وجبلها ، ~~وبدوها وحضرها . # وعطف { ولا في السماء } على { في الأرض } احتراس وتأييس من الطمع في ~~النجاة وإن كانوا لا مطمع لهم في الالتحاق بالسماء . وهذا كقول الأعشى : ~~PageV20P232 # فلو كنت في جب ثمانين قامة # ورقيت أسباب السماء بسلم # ومنه قوله تعالى { لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض } ( سبأ ~~: 22 ) ، ولم تقع مثل هذه الزيادة في آية سورة الشورى ( 30 ، 31 ) { ويعفو ~~عن كثير وما أنتم بمعجزين في الأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير } ~~لأن تلك الآية جمعت خطابا للمسلمين والمشركين بقوله { وما أصابكم من مصيبة ~~فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير } ( الشورى : 30 ) إذ العفو عن المسلمين . ~~وما هنا من المبالغة المفروضة وهي من المبالغة المقبولة كما في قول أبي بن ~~سلمي الضبي : # ولو طار ذو حافر قبلها # لطارت ولكنه لم يطر # وهي أظهر في قوله تعالى { يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من ~~أقطار السماوات والأرض فانفذوا } ( الرحمن : 33 ) . وفي هذه إشارة إلى ~~إبطال اغترارهم بتأخير الوعيد الذي توعدوه في الدنيا . # ولما آيسهم من الانفلات بأنفسهم في جميع الأمكنة أعقبه بتأييسهم من ~~الانفلات من الوعيد بسعي غيرهم لهم من أولياء يتوسطون في دفع العذاب عنهم ~~بنحو السعاية أو الشفاعة ، أو من نصراء يدافعون عنهم بالمغالبة والقوة . # ( 23 ) . # بيان لما في قوله { يعذب من يشاء ويرحم من يشاء } ( العنكبوت : 21 ) ~~وإنما عطف لما فيه من زيادة الإخبار بأنهم لا ينالهم الله برحمة وأنه ~~يصيبهم بعذاب أليم . # والكفر بآيات الله : هو كفرهم بالقرآن . والكفر بلقائه : إنكار البعث . # واسم الإشارة يفيد أن ما سيذكره بعده نالهم من أجل ما ذكر قبل اسم ~~الإشارة من أوصاف ، أي أنهم استحقوا اليأس من الرحمة وإصابتهم بالعذاب ~~الأليم لأجل كفرهم بالقرآن وإنكارهم البعث على أسلوب { أولئك على هدى من ~~ربهم } ( البقرة : 5 ms6213 ) . PageV20P233 # وأخبر عن يأسهم من رحمة الله بالفعل المضي تنبيها على تحقيق وقوعه . ~~والمعنى : أولئك سييأسون من رحمة الله لا محالة . # والتعبير بالاسم الظاهر في قوله { بآيات الله } دون ضمير التكلم للتنويه ~~بشأن الآيات حيث أضيفت إلى الاسم الجليل لما في الاسم الجليل من التذكير ~~بأنه حقيق بأن لا يكفر بآياته . والعدول إلى التكلم في قوله { رحمتي } ~~التفات عاد به أسلوب الكلام إلى مقتضى الظاهر ، وإعادة اسم الإشارة لتأكيد ~~التنبيه على استحقاقهم ذلك . # ( 24 ) . # لما تم الاعتراض الواقع في خلال قصة إبراهيم عاد الكلام إلى بقية القصة ~~بذكر ما أجابه به قومه . # والفاء تفريع على جملة { إذ قال لقومه اعبدوا الله } ( العنكبوت : 16 ) . # وجيء بصيغة حصر الجواب في قولهم { اقتلوه أو حرقوه } للدلالة على أنهم لم ~~يترددوا في جوابه وكانت كلمتهم واحدة في تكذيبه وإتلافه وهذا من تصلبهم في ~~كفرهم . # ثم ترددوا في طريق إهلاكه بين القتل بالسيف والإتلاف بالإحراق ثم استقر ~~أمرهم على إحراقه لما دل عليه قوله تعالى { فأنجاه الله من النار } و { ~~جواب قومه } خبر { كان } واسمها { أن قالوا } . وغالب الاستعمال أن يؤخر ~~اسمها إذا كان { أن } المصدرية وصلتها كما تقدم في قوله تعالى { إنما كان ~~قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا ~~} في آخر سورة النور ( 51 ) ، ولذلك لم يقرأ الاسم الموالي لفعل الكون في ~~أمثالها في غير القراءات الشاذة إلا منصوبا . # وقد أجمل إنجاؤه من النار هنا وهو مفصل في سورة الأنبياء . # والإشارة ب { ذلك } إلى الإنجاء المأخوذ من { فأنجاه الله من النار } ~~وجعل ذلك PageV20P234 الإنجاء آيات ولم يجعل آية واحدة لأنه آية لكل من ~~شهده من قومه ولأنه يدل على قدرة الله ، وكرامة رسوله ، وتصديق وعده ، ~~وإهانة عدوه ، وأن المخلوقات كلها جليلها وحقيرها مسخرة لقدرة الله تعالى . # وجيء بلفظ { قوم يؤمنون } ليدل على أن إيمانهم متمكن منهم ومن مقومات ~~قوميتهم كما تقدم في قوله { لآيات لقوم يعقلون } في سورة البقرة ( 164 ) . ~~فذلك آيات على عظيم عناية الله تعالى برسله ms6214 فصدق أهل الإيمان في مختلف ~~العصور . ففي قوله { لقوم يؤمنون } تعريض بأن تلك الآيات لم يصدق بها قوم ~~إبراهيم لشدة مكابرتهم وكون الإيمان لا يخالط عقولهم . # ( 25 ) . # يجوز أن تكون مقالته هذه سابقة على إلقائه في النار وأن تكون بعد أن ~~أنجاه الله من النار . والأظهر من ترتيب الكلام أنها كانت بعد أن أنجاه ~~الله من النار ، أراد به إعلان مكابرتهم الحق وإصرارهم على عبادة الأوثان ~~بعد وضوح الحجة عليهم بمعجزة سلامته من حرق النار . وتقدم ذكر الأوثان ~~قريبا . # ومحط القصر ب { إنما } هو المفعول لأجله ؛ أما قصر المعبودات من دون الله ~~على كونها أوثانا فقد سبق في قوله { إنما تعبدون من دون الله أوثانا } ( ~~العنكبوت : 17 ) أي ما اتخذتم أوثانا إلا لأجل مودة بعضكم بعضا . ووجه ~~الحصر أنه لم تبق لهم شبهة في عبادة الأوثان بعد مشاهدة دلالة صدق الرسول ~~الذي جاء بإبطالها فتمحض أن يكون سبب بقائهم على عبادة الأوثان هو مودة ~~بعضهم بعضا الداعية لإباية المخالفة . والمودة : المحبة والإلف . ويتعين أن ~~يكون ضمير { بينكم } شاملا للأوثان . # والمودة : المحبة . فهؤلاء القوم يحب بعضهم بعضا فلا يخالفه وإن لاح له ~~أنه على ضلال ، ويحبون الأوثان فلا يتركون عبادتها وإن ظهرت لبعضهم دلالة ~~بطلان إلهيتها قال تعالى { ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم ~~كحب الله } ( البقرة : 165 ) . PageV20P235 # قال الفخر : أي مودة بين الأوثان وعبدتها فإن من غلبت عليه اللذات ~~الجسمية لا يلتفت إلى اللذات العقلية كالمجنون إذا احتاج إلى قضاء حاجة من ~~أكل أو شرب أو إراقة ماء وهو بين مجمع من الأكابر لا يلتفت إلى اللذة ~~العقلية من الحياء وحسن السيرة بل يحصل ما فيه لذة جسمه . فهم كانوا قليلي ~~العقول فغلبت عليهم اللذات الجسمية فلم يتسع عقلهم لمعبود غير جسماني ورأوا ~~تلك الأصنام مزينة بألوان وجواهر فأحبوها . # وفعل { اتخذتم } مراد به الاستمرار والبقاء على اتخاذها بعد وضوح حجة ~~بطلان استحقاقها العبادة . # وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر عن عاصم وأبو جعفر وخلف { مودة } منصوبا ~~منونا ms6215 بدون إضافة ، و { بينكم } منصوبا على الظرفية . وقرأ حمزة وحفص عن ~~عاصم وروح عن يعقوب { مودة } منصوبا غير منون بل مضافا إلى { بينكم } ، و { ~~بينكم } مجرور أو هو من إضافة المظروف إلى الظرف . وقرأه ابن كثير وأبو ~~عمرو والكسائي ورويس عن يعقوب مرفوعا مضافا على أن تكون ( ما ) في { إنما } ~~موصولة وحقها أن تكتب مفصولة ، و { مودة } خبر ( إن ) تكون كتابة { إنما } ~~متصلة من قبيل الرسم غير القياسي فيكون الإخبار عنها بأنها مودة إخبارا ~~مجازيا عقليا باعتبار أن الاتخاذ سبب عن المودة . ولما في المجاز من ~~المبالغة كان فيه تأكيد للخبر بعد تأكيده ب ( إن ) فيقوم التأكيدان مقام ~~الحصر إذ ليس الحصر إلا تأكيدا على تأكيد كما قال السكاكي ، أي لأنه بمنزلة ~~إعادة الخبر حيث يثبت ثم يؤكد بنفي ما عداه . # والخبر مستعمل في غير إفادة الحكم بل في التنبيه على الخطأ بقرينة قوله ~~عقبه { ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا } . ونظيره جملة ~~صلة الموصول في قول عبدة بن الطبيب : # إن الذين ترونهم إخوانكم # يشفي غليل صدورهم أن تصرعوا PageV20P236 # ولما كان في قوله { مودة بينكم } شائبة ثبوت منفعة لهم في عبادة الأوثان ~~إذ يكتسبون بذلك مودة بينهم تلذ لنفوسهم قرنه بقوله { في الحياة الدنيا ثم ~~يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض } الخ تنبيها لسوء عاقبة هذه المودة وإزالة ~~للغرور والغفلة ، ليعلموا أن اللذات العاجلة لا عبرة بها إن كانت تعقب ~~ندامة آجلة . # ومعنى { يكفر بعضكم ببعض } أن المخاطبين يكفرون بالأصنام التي كانوا ~~يعبدونها إذ يجحدون يوم القيامة أنهم كانوا يعبدونها . # ومعنى { ويلعن بعضكم بعضا } أن المخاطبين يلعن كل واحد منهم الآخرين ؛ ~~إما لأن الملعونين غروا اللاعنين فسولوا لهم اتخاذ الأصنام ، وإما لأنهم ~~وافقوهم على ذلك . # وهذه مخاز تلحق بعضهم من بعض ، ثم ذكر ما يعمهم من عذاب الخزي بقوله { ~~ومأواكم النار } . # ثم ذكر ما يعمهم جميعا من انعدام النصير فقال { وما لكم من ناصرين } فنفى ~~عنهم جنس الناصر . وهو من يزيل عنهم ذلك الخزي . وجيء في نفي الناصر ms6216 بصيغة ~~الجمع هنا خلافا لقوله آنفا { وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير } ( ~~العنكبوت : 22 ) لأنهم لما تألبوا على إبراهيم وتجمعوا لنصرة أصنامهم كان ~~جزاؤهم حرمانهم من النصراء مطابقة بين الجزاء والحالة التي جوزوا عليها . ~~على أن المفرد والجمع في حيز النفي سواء في إفادة نفي كل فرد من الجنس . # ( 26 ) . # . # جملة معترضة بين الإخبار عن إبراهيم اعتراض التفريع ، وأفادت الفاء ~~مبادرة لوط بتصديق إبراهيم ، والاقتصار على ذكر لوط يدل على أنه لم يؤمن به ~~إلا لوط لأنه الرجل الفرد الذي آمن به وأما امرأة إبراهيم وامرأة لوط فلا ~~يشملهما اسم القوم في قوله تعالى { وإبراهيم إذ قال لقومه } ( العنكبوت : ~~16 ) الآية لأن القوم خاص برجال القبيلة قال زهير : # أقوم آل حصن أم نساء PageV20P237 # وفي التوراة أنه كانت معه زوجه ( سارة ) وزوج لوط واسمها ( ملكة ) . ولوط ~~هو ابن ( هاران ) أخي إبراهيم ، فلوط يومئذ من أمة إبراهيم عليهما السلام . # . # عطف على جملة { فأنجاه الله من النار } ( العنكبوت : 24 ) . # فضمير { قال } عائد إلى إبراهيم ، أي أعلن أنه مهاجر ديار قومه وذلك لأن ~~الله أمره بمفارقة ديار أهل الكفر . # وهذه أول هجرة لأجل الدين ولذلك جعلها هجرة إلى ربه . والمهاجرة مفاعلة ~~من الهجر : وهو ترك شيء كان ملازما له ، والمفاعلة للمبالغة أو لأن الذي ~~يهجر قومه يكونون هم قد هجروه أيضا . # وحرف { إلى } في قوله { إلى ربي } للانتهاء المجازي إذ جعل هجرته إلى ~~الأرض التي أمره الله بأن يهاجر إليها كأنها هجرة إلى ذات الله تعالى فتكون ~~{ إلى } تخييلا لاستعارة مكنية ؛ أو جعل هجرته من المكان الذي لا يعبد أهله ~~الله لطلب مكان ليس فيه مشركون بالله كأنه هجرة إلى الله ، فتكون { إلى } ~~على هذا الوجه مستعارة لمعنى لام التعليل استعارة تبعية . # ورشحت هذه الاستعارة على كلا الوجهين بقوله { إنه هو العزيز الحكيم } . ~~وهي جملة واقعة موقع التعليل لمضمون { إني مهاجر إلى ربي } ، لأن من كان ~~عزيزا يعتز به جاره ونزيله . # وإتباع وصف { العزيز } ب { الحكيم } لإفادة أن عزته محكمة واقعة ms6217 موقعها ~~المحمود عند العقلاء مثل نصر المظلوم ، ونصر الداعي إلى الحق ، ويجوز أن ~~يكون { الحكيم } بمعنى الحاكم فيكون زيادة تأكيد معنى { العزيز } . # وقد مضت قصة إبراهيم وقومه وبلادهم مفصلة في سورة الأنبياء . PageV20P238 # ( 27 ) . # . # هذا الكلام عقبت به قصة إبراهيم تبيانا لفضلة إذ لا علاقة له بالقصة . ~~والظاهر أن يكون المراد ب { وهبنا } ، و { جعلنا } الإعلام بذلك فيكون من ~~تمام القصة كما في سورة هود . وتقدم نظير هذه الآية في الأنعام في ذكر ~~فضائل إبراهيم . و { الكتاب } مراد به الجنس فالتوراة ، والإنجيل ، والزبور ~~، والقرآن كتب نزلت في ذرية إبراهيم . # . # جمع الله له أجرين : أجرا في الدنيا بنصره على أعدائه وبحسن السمعة وبث ~~التوحيد ووفرة النسل ، وأجرا في الآخرة وهو كونه في زمرة الصالحين ، ~~والتعريف للكمال ، أي من كمل الصالحين . # ( 28 30 ) { } . # { } . # الانتقال من رسالة إبراهيم إلى قومه إلى رسالة لوط لمناسبة أنه شابه ~~إبراهيم في أن أنجاه الله من عذاب الرجز . والقول في صدر هذه الآية كالقول ~~في آية { وإبراهيم إذ قال لقومه } ( العنكبوت : 16 ) المتقدم آنفا . وتقدم ~~نظيرها في سورة النمل وفي سورة الشعراء . # وما بين الآيات من تفاوت هو تفنن في حكاية القصة للغرض الذي ذكرته في ~~المقدمة السابعة ، إلا قوله هنا { إنكم لتأتون الفاحشة } فإنه لم يقع له ~~نظير فيما مضى . # وقوم لوط من الكنعانيين وتقدم ذكرهم في سورة الأعراف . PageV20P239 # وتوكيد الجملة ب ( إن ) واللام توكيد لتعلق النسبة بالمفعول لا تأكيد ~~للنسبة ، فالمقصود تحقيق أن الذي يفعلونه فاحشة ، أي عمل قبيح بالغ الغاية ~~في القبح ، لأن الفحش بلوغ الغاية في شيء قبيح لأنهم كانوا غير شاعرين ~~بشناعة عملهم وقبحه . # وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر وحفص عن عاصم وأبو جعفر { إنكم لتأتون ~~الفاحشة } بهمزة واحدة على الإخبار المستعمل في التوبيخ . وقرأه أبو عمرو ~~وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم ويعقوب وخلف بهمزتين : همزة الاستفهام ~~وهمزة ( إن ) . وقرأ الجميع { أإنكم لتأتون الرجال } بهمزتين . وفي ( ~~الكشاف ) : قال أبو عبيد : وجدت الأول أي { إنكم لتأتون الفاحشة } في ~~الإمام بحرف واحد بغير ms6218 ياء ، أي بغير الياء التي تكتب الهمزة المكسورة على ~~صورتها ورأيت الثاني ( أي { أينكم لتأتون الرجال } ) بحرفي الياء والنون اه ~~. ( يعني الياء بعد همزة الاستفهام والنون نون إن ) . ولعله يعني بالإمام ~~مصحف البصرة أو الكوفة فتكون قراءة قرائهما رواية مخالفة لصورة الرسم . # وجملة { أينكم لتأتون الرجال } الخ بدل اشتمال من مضمون جملة { لتأتون ~~الفاحشة } ، باعتبار ما عطف على جملة { أئنكم لتأتون الرجال } من قوله { ~~وتقطعون السبيل } الخ لأن قطع السبيل وإتيان المنكر في ناديهم مما يشتمل ~~عليه إتيان الفاحشة . # وأدخل استفهام الإنكار على جميع التفصيل وأعيد حرف التأكيد لتتطابق جملة ~~البدل مع الجملة المبدل منها لأنها الجزء الأول من هذه الجملة المبدلة عند ~~قطع النظر عما عطف عليها تكون من الجملة المبدل منها بمنزلة البدل المطابق ~~. # وقطع السبيل : قطع الطريق ، أي التصدي للمارين فيه بأخذ أموالهم أو قتل ~~أنفسهم أو إكراههم على الفاحشة . وكان قوم لوط يقعدون بالطرق ليأخذوا من ~~المارة من يختارونه . # فقطع السبيل فساد في ذاته وهو أفسد في هذا المقصد . وأما إتيان المنكر في ~~ناديهم فإنهم جعلوا ناديهم للحديث في ذكر هذه الفاحشة والاستعداد لها ~~PageV20P240 ومقدماتها كالتغازل برمي الحصى اقتراعا بينهم على من يرومونه ، ~~والتظاهر بتزيين الفاحشة زيادة في فسادها وقبحها لأنه معين على نبذ التستر ~~منها ومعين على شيوعها في الناس . # وفي قوله { ما سبقكم بها من أحد من العالمين } تشديد في الإنكار عليهم في ~~أنهم الذين سنوا هذه الفاحشة السيئة للناس وكانت لا تخطر لأحد ببال ، وإن ~~كثيرا من المفاسد تكون الناس في غفلة عن ارتكابها لعدم الاعتياد بها حتى ~~إذا أقدم أحد على فعلها وشوهد ذلك منه تنبهت الأذهان إليها وتعلقت الشهوات ~~بها . # والنادي : المكان الذي ينتدي فيه الناس ، أي يجتمعون نهارا للمحادثة ~~والمشاورة وهو مشتق من الندو بوزن العفو وهو الاجتماع نهارا . وأما مكان ~~الاجتماع ليلا فهو السامر ، ولا يقال للمجلس ناد إلا ما دام فيه أهله فإذا ~~قاموا عنه لم يسم ناديا . # . # الكلام فيه كالقول في نظيره المتقدم آنفا في قوله { فما ms6219 كان جواب قومه ~~إلا أن قالوا اقتلوه } ( العنكبوت : 24 ) الآية ، والأمر في { ائتنا بعذاب ~~الله } للتعجيز وهو يقتضي أنه أنذرهم العذاب في أثناء دعوته . ولم يتقدم ~~ذكر ذلك في قصة لوط فيما مضى لكن الإنذار من شؤون دعوة الرسل . # وأراد بالنصر عقاب المكذبين ليريهم صدق ما أبلغهم من رسالة الله . # ووصفهم ب { المفسدين } لأنهم يفسدون أنفسهم بشناعات أعمالهم ويفسدون ~~الناس بحملهم على الفواحش وتدريبهم بها ، وفي هذا الوصف تمهيد للإجابة ~~بالنصر لأن الله لا يحب المفسدين . PageV20P241 # ( 31 32 ) . # { لما } أداة تدل على التوقيت ، والأصل أنها ظرف ملازم الإضافة إلى جملة ~~. ومدلولها وجود لوجود ، أي وجود مضمون الجملة التي تضاف إليها عند وجود ~~الجملة التي تتعلق بها فهي تستلزم جملتين : أولاهما فعلية ماضوية وتضاف ~~إليها { لما } ، والثانية فعلية أو اسمية مشتملة على ما يصلح لأن يتعلق به ~~الظرف من فعل أو اسم مشتق ، ويطلق على الجملة الثانية الواقعة بعد { لما } ~~اسم الجزاء تسامحا . # ولما كانت { لما } ظرفا مبهما تعين أن يكون مضمون الجملة التي تضاف إليها ~~{ لما } معلوما للسامع ، إذ التوقيت الإعلام بمقارنة زمن مجهول بزمن معلوم ~~. فوجود { لما } هنا يقتضي أن مجيء الملائكة بالبشرى أمر معلوم للسامع مع ~~أنه لم يتقدم ذكر للبشرى ، فتعين أن يكون التعريف في البشرى تعريف العهد ~~لاقتضاء { لما } أن تكون معلومة ، فالبشرى هي ما دل عليه قوله تعالى آنفا { ~~ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوءة والكتاب } ( العنكبوت : 27 ~~) كما تقدم بيانه . # والبشرى : اسم للبشارة وهي الإخبار بما فيه مسرة للمخبر بفتح الباء وتقدم ~~ذكر البشارة عند قوله تعالى { إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا } في سورة ~~البقرة ( 119 ) . # ومن لطف الله بإبراهيم أن قدم له البشرى قبل إعلامه بإهلاك قوم لوط لعلمه ~~تعالى بحلم إبراهيم . والمعنى : قالوا لإبراهيم إنا مهلكوا أهل هذه القرية ~~الخ . # والقرية هي ( سدوم ) قرية قوم لوط . وقد تقدم ذكرها في سورة الأعراف . # وجملة { إن أهلها كانوا ظالمين } تعليل للإهلاك وقصد به استئناس إبراهيم ~~لقبول هذا الخبر المحزن ، وأيضا لأن العدل ms6220 يقتضي أن لا يكون العقاب إلا على ~~ذنب يقتضيه . PageV20P242 # والظلم : ظلمهم أنفسهم بالكفر والفواحش ، وظلمهم الناس بالغصب على ~~الفواحش والتدرب بها . # وقوله { إن فيها لوطا } خبر مستعمل في التذكير بسنة الله مع رسله من ~~الإنجاء من العذاب الذي يحل بأقوامهم . فهو من التعريض للملائكة بتخصيص لوط ~~ممن شملتهم القرية في حكم الإهلاك ، ولوط وإن لم يكن من أهل القرية ~~بالأصالة إلا أن كونه بينهم يقتضي الخشية عليه من أن يشمله الإهلاك . ولهذا ~~قال { إن فيها لوطا } بحرف الظرفية ولم يقل : إن منها . # وجواب الملائكة إبراهيم بأنهم أعلم بمن فيها يريدون أنهم أعلم منه بأحوال ~~من في القرية ، فهو جواب عما اقتضاه تعريضه بالتذكير بإنجاء لوط ، أي نحن ~~أعلم منك باستحقاق لوط النجاة عند الله ، واستحقاق غيره العذاب فإن ~~الملائكة لا يسبقون الله بالقول وهم بأمره يعملون وكان جوابهم مطمئنا ~~إبراهيم . فالمراد من علمهم بمن في القرية علمهم باختلاف أحوال أهلها ~~المرتب عليها استحقاق العذاب ، أو الكرامة بالنجاة . # وإنما كان الملائكة أعلم من إبراهيم بذلك لأن علمهم سابق على علمه ولأنه ~~علم يقين ملقى من وحي الله فيما سخر له أولئك الملائكة إذ كان إبراهيم لم ~~يوح الله إليه بشيء في ذلك ، ولأنه علم تفصيلي لا إجمالي ، وعمومي لا خصوصي ~~. فلأجل هذا الأخير أجابوا ب { نحن أعلم بمن فيها } . ولم يقولوا : نحن ~~أعلم بلوط ، وكونهم أعلم من إبراهيم في هذا الشأن لا يقتضي أنهم أعلم من ~~إبراهيم في غيره فإن لإبراهيم علم النبوءة والشريعة وسياسة الأمة ، ~~والملائكة يسبحون الليل والنهار لا يفترون ولا يشتغلون بغير ذلك إلا متى ~~سخرهم الله لعمل . وبالأولى لا يقتضي كونهم أعلم بهذا منه أن يكونوا أفضل ~~من إبراهيم ، فإن قول أهل الحق إن الرسل أفضل من الملائكة ، والمزية لا ~~تقتضي الأفضلية ، ولكل فريق علم أطلعه الله عليه وخصه به كما خص الخضر بما ~~لم يعلمه موسى ، وخص موسى بما لا يعلمه الخضر ، ولذلك عتب الله على موسى ~~لما سئل : هل يوجد أعلم منك ؟ فقال : لا ، لأنه ms6221 كان حق الجواب أن يفكر في ~~أنواع العلم . PageV20P243 # وجملة { لننجينه وأهله إلا امرأته } بيان لجملة { نحن أعلم بمن فيها } ~~فلذلك لم تعطف عليها وفصلت ، فقد علموا بإذن الله أن لا ينجو إلا لوط وأهله ~~، أي بنتاه لا غير ويهلك الباقون حتى امرأة لوط . # وفعل { كانت } مستعمل في معنى تكون ، فعبر بصيغة الماضي تشبيها للفعل ~~المحقق وقوعه بالفعل الذي مضى مثل قوله { أتى أمر الله } ( النحل : 1 ) ، ~~ويجوز أن يكون مرادا به الكون في علم الله وتقديره ، كما في آية النمل ( 57 ~~) { قدرناها من الغابرين } فتكون صيغة الماضي حقيقة . # وتقدم الكلام على نظير قوله { إلا امرأته كانت من الغابرين } في سورة ~~النمل . # ( 33 ) . # قد أشعر قوله { إنا مهلكوا أهل هذه القرية } ( العنكبوت : 31 ) أن ~~الملائكة يحلون بالقرية واقتضى ذلك أن يخبروا لوطا بحلولهم بالقرية ، وأنهم ~~مرسلون من عند الله استجابة لطلب لوط النصر على قومه ، فكان هذا المجيء ~~مقدرا حصوله ، فمن ثم جعل شرطا لحرف { لما } كما تقدم آنفا في قوله { ولما ~~جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى } ( العنكبوت : 31 ) . # و { أن } حرف مزيد للتوكيد وأكثر ما يزاد بعد { لما } وهو يفيد تحقيق ~~الربط بين مضمون الجملتين اللتين بعد { لما } ، فهي هنا لتحقيق الربط بين ~~مجيء الرسل ومساءة لوط بهم . ومعنى تحقيقه هنا سرعة الاقتران والتوقيت بين ~~الشرط والجزاء تنبيها على أن الإساءة عقبت مجيئهم وفاجأته من غير ريث ، ~~وذلك لما يعلم من عادة معاملة قومه مع الوافدين على قريتهم فلم يكون لوط ~~عالما بأنهم ملائكة لأنهم جاءوا في صورة رجال فأريد هنا التنبيه على أن ما ~~حدث به من المساءة وضيق الذرع كان قبل أن يعلم بأنهم ملائكة جاءوا لإهلاك ~~أهل القرية وقبل أن يقولوا { لا تخف ولا تحزن } . PageV20P244 # ولم تقع { أن } المؤكدة في آية سورة هود لأن في تلك السورة تفصيلا لسبب ~~إساءته وضيق ذرعه فكان ذلك مغنيا عن التنبيه عليه في هذه الآية فكان ~~التأكيد هنا ضربا من الإطناب . وقد تقدم تفصيل ذلك في سورة هود وتفسيرها ~~هناك . # وبناء فعل ms6222 { سيء } للمجهول لأن المقصود حصول المفعول دون فاعله . # وعطف عليه جملة { وقالوا لا تخف } لأنها من جملة ما وقع عقب مجيء الرسل ~~لوطا . وقد طويت جمل دل عليها قوله { إنا منجوك وأهلك } وهي الجمل التي ~~ذكرت معانيها في قوله { وجاءه قومه يهرعون إليه } إلى قوله { قالوا يا لوط ~~إنا رسل ربك لن يصلوا إليك } في سورة هود ( 78 81 ) . وقدموا تأمينه قبل ~~إعلامه بأنهم منزلون العذاب على أهل القرية تعجيلا بتطمينه . # وعطف { ولا تحزن } على { لا تخف } جمع بين تأمينه من ضر العذاب وبين ~~إعلامه بأن الذين سيهلكون ليسوا أهلا لأن يحزن عليهم ، ومن أولئك امرأته ~~لأنه لا يحزن على من ليس بمؤمن به . # وجملة { إنا منجوك } تعليل للنهي عن الأمرين . # واستثناء امرأته من عموم أهله استثناء من التعليل لا من النهي ، ففي ذلك ~~معذرة له بما عسى أن يحصل له من الحزن على هلاك امرأته مع أنه كان يحسبها ~~مخلصة له ، وقد بينا وجه ذلك في تفسير سورة هود . # وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي { منجوك } بسكون النون . وقرأ الباقون بفتح ~~النون وتشديد الجيم . # ( 34 ) . # جملة مستأنفة وقعت بيانا لما في جملة { لا تخف ولا تحزن } ( العنكبوت : ~~33 ) من الإيذان بأن ثمة حادثا يخاف منه ويحزن له . PageV20P245 # والرجز : العذاب المؤلم . ومعنى كونه من السماء أنه أنزل عليهم من الأفق ~~وقد مضى بيانه في سورة هود . # ( 35 ) . # عطف على جملة { ولوطا إذ قال لقومه } ( العنكبوت : 28 ) الخ عطف آية على ~~آية لأن قصة لوط آية بما تضمنته من الخبر ، وآثار قرية قومه آية أخرى بما ~~يمكن مشاهدته لأهل البصر . ويجوز أن تكون جملة معترضة في آخر القصة . وعلى ~~كلا الوجهين فهو من كلام الله . ونون المتكلم المعظم ضمير الجلالة وليست ~~ضمير الملائكة . والآية : العلامة الدالة على أمر . # ومفعول { تركنا } يجوز أن يكون { آية } فيجعل ( من ) حرف جر وهو مجرور ~~وصفا ل { آية } قدم على موصوفه للاهتمام فيجعل حالا من { آية } . # ويجوز أن تكون ( من ) للابتداء ، أي تركنا آية صادرة من آثارها ms6223 ومعرفة ~~خبرها ، وهي آية واضحة دائمة على طول الزمان إلى الآن ولذلك وصفت ب { بينة ~~} ، ولم توصف آية السفينة ب { بينة } في قوله { وجعلناها ءاية للعالمين } ( ~~العنكبوت : 15 ) ، لأن السفينة قد بليت ألواحها وحديدها أو بقي منها ما لا ~~يظهر إلا بعد تفتيش إن كان . # ويجوز جعل ( من ) اسما بمعنى بعض على رأي من رأى ذلك من المحققين ، فتكون ~~( من ) مفعولا مضافا إلى ضمير ( قرية ) . وتقدم بيان ذلك عند قوله تعالى { ~~ومن الناس من يقول ءامنا بالله } الآية في سورة البقرة ( 8 ) . والمعنى : ~~ولقد تركنا من القرية آثارا دالة لقوم يستعملون عقولهم في الاستدلال ~~بالآثار على أحوال أهلها . وهذه العلامة هي بقايا قريتهم مغمورة بماء بحيرة ~~لوط تلوح من تحت المياه شواهد القرية ، وبقايا لون الكبريت والمعادن التي ~~رجمت بها قريتهم وفي ذلك عدة أدلة باختلاف مدارك المستدلين . # ويتعلق قوله { لقوم يعقلون } بقوله { تركنا } ، أو يجعل ظرفا مستقرا صفة ~~ل { آية } . PageV20P246 # ( 36 ) . # عطف على { ولوطا } ( العنكبوت : 28 ) المعطوف على { نوحا } ( العنكبوت : ~~14 ) المعمول ل { أرسلنا } ( العنكبوت : 14 ) . فالتقدير : وأرسلنا إلى ~~مدين أخاهم شعيبا . # والمناسبة في الانتقال من قصة لوط وقومه إلى قصة مدين ورسولهم أن مدين ~~كان من أبناء إبراهيم وأن الله أنجاه من العذاب كما أنجى لوطا . # وتقديم المجرور في قوله { إلى مدين } ليتأتى الإيجاز في وصف شعيب بأنه ~~أخوهم لأن هذا الوصف غير موجود في نوح وإبراهيم ولوط . وتقدم معنى كونه أخا ~~لهم في سورة هود . # وقوله { فقال } عطف على الفعل المقدر ، أي أرسلناه فعقب إرساله بأن قال . # والرجاء : الترقب واعتقاد الوقوع في المستقبل . وأمره إياهم بترقب اليوم ~~الآخر دل على أنهم كانوا لا يؤمنون بالبعث وتقدم الكلام على نظير قوله { ~~ولا تعثوا في الأرض مفسدين } عند قوله تعالى { كلوا واشربوا من رزق الله ~~ولا تعثوا في الأرض مفسدين } في سورة البقرة ( 60 ) . وتقدمت قصة شعيب في ~~سورة هود . # ( 37 ) . # الأخذ : الإعدام والإهلاك ؛ شبه الإعدام بالأخذ بجامع الإزالة . # و { الرجفة } : الزلزال الشديد الذي ترتجف منه الأرض ، وفي سورة ms6224 هود سميت ~~بالصيحة لأن لتلك الرجفة صوتا شديدا كالصيحة . وتقدم تفسير ذلك . # وقد أشير في قصة إبراهيم ولوط إلى ما له تعلق بالغرض المسوق فيه ، وهو ~~المصابرة على إبلاغ الرسالة ، والصبر على أذى الكافرين ، ونصر الله إياهما ~~، وتعذيب الكافرين وإنجاء المؤمنين . PageV20P247 # ( 38 ) . # لما جرى ذكر أهل مدين وقوم لوط أكملت القصص بالإشارة إلى عاد وثمود إذ قد ~~عرف في القرآن اقتران هذه الأمم في نسق القصص . والواو عاطفة قصة على قصة . # وانتصاب { عادا } يجوز أن يكون بفعل مقدر يدل عليه السياق ، تقديره : ~~وأهلكنا عادا ، لأن قوله تعالى آنفا { فأخذتهم الرجفة } ( العنكبوت : 37 ) ~~يدل على معنى الإهلاك ، قاله الزجاج وتبعه الزمخشري . ومعلوم أنه إهلاك خاص ~~من بطش الله تعالى ، فظهر تقدير : وأهلكنا عادا . # ويجوز أن يقدر فعل ( واذكر ) كما هو ظاهر ومقدر في كثير من قصص القرآن . # ويجوز أن يكون معطوفا على ضمير { فأخذتهم الرجفة } ( العنكبوت : 37 ) ~~والتقدير : وأخذت عادا وثمودا . وعن الكسائي أنه منصوب بالعطف على { الذين ~~من قبلهم } من قوله تعالى { ولقد فتنا الذين من قبلهم } ( العنكبوت : 3 ) . ~~وهذا بعيد لطول بعد المعطوف عليه . والأظهر أن نجعله منصوبا بفعل تقديره ( ~~وأخذنا ) يفسره قوله { فكلا أخذنا بذنبه } ( العنكبوت : 40 ) لأن ( كلا ) ~~اسم يعم المذكورين فلما جاء منتصبا ب { أخذنا } تعين أن ما قبله منصوب ~~بمثله وتنوين العوض الذي لحق ( كلا ) هو الرابط وأصل نسج الكلام : وعادا ~~وثمودا وقارون وفرعون الخ . . . كلهم أخذنا بذنبه . # وجملة { وقد تبين لكم من مساكنهم } في موضع الحال أو هي معترضة . والمعنى ~~: تبين لكم من مشاهدة مساكنهم أنهم كانوا فيها فأهلكوا عن بكرة أبيهم . # ومساكن عاد وثمود معروفة عند العرب ومنقولة بينهم أخبارها وأحوالها ~~ويمرون علهيا في أسفارهم إلى اليمن وإلى الشام . PageV20P248 # والضمير المستتر في { تبين } عائد إلى المصدر المأخوذ من الفعل المقدر ، ~~أي يتبين لكم إهلاكهم أو أخذنا إياهم . # وجملة { وزين لهم الشيطان أعمالهم } معطوفة على جملة { وعادا وثمودا } . # والتزيين : التحسين . والمراد : زين لهم أعمالهم الشنيعة فأوهمهم بوسوسته ~~أنها حسنة . وقد تقدم عند قوله تعالى ms6225 { كذلك زينا لكل أمة عملهم } في سورة ~~الأنعام ( 108 ) . # والصد : المنع عن عمل . و { السبيل } هنا : ما يوصل إلى المطلوب الحق وهو ~~السعادة الدائمة ، فإن الشيطان بتسويله لهم كفرهم قد حرمهم من السعادة ~~الأخروية فكأنه منعهم من سلوك طريق يبلغهم إلى المقر النافع . # والاستبصار : البصارة بالأمور ، والسين والتاء للتأكيد مثل : استجاب ~~واستمسك واستبكر . والمعنى : أنهم كانوا أهل بصائر ، أي عقول فلا عذر لهم ~~في صدهم عن السبيل . وفي هذه الجملة اقتضاء أن ضلال عاد كان ضلالا ناشئا عن ~~فساد اعتقادهم وكفرهم المتأصل فيهم والموروث عن آبائهم وأنهم لم ينجوا من ~~عذاب الله لأنهم كانوا يستطيعون النظر في دلائل الوحدانية وصدق رسلهم . # ( 39 ) . # كما ضرب الله المثل لقريش بالأمم التي كذبت رسلها فانتقم الله منها ، ~~كذلك ضرب المثل لصناديد قريش مثل أبي جهل ، وأمية بن خلف ، والوليد بن ~~المغيرة ، وأبي لهب ، بصناديد بعض الأمم السالفة كانوا سبب مصاب أنفسهم ~~ومصاب قومهم الذين اتبعوهم ، إنذارا لقريش بما عسى أن يصيبهم من جراء تغرير ~~قادتهم بهم وإلقائهم في خطر سوء العاقبة . وهؤلاء الثلاثة جاءهم موسى ~~بالبينات . وتقدمت قصصهم وقصة قارون في سورة القصص . PageV20P249 # فأما ما جاء به موسى من البينات لفرعون وهامان فهي المعجزات التي تحداهم ~~بها على صدقه فأعرض فرعون عنها واتبعه هامان وقومه . وأما ما جاء به موسى ~~لقارون فنهيه عن البطر . # وأومأ قوله تعالى { فاستكبروا في الأرض } إلى أنهم كفروا عن عناد وكبرياء ~~لا عن جهل وغلواء كما قال تعالى { وأضله الله على علم } ( الجاثية : 23 ) ~~فكان حالهم كحال صناديد قريش الذين لا يظن أن فطنتهم لم تبلغ بهم إلى تحقق ~~أن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم صدق وأن ما جاء به القرآن حق ولكن ~~غلبت الأنفة . وموقع جملة { ولقد جاءهم موسى } كموقع جملة { وقد تبين لكم ~~من مساكنهم } ( العنكبوت : 38 ) . # والاستكبار : شدة الكبر ، فالسين والتاء للتأكيد كقوله { وكانوا مستبصرين ~~} ( العنكبوت : 38 ) . # وتعليق قوله { في الأرض } ب { استكبروا } للإشعار بأن استكبار كل منهم ~~كان في جميع البلاد ms6226 التي هو منها ، فيومىء ذلك أن كل واحد من هؤلاء كان ~~سيدا مطاعا في الأرض . # فالتعريف في { الأرض } للعهد ، فيصح أن يكون المعهود هو أرض كل منهم ، أو ~~أن يكون المعهود الكرة الأرضية مبالغة في انتشار استكبار كل منهم في البلاد ~~حتى كأنه يعم الدنيا كلها . # ومعنى السبق في قوله { وما كانوا سابقين } الانفلات من تصريف الحكم فيهم ~~. وقد تقدم في قوله تعالى { ولا تحسبن الذين كفروا سبقوا } في سورة الأنفال ~~( 59 ) ، فالواو للحال ، أي استكبروا في حال أنهم لم يفدهم استكبارهم . # وإقحام فعل الكون بعد النفي لأن المنفي هو ما حسبوه نتيجة استكبارهم ، أي ~~أنهم لا ينالهم أحد لعظمتهم . ومثل هذا الحال مثل أبي جهل حين قتله ابنا ~~عفراء يوم بدر فقال له عبد الله بن مسعود حين وجده محتضرا : أنت أبو جهل ؟ ~~فقال : وهل أعمد من رجل قتلتموه لو غير أكار قتلني ( أي زراع يعني رجلا من ~~الأنصار لأن الأنصار أهل حرث وزرع ) . PageV20P250 # ( 40 ) . # أفادت الفاء التفريع على الكلام السابق لما اشتمل عليه من أن الشيطان زين ~~لهم أعمالهم ومن استكبار الآخرين ، أي فكان من عاقبة ذلك أن أخذهم الله ~~بذنوبهم العظيمة الناشئة عن تزيين الشيطان لهم أعمالهم وعن استكبارهم في ~~الأرض ، وليس المفرع هو أخذ الله إياهم بذنوبهم لأن ذلك قد أشعر به ما قبل ~~التفريع ، ولكنه ذكر ليفضى بذكره إلى تفصيل أنواع أخذهم وهو قوله { فمنهم ~~من أرسلنا عليه حاصبا } إلى آخره ، فالفاء في قوله { فمنهم من أرسلنا عليه ~~} الخ لتفريع ذلك التفصيل على الإجمال الذي تقدمه فتحصل خصوصية الإجمال ثم ~~التفصيل ، وللدلالة على عظيم تصرف الله . # فأما الذين أرسل عليهم حاصب فهم عاد . والحاصب : الريح الشديدة ، سميت ~~حاصبا لأنها تقلع الحصباء من الأرض . قال أبو وجرة السعدي : # صببت عليكم حاصبي فتركتكم # كأصرام عاد حين جللها الرمد # فجعل الحاصب مما أصاب عادا . وليس المراد بهم قوم لوط كالذي في قوله ~~تعالى { إنا أرسلنا عليهم حاصبا إلا ءال لوط } ( القمر : 34 ) لأن قوم لوط ~~مر آنفا الكلام ms6227 على عذابهم مفصلا فلا يدخلون في هذا الإجمال . # والذين أخذتهم الصيحة هم ثمود . والذين خسفت بهم الأرض هو قارون وأهله . ~~وقد تقدم ذكر الخسف في سورة القصص ( 81 ، 82 ) . والذين أغرقهم : فرعون ~~وهامان ومن معهما من قومهما . وقد جاء هذا على طريقة النشر على ترتيب اللف ~~. # والأخذ : الإتلاف والإهلاك ؛ شبه الإعدام بالأخذ بجامع إزالة الشيء من ~~مكانه فاستعير له فعل { أخذنا } . وقد نفي عن الله تعالى ظلم هؤلاء لأن ~~إيلامهم كان جزاء على أعمالهم وكل ما كان من نوع الجزاء يوصف بالعدل وقد ~~نفى الله عن نفسه الوصف بالظلم فوجب الإيمان به سمعا لا عقلا في مقام ~~الجزاء ، وأما في PageV20P251 مقام التكوين فلا . وظلمهم أنفسهم هو تسببهم ~~في عذاب أنفسهم فجروا إليها العقاب لأن النفس أولى الأشياء برأفة صاحبها ~~بها وتفكيره في أسباب خيرها . # والاستدراك ناشىء عن نفي الظلم عن الله في عقابهم لأنه يتوهم منه انتفاء ~~موجب العقاب فالاستدراك لرفع هذا التوهم . # ( 41 ) . # لما بينت لهم الأشباه والأمثال من الأمم التي اتخذت الأصنام من دون الله ~~فما أغنت عنهم أصنامهم لما جاءهم عذاب الله أعقب ذلك بضرب المثل لحال جميع ~~أولئك وحال من ماثلهم من مشركي قريش في اتخاذهم ما يحسبونه دافعا عنهم وهو ~~أضعف من أن يدفع عن نفسه ، بحال العنكبوت تتخذ لنفسها بيتا تحسب أنها تعتصم ~~به من المعتدي عليها فإذا هو لا يصمد ولا يثبت لأضعف تحريك فيسقط ويتمزق . ~~والمقصود بهذا الكلام مشركو قريش ، وتعلم مساواة غيرهم لهم في ذلك بدلالة ~~لحن الخطاب ، والقرينة قوله بعده { إن الله يعلم ما تدعون من دونه من شيء } ~~( العنكبوت : 42 ) فضمير { اتخذوا } عائد إلى معلوم من سياق الكلام وهم ~~مشركو قريش . # وجملة { اتخذت بيتا } حال من { العنكبوت } وهي قيد في التشبيه . وهذه ~~الهيئة المشبه بها مع الهيئة المشبهة قابلة لتفريق التشبيه على أجزائها ~~فالمشركون أشبهوا العنكبوت في الغرور بما أعدوه ، وأولياؤهم أشبهوا بيت ~~العنكبوت في عدم الغناء عمن اتخذوها وقت الحاجة إليها وتزول بأقل تحريك ، ~~وأقصى ما ينتفعون به ms6228 منها نفع ضعيف وهو السكنى فيها وتوهم أن تدفع عنهم كما ~~ينتفع المشركون بأوهامهم في أصنامهم . وهو تمثيل بديع من مبتكرات القرآن ~~كما سيأتي قريبا عند قوله { وتلك الأمثال نضربها للناس } في هذه السورة ( ~~43 ) . # و { العنكبوت } : صنف من الحشرات ذات بطون وأرجل وهي ثلاثة أصناف ، منها ~~صنف يسمى ليث العناكب وهو الذي يفترس الذباب ، وكلها تتخذ لأنفسها نسيجا ~~تنسجه من لعابها يكون خيوطا مشدودة بين طرفين من الشجر أو PageV20P252 ~~الجدران ، وتتخذ في وسط تلك الخيوط جانبا أغلظ وأكثر اتصال خيوط تحتجب فيه ~~وتفرخ فيه . وسمي بيتا لشبهه بالخيمة في أنه منسوج ومشدود من أطرافه فهو ~~كبيت الشعر . # وجملة { وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت } معترضة مبينة وجه الشبه . وهذه ~~الجملة تجري مجرى المثل فيضرب لقلة جدوى شيء فاقتضى ذلك أن الأديان التي ~~يعبد أهلها غير الله هي أحقر الديانات وأبعدها عن الخير والرشد وإن كانت ~~متفاوتة فيما يعرض لتلك العبادات من الضلالات كما تتفاوت بيوت العنكبوت في ~~غلظها بحسب تفاوت الدويبات التي تنسجها في القوة والضعف . # وجملة { لو كانوا يعلمون } متصلة بجملة { كمثل العنكبوت } لا بجملة { وإن ~~أوهن البيوت لبيت العنكبوت } . فتقدير جواب { لو } هكذا : لو كانوا يعلمون ~~أن ذلك مثلهم ، أي ولكنهم لا يعلمون انعدام غناء ما اتخذوه عنهم . وأما ~~أوهنية بيت العنكبوت فلا يجهلها أحد . # ( 42 ) . # لما نفى عنهم العلم بما تضمنه التمثيل من حقارة أصنامهم التي يعبدونها ~~وقلة جدواها بقوله { لو كانوا يعلمون } ( العنكبوت : 41 ) المفيد أنهم لا ~~يعلمون ، أعقبه بإعلامهم بعلمه بدقائق أحوال تلك الأصنام على اختلافها ~~واختلاف معتقدات القبائل التي عبدتها ، وأن من آثار علمه بها ضرب ذلك المثل ~~لحال من عبدوها وحالها أيضا دفعا بهم إلى أن يتهموا عقولهم وأن عليهم النظر ~~من حقائق الأشياء تعريضا بقصور علمهم كقوله تعالى { والله يعلم وأنتم لا ~~تعلمون } ( البقرة : 216 ) ، فهذا توقيف لهم على تفريطهم في علم حقائق ~~الأمور التي علمها الله وأبلغهم دلائلها النظرية ونظائرها التاريخية ، ~~وقربها إليهم بالتمثيلات الحسية فعموا وصموا عن هذا وذاك . # و ms6229 { ما } من قوله { ما تدعون } يجوز أن تكون نافية معلقة فعل { يعلم } عن ~~العمل ، وتكون { من } زائدة لتوكيد النفي ، ومجرورها مفعول في المعنى ل { ~~تدعون } PageV20P253 ظهرت عليه حركة حرف الجر الزائد . ومعنى الكلام : أن ~~الله يعلم أنكم لا تدعون موجودا ولكنكم تدعون أمورا عدمية ، ففيه تحقير ~~لأصنامهم بجعلها كالعدم لأنها خلو عن جميع الصفات اللائقة بالإلهية . فهي ~~في بابها كالعدم فلما شابهت المعدومات في انتفاء الفائدة المزعومة لها ~~استعمل لها التركيب الدال على نفي الوجود على طريقة التمثيلية . ولا يتوهم ~~السامع أن المراد نفي أن يكونوا قد دعوا أولياء من دون الله ، لأن سياق ~~الكلام سابقه ولاحقه يأباه وهذا كقوله تعالى { ليست النصارى على شيء } في ~~سورة البقرة ( 113 ) ، و { لستم على شيء } في سورة المائدة ( 68 ) ، وكقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الكهان : إنهم ليسوا بشيء ، أي ليسوا ~~بشيء فيما يدعونه من معرفة الغيب . # وحاصل المعنى : أن من علمه تعالى بأنها موجودات كالعدم ضرب لها مثلا ببيت ~~العنكبوت ولعبدتها مثلا بالعنكبوت الذي اتخذها ، وعلى هذا الوجه فالكلام ~~صريح في إبطال إلهية الأصنام وفي أنها كالعدم . # ويجوز أن تكون { ما } استفهامية معلقة فعل { يعلم } عن العمل من باب ~~قولهم : علمت هل زيد قائم ، أي علمت جوابه . و { من } بيانية لما في { ما } ~~الاستفهامية من الإبهام ، أي من شيء من المدعوات العديدة في الأمم . ففيه ~~تعريض بأن المشركين لا يعلمون جواب سؤال السائل ( ما تدعون من دون الله ) ، ~~أي قد علم الله ذلك ، ومن علمه بذلك أنه ضرب لهم المثل بالعنكبوت اتخذت ~~بيتا ، وللمعبودات مثلا ببيت العنكبوت ، وأنتم لو سئلتم : ما تدعون من دون ~~الله ، لتلعثمتم ولم تحيروا جوابا ؛ فإن شأن العقائد الباطلة والأفهام ~~السقيمة أن لا يستطيع صاحبها بيانها بالقول وشرحها ، لأنها لما كانت تتألف ~~من تصديقات غير متلائمة لا يستطيع صاحبها تقريرها فلا يلبث قليلا حتى يفتضح ~~فاسد معتقده من تعذر إفصاحه عنه . # وجعل بعض المفسرين { يعلم } هنا متعديا إلى مفعول واحد وأنه بمعنى ( يعرف ~~) وجعل ms6230 { ما } موصولة مفعول { يدعون } والعائذ محذوفا ، ويعكر عليه أن ~~إسناد العلم بمعنى المعرفة وهو المتعدي إلى مفعول واحد إلى الله يؤول إلى ~~إسناد فعل المعرفة إلى الله بناء على إثبات الفرق بين فعل ( علم ) وفعل ( ~~عرف ) عند من PageV20P254 فسر المعرفة بإدراك الشيء بواسطة آثاره وخصائصه ~~المحسوسة ، وأنها أضعف من العلم لأن العلم شاع في معرفة حقائق الأشياء ~~ونسبها . # وعن الخليل بن أحمد ( العلم معرفتان مجتمعان ، ففي قولك : عرفت زيدا ~~قائما ، يكون ( قائما ) حالا من ( زيدا ) ، وفي قولك : علمت زيدا قائما ، ~~يكون ( قائما ) مفعولا ثانيا ل ( علمت ) اه . يريد أن فعل ( عرف ) يدل على ~~إدراك واحد وهو إدراك الذات ، وفعل ( علم ) يدل على إدراكين هما إدراك ~~الذات وإدراك ثبوت حكم لها ، على نحو ما قاله أهل المنطق في التصور ~~والتصديق ، فلذلك لم يرد في الكتاب والسنة إسناد فعل المعرفة إلى الله فكيف ~~يسند إليه ما يؤول بمعناها . # وجملة { وهو العزيز الحكيم } تذييل لجملة { إن الله يعلم } لأن الجملة ~~على كلا المعنيين في معاني { ما } تدل على أن الذي بين حقارة حال الأصنام ~~واختلال عقول عابديها فلم يعبأ بفضحها وكشفها بما يسوءها مع وفرة أتباعها ~~ومع أوهام أنها لا يمسها أحد بسوء إلا كانت ألبا عليه ؛ فلو كان للأصنام حظ ~~في الإلهية لما سلم من ضرها من يحقرها كقوله تعالى { قل لو كان معه ءالهة ~~كما تقولون إذن لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا } ( الإسراء : 42 ) كما تقدم ، ~~وأنه لما فضح عقول عبادها لم يخشهم على أوليائه بله ذاته ، فهو عزيز لا ~~يغلب ، وحكيم لا تنطلي عليه الأوهام والسفاسط بخلاف حال هاتيك وأولئك . # وقرأ الجمهور { تدعون } بالفوقية على طريقة الالتفات . وقرأه أبو عمرو ~~وعاصم ويعقوب بالتحتية . # ( 43 ) . # بعد أن بين الله لهم فساد معتقدهم في الأصنام ، وأعقبه بتوقيفهم على ~~جهلهم بذلك ، نعى عليهم هنا أنهم ليسوا بأهل لتفهم تلك الدلائل التي قربت ~~إليهم بطريقة التمثيل ، فاسم الإشارة يبينه الاسم المبدل منه وهو { الأمثال ~~} . PageV20P255 # والإشارة إلى حاضر في الأذهان فإن كل من سمع القرآن ms6231 حصل في ذهنه بعض تلك ~~الأمثال . واسم الإشارة للتنويه بالأمثال المضروبة في القرآن التي منها هذا ~~المثل بالعنكبوت . # وجملة { نضربها للناس } خبر عن اسم الإشارة . وهذه الجملة الخبرية ~~مستعملة في الامتنان والطول لأن في ضرب الأمثال تقريبا لفهم الأمور الدقيقة ~~. قال الزمخشري : ( ولضرب العرب الأمثال واستحضار العلماء المثل والنظائر ~~شأن ليس بالخفي في إبراز خبيئات المعاني ورفع الأستار عن الحقائق حتى تريك ~~المتخيل في صورة المتحقق والغائب كالمشاهد ) . وقد تقدم بيان مزية ضرب ~~الأمثال عند قوله تعالى { إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما ~~فوقها } في سورة البقرة ( 26 ) . # ولهذا اتبعت هذه الجملة بجملة { وما يعقلها إلا العالمون } . والعقل هنا ~~بمعنى الفهم ، أي لا يفهم مغزاها إلا الذين كملت عقولهم فكانوا علماء غير ~~سفهاء الأحلام . وفي هذا تعريض بأن الذين لم ينتفعوا بها جهلاء العقول ، ~~فما بالك بالذين اعتاضوا عن التدبر في دلالتها باتخاذها هزءا وسخرية ، ~~فقالت قريش لما سمعوا قوله تعالى { إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ~~ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه } ( الحج : ~~73 ) ، وقوله { كمثل العنكبوت اتخذت بيتا } ( العنكبوت : 41 ) قالوا : ما ~~يستحيي محمد أن يمثل بالذباب والعنكبوت والبعوض . وهذا من بهتانهم ، وإلا ~~فقد علم البلغاء أن لكل مقام مقالا ، ولكل كلمة مع صاحبتها مقام . # ( 44 ) . # بعد أن بين الله تعالى عدم انتفاع المشركين بالحجة ومقدماتها ونتائجها ~~الموصلة إلى بطلان إلهية الأصنام مستوفاة مغنية لمن يريد التأمل والتدبر في ~~صحة مقدماتها بإنصاف نقل الكلام إلى مخاطبة المؤمنين لإفادة التنويه بشأن ~~المؤمنين إذ انتفعوا بما هو أدق من ذلك وهو حالة النظر والفكر في دلالة ~~الكائنات على أن خالقها هو PageV20P256 الله ، وأن لا شيء غيره حقيقا ~~بمشاركته في إلهيته ، فأفاد أن المؤمنين قد اهتدوا إلى العلم ببطلان إلهية ~~الأصنام خلافا للمشركين الذين لم يهتدوا بذلك . فأفهم ذلك أن من لم يعقلوها ~~ليسوا بعالمين أخذا من مفهوم الصفة في قوله { للمؤمنين } إذا اعتبر المعنى ~~الوصفي من قوله { للمؤمنين } ، أو ms6232 أخذا من الاقتصار على ذكر المؤمنين في ~~قوله { إن في ذلك لآية للمؤمنين } إذا اعتبر عنوان المؤمنين لقبا . # والاقتصار عند ذكر دليل الوحدانية على انتفاع المؤمنين بتلك الدلالة ~~المفيد بأن المشركين لم ينتفعوا بذلك يشبه الاحتباك بين الآيتين . # والباء في { بالحق } للملابسة ، أي خلقهما على أحوالهما كلها بما ليس ~~بباطل . والباطل في كل شيء لا وفاء فيه بما جعل هو له . وضد الباطل الحق ، ~~فالحق في كل عمل هو إتقانه وحصول المراد منه ، قال تعالى { وما خلقنا ~~السماوات والأرض وما بينهما باطلا } ( ص : 27 ) . # والمراد بالسماوات والأرض ما يشمل ذاتهما والموجودات المظروفة فيهما . ~~وهذا الخلق المتقن الذي لا تقصير فيه عما أريد منه هو آية على وحدانية ~~الخالق وعلى صفات ذاته وأفعاله . # ( 45 ) . # بعد أن ضرب الله للناس المثل بالأمم السالفة جاء بالحجة المبينة فساد ~~معتقد المشركين ، ونوه بصحة عقائد المؤمنين بمنتهى البيان الذي ليس وراءه ~~مطلب أقبل على رسوله بالخطاب الذي يزيد تثبيته على نشر الدعوة وملازمة ~~الشرائع وإعلان كلمة الله بذلك ، وما فيه زيادة صلاح المؤمنين الذين ~~انتفعوا بدلائل الوحدانية . وما الرسول عليه الصلاة والسلام إلا قدوة ~~للمؤمنين وسيدهم فأمره أمر لهم كما دل عليه التذييل بقوله { والله يعلم ما ~~تصنعون } بصيغة جمع المخاطبين كقوله { فاستقم كما أمرت ومن تاب معك } ( هود ~~: 112 ) قرآن إذ ما فرط فيه من شيء من الإرشاد . PageV20P257 # وحذف متعلق فعل { اتل } ليعم التلاوة على المسلمين وعلى المشركين . وهذا ~~كقوله تعالى { إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها } إلى قوله { ~~وأن أتلو القرءان فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل إنما أنا من ~~المنذرين } ( النمل : 91 ، 92 ) . # وأمره بإقامة الصلاة لأن الصلاة عمل عظيم ، وهذا الأمر يشمل الأمة فقد ~~تكرر الأمر بإقامة الصلاة في آيات كثيرة . # وعلل الأمر بإقامة الصلاة بالإشارة إلى ما فيها من الصلاح النفساني فقال ~~{ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر } ، فموقع { إن } هنا موقع فاء ~~التعليل ولا شك أن هذا التعليل موجه إلى الأمة لأن النبي صلى ms6233 الله عليه ~~وسلم معصوم من الفحشاء والمنكر فاقتصر على تعليل الأمر بإقامة الصلاة دون ~~تعليل الأمر بتلاوة القرآن لما في هذا الصلاح الذي جعله الله في الصلاة من ~~سر إلهي لا يهتدي إليه الناس إلا بإرشاد منه تعالى ؛ فأخبر أن الصلاة تنهى ~~عن الفحشاء والمنكر ، والمقصود أنها تنهى المصلي . # وإذ قد كانت حقيقة النهي غير قائمة بالصلاة تعين أن فعل { تنهى } مستعمل ~~في معنى مجازي بعلاقة أو مشابهة . والمقصود : أن الصلاة تيسر للمصلي ترك ~~الفحشاء والمنكر . وليس المعنى أن الصلاة صارفة المصلي عن أن يرتكب الفحشاء ~~والمنكر فإن المشاهد يخالفه إذ كم من مصل يقيم صلاته ويقترف بعض الفحشاء ~~والمنكر . # كما أنه ليس يصح أن يكون المراد أنها تصرف المصلي عن الفحشاء والمنكر ما ~~دام متلبسا بأداء الصلاة لقلة جدوى هذا المعنى . فإن أكثر الأعمال يصرف ~~المشتغل به عن الاشتغال بغيره . # وإذ كانت الآية مسوقة للتنويه بالصلاة وبيان مزيتها في الدين تعين أن ~~يكون المراد أن الصلاة تحذر من الفحشاء والمنكر تحذيرا هو من خصائصها . # وللمفسرين طرائق في تعليل ذلك منها ما قاله بعضهم : إن المراد به ما ~~للصلاة من ثواب عند الله ، فإن ذلك غرض آخر وليس منصبا إلى ترك الفحشاء ~~والمنكر ولكنه من وسائل توفير الحسنات لعلها أن تغمر السيئات ، فيتعين ~~لتفسير PageV20P258 هذه الآية تفسيرا مقبولا أن نعتبر حكمها عاما في كل ~~صلاة فلا يختص بصلوات الأبرار ، وبذلك تسقط عدة وجوه مما فسروا به الآية . # قال ابن عطية : ( وذلك عندي بأن المصلي إذا كان على الواجب من الخشوع ~~والإخبات صلحت بذلك نفسه وخامرها ارتقاب الله تعالى فاطرد ذلك في أقواله ~~وأفعاله وانتهى عن الفحشاء والمنكر ) اه . وفيه اعتبار قيود في الصلاة لا ~~تناسب التعميم وإن كانت من شأن الصلاة التي يحق أن يلقنها المسلمون في ~~ابتداء تلقينهم قواعد الإسلام . # والوجه عندي في معنى الآية : أن يحمل فعل { تنهى } على المجاز الأقرب إلى ~~الحقيقة وهو تشبيه ما تشتمل عليه الصلاة بالنهي ، وتشبيه الصلاة في ~~اشتمالها عليه بالناهي ، ووجه الشبه ms6234 أن الصلاة تشتمل على مذكرات بالله من ~~أقوال وأفعال من شأنها أن تكون للمصلي كالواعظ المذكر بالله تعالى إذ ينهى ~~سامعه عن ارتكاب ما لا يرضي الله . وهذا كما يقال : صديقك مرآة ترى فيها ~~عيوبك . ففي الصلاة من الأقوال تكبير لله وتحميده وتسبيحه والتوجيه إليه ~~بالدعاء والاستغفار وقراءة فاتحة الكتاب المشتملة على التحميد والثناء على ~~الله والاعتراف بالعبودية له وطلب الإعانة والهداية منه واجتناب ما يغضبه ~~وما هو ضلال ، وكلها تذكر بالتعرض إلى مرضاة الله والإقلاع عن عصيانه وما ~~يفضي إلى غضبه فذلك صد عن الفحشاء والمنكر . # وفي الصلاة أفعال هي خضوع وتذلل لله تعالى من قيام وركوع وسجود وذلك يذكر ~~بلزوم اجتلاب مرضاته والتباعد عن سخطه . وكل ذلك مما يصد عن الفحشاء ~~والمنكر . # وفي الصلاة أعمال قلبية من نية واستعداد للوقوف بين يدي الله وذلك يذكر ~~بأن المعبود جدير بأن تمتثل أوامره وتجتنب نواهيه . # فكانت الصلاة بمجموعها كالواعظ الناهي عن الفحشاء والمنكر ، فإن الله قال ~~{ تنهى عن الفحشاء والمنكر } ولم يقل تصد وتحول ونحو ذلك مما يقتضي صرف ~~المصلي عن الفحشاء والمنكر . PageV20P259 # ثم الناس في الانتهاء متفاوتون ، وهذا المعنى من النهي عن الفحشاء ~~والمنكر هو من حكمة جعل الصلوات موزعة على أوقات من النهار والليل ليتجدد ~~التذكير وتتعاقب المواعظ ، وبمقدار تكرر ذلك تزداد خواطر التقوى في النفوس ~~وتتباعد النفس من العصيان حتى تصير التقوى ملكة لها . ووراء ذلك خاصية ~~إلهية جعلها الله في الصلاة يكون بها تيسير الانتهاء عن الفحشاء والمنكر . # روى أحمد وابن حبان والبيهقي عن أبي هريرة قال : ( جاء رجل إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال : إن فلانا يصلي بالليل فإذا أصبح سرق ، فقال : سينهاه ~~ما تقول ) أي صلاته بالليل . # واعلم أن التعريف في قوله { الفحشاء والمنكر } تعريف الجنس فكلما تذكر ~~المصلي عند صلاته عظمة ربه ووجوب طاعته وذكر ما قد يفعله من الفحشاء ~~والمنكر كانت صلاته حينئذ قد نهته عن بعض أفراد الفحشاء والمنكر . # و { الفحشاء } : اسم للفاحشة ، والفحش : تجاوز الحد المقبول . فالمراد من ~~الفاحشة ms6235 : الفعلة المتجاوزة ما يقبل بين الناس . وتقدم في قوله تعالى { ~~إنما يأمركم بالسوء والفحشاء } في سورة البقرة ( 169 ) . والمقصود هنا من ~~الفاحشة : تجاوز الحد المأذون فيه شرعا من القول والفعل ، وبالمنكر : ما ~~ينكره الشرع ولا يرضى بوقوعه . # وكأن الجمع بين الفاحشة والمنكر منظور فيه إلى اختلاف جهة ذمه والنهي عنه ~~. # وقوله { ولذكر الله أكبر } يجوز أن يكون عطفا على جملة { إن الصلاة تنهى ~~عن الفحشاء والمنكر } فيكون عطف علة على علة ، ويكون المراد بذكر الله هو ~~الصلاة كما في قوله تعالى { فاسعوا إلى ذكر الله } ( الجمعة : 9 ) أي صلاة ~~الجمعة . ويكون العدول عن لفظ الصلاة الذي هو كالاسم لها إلى التعبير عنها ~~بطريق الإضافة للإيماء إلى تعليل أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ، أي ~~إنما كانت ناهية عن الفحشاء والمنكر لأنها ذكر الله وذكر الله أمر كبير ، ~~فاسم التفضيل مسلوب المفاضلة مقصود به قوة الوصف كما في قولنا : الله أكبر ~~، لا تريد أنه أكبر من كبير آخر . PageV20P260 # ويجوز أن يكون عطفا على جملة { اتل ما أوحي إليك من الكتاب } . والمعنى : ~~واذكر الله فإن ذكر الله أمر عظيم ، فيصح أن يكون المراد من الذكر تذكر ~~عظمة الله تعالى . ويجوز أن يكون المراد ذكر الله باللسان ليعم ذكر الله في ~~الصلاة وغيرها . واسم التفضيل أيضا مسلوب المفاضلة ويكون في معنى قول معاذ ~~بن جبل ( ما عمل آدمي عملا أنجى له من عذاب الله من ذكر الله ) . # ويجوز أن يكون المراد بالذكر تذكر ما أمر الله به ونهى عنه ، أي مراقبة ~~الله تعالى وحذر غضبه ، فالتفضيل على بابه ، أي ولذكر الله أكبر في النهي ~~عن الفحشاء والمنكر من الصلاة في ذلك النهي ، وذلك لإمكان تكرار هذا الذكر ~~أكثر من تكرر الصلاة فيكون قريبا من قول عمر رضي الله عنه : أفضل من شكر ~~الله باللسان ذكر الله عند أمره ونهيه . # ولك أن تقول : ذكر الله هو الإيمان بوجوده وبأنه واحد . فلما أمر رسوله ~~صلى الله عليه وسلم وأراد أمر المؤمنين بعملين عظيمين من البر ms6236 أردفه بأن ~~الإيمان بالله هو أعظم من ذلك إذ هو الأصل كقوله تعالى { فك رقبة أو إطعام ~~في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة ثم كان من الذين ءامنوا ~~} ( البلد : 13 17 ) . وذلك من رد العجز على الصدر عاد به إلى تعظيم أمر ~~التوحيد وتفظيع الشرك من قوله { إن الله يعلم ما تدعون من دونه من شيء } ( ~~العنكبوت : 42 ) إلى هنا . # وقوله { والله يعلم ما تصنعون } تذييل لما قبله ، وهو وعد ووعيد باعتبار ~~ما اشتمل عليه قوله { اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة } وقوله { ~~تنهى عن الفحشاء والمنكر } . # والصنع : العمل . PageV20P261 # ( 46 ) # عطف على جملة { اتل ما أوحي إليك من الكتاب } ( العنكبوت : 45 ) الآية ، ~~باعتبار ما تستلزمه تلك من متاركة المشركين والكف عن مجادلتهم بعد قوله ~~تعالى { وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون } ( العنكبوت : ~~43 ) كما تقدم آنفا . وقد كانت هذه توطئة لما سيحدث من الدعوة في المدينة ~~بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم لأن مجادلة أهل الكتاب لا تعرض للنبيء ~~صلى الله عليه وسلم ولا للمؤمنين في مكة ، ولكن لما كان النبي عليه الصلاة ~~والسلام في إبان نزول أواخر هذه السورة على وشك الهجرة إلى المدينة وكانت ~~الآيات السابقة مجادلة للمشركين غليظة عليهم من تمثيل حالهم بحال العنكبوت ~~، وقوله { وما يعقلها إلى العالمون } هيأ الله لرسوله عليه الصلاة والسلام ~~طريقة مجادلة أهل الكتاب . فهذه الآية معترضة بين محاجة المشركين والعود ~~إليها في قوله تعالى { وكذلك أنزلنا إليك الكتاب } ( العنكبوت : 47 ) ~~الآيات . # وجيء في النهي بصيغة الجمع ليعم النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين إذ ~~قد تعرض للمسلمين مجادلات مع أهل الكتاب في غير حضرة النبي صلى الله عليه ~~وسلم أو قبل قدومه المدينة . # والمجادلة : مفاعلة من الجدل ، وهو إقامة الدليل على رأي اختلف فيه صاحبه ~~مع غيره ، وقد تقدم في قوله تعالى : { ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم ~~في سورة النساء ( 107 ) . وبهذا يعلم أن لا علاقة لهذه الآية بحكم قتال ms6237 أهل ~~الكتاب حتى PageV21P005 ينتقل من ذلك إلى أنها هل نسخت أم بقي حكمها لأن ~~ذلك خروج بها عن مهيعها . والمجادلة تعرض في أوقات السلم وأوقات القتال . # وأهل الكتاب } : اليهود والنصارى في اصطلاح القرآن . والمقصود هنا اليهود ~~فهم الذين كانوا كثيرين في المدينة والقرى حولها . ويشمل النصارى إن عرضت ~~مجادلتهم مثل ما عرض مع نصارى نجران . # و { بالتي هي أحسن } مستثنى من محذوف دل عليه المستثنى ، تقديره : لا ~~تجادلوهم بجدال إلا بجدال بالتي هي أحسن . و { أحسن } اسم تفضيل يجوز أن ~~يكون على بابه فيقدر المفضل عليه مما دلت عليه القرينة ، أي بأحسن من ~~مجادلتكم المشركين ، أو بأحسن من مجادلتهم إياكم كما تدل عليه صيغة ~~المفاعلة . ويجوز كون اسم التفضيل مسلوب المفاضلة لقصد المبالغة في الحسن ، ~~أي إلا بالمجادلة الحسنى كقوله تعالى { وجادلهم بالتي هي أحسن في آخر سورة ~~النحل ( 125 ) . فالله جعل الخيار للنبيء في مجادلة المشركين بين أن ~~يجادلهم بالحسنى كما اقتضته آية سورة النحل ، وبين أن يجادلهم بالشدة كقوله ~~: يأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم } ( التوبة : 73 ) ، فإن ~~الإغلاظ شامل لجميع المعاملات ومنها المجادلات ولا يختص بخصوص الجهاد فإن ~~الجهاد كله إغلاظ فلا يكون عطف الإغلاظ على الجهاد إلا إغلاظا غير الجهاد . # ووجه الوصاية بالحسنى في مجادلة أهل الكتاب أن أهل الكتاب مؤمنون بالله ~~غير مشركين به فهم متأهلون لقبول الحجة غير مظنون بهم المكابرة ولأن آداب ~~دينهم وكتابهم أكسبتهم معرفة طريق المجادلة فينبغي الاقتصار في مجادلتهم ~~على بيان الحجة دون إغلاظ حذرا من تنفيرهم ، بخلاف المشركين فقد ظهر من ~~تصلبهم وصلفهم وجلافتهم ما أيأس من إقناعهم بالحجة النظرية وعين أن يعاملوا ~~بالغلظة وأن يبالغ في تهجين دينهم وتفظيع طريقتهم لأن ذلك أقرب نجوعا لهم . ~~7 PageV21P006 # وهكذا ينبغي أن يكون الحال في ابتداء مجادلة أهل الكتاب ، وبقدر ما يسمح ~~به رجاء الاهتداء من طريق اللين ، فإن هم قابلوا الحسنى بضدها انتقل الحكم ~~إلى الاستثناء الذي في قوله : { إلا الذين ظلموا منهم } . و { الذين ظلموا ~~منهم } هم الذين ms6238 كابروا وأظهروا العداء للنبيء صلى الله عليه وسلم ~~وللمسلمين وأبوا أن يتلقوا الدعوة فهؤلاء ظلموا النبي صلى الله عليه وسلم ~~والمسلمين حسدا وبغضا على أن جاء الإسلام بنسخ شريعتهم ، وجعلوا يكيدون ~~للنبيءصلى الله عليه وسلم ونشأ منهم المنافقون وكل هذا ظلم واعتداء . # وقد كان اليهود قبل هجرة المسلمين إلى المدينة مسالمين الإسلام وكانوا ~~يقولون : إن محمدا رسول الأميين كما قال ابن صياد لما قال له النبيصلى الله ~~عليه وسلم ( أتشهد أني رسول الله ؟ فقال : أشهد أنك رسول الأميين ) . فلما ~~جاء المدينة دعاهم في أول يوم قدم فيه وهو اليوم الذي أسلم فيه عبد الله بن ~~سلام فأخذوا من يومئذ يتنكرون للإسلام . # وعطف { وقولوا ءامنا } إلى آخر الآية تعليم لمقدمة المجادلة { بالتي هي ~~أحسن } . وهذا مما يسمى تحرير محل النزاع وتقريب شقة الخلاف وذلك تأصيل طرق ~~الإلزام في المناظرة وهو أن يقال قد اتفقنا على كذا وكذا فلنحتج على ما عدا ~~ذلك ، فإن ما أمروا بقوله هنا مما اتفق عليه الفريقان فينبغي أن يكون هو ~~السبيل إلى الوفاق وليس هو بداخل في حيز المجادلة لأن المجادلة تقع في موضع ~~الاختلاف ولأن ما أمروا بقوله هنا هو إخبار عما يعتقده المسلمون وإنما تكون ~~المجادلة فيما يعتقده أهل الكتاب مما يخالف عقائد المسلمين مثل قوله : { يا ~~أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده } ~~إلى قوله : { وما كان من المشركين } . ( آل عمران : 65 67 ) . ولأجل أن ~~مضمون هذه الآية لا يدخل في حيز المجادلة عطفت على ما قبلها ولو كانت مما ~~شملته المجادلة لكان ذلك مقتضيا فصلها لأنها مثل بدل الاشتمال . # ومعنى { بالذي أنزل إلينا } القرآن . والتعبير عنه بهذه الصلة للتنبيه ~~على خطأ أهل الكتاب إذ جحدوا أن ينزل الله PageV21P007 كتابا على غير ~~أنبيائهم ، ولذلك عقب بقوله : { وأنزل إليكم } . وقوله : { وأنزل إليكم } ~~عطف صلة اسم موصول محذوف دل عليه ما قبله . والتقدير : والذي أنزل إليكم ، ~~أي الكتاب وهو ( التوراة ) بقرينة قوله { إليكم } . والمعنى : إننا نؤمن ~~بكتابكم فلا ينبغي ms6239 أن تنحرفوا عنا وهذا كقوله تعالى : { قل يأهل الكتاب هل ~~تنقمون منا إلا أن ءامنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل } ( المائدة ~~: 59 ) ، وكذلك قوله : { وإلهنا وإلهكم واحد } تذكير بأن المؤمنين واليهود ~~يؤمنون بإله واحد . فهذان أصلان يختلف فيهما كثير من أهل الأديان . # وقوله : { ونحن له مسلمون } مراد به كلا الفريقين ، فريق المتكلمين وفريق ~~المخاطبين . فيشمل المسلمين وأهل الكتاب فيكون المراد بوصف { مسلمون } أحد ~~إطلاقيه وهو إسلام الوجه إلى الله ، أي عدم الإشراك به ، أي وكلانا مسلمون ~~لله تعالى لا نشرك معه غيره . وتقديم المجرور على عامله في قوله : { له ~~مسلمون } لإفادة الاختصاص تعريضا بالمشركين الذين لم يفردوا الله بالإلهية ~~. # ( 47 ) . # هذا عود إلى مجادلة المشركين في إثبات أن القرآن منزل من الله على رسوله ~~صلى الله عليه وسلم # فالمعنى : ومثل ذلك التنزيل البديع أنزلنا إليك الكتاب ، فهو بديع في ~~فصاحته ، وشرف معانيه ، وعذوبة تراكيبه ، وارتفاعه على كل كلام من كلام ~~البلغاء ، وفي تنجيمه ، وغير ذلك . وقد تقدم بيان مثل هذه الإشارة عند قوله ~~تعالى : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا في سورة البقرة ( 143 ) . # وقد تفرع على بداعة تنزيله الإخبار بأن الذين علمهم الله الكتاب يؤمنون ~~به أي يصدقون أنه من عند الله لأنهم أدرى بأساليب الكتب المنزلة على الرسل ~~والأنبياء وأعلم بسمات الرسل وشمائلهم . PageV21P008 وإنما قال : فالذين ~~ءاتيناهم الكتاب } دون أن يقول : فأهل الكتاب ، لأن في { آتيناهم الكتاب } ~~تذكيرا لهم بأنهم أمناء عليه كما قال تعالى : { بما استحفظوا من كتاب الله ~~} ( المائدة : 44 ) . # وجيء بصيغة المضارع للدلالة على أنه سيقع في المستقبل أو للدلالة على ~~تجدد إيمان هذا الفريق به ، أي إيمان من آمن منهم مستمر يزداد عدد المؤمنين ~~يوما فيوما . # والإشارة ب { هؤلاء } إلى أهل مكة بتنزيلهم منزلة الحاضرين عند نزول ~~الآية لأنهم حاضرون في الذهن بكثرة ممارسة أحوالهم وجدالهم . وهكذا اصطلاح ~~القرآن حيث يذكر { هؤلاء } بدون سبق ما يصلح للإشارة إليه ، وهذا قد ألهمني ~~الله إليه ، وتقدم عند قوله تعالى : { فإن يكفر بها هؤلاء في سورة ms6240 الأنعام ~~( 89 ) . والمعنى : ومن مشركي أهل مكة من يؤمن به ، أي بأن القرآن منزل من ~~الله ، وهؤلاء هم الذين أسلموا والذين يسلمون من بعد ، ومنهم من يؤمن به في ~~باطنه ولا يظهر ذلك عنادا وكبرا مثل الوليد بن المغيرة . # وقد أشار قوله تعالى : وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون } إلى أن من هؤلاء ~~الذين يؤمنون بالقرآن من أهل الكتاب وأهل مكة من يكتم إيمانه جحودا منهم ~~لأجل تصلبهم في الكفر . فالتعريف في { الكافرون } للدلالة على معنى الكمال ~~في الوصف المعرف ، أي إلا المتوغلون في الكفر الراسخون فيه ، ليظهر وجه ~~الاختلاف بين { ما يجحد } وبين { الكافرون } إذ لولا الدلالة على معنى ~~الكمال لصار معنى الكلام : وما يجحد إلا الجاحدون . # وعبر عن { الكتاب } ب ( الآيات ) لأنه آيات دالة على أنه من عند الله ~~بسبب إعجازه وتحديه وعجز المعاندين عن الإتيان بسورة مثله . وهذا يتوجه ~~ابتداء إلى المشركين لأن جحودهم واقع ، وفيه تهيئة لتوجهه إلى من عسى أن ~~يجحد به من أهل الكتاب من دون أن يواجههم بأنهم كافرون لأنه لم يعرف منهم ~~ذلك الآن فإن فعلوه فقد أوجبوا ذلك على أنفسهم . PageV21P009 # ( 48 ) # هذا استدلال بصفة الأمية المعروف بها الرسول صلى الله عليه وسلم ودلالتها ~~على أنه موحى إليه من الله أعظم دلالة وقد ورد الاستدلال بها في القرآن في ~~مواضع كقوله : { ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان } ( الشورى : 52 ) ~~وقوله : { فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون } ( يونس : 16 ) . # ومعنى : { ما كنت تتلو من قبله من كتاب } أنك لم تكن تقرأ كتابا حتى يقول ~~أحد : هذا القرآن الذي جاء به هو مما كان يتلوه من قبل . # و { لا تخطه } أي لا تكتب كتابا ولو كنت لا تتلوه ، فالمقصود نفي حالتي ~~التعلم ، وهما التعلم بالقراءة والتعلم بالكتابة استقصاء في تحقيق وصف ~~الأمية فإن الذي يحفظ كتابا ولا يعرف يكتب لا يعد أميا كالعلماء العمي ، ~~والذي يستطيع أن يكتب ما يلقى إليه ولا يحفظ علما لا يعد أميا مثل النساخ ~~فبانتفاء التلاوة والخط ms6241 تحقق وصف الأمية . # و { إذن } جواب وجزاء لشرط مقدر ب ( لو ) لأنه مفروض دل عليه قوله : { ~~وما كنت تتلو } { ولا تخطه } . والتقدير : لو كنت تتلو قبله كتابا أو تخطه ~~لارتاب المبطلون . ومجيء جواب { إذن } مقترنا باللام التي يغلب اقتران جواب ~~( لو ) بها دليل على أن المقدر شرط ب ( لو ) كما في قول قريظ العنبري : # لو كنت من مازن لم تستبح إبلي # بنو اللقيطة من ذهل ابن شيبانا # إذن لقام بنصري معشر خشن # عند الحفيظة إن ذو لوثة لانا # قال المرزوقي في ( شرح الحماسة ) : ( إذن ) هو أنه أخرج البيت الثاني ~~مخرج جواب قائل قال له : ولو استباحوا إبلك ماذا كان يفعل بنو مازن ؟ فقال ~~: # إذن لقام بنصري معشر خشن # ويجوز أن يكون أيضا : إذن لقام ، جواب ( لو ) كأنه أجيب بجوابين . وهذا ~~كما PageV21P010 تقول : لو كنت حرا لاستقبحت ما يفعله العبيد إذن لاستحسنت ~~ما يفعله الأحرار اه . يعني يجوز أن تكون جملة : إذن لقام ، بدلا من جملة : ~~لم تستبح . وقد تقدم الكلام على نظيره في قوله تعالى : { ما اتخذ الله من ~~ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق في سورة المؤمنين ( 91 ) . ~~والارتياب : حصول الريب في النفس وهو الشك . # ووجه التلازم بين التلاوة والكتابة المتقدمين على نزول القرآن ، وبين ~~حصول الشك في نفوس المشركين أنه لو كان ذلك واقعا لاحتمل عندهم أن يكون ~~القرآن من جنس ما كان يتلوه من قبل من كتب سالفة وأن يكون مما خطه من قبل ~~من كلام تلقاه فقام اليوم بنشره ويدعو به . وإنما جعل ذلك موجب ريب دون أن ~~يكون موجب جزم بالتكذيب لأن نظم القرآن وبلاغته وما احتوى عليه من المعاني ~~يبطل أن يكون من نوع ما سبق من الكتب والقصص والخطب والشعر ، ولكن ذلك لما ~~كان مستدعيا تأملا لم يمنع من خطور خاطر الارتياب على الإجمال قبل إتمام ~~النظر والتأمل بحيث يكون دوام الارتياب بهتانا ومكابرة . # وتقييد تخطه } بقيد { بيمينك } للتأكيد لأن الخط لا يكون إلا باليمين فهو ~~كقوله ms6242 : { ولا طائر يطير بجناحيه } ( الأنعام : 38 ) . # ووصف المكذبين بالمبطلين منظور فيه لحالهم في الواقع لأنهم كذبوا مع ~~انتفاء شبهة الكذب فكان تكذيبهم الآن باطلا ، فهم مبطلون متوغلون في الباطل ~~، فالقول في وصفهم بالمبطلين كالقول في وصفهم بالكافرين . # ( 49 ) # { بل } إبطال لما اقتضاه الفرض من قوله : { إذن لارتاب المبطلون } ( ~~العنكبوت : 48 ) ، أي بل القرآن لا ريب يتطرقه في أنه من عند الله ، فهو ~~كله آيات دالة على صدق PageV21P011 الرسول صلى الله عليه وسلم وأنه من عند ~~الله لما اشتمل عليه من الإعجاز في لفظه ومعناه ولما أيد ذلك الإعجاز من ~~كون الآتي به أميا لم يكن يتلو من قبله كتابا ولا يخط ، أي بل القرآن آيات ~~ليست مما كان يتلى قبل نزوله بل هو آيات في صدر النبي صلى الله عليه وسلم # فالمراد من : { صدور الذين أوتوا العلم } صدر للنبيءصلى الله عليه وسلم ~~عبر عنه بالجمع تعظيما له . # و { العلم } الذي أوتيه النبيصلى الله عليه وسلم هو النبوءة كقوله تعالى ~~: { ولقد آتينا داوود وسليمان علما } ( النمل : 15 ) . ومعنى الآية أن كونه ~~في صدر النبيصلى الله عليه وسلم هو شأن كل ما ينزل من القرآن حين نزوله ، ~~فإذا أنزل فإنه يجوز أن يخطه الكاتبون ، وقد كان النبيصلى الله عليه وسلم ~~اتخذ كتابا للوحي فكانوا ربما كتبوا الآية في حين نزولها كما دل عليه حديث ~~زيد بن ثابت في قوله تعالى : { لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي ~~الضرر } ( النساء : 95 ) وكذلك يكون بعد نزوله متلوا ، فالمنفي هو أن يكون ~~متلوا قبل نزوله . هذا الذي يقتضيه سياق الإضراب عن أن يكون النبيصلى الله ~~عليه وسلم يتلو كتابا قبل هذا القرآن بحيث يظن أن ما جاء به من القرآن مما ~~كان يتلوه من قبل فلما انتفى ذلك ناسب أن يكشف عن حال تلقي القرآن ، فذلك ~~هو موقع قوله : { في صدور الذين أوتوا العلم } كما قال : { نزل به الروح ~~الأمين على قلبك } ( الشعراء : 193 ، 194 ) وقال : كذلك لنثبت به فؤادك ( ~~الفرقان : 32 ) . # وأما الإخبار بأنه ms6243 آيات بينات فذلك تمهيد للغرض وإكمال لمقتضاه ، ولهذا ~~فالوجه أن يكون الجار والمجرور في قوله : { في صدور الذين أوتوا العلم } ~~خبرا ثانيا عن الضمير . ويلتئم التقدير هكذا : وما كنت تتلو من قبله من ~~كتاب ولا تخطه بيمينك بل هو ألقي في صدرك وهو آيات بينات . ويجوز أن يكون ~~المراد ب { صدور الذين أوتوا العلم } صدور أصحاب النبيصلى الله عليه وسلم ~~وحفاظ المسلمين ، وهذا يقتضي أن يكون قوله : { في صدور الذين أوتوا العلم } ~~تتميما للثناء على القرآن وأن الغرض هو الإخبار عن القرآن بأنه آيات بينات ~~فيكون المجرور صفة ل { ءايات } والإبطال مقتصر على قوله : { بل هو آيات ~~بينات } . PageV21P012 # وجملة { وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون } تذييل يؤذن بأن المشركين جحدوا ~~آيات القرآن على ما هي عليه من وضوح الدلالة على أنها من عند الله لأنهم ~~ظالمون لا إنصاف لهم وشأن الظالمين جحد الحق ، يحملهم على جحده هوى نفوسهم ~~للظلم ، كما قال تعالى : { وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا } ( ~~النمل : 14 ) فهم متوغلون في الظلم كما تقدم في وصفهم بالكافرين والمبطلين ~~. # ( 50 ) # لما ذكر الجاحدين لآية القرآن ثلاث مرات ووصفهم بالكافرين والمبطلين ~~والظالمين انتقل الكلام إلى مقالتهم الناشئة عن جحودهم ، وذلك طلبهم أن ~~يأتي النبيصلى الله عليه وسلم بآيات مرئية خارقة للعادة تدل على أن الله ~~خلقها تصديقا للرسول كما خلق ناقة صالح وعصا موسى ، وهذا من جلافتهم أن لا ~~يتأثروا إلا للأمور المشاهدة وهم يحسبون أن الرسول عليه الصلاة والسلام ~~ينتصب للمعاندة معهم فهم يقترحون عليه ما يرغبونه ليجعلوا ما يسألونه من ~~الخوارق حديث النوادي حتى يكون محضر الرسول عليه الصلاة والسلام فيهم كمحضر ~~المشعوذين وأصحاب الخنقطرات . وقد قدمت بيان هذا الوهم عند قوله تعالى : { ~~وقالوا لولا نزل عليه آيات من ربه في سورة الأنعام ( 37 ) . # ومعنى عند الله } أنها من عمل القدرة الذي يجري على وفق إرادته تعالى ~~فلكونها منوطة بإرادته شبهت بالشيء المحفوظ عند مالكه . # وأفادت { إنما } قصر النبي عليه الصلاة والسلام على صفة النذارة ، أي ~~الرسالة لا يتجاوزها ms6244 إلى خلق الآيات أو اقتراحها على ربه ، فهو قصر إفراد ~~ردا على زعمهم أن من حق الموصوف بالرسالة أن يأتي بالخوارق المشاهدة . # والمعنى : أنه لا يسلم أن التبليغ يحتاج إلى الإتيان بالخوارق على حسب ~~رغبة PageV21P013 الناس واقتراحهم حتى يكونوا معذورين في عدم تصديق الرسول ~~إذا لم يأتهم بآية حسب اقتراحهم . وخص بالذكر من أحوال الرسالة وصف النذير ~~تعريضا بالمشركين بأن حالهم يقتضي الإنذار وهو توقع الشر . # والمبين : الموضح للإنذار بالدلائل العقلية الدالة على صدق ما يخبر به . # وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم وأبو جعفر ويعقوب : { ءايات ~~} . وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم وخلف : { ءاية } . ~~والجمع والإفراد في هذا سواء لأن القصد إلى الجنس ، فالآية الواحدة كافية ~~في التصديق . # ( 51 ) # عطف على جملة : { قل إنما الآيات عند الله } ( العنكبوت : 50 ) وهو ~~ارتقاء في المجادلة . # والاستفهام تعجيبي إنكاري . والمعنى : وهل لا يكفيهم من الآيات آيات ~~القرآن فإن كل مقدار من مقادير إعجازه آية على صدق الرسول صلى الله عليه ~~وسلم فإن آيات القرآن زهاء ستة آلاف آية . ومقدار كل ثلاث آيات مقدار معجز ~~، فيحصل من القرآن مقدار ألفي معجزة وذلك لم يحصل لأحد من رسل الله . # و { الكتاب } : القرآن ، وعدل عن لفظ القرآن الذي هو كالعلم عليه إلى لفظ ~~الكتاب المعهود لإيمائه إلى معنى تعظيمه بأنه المشتهر من بين كتب الأنبياء ~~. # وجملة : { يتلى عليهم } مستأنفة أو حال ، لأن الكتاب معلوم غير محتاج ~~للوصف لما تشعر به مادة التلاوة من الانتشار والشيوع . واختير المضارع دون ~~الوصف بأن يقال : متلوا عليهم ، لما يؤذن به المضارع من الاستمرار ، فحصل ~~من مادة { يتلى } ومن صيغة المضارع دلالة على عموم الأمكنة والأزمنة . ~~PageV21P014 وقد أشار قوله : { يتلى عليهم } وما بعده إلى خمس مزايا للقرآن ~~على غيره من المعجزات . # المزية الأولى : ما أشار إليه قوله { يتلى عليهم } من انتشار إعجازه ~~وعمومه في المجامع والآفاق والأزمان المختلفة بحيث لا يختص بإدراك إعجازه ~~فريق خاص في زمن خاص شأن المعجزات المشهودة مثل عصا موسى ms6245 وناقة صالح وبرء ~~الأكمة ، فهو يتلى ، ومن ضمن تلاوته الآيات التي تحدت الناس بمعارضته وسجلت ~~عليهم عجزهم عن المعارضة من قبل محاولتهم إياها فكان كما قال فهو معجزة ~~باقية والمعجزات الأخرى معجزات زائلة . # المزية الثانية : كونه مما يتلى ، فإن ذلك أرفع من كون المعجزات الأخرى ~~أحوالا مرئية لأن إدراك المتلو إدراك عقلي فكري وهو أعلى من المدركات ~~الحسية فكانت معجزة القرآن أليق بما يستقبل من عصور العلم التي تهيأت إليها ~~الإنسانية . # المزية الثالثة : ما أشار إليه قوله : { إن في ذلك لرحمة } فإنها واردة ~~مورد التعليل للتعجيب من عدم اكتفائهم بالكتاب وفي التعليل تتميم لما ~~اقتضاه التعبير بالكتاب وب { يتلى عليهم } ، فالإشارة ب { ذلك } إلى { ~~الكتاب } ليستحضر بصفاته كلها وللتنويه به بما تقتضيه الإشارة من التعظيم . ~~وتنكير ( رحمة ) للتعظيم ، أي لا يقادر قدرها . فالكتاب المتلو مشتمل على ~~ما هو رحمة لهم اشتمال الظرف على المظروف لأنه يشتمل على إقامة الشريعة وهي ~~رحمة وصلاح للناس في دنياهم ، فالقرآن مع كونه معجزة دالة على صدق الرسول ~~صلى الله عليه وسلم ومرشدة إلى تصديقه مثل غيره من المعجزات وهو أيضا وسيلة ~~علم وتشريع وآداب للمتلو عليهم وبذلك فضل غيره من المعجزات التي لا تفيد ~~إلا تصديق الرسول الآتي بها . # المزية الرابعة : ما أشار إليه قوله : { وذكرى } فإن القرآن مشتمل على ~~مواعظ ونذر وتعريف بعواقب الأعمال ، وإعداد إلى الحياة الثانية ، ونحو ذلك ~~مما هو تذكير بما في تذكره خير الدارين ، وبذلك فضل غيره من المعجزات ~~الصامتة التي لا تفيد أزيد من كون الآتية على يديه صادقا . PageV21P015 # المزية الخامسة : أن كون القرآن كتابا متلوا مستطاعا إدراك خصائصه لكل ~~عربي ، ولكل من حذق العربية من غير العرب مثل أيمة العربية ، يبعده عن ~~مشابهة نفثات السحرة والطلاسم ، فلا يستطيع طاعن أن يزعم أنه تخيلات كما ~~قال قوم فرعون لموسى : { يأيها الساحر } ( الزخرف : 49 ) وقال تعالى حكاية ~~عن المشركين حين رأوا معجزة انشقاق القمر : { وإن يروا ءاية يعرضوا ويقولوا ~~سحر مستمر } ( القمر : 2 ) ، فأشار قوله : { يعرضوا } إلى أن ذلك ms6246 القول صدر ~~عنهم في معجزة مرئية . # وعلق بالرحمة والذكرى قوله : { لقوم يؤمنون } للإشارة إلى أن تلك منافع ~~من القرآن زائدة على ما في المعجزات الأخرى من المنفعة التي هي منفعة ~~الإيمان بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فهذه مزايا عظيمة لمعجزة ~~القرآن حاصلة في حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم وغيبته ومستقلة عن الحاجة ~~إلى بيانه وتكميله بالدعوة وبتكريرها . # واستحضار المؤمنين بعنوان : ( قوم يؤمنون ) دون أن يقال : للمؤمنين ، لما ~~في لفظ قوم من الإيماء إلى أن الإيمان من مقومات قوميتهم ، أي لقوم شعارهم ~~أن يؤمنوا ، يعني لقوم شعارهم النظر والإنصاف فإذا قامت لهم دلائل الإيمان ~~آمنوا ولم يكابروا ظلما وعلوا ، فالفعل مراد به الحال القريبة من الاستقبال ~~. وفيه تعريض بالذين لم يكتفوا بمعجزته واقترحوا آيات أخرى لا نسبة بينه ~~وبينها . # ( 52 ) # بعد أن ألقمهم حجر الحجة الدامغة أمر بأن يجعل الله حكما بينه وبينهم لما ~~استمر تكذيبهم بعد الدلائل القاطعة . وهذا من الكلام المنصف المقصود منه ~~استدراج المخاطب . # و { كفى بالله } بمعنى هو كاف لي في إظهار الحق ، والباء مزيدة للتوكيد ~~وقد تقدم نظيره في قوله : { وكفى بالله شهيدا في سورة النساء ( 79 ) . ~~PageV21P016 # والشهيد : الشاهد ، ولما ضمن معنى الحاكم عدي بظرف بيني وبينكم } . قال ~~الحارث بن حلزة في عمرو بن هند الملك : # وهو الرب والشهيد على يو # م الحيارين والبلاء بلاء # وجملة : { يعلم ما في السماوات والأرض } مقررة لمعنى الاكتفاء به شهيدا ~~فهي تتنزل منها منزلة التوكيد . # بعد أن أنصفهم بقوله : { كفى بالله بيني وبينكم شهيدا } استمر في ~~الانتصاف بما لا يستطيعون إنكاره وهو أن الذين اعتقدوا الباطل وكفروا بالله ~~هم الخاسرون في الحكومة والقضية الموكولة إلى الله تعالى ؛ فهم إن تأملوا ~~في إيمانهم بالله حق التأمل وجدوا أنفسهم غير مؤمنين بإلهيته لأنهم أشركوا ~~معه ما ليس حقيقا بالإلهية فعلموا أنهم كفروا بالله فتعين أنهم آمنوا ~~بالباطل فالكلام موجه كقوله : { وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين } ~~( سبأ : 24 ) ، وقول حسان في أبي سفيان بن حرب ms6247 أيام جاهليته : # أتهجوه ولست له بكفء # فشركما لخيركما الفداء # وفي الجمع بين { ءامنوا } و { كفروا } محسن المضادة وهو الطباق . # والباطل : ضد الحق ، أي ما ليس بحقيق أن يؤمن به ، أي ما ليس بإله حق ~~ولكنهم يدعون له الإلهية وذلك إيمانهم بإلهية الأصنام . وأما كفرهم بالله ~~فلأنهم أشركوا معه في الإلهية فكفروا بأعظم صفاته وهي الوحدانية . واسم ~~الإشارة يفيد التنبيه على أن المشار إليهم أحرياء بالحكم الوارد بعد اسم ~~الإشارة لأجل الأوصاف التي ذكرت لهم قبل اسم الإشارة مثل : { أولئك على هدى ~~من ربهم } ( البقرة : 5 ) . # والقصر المستفاد من تعريف جزأي جملة { هم الخاسرون } قصر ادعائي للمبالغة ~~في اتصافهم بالخسران العظيم بحيث إن كل خسران في جانب خسرانهم كالعدم ؛ ~~PageV21P017 فكأنهم انفردوا بالخسران فأطلق عليهم المركب المفيد قصر ~~الخسران عليهم وذلك لأنهم حقت عليهم الشقاوة العظمى الأبدية . واستعير ~~الخسران لانعكاس المأمول من العمل المكد تشبيها بحال من كد في التجارة ~~لينال مالا فأفنى رأس ماله ، وقد تقدم عند قوله تعالى : { فما ربحت تجارتهم ~~} ( البقرة : 16 ) . # ( 53 55 ) { } # عطف على جملة : { وقالوا لولا أنزل عليه ءايات من ربه } ( العنكبوت : 50 ~~) استقصاء في الرد على شبهاتهم وإبطالا لتعلات إعراضهم الناشىء عن المكابرة ~~، وهم يخيلون أنهم إنما أعرضوا لعدم اقتناعهم بآية صدق الرسول صلى الله ~~عليه وسلم # ومناسبة وقوعه هذا أنه لما ذكر كفرهم بالله وكان النبي عليه الصلاة ~~والسلام ينذرهم على ذلك بالعذاب وكانوا يستعجلونه به ذكر توركهم عليه عقب ~~ذكر الكفر . واستعجال العذاب : طلب تعجيله وهو العذاب الذي توعدوا به . ~~وقصدهم من ذلك الاستخفاف بالوعيد . وتقدم الكلام على تركيب : { يستعجلونك ~~بالعذاب } في قوله تعالى : { ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير في ~~سورة } ( يونس : 11 ) ، وقوله : { ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة في سورة } ~~( الرعد : 6 ) . والتعريف في ( العذاب ) تعريف الجنس . وحكي استعجالهم ~~العذاب بصيغة المضارع لاستحضار حال استعجالهم لإفادة التعجيب منها كما في ~~قوله تعالى : { يجادلنا في قوم لوط } ( هود : 74 ) . # وقد أبطل ما قصدوه بقوله : { ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب } وذلك أن ~~حلول ms6248 العذاب ليس بيد الرسول عليه الصلاة والسلام ، ولا جاريا على طلبهم ~~واستبطائهم فإن الله هو المقدر لوقت حلوله بهم في أجل قدره بعلمه . ~~PageV21P018 # والمسمى أريد به المعين المحدود أي في علم الله تعالى . وقد تقدم عند ~~قوله تعالى : { ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى في سورة الحج ( 5 ) . # والمعنى : لولا الأجل المعين لحلول العذاب بهم لجاءهم العذاب عاجلا لأن ~~كفرهم يستحق تعجيل عقابهم ولكن أراد الله تأخيره لحكم علمها ، منها إمهالهم ~~ليؤمن منهم من آمن بعد الوعيد ، وليعلموا أن الله لا يستفزه استعجالهم ~~العذاب لأنه حكيم لا يخالف ما قدره بحكمته ، حليم يمهل عباده . فالمعنى : ~~لولا أجل مسمى لجاءهم العذاب في وقت طلبهم تعجيله ، ثم أنذرهم بأنه آتيهم ~~بغتة وأن إتيانه محقق لما دل عليه لام القسم ونون التوكيد وذلك عند حلول ~~الأجل المقدر له . وقد حل بهم عذاب يوم بدر بغتة كما قال تعالى : ولو ~~تواعدتم لاختلفتم في الميعاد } ( الأنفال : 42 ) فاستأصل صناديدهم يومئذ ~~وسقط في أيديهم . # وإذ قد كان الله أعد لهم عذابا أعظم من عذاب يوم بدر وهو عذاب جهنم الذي ~~يعم جميعهم أعقب إنذارهم بعذاب يوم بدر بإنذارهم بالعذاب الأعظم . وأعيد ~~لأجله ذكر استعجالهم بالعذاب معترضا بين المتعاطفين إيماء إلى أن ذلك جواب ~~استعجالهم فإنهم استعجلوا العذاب فأنذروا بعذابين ، أحدهما أعجل من الآخر . ~~وفي إعادة : { يستعجلونك بالعذاب } تهديد وإنذار بأخذهم ، فجملة : { وإن ~~جهنم } معطوفة على جملة : { وليأتينهم بغتة } فهما عذابان كما هو مقتضى ~~ظاهر العطف . # والإحاطة كناية عن عدم إفلاتهم منها . # والمراد { بالكافرين } المستعجلون ، واستحضروا بوصف الكافرين للدلالة على ~~أنه موجب إحاطة العذاب بهم . واستعمل اسم الفاعل في الإحاطة المستقبلة مع ~~أن شأن اسم الفاعل أن يفيد الاتصاف في زمن الحال ، تنزيلا للمستقبل منزلة ~~زمان الحال تنبيها على تحقيق وقوعه لصدوره عمن لا خلاف في إخباره . # ويتعلق : { يوم يغشاهم العذاب } ب ( محيطة ) ، أي تحيط بهم يوم يغشاهم ~~العذاب . وفي قوله : { يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم } تصوير ~~للإحاطة . والغشيان : التغطية والحجب . PageV21P019 # وقوله : { من ms6249 فوقهم } بيان للغشيان لتصويره تفظيعا لحاله كقوله : { ولا ~~طائر يطير بجناحيه } ( الأنعام : 38 ) وتأكيدا لمعنى الغشيان لرفع احتمال ~~المجاز ، فهو في موضع الحال من { العذاب } وهي حال مؤكدة . # وقوله : { ومن تحت أرجلهم } احتراس عما قد يوهمه الغشيان من الفوقية خاصة ~~، أي تصيبهم نار من تحتهم تتوهج إليهم وهم فوقها ، ولما كان معطوفا على ~~الحال بالواو وكان غير صالح لأن يكون قيدا ل { يغشاهم } لأن الغشيان هو ~~التغطية فتقتضي العلو تعين تقدير فعل يتعلق به { من تحت أرجلهم } ، وهو أن ~~يقدر عامل محذوف . وقد عد هذا العمل من خصائص الواو في العطف أن تعطف عاملا ~~محذوفا دل عليه معموله كقول عبد الله بن الزبعرى : # يا ليت زوجكك قد غدا # متقلدا سيفا ورمحا # يريد : وممسكا رمحا لأن الرمح لا يتقلد يصلح أن يكون مفعولا معه وأبو ~~عبيدة والأصمعي والجرمي واليزيدي ، ومن وافقهم يجعلون هذا من قبيل تضمين ~~الفعل معنى فعل صالح للتعلق بالمذكور فيقدر في هذه الآية تضمين فعل { ~~يغشاهم } معنى ( يصيبهم ) و ( يأخذهم ) . والمقصود من هذا الكناية عن أن ~~العذاب محيط بهم ، فلذلك لم يذكر الجانبان الأيمن والأيسر لأن الغرض من ~~الكناية قد حصل . والمقام مقام إيجاز لأنه مقام غضب وتهديد بخلاف قوله ~~تعالى : { ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم } ( ~~الأعراف : 17 ) لأنه حكاية لإلحاح الشيطان في الوسوسة . # وقرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي : { ويقول } بالياء التحتية والضمير عائد ~~إلى معلوم من المقام . فالتقدير : ويقول الله . وعدل عن ضمير التكلم على ~~خلاف مقتضى الظاهر على طريقة الالتفات على رأي كثير من أيمة البلاغة ، أو ~~يقدر : ويقول الملك الموكل بجهنم ، أو التقدير : ويقول العذاب ، بأن يجعل ~~الله للنار أصواتا كأنها قول القائل : { ذوقوا } . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ~~وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب بالنون وهي نون العظمة . PageV21P020 # ومعنى : { ما كنتم تعملون } جزاؤه لأن الجزاء لما كان بقدر المجزي أطلق ~~عليه اسمه مجازا مرسلا أو مجازا بالحذف . # ( 56 ) # استئناف ابتدائي وقع اعتراضا بين الجملتين المتعاطفتين : جملة : { والذين ~~ءامنوا بالباطل ms6250 وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون } ( العنكبوت : 52 ) ، ~~وجملة : { والذين ءامنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفا } ( ~~العنكبوت : 58 ) الآية . وهذا أمر بالهجرة من دار الكفر . ومناسبته لما ~~قبله أن الله لما ذكر عناد المشركين في تصديق القرآن وذكر إيمان أهل الكتاب ~~به آذن المؤمنين من أهل مكة أن يخرجوا من دار المكذبين إلى دار الذين ~~يصدقون بالقرآن وهم أهل المدينة فإنهم يومئذ ما بين مسلمين وبين يهود فيكون ~~المؤمنون في جوارهم آمنين من الفتن يعبدون ربهم غير مفتونين . وقد كان فريق ~~من أهل مكة مستضعفين قد آمنوا بقلوبهم ولم يستطيعوا إظهار إيمانهم خوفا من ~~المشركين مثل الحارث بن ربيعة بن الأسود كما تقدم عند قوله تعالى : { ومن ~~الناس من يقول ءامنا بالله } في أول هذه السورة ( العنكبوت : 10 ) ، وكان ~~لهم العذر حين كانوا لا يجدون ملجأ سالما من أهل الشرك ، وكان فريق من ~~المسلمين استطاعوا الهجرة إلى الحبشة من قبل ، فلما أسلم أهل المدينة زال ~~عذر المؤمنين المستضعفين إذ أصبح في استطاعتهم أن يهاجروا إلى المدينة ~~فلذلك قال الله تعالى : { إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون } . فقوله : { إن ~~أرضي واسعة } كلام مستعمل مجازا مركبا في التذكير بأن في الأرض بلادا ~~يستطيع المسلم أن يقطنها آمنا ، فهو كقول إياس بن قبيصة الطائي : # ألم تر أن الأرض رحب فسيحة # فهل تعجزني بقعة من بقاعها # ألا تراه كيف فرع على كونها رحبا قوله : فهل تعجزني بقعة . وكذلك في ~~الآية فرع على كونها واسعة الأمر بعبادة الله وحده للخروج مما كان يفتن به ~~المستضعفون من المؤمنين إذ يكرهون على عبادة الأصنام كما تقدم في قوله ~~تعالى : { من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان } ~~PageV21P021 ( النحل : 106 ) . # فالمعنى : أن أرضي التي تأمنون فيها من أهل الشرك واسعة ، وهي المدينة ~~والقرى المجاورة لها مثل خيبر والنضير وقريظة وقينقاع ، وما صارت كلها ~~مأمنا إلا بعد أن أسلم أهل المدينة لأن تلك القرى أحلاف لأهل المدينة من ~~الأوس والخزرج . # وأشعر قوله : { فإياي فاعبدون } أن علة ms6251 الأمر لهم بالهجرة هي تمكينهم من ~~إظهار التوحيد وإقامة الدين . وهذا هو المعيار في وجوب الهجرة من البلد ~~الذي يفتن فيه المسلم في دينه وتجري عليه فيه أحكام غير إسلامية . والنداء ~~بعنوان التعريف بالإضافة لتشريف المضاف . ومصطلح القرآن أن ( عباد ) إذا ~~أضيف إلى ضمير الجلالة فالمراد بهم المؤمنون غالبا إلا إذا قامت قرينة ~~كقوله : { أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء } ( الفرقان : 17 ) ، وعليه فالوصف ب { ~~الذين ءامنوا } لما في الموصول من الدلالة على أنهم آمنوا بالله حقا ولكنهم ~~فتنوا إلى حد الإكراه على إظهار الكفر . # والفاء في قوله : { فإياي } فاء التفريع والفاء في قوله : { فاعبدون } ~~إما مؤكدة للفاء الأولى للدلالة على تحقيق التفريع في الفعل وفي معموله ، ~~أي فلا تعبدوا غيري فاعبدون ؛ وإما مؤذنة بمحذوف هو ناصب ضمير المتكلم ~~تأكيدا للعبادة . والتقدير : وإياي اعبدوا فاعبدون ، وهو أنسب بدلالة ~~التقديم على الاختصاص لأنه لما أفاد الأمر بتخصيصه بالعبادة كان ذكر الفاء ~~علامة تقدير على تقدير فعل محذوف قصد من تقديره التأكيد ، وقد تقدم في قوله ~~تعالى : { وإياي فارهبون في أوائل سورة البقرة ( 40 ) . # وحذفت ياء المتكلم بعد نون الوقاية تخفيفا ، وللرعاية على الفاصلة . ~~ونظائره كثيرة . # اعتراض ثان بين الجملتين المتعاطفتين قصد منها تأكيد الوعيد الذي تضمنته ~~جملة : { والذين ءامنوا بالباطل } ( العنكبوت : 52 ) إلى آخرها ، والوعد ~~الذي تضمنته جملة : { والذين ءامنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة ~~غرفا } ( العنكبوت : 58 ) أي الموت مدرك جميع الأنفس PageV21P022 ثم يرجعون ~~إلى الله . وقصد منها أيضا تهوين ما يلاقيه المؤمنون من الأذى في الله ولو ~~بلغ إلى الموت بالنسبة لما يترقبهم من فضل الله وثوابه الخالد ، وفيه إيذان ~~بأنهم يترقبهم جهاد في سبيل الله . ( سقط : من منتصف الصفحة ( 23 ) حتى ~~نهاية الصفحة ( 37 ) . # PageV21P023 PageV21P038 # | 1 ( سورة الروم ) 1 # هذه السورة تسمى سورة الروم في عهد النبيصلى الله عليه وسلم وأصحابه كما ~~في حديث الترمذي عن ابن عباس ونيار بن مكرم الأسلمي ، وسيأتي قريبا في ~~تفسير الآية الأولى من السورة . ووجه ذلك أنه ورد فيها ذكر اسم الروم ولم ~~يرد في ms6252 غيرها من القرآن . # وهي مكية كلها بالاتفاق ، حكاه ابن عطية والقرطبي ، ولم يذكرها صاحب ( ~~الإتقان ) في السور المختلف في مكيتها ولا في بعض آيها . وروى الترمذي عن ~~أبي سعيد الخدري : أن هذه السورة نزلت يوم بدر فتكون عنده مدنية . قال أبو ~~سعيد : لما كان يوم بدر ظهرت الروم على فارس فأعجب ذلك المؤمنين وفرحوا ~~بذلك فنزلت { آلم غلبت الروم } إلى قوله { بنصر الله } ( الروم : 1 5 ) ~~وكان يقرؤها { غلبت } بفتح اللام ، وهذا قول لم يتابعه أحد ، وأنه قرأ { ~~وهم من بعد غلبهم سيغلبون } ( الروم : 3 ) بالبناء للنائب ، ونسب مثل هذه ~~القراءة إلى علي وابن عباس وابن عمر . وتأولها أبو السعود في ( تفسيره ) ~~آخذا من ( الكشاف ) بأنها إشارة إلى غلب المسلمين على الروم . قال أبو ~~السعود : وغلبهم المسلمون في غزوة مؤتة سنة تسع . وعن ابن عباس كان ~~المشركون يحبون أن يظهر أهل فارس على الروم لأنهم وإياهم أهل أوثان . وعن ~~الحسن البصري أن قوله تعالى { فسبحان الله حين تمسون } ( الروم : 17 ) ~~الآية مدنية بناء على أن تلك الآية تشير إلى الصلوات الخمس وهو يرى أن ~~الصلوات الخمس فرضت بالمدينة وأن الذي كان فرضا قبل الهجرة هو ركعتان في أي ~~وقت تيسر للمسلم . وهذا مبني على شذوذ . # وهي السورة الرابعة والثمانون في تعداد نزول السور ، نزلت بعد سورة ~~الانشقاق PageV21P039 وقبل سورة العنكبوت . وقد روي عن قتادة وغيره أن غلب ~~الروم على الفرس كان في عام بيعة الرضوان ، ولذلك استفاضت الروايات وكان ~~بعد قتل أبي بن خلف يوم أحد . # واتفقت الروايات على أن غلب الروم للفرس وقع بعد مضي سبع سنين من غلب ~~الفرس على الروم الذي نزلت عنده هذه السورة . ومن قال : إن ذلك كان بعد تسع ~~سنين بتقديم التاء المثناة فقد حمل على التصحيف كما رواه القرطبي عن ~~القشيري يقتضي أن نزول سورة الروم كان في سنة إحدى قبل الهجرة لأن بيعة ~~الرضوان كانت في سنة ست بعد الهجرة . وعن أبي سعيد الخدري أن انتصار الروم ~~على فارس يوافق يومه يوم ms6253 بدر . # وعدد آيها في عد أهل المدينة وأهل مكة تسع وخمسون . وفي عدد أهل الشام ~~والبصرة والكوفة ستون . وسبب نزولها ما رواه الترمذي عن ابن عباس والواحدي ~~وغير واحد : أنه لما تحارب الفرس والروم الحرب التي سنذكرها عند قوله تعالى ~~{ غلبت الروم في أدنى الأرض } ( الروم : 2 ، 3 ) وتغلب الفرس على الروم كان ~~المشركون من أهل مكة فرحين بغلب الفرس على الروم لأن الفرس كانوا مشركين ~~ولم يكونوا أهل كتاب فكان حالهم أقرب إلى حال قريش ولأن عرب الحجاز والعراق ~~كانوا من أنصار الفرس وكان عرب الشام من أنصار الروم فأظهرت قريش التطاول ~~على المسلمين بذلك فأنزل الله هذه السورة مقتا لهم وإبطالا لتطاولهم بأن ~~الله سينصر الروم على الفرس بعد سنين . فلذلك لما نزلت الآيات الأولى من ~~هذه السورة خرج أبو بكر الصديق يصيح في نواحي مكة { ألم غلبت الروم في أدنى ~~الأرضض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين } ( الروم : 1 4 ) ، وراهن ~~أبو بكر المشركين على ذلك كما سيأتي . # أغراض هذه السورة # $ 2 ( { ال & # 1764 م & # 1764 * غلبت الروم * فى & # 1764 أدنى الارض وهم من بعد غلبهم سيغلبون * فى بضع سنين لله الامر من ~~قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون * بنصر الله ينصر من يشآء وهو العزيز ~~الرحيم * وعد الله لا يخلف الله وعده ولاكن أكثر الناس لا يعلمون * يعلمون ~~ظاهرا من الحيواة الدنيا وهم عن الاخرة هم غافلون * أولم يتفكروا فى & # 1764 أنفسهم ما خلق الله السماوات والارض وما بينهمآ إلا بالحق وأجل مسمى ~~وإن كثيرا من الناس بلقآء ربهم لكافرون * أولم يسيروا فى الارض فينظروا كيف ~~كان عاقبة الذين من قبلهم كانو & # 1764 ا أشد منهم قوة وأثاروا الارض وعمروهآ أكثر مما عمروها وجآءتهم ~~رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولاكن كانو & # 1764 ا أنفسهم يظلمون * ثم كان عاقبة الذين أساءوا السو & # 1764 ءى أن كذبوا بئايات الله وكانوا بها يستهزئون * الله يبدأ الخلق ثم ~~يعيده ثم إليه ترجعون * ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون ms6254 * ولم يكن لهم من ~~شركآئهم شفعاء وكانوا بشركآئهم كافرين * ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون * ~~فأما الذين ءامنوا وعملوا الصالحات فهم فى روضة يحبرون * وأما الذين كفروا ~~وكذبوا بئاياتنا ولقآء الاخرة فأولائك فى العذاب محضرون * فسبحان الله حين ~~تمسون وحين تصبحون * وله الحمد فى السماوات والارض وعشيا وحين تظهرون * ~~يخرج الحى من الميت ويخرج الميت من الحى ويحى الارض بعد موتها وكذلك تخرجون ~~* ومن ءاياته أن خلقكم من تراب ثم إذآ أنتم بشر تنتشرون * ومن ءاياته أن ~~خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنو & # 1764 ا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن فى ذلك لأيات لقوم يتفكرون * ومن ~~ءاياته خلق السماوات والارض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن فى ذالك لأيات ~~للعالمين * ومن ءاياته منامكم باليل والنهار وابتغآؤكم من فضله إن فى ذلك ~~لايات لقوم يسمعون * ومن ءاياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السمآء ~~مآء فيحى به الارض بعد موتها إن فى ذلك لايات لقوم يعقلون * ومن ءاياته أن ~~تقوم السمآء والارض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الارض إذآ أنتم تخرجون * ~~وله من فى السماوات والارض كل له قانتون * وهو الذى يبدأ الخلق ثم يعيده ~~وهو أهون عليه وله المثل الأعلى فى السماوات والارض وهو العزيز الحكيم * ~~ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركآء فى ما رزقناكم ~~فأنتم فيه سوآء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الايات لقوم يعقلون * بل ~~اتبع الذين ظلمو & # 1764 ا أهوآءهم بغير علم فمن يهدى من أضل الله وما لهم من ناصرين * فأقم ~~وجهك للدين حنيفا فطرة الله التى فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك ~~الدين القيم ولاكن أكثر الناس لا يعلمون * منيبين إليه واتقوه وأقيموا ~~الصلواة ولا تكونوا من المشركين * من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب ~~بما لديهم فرحون * وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذآ أذاقهم ~~منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون * ليكفروا بمآ ءاتيناهم فتمتعوا فسوف ~~تعلمون * أم أنزلنا عليهم سلطانا ms6255 فهو يتكلم بما كانوا به يشركون * وإذآ ~~أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون ~~* أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر إن فى ذلك لأيات لقوم ~~يؤمنون * فئات ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذين يريدون ~~وجه الله وأولائك هم المفلحون * ومآ ءاتيتم من ربا ليربوا فى أموال الناس ~~فلا يربوا عند الله ومآ ءاتيتم من زكواة تريدون وجه الله فأولائك هم ~~المضعفون * الله الذى خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركآئكم من ~~يفعل من ذلكم من شىء سبحانه وتعالى عما يشركون * ظهر الفساد فى البر والبحر ~~بما كسبت أيدى الناس ليذيقهم بعض الذى عملوا لعلهم يرجعون * قل سيروا فى ~~الارض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين * فأقم وجهك ~~للدين القيم من قبل أن يأتى يوم لا مرد له من الله يومئذ يصدعون * من كفر ~~فعليه كفره ومن عمل صالحا فلانفسهم يمهدون * ليجزى الذين ءامنوا وعملوا ~~الصالحات من فضله إنه لا يحب الكافرين * ومن ءاياته أن يرسل الرياح مبشرات ~~وليذيقكم من رحمته ولتجرى الفلك بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون * ~~ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجآءوهم بالبينات فانتقمنا من الذين ~~أجرموا وكان حقا علينا نصر المؤمنين * الله الذى يرسل الرياح فتثير سحابا ~~فيبسطه فى السمآء كيف يشآء ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله فإذآ أصاب ~~به من يشآء من عباده إذا هم يستبشرون * وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من ~~قبله لمبلسين * فانظر إلى ءاثار رحمة الله كيف يحى الارض بعد موتهآ إن ذلك ~~لمحى الموتى وهو على كل شىء قدير * ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من ~~بعده يكفرون * فإنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعآء إذا ولوا مدبرين * ~~ومآ أنت بهاد العمى عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بئاياتنا فهم مسلمون * ~~الله الذى خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل ms6256 من بعد قوة ضعفا ~~وشيبة يخلق ما يشآء وهو العليم القدير * ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما ~~لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون * وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد ~~لبثتم فى كتاب الله إلى يوم البعث فهاذا يوم البعث ولاكنكم كنتم لا تعلمون ~~* فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون * ولقد ضربنا للناس ~~فى هاذا القرءان من كل مثل ولئن جئتهم بئاية ليقولن الذين كفرو & # 1764 ا إن أنتم إلا مبطلون * كذالك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون * ~~فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون } ) 2 $ أول أغراض هذه ~~السورة سبب نزولها على ما سر المشركين من تغلب الفرس على الروم ، فقمع الله ~~تعالى تطاول المشركين به وتحداهم بأن العاقبة للروم في الغلب على الفرس بعد ~~سنين قليلة . PageV21P040 # ثم تطرق من ذلك إلى تجهيل المشركين بأنهم لا تغوص أفهامهم في الاعتبار ~~بالأحداث ولا في أسباب نهوض وانحدار الأمم من الجانب الرباني ، ومن ذلك ~~إهمالهم النظر في الحياة الثانية ولم يتعظوا بهلاك الأمم السالفة المماثلة ~~لهم في الإشراك بالله ، وانتقل من ذلك إلى ذكر البعث . واستدل لذلك ~~ولوحدانيته تعالى بدلائل من آيات الله في تكوين نظام العالم ونظام حياة ~~الإنسان . ثم حض النبيصلى الله عليه وسلم والمسلمين على التمسك بهذا الدين ~~وأثنى عليه . ونظر بين الفضائل التي يدعو إليها الإسلام وبين حال المشركين ~~ورذائلهم ، وضرب أمثالا لإحياء مختلف الأموات بعد زوال الحياة عنها ولإحياء ~~الأمم بعد يأس الناس منها ، وأمثالا لحدوث القوة بعد الضعف وبعكس ذلك . ~~وختم ذلك بالعود إلى إثبات البعث ثم بتثبيت النبي صلى الله عليه وسلم ووعده ~~بالنصر . # ومن أعظم ما اشتملت عليه التصريح بأن الإسلام دين فطر الله الناس عليه ~~وأن من ابتغى غيره دينا فقد حاول تبديل ما خلق الله وأنى له ذلك . # تقدم القول على نظيره في سور كثيرة وخاصة في سورة العنكبوت ، وأن هذه ~~السورة إحدى ثلاث سور مما افتتح بحروف التهجي المقطعة غير معقبة بما يشير ~~إلى ms6257 القرآن ، وتقدم في أول سورة مريم . # ( 2 4 ) { # . # قوله غلبت الروم } خبر مستعمل في لازم فائدته على طريق الكناية ، أي نحن ~~نعلم بأن الروم غلبت ، فلا يهنكم ذلك ولا تطاولوا به على رسولنا وأوليائنا ~~فإنا PageV21P041 نعلم أنهم سيغلبون من غلبوهم بعد بضع سنين بحيث لا يعد ~~الغلب في مثله غلبا . # فالمقصود من الكلام هو جملة { وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين } ~~وكان ما قبله تمهيدا له . وإسناد الفعل إلى المجهول لأن الغرض هو الحديث ~~على المغلوب لا على الغالب ولأنه قد عرف أن الذين غلبوا الروم هم الفرس . # و { الروم : اسم غلب في كلام العرب على أمة مختلطة من اليونان والصقالبة ~~ومن الرومانيين الذين أصلهم من اللاطينيين سكان بلاد إيطاليا نزحوا إلى ~~أطراف شرق أوروبا . تقومت هذه الأمة المسماة الروم على هذا المزيج فجاءت ~~منها مملكة تحتل قطعة من أوروبا وقطعة من آسيا الصغرى وهي بلاد الأناضول . ~~وقد أطلق العرب على مجموع هذه الأمة اسم الروم تفرقة بينهم وبين الرومان ~~اللاطينيين ، وسموا الروم أيضا ببني الأصفر كما جاء في حديث أبي سفيان عن ~~كتاب النبي المبعوث إلى هرقل سلطان الروم وهو في حمص من بلاد الشام إذ قال ~~أبو سفيان لأصحابه لقد أمر أمر ابن أبي كبشة إنه يخافه ملك بني الأصفر . # وسبب اتصال الأمة الرومانية بالأمة اليونانية وتكون أمة الروم من ~~الخليطين ، هو أن اليونان كان لهم استيلاء على صقلية وبعض بلاد إيطاليا ~~وكانوا بذلك في اتصالات وحروب سجال مع الرومان ربما عظمت واتسعت مملكة ~~الرومان تدريجا بسبب الفتوحات وتسربت سلطتهم إلى إفريقيا وأداني آسيا ~~الصغرى بفتوحات يوليوس قيصر لمصر وشمال أفريقيا وبلاد اليونان وبتوالي ~~الفتوحات للقياصرة من بعده فصارت تبلغ من رومة إلى أرمينيا والعراق ، ودخلت ~~فيها بلاد اليونان ومدائن رودس وساقس وكاريا والصقالبة الذين على نهر ~~الطونة ولحق بها البيزنطيون المنسبون إلى مدينة بيزنطة الواقعة في موقع ~~استانبول على البسفور . وهم أصناف من اليونان والإسبرطيين . وكانوا أهل ~~تجارة عظيمة في أوائل القرن الرابع قبل المسيح ms6258 ثم ألفوا اتحادا بينهم وبين ~~أهل رودس وساقس وكانت بيزنطة من جملة مملكة إسكندر المقدوني . وبعد موته ~~واقتسام قواده المملكة من بعده صارت بيزنطة دولة مستقلة وانضوت تحت سلطة ~~رومة فحكمها قياصرة الرومان إلى أن صار قسطنطين قيصرا PageV21P042 لرومة ~~وانفرد بالسلطة في حدود سنة 322 مسيحية ، وجمع شتات المملكة فجعل للمملكة ~~عاصمتين عاصمة غربية هي رومة وعاصمة شرقية اختطها مدينة عظيمة على بقايا ~~مدينة بيزنطة وسماها قسطنطينية ، وانصرفت همته إلى سكناها فنالت شهرة تفوق ~~رومة . وبعد موته سنة 337 قسمت المملكة بين أولاده ، وكان القسم الشرقي ~~الذي هو بلاد الروم وعاصمته القسطنطينية لابنه قسطنطينيوس ، فمنذ ذلك الحين ~~صارت مملكة القسطنطينية هي مملكة الروم وبقيت مملكة رومة مملكة الرومان . ~~وزاد انفصال المملكتين في سنة 395 حين قسم طيودسيوس بلدان السلطنة ~~الرومانية بين ولديه فجعلها قسمين مملكة شرقية ومملكة غربية ، فاشتهرت ~~المملكة الشرقية باسم بلاد الروم وعاصمتها القسطنطينية . ويعرف الروم عند ~~الإفرنج بالبيزنطيين نسبة إلى بيزنطة اسم مدينة يونانية قديمة واقعة على ~~شاطىء البوسفور الذي هو قسم من موقع المدينة التي حدثت بعدها كما تقدم آنفا ~~. وقد صارت ذات تجارة عظيمة في القرن الخامس قبل المسيح وسمي ميناءها ~~بالقرن الذهبي . وفي أواخر القرن الرابع قبل المسيح خلعت طاعة أثينا . وفي ~~أواسط القرن الرابع بعد المسيح جعل قسطنطين سلطان مدينة القسطنطينية . # وهذا الغلب الذي ذكر في هذه الآية هو انهزام الروم في الحرب التي جرت ~~بينهم وبين الفرس سنة 615 مسيحية . وذلك أن خسرو بن هرمز ملك الفرس غزا ~~الروم في بلاد الشام وفلسطين وهي من البلاد الواقعة تحت حكم هرقل قيصر ~~الروم ، فنازل أنطاكية ثم دمشق وكانت الهزيمة العظيمة على الروم في أطراف ~~بلاد الشام المحاداة بلاد العرب بين بصرى وأذرعات . وذلك هو المراد في هذه ~~الآية في أدنى الأرض } أي أدنى بلاد الروم إلى بلاد العرب . # فالتعريف في { الأرض } للعهد ، أي أرض الروم المتحدث عنهم ، أو اللام عوض ~~عن المضاف إليه ، أي في أدنى أرضهم ، أو أدنى أرض الله . وحذف متعلق ms6259 { أدنى ~~} لظهور أن تقديره : من أرضكم ، أي أقرب بلاد الروم من أرض العرب ، فإن ~~بلاد الشام تابعة يومئذ للروم وهي أقرب مملكة للروم من بلاد العرب . وكانت ~~هذه الهزيمة هزيمة كبرى للروم . # وقوله { وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين } إخبار بوعد معطوف ~~PageV21P043 على الإخبار الذي قبله ، وضمائر الجمع عائدة إلى الروم . # و { غلبهم } مصدر مضاف إلى مفعوله . وحذف مفعول { سيغلبون } للعلم بأن ~~تقديره : سيغلبون الذين غلبوهم ، أي الفرس إذ لا يتوهم أن المراد سيغلبون ~~قوما آخرين لأن غلبهم على قوم آخرين وإن كان يرفع من شأنهم ويدفع عنهم معرة ~~غلب الفرس إياهم ، لكن القصة تبين المراد ولأن تمام المنة على المسلمين بأن ~~يغلب الروم الفرس الذين ابتهج المشركون بغلبهم وشمتوا لأجله بالمسلمين كما ~~تقدم . # وفائدة ذكر { من بعد غلبهم } التنبيه على عظم تلك الهزيمة عليهم ، وأنها ~~بحيث لا يظن نصر لهم بعدها ، فابتهج بذلك المشركون ؛ فالوعد بأنهم سيغلبون ~~بعد ذلك الانهزام في أمد غير طويل تحد تحدى به القرآن المشركين ، ودليل على ~~أن الله قدر لهم الغلب على الفرس تقديرا خارقا للعادة معجزة لنبيئه صلى ~~الله عليه وسلم وكرامة للمسلمين . # ولفظ { بضع } بكسر الموحدة كناية عن عدد قليل لا يتجاوز العشرة ، وقد ~~تقدم في قوله تعالى { فلبث في السجن بضع سنين في سورة يوسف . وهذا أجل لرد ~~الكرة لهم على الفرس . # وحكمة إبهام عدد السنين أنه مقتضى حال كلام العظيم الحكيم أن يقتصر على ~~المقصود إجمالا وأن لا يتنازل إلى التفصيل لأن ذلك التفصيل يتنزل منزلة ~~الحشو عند أهل العقول الراجحة وليكون للمسلمين رجاء في مدة أقرب مما ظهر ~~ففي ذلك تفريج عليهم . وهذه الآية من معجزات القرآن الراجعة إلى الجهة ~~الرابعة في المقدمة العاشرة من مقدمات هذا التفسير . # روى الترمذي بأسانيد حسنة وصحيحة أن المشركين كانوا يحبون أن يظهر أهل ~~فارس على الروم لأنهم وإياهم أهل أوثان وكان المسلمون يحبون أن يظهر الروم ~~على فارس لأنهم أهل كتاب مثلهم فكانت فارس يوم نزلت ألم غلبت الروم قاهرين ms6260 ~~للروم فذكروه لأبي بكر فذكره أبو بكر لرسول الله فقال رسول الله ~~PageV21P044 ( أما أنهم سيغلبون ) } ونزلت هذه الآية فخرج أبو بكر الصديق ~~يصيح في نواحي مكة { ألم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم ~~سيغلبون في بضع سنين } ( الروم : 1 3 ) فقال ناس من قريش لأبي بكر : فذلك ~~بيننا وبينكم ، زعم صاحبكم أن الروم ستغلب فارس في بضع سنين أفلا نراهنك ~~على ذلك قال : بلى وذلك قبل تحريم الرهان وقالوا لأبي بكر : كم تجعل البضع ~~ثلاث سنين إلى تسع سنين فسم بيننا وبينك وسطا ننتهي إليه . فسمى أبو بكر ~~لهم ست سنين فارتهن أبو بكر والمشركون وتواضعوا الرهان فمضت ست السنين قبل ~~أن يظهر الروم فأخذ المشركون رهن أبي بكر . وقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لأبي بكر : ( ألا أخفضت يا أبا بكر ، ألا جعلته إلى دون العشر فإن ~~البضع ما بين الثلاث إلى التسع ) . وعاب المسلمون على أبي بكر تسمية ست ~~سنين وأسلم عند ذلك ناس كثير . وذكر المفسرون أن الذي راهن أبا بكر هو أبي ~~بن خلف ، وأنهم جعلوا الرهان خمس قلائص ، وفي رواية أنهم بعد أن جعلوا ~~الأجل ستة أعوام غيروه فجعلوه تسعة أعوام وازدادوا في عدد القلائص ، وأن ~~أبا بكر لما أراد الهجرة مع النبي صلى الله عليه وسلم تعلق به أبي بن خلف ~~وقال له : أعطني كفيلا بالخطر إن غلبت ، فكفل به ابنه عبد الرحمن ، وكان ~~عبد الرحمن أيامئذ مشركا باقيا بمكة . وأنه لما أراد أبي بن خلف الخروج إلى ~~أحد طلبه عبد الرحمن بكفيل فأعطاه كفيلا . ثم مات أبي بمكة من جرح جرحه ~~النبي صلى الله عليه وسلم فلما غلب الروم بعد سبع سنين أخذ أبو بكر الخطر ~~من ورثة أبي بن خلف . وقد كان تغلب الروم على الفرس في سنة ست وورد الخبر ~~إلى المسلمين . وفي حديث الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال : ( لما كان يوم ~~بدر ظهرت الروم على فارس فأعجب ذلك المؤمنين ) . والمعروف أن ذلك كان يوم ~~الحديبية ms6261 . وقد تقدم في أول السورة أن المدة بين انهزام الروم وانهزام ~~الفرس سبع سنين بتقديم السين وأن ما وقع في بعض الروايات أنها تسع هو تصحيف ~~. وقد كان غلب الروم على الفرس في سلطنة هرقل قيصر الروم ، وبإثره جاء هرقل ~~إلى بلاد الشام ونزل حمص ولقي أبا سفيان بن حرب في رهط من أهل مكة جاءوا ~~تجارا إلى الشام . # واعلم أن هذه الرواية في مخاطرة أبي بكر وأبي بن خلف وتقرير النبي صلى ~~الله عليه وسلم إياها احتج بها أبو حنيفة على جواز العقود الربوية مع أهل ~~الحرب . وأما الجمهور PageV21P045 فهذا يرونه منسوخا بما ورد من النهي عن ~~القمار نهيا مطلقا لم يقيد بغير أهل الحرب . وتحقيق المسألة أن المراهنة ~~التي جرت بين أبي بكر وأبي بن خلف جرت على الإباحة الأصلية إذ لم يكن شرع ~~بمكة أيامئذ فلا دليل فيها على إباحة المراهنة وأن تحريم المراهنة بعد ذلك ~~تشريع أنف وليس من النسخ في شيء . # جملة معترضة بين المتعاطفات . والمراد بالأمر أمر التقدير والتكوين ، أي ~~أن الله قدر الغلب الأول والثاني قبل أن يقعا ، أي من قبلل غلب الروم على ~~الفرس وهو المدة التي من يوم غلب الفرس عليهم ومن بعد غلب الروم على الفرس ~~. فهنالك مضافان إليهما محذوفان . فبنيت { قبل وبعد على الضم لحذف المضاف ~~إليه لافتقار معناهما إلى تقدير مضافين إليهما فأشبهتا الحرف في افتقار ~~معناه إلى الاتصال بغيره . وهذا البناء هو الأفصح في الاستعمال إذا حذف ما ~~تضاف إليه قبل وبعد وقدر لوجود دليل عليه في الكلام ، وأما إذا لم تقصد ~~إضافتهما بل أريد بهما الزمن السابق والزمن اللاحق فإنهما يعربان كسائر ~~الأسماء النكرات ، كما قال عبد الله بن يعرب بن معاوية أو يزيد بن الصعق : # فساغ لي الشراب وكنت قبلا # أكاد أغص بالماء الحميم # أي وكنت في زمن سبق لا يقصد تعيينه ، وجوز الفراء فيهما مع حذف المضاف ~~إليه أن تبقى فيهما حركة الإعراب بدون تنوين ، ودرج عليه ابن هشام وأنكره ~~الزجاج وجعل من الخطأ ms6262 رواية قول الشاعر الذي لا يعرف اسمه : # ومن قبلل نادى كل مولى قرابة # فما عطفت مولى عليه العواطف # بكسر لام قبل } رادا قول الفراء أنه روي بكسر دون تنوين يريد الزجاج ، أي ~~الواجب أن يروى بالضم . # وتقديم المجرور في قوله { لله الأمر } لإبطال تطاول المشركين الذين بهجهم ~~غلب الفرس على الروم لأنهم عبدة أصنام مثلهم لاستلزامه الإعتقاد بأن ذلك ~~الغلب من نصر الأصنام عبادها ، فبين لهم بطلان ذلك وأن التصرف لله وحده في ~~PageV21P046 الحالين للحكمة التي بيناها آنفا كما دل عليه التذييل بقوله { ~~ينصر من يشاء . # فيه أدب عظيم للمسلمين لكي لا يعللوا الحوادث بغير أسبابها وينتحلوا لها ~~عللا توافق الأهواء كما كانت تفعله الدجاجلة من الكهان وأضرابهم . وهذا ~~المعنى كان النبي يعلنه في خطبه فقد كسفت الشمس يوم مات إبراهيم ابن النبي ~~فقال الناس : كسفت لموت إبراهيم فخطب النبي فقال في خطبته : إن الشمس ~~والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته . وكان من صناعة ~~الدجل أن يتلقن أصحاب الدجل الحوادث المقارنة لبعض الأحوال فيزعموا أنها ~~كانت لذلك مع أنها تنفع أقواما وتضر بآخرين ، ولهذا كان التأييد بنصر الروم ~~في هذه الآية موعودا به من قبل ليعلم الناس كلهم أنه متحدى به قبل وقوعه لا ~~مدعى به بعد وقوعه ، ولهذا قال تعالى بعد الوعود : ويومئذ يفرح المؤمنون ~~بنصر الله . # } . # عطف على جملة { وهم من بعد غلبهم الخ أي : ويوم إذ يغلبون يفرح المؤمنون ~~بنصر الله أي بنصر الله إياهم على الذين كانوا غلبوهم من قبل ، وكان غلبهم ~~السابق أيضا بنصر الله إياهم على الروم لحكمة اقتضت هذا التعاقب وهي تهيئة ~~أسباب انتصار المسلمين على الفريقين إذا حاربوهم بعد ذلك لنشر دين الله في ~~بلاديهم ، وقد أومأ إلى هذا قوله لله الأمر من قبل ومن بعد } . # والجملة المضافة إلى { إذ } في قوله { ويومئذ } محذوفة عوض عنها التنوين ~~. والتقدير : ويوم إذ يغلبون يفرح المؤمنون ، ف { يوم } منصوب على الظرفية ~~وعامله { يفرح المؤمنون . وأضيف النصر إلى اسم الجلالة للتنويه ms6263 بذلك النصر ~~وأنه عناية لأجل المسلمين . # وجملة ينصر من يشاء } تذييل لأن النصر المذكور فيها عام بعموم مفعوله وهو ~~{ من يشاء } فكل منصور داخل في هذا العموم ، أي من يشاء نصره لحكم ~~PageV21P047 يعلمها ، فالمشيئة هي الإرادة ، أي : ينصر من يريد نصره ، ~~وإرادته تعالى لا يسأل عنها ، ولذلك عقب بقوله { وهو العزيز } فإن العزيز ~~المطلق هو الذي يغلب كل مغالب له ، وعقبه ب { الرحيم } للإشارة إلى أن عزته ~~تعالى لا تخلو من رحمة بعباده ولولا رحمته لما أدال للمغلوب دولة على غالبه ~~مع أنه تعالى هو الذي أراد غلبة الغالب الأول ، فكان الأمر الأول بعزته ~~والأمر الثاني برحمته للمغلوب المنكوب وترتيب الصفتين العليتين منظور فيه ~~لمقابلة كل صفة منهما بالذي يناسب ذكره من الغلبين ، فالمراد رحمته في ~~الدنيا . # ( 6 7 ) # انتصب { وعد الله } على المفعولية المطلقة . وهذا من المفعول المطلق ~~المؤكد لمعنى جملة قبله هي بمعناه ويسميه النحويون مصدرا مؤكدا لنفسه تسمية ~~غريبة يريدون بنفسه معناه دون لفظه . ومثله في ( الكشاف ) ومثلوه بنحو ( لك ~~علي ألف عرفا ) لأن عرفا بمعنى اعترافا ، أكد مضمون جملة : لك علي ألف ، ~~وكذلك { وعد الله } أكد مضمون جملة { وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين ~~} ( الروم : 3 ، 4 ) . # وإضافة الوعد إلى الله تلويح بأنه وعد محقق الإيفاء لأن وعد الصادق ~~القادر الغني لا موجب لإخلافه . وجملة { لا يخلف الله وعده } بيان للمقصود ~~من جملة { وعد الله } فإنها دلت على أنه وعد محقق بطريق التلويح ، فبين ذلك ~~بالصريح بجملة { لا يخلف الله وعده . } ولكونها في موقع البيان فصلت ولم ~~تعطف ، وفائدة الإجمال ثم التفصيل تقرير الحكم لتأكيده ، ولما في جملة { لا ~~يخلف الله وعده } من إدخال الروع على المشركين بهذا التأكيد . وسماه وعدا ~~نظرا لحال المؤمنين الذي هو أهم هنا . وهو أيضا وعيد للمشركين بخذلان ~~أشياعهم ومن يفتخرون بمماثلة دينهم . # وموقع الاستدراك في قوله { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } هو ما اقتضاه ~~PageV21P048 الإجمال . وتفصيله من كون ذلك أمرا لا ارتياب فيه وأنه وعد ~~الله الصادق الوعد ms6264 القادر على نصر المغلوب فيجعله غالبا ، فاستدرك بأن ~~مراهنة المشركين على عدم وقوعه نشأت عن قصور عقولهم فأحالوا أن تكون للروم ~~بعد ضعفهم دولة على الفرس الذين قهروهم في زمن قصير هو بضع سنين ولم يعلموا ~~أن ما قدره الله أعظم . # فالمراد ب { أكثر الناس } ابتداء المشركون لأنهم سمعوا الوعد وراهنوا على ~~عدم وقوعه . ويشمل المراد أيضا كل من كان يعد انتصار الروم على الفرس في ~~مثل هذه المدة مستحيلا ، من رجال الدولة ورجال الحرب من الفرس الذين كانوا ~~مزدهين بانتصارهم ، ومن أهل الأمم الأخرى ، ومن الروم أنفسهم ، فلذلك عبر ~~عن هذه الجمهرة ب { أكثر الناس } بصيغة التفضيل . والتعريف في { الناس } ~~للاستغراق . # ومفعول { يعلمون } محذوف دل عليه قوله { سيغلبون في بضع سنين } ( الروم : ~~3 ، 4 ) . فالتقدير : لا يعلمون هذا الغلب القريب العجيب . ويجوز أن يكون ~~المراد تنزيل الفعل منزلة اللازم بأن نزلوا منزلة من لا علم عندهم أصلا ~~لأنهم لما لم يصلوا إلى إدراك الأمور الدقيقة وفهم الدلائل القياسية كان ما ~~عندهم من بعض العلم شبيها بالعدم إذ لم يبلغوا به الكمال الذي بلغه ~~الراسخون أهل النظر ، فيكون في ذلك مبالغة في تجهيلهم وهو مما يقتضيه ~~المقام . # ولما كان في أسباب تكذيبهم الوعد بانتصار الروم على الفرس بعد بضع سنين ~~أنهم يعدون ذلك محالا ، وكان عدهم إياهم كذلك من التباس الاستبعاد العادي ~~بالمحال ، مع الغفلة عن المقادير النادرة التي يقدرها الله تعالى ويقدر لها ~~أسبابا ليست في الحسبان فتأتي على حسب ما جرى به قدره لا على حسب ما يقدره ~~الناس ، وكان من حق العاقل أن يفرض الاحتمالات كلها وينظر فيها بالسبر ~~والتقييم ، أنحى الله ذلك عليهم بأن أعقب إخباره عن انتفاء علمهم صدق وعد ~~القرآن ، بأن وصف حالة علمهم كلها بأن قصارى تفكيرهم منحصر في ظواهر الحياة ~~الدنيا غير المحتاجة إلى النظر العقلي وهي المحسوسات والمجربات PageV21P049 ~~والأمارات ، ولا يعلمون بواطن الدلالات المحتاجة إلى إعمال الفكر والنظر . # والوجه أن تكون { من } في قوله { من الحياة الدنيا } تبعيضية ، أي يعلمون ~~ظواهر ms6265 ما في الدنيا ، أي ولا يعلمون دقائقها وهي العلوم الحقيقية وكلها ~~حاصلة في الدنيا . وبهذا الاعتبار كانت الدنيا مزرعة الآخرة . # والكلام يشعر بذم حالهم ، ومحط الذم هو جملة { وهم عن الآخرة هم غافلون } ~~. فأما معرفة الحياة الدنيا فليست بمذمة لأن المؤمنين كانوا أيضا يعلمون ~~ظاهر الحياة الدنيا ، وإنما المذموم أن المشركين يعلمون ما هو ظاهر من أمور ~~الدنيا ولا يعلمون أن وراء عالم المادة عالما آخر هو عالم الغيب . وقد ~~اقتصر في تجهيلهم بعالم الغيب على تجهيلهم بوجود الحياة الآخرة اقتصارا ~~بديعا حصل به التخلص من غرض الوعد بنصر الروم إلى غرض أهم وهو إثبات البعث ~~مع أنه يستلزم إثبات عالم الغيب ويكون مثالا لجهلهم بعالم الغيب وذما ~~لجهلهم به بأنه أوقعهم في ورطة إهمال رجاء الآخرة وإهمالل الاستعداد لما ~~يقتضيه ذلك الرجاء ، فذلك موقع قوله { وهم عن الآخرة هم غافلون } ؛ فجملة { ~~يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا } بدل من جملة { لا يعلمون } بدل اشتمال ~~باعتبار ما بعد الجملة من قوله { وهم عن الآخرة هم غافلون } لأن علمهم ~~يشتمل على معنى نفي علم بمغيبات الآخرة وإن كانوا يعلمون ظواهر الحياة ~~الدنيا . # وجملة { وهم عن الآخرة هم غافلون } يجوز أن تجعلها عطفا على جملة { ~~يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا } فحصل الإخبار عنهم بعلم أشياء وعدم العلم ~~بأشياء ، ولك أن تجعل جملة { وهم عن الآخرة } الخ في موقع الحال ، والواو ~~واو الحال . # وعبر عن جهلهم الآخرة بالغفلة كناية عن نهوض دلائل وجود الحياة الآخرة لو ~~نظروا في الدلائل المقتضية وجود حياة آخرة فكان جهلهم بذلك شبيها بالغفلة ~~لأنه بحيث ينكشف لو اهتموا بالنظر فاستعير له { غافلون استعارة تبعية . # وهم } الأولى في موضع مبتدأ و { هم الثانية ضمير فصل . والجملة الاسمية ~~دالة على تمكنهم من الغفلة عن الآخرة وثباتهم في تلك الغفلة ، وضمير ~~PageV21P050 الفصل لإفادة الاختصاص بهم ، أي هم الغافلون عن الآخرة دون ~~المؤمنين . # ومن البديع الجمع بين لا يعلمون } و { يعلمون . } وفيه الطباق من حيث ما ~~دل عليه اللفظان لا من جهة متعلقهما ms6266 . وقريب منه قوله تعالى { ولقد علموا ~~لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا ~~يعلمون } ( البقرة : 102 ) . # عطف على جملة { وهم عن الآخرة هم غافلون } ( الروم : 7 ) لأنهم نفوا ~~الحياة الآخرة فسيق إليهم هذا الدليل على أنها من مقتضى الحكمة . # فضمير { يتفكروا } عائد إلى الغافلين عن الآخرة وفي مقدمتهم مشركو مكة . ~~والاستفهام تعجيبي من غفلتهم وعدم تفكرهم . والتقدير : هم غافلون وعجيب عدم ~~تفكرهم . ومناسبة هذا الانتقال أن لإحالتهم رجوع الدالة إلى الروم بعد ~~انكسارهم سببين : # أحدهما : اعتيادهم قصر أفكارهم على الجولان في المألوفات دون دائرة ~~الممكنات ، وذلك من أسباب إنكارهم البعث وهو أعظم ما أنكروه لهذا السبب . # وثانيهما : تمردهم على تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن شاهدوا ~~معجزته فانتقل الكلام إلى نقض آرائهم في هذين السببين . # والتفكر : إعمال الفكر ، أي الخاطر العقلي للاستفادة منه ، وهو التأمل في ~~الدلالة العقلية . وقد تقدم عند قوله تعالى { قل هل يستوي الأعمى والبصير ~~أفلا تتفكرون في سورة الأنعام . # والأنفس : جمع نفس . والنفس يطلق على الذات كلها ، ويطلق على باطن ~~الإنسان ، ومنه قوله تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام : تعلم ما في نفسي } ~~( المائدة : 116 ) PageV21P051 كقول عمر يوم السقيفة : ( وكنت زوقت في نفسي ~~مقالة ) أي في عقلي وباطني . # وحرف { في } من قوله { في أنفسهم } يجوز أن يكون للظرفية الحقيقية ~~الاعتبارية فيكون ظرفا لمصدر { يتفكروا ، أي تفكرا مستقرا في أنفسهم . ~~وموقع هذا الظرف مما قبله موقع معنى الصفة للتفكر . وإذ قد كان التفكر إنما ~~يكون في النفس فذكر في أنفسهم لتقوية تصوير التفكر وهو كالصفة الكاشفة ~~لتقرر معنى التفكر عند السامع ، كقوله ولا تخطه بيمينك } ( العنكبوت : 48 ) ~~وقوله { ولا طائر يطير بجناحيه } ( الأنعام : 38 ) ، وتكون جملة { ما خلق ~~الله السماوات والأرض } الخ على هذا مبينة لجملة { يتفكروا إذ مدلولها هو ~~ما يتفكرون فيه كقوله تعالى : أم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة } ( الأعراف : ~~184 ) . # ويجوز أن يكون { في } للظرفية المجازية متعلقة بفعل { يتفكروا تعلق ~~المفعول بالفعل ، أي يتدبروا ms6267 ويتأملوا في أنفسهم . والمراد بالأنفس الذوات ~~فهو في معنى قوله تعالى وفي أنفسكم أفلا تبصرون } ( الذاريات : 21 ) ؛ فإن ~~حق النظر المؤدي إلى معرفة الوحدانية وتحقق البعث أن يبدأ بالنظر في أحوال ~~خلقة الإنسان قال تعالى : { أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ~~ترجعون } ( المؤمنون : 115 ) وهذا كقوله تعالى : { أو لم ينظروا في ملكوت ~~السماوات والأرض } ( الأعراف : 185 ) أي في دلالة ملكوت السماوات والأرض ، ~~وتكون جملة { ما خلق الله السماوات والأرض } الخ على هذا التفسير بدل ~~اشتمال من قوله { أنفسهم } إذ الكلام على حذف مضاف ، تقديره : في دلالة ~~أنفسهم ، فإن دلالة { أنفسهم } تشتمل على دلالة خلق السماوات والأرض وما ~~بينهما بالحق لأن { أنفسهم } مشمولة لما في الأرض من الخلق ودالة على ما في ~~الأرض ، وكذلك يطلق ما في الأرض دال على خلق أنفسهم . # وعلى الاحتمالين وقع تعليق فعل { يتفكروا } عن العمل في مفعولين لوجود ~~النفي بعده . ومعنى { خلق السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق : أن خلقهم ~~ملابس للحق . # والحق هنا هو ما يحق أن يكون حكمة لخلق السماوات والأرض وعلة له ، وحق كل ~~ماهية ونوع هو ما يحق أن يتصرف به من الكمال في خصائصه وأنه به PageV21P052 ~~حقيق كما يقول الأب لابنه القائم ببره : أنت ابني حقا ، ألا ترى أنهم جعلوا ~~تعريف النكرة بلام الجنس دالا على معنى الكمال في نحو : أنت الحبيب ، لأن ~~اسم الجنس في المقام الخطابي يؤذن بكماله في صفاته ، وإنما يعرف حق كل نوع ~~بالصفات التي بها قابليته ، ومن ينظر في القابليات التي أودعها الله تعالى ~~في أنواع المخلوقات يجد كل الأنواع مخلوقة على حدود خاصة بها إذا هي بلغتها ~~لا تقبل أكثر منها ؛ فالفرس والبقرة والكلب الكائنات في العصور الخالية ~~وإلى زمن آدم لا تتجاوز المتأخرة من أمثالها حدودها التي كانت عليها فهي في ~~ذلك سواء . دلت على ذلك تجارب الناس الحاضرين لأجيالها الحاضرة ، وأخبار ~~الناس الماضين عن الأجيال المعاصرة لها ، وقياس ما كان قبل أزمان التاريخ ~~على الأجيال التي انقرضت قبلها حاشا نوع الإنسان فإن ms6268 الله فطره بقابلية ~~للزيادة في كمالات غير محدودة على حسب أحوالل تجدد الأجيال في الكمال ~~والارتقاء وجعله السلطان على هذا العالم والمتصرف في أنواع مخلوقات عالمه ~~كما قال هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا } ( البقرة : 29 ) وذلك بما ~~أودع فيه من العقل . ودلت المشاهدة على تفاوت أفراد نوع الإنسان في كمال ما ~~يصلح له تفاوتا مترامي الأطراف ، كما قال البحتري : # ولم أر أمثال الرجال تفاوتا # لدى الفضل حتى عد ألف بواحد # فدلت التجربة في المشاهدة كما دلت الأخبار عن الماضي وقياس ما قبل ~~التاريخ على ما بعده ، كل ذلك دل على هذا المعنى ، ولأجل هذا التفاوت كلف ~~الإنسان خالقه بقوانين ليبلغ مرتقى الكمال القابل له في زمانه ، مع مراعاة ~~ما يحيط به من أحوال زمانه ، وليتجنب إفساد نفسه وإفساد بني نوعه ، وقد كان ~~ما أعطيه نوع الإنسان من شعب العقل مخولا إياه أن يفعل على حسب إرادته ~~وشهوته ، وأن يتوخى الصواب أو أن لا يتوخاه ، فلما كلفه خالقه باتباع ~~قوانين شرائعه ارتكب واجتنب فالتحق تارة بمراقي كماله ، وقصر تارة عنها ~~قصورا متفاوتا ، فكان من الحكمة أن لا يهمل مسترسلا في خطوات القصور ~~والفساد ، وذلك إما بتسليط قوة ملجئة عليه تستأصل المفسد وتستبقي المصلح ، ~~وإما بإراضته على فعل الصلاح حتى يصير منساقا إلى الصلاح باختياره المحمود ~~، إلا أن حكمة أخرى ربانية اقتضت بقاء عمران العالم وعدم استئصاله ، وبذلك ~~تعطل استعمال القوة PageV21P053 المستأصلة ، فتعين استعمال إراضته على ~~الصلاح ، فجمع الله بين الحكمتين بأن جعل ثوابا للصالحين على قدر صلاحهم ~~وعقابا للمفسدين بمقدار عملهم ، واقعا ذلك كله في عالم غير هذا العالم ، ~~وأبلغ ذلك إليهم على ألسنة رسله وأنبيائه إزالة للوصمة ، وتنبيها على ~~الحكمة ، فخاف فريق ورجا فارتكب واجتنب ، وأعرض فريق ونأى فاجترح واكتسب ، ~~وكان من حق آثار هاته الحكم أن لا يحرم الصالح من ثوابه ، وأن لا يفوت ~~المفسد بما به ليظهر حق أهل الكمال ومن دونهم من المراتب ، فجعل الله بقاء ~~أفراد النوع في هذا العالم محدودا بآجال معينة ms6269 وجعل لبقاء هذا العالم كله ~~أجلا معينا ، حتى إذا انتهت جميع الآجال جاء يوم الجزاء على الأعمال ، ~~وتميز أهل النقص من أهل الكمال . # فكان جعل الآجال لبقاء المخلوقات من جملة الحق الذي خلقت ملابسة له ، ~~ولذلك نبه عليه بخصوصه اهتماما بشأنه ، وتنبيها على مكانه ، وإظهارا أنه ~~المقصد بكيانه ، فعطفه على الحق للاهتمام به ، كما عطف ضده على الباطل ، في ~~قوله { أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون } ( المؤمنون : ~~115 ) فقال { أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما ~~بينهما إلا بالحق وأجل مسمى . # وقد مضى في سورة الأنعام قوله وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق ويوم ~~يقول كن فيكون قوله الحق الآية . وفائدة ذكر السماوات هنا أن في أحوال ~~السماوات من شمسها وكواكبها وملائكتها ما هو من جملة الحق الذي خلقت ملابسة ~~له ، أما ما وراء ذلك من أحوالها التي لا نعرف نسبة تعلقها بهذا العالم ، ~~فنكل أمره إلى الله ونقيس غائبه على الشاهد ، فنوقن بأنه ما خلق إلا بالحق ~~كذلك . فشواهد حقية البعث والجزاء بادية في دقائق خلق المخلوقات ، ولذلك ~~أعقبه بقوله وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون } ، وهذا كقوله تعالى { ~~أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون } ( المؤمنون : 115 ) . # والمسمى : المقدر . أطلقت التسمية على التقدير ، وقد تقدم عند قوله تعالى ~~: { ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى في سورة الحج . وعند قوله تعالى ~~PageV21P054 ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب في سورة العنكبوت . وجملة وإن ~~كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون } تذييل . # وتأكيده ب { إن } لتنزيل السامع منزلة من يشك في وجود من يجحد لقاء الله ~~بعد هذا الدليل الذي مضى بله أن يكون الكافرون به كثيرا . والمراد بالكثير ~~هنا : مشركو أهل مكة وبقية مشركي العرب المنكرين للبعث ومن ماثلهم من ~~الدهريين . ولم يعبر هنا ب { أكثر الناس } ( العنكبوت : 60 ) لأن المثبتين ~~للبعث كثيرون مثل أهل الكتاب والصابئة والمجوس والقبط . # عطف على جملة أو لم يتفكروا في أنفسهم } ( الروم : 8 ) وهو مثل الذي ms6270 عطف ~~هو عليه متصل بما يتضمنه قوله { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } ( الروم : 6 ) ~~أن من أسباب عدم علمهم تكذيبهم الرسول عليه الصلاة والسلام الذي أنبأهم ~~بالبعث ، فلما سيق إليهم دليل حكمة البعث والجزاء بالحق أعقب بإنذارهم ~~موعظة لهم بعواقب الأمم الذين كذبوا رسلهم لأن المقصود هو عاقبة تكذيبهم ~~رسل الله وهو قوله { وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم الآية . # والأمر بالسير في الأرض تقدم في قوله تعالى : قل سيروا في الأرض ثم ~~انظروا كيف كان عاقبة المكذبين في سورة الأنعام ، وقوله : قل سيروا في ~~الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق في سورة العنكبوت . # والاستفهام في أولم يسيروا } تقريري . وجاء التقرير على النفي للوجه الذي ~~ذكرناه في قوله تعالى : { ألم يروا أنه لا يكلمهم } ( الأعراف : 148 ) ~~وقوله { ألم يأتكم رسل منكم في الأنعام ، وقوله أليس في جهنم مثوى للكافرين ~~في آخر العنكبوت . # والأرض : اسم للكرة التي عليها الناس . PageV21P055 # والنظر : هنا نظر العين لأن قريشا كانوا يمرون في أسفارهم إلى الشام على ~~ديار ثمود وقوم لوط وفي أسفارهم إلى اليمن على ديار عاد . وكيفية العاقبة ~~هي حالة آخر أمرهم من خراب بلادهم وانقطاع أعقابهم فعاضد دلالة التفكر التي ~~في قوله أولم يتفكروا في أنفسهم } ( الروم : 8 ) الآية بدلالة الحس بقوله : ~~{ فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم . وكيف } استفهام معلق فعل { ~~ينظروا } عن مفعوله ، فكأنه قيل : فينظروا ثم استؤنف فقيل : كيف كان عاقبة ~~الذين من قبلهم . # والعاقبة : آخر الأمر من الخير والشر ، بخلاف العقبى فهي للخير خاصة إلا ~~في مقام المشاكلة ، وتقدم ذكر العاقبة في قوله { والعاقبة للمتقين في ~~الأعراف . وقد جمع قوله فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم } وعيدا على ~~تكذيبهم النبي صلى الله عليه وسلم وتجهيلا لإحالتهم الممكن ، حيث أيقنوا ~~بأن الفرس لا يغلبون بعد انتصارهم . فهذه آثار أمم عظيمة كانت سائدة على ~~الأرض فزال ملكهم وخلت بلادهم من سبب تغلب أمم أخرى عليهم . # والمراد بالذين من قبلهم : عاد وثمود وقوم لوط وأمثالهم الذين شاهد العرب ~~آثارهم . والمعنى ms6271 : أنهم كانوا من قبلهم في مثل حالتهم من الشرك وتكذيب ~~الرسل المرسلين إليهم ، كما دل عليه قوله عقبه { كانوا أشد منهم قوة } ~~الآية . # . # كل أولئك كانوا أشد قوة من قريش وأكثر تعميرا في الأرض ، وكلهم جاءتهم ~~رسل ، وكلهم كانت عاقبتهم الاستئصال ، كل هذه ما تقر به قريش . PageV21P056 # وجملة { كانوا أشد منهم قوة } بيان لجملة { كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ~~. # والشدة : صلابة جسم ، وتستعار بكثرة لقوة صفة من الأوصاف في شيء تشبيها ~~لكمال الوصف وتمامه بالصلابة في عسر التحول . وتقدم في قوله : وأولوا بأس ~~شديد في سورة النمل . # والقوة : حالة بها يقاوم صاحبها ما يوجب انخرامه ، فمن ذلك قوة البدن ، ~~وقوة الخشب ، وتستعار القوة لما به تدفع العادية وتستقيم الحالة ؛ فهي ~~مجموع صفات يكون بها بقاء الشيء على أكمل أحواله كما في قوله : نحن أولوا ~~قوة } ( النمل : 33 ) فقوة الأمة مجموع ما به تدفع العوادي عن كيانها ~~وتستبقي صلاح أحوالها من عدد حربية وأموال وأبناء وأزواج . وحالة مشركي ~~قريش لا تداني أحوال تلك الأمم في القوة ، وناهيك بعاد فقد كانوا مضرب ~~الأمثال في القوة في سائر أمورهم ، والعرب تصف الشيء العظيم في جنسه بأنه ~~عادي نسبة إلى عاد . # وعطف { أثاروا } على { كانوا } فهو فعل مشتق من الإثارة بكسر الهمزة ، ~~وهي تحريك أجزاء الشيء ، فالإثارة : رفع الشيء المستقر وقلبه بعد استقراره ~~، قال تعالى : { الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا } ( الروم : 48 ) أي : ~~تسوقه وتدفعه من مكان إلى مكان . وأطلقت الإثارة هنا على قلب تراب الأرض ~~بجعل ما كان باطنا ظاهرا وهو الحرث ، قال تعالى : { لا ذلول تثير الأرض } ( ~~البقرة : 71 ) ، وقال النابغة يصف بقر الوحش إذا حفرت التراب : # يثرن الحصى حتى يباشرن برده # إذا الشمس مجت ريقها بالكلاكل # ويجوز أن يكون { أثاروا } هنا تمثيلا لحال شدة تصرفهم في الأرض وتغلبهم ~~على من سواهم بحال من يثير ساكنا ويهيجه ، ومنه أطلقت الثورة على الخروج عن ~~الجماعة . وهذا الاحتمال أنسب بالمقصود الذي هو وصف الأمم بالقوة والمقدرة ~~من احتمال أن تكون الإثارة بمعنى ms6272 حرث الأرض لأنه يدخل في العمارة . وضمير { ~~أثاروا } عائد إلى ما عاد إليه ضمير { كانوا أشد . # ومعنى عمارة الأرض : جعلها عامرة غير خلاء وذلك بالبناء والغرس والزرع . ~~PageV21P057 يقال : ضيعة عامرة ، أي : معمورة بما تعمر به الضياع ، ويقال ~~في ضده : ضيعة غامرة . ولكون قريش لم تكن لهم إثارة في الأرض بكلا المعنيين ~~إذ كانوا بواد غير ذي زرع لم يقل في هذا الجانب : أكثر مما أثاروها . # وضميرا جمع المذكر في قوله : وعمروها أكثر مما عمروها } راجع أولهما إلى ~~ما رجع إليه ضمير { أثاروا وثانيهما إلى ما رجع إليه ضمير يسيروا في الأرض ~~. ويعرف توزيع الضميرين بالقرينة مثل توزيع الإشارة في قوله تعالى : هذا من ~~شيعته وهذا من عدوه في سورة } ( القصص : 15 ) كالضميرين في قول عباس بن ~~مرداس يذكر قتال هوازن يوم حنين : # عدنا ولولا نحن أحدق جمعهم # بالمسلمين وأحرزوا ما جمعوا # وتقدم تفصيله عند قوله تعالى : { فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون في ~~سورة يونس ، أي عمر الذين من قبلهم الأرض أكثر مما عمرها هؤلاء ، فإن لقريش ~~عمارة في الأرض من غرس قليل وبناء وتفجير ولكنه يتضاءل أمام عمارة الأمم ~~السالفة من عاد وثمود . # وتفريع فما كان الله ليظلمهم } على قوله { وجاءتهم رسلهم بالبينات } ~~إيجاز حذف بديع ، لأن مجيء الرسل بالبينات يقتضي تصديقا وتكذيبا فلما فرع ~~عليه أنهم ظلموا أنفسهم علم أنهم كذبوا الرسل وأن الله جازاهم على تكذيبهم ~~رسله بأن عاقبهم عقابا لو كان لغير جرم لشابه الظلم ، فجعل من مجموع نفي ~~ظلم الله إياهم ومن إثبات ظلمهم أنفسهم معرفة أنهم كذبوا الرسل وعاندوهم ~~وحل بهم ما هو معلوم من مشاهدة ديارهم وتناقل أخبارهم . # والاستدراك ناشىء على ما يقتضيه نفي ظلم الله إياهم من أنهم عوملوا ~~معاملة سيئة لو لم يستحقوها لكانت معاملة ظلم . وعبر عن ظلمهم أنفسهم بصيغة ~~المضارع للدلالة على استمرار ظلمهم وتكرره وأن الله أمهلهم فلم يقلعوا حتى ~~أخذهم بما دلت عليه تلك العاقبة ، والقرينة قوله { كانوا . PageV21P058 # وتقديم أنفسهم } وهو مفعول { يظلمون } على فعله للاهتمام بأنفسهم ms6273 في ~~تسليط ظلمهم عليها لأنه ظلم يتعجب منه ، مع ما فيه من الرعاية على الفاصلة ~~. وليس تقديم المفعول هنا للحصر لأن الحصر حاصل من جملتي النفي والإثبات . # { ثم } للتراخي الرتبي لأن هذه العاقبة أعظم رتبة في السوء من عذاب ~~الدنيا ، فيجوز أن يكون هذا الكلام تذييلا لحكاية ما حل بالأمم السالفة من ~~قوله { كيف كان عاقبة الذين من قبلهم } ( الروم : 9 ) . # والمعنى : ثم عاقبة كل من أساءوا السوأى مثلهم ، فيكون تعريضا بالتهديد ~~لمشركي العرب كقوله تعالى { دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها } ( محمد : ~~10 ) ، فالمراد ب { الذين أساءوا } كل مسيىء من جنس تلك الإساءة وهي الشرك ~~. ويجوز أن يكون إنذارا لمشركي العرب المتحدث عنهم من قوله { ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون } ( الروم : 6 ) فيكونوا المراد ب { الذين أساءوا ، } ~~ويكون إظهارا في مقام الإضمار على خلاف مقتضى الظاهر لقصد الإيماء بالصلة ، ~~أي أن سبب عاقبتهم السوأى هو إساءتهم ، وأصل الكلام : ثم كان عاقبتهم ~~السوأى . وهذا إنذار بعد الموعظة ونص بعد القياس ، فإن الله وعظ المكذبين ~~للرسول صلى الله عليه وسلم بعواقب الأمم التي كذبت رسلها ليكونوا على حذر ~~من مثل تلك العاقبة بحكم قياس التمثيل ، ثم أعقب تلك الموعظة بالنذارة ~~بأنهم ستكون لهم مثل تلك العاقبة ، وأوقع فعل { كان الماضي في موقع المضارع ~~للتنبيه على تحقيق وقوعه مثل أتى أمر الله } ( النحل : 1 ) إتماما للنذارة ~~. # والعاقبة : الحالة الأخيرة التي تعقب حالة قبلها . وتقدمت في قوله : { ثم ~~انظروا كيف كان عاقبة المكذبين في سورة الأنعام ، وقوله : والعاقبة للتقوى ~~في سورة طه PageV21P059 . والذين أساءوا } هم كفار قريش ، والمراد { بآيات ~~الله القرآن ومعجزات الرسول . # والسوأى : تأنيث الأسوإ ، أي الحالة الزائدة في الاتصاف بالسوء وهو أشد ~~الشر ، كما أن الحسنى مؤنث الأحسن في قوله للذين أحسنوا الحسنى } ( يونس : ~~26 ) . وتعريف { السوأى } تعريف الجنس إذ ليس ثمة عاقبة معهودة . # ويحتمل أن يراد ب { الذين أساءوا } الأمم الذين أثاروا الأرض وعمروها ~~فتكون من وضع الظاهر موضع المضمر توسلا إلى الحكم عليهم بأنهم أساءوا ~~واستحقوا السوأى وهي جهنم . وفعل ms6274 { كان } على ما هو عليه من التنبيه على ~~تحقق الوقوع . # وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب { عاقبة } بالرفع على ~~أصل الترتيب بين اسم { كان وخبرها . وقرأه البقية بالنصب على أنه خبر كان ~~مقدم على اسمها وهو استعمال كثير . والفصل بين كان ومرفوعها بالخبر سوغ حذف ~~تاء التأنيث من فعل كان . # وأن كذبوا } تعليل لكون عاقبتهم السوأى بحذف اللام مع { أن وآيات الله : ~~القرآن والمعجزات . # والباء في بها يستهزئون } للتعدية ، وتقديم المجرور للاهتمام بشأن الآيات ~~، وللرعاية على الفاصلة . # استئناف ابتدائي ، وهو شروع فيما أقيمت عليه هذه السورة من بسط دلائل ~~انفراد الله تعالى بالتصرف في الناس بإيجادهم وإعدامهم وبإمدادهم وأطوار ~~حياتهم ، لإبطال أن يكون لشركائهم شيء من التصرف في ذلك . فهي دلائل ساطعة ~~على ثبوت الوحدانية التي عموا عنها . PageV21P060 # وإذا كان نزول أول السورة على سبب ابتهاج المشركين لتغلب الفرس على الروم ~~فقطع الله تطاولهم على المسلمين بأن أخبر أن عاقبة النصر للروم على الفرس ~~نصرا باقيا ، وكان مثار التنازع بين المشركين والمؤمنين ميل كل فريق إلى ~~مقاربه في الدين جعل ذلك الحدث مناسبة لإفاضة الاستدلال في هذه السورة على ~~إبطال دين الشرك . # وقد فصلت هذه الدلائل على أربعة استئنافات متماثلة الأسلوب ، ابتدىء كل ~~واحد منها باسم الجلالة مجرى عليه أخبار عن حقائق لا قبل لهم بدحضها لأنهم ~~لا يسعهم إلا الإقرار ببعضها أو العجز عن نقض دليلها . # فالاستئناف الأول المبدوء بقوله { الله يبدأ الخلق ثم يعيده } ، والثاني ~~المبدوء بقوله { الله الذي خلقكم ثم رزقكم } ( الروم : 40 ) ، والثالث ~~المبدوء بقوله { الله الذي يرسل الرياح } ( الروم : 48 ) ، والرابع المبدوء ~~بقوله : { الله الذي خلقكم من ضعف } ( الروم : 54 ) . # فأما قوله : { الله يبدأ الخلق ثم يعيده } فاستدلال بما لا يسعهم إلا ~~الاعتراف به وهو بدء الخلق إذ لا ينازعون في أن الله وحده هو خالق الخلق ~~ولذلك قال الله تعالى { أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم ~~} ( الرعد : 16 ) الآية . وأما قوله { ثم يعيده } فهو إدماج لأنه إذا سلم ms6275 ~~له بدء الخلق كان تسليم إعادته أولى وأجدر . وحسن موقع الاستئناف وروده بعد ~~ذكر أمم غابرة وأمم حاضرة خلف بعضها بعضا ، وإذ كان ذلك مثالا لإعادة ~~الأشخاص بعد فنائها وذكر عاقبة مصير المكذبين للرسل في العاجلة ، ناسب في ~~مقام الاعتبار أن يقام لهم الاستدلال على إمكان البعث ليقع ذكر ما يعقبه من ~~الجزاء موقع الإقناع لهم . # وتقديم اسم الجلالة على المسند الفعلي لمجرد التقوي . و { ثم } هنا ~~للتراخي الرتبي كما هو شأنها في عطف الجمل ، وذلك أن شأن الإرجاع إلى الله ~~أعظم من إعادة الخلق إذ هو المقصد من الإعادة ومن بدء الخلق . فالخطاب في { ~~ترجعون } للمشركين على طريقة الالتفات من الغيبة إلى الخطاب . PageV21P061 # وقرأ الجمهور { ترجعون } بتاء الخطاب . وقرأه أبو عمرو وأبو بكر عن عاصم ~~وروح عن يعقوب بياء الغيبة على طريقة ما قبله . # ( 12 13 ) # عطف على جملة { ثم إليه ترجعون } ( الروم : 11 ) تبيينا لحال المشركين في ~~وقت ذلك الإرجاع كأنه قيل : ثم إليه ترجعون ويومئذ يبلس المجرمون . وله ~~مزيد اتصال بجملة { ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى } ( الروم : 10 ) ، ~~وكان مقتضى الظاهر أن يقال ويومئذ يبلس المجرمون أو يومئذ تبلسون ، أي ويوم ~~ترجعون إليه يبلس المجرمون ، فعدل عن تقدير الجملة المضاف إليها { يوم التي ~~يدل عليها إليه ترجعون } ( الروم : 11 ) بذكر جملة أخرى هي في معناها لتزيد ~~الإرجاع بيانا أنه إرجاع الناس إليه يوم تقوم الساعة ، فهو إطناب لأجل ~~البيان وزيادة التهويل لما يقتضيه إسناد القيام إلى الساعة من المباغتة ~~والرعب . ويدل لهذا القصد تكرير هذا الظرف في الآية بعدها بهذا الإطناب . ~~وشاع إطلاق { الساعة على وقت الحشر والحساب . وأصل الساعة : المقدار من ~~الزمن ، ويتعين تحديده بالإضافة أو التعريف . # والإبلاس : سكون بحيرة . يقال : أبلس ، إذا لم يجد مخرجا من شدة هو فيها ~~. وتقدم عند قوله تعالى إذا هم فيه مبلسون في سورة المؤمنين . # والمجرمون : المشركون ، وهم الذين أجريت عليهم ضمائر الغيبة وضمائر ~~الخطاب بقرينة قوله ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء } . # والإظهار في مقام الإضمار لإجراء وصف ms6276 الإجرام عليهم وكان مقتضى الظاهر ~~أنه يقال : تبلسون ، بالخطاب أو بياء الغيبة . ووصفوا بالإجرام لتحقير دين ~~الشرك وأنه مشتمل على إجرام كبير . وقد ذكر أحد أسباب الإبلاس وأعظمها ~~حينئذ وهو أنهم لم يجدوا شفعاء من PageV21P062 آلهتهم التي أشركوا بها ~~وكانوا يحسبونها شفعاء عند الله ، فلما نظروا وقلبوا النظر فلم يجدوا شفعاء ~~خابوا وخسئوا وأبلسوا ، ولهم أسباب خيبة أخرى لم يتعلق الغرض بذكرها . وأما ~~ما ينالهم من العذاب فذلك حالة يأس لا حالة إبلاس . و { من تبعيضية ، وليس ~~الكلام من قبيل التجريد . # ونفي فعل يكن } ب { لم } التي تخلص المضارع للمضي للإشارة إلى تحقيق حصول ~~هذا النفي مثل قوله { أتى أمر الله } ( النحل : 1 ) . # ومقابلة ضمير الجمع بصيغة جمع الشركاء من باب التوزيع ، أي لم يكن لأحد ~~من المجرمين أحد شفيع فضلا عن عدة شفعاء . # وكذلك قوله { وكانوا بشركائهم كافرين } لأن المراد أنهم يكفرون بهم يوم ~~تقوم الساعة كقوله تعالى { ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم ~~بعضا } ( العنكبوت : 25 ) . # وكتب في المصحف { شفعؤا } بواو بعد العين وألف بعد الواو ، أرادوا بالجمع ~~بين الواو والألف أن ينبهوا على أن الهمزة مضمومة ليعلم أن { شفعاء اسم ( ~~كان ) وأن ليس اسمها قوله من شركائهم } بتوهم أن { من اسم بمعنى بعض ، أو ~~أنها مزيدة في النفي ، فأثبتوا الواو تحقيقا لضم الهمزة وأثبتوا الألف لأن ~~الألف صورة للهمزة . # ( 14 16 ) } # أعيد { ويوم تقوم الساعة } لزيادة التهويل الذي تقدم بيانه آنفا . وكرر { ~~يومئذ لتأكيد حقيقة الظرفية . ولما ذكر إبلاس المشركين المشعر بتوقعهم ~~السوء والعذاب أعقب بتفصيل أحوال الناس يومئذ مع بيان مغبة إبلاس الفريق ~~الكافرين . # والضمير في يتفرقون } عائد إلى معلوم من المقام دل عليه ذكر المجرمين ~~فعلم PageV21P063 أن فريقا آخر ضدهم لأن ذكر إبلاس المجرمين يومئذ يفهم أن ~~غيرهم ليسوا كذلك على وجه الإجمال . # والتفرق : انقسام الجمع وتشتت أجزاء الكل . وقد كني به هنا عن التباعد ~~لأن التفرق يلازمه التباعد عرفا . وقد فصل التفرق هنا بقوله { فأما الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات } إلى آخره . # والروضة ms6277 : كل أرض ذات أشجار وماء وأزهار في البادية أو في الجنان . ومن ~~أمثال العرب ( أحسن من بيضة في روضة ) يريدون بيضة النعامة . وقد جمع محاسن ~~الروضة قول الأعشى : # ما روضة من رياض الحزن معشبة # خضراء جاد عليها مسبلل هطل # يضاحك الشمس منها كوكب شرق # مؤزر بعميم النبت مكتهل # و { يحبرون : يسرون من الحبور ، وهو السرور الشديد . يقال : حبره ، إذا ~~سره سرورا تهلل له وجهه وظهر فيه أثره . # ومحضرون } يجوز أن يكون من الإحضار ، أي : جعل الشيء حاضرا ، أي : لا ~~يغيبون عنه ، أي : لا يخرجون منه ، وهو يفيد التأييد بطريق الكناية لأنه ~~لما ذكر بعد قوله { في العذاب } ناسب أن لا يكون المقصود من وصفهم المحضرين ~~أنهم كائنون في العذاب لئلا يكون مجرد تأكيد بمدلول في الظرفية فإن التأسيس ~~أوقع من التأكيد ، ويجوز أن يكون محضرون بمعنى مأتي بهم إلى العذاب فقد كثر ~~في القرآن استعمال محضر ونحوه بمعنى معاقب ، قال تعالى { ولقد علمت الجنة ~~إنهم لمحضرون } ( الصافات : 158 ) ، واسم الإشارة تنبيه على أنهم أحرياء ~~بتلك العقوبة لأجل ما ذكر قبل اسم الإشارة كقوله { أولئك على هدى من ربهم } ~~( البقرة : 5 ) . # وكتب في رسم المصحف { ولقائي } بهمزة على ياء تحتية للتنبيه على أن ~~الهمزة مكسورة وذلك من الرسم التوقيفي ، ومقتضى القياس أن تكتب الهمزة في ~~السطر بعد الألف . PageV21P064 # ( 17 18 ) # الفاء تقتضي اتصال ما بعدها بما قبلها وهي فاء فصيحة ، أو عطف تفريع على ~~ما قبلها وقد كان أول الكلام قوله { أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله ~~السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق } ( الروم : 8 ) ، والضمير عائد إلى ~~أكثر الناس في قوله { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } ( الروم : 6 ) والمراد ~~بهم الكفار فالتفريع أو الإفصاح ناشىء عن ذلك فيكون المقصود من { سبحان ~~الله } إنشاء تنزيه الله تعالى عما نسبوه إليه من العجز عن إحياء الناس بعد ~~موتهم وإنشاء ثناء عليه . # والخطاب في { تمسون } و { تصبحون } تابع للخطاب الذي قبله في قوله { ثم ~~إليه ترجعون } ( الروم : 11 ) ، وهو موجه إلى المشركين ms6278 على طريقة الالتفات ~~من ضمائر الغيبة المبتدئة من قوله { أو لم يتفكروا في أنفسهم } ( الروم : 8 ~~) إلى آخرها كما علمت آنفا . وهذا هو الأنسب باستعمال مصدر ( سبحان ) في ~~مواقع استعماله في الكلام وفي القرآن مثل قوله تعالى { سبحانه وتعالى عما ~~يشركون } ( الزمر : 67 ) وهو الغالب في استعمال مصدر { سبحان في الكلام إن ~~لم يكن هو المتعين كما تقتضيه أقوال أيمة اللغة . وهذا غير استعمال نحو ~~قوله تعالى فسبح بحمد ربك حين تقوم } ( الطور : 48 ) وقول الأعشى في داليته ~~: # وسبح على حين العشيات والضحى # وقوله { حين تمسون ، } و { حين تصبحون } ( النور : 58 ) ، و { عشيا ، ~~وحين تظهرون } ظروف متعلقة بما في إنشاء التنزيه من معنى الفعل ، أي ينشأ ~~تنزيه الله في هذه الأوقات وهي الأجزاء التي يتجزأ الزمان إليها ، والمقصود ~~التأبيد كما تقول : سبحان الله دوما . وسلك به مسلك الإطناب لأنه مناسب ~~لمقام الثناء . وجوز بعض المفسرين أن يكون { سبحان } هنا مصدرا واقعا بدلا ~~عن فعل أمر بالتسبيح كأنه قيل : فسبحوا الله سبحانا . وعليه يخرج ما روي أن ~~نافع بن الأزرق سأل ابن عباس : هل تجد الصلوات الخمس في القرآن ؟ قال : نعم ~~. وتلا قوله تعالى { فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون } إلى قوله { وحين ~~PageV21P065 تظهرون } فإذا صح ما روي عنه فتأويله : أن { سبحان } أمر بأن ~~يقولوا : سبحان الله ، وهو كناية عن الصلاة لأن الصلاة تشتمل على قول : ~~سبحان ربي الأعلى وبحمده . # وقوله { حين تمسون } إلى آخره إشارة إلى أوقات الصلوات وهو يقتضي أن يكون ~~الخطاب موجها إلى المؤمنين . والمناسبة مع سابقه أنه لما وعدهم بحسن مصيرهم ~~لقنهم شكر نعمة الله بإقامة الصلاة في أجزاء اليوم والليلة . وهذا التفريع ~~يؤذن بأن التسبيح والتحميد الواقعين إنشاء ثناء على الله كناية عن الشكر عن ~~النعمة لأن التصدي لإنشاء الثناء عقب حصول الإنعام أو الوعد به يدل على أن ~~المادح ما بعثه على المدح في ذلك المقام إلا قصد الجزاء على النعمة بما في ~~طوقه ، كما ورد ( فإن لم تقدروا على مكافأته فادعوا له ) . # وليست الصلوات ms6279 الخمس وأوقاتها هي المراد من الآية ولكن نسجت على نسج صالح ~~لشموله الصلوات الخمس وأوقاتها وذلك من إعجاز القرآن ، لأن الصلاة وإن كان ~~فيها تسبيح ويطلق عليها السبحة فلا يطلق عليها : سبحان الله . وأضيف الحين ~~إلى جملتي { تمسون وتصبحون . وقدم فعل الإمساء على فعل الإصباح : إما لأن ~~الاستعمال العربي يعتبرون فيه الليالي مبدأ عدد الأيام كثيرا قال تعالى ~~سيروا فيها ليالي وأياما آمنين } ( سبأ : 18 ) ، وإما لأن الكلام لما وقع ~~عقب ذكر الحشر من قوله { الله يبدأ الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون } ( ~~الروم : 11 ) وذكر قيام الساعة ناسب أن يكون الإمساء وهو آخر اليوم خاطرا ~~في الذهن فقدم لهم ذكره . # و { عشيا } عطف على { حين تمسون . } وقوله { وله الحمد في السماوات ~~والأرض } جملة معترضة بين الظروف تفيد أن تسبيح المؤمنين لله ليس لمنفعة ~~الله تعالى بل لمنفعة المسبحين لأن الله محمود في السماوات والأرض فهو غني ~~عن حمدنا . # وتقديم المجرور في { وله الحمد } لإفادة القصر الادعائي لجنس الحمد على ~~الله تعالى لأن حمده هو الحمد الكامل على نحو قولهم : فلان الشجاع ، كما ~~تقدم PageV21P066 في طالعة سورة الفاتحة . ولك أن تجعل التقديم للاهتمام ~~بضمير الجلالة . # والإمساء : حلول المساء . والإصباح : حلول الصباح . وتقدم في قوله { فالق ~~الإصباح في سورة الأنعام . والإمساء : اقتراب غروب الشمس إلى العشاء ، ~~والصباح : أول النهار . والإظهار : حلول وقت الظهر وهو نصف النهار . # وقد استعمل الإفعال الذي همزته للدخول في المكان مثل : أنجد ، وأتهم ، ~~وأيمن ، وأشأم في حلول الأوقات من المساء والصباح والظهر تشبيها لذلك ~~الحلول بالكون في المكان ، فيكثر أن يقال : أصبح وأضحى وأمسى وأعتم وأشرق ، ~~قال تعالى فأتبعوهم مشرقين } ( الشعراء : 60 ) . # والعشي : ما بعد العصر ، وقد تقدم عند قوله تعالى { ولا تطرد الذين يدعون ~~ربهم بالغداة والعشي في سورة الأنعام . # } # هذه الجملة بدل من جملة { الله يبدأ الخلق ثم يعيده } ( الروم : 11 ) . ~~ويجوز أيضا أن تكون موقع العلة لجملة { فسبحان الله حين تمسون } ( الروم : ~~17 ) وما عطف عليها ، أي هو مستحق للتسبيح والحمد لتصرفه في المخلوقات ms6280 ~~بالإيجاد العجيب وبالإحياء بعد الموت . واختير من تصرفاته العظيمة تصرف ~~الإحياء والإماتة في الحيوان والنبات لأنه تخلص للغرض المقصود من إثبات ~~البعث ردا للكلام على ما تقدم من قوله { الله يبدأ الخلق ثم يعيده ثم إليه ~~ترجعون } ( الروم : 11 ) . # فتحصل من ذلك أن الأمر بتسبيحه وحمده معلول بأمرين : إيفاء حق شكره ~~المفاد بفاء التفريع في قوله { فسبحان الله } ( الروم : 17 ) ، وإيفاء حق ~~التعظيم والإجلال ، والمقصود هو إخراج الحي من الميت . وأما عطف { ويخرج ~~الميت من الحي } فللاحتراس من اقتصار قدرته على بعض التصرفات ولإظهار عجيب ~~قدرته أنها تفعل الضدين . وفي الآية الطباق . وهذا الخطاب للمؤمنين تعريض ~~بالرد على المشركين . PageV21P067 # والإخراج : فصل شيء محوي عن حاويه . يقال : أخرجه من الدار ، وأخرج يده ~~من جيبه ، فهو هنا مستعمل لإنشاء شيء من شيء . والإتيان بصيغة المضارع في { ~~يخرج ويحيي } لاستحضار الحالة العجيبة مثل قوله { الله الذي يرسل الرياح } ~~( الروم : 48 ) . فهذا الإخراج والإحياء آية عظيمة على استحقاقه التعظيم ~~والإفراد بالعبادة إذ أودع هذا النظام العجيب في الموجودات فجعل في الشيء ~~الذي لا حياة له قوة وخصائص تجعله ينتج الأشياء الحية الثابتة المتصرفة ~~ويجعل في تراب الأرض قوى تخرج الزرع والنبات حيا ناميا . # وإخراج الحي من الميت يظهر في أحوال كثيرة منها : إنشاء الأجنة من النطف ~~، وإنشاء الفراخ من البيض ؛ وإخراج الميت من الحي يظهر في العكس وقد تقدم ~~في سورة آل عمران . وفي الآية إيماء إلى أن الله يخرج من غلاة المشركين ~~أفاضل من المؤمنين مثل إخراج خالد بن الوليد من أبيه الوليد بن المغيرة ، ~~وإخراج هند بنت عتبة بن ربيعة من أبيها أحد أيمة الكفر وقد قالت للنبيءصلى ~~الله عليه وسلم ( ما كان أهل خباء أحب إلي أن يذلوا من أهل خبائك واليوم ما ~~أهل خباء أحب إلي أن يعزوا من أهل خبائك ، فقال لها النبي صلى الله عليه ~~وسلم ( وأيضا ) ( أي ستزيدين حبا لنا بسبب نور الإسلام ) . وإخراج أم كلثوم ~~بنت عقبة بن أبي معيط من أبيها . ولما كلمت أم كلثوم ms6281 بنت عقبة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في شأن إسلامها وهجرتها إلى المدينة حين جاء أخواها ~~يرومان ردها إلى مكة حسب شروط الهدنة فقالت : يا رسول الله أنا امرأة وحال ~~النساء إلى الضعف فأخشى أن يفتنوني في ديني ولا صبر لي ، فقرأ النبي صلى ~~الله عليه وسلم { يخرج الحي من الميت } ، ونزلت آية الامتحان فلم يردها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهما وكانت أول النساء المهاجرات إلى ~~المدينة بعد صلح الحديبية . # والتشبيه في قوله { وكذلك تخرجون } راجع إلى ما يصلح له من المذكور قبله ~~وهو ما فيه إنشاء حياة شيء بعد موته بناء على ما قدمناه من أن قوله { ويخرج ~~الميت من الحي } ليس مقصودا من الاستدلال ولكنه احتراس وتكملة . ويجوز أن ~~يكون التشبيه راجعا إلى أقرب مذكور وهو إحياء الأرض بعد موتها ، أي وكإخراج ~~النبات من الأرض بعد موته فيها يكون إخراجكم من الأرض بعد أن كنتم أمواتا ~~فيها ، كما قال تعالى { والله أنبتكم من الأرض نباتا ثم يعيدكم فيها ~~ويخرجكم PageV21P068 إخراجا } ( نوح : 17 ، 18 ) . ولا وجه لاقتصار التشبيه ~~على الثاني دون الأول . # والمعنى : أن الإبداء والإعادة متساويان فليس البعث بعد الموت بأعجب من ~~ابتداء الخلق ولكن المشركين حكموا الإلف في موضع تحكيم العقل . وقرأ نافع ~~وحفص وحمزة { الميت } بتشديد الياء . وقرأه الباقون بالتخفيف . وقرأ ~~الجمهور { تخرجون } بضم التاء الفوقية . وقرأه حمزة والكسائي بفتحها . # لما كان الاستدلال على البعث متضمنا آيات على تفرده تعالى بالتصرف ~~ودلالته على الوحدانية انتقل من ذلك الاستدلال إلى آيات على ذلك التصرف ~~العظيم غير ما فيه إثبات البعث تثبيتا للمؤمنين وإعذارا لمن أشركوا في ~~الإلهية . وقد سبقت ست آيات على الوحدانية ، وابتدئت بكلمة { ومن آياته } ~~تنبيها على اتحاد غرضها ، فهذه هي الآية الأولى ولها شبه بالاستدلال على ~~البعث لأن خلق الناس من تراب وبث الحياة والانتشار فيهم هو ضرب من ضروب ~~إخراج الحي من الميت ، فلذلك كانت هي الأولى في الذكر لمناسبتها لما قبلها ~~فجعلت تخلصا من دلائل البعث إلى دلائل عظيم ms6282 القدرة . وهذه الآية كائنة في ~~خلق جوهر الإنسان وتقويم بشريته . # وتقدم كيف كان الخلق من تراب عند قوله تعالى { ولقد خلقنا الإنسان من ~~سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين في سورة المؤمنين ( 12 ، 13 ) . # فضمير النصب في خلقكم } عائد إلى جميع الناس وهذا في معنى قوله تعالى في ~~سورة الحج { فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة الآية . # وهذا استدلال للناس بأنفسهم لأنهم أشعر بها مما سواها ، والناس يعلمون أن ~~النطف أصل الخلقة ، وهم إذا تأملوا علموا أن النطفة تتكون من الغذاء ، وأن ~~الغذاء يتكون من نبات الأرض ، وأن نبات الأرض مشتمل على الأجزاء الترابية ~~التي أنبتته PageV21P069 فعلموا أنهم مخلوقون من تراب ، فبذلك استقام جعل ~~التكوين من التراب آية للناس أي علامة على عظيم القدرة مع كونه أمرا خفيا . ~~على أنه يمكن أن يكون الاستدلال مبنيا على ما هو شائع بين البشر أن أصل ~~الإنسان تراب حسبما أنبأت به الأديان كلها . وبهذا التأويل يصح أيضا أن ~~يكون معنى خلقكم من تراب } خلق أصلكم وهو آدم ، وأول الوجوه أظهرها . ~~فالتراب موات لا حياة فيه وطبعه منافف لطبع الحياة لأن التراب بارد يابس ~~وذلك طبع الموت ، والحياة تقتضي حرارة ورطوبة فمن ذلك البارد اليابس ينشأ ~~المخلوق الحي المدرك . وقد أشير إلى الحياة والإدراك بقوله { إذا أنتم بشر ~~، } وإلى التصرف والحركة بقوله { تنتشرون ، } ولما كان تمام البشرية ينشأ ~~عن تطور التراب إلى نبات ثم إلى نطفة ثم إلى أطوار التخلق في أزمنة متتالية ~~عطفت الجملة بحرف المهلة الدال على تراخي الزمن مع تراخي الرتبة الذي هو ~~الأصل في عطف الجمل بحرف { ثم . # وصدرت الجملة بحرف المفاجأة لأن الكون بشرا يظهر للناس فجأة بوضع الأجنة ~~أو خروج الفراخ من البيض ، وما بين ذلك من الأطوار التي اقتضاها حرف المهلة ~~هي أطوار خفية غير مشاهدة ؛ فكان الجمع بين حرف المهلة وحرف المفاجأة ~~تنبيها على ذلك التطور العجيب . وحصل من المقارنة بين حرف المهلة وحرف ~~المفاجأة شبه الطباق وإن كان ms6283 مرجع كل من الحرفين غير مرجع الآخر . # والانتشار : الظهور على الأرض والتباعد بين الناس في الأعمال قال تعالى ~~فانتشروا في الأرض } ( الجمعة : 10 ) . # هذه آية ثانية فيها عظة وتذكير بنظام الناس العام وهو نظام الازدواج ~~وكينونة PageV21P070 العائلة وأساس التناسل ، وهو نظام عجيب جعله الله ~~مرتكزا في الجبلة لا يشذ عنه إلا الشذاذ . # وهي آية تنطوي على عدة آيات منها : أن جعل للإنسان ناموس التناسل ، وأن ~~جعل تناسله بالتزاوج ولم يجعله كتناسل النبات من نفسه ، وأن جعل أزواج ~~الإنسان من صنفه ولم يجعلها من صنف آخر لأن التأنس لا يحصل بصنف مخالف ، ~~وأن جعل في ذلك التزاوج أنسا بين الزوجين ولم يجعله تزاوجا عنيفا أو مهلكا ~~كتزاوج الضفادع ، وأن جعل بين كل زوجين مودة ومحبة فالزوجان يكونان من قبل ~~التزاوج متجاهلين فيصبحان بعد التزاوج متحابين ، وأن جعل بينهما رحمة فهما ~~قبل التزاوج لا عاطفة بينهما فيصبحان بعده متراحمين كرحمة الأبوة والأمومة ~~، ولأجل ما ينطوي عليه هذا الدليل ويتبعه من النعم والدلائل جعلت هذه الآية ~~آياتت عدة في قوله { إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون . } وهذه الآية كائنة في ~~خلق جوهر الصنفين من الإنسان : صنف الذكر ، وصنف الأنثى ، وإيداع نظام ~~الإقبال بينهما في جبلتهما . وذلك من الذاتيات النسبية بين الصنفين . وقد ~~أدمج في الاعتبار بهذه الآية امتنان بنعمة في هذه الآية أشار إليها قوله { ~~لكم } أي لأجل نفعكم . # و { لقوم يتفكرون } متعلق ب { آيات } لما فيه من معنى الدلالة . وجعلت ~~الآيات لقوم يتفكرون لأن التفكر والنظر في تلك الدلائل هو الذي يجلي كنهها ~~ويزيد الناظر بصارة بمنافع أخرى في ضمنها . # والذين يتفكرون : المؤمنون وأهل الرأي من المشركين الذين يؤمنون بعد نزول ~~هذه الآية . والخطاب في قوله { أن خلق لكم } لجميع نوع الإنسان الذكور ~~والإناث . # والزوج : هو الذي به يصير للواحد ثانن فيطلق على امرأة الرجل ورجل المرأة ~~فجعل الله لكل فرد زوجه . PageV21P071 # ومعنى { من أنفسكم } من نوعكم ، فجميع الأزواج من نوع الناس ، وأما قول ~~تأبط شرا : # وتزوجت في الشبيبة غولا # بغزال وصدقتي ms6284 زق خمر # فمن تكاذيبهم ، وكذلك ما يزعمه المشعوذون من التزوج بالجنيات وما يزعمه ~~أهل الخرافات والروايات من وجود بنات في البحر وأنها قد يتزوج بعض الإنس ~~ببعضها . # والسكون : هنا مستعار للتأنس وفرح النفس لأن في ذلك زوال اضطراب الوحشة ~~والكمد بالسكون الذي هو زوال اضطراب الجسم كما قالوا : اطمأن إلى كذا ~~وانقطع إلى كذا . # وضمن { لتسكنوا } معنى لتميلوا فعدي بحرف ( إلى ) وإن كان حقه أن يعلق ب ~~( عند ) ونحوها من الظروف . # والمودة : المحبة ، والرحمة : صفة تبعث على حسن المعاملة . # وإنما جعل في ذلك آيات كثيرة باعتبار اشتمال ذلك الخلق على دقائق كثيرة ~~متولد بعضها عن بعض يظهرها التأمل والتدبر بحيث يتجمع منها آيات كثيرة . # واللام في قوله { لقوم يتفكرون } معناه شبه التمليك وهو معنى أثبته صاحب ~~( مغني اللبيب ) ويظهر أنه واسطة بين معنى التمليك ومعنى التعليل . ومثله ~~في ( المغني ) بقوله تعالى { جعل لكم من أنفسكم أزواجا } ( النحل : 72 ) ~~وذكر في المعنى العشرين من معاني اللام أن ابن مالك في ( كافيته ) سماه لام ~~التعدية ولعله يريد تعدية خاصة ، ومثله بقوله تعالى { فهب لي من لدنك وليا ~~} ( مريم : 5 ) . # هذه الآية الثالثة وهي آية النظام الأرضي في خلق الأرض بمجموعها وسكانها ~~؛ فخلق السماوات والأرض آية عظيمة مشهودة بما فيها من تصاريف الأجرام ~~PageV21P072 السماوية والأرضية ، وما هو محل العبرة من أحوالهما المتقاربة ~~المتلازمة كالليل والنهار والفصول ، والمتضادة كالعلو والانخفاض . # وإذ قد كان أشرف ما على الأرض نوع الإنسان قرن ما في بعض أحواله من ~~الآيات بما في خلق الأرض من الآيات ، وخص من أحواله المتخالفة لأنها أشد ~~عبرة إذ كان فيها اختلاف بين أشياء متحدة في الماهية ، ولأن هاته الأحوال ~~المختلفة لهذا النوع الواحد نجد أسباب اختلافها من آثار خلق السماوات ~~والأرض ، فاختلاف الألسنة سببه القرار بأوطان مختلفة متباعدة ، واختلاف ~~الألوان سببه اختلاف الجهات المسكونة من الأرض ، واختلاف مسامته أشعة الشمس ~~لها ؛ فهي من آثار خلق السماوات والأرض . ولذلك فالظاهر أن المقصود هو آية ~~اختلاف اللغات والألوان وأن ما تقدمه من خلق السماوات ms6285 والأرض تمهيد له ~~وإيماء إلى انطواء أسباب الاختلاف في أسرار خلق السماوات والأرض . وقد كانت ~~هذه الآية متعلقة بأحوالل عرضية في الإنسان ملازمة له فبتلك الملازمة أشبهت ~~الأحوال الذاتية المطلقة ثم النسبية ، فلذلك ذكرت هذه الآية عقب الآيتين ~~السابقتين حسب الترتيب السابق . وقد ظهر وجه المقارنة بين خلق السماوات ~~والأرض وبين اختلاف ألسن البشر وألوانهم ، وتقدم في سورة آل عمران قوله { ~~إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب . # والألسنة : جمع لسان ، وهو يطلق على اللغة كما في قوله تعالى وما أرسلنا ~~من رسول إلا بلسان قومه } ( إبراهيم : 4 ) وقوله { لسان الذي يلحدون إليه ~~أعجمي } ( النحل : 103 ) . # واختلاف لغات البشر آية عظيمة فهم مع اتحادهم في النوع كان اختلاف لغاتهم ~~آية دالة على ما كونه الله في غريزة البشر من اختلاف التفكير وتنويع التصرف ~~في وضع اللغات ، وتبدل كيفياتها باللهجات والتخفيف والحذف والزيادة بحيث ~~تتغير الأصول المتحدة إلى لغات كثيرة . PageV21P073 فلا شك أن اللغة كانت ~~واحدة للبشر حين كانوا في مكان واحد ، وما اختلفت اللغات إلا بانتشار قبائل ~~البشر في المواطن المتباعدة ، وتطرق التغير إلى لغاتهم تطرقا تدريجيا ؛ على ~~أن توسع اللغات بتوسع الحاجة إلى التعبير عن أشياء لم يكن للتعبير عنها ~~حاجة قد أوجب اختلافا في وضع الأسماء لها فاختلفت اللغات بذلك في جوهرها ~~كما اختلفت فيما كان متفقا عليه بينها باختلاف لهجات النطق ، واختلاف ~~التصرف ، فكان لاختلاف الألسنة موجبان . فمحل العبرة هو اختلاف اللغات مع ~~اتحاد أصل النوع كقوله تعالى : { يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في ~~الأكل } ( الرعد : 4 ) ولما في ذلك الاختلاف من الأسرار المقتضية إياه . ~~ووقع في الإصحاح الحادي عشر من ( سفر التكوين ) ما يوهم ظاهره أن اختلاف ~~الألسن حصل دفعة واحدة بعد الطوفان في أرض بابل وأن البشر تفرقوا بعد ذلك . ~~والظاهر أنه وقع في العبارة تقديم وتأخير وأن التفرق وقع قبل تبلبل الألسن ~~. وقد علل في ذلك ( الإصحاح ) بما ينزه الله عن مدلوله . # وقيل : أراد باختلاف الألسنة اختلاف الأصوات ms6286 بحيث تتمايز أصوات الناس ~~المتكلمين بلغة واحدة فنعرف صاحب الصوت وإن كان غير مرئي . وأما اختلاف ~~ألوان البشر فهو آية أيضا لأن البشر منحدر من أصل واحد وهو آدم ، وله لون ~~واحد لا محالة ، ولعله البياض المشوب بحمرة ، فلما تعدد نسله جاءت الألوان ~~المختلفة في بشراتهم وذلك الاختلاف معلول لعدة علل أهمها المواطن المختلفة ~~بالحرارة والبرودة ، ومنها التوالد من أبوين مختلفي اللون مثل المتولد من ~~أم سوداء وأب أبيض ، ومنها العلل والأمراض التي تؤثر تلوينا في الجلد ، ~~ومنها اختلاف الأغذية ولذلك لم يكن اختلاف ألوان البشر دليلا على اختلاف ~~النوع بل هو نواع واحد ، فللبشر ألوان كثيرة أصلاها البياض والسواد ، وقد ~~أشار إلى هذا أبو علي ابن سينا في ( أرجوزته ) في الطب بقوله : # بالنزج حر غير الأجساد # حتى كسا بياضها سوادا # والصقلب اكتسبت البياضا # حتى غدت جلودها بضاضا # وكان أصل اللون البياض لأنه غير محتاج إلى علة ولأن التشريح أثبت أن ~~ألوان PageV21P074 لحوم البشر التي تحت الطبقة الجلدية متحدة اللون . ومن ~~البياض والسواد انشقت ألوان قبائل البشر فجاء منها اللون الأصفر واللون ~~الأسمر واللون الأحمر . ومن العلماء وهو كوقيي جعل أصول ألوان البشر ثلاثة ~~: الأبيض والأسود والأصفر ، وهو لون أهل الصين . ومنهم من زاد الأحمر وهو ~~لون سكان قارة أمريكا الأصليين المدعوين هنود أمريكا . واعلم أن من مجموع ~~اختلاف اللغات واختلاف الألوان تمايزت الأجذام البشرية واتحدت مختلطات ~~أنسابها . وقد قسموا أجذام البشر الآن إلى ثلاثة أجذام أصلية وهي الجذم ~~القوقاسي الأبيض ، والجذم المغولي الأصفر ، والجذم الحبشي الأسود ، وفرعوها ~~إلى ثمانية وهي الأبيض والأسود والحبشي والأحمر والأصفر والسامي والهندي ~~والملايي نسبة إلى بلاد الملايو . # وجعل ذلك آيات في قوله { إن في ذلك لآيات للعالمين } لما علمت من تفاصيل ~~دلائله وعلله ، أي آيات لجميع الناس ، وهو نظير قوله آنفا { إن في ذلك ~~لآيات لقوم يتفكرون } ( الروم : 21 ) . # واللام في قوله { للعالمين } نظير ما تقدم في الآية قبلها . وجعل ذلك ~~آيات للعالمين لأنه مقرر معلوم لديهم يمكنهم الشعور بآياته بمجرد التفات ~~الذهن دون ms6287 إمعان نظر . وقرأ الجمهور { للعالمين } بفتح اللام . وقرأه حفص ~~بكسر اللام أي لأولي العلم . # هذه آية رابعة وهي كائنة في أعراض من أعراض الناس لا يخلو عنها أحد من ~~PageV21P075 أفرادهم ، إلا أنها أعراض مفارقة غير ملازمة فكانت دون الأعراض ~~التي أقيمت عليها الآية الثالثة ولذلك ذكرت هذه الآية بعدها . # وحالة النوم حالة عجيبة من أحوال الإنسان والحيوان إذ جعل الله له في ~~نظام أعصاب دماغه قانونا يسترد به قوة مجموعه العصبي بعد أن يعتريه فشل ~~الإعياء من إعمال عقله وجسده فيعتريه شبه موت يخدر إدراكه ولا يعطل حركات ~~أعضائه الرئيسية ولكنه يثبطها حتى يبلغ من الزمن مقدارا كافيا لاسترجاع ~~قوته فيفيق من نومته وتعود إليه حياته كاملة ، وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى ~~{ لا تأخذه سنة ولا نوم في سورة البقرة . والمنام مصدر ميمي للنوم أو هو ~~اسم مصدر . # وقوله بالليل والنهار } متعلق ب { منامكم . } والباء للظرفية بمعنى ( في ~~) فالناس ينامون بالليل ومنهم من ينام بالنهار في القائلة وبخاصة أهل ~~الأعمال المضنية إذا استراحوا منها في منتصف النهار خصوصا في البلاد الحارة ~~أو في فصل الحر . # والابتغاء من فضل الله : طلب الرزق بالعمل لأن فضل الله الرزق ، وجعل هذا ~~كناية عن الهبوب إلى العمل لأن الابتغاء يستلزم الهبوب من النوم ، وذلك آية ~~أخرى لأنه نشاط القوة بعد أن خارت وفشلت . ولكون ابتغاء الرزق من خصائص ~~النهار أطلق هنا فلم يقيد بالليل والنهار . ولك أن تجعل عدم تقييده بمثل ما ~~قيد به { منامكم } للاستغناء بدلالة القيد الذي قبله بتقدير : وابتغاؤكم من ~~فضله فيهما ، وقد تكلف صاحب ( الكشاف ) فجعل الكلام من قبيل اللف والنشر ؛ ~~على أن اللف وقع فيه تفريق ، ووجهه محشيه القزويني بأن التقديم للاهتمام ~~بآية الليل والنهار . # وقد جعلت دلالات المنام والابتغاء من فضل الله { لقوم يسمعون لوجهين : ~~أحدهما : أن هذين حالتان متعاورتان على الناس قد اعتادوهما فقل من يتدبر في ~~دلالتهما على دقيق صنع الله تعالى ؛ فمعظم الناس في حاجة إلى من يوقفهم على ~~هذه الدلالة ويرشدهم إليها . وثانيهما ms6288 : أن في ما يسمعه الناس من أحوال ~~النوم ما هو أشد دلالة على عظيم PageV21P076 صنع الله تعالى مما يشعر به ~~صاحب النوم من أحوال نومه ، لأن النائم لا يعرف من نومه إلا الاستعداد له ~~وإلا أنه حين يهب من نومه يعلم أنه كان نائما ؛ فأما حالة النائم في حين ~~نومه ومقدار تنبهه لمن يوقظه ، وشعوره بالأصوات التي تقع بقربه ، والأضواء ~~التي تنتشر على بصره فتنبهه أو لا تنبهه ، كل ذلك لا يتلقاه النائم إلا ~~بطريق الخبر من الذين يكونون أيقاظا في وقت نومه . فطريق العلم بتفاصيل ~~أحوال النائمين واختلافها السمع ، وقد يشاهد المرء حال نوم غيره إلا أن ~~عبرته بنومه الخاص به أشد ، فطريق السمع هو أعم الطرق لمعرفة تفاصيل أحوال ~~النوم ، فلذلك قيل لقوم يسمعون . } وأيضا لأن النوم يحول دون الشعور ~~بالمسموعات بادىء ذي بدء قبل أن يحول دون الشعور بالمبصرات . # وأجريت صفة { يسمعون } على { قوم } للإيماء إلى أن السمع متمكن منهم حتى ~~كأنه من مقومات قوميتهم كما تقدم في قوله تعالى { لآيات لقوم يعقلون في ~~سورة البقرة . ووجه جعل ذلك آيات لما ينطوي عليه من تعدد الدلالات بتعدد ~~المستدلين وتولد دقائق تلك الآية بعضها عن بعض كما تقدم آنفا . # ومعنى اللام في قوله لقوم يسمعون } كما تقدم في معناه عند قوله { إن في ~~ذلك لآيات لقوم يتفكرون } ( الروم : 21 ) . # تلك آية خامسة وهي متعلقة بالإنسان وليست متصلة به ، فإن البرق آية من ~~آيات صنع الله وهو من خلق القوى الكهربائية النورانية في الأسحبة وجعلها ~~آثارا مشاهدة ، وكم من قوى أمثالها منبثة في العوالم العلوية لا تشاهد ~~آثارها . PageV21P077 ومن الحكم الإلهية في كون البرق مرئيا أن ذلك يثير في ~~النفوس خوفا من أن يكون الله سلطه عقابا وطمعا في أن يكون أراد به خيرا ~~للناس فيطمعون في نزول المطر ، ولذلك أعقبه بقوله { وينزل من السماء ماء } ~~فإن نزول المطر مما يخطر بالبال عند ذكر البرق . # وقوله { من آياته } جار ومجرور يحتاج إلى تقدير كونن إن كان ظرفا مستقرا ~~، أو ms6289 إلى متعلق إن كان ظرفا لغوا . وموقع هذا الجار والمجرور في هذه الآية ~~وارد على مثل مواقع أمثاله في الآيات السابقة واللاحقة الشبيهة بها ، وذلك ~~مما يدعو إلى اعتبار ما يذكر بعد الجار والمجرور في معنى مبتدأ مخبر عنه ~~بالجار والمجرور المقدم عليه حملا على نظائره ، فيكون المعنى : ومن ءاياته ~~إراءته إياكم البرق الخ . فلذلك قال أيمة النحو : يجوز هنا جعل الفعل ~~المضارع بمعنى المصدر من غير وجود ( أن ) ولا تقديرها ، أي من غير نصب ~~المضارع بتقدير ( أن ) محذوفة ، وجعلوا منه قول عروة بن الورد : # وقالوا ما تشاء فقلت ألهو # إلى الإصباح آثر ذي آثار # وقول طرفة : # ألا أيهذا الزاجري احضر الوغى # وجعلوا منه قوله تعالى { قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون } ( ~~الزمر : 64 ) برفع { أعبد } في مشهور القراءات ، وقولهم في المثل : تسمع ~~بالمعيدي خير من أن تراه ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم ( كل يوم تطلع ~~فيه الشمس تعدل بين اثنين صدقة ، وتعين الرجل على دابته فتحمله عليها أو ~~تحمل عليها متاعه صدقة ) وقوله فيه : ( وتميط الأذى عن الطريق صدقة ) رواه ~~البخاري ومسلم عن أبي هريرة . # ومن بديع الاستعمال تفنن هذه الآيات في التعبير عن معاني المصدر بأنواع ~~صيغه الواردة في الاستعمال ، من تعبير بصيغة صريح المصدر تارة كقوله { ومن ~~آياته خلق السماوات والأرض } ( الروم : 22 ) وقوله { وابتغاؤكم من فضله } ( ~~الروم : 23 ) ، وبالمصدر الذي ينسبك من اقتران { أن } المصدرية بالفعل ~~الماضي { أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا } ( الروم : 21 ) واقترانها بالفعل ~~المضارع { ومن ءاياته أن تقوم السماء والأرض بأمره } ( الروم : 25 ) ، ~~PageV21P078 وباسم المصدر تارة { ومن ءاياته منامكم بالليل والنهار } ( ~~الروم : 23 ) ومرة بالفعل المجرد المؤول بالمصدر { ومن آياته يريكم البرق . # } ولك أن تجعل المجرور متعلقا ب { يريكم } وتكون { من } ابتدائية في موضع ~~الحال من البرق ، وتكون جملة { يريكم البرق } معطوفة على جملة { ومن آياته ~~منامكم بالليل والنهار } ( الروم : 23 ) الخ . فيكون تغيير الأسلوب لأن ~~مناط هذه الآية هو تقرير الناس بها إذ هي غير متصلة بذواتهم فليس حظهم ms6290 منها ~~سوى مشاهدتها والإقرار بأنها آية بينة . فهذا التقرير كالذي في قوله تعالى ~~{ الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها } ( الرعد : 2 ) ، وليتأتى عطف { ~~وينزل من السماء ماء } عليه لأنه تكملة لهذه الآية . # وقوله { خوفا وطمعا } مفعول لأجله معطوف عليه . والمراد : خوفا تخافونه ~~وطمعا تطمعونه . فالمصدران مؤولان بمعنى الإرادة ، أي إرادة أن تخافوا خوفا ~~وتطمعوا . وقد تقدم الكلام على البرق في قوله { هو الذي يريكم البرق خوفا ~~وطمعا في سورة الرعد . وتقدم هنالك أن خوفا } مفعول له و { طمعا } كذلك ~~وتوجيه ذلك . # وجعلت هذه الآية آيات لانطوائها على دقائق عظيمة في خلق القوى التي هي ~~أسباب البرق ونزول المطر وخروج النبات من الأرض بعد جفافها وموتها . ونيط ~~الانتفاع بهذه الآيات بأصحاب صفة العقل لأن العقل المستقيم غير المشوب ~~بعاهة العناد والمكابرة كافف في فهم ما في تلك المذكورات من الدلائل والحكم ~~على نحو ما قرر في نظائره آنفا . # وإجراء { يعقلون } على لفظ { قوم } للإيماء إلى ما تقدم ذكره آنفا في ~~مثله . ومعنى اللام في قوله { لقوم يعقلون } مثل معنى أختها في قوله { لقوم ~~يتفكرون } ( الروم : 21 ) . # ختمت الآيات بهذه الآية السادسة وهي التي دلت على عظيم القدرة على ~~PageV21P079 حفظ نظام المخلوقات العظيمة بعد خلقها ؛ فخلق السماوات والأرض ~~آية مستقلة تقدمت ، وبقاء نظامهما على ممر القرون آية أخرى . وموقع العبرة ~~من هاته الآية هو أولها وهو أن تقوم السماء والأرض هذا القيام المتقن بأمر ~~الله دون غيره . # فمعنى القيام هنا : البقاء الكامل الذي يشبه بقاء القائم غير المضطجع ~~وغير القاعد من قولهم : قامت السوق ، إذا عظم فيها البيع والشراء . وهذا هو ~~المعبر عنه في قوله تعالى { إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا } ( ~~فاطر : 41 ) وقوله { ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه } ( الحج : ~~65 ) . # والأمر المضاف إلى الله هو أمره التكويني وهو مجموع ما وضعه الله من نظام ~~العالم العلوي والسفلي ، ذلك النظام الحارس لهما من تطرق الاختلال بإيجاد ~~ذلك النظام . و { بأمره } متعلق بفعل { تقوم ، } والباء للسببية . # و ms6291 { ثم } عاطفة الجملة على الجملة . والمقصود من الجملة المعطوفة ~~الاحتراس عما قد يتوهم من قوله { أن تقوم السماء والأرض بأمره } من أبدية ~~وجود السماوات والأرض ، فأفادت الجملة أن هذا النظام الأرضي يعتوره ~~الاختلال إذا أراد الله انقضاء العالم الأرضي وإحضار الخلق إلى الحشر ~~تسجيلا على المشركين بإثبات البعث . فمضمون جملة { إذا دعاكم دعوة من الأرض ~~إذا أنتم تخرجون } ليس من تمام هذه الآية السادسة ولكنه تكملة وإدماج موجه ~~إلى منكري البعث . # وفي متعلق المجرور في قوله { من الأرض } اضطراب ؛ فالذي ذهب إليه صاحب ( ~~الكشاف ) أنه متعلق ب { دعاكم } لأن { دعاكم } لما اشتمل على فاعل ومفعول ~~فالمتعلق بالفعل يجوز أن يكون من شؤون الفاعل ويجوز أن يكون من شؤون ~~المفعول على حسب القرينة ، كما تقول : دعوت فلانا من أعلى الجبل فنزل إلي ، ~~أي دعوته وهو في أعلى الجبل . وهذا الاستعمال خلاف الغالب ولكن دلت عليه ~~القرينة مع التفصي من أن يكون المجرور متعلقا ب { تخرجون } لأن ما بعد حرف ~~المفاجأة لا يعمل فيما قبلها ، على أن في هذا المنع نظرا . ولا يجوز تعليقه ~~PageV21P080 ب { دعوة } لعدم اشتمال المصدر على فاعل ومفعول ، وهو وجيه ~~وكفاك بذوق قائله . وأقول : قريب منه قوله تعالى { أولئك ينادون من مكان ~~بعيد } ( فصلت : 44 ) . و { من } لابتداء المكان ، والمجرور ظرف لغو . ~~ويجوز أن يكون المجرور حالا من ضمير النصب في { دعاكم } فهو ظرف مستقر . ~~ويجوز أن يكون { من الأرض } متعلقا ب { تخرجون } قدم عليه . وهذا ذكر في ( ~~مغني اللبيب ) أنه حكاه عنهم أبو حاتم في كتاب ( الوقف ) ، وهذا أحسن وأبعد ~~عن التكلف ، وعليه فتقديم المجرور للاهتمام تعريضا بخطئهم إذ أحالوا أن ~~يكون لهم خروج من الأرض عن بعد صيرورتهم فيها في قولهم المحكي عنهم بقوله ~~تعالى { وقالوا أإذا ضللنا في الأرض أئنا لفي خلق جديد } ( السجدة : 10 ) ~~وقولهم { أإذا كنا ترابا وءاباؤنا أئنا لمخرجون } ( النمل : 67 ) . # وأما قضية تقديم المعمول على { إذا } الفجائية فإذا سلم عدم جوازه فإن ~~التوسع في المجرور والمظروف من حديث البحر ، فمن العجب ms6292 كيف سد باب التوسع ~~فيه صاحب ( مغني اللبيب ) في الجهة الثانية من الباب الخامس . وجيء بحرف ~~المفاجأة في قوله { إذا أنتم تخرجون } لإفادة سرعة خروجهم إلى الحشر كقوله ~~{ فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة } ( النازعات : 13 ، 14 ) و { إذا ~~} الفجائية تقتضي أن يكون ما بعدها مبتدأ . وجيء بخبر المبتدأ جملة فعلية ~~لإفادة التقوي الحاصل من تحمل الفعل ضمير المبتدأ فكأنه أعيد ذكره كما أشار ~~إليه صاحب ( المفتاح ) . وجيء بالمضارع لاستحضار الصورة العجيبة في ذلك ~~الخروج كقوله { فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون } ( يس : 51 ) . # أتبع ذكر إقامة الله تعالى السماوات والأرض بالتذكير بأن كل العقلاء في ~~PageV21P081 السماوات والأرض عبيد لله تعالى فيكون من مكملات ما تضمنته ~~جملة { ومن ءاياته أن تقوم السماء والأرض بأمره } ( الروم : 25 ) فعطفت ~~عليها هذه الجملة زيادة لبيان معنى إقامته السماء والأرض . # فاللام في قوله { وله من في السموات والأرض } لام الملك ، واللام في قوله ~~{ كل له قانتون } لام التقوية ، أي تقوية تعدية العامل إلى معموله لضعف ~~العامل بكونه فرعا في العمل ، وبتأخيره عن معموله . وعليه تكون { من } ~~صادقة على العقلاء كما هو الغالب في استعمالها . وظاهر معنى القنوت امتثال ~~الأمر ، فيجوز أن يكون المعنى : أنهم منقادون لأمره . وإذ قد كان في ~~العقلاء عصاة كثيرون تعين تأويل القنوت باستعماله في الامتثال لأمر التكوين ~~، أو في الشهادة لله بالوحدانية بدلالة الحال ، وهذا هو المقصود هنا لأن ~~هذا الكلام أورد بعد ذكر الآيات الست إيراد الفذلكة بإثبات الوحدانية فلا ~~يحمل قنوتهم على امتثالهم لما يأمرهم الله به من أمر التكليف مباشرة أو ~~بواسطة لأن المخلوقات متفاوتون في الامتثال للتكليف ؛ فالشيطان أمره الله ~~مباشرة بالسجود لآدم فلم يمتثل ، وآدم أمره الله مباشرة أن لا يأكل من ~~الشجرة فأكل منها ؛ إلا أن ذلك قبل ابتداء التكليف . # والمخلوقات السماوية ممتثلون لأمره ساعون في مرضاته قال تعالى { وهم ~~بأمره يعملون } ( الأنبياء : 27 ) . وأما المخلوقات الأرضية العقلاء فهم ~~مخلوقون للطاعة قال تعالى { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } ( الذاريات ~~: 56 ) ، فزيغ ms6293 الزائغين عن طاعة الله تعالى انحراف منهم عن الفطرة التي ~~فطروا عليها ، وهم في انحرافهم متفاوتون ؛ فالضالون الذين أشركوا بالله ~~فجعلوا له أندادا ، والعصاة الذين لم يخرجوا عن توحيده ، ولكنهم ربما ~~خالفوا بعض أوامره قليلا أو كثيرا ، هم في ذلك آخذون بجانب من الإباق ~~متفاوتون فيه . فجملة { وله من في السموات والأرض كل له قانتون } معطوفة ~~على جملة { ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره } ( الروم : 25 ) . ~~ويجوز أن تكون جملة { وله من في السماوات والأرض كل له قانتون } تكملة ~~PageV21P082 لجملة { ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون } ( الروم ~~: 25 ) على معنى : وله يومئذ من في السموات والأرض كل له قانتون ، فالقنوت ~~بمعنى الامتثال الواقع في ذلك اليوم وهو امتثال الخضوع لأن امتثال التكليف ~~قد انقضى بانقضاء الدنيا ، أي لا يسعهم إلا الخضوع فيها يأمر الله به من ~~شأنهم { يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون } ( ~~النور : 24 ) ، فتكون الجملة معطوفة على جملة { ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض ~~إذا أنتم تخرجون } ( الروم : 25 ) . والقنوت تقدم في قوله { قانتا لله ~~حنيفا في سورة النحل . # } # تقدم نظير صدر هذه الآية في هذه السورة وأعيد هنا ليبنى عليه قوله { وهو ~~أهون عليه } تكملة للدليل إذ لم تذكر هذه التكملة هناك . فهذا ابتداء ~~بتوجيه الكلام إلى المشركين لرجوعه إلى نظيره المسوق إليهم . وهذا أشبه ~~بالتسليم الجدلي في المناظرة ، ذلك لأنهم لما اعترفوا بأن الله هو بادىء ~~خلق الإنسان ، وأنكروا إعادته بعد الموت ، واستدل عليهم هنالك بقياس ~~المساواة ، ولما كان إنكارهم الإعادة بعد الموت متضمنا تحديد مفعول القدرة ~~الإلهية جاء التنازل في الاستدلال إلى أن تحديد مفعول القدرة لو سلم لهم ~~لكان يقتضي إمكان البعث بقياس الأحرى فإن إعادة المصنوع مرة ثانية أهون على ~~الصانع من صنعته الأولى وأدخل تحت تأثير قدرته فيما تعارفه الناس في ~~مقدوراتهم . فقوله { أهون } اسم تفضيل ، وموقعه موقع الكلام الموجه ، ~~فظاهره أن { أهون } مستعمل في معنى المفاضلة على طريقة إرخاء العنان ~~والتسليم الجدلي ، أي الخلق ms6294 الثاني أسهل من الخلق الأول ، وهذا في معنى ~~قوله تعالى { أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد } ( ق : 15 ) ~~. ومراده : أن إعادة الخلق مرة ثانية مساوية لبدء الخلق في تعلق القدرة ~~الإلهية ، فتحمل صيغة التفضيل على معنى قوة الفعل المصوغة له كقوله { قال ~~رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه } ( يوسف : 33 ) . PageV21P083 وللإشارة ~~إلى أن قوله { وهو أهون عليه } مجرد تقريب لأفهامهم عقب بقوله { وله المثل ~~الأعلى في السماوات والأرض ، } أي ثبت له واستحق الشأن الأتم الذي لا يقاس ~~بشؤون الناس المتعارفة وإنما لقصد التقريب لأفهامكم . # و { الأعلى : معناه الأعظم البالغ نهاية حقيقة العظمة والقوة . قال حجة ~~الإسلام في الإحياء } : ( لا طاقة للبشر أن ينفذوا غور الحكمة كما لا طاقة ~~لهم أن ينفذوا بأبصارهم ضوء الشمس ولكنهم ينالون منها ما تحيا به أبصارهم ~~وقد تأنق بعضهم في التعبير عن وجه اللطف في إيصال معاني الكلام المجيد إلى ~~فهم الإنسان لعلو درجة الكلام المجيد وقصور رتبة الأفهام البشرية فإن الناس ~~إذا أرادوا أن يفهموا الدواب ما يريدون من تقديمها وتأخيرها ونحوه ورأوها ~~تقصر عن فهم الكلام الصادر عن العقول مع حسنه وترتيبه نزلوا إلى درجة تمييز ~~البهائم وأوصلوا مقاصدهم إليها بأصواتت يضعونها لائقة بها من الصفير ونحوه ~~من الأصوات القريبة من أصواتها ) اه . # وقوله { في السموات والأرض } صفة للمثل أو حال منه ، أي كان استحقاقه ~~المثل الأعلى مستقرا في السماوات والأرض ، أي في كائنات السماوات والأرض ، ~~فالمراد : أهلها ، على حد { واسأل القرية } ( يوسف : 82 ) ، أي هو موصوف ~~بأشرف الصفات وأعظم الشؤون على ألسنة العقلاء وهي الملائكة والبشر المعتد ~~بعقولهم ولا اعتداد بالمعطلين منهم لسخافة عقولهم وفي دلائل الأدلة الكائنة ~~في السماوات وفي الأرض ، فكل تلك الأدلة شاهدة بأن لله المثل الأعلى . ومن ~~جملة المثل الأعلى عزته وحكمته تعالى ؛ فخصا بالذكر هنا لأنهما الصفتان ~~اللتان تظهر آثارهما في الغرض المتحدث عنه وهو بدء الخلق وإعادته ؛ فالعزة ~~تقتضي الغنى المطلق فهي تقتضي تمام القدرة . والحكمة تقتضي عموم العلم . ~~ومن آثار ms6295 القدرة والحكمة أنه يعيد الخلق بقدرته وأن الغاية من ذلك الجزاء ~~وهو من حكمته . PageV21P084 # أتبع ضرب المثل لإمكان إعادة الخلق عقب دليل بدئه بضربب مثل لإبطال الشرك ~~عقب دليليه المتقدمين في قوله تعالى { يخرج الحي من الميت } ( الروم : 19 ) ~~وقوله { ويحيي الأرض بعد موتها } ( الروم : 19 ) لينتظم الدليل على هذين ~~الأصلين المهمين : أصل الوحدانية ، وأصل البعث ، وينكشف بالتمثيل والتقريب ~~بعد نهوضه بدليل العقل . والخطاب للمشركين . # وضرب المثل : إيقاعه ووضعه ، وعليه فانتصاب { مثلا } على المفعول به ، أو ~~يراد بضربه جعله ضربا ، أي مثلا ونظيرا ، وعليه فانتصاب { مثلا } على ~~المفعولية المطلقة لأن { مثلا } حينئذ يرادف ضربا مصدر ضرب بهذا المعنى . ~~وقد تقدم عند قوله تعالى { إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما في سورة ~~البقرة . واللام في لكم } لام التعليل ، أي ضرب مثلا لأجلكم ، أي لأجل ~~إفهامكم . # و { من } في قوله { من أنفسكم } ابتدائية متعلقة ب { ضرب } أي جعل لكم ~~مثلا منتزعا من أنفسكم . والأنفس هنا جنس الناس كقوله { فسلموا على أنفسكم ~~} ( النور : 61 ) أي مثلا من أحوال جماعتكم إذ لا تخلو الجماعة عن ناس لهم ~~عبيد وهم يعرفون أحوال العبيد مع سادتهم سواء منهم من يملك عبيدا ومن لا ~~عبيد له . فالخطاب لجميع الأمة باعتبار وجود فريق فيهم ينطبق عليهم هذا ~~المثل . والاستفهام مستعمل في الإنكار ومناط الإنكار قوله { فيما رزقناكم } ~~إلى آخره ، أي من شركاء لهم هذا الشأن . # و { من } في قوله { من ما ملكت أيمانكم } تبعيضية ، و { من } في قوله { ~~من شركاء } زائدة مؤكدة لمعنى النفي المستفاد من الاستفهام الإنكاري . ~~فالجمع بين هذه الحروف في كلام واحد من قبيل الجناس التام . PageV21P085 # والشركاء : جمع شريك ، وهو المشارك في المال لقوله { فيما رزقناكم ، } ~~والفاء للتفريع على الشركة ، أي فتكونوا متساوين فيما أنتم فيه شركاء . # وجملة { تخافونهم } في موضع الحال من ضمير الفاعل في { سواء . } والخوف : ~~انفعال نفساني ينشأ من توقع إصابة مكروه يبقى ، وهو هنا التوقي من التفريط ~~في حظوظهم من الأرزاق وليس هو الرعب بقرينة قوله { كخيفتكم أنفسكم ، } أي ms6296 ~~كما تتوقون أنفسكم من إضاعة حقوقكم عندهم . # والأنفس الثاني بمعنى : أنفس الذين لهم شركاء مما ملكت أيمانهم من ~~المخاطبين لأنهم بعض المخاطبين . # وهذا المثل تشبيه هيئة مركبة بهيئة مركبة ؛ شبهت الهيئة المنتزعة من زعم ~~المشركين أن الأصنام شركاء لله في التصرف ودافعون عن أوليائهم ما يريده ~~الله من تسلط عقاب أو نحوه إذ زعموا أنهم شفعاؤهم عند الله وهم مع ذلك ~~يعترفون بأنها مخلوقة لله فإنهم يقولون في تلبيتهم : لبيك لا شريك لك إلا ~~شريكا هو لك . هذه الهيئة شبهت بهيئة ناس لهم عبيد صاروا شركاء في أرزاق ~~سادتهم شركة على السواء فصار سادتهم يحذرون إذا أرادوا أن يتصرفوا في تلك ~~الأرزاق أن يكون تصرفهم غير مرضي لعبيدهم ، وهذا التشبيه وإن كان منصرفا ~~لمجموع المركب من الهيئتين قد بلغ غاية كمال نظائره إذ هو قابل للتفريق في ~~أجزاء ذلك المركب بتشبيه مالك الخلق كلهم بالذين يملكون عبيدا ، وتشبيه ~~الأصنام التي هي مخلوقة لله تعالى بمماليك الناس ، وتشبيه تشريك الأصنام في ~~التصرف مع الخالق في ملكه بتشريك العبيد في التصرف في أرزاق سادتهم ، ~~وتشبيه زعمهم عدول الله عن بعض ما يريده في الخلق لأجل تلك الأصنام ، ~~وشفاعتها بحذر أصحاب الأرزاق من التصرف في حظوظ عبيدهم الشركاء تصرفا ~~يأبونه . فهذه الهيئة المشبه بها هيئة قبيحة مشوهة في العادة لا وجود ~~لأمثالها في عرفهم فكانت الهيئة المشبهة منفية منكرة ، ولذلك أدخل عليها ~~استفهام الإنكار والجحود لينتج أن الصورة المزعومة للأصنام صورة باطلة ~~بطريق التصوير والتشكيل إبرازا لذلك المعنى الاعتقادي الباطل في الصورة ~~المحسوسة المشوهة الباطلة . PageV21P086 ولذلك عقب بجملة { كذلك نفصل ~~الآيات لقوم يعقلون ، } أي نفصل الدلائل على الإعتقاد الصحيح تفصيلا كهذا ~~التفصيل وضوحا بينا ، وجملة { إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون } ( الروم : 24 ~~) استئناف ابتدائي . والقوم الذين يعقلون هم المتنزهون عن المكابرة ~~والإعراض ، والطالبون للحق والحقائق لوفرة عقولهم ، فيزداد المؤمنون يقينا ~~ويؤمن الغافلون والذين تروج عليهم ضلالات المشركين ثم تنكشف عنهم بمثل هذه ~~الدلائل البينة . # وفي ذكر لفظ { قوم } وإجراء الصفة عليه إيماء ms6297 إلى أن هذه الآيات لا ينتفع ~~بها إلا من كان العقل من مقومات قوميته كما تقدم في قوله تعالى { لآيات ~~لقوم يعقلون في سورة البقرة ، وتقدمت له نظائر كثيرة . والقول في إيثار وصف ~~العقل هنا دون غيره من أوصاف النظر والفكر كالقول فيما تقدم عند قوله ومن ~~آياته يريكم البرق خوفا وطمعا إلى قوله يعقلون } ( الروم : 24 ) . # وفي هذا تعريض بالمتصلبين في شركهم بأنهم ليسوا من أهل العقول ، وليسوا ~~ممن ينتفعون كقوله تعالى { وما يعقلها إلا العالمون } ( العنكبوت : 43 ) ~~وقوله { ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم ~~بكم عمي فهم لا يعقلون } ( البقرة : 171 ) . # وقوله { كذلك } تقدم نظيره في قوله تعالى { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } ( ~~البقرة : 143 ) . # إضراب إبطالي لما تضمنه التعريض الذي في قوله { كذلك نفصل الآيات لقوم ~~يعقلون } ( الروم : 28 ) إذ اقتضى أن الشأن أن ينتفع الناس بمثل هذا المثل ~~فيقلع المشركون منهم عن إشراكهم ويلجوا حظيرة الإيمان ، ولكنهم اتبعوا ~~أهواءهم وما تسوله لهم نفوسهم ولم يطلبوا الحق ويتفهموا دلائله فهم عن ~~العلم بمنأى . فالتقدير : فما نفعتهم الآيات المفصلة بل اتبعوا أهواءهم . ~~PageV21P087 # و { الذين ظلموا : المشركون إن الشرك لظلم عظيم } ( لقمان : 13 ) وتقييد ~~اتباع الهوى بأنه بغير علم تشنيع لهذا الاتباع فإنه اتباع شهوة مع جهالة ، ~~فإن العالم إذا اتبع الهوى كان متحرزا من التوغل في هواه لعلمه بفساده ، ~~وليس ما هنا مماثلا لقوله تعالى { ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله ~~} ( القصص : 50 ) في أنه قيد كاشف من حيث إن الهوى لا يكون إلا ملتبسا ~~بمغايرة هدى الله . # والفاء في { فمن يهدي } للتفريع ، أي يترتب على اتباعهم أهواءهم بغير علم ~~انتفاء الهدى عنهم أبدا . و { من } اسم استفهام إنكاري بمعنى النفي فيفيد ~~عموم نفي الهادي لهم ، إذ التقدير : لا أحد يهدي من أضل الله لا غيرهم ولا ~~أنفسهم ، فإنهم من عموم ما صدق { من يهدي . # ومعنى من أضل الله : } من قدر له الضلال وطبع على قلبه ، فإسناد الإضلال ~~إلى ms6298 الله إسناد لتكوينه على ذلك لا للأمر به وذلك بين . ومعنى انتفاء ~~هاديهم : أن من يحاوله لا يجد له في نفوسهم مسلكا . ثم عطف على جملة نفي ~~هداهم خبر آخر عن حالهم وهو { ما لهم من ناصرين } ردا على المشركين ~~الزاعمين أنهم إذا أصابوا خطيئة عند الله أن الأصنام تشفع لهم عند الله . # الفاء فصيحة . والتقدير : إذا علمت أحوال المعرضين عن دلائل الحق فأقم ~~وجهك للدين . والأمر مستعمل في طلب الدوام . والمقصود : أن لا تهتم ~~بإعراضهم ، كقوله تعالى { فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن } ( آل ~~عمران : 20 ) وقوله { فاستقم كما PageV21P088 أمرت ومن تاب معك } ( هود : ~~112 ) ( أي من آمن ) وقوله { أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعن } ( ~~يوسف : 108 ) . # فالمعنى : فأقم وجهك للدين والمؤمنون معك ، كما يؤذن به قوله بعده { ~~منيبين إليه واتقوه } ( الروم : 31 ) بصيغة الجمع . # وإقامة الوجه : تقويمه وتعديله باتجاهه قبالة نظره غير ملتفت يمينا ولا ~~شمالا . وهو تمثيل لحالة الإقبال على الشيء والتمحض للشغل به بحال قصر ~~النظر إلى صوب قبالته غير ملتفت يمنة ولا يسرة ، وهذا كقوله تعالى { ~~وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين } ( الأعراف : 29 ) وقوله حكاية ~~عن إبراهيم { إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض } ( الأنعام : 79 ) ~~وقوله تعالى { فقل أسلمت وجهي لله } ( آل عمران : 20 ) ، أي أعطيته لله ، ~~وذلك معنى التمحيض لعبادة الله وأن لا يلتفت إلى معبود غيره . # والتعريف في { الدين } للعهد وهو دينهم الذي هم عليه وهو دين الإسلام . و ~~{ حنيفا } يجوز أن يكون حالا من الضمير المستتر في فعل { أقم } فيكون حالا ~~للنبيء صلى الله عليه وسلم كما كان وصفا لإبراهيم عليه السلام في قوله ~~تعالى { إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا } ( النحل : 120 ) ، وهذا هو ~~الأظهر في تفسيره . ويجوز كونه حالا من الدين على ما فسر به الزجاج فيكون ~~استعارة بتشبيه الدين برجل حنيف في خلوه من شوائب الشرك ، فيكون الحنيف ~~تمثيلية وفي إثباته للدين استعارة تصريحية . # وحنيف : صيغة مبالغة في الاتصاف بالحنف وهو ms6299 الميل ، وغلب استعمال هذا ~~الوصف في الميل عن الباطل ، أي العدول عنه بالتوجه إلى الحق ، أي عادلا ~~ومنقطعا عن الشرك كقوله تعالى { قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من ~~المشركين وقد مضى في سورة البقرة . # وفطرة الله } بدل من { حنيفا } بدل اشتمال فهو في معنى الحال من { الدين ~~} أيضا وهو حال ثانية فإن الحال كالخبر تتعدد بدون عطف على التحقيق عند ~~النحاة . وهذا أحسن لأنه أصرح في إفادة أن هذا الدين مختص بوصفين هما : ~~التبرؤ من الإشراك ، وموافقته الفطرة ، فيفيد أنه دين سمح سهل لا عنت فيه . ~~ونظيره قوله تعالى { ولم يجعل له عوجا قيما } ( الكهف : 1 ، 2 ) أي الدين ~~الذي هو فطرة الله لأن PageV21P089 التوحيد هو الفطرة ، والإشراك تبديل ~~للفطرة . والفطرة أصله اسم هيئة من الفطر وهو الخلق مثل الخلقة كما بينه ~~قوله { التي فطر الناس عليها } أي جبل الناس وخلقهم عليها ، أي متمكنين ~~منها . فحرف الاستعلاء مستعار لتمكن ملابسة الصفة بالموصوف تمكنا يشبه تمكن ~~المعتلي على شيء ، وقد تقدم نظيره في قوله تعالى { أولئك على هدى من ربهم ~~في سورة البقرة ، وحقيقة المعنى : التي فطر الناس بها . # ومعنى فطر الناس على الدين الحنيف أن الله خلق الناس قابلين لأحكام هذا ~~الدين وجعل تعاليمه مناسبة لخلقتهم غير مجافية لها ، غير نائين عنه ولا ~~منكرين له مثل إثبات الوحدانية لله لأن التوحيد هو الذي يساوق العقل والنظر ~~الصحيح حتى لو ترك الإنسان وتفكيره ولم يلقن اعتقادا ضالا لاهتدى إلى ~~التوحيد بفطرته . قال ابن عطية : والذي يعتمد عليه في تفسير هذه اللفظة أي ~~الفطرة أنها الخلقة والهيئة التي في نفس الإنسان التي هي معدة ومهيئة لأن ~~يميز بها مصنوعات الله ، ويستدل بها على ربه ويعرف شرائعه . اه . # وإن لم أر من أتقن الإفصاح عن معنى كون الإسلام هو الفطرة فأبينه : بأن ~~الفطرة هي النظام الذي أوجده الله في كل مخلوق ، والفطرة التي تخص نوع ~~الإنسان هي ما خلقه الله عليه جسدا وعقلا ، فمشي الإنسان برجليه فطرة جسدية ~~، ومحاولته أن يتناول ms6300 الأشياء برجليه خلاف الفطرة الجسدية ، واستنتاج ~~المسببات من أسبابها والنتائج من مقدماتها فطرة عقلية ، ومحاولة استنتاج ~~أمر من غير سببه خلاف الفطرة العقلية وهو المسمى في علم الاستدلال بفساد ~~الوضع ، وجزمنا بأن ما نبصره من الأشياء هو حقائق ثابتة في الوجود ونفس ~~الأمر فطرة عقلية ، وإنكار السوفسطائية ثبوت المحسوسات في نفس الأمر خلاف ~~الفطرة العقلية . # وقد بين أبو علي ابن سينا حقيقة الفطرة في كتابه النجاة } فقال : ( ومعنى ~~الفطرة أن يتوهم الإنسان نفسه حصل في الدنيا دفعة وهو عاقل لكنه لم يسمع ~~رأيا ولم يعتقد مذهبا ولم يعاشر أمة ولم يعرف سياسة ، ولكنه شاهد المحسوسات ~~وأخذ منها PageV21P090 الحالات ، ثم يعرض على ذهنه شيئا ويتشكك فيه فإن ~~أمكنه الشك فالفطرة لا تشهد به وإن لم يمكنه الشك فهو ما توجبه الفطرة ، ~~وليس كل ما توجبه فطرة الإنسان بصادق إنما الصادق فطرة القوة التي تسمى ~~عقلا ، وأما فطرة الذهن بالجملة فربما كانت كاذبة ، وإنما يكون هذا الكذب ~~في الأمور التي ليست محسوسة بالذات بل هي مبادىء للمحسوسات . فالفطرة ~~الصادقة هي مقدمات وآراء مشهورة محمودة أوجب التصديق بها : إما شهادة الكل ~~مثل : أن العدل جميل ، وإما شهادة الأكثر ؛ وإما شهادة العلماء أو الأفاضل ~~منهم . وليست الذائعات من جهة ما هي ذائعات مما يقع التصديق بها في الفطرة ~~فما كان من الذائعات ليس بأولي عقلي ولا وهمي فإنها غير فطرية ، ولكنها ~~متقررة عند الأنفس لأن العادة مستمرة عليها منذ الصبا وربما دعا إليها محبة ~~التسالم والاصطناع المضطر إليهما الإنسان ، أو شيء من الأخلاق الإنسانية ~~مثل الحياء والاستئناس أو الاستقراء الكثير ، أو كون القول في نفسه ذا شرط ~~دقيق لأن يكون حقا صرفا فلا يفطن لذلك الشرط ويؤخذ على الإطلاق ، اه . فوصف ~~الإسلام بأنه فطرة الله معناه أن أصل الإعتقاد فيه جار على مقتضى الفطرة ~~العقلية ، وأما تشريعاته وتفاريعه فهي : إما أمور فطرية أيضا ، أي جارية ~~على وفق ما يدركه العقل ويشهد به ، وإما أن تكون لصلاحه مما لا ينافي فطرته ~~. # وقوانين المعاملات فيه هي ms6301 راجعة إلى ما تشهد به الفطرة لأن طلب المصالح ~~من الفطرة . وتفصيل ذلك ليس هذا موضعه وقد بينته في كتابي المسمى ( مقاصد ~~الشريعة الإسلامية ) . واعلم أن شواهد الفطرة قد تكون واضحة بينة وقد تكون ~~خفية ، كما يقتضيه كلام الشيخ ابن سينا ، فإذا خفيت المعاني الفطرية أو ~~التبست بغيرها فالمضطلعون بتمييزها وكشفها هم العلماء الحكماء الذين تمرسوا ~~بحقائق الأشياء PageV21P091 والتفريق بين متشابهاتها ، وسبروا أحوال البشر ~~، وتعرضت أفهامهم زمانا لتصاريف الشريعة ، وتوسموا مراميها ، وغاياتها ~~وعصموا أنفسهم بوازع الحق عن أن يميلوا مع الأهواء . # إن المجتمع الإنساني قد مني عصورا طويلة بأوهام وعوائد ومألوفات أدخلها ~~عليه أهل التضليل ، فاختلطت عنده بالعلوم الحق فتقاول الناس عليها وارتاضوا ~~على قبولها ، فالتصقت بعقولهم التصاق العنكبوت ببيته ، فتلك يخاف منها أن ~~تتلقى بالتسليم على مرور العصور فيعسر إقلاعهم عنها وإدراكهم ما فيها من ~~تحريف عن الحق ، فليس لتمييزها إلا أهل الرسوخ أصحاب العلوم الصحيحة الذين ~~ضربوا في الوصول إلى الحقائق كل سبيل ، واستوضحوا خطيرها وسليمها فكانوا ~~للسابلة خير دليل . وكون الإسلام هو الفطرة ، وملازمة أحكامه لمقتضيات ~~الفطرة صفة اختص بها الإسلام من بين سائر الأديان في تفاريعه ، أما أصوله ~~فاشتركت فيها الأديان الإلهية ، وهذا ما أفاده قوله { ذلك الدين القيم . } ~~فالإسلام عام خالد مناسب لجميع العصور وصالح بجميع الأمم ، ولا يستتب ذلك ~~إلا إذا بنيت أحكامه على أصول الفطرة الإنسانية ليكون صالحا للناس كافة ~~وللعصور عامة وقد اقتضى وصف الفطرة أن يكون الإسلام سمحا يسرا لأن السماحة ~~واليسر مبتغى الفطرة . # وفي قوله { التي فطر الناس عليها } بيان لمعنى الإضافة في قوله { فطرة ~~الله } وتصريح بأن الله خلق الناس سالمة عقولهم مما ينافي الفطرة من ~~الأديان الباطلة والعادات الذميمة ، وأن ما يدخل عليهم من الضلالات ما هو ~~إلا من جراء التلقي والتعود ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ( يولد ~~الولد على الفطرة ثم يكون أبواه هما اللذان يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ~~كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ) ، أي كما تولد ~~البهيمة من ms6302 إبل أو بقر أو غنم كاملة جمعاء أي بذيلها ، أي تولد كاملة ويعمد ~~بعض الناس إلى قطع ذيلها وجدعه وهي الجدعاء ، و ( تحسون ) تدركون بالحس ، ~~أي حاسة البصر . فجعل اليهودية والنصرانية مخالفة الفطرة ، أي في تفاريعهما ~~. PageV21P092 وفي ( صحيح مسلم ) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيما ~~يرويه عن ربه : ( وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم أي غير مشركين وأنهم أتتهم ~~الشياطين فأجالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ~~ما لم أنزل به سلطانا ) الحديث . # وجملة { لا تبديل لخلق الله } مبينة لمعنى { فطرة الله التي فطر الناس ~~عليها } فهي جارية مجرى حال ثالثة من { الدين } على تقدير رابط محذوف . ~~والتقدير : لا تبديل لخلق الله فيه ، أي في هذا الدين ، فهو كقوله في حديث ~~أم زرع في قول الرابعة : زوجي كليل تهامة لا حر ولا قر ولا مخافة ولا سآمة ~~أي في ذلك الليل . # فمعنى { لا تبديل لخلق الله } أنه الدين الحنيف الذي ليس فيه تبديل لخلق ~~الله خلاف دين أهل الشرك ، قال تعالى عن الشيطان : { ولآمرنهم فليغيرن خلق ~~الله } ( النساء : 119 ) . ويجوز أن تكون جملة { لا تبديل لخلق الله } ~~معترضة لإفادة النهي عن تغيير خلق الله فيما أودعه الفطرة . فتكون { لا ~~تبديل لخلق الله } خبرا مستعملا في معنى النهي على وجه المبالغة كقوله { لا ~~تقتلوا أنفسكم } ( النساء : 29 ) . فنفي الجنس مراد به جنس من التبديل خاص ~~بالوصف لا نفي وقوع جنس التبديل فهو من العام المراد به الخصوص بالقرينة . ~~واسم الإشارة لزيادة تمييز هذا الدين مع تعظيمه . # و { القيم : وصف بوزن فيعل مثل هين ولين يفيد قوة الاتصاف بمصدره ، أي ~~البالغ قوة القيام مثل استقام الذي هو مبالغة في قام كاستجاب . # والقيام : حقيقته الانتصاب ضد القعود والاضطجاع ، ويطلق مجازا على انتفاء ~~الاعوجاج يقال : عود مستقيم وقيم ، فإطلاق القيم على الدين تشبيه انتفاء ~~الخطإ عنه باستقامة العود وهو من تشبيه المعقول بالمحسوس ، كما في قوله ~~تعالى : ولم يجعل له عوجا قيما ( الكهف : 1 ، 2 ) وقال تعالى : ذلك ms6303 الدين ~~القيم في سورة براءة PageV21P093 . # ويطلق أيضا على الرعاية والمراقبة والكفالة بالشيء لأنها تستلزم القيام ~~والتعهد قال تعالى أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت } ( الرعد : 33 ) ، ~~ومنه قلنا لراعي التلامذة ومراقب أحوالهم : قيم . ويطلق القيم على المهيمن ~~والحافظ . والمعاني كلها صالحة للحمل عليها هنا ، فإن هذا الكتاب معصوم عن ~~الخطأ ومتكفل بمصالح الناس ، وشاهد على الكتب السالفة تصحيحا ونسخا قال ~~تعالى : { وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا ~~عليه وتقدم في طالع سورة المائدة . فهذا الدين به قوام أمر الأمة . قال عمر ~~بن الخطاب لمعاذ بن جبل : يا معاذ ما قوام هذه الأمة ؟ قال : الإخلاص وهو ~~الفطرة التي فطر الله الناس عليها ، والصلاة وهي الدين ، والطاعة وهي ~~العصمة ، فقال عمر : صدقت . يريد معاذ بالإخلاص التوحيد كقوله تعالى مخلصين ~~له الدين حنفاء } ( البينة : 5 ) . # والاستدراك في قوله { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } لدفع توهم واهم يقول ~~إذا كان هو دين الفطرة وهو القيم فكيف أعرض كثير من الناس عنه بعد تبليغه ، ~~فاستدرك ذلك بأنهم جهال لا علم عندهم فإن كان قد بلغهم فإنهم جهلوا معانيه ~~لإعراضهم عن التأمل ولا يعلمون منه إلا ما لا يفيدهم مهمهم لأنهم لم يسعوا ~~في أن يبلغهم على الوجه الصحيح ؛ ففعل { لا يعلمون } غير متطلب مفعولا بل ~~هو منزل منزلة اللازم لأن المعنى لا علم عندهم على نحو ما قرر في نظيره في ~~أول هذه السورة . # والمراد ب { أكثر الناس } المشركون إذ أعرضوا عن دعوة الإسلام ، وأهل ~~الكتاب إذ أبوا اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم ومفارقة أديانهم بعد ~~إبطالها لانتهاء صلاحية تفاريعها بانقضاء الأحوال التي شرعت لها انقضاء لا ~~مطمع بعده لأن تعود . # ومقابل { أكثر الناس } هم المؤمنون ، وشرذمة من علماء أهل الكتاب علموا ~~أحقية الإسلام وبقوا على أديانهم عنادا : فهم يعلمون ويكابرون ، أو تحيرا : ~~فهم في شك بين علم وجهل . PageV21P094 # ( 31 32 ) { } # { منيبين } حال من ضمير { فأقم } ( الروم : 30 ) للإشارة إلى أن الخطاب ~~الموجه إلى النبي صلى الله ms6304 عليه وسلم مراد منه نفسه والمؤمنون معه كما تقدم ~~. # والمنيب : الملازم للطاعة . ويظهر أن معنى أناب صار ذا نوبة ، أي ذا رجوع ~~متكرر وأن الهمزة فيه للصيرورة ، والنوبة : حصة من عمل يتوزعه عدد من الناس ~~وأصلها : فعلة بصيغة المرة لأنها مرة من النوب وهو قيام أحد مقام غيره ، ~~ومنه النيابة ، ويقال : تناوبوا عمل كذا . وفي حديث عمر : ( كنت أنا وجار ~~لي من الأنصار نتناوب النزول على رسول الله صلى الله عليه وسلم فينزل يوما ~~وأنزل يوما ) الحديث ، فإطلاق المنيب على المطيع استعارة لتعهد الطاعة ~~تعهدا متكررا ، وجعلت تلك الاستعارة كناية عن مواصلة الطاعة وملازمتها قال ~~تعالى : { إن إبراهيم لحليم أواه منيب في سورة هود . وفسرت الإنابة أيضا ~~بالتوبة . وقد قيل : إن ناب مرادف تاب ، وهو المناسب لقوله في الآية ~~الموالية دعوا ربهم منيبين إليه } ( الروم : 33 ) . والأمر الذي في قوله { ~~واتقوه وأقيموا الصلاة } مستعمل في طلب الدوام . # و { الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا } هم المشركون لأنهم اتخذوا عدة آلهة ~~. وإنما كررت { من } التبعيضية لاعتبار الذين فرقوا دينهم بدلا من المشركين ~~بدلا مطابقا أو بيانا ، فإظهار حرف الجر ثانية مع الاستغناء عنه بالبدلية ~~تأكيد بإظهار العامل كما تقدم في قوله تعالى : { تكون لنا عيدا لأولنا ~~وءاخرنا } ( المائدة : 114 ) وشأن البدل والبيان أن يجوز معهما إظهار ~~العامل المقدر فيخرجان عن إعراب التوابع إلى الإعراب المستقل ويكونان في ~~المعنى بدلا أو بيانا ولهذا قال النحاة : إن البدل على نية تكرار العامل . ~~وقال المحققون : إن البدل معرب بالعامل المقدر ، ومثله البيان وهما سيان . ~~وتقدم الكلام على معنى { الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا } في آخر سورة ~~الأنعام PageV21P095 . # وقرأ الجمهور { فرقوا } بتشديد الراء . وقرأه حمزة والكسائي { فارقوا ~~دينهم } بألف بعد الفاء فالمراد بالدين دين الإسلام . ومعنى مفارقتهم إياه ~~ابتعادهم منه ، فاستعيرت المفارقة للنبذ إذ كان الإسلام هو الدين الذي فطر ~~الله عليه الناس فلما لم يتبعوه جعل إعراضهم عنه كالمفارقة لشيء كان مجتمعا ~~معه ، وليس المراد الارتداد عن الإسلام . # والشيع : جمع شيعة وهي الجماعة التي تشايع ms6305 ، أي توافق رأيا ، وتقدم قوله ~~تعالى { ثم لننزعن من كل شيعة في سورة مريم . # والحزب : الجماعة الذين رأيهم ونزعتهم واحدة . وما لديهم } هو ما اتفقوا ~~عليه . والفرح : الرضا والابتهاج . وهذه حالة ذميمة من أحوال أهل الشرك ~~يراد تحذير المسلمين من الوقوع في مثلها ، فإذا اختلفوا في أمور الدين ~~الاختلاف الذي يقتضيه اختلاف الاجتهاد أو اختلفوا في الآراء والسياسات ~~لاختلاف العوائد فليحذروا أن يجرهم ذلك الاختلاف إلى أن يكونوا شيعا ~~متعادين متفرقين يلعن بعضهم بعضا ويذيق بعضهم بأس بعض . وتقدم { كل حزب بما ~~لديهم فرحون في سورة المؤمنين . # ( 33 34 ) } # عطف على جملة { فرقوا دينهم وكانوا شيعا } ( الروم : 32 ) أي فرقوا دينهم ~~وكانوا شيعا ، وإذا مسهم ضر فدعوا الله وحده فرحمهم عادوا إلى شركهم وكفرهم ~~نعمة الذي رحمهم . فالمقصود من الجملة هو قوله : { ثم إذا أذاقهم منه رحمة ~~إذا فريق منهم بربهم يشركون ، } فمحل انتظامه في مذام المشركين أنهم يرجعون ~~إلى الكفر ، بخلاف حال المؤمنين فإنهم إذا أذاقهم الله رحمة بعد ضر شكروا ~~نعمة ربهم وذلك من إنابتهم إلى الله . ونسج الكلام على هذا الأسلوب ليكون ~~بمنزلة التذييل بما في لفظ PageV21P096 { الناس } من العموم وإدماجا لفضيلة ~~المؤمنين الذين لا يكفرون نعمة الرحيم . فالتعريف في { الناس } للاستغراق . # والضر ، بضم الضاد : سوء الحال في البدن أو العيش أو المال ، وهذا نحو ما ~~أصاب قريشا من الشدة والقحط حتى كانوا يرون في الجو مثل الدخان من شدة ~~الجفاف ، وحتى أكلوا العظام والميتة ، وقد أصاب ذلك مشركيهم ومؤمنيهم وكانت ~~شدته على المشركين لأنهم كانوا في رفاهية ، فالشدة أقوى عليهم ، فأرسلوا ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستشفعون به أن يدعو الله بكشف الضر عنهم ~~فدعا فأمطروا فعادوا إلى ترفهم ، قال تعالى : { فارتقب يوم تأتي السماء ~~بدخان مبين } ( الدخان : 10 ) الآيات ، فدعاؤهم ربهم يشمل طلبهم أن يدعو ~~لهم الرسول صلى الله عليه وسلم و { منيبين } حال من الناس كلهم أي استووا ~~في الإنابة إليه أي راجعين إليه بعد ، واشتغل المشركون عنه بدعاء الأصنام ، ~~قال تعالى : { إنا ms6306 كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون } ( الدخان : 15 ) . ~~وتقدم { منيبين } آنفا . # والمس : مستعار للإصابة . وحقيقة المس : أنه وضع اليد على شيء ليعرف ~~وجوده أو يختبر حاله ، وتقدم في قوله { ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم ~~في العقود . واختير هنا لما يستلزمه من خفة الإصابة ، أي يدعون الله إذا ~~أصابهم خفيف ضر بله الضر الشديد . # والإذاقة : مستعارة للإصابة أيضا . وحقيقتها : إصابة المطعوم بطرف اللسان ~~وهي أضعف إصابات الأعضاء للأجسام فهي أقل من المضغ والبلع ، وتقدم في قوله ~~تعالى ليذوق وبال أمره في سورة العقود ، وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء ~~في سورة يونس . واختير فعل الإذاقة لما يدل عليه من إسراعهم إلى الإشراك ~~عند ابتداء إصابة الرحمة لهم . # والرحمة : تخليصهم من الشدة . PageV21P097 وثم } للتراخي الرتبي لأن ~~إشراكهم بالله بعد الدعاء والإنابة وحصول رحمته أعجب من إشراكهم السابق ، ~~ففي التراخي الرتبي معنى التعجيب من تجدد إشراكهم ، وحرف المفاجأة { إذا ~~يفيد أيضا أن هذا الفريق أسرعوا العودة إلى الشرك بحدثان ذوق الرحمة لتأصل ~~الكفر منهم وكمونه في نفوسهم . # وضمير منه } عائد إلى الله تعالى . و { من } ابتدائية متعلقة ب { أصابهم ~~. } و { رحمة } فاعل { أصابهم } ولم يؤنث لها الفعل لأن تأنيث مسمى الرحمة ~~غير حقيقي ولأجل الفصل بالمجرور . وتقديم المجرور على الفاعل للاهتمام به ~~ليظهر أن الذي أصابهم هو من فضل الله وتقديره لا غير ذلك . واللام في قوله ~~{ ليكفروا } لام التعليل وهي مستعارة لمعنى التسبب الذي حقه أن يفاد بالفاء ~~لأنهم لما أشركوا لم يريدوا بشركهم أن يجعلوه علة للكفر بالنعمة ولكنهم ~~أشركوا محبة للشرك فكان الشرك مفضيا إلى كفرهم نعمة الله خشية الإفضاء ~~والتسبب بالعلة الغائية على نحو قوله تعالى : { فالتقطه ءال فرعون ليكون ~~لهم عدوا وحزنا } ( القصص : 8 ) . # وضمير { ليكفروا } عائد إلى الفريق باعتبار معناه . # والإيتاء : إعطاء النافع ، أي بما أنعمنا عليهم من النعم التي هي نعمة ~~الإيجاد والرزق وكشف الضر عنهم . ثم التفت عن الغيبة إلى الخطاب بقوله { ~~فتمتعوا } توبيخا لهم وإنذارا ، وجيء بفاء التفريع في قوله { فتمتعوا } لأن ~~الإنذار ms6307 والتوبيخ مفرعان عن الكلام السابق . والأمر في ( تمتعوا ) مستعمل ~~في التهديد والتوبيخ . والتمتع : الانتفاع بالملائم وبالنعمة مدة تنقضي . # والفاء في { فسوف تعلمون } تفريع للإنذار على التوبيخ ، وهو رشيق . و ( ~~سوف تعلمون ) إنذار بأنهم يعلمون في المستقبل شيئا عظيما ، والعلم كناية عن ~~حصول الأمر الذي يعلم ، أي عن حلول مصائب بهم لا يعلمون كنهها الآن ، وهو ~~إيماء إلى عظمتها وأنها غير مترقبة لهم . وهذا إشارة إلى ما سيصابون به ~~PageV21P098 يوم بدر من الاستئصال والخزي وهم كانوا يستعجلون بعذاب من جنس ~~ما عذب به الأمم الماضية مثل عاد وثمود ، وكانت الغاية واحدة ، فإن إصابتهم ~~بعذاب سيوف المسلمين أبلغ في كون استئصالهم بأيدي المؤمنين مباشرة ، وأظهر ~~في إنجاء المؤمنين من عذاب لا يصيب الذين ظلموا خاصة وذلك هو المراد في ~~قوله تعالى { إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون يوم نبطش البطشة الكبرى ~~إنا منتقمون } ( الدخان : 15 ، 16 ) . والبطشة الكبرى : بطشة يوم بدر . # { أم } منقطعة ، فهي مثل ( بل ) للإضراب هو إضراب انتقالي . وإذ كان حرف ~~{ أم } حرف عطف فيجوز أن يكون ما بعدها إضرابا عن الكلام السابق فهو عطف ~~قصة على قصة بمنزلة ابتداء ، والكلام توبيخ ولوم متصل بالتوبيخ الذي أفاده ~~قوله { فتمتعوا فسوف تعلمون } ( الروم : 34 ) . وفيه التفات من الخطاب إلى ~~الغيبة إعراضا عن مخاطبتكم إلى مخاطبة المسلمين تعجيبا من حال أهل الشرك . ~~ويجوز أن يكون ما بعدها متصلا بقوله { بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير ~~علم } ( الروم : 29 ) فهو عطف ذم على ذم وما بينهما اعتراض . # وحيثما وقعت { أم } فالاستفهام مقدر بعدها لأنها ملازمة لمعنى الاستفهام ~~. فالتقدير : بل أأنزلنا عليهم سلطانا وهو استفهام إنكاري ، أي ما أنزلنا ~~عليهم سلطانا ، ومعنى الاستفهام الإنكاري أنه تقرير على الإنكار كأن السائل ~~يسأل المسؤول ليقر بنفي المسؤول عنه . # والسلطان : الحجة . ولما جعل السلطان مفعولا للإنزال من عند الله تعين أن ~~المراد به كتاب كما قالوا { حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه } ( الإسراء : 93 ) ~~. ويتعين أن المراد بالتكلم الدلالة بالكتابة كقوله تعالى { هذا كتابنا ~~ينطق عليكم بالحق } ( الجاثية ms6308 : 29 ) ، أي تدل كتابته ، أي كتب فيه بقلم ~~القدرة أن الشرك حق كقوله تعالى { أم ءاتيناهم PageV21P099 كتابا من قبله ~~فهم به مستمسكون } ( الزخرف : 21 ) . وقدم { به } على { يشركون } للاهتمام ~~بالتنبيه على سبب إشراكهم الداخل في حيز الإنكار للرعاية على الفاصلة . # ( 36 37 ) # أعيد الكلام على أحوال المشركين زيادة في بسط الحالة التي يتلقون بها ~~الرحمة وضدها تلقيا يستوون فيه بعد أن ميز فيما تقدم حال تلقي المشركين ~~للرحمة بالكفران المقتضي أن المؤمنين لا يتلقونها بالكفران . فأريد تنبيههم ~~هنا إلى حالة تلقيهم ضد الرحمة بالقنوط ليحذروا ذلك ويرتاضوا برجاء الفرج ~~والابتهال إلى الله في ذلك والأخذ في أسباب انكشافها . والرحمة أطلقت على ~~أثر الرحمة وهو المنافع والأحوال الحسنة الملائمة كما ينبني عنه مقابلتها ~~بالسيئة وهي ما يسوء صاحبه ويحزنه فالمقصد من هذه الآية تخلق المسلمين ~~بالخلق الكامل ، ف { الناس } مراد به خصوص المشركين بقرينة أن الآية ختمت ~~بقوله { إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون . # وقدمت في هذه الآية إصابة الرحمة على إصابة السيئة عكس التي قبلها ~~للاهتمام بالحالة التي جعلت مبدأ العبرة وأصل الاستدلال ، فقوله فرحوا بها ~~} وصف لحال الناس عندما تصيبهم الرحمة ليبنى عليه ضده في قوله { إذا هم ~~يقنطون } لما يقتضيه القنوط من التذمر والغضب ، فليس في الكلام تعريض ~~بإنكار الفرح حتى نضطر إلى تفسير الفرح بالبطر ونحوه لأنه عدول عن الظاهر ~~بلا داع . والمعنى : أنهم كما يفرحون عند الرحمة ولا يخطر ببالهم زوالها ~~ولا يحزنون من خشيته ، فكذلك ينبغي أن يصبروا عندما يمسهم الضر ولا يقنطوا ~~من زواله لأن قنوطهم من زواله غير جار على قياس حالهم عندما تصيبهم رحمة ~~حين لا يتوقعون زوالها ، فالقنوط هو محل الإنكار عليهم وهذا كقوله تعالى { ~~لا يسأم الإنسان من دعاء الخير وإن مسه الشر فيؤوس قنوط } ( فصلت : 49 ) في ~~أن محل التعجيب هو PageV21P100 اليأس والقنوط ، وتقدم ذكر الإذاقة آنفا . ~~والقنوط : اليأس ، وتقدم في سورة الحجر عند قوله تعالى { فلا تكن من ~~القانطين . # وأدمج في خلال الإنكار عليهم قوله بما قدمت أيديهم ms6309 } لتنبيههم إلى أن ما ~~يصيبهم من حالة سيئة في الدنيا إنما سببها أفعالهم التي جعلها الله أسبابا ~~لمسببات مؤثرة لا يحيط بأسرارها ودقائقها إلا الله تعالى ، فما على الناس ~~إلا أن يحاسبوا أنفسهم ويجروا أسباب إصابة السيئات ، ويتداركوا ما فات ، ~~فذلك أنجى لهم من السيئات وأجدر من القنوط . وهذا أدب جليل من آداب التنزيل ~~قال تعالى { ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك } ( ~~النساء : 79 ) . # وقرأ الجمهور { يقنطون } بفتح النون على أنه مضارع قنط من باب حسب . ~~وقرأه أبو عمرو والكسائي بكسر النون على أنه مضارع قنط من باب ضرب وهما ~~لغتان فيه . # ثم أنكر عليهم إهمال التأمل في سنة الله الشائعة في الناس : من لحاق الضر ~~وانفراجه ، ومن قسمة الحظوظ في الرزق بين بسط وتقتير فإنه كثير الوقوع كل ~~حين فكما أنهم لم يقنطوا من بسط الرزق عليهم في حين تقتيره فكدحوا في طلب ~~الرزق بالأسباب والدعاء فكذلك كان حقهم أن يتلقوا السوء النادر بمثل ما ~~يتلقون به ضيق الرزق ، فيسعوا في كشف السيئة بالتوبة والابتهال إلى الله ~~وبتعاطي أسباب زوالها من الأسباب التي نصبها الله تعالى ، فجملة { أو لم ~~يروا أن الله يبسط الرزق } الخ عطف على جملة { وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا ~~بها . } والاستفهام إنكاري في معنى النفي ؛ أنكر عليهم عدم الرؤية تنزيلا ~~لرؤيتهم ذلك منزلة عدم الرؤية لإهمال آثارها من الاعتبار بها . فالتقدير : ~~إذا هم يقنطون كيف لم يروا بسط الله الرزق وتقتيره كأنهم لم يروا ذلك . ~~والرؤية بصرية . # وجملة { إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون } تذييل ، أي في جميع ما ذكر آيات ~~كثيرة حاصلة كثرتها من اشتمال كل حالة من تلك الأحوال على أسباب ~~PageV21P101 خفية وظاهرة ، ومسبباتها كذلك ، ومن تعدد أحوال الناس من ~~الاعتبار بها والأخذ منها ، كل على حسب استعداده . وخص القوم المؤمنون بذلك ~~لأنهم أعمق بصائر بما ارتاضت عليه أنفسهم من آداب الإيمان ومن نصب أنفسهم ~~لطلب العلم والحكمة من علوم الدين وحكمة النبوءة . # فاء التفريع تفيد أن ms6310 الكلام بعدها مترتب على الكلام الذي قبلها ، وقد ~~اشتمل الكلام قبلها على لحاق آثار رحمة الله بالناس ، وإصابة السوء إياهم ، ~~وعلى أن ما يصيبهم من السوء بما قدمت أيدي الناس ، وذكر بسط الرزق وتقديره ~~. وتضمن ذلك أن الفرح يلهيهم عن الشكر ، وأن القنوط يلهيهم عن المحاسبة في ~~الأسباب ، فكان الأمر بإيتاء الضعفاء والمنكوبين إرشادا إلى وسائل شكر ~~النعمة عند حصولها شكرا من نوعها واستكشاف الضر عند نزوله ، وإلى أن من ~~الحق التوسعة على المضيق عليهم الرزق ، كما يحب أن يوسع عليه رزقه ؛ ~~فالخطاب بالأمر للنبيء صلى الله عليه وسلم باعتبار من معه من المؤمنين ممن ~~يحق عليه الإيتاء وهو الذي بسط له في الرزق ، أي فآتوا ذا القربى حقه ~~بقرينة قوله { ذلك خير للذين يريدون وجه الله } ( الروم : 38 ) الآية ، ~~ويجوز أن يكون خطابا لغير معين من المؤمنين . # والإيتاء : الإعطاء . وهو مشعر بأن المعطى مال ، ويقوي ذلك وقوع الآية ~~عقب قوله { أو لم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء } ( الروم : 37 ) . ~~وصيغة الأمر من قوله { فئات } مجمل . والأصل في محملها الوجوب مع أن ~~المأمور بإيتائه عبر عنه بأنه حق والأصل في الحق الوجوب . وظاهر الآية ~~يقتضي أن المراد حق في مال المؤتي . # وعن مجاهد وقتادة : صلة الرحم أي بالمال فرض من الله عز وجل لا ~~PageV21P102 تقبل صدقة أحد ورحمه محتاجة . وقال الحسن : حق ذي القربى ~~المواساة في اليسر ، وقول ميسور في العسر . وقال ابن عطية : معظم ما قصد ~~أمر المعونة بالمال ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم ( في المال حق سوى ~~الزكاة ) ، وللمساكين وابن السبيل حق ، وبين أن حق هذين في المال اه . أقول ~~ولذلك قال جمع كثير : إن هذه الآية منسوخة بآية المواريث ، وقال فريق : لم ~~تنسخ بل للقريب حق في البر على كل حال ، أي لا نسخ في جميع ما تضمنته بل ~~نسخ بعضه بآية المواريث وبقي ما عداه . قلت : وما بقي غير منسوخ مختلفة ~~أحكامه ، وهو مجمل تبينه أدلة أخرى متفرقة من الشريعة . # و { القربى ms6311 : قرب النسب والرحم . وتقدم عند قوله والجار ذي القربى في ~~سورة النساء . والمسكين تقدم في قوله للفقراء والمساكين في سورة التوبة . ~~وابن السبيل : المسافر المجتاز بالقرية أو بالحي . # ووقع الحق مجملا والحوالة في بيانه على ما هو متعارف بين الناس وعلى ما ~~يبينه النبي . وكانت الصدقة قبل الهجرة واجبة على الجملة موكولة إلى حرص ~~المؤمن . وقد أطلق عليها اسم الزكاة في آيات مكية كثيرة ، وقرنت بالصلاة ؛ ~~فالمراد بها في تلك الآيات الصدقة الواجبة وكانت غير مضبوطة بنصب ثم ضبطت ~~بأصناف ونصب ومقادير مخرجة عنها . قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : فإن ~~الزكاة حق المال . وإنما ضبطت بعد الهجرة فصار ما عداها من الصدقة غير واجب ~~. وقصر اسم الزكاة على الواجبة وأطلق على ما عداها اسم الصدقة أو البر أو ~~نحو ذلك ، فجماع حق هؤلاء الثلاثة المواساة بالمال ، فدل على أن ذلك واجب ~~لهم . وكان هذا في صدر الإسلام ثم نسخ بفرض الزكاة ، ثم إن لكل صنف من ~~هؤلاء الثلاثة حقا ؛ فحق ذي القربى يختلف بحسب حاجته ؛ فللغني حقه في ~~الإهداء توددا ، وللمحتاج حق أقوى . والظاهر أن المراد ذو القرابة الضعيف ~~المال الذي لم يبلغ به ضعفه مبلغ المسكنة بقرينة التعبير عنه بالحق ، ~~وبقرينة مقابلته بقوله لتربوا في أموال الناس } ( الروم : 39 ) على أحد ~~الاحتمالات في تفسيره . وأما إعطاء PageV21P103 القريب الغني فلعله غير ~~مراد هنا وليس مما يشمله لفظ { حقه } وإنما يدخل في حسن المعاملة المرغب ~~فيها . # وحق المسكين : سد خلته . وحق ابن السبيل : الضيافة كما في الحديث ( ~~جائزته يوم وليلة ) والمقصود إبطال عادة أهل الجاهلية إذ كانوا يؤثرون ~~البعيد على القريب في الإهداء والإيصاء حبا للمدحة ، ويؤثرون بعطاياهم ~~السادة وأهل السمعة تقربا إليهم ، فأمر المسلمون أن يتجنبوا ذلك ، قال ~~تعالى : { كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين ~~والأقربين بالمعروف كما تقدم في سورة البقرة . # ولذلك عقب بقوله هنا ذلك خير للذين يريدون وجه الله } أي الذين يتوخون ~~بعطاياهم إرضاء الله وتحصيل ثوابه وهم المؤمنون . والإشارة ms6312 بقوله { ذلك خير ~~} إلى الإيتاء المأخوذ من قوله { فئاتت ذا القربى حقه } الآية . # وذكر الوجه هنا تمثيل كأن المعطي أعطى المال بمرأى من الله لأن الوجه هو ~~محل النظر . وفيه أيضا مشاكلة تقديرية لأن هذا الأمر أريد به مقابلة ما كان ~~يفعله أهل الجاهلية من الإعطاء لوجه المعطى من أهل الوجاهة في القوم فجعل ~~هنا الإعطاء لوجه الله . والمراد : أنه لامتثال أمره وتحصيل رضاه . # واسم الإشارة في قوله { ذلك خير } للتنويه بالمأمور به . و { خير } يجوز ~~أن يكون تفضيلا والمفضل عليه مفهوم من السياق أن ذلك خير من صنيع أهل ~~الجاهلية الذين يعطون الأغنياء البعداء للرياء والسمعة ، أو المراد ذلك خير ~~من بذل المال في المراباة التي تذكر بعد في قوله { وما ءاتيتم من ربا الآية ~~( الروم : 39 ) . ويجوز أن يكون الخير ما قابل الشر ، أي ذلك فيه خير ~~للمؤمنين ، وهو ثواب الله . # وفي قوله وأولئك هم المفلحون } صيغة قصر من أجل ضمير الفصل ، وهو قصر ~~إضافي ، أي أولئك المتفردون بالفلاح ، وهو نجاح عملهم في إيتاء من ذكر ~~PageV21P104 لوجه الله تعالى لا للرياء والفخر . فمن آتى للرياء والفخر فلا ~~فلاح له من إيتائه . # لما جرى الترغيب والأمر ببذل المال لذوي الحاجة وصلة الرحم وما في ذلك من ~~الفلاح أعقب بالتزهيد في ضرب آخر من إعطاء المال لا يرضى الله تعالى به ~~وكان الربا فاشيا في زمن الجاهلية وصدر الإسلام وخاصة في ثقيف وقريش . فلما ~~أرشد الله المسلمين إلى مواساة أغنيائهم فقراءهم أتبع ذلك بتهيئة نفوسهم ~~للكف عن المعاملة بالربا للمقترضين منهم ، فإن المعاملة بالربا تنافي ~~المواساة لأن شأن المقترض أنه ذو خلة ، وشأن المقرض أنه ذو جدة فمعاملته ~~المقترض منه بالربا افتراض لحاجته واستغلال لاضطراره ، وذلك لا يليق ~~بالمؤمنين . # و { ما } شرطية تفيد العموم ، فالجملة معترضة بعد جملة { فئاتت ذا القربى ~~حقه } ( الروم : 38 ) الخ . والواو اعتراضية . ومضمون هذه الجملة بمنزلة ~~الاستدراك للتنبيه على إيتاء مال هو ذميم . وجيء بالجملة شرطية لأنها أنسب ~~بمعنى الاستدراك على الكلام السابق . فالخطاب للمسلمين ms6313 الذين يريدون وجه ~~الله الذين كانوا يقرضون بالربا قبل تحريمه . # ومعنى { ءاتيتم : } آتى بعضكم بعضا لأن الإيتاء يقتضي معطيا وآخذا . # وقوله { لتربوا في أموال الناس } خطاب للفريق الآخذ . # و { لتربوا } لتزيدوا ، أي لأنفسكم أموالا على أموالكم . وقوله : { في ~~أموال الناس في } للظرفية المجازية بمعنى ( من ) الابتدائية ، أي لتنالوا ~~زيادة وأرباحا تحصل لكم من أموال الناس ، فحرف { في } هنا كالذي في قول ~~سبرة الفقعسي : # ونشرب في أثمانها ونقامر PageV21P105 # أي نشرب ونقامر من أثمان إبلنا . وتقدم بيانه عند قوله تعالى { وارزقوهم ~~فيها واكسوهم في سورة النساء . # ومن } في قوله { من ربا } وقوله { من زكاة } بيانية مبينة لإبهام { ما } ~~الشرطية في الموضعين . وتقدم الربا في سورة البقرة . # وقوله { فلا يربو عند الله } جواب الشرط . ومعنى { فلا يربو عند الله } ~~أنه عمل ناقص عند الله غير زاكك عنده ، والنقص يكنى به عن المذمة والتحقير ~~. وهذا التفسير هو المناسب لمحمل لفظ الربا على حقيقته المشهورة ، ولموافقة ~~معنى قوله تعالى : { يمحق الله الربا ويربي الصدقات } ( البقرة : 276 ) ، ~~ولمناسبة ذكر الإضعاف في قوله هنا { فأولئك هم المضعفون } وقوله { لا ~~تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة في سورة آل عمران . وهذا المعنى مروي عن السدي ~~والحسن . وقد استقام بتوجيهه المعنى من جهة العربية في معنى في } من قوله { ~~في أموال الناس . # ويجوز أن يكون لفظ ربا } في الآية أطلق على الزيادة في مال لغيره ، أي ~~إعطاء المال لذوي الأموال قصد الزيادة في أموالهم تقربا إليهم ، فيشمل هبة ~~الثواب والهبة للزلفى والملق . ويكون الغرض من الآية التنبيه على أن ما ~~كانوا يفعلونه من ذلك لا يغني عنهم من موافقة مرضاة الله تعالى شيئا وإنما ~~نفعه لأنفسهم . ودرج على هذا المعنى جم غفير من المفسرين فيصير المعنى : ~~وما أعطيتم من زيادة لتزيدوا في أموال الناس ، وتصير كلمة { لتربوا } ~~توكيدا لفظيا ليعلق به قوله { في أموال الناس . # وقوله وما ءاتيتم من زكاة } الخ رجوع إلى قوله { فئاتت ذا القربى حقه } ( ~~الروم : 38 ) الآية لأن ذلك الحق هو المسمى بالزكاة . # وجملة { فأولئك هم المضعفون ms6314 } جواب { وما ءاتيتم من زكاة ، } أي فمؤتوه ~~المضعفون ، أي أولئك الذين حصل لهم الإضعاف وهو إضعاف الثواب . وضمير الفصل ~~لقصر جنس المضعفين على هؤلاء ، وهو قصر ادعائي للمبالغة لعدم الاعتداد ~~بإضعاف من عداهم لأن إضعاف من عداهم إضعاف دنيوي زائل . واسم الإشارة في ~~قوله { فأولئك هم المضعفون } للتنويه بهؤلاء والدلالة على PageV21P106 أنهم ~~أحرياء بالفلاح . واسم الإشارة إظهار في مقام الإضمار اقتضاه مقام اجتلاب ~~اسم الإشارة . # وقرأ الجمهور { ءاتيتم } بهمزتين ، أي أعطيتم . وقرأه ابن كثير { أتيتم } ~~بهمزة واحدة ، أي قصدتم ، أي فعلتم . وقرأ الجمهور { ليربو } بتحتية مفتوحة ~~وفتحة إعراب على واو { ليربو . } وكتب في المصاحف بألف بعد الواو وليس واو ~~جماعة بالاتفاق ، ورسم المصحف سنة . وقرأ نافع { لتربوا } بتاء الخطاب ~~مضمومة وواو ساكنة هي واو الجماعة . # هذا الاستئناف الثاني من الأربعة التي أقيمت عليها دلائل انفراد الله ~~تعالى بالتصرف في الناس وإبطال ما زعموه من الإشراك في الإلهية كما أنبأ ~~عنه قوله { هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء ، وإدماجا للاستدلال على ~~وقوع البعث . وقد جاء هذا الاستئناف على طريقة قوله : الله يبدأ الخلق ثم ~~يعيده } ( يونس : 34 ) واطرد الافتتاح بمثله في الآيات التي أريد بها إثبات ~~البعث كما تقدم عند قوله تعالى : { الله يبدأ الخلق ثم يعيده } ، وسيأتي في ~~الآيتين بعد هذه . # و { ثم } مستعمل في معنيي التراخي الزمني والرتبي . # و { هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء } استفهام إنكاري في معنى ~~النفي ولذلك زيدت { من } الدالة على تحقيق نفي الجنس كله في قوله { من شيء ~~. } والمعنى : ما من شركائكم من يفعل شيئا من ذلكم . ف { من } الأولى ~~بيانية هي بيان للإبهام الذي في { من يفعل ، } فيكون { من PageV21P107 يفعل ~~} مبتدأ وخبره محذوف دل عليه الاستفهام ، تقديره : حصل ، أو وجد ، أو هي ~~تبعيضية صفة لمقدر ، أي هل أحد من شركائكم . و { من } الثانية في قوله { من ~~ذلكم } تبعيضية في موضع الحال { من شيء . ومن } الثالثة زائدة لاستغراق ~~النفي . # وإضافة ( شركاء ) إلى ضمير المخاطبين من المشركين لأن المخاطبين ms6315 هم الذين ~~خلعوا على الأصنام وصف الشركاء لله فكانوا شركاء بزعم المخاطبين وليسوا ~~شركاء في نفس الأمر ، وهذا جار مجرى التهكم ، كقول خالد بن الصعق لعمرو بن ~~معديكرب في مجمع من مجامع العرب بظاهر الكوفة فجعل عمرو يحدثهم عن غاراته ~~فزعم أنه أغار على نهد فخرجوا إليه يقدمهم خالد بن الصعق وأنه قتله ، فقال ~~له خالد بن الصعق : ( مهلا أبا ثور قتيلك يسمع ) أي القتيل بزعمك . ~~والقرينة قوله ( يسمع ) كما أن القرينة في هذه الآية هي جملة التنزيه عن ~~الشريك . والإشارة ب { ذلكم } إلى الخلق ، والرزق ، والإماتة ، والإحياء ، ~~وهي مصادر الأفعال المذكورة . وأفرد اسم الإشارة بتأويل المذكور . # وجملة { سبحانه وتعالى عما يشركون } مستأنفة لإنشاء تنزيه الله تعالى عن ~~الشريك في الإلهية . وموقعها بعد الجملتين السابقتين موقع النتيجة بعد ~~القياس ، فإن حاصل معنى الجملة الأولى أن الإله الحق وهو مسمى اسم الجلالة ~~هو الذي خلق ورزق ويميت ويحيي ، فهذا في قوة مقدمة هي صغرى قياس ، وحاصل ~~الجملة الثانية أن لا أحد من الأصنام بفاعل ذلك ، وهذه في قوة مقدمة هي ~~كبرى قياسس وهو من الشكل الثاني ، وحاصل معنى تنزيه الله عن الشريك أن لا ~~شيء من الأصنام بإله . وهذه نتيجة قياس من الشكل الثاني . ودليل المقدمة ~~الصغرى إقرار الخصم ، ودليل المقدمة الكبرى العقل . وقرأ الجمهور { تشركون ~~} بفوقية على الخطاب تبعا للخطاب في { ءاتيتم } ( الروم : 39 ) . وقرأه ~~حمزة والكسائي وخلف بتحتية على الالتفات من الخطاب إلى الغيبة . ~~PageV21P108 # موقع هذه الآية ومعناها صالح لعدة وجوه من الموعظة ، وهي من جوامع كلم ~~القرآن . والمقصد منها هو الموعظة بالحوادث ماضيها وحاضرها للإقلاع عن ~~الإشراك وعن تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم فأما موقعها فيجوز أن تكون ~~متصلة بقوله قبلها { أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من ~~قبلهم الآيات } ( الروم : 9 ) ، فلما طولبوا بالإقرار على ما رأوه من آثار ~~الأمم الخالية ، أو أنكر عليهم عدم النظر في تلك الآثار ، أتبع ذلك بما أدى ~~إليه طريق الموعظة من قوله { هو الذي يبدأ الخلق ms6316 ثم يعيده } ( الروم : 27 ) ~~، ومن ذكر الإنذار بعذاب الآخرة ، والتذكير بدلائل الوحدانية ونعم الله ~~تعالى ، وتفريع استحقاقه تعالى الشكر لذاته ولأجل إنعامه استحقاقا مستقرا ~~إدراكه في الفطرة البشرية ، وما تخلل ذلك من الإرشاد والموعظة ، عاد الكلام ~~إلى التذكير بأن ما حل بالأمم الماضية من المصائب ما كان إلا بما كسبت ~~أيديهم ، أي بأعمالهم ، فيوشك أن يحل مثل ما حل بهم بالمخاطبين الذين كسبت ~~أيديهم مثل ما كسبت أيدي أولئك . # فموقع هذه الجملة على هذا الوجه موقع النتيجة من مجموع الاستدلال أو موقع ~~الاستئناف البياني بتقدير سؤال عن سبب ما حل بأولئك الأمم . ويجوز أن تقع ~~هذه الآية موقع التكملة لقوله { وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم } ( الروم : 33 ~~) الآية ، فهي خبر مستعمل في التنديم على ما حل بالمكذبين المخاطبين من ضر ~~ليعلموا أن ذلك عقاب من الله تعالى فيقلعوا عنه خشية أن يحيط بهم ما هو أشد ~~منه ، كما يؤذن به قوله عقب ذلك { لعلهم يرجعون . } فالإتيان بلفظ الناس في ~~قوله { بما كسبت أيدي الناس } إظهار في مقام الإضمار لزيادة إيضاح المقصود ~~، ومقتضى الظاهر أن يقال ( بما كسبت أيديهم ) . فالآية تشير إلى مصائب نزلت ~~ببلاد المشركين وعطلت منافعها ، ولعلها مما نشأ عن الحرب بين الروم وفارس ، ~~وكان العرب منقسمين بين أنصار هؤلاء وأنصار أولئك ، فكان من جراء ذلك أن ~~انقطعت سبل الأسفار في البر والبحر فتعطلت التجارة وقلت PageV21P109 ~~الأقوات بمكة والحجاز كما يقتضيه سوق هذه الموعظة في هذه السورة المفتتحة ب ~~{ غلبتت الروم } ( الروم : 2 ) . # فموقع هذه الجملة على هذا الوجه موقع الاستئناف البياني لسبب مس الضر ~~إياهم حتى لجأوا إلى الضراعة إلى الله ، وما بينها وبين جملة { وإذا مس ~~الناس ضر } ( الروم : 33 ) إلى آخره اعتراض واستطراد تخلل في الاعتراض . ~~ويجوز أن يكون موقعها موقع الاعتراض بين ذكر ابتهال الناس إلى الله إذا ~~أحاط بهم ضر ثم إعراضهم عن عبادته إذا أذاقهم منه رحمة وبين ذكر ما حل ~~بالأمم الماضية اعتراضا ينبىء أن الفساد الذي يظهر في العالم ما ms6317 هو إلا من ~~جراء اكتساب الناس وأن لو استقاموا لكان حالهم على صلاح . # و { الفساد : سوء الحال ، وهو ضد الصلاح ، ودل قوله : في البر والبحر } ~~على أنه سوء الأحوال في ما ينتفع به الناس من خيرات الأرض برها وبحرها . ثم ~~التعريف في { الفساد : } إما أن يكون تعريف العهد لفساد معهود لدى ~~المخاطبين ، وإما أن يكون تعريف الجنس الشامل لكل فساد ظهر في الأرض برها ~~وبحرها أنه فساد في أحوال البر والبحر ، لا في أعمال الناس بدليل قوله { ~~ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون . # وفساد البر يكون بفقدان منافعه وحدوث مضاره ، مثل حبس الأقوات من الزرع ~~والثمار والكلأ ، وفي موتان الحيوان المنتفع به ، وفي انتقال الوحوش التي ~~تصاد من جراء قحط الأرض إلى أرضين أخرى ، وفي حدوث الجوائح من جراد وحشرات ~~وأمراض . # وفساد البحر كذلك يظهر في تعطيل منافعه من قلة الحيتان واللؤلؤ والمرجان ~~فقد كانا من أعظم موارد بلاد العرب وكثرة الزوابع الحائلة عن الأسفار في ~~البحر ، ونضوب مياه الأنهار وانحباس فيضانها الذي به يستقي الناس . وقيل : ~~أريد بالبر البوادي وأهل الغمور وبالبحر المدن والقرى ، وهو عن مجاهد ~~وعكرمة وقال : إن العرب تسمي الأمصار بحرا . قيل : ومنه قول سعد بن عبادة ~~في شأن عبد الله بن أبي ابن سلول : ولقد أجمع أهل هذه البحرة على أن يتوجوه ~~. PageV21P110 يعني بالبحرة : مدينة يثرب وفيه بعد . وكأن الذي دعا إلى ~~سلوك هذا الوجه في إطلاق البحر أنه لم يعرف أنه حدث اختلال في سير الناس في ~~البحر وقلة فيما يخرج منه . وقد ذكر أهل السير أن قريشا أصيبوا بقحط وأكلوا ~~الميتة والعظام ، ولم يذكروا أنهم تعطلت أسفارهم في البحر ولا انقطعت عنهم ~~حيتان البحر ، على أنهم ما كانوا يعرفون بالاقتيات من الحيتان . # وعلى هذه الوجوه الثلاثة يكون الباء في قوله بما كسبت أيدي الناس } للعوض ~~، أي جزاء لهم بأعمالهم ، كالباء في قوله تعالى : { وما أصابكم من مصيبة ~~فبما كسبت أيديكم } ( الشورى : 30 ) ، ويكون اللام في قوله { ليذيقهم } على ~~حقيقة معنى التعليل . # ويجوز أن ms6318 يكون المراد بالفساد : الشرك قاله قتادة والسدي فتكون هذه الآية ~~متصلة بقوله { الله الذي خلقكم ثم رزقكم إلى قوله : هل من شركائكم من يفعل ~~من ذلكم من شيء } ( الروم : 40 ) ، فتكون الجملة إتماما للاستدلال على ~~وحدانية الله تعالى تنبيها على أن الله خلق العالم سالما من الإشراك ، وأن ~~الإشراك ظهر بما كسبت أيدي الناس من صنيعهم . وهذا معنى قوله في الحديث ~~القدسي في ( صحيح مسلم ) : ( إني خلقت عبادي حنفاء كلهم ، وأنهم أتتهم ~~الشياطين فأجالتهم عن دينهم ، وأمرتهم أن يشركوا بي ) الحديث . # فذكر البر والبحر لتعميم الجهات بمعنى : ظهر الفساد في جميع الأقطار ~~الواقعة في البر والواقعة في الجزائر والشطوط ، ويكون الباء في قوله { بما ~~كسبت أيدي الناس } للسببية ، ويكون اللام في قوله { ليذيقهم بعض الذي عملوا ~~} لام العاقبة ، والمعنى : فأذقناهم بعض الذي عملوا ، فجعلت لام العاقبة في ~~موضع الفاء كما في قوله تعالى : { فالتقطه ءال فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا ~~} ( القصص : 8 ) ، أي فأذقنا الذين أشركوا بعض ما استحقوه من العذاب لشركهم ~~. ويجوز أن يكون المعنى أن الله تعالى خلق العالم على نظام محكم ملائم صالح ~~للناس فأحدث الإنسان فيه أعمالا سيئة مفسدة ، فكانت وشائج لأمثالها : # وهل ينبت الخطي إلا وشيجه PageV21P111 # فأخذ الاختلال يتطرق إلى نظام العالم قال تعالى : { لقد خلقنا الإنسان في ~~أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات } ( ~~التين : 4 6 ) ، وعلى هذا الوجه يكون محمل الباء ومحمل اللام مثل محملهما ~~على الوجه الرابع . وأطلق الظهور على حدوث حادث لم يكن ، فشبه ذلك الحدوث ~~بعد العدم بظهور الشيء الذي كان مختفيا . # ومحمل صيغة فعل { ظهر } على حقيقتها من المضي يقتضي أن الفساد حصل وأنه ~~ليس بمستقبل ، فيكون إشارة إلى فساد مشاهد أو محقق الوقوع بالأخبار ~~المتواترة . وقد تحمل صيغة الماضي على معنى توقع حصول الفساد والإنذار به ~~فكأنه قد وقع على طريقة { أتى أمر الله } ( النحل : 1 ) . وأيا ما كان ~~الفساد من معهود أو شامل ، فالمقصود أن حلوله بالناس بقدرة الله كما دل ~~عليه ms6319 قوله { ليذيقهم بعض الذي عملوا } ، وأن الله يقدر أسبابه تقديرا خاصا ~~ليجازي من يغضب عليهم على سوء أفعالهم . وهو المراد بما كسبت أيديهم لأن ~~إسناد الكسب إلى الأيدي جرى مجرى المثل في فعل الشر والسوء من الأعمال كلها ~~، دون خصوص ما يعمل منها بالأيدي لأن ما يكسبه الناس يكون بالجوارح الظاهرة ~~كلها ، وبالحواس الباطنة من العقائد الضالة والأدواء النفسية . # و { ما } موصولة ، وحذف العائد من الصلة ، وتقديره : بما كسبته أيدي ~~الناس ، أي بسبب أعمالهم . وأعظم ما كسبته أيدي الناس من الأعمال السيئة ~~الإشراك وهو المقصود هنا وإن كان الحكم عاما . ويعلم أن مراتب ظهور الفساد ~~حاصلة على مقادير ما كسبت أيدي الناس ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وسئل : أي الذنب أعظم ؟ ( أن تدعو لله ندا وهو خلقك ) ، وقال تعالى : { وما ~~أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم } ( الشورى : 30 ) وقال : { وأن لو ~~استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا } ( الجن : 16 ) . # ويجري حكم تعريف { الناس } على نحو ما يجري في تعريف { الفساد } من عهد ~~أو عموم ، فالمعهود هم المشركون وقد شاع في القرآن تغليب اسم { الناس } ~~عليهم . PageV21P112 # والإذاقة : استعارة مكنية ؛ شبه ما يصيبهم من الآلام فيحسون بها بإصابة ~~الطعام حاسة المطعم . ولما كان ما عملوه لا يصيبهم بعينه تعين أن بعض الذي ~~عملوا أطلق على جزاء العمل ولذلك فالبعضية تبعيض للجزاء ، فالمراد بعض ~~الجزاء على جميع العمل لا الجزاء على بعض العمل ، أي أن ما يذيقهم من ~~العذاب هو بعض ما يستحقونه . وفي هذا تهديد إن لم يقلعوا عن مساوىء أعمالهم ~~كقوله تعالى : { ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ~~} ( فاطر : 45 ) ، ثم وراء ذلك عذاب الآخرة كما قال تعالى : { ولعذاب ~~الآخرة أشد وأبقى } ( طه : 127 ) . # والعدول عن أن يقال : بعض أعمالهم إلى { بعض الذي عملوا } للإيماء إلى ما ~~في الموصول من قوة التعريف ، أي أعمالهم المعروفة عندهم المتقرر صدورها ~~منهم . # والرجاء المستفاد من ( لعل ) يشير إلى أن ما ظهر من فساد كاف لإقلاعهم ~~عما ms6320 هم اكتسبوه ، وأن حالهم حال من يرجى رجوعه فإن هم لم يرجعوا فقد تبين ~~تمردهم وعدم إجداء الموعظة فيهم ، وهذا كقوله تعالى : { أو لا يرون أنهم ~~يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون } ( التوبة : ~~126 ) . # والرجوع مستعار للإقلاع عن المعاصي كأن الذي عصى ربه عبد أبق عن سيده ، ~~أو دابة قد أبدت ، ثم رجع . وفي الحديث ( الله أفرح بتوبة عبده من رجل نزل ~~منزلا وبه مهلكة ، ومعه راحلته عليها طعامه وشرابه فوضع رأسه فنام نومة ~~فاستيقظ وقد ذهبت راحلته حتى إذا اشتد عليه الحر والعطش أو ما شاء الله قال ~~: أرجع إلى مكاني ، فرجع فنام نومة ثم رفع رأسه فإذا دابته عنده ) . # وقرأ الجمهور { ليذيقهم } بالياء التحتية ، أي ليذيقهم الله . ومعاد ~~الضمير قوله { الله الذي خلقكم } ( الروم : 40 ) . وقرأه قنبل عن ابن كثير ~~وروح عن عاصم بنون العظمة . PageV21P113 # لما وعظهم بما أصابهم من فساد الأحوال ونبههم إلى أنها بعض الجزاء على ما ~~كسبت أيديهم عرض لهم بالإنذار بفساد أعظم قد يحل بهم مثله وهو ما أصاب ~~الذين من قبلهم بسبب ما كانوا عليه من نظير حال هؤلاء في الإشراك فأمرهم ~~بالسير في الأرض والنظر في مصير الأمم التي أشركت وكذبت مثل عاد وثمود وقوم ~~لوط وغيرهم لأن كثيرا من المشركين قد اجتازوا في أسفارهم بديار تلك الأمم ~~كما قال تعالى { وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون } ( ~~الصافات : 137 138 ) . فهذا تكرير وتأكيد لقوله السابق { أو لم يسيروا في ~~الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم } ( الروم : 9 ) ، وإنما أعيد ~~اهتماما بهذه العبرة مع مناسبة قوله { ليذيقهم بعض الذي عملوا } ( الروم : ~~41 ) . # والعاقبة : نهاية الأمر . والمراد بالعاقبة الجنس ، وهو متعدد الأفراد ~~بتعدد الذين من قبل ، ولكل قوم عاقبة . # وجملة { كان أكثرهم مشركين } واقعة موقع التعليل لجملة { كيف كان عاقبة ~~الذين من قبل } ، أي سبب تلك العاقبة المنظورة هو إشراك الأكثرين منهم ، أي ~~أن أكثر تلك الأمم التي شوهدت عاقبتها الفظيعة كان من أهل ms6321 الشرك فتعلمون أن ~~سبب حلول تلك العاقبة بهم هو شركهم ، وبعض تلك الأمم لم يكونوا مشركين ~~وإنما أصابهم لتكذيبهم رسلهم مثل أهل مدين قال تعالى : { أكفاركم خير من ~~أولئكم } ( القمر : 43 ) . # تفرع على الإنذار والتحذير من عواقب الشرك تثبيت الرسول صلى الله عليه ~~وسلم على PageV21P114 شريعته ، ووعد بأن يأتيه النصر كقوله { واعبد ربك حتى ~~يأتيك اليقين } ( الحجر : 99 ) ، مع التعريض بالإرشاد إلى الخلاص من الشرك ~~باتباع الدين القيم ، أي الحق . وهذا تأكيد للأمر بإقامة الوجه للدين في ~~قوله { فأقم وجهك للدين حنيفا } ( الروم : 30 ) ، فإن ذلك لما فرع على قوله ~~{ أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم } ( الروم : ~~9 ) ، وما اتصل من تسلسل الحجج والمواعظ فرع أيضا نظيره هذا على قوله { قل ~~سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل } ( الروم : 42 ) وقد ~~تقدم الكلام على نظير قوله { فأقم وجهك للدين } وعلى معنى إقامة الوجه عند ~~قوله { فأقم وجهك للدين حنيفا } ( الروم : 30 ) . # و { القيم } بوزن فيعل ، وهي زنة تدل على قوة ما تصاغ منه ، أي : الشديد ~~القيام ، والقيام هنا مجاز في الإصابة لأن الصواب يشبه بالقيام ، وضده يشبه ~~بالعوج ، وقد جمعهما قوله تعالى { ولم يجعل له عوجا قيما } ( الكهف : 1 ، 2 ~~) فوصف الإسلام في الآية السابقة بالحنيف والفطرة ووصف هنا بالقيم . وبين { ~~أقم } و { القيم } محسن الجناس . # والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم بهذا الأمر إعراض عن صريح خطاب ~~المشركين . والمقصود التعريض بأنهم حرموا أنفسهم من اتباع هذا الدين العظيم ~~الذي فيه النجاة . يؤخذ هذا التعريض من أمر النبي عليه الصلاة والسلام ~~بالدوام على الإسلام ومن قوله عقب ذلك { يومئذ يصدعون } الآية . # والمرد : مصدر ميمي من الرد وهو الدفع ، و { له } يتعلق به ، و { من الله ~~} متعلق ب { يأتي } و { من } ابتدائية . والمراد ( باليوم ) يوم عذاب في ~~الدنيا وأنه إذا جاء لا يرده عن المجازين به راد لأنه آت من الله . والظاهر ~~أن المراد به يوم بدر . # و { يصدعون } أصله يتصدعون فقلبت ms6322 التاء صادا لتقارب مخرجيهما لتأتي ~~التخفيف بالإدغام . والتصدع : مطاوع الصدع ، وحقيقة الصدع : الكسر والشق ، ~~ومنه تصدع القدح . # والمراد باليوم : يوم الحشر . والتصدع : التفرق والتمايز . ويكون ضمير ~~الجمع عائدا إلى جميع الناس ، أي يومئذ يفترق المؤمنون من الكافرين على نحو ~~قوله تعالى { ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون فأما الذين ءامنوا وعملوا ~~الصالحات فهم في روضة يحبرون وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآمرة ~~فأولئك في العذاب محضرون } ( الروم : 14 16 ) . PageV21P115 # ( 44 45 ) # هذه الجملة تتنزل منزلة البيان لإجمال الجملة التي قبلها وهي { فأقم وجهك ~~للدين القيم } ( الروم : 43 ) ، إذ التثبيت على الدين بعد ذكر ما أصاب ~~المشركين من الفساد بسبب شركهم يتضمن تحقير شأنهم عند الرسول صلى الله عليه ~~وسلم والمؤمنين ، فبين ذلك بأنهم لا يضرون بكفرهم إلا أنفسهم ، والذي يكشف ~~هذا المعنى تقديم المسند في قوله { فعليه كفره } فإنه يفيد تخصيصه بالمسند ~~إليه ، أي فكفره عليه لا عليك ولا على المؤمنين ، ولهذا ابتدىء بذكر حال من ~~كفر ثم ذكر بعده { من عمل صالحا } . واقتضى حرف الاستعلاء أن في الكفر تبعة ~~وشدة وضرا على الكافر ، لأن ( على ) تقتضي ذلك في مثل هذا المقام ، كما ~~اقتضى اللام في قوله { فلأنفسهم يمهدون } أن لمجرورها نفعا وغنما ، ومنه ~~قوله تعالى : { لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } ( البقرة : 286 ) . وقال ~~توبة بن الحمير : # وقد زعمت ليلى بأني فاجر # لنفسي تقاها أو عليها فجورها # وأفرد ضمير { كفره } رعيا للفظ { من } . وهذا التركيب من جوامع الكلم ~~لدلالته على ما لا يحصى من المضار في الكفر على الكافر وأنه لا يضر غيره ، ~~مع تمام الإيجاز ، وهو وعيد لأنه في معنى : من كفر فجزاؤه عقاب الله ، ~~فاكتفي عن التصريح بذلك اكتفاء بدلالة ( على ) من قوله { فعليه كفره } ~~وبمقابلة حالهم بحال من عمل صالحا بقوله { ليجزي الذين ءامنوا وعملوا ~~الصالحات من فضله } . # وأما قوله { ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون } فهو بيان أيضا لما في جملة ~~{ فأقم وجهك للدين القيم } ( الروم : 43 ) من الأمر بملازمة التحلي ~~بالإسلام وما في ذلك من ms6323 الخير العاجل والآجل مع ما تقتضيه عادة القرآن من ~~تعقيب النذارة بالبشارة والترهيب بالترغيب فهو كالتكملة للبيان . وإنما ~~قوبل { من كفر } ب { من عمل صالحا } ولم يقابل ب ( من ءامن ) للتنويه بشأن ~~المؤمنين بأنهم أهل الأعمال الصالحة دون الكافرين . فاستغني بذكر العمل ~~PageV21P116 الصالح عن ذكر الإيمان لأنه يتضمنه ، ولتحريض المؤمنين على ~~الأعمال الصالحة لئلا يتكلوا على الإيمان وحده فتفوتهم النجاة التامة . ~~وهذا اصطلاح القرآن في الغالب أن يقرن الإيمان بالعمل الصالح كما في قوله ~~تعالى قبل هذه الآية : { ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون فأما الذين ءامنوا ~~وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء ~~الآخرة فأولئك في العذاب محضرون } ( الروم : 14 16 ) حتى توهمت المعتزلة ~~والخوارج أن العمل الصالح شرط في قبول الإيمان . # وتقديم { فلأنفسهم } على { يمهدون } للاهتمام بهذا الاستحقاق وللرعاية ~~على الفاصلة وليس للاختصاص . # و { يمهدون } يجعلون مهادا ، والمهاد : الفراش . مثلت حالة المؤمنين في ~~عملهم الصالح بحال من يتطلب راحة رقاده فيوطىء فراشه ويسويه لئلا يتعرض له ~~في مضجعه من النتوء أو اليبس ما يستفز منامه . # وتقديم { لأنفسهم } على { يمهدون } للرعاية على الفاصلة مع الاهتمام بذكر ~~أنفس المؤمنين لأن قرينة عدم الاختصاص واضحة . وروعي في جمع ضمير { يمهدون ~~} معنى { من } دون لفظها مع ما تقتضيه الفاصلة من ترجيح تلك المراعاة . # ويتعلق { ليجزي الذين ءامنوا } ب { يمهدون } أي يمهدون لعلة أن يجزي الله ~~إياهم من فضله . وعدل عن الإضمار إلى الإظهار في قوله { الذين ءامنوا ~~وعملوا الصالحات } للاهتمام بالتصريح بأنهم أصحاب صلة الإيمان والعمل ~~الصالح وأن جزاء الله إياهم مناسب لذلك لتقرير ذلك في الأذهان ، مع التنويه ~~بوصفهم ذلك بتكريره وتقريره كما أنبأ عن ذلك قوله عقبه { إنه لا يحب ~~الكافرين } . # وقد فهم من قوله { من فضله } أن الله يجازيهم أضعافا لرضاه عنهم ومحبته ~~إياهم كما اقتضاه تعليل ذلك بجملة { إنه لا يحب الكافرين } المقتضي أنه يحب ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، فحصل بقوله { إنه لا يحب الكافرين } تقرير ~~بعد تقرير على الطرد والعكس فإن قوله { ليجزي ms6324 الذين ءامنوا } دل بصريحه على ~~أنهم أهل الجزاء بالفضل ، ودل بمفهومه على أنهم أهل الولاية . PageV21P117 # وقوله { إنه لا يحب الكافرين } يدل بتعليله لما قبله على أن الكافرين ~~محرومون من الفضل ، وبمفهومه على أن الجزاء موفور للمؤمنين فضلا وأن العقاب ~~معين للكافرين عدلا . # عود إلى تعداد الآيات الدالة على تفرده بالإلهية فهو عطف على جملة { ومن ~~ءاياته أن تقوم السماء والأرض بأمره } ( الروم : 25 ) وما تخلل بينهما من ~~أفانين الاستدلال على الوحدانية والبعث ومن طرائق الموعظة كان لتطرية نشاط ~~السامعين لهذه الدلائل الموضحة المبينة . والإرسال مستعار لتقدير الوصول ، ~~أي يقدر تكوين الرياح ونظامها الذي يوجهها إلى بلد محتاج إلى المطر . # والمبشرات : المؤذنة بالخير وهو المطر . وأصل البشارة : الخبر السار . ~~شبهت الرياح برسل موجهة بأخبار المسرة . وتقدم ذكر البشارة عند قوله تعالى ~~: { وبشر الذين ءامنوا وعملوا الصالحات } في سورة البقرة ، وقوله { وإذا ~~بشر أحدهم بالأنثى } في سورة النحل ، وذلك أن الرياح تسوق سحاب المطر إلى ~~حيث يمطر . وتقدم الكلام على الرياح في آيات كثيرة منها قوله تعالى { ~~وتصريف الرياح } في سورة البقرة وعلى كونها لواقح في سورة الحجر . # وقوله { وليذيقكم } عطف على { مبشرات } لأن { مبشرات } في معنى التعليل ~~للإرسال . وتقدم الكلام على الإذاقة آنفا . # و { من رحمته } صفة لموصوف محذوف دل عليه فعل { ليذيقكم } أي : مذوقا . و ~~{ من } ابتدائية ، ورحمة الله : هي المطر . PageV21P118 # وجريان الفلك بالرياح من حكمة خلق الرياح ومن نعمه ، وتقدم في آية سورة ~~البقرة . # والتقييد بقوله { بأمره } تعليم للمؤمنين وتحقيق للمنة ، أي : لولا تقدير ~~الله ذلك وجعله أسباب حصوله لما جرت الفلك ، وتحت هذا معان كثيرة يجمعها ~~إلهام الله البشر لصنع الفلك وتهذيب أسباب سيرها . وخلق نظام الريح والبحر ~~لتسخير سيرها كما دل على ذلك قوله { ولعلكم تشكرون } ، وقد تقدم ذلك في ~~سورة الحج ، وتقدم هنالك معنى { لتبتغوا من فضله } . # هذه جملة معترضة مستطردة أثارها ذكر سير الفلك في عداد النعم فعقب ذلك ~~بما كان سير الفلك فيه تذكير بنقمة الطوفان لقوم نوح ، وبجعل الله الفلك ~~لنجاة نوح وصالحي ms6325 قومه من نقمة الطوفان ، فأريد تحذير المكذبين من قريش أن ~~يصيبهم ما أصاب المكذبين قبلهم ، وكان في تلك النقمة نصر المؤمنين ، أي نصر ~~الرسل وأتباعهم ؛ ألا ترى إلى حكاية قول نوح : { رب انصرني بما كذبون في ~~سورة المؤمنين ، وقوله تعالى هنا : وكان حقا علينا نصر المؤمنين } والواو ~~اعتراضية وليست للعطف . # والانتقام : افتعال من النقم وهو الكراهية والغضب ، وفعله كضرب وعلم قال ~~تعالى { وما تنقم منا } ( الأعراف : 126 ) . وفي المثل : مثله كمثل الأرقم ~~إن يقتل ينقم بفتح القاف وإن يترك يلقم . والانتقام : العقوبة لمن يفعل ما ~~لا يرضي كأنه صيغ منه الافتعال للدلالة على حصول أثر النقم ، وقد تقدم عند ~~قوله تعالى : { وما تنقم منا } وقوله { فانتقمنا منهم } في سورة الأعراف . # وكلمة { حقا علينا } من صيغ الالتزام ، قال تعالى حكاية عن موسى عليه ~~السلام : { حقيق علي أن لا أقول على الله إلا الحق } ( الأعراف : 105 ) ، ~~وهو محقوق بكذا ، أي : لازم له ، قال الأعشى : PageV21P119 # لمحقوقة أن تستجيبي لصوته # فإن وعد الصادق حق . قال تعالى : { وعدا علينا إنا كنا فاعلين } ( ~~الأنبياء : 104 ) . وقد اختصر طريق الإفصاح عن هذا الغرض أعني غرض الوعد ~~بالنصر والوعيد له فأدرج تحت ذكر النصر معنى الانتصار ، وأدرج ذكر الفريقين ~~: فريق المصدقين الموعود ، وفريق المكذبين المتوعد ، وقد أخلي الكلام أولا ~~عن ذكرهما . # وعن أبي بكر شعبة راوي عاصم أنه كان يقف على قوله { حقا } فيكون في { كان ~~} ضمير يعود على الانتقام ، أي وكان الانتقام من المجرمين حقا ، أي : عدلا ~~، ثم يستأنف بقوله { علينا نصر المؤمنين } وكأنه أراد التخلص من إيهام أن ~~يكون للعباد حق على الله إيجابا فرارا من مذهب الاعتزال وهو غير لازم كما ~~علمت . قال ابن عطية : وهو وقف ضعيف ، وكذلك قال الكواشي عن أبي حاتم . # ( 48 49 ) # جاءت هذه الجملة على أسلوب أمثالها كما تقدم في قوله { هو الذي يبدأ ~~الخلق ثم يعيده } ( الروم : 27 ) ، وجاءت المناسبة هنا لذكر الاستدلال ~~بإرسال الرياح في قوله { ومن ءاياته أن يرسل الرياح مبشرات } ( الروم : 46 ~~) استدلالا على التفرد بالتصرف ms6326 وتصوير الصنع الحكيم الدال على سعة العلم ، ~~ثم أعقب بالاستدلال بإرسال الرياح توسلا إلى ذكر إحياء الأرض بعد موتها ~~المستدل به على البعث ، فقد أفادت صيغة الحصر بقوله { الله الذي يرسل ~~الرياح أنه هو المتصرف في هذا الشأن العجيب دون غيره ، وكفى بهذا إبطالا ~~لإلهية الأصنام ، لأنها لا تستطيع مثل هذا الصنع الذي هو أقرب التصرفات في ~~شؤون نفع البشر . والتعبير بصيغة المضارع في : يرسل ، وتثير ، ويبسطه ، ~~ويجعله PageV21P120 لاستحضار الصور العجيبة في تلك التصرفات حتى كأن السامع ~~يشاهد تكوينها مع الدلالة على تجدد ذلك . # وجمع الرياح } لما شاع في استعمالهم من إطلاقها بصيغة الجمع على ريح ~~البشارة بالمطر لأن الرياح التي تثير السحاب هي الرياح المختلفة جهات ~~هبوبها بين : جنوب وشمال وصبا ودبور ، بخلاف اسم الريح المفردة فإنه غلب في ~~الاستعمال إطلاقه على ريح القوة والشدة لأنها تتصل واردة من صوب واحد فلا ~~تزال تشتد . وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا هبت الريح قال : ( ~~اللهم اجعلها رياحا لا ريحا ) . وقد تقدم قوله تعالى { وتصريف الرياح } في ~~سورة البقرة . # والإثارة : تحريك القار تحريكا يضطرب به عن موضعه . وإثارة السحاب إنشاؤه ~~بما تحدثه الرياح في الأجواء من رطوبة تحصل من تفاعل الحرارة والبرودة . # والبسط : النشر . والسماء : الجو الأعلى وهو جو الأسحبة . # و { كيف } هنا مجردة عن معنى الاستفهام ، وموقعها المفعولية المطلقة من { ~~يبسطه } لأنها نائبة عن المصدر ، أي : يبسطه بسطا كيفيته يشاؤها الله ، وقد ~~تقدم في قوله تعالى : { هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء } في سورة آل ~~عمران . وتقدم أن من زعم أنها شرط لم يصادف الصواب . # و { كسفا } بكسر ففتح في قراءة الجمهور جمع كسف بكسر فسكون ، ويقال : ~~كسفة بهاء تأنيث وهو القطعة . وقد تقدم في قوله تعالى { أو تسقط السماء كما ~~زعمت علينا كسفا } في سورة الإسراء . وتقدم الكسف في قوله { فأسقط علينا ~~كسفا من السماء إن كنت من الصادقين } في سورة الشعراء . والمعنى : أنه يبسط ~~السحاب في السماء تارة ، أي يجعله ممتدا عاما في جو ms6327 السماء وهو المدجن الذي ~~يظلم به الجو ويقال المغلق ، ويجعله كسفا أي تارة أخرى كما دلت عليه ~~المقابلة ، أي : يجعله غمامات لأن حالة جعله كسفا غير حالة بسطه في ~~PageV21P121 السماء ، فتعين أن يكون الجمع بينهما في الذكر مرادا منه ~~اختلاف أحوال السحاب . والمقصود من هذا : أن اختلاف الحال آية على سعة ~~القدرة . # والخطاب في { فترى الودق } خطاب لغير معين وهو كل من يتأتى منه سماع هذا ~~وتتأتى منه رؤية الودق . والودق : المطر . وضمير { خلاله } للسحاب بحالتيه ~~المذكورتين وهما حالة بسطه في السماء وحالة جعله كسفا فإن المطر ينزل من ~~خلال السحاب المغلق والغمامات . والخلال : جمع خلل بفتحتين وهو الفرجة بين ~~شيئين . وتقدم نظير هذه الجملة في سورة النور . # وذكر اختلاف أحوال العباد في وقت نزول المطر وفي وقت انحباسه بين استبشار ~~وإبلاس إدماج للتذكير برحمة الله إياهم وللاعتبار باختلاف تأثرات نفوسهم في ~~السراء والضراء ، وفي ذلك إيماء إلى عظيم تصرف الله في خلقة الإنسان إذ ~~جعله قابلا لاختلاف الانفعال مع اتحاد العقل والقلب كما جعل السحاب مختلف ~~الانفعال من بسط وتقطع مع اتحاد الفعل وهو خروج الودق من خلاله . # و { إن } في قوله { وإن كانوا } مخففة مهملة عن العمل ، واللام في قوله { ~~لمبلسين } اللام الفارقة بين { إن } المخففة و { إن } الشرطية . # والإبلاس : يأس مع انكسار . وقوله { من قبله } تكرير لقوله { من قبلل أن ~~ينزل عليهم } ( الروم : 49 ) لتوكيد معنى قبلية نزول المطر وتقريره في نفوس ~~السامعين . قال ابن عطية : أفاد التأكيد الإعلام بسرعة تقلب قلوب البشر من ~~الإبلاس إلى الاستبشار اه . يعني أن إعادة قوله { من قبله } زيادة تنبيه ~~على الحالة التي كانت من قبل نزول المطر . وقال في ( الكشاف ) : ( فيه ~~الدلالة على أن عهدهم بالمطر قد تطاول فاستحكم إبلاسهم فكان الاستبشار على ~~قدر اغتمامهم ) اه . PageV21P122 يعني أن فائدة إعادة { من قبله } أن مدة ~~ما قبل نزول المطر مدة طويلة فأشير إلى قوتها بالتوكيد . # وضمير { قبله } عائد إلى المصدر المأخوذ من { أن ينزل عليهم } أي تنزيله ~~. # رتب على ما تقرر ms6328 من استحضار صورة تكوين أسباب المطر واستبشار الناس ~~بنزوله بعد الإبلاس ، أن اعترض بذكر الأمر بالنظر إلى أثر الرحمة وإغاثة ~~الله عباده حين يحيي لهم الأرض بعد موتها بالجفاف . والأمر بالنظر للاعتبار ~~والاستدلال . والنظر : رؤية العين . وعبر عن الجفاف بالموت لأن قوام الحياة ~~الرطوبة ، وعبر عن ضده بالإحياء . والخطاب ب { انظر } لغير معين ليعم كل من ~~يتأتى منه النظر مثل قوله { فترى الودق } ( الروم : 48 ) . # و { رحمة الله : هي صفته التي تتعلق بإمداد مخلوقاته ذوات الإدراك بما ~~يلائمها ويدفع عنها ما يؤلمها وذلك هو الإنعام . # وأثر الشيء : ما ينشأ عنه مما يدل عليه . فرحمة الله دلت عليها الآثار ~~الدالة على وجوده وتصرفه بما فيه رحمة للخلق . وكيف } بدل من { أثر } أو ~~مفعول ل { انظر } أي : انظر هيئة إحياء الله الأرض بعد موتها ، تلك الحالة ~~التي هي أثر من آثار رحمته الناس على حد قوله { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف ~~خلقت } ( الغاشية : 17 ) إذ جعلوا { كيف } بدلا من الإبل بدل اشتمال وإن ~~أباه ابن هشام في ( مغني اللبيب ) . وقد مضى عند قوله { ألم تر إلى ربك كيف ~~مد الظل } في سورة الفرقان ، وتقدم آنفا في قوله { فيبسطه في السماء كيف ~~يشاء } ( الروم : 48 ) . # وأطلق على إنبات الأرض إحياء وعلى قحولتها الموت على سبيل الاستعارة . # وجملة { إن ذلك لمحيي الموتى } استئناف وهو إدماج ؛ أدمج دليل البعث عقب ~~PageV21P123 الاعتبار بإحياء الأرض بعد موتها . وحرف التوكيد يفيد مع تقرير ~~الخبر زيادة معنى فاء التسبب كقول بشار : # بكرا صاحبي قبل الهجير # إن ذاك النجاح في التبكير # إذ التقدير : فالنجاح في التبكير ، كما تقرر غير مرة . واسم الإشارة عائد ~~إلى اسم الله تعالى بما أجري عليه من الإخبار بإحياء الأرض بعد موتها ليفيد ~~اسم الإشارة معنى أنه جدير بما يرد بعده من الخبر عن المشار إليه . فالمعنى ~~: أن الله الذي يحيي الأرض بعد موتها لمحيي الموتى ، تقريبا لتصور البعث . ~~وعدل عن الموصول إلى الإشارة للإيجاز ، ولما في الإشارة من التعظيم . وذيل ~~ذلك بقوله { وهو على كل ms6329 شيء قدير } فإنه يعم جميع الأشياء والبعث من جملتها ~~إذ ليس هو إلا إيجاد خلق وهو مقدور لله تعالى كما أنشأ الخلق أول مرة . ~~والشبه تام ، لأن إحياء الأرض إيجاد أمثال ما كان عليها من النبات فكذلك ~~إحياء الموتى إيجاد أمثالهم . وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر عن ~~عاصم { إلى أثر } بالإفراد . وقرأه الباقون { إلى ءاثار } بصيغة الجمع . # عطف على جملة { وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين } ( ~~الروم : 49 ) وما بينهما اعتراض واستطراد لغرض قد علمته آنفا . وهذه الجملة ~~سيقت للتنبيه على أن الكفران مطبوع في نفوسهم بحيث يعاودهم بأدنى سبب فهم ~~إذا أصابتهم النعمة استبشروا ولم يشكروا وإذا أصابتهم البأساء أسرعوا إلى ~~الكفران فصور لكفرهم أعجب صورة وهي إظهارهم إياه بحدثان ما كانوا مستبشرين ~~منه إذ يكون الزرع أخضر والأمل في الارتزاق منه قريبا فيصيبه إعصار فيحترق ~~فيضجون من PageV21P124 ذلك وتكون حالهم حالة من يكفر بالله وتجري على ~~أقوالهم عبارات السخط والقنوط ، كما قال بعض رجاز الأعراب إذ أصاب قومه قحط ~~: # رب العباد ما لنا وما لك # قد كنت تسقينا فما بدا لك # أنزل علينا الغيث لا أبا لك # فالضمير المنصوب في { رأوه } عائد إلى { أثر رحمة الله } ( الروم : 50 ) ~~وهو الزرع والكلأ والشجر . والاصفرار في الزرع ونحوه مؤذن بيبسه ، وسموا ~~صفارا بضم الصاد وتخفيف الفاء : داء يصيب الزرع . # والمصفر : اسم فاعل مقتض الوصف بمعناه في الحال ، أي فرأوه يصير أصفر ، ~~فالتعبير ب { مصفرا } لتصوير حدثان الاصفرار عليه دون أن يقال : فرأوه أصفر ~~. # وظل : بمعنى صار ، والإتيان بفعل التصيير مع الإخبار عنه بالمضارع لتصوير ~~مبادرتهم إلى الكفر ثم استمرارهم عليه . والحاصل أن المعنى أنه يغلب الكفر ~~على أحوالهم . واعلم أن الإتيان بالأفعال الثلاثة ماضية لأن وقوعها في سياق ~~الشرط يمحضها للاستقبال ، فأوثرت صيغة المضي لأنها أخف والمتكلم مخير في ~~اجتلاب أي الصيغتين مع الشرط ، مثل قوله { قل لئن اجتمعت الإنس والجن على ~~أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله } ( الإسراء : 88 ) بصيغة ms6330 المضارع ~~لأن المقام للنفي ب { لا وهي لا تدخل على الماضي المسند إلى مفرد إلا في ~~الدعاء . # ( 52 53 ) } # الفاء للترتيب على قوله { لظلوا من بعده يكفرون } ( الروم : 51 ) المفيد ~~أن الكفر غالب أحوالهم لأنهم بين كفر بالله وبين إعراض عن شكره ، أو الفاء ~~فصيحة تدل على كلام مقدر ، أي إن كبر عليك إعراضهم وساءك استرسالهم على ~~الكفر فإنهم PageV21P125 كالموتى وإنك لا تسمع الموتى . وهذا معذرة للنبيء ~~صلى الله عليه وسلم ونداء على أنه بذل الجهد في التبليغ . وفيما عدا الفاء ~~فالآية نظير التي في آخر سورة النمل ونزيد هنا فنقول : إن تعداد التشابيه ~~منظور فيه إلى اختلاف أحوال طوائف المشركين فكان لكل فريق تشبيه : فمنهم من ~~غلب عليهم التوغل في الشرك فلا يصدقون بما يخالفه ولا يتأثرون بالقرآن ~~والدعوة إلى الحق ؛ فهؤلاء بمنزلة الأموات أشباح بلا إدراك ، وهؤلاء هم ~~دهماؤهم وأغلبهم ولذلك ابتدىء بهم . ومنهم من يعرض عن استماع القرآن وهم ~~الذين يقولون : { في ءاذاننا وقر } ( فصلت : 5 ) ويقولون : { لا تسمعوا ~~لهذا القرآن والغوا فيه } ( فصلت : 26 ) وهؤلاء هم ساداتهم ومدبرو أمرهم ~~يخافون إن أصغوا إلى القرآن أن يملك مشاعرهم فلذلك يتباعدون عن سماعه ، ~~ولهذا قيد الذي شبهوا به بوقت توليهم مدبرين إعراضا عن الدعوة ، فهو تشبيه ~~تمثيل . ومنهم من سلكوا مسلك ساداتهم واقتفوا خطاهم فانحرفت أفهامهم عن ~~الصواب فهم يسمعون القرآن ولا يستطيعون العمل به ، وهؤلاء هم الذين اعتادوا ~~متابعة أهوائهم وهم الذين قالوا : { إنا وجدنا ءاباءنا على أمة وإنا على ~~ءاثارهم مهتدون } ( الزخرف : 22 ) ويحصل من جميع ذلك تشبيه جماعتهم بجماعة ~~تجمع أمواتا وصما وعميا فليس هذا من تعدد التشبه لمشبه واحد كالذي في قوله ~~تعالى : { أو كصيب من السماء } ( البقرة : 19 ) . # وقرأ الجمهور : { ولا تسمع الصم } بتاء فوقية مضمومة وكسر ميم { تسمع } ~~ونصب { الصم } ، على أنه خطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم وقرأه ابن كثير { ~~ولا يسمع الصم } بتحتية مفتوحة وبفتح ميم { يسمع } ورفع { الصم } على ~~الفاعلية ل { يسمع } . وقرأ الجمهور { بهادي } بموحدة وبألف بعد الهاء ms6331 ~~وبإضافة { هادي } إلى PageV21P126 { العمي } ، وقرأه حمزة وحده { تهدي } ~~بمثناة فوقية وبدون ألف بعد الهاء على الخطاب وبنصب { العمي } على ~~المفعولية . # هذا رابع استئناف من الأربعة المتقدمة رجوع إلى الاستدلال على عظيم ~~القدرة في مختلف المصنوعات من العوالم لتقرير إمكانية البعث وتقريب حصوله ~~إلى عقول منكريه لأن تعدد صور إيجاد المخلوقات وكيفياته من ابتدائها عن عدم ~~أو من إعادتها بعد انعدامها وبتطور وبدونه مما يزيد إمكان البعث وضوحا عند ~~منكريه ، فموقع هذه الآية كموقع قوله : { الله الذي يرسل الرياح فتثير ~~سحابا } ( الروم : 48 ) ونظائرها كما تقدم ؛ ولذلك جاءت فاتحتها على أسلوب ~~فواتح نظائرها وهذا ما يؤذن به تعقيبها بقوله { ويوم تقوم الساعة يقسم ~~المجرمون } ( الروم : 55 ) الآية . # ثم قوله { الله الذي خلقكم } مبتدأ وصفة ، وقوله { يخلق ما يشاء } هو ~~الخبر ، أي يخلق ما يشاء مما أخبر به وأنتم تنكرون . والضعف بضم الضاد في ~~الآية وهو أفصح وهو لغة قريش . ويجوز في ضاده الفتح وهو لغة تميم . وروى ~~أبو داود والترمذي عن عبد الله ابن عمر قال : قرأتها على رسول الله { الذي ~~خلقكم من ضعف } يعني بفتح الضاد فأقرأني : { من ضعف } يعني بضم الضاد . ~~وقرأ الجمهور ألفاظ { ضعف } الثلاثة بضم الضاد في الثلاثة . وقرأها عاصم ~~وحمزة بفتح الضاد ، فلهما سند لا محالة يعارض حديث ابن عمر . والجمع بين ~~هذه القراءة وبين حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نطق بلغة الضم ~~لأنها لغة قومه ، وأن الفتح رخصة لمن يقرأ بلغة قبيلة أخرى ، ومن لم يكن له ~~لغة تخصه فهو مخير بين القراءتين . والضعف : الوهن واللين . # و { من } ابتدائية ، أي : مبتدأ خلقه من ضعف ، أي : من حالة ضعف ، وهي ~~حالة كونه جنينا ثم صبيا إلى أن يبلغ أشده ، وهذا كقوله : { خلق الإنسان من ~~PageV21P127 عجل } ( الأنبياء : 37 ) يدل على تمكن الوصف من الموصوف حتى ~~كأنه منتزع منه ، قال تعالى : { وخلق الإنسان ضعيفا } ( النساء : 28 ) . # والمعنى : أنه كما أنشأكم أطوارا تبتدىء من الوهن وتنتهي إليه فكذلك ~~ينشئكم بعد الموت إذ ليس ذلك بأعجب ms6332 من الإنشاء الأول وما لحقه من الأطوار ، ~~ولهذا أخبر عنه بقوله : { يخلق ما يشاء } . # وذكر وصف العلم والقدرة لأن التطور هو مقتضى الحكمة وهي من شؤون العلم ، ~~وإبرازه على أحكم وجه هو من أثر القدرة . وتنكير { ضعف وقوة } للنوعية ؛ ف ~~{ ضعف } المذكور ثانيا هو عين { ضعف } المذكور أولا ، و { قوة } المذكورة ~~ثانيا عين { قوة } المذكورة أولا . وقولهم : النكرة إذا أعيدت نكرة كانت ~~غير الأولى ، يريدون به التنكير المقصود منه الفرد الشائع لا التنكير ~~المراد به النوعية . وعطف { وشيبة } للإيماء إلى أن هذا الضعف لا قوة بعده ~~وأن بعده العدم بما شاع من أن الشيب نذير الموت . # والشيبة : اسم مصدر الشيب . وقد تقدم في قوله تعالى : { واشتعل الرأس ~~شيبا } في سورة مريم . # لما ذكر عدم انتفاع المشركين بآيات القرآن وشبهوا بالأموات والصم والعمي ~~فظهرت فظاعة حالهم في العاجلة أتبع ذلك بوصف حالهم حين تقوم الساعة في ~~استصحاب مكابرتهم التي عاشوا عليها في الدنيا ، بأن الله حين يعيد خلقهم ~~وينشىء لهم أجساما كأجسامهم ويعيد إليهم عقولهم يكون تفكيرهم يومئذ على ~~وفاق ما كانوا عليه في الدنيا من السفسطة والمغالطة والغرور ، فإذا نشروا ~~من القبور وشعروا بصحة أجسامهم وعقولهم وكانوا قد علموا في آخر أوقات ~~حياتهم PageV21P128 أنهم ميتون خامرتهم حينئذ عقيدة إنكار البعث وحجتهم ~~السفسطائية من قولهم { هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي ~~خلقق جديد } ( سبأ : 7 ) ، هنالك يريدون أن يقنعوا أنفسهم بصحة دليلهم ~~القديم ويلتمسون اعتلالا لتخلف المدلول بعلة أن بعثهم ما كان إلا بعد ساعة ~~قليلة من وقت الدفن قبل أن تنعدم أجزاء أجسامهم فيخيل إليهم أنهم محقون في ~~إنكاره في الدنيا إذ كانوا قد أخبروا أن البعث يكون بعد فناء الأجسام ، فهم ~~أرادوا الاعتذار عن إنكارهم البعث حين تحققوه بما حاصله : أنهم لو علموا أن ~~البعث يكون بعد ساعة من الحلول في القبر لأقروا به . وقد أنبأ عن هذا تسمية ~~كلامهم هذا معذرة بقوله عقبه : { فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم } ( ~~الروم : 57 ) . وهذه فتنة ms6333 أصيبوا بها حين البعث جعلها الله لهم ليكونوا ~~هزأة لأهل النشور . ويتضح غلطهم وسوء فهمهم كما دل عليه قوله تعالى بعد ذلك ~~: { وقال الذين أوتوا العلم والإيمان } الآية ( الروم : 56 ) وقد أومأ إلى ~~أن هذا هو المراد من الآية أنه قال عقب ذلك : { كذلك كانوا يؤفكون أي كهذا ~~الخطأ كانوا في الدنيا يصرفون عن الحق بمثل هذه الترهات . وتقدم شيء من هذا ~~في المعنى عند قوله تعالى : يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا نحن أعلم بما ~~يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما } في سورة طه ( 103 ، 104 ) ~~. وبلغ من ضلالهم في ذلك أنهم يقسمون عليه ، وهذا بعد ما يجري بينهم من ~~الجدال من قول بعضهم : { إن لبثتم إلا عشرا } وقول بعضهم : { إن لبثتم إلا ~~يوما } ، وقول آخرين : { لبثنا يوما أو بعض يوم } ( الكهف : 19 ) وبعض ~~اليوم يصدق بالساعة ، كما حكي عنهم في هذه الآية . والظاهر أن هذا القسم ~~يتخاطبون به فيما بينهم كما اقتضته آية سورة طه ، أو هو حديث آخر أعلنوا به ~~حين اشتد الخلاف بينهم لأن المصير إلى الحلف يؤذن بمشادة ولجاج في الخلاف . ~~وفي قوله : { الساعة } و { ساعة } الجناس التام . # وجملة { كذلك كانوا يؤفكون } استئناف بياني لأن غرابة حالهم من فساد ~~تقدير المدة والقسم عليه مع كونه توهما يثير سؤال سائل عن مثار هذا الوهم ~~في نفوسهم فكان قوله { كذالك كانوا يؤفكون } بيانا لذلك . ومعناه : أنهم لا ~~PageV21P129 عجب في صدور ذلك منهم فإنهم كانوا يجيئون بمثل تلك الأوهام مدة ~~كونهم في الدنيا ، فتصرفهم أوهامهم عن اليقين ، وكانوا يقسمون على عقائدهم ~~كما في قوله : { وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت } ( النحل ~~: 38 ) استخفافا بالأيمان ، وكذلك إشارة إلى انصرافهم عن الحق يوم البعث . ~~والمشار إليه هو المشبه به والمشبه محذوف دل عليه كاف التشبيه ، والتقدير : ~~إفكا مثل إفكهم هذا كانوا يؤفكون به في حياتهم الدنيا . والمقصود من ~~التشبيه المماثلة والمساواة . # والإفك بفتح الهمزة : الصرف وهو من باب ضرب ، ويعدى إلى الشيء المصروف ~~عنه ms6334 بحرف ( عن ) ، وقد تقدم في تفسير قوله تعالى : { ليقولن الله فأنى ~~يؤفكون } في سورة العنكبوت . ولم يسند إفكهم إلى آفك معين لأن بعض صرفهم ~~يكون من أوليائهم وأيمة دينهم ، وبعضه من طبع الله على قلوبهم . # وإقحام فعل { كانوا } للدلالة على أن المراد في زمان قبل ذلك الزمن ، أي ~~في زمن الحياة الدنيا . والمعنى : أن ذلك خلق تخلقوا به وصار لهم كالسجية ~~في حياتهم الدنيا حتى إذا أعاد الله إليهم أرواحهم صدر عنهم ما كانوا ~~تخلقوا به وقال تعالى : { قال رب لم حشرتني أعماى وقد كنت بصيرا قال كذالك ~~أتتك آياتنا فنسيتها وكذالك اليوم تنسى وكذالك نجزي من أسرف } الآية ( طه : ~~125 127 ) وفي هذا الخبر أدب عظيم للمسلمين أن يتحاموا الرذائل والكبائر في ~~الحياة الدنيا خشية أن تصير لهم خلقا فيحشروا عليها . # جعل الله منكري البعث هدفا لسهام التغليظ والافتضاح في وقت النشور ، فلما ~~سمع المؤمنون الذين أوتوا علم القرآن وأشرقت عقولهم في الحياة الدنيا ~~بالعقائد PageV21P130 الصحيحة وآثار الحكمة لم يتمالكوا أن لا يردوا عليهم ~~غلطهم ردا يكون عليهم حسرات أن لا يكونوا قبلوا دعوة الحق كما قبلها ~~المؤمنون . وهذه الجملة معترضة . وعطف الإيمان على العلم للاهتمام به لأن ~~العلم بدون إيمان لا يرشد إلى العقائد الحق التي بها الفوز في الحياة ~~الآخرة . والمعنى : وقال لهم المؤمنون إنكارا عليهم وتحسيرا لهم . # والظاهر أن المؤمنين يسمعون تحاج المشركين بعضهم مع بعض فيبادرون ~~بالإنكار عليهم لأن تغيير المنكر سجيتهم التي كانوا عليها . وفي هذا أدب ~~إسلامي وهو أن الذي يسمع الخطأ في الدين والإيمان لا يقره ولو لم يكن هو ~~المخاطب به . # وقولهم : { لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث } صرف لهم عن تلك ~~المعذرة كأنهم يقولون : دعوا عنكم هذا فلا جدوى فيه واشتغلوا بالمقصود وما ~~وعدتم به من العذاب يوم البعث . وفعل { لبثتم } مستعمل في حقيقته ، أي ~~مكثتم ، أي استقررتم في القبور ، والخبر مستعمل في التحزين والترويع ~~باعتبار ما يرد بعده من الإفصاح عن حضور وقت عذابهم . و { في } من ms6335 قوله { ~~في كتاب الله } للتعليل ، أي لبثتم إلى هذا اليوم ولم يعذبوا من قبل لأجل ~~ما جاء في كتاب الله من تهديدهم بهذا اليوم مثل قوله تعالى : { ومن ورائهم ~~برزخ إلاى يوم يبعثون } ( المؤمنون : 100 ) ، أي : لقد بلغكم ذلك وسمعتموه ~~فكان الشأن أن تؤمنوا به ولا تعتذروا بقولكم ما لبثنا غير ساعة . # والفاء في { فهذا يوم البعث } فاء الفصيحة أفصحت عن شرط مقدر ، وتفيد ~~معنى المفاجأة كما تقدم عند قوله تعالى : { فقد كذبوكم بما تقولون } في ~~سورة الفرقان ، أي إذا كان كذلك فهذا يوم البعث كالفاء في قول عباس بن ~~الأحنف : # قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا # ثم القفول فقد جئنا خراسانا # وهذا توبيخ لهم وتهديد وتعجيل لإساءتهم بما يترقبهم من العذاب . ~~والاقتصار على { فهذا يوم البعث } ليتوقعوا كل سوء وعذاب . PageV21P131 # والاستدراك في { ولكنكم كنتم لا تعلمون } استدراك على ما تضمنته جملة { ~~لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث } أي لقد بلغكم ذلك وكان الشأن أن ~~تستعدوا له ولكنكم كنتم لا تعلمون ، أي : لا تتصدون للعلم بما فيه النفع بل ~~كان دأبكم الإعراض عن تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم # وفي التعبير بنفي العلم وقصد نفي الاهتمام به والعناية بتلقيه إشارة إلى ~~أن التصدي للتعلم وسيلة لحصوله . # تفريع على جملة { كذلك كانوا يؤفكون } ( الروم : 55 ) . والذين ظلموا هم ~~المشركون الذين أقسموا ما لبثوا غير ساعة ، فالتعبير عنهم بالذين ظلموا ~~إظهار في مقام الإضمار لغرض التسجيل عليهم بوصف الظلم وهو الإشراك بالله ~~لأنه جامع لفنون الظلم ، ففيه الاعتداء على حق الله ، وظلم المشرك نفسه ~~بتعريضها للعذاب ، وظلمهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالتكذيب ، وظلمهم ~~المؤمنين بالاعتداء على أموالهم وأبشارهم . # والمعذرة : اسم مصدر اعتذر ، إذا أبدى علة أو حجة ليدفع عن نفسه مؤاخذة ~~على ذنب أو تقصير . وهو مشتق من فعل عذره ، إذا لم يؤاخذه على ذنب أو تقصير ~~لأجل ظهور سبب يدفع عنه المؤاخذة بما فعله . وإضافة ( معذرة ) إلى ضمير { ~~الذين ظلموا } تقتضي أن المعذرة واقعة منهم . ثم يجوز أن ms6336 تكون الإضافة ~~للتعريف بمعذرة معهودة فتكون هي قولهم { ما لبثوا غير ساعة } ( الروم : 55 ~~) كما تقدم ، ويجوز أن يكون التعريف للعموم كما هو شأن المصدر المضاف ، أي ~~: لا تنفعهم معذرة يعتذرون بها مثل قولهم { غلبت علينا شقوتنا } ( المؤمنون ~~: 106 ) وقولهم { هؤلاء أضلونا } ( الأعراف : 38 ) . # واعلم أن هذا لا ينافي قوله تعالى { ولا يؤذن لهم فيعتذرون } ( المرسلات ~~: 36 ) المقتضي نفي وقوع الاعتذار منهم لأن الاعتذار المنفي هو الاعتذار ~~المأذون فيه ، أي : المقبول ، لأن الله لو PageV21P132 أذن لهم في الاعتذار ~~لكان ذلك توطئة لقبوله اعتذارهم نظير قوله { من ذا الذي يشفع عنده إلا ~~بإذنه } ( البقرة : 255 ) . والمثبت هنا معذرة من تلقاء أنفسهم لم يؤذن لهم ~~بها فهي غير نافعة لهم كما قال تعالى { قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا ~~قوما ضالين ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون قال اخسؤوا فيها ولا ~~تكلمون } ( المؤمنون : 106 108 ) وقوله { لا تجأروا اليوم إنكم منا لا ~~تنصرون } ( المؤمنون : 65 ) . # وقرأ الجمهور { تنفع } بالمثناة الفوقية . وقرأه حمزة وعاصم والكسائي ~~وخلف بالتحتية وهو وجه جائز لأن ( معذرة ) مجازي التأنيث ، ولوقوع الفصل ~~بين الفعل وفاعله بالمفعول . # و { يستعتبون } مبني للمجهول والمبني منه للفاعل استعتب ، إذا سأل العتبى ~~بضم العين وبالقصر وهي اسم للإعتاب ، أي إزالة العتب ، فهمزة الإعتاب ~~للإزالة ، قال تعالى : { وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين } ( فصلت : 24 ) ~~، فصار استعتب المبني للمجهول جاريا على استعتب المبني للمعلوم فلما قيل : ~~استعتب بمعنى طلب العتبى صار استعتب المبني للمجهول بمعنى أعتب ، فمعنى { ~~ولا هم يستعتبون } : ولا هم بمزال عنهم المؤاخذة نظير قوله { فما هم من ~~المعتبين } . وهذا استعمال عجيب جار على تصاريف متعددة في الفصيح من الكلام ~~، وبعض اشتقاقها غير قياسي ومن حاولوا إجراءه على القياس اضطروا إلى تكلفات ~~في المعنى لا يرضى بها الذوق السليم ، والعجب وقوعها في ( الكشاف ) . وقال ~~في ( القاموس ) : واستعتبه : أعطاه العتبى كأعتبه ، وطلب إليه العتبى ضد . ~~والمعنى : لا ينفعهم اعتذار بعذر ولا إقرار بالذنب وطلب العفو . وتقدم قوله ~~{ ولا هم يستعتبون في سورة النحل ms6337 . # ( 58 59 ) } # لما انتهى ما أقيمت عليه السورة من دلائل الوحدانية وإثبات البعث عقب ~~PageV21P133 ذلك بالتنويه بالقرآن وبلوغه الغاية القصوى في البيان والهدى . # والضرب حقيقته : الوضع والإلصاق ، واستعير في مثل هذه الآية للذكر ~~والتبيين لأنه كوضع الدال بلصق المدلول ، وتقدم في قوله تعالى : { إن الله ~~لا يستحيي أن يضرب مثلا ما } ( البقرة : 26 ) وتقدم أيضا آنفا عند قوله { ~~ضرب لكم مثلا من أنفسكم } ( الروم : 28 ) ، وهذا كقوله تعالى { ولقد صرفنا ~~للناس في هذا القرءان من كل مثل المتقدم في سورة الإسراء ، و ( الناس ) } ~~أريد به المشركون لأنهم المقصود من تكرير هذه الأمثال ، وعطف عليه قوله { ~~ولئن جئتهم بآية } الخ فهو وصف لتلقي المشركين أمثال القرآن فإذا جاءهم ~~الرسول صلى الله عليه وسلم بآية من القرآن فيها إرشادهم تلقوها بالاعتباط ~~والإنكار البحت فقالوا { إن أنتم إلا مبطلون . # وضمير جمع المخاطب للنبيء لقصد تعظيمه من جانب الله تعالى ، وإنما يقول ~~الذين كفروا : إن أنت إلا مبطل ، فحكي كلامهم بالمعنى للتنويه بشأن الرسول ~~عليه الصلاة والسلام . وقيل : الخطاب للرسول والمؤمنين فهو حكاية باللفظ . ~~وهذا تأنيس للرسول عليه الصلاة والسلام من إيمان معانديه ، أي أيمة الكفر ~~منهم ، ولذلك اعترض بعده بجملة كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون } ~~بين الجملتين المتعاطفتين تمهيدا للأمر بالصبر على غلوائهم ، أي تلك سنة ~~أمثالهم ، أي مثل ذلك الطبع الذي علمته يطبع الله على قلوبهم ، وقد تقدم في ~~قوله تعالى { وكذلك جعلناكم أمة وسطا في سورة البقرة وفي مواضع كثيرة من ~~القرآن . # والطبع على القلب : تصييره غير قابل لفهم الأمور الدينية وهو الختم ، وقد ~~تقدم في قوله تعالى ختم الله على قلوبهم في سورة البقرة . # والذين لا يعلمون } مراد بهم الذين كفروا أنفسهم ، فعدل عن الإضمار ~~لزيادة وصفهم بانتفاء العلم عنهم بعد أن وصفوا : بالمجرمين ، والذين ظلموا ~~، والذين كفروا . PageV21P134 # الأمر للنبيءصلى الله عليه وسلم بالصبر تفرع على جملة { ولئن جئتهم بآية ~~} ( الروم : 58 ) لتضمنها تأييسه من إيمانهم . وحذف متعلق الأمر بالصبر ~~لدلالة المقام عليه ، أي اصبر على تعنتهم ms6338 . وجملة { إن وعد الله حق } تعليل ~~للأمر بالصبر وهو تأنيس للنبيءصلى الله عليه وسلم بتحقيق وعد الله من ~~الانتقام من المكذبين ومن نصر الرسول عليه الصلاة والسلام . # والحق : مصدر حق يحق بمعنى ثبت ، فالحق : الثابت الذي لا ريب فيه ولا ~~مبالغة . # والاستخفاف : مبالغة في جعله خفيفا فالسين والتاء للتقوية مثلها في نحو : ~~استجاب واستمسك ، وهو ضد الصبر . والمعنى : لا يحملنك على ترك الصبر . ~~والخفة مستعارة لحالة الجزع وظهور آثار الغضب . وهي مثل القلق المستعار من ~~اضطراب الشيء لأن آثار الجزع والغضب تشبه تقلقل الشيء الخفيف ، فالشيء ~~الخفيف يتقلقل بأدنى تحريك ، وفي ضده يستعار الرسوخ والتثاقل . وشاعت هذه ~~الاستعارات حتى ساوت الحقيقة في الاستعمال . # ونهي الرسول عن أن يستخفه الذين لا يوقنون نهي عن الخفة التي من شأنها أن ~~تحدث للعاقل إذا رأى عناد من هو يرشده إلى الصلاح ، وذلك مما يستفز غضب ~~الحليم ، فالاستخفاف هنا هو أن يؤثروا في نفسه ضد الصبر ، ويأتي قوله تعالى ~~{ فاستخف قومه فأطاعوه في سورة الزخرف ، فانظره إكمالا لما هنا . وأسند ~~الاستخفاف إليهم على طريقة المجاز العقلي لأنهم سببه بما يصدر من عنادهم . # والذين لا يوقنون : هم المشركون الذين أجريت عليهم الصفات المتقدمة من ~~PageV21P135 الإجرام ، والظلم ، والكفر ، وعدم العلم ؛ فهو إظهار في مقام ~~الإضمار للتصريح بمساويهم . قيل : كان منهم النضر بن الحارث . ومعنى لا ~~يوقنون } أنهم لا يوقنون بالأمور اليقينية ، أي التي دلت عليها الدلائل ~~القطعية فهم مكابرون . # # PageV21P136 # | 1 ( سورة لقمان ) 1 # سميت هذه السورة بإضافتها إلى لقمان لأن فيها ذكر لقمان وحكمته وجملا من ~~حكمته التي أدب بها ابنه . وليس لها اسم غير هذا الاسم ، وبهذا الاسم عرفت ~~بين القراء والمفسرين . ولم أقف على تصريح به فيما يروى عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بسند مقبول . # وروى البيهقي في ( دلائل النبوة ) عن ابن عباس : أنزلت سورة لقمان بمكة . ~~وهي مكية كلها عند ابن عباس في أشهر قوليه وعليه إطلاق جمهور المفسرين وعن ~~ابن عباس من رواية النحاس استثناء ثلاث آيات من قوله تعالى ms6339 : { ولو أن ما ~~في الأرض من شجرة أقلام إلى قوله بما تعملون خبير } ( لقمان : 27 29 ) . ~~وعن قتادة إلا آيتين إلى قوله { إن الله سميع بصير } ( لقمان : 28 ) . وفي ~~( تفسير الكواشي ) حكاية قول إنها مكية عدا آية نزلت بالمدينة وهي { الذين ~~يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون } ( لقمان : 4 ) قائلا ~~لأن الصلاة والزكاة فرضت بالمدينة . ورده البيضاوي على تسليم ذلك بأن فرضها ~~بالمدينة لا ينافي تشريعها بمكة على غير إيجاب . والمحققون يمنعون أن تكون ~~الصلاة والزكاة فرضتا بالمدينة ؛ فأما الصلاة فلا ريب في أنها فرضت على ~~الجملة بمكة ، وأما الزكاة ففرضت بمكة دون تعيين أنصباء ومقادير ، ثم عينت ~~الأنصباء والمقادير بالمدينة . ويتحصل من هذا بأن القائل بأن آية { الذين ~~يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة إلى آخرها نزلت بالمدينة قاله من قبل رأيه ~~وليس له سند يعتمد كما يؤذن به قوله لأن الصلاة والزكاة الخ . ثم هو يقتضي ~~أن يكون صدر السورة النازل بمكة هدى ورحمة للمحسنين } ( لقمان : 3 ) { ~~أولئك على هدى من ربهم } ( لقمان : 5 ) الخ ثم ألحق به { الذين يقيمون ~~الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون } ( لقمان : 4 ) . PageV21P137 # وأما القول باستثناء آيتين وثلاثث فمستند إلى ما رواه ابن جرير عن قتادة ~~وعن سعيد ابن جبير عن ابن عباس : أن قوله تعالى { ولو أن ما في الأرض من ~~شجرة أقلام } ( لقمان : 27 ) إلى آخر الآيتين أو الثلاثث نزلت بسبب مجادلة ~~كانت من اليهود أن أحبارهم قالوا : يا محمد أرأيت قوله { وما أوتيتم من ~~العلم إلا قليلا } ( الإسراء : 85 ) إيانا تريد أم قومك ؟ فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كلا أردت . قالوا : ألست تتلو فيما جاءك أنا قد أوتينا ~~التوراة فيها تبيان كل شيء ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنها في ~~علم الله قليل ، فأنزل الله عليه : { ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام ~~الآيات . وذلك مروي بأسانيد ضعيفة وعلى تسليمها فقد أجيب بأن اليهود جادلوا ~~في ذلك ورسول الله بمكة بأن لقنوا ذلك وفدا ms6340 من قريش وفد إليهم إلى المدينة ~~، وهذا أقرب للتوفيق بين الأقوال . وهذه الروايات وإن كانت غير ثابتة بسند ~~صحيح إلا أن مثل هذا يكتفى فيه بالمقبول في الجملة . قال أبو حيان : سبب ~~نزول هذه السورة أن قريشا سألوا رسول الله عن قصة لقمان مع ابنه ، أي سألوه ~~سؤال تعنت واختبار . وهذا الذي ذكره أبو حيان يؤيده تصدير السورة بقوله ~~تعالى ومن الناس من يشتري لهو الحديث } ( لقمان : 6 ) . # وهذه السورة هي السابعة والخمسون في تعداد نزول السور ، نزلت بعد سورة ~~الصافات وقبل سورة سبأ . وعدت آياتها ثلاثا وثلاثين في عد أهل المدينة ومكة ~~، وأربعا وثلاثين في عد أهل الشام والبصرة والكوفة . # $ 2 ( { ال & # 1764 م & # 1764 * تلك ءايات الكتاب الحكيم * هدى ورحمة للمحسنين * الذين يقيمون ~~الصلواة ويؤتون الزكواة وهم بالاخرة هم يوقنون * أولائك على هدى من ربهم ~~وأولائك هم المفلحون * ومن الناس من يشترى لهو الحديث ليضل عن سبيل الله ~~بغير علم ويتخذها هزوا أولائك لهم عذاب مهين * وإذا تتلى عليه ءاياتنا ولى ~~مستكبرا كأن لم يسمعها كأن فى & # 1764 أذنيه وقرا فبشره بعذاب أليم * إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات لهم ~~جنات النعيم * خالدين فيها وعد الله حقا وهو العزيز الحكيم * خلق السماوات ~~بغير عمد ترونها وألقى فى الارض رواسى أن تميد بكم وبث فيها من كل دآبة ~~وأنزلنا من السمآء مآء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم * هاذا خلق الله فأرونى ~~ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون فى ضلال مبين * ولقد ءاتينا لقمان ~~الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غنى حميد * ~~وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يابنى لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم * ~~ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله فى عامين أن اشكر لى ~~ولوالديك إلى المصير * وإن جاهداك على أن تشرك بى ما ليس لك به علم فلا ~~تطعهما وصاحبهما فى الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلى ثم إلى مرجعكم ~~فأنبئكم بما كنتم تعملون ms6341 * يابنى إنهآ إن تك مثقال حبة من خردل فتكن فى ~~صخرة أو فى السماوات أو فى الارض يأت بها الله إن الله لطيف خبير * يابنى ~~أقم الصلواة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على مآ أصابك إن ذلك من ~~عزم الامور * ولا تصعر خدك للناس ولا تمش فى الارض مرحا إن الله لا يحب كل ~~مختال فخور * واقصد فى مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الاصوات لصوت الحمير * ~~ألم تروا أن الله سخر لكم ما فى السماوات وما فى الارض وأسبغ عليكم نعمه ~~ظاهرة وباطنة ومن الناس من يجادل فى الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير * ~~وإذا قيل لهم اتبعوا مآ أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه ءابآءنا ~~أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير * ومن يسلم وجهه إلى الله وهو ~~محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى وإلى الله عاقبة الامور * ومن كفر فلا ~~يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملو & # 1764 ا إن الله عليم بذات الصدور * نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ ~~* ولئن سألتهم من خلق السماوات والارض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم ~~لا يعلمون * لله ما فى السماوات والارض إن الله هو الغنى الحميد * ولو أنما ~~فى الارض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله ~~إن الله عزيز حكيم * ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة إن الله سميع بصير ~~* ألم تر أن الله يولج اليل فى النهار ويولج النهار فى اليل وسخر الشمس ~~والقمر كل يجرى & # 1764 إلى أجل مسمى وأن الله بما تعملون خبير * ذلك بأن الله هو الحق وأن ~~ما يدعون من دونه الباطل وأن الله هو العلى الكبير * ألم تر أن الفلك تجرى ~~فى البحر بنعمت الله ليريكم من ءاياته إن فى ذلك لايات لكل صبار شكور * ~~وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر ~~فمنهم مقتصد وما يجحد بئاياتنآ إلا كل ختار كفور * ياأيها الناس ms6342 اتقوا ربكم ~~واخشوا يوما لا يجزى والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا إن وعد ~~الله حق فلا تغرنكم الحيواة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور * إن الله عنده ~~علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما فى الارحام وما تدرى نفس ماذا تكسب غدا ~~وما تدرى نفس بأى أرض تموت إن الله عليم خبير } ) 2 $ أغراض هذه السورة # الأغراض التي اشتملت عليها هذه السورة تتصل بسبب نزولها الذي تقدم ذكره ~~أن المشركين سألوا عن قصة لقمان وابنه ، وإذا جمعنا بين هذا وبين ما سيأتي ~~عند قوله تعالى { ومن الناس من يشتري لهو الحديث } ( لقمان : 6 ) من أن ~~المراد به النضر بن الحارث إذ كان يسافر إلى بلاد الفرس فيقتني كتب قصة ~~أسفنديار ورستم وبهرام ، وكان يقرؤها على قريش ويقول : يخبركم محمد عن عاد ~~وثمود وأحدثكم أنا عن رستم وأسفنديار وبهرام ؛ فصدرت هذه السورة بالتنويه ~~بهدي القرآن ليعلم الناس أنه لا PageV21P138 يشتمل إلا على ما فيه هدى ~~وإرشاد للخير ومثل الكمال النفساني ، فلا التفات فيه إلى أخبار الجبابرة ~~وأهل الضلال إلا في مقام التحذير مما هم فيه ومن عواقبه ، فكان صدر هذه ~~السورة تمهيدا لقصة لقمان ، وقد تقدم الإلماع إلى هذا في قوله تعالى في أول ~~سورة يوسف { نحن نقص عليك أحسن القصص ، ونبهت عليه في المقدمة السابعة لهذا ~~التفسير . وانتقل من ذلك إلى تسفيه النضر بن الحارث وقصصه الباطلة . # وابتدىء ذكر لقمان بالتنويه بأن آتاه الله الحكمة وأمره بشكر النعمة . ~~وأطيل الكلام في وصايا لقمان وما اشتملت عليه : من التحذير من الإشراك ، ~~ومن الأمر ببر الوالدين ، ومن مراقبة الله لأنه عليم بخفيات الأمور ، ~~وإقامة الصلاة ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والصبر ، والتحذير من ~~الكبر والعجب ، والأمر بالاتسام بسمات المتواضعين في المشي والكلام . # وسلكت السورة أفانين ذات مناسبات لما تضمنته وصية لقمان لابنه ، وأدمج في ~~ذلك تذكير المشركين بدلائل وحدانية الله تعالى وبنعمه عليهم وكيف أعرضوا عن ~~هديه وتمسكوا بما ألفوا عليه آباءهم . وذكرت مزية دين الإسلام . وتسلية ~~الرسول بتمسك ms6343 المسلمين بالعروة الوثقى ، وأنه لا يحزنه كفر من كفروا . # وانتظم في هذه السورة الرد على المعارضين للقرآن في قوله ولو أن ما في ~~الأرض من شجرة أقلام } ( لقمان : 27 ) وما بعدها . وختمت بالتحذير من دعوة ~~الشيطان ، والتنبيه إلى بطلان ادعاء الكهان علم الغيب . # تقدم الكلام على نظائرها في أول سورة البقرة . PageV21P139 # إذا كانت هذه السورة نزلت بسبب سؤال قريش عن لقمان وابنه فهذه الآيات إلى ~~قوله { ولقد ءاتينا لقمان الحكمة } ( لقمان : 12 ) بمنزلة مقدمة لبيان أن ~~مرمى القرآن من قص القصة ما فيها من علم وحكمة وهدى وأنها مسوقة للمؤمنين ~~لا للذين سألوا عنها فكان سؤالهم نفعا للمؤمنين . # والإشارة ب { تلك } إلى ما سيذكر في هذه السورة ، فالمشار إليه مقدر في ~~الذهن مترقب الذكر على ما تقدم في قوله { ذالك الكتاب في أول البقرة وفي ~~أول سورة الشعراء والنمل والقصص . # وآيات الكتاب } خبر عن اسم الإشارة . وفي الإشارة تنبيه على تعظيم قدر ~~تلك الآيات بما دل عليه اسم الإشارة من البعد المستعمل في رفعة القدر ، ~~وبما دلت عليه إضافة الآيات إلى الكتاب الموصوف بأنه الحكيم وأنه هدى ورحمة ~~وسبب فلاح . # و { الحكيم : وصف للكتاب بمعنى ذي الحكمة ، أي لاشتماله على الحكمة . ~~فوصف الكتاب } ب { الحكيم } كوصف الرجل بالحكيم ، ولذلك قيل : إن الحكيم ~~استعارة مكنية ، أو بعبارة أرشق تشبيه بليغ بالرجل الحكيم . ويجوز أن يكون ~~الحكيم بمعنى المحكم بصيغة اسم المفعول وصفا على غير قياس كقولهم : عسل ~~عقيد ، لأنه أحكم وأتقن فليس فيه فضول ولا مالا يفيد كمالا نفسانيا . وفي ~~وصف { الكتاب } بهذا الوصف براعة استهلال للغرض من ذكر حكمة لقمان . وتقدم ~~وصف الكتاب ب { الحكيم في أول سورة يونس . # وانتصب هدى ورحمة } على الحال من { الكتاب } وهي قراءة الجمهور . وإذ كان ~~{ الكتاب } مضافا إليه فمسوغ مجيء الحال من المضاف إليه أن { الكتاب } ~~PageV21P140 أضيف إليه ما هو اسم جزئه ، أو على أنه حال من آيات . والعامل ~~في الحال ما في اسم الإشارة من معنى الفعل . وقرأه حمزة وحده برفع { رحمة } ~~على ms6344 جعل { هدى } خبرا ثانيا عن اسم الإشارة . # ومعنى المحسنين : الفاعلون للحسنات ، وأعلاها الإيمان وإقام الصلاة ~~وإيتاء الزكاة ، ولذلك خصت هذه الثلاث بالذكر بعد إطلاق المحسنين لأنها ~~أفضل الحسنات ، وإن كان المحسنون يأتون بها وبغيرها . # وزيادة وصف الكتاب ب { رحمة } بعد { هدى } لأنه لما كان المقصد من هذه ~~السورة قصة لقمان نبه على أن ذكر القصة رحمة لما تتضمنه من الآداب والحكمة ~~لأن في ذلك زيادة على الهدى أنه تخلق بالحكمة ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا ~~كثيرا ، والخير الكثير : رحمة من الله تعالى . # و { الزكاة هنا الصدقة وكانت موكولة إلى همم المسلمين غير مضبوطة بوقت ~~ولا بمقدار . وتقدم الكلام على بالآخرة هم يوقنون إلى هم المفلحون في أول ~~سورة البقرة ( 4 5 ) . # ( 6 7 ) } # عطف على جملة { تلك ءايات الكتاب الحكيم } ( لقمان : 2 ) . والمعنى : أن ~~حال الكتاب الحكيم هدى ورحمة للمحسنين ، وأن من الناس معرضين عنه يؤثرون ~~لهو الحديث ليضلوا عن سبيل الله الذي يهدي إليه الكتاب . وهذا من مقابلة ~~الثناء على آيات الكتاب الحكيم بضد ذلك في ذم ما يأتي به بعض الناس ، وهذا ~~تخلص من المقدمة إلى مدخل للمقصود وهو تفظيع ما يدعو إليه النضر بن الحارث ~~ومشايعوه من اللهو بأخبار الملوك التي لا تكسب صاحبها كمالا ولا حكمة . ~~PageV21P141 # وتقديم المسند في قوله { من الناس } للتشويق إلى تلقي خبره العجيب . ~~والاشتراء كناية عن العناية بالشيء والاغتباط به وليس هنا استعارة بخلاف ~~قوله { أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى في سورة البقرة ؛ فالاشتراء هنا ~~مستعمل في صريحه وكنايته : فالصريح تشويه لاقتناء النضر بن الحارث قصص رستم ~~وإسفنديار وبهرام ، والكناية تقبيح للذين التفوا حوله وتلقوا أخباره ، أي ~~من الناس من يشغله لهو الحديث والولع به عن الاهتداء بآيات الكتاب الحكيم . # واللهو : ما يقصد منه تشغيل البال وتقصير طول وقت البطالة دون نفع ، لأنه ~~إذا كانت في ذلك منفعة لم يكن المقصود منه اللهو بل تلك المنفعة . ولهو ~~الحديث } ما كان من الحديث مرادا للهو فإضافة { لهو } إلى { الحديث } على ~~معنى { من ms6345 } التبعيضية على رأي بعض النحاة ، وبعضهم لا يثبت الإضافة على ~~معنى { من } التبعيضية فيردها إلى معنى اللام . # وتقدم اللهو في قوله { وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو في سورة الأنعام . ~~والأصح في المراد بقوله ومن الناس من يشتري لهو الحديث } أنه النضر بن ~~الحارث فإنه كان يسافر في تجارة إلى بلاد فارس فيتلقى أكاذيب الأخبار عن ~~أبطالهم في الحروب المملوءة أكذوبات فيقصها على قريش في أسمارهم ويقول : إن ~~كان محمد يحدثكم بأحاديث عاد وثمود فأنا أحدثكم بأحاديث رستم وإسفنديار ~~وبهرام . ومن المفرسين من قال : إن النضر كان يشتري من بلاد فارس كتب أخبار ~~ملوكهم فيحدث بها قريشا ، أي بواسطة من يترجمها لهم . ويشمل لفظ { الناس } ~~أهل سامره الذين ينصتون لما يقصه عليهم كما يقتضيه قوله تعالى إثره { أولئك ~~لهم عذاب مهين } . # وقيل المراد ب { من يشتري لهو الحديث } من يقتني القينات المغنيات . روى ~~الترمذي عن علي بن يزيد عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تبيعوا القينات ولا تشتروهن ولا خير في ~~تجارة فيهن وثمنهن حرام ) ، في مثل ذلك أنزلت هذه الآية { ومن الناس من ~~يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله } إلى آخر الآية . قال أبو عيسى : هذا ~~حديث غريب إنما PageV21P142 يروى من حديث القاسم عن أبي أمامة وعلي بن يزيد ~~يضعف في الحديث سمعت محمدا يعني البخاري يقول علي بن يزيد يضعف اه . وقال ~~ابن العربي في ( العارضة ) : في سبب نزولها قولان : أحدهما أنها نزلت في ~~النضر بن الحارث . الثاني أنها نزلت في رجل من قريش قيل هو ابن خطل اشترى ~~جارية مغنية فشغل الناس بها عن استماع النبي صلى الله عليه وسلم اه . ~~وألفاظ الآية أنسب انطباقا على قصة النضر بن الحارث . # ومعنى { ليضل عن سبيل الله } أنه يفعل ذلك ليلهي قريشا عن سماع القرآن ~~فإن القرآن سبيل موصل إلى الله تعالى ، أي إلى الدين الذي أراده ، فلم يكن ~~قصده مجرد اللهو بل تجاوزه إلى الصد عن ms6346 سبيل الله ، وهذا زيادة في تفظيع ~~عمله . وقرأ الجمهور { ليضل } بضم الياء . وقرأه ابن كثير وأبو عمرو بفتح ~~الياء ، أي ليزداد ضلالا على ضلاله إذ لم يكتف لنفسه بالكفر حتى أخذ يبث ~~ضلاله للناس ، وبذلك يكون مآل القراءتين متحد المعنى . # ويتعلق { ليضل عن سبيل الله } بفعل { يشتري } ويتعلق به أيضا قوله { بغير ~~علم } لأن أصل تعلق المجرورات أن يرجع إلى المتعلق المبني عليه الكلام ، ~~فالمعنى : يشتري لهو الحديث بغير علم ، أي عن غير بصيرة في صالح نفسه حيث ~~يستبدل الباطل بالحق . والضمير المنصوب في { يتخذها } عائد إلى { سبيل الله ~~، } فإن السبيل تؤنث . وقرأ الجمهور { ويتخذها } بالرفع عطفا على { يشتري ، ~~} أي يشغل الناس بلهو الحديث ليصرفهم عن القرآن ويتخذ سبيل الله هزؤا . ~~وقرأه حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ويعقوب وخلف بالنصب عطفا على { ليضل ، } ~~أي يلهيهم بلهو الحديث ليضلهم وليتخذ دين الإسلام هزءا . ومآل المعنى متحد ~~في القراءتين لأن كلا الأمرين من فعله ومن غرضه . وأما الإضلال فقد رجح فيه ~~جانب التعليل لأنه العلة الباعثة له على ما يفعل . PageV21P143 # والهزؤ : مصدر هزأ به إذا سخر به كقوله { ولا تتخذوا آيات الله هزؤا } ( ~~البقرة : 231 ) ولما كان { من يشتري لهو الحديث } صادقا على النضر بن ~~الحارث والذين يستمعون إلى قصصه من المشركين جيء في وعيدهم بصيغة الجمع { ~~أولئك لهم عذاب مهين . # واختير اسم الإشارة للتنبيه على أن ما يرد بعد اسم الإشارة من الخبر إنما ~~استحقه لأجل ما سبق اسم الإشارة من الوصف . # وجملة أولئك لهم عذاب مهين } معترضة بين الجملتين جملة { من يشتري } ~~وجملة { وإذا تتلى عليه آياتنا } فهذا عطف على جملة { يشتري } الخ . ~~والتقدير : ومن الناس من يشتري الخ و { إذا تتلى عليه ءاياتنا ولى مستكبرا ~~} ؛ فالموصول واحد وله صلتان : اشتراء لهو الحديث للضلال ، والاستكبار ~~عندما تتلى عليه آيات القرآن . # ودل قوله { تتلى عليه } أنه يواجه بتبليغ القرآن وإسماعه . وقوله { ولى } ~~تمثيل للإعراض عن آيات الله كقوله تعالى { ثم أدبر يسعى } ( النازعات : 22 ~~) . # و { مستكبرا } حال ، أي هو إعراض استكبار ms6347 لا إعراض تفريط في الخير فحسب . # وشبه في ذلك بالذي لا يسمع الآيات التي تتلى عليه ، ووجه الشبه هو عدم ~~التأثر ولو تأثرا يعقبه إعراض كتأثر الوليد بن المغيرة . و { كأن } مخففة ~~من ( كأن ) وهي في موضع الحال من ضمير { مستكبرا . } وكرر التشبيه لتقويته ~~مع اختلاف الكيفية في أن عدم السمع مرة مع تمكن آلة السمع ومرة مع انعدام ~~قوة آلته فشبه ثانيا بمن في أذنيه وقر وهو أخص من معنى { كأن لم يسمعها . } ~~ومثل هذا التشبيه الثاني قول لبيد : # فتنازعا سبطا يطير ظلاله # كدخان مشعلة يشب ضرامها # مشموله غلثت بنابت عرفج # كدخان نار ساطع أسنامها # والوقر : أصله الثقل ، وشاع في الصمم مجازا مشهورا ساوى الحقيقة ، وقد ~~تقدم في قوله { وفي آذانهم وقرا في سورة الأنعام PageV21P144 . # وقرأ نافع في أذنيه } بسكون الذال للتخفيف لأجل ثقل المثنى ، وقرأه ~~الباقون بضم الذال على الأصل . وقد ترتب على هذه الأعمال التي وصف بها أن ~~أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يوعده بعذاب أليم . وإطلاق البشارة ~~هنا استعارة تهكمية ، كقول عمرو بن كلثوم : # فعجلنا القرى أن تشتمونا # وقد عذب النضر بالسيف إذ قتل صبرا يوم بدر ، فذلك عذاب الدنيا ، وعذاب ~~الآخرة أشد . # ( 8 9 ) # لما ذكر عذاب من يضل عن سبيل الله اتبع ببشارة المحسنين الذين وصفوا ~~بأنهم يقيمون الصلاة إلى قوله { وأولئك هم المفلحون } ( لقمان : 5 ) . # وانتصب { وعد الله } على المفعول المطلق النائب عن فعله ، وانتصب { حقا } ~~على الحال المؤكدة لمعنى عاملها كما تقدم في صدر سورة يونس . وإجراء ~~الاسمين الجليلين على ضمير الجلالة لتحقيق وعده لأنه لعزته لا يعجزه الوفاء ~~بما وعد ، ولحكمته لا يخطىء ولا يذهل عما وعد ، فموقع جملة { وهو العزيز ~~الحكيم } موقع التذييل بالأعم . # ( 10 11 ) { لله } # استئناف للاستدلال على الذين دأبهم الإعراض عن آيات الله بأن الله هو ~~خالق المخلوقات فلا يستحق غيره أن تثبت له الإلهية فكان ادعاء الإلهية لغير ~~الله PageV21P145 هو العلة للإعراض عن آيات الكتاب الحكيم ، فهم لما أثبتوا ~~الإلهية لما لا يخلق ms6348 شيئا كانوا كمن يزعم أن الأصنام مماثلة لله تعالى في ~~أوصافه فذلك يقتضي انتفاء وصف الحكمة عنه كما هو منتف عنها . ولذا فإن موقع ~~هذه الآيات موقع دليل الدليل ، وهو المقام المعبر عنه في علم الاستدلال ~~بالتدقيق ، وهو ذكر الشيء بدليله ودليل دليله ، فالخطاب في قوله { ترونها } ~~و { بكم } للمشركين ، وقد تقدم في سورة الرعد قوله : { الله الذي رفع ~~السماوات بغير عمد ترونها ، وتقدم في أول سورة النحل قوله وألقى في الأرض ~~رواسي أن تميد بكم } والمعنى خوف أن تميد بكم أو لئلا تميدكم كما بين هنالك ~~. وتقدم في سورة البقرة قوله : { وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح } . # وقوله { أنزلنا من السماء ماء } وهو نظير قوله في سورة البقرة { وما أنزل ~~الله من السماء من ماء وقوله في سورة الرعد أنزل من السماء ماء فسالت أودية ~~. # والالتفات من الغيبة إلى التكلم في قوله وأنزلنا } للاهتمام بهذه النعمة ~~التي هي أكثر دورانا عند الناس . وضمير { فيها } عائد إلى الأرض . # والزوج : الصنف ، وتقدم في قوله تعالى { فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى ~~في طه وقوله وأنبتت من كل زوج بهيج في سورة الحج . # والكريم : النفيس في نوعه ، وتقدم عند قوله تعالى إني ألقي إلي كتاب كريم ~~في سورة النمل . # وقد أدمج في أثناء دلائل صفة الحكمة الامتنان بما في ذلك من منافع للخلق ~~بقوله أن تميد بكم وبث فيها من كل دابة } فإن من الدواب المبثوثة ما ينتفع ~~به الناس من أكل لحوم أوانسها ووحوشها والانتفاع بألبانها وأصوافها وجلودها ~~وقرونها وأسنانها والحمل عليها والتجمل بها في مرابطها وغدوها ورواحها ، ثم ~~من نعمة منافع النبات من الحب والثمر والكلأ والكمأة . وإذ كانت البحار من ~~جملة الأرض فقد شمل الانتفاع بدواب البحر فالله كما أبدع الصنع أسبغ النعمة ~~فأرانا آثار الحكمة والرحمة . PageV21P146 # وجملة { هذا خلق الله } إلى آخرها نتيجة الاستدلال بخلق السماء والأرض ~~والجبال والدواب وإنزال المطر . واسم الإشارة إلى ما تضمنه قوله { خلق ~~السماوات } إلى قوله { من كل زوج كريم . } والإتيان به ms6349 مفردا بتأويل ~~المذكور . والانتقال من التكلم إلى الغيبة في قوله { خلق الله } التفاتا ~~لزيادة التصريح بأن الخطاب وارد من جانب الله بقرينة قوله { هذا خلق الله } ~~وكذلك يكون الانتقال من التكلم إلى الغيبة في قوله { ماذا خلق الذين من ~~دونه } التفاتا لمراعاة العود إلى الغيبة في قوله { خلق الله . } ويجوز أن ~~تكون الرؤية من قوله { فأروني } علمية ، أي فأنبئوني ، والفعل معلقا عن ~~العمل بالاستفهام ب { ماذا } . فيتعين أن يكون { فأروني } تهكما لأنهم لا ~~يمكن لهم أن يكافحوا الله زيادة على كون الأمر مستعملا في التعجيز ، لكن ~~التهكم أسبق للقطع بأنهم لا يتمكنون من مكافحة الله قبل أن يقطعوا بعجزهم ~~عن تعيين مخلوق خلقه من دون الله قطعا نظريا . # وصوغ أمر التعجيز من مادة الرؤية البصرية أشد في التعجيز لاقتضائها ~~الاقتناع منهم بأن يحضروا شيئا يدعون أن آلهتهم خلقته . وهذا كقول حطائط بن ~~يعفر النهشلي وقيل حاتم الطائي : # أريني جوادا مات هزلا لعلني # أرى ما تزين أو بخيلا مخلدا # أي : أحضرني جوادا مات من الهزال وأرينيه لعلي أرى مثل ما رأيتيه . # والعرب يقصدون في مثل هذا الغرض الرؤية البصرية ، ولذلك يكثر أن يقول : ~~ما رأت عيني ، وانظر هل ترى . وقال امرؤ القيس : # فلله عينا من رأى من تفرق # أشت وأنأى من فراق المحصب # وإجراء اسم موصول العقلاء على الأصنام مجاراة للمشركين إذ يعدونهم عقلاء ~~. PageV21P147 و { من دونه } صلة الموصول . و ( دون ) كناية عن الغير ، و { ~~من } جارة لاسم المكان على وجه الزيادة لتأكيد الاتصال بالظرف . # و { بل } للإضراب الانتقالي من غرض المجادلة إلى غرض تسجيل ضلالهم ، أي ~~في اعتقادهم إلهية الأصنام ، كما يقال في المناظرة : دع عنك هذا وانتقل إلى ~~كذا . # و { الظالمون : المشركون . والضلال المبين : الكفر الفظيع ، لأنهم أعرضوا ~~عن دعوة الإسلام للحق ، وذلك ضلال ، وأشركوا مع الله غيره في الإلهية ، ~~فذلك كفر فظيع . وجيء بحرف الظرفية لإفادة اكتناف الضلال بهم في سائر ~~أحوالهم ، أي : شدة ملابسته إياهم . # } # الواو عاطفة قصة لقمان على قصة النضر بن الحارث المتقدمة في قوله ms6350 تعالى { ~~ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله } ( لقمان : 6 ) باعتبار ~~كونها تضمنت عجيب حاله في الضلالة من عنايته بلهو الحديث ليضل عن سبيل الله ~~ويتخذ سبيل الله هزؤا ، وباعتبار كون قصة لقمان متضمنة عجيب حال لقمان في ~~الاهتداء والحكمة ، فهما حالان متضادان ؛ فقطع النظر عن كون قصة النضر سيقت ~~مساق المقدمة والمدخل إلى المقصود لأن الكلام لما طال في المقدمة خرجت عن ~~سنن المقدمات إلى المقصودات بالذات فلذلك عطفت عطف القصص ولم تفصل فصل ~~النتائج عقب مقدماتها . وقد تتعدد الاعتبارات للأسلوب الواحد فيتخير البليغ ~~في رعيها كقوله تعالى { يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم في سورة البقرة ~~، ويذبحون أبناءكم في سورة إبراهيم . وافتتاح القصة بحرفي التوكيد : لام ~~القسم و ( قد ) للإنباء بأنها خبر عن أمر مهم واقع . # ولقمان } اسم رجل حكيم صالح ، وأكثر الروايات في شأنه التي يعضد ~~PageV21P148 بعضها وإن كانت أسانيدها ضعيفة تقتضي أنه كان من السود ، فقيل ~~هو من بلاد النوبة ، وقيل من الحبشة . # وليس هو لقمان به عاد الذي قال المثل المشهور : إحدى حظيات لقمان . والذي ~~ذكره أبو المهوش الأسدي أو يزيد بن عمر يصعق في قوله : # تراه يطوف الآفاق حرصا # ليأكل رأس لقمان بن عاد # ويعرف ذلك بلقمان صاحب النسور ، وهو الذي له ابن اسمه لقيم وبعضهم ذكر أن ~~اسم أبيه باعوراء ، فسبق إلى أوهام بعض المؤلفين أنه المسمى في كتب اليهود ~~بلعام بن باعوراء المذكور خبره في ( الإصحاحين ) ( 22 و 23 ) من ( سفر ~~العدد ) ، ولعل ذلك وهم لأن بلعام ذلك رجل من أهل مدين كان نبيئا في زمن ~~موسى عليه السلام ، فلعل التوهم جاء من اتحاد اسم الأب ، أو من ظن أن بلعام ~~يرادف معنى لقمان لأن بلعام من البلع ولقمان من اللقم فيكون العرب سموه بما ~~يرادف اسمه في العبرانية . وقد اختلف السلف في أن لقمان المذكور في القرآن ~~كان حكيما أو نبيئا . فالجمهور قالوا : كان حكيما صالحا . واعتمد مالك في ( ~~الموطأ ) على الثاني ، فذكره في ( جامع الموطأ ) مرتين بوصف لقمان ms6351 الحكيم ، ~~وذلك يقتضي أنه اشتهر بذلك بين علماء المدينة . وذكر ابن عطية : أن ابن عمر ~~قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( لم يكن لقمان نبيئا ولكن ~~كان عبدا كثير التفكر حسن اليقين أحب الله تعالى فأحبه فمن عليه بالحكمة ) ~~ويظهر من الآيات المذكورة في قصته هذه أنه لم يكن نبيئا لأنه لم يمتن عليه ~~بوحي ولا بكلام الملائكة . والاقتصار على أنه أوتي الحكمة يومىء إلى أنه ~~ألهم الحكمة ونطق بها ، ولأنه لما ذكر تعليمه لابنه قال تعالى { وهو يعظه } ~~( لقمان : 13 ) وذلك مؤذن بأنه تعليم لا تبليغ تشريع . # وذهب عكرمة والشعبي : أن لقمان نبيء ولفظ الحكمة يسمح بهذا القول لأن ~~PageV21P149 الحكمة أطلقت على النبوءة في كثير من القرآن كقوله في داود { ~~وءاتيناه الحكمة وفصل الخطاب } ( ص : 20 ) . وقد فسرت الحكمة في قوله تعالى ~~{ ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا } ( البقرة : 269 ) بما يشمل النبوءة ~~. وأن الحكمة ( معرفة حقائق الأشياء على ما هي عليه ) وأعلاها النبوءة ~~لأنها علم بالحقائق مأمون من أن يكون مخالفا لما هي عليه في نفس الأمر إذ ~~النبوءة متلقاة من الله الذي لا يعزب عن عمله شيء . وسيأتي أن إيراد قوله ~~تعالى { ووصينا الإنسان بوالديه } ( لقمان : 14 ) في أثناء كلام لقمان ~~يساعد هذا القول . # وذكر أهل التفسير والتاريخ أنه كان في زمن داود . وبعضهم يقول : إنه كان ~~ابن أخت أيوب أو ابن خالته ، فتعين أنه عاش في بلاد إسرائيل . وذكر بعضهم ~~أنه كان عبدا فأعتقه سيده ، وذكر ابن كثير عن مجاهد : أن لقمان كان قاضيا ~~في بني إسرائيل في زمان داود عليه السلام ، ولا يوجد ذكر ذلك في كتب ~~الإسرائيليين . قيل كان راعيا لغنم وقيل كان نجارا وقيل خياطا . وفي ( ~~تفسير ابن كثير ) عن ابن وهب أن لقمان كان عبدا لبني الحسحاس وبنو الحسحاس ~~من العرب وكان من عبيدهم سحيم العبد الشاعر المخضرم الذي قتل في مدة عثمان ~~. # وحكمة لقمان مأثورة في أقواله الناطقة عن حقائق الأحوال والمقربة للخفيات ~~بأحسن الأمثال . وقد عني ms6352 بها أهل التربية وأهل الخير ، وذكر القرآن منها ما ~~في هذه السورة ، وذكر منها مالك في ( الموطأ ) بلاغين في كتاب ( الجامع ) ~~وذكر حكمة له في كتاب ( جامع العتبية ) وذكر منها أحمد بن حنبل في ( مسنده ~~) ولا نعرف كتابا جمع حكمة لقمان . وفي ( تفسير القرطبي ) قال وهب بن منبه ~~: قرأت من حكمة لقمان أرجح من عشرة آلاف باب . ولعل هذا إن صح عن وهب بن ~~منبه كان مبالغة في الكثرة . # وكان لقمان معروفا عند خاصة العرب . قال ابن إسحاق في ( السيرة ) : قدم ~~سويد بن الصامت أخو بني عمرو بن عوف مكة حاجا أو معتمرا فتصدى له رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فدعاه إلى الإسلام فقال له سويد : فلعل الذي معك مثل ~~الذي معي ؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم وما الذي معك ؟ قال : ~~مجلة لقمان . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم اعرضها علي ، فعرضها ~~عليه ، فقال : إن هذا الكلام حسن والذي PageV21P150 معي أفضل من هذا قرآن ~~أنزله الله . قال ابن إسحاق : فقدم المدينة فلم يلبث أن قتلته الخزرج وكان ~~قتله قبل يوم بعاث . وكان رجال من قومه يقولون : إنا لنراه قد قتل وهو مسلم ~~وكان قومه يدعونه الكامل اه . وفي ( الاستيعاب ) لابن عبد البر : أنا شاك ~~في إسلامه كما شك غيري . وقد تقدم في صدر الكلام على هذه السورة أن قريشا ~~سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لقمان وابنه وذلك يقتضي أنه كان ~~معروفا للعرب . وقد انتهى إلي حين كتابة هذا التفسير من حكم لقمان المأثورة ~~ثمان وثلاثون حكمة غير ما ذكر في هذه الآية وسنذكرها عند الفراغ من تفسير ~~هذه الآيات . # والإيتاء : الإعطاء ، وهو مستعار هنا للإلهام أو الوحي . # و { لقمان : اسم علم مادته مادة عربية مشتق من اللقم ، والأظهر أن العرب ~~عربوه بلفظ قريب من ألفاظ لغتهم على عادتهم كما عربوا شاول باسم طالوت وهو ~~ممنوع من الصرف لزيادة الألف والنون لا للعجمة . # وتقدم تعريف الحكمة عند قوله تعالى يؤتي الحكمة من ms6353 يشاء في سورة البقرة ، ~~وقوله ادع إلى سبيل ربك بالحكمة في سورة النحل . # وأن } في قوله { أن اشكر لله } تفسيرية وليست تفسيرا لفعل { ءاتينا } ~~لأنه نصب مفعوله وهو الحكمة ، فتكون { أن } مفسرة للحكمة باعتبار أن الحكمة ~~هنا أقوال أوحيت إليه أو ألهمها فيكون في الحكمة معنى القول دون حروفه ~~فيصلح أن تفسر ب { أن } التفسيرية ، كما فسرت حاجة في قول الشاعر الذي لم ~~يعرف وهو من شواهد العربية : # إن تحملا حاجة لي خف محملها # تستوجبا منة عندي بها ويدا # أن تقرءان علي أسماء ويحكما # مني السلام وأن لا تخبرا أحدا # والصوفية وحكماء الإشراق يرون خواطر الأصفياء حجة ويسمونها إلهاما . ومال ~~إليه جم من علمائنا . وقد قال قطب الدين الشيرازي في ( ديباجة شرحه على ~~المفتاح ) : أما بعد إني قد ألقي إلي على سبيل الإنذار ، من حضرة الملك ~~الجبار ، PageV21P151 بلسان الإلهام ، إلا كوهم من الأوهام ، ما أورثني ~~التجافي عن دار الغرور ، والإنابة إلى دار السرور ، الخ . # وكان أول ما لقنه لقمان من الحكمة هو الحكمة في نفسه بأن أمره الله بشكره ~~على ما هو محفوف به من نعم الله التي منها نعمة الاصطفاء لإعطائه الحكمة ~~وإعداده لذلك بقابليته لها . وهذا رأس الحكمة لتضمنه النظر في دلائل نفسه ~~وحقيقته قبل النظر في حقائق الأشياء وقبل التصدي لإرشاد غيره ، وأن أهم ~~النظر في حقيقته هو الشعور بوجوده على حالة كاملة والشعور بموجده ومفيض ~~الكمال عليه ، وذلك كله مقتض لشكر موجده على ذلك . وأيضا فإن شكر الله من ~~الحكمة ، إذ الحكمة تدعو إلى معرفة حقائق الأشياء على ما هي عليه لقصد ~~العمل بمقتضى العلم ، فالحكيم يبث في الناس تلك الحقائق على حسب قابلياتهم ~~بطريقة التشريع تارة والموعظة أخرى ، والتعليم لقابليه مع حملهم على العمل ~~بما علموه من ذلك ، وذلك العمل من الشكر إذ الشكر قد عرف بأنه صرف العبد ~~جميع ما أنعم الله به عليه من مواهب ونعم فيما خلق لأجله ؛ فكان شكر الله ~~هو الأهم في الأعمال المستقيمة فلذلك كان رأس الحكمة لأن من ms6354 الحكمة تقديم ~~العلم بالأنفع على العلم بما هو دونه ؛ فالشكر هو مبدأ الكمالات علما ، ~~وغايتها عملا . # وللتنبيه على هذا المعنى أعقب الله الشكر المأمور به ببيان أن فائدته ~~لنفس الشاكر لا للمشكور بقوله { ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه } لأن آثار شكر ~~الله كمالات حاصلة للشاكر ولا تنفع المشكور شيئا لغناه سبحانه عن شكر ~~الشاكرين ، ولذلك جيء به في صورة الشرط لتحقيق التعلق بين مضمون الشرط ~~ومضمون الجزاء ، فإن الشرط أدل على ذلك من الإخبار . وجيء بصيغة حصر نفع ~~الشكر في الثبوت للشاكر بقوله { فإنما يشكر لنفسه } أي ما يشكر إلا لفائدة ~~نفسه ، ولام التعليل مؤذنة بالفائدة . وزيد ذلك تبينا بعطف ضده بقوله { ومن ~~كفر فإن الله غني حميد } لإفادة أن الإعراض عن الشكر بعد استشعاره كفر ~~للنعمة وأن الله غني عن شكره بخلاف شأن المخلوقات إذ يكسبهم الشكر فوائد ~~بين بني جنسهم تجر إليهم منافع الطاعة أو PageV21P152 الإعانة أو الإغناء ~~أو غير ذلك من فوائد الشكر للمشكورين على تفاوت مقاماتهم ، والله غني عن ~~جميع ذلك ، وهو { حميد ، أي : كثير المحمودية بلسان حال الكائنات كلها حتى ~~حال الكافر به كما قال تعالى ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها ~~سورة الرعد . # ومن بلاغة القرآن وبديع إيجازه أن كان قوله أن اشكر لله } جامعا لمبدأ ~~الحكمة التي أوتيها لقمان ، ولأمره بالشكر على ذلك ، فقد جمع قوله { أن ~~اشكر لله } الإرشاد إلى الشكر ، مع الشروع في الأمر المشكور عليه تنبيها ~~على المبادرة بالشكر عند حصول النعمة . وإنما قوبل الإعراض عن الشكر بوصف ~~الله بأنه حميد لأن الحمد والشكر متقاربان ، وفي الحديث : ( الحمد رأس ~~الشكر ) ، فلما لم يكن في أسماء الله تعالى اسم من مادة الشكر إلا اسمه ~~الشكور وهو بمعنى شاكر ، أي : شاكر لعباده عبادتهم إياه عبر هنا باسمه { ~~حميد } . وجيء في فعل { يشكر } بصيغة المضارع للإيماء إلى جدارة الشكر ~~بالتجديد . # واللام في قوله { أن اشكر لي } ( لقمان : 14 ) داخلة على مفعول الشكر وهي ~~لام ملتزم زيادتها مع مادة الشكر للتأكيد والتقوية ms6355 ، وتقدم في قوله { ~~واشكروا لي في سورة البقرة . # } # عطف على جملة { ءاتينا لقمان الحكمة } ( لقمان : 12 ) لأن الواو نائبة ~~مناب الفعل فمضمون هذه الجملة يفسر بعض الحكمة التي أوتيها لقمان . ~~والتقدير : وآتيناه الحكمة إذ قال لابنه فهو في وقت قوله ذلك لابنه قد أوتي ~~حكمة فكان ذلك القول من الحكمة لا محالة ، وكل حالة تصدر عنه فيها حكمة هو ~~فيها قد أوتي حكمة . # و { إذ } ظرف متعلق بالفعل المقدر الذي دلت عليه واو العطف ، أي والتقدير ~~: وآتيناه الحكمة إذ قال لابنه . وهذا انتقال من وصفه بحكمة الاهتداء ~~PageV21P153 إلى وصفه بحكمة الهدى والإرشاد . ويجوز أن يكون { إذ قال } ~~ظرفا متعلقا بفعل ( اذكر ) محذوفا . # وفائدة ذكر الحال بقوله { وهو يعظه } الإشارة إلى أن قوله هذا كان لتلبس ~~ابنه بالإشراك ، وقد قال جمهور المفسرين : إن ابن لقمان كان مشركا فلم يزل ~~لقمان يعظه حتى آمن بالله وحده ، فإن الوعظ زجر مقترن بتخويف قال تعالى { ~~فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا } ( النساء : 63 ) ويعرف ~~المزجور عنه بمتعلق فعل الموعظة فتعين أن الزجر هنا عن الإشراك بالله . ~~ولعل ابن لقمان كان يدين بدين قومه من السودان فلما فتح الله على لقمان ~~بالحكمة والتوحيد أبى ابنه متابعته فأخذ يعظه حتى دان بالتوحيد ، وليس ~~استيطان لقمان بمدينة داود مقتضيا أن تكون عائلته تدين بدين اليهودية . # وأصل النهي عن الشيء أن يكون حين التلبس بالشيء المنهي عنه أو عند مقاربة ~~التلبس به ، والأصل أن لا ينهى عن شيء منتف عن المنهي . وقد ذكر المفسرون ~~اختلافا في اسم ابن لقمان فلا داعي إليه . وقد جمع لقمان في هذه الموعظة ~~أصول الشريعة وهي : الاعتقادات ، والأعمال ، وأدب المعاملة ، وأدب النفس . # وافتتاح الموعظة بنداء المخاطب الموعوظ مع أن توجيه الخطاب مغن عن ندائه ~~لحضوره بالخطاب ، فالنداء مستعمل مجازا في طلب حضور الذهن لوعي الكلام وذلك ~~من الاهتمام بالغرض المسوق له الكلام كما تقدم عند قوله تعالى { يا أبتت ~~إني رأيت أحد عشر كوكبا } ( يوسف : 4 ) وقوله { يا بني لا ms6356 تقصص رؤياك في ~~سورة يوسف وقوله إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل ~~علينا مائدة من السماء في سورة العقود وقوله تعالى إذ قال لأبيه يا أبت لم ~~تعبد ما لا يسمع ولا يبصر في سورة مريم . # وبني } تصغير ( ابن ) مضافا إلى ياء المتكلم فلذلك كسرت الياء . وقرأه ~~الجمهور بكسر ياء { بني } مشددة . وأصله : يا بنييي بثلاث ياءات إذ أصله ~~الأصيل يا بنيوي لأن كلمة ابن واوية اللام الملتزمة حذفها فلما صغر رد إلى ~~PageV21P154 أصله ، ثم لما التقت ياء التصغير ساكنة قبل واو الكلمة ~~المتحركة بحركة الإعراب قلبت الواو ياء لتقاربهما وأدغمتا ، ولما نودي وهو ~~مضاف إلى ياء المتكلم حذفت ياء المتكلم لجواز حذفها في النداء وكراهية تكرر ~~الأمثال ، وأشير إلى الياء المحذوفة بإلزامه الكسر في أحوال الإعراب ~~الثلاثة لأن الكسرة دليل على ياء المتكلم . وتقدم في سورة يوسف . والتصغير ~~فيه لتنزيل المخاطب الكبير منزلة الصغير كناية عن الشفقة به والتحبب له ، ~~وهو في مقام الموعظة والنصيحة إيماء وكناية عن إمحاض النصح وحب الخير ، ~~ففيه حث على الامتثال للموعظة . # ابتدأ لقمان موعظة ابنه بطلب إقلاعه عن الشرك بالله لأن النفس المعرضة ~~للتزكية والكمال يجب أن يقدم لها قبل ذلك تخليتها عن مبادىء الفساد والضلال ~~، فإن إصلاح الإعتقاد أصل لإصلاح العمل . وكان أصل فساد الإعتقاد أحد أمرين ~~هما الدهرية والإشراك ، فكان قوله { لا تشرك بالله } يفيد إثبات وجود إله ~~وإبطال أن يكون له شريك في إلهيته . وقرأ حفص عن عاصم في المواضع الثلاثة ~~في هذه السورة { يا بني } بفتح الياء مشددة على تقدير : يا بنيا بالألف وهي ~~اللغة الخامسة في المنادى المضاف إلى ياء المتكلم ثم حذفت الألف واكتفي ~~بالفتحة عنها ، وهذا سماع . # وجملة { إن الشرك لظلم عظيم } تعليل للنهي عنه وتهويل لأمره ، فإنه ظلم ~~لحقوق الخالق ، وظلم المرء لنفسه إذ يضع نفسه في حضيض العبودية لأخس ~~الجمادات ، وظلم لأهل الإيمان الحق إذ يبعث على اضطهادهم وأذاهم ، وظلم ~~لحقائق الأشياء بقلبها وإفساد تعلقها . وهذا من جملة ms6357 كلام لقمان كما هو ~~ظاهر السياق ، ودل عليه الحديث في ( صحيح مسلم ) عن عبد الله بن مسعود قال ~~: لما نزلت { الذين ءامنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } ( الأنعام : 82 ) شق ~~ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا : أينا لا يظلم نفسه ؟ ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس هو كما تظنون إنما هو كما قال لقمان ~~لابنه { يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم } . PageV21P155 وجوز ابن ~~عطية أن تكون جملة { إن الشرك لظلم عظيم } من كلام الله تعالى ، أي : ~~معترضة بين كلم لقمان . فقد روي عن ابن مسعود أنهم لما قالوا ذلك أنزل الله ~~تعالى { إن الشرك لظلم عظيم ، } وانظر من روى هذا ومقدار صحته . # ( 14 15 ) # إذا درجنا على أن لقمان لم يكن نبيئا مبلغا عن الله وإنما كان حكيما ~~مرشدا كان هذا الكلام اعتراضا بين كلامي لقمان لأن صيغة هذا الكلام مصوغة ~~على أسلوب الإبلاغ والحكاية لقول من أقوال الله . والضمائر ضمائر العظمة ~~جرته مناسبة حكاية نهي لقمان لابنه عن الإشراك وتفظيعه بأنه ظلم عظيم . ~~فذكر الله هذا لتأكيد ما في وصية لقمان من النهي عن الشرك بتعميم النهي في ~~الأشخاص والأحوال لئلا يتوهم متوهم أن النهي خاص بابن لقمان أو ببعض ~~الأحوال فحكى الله أن الله أوصى بذلك كل إنسان وأن لا هوادة فيه ولو في ~~أحرج الأحوال وهي حال مجاهدة الوالدين أولادهم على الإشراك . وأحسن من هذه ~~المناسبة أن تجعل مناسبة هذا الكلام أنه لما حكى وصاية لقمان لابنه بما هو ~~شكر الله بتنزيهه عن الشرك في الإلهية بين الله أنه تعالى أسبق منة على ~~عباده إذ أوصى الأبناء ببر الآباء فدخل في العموم المنة على لقمان جزاء على ~~رعيه لحق الله في ابتداء موعظة ابنه فالله أسبق بالإحسان إلى الذين أحسنوا ~~برعي حقه . ويقوي هذا التفسير اقتران شكر الله وشكر الوالدين في الأمر . # وإذا درجنا على أن لقمان كان نبيئا فهذا الكلام مما أبلغه لقمان لابنه ~~وهو مما أوتيه من ms6358 الوحي ويكون قد حكي بالأسلوب الذي أوحي به إليه على نحو ~~أسلوب قوله { أن اشكر لله } ( لقمان : 12 ) وهذا الاحتمال أنسب بسياق ~~الكلام ، ويرجحه اختلاف PageV21P156 الأسلوب بينها وبين آيتي سورة العنكبوت ~~وسورة الأحقاف لأن ما هنا حكاية ما سبق في أمة أخرى والأخريين خطاب أنف ~~لهذه الأمة . وقد روي أن لقمان لما أبلغ ابنه هذا قال له : إن الله رضيني ~~لك فلم يوصني بك ولم يرضك لي فأوصاك بي . # والمقصود من هذا الكلام هو قوله { وإن جاهداك على أن تشرك بي } إلى آخره ~~. . . وما قبله تمهيد له وتقرير لواجب بر الوالدين ليكون النهي عن طاعتهما ~~إذا أمرا بالإشراك بالله نهيا عنه في أولى الحالات بالطاعة حتى يكون النهي ~~عن الشرك فيما دون ذلك من الأحوال مفهوما بفحوى الخطاب مع ما في ذلك من حسن ~~الإدماج المناسب لحكمة لقمان سواء كان هذا من كلام لقمان أو كان من جانب ~~الله تعالى . # وعلى كلا الاعتبارين لا يحسن ما ذهب إليه جمع من المفسرين أن هذه الآية ~~نزلت في قضية إسلام سعد بن أبي وقاص وامتعاض أمه ، لعدم مناسبته السياق ، ~~ولأنه قد تقدم أن نظير هذه الآية في سورة العنكبوت نزل في ذلك ، وأنها ~~المناسبة لسبب النزول فإنها أخليت عن الأوصاف التي فيها ترقيق على الأم ~~بخلاف هذه ، ولا وجه لنزول آيتين في غرض واحد ووقت مختلف وسيجيء بيان ~~الموصى به . # والوهن بسكون الهاء مصدر وهن يهن من باب ضرب . ويقال : وهن بفتح الهاء ~~على أنه مصدر وهن يوهن كوجل يوجل . وهو الضعف وقلة الطاقة على تحمل شيء . ~~وانتصب { وهنا } على الحال من { أمه } مبالغة في ضعفها حتى كأنها نفس الوهن ~~، أي واهنة في حمله ، و { على وهن } صفة ل { وهنا } أي وهنا واقعا على وهن ~~، كما يقال : رجع عودا على بدء ، إذا استأنف عملا فرغ منه فرجع إليه ، أي : ~~بعد بدء ، أو { على } بمعنى ( مع ) كما في قول الأحوص : # إني على ما قد علمت محسد # أنمي على البغضاء والشنآن # فإن حمل المرأة ms6359 يقارنه التعب من ثقل الجنين في البطن ، والضعف من انعكاس ~~PageV21P157 دمها إلى تغذية الجنين ، ولا يزال ذلك الضعف يتزايد بامتداد ~~زمن الحمل فلا جرم أنه وهن على وهن . # وجملة { حملته أمه وهنا على وهن } في موضع التعليل للوصاية بالوالدين ~~قصدا لتأكيد تلك الوصاية لأن تعليل الحكم يفيده تأكيدا ، ولأن في مضمون هذه ~~الجملة ما يثير الباعث في نفس الولد على أن يبر بأمه ويستتبع البر بأبيه . ~~وإنما وقع تعليل الوصاية بالوالدين بذكر أحوال خاصة بأحدهما وهي الأم ~~اكتفاء بأن تلك الحالة تقتضي الوصاية بالأب أيضا للقياس فإن الأب يلاقي ~~مشاق وتعبا في القيام على الأم لتتمكن من الشغل بالطفل في مدة حضانته ثم هو ~~يتولى تربيته والذب عنه حتى يبلغ أشده ويستغني عن الإسعاف كما قال تعالى { ~~وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا } ( الإسراء : 24 ) ، فجمعهما في التربية ~~في حال الصغر مما يرجع إلى حفظه وإكمال نشأته ، فلما ذكرت هنا الحالة التي ~~تقتضي البر بالأم من الحمل والإرضاع كانت منبهة إلى ما للأب من حالة تقتضي ~~البر به على حساب ما تقتضيه تلك العلة في كليهما قوة وضعفا . ولا يقدح في ~~القياس التفاوت بين المقيس والمقيس عليه في قوة الوصف الموجب للإلحاق . وقد ~~نبه على هذا القياس تشريكهما في التحكم عقب ذلك بقوله { أن اشكر لي ~~ولوالديك } وقوله { وصاحبهما في الدنيا معروفا . } وحصل من هذا النظم ~~البديع قضاء حق الإيجاز . # وأما رجحان الأم في هذا الباب عند التعارض في مقتضيات البرور تعارضا لا ~~يمكن معه الجمع فقال ابن عطية في ( تفسيره ) : شرك الله في هذه الآية الأم ~~والأب في رتبة الوصية بهما ثم خصص الأم بذكر درجة الحمل ودرجة الرضاع فتحصل ~~للأم ثلاث مراتب وللأب واحدة ، وأشبه ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم ~~حين قال له رجل : من أبر ؟ قال : أمك . قال : ثم من ؟ قال : أمك . قال : ثم ~~من ؟ قال : أمك . قال : ثم من ؟ قال : أباك . فجعل له الربع من المبرة . ~~وهذا كلام منسوب مثله لابن بطال في شرح ms6360 ( صحيح البخاري ) . ولا يخفى أن ~~مساق الحديث لتأكيد البر بالأم إذ قد يقع التفريط في الوفاء بالواجب للأم ~~من الابن اعتمادا على ما يلاقيه من اللين منها بخلاف جانب الأب فإنه قوي ~~ولأبنائه توق من شدته عليهم ، فهذا PageV21P158 هو مساق الحديث ولا معنى ~~لأخذه على ظاهره حتى نذهب إلى تجزئة البر بين الأم والأب أثلاثا أو أرباعا ~~وهو ما استشكله القرافي في ( فائدة من الفرق الثالث والعشرين ) ، وحسبنا ~~نظم هذه الآية البديع في هذا الشأن . وأما لفظ الحديث فهو مسوق لتأكيد البر ~~بالأم خشية التفريط فيه . وليس معنى ( ثم ) فيه إلا محاكاة قول السائل ( ثم ~~من ) بقرينة أنه عطف بها لفظ الأم في المرتين ولا معنى لتفضيل الأم على ~~نفسها في البر . وإذ كان السياق مسوقا للاهتمام تعين أن عطف الأب على الأم ~~في المرة الثالثة عطف في الاهتمام فلا ينتزع منه ترجيح عند التعارض . ولعل ~~الرسول عليه الصلاة والسلام علم من السائل إرادة الترخيص له في عدم البر . ~~وقد قال مالك لرجل سأله : أن أباه في بلد السودان كتب إليه أن يقدم عليه ~~وأن أمه منعته فقال له مالك : أطع أباك ولا تعصص أمك . وهذا يقتضي إعراضه ~~عن ترجيح جانب أحد الأبوين وأنه متوقف في هذا التعارض ليحمل الابن على ~~ترضية كليهما . وقال الليث : يرجح جانب الأم . وقال الشافعي : يرجح جانب ~~الأب . # وجملة { وفصاله في عامين } عطف على جملة { حملته أمه } الخ ، فهي في موقع ~~الحال أيضا . وفي الجملة تقدير ضمير رابط إياها بصاحبها ، إذ التقدير : ~~وفصالها إياه ، فلما أضيف الفصال إلى مفعوله علم أن فاعله هو الأم . # والفصال : اسم للفطام ، فهو فصل عن الرضاعة . وتقدم في قوله { فإن أرادا ~~فصالا في سورة البقرة . وذكر الفصال في معرض تعليل حقية الأم بالبر ، لأنه ~~يستلزم الإرضاع من قبل الفصال ، وللإشارة إلى ما تتحمله الأم من كدر الشفقة ~~على الرضيع حين فصاله ، وما تشاهده من حزنه وألمه في مبدأ فطامه . وذكر ~~لمدة فطامه أقصاها وهو عامان لأن ذلك أنسب بالترقيق على ms6361 الأم ، وأشير إلى ~~أنه قد يكون الفطام قبل العامين بحرف الظرفية لأن الظرفية تصدق مع استيعاب ~~المظروف جميع الظرف ، ولذلك فموقع في أبلغ من موقع ( من ) التبعيضية في قول ~~سبرة بن عمرو الفقعسي : PageV21P159 # ونشرب في أثمانها ونقامر # لأنه يصدق بأن يستغرق الشراب والمقامرة كامل أثمان إبله . وقد تقدم ذلك ~~عند قوله تعالى وارزقوهم فيها واكسوهم في سورة النساء . وقد حمله علي بن ~~أبي طالب أو ابن عباس على هذا المعنى فأخذ منه أن أقل مدة الحمل ستة أشهر ~~جمعا بين هذه الآية وآية سورة الأحقاف كما سيأتي هنالك . # وجملة أن اشكر لي ولوالديك } تفسير لفعل { وصينا . } و { أن } تفسيرية ، ~~وإنما فسرت الوصية بالوالدين بما فيه الأمر بشكر الله مع شكرهما على وجه ~~الإدماج تمهيدا لقوله { وإن جاهداك على أن تشرك بي } الخ . # وجملة { إلي المصير } استئناف للوعظ والتحذير من مخالفة ما أوصى الله به ~~من الشكر له . وتعريف { المصير } تعريف الجنس ، أي مصير الناس كلهم . ولك ~~أن تجعل أل عوضا عن المضاف إليه . وتقديم المجرور للحصر ، أي ليس للأصنام ~~مصير في شفاعة ولا غيرها . وتقدم الكلام على نظير قوله { وإن جاهداك لتشرك ~~بي إلى فلا تطعهما في سورة العنكبوت ، سوى أنه قال هنا على أن تشرك بي } ~~وقال في سورة العنكبوت { لتشرك بي } فأما حرف { على } فهو أدل على تمكن ~~المجاهدة ، أي مجاهدة قوية للإشراك ، والمجاهدة : شدة السعي والإلحاح . ~~والمعنى : إن ألحا وبالغا في دعوتك إلى الإشراك بي فلا تطعهما . وهذا تأكيد ~~للنهي عن الإصغاء إليهما إذا دعوا إلى الإشراك . وأما آية العنكبوت فجيء ~~فيها بلام العلة لظهور أن سعدا كان غنيا عن تأكيد النهي عن طاعة أمه لقوة ~~إيمانه . # وقال القرطبي : إن امرأة لقمان وابنه كانا مشركين فلم يزل لقمان يعظهما ~~حتى آمنا ، وبه يزيد ذكر مجاهدة الوالدين على الشرك اتضاحا . # والمصاحبة : المعاشرة . ومنه حديث معاوية بن حيدة ( أنه قال لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من أحق الناس بحسن صحابتي ؟ قال : أمك ) الخ . ~~PageV21P160 # والمعروف : الشيء المتعارف المألوف الذي ms6362 لا ينكر فهو الشيء الحسن ، أي ~~صاحب والديك صحبة حسنة ، وانتصب { معروفا } على أنه وصف لمصدر محذوف مفعول ~~مطلق ل { صاحبهما ، } أي صحابا معروفا لأمثالهما . وفهم منه اجتناب ما ينكر ~~في مصاحبتهما ، فشمل ذلك معاملة الابن أبويه بالمنكر ، وشمل ذلك أن يدعو ~~الوالد إلى ما ينكره الله ولا يرضى به ولذلك لا يطاعان إذا أمرا بمعصية . ~~وفهم من ذكر { وصاحبهما في الدنيا معروفا } أثر قوله { وإن جاهداك على أن ~~تشرك بي } الخ . . . أن الأمر بمعاشرتهما بالمعروف شامل لحالة كون الأبوين ~~مشركين فإن على الابن معاشرتهما بالمعروف كالإحسان إليهما وصلتهما . وفي ~~الحديث : أن أسماء بنت أبي بكر قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن أمي ~~جاءت راغبة أفأصلها ؟ فقال : نعم ، صلي أمكك ، وكانت مشركة وهي قتيلة بنت ~~عبد العزى . وشمل المعروف ما هو معروف لهما أن يفعلاه في أنفسهما ، وإن كان ~~منكرا للمسلم فلذلك قال فقهاؤنا : إذا أنفق الولد على أبويه الكافرين ~~الفقيرين وكان عادتهما شرب الخمر اشترى لهما الخمر لأن شرب الخمر ليس بمنكر ~~للكافر ، فإن كان الفعل منكرا في الدينين فلا يحل للمسلم أن يشايع أحد ~~أبويه عليه . واتباع سبيل من أناب هو الاقتداء بسيرة المنيبين لله ، أي ~~الراجعين إليه ، وقد تقدم ذكر الإنابة في سورة الروم عند قوله { منيبين ~~إليه وفي سورة هود . فالمراد بمن أناب : المقلعون عن الشرك وعن المنهيات ~~التي منها عقوق الوالدين وهم الذين يدعون إلى التوحيد ومن اتبعوهم في ذلك . # وجملة ثم إلي مرجعكم } معطوفة على الجمل السابقة و { ثم } للتراخي الرتبي ~~المفيد للاهتمام بما بعدها ، أي وعلاوة على ذلك كله إلي مرجعكم فأنبئكم بما ~~كنتم تعملون . وضمير الجمع للإنسان والوالدين ، أي مرجع الجميع . وتقديم ~~المجرور للاهتمام بهذا الرجوع أو هو للتخصيص ، أي لا ينفعكم شيء مما ~~تأملونه من الأصنام . وفرع على هذا { فأنبئكم } الخ . . . والإنباء كناية ~~عن إظهار الجزاء على الأعمال لأن الملازمة بين إظهار الشيء وبين العلم به ~~ظاهرة . PageV21P161 وجملة { ثم إلي مرجعكم } وعد ووعيد . وفي هذه الضمائر ~~تغليب الخطاب على ms6363 الغيبة لأن الخطاب أهم لأنه أعرف . # تكرير النداء لتجديد نشاط السامع لوعي الكلام . وقرأ نافع وأبو جعفر { إن ~~تك مثقال } برفع { مثقال } على أنه فاعل { تك من ( كان ) التامة . وإنما ~~جيء بفعله بتاء المضارعة للمؤنثة ، وأعيد عليه الضمير في قوله بها } مؤنثا ~~مع أن { مثقال لفظ غير مؤنث لأنه أضيف إلى حبة } فاكتسب التأنيث من المضاف ~~إليه ، وهو استعمال كثير إذا كان المضاف لو حذف لما اختل الكلام بحيث ~~يستغنى بالمضاف إليه عن المضاف ، وعليه فضمير { إنها } للقصة والحادثة وهو ~~المسمى بضمير الشأن ، وهو يقع بصورة ضمير المفردة المؤنثة بتأويل القصة ، ~~ويختار تأنيث هذا الضمير إذا كان في القصة لفظ مؤنث كما في قوله تعالى { ~~فإنها لا تعمى الأبصار } ( الحج : 46 ) ، ويكثر وقوع ضمير الشأن بعد ( إن ) ~~كقوله تعالى { إنه من يأتت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى } ~~( طه : 74 ) ، ومن ذلك تقدير ضمير الشأن اسما لحرف ( أن ) المفتوحة المخففة ~~، وهو يفيد الاهتمام بإقبال المخاطب على ما يأتي بعده ، فاجتمع في هذه ~~الجملة ثلاثة مؤكدات : النداء ، وإن ، وضمير القصة ، لعظم خطر ما بعده ~~المفيد تقرير وصفه تعالى بالعلم المحيط بجميع المعلومات من الكائنات ، ~~ووصفه بالقدرة المحيطة بجميع الممكنات بقرينة قوله { يأت بها الله . } # وقد أفيد ذلك بطريق دلالة الفحوى ؛ فذكر أدق الكائنات حالا من حيث تعلق ~~العلم والقدرة به ، وذلك أدق الأجسام المختفي في أصلب مكان أو أقصاه وأعزه ~~منالا ، أو أوسعه وأشده انتشارا ، ليعلم أن ما هو أقوى منه في الظهور ~~والدنو من التناول أولى بأن يحيط به علم الله وقدرته . PageV21P162 وقرأه ~~الباقون بنصب { مثقال } على الخبرية ل { تك } من ( كان ) الناقصة ، وتقدير ~~اسم لها يدل عليه المقام مع كون الفعل مسندا لمؤنث ، أي إن تك الكائنة ، ~~فضمير { إنها } مراد منه الخصلة من حسنة أو سيئة أخذا من المقام . # والمثقال بكسر الميم : ما يقدر به الثقل ولذلك صيغ على زنة اسم الآلة . # والحبة : واحدة الحب وهو بذر النبات من سنابل أو قطنية بحيث تكون تلك ms6364 ~~الواحدة زريعة لنوعها من النبات ، وقد تقدم في سورة البقرة قوله { كمثل حبة ~~أنبتت سبع سنابل } وقوله { إن الله فالق الحب والنوى في سورة الأنعام . # والخردل : نبت له جذر وساق قائمة متفرعة إسطوانية أوراقها كبيرة يخرج ~~أزهارا صغيرة صفرا سنبلية تتحول إلى قرون دقيقة مربعة الزوايا تخرج بزورا ~~دقيقة تسمى الخردل أيضا ، ولب تلك البزور شديد الحرارة يلدغ اللسان والجلد ~~، وهي سريعة التفتق ينفتق عنها قشرها بدق أو إذا بلت بمائع ، فتستعمل في ~~الأدوية ضمادات على المواضع التي فيها التهاب داخلي من نزلة أو ذات جنب وهو ~~كثير الاستعمال في الطب قديما وحديثا . وقد أخذ الأطباء يستغنون عنه ~~بعقاقير أخرى . وتقدم نظير هذا في سورة الأنبياء فلا تظلم نفس شيئا وإن كان ~~مثقال حبة من خردل أتينا بها . # وقوله أو في السموات } عطف على { في صخرة } لأن الصخرة من أجزاء الأرض ~~فذكر بعدها { أو في السماوات } على معنى : أو كانت في أعز منالا من الصخرة ~~، وعطف عليه { أو في الأرض } وإنما الصخرة جزء من الأرض لقصد تعميم الأمكنة ~~الأرضية فإن الظرفية تصدق بهما ، أي : ذلك كله سواء في جانب علم الله ~~وقدرته ، كأنه قال : فتكن في صخرة أو حيث كانت من العالم العلوي والعالم ~~السفلي وهو معنى قوله { وما يعزب عن ربك مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ~~ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين } ( يونس : 61 ) . # والإتيان كناية عن التمكن منها ، وهو أيضا كناية رمزية عن العلم بها لأن ~~الإتيان بأدق الأجسام من أقصى الأمكنة وأعمقها وأصلبها لا يكون إلا عن علم ~~بكونها في ذلك المكان وعلم بوسائل استخراجها منه . PageV21P163 # وجملة { إن الله لطيف خبير } يجوز أن تكون من كلام لقمان فهي كالمقصد من ~~المقدمة أو كالنتيجة من الدليل ، ولذلك فصلت ولم تعطف لأن النتيجة كبدل ~~الاشتمال يشتمل عليها القياس ولذلك جيء بالنتيجة كلية بعد الاستدلال بجزئية ~~. وإنما لم نجعلها تعليلا لأن مقام تعليم لقمان ابنه يقتضي أن الابن جاهل ~~بهذه الحقائق ، وشرط التعليل أن ms6365 يكون مسلما معلوما قبل العلم بالمعلل ليصح ~~الاستدلال به . ويجوز أن تكون معترضة بين كلام لقمان تعليما من الله ~~للمسلمين . # واللطيف : من يعلم دقائق الأشياء ويسلك في إيصالها إلى من تصلح به مسلك ~~الرفق ، فهو وصف مؤذن بالعلم والقدرة الكاملين ، أي يعلم ويقدر وينفذ قدرته ~~، وتقدم في قوله { وهو اللطيف الخبير في سورة الأنعام } . ففي تعقيب { يأت ~~بها الله } بوصفه ب ( اللطيف ) إيماء إلى أن التمكن منها وامتلاكها بكيفية ~~دقيقة تناسب فلق الصخرة واستخراج الخردلة منها مع سلامتهما وسلامة ما اتصل ~~بهما من اختلال نظام صنعه . وهنا قد استوفى أصول الإعتقاد الصحيح . # وجملة { إن الله لطيف خبير } ( لقمان : 16 ) يجوز أن تكون من كلام لقمان ~~وأن تكون معترضة من كلام الله تعالى . # انتقل من تعليمه أصول العقيدة إلى تعليمه أصول الأعمال الصالحة فابتدأها ~~بإقامة الصلاة ، والصلاة التوجه إلى الله بالخضوع والتسبيح والدعاء في ~~أوقات معينة في الشريعة التي يدين بها لقمان ، والصلاة عماد الأعمال ~~لاشتمالها على الاعتراف بطاعة الله وطلب الاهتداء للعمل الصالح . وإقامة ~~الصلاة إدامتها والمحافظة على أدائها في أوقاتها . وتقدم في أول سورة ~~البقرة . وشمل الأمر بالمعروف الإتيان بالأعمال الصالحة كلها على وجه ~~الإجمال ليتطلب PageV21P164 بيانه في تضاعيف وصايا أبيه كما شمل النهي عن ~~المنكر اجتناب الأعمال السيئة كذلك . والأمر بأن يأمر بالمعروف وينهى عن ~~المنكر يقتضي إتيان الآمر وانتهاءه في نفسه لأن الذي يأمر بفعل الخير وينهى ~~عن فعل الشر يعلم ما في الأعمال من خير وشر ، ومصالح ومفاسد ، فلا جرم أن ~~يتوقاها في نفسه بالأولوية من أمره الناس ونهيه إياهم . فهذه كلمة جامعة من ~~الحكمة والتقوى ، إذ جمع لابنه الإرشاد إلى فعله الخير وبثه في الناس وكفه ~~عن الشر وزجره الناس عن ارتكابه ، ثم أعقب ذلك بأن أمره بالصبر على ما ~~يصيبه . ووجه تعقيب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بملازمة الصبر أن ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد يجران للقائم بهما معاداة من بعض الناس ~~أو أذى من بعض فإذا لم يصبر على ما يصيبه من ms6366 جراء الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر أو شك أن يتركهما . ولما كانت فائدة الصبر عائدة على الصابر بالأجر ~~العظيم عد الصبر هنا في عداد الأعمال القاصرة على صاحبها ولم يلتفت إلى ما ~~في تحمل أذى الناس من حسن المعاملة معهم حتى يذكر الصبر مع قوله { ولا ~~تصاعر خدك للناس } ( لقمان : 18 ) لأن ذلك ليس هو المقصود الأول من الأمر ~~بالصبر . # والصبر : هو تحمل ما يحل بالمرء مما يؤلم أو يحزن . وقد تقدم في قوله ~~تعالى { واستعينوا بالصبر والصلاة في سورة البقرة . # وجملة إن ذلك من عزم الأمور } موقعها كموقع جملة { إن الشرك لظلم عظيم } ~~( لقمان : 13 ) . ( سقط : وجملة إن الله لطيف خبير يجوز أن تكون من كلام ~~لقمان وأن تكون معترضة من كلام الله تعالى . ) PageV21P165 # والإشارة ب { ذلك } إلى المذكور من إقامة الصلاة والأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر والصبر على ما أصاب . والتأكيد للاهتمام . # والعزم مصدر بمعنى : الجزم والإلزام . والعزيمة : الإرادة التي لا تردد ~~فيها . و { عزم } مصدر بمعنى المفعول ، أي من معزوم الأمور ، أي التي عزمها ~~الله وأوجبها . # انتقل لقمان بابنه إلى الآداب في معاملة الناس فنهاه عن احتقار الناس وعن ~~التفخر عليهم ، وهذا يقتضي أمره بإظهار مساواته مع الناس وعد نفسه كواحد ~~منهم . # وقرأ الجمهور { ولا تصاعر . } وقرأ ابن كثير وابن عامر وعاصم وأبو جعفر ~~ويعقوب { ولا تصعر . } يقال : صاعر وصعر ، إذا أمال عنقه إلى جانب ليعرض عن ~~جانب آخر ، وهو مشتق من الصعر بالتحريك لداء يصيب البعير فيلوي منه عنقه ~~فكأنه صيغ له صيغة تكلف بمعنى تكلف إظهار الصعر وهو تمثيل للاحتقار لأن ~~مصاعرة الخد هيئة المحتقر المستخف في غالب الأحوال . قال عمرو بن حني ~~التغلبي يخاطب بعض ملوكهم : # وكنا إذا الجبار صعر خده # أقمنا له من ميله فتقوم # والمعنى : لا تحتقر الناس فالنهي عن الإعراض عنهم احتقارا لهم لا عن خصوص ~~مصاعرة الخد فيشمل الاحتقار بالقول والشتم وغير ذلك فهو قريب من قوله تعالى ~~{ فلا تقل لهما أف } ( الإسراء : 23 ) إلا أن هذا تمثيل كنائي والآخر ms6367 كناية ~~لا تمثيل فيها . # وكذلك قوله { ولا تمش في الأرض مرحا } تمثيل كنائي عن النهي عن التكبر ~~PageV21P166 والتفاخر لا عن خصوص المشي في حال المرح فيشمل الفخر عليهم ~~بالكلام وغيره . # والمرح : فرط النشاط من فرح وازدهاء ، ويظهر ذلك في المشي تبخترا ~~واختيالا فلذلك يسمى ذلك المشي مرحا كما في الآية ، فانتصابه على الصفة ~~لمفعول مطلق ، أي مشيا مرحا ، وتقدم في سورة الإسراء . وموقع قوله { في ~~الأرض } بعد { لا تمش } مع أن المشي لا يكون إلا في الأرض هو الإيماء إلى ~~أن المشي في مكان يمشي فيه الناس كلهم قويهم وضعيفهم ، ففي ذلك موعظة ~~للماشي مرحا أنه مساو لسائر الناس . # وموقع { إن الله لا يحب كل مختال فخور } موقع { إن الله لطيف خبير } ( ~~لقمان : 16 ) كما تقدم . والمختال : اسم فاعل من اختال بوزن الافتعال من ~~فعل خال إذا كان ذا خيلاء ، فهو خائل . والخيلاء : الكبر والازدهاء ، فصيغة ~~الافتعال فيه للمبالغة في الوصف فوزن المختال مختيل فلما تحرك حرف العلة ~~وانفتح ما قبله قلب ألفا ، فقوله { إن الله لا يحب كل مختال } مقابل قوله { ~~ولا تصاعر خدك للناس ، } وقوله { فخور } مقابل قوله { ولا تمش في الأرض ~~مرحا } . # والفخور : شديد الفخر . وتقدم في قوله { إن الله لا يحب من كان مختالا ~~فخورا في سورة النساء . # ومعنى إن الله لا يحب كل مختال فخور } أن الله لا يرضى عن أحد من ~~المختالين الفخورين ، ولا يخطر ببال أهل الاستعمال أن يكون مفاده أن الله ~~لا يحب مجموع المختالين الفخورين إذا اجتمعوا بناء على ما ذكره عبد القاهر ~~من أن { كل } إذا وقع في حيز النفي مؤخرا عن أداته ينصب النفي على الشمول ، ~~فإن ذلك إنما هو في { كل } التي يراد منها تأكيد الإحاطة لا في { كل } التي ~~يراد منها الأفراد ، والتعويل في ذلك على القرائن . على أنا نرى ما ذكره ~~الشيخ أمر أغلبي غير مطرد في استعمال أهل اللسان ولذلك نرى صحة الرفع ~~والنصب في لفظ ( كل ) في قول أبي النجم العجلي : # قد أصبحت أم ms6368 الخيار تدعي # علي ذنبا كله لم أصنع # وقد بينت ذلك في تعليقاتي على دلائل الإعجاز . PageV21P167 # وموقع جملة { إن الله لا يحب كل مختال فخور } يجوز فيه ما مضى في جملة { ~~إن الشرك لظلم عظيم } ( لقمان : 13 ) وجملة { إن الله لطيف خبير } ( لقمان ~~: 16 ) ، وجملة { إن ذلك من عزم الأمور } ( لقمان : 17 ) . # بعد أن بين له آداب حسن المعاملة مع الناس قفاها بحسن الآداب في حالته ~~الخاصة ، وتلك حالتا المشي والتكلم ، وهما أظهر ما يلوح على المرء من آدابه ~~. # والقصد : الوسط العدل بين طرفين ، فالقصد في المشي هو أن يكون بين طرف ~~التبختر وطرف الدبيب ويقال : قصد في مشيه . فمعنى { اقصد في مشيك : } ارتكب ~~القصد . # والغض : نقص قوة استعمال الشيء . يقال : غض بصره ، إذا خفض نظره فلم يحدق ~~. وتقدم قوله تعالى { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم في سورة النور . فغض ~~الصوت : جعله دون الجهر . وجيء ب من } الدالة على التبعيض لإفادة أنه يغض ~~بعضه ، أي بعض جهره ، أي ينقص من جهورته ولكنه لا يبلغ به إلى التخافت ~~والسرار . # وجملة { إن أنكر الأصوات لصوت الحمير } تعليل علل به الأمر بالغض من صوته ~~باعتبارها متضمنة تشبيها بليغا ، أي لأن صوت الحمير أنكر الأصوات . ورفع ~~الصوت في الكلام يشبه نهيق الحمير فله حظ من النكارة . # و { أنكر : } اسم تفضيل في كون الصوت منكورا ، فهو تفضيل مشتق من الفعل ~~المبني للمجهول ومثله سماعي وغير شاذ ، ومنه قولهم في المثل : ( أشغل من ~~ذات النحيين ) أي أشد مشغولية من المرأة التي أريدت في هذا المثل . # وإنما جمع { الحمير } في نظم القرآن مع أن { صوت } مفردا ولم يقل الحمار ~~لأن المعرف بلام الجنس يستوي مفرده وجمعه . ولذلك يقال : إن لام الجنس إذا ~~دخلت PageV21P168 على جمع أبطلت منه معنى الجمعية . وإنما أوثر لفظ الجمع ~~لأن كلمة الحمير أسعد بالفواصل لأن من محاسن الفواصل والأسجاع أن تجري على ~~أحكام القوافي ، والقافية المؤسسة بالواو أو الياء لا يجوز أن يرد معها ألف ~~تأسيس فإن الفواصل المتقدمة من قوله { ولقد ءاتينا لقمان ms6369 الحكمة } ( لقمان ~~: 12 ) هي : حميد ، عظيم ، المصير ، خبير ، الأمور ، فخور ، الحمير . ~~وفواصل القرآن تعتمد كثيرا على الحركات والمدود والصيغ دون تماثل الحروف ~~وبذلك تخالف قوافي القصائد . وهذا وفاء بما وعدت به عند الكلام على قوله ~~تعالى { ولقد ءاتينا لقمان الحكمة } من ذكر ما انتهى إليه تتبعي لما أثر من ~~حكمة لقمان غير ما في هذه السورة وقد ذكر الألوسي في ( تفسيره ) منها ~~ثمانيا وعشرين حكمة وهي : # قوله لابنه : أي بني ، إن الدنيا بحر عميق ، وقد غرق فيها أناس كثير ~~فاجعل سفينتك فيها تقوى الله تعالى ، وحشوها الإيمان ، وشراعها التوكل على ~~الله تعالى لعلك أن تنجو ولا أراك ناجيا . # وقوله : من كان له من نفسه واعظ كان له من الله عز وجل حافظ ، ومن أنصف ~~الناس من نفسه زاده الله تعالى بذلك عزا ، والذل في طاعة الله تعالى أقرب ~~من التعزز بالمعصية . # وقوله : ضرب الوالد لولده كالسماد للزرع . # وقوله : يا بني إياك والدين فإنه ذل النهار وهم الليل . # وقوله : يا بني ارج الله عز وجل رجاء لا يجرئك على معصيته تعالى ، وخفف ~~الله سبحانه خوفا لا يؤيسك من رحمته تعالى شأنه . # وقوله : من كذب ذهب ماء وجهه ، ومن ساء خلقه كثر غمه ، ونقل الصخور من ~~مواضعها أيسر من إفهام من لا يفهم . # وقوله : يا بني حملت الجندل والحديد وكل شيء ثقيل فلم أحمل شيئا هو أثقل ~~من جار السوء ، وذقت المرار فلم أذق شيئا هو أمر من الفقر . # يا بني لا ترسل رسولك جاهلا فإن لم تجد حكيما فكن رسول نفسك . ~~PageV21P169 # يا بني ، إياك والكذب ، فإنه شهي كلحم العصفور عما قليل يغلي صاحبه . # يا بني ، احضر الجنائز ولا تحضر العرس فإن الجنائز تذكرك الآخرة والعرس ~~يشهيك الدنيا . # يا بني ، لا تأكل شبعا على شبع فإن إلقاءك إياه للكلب خير من أن تأكله . # يا بني ، لا تكن حلوا فتبلع ولا تكن مرا فتلفظ . # وقوله لابنه : لا يأكل طعامك إلا الأتقياء ، وشاور في أمرك العلماء . # وقوله : لا خير لك في أن تتعلم ما ms6370 لم تعلم ولما تعمل بما قد علمت فإن مثل ~~ذلك مثل رجل احتطب حطبا فحمل حزمة وذهب يحملها فعجز عنها فضم إليها أخرى . # وقوله : يا بني ، إذا أردت أن تواخي رجلا فأغضبه قبل ذلك فإن أنصفك عند ~~غضبه وإلا فاحذره . # وقوله : لتكن كلمتك طيبة ، وليكن وجهك بسطا تكن أحب إلى الناس ممن يعطيهم ~~العطاء . # وقوله : يا بني ، أنزل نفسك من صاحبك منزلة من لا حاجة له بك ولا بد لك ~~منه . # يا بني ، كن كمن لا يبتغي محمدة الناس ولا يكسب ذمهم فنفسه منه في عناء ~~والناس منه في راحة . # وقوله : يا بني ، امتنع بما يخرج من فيك فإنك ما سكت سالم ، وإنما ينبغي ~~لك من القول ما ينفعك . # وأنا أقفي عليها ما لم يذكره الألوسي . فمن ذلك ما في ( الموطأ ) فيما ~~جاء في طلب العلم من كتاب ( الجامع ) : مالك أنه بلغه أن لقمان الحكيم أوصى ~~ابنه فقال : يا بني ، جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك فإن الله يحيي القلوب ~~بنور العلم كما يحيي الأرض الميتة بوابل السماء . PageV21P170 وفيه فيما ~~جاء في الصدق والكذب من كتاب وفيه فيما جاء في الصدق والكذب من كتاب ( ~~الجامع ) أنه بلغه أنه قيل للقمان : ما بلغ بك ما نرى يريدون الفضل ؟ فقال ~~: صدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وترك ما لا يعنيني . # وفي ( جامع المستخرجة ) للعتبي قال مالك : بلغني أن لقمان قال لابنه : يا ~~بني ليكن أول ما تفيد من الدنيا بعد خليل صالح امرأة صالحة . وفي ( أحكام ~~القرآن ) لابن العربي عن مالك : أن لقمان قال لابنه : يا بني إن الناس قد ~~تطاول عليهم ما يوعدون وهم إلى الآخرة سراعا يذهبون ، وإنك قد استدبرت ~~الدنيا منذ كنت واستقبلت الآخرة ، وإن دارا تسير إليها أقرب إليك من دار ~~تخرج عنها . وقال : ليس غنى كصحة ، ولا نعمة كطيب نفس . وقال : يا بني لا ~~تجالس الفجار ولا تماشهم اتق أن ينزل عليهم عذاب من السماء فيصيبك معهم ، ~~وقال : يا بني ، جالس العلماء وماشهم عسى أن تنزل عليهم رحمة فتصيبك معهم . ~~وفي ms6371 ( الكشاف ) : أنه قال لرجل ينظر إليه : إن كنت تراني غليظ الشفتين فإنه ~~يخرج من بينهما كلام رقيق ، وإن كنت تراني أسود فقلبي أبيض . وأن مولاه ~~أمره بذبحح شاة وأن يأتيه بأطيب مضغتين فأتاه باللسان والقلب ، ثم أمره ~~بذبح أخرى وأن ألقق منها أخبث مضغتين ، فألقى اللسان والقلب ؛ فسأله عن ذلك ~~، فقال : هما أطيب ما فيها إذا طابا وأخبث ما فيها إذا خبثا . # ودخل على داود وهو يسرد الدروع فأراد أن يسأله عماذا يصنع ، فأدركته ~~الحكمة فسكت ، فلما أتمها داود لبسها وقال : نعم لبوس الحرب أنتت . فقال ~~لقمان : الصمت حكمة وقليل فاعله . وفي ( تفسير ابن عطية ) : قيل للقمان : ~~أي الناس شر ؟ فقال : الذي لا يبالي أن يراه الناس سيئا أو مسيئا . # وفي ( تفسير القرطبي ) : كان لقمان يفتي قبل مبعث داود فلما بعث داود قطع ~~الفتوى . فقيل له ، فقال : ألا أكتفي إذا كفيت . وفيه : إن الحاكم بأشد ~~المنازل وكدرها يغشاه المظلوم من كل مكان إن يصب فبالحري أن ينجو وإن أخطأ ~~أخطأ PageV21P171 طريق الجنة . ومن يكن في الدنيا ذليلا خير من أن يكون ~~شريفا . ومن يختر الدنيا على الآخرة تفته الدنيا ولا يصب الآخرة . وفي ( ~~تفسير البيضاوي ) : أن داود سأل لقمان : كيف أصبحت ؟ فقال : أصبحت في يدي ~~غيري . وفي ( درة التنزيل ) المنسوب لفخر الدين الرازي : قال لقمان لابنه : ~~إن الله رضيني لك فلم يوصني بك ولم يرضك لي فأوصاك بي . وفي ( الشفاء ) ~~لعياض : قال لقمان لابنه : إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة وخرست الحكمة ~~وقعدت الأعضاء عن العبادة . # وفي كتاب ( آداب النكاح ) لقاسم بن يأمون التليدي الأخماسي : أن من وصية ~~لقمان : يا بني إنما مثل المرأة الصالحة كمثل الدهن في الرأس يلين العروق ~~ويحسن الشعر ، ومثلها كمثل التاج على رأس الملك ، ومثلها كمثل اللؤلؤ ~~والجوهر لا يدري أحد ما قيمته . ومثل المرأة السوء كمثل السيل لا ينتهي حتى ~~يبلغ منتهاه : إذا تكلمت أسمعت ، وإذا مشت أسرعت ، وإذا قعدت رفعت ، وإذا ~~غضبت أسمعت . وكل داء يبرأ إلا داء امرأة السوء . # يا بني ، لأن تساكن ms6372 الأسد والأسود خير من أن تساكنها : تبكي وهي الظالمة ~~، وتحكم وهي الجائرة ، وتنطق وهي الجاهلة وهي أفعى بلدغها . # وفي ( مجمع البيان ) للطبرسي : يا بني ، سافر بسيفك وخفك وعمامتك وخبائك ~~وسقائك وخيوطك ومخرزك ، وتزود معك من الأدوية ما تنتفع به أنت ومن معك ، ~~وكن لأصحابك موافقا إلا في معصية الله عز وجل . يا بني ، إذا سافرت مع قوم ~~فأكثر استشارتهم في أمرك وأمورهم ، وأكثر التبسم في وجوههم ، وكن كريما على ~~زادك بينهم ، فإذا دعوك فأجبهم ، وإذا استعانوا بك فأعنهم ، واستعمل طول ~~الصمت PageV21P172 وكثرة الصلاة ، وسخاء النفس بما معك من دابة أو ماء أو ~~زاد ، وإذا استشهدوك على الحق فاشهد لهم ، واجهد رأيك لهم إذا استشاروك ، ~~ثم لا تعزم حتى تثبت وتنظر ، ولا تجب في مشورة حتى تقوم فيها وتقعد وتنام ~~وتأكل وتصلي وأنت مستعمل فكرتك وحكمتك في مشورته ، فإن من لم يمحض النصيحة ~~من استشارة سلبه الله رأيه ، وإذا رأيت أصحابك يمشون فامش معهم ، فإذا ~~رأيتهم يعملون فاعمل معهم ، واسمع لمن هو أكبر منك سنا . وإذا أمروك بأمر ~~وسألوك شيئا فقل نعم ولا تقل ( لا ) فإن ( لا ) عي ولؤم ، وإذا تحيرتم في ~~الطريق فأنزلوا ، وإذا شككتم في القصد فقفوا وتآمروا ، وإذا رأيتم شخصا ~~واحدا فلا تسألوه عن طريقكم ولا تسترشدوه فإن الشخص الواحد في الفلاة مريب ~~لعله يكون عين اللصوص أو يكون هو الشيطان الذي حيركم . واحذروا الشخصين ~~أيضا إلا أن تروا ما لا أرى لأن العاقل إذا أبصر بعينه شيئا عرف الحق منه ~~والشاهد يرى ما لا يرى الغائب . # يا بني إذا جاء وقت الصلاة فلا تؤخرها لشيء ، صلها واسترح منها فإنها دين ~~، وصل في جماعة ولو على رأس زج . وإذا أردتم النزول فعليكم من بقاع الأرض ~~بأحسنها لونا وألينها تربة وأكثرها عشبا . وإذا نزلت فصل ركعتين قبل أن ~~تجلس ، وإذا أردت قضاء حاجتك فأبعد المذهب في الأرض . وإذا ارتحلت فصل ~~ركعتين ثم ودع الأرض التي حللت بها وسلم على أهلها فإن لكل بقعة أهلا من ~~الملائكة ، وإن استطعت أن ms6373 لا تأكل طعاما حتى تبتدىء فتتصدق منه فافعل . ~~وعليك بقراءة كتاب الله لعله يعني الزبور ما دمت راكبا ، وعليك بالتسبيح ما ~~دمت عاملا عملا ، وعليك بالدعاء ما دمت خاليا . وإياك والسير في أول الليل ~~إلى آخره . وإياك ورفع الصوت في مسيرك . فقد استقصينا ما وجدنا من حكمة ~~لقمان مما يقارب سبعين حكمة . # { # } # رجوع إلى تعداد دلائل الوحدانية وما صحب ذلك من منة على الخلق ، فالكلام ~~استئناف ابتدائي عن الكلام السابق ورجوع إلى ما سلف في أول السورة ~~PageV21P173 في قوله تعالى : { خلق السماوات بغير عمد } ( لقمان : 10 ) ~~فإنه بعد الاستدلال بخلق السماوات والأرض والحيوان والأمطار عاد هنا ~~الاستدلال والامتنان بأن سخر لنا ما في السماوات وما في الأرض . وقد مضى ~~الكلام على هذا التسخير في تفسير قوله تعالى { الله الذي خلق السماوات ~~والأرض الآيات من سورة إبراهيم ، وكذلك في سورة النحل . # ومعنى سخر لكم } لأجلكم لأن من جملة ذلك التسخير ما هو منافع لنا من ~~الأمطار والرياح ونور الشمس والقمر ومواقيت البروج والمنازل والاتجاه بها . ~~والخطاب في { ألم تروا } يجوز أن يكون لجميع الناس مؤمنهم ومشركهم لأنه ~~امتنان ، ويجوز أن يكون لخصوص المشركين باعتبار أنه استدلال . # والاستفهام في { ألم تروا } تقرير أو إنكار لعدم الرؤية بتنزيلهم منزلة ~~من لم يروا آثار ذلك التسخير لعدم انتفاعهم بها في إثبات الوحدانية . ~~والرؤية بصرية . ورؤية التسخير رؤية آثاره ودلائله . ويجوز أن تكون الرؤية ~~علمية كذلك ، والخطاب للمشركين كما في قوله { خلق السماوات بغير عمد ترونها ~~. # وإسباغ النعم : إكثارها . وأصل الإسباغ : جعل ما يلبس سابغا ، أي وافيا ~~في الستر . ومنه قولهم : درع سابغة . ثم استعير للإكثار لأن الشيء السابغ ~~كثير فيه ما يتخذ منه من سرد أو شقق أثواب ، ثم شاع ذلك حتى ساوى الحقيقة ~~فقيل : سوابغ النعم . # والنعمة : المنفعة التي يقصد بها فاعلها الإحسان إلى غيره . # وقرأ نافع وأبو عمرو وحفص عن عاصم وأبو جعفر نعمه } بصيغة جمع نعمة مضاف ~~إلى ضمير الجلالة ، وفي الإضافة إلى ضمير الله تنويه بهذه النعم . وقرأ ~~الباقون { نعمة ms6374 } بصيغة المفرد ، ولما كان المراد الجنس استوى فيه الواحد ~~والجمع . # والتنكير فيها للتعظيم فاستوى القراءتان في إفادة التنويه بما أسبغ الله ~~عليهم . PageV21P174 وانتصب { ظاهرة وباطنة } على الحال على قراءة نافع ومن ~~معه ، وعلى الصفة على قراءة البقية . # والظاهرة : الواضحة . والباطنة : الخفية وما لا يعلم إلا بدليل أو لا ~~يعلم أصلا . # وأصل الباطنة المستقرة في باطن الشيء أي داخله ، قال تعالى : { باطنه فيه ~~الرحمة } ( الحديد : 13 ) فكم في بدن الإنسان وأحواله من نعم يعلمها الناس ~~أو لا يعلمها بعضهم ، أو لا يعلمها إلا العلماء ، أو لا يعلمها أهل عصر ثم ~~تنكشف لمن بعدهم ، وكلا النوعين أصناف دينية ودنيوية . # الواو في قوله { ومن الناس من يجادل } واو الحال . والمعنى : قد رأيتم أن ~~الله سخر لكم ما في السماوات وأنعم عليكم نعما ضافية في حال أن بعضكم يجادل ~~في وحدانية الله ويتعامى عن دلائل وحدانيته . وجملة الحال هنا خبر مستعمل ~~في التعجيب من حال هذا الفريق . ولك أن تجعل الواو اعتراضية والجملة معترضة ~~بين جملة { ألم تروا أن الله سخر لكم } وبين جملة { ولئن سألتهم من خلق ~~السماوات والأرض } ( لقمان : 25 ) . # وقوله { ومن الناس } من الإظهار في مقام الإضمار كأنه قيل : ومنكم ، و { ~~من } تبعيضية . والمراد بهذا الفريق : هم المتصدون لمحاجة النبي صلى الله ~~عليه وسلم والتمويه على قومهم مثل النضر بن الحارث ، وأمية بن خلف ، وعبد ~~الله بن الزبعرى . # وشمل قوله { بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير } مراتب اكتساب العلم وهي ~~إما : الاجتهاد والاكتساب ، أو التلقي من العالم ، أو مطالعة الكتب الصائبة ~~. وتقدم تفسير نظير هذه الآية في سورة الحج PageV21P175 . # وجملة { وإذا قيل لهم } الخ عطف على صلة { من ، } أي : من حالهم هذا وذاك ~~، وتقدم نظير هذه الجملة في سورة البقرة . # والضمير المنصوب في قوله { يدعوهم } عائد إلى الآباء ، أي أيتبعون آباءهم ~~ولو كان الشيطان يدعو الآباء إلى العذاب فهم يتبعونهم إلى العذاب ولا ~~يهتدون . و { لو } وصلية ، والواو معها للحال . # والاستفهام تعجيبي من فظاعة ضلالهم وعماهم بحيث يتبعون من يدعوهم ms6375 إلى ~~النار ، وهذا ذم لهم . وهو وزان قوله في آية البقرة : { أو لو كان آباؤهم ~~لا يعقلون شيئا . والدعاء إلى عذاب السعير : الدعاء إلى أسبابه . والسعير ~~تقدم في قوله تعالى : كلما خبت زدناهم سعيرا في سورة الإسراء . # } # هذا مقابل قوله { ومن الناس من يجادل في الله بغير علم } ( لقمان : 20 ) ~~إلى قوله : { يدعوهم إلى عذاب السعير } ( لقمان : 21 ) ، فأولئك الذين ~~اتبعوا ما وجدوا ءاباءهم عليه من الشرك على غير بصيرة فوقعوا في العذاب ، ~~وهؤلاء الذين لم يتمسكوا بدين آبائهم وأسلموا لله لما دعاهم إلى الإسلام ~~فلم يصدهم عن اتباع الحق إلف ولا تقديس آباء ؛ فأولئك تعلقوا بالأوهام ~~واستمسكوا بها لإرضاء أهوائهم ، وهؤلاء استمسكوا بالحق إرضاء للدليل وأولئك ~~أرضوا الشيطان وهؤلاء اتبعوا رضى الله . # وإسلام الوجه إلى الله تمثيل لإفراده تعالى بالعبادة كأنه لا يقبل بوجهه ~~على غير الله ، وقد تقدم في قوله تعالى { بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن في ~~سورة البقرة ، وقوله فقل أسلمت وجهي لله في سورة آل عمران . # وتعدية فعل يسلم } بحرف { إلى } هنا دون اللام كما في آيتي سورة البقرة ~~وسورة آل عمران عند الزمخشري مجاز في الفعل بتشبيه نفس الإنسان بالمتاع ~~الذي يدفعه صاحبه إلى آخر ويكله إليه . وحقيقته أن يعدى باللام ، أي وجهه ~~وهو ذاته سالما PageV21P176 لله ، أي خالصا له كما في قوله تعالى { فإن ~~حاجوك فقل أسلمت وجهي لله في سورة آل عمران . # والإحسان : العمل الصالح والإخلاص في العبادة . وفي الحديث : الإحسان أن ~~تعبد الله كأنه تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك . والمعنى : ومن يسلم ~~إسلاما لا نفاق فيه ولا شك فقد أخذ بما يعتصم به من الهوي أو التزلزل . # وقوله فقد استمسك بالعروة الوثقى } مضى الكلام على نظيره عند قوله تعالى ~~{ فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى في سورة البقرة ~~، وهو ثناء على المسلمين . وتذييل هذا بقوله وإلى الله عاقبة الأمور } ~~إيماء إلى وعدهم بلقاء الكرامة عند الله في آخر أمرهم وهو الحياة الآخرة . # والتعريف في { الأمور ms6376 } للاستغراق ، وهو تعميم يراد به أن أمور المسلمين ~~التي هي من مشمولات عموم الأمور صائرة إلى الله وموكولة إليه فجزاؤهم ~~بالخير مناسب لعظمة الله . # والعاقبة : الحالة الخاتمة والنهاية . و { الأمور : جمع أمر وهو الشأن . # وتقديم إلى الله } للاهتمام والتنبيه إلى أن الراجع إليه يلاقي جزاءه ~~وافيا . # لما خلا ذم الذين كفروا عن الوعيد وانتقل منه إلى مدح المسلمين ووعدهم ~~عطف عنان الكلام إلى تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم بتهوين كفرهم عليه ~~تسلية له وتعريضا بقلة العبء بهم لأن مرجعهم إلى الله فيريهم الجزاء ~~المناسب لكفرهم ، فهو تعريض لهم بالوعيد . # وأسند النهي إلى كفرهم عن أن يكون محزنا للرسول صلى الله عليه وسلم مجازا ~~عقليا في نهي PageV21P177 الرسول عليه الصلاة والسلام عن مداومة الفكر ~~بالحزن لأجل كفرهم لأنه إذا قلع ذلك من نفسه انتفى إحزان كفرهم إياه . وقرأ ~~نافع { يحزنك } بضم التحتية وكسر الزاي مضارع أحزنه إذا جعله حزينا . وقرأ ~~البقية { يحزنك } بفتح التحتية وضم الزاي مضارع حزنه بذلك المعنى ، وهما ~~لغتان : الأولى لغة تميم ، والثانية لغة قريش ، والأولى أقيس وكلتاهما فصحى ~~ولغة تميم من اللغات التي نزل بها القرآن وهي لغة عليا تميم وهم بنو دارم ~~كما تقدم في المقدمة السادسة . وزعم أبو زيد والزمخشري : أن المستفيض أحزن ~~في الماضي ويحزن في المستقبل ، يريدان الشائع على ألسنة الناس ، والقراءة ~~رواية وسنة . وتقدم في سورة يوسف { إني ليحزنني وفي سورة الأنعام قد نعلم ~~أنه ليحزنك الذي يقولون . # وجملة إلينا مرجعهم } واقعة موقع التعليل للنهي ، وهي أيضا تمهيد لوعد ~~الرسول صلى الله عليه وسلم بأن الله يتولى الانتقام منهم المدلول عليه ~~بقوله { فننبئهم } مفرعا على جملة { إلينا مرجعهم } كناية عن المجازاة ؛ ~~استعمل الإنباء وأريد لازمه وهو الإظهار كما تقدم آنفا . # وجملة { إن الله عليم بذات الصدور } تعليل لجملة { فننبئهم بما عملوا ، } ~~فموقع حرف { إن } هنا مغنن عن فاء التسبب كما في قول بشار : # إن ذاك النجاح في التبكير # و { ذات الصدور : هي النوايا وأعراض النفس من نحو الحقد وتدبير المكر ~~والكفر ms6377 . ومناسبته هنا أن كفر المشركين بعضه إعلان وبعضه إسرار قال تعالى : ~~وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور } ( الملك : 13 ) ، وتقدم ~~في قوله تعالى : { إنه عليم بذات الصدور في سورة الأنفال . # } # استئناف بياني لأن قوله { إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا } ( لقمان : 23 ~~) يثير في نفوس السامعين سؤالا عن عدم تعجيل الجزاء إليهم ، فبين بأن الله ~~يمهلهم زمنا ثم يوقعهم PageV21P178 في عذاب لا يجدون منه منجى . وهذا ~~الاستئناف وقع معترضا بين الجمل المتعاطفة . # والتمتيع : العطاء الموقت فهو إعطاء المتاع ، أي الشيء القليل . و { ~~قليلا } صفة لمصدر مفعول مطلق ، أي تمتيعا قليلا ، وقلته بالنسبة إلى ما ~~أعد الله للمسلمين أو لقلة مدته في الدنيا بالنسبة إلى مدة الآخرة ، وتقدم ~~عند قوله تعالى { ومتاع إلى حين في الأعراف . # والاضطرار : الإلجاء ، وهو جعل الغير ذا ضرورة ، أي : لزوم ، وتقدم عند ~~قوله تعالى : ثم أضطره إلى عذاب النار في سورة البقرة . # والغليظ : من صفات الأجسام وهو القوي الخشن ، وأطلق على الشديد من ~~الأحوال على وجه الاستعارة بجامع الشدة على النفس وعدم الطاقة على احتماله ~~. وتقدم قوله ونجيناهم من عذاب غليظ في سورة هود كما أطلق الكثير على القوي ~~. # } # عطف على جملة { وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا ~~عليه آباءنا } ( لقمان : 21 ) باعتبار أن ما وجدوا عليه آباءهم هو الإشراك ~~مع الله في الإلهية ، وإن سألهم سائل : من خلق السماوات والأرض يقولوا ~~خلقهن الله ، وذلك تسخيف لعقولهم التي تجمع بين الإقرار لله بالخلق وبين ~~اعتقاد إلهية غيره . # والمراد بالسماوات والأرض : ما يشمل ما فيها من المخلوقات ومن بين ذلك ~~حجارة الأصنام ، وتقدم نظيرها في سورة العنكبوت . وعبر هنا ب { لا يعلمون } ~~وفي سورة العنكبوت ب { لا يعقلون تفننا في المخالفة بين القصتين مع اتحاد ~~المعنى . PageV21P179 # } # موقع هذه الجملة من التي قبلها موقع النتيجة من الدليل في قوله : { لله ~~ما في السماوات } فلذلك فصلت ولم تعطف لأنها بمنزلة بدل الاشتمال من التي ~~قبلها ، كما تقدم آنفا في قوله { يأت ms6378 بها الله إن الله لطيف خبير } ( لقمان ~~: 16 ) ؛ فإنه لما تقرر إقرارهم لله بخلق السماوات والأرض لزمهم إنتاج أن ~~ما في السموات والأرض ملك لله ومن جملة ذلك أصنامهم . والتصريح بهذه ~~النتيجة لقصد التهاون بهم في كفرهم بأن الله يملكهم ويملك ما في السماوات ~~والأرض ، فهو غني عن عبادتهم محمود من غيرهم . # وضمير { هو } ضمير فصل مفاده اختصاص الغنى والحمد بالله تعالى ، وهو قصر ~~قلب ، أي ليس لآلهتهم المزعومة غنى ولا تستحق حمدا . وتقدم الكلام على ~~الغني الحميد عند قوله { فإن الله غني حميد } في أول السورة لقمان . # تكرر فيما سبق من هذه السورة وصف الله تعالى بإحاطة العلم بجميع الأشياء ~~ظاهرة وخفية فقال فيما حكى من وصية لقمان : { إنها إن تك مثقال حبة من خردل ~~} إلى قوله { لطيف خبير } ( لقمان : 16 ) ، وقال بعد ذلك { فننبئهم بما ~~عملوا إن الله عليم بذات الصدور } ( لقمان : 23 ) فعقب ذلك بإثبات أن لعلم ~~الله تعالى مظاهر يبلغ بعضها إلى من اصطفاه من رسله بالوحي مما تقتضي ~~الحكمة إبلاغه ، وأنه يستأثر بعلم ما اقتضت حكمته عدم إبلاغه ، وأنه لو شاء ~~أن يبلغ ما في علمه لما وفت به مخلوقاته الصالحة لتسجيل كلامه بالكتابة ~~فضلا على الوفاء بإبلاغ ذلك بواسطة القول . وقد سلك في هذا مسلك التقريب ~~بضرب هذا PageV21P180 المثل ؛ وقد كان ما قص من أخبار الماضين موطئا لهذا ~~فقد جرت قصة لقمان في هذه السورة كما جرت قصة أهل الكهف وذي القرنين في ~~سورة الكهف فعقبتا بقوله في آخر السورة : { قل لو كان البحر مدادا لكلمات ~~ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا وهي مشابهة ~~للآية التي في سورة لقمان . فهذا وجه اتصال هذه الآية بما قبلها من الآيات ~~المتفرقة . # ولما في اتصال الآية بما قبلها من الخفاء أخذ أصحاب التأويل من السلف من ~~أصحاب ابن عباس في بيان إيقاع هذه الآية في هذا الموقع . فقيل : سبب نزولها ~~ما ذكره الطبري وابن عطية والواحدي عن سعيد بن جبير وعكرمة ms6379 وعطاء بن يسار ~~بروايات متقاربة : أن اليهود سألوا رسول الله أو أغروا قريشا بسؤاله لما ~~سمعوا قول الله تعالى في شأنهم : ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي ~~وما أوتيتم من العلم إلا قليلا } ( الإسراء : 85 ) فقالوا : كيف وأنت تتلو ~~فيما جاءك أنا قد أوتينا التوراة وفيها تبيان كل شيء فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لمن سألوه : هي في علم الله قليل ، ثم أنزل الله { ولو أن ~~ما في الأرض من شجرة أقلام } الآيتين أو الآيات الثلاث . # وعن السدي قالت قريش : ما أكثر كلام محمد فنزلت : { ولو أن ما في الأرض ~~من شجرة أقلام } . # وعن قتادة قالت قريش : سيتم هذا الكلام لمحمد وينحسر أي محمد صلى الله ~~عليه وسلم فلا يقول بعده كلاما . وفي رواية : سينفد هذا الكلام . وهذه يرجع ~~بعضها إلى أن هذه الآية نزلت بالمدينة فيلزم أن يكون وضعها في هذا الموضع ~~من السورة بتوقيف نبوي للمناسبة التي ذكرناها آنفا ، وبعضها يرجع إلى أنها ~~مكية فيقتضي أن تكون نزلت في أثناء نزول سورة لقمان على أن توضع عقب الآيات ~~التي نزلت قبلها . # و { كلمات } جمع كلمة بمعنى الكلام كما في قوله تعالى : { كلا إنها كلمة ~~هو قائلها } ( المؤمنون : 100 ) أي : الكلام المنبىء عن مراد الله من بعض ~~مخلوقاته مما يخاطب به ملائكته وغيرهم من المخلوقات والعناصر المعدودة ~~للتكون التي يقال لها : كن فتكون ، ومن ذلك ما أنزله من الوحي إلى رسله ~~وأنبيائه من أول أزمنة الأنبياء وما سينزله على رسوله صلى الله عليه وسلم ~~أي لو فرض إرادة الله أن يكتب كلامه كله صحفا PageV21P181 ففرضت الأشجار ~~كلها مقسمة أقلاما ، وفرض أن يكون البحر مدادا فكتب بتلك الأقلام وذلك ~~المداد لنفد البحر ونفدت الأقلام وما نفدت كلمات الله في نفس الأمر . # وأما قوله تعالى : { وتمت كلمات ربك صدقا وعدلا } ( الأنعام : 115 ) ~~فالتمام هنالك بمعنى التحقق والنفوذ ، وتقدم قوله تعالى : { ويريد الله أن ~~يحق الحق بكلماته في سورة الأنفال . وقد نظمت هذه الآية بإيجاز بديع إذ ~~ابتدئت ms6380 بحرف لو } فعلم أن مضمونها أمر مفروض ، وأن ل { لو } استعمالات كما ~~حققه في ( مغنى اللبيب ) عن عبارة سيبويه . وقد تقدم عند قوله تعالى { ولو ~~أسمعهم لتولوا وهم معرضون في سورة الأنفال . # ومن شجرة } بيان ل { ما } الموصولة وهو في معنى التمييز فحقه الإفراد ، ~~ولذلك لم يقل : من أشجار . والأقلام : جمع قلم وهو العود المشقوق ليرفع به ~~المداد ويكتب به ، أي : لو تصير كل شجرة أقلاما بمقدار ما فيها من أغصان ~~صالحة لذلك . والأقلام هو الجمع الشائع لقلم فيرد للكثرة والقلة . و { يمده ~~} بفتح الياء التحتية وضم الميم ، أي : يزيده مدادا . والمداد بكسر الميم ~~الحبر الذي يكتب به . يقال : مد الدواة يمدها . فكان قوله { يمده } متضمنا ~~فرض أن يكون البحر مدادا ثم يزاد فيه إذا نشف مداده سبعة أبحر ، ولو قيل : ~~يمده ، بضم الميم من أمد لفات هذا الإيجاز . # والسبعة : تستعمل في الكناية عن الكثرة كثيرا كقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم ( والكافر يأكل في سبعة أمعاء ) فليس لهذا العدد مفهوم ، أي والبحر ~~يمده أبحر كثيرة . # ومعنى { ما نفدت كلمات الله } ما انتهت ، أي : فكيف تحسب اليهود ما في ~~التوراة هو منتهى كلمات الله ، أو كيف يحسب المشركون أن ما نزل من القرآن ~~أوشك أن يكون انتهاء القرآن ، فيكون المثل على هذا الوجه الآخر واردا مورد ~~المبالغة في كثرة ما سينزل من القرآن إغاظة للمشركين ، فتكون { كلمات الله ~~} هي القرآن ، لأن المشركين لا يعرفون كلمات الله التي لا يحاط بها . ~~PageV21P182 # وجملة { إن الله عزيز حكيم } تذييل ، فهو لعزته لا يغلبه الذين يزعمون ~~عدم الحاجة إلى القرآن ينتظرون انفحام الرسول صلى الله عليه وسلم وهو ~~لحكمته لا تنحصر كلماته لأن الحكمة الحق لا نهاية لها . # وقرأ الجمهور برفع { والبحر } على أن الجملة الاسمية في موضع الحال ~~والواو واو الحال وهي حال من { ما في الأرض من شجرة ، } أي : تلك الأشجار ~~كائنة في حال كون البحر مدادا لها ، والواو يحصل بها من الربط والاكتفاء عن ~~الضمير لدلالتها على المقارنة . وقرأ أبو عمرو ms6381 ويعقوب { والبحر } بالنصب ~~عطفا على اسم ( إن ) . # استئناف بياني متعلق بقوله { إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا } ( لقمان : ~~23 ) لأنه كلما ذكر أمر البعث هجس في نفوس المشركين استحالة إعادة الأجسام ~~بعد اضمحلالها فيكثر في القرآن تعقيب ذكر البعث بالإشارة إلى إمكانه ~~وتقريبه . وكانوا أيضا يقولون : إن الله خلقنا أطوارا نطفة ثم علقة ثم مضغة ~~ثم لحما وعظما فكيف يبعثنا خلقا جديدا في ساعة واحدة وكيف يحيي جميع الأمم ~~والأجيال التي تضمنتها الأرض في القرون الكثيرة ، وكان أبي بن خلف وأبو ~~الأسد أو أبو الأسدين ونبيه ، ومنبه ، ابنا الحجاج من بني سهم ، يقولون ذلك ~~وربما أسر به بعضهم . وضميرا المخاطبين مراد بهما جميع الخلق فهما بمنزلة ~~الجنس ، أي ما خلق جميع الناس أول مرة ولا بعثهم ، أي خلقهم ثاني مرة إلا ~~كخلق نفس واحدة لأن خلق نفس واحدة هذا الخلق العجيب دال على تمام قدرة ~~الخالق تعالى فإذا كان كامل القدرة استوى في جانب قدرته القليل والكثير ~~والبدء والإعادة . # وفي قوله { ما خلقكم ولا بعثكم } التفات من الغيبة إلى الخطاب لقصد ~~مجابهتهم بالاستدلال المفحم . PageV21P183 # وفي قوله { كنفس واحدة } حذف مضاف دل عليه { ما خلقكم ولا بعثكم . } ~~والتقدير : إلا كخلق وبعث نفس واحدة . وذلك إيجاز كقول النابغة : # وقد خفت حتى ما تزيد مخافتي # على وعل في ذي المطارة عاقل # التقدير : على مخافة وعل . والمقصود : إن الخلق الثاني كالخلق الأول في ~~جانب القدرة . # وجملة { إن الله سميع بصير } : إما واقعة موقع التعليل لكمال القدرة على ~~ذلك الخلق العجيب استدلالا بإحاطة علمه تعالى بالأشياء والأسباب وتفاصيلها ~~وجزئياتها ومن شأن العالم أن يتصرف في المعلومات كما يشاء لأن العجز عن ~~إيجاد بعض ما تتوجه إليه الإرادة إنما يتأتى من خفاء السبب الموصل إلى ~~إيجاده ، وإذ قد كان المشركون أو عقلاؤهم يسلمون أن الله يعلم كل شيء جعل ~~تسليمهم ذلك وسيلة إلى إقناعهم بقدرته تعالى على كل شيء ، وإما واقعة موقع ~~الاستئناف البياني لما ينشأ عن الإخبار بأن بعثهم كنفس من تعجب فريق ممن ~~أسروا إنكار ms6382 البعث في نفوسهم الذين أومأ إليهم قوله آنفا : { إن الله عليم ~~بذات الصدور } ( لقمان : 23 ) ، ولأجل هذا لم يقل : إن الله عليم قدير . # استدلال على ما تضمنته الآية قبلها من كون الخلق الثاني وهو البعث في ~~متناول قدرة الله تعالى بأنه قادر على تغيير أحوال ما هو أعظم حالا من ~~الإنسان ، وذلك بتغيير أحوال الأرض وأفقها بين ليل ونهار في كل يوم وليلة ~~تغييرا يشبه طرو الموت على الحياة في دخول الليل في النهار ، وطرو الحياة ~~على الموت في دخول النهار على الليل ، وبأنه قادر على أعظم من ذلك بما سخره ~~من سير الشمس والقمر . # فهذا الاستدلال على إمكان البعث بقياس التمثيل بإمكان ما هو أعظم منه من ~~شؤون المخلوقات بعد أن استدل عليه بالقياس الكلي الذي اقتضاه قوله { إن ~~الله PageV21P184 سميع بصير } ( لقمان : 28 ) من إحاطة العلم الإلهي ~~بالمعلومات المقتضي إحاطة قدرته بالممكنات لأنها جزئيات المعلومات وفرع ~~عنها . والخطاب لغير معين ، والمقصود به المشركون بقرينة { وأن الله بما ~~تعملون خبير . والرؤية علمية ، والاستفهام لإنكار عدم الرؤية بتنزيل ~~العالمين منزلة غير عالمين لعدم انتفاعهم بعلمهم . # والإيلاج : الإدخال . وهو هنا تمثيل لتعاقب الظلمة والضياء بولوج أحدهما ~~في الآخر كقوله وآية لهم الليل نسلخ منه النهار } ( يس : 37 ) . وتقدم ~~الكلام على نظيره في قوله { تولج الليل في النهار أول سورة آل عمران ، ~~وقوله ذلك بأن الله يولج الليل في النهار الآية في سورة الحج مع اختلاف ~~الغرضين . # والابتداء بالليل لأن أمره أعجب كيف تغشى ظلمته تلك الأنوار النهارية ، ~~والجمع بين إيلاج الليل وإيلاج النهار لتشخيص تمام القدرة بحيث لا تلازم ~~عملا متماثلا . والكلام على تسخير الشمس والقمر مضى في سورة الأعراف . # وتنوين كل } هو المسمى تنوين العوض عن المضاف إليه ، والتقدير : كل من ~~الشمس والقمر يجري إلى أجل . # والجري : المشي السريع ؛ استعير لانتقال الشمس في فلكها وانتقال الأرض ~~حول الشمس وانتقال القمر حول الأرض ، تشبيها بالمشي السريع لأجل شسوع ~~المسافات التي تقطع في خلال ذلك . # وزيادة قوله { إلى أجل مسمى } للإشارة إلى ms6383 أن لهذا النظام الشمسي أمدا ~~يعلمه الله فإذا انتهى ذلك الأمد بطل ذلك التحرك والتنقل ، وهو الوقت الذي ~~يؤذن بانقراض العالم ؛ فهذا تذكير بوقت البعث . فيجوز أن يكون { إلى أجل } ~~ظرفا لغوا متعلقا بفعل { يجري ، } أي : ينتهي جريه ، أي سيره عند أجل معين ~~عند الله لانتهاء سيرهما . PageV21P185 ويجوز أن يكون { إلى أجل } متعلقا ~~بفعل { سخر } أي : جعل نظام تسخير الشمس والقمر منتهيا عند أجل مقدر . # وحرف { إلى } على التقديرين للانتهاء . وليست { إلى } بمعنى اللام عند ~~صاحب ( الكشاف ) هنا خلافا لابن مالك وابن هشام ، وسيأتي بيان ذلك عند قوله ~~تعالى { وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى في سورة فاطر . # وأن الله بما تعملون خبير } عطف على { أن الله يولج الليل في النهار ، } ~~فهو داخل في الاستفهام الإنكاري بتنزيل العالم منزلة غيره لعدم جريه على ~~موجب العلم ، فهم يعلمون أن الله خبير بما يعملون ولا يجرون على ما يقتضيه ~~هذا العلم في شيء من أحوالهم . # كاف الخطاب المتصل باسم الإشارة موجه إلى غير معين ، والمقصود به ~~المشركون بقرينة قوله { وأن ما تدعون من دونه الباطل } بتاء الخطاب في ~~قراءة نافع وابن كثير وابن عامر وأبي بكر عن عاصم . والمشار إليه هو ~~المذكور آنفا وهو الإيلاج والتسخير . وموقع هذه الجملة موقع النتيجة من ~~الدليل فلها حكم بدل الاشتمال ولذلك فصلت ولم تعطف فإنهم معترفون بأن الله ~~هو فاعل ذلك فلزمهم الدليل ونتيجته . # والمعنى : أن إيلاج الليل في النهار وعكسه وتسخير الشمس والقمر مسبب عن ~~انفراد الله تعالى بالإلهية ، فالباء للسببية ، وهو ظرف مستقر خبر عن اسم ~~الإشارة . وضمير الفصل مفيد للاختصاص ، أي : هو الحق لا أصنامكم ولا غيرها ~~مما يدعى إلهية غيره تعالى . PageV21P186 # و { الحق : هنا بمعنى الثابت ، ويفهم أن المراد حقية ثبوت إلهيته بقرينة ~~السياق ولمقابلته بقوله وأن ما تدعون من دونه الباطل ، } والمعنى : لما كان ~~ذلك الصنع البديع مسببا عن انفراد الله بالإلهية كان ذلك أيضا دليلا على ~~انفراد الله بالإلهية للتلازم بين السبب والمسبب . والتعريف في { الحق } و ~~{ الباطل ms6384 } تعريف الجنس . وإنما لم يؤت بضمير الفصل في الشق الثاني لأن ما ~~يدعونه من دون الله من أصنامهم يشترك معها في أنه باطل . وذكر ضمير الفصل ~~في نظيره من سورة الحج لاقتضاء المقام ذلك كما تقدم . # والظاهر أنا إذا جعلنا الباء في { بأن الله هو الحق } باء السببية أن ~~يكون قوله { وأن ما تدعون من دونه الباطل } عطفا على الخبر وهو مجموع { بأن ~~الله . } فالتقدير : ذلك أن ما تدعون من دونه الباطل . ويقدر حرف جر مناسب ~~للمعنى حذف قبل { أن } وهو حرف ( على ) أي : ذلك دال . وهذا كما قدر حرف ( ~~عن ) في قوله تعالى : { وترغبون أن تنكحوهن } ( النساء : 127 ) ولا يكون ~~عطفا على مدخول باء السببية إذ ليس لبطلان آلهتهم أثر في إيلاج الليل في ~~النهار وتسخير الشمس والقمر ، أو تقدر لام العلة ، أي ذلك ، لأن ما تدعونه ~~باطل ؛ فلذلك لم يكن لها حظ في إيلاج الليل والنهار وتسخير الشمس والقمر ~~باعتراف المشركين . وقوله { وأن الله هو العلي الكبير } واقع موقع الفذلكة ~~لما تقدم من دلالة إيلاج الليل والنهار وتسخير الشمس والقمر لأنه إذا استقر ~~أن ما ذكر دال على أن الله هو الحق بالإلهية ، ودال على أن ما يدعونه باطل ~~، ثبت أنه العلي الكبير دون أصنامهم . وقد اجتلب ضمير الفصل هنا للدلالة ~~على الاختصاص وسلب العلو والعظمة عن أصنامهم . # والأحسن أن نجعل الباء للملابسة أو المصاحبة وهي ظرف مستقر خبر عن اسم ~~الإشارة ، فإن شأن الباء التي للملابسة أن تكون ظرفا مستقرا بل قال الرضي : ~~إنها لا تكون إلا كذلك ، أي أنها لا تتعلق إلا بنحو الخبر أو الحال كما قال ~~: # وما لي بحمد الله لحم ولا دم PageV21P187 # أي : حالة كوني ملابسا حمد الله ، أي : غير ساخط من قضائه ، ويقال : أنت ~~بخير النظرين ، أي : مستقر . فالتقدير : ذلك المذكور من الإيلاج والتسخير ~~ملابس لحقية إلهية الله تعالى ، ويكون المعطوفان معطوفين على المجرور ~~بالباء ، أي ملابس لكون الله إلها حقا ، ولكون ما تدعون من دونه باطل ~~الإلهية ولكون الله هو العلي ms6385 الكبير . والملابسة المفادة بالباء هي ملابسة ~~الدليل للمدلول وبذلك يستقيم النظم بدون تكلف ، ويزداد وقوع جملة { ذلك بأن ~~الله هو الحق إلى آخرها في موقع النتيجة وضوحا . # وضمير الفصل في قوله وأن الله هو العلي الكبير } للاختصاص كما تقدم في ~~قوله : { إن الله هو الغني الحميد } ( لقمان : 26 ) . # و { العلي : صفة مشتقة من العلو المعنوي المجازي وهو القدسية والشرف . # والكبير : وصف مشتق من الكبر المجازي وهو عظمة الشأن . وتقدم نظير هذه ~~الآية في سورة الحج مع زيادة ضمير الفصل في قوله وأن ما تدعون من دونه هو ~~الباطل } . # ( 31 32 ) # استئناف جاء على سنن الاستئنافين اللذين قبله في قوله { ألم تروا أن الله ~~سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض } ( لقمان : 20 ) وقوله : { ألم تر أن ~~الله يولج الليل في النهار } ( لقمان : 29 ) ، وجيء بها غير متعاطفة لئلا ~~يتوهم السامع أن العطف على ما تخلل بينها ، وجاء هذا الاستئناف الثالث ~~دليلا ثالثا على عظيم حكمة الله في نظام هذا العالم وتوفيق البشر للانتفاع ~~بما هيأه الله لانتفاعهم به . فلما أتى الاستئنافان الأولان على دلائل صنع ~~الله في السماوات والأرض جاء في هذا الثالث دليل على بديع صنع الله بخلق ~~البحر وتيسير الانتفاع به في إقامة نظام PageV21P188 المجتمع البشري . ~~وتخلص منه إلى اتخاذ فريق من الناس موجبات الشكر دواعي كفر . # فكان خلق البحر على هذه الصفة العظيمة ميسرا للانتفاع بالأسفار فيه حين ~~لا تغني طرق البر في التنقل غناء فجعله قابلا لحمل المراكب العظيمة ، وألهم ~~الإنسان لصنع تلك المراكب على كيفية تحفظها من الغرق في عباب البحر ، ~~وعصمهم من توالي الرياح والموج في أسفارهم ، وهداهم إلى الحيلة في مصانعتها ~~إذا طرأت حتى تنجلي ، ولذلك وصف هذا الجري بملابسة نعمة الله فإن الناس ~~كلما مخرت بهم الفلك في البحر كانوا ملابسين لنعمة الله عليهم بالسلامة إلا ~~في أحوال نادرة ، وقد سميت هذه النعمة أمرا في قوله { والفلك تجري في البحر ~~بأمره في سورة الحج ، أي : بتقديره ونظام خلقه . # وتقدم تفصيله في ms6386 قوله فإذا ركبوا في الفلك في سورة العنكبوت ، وفي قوله : ~~هو الذي يسيركم في البر والبحر الآيات من سورة يونس وقوله : ألم تر أن الله ~~سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره في سورة الحج . # ويتعلق ليريكم } ب { تجري } أي : تجري في البحر جريا ، علة خلقه أن يريكم ~~الله بعض آياته ، أي : آياته لكم فلم يذكر متعلق الآيات لظهوره من قوله { ~~ليريكم } وجري الفلك في البحر آية من آيات القدرة في بديع الصنع أن خلق ماء ~~البحر بنظام ، وخلق الخشب بنظام ، وجعل لعقول الناس نظاما فحصل من ذلك كله ~~إمكان سير الفلك فوق عباب البحر . والمعنى : أن جري السفن فيه حكم كثيرة ~~مقصودة من تسخيره ، منها أن يكون آية للناس على وجود الصانع ووحدانيته ~~وعلمه وقدرته . وليس يلزم من لام التعليل انحصار الغرض من المعلل في ~~مدخولها لأن العلل جزئية لا كلية . # وجملة { إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور } لها موقع التعليل لجملة { ~~ليريكم من ءاياته . } ولها موقع الاستئناف البياني إذ يخطر ببال السامع أن ~~يسأل : كيف لم يهتد المشركون بهذه الآيات ؟ فأفيد أن الذي ينتفع بدلالتها ~~على PageV21P189 مدلولها هو { كل صبار شكور ، } ثناء على هذا الفريق صريحا ~~، وتعريضا بالذين لم ينتفعوا بدلالتها . واقتران الجملة بحرف { إن } لأنه ~~يفيد في مثل هذا المقام معنى التعليل والتسبب . وجعل ذلك عدة آيات لأن في ~~ذلك دلائل كثيرة ، أي : الذين لا يفارقهم الوصفان . # والصبار : مبالغة في الموصوف بالصبر ، والشكور كذلك ، أي : الذين لا ~~يفارقهم الوصفان . وهذان وصفان للمؤمنين الموحدين في الصبر للضراء والشكر ~~للسراء إذ يرجون بهما رضى الله تعالى الذي لا يتوكلون إلا عليه في كشف الضر ~~والزيادة من الخير . وقد تخلقوا بذلك بما سمعوا من الترغيب في الوصفين ~~والتحذير من ضديهما قال : { والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس } ( ~~البقرة : 177 ) ، وقال : { لئن شكرتم لأزيدنكم } ( إبراهيم : 7 ) فهم بين ~~رجاء الثواب وخوف العقاب لأنهم آمنوا بالحياة الخالدة ذات الجزاء وعلموا أن ~~مصيرهم إلى الله الذي أمر ونهى ، فصارا ms6387 لهم خلقا تطبعوا عليه فلم يفارقاهم ~~البتة أو إلا نادرا ؛ فأما المشركون فنظرهم قاصر على الحياة الحاضرة فهم ~~أسراء العالم الحسي فإذا أصابهم ضر ضجروا وإذا أصابهم نفع بطروا ، فهم ~~أخلياء من الصبر والشكر ، فلذلك كان قوله { لكل صبار شكور } كناية رمزية عن ~~المؤمنين وتعريضا رمزيا بالمشركين . ووجه إيثار خلقي الصبر والشكر هنا ~~للكناية بهما ، من بين شعب الإيمان ، أنهما أنسب بمقام السير في البحر إذ ~~راكب البحر بين خطر وسلامة وهما مظهر الصبر والشكر ، كما تقدم في قوله ~~تعالى : { هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك الآية في ~~سورة يونس . # وفي قوله لكل صبار شكور } حسن التخلص إلى التفصيل الذي عقبه في قوله { ~~وإذا غشيهم موج كالظلل } الآية ، فعطف على آيات سير الفلك إشارة إلى أن ~~الناس يذكرون الله عند تلك الآيات عند الاضطرار ، وغفلتهم عنها في حال ~~السلامة ، وهو ما تقدم مثله في قوله في سورة العنكبوت : { فإذا ركبوا في ~~الفلك PageV21P190 دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم ~~يشركون وقوله في سورة يونس : حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة ~~الآيات . # والغشيان : مستعار للمجيء المفاجىء لأنه يشبه التغطية ، وتقدم في قوله ~~تعالى : يغشي الليل النهار في سورة الأعراف . # والظلل : بضم الظاء وفتح اللام : جمع ظلة بالضم وهي : ما أظل من سحاب . # والفاء في قوله فمنهم مقتصد } تدل على مقدر كأنه قيل : فلما نجاهم ~~انقسموا فمنهم مقتصد ومنهم غيره كما سيأتي . وجعل ابن مالك الفاء داخلة على ~~جواب { لما } أي رابطة للجواب ومخالفوه يمنعون اقتران جواب { لما بالفاء ~~كما في مغني اللبيب } . # والمقتصد : الفاعل للقصد وهو التوسط بين طرفين ، والمقام دليل على أن ~~المراد الاقتصاد في الكفر لوقوع تذييله بقوله { وما يجحد بآياتنا إلا كل ~~ختار كفور } ولقوله في نظيره في سورة العنكبوت { فلما نجاهم إلى البر إذا ~~هم يشركون ، وقد يطلق المقتصد على الذي يتوسط حاله بين الصلاح وضده . كما ~~قال تعالى : منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ms6388 ما يعملون } ( المائدة : 66 ) ~~. # والجاحد الكفور : هو المفرط في الكفر والجحد . والجحود : الإنكار والنفي ~~. وتقدم عند قوله تعالى : { ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون في سورة ~~الأنعام . وعلم أن هنالك قسما ثالثا وهو الموقن بالآيات الشاكر للنعمة ~~وأولئك هم المؤمنون . قال في سورة فاطر فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم ~~سابق بالخيرات ، وهذا الاقتصار كقول جرير : # كانت حنيفة أثلاثا فثلثهم # من العبيد وثلث من مواليها # أي : والثلث الآخر من أنفسهم . # والختار : الشديد الختر ، والختر : أشد الغدر . # وجملة وما يجحد } إلى آخرها تذييل لأنها تعم كل جاحد سواء من جحد آية ~~PageV21P191 سير الفلك وهول البحر ويجحد نعمة الله عليه بالنجاة ومن يجحد ~~غير ذلك من آيات الله ونعمه . والمعنى : ومنهم جاحد بآياتنا . وفي الانتقال ~~من الغيبة إلى التكلم في قوله { بآياتنا } التفات . # والباء في { بآياتنا } لتأكيد تعدية الفعل إلى المفعول مثل قوله { ~~وامسحوا برؤوسكم } ( المائدة : 6 ) ، وقول النابغة : # لك الخير إن وارت بك الأرض واحدا # وقوله تعالى : { وما نرسل بالآيات إلا تخويفا } ( الإسراء : 59 ) . # إن لم يكن { يا أيها الناس } خطابا خاصا بالمشركين فهو عام لجميع الناس ~~كما تقرر في أصول الفقه ، فيعم المؤمن والمشرك والمعطل في ذلك الوقت وفي ~~سائر الأزمان إذ الجميع مأمورون بتقوى الله وأن الخطوات الموصلة إلى التقوى ~~متفاوتة على حسب تفاوت بعد السائرين عنها ، وقد كان فيما سبق من السورة ~~حظوظ للمؤمنين وحظوظ للمشركين فلا يبعد أن تعقب بما يصلح لكلا الفريقين ، ~~وإن كان الخطاب خاصا بالمشركين جريا على ما روي عن ابن عباس أن { يا أيها ~~الناس } خطاب لأهل مكة ، فالمراد بالتقوى : الإقلاع عن الشرك . # وموقع هذه الآية بعد ما تقدمها من الآيات موقع مقصد الخطبة بعد مقدماتها ~~إذ كانت المقدمات الماضية قد هيأت النفوس إلى قبول الهداية والتأثر ~~بالموعظة الحسنة ، وإن لاصطياد الحكماء فرصا يحرصون على عدم إضاعتها ، ~~وأحسن مثلها قول الحريري في ( المقامة الحادية عشرة ) : ( فلما ألحدوا ~~الميت ، وفات قول ليت ، أشرف شيخ من رباوة ، متحضر بهراوة ، فقال : لمثل ~~هذا فليعمل العاملون ، فاذكروا أيأيها ms6389 الغافلون ، وشمروا أيها المقصرون ) ~~الخ . . . فأما القلوب القاسية ، والنفوس المتعاصية ، فلن تأسوها آسية . ~~PageV21P192 ولاعتبار هذا الموقع جعلت الجملة استئنافا لأنها بمنزلة ~~الفذلكة والنتيجة . # والتقوى تبتدىء من الاعتراف بوجود الخالق ووحدانيته وتصديق الرسول صلى ~~الله عليه وسلم وتنتهي إلى اجتناب المنهيات وامتثال المأمورات في الظاهر ~~والباطن في سائر الأحوال . وتقدم تفصيلها عند قوله تعالى { هدى للمتقين في ~~سورة البقرة وتقدم نظير هذا في سورة الحج . # وخشية اليوم : الخوف من أهوال ما يقع فيه إذ الزمان لا يخشى لذاته ، ~~فانتصب يوما } على المفعول به . والأمر بخشيته تتضمن وقوعه فهو كناية عن ~~إثبات البعث وذلك حظ المشركين منه الذين لا يؤمنون به حتى صار سمة عليهم ~~قال تعالى { وقال الذين لا يرجون لقاءنا } ( الفرقان : 21 ) . # وجملة { لا يجزي والد عن ولده } الخ صفة يوم وحذف منها العائد المجرور ب ~~( في ) توسعا بمعاملته معاملة العائد المنصوب كقوله { واتقوا يوما لا تجزي ~~نفس عن نفس شيئا في سورة البقرة . # وجزى إذا عدي ب عن } فهو بمعنى قضى عنه ودفع عنه ، ولذلك يقال للمتقاضي : ~~المتجازي . # وجملة { ولا مولود } الخ عطف على الصفة و { مولود } مبتدأ . و { هو } ~~ضمير فصل . و { جاز } خبر المبتدأ . # وذكر الوالد والولد هنا لأنهما أشد محبة وحمية من غيرهم فيعلم أن غيرهما ~~أولى بهذا النفي ، قال تعالى : { يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه الآية ( ~~عبس : 34 35 ) . # وابتدىء ب الوالد } لأنه أشد شفقة على ابنه فلا يجد له مخلصا من سوء إلا ~~فعله . ووجه اختيار هذه الطريقة في إفادة عموم النفي هنا دون طريقة قوله ~~تعالى : { واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا في سورة البقرة ، أن هذه ~~الآية نزلت بمكة وأهلها يومئذ خليط من مسلمين وكافرين ، وربما كان الأب ~~مسلما والولد كافرا وربما كان العكس ، وقد يتوهم بعض الكافرين حين تداخلهم ~~الظنون في مصيرهم PageV21P193 بعد الموت أنه إذا ظهر صدق وعيد القرآن إياهم ~~فإن من له أب مسلم أو ابن مسلم يدفع عنه هنالك بما يدل به على رب ms6390 هذا الدين ~~، وقد كان قارا في نفوس العرب التعويل على المولى والنصير تعويلا على أن ~~الحمية والأنفة تدفعهم إلى الدفاع عنهم في ذلك الجمع وإن كانوا من قبل ~~مختلفين لهم لضيق عطن أفهامهم يقيسون الأمور على معتادهم . وهذا أيضا وجه ~~الجمع بين نفي جزاء الوالد عن ولده وبين نفي جزاء الولد عن والده ليشمل ~~الفريقين في الحالتين فلا يتوهم أن أحد الفريقين أرجى في المقصود . # ثم أوثرت جملة ولا مولود هو جاز عن والده شيئا } بطرق من التوكيد لم ~~تشتمل على مثلها جملة { لا يجزي والد عن ولده ؛ } فإنها نظمت جملة اسمية ، ~~ووسط فيها ضمير الفصل ، وجعل النفي فيها منصبا إلى الجنس . ونكتة هذا ~~الإيثار مبالغة تحقيق عدم جزء هذا الفريق عن الآخر إذ كان معظم المؤمنين من ~~الأبناء والشبابب ، وكان آباؤهم وأمهاتهم في الغالب على الشرك مثل أبي ~~قحافة والد أبي بكر ، وأبي طالب والد علي ، وأم سعد بن أبي وقاص ، وأم ~~أسماء بنت أبي بكر ، فأريد حسم أطماع آبائهم وما عسى أن يكون من أطماعهم أن ~~ينفعوا آباءهم في الآخرة بشيء . وعبر فيها ب { مولود } دون ( ولد ) لإشعار ~~{ مولود } بالمعنى الاشتقاقي دون ( ولد ) الذي هو اسم بمنزلة الجوامد لقصد ~~التنبيه على أن تلك الصلة الرقيقة لا تخول صاحبها التعرض لنفع أبيه المشرك ~~في الآخرة وفاء له بما تومىء إليه المولودية من تجشم المشقة من تربيته ، ~~فلعله يتجشم الإلحاح في الجزاء عنه في الآخرة حسما لطمعه في الجزاء عنه ، ~~فهذا تعكيس للترقيق الدنيوي في قوله تعالى { وقل رب ارحمهما كما ربياني ~~صغيرا } ( الإسراء : 24 ) وقوله : { وصاحبهما في الدنيا معروفا } ( لقمان : ~~15 ) . # وجملة { إن وعد الله حق } علة لجملتي { اتقوا ربكم واخشوا يوما . ووعد ~~الله : هو البعث ، قال تعالى : ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين قل ~~لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون } ( سبأ : 29 30 ) . # وأكد الخبر ب { إن } مراعاة لمنكري البعث ، وإذ قد كانت شبهتهم في إنكاره ~~PageV21P194 مشاهدة الناس يموتون وبخلفهم أجيال آخرون ولم يرجع ms6391 أحد ممن مات ~~منهم { وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر } ~~( الجاثية : 24 ) وقالوا : { إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين } ( ~~الأنعام : 29 ) . # فرع على هذا التأكيد إبطال شبهتهم بقوله : { فلا تغرنكم الحياة الدنيا ، ~~} أي لا تغرنكم حالة الحياة الدنيا بأن تتوهموا الباطل حقا والضر نفعا ، ~~فإسناد التغرير إلى الحياة الدنيا مجاز عقلي لأن الدنيا ظرف الغرور أو ~~شبهته ، وفاعل التغرير حقيقة هم الذين يضلونهم بالأقيسة الباطلة فيشبهون ~~عليهم إبطاء الشيء باستحالته فذكرت هنا وسيلة التغرير وشبهته ثم ذكر بعده ~~الفاعل الحقيقي للتغرير وهو الغرور . و { الغرور بفتح الغين : من يكثر منه ~~التغرير ، والمراد به الشيطان بوسوسته وما يليه في نفوس دعاة الضلالة من ~~شبه التمويه للباطل في صورة وما يلقيه في نفوس أتباعهم من قبول تغريرهم . # وعطف ولا يغرنكم بالله الغرور } لأنه أدخل في تحذيرهم ممن يلقون إليهم ~~الشبه أو من أوهام أنفسهم التي تخيل لهم الباطل حقا ليهموا آراءهم . وإذا ~~أريد بالغرور الشيطان أو ما يشمله فذلك أشد في التحذير لما تقرر من عداوة ~~الشيطان للإنسان ، كما قال تعالى : { يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما ~~أخرج أبويكم من الجنة } ( الأعراف : 27 ) وقال : { إن الشيطان لكم عدو ~~فاتخذوه عدوا } ( فاطر : 6 ) ، ففي التحذير شوب من التنفير . # والباء في قوله { ولا يغرنكم بالله } هي كالباء في قوله تعالى { يا أيها ~~الإنسان ما غرك بربك الكريم } ( الانفطار : 6 ) . وقرر في ( الكشاف ) في ~~سورة الانفطار معنى الباء بما يقتضي أنها للسببية ، وبالضرورة يكون السبب ~~شأنا من شؤون الله يناسب المقام لا ذات الله تعالى . والذي يناسب هنا أن ~~يكون النهي عن الاغترار بما يسوله الغرور للمشركين كتوهم أن الأصنام شفعاء ~~لهم عند الله في الدنيا واقتناعهم بأنه إذا ثبت البعث على احتمال مرجوح ~~عندهم شفعت لهم يومئذ أصنامهم ، أو يغرهم بأن الله لو أراد البعث كما يقول ~~الرسول صلى الله عليه وسلم لبعث آباءهم وهم ينظرون ، أو أن يغرهم بأن الله ~~لو أراد بعث الناس ms6392 لعجل لهم ذلك وهو ما حكى الله عنهم : { ويقولون متى هذا ~~الوعد إن كنتم صادقين } ( يونس : 48 ) فذلك كله غرور لهم مسبب بشؤون الله ~~تعالى . ففي PageV21P195 هذا ما يوضح معنى الباء في قوله تعالى : { ولا ~~يغرنكم بالله الغرور . } وقد جاء مثله في سورة الحديد . وهذا الاستعمال في ~~تعدية فعل الغرور بالباء قريب من تعديته ب ( من ) الابتدائية في قول امرىء ~~القيس : # أغركك مني أن حبك قاتلي # أي : لا يغرنك من معاملتي معك أن حبك قاتلي . # كان من جملة غرورهم في نفي البعث أنهم يجعلون عدم إعلام الناس بتعيين ~~وقته أمارة على أنه غير واقع . قال تعالى : { ويقولون متى هذا الوعد إن ~~كنتم صادقين } ( يونس : 48 ) وقال : { وما يدريك لعل الساعة قريب يستعجل ~~بها الذين لا يؤمنون بها } ( الشورى : 17 ، 18 ) ، فلما جرى في الآيات ~~قبلها ذكر يوم القيامة أعقبت بأن وقت الساعة لا يعلمه إلا الله . # فجملة { إن الله عنده علم الساعة } مستأنفة استئنافا بيانيا لوقوعها ~~جوابا عن سؤال مقدر في نفوس الناس . والجمل الأربع التي بعدها إدماج لجمع ~~نظائرها تعليما للأمة . وقال الواحدي والبغوي : إن رجلا من محارب خصفة من ~~أهل البادية سماه في ( الكشاف ) الحارث بن عمرو ووقع في ( تفسير القرطبي ) ~~وفي ( أسباب النزول ) للواحدي تسميته الوارث بن عمرو بن حارثة جاء إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال : متى الساعة ؟ وقد أجدبت بلادنا فمتى تخصب ~~؟ وتركت امرأتي حبلى فما تلد ؟ وماذا أكسب غدا ؟ وبأي أرض أموت ؟ ، فنزلت ~~هذه الآية ، ولا يدرى سند هذا . ونسب إلى عكرمة ومقاتل ، ولو صح لم يكن ~~منافيا لاعتبار هذه الجملة استئنافا بيانيا فإنه مقتضى السياق . # وقد أفاد التأكيد بحرف { إن } تحقيق علم الله تعالى بوقت الساعة ، وذلك ~~يتضمن تأكيد وقوعها . وفي كلمة { عنده } إشارة إلى اختصاصه تعالى بذلك ~~العلم لأن PageV21P196 العندية شأنها الاستئثار . وتقديم { عند } وهو ظرف ~~مسند على المسند إليه يفيد التخصيص بالقرينة الدالة على أنه ليس مراد به ~~مجرد التقوي . # وجملة { وينزل الغيث } عطف على جملة الخبر . والتقدير : وإن الله ms6393 ينزل ~~الغيث ، فيفيد التخصيص بتنزيل الغيث . والمقصود أيضا عنده علم وقت نزول ~~الغيث وليس المقصود مجرد الإخبار بأنه ينزل الغيث لأن ذلك ليس مما ينكرونه ~~ولكن نظمت الجملة بأسلوب الفعل المضارع ليحصل مع الدلالة على الاستئثار ~~بالعلم به الامتنان بذلك المعلوم الذي هو نعمة . # وفي اختيار الفعل المضارع إفادة أنه يجدد إنزال الغيث المرة بعد المرة ~~عند احتياج الأرض . ولا التفات إلى من قدروا : { ينزل الغيث ، بتقدير ( أن ~~) } المصدرية على طريقة قول طرفة : # ألا أيهذا الزاجري احضر الوغى # للبون بين المقامين وتفاوت الدرجتين في البلاغة . وإذ قد جاء هذا نسقا في ~~عداد الحصر كان الإتيان بالمسند فعلا خبرا عن مسند إليه مقدم مفيدا ~~للاختصاص بالقرينة ؛ فالمعنى : وينفرد بعلم وقت نزول الغيث من قرب وبعد ~~وضبط وقت . # وعطف عليه { ويعلم ما في الأرحام } أي : ينفرد بعلم جميع أطواره من نطفة ~~وعلقة ومضغة ثم من كونه ذكرا أو أنثى وإبان وضعه بالتدقيق . وجيء بالمضارع ~~لإفادة تكرر العلم بتبدل تلك الأطوار والأحوال . والمعنى : ينفرد بعلم جميع ~~تلك الأطوار التي لا يعلمها الناس لأنه عطف على ما قصد منه الحصر فكان ~~المسند الفعلي المتأخر عن المسند إليه مفيدا للاختصاص بالقرينة كما قلنا في ~~قوله تعالى : { والله يقدر الليل والنهار . # وأما قوله وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت } فقد ~~نسج على منوال آخر من النظم فجعل سداه نفي علم أية نفس بأخص أحوالها وهو ~~حال اكتسابها القريب منها في اليوم الموالي يوم تأملها ونظرها ، وكذلك مكان ~~انقضاء حياتها للنداء عليهم بقلة علمهم ؛ فإذا كانوا بهذه المثابة في ~~PageV21P197 قلة العلم فكيف يتطلعون إلى علم أعظم حوادث هذا العالم وهو ~~حادث فنائه وانقراضه واعتياضه بعالم الخلود . وهذا النفي للدراية بهذين ~~الأمرين عن كل نفس فيه كناية عن إثبات العلم بما تكسب كل نفس والعلم بأي ~~أرض تموت فيها كل نفس إلى الله تعالى ، فحصلت إفادة اختصاص الله تعالى ~~بهذين العلمين فكانا في ضميمة ما انتظم معهما مما تقدمهما . # وعبر في جانب ms6394 نفي معرفة الناس بفعل الدراية لأن الدراية علم فيه معالجة ~~للاطلاع على المعلوم ولذلك لا يعبر بالدراية عن علم الله تعالى فلا يقال : ~~الله يدري كذا ، فيفيد : انتفاء علم الناس بعد الحرص على علمه . والمعنى : ~~لا يعلم ذلك إلا الله تعالى بقرينة مقابلتهما بقوله { وينزل الغيث ويعلم ما ~~في الأرحام . } وقد علق فعل الدراية عن العمل في مفعولين بوقوع الاستفهامين ~~بعدهما ، أي ما تدري هذا السؤال ، أي جوابه . وقد حصل إفادة اختصاص الله ~~تعالى بعلم هذه الأمور الخمسة بأفانين بديعة من أفانين الإيجاز البالغ حد ~~الإعجاز . # ولقبت هذه الخمسة في كلام النبي صلى الله عليه وسلم بمفاتح الغيب وفسر ~~بها قوله تعالى : { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو } ( الأنعام : 59 ) ~~. ففي ( صحيح البخاري ) من حديث ابن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~( مفاتح الغيب خمس ) ثم قرأ : { إن الله عنده علم الساعة الآية ، ومن حديث ~~أبي هريرة : . . . في خمس لا يعلمهن إلا الله إن الله عنده علم الساعة ~~جوابا عن سؤال جبريل : متى الساعة ؟ . . . . # ومعنى حصر مفاتح الغيب في هذه الخمسة : أنها هي الأمور المغيبة المتعلقة ~~بأحوال الناس في هذا العالم وأن التعبير عنها بالمفاتح أنها تكون مجهولة ~~للناس فإذا وقعت فكأن وقوعها فتح لما كان مغلقا وأما بقية أحوال الناس ~~فخفاؤها عنهم متفاوت ويمكن لبعضهم تعيينها مثل تعيين يوم كذا للزفاف ويوم ~~كذا للغزو وهكذا مواقيت العبادات والأعياد ، وكذلك مقارنات الأزمنة مثل : ~~يوم كذا مدخل الربيع ؛ فلا تجد مغيبات لا قبل لأحد بمعرفة وقوعها من أحوال ~~الناس في هذا العالم غير هذه الخمسة فأما في العوالم الأخرى وفي الحياة ~~الآخرة فالمغيبات عن علم الناس كثيرة وليست لها مفاتح علم في هذا العالم . ~~PageV21P198 # وجملة إن الله عليم خبير } مستأنفة ابتدائية واقعة موقع النتيجة لما ~~تضمنه الكلام السابق من إبطال شبهة المشركين بقوله تعالى : { إن وعد الله ~~حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا } ( لقمان : 33 ) كموقع قوله في قصة ( لقمان : ~~16 ) : { إن الله لطيف خبير عقب قوله : إنها إن ms6395 تك مثقال حبة من خردل الآية ~~( لقمان : 16 ) . # والمعنى : أن الله عليم بمدى وعده خبير بأحوالكم مما جمعه قوله وما تدري ~~نفس ماذا تكسب غدا } الخ ولذا جمع بين الصفتين : صفة { عليم } وصفة { خبير ~~} لأن الثانية أخص . # # PageV21P199 PageV21P200 # | 1 ( سورة السجدة ) 1 # أشهر أسماء هذه السورة هو سورة السجدة ، وهو أخصر أسمائها ، وهو المكتوب ~~في السطر المجعول لاسم السورة من المصاحف المتداولة . وبهذا الاسم ترجم لها ~~الترمذي في ( جامعه ) وذلك بإضافة كلمة سورة إلى كلمة السجدة . ولا بد من ~~تقدير كلمة { ألم محذوفة للاختصار إذ لا يكفي مجرد إضافة سورة إلى السجدة ~~في تعريف هذه السورة ، فإنه لا تكون سجدة من سجود القرآن إلا في سورة من ~~السور . # وتسمى أيضا ألم تنزيل ؛ روى الترمذي عن جابر بن عبد الله : أن النبي كان ~~لا ينام حتى يقرأ ألم تنزيل } ( السجدة : 1 ، 2 ) و { تبارك الذي بيده ~~الملك } ( الملك : 1 ) . # وتسمى { ألم تنزيل السجدة . وفي صحيح البخاري } عن أبي هريرة : ( كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ يوم الجمعة في صلاة الفجر { ألم تنزيل ~~السجدة وهل أتى على الإنسان } ( الإنسان : 1 ) . قال شارحو ( صحيح البخاري ~~) ضبط اللام من كلمة { تنزيل بضمة على الحكاية ، وأما لفظ السجدة في هذا ~~الحديث فقال ابن حجر : هو بالنصب . وقال العيني والقسطلاني بالنصب على أنه ~~عطف بيان يعني أنه بيان للفظ ألم تنزيل ، وهذا بعيد ، لأن لفظ السجدة ليس ~~اسما لهذه السورة إلا بإضافة ( سورة ) إلى ( السجدة ) ، فالوجه أن يكون لفظ ~~( السجدة ) في كلام أبي هريرة مجرورا بإضافة مجموع ألم تنزيل إلى لفظ ( ~~السجدة ) ، وسأبين كيفية هذه الإضافة . # وعنونها البخاري في صحيحه } : ( سورة تنزيل السجدة ) . ويجب أن يكون { ~~تنزيل مضموما على حكاية لفظ القرآن ، فتميزت هذه السورة بوقوع سجدة تلاوة ~~فيها من PageV21P201 بين السور المفتتحة ب ألم ، فلذلك فمن سماها سورة ~~السجدة عنى تقدير مضاف أي سورة ألم السجدة . ومن سماها تنزيل السجدة فهو ~~على تقدير ألم تنزيل السجدة بجعل ألم تنزيل اسما مركبا ثم إضافته إلى ~~السجدة ms6396 ، أي ذات السجدة ، لزيادة التمييز والإيضاح ، وإلا فإن ذكر كلمة ~~تنزيل كاف في تمييزها عما عداها من ذوات ألم ثم اختصر بحذف ألم وإبقاء ~~تنزيل ، وأضيف تنزيل إلى السجدة على ما سيأتي في توجيه تسميتها ألم تنزيل ~~السجدة . # ومن سماها ألم السجدة فهو على إضافة ألم إلى السجدة إضافة على معنى اللام ~~وجعل ألم اسما للسورة . ومن سموها ألم تنزيل السجدة لم يتعرضوا لضبطها في ~~شروح صحيح البخاري } ولا في النسخ الصحيحة من ( الجامع الصحيح ) ، ويتعين ~~أن يكون { ألم مضافا إلى تنزيل على أن مجموع المضاف والمضاف إليه اسم لهذه ~~السورة محكي لفظه ، فتكون كلمة تنزيل مضمومة على حكاية لفظها القرآني ، وأن ~~يعتبر هذا المركب الإضافي اعتبار العلم مثل : عبدالله ، ويعتبر مجموع ذلك ~~المركب الإضافي مضافا إلى السجدة إضافة المفردات ، وهو استعمال موجود ، ~~ومنه قول تأبط شرا : # إني لمهد من ثنائي فقاصد # به لابنن عم الصدقق شمسس بنن مالك # إذ أضاف مجموع ( ابن عم ) إلى ( الصدق ) ، ولم يرد إضافة عم إلى الصدق . ~~وكذلك قول أحد الطائيين في ديوان الحماسة } : # داو ابن عم السوء بالنأي والغنى # كفى بالغنى والنأي عنه مداويا # فإنه ما أراد وصف عمه بالسوء ولكنه أراد وصف ابن عمه بالسوء . فأضاف ~~مجموع ابن عم إلى السوء ، ومثله قول رجل من كلب في ( ديوان الحماسة ) : # هنيئا لابنن عم السوء أني # مجاورة بني ثعل لبوني # وقال عيينة بن مرداس في ( الحماسة ) : PageV21P202 # فلما عرفت اليأس منه وقد بدت # أيادي سبا الحاجات للمتذكر # فأضاف مجموع ( أيادي سبا ) وهو كالمفرد لأنه جرى مجرى المثل إلى الحاجات ~~. وقال بعض رجازهم : # أنا ابن عم الليل وابن خاله # إذا دجى دخلت في سرباله # فأضاف ( ابن عم ) إلى لفظ ( الليل ) ، وأضاف ( ابن خال ) إلى ضمير ( ~~الليل ) على معنى أنا مخالط الليل ، ولا يريد إضافة عم ولا خال إلى الليل . ~~ومن هذا اسم عبد الله بن قيسس الرقيات ، فالمضاف إلى ( الرقيات ) هو مجموع ~~المركب إما ( عبد الله ) ، أو ( ابن قيس ) لا أحد مفرداته . وهذه الإضافة ~~قريبة من إضافة ms6397 العدد المركب إلى من يضاف إليه مع بقاء اسم العدد على بنائه ~~كما تقول : أعطه خمسة عشره . # وتسمى هذه السورة أيضا سورة المضاجع لوقوع لفظ { المضاجع في قوله تعالى : ~~تتجافى جنوبهم عن المضاجع } ( السجدة : 16 ) . # وفي ( تفسير القرطبي ) عن ( مسند الدارمي ) أن خالد بن معدان سماها : ~~المنجية . قال : بلغني أن رجلا يقرؤها ما يقرأ شيئا غيرها ، وكان كثير ~~الخطايا فنشرت جناحها وقالت : رب اغفر له فإنه كان يكثر من قراءتي فشفعها ~~الرب فيه وقال : اكتبوا له بكل خطيئة حسنة وارفعوا له درجة اه . وقال ~~الطبرسي : تسمى ( سورة سجدة لقمان ) لوقوعها بعد سورة لقمان لئلا تلتبس ~~بسورة ( حم السجدة ) ، أي كما سموا سورة ( حم السجدة ) وهي سورة فصلت ( ~~سورة سجدة المؤمن ) لوقوعها بعد سورة المؤمنين . # وهي مكية في إطلاق أكثر المفسرين وإحدى روايتين عن ابن عباس ، وفي رواية ~~أخرى عنه استثناء ثلاث آيات مدنية وهي : { أفمن كان مؤمنا كمن كان ~~PageV21P203 فاسقا إلى لعلهم يرجعون } ( السجدة : 18 21 ) . قيل نزلت يوم ~~بدر في علي بن أبي طالب والوليد بن عقبة وسيأتي إبطاله . وزاد بعضهم آيتين ~~{ تتجافى جنوبهم عن المضاجع إلى بما كانوا يعملون } ( السجدة : 16 17 ) لما ~~روي في سبب نزولها وهو ضعيف . والذي نعول عليه أن السورة كلها مكية وأن ما ~~خالف ذلك إن هو إلا تأويل أو إلحاق خاص بعام كما أصلنا في المقدمة الخامسة ~~. نزلت بعد سورة النحل وقبل سورة نوح ، وقد عدت الثالثة والسبعين في النزول ~~. وعدت آياتها عند جمهور العادين ثلاثين ، وعدها البصريون سبعا وعشرين . # ( سقط : من منتصف الصفحة ( 204 ) حتى نهاية الصفحة ( 244 ) . ( هذه ~~الصفحة مكررة : ولا يريد إضافة عم ولا خال إلى الليل . ومن هذا اسم عبد ~~الله بن قيسس الرقيات ، فالمضاف إلى ( الرقيات ) هو مجموع المركب إما ( عبد ~~الله ) ، أو ( ابن قيس ) لا أحد مفرداته . وهذه الإضافة قريبة من إضافة ~~العدد المركب إلى من يضاف إليه مع بقاء اسم العدد على بنائه كما تقول : ~~أعطه خمسة عشره . # وتسمى هذه السورة أيضا سورة المضاجع لوقوع ms6398 لفظ { المضاجع في قوله تعالى : ~~تتجافى جنوبهم عن المضاجع } ( السجدة : 16 ) . # وفي ( تفسير القرطبي ) عن ( مسند الدارمي ) أن خالد بن معدان سماها : ~~المنجية . قال : بلغني أن رجلا يقرؤها ما يقرأ شيئا غيرها ، وكان كثير ~~الخطايا فنشرت جناحها وقالت : رب اغفر له فإنه كان يكثر من قراءتي فشفعها ~~الرب فيه وقال : اكتبوا له بكل خطيئة حسنة وارفعوا له درجة اه . وقال ~~الطبرسي : تسمى ( سورة سجدة لقمان ) لوقوعها بعد سورة لقمان لئلا تلتبس ~~بسورة ( حم السجدة ) ، أي كما سموا سورة ( حم السجدة ) وهي سورة فصلت ( ~~سورة سجدة المؤمن ) لوقوعها بعد سورة المؤمنين . # وهي مكية في إطلاق أكثر المفسرين وإحدى روايتين عن ابن عباس ، وفي رواية ~~أخرى عنه استثناء ثلاث آيات مدنية وهي : { أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا ~~إلى لعلهم يرجعون } ( السجدة : 18 21 ) . قيل نزلت يوم بدر في علي بن أبي ~~طالب والوليد بن عقبة وسيأتي إبطاله . وزاد بعضهم آيتين { تتجافى جنوبهم عن ~~المضاجع إلى بما كانوا يعملون } ( السجدة : 16 17 ) لما روي في سبب نزولها ~~وهو ضعيف . والذي نعول عليه أن السورة كلها مكية وأن ما خالف ذلك إن هو إلا ~~تأويل أو إلحاق خاص بعام كما أصلنا في المقدمة الخامسة . نزلت بعد سورة ~~النحل وقبل سورة نوح ، وقد عدت الثالثة والسبعين في النزول . وعدت آياتها ~~عند جمهور العادين ثلاثين ، وعدها البصريون سبعا وعشرين . # ( هذه الصفحة مكررة : ولا يريد إضافة عم ولا خال إلى الليل . ومن هذا اسم ~~عبد الله بن قيسس الرقيات ، فالمضاف إلى ( الرقيات ) هو مجموع المركب إما ( ~~عبد الله ) ، أو ( ابن قيس ) لا أحد مفرداته . وهذه الإضافة قريبة من إضافة ~~العدد المركب إلى من يضاف إليه مع بقاء اسم العدد على بنائه كما تقول : ~~أعطه خمسة عشره . # وتسمى هذه السورة أيضا سورة المضاجع لوقوع لفظ { المضاجع في قوله تعالى : ~~تتجافى جنوبهم عن المضاجع } ( السجدة : 16 ) . # وفي ( تفسير القرطبي ) عن ( مسند الدارمي ) أن خالد بن معدان سماها : ~~المنجية . قال : بلغني أن رجلا يقرؤها ما يقرأ شيئا غيرها ، وكان ms6399 كثير ~~الخطايا فنشرت جناحها وقالت : رب اغفر له فإنه كان يكثر من قراءتي فشفعها ~~الرب فيه وقال : اكتبوا له بكل خطيئة حسنة وارفعوا له درجة اه . وقال ~~الطبرسي : تسمى ( سورة سجدة لقمان ) لوقوعها بعد سورة لقمان لئلا تلتبس ~~بسورة ( حم السجدة ) ، أي كما سموا سورة ( حم السجدة ) وهي سورة فصلت ( ~~سورة سجدة المؤمن ) لوقوعها بعد سورة المؤمنين . # وهي مكية في إطلاق أكثر المفسرين وإحدى روايتين عن ابن عباس ، وفي رواية ~~أخرى عنه استثناء ثلاث آيات مدنية وهي : { أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا ~~إلى لعلهم يرجعون } ( السجدة : 18 21 ) . قيل نزلت يوم بدر في علي بن أبي ~~طالب والوليد بن عقبة وسيأتي إبطاله . وزاد بعضهم آيتين { تتجافى جنوبهم عن ~~المضاجع إلى بما كانوا يعملون } ( السجدة : 16 17 ) لما روي في سبب نزولها ~~وهو ضعيف . والذي نعول عليه أن السورة كلها مكية وأن ما خالف ذلك إن هو إلا ~~تأويل أو إلحاق خاص بعام كما أصلنا في المقدمة الخامسة . نزلت بعد سورة ~~النحل وقبل سورة نوح ، وقد عدت الثالثة والسبعين في النزول . وعدت آياتها ~~عند جمهور العادين ثلاثين ، وعدها البصريون سبعا وعشرين . # PageV21P204 # | 1 ( سورة الأحزاب ) 1 # هكذا سميت سورة الأحزاب في المصاحف وكتب التفسير والسنة ، وكذلك رويت ~~تسميتها عن ابن عباس وأبي بن كعب بأسانيد مقبولة . ولا يعرف لها اسم غيره . ~~ووجه التسمية أن فيها ذكر أحزاب المشركين من قريش ومن تحزب معهم ، أرادوا ~~غزو المسلمين في المدينة فرد الله كيدهم وكفى الله المؤمنين القتال . وهي ~~مدنية بالاتفاق ، وسيأتي عن ابن عباس أن آية { وما كان لمؤمن } ( الأحزاب : ~~36 ) الخ نزلت في تزويج زينب بنت جحش من زيد بن حارثة في مكة . وهي التسعون ~~في عداد السور النازلة من القرآن ، نزلت بعد سورة الأنفال ، وقبل سورة ~~المائدة . # وكان نزولها على قول ابن إسحاق أواخر سنة خمس من الهجرة وهو الذي جرى ~~عليه ابن رشد في ( البيان والتحصيل ) . وروى ابن وهب وابن القاسم عن مالك : ~~أنها كانت سنة أربع وهي سنة غزوة ms6400 الأحزاب وتسمى غزوة الخندق حين أحاط ~~جماعات من قريش وأحابيشهم وكنانة وغطفان وكانوا عشرة آلاف وكان المسلمون ~~ثلاثة آلاف وعقبتها غزوة قريظة والنضير . وعدد آيها ثلاث وسبعون باتفاق ~~أصحاب العدد . # ومما يجب التنبيه عليه مما يتعلق بهذه السورة ما رواه الحاكم والنسائي ~~وغيرهما عن زر بن حبيش قال : قال لي أبي بن كعب : كأين تعدون سورة الأحزاب ~~؟ قال : PageV21P245 قلت : ثلاثا وسبعين آية . قال : أقط بهمزة استفهام ~~دخلت على قط ، أي : حسب فوالذي يحلف به أبي : إن كانت لتعدل سورة البقرة . ~~ولقد قرأنا فيها : ( الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتية نكالا من ~~الله والله عزيز حكيم ) فرفع فيما رفع ، أي : نسخ فيما نسخ من تلاوة ~~ءاياتها . وما رواه أبو عبيد القاسم بن سلام بسنده وابن الإنباري بسنده عن ~~عائشة قالت : كانت سورة الأحزاب تقرأ في زمان النبي صلى الله عليه وسلم ~~مائتي آية فلما كتب عثمان المصاحف لم يقدر منها إلا على ما هو الآن . وكلام ~~الخبرين ضعيف السند . ومحمل الخبر الأول عند أهل العلم أن أبيا حدث عن سورة ~~الأحزاب قبل أن ينسخ منها ما نسخ . فمنه ما نسخت تلاوته وحكمه ومنه ما نسخت ~~تلاوته خاصة مثل آية الرجم . وأنا أقول : إن صح عن أبي ما نسب إليه فما هو ~~إلا أن شيئا كثيرا من القرآن كان أبي يلحقه بسورة الأحزاب وهو من سور أخرى ~~من القرآن مثل كثير من سورة النساء الشبيه ببعض ما في سورة الأحزاب أغراضا ~~ولهجة مما فيه ذكر المنافقين واليهود ، فإن أصحاب رسول الله لم يكونوا على ~~طريقة واحدة في ترتيب آي القرآن ولا في عدة سور وتقسيم سوره كما تقدم في ~~المقدمة الثامنة ولا في ضبط المنسوخ لفظه . كيف وقد أجمع حفاظ القرآن ~~والخلفاء الأربعة وكافة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا الذين شذوا ~~على أن القرآن هو الذي في المصحف وأجمعوا في عدد آيات القرآن على عدد قريب ~~بعضه من بعض كما تقدم في المقدمة الثامنة . # وأما الخبر عن عائشة فهو ms6401 أضعف سندا وأقرب تأويلا فإن صح عنها ، ولا إخاله ~~، فقد تحدثت عن شيء نسخ من القرآن كان في سورة الأحزاب . وليس بعد إجماع ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على مصحف عثمان مطلب لطالب . # ولم يكن تعويلهم في مقدار القرآن وسوره إلا على حفظ الحفاظ . وقد افتقد ~~زيد بن ثابت آية من سورة الأحزاب لم يجدها فيما دفع إليه من صحف القرآن فلم ~~يزل يسأل عنها حتى وجدها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري وقد كان يسمع رسول الله ~~يقرؤها ، فلما وجدها مع خزيمة لم يشك في لفظها الذي كان عرفه ، PageV21P246 ~~وهي آية { من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه إلى قوله تبديلا } ( ~~الأحزاب : 23 ) . وافتقد الآيتين من آخر سورة براءة فوجدهما عند أبي خزيمة ~~بن أوس المشتهر بكنيته . # وبعد فخبر أبي بن كعب خبر غريب لم يؤثر عن أحد من أصحاب رسول الله فنوقن ~~بأنه دخله وهم من بعض رواته . وهو أيضا خبر آحاد لا ينتقض به إجماع الأمة ~~على المقدار الموجود من هذه السورة متواترا . وفي ( الكشاف ) : وأما ما ~~يحكى أن تلك الزيادة التي رويت عن عائشة كانت مكتوبة في صحيفة في بيت عائشة ~~فأكلتها الداجن ، أي الشاة ، فمن تأليفات الملاحدة والروافض اه . # ووضع هذا الخبر ظاهر مكشوف فإنه لو صدق هذا لكانت هذه الصحيفة قد هلكت في ~~زمن النبي صلى الله عليه وسلم أو بعده والصحابة متوافرون وحفاظ القرآن ~~كثيرون فلو تلفت هذه الصحيفة لم يتلف ما فيها من صدور الحفاظ . وكون القرآن ~~قد تلاشى منه كثير هو أصل من أصول الروافض ليطعنوا به في الخلفاء الثلاثة ، ~~والرافضة يزعمون أن القرآن مستودع عند الإمام المنتظر فهو الذي يأتي ~~بالقرآن وقر بعير . وقد استوعب قولهم واستوفى إبطاله أبو بكر بن العربي في ~~كتاب ( العواصم من القواصم ) . # أغراض هذه السورة # لكثير من آيات هذه السورة أسباب لنزولها ، وأكثرها نزل للرد على ~~المنافقين أقوالا قصدوا بها أذى النبي صلى الله عليه وسلم # $ 2 ( { ي & # 1764 اأيها النبى اتق الله ms6402 ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان ~~عليما حكيما * واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعملون خبيرا * ~~وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا * ما جعل الله لرجل من قلبين فى جوفه وما ~~جعل أزواجكم اللائى تظاهرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعيآءكم أبنآءكم ذلكم ~~قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدى السبيل * ادعوهم لابآئهم هو أقسط ~~عند الله فإن لم تعلمو & # 1764 ا ءاباءهم فإخوانكم فى الدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيمآ أخطأتم ~~به ولاكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما * النبى أولى بالمؤمنين من ~~أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وأولو الارحام بعضهم أولى ببعض فى كتاب الله من ~~المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلو & # 1764 ا إلى أوليآئكم معروفا كان ذلك فى الكتاب مسطورا * وإذ أخذنا من ~~النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ~~ميثاقا غليظا * ليسأل الصادقين عن صدقهم وأعد للكافرين عذابا أليما * ~~ياأيها الذين ءامنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جآءتكم جنود فأرسلنا عليهم ~~ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا * إذ جآءوكم من فوقكم ومن ~~أسفل منكم وإذ زاغت الابصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا * ~~هنالك ابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا * وإذ يقول المنافقون والذين فى ~~قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا * وإذ قالت طآئفة منهم ياأهل . ~~يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبى يقولون إن بيوتنا عورة ~~وما هى بعورة إن يريدون إلا فرارا * ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا ~~الفتنة لاتوها وما تلبثوا بهآ إلا يسيرا * ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل ~~لا يولون الادبار وكان عهد الله مسئولا * قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من ~~الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا * قل من ذا الذى يعصمكم من الله ~~إن أراد بكم سو & # 1764 ءا أو أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا * قد ~~يعلم الله المعوقين منكم والقآئلين لإخوانهم هلم إلينا ولا ms6403 يأتون البأس إلا ~~قليلا * أشحة عليكم فإذا جآء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذى ~~يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير ~~أولائك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذالك على الله يسيرا * يحسبون ~~الاحزاب لم يذهبوا وإن يأت الاحزاب يودوا لو أنهم بادون فى الاعراب يسألون ~~عن أنبآئكم ولو كانوا فيكم ما قاتلو & # 1764 ا إلا قليلا * لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو ~~الله واليوم الاخر وذكر الله كثيرا * ولما رأى المؤمنون الاحزاب قالوا هاذا ~~ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما * من ~~المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر ~~وما بدلوا تبديلا * ليجزى الله الصادقين بصدقهم وي عذب المنافقين إن شآء أو ~~يتوب عليهم إن الله كان غفورا رحيما * ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ~~ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا * وأنزل الذين ~~ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف فى قلوبهم الرعب فريقا تقتلون ~~وتأسرون فريقا * وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطئوها وكان الله ~~على كل شىء قديرا * ياأيها النبى قل لازواجك إن كنتن تردن الحيواة الدنيا ~~وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا * وإن كنتن تردن الله ورسوله ~~والدار الاخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما * يانسآء النبى من ~~يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا * ~~ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتهآ أجرها مرتين وأعتدنا لها رزقا ~~كريما * يانسآء النبى لستن كأحد من النسآء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول ~~فيطمع الذى فى قلبه مرض وقلن قولا معروفا * وقرن فى بيوتكن ولا تبرجن تبرج ~~الجاهلية الاولى وأقمن الصلواة وءاتين الزكواة وأطعن الله ورسوله إنما يريد ~~الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا * واذكرن ما يتلى فى ~~بيوتكن من ءايات الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا * إن المسلمين ~~والمسلمات والمؤمنين ms6404 والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات ~~والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين ~~والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد ~~الله لهم مغفرة وأجرا عظيما * وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله ~~أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا ~~* وإذ تقول للذى & # 1764 أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفى فى نفسك ~~ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا ~~زوجناكها لكى لا يكون على المؤمنين حرج فى & # 1764 أزواج أدعيآئهم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا * ما كان ~~على النبى من حرج فيما فرض الله له سنة الله فى الذين خلوا من قبل وكان أمر ~~الله قدرا مقدورا * الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا ~~الله وكفى بالله حسيبا * ما كان محمد أبآ أحد من رجالكم ولاكن رسول الله ~~وخاتم النبيين وكان الله بكل شىء عليما * ياأيها الذين ءامنوا اذكروا الله ~~ذكرا كثيرا * وسبحوه بكرة وأصيلا * هو الذى يصلى عليكم وملائكته ليخرجكم من ~~الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما * تحيتهم يوم يلقونه سلام وأعد لهم ~~أجرا كريما * ياأيها النبى إنآ أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا * وداعيا إلى ~~الله بإذنه وسراجا منيرا * وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا * ولا ~~تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا * ~~ياأيها الذين ءامنو & # 1764 ا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن ~~من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا * ياأيها النبى إنآ أحللنا لك ~~أزواجك اللاتى & # 1764 ءاتيت أجورهن وما ملكت يمينك ممآ أفآء الله عليك وبنات عمك وبنات ~~عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتى هاجرن معك وامرأة مؤمنة إن وهبت ~~نفسها للنبى إن أراد النبى أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين قد علمنا ~~ما فرضنا عليهم فى & # 1764 أزواجهم وما ملكت أيمانهم لكيلا يكون عليك حرج وكان ms6405 الله غفورا ~~رحيما * ترجى من تشآء منهن وتؤوى & # 1764 إليك من تشآء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ذلك أدنى أن تقر ~~أعينهن ولا يحزن ويرضين بمآ ءاتيتهن كلهن والله يعلم ما فى قلوبكم وكان ~~الله عليما حليما * لا يحل لك النسآء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو ~~أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك وكان الله على كل شىء رقيبا * ياأيها الذين ~~ءامنوا لا تدخلوا بيوت النبى إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ~~ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم ~~كان يؤذى النبى فيستحيى منكم والله لا يستحى من الحق وإذا سألتموهن متاعا ~~فاسئلوهن من ورآء حجاب ذالكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن وما كان لكم أن تؤذوا ~~رسول الله ولا أن تنكحو & # 1764 ا أزواجه من بعده أبدا إن ذالكم كان عند الله عظيما * إن تبدوا شيئا ~~أو تخفوه فإن الله كان بكل شىء عليما * لا جناح عليهن فى & # 1764 ءابآئهن ولا أبنآئهن ولا إخوانهن ولا أبنآء إخوانهن ولا أبنآء ~~أخواتهن ولا نسآئهن ولا ما ملكت أيمانهن واتقين الله إن الله كان على كل ~~شىء شهيدا * إن الله وملائكته يصلون على النبى ياأيها الذين ءامنوا صلوا ~~عليه وسلموا تسليما * إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله فى الدنيا ~~والاخرة وأعد لهم عذابا مهينا * والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما ~~اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا * ياأيها النبى قل لازواجك وبناتك ~~ونسآء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذالك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان ~~الله غفورا رحيما * لئن لم ينته المنافقون والذين فى قلوبهم مرض والمرجفون ~~فى المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيهآ إلا قليلا * ملعونين أينما ~~ثقفو & # 1764 ا أخذوا وقتلوا تقتيلا * سنة الله فى الذين خلوا من قبل ولن تجد ~~لسنة الله تبديلا * يسئلك الناس عن الساعة قل إنما علمها عند الله وما ~~يدريك لعل الساعة تكون قريبا * إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا * ~~خالدين فيهآ ms6406 أبدا لا يجدون وليا ولا نصيرا * يوم تقلب وجوههم فى النار ~~يقولون ياليتنآ أطعنا الله وأطعنا الرسولا * وقالوا ربنآ إنآ أطعنا سادتنا ~~وكبرآءنا فأضلونا السبيلا * ربنآ ءاتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا ~~* ياأيها الذين ءامنوا لا تكونوا كالذين ءاذوا موسى فبرأه الله مما قالوا ~~وكان عند الله وجيها * ياأيها الذين ءامنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا * ~~يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما ~~* إنا عرضنا الامانة على السماوات والارض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن ~~منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا * ليعذب الله المنافقين ~~والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان ~~الله غفورا رحيما } ) 2 $ وأهم أغراضها : الرد عليهم قولهم لما تزوج النبي ~~صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش بعد أن طلقها زيد بن حارثة فقالوا : تزوج ~~محمد امرأة ابنه وهو ينهى الناس عن ذلك ، فأنزل الله تعالى إبطال التبني . ~~وأن الحق في أحكام الله لأنه الخبير بالأعمال وهو الذي يقول الحق . ~~PageV21P247 وأن ولاية النبي صلى الله عليه وسلم للمؤمنين أقوى ولاية ، ~~ولأزواجه حرمة الأمهات لهم ، وتلك ولاية من جعل الله فهي أقوى وأشد من ~~ولاية الأرحام . وتحريض المؤمنين على التمسك بما شرع الله لهم لأنه أخذ ~~العهد بذلك على جميع النبيئين . والاعتبار بما أظهره الله من عنايته بنصر ~~المؤمنين على أحزاب أعدائهم من الكفرة والمنافقين في وقعة الأحزاب ودفع كيد ~~المنافقين . والثناء على صدق المؤمنين وثباتهم في الدفاع عن الدين . ونعمة ~~الله عليهم بأن أعطاهم بلاد أهل الكتاب الذين ظاهروا الأحزاب . # وانتقل من ذلك إلى أحكام في معاشرة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وذكر ~~فضلهن وفضل آل النبي صلى الله عليه وسلم وفضائل أهل الخير من المسلمين ~~والمسلمات . وتشريع في عدة المطلقة قبل البناء . وما يسوغ لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من الأزواج . وحكم حجاب أمهات المؤمنين ولبسة المؤمنات إذا ~~خرجن . وتهديد المنافقين على الإرجاف بالأخبار الكاذبة . وختمت السورة ~~بالتنويه بالشرائع الإلهية فكان ختامها من رد ms6407 العجز على الصدر لقوله في ~~أولها : { واتبع ما يوحى إليك من ربك } ( الأحزاب : 2 ) ، وتخلل ذلك ~~مستطردات من الأمر بالائتساء بالنبي صلى الله عليه وسلم وتحريض المؤمنين ~~على ذكر الله وتنزيهه شكرا له على هديه . وتعظيم قدر النبي صلى الله عليه ~~وسلم عند الله وفي الملأ الأعلى ، والأمر بالصلاة عليه والسلام . ووعيد ~~المنافقين الذين يأتون بما يؤذي الله ورسوله والمؤمنين . والتحذير من ~~التورط في ذلك كيلا يقعوا فيما وقع فيه الذين آذوا موسى عليه السلام . ~~PageV21P248 # افتتاح السورة بخطاب النبي صلى الله عليه وسلم وندائه بوصفه مؤذن بأن ~~الأهم من سوق هذه السورة يتعلق بأحوال النبي صلى الله عليه وسلم وقد نودي ~~فيها خمس مرات في افتتاح أغراض مختلفة من التشريع بعضها خاص به وبعضها ~~يتعلق بغيره وله ملابسة له . # فالنداء الأول : لافتتاح غرض تحديد واجبات رسالته نحو ربه . # والنداء الثاني : لافتتاح غرض التنويه بمقام أزواجه واقترابه من مقامه . # والنداء الثالث : لافتتاح بيان تحديد تقلبات شؤون رسالته في معاملة الأمة ~~. # والنداء الرابع : في طالعة غرض أحكام تزوجه وسيرته مع نسائه . # والنداء الخامس : في غرض تبليغه آداب النساء من أهل بيته ومن المؤمنات . # فهذا النداء الأول افتتح به الغرض الأصلي لبقية الأغراض وهو تحديد واجبات ~~رسالته في تأدية مراد ربه تعالى على أكمل وجه دون أن يفسد عليه أعداء الدين ~~أعماله ، وهو نظير النداء الذي في قوله { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك ~~من ربك } ( المائدة : 67 ) الآية ، وقوله : { يا أيها الرسول لا يحزنك ~~الذين يسارعون في الكفر } ( المائدة : 41 ) الآيات . # ونداء النبي عليه الصلاة والسلام بوصف النبوءة دون اسمه العلم تشريف له ~~بفضل هذا الوصف ليربأ بمقامه عن أن يخاطب بمثل ما يخاطب به غيره ولذلك لم ~~يناد في القرآن بغير { يا أيها النبي } أو { يا أيها الرسول } ( المائدة : ~~67 ) بخلاف الإخبار عنه فقد يجيء بهذا الوصف كقوله { يوم لا يخزي الله ~~النبي } ( التحريم : 8 ) { وقال الرسول يا رب } ( الفرقان : 30 ) { قل ~~الأنفال لله والرسول } ( الأنفال : 1 ) { النبي أولى بالمؤمنين ms6408 من أنفسهم } ~~( الأحزاب : 6 ) ، ويجيء باسمه العلم كقوله { ما كان محمد أبا أحد من ~~رجالكم } ( الأحزاب : 40 ) . # وقد يتعين إجراء اسمه العلم ليوصف بعده بالرسالة كقوله تعالى { محمد رسول ~~الله } ( الفتح : 29 ) وقوله { وما محمد إلا رسول } ( آل عمران : 144 ) . ~~وتلك مقامات يقصد فيها تعليم الناس بأن صاحب ذلك الاسم هو رسول الله ، أو ~~تلقين لهم بأن يسموه بذلك PageV21P249 ويدعوه به ، فإن علم أسمائه من ~~الإيمان لئلا يلتبس بغيره ، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لي ~~خمسة أسماء : أنا محمد ، وأنا أحمد ، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر ~~، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي ، وأنا العاقب ) تعليما للأمة . ~~وقد أنهى أبو بكر ابن العربي أسماء النبي صلى الله عليه وسلم إلى سبعة ~~وستين وأنهاها السيوطي إلى ثلاثمائة . وذكر ابن العربي أن بعض الصوفية قال ~~: أسماء النبي ألفا اسم كما سيأتي عند قوله تعالى : { يأيها النبي إنا ~~أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا } ( الأحزاب : 45 ) . # والأمر للنبيء بتقوى الله توطئة للنهي عن اتباع الكافرين والمنافقين ~~ليحصل من الجملتين قصر تقواه على التعلق بالله دون غيره ، فإن معنى { لا ~~تطع } مرادف معنى : لا تتقق الكافرين والمنافقين ، فإن الطاعة تقوى ؛ فصار ~~مجموع الجملتين مفيدا معنى : يأيها النبي لا تتق إلا الله ، فعدل عن صيغة ~~القصر وهي أشهر في الكلام البليغ وأوجز إلى ذكر جملتي أمر ونهي لقصد النص ~~على أنه قصر إضافي أريد به أن لا يطيع الكافرين والمنافقين لأنه لو اقتصر ~~على أن يقال : لا تتق إلا الله لما أصاخت إليه الأسماع إصاخة خاصة لأن تقوى ~~النبي صلى الله عليه وسلم ربه أمر معلوم ، فسلك مسلك الإطناب لهذا ، كقول ~~السموأل : # تسيل على حد الظبات نفوسنا # وليست على غير الظبات تسيل # فجاء بجملتي إثبات السيلان يقيد ونفيه في غير ذلك القيد للنص على أنهم لا ~~يكرهون سيلان دمائهم على السيوف ولكنهم لا تسيل دماؤهم على غير السيوف . # فإن أصل صيغة القصر أنها مختصرة من جملتي إثبات ونفي ، ولكون هذه الجملة ~~كتكملة ms6409 للتي قبلها عطفت عليها لاتحاد الغرض منهما . وقد تعين بهذا أن الأمر ~~في قوله { اتقق الله } والنهي في قوله { ولا تطعع الكافرين والمنافقين } ~~مستعملان في طلب الاستمرار على ما هو ملازم له من تقوى الله ، فأشعر ذلك أن ~~تشريعا عظيما سيلقى إليه لا يخلو من حرج عليه فيه وعلى بعض أمته ، وأنه ~~سيلقى مطاعن الكافرين والمنافقين . # وفائدة هذا الأمر والنهي التشهير لهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم لا ~~يقبل أقوالهم لييأسوا PageV21P250 من ذلك لأنهم كانوا يدبرون مع المشركين ~~المكايد ويظهرون أنهم ينصحون النبي صلى الله عليه وسلم ويلحون عليه ~~بالطلبات نصحا تظاهرا بالإسلام . # والمراد بالكافرين المجاهرون بالكفر لأنه قوبل بالمنافقين ، فيجوز أن ~~يكونوا المشركين كما هو غالب إطلاق هذا الوصف في القرآن والأنسب بما سيعقبه ~~من قوله { ما جعل الله لرجلل من قلبين في جوفه } ( الأحزاب : 4 ) إلى آخر ~~أحكام التبني ، والموافق لما روي في سبب نزولها على ضعف فيه سنبينه ؛ ويجوز ~~أن يكونوا اليهود كما يقتضيه ما يروى في سبب النزول ، ولو حمل على ما يعم ~~نوعي الكافرين المجاهرين لم يكن بعيدا . # والطاعة : العمل على ما يأمر به الغير أو يشير به لأجل إجابة مرغوبة . ~~وماهيتها متفاوتة مقول عليها بالتشكيك ، ووقوع اسمها في سياق النهي يقتضي ~~النهي عن كل ما يتحقق فيه أدنى ماهيتها ، مثل أن يعدل عن تزوج مطلقة متبناه ~~لقول المنافقين : إن محمدا ينهى عن تزوج نساء الأبناء وتزوج زوج ابنه زيد ~~بن حارثة ، وهو المعنى الذي جاء فيه قوله تعالى : { وتخشى الناس والله أحق ~~أن تخشاه } ( الأحزاب : 37 ) ، وقوله : { ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع ~~أذاهم } ( الأحزاب : 48 ) عقب قضية امرأة زيد . ومثل نقض ما كان للمشركين ~~من جعل الظهار موجبا مصير المظاهرة أما للمظاهر حراما عليه قربانها أبدا ، ~~ولذلك أردفت الجملة بجملة { إن الله كان عليما حكيما } تعليلا للنهي . # والمعنى : أن الله حقيق بالطاعة له دون الكافرين والمنافقين لأنه عليم ~~حكيم فلا يأمر إلا بما فيه الصلاح . ودخول { إن } على الجملة قائم مقام فاء ~~التعليل ms6410 ومغنن غناءها على ما بين في غير موضع ، وشاهده المشهور قول بشار : # بكرا صاحبي قبل الهجير # إن ذاك النجاح في التبكير # وقد ذكر الواحدي في ( أسباب النزول ) والثعلبي والقشيري والماوردي في ( ~~تفاسيرهم ) : أن قوله تعالى { ولا تطعع الكافرين والمنافقين } نزل بسبب أنه ~~بعد وقعة أحد جاء إلى المدينة أبو سفيان بن حرب وعكرمة بن أبي جهل وأبو ~~الأعور السلمي عمرو بن سفيان من قريش وأذن لهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بالأمان في المدينة PageV21P251 وأن ينزلوا عند عبد الله بن أبي ابن ~~سلول ثم جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عبد الله بن أبي ومعتب ~~بن قشير ، والجد بن قيس ، وطمعة بن أبيرق فسألوا رسول الله أن يترك ذكر ~~آلهة قريش ، فغضب المسلمون وهم عمر بقتل النفر القرشيين ، فمنعه رسول الله ~~لأنه كان أعطاهم الأمان ، فأمرهم أن يخرجوا من المدينة فنزلت هذه الآية ، ~~أي : اتق الله في حفظ الأمان ولا تطع الكافرين وهم النفر القرشيون ~~والمنافقين وهم عبد الله بن أبي ومن معه . وهذا الخبر لا سند له ولم يعرج ~~عليه أهل النقد مثل الطبري وابن كثير . # هذا تمهيد لما يرد من الوحي في شأن أحكام التبني وما يتصل بها ، ولذلك ~~جيء بالفعل المضارع الصالح للاستقبال ، وجرد من علامة الاستقبال لأنه قريب ~~من زمن الحال . والمقصود من الأمر باتباعه أنه أمر باتباع خاص تأكيد للأمر ~~العام باتباع الوحي . وفيه إيذان بأن ما سيوحى إليه قريبا هو مما يشق عليه ~~وعلى المسلمين من إبطال حكم التبني لأنهم ألفوه واستقر في عوائدهم وعاملوا ~~المتبنين معاملة الأبناء الحق . # ولذلك ذيلت جملة { واتبع ما يوحى إليك } بجملة { إن الله كان بما تعملون ~~خبيرا } تعليلا للأمر بالاتباع وتأنيسا به لأن الله خبير بما في عوائدكم ~~ونفوسكم فإذا أبطل شيئا من ذلك فإن إبطاله من تعلق العلم بلزوم تغييره فلا ~~تتريثوا في امتثال أمره في ذلك ، فجملة { إن الله كان بما تعملون خبيرا } ~~في موقع العلة فلذلك فصلت لأن حرف التوكيد مغن ms6411 غناء فاء التفريع كما مر ~~آنفا . # وفي إفراد الخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم بقوله { واتبع } وجمعه بما ~~يشمله وأمته في قوله { بما تعملون } إيماء إلى أن فيما سينزل من الوحي ما ~~يشتمل على تكليف يشمل تغيير حالة كان النبي عليه الصلاة والسلام مشاركا ~~لبعض الأمة في التلبس بها وهو حكم التبني إذ كان النبي متبنيا زيد بن حارثة ~~من قبل بعثته . PageV21P252 # وقرأ الجمهور { بما تعملون } بتاء الخطاب على خطاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم والأمة لأن هذا الأمر أعلق بالأمة . وقرأ أبو عمرو وحده { بما يعملون ~~} بالمثناة التحتية على الغيبة على أنه راجع للناس كلهم شامل للمسلمين ~~والكافرين والمنافقين ليفيد مع تعليل الأمر بالاتباع تعريضا بالمشركين ~~والمنافقين بمحاسبة الله إياهم على ما يبيتونه من الكيد ، وكناية عن إطلاع ~~الله رسوله على ما يعلم منهم في هذا الشأن كما سيجيء { لئن لم ينته ~~المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم } ( ~~الأحزاب : 60 ) ، أي : لنطلعنك على ما يكيدون به ونأذنك بافتضاح شأنهم . ~~وهذا المعنى الحاصل من هذه القراءة لا يفوت في قراءة الجمهور بالخطاب لأن ~~كل فريق من المخاطبين يأخذ حظه منه . # زيادة تمهيد وتوطئة لتلقي تكليف يترقب منه أذى من المنافقين مثل قولهم : ~~إن محمدا نهى عن تزوج نساء الأبناء وتزوج امرأة ابنه زيد بن حارثة ، وهو ما ~~يشير إليه قوله تعالى : { ودع أذاهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا } ( ~~الأحزاب : 48 ) ؛ فأمره بتقوى ربه دون غيره ، وأتبعه بالأمر باتباع وحيه ، ~~وعززه بالأمر بما فيه تأييده وهو أن يفوض أموره إلى الله . # والتوكل : إسناد المرء مهمه وشأنه إلى من يتولى عمله وتقدم عند قوله ~~تعالى : { فإذا عزمت فتوكل على الله في سورة آل عمران . # والوكيل : الذي يسند إليه غيره أمره ، وتقدم عند قوله تعالى : وقالوا ~~حسبنا الله ونعم الوكيل في سورة آل عمران . # وقوله وكيلا } تمييز نسبة ، أي : كفى الله وكيلا ، أي وكالته ، وتقدم ~~نظيره في قوله : { وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا في سورة النساء . # } # استئناف ms6412 ابتدائي ابتداء المقدمة للغرض بعد التمهيد له بما قبله ، ~~والمقدمة أخص PageV21P253 من التمهيد لأنها تشتمل على ما يوضح المقصد بخلاف ~~التمهيد ، فهذا مقدمة لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم باتباعه مما يوحى ~~إليه وهو تشريع الاعتبار بحقائق الأشياء ومعانيها ، وأن مواهي الأمور لا ~~تتغير بما يلصق بها من الأقوال المنافية للحقائق ، وأن تلك الملصقات ~~بالحقائق هي التي تحجب العقول عن التفهم في الحقائق الحق ، وهي التي ترين ~~على القلوب بتلبيس الأشياء . # وذكر ها هنا نوعان من الحقائق : # أحدهما : من حقائق المعتقدات لأجل إقامة الشريعة على العقائد الصحيحة ، ~~ونبذ الحقائق المصنوعة المخالفة للواقع لأن إصلاح التفكير هو مفتاح إصلاح ~~العمل ، وهذا ما جعل تأصيله إبطال أن يكون الله جعل في خلق بعض الناس نظاما ~~لم يجعله في خلق غيرهم . # وثاني النوعين : من حقائق الأعمال لتقوم الشريعة على اعتبار مواهي ~~الأعمال بما هي ثابتة عليه في نفس الأمر إلا بالتوهم والادعاء . وهذا يرجع ~~إلى قاعدة أن حقائق الأشياء ثابتة وهو ما أشير إليه بقوله تعالى : { وما ~~جعل أزواجكم اللاء تظهرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم ~~قولكم بأفواهكم والله يقول الحق ، أي : لا يقول الباطل مثل بعض أقوالكم من ~~ذلك القبيل . والمقصود : التنبيه إلى بطلان أمور كان أهل الجاهلية قد ~~زعموها وادعوها . وابتدىء من ذلك بما دليل بطلانه الحس والاختبار ليعلم من ~~ذلك أن الذين اختلقوا مزاعم يشهد الحس بكذبها يهون عليهم اختلاق مزاعم فيها ~~شبه وتلبيس للباطل في صورة الحق فيتلقى ذلك بالإذعان والامتثال . # والإشارة بقوله ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه } إلى أكذوبة من ~~تكاذيب الجاهلية كانوا يزعمون أن جميل بن معمر ويقال : ابن أسد بن حبيب ~~الجمحي الفهري وكان رجلا داهية قوي الحفظ أن له قلبين يعملان ويتعاونان ~~وكانوا يدعونه ذا القلبين يريدون العقلين لأنهم كانوا يحسبون أن الإدراك ~~بالقلب وأن القلب محل العقل . وقد غره ذلك أو تغارر به فكان لشدة كفره يقول ~~: ( إن في جوفي قلبين أعمل بكل واحد منهما عملا أفضل من ms6413 عمل محمد ) . وسموا ~~بذي PageV21P254 القلبين أيضا عبد الله بن خطل التيمي ، وكان يسمى في ~~الجاهلية عبد العزى وأسلم فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله ثم ~~كفر وقتل صبرا يوم فتح مكة وهو الذي تعلق بأستار الكعبة فلم يعف عنه ، فنفت ~~الآية زعمهم نفيا عاما ، أي : ما جعل الله لأي رجل من الناس قلبين لا لجميل ~~بن معمر ولا لابن خطل ، فوقوع { رجل } وهو نكرة في سياق النفي يقتضي العموم ~~، ووقوع فعل { جعل } في سياق النفي يقتضي العموم لأن الفعل في سياق النفي ~~مثل النكرة في سياق النفي . ودخول { من } على { قلبين } للتنصيص على عموم ~~قلبين في جوف رجل فدلت هذه العمومات الثلاثة على انتفاء كل فرد من أفراد ~~الجعل لكل فرد مما يطلق عليه أنه قلبان ، عن كل رجل من الناس ، فدخل في ~~العموم جميل بن معمر وغيره بحيث لا يدعى ذلك لأحد أيا كان . # ولفظ { رجل } لا مفهوم له لأنه أريد به الإنسان بناء على ما تعارفوه في ~~مخاطباتهم من نوط الأحكام والأوصاف الإنسانية بالرجال جريا على الغالب في ~~الكلام ما عدا الأوصاف الخاصة بالنساء يعلم أيضا أنه لا يدعى لامرأة أن لها ~~قلبين بحكم فحوى الخطاب أو لحن الخطاب . # والجعل المنفي هنا هو الجعل الجبلي ، أي : ما خلق الله رجلا بقلبين في ~~جوفه وقد جعل إبطال هذا الزعم تمهيدا لإبطال ما تواضعوا عليه من جعل أحد ~~ابنا لمن ليس هو بابنه ، ومن جعل امرأة أما لمن هي ليست أمه بطريقة قياس ~~التمثيل ، أي أن هؤلاء الذين يختلقون ما ليس في الخلقة لا يتورعون عن ~~اختلاق ما هو من ذلك القبيل من الأبوة والأمومة ، وتفريعهم كل اختلاقهم ~~جميع آثار الاختلاق ، فإن البنوة والأمومة صفتان من أحوال الخلقة وليستا ~~مما يتواضع الناس عليه بالتعاقد مثل الولاء والحلف . # فأما قوله تعالى { وأزواجه أمهاتهم } ( الأحزاب : 6 ) فهو على معنى ~~التشبيه في أحكام البرور وحرمة التزويج ؛ ألا ترى ما جاء في الحديث : ( أن ~~رسول الله لما خطب عائشة من أبي ms6414 بكر قال له أبو بكر : يا رسول الله إنما ~~أنا أخوك ، فقال رسول الله : أنت أخي وهي لي حلال ) ، أي أن الأخوة لا ~~تتجاوز حالة المشابهة في النصيحة وحسن PageV21P255 المعاشرة ولا تترتب ~~عليها آثار الأخوة الجبلية لأن تلك آثار مرجعها إلى الخلقة فذلك معنى قوله ~~( أنت أخي وهي لي حلال ) . # والجوف : باطن الإنسان صدره وبطنه وهو مقر الأعضاء الرئيسية عدا الدماغ . # وفائدة ذكر هذا الظرف زيادة تصوير المدلول عليه بالقلب وتجليه للسامع ~~فإذا سمع ذلك كان أسرع إلى الاقتناع بإنكار احتواء الجوف على قلبين ، وذلك ~~مثل قوله : { ولكن تعمى القلوب التي في الصدور } ( الحج : 46 ) ونحوه من ~~القيود المعلومة ؛ وإنما يكون التصريح بها تذكيرا بما هو معلوم وتجديدا ~~لتصوره ، ومنه قوله تعالى : { وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه ~~وقد تقدم في سورة الأنعام . # } # عطف إبطال ثان لبعض مزاعمهم وهو ما كان في الجاهلية أن الرجل إذا أراد ~~فراق زوجه فراقا لا رجعة فيه بحال يقول لها : ( أنتت علي كظهر أمي ) هذه ~~صيغته المعروفة عندهم ، فهي موجبة طلاق المرأة وحرمة تزوجها من بعد لأنها ~~صارت أما له ، وليس المقصود هنا تشريع إبطال آثار التحريم به لأن ذلك أبطل ~~في سورة المجادلة وهي مما نزل قبل نزول سورة الأحزاب كما سيأتي ؛ ولكن ~~المقصود أن يكون تمهيدا لتشريع إبطال التبني تنظيرا بين هذه الأوهام إلا أن ~~هذا التمهيد الثاني أقرب إلى المقصود لأنه من الأحكام التشريعية . # و { اللاء : اسم موصول لجماعة النساء فهو اسم جمع ( التي ) ، لأنه على ~~غير قياس صيغ الجمع ، وفيه لغات : اللاء مكسور الهمزة أبدا بوزن البابب ، ~~واللائي بوزن الداعي ، والاء بوزن باب داخلة عليه لام التعريف بدون ياء . # وقرأ قالون عن نافع وقنبل عن ابن كثير وأبو جعفر اللاء } بهمزة مكسورة ~~غير مشبعة وهو لغة . وقرأه ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وخلف { واللائي } ~~بياء بعد الهمزة بوزن الداعي ، وقرأه أبو عمرو والبزي عن ابن كثير ويعقوب و ~~{ اللاي } بياء ساكنة بعد الألف بدلا عن الهمزة وهو ms6415 بدل سماعي ، قيل : وهي ~~لغة قريش . وقرأ ورش بتسهيل الهمزة بين الهمزة والياء مع المد والقصر . ~~وروي ذلك عن أبي عمرو والبزي أيضا . PageV21P256 # وذكر الظهر في قولهم : أنت علي كظهر أمي ، تخييل للتشبيه المضمر في النفس ~~على طريقة الاستعارة المكنية إذ شبه زوجه حين يغشاها بالدابة حين يركبها ~~راكبها ، وذكر الظهر تخييلا كما ذكر أظفار المنية في بيت أبي ذؤيب الهذلي ~~المعروف ، وسيأتي بيانه في أول تفسير سورة المجادلة . # وقولهم : أنت علي ، فيه مضاف محذوف دل عليه ما في المخاطبة من معنى ~~الزوجية والتقدير : غشيانك ، وكلمة ( علي ) تؤذن بمعنى التحريم ، أي : أنت ~~حرام علي ، فصارت الجملة بما لحقها من الحذف علامة على معنى التحريم الأبدي ~~. ويعدى إلى اسم المرأة المراد تحريمها بحرف ( من ) الابتدائية لتضمينه ~~معنى الانفصال منها . # فلما قال الله تعالى { اللائي تظهرون منهن } علم الناس أنه يعني قولهم : ~~أنت علي كظهر أمي . # والمراد بالجعل المنفي في قوله { وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن ~~أمهاتكم } الجعل الخلقي أيضا كالذي في قوله : { ما جعل الله لرجل من قلبين ~~في جوفه ، أي : ما خلقهن أمهاتكم إذ لسن كذلك في الواقع ، وذلك كناية عن ~~انتفاء الأثر الشرعي الذي هو من آثار الجعل الخلقي لأن الإسلام هو الفطرة ~~التي فطر الله الناس عليها ، قال تعالى : إن أمهاتهم إلا اللاء ولدنهم } ( ~~المجادلة : 2 ) وقد بسط الله ذلك في سورة المجادلة وبه نعلم أن سورة ~~المجادلة هي التي ورد فيها إبطال الظهار وأحكام كفارته فنعلم أن آية سورة ~~الأحزاب وردت بعد تقرير إبطال الظهار فيكون ذكره فيها تمهيدا لإبطال التبني ~~بشبه أن كليهما ترتيب آثار ترتيبا مصنوعا باليد غير مبني على جعل إلهي . ~~وهذا يوقننا بأن سورة الأحزاب نزلت بعد سورة المجادلة خلافا لما درج عليه ~~ابن الضريس وابن الحصار وما أسنده محمد بن الحارث بن أبيض عن جابر بن زيد ~~مما هو مذكور في نوع المكي والمدني في نوع أول ما أنزل من كتاب ( الإتقان ) ~~. وقال السيوطي : في هذا الترتيب نظر . وسنذكر ذلك في ms6416 تفسير سورة المجادلة ~~إن شاء الله . # وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو { تظهرون } بفتح التاء وتشديد الظاء ~~مفتوحة دون ألف وتشديد الهاء مفتوحة . وقرأ حفص عن عاصم { تظاهرون } بضم ~~PageV21P257 التاء وفتح الظاء مخففة وألف وهاء مكسورة ، وقرأ حمزة والكسائي ~~وأبو بكر عن عاصم وخلف : { تظاهرون بفتح التاء وفتح الظاء مخففة بعدها ألف ~~وفتح الهاء . # } # هذا هو المقصود الذي وطىء بالآيتين قبله ، ولذلك أسهب الكلام بعده ~~بتفاصيل التشريع فيه . وعطفت هاته الجملة على اللتين قبلها لاشتراك ثلاثتها ~~في أنها نفت مزاعم لا حقائق لها . # والقول في المراد من قوله : { ما جعل } كالقول في نظيره من قوله { وما ~~جعل أزواجكم اللاء تظهرون منهن أمهاتكم } . والمعنى : أنكم تنسبون الأدعياء ~~أبناء فتقولون للدعي : هو ابن فلان ، للذي تبناه ، وتجعلون له جميع ما ~~للأبناء . # والأدعياء : جمع دعي بوزن فعيل بمعنى مفعول مشتقا من مادة الادعاء ، ~~والادعاء : زعم الزاعم الشيء حقا له من مال أو نسب أو نحو ذلك بصدق أو كذب ~~، وغلب وصف الدعي على المدعي أنه ابن لمن يتحقق أنه ليس أبا له ؛ فمن ادعى ~~أنه ابن لمن يحتمل أنه أب له فذلك هو اللحيق أو المستلحق ، فالدعي لم يجعله ~~الله ابنا لمن ادعاه للعلم بأنه ليس أبا له ، وأما المستلحق فقد جعله الله ~~ابنا لمن استلحقه بحكم استلحاقه مع إمكان أبوته له . وجمع على أفعلاء لأنه ~~معتل اللام فلا يجمع على فعلى ، والأصح أن أفعلاء يطرد في جمع فعيل المعتل ~~اللام سواء كان بمعنى فاعل أو بمعنى مفعول . # نزلت هذه الآية في إبطال التبني ، أي : إبطال ترتيب آثار البنوة الحقيقية ~~من الإرث ، وتحريم القرابة ، وتحريم الصهر ، وكانوا في الجاهلية يجعلون ~~للمتبنى أحكام البنوة كلها ، وكان من أشهر المتبنين في عهد الجاهلية زيد بن ~~حارثة تبناه النبي صلى الله عليه وسلم وعامر بن ربيعة تبناه الخطاب أبو عمر ~~بن الخطاب ، وسالم تبناه أبو حذيفة ، والمقداد بن عمرو تبناه الأسود بن عبد ~~يغوث ، فكان كل واحد من هؤلاء الأربعة يدعى ابنا للذي تبناه . PageV21P258 # وزيد بن ms6417 حارثة الذي نزلت الآية في شأنه كان غريبا من بني كلب من وبرة ، ~~من أهل الشام ، وكان أبوه حارثة توفي وترك ابنيه جبلة وزيدا فبقيا في حجر ~~جدهما ، ثم جاء عماهما فطلبا من الجد كفالتهما فأعطاهما جبلة وبقي زيد عنده ~~فأغارت على الحي خيل من تهامة فأصابت زيدا فأخذ جده يبحث عن مصيره ، وقال ~~أبياتا منها : # بكيت على زيد ولم أدر ما فعل # أحي فيرجى أم أتى دونه الأجل # وأنه علم أن زيدا بمكة وأن الذين سبوه باعوه بمكة فابتاعه حكيم بن حزام ~~بن خويلد فوهبه لعمته خديجة بنت خويلد زوج النبي صلى الله عليه وسلم فوهبته ~~خديجة للنبيء صلى الله عليه وسلم فأقام عنده زمنا ثم جاء جده وعمه يرغبان ~~في فدائه فأبى الفداء واختار البقاء على الرق عند النبي صلى الله عليه وسلم ~~فحينئذ أشهد النبي قريشا أن زيدا ابنه يرث أحدهما الآخر فرضي أبوه وعمه ~~وانصرفا فأصبح يدعى : زيد بن محمد ، وذلك قبل البعثة . وقتل زيد في غزوة ~~مؤتة من أرض الشام سنة ثمان من الهجرة . # استئناف اعتراضي بين التمهيد والمقصود من التشريع وهو فذلكة كما تقدم من ~~الجمل الثلاث التي نفت جعلهم ما ليس بواقع واقعا ، ولذلك فصلت الجملة لأنها ~~تتنزل منزلة البيان بالتحصيل لما قبلها . # والإشارة إلى مذكور ضمنا من الكلام المتقدم ، وهو ما نفي أن يكون الله ~~جعله من وجود قلبين لرجل ، ومن كون الزوجة المظاهر منها أما لمن ظاهر منها ~~، ومن كون الأدعياء أبناء للذين تبنوهم . وإذ قد كانت تلك المنفيات الثلاثة ~~ناشئة عن أقوال قالوها صح الإخبار عن الأمور المشار إليها بأنها أقوال ~~باعتبار أن المراد أنها أقوال فحسب ليس لمدلولاتها حقائق خارجية تطابقها ~~كما تطابق النسب الكلامية الصادقة النسب الخارجية ، وإلا فلا جدوى في ~~الإخبار عن تلك المقالات بأنها قول بالأفواه . PageV21P259 # ولإفادة هذا المعنى قيد بقوله { بأفواهكم } فإنه من المعلوم أن القول ~~إنما هو بالأفواه فكان ذكر { بأفواهكم } مع العلم به مشيرا إلى أنه قول لا ~~تتجاوز دلالته الأفواه إلى الواقع ms6418 ونفس الأمر فليس له من أنواع الوجود إلا ~~الوجود في اللسان والوجود في الأذهان دون الوجود في العيان ، ونظير هذا ~~قوله تعالى : { كلا إنها كلمة هو قائلها } ( المؤمنون : 100 ) أي : لا ~~تتجاوز ذلك الحد ، أي : لا يتحقق مضمونها في الخارج وهو الإرجاع إلى الدنيا ~~في قول الكافر : { رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت } ( المؤمنون : 99 ~~100 ) ، فعلم من تقييده { بأفواهكم } أنه قول كاذب لا يطابق الواقع وزاده ~~تصريحا بقوله { والله يقول الحق } فأومأ إلى أن قولهم ذلك قول كاذب . ولهذا ~~عطفت عليه جملة { والله يقول الحق } لأنه داخل في الفذلكة لما تقدم من قوله ~~{ ما جعل الله } الخ . فمعنى كونها أقوالا : أن ناسا يقولون : جميل له ~~قلبان ، وناسا يقولون لأزواجهم : أنت كظهر أمي ، وناسا يقولون للدعي : فلان ~~ابن فلان ، يريدون من تبناه . # وانتصب { الحق } على أنه صفة لمصدر محذوف مفعول به ل { يقول . } تقديره : ~~الكلام الحق ، لأن فعل القول لا ينصب إلا الجمل أو ما هو في معنى الجملة ~~نحو { إنها كلمة هو قائلها } ( المؤمنون : 100 ) ، فالهاء المضاف إليها ( ~~قائل ) عائدة إلى { كلمة } وهي مفعول أضيف إليها . وفي الإخبار عن اسم ~~الجلالة وضميره بالمسندين الفعليين إفادة قصر القلب ، أي : هو يقول الحق لا ~~الذين وضعوا لكم تلك المزاعم ، وهو يهدي السبيل لا الذين أضلوا الناس ~~بالأوهام . ولما كان الفعلان متعديين استفيد من قصرهما قصر معموليهما ~~بالقرينة ، ثم لما كان قول الله في المواضع الثلاثة هو الحق والسبيل كان ~~كناية عن كون ضده باطلا ومجهلة . فالمعنى : وهم لا يقولون الحق ولا يهدون ~~السبيل . # و { السبيل : الطريق السابلة الواضحة ، أي : الواضح أنها مطروقة فهي ~~مأمونة الإبلاغ إلى غاية السائر فيها . وإذا تقرر أن تلك المزاعم الثلاثة ~~لا تعدو أن تكون ألفاظا ساذجة لا تحقق لمدلولاتها في الخارج اقتضى ذلك ~~انتفاء الأمرين اللذين جعلا توطئة وتمهيدا PageV21P260 للمقصود وانتفاء ~~الأمر الثالث المقصود وهو التبني ، فاشترك التمهيد والمقصود في انتفاء ~~الحقية ، وهو أتم في التسوية بين المقصود والتمهيد . # وهذا كله زيادة تحريض على تلقي ms6419 أمر الله بالقبول والامتثال ونبذ ما خالفه ~~. # } # استئناف بالشروع في المقصود من التشريع لإبطال التبني وتفصيل لما يحق أن ~~يجريه المسلمون في شأنه . وهذا الأمر إيجاب أبطل به ادعاء المتبني متبناه ~~ابنا له . والمراد بالدعاء النسب . والمراد من دعوتهم بآبائهم ترتب آثار ~~ذلك ، وهي أنهم أبناء آبائهم لا أبناء من تبناهم . # واللام في لآبائهم } لام الانتساب ، وأصلها لام الاستحقاق . يقال : فلان ~~لفلان ، أي : هو ابنه ، أي : ينتسب له ، ومنه قولهم : فلان لرشدة وفلان ~~لغية ، أي : نسبه لها ، أي : من نكاح أو من زنا ، وقال النابغة : # لئن كان للقبرين قبر بجلق # وقبر بصيداء الذي عند حارب # أي : من أبناء صاحبي القبرين . وقال علقمة بن عبد يمدح الملك الحارث : # فلست لأنسي ولكن لملاك # تنزل من جو السماء يصوب # وفي حديث أبي قتادة : ( صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حاملا أمامة ~~ابنة بنته زينب ولأبي العاص بن ربيعة ) فكانت اللام مغنية عن أن يقول وابنة ~~أبي العاص . # وضمير { هو أقسط عند الله } عائد إلى المصدر المفهوم من فعل { ادعوهم ~~لآبائهم } أي : الدعاء للآباء . وجملة { هو أقسط } استئناف بياني كأن سائلا ~~قال : لماذا لا ندعوهم PageV21P261 للذين تبنوهم ؟ فأجيب ببيان أن ذلك ~~القسط فاسم التفضيل مسلوب المفاضلة ، أي : هو قسط كامل وغيره جور على ~~الآباء الحق والأدعياء ، لأن فيه إضاعة أنسابهم الحق . والغرض من هذا ~~الاستئناف تقرير ما دل عليه قوله { وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم ~~بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل } ( الأحزاب : 4 ) لتعلم عناية ~~الله تعالى بإبطال أحكام الجاهلية في التبني ، ولتطمئن نفوس المسلمين من ~~المتبنين والأدعياء ومن يتعلق بهم بقبول هذا التشريع الذي يشق عليهم إذ ~~ينزع منهم إلفا ألفوه . # ولهذا المعنى الدقيق فرع عليه قوله : { فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في ~~الدين ومواليكم ، } فجمع فيه تأكيدا للتشريع بعدم التساهل في بقاء ما كانوا ~~عليه بعذر أنهم لا يعلمون آباء بعض الأدعياء ، وتأنيسا للناس أن يعتاضوا عن ~~ذلك الانتساب المكذوب اتصالا حقا لا يفوت به ما في الانتساب القديم ms6420 من ~~الصلة ، ويتجافى به عما فيه من المفسدة فصاروا يدعون سالما متبنى أبي حذيفة ~~: سالما مولى أبي حذيفة ، وغيره ، ولم يشذ عن ذلك إلا قول الناس للمقداد بن ~~عمرو : المقداد بن الأسود ، نسبة للأسود بن عبد يغوث الذي كان قد تبناه في ~~الجاهلية كما تقدم . # قال القرطبي : لما نزلت هذه الآية قال المقداد : أنا المقداد بن عمرو ، ~~ومع ذلك بقي الإطلاق عليه ولم يسمع فيمن مضى من عصى مطلق ذلك عليه ولو كان ~~متعمدا اه . وفي قول القرطبي : ولو كان متعمدا ، نظر ، إذ لا تمكن معرفة ~~تعمد من يطلق ذلك عليه . ولعله جرى على ألسنة الناس المقداد بن الأسود فكان ~~داخلا في قوله تعالى : { وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به } لأن ما جرى على ~~الألسنة مظنة النسيان ، والمؤاخذة بالنسيان مرفوعة . # وارتفاع { إخوانكم } على الإخبار عن مبتدأ محذوف هو ضمير الأدعياء ، أي : ~~فهم لا يعدون أن يوصفوا بالإخوان في الإسلام إن لم يكونوا موالي أو يوصفوا ~~بالموالي إن كانوا موالي بالحلف أو بولاية العتاقة وهذا استقراء تام . ~~والإخبار بأنهم إخوان وموال كناية عن الإرشاد إلى دعوتهم بأحد هذين الوجهين ~~. # والواو للتقسيم وهي بمعنى ( أو ) فتصلح لمعنى التخيير ، أي : فإن لم ~~تعلموا PageV21P262 آباءهم فادعوهم إن شئتم بإخوان وإن شئتم ادعوهم موالي ~~إن كانوا كذلك . وهذا توسعة على الناس . # و { في } للظرفية المجازية ، أي : إخوانكم أخوة حاصلة بسبب الدين كما ~~يجمع الظرف محتوياته ، أو تجعل { في } للتعليل والتسبب ، أي : إخوانكم بسبب ~~الإسلام مثل قوله تعالى : { فإذا أوذي في الله } ( العنكبوت : 10 ) ، أي : ~~لأجل الله لقوله تعالى : { إنما المؤمنون إخوة } ( الحجرات : 10 ) . # وليس في دعوتهم بوصف الأخوة ريبة أو التباس مثل الدعوة بالبنوة لأن ~~الدعوة بالأخوة في أمثالهم ظاهرة لأن لوصف الأخوة فيهم تأويلا بإرادة ~~الاتصال الديني بخلاف وصف البنوة فإنما هو ولاء وتحالف فالحق أن يدعوا بذلك ~~الوصف ، وفي ذلك جبر لخواطر الأدعياء من تبنوهم . # والمراد بالولاء في قوله { ومواليكم } ولاء المحالفة لا ولاء العتق ، ~~فالمحالفة مثل الأخوة . وهذه الآية ناسخة لما كان ms6421 جاريا بين المسلمين ومن ~~النبي صلى الله عليه وسلم من دعوة المتبنين إلى الذين تبنوهم فهو من نسخ ~~السنة الفعلية والتقريرية بالقرآن . 6 وذلك مراد من قال : إن هذه الآية ~~نسخت حكم التبني . # قال في ( الكشاف ) : ( وفي فصل هذه الجمل ووصلها من الحسن والفصاحة ما لا ~~يغبى عن عالم بطرق النظم ) . وبينه الطيبي فقال : يعني في إخلاء العاطف ~~وإثباته من الجمل من مفتتح السورة إلى هنا . وبيانه : أن الأوامر والنهي في ~~{ اتق } ( الأحزاب : 1 ) { ولا تطع } ( الأحزاب : 1 ) { واتبع } ( الأحزاب ~~: 2 ) { وتوكل } ( الأحزاب : 3 ) ، فإن الاستهلال بقوله : { يا أيها النبي ~~اتق الله } ( الأحزاب : 1 ) دال على أن الخطاب مشتمل على أمر معني شأنه ~~لائح منه الإلهاب ، ومن ثم عطف عليه { ولا تطع } كما يعطف الخاص على العام ~~، وأردف به النهي ، ثم أمر بالتوكل تشجيعا على مخالفة أعداء الدين ، ثم عقب ~~كلا من تلك الأوامر بما يطابقه على سبيل التتميم ، وعلل { ولا تطع الكافرين ~~} بقوله { إن الله كان عليما حكيما } ( الأحزاب : 1 ) تتميما للارتداع ، ~~وعلل قوله { واتبع ما يوحى إليك } بقوله { إن الله كان بما تعملون خبيرا } ~~( الأحزاب : 2 ) تتميما ، وذيل قوله { وتوكل على الله } بقوله { وكفى بالله ~~وكيلا } ( الأحزاب : 3 ) تقريرا PageV21P263 وتوكيدا على منوال : فلان ينطق ~~بالحق والحق أبلج ، وفصل قوله { ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه } ( ~~الأحزاب : 4 ) على سبيل الاستئناف تنبيها على بعض من أباطيلهم . وقوله : { ~~ذلكم قولكم بأفواهكم } ( الأحزاب : 4 ) فذلكة لتلك الأحوال آذنت بأنها من ~~البطلان وحقيق بأن يذم قائله . ووصل قوله { والله يقول الحق وهو يهدي ~~السبيل } ( الأحزاب : 4 ) على هذه الفذلكة بجامع التضاد على منوال ما سبق ~~في المجمل في { ولا تطع } و { اتبع ، } وفصل قوله { ادعوهم لآبائهم هو أقسط ~~عند الله } وقوله { النبي أولى بالمؤمنين } ( الأحزاب : 6 ) ، وهلم جرا إلى ~~آخر السورة تفصيلا لقول الحق والاهتداء إلى السبيل القويم اه . # عطف على جملة { ادعوهم لآبائهم } لأن الأمر فيها للوجوب فهو نهي عن ضده ~~لتحريمه كأنه قيل : ولا تدعوهم للذين تبنوهم إلا ms6422 خطأ . # والجناح : الإثم ، وهو صريح في أن الأمر في قوله { ادعوهم لآبائهم } أمر ~~وجوب . # ومعنى { فيما أخطأتم به } ما يجري على الألسنة خارجا مخرج الغالب فيما ~~اعتادوه أن يقولوا : فلان ابن فلان للدعي ومتبنيه ، ولذلك قابله بقوله { ~~ولكن ما تعمدت قلوبكم } أي : ما تعمدته عقائدكم بالقصد والإرادة إليه . ~~وبهذا تقرر إبطال حكم التبني وأن لا يقول أحد لدعيه : هو ابني ، ولا يقول : ~~تبنيت فلانا ، ولو قاله أحد لم يكن لقوله أثر ولا يعتبر وصية وإنما يعتبر ~~قول الرجل : أنزلت فلانا منزلة ابن لي يرث ما يرثه ابني . وهذا هو المسمى ~~بالتنزيل وهو خارج مخرج الوصية بمناب وارث إذا حمله ثلث الميت . وأما إذا ~~قال لمن ليس بابنه : هو ابني ، على معنى الاستلحاق فيجري على حكمه إن كان ~~المنسوب مجهول النسب ولم يكن الناسب مريدا التلطف والتقريب . وعند أبي ~~حنيفة وأصحابه من قال : هو ابني ، وكان أصغر من القائل وكان مجهول النسب ~~سنا ثبت PageV21P264 نسبه منه ، وإن كان عبده عتق أيضا ، وإن كان لا يولد ~~مثله لمثله لم يثبت النسب ولكنه يعتق عليه عند أبي حنيفة خلافا لصاحبيه ~~فقالا : لا يعتق عليه . وأما معروف النسب فلا يثبت نسبه بالقائل فإن كان ~~عبدا يعتق عليه لأن إطلاقه ممنوع إلا من جهة النسب فلو قال لعبده : هو أخي ~~، لم يعتق عليه إذا قال : لم أرد به أخوة النسب لأن ذلك يطلق في أخوة ~~الإسلام بنص الآية ، وإذا قال أحد لدعيه : يا بني ، على وجه التلطف فهو ~~ملحق بالخطأ ولا ينبغي التساهل فيه إذا كانت فيه ريبة . # وقوله { ادعوهم لآبائهم } يعود ضمير أمره إلى الأدعياء فلا يشمل الأمر ~~دعاء الحفدة أبناء لأنهم أبناء . وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الحسن رضي الله عنه : ( إن ابني هذا سيد ) وقال : ( لا تزرموا ابني ) أي : ~~لا تقطعوا عليه بوله . وكذلك لا يشمل ما يقوله أحد لآخر غير دعي له : يا ~~ابني ، تلطفا وتقربا ، فليس به بأس لأن المدعو بذلك لم يكن دعيا للقائل ولم ~~يزل ms6423 الناس يدعون لداتهم بالأخ أو الأخت ، قال الشاعر : # أنتت أختي وأنت حرمة جاري # وحرام علي خون الجوار # ويدعون من هو أكبر باسم العم كثيرا ، قال النمر بن تولب : # دعاني الغواني عمهن وخلتني # لي اسم فلا أدعى به وهو أول # يريد : أنهن كن يدعونه : يا أخي . # ووقوع { جناح } في سياق النفي ب { ليس } يقتضي العموم فيفيد تعميم انتفاء ~~الإثم عن العمل الخطأ بناء على قاعدة عدم تخصيص العام بخصوص سببه الذي ورد ~~لأجله وهو أيضا معضود بتصرفات كثيرة في الشريعة ، منها قوله تعالى : { ربنا ~~لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } ( البقرة : 286 ) ، وقول النبي صلى الله ~~عليه وسلم ( رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما أكرهوا عليه ) . # ويفهم من قوله { ادعوهم لآبائهم } النهي عن أن ينسب أحد إلى غير أبيه ~~بطريق لحن الخطاب . وفي الحديث : ( من انتسب إلى غير أبيه فعليه لعنة الله ~~والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا ) . PageV21P265 # ويخرج من النهي قول الرجل لآخر : أنت أبي وأنا ابنك على قصد التعظيم ~~والتقريب وذلك عند انتفاء اللبس ، كقول أبي الطيب يرقق سيف الدولة : # إنما أنت والد والأب القا # طع أحنى من واصل الأولاد # وجملة { كان الله غفورا رحيما } ( الأحزاب : 24 ) تعليل نفي الجناح عن ~~الخطأ بأن نفي الجناح من آثار اتصاف الله تعالى بالمغفرة والرحمة بخلقه . # # استئناف بياني أن قوله تعالى : { وما جعل أدعياءكم أبناءكم } الأحزاب : 4 ~~) وقوله { ادعوهم لآبائهم } ( الأحزاب : 5 ) كان قد شمل في أول ما شمله ~~إبطال بنوة زيد بن حارثة للنبيء صلى الله عليه وسلم فكان بحيث يثير سؤالا ~~في نفوس الناس عن مدى صلة المؤمنين بنبيئهم صلى الله عليه وسلم وهل هي ~~علاقة الأجانب من المؤمنين بعضهم ببعض سواء فلأجل تعليم المؤمنين حقوق ~~النبي وحرمته جاءت هذه الآية مبينة أن النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم . ~~والمعنى : أنه أولى بكل مؤمن من أنفس المؤمنين . و { من } تفضيلية . # ثم الظاهر أن الأنفس مراد بها جمع النفس وهي اللطيفة الإنسانية كقوله { ~~تعلم ما في نفسي } ( المائدة ms6424 : 116 ) ، وأن الجمع للتوزيع على كل مؤمن آيل ~~إلى كل فرد من الأنفس ، أي : أن النبي أولى بكل مؤمن من نفس ذلك المؤمن ، ~~أي : هو أشد ولاية ، أي : قربا لكل مؤمن من قرب نفسه إليه ، وهو قرب معنوي ~~يراد به آثار القرب من محبة ونصرة . ف { أولى } اسم تفضيل من الولي وهو ~~القرب ، أي : أشد قربا . وهذا الاسم يتضمن معنى الأحقية بالشيء فيتعلق به ~~متعلقه ببناء المصاحبة والملابسة . والكلام على تقدير مضاف ، أي : أولى ~~بمنافع المؤمنين أو بمصالح المؤمنين ، فهذا المضاف حذف لقصد تعميم كل شأن ~~من شؤون المؤمنين الصالحة . PageV21P266 # والأنفس : الذوات ، أي : هو أحق بالتصرف في شؤونهم من أنفسهم في تصرفهم ~~في شؤونهم . ومن هذا المعنى ما في الحديث الصحيح من قول عمر بن الخطاب ~~للنبيء صلى الله عليه وسلم ( لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي التي بين ~~جنبي ) فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب ~~إليه من نفسه . فقال عمر : والذي أنزل عليك الكتاب لأنت أحب إلي من نفسي ) ~~. # ويجوز أن يكون المراد بالأنفس مجموع نوعهم كقوله : { إذ بعث فيهم رسولا ~~من أنفسهم } ( آل عمران : 164 ) ، ويجوز أن يكون المراد بالأنفس الناس . ~~والمعنى : أنه أولى بالمؤمنين من ولاية بعضهم لبعض ، أي : من ولاية جميعهم ~~لبعضهم على نحو قوله تعالى : { ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم } ( البقرة : ~~85 ) ، أي : يقتل بعضكم بعضا ، وقوله : { ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان ~~بكم رحيما } ( النساء : 29 ) . # والوجه الأول أقوى وأعم في اعتبار حرمة النبي صلى الله عليه وسلم وهو ~~يفيد أولويته بمن عدا الأنفس من المؤمنين بدلالة فحوى الخطاب . وأما ~~الاحتمال الثاني فإنه لا يفيد أنه أولى بكل مؤمن بنفس ذلك المؤمن إلا ~~بدلالة قياس الأدون ، ولذلك استثنى عمر بن الخطاب بادىء الأمر نفسه فقال : ~~لأنت أحب إلي إلا من نفسي التي بين جنبي . وعلى كلا الوجهين فالنبي عليه ~~الصلاة والسلام أولى بالمؤمنين من آبائهم وأبنائهم ، وعلى الاحتمال الأول ~~أولى بكل مؤمن من نفسه ms6425 . وسننبه عليه عند قوله تعالى : { وأزواجه أمهاتهم } ~~فكانت ولاية النبي صلى الله عليه وسلم بالمؤمنين بعد إبطال التبني سواء على ~~جميع المؤمنين . # وفي الحديث : ( ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة ~~اقرأوا إن شئتم { النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، ولما علمت من أن هذه ~~الولاية راجعة إلى حرمته وكرامته تعلم أنها لا تتعدى ذلك فيما هو من تصرفات ~~الناس وحقوق بعضهم من بعض ، مثل ميراث الميت من المسلمين فإن ميراثه لورثته ~~، وقد PageV21P267 بينه قول النبي : أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فأيما ~~مؤمن ترك مالا فليرثه ورثته من كانوا ، فإن ترك دينا أو ضياعا فليأتني فأنا ~~مولاه . وهذا ملاك معنى هذه الآية . # } # عطف على حقوق النبي صلى الله عليه وسلم حقوق أزواجه على المسلمين لمناسبة ~~جريان ذكر حق النبي عليه الصلاة والسلام فجعل الله لهن ما للأمهات من تحريم ~~التزوج بهن بقرينة ما تقدم من قوله { وما جعل أزواجكم اللاء تظهرون منهن ~~أمهاتكم } ( الأحزاب : 4 ) . # وأما ما عدا حكم التزوج من وجوه البر بهن ومواساتهن فذلك راجع إلى تعظيم ~~أسباب النبي صلى الله عليه وسلم وحرماته ولم يزل أصحاب النبي والخلفاء ~~الراشدون يتوخون حسن معاملة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ويؤثرونهن ~~بالخير والكرامة والتعظيم . وقال ابن عباس عند حمل جنازة ميمونة : ( هذه ~~زوج نبيئكم فإذا رفعتم نعشها فلا تزعزعوا ولا تزلزلوا وارفقوا ) رواه مسلم ~~. وكذلك ما عدا حكم الزواج من وجوه المعاملة غير ما يرجع إلى التعظيم . ~~ولهذه النكتة جيء بالتشبيه البليغ للمبالغة في شبههن بالأمهات للمؤمنين مثل ~~الإرث وتزوج بناتهن ، فلا يحسب أن تركاتهن يرثها جميع المسلمين ، ولا أن ~~بناتهن أخوات للمسلمين في حرمة التزوج بهن . # وأما إطلاق وصف خال المؤمنين على الخليفة معاوية لأنه أخو أم حبيبة أم ~~المؤمنين فذلك من قبيل التعظيم كما يقال : بنو فلان أخوال فلان ، إذا كانوا ~~قبيلة أمه . # والمراد بأزواجه اللآتي تزوجهن بنكاح فلا يدخل في ذلك ملك اليمين ، وقد ~~قال الصحابة يوم قريظة حين تزوج النبي صلى الله ms6426 عليه وسلم صفية بنت حيي : ~~أهي إحدى ما ملكت يمينه أم هي إحدى أمهات المؤمنين ؟ فقالوا : ننظر ، فإذا ~~حجبها فهي إحدى أمهات المؤمنين وإذا لم يحجبها فهي ما ملكت يمينه ، فلما ~~بنى بها ضرب عليها PageV21P268 الحجاب ، فعلموا أنها إحدى أمهات المؤمنين ، ~~ولذلك لم تكن مارية القبطية إحدى أمهات المؤمنين . # ويشترط في اعتبار هذه الأمومة أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم بنى ~~بالمرأة ، فأما التي طلقها قبل البناء مثل الجونية وهي أسماء بنت النعمان ~~الكندية فلا تعتبرمن أمهات المؤمنين . وذكر ابن العربي أن امرأة كان عقد ~~عليها النبي صلى الله عليه وسلم تزوجت في خلافة عمر فهم عمر برجمها . فقالت ~~: لم وما ضرب علي النبي حجابا ولا دعيت أم المؤمنين ؟ فكف عنها . وهذه ~~المرأة هي ابنة الجون الكندية تزوجها الأشعث بن قيس . وهذا هو الأصح وهو ~~مقتضى مذهب مالك وصححه إمام الحرمين والرافعي من الشافعية . وعن مقاتل : ~~يحرم تزوج كل امرأة عقد عليها النبي صلى الله عليه وسلم ولو لم يبن بها . ~~وهو قول الشافعي وصححه في ( الروضة ) ، واللآء طلقهن الرسول عليه الصلاة ~~والسلام بعد البناء بهن فاختلف فيهن على قولين ، قيل : تثبت حرمة التزوج ~~بهن حفظا لحرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل : لا يثبت لهن ذلك ، ~~والأول أرجح . وقد أكد حكم أمومة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم للمؤمنين ~~بقوله تعالى : { وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب } ( الأحزاب : ~~53 ) ، وبتحريم تزوج إحداهن على المؤمنين بقوله ( تعالى ) : { ولا أن ~~تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما } ( الأحزاب : 53 ) ~~. وسيجيء بيان ذلك عند ذكر هاتين الآيتين في أواخر هذه السورة . # وروي أن ابن مسعود قرأ بعدها : وهو أب لهم . وروي مثله عن أبي بن كعب وعن ~~ابن عباس . وروي عن عكرمة : كان في الحرف الأول ( وهو أبوهم ) . # ومحملها أنها تفسير وإيضاح وإلا فقد أفاد قوله تعالى : { النبي أولى ~~بالمؤمنين من أنفسهم } أكثر من مفاد هذه القراء . # أعقب نسخ أحكام التبني التي منها ميراث المتبني ms6427 من تبناه والعكس بإبطال ~~PageV21P269 نظيره وهو المواخاة التي كانت بين رجال من المهاجرين مع رجال ~~من الأنصار وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل بالمدينة مع من هاجر ~~معه ، جعل لكل رجل من المهاجرين رجلا أخا له من الأنصار فآخى بين أبي بكر ~~الصديق وبين خارجة بن زيد ، وبين الزبير وكعب بن مالك ، وبين عبد الرحمن بن ~~عوف وسعد بن الربيع ، وبين سلمان وأبي الدرداء ، وبين عثمان بن مظعون وأبي ~~قتادة الأنصاري ؛ فتوارث المتآخون منهم بتلك المؤاخاة زمانا كما يرث الإخوة ~~ثم نسخ ذلك بهذه الآية ، كما نسخ التوارث بالتبني بآية { ادعوهم لآبائهم } ~~( الأحزاب : 5 ) ، فبينت هذه الآية أن القرابة هي سبب الإرث إلا الانتساب ~~الجعلي . # فالمراد بأولي الأرحام : الإخوة الحقيقيون . وعبر عنهم بأولي الأرحام لأن ~~الشقيق مقدم على الأخ للأب في الميراث وهم الغالب ، فبينت الآية أن أولي ~~الأرحام بعضهم أولى ببعض في الميراث من ولاية المتآخين المهاجرين والأنصار ~~فعم هذا جميع أولي الأرحام وخصص بقوله { من المؤمنين والمهاجرين } على أحد ~~وجهين في الآيتين في معنى { من . } وهو بمنزلة العام الوارد على سبب خاص ~~وهو مطلق في الأولوية والمطلق من قبيل المجمل ، وإذ لم يكن معه بيان فمحمل ~~إطلاقه محمل العموم ، لأن الأولوية حال من أحوال أولي الأرحام وعموم ~~الأشخاص يستلزم عموم الأحوال ، فالمعنى : أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض ~~في جميع الولايات إلا ما خصصه أو قيده الدليل . # والآية مبينة في أن القرابة الحقيقية أرجح من الأخوة الجعلية ، وهي مجملة ~~في تفصيل ذلك فيما بين أولي الأرحام ، وذلك مفصل في الكتاب والسنة في أحكام ~~المواريث . وتقدم الكلام على لفظ { أولوا } عند قوله تعالى { واتقون يا ~~أولي الألباب في سورة البقرة . # ومعنى في كتاب الله } فيما كتبه ، أي : فرضه وحكم به . ويجوز أن يراد به ~~القرآن إشارة إلى ما تضمنته آية المواريث ، وقد تقدم نظير هذه الآية في آخر ~~سورة الأنفال . وتقدم الكلام في توريث ذوي الأرحام إن لم يكن للميت وارث ~~معلوم سهمه . PageV21P270 # و { أولوا الأرحام ms6428 } مبتدأ ، و { بعضهم } مبتدأ ثان و { أولى } خبر ~~الثاني والجملة خبر المبتدأ الأول ، و { في كتاب الله } متعلق ب { أولى . # وقوله من المؤمنين والمهاجرين } يجوز أن يتعلق باسم التفضيل وهو { أولى } ~~فتكون { من } تفضيلية . والمعنى : أولوا الأرحام أولى بإرث ذوي أرحامهم من ~~إرث أصحاب ولاية الإيمان والهجرة بتلك الولاية ، أي : الولاية التي بين ~~الأنصار والمهاجرين . وأريد بالمؤمنين خصوص الأنصار بقرينة مقابلته بعطف { ~~والمهاجرين } على معنى أصحاب الإيمان الكامل تنويها بإيمان الأنصار لأنهم ~~سبقوا بإيمانهم قبل كثير من المهاجرين الذين آمنوا بعدهم فإن الأنصار آمنوا ~~دفعة واحدة لما أبلغهم نقباؤهم دعوة محمد صلى الله عليه وسلم إياهم بعد ~~بيعة العقبة الثانية . قال تعالى : { والذين تبوءوا الدار والإيمان من ~~قبلهم } ( الحشر : 9 ) أي : من قبل كثير من فقراء المهاجرين عدا الذين سبق ~~إيمانهم . فالمعنى : كل ذي رحم أولى بإرث قريبه من أن يرثه أنصاري إن كان ~~الميت مهاجرا ، أو أن يرثه مهاجر إن كان الميت من الأنصار ، فيكون هذا ~~ناسخا للتوارث بالهجرة الذي شرع بآية الأنفال : { والذين ءامنوا ولم ~~يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا ، فتوارث المسلمون بالهجرة ~~فكان الأعرابي المسلم لا يرث قريبه المهاجر ، ثم نسخ بآية هذه السورة . ~~ويجوز أن يكون قوله من المؤمنين } ظرفا مستقرا في موضع الصفة ، أي : وأولوا ~~الأرحام الكائنون من المؤمنين والمهاجرين ، بعضهم أولى ببعض ، أي : لا يرث ~~ذو الرحم ذا رحمه إلا إذا كانا مؤمنين ومهاجرين ، فتكون الآية ناسخة ~~للتوارث بالحلف والمؤاخاة الذي شرع عند قدوم المهاجرين إلى المدينة ، فلما ~~نزلت هذه الآية رجعوا إلى مواريثهم فبينت هذه الآية أن القرابة أولى من ~~الحلف والمواخاة ، وأيا ما كان فإن آيات المواريث نسخت هذا كله . ويجوز أن ~~تكون { من } بيانية ، أي : وأولوا الأرحام المؤمنون والمهاجرون ، أي : فلا ~~يرث أولوا الأرحام الكافرون ولا يرث من لم يهاجر من المؤمنين لقوله تعالى : ~~{ والذين كفروا بعضهم أولياء بعض } ( الأنفال : 73 ) ثم قال : { والذين ~~ءامنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا } ( الأنفال : 72 ms6429 ~~) . PageV21P271 # والاستثناء بقوله { إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا } منقطع ، و { إلا ~~} بمعنى ( لكن ) لأن ما بعد { إلا ليس من جنس ما قبلها فإن الأولوية التي ~~أثبتت لأولي الأرحام أولوية خاصة وهي أولوية الميراث بدلالة السياق دون ~~أولوية حسن المعاشرة وبذل المعروف . وهذا استدراك على ما قد يتوهم من قطع ~~الانتفاع بأموال الأولياء عن أصحاب الولاية بالإخاء والحلف فبين أن الذي ~~أبطل ونسخ هو انتفاع الإرث وبقي حكم المواساة وإسداء المعروف بمثل الإنفاق ~~والإهداء والإيصاء . # وجملة كان ذلك في الكتاب مسطورا } تذييل لهذه الأحكام وخاتمة لها مؤذنة ~~بانتهاء الغرض من الأحكام التي شرعت من قوله { ادعوهم لآبائهم } ( الأحزاب ~~: 5 ) إلى هنا ، فالإشارة بقوله { ذلك } إلى المذكور من الأحكام المشروعة ~~فكان هذا التذييل أعم مما اقتضاه قوله { بعضهم أولى ببعض في كتاب الله . } ~~وبهذا الاعتبار لم يكن تكريرا له ولكنه يتضمنه ويتضمن غيره فيفيد تقريره ~~وتوكيده تبعا وهذا شأن التذييلات . # والتعريف في { الكتاب } للعهد ، أي : كتاب الله ، أي : ما كتبه على الناس ~~وفرضه كقوله { كتاب الله عليكم } ( النساء : 24 ) ، فاستعير الكتاب للتشريع ~~بجامع ثبوته وضبطه التغيير والتناسي ، كما قال الحارث بن حلزة : # حذر الجور والتطاخي وهل ين # قض ما في المهارق الأهواء # ومعنى هذا مثل قوله تعالى : { وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب ~~الله في سورة الأنفال . فالكتاب : استعارة مكنية وحرف الظرفية ترسيخ ~~للاستعارة . # والمسطور : المكتوب في سطور ، وهو ترشيح أيضا للاستعارة وفيه تخييل ~~للمكنية . # وفعل كان } في قوله { كان ذلك } لتقوية ثبوته في الكتاب مسطورا ، لأن { ~~كان } إذا لم يقصد بها أن اسمها اتصف بخبرها في الزمن الماضي كانت للتأكيد ~~غالبا مثل { وكان الله غفورا رحيما } ( الأحزاب : 4 ) أي : لم يزل كذلك . ~~PageV21P272 # ( 7 8 ) # عطف على قوله { يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إلى ~~قوله : وكفى بالله وكيلا } ( الأحزاب : 1 3 ) فلذلك تضمن الأمر بإقامة ~~الدين على ما أراده الله تعالى وأوحى به إلى رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى ~~نبذ سنن الكافرين الصرحاء والمنافقين من أحكام ms6430 الهوى والأوهام . # فلما ذكر ذلك وعقب بمثل ثلاثة من أحكام جاهليتهم الضالة بما طال من ~~الكلام إلى هنا ثني عنان الكلام إلى الإعلام بأن الذي أمره الله به هو من ~~عهود أخذها الله على النبيئين والمرسلين من أول عهود الشرائع . وتربط هذا ~~الكلام بالكلام الذي عطف هو عليه مناسبة قوله : { كان ذلك في الكتاب مسطورا ~~} ( الأحزاب : 6 ) . وبهذا الارتباط بين الكلامين لم يحتج إلى بيان الميثاق ~~الذي أخذه الله تعالى على النبيئين ، فعلم أن المعنى : وإذا أخذنا من ~~النبيئين ميثاقهم بتقوى الله وبنبذ طاعة الكافرين والمنافقين وباتباع ما ~~أوحى الله به . وقوله { إن الله كان عليما حكيما } ( الأحزاب : 1 ) { ليسأل ~~الصادقين عن صدقهم وأعد للكافرين عذابا أليما فلما أمر النبي بالاقتصار على ~~تقوى الله وبالإعراض عن دعوى الكافرين والمنافقين ، أعلم بأن ذلك شأن ~~النبيئين من قبله ، ولذلك عطف قوله ومنك } عقب ذكر النبيئين تنبيها على أن ~~شأن الرسل واحد وأن سنة الله فيهم متحدة ، فهذه الآية لها معنى التذييل ~~لآية { يأيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين } ( الأحزاب : 1 ~~) الآيات الثلاث ولكنها جاءت معطوفة بالواو لبعد ما بينها وما بين الآيات ~~الثلاث المتقدمة . # وقوله { وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم } الآيتين لهما موقع المقدمة لقصة ~~الأحزاب لأن مما أخذ الله عليه ميثاق النبيئين أن ينصروا الدين الذي يرسله ~~الله به ، وأن ينصروا دين الإسلام ، قال تعالى : { وإذ أخذ الله ميثاق ~~النبيئين لما ءاتيناكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن ~~به ولتنصرنه } ( آل عمران : 81 ) فمحمد صلى الله عليه وسلم مأمور بالنصرة ~~لدينه بمن معه من المسلمين لقوله في هذه الآية : { ليسأل الصادقين عن صدقهم ~~وأعد للكافرين عذابا أليما . } وقال في PageV21P273 الآية الآتية في الثناء ~~على المؤمنين الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه { ليجزي الله الصادقين ~~بصدقهم ويعذب المنافقين الآية } ( الأحزاب : 24 ) . # وقد جاء قوله : { وإذ أخذنا من النبيئين ميثاقهم } جاريا على أسلوب ~~ابتداء كثير من قصص القرآن في افتتاحها ب { إذ } على إضمار ( اذكر ) . و { ~~إذ ms6431 } اسم للزمان مجرد عن معنى الظرفية . فالتقدير : واذكر وقتا ، وبإضافة { ~~إذ } إلى الجملة بعده يكون المعنى : اذكر وقت أخذنا ميثاقا على النبيئين . ~~وهذا الميثاق مجمل هنا بينته آيات كثيرة . وجماعها أن يقولوا الحق ويبلغوا ~~ما أمروا به دون ملاينة للكافرين والمنافقين ، ولا خشية منهم ، ولا مجاراة ~~للأهواء ، ولا مشاطرة مع أهل الضلال في الإبقاء على بعض ضلالهم . وأن الله ~~واثقهم ووعدهم على ذلك بالنصر . ولما احتوت عليه هذه السورة من الأغراض ~~مزيد التأثر بهذا الميثاق بالنسبة للنبيء صلى الله عليه وسلم وشديد ~~المشابهة بما أخذ من المواثيق على الرسل من قبله . ومن ذلك على سبيل المثال ~~قوله تعالى هنا : { والله يقول الحق وهو يهدي السبيل } ( الأحزاب : 4 ) ~~وقوله في ميثاق أهل الكتاب { ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على ~~الله إلا الحق في سورة الأعراف . # وفي تعقيب أمر الرسول بالتقوى ومخالفة الكافرين والمنافقين والتثبيت على ~~اتباع ما يوحى إليه ، وأمره بالتوكل على الله ، وجعلها قبل قوله يا أيها ~~الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود } ( الأحزاب : 9 ) الخ ~~. . إشارة إلى أن ذلك التأييد الذي أيد الله به رسوله صلى الله عليه وسلم ~~والمؤمنين معه إذ رد عنهم أحزاب الكفار والمنافقين بغيظهم لم ينالوا خيرا ~~ما هو إلا أثر من آثار الميثاق الذي أخذه الله على رسوله حين بعثه . # والميثاق : اسم العهد وتحقيق الوعد ، وهو مشتق من وثق ، إذا أيقن وتحقق ، ~~فهو منقول من اسم آلة مجازا غلب على المصدر ، وتقدم في قوله تعالى : { ~~الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه في سورة البقرة . وإضافة ميثاق إلى ~~ضمير النبيئين من إضافة المصدر إلى فاعله على معنى اختصاص الميثاق بهم فيما ~~ألزموا به وما وعدهم الله على الوفاء به . ويضاف أيضا PageV21P274 إلى ضمير ~~الجلالة في قوله واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به } ( ~~المائدة : 7 ) . # وقوله { ومنك ومن نوح } الخ هو من ذكر بعض أفراد العام للاهتمام بهم فإن ~~هؤلاء المذكورين أفضل الرسل ، وقد ذكر ضمير محمد ms6432 صلى الله عليه وسلم قبلهم ~~إيماء إلى تفضيله على جميعهم ، ثم جعل ترتيب ذكر البقية على ترتيبهم في ~~الوجود . ولهذه النكتة خص ضمير النبي بإدخال حرف ( من ) عليه بخصوصه ، ثم ~~أدخل حرف ( من ) على مجموع الباقين فكان قد خص باهتمامين : اهتمام التقديم ~~، واهتمام إظهار اقتران الابتداء بضمير بخصوصه غير مندمج في بقيتهم عليهم ~~السلام . # وسيجيء أن ما في سورة الشورى من تقديم { ما وصى به نوحا على والذي أوحينا ~~إليك } ( الشورى : 13 ) طريق آخر هو آثر بالغرض الذي في تلك السورة من قوله ~~تعالى : { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به ~~إبراهيم الآية } ( الشورى : 13 ) . # وجملة { وأخذنا منهم ميثاقا غليظا } أعادت مضمون جملة { وإذ أخذنا من ~~النبيئين ميثاقهم } لزيادة تأكيدها ، وليبنى عليها وصف الميثاق بالغليظ ، ~~أي : عظيما جليل الشأن في جنسه فإن كل ميثاق له عظم فلما وصف هذا ب { غليظا ~~} أفاد أن له عظما خاصا ، وليعلق به لام التعليل من قوله { ليسأل الصادقين ~~. # وحقيقة الغليظ : القوي المتين الخلق ، قال تعالى : فاستغلظ فاستوى على ~~سوقه } ( الفتح : 29 ) . واستعير الغليظ للعظيم الرفيع في جنسه لأن الغليظ ~~من كل صنف هو أمكنه في صفات جنسه . # واللام في قوله { ليسأل الصادقين عن صدقهم } لام كي ، أي : أخذنا منهم ~~ميثاقا غليظا لنعظم جزاء للذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق ولنشدد ~~العذاب جزاء للذين يكفرون بما جاءتهم به رسل الله ، فيكون من دواعي ذكر هذا ~~الميثاق هنا أنه توطئة لذكر جزاء الصادقين وعذاب الكافرين زيادة على ما ~~ذكرنا من دواعي ذلك آنفا . وهذه علة من علل أخذ الميثاق من النبيئين وهي ~~آخر العلل حصولا فأشعر PageV21P275 ذكرها بأن لهذا الميثاق عللا تحصل قبل ~~أن يسأل الصادقون عن صدقهم ، وهي ما في الأعمال المأخوذ ميثاقهم عليها من ~~جلب المصالح ودرء المفاسد ، وذلك هو ما يسأل العاملون عن عمله من خير وشر . # وضمير { يسأل } عائد إلى الله تعالى على طريقة الالتفات من التكلم إلى ~~الغيبة . # والمراد بالصادقين أمم الأنبياء الذين ms6433 بلغهم ما أخذ على أنبيائهم من ~~الميثاق ، ويقابلهم الكافرون الذين كذبوا أنبياءهم أو الذين صدقوهم ثم ~~نقضوا الميثاق من بعد ، فيشملهم اسم الكافرين . # والسؤال : كناية عن المؤاخذة لأنها من ثواب جواب السؤال أعني إسداء ~~الثواب للصادقين وعذاب الكافرين ، وهذا نظير قوله تعالى { لا يسأل عما يفعل ~~} ( الأنبياء : 23 ) ، أي : لا يتعقب أحد فعله ولا يؤاخذه على ما لا يلائمه ~~، وقول كعب بن زهير : # وقيل : إنك منسوب ومسؤول # وجملة { وأعد للكافرين } عطف على جملة { ليسأل الصادقين } وغير فيها ~~الأسلوب للدلالة على تحقيق عذاب الكافرين حتى لا يتوهم أنهم يسألون سؤال من ~~يسمع جوابهم أو معذرتهم ، ولإفادة أن إعداد عذابهم أمر مضى وتقرر في علم ~~الله . # ابتداء لغرض عظيم من أغراض نزول هذه السورة والذي حف بآيات وعبر من ~~ابتدائه ومن عواقبه تعليما للمؤمنين وتذكيرا ليزيدهم يقينا وتبصيرا . ~~فافتتح الكلام بتوجيه الخطاب إليهم لأنهم أهله وأحقاء به ، ولأن فيه تخليد ~~كرامتهم ويقينهم وعناية الله بهم ولطفه لهم وتحقيرا لعدوهم ومن يكيد لهم ، ~~وأمروا أن يذكروا هذه النعمة PageV21P276 ولا ينسوها لأن في ذكرها تجديدا ~~للاعتزاز بدينهم والثقة بربهم والتصديق لنبيئهم صلى الله عليه وسلم # واختيرت للتذكير بهذا اليوم مناسبة الأمر بعدم طاعة الكافرين والمنافقين ~~لأن من النعم التي حفت بالمؤمنين في يوم الأحزاب أن الله رد كيد الكافرين ~~والمنافقين فذكر المؤمنون بسابق كيد المنافقين في تلك الأزمة ليحذروا ~~مكائدهم وأراجيفهم في قضية التبني وتزوج النبي صلى الله عليه وسلم مطلقة ~~متبناه ، ولذلك خص المنافقون بقوله : { وإذ يقول المنافقون والذين في ~~قلوبهم مرض } ( الأحزاب : 12 ) الآيات ؛ على أن قضية إبطال التبني وإباحة ~~تزوج مطلق الأدعياء كان بقرب وقعة الأحزاب . # و { إذ } ظرف للزمن الماضي متعلق ب { نعمة } لما فيها من معنى الإنعام ، ~~أي : اذكروا ما أنعم الله به عليكم زمان جاءتكم جنود فهزمهم الله بجنود لم ~~تروها . # وهذه الآية وما بعدها تشير إلى ما جرى من عظيم صنع الله بالمؤمنين في ~~غزوة الأحزاب فلنأت على خلاصة ما ذكره أهل السير والتفسير ليكون منه بيان ms6434 ~~لمطاوي هذه الآيات . # وكان سبب هذه الغزوة أن قريشا بعد وقعة أحد تهادنوا مع المسلمين لمدة عام ~~على أن يلتقوا ببدر من العام القابل فلم يقع قتال ببدر لتخلف أبي سفيان عن ~~الميعاد ، فلم يناوش أحد الفريقين الفريق الآخر إلا ما كان من حادثة غدر ~~المشركين بالمسلمين وهي حادثة بئر معونة حين غدرت قبائل عصية ، ورعل ، ~~وذكوان من بني سليم بأربعين من المسلمين إذ سأل عامر بن مالك رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن يوجههم إلى أهل نجد يدعونهم إلى الإسلام . وكان ذلك كيدا ~~كاده عامر بن مالك وذلك بعد أربعة أشهر من انقضاء غزوة أحد . # فلما أجلى النبي صلى الله عليه وسلم بني النضير لما ظهر من غدرهم به ~~وخيسهم بالعهد الذي لهم مع المسلمين ، هنالك اغتاظ كبراء يهود قريظة بعد ~~الجلاء وبعد أن نزلوا بديار بني قريظة وبخيبر فخرج سلام بن أبي الحقيق ~~بتشديد لام سلام وضم حاء الحقيق وفتح قافه وكنانة بن أبي الحقيق ، وحيي بن ~~أخطب بضم حاء حيي وفتح همزة وطاء أخطب وغيرهم في نفر من بني النضير فقدموا ~~على قريش لذلك PageV21P277 وتآمروا مع غطفان على أن يغزوا المدينة فخرجت ~~قريش وأحابيشها وبنو كنانة في عشرة آلاف وقائدهم أبو سفيان ، وخرجت غطفان ~~في ألف قائدهم عيينة بن حصن ، وخرجت معهم هوازن وقائدهم عامر بن الطفيل . # وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم عزمهم على منازلة المدينة أبلغته إياه ~~خزاعة وخاف المسلمون كثرة عدوهم ، وأشار سلمان الفارسي أن يحفر خندق يحيط ~~بالمدينة تحصينا لها من دخول العدو فاحتفره المسلمون والنبي صلى الله عليه ~~وسلم معهم يحفر وينقل التراب ، وكانت غزوة الخندق سنة أربع في رواية ابن ~~وهب وابن القاسم عن مالك . وقال ابن إسحاق : سنة خمس . وهو الذي اشتهر عند ~~الناس وجرى عليه ابن رشد في ( جامع البيان والتحصيل ) اتباعا لما اشتهر ، ~~وقول مالك أصح . # وعندما تم حفر الخندق أقبلت جنود المشركين وتسموا بالأحزاب لأنهم عدة ~~قبائل تحزبوا ، أي : صاروا حزبا واحدا ، وانضم إليهم بنو ms6435 قريظة فكان ورود ~~قريش من أسفل الوادي من جهة المغرب ، وورود غطفان وهوازن من أعلى الوادي من ~~جهة المشرق ، فنزل جيش قريش بمجتمع الأسيال من رومة بين الجرف وزغابة بزاي ~~معجمة مضمومة وغين معجمة وبعضهم يرويه بالعين المهملة وبعضهم يقول : ~~والغابة ، والتحقيق هو الأول كما في ( الروض الأنف ) ، ونزل جيش غطفان ~~وهوازن بذنب نقمى إلى جانب أحد ، وكان جيش المسلمين ثلاثة آلاف ؛ وخرج ~~المسلمون إلى خارج المدينة فعسكروا تحت جبل سلع وجعلوا ظهورهم إلى الجبل ~~والخندق بينهم وبين العدو ، وجعل المسلمون نساءهم وذراريهم في آطام المدينة ~~. وأمر النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة عبد الله بن أم مكتوم ، ودام ~~الحال كذلك بضعا وعشرين ليلة لم تكن بينهم فيها حرب إلا مصارعة بين ثلاثة ~~فرسان اقتحموا الخندق من جهة ضيقة على أفراسهم فتقاتلوا في السبخة بين ~~الخندق وسلع وقتل أحدهم قتله علي بن أبي طالب وفر صاحباه ، وأصاب سهم غرب ~~سعد بن معاذ في أكحله فكان منه موته في المدينة . ولحقت المسلمين شدة من ~~الحصار وخوف من كثرة جيش عدوهم حتى هم النبي صلى الله عليه وسلم بأن يصالح ~~الأحزاب على أن يعطيهم نصف ثمر المدينة في عامهم ذلك يأخذونه عند طيبه وكاد ~~أن يكتب معهم كتابا في ذلك ، فاستشار سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فقال سعد ~~بن معاذ : PageV21P278 قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك ولا يطمعون أن ~~يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعا ، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وأعزنا بك ~~نعطيهم أموالنا والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم ، ~~فأبطل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان عزم عليه . # وأرسل الله على جيش المشركين ريحا شديدة فأزالت خيامهم وأكفأت قدورهم ~~وأطفأت نيرانهم ، واختل أمرهم ، وهلك كراعهم وخفهم ، وحدث تخاذل بينهم وبين ~~قريظة وظنت قريش أن قريظة صالحت المسلمين وأنهم ينضمون إلى المسلمين على ~~قتال الأحزاب ، فرأى أهل الأحزاب الرأي في أن يرتحلوا فارتحلوا عن المدينة ~~وانصرف جيش المسلمين راجعا إلى المدينة . # فقوله تعالى ms6436 { إذ جاءتكم جنود } ذكر توطئة لقوله { فأرسلنا عليهم ريحا } ~~الخ لأن ذلك هو محل المنة . والريح المذكورة هنا هي ريح الصبا وكانت باردة ~~وقلعت الأوتاد والأطناب وسفت التراب في عيونهم وماجت الخيل بعضها في بعض ~~وهلك كثير من خيلهم وإبلهم وشائهم . وفيها قال النبي صلى الله عليه وسلم ( ~~نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور ) . # والجنود التي لم يروها هي جنود الملائكة الذين أرسلوا الريح وألقوا ~~التخاذل بين الأحزاب وكانوا وسيلة إلقاء الرعب في نفوسهم . # وجملة { وكان الله بما تعملون بصيرا } في موقع الحال من اسم الجلالة في ~~قوله { نعمة الله } وهي إيماء إلى أن الله نصرهم على أعدائهم لأنه عليم بما ~~لقيه المسلمون من المشقة والمصابرة في حفر الخندق والخروج من ديارهم إلى ~~معسكرهم خارج المدينة وبذلهم النفوس في نصر دين الله فجازاهم الله بالنصر ~~المبين كما قال { ولينصرن الله من ينصره } ( الحج : 40 ) . # وقرأ الجمهور { بما تعملون بصيرا } بتاء الخطاب . وقرأه أبو عمرو وحده ~~بياء الغيبة ومحملها على الالتفات . # والجنود الأول جمع جند ، وهو الجمع المتحد المتناصر ولذلك غلب على الجمع ~~المجتمع لأجل القتال فشاع الجند بمعنى الجيش . وذكر جنود هنا بلفظ الجمع مع ~~PageV21P279 أن مفرده مؤذن بالجماعة مثل قوله تعالى { جند ما هنالك مهزوم ~~من الأحزاب } ( ص : 11 ) فجمعه هنا لأنهم كانوا متجمعين من عدة قبائل لكل ~~قبيلة جيش خرجوا متساندين لغزو المسلمين في المدينة ، ونظيره قوله تعالى : ~~{ فلما فصل طالوت بالجنود في سورة البقرة . # والجنود الثاني جمع جند بمعنى الجماعة من صنف واحد . والمراد بهم ملائكة ~~أرسلوا لنصر المؤمنين وإلقاء الرعب والخوف في قلوب المشركين . # ( 10 11 ) لله } # { إذ جاءوكم } بدل من { إذ جاءتكم جنود } ( الأحزاب : 9 ) بدل مفصل من ~~مجمل . والمراد ب ( فوق ) و { أسفل } فوق جهة المدينة وأسفلها . # و { وإذا زاغت الأبصار } عطف على البدل وهو من جملة التفصيل ، والتعريف ~~في { الأبصار والقلوب والحناجر للعهد ، أي : أبصار المسلمين وقلوبهم ~~وحناجرهم ، أو تجعل اللام فيها عوضا عن المضافات إليها ، أي : زاغت أبصاركم ~~وبلغت قلوبكم حناجركم . # والزيغ : الميل ms6437 عن الاستواء إلى الانحراف . فزيغ البصر أن لا يرى ما ~~يتوجه إليه ، أو أن يريد التوجه إلى صوب فيقع إلى صوب آخر من شدة الرعب ~~والانذعار . # والحناجر : جمع حنجرة بفتح الحاء المهملة وسكون النون وفتح الجيم : منتهى ~~الحلقوم وهي رأس الغلصمة . وبلوغ القلوب الحناجر تمثيل لشدة اضطراب القلوب ~~من الفزع والهلع حتى كأنها لاضطرابها تتجاوز مقارها وترتفع طالبة الخروج من ~~الصدور فإذا بلغت الحناجر لم تستطع تجاوزها من الضيق ؛ فشبهت هيئة قلب ~~الهلوع المرعود بهيئة قلبب تجاوز موضعه وذهب متصاعدا طالبا الخروج ، ~~فالمشبه القلب نفسه باعتبار اختلاف الهيئتين . PageV21P280 وليس الكلام على ~~الحقيقة ، فإن القلوب لا تتجاوز مكانها ، وقريب منه قولهم : تنفس الصعداء ، ~~وبلغت الروح التراقي . # وجملة وتظنون بالله الظنونا } يجوز أن تكون عطفا على جملة { زاغت الأبصار ~~، } ويجوز أن يكون الواو للحال وجيء بالفعل المضارع للدلالة على تجدد تلك ~~الظنون بتجدد أسبابها كناية عن طول مدة هذا البلاء . # وفي صيغة المضارع معنى التعجيب من ظنونهم لإدماج العتاب بالامتنان فإن ~~شدة الهلع الذي أزاغ الأبصار وجعل القلوب بمثل حالة أن تبلغ الحناجر ، دل ~~على أنهم أشفقوا من أن يهزموا لما رأوا من قوة الأحزاب وضيق الحصار أو ~~خافوا طول مدة الحرب وفناء الأنفس ، أو أشفقوا من أن تكون من الهزيمة جراءة ~~للمشركين على المسلمين ، أو نحو ذلك من أنواع الظنون وتفاوت درجات أهلها . # والمؤمن وإن كان يثق بوعد ربه لكنه لا يأمن غضبه من جراء تقصيره ، ويخشى ~~أن يكون النصر مرجأ إلى زمن آخر ، فإن ما في علم الله وحكمته لا يحاط به . # وحذف مفعولا { تظنون } بدون وجود دليل يدل على تقديرهما فهو حذف لتنزيل ~~الفعل منزلة اللازم ، ويسمى هذا الحذف عند النحاة الحذف اقتصارا ، أي : ~~للاقتصار على نسبة فعل الظن لفاعله ، والمقصود من هذا التنزيل أن تذهب نفس ~~السامع كل مذهب ممكن ، وهو حذف مستعمل كثيرا في الكلام الفصيح وعلى جوازه ~~أكثر النحويين ومنه قوله تعالى : { أعنده علم الغيب فهو يرى } ( النجم : 35 ~~) وقوله : { وظننتم ظن السوء } ( الفتح : 12 ) ، وقول ms6438 المثل : من يسمع يخل ~~، ومنعه سيبويه والأخفش . # وضمن { تظنون معنى تلحقون ، فعدي بالباء فالباء للملابسة . قال سيبويه : ~~قولهم : ظننت به ، معناه : جعلته موضع ظني . وليست الباء هنا بمنزلتها في ~~كفى بالله حسيبا } ( النساء : 6 ) ، أي : ليست زائدة ، ومجرورها معمول ~~للفعل قبلها كأنك قلت : ظننت في الدار ، ومثله : شككت فيه ، أي : فالباء ~~عنده بمعنى ( في ) . والوجه أنها للملابسة كقول دريد بن الصمة : # فقلت لهم : ظنوا بألفي مدجج # سراتهم في الفارسي المسرد PageV21P281 # وسيأتي تفصيل ذلك عند قوله تعالى { فما ظنكم برب العالمين في سورة ~~الصافات . # وانتصب الظنونا } على المفعول المطلق المبين للعدد ، وهو جمع ظن . ~~وتعريفه باللام تعريف الجنس ، وجمعه للدلالة على أنواع من الظن كما في قول ~~النابغة : # أبيتك عاريا خلقا ثيابي # على خوف تظن بي الظنون # وكتب { الظنونا } في الإمام بألف بعد النون ، زيدت هذه الألف في النطق ~~للرعاية على الفواصل في الوقوف ، لأن الفواصل مثل الأسجاع تعتبر موقوفا ~~عليها لأن المتكلم أرادها كذلك . فهذه السورة بنيت على فاصلة الألف مثل ~~القصائد المقصورة ، كما زيدت الألف في قوله تعالى { وأطعنا الرسولا } ( ~~الأحزاب : 66 ) وقوله : { فأضلونا السبيلا } ( الأحزاب : 67 ) . # وعن أبي علي في ( الحجة ) : من أثبت الألف في الوصل لأنها في المصحف كذلك ~~وهو رأس آية ورؤوس الآيات تشبه بالقوافي من حيث كانت مقاطع ، فأما في طرح ~~الألف في الوصل فإنه ذهب إلى أن ذلك في القوافي وليس رؤوس الآي بقوافف . # فأما القراء فقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر عن عاصم وأبو جعفر بإثبات ~~الألف في الوصل والوقف . وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم والكسائي بحذف الألف ~~في الوصل وإثباتها في الوقف . وقرأ أبو عمرو وحمزة ويعقوب بحذف الألف في ~~الوصل والوقف ، وقرأ خلف بإثبات الألف بعد النون في الوقف وحذفها في الوصل ~~. وهذا اختلاف من قبيل الاختلاف في وجوه الأداء لا في لفظ القرآن . وهي ~~كلها فصيحة مستعملة والأحسن الوقف عليها لأن الفواصل كالأسجاع والأسجاع ~~كالقوافي . # والإشارة ب { هنالك } إلى المكان الذي تضمنه قوله { جاءتكم جنود } ( ~~الأحزاب : 9 ) وقوله { إذ ms6439 جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم . } والأظهر أن ~~تكون الإشارة إلى الزمان الذي دلت عليه { إذ في قوله : وإذ زاغت الأبصار . ~~} وكثيرا ما ينزل أحد الظرفين منزلة الآخر ولهذا قال ابن عطية : { هنالك : ~~ظرف زمان والعامل فيه PageV21P282 ابتلي } اه . قلت : ومنه دخول ( لات ) ~~على ( هنا ) في قول حجل بن نضلة : # خنت نوار ولات هنا حنت # وبدا الذي كانت نوار أجنت # فإن ( لات ) خاصة بنفي أسماء الزمان فكان ( هنا ) إشارة إلى زمان منكر ~~وهو لغة في ( هنا ) . ويقولون : يوم هنا ، أي يوم أول ، فيشيرون إلى زمن ~~قريب ، وأصل ذلك مجاز توسع فيه وشاع . # والابتلاء : أصله الاختبار ، ويطلق كناية عن إصابة الشدة لأن اختبار حال ~~الثبات والصبر لازم لها ، وسمى الله ما أصاب المؤمنين ابتلاء إشارة إلى أنه ~~لم يزعزع إيمانهم . # والزلزال : اضطراب الأرض ، وهو مضاعف زل تضعيفا يفيد المبالغة ، وهو هنا ~~استعارة لاختلال الحال اختلالا شديدا بحيث تخيل مضطربة اضطرابا شديدا ~~كاضطراب الأرض وهو أشد اضطرابا للحاقه أعظم جسم في هذا العالم . ويقال : ~~زلزل فلان ، مبنيا للمجهول تبعا لقولهم : زلزلت الأرض ، إذ لا يعرف فاعل ~~هذا الفعل عرفا . وهذا هو غالب استعماله قال تعالى : { وزلزلوا حتى يقول ~~الرسول الآية } ( البقرة : 214 ) . # والمراد بزلزلة المؤمنين شدة الانزعاج والذعر لأن أحزاب العدو تفوقهم ~~عددا وعدة . # ( 12 13 ) # عطف على { وإذ زاغت الأبصار } ( الأحزاب : 10 ) فإن ذلك كله مما ألحق ~~بالمسلمين ابتلاء فبعضه من حال الحرب وبعضه من أذى المنافقين ، ليحذروا ~~المنافقين فيما يحدث من بعد ، ولئلا يخشوا كيدهم فإن الله يصرفه كما صرف ~~أشده يوم الأحزاب . PageV21P283 # وقول المنافقين هذا يحتمل أن يكونوا قالوه علنا بين المسلمين قصدوا به ~~إدخال الشك في قلوب المؤمنين لعلهم يردونهم عن دينهم فأوهموا بقولهم { ما ~~وعدنا الله ورسوله } الخ . . . أنهم ممن يؤمن بالله ورسوله ، فنسبة الغرور ~~إلى الله ورسوله إما على معنى التشبيه البليغ وإما لأنهم بجهلهم يجوزون على ~~الله أن يغر عباده ، ويحتمل أنهم قالوا ذلك بين أهل ملتهم فيكون نسبة الوعد ~~إلى الله ورسوله تهكما كقول ms6440 فرعون { إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون } ( ~~الشعراء : 27 ) . # والغرور : ظهور الشيء المكروه في صورة المحبوب ، وقد تقدم عند قوله تعالى ~~: { لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد في سورة آل عمران ، وقوله تعالى : ~~زخرف القول غرورا في سورة الأنعام . والمعنى : أن الله وعدهم النصر فكان ~~الأمر هزيمة وهم يعنون الوعد العام وإلا فإن وقعة الخندق جاءت بغتة ولم يرو ~~أنهم وعدوا فيها بنصر . والذين في قلوبهم مرض } هم الذين كانوا مترددين بين ~~الإيمان والكفر فأخلصوا يومئذ النفاق وصمموا عليه . # والمراد بالطائفة الذين قالوا : { يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا } عبد ~~الله بن أبي ابن سلول وأصحابه . كذا قال السدي . وقال الأكثر : هو أوس بن ~~قيظي أحد بني حارثة ، وهو والد عرابة بن أوس الممدوح بقول الشماخ : # رأيت عرابة الأوسي يسمو # إلى الخيرات منقطع القرين # في جماعة من منافقي قومه . والظاهر هو ما قاله السدي لأن عبد الله بن أبي ~~رأس المنافقين ، فهو الذي يدعو أهل يثرب كلهم . # وقوله { لا مقام لكم } قرأه الجمهور بفتح الميم وهو اسم لمكان القيام ، ~~أي : الوجود . وقرأه حفص عن عاصم بضم الميم ، أي : محل الإقامة . والنفي ~~هنا بمعنى نفي المنفعة فلما رأى هذا الفريق قلة جدوى وجودهم جعلها كالعدم ، ~~أي لا فائدة لكم في ذلك ، وهو يروم تخذيل الناس كما فعل يوم أحد . # و { يثرب : اسم مدينة الرسول ، وقال أبو عبيدة يثرب : اسم أرض والمدينة ~~PageV21P284 في ناحية منها ، أي : اسم أرض بما فيها من الحوائط والنخل ~~والمدينة في تلك الأرض . سميت باسم يثرب من العمالقة ، وهو يثرب بن قانية ~~الحفيد الخامس لإرم بن سام بن نوح . وقد روي عن البراء بن عازب وابن عباس ~~أن النبي نهى عن تسميتها يثرب وسماها طابة . # وفي قوله يا أهل يثرب لا مقام لكم } محسن بديعي ، وهو الاتزان لأن هذا ~~القول يكون منه مصراع من بحر السريع من عروضه الثانية المخبولة المكشوفة إذ ~~صارت مفعولات بمجموع الخبل والكشف إلى فعلن فوزنه مستفعلن مستفعلن فعلن . # والمراد بقوله { فريق ms6441 منهم } جماعة من المنافقين والذين في قلوبهم مرض ، ~~وليسوا فريقا من الطائفة المذكورة آنفا ، بل هؤلاء هم أوس بن قيظي وجمع من ~~عشيرته بني حارثة وكان بنو حارثة أكثرهم مسلمين وفيهم منافقون ، فجاء ~~منافقوهم يعتذرون بأن منازلهم عورة ، أي : غير حصينة . # وجملة { ويستأذن فريق } عطف على جملة { قالت طائفة } ، وجيء فيها بالفعل ~~المضارع للإشارة إلى أنهم يلحون في الاستئذان ويكررونه ويجددونه . # والعورة : الثغر بين الجبلين الذي يتمكن العدو أن يتسرب منه إلى الحي ، ~~قال لبيد : # وأجن عوراتت الثغور ظلامها # والاستئذان : طلب الإذن وهؤلاء راموا الانخذال واستحيوا . ولم يذكر ~~المفسرون أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لهم . وذكر أهل السير أن ثمانين ~~منهم رجعوا دون إذنه . وهذا يقتضي أنه لم يأذن لهم وإلا لما ظهر تميزهم عن ~~غيرهم ، وأيضا فإن في الفعل المضارع من قوله { يستأذن } إيماء إلى أنه لم ~~يأذن لهم وستعلم ذلك ، ومنازل بني حارثة كانت في أقصى المدينة قرب منازل ~~بني سلمة فإنهما كانا حيين متلازمين قال تعالى : { إذ همت طائفتان منكم أن ~~تفشلا } ( آل عمران : 122 ) هما بنو حارثة وبنو سلمة في غزوة أحد . وفي ~~الحديث : أن بني سلمة راموا أن ينقلوا منازلهم قرب المسجد فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم ( يا بني سلمة ألا تحتسبون آثاركم ) أي خطاكم . PageV21P285 ~~فهذا الفريق منهم يعتلون بأن منازلهم بعيدة عن المدينة وآطامها . # والتأكيد بحرف { إن } في قولهم { إن بيوتنا عورة } تمويه لإظهار قولهم { ~~بيوتنا عورة } في صورة الصدق . ولما علموا أنهم كاذبون وأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم يعلم كذبهم جعلوا تكذيبه إياهم في صورة أنه يشك في صدقهم فأكدوا ~~الخبر . # وجملة { وما هي بعورة إلى قوله مسؤول } ( الأحزاب : 15 ) معترضة بين جملة ~~{ يستأذن فريق منهم الخ وجملة لنينفعكم الفرار } ( الأحزاب : 16 ) . فقوله ~~: { وما هي بعورة تكذيب لهم فإن المدينة كانت محصنة يومئذ بخندق وكان جيش ~~المسلمين حارسها . ولم يقرن هذا التكذيب بمؤكد لإظهار أن كذبهم واضح غير ~~محتاج إلى تأكيد . # } # موقع هذه الآية زيادة تقرير لمضمون جملة { وما ms6442 هي بعورة إن يريدون إلا ~~فرارا } ( الأحزاب : 13 ) فإنها لتكذيبهم في إظهارهم التخوف على بيوتهم ، ~~ومرادهم خذل المسلمين . ولم أجد فيما رأيت من كلام المفسرين ولا من أهل ~~اللغة من أفصح عن معنى ( الدخول ) في مثل هذه الآية وما ذكروا إلا معنى ~~الولوج إلى المكان مثل ولوج البيوت أو المدن ، وهو الحقيقة . والذي أراه أن ~~الدخول كثر إطلاقه على دخول خاص وهو اقتحام الجيش أو المغيرين أرضا أو بلدا ~~لغزو أهله ، قال تعالى : { وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله ~~عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا إلى قوله : يا قوم ادخلوا الأرض ~~المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم } ( المائدة : 21 ) ، ~~وأنه يعدى غالبا إلى المغزوين بحرف على . ومنه قوله تعالى : { قال رجلان من ~~الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم ~~غالبون إلى قوله : قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب ~~أنت وربك فقاتلا } ( المائدة : 24 ) فإنه ما يصلح إلا معنى دخول القتال ~~والحرب لقوله : { فإذا دخلتموه فإنكم غالبون لظهور أنه لا يراد : إذا دخلتم ~~دخول ضيافة أو تجول أو تجسس ، PageV21P286 فيفهم من الدخول في مثل هذا ~~المقام معنى الغزو والفتح كما نقول : عام دخول التتار بغداد ، ولذلك ~~فالدخول في قوله : ولو دخلت عليهم } هو دخول الغزو فيتعين أن يكون ضمير { ~~دخلت } عائدا إلى مدينة يثرب لا إلى البيوت من قولهم { إن بيوتنا عورة } ( ~~الأحزاب : 13 ) ، والمعنى : لو غزيت المدينة من جوانبها الخ . . . # وقوله { عليهم } يتعلق ب { دخلت } لأن بناء { دخلت } للنائب مقتض فاعلا ~~محذوفا . فالمراد : دخول الداخلين على أهل المدينة كما جاء على الأصل في ~~قوله { ادخلوا عليهم الباب في سورة العقود . # والأقطار : جمع قطر بضم القاف وسكون الطاء وهو الناحية من المكان . ~~وإضافة ( أقطار ) وهو جمع تفيد العموم ، أي : من جميع جوانب المدينة وذلك ~~أشد هجوم العدو على المدينة كقوله تعالى : إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل ~~منكم } ( الأحزاب : 10 ) . وأسند فعل { دخلت } إلى المجهول ms6443 لظهور أن فاعل ~~الدخول قوم غزاة . وقد أبدى المفسرون في كيفية نظم هذه الآية احتمالات ~~متفاوتة في معاني الكلمات وفي حاصل المعنى المراد ، وأقربها ما قاله ابن ~~عطية على غموض فيه ، ويليه ما في ( الكشاف ) . والذي ينبغي التفسير به أن ~~تكون جملة { ولو دخلت عليهم } في موضع الحال من ضمير { يريدون } ( الأحزاب ~~: 13 ) أو من ضمير { وما هي بعورة } زيادة في تكذيب قولهم { إن بيوتنا عورة ~~} ( الأحزاب : 13 ) . # والضمير المستتر في { دخلت } عائد إلى المدينة لأن إضافة الأقطار يناسب ~~المدن والمواطن ولا يناسب البيوت . فيصير المعنى : لو دخل الغزاة عليهم ~~المدينة وهم قاطنون فيها . # و { ثم } للترتيب الرتبي ، وكان مقتضى الظاهر أن يعطف بالواو لا ب { ثم } ~~لأن المذكور بعد { ثم } هنا داخل في فعل شرط { لو } ووارد عليه جوابها ، ~~فعدل عن الواو إلى { ثم } للتنبيه على أن ما بعد { ثم } أهم من الذي قبلها ~~كشأن { ثم } في عطف PageV21P287 الجمل ، أي : أنهم مع ذلك يأتون الفتنة ، و ~~{ الفتنة هي أن يفتنوا المسلمين ، أي : الكيد لهم وإلقاء التخاذل في جيش ~~المسلمين . ومن المفسرين من فسر الفتنة بالشرك ولا وجه له ومنهم من فسرها ~~بالقتال وهو بعيد . # والإتيان : القدوم إلى مكان . وقد أشعر هذا الفعل بأنهم يخرجون من ~~المدينة التي كانوا فيها ليفتنوا المسلمين ، وضمير النصب في أتوها } عائد ~~إلى { الفتنة والمراد مكانها وهو مكان المسلمين ، أي لأتوا مكانها ومظنتها ~~. وضمير بها } للفتنة ، والباء للتعدية . # وجملة { وما تلبثوا بها } عطف على جملة { لأتوها } . والتلبث : اللبث ، ~~أي : الاستقرار في المكان وهو هنا مستعار للإبطاء ، أي ما أبطأوا بالسعي في ~~الفتنة ولا خافوا أن تؤخذ بيوتهم . والمعنى : لو دخلت جيوش الأحزاب المدينة ~~وبقي جيش المسلمين خارجها أي مثلا لأن الكلام على الفرض والتقدير وسأل ~~الجيش الداخل الفريق المستأذنين أن يلقوا الفتنة في المسلمين بالتفريق ~~والتخذيل لخرجوا لذلك القصد مسرعين ولم يثبطهم الخوف على بيوتهم أن يدخلها ~~اللصوص أو ينهبها الجيش : إما لأنهم آمنون من أن يلقوا سوءا من الجيش ~~الداخل لأنهم أولياء له ومعاونون ms6444 ، فهم منهم وإليهم ، وإما لأن كراهتهم ~~الإسلام تجعلهم لا يكترثون بنهب بيوتهم . # والاستثناء في قوله { إلا يسيرا } يظهر أنه تهكم بهم فيكون المقصود تأكيد ~~النفي بصورة الاستثناء . ويحتمل أنه على ظاهره ، أي إلا ريثما يتأملون فلا ~~يطيلون التأمل فيكون المقصود من ذكره تأكيد قلة التلبث ، فهذا هو التفسير ~~المنسجم مع نظم القرآن أحسن انسجام . # وقرأ نافع وابن كثير وأبو جعفر { لأتوها } بهمزة تليها مثناة فوقية ، ~~وقرأ ابن عامر وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف { لآتوها } بألف ~~بعد الهمزة على معنى : لأعطوها ، أي : لأعطوا الفتنة سائليها ، فإطلاق فعل ~~{ أتوها } مشاكلة لفعل { سئلوا . PageV21P288 # } # هؤلاء هم بنو حارثة وبنو سلمة وهم الذين قال فريق منهم { إن بيوتنا عورة ~~} ( الأحزاب : 13 ) واستأذن النبي صلى الله عليه وسلم أي كانوا يوم أحد ~~جبنوا ثم تابوا وعاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم أنهم لا يولون الأدبار في ~~غزوة بعدها ، وهم الذين نزل فيهم قوله تعالى : { إذ همت طائفتان منكم أن ~~تفشلا والله وليهما } ( آل عمران : 122 ) ؛ فطرأ على نفر من بني حارثة نفاق ~~وضعف في الإيمان فذكرهم الله بذلك وأراهم أن منهم فريقا قلبا لا يرعى عهدا ~~ولا يستقر لهم اعتقاد وأن ذلك لضعف يقينهم وغلبة الجبن عليهم حتى يدعوهم ~~إلى نبذ عهد الله . وهذا تنبيه للقبيلين ليزجروا من نكث منهم . وتأكيد هذا ~~الخبر بلام القسم وحرف التحقيق وفعل كان ، مع أن الكلام موجه إلى المؤمنين ~~تنزيلا للسامعين منزلة من يتردد في أنهم عاهدوا الله على الثبات . # وزيادة { من قبل } للإشارة إلى أن ذلك العهد قديم مستقر وهو عهد يوم أحد ~~. وجملة { لا يولون الأدبار } بيان لجملة { عاهدوا . # والتولية : التوجه بالشيء وهي مشتقة من الولي وهو القرب ، قال تعالى : ~~فول وجهك شطر المسجد الحرام } ( البقرة : 144 ) . # و { الأدبار : الظهور . وتولية الأدبار : كناية عن الفرار فإن الذي ~~استأذنوا لأجله في غزوة الخندق أرادوا منه الفرار ألا ترى قوله إن يريدون ~~إلا فرارا } ( الأحزاب : 13 ) ، والفرار مما عاهدوا الله على تركه . # وجملة { وكان عهد الله مسؤولا } تذييل ms6445 لجملة { ولقد كانوا عاهدوا } الخ . ~~. . والمراد بعهد الله : كل عهد يوثقه الإنسان مع ربه . # والمسؤول : كناية عن المحاسب عليه كقول النبي صلى الله عليه وسلم ( وكلكم ~~مسؤول عن رعيته ) ، وكما تقدم آنفا عند قوله تعالى : { ليسأل الصادقين عن ~~صدقهم } ( الأحزاب : 8 ) وهذا تهديد . PageV21P289 # جواب عن قولهم { إن بيوتنا عورة } ( الأحزاب : 13 ) ولذلك فصلت لأنها جرت ~~على أسلوب التقاول والتجاوب ، وما بين الجملتين من قوله { ولو دخلت عليهم ~~إلى قوله مسؤولا } ( الأحزاب : 14 15 ) اعتراض كما تقدم . وهذا يرجح أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يأذن لهم بالرجوع إلى المدينة وأنه رد عليهم ~~بما أمره الله أن يقوله لهم ، أي : قد علم الله أنكم ما أردتم إلا الفرار ~~جبنا والفرار لا يدفع عنكم الموت أو القتل ، فمعنى نفي نفعه : نفي ما يقصد ~~منه لأن نفع الشيء هو أن يحصل منه ما يقصد له . # فقوله { من الموت } يتعلق ب { الفرار وفررتم } وليس متعلقا ب { ينفعكم } ~~لأن متعلق { ينفعكم } غير مذكور لظهوره من السياق ، فالفائدة مستغنية عن ~~المتعلق ، أي : لن ينفعكم بالنجاة . # ومعنى نفي نفع الفرار وإن كان فيه تعاطي سبب النجاة ، هذا السبب غير ~~مأذون فيه لوجوب الثبات في وجه العدو مع النبي صلى الله عليه وسلم فيتمحض ~~في هذا الفرار مراعاة جانب الحقيقة وهو ما قدر للإنسان من الله إذ لا معارض ~~له ، فلو كان الفرار مأذونا فيه لجاز مراعاة ما فيه من أسباب النجاة ؛ فقد ~~كان المسلمون مأمورين بثبات الواحد للعشرة من العدو فكان حينئذ الفرار من ~~وجه عشرة أضعافف المسلمين غير مأذون فيه وأذن فيما زاد على ذلك ، ولما نسخ ~~الله ذلك بأن يثبت المسلمون لضعف عددهم من العدو فالفرار فيما زاد على ذلك ~~مأذون فيه ، وكذلك إذا كان المسلمون زحفا فإن الفرار حرام ساعتئذ . # وأحسب أن الأمر في غزوة الخندق كان قبل النسخ فلذلك وبخ الله الذين ~~أضمروا الفرار فإن عدد جيش الأحزاب يومئذ كان بمقدار أربعة أمثال جيش ~~المسلمين ولم يكن المسلمون يومئذ زحفا فإن الحالة ms6446 حالة حصار . ويجوز أن ~~يكون المعنى أيضا : أنكم إن فررتم فنجوتم من القتل لا ينفعكم الفرار من ~~الموت بالأجل وعسى أن تكون آجالكم قريبة . PageV21P290 # و { الموت ، أريد به : الموت الزؤام وهو الموت حتف أنفه لأنه قوبل بالقتل ~~. والمعنى : أن الفرار لا يدفع الموت الذي علم الله أنه يقع بالفار في ~~الوقت الذي علم أن الفار يموت فيه ويقتل فإذا خيل إلى الفار أن الفرار قد ~~دفع عنه خطرا فإنما ذلك في الأحوال التي علم الله أنها لا يصيب الفار فيها ~~أذى ولا بد له من موت حتف أنفه أو قتل في الإبان الذي علم الله أنه يموت ~~فيه أو يقتل . ولهذا عقب بجملة وإذا لا تمتعون إلا قليلا } جوابا عن كلام ~~مقدر دل عليه المذكور ، أي إن خيل إليكم أن الفرار نفع الذي فر في وقت ما ~~فما هو إلا نفع زهيد لأنه تأخير في أجل الحياة وهو متاع قليل ، أي : إعطاء ~~الحياة مدة منتهية ، فإن { إذن } قد تكون جوابا لمحذوف دل عليه الكلام ~~المذكور ، كقول العنبري : # لو كنت من مأزن لم تستبح إبلي # بنو اللقيطة من ذهل بن شيبان # إذن لقام بنصري معشر خشن # عند الحفيظة إن ذو لوثة لانا # فإن قوله : إذن لقام بنصري ، جواب وجزاء عن مقدر دل عليه : لم تستبح إبلي ~~. والتقدير : فإن استباحوا إبلي إذن لقام بنصري معشر ، وهو الذي أشعر كلام ~~المرزوقي باختياره خلافا لما في ( مغني اللبيب ) . # والأكثر أن { إذن } إن وقعت بعد الواو والفاء العاطفتين أن لا ينصب ~~المضارع بعدها ، وورد نصبه نادرا . # والمقصود من الآية تخليق المسلمين بخلق استضعاف الحياة الدنيا وصرف هممهم ~~إلى السعي نحو الكمال الذي به السعادة الأبدية سيرا وراء تعاليم الدين التي ~~تقود النفوس إلى أوج الملكية . # # يظهر أن هذه الجملة واقعة موقع التعليل لجملة { لن ينفعكم الفرار إن ~~فررتم الآية } ( الأحزاب : 16 ) ، فكأنه قيل : فمن ذا الذي يعصمكم من الله ~~، أي : فلا عاصم PageV21P291 لكم من نفوذ مراده فيكم . وإعادة فعل { قل } ~~تكرير لأجل الاهتمام بمضمون الجملة ms6447 . # والمعنى : لأن قدرة الله وإرادته محيطة بالمخلوقات فمتى شاء عطل تأثير ~~الأسباب أو عرقلها بالموانع فإن يشأ شرا حرم الانتفاع بالأسباب أو الاتقاء ~~بالموانع فربما أتت الرزايا من وجوه الفوائد ، ومتى شاء خيرا خاصا بأحد لطف ~~له بتمهيد الأسباب وتيسيرها حتى يلاقي من التيسير ما لم يكن مترقبا ، ومتى ~~لم تتعلق مشيئته بخصوص أرسل الأحوال في مهيعها وخلى بين الناس وبين ما سببه ~~في أحوال الكائنات فنال كل أحد نصيبا على حسب فطنته ومقدرته واهتدائه ، فإن ~~الله أودع في النفوس مراتب التفكير والتقدير ؛ فأنتم إذا عصيتم الله ورسوله ~~وخذلتم المؤمنين تتعرضون لإرادته بكم السوء فلا عاصم لكم من مراده ، ~~فالاستفهام إنكاري في معنى النفي لاعتقادهم أن الحيلة على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم تنفعهم وأن الفرار يعصمهم من الموت إن كان قتال . # وجملة { من ذا الذي يعصمكم } الخ جواب الشرط في قوله { إن أراد بكم سوءا ~~} الخ ، أو دليل الجواب عند نحاة البصرة . # والعصمة : الوقاية والمنع مما يكرهه المعصوم . وقوبل السوء بالرحمة لأن ~~المراد سوء خاص وهو السوء المجعول عذابا لهم على معصية الرسول صلى الله ~~عليه وسلم وهو سوء النقمة فهو سوء خاص مقدر من الله لأجل تعذيبهم إن أراده ~~، فيجري على خلاف القوانين المعتادة . # وعطف { أو أراد بكم رحمة } على { أراد بكم } المجعول شرطا يقتضي كلاما ~~مقدرا في الجواب المتقدم ، فإن إرادته الرحمة تناسب فعل { يعصمكم } لأن ~~الرحمة مرغوبة . فالتقدير : أو يحرمكم منه إن أراد بكم رحمة ، فهو من دلالة ~~الاقتضاء إيجازا للكلام ، كقول الراعي : # إذا ما الغانيات برزن يوما # وزججن الحواجب والعيونا # تقديره : وكحلن العيون ، لأن العيون لا تزجج ولكنها تكحل حين تزجج ~~الحواجب وذلك من التزين . PageV21P292 # عطف على جملة { قل من ذا الذي يعصمكم ، } أو هي معترضة بين أجزاء القول ، ~~والتقديران متقاربان لأن الواو الاعتراضية ترجع إلى العاطفة . والكلام موجه ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم وليس هو من قبيل الالتفات . والمقصود لازم ~~الخبر وهو إعلام النبي عليه الصلاة والسلام ببطلان تحيلاتهم وأنهم لا يجدون ms6448 ~~نصيرا غير الله وقد حرمهم الله النصر لأنهم لم يعقدوا ضمائرهم على نصر دينه ~~ورسوله . والمراد بالولي : الذي يتولى نفعهم ، وبالنصير : النصير في الحرب ~~فهو أخص . # ( 18 19 ) { } # { . # استئناف بياني ناشىء عن قوله من ذا الذي يعصمكم من الله } ( الأحزاب : 17 ~~) لأن ذلك يثير سؤالا يهجس في نفوسهم أنهم يخفون مقاصدهم عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فلا يشعر بمرادهم من الاستئذان ، فأمر أن يقول لهم { قد ~~يعلم الله المعوقين منكم } أي : فالله ينبىء رسوله بكم بأن فعل أولئك تعويق ~~للمؤمنين . وقد جعل هذا الاستئناف تخلصا لذكر فريق آخر من المعوقين . # و { قد } مفيد للتحقيق لأنهم لنفاقهم ومرض قلوبهم يشكون في لازم هذا ~~الخبر وهو إنباء الله رسوله عليه الصلاة والسلام بهم ، أو لأنهم لجهلهم ~~الناشىء عن الكفر يظنون أن الله لا يعلم خفايا القلوب . وذلك ليس بعجيب في ~~عقائد أهل الكفر . ففي ( صحيح البخاري ) عن ابن مسعود : ( اجتمع عند البيت ~~قرشيان وثقفي أو ثقفيان وقرشي كثيرة شحم بطونهم قليلة فقه قلوبهم ، فقال ~~أحدهم : أترون أن الله يسمع ما نقول ؟ قال الآخر : يسمع إذا جهرنا ولا يسمع ~~إذا أخفينا . وقال الآخر : إن كان يسمع إذا جهرنا فإنه يسمع إذا أخفينا ، ~~فأنزل الله تعالى : { وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ~~ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله PageV21P293 لا يعلم كثيرا مما تعملون } ( ~~فصلت : 22 ) فللتوكيد بحرف التحقيق موقع . ودخول { قد } على المضارع لا ~~يخرجها عن معنى التحقيق عند المحققين من أهل العربية ، وأن ما توهموه من ~~التقليل إنما دل عليه المقام في بعض المواضع لا من دلالة { قد ، } ومثله ~~إفادة التكثير ، وتقدم ذلك عند قوله تعالى { قد نرى تقلب وجهك في السماء في ~~سورة البقرة ، وقوله تعالى : قد يعلم ما أنتم عليه في آخر سورة النور . # والمعوق : اسم فاعل من عوق الدال على شدة حصول العوق . يقال : عاقه عن ~~كذا ، إذا منعه وثبطه عن شيء ، فالتضعيف فيه للشدة والتكثير مثل : قطع ~~الحبل ، إذا قطعه قطعا كبيرة ، وغلقت الأبواب ms6449 } ( يوسف : 23 ) ، أي : أحكمت ~~غلقها . ويكون للتكثير في الفعل القاصر مثل : موت المال ، إذ كثر الموت في ~~الإبل ، وطوف فلان ، إذا أكثر الطواف ، والمعنى : يعلم الله الذين يحرصون ~~على تثبيط الناس عن القتال . والخطاب بقوله { منكم } للمنافقين الذين ~~خوطبوا بقوله { لن ينفعكم الفرار } ( الأحزاب : 16 ) . # ويجوز أن يكون القائلون لإخوانهم { هلم إلينا هم المعوقين أنفسهم فيكون ~~من عطف صفات الموصوف الواحد ، كقوله : # إلى الملك القرم وابنن الهمام # ويجوز أن يكونوا طائفة أخرى وإخوانهم هم الموافقون لهم في النفاق ، ~~فالمراد : الأخوة في الرأي والدين . وذلك أن عبد الله بن أبي ، ومعتب بن ~~قشير ، ومن معهما من الذين انخذلوا عن جيش المسلمين يوم أحد فرجعوا إلى ~~المدينة كانوا يرسلون إلى من بقي من المنافقين في جيش المسلمين يقولون لهم ~~هلم إلينا } أي : ارجعوا إلينا . قال قتادة : هؤلاء ناس من المنافقين ~~يقولون لهم : ما محمد وأصحابه إلا أكلة رأس أي نفر قليل يأكلون رأس بعير ~~ولو كانوا لحما لالتهمهم أبو سفيان ومن معه تمثيلا بأنهم سهل تغلب أبي ~~سفيان عليهم . # و { هلم } اسم فعلل أمر بمعنى أقبل في لغة أهل الحجاز وهي الفصحى ، فلذلك ~~تلزم هذه الكلمة حالة واحدة عندهم لا تتغير عنها ، يقولون : هلم ، للواحد ~~PageV21P294 والمتعدد المذكر والمؤنث ، وهي فعل عند بني تميم فلذلك ~~يلحقونها العلامات يقولون : هلم وهلمي وهلما وهلموا وهلممن . وتقدم في قوله ~~تعالى { قل هلم شهداءكم في سورة الأنعام . والمعنى : انخذلوا عن جيش ~~المسلمين وأقبلوا إلينا . # وجملة ولا يأتون البأس إلا قليلا } كلام مستقل فيجوز أن تكون الجملة حالا ~~من القائلين لإخوانهم { هلم إلينا . } ويجوز أن تكون عطفا على المعوقين ~~والقائلين لأن الفعل يعطف على المشتق كقوله تعالى { فالمغيرات صبحا فأثرن } ~~( العاديات : 3 ، 4 ) وقوله : { إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله } ( ~~الحديد : 18 ) ، فالتقدير هنا : قد يعلم الله المعوقين والقائلين وغير ~~الآتين البأس ، أو والذين لا يأتون البأس . وليس في تعدية فعل العلم إلى { ~~لا يأتون } إشكال لأنه على تأويل كما أن عمل الناسخ في قوله { وأقرضوا } ( ~~الحديد : 18 ) على ms6450 تأويل ، أي : يعلم الله أنهم لا يأتون البأس إلا قليلا ، ~~أي : يعلم أنهم لا يقصدون بجمع إخوانهم معهم الاعتضاد بهم في الحرب ولكن ~~عزلهم عن القتال . # ومعنى { إلا قليلا } إلا زمانا قليلا ، وهو زمان حضورهم مع المسلمين ~~المرابطين ، وهذا كقوله { فلا يؤمنون إلا قليلا } ( النساء : 46 ) ، أي : ~~إيمانا ظاهرا ، ومثل قوله تعالى : { أم بظاهر من القول } ( الرعد : 33 ) . ~~و { قليلا } صفة لمصدر محذوف ، أي : إتيانا قليلا ، وقلته تظهر في قلة ~~زمانه وفي قلة غنائه . # و { البأس : الحرب وتقدم في قوله تعالى ليحصنكم من بأسكم في سورة ~~الأنبياء . وإتيان الحرب مراد به إتيان أهل الحرب أو موضعها . والمراد : ~~البأس مع المسلمين ، أي : مكرا بالمسلمين لا جبنا . # وأشحة } جمع شحيح بوزن أفعلة على غير قياس وهو فصيح وقياسه أشحاء . وضمير ~~الخطاب في قوله { عليكم } للرسول عليه الصلاة والسلام وللمسلمين ، وهو ~~انتقال من القول الذي أمر الرسول عليه الصلاة والسلام بأن يقوله لهم إلى ~~كشف أحوالهم للرسول والمسلمين بمناسبة الانتقال من الخطاب إلى الغيبة في ~~قوله { ولا يأتون البأس . } وتقدم الشح عند قوله تعالى { وأحضرت الأنفس ~~الشح في سورة النساء . PageV21P295 # وأشحة } حال من ضمير { يأتون . } والشح : البخل بما في الوسع مما ينفع ~~الغير . وأصله : عدم بذل المال ، ويستعمل مجازا في منع المقدور من النصر أو ~~الإعانة ، وهو يتعدى إلى الشيء المبخول به بالباء وب { على } قال تعالى : { ~~أشحة على الخير } ويتعدى إلى الشخص الممنوع ب { على } أيضا لما في الشح من ~~معنى الاعتداء فتعديته في قوله تعالى { أشحة عليكم } من التعدية إلى ~~الممنوع . # والمعنى : يمنعونكم ما في وسعهم من المال أو المعونة ، أي : إذا حضروا ~~البأس منعوا فائدتهم عن المسلمين ما استطاعوا ومن ذلك شحهم بأنفسهم وكل ما ~~يشح به . # ويجوز جعل { على } هنا متعدية إلى المضنون به ، أي كما في البيت الذي ~~أنشده الجاحظ : # لقد كنت في قوم عليك أشحة # بنفسك إلا أن ما طاح طائح # وجعل المعنى : أشحة في الظاهر ، أي يظهرون أنهم يخافون عليكم الهلاك ~~فيصدونكم عن القتال ويحسنون إليكم ms6451 الرجوع عن القتال ، وهذا الذي ذهب إليه ~~في ( الكشاف ) . وفرع على وصفهم بالشح على المسلمين قوله { فإذا جاء الخوف ~~} إلى آخره . # والمجيء : مجاز مشهور من حدوث الشيء وحصوله . كما قال تعالى { فإذا جاء ~~وعد الآخرة } ( الإسراء : 7 ) . # و { الخوف : توقع القتال بين الجيشين ، ومنه سميت صلاة الخوف . والمقصود ~~: وصفهم بالجبن ، أي : إذا رأوا جيوش العدو مقبلة رأيتهم ينظرون إليك . ~~والظاهر أن الآية تشير إلى ما حصل في بعض أيام الأحزاب من القتال بين ~~الفرسان الثلاثة الذين اقتحموا الخندق من أضيق جهاته وبين علي بن أبي طالب ~~ومن معه من المسلمين كما تقدم . # والخطاب في رأيتهم } للنبيء صلى الله عليه وسلم وهو يقتضي أن هذا حكاية ~~حالة وقعت لا فرض وقوعها ولهذا أتي بفعل { رأيتهم } ولم يقل : فإذا جاء ~~الخوف ينظرون PageV21P296 إليك . ونظرهم إليه نظر المتفرس فيماذا يصنع ~~ولسان حالهم يقول : ألسنا قد قلنا لكم إنكم لا قبل لكم بقتال الأحزاب ~~فارجعوا ، وهم يرونه أنهم كانوا على حق حين يحذرونه قتال الأحزاب ، ولذلك ~~خص نظرهم بأنه للنبيء صلى الله عليه وسلم ولم يقل : ينظرون إليكم . وجيء ~~بصيغة المضارع ليدل على تكرر هذا النظر وتجدده . # وجملة { تدور أعينهم } حال من ضمير { ينظرون } لتصوير هيئة نظرهم نظر ~~الخائف المذعور الذي يحدق بعينيه إلى جهات يحذر أن تأتيه المصائب من إحداها ~~. # والدور والدوران : حركة جسم رحوية أي كحركة الرحى منتقل من موضع إلى موضع ~~فينتهي إلى حيث ابتدأ . وأحسب أن هذا الفعل وما تصرف منه مشتقات من اسم ~~الدار ، وهي المكان المحدود المحيط بسكانه بحيث يكون حولهم . ومنه سميت ~~الدارة لكل أرض تحيط بها جبال . وقالوا : دارت الرحى حول قطبها . وسموا ~~الصنم : دوارا بضم الدال وفتحها لأنه يدور به زائروه كالطواف . وسميت ~~الكعبة دوارا أيضا ، وسموا ما يحيط بالقمر دارة . وسميت مصيبة الحرب دائرة ~~لأنهم تخيلوها محيطة بالذي نزلت به لا يجد منها مفرا ، قال عنترة : # ولقد خشيت بأن أموت ولم تدر # في الحرب دائرة على ابني ضمضم # فمعنى { تدور أعينهم } أنها تضطرب في ms6452 أجفانها كحركة الجسم الدائرة من ~~سرعة تنقلها محملقة إلى الجهات المحيطة . وشبه نظرهم بنظر الذي يغشى عليه ~~بسبب النزع عند الموت فإن عينيه تضطربان . # وذهاب الخوف مجاز مشهور في الانقضاء ، أي : زوال أسبابه بأن يترك القتال ~~أو يتبين أن لا يقع قتال . وذلك عند انصراف الأحزاب عن محاصرة المدينة كما ~~سيدل عليه قوله { يحسبون الأحزاب لم يذهبوا } ( الأحزاب : 20 ) . ~~PageV21P297 # والسلق : قوة الصوت والصياح . والمعنى : رفعوا أصواتهم بالملامة على ~~التعرض لخطر العدو الشديد وعدم الانصياع إلى إشارتهم على المسلمين بمسالمة ~~المشركين ، وفسر السلق بأذى اللسان . قيل : سأل نافع بن الأزرق عبد الله بن ~~عباس عن { سلقوكم } فقال : الطعن باللسان . فقال نافع : هل تعرف العرب ذلك ~~؟ فقال : نعم ، أما سمعت قول الأعشى : # فيهم الخصب والسماحة والنج # دة فيهم والخاطب المسلاق # و { حداد : جمع حديد ، وحديد : كل شيء نافذ فعلل أمثاله قال تعالى فبصرك ~~اليوم حديد } ( ق : 22 ) . # وانتصب { أشحة على الخير } على الحال من ضمير الرفع في { سلقوكم ، } أي : ~~خاصموكم ولاموكم وهم في حال كونهم أشحة على ما فيه الخير للمسلمين ، أي أن ~~خصامهم إياهم ليس كما يبدو خوفا على المسلمين واستبقاء عليهم ولكنه عن بغض ~~وحقد ؛ فإن بعض اللوم والخصام يكون الدافع إليه حب الملوم وإبداء النصيحة ~~له ، وأقوال الحكماء والشعراء في هذا المعنى كثيرة . # ويجوز أن يكون الخير هنا هو المال كقوله تعالى { إن ترك خيرا } ( البقرة ~~: 180 ) وقوله : { وإنه لحب الخير لشديد } ( العاديات : 8 ) ، أي : هم في ~~حالة السلم يسرعون إلى ملامكم ولا يواسونكم بأموالهم للتجهيز للعدو إن عاد ~~إليكم . ودخلت { على } هنا على المبخول به . # جيء باسم الإشارة لقصد تمييزهم بتلك الصفات الذميمة التي أجريت عليهم من ~~قبل ، وللتنبيه على أنهم أحرياء بما سيرد من الحكم بعد اسم الإشارة ، كقوله ~~تعالى : { أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون في سورة البقرة . # وقد أجري عليهم حكم انتفاء الإيمان عنهم بقوله أولئك لم يؤمنوا } كشفا ~~لدخائلهم لأنهم كانوا يوهمون المسلمين أنهم منهم كما قال تعالى : { وإذا ~~لقوا الذين ءامنوا ms6453 قالوا ءامنا في سورة البقرة . PageV21P298 ورتب على ~~انتفاء إيمانهم أن الله أحبط أعمالهم . # والإحباط : جعل شيء حابطا ، فالهمزة فيه للجعل مثل الإذهاب . والحبط ~~حقيقته : أنه فساد ما يراد به الصلاح والنفع . ويطلق مجازا على إفساد ما ~~كان نافعا أو على كون الشيء فاسدا ويظن أنه ينفع يقال : حبط حق فلان ، إذا ~~بطل . والإطلاق المجازي ورد كثيرا في القرآن . وفعله من بابي سمع وضرب . ~~ومصدره : الحبط ، واسم المصدر : الحبوط . ويقال : أحبط فلان الشيء ، إذا ~~أبطله ، ومنه إحباط دم القتيل ، أي : إبطال حق القود به . فإحباط الأعمال : ~~إبطال الاعتداد بالأعمال المقصود بها القربة والمظنون بها أنها أعمال صالحة ~~لمانع منع من الاعتداد بها في الدين . # وقد صار لفظ الحبط والحبوط من الألفاظ الشرعية الاصطلاحية بين علماء ~~الفقه والكلام ، فأطلق على عدم الاعتداد بالأعمال الصالحة بسبب الردة ، أي ~~: الرجوع إلى الكفر ، أو بسبب زيادة السيئات على الحسنات بحيث يستحق صاحب ~~الأعمال العذاب بسبب زيادة سيئاته على حسناته بحسب ما قدر الله لذلك وهو ~~أعلم به ، ومن هذه الجهة عدت مسألة الحبوط مع المسائل الكلامية ، أو بحيث ~~ينظر في انتفاعه بما فعل من الواجبات عليه إذا ارتد عن الإسلام ثم عاد إلى ~~الإسلام كمن حج ثم ارتد ثم رجع إلى الإسلام ، ومن هذه الجهة تعد مسألة ~~الحبوط في مسائل الفقه ، فقال مالك وأبو حنيفة : الردة تحبط الأعمال بمجرد ~~حصولها فإذا عاد إلى الإسلام وكان قد حج مثلا قبل ردته وجبت عليه إعادة ~~الحج تمسكا بإطلاق هذه الآية إذ ناطت الحبوط بانتفاء الإيمان ، ولم يريا أن ~~هذا مما يحمل فيه المطلق على المقيد احتياطا لأن هذا الحكم راجع إلى ~~الاعتقادات ولا يكفي فيها الظن . وقال الشافعي : إذا رجع إلى الإسلام رجعت ~~إليه أعماله الصالحة التي عملها قبل الردة تمسكا بقوله تعالى : ومن يرتدد ~~منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة في سورة ~~البقرة حملا للمطلق في آية سورة الأحزاب ونحوها على المقيد في آية سورة ~~البقرة تغليبا للجانب الفروعي في ms6454 هذه المسألة على الجانب الاعتقادي . ~~PageV21P299 # وتعرف هذه المسألة بمسألة الموافاة ، أي : استمرار المرتد على الردة إلى ~~انقضاء حياته فيوافي يوم القيامة مرتدا . فمالك وأبو حنيفة لم يريا شرط ~~الموافاة والشافعي اعتبر الموافاة . والمعتزلة قائلون بمثل ما قال به مالك ~~وأبو حنيفة . وحكى الفخر عن المعتزلة اعتبار الموافاة على الكفر ، وانظر ما ~~تقدم في قوله تعالى ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت ~~أعمالهم في الدنيا والآخرة في سورة البقرة . والمعنى : أنهم لا تنفعهم ~~قرباتهم ولا جهادهم . # وجملة وكان ذلك على الله يسيرا } خبر مستعمل في لازمه وهو تحقيرهم وأن ~~الله لما أخرجهم من حظيرة الإسلام فأحبط أعمالهم لم يعبأ بهم ولا عد ذلك ~~ثلمة في جماعة المسلمين . # وكان المنافقون يدلون بإظهار الإيمان ويحسبون أن المسلمين يعتزون بهم ، ~~قال تعالى : { يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن ~~عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين } ( الحجرات : 17 ) . # لما ذكر حال المنافقين والذين في قلوبهم مرض من فتنتهم في المسلمين وإذا ~~هم حين مجيء جنود الأحزاب وحين زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر ثني عنان ~~الكلام الآن إلى حالهم حين أنعم الله على المسلمين بانكشاف جنود الأحزاب ~~عنهم ، فأفاد بأن انكشاف الأحزاب حصل على حين غفلة من المنافقين فلذلك ~~كانوا يشتدون في ملام المسلمين ويسلقونهم بألسنة حداد على أن تعرضوا للعدو ~~الكثير ، وكان الله ساعتئذ قد هزم الأحزاب فانصرفوا وكفى الله المؤمنين ~~شرهم ، وليس للمنافقين وساطة في ذلك . ولعلهم كانوا لا يودون رجوع الأحزاب ~~دون أن يأخذوا المدينة ، فتكون جملة PageV21P300 { يحسبون } استئنافا ~~ابتدائيا مرتبطا بقوله { اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا ~~عليهم ريحا } ( الأحزاب : 9 ) الخ . . . جاء عودا على بدء بمناسبة ذكر ~~أحوال المنافقين ، فإن قوله : { يحسبون الأحزاب لم يذهبوا } يؤذن بانهزام ~~الأحزاب ورجوعهم على أعقابهم ، أي : وقع ذلك ولم يشعر به المنافقون . ويجوز ~~أن يكون المعنى : أنهم كانوا يسلقون المؤمنين اعتزازا بالأحزاب لأن الأحزاب ~~حلفاء لقريظة وكان المنافقون أخلاء لليهود فكان سلقهم المسلمين ms6455 في وقت ذهاب ~~الأحزاب وهم لا يعلمون ذلك ولو علموه لخفضوا من شدتهم على المسلمين ، فتكون ~~جملة { يحسبون } حالا من ضمير الرفع في { سلقوكم } ( الأحزاب : 19 ) أي : ~~فعلوا ذلك حاسبين الأحزاب محيطين بالمدينة ومعتزين بهم فظهرت خيبتهم فيما ~~قدروا . # وأما قوله { وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب } فهو وصف ~~لجبن المنافقين ، أي : لو جاء الأحزاب كرة أخرى لأخذ المنافقون حيطتهم ~~فخرجوا إلى البادية بين الأعراب القاطنين حول المدينة وهم غفار وأسلم ~~وغيرهم ، قال تعالى : { ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب } ( ~~التوبة : 120 ) الآية . # والود هنا مستعمل كناية عن السعي لحصول الشيء المودود لأن الشيء المحبوب ~~لا يمنع من تحصيله إلا مانع قاهر فهو لازم للود . # والبادي : ساكن البادية . وتقدم عند قوله تعالى { سواء العاكف فيه والباد ~~في سورة الحج . # والأعراب : هم سكان البوادي بالأصالة ، أي : يودوا الالتحاق بمنازل ~~الأعراب ما لم يعجزوا لما دل عليه قوله عقبه ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا ~~قليلا } ، أي : فلو لم يستطيعوا ذلك فكانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا . # و { لو } حرف يفيد التمني بعد فعل ود ونحوه . أنشد الجاحظ وعبد القاهر : # يودون لو خاطوا عليك جلودهم # ولا تمنع الموت النفوس الشحائح # وتقدم عند قوله تعالى { يود أحدهم لو يعمر ألف سنة في سورة البقرة . # والسؤال عن الأنباء لقصد التجسس على المسلمين للمشركين وليسرهم ما عسى أن ~~يلحق المسلمين من الهزيمة . PageV21P301 # ومعنى ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا } أنهم إذا فرض أن لا يتمكنوا ~~من الخروج إلى البادية وبقوا في المدينة مع المسلمين ما قاتلوا مع المسلمين ~~إلا قتالا قليلا ، أي : ضعيفا لا يؤبه به ، وإنما هو تعلة ورياء ، وتقدم ~~نظيره آنفا . # والأنباء : جمع نبأ وهو : الخبر المهم ، وتقدم عند قوله تعالى { ولقد ~~جاءك من نبأ المرسلين في سورة الأنعام . # وقرأ الجمهور يسألون } بسكون السين فهمزة مضارع سأل . وقرأ رويس عن يعقوب ~~{ يساءلون } بفتح السين مشددة وألف بعدها الهمزة مضارع تساءل ، وأصله : ~~يتساءلون أدغمت التاء في السين . # بعد ms6456 توبيخ المنافقين والذين في قلوبهم مرض أقبل الكلام على خطاب المؤمنين ~~في عموم جماعتهم ثناء على ثباتهم وتأسيهم بالرسول صلى الله عليه وسلم على ~~تفاوت درجاتهم في ذلك الائتساء ، فالكلام خبر ولكن اقترانه بحرفي التوكيد ~~في { لقد يومىء إلى تعريض بالتوبيخ للذين لم ينتفعوا بالإسوة الحسنة من ~~المنافقين والذين في قلوبهم مرض فلذلك أتي بالضمير مجملا ابتداء من قوله ~~لكم ، } ثم فصل بالبدل منه بقوله { لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر ~~الله كثيرا ، } أي : بخلاف لمن لم يكن كأولئك ، فاللام في قوله : { لمن كان ~~يرجو الله } توكيد لللام التي في المبدل منه مثل قوله تعالى { تكون لنا ~~عيدا لأولنا وآخرنا } ( المائدة : 114 ) ، فمعنى هذه الآية قريب من معنى ~~قوله تعالى في سورة براءة في قصة تبوك : { رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع ~~على قلوبهم فهم لا يفقهون لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم } ( ~~التوبة : 87 ، 88 ) الآية . # والإسوة بكسر الهمزة وضمها اسم لما يؤتسى به ، أي : يقتدى به ويعمل مثل ~~عمله . وحق الأسوة أن يكون المؤتسى به هو القدوة ولذلك فحرف { في جاء على ~~PageV21P302 أسلوب ما يسمى بالتجريد المفيد للمبالغة إذ يجرد من الموصوف ~~بصفة موصوف مثله ليكون كذاتين ، كقول أبي خالد الخارجي : # وفي الرحمن للضعفاء كاف # أي الرحمن كافف . فالأصل : رسول الله إسوة ، فقيل : في رسول الله إسوة . ~~وجعل متعلق الائتساء ذات الرسول دون وصف خاص ليشمل الائتساء به في أقواله ~~بامتثال أوامره واجتناب ما ينهى عنه ، والائتساء بأفعاله من الصبر والشجاعة ~~والثبات . وقرأ الجمهور إسوة } بكسر الهمزة . وقرأ عاصم بضم الهمزة وهما ~~لغتان . # و { لمن كان يرجو الله } بدل من الضمير في { لكم } بدل بعض من كل أو شبه ~~الاشتمال لأن المخاطبين بضمير { لكم } يشتملون على من يرجون الله واليوم ~~الآخر ، أو هو بدل مطابق إن كان المراد بضمير { لكم } خصوص المؤمنين ، وفي ~~إعادة اللام في البدل تكثير للمعاني المذكورة بكثرة الاحتمالات وكل يأخذ ~~حظه منها . # فالذين ائتسوا بالرسول صلى الله عليه وسلم يومئذ ثبت لهم ms6457 أنهم ممن يرجون ~~الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا . وفيه تعريض بفريق من الذين صدهم عن ~~الائتساء به ممن كانوا منافقين أو في قلوبهم مرض من الشك في الدين . # وفي الآية دلالة على فضل الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وأنه الإسوة ~~الحسنة لا محالة ولكن ليس فيها تفصيل وتحديد لمراتب الائتساء والواجب منه ~~والمستحب وتفصيله في أصول الفقه . واصطلاح أهل الأصول على جعل التأسي لقبا ~~لاتباع الرسول في أعماله التي لم يطالب بها الأمة على وجه التشريع . وذكر ~~القرطبي عن الخطيب البغدادي أنه روي عن عقبة بن حسان الهجري عن مالك بن أنس ~~عن نافع عن ابن عمر : { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة قال : في جوع ~~النبي صلى الله عليه وسلم . PageV21P303 # } # لما ذكرت أقوال المنافقين والذين في قلوبهم مرض المؤذنة بما يداخل قلوبهم ~~من الخوف وقلة الإيمان والشك فيما وعد الله به رسوله صلى الله عليه وسلم ~~والمؤمنين من النصر ابتداء من قوله { وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم ~~مرض } ( الأحزاب : 12 ) قوبلت أقوال أولئك بأقوال المؤمنين حينما نزلت بهم ~~الأحزاب ورأوا كثرتهم وعددهم وكانوا على بصيرة من تفوقهم عليهم في القوة ~~والعدد أضعافا وعلموا أنهم قد ابتلوا وزلزلوا ، كل ذلك لم يخر عزائمهم ولا ~~أدخل عليهم شكا فيما وعدهم الله من النصر . # وكان الله وعدهم بالنصر غير مرة منها قوله في سورة البقرة { أم حسبتم أن ~~تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء ~~وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين ءامنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله ~~قريب } ( البقرة : 214 ) . فلما رأى المسلمون الأحزاب وابتلوا وزلزلوا ~~ورأوا مثل الحالة التي وصفت في تلك الآية علموا أنهم منصورون عليهم ، ~~وعلموا أن ذلك هو الوعد الذي وعدهم الله بآية سورة البقرة . وكانت آية ~~البقرة نزلت قبل وقعة الأحزاب بعام ، كذا روي عن ابن عباس ، وأيضا فإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أخبر المسلمين : أن الأحزاب سائرون إليكم بعد تسع ~~أو عشر ، فلما ms6458 رأى المؤمنون الأحزاب وزلزلوا راجعهم الثبات الناشىء عن قوة ~~الإيمان وقالوا : { هذا ما وعدنا الله ورسوله ، } أي : من النظر ومن ~~الإخبار بمسير الأحزاب وصدقوا وعد الله إياهم بالنصر وإخبار النبي صلى الله ~~عليه وسلم بمسير الأحزاب ، فالإشارة { بهذا } إلى ما شاهدوه من جيوش ~~الأحزاب وإلى ما يتبع ذلك من الشدة والصبر عليها وكل ذلك وعد الله ورسوله ~~صلى الله عليه وسلم ثم أخبروا عن صدق الله ورسوله عليه الصلاة والسلام فيما ~~أخبرا به وصدقوا الله فيما وعدهم من النصر خلافا لقول المنافقين : { ما ~~وعدنا الله ورسوله إلا غرورا } ( الأحزاب : 12 ) فالوعد راجع إلى الأمرين ~~والصدق كذلك . # والوعد : إخبار مخبر بأنه سيعمل عملا للمخبر بالفتح . # ففعل { صدق } فيما حكي من قول المؤمنين { وصدق الله ورسوله } PageV21P304 ~~مستعمل في الخبر عن صدق مضى وعن صدق سيقع في المستقبل محقق وقوعه بحيث يجعل ~~استقباله كالمضي مثل { أتى أمر الله } ( النحل : 1 ) فهو مستعمل في معنى ~~التحقق . أو هو استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه ، ولا شك أن محمل الفعل على ~~الصدق في المستقبل أنسب بمقام الثناء على المؤمنين وأعلق بإناطة قولهم بفعل ~~{ رأى المؤمنون الأحزاب } دون أن يقال : ولما جاءت الأحزاب . فإن أبيت ~~استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه فاقصره على المجاز واطرح احتمال الإخبار عن ~~الصدق الماضي . # وضمير { زادهم } المستتر عائد إلى ما عاد إليه اسم الإشارة ، أي : وما ~~زادهم ما رأوا إلا إيمانا وتسليما ، أي : بعكس حال المنافقين إذ زادهم شكا ~~في تحقق الوعد ، والمعنى : وما زاد ذلك المؤمنين إلا إيمانا ، أي : ما زاد ~~في خواطر نفوسهم إلا إيمانا ، أي : لم يزدهم خوفا على الخوف الذي من شأنه ~~أن يحصل لكل مترقب أن ينازله العدو الشديد ، بل شغلهم عن الخوف والهلع شاغل ~~الاستدلال بذلك على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أخبرهم به وفيما ~~وعدهم الله على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام من النصر فأعرضت نفوسهم عن ~~خواطر الخوف إلى الاستبشار بالنصر المترقب . # والتسليم : الانقياد والطاعة لأن ذلك تسليم النفس للمنقاد إليه ، وتقدم ms6459 ~~في قوله تعالى { ويسلموا تسليما في سورة النساء . ومن التسليم هنا تسليم ~~أنفسهم لملاقاة عدو شديد دون أن يتطلبوا الإلقاء بأيديهم إلى العدو وأن ~~يصالحوه بأموالهم . فقد ذكر ابن إسحاق وغيره أنه لما اشتد البلاء على ~~المسلمين استشار رسول الله السعدين سعد بن عبادة وسعد بن معاذ في أن يعطي ~~ثلث ثمار المدينة تلك السنة عيينة بن حصن ، والحارث بن عوف وهما قائدا ~~غطفان على أن يرجعا عن المدينة ، فقالا : يا رسول الله أهو أمر تحبه فنصنعه ~~، أم شيء أمرك الله به لا بد لنا من العمل به ، أم شيء تصنعه لنا ؟ قال ~~رسول الله : بل شيء أصنعه لكم والله ما أصنع ذلك إلا لأني رأيت العرب قد ~~رمتكم عن قوس واحد وكالبوكم من كل جانب فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى ~~أمر ما . فقال PageV21P305 سعد بن معاذ : يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء ~~القوم على الشرك بالله لا نعبد الله ولا نعرفه وهم لا يطمعون أن يأكلوا ~~منها ثمرة واحدة إلا قرى أو بيعا أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا إليه ~~وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا ؟ ما لنا بهذا من حاجة ، والله لا نعطيهم إلا ~~السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم ، قال رسول الله : فأنت وذاك . فهذا موقف ~~المسلمين في تلك الشدة وهذا تسليم أنفسهم للقتال . # ومن التسليم الرضى بما يأمر به الرسول من الثبات معه كما قال تعالى : ~~ويسلموا تسليما } ( النساء : 65 ) . # وإذ قد علم أنهم مؤمنون لقوله { ولما رأى المؤمنون الأحزاب } إلى آخره . ~~. . فقد تعين أن الإيمان الذي زادهم ذلك هو زيادة على إيمانهم ، أي : إيمان ~~مع إيمانهم . # والإيمان الذي زادهموه أريد به مظهر من مظاهر إيمانهم القوي ، فجعل تكرر ~~مظاهر الإيمان وآثاره كالزيادة في الإيمان لأن تكرر الأعمال يقوي الباعث ~~عليها في النفس يباعد بين صاحبه وبين الشك والارتداد فكأنه يزيد في ذلك ~~الباعث ، وهذا من قبيل قوله تعالى : { ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم } ( ~~الفتح : 4 ) وقوله : { فأما الذين ءامنوا فزادتهم إيمانا كما تقدم في سورة ms6460 ~~براءة ، فكذلك القول في ضد الزيادة وهو النقص ، وإلا فإن حقيقة الإيمان وهو ~~التصديق بالشيء إذا حصلت بمقوماتها فهي واقعة ، فزيادتها تحصيل حاصل ونقصها ~~نقض لها وانتفاء لأصلها . وهذا هو محمل ما ورد في الكتاب والسنة من إضافة ~~الزيادة إلى الإيمان وكذلك ما يضاف إلى الكفر والنفاق من الزيادة كقوله ~~تعالى : الأعراب أشد كفرا ونفاقا } ( التوبة : 97 ) وقوله : { وأما الذين ~~في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون } ( التوبة : 125 ~~) . وإلى هذا المحمل يرجع خلاف الأيمة في قبول الإيمان الزيادة والنقص ~~فيؤول إلى خلاف لفظي . # أعقب الثناء على جميع المؤمنين الخلص على ثباتهم ويقينهم واستعدادهم ~~للقاء PageV21P306 العدو الكثير يومئذ وعزمهم على بذل أنفسهم ولم يقدر لهم ~~لقاؤه كما يأتي في قوله { وكفى الله المؤمنين القتال } ( الأحزاب : 25 ) ~~بالثناء على فريق منهم كانوا وفوا بما عاهدوا الله عليه وفاء بالعمل والنية ~~، ليحصل بالثناء عليهم بذلك ثناء على إخوانهم الذين لم يتمكنوا من لقاء ~~العدو يومئذ ليعلم أن صدق أولئك يؤذن بصدق هؤلاء لأن المؤمنين يد واحدة . # والإخبار عنهم برجال زيادة في الثناء لأن الرجل مشتق من الرجل وهي قوة ~~اعتماد الإنسان كما اشتق الأيد من اليد ، فإن كانت هذه الآية نزلت مع بقية ~~آي السورة بعد غزوة الخندق فهي تذكير بما حصل من المؤمنين من قبل ، وإن ~~كانت نزلت يوم أحد فموضعها في هذه السورة إنما هو بتوقيف من النبي صلى الله ~~عليه وسلم فهو تنبيه على المعنى الذي ذكرناه على تقدير : أنها نزلت مع سورة ~~الأحزاب . وأيا ما كان وقت نزول الآية فإن المراد منها : رجال من المؤمنين ~~ثبتوا في وجه العدو يوم أحد وهم : عثمان بن عفان ، وأنس بن النضر ، وطلحة ~~بن عبيد الله ، وحمزة ، وسعيد بن زيد ، ومصعب بن عمير . فأما أنس بن النضر ~~وحمزة ومصعب بن عمير فقد استشهدوا يوم أحد ، وأما طلحة فقد قطعت يده يومئذ ~~وهو يدافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما بقيتهم فقد قاتلوا ونجوا . ~~وسياق الآية وموقعها يقتضيان ms6461 أنها نزلت بعد وقعة الخندق . وذكر القرطبي ~~رواية البيهقي عن أبي هريرة : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انصرف ~~من أحد مر على مصعب بن عمير وهو مقتول على طريقه فوقف ودعا له ثم تلا { من ~~المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه الآية . } # ومعنى { صدقوا ما عاهدوا الله عليه } أنهم حققوا ما عاهدوا عليه فإن ~~العهد وعد وهو إخبار بأنه يفعل شيئا في المستقبل فإذا فعله فقد صدق . وفعل ~~الصدق يستعمل قاصرا وهو الأكثر ، ويستعمل متعديا إلى المخبر بفتح الباء ~~يقال : صدقه الخبر ، أي قال له الصدق ، ولذلك فإن تعديته هنا إلى { ما ~~عاهدوا الله عليه } إنما هو على نزع الخافض ، أي : صدقوا فيما عاهدوا الله ~~عليه ، كقولهم في المثل : صدقني سن بكره ، أي : في سن بكره . # والنحب : النذر وما يلتزمه الإنسان من عهد ونحوه ، أي : من المؤمنين من ~~وفى PageV21P307 بما عاهد عليه من الجهاد كقول أنس بن النضر حين لم يشهد ~~بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكبر ذلك عليه وقال : أول مشهد شهده ~~رسول الله غبت عنه ، أما والله لئن أراني الله مشهدا مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فيما بعد ليرين الله ما أصنع فشهد أحدا وقاتل حتى قتل . ومثل ~~الذين شهدوا أيام الخندق فإنهم قضوا نحبهم يوم قريظة . # وقد حمل بعض المفسرين { قضى نحبه } في هذه الآية على معنى الموت في ~~الجهاد على طريقة الاستعارة بتشبيه الموت بالنذر في لزوم الوقوع ، وربما ~~ارتقى ببعض المفسرين ذلك إلى جعل النحب من أسماء الموت ، ويمنع منه ما ورد ~~في حديث الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في طلحة بن عبيد الله : ( ~~إنه ممن قضى نحبه ) ، وهو لم يمت في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم # وأما قوله { وما بدلوا تبديلا } فهو في معنى { صدقوا ما عاهدوا الله عليه ~~} وإنما ذكر هنا للتعريض بالمنافقين الذين عاهدوا الله لا يولون الأدبار ثم ~~ولوا يوم الخندق فرجعوا إلى ms6462 بيوتهم في المدينة . وانتصب { تبديلا } على أنه ~~مفعول مطلق موكد ل { بدلوا } المنفي . ولعل هذا التوكيد مسوق مساق التعريض ~~بالمنافقين الذين بدلوا عهد الإيمان لما ظنوا أن الغلبة تكون للمشركين . # لام التعليل يتنازعه من التعلق كل من { صدقوا } و { ما بدلوا } ( الأحزاب ~~: 23 ) أي : صدق المؤمنون عهدهم وبدله المنافقون ليجزي الله الصادقين ويعذب ~~المنافقين . # ولام التعليل بالنسبة إلى فعل { ليجزي الله الصادقين } مستعمل في حقيقة ~~معناه ، وبالنسبة إلى فعل { ويعذب } مستعار لمعنى فاء العاقبة تشبيها ~~لعاقبة فعلهم بالعلة الباعثة على ما اجترحوه من التبديل والخيس بالعهد ~~تشبيها يفيد عنايتهم بما فعلوه من التبديل حتى كأنهم ساعون إلى طلب ما حق ~~عليهم من PageV21P308 العذاب على فعلهم ، أو تشبيها إياهم في عنادهم وكيدهم ~~بالعالم بالجزاء الساعي إليه وإن كان فيه هلاكه . # والجزاء : الثواب لأن أكثر ما يستعمل فعل جزى أن يكون في الخير ، ولأن ~~ذكر سبب الجزاء وهو { بصدقهم } يدل على أنه جزاء إحسان ، وقد جاء الجزاء في ~~ضد ذلك في قوله تعالى { اليوم تجزون عذاب الهون في سورة الأنعام . وإظهار ~~اسم الجلالة في مقام إضماره للدلالة على عظمة الجزاء . # وتعليق التعذيب على المشيئة تنبيه لهم بسعة رحمة الله وأنه لا يقطع ~~رجاءهم في السعي إلى مغفرة ما أتوه بأن يتوبوا فيتوب الله عليهم فلما قابل ~~تعذيبه إياهم بتوبته عليهم تعين أن التعذيب باقق عند عدم توبتهم لقوله في ~~الآية الأخرى : إن الله لا يغفر أن يشرك به } ( النساء : 48 ) . والتوبة ~~هنا هي التوبة من النفاق ، أي : هي إخلاص الإيمان ، وقد تاب كثير من ~~المنافقين بعد ذلك ، منهم معتب بن قشير . # وجملة { إن اللهكان غفورا رحيما تعليل للجزاء والتعذيب كليهما على ~~التوزيع ، أي غفور للمذنب إذا أناب إليه ، رحيم بالمحسن أن يجازيه على قدر ~~نصبه . # وفي ذكر فعل كان } إفادة أن المغفرة والرحمة صفتان ذاتيتان له كما قدمناه ~~غير مرة ، من ذلك عند قوله تعالى { أكان للناس عجبا أن أوحينا في أول سورة ~~يونس . # } # عطف على جملة { فأرسلنا عليهم ريحا } ( الأحزاب : 9 ms6463 ) وهو الأنسب بسياق ~~الآيات بعدها ، أي أرسل الله عليهم ريحا وردهم ، أو حال من ضمير { يحسبون ~~الأحزاب لم يذهبوا } ( الأحزاب : 20 ) ، أي : يحسبون الأحزاب لم يذهبوا وقد ~~رد الله الأحزاب فذهبوا . PageV21P309 # والرد : الإرجاع إلى المكان الذي صدر منه فإن ردهم إلى ديارهم من تمام ~~النعمة على المسلمين بعد نعمة إرسال الريح عليهم لأن رجوعهم أعمل في ~~اطمئنان المسلمين . وعبر عن الأحزاب بالذين كفروا للإيماء إلى أن كفرهم هو ~~سبب خيبتهم العجيبة الشأن . # والباء في { بغيظهم } للملابسة ، وهو ظرف مستقر في موضع الحال ، أي : ~~ردهم مغيظين . # وإظهار اسم الجلالة دون ضمير المتكلم للتنبيه على عظم شأن هذا الرد ~~العجيب كما تقدم في قوله تعالى : { ليجزي الله الصادقين بصدقهم } ( الأحزاب ~~: 24 ) . # والغيظ : الحنق والغضب ، وكان غضبهم عظيما يناسب حال خيبتهم لأنهم تجشموا ~~كلفة التجمع والإنفاق وطولل المكث حول المدينة بلا طائل وخابت آمالهم في ~~فتح المدينة وأكل ثمارها وإفناء المسلمين ، وهم يحسبون أنها منازلة أيام ~~قليلة ، ثم غاظهم ما لحقهم من النكبة بالريح والانهزام الذي لم يعرفوا سببه ~~. # وجملة { لم ينالوا خيرا } حال ثانية . ولك أن تجعل جملة { لم ينالوا خيرا ~~} استئنافا بيانيا لبيان موجب غيظهم . # و { كفى } بمعنى أغنى ، أي : أراحهم من كلفة القتال بأن صرف الأحزاب . و ~~{ كفى } بهذا المعنى تتعدى إلى مفعولين يقال : كفيتك مهمك وليست هي التي ~~تزاد الباء في مفعولها فتلك بمعنى : حسب . # وفي قوله { وكفى الله المؤمنين القتال } حذف مضاف ، أي كلفة القتال ، أو ~~أرزاء القتال ، فإن المؤمنين كانوا يومئذ بحاجة إلى توفير عددهم وعددهم بعد ~~مصيبة يوم أحد ولو التقوا مع جيش المشركين لكانت أرزاؤهم كثيرة ولو انتصروا ~~على المشركين . # والقول في إظهار اسم الجلالة في قوله { وكفى الله المؤمنين القتال } ~~كالقول في { ورد الله الذين كفروا بغيظهم . PageV21P310 # وجملة وكان الله قويا عزيزا } تذييل لجملة { ورد الله الذين كفروا } إلى ~~آخرها . # والقوة : القدرة ، وقد تقدمت في قوله { لو أن لي بكم قوة في سورة } ( هود ~~: 80 ) . # والعزة : العظمة والمنعة ، وتقدمت في قوله تعالى : { أخذته العزة ms6464 بالإثم ~~في سورة } ( البقرة : 206 ) . # وذكر فعل { كان } للدلالة على أن العزة والقوة وصفان ثابتان لله تعالى ، ~~ومن تعلقات قوته وعزته أن صرف ذلك الجيش العظيم خائبين مفتضحين وألقى بينه ~~وبين أحلافه من قريظة الشك ، وأرسل عليهم الريح والقر ، وهدى نعيما بن ~~مسعود الغطفاني إلى الإسلام دون أن يشعر قومه فاستطاع النصح للمسلمين ~~بالكيد للمشركين . ذلك كله معجزة للنبيء صلى الله عليه وسلم # ( 26 27 ) # كان يهود قريظة قد أعانوا الأحزاب وحاصروا المدينة معهم وكان حيي بن أخطب ~~من بني النضير منضما إليهم وهو الذي حرض أبا سفيان على غزو المدينة . فلما ~~صرف الله الأحزاب أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يغزو قريظة وهم ~~فريق من اليهود يعرفون ببني قريظة وكانت منازلهم وحصونهم بالجنوب الشرقي من ~~المدينة تعرف قريتهم باسمهم ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عاد ~~إلى المدينة من الخندق ظهرا وكان بصدد أن يغتسل ويستقر فلما جاءه الوحي بأن ~~يغزو قريظة نادى في الناس أن لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة . وخرج ~~الجيش الذي كان بالخندق معه فنزلوا على قرية قريظة واستعصم أهل القرية ~~بحصونهم فحاصرهم المسلمون نحوا من عشرين ليلة ، فلما جهدهم الحصار وخامرهم ~~الرعب من أن يفتح المسلمون بلادهم فيستأصلوهم طمعوا أن يطلبوا أن يسلموا ~~بلادهم على أن يحكم حكم في PageV21P311 صفة ذلك التسليم . ويقال لهذا النوع ~~من المصالحة : النزول على حكم حكم ، فأرسلوا شاس بن قيس إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم يعرضون أن ينزلوا على مثل ما نزلت عليه بنو النضير من الجلاء على ~~أن لهم ما حملت الإبل إلا الحلقة ، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبول ~~ذلك وبعد مداولات نزلوا على حكم سعد بن معاذ ، فحكم سعد أن تقتل المقاتلة ~~وتسبى النساء والذراري وأن تكون ديارهم للمهاجرين دون الأنصار فأمضى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ما حكم به سعد كما هو مفصل في السيرة . # ومعنى { ظاهروهم } ناصروهم وأعانوهم ، وتقدم في قوله تعالى : { ولم ~~يظاهروا ms6465 عليكم أحدا في سورة براءة . # والإنزال : الإهباط ، أي : من الحصون أو من المعتصمات كالجبال . # والصياصي : الحصون ، وأصلها أنها جمع صيصية وهي القرن للثور ونحوه . قال ~~عبد بني الحسحاس : # فأصبحت الثيران غرقى وأصبحت # نساء تميم يلتقطن الصياصيا # أي : القرون لبيعها . كانوا يستعملون القرون في مناسج الصوف ويتخذون أيضا ~~منها أوعية للكحل ونحوه ، فلما كان القرن يدافع به الثور عن نفسه سمي ~~المعقل الذي يعتصم به الجيش صيصية والحصون صياصي . # والقذف : الإلقاء السريع ، أي : جعل الله في قلوبهم الرعب بأمره التكويني ~~فاستسلموا ونزلوا على حكم المسلمين . والفريق الذين قتلوا هم الرجال وكانوا ~~زهاء سبعمائة والفريق الذين أسروا هم النساء والصبيان . # والخطاب من قوله فريقا تقتلون } إلى آخره . . . للمؤمنين تكملة للنعمة ~~التي أنبأ عنها قوله : { يا أيها الذين ءامنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ ~~جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا } ( الأحزاب : 9 ) الآية ، أي : فأهلكنا ~~الجنود وردهم الله بغيظهن وسلطكم على أحلافهم وأنصارهم . PageV21P312 ~~وتقديم المفعول في { فريقا تقتلون } للاهتمام بذكره لأن ذلك الفريق هم رجال ~~القبيلة الذين بقتلهم يتم الاستيلاء على الأرض والأموال والأسرى ، ولذلك لم ~~يقدم مفعول { تأسرون } إذ لا داعي إلى تقديمه فهو على أصله . # وقوله { وأرضا لم تطؤوها } أي : تنزلوا بها غزاة وهي أرض أخرى غير أرض ~~قريظة وصفت بجملة { لم تطؤوها } أي : لم تمشوا فيها . فقيل : إن الله بشرهم ~~بأرض أخرى يرثونها من بعد . قال قتادة : كنا نحدث أنها مكة . وقال مقاتل ~~وابن رومان : هي خيبر ، وقيل : أرض فارس والروم . وعلى هذه التفاسير يتعين ~~أن يكون فعل { أورثكم } مستعملا في حقيقته ومجازه ؛ فأما في حقيقته ~~فبالنسبة إلى مفعوله وهو { أرضهم وديارهم وأموالهم ، } وأما استعماله في ~~مجازه فبالنسبة إلى تعديته إلى { أرضا لم تطؤوها ، } أي : أن يورثكم أرضا ~~أخرى لم تطؤوها ، من باب : { أتى أمر الله } ( النحل : 1 ) أو يؤول فعل { ~~أورثكم } بمعنى : قدر أن يورثكم . وأظهر هذه الأقوال أنها أرض خيبر فإن ~~المسلمين فتحوها بعد غزوة قريظة بعام وشهر . ولعل المخاطبين بضمير { أورثكم ~~} هم الذين فتحوا خيبر لم ينقص منهم ms6466 أحد أو فقد منه القليل ولأن خيبر من ~~أرض أهل الكتاب وهم ممن ظاهروا المشركين فيكون قصدها من قوله { وأرضا } ~~مناسبا تمام المناسبة . # وفي التذييل بقوله { وكان الله على كل شيء قديرا } إيماء إلى البشارة ~~بفتح عظيم يأتي من بعده . # وعندي : أن المراد بالأرض التي لم يطؤوها أرض بني النضير وأن معنى { لم ~~تطؤوها } لم تفتحوها عنوة ، فإن الوطء يطلق على معنى الأخذ الشديد ، قال ~~الحارث بن وعلة الذهلي : # وطأتنا وطئا على حنق # وطء المقيد نابت الهرم # ومنه قوله تعالى : { ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن ~~تطؤوهم } ( الفتح : 25 ) ، فإن أرض بني النضير كانت مما أفاء الله على ~~رسوله من غير إيجاف . PageV21P313 # ( 28 29 ) # يستخلص مما ذكره ابن عطية رواية عن ابن الزبير ومما ذكره أبو حيان في ( ~~البحر المحيط ) وغير ذلك : أن وجه اتصال هذه الآيات بما قبلها أنه لما فتحت ~~على المسلمين أرض قريظة وغنموا أموالهم وكانت أرض النضير قبيل ذلك فيئا ~~للنبيء صلى الله عليه وسلم حسب أزواج رسول الله أن مثله مثل أحد من الرجال ~~إذا وسع عليهم الرزق توسعوا فيه هم وعيالهم فلم يكن أزواج النبي عليه ~~الصلاة والسلام يسألنه توسعة قبل أن يفيء الله عليه من أهل النضير وقبل أن ~~يكون له الخمس من الغنائم ، فلما رأين النبي صلى الله عليه وسلم جعل لنفسه ~~ولأزواجه أقواتهم من مال الله ورأين وفرة ما أفاء الله عليه من المال حسبن ~~أنه يوسع في الإنفاق فصار بعضهن يستكثرنه من النفقة كما دل عليه قول عمر ~~لحفصة ابنته أم المؤمنين : ( لا تستكثري النبي ولا تراجعيه في شيء وسليني ~~ما بدا لك ) . ولكن الله أقام رسوله صلى الله عليه وسلم مقاما عظيما فلا ~~يتعلق قلبه بمتاع الدنيا إلا بما يقتضيه قوام الحياة وقد كان يقول : ( ما ~~لي وللدنيا ) وقال : ( حبب إلي من دنياكم النساء والطيب ) . وقد بينت وجه ~~استثناء هذين في رسالة كتبتها في الحكمة الإلهية من رياضة الرسول عليه ~~الصلاة والسلام نفسه بتقليل الطعام . # وقال عمر ms6467 : ( كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف ~~المسلمون عليه من خيل ولا ركاب فكانت لرسول الله خالصة ينفق منها على أهله ~~نفقة سنتهم ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عدة للمسلمين ) . وقد علمت أن ~~أرض قريظة قسمت على المهاجرين بحكم سعد بن معاذ ، فلعل المهاجرين لما اتسعت ~~أرزاقهم على أزواجهم أمل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يكن كالمهاجرين ~~فأراد الله أن يعلمهن سيرة الصالحات في العيش وغيره . وقد روي أن بعضهن ~~سألنه أشياء من زينة الدنيا فأوحى إلى رسوله بهذه الآيات المتتابعات . وهذا ~~مما يؤذن به PageV21P314 وقع هذه الآيات عقب ذكر وقعة قريظة وذكر الأرض ~~التي لم يطؤوها وهي أرض بني النضير . وإذ قد كان شأن هذه السيرة أن يشق على ~~غالب الناس وخاصة النساء أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن ينبىء ~~أزواجه بها ويخيرهن عن السير عليها تبعا لحاله وبين أن يفارقهن . لذا ~~فافتتاح هذه الأحكام بنداء النبي صلى الله عليه وسلم ب : { يا أيها النبي } ~~تنبيه على أن ما سيذكر بعد النداء له مزيد اختصاص به وهو غرض تحديد سيرة ~~أزواجه معه سيرة تناسب مرتبة النبوءة ، وتحديد تزوجه وهو الغرض الثاني من ~~الأغراض التي تقدم ذكرها في قوله { يا أيها النبي اتق الله } ( الأحزاب : 1 ~~) . # والأزواج المعنيات في هذه الآية هن أزواجه التسع اللاتي توفي عليهن . وهن ~~: عائشة بنت أبي بكر الصديق ، وحفصة بنت عمر بن الخطاب ، وأم حبيبة بنت أبي ~~سفيان ، وأم سلمة بنت أمية المخزومية ، وجويرية بنت الحارث الخزاعية ، ~~وميمونة بنت الحارث الهلالية من بني عامر بن صعصعة ، وسودة بنت زمعة ~~العامرية القرشية ، وزينب بنت جحش الأسدية ، وصفية بنت حيي النضيرية . وأما ~~زينب بنت خزيمة الهلالية الملقبة أم المساكين فكانت متوفاة وقت نزول هذه ~~الآية . # ومعنى { إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها } : إن كنتن تؤثرن ما في ~~الحياة من الترف على الاشتغال بالطاعات والزهد ، فالكلام على حذف مضاف يقدر ~~صالحا للعموم إذ لا دليل على إرادة ms6468 شأن خاص من شؤون الدنيا . وهذه نكتة ~~تعدية فعل { تردن } إلى اسم ذات { الحياة } دون حال من شؤونها . # وعطف { زينتها } عطف خاص على عام ، وفي عطفه زيادة تنبيه على أن المضاف ~~المحذوف عام ، وأيضا ففعل { تردن } يؤذن باختيار شيء على غيره فالمعنى : إن ~~كنتن تردن الانغماس في شؤون الدنيا ، وقد دلت على هذا مقابلته بقوله : { ~~وإن كنتن تردن الله ورسوله } كما سيأتي . PageV21P315 # و { تعالين : } اسم فعل أمر بمعنى : أقبلن ، وهو هنا مستعمل تمثيلا لحال ~~تهيؤ الأزواج لأخذ التمتيع وسماع التسريح بحال من يحضر إلى مكان المتكلم . ~~وقد مضى القول على ( تعال ) عند قوله تعالى : { فقل تعالوا ندع أبناءنا ~~وأبناءكم في سورة آل عمران . # والتمتيع : أن يعطي الزوج امرأته حين يطلقها عطية جبرا لخاطرها لما يعرض ~~لها من الانكسار . وتقدم الكلام عليها مفصلا عند قوله تعالى : ومتعوهن على ~~الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف في سورة البقرة . وجزم أمتعكن ~~} في جواب { تعالين } وهو اسم فعل أمر وليس أمرا صريحا فجزم جوابه غير واجب ~~فجيء به مجزوما ليكون فيه معنى الجزاء فيفيد حصول التمتيع بمجرد إرادة ~~إحداهن الحياة الدنيا . # والسراح : الطلاق ، وهو من أسمائه وصيغه ، قال تعالى : { فأمسكوهن بمعروف ~~أو سرحوهن بمعروف } ( البقرة : 231 ) . # والجميل : الحسن حسنا بمعنى القبول عند النفس ، وهو الطلاق دون غضب ولا ~~كراهية لأنه طلاق مراعى فيه اجتناب تكليف الزوجة ما يشق عليها . وليس ~~المذكور في الآية من قبيل التخيير والتمليك اللذين هما من تفويض الطلاق إلى ~~الزوجة ، وإنما هذا تخيير المرأة بين شيئين يكون اختيارها أحدهما داعيا ~~زوجها لأن يطلقها إن أراد ذلك . # ومعنى { وإن كنتن تردن الله ورسوله } إن كنتن تؤثرن الله على الحياة ~~الدنيا ، أي : تؤثرن رضى الله لما يريده لرسوله ، فالكلام على حذف مضاف . ~~وإرضاء الله : فعل ما يحبه الله ويقرب إليه ، فتعدية فعل { تردن } إلى اسم ~~ذات الله تعالى على تقدير تقتضيه صحة تعلق الإرادة باسم ذات لأن الذات لا ~~تراد حقيقة فوجب تقدير مضاف ولزم أن يقدر عاما كما تقدم . # وإرادة ms6469 رضى الرسول صلى الله عليه وسلم كذلك على تقدير ، أي : كل ما يرضي ~~الرسول عليه الصلاة والسلام ، وأول ذلك أن يبقين في عشرته طيبات الأنفس . ~~PageV21P316 # وإرادة الدار الآخرة : إرادة فوزها ، فالكلام على حذف مضاف يقتضيه المقام ~~أيضا ، فأسلوب الكلام جرى على إناطة الحكم بالأعيان وهو أسلوب يقتضي تقديرا ~~في الكلام من قبيل دلالة الاقتضاء . وفي حذف المضافات وتعليق الإرادة ~~بأسماء الأعيان الثلاثة مقصد أن تكون الإرادة متعلقة بشؤون المضاف إليه ~~التي تتنزل منزلة ذاته مع قضاء حق الإيجاز بعد قضاء حق الإعجاز . فالمعنى : ~~إن كنتن تؤثرن ما يرضي الله ويحبه رسوله وخير الدار الآخرة فتخترن ذلك على ~~ما يشغل عن ذلك كما دلت عليه مقابلة إرادة الله ورسوله والدار الآخرة ~~بإرادة الحياة الدنيا وزينتها ، فإن المقابلة تقتضي إرادتين يجمع بين ~~إحداهما وبين الأخرى ، فإن التعلق بالدنيا يستدعي الاشتغال بأشياء كثيرة من ~~شؤون الدنيا لا محيص من أن تلهي صاحبها عن الاشتغال بأشياء عظيمة من شؤون ~~ما يرضي الله وما يرضي رسوله عليه الصلاة والسلام وعن التملي من أعمال ~~كثيرة مما يكسب الفوز في الآخرة فإن الله يحب أن ترتقي النفس الإنسانية إلى ~~مراتب الملكية والرسول صلى الله عليه وسلم يبتغي أن يكون أقرب الناس إليه ~~وأعلقهم به سائرا على طريقته لأن طريقته هي التي اختارها الله له . وبمقدار ~~الاستكثار من ذلك يكثر الفوز بنعيم الآخرة ، فالناس متسابقون في هذا ~~المضمار وأولاهم بقصب السبق فيه أشدهم تعلقا بالرسول صلى الله عليه وسلم ~~وكذلك كانت همم أفاضل السلف ، وأولى الناس بذلك أزواج الرسول عليه الصلاة ~~والسلام وقد ذكرهن الله تذكيرا بديعا بقوله : { واذكرن ما يتلى في بيوتكن ~~من ءايات الله والحكمة } ( الأحزاب : 34 ) كما سيأتي . # ولما كانت إرادتهن الله ورسوله والدار الآخرة مقتضية عملهن الصالحات وكان ~~ذلك العمل متفاوتا ، وجعل الجزاء على ذلك بالإحسان فقال : { فإن الله أعد ~~للمحسنات منكن أجرا عظيما } ليعلمن أن هذا الأجر حاصل لهن على قدر إحسانهن ~~؛ فهذا وجه ذكر وصف المحسنات وليس هو للاحتراز . وفي ذكر الإعداد ms6470 إفادة ~~العناية بهذا الأجر والتنويه به زيادة على وصفه بالعظيم . # وتوكيد جملة الجزاء بحرف { إن } الذي ليس هو لإزالة التردد إظهار ~~للاهتمام بهذا PageV21P317 الأجر . وقد جاء في كتب السنة : أنه لما نزلت ~~هذه الآية ابتدأ النبي صلى الله عليه وسلم بعائشة فقال لها : ( إني ذاكر ~~لكك أمرا فلا عليك أن لا تستعجلي حتى تستأمري أبويكك ، ثم تلا هذه الآية ، ~~فقالت عائشة : أفي هذا أستأمر أبوي ؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة ~~، وقال لسائر أزواجه مثل ذلك ، فقلن مثل ما قالت عائشة ) . # ولا طائل تحت الاشتغال بأن هذا التخيير هل كان واجبا على النبي صلى الله ~~عليه وسلم أو مندوبا ، فإنه أمر قد انقضى ولم يكن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بالذي يخالف أمر الله تعالى بالوجوب أو الندب . # تولى الله خطابهن بعد أن أمر رسوله بتخييرهن فخيرهن فاخترن الله ورسوله ~~والدار الآخرة ، فخاطبهن ربهن خطابا لأنهن أصبحن على عهد مع الله تعالى أن ~~يؤتيهن أجرا عظيما . وقد سماه عمر عهدا فإنه كان كثيرا ما يقرأ في صلاة ~~الصبح سورة الأحزاب فإذا بلغ هذه الآية رفع بها صوته فقيل له في ذلك ، فقال ~~: أذكرهن العهد ، ولما كان الأجر الموعود منوطا بالإحسان أريد تحذيرهن من ~~المعاصي بلوغا بهن إلى مرتبة الملكية مبالغة في التحذير إذ جعل عذاب ~~المعصية على فرض أن تأتيها إحداهن عذابا مضاعفا . ونداؤهن للاهتمام بما ~~سيلقى إليهن . وناداهن بوصف { نساء النبي } ليعلمن أن ما سيلقى إليهن خبر ~~يناسب علو أقدارهن . والنساء هنا مراد به الحلائل ، وتقدم في قوله تعالى : ~~{ ونساءنا ونساءكم } في سورة آل عمران . وقرأ الجمهور { يأت } بتحتية في ~~أوله مراعاة لمدلول { من } الشرطية لأن مدلولها شيء فأصله عدم التأنيث . ~~وقرأه يعقوب { من تأت } بفوقية في أوله مراعاة لما صدق { من } أي : إحدى ~~النساء . وقرأ الجمهور { يضاعف } بتحتية في أوله للغائب وفتح العين مبنيا ~~للنائب PageV21P318 ورفع { العذاب } على أنه نائب فاعل . وقرأه ابن كثير ~~وابن عامر { نضعف } بنون العظمة وبتشديد العين مكسورة ونصب { العذاب } على ~~المفعولية ؛ فيكون ms6471 إظهار اسم الجلالة في قوله بعده : { وكان ذلك على الله ~~يسيرا } إظهارا في مقام الإضمار . وقرأه أبو عمرو ويعقوب { يضعف } بتحتية ~~للغائب وتشديد العين مفتوحة . ومفاد هذه القراءات متحد المعنى على التحقيق ~~. # وروى الطبري عن أبي عمرو بن العلاء وعن أبي عبيدة معمر بن المثنى : أن ~~بين ضاعف وضعف فرقا ، فأما ضاعف فيفيد جعل الشيء مثليه فتصير ثلاثة أعذبة . ~~وأما ضعف المشدد فيفيد جعل الشيء مثله . قال الطبري : وهذا التفريق لا نعلم ~~أحدا من أهل العلم ادعاه غيرهما . وصيغة التثنية في قوله { ضعفين } مستعملة ~~في إرادة الكثرة كقوله تعالى : { ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر ~~خاسئا وهو حسير } ( الملك : 4 ) لظهور أن البصر لا يرجع خاسئا وحسيرا من ~~تكرر النظر مرتين ، والتثنية ترد في كلام العرب كناية عن التكرير ، كقولهم ~~: لبيك وسعديك ، وقولهم : دواليك ، ولذلك لا نشتغل بتحديد المضاعفة المرادة ~~في الآية بأنها تضعيف مرة واحدة بحيث يكون هذا العذاب بمقدار ما هو لأمثال ~~الفاحشة مرتين أو بمقدار ذلك ثلاث مرات وذلك ما لم يشتغل به أحد من ~~المفسرين ، وما إعراضهم عنه إلا لأن أفهامهم سبقت إلى الاستعمال المشهور في ~~الكلام ، فما روي عن أبي عمرو وأبي عبيدة لا يلتفت إليه . # والفاحشة : المعصية ، قال تعالى : { قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها ~~وما بطن } ( الأعراف : 33 ) وكلما وردت الفاحشة في القرآن نكرة فهي المعصية ~~وإذا وردت معرفة فهي الزنا ونحوه . # والمبينة : بصيغة اسم الفاعل مبالغة في بيان كونها فاحشة ووضوحه حتى ~~كأنها تبين نفسها وكذلك قرأها الجمهور . وقرأ ابن كثير وأبو بكر بفتح الياء ~~، أي : يبينها فاعلها . # والمضاعفة : تكرير شيء ذي مقدار بمثل مقداره . PageV21P319 # والضعف : مماثل عدد ما . وتقدم في قوله تعالى { فآتهم عذابا ضعفا من ~~النار في سورة الأعراف . ومعنى مضاعفة العذاب : أنه يكون ضعف عذاب أمثال ~~تلك المعصية إذا صدرت من غيرهن ، وهو ضعف في القوة وفي المدة ، وأريد : ~~عذاب الآخرة . # وجملة وكان ذلك على الله يسيرا } معترضة ، وتقدم القول في نظيرها آنفا . ~~والمعنى : أن الله ms6472 يحقق وعيده ولا يمنعه من ذلك أنها زوجة نبيء ، قال تعالى ~~: { كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين إلى قوله : فلم يغنيا عنهما من الله ~~شيئا } ( التحريم : 10 ) . # والتعريف في { العذاب } تعريف العهد ، أي : العذاب الذي جعله الله ~~للفاحشة . PageV21P320 # أعقب الوعيد بالوعد جريا على سنة القرآن كما تقدم في المقدمة العاشرة . # والقنوت : الطاعة ، والقنوت للرسول : الدوام على طاعته واجتلاب رضاه لأن ~~في رضاه رضى الله تعالى ، قال تعالى : { من يطع الرسول فقد أطاع الله } ( ~~النساء : 80 ) . # وقرأ الجمهور : { يقنت } بتحتية في أوله مراعاة لمدلول { من } الشرطية ~~كما تقدم في { من يأت منكن } ( الأحزاب : 30 ) . وقرأه يعقوب بفوقية في ~~أوله مراعاة لما صدق { من } ، أي إحدى النساء ، كما تقدم في قوله تعالى : { ~~من يأت منكن } . # وأسند فعل إيتاء أجرهن إلى ضمير الجلالة بوجه صريح تشريفا لإيتائهن الأجر ~~لأنه المأمول بهن ، وكذلك فعل { وأعتدنا } . # ومعنى { مرتين } توفير الأجر وتضعيفه كما تقدم في قوله تعالى : { ضعفين } ~~( الأحزاب : 30 ) . # وضمير { أجرها } عائد إلى { من } باعتبار أنها صادقة على واحدة من نساء ~~النبي صلى الله عليه وسلم وفي إضافة الأجر إلى ضميرها إشارة إلى تعظيم ذلك ~~الأجر بأنه يناسب مقامها وإلى تشريفها بأنها مستحقة ذلك الأجر . ومضاعفة ~~الأجر لهن على الطاعات كرامة لقدرهن ، وهذه المضاعفة في الحالين ~~PageV22P005 من خصائص أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لعظم قدرهن ، لأن ~~زيادة قبح المعصية تتبع زيادة فضل الآتي بها . ودرجة أزواج النبي صلى الله ~~عليه وسلم عظيمة . # وقرأ الجمهور : { وتعمل } بالتاء الفوقية على اعتبار معنى { من } ~~الموصولة المراد بها إحدى النساء وحسنه أنه معطوف على فعل { يقنت } بعد أن ~~تعلق به الضمير المجرور وهو ضمير نسوة . وقرأ حمزة والكسائي وخلف { ويعمل } ~~بالتحتية مراعاة لمدلول { من } في أصل الوضع . وقرأ الجمهور { نؤتها } بنون ~~العظمة . وقرأه حمزة والكسائي وخلف بالتحتية على اعتبار ضمير الغائب عائدا ~~إلى اسم الجلالة من قوله قبله { وكان ذلك على الله يسيرا } ( الأحزاب : 30 ~~) . # والقول في { أعتدنا لها } كالقول في { فإن الله أعد للمحسنات } ( الأحزاب ~~: 29 ) . والتاء ms6473 في { أعتدنا } بدل عن أحد الدالين من ( أعد ) لقرب مخرجيها ~~وقصد التخفيف . والعدول عن المضارع إلى فعل الماضي في قوله : { أعتدنا } ~~لإفادة تحقيق وقوعه . # والرزق الكريم : هو رزق الجنة قال تعالى : { كلما رزقوا منها من ثمرة ~~رزقا } ( البقرة : 25 ) الآية . ووصفه بالكريم لأنه أفضل جنسه . وقد تقدم ~~في قوله تعالى : { إني ألقي إلي كتاب كريم في سورة النمل . # } # . # أعيد خطابهن من جانب ربهن وأعيد نداؤهن للاهتمام بهذا الخبر اهتماما يخصه ~~. # وأحد : اسم بمعنى واحد مثل : { قل هو الله أحد } ( الإخلاص : 1 ) وهمزته ~~بدل من الواو . وأصله : وحد بوزن فعل ، أي متوحد ، كما قالوا : فرد بمعنى ~~منفرد . قال النابغة يذكر ركوبه راحلته : # كان رحلي وقد زال النهار بنا # يوم الجليل على مستأنس وحد # يريد على ثور وحشي منفرد . فلما ثقل الابتداء بالواو شاع أن يقولوا : أحد ~~، PageV22P006 وأكثر ما يستعمل في سياق النفي ، قال تعالى : { فما منكم من ~~أحد عنه حاجزين } ( الحاقة : 47 ) فإذا وقع في سياق النفي دل على نفي كل ~~واحد من الجنس . # ونفي المشابهة هنا يراد به نفي المساواة مكنى به عن الأفضلية على غيرهن ~~مثل نفي المساواة في قوله تعالى : { لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير ~~أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله } ( النساء : 95 ) ، فلولا قصد التفضيل ~~ما كان لزيادة { غير أولي الضرر وجد ولا لسبب نزولها داع كما تقدم في سورة ~~النساء . فالمعنى : أنتن أفضل النساء ، وظاهره تفضيل لجملتهن على نساء هذه ~~الأمة ، وسبب ذلك أنهن اتصلن بالنبي عليه الصلاة والسلام اتصالا أقرب من كل ~~اتصال وصرن أنيساته ملازمات شؤونه فيختصصن باطلاع ما لم يطلع عليه غيرهن من ~~أحواله وخلقه في المنشط والمكره ، ويتخلقن بخلقه أكثر مما يقتبس منه غيرهن ~~، ولأن إقباله عليهن إقبال خاص ، ألا ترى إلى قوله : حبب إليكم من دنياكم ~~النساء والطيب ، وقال تعالى : والطيبات للطيبين } ( النور : 26 ) . ثم إن ~~نساء النبي عليه الصلاة والسلام يتفاضلن بينهن . # والتقييد بقوله : { إن اتقيتن } ليس لقصد الاحتراز عن ضد ذلك وإنما هو ~~إلهاب وتحريض على الازدياد من ms6474 التقوى ، وقريب من هذا المعنى قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم لحفصة : ( إن عبد الله يعني أخاها رجل صالح لو كان يقوم من ~~الليل ) ، فلما أبلغت حفصة ذلك عبد الله بن عمر لم يترك قيام الليل بعد ذلك ~~لأنه علم أن المقصود التحريض على القيام . # وفعل الشرط مستعمل في الدلالة على الدوام ، أي إن دمتن على التقوى فإن ~~نساء النبي صلى الله عليه وسلم متقيات من قبل ، وجواب الشرط دل عليه ما ~~قبله . # واعلم أن ظاهر هذه الآية تفضيل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم على جميع ~~نساء هذه الأمة . وقد اختلف في التفاضل بين الزوجات وبين بنات النبي صلى ~~الله عليه وسلم وعن الأشعري الوقف في ذلك ، ولعل ذلك لتعارض الأدلة السمعية ~~ولاختلاف جهات أصول التفضيل الدينية والروحية بحيث يعسر ضبطها بضوابط . ~~PageV22P007 أشار إلى جملة منها أبو بكر بن العربي في ( شرح الترمذي ) في ~~حديث رؤيا رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى ميزانا نزل من ~~السماء فوزن النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر ، فرجح النبي صلى الله عليه ~~وسلم ووزن أبو بكر وعمر فرجح أبو بكر ، ووزن عمر وعثمان فرجح عمر ، ثم رفع ~~الميزان . والجهات التي بنى عليها أبو بكر بن العربي أكثرها من شؤون الرجال ~~. وليس يلزم أن تكون بنات النبي ولا نساؤه سواء في الفضل . ومن العلماء من ~~جزموا بتفضيل بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم على أزواجه وبخاصة فاطمة ~~رضي الله عنها وهو ظاهر كلام التفتزاني في كتاب ( المقاصد ) . وهي مسألة لا ~~يترتب على تدقيقها عمل فلا ينبغي تطويل البحث فيها . # والأحسن أن يكون الوقف على { إن اتقيتن } ، وقوله { فلا تخضعن } ابتداء ~~تفريع وليس هو جواب الشرط . # فرع على تفضيلهن وترفيع قدرهن إرشادهن إلى دقائق من الأخلاق قد تقع ~~الغفلة عن مراعاتها لخفاء الشعور بآثارها ، ولأنها ذرائع خفية نادرة تفضي ~~إلى ما لا يليق بحرمتهن في نفوس بعض ممن اشتملت عليه الأمة ، وفيها ~~منافقوها . # وابتدىء من ذلك بالتحذير من هيئة ms6475 الكلام فإن الناس متفاوتون في لينه ، ~~والنساء في كلامهن رقة طبيعية وقد يكون لبعضهن من اللطافة ولين النفس ما ~~إذا انضم إلى لينها الجبلي قربت هيئته من هيئة التدلل لقلة اعتياد مثله إلا ~~في تلك الحالة . فإذا بدا ذلك على بعض النساء ظن بعض من يشافهها من الرجال ~~أنها تتحبب إليه ، فربما اجترأت نفسه على الطمع في المغازلة فبدرت منه ~~بادرة تكون منافية لحرمة المرأة ، بله أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ~~اللاتي هن أمهات المؤمنين . # والخضوع : حقيقته التذلل ، وأطلق هنا على الرقة لمشابهتها التذلل . # والباء في قوله : { بالقول } يجوز أن تكون للتعدية بمنزلة همزة التعدية ، ~~أي لا PageV22P008 تخضعن القول ، أي تجعلنه خاضعا ذليلا ، أي رقيقا متفككا ~~. وموقع الباء هنا أحسن من موقع همزة التعدية لأن باء التعدية جاءت من باء ~~المصاحبة على ما بينه المحققون من النحاة أن أصل قولك : ذهبت بزيد ، أنك ~~ذهبت مصاحبا له فأنت أذهبته معك ، ثم تنوسي معنى المصاحبة في نحو : { ذهب ~~الله بنورهم } ( البقرة : 17 ) ، فلما كان التفكك والتزيين للقول يتبع تفكك ~~القائل أسند الخضوع إليهن في صورة ، وأفيدت التعدية بالباء . ويجوز أن تكون ~~الباء بمعنى ( في ) ، أي لا يكن منكن لين في القول . # والنهي عن الخضوع بالقول إشارة إلى التحذير مما هو زائد على المعتاد في ~~كلام النساء من الرقة وذلك ترخيم الصوت ، أي ليكن كلامكن جزلا . # والمرض : حقيقته اختلال نظام المزاج البدني من ضعف القوة ، وهو هنا ~~مستعار لاختلال الوازع الديني مثل المنافقين ومن كان في أول الإيمان من ~~الأعراب ممن لم ترسخ فيه أخلاق الإسلام ، وكذلك من تخلقوا بسوء الظن فيرمون ~~المحصنات الغافلات المؤمنات ، وقضية إفك المنافقين على عائشة رضي الله عنها ~~شاهد لذلك . وتقدم في قوله تعالى : { في قلوبهم مرض في سورة البقرة . # وانتصب يطمع } في جواب النهي بعد الفاء لأن المنهي عنه سبب في هذا الطمع ~~. # وحذف متعلق { فيطمع } تنزها وتعظيما لشأن نساء النبي صلى الله عليه وسلم ~~مع قيام القرينة . # وعطف { وقلن قولا معروفا } على { لا تخضعن بالقول ms6476 بمنزلة الاحتراس لئلا ~~يحسبن أن الله كلفهن بخفض أصواتهن كحديث السرار . # والقول : الكلام . # والمعروف : هو الذي يألفه الناس بحسب العرفف العام ، ويشمل القول المعروف ~~هيئة الكلام وهي التي سيق لها المقام ، ويشمل مدلولاته أن لا ينتهرن من ~~يكلمهن أو يسمعنه قولا بذيئا من باب : فليقل خيرا أو ليصمت . وبذلك تكون ~~هذه الجملة بمنزلة التذييل . PageV22P009 # } # . # هذا أمر خصصن به وهو وجوب ملازمتهن بيوتهن توقيرا لهن ، وتقوية في حرمتهن ~~، فقرارهن في بيوتهن عبادة ، وأن نزول الوحي فيها وتردد النبي صلى الله ~~عليه وسلم في خلالها يكسبها حرمة . وقد كان المسلمون لما ضاق عليهم المسجد ~~النبوي يصلون الجمعة في بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث ( ~~الموطأ ) . وهذا الحكم وجوب على أمهات المؤمنين وهو كمال لسائر النساء . # وقرأ نافع وعاصم وأبو جعفر بفتح القاف . ووجهها أبو عبيدة عن الكسائي ~~والفراء والزجاج بأنها لغة أهل الحجاز في قر بمعنى : أقام واستقر ، يقولون ~~: قررت في المكان بكسر الراء من باب علم فيجيء مضارعه بفتح الراء فأصل قرن ~~اقررن فحذفت الراء الأولى للتخفيف من التضعيف وألقيت حركتها على القاف نظير ~~قولهم : أحسن بمعنى أحسسن في قول أبي زبيد : # سوى أن الجياد من المطايا # أحسن به فهن إليه شوس # وأنكر المازني وأبو حاتم أن تكون هذه لغة ، وزعم أن قررت بكسر الراء في ~~الماضي لا يرد إلا في معنى قرة العين ، والقراءة حجة عليهما . والتزم ~~النحاس قولهما وزعم أن تفسير الآية على هذه القراءة أنها من قرة العين وأن ~~المعنى : واقررن عيونا في بيوتكن ، أي لكن في بيوتكن قرة عين فلا تتطلعن ~~إلى ما جاوز ذلك ، أي فيكون كناية عن ملازمة بيوتهن . # وقرأ بقية العشرة { وقرن } بكسر القاف . قال المبرد : هو من القرار ، ~~أصله : اقررن بكسر الراء الأولى فحذفت تخفيفا ، وألقيت حركتها على القاف ~~كما قالوا : ظلت ومست . وقال ابن عطية : يصح أن يكون قرن ، أي بكسر القاف ~~أمرا من الوقار ، يقال : وقر فلان يقر ، والأمر منه قر للواحد ، وللنساء ~~قرن مثل عدن ، أي ms6477 فيكون كناية عن ملازمة بيوتهن مع الإيماء إلى علة ذلك ~~بأنه وقار لهن . # وقرأ الجمهور { بيوتكن } بكسر الباء . وقرأه ورش عن نافع وأبو عمرو وحفص ~~عن عاصم وأبو جعفر بضم الباء . PageV22P010 # وإضافة البيوت إليهن لأنهن ساكنات بها أسكنهن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فكانت بيوت النبي صلى الله عليه وسلم يميز بعضها عن بعض بالإضافة إلى ~~ساكنة البيت ، يقولون : حجرة عائشة ، وبيت حفصة ، فهذه الإضافة كالإضافة ~~إلى ضمير المطلقات في قوله تعالى : { لا تخرجوهن من بيوتهن } ( الطلاق : 1 ~~) . وذلك أن زوج الرجل هي ربة بيته ، والعرب تدعو الزوجة البيت ولا يقتضي ~~ذلك أنها ملك لهن لأن البيوت بناها النبي صلى الله عليه وسلم تباعا تبعا ~~لبناء المسجد ، ولذلك لما توفيت الأزواج كلهن أدخلت ساحة بيوتهن إلى المسجد ~~في التوسعة التي وسعها الخليفة الوليد بن عبد الملك في إمارة عمر بن عبد ~~العزيز على المدينة ولم يعط عوضا لورثتهن . # وهذه الآية تقتضي وجوب مكث أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في بيوتهن وأن ~~لا يخرجن إلا لضرورة ، وجاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ~~إن الله أذن لكن أن تخرجن لحوائجكن ) يريد حاجات الإنسان . ومحمل هذا الأمر ~~على ملازمة بيوتهن فيما عدا ما يضطر فيه الخروج مثل موت الأبوين . وقد خرجت ~~عائشة إلى بيت أبيها أبي بكر في مرضه الذي مات فيه كما دل عليه حديثه معها ~~في عطيته التي كان أعطاها من ثمرة نخلة وقوله لها : ( وإنما هو اليوم مال ~~وارث ) رواه في ( الموطأ ) . وكن يخرجن للحج وفي بعض الغزوات مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لأن مقر النبي صلى الله عليه وسلم في أسفاره قائم مقام ~~بيوته في الحضر ، وأبت سودة أن تخرج إلى الحج والعمرة بعد ذلك . وكل ذلك ~~مما يفيد إطلاق الأمر في قوله : { وقرن في بيوتكن } . # ولذلك لما مات سعد بن أبي وقاص أمرت عائشة أن يمر عليها بجنازته في ~~المسجد لتدعو له ، أي لتصلي عليه . رواه في ( الموطأ ) . # وقد أشكل ms6478 على الناس خروج عائشة إلى البصرة في الفتنة التي تدعى : وقعة ~~الجمل ، فلم يغير عليها ذلك كثير من جلة الصحابة منهم طلحة والزبير . وأنكر ~~ذلك عليها بعضهم مثل : عمار بن ياسر ، وعلي بن أبي طالب ، ولكل نظر في ~~الاجتهاد . والذي عليه المحققون مثل أبي بكر بن العربي أن ذلك كان منها عن ~~اجتهاد فإنها رأت أن في خروجها إلى البصرة مصلحة للمسلمين لتسعى بين فريقي ~~PageV22P011 الفتنة بالصلح فإن الناس تعلقوا بها وشكوا إليها ما صاروا إليه ~~من عظيم الفتنة ورجوا بركتها أن تخرج فتصلح بين الفريقين ، وظنوا أن الناس ~~يستحيون منها فتأولت لخروجها مصلحة تفيد إطلاق القرار المأمور به في قوله ~~تعالى : { وقرن في بيوتكن } يكافىء الخروج للحج . وأخذت بقوله تعالى : { ~~وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما } ( الحجرات : 9 ) ورأت أن ~~الأمر بالإصلاح يشملها وأمثالها ممن يرجون سماع الكلمة ، فكان ذلك منها عن ~~اجتهاد . وقد أشار عليها جمع من الصحابة بذلك وخرجوا معها مثل طلحة والزبير ~~وناهيك بهما . وهذا من مواقع اجتهاد الصحابة التي يجب علينا حملها على أحسن ~~المخارج ونظن بها أحسن المذاهب ، كقولنا في تقاتلهم في صفين وكاد أن يصلح ~~الأمر ولكن أفسده دعاة الفتنة ولم تشعر عائشة إلا والمقاتلة قد جرت بين ~~فريقين من الصحابة يوم الجمل . ولا ينبغي تقلد كلام المؤرخين على علاته فإن ~~فيهم من أهل الأهواء ومن تلقفوا الغث والسمين . وما يذكر عنها رضي الله ~~عنها : أنها كانت إذا قرأت هذه الآية تبكي حتى يبتل خمارها ، فلا ثقة بصحة ~~سنده ، ولو صح لكان محمله أنها أسفت لتلك الحوادث التي ألجأتها إلى ~~الاجتهاد في تأويل الآية . # . # التبرج : إظهار المرأة محاسن ذاتها وثيابها وحليها بمرأى الرجال . وتقدم ~~في قوله تعالى : { غير متبرجات بزينة في سورة النور . # وانتصب تبرج الجاهلية الأولى } على المفعول المطلق ، وهو في معنى الوصف ~~الكاشف أريد به التنفير من التبرج . والمقصود من النهي الدوام على الانكفاف ~~عن التبرج وأنهن منهيات عنه . وفيه تعريض بنهي غيرهن من المسلمات عن التبرج ~~، فإن المدينة أيامئذ ms6479 قد بقي فيها نساء المنافقين وربما كن على بقية من ~~سيرتهن في الجاهلية فأريد النداء على إبطال ذلك في سيرة المسلمات ، ويظهر ~~أن أمهات المؤمنين منهيات عن التبرج مطلقا حتى في الأحوال التي رخص للنساء ~~التبرج فيها في سورة النور في بيوتهن لأن ترك التبرج كمال وتنزه عن ~~الاشتغال بالسفاسف . # فنسب إلى أهل الجاهلية إذ كان قد تقرر بين المسلمين تحقير ما كان عليه ~~أمر PageV22P012 الجاهلية إلا ما أقره الإسلام . # و { الجاهلية } : المدة التي كانت عليها العرب قبل الإسلام ، وتأنيثها ~~لتأويلها بالمدة . والجاهلية نسبة إلى الجاهل لأن الناس الذين عاشوا فيها ~~كانوا جاهلين بالله وبالشرائع ، وقد تقدم عند قوله تعالى : { يظنون بالله ~~غير الحق ظن الجاهلية في سورة آل عمران . # ووصفها بالأولى } وصف كاشف لأنها أولى قبل الإسلام ، وجاء الإسلام بعدها ~~فهو كقوله تعالى : { وأنه أهلك عادا الأولى } ( النجم : 50 ) ، وكقولهم : ~~العشاء الآخرة ، وليس ثمة جاهليتان أولى وثانية . ومن المفسرين من جعلوه ~~وصفا مقيدا وجعلوا الجاهلية جاهليتين ، فمنهم من قال : الأولى هي ما قبل ~~الإسلام وستكون جاهلية أخرى بعد الإسلام يعني حين ترتفع أحكام الإسلام ~~والعياذ بالله . ومنهم من قال : الجاهلية الأولى هي القديمة من عهد ما قبل ~~إبراهيم ولم يكن للنساء وازع ولا للرجال ، ووضعوا حكايات في ذلك مختلفة أو ~~مبالغا فيها أو في عمومها ، وكل ذلك تكلف دعاهم إليه حمل الوصف على قصد ~~التقييد . # . # أريد بهذه الأوامر الدوام عليها لأنهن متلبسات بمضمونها من قبل ، وليعلم ~~الناس أن المقربين والصالحين لا ترتفع درجاتهم عند الله تعالى عن حق توجه ~~التكليف عليهم . وفي هذا مقمع لبعض المتصوفين الزاعمين أن الأولياء إذا ~~بلغوا المراتب العليا من الولاية سقطت عنهم التكاليف الشرعية . # وخص الصلاة والزكاة بالأمر ثم جاء الأمر عاما بالطاعة لأن هاتين الطاعتين ~~البدنية والمالية هما أصل سائر الطاعات فمن اعتنى بهما حق العناية جرتاه ~~إلى ما وراءهما ، قال تعالى : { إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر وقد ~~بيناه في سورة العنكبوت PageV22P013 . # } . # متصل بما قبله إذ هو تعليل لما تضمنته الآيات السابقة ms6480 من أمر ونهي ابتداء ~~من قوله تعالى : { يا نساء النبي من يأت منكن } ( الأحزاب : 30 ) الآية . ~~فإن موقع { إنما } يفيد ربط ما بعدها بما قبلها لأن حرف ( إن ) جزء من { ~~إنما } وحرف ( إن ) من شأنه أن يغني غناء فاء التسبب كما بينه الشيخ عبد ~~القاهر ، فالمعنى أمركن الله بما أمر ونهاكن عما نهى لأنه أراد لكن تخلية ~~عن النقائص والتحلية بالكمالات . وهذا التعليل وقع معترضا بين الأوامر ~~والنواهي المتعاطفة . # والتعريف في { البيت } تعريف العهد وهو بيت النبي صلى الله عليه وسلم ~~وبيوت النبي عليه الصلاة والسلام كثيرة فالمراد بالبيت هنا بيت كل واحدة من ~~أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وكل بيت من تلك البيوت أهله النبي صلى الله ~~عليه وسلم وزوجه صاحبة ذلك ، ولذلك جاء بعده قوله : { واذكرن ما يتلى في ~~بيوتكن } ( الأحزاب : 34 ) ، وضميرا الخطاب موجهان إلى نساء النبي صلى الله ~~عليه وسلم على سنن الضمائر التي تقدمت . وإنما جيء بالضميرين بصيغة جمع ~~المذكر على طريقة التغليب لاعتبار النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الخطاب ~~لأنه رب كل بيت من بيوتهن وهو حاضر هذا الخطاب إذ هو مبلغه . وفي هذا ~~التغليب إيماء إلى أن هذا التطهير لهن لأجل مقام النبي صلى الله عليه وسلم ~~لتكون قريناته مشابهات له في الزكاء والكمال ، كما قال الله تعالى : { ~~والطيبات للطيبين } ( النور : 26 ) يعني أزواج النبي للنبيء صلى الله عليه ~~وسلم وهو نظير قوله في قصة إبراهيم : { رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت ~~} ( هود : 73 ) والمخاطب زوج إبراهيم وهو معها . # و { الرجس } في الأصل : القذر الذي يلوث الأبدان ، واستعير هنا للذنوب ~~والنقائص الدينية لأنها تجعل عرض الإنسان في الدنيا والآخرة مرذولا مكروها ~~كالجسم الملوث بالقذر . وقد تقدم في قوله تعالى : { رجس من عمل الشيطان في ~~سورة العقود . واستعير التطهير لضد ذلك وهو تجنيب الذنوب والنقائص كما يكون ~~الجسم أو الثوب طاهرا . # واستعير الإذهاب للإنجاء والإبعاد . PageV22P014 # وفي التعبير بالفعل المضارع دلالة على تجدد الإرادة واستمرارها ، وإذا ~~أراد الله أمرا قدره إذ لا ms6481 راد لإرادته . # والمعنى : ما يريد الله لكن مما أمركن ونهاكن إلا عصمتكن من النقائص ~~وتحليتكن بالكمالات ودوام ذلك ، أي لا يريد من ذلك مقتا لكن ولا نكاية . ~~فالقصر قصر قلب كما قال تعالى : ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ~~ليطهركم } ( المائدة : 6 ) . وهذا وجه مجيء صيغة القصر ب { إنما } . والآية ~~تقتضي أن الله عصم أزواج نبيئه صلى الله عليه وسلم من ارتكاب الكبائر وزكى ~~نفوسهن . # و { أهل البيت } : أزواج النبي صلى الله عليه وسلم والخطاب موجه إليهن ~~وكذلك ما قبله وما بعده لا يخالط أحدا شك في ذلك ، ولم يفهم منها أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم والتابعون إلا أن أزواج النبي عليه الصلاة ~~والسلام هن المراد بذلك وأن النزول في شأنهن . # وأما ما رواه الترمذي عن عطاء بن أبي رباح عن عمر بن أبي سلمة قال : لما ~~نزلت على النبي : { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم ~~تطهيرا } في بيت أم سلمة دعا فاطمة وحسنا وحسينا فجللهم بكساء وعلي خلف ~~ظهره ثم قال : ( اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ) . ~~وقال : هو حديث غريب من حديث عطاء عن عمر بن أبي سلمة ولم يسمه الترمذي ~~بصحة ولا حسن ، ووسمه بالغرابة . وفي ( صحيح مسلم ) عن عائشة : خرج رسول ~~الله غداة وعليه مرط مرحل فجاء الحسن فأدخله ، ثم جاء الحسين فأدخله ، ثم ~~جاءت فاطمة فأدخلها ، ثم جاء علي فأدخله ، ثم قال : { إنما يريد الله ليذهب ~~عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا } . وهذا أصرح من حديث الترمذي . # فمحمله أن النبي صلى الله عليه وسلم ألحق أهل الكساء بحكم هذه الآية ~~وجعلهم أهل بيته كما ألحق المدينة بمكة في حكم الحرمية بقوله : ( إن ~~إبراهيم حرم مكة وإني أحرم ما بين لابتيها ) . وتأول البيت على معنييه ~~الحقيقي والمجازي يصدق ببيت النسب كما يقولون : فيهم البيت والعدد ، ويكون ~~هذا من حمل القرآن على جميع محامله غير المتعارضة كما أشرنا إليه في ~~المقدمة التاسعة . وكأن حكمة PageV22P015 تجليلهم معه بالكساء ms6482 تقوية ~~استعارة البيت بالنسبة إليهم تقريبا لصورة البيت بقدر الإمكان في ذلك الوقت ~~ليكون الكساء بمنزلة البيت ووجود النبي صلى الله عليه وسلم معهم في الكساء ~~كما هو في حديث مسلم تحقيق لكون ذلك الكساء منسوبا إليه ، وبهذا يتضح أن ~~أزواج النبي صلى الله عليه وسلم هن آل بيته بصريح الآية ، وأن فاطمة ~~وابنيها وزوجها مجعولون أهل بيته بدعائه أو بتأويل الآية على محاملها . ~~ولذلك هم أهل بيته بدليل السنة ، وكل أولئك قد أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم ~~تطهيرا ، بعضه بالجعل الإلهي ، وبعضه بالجعل النبوي ، ومثله قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم ( سلمان منا أهل البيت ) . وقد استوعب ابن كثير روايات ~~كثيرة من هذا الخبر مقتضية أن أهل البيت يشمل فاطمة وعليا وحسنا وحسينا . ~~وليس فيها أن هذه الآية نزلت فيهم إلا حديثا واحدا نسبه ابن كثير إلى ~~الطبري ولم يوجد في تفسيره عن أم سلمة أنها ذكر عندها علي بن أبي طالب ~~فقالت : فيه نزلت : { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم ~~تطهيرا } وذكرت خبر تجليله مع فاطمة وابنيه بكساء ( وذكر مصحح طبعة ( تفسير ~~ابن كثير ) أن في متن ذلك الحديث اختلافا في جميع النسخ ولم يفصله المصحح ) ~~. # وقد تلقف الشيعة حديث الكساء فغصبوا وصف أهل البيت وقصروه على فاطمة ~~وزوجها وابنيهما عليهم الرضوان ، وزعموا أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ~~لسن من أهل البيت . وهذه مصادمة للقرآن بجعل هذه الآية حشوا بين ما خوطب به ~~أزواج النبي . وليس في لفظ حديث الكساء ما يقتضي قصر هذا الوصف على أهل ~~الكساء إذ ليس في قوله : ( هؤلاء أهل بيتي ) صيغة قصر وهو كقوله تعالى : { ~~إن هؤلاء ضيفي } ( الحجر : 68 ) ليس معناه ليس لي ضيف غيرهم ، وهو يقتضي أن ~~تكون هذه الآية مبتورة عما قبلها وما بعدها . ويظهر أن هذا التوهم من زمن ~~عصر التابعين ، وأن منشأه قراءة هذه الآية على الألسن دون اتصال بينها وبين ~~ما قبلها وما بعدها . ويدل لذلك ما رواه المفسرون عن عكرمة أنه ms6483 قال : من ~~شاء بأهلية أنها نزلت في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وأنه قال أيضا : ~~ليس بالذي تذهبون إليه ، إنما هو نساء النبي صلى الله عليه وسلم وأنه كان ~~يصرخ بذلك في السوق . وحديث عمر بن أبي سلمة صريح في أن الآية نزلت قبل أن ~~يدعو النبي الدعوة لأهل الكساء وأنها نزلت في بيت أم سلمة . PageV22P016 # وأما ما وقع من قول عمر بن أبي سلمة : أن أم سلمة قالت : وأنا معهم يا ~~رسول الله ؟ . . . فقال : ( أنت على مكانك وأنتت على خير ) . فقد وهم فيه ~~الشيعة فظنوا أنه منعها من أن تكون من أهل بيته ، وهذه جهالة لأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم إنما أراد أن ما سألته من الحاصل ، لأن الآية نزلت فيها وفي ~~ضرائرها ، فليست هي بحاجة إلى إلحاقها بهم ، فالدعاء لها بأن يذهب الله ~~عنها الرجس ويطهرها دعاء بتحصيل أمر حصل وهو مناف بآداب الدعاء كما حرره ~~شهاب الدين القرافي في الفرق بين الدعاء المأذون فيه والدعاء الممنوع منه ، ~~فكان جواب النبي صلى الله عليه وسلم تعليما لها . وقد وقع في بعض الروايات ~~أنه قال لأم سلمة : ( إنكك من أزواج النبي ) . وهذا أوضح في المراد بقوله : ~~( إنك على خير ) . # ولما استجاب الله دعاءه كان النبي صلى الله عليه وسلم يطلق أهل البيت على ~~فاطمة وعلي وابنيهما ، فقد روى الترمذي عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان يمر بباب فاطمة ستة أشهر إذا خرج إلى صلاة الفجر يقول : ~~( الصلاة يا أهل البيت { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ~~ويطهركم تطهيرا } ) ، قال الترمذي : هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه . # واللام في قوله : { ليذهب } لام جر تزاد للتأكيد غالبا بعد مادتي الإرادة ~~والأمر ، وينتصب الفعل المضارع بعدها ب ( أن ) مضمرة إضمارا واجبا ، ومنه ~~قوله تعالى : { وأمرنا لنسلم لرب العالمين } ( الأنعام : 71 ) ، وقول كثير ~~: # أريد لأنسى حبها فكأنما # تمثل لي ليلى بكل مكان # وعن النحاس أن بعض القراء سماها ( لام أن ) وتقدم قوله ms6484 تعالى : { يريد ~~الله ليبين لكم } في سورة النساء . # وقوله : { أهل البيت } نداء للمخاطبين من نساء النبي صلى الله عليه وسلم ~~مع حضرة النبي عليه الصلاة والسلام ، وقد شمل كل من ألحق النبي صلى الله ~~عليه وسلم بهن بأنه من أهل البيت وهم : فاطمة وابناها وزوجها وسلمان لا ~~يعدو هؤلاء . PageV22P017 # لما ضمن الله لهن العظمة أمرهن بالتحلي بأسبابها والتملي من آثارها ~~والتزود من علم الشريعة بدراسة القرآن ليجمع ذلك اهتداءهن في أنفسهن ~~ازديادا في الكمال والعلم ، وإرشادهن الأمة إلى ما فيه صلاح لها من علم ~~النبي صلى الله عليه وسلم # وفعل { اذكرن } يجوز أن يكون من الذكر بضم الذال وهو التذكر ، وهذه كلمة ~~جامعة تشمل المعنى الصريح منه ، وهو أن لا ينسين ما جاء في القرآن ولا ~~يغفلن عن العمل به ، ويشمل المعنى الكنائي وهو أن يراد مراعاة العمل بما ~~يتلى في بيوتهن مما ينزل فيها وما يقرأه النبي صلى الله عليه وسلم فيها ، ~~وما يبين فيها من الدين ، ويشمل معنى كنائيا ثانيا وهو تذكر تلك النعمة ~~العظيمة أن كانت بيوتهن موقع تلاوة القرآن . # ويجوز أن يكون من الذكر بكسر الذال ، وهو إجراء الكلام على اللسان ، أي ~~بلغنه للناس بأن يقرأن القرآن ويبلغن أقوال النبي صلى الله عليه وسلم ~~وسيرته . وفيه كناية عن العمل به . والتلاوة : القراءة ، أي إعادة كلام ~~مكتوب أو محفوظ ، أي ما يتلوه الرسول صلى الله عليه وسلم و { من آيات الله ~~والحكمة } بيان لما يتلى فكل ذلك متلو ، وذلك القرآن ، وقد بين المتلو ~~بشيئين : هما آيات الله ، والحكمة ، فآيات الله يعم القرآن كله ، لأنه معجز ~~عن معارضته فكان آية على أنه من عند الله . # وعطف { والحكمة } عطف خاص على عام وهو ما كان من القرآن مواعظ وأحكاما ~~شرعية ، قال تعالى بعد ذكر الأحكام التي في سورة الإسراء { ذلك مما أوحى ~~إليك ربك من الحكمة ، أي ما يتلى في بيوتهن عند نزوله ، أو بقراءة النبي ~~ودراستهن القرآن ، ليتجدد ما علمنه ويلمع لهن من أنواره ما هو مكنون لا ms6485 ~~ينضب معينه ، وليكن مشاركاتت في تبليغ القرآن وتواتره ، ولم يزل أصحاب رسول ~~الله والتابعون بعدهم يرجعون إلى أمهات المؤمنين في كثير من أحكام النساء ~~ومن أحكام الرجل مع أهله ، كما في قوله تعالى : اذكرني عند ربك } ( يوسف : ~~42 ) ، أي بلغ خبر سجني وبقائي فيه . PageV22P018 # وموقع مادة الذكر هنا موقع شريف لتحملها هذه المحامل ما لا يتحمله غيرها ~~إلا بإطناب . قال ابن العربي : إن الله تعالى أمر نبيئه عليه الصلاة ~~والسلام بتبليغ ما أنزل إليه فكان إذا قرأ على واحد أو ما اتفق سقط عنه ~~الفرض ، وكان على من تبعه أن يبلغه إلى غيره ولا يلزمه أن يذكره لجميع ~~الصحابة . # وقد تكرر ذكر الحكمة في القرآن في مواضع كثيرة ، وبيناه في سورة البقرة . # وتقدم قريبا اختلاف القراء في كسر باء ( بيوت ) أو ضمها . # وجملة { إن الله كان لطيفا خبيرا } تعليل للأمر وتذييل للجمل السابقة . ~~والتعليل صالح لمحامل الأمر كلها لأن اللطف يقتضي إسداء النفع بكيفية لا ~~تشق على المسدى إليه . # وفيما وجه إلى نساء النبي صلى الله عليه وسلم من الأمر والنهي ما هو صلاح ~~لهن وإجراء للخير بواسطتهن ، وكذلك في تيسيره إياهن لمعاشرة الرسول عليه ~~الصلاة والسلام وجعلهن أهل بيوته ، وفي إعدادهن لسماع القرآن وفهمه ، ~~ومشاهدة الهدي النبوي ، كل ذلك لطف لهن هو الباعث على ما وجهه إليهن من ~~الخطاب ليتلقين الخبر ويبلغنه ، ولأن الخبير ، أي العليم إذا أراد أن يذهب ~~عنهن الرجس ويطهرهن حصل مراده تاما لا خلل ولا غفلة . # فمعنى الجملة أنه تعالى موصوف باللطف والعلم كما دل عليه فعل { كان } ~~فيشمل عموم لطفه وعلمه لطفه بهن وعلمه بما فيه نفعهن . # يجوز أن تكون هذه الجملة استئنافا بيانيا لأن قوله : { ومن يقنت منكن لله ~~ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين } ( الأحزاب : 31 ) بعد قوله : { ~~لستن كأحد من النساء } ( الأحزاب : 32 ) PageV22P019 يثير في نفوس المسلمات ~~أن يسألن : أهن مأجورات على ما يعملن من الحسنات ، وأهن مأمورات بمثل ما ~~أمرت به أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أم تلك خصائص ms6486 لنساء النبي عليه ~~الصلاة والسلام ، فكان في هذه الآية ما هو جواب لهذا السؤال على عادة ~~القرآن فيما إذا ذكر مأمورات يعقبها بالتذكير بحال أمثالها أو بحال أضدادها ~~. ويجوز أن تكون استئنافا ابتدائيا ورد بمناسبة ما ذكر من فضائل أزواج ~~النبي صلى الله عليه وسلم # روى ابن جرير والواحدي عن قتادة : أن نساء دخلن على أزواج النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقلن : قد ذكركن الله في القرآن ولم يذكرنا بشيء ، ولو كان فينا ~~خير لذكرنا فأنزل الله هذه الآية . # وروى النسائي وأحمد : أن أم سلمة قالت للنبيء صلى الله عليه وسلم ما لنا ~~لا نذكر في القرآن كما يذكر الرجال فأنزل الله تعالى هذه الآية . # وروى الترمذي والطبراني : ( أن أم عمارة الأنصارية أتت النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقالت : ما أرى النساء يذكرن بشيء ) فنزلت هذه الآية . # وقال الواحدي : ( قال مقاتل : بلغني أن أسماء بنت عميس لما رجعت من ~~الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب دخلت على نساء النبي فقالت : هل نزل فينا ~~شيء من القرآن ؟ قيل : لا ، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول ~~الله إن النساء لفي خيبة وخسار . قال : ومم ذلك ؟ قالت : لأنهن لا يذكرن ~~بالخير كما يذكر الرجال فأنزل الله هذه الآية ) . # فالمقصود من أصحاب هذه الأوصاف المذكورة النساء ، وأما ذكر الرجال ~~فللإشارة إلى أن الصنفين في هذه الشرائع سواء ليعلموا أن الشريعة لا تختص ~~بالرجال لا كما كان معظم شريعة التوراة خاصا بالرجال إلا الأحكام التي لا ~~تتصور في غير النساء ، فشريعة الإسلام بعكس ذلك الأصل في شرائعها أن تعم ~~الرجال والنساء إلا ما نص على تخصيصه بأحد الصنفين ، ولعل بهذه الآية ~~وأمثالها تقرر أصل التسوية فأغنى عن التنبيه عليه في معظم أقوال القرآن ~~والسنة ، ولعل هذا هو PageV22P020 وجه تعداد الصفات المذكورة في هذه الآية ~~لئلا يتوهم التسوية في خصوص صفة واحدة . # وسلك مسلك الإطناب في تعداد الأوصاف لأن المقام لزيادة البيان لاختلاف ~~أفهام الناس في ذلك ، على أن في هذا التعداد ms6487 إيماء إلى أصول التشريع كما ~~سنبينه في آخر تفسير هذه الآية . # وبهذه الآثار يظهر اتصال هذه الآيات بالتي قبلها . وبه يظهر وجه تأكيد ~~هذا الخبر بحرف { إن } لدفع شك من شك في هذا الحكم من النساء . # والمراد ب { المسلمين والمسلمات } من اتصف بهذا المعنى المعروف شرعا . ~~والإسلام بالمعنى الشرعي هو شهادة أن لا إلاه إلا الله وأن محمدا رسول الله ~~وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت ، ولا يعتبر إسلاما إلا ~~مع الإيمان . وذكر { المؤمنين والمؤمنات بعده للتنبيه على أن الإيمان هو ~~الأصل ، وقد تقدم الكلام عليه عند قوله تعالى : فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون ~~في البقرة . # والمراد بالمؤمنين والمؤمنات } الذين آمنوا . والإيمان : أن يؤمن بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ويؤمن بالقدر خيره وشره . وتقدم الكلام ~~على الإيمان في أوائل سورة البقرة . # و { والقانتين والقانتات } : أصحاب القنوت وهو الطاعة لله وعبادته ، ~~وتقدم آنفا { ومن يقنت منكن لله ورسوله } ( الأحزاب : 31 ) و { الصادقين ~~والصادقات } من حصل منهم صدق القول وهو ضد الكذب ، والصدق كله حسن ، والكذب ~~لا خير فيه إلا لضرورة . وشمل ذلك الوفاء بما يلتزم به من أمور الديانة ~~كالوفاء بالعهد والوفاء بالنذر ، وتقدم عند قوله تعالى : { أولئك الذين ~~صدقوا في سورة البقرة . # وبالصابرين والصابرات } : أهل الصبر والصبر محمود في ذاته لدلالته على ~~قوة العزيمة ، ولكن المقصود هنا هو تحمل المشاق في أمور الدين ، وتحمل ~~المكاره في PageV22P021 الذب عن الحوزة الإسلامية ، وتقدم مستوفى عند قوله ~~تعالى : { يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا آخر سورة آل عمران . # وبالخاشعين والخاشعات } : أهل الخشوع ، وهو الخضوع لله والخوف منه ، وهو ~~يرجع إلى معنى الإخلاص بالقلب فيما يعمله المكلف ، ومطابقة ذلك لما يظهر من ~~آثاره على صاحبه . والمراد : الخشوع لله بالقلب والجوارح ، وتقدم في قوله ~~تعالى : { وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين في سورة البقرة . # وبالمتصدقين والمتصدقات } : من يبذل الصدقة من ماله للفقراء ، وتقدم في ~~قوله تعالى : { إلا من أمر بصدقة في سورة النساء . وفائدة ذلك للأمة عظيمة ~~. # وأما ( الصائمون والصائمات ) فظاهر ما في ms6488 الصيام من تخلق برياضة النفس ~~لطاعة الله ، إذ يترك المرء ما هو جبلي من الشهوة تقربا إلى الله ، أي ~~برهانا على أن رضى الله عنه ألذ عنده من أشد اللذات ملازمة له . # وأما حفظ الفروج فلأن شهوة الفرج شهوة جبلية ، وهي في الرجل أشد ، وقد ~~أثنى الله على الأنبياء بذلك فقال في يحيى وحصورا } ( آل عمران : 39 ) وقال ~~في مريم { والتي أحصنت فرجها } ( الأنبياء : 91 ) ، وهذا الحفظ له حدود ~~سنتها الشريعة ، فالمراد : حفظ الفروج عن أن تستعمل فيما نهي عنه شرعا ، ~~وليس المراد : حفظها عن الاستعمال أصلا وهو الرهبنة ، فإن الرهبنة مدحوضة ~~في الإسلام بأدلة متواترة المعنى . # وأما ( الذاكرون والذاكرات ) فهو وصف صالح لأن يكون من الذكر بكسر الذال ~~وهو ذكر اللسان كالذي في قوله : { فاذكروني أذكركم } ( البقرة : 152 ) ~~وقوله في الحديث : ( ومن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ) ، ومن الذكر بضمها ~~كما تقدم آنفا في قوله : { واذكرن ما يتلى في بيوتكن } ( الأحزاب : 34 ) ، ~~والذي في قوله : { ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم } ( آل عمران : 135 ) . # ومفعول و { الحافظات } محذوف دل عليه ما قبله من قوله : { والحافظين ~~فروجهم } ، وكذلك مفعول و { الذاكرات } . # وقد اشتملت هذه الخصال العشر على جوامع فصول الشريعة كلها . PageV22P022 # فالإسلام : يجمع قواعد الدين الخمس المفروضة التي هي أعمال ، والإيمان ~~يجمع الاعتقادات القلبية المفروضة وهو شرط أعمال الإسلام كلها ، قال تعالى ~~: { ثم كان من الذين آمنوا } ( البلد : 17 ) . # والقنوت : يجمع الطاعات كلها مفروضها ومسنونها ، وترك المنهيات والإقلاع ~~عنها ممن هو مرتكبها ، وهو معنى التوبة ، فالقنوت هو تمام الطاعة ، فهو ~~مساو للتقوى . فهذه جوامع شرائع المكلفين في أنفسهم . # والصدق : يجمع كل عمل هو من موافقة القول والفعل للواقع في القضاء ~~والشهادة والعقود والالتزامات وفي المعاملات بالوفاء بها وترك الخيانة ، ~~ومطابقة الظاهر للباطن في المراتب كلها . ومن الصدق صدق الأفعال . # والصبر : جامع لما يختص بتحمل المشاق من الأعمال كالجهاد والحسبة في ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومناصحة المسلمين وتحمل الأذى في الله ، ~~وهو خلق عظيم هو مفتاح أبواب محامد الأخلاق والآداب والإنصاف ms6489 من النفس . # والخشوع : الإخلاص بالقلب والظاهر ، وهو الانقياد وتجنب المعاصي ، ويدخل ~~فيه الإحسان وهو المفسر في حديث جبريل ( أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن ~~تراه فإنه يراك ) . ويدخل تحت ذلك جميع القرب النوافل فإنها من آثار الخشوع ~~، ويدخل فيه التوبة مما اقترفه المرء من الكبائر إذ لا يتحقق الخشوع بدونها ~~. # والتصدق : يحتوي جميع أنواع الصدقات والعطيات وبذل المعروف والإرفاق . # والصوم : عبادة عظيمة ، فلذلك خصصت بالذكر مع أن الفرض منه مشمول للإسلام ~~في قوله : { إن المسلمين والمسلمات } ويفي صوم النافلة ، فالتصريح بذكر ~~الصوم تنويه به . وفي الحديث ( قال الله تعالى : الصوم لي وأنا أجزي به ) . # وحفظ الفروج : أريد به حفظها عما ورد الشرع بحفظها عنه ، وقد اندرج في ~~هذا جميع أحكام النكاح وما يتفرع عنها وما هو وسيلة لها . # وذكر الله كما علمت له محملان : PageV22P023 # أحدهما : ذكره اللساني فيدخل فيه قراءة القرآن وطلب العلم ودراسته . # قال النبي صلى الله عليه وسلم ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون ~~كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وذكرهم ~~الله فيمن عنده ) ، ففي قوله : ( وذكرهم الله ) إيماء إلى أن الجزاء من جنس ~~عملهم فدل على أنهم كانوا في شيء من ذكر الله وقد قال تعالى : { فاذكروني ~~أذكركم } ( البقرة : 152 ) وقال فيما أخبر عنه رسوله صلى الله عليه وسلم ( ~~وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم ) . وشمل ما يذكر عقب الصلوات ونحو ~~ذلك من الأذكار . # والمحمل الثاني : الذكر القلبي وهو ذكر الله عند أمره ونهيه كما قال عمر ~~بن الخطاب : أفضل من ذكر الله باللسان ذكر الله عند أمره ونهيه ، وهو الذي ~~في قوله تعالى : { والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله ~~فاستغفروا لذنوبهم } ( آل عمران : 135 ) فدخل فيه التوبة ودخل فيها ~~الارتداع عن المظالم كلها من القتل وأخذ أموال الناس والحرابة والإضرار ~~بالناس في المعاملات . ومما يوضح شموله لهذه الشرائع كلها تقييده ب { كثيرا ~~} لأن المرء إذا ذكر الله كثيرا فقد استغرق ذكره ms6490 على المحملين جميع ما يذكر ~~الله عنده . # ويراعى في الاتصاف بهذه الصفات أن تكون جارية على ما حدده الشرع في ~~تفاصيلها . # والمغفرة : عدم المؤاخذة بما فرط من الذنوب ، وقد تقدمت في قوله تعالى : ~~{ وإن لم تغفر لنا وترحمنا لكونن من الخاسرين في سورة الأعراف . واعلم أن ~~عطف الصفات بالواو المفيد مجرد التشريك في الحكم دون حرفي الترتيب : الفاء ~~وثم ، شأنه أن يكون الحكم المذكور معه ثابتا لكل واحد اتصف بوصف من الأوصاف ~~المشتق منها موصوفه لأن أصل العطف بالواو أن يدل على مغايرة المعطوفات في ~~الذات ، فإذا قلت : وجدت فيهم الكريم والشجاع والشاعر كان المعنى : أنك ~~وجدت فيهم ثلاثة أناس كل واحد منهم موصوف بصفة من المذكورات . وفي الحديث : ~~فإن منهم المريض والضعيف وذا الحاجة أي أصحاب المرض والضعف والحاجة ، بخلاف ~~العطف بالفاء كقوله تعالى : والصافات صفا فالزاجرات زجرا فالتاليات ذكرا } ~~( الصافات : 1 3 ) فإن الأوصاف المذكورة في تلك الآية ثابتة PageV22P024 ~~لموصوف واحد . ولهذا فحق جملة { أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما } أن تكون ~~خبرا في المعنى عن كل واحد من المتعاطفات فكأنه قيل : إن المسلمين أعد الله ~~لهم مغفرة وأجرا عظيما ، إن المسلمات أعد الله لهن مغفرة وأجرا عظيما ، ~~وهكذا . والفعل الواقع في جملة الخبر وهو فعل { أعد } قد تعدى إلى مفعول ~~ومعطوف على المفعول فصحة الإخبار به عن كل واحد من الموصوفات المتعاطفات ~~باعتبار المعطوف على مفعوله واضحة لأن الأجر العظيم يصلح لأن يعطى لكل واحد ~~ويقبل التفاوت فيكون لكل من أصحاب تلك الأوصاف أجره على اتصافه به ويكون ~~أجر بعضهم أوفر من أجر بعض آخر . # وأما صحة الإخبار بفعل { أعد } عن كل واحد من المتعاطفات باعتبار المفعول ~~وهو { مغفرة } فيمنع منه ما جاء من دلائل الكتاب والسنة الدالة على أن ~~الذنوب الكبيرة التي فرطت لا يضمن غفرانها للمذنبين إلا بشرط التوبة من ~~المذنب وعدا من الله بقوله : { كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم ~~سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم } ( الأنعام ms6491 : 54 ) . ~~وألحقت السنة بموجبات المغفرة الحج المبرور والجهاد في سبيل الله وأشياء ~~أخرى . # والوجه في تفسير ذلك عندي : أن تحمل كل صفة من هذه الصفات على عدم ما ~~يعارضها مما يوجب التبعة ، أي سلامته من التلبس بالكبائر حملا أراعي فيه ~~الجري على سنن القرآن في مثل مقام الثناء والتنويه بالمسلمين من اعتبار حال ~~كمال الإسلام كقوله : { أولئك هم المؤمنون حقا } ( الأنفال : 4 ) فإنا لا ~~نجد التفصيل بين أحوال المسلمين إلا في مقام التحذير من الذنوب . # والمرجع في هذا المحمل إلى بيان الإجمال بالجمع بين أدلة الشريعة . وقد ~~سكت جمهور المفسرين عن التصدي لبيان مفاد هذا الوعد ولم يعرج عليه فيما ~~رأيت سوى صاحب ( الكشاف ) فجعل معنى قوله : { أعد الله لهم مغفرة وأجرا ~~عظيما } : أن الجامعين والجامعات لهذه الطاعات أعد الله لهم مغفرة وأجرا ~~عظيما ، وجعل واو العطف بمعنى المعية ، وجعل العطف على اعتبار المغايرة بين ~~المتعاطفات في الأوصاف لا المغايرة بالذوات ، وهذا تكلف وصنع باليد ، وتبعه ~~البيضاوي وكثير . ويعكر عليه أن جمع تلك الصفات لا يوجب المغفرة لأن ~~الكبائر لا تسقطها عن PageV22P025 صاحبها إلا التوبة ، إلا أن يضم إلى ~~كلامه ضميمة وهي حمل { والذاكرين الله والذاكرات } على معنى المتصفين ~~بالذكر اللساني والقلبي ، فيكون الذكر القلبي شاملا للتوبة كما في قوله ~~تعالى : { والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا ~~لذنوبهم } ( آل عمران : 135 ) فيكون الذين جمعوا هذه الخصال العشر قد حصلت ~~لهم التوبة ، غير أن هذا الاعتذار عن الزمخشري لا يتجاوز هذه الآية ، فإن ~~في القرآن آيات كثيرة مثلها يضيق عنها نطاق هذا الاعتذار ، منها قوله تعالى ~~: { وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا إلى قوله : أولئك يجزون ~~الغرفة بما صبروا الآية في سورة الفرقان ( 63 75 ) . # } # معظم الروايات على أن هذه الآية نزلت في شأن خطبة زينب بنت جحش على زيد ~~بن حارثة . قال ابن عباس : انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب على ~~فتاه زيد بن حارثة زينب بنت جحش فاستنكفت وأبت وأبى أخوها عبد ms6492 الله بن جحش ~~فأنزل الله تعالى : { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة } الآية ، فتابعته ورضيت لأن ~~تزويج زينب بزيد بن حارثة كان قبل الهجرة فتكون هذه الآية نزلت بمكة ويكون ~~موقعها في هذه السورة التي هي مدنية إلحاقا لها بها لمناسبة أن تكون مقدمة ~~لذكر تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب الذي يظهر أنه وقع بعد وقعة ~~الأحزاب وقد علم الله ذلك من قبل فقدر له الأحوال التي حصلت من بعد . # ووجود واو العطف في أول الجملة يقتضي أنها معطوفة على كلام نزل قبلها من ~~سورة أخرى لم نقف على تعيينه ولا تعيين السورة التي كانت الآية فيها ، وهو ~~عطف جملة على جملة لمناسبة بينهما . # وروي عن جابر بن زيد أن سبب نزول هذه الآية : أن أم كلثوم بنت عقبة بن ~~أبي معيط وكانت أول من هاجرن من النساء وأنها وهبت نفسها للنبيء صلى الله ~~عليه وسلم فزوجها من زيد بن حارثة ، بعد أن طلق زيد زينب بنت جحش كما سيأتي ~~قريبا ، PageV22P026 فكرهت هي وأخوها ذلك وقالت : إنما أردت رسول الله ~~فزوجني عبده ثم رضيت هي وأخوها بعد نزول الآية . # والمناسبة تعقيب الثناء على أهل خصال هي من طاعة الله ، بإيجاب طاعة الله ~~والرسول صلى الله عليه وسلم فلما أعقب ذلك بما في الاتصاف بما هو من أمر ~~الله مما يكسب موعوده من المغفرة والأجر ، وسوى في ذلك بين الرجال والنساء ~~، أعقبه ببيان أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يأمر به ويعتزم ~~الأمر هي طاعة واجبة وأنها ملحقة بطاعة الله وأن صنفي الناس الذكور والنساء ~~في ذلك سواء كما كانا سواء في الأحكام الماضية . # وإقحام { كان } في النفي أقوى دلالة على انتفاء الحكم لأن فعل { كان } ~~لدلالته على الكون ، أي الوجود يقتضي نفيه انتفاء الكون الخاص برمته كما ~~تقدم غير مرة . # والمصدر المستفاد من { أن تكون لهم الخيرة } في محل رفع اسم { كان } ~~المنفية وهي { كان } التامة . # وقضاء الأمر تبيينه والإعلام به ، قال تعالى : { وقضينا إليه ذلك ms6493 الأمر ~~أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين } ( الحجر : 66 ) . # ومعنى { إذا قضى الله ورسوله } إذا عزم أمره ولم يجعل للمأمور خيارا في ~~الامتثال ، فهذا الأمر هو الذي يجب على المؤمنين امتثاله احترازا من نحو ~~قوله للذين وجدهم يأبرون نخلهم : ( لو تركتموها لصلحت ثم قالوا تركناها فلم ~~تصلح فقال : أنتم أعلم بأمور دنياكم ) . ومن نحو ما تقدم في أول هذه السورة ~~من همه بمصالحة الأحزاب على نصف ثمر المدينة ثم رجوعه عن ذلك لما استشار ~~السعدين ، ومن نحو أمره يوم بدر ، بالنزول بأدنى ماء من بدر فقال له الحباب ~~بن المنذر : أهذا منزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه ، أم ~~هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ قال : ( بل هو الرأي والحرب والمكيدة ) . قال : ~~فإن هذا ليس بمنزل فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله ثم نغور ~~ما وراءه من القلب ثم نبني عليه حوضا فنملأه ماء فنشرب ولا يشربوا . فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لقد أشرت بالرأي ) ، فنهض بالناس . وفي ~~الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر وكان PageV22P027 صائما ، ~~فلما غربت الشمس قال لبلال : ( انزل فاجدح لنا ) ، فقال : يا رسول الله لو ~~أمسيت . ثم قال : ( انزل فاجدح لنا ) ، فقال : يا رسول الله لو أمسيت إن ~~عليك نهارا ثم قال : ( انزل فاجدح ) ، فنزل فجدح له في الثالثة فشرب . ~~فمراجعة بلال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل أنه علم أن الأمر غير ~~عزم . # وذكر اسم الجلالة هنا للإيماء إلى أن طاعة الرسول عليه الصلاة والسلام ~~طاعة لله ، قال تعالى : { من يطع الرسول فقد أطاع الله } ( النساء : 80 ) . ~~فالمقصود إذا قضى رسول الله أمرا كما تقدم في قوله تعالى : { فإن لله خمسه ~~وللرسول في سورة الأنفال إذ المقصود : فإن للرسول خمسه . # والخيرة } : اسم مصدر تخير ، كالطيرة اسم مصدر تطير . قيل ولم يسمع في ~~هذا الوزن غيرهما ، وتقدم في قوله تعالى : { ما كان لهم الخيرة في سورة ~~القصص . # ومن } تبعيضية و { أمرهم } بمعنى شأنهم وهو جنس ms6494 ، أي أمورهم . والمعنى : ~~ما كان اختيار بعض شؤونهم ملكا يملكونه بل يتعين عليهم اتباع ما قضى الله ~~ورسوله صلى الله عليه وسلم فلا خيرة لهم . # و ( مؤمن ومؤمنة ) لما وقعا في حيز النفي يعمان جميع المؤمنين والمؤمنات ~~فلذلك جاء ضميرها ضمير جمع لأن المعنى : ما كان لجمعهم ولا لكل واحد منهم ~~الخيرة كما هو شأن العموم . # وقرأ الجمهور { أن تكون } بمثناة فوقية لأن فاعله مؤنث لفظا . وقرأه عاصم ~~وحمزة والكسائي وخلف وهشام وابن عامر بتحتية لأن الفاعل المؤنث غير الحقيقي ~~يجوز في فعله التذكير ولا سيما إذا وقع الفصل بين الفعل وفاعله . # وقوله : { ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا } تذييل تعميم للتحذير ~~من مخالفة الرسول عليه الصلاة والسلام سواء فيما هو فيه الخيرة أم كان عن ~~عمد للهوى في المخالفة . PageV22P028 # ب . # و { إذ } اسم زمان مفعول لفعل محذوف تقديره : اذكر ، وله نظائر كثيرة . ~~وهو من الذكر بضم الذال الذي هو بمعنى التذكر فلم يأمره الله بأن يذكر ذلك ~~للناس إذ لا جدوى في ذلك ولكنه ذكر رسوله صلى الله عليه وسلم ليرتب عليه ~~قوله : { وتخفي في نفسك ما الله مبديه } . والمقصود بهذا الاعتبار بتقدير ~~الله تعالى الأسباب لمسبباتها لتحقيق مراده سبحانه ، ولذلك قال عقبه : { ~~فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها } إلى قوله : { وكان أمر الله مفعولا } ~~وقوله : { وكان أمر الله قدرا مقدورا } ( الأحزاب : 38 ) . # وهذا مبدأ المقصود من الانتقال إلى حكم إبطال التبني ودحض ما بناه ~~المنافقون على أساسه الباطل بناء على كفر المنافقين الذين غمزوا مغامز في ~~قضية تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش بعد أن طلقها زيد بن ~~حارثة فقالوا : تزوج حليلة ابنه وقد نهى عن تزوج حلائل الأبناء . ولذلك ~~ختمت هذه القصة وتوابعها بالثناء على المؤمنين بقوله : { هو الذي يصلي ~~عليكم } ( الأحزاب : 43 ) الآية . وبالإعراض عن المشركين والمنافقين وعن ~~أذاهم . # وزيد هو المعني من قوله تعالى : { للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه } ، ~~فالله أنعم عليه بالإيمان والخلاص من أيدي المشركين بأن ms6495 يسر دخوله في ملك ~~رسوله صلى الله عليه وسلم والرسول عليه الصلاة والسلام أنعم عليه بالعتق ~~والتبني والمحبة ، ويأتي التصريح باسمه العلم إثر هذه الآية في قوله : { ~~فلما قضى زيد منها وطرا } وهو زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي من كلب بن ~~وبرة وبنو كلب من تغلب . كانت خيل من بني القين بن جسر أغاروا على أبيات من ~~بني معن من طيء ، وكانت أم زيد وهي سعدى بنت ثعلبة من بني معن خرجت به إلى ~~قومها تزورهم فسبقته الخيل المغيرة وباعوه في سوق حباشة ( بضم الحاء ~~المهملة ) بناحية مكة فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بنت خويلد زوج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما ~~تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهبته خديجة لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ( وزيد يومئذ ابن ثمان سنين ) وذلك قبل البعثة ، فحج ناس من كلب فرأوا ~~زيدا PageV22P029 بمكة فعرفوه وعرفهم فأعلموا أباه ووصفوا موضعه وعند من هو ~~، فخرج أبوه حارثة وعمه كعب لفدائه فدخلا مكة وكلما النبي صلى الله عليه ~~وسلم في فدائه ، فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم إليهما فعرفهما ، فقال ~~له النبي عليه الصلاة والسلام : ( اخترني أو اخترهما ) . قال زيد : ما أنا ~~بالذي أختار عليك أحدا ، فانصرف أبوه وعمه وطابت أنفسهما ببقائه ، فلما رأى ~~النبي صلى الله عليه وسلم منه ذلك أخرجه إلى الحجر وقال : ( يا من حضر ~~اشهدوا أن زيدا ابني يرثني وأرثه ) ، فصار ابنا للنبيء صلى الله عليه وسلم ~~على حكم التبني في الجاهلية وكان يدعى : زيد بن محمد . # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجه أم أيمن مولاته فولدت له أسامة ~~بن زيد وطلقها . ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجه زينب بنت جحش ~~الأسدي حليف آل عبد شمس وهي ابنة عمته أميمة بنت عبد المطلب ، وهو يومئذ ~~بمكة . ثم بعد الهجرة آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين حمزة بن عبد ~~المطلب ولما ms6496 بطل حكم التبني بقوله تعالى : { وما جعل أدعياءكم أبناءكم } ( ~~الأحزاب : 4 ) صار يدعى : حب رسول الله . وفي سنة خمس قبل الهجرة بعد غزوة ~~الخندق طلق زيد بن حارثة زينب بنت جحش فزوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وأمها البيضاء بنت عبد المطلب وولدت له زيد ~~بن زيد ورقية ثم طلقها ، وتزوج درة بنت أبي لهب ، ثم طلقها وتزوج هند بنت ~~العوام أخت الزبير . # وشهد زيد بدرا والمغازي كلها . وقتل في غزوة مؤتة سنة ثمان وهو أمير على ~~الجيش وهو ابن خمس وخمسين سنة . # وزوج زيد المذكورة في الآية هي زينب بنت جحش الأسدية وكان اسمها برة فلما ~~تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم سماها زينب ، وأبوها جحش من بني أسد بن ~~خزيمة وكان أبوها حليفا لآل عبد شمس بمكة وأمها أميمة بنت عبد المطلب عمة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها زيد بن حارثة في الجاهلية ثم طلقها ~~بالمدينة ، وتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم سنة خمس ، وتوفيت سنة عشرين ~~من الهجرة وعمرها ثلاث وخمسون سنة ، فتكون مولودة سنة ثلاث وثلاثين قبل ~~الهجرة ، أي سنة عشرين قبل البعثة . # والإتيان بفعل القول بصيغة المضارع لاستحضار صورة القول وتكريره مثل قوله ~~تعالى : { يجادلنا في قوم لوط } ( هود : 74 ) وقوله : { ويصنع الفلك } ( ~~هود : 38 ) ، وفي ذلك تصوير لحث PageV22P030 النبي صلى الله عليه وسلم زيدا ~~على إمساك زوجه وأن لا يطلقها ، ومعاودته عليه . # والتعبير عن زيد بن حارثة هنا بالموصول دون اسمه العلم الذي يأتي في قوله ~~: { فلما قضى زيد } لما تشعر به الصلة المعطوفة وهي { وأنعمت عليه } من ~~تنزه النبي صلى الله عليه وسلم عن استعمال ولائه لحمله على تطليق زوجه ، ~~فالمقصود هو الصلة الثانية وهي { وأنعمت عليه } لأن المقصود منها أن زيدا ~~أخص الناس به ، وأن الرسول عليه الصلاة والسلام أحرص على صلاحه وأنه أشار ~~عليه بإمساك زوجه لصلاحها به ، وأما صلة { أنعم الله عليه } فهي توطئة ~~للثانية . # واعلم أن المأثور الصحيح في ms6497 هذه الحادثة : أن زيد بن حارثة بقيت عنده ~~زينب سنين فلم تلد له ، فكان إذا جرى بينه وبينها ما يجري بين الزوجين تارة ~~من خلاف أدلت عليه بسؤددها وغضت منه بولايته فلما تكرر ذلك عزم على أن ~~يطلقها وجاء يعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعزمه على ذلك لأنه تزوجها ~~من عنده . # وروي عن علي زين العابدين : أن الله أوحى إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه سينكح زينب بنت جحش . وعن الزهري : نزل جبريل على النبي صلى الله عليه ~~وسلم يعلمه أن الله زوجه زينب بنت جحش وذلك هو ما في نفسه . وذكر القرطبي ~~أنه مختار بكر بن العلاء القشيري وأبي بكر بن العربي . # والظاهر عندي : أن ذلك كان في الرؤيا كما أري أنه قال لعائشة : ( أتاني ~~بكك الملك في المنام في سرقة من حرير يقول لي : هذه امرأتك فأكشف فإذا هي ~~أنتت فأقول : إن يكن هذا من عند الله يمضه ) . # فقول النبي صلى الله عليه وسلم لزيد : ( أمسك عليك زوجك ) توفية بحق ~~النصيحة وهو أمر نصح وإشارة بخير لا أمر تشريع لأن الرسول عليه الصلاة ~~والسلام في هذا المقام متصرف بحق الولاء والصحبة لا بصفة التشريع والرسالة ~~، وأداء هذه الأمانة لا يتأكد أنه كان يعلم أن زينب صائرة زوجا له لأن علم ~~النبي بما سيكون لا يقتضي إجراءه إرشاده أو تشريعه بخلاف علمه أو ظنه فإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم أن أبا PageV22P031 جهل مثلا لا يؤمن ~~ولم يمنعه ذلك من أن يبلغه الرسالة ويعاوده الدعوة ، ولأن رغبته في حصول ~~شيء لا تقتضي إجراء أمره على حسب رغبته إن كانت رغبته تخالف ما يحمل الناس ~~عليه ، كما كان يرغب أن يقوم أحد بقتل عبد الله بن سعد بن أبي سرح قبل أن ~~يسمع منه إعلانه بالتوبة من ارتداده حين جاء به عثمان بن عفان يوم الفتح ~~تائبا . # ولذلك كله لا يعد تصميم زيد على طلاق زينب عصيانا للنبيء صلى الله عليه ~~وسلم لأن أمره في ms6498 ذلك كان على وجه التوفيق بينه وبين زوجه . ولا يلزم أحدا ~~المصير إلى إشارة المشير كما اقتضاه حديث بريرة مع زوجها مغيث إذ قال لها : ~~( لو راجعته ؟ فقالت : يا رسول الله تأمرني ؟ قال : لا إنما أنا أشفع ، ~~قالت : لا حاجة لي فيه ) . # وقوله : { أمسك عليك زوجك } يؤذن بأنه جواب عن كلام صدر من زيد بأن جاء ~~زيد مستشيرا في فراق زوجه ، أو معلما بعزمه على فراقها . # و { أمسك عليك } معناه : لازم عشرتها ، فالإمساك مستعار لبقاء الصحبة ~~تشبيها للصاحب بالشيء الممسك باليد . # وزيادة { عليك } لدلالة ( على ) على الملازمة والتمكن مثل { أولئك على ~~هدى من ربهم } ( البقرة : 5 ) أو لتضمن { أمسك } معنى احبس ، أي ابق في ~~بيتك زوجك ، وأمره بتقوى الله تابع للإشارة بإمساكها ، أي اتق الله في ~~عشرتها كما أمر الله ولا تحد عن واجب حسن المعاشرة ، أي اتق الله بملاحظة ~~قوله تعالى : { فإمساك بمعروف } ( البقرة : 229 ) . # وجملة { وتخفى في نفسك ما الله مبديه } عطف على جملة { تقول } . والإتيان ~~بالفعل المضارع في قوله : { وتخفي } للدلالة على تكرر إخفاء ذلك وعدم ذكره ~~والذي في نفسه علمه بأنه سيتزوج زينب وأن زيدا يطلقها وذلك سر بينه وبين ~~ربه ليس مما يجب عليه تبليغه ولا مما للناس فائدة في علمه حتى يبلغوه ؛ ألا ~~ترى أنه لم يعلم عائشة ولا أباها برؤيا إتيانن الملك بها في سرقة من حرير ~~إلا بعد أن تزوجها . # فما صدق ( ما في نفسك ) هو التزوج بزينب وهو الشيء الذي سيبديه الله ~~PageV22P032 لأن الله أبدى ذلك في تزوج النبي صلى الله عليه وسلم بها ولم ~~يكن أحد يعلم أنه سيتزوجها ولم يبد الله شيئا غير ذلك ، فلزم أن يكون ما ~~أخفاه في نفسه أمرا يصلح للإظهار في الخارج ، أي أن يكون من الصور المحسوسة ~~. # وليست جملة { وتخفي في نفسك } حالا من الضمير في { تقول } كما جعله في ( ~~الكشاف ) لأن ذلك مبني على توهم أن الكلام مسوق مساق العتاب على أن يقول ~~كلاما يخالف ما هو مخفي في نفسه ولا يستقيم له ms6499 معنى ، إذ يفضي إلى أن يكون ~~اللائق به أن يقول له غير ذلك وهو ينافي مقتضى الاستشارة ، ويفضي إلى الطعن ~~في صلاحية زينب للبقاء في عصمة زيد ، وقد استشعر هذا صاحب ( الكشاف ) فقال ~~: ( فإن قلت فماذا أراد الله منه أن يقوله حين قال له زيد : أريد مفارقتها ~~، وكان من الهجنة أن يقول له : افعل فإني أريد نكاحها . قلت : كأن الذي ~~أراد منه عز وجل أن يصمت عند ذلك أو يقول : أنت أعلم بشأنك حتى لا يخالف ~~سره في ذلك علانيته ) ا ه وهو بناء على أساس كونه عتابا وفيه وهن . # وجملة { وتخشى الناس } عطف على جملة { وتخفي في نفسك } ، أي تخفي ما ~~سيبديه الله وتخشى الناس من إبدائه . # والخشية هنا كراهية ما يرجف به المنافقون ، والكراهة من ضروب الخشية إذ ~~الخشية جنس مقول على أفراده بالتشكيك فليست هي خشية خوف ، إذ النبي صلى ~~الله عليه وسلم لم يكن يخاف أحدا من ظهور تزوجه بزينب ، ولم تكن قد ظهرت ~~أراجيف المنافقين بعد ، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوسم من خبثهم ~~وسوء طويتهم ما يبعثهم على القالة في الناس لفتنة الأمة ، فكان يعلم ما ~~سيقولونه ويمتعض منه ، كما كان منهم في قضية الإفك ، ولم تكن خشية تبلغ به ~~مبلغ صرفه عما يرغبه بدليل أنه لم يتردد في تزوج زينب بعد طلاق زيد ، ~~ولكنها استشعار في النفس وتقدير لما سيرجفه المنافقون . # والتعريف في { الناس } للعهد ، أي تخشى المنافقين ، أي يؤذوك بأقوالهم . # وجملة { والله أحق أن تخشاه } معترضة لمناسبة جريان ذكر خشية الناس ، ~~والواو اعتراضية وليست واو الحال ، فمعنى الآية معنى قوله تعالى : { فلا ~~تخشوا الناس PageV22P033 واخشون } ( المائدة : 44 ) . وحملها على معنى ~~الحال هو الذي حمل كثيرا من المفسرين على جعل الكلام عتابا للنبيء صلى الله ~~عليه وسلم # و { أحق } اسم تفضيل مسلوب المفاضلة فهو بمعنى حقيق ، إذ ليس في الكلام ~~السابق ما يفيد وقوع إيثار خشية الناس على خشية الله ، ولا ما يفيد تعارضا ~~بين الخشيتين حتى يحتاج إلى ترجيح خشية ms6500 الله على خشية الناس ، والمعنى : ~~والله حقيق بأن تخشاه . # وليس في هذا التركيب ما يفيد أنه قدم خشية الناس على خشية الله ، لأن ~~الله لم يكلفه شيئا فعمل بخلافه . # وبهذا تعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم ما فعل إلا ما يرضي الله ، وقد ~~قام بعمل الصاحب الناصح حين أمر زيدا بإمساك زوجه وانطوى على علم صالح حين ~~خشي ما سيفترصه المنافقون من القالة إذا تزوج زينب خفية أن يكون قولهم فتنة ~~لضعفاء الإيمان كقوله للرجلين اللذين رأياه في الليل مع زينب فأسرعا خطاهما ~~فقال : ( على رسلكما إنما هي زينب . فكبر ذلك عليهما وقالا : سبحان الله يا ~~رسول الله . فقال : ( إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم وإني خشيت أن ~~يقذف في قلوبكما ) . # فمقام النبي صلى الله عليه وسلم في الأمة مقام الطبيب الناصح في ~~بيمارستان يحوي أصنافا من المرضى إذا رأى طعاما يجلب لما لا يصلح ببعض ~~مرضاه أن ينهى عن إدخاله خشية أن يتناوله من المرضى من لا يصلح ذلك بمرضه ~~ويزيد في علته أو يفضي إلى انتكاسه . # وليس في قوله : { وتخشى الناس } عتاب ولا لوم ، ولكنه تذكير بما حصل له ~~من توقيه قالة المنافقين . وحمله كثير من المفسرين على معنى العتاب وليس من ~~سياق الكلام ما يقتضيه فأحسبهم مخطئين فيه ، ولكنه تشجيع له وتحقير لأعداء ~~الدين وتعليم له بأن يمضي في سبيله ويتناول ما أباح الله له ولرسله من ~~تناول ما هو مباح من مرغوباتهم ومحباتهم إذا لم يصدهم شيء من ذلك عن طاعة ~~ربهم كما قال تعالى : { ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله ~~في الذين خلوا من قبل PageV22P034 وكان أمر الله قدرا مقدورا الذين يبلغون ~~رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله } ( الأحزاب : 38 ، 39 ) ، ~~وأن عليه أن يعرض عن قول المنافقين ، وعلى نحو قوله : { لعلك باخع نفسك ألا ~~يكونوا مؤمنين } ( الشعراء : 3 ) ، فهذا جوهر ما أشارت إليه الآية ، وليس ~~فيها ما يشير إلى غير ذلك . # وقد رويت ms6501 في هذه القصة أخبار مخلوطة ، فإياك أن تتسرب إلى نفسك منها ~~أغلوطة ، فلا تصغغ ذهنك إلى ما ألصقه أهل القصص بهذه الآية من تبسيط في حال ~~النبي صلى الله عليه وسلم حين أمر زيدا بإمساك زوجه ، فإن ذلك من مختلقات ~~القصاصين ؛ فإما أن يكون ذلك اختلافا من القصاص لتزيين القصة ، وإما أن ~~يكون كله أو بعضه من أراجيف المنافقين وبهتانهم فتلقفه القصاص وهو الذي ~~نجزم به . ومما يدل لذلك أنك لا تجد فيما يؤثر من أقوال السلف في تفسير هذه ~~الآية أثرا مسندا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى زيد أو إلى زينب أو ~~إلى أحد من الصحابة رجالهم ونسائهم ، ولكنها كلها قصص وأخبار وقيل وقال . # ولسوء فهم الآية كبر أمرها على بعض المسلمين واستفزت كثيرا من الملاحدة ~~وأعداء الإسلام من أهل الكتاب . وقد تصدى أبو بكر بن العربي في ( الأحكام ) ~~لوهن أسانيدها وكذلك عياض في ( الشفاء ) . # والآن نريد أن ننقل مجرى الكلام إلى التسليم بوقوع ما روي من الأخبار ~~الواهية السند لكي لا نترك في هذه الآية مهواة لأحد . ومجموع القصة من ذلك ~~: أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء بيت زيد يسأل عنه فرأى زينب متفضلة ، ~~وقيل رفعت الريح ستار البيت فرأى النبي عليه الصلاة والسلام زينب فجأة على ~~غير قصد فأعجبه حسنها وسبح لله ، وأن زينب علمت أنه وقعت منه موقع ~~الاستحسان وأن زيدا علم ذلك وأنه أحب أن يطلقها ليؤثر بها مولاه النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأنه لما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك قال له : { ~~أمسك عليك زوجك } ( وهو يود طلاقها في قلبه ويعلم أنها صائرة زوجا له ) . # وعلى تفاوت أسانيده في الوهن ألقي إلى الناس في القصة فانتقل غثه وسمينه ~~، وتحمل خفه ورزينه ، فأخذ منه كل ما وسعه فهمه ودينه ، ولو كان كله واقعا ~~لما كان فيه مغمز في مقام النبوة . PageV22P035 # فأما رؤيته زينب في بيت زيد إن كانت عن عمد فذلك أنه استأذن في بيت زيد ، ~~فإن الاستئذان واجب ms6502 فلا شك أنه رأى وجهها وأعجبته ولا أحسب ذلك لأن النساء ~~لم يكن يسترن وجوههن قال تعالى : { ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها } ( ~~النور : 31 ) ( أي الوجه والكفين ) وزيد كان من أشد الناس اتصالا بالنبي ، ~~وزينب كانت ابنة عمته وزوج مولاه ومتبناه ، فكانت مختلطة بأهله ، وهو الذي ~~زوجها زيدا ، فلا يصح أن يكون ما رآها إلا حين جاء بيت زيد ، وإن كانت ~~الريح رفعت الستر فرأى من محاسنها وزينتها ما لم يكن يراه من قبل ، فكذلك ~~لا عجب فيه لأن رؤية الفجأة لا مؤاخذة عليها ، وحصول الاستحسان عقب النظر ~~الذي ليس بحرام أمر قهري لا يملك الإنسان صرفه عن نفسه ، وهل استحسان ذات ~~المرأة إلا كاستحسان الرياض والجنات والزهور والخيل ونحو ذلك مما سماه الله ~~زينة إذا لم يتبعه النظار نظرة . # وأما ما خطر في نفس النبي صلى الله عليه وسلم من مودة تزوجها فإن وقع فما ~~هو بخطب جليل لأنه خاطر لا يملك المرء صرفه عن نفسه وقد علمت أن قوله : { ~~وتخشى الناس } ليس بلوم ، وأن قوله : { والله أحق أن تخشاه } ليس فيه لوم ~~ولا توبيخ على عدم خشية الله ولكنه تأكيد لعدم الاكتراث بخشية الناس . # وإنما تظهر مجالات النفوس في ميادين الفتوة بمقدار مصابرتها على الكمال ~~في مقاومة ما ينشأ عن تلك المرائي من ضعف في النفوس وخور العزائم وكفاك ~~دليلا على تمكن رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا المقام وهو أفضل من ~~ترسخ قدمه في أمثاله أنه لم يزل يراجع زيدا في إمساك زوجه مشيرا عليه بما ~~فيه خير له وزيد يرى ذلك إشارة ونصحا لا أمرا وشرعا . # ولو صح أن زيدا علم مودة النبي صلى الله عليه وسلم تزوج زينب فطلقها زيد ~~لذلك دون أمر من النبي عليه الصلاة والسلام ولا التماس لما كان عجبا فإنهم ~~كانوا يؤثرون النبي صلى الله عليه وسلم على أنفسهم ، وقد تنازل له دحية ~~الكلبي عن صفية بنت حيي بعد أن صارت له في سهمه من مغانم خيبر ms6503 ، وقد عرض ~~سعد بن الربيع على عبد الرحمن بن عوف أن يتنازل له عن إحدى زوجتيه يختارها ~~للمؤاخاة التي آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهما . PageV22P036 # وأما إشارة النبي عليه الصلاة والسلام على زيد بإمساك زوجه مع علمه بأنها ~~ستصير زوجة له فهو أداء لواجب أمانة الاستنصاح والاستشارة ، وقد يشير المرء ~~بالشيء يعلمه مصلحة وهو يوقن أن إشارته لا تمتثل . والتخليط بين الحالين ~~تخليط بين التصرف المستند لما تقتضيه ظواهر الأحوال وبين ما في علم الله في ~~الباطن ، وأشبه مقام به مقام موسى مع الخضر في القضايا الثلاث . وليس هذا ~~من خائنة الأعين ، كما توهمه من لا يحسن ، لأن خائنة الأعين المذمومة ما ~~كانت من الخيانة والكيد . # وليس هو أيضا من الكذب لأن قول النبي عليه الصلاة والسلام لزيد { أمسك ~~عليك زوجك واتق الله } لا يناقض رغبته في تزوجها وإنما يناقضه لو قال : إني ~~أحب أن تمسك زوجك ، إذ لا يخفى أن الاستشارة طلب النظر فيما هو صلاح ~~للمستشير لا ما هو صلاح للمستشار . ومن حق المستشار إعلام المستشير بما هو ~~صلاح له في نظر المشير ، وإن كان صلاح المشير في خلافه ، فضلا على كون ما ~~في هذه القصة إنما هو تخالف بين النصيحة وبين ما علمه الناصح من أن نصحه لا ~~يؤثر . # فإن قلت : فما معنى ما روي في الصحيح عن عائشة أنها قالت : لو كان رسول ~~الله كاتما شيئا من الوحي لكتم هذه الآية : { وإذ تقول للذي أنعم الله عليه ~~وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك } الآية . # قلت : أرادت أن رغبة النبي صلى الله عليه وسلم في تزوج زينب أو إعلام ~~الله إياه بذلك كان سرا في نفسه لم يطلع عليه أحد إذ لم يؤمر بتبليغه إلى ~~أحد . وعلى ذلك السر انبنى ما صدر منه لزيد من قوله : { أمسك عليك زوجك } . ~~فلما طلقها زيد ورام تزوجها علم أن المنافقين سيرجفون بالسوء ، فلما أمره ~~الله بذكر ذلك للأمة وتبليغ خبره بلغه ولم يكتمه مع أنه ليس في كتمه تعطيل ~~شرع ms6504 ولا نقص مصلحة ، فلو كان كاتما لكتم هذه الآية التي هي حكاية سر في ~~نفسه وبينه وبين ربه تعالى ، ولكنه لما كان وحيا بلغه لأنه مأمور بتبليغ كل ~~ما أنزل إليه . # واعلم أن للحقائق نصابها ، وللتصرفات موانعها وأسبابها ، وأن الناس قد ~~تمتلكهم العوائد ، فتحول بينهم وبين إدراك الفوائد ، فإذا تفشت أحوال في ~~PageV22P037 عاداتهم استحسنوها ولو ساءت ، وإذا ندرت المحامد دافعوها إذا ~~رامت مداخلة عقولهم وشاءت ، وكل ذلك من تحريف الفطرة عن وضعها ، والمباعدة ~~بين الحقائق وشرعها . # ولما جاء الإسلام أخذ يغزو تلك الجيوش ليقلعها من أقاصيها ، وينزلها من ~~صياصيها ، فالحسن المشروع ما تشهد الفطرة لحسنه ، والقبيح الممنوع الذي ~~أماتته الشريعة وأمرت بدفنه . # . # تفريع على جملة { وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه } الآية ، ~~وقد طوي كلام يدل عليه السياق ، وتقديره : فلم يقبل منك ما أشرت عليه ولم ~~يمسكها . # ومعنى { قضى } استوفى وأتم . واسم { زيد } إظهار في مقام الإضمار لأن ~~مقتضى الظاهر أن يقال : فلما قضى منها وطرا ، أي قضى الذي أنعم الله وأنعمت ~~عليه ، فعدل عن مقتضى الظاهر للتنويه بشأن زيد . قال القرطبي : قال السهيلي ~~: كان يقال له زيد بن محمد فلما نزع عنه هذا الشرف حين نزل { ادعوهم ~~لآبائهم } ( الأحزاب : 5 ) وعلم الله وحشته من ذلك شرفه بخصيصة لم يكن يخص ~~بها أحدا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وهي أنه سماه في القرآن ، ومن ~~ذكره الله تعالى باسمه في الذكر الحكيم نوه غاية التنويه ا ه . # والوطر : الحاجة المهمة ، والنهمة قال النابغة : # فمن يكن قد قضى من خلة وطرا # فإنني منكك ما قضيت أوطاري # والمعنى : فلما استتم زيد مدة معاشرة زينب فطلقها ، أي فلما لم يبق له ~~وطر منها . PageV22P038 # ومعنى { زوجناكها } أذنا لك بأن تتزوجها ، وكانت زينب أيما فتزوجها ~~الرسول عليه الصلاة والسلام برضاها . وذكر أهل السير : أنها زوجها إياه ~~أخوها أبو أحمد الضرير واسمه عبد بن جحش ، فلما أمره الله بتزوجها قال لزيد ~~بن حارثة : ما أجد في نفسي أوثق منك فاخطب زينب علي ، قال ms6505 زيد : فجئتها ~~فوليتها ظهري توقيرا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقلت : يا زينب أرسل ~~رسول الله يذكرك . فقالت : ما أنا بصانعة شيئا حتى أوامر ربي ، وقامت إلى ~~مسجدها وصلت صلاة الاستخارة فرضيت ، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فدخل فبنى بها . وكانت زينب تفخر على نساء النبي صلى الله عليه وسلم وتقول ~~: زوجكن آباؤكن وزوجني ربي . وهذا يقتضي إن لم يتول أخوها أبو أحمد تزويجها ~~فتكون هذه خصوصية للنبيء صلى الله عليه وسلم عند الذين يشترطون الولي في ~~النكاح كالمالكية دون قول الحنفية . ولم يذكر في الروايات أن النبي عليه ~~الصلاة والسلام أصدقها فعده بعض أهل السير من خصوصياته صلى الله عليه وسلم ~~فيكون في تزوجها خصوصيتان نبويتان . # وأشار إلى حكمة هذا التزويج في إقامة الشريعة ، وهي إبطال الحرج الذي كان ~~يتحرجه أهل الجاهلية من أن يتزوج الرجل زوجة دعيه ، فلما أبطله الله بالقول ~~إذ قال : { وما جعل أدعياءكم أبناءكم } ( الأحزاب : 4 ) أكد إبطاله بالفعل ~~حتى لا يبقى أدنى أثر من الحرج أن يقول قائل : إن ذاك وإن صار حلالا فينبغي ~~التنزه عنه لأهل الكمال ، فاحتيط لانتفاء ذلك بإيقاع التزوج بامرأة الدعي ~~من أفضل الناس وهو النبي صلى الله عليه وسلم # والجمع بين اللام وكي توكيد للتعليل كأنه يقول : ليست العلة غير ذلك ، ~~ودلت الآية على أن الأصل في الأحكام التشريعية أن تكون سواء بين النبي صلى ~~الله عليه وسلم والأمة حتى يدل دليل على الخصوصية . # وجملة { وكان أمر الله مفعولا } تذييل لجملة { زوجناكها } . وأمر الله ~~يجوز أن يراد به من أمر به من إباحة تزوج من كن حلائل الأدعياء ، فهو بمعنى ~~الأمر التشريعي فيه . ومعنى { مفعولا } أنه متبع ممتثل فلا يتنزه أحد عنه ، ~~قال تعالى : { قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق } ( ~~الأعراف : 32 ) . # ويجوز أن يراد الأمر التكويني وهو ما علم أنه يكون وقدر أسباب كونه ، ~~PageV22P039 فيكون معنى { مفعولا } واقعا ، والأمر من إطلاق السبب على ~~المسبب ، والمفعول هو المسبب . # وتزوج النبي صلى ms6506 الله عليه وسلم زينب من أمر الله بالمعنيين . # ( 38 ، 39 ) # استئناف لزيادة بيان مساواة النبي صلى الله عليه وسلم للأمة في إباحة ~~تزوج مطلقة دعيه وبيان أن ذلك لا يخل بصفة النبوءة لأن تناول المباحات من ~~سنة الأنبياء ، قال تعالى : { يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا ~~} ( المؤمنون : 51 ) ، وأن النبي إذا رام الانتفاع بمباح لميل نفسه إليه ~~ينبغي له أن يتناوله لئلا يجاهد نفسه فيما لم يؤمر بمجاهدة النفس فيه ، لأن ~~الأليق به أن يستبقي عزيمته ومجاهدته لدفع ما أمر بتجنبه . # وفي هذا الاستئناف ابتداء لنقض أقوال المنافقين أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم تزوج امرأة ابنه . # ومعنى : { فرض الله له } قدره ، إذ أذنه بفعله . وتعدية فعل { فرض } ~~باللام تدل على هذا المعنى بخلاف تعديته بحرف ( على ) كقوله : { قد علمنا ~~ما فرضنا عليهم في أزواجهم } ( الأحزاب : 50 ) . ' # والسنة : السيرة من عمل أو خلق يلازمه صاحبه . ومضى القول في هل السنة ~~اسم جامد أو اسم مصدر عند قوله تعالى : { قد خلت من قبلكم سنن في سورة آل ~~عمران ، وعلى الأول فانتصاب سنة الله } هنا على أنه اسم وضع في موضع المصدر ~~لدلالته على معنى فعل ومصدر . قال في ( الكشاف ) كقولهم : تربا وجندلا ، أي ~~في الدعاء ، أي ترب تربا . وأصله : ترب له وجندل له . وجاء على مراعاة ~~الأصل قول المعري : # تمنت قويقا والسراة حيالها # تراب لها من أينق وجمال PageV22P040 # ساقه مساق التعجب المشوب بغضب . # وعلى الثاني فانتصاب { سنة } على المفعول المطلق ، وعلى كلا الوجهين ~~فالفعل مقدر دل عليه المصدر أو نائبه . فالتقدير : سن الله سنته في الذين ~~خلوا من قبل . # والمعنى : أن محمدا صلى الله عليه وسلم متبع سنة الأنبياء الذين سبقوه ~~اتباعا لما فرض الله له كما فرض لهم ، أي أباح . # والمراد ب { الذين خلوا } : الأنبياء بقرينة سياق لفظ النبي ، أي الذين ~~خلوا من قبل النبوءة ، وقد زاده بيانا قوله : { الذين يبلغون رسالات الله ~~ويخشونه } ، فالأنبياء كانوا متزوجين وكان لكثير منهم عدة أزواج ، وكان بعض ~~أزواجهم أحب إليهم من ms6507 بعضهن . # فإن وقفنا عند ما جاء في هذه الآية وما بينته الآثار الصحيحة فالعبرة ~~بأحوال جميع الأنبياء . # وإن تلقينا بشيء من الإغضاء بعض الآثار الضعيفة التي ألصقت بقصة تزوج ~~زينب كان داود عليه السلام عبرة بالخصوص فقد كانت له زوجات كثيرات وكان قد ~~أحب أن يتزوج زوجة ( أوريا ) وهي التي ضرب الله لها مثلا بالخصم الذين ~~تسوروا المحراب وتشاكوا بين يديه . وستأتي في سورة ص ، وقد ذكرت القصة في ( ~~سفر الملوك ) . ومحل التمثيل بداود في أصل انصراف رغبته إلى امرأة لم تكن ~~حلالا له فصارت حلالا له ، وليس محل التمثيل فيما حف بقصة داود من لوم الله ~~إياه على ذلك كما قال : { وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه } ( ص : 24 ) ~~الآية لأن ذلك منتفف في قصة تزوج زينب . # وجملة { وكان أمر الله قدرا مقدورا } معترضة بين الموصول والصفة إن كانت ~~جملة { الذين يبلغون } صفة ل { الذين خلوا من قبل } ، أو تذييل مثل جملة { ~~وكان أمر الله مفعولا } ( الأحزاب : 37 ) إن كانت جملة { الذين يبلغون } ~~مستأنفة كما سيأتي ، والقول فيه مثل نظيره المتقدم آنفا . PageV22P041 # والقدر بفتح الدال : إيجاد الأشياء على صفة مقصودة وهو مشتق من القدر ~~بسكون الدال وهو الكمية المحددة المضبوطة ، وتقدم في قوله تعالى : { فسالت ~~أودية بقدرها في سورة الرعد وقوله : وما ننزله إلا بقدر معلوم في سورة ~~الحجر . ولما كان من لوازم هذا المعنى أن يكون مضبوطا محكما كثرت الكناية ~~بالقدر عن الإتقان والصدور عن العلم . ومنه حديث : كل شيء بقضاء وقدر ، أي ~~من الله . # واصطلح علماء الكلام : أن القدر اسم للإرادة الأزلية المتعلقة بالأشياء ~~على ما هي عليه ، ويطلقونه على الشيء الذي تعلق به القدر وهو المقدور كما ~~في هذه الآية ، فالمعنى : وكان أمر الله مقدرا على حكمة أرادها الله تعالى ~~من ذلك الأمر ، فالله لما أمر رسوله عليه الصلاة والسلام بتزوج زينب التي ~~فارقها زيد كان عالما بأن ذلك لائق برسوله عليه الصلاة والسلام كما قدر ~~لأسلافه من الأنبياء . # وفي قوله : الذين يبلغون } جيء بالموصول دون ms6508 اسم الإشارة أو الضمير لما ~~في هذه الصلة من إيماء إلى انتفاء الحرج عن الأنبياء في تناول المباح بأن ~~الله أراد منهم تبليغ الرسالة وخشية الله بتجنب ما نهى عنه ولم يكلفهم ~~إشقاق نفوسهم بترك الطيبات التي يريدونها ، ولا حجب وجدانهم عن إدراك ~~الأشياء على ما هي عليه من حسن الحسن وقبح القبيح ، ولا عن انصراف الرغبة ~~إلى تناول ما حسن لديهم إذا كان ذلك في حدود الإباحة ، ولا كلفهم مراعاة ~~ميول الناس ومصطلحاتهم وعوائدهم الراجعة إلى الحيدة بالأمور عن مناهجها فإن ~~في تناولهم رغباتهم المباحة عونا لهم على النشاط في تبليغ رسالات الله ، ~~ولذلك عقب بقوله : { ولا يخشون أحدا إلا الله } ، أي لا يخشون أحدا خشية ~~تقتضي فعل شيء أو تركه . # ثم إن جملة { الذين يبلغون } إلى آخرها يجوز أن تكون في موضع الصفة للذين ~~خلوا من قبل ، أي الأنبياء . وإذ قد علم أن النبي صلى الله عليه وسلم متبع ~~ما أذن الله له اتباعه من سنة الأنبياء قبله علم أنه متصف بمضمون جملة { ~~الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله } بحكم قياس ~~المساواة ، فعلم أن الخشية التي في قوله : { وتخشى الناس } ( الأحزاب : 37 ~~) ليست خشية خوف توجب ترك ما يكرهه الناس أو فعل ما يرغبونه بحيث يكون ~~الناس محتسبين على النبي عليه الصلاة PageV22P042 والسلام ولكنها توقع أن ~~يصدر من الناس وهم المنافقون ما يكرهه النبي عليه الصلاة والسلام ويدل لذلك ~~قوله : { وكفى بالله حسيبا } ، أي الله حسيب الأنبياء لا غيره . # هذا هو الوجه في سياق تفسير هذه الآيات ، فلا تسلك في معنى الآية مسلكا ~~يفضي بك إلى توهم أن النبي صلى الله عليه وسلم حصلت منه خشية الناس وأن ~~الله عرض به في قوله : { ولا يخشون أحدا إلا الله } تصريحا بعد أن عرض به ~~تلميحا في قوله : { وتخشى الناس } ( الأحزاب : 37 ) بل النبي عليه الصلاة ~~والسلام لم يكترث بهم وأقدم على تزوج زينب ، فكل ذلك قبل نزول هذه الآيات ~~التي ما نزلت إلا بعد تزوج ms6509 زينب كما هو صريح قوله : { زوجناكها } ( الأحزاب ~~: 37 ) ولم يتأخر إلى نزول هذه الآية . # وإظهار اسم الجلالة في مقام الإضمار في قوله : { وكفى بالله حسيبا } حيث ~~تقدم ذكره لقصد أن تكون هذه الجملة جارية مجرى المثل والحكمة . # وإذ قد كان هذا وصف الأنبياء فليس في الآية مجال للاستدراك عليها بمسألة ~~التقية في قوله تعالى : { إلا أن تتقوا منهم تقاة } ( آل عمران : 28 ) . # استئناف للتصريح بإبطال أقوال المنافقين والذين في قلوبهم مرض وما يلقيه ~~اليهود في نفوسهم من الشك . # وهو ناظر إلى قوله تعالى : { وما جعل أدعياءكم أبناءكم } ( الأحزاب : 4 ) ~~. والغرض من هذا العموم قطع توهم أن يكون للنبيء صلى الله عليه وسلم ولد من ~~الرجال تجري عليه أحكام البنوة حتى لا يتطرق الإرجاف والاختلاق إلى من ~~يتزوجهن من أيامى المسلمين أصحابه مثل أم سلمة وحفصة . # و { من رجالكم } وصف ل { أحد } ، وهو احتراس لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أبو بنات . والمقصود : نفي أن يكون أبا لأحد من الرجال في حين نزول ~~الآية لأنه كان ولد له أولاد أو ولدانن بمكة من خديجة وهم الطيب والطاهر ( ~~أو هما اسمان PageV22P043 لواحد ) والقاسم ، وولد له إبراهيم بالمدينة من ~~مارية القبطية ، وكلهم ماتوا صبيانا ولم يكن منهم موجود حين نزول الآية . # والمنفي هو وصف الأبوة المباشرة لأنها الغرض الذي سيق الكلام لأجله والذي ~~وهم فيه من وهم فلا التفات إلى كونه جدا للحسن والحسين ومحسن أبناء ابنته ~~فاطمة رضي الله عنها إذ ليس ذلك بمقصود ، ولا يخطر ببال أحد نفي أبوته لهم ~~بمعنى الأبوة العليا ، أو المراد أبوة الصلب دون أبوة الرحم . # وإضافة ( رجال ) إلى ضمير المخاطبين والعدول عن تعريفه باللام لقصد توجيه ~~الخطاب إلى الخائضين في قضية تزوج زينب إخراجا للكلام في صيغة التغليط ~~والتغليظ . # وأما توجيهه بأنه كالاحتراز عن أحفاده وأنه قال : { من رجالكم } وأما ~~الأحفاد فهم من رجاله ففيه سماجة وهو أن يكون في الكلام توجيه بأن محمدا ~~صلى الله عليه وسلم بريء من المخاطبين أعني المنافقين وليس بينه وبينهم ms6510 ~~الصلة الشبيهة بصلة الأبوة الثابتة بطريقة لحن الخطاب من قوله تعالى { ~~وأزواجه أمهاتهم } ( الأحزاب : 6 ) كما تقدم . # واستدراك قوله : { ولكن رسول الله } لرفع ما قد يتوهم من نفي أبوته ، من ~~انفصال صلة التراحم والبر بينه وبين الأمة فذكروا بأنه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فهو كالأب لجميع أمته في شفقته ورحمته بهم ، وفي برهم وتوقيرهم ~~إياه ، شأن كل نبيء مع أمته . # والواو الداخلة على { لكن } زائدة و { لكن } عاطفة ولم ترد { لكن } في ~~كلام العرب عاطفة إلا مقترنة بالواو كما صرح به المرادي في ( شرح التسهيل ) ~~. وحرف { لكن } مفيد الاستدراك . # وعطف صفة { وخاتم النبيئين } على صفة { رسول الله } تكميل وزيادة في ~~التنويه بمقامه صلى الله عليه وسلم وإيماء إلى أن في انتفاء أبوته لأحد من ~~الرجال حكمة قدرها الله تعالى وهي إرادة أن لا يكون إلا مثل الرسل أو أفضل ~~في جميع خصائصه . # وإذ قد كان الرسل لم يخل عمود أبنائهم من نبيء كان كونه خاتم النبيئين ~~مقتضيا أن لا يكون له أبناء بعد وفاته لأنهم لو كانوا أحياء بعد وفاته ولم ~~تخلع PageV22P044 عليهم خلعة النبوءة لأجل ختم النبوءة به كان ذلك غضا فيه ~~دون سائر الرسل وذلك ما لا يريده الله به . ألا ترى أن الله لما أراد قطع ~~النبوءة من بني إسرائيل بعد عيسى عليه السلام صرف عيسى عن التزوج . # فلا تجعل قوله : { وخاتم النبيئين } داخلا في حيز الاستدراك لما علمت من ~~أنه تكميل واستطراد بمناسبة إجراء وصف الرسالة عليه . وببيان هذه الحكمة ~~يظهر حسن موقع التذييل بجملة { وكان الله بكل شيء عليما } إذ أظهر مقتضى ~~حكمته فيما قدره من الأقدار كما في قوله تعالى : { جعل الله الكعبة البيت ~~الحرام قياما للناس } إلى قوله : { ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في ~~السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم } ( المائدة : 97 ) . # والآية نص في أن محمدا صلى الله عليه وسلم خاتم النبيئين وأنه لا نبيء ~~بعده في البشر لأن النبيئين عام فخاتم النبيئين هو خاتمهم في ms6511 صفة النبوءة . ~~ولا يعكر على نصية الآية أن العموم دلالته على الأفراد ظنية لأن ذلك ~~لاحتمال وجود مخصص . وقد تحققنا عدم المخصص بالاستقراء . # وقد أجمع الصحابة على أن محمدا صلى الله عليه وسلم خاتم الرسل والأنبياء ~~وعرف ذلك وتواتر بينهم وفي الأجيال من بعدهم ولذلك لم يترددوا في تكفير ~~مسيلمة والأسود العنسي فصار معلوما من الدين بالضرورة فمن أنكره فهو كافر ~~خارج عن الإسلام ولو كان معترفا بأن محمدا صلى الله عليه وسلم رسول الله ~~للناس كلهم . وهذا النوع من الإجماع موجب العلم الضروري كما أشار إليه جميع ~~علمائنا ولا يدخل هذا النوع في اختلاف بعضهم في حجية الإجماع إذ المختلف في ~~حجيته هو الإجماع المستند لنظر وأدلة اجتهادية بخلاف المتواتر المعلوم ~~بالضرورة في كلام الغزالي في خاتمة كتاب ( الاقتصاد في الإعتقاد ) مخالفة ~~لهذا على ما فيه من قلة تحرير . وقد حمل عليه ابن عطية حملة غير منصفة ~~وألزمه إلزاما فاحشا ينزه عنه علمه ودينه فرحمة الله عليهما . # ولذلك لا يتردد مسلم في تكفير من يثبت نبوءة لأحد بعد محمد صلى الله عليه ~~وسلم وفي إخراجه من حظيرة الإسلام ، ولا تعرف طائفة من المسلمين أقدمت على ~~ذلك إلا PageV22P045 البابية والبهائية وهما نحلتان مشتقة ثانيتهما من ~~الأولى . وكان ظهور الفرقة الأولى في بلاد فارس في حدود سنة مائتين وألف ~~وتسربت إلى العراق وكان القائم بها رجلا من أهل شيراز يدعوه أتباعه السيد ~~علي محمد ، كذا اشتهر اسمه ، كان في أول أمره من غلاة الشيعة الإمامية . ~~أخذ عن رجل من المتصوفين اسمه الشيخ أحمد زين الدين الأحسائي الذي كان ~~ينتحل التصوف بالطريقة الباطنية وهي الطريقة المتلقاة عن الحلاج . وكانت ~~طريقته تعرف بالشيخية ، ولما أظهر نحلته علي محمد هذا لقب نفسه باب العلم ~~فغلب عليه اسم الباب . وعرفت نحلته بالبابية وادعى لنفسه النبوءة وزعم أنه ~~أوحي إليه بكتاب اسمه ( البيان ) وأن القرآن أشار إليه بقوله تعالى : { خلق ~~الإنسان علمه البيان } ( الرحمن : 3 4 ) . # وكتاب ( البيان ) مؤلف بالعربية الضعيفة ومخلوط بالفارسية . وقد حكم عليه ms6512 ~~بالقتل فقتل سنة 1266 في تبريز . # وأما البهائية فهي شعبة من البابية تنسب إلى مؤسسها الملقب ببهاء الله ~~واسمه ميرزا حسين علي من أهل طهران تتلمذ للباب بالمكاتبة وأخرجته حكومة ~~شاه العجم إلى بغداد بعد قتل الباب . ثم نقلته الدولة العثمانية من بغداد ~~إلى أدرنة ثم إلى عكا ، وفيها ظهرت نحلته وهم يعتقدون نبوءة الباب وقد التف ~~حوله أصحاب نحلة البابية وجعلوه خليفة الباب فقام اسم البهائية مقام اسم ~~البابية فالبهائية هم البابية . وقد كان البهاء بنى بناء في جبل الكرمل ~~ليجعله مدفنا لرفات ( الباب ) وآل أمره إلى أن سجنته السلطنة العثمانية في ~~سجن عكا فلبث في السجن سبع سنوات ولم يطلق من السجن إلا عند ما أعلن ~~الدستور التركي فكان في عداد المساجين السياسيين الذين أطلقوا يومئذ فرحل ~~منتقلا في أوروبا وأميركا مدة عامين ثم عاد إلى حيفا فاستقر بها إلى أن ~~توفي سنة 1340 وبعد موته نشأ شقاق بين أبنائه وإخوته فتفرقوا في الزعامة ~~وتضاءلت نحلتهم . # فمن كان من المسلمين متبعا للبهائية أو البابية فهو خارج عن الإسلام مرتد ~~عن دينه تجري عليه أحكام المرتد . ولا يرث مسلما ويرثه جماعة المسلمين ولا ~~ينفعهم قولهم : إنا مسلمون ولا نطقهم بكلمة الشهادة لأنهم يثبتون الرسالة ~~لمحمد صلى الله عليه وسلم ولكنهم قالوا بمجيء رسول من بعده . ونحن كفرنا ~~الغرابية من الشيعة PageV22P046 لقولهم : بأن جبريل أرسل إلى علي ولكنه شبه ~~له محمد بعلي إذ كان أحدهما أشبه بالآخر من الغراب بالغراب ( وكذبوا ) فبلغ ~~الرسالة إلى محمد صلى الله عليه وسلم فهم أثبتوا الرسالة لمحمد صلى الله ~~عليه وسلم ولكنهم زعموه غير المعين من عند الله . # وتشبه طقوس البهائية طقوس الماسونية إلا أن البهائية تنتسب إلى التلقي من ~~الوحي الإلهي ، فبذلك فارقت الماسونية وعدت في الأديان والملل ولم تعد في ~~الأحزاب . # وانتصب { رسول الله } معطوفا على { أبا أحد من رجالكم } عطفا بالواو ~~المقترنة ب { لكن } لتفيد رفع النفي الذي دخل على عامل المعطوف عليه . # وقرأ الجمهور { وخاتم النبيئين } بكسر تاء { خاتم } على ms6513 أنه اسم فاعل من ~~ختم . وقرأ عاصم بفتح التاء على تشبيهه بالخاتم الذي يختم به المكتوب في أن ~~ظهوره كان غلقا للنبوءة . # ( 41 ، 42 ) # إقبال على مخاطبة المؤمنين بأن يشغلوا ألسنتهم بذكر الله وتسبيحه ، أي أن ~~يمسكوا عن مماراة المنافقين أو عن سبهم فيما يرجفون به في قضية تزوج زينب ~~فأمر المؤمنين أن يعتاضوا عن ذلك بذكر الله وتسبيحه خيرا لهم ، وهذا كقوله ~~تعالى : { فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا } ( ~~البقرة : 200 ) ، أي خير من التفاخر بذكر آبائكم وأحسابكم ، فذلك أنفع لهم ~~وأبعد عن أن تثور بين المسلمين والمنافقين ثائرة فتنة في المدينة ، فهذا من ~~نحو قوله لنبيئه { ودع أذاهم } ( الأحزاب : 48 ) ومن نحو قوله : { ولا ~~تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم } ( الأنعام : ~~108 ) ، فأمروا بتشغيل ألسنتهم وأوقاتهم بما يعود بنفعهم وتجنب ما عسى أن ~~يوقع في مضرة . # وفيه تسجيل على المنافقين بأن خوضهم في ذلك بعد هذه الآية علامة على ~~النفاق لأن المؤمنين لا يخالفون أمر ربهم . # والجملة استئناف ابتدائي متصل بما قبله للمناسبة التي أشرنا إليها . ~~PageV22P047 # والذكر : ذكر اللسان وهو المناسب لموقع الآية بما قبلها وبعدها . # والتسبيح : يجوز أن يراد به الصلوات النوافل فليس عطف { وسبحوه } على { ~~اذكروا الله } من عطف الخاص على العام . # ويجوز أن يكون المأمور به من التسبيح قول : سبحان الله ، فيكون عطف { ~~وسبحوه } على { اذكروا الله } من عطف الخاص على العام اهتماما بالخاص لأن ~~معنى التسبيح التنزيه عما لا يجوز على الله من النقائص فهو من أكمل الذكر ~~لاشتماله على جوامع الثناء والتمجيد ، ولأن في التسبيح إيماء إلى التبرؤ ~~مما يقوله المنافقون في حق النبي صلى الله عليه وسلم فيكون في معنى قوله ~~تعالى : { ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا ~~بهتان عظيم } ( النور : 16 ) فإن كلمة : سبحان الله ، يكثر أن تقال في مقام ~~التبرؤ من نسبة ما لا يليق إلى أحد كقول النبي صلى الله عليه وسلم ( سبحان ~~الله ms6514 المؤمن لا ينجس ) . وقول هند بنت عتبة حين أخذ على النساء البيعة ( أن ~~لا يزنين ) : سبحان الله أتزني الحرة . # والبكرة : أول النهار . والأصيل : العشي الوقت الذي بعد العصر . وانتصبا ~~على الظرفية التي يتنازعها الفعلان { اذكروا الله . . وسبحوه } . # والمقصود من البكرة والأصيل إعمار أجزاء النهار بالذكر والتسبيح بقدر ~~المكنة لأن ذكر طرفي الشيء يكون كناية عن استيعابه كقول طرفة : # لكالطول المرخى وثنياه باليد # ومنه قولهم : المشرق والمغرب ، كناية عن الأرض كلها ، والرأس والعقب ~~كناية عن الجسد كله ، والظهر والبطن كذلك . # وقدم البكرة على الأصيل لأن البكرة أسبق من الأصيل لا محالة . وليس ~~الأصيل جديدا بالتقديم في الذكر كما قدم لفظ { تمسون } في قوله في سورة ~~الروم { فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون } ( الروم : 17 ) لأن كلمة ~~المساء تشمل أول الليل فقدم لفظ { تمسون } هنالك رعيا لاعتبار الليل أسبق ~~في حساب أيام الشهر عند العرب وفي الإسلام وليست كذلك كلمة الأصيل . ~~PageV22P048 # تعليل للأمر بذكر الله وتسبيحه بأن ذلك مجلبة لانتفاع المؤمنين بجزاء ~~الله على ذلك بأفضل منه من جنسه وهو صلاته وصلاة ملائكته . والمعنى : أنه ~~يصلي عليكم وملائكته إذا ذكرتموه ذكرا بكرة وأصيلا . # وتقديم المسند إليه على الخير الفعلي في قوله : { هو الذي يصلي عليكم } ~~لإفادة التقوي وتحقيق الحكم . والمقصود تحقيق ما تعلق بفعل { يصلي } من قول ~~{ ليخرجكم من الظلمات إلى النور } . # والصلاة : الدعاء والذكر بخير ، وهي من الله الثناء . وأمره بتوجيه رحمته ~~في الدنيا والآخرة ، أي اذكروه ليذكركم كقوله : { فاذكروني أذكركم } ( ~~البقرة : 152 ) وقوله في الحديث القدسي : ( فإن ذكرني في نفسه ذكرته في ~~نفسي وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منهم ) . # وصلاة الملائكة : دعاؤهم للمؤمنين فيكون دعاؤهم مستجابا عند الله فيزيد ~~الذاكرين على ما أعطاهم بصلاته تعالى عليهم . ففعل { يصلي } مسند إلى الله ~~وإلى ملائكته لأن حرف العطف يفيد تشريك المعطوف والمعطوف عليه في العامل ، ~~فهو عامل واحد له معمولان فهو مستعمل في القدر المشترك الصالح لصلاة الله ~~تعالى وصلاة الملائكة الصادق في كل بما يليق به بحسب لوازم ms6515 معنى الصلاة ~~التي تتكيف بالكيفية المناسبة لمن أسندت إليه . # ولا حاجة إلى دعوى استعمال المشترك في معنييه على أنه لا مانع منه على ~~الأصح ، ولا إلى دعوى عموم المجاز . واجتلاب { يصلي } بصيغة المضارع لإفادة ~~تكرر الصلاة وتجددها كلما تجدد الذكر والتسبيح ، أو إفادة تجددها بحسب ~~أسباب أخرى من أعمال المؤمنين وملاحظة إيمانهم . # وفي إيراد الموصول إشارة إلى أنه تعالى معروف عندهم بمضمون الصلة بحسب ~~غالب الاستعمال : فإما لأن المسلمين يعلمون على وجه الإجمال أنهم لا يأتيهم ~~خير إلا من جانب الله تعالى ، فكل تفصيل لذلك الإجمال دخل في علمهم ، ومنه ~~PageV22P049 أنه يصلي عليهم ويأمر ملائكته بذلك ، وإما أن يكون قد سبق لهم ~~علم بذلك تفصيلا من قبل : فبعض آيات القرآن كقوله تعالى : { والملائكة ~~يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض } ( الشورى : 5 ) فقد علم ~~المسلمون أن استغفار الملائكة للمؤمنين بأمر من الله تعالى لقوله تعالى : { ~~ما من شفيع إلا من بعد إذنه } ( يونس : 3 ) ، والدعاء لأحد من الشفاعة له ، ~~على أن من جملة صلة الموصول أن ملائكته يصلون على المؤمنين . وذلك معلوم من ~~آيات كثيرة ، وقد يكون ذلك بإخبار النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين فيما ~~قبل نزول هذه الآية ، ويؤيد هذا المعنى قوله بعده { وكان بالمؤمنين رحيما } ~~كما يأتي قريبا . # واللام في قوله : { ليخرجكم } متعلقة ب { يصلي } . فعلم أن هذه الصلاة ~~جزاء عاجل حاصل وقت ذكرهم وتسبيحهم . # والمراد ب { الظلمات : الضلالة ، وبالنور : الهدى ، وبإخراجهم من الظلمات ~~: دوام ذلك والاستزادة منه لأنهم لما كانوا مؤمنين كانوا قد خرجوا من ~~الظلمات إلى النور ويزيد الله الذين اهتدوا هدى } ( مريم : 76 ) . # وجملة { وكان بالمؤمنين رحيما } تذييل . # ودل الإخبار عن رحمته بالمؤمنين بإقحام فعل { كان } وخبرها لما تقتضيه { ~~كان } من ثبوت ذلك الخبر له تعالى وتحققه وأنه شأن من شؤونه المعروف بها في ~~آيات كثيرة . # ورحمته بالمؤمنين أعم من صلاته عليهم لأنها تشمل إسداء النفع إليهم ~~وإيصال الخير لهم بالأقوال والأفعال والألطاف . # أعقب الجزاء العاجل الذي أنبأ عنه قوله : { هو الذي يصلي عليكم ms6516 وملائكته ~~} ( الأحزاب : 43 ) بذكر جزاء آجل وهو ظهور أثر الأعمال التي عملوها في ~~الدنيا وأثر الجزاء الذي عجل لهم عليها من الله في كرامتهم يوم يلقون ربهم ~~. PageV22P050 # فالجملة تكملة للتي قبلها لإفادة أن صلاة الله وملائكته واقعة في الحياة ~~الدنيا وفي الدار الآخرة . # والتحية : الكلام الذي يخاطب به عند ابتداء الملاقاة إعرابا عن السرور ~~باللقاء من دعاء ونحوه . وهذا الاسم في الأصل مصدر حياه ، إذا قال له : ~~أحياك الله ، أي أطال حياتك . فسمى به الكلام المعرب عن ابتغاء الخير ~~للملاقى أو الثناء عليه لأنه غلب أن يقولوا : أحياك الله عند ابتداء ~~الملاقاة فأطلق اسمها على كل دعاء وثناء يقال عند الملاقاة وتحية الإسلام : ~~سلام عليك أو السلام عليكم ، دعاء بالسلامة والأمن ، أي من المكروه لأن ~~السلامة أحسن ما يبتغى في الحياة . فإذا أحياه الله ولم يسلمه كانت الحياة ~~ألما وشرا ، ولذلك كانت تحية المؤمنين يوم القيامة السلام بشارة بالسلامة ~~مما يشاهده الناس من الأهوال المنتظرة . وكذلك تحية أهل الجنة فيما بينهم ~~تلذذا باسم ما هم فيه من السلامة من أهوال أهل النار ، وتقدم في قوله : { ~~وتحيتهم فيها سلام في سورة يونس . # وإضافة التحية إلى ضمير المؤمنين من إضافة اسم المصدر إلى مفعوله ، أي ~~تحية يحيون بها . # ولقاء الله : الحضور من حضرة قدسه للحساب في المحشر . وتقدم تفصيل الكلام ~~عليها عند قوله تعالى : واعلموا أنكم ملاقوه في سورة البقرة . وهذا اللقاء ~~عام لجميع الناس كما قال تعالى : فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه } ~~( التوبة : 77 ) فميز الله المؤمنين يومئذ بالتحية كرامة لهم . # وجملة { وأعد لهم أجرا كريما } حال من ضمير الجلالة ، أي يحييهم يوم ~~يلقونه وقد أعد لهم أجرا كريما . والمعنى : ومن رحمته بهم أن بدأهم بما فيه ~~بشارة بالسلامة وقد أعد لهم أجرا كريما إتماما لرحمته بهم . # والأجر : الثواب . والكريم : النفيس في نوعه ، وقد تقدم عند قوله تعالى : ~~{ إني ألقي إلي كتاب كريم في سورة النمل . والأجر الكريم : نعيم الجنة . ~~PageV22P051 # ( 45 46 ) } # هذا النداء الثالث للنبيء صلى الله عليه ms6517 وسلم فإن الله لما أبلغه بالنداء ~~الأول ما هو متعلق بذاته ، وبالنداء الثاني ما هو متعلق بأزواجه وما تخلل ~~ذلك من التكليف والتذكير ، ناداه بأوصاف أودعها سبحانه فيه للتنويه بشأنه ، ~~وزيادة رفعة مقداره وبين له أركان رسالته ، فهذا الغرض هو وصف تعلقات ~~رسالته بأحوال أمته وأحوال الأمم السالفة . # وذكر له هنا خمسة أوصاف هي : شاهد . ومبشر . ونذير . وداع إلى الله . ~~وسراج منير . فهذه الأوصاف ينطوي إليها وتنطوي على مجامع الرسالة المحمدية ~~فلذلك اقتصر عليها من بين أوصافه الكثيرة . # والشاهد : المخبر عن حجة المدعي المحق ودفع دعوى المبطل ، فالرسول صلى ~~الله عليه وسلم شاهد بصحة ما هو صحيح من الشرائع وبقاء ما هو صالح للبقاء ~~منها ويشهد ببطلان ما ألصق بها وبنسخ ما لا ينبغي بقاؤه من أحكامها بما ~~أخبر عنهم في القرآن والسنة ، قال تعالى : { مصدقا لما بين يديه من الكتاب ~~ومهيمنا عليه } ( المائدة : 48 ) . وفي حديث الحشر : ( يسأل كل رسول هل بلغ ~~؟ فيقول : نعم . فيقول الله : من يشهد لك ؟ فيقول : محمد وأمته ) . . . ~~الحديث . # ومحمد صلى الله عليه وسلم شاهد أيضا على أمته بمراقبة جريهم على الشريعة ~~في حياته وشاهد عليهم في عرصات القيامة ، قال تعالى : { وجئنا بك على هؤلاء ~~شهيدا } ( النساء : 41 ) فهو شاهد على المستجيبين لدعوته وعلى المعرضين ~~عنها ، وعلى من استجاب للدعوة ثم بدل . وفي حديث الحوض : ( ليردن علي ناس ~~من أصحابي الحوض حتى إذا رأيتهم وعرفتهم اختلجوا دوني فأقول : يا رب ~~أصيحابي أصيحابي . فيقال لي : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول تبا وسحقا ~~لمن أحدث بعدي ) يعني : أحدثوا الكفر وهم أهل الردة كما في بعض روايات ~~الحديث : ( إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم ) . فلا جرم كان ~~وصف الشاهد أشمل هذه الأوصاف للرسول صلى الله عليه وسلم بوصف كونه رسولا ~~لهذه الأمة ، وبوصف كونه خاتما للشرائع ومتمما لمراد الله من بعثة الرسل . ~~PageV22P052 # والمبشر : المخبر بالبشرى والبشارة . وهي الحادث المسر لمن يخبر به ~~والوعد بالعطية ، والنبي صلى الله عليه وسلم مبشر لأهل الإيمان والمطيعين ~~بمراتب ms6518 فوزهم . وقد تضمن هذا الوصف ما اشتملت عليه الشريعة من الدعاء إلى ~~الخير من الأوامر وهو قسم الامتثال من قسمي التقوى ، فإن التقوى امتثال ~~المأمورات واجتناب المنهيات ، والمأمورات متضمنة المصالح فهي مقتضية بشارة ~~فاعليها بحسن الحال في العاجل والآجل . # وقدمت البشارة على النذارة لأن النبي صلى الله عليه وسلم غلب عليه ~~التبشير لأنه رحمة للعالمين ، ولكثرة عدد المؤمنين في أمته . # والنذير : مشتق من الإنذار وهو الإخبار بحلول حادث مسيء أو قرب حلوله ، ~~والنبي عليه الصلاة والسلام منذر للذين يخالفون عن دينه من كافرين به ومن ~~أهل العصيان بمتفاوت مؤاخذتهم على عملهم . # وانتصب { شاهدا } على الحال من كاف الخطاب وهي حال مقدرة ، أي أرسلناك ~~مقدرا أن تكون شاهدا على الرسل والأمم في الدنيا والآخرة . ومثل سيبويه ~~للحال المقدرة بقوله : مررت برجل معه صقر صائدا به . # وجيء في جانب النذارة بصيغة فعيل دون اسم الفاعل لإرادة الاسم فإن النذير ~~في كلامهم اسم للمخبر بحلول العدو بديار القوم . ومن الأمثال : أنا النذير ~~العريان ، أي الآتي بخبر حلول العدو بديار قوم . والمراد بالعريان أنه ينزع ~~عنه قميصه ليشير به من مكان مرتفع فيراه من لا يسمع نداءه ، فالوصف بنذير ~~تمثيل بحال نذير القوم كما قال : { إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد } ~~( سبأ : 46 ) للإيماء إلى تحقيق ما أنذرهم به حتى كأنه قد حل بهم وكأن ~~المخبر عنه مخبر عن أمر قد وقع ، وهذا لا يؤديه إلا اسم النذير ، ولذلك كثر ~~في القرآن الوصف بالنذير وقل الوصف بمنذر . وفي الصحيح : أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لما أنزل عليه : { وأنذر عشيرتك الأقربين } ( الشعراء : 214 ~~) خرج حتى صعد الصفا ، فنادى : يا صباحاه ( كلمة ينادي بها من يطلب النجدة ~~) فاجتمعوا إليه فقال : أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلا تخرج من سفح هذا الجبل ~~أكنتم مصدقي ؟ قالوا : نعم . قال : فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد ) . ~~فهذا يشير إلى تمثيل الحالة التي استخلصها بقوله : ( فإني نذير PageV22P053 ~~لكم بين يدي عذاب شديد ) . وما في { بين يدي ms6519 عذاب } من معنى التقريب . # وشمل اسم النذير جوامع ما في الشريعة من النواهي والعقوبات وهو قسم ~~الاجتناب من قسمي التقوى فإن المنهيات متضمنة مفاسد فهي مقتضية تخويف ~~المقدمين على فعلها من سوء الحال في العاجل والآجل . # والداعي إلى الله هو الذي يدعو الناس إلى ترك عبادة غير الله ويدعوهم إلى ~~اتباع ما يأمرهم به الله . وأصل دعاه إلى فلان : أنه دعاه إلى الحضور عنده ~~، يقال : ادع فلانا إلي . ولما علم أن الله تعالى منزه عن جهة يحضرها الناس ~~عنده تعين أن معنى الدعاء إليه الدعاء إلى ترك الاعتراف بغيره ( كما يقولون ~~: أبو مسلم الخراساني يدعو إلى الرضى من آل البيت ) فشمل هذا الوصف أصول ~~الإعتقاد في شريعة الإسلام مما يتعلق بصفات الله لأن دعوة الله دعوة إلى ~~معرفته وما يتعلق بصفات الدعاة إليه من الأنبياء والرسل والكتب المنزلة ~~عليهم . # وزيادة { بإذنه } ليفيد أن الله أرسله داعيا إليه ويسر له الدعاء إليه مع ~~ثقل أمر هذا الدعاء وعظم خطره وهو ما كان استشعره النبي صلى الله عليه وسلم ~~في مبدأ الوحي من الخشية إلى أن أنزل عليه { يا أيها المدثر قم فأنذر } ( ~~المدثر : 1 ، 2 ) ، ومثله قوله تعالى لموسى : { لا تخف إنك أنت الأعلى } ( ~~طه : 68 ) ، فهذا إذن خاص وهو الإذن بعد الإحجام المقتضي للتيسير ، فأطلق ~~اسم الإذن على التيسير على وجه المجاز المرسل . ونظيره قوله تعالى خطابا ~~لعيسى عليه السلام : { وتبرىء الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني ~~} ( المائدة : 110 ) وقوله حكاية عن عيسى { فأنفخ فيه فيكون طائرا بإذن ~~الله } ( آل عمران : 49 ) . # وقوله { وسراجا منيرا } تشبيه بليغ بطريق الحالية وهو طريق جميل ، أي ~~أرسلناك كالسراج المنير في الهداية الواضحة التي لا لبس فيها والتي لا تترك ~~للباطل شبهة إلا فضحتها وأوقفت الناس على دخائلها ، كما يضيء السراج الوقاد ~~ظلمة المكان . وهذا الوصف يشمل ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من ~~البيان وإيضاح الاستدلال وانقشاع ما كان قبله في الأديان من مسالك للتبديل ~~والتحريف فشمل ما في الشريعة ms6520 من أصول الاستنباط والتفقه في الدين والعلم ، ~~فإن العلم يشبه PageV22P054 بالنور فناسبه السراج المنير . وهذا وصف شامل ~~لجميع الأوصاف التي وصف بها آنفا فهو كالفذلكة وكالتذييل . # ووصف السراج ب { منيرا } مع أن الإنارة من لوازم السراج هو كوصف الشيء ~~بالوصف المشتق من لفظه في قوله : شعر شاعر ، وليل أليل لإفادة قوة معنى ~~الاسم في الموصوف به الخاص فإن هدى النبي صلى الله عليه وسلم هو أوضح الهدى ~~. وإرشاده أبلغ إرشاد . # روى البخاري في كتاب ( التفسير ) من صحيحه في الكلام على سورة الفتح عن ~~عطاء بن يسار أن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : ( إن هذه الآية التي في ~~القرآن : { يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا } قال في ~~التوراة : يأيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين ، ~~أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ، ولا ~~يدفع السيئة بالسيئة ولكن يعفو ويصفح ( أو ويغفر ) ولن يقبضه الله حتى يقيم ~~به الملة العوجاء بأن يقولوا لا إلاه إلا الله ويفتح ( أو فيفتح ) به أعينا ~~عميا وآذانا صما وقلوبا غلفاء ) ا ه . # وقول عبد الله بن عمرو ( في التوراة ) يعني بالتوراة : أسفار التوراة وما ~~معها من أسفار الأنبياء إذ لا يوجد مثل ذلك فيما رأيت من الأسفار الخمسة ~~الأصلية من التوراة . وهذا الذي حدث به عبد الله بن عمرو ورأيت مقاربه في ~~سفر النبي أشعياء من الكتب المعبر عنها بالتوراة تغليبا وهي الكتب المسماة ~~بالعهد القديم ؛ وذلك في الإصحاح الثاني والأربعين منه بتغيير قليل ( أحسب ~~أنه من اختلاف الترجمة أو من تفسيرات بعض الأحبار وتأويلاتهم ) ، ففي ~~الإصحاح الثاني والأربعين منه ( هو ذا عبدي الذي أعضده مختاري الذي سرت به ~~نفسي ، وضعت روحي عليه فيخرج الحق للأمم ، لا يصيح ولا يرفع ولا يسمع في ~~الشارع صوته ، قصبة مرضوضة لا تقصف ، وفتيلة خامدة لا تطفأ ، إلى الأمان ~~يخرج الحق ، لا يكل ولا ينكسر حتى يضع الحق في الأرض وتنتظر الجزائر شريعته ~~PageV22P055 أنا الرب قد دعوتك بالبر ms6521 فأمسك بيدك وأحفظك وأجعلك عهدا للشعب ~~ونورا للأمم لنفتح عيون العمي لتخرج من الحبس المأسورين من بيت السجن ، ~~الجالسين في الظلمة ، أنا الرب هذا اسمي ومجدي لا أعطيه لآخر ) . # وإليك نظائر صفته التي في التوراة من صفاته في القرآن : { يا أيها النبي ~~إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا } نظيرها هذه الآية وحرزا للأميين ( { هو ~~الذي بعث في الأميين رسولا منهم سورة الجمعة ) أنت عبدي ورسولي ( الحمد لله ~~الذي أنزل على عبده الكتاب سورة الكهف ) سميتك المتوكل ( وتوكل على الله ~~سورة الأحزاب ) ليس بفظ ولا غليظ ( ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ~~( سورة آل عمران ) ولا صخاب في الأسواق ( واغضض من صوتك سورة لقمان ) ولا ~~يدفع السيئة بالسيئة ( وادفع بالتي هي أحسن سورة فصلت ) ولكن يعفو ويصفح ( ~~فاعف عنهم واصفح سورة العقود ) ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء ~~بأن يقولوا : لا إله إلا الله ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ~~ورضيت لكم الاسلام دينا سورة المائدة ) ويفتح به أعينا عميا وآذانا صما ~~وقلوبا غلفا ( ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة في سورة ~~البقرة في ذكر الذين كفروا مقابلا لذكر المؤمنين في قوله قبله هدى للمتقين ~~الآية ) . # ولنذكر هنا ما في سفر أشعياء ونقحم فيه بيان مقابلة كلماته بالكلمات التي ~~جاءت في حديث عبد الله بن عمرو . # جاء في الإصحاح الثاني والأربعين من سفر أشعياء : هو ذا عبدي ( أنت عبدي ~~) الذي أعضده مختاري ( ورسولي ) الذي سرت به نفسي ، وضعت روحي عليه فيخرج ~~الحق للأمم لا يصيح ( ليس بفظ ) ولا يرفع ( ولا غليظ ) ولا يسمع في الشارع ~~صوته ( ولا صخاب في الأسواق ) قصبة مرضوضة لا يقصف ( ولا يدفع السيئة ~~بالسيئة ) وفتيلة خامدة لا يطفا ( يعفو ويصفح ) إلى الأمان يخرج الحق ( ~~وحرزا ) لا يكل ولا ينكسر حتى يضع الحق في الأرض ( ولن يقبضه الله حتى يقيم ~~به الملة العوجاء ) وتنتظر الجزائر شريعته ( للأميين ) أنا الرب قد دعوتك ~~بالبر فأمسك بيدك ( سميتك المتوكل ) وأحفظك ( ولن يقبضه الله ) وأجعلك ms6522 عهدا ~~PageV22P056 للشعب أرسلناك شاهدا ( ونورا للأمم ) ( مبشرا ) لنفتح عيون ~~العمي ( ونفتح به أعينا عميا ) لتخرج من الحبس المأسورين من بيت السجن ( ~~وآذانا صما ) الجالسين في الظلمة ( وقلوبا غلفا ) . أنا الرب هذا اسمي ~~ومجدي لا أعطيه لآخر ( بأن يقولوا لا إله إلا الله ) . # } # عطف على جملة { إنا أرسلناك } ( الأحزاب : 45 ) عطف الإنشاء على الخبر لا ~~محالة وهي أوضح دليل على صحة عطف الإنشاء على الخبر إذ لا يتأتى فيها تأويل ~~مما تأوله المانعون لعطف الإنشاء على الخبر وهم الجمهور والزمخشري ~~والتفتزاني مما سنذكره إن شاء الله عند قوله تعالى : { تؤمنون بالله ورسوله ~~وتجاهدون في سبيل الله إلى قوله : وبشر المؤمنين في سورة الصف ( 11 13 ) ، ~~فالجملة المعطوف عليها إخبار عن النبي بأنه أرسله متلبسا بتلك الصفات الخمس ~~. وهذا أمر له بالعمل بصفة المبشر ، فلاختلاف مضمون الجملتين عطفت هذه على ~~الأولى . # والفضل : العطاء الذي يزيده المعطي زيادة على العطية . فالفضل كناية عن ~~العطية أيضا لأنه لا يكون فضلا إلا إذا كان زائدا على العطية . والمراد أن ~~لهم ثواب أعمالهم الموعود بها وزيادة من عند ربهم ، قال تعالى : للذين ~~أحسنوا الحسنى وزيادة } ( يونس : 26 ) . # ووصف { كبيرا } مستعار للفائق في نوعه . قال ابن عطية : قال لي أبي رضي ~~الله عنه : هذه أرجى آية عندي في كتاب الله لأن الله قد أمر نبيئه أن يبشر ~~المؤمنين بأن لهم عنده فضلا كبيرا . وقد بين الله تعالى الفضل الكبير ما هو ~~في قوله : { والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاؤون ~~عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير } ( الشورى : 22 ) فالآية التي في هذه السورة ~~خبر ، والآية التي في حم عسق تفسير لها ا ه . PageV22P057 # جاء في مقابلة قوله : { وبشر المؤمنين } ( الأحزاب : 47 ) بقوله : { ولا ~~تطع الكافرين والمنافقين } تحذيرا له من موافقتهم فيما يسألون منه وتأييدا ~~لفعله معهم حين استأذنه المنافقون في الرجوع عن الأحزاب فلم يأذن لهم ، ~~فنهي عن الإصغاء إلى ما يرغبونه فيترك ما أحل له من التزوج ، أو فيعطي ~~الكافرين من الأحزاب ثمر ms6523 النخل صلحا أو نحو ذلك ، والنهي مستعمل في معنى ~~الدوام على الانتهاء . # وعلم من مقابلة أمر التبشير للمؤمنين بالنهي عن طاعة الكافرين والمنافقين ~~أن الكافرين والمنافقين هم متعلق الإنذار من قوله : { ونذيرا } ( الأحزاب : ~~45 ) لأن وصف ( بشيرا ) قد أخذ متعلقه فقد صار هذا ناظرا إلى قوله : { ~~ونذيرا } ( الأحزاب : 45 ) . # وقوله : { ودع أذاهم } يجوز أن يكون فعل { دع } مرادا به أن لا يعاقبهم ~~فيكون { دع } مستعملا في حقيقته وتكون إضافة أذاهم من إضافة المصدر إلى ~~مفعوله ، أي دع أذاك إياهم . ويجوز أن يكون { دع } مستعملا مجازا في عدم ~~الاكتراث وعدمم الاغتمام ، فما يقولونه مما يؤذي ويكون إضافة أذاهم من ~~إضافة المصدر إلى فاعله ، أي لا تكترث بما يصدر منهم من أذى إليك فإنك أجل ~~من الاهتمام بذلك ، وهذا من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه . وأكثر ~~المفسرين اقتصروا على هذا الاحتمال الأخير . والوجه : الحمل على كلا ~~المعنيين ، فيكون الأمر بترك أذاهم صادقا بالإعراض عما يؤذون به النبي صلى ~~الله عليه وسلم من أقوالهم ، وصادقا بالكف عن الإضرار بهم ، أي أن يترفع ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن مؤاخذتهم على ما يصدر منهم في شأنه ، وهذا ~~إعراض عن أذى خاص لا عموم له ، فهو بمنزلة المعرف بلام العهد ، فليست آيات ~~القتال بناسخة له . # وهذا يقتضي أنه يترك أذاهم ويكلهم إلى عقاب آجل وذلك من معنى قوله : { ~~شاهدا } ( الأحزاب : 45 ) لأنه يشهد عليهم بذلك كقوله : { فتول عنهم حتى ~~حين وأبصرهم } ( الصافات : 174 175 ) . # والتوكل : الاعتماد وتفويض التدبير إلى الله . وقد تقدم عند قوله تعالى : ~~{ فإذا عزمت فتوكل على الله في سورة آل عمران وقوله : وعلى الله فتوكلوا إن ~~كنتم PageV22P058 مؤمنين في سورة العقود ، أي اعتمد على الله في تبليغ ~~الرسالة وفي كفايته إياك شر عدوك ، فهذا ناظر إلى قوله : وداعيا إلى الله } ~~( الأحزاب : 46 ) . # وقوله : { وكفى بالله وكيلا } تذييل لجملة { وتوكل على الله } . # والمعنى : فإن الله هو الوكيل الكافي في الوكالة ، أي المجزي من توكل ~~عليه ما وكله عليه فالباء تأكيد ، وتقدم قوله : { وكفى ms6524 بالله وكيلا } في ~~سورة النساء . والتقدير : كفى الله و { وكيلا } تمييز . # فقد جاءت هذه الجمل الطلبية مقابلة وناظرة للجمل الإخبارية من قوله : { ~~إنا أرسلناك شاهدا إلى وسراجا منيرا } ( الأحزاب : 45 ، 46 ) فقوله : { ~~وبشر المؤمنين } ( الأحزاب : 47 ) ناظرا إلى قوله : { ومبشرا } ( الأحزاب : ~~45 ) . # وقوله : { ولا تطع الكافرين } ناظر إلى قوله : { ونذيرا } ( الأحزاب : 45 ~~) لأنه جاء في مقابلة بشارة المؤمنين كما تقدم . # وقوله : { ودع أذاهم ناظر إلى قوله : شاهدا } ( الأحزاب : 45 ) كما علمت ~~. وقوله : { وتوكل على الله ناظر إلى قوله : وداعيا إلى الله } ( الأحزاب : ~~46 ) . وأما قوله : { وسراجا منيرا } ( الأحزاب : 46 ) فلم يذكر له مقابل ~~في هذه المطالب إلا أنه لما كان كالتذييل للصفات كما تقدم ناسب أن يقابله ~~ما هو تذييل للمطالب ، وهو قوله : { وكفى بالله وكيلا } . وهذا أقرب من بعض ~~ما في ( الكشاف ) من وجوه المقابلة ومن بعض ما للآلوسي فانظرهما واحكم . # جاءت هذه الآية تشريعا لحكم المطلقات قبل البناء بهن أن لا تلزمهن عدة ~~بمناسبة حدوث طلاق زيد بن حارثة زوجه زينب بنت جحش لتكون الآية مخصصة لآيات ~~العدة من سورة البقرة ، فإن الأحزاب نزلت بعد البقرة ، وليخصص بها أيضا آية ~~العدة في سورة الطلاق النازلة بعدها لئلا يظن ظان أن العدة من PageV22P059 ~~آثار العقد على المرأة سواء دخل بها الزوج أم لم يدخل . قال ابن العربي : ~~وأجمع علماء الأمة على أن لا عدة على المرأة إذا لم يدخل بها زوجها لهذه ~~الآية . # والنكاح : هو العقد بين الرجل والمرأة لتكون زوجا بواسطة وليها . وهو ~~حقيقة في العقد لأن أصل النكاح حقيقة هو الضم والإلصاق فشبه عقد الزواج ~~بالالتصاق والضم بما فيه من اعتبار انضمام الرجل والمرأة فصارا كشيئين ~~متصلين . وهذا كما سمي كلاهما زوجا ، ولا يعرف في كلام العرب إطلاق النكاح ~~على غير معنى العقد دون معنى الوطء ولذلك يقولون : نكحت المرأة فلانا ، أي ~~تزوجته ، كما يقولون : نكح فلان امرأة . وزعم كثير من مدوني اللغة أن ~~النكاح حقيقة في إدخال شيء في آخر . فأخذوا منه أنه حقيقة في الوطء ms6525 ، ودرج ~~على ذلك الأزهري والجوهري والزمخشري ، وهو بعيد ، وعلى ما بنوه أخطأ ~~المتنبي في استعماله إذ قال : # أنكحت صم حصاها خف يعملة # تغشمرت بي إليك السهل والجبلا # ولا حجة في كلامه ، ولذلك تأوله أبو العلاء المعري في معجز أحمد بأنه ~~أراد جمعت بين صم الحصى وخف اليعملة . # وتعليق الحكم في العدة بالمؤمنات جرى على الغالب لأن نساء المؤمنين يومئذ ~~لم يكن إلا مؤمنات وليس فيهن كتابيات فينسحب هذا الحكم على الكتابية كما ~~شملها حكم الاعتداد إذا وقع مسيسها بطرق القياس . # والمس والمسيس : كناية عن الوطء ، كما سمي ملامسة في قوله : { أو لامستم ~~النساء } ( النساء : 43 ) . # والعدة بكسر العين : هي في الأصل اسم هيئة من العد بفتح العين وهو الحساب ~~فأطلقت العدة على الشيء المعدود ، يقال : جاء عدة رجال ، وقال تعالى : { ~~فعدة من أيام أخر البقرة . وغلب إطلاق هذا اللفظ في لسان الشرع على المدة ~~المحددة لانتظار المرأة زواجا ثانيا ، لأن انتظارها مدة معدودة الأزمان إما ~~بالتعيين وإما بما يحدث فيها من طهر أو وضع حمل فصار اسم جنس ولذلك دخلت ~~عليه PageV22P060 من } التي تدخل على النكرة المنفية لإفادة العموم ، أي ~~فما لكم عليهن من جنس العدة . # والخطاب في { لكم } للأزواج الذين نكحوا المؤمنات . وجعلت العدة لهم ، أي ~~لأجلهم لأن المقصد منها راجع إلى نفع الأزواج بحفظ أنسابهم ولأنهم يملكون ~~مراجعة الأزواج ما دمن في مدة العدة كما أشار إليه قوله تعالى : { لا تدري ~~لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا } ( الطلاق : 1 ) . وقوله : { وبعولتهن أحق ~~بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا } ( البقرة : 228 ) . ومع ذلك هي حق أوجبه ~~الشرع ، فلو رام الزوج إسقاط العدة عن المطلقة لم يكن له ذلك لأن ما تتضمنه ~~العدة من حفظ النسب مقصد من أصول مقاصد التشريع فلا يسقط بالإسقاط . # ومعنى : { تعتدونها } تعدونها عليهن ، أي تعدون أيامها عليهن ، كما يقال ~~: اعتدت المرأة ، إذا قضت أيام عدتها . # فصيغة الافتعال ليست للمطاوعة ولكنها بمعنى الفعل مثل : اضطر إلى كذا . ~~ومحاولة حمل صيغة المطاوعة على معروف معناها تكلف . # ويشبه ms6526 هذا من راجع المعتدة في مدة عدتها ثم طلقها قبل أن يمسها فإن ~~المراجعة تشبه النكاح وليست عينه إذ لا تفتقر إلى إيجاب وقبول . وقد اختلف ~~الفقهاء في اعتدادها من ذلك الطلاق ، فقال مالك والشافعي في أحد قوليه ~~وجمهور الفقهاء : إنها تنشىء عدة مستقبلة من يوم طلقها بعد المراجعة ولا ~~تبني على عدتها التي كانت فيها لأن الزوج نقض تلك العدة بالمراجعة . ولعل ~~مالكا نظر إلى أن المسيس بعد المراجعة قد يخفى أمره بخلاف البناء بالزوجة ~~في النكاح فلعله إنما أوجب استئناف العدة لهذه التهمة احتياطا للأنساب . ~~وقال عطاء بن أبي رباح والشافعي في أحد قوليه وسعيد بن المسيب وإبراهيم ~~النخعي والحسن وأبو قلابة وقتادة والزهري : تبني على عدتها الأولى التي ~~راجعها فيها لأن طلاقه بعد المراجعة ودون أن يمسها بمنزلة إرداف طلاق ثان ~~على المرأة وهي في عدتها فإن الطلاق المردف لا اعتداد له بخصوصه . ونسب ~~القرطبي إلى داود الظاهري أنه قال : المطلقة الرجعية إذا راجعها زوجها قبل ~~أن تنقضي عدتها ثم فارقها قبل أن يمسها إنه ليس عليها أن تتم عدتها ولا عدة ~~مستقبلة لأنها مطلقة قبل الدخول بها ا ه . وهو PageV22P061 غريب ، وكلام ~~ابن حزم في ( المحلى ) صريح في أنها تبتدىء العدة فلعله من قول ابن حزم ~~وليس مذهب داود ، وكيف لو راجعها بعد يوم أو يومين من تطليقها فبماذا تعرف ~~براءة رحمها . # وفاء التفريع في قوله : { فمتعوهن } لأن حكم التمتيع مقرر من سورة البقرة ~~في قوله : { ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره الخ . والمتعة : ~~عطية يعطيها الزوج للمرأة إذا طلقها . وقد تقدم قوله تعالى : لا جناح عليكم ~~إن طلقتم النساء مالم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره ~~وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين } ( البقرة : 236 ) ~~فلذلك جيء بالأمر بالتمتيع مفرعا على الطلاق قبل المسيس . # وقد جعل الله التمتيع جبرا لخاطر المرأة المنكسر بالطلاق وتقدم في سورة ~~البقرة أن المتعة حق للمطلقة سواء سمي لها صداق أم لم يسم بحكم آية ms6527 سورة ~~الأحزاب لأن الله أمر بالتمتيع للمطلقة قبل البناء مطلقا فكان عمومها في ~~الأحوال كعمومها في الذوات ، وليست آية البقرة بمعارضة لهذه الآية إذ ليس ~~فيها تقييد بشرط يقتضي تخصيص المتعة بالتي لم يسم لها صداق لأنها نازلة في ~~رفع الحرج عن الطلاق قبل البناء وقبل تسمية الصداق ، ثم أمرت بالمتعة لتينك ~~المطلقتين فالجمع بين الآيتين ممكن . # والسراح الجميل : هو الخلي عن الأذى والإضرار ومنع الحقوق . # . # نداء رابع خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم في شأن خاص به هو بيان ما ~~أحل له من الزوجات والسراري وما يزيد عليه وما لا يزيد مما بعضه تقرير ~~لتشريع له سابق وبعضه تشريع له للمستقبل ، ومما بعضه يتساوى فيه النبي عليه ~~الصلاة والسلام PageV22P062 مع الأمة وبعضه خاص به أكرمه الله بخصوصيته مما ~~هو توسعة عليه ، أو مما روعي في تخصيصه به علو درجته . # ولعل المناسبة لورودها عقب الآيات التي قبلها أنه لما خاض المنافقون في ~~تزوج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنتت جحش وقالوا : تزوج من كانت حليلة ~~متبناه ، أراد الله أن يجمع في هذه الآية من يحل للنبيء تزوجهن حتى لا يقع ~~الناس في تردد ولا يفتنهم المرجفون . ولعل ما حدث من استنكار بعض النساء أن ~~تهدي المرأة نفسها لرجل كان من مناسبات اشتمالها على قوله : { وامرأة مؤمنة ~~إن وهبت نفسها للنبيء } الآية ، ولذلك جمعت الآية تقرير ما هو مشروع وتشريع ~~ما لم يكن مشروعا لتكون جامعة للأحوال ، وذلك أوعب وأقطع للتردد والاحتمال ~~. # فأما تقرير ما هو مشروع فذلك من قوله تعالى : { إنا أحللنا لك أزواجك ~~التي آتيت أجورهن } إلى قوله : { وبنات خالاتك } ، وأما تشريع ما لم يكن ~~مشروعا فذلك من قوله : { التي هاجرن معك } إلى قوله : { ولا أن تبدل بهن من ~~أزواج } ( الأحزاب : 52 ) . # فقوله تعالى : { إنا أحللنا لك أزواجك } خبر مراد به التشريع . ودخول حرف ~~( إن ) عليه لا ينافي إرادة التشريع إذ موقع ( إن ) هنا مجرد الاهتمام ، ~~والاهتمام يناسب كلا من قصد الإخبار وقصد الإنشاء ، ولذلك عطفت على ms6528 مفعول { ~~أحللنا } معطوفات قيدت بأوصاف لم يكن شرعها معلوما من قبل وذلك في قوله : { ~~وبنات عمك } وما عطف عليه باعتبار تقييدهن بوصف { الاتي هاجرن معك } ، وفي ~~قوله : { وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها } باعتبار تقييدها بوصف الإيمان ~~وتقييدها ب ( إن وهبت نفسها للنبيء وأراد النبي أن يستنكحها ) . هذا تفسير ~~الآية على ما درج عليه المفسرون على اختلاف قليل بين أقوالهم . # وعندي : أن الآية امتنان وتذكير بنعمة على النبي صلى الله عليه وسلم ~~وتؤخذ من الامتنان الإباحة ويؤخذ من ظاهر قوله : { لا يحل لك النساء من بعد ~~} ( الأحزاب : 52 ) الاقتصار على اللاتي في عصمته منهن وقت نزول الآية ، ~~ولتكون هذه الآية تمهيدا لقوله تعالى : { لا يحل لك النساء من بعد } الخ . ~~PageV22P063 # وسيجيء ما لنا في معنى قوله : { من بعد } وما لنا في موضع قوله { إن أراد ~~النبي أن يستنكحها } . # ومعنى { أحللنا لك } الإباحة له ، ولذلك جاءت مقابلته بقوله عقب تعداد ~~المحللات له { لا يحل لك النساء من بعد } . # وإضافة أزواج إلى ضمير النبي صلى الله عليه وسلم تفيد أنهن الأزواج ~~اللاتي في عصمته ، فيكون الكلام إخبارا لتقرير تشريع سابق ومسوقا مساق ~~الامتنان ، ثم هو تمهيد لما سيتلوه من التشريع الخاص بالنبي صلى الله عليه ~~وسلم من قوله : { اللاتي هاجرن معك } إلى قوله : { لا يحل لك النساء من بعد ~~ولا أن تبدل بهن من أزواج } ( الأحزاب : 52 ) . وهذا هو الوجه عندي في ~~تفسير هذه الآية . # وحكى ابن الفرس عن الضحاك وابن زيد أن المعنى بقوله : { أزواجك اللاتي ~~آتيت أجورهن } أن الله أحل له أن يتزوج كل امرأة يصدقها مهرها فأباح له كل ~~النساء ، وهذا بعيد عن مقتضى إضافة أزواج إلى ضميره . وعن التعبير ب { آتيت ~~أجورهن } بصيغة المضي . واختلف أهل التأويل في محمل هذا الوجه مع قوله ~~تعالى في آخر الآية : { لا يحل لك النساء من بعد } فقال قوم : هذه ناسخة ~~لقوله : { لا يحل لك النساء من بعد } ولو تقدمت عليها في التلاوة . وقال ~~آخرون : هي منسوخة بقوله : { لا يحل لك النساء من ms6529 بعد } . # و { اللاتي آتيت أجورهن } صفة ل { أزواجك } ، أي وهن النسوة اللاتي ~~تزوجتهن على حكم النكاح الذي يعم الأمة ، فالماضي في قوله : { آتيت أجورهن ~~} مستعمل في حقيقته . وهؤلاء فيهن من هن من قراباته وهن القرشيات منهن : ~~عائشة ، وحفصة ، وسودة ، وأم سلمة ، وأم حبيبة ، وفيهن من لسن كذلك وهن : ~~جويرية من بني المصطلق ، وميمونة بنت الحارث من بني هلال ، وزينب أم ~~المساكين من بني هلال ، وكانت يومئذ متوفاة ، وصفية بنت حيي الإسرائيلية . # وعطف على هؤلاء نسوة أخر وهن ثلاثة أصناف : # ( الصنف الأول ) : ما ملكت يمينه مما أفاء الله عليه ، أي مما أعطاه الله ~~من الفيء ، وهو ما ناله المسلمون من العدو بغير قتال ولكن تركه العدو ، أو ~~مما أعطي PageV22P064 للنبيء صلى الله عليه وسلم مثل مارية القبطية أم ابنه ~~إبراهيم فقد أفاءها الله عليه إذ وهبها إليه المقوقس صاحب مصر ، وإنما ~~وهبها إليه هدية لمكان نبوءته فكانت بمنزلة الفيء لأنها ما لوحظ فيها إلا ~~قصد المسالمة من جهة الجوار ، إذ لم تكن له مع الرسول صلى الله عليه وسلم ~~سابق صحبة ولا معرفة ، والمعروف أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتسر غير ~~مارية القبطية . وقيل : إنه تسرى جارية أخرى وهبتها له زوجه زينب ابنة جحش ~~ولم يثبت . وقيل أيضا : إنه تسرى ريحانة من سبي قريظة اصطفاها لنفسه ولا ~~تشملها هذه الآية لأنها ليست من الفيء ولكن من المغنم إلا أن يراد ب { مما ~~أفاء الله عليك } المعنى الأعم للفيء وهو ما يشمل الغنيمة . وهذا الحكم ~~يشركه فيه كثير من الأمة من كل من أعطاه أميره شيئا من الفيء ، كما قال ~~تعالى : { ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى ~~واليتامى والمساكين وابن السبيل } ( الحشر : 7 ) فمن أعطاه الأمير من هؤلاء ~~الأصناف أمة من الفيء حلت له . # وقوله : { مما أفاء الله عليك } وصف لما ملكت يمينك وهو هنا وصف كاشف لأن ~~المراد به مارية القبطية ، أو هي وريحانة إن ثبت أنه تسراها . # ( الصنف الثاني ) : نساء من قريب ms6530 قرابته صلى الله عليه وسلم من جهة أبيه ~~أو من جهة أمه مؤمنات مهاجرات . وأغنى قوله : { هاجرن معك } عن وصف الإيمان ~~لأن الهجرة لا تكون إلا بعد الإيمان ، فأباح الله للنبيء عليه الصلاة ~~والسلام أن يتزوج من يشاء من نساء هذا الصنف بعقد النكاح المعروف ، فليس له ~~أن يتزوج في المستقبل امرأة من غير هذا الصنف المشروط بشرط القرابة ~~بالعمومة أو الخؤولة وشرط الهجرة . وعندي : أن الوصفين ببنات عمه وعماته ~~وبناتت خاله وخالاته ، وبأنهن هاجرن معه غير مقصود بهما الاحتراز عمن لسن ~~كذلك ولكنه وصف كاشف مسوق للتنويه بشأنهن . # وخص هؤلاء النسوة من عموم المنع تكريما لشأن القرابة والهجرة التي هي ~~بمنزلة القرابة لقوله تعالى : { والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ~~ولايتهم من شيء حتى يهاجروا } ( الأنفال : 72 ) . وحكم الهجرة انقضى بفتح ~~مكة . وهذا الحكم يتجاذبه الخصوصية للرسول صلى الله عليه وسلم والتعميم ~~لأمته ، فالمرأة التي تستوفي هذا الوصف يجوز للرسول عليه الصلاة والسلام ~~ولأمته الذين تكون لهم قرابة بالمرأة كهذه القرابة PageV22P065 تزوج ~~أمثالها ، والمرأة التي لم تستوف هذا الوصف لا يجوز للرسول عليه الصلاة ~~والسلام تزوجها ، وهو الذي درج عليه الجمهور ، ويؤيده خبر روي عن أم هاني ~~بنت أبي طالب . وقال أبو يوسف : يجوز لرجال أمته نكاح أمثالها . وباعتبار ~~عدم تقييد نساء الرسول صلى الله عليه وسلم بعدد يكون هذا الإطلاق خاصا به ~~دون أمته إذ لا يجوز لغيره تزوج أكثر من أربع . # وبنات عم النبي صلى الله عليه وسلم هن بنات إخوة أبيه مثل : بنات العباس ~~وبنات أبي طالب وبنات أبي لهب . وأما بنات حمزة فإنهن بنات أخ من الرضاعة ~~لا يحللن له ، وبنات عماته هن بنات عبد المطلب مثل زينب بنت جحش التي هي ~~بنت أميمة بنت عبد المطلب . # وبنات خاله هن بنات عبد مناف بن زهرة وهن أخوال النبي صلى الله عليه وسلم ~~عبد يغوث بن وهب أخو آمنة ، ولم يذكروا أن له بنات ، كما أني لم أقف على ~~ذكر خالة لرسول الله فيما رأيت ms6531 من كتب الأنساب والسير . وقد ذكر في ( ~~الإصابة ) فريعة بنت وهب وذكروا هالة بنت وهب الزهرية إلا أنها لكونها زوجة ~~عبد المطلب وابنتها صفية عمة رسول الله فقد دخلت من قبل في بنات عمه . # وإنما أفرد لفظ ( عم ) وجمع لفظ ( عمات ) لأن العم في استعمال كلام العرب ~~يطلق على أخي الأب ويطلق على أخي الجد وأخي جد الأب وهكذا فهم يقولون : ~~هؤلاء بنو عم أو بنات عم ، إذا كانوا لعم واحد أو لعدة أعمام ، ويفهم ~~المراد من القرائن . قال الراجز أنشده الأخفش : # ما برئت من ريبة وذم # في حربنا إلا بنات العم # وقال رؤبة بن العجاج : # قالت بنات العم يا سلمى وإن # كان فقيرا معدما قالت وإن # فأما لفظ ( العمة ) فإنه لا يراد به الجنس في كلامهم ، فإذا قالوا : ~~هؤلاء بنو عمة ، أرادوا أنهم بنو عمة معينة ، فجيء في الآية : { عماتك } ~~جمعا لئلا يفهم منه بنات عمة معينة . وكذلك القول في إفراد لفظ ( الخال ) ~~من قوله : { بنات خالك } وجمع الخالة في قوله : { وبنات خالاتك } . ~~PageV22P066 # وقال قوم : المراد ببنات العم وبنات العمات : نساء قريش ، والمراد ببنات ~~الخال : النساء الزهريات ، وهو اختلاف نظري محض لا ينبني عليه عمل لأن ~~النبي قد عرفت أزواجه . # وقوله : { اللاني هاجرن معك } صفة عائدة إلى { بنات عمك وبنات عماتك ~~وبنات خالك وبنات خالاتك } كشأن الصفة الواردة بعد مفردات ، وهو شرط تشريع ~~لم يكن مشروطا من قبل . # والمعية في قوله : { اللاتي هاجرن معك } معية المقارنة في الوصف المأخوذ ~~من فعل { هاجرن } فليس يلزم أن يكن قد خرجن مصاحبات له في طريقه إلى الهجرة ~~. # ( الصنف الثالث ) : امرأة تهب نفسها للنبيء صلى الله عليه وسلم أي تجعل ~~نفسها هبة له دون مهر ، وكذلك كان النساء قبل الإسلام يفعلن مع عظماء العرب ~~، فأباح الله للنبيء أن يتخذها زوجة له بدون مهر إذا شاء النبي صلى الله ~~عليه وسلم ذلك ، فهذا حقيقة لفظ { وهبت } ، فالمراد من الهبة : تزويج نفسها ~~بدون عوض ، أي بدون مهر ، وليست هذه من الهبة التي تستعمل في صيغ ms6532 النكاح ~~إذا قارنها ذكر صداق لأن ذلك اللفظ مجاز في النكاح بقرينة ذكر الصداق ويصح ~~عقد النكاح به عندنا وعند الحنفية خلافا للشافعي . # فقوله : { وامرأة } عطف على { أزواجك } . والتقدير : وأحللنا لك امرأة ~~مؤمنة . # والتنكير في { امرأة } للنوعية : والمعنى : ونعلمك أنا أحللنا لك امرأة ~~مؤمنة بقيد أن تهب نفسها لك وأن تريد أن تتزوجها فقوله : { للنبيء } في ~~الموضعين إظهار في مقام الإضمار . والمعنى : إن وهبت نفسها لك وأردت أن ~~تنكحها . وهذا تخصيص من عموم قوله : { وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك ~~وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك } فإذا وهبت امرأة نفسها للنبيء صلى الله ~~عليه وسلم وأراد نكاحها جاز له ذلك بدون ذينك الشرطين ولأجل هذا وصفت { ~~امرأة } ب { مؤمنة } ليعلم عدم اشتراط ما عدا الإيمان . وقد عدت زينب بنت ~~خزيمة الهلالية وكانت تدعى في الجاهلية أم المساكين في اللاتي وهبن أنفسهن ~~، ولم تلبث عنده زينب PageV22P067 هذه إلا قليلا فتوفيت وكان تزوجها سنة ~~ثلاث من الهجرة فليست مما شملته الآية . ولم يثبت أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم تزوج غيرها ممن وهبت نفسها إليه وهن : أم شريك بنت جابر الدوسية ~~واسمها عزية ، وخولة بنت حكيم عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسها ~~فقالت عائشة : أما تستحيي المرأة أن تهب نفسها للرجل ، وامرأة أخرى عرضت ~~نفسها على النبي صلى الله عليه وسلم روى ثابت البناني عن أنس قال : ( جاءت ~~امرأة إلى رسول الله فعرضت عليه نفسها فقالت : يا رسول الله ألك حاجة بي ؟ ~~فقالت ابنة أنس وهي تسمع إلى رواية أبيها : ما أقل حياءها واسأوتاه ~~واسوأتاه . فقال أنس : هي خير منك رغبت في النبي فعرضت عليه نفسها ) . وعن ~~سهل بن سعد أن امرأة عرضت نفسها على النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجبها . ~~فقال رجل : ( يا رسول الله زوجنيها ، إلى أن قال له ، ملكناكها بما معك من ~~القرآن ) فهذا الصنف حكمه خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم وذلك أنه نكاح ~~مخالف لسنة النكاح لأنه بدون مهر وبدون ولي . # وقد ورد أن ms6533 النسوة اللاتي وهبن أنفسهن للنبيء صلى الله عليه وسلم أربع هن ~~: ميمونة بنت الحارث ، وزينب بنت خزيمة الأنصارية الملقبة أم المساكين ، ~~وأم شريك بنت جابر الأسدية أو العامرية ، وخولة بنت حكيم بنت الأوقص ~~السلمية . فأما الأوليان فتزوجهما النبي صلى الله عليه وسلم وهما من أمهات ~~المؤمنين والأخريان لم يتزوجهما . # ومعنى { وهبت نفسها للنبيء } أنها ملكته نفسها تمليكا شبيها بملك اليمين ~~ولهذا عطفت على { ما ملكت يمينك } ، وأردفت بقوله : { خالصة لك من دون ~~المؤمنين } أي خاصة لك أن تتخذها زوجة بتلك الهبة ، أي دون مهر وليس لبقية ~~المؤمنين ذلك . ولهذا لما وقع في حديث سهل بن سعد المتقدم أن امرأة وهبت ~~نفسها للنبيء صلى الله عليه وسلم وعلم الرجل الحاضر أن النبي عليه الصلاة ~~والسلام لا حاجة له بها سأل النبي عليه الصلاة والسلام أن يزوجه إياها علما ~~منه بأن تلك الهبة لا مهر معها ولم يكن للرجل ما يصدقها إياه ، وقد علم ~~النبي صلى الله عليه وسلم منه ذلك فقال له ما عندك ؟ قال : ما عندي شيء . ~~قال : اذهب فالتمس ولو خاتما من حديد فذهب ثم رجع فقال : لا والله ولا ~~خاتما من حديد ، ولكن هذا إزاري فلها نصفه . قال سهل : ولم يكن له رداء ، ~~فقال النبي : ( وما تصنع بإزارك إن لبسته لم يكن عليها منه شيء وإن لبسته ~~لم يكن عليك منه شيء ثم قال له ماذا PageV22P068 معك من القرآن ؟ فقال : ~~معي سورة كذا وسورة كذا لسور يعددها ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~ملكناكها بما معك من القرآن ) . # وفي قوله : { إن وهبت نفسها للنبيء } إظهار في مقام الإضمار لأن مقتضى ~~الظاهر أن يقال : إن وهبت نفسها لك . والغرض من هذا الإظهار ما في لفظ { ~~النبي } من تزكية فعل المرأة التي تهب نفسها بأنها راغبة لكرامة النبوءة . # وقوله : { إن أراد النبي أن يستنكحها } جملة معترضة بين جملة { إن وهبت } ~~وبين { خالصة } وليس مسوقا للتقييد إذ لا حاجة إلى ذكر إرادته نكاحها فإن ~~هذا معلوم من معنى الإباحة ، وإنما جيء ms6534 بهذا الشرط لدفع توهم أن يكون قبوله ~~هبتها نفسها له واجبا عليه كما كان عرف أهل الجاهلية . وجوابه محذوف دل ~~عليه ما قبله ، والتقدير : إن أراد أن يستنكحها فهي حلال له ، فهذا شرط ~~مستقل وليس شرطا في الشرط الذي قبله . # والعدول عن الإضمار في قوله : { إن أراد النبي } بأن يقال : إن أراد أن ~~يستنكحها لما في إظهار لفظ { النبي } من التفخيم والتكريم . # وفائدة الاحتراز بهذا الشرط الثاني إبطال عادة العرب في الجاهلية وهي ~~أنهم كانوا إذا وهبت المرأة نفسها للرجل تعين عليه نكاحها ولم يجز له ردها ~~، فأبطل الله هذا الالتزام بتخيير النبي عليه الصلاة والسلام في قبول هبة ~~المرأة نفسها له وعدمه ، وليرفع التعيير عن المرأة الواهبة بأن الرد مأذون ~~به . # والسين والتاء في { يستنكحها } ليستا للطلب بل هما لتأكيد الفعل كقول ~~النابغة : # وهم قتلوا الطائي بالحجر عنوة # أبا جابر فاستنكحوا أم جابر # أي بنو حن قتلوا أبا جابر الطائي فصارت أم جابر المزوجة بأبي جابر زوجة ~~بني حن ، أي زوجة رجل منهم . وهي مثل السين والتاء في قوله تعالى : { ~~فاستجاب لهم ربهم } ( آل عمران : 195 ) . # فتبين من جعل جملة { إن أراد النبي أن يستنكحها } معترضة أن هذه الآية لا ~~يصح التمثيل بها لمسألة اعتراض الشرط على الشرط كما وقع في رسالة الشيخ تقي ~~PageV22P069 الدين السبكي المجعولة لاعتراض الشرط على الشرط ، وتبعه ~~السيوطي في الفن السابع من كتاب ( الأشباه والنظائر النحوية ) ، ويلوح من ~~كلام صاحب ( الكشاف ) استشعار عدم صلاحية الآية لاعتبار الشرط في الشرط ~~فأخذ يتكلف لتصوير ذلك . # وانتصب { خالصة } على الحال من { امرأة } ، أي خالصة لك تلك المرأة ، أي ~~هذا الصنف من النساء ، والخلوص معني به عدم المشاركة ، أي مشاركة بقية ~~الأمة في هذا الحكم إذ مادة الخلوص تجمع معاني التجرد عن المخالطة . فقوله ~~: { من دون المؤمنين } لبيان حال من ضمير الخطاب في قوله : { لك } ما في ~~الخلوص من الإجمال في نسبته . وقد دل وصف { امرأة } بأنها { مؤمنة } أن ~~المرأة غير المؤمنة لا تحل للنبيء عليه الصلاة والسلام ms6535 بهبة نفسها . ودل ~~ذلك بدلالة لحن الخطاب أنه لا يحل للنبيء صلى الله عليه وسلم تزوج ~~الكتابيات بله المشركات ، وحكى إمام الحرمين في ذلك خلافا . قال ابن العربي ~~: والصحيح عندي تحريمها عليه . وبهذا يتميز علينا ؛ فإن ما كان من جانب ~~الفضائل والكرامة فحظه فيه أكثر وإذا كان لا تحل له من لم تهاجر لنقصانها ~~فضل الهجرة فأحرى أن لا تحل له الكتابية الحرة . # . # جملة معترضة بين جملة { من دون المؤمنين } وبين قوله : { لكيلا يكون عليك ~~حرج } أو هي حال سببي من المؤمنين ، أي حال كونهم قد علمنا ما نفرض عليهم . # والمعنى : أن المؤمنين مستمر ما شرع لهم من قبل في أحكام الأزواج وما ~~ملكت أيمانهم ، فلا يشملهم ما عين لك من الأحكام الخاصة المشروعة فيما تقدم ~~آنفا ، أي قد علمنا أن ما فرضناه عليهم في ذلك هو اللائق بحال عموم الأمة ~~دون ما فرضناه لك خاصة . # و { ما فرضنا عليهم } موصول وصلته ، وتعدية { فرضنا } بحرف ( على ) ~~المقتضي للتكليف والإيجاب للإشارة إلى أن من شرائع أزواجهم وما ملكت ~~أيمانهم PageV22P070 ما يودون أن يخفف عنهم مثل عدد الزوجات وإيجاب المهور ~~والنفقات ، فإذا سمعوا ما خص به النبي صلى الله عليه وسلم من التوسعة في ~~تلك الأحكام ودوا أن يلحقوا به في ذلك ، فسجل الله عليهم أنهم باقون على ما ~~سبق شرعه لهم في ذلك ، والإخبار بأن الله قد علم ذلك كناية عن بقاء تلك ~~الأحكام لأن معناه أنا لم نغفل عن ذلك ، أي لم نبطله بل عن علم خصصنا ~~نبيئنا بما خصصناه به في ذلك الشأن ، فلا يشمل ما أحللناه له بقية المؤمنين ~~. # وظرفية { في } مجازية لأن المظروف هو الأحكام الشرعية لا ذوات الأزواج ~~وذوات ما ملكته الأيمان . # . # تعليل لما شرعه الله تعالى في حق نبيئه صلى الله عليه وسلم في الآيات ~~السابقة من التوسعة بالازدياد من عدد الأزواج وتزوج الواهبات أنفسهن دون ~~مهر ، وجعل قبول هبتها موكولا لإرادته ، وبما أبقى له من مساواته أمته فيما ~~عدا ذلك من الإباحة فلم يضيق ms6536 عليه ، وهذا تعليم وامتنان . # والحرج : الضيق ، والمراد هنا أدنى الحرج ، وهو ما في التكليف من بعض ~~الحرج الذي لا تخلو عنه التكاليف ، وأما الحرج القوي فمنفي عنه وعن أمته . ~~ومراتب الحرج متفاوتة ، ومناط ما ينفى عن الأمة منها وما لا ينفى ، ~~وتقديرات أحوال انتفاء بعضها للضرورة هو ميزان التكليف الشرعي فالله أعلم ~~بمراتبها وأعلم بمقدار تحرج عباده وذلك مبين في مسائل العزيمة والرخصة من ~~علم الأصول ، وقد حرر ملاكه شهاب الدين القرافي في الفرق الرابع عشر من ~~كتابه ( أنواء البروق ) . وقد أشبعنا القول في تحقيق ذلك في كتابنا المسمى ~~( مقاصد الشريعة الإسلامية ) . # وأعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم سلك في الأخذ بهذه التوسعات التي رفع ~~الله بها قدره مسلك الكمل من عباده وهو أكملهم فلم ينتفع لنفسه بشيء منها ~~فكان عبدا شكورا كما قال في حديث استغفاره ربه في اليوم استغفارا كثيرا . # والتذييل بجملة { وكان الله غفورا رحيما } تذييل لما شرعه من الأحكام ~~للنبيء صلى الله عليه وسلم لا للجملة المعترضة ، أي أن ما أردناه من نفي ~~الحرج عنك هو من PageV22P071 متعلقات صفتي الغفران والرحمة اللتين هما من ~~تعلقات الإرادة والعلم فهما ناشئتان عن صفات الذات ، فلذلك جعل اتصاف الله ~~بهما أمرا متمكنا بما دل عليه فعل { كان } المشير إلى السابقية والرسوخ كما ~~علمته في مواضع كثيرة . # . # استئناف بياني ناشىء عن قوله : { إنا أحللنا لك أزواجك } إلى قوله : { ~~لكيلا يكون عليك حرج } ( الأحزاب : 50 ) فإنه يثير في النفس تطلبا لبيان ~~مدى هذا التحليل . والجملة خبر مستعمل في إنشاء تحليل الإرجاء والإيواء لمن ~~يشاء النبي صلى الله عليه وسلم # والإرجاء حقيقته : التأخير إلى وقت مستقبل . يقال : أرجأت الأمر وأرجيته ~~مهموزا ومخففا ، إذا أخرته . # وفعله ينصرف إلى الأحوال لا الذوات ، فإذا عدي فعله إلى اسم ذات تعين ~~انصرافه إلى وصف من الأوصاف المناسبة والتي تراد منها ، فإذا قلت : أرجأت ~~غريمي ، كان المراد : أنك أخرت قضاء دينه إلى وقت يأتي . # والإيواء : حقيقته جعل الشيء آويا ، أي راجعا إلى مكانه . يقال : آوى ، ~~إذا ms6537 رجع إلى حيث فارق ، وهو هنا مجاز في مطلق الاستقرار سواء كان بعد إبعاد ~~أم بدونه ، وسواء كان بعد سبق استقرار بالمكان أم لم يكن . # ومقابلة الإرجاء بالإيواء تقتضي أن الإرجاء مراد منه ضد الإيواء أو أن ~~الإيواء ضد الإرجاء وبذلك تنشأ احتمالات في المراد من الإرجاء والإيواء ~~صريحهما وكنايتهما . # فضمير { منهن } عائد إلى النساء المذكورات ممن هن في عصمته ومن أحل الله ~~له نكاحهن غيرهن من بنات عمه وعماته وخاله وخالاته ، والواهبات أنفسهن ، ~~فتلك أربعة أصناف : # الصنف الأول : وهن اللاء في عصمة النبي عليه الصلاة والسلام فهن متصلن به ~~فإرجاء هذا الصنف ينصرف إلى تأخير الاستمتاع إلى وقت مستقبل يريده ، ~~PageV22P072 والإيواء ضده . فيتعين أن يكون الإرجاء منصرفا إلى القسم فوسع ~~الله على نبيئه صلى الله عليه وسلم بأن أباح له أن يسقط حق بعض نسائه في ~~المبيت معهن فصار حق المبيت حقا له لا لهن بخلاف بقية المسلمين ، وعلى هذا ~~جرى قول مجاهد وقتادة وأبي رزين ، قاله الطبري . # وقد كانت إحدى نساء النبي صلى الله عليه وسلم أسقطت عنه حقها في المبيت ~~وهي سودة بنت زمعة ، وهبت يومها لعائشة فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم ~~لعائشة بيومها ويوم سودة وكان ذلك قبل نزول هذه الآية ، ولما نزلت هذه ~~الآية صار النبي عليه الصلاة والسلام مخيرا في القسم لأزواجه . وهذا قول ~~الجمهور ، قال أبو بكر بن العربي : وهو الذي ينبغي أن يعول عليه . وهذا ~~تخيير للنبيء صلى الله عليه وسلم إلا أنه لم يأخذ لنفسه به تكرما منه على ~~أزواجه . قال الزهري . ما علمنا أن رسول الله أرجأ أحدا من أزواجه بل آواهن ~~كلهن . قال أبو بكر بن العربي : وهو المعنى المراد . وقال أبو رزين العقيلي ~~: أرجأ ميمونة وسودة وجويرية وأم حبيبة وصفية ، فكان يقسم لهن ما شاء ، أي ~~دون مساواة لبقية أزواجه . وضعفه ابن العربي . # وفسر الإرجاء بمعنى التطليق ، والإيواء بمعنى الإبقاء في العصمة ، فيكون ~~إذنا له بتطليق من يشاء تطليقها وإطلاق الإرجاء على التطليق غريب . # وقد ذكروا ms6538 أقوالا أخر وأخبارا في سبب النزول لم تصح أسانيدها فهي آراء لا ~~يوثق بها . ويشمل الإرجاء الصنف الثاني وهن ما ملكت يمينه وهو حكم أصلي إذ ~~لا يجب للإماء عدل في المعاشرة ولا في المبيت . # ويشمل الإرجاء الصنف الثالث وهن : بنات عمه وبنات عماته وبنات خاله وبنات ~~خالاته ، فالإرجاء تأخير تزوج من يحل منهن ، والإيواء العقد على إحداهن ، ~~والنبي صلى الله عليه وسلم لم يتزوج واحدة بعد نزول هذه الآية ، وذلك إرجاء ~~العمل بالإذن فيهن إلى غير أجل معين . # وكذلك إرجاء الصنف الرابع اللاء وهبن أنفسهن ، سواء كان ذلك واقعا بعد ~~PageV22P073 نزول الآية أم كان بعضه بعد نزولها فإرجاؤهن عدم قبول نكاح ~~الواهبة ، عبر عنه بالإرجاء إبقاء على أملها أن يقبلها في المستقبل ، ~~وإيواؤهن قبول هبتهن . # قرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم وأبو جعفر وخلف { ترجي } بالياء ~~التحتية في آخره مخفف ( ترجىء ) المهموز . وقرأه ابن كثير وابن عامر وأبو ~~عمرو وأبو بكر عن عاصم ويعقوب { ترجىء } بالهمز في آخره . وقال الزجاج : ~~الهمز أجود وأكثر . والمعنى واحد . # واتفق الرواة على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستعمل مع أزواجه ما ~~أبيح له أخذا منه بأفضل الأخلاق ، فكان يعدل في القسم بين نسائه ، إلا أن ~~سودة وهبت يومها لعائشة طلبا لمسرة رسول الله صلى الله عليه وسلم # وأما قوله : { ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك } فهذا لبيانن أن هذا ~~التخيير لا يوجب استمرار ما أخذ به من الطرفين المخير بينهما ، أي لا يكون ~~عمله بالعزل لازم الدوام بمنزلة الظهار والإيلاء ، بل أذن الله أن يرجع إلى ~~من يعزلها منهن ، فصرح هنا بأن الإرجاء شامل للعزل . # ففي الكلام جملة مقدرة دل عليها قوله : { ابتغيت } إذ هو يقتضي أنه ابتغى ~~إبطال عزلها ، فمفعول { ابتغيت } محذوف دل عليه قوله : { وتؤوي إليك من ~~تشاء } كما هو مقتضى المقابلة بقوله : { ترجي من تشاء } ، فإن العزل ~~والإرجاء مؤداهما واحد . # والمعنى : فإن عزلت بالإرجاء إحداهن فليس العزل بواجب استمراره بل لك أن ~~تعيدها إن ابتغيت العود ms6539 إليها ، أي فليس هذا كتخيير الرجل زوجه فتختار ~~نفسها المقتضي أنها تبين منه . ومتعلق الجناح محذوف دل عليه قوله : { ~~ابتغيت } أي ابتغيت إيواءها فلا جناح عليك من إيوائها . # و { من } يجوز أن تكون شرطية وجملة { فلا جناح عليك } جواب الشرط . ويجوز ~~أن تكون موصولة مبتدأ فإن الموصول يعامل معاملة الشرط في كلامهم بكثرة إذا ~~قصد منه العموم فلذلك يقترن خبر الموصول العام بالفاء كثيرا كقوله تعالى : ~~{ فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه } ( البقرة : 203 ) ، وعليه فجملة { فلا ~~جناح PageV22P074 عليك } خبر المبتدأ اقترن بالفاء لمعاملة الموصول معاملة ~~الشرط ومفعول { عزلت } محذوف عائد إلى { من } أي التي ابتغيتها ممن عزلتهن ~~وهو من حذف العائد المنصوب . # . # الإشارة إلى شيء مما تقدم وهو أقربه ، فيجوز أن تكون الإشارة إلى معنى ~~التفويض المستفاد من قوله : { ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء } ، ~~ويجوز أن تكون الإشارة إلى الابتغاء المتضمن له فعل { ابتغيت } أي فلا جناح ~~عليك في ابتغائهن بعد عزلهن ذلك أدنى لأن تقر أعينهن . والابتغاء : الرغبة ~~والطلب ، والمراد هنا ابتغاء معاشرة من عزلهن . # فعلى الأول يكون المعنى أن في هذا التفويض جعل الحق في اختيار أحد ~~الأمرين بيد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يبق حقا لهن فإذا عين لإحداهن ~~حالة من الحالين رضيته به لأنه يجعل الله تعالى على حكم قوله : { وما كان ~~لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن تكون لهم الخيرة من أمرهم } ( ~~الأحزاب : 36 ) فقرت أعين جميعهن بما عينت لكل واحدة لأن الذي يعلم أنه لا ~~حق له في شيء كان راضيا بما أوتي منه ، وإن علم أن له حقا حسب أن ما يؤتاه ~~أقل من حقه وبالغ في استيفائه . وهذا التفسير مروي عن قتادة وتبعه الزمخشري ~~وابن العربي والقرطبي وابن عطية ، وهذا يلائم قوله : { ويرضين } ولا يلائم ~~قوله : { أن تقر أعينهن } لأن قرة العين إنما تكون بالأمر المحبوب ، وقوله ~~: { ولا يحزن } لأن الحزن من الأمر المكدر ليس باختياري كما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم ms6540 ( فلا تلمني فيما لا أملك ) . # وعلى الوجه الثاني يكون المعنى : ذلك الابتغاء بعد العزل أقرب لأن تقر ~~أعين اللاتي كنت عزلتهن . ففي هذا الوجه ترغيب للنبيء صلى الله عليه وسلم ~~في اختيار عدم عزلهن عن القسم وهو المناسب لقوله : { أن تقر أعينهن ولا ~~يحزن } كما علمت آنفا ، ولقوله : ( ويرضين كلهن ) ، ولما فيما ذكر من ~~الحسنات الوافرة التي يرغب النبي صلى الله عليه وسلم في تحصيلها لا محالة ~~وهي إدخال المسرة على المسلم وحصول الرضى بين المسلمين وهو PageV22P075 مما ~~يعزز الأخوة الإسلامية المرغب فيها . ونقل قريب من هذا المعنى عن ابن عباس ~~ومجاهد واختاره أبو علي الجبائي وهو الأرجح لأن قرة العين لا تحصل على مضض ~~ولأن الحط في الحق يوجب الكدر . ويؤيده أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ~~يأخذ إلا به ولم يحفظ عنه أنه آثر إحدى أزواجه بليلة سوى ليلة سودة التي ~~وهبتها لعائشة ، استمر ذلك إلى وفاته صلى الله عليه وسلم وقد جاء في الصحيح ~~أنه كان في مرضه الذي توفي فيه يطاف به كل يوم على بيوت أزواجه ، وكان مبدأ ~~شكواه في بيت ميمونة إلى أن جاءت نوبة ليلة عائشة فأذن له أزواجه أن يمرض ~~في بيتها رفقا به . # وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال حين قسم لهن ( اللهم هذه قسمتي فيما ~~أملك فلا تلمني فيما لا أملك ) ، ولعل ذلك كان قبل نزول التفويض إليه بهذه ~~الآية . # وفي قوله : { ويرضين بما آتيتهن كلهن } إشارة إلى أن المراد الرضى الذي ~~يتساوين فيه وإلا لم يكن للتأكيد ب { كلهن } نكتة زائدة ، فالجمع بين ~~ضميرهن في قوله : { كلهن } يومىء إلى رضى متساو بينهن . # وضميرا { أعينهن ولا يحزن } عائدان إلى ( من ) في قوله : { ممن عزلت } . ~~وذكر { ولا يحزن } بعد ذكر { أن تقر أعينهن } مع ما في قرة العين من تضمن ~~معنى انتفاء الحزن بالإيماء إلى ترغيب النبي صلى الله عليه وسلم في ابتغاء ~~بقاء جميع نسائه في مواصلته لأن في عزل بعضهن حزنا للمعزولات وهو بالمؤمنين ~~رؤوف لا ms6541 يحب أن يحزن أحدا . # و { كلهن } توكيد لضمير { يرضين } أو يتنازعه الضمائر كلها . # والإيتاء : الإعطاء وغلب على إعطاء الخير إذا لم يذكر مفعوله الثاني ، أو ~~ذكر غير معين كقوله : { فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين } ( الأعراف : 144 ) ~~، فإذا ذكر مفعوله الثاني فالغالب أنه ليس بسوء . ولم أره يستعمل في إعطاء ~~السوء فلا تقول : آتاه سجنا وآتاه ضربا ، إلا في مقام التهكم أو المشاكلة ، ~~فما هنا من القبيل الأول ، ولهذا يبعد تفسيره بأنهن يرضين بما أذن الله فيه ~~لرسوله من عزلهن وإرجائهن . وتوجيهه في ( الكشاف ) تكلف . # والتذييل بقوله : { والله يعلم ما في قلوبكم وكان الله عليما حليما } ~~كلام جامع لمعنى الترغيب والتحذير ففيه ترغيب النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الإحسان بأزواجه وإمائه PageV22P076 والمتعرضات للتزوج به ، وتحذير لهن من ~~إضمار عدم الرضى بما يلقينه من رسول الله صلى الله عليه وسلم # وفي إجراء صفتي { عليما حليما } على اسم الجلالة إيماء إلى ذلك ، فمناسبة ~~صفة العلم لقوله : { والله يعلم ما في قلوبكم } ظاهرة ، ومناسبة صفة الحليم ~~باعتبار أن المقصود ترغيب الرسول صلى الله عليه وسلم في أليق الأحوال بصفة ~~الحليم لأن همه صلى الله عليه وسلم التخلق بخلق الله تعالى وقد أجرى الله ~~عليه صفات من صفاته مثل رؤوف رحيم ومثل شاهد . وقالت عائشة رضي الله عنها : ~~ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم ~~يكن إثما . ولهذا لم يأخذ رسول الله بهذا التخيير في النساء اللاتي كن في ~~معاشرته ، وأخذ به في الواهبات أنفسهن مع الإحسان إليهن بالقول والبذل فإن ~~الله كتب الإحسان على كل شيء . وأخذ به في ترك التزوج من بنات عمه وعماته ~~وخاله وخالاته لأن ذلك لا حرج فيه عليهن . # موقع هذه الآية في المصحف عقب التي قبلها يدل على أنها كذلك نزلت وأن ~~الكلام متصل بعضه ببعض ومنتظم هذا النظم البديع ، على أن حذف ما أضيفت إليه ~~{ بعد } ينادي على أنه حذف معلوم دل عليه الكلام السابق فتأخرها في النزول ms6542 ~~عن الآيات التي قبلها وكونها متصلة بها وتتمة لها مما لا ينبغي أن يتردد ~~فيه ، فتقدير المضاف إليه المحذوف لا يخلو : إما أن يؤخذ من ذكر الأصناف ~~قبله ، أي من بعد الأصناف المذكورة بقوله : { إنا أحللنا لك أزواجك } ( ~~الأحزاب : 50 ) الخ . وإما أن يكون مما يقتضيه الكلام من الزمان ، أي من ~~بعد هذا الوقت ، والأول الراجح . # و { بعد } يجوز أن يكون بمعنى ( غير ) كقوله تعالى : { فمن يهديه من بعد ~~الله } ( الجاثية : 23 ) وهو استعمال كثير في اللغة ، وعليه فلا ناسخ لهذه ~~الآية من القرآن ولا هي ناسخة لغيرها ، ومما يؤيد هذا المعنى التعبير بلفظ ~~الأزواج في قوله : { ولا أن تبدل PageV22P077 بهن من أزواج } أي غيرهن ، ~~وعلى هذا المحمل حمل الآية ابن عباس فقد روى الترمذي عنه قال : ( نهي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن أصناف النساء إلا ما كان من المؤمنات المهاجرات ~~) فقال : { لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك ~~حسنهن إلا ما ملكت يمينك } فأحل الله المملوكات المؤمنات { وامرأة مؤمنة إن ~~وهبت نفسها للنبيء } ( الأحزاب : 50 ) . ومثل هذا مروي عن أبي بن كعب ~~وعكرمة والضحاك . ويجوز أن يكون { بعد } مرادا به الشيء المتأخر عن غيره ~~وذلك حقيقة معنى البعدية فيتعين تقدير لفظ يدل على شيء سابق . # وبناء { بعد } على الضم يقتضي تقدير مضاف إليه محذوفف يدل عليه الكلام ~~السابق على ما درج عليه ابن مالك في الخلاصة وحققه ابن هشام في ( شرحه على ~~قطر الندى ) ، فيجوز أن يكون التقدير : من بعد من ذكرن على الوجهين في معنى ~~البعدية فيقدر : من غير من ذكرن ، أو يقدر من بعد من ذكرن ، فتنشأ احتمالات ~~أن يكون المراد أصناف من ذكرن أو أعداد من ذكرن ( وكن تسعا ) ، أو من ~~اخترتهن . # ويجوز أن يقدر المضاف إليه وقتا ، أي بعد اليوم أو الساعة ، أي الوقت ~~الذي نزلت فيه الآية فيكون نسخا لقوله : { إنا أحللنا لك أزواجك إلى قوله : ~~خالصة لك } ( الأحزاب : 50 ) . # وأما ما رواه الترمذي عن ms6543 عائشة أنها قالت : ( ما مات رسول الله حتى أحل ~~الله له النساء ) . وقال حديث حسن . ( وهو مقتض أن هذه الآية منسوخة ) فهو ~~يقتضي أن ناسخها من السنة لا من القرآن لأن قولها : ما مات ، يؤذن بأن ذلك ~~كان آخر حياته فلا تكون هذه الآية التي نزلت مع سورتها قبل وفاته صلى الله ~~عليه وسلم بخمس سنين ناسخة للإباحة التي عنتها عائشة ولذلك فالإباحة إباحة ~~تكريم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وروى الطحاوي مثل حديث عائشة عن أم ~~سلمة . # و { النساء } إذا أطلق في مثل هذا المقام غلب في معنى الأزواج ، أي ~~الحرائر دون الإماء كما قال النابغة : # حذارا على أن لا تنال مقادتي # ولا نسوتي حتى يمتن حرائرا # أي لا تحل لك الأزواج من بعد من ذكرن . PageV22P078 # وقوله : { ولا أن تبدل بهن } أصله : تتبدل بتاءين حذفت إحداهما تخفيفا ، ~~يقال : بدل وتبدل بمعنى واحد ، ومادة البدل تقتضي شيئين : يعطي أحدهما عوضا ~~عن أخذ الآخر ، فالتبديل يتعدى إلى الشيء المأخوذ بنفسه وإلى الشيء المعطى ~~بالباء أو بحرف { من } ، وتقدم عند قوله تعالى : { ومن يتبدل الكفر ~~بالإيمان فقد ضل سواء السبيل في سورة البقرة . # والمعنى : أن من حصلت في عصمتك من الأصناف المذكورة لا يحل لك أن تطلقها ~~، فكنى بالتبدل عن الطلاق لأنه لازمه في العرف الغالب لأن المرء لا يطلق ~~إلا وهو يعتاض عن المطلقة امرأة أخرى ، وهذه الكناية متعينة هنا لأنه لو ~~أريد صريح التبدل لخالف آخر الآية أولها وسابقتها ، فإن الرسول أحلت له ~~الزيادة على النساء اللاتي عنده إذا كانت المزيدة من الأصناف الثلاثة ~~السابقة وحرم عليه ما عداهن ، فإذا كانت المستبدلة إحدى نساء من الأصناف ~~الثلاثة لم يستقم أن يحرم عليه استبدال واحدة منهن بعينها لأن تحريم ذلك ~~ينافي إباحة الأصناف ولا قائل بالنسخ في الآيتين ، وإذا كانت المستبدلة من ~~غير الأصناف الثلاثة كان تحريمها عاما في سائر الأحوال فلا محصول لتحريمها ~~في خصوص حال إبدالها بغيرها فتمحض أن يكون الاستبدال مكنى به عن الطلاق ~~وملاحظا فيه نية ms6544 الاستبدال . فالمعنى : أن الرسول أبيحت له الزيادة على ~~النساء اللاتي حصلن في عصمته أو يحصلن من الأصناف الثلاثة ولم يبح له تعويض ~~قديمة بحادثة . # والمعنى : ولا أن تطلق امرأة منهن تريد بطلاقها أن تتبدل بها زوجا أخرى . # وضمير بهن } عائد إلى ما أضيف إليه { بعد } المقدر وهن الأصناف الثلاثة . # والمعنى : ولا أن تبدل بامرأة حصلت في عصمتك أو ستحصل امرأة غيرها . # فالباء داخلة على المفارقة . # و { من } مزيدة على المفعول الثاني ل { تبدل } لقصد إفادة العموم . ~~والتقدير : ولا أن تبدل بهن أزواجا أخر ، فاختص هذا الحكم بالأزواج من ~~الأصناف الثلاثة وبقيت السراري خارجة بقوله : { إلا ما ملكت يمينك } . وأما ~~التي تهب نفسها PageV22P079 فهي إن أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~ينكحها فقد انتظمت في سلك الأزواج ، فشملها حكمهن ، وإن لم يرد أن ينكحها ~~فقد بقيت أجنبية لا تدخل في تلك الأصناف . # وقرأ الجمهور { لا يحل } بياء تحتية على اعتبار التذكير لأن فاعله جمع ~~غير صحيح فيجوز فيه اعتبار الأصل . وقرأه أبو عمرو ويعقوب بفوقية على ~~اعتبار التأنيث بتأويل الجماعة وهما وجهان في الجمع غير السالم . # وجملة { ولو أعجبك حسنهن } في موضع الحال والواو واوه ، وهي حال من ضمير ~~{ تبدل } . و { لو } للشرط المقطوع بانتفائه وهي للفرض والتقدير وتسمى ~~وصلية ، فتدل على انتفاء ما هو دون المشروط بالأولى ، وقد تقدم في قوله ~~تعالى : { ولو افتدى به في آل عمران . # والمعنى : لا يحل لك النساء من بعد بزيادة على نسائك وبتعويض إحداهن ~~بجديدة في كل حالة حتى في حالة إعجاب حسنهن إياك . # وفي هذا إيذان بأن الله لما أباح لرسوله الأصناف الثلاثة أراد اللطف له ~~وأن لا يناكد رغبته إذا أعجبته امرأة لكنه حدد له أصنافا معينة وفيهن غناء ~~. # وقد عبرت عن هذا المعنى عائشة رضي الله عنها بعبارة شيقة ، إذ قالت ~~للنبيء : ما أرى ربك إلا يسارع في هواك . وأكدت هذه المبالغة بالتذييل من ~~قوله : وكان الله على كل شيء رقيبا } أي عالما بجري كلل شيء على نحو ما ~~حدده ms6545 أو على خلافه ، فهو يجازي على حسب ذلك . وهذا وعد للنبيء صلى الله ~~عليه وسلم بثواب عظيم على ما حدد له من هذا الحكم . # والاستثناء في قوله : { إلا ما ملكت يمينك } منقطع . والمعنى : لكن ما ~~ملكت يمينك حلال في كل حال . والمقصود من هذا الاستدراك دفع توهم أن يكون ~~المراد من لفظ { النساء } في قوله : { لا يحل لك النساء } ما يرادف لفظ ~~الإناث دون استعماله العرفي بمعنى الأزواج كما تقدم . PageV22P080 # . # لما بين الله في الآيات السابقة آداب النبي صلى الله عليه وسلم مع أزواجه ~~قفاه في هذه الآية بآداب الأمة معهن ، وصدره بالإشارة إلى قصة هي سبب نزول ~~هذه الآية . وهي ما في ( صحيح البخاري ) وغيره عن أنس بن مالك قال : لما ~~تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب ابنة جحش صنع طعاما بخبز ولحم ودعا ~~القوم فطعموا ثم جلسوا يتحدثون وإذا هو كأنه يتهيأ للقيام فلم يقوموا ، ~~فلما رأى ذلك قام فلما قام قام من قام وقعد ثلاثة نفر ، فجاء النبي ليدخل ~~فإذا القوم جلوس ، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يخرج ثم يرجع فانطلق إلى ~~حجرة عائشة . . . فتقرى حجر نسائه كلهن يسلم عليهن ويسلمن عليه ويدعون له ، ~~ثم إنهم قاموا فانطلقت فجئت فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قد ~~انطلقوا فجاء حتى دخل فذهبت أدخل فألقى الحجاب بيني وبينه فأنزل الله : { ~~يا أيها الذين آمنوا لا تدخلو بيوت النبي } إلى قوله : { من وراء حجاب } . # وفي حديث آخر في الصحيح عن أنس أيضا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال ~~له : ( يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت أمهاتت المؤمنين ~~بالحجاب ) فأنزل الله آية الحجاب . وليس بين الخبرين تعارض لجواز أن يكون ~~قول عمر كان قبل البناء بزينب بقليل ثم عقبته قصة وليمة زينب فنزلت الآية ~~بإثرها . # وابتدىء شرع الحجاب بالنهي عن دخول بيوت النبي صلى الله عليه وسلم إلا ~~لطعام دعاهم إليه ، لأن النبي عليه الصلاة والسلام له مجلس يجلس في المسجد ~~فمن ms6546 كان له مهم عنده يأتيه هنالك . # وليس ذكر الدعوة إلى طعام تقييدا لإباحة دخول بيوت النبي صلى الله عليه ~~وسلم لا يدخلها إلا المدعو إلى طعام ولكنه مثال للدعوة وتخصيص بالذكر كما ~~جرى في القضية التي هي سبب النزول فيلحق به كل دعوة تكون من النبي صلى الله ~~عليه وسلم وكل إذن منه بالدخول إلى بيته لغير قصد أن يطعم معه كما كان يقع ~~ذلك كثيرا . ومن ذلك قصة أبي PageV22P081 هريرة حين استقرأ من عمر آية من ~~القرآن وهو يطمع أن يدعوه عمر إلى الغداء ففتح عليه الآية ودخل فإذا رسول ~~الله قائم على رأس أبي هريرة وقد عرف ما به فانطلق به إلى بيته وأمر له بعس ~~من لبن ثم ثان ثم ثالث ، وإنما ذكر الطعام إدماجا لتبيين آدابه ، ولذلك ~~ابتدىء بقوله : { غير ناظرين إناه } مع أنه لم يقع مثله في قصة سبب النزول ~~. # وقرأ الجمهور { بيوت } بكسر الباء . وقرأه أبو عمرو وورش عن نافع وحفص عن ~~عاصم وأبو جعفر بضم الباء ، وقد تقدم في سورة النساء وغيرها . # و { إناه } بكسر الهمزة وبالقصر : إما مصدر أنى الشيء إذا حان ، يقال : ~~أنى يأني ، قال تعالى : { ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله } ~~( الحديد : 16 ) . ومقلوبه : آن . وهو بمعناه . والمعنى : غير منتظرين حضور ~~الطعام ، أي غير سابقين إلى البيوت وقبل تهيئته . # والاستثناء في { إلا أن يؤذن لكم } استثناء من عموم الأحوال التي يقتضيها ~~الدخول المنهي عنه ، أي إلا حال أن يؤذن لكم . # وضمن { يؤذن } معنى تدعون فعدي ب { إلى فكأنه قيل : إلا أن تدعوا إلى ~~طعام فيؤذن لكم لأن الطفيلي قد يؤذن له إذا استأذن وهو غير مدعو فهي حالة ~~غير مقصودة من الكلام . # فالكلام متضمن شرطين هما : الدعوة ، والإذن ، فإن الدعوة قد تتقدم على ~~الإذن وقد يقترنان كما في حديث أنس بن مالك . # وغير ناظرين } حال من ضمير { لكم } فهو قيد في متعلق المستثنى فيكون قيدا ~~في قيد فصارت القيود المشروطة ثلاثة . # و { ناظرين } اسم فاعل من نظر ms6547 بمعنى انتظر ، كقوله تعالى : { فهل ينتظرون ~~إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم } ( يونس : 102 ) الآية . # ومعنى ذلك : لا تحضروا البيوت للطعام قبل تهيئة الطعام للتناول فتقعدوا ~~تنتظرون نضجه . وعن ابن عباس نزلت في ناس من المؤمنين كانوا يتحينون طعام ~~PageV22P082 النبي فيدخلون قبل أن يدرك الطعام فيقعدون إلى أن يدرك ثم ~~يأكلون ولا يخرجون ا ه . وقد يقتضي أن ذلك تكرر قبل قضية النفر الذين حضروا ~~وليمة البناء بزينب فتكون تلك القضية خاتمة القضايا ، فكني بالانتظار عن ~~مبادرة الحضور قبل إبان الأكل . ونكتة هذه الكناية تشويه السبق بالحضور ~~بجعله نهما وجشعا وإن كانوا قد يحضرون لغير ذلك ، وبهذا تعلم أن ليس النهي ~~متوجها إلى صريح الانتظار . # وموقع الاستدراك لرفع توهم أن التأخر عن إبان الطعام أفضل فأرشد الناس ~~إلى أن تأخر الحضور عن إبان الطعام لا ينبغي بل التأخر ليس من الأدب لأنه ~~يجعل صاحب الطعام في انتظار ، وكذلك البقاء بعد انقضاء الطعام فإنه تجاوز ~~لحد الدعوة لأن الدعوة لحضور شيء تقتضي مفارقة المكان عند انتهائه لأن تقيد ~~الدعوة بالغرض المخصوص يتضمن تحديدها بانتهاء ما دعي لأجله ، وكذلك الشأن ~~في كل دخول لغرض من مشاورة أو محادثة أو سمر أو نحو ذلك ، وكل ذلك يتحدد ~~بالعرف وما لا يثقل على صاحب المحل ، فإن كان محل لا يختص به أحد كدار ~~الشورى والنادي فلا تحديد فيه . # و { طعمتم } معناه أكلتم ، يقال : طعم فلان فهو طاعم ، إذا أكل . # والانتشار : افتعال من النشر ، وهو إبداء ما كان مطويا ، أطلق على الخروج ~~مجازا وتقدم في قوله : { وجعل النهار نشورا في سورة الفرقان . # والواو في ولا مستأنسين } عطف على { ناظرين } وما بينهما من الاستدراك ~~وما تفرع عليه اعتراض بين المتعاطفين . وزيادة حرف النفي قبل { مستأنسين } ~~لتأكيد النفي كما هو الغالب في العطف على المنفي وفي تصدير المنفي نحو قوله ~~: { فلا وربك يؤمنون الآية } ( النساء : 65 ) وقوله : { لا يسخر قوم من قوم ~~} ( الحجرات : 11 ) ثم قوله : { ولا نساء من نساء } ( الحجرات : 11 ) . # والاستئناس : طلب الأنس مع ms6548 الغير . واللام في { لحديث } للعلة ، أي ولا ~~مستأنسين لأجل حديث يجري بينكم . # والحديث : الخبر عن أمر حدث ، فهو في الأصل صفة حذف موصوفها ثم ~~PageV22P083 غلبت على معنى الموصوف فصار بمعنى الإخبار عن أمر حدث ، وتوسع ~~فيه فصار الإخبار عن شيء ولو كان أمرا قد مضى . ومنه سمي ما يروى عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم حديثا كما يسمى خبرا ، ثم توسع فيه فصار يطلق على كل ~~كلام يجري بين الجلساء في جد أو فكاهة ، ومنه قولهم : حديث خرافة ، وقول ~~كثير : # أخذنا باكتراث الأحاديث تبيينا # . . . . البيت # واستئناس الحديث : تسمعه والعناية بالإصغاء إليه ، قال النابغة : # كأن رحلي وقد زال النهار بنا # يوم الجليل على مستأنس وحد # أي كأني راكب ثورا وحشيا منفردا تسمع صوت الصائد فأسرع الهروب . # وإضافة { بيوت النبي } على معنى لام الملك لأن تلك البيوت ملك له ملكها ~~بالعطية من الذين كانت ساحة المسجد ملكا لهم من الأنصار ، وبالفيء لقبور ~~المشركين التي كانت ثمة ، فإن المدينة فتحت بكلمة الإسلام فأصبحت دارا ~~للمسلمين . ومصير تلك البيوت بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم مصير تركته ~~كلها فإنه لا يورث وما تركه ينتفع منه أزواجه وآله بكفايتهم حياتهم ثم يرجع ~~ذلك للمسلمين كما قضى به عمر بين علي والعباس فيما كان للنبيء صلى الله ~~عليه وسلم من فدك ونخلل بني النضير ، فكان لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم ~~حق السكنى في بيوتهن بعده حتى توفاهن الله من عند آخرتهن ، فلذلك أدخلها ~~الخلفاء في المسجد حين توسعته في زمن الوليد بن عبد الملك وأمير المدينة ~~يومئذ عمر بن عبد العزيز . ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة ولم يعط ورثتهن ~~شيئا ولا سألوه . وإضافتها إلى ضميرهن في قوله : { ما يتلى في بيوتكن } ( ~~الأحزاب : 34 ) على معنى لام الاختصاص لا لام الملك . # قال حماد بن زيد وإسماعيل بن أبي حكيم : هذه الآية أدب أدب الله به ~~الثقلاء ، وقال ابن أبي عائشة : حسبك من الثقلاء أن الشرع لم يحتملهم . # ومعنى الثقل فيه هو إدخال أحد القلق ms6549 والغم على غيره من جراء عمل لفائدة ~~العامل أو لعدم الشعور بما يلحق غيره من الحرج من جراء ذلك العمل . وهو من ~~مساوىء الخلق لأنه إن كان عن عمد كان ضرا بالناس وهو منهي عنه لأنه من ~~الأذى وهو ذريعة للتباغض عند نفاد صبر المضرور ، فإن النفوس متفاوتة في ~~مقدار PageV22P084 تحمل الأذى ، ولأن المؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه فعليه ~~إذا أحس بأن قوله أو فعله يخدل الغم على غيره أن يكف عن ذلك ولو كان يجتني ~~منه منفعة لنفسه إذ لا يضر بأحد لينتفع غيره إلا أن يكون لمن يأتي بالعمل ~~حق على الآخر فإن له طلبه مع أنه مأمور بحسن التقاضي ، وإن كان إدخاله الغم ~~على غيره عن غباوة وقلة تفطن له فإنه مذموم في ذاته وهو يصل إلى حد يكون ~~الشعور به بديهيا . # وللحكماء والشعراء أقوال كثيرة في الثقلاء طفحت بها كتب أدب الأخلاق . # ومعاملة الناس النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الخلق أشد بعدا عن الأدب ~~لأن للنبيء صلى الله عليه وسلم أوقاتا لا تخلو ساعة منها عن الاشتغال بصلاح ~~الأمة ويجب أن لا يشغل أحد أوقاته إلا بإذنه ، ولذلك قال تعالى : { إلا أن ~~يؤذن لكم } . # والأمر في قوله : { فادخلوا } للندب لأن إجابة الدعوة إلى الوليمة سنة ، ~~وتقييد النهي بقوله : { غير ناظرين إناه } للتنزيه لأن الحضور قبل تهيؤ ~~الطعام غير مقتضى للدعوة ولا يتضمنه الإذن فهو تطفل . # والأمر في قوله : { فانتشروا } للوجوب لأن دخول المنزل بغير إذن حرام ، ~~وإنما جاز بمقتضى الدعوة للأكل فهو إذن مقيد المعنى بالغرض المأذونن لأجله ~~فإذا انقضى السبب المبيح للدخول عاد تحريم الدخول إلى أصله ؛ إلا أنه نظري ~~قد يغفل عنه لأن أصله مأذون فيه والمأذون فيه شرعا لا يتقيد بالسلامة إلا ~~إذا تجاوز الحد المعروف تجاوزا بينا . وعطف { ولا مستأنسين لحديث } راجع ~~إلى هذا الأمر بقوله : { فانتشروا } فلذلك ذكر عقبه فإن استدامة المكث في ~~معنى الدخول ، فذكر بإثره وحصل تفنن في الكلام . # وفي هذه الآية دليل على أن طعام الوليمة ms6550 وطعام الضيافة ملك للمتضيف وليس ~~ملكا للمدعوين ولا للأضياف لأنهم إنما أذن لهم في الأكل منه خاصة ولم ~~يملكوه فلذلك لا يجوز لأحد رفع شيء من ذلك الطعام معه . # وجملة { إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم } استئناف ابتدائي للتحذير ~~ودفع الاغترار بسكوت النبي صلى الله عليه وسلم أن يحسبوه رضي بما فعلوا . ~~فمناط التحذير قوله : { ذلكم كان يؤذي النبي } فإن أذى النبي صلى الله عليه ~~وسلم مقرر في نفوسهم PageV22P085 أنه عمل مذموم لأن النبي عليه الصلاة ~~والسلام أعز خلق في نفوس المؤمنين وذلك يقتضي التحرز مما يؤذيه أدنى أذى . ~~ومناط دفع الاغترار قوله : { فيستحيي منكم } فإن السكوت قد يظنه الناس رضى ~~وإذنا وربما تطرق إلى أذهان بعضهم أن جلوسهم لو كان محظورا لما سكت عليه ~~النبي صلى الله عليه وسلم فأرشدهم الله إلى أن السكوت الناشىء عن سببب هو ~~سكوت لا دلالة له على الرضى وأنه إنما سكت حياء من مباشرتهم بالإخراج فهو ~~استحياء خاص من عمل خاص . وإنما كان ذلك مؤذيا النبي صلى الله عليه وسلم ~~لأن فيه ما يحول بينه وبين التفرغ لشؤون النبوءة من تلقي الوحي أو العبادة ~~أو تدبير أمر الأمة أو التأخر عن الجلوس في مجلسه لنفع المسلمين ولشؤون ~~ذاته وبيته وأهله . واقتران الخبر بحرف { إن } للاهتمام به . ولك أن تجعله ~~من تنزيل غير المتردد منزلة المتردد لأن حال النفر الذين أطالوا الجلوس ~~والحديث في بيت النبي عليه الصلاة والسلام وعدم شعورهم بكراهيته ذلك منهم ~~حين دخل البيت فلما وجدهم خرج ، فغفلوا عما في خروج النبي صلى الله عليه ~~وسلم من البيت من إشارة إلى كراهيته بقاءهم ، تلك حالة من يظن ذلك مأذونا ~~فيه فخوطبوا بهذا الخطاب تشديدا في التحذير واستفاقة من التغرير . # وإقحام فعل { كان } لإفادة تحقيق الخبر . # وصيغ { يؤذي } بصيغة المضارع دون اسم الفاعل لقصد إفادة أذى متكرر ، ~~والتكرير كناية عن الشدة . # والأذى : ما يكدر مفعوله ويسيء من قول أو فعل . وتقدم في قوله تعالى : { ~~لن يضروكم إلا أذى في آل عمران ms6551 ، وهو مراتب متفاوتة في أنواعه . # والتفريع في قوله : فيستحيي منكم } تفريع على مقدر دلت عليه القصة . ~~والتقدير : فيهم بإخراجكم فيستحيي منكم إذ ليس الاستحياء مفرعا على الإيذاء ~~ولا هو من لوازمه . # ودخول { من } المتعلقة ب { يستحيي } على ضمير المخاطبين على تقدير مضاف ، ~~أي يستحيي من إعلامكم بأنه يؤذيه . # وتعدية المشتقات من مادة الحياء إلى الذوات شائع يساوي الحقيقة لأن ~~PageV22P086 الاستحياء يختلف باختلاف الذوات ، فقولك : أردت أن أفعل كذا ~~فاستحيت من فلان ، يجوز أن تكون الحقيقة هي التعليق بذات فلان وأن تكون هي ~~التعليق بالأحوال الملابسة له التي هي سبب الاستحياء لأجل ملابستها له . ~~ولك أن تقول : استحييت من أن أفعل كذا بمرأى من فلان . وعلى التقدير الأول ~~تكون { من } للتعليل ، وعلى التقدير الثاني تكون { من } للابتداء . وظاهر ~~كلام ( الكشاف ) يقتضي أن : استحييت من فلان مجاز أو توسع ، وأن : استحييت ~~من فعل كذا لأجل فلان هو الحقيقة . وظاهر كلام صاحب ( الكشاف ) عكس ذلك ~~والأمر هين . # وصيغ فعل { يستحيي } بصيغة المضارع لأنه مفرع على { يؤذي النبي } ليدل ~~على ما دل عليه المفرع هو عليه . # وفي هذه الآية دليل على أن سكوت النبي صلى الله عليه وسلم على الفعل ~~الواقع بحضرته إذا كان تعديا على حق لذاته لا يدل سكوته فيه على جواز الفعل ~~لأن له أن يسامح في حقه ، ولكن يؤخذ الحظر أو الإباحة في مثله من أدلة أخرى ~~مثل قوله تعالى هنا : { إن ذلكم كان يؤذي النبي } ولذلك جزم علماؤنا بأن من ~~آذى النبي صلى الله عليه وسلم بالصراحة أو الالتزام يعزر على ذلك بحسب ~~مرتبة الأذى والقصد إليه بعد توقيفه على الخفي منه وعدم التوبة مما تقبل في ~~مثله التوبة منه . ولم يجعلوا في إعراض النبي عليه الصلاة والسلام عن ~~مؤاخذة من آذاه في حياته دليلا على مشروعية تسامح الأمة في ذلك لأنه كان له ~~أن يعفو عن حقه لقوله تعالى : { فاعف عنهم } ( المائدة : 13 ) وقوله : { ~~ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك } ( آل عمران : 159 ) . فهذا ملاك ~~الجمع ms6552 بين الإيذاء والاستحياء والحق في هذه الآية ، فقد تولى الله تعالى ~~الذب عن حق رسوله وكفاه مؤونة المضض الداعي إليه حياؤه . وقد حقق هذا ~~المعنى وما يحف به القاضي أبو الفضل عياض في تضاعيف القسم الرابع من كتابه ~~( الشفاء ) . # فإن قلت : ورد في الحديث عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من ~~البيت ليقوم الثلاثة الذين قعدوا يتحدثون ، فلماذا لم يأمرهم بالخروج بدلا ~~من خروجه هو . قلت : لأن خروجه غير صريح في كراهية جلوسهم لأنه يحتمل أن ~~يكون لغرض آخر ، ويحتمل أن يكون لقصد انفضاض المجلس فكان من واجب الألمعية ~~أن يخطر PageV22P087 ببالهم أحد الاحتمالين فيتحفزوا للخروج فليس خروجه ~~عنهم بمناف لوصف حيائه صلى الله عليه وسلم # وجملة { والله لا يستحيي من الحق } معطوفة على جملة { فيستحيي منكم } ~~والمعنى : أن ذلك سوء أدب مع النبي صلى الله عليه وسلم فإذا كان يستحيي ~~منكم فلا يباشركم بالإنكار ترجيحا منه للعفو عن حقه على المؤاخذة به فإن ~~الله لا يستحيي من الحق لأن أسباب الحياء بين الخلق منتفية عن الخالق ~~سبحانه : { والله يقول الحق وهو يهدي السبيل } ( الأحزاب : 4 ) . # وصيغت الجملة المعطوفة على بناء الجملة الاسمية مخالفة للمعطوفة هي عليها ~~فلم يقل : ولا يستحيي الله من الحق ، للدلالة على أن هذا الوصف ثابت دائم ~~لله تعالى لأن الحق من صفاته ، فانتفاء ما يمنع تبليغه هو أيضا من صفاته ~~لأن كل صفة يجب اتصاف الله بها فإن ضدها يستحيل عليه تعالى . # والتعريف في { الحق } تعريف الجنس المراد منه الاستغراق مثل التعريف في { ~~الحمد لله } ( الفاتحة : 2 ) . والمعنى : والله لا يستحيي من جميع أفراد ~~جنس الحق . # و { الحق } : ضد الباطل . فمنه حق الله وحق الإسلام ، وحق الأمة جمعاء في ~~مصالحها وإقامة آدابها ، وحق كل فرد من أفراد الأمة فيما هو من منافعه ودفع ~~الضر عنه . # ويشتمل حق النبي صلى الله عليه وسلم في بيته وأوقاته ، وبهذا العموم في ~~الحق صارت الجملة بمنزلة التذييل . # و { من } في قوله : { من الحق } ليست مثل { من ms6553 } التي في قوله : { ~~فيستحيي منكم } لأن { من هذه متعينة لكونها للتعليل إذ الحق لا يستحيى من ~~ذاته فمعنى إن الله لا يستحيي من الحق أنه لا يستحيي لبيانه وإعلانه . # وقد أفاد قوله : والله لا يستحيي من الحق } أن من واجبات دين الله على ~~الأمة أن لا يستحيي أحد من الحق الإسلامي في إقامته ، وفي معرفته إذا حل به ~~ما يقتضي معرفته ، وفي إبلاغه وهو تعليمه ، وفي الأخذ به ، إلا فيما يرجع ~~إلى الحقوق الخاصة التي يرغب أصحابها في إسقاطها أو التسامح فيها مما لا ~~يغمص PageV22P088 حقا راجعا إلى غيره لأن الناس مأمورون بالتخلق بصفات الله ~~تعالى اللائقة بأمثالهم بقدر الإمكان . # وهذا المعنى فهمته أم سليم وأقرها النبي صلى الله عليه وسلم على فهمها ، ~~فقد جاء في الحديث الصحيح : ( عن أم سلمة قالت : جاءت أم سليم إلى النبي ~~فقالت : يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحق فهل على المرأة من غسل إذا ~~احتلمت ؟ فقال رسول الله : نعم إذا رأت الماء ) . فهي لم تستح في السؤال عن ~~الحق المتعلق بها ، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يستحح في إخبارها بذلك . ~~ولعلها لم تجد من يسأل لها أو لم تر لزاما أن تستنيب عنها من يسأل لها عن ~~حكم يخص ذاتها . وقد رأى علي بن أبي طالب الجمع بين طلب الحق وبين ~~الاستحياء ، ففي ( الموطأ ) عن المقداد بن الأسود أن علي بن أبي طالب أمره ~~أن يسأل له رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل إذا دنا من أهله فخرج ~~منه المذي ماذا عليه ؟ قال علي : فإن عندي ابنة رسول الله وأنا أستحيي أن ~~أسأله ) الحديث . # على أن بين قضية أم سليم وقضية علي تفاوتا من جهات في مقتضى الاستحياء لا ~~تخفى على المتبصر . # واعلم أن في ورود { يؤذي } هنا ما يبطل المثال الذي أورده ابن الأثير في ~~كتاب ( المثل السائر ) شاهدا على أن الكلمة قد تروق السامع في كلام ثم تكون ~~هي بعينها مكروهة للسامع . وجاء بكلمة { يؤذي } في ms6554 هذه الآية ، ونظيرها ( ~~تؤذي ) في قول المتنبي : # تلذ له المروءة وهي توذي # وزعم أن وجودها في البيت يحط من قدر المعنى الشريف الذي تضمنه البيت ~~وأحال في الجزم بذلك على الطبع السليم ، ولا أحسب هذا الحكم إلا غضبا من ~~ابن الأثير لا تسوغه صناعة ولا يشهد به ذوق ، ولقد صرف أيمة الأدب همهم إلى ~~بحث شعر المتنبي ونقده فلم يعد عليه أحد منهم هذا منتقدا ، مع اعتراف ابن ~~الأثير بأن معنى البيت شريف فلم يبق له إلا أن يزعم أن كراهة هذا اللفظ فيه ~~راجعة إلى أمر لفظي من الفصاحة ، وليس في البيت شيء من الإخلال بالفصاحة ~~PageV22P089 وكأنه أراد أن يقفي على قدم الشيخ عبد القاهر فيما ذكر في ~~الفصل الذي جعله ثانيا من كتاب ( دلائل الإعجاز ) فإن ما انتقده الشيخ في ~~ذلك الفصل من مواقع بعض الكلمات لا يخلو من رجوع نقده إياها إلى أصول ~~الفصاحة أو أصول تناسب معاني الكلمات بعضها مع بعض في نظم الكلام ، وشتان ~~ما بين الصنيعين . # . # عطف على جملة { لا تدخلوا بيوت النبي } فهي زيادة بيان للنهي عن دخول ~~البيوت النبوية وتحديد لمقدار الضرورة التي تدعو إلى دخولها أو الوقوف ~~بأبوابها . # وهذه الآية هي شارعة حكم حجاب أمهات المؤمنين ، وقد قيل : إنها نزلت في ~~ذي القعدة سنة خمس . # وضمير { سألتموهن } عائد إلى الأزواج المفهوم من ذكر البيوت في قوله : { ~~بيوت النبي } فإن للبيوت رباتهن وزوج الرجل هي ربة البيت ، قال مرة بن ~~محكان التميمي : # يا ربة البيت قومي غير صاغرة # ضمي إليك رجال الحي والغربا # وقد كانوا لا يبني الرجل بيتا إلا إذا أراد التزوج . وفي حديث ابن عمر : ~~كنت عزبا أبيت في المسجد . ومن أجل ذلك سموا الزفاف بناء . فلا جرم كانت ~~المرأة والبيت متلازمين فدلت البيوت على الأزواج بالالتزام . ونظير هذا ~~قوله تعالى : { وفرش مرفوعة إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارا عربا ~~أترابا لأصحاب اليمين } ( الواقعة : 34 38 ) فإن ذكر الفرش يستلزم أن ~~للفراش امرأة ، فلما ذكر البيوت هنا تبادر أن للبيوت رباتت ms6555 . # والمتاع : ما يحتاج إلى الانتفاع به مثل عارية الأواني ونحوها ، ومثل ~~سؤال العفاة ويلحق بذلك ما هو أولى بالحكم من سؤالل عن الدين أو عن القرآن ~~، وقد كانوا يسألون عائشة عن مسائل الدين . PageV22P090 # والحجاب : الستر المرخى على باب البيت . # وكانت الستور مرخاة على أبواب بيوت النبي صلى الله عليه وسلم الشارعة إلى ~~المسجد . وقد ورد ما يبين ذلك في حديث الوفاة حين خرج النبي صلى الله عليه ~~وسلم على الناس وهم في الصلاة فكشف الستر ثم أرخى الستر . # و { من وراء حجاب } متعلق ب { فاسألوهن } فهو قيد في السائل والمسؤول ~~المتعلق ضميراهما بالفعل الذي تعلق به المجرور . و { من } ابتدائية . ~~والوراء : مكان الخلف وهو مكان نسبي باعتبار المتجه إلى جهة ، فوراء الحجاب ~~بالنسبة للمتجهين إليه فالمسؤولة مستقبلة حجابها والسائل من وراء حجابها ~~وبالعكس . # والإشارة ب { ذلكم } إلى المذكور ، أي السؤال المقيد بكونه من وراء حجاب ~~. # واسم التفضيل في قوله : { أطهر } مستعمل للزيادة دون التفضيل . # والمعنى : ذلك أقوى طهارة لقلوبكم وقلوبهن فإن قلوب الفريقين طاهرة ~~بالتقوى وتعظيم حرمات الله وحرمة النبي صلى الله عليه وسلم ولكن لما كانت ~~التقوى لا تصل بهم إلى درجة العصمة أراد الله أن يزيدهم منها بما يكسب ~~المؤمنين مراتب من الحفظ الإلهي من الخواطر الشيطانية بقطع أضعف أسبابها ~~وما يقرب أمهات المؤمنين من مرتبة العصمة الثابتة لزوجهن صلى الله عليه ~~وسلم فإن الطيبات للطيبين بقطع الخواطر الشيطانية عنهن بقطع دابرها ولو ~~بالفرض . # وأيضا فإن للناس أوهاما وظنونا سوأى تتفاوت مراتب نفوس الناس فيها صرامة ~~ووهنا ، ونفاقا وضعفا ، كما وقع في قضية الإفك المتقدمة في سورة النور فكان ~~شرع حجاب أمهات المؤمنين قاطعا لكل تقول وإرجاف بعمد أو بغير عمد . # ووراء هذه الحكم كلها حكمة أخرى سامية وهي زيادة تقرير معنى أمومتهن ~~للمؤمنين في قلوب المؤمنين التي هي أمومة جعلية شرعية بحيث إن ذلك المعنى ~~الجعلي الروحي وهو كونهن أمهات يرتد وينعكس إلى باطن النفس وتنقطع عنه ~~الصور الذاتية وهي كونهن فلانة أو فلانة فيصبحن غير متصورات ms6556 إلا بعنوان ~~الأمومة فلا يزال ذلك المعنى الروحي ينمى في النفوس ، ولا تزال الصور ~~الحسية PageV22P091 تتضاءل من القوة المدركة حتى يصبح معنى أمهات المؤمنين ~~معنى قريبا في النفوس من حقائق المجردات كالملائكة ، وهذه حكمة من حكم ~~الحجاب الذي سنه الناس لملوكهم في القدم ليكون ذلك أدخل لطاعتهم في نفوس ~~الرعية . # وبهذه الآية مع الآية التي تقدمتها من قوله : { يا نساء النبي لستن كأحد ~~من النساء } ( الأحزاب : 32 ) تحقق معنى الحجاب لأمهات المؤمنين المركب من ~~ملازمتهن بيوتهن وعدمم ظهور شيء من ذواتهن حتى الوجه والكفين ، وهو حجاب ~~خاص بهن لا يجب على غيرهن ، وكان المسلمون يقتدون بأمهات المؤمنين ورعا وهم ~~متفاوتون في ذلك على حسب العادات ، ولما أنشد النميري عند الحجاج قوله : # يخمرن أطراف البنان من التقى # ويخرجن جنح الليلل معتجرات # قال الحجاج : وهكذا المرأة الحرة المسلمة . # ودل قوله : { لقلوبكم وقلوبهن } أن الأمر متوجه لرجال الأمة ولنساء النبي ~~صلى الله عليه وسلم على السواء . وقد ألحق بأزواج النبي عليه السلام بنته ~~فاطمة فلذلك لما خرجوا بجنازتها جعلوا عليها قبة حتى دفنت ، وكذلك جعلت قبة ~~على زينب بنت جحش في خلافة عمر بن الخطاب . # . # لما جيء في بيان النهي عن المكث في بيوت النبي صلى الله عليه وسلم بأنه ~~يؤذيه أتبع بالنهي عن أذى النبي صلى الله عليه وسلم نهيا عاما ، فالخطاب في ~~{ لكم } للمؤمنين المفتتح بخطابهم آية : { يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا ~~بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم } الآية . # والواو عاطفة جملة على جملة أو هي واو الاعتراض بين جملة { وإذا سألتموهن ~~متاعا } وجملة { لا جناح عليهن في آبائهن } ( الأحزاب : 55 ) . # ودلت جملة { ما كان لكم } على الحظر المؤكد لأن { ما كان لكم } نفي ~~للاستحقاق الذي دلت عليه اللام ، وإقحام فعل { كان } لتأكيد انتفاء الإذن . ~~وهذه الصيغة من صيغ شدة التحريم . PageV22P092 # وتضمنت هذه الآية حكمين : # أحدهما : تحريم أن يؤذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم والأذى : قول يقال ~~له ، أو فعل يعامل به ، من شأنه أن يغضبه أو يسوءه لذاته ms6557 . # والأذى تقدم في أول هذه الآيات آنفا . والمعنى : أن أذى النبي عليه ~~الصلاة والسلام محظور على المؤمنين . وانظر الباب الثالث من القسم الثاني ~~من كتاب ( الشفاء ) لعياض . # والحكم الثاني : تحريم أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس ~~بقوله تعالى : { ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا } وهو تقرير لحكم أمومة ~~أزواجه للمؤمنين السالف في قوله : { وأزواجه أمهاتهم } ( الأحزاب : 6 ) . # وقد حكيت أقوال في سبب نزول هذه الآية : منها أن رجلا قال : لو مات محمد ~~تزوجت عائشة ، أي قاله بمسمع ممن نقله عنه فقيل : هذا الرجل من المنافقين ~~وهذا هو المظنون بقائل ذلك . وقيل : هو من المؤمنين ، أي خطر له ذلك في ~~نفسه ، قاله القرطبي . وذكروا رواية عن ابن عباس وعن مقاتل أنه طلحة بن ~~عبيد الله . وقال ابن عباس : كانت هفوة منه وتاب وكفر بالحج ماشيا وبإعتاق ~~رقاب كثيرة وحمل في سبيل الله على عشرة أفراس أو أبعرة . وقال ابن عطية : ~~هذا عندي لا يصح على طلحة والله عاصمه من ذلك ، أي إن حمل على ظاهر صدور ~~القول منه فأما إن كان خطر له ذلك في نفسه فذلك خاطر شيطاني أراد تطهير ~~قلبه فيه بالكفارات التي أعطاها إن صح ذلك . وأقول : لا شك أنه من موضوعات ~~الذين يطعنون في طلحة بن عبيد الله . وهذه الأخبار واهية الأسانيد ودلائل ~~الوضع واضحة فإن طلحة إن كان قال ذلك بلسانه لم يكن ليخفى على الناس فكيف ~~يتفرد بروايته من انفرد . وإن كان خطر ذلك في نفسه ولم يتكلم به فمن ذا ~~الذي اطلع على ما في قلبه ، وليس بمتعين أن يكون لنزول هذه الآية سبب . فإن ~~كان لها سبب فلا شك أنه قول بعض المنافقين لما يؤذن به قوله تعالى عقب هذه ~~الآيات { لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض } ( الأحزاب : 60 ) ~~الآية . وإنما شرعت الآية أن حكم أمومة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ~~للمؤمنين حكم دائم في حياة النبي عليه الصلاة والسلام أو من بعده ولذلك ~~اقتصر هنا ms6558 على التصريح بأنه حكم ثابت من بعد ، PageV22P093 لأن ثبوت ذلك في ~~حياته قد علم من قوله : { وأزواجه أمهاتهم } ( الأحزاب : 6 ) . # وإضافة البعدية إلى ضمير ذات النبي عليه الصلاة والسلام تعين أن المراد ~~بعد حياته كما هو الشائع في استعمال مثل هذه الإضافة فليس المراد بعد عصمته ~~من نحو الطلاق لأن طلاق النبي صلى الله عليه وسلم أزواجه غير محتمل شرعا ~~لقوله : { ولا أن تبدل بهن من أزواج } ( الأحزاب : 52 ) . # وأكد ظرف ( بعد ) بإدخال { من الزائدة عليه ، ثم أكد عمومه بظرف أبدا } ~~ليعلم أن ذلك لا يتطرقه النسخ ثم زيد ذلك تأكيدا وتحذيرا بقوله : { إن ذلكم ~~كان عند الله عظيما } ، فهو استئناف مؤكد لمضمون جملة { وما كان لكم أن ~~تؤذوا رسول الله } . والإشارة إلى ما ذكر من إيذاء النبي صلى الله عليه ~~وسلم وتزوج أزواجه ، أي ذلكم المذكور . # والعظيم هنا في الإثم والجريمة بقرينة المقام . # وتقييد العظيم بكونه عند الله للتهويل والتخويف لأنه عظيم في الشناعة . ~~وعلة كون تزوج أحد المسلمين إحدى نساء النبي صلى الله عليه وسلم إثما عظيما ~~عند الله ، أن الله جعل نساء النبي عليه الصلاة والسلام أمهات للمؤمنين ~~فاقتضى ذلك أن تزوج أحد المسلمين إحداهن له حكم تزوج المرء أمه ، وذلك إثم ~~عظيم . # واعلم أنه لم يتبين هل التحريم الذي في الآية يختص بالنساء اللاتي بنى ~~بهن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو هو يعم كل امرأة عقد عليها مثل ~~الكندية التي استعاذت منه فقال لها : الحقي بأهلك ، فتزوجها الأشعث بن قيس ~~في زمن عمر بن الخطاب . ومثل قتيلة بنت قيس الكلبية التي زوجها أخوها ~~الأشعث بن قيس من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم حملها معه إلى حضرموت ~~فتوفي رسول الله قبل قفولهما فتزوجها عكرمة بن أبي جهل وأن أبا بكر هم ~~بعقابه فقال له عمر : إن رسول الله لم يدخل بها . # والمرويات في هذا الباب ضعيفة . والذي عندي أن البناء والعقد كانا يكونان ~~مقترنين وأن ما يسبق البناء مما يسمونه تزويجا فإنما هو ms6559 مراكنة ووعد ، ويدل ~~لذلك ما في الصحيح أن رسول الله لما أحضرت إليه الكندية ودخل عليها رسول ~~الله فقال PageV22P094 لها : هبي لي نفسك ( أي ليعلم أنها رضيت بما عقد لها ~~وليها ) فقالت : ما كان لملكة أن تهب نفسها لسوقة أعوذ بالله منك . فقال ~~لها : لقد استعذت بمعاذ . فذلك ليس بطلاق ولكنه رجوع عن التزوج بها دال على ~~أن العقد لم يقع وأن قول عمر لأبي بكر أو قول من قال لعمر : إن رسول الله ~~لم يدخل بها هو كناية عن العقد . # وعن الشافعي تحريم تزوج من عقد عليها النبي صلى الله عليه وسلم ورجع إمام ~~الحرمين والرافعي أن التحريم قاصر على التي دخل بها . على أنه يظهر أن ~~الإضافة في قوله : { أزواجه } بمعنى لام العهد ، أي الأزواج اللائي جاءت في ~~شأنهن هذه الآيات من قوله : { لا يحل لك النساء من بعد } ( الأحزاب : 52 ) ~~فهن اللاء ثبت لهن حكم الأمهات . # وبعد فإن البحث في هذه المسألة مجرد تفقه لا يبنى عليه عمل . # كلام جامع تحريضا وتحذيرا ومنبىء عن وعد ووعيد ، فإن ما قبله قد حوى أمرا ~~ونهيا ، وإذ كان الامتثال متفاوتا في الظاهر والباطن وبخاصة في النوايا ~~والمضمرات كان المقام مناسبا لتنبيههم وتذكيرهم بأن الله مطلع على كل حال ~~من أحوالهم في ذلك وعلى كل شيء ، فالمراد من { شيئا } الأول شيء مما يبدونه ~~أو يخفونه وهو يعم كل ما يبدو وما يخفى لأن النكرة في سياق الشرط تعم . ~~والجملة تذييل لما اشتملت عليه من العموم في قوله : { بكل شيء } . وإظهار ~~لفظ { شيء } هنا دون إضمار لأن الإضمار لا يستقيم لأن الشيء المذكور ثانيا ~~هو غير المذكور أولا ، إذ المراد بالثاني جميع الموجودات ، والمراد بالأول ~~خصوص أحوال الناس الظاهرة والباطنة ، فالله عليم بكل كائن ومن جملة ذلك ما ~~يبدونه ويخفونه من أحوالهم . # تخصيص من عموم الأمر بالحجاب الذي اقتضاه قوله : { فاسألوهن من وراء حجاب ~~} ( الأحزاب : 53 ) . PageV22P095 # وإنما رفع الجناح عن نساء النبي صلى الله عليه وسلم تنبيها على أنهن ~~مأمورات بالحجاب كما ms6560 أمر رجال المسلمين بذلك معهن فكان المعنى : لا جناح ~~عليهن ولا عليكم ، كما أن معنى { فاسألوهن من وراء حجاب } أنهن أيضا يجبن ~~من وراء حجاب كما تقدمت الإشارة إليه يقوله : { ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن ~~} ( الأحزاب : 53 ) . # والظرفية المفادة من حرف { في } مجازية شائعة في مثله ، يقال : لا جناح ~~عليك في كذا ، فهو كالحقيقة فلا تلاحظ فيه الاستعارة ، والمجرور مقدر فيه ~~مضاف تقديره : في رؤية آبائهن إياهن ، وإنما رجح جانبهن هنا لأنه في معنى ~~الإذن ، لأن الرجال مأمورون بالاستئذان كما اقتضته آية سورة النور ، والإذن ~~يصدر منهن فلذلك رجح هنا جانبهن فأضيف الحكم إليهن . # والنساء : اسم جمع امرأة لا مفرد له من لفظه في كلامهم ، وهن الإناث ~~البالغات أو المراهقات . # والمراد ب { نسائهن } جميع النساء ، فإضافته إلى ضمير الأزواج اعتبار ~~بالغالب لأن الغالب أن تكون النساء اللاتي يدخلن على أمهات المؤمنين نساء ~~اعتدن أن يدخلن عليهن ، والمراد جميع النساء . # ولم يذكر من أصناف الأقرباء الأعمام ولا الأخوال لأن ذكر أبناء الإخوان ~~وأبناء الأخوات يقتضي اتحاد الحكم ، من أنه لما رفع الحرج عنهن فيمن هن ~~عمات لهن أو خالات كان رفع الحرج عنهن في الأعمام والأخوال كذلك ، وأما ~~قرابة الرضاعة فمعلومة من السنة ، فأريد الاختصار هنا إذ المقصود التنبيه ~~على تحقيق الحجاب ليفضي إلى قوله : { واتقين الله } . # والتفت من الغيبة إلى خطابهن في قوله : { واتقين الله } لتشريف نساء ~~النبي صلى الله عليه وسلم بتوجيه الخطاب الإلهي إليهن . # والشهيد : الشاهد مبالغة في الفعل . PageV22P096 # أعقبت أحكام معاملة أزواج النبي عليه الصلاة والسلام بالثناء عليه وتشريف ~~مقامه إيماء إلى أن تلك الأحكام جارية على مناسبة عظمة مقام النبي عليه ~~الصلاة والسلام عند الله تعالى ، وإلى أن لأزواجه من ذلك التشريف حظا عظيما ~~. ولذلك كانت صيغة الصلاة عليه التي علمها للمسلمين مشتملة على ذكر أزواجه ~~كما سيأتي قريبا ، وليجعل ذلك تمهيدا لأمر المؤمنين بتكرير ذكر النبي صلى ~~الله عليه وسلم بالثناء والدعاء والتعظيم ، وذكر صلاة الملائكة مع صلاة ~~الله ليكون مثالا من صلاة أشرف المخلوقات على ms6561 الرسول لتقريب درجة صلاة ~~المؤمنين التي يؤمرون بها عقب ذلك ، والتأكيد للاهتمام . ومجيء الجملة ~~الإسمية لتقوية الخبر ، وافتتاحها باسم الجلالة لإدخال المهابة والتعظيم في ~~هذا الحكم ، والصلاة من الله والملائكة تقدم الكلام عليها عند قوله تعالى : ~~{ هو الذي يصلي عليكم وملائكته في هذه السورة . وهذه صلاة خاصة هي أرفع ~~صلاة مما شمله قوله هو الذي يصلي عليكم وملائكته } لأن عظمة مقام النبي ~~يقتضي عظمة الصلاة عليه . # وجملة { يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه } هي المقصودة وما قبلها توطئة ~~لها وتمهيد لأن الله لما حذر المؤمنين من كل ما يؤذي الرسول عليه الصلاة ~~والسلام أعقبه بأن ذلك ليس هو أقصى حظهم من معاملة رسولهم أن يتركوا أذاه ~~بل حظهم أكبر من ذلك وهو أن يصلوا عليه ويسلموا ، وذلك هو إكرامهم الرسول ~~عليه الصلاة والسلام فيما بينهم وبين ربهم فهو يدل على وجوب إكرامه في ~~أقوالهم وأفعالهم بحضرته بدلالة الفحوى ، فجملة { يا أيها الذين آمنوا } ~~بمنزلة النتيجة الواقعة بعد التمهيد . وجيء في صلاة الله وملائكته بالمضارع ~~الدال على التجديد والتكرير ليكون أمر المؤمنين بالصلاة عليه والتسليم عقب ~~ذلك مشيرا إلى تكرير ذلك منهم إسوة بصلاة الله وملائكته . # والأمر بالصلاة عليه معناه : إيجاد الصلاة ، وهي الدعاء ، فالأمر يؤول ~~إلى إيجاد أقوال فيها دعاء وهو مجمل في الكيفية . # والصلاة : ذكر بخير ، وأقوال تجلب الخير ، فلا جرم كان الدعاء هو أشهر ~~PageV22P097 مسميات الصلاة ، فصلاة الله : كلامه الذي يقدر به خيرا لرسوله ~~صلى الله عليه وسلم لأن حقيقة الدعاء في جانب الله معطل ، لأن الله هو الذي ~~يدعوه الناس ، وصلاة الملائكة والناس : استغفار ودعاء بالرحمات . # وظاهر الأمر أن الواجب كل كلام فيه دعاء للنبيء صلى الله عليه وسلم ولكن ~~الصحابة لما نزلت هذه الآية سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن كيفية هذه ~~الصلاة قالوا : ( يا رسول الله هذا السلام عليك قد علمناه فكيف نصلي عليك ؟ ~~) يعنون أنهم علموا السلام عليه من صيغة بث السلام بين المسلمين وفي التشهد ~~فالسلام بين المسلمين صيغته : السلام عليكم . والسلام ms6562 في التشهد هو ( ~~السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ) أو ( السلام على النبي ورحمة ~~الله وبركاته ) . فقال رسول الله : قولوا : ( اللهم صل على محمد وعلى ~~أزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم ، وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما ~~باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد ) . هذه رواية مالك في ( الموطأ ) عن أبي ~~حميد الساعدي . # وروي أيضا عن أبي مسعود الأنصاري بلفظ ( وعلى آل محمد ) ( عن أزواجه ~~وذريته في الموضعين ) وبزيادة ( في العالمين ) ، قبل : ( إنك حميد مجيد . ~~والسلام كما قد علمتم ) . وهما أصح ما روي كما قال أبو بكر بن العربي . ~~وهناك روايات خمس أخرى متقاربة المعنى وفي بعضها زيادة وقد استقصاها ابن ~~العربي في ( أحكام القرآن ) . ومرجع صيغها إلى توجه إلى الله بأن يفيض ~~خيرات على رسوله صلى الله عليه وسلم لأن معنى الصلاة الدعاء ، والدعاء من ~~حسن الأقوال ، ودعاء المؤمنين لا يتوجه إلا إلى الله . # وظاهر صيغة الأمر مع قرينة السياق يقتضي وجوب أن يصلي المؤمن على النبي ~~صلى الله عليه وسلم إلا أنه كان مجملا في العدد فمحمله محمل الأمر المجمل ~~أن يفيد المرة لأنها ضرورية لإيقاع الفعل ولمقتضى الأمر . ولذلك اتفق فقهاء ~~الأمة على أن واجبا على كل مؤمن أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم مرة ~~في العمر ، فجعلوا وقتها العمر كالحج . وقد اختلفوا فيما زاد على ذلك في ~~حكمه ومقداره ، ولا خلاف في استحباب الإكثار من الصلاة عليه وخاصة عند وجود ~~أسبابها . قال الشافعي وإسحاق ومحمد بن المواز من المالكية واختاره أبو بكر ~~بن العربي من المالكية : إن PageV22P098 الصلاة عليه فرض في الصلاة فمن ~~تركها بطلت صلاته . قال إسحاق : ولو كان ناسيا . # وظاهر حكايتهم عن الشافعي أن تركها إنما يبطل الصلاة إذا كان عمدا وكأنهم ~~جعلوا ذلك بيانا للإجمال الذي في الأمر من جهة الوقت والعدد ، فجعلوا الوقت ~~هو إيقاع الصلاة للمقارنة بين الصلاة والتسليم ، والتسليم وارد في التشهد ، ~~فتكون الصلاة معه على نحو ما استدل أبو بكر الصديق رضي الله عنه من قوله : ~~لأقاتلن ms6563 من فرق بين الصلاة والزكاة ، فإذا كان هذا مأخذهم فهو ضعيف لأن ~~الآية لم ترد في مقام أحكام الصلاة ، وإلا فليس له أن يبين مجملا بلا دليل ~~. # وقال جمهور العلماء : هي في الصلاة مستحبة وهي في التشهد الأخير وهو الذي ~~جرى عليه الشافعية أيضا . قال الخطابي : ولا أعلم للشافعي فيها قدوة وهو ~~مخالف لعمل السلف قبله ، وقد شنع عليه في هذه المسألة جدا . وهذا تشهد ابن ~~مسعود الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم والذي اختاره الشافعي ليس فيه ~~الصلاة على النبي ، كذلك كل من روى التشهد عن رسول الله . قال ابن عمر : ~~كان أبو بكر يعلمنا التشهد على المنبر كما تعلمون الصبيان في الكتاب ، ~~وعلمه أيضا على المنبر عمر ، وليس في شيء من ذلك ذكر الصلاة على النبي صلى ~~الله عليه وسلم قلت : فمن قال إنها سنة في الصلاة فإنما أراد المستحب . # وأما حديث ( لا صلاة لمن لم يصل علي ) فقد ضعفه أهل الحديث كلهم . # ومن أسباب الصلاة عليه أن يصلي عليه من جرى ذكره عنده ، وكذلك في افتتاح ~~الكتب والرسائل ، وعند الدعاء ، وعند سماع الأذان ، وعند انتهاء المؤذن ، ~~وعند دخول المسجد ، وفي التشهد الأخير . # وفي التوطئة للأمر بالصلاة على النبي بذكر الفعل المضارع في { يصلون } ~~إشارة إلى الترغيب في الإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ~~تأسيا بصلاة الله وملائكته . # واعلم أنا لم نقف على أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يصلون على ~~النبي كلما جرى ذكر اسمه ولا أن يكتبوا الصلاة عليه إذا كتبوا اسمه ولم نقف ~~على تعيين مبدأ كتابة ذلك بين المسلمين . PageV22P099 # والذي يبدو أنهم كانوا يصلون على النبي إذا تذكروا بعض شؤونه كما كانوا ~~يترحمون على الميت إذا ذكروا بعض محاسنه . وفي ( السيرة الحلبية ) : ( لما ~~توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم واعترى عمر من الدهش ما هو معلوم وتكلم ~~أبو بكر بما هو معلوم قال عمر : إنا لله وإنا إليه راجعون صلوات الله على ~~رسوله وعند الله نحتسب رسوله ms6564 ) وروى البخاري في باب : متى يحل المعتمر : عن ~~أسماء بنت أبي بكر أنها كانت تقول كلما مرت بالحجون ( صلى الله على رسوله ~~محمد وسلم لقد نزلنا معه ههنا ونحن يومئذ خفاف ) إلى آخره . # وفي باب ما يقول عند دخول المسجد من ( جامع الترمذي ) حديث فاطمة بنت ~~الحسين عن جدتها فاطمة الكبرى قالت : كان رسول الله إذا دخل المسجد صلى على ~~محمد وسلم وقال : رب اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك ، وإذا خرج صلى ~~على محمد وسلم وقال : رب اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك ، قال الترمذي ~~: حديث حسن وليس إسناده بمتصل . # ومن هذا القبيل ما ذكره ابن الأثير في ( التاريخ الكامل ) في حوادث سنة ~~خمس وأربعين ومائة : أن عبد الله بن مصعب بن ثابت رثى محمدا النفس الزكية ~~بأبيات منها : # والله لو شهد النبي محمد # صلى الإلاه على النبي وسلما # ثم أحدثت الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في أوائل الكتب في زمن ~~هارون الرشيد ، ذكر ذلك ابن الأثير في ( الكامل ) في سنة إحدى وثمانين ~~ومائة ، وذكره عياض في ( الشفاء ) ، ولم يذكرا صيغة التصلية . وفي ( المخصص ~~) لابن سيده في ذكر الخف والنعل : إن أبا محلم بعث إلى حذاء بنعل ليحذوها ~~وقال له : ( ثم سن شفرتك وسن رأس الإزميل ثم سم باسم الله وصل على محمد ثم ~~انحها ) إلى آخره . # ولا شك أن إتباع اسم النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة عليه في كتب ~~الحديث والتفسير وغيرها كان موجودا في القرن الرابع ، وقد وقفت على قطعة ~~عتيقة من تفسير يحيى بن سلام البصري مؤرخ نسخها سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة ~~فإذا فيها الصلاة على النبي عقب ذكره اسمه . PageV22P100 # وأحسب أن الذين سنوا ذلك هم أهل الحديث . قال النووي في مقدمة شرحه على ( ~~صحيح مسلم ) ( يستحب لكاتب الحديث إذا مر بذكر الله أن يكتب عز وجل ، أو ~~تعالى ، أو سبحانه وتعالى ، أو تبارك وتعالى ، أو جل ذكره ، أو تبارك اسمه ~~، أو جلت عظمته ، أو ما أشبه ذلك ، وكذلك يكتب عند ms6565 ذكر النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم بكمالها لا رامزا إليها ولا مقتصرا على بعضها ، ويكتب ذلك وإن لم ~~يكن مكتوبا في الأصل الذي ينقل منه فإن هذا ليس رواية وإنما هو دعاء . ~~وينبغي للقارىء أن يقرأ كل ما ذكرناه وإن لم يكن مذكورا في الأصل الذي يقرأ ~~منه ولا يسأم من تكرر ذلك ، ومن أغفل ذلك حرم خيرا عظيما ) ا ه . # وقوله : { وسلموا تسليما } القول فيه كالقول في { صلوا عليه } حكما ~~ومكانا وصفة فإن صفته حددت بقول النبي صلى الله عليه وسلم ( والسلام كما قد ~~علمتم ) فإن المعلوم هو صيغته التي في التشهد ( السلام عليك أيها النبي ~~ورحمة الله وبركاته ) . وكان ابن عمر يقول فيه بعد وفاة النبي صلى الله ~~عليه وسلم ( السلام على النبي ورحمة الله وبركاته ) . والجمهور أبقوا لفظه ~~على اللفظ الذي كان في حياة النبي عليه الصلاة والسلام رعيا لما ورد عن ~~النبي عليه الصلاة والسلام أنه حي يبلغه تسليم أمته عليه . # ومن أجل هذا المعنى أبقيت له صيغة التسليم على الأحياء وهي الصيغة التي ~~يتقدم فيها لفظ التسليم على المتعلق به لأن التسليم على الأموات يكون ~~بتقديم المجرور على لفظ السلام . وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~للذي سلم عليه فقال : عليك السلام يا رسول الله فقال له : ( إن عليك السلام ~~تحية الموتى ، فقل : السلام عليك ) . # والتسليم مشهور في أنه التحية بالسلام ، والسلام فيه بمعنى الأمان ~~والسلامة ، وجعل تحية في الأولين عند اللقاء مبادأة بالتأمين من الاعتداء ~~والثأر ونحو ذلك إذ كانوا إذ اتقوا أحدا توجسوا خيفة أن يكون مضمرا شرا ~~لملاقيه ، فكلاهما يدفع ذلك الخوف بالإخبار بأنه ملق على ملاقيه سلامة ~~وأمنا . ثم شاع ذلك حتى صار هذا اللفظ دالا على الكرامة والتلطف ، قال ~~النابغة : PageV22P101 # أتاركة تدللها قطام # وضنا بالتحية والسلام # ولذلك كان قوله تعالى : { وسلموا } غير مجمل ولا محتاج إلى بيان فلم يسأل ~~عنه الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا : هذا السلام قد عرفناه ، ~~وقال لهم : والسلام كما قد علمتم ، أي ms6566 كما قد علمتم من صيغة السلام بين ~~المسلمين ومن ألفاظ التشهد في الصلاة . # وإذ قد كانت صيغة السلام معروفة كان المأمور به هو ما يماثل تلك الصيغة ~~أعني أن نقول : السلام على النبي أو عليه السلام ، وأن ليس ذلك بتوجه إلى ~~الله تعالى بأن يسلم على النبي بخلاف التصلية لما علمت مما اقتضى ذلك فيها ~~. # والآية تضمنت الأمر بشيئين : الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ~~والتسليمم عليه ، ولم تقتض جمعهما في كلام واحد وهما مفرقان في كلمات ~~التشهد فالمسلم مخير بين أن يقرن بين الصلاة والتسليم بأن يقول : صلى الله ~~على محمد والسلام عليه ، أو أن يقول : اللهم صل على محمد والسلام على محمد ~~، فيأتي في جانب التصلية بصيغة طلب ذلك من الله ، وفي جانب التسليم بصيغة ~~إنشاء السلام بمنزلة التحية له ، وبين أن يفرد الصلاة ويفرد التسليم وهو ~~ظاهر الحديث الذي رواه عياض في ( الشفاء ) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~: لقيت جبريل فقال لي : أبشرك أن الله يقول : من سلم عليك سلمت عليه ومن ~~صلى عليك صليت عليه . وعن النووي أنه قال بكراهة إفراد الصلاة والتسليم ، ~~وقال ابن حجر : لعله أراد خلاف الأولى . وفي الاعتذار والمعتذر عنه نظر إذ ~~لا دليل على ذلك . # وأما أن يقال : اللهم سلم على محمد ، فليس بوارد فيه مسند صحيح ولا حسن ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يرد عنه إلا بصيغة إنشاء السلام مثل ما في ~~التحية ، ولكنهم تسامحوا في حالة الاقتران بين التصلية والتسليم فقالوا : ~~صلى الله عليه وسلم لقصد الاختصار فيما نرى . وقد استمر عليه عمل الناس من ~~أهل العلم والفضل . وفي حديث أسماء بنت أبي بكر المتقدم أنها قالت : ( صلى ~~الله على محمد وسلم ) . # ومعنى تسليم الله عليه إكرامه وتعظيمه فإن السلام كناية عن ذلك . ~~PageV22P102 # وقد استحسن أيمة السلف أن يجعل الدعاء بالصلاة مخصوصا بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم وعن مالك : لا يصلى على غير نبيئنا من الأنبياء . يريد أن تلك هي ~~السنة ، وروي مثله عن ms6567 ابن عباس ، وروي عن عمر بن عبد العزيز : أن الصلاة ~~خاصة بالنبيئين كلهم . # وأما التسليم في الغيبة فمقصور عليه وعلى الأنبياء والملائكة لا يشركهم ~~فيه غيرهم من عباد الله الصالحين لقوله تعالى : { سلام على نوح في العالمين ~~} ( الصافات : 79 ) ، وقوله : { سلام على آل ياسين } ( الصافات : 130 ) ، { ~~سلام على موسى وهارون } ( الصافات : 120 ) ، { سلام على إبراهيم } ( ~~الصافات : 109 ) . # وأنه يجوز إتباع آلهم وأصحابهم وصالحي المؤمنين إياهم في ذلك دون استقلال ~~. هذا الذي استقر عليه اصطلاح أهل السنة ولم يقصدوا بذلك تحريما ولكنه ~~اصطلاح وتمييز لمراتب رجال الدين ، كما قصروا الرضى على الأصحاب وأيمة ~~الدين ، وقصروا كلمات الإجلال نحو : تبارك وتعالى ، وجل جلاله ، على الخالق ~~دون الأنبياء والرسل . # وأما الشيعة فإنهم يذكرون التسليم على علي وفاطمة وآلهما ، وهو مخالف ~~لعمل السلف فلا ينبغي اتباعهم فيه لأنهم قصدوا به الغض من الخلفاء والصحابة ~~. # وانتصب { تسليما } على أنه مصدر مؤكد ل { سلموا } وإنما لم يؤكد الأمر ~~بالصلاة عليه بمصدر فيقال : صلوا عليه صلاة ، لأن الصلاة غلب إطلاقها على ~~معنى الاسم دون المصدر ، وقياس المصدر التصلية ولم يستعمل في الكلام لأنه ~~اشتهر في الإحراق ، قال تعالى : { وتصلية جحيم } ( الواقعة : 94 ) ، على أن ~~الأمر بالصلاة عليه قد حصل تأكيده بالمعنى لا بالتأكيد الاصطلاحي فإن ~~التمهيد له بقوله : { إن الله وملائكته يصلون على النبي } مشير إلى التحريض ~~على الاقتداء بشأن الله وملائكته . # لما أرشد الله المؤمنين إلى تناهي مراتب حرمة النبي صلى الله عليه وسلم ~~وتكريمه وحذرهم مما PageV22P103 قد يخفى على بعضهم من خفي الأذى في جانبه ~~بقوله : { إن ذلكم كان يؤذي النبي } ( الأحزاب : 53 ) وقوله : { وما كان ~~لكم أن تؤذوا رسول الله } ( الأحزاب : 53 ) وعلمهم كيف يعاملونه معاملة ~~التوقير والتكريم بقوله : { ولا مستأنسين لحديث } ( الأحزاب : 53 ) وقوله : ~~{ ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما } ( ~~الأحزاب : 53 ) وقوله : { إن الله وملائكته يصلون على النبي } ( الأحزاب : ~~56 ) الآية ، وعلم أنهم قد امتثلوا أو تعلموا أردف ذلك بوعيد قوم اتسموا ~~بسمات المؤمنين وكان ms6568 من دأبهم السعي فيما يؤذي الرسول عليه الصلاة والسلام ~~فأعلم الله المؤمنين بأن أولئك ملعونون في الدنيا والآخرة ليعلم المؤمنون ~~أن أولئك ليسوا من الإيمان في شيء وأنهم منافقون لأن مثل هذا الوعيد لا ~~يعهد إلا للكافرين . # فالجملة مستأنفة استئنافا بيانيا لأنه يخطر في نفوس كثير ممن يسمع الآيات ~~السابقة أن يتساءلوا عن حال قوم قد علم منهم قلة التحرز من أذى الرسول صلى ~~الله عليه وسلم بما لا يليق بتوقيره . # وجيء باسم الموصول للدلالة على أنهم عرفوا بأن إيذاء النبي صلى الله عليه ~~وسلم من أحوالهم المختصة بهم ، ولدلالة الصلة على أن أذى النبي صلى الله ~~عليه وسلم هو علة لعنهم وعذابهم . # واللعن : الإبعاد عن الرحمة وتحقير الملعون . فهم في الدنيا محقرون عند ~~المسلمين ومحرومون من لطف الله وعنايته ، وهم في الآخرة محقرون بالإهانة في ~~الحشر وفي الدخول في النار . # والعذاب المهين : هو عذاب جهنم في الآخرة وهو مهين لأنه عذاب مشوب بتحقير ~~وخزي . # والقرن بين أذى الله ورسوله للإشارة إلى أن أذى الرسول صلى الله عليه ~~وسلم يغضب الله تعالى فكأنه أذى لله . # وفعل { يؤذون } معدى إلى اسم الله على معنى المجاز المرسل في اجتلاب غضب ~~الله وتعديته إلى الرسول حقيقة . فاستعمل { يؤذون } في معنييه المجازي ~~والحقيقي . PageV22P104 # ومعنى هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم ( من آذاني فقد آذى الله ) وأذى ~~الرسول عليه الصلاة والسلام يحصل بالإنكار عليه فيما يفعله ، وبالكيد له ، ~~وبأذى أهله مثل المتكلمين في الإفك ، والطاعنين أعماله ، كالطعن في إمارة ~~زيد وأسامة ، والطعن في أخذه صفية لنفسه . وعن ابن عباس ( إنها نزلت في ~~الذين طعنوا في اتخاذ النبي صلى الله عليه وسلم صفية بنت حيي لنفسه ) . # ألحقت حرمة المؤمنين بحرمة الرسول صلى الله عليه وسلم تنويها بشأنهم ، ~~وذكروا على حدة للإشارة إلى نزول رتبتهم عن رتبة الرسول عليه الصلاة ~~والسلام . وهذا من الاستطراد معترض بين أحكام حرمة النبي صلى الله عليه ~~وسلم وآداب أزواجه وبناته والمؤمنات . # وعطف { المؤمنات } على { المؤمنين } للتصريح بمساواة الحكم وإن كان ms6569 ذلك ~~معلوما من الشريعة ، لوزع المؤذين عن أذى المؤمنات لأنهن جانب ضعيف بخلاف ~~الرجال فقد يزعهم عنهم اتقاء غضبهم وثأرهم لأنفسهم . # والمراد بالأذى : أذى القول بقرينة قوله : { فقد احتملوا بهتانا } لأن ~~البهتان من أنواع الأقوال وذلك تحقير لأقوالهم ، وأتبع ذلك التحقير بأنه ~~إثم مبين . والمراد بالمبين العظيم القوي ، أي جرما من أشد الجرم ، وهو ~~وعيد بالعقاب عليه . # وضمير { اكتسبوا } عائد إلى المؤمنين والمؤمنات على سبيل التغليب ، ~~والمجرور في موضع الحال . وهذا الحال لزيادة تشنيع ذلك الأذى بأنه ظلم وكذب ~~. # وليس المراد بالحال تقييد الحكم حتى يكون مفهومه جواز أذى المؤمنين ~~والمؤمنات بما اكتسبوا ، أي أن يسبوا بعمل ذميم اكتسبوه لأن الجزاء على ذلك ~~ليس موكولا لعموم الناس ولكنه موكول إلى ولاة الأمور كما قال تعالى : { ~~واللذان يأتيانها منكم فآذوهما } ( النساء : 16 ) . وقد نهى النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن الغيبة وقال : ( هي أن تذكر أخاك بما يكره . فقيل : وإن كان ~~حقا . قال : إن كان غير حق فذلك البهتان ) فأما تغيير المنكر فلا يصحبه أذى ~~. PageV22P105 # وما صدق الموصول في قوله : { ما اكتسبوا } سيئا ، أي بغير ما اكتسبوا من ~~سيىء . ومعنى { احتملوا } كلفوا أنفسهم حملا ، وذلك تمثيل للبهتان بحمل ~~ثقيل على صاحبه ، وقد تقدم نظيره في قوله تعالى : { ومن يكسب خطيئة أو إثما ~~ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا في سورة النساء . # } # أتبع النهي عن أذى المؤمنات بأن أمرن باتقاء أسباب الأذى لأن من شأن ~~المطالب السعي في تذليل وسائلها كما قال تعالى : { ومن أراد الآخرة وسعى ~~لها سعيها } ( الإسراء : 19 ) وقال أبو الأسود : # ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها # إن السفينة لا تجري على اليبس # وهذا يرجع إلى قاعدة التعاون على إقامة المصالح وإماتة المفاسد . وفي ~~الحديث : ( رحم الله والدا أعان ولده على بره ) . وهذا الحديث ضعيف السند ~~لكنه صحيح المعنى لأن بر الوالدين مطلوب ، فالإعانة عليه إعانة على وجود ~~المعروف والخير . # وابتدىء بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم وبناته لأنهن أكمل النساء ، ~~فذكرهن من ذكر بعض أفراد العام ms6570 للاهتمام به . # والنساء : اسم جمع للمرأة لا مفرد له من لفظه ، وقد تقدم آنفا عند قوله ~~تعالى : { ولا نسائهن } ( الأحزاب : 55 ) . فليس المراد بالنساء هنا أزواج ~~المؤمنين بل المراد الإناث المؤمنات ، وإضافته إلى المؤمنين على معنى ( من ~~) أي النساء من المؤمنين . # والجلابيب : جمع جلباب وهو ثوب أصغر من الرداء وأكبر من الخمار والقناع ، ~~تضعه المرأة على رأسها فيتدلى جانباه على عذاريها وينسدل سائره على كتفها ~~وظهرها ، تلبسه عند الخروج والسفر . PageV22P106 # وهيئات لبس الجلابيب مختلفة باختلاف أحوال النساء تبينها العادات . ~~والمقصود هو ما دل عليه قوله تعالى : { ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين } . # والإدناء : التقريب ، وهو كناية عن اللبس والوضع ، أي يضعن عليهن ~~جلابيبهن ، قال بشار : # ليلة تلبس البياض من الشهر # وأخرى تدني جلابيب سودا # فقابل ب ( تدني ) ( تلبس ) فالإدناء هنا اللبس . # وكان لبس الجلباب من شعار الحرائر فكانت الإماء لا يلبسن الجلابيب . ~~وكانت الحرائر يلبسن الجلابيب عند الخروج إلى الزيارات ونحوها فكن لا ~~يلبسنها في الليل وعند الخروج إلى المناصع ، وما كن يخرجن إليها إلا ليلا ~~فأمرن بلبس الجلابيب في كل خروج ليعرف أنهن حرائر فلا يتعرض إليهن شباب ~~الدعار يحسبهن إماء أو يتعرض إليهن المنافقون استخفافا بهن بالأقوال التي ~~تخجلهن فيتأذين من ذلك وربما يسببن الذين يؤذونهن فيحصل أذى من الجانبين . ~~فهذا من سد الذريعة . # والإشارة ب { ذلك } إلى الإدناء المفهوم من { يدنين } ، أي ذلك اللباس ~~أقرب إلى أن يعرف أنهن حرائر بشعار الحرائر فيتجنب الرجال إيذاءهن فيسلموا ~~وتسلمن . وكان عمر بن الخطاب مدة خلافته يمنع الإماء من التقنع كي لا ~~يلتبسن بالحرائر ويضرب من تتقنع منهن بالدرة ثم زال ذلك بعده ، فذلك قول ~~كثير : # هن الحرائر لا ربات أخمرة # سود المحاجر لا يقرأن بالسور # والتذييل بقوله : { وكان الله غفورا رحيما } صفح عما سبق من أذى الحرائر ~~قبل تنبيه الناس إلى هذا الأدب الإسلامي ، والتذييل يقتضي انتهاء الغرض . # ( 60 ، 61 ) { لله } # انتقال من زجر قوم عرفوا بأذى الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ~~والمؤمنات ، ومن توعدهم PageV22P107 بغضب الله عليهم ms6571 في الدنيا والآخرة إلى ~~تهديدهم بعقاب في الدنيا يشرعه الله لهم إن هم لم يقلعوا عن ذلك للعلم بأن ~~لا ينفع في أولئك وعيد الآخرة لأنهم لا يؤمنون بالبعث ، وأولئك هم ~~المنافقون الذين ابتدىء التعريض بهم من قوله تعالى : { وما كان لكم أن ~~تؤذوا رسول الله إلى قوله تعالى : عظيما } ( الأحزاب : 53 ) ، ثم من قوله : ~~{ إن الذين يؤذون الله ورسوله إلى قوله : ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين } ( ~~الأحزاب : 57 59 ) . # وصرح هنا بما كني عنه في الآيات السالفة إذ عبر عنهم بالمنافقين فعلم أن ~~الذين يؤذون الله ورسوله هم المنافقون ومن لف لفهم . # و { الذين في قلوبهم مرض } قد ذكرناهم في أول السورة وهم المنطوون على ~~النفاق أو التردد في الإيمان . # و { المرجفون في المدينة } : هم المنافقون ، فالأوصاف الثلاثة لشيء واحد ~~، قاله أبو رزين . # وجملة { لئن لم ينته } استئناف ابتدائي . وحذف مفعول { ينته } لظهوره ، ~~أي لم ينتهوا عن أذى الرسول والمؤمنين . # والإرجاف : إشاعة الأخبار . وفيه معنى كون الأخبار كاذبة أو مسيئة ~~لأصحابها يعيدونها في المجالس ليطمئن السامعون لها مرة بعد مرة بأنها صادقة ~~لأن الإشاعة إنما تقصد للترويج بشيء غير واقع أو مما لا يصدق به لاشتقاق ~~ذلك من الرجف والرجفان وهو الاضطراب والتزلزل . # فالمرجفون قوم يتلقون الأخبار فيحدثون بها في مجالس ونواد ويخبرون بها من ~~يسأل ومن لا يسأل . ومعنى الإرجاف هنا : أنهم يرجفون بما يؤذي النبي صلى ~~الله عليه وسلم والمسلمين والمسلمات ، ويتحدثون عن سرايا المسلمين فيقولون ~~: هزموا أو أسرع فيهم القتل أو نحو ذلك لإيقاع الشك في نفوس الناس والخوف ~~وسوء ظن بعضهم ببعض . وهم من المنافقين والذين في قلوبهم مرض وأتباعهم وهم ~~الذين قال الله فيهم { وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به في سورة ~~النساء . # فهذه الأوصاف لأصناف من الناس . وكان أكثر المرجفين من اليهود وليسوا من ~~المؤمنين لأن قوله عقبه لنغرينك بهم } لا يساعد أن فيهم مؤمنين . ~~PageV22P108 # واللام في { لئن } موطئة للقسم ، فالكلام بعدها قسم محذوف . والتقدير : ~~والله لئن لم ينته ms6572 . # واللام في { لنغرينك } لام جواب القسم ، وجواب القسم دليل على جواب الشرط ~~. # والإغراء : الحث والتحريض على فعل . ويتعدى فعله بحرف ( على ) وبالباء ، ~~والأكثر أن تعديته ب ( على ) تفيد حثا على الفعل مطلقا في حد ذاته وأن ~~تعديته بالباء تفيد حثا على الإيقاع بشخص لأن الباء للملابسة . فالمغرى ~~عليه ملابس لذات المجرور بالباء ، أي واقعا عليها . فلا يقال : أغريته به ، ~~إذا حرضه على إحسان إليه . # فالمعنى : لنغرينك بعقوبتهم ، أي بأن تغري المسلمين بهم كما دل عليه قوله ~~: { أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا } فإذا حل ذلك بهم انجلوا عن المدينة ~~فائزين بأنفسهم وأموالهم وأهليهم . # واختير عطف جملة { لا يجاورونك } ب { ثم } دون الفاء للدلالة على تراخي ~~انتفاء المجاورة عن الإغراء بهم تراخي رتبة لأن الخروج من الأوطان أشد على ~~النفوس مما يلحقها من ضر في الأبدان كما قال تعالى : { وأخرجوهم من حيث ~~أخرجوكم والفتنة أشد من القتل } ( البقرة : 191 ) أي وفتنة الإخراج من ~~بلدهم أشد عليهم من القتل . # واستثناء { إلا قليلا } لتأكيد نفي المجاورة وأنه ليس جاريا على طريقة ~~المبالغة أي لا يبقون معك في المدينة إلا مدة قليلة ، وهي ما بين نزول ~~الآية والإيقاع بهم . و { قليلا } صفة لمحذوف دل عليه { يجاورونك } أي ~~جوارا قليلا ، وقلته باعتبار مدة زمنه . وجعله صاحب ( الكشاف ) صفة لزمن ~~محذوف فإن وقوع ضميرهم في حيز النفي يقتضي إفرادهم ، وعموم الأشخاص يقتضي ~~عموم أزمانها فيكون منصوبا على الوصف لاسم الزمان وليس هو ظرفا . # و { ملعونين } حال مما تضمنه { قليلا } من معنى الجوار . فالجوار مصدر ~~يتحمل ضمير صاحبه لأن أصل المصدر أن يضاف إلى فاعله ، والتقدير : إلا ~~جوارهم ملعونين . وجعل صاحب ( الكشاف ) { ملعونين } مستثنى من أحوال بأن ~~PageV22P109 يكون حرف الاستثناء دخل على الظرف والحالل كما في قوله تعالى : ~~{ إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه } ( الأحزاب : 53 ) . وبون ما ~~بين هذا وبين ما نظره به لأن ذلك مشتمل على ما يصلح مجيء الحال منه . ~~والوجه هنا هو ما سلكناه في تقدير نظمه . # واللعن : الإبعاد والطرد . وتقدم ms6573 قوله تعالى : { وإن عليك اللعنة إلى يوم ~~الدين في سورة الحجر ، وهو مستعمل هنا كناية عن الإهانة والتجنب في المدينة ~~، أي يعاملهم المسلمون بتجنبهم عن مخالطتهم ويبتعدون هم من المؤمنين اتقاء ~~ووجلا فتضمن أن يكونوا متوارين مختفين خوفا من بطش المؤمنين بهم حيث أغراهم ~~النبي ، ففي قوله : ملعونين } إيجاز بديع . # وقوله : { أينما ثقفوا } ظرف مضاف إلى جملة وهو متعلق ب { ملعونين } لأن ~~{ ملعونين } حال منهم بعد صفتهم بأنهم في المدينة ، فأفاد عموم أمكنة ~~المدينة . و { أينما } : اسم زمان متضمن معنى الشرط . والثقف : الظفر ~~والعثور على العدو بدون قصد . وقد مهد لهذا الفعل قوله : { ملعونين } كما ~~تقدم . # ومعنى { أخذوا } أمسكوا . والأخذ : الإمساك والقبض ، أي أسروا ، والمراد ~~: أخذت أموالهم إذ أغرى الله النبي صلى الله عليه وسلم بهم . # والتقتيل : قوة القتل . والقوة هنا بمعنى الكثرة لأن الشيء الكثير قوي في ~~أصناف نوعه وأيضا هو شديد في كونه سريعا لا إمهال لهم فيه . # و { تقتيلا } مصدر مؤكد لعامله ، أي قتلوا قتلا شديدا شاملا . فالتأكيد ~~هنا تأكيد لتسلط القتل على جميع الأفراد المدلولة لضمير { قتلوا } ، لرفع ~~احتمال المجاز في عموم القتل ، فالمعنى : قتلوا قتلا شديدا لا يفلت منه أحد ~~. # وبهذا الوعيد انكف المنافقون عن أذاة المسلمين وعن الإرجاف فلم يقع ~~التقتيل فيهم إذ لم يحفظ أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل منهم أحدا ولا ~~أنهم خرج منهم أحد . # وهذه الآية ترشد إلى تقديم إصلاح الفاسد من الأمة على قطعة منها لأن ~~إصلاح الفاسد يكسب الأمة فردا صالحا أو طائفة صالحة تنتفع الأمة منها كما ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم ( لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده ) . ~~ولهذا شرعت PageV22P110 استتابة المرتد قبل قتله ثلاثة أيام تعرض عليه فيها ~~التوبة ، وشرعت دعوة الكفار الذين يغزوهم المسلمون إلى دين الإسلام قبل ~~الشروع في غزوهم فإن أسلموا وإلا عرض عليهم الدخول في ذمة المسلمين لأن في ~~دخولهم في الذمة انتفاعا للمسلمين بجزيتهم والاعتضاد بهم . # وأما قتل القاتل عمدا فشرع فيه مجاراة لقطع الأحقاد من قلوب ms6574 أولياء ~~القتيل لئلا يقتل بعض الأمة بعضا ، إذ لا دواء لتلك العلة إلا القصاص . ~~ولذلك رغب الشرع في العفو وفي قبوله . ومن أجل ذلك قال مالك في آية جزاء ~~الذين يحاربون الله ورسله : إن ( أو ) فيها للتنويع لا للتخيير فقال : يكون ~~الجزاء بقدر جرم المحارب وكثرة مقامه في فساده . وكان النفي من الأرض آخر ~~أصناف الجزاء لأن فيه استبقاءه رجاء توبته وصلاح حاله . # انتصب { سنة الله } على أنه مفعول مطلق نائب عن فعله . والتقدير : سن ~~الله إغراءك بهم سنته في أعداء الأنبياء السالفين وفي الكفار المشركين ~~الذين قتلوا وأخذوا في غزوة بدر وغيرها . # وحرف { في } للظرفية المجازية ، شبهت السنة التي عوملوا بها بشيء في ~~وسطهم كناية عن تغلغله فيهم وتناوله جميعهم ولو جاء الكلام على غير المجاز ~~لقيل : سنة الله مع الذين خلوا . # و { الذين خلوا } الذين مضوا وتقدموا . والأظهر أن المراد بهم من سبقوا ~~من أعداء النبي صلى الله عليه وسلم الذين أذنه الله بقتلهم مثل الذين قتلوا ~~من المشركين ومثل الذين قتلوا من يهود قريظة . وهذا أظهر لأن ما أصاب أولئك ~~أوقع في الموعظة إذ كان هذان الفريقان على ذكر من المنافقين وقد شهدوا ~~بعضهم وبلغهم خبر بعض . # ويحتمل أيضا أن يشمل { الذين خلوا } الأمم السالفة الذين غضب الله عليهم ~~لأذاهم رسلهم فاستأصلهم الله تعالى مثل قوم فرعون وأضرابهم . PageV22P111 # وذيل بجملة { ولن تجد لسنة الله تبديلا } لزيادة تحقيق أن العذاب حائق ~~بالمنافقين وأتباعهم إن لم ينتهوا عما هم فيه وأن الله لا يخالف سنته لأنها ~~مقتضى حكمته وعلمه فلا تجري متعلقاتها إلا على سنن واحد . # والمعنى : لن تجد لسنن الله مع الذين خلوا من قبل ولا مع الحاضرين ولا مع ~~الآتين تبديلا . وبهذا العموم الذي أفاده وقوع النكرة في سياق النفي تأهلت ~~الجملة لأن تكون تذييلا . # لما كان تهديد المنافقين بعذاب الدنيا يذكر بالخوض في عذاب الآخرة : خوض ~~المكذبين الساخرين ، وخوضض المؤمنين الخائفين ، وأهلل الكتاب ، أتبع ذلك ~~بهذا . # فالجملة معترضة بين جملة { ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ms6575 } ( الأحزاب : ~~60 ) وبين جملة { إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا } ( الأحزاب : 64 ) ~~لتكون تمهيدا لجملة { إن الله لعن الكافرين } . # وتكرر في القرآن ذكر سؤال الناس عن الساعة ، والسائلون أصناف : # منهم المكذبون بها وهم أكثر السائلين وسؤالهم تهكم واستدلال بإبطائها على ~~عدم وجودها في أنظارهم السقيمة قال تعالى : { يستعجل بها الذين لا يؤمنون ~~بها } ( الشورى : 18 ) وهؤلاء هم الذين كثر في القرآن إسناد السؤال إليهم ~~معبرا عنهم بضمير الغيبة كقوله : { يسألونك عن الساعة } ( الأعراف : 187 ) ~~. # وصنف مؤمنون مصدقون بأنها واقعة لكنهم يسألون عن أحوالها وأهوالها ، ~~وهؤلاء هم الذين في قوله تعالى : { والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها ~~الحق } ( الشورى : 18 ) . # وصنف مؤمنون يسألون عنها محبة لمعرفة المغيبات ، وهؤلاء نهوا عن الاشتغال ~~بذلك كما في الحديث : ( أن رجلا سأل رسول الله : متى الساعة ؟ فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم ( ماذا أعددت لها ؟ فقال الرجل : والله يا رسول الله ما ~~أعددت لها PageV22P112 كبير صلاة ولا صوم سوى أني أحب الله ورسوله . فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنت مع من أحببت ) . # وصنف يسأل اختبارا للنبيء صلى الله عليه وسلم لعله يجيب بما يخالف ما في ~~علمهم فيجعلونه حجة بينهم على انتفاء نبوءته ويعلنونه في دهمائهم ليقتلعوا ~~من نفوسهم ما عسى أن يخالطها من النظر في صدق الدعوة المحمدية . وهؤلاء هم ~~اليهود نظير سؤالهم عن أهل الكهف وعن الروح . # ف { الناس } هنا يعم جميع الناس وهو عموم عرفي ، أي جميع الناس الذين من ~~شأنهم الاشتغال بالسؤال عنها إذ كثير من الناس يسأل عن ذلك . وأهل هذه ~~الأصناف الأربعة موجودون بالمدينة حين نزول هذه الآية . # وتقدم الكلام على نظير هذه الآية في قوله تعالى : { يسألونك عن الساعة ~~أيان مرساها في سورة الأعراف . # والخطاب في قوله : وما يدريك } للرسول صلى الله عليه وسلم و { ما } ~~استفهام ما صدقها شيء . # و { يدريك } من أدراه ، إذا أعلمه . والمعنى : أي شيء يجعل لك دراية . و ~~{ لعل الساعة تكون قريبا } مستأنفة لإنشاء رجاء . # و { لعل } معلقة فعل الإدراء ms6576 عن العمل ، أي في المفعول الثاني والثالث ~~وأما المفعول الأول فهو كاف الخطاب . # والمعنى : أي شيء يدريك الساعة بعيدة أو قريبة لعلها تكون قريبا ولعلها ~~تكون بعيدا ، ففي الكلام احتباك . # والأظهر أن { قريبا } خبر { تكون } وأن فعل الكون ناقص وجيء بالخبر غير ~~مقترن بعلامة التأنيث مع أنه محتمل لضمير المؤنث لفظا ( فإن اسم الفاعل ~~كالفعل في اقترانه بعلامة التأنيث إن كان متحملا لضمير مؤنث لفظي ) فقيل : ~~إنما لم يقترن بعلاقة التأنيث لأن ضمير الساعة جرى عليها بعد تأويلها ~~بالشيء أو اليوم . والذي اختاره جمع من المحققين مثل أبي عبيدة والزجاح ~~وابن عطية أن PageV22P113 { قريبا } في مثل هذه الآية ليس خبرا عن فعل ~~الكون ولكنه ظرف له وهم يعنون أن فعل الكون تام وأن { قريبا } ظرف زمان ~~لوقوعه . والتقدير : تقع في زمان قريب ، فيلزم لفظ ( قريب ) الإفراد ~~والتذكير على نية زمان أو وقت ، وقد يكون ظرف مكان كما ورد في ضده وهو لفظ ~~( بعيد ) في قوله : # وإن تمس ابنة السهمي منا # بعيدا لا تكلمنا كلاما # وقد أشار إلى جواز الوجهين في ( الكشاف ) . وهذان الوجهان وإن تأتيا هنا ~~لا يتأتيان في نحو قوله تعالى : { إن رحمة الله قريب من المحسنين } ( ~~الأعراف : 56 ) . # ويقترن ( قريب ) و ( بعيد ) بعلامة التأنيث ونحوها من العلامات الفرعية ~~عند إرادة التوصيف . وكل هذه اعتبارات من توسعهم في الكلام . وتقدم قوله ~~تعالى : { إن رحمة الله قريب من المحسنين } في الأعراف فضمه إلى ما هنا . # ( 64 ، 65 ) # هذا حظ الكافرين من وعيد الساعة ، وهذه لعنة الآخرة قفيت بها لعنة الدنيا ~~في قوله : { ملعونين } ( الأحزاب : 61 ) ، ولذلك عطف عليها { وأعد لهم ~~سعيرا } فكانت لعنة الدنيا مقترنة بالأخذ والتقتيل ولعنة الآخرة مقترنة ~~بالسعير . # والجملة مستأنفة استئنافا بيانيا لأن جملة { ثم لا يجاورونك فيها إلا ~~قليلا إلى قوله : ولن تجد لسنة الله تبديلا } ( الأحزاب : 60 62 ) تثير في ~~نفوس السامعين التساؤل عن الاقتصار على لعنهم وتقتيلهم في الدنيا ، وهل ذلك ~~منتهى ما عوقبوا به أو لهم من ورائه عذاب ؟ فكان قوله : { إن الله ms6577 لعن ~~الكافرين } الخ جوابا عن ذلك . # وحرف التوكيد للاهتمام بالخبر أو منظور به إلى السامعين من الكافرين . # والتعريف في { الكافرين } يحتمل أن يكون للعهد ، أي الكافرين الذين كانوا ~~شاقوا الرسول صلى الله عليه وسلم وآذوه وأرجفوا في المدينة وهم المنافقون ~~ومن ناصرهم من PageV22P114 المشركين في وقعة الأحزاب ومن اليهود . ويحتمل ~~أن يكون التعريف للاستغراق ، أي كل كافر . # وعلى الوجهين فصيغة الماضي في فعل { لعن } مستعملة في تحقيق الوقوع ، شبه ~~المحقق حصوله بالفعل الذي حصل فاستعير له صيغة الماضي مثل { أتى أمر الله } ~~( النحل : 1 ) لأن اللعن إنما يقع في الآخرة وهو مستقبل . وأما حالهم في ~~الدنيا فمثل أحوال المخلوقات يتمتعون برحمة الله في الدنيا من حياة ورزق ~~وملاذ كما هو صريح الآيات والأخبار النبوية ، قال تعالى : { لا يغرنك تقلب ~~الذين كفروا في البلاد ظ متاع قليل } ( آل عمران : 196 ، 197 ) . وقد يكون ~~في ظاهر الآية متمسك للشيخ أبي الحسن الأشعري لقوله بانتفاء نعمة الله عن ~~الكافرين خلافا للماتريدي والقاضي أبي بكر الباقلاني والمعتزلة ولكنه متمسك ~~ضعيف لأن التحقيق أن الخلاف بينه وبينهم خلاف لفظي يرجع إلى أن حقيقة ~~النعمة ترجع إلى ما لا يعقب ألما . # والسعير : النار الشديدة الإيقاد . وهو فعيل بمعنى مفعول ، أي مسعورة . # وأعيد الضمير على السعير في قوله : { خالدين فيها } مؤنثا لأن { سعيرا } ~~من صفات النار والنار مؤنثة في الاستعمال . # وجملة { لا يجدون وليا ولا نصيرا } حال من ضمير { خالدين } أي خالدين في ~~حالة انتفاء الولي والنصير عنهم فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون . # { يوم } ظرف يجوز أن يتعلق ب { لا يجدون } ( الأحزاب : 65 ) أي إن وجدوا ~~أولياء ونصراء في الدنيا من يهود قريظة وخيبر في يوم الأحزاب فيوم تقلب ~~وجوههم في النار لا يجدون وليا يرثي لهم ولا نصيرا يخلصهم . وتكون جملة { ~~يقولون } حالا من ضمير ( سقط : يقولون . ويجوز أن يتعلق الظرف بفعل يقولون ~~على أن تكون جملة يقولون حالا من ضمير لا يجدون ) # PageV22P115 # | 1 ( سورة سبأ ) 1 # هذا اسمها الذي اشتهرت به في كتب ms6578 السنة وكتب التفسير وبين القراء ولم أقف ~~على تسميتها في عصر النبوءة . ووجه تسميتها به أنها ذكرت فيها قصة أهل سبأ ~~. # وهي مكية وحكي اتفاق أهل التفسير عليه . وعن مقاتل أن آية { ويرى الذين ~~أوتوا العلم إلى قوله : العزيز الحميد } ( سبأ : 6 ) نزلت بالمدينة . ولعله ~~بناء على تأويلهم أهل العلم أنما يراد بهم أهل الكتاب الذين أسلموا مثل عبد ~~الله بن سلام . والحق أن الذين أوتوا العلم هم أصحاب محمد صلى الله عليه ~~وسلم وعزي ذلك إلى ابن عباس ، أو هم أمة محمد ، قاله قتادة ، أي لأنهم ~~أوتوا بالقرآن علما كثيرا قال تعالى : { بل هو آيات بينات في صدور الذين ~~أوتوا العلم } ( العنكبوت : 49 ) ، على أنه لا مانع من التزام أنهم علماء ~~أهل الكتاب قبل أن يؤمنوا لأن المقصود الاحتجاج بما هو مستقر في نفوسهم ~~الذي أنبأ عنه إسلام طائفة منهم كما نبينه عند قوله تعالى : { ويرى الذين ~~أوتوا العلم } الخ . # ولابن الحصار أن سورة سبأ مدنية لما رواه الترمذي عن فروة بن مسيك ~~الغطيفي المرادي قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن قال : ~~وأنزل في سبأ ما أنزل . فقال رجل : يا رسول الله : وما سبأ ؟ ) الحديث . ~~قال ابن الحصار : هاجر فروة سنة تسع بعد فتح الطائف . وقال ابن الحصار : ~~يحتمل أن يكون قوله : ( وأنزل ) حكاية عما تقدم نزوله قبل هجرة فروة ، أي ~~أن سائلا سأل عنه لما قرأه أو سمعه من هذه السورة أو من سورة النمل . # وهي السورة الثامنة والخمسون في عداد السور ، نزلت بعد سورة لقمان وقبل ~~سورة الزمر كما في المروي عن جابر بن زيد واعتمد عليه الجعبري كما في ( ~~الإتقان ) ، وقد تقدم في سورة الإسراء أن قوله تعالى فيها : { وقالوا لن ~~نؤمن لك حتى تفجر لنا PageV22P133 من الأرض ينبوعا إلى قوله : أو تسقط ~~السماء كما زعمت علينا كسفا } ( الإسراء : 90 92 ) إنهم عنوا قوله تعالى في ~~هذه السورة : { إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء } ( ~~سبأ : 9 ) فاقتضى ms6579 أن سورة سبأ نزلت قبل سورة الإسراء وهو خلاف ترتيب جابر ~~بن زيد الذي يعد الإسراء متممة الخمسين . وليس يتعين أن يكون قولهم : { أو ~~تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا } معنيا به هذه الآية لجواز أن يكون النبي ~~صلى الله عليه وسلم هددهم بذلك في موعظة أخرى . # وعدد آيها أربع وخمسون في عد الجمهور ، وخمس وخمسون في عد أهل الشام . # $ 2 ( { الحمد لله الذى له ما فى السماوات وما فى الارض وله الحمد فى ~~الاخرة وهو الحكيم الخبير * يعلم ما يلج فى الارض وما يخرج منها وما ينزل ~~من السمآء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور * وقال الذين كفروا لا تأتينا ~~الساعة قل بلى وربى لتأتينكم عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة فى السماوات ~~ولا فى الارض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا فى كتاب مبين * ليجزى الذين ~~ءامنوا وعملوا الصالحات أولائك لهم مغفرة ورزق كريم * والذين سعوا فى & # 1764 ءاياتنا معاجزين أولائك لهم عذاب من رجز أليم * ويرى الذين أوتوا ~~العلم الذى & # 1764 أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدى & # 1764 إلى صراط العزيز الحميد * وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم ~~إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفى خلق جديد * أفترى على الله كذبا أم به جنة بل ~~الذين لا يؤمنون بالاخرة فى العذاب والضلال البعيد * أفلم يروا إلى ما بين ~~أيديهم وما خلفهم من السمآء والارض إن نشأ نخسف بهم الارض أو نسقط عليهم ~~كسفا من السمآء إن فى ذلك لاية لكل عبد منيب * ولقد ءاتينا داوود منا فضلا ~~ياجبال أوبى معه والطير وألنا له الحديد * أن اعمل سابغات وقدر فى السرد ~~واعملوا صالحا إنى بما تعملون بصير * ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر ~~وأسلنا له عين القطر ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن ~~أمرنا نذقه من عذاب السعير * يعملون له ما يشآء من محاريب وتماثيل وجفان ~~كالجواب وقدور راسيات اعملو & # 1764 ا ءال داوود شكرا وقليل من عبادى ms6580 الشكور * فلما قضينا عليه الموت ما ~~دلهم على موته إلا دابة الارض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا ~~يعلمون الغيب ما لبثوا فى العذاب المهين * لقد كان لسبإ فى مسكنهم ءاية ~~جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور * ~~فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجناتهم جنتين ذواتى أكل خمط ~~وأثل وشىء من سدر قليل * ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجزى & # 1764 إلا الكفور * وجعلنا بينهم وبين القرى التى باركنا فيها قرى ظاهرة ~~وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالى وأياما ءامنين * فقالوا ربنا باعد بين ~~أسفارنا وظلمو & # 1764 ا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن فى ذلك لايات لكل ~~صبار شكور * ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين * وما ~~كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالاخرة ممن هو منها فى شك وربك ~~على كل شىء حفيظ * قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة ~~فى السماوات ولا فى الارض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير * ولا ~~تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ~~ربكم قالوا الحق وهو العلى الكبير * قل من يرزقكم من السماوات والارض قل ~~الله وإنآ أو إياكم لعلى هدى أو فى ضلال مبين * قل لا تسئلون عمآ أجرمنا ~~ولا نسئل عما تعملون * قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح ~~العليم * قل أرونى الذين ألحقتم به شركآء كلا بل هو الله العزيز الحكيم * ~~ومآ أرسلناك إلا كآفة للناس بشيرا ونذيرا ولاكن أكثر الناس لا يعلمون * ~~ويقولون متى هاذا الوعد إن كنتم صادقين * قل لكم ميعاد يوم لا تستئخرون عنه ~~ساعة ولا تستقدمون * وقال الذين كفروا لن نؤمن بهاذا القرءان ولا بالذى بين ~~يديه ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول ~~الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين ms6581 * قال الذين استكبروا ~~للذين استضعفو & # 1764 ا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جآءكم بل كنتم مجرمين * وقال الذين ~~استضعفوا للذين استكبروا بل مكر اليل والنهار إذ تأمروننآ أن نكفر بالله ~~ونجعل له أندادا وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الاغلال فى & # 1764 أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون * ومآ أرسلنا فى ~~قرية من نذير إلا قال مترفوهآ إنا بمآ أرسلتم به كافرون * وقالوا نحن أكثر ~~أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين * قل إن ربى يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر ~~ولاكن أكثر الناس لا يعلمون * ومآ أموالكم ولا أولادكم بالتى تقربكم عندنا ~~زلفى إلا من ءامن وعمل صالحا فأولائك لهم جزآء الضعف بما عملوا وهم فى ~~الغرفات ءامنون * والذين يسعون فى & # 1764 ءاياتنا معاجزين أولائك فى العذاب محضرون * قل إن ربى يبسط الرزق ~~لمن يشآء من عباده ويقدر له ومآ أنفقتم من شىء فهو يخلفه وهو خير الرازقين ~~* ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهاؤلاء إياكم كانوا يعبدون * قالوا ~~سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون * ~~فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا ونقول للذين ظلموا ذوقوا عذاب ~~النار التى كنتم بها تكذبون * وإذا تتلى عليهم ءاياتنا بينات قالوا ما هاذا ~~إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد ءابآؤكم وقالوا ما هاذآ إلا إفك مفترى ~~وقال الذين كفروا للحق لما جآءهم إن هاذآ إلا سحر مبين * ومآ ءاتيناهم من ~~كتب يدرسونها ومآ أرسلنا إليهم قبلك من نذير * وكذب الذين من قبلهم وما ~~بلغوا معشار مآ ءاتيناهم فكذبوا رسلى فكيف كان نكير * قل إنمآ أعظكم بواحدة ~~أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير ~~لكم بين يدى عذاب شديد * قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجرى إلا على الله ~~وهو على كل شىء شهيد * قل إن ربى يقذف بالحق علام الغيوب * قل جآء الحق وما ~~يبدىء الباطل وما يعيد * قل إن ضللت فإنمآ ms6582 أضل على نفسى وإن اهتديت فبما ~~يوحى إلى ربى إنه سميع قريب * ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان ~~قريب * وقالو & # 1764 ا ءامنا به وأنى لهم التناوش من مكان بعيد * وقد كفروا به من قبل ~~ويقذفون بالغيب من مكان بعيد * وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم ~~من قبل إنهم كانوا فى شك مريب } ) 2 $ أغراض هذه السورة # من أغراض هذه السورة إبطال قواعد الشرك وأعظمها إشراكهم آلهة مع الله ~~وإنكار البعث فابتدىء بدليل على انفراده تعالى بالإلاهية ونفي الإلاهية عن ~~أصنامهم ونفي أن تكون الأصنام شفعاء لعبادها . # ثم موضوع البعث ، وعن مقاتل : أن سبب نزولها أن أبا سفيان لما سمع قوله ~~تعالى { ليعذب الله المنافقين والمنافقات } ( الأحزاب : 73 ) ( الآية ~~الأخيرة من سورة الأحزاب ) قال لأصحابه : كأن محمدا يتوعدنا بالعذاب بعد أن ~~نموت واللاتت والعزى لا تأتينا الساعة أبدا ، فأنزل الله تعالى : { وقال ~~الذين كفروا لا تأتينا الساعة } ( سبأ : 3 ) الآية . وعليه فما قبل الآية ~~المذكورة من قوله : { الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض إلى ~~قوله : وهو الرحيم الغفور } ( سبأ : 1 ، 2 ) تمهيد للمقصود من قوله : { ~~وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة } . # وإثبات إحاطة علم الله بما في السماوات وما في الأرض فما يخبر به فهو ~~واقع ومن ذلك إثبات البعث والجزاء . # وإثبات صدق النبي صلى الله عليه وسلم فيما أخبر به ، وصدق ما جاء به ~~القرآن وأن القرآن شهد به علماء أهل الكتاب . # وتخلل ذلك بضروب من تهديد المشركين وموعظتهم بما حل ببعض الأمم المشركين ~~من قبل . وعرض بأن جعلهم لله شركاء كفران لنعمة الخالق فضرب لهم ~~PageV22P134 المثل بمن شكروا نعمة الله واتقوه فأوتوا خير الدنيا والآخرة ~~وسخرت لهم الخيرات مثل داود وسليمان ، وبمن كفروا بالله فسلطت عليه الأرزاء ~~في الدنيا وأعد لهم العذاب في الآخرة مثل سبأ ، وحذروا من الشيطان ، وذكروا ~~بأن ما هم فيه من قرة العين يقربهم إلى الله ، وأنذروا بما سيلقون يوم ~~الجزاء من خزي وتكذيب وندامة ms6583 وعدم النصير وخلود في العذاب ، وبشر المؤمنون ~~بالنعيم المقيم . # افتتحت السورة ب { الحمد لله } للتنبيه على أن السورة تتضمن من دلائل ~~تفرده بالإلهية واتصافه بصفات العظمة ما يقتضي إنشاء الحمد له والإخبار ~~باختصاصه به . فجملة { الحمد لله } هنا يجوز كونها إخبارا بأن جنس الحمد ~~مستحق لله تعالى فتكون اللام في قوله : { لله } لام الملك . ويجوز أن تكون ~~إنشاء ثناء على الله على وجه تعليم الناس أن يخصوه بالحمد فتكون اللام ~~للتبيين لأن معنى الكلام : أحمد الله . # وقد تقدم الكلام على { الحمد لله } في سورة الفاتحة ، وتقدم الكلام على ~~تعقيبه باسم الموصول في أول سورة الأنعام وأول سورة الكهف . # وهذه إحدى سور خمس مفتتحة ب { الحمد لله } وهن كلها مكية وقد وضعت في ~~ترتيب القرآن في أوله ووسطه ، والربع الأخير ، فكانت أرباع القرآن مفتتحة ~~بالحمد لله كان ذلك بتوفيق من الله أو توقيف . # واقتضاء صلة الموصول أن ما في السماوات والأرض ملك لله تعالى يجعل هذه ~~الصلة صالحة لتكون علة لإنشاء الثناء عليه لأن ملكه لما في السماوات وما في ~~الأرض ملك حقيقي لأن سببه إيجاد تلك المملوكات وذلك الإيجاد عمل جميل يستحق ~~صاحبه الحمد ، وأيضا هو يتضمن نعما جمة . وهي أيضا تقتضي حمد المنعم ، لأن ~~الحمد يكون للفضائل وللفواضل ؛ فما في السموات فإن منه مهابط أنوار حقيقية ~~ومعنوية ، فيها هدى حسي ونفساني ، وإليه معارج للنفوس في مراتب PageV22P135 ~~الكمالات التي بها استقامة السير ، وإزالة الغير ، ونزول الغيوث بالمطر . ~~وما في الأرض منه مسارح أنظار المتفكرين ، ومنابت أرزاق المرتزقين ، ~~وميادين نفوس السائرين . # وفي هذه الصلة تعريض بكفران المشركين الذين حمدوا أشياء ليس لها في هذه ~~العوالم أدنى تأثير ولا لها بما تحتوي عليه أدنى شعور ، ونسوا حمد مالكها ~~وسائر ما في السماوات والأرض . # وجملة { وله الحمد في الآخرة } عطف على الصلة ، أي والذي له الحمد في ~~الآخرة ، وهذا إنباء بأنه مالك الأمر كله في الآخرة . # وفي هذا التحميد براعة استهلال الغرض من السورة . وتقديم المجرور لإفادة ~~الحصر ، أي لا حمد في الآخرة ms6584 إلا له ، فلا تتوجه النفوس إلى حمد غيره لأن ~~الناس يومئذ في عالم الحق فلا تلتبس عليهم الصور . # واعلم أن جملة : { الحمد لله } وإن اقتضت قصر الحمد عليه تعالى قصرا ~~مجازيا للمبالغة كما تقدم في سورة الفاتحة بناء على أن حمد غير الله ~~للاعتداد بأن نعمة الله جرت على يديه ، فلما شاع ذلك في جملة { الحمد لله } ~~وأريد إفادة أن الحمد لله مقصور عليه تعالى في الآخرة حقيقة غيرت صيغة ~~الحمد المألوفة إلى صيغة { له الحمد } لهذا الاعتبار ، وهذا نظير معنى قوله ~~تعالى : { لمن الملك اليوم لله الواحد القهار } ( غافر : 16 ) ، فالمعنى : ~~أن قصر الحمد عليه في الآخرة أحق لأن التصرفات يومئذ مقصورة عليه لا يلتبس ~~فيها تصرف غيره بتصرفه . # ولما نيط حمده في الدنيا والآخرة بما اقتضى مرجع التصرفات إليه في ~~الدارين أعقب ذلك بصفتي { الحكيم الخبير } ، لأن الذي أوجد أحوال النشأتين ~~هو العظيم الحكمة الخبير بدقائق الأشياء وأسرارها . فالحكمة : إتقان التصرف ~~بالإيجاد وضده ، والخبرة تقتضي العلم بأوائل الأمور وعواقبها . # والقرن بين الصفتين هنا لأن كل واحدة تدل على معنى أصلي ومعنى لزومي ، ~~وهما مختلفان ، فالمعنى الأصلي للحكيم أنه متقن التصرف والصنع لأن الحكيم ~~مشتق من الإحكام وهو الإتقان ، وهو يستلزم العلم بحقائق الأشياء على ما هي ~~عليه ، والخبير هو العليم بدقائق الأشياء وظواهرها بالأولى بحيث لا يفوته ~~شيء PageV22P136 منها ، وهو يستلزم التمكن من تصريفها ، ففي التتميم بهذين ~~الوصفين إيماء إلى أن المقصود من الجملة قبله استحماق الذين أقبلوا في ~~شؤونهم على آلهة باطلة . # بيان لجملة { وهو الحكيم الخبير } ( سبأ : 1 ) لأن العلم بما ذكر هنا هو ~~العلم بذواتها وخصائصها وأسبابها وعللها وذلك عين الحكمة والخبرة ، فإن ~~العلم يقتضي العمل ، وإتقان العمل بالعلم . # وخص بالذكر في متعلق العلم ما يلج وما يخرج من الأرض دون ما يدب على ~~سطحها ، وما ينزل وما يعرج إلى السماء دون ما يجول في أرجائها لأن ما ذكر ~~لا يخلو عن أن يكون دابا وجائلا فيهما ، والذي يعلم ما يلج في الأرض وما ~~يخرج ms6585 منها يعلم ما يدب عليها وما يزحف فوقها ، والذي يعلم ما ينزل من ~~السماء وما يعرج يعلم ما في الأجواء والفضاء من الكائنات المرئية وغيرها ~~ويعلم سير الكواكب ونظامها . # والولوج : الدخول والسلوك مثل ولوج ماء المطر في أعماق الأرض وولوج ~~الزريعة . والذي يخرج من الأرض ، النبات والمعادن والدواب المستكنة في ~~بيوتها ومغاراتها ، وشمل ذلك من يقبرون في الأرض وأحوالهم . والذي ينزل من ~~السماء : المطر والثلج والرياح ، والذي يعرج فيها ما يتصاعد في طبقات الجو ~~من الرطوبات البحرية ومن العواصف الترابية ، ومن العناصر التي تتبخر في ~~الطبقات الجوية فوق الأرض ، وما يسبح في الفضاء وما يطير في الهواء ، وعروج ~~الأرواح عند مفارقة الأجساد قال تعالى : { تعرج الملائكة والروح إليه } ( ~~المعارج : 4 ) . # واعلم أن كلمتي { يلج } و { يخرج } أوضح ما يعبر به عن أحوال جميع ~~الموجودات الأرضية بالنسبة إلى اتصالها بالأرض ، وأن كلمتي { ينزل } و { ~~يعرج } أوضح ما يعبر به عن أحوال الموجودات السماوية بالنسبة إلى اتصالها ~~بالسماء ، من كلمات اللغة التي تدل على المعاني الموضوعة للدلالة عليها ~~دلالة مطابقية على PageV22P137 الحقيقة دون المجاز ودون الكناية ، ولذلك لم ~~يعطف السماء على الأرض في الآية فلم يقل : يعلم ما يلج في الأرض والسماء ، ~~وما يخرج منهما ، ولم يكتف بإحدى الجملتين عن الأخرى . وقد لاح لي أن هذه ~~الآية ينبغي أن تجعل من الإنشاء مثل ما اصطلح على تسميته بصراحة اللفظ . ~~ولذلك ألحقتها بكتابي ( أصول الإنشاء والخطابة ) بعد تفرق نسخه بالطبع ، ~~وسيأتي نظير هذه في أول سورة الحديد . # ولما كان من جملة أحوال ما في الأرض أعمال الناس وأحوالهم من عقائد وسير ~~، ومما يعرج في السماء العمل الصالح والكلم الطيب أتبع ذلك بقوله : { وهو ~~الرحيم الغفور } أي الواسع الرحمة والواسع المغفرة . وهذا إجمال قصد منه حث ~~الناس على طلب أسباب الرحمة والمغفرة المرغوب فيهما ، فإن من رغب في تحصيل ~~شيء بحث عن وسائل تحصيله وسعى إليها . وفيه تعريض بالمشركين أن يتوبوا عن ~~الشرك فيغفر لهم ما قدموه . # . # كان ذكر ما يلج في الأرض وما ms6586 يخرج منها مشعرا بحال الموتى عند ولوجهم ~~القبور وعند نشرهم منها كما قال تعالى : { ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء ~~وأمواتا } ( المرسلات : 25 ، 26 ) وقال : { يوم تشقق الأرض عنهم سراعا ذلك ~~حشر علينا يسير } ( ق : 44 ) ، وكان ذكر ما ينزل من السماء وما يعرج فيها ~~موميا إلى عروج الأرواح عند مفارقة الأجساد ونزول الأرواح لترد إلى الأجساد ~~التي تعاد يوم القيامة ، فكان ذلك مع ما تقدم من قوله : { وله الحمد في ~~الآخرة } ( سبأ : 1 ) مناسبة للتخلص إلى ذكر إنكار المشركين الحشر لأن ~~إبطال زعمهم من أهم مقاصد هذه السورة ، فكان التخلص بقوله : { وقال الذين ~~كفروا لا تأتينا الساعة } ، فالواو اعتراضية للاستطراد وهي في الأصل واو ~~عطف الجملة المعترضة على ما قبلها من الكلام . ولما لم تفد إلا التشريك في ~~الذكر دون الحكم دعوها بالواو الاعتراضية وليست هنا للعطف لعدم التناسب بين ~~الجملتين وإنما جاءت المناسبة من أجزاء الجملة الأولى فكانت الثانية ~~استطرادا واعتراضا ، وتقدم آنفا ما قيل : إن هذه المقالة كانت سبب نزول ~~السورة . PageV22P138 # وتعريف المسند إليه بالموصولية لأن هذا الموصول صار كالعلم بالغلبة على ~~المشركين في اصطلاح القرآن وتعارف المسلمين . # و { الساعة } : علم بالغلبة في القرآن على يوم القيامة وساعة الحشر . # وعبر عن انتفاء وقوعها بانتفاء إتيانها على طريق الكناية لأنها لو كانت ~~واقعة لأتت ، لأن وقوعها هو إتيانها . # وضمير المتكلم المشارك مراد به جميع الناس . # ولقد لقن الله نبيئه صلى الله عليه وسلم الجواب عن قول الكافرين بالإبطال ~~المؤكد على عادة إرشاد القرآن في انتهاز الفرص لتبليغ العقائد . # و { بلى } حرف جواب مختص بإبطال النفي فهو حرف إيجاب لما نفاه كلام قبله ~~وهو نظير ( بل ) أو مركب من ( بل ) وألف زائدة ، أو هي ألف تأنيث لمجرد ~~تأنيث الكلمة مثل زيادة تاء التأنيث في ثمة وربة ، لكن { بلى } حرف يختص ~~بإيجاب النفي فلا يكون عاطفا و ( بل ) يجاب به الإثبات والنفي وهو عاطف ، ~~وتقدم الكلام على { بلى } عند قوله تعالى : { بلى من كسب سيئة في سورة ~~البقرة . # وأكد ما اقتضاه ms6587 بلى } من إثبات إتيان الساعة بالقسم على ذلك للدلالة على ~~ثقة المتكلم بأنها آتية وليس ذلك لإقناع المخاطبين وهو تأكيد يروع السامعين ~~المكذبين . # وعدي إتيانها إلى ضمير المخاطبين من بين جميع الناس دون : لتأتينا ، ودون ~~أن يجرد عن التعدية لمفعول ، لأن المراد إتيان الساعة الذي يكون عنده ~~عقابهم كما يقال : أتاكم العدو ، وأتاك أتاك اللاحقون ، فتعلقه بضمير ~~المخاطبين قرينة على أنه كناية عن إتيان مكروه فيه عذاب . # وفعل ( أتى ) يرد كثيرا في معنى حلول المكروه مثل { أتى أمر الله } ( ~~النحل : 1 ) و { فأتاهم العذاب } ( الزمر : 25 ) و { يوم يأتي بعض آيات ربك ~~} ( الأنعام : 158 ) ، وقول النابغة : # فلتأتينك قصائد وليدفعن # جيشا إليك قوادم الأكوار PageV22P139 # وقوله : # أتاني أبيت اللعن أنك لمتني # ومن هذا ينتقلون إلى تعدية فعل ( أتى ) بحرف ( على ) فيقولون : أتى على ~~كذا ، إذا استأصله . ويكثر في غير ذلك استعمال فعل ( جاء ) ، وقد يكون ~~للمكروه نحو { وجاءهم الموج من كل مكان } ( يونس : 22 ) . # . # { عالم الغيب } خبر ثان عن ضمير الجلالة في قوله : { وهو الحكيم الخبير } ~~( سبأ : 1 ) في قراءة من قرأه بالرفع ، وصفة ل { ربي } المقسم به في قراءة ~~من قرأه بالجر وقد اقتضت ذكره مناسبة تحقيق إتيان الساعة فإن وقتها ~~وأحوالها من الأمور المغيبة في علم الناس . # وفي هذه الصفة إتمام لتبين سعة علمه تعالى فبعد أن ذكرت إحاطة علمه ~~بالكائنات ظاهرها وخفيها جليلها ودقيقها في سورة البقرة أتبع بإحاطة علمه ~~بما سيكون أنه يكون ومتى يكون . # والغيب تقدم في قوله : { الذين يؤمنون بالغيب } ( البقرة : 3 ) على معان ~~ذكرت هنالك . # وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر ورويس عن يعقوب { عالم الغيب } بصيغة اسم ~~الفاعل ، وبرفع { عالم } على القطع . وقرأه ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وخلف ~~وروح عن يعقوب بصيغة اسم الفاعل أيضا ومجرورا على الصفة لاسم الجلالة في ~~قوله : { ربي } . # وقرأ حمزة والكسائي { علام } بصيغة المبالغة وبالجر على النعت . وقد تكرر ~~في القرآن إتباع ذكر الساعة بذكر انفراده تعالى بعلمها لأن الكافرين بها ~~جعلوا من عدم العلم بها دليلا سفسطائيا ms6588 على أنها ليست بواقعة ، ولذلك سماها ~~القرآن الواقعة في قوله : { إذا وقعت الواقعة ليس لوقعتها كاذبة } ( ~~الواقعة : 1 ، 2 ) . PageV22P140 # والعزوب : الخفاء . ومادته تحوم حول معاني البعد عن النظر وفي مضارعه ضم ~~العين وكسرها . قرأ الجمهور بضم الزاي ، وقرأه الكسائي بكسر الزاي ومعنى { ~~لا يعزب عنه } : لا يعزب عن علمه . وقد تقدم في سورة يونس { وما يعزب عن ~~ربك مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء . # وتقدم مثقال الحبة في سورة الأنبياء وإن كان مثقال حبة من خردل . # وأشار بقوله : مثقال ذرة } إلى تقريب إمكان الحشر لأن الكافرين أحالوه ~~بعلة أن الأجساد تصير رفاتا وترابا فلا تمكن إعادتها فنبهوا إلى أن علم ~~الله محيط بأجزائها . # ومواقع تلك الأجزاء في السماوات وفي الأرض وعلمه بها تفصيلا يستلزم ~~القدرة على تسخيرها للتجمع والتحاق كل منها بعديله حتى تلتئم الأجسام من ~~الذرات التي كانت مركبة منها في آخر لحظات حياتها التي عقبها الموت وتوقف ~~الجسد بسبب الموت عن اكتساب أجزاء جديدة . فإن عدت الأرض على أجزاء ذلك ~~الجسد ومزقته كل ممزق كان الله عالما بمصير كل جزء ، فإن الكائنات لا تضمحل ~~ذراتها فتمكن إعادة أجسام جديدة تنبثق من ذرات الأجسام الأولى وتنفخ فيها ~~أرواحها . فالله قادر على تسخيرها للاجتماع بقوى يحدثها الله تعالى لجمع ~~المتفرقات أو بتسخير ملائكة لجمعها من أقاصي الجهات في الأرض والجو أو ~~السماء على حسب تفرقها ، أو تكون ذرات منها صالحة لأن تتفتق عن أجسام كما ~~تتفتق الحبة عن عرق الشجرة ، أو بخلق جاذبية خاصة بجذب تلك الذرات بعضها ~~إلى بعض ثم يصور منها جسدها ، وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى : { وهو ~~الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه } ( الروم : 27 ) ثم تنمو تلك ~~الأجسام سريعا فتصبح في صور أصولها التي كانت في الحياة الدنيا . # وانظر قوله تعالى : { يوم يدع الداع إلى شيء نكر خشعا أبصارهم يخرجون من ~~الأجداث كأنهم جراد منتشر في سورة القمر ( 6 ، 7 ) ، وقوله : يوم يكون ~~الناس كالفراش المبثوث في سورة القارعة فإن الفراش وهو ms6589 فراخ الجراد تنشأ من ~~البيض مثل الدود ثم لا تلبث إلا قليلا حتى تصير جرادا وتطير . ولهذا سمى ~~الله ذلك البعث نشأة لأن فيه إنشاء جديدا وخلقا معادا وهو تصوير تلك ~~الأجزاء PageV22P141 بالصورة التي كانت ملتئمة بها حين الموت ثم إرجاع روح ~~كل جسد إليه بعد تصويره بما سمي بالنفخ فقال : وإن عليه النشأة الأخرى } ( ~~النجم : 47 ) وقال : { أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد ولقد ~~خلقنا الإنسان } ( ق : 15 ، 16 ) الآية . أي فذلك يشبه خلق آدم من تراب ~~الأرض وتسويته ونفخ الروح فيه وذلك بيان مقنع للمتأمل لو نصبوا أنفسهم ~~للتأمل . # وأشار بقوله : { ولا أصغر من ذلك ولا أكبر } إلى ما لا يعلمه إلا الله من ~~العناصر والقوى الدقيقة أجزاؤها الجليلة آثارها ، وتسييرها بما يشمل ~~الأرواح التي تحل في الأجسام والقوى التي تودعها فيها . # ( 4 ، 5 ) # لام التعليل تتعلق بفعل { لتأتينكم } ( سبأ : 3 ) دون تقييد الإتيان ~~بخصوص المخاطبين بل المراد من شملهم وغيرهم لأن جزاء الذين آمنوا لا علاقة ~~له بالمخاطبين فكأنه قيل : لتأتين الساعة ليجزى الذين آمنوا ويجزى الذين ~~سعوا في آياتنا معاجزين ، وهم المخاطبون ، وضمير ( يجزي ) عائد إلى { عالم ~~الغيب } ( سبأ : 3 ) . # والمعنى : أن الحكمة في إيجاد الساعة للبعث والحشر هي جزاء الصالحين على ~~صلاح اعتقادهم وأعمالهم ، أي جزاء صالحا مماثلا ، وجزاء المفسدين جزاء سيئا ~~، وعلم نوع الجزاء من وصف الفريقين من أصحابه . # والإتيان باسم الإشارة لكل فريق للتنبيه على أن المشار إليه جدير بما ~~سيرد بعد اسم الإشارة من الحكم لأجل ما قبل اسم الإشارة من الأوصاف . # فجملة { أولائك لهم مغفرة } ابتدائية معترضة بين المتعاطفين . # وجملة { أولائك لهم عذاب من رجز } ابتدائية أيضا . PageV22P142 # وقوله : { والذين سعوا } عطف على { الذين آمنوا } ، وتقدير الكلام : ~~ليجزى الذين آمنوا والذين سعوا بما يليق بكل فريق . # والمعنى : أن عالم الإنسان يحتوي على صالحين متفاوت صلاحهم ، وفاسدين ~~متفاوت فسادهم ، وقد انتفع الناس بصلاح الصالحين واستضروا بفساد المفسدين ، ~~وربما عطل هؤلاء منافع أولئك وهذب أولئك من إفساد هؤلاء وانقضى كل ms6590 فريق بما ~~عمل لم يلق المحسن جزاء على إحسانه ولا المفسد جزاء على إفساده ، فكانت ~~حكمة خالق الناس مقتضية إعلامهم بما أراد منهم وتكليفهم أن يسعوا في الأرض ~~صلاحا ، ومقتضية ادخار جزاء الفريقين كليهما ، فكان من مقتضاها إحضار ~~الفريقين للجزاء على أعمالهم . وإذ قد شوهد أن ذلك لم يحصل في هذه الحياة ~~علمنا أن بعد هذه الحياة حياة أبدية يقارنها الجزاء العادل ، لأن ذلك هو ~~اللائق بحكمة مرشد الحكماء تعالى ، فهذا مما يدل عليه العقل السليم ، وقد ~~أعلمنا خالق الخلق بذلك على لسان رسوله ورسله صلى الله عليه وسلم فتوافق ~~العقل والنقل ، وبطل الدجل والدخل . # وجعل جزاء الذين آمنوا مغفرة ، أي تجاوزوا عن آثامهم ، ورزقا كريما وهو ~~ما يرزقون من النعيم على اختلاف درجاتهم في النعيم وابتداء مدته فإنهم ~~آيلون إلى المغفرة والرزق الكريم . # ووصف بالكريم ، أي النفيس في نوعه كما تقدم عند قوله تعالى : { كتاب كريم ~~في سورة النمل . # وقوبل الذين آمنوا وعملوا الصالحات } ب { الذين سعوا في آياتنا } لأن ~~السعي في آيات الله يساوي معنى كفروا بها ، وبذلك يشمل عمل السيئات وهو ~~سيئة من السيئات ، ألا ترى أنه عبر عنهم بعد ذلك بقوله : { وقال الذين ~~كفروا هل ندلكم على رجل } ( سبأ : 7 ) الخ . # ومعنى { سعوا في آياتنا } اجتهدوا بالصد عنها ومحاولة إبطالها ، فالسعي ~~مستعار للجد في فعل ما ، وقد تقدم بيانه عند قوله تعالى : { والذين سعوا في ~~آياتنا معاجزين أولئك أصحاب الجحيم في سورة الحج . وآيات الله هنا : القرآن ~~كما يدل عليه قوله بعد : الذي أنزل إليك من ربك هو الحق } ( سبأ : 6 ) . ~~PageV22P143 # و { معاجزين } مبالغة في معجزين ، وهو تمثيل : شبهت حالهم في مكرهم ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم بحال من يمشي مشيا سريعا ليسبق غيره ويعجزه . ~~والعذاب : عذاب جهنم . والرجز : أسوأ العذاب وتقدم في قوله تعالى : { ~~فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون في سورة البقرة . ~~ومن } بيانية فإن العذاب نفسه رجز . # وقرأ الجمهور : { معاجزين } بصيغة المفاعلة تمثيلا لحال ظنهم النجاة ~~والانفلات من تعذيب ms6591 الله إياهم بإنكارهم البعث والرسالة بحال من يسابق غيره ~~ويعاجزه ، أي يحاول عجزه عن لحاقه . # وقرأه ابن كثير وأبو عمرو وحده { معجزين } بصيغة اسم الفاعل من عجز ~~بتشديد الجيم ، ومعناه : مثبطين الناس عن اتباع آيات الله ، أو معجزين من ~~آمن بآيات الله بالطعن والجدال . # وقرأ الجمهور : { أليم } بالجر صفة ل { رجز } . وقرأه ابن كثير وحفص ~~ويعقوب بالرفع صفة ل { عذاب } ، وهما سواء في المعنى . # عطف على { ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات } ( سبأ : 4 ) وهو مقابل ~~جزاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، فالمراد بالذين سعوا في الآيات الذين ~~كفروا ، عدل عن جعل صلة اسم الموصول { كفروا } ( سبأ : 3 ) لتصلح الجملة أن ~~تكون تمهيدا لإبطال قول المشركين في الرسول صلى الله عليه وسلم { أفترى على ~~الله كذبا أم به جنة } ( سبأ : 8 ) ، لأن قولهم ذلك كناية عن بطلان ما ~~جاءهم به من القرآن في زعمهم فكان جديرا بأن يمهد لإبطاله بشهادة أهل العلم ~~بأن ما جاء به الرسول هو الحق دون غيره من باطل أهل الشرك الجاهلين ، فعطف ~~هذه الجملة من عطف الأغراض ، وهذه طريقة في إبطال شبه أهل الضلالة ~~والملاحدة بأن يقدم قبل ذكر الشبهة ما يقابلها من إبطالها ، وربما سلك أهل ~~الجدل طريقة أخرى هي تقديم الشبهة ثم الكرور عليها PageV22P144 بالإبطال ~~وهي طريقة عضد الدين في كتاب ( المواقف ) ، وقد كان بعض أشياخنا يحكي ~~انتقاد كثير من أهل العلم طريقته فلذلك خالفها التفتزاني في كتاب ( المقاصد ~~) . # والحق أن الطريقتين جادتان وقد سلكتا في القرآن . # ويجوز أن تكون جملة { ويرى الذين أوتوا العلم } عطفا على جملة { والذين ~~سعوا في آياتنا معاجزين } ( سبأ : 5 ) فبعد أن أوردت جملة { والذين سعوا } ~~لمقابلة جملة { ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات } ( سبأ : 4 ) الخ ~~اعتبرت مقصودا من جهة أخرى فكانت بحاجة إلى رد مضمونها بجملة { ويرى الذين ~~أوتوا العلم } للإشارة إلى أن الذين سعوا في الآيات أهل جهالة فيكون ذكرها ~~بعدها تعقيبا للشبهة بما يبطلها وهي الطريقة الأخرى . # والرؤية علمية . واختير فعل الرؤية هنا دون ( ويعلم ) للتنبيه على ms6592 أنه ~~علم يقيني بمنزلة العلم بالمرئيات التي علمها ضروري ، ومفعولا ( يرى ) { ~~الذي أنزل } و { الحق } . وضمير { هو } فصل يفيد حصر الحق في القرآن حصرا ~~إضافيا ، أي لا ما يقوله المشركون مما يعارضون به القرآن ، ويجوز أيضا أن ~~يفيد قصرا حقيقيا ادعائيا ، أي قصر الحقية المحض عليه لأن غيره من الكتب ~~خلط حقها بباطل . # و { الذين أوتوا العلم } فسره بعض المفسرين بأنهم علماء أهل الكتاب من ~~اليهود والنصارى فيكون هذا إخبارا عما في قلوبهم كما في قوله تعالى في شأن ~~الرهبان { وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما ~~عرفوا من الحق } ( المائدة : 83 ) ، فهذا تحد للمشركين وتسلية للرسول صلى ~~الله عليه وسلم والمؤمنين وليس احتجاجا بأهل الكتاب لأنهم لم يعلنوا به ولا ~~آمن أكثرهم ، أو هو احتجاج بسكوتهم على إبطاله في أوائل الإسلام قبل أن ~~يدعوهم النبي صلى الله عليه وسلم ويحتج عليهم ببشائر رسلهم وأنبيائهم به ~~فعاند أكثرهم حينئذ تبعا لعامتهم . # وبهذا تتبين أن إرادة علماء أهل الكتاب من هذه الآية لا يقتضي أن تكون ~~نازلة بالمدينة حتى يتوهم الذين توهموا أن هذه الآية مستثناة من مكيات ~~السورة كما تقدم . PageV22P145 # والأظهر أن المراد من { الذين أوتوا العلم } من آمنوا بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم من أهل مكة لأنهم أوتوا القرآن . وفيه علم عظيم هم عالموه على ~~تفاضلهم في فهمه والاستنباط منه ، فقد كان الواحد من أهل مكة يكون فظا ~~غليظا حتى إذا أسلم رق قلبه وامتلأ صدره بالحكمة وانشرح لشرائع الإسلام ~~واهتدى إلى الحق وإلى الطريق المستقيم . وأول مثال لهؤلاء وأشهره وأفضله هو ~~عمر بن الخطاب للبون البعيد بين حالتيه في الجاهلية والإسلام . وهذا ما ~~أعرب عنه قول أبي خراش الهذلي خالطا فيه الجد بالهزل : # وعاد الفتى كالكهل ليس بقائل # سوى العدل شيئا فاستراح العواذل # فإنهم كانوا إذا لقوا النبي صلى الله عليه وسلم أشرقت عليهم أنوار ~~النبوءة فملأتهم حكمة وتقوى . وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأحد ~~أصحابه : ( لو كنتم في بيوتكم كما ms6593 تكونون عندي لصافحتكم الملائكة بأجنحتها ~~) . وبفضل ذلك ساسوا الأمة وافتتحوا الممالك وأقاموا العدل بين الناس ~~مسلمهم وذميهم ومعاهدهم وملأوا أعين ملوك الأرض مهابة . وعلى هذا المحمل ~~حمل { الذين أوتوا العلم في سورة الحج ويؤيده قوله تعالى : وقال الذين ~~أوتوا العلم والإيمان في سورة الروم . # وجملة ويهدي إلى صراط العزيز الحميد } في موضع المعطوف على المفعول ~~الثاني ل { يرى } . والمعنى : يرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك ~~هاديا إلى العزيز الحميد ، وهو من عطف الفعل على الاسم الذي فيه مادة ~~الاشتقاق وهو { الحق } فإن المصدر في قوة الفعل لأنه إما مشتق أو هو أصل ~~الاشتقاق . والعدول عن الوصف إلى صيغة المضارع لإشعارها بتجدد الهداية ~~وتكررها . وإيثار وصفي { العزيز الحميد } هنا دون بقية الأسماء الحسنى ~~إيماء إلى أن المؤمنين حين يؤمنون بأن القرآن هو الحق والهداية استشعروا من ~~الإيمان أنه صراط يبلغ به إلى العزة قال تعالى : { ولله العزة ولرسوله ~~وللمؤمنين } ( المنافقون : 8 ) ، ويبلغ إلى الحمد ، أي الخصال الموجبة ~~للحمد ، وهي الكمالات من الفضائل والفواضل . PageV22P146 # ( 7 ، 8 ) # انتقال إلى قولة أخرى من شناعة أهل الشرك معطوفة على { وقال الذين كفروا ~~لا تأتينا الساعة } ( سبأ : 3 ) . وهذا القول قائم مقام الاستدلال على ~~القول الأول لأن قولهم { لا تأتينا الساعة } دعوى وقولهم : { هل ندلكم على ~~رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد } مستند تلك الدعوى ، ~~ولذلك حكي بمثل الأسلوب الذي حكيت به الدعوى في المسند والمسند إليه . # وأدمجوا في الاستدلال التعجيب من الذي يأتي بنقيض دليلهم ، ثم إرداف ذلك ~~التعجيب بالطعن في المتعجب به . # والمخاطب بقولهم : { هل ندلكم } غير مذكور لأن المقصود في الآية الاعتبار ~~بشناعة القول ، ولا غرض يتعلق بالمقول لهم . فيجوز أن يكون قولهم هذا ~~تقاولا بينهم ، أو يقوله بعضهم لبعض ، أو يقوله كبراؤهم لعامتهم ودهمائهم . ~~ويجوز أن يكون قول كفار مكة للواردين عليهم في الموسم . وهذا الذي يؤذن به ~~فعل { ندلكم } من أنه خطاب لمن لم يبلغهم قول النبي صلى الله عليه وسلم # والاستفهام مستعمل في ms6594 العرض مثل قوله تعالى : { فقل هل لك إلى أن تزكى } ~~( النازعات : 18 ) وهو عرض مكنى به عن التعجيب ، أي هل ندلكم على أعجوبة من ~~رجل ينبئكم بهذا النبأ المحال . # والمعنى : تسمعون منه ما سمعناه منه فتعرفوا عذرنا في مناصبته العداء . ~~وقد كان المشركون هيأوا ما يكون جوابا للذين يردون عليهم في الموسم من ~~قبائل العرب يتساءلون عن خبر هذا الذي ظهر فيهم يدعي أنه رسول من الله إلى ~~الناس ، وعن الوحي الذي يبلغه عن الله كما ورد في خبر الوليد بن المغيرة إذ ~~قال لقريش : إنه قد حضر هذا الموسم وأن وفود العرب ستقدم عليكم فيه ، وقد ~~سمعوا بأمر صاحبكم هذا ، فأجمعوا فيه رأيا واحدا ولا تختلفوا فيكذب بعضكم ~~بعضا ويرد قولكم بعضه بعضا ، فقالوا : فأنت يا أبا عبد شمس فقل وأقم لنا ~~رأيا نقول به . قال : PageV22P147 بل أنتم قولوا أسمع ، قالوا : نقول كاهن ~~؟ قال : لا والله ما هو بكاهن ، لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكاهن ولا ~~بسجعه . قالوا : فنقول مجنون ؟ قال : ما هو بمجنون لقد رأينا الجنون ~~وعرفناه فما هو بخنقه ولا تخلجه ولا وسوسته ، قالوا : فنقول شاعر ؟ قال : ~~لقد عرفنا الشعر كله فما هو بالشعر ، فقالوا : فنقول ساحر ؟ قال : ما هو ~~بنفثه ولا عقده ، قالوا : فما نقول يا أبا عبد شمس ؟ قال : إن أقرب القول ~~فيه أن تقولوا : ساحر ، جاء بقول هو سحر يفرق بين المرء وأبيه وبين المرء ~~وأخيه وبين المرء وزوجه وبين المرء وعشيرته . # فلعل المشركين كانوا يستقبلون الواردين على مكة بهاته المقالة { هل ندلكم ~~على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد } طمعا منهم بأنها ~~تصرف الناس عن النظر في الدعوة تلبسا باستحالة هذا الخلق الجديد . # ويرجح ذلك إتمامها بالاستفهام { أفترى على الله كذبا أم به جنة } . # ثم إن كان التقاول بين المشركين بعضهم لبعض ، فالتعبير عن الرسول صلى ~~الله عليه وسلم ب { رجل } منكر مع كونه معروفا بينهم وعن أهل بلدهم ، قصدوا ~~من تنكيره أنه لا يعرف تجاهلا منهم . قال ms6595 السكاكي ( كأن لم يكونوا يعرفون ~~منه إلا أنه رجل ما ) . # وإن كان قول المشركين موجها إلى الواردين مكة في الموسم ، كان التعبير ب ~~{ رجل } جريا على مقتضى الظاهر لأن الواردين لا يعرفون النبي صلى الله عليه ~~وسلم ولا دعوته فيكون كقول أبي ذر ( قبل إسلامه ) لأخيه ( اذهب فاستعلم لنا ~~خبر هذا الرجل الذي يزعم أنه نبيء ) . # ومعنى : { ندلكم } نعرفكم ونرشدكم . وأصل الدلالة الإرشاد إلى الطريق ~~الموصل إلى مكان مطلوب . وغالب استعمال هذا الفعل أن يكون إرشاد من يطلب ~~معرفة ، وبذلك فالآية تقتضي أن هذا القول يقولونه للذين يسألونهم عن خبر ~~رجل ظهر بينهم يدعي النبوءة فيقولون : هل ندلكم على رجل يزعم كذا ، أي ليس ~~بنبيء بل مفتر أو مجنون ، فمورد الاستفهام هو ما تضمنه قولهم : { إذا مزقتم ~~كل ممزق إنكم لفي خلق جديد أفترى على الله كذبا أم به جنة } أي هل ~~PageV22P148 تريدون أن ندلكم على من هذه صفته ، أي وليس من صفته أنه نبيء ~~بل هو : إما كاذب أو غير عاقل . # والإنباء : الإخبار عن أمر عظيم ، وعظمة هذا القول عندهم عظمة إقدام ~~قائله على ادعاء وقوع ما يرونه محال الوقوع . # وجملة { إنكم لفي خلق جديد } هي المنبأ به . ولما كان الإنباء في معنى ~~القول لأنه إخبار صح أن يقع بعده ما هو من قول المنبىء . فالتقدير من جهة ~~المعنى : يقول إنكم لفي خلق جديد ، ولذلك اجتلبت ( إن ) المكسورة الهمزة ~~دون المفتوحة لمراعاة حكاية القول . # وهذا حكاية ما نبأ به لأن المنبىء إنما نبأ بأن الناس يصيرون في خلق جديد ~~. # وأما شبه الجملة وهو قوله : { إذا مزقتم كل ممزق } فليس مما نبأ به الرجل ~~وإنما هو اعتراض في كلام الحاكين تنبيها على استحالة ما يقوله هذا الرجل ~~على أنه لازم لإثبات الخلق الجديد لكل الأموات . وليس { إذا } بمفيد شرطا ~~للخلق الجديد لأنه ليس يلزم للخلق الجديد أن يتقدمه البلى ، ولكن المراد ~~أنه يكون البلى حائلا دون الخلق الجديد المنبأ به . # وتقديم هذا الاعتراض للاهتمام به ليتقرر في أذهان السامعين لأنه ms6596 مناط ~~الإحالة في زعمهم ، فإن إعادة الحياة للأموات تكون بعد انعدام أجزاء ~~الأجساد ، وتكون بعد تفرقها تفرقا قريبا من العدم ، وتكون بعد تفرق ما ، ~~وتكون مع بقاء الأجساد على حالها بقاء متفاوتا في الصلابة والرطوبة ، وهم ~~أنكروا إعادة الحياة في سائر الأحوال ، ولكنهم خصوا في كلامهم الإعادة بعد ~~التمزق كل ممزق ، أي بعد اضمحلال الأجساد أو تفرقها الشديد ، لقوة استحالة ~~إرجاع الحياة إليها بعدئذ . # والتمزيق : تفكيك الأجزاء المتلاصقة بعضها عن بعض بحيث تصير قطعا متباعدة ~~. # والممزق : مصدر ميمي لمزقه مثل المسرح للتسريح . # و { كل } على الوجهين مستعملة في معنى الكثرة كقوله تعالى : { ولو جاءتهم ~~كل آية } ( يونس : 97 ) وقول النابغة : PageV22P149 # بها كل ذيال # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # وقد تقدم غير مرة . # والخلق الجديد : الحديث العهد بالوجود ، أي في خلق غير الخلق الأول الذي ~~أبلاه الزمان ، فجديد فعيل من جد بمعنى قطع . فأصل معنى جديد مقطوع ، وأصله ~~وصف للثوب الذي ينسجه الناسج فإذا أتمه قطعه من المنوال . أريد به أنه ~~بحدثان قطعه فصار كناية عن عدم لبسه ، ثم شاع ذلك فصار الجديد وصفا بمعنى ~~الحديث العهد ، وتنوسي معنى المفعولية منه فصار وصفا بمعنى الفاعلية ، ~~فيقال : جد الثوب بالرقع ، بمعنى : كان حديث عهد بنسج . ويشبه أن يكون ( جد ~~) اللازم مطاوعا ل ( جده ) المتعدي كما كان ( جبر العظم ) مطاوعا ل ( جبر ) ~~كما في قول العجاج : # قد جبر الدين الإله فجبر # وبهذا يحق الجمع بين قول البصريين الذين اعتبروا جديدا فعيلا بمعنى فاعل ~~، وقول الكوفيين بأنه فعيل بمعنى مفعول ، وعلى هذين الاعتبارين يجوز أن ~~يقال : ملحفة جديد كما قال : { إن رحمة الله قريب } ( الأعراف : 56 ) . # ووصف الخلق الجديد باعتبار أن المصدر بمنزلة اسم الجنس يكون قديما فهو ~~إذن بمعنى الحاصل بالمصدر ، ويكون جديدا فهو بمنزلة اسم الفاعل ، فوصف ~~بالجديد ليتمحض لأحد احتماليه ، والظرفية من قوله : { في خلق جديد } مجازية ~~في قوة التلبس بالخلق الجديد تلبسا كتلبس المظروف بالظرف . # وجملة { أفترى على الله كذبا أم به جنة } في موضع صفة ثانية ل { رجل } ~~أتوا بها استفهامية لتشريك المخاطبين معهم ms6597 في ترديد الرجل بين هذين الحالين ~~. # وحذفت همزة فعل { أفترى } لأنها همزة وصل فسقطت لأن همزة الاستفهام وصلت ~~بالفعل فسقطت همزة الوصل في الدرج . # وجعلوا حال الرسول صلى الله عليه وسلم دائرا بين الكذب والجنون بناء على ~~أنه إن كان ما قاله من البعث قاله عن عمد وسلامة عقل فهو في زعمهم مفتر ~~لأنهم يزعمون أن PageV22P150 ذلك لا يطابق الواقع لأنه محال في نظرهم ~~القاصر ، وإن كان قاله بلسانه لإملاء عقل مختل فهو مجنون وكلام المجنون لا ~~يوصف بالافتراء . وإنما رددوا حاله بين الأمرين بناء على أنه أخبر عن تلقي ~~وحي من الله فلم يبق محتملا لقسم ثالث وهو أن يكون متوهما أو غالطا كما لا ~~يخفى . # وقد استدل الجاحظ بهذه الآية لرأيه في أن الكلام يصفه العرب بالصدق إن ~~كان مطابقا للواقع مع اعتقاد المتكلم لذلك ، وبالكذب إن كان غير مطابق ~~للواقع ولا للاعتقاد ، وما سوى هذين الصنفين لا يوصف بصدق ولا كذب بل هو ~~واسطة بينهما وهو الذي يخالف الواقع ويوافق اعتقاد المتكلم أو يخالف ~~الإعتقاد الواقع أو يخالفهما معا ، أو لم يكن لصاحبه اعتقاد ، ومن هذا ~~الصنف الأخير كلام المجنون . # ولا يصح أن تكون هذه الآية دليلا له لأنها حكت كلام المشركين في مقام ~~تمويههم وضلالهم أو تضليلهم فهو من السفسطة ، ثم إن الافتراء أخص من الكذب ~~لأن الافتراء كان عن عمد فمقابلته بالجنون لا تقتضي أن كلام المجنون ليس من ~~الكذب بل إنه ليس من الافتراء . # والافتراء : الاختلاق وإيجاد خبر لا مخبر له . وقد تقدم عند قوله تعالى : ~~{ ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب في سورة العقود . # وقد رد الله عليهم استدلالهم بما أشار إلى أنهم ضالون أو مضلون ، وواهمون ~~أو موهمون فأبطل قولهم بحذافره بحرف الإضراب ، ثم بجملة الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة في العذاب والضلال البعيد } . فقابل ما وصفوا به الرسول صلى الله ~~عليه وسلم بوصفين : أنهم في العذاب وذلك مقابل قولهم : { أفترى على الله ~~كذبا } لأن الذي يكذب على الله يسلط الله عليه ms6598 عذابه ، وأنهم في { الضلال ~~البعيد } وذلك مقابل قولهم : { به جنة } . # وعدل عن أن يقال : بل أنتم في العذاب والضلال إلى { الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة } إدماجا لتهديدهم . # و { الضلال } : خطأ الطريق الموصل إلى المقصود . و { البعيد } وصف به ~~الضلال PageV22P151 باعتبار كونه وصفا لطريق الضال ، فإسناد وصفه إلى ~~الضلال مجازي لأنه صفة مكان الضلال وهو الطريق الذي حاد عن المكان المقصود ~~، لأن الضال كلما توغل مسافة في الطريق المضلول فيه ازداد بعدا عن المقصود ~~فاشتد ضلاله ، وعسر خلاصه ، وهو مع ذلك ترشيح للإسناد المجازي . # وقوله : { في العذاب } إدماج يصف به حالهم في الآخرة مع وصف حالهم في ~~الدنيا . # والظرفية بمعنى الإعداد لهم فحصل في حرف الظرفية مجازان إذا جعل العذاب ~~والضلال لتلازمهما كأنهما حاصلان معا ، فهذا من استعمال الموضوع للواقع ~~فيما ليس بواقع تنبيها على تحقيق وقوعه . # الفاء لتفريع ما بعدها على قوله : { بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في ~~العذاب } ( سبأ : 8 ) الخ ، لأن رؤية مخلوقات الله في السماء والأرض من ~~شأنها أن تهديهم لو تأملوا حق التأمل . # والاستفهام للتعجيب الذي يخالطه إنكار على انتفاء تأملهم فيما بين أيديهم ~~وما خلفهم من السماء والأرض ، أي من المخلوقات العظيمة الدالة على أن الذي ~~قدر على خلق تلك المخلوقات من عدم هو قادر على تجديد خلق الإنسان بعد العدم ~~. # والرؤية بصرية بقرينة تعليق { إلى } . فمعنى الاستفهام عن انتفائها منهم ~~انتفاء آثارها من الاستدلال بأحوال الكائنات السماوية والأرضية على إمكان ~~البعث ، فشبه وجود الرؤية بعدمها واستعير له حرف النفي . والمقصود : حثهم ~~على التأمل والتدبر ليتداركوا علمهم بما أهملوه . وهذا كقوله : { أفلم ~~يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل ~~مسمى وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون } ( الروم : 8 ) . PageV22P152 # والمراد ب { ما بين أيديهم } ما يستقبله كل أحد منهم من الكائنات ~~السماوية والأرضية ، وب { ما خلفهم } ما هو وراء كل أحد منهم ، فإنهم لو ~~شاءوا لنظروا إليه بأن يلتفتوا إلى ما وراءهم ، وذلك مثل أن ينظروا النصف ~~الشمالي من الكرة ms6599 السماوية في الليل ثم ينظروا النصف الجنوبي منها فيروا ~~كواكب ساطعة بعضها طالع من مشرقه وبعضها هاو إلى مغربه وقمرا مختلف الأشكال ~~باختلاف الأيام ، وفي النهار بأن ينظروا إلى الشمس بازغة وآفلة ، وما يقارن ~~ذلك من إسفار وأصيل وشفق . وكذلك النظر إلى جبال الأرض وبحارها وأوديتها ~~وما عليها من أنواع الحيوان واختلاف أصنافه . # و { من } في قوله : { من السماء والأرض } تبعيضية . # والسماء والأرض أطلقتا على محوياتهما كما أطلقت القرية على أهلها في قوله ~~: { واسأل القرية } ( يوسف : 82 ) . # وجملة { إن نشأ نخسف بهم الأرض } اعتراض بالتهديد فمناسبة التعجيب ~~الإنكاري بما يذكرهم بقدرة صانع تلك المصنوعات العظيمة على عقاب الذين ~~أشركوا معه غيره والذين ضيقوا واسع قدرته وكذبوا رسوله صلى الله عليه وسلم ~~وما يخطر في عقولهم ذكر الأمم التي أصابها عقاب بشيء من الكائنات الأرضية ~~كالخسف أو السماوية كإسقاط كسف من الأجرام السماوية مثل ما أصاب قارون من ~~الخسف وما أصاب أهل الأيكة من سقوط الكسف . # وقرأ الكسائي وحده ( نخسبهم ) بإدغام الفاء في الباء ، قال أبو علي : ~~وذلك لا يجوز لأن الباء أضعف في الصوت من الفاء فلا تدغم الفاء في الباء ، ~~وإن كانت الباء تدغم في الفاء كقولك : اضرب فلانا ، وهذا كما تدغم الباء في ~~الميم كقولك : اضرب مالكا ، ولا تدغم الميم في الباء كقولك : اضمم بكرا ، ~~لأن الباء انحطت عن الميم بفقد الغثة التي في الميم ، وهذا رد للرواية ~~بالقياس وهو غصب . # والكسف بكسر الكاف وسكون السين في قراءة الجمهور ، وهو القطعة من ~~PageV22P153 الشيء . وقد تقدم في قوله تعالى : { أو تسقط السماء كما زعمت ~~علينا كسفا في سورة الإسراء . # وقرأ الجمهور نخسف } و { نسقط } بنون العظمة . وقرأها حمزة والكسائي وخلف ~~بياء الغائب على الالتفات من مقام التكلم إلى مقام الغيبة ، ومعاد الضميرين ~~معروف من سياق الكلام . # وجملة { إن في ذلك لآية لكل عبد منيب } تعليل للتعجيب الإنكاري باعتبار ~~ما يتضمنه من الحث على التأمل والتدبر كما تقدم آنفا ، فموقع حرف التوكيد ~~هنا لمجرد التعليل ، كقول بشار : # إن ذاك النجاح ms6600 في التبكير # ولك أن تجعل تذييلا . والمشار إليه هو ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء ~~والأرض ، أي من الكائنات فيهما . # والآية : الدليل والتعريف للجنس ، فالمفرد المعرف مساو للجمع ، أي لآيات ~~كثيرة . # والمنيب : الراجع بفكره إلى البحث عما فيه كماله النفساني وحسن مصيره في ~~الآخرة فهو يقدر المواعظ حق قدرها ويتلقاها بالشك في الحالة التي وعظ من ~~أجلها فيعاود النظر حتى يهتدي ولا يرفض نصح الناصحين وإرشاد المرشدين ~~مرتديا برداء المتكبرين فهو لا يخلو من النظر في دلائل قدرة الله ، ومن ~~أكبر المنيبين المؤمنون مع رسولهم . # ( 10 ، 11 ) { لله } # مناسبة الانتقال من الكلام السابق إلى ذكر داود خفية . فقال ابن عطية : ~~ذكر الله نعمته على داود وسليمان احتجاجا على ما منح محمدا ، أي لا ~~تستبعدوا هذا فقد تفضلنا على عبيدنا قديما . PageV22P154 # وقال الزمخشري عند قوله : { إن في ذلك لآية لكل عبد منيب } ( سبأ : 9 ) ~~لأن المنيب لا يخلو من النظر في آيات الله على أنه قادر على كل شيء من ~~البعث ومن عقاب من يكفر به ا ه . فقال الطيبي : فيه إشارة إلى بيان نظم هذه ~~الآية بقوله : { ولقد آتينا داود منا فضلا } لأنه كالتخلص منه إليه ، لأنه ~~من المنيبين المتفكرين في آيات الله ، قال تعالى : { واذكر عبدنا داود ذا ~~الأيد إنه أواب } ( ص : 17 ) ا ه . يريد الطيبي أن داود من أشهر المثل في ~~المنيبين بما اشتهر به من انقلاب حاله بعد أن كان راعيا غليظا إلى أن ~~اصطفاه الله نبيئا وملكا صالحا مصلحا لأمة عظيمة ، فهو مثل المنيبين كما ~~قال تعالى : { واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب } وقال : { فاستغفر ربه ~~وخر راكعا وأناب } ( ص : 24 ) ، فلإنابته وتأويبه أنعم الله عليه بنعم ~~الدنيا والآخرة وباركه وبارك نسله . وفي ذكر فضله عبرة للناس بحسن عناية ~~الله بالمنيبين تعريضا بضد ذلك للذين لم يعتبروا بآيات الله ، وفي هذا ~~إيماء إلى بشارة النبي صلى الله عليه وسلم بأنه بعد تكذيب قومه وضيق حاله ~~منهم سيؤول شأنه إلى عزة عظيمة وتأسيس ملك ms6601 أمة عظيمة كما آلت حال داود ، ~~وذلك الإيماء أوضح في قوله تعالى : { اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ~~ذا الأيد إنه أواب الآية في سورة ص . وسمى الطيبي هذا الانتقال إلى ذكر ~~داود وسليمان تخلصا ، والوجه أن يسميه استطرادا أو اعتراضا وإن كان طويلا ، ~~فإن الرجوع إلى ذكر أحوال المشركين بعدما ذكر من قصة داود وسليمان وسبأ ~~يرشد إلى أن إبطال أحوال أهل الشرك هي المقصود من هذه السورة كما سننبه ~~عليه عند قوله تعالى : ولقد صدق عليهم إبليس ظنه } ( سبأ : 20 ) . # وتقديم التعريف بداود عليه السلام عند قوله تعالى : { وآتينا داود زبورا ~~في سورة النساء وعند قوله : ومن ذريته داود في سورة الأنعام . # و ( من ) في قوله : منا } ابتدائية متعلقة ب { آتينا } ، أي من لدنا ومن ~~عندنا ، وذلك تشريف للفضل الذي أوتيه داود ، كقوله تعالى : { رزقا من لدنا ~~} ( القصص : 57 ) . وتنكير { فضلا } لتعظيمه وهو فضل النبوءة وفضل الملك ، ~~وفضل العناية بإصلاح الأمة ، وفضل القضاء بالعدل ، وفضل الشجاعة في الحرب ، ~~وفضل سعة النعمة عليه ، وفضل إغنائه عن الناس بما ألهمه من صنع دروع ~~PageV22P155 الحديد ، وفضل إيتائه الزبور ، وإيتائه حسن الصوت ، وطول العمر ~~في الصلاح وغير ذلك . # وجملة { يا جبال أوبي معه } مقول قول محذوف ، وحذف القول استعمال شائع ، ~~وفعل القول المحذوف جملة مستأنفة استئنافا بيانيا لجملة { آتينا داود منا ~~فضلا } . # وفي هذا الأسلوب الذي نظمت عليه الآية من الفخامة وجلالة الخالق وعظم شأن ~~داود مع وفرة المعاني وإيجاز الألفاظ وإفادة معنى المعية بالواو دون ما لو ~~كانت حرف عطف . # والأمر في { أوبي معه } أمر تكوين وتسخير . # والتأويب : الترجيع ، أي ترجيع الصوت ، وقيل : التأويب بمعنى التسبيح لغة ~~حبشية فهو من المعرب في اللغة العربية ، وتقدم ذكر تسبيح الجبال مع داود في ~~سورة الأنبياء . # و { الطير } منصوب بالعطف على المنادى لأن المعطوف المعرف على المنادى ~~يجوز نصبه ورفعه ، والنصب أرجح عند يونس وأبي عمرو وعيسى بن عمر والجرمي ~~وهو أوجه ، ويجوز أن يكون { والطير } مفعولا معه ل { أوبي } . والتقدير : ~~أوبي معه ms6602 ومع الطير ، فيفيد أن الطير تأوب معه أيضا . # وإلانة الحديد : تسخيره لأصابعه حينما يلوي حلق الدروع ويغمز المسامير . # و { أن } تفسيرية لما في { ألنا له } من معنى : أشعرناه بتسخير الحديد ~~ليقدم على صنعه فكان في { ألنا } معنى : وأوحينا إليه : { أن اعمل سابغات } ~~. # و { الحديد } تراب معدني إذا صهر بالنار امتزج بعضه ببعض ولان وأمكن ~~تطريقه وتشكيله فإذا برد تصلب . وقد تقدم عند قوله تعالى : { قل كونوا ~~حجارة أو حديدا في سورة الإسراء . # وسابغات } صفة لموصوف محذوف لظهوره من المقام إذ شاع وصف PageV22P156 ~~الدروع بالسابغات والسوابغ حتى استغنوا عند ذكر هذا الوصف عن ذكر الموصوف . # ومعنى { قدر } اجعله على تقدير ، والتقدير : جعل الشيء على مقدار مخصوص . # و { السرد } صنع درع الحديد ، أي تركيب حلقها ومساميرها التي تشد شقق ~~الدرع بعضها ببعض فهي للحديد كالخياطة للثوب ، والدرع توصف بالمسرودة كما ~~توصف بالسابغة . قال أبو ذؤيب الهذلي : # وعليهما مسرودتان قضاهما # داود أو صنع السوابغ تبع # ويقال لناسج الدروع : سراد وزراد بالسين والزاي ، وقال المعري يصف درعا : # وداود قين السابغات أذالها # وتلك أضاة صانها المرء تبع # فلما سخر الله له ما استصعب على غيره أتبعه بأمره بالشكر بأن يعمل صالحا ~~لأن الشكر يكون بالعمل الذي يرضي المشك والمنعم . # وضمير { اعملوا } لداود وآله كقوله تعالى : { وأمر أهلك بالصلاة واصطبر ~~عليها } ( طه : 132 ) أو له وحده على وجه التعظيم . # وقوله : { إني بما تعملون بصير } موقع ( إن ) فيه موقع فاء التسبب كقول ~~بشار : # إن ذاك النجاح في التبكير # وقد تقدم غير مرة . # والبصير : المطلع العليم ، وهو هنا كناية عن الجزاء عن العمل الصالح . # عطف فضيلة سليمان على فضيلة داود للاعتبار بما أوتيه سليمان من فضل ~~PageV22P157 كرامة لأبيه على إنابته ولسليمان على نشأته الصالحة عند أبيه ، ~~فالعطف على { لقد آتينا داود منا فضلا } ( سبأ : 10 ) والمناسبة مثل مناسبة ~~ذكر داود فإن سليمان كان موصوفا بالإنابة قال تعالى : { ثم أناب في سورة ص ~~. # والريح } عطف على { الحديد } في قوله : { وألنا له الحديد } ( سبأ : 10 ) ~~بتقدير فعل يدل عليه { وألنا ms6603 } . والتقدير : وسخرنا لسليمان الريح على نحو ~~قول الشاعر : # متقلدا سيفا ورمحا # أي وحاملا رمحا . # واللام في قوله : { لسليمان } لام التقوية أنه لما حذف الفعل لدلالة ما ~~تقدم عليه قرن مفعوله الأول بلام التقوية لأن الاحتياج إلى لام التقوية عند ~~حذف الفعل أشد من الاحتياج إليها عند تأخير الفعل عن المفعول . و { الريح } ~~مفعول ثان . # ومعنى تسخيره الريح : خلق ريح تلائم سير سفائنه للغزو أو التجارة ، فجعل ~~الله لمراسيه في شطوط فلسطين رياحا موسمية تهب شهرا مشرقة لتذهب في ذلك ~~الموسم سفنه ، وتهب شهرا مغربة لترجع سفنه إلى شواطىء فلسطين كما قال تعالى ~~: { ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها في سورة ~~الأنبياء . # فأطلق الغدو على الانصراف والانطلاق من المكان تشبيها بخروج الماشية ~~للرعي في الصباح وهو وقت خروجها ، أو تشبيها بغدو الناس في الصباح . # وأطلق الرواح على الرجوع من النهمة التي يخرج لها كقول ابن أبي ربيعة : # أمن آلل نعم أنت غاد فمبكر # غداة غد أم رائح فمؤخر # لأن عرفهم أن رواح الماشية يكون في المساء فهو مشتق من راح إذا رجع إلى ~~مقره . # وقرأ الجمهور ولسليمان الريح } بلفظ إفراد { الريح } وبنصب { الريح } على ~~أنه معطوف على { الحديد } في قوله : { وألنا له الحديد } ( سبأ : 10 ) . ~~وقرأ أبو بكر عن PageV22P158 عاصم برفع { الريح } على أنه من عطف الجمل و { ~~الريح } مبتدأ و { لسليمان } خبر مقدم . وقرأه أبو جعفر { الرياح } بصيغة ~~الجمع منصوبا . # و { القطر } بكسر القاف وسكون الطاء النحاس المذاب . وتقدم في قوله تعالى ~~: { قال آتوني أفرغ عليه قطرا في سورة الكهف . # والإسالة : جعل الشيء سائلا ، أي مائعا منبطحا في الأرض كمسيل الوادي . ~~وعين القطر } ليست عينا حقيقة ولكنها مستعارة لمصب ما يصهر في مصانعه من ~~النحاس حتى يكون النحاس المذاب سائلا خارجا من فساقي ونحوها من الأنابيب ~~كما يخرج الماء من العين لشدة إصهار النحاس وتوالي إصهاره فلا يزال يسيل ~~ليصنع له آنية وأسلحة ودرقا ، وما ذلك إلا بإذابة وإصهار خارقين للمعتاد ~~بقوة إلاهية ، شبه الإصهار بالكهرباء ms6604 أو بالألسنة النارية الزرقاء ، وذلك ~~ما لم يؤته ملك من ملوك زمانه . # ويجوز أن يكون السيلان مستعارا لكثرة القطر كثرة تشبه كثرة ماء العيون ~~والأنهار كقول كثير : # وسالت بأعناق المطي الأباطح # ويكون { أسلنا } أيضا ترشيحا لاستعارة اسم العين لمعنى مذاب القطر ، ووجه ~~الشبه الكثرة . # وقوله : { ومن الجن من يعمل بين يديه } يجوز أن يكون عطفا على جملة { ~~وأسلنا له عين القطر } فقوله : { من يعمل بين يديه } مبتدأ وقوله : { بإذن ~~ربه } خبر . و { من } في قوله : { من الجن } بيان لإبهام { من } قدم على ~~المبين للاهتمام به لغرابته ، وهو في موضع الحال . ولك أن تجعل { من يعمل } ~~عطفا على { الريح } في قوله : { ولسليمان الريح } أي سخرنا له من يعمل بين ~~يديه من الجن ، وتجعل جملة { وأسلنا له عين القطر } معترضة بين المعطوف ~~والمعطوف عليه . # ومعنى { يعمل بين يديه } يخدمه ويطيعه . يقال : أنا بين يديك ، أي مطيع ، ~~PageV22P159 ولا يقتضي هذا أن يكون عملته الجن وحدهم بل يقتضي أن منهم عملة ~~، وفي آية النمل { من الجن والإنس والطير } . # والزيغ : تجاوز الحد والطريق ، والمعنى : من يعص أمرنا الجاري على لسان ~~سليمان . # وذكر الجن في جند سليمان عليه السلام تقدم في سورة النمل . # و { عذاب السعير } : عذاب النار تشبيه ، أي عذابا كعذاب السعير ، أي ~~كعذاب جهنم ، وأما عذاب جهنم فإنما يكون حقيقة يوم الحساب . # و { يعملون له ما يشاء } جملة مبينة لجملة { يعمل بين يديه } ( سبأ : 12 ~~) . # و { من محاريب } بيان ل { ما يشاء } . # والمحاريب : جمع محراب ، وهو الحصن الذي يحارب منه العدو والمهاجم ~~للمدينة ، أو لأنه يرمى من شرفاته بالحراب ، ثم أطلق على القصر الحصين . ~~وقد سموا قصور غمدان في اليمن محاريب غمدان . وهذا المعنى هو المراد في هذه ~~الآية . ثم أطلق المحراب على الذي يختلى فيه للعبادة فهو بمنزلة المسجد ~~الخاص ، قال تعالى : { فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب وتقدم في ~~سورة آل عمران . وكان لداود محراب يجلس فيه للعبادة قال تعالى : وهل أتاك ~~نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب في سورة ص . # وأما ms6605 إطلاق المحراب على الموضع من المسجد الذي يقف فيه الإمام الذي يؤم ~~الناس ، يجعل مثل كوة غير نافذة واصلة إلى أرض المسجد في حائط القبلة يقف ~~الإمام تحته ، فتسمية ذلك محرابا تسمية حديثة ولم أقف على تعيين الزمن الذي ~~ابتدىء فيه إطلاق اسم المحراب على هذا الموقف . واتخاذ المحاريب في المساجد ~~حدث في المائة الثانية ، والمظنون أنه حدث في أولها في حياة أنس بن مالك ~~لأنه PageV22P160 روي عنه أنه تنزه عن الجلوس في المحاريب وكانوا يسمونه ~~الطاق أو الطاقة ، وربما سموه المذبح ، ولم أر أنهم سموه أيامئذ محرابا ، ~~وإنما كانوا يسمون بالمحراب موضع ذبح القربان في الكنيسة ، قال عمر بن أبي ~~ربيعة : # دمية عند راهب قسيس # صوروها في مذابح المحراب # والمذبح والمحراب مقتبسة من اليهود لما لا يخفى من تفرع النصرانية عن دين ~~اليهودية . # وما حكي عن أنس بن مالك إن صح فإنما يعنى به بيت للصلاة خاص . ورأيت ~~إطلاق المحراب على الطاقة التي في المسجد في كلام الفراء ، أي في منتصف ~~القرن الثاني ، نقل الجوهري عنه أنه قال : المحاريب صدور المجالس ومنه سمي ~~محراب المسجد ، لأن المحراب لم يبق حينئذ مطلقا على مكان العبادة . # ومن الغلط أن جعلوا في المسجد النبوي في الموضع الذي يقرب أن يكون النبي ~~يصلي فيه صورة محراب منفصل يسمونه محراب النبي وإنما هو علامة على تحري ~~موقفه . # والذي يظهر أن المسلمين ابتدأوا فجعلوا طاقات صغيرة علامة على القبلة ~~لئلا يضل الداخل إلى المسجد يريد الصلاة فإن ذلك يقع كثيرا ، ثم وسعوها ~~شيئا فشيئا حتى صيروها في صورة نصف دهليز صغير في جدار القبلة يسع موقف ~~الإمام ، وأحسب أن أول وضعه كان عند بناء المسجد الأموي في دمشق ، ثم إن ~~الخليفة الوليد بن عبد الملك أمر بجعله في المسجد النبوي حين وسعه وأعاد ~~بناءه ، وذلك في مدة إمارة عمر بن عبد العزيز على المدينة حسبما ذكر ~~السمهودي في كتاب خلاصة الوفا بأخبار دار المصطفى } . # والتماثيل : جمع تمثال بكسر التاء ، ووزنه تفعال لأن التاء مزيدة وهو ms6606 أحد ~~أسماء معدودة جاءت على وزن تفعال بكسر التاء ، وأما قياس هذا الباب وأكثره ~~فهو بفتح التاء . والأسماء التي جاءت على هذا الوزن منها مصادر ومنها أسماء ~~، فأما المصادر فأكثرها بفتح التاء إلا مصدرين : تبيان ، وتلقاء بمعنى ~~اللقاء . وأما الأسماء فورد منها على الكسر نحو من أربعة عشر اسما منها : ~~تمثال ، أحصاها ابن PageV22P161 دريد ، وزاد ابن العربي في ( أحكام القرآن ~~) عن شيخه الخطيب التبريزي تسعة فصارت خمسة وعشرين . والتمثال هو الصورة ~~الممثلة ، أي المجسمة مثل شيء من الأجسام فكان النحاتون يعملون لسليمان ~~صورا مختلفة كصور موهومة للملائكة وللحيوان مثل الأسود ، فقد كان كرسي ~~سليمان محفوفا بتماثيل أسود أربعة عشر كما وصف في الإصحاح العاشر من سفر ~~الملوك الأول . وكان قد جعل في الهيكل جابية عظيمة من نحاس مصقول مرفوعة ~~على اثنتي عشرة صورة ثور من نحاس . # ولم تكن التماثيل المجسمة محرمة الاستعمال في الشرائع السابقة ، وقد ~~حرمها الإسلام لأن الإسلام أمعن في قطع دابر الإشراك لشدة تمكن الإشراك من ~~نفوس العرب وغيرهم . وكان معظم الأصنام تماثيل فحرم الإسلام اتخاذها لذلك ، ~~ولم يكن تحريمها لأجل اشتمالها على مفسدة في ذاتها ولكن لكونها كانت ذريعة ~~للإشراك . واتفق الفقهاء على تحريم اتخاذ ما له ظل من تماثيل ذوات الروح ~~إذا كانت مستكملة الأعضاء التي لا يعيش ذو الروح بدونها وعلى كراهة ما عدا ~~ذلك مثل التماثيل المنصفة ومثل الصور التي على الجدران وعلى الأوراق والرقم ~~في الثوب ولا ما يجلس عليه ويداس . وحكم صنعها يتبع اتخاذها . ووقعت الرخصة ~~في اتخاذ صور تلعب بها البنات لفائدة اعتيادهن العمل بأمور البيت . # والجفان : جمع جفنة ، وهي القصعة العظيمة التي يجفن فيها الماء . وقدرت ~~الجفنة في التوراة بأنها تسع أربعين بثا ( بالمثلثة ) ولم نعرف مقدار البث ~~عندهم ولا شك أنه مكيال . وشبهت الجفان في عظمتها وسعتها بالجوابي . وهي ~~جمع : جابية وهي الحوض العظيم الواسع العميق الذي يجمع فيه الماء لسقي ~~الأشجار والزروع ، قال الأعشى : # نفي الذم عن رهط المحلق جفنة # كجابية الشيخ العراقي تفهق # أي الجفنة في ms6607 سعتها كجابية الرجل العراقي ، وأهل العراق أهل كروم وغروس ~~فكانوا يجمعون الماء للسقي . # وكانت الجفان المذكورة في الهيكل المعروف عندنا بيت المقدس لأجل وضع ~~الماء ليغلسوا فيها ما يقربونه من المحرقات كما في الإصحاح الرابع من سفر ~~الأيام الثاني . PageV22P162 # وكتب في المصحف { كالجواب } بدون ياء بعد الموحدة . وقرأه الجمهور بدون ~~ياء في حالي الوصل والوقف . وقرأه ابن كثير بإثبات الياء في الحالين . وقرأ ~~ورش عن نافع وأبو عمرو بإثبات الياء في حال الوصل وبحذفها في حال الوقف . # والقدور : جمع قدر وهي إناء يوضع فيه الطعام ليطبخ من لحم وزيت وأدهان ~~وتوابل . قال النابغة في النعمان بن الحارث الجلاحي : # له بفناء البيت سوداء فخمة # تلقم أوصال الجزور العراعر # بقية قدر من قدور تورثت # لآل الجلاح كابرا بعد كابر # أي تسع قوائم البعير إذا وضعت فيه لتطبخ مرقا ونحوه . # وهذه القدور هي التي يطبخ فيها لجند سليمان ولسدنة الهيكل ولخدمه وأتباعه ~~وقد ورد ذكر القدور إجمالا في الفقرة السادسة عشرة من الإصحاح الرابع من ~~سفر الأيام الثاني . # والراسيات : الثابتات في الأرض التي لا تنزل من فوق أثافيها لتداول الطبخ ~~فيها صباح مساء . # وجملة { اعملوا آل داود شكرا } مقول قول محذوف ، أي قلنا : اعملوا يا آل ~~داود ، ومفعول { اعملوا } محذوف دل عليه قوله : { شكرا } . وتقديره : ~~اعملوا صالحا ، كما تقدم آنفا ، عملا لشكر الله تعالى ، فانتصب { شكرا } ~~على المفعول لأجله . والخطاب لسليمان وآله . # وذيل بقوله : { وقليل من عبادي الشكور } فهو من تمام المقول ، وفيه حث ~~على الاهتمام بالعمل الصالح . ويجوز أن يكون هذا التذييل كلاما جديدا جاء ~~في القرآن ، أي قلنا ذلك لآل داود فعمل منهم قليل ولم يعمل كثير وكان ~~سليمان من أول الفئة القليلة . # و { الشكور } : الكثير الشكر . وإذ كان العمل شكرا أفاد أن العاملين قليل ~~. PageV22P163 # تفريع على قوله : { ومن الجن من يعمل بين يديه } إلى قوله : { وقدور ~~راسيات } ( سبأ : 12 ، 13 ) أي دام عملهم له حتى مات { فلما قضينا عليه ~~الموت } إلى آخره . ولا شك أن ذلك لم يطل وقته لأن ms6608 مثله في عظمة ملكه لا بد ~~أن يفتقده أتباعه ، فجملة { ما دلهم على موته } الخ جواب ( لما قضينا عليه ~~الموت ) . # وضمير { دلهم } يعود إلى معلوم من المقام ، أي أهل بلاطه . # والدلالة : الإشعار بأمر خفي . وتقدم ذلك عند قوله تعالى : { وقال الذين ~~كفروا هل ندلكم على رجل } ( سبأ : 7 ) . # و { دابة الأرض } هي الأرضة ( بفتحات ثلاث ) وهي السرفة بضم السين وسكون ~~الراء وفتح الفاء لا محالة وهاء تأنيث : سوس ينخر الخشب . فالمراد من الأرض ~~مصدر أرضت السرفة الخشب من باب ضرب ، وقد سخر الله لمنساة سليمان كثيرا من ~~السرف فتعجل لها النخر . # وجملة { فلما خر } مفرعة على جملة { ما دلهم على موته } . وجملة { تبينت ~~الجن } جواب ( لما خر ) . والمنساة بكسر الميم وفتحها وبهمزة بعد السين ، ~~وتخفف الهمزة فتصير ألفا هي العصا العظيمة ، قيل : هي كلمة من لغة الحبشة . # وقرأ نافع وأبو عمرو بألف بعد السين . وقرأه ابن كثير وعاصم وحمزة ~~والكسائي ويعقوب وخلف وهشام عن ابن عامر بهمزة مفتوحة بعد السين . وقرأه ~~ابن ذكوان عن ابن عامر بهمزة ساكنة بعد السين تخفيفا وهو تخفيف نادر . # وقرأ الجمهور : { تبينت الجن } بفتح الفوقية والموحدة والتحتية . وقرأه ~~رويس عن يعقوب بضم الفوقية والموحدة وكسر التحتية بالبناء للمفعول ، أي ~~تبين الناس الجن . و { أن لو كانوا يعلمون } بدل اشتمال من الجن على كلتا ~~القراءتين . # وقوله : { تبينت الجن } إسناد مبهم فصله قوله : { أن لو كانوا يعلمون ~~الغيب ما PageV22P164 لبثوا في العذاب المهين } ف { أن } مصدرية والمصدر ~~المنسبك منها بدل من { الجن } بدل اشتمال ، أي تبينت الجن للناس ، أي تبين ~~أمرهم أنهم لا يعلمون الغيب ، أي تبين عدم علمهم الغيب ، ودليل المحذوف هو ~~جملة الشرط والجواب . # و { العذاب المهين } : المذل ، أي المؤلم المتعب فإنهم لو علموا الغيب ~~لكان علمهم بالحاصل أزليا ، وهذا إبطال لاعتقاد العامة يومئذ وما يعتقده ~~المشركون أن الجن يعلمون الغيب فلذلك كان المشركون يستعلمون المغيبات من ~~الكهان ، ويزعمون أن لكل كاهن جنيا يأتيه بأخبار الغيب ، ويسمونه رئيا إذ ~~لو كانوا يعلمون الغيب لكان أن ms6609 يعلموا وفاة سليمان أهون عليهم . # جر خبر سليمان عليه السلام إلى ذكر سبأ لما بين ملك سليمان وبين مملكة ~~سبأ من الاتصال بسبب قصة ( بلقيس ) ، ولأن في حال أهل سبأ مضادة لأحوال ~~داود وسليمان ، إذ كان هذان مثلا في إسباغ النعمة على الشاكرين ، وكان ~~أولئك مثلا لسلب النعمة عن الكافرين ، وفيهم موعظة للمشركين إذ كانوا في ~~بحبوحة من النعمة فلما جاءهم رسول من المنعم عليهم يذكرهم بربهم ويوقظهم ~~بأنهم خاطئون إذ عبدوا غيره ، كذبوه وأعرضوا عن النظر في دلالة تلك النعمة ~~على المنعم المتفرد بالإلاهية . # وقال ابن عطية عند الكلام على قوله تعالى : { ولقد آتينا داود منا فضلا } ~~( سبأ : 10 ) ( لما فرغ التمثيل لمحمد صلى الله عليه وسلم رجع التمثيل لهم ~~( أي للمشركين أي لحالهم ) بسبإ وما كان من هلاكهم بالكفر والعتو ) ا ه . ~~فهذه القصة تمثيل أمة بأمة ، وبلاد بأخرى ، وذلك من قياس وعبره . وهي فائدة ~~تدوين التاريخ وتقلبات الأمم كما قال تعالى : { ضرب الله مثلا قرية كانت ~~آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله ~~لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم ~~العذاب وهم ظالمون } ( النحل : 112 ، 113 ) فسوق هذه القصة تعريض بأشباه ~~سبأ . والمعنى : لقد كان لسبأ في حال مساكنهم ونظام بلادهم آية . ~~PageV22P165 والآية هنا : الأمارة والدلالة بتبدل الأحوال وتقلب الأزمان ، ~~فهي آية على تصرف الله ونعمته عليهم فلم يهتدوا بتلك الآية فأشركوا به ، ~~وقد كان في إنعامه عليهم ما هو دليل على وجوده ثم على وحدانيته . # والتأكيد بلام القسم وحرف التحقيق لتنزيل المخاطبين بالتعريض بهذه القصة ~~منزلة من يتردد في ذلك لعدم اتعاظهم بحال قوم من أهل بلادهم ، وتجريد { كان ~~} من تأنيث الفعل لأن اسمها غير حقيقي للتأنيث ولوقوع الفصل بالمجرور . # واللام في { لسبأ } متعلق ب { آية } . والمساكن : البلاد التي يسكنونها ~~بقرينة قوله : { جنتان عن يمين وشمال } والمساكن : ديار السكنى . وتقدم ~~الكلام على سبأ عند قوله : { وجئتك من سبأ في سورة النمل . # واسم سبأ يطلق على ms6610 الأمة كما هنا وعلى بلادهم كما في آية النمل وتقدم ~~تفصيله . # وقرأ الجمهور في مساكنهم } بصيغة جمع مسكن . وقرأه حمزة والكسائي وحفص ~~وخلف بلفظ المفرد { في مسكنهم } إلا أن حمزة وحفصا فتحا الكاف ، والكسائي ~~وخلف كسرا الكاف وهو خارج عن القياس لأنه مضارع غير مكسور العين فحق اسم ~~المكان منه فتح العين . وشذ نحو قولهم : مسجد لبيت الصلاة . # و { جنتان } بدل من { آية } باعتبار تكملته بما اتصل به من المتعلق ~~والقول المقدر . # و { جنتان } تشبيه بليغ ، أي في مساكنهم شبيه جنتين في أنه مغترس أشجارا ~~ذاتت ثمر متصل بعضها ببعض مثل ما يعرف من حال الجنات ، وتثنية جنتين ~~باعتبار أن ما على يمين السائر كجنة ، وما على يساره كجنة . وقيل : كان لكل ~~رجل منهم في مسكنه ، أي داره جنتان جنة عن يمين المسكن وجنة عن شماله ~~فكانوا يتفيؤون ظلالهما في الصباح والمساء ويجتنون ثمارهما من نخيل وأعناب ~~وغيرها ، فيكون معنى التركيب على التوزيع ، أي : لكل مسكن جنتان ، كقولهم : ~~ركب القوم دوابهم ، وهذا مناسب لقوله : { في مساكنهم } دون أن يقول في ~~بلادهم ، أو ديارهم ، ويجوز أن يكون المراد أن مدينتهم وهي مأرب كانت ~~محفوفة PageV22P166 على يمينها وشمالها بغابة من الجنات يصطافون فيها ~~ويستثمروها مثل غوطة دمشق ، وهذا يناسب قوله بعد { وبدلناهم بجنتيهم جنتين ~~} ( سبأ : 16 ) لأن ظاهره أن المبدل به جنتان اثنتان ، إلا أن تجعله على ~~التوزيع من مقابلة المتعدد بالمتعدد . # والمعنى : أنهم كانوا أهل جنات مغروسة أشجارا مثمرة وأعنابا . # وكانت مدينتهم مأرب ( بهمزة ساكنة بعد الميم ) وهي بين صنعاء وحضرموت ، ~~قبل ، كان السائر في طرائقها لو وضع على رأسه مكتلا لوجده قد ملىء ثمارا ~~مما يسقط من الأشجار التي يسير تحتها . ولعل في هذا القول شيئا من المبالغة ~~إلا أنها تؤذن بوفرة . وكان ذلك بسبب تدبير ألهمهم الله إياه في اختزان ~~المياه النازلة في مواسم المطر بما بنوا من السد العظيم في مأرب . # وجملة { كلوا من رزق ربكم } مقول قول إما من دلالة لسان الحال كما في ~~قوله : # امتلأ الحوض ms6611 وقال قطني # وإما أبلغوه على ألسنة أنبياء بعثوا منهم ، قيل : بعث فيهم اثنا عشر ~~نبيئا ، أي مثل تبع أسعد ، فقد نقل أنه كان نبيئا كما أشار إليه قوله تعالى ~~: { وقوم تبع } ( ق : 14 ) أو غيره ، قال تعالى : { منهم من قصصنا عليك ~~ومنهم من لم نقصص عليك } ( غافر : 78 ) ، أو من غيرهم مما قاله سليمان ~~بلقيس أو مما قاله الصالحون من رسل سليمان إلى سبأ ، وفي جعل { جنتان } في ~~نظم الكلام بدلا عن آية كناية عن طيب تربة بلادهم . قيل : كانوا يزرعون ~~ثلاث مرات في كل عام . # والطيبة : الحسنة في جنسها الملائمة لمزاولها ومستثمرها قال تعالى : { ~~وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف } ( يونس : 22 ) وقال : { ~~فلنحيينه حياة طيبة } ( النحل : 97 ) وقال : { والبلد الطيب يخرج نباته ~~بإذن ربه } ( الأعراف : 58 ) وقال : { رب هب لي من لدنك ذرية طيبة } ( آل ~~عمران : 38 ) . وفي حديث أبي طلحة في صدقته بحائط ( بئرحاء ) : ( وكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب ) . والطيب ضد ~~الخبيث قال تعالى : { ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب } ( النساء : 2 ) وقال : { ~~ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث } ( الأعراف : 157 ) . PageV22P167 # واشتقاقه من الطيب بكسر الطاء بوزن فعل وهو الشيء الذي تعبق منه رائحة ~~لذيذة . # وجملة { بلدة طيبة } من تمام القول وهي مستأنفة في الكلام المقول ، أي ~~بلدة لكم طيبة ، وتنكير { بلدة } للتعظيم . و { بلدة } مبتدأ و { طيبة } ~~نعت ل { بلدة } ، وخبره محذوف ، تقديره : لكم ، وعدل عن إضافة { بلدة } إلى ~~ضميرهم لتكون الجملة خفيفة على اللسان فتكون بمنزلة المثل . # وجملة { ورب غفور } عطف على جملة { بلدة طيبة } . # وتنكير { رب } للتعظيم . وهو مبتدأ محذوف الخبر على وزان { بلدة طيبة } ، ~~والتقدير : ورب لكم ، أي ربكم غفور . # والعدول عن إضافة { رب } لضمير المخاطبين إلى تنكير { رب } وتقدير لام ~~الاختصاص لقصد تشريفهم بهذا الاختصاص ولتكون الجملة على وزان التي قبلها ~~طلبا للتخفيف ولتحصل المزاوجة بين الفقرتين فتسيرا مسير المثل . # ومعنى { غفور } : متجاوز عنكم ، أي عن كفرهم الذي كانوا عليه قبل إيمان ( ~~بلقيس ms6612 ) بدين سليمان عليه السلام ، ولا يعلم مقدار مدة بقائهم على الإيمان ~~. # تفريع على قوله : { واشكروا له } ( سبأ : 15 ) وقع اعتراضا بين أجزاء ~~القصة التي بقيتها قوله : { وجعلنا بينهم وبين القرى } ( سبأ : 18 ) الخ . ~~وهو اعتراض بالفاء مثل قوله تعالى : { ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار ~~وتقدم في سورة الأنفال . # والإعراض يقتضي سبق دعوة رسول أو نبيء ، والمعنى : أعرضوا عن الاستجابة ~~لدعوة التوحيد بالعود إلى عبادة الشمس بعد أن أقلعوا في زمن سليمان وبلقيس ~~، فلعل بلقيس كانت حولتهم من عبادة الشمس فقد كانت الأمم تتبع أديان ملوكهم ~~، وقد قيل إن بلقيس لم تعمر بعد زيارة سليمان إلا بضع سنين . PageV22P168 # والإرسال : الإطلاق وهو ضد الحبس ، وتعديته بحرف ( على ) مؤذنة بأنه ~~إرسال نقمة فإن سيل العرم كان محبوسا بالسد في مأرب فكانوا يرسلون منه ~~بمقدار ما يسقون جناتهم ، فلما كفروا بالله بعد الدعوة للتوحيد قدر الله ~~لهم عقابا بأن قدر أسباب انهدام السد فاندفع ما فيه من الماء فكان لهم غرقا ~~وإتلافا للأنعام والأشجار ، ثم أعقبه جفاف باختلال نظام تساقط الأمطار ~~وانعدام الماء وقت الحاجة إليه ، وهذا جزاء على إعراضهم وشركهم . # والعرم } يجوز أن يكون وصفا من العرامة وهي الشدة والكثرة فتكون إضافة ( ~~السيل ) إلى { العرم } من إضافة الموصوف إلى الصفة . ويجوز أن يكون { العرم ~~} اسما للسيل الذي كان ينصب في السد فتكون الإضافة من إضافة المسمى إلى ~~الاسم ، أي السيل العرم . # وكانت للسيول والأودية في بلاد العرب أسماء كقولهم : سيل مهزور ومذينيب ~~الذي كانت تسقى به حدائق المدينة ، ويدل على هذا المعنى قول الأعشى : # ومأرب عفى عليها العرم # وقيل : { العرم } اسم جمع عرمة بوزن شجرة ، وقيل لا واحد له من لفظه وهو ~~ما بني ليمسك الماء لغة يمنية وحبشية . وهي المسناة بلغة أهل الحجاز ، ~~والمسناة بوزن مفعلة التي هي اسم الآلة مشتق من سنيت بمعنى سقيت ، ومنه ~~سميت الساقية سانية وهي الدلو المستقى به والإضافة على هذين أصيلة . # والمعنى : أرسلنا السيل الذي كان مخزونا في السد . # وكان لأهل سبأ سد عظيم قرب ms6613 بلاد مأرب يعرف بسد مأرب ( ومأرب من كور اليمن ~~) وكان أعظم السداد في بلاد اليمن التي كانت فيها سداد كثيرة متفرقة وكانوا ~~جعلوا هذه السداد لخزن الماء الذي تأتي به السيول في وقت نزول الأمطار في ~~الشتاء والربيع ليسقوا منها المزارع والجنات في وقت انحباس الأمطار في ~~الصيف والخريف فكانوا يعمدون إلى ممرات السيول من بين الجبال فيبنون في ممر ~~الماء سورا من صخور يبنونها بناء محكما يصبون في الشقوق التي بين الصخور ~~القار حتى تلتئم فينحبس الماء الذي يسقط هنالك حتى إذا امتلأ الخزان جعلوا ~~بجانبيه PageV22P169 جوابي عظيمة يصب فيها الماء الذي يفيض من أعلى السد ~~فيقيمون من ذلك ما يستطيعون من توفير الماء المختزن . # وكان سد مأرب الذي يحفظ فيه { سيل العرم } شرع في بنائه سبأ أول ملوك هذه ~~الأمة ولم يتمه فأتمه ابنه حمير . وأما ما يقال من أن بلقيس بنته فذلك ~~اشتباه إذ لعل بلقيس بنت حوله خزانات أخرى فرعية أو رممت بناءه ترميما أطلق ~~عليه اسم البناء ، فقد كانوا يتعهدون تلك السداد بالإصلاح والترميم كل سنة ~~حتى تبقى تجاه قوة السيول الساقطة فيها . # وكانوا يجعلون للسد منافذ مغلقة يزيلون عنها السكر إذا أرادوا إرسال ~~الماء إلى الجنات على نوبات يرسل عندها الماء إلى الجهات المتفرقة التي ~~تسقى منه إذ جعلوا جناتهم حول السد مجتمعة . وكان يصب في سد مأرب سبعون ~~واديا . # وجعلوا هذا السد بين جبلين يعرف كلاهما بالبلق فهما البلق الأيمن والبلق ~~الأيسر . # وأعظم الأودية التي كانت تصب فيه اسمه ( إذنه ) فقالوا : إن الأودية كانت ~~تأتي إلى سبأ من الشحر وأودية اليمن . # وهذا السد حائط طوله من الشرق إلى الغرب ثمانمائة ذراع وارتفاعه بضع عشرة ~~ذراعا وعرضه مائة وخمسون ذراعا . # وقد شاهده الحسن الهمداني ووصفه في كتابه المسمى ب ( الإكليل ) وهو من ~~أهل أوائل القرن الرابع بما سمعت حاصله . ووصفه الرحالة ( أرنو ) الفرنسي ~~سنة 1883 والرحالة ( غلازر ) الفرنسي . # ولا يعرف وقت انهدام هذا السد ولا أسباب ذلك . والظاهر أن سبب انهدامه ~~اشتغال ملوكهم بحروب ms6614 داخلية بينهم ألهتهم عن تفقد ترميمه حتى تخرب ، أو ~~يكون قد خربه بعض من حاربهم من أعدائهم ، وأما ما يذكر في القصص من أن السد ~~خربته الجرذان فذلك من الخرافات . # وفي { العرم } قال النابغة الجعدي : # من سبإ الحاضرين مأرب إذ # يبنون من دون سيله العرما PageV22P170 # والتبديل : تعويض شيء بآخر وهو يتعدى إلى المأخوذ بنفسه وإلى المبذول ~~بالباء وهي باء العوض كما تقدم في قوله تعالى : { ولا تتبدلوا الخبيث ~~بالطيب في سورة النساء . # فالمعنى : أعطيناهم أشجار خمط وأثل وسدر عوضا عن جنتيهم ، أي صارت بلادهم ~~شعراء قاحلة ليس فيها إلا شجر العضاه والبادية ، وفيما بين هذين الحالين ~~أحوال عظيمة انتابتهم فقاسوا العطش وفقدان الثمار حتى اضطروا إلى مفارقة ~~تلك الديار ، فلما كانت هذه النهاية دالة على تلك الأحوال طوي ذكر ما قبلها ~~واقتصر على وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط } إلى آخره . # وإطلاق اسم الجنتين على هذه المنابت مشاكلة للتهكم كقول عمرو بن كلثوم : # قريناكم فعجلنا قراكم # قبيل الصبح مرداة طحونا # وقوله تعالى : { فبشرهم بعذاب أليم } ( الانشقاق : 24 ) . # وقد وصف الأعشى هذه الحالة بدءا ونهاية بقوله : # وفي ذاك للمؤنسي عبرة # ومأرب عفى عليها العرم # رخام بنته لهم حمير # إذا جاء مواره لم يرم # فأروى الزروع وأعنابها # على سعة ماؤهم إذا قسم # فعاشوا بذلك في غبطة # فحاربهم جارف منهزم # فطار القيول وقيلاتها # ببهماء فيها سراب يطم # فطاروا سراعا وما يقدرو # ن منه لشرب صبي فطم # والخمط : شجر الأراك . ويطلق الخمط على الشيء المر . والأثل : شجر عظيم ~~من شجر العضاه يشبه الطرفاء . والسدر : شجر من العضاه أيضا له شوك يشبه شجر ~~العناب . وكلها تنبت في الفيافي . # والسدر : أكثرها ظلا وأنفعها لأنه يغسل بورقه مع الماء فينظف وفيه رائحة ~~حسنة ولذلك وصف هنا بالقليل لإفادة أن معظم شجرهم لا فائدة منه ، وزيد ~~PageV22P171 تقليله قلة بذكر كلمة { شيء } المؤذنة في ذاتها بالقلة . يقال ~~: شيء من كذا ، إذا كان قليلا . # وفي القرآن : { وما أغني عنكم من الله من شيء } ( يوسف : 67 ) . # والأكل بضم الهمزة وسكون الكاف ms6615 وبضم الكاف : المأكول . قرأه نافع وابن ~~كثير بضم الهمزة وسكون الكاف . وقرأه باقي العشرة بضم الكاف . # وقرأ الجمهور { أكل } بالتنوين مجرورا فإذا كان { خمط } مرادا به الشجر ~~المسمى بالخمط ، فلا يجوز أن يكون { خمط } صفة ل { أكل } لأن الخمط شجر ، ~~ولا أن يكون بدلا من { أكل } كذلك ، ولا عطف بيان كما قدره أبو علي لأن عطف ~~البيان كالبدل المطابق ، فتعين أن يكون { خمط } هنا صفة يقال : شيء خامط ~~إذا كان مرا . # وقرأه أبو عمرو ويعقوب { أكل } بالإضافة إلى { خمط } ، فالخمط إذن مراد ~~به شجر الأراك ، وأكله ثمره وهو البرير وهو مر الطعم . # ومعنى { ذواتي أكل } صاحبتي { أكل } ف ( ذوات ) جمع ( ذات ) التي بمعنى ~~صاحبة ، وهي مؤنث ( ذو ) بمعنى صاحب ، وأصل ذات ذواة بهاء التأنيث مثل نواة ~~ووزنها فعلة بفتحتين ولامها واو ، فأصلها ذووه فلما تحركت الواو إثر فتحة ~~قلبت ألفا ثم خففوها في حال الإفراد بحذف العين فقالوا : ذات فوزنها فلت أو ~~فله . قال الجوهري : أصل التاء في ذات هاء مثل نواة لأنك إذا وقفت عليها في ~~الواحد قلت : ذاه بالهاء ، ولكنهم لما وصلوها بما بعدها بالإضافة صارت تاء ~~. ويدل لكون أصلها هاء أنه إذا صغر يقال ذوية بهاء التأنيث ا ه . ولم يبين ~~أيمة اللغة وجه هذا الإبدال ولعله لكون الكلمة بنيت على حرف واحد وألف هي ~~مدة الفتحة فكان النطق بالهاء بعدهما ثقيلا في حال الوقف ، ثم لما ثنوها ~~ردوها إلى أصلها لأن التثنية ترد الأشياء إلى أصولها فقالوا : ذواتا كذا ، ~~وحذفت النون للزوم إضافته ، وأصله : ذويات . فقلبت الياء ألفا لتحركها ~~وانفتاح ما قبلها ، ووزنه فعلتان وصار وزنه بعد القلب فعاتان وإذا جمعوها ~~عادوا إلى الحذف فقالوا ذوات كذا بمعنى صاحبتات ، وأصله ذويات فقلبت الياء ~~ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ، PageV22P172 فأصل وزن ذوات فعلات ثم صار ~~وزنه بعد القلب فعات ، وهو مما ألحق بجمع المؤنث السالم لأن تاءه في المفرد ~~أصلها هاء ، وأما تاؤه في الجمع فهي تاء صارت عوضا عن الهاء التي في المفرد ~~على سنة الجمع ms6616 بألف وتاء . # استئناف بياني ناشىء عن قوله : { فأرسلنا عليهم سيل العرم } ( سبأ : 16 ) ~~فهو من تمام الاعتراض . # واسم الإشارة يجوز أن يكون في محل نصب نائبا عن المفعول المطلق المبين ~~لنوع الجزاء ، وهو من البيان بطريق الإشارة ، أي جزيناهم الجزاء المشار ~~إليه وهو ما تقدم من التبديل بجنتيهم جنتين أخريين . وتقديمه على عامله ~~للاهتمام بشدة ذلك الجزاء . واستحضاره باسم الإشارة لما فيها من عظمة هوله ~~. # ويجوز أن يكون اسم الإشارة في محل رفع بالابتداء وتكون الإشارة إلى ما ~~تقدم من قوله : { فأرسلنا عليهم سيل العرم } إلى قوله : { من سدر قليل } ( ~~سبأ : 16 ) ويكون جملة { جزيناهم } خبر المبتدأ والرابط ضمير محذوف تقديره ~~: جزيناهموه . # والباء في { بما كفروا } للسبيبة و ( ما ) مصدرية ، أي بسبب كفرهم . # والكفر هو الكفر بالله ، أي إنكار إلهيته لأنهم عبدة الشمس . # والاستفهام في { وهل يجازى } إنكاري في معنى النفي كما دل عليه الاستثناء ~~. # و { الكفور } : الشديد الكفر لأنهم كانوا لا يعرفون الله ويعبدون الشمس ~~فهم أسوأ حالا من أهل الشرك . # والمعنى : ما يجازى ذلك الجزاء إلا الكفور لأن ذلك الجزاء عظيم في نوعه ، ~~أي نوع العقوبات فإن العقوبة من جنس الجزاء . والمثوبة من جنس الجزاء فلما ~~قيل { ذلك جزيناهم بما كفروا } تعين أن المراد : وهل يجازى مثل جزائهم إلا ~~الكفور ، فلا يتوهم أن هذا يقتضي أن غير الكفور لا يجازى على فعله ، ولا أن ~~الثواب لا يسمى جزاء ولا أن العاصي المؤمن لا يجازى على معصيته ، لأن تلك ~~التوهمات PageV22P173 كلها مندفعة بما في اسم الإشارة من بيان نوع الجزاء ، ~~فإن الاستئصال ونحوه لا يجري على المؤمنين . # وقرأ الجمهور { يجازى } بياء الغائب والبناء للمجهول ورفع { الكفور } . ~~وقرأ حمزة والكسائي بنون العظمة والبناء للفاعل ونصب { الكفور } . # تكملة القصة بذكر نعمة بعد نعمة فإن ما تقدم لنعمة الرخاء والبهجة وطيب ~~الإقامة ، وما هنا لنعمة الأمن وتيسير الأسفار وعمران بلادهم . # والمراد بالقرى التي بوركت قرى بلاد الشام فكانوا إذا خرجوا من مأرب إلى ~~البلاد الشامية قوافل للتجارة وبيع الطعام سلكوا طريق تهامة ms6617 ثم الحجاز ثم ~~مشارف الشام ثم بلاد الشام ، فكانوا كلما ساروا مرحلة وجدوا قرية أو بلدا ~~أو دارا للاستراحة واستراحوا وتزودوا . فكانوا من أجل ذلك لا يحملون معهم ~~أزوادا إذا خرجوا من مأرب . # وهذه القرى الظاهرة يحتمل أنها تكونت من عمل الناس القاطنين حفافي الطريق ~~السابلة بين مأرب وجلق قصد استجلاب الانتفاع بنزول القوافل بينهم وابتياع ~~الأزواد منهم وإيصال ما تحتاجه تلك القرى من السلع والثمار وهذه طبيعة ~~العمران . # ويحتمل أن سبأ أقاموا مباني يأوون إليها عند كل مرحلة من مراحل أسفارهم ~~واستنبطوا فيها الآبار والمصانع وأوكلوا بها من يحفظها ويكون لائذا بهم عند ~~نزولهم . فيكون ذلك من جملة ما وطد لهم ملوكهم من أسباب الحضارة والأمن على ~~القوافل ، وقد تكون إقامة هاته المنازل مجلبة لمن يقطنون حولها ممن يرغب في ~~المعاملة مع القافلة عند مرورها . # وعلى الاحتمالين فإسناد جعل تلك القرى إلى الله تعالى لأنه الملهم الناس ~~والملوك PageV22P174 أو لأنه الذي خلق لهم تربة طيبة تتوفر محاصيلها على ~~حاجة السكان فتسمح لهم بتطلب ترويجها في بلاد أخرى . # ووصف { ظاهرة } أنها متقاربة بحيث يظهر بعضها لبعض ويتراءى بعضها من بعض ~~. وقيل : الظاهرة التي تظهر للسائر من بعد بأن كانت القرى مبنية على الآكام ~~والظراب يشاهدها المسافر فلا يضل طريقها . وقال ابن عطية : الذي يظهر لي أن ~~معنى { ظاهرة } أنها خارجة عن المدن فهي في ظواهر المدن ومنه قولهم : نزلنا ~~بظاهر المدينة الفلانية ، أي خارجا عنها . فقوله : { ظاهرة } كتسمية الناس ~~إياها بالبادية وبالضاحية ، ومنه قول الشاعر وأنشده أهل اللغة : # فلو شهدتني من قريش عصابة # قريشش البطاح لا قريشش الظواهر # وفي حديث الاستسقاء : ( وجاء أهل الظواهر يشتكون الغرق ) ا ه . وهو تفسير ~~جميل . ويكون في قوله : { ظاهرة } على ذلك كناية عن وفرة المدن حتى إن ~~القرى كلها ظاهرة منها . # ومعنى تقدير السير في القرى : أن أبعادها على تقدير وتعادل بحيث لا ~~يتجاوز مقدار مرحلة . فكان الغادي يقبل في قرية والرائح يبيت في قرية . ~~فالمعنى : قدرنا مسافات السير في القرى ، أي في أبعادها ms6618 . ويتعلق قوله : { ~~فيها } بفعل { قدرنا } لا بالسير لأن التقدير في القرى وأبعادها لا في ~~السير إذ تقدير السير تبع لتقدير الأبعاد . # وجملة { سيروا في ليالي } مقول قول محذوف . وجملة القول بيان لجملة { ~~قدرنا } أو بدل اشتمال منها . # وهذا القول هو قول التكوين وهو جعلها يسيرون فيها . وصيغة الأمر للتكوين ~~. وضمير { فيها } عائد إلى القرى ، والظرفية المستفادة من حرف الظرف تخييل ~~لمكنية ، شبهت القرى لشدة تقاربها بالظرف وحذف المشبه به ورمز إليه بحرف ~~الظرفية . والمعنى : سيروا بينها . # وكانوا يسيرون غدوا وعشيا فيسيرون الصباح ثم تعترضهم قرية فيريحون فيها ~~PageV22P175 ويقيلون ، ويسيرون المساء فتعترضهم قرية يبيتون بها . فمعنى ~~قوله : { سيروا فيها ليالي وأياما } : سيروا كيف شئتم . # وتقديم الليالي على الأيام للاهتمام بها في مقام الامتنان لأن المسافرين ~~أحوج إلى الأمن في الليل منهم إليه في النهار لأن الليل تعترضهم فيه القطاع ~~والسباع . # الفاء من قوله : { فقالوا ربنا } لتعقيب قولهم هذا إثر إتمام النعمة ~~عليهم باقتراب المدن وتيسير الأسفار ، والتعقيب في كل شيء بحسبه ، فلما تمت ~~النعمة بطروها فحلت بهم أسباب سلبها عنهم . # ومن أكبر أسباب زوال النعمة كفرانها . قال الشيخ ابن عطاء الله الإسكندري ~~( من لم يشكر النعم فقد تعرض لزوالها ومن شكرها فقد قيدها بعقالها ) . # والأظهر عندي أن يكون هذا القول قالوه جوابا عن مواعظ أنبيائهم والصالحين ~~منهم حين ينهونهم عن الشرك فهم يعظونهم بأن الله أنعم عليهم بتلك الرفاهية ~~وهم يجيبون بهذا القول إفحاما لدعاة الخير منهم على نحو قول كفار قريش : { ~~اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا ~~بعذاب أليم } ( الأنفال : 32 ) ، قبل هذا ( فأعرضوا فإن الإعراض يقتضي دعوة ~~لشيء ) ويفيد هذا المعنى قوة { وظلموا أنفسهم } عقب حكاية قولهم ، فإنه إما ~~معطوف على جملة { فقالوا } ، أي فأعقبوا ذلك بكفران النعمة وبالإشراك ، فإن ~~ظلم النفس أطلق كثيرا على الإشراك في القرآن وما الإشراك إلا أعظم كفران ~~نعمة الخالق . # ويجوز أن تكون جملة { وظلموا أنفسهم } في موضع الحال ، والواو واو الحال ~~، أي قالوا ذلك ms6619 وقد ظلموا أنفسهم بالشرك فكان قولهم مقارنا للإشراك . # وعلى الاعتبارين فإن العقاب إنما كان مسببا بسببين كما هو صريح قوله : ~~PageV22P176 { فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين } ~~إلى قوله : { إلا الكفور } ( سبأ : 16 ، 17 ) . # فالمسبب على الكفر هو استئصالهم وهو مدلول قوله : { فجعلناهم أحاديث } ~~كما ستعرفه ، والمسبب على كفران نعمة تقارب البلاد هو تمزيقهم كل ممزق ، أي ~~تفريقهم ، فنظم الكلام جاء على طريقة اللف والنشر المشوش . # ودرج المفسرون على أنهم دعوا الله بذلك ، ويعكر عليه أنهم لم يكونوا ~~مقرين بالله فيما يظهر فإن درجنا على أنهم عرفوا الله ودعوه بهذا الدعاء ~~لأنهم لم يقدروا نعمته العظيمة قدرها فسألوا الله أن تزول تلك القرى ~~العامرة ليسيروا في الفيافي ويحملوا الأزواد من الميرة والشراب . # ثم يحتمل أن يكون أصحاب هذه المقالة ممن كانوا أدركوا حالة تباعد الأسفار ~~في بلادهم قبل أن تؤول إلى تلك الحضارة ، أو ممن كانوا يسمعون أحوال ~~الأسفار الماضية في بلادهم أو أسفار الأمم البادية فتروق لهم تلك الأحوال ، ~~وهذا من كفر النعمة الناشىء عن فساد الذوق في إدراك المنافع وأضدادها . # والمباعدة بصيغة المفاعلة القائمة مقام همزة التعدية والتضعيف . فالمعنى ~~: ربنا أبعد بين أسفارنا . وقال النبي صلى الله عليه وسلم ( اللهم باعد ~~بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب ) . # وقرأه الجمهور { باعد } . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو { بعد } بفتح الباء ~~وتشديد العين . وقرأه يعقوب وحده { ربنا } بالرفع و { باعد } بفتح العين ~~وفتح الدال بصيغة الماضي على أن الجملة خبر المبتدأ . والمعنى : أنهم ~~تذمروا من ذلك العمران واستقلوه وطلبوا أن تزداد البلاد قربا وذلك من بطر ~~النعمة وطلب ما يتعذر حينئذ . # والتركيب يعطي معنى ( اجعل البعد بين أسفارنا ) . ولما كانت { بين } ~~تقتضي أشياء تعين أن المعنى : باعد بين السفر والسفر من أسفارنا . ومعنى ~~ذلك إبعاد المراحل لأن كل مرحلة تعتبر سفرا ، أي باعد بين مراحل أسفارنا . # ومعنى { فجعلناهم أحاديث } جعلنا أولئك الذين كانوا في الجنات وفي ~~PageV22P177 بحبوحة العيش أحاديث ، أي لم يبق منهم أحد فصار وجودهم في ~~الأخبار ms6620 والقصص وأبادهم الله حين تفرقوا بعد سيل العرم فكان ذلك مسرعا فيهم ~~بالفناء بالتغرب في الأرض والفاقة وتسلط العوادي عليهم في الطرقات كما ~~ستعلمه . وفعل الجعل يقتضي تغييرا ولما علق بذواتهم انقلبت من ذوات مشاهدة ~~إلى كونها أخبارا مسموعة . والمعنى : أنهم هلكوا وتحدث الناس بهم . وهذا ~~نظير قولهم : دخلوا في خبر كان ، وإلا فإن الأحاديث لا يخلو منها أحد ولا ~~جماعة . وقد يكون في المدح كقوله : # هاذي قبورهم وتلك قصورهم # وحديثهم مستودع الأوراق # أو أريد : فجعلناهم أحاديث اعتبار وموعظة ، أي فأصبناهم بأمر غريب من ~~شأنه أن يتحدث به الناس فيكون { أحاديث } موصوفا بصفة مقدرة دل عليها ~~السياق مثل قوله تعالى : { يأخذ كل سفينة غصبا } ( الكهف : 79 ) ، أي كل ~~سفينة صالحة بقرينة قوله : { فأردت أن أعيبها } ( الكهف : 79 ) . # والتمزيق : تقطيع الثوب قطعا ، استعير هنا للتفريق تشبيها لتفريق جامعة ~~القوم شذر مذر بتمزيق الثوب قطعا . # و { كل } منصوب على المفعولية المطلقة لأنه بمعنى الممزق كله ، فاكتسب ~~معنى المفعولية المطلقة من إضافته إلى المصدر . # ومعنى { كل } كثيرة التمزيق لأن ( كلا ) ترد كثيرا بمعنى الكثير لا بمعنى ~~الجميع ، قال تعالى : { ولو جاءتهم كل آية } ( يونس : 97 ) وقال النابغة : # بها كل ذيال # وأشارت الآية إلى التفرق الشهير الذي أصيبت به قبيلة سبأ إذ حملهم خراب ~~السد وقحولة الأرض إلى مفارقة تلك الأوطان مفارقة وتفريقا ضربت به العرب ~~المثل في قولهم : ذهبوا ، أو تفرقوا أيدي سبا ، أو أيادي سبا ، بتخفيف همزة ~~سبا لتخفيف المثل . وفي ( لسان العرب ) في مادة ( يدي ) قال المعري : لم ~~يهمزوا سبا لأنهم جعلوه مع ما قبله بمنزلة الشيء الواحد . هكذا ولعله ~~التباس أو تحريف ، وإنما ذكر المعري عدم إظهار الفتحة على ياء ( أيادي ) أو ~~( أيدي ) كما هو PageV22P178 مقتضى التعليل لأن التعليل يقتضي التزام فتح ~~همزة سبا كشأن المركب المزجي . قال في ( لسان العرب ) : وبعضهم ينونه إذا ~~خففه ، قال ذو الرمة : # فيا لك من دار تفرق أهلها # أيادي سبا عنها وطال انتقالها # والأكثر عدم تنوينه قال كثير : # أيادي سبا يا عز ما كنت ms6621 بعدكم # فلم يحل بالعينين بعدكك منظر # والأيادي والأيدي فيه جمع يد . واليد بمعنى الطريق . # والمعنى : أنهم ذهبوا في مذاهب شتى يسلكون منها إلى أقطار عدة كقوله ~~تعالى : { كنا طرائق قددا } ( الجن : 11 ) . وقيل : الأيادي جمع يد بمعنى ~~النعمة لأن سبا تلفت أموالهم . # وكانت سبأ قبيلة عظيمة تنقسم إلى عشر أفخاذ وهم : الأزد ، وكندة ، ومذحج ~~، والأشعريون ، وأنمار ، وبجيلة ، وعاملة ، وهم خزاعة ، وغسان ، ولخم ، ~~وجذام . # فلما فارقوا مواطنهم فالستة الأولون تفرقوا في اليمن والأربعة الأخيرون ~~خرجوا إلى جهات قاصية فلحقت الأزد بعمان ، ولحقت خزاعة بتهامة في مكة ، ~~ولحقت الأوس والخزرج بيثرب ، ولعلهم معدودون في لخم ، ولحقت غسان ببصرى ~~والغوير من بلاد الشام ، ولحقت لخم بالعراق . # وقد ذكر أهل القصص لهذا التفرق سببا هو أشبه بالخرافات فأعرضت عن ذكره ، ~~وهو موجود في كتب السير والتواريخ . وعندي أن ذلك لا يخلو من خذلان من الله ~~تعالى سلبهم التفكر في العواقب فاستخف الشيطان أحلامهم فجزعوا من انقلاب ~~حالهم ولم يتدرعوا بالصبر حين سلبت عنهم النعمة ولم يجأروا إلى الله ~~بالتوبة فبعثهم الجزع والطغيان والعناد وسوء التدبير من رؤسائهم على أن ~~فارقوا أوطانهم عوضا من أن يلموا شعثهم ويرقعوا خرقهم فتشتتوا في الأرض ، ~~ولا يخفى ما يلاقون في ذلك من نصب وجوع ونقص من الأنفس والحمولة والأزواد ~~والحلول في ديار أقوام لا يرثون لحالهم ولا يسمحون لهم بمقاسمة أموالهم ~~فيكونون بينهم عافين . PageV22P179 # وجملة { إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور } تذييل فلذلك قطعت ، وافتتاحها ~~بأداة التوكيد للاهتمام بالخبر . والمشار إليه بذلك هو ما تقدم من قوله : { ~~لقد كان لسبإ في مساكنهم آية } ( سبأ : 15 ) . # ويظهر أن هذا التذييل تنهية للقصة وأن ما بعد هذه الجملة متعلق بالغرض ~~الأول المتعلق بأقوال المشركين والمنتقل منه إلى العبرة بداود وسليمان ~~والممثل لحال المشركين فيه بحال أهل سبا . # وجمع ( الآيات ) لأن في تلك القصة عدة آيات وعبر فحالة مساكنهم آية على ~~قدرة الله ورحمته وإنعامه ، وفيه آية على أنه الواحد بالتصرف ، وفي إرسال ~~سير العرم عليهم آية على انفراده تعالى ms6622 بالتصرف ، وعلى أنه المنتقم وعلى ~~أنه واحد ، فلذلك عاقبهم على الشرك ، وفي انعكاس حالهم من الرفاهة إلى ~~الشظف آية على تقلب الأحوال وتغير العالم وآية على صفات الأفعال لله تعالى ~~من خلق ورزق وإحياء وإماتة ، وفي ذلك آية من عدم الاطمئنان لدوام حال في ~~الخير والشر . وفيما كان من عمران إقليمهم واتساع قراهم إلى بلاد الشام آية ~~على مبلغ العمران وعظم السلطان من آيات التصرفات ، وآية على أن الأمن أساس ~~العمران . وفي تمنيهم زوال ذلك آية على ما قد تبلغه العقول من الانحطاط ~~المفضي إلى اختلال أمور الأمة وذهاب عظمتها ، وفيما صاروا إليه من النزوحح ~~عن الأوطان والتشتت في الأرض آية على ما يلجىء الاضطرار إليه الناس من ~~ارتكاب الأخطار والمكاره كما يقول المثل : الحمى أضرعتني إليك . # والجمع بين { صبار } و { شكور } في الوصف لإفادة أن واجب المؤمن التخلق ~~بالخلقين وهما : الصبر على المكاره ، والشكر على النعم ، وهؤلاء المتحدث ~~عنهم لم يشكروا النعمة فيطروها ، ولم يصبروا على ما أصابهم من زوالها ~~فاضطربت نفوسهم وعمهم الجزع فخرجوا من ديارهم وتفرقوا في الأرض ، ولا تسأل ~~عما لاقوه في ذلك من المتالف والمذلات . # فالصبار يعتبر من تلك الأحوال فيعلم أن الصبر على المكاره خير من الجزع ~~ويرتكب أخف الضرين ، ولا يستخفه الجزع فيلقي بنفسه إلى الأخطار ولا ينظر في ~~العواقب . PageV22P180 # والشكور يعتبر بما أعطي من النعم فيزداد شكرا لله تعالى ولا يبطر النعمة ~~ولا يطغى فيعاقب بسلبها كما سلبت عنهم ، ومن وراء ذلك أن يحرمهم الله ~~التوفيق . وأن يقذف بهم الخذلان في بنيات الطريق . # وفي الآية دلالة واضحة على أن تأمين الطريق وتيسير المواصلات وتقريب ~~البلدان لتيسير تبادل المنافع واجتلاب الأرزاق من هنا ومن هناك نعمة إلاهية ~~ومقصد شرعي يحبه الله لمن يحب أن يرحمه من عباده كما قال تعالى : { وإذ ~~جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا } ( البقرة : 125 ) وقال : { وإذ قال ~~إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات } ( البقرة : 126 ) ~~وقال : { وآمنهم من خوف } ( قريش : 4 ) ، فلذلك قال هنا : { وجعلنا ms6623 بينهم ~~وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي ~~وأياما آمنين } ( سبأ : 18 ) . # وعلى أن الإجحاف في إيفاء النعمة حقها من الشكر يعرض بها للزوال وانقلاب ~~الأحوال قال تعالى : { ضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها ~~رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما ~~كانوا يصنعون } ( النحل : 112 ) . # من أجل ذلك كله كان حقا على ولاة أمور الأمة أن يسعوا جهدهم في تأمين ~~البلاد وحراسة السبل وتيسير الأسفار وتقرير الأمن في سائر نواحي البلاد ~~جليلها وصغيرها بمختلف الوسائل ، وكان ذلك من أهم ما تنفق فيه أموال ~~المسلمين وما يبذل فيه أهل الخير من الموسرين أموالهم عونا على ذلك ، وذلك ~~من رحمة أهل الأرض المشمولة لقول النبي صلى الله عليه وسلم ( ارحموا من في ~~الأرض يرحمكم من في السماء ) . # وكان حقا على أهل العلم والدين أن يرشدوا الأيمة والأمة إلى طريق الخير ~~وأن ينبهوا على معالم ذلك الطريق ومسالكه بالتفصيل دون الإجمال ، فقد ~~افتقرت الأمة إلى العمل وسئمت الأقوال . PageV22P181 # ( 20 ، 21 ) { لله } # الأظهر أن هذا عطف على قوله : { وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل } ( ~~سبأ : 7 ) الآية وأن ما بينهما من الأخبار المسوقة للاعتبار كما تقدم واقع ~~موقع الاستطراد والاعتراض فيكون ضمير { عليهم } عائدا إلى { الذين كفروا } ~~من قوله : { وقال الذين كفروا هل ندلكم } الخ . والذي درج عليه المفسرون أن ~~ضمير { عليهم } عائد إلى سبأ المتحدث عنهم . ولكن لا مفر من أن قوله تعالى ~~بعد ذلك : { قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله } ( سبأ : 22 ) الآيات هو ~~عود إلى محاجة المشركين المنتقل منها بذكر قصة داود وسليمان وأهل سبا . ~~وصلوحية الآية للمحملين ناشئة من موقعها ، وهذا من بلاغة القرآن المستفادة ~~من ترتيب مواقع الآية . # فالمقصود تنبيه المؤمنين إلى مكائد الشيطان وسوء عاقبة أتباعه ليحذروه ~~ويستيقظوا لكيده فلا يقعوا في شرك وسوسته . # فالمعنى : أن الشيطان سول للمشركين أو سول للممثل بهم حال المشركين ~~الإشراك بالمنعم وحسن لهم ضد النعمة ms6624 حتى تمنوه وتوسم فيهم الانخداع له ~~فألقى إليهم وسوسته وكره إليهم نصائح الصالحين منهم فصدق توسمه فيهم أنهم ~~يأخذون بدعوته فقبلوها وأعرضوا عن خلافها فاتبعوه . # ففي قوله : { صدق عليهم إبليس ظنه } إيجاز حذف لأن صدق الظن المفرع عنه ~~اتباعهم يقتضي أنه دعاهم إلى شيء ظانا استجابة دعوته إياهم . # وقرأ الجمهور { صدق } بتخفيف الدال ف { إبليس } فاعل و { ظنه } منصوب على ~~نزع الخافض ، أي في ظنه . و { عليهم } متعلق ب { صدق } لتضمينه معنى أوقع ~~أو ألقى ، أي أوقع عليهم ظنه فصدق فيه . والصدق بمعنى الإصابة في الظن لأن ~~الإصابة مطابقة للواقع فهي من قبيل الصدق . قال أبو الغول الطهوي من شعراء ~~الحماسة : # فدت نفسي وما ملكت يميني # فوارس صدقت فيهم ظنوني PageV22P182 # وقرأ عاصم وحمزة والكسائي وخلف { صدق } بتشديد الدال بمعنى حقق ظنه عليهم ~~حين انخدعوا لوسوسته فهو لما وسوس لهم ظن أنهم يطيعونه فجد في الوسوسة حتى ~~استهواهم فحقق ظنه عليهم . # وفي ( على ) إيماء إلى أن عمل إبليس كان من جنس التغلب والاستعلاء عليهم ~~. # وقوله : { فاتبعوه } تفريع وتعقيب على فعل { صدق عليهم إبليس ظنه } أي ~~تحقق ظنه حين انفعلوا لفعل وسوسته فبادروا إلى العمل بما دعاهم إليه من ~~الإشراك والكفران . # و { إلا فريقا } استثناء من ضمير الرفع في { فاتبعوه } وهو استثناء متصل ~~إن كان ضمير ( اتبعوه ) عائدا على المشركين وأما إن كان عائدا على أهل سبا ~~فيحتمل الاتصال إن كان فيهم مؤمنين وإلا فهو استثناء منقطع ، أي لم يعصه في ~~ذلك إلا فريق من المؤمنين وهم الذين آمنوا من أهل مكة ، أو الذين آمنوا من ~~أهل سبا . فلعل فيهم طائفة مؤمنين ممن نجوا قبل إرسال سيل العرم . # والفريق : الطائفة مطلقا ، واستثناؤها من ضمير الجماعة يؤذن بأنهم قليل ~~بالنسبة للبقية ، وإلا فإن الفريق يصدق بالجماعة الكثيرة كما في قوله تعالى ~~: { فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة } ( الأعراف : 30 ) . # والتعريف في { المؤمنين } للاستغراق و { من } تبعيضية ، أي إلا فريقا هم ~~بعض جماعات المؤمنين في الأزمان والبلدان . # وقوله : { وما كان له عليهم من سلطان ms6625 } أي ما كان للشيطان من سلطان على ~~الذين اتبعوه . # وفعل { كان } في النفي مع { من } التي تفيد الاستغراق في النفي يفيد ~~انتفاء السلطان ، أي الملك والتصريف للشيطان ، أي ليست له قدرة ذاتية هو ~~مستقل بها يتصرف بها في العالم كيف يشاء لأن تلك القدرة خاصة بالله تعالى . # والاستثناء في قوله : { إلا لنعلم } استثناء من علل . فيفيد أن تأثير ~~وسوسته فيهم كان بتمكين من الله ، أي لكن جعلنا الشيطان سببا يتوجه إلى ~~عقولهم وإرادتهم فتخامرها وسوسته فيتأثر منها فريق وينجو منها فريق بما ~~أودع الله في هؤلاء PageV22P183 وهؤلاء من قوة الانفعال أو الممانعة على ~~حسب السنن التي أودعها الله في المخلوقات . # ويجوز أن يكون الاستثناء من عموم سلطان ، وحذف المستثنى ودل عليه علته ~~والتقدير : إلا سلطانا لنعلم من يؤمن بالآخرة . فيدل على أنه سلطان مجعول ~~له بجعل الله بقرينة أن تعليله مسند إلى ضمير الجلالة . # وانظر ما قلناه عند قوله تعالى : { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من ~~اتبعك من الغاوين في سورة الحجر وضمه إلى ما قلناه هنا . # واقتصر من علل تمكين الشيطان من السلطان على تمييز من يؤمن بالآخرة ومن ~~لا يؤمن بها لمراعاة أحوال الذين سبقت إليهم الموعظة بأهل سبا وهم كفار ~~قريش لأن جحودهم الآخرة قرين للشرك ومساو له فإنهم لو آمنوا بالآخرة لآمنوا ~~بربها وهو الرب الواحد الذي لا شريك له ، وإلا فإن علل جعل الشيطان للوسوسة ~~كثيرة مرجعها إلى تمييز الكفار من المؤمنين ، والمتقين من المعرضين . وكني ~~ب نعلم عن إظهار التمييز بين الحالين لأن الظهور يلازم العلم في العرف . ~~قال قبيصة الطائي من رجال حرب ذي قار : # وأقبلت والخطي يخطر بيننا # لأعلم من جبانها من شجاعها # أراد ليتميز الجبان من الشجاع فيعلمه الناس ، فإن غرضه الأهم إظهار شجاعة ~~نفسه لثقته بها لا اختبار شجاعة أقرانه وإلا لكان مترددا في إقدامه . ~~فالمعنى : ليظهر من يؤمن بالآخرة ويتميز عمن هو منها في شك فيعلمه من يعلمه ~~ويتعلق علمنا به تعلقا جزئيا عند حصوله يترتب عليه ms6626 الجزاء فقد ذكرنا فيما ~~تقدم أن لا محيص من اعتبار تعلق تنجيزي لعلم الله . ورأيت في الرسالة ~~الخاقانية } لعبد الحكيم السلكوتي أن بعض العلماء أثبت ذلك التعلق ولم يعين ~~قائله . وخولف في النظم بين الصلتين فجاءت جملة { من يؤمن بالآخرة } فعلية ~~، وجاءت جملة { هو منها في شك } اسمية لأن الإيمان بالآخرة طارىء على كفرهم ~~السابق ومتجدد ومتزايد آنا فآنا . فكان مقتضى الحال إيراد الفعل في صلة ~~أصحابه . وأما شكهم في الآخرة فبخلاف ذلك هو أمر متأصل فيهم فاجتلبت ~~لأصحابه الجملة الإسمية . PageV22P184 # وجيء بحرف الظرفية للدلالة على إحاطة الشك بنفوسهم ويتعلق قوله : { منها ~~} بقوله : ( بشك ) . # وجملة { وربك على كل شيء حفيظ } تذييل . والحفيظ : الذي لا يخرج عن ~~مقدرته ما هو في حفظه ، وهو يقتضي العلم والقدرة إذ بمجموعهما تتقوم ماهية ~~الحفظ ولذلك يتبع الحفظ بالعلم كثيرا كقوله تعالى : { إني حفيظ عليم } ( ~~يوسف : 55 ) . وصيغة فعيل تدل على قوة الفعل وأفاد عموم { كل شيء } أنه لا ~~يخرج عن علمه شيء من الكائنات فتنزل هذا التذييل منزلة الاحتراس عن غير ~~المعنى الكنائي من قوله : { لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك } ، ~~أي ليظهر ذلك لكل أحد فتقوم الحجة لهم وعليهم . # ( 22 ، 23 ) # كانت قصة سبا قد ضربت مثلا وعبرة للمشركين من قريش وكان في أحوالهم مثيل ~~لأحوال المشركين في أمن بلادهم وتيسير أرزاقهم وتأمين سبلهم في أسفارهم مما ~~أشار إليه قوله تعالى : { أولم نمكن لهم حرما آمنا تجبى إليه ثمرات كل شيء ~~} ( القصص : 57 ) وقوله : { لإيلاف قريش } ( قريش : 1 ) إلى آخر السورة ، ~~ثم فيما قابلوا به نعمة الله بالإشراك به وكفران نعمته وإفحامهم دعاة الخير ~~الملهمين من لدنه إلى دعوتهم ، فلما تقضى خبرهم لينتقل منه إلى تطبيق ~~العبرة على من قصد اعتبارهم انتقالا مناسبته بينة وهو أيضا عود إلى إبطال ~~أقوال المشركين ، وسيق لهم من الكلام ما هو فيه توقيف على أخطائهم ، وأيضا ~~فلما جرى من استهواء الشيطان أهل سبا فاتبعوه وكان الشيطان مصدر الضلال ~~وعنصر الإشراك أعقب ذكره بذكر فروعه ms6627 وأوليائه . # وافتتح الكلام بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم ما هو متتابع ~~في بقية هذه الآيات المتتابعة بكلمة { قل } فأمر بالقول تجديدا لمعنى ~~التبليغ الذي هو مهمة كل القرآن . PageV22P185 # والأمر في قوله : { ادعوا } مستعمل في التخطئة والتوبيخ ، أي استمروا على ~~دعائكم . # و { الذين زعمتم من دون الله } معناه زعمتموهم أربابا ، فحذف مفعولا ~~الزعم : أما الأول فحذف لأنه ضمير متصل منصوب بفعل قصدا لتخفيف الصلة ~~بمتعلقاتها ، وأما الثاني فحذفه لدلالة صفته عليه وهي { من دون الله } . # و { من دون الله } صفة لمحذوف تقديره : زعمتم أولياء . # ومعنى { من دون الله } أنهم مبتدأون من جانب غير جانب الله ، أي زعمتموهم ~~آلهة مبتدئين إياهم من ناحية غير الله لأنهم حين يعبدونهم قد شغلوا ~~بعبادتهم ففرطوا في عبادة الله المستحق للعبادة وتجاوزوا حق إلهيته في ~~أحوال كثيرة وأوقات وفيرة . # وجملة { لا يملكون } مبينة لما في جملة { ادعوا الذين زعمتم } من التخطئة ~~. # وقد نفي عنهم ملك أحقر الأشياء وهو ما يساوي ذرة من السماء والأرض . # والذرة : بيضة النمل التي تبدو حبيبة صغيرة بيضاء ، وتقدم عند قوله تعالى ~~: { وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في سورة يونس . والمراد بالسماوات والأرض ~~جوهرهما وعينهما لا ما تشتملان عليه من الموجودات لأن جوهرهما لا يدعي ~~المشركون فيه ملكا لآلهتهم ، فالمثقال : إما آلة الثقل فهو اسم للصنوج التي ~~يوزن بها فأطلق على العديل مجازا مرسلا ، وإما مصدر ميمي سمي به الشيء الذي ~~به التثقيل ثم أطلق على العديل مجازا ، وتقدم المثقال عند قوله : وإن كان ~~مثقال حبة من خردل في سورة الأنبياء . # ومثقال الذرة : ما يعدل الذرة فيثقل به الميزان ، أي لا يملكون شيئا من ~~السماوات ولا في الأرض . وإعادة حرف النفي تأكيد له للاهتمام به . # وقد نفى أن يكون لآلهتهم ملك مستقل ، وأتبع بنفي أن يكون لهم شرك في شيء ~~من السماء والأرض ، أي شرك مع الله كما هو السياق فلم يذكر متعلق الشرك ~~إيجازا لأنه محل الوفاق . PageV22P186 # ثم نفى أن يكون منهم ظهير ، أي معين ms6628 لله تعالى . وتقدم الظهير في قوله ~~تعالى : ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا في سورة الإسراء . وهنا تعين التصريح ~~بالمتعلق ردا على المشركين إذ زعموا أن آلهتهم تقرب إليه وتبعد عنه ، ثم ~~أتبع ذلك بنفي أن يكون شفيع عند الله يضطره إلى قبول الشفاعة فيمن يشفع له ~~لتعظيم أو حياء . وقد صرح بالمتعلق هنا أيضا ردا على قول المشركين هؤلاء ~~شفعاؤنا عند الله } ( يونس : 18 ) فنفيت شفاعتهم في عموم نفي كل شفاعة ~~نافعة عند الله إلا شفاعة من أذن الله أن يشفع . وفي هذا إبطال شفاعة ~~أصنامهم لأنهم زعموا لهم شفاعة لازمة من صفات آلهتهم لأن أوصاف الإله يجب ~~أن تكون ذاتية فلما نفى الله كل شفاعة لم يأذن فيها للشافع انتفت الشفاعة ~~المزعومة لأصنامهم . وبهذا يندفع ما يتوهم من أن قوله : { إلا لمن أذن له } ~~لا يبطل شفاعة الأصنام فافهم . # وجاء نظم قوله : { ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له } نظما بديعا من ~~وفرة المعنى ، فإن النفع يجيء بمعنى حصول المقصود من العمل ونجاحه كقول ~~النابغة : # ولا حلفي على البراءة نافع # ومنه قوله تعالى : { لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل } ( ~~الأنعام : 158 ) ، ويجيء بمعنى المساعد الملائم وهو ضد الضار وهو أكثر ~~إطلاقه . ومنه : دواء نافع ، ونفعني فلان . فالنفع بالمعنى الأول في الآية ~~يفيد القبول من الشافع لشفاعته ، وبالمعنى الثاني يفيد انتفاع المشفوع له ~~بالشفاعة ، أي حصول النفع له بانقشاع ضر المؤاخذة بذنب كقوله تعالى : { فما ~~تنفعهم شفاعة الشافعين } ( المدثر : 48 ) . فلما عبر في هذه الآية بلفظ ~~الشفاعة الصالح لأن يعتبر مضافا إلى الفاعل أو إلى المفعول احتمل النفع أن ~~يكون نفع الفاعل ، أي قبول شفاعته ، ونفع المفعول ، أي قبول شفاعة من شفع ~~فيه . # وتعدية فعل الشفاعة باللام دون ( في ) ودون تعديته بنفسه زاد صلوحيته ~~للمعنيين لأن الشفاعة تقتضي شافعا ومشفوعا فيه فكان بذلك أوفر معنى . # فالاستثناء في قوله : { إلا لمن أذن له } استثناء من جنس الشفاعة المنفي ~~بقرينة وجود اللام وليس استثناء من متعلق { تنفع } لأن ms6629 الفعل لا يعدى إلى ~~مفعوله باللام إلا إذا تأخر الفعل عنه فضعف عن العمل بسبب التأخير فلذلك ~~احتملت PageV22P187 اللام أن تكون داخلة على الشافع ، وأن ( من ) المجرورة ~~باللام صادقة على الشافع ، أي لا تقبل شفاعة إلا شفاعة كائنة لمن أذن الله ~~له ، أي أذن له بأن يشفع فاللام للملك كقولك : الكرم لزيد ، أي هو كريم ~~فيكون في معنى قوله : { ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع } ( السجدة : 4 ) . ~~وأن تكون اللام داخلة على المشفوع فيه ، و ( من ) صادقة على مشفوع فيه ، أي ~~إلا شفاعة لمشفوع أذن الله الشافعين أن يشفعوا له أي لأجله فاللام للعلة ~~كقولك : قمت لزيد ، فهو كقوله تعالى : { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى } ( ~~الأنبياء : 28 ) . # وإنما جيء بنظم هذه الآية على غير ما نظمت عليه غيرها لأن المقصود هنا ~~إبطال رجائهم أن تشفع لهم آلهتهم عند الله فينتفعوا بشفاعتها ، لأن أول ~~الآية توبيخ وتعجيز لهم في دعوتهم الآلهة المزعومة فاقتضت إبطال الدعوة ~~والمدعو . # وقد جمعت الآية نفي جميع أصناف التصرف عن آلهة المشركين كما جمعت نفي ~~أصناف الآلهة المعبودة عند العرب ، لأن من العرب صابئة يعبدون الكواكب وهي ~~في زعمهم مستقرة في السماوات تدبر أمور أهل الأرض فأبطل هذا الزعم قوله : { ~~لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض } ؛ فأما في السماوات ~~فباعترافهم أن الكواكب لا تتصرف في السماوات وإنما تصرفها في الأرض ، وأما ~~في الأرض فبقوله : { ولا في الأرض } . ومن العرب عبدة أصنام يزعمون أن ~~الأصنام شركاء لله في الإلهية فنفي ذلك بقوله : { وما لهم فيهما من شرك وما ~~له منهم من ظهير } ، ومنهم من يزعمون أن الأصنام جعلها الله شفعاء لأهل ~~الأرض فنفي ذلك بقوله : { ولا تنفع الشفاعة عنده } الآية . # وقرأ الجمهور { أذن } بفتح الهمزة وفيه ضمير يعود إلى اسم الجلالة مثل ~~ضمائر الغيبة التي قبله . وقرأه أبو عمرو وحمزة والكسائي وخلف بضم الهمزة ~~على البناء للنائب . والمجرور من قوله : { له } في موضع نائب الفاعل . # وقوله : { حتى إذا فزع عن قلوبهم } { حتى } ابتدائية ms6630 وهي تفيد ارتباط ما ~~بعدها بما قبلها لا محالة فالضمائر التي في الجملة الواقعة بعد { حتى } ~~عائدة على ما يصلح لها في الجمل التي قبلها . وقد أفادت { حتى } الغاية ~~بأصل وضعها وهي هنا غاية لما أفهمه قوله : { إلا لمن أذن له } من أن هنالك ~~إذنا يصدر من جانب PageV22P188 القدس يأذن الله به ناسا من الأخيار بأن ~~يشفعوا كما جاء تفصيل بعض هذه الشفاعة في الأحاديث الصحيحة وأن الذين يرجون ~~أن يشفع فيهم ينتظرون ممن هو أهل لأن يشفع وهم في فزع من الإشفاق أن لا ~~يؤذن بالشفاعة فيهم ، فإذا أذن الله لمن شاء أن يشفع زال الفزع عن قلوبهم ~~واستبشروا إذ أنه فزع عن قلوب الذين قبلت الشفاعة فيهم ، أي وأيس المحرومون ~~من قبول الشفاعة فيهم . وهذا من الحذف المسمى بالاكتفاء اكتفاء بذكر الشيء ~~عن ذكر نظيره أو ضده ، وحسنه هنا أنه اقتصار على ما يسر المؤمنين الذين لم ~~يتخذوا من دون الله أولياء . # وقد طويت جمل من وراء { حتى } ، والتقدير : إلا لمن أذن له ويومئذ يبقى ~~الناس مرتقبين الإذن لمن يشفع ، فزعين من أن لا يؤذن لأحد زمنا ينتهي بوقت ~~زوال الفزع عن قلوبهم حين يؤذن للشافعين بأن يشفعوا ، وهو إيجاز حذف . # و { إذا } ظرف للمستقبل وهو مضاف إلى جملة { فزع عن قلوبهم } ومتعلق ب { ~~قالوا } . # و { فزع } قرأه الجمهور بضم الفاء وكسر الزاي مشددة ، وهو مضاعف فزع . ~~والتضعيف فيه للإزالة مثل : قشر العود ، ومرض المريض إذا باشر علاجه ، وبني ~~للمجهول لتعظيم ذلك التفزيع بأنه صادر من جانب عظيم ، ففيه جانب الآذن فيه ~~، وجانب المبلغ له وهو الملك . # والتفزيع يحصل لهم بانكشاف إجمالي يلهمونه فيعلمون بأن الله أذن بالشفاعة ~~ثم يتطلبون التفصيل بقولهم : { ماذا قال ربكم } ليعلموا من أذن له ممن لم ~~يؤذن له ، وهذا كما يكرر النظر ويعاود المطالعة من ينتظر القبول ، أو هم ~~يتساءلون عن ذلك من شدة الخشية فإنهم إذا فزع عن قلوبهم تساءلوا لمزيد ~~التحقق بما استبشروا به فيجابون أنه قال الحق . # فضمير { قالوا ماذا ms6631 قال ربكم } عائد على بعض مدلول قوله : { لمن أذن له } ~~. وهم الذين أذن للشفعاء بقبول شفاعتهم منهم وهم يوجهون هذا الاستفهام إلى ~~الملائكة الحافين ، وضمير { قالوا الحق } عائد إلى المسؤولين وهم الملائكة ~~. # ويظهر أن كلمة { الحق } وقعت حكاية لمقول الله بوصف يجمع متنوع ~~PageV22P189 أقوال الله تعالى حينئذ من قبول شفاعة في بعض المشفوع فيهم ومن ~~حرمان لغيرهم كما يقال : ماذا قال القاضي للخصم ؟ فيقال : قال الفصل . فهذا ~~حكاية لمقول الله بالمعنى . # وانتصاب { الحق } على أنه مفعول { قالوا } يتضمن معنى الكلام ، أي قال ~~الكلام الحق ، كقوله : # وقصيدة تأتي الملوك غريبة # قد قلتها ليقال من ذا قالها # هذا هو المعنى الذي يقتضيه نظم الآية ويلتئم مع معانيها . وقد ذهبت في ~~تفسيرها أقوال كثير من المفسرين طرائق قددا ، وتفرقوا بددا بددا . # و ( ذا ) من قوله : { ماذا } إشارة عوملت معاملة الموصول لأن أصل : { ~~ماذا قال } : ما هذا الذي قال ، فلما كثر استعمالها بدون ذكر اسم الموصول ~~قيل إن ( ذا ) بعد الاستفهام تصير اسم موصول ، وقد يذكر الموصول بعدها ~~كقوله تعالى : { من ذا الذي يشفع عنده } ( البقرة : 255 ) . # وقرأ ابن عامر ويعقوب { فزع } بفتح الفاء وفتح الزاي مشددة بصيغة البناء ~~للفاعل ، أي فزع الله عن قلوبهم . # وقد ورد في أحاديث الشفاعة عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري أن الله يقول ~~لآدم : ( أخرج بعث النار من ذريتك ) ، وفي حديث أنس في شفاعة النبي صلى ~~الله عليه وسلم لأهل المحشر كلهم ( ليدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ~~) . وفيه أن الأنبياء أبوا أن يشفعوا وأن أهل المحشر أتوا محمدا صلى الله ~~عليه وسلم وأنه استأذن ربه في ذلك فقال له : ( سل تعط واشفع تشفع ) ، وفي ~~حديث أبي سعيد ( أن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع لعمه أبي طالب فيجعل في ~~ضحضاح من نار يبلغ كعبيه تغلي منه أم دماغه ) . # وجملة { وهو العلي الكبير } تتمة جواب المجيبين ، عطفوا تعظيم الله بذكر ~~صفتين من صفات جلاله ، وهما صفة { العلي } وصفة { الكبير } . # والعلو : علو الشأن الشامل لمنتهى الكمال في العلم ms6632 . # والكبر : العظمة المعنوية ، وهي منتهى القدرة والعدل والحكمة ، وتخصيص ~~هاتين PageV22P190 الصفتين لمناسبة مقام الجواب ، أي قد قضى بالحق لكل أحد ~~بما يستحقه فإنه لا يخفى عليه حال أحد ولا يعوقه عن إيصاله إلى حقه عائق ~~ولا يجوز دونه حائل . وتقدم ذكر هاتين الصفتين في قوله : { وأن الله هو ~~العلي الكبير في سورة الحج . # واعلم أنه قد ورد في صفة تلقي الملائكة الوحي أن من يتلقى من الملائكة ~~الوحي يسأل الذي يبلغه إليه بمثل هذا الكلام كما في حديث أبي هريرة في صحيح ~~البخاري } وغيره : أن نبيء الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا قضى الله ~~الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان ~~فإذا فزع عن قلوبهم قالوا : ماذا قال ربكم ؟ قالوا للذي قال الحق وهو العلي ~~الكبير ) ا ه . فمعنى قوله في الحديث : قضى صدر منه أمر التكوين الذي تتولى ~~الملائكة تنفيذه ، وقوله في الحديث : ( في السماء ) يتعلق ب ( قضى ) بمعنى ~~أوصل قضاءه إلى السماء حيث مقر الملائكة ، وقوله : ( خضعانا لقوله ) أي ~~خوفا وخشية ، وقوله : { فزع عن قلوبهم } أي أزيل الخوف عن نفوسهم . # وفي حديث ابن عباس عند الترمذي ( إذا قضى ربنا أمرا سبح له حملة العرش ، ~~ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ) قال : ( ثم أهل كل سماء ~~) الحديث . وذلك لا يقتضي أنه المراد في آية سورة سبأ وإنما هذه صفة تلقي ~~الملائكة أمر الله في الدنيا والآخرة فكانت أقوالهم على سنة واحدة . # وليس تخريج البخاري والترمذي هذا الحديث في الكلام على تفسير سورة سبأ ~~مرادا به أنه وارد في ذلك ، وإنما يريد أن من صور معناه ما ذكر في سورة سبأ ~~. وهذا يغنيك عن الالتجاء إلى تكلفات تعسفوها في تفسير هذه الآية وتعلقها ~~بما قبلها . # انتقال من دمغ المشركين بضعف آلهتهم وانتفاء جدواها عليهم في الدنيا ~~والآخرة إلى إلزامهم بطلان عبادتها بأنها لا تستحق العبادة لأن مستحق ~~العبادة هو الذي يرزق عباده فإن العبادة شكر ولا يستحق الشكر إلا المنعم ، ~~وهذا ms6633 PageV22P191 احتجاج بالدليل النظري لأن الاعتراف بأن الله هو الرزاق ~~يستلزم انفراده بإلاهيته إذ لا يجوز أن ينفرد ببعض صفات الإلاهية ويشارك في ~~بعض آخر فإن الإلهية حقيقة لا تقبل التجزئة والتبعيض . # وأعيد الأمر بالقول لزيادة الاهتمام بالمقول فإن أصل الأمر بالقول في ~~مقام التصدي للتبليغ دال على الاهتمام ، وإعادة ذلك الأمر زيادة في ~~الاهتمام . # و { من } استفهام للتنبيه على الخطأ ولذلك أعقب بالجواب من طرف السائل ~~بقوله : { قل الله } لتحقق أنهم لا ينكرون ذلك الجواب كما في قوله تعالى : ~~{ قل من يرزقكم من السماء والأرض أم من يملك السمع والأبصار إلى قوله : ~~فسيقولون الله في سورة يونس . وتقدم نظير صدر هذه الآية في سورة الرعد . # وعطف على الاستفهام إبراز المقصد بطريقة خفية توقع الخصم في شرك ~~المغلوبية وذلك بترديد حالتي الفريقين بين حالة هدى وحالة ضلال لأن حالة كل ~~فريق لما كانت على الضد من حال الفريق الآخر بين موافقة الحق وعدمها ، تعين ~~أن أمر الضلال والهدى دائر بين الحالتين لا يعدوانهما . ولذلك جيء بحرف أو ~~} المفيد للترديد المنتزع من الشك . # وهذا اللون من الكلام يسمى الكلام المنصف وهو أن لا يترك المجادل لخصمه ~~موجب تغيظ واحتداد في الجدال ، ويسمى في علم المناظرة إرخاء العنان للمناظر ~~، ومع ذلك فقرينة إلزامهم الحجة قرينة واضحة . # ومن لطائفه هنا أن اشتمل على إيماء إلى ترجيح أحد الجانبين في أحد ~~الاحتمالين بطريق مقابلة الجانبين في ترتيب الحالتين باللف والنشر المرتب ~~وهو أصل اللف . فإنه ذكر ضمير جانب المتكلم وجماعته وجانب المخاطبين ، ثم ~~ذكر حال الهدى وحال الضلال على ترتيب ذكر الجانبين ، فأومأ إلى أن الأولين ~~موجهون إلى الهدى والآخرين موجهون إلى الضلال المبين ، لا سيما بعد قرينة ~~الاستفهام ، وهذا أيضا من التعريض وهو أوقع من التصريح لا سيما في استنزال ~~طائر الخصم . # وفيه أيضا تجاهل العارف فقد التأم في هذه الجملة ثلاثة محسنات من البديع ~~ونكتة من البيان فاشتملت على أربع خصوصيات . PageV22P192 # وجيء في جانب أصحاب الهدى بحرف الاستعلاء المستعار للتمكن تمثيلا لحال ~~المهتدي ms6634 بحال متصرف في فرسه يركضه حيث شاء فهو متمكن من شيء يبلغ به مقصده ~~. وهي حالة مماثلة لحال المهتدي على بصيرة فهو يسترجع مناهج الحق في كل صوب ~~، متسع النظر ، منشرح الصدر : ففيه تمثيلية مكنية وتبعية . # وجيء في جانب الضالين بحرف الظرفية المستعار لشدة التلبس بالوصف تمثيلا ~~لحالهم في إحاطة الضلال بهم بحال الشيء في ظرف محيط به لا يتركه يفارقه ولا ~~يتطلع منه على خلاف ما هو فيه من ضيق يلازمه . وفيه أيضا تمثيلية تبعية ، ~~وهذا ينظر إلى قوله تعالى : { فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن ~~يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا } ( الأنعام : 125 ) . # فحصل في الآية أربع استعارات وثلاثة محسنات من البديع وأسلوب بياني ، ~~وحجة قائمة ، وهذا إعجاز بديع . # ووصف الضلال بالمبين دون وصف الهدى بالمبين لأن حقيقة الهدى مقول عليها ~~بالتواطؤ وهو معنى قول أصحابنا الأشاعرة : الإيمان لا يزيد ولا ينقص في ~~ذاته وإنما زيادته بكثرة الطاعات ، وأما الكفر فيكون بإنكار بعض المعتقدات ~~وبإنكار جميعها وكل ذلك يصدق عليه الكفر . ولذلك قيل كفر دون كفر ، فوصف ~~كفرهم بأنه أشد الكفر ، فإن المبين هو الواضح في جنسه البالغ غاية حده . # أعيد الأمر بأن يقول لهم مقالا آخر إعادة لزيادة الاهتمام كما تقدم آنفا ~~واستدعاء لأسماء المخاطبين بالإصغاء إليه . # ولما كان هذا القول يتضمن بيانا للقول الذي قبله فصلت جملة الأمر بالقول ~~عن أختها إذ لا يعطف البيان على المبين بحرف النسق ، فإنه لما ردد أمر ~~الفريقين بين أن يكون أحدهما على هدى والآخر في ضلال وكان الضلال يأتي ~~بالإجرام PageV22P193 اتسع في المحاجة فقيل لهم : إذا نحن أجرمنا فأنتم غير ~~مؤاخذين بجرمنا وإذا عملتم عملا فنحن غير مؤاخذين به ، أي أن كل فريق مؤاخذ ~~وحده بعمله فالأجدى بكلا الفريقين أن ينظر كل في أعماله وأعمال ضده ليعلم ~~أي الفريقين أحق بالفوز والنجاة عند الله . # وأيضا فصلت لتكون هذه الجملة مستقلة بنفسها ليخصها السامع بالتأمل في ~~مدلولها فيجوز أن تعتبر استئنافا ابتدائيا ، وهي مع ذلك اعتراض ms6635 بين أثناء ~~الاحتجاج . # فمعنى : { لا تسألون } { ولا نسأل } ، أن كل فريق له خويصته . # والسؤال : كناية عن أثره وهو الثواب على العمل الصالح والجزاء على ~~الإجرام بمثله ، كما هو في قول كعب بن زهير : # وقيل إنك منسوب ومسؤول # أراد ومؤاخذ بما سبق منك لقوله قبله : # لذاك أهيب عندي إذ أكلمه # وإسناد الإجرام إلى جانب المتكلم ومن معه مبني على زعم المخاطبين ، قال ~~تعالى : { وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون } ( المطففين : 32 ) كان ~~المشركون يؤنبون المؤمنين بأنهم خاطئون في تجنب عبادة أصنام قومهم . # وهذه نكتة صوغه في صيغة الماضي لأنه متحقق على زعم المشركين . وصيغ ما ~~يعمل المشركون في صيغة المضارع لأنهم ينتظرون منهم عملا تعريضا بأنهم يأتون ~~عملا غير ما عملوه ، أي يؤمنون بالله بعد كفرهم . # وهذا ضرب من المشاركة والموادعة ليخلوا بأنفسهم فينظروا في أمرهم ولا ~~يلهيهم جدال المؤمنين عن استعراض ومحاسبة أنفسهم . وفيه زيادة إنصاف إذ فرض ~~المؤمنون الإجرام في جانب أنفسهم وأسندوا العمل على إطلاقه في جانب ~~المخاطبين لأن النظر والتدبر بعد ذلك يكشف عن كنه كلا العملين . # وليس لهذه الآية تعلق بمشاركة القتال فلا تجعل منسوخة بآيات القتال . ~~PageV22P194 # إعادة فعل { قل } لما عرفت في الجملة التي قبلها من زيادة الاهتمام بهذه ~~المحاجات لتكون كل مجادلة مستقلة غير معطوفة فتكون هذه الجملة استئنافا ~~ابتدائيا . # وأيضا فهي بمنزلة البيان للتي قبلها لأن نفي سؤال كل فريق عن عمل غيره ~~يقتضي أن هنالك سؤالا عن عمل نفسه فبين بأن الذي يسأل الناس عن أعمالهم هو ~~الله تعالى ، وأنه الذي يفصل بين الفريقين بالحق حين يجمعهم يوم القيامة ~~الذي هم منكروه فما ظنك بحالهم يوم تحقق ما أنكروه . # وهنا تدرج الجدل من الإيماء إلى الإشارة القريبة من التصريح لما في إثبات ~~يوم الحساب والسؤال من المصارحة بأنهم الضالون . ويسمى هذا التدرج عند أهل ~~الجدل بالترقي . # والفتح : الحكم والفصل بالحق ، كقوله تعالى : { ربنا افتح بيننا وبين ~~قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين } ( الأعراف : 89 ) وهو مأخوذ من فتح الكوة ~~لإظهار ما خلفها . # وجملة ms6636 { وهو الفتاح العليم } تذييل بوصفه تعالى بكثرة الحكم وقوته وإحاطة ~~العلم ، وبذلك كان تذييلا لجملة { يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق } ~~المتضمنة حكما جزئيا فذيل بوصف كلي . وإنما أتبع { الفتاح } ب { العليم } ~~للدلالة على أن حكمه عدل محض لأنه عليم لا تحف بحكمه أسباب الخطأ والجور ~~الناشئة عن الجهل والعجز واتباع الضعف النفساني الناشىء عن الجهل بالأحوال ~~والعواقب . # أعيد الأمر بالقول رابع مرة لمزيد الاهتمام وهو رجوع إلى مهيع الاحتجاج ~~على بطلان الشرك فهو كالنتيجة لجملة { قل من يرزقكم من السماوات والأرض } ( ~~سبأ : 24 ) . PageV22P195 # والأمر في قوله : { أروني } مستعمل في التعجيز ، وهو تعجيز للمشركين عن ~~إبداء حجة لإشراكهم ، وهو انتقال من الاحتجاج على بطلان إلهية الأصنام ~~بدليل النظير في قوله : { قل من يرزقكم } إلى إبطال ذلك بدليل البداهة . # وقد سلك من طرق الجدل طريق الاستفسار ، والمصطلح عليه عند أهل الجدل أن ~~يكون الاستفسار مقدما على طرائق المناظرة وإنما أخر هنا لأنه كان مفضيا إلى ~~إبطال دعوى الخصم بحذافيرها فأريد تأخيره لئلا يفوت افتضاح الخصم بالأدلة ~~السابقة تبسيطا لبساط المجادلة حتى يكون كل دليل مناديا على غلط الخصوم ~~وباطلهم . وافتضاح الخطأ من مقاصد المناظر الذي قامت حجته . # والإراءة هنا من الرؤية البصرية فيتعدى إلى مفعولين : أحدهما بالأصالة ، ~~والثاني بهمزة التعدية . # والمقصود : أروني شخوصهم لنبصر هل عليها ما يناسب صفة الإلهية ، أي أن كل ~~من يشاهد الأصنام بادىء مرة يتبين له أنها خلية عن صفات الإلهية إذ يرى ~~حجارة لا تسمع ولا تبصر ولا تفقه لأن انتفاء الإلهية عن الأصنام بديهي ولا ~~يحتاج إلى أكثر من رؤية حالها كقول البحتري : # أن يرى مبصر ويسمع واع # والتعبير عن المرئي بطريق الموصولية لتنبيه المخاطبين على خطئهم في جعلهم ~~إياهم شركاء لله تعالى في الربوبية على نحو قول عبدة بن الطيب : # إن الذين ترونهم إخوانكم # يشفي غليل صدورهم أن تصرعوا # وفي جعل الصلة { ألحقتم } إيماء إلى أن تلك الأصنام لم تكن موصوفة ~~بالإلهية وصفا ذاتيا حقا ولكن المشركين ألحقوها بالله تعالى ، فتلك خلعة ~~خلعها ms6637 عليهم أصحاب الأهواء . # وتلك حالة تخالف صفة الإلهية لأن الإلهية صفة ذاتية قديمة ، وهذا الإلحاق ~~اخترعه لهم عمرو بن لحي ولم يكن عند العرب من قبل ، وضمير { به } عائد إلى ~~اسم الجلالة من جملة { قل ما يرزقكم من السماوات والأرض قل الله } ( سبأ : ~~24 ) . # وانتصب { شركاء } على الحال من اسم الموصول . والمعنى : شركاء له . ~~PageV22P196 # ولما أعرض عن الخوض في آثار هذه الإراءة علم أنهم مفتضحون عند تلك ~~الإراءة فقدرت حاصلة ، وأعقب طلب تحصيلها بإثبات أثرها وهو الردع عن اعتقاد ~~إلهيتها ، وإبطالها عنهم بإثباتها لله تعالى وحده فلذلك جمع بين حرفي الردع ~~والإبطال ثم الانتقال إلى تعيين الإله الحق على طريقة قوله : { كلا بل لا ~~تكرمون اليتيم } ( الفجر : 17 ) . # وضمير { هو الله } ضمير الشأن . والجملة بعده تفسير لمعنى الشأن و { ~~العزيز الحكيم } خبرانن ، أي بل الشأن المهم الله العزيز الحكيم لا آلهتكم ~~؛ ففي الجملة قصر العزة والحكم على الله تعالى كناية عن قصر الإلهية عليه ~~تعالى قصر إفراد . # ويجوز أن يكون الضمير عائدا إلى الإله المفهوم من قوله : { الذين ألحقتم ~~به شركاء } وهو مبتدأ والجملة بعده خبر . ويجوز أن يكون عائدا إلى المستحضر ~~في الذهن وهو الله . وتفسيره قوله : { الله } فاسم الجلالة عطف بيان . و { ~~العزيز الحكيم } خبران عن الضمير . والفرق بين هذا الوجه وبين الوجه الأول ~~يظهر في اختلاف مدلول الضمير المنفصل واختلافف موقع اسم الجلالة بعده ، ~~واختلاف موقع الجملة بعد ذلك . # والعزة : الاستغناء عن الغير . و { الحكيم } : وصف من الحكمة وهي منتهى ~~العلم ، أو من الإحكام وهو إتقان الصنع ، شاع في الأمرين . وهذا إثبات ~~لافتقار أصنامهم وانتفاء العلم عنها . وهذا مضمون قول إبراهيم عليه السلام ~~: { يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا } ( مريم : 42 ) ~~. # انتقال من إبطال ضلال المشركين في أمر الربوبية إلى إبطال ضلالهم في شأن ~~صدق الرسول صلى الله عليه وسلم # وغير أسلوب الكلام من الأمر بمحاجة المشركين إلى الإخبار برسالة النبي ~~صلى الله عليه وسلم تشريفا له بتوجيه هذا الإخبار ms6638 بالنعمة العظيمة إليه ، ~~ويحصل إبطال مزاعم المشركين بطريق التعريض . PageV22P197 # وفي هذه الآية إثبات رسالة محمد صلى الله عليه وسلم على منكريها من العرب ~~وإثبات عمومها على منكريها من اليهود . # فإن { كافة } من ألفاظ العموم ووقعت هنا حالا من ( الناس ) مستثنى من ~~عموم الأحوال وهي حال مقدمة على صاحبها المجرور بالحرف ، وقد مضى الكلام ~~عليها عند قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة في ~~سورة البقرة ، وعند قوله : وقاتلوا المشركين كافة في سورة براءة . وذكرنا ~~أن التحقيق : أن كافة } يوصف به العاقل وغيره وأنه تعتوره وجوه الإعراب كما ~~هو مختار الزمخشري وشهد له القرآن والاستعمال خلافا لابن هشام في ( مغني ~~اللبيب ) ، وأن ما شدد به التنكير على الزمخشري تهويل وتضييق في الجواز . ~~والتقدير في هذه الآية : وما أرسلناك للناس إلا كافة . وقدم الحال على ~~صاحبه للاهتمام بها لأنها تجمع الذين كفروا برسالته كلهم . # وتقديم الحال على المجرور جائز على رأي المحققين من أهل العربية وإن أباه ~~الزمخشري هنا وجعله بمنزلة تقديم المجرور على حرف الجر فجعل { كافة } نعتا ~~لمحذوف ، أي إرساله كافة ، أي عامة . وقد رد عليه ابن مالك في ( التسهيل ) ~~وقال : قد جوزه في هذه الآية أبو علي الفارسي وابن كيسان . وقلت : وجوزه ~~ابن عطية والرضي . وجعل الزجاج { كافة } هنا حالا من الكاف في { أرسلناك } ~~وفسره بمعنى جامع للناس في الإنذار والإبلاغ ، وتبعه أبو البقاء . قال ~~الزمخشري : وحق التاء على هذا التفسير أن تكون للمبالغة كتاء العلامة ~~والراوية وكذلك تقديم المستثنى للغرض أيضا . # وقد اشترك الزجاج والزمخشري هنا في إخراج { كافة } عن معنى الوصف بإفادة ~~الشمول الذي هو شمول جزئي في غرض معين إلى معنى الجمع الكلي المستفاد من ~~وراء ذلك . وهذا كمن يعمد إلى ( كل ) فيقول : إنك كل للناس ، أي جامع للناس ~~؛ أو يعمد إلى ( على ) الدالة على الاستعلاء الجزئي فيستعملها بمعنى ~~الاستعلاء الكلي فيقول : إياك وعلى ، يريد إياك والاستعلاء . # والبشير النذير تقدم في قوله تعالى : { إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ~~في سورة البقرة . PageV22P198 # وأفاد تركيب ms6639 وما أرسلناك إلا كافة للناس } قصر حالة عموم الرسالة على كاف ~~الخطاب في قوله : { أرسلناك } وهو قصر إضافي ، أي دون تخصيص إرسالك بأهل ~~مكة أو بالعرب أو بمن يجيئك يطلب الإيمان والإرشاد كما قال عبد الله بن أبي ~~ابن سلول للنبيء صلى الله عليه وسلم حين جاء مجلسا هو فيه وقرأ عليهم ~~القرآن فقال ابن أبي : ( لا أحسن مما تقول أيها المرء ولكن اقعد في رحلك ~~فمن جاء فاقرأ عليه ) ، ويقتضي ذلك إثبات رسالته بدلالة الاقتضاء إذ لا ~~يصدق ذلك القصر إلا إذا ثبت أصل رسالته فاقتضى ذلك الرد على المنكرين كلهم ~~سواء من أنكر رسالته من أصلها ومن أنكر عمومها وزعم تخصيصها . # وموقع الاستدراك بقوله : { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } رفع ما يتوهم من ~~اغترار المغترين بكثرة عدد المنكرين رسالته بأن كثرتهم تغر المتأمل لأنهم ~~لا يعلمون . # ومفعول { يعلمون } محذوف لدلالة ما قبله عليه ، أي لا يعلمون ما بشرت به ~~المؤمنين وما أنذرت به الكافرين ، أي يحسبون البشارة والنذارة غير صادقتين ~~. # ويجوز أن يكون فعل { يعلمون } منزل منزلة اللام مقصودا منه نفي صفة العلم ~~عنهم على حد قوله تعالى : { قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون } ( ~~الزمر : 9 ) أي ولكن أكثر الناس جاهلون قدر البشارة والنذارة . # ( 29 ، 30 ) # كان من أعظم ما أنكروه مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم القيامة ~~والبعث ولذلك عقب إبطال قولهم في إنكار الرسالة بإبطال قولهم في إنكار ~~البعث ، والجملة معطوفة على خبر { لكن } ( سبأ : 28 ) . والتقدير : ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون حق البشارة والنذارة ويتهكمون فيسألون عن وقت هذا ~~الوعد الذي هو مظهر البشارة والنذارة . ويجوز أن تكون الجملة مستأنفة ~~والواو للاستئناف . # وضمير { يقولون } عائد إلى المحاجين من المشركين الذين صدرت عنهم هذه ~~PageV22P199 المقالة . وصيغة المضارع في { يقولون } تفيد التعجيب من ~~مقالتهم كقوله تعالى : { يجادلنا في قوم لوط } ( هود : 74 ) مع إفادتها ~~تكرر ذلك القول منهم وتجدده . # وجملة { قل لكم ميعاد يوم } إلى آخرها مسوقة مساق الجواب عن مقالتهم ~~ولذلك فصلت ms6640 ولم تعطف ، على طريقة حكاية المحاورات في القرآن ، وهذا الجواب ~~جرى على طريقة الأسلوب الحكيم ، أي أن الأهم للعقلاء أن تتوجه هممهم إلى ~~تحقق وقوع الوعد في الوقت الذي عينه الله له وأنه لا يؤخره شيء ولا يقدمه ، ~~وحسن هذا الأسلوب أن سؤالهم إنما أرادوا به الكناية عن انتفاء وقوعه . # وفي هذا الجواب تعريض بالتهديد فكان مطابقا للمقصود من الاستفهام ، ولذلك ~~زيد في الجواب كلمة { لكم } إشارة إلى أن هذا الميعاد منصرف إليهم ابتداء . # وضمير جمع المخاطب في قوله : { إن كنتم صادقين } إما للرسول صلى الله ~~عليه وسلم باعتبار أن معه جماعة يخبرون بهذا الوعد ، وإما الخطاب موجه ~~للمسلمين . # وإسم الإشارة في هذا الوعد للاستخفاف والتحقير كقول قيس بن الخطيم : # متى يأت هذا الموت لا يلف حاجة # لنفسي إلا قد قضيت قضاءها # وجواب : { كنتم صادقين } دل عليه السؤال ، أي إن كنتم صادقين فعينوا لنا ~~ميقات هذا الوعد . وهذا كلام صادر عن جهالة لأنه لا يلزم من الصدق في ~~الإخبار بشيء أن يكون المخبر عالما بوقت حصوله ولو في المضي فكيف به في ~~الاستقبال . # وخولف مقتضى الظاهر في الجواب من الإتيان بضمير الوعد الواقع في كلامهم ~~إلى الإتيان باسم ظاهر وهو { ميعاد يوم } لما في هذا الاسم النكرة من ~~الإبهام الذي يوجه نفوس السامعين إلى كل وجه ممكن في محمل ذلك ، وهو أن ~~يكون يوم البعث أو يوما آخر يحل فيه عذاب على أيمة الكفر وزعماء المشركين ~~وهو يوم بدر ولعل الذين قتلوا يومئذ هم أصحاب مقالة { متى هذا الوعد إن ~~كنتم صادقين } وأفاد تنكير { يوم } تهويلا وتعظيما بقرينة المقام . # والميعاد : مصدر ميمي للوعد فإضافته إلى ظرفه بيانية . ويجوز كونه ~~مستعملا PageV22P200 في الزمان وإضافته إلى اليوم بيانية لأن الميعاد هو ~~اليوم نفسه . # وجملة { لا تستأخرون عنه ساعة } إما صفة ل { ميعاد } وإما حال من ضمير { ~~لكم } . # والاستئخار والاستقدام مبالغة في التأخر والتقدم مثل : استحباب ، فالسين ~~والتاء للمبالغة . # وقدم الاستئخار على الاستقدام إيماء إلى أنه ميعاد بأس وعذاب عليهم من ~~شأنه أن ms6641 يتمنوا تأخره ، ويكون { ولا تستقدمون } تتميما لتحققه عند وقته ~~المعين في علم الله . # والساعة : حصة من الزمن ، وتنكيرها للتقليل بمعونة المقام . # . # كان المشركون لما فاجأتهم دعوة الإسلام وأخذ أمره في الظهور قد سلكوا ~~طرائق مختلفة لقمع تلك الدعوة ، وقد كانوا قبل ظهور الإسلام لاهين عن الخوض ~~فيما سلف من الشرائع فلما قرعت أسماعهم دعوة الإسلام اضطربت أقوالهم : ~~فقالوا : { ما أنزل الله على بشر من شيء } ( الأنعام : 91 ) ، وقالوا غير ~~ذلك ، فمن ذلك أنهم لجأوا إلى أهل الكتاب وهم على مقربة منهم بالمدينة ~~وخيبر وقريظة ليتلقوا منهم ملقنات يفحمون بها النبي صلى الله عليه وسلم ~~فكان أهل الكتب يملون عليهم كلما لقوهم ما عساهم أن يموهوا على الناس عدم ~~صحة الرسالة المحمدية ، فمرة يقولون : { لولا أوتي مثل ما أوتي موسى } ( ~~القصص : 48 ) ، ومرة يقولون : { لن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه ~~} ( الإسراء : 93 ) ، وكثيرا ما كانوا يحسبون مساواته للناس في الأحوال ~~البشرية منافية لكونه رسولا إليهم مختارا من عند الله فقالوا : { ما لهذا ~~الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق } ( الفرقان : 17 ) وإلى قوله : { هل ~~كنت إلا بشرا رسولا } ( الإسراء : 93 ) ، وهم لا يحاجون بذلك عن اعتقاد ~~بصحة رسالة موسى عليه السلام ولكنهم يجعلونه وسيلة لإبطال رسالة محمد صلى ~~الله عليه وسلم فلما دمغتهم حجج القرآن العديدة الناطقة بأن محمدا ما هو ~~بدع من الرسل وأنه جاء بمثل ما جاءت به الرسل فحاجهم بقوله : { قل فأتوا ~~بكتاب من PageV22P201 عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين } ( ~~القصص : 49 ) الآية . فلما لما يجدوا سبيلا للمكابرة في مساواة حاله بحال ~~الرسل الأولين وأووا إلى مأوى الشرك الصريح فلجأوا إلى إنكار رسالة الرسل ~~كلهم حتى لا تنهض عليهم الحجة بمساواة أحوال الرسول وأحوال الرسل الأقدمين ~~فكان من مستقر أمرهم أن قالوا : { لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه ~~} . # وقد كان القرآن حاجهم بأنهم كفروا { بما أوتي موسى من قبل كما في سورة ~~القصص ، أي كفر أمثالهم من عبدة الأصنام وهم قبط مصر ms6642 بما أوتي موسى وهو من ~~الاستدلال بقياس المساواة والتمثيل . # فهذا وجه قولهم : ولا بالذي بين يديه } لأنهم لم يكونوا مدعوين لا يؤمنوا ~~بكتاب آخر غير القرآن ولكن جرى ذلك في مجاري الجدال والمناظرة فعدم إيمانهم ~~بالقرآن مشهور معلوم وإنما أرادوا قطع وسائل الإلزام الجدلي . # وهذه الآية انتقال إلى ذكر طعن المشركين في القرآن وهي معطوفة على جملة { ~~ويقولون متى هذا الوعد } ( سبأ : 29 ) . # والاقتصار على حكاية مقالتهم دون تعقيب بما يبطلها إيماء إلى أن بطلانها ~~باد لكل من يسمعها حيث جمعت التكذيب بجميع الكتب والشرائع وهذا بهتان واضح ~~. # وحكاية مقالتهم هذه بصيغة الماضي تؤذن بأنهم أقلعوا عنها . # وجيء بحرف { لن } لتأكيد نفي إيمانهم بالكتب المنزلة على التأبيد تأييسا ~~للنبيء صلى الله عليه وسلم والمسلمين من الطمع في إيمانهم به . # واسم الإشارة مشار به إلى حاضر في الأذهان لأن الخوض في القرآن شائع بين ~~الناس من مؤيد ومنكر فكأنه مشاهد . وليس في اسم الإشارة معنى التحقير لأنهم ~~ما كانوا ينبزون القرآن بالنقصان ، ألا ترى إلى قول الوليد بن المغيرة : ( ~~إن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق ) ، وقول عبد الله بن أبي بعد ذلك : ( لا ~~أحسن مما تقول أيها المرء ) ، وأن عتبة بن ربيعة لما قرأ عليه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم القرآن وقال له : ( هل ترى بما أقول بأسا ؟ ) فقال : ( ~~لا والدماء ) . وكيف وقد تحداهم الإتيان PageV22P202 بسورة مثله فلم يفعلوا ~~، ولو كانوا ينبزونه بنقص أو سخف لقالوا : نحن نترفع عن معالجة الإتيان ~~بمثله . # ومعنى { بين يديه } القريب منه سواء كان سابقا كقوله تعالى : { إن هو إلا ~~نذير لكم بين يدي عذاب شديد } ( سبأ : 46 ) وقول النبي صلى الله عليه وسلم ~~( بعثت بين يدي الساعة ) أم كان جائيا بعده كما حكى الله عن عيسى عليه ~~السلام { ومصدقا لما بين يدي من التوراة في سورة آل عمران . وليس مرادا هنا ~~لأنه غير مفروض ولا مدعى . # } . # أردفت حكايات أقوالهم وكفرانهم بعد استيفاء أصنافها بذكر جزائهم وتصوير ~~فظاعته بما في قوله : { ولو ترى إذ الظالمون ms6643 } الآية من الإبهام المفيد ~~للتهويل . والمناسبة ما تقدم من قوله : { ويقولون متى هذا الوعد } ( سبأ : ~~29 ) فإنه بعد أن ألقمهم الحجر بقوله : { قل لكم ميعاد يوم } ( سبأ : 30 ) ~~الخ أتبعه بتصوير حالهم فيه . # والخطاب في { ولو ترى } لكل من يصلح لتلقي الخطاب ممن تبلغه هذه الآية ، ~~أي ولو يرى الرائي هذا الوقت . # وجواب { لو } محذوف للتهويل وهو حذف شائع . وتقديره : لرأيت أمرا عجبا . # و { إذ } ظرف متعلق ب { ترى } أي لو ترى في الزمان الذي يوقف فيه ~~الظالمون بين يدي ربهم . # و { الظالمون } : المشركون ، قال تعالى : { إن الشرك لظلم عظيم } ( لقمان ~~: 13 ) وتقدم قريب منه قوله تعالى : { ولو ترى إذ وقفوا على النار في سورة ~~الأنعام ، وقد وقع التصريح بأنه إيقاف جمع بين المشركين والذين دعوهم إلى ~~الإشراك في قوله تعالى : ويوم PageV22P203 نحشرهم جميعا ثم نقول للذين ~~أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا بينهم وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا ~~تعبدون الآية في سورة يونس . # والإتيان بالجملة التي أضيف إليها الظرف إسمية هنا لإفادة طول وقوفهم بين ~~يدي الله طولا يستوجب الضجر ويملأ القلوب رعبا وهو ما أشار له حديث أنس ~~وحديث أبي هريرة في شفاعة النبي لأهل المحشر : تدنو الشمس من رؤوس الخلائق ~~فيشتد عليهم حرها فيقولون : لو استشفعنا إلى ربنا حتى يريحنا من مكاننا ~~الحديث . # وجملة يرجع بعضهم إلى بعض القول } في موضع الحال من { الظالمون } أو من ~~ضمير { موقوفون } . # وجيء بالمضارع في قوله : { يرجع بعضهم إلى بعض القول } لاستحضار الحالة ~~كقوله تعالى : { يجادلنا في قوم لوط } ( هود : 74 ) . # ورجع القول : الجواب ، ورجع البعضض إلى البعض : المجاوبة والمحاورة . وهي ~~أن يقول بعضهم كلاما ويجيبه الآخر عنه وهكذا ؛ شبه الجواب عن القول بإرجاع ~~القول كأن المجيب أرجع إلى المتكلم كلامه بعينه إذ كان قد خاطبه بكفائه ~~وعدله ، قال بشار : # وكأن رجع حديثها # قطع الرياض كسين زهرا # أي كأن جوابها حيث تجيبه ، ومنه قيل للجواب : رد . ورجع الرشق في الرمي : ~~ما ترد عليه من التراشق . # . # هذه الجملة وما ذكر بعدها من الجمل ms6644 المحكية بأفعال القول بيان لجملة { ~~يرجع بعضهم إلى بعض القول } . وجيء بالمضارع فيها على نحو ما جيء في قوله : ~~{ يرجع بعضهم إلى بعض القول } ليكون البيان كالمبين بها لاستحضار حالة ~~PageV22P204 القول لأنها حالة غريبة لما فيها من جرأة المستضعفين على ~~المستكبرين ومن تنبه هؤلاء من غفلتهم عما كان المستكبرون يغرونهم به حتى ~~أوقعوهم في هذا المأزق . # والسين والتاء في { استضعفوا } للعد والحسبان ، أي الذين يعدهم الناس ~~ضعفاء لا يؤبه بهم وإنما يعدهم الناس كذلك لأنهم كذلك ويعلم أنهم يستضعفون ~~أنفسهم بالأولى لأنهم أعلم بما في أنفسهم . # والضعف هنا الضعف المجازي وهو حالة الاحتياج في المهمات إلى من يضطلع ~~بشؤونهم ويذب عنهم ويصرفهم كيف يشاء . # ومن مشمولاته الضعة والضراعة ولذلك قوبل ب ( الذين استكبروا ) ، أي عدوا ~~أنفسهم كبراء وهم ما عدوا أنفسهم كبراء إلا لما يقتضي استكبارهم لأنهم لو ~~لم يكونوا كذلك لوصفوا بالغرور والإعجاب الكاذب . ولهذا عبر في جانب الذين ~~استضعفوا بالفعل المبني للمجهول وفي جانب الذين استكبروا بالفعل المبني ~~للمعلوم ، وقد تقدم في سورة هود . # و { لولا } حرف امتناع لوجود ، أي حرف يدل على امتناع جواب ( أي انتفائه ~~) لأجل وجود شرطه فعلم أنها حرف شرط ولكنهم اختصروا العبارة ، ومعنى : لأجل ~~وجود شرطه ، أي حصوله في الوجود ، وهو حرف من الحروف الملازمة الدخول على ~~الجملة الإسمية فيلزم إيلاؤه اسما هو مبتدأ . وقد كثر حذف خبر ذلك المبتدأ ~~في الكلام غالبا بحيث يبقى من شرطها اسم واحد وذلك اختصار لأن حرف { لولا } ~~يؤذن بتعليق حصول جوابه على وجود شرطه . فلما كان الاسم بعدها في معنى شيء ~~موجود حذفوا الخبر اختصارا . ويعلم من المقام أن التعليق في الحقيقة على ~~حالة خاصة من الأحوال التي يكون عليها الوجود مفهومة من السياق لأنه لا ~~يكون الوجود المجرد لشيء سببا في وجود غيره وإنما يؤخذ أخص أحواله الملازمة ~~لوجوده . # وهذا المعنى عبر عنه النحويون بالوجود المطلق وهي عبارة غير متقنة ~~ومرادهم أعلق أحوال الوجود به وإلا فإن الوجود المطلق ، أي المجرد لا يصلح ~~لأن يعلق ms6645 عليه شرط . PageV22P205 # وقد جاء في هذه الآية ربط التعليق بضمير ( الذين استكبروا ) فاقتضى أن ~~المستضعفين ادعوا أن وجود المستكبرين مانع لهم أن يكونوا مؤمنين . فاقتضى ~~أن جميع أحوال المستكبرين كانت تدندن حول منعهم من الإيمان فكأن وجودهم لا ~~أثر له إلا في ذلك من انقطاعهم للسعي في ذلك المنع وهو ما دل عليه قولهم ~~فيما بعد { بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله } ( سبأ : 33 ) ~~من فرط إلحاحهم عليهم بذلك وتكريره في معظم الأوقات ، فكأنه استغرق وجودهم ~~، لأن الوجود كون في أزمنة فكان قولهم هنا { لولا أنتم } مبالغة في شدة ~~حرصهم على كفرهم . وهذا وجه وجيه في الاعتبار البلاغي فمقتضى الحال من هذه ~~الآية هو حذف المشبه . # واعلم أن المراد بقولهم : { مؤمنين } بالمعنى اللقبي الذي اشتهر به ~~المسلمون فكذلك لا يقدر ل { مؤمنين } متعلق . # جرد فعل { قال } عن العاطف لأنه جاء على طريقة المجاوبة والشأن فيه حكاية ~~القول بدون عطف كما بيناه غير مرة . # وهمزة الاستفهام مستعملة في الإنكار على قول المستضعفين تبرؤا منه . وهذا ~~الإنكار بهتان وإنكار للواقع بعثه فيهم خوف إلقاء التبعة عليهم وفرط الغضب ~~والحسرة من انتقاض أتباعهم عليهم وزوال حرمتهم بينهم فلم يتمالكوا أن لا ~~يكذبوهم ويذيلوا بتوريطهم . # وأتى بالمسند إليه قبل المسند الفعلي في سياق الاستفهام الإنكاري الذي هو ~~في قوة النفي ليفيد تخصيص المسند إليه بالخبر الفعلي على طريقة : ما أنا ~~قلت هذا . # والمعنى : ما صددناكم ولكن صدكم شيء آخر وهو المعطوف ب { بل } التي ~~للإبطال بقوله : { بل كنتم مجرمين } أي ثبت لكم الإجرام من قبل وإجرامكم هو ~~الذي صدكم إذ لم تكونوا على مقاربة الإيمان فنصدكم عنه ولكنكم صددتم ~~وأعرضتم بإجرامكم ولم تقبلوا دعوة الإيمان . PageV22P206 # وحاصل المعنى : أن حالنا وحالكم سواء ، كل فريق يتحمل تبعة أعماله فإن ~~كلا الفريقين كان معرضا عن الإيمان . وهذا الاستدلال مكابرة منهم وبهتان ~~وسفسطة فإنهم كانوا يصدون الدهماء عن الدين ويختلقون لهم المعاذير . وإنما ~~نفوا هنا أن يكونوا محولين لهم عن الإيمان بعد تقلده وليس ذلك ms6646 هو المدعى . ~~فموقع السفسطة هو قولهم : { بعد إذ جاءكم } لأن المجيء فيه مستعمل في معنى ~~الاقتراب منه والمخالطة له . # و { إذ } في قوله : { إذ جاءكم } مجردة عن معنى الظرفية ومحضة لكونها اسم ~~زمان غير ظرف وهو أصل وضعها كما تقدم في قوله تعالى : { وإذ قال ربك ~~للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة في سورة البقرة ، ولهذا صحت إضافة بعد } ~~إليها لأن الإضافة قرينة على تجريد { إذ } من معنى الظرفية إلى مطلق الزمان ~~مثل قولهم : حينئذ ويومئذ . والتقدير : بعد زمن مجيئه إياكم . و { بل } ~~إضراب إبطال عن الأمر الذي دخل عليه الاستفهام الإنكاري ، أي ما صددناكم بل ~~كنتم مجرمين . # والإجرام : الشرك وهو مؤذن بتعمدهم إياه وتصميمهم عليه على بصيرة من ~~أنفسهم دون تسويل مسول . # . # لم تجر حكاية هذا القول على طريقة حكاية المقاولات التي تحكى بدون عطف ~~على حسن الاستعمال في حكاية المقاولات كما استقريناه من استعمال الكتاب ~~المجيد وقدمناه في قوله : { وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ~~} ( البقرة : 30 ) الآية ، فجيء بحرف العطف في حكاية هذه المقالة مع أن ~~المستضعفين جاوبوا بها قول الذين استكبروا { أنحن صددناكم } ( سبأ : 32 ) ~~الآية لنكتة دقيقة ، وهي التنبيه على أن مقالة المستضعفين هذه هي في المعنى ~~تكملة لمقالتهم المحكية بقوله : { يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا ~~أنتم لكنا مؤمنين } ( سبأ : 31 ) تنبيها على أن مقالتهم تلقفها الذين ~~استكبروا فابتدروها بالجواب للوجه الذي ذكرناه هنالك بحيث لو انتظروا تمام ~~كلامهم وأبلعوهم ريقهم لحصل ما فيه إبطال كلامهم ولكنهم قاطعوا PageV22P207 ~~كلامهم من فرط الجزع أن يؤاخذوا بما يقوله المستضعفون . # وحكي قولهم هذا بفعل الماضي لمزاوجة كلام الذين استكبروا لأن قول الذين ~~استضعفوا هذا بعد أن كان تكملة لقولهم الذي قاطعه المستكبرون ، انقلب جوابا ~~عن تبرؤ المستكبرين من أن يكونوا صدوا المستضعفين عن الهدى ، فصار لقول ~~المستضعفين موقعان يقتضي أحد الموقعين عطفه بالواو ، ويقتضي الموقع الآخر ~~قرنه بحرف { بل } وبزيادة { مكر الليل والنهار } . وأصل الكلام : يقول ~~الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين ms6647 إذ تأمروننا بالليل ~~والنهار أن نكفر بالله الخ . فلما قاطعه المستكبرون بكلامهم أقحم في كلام ~~المستضعفين حرف { بل } إبطالا لقول المستكبرين { بل كنتم مجرمين } ( سبأ : ~~32 ) . وبذلك أفاد تكملة الكلام السابق والجواب عن تبرؤ المستكبرين ، ولو ~~لم يعطف بالواو لما أفاد إلا أنه جواب عن كلام المستكبرين فقط ، وهذا من ~~أبدع الإيجاز . # و { بل } للإضراب الإبطالي أيضا إبطالا لمقتضى القصر في قولهم : { أنحن ~~صددناكم عن الهدى } ( سبأ : 32 ) فإنه واقع في حيز نفي لأن الاستفهام ~~الإنكاري له معنى النفي . # و { مكر الليل والنهار } من الإضافة على معنى ( في ) . وهنالك مضاف إليه ~~ومجرور محذوفان دل عليهما السياق ، أي مكركم بنا . # وارتفع { مكر } على الابتداء . والخبر محذوف دل عليه مقابلة هذا الكلام ~~بكلام المستكبرين إذ هو جواب عنه . فالتقدير : بل مكركم صدنا ، فيفيد القصر ~~، أي ما صدنا إلا مكركم ، وهو نقض تام لقولهم : { أنحن صددناكم عن الهدى } ~~( سبأ : 32 ) وقولهم : { بل كنتم مجرمين } ( سبأ : 32 ) . # والمكر : الاحتيال بإظهار الماكر فعل ما ليس بفاعله ليغر المحتال عليه ، ~~وتقدم في قوله تعالى : { ومكروا ومكر الله في آل عمران . # وإطلاق المكر على تسويلهم لهم البقاء على الشرك ، باعتبار أنهم يموهون ~~عليهم ويوهمونهم أشياء كقولهم : إنه دين آبائكم وكيف تأمنون غضب الآلهة ~~عليكم إذا PageV22P208 تركتم دينكم ونحو ذلك . والاحتيال لا يقتضي أن ~~المحتال غير مستحسن الفعل الذي يحتال لتحصيله . # والمعنى : ملازمتهم المكر ليلا ونهارا ، وهو كناية عن دوام الإلحاح عليهم ~~في التمسك بالشرك . وإذ تأمروننا } ظرف لما في { مكر الليل والنهار } من ~~معنى ( صدنا ) أي حين تأمروننا أن نكفر بالله . # والأنداد : جمع ند ، وهو المماثل ، أي نجعل لله أمثالا في الإلهية . # وهذا تطاول من المستضعفين على مستكبريهم لما رأوا قلة غنائهم عنهم ~~واحتقروهم حين علموا كذبهم وبهتانهم . # وقد حكى نظير ذلك في قوله تعالى : { إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين ~~اتبعوا الآيتين في سورة البقرة . # } . # يجوز أن يكون عطفا على جملة { يرجع بعضهم إلى بعض القول } ( سبأ : 31 ) ~~فتكون حالا . ويجوز أن تعطف على جملة { إذ ms6648 الظالمون موقوفون عند ربهم } ( ~~سبأ : 31 ) . # وضمير الجمع عائد إلى جميع المذكورين قبل وهم الذين استضعفوا والذين ~~استكبروا . والمعنى : أنهم كشف لهم عن العذاب المعد لهم ، وذلك عقب ~~المحاورة التي جرت بينهم ، فعلموا أن ذلك الترامي الواقع بينهم لم يغن عن ~~أحد من الفريقين شيئا ، فحينئذ أيقنوا بالخيبة وندموا على ما فات منهم في ~~الحياة الدنيا وأسروا الندامة في أنفسهم ، وكأنهم أسروا الندامة استبقاء ~~للطمع في صرف ذلك عنهم أو اتقاء للفضيحة بين أهل الموقف ، وقد أعلنوا بها ~~من بعد كما في قوله تعالى : { قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها في سورة ~~الأنعام ، وقوله : لو أن لي كرة فأكون من المحسنين في سورة الزمر . # وذكر الزمخشري وابن عطية : أن من المفسرين من فسر أسروا } هنا بمعنى ~~أظهروا ، وزعم أن ( أسر ) مشترك بين ضدين . فأما الزمخشري فسلمه ولم يتعقبه ~~وقد فسر الزوزني الإسرار بالمعنيين في قول امرىء القيس : PageV22P209 # تجاوزت أحراسا إليها ومعشرا # علي حراصا لو يسرون مقتلي # وأما ابن عطية فأنكره ، وقال : ( ولم يثبت قط في اللغة أن ( أسر ) من ~~الأضداد ) . قلت : وفيه نظر . وقد عد هذه الكلمة في الأضداد كثير من أهل ~~اللغة وأنشد أبو عبيدة قول الفرزدق : # ولما رأى الحجاج جرد سيفه # أسر الحروري الذي كان أضمرا # وفي كتاب ( الأضداد ) لأبي الطيب الحلبي قال أبو حاتم : ولا أثق بقول أبي ~~عبيدة في القرآن ولا بقول الفرزدق والفرزدق كثير التخليط في شعره . وذكر ~~أبو الطيب عن التوزي أن غير أبي عبيدة أنشد بيت الفرزدق والذي جر على تفسير ~~( أسروا ) بمعنى أظهروا هنا هو ما يقتضي إعلانهم بالندامة من قولهم : { ~~لولا أنتم لكنا مؤمنين } ( سبأ : 31 ) . وفي آيات أخرى مثل قوله تعالى : { ~~ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا } ( الفرقان ~~: 27 ) الآية . # والندامة : التحسر من عمل فات تداركه . وقد تقدمت عند قوله تعالى : { ~~فأصبح من النادمين } في سورة المائدة . # . # عطف على جملة { إذ الظالمون موقوفون } ( سبأ : 31 ) . والتقدير : ولو ترى ~~إذ جعلنا الأغلال في أعناق ms6649 الذين كفروا . وجواب ( لو ) المحذوف جواب ~~للشرطين . # و { الأغلال } : جمع غل بضم الغين ، وهو دائرة من حديد أو جلد على سعة ~~الرقبة توضع في رقبة المأسور ونحوه ويشد إليها بسلسلة أو سير من جلد أو حبل ~~، وتقدم في أول سورة الرعد . وجعل الأغلال في الأعناق شعار على أنهم يساقون ~~إلى ما يحاولون الفرار والانفلات منه . وتقدم عند قوله تعالى : { وأولئك ~~الأغلال في أعناقهم في الرعد . والذين كفروا } هم هؤلاء الذين جرت عليهم ~~الضمائر المتقدمة فالإتيان بالاسم الظاهر وكونه موصولا للإيماء إلى أن ذلك ~~جزاء الكفر ، ولذلك عقب بجملة { هل يجزون إلا ما كانوا يعملون } مستأنفة ~~استئنافا بيانيا ، PageV22P210 كأن سائلا استعظم هذا العذاب وهو تعريض بهم ~~. # والاستفهام ب { هل } مستعمل في الإنكار باعتبار ما يعقبه من الاستثناء ، ~~فتقدير المعنى : هل جزوا بغير ما كانوا يعملون ، والاستثناء مفرغ . # و { ما كانوا يعملون } هو المفعول الثاني لفعل { يجزون } لأن ( جزى ) ~~يتعدى إلى مفعول ثان بنفسه لأنه من باب أعطى ، كما يتعدى إليه بالباء على ~~تضمينه معنى : عوضه . # وجعل جزاؤهم ما كانوا يعملون على معنى التشبيه البليغ ، أي مثل ما كانوا ~~يعملون ، وهذه المماثلة كناية عن المعادلة فيما يجاوزونه بمساواة الجزاء ~~للأعمال التي جوزوا عليها حتى كأنه نفسها كقوله تعالى : { جزاء وفاقا } ( ~~النبأ : 26 ) . # واعلم أن كونه مماثلا في المقدار أمر لا يعلمه إلا مقدر الحقائق والنيات ~~، وأما كونه { وفاقا } في النوع فلأن وضع الأغلال في الأعناق منع من حرية ~~التصرف في أنفسهم فناسب نوعه أن يكون جزاء على ما عبدوا به أنفسهم لأصنامهم ~~كما قال تعالى : { أتعبدون ما تنحتون } ( الصافات : 95 ) وما تقبلوه من ~~استعباد زعمائهم وكبرائهم إياهم قال تعالى : { وقالوا ربنا إنا أطعنا ~~سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا } ( الأحزاب : 67 ) . # ومن غرر المسائل أن الشيخ ابن عرفة لما كان عرض عليه في درس التفسير عند ~~قوله تعالى : { إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل } ( غافر : 71 ) فسأله بعض ~~الحاضرين : هل يستقيم أن نأخذ من هذه الآية ما يؤيد فعل الأمراء أصلحهم ~~الله من الإتيان بالمحاربين ms6650 ونحوهم مغلولين من أعناقهم مع قول مالك رحمه ~~الله بجواز القياس في العقوبات على فعل الله تعالى ( في حد الفاحشة ) ~~فأجابه الشيخ بأن لا دلالة فيها لأن مالكا إنما أجاز القياس على فعل الله ~~في الدنيا ، وهذا من تصرفات الله في الآخرة فلا بد لجوازه من دليل . # اعتراض للانتقال إلى تسلية النبي صلى الله عليه وسلم مما مني به من ~~المشركين من أهل مكة PageV22P211 وبخاصة ما قابله به سادتهم وكبراؤهم من ~~التأليب عليه بتذكيره أن تلك سنة الرسل من قبله فليس في ذلك غضاضة عليه ، ~~ولذلك قال في الآية في الزخرف { وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير ~~إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة الخ ، أي وكذلك التكذيب الذي ~~كذبك أهل هذه القرية . والتعريض بقومه الذين عادوه بتذكيرهم عاقبة أمثالهم ~~من أهل القرى التي كذب أهلها برسلهم وأغراهم بذلك زعماؤهم . # والمترفون : الذين أعطوا الترف ، والترف : النعيم وسعة العيش ، وهو مبني ~~للمفعول بتقدير : إن الله أترفهم كما في قوله تعالى : وقال الملأ من قومه ~~الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا في سورة ~~المؤمنون . # وفي بنائه للمفعول تعريض بالتذكير بنعمة الله عليهم لعلهم يشكرونها ~~ويقلعون عن الإشراك به ، وبعض أهل اللغة يقول تقديره : أترفتهم النعمة ، أي ~~أبطرتهم . # وإنا بما أرسلتم } حكاية للقول بالمعنى : أي قال مترفو كل قرية لرسولهم : ~~إنا بما أرسلت به كافرون . وهذا من مقابلة الجمع بالجمع التي يراد منها ~~التوزيع على آحاد الجمع . # وقولهم : { أرسلتم به } تهكم بقرينة قولهم : { كافرون } وهو كقوله تعالى ~~: { وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون } ( الحجر : 6 ) ؛ أو ~~المعنى : إنا بما ادعيتم أنكم أرسلتم به . # ( 35 ، 36 ) # قفوا على صريح كفرهم بالقرآن وغيره من الشرائع بكلام كنوا به عن إبطال ~~حقية الإسلام بدليل سفسطائي فجعلوا كثرة أموالهم وأولادهم حجة على أنهم أهل ~~حظ عند الله تعالى ، فضمير { وقالوا } عائد إلى { الذين كفروا } من قوله : ~~{ وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن } ( سبأ : 31 ) الخ . وهذا ms6651 من ~~تمويه الحقائق بما يحف PageV22P212 بها من العوارض فجعلوا ما حف بحالهم في ~~كفرهم من وفرة المال والولد حجة على أنهم مظنة العناية عند الله وأن ما هم ~~عليه هو الحق . وهذا تعريض منهم بعكس حال المسلمين بأن حال ضعف المسلمين ، ~~وقلة عددهم ، وشظف عيشهم حجة على أنهم غير محظوظين عند الله ، ولم يتفطنوا ~~إلى أن أحوال الدنيا مسببة على أسباب دنيوية لا علاقة لها بأحوال الأولاد . ~~وهذا المبدأ الوهمي السفسطائي خطير في العقائد الضالة التي كانت لأهل ~~الجاهلية والمنتشرة عند غير المسلمين ، ولا يخلو المسلمون من قريب منها في ~~تصرفاتهم في الدين ومرجعها إلى قياس الغائب على الشاهد وهو قياس يصادف ~~الصواب تارة ويخطئه تارات . # ومن أكبر أخطاء المسلمين في هذا الباب خطأ اللجأ إلى القضاء والقدر في ~~أعذارهم ، وخطأ التخلق بالتوكل في تقصيرهم وتكاسلهم . # فجملة { وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا } عطف على جملة { وقال الذين ~~كفروا لن نؤمن بهذا القرآن } ( سبأ : 31 ) الخ ، وقولهم : { وما نحن ~~بمعذبين } كالنتيجة لقولهم { نحن أكثر أموالا وأولادا } ، وإنما جيء فيه ~~بحرف العطف لترجيح جانب الفائدة المستقلة على جانب الاستنتاج الذي يومىء ~~إليه ما تقدمه وهو قولهم : { نحن أكثر أموالا وأولادا } فحصل من هذا النظم ~~استدلال لصحة دينهم ولإبطال ما جاء به الإسلام ثم الافتخار بذلك على ~~المسلمين والضعة لجانب المسلمين بإشارة إلى قياس استثنائي بناء على ملازمة ~~موهومة ، وكأنهم استدلوا بانتفاء التعذيب على أنهم مقربون عند الله بناء ~~على قياس مساواة مطوي فكأنهم حصروا وسائل القرب عند الله في وفرة الأموال ~~والأولاد . ولولا هذا التأويل لخلت كلتا الجملتين عن أهم معنييهما وبه يكون ~~موقع الجواب ب { قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر } أشد اتصالا بالمعنى ~~، أي قل لهم : إن بسط الرزق وتقتيره شأن آخر من تصرفات الله المنوطة بما ~~قدره في نظام هذا العالم ، أي فلا ملازمة بينه وبين الرشد والغي ، والهدى ~~والضلال ، ولو تأملتم أسباب الرزق لرأيتموها لا تلاقي أسباب الغي والاهتداء ~~، فربما وسع الله الرزق على العاصي وضيقه ms6652 على المطيع وربما عكس فلا يغرنهم ~~هذا وذاك فإنكم لا تعلمون . # وهذا ما جعل قوله : { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } مصيبا المحز ، فأكثر ~~الناس PageV22P213 تلتبس عليهم الأمور فيخلطون بينها ولا يضعون في مواضعها ~~زينها وشينها . # وقد أفاد هذا أن حالهم غير دال على رضى الله عنهم ولا على عدمه ، وهذا ~~الإبطال هو ما يسمى في علم المناظرة نقضا إجماليا . # وبسط الرزق : تيسيره وتكثيره ، استعير له البسط وهو نشر الثوب ونحوه لأن ~~المبسوط تكثر مساحة انتشاره . # وقدر الرزق : عسر التحصيل عليه وقلة حاصله ؛ استعير له القدر ، أي ~~التقدير وهو التحديد لأن الشيء القليل يسهل عده وحسابه ولذلك قيل في ضده { ~~يرزق من يشاء بغير حساب } ( البقرة : 212 ) ، ومفعول { يقدر } محذوف دل ~~عليه مفعول { يبسط } . وتقدم نظيره في سورة الرعد . # ومفعول { يعلمون } محذوف دل عليه الكلام ، أي لا يعلمون أن الله يبسط ~~الرزق لمن يشاء ويقدر باعتبار عموم من يشاء من كونه صالحا أو طالحا ، ومن ~~انتفاء علمهم بذلك أنهم توهموا بسط الرزق علامة على القرب عند الله ، وضده ~~علامة على ضد ذلك . وبهذا أخطأ قول أحمد بن الرواندي : # كم عاقلل عاقل أعيت مذاهبه # وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا # هذا الذي ترك الأوهام حائرة # وصير العالم النحرير زنديقا # فلو كان عالما نحريرا لما تحير فهمه ، وما تزندق من ضيق عطن فكره . # يجوز أن تكون جملة { وما أموالكم } عطفا على جملة { قل إن ربي يبسط الرزق ~~} ( سبأ : 36 ) الخ فيكون كلاما موجها من جانب الله تعالى إلى الذين قالوا ~~: { نحن أكثر أموالا وأولادا } ( سبأ : 35 ) فتكون ضمائر الخطاب موجهة إلى ~~الذين قالوا : { نحن أكثر أموالا وأولادا } . PageV22P214 # ويجوز أن تكون عطفا على جملة { إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء } ( سبأ : 36 ~~) ، فيكون مما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يقوله لهم ويبلغه عن الله ~~تعالى ، ويكون في ضمير { عندنا } التفات ، وضمائر الخطاب تكون عائدة إلى ~~الذين قالوا : { نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين } ( سبأ : 35 ) ~~وفيها وجه ثالث ننبه عليه قريبا . # وهو ارتقاء ms6653 من إبطال الملازمة إلى الاستدلال على أنهم ليسوا بمحل الرضى ~~من الله تعالى على طريقة النقض التفصيلي المسمى بالمناقضة أيضا في علم ~~المناظرة . وهو مقام الانتقال من المنع إلى الاستدلال على إبطال دعوى الخصم ~~، فقد أبطلت الآية أن تكون أموالهم وأولادهم مقربة عند الله تعالى ، وأنه ~~لا يقرب إلى الله إلا الإيمان والعمل الصالح . # وجيء بالجملة المنفية في صيغة حصر بتعريف المسند إليه والمسند ، لأن هذه ~~الجملة أريد منها نفي قولهم : { نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين } ~~أي لا أنتم ، فكان كلامهم في قوة حصر التقريب إلى الله في كثرة الأموال ~~والأولاد فنفي ذلك بأسره . # وتكرير { لا } النافية بعد العاطف في { ولا أولادكم } لتأكيد تسلط النفي ~~على كلا المذكورين ليكون كل واحد مقصودا بنفي كونه مما يقرب إلى الله ~~وملتفتا إليه . # ولما كانت الأموال والأولاد جمعي تكسير عوملا معاملة المفرد المؤنث فجيء ~~بخبرهما اسم موصول المفرد المؤنث على تأويل جماعة الأموال وجماعة الأولاد ~~ولم يلتفت إلى تغلب الأولاد على الأموال فيخبر عنهما معا ب ( الذين ) ونحوه ~~. # وعدل عن أن يقال : بالتي تقربكم إلينا ، إلى { تقربكم عندنا } لأن ~~التقريب هنا مجاز في التشريف والكرامة لا تقريب مكان . # والزلفى : اسم للقرب مثل الرجعى وهو مفعول مطلق نائب عن المصدر ، أي ~~تقربكم تقريبا ، ونظيره { والله أنبتكم من الأرض نباتا } ( نوح : 17 ) . # وقوله : { إلا من آمن وعمل صالحا } استثناء منقطع . و { إلا } بمعنى ( ~~لكن ) المخففة النون التي هي للاستدراك وما بعدها كلام مستأنف ، وذلك من ~~استعمالات الاستثناء المنقطع ؛ فإنه إذا كان ما بعد { إلا } ليس من جنس ~~المستثنى منه كان PageV22P215 الاستثناء منقطعا ، ثم إن كان ما بعد { إلا } ~~مفردا فإن { إلا } تقدر بمعنى ( لكن ) أخت ( إن ) عند أهل الحجاز فينصبون ~~ما بعدها على توهم اسم ( لكن ) وتقدر بمعنى ( لكن ) المخففة العاطفة عند ~~بني تميم فيتبع الاسم الذي بعدها إعراب الاسم الذي قبلها وذلك ما أشار إليه ~~سيبويه في باب يختار فيه النصب من أبواب الاستثناء . # فأما إن كان ما بعد { إلا } جملة اسمية ms6654 أو فعلية فإن { إلا } تقدر بمعنى ~~( لكن ) المخففة وتجعل الجملة بعد استئنافا ، وذلك في نحو قول العرب : ( ~~والله لأفعلن كذا إلا حل ذلك أن أفعل كذا وكذا ) قال سيبويه : ( فإن : أن ~~أفعل كذا ، بمنزلة : إلا فعل كذا ، وهو مبني على حل ( أي هو خبر له ) . وحل ~~مبتدأ كأنه قال : ولكن حل ذلك أن أفعل كذا وكذا ) ا ه . # قال ابن مالك في ( شرح التسهيل ) : وتقرير الإخراج في هذا أن تجعل قولهم ~~: إلا حل ذلك ، بمنزلة : لا أرى لهذا العقد مبطلا إلا فعل كذا . وجعل ابن ~~خروف من هذا القبيل قوله تعالى : { لست عليهم بمسيطر إلا من تولى وكفر ~~فيعذبه الله العذاب الأكبر } ( الغاشية : 22 24 ) على أن يكون { من } مبتدأ ~~و ( يعذبه الله ) الخبر ودخل الفاء لتضمين المبتدأ معنى الجزاء . وقال أبو ~~يسعود : إن { إلا } في الاستثناء المنقطع يكون ما بعدها كلاما مستأنفا ا ه ~~. # وعلى هذا فقوله تعالى هنا : { إلا من آمن وعمل صالحا } تقديره : لكن من ~~آمن وعمل صالحا فأولئك لهم جزاء الضعف ، فيكون { من } مبتدأ مضمنا معنى ~~الشرط و { لهم جزاء الضعف } جملة خبر عن المبتدأ وزيدت الفاء في الخبر ~~لتضمين المبتدأ معنى الشرط . # وأسهل من هذا أن نجعل { من } شرطية وجملة { فأولئك لهم جزاء الضعف } جواب ~~الشرط ، واقترن بالفاء لأنه جملة اسمية . وهذا تحقيق لمعنى الاستثناء ~~المنقطع وتفسير للآية بدون تكلف ولا تردد في النظم . PageV22P216 # ويجوز أن تكون جملة { وما أموالكم ولا أولادكم } الخ اعتراضا بين جملة { ~~قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر } ( سبأ : 36 ) وجملة { قل إن ربي ~~يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له } ( سبأ : 39 ) وتكون ضمائر الخطاب ~~موجهة إلى جميع الناس المخاطبين بالقرآن من مؤمنين وكافرين . وعليه فيكون ~~قوله : { إلا من آمن وعمل صالحا } الخ مستثنى من ضمير الخطاب ، أي ما ~~أموالكم بالتي تقربكم إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات منكم ، وتكون جملة { ~~فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا } ثناء على الذين آمنوا وعملوا الصالحات . # وجيء باسم الإشارة في الإخبار ms6655 عن { من آمن } للتنويه بشأنهم والتنبيه على ~~أنهم جديرون بما يرد بعد اسم الإشارة من أجل تلك الأوصاف التي تقدمت اسم ~~الإشارة على ما تقدم في قوله تعالى : { أولئك على هدى من ربهم } ( البقرة : ~~5 ) وغيره . ووزان هذا المعنى وزان قوله : { لا يغرنك تقلب الذين كفروا في ~~البلاد متاع قليل إلى قوله : لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات } ( آل عمران : ~~198 ) الآية . # و { الضعف } المضاعف المكرر فيصدق بالمكرر مرة وأكثر . وفي الحديث ( ~~والحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة ) وقد أشار إليه ~~قوله تعالى : { كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف ~~لمن يشاء } ( البقرة : 261 ) . # وإضافة { جزاء } إلى { الضعف } إضافة بيانية ، أي الجزاء الذي هو ~~المضاعفة لأعمالهم ، أي لما تستحقه كما تقدم . وكني عن التقريب بمضاعفة ~~الجزاء لأن ذلك أمارة كرامة المجزي عند الله ، أي أولئك الذين يقربون زلفى ~~فيجزون جزاء الضعف على أعمالهم لا على وفرة أموالهم وأولادهم ، فالاستدراك ~~ورد على جميع ما أفاده كلام المشركين من الدعوى الباطلة والفخر الكاذب لرفع ~~توهم أن الأموال والأولاد لا تقرب إلى الله بحال ، فإن من أموال المؤمنين ~~صدقات ونفقات ، ومن أولادهم أعوانا على البر ومجاهدين وداعين لآبائهم ~~بالمغفرة والرحمة . # والباء في قوله : { بما عملوا } تحتمل السببية فتكون دليلا على ما هو ~~المضاعف وهو ما يناسب السبب من الصالحات كقوله تعالى : { هل جزاء الإحسان ~~إلا الإحسان } ( الرحمن : 60 ) ، وتحتمل العوض فيكون ( ما عملوا ) هو ~~المجازى عليه كما تقول : PageV22P217 جزيته بألف ، فلا تقدير في قوله : { ~~جزاء الضعف } . # و { الغرفات } جمع غرفة . وتقدم في آخر الفرقان وهي البيت المعتلي وهو ~~أجمل منظرا وأشمل مرأى . و { آمنون } خبر ثان يعني تلقي في نفوسهم الأمن من ~~انقطاع ذلك النعيم . # وقرأ الجمهور { في الغرفات } بصيغة الجمع ، وقرأ حمزة ( في الغرفة ) ~~بالإفراد . # جرى الكلام على عادة القرآن في تعقيب الترغيب بالترهيب وعكسه ، فكان هذا ~~بمنزلة الاعتراض بين الثناء على المؤمنين الصالحين وبين إرشادهم إلى ~~الانتفاع بأموالهم للقرب عند الله تعالى بجملة ms6656 { وما أنفقتم من شيء } ( سبأ ~~: 39 ) الخ . والذين يسعون في الآيات هم المشركون بصدهم عن سماع القرآن ~~وبالطعن فيه بالباطل واللغو عند سماعه . # والسعي مستعار للاجتهاد في العمل كقوله تعالى : { ثم أدبر يسعى } ( ~~النازعات : 22 ) وإذا عدي ب { في } كان في الغالب مرادا منه الاجتهاد في ~~المضرة فمعنى { يسعون في آياتنا } يجتهدون في إبطالها ، و { معاجزين } ~~مغالبين طالبين العجز . وقد تقدم نظيره في قوله تعالى : { والذين سعوا في ~~آياتنا معاجزين أولئك أصحاب الجحيم في سورة الحج . # واسم الإشارة للتنبيه على أنهم استحقوا الجحيم لأجل ما ذكر قبل اسم ~~الإشارة مثل أولئك على هدى من ربهم } ( البقرة : 5 ) و { في العذاب } خبر ~~عن اسم الإشارة . و { محضرون } هنا كناية عن الملازمة فهو ارتقاء في المعنى ~~الذي دلت عليه أداة الظرفية من إحاطة العذاب بهم وهو خبر ثان عن اسم ~~الإشارة ومتعلقه محذوف دل عليه الظرف وقد تقدم نظيره في قوله تعالى : { ~~فأولئك في العذاب محضرون في سورة الروم PageV22P218 . # } # أتبع إبطال أن تكون الأموال والأولاد بذاتهما وسيلة قرب لدى الله تعالى ~~ردا على مزاعم المشركين بما يشبه معنى الاستدراك على ذلك الإبطال من إثبات ~~انتفاع بالمال للتقرب إلى رضى الله إن استعمل في طلب مرضاة الله تفضيلا لما ~~أشير إليه إجمالا من أن ذلك قد يكون فيه قربة إلى الله بقوله : { إلا من ~~آمن وعمل صالحا } ( سبأ : 37 ) كما تقدم . # وقوله : { قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له } تقدم نظيره ~~قريبا تأكيدا لذلك وليبنى عليه قوله : { وما أنفقتم من شيء } الآية . فالذي ~~تقدم رد على المشركين ، والمذكور هنا ترغيب للمؤمنين ، والعبارات واحدة ~~والمقاصد مختلفة . وهذا من وجوه الإعجاز أن يكون الكلام الواحد صالحا ~~لغرضين وأن يتوجه إلى طائفتين . # ولما كان هذا الثاني موجها إلى المؤمنين أشير إلى تشريفهم بزيادة قوله : ~~{ من عباده } أي المؤمنين ، وضمير { له } عائد إلى { من } ، أي ويقدر لمن ~~يشاء من عباده . ومفعول { يقدر } محذوف دل عليه مفعول { يبسط } . # وكان ما تقدم حديثا عن بسط ms6657 الرزق لغير المؤمنين فلم ينعموا بوصف { من ~~عباده } لأن في الإضافة تشريفا للمؤمنين ، وفي هذا امتنان على الذين يبسط ~~عليهم الرزق بأن جمع الله لهم فضل الإيمان وفضل سعة الرزق ، وتسلية للذين ~~قدر عليهم رزقهم بأنهم نالوا فضل الإيمان وفضل الصبر على ضيق الحياة . # وفي تعليق { له } ب { يقدر } إيماء إلى أن ذلك القدر لا يخلو من فائدة ~~للمقدور عليه رزقه ، وهي فائدة الثواب على الرضى من قسم له والسلامة من ~~الحساب عليه يوم القيامة . وفي الحديث ( ما من مصيبة تصيب المؤمن إلا كفر ~~بها عنه حتى الشوكة يشاكها ) . # ولولا هذا الإيماء لقيل : ويقدر عليه ، كما قال : { ومن قدر عليه رزقه ~~فلينفق مما آتاه الله } ( الطلاق : 7 ) . وأما حال الكافرين فإنهم ينعم على ~~بعضهم برزق يحاسبون عليه أشد PageV22P219 الحساب يوم القيامة إذ لم يشكروا ~~رازقهم ، ويقدر على بعضهم فلا يناله إلا الشقاء . وهذا توطئة لقوله : { وما ~~أنفقتم من شيء فهو يخلفه } حثا على الإنفاق . والمراد الإنفاق فيما أذن فيه ~~الشرع . # وهذا تعليم للمسلمين بأن نعيم الآخرة لا ينافي نعيم الدنيا ، قال تعالى : ~~{ ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ~~أولئك لهم نصيب مما كسبوا } ( البقرة : 201 ، 202 ) . فأما نعيم الدنيا فهو ~~مسبب عن أحوال دنيوية رتبها الله تعالى ويسرها لمن يسرها في علمه بغيبه ، ~~وأما نعيم الآخرة فهو مسبب عن أعمال مبينة في الشريعة وكثير من الصالحين ~~يحصل لهم النعيم في الدنيا مع العلم بأنهم منعمون في الآخرة كما أنعم على ~~داود وسليمان وعلى كثير من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وكثير من أيمة ~~الدين مثل مالك بن أنس والشافعي والشيخ عبد الله بن أبي زيد وسحنون . # فأما اختيار الله لنبيئه محمد صلى الله عليه وسلم حالة الزهادة في الدنيا ~~فلتحصل له غايات الكمال من التمحض لتلقي الوحي وجميل الخصال ومن مساواة ~~جمهور أصحابه في أحوالهم ، وقد بسطناه بيانا في رسالة طعام رسول الله عليه ~~السلام . وأعقب ذلك بترغيب الأغنياء في الإنفاق ms6658 في سبيل الله فجعل الوعد ~~بإخلاف ما ينفقه المرء كناية عن الترغيب في الإنفاق لأن وعد الله بإخلافه ~~مع تأكيد الوعد يقتضي أنه يحب ذلك من المنفقين . # وأكد ذلك الوعد بصيغة الشرط وبجعل جملة الجواب اسمية وبتقديم المسند إليه ~~على الخبر الفعلي بقوله : { فهو يخلفه } ، ففي هذا الوعد ثلاثة مؤكدات دالة ~~على مزيد العناية بتحقيقه لينتقل من ذلك إلى الكناية عن كونه مرغوبه تعالى ~~. # و { من شيء } بيان لما في { ما } من العموم ، وجملة { وهو خير الرازقين } ~~تذييل للترغيب والوعد بزيادة ، لبيان أن ما يخلفه أفضل مما أنفقه المنفق . ~~{ خير } بمعنى أخير لأن الرزق الواصل من غيره تعالى إنما هو من فضله أجراه ~~على يد بعض مخلوقاته فإذا كان تيسيره برضى من الله على المرزوق ووعد به كان ~~ذلك أخلق بالبركة والدوام ، وظاهر الآية أن إخلاف الرزق يقع في الدنيا وفي ~~الآخرة . # والمراد بالإنفاق : الإنفاق المرغب فيه في الدين كالإنفاق على الفقراء ~~والإنفاق PageV22P220 في سبيل الله بنصر الدين . روى مالك عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال : ( يقول الله تعالى : يا بن آدم أنفق أنفق عليك ) ~~. قال ابن العربي : قد يعوض مثله أو أزيد ، وقد يعوض ثوابا ، وقد يدخر له ~~وهو كالدعاء في وعد الإجابة ) ا ه . قلت : وقد يعوض صحة وقد يعوض تعميرا . ~~ولله في خلقه أسرار . # ( 40 ، 41 ) { لله } # عطف على جملة { ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم } ( سبأ : 31 ) ~~الآية استكمالا لتصوير فظاعة حالهم يوم الوعد الذي أنكروه تبعا لما وصف من ~~حال مراجعة المستكبرين منهم والمستضعفين ؛ فوصف هنا افتضاحهم بتبرؤ ~~الملائكة منهم وشهادتهم عليهم بأنهم يعبدون الجن . # وضمير الغيبة من { نحشرهم } عائد إلى ما عاد عليه ضمير { وقالوا نحن أكثر ~~أموالا وأولادا } ( سبأ : 35 ) الذي هو عائد إلى { الذين كفروا } من قوله : ~~{ وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن } ( سبأ : 31 ) . والكلام كله ~~منتظم في أحوال المشركين ، وجميع : فعيل بمعنى مفعول ، أي مجموع وكثر ~~استعماله وصفا لإفادة شمول أفراد ما أجري هو عليه من ms6659 ذوات وأحوال ، أي ~~يجمعهم المتكلم ، قال لبيد : # عريت وكان بها الجميع فأبكروا # منها وغودر نؤيها وثمامها # وتقدم عند قوله تعالى : { فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون } في سورة هود . ~~فلفظ { جميعا } يعم أصناف المشركين على اختلاف نحلهم واعتقادهم في شركهم ~~فقد كان مشركو العرب نحلا شتى يأخذ بعضهم من بعض وما كانوا يحققون مذهبا ~~منتظم العقائد والأقوال غير مخلوط بما ينافي بعضه بعضا . # والمقصد من هذه الآية إبطال قولهم في الملائكة إنهم بنات الله ، وقولهم : ~~{ لو شاء الرحمن ما عبدناهم كما في سورة الزخرف . وكانوا يخلطون بين ~~الملائكة والجن ويجعلون بينهم نسبا ، فكانوا يقولون : الملائكة بنات الله ~~من سروات الجن . PageV22P221 # وقد كان حي من خزاعة يقال لهم : بنو مليح ، بضم الميم وفتح اللام وسكون ~~التحتية ، يعبدون الجن والملائكة ، والاقتصار على تقرير الملائكة ~~واستشهادهم على المشركين لأن إبطال إلاهية الملائكة يفيد إبطال إلاهية ما ~~هو دونها ممن أعيد من دون الله بدلالة الفحوى ، أي بطريق الأولى فإن ذلك ~~التقرير من أهم ما جعل الحشر لأجله . # وتوجيه الخطاب إلى الملائكة بهذا الاستفهام مستعمل في التعريض بالمشركين ~~على طريقة المثل إياك أعني واسمعي يا جارة . # والإشارة بهؤلاء } إلى فريق كانوا عبدوا الملائكة والجن ومن شايعهم على ~~أقوالهم من بقية المشركين . # وتقديم المفعول على { يعبدون } للاهتمام والرعاية على الفاصلة . # وحكي قول الملائكة بدون عاطف لوقوعه في المحاورة كما تقدم غير مرة ولذلك ~~جيء فيه بصيغة الماضي لأن ذلك هو الغالب في الحكاية . # وجواب الملائكة يتضمن إقرارا مع التنزه عن لفظ كونهم معبودين كما يتنزه ~~من يحكي كفر أحد فيقول قال : هو مشرك بالله ، وإنما القائل قال : أنا مشرك ~~بالله . # فمورد التنزيه في قول الملائكة { سبحانك } هو أن يكون غير الله مستحقا أن ~~يعبد ، مع لازم الفائدة وهو أنهم يعلمون ذلك فلا يضرون بأن يكونوا معبودين ~~. # والولي : الناصر والحليف والصديق ، مشتق من الولي مصدر ولي بوزن علم . ~~وكل من فاعل الولي ومفعوله ولي لأن الولاية نسبة تستدعي طرفين ولذلك كان ~~الولي فعيلا صالحا لمعنى فاعل ولمعنى ms6660 مفعول . فيقع اسم الولي على الموالي ~~بكسر اللام وعلى الموالى بفتحها وقد ورد بالمعنيين في القرآن وكلام العرب ~~كثيرا . # فمعنى { أنت ولينا } لا نوالي غيرك ، أي لا نرضى به وليا ، والعبادة ~~ولاية بين العابد والمعبود ، ورضى المعبود بعبادة عابده إياه ولاية بين ~~المعبود وعابده ، فقول الملائكة { سبحانك } تبرؤ من الرضى بأن يعبدهم ~~المشركون لأن الملائكة لما PageV22P222 جعلوا أنفسهم موالين لله فقد كذبوا ~~المشركين الذين زعموا لهم الإلهية ، لأن العابد لا يكون معبودا . وقد تقدم ~~الكلام على لفظ ( ولي ) عند قوله تعالى : { قل أغير الله أتخذ وليا في سورة ~~الأنعام وفي آخر سورة الرعد . # ومن } زائدة للتوكيد و ( دون ) اسم لمعنى غير ، أي أنت ولينا وهم ليسوا ~~أولياء لنا ولا نرضى بهم لكفرهم ف { من دونهم } تأكيد لما أفادته جملة { ~~أنت ولينا } من الحصر لتعريف الجزأين . # و { بل } للإضراب الانتقالي انتقالا من التبرؤ منهم إلى الشهادة عليهم ~~وعلى الذين سولوا لهم عبادة غير الله تعالى ، وليس إضراب إبطال لأن ~~المشركين المتحدث عنهم كانوا يعبدون الملائكة ، والمعنى : بل كان أكثر ~~هؤلاء يعبدون الجن وكان الجن راضين بعبادتهم إياهم . وحاصل المعنى : أنا ~~منكرون عبادتهم إيانا ولم نأمرهم بها ولكن الجن سولت لهم عبادة غير الله ~~فعبدوا الجن وعبدوا الملائكة . # وجملة { أكثرهم } للمشركين وضمير { بهم } للجن ، والمقام يرد كل ضمير إلى ~~معاده ولو تماثلت الضمائر كما في قول عباس بن مرداس يوم حنين : # عدنا ولولا نحن أحدق جمعهم # بالمسلمين وأحرزوا ما جمعوا # أي أحرز جمع المشركين ما جمعه المسلمون من مغانم . # وقرأ الجمهور { نحشرهم } و { نقول } بنون العظمة . وقرأ حفص عن عاصم بياء ~~الغائب فيهما ، والضمير عائد إلى { ربي } من قوله : { قل إن ربي يبسط الرزق ~~لمن يشاء من عباده ويقدر له } ( سبأ : 39 ) . # . # الأظهر أن هذا من خطاب الله تعالى المشركين والجن . والفاء فصيحة ناشئة ~~عن المقاولة السابقة . وهي كلام موجه من جانب الله تعالى إلى الملائكة ~~والمقصود به : التعريض بضلال الذين عبدوا الملائكة والجن لأن الملائكة ~~يعلمون مضمون هذا الخبر فلا نقصد ms6661 إفادتهم به . والمعنى : إذ علمتم أنكم ~~عبدتم الجن فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا . PageV22P223 # ويجوز أن يكون من خطاب الملائكة للفريقين بعد أداء الشهادة عليهم توبيخا ~~لهم وإظهارا للغضب عليهم تحقيقا للتبرؤ منهم ، والفاء أيضا فصيحة وهي ظاهرة ~~. # وقدم الظرف على عامله لأن النفع والضر يومئذ قد اختص صغيرهما وكبيرهما ~~بالله تعالى خلاف ما كان في الدنيا من نفع الجن عبادهم ببعض المنافع ~~الدنيوية ونفع المشركين الجن بخدمة وساوسهم وتنفيذ أغراضهم من الفتنة ~~والإضلال ، وكذلك الضر في الدنيا أيضا . # والملك هنا بمعنى : القدرة ، أي لا يقدر بعضكم على نصر أو نفع بعض . ~~وتقدم عند قوله تعالى : { قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ~~ابن مريم في سورة العقود . # وقدم النفع في حيز النفي تأييسا لهم لأنهم كانوا يرجون أن يشفعوا لهم ~~يومئذ ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله } ( يونس : 18 ) . # وعطف نفي الضر على نفع النفع للدلالة على سلب مقدرتهم على أي شيء فإن بعض ~~الكائنات يستطيع أن يضر ولا يستطيع أن ينفع كالعقرب . # . # عطف على قوله : { ثم نقول للملائكة } ( سبأ : 40 ) . وقد وقع الإخبار عن ~~هذا القول بعد الإخبار عن الحوار الذي يجري بين الملائكة وبين المشركين ~~يومئذ إظهارا لاستحقاقهم هذا الحكم الشديد ، ولكونه كالمعلول لقوله : { لا ~~يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا } . # والذوق : مجاز لمطلق الإحساس ، واختياره دون الحقيقة لشهرة استعماله . # ووصف النار بالتي كانوا يكذبون بها لما في صلة الموصول من إيذان بغلطهم ~~وتنديمهم . # وقد علق التكذيب هنا بنفس النار فجيء باسم الموصول المناسب لها ولم ~~PageV22P224 يعلق بالعذاب كما في آية سورة السجدة { وقيل لهم ذوقوا عذاب ~~النار الذي كنتم به تكذبون لأن القول المخبر عنه هنا هو قول الله تعالى ~~وحكمه وقد أذن بهم إلى جهنم وشاهدوها كما قال تعالى آنفا : وأسروا الندامة ~~لما رأوا العذاب } ( سبأ : 33 ) فإن الذي يرى هو ما به العذاب ، وأما القول ~~المحكي في سورة السجدة فهو قول ملائكة العذاب بدليل قوله : { كلما أرادوا ~~أن يخرجوا ms6662 منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون ~~. # وتقديم المجرور للاهتمام والرعاية على الفاصلة . # } # انتقال من حكاية كفرهم وغرورهم وازدهائهم بأنفسهم وتكذيبهم بأصول الديانة ~~إلى حكاية تكذيبهم الرسول صلى الله عليه وسلم وأتبع ذلك بحكاية تكذيبهم ~~الكتاب والدين الذي جاء به فكان كالفذلكة لما تقدم من كفرهم . # وجملة { إذا تتلى } معطوفة على جملة { ويوم نحشرهم جميعا } ( سبأ : 40 ) ~~عطف القصة على القصة . وضمير { عليهم } عائد إلى { الذين كفروا } ( سبأ : ~~31 ) وهم المشركون من أهل مكة . # وإيراد حكاية تكذيبهم الرسول صلى الله عليه وسلم مقيدة بالزمن الذي تتلى ~~عليهم فيه آيات الله البينات تعجيب من وقاحتهم حيث كذبوه في أجدر الأوقات ~~بأن يصدقوه عندها لأنه وقت ظهور حجة صدقه لكل عاقل متبصر . # وللاهتمام بهذا الظرف والتعجيب من متعلقه قدم الظرف على عامله والتشوق ~~إلى الخبر الآتي بعده وأنه من قبل البهتان والكفر البواح . # والمراد بالآيات البينات آيات القرآن ، ووصفها بالبينات لأجل ظهور أنها ~~من عند الله لإعجازها إياهم عن معارضتها ، ولما اشتملت عليه معانيها من ~~الدلائل الواضحة على صدق ما تدعو إليه ، فهي محفوفة بالبيان بألفاظها ~~ومعانيها . PageV22P225 # وحذف فاعل التلاوة لظهور أنه الرسول صلى الله عليه وسلم إذ هو تالي آيات ~~الله ، فالإشارة في قولهم : { ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم } إلى الرسول ~~صلى الله عليه وسلم واستحضروه بطريق الإشارة دون الاسم إفادة لحضوره مجلس ~~التلاوة وذلك من تمام وقاحتهم فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ عليهم ~~القرآن في مجالسهم كما ورد في حديث قراءته على عتبة بن ربيعة سورة فصلت ~~وقراءته على عبد الله بن أبي ابن سلول للقرآن بالمدينة في القصة التي تشاجر ~~فيها المسلمون والمشركون . 4 # وابتدأوا بالطعن في التالي لأنه الغرض الذي يرمون إليه ، وأثبتوا له ~~إرادة صدهم عن دين آبائهم قصد أن يثير بعضهم حمية بعض لأنهم يجعلون آباءهم ~~أهل الرأي فيما ارتأوا والتسديد فيما فعلوا فلا يرون إلا حقا ولا يفعلون ~~إلا صوابا وحكمة ، فلا جرم أن يكون ms6663 مريد الصد عنها محاولا الباطل وكاذبا في ~~قوله لأن الحق مطابق الواقع فإبطال ما هو حق في زعمهم قول غير مطابق للواقع ~~فهو الكذب . # وفعل { كان } في قولهم : { عما كان يعبد آباؤكم } إشارة إلى أنهم عنوا أن ~~تلك عبادة قديمة ثابتة . وفي ذلك إلهاب لقلوب قومهم وإيغار لصدورهم ~~ليتألبوا على الرسول صلى الله عليه وسلم ويزدادوا تمسكا بدينهم وقد قصروا ~~الرسول عليه الصلاة والسلام على صفة إرادة صدهم قصرا إضافيا ، أي إلا رجل ~~صادق فما هو برسول . # وأتبعوا وصف التالي بوصف المتلو بأنه كذب مفترى وإعادة فعل القول ~~للاهتمام بحكاية قولهم لفظاعته وكذلك إعادة فعل القول إعادة ثابتة للاهتمام ~~بكل قول من القولين الغريبين تشنيعا لهما في نفس السامعين فجملة { وقالوا ~~ما هذا إلا إفك } عطف على جملة { قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم } ، ~~فالفعلان مشتركان في الظرف . # والإشارة الثانية إلى القرآن الذي تضمنه { تتلى } لتعينه لذلك . # والإفك : الكذب ، ووصفه بالمفترى إما أن يتوجه إلى نسبته إلى الله تعالى ~~أو أريد أنه في ذاته إفك وزادوا فجعلوه مخترعا من النبي صلى الله عليه وسلم ~~ليس مسبوقا به . # فكونه إفكا يرجع إلى جميع ما في القرآن ، وكونه مفترى يرجعونه إلى ما فيه ~~من PageV22P226 قصص الأولين . وهذا القول من بهتانهم لأنهم كثيرا ما يقولون ~~: { أساطير الأولين } ( الأنعام : 25 ) فليس { مفترى } تأكيدا ل { إفك } . # ثم حكي تكذيبهم الذي يعم جميع ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من ~~وحي يتلى أو دعوة إلى التوحيد وغيره أو استدلال عليه أو معجزة بقولهم : { ~~إن هذا إلا سحر مبين } ، فهذا المقال الثالث يشمل ما تقدم وغيره ، فحكاية ~~مقالهم هذا تقوم مقام التذييل . وأظهر للقائلين دون إضمار ما تقدم ما يصح ~~أن يكون معادا للضمير فقيل : { وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم } ولم يقل ~~: وقالوا للحق لما جاءهم ، للدلالة على أن الكفر هو باعث قولهم هذا . # وأظهر المشار إليه قبل اسم الإشارة في قوله : { للحق لما جاءهم إن هذا ~~إلا سحر مبين } لأنه لا ms6664 دليل عليه في الكلام السابق ، أي إذ ظهر لهم ما هو ~~حق من إثبات للتوحيد أو إخبار عن الغيب أو البعث قالوا : ما هذا إلا سحر ~~مبين . فالمراد من الحق : ما هو أعم من آيات القرآن لأن السحر له أسلوبان : ~~أحدهما شعوذة الأقوال التي لا تفهم مدلولاتها يختلقها السحرة ليوهموا الناس ~~أن فيها مناجاة مع الجن ليمكنوهم من عمل ما يريدون فيسترهبوهم بذلك ، ~~وثانيهما أفعال لها أسباب خفية مستورة بحيل وخفة أيد تحركها فيوهمون بها ~~الناس أنها من تمكين الجن إياهم التصرف في الخفيات ، فإذا سمعوا القرآن ~~ألحقوه بالأسلوب الأول ، وإذا رأوا المعجزات ألحقوها بالأسلوب الثاني كما ~~قالت المرأة التي شاهدت معجزة تكثير الماء في بعض غزوات النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقالت لقومها ( أتيت أسحر الناس ، أو هو نبيء كما زعموه ) . # ومعنى { مبين } أنه يظهر منه أنه سحر فتبيينه كنهه من نفسه ، يعنون أن من ~~سمعه يعلم أنه سحر . # وجملة { وقال الذين كفروا } معطوفة على جملة { وإذا تتلى } . # الواو للحال ، والجملة في موضع الحال من الضمير في قوله : { قالوا ما هذا ~~إلا PageV22P227 رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم } ( سبأ : 43 ) ~~الآية ، تحميقا لجهالتهم وتعجيبا من حالهم في أمرين : # ( أحدهما ) : أنهم لم يدركوا ما ينالهم من المزية بمجيء الحق إليهم إذ ~~هيأهم الله به لأن يكونوا في عداد الأمم ذوي الكتاب ، وفي بدء حال يبلغ بهم ~~مبلغ العلم ، إذ هم لم يسبق لهم أن أتاهم كتاب من عند الله أو رسول منه ، ~~فيكون معنى الآية : فكيف رفضوا اتباع الرسول وتلقي القرآن وكان الأجدر بهم ~~الاغتباط بذلك . وهذا المعنى هو المناسب لقوله : { يدرسونها } أي لم يكونوا ~~أهل دراسة فكان الشأن أن يسرهم ما جاءهم من الحق . # ( وثانيهما ) : أنهم لم يكونوا على هدى ولا دين منسوب إلى الله تعالى حتى ~~يكون تمسكهم به وخشية الوقوع في الضلالة إن فرطوا فيه يحملهم على التردد في ~~الحق الذي جاءهم وصدقق الرسول الذي أتاهم به فيكون لهم في الصد عنهما بعض ~~العذر : فيكون ms6665 المعنى : التعجيب من رفضهم الحق حين لا مانع يصدهم ، فليس ~~معنى جملة { وما آتيناهم من كتب } الخ على العطف ولا على الإخبار لأن مضمون ~~ذلك معلوم لا يتعلق الغرض بالإخبار به ، ولكن على الحال لإفادة التعجيب ~~والتحميق ، وعلى هذا المعنى جرى المفسرون . # والدراسة : القراءة بتمهل وتفهم ، وتقدم عند قوله تعالى : { وبما كنتم ~~تدرسون في آل عمران . # وإنما لم يقيد إيتاء الكتب بقيد كما قيد الإرسال بقوله : قبلك } لأن ~~الإيتاء هو التمكين من الشيء وهم لم يتمكنوا من القرآن بخلاف إرسال النذير ~~فهو حاصل سواء تقبلوه أم أعرضوا عنه . # ومن نحا نحو أن يكون معنى الآية التفرقة بين حالهم وحال أهل الكتاب فذلك ~~منحى واهن لأنه يجر إلى معذرة أهل الكتاب في عضهم بالنواجذ على دينهم ، على ~~أنه لم يكن في مدة نزول الوحي بمكة علاقة للدعوة الإسلامية بأهل الكتاب ~~وإنما دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة ، وأيضا لا يكون للتقييد ب ~~{ قبلك } فائدة خاصة كما علمت . وهنالك تفسيرات أخرى أشد بعدا وأبعد عن ~~القصد جدا . PageV22P228 # هذا تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وتهديد للذين كذبوه ، فموقع التسلية ~~منه قوله : { وكذب الذين من قبلهم } ، وموقع التهديد بقية الآية ، فالتسلية ~~في أن له أسوة بالرسل السابقين ، والتهديد بتذكيرهم بالأمم السالفة التي ~~كذبت رسلها وكيف عاقبهم الله على ذلك وكانوا أشد قوة من قريش وأعظم سطوة ~~منهم وهذا كقوله تعالى : { فأهلكنا أشد منهم بطشا } ( الزخرف : 8 ) . # ومفعول { كذب } محذوف دل عليه ما بعده ، أي كذبوا الرسل ، دل عليه قوله : ~~{ فكذبوا رسلي } . # وضمير { بلغوا } عائد إلى { الذين من قبلهم } ، والضمير المنصوب في { ~~آتيناهم } عائد إلى { الذين كفروا } في قوله : { وقال الذين كفروا للحق لما ~~جاءهم إن هذا سحر مبين } ( سبأ : 43 ) . والمقام يرد على كل ضمير إلى معاده ~~، كما تقدم قريبا عند قوله تعالى : { أكثرهم بهم مؤمنون } ( سبأ : 41 ) . # والمعشار : العشر ، وهو الجزء العاشر مثل المرباع الذي كان يجعل لقائد ~~الكتيبة من غنائم الجيش في الجاهلية . # وذكر احتمالان آخران في معاد الضميرين من ms6666 قوله : { وما بلغوا معشار ما ~~آتيناهم } لا يستقيم معهما سياق الآية . # وجملة { وما بلغوا معشار ما آتيناهم } معترضة ، والاعتراض بها تمهيد ~~للتهديد وتقريب له بأن عقاب هؤلاء أيسر من عقاب الذين من قبلهم في متعارف ~~الناس مثل قوله تعالى : { وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه } ( ~~الروم : 27 ) . # والفاء في قوله : { فكذبوا رسلي } للتفريع على قوله : { وكذب الذين من ~~قبلهم } باعتبار أن المفرع عطف عليه قوله : { فكيف كان نكير } ، وبذلك كانت ~~جملة { فكذبوا رسلي } تأكيدا لجملة { وكذب الذين من قبلهم } ونظيره قوله ~~تعالى : { كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا في سورة القمر ، ولكون الفاء ~~PageV22P229 الثانية في قوله : فكيف كان نكير } تأكيدا لفظيا للفاء في قوله ~~: { فكذبوا رسلي } . # وقوله : { فكيف كان نكير } مفرع على قوله : { وكذب الذين من قبلهم } . # و ( كيف ) استفهام عن الحالة وهو مستعمل في التقرير والتفريع كقول الحجاج ~~للعديل ابن الفرخ ( فكيف رأيت الله أمكن منك ) ، أي أمكنني منك ، في قصة ~~هروبه . # فجملتا { فكذبوا رسلي فكيف كان نكير } في قوة جملة واحدة مفرعة على جملة ~~{ وكذب الذين من قبلهم } . والتقدير : وكذب الذين من قبلهم فكيف كان نكيري ~~على تكذيبهم الرسل ، ولكن لما كانت جملة { وكذب الذين من قبلهم } مقصودا ~~منها تسلية الرسول ابتداء جعلت مقصورة على ذلك اهتماما بذلك الغرض وانتصارا ~~من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم ثم خصت عبرة تسبب التكذيب في العقاب ~~بجملة تخصها تهويلا للتكذيب وهو من مقامات الإطناب ، فصادف أن كان مضمون ~~الجملتين متحدا اتحاد السبب لمسببين أو العلة لمعلولين كعلة السرقة للقطع ~~والغرم . وبني النظم على هذا الأسلوب الشيق تجنبا لثقل إعادة الجملة إعادة ~~ساذجة ففرعت الثانية على الأولى وأظهر فيها مفعول { كذب } وبني عليه ~~الاستفهام التقريري التفظيعي ، أو فرع للتكذيب الخاص على التكذيب الذي هو ~~سجيتهم العامة على الوجه الثاني في معنى : { وكذب الذين من قبلهم } كما ~~تقدم ، ونظيره قوله تعالى : { كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا ~~مجنون وازدجر } ( القمر : 9 ) . # والنكير : اسم للإنكار وهو عد الشيء منكرا ms6667 ، أي مكروها ، واستعمل هنا ~~كناية عن الغضب وتسليط العقاب على الآتي بذلك المنكر فهي كناية رمزية . # والمعنى : فكيف كان عقابي لهم على ما جاءوا به مما أنكره ، أي كان عقابا ~~عظيما على وفق إنكارنا تكذيبهم . # و { نكير } بكسر الراء وهو مضاف إلى ياء المتكلم ، وحذفت الياء للتخفيف ~~مع التنبيه عليها ببقاء الكسرة على آخر الكلمة وليناسب الفاصلة وأختها . ~~وكتب في المصحف بدون ياء وبوقف عليه بالسكون . PageV22P230 # افتتح بالأمر بالقول هنا وفي الجمل الأربع بعده للاهتمام بما احتوت عليه ~~. وهذا استئناف للانتقال من حكاية أحوال كفر المشركين وما تخلل ذلك من ~~النقض والاستدلال والتسلية والتهديد ووصف صدودهم ومكابرتهم إلى دعوتهم ~~للإنصاف في النظر والتأمل في الحقائق ليتضح لهم خطؤهم فيما ارتكبوه من ~~العسف في تلقي دعوة الإسلام وما ألصقوا به وبالداعي إليه ، وأرشدوا إلى ~~كيفية النظر في شأنهم والاختلاء بأنفسهم لمحاسبتها على سلوكها ، استقصاء ~~لهم في الحجة وإعذارا لهم في المجادلة { ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيي ~~عن بينة } ( الأنفال : 42 ) . # ولذلك اجتلبت صيغة الحصر ب { إنما } ، أي ما أعظكم إلا بواحدة ، طيا ~~لبساط المناظرة وإرساء على الخلاصة من المجادلات الماضية ، وتقريبا لشقة ~~الخلاف بيننا وبينكم . # وهو قصر إضافي ، أي لا بغيرها من المواعظ المفصلة ، أي إن استكثرتم الحجج ~~وضجرتم من الردود والمطاعن فأنا أختصر المجادلة في كلمة واحدة فقد كانوا ~~يتذمرون من القرآن لأبي طالب : أما ينتهي ابن أخيك عن شتم آلهتنا وآبائنا . ~~وهذا كما يقول المناظر والجدلي بعد بسط الأدلة فيقول : والخلاصة أو ~~والفذلكة كذا . # وقد ارتكب في هذه الدعوة تقريب مسالك النظر إليهم باختصاره ، فوصف بأنه ~~خصلة واحدة لئلا يتجهموا الإقبال على هذا النظر الذي عقدوا نياتهم على رفضه ~~، فأعلموا بأن ذلك لا يكلفهم جهدا ولا يضيع عليهم زمنا فليتأملوا فيه قليلا ~~ثم يقضوا قضاءهم ، والكلام على لسان النبي صلى الله عليه وسلم أمره الله أن ~~يخاطبهم به . # والوعظ : كلام فيه تحذير من مكروه وترغيب في ضده . وتقدم عند قوله تعالى ~~: { وكتبنا له في الألواح من ms6668 كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء في سورة الأعراف ~~، وقوله : يعظكم الله في سورة النور PageV22P231 . # و واحدة صفة لمحذوف يدل عليه المقام ويفرضه السامع نحو : بخصلة ، أو ~~بقضية ، أو بكلمة . # والمقصود من هذا الوصف تقليلها تقريبا للأفهام واختصارا في الاستدلال ~~وإيجازا في نظم الكلام واستنزالا لطائر نفورهم وإعراضهم . # وبنيت هذه الواحدة بقوله : أن تقوموا لله مثنى وفرادى } إلى آخره ، ~~فالمصدر المنسبك من { أن } والفعل في موضع البدل من ( واحدة ) ، أو قل عطف ~~بيان فإن عطف البيان هو البدل المطابق . وإنما اختلف التعبير عنه عند ~~المتقدمين فلا تخض في محاولة الفرق بينهما كالذي خاضوا . # والقيام في قوله : { أن تقوموا } مراد به المعنى المجازي وهو التأهب ~~للعمل والاجتهاد فيه كقوله تعالى : { وأن تقوموا لليتامى بالقسط } ( النساء ~~: 127 ) . # واللام للتعليل ، أي لأجل الله ولذاته ، أي جاعلين عملكم لله لا لمرضاة ~~صاحب ولا عشيرة ، وهذا عكس قوله تعالى : { وقال إنما اتخذتم من دون الله ~~أوثانا مودة بينكم } ( العنكبوت : 25 ) ، أو لأجل معرفة الله والتدبر في ~~صفاته . # وكلمة { مثنى } معدول بها عن قولهم : اثنين اثنين ، بتكرير كلمة اثنين ~~تكريرا يفيد معنى ترصيف الأشياء المتعددة بجعل كل ما يعد بعدد اثنين منه ~~مرصفا على نحو عدده . # وكلمة { فرادى } معدول بها عن قولهم : فردا فردا تكريرا يفيد معنى ~~الترصيف كذلك . وكذلك سائر أسماء العدد إلى تسع أو عشر ومنه قوله تعالى : { ~~فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ، وتقدم في سورة النساء . # وانتصب مثنى وفرادى } على الحال من ضمير { تقوموا } ، أي أن تكونوا في ~~القيام على هذين الحالين فيجوز أن يكون المعنى : أن تقوموا لحق الله ~~وإظهاره على أي حال من اجتماع وانفراد ، فيكون { مثنى } كناية عن التعدد ~~وهو من استعمال معنى التثنية في التكرر لأن التثنية أول التكرير فجعل ~~التكرر لازما للتثنية ادعاء كما في قوله تعالى : { ثم ارجع البصر كرتين ~~ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير } ( الملك : 4 ) فإن البصر لا يرجع خاسئا ~~من إعادة نظرة واحدة بل المراد منه تكرير PageV22P232 النظر ، ومنه ms6669 قولهم : ~~لبيك وسعديك ، وقولهم : دواليك . # ويجوز أن يكون المعنى أن تقوموا لحق الله مستعينا أحدكم بصاحب له أو ~~منفردا بنفسه فإن من أهل النظر من ينشط إليه بالمدارسة ما لا ينشطه بالخلوة ~~. ومنهم من حاله بعكس هذا ، فلهذا اقتصر على { مثنى وفرادى } لأن ما زاد ~~على ذلك لا اضطرار إليه . وقدم { مثنى } لأن الاستعانة أعون على الفهم ~~فيكون المراد دفع عوائق الوصول إلى الحق بالنظر الصحيح الذي لا يغالط فيه ~~صاحب هوى ولا شبهة ولا يخشى فيه الناظر تشنيعا ولا سمعة ، فإن الجماهير إذا ~~اجتمعت لم يخل مجتمعهم من ذي هوى وذي شبهة وذي مكر وذي انتفاع ، وهؤلاء بما ~~يلازم نواياهم من الخبث تصحبهم جرأة لا تترك فيهم وازعا عن الباطل ولا صدا ~~عن الاختلاق والتحريف للأقوال بعمد أو خطأ ، ولا حياء يهذب من حدتهم في ~~الخصام والأذى ، ثم يطيرون بالقالة وأعمال أهل السفالة . # فللسلامة من هذه العوائق والتخلص من تلك البوائق الصادة عن طريق الحق قيل ~~هنا { مثنى وفرادى } فإن المرء إذا خلا بنفسه عند التأمل لم يرض لها بغير ~~النصح ، وإذا خلا ثاني اثنين فهو إنما يختار ثانيه أعلق أصحابه به وأقربهم ~~منه رأيا فسلم كلاهما من غش صاحبه . # وحرف { ثم } للتراخي في الرتبة لأن التفكر في أحوال النبي صلى الله عليه ~~وسلم أهم في إصلاح حال المخاطبين المعرضين عن دعوته ، بخلاف القيام لله ~~فإنهم لا يأبونه . # والتفكر : تكلف الفكر وهو العلم ، وتقدم عند قوله تعالى : { أفلا تتفكرون ~~في الأنعام . # وقوله : ما بصاحبكم من جنة } نفي يعلق فعل { تتفكروا } عن العمل لأجل حرف ~~النفي . # والمعنى : ثم تعلموا نفي الجنون عن صاحبكم ، أي تعلموا مضمون هذا . فجملة ~~{ ما بصاحبكم من جنة } معمولة ل { تتفكروا } . ومن وقف على { تتفكروا } لم ~~يتقن التفكر . # والمراد بالصاحب : المخالط مطلقا بالموافقة وبالمخاصمة ، وهو كناية عن ~~التبصر PageV22P233 في خلقه كقول الحجاج في خطبته للخوارج ( ألستم أصحابي ~~بالأهواز حين رمتم الغدر واستبطنتم الكفر ) يعني فلا تخفى علي مقاصدكم . ~~وتقدم في قوله تعالى : { أولم يتفكروا ما بصاحبهم ms6670 من جنة في سورة الأعراف . # والتعبير بصاحبكم } إظهار في مقام الإضمار لأن مقتضى الظاهر أن يقال : ما ~~بي من جنة إذ الكلام جار على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم كما تقدم آنفا ~~. وفائدته التنبيه على أن حاله معلوم لديهم لا يلتبس عليهم لشدة مخالطته ~~بهم مخالطة لا تذر للجهالة مجالا فهم عرفوه ونشأ بينهم حتى جاءهم بالحق ~~فهذا كقوله : { فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون } ( يونس : 16 ) . # والاقتصار في التفكر المطلوب على انتفاء الجنة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم هو أن أصل الكفر هو الطعن في نبوءته وهم لما طعنوا فيه قالوا : مجنون ~~، وقالوا : ساحر ، وقالوا : كاذب . فابتدىء في إرجاعهم إلى الحق بنفي الجنة ~~عنه حتى إذا أذعنوا إلى أنه من العقلاء انصرف النظر إلى أن مثل ما جاء به ~~لا يأتي به إلا عاقل وهم إنما ابتدأوا اختلاقهم بأنه مجنون كما جاء في ~~القرآن ، قال تعالى : { ما أنت بنعمة ربك بمجنون } ( القلم : 2 ) في السورة ~~الثانية نزولا . وقال : { وما صاحبكم بمجنون في السورة السابعة } ( التكوير ~~: 22 ) وذلك هو الذي استمروا عليه قال تعالى : { ثم تولوا عنه وقالوا معلم ~~مجنون } ( الدخان : 14 ) إذ دعوى الجنون أروج بين أهل مكة لأن الجنون يطرأ ~~على الإنسان دفعة فلم يجدوا تعلة أقرب للقبول من دعوى أنه اعتراه جنون كما ~~قالت عاد لهود { إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء } ( هود : 54 ) ، ~~وقالت ثمود لصالح { قد كنت فينا مرجوا قبل هذا } ( هود : 62 ) . # فبقيت دعواهم أنه ساحر وأنه كاهن وأنه شاعر وأنه كاذب ( حاشاه ) . فأما ~~السحر والكهانة فسهل نفيهما بنفي خصائصهما ؛ فأما انتفاء السحر فبين لأنه ~~يحتاج إلى معالجة تعلم ومزاولة طويلة والنبي صلى الله عليه وسلم بين ~~ظهرانيهم لا يخفى عليهم أمره ، وأما الشعر فمسحته منفية عن القرآن كما قال ~~الوليد بن المغيرة ، فلم يبق في كنانة مطاعنهم إلا زعمهم أنه كاذب على الله ~~، وهذا يزيفه قوله : { بصاحبكم } فإنهم عرفوه برجاحة العقل والصدق والأمانة ~~في شبيبته وكهولته فكيف يصبح ms6671 بعد ذلك كاذبا كما قال النضر بن الحارث : فلما ~~رأيتم الشيب في صدغيه قلتم شاعر PageV22P234 وقلتم كاهن وقلتم مجنون ، ~~ووالله ما هو بأولئكم . وإذا كان لا يكذب على الناس فكيف يكذب على الله ، ~~كما قال هرقل لأبي سفيان وقد سأله : هل جربتم عليه كذبا قبل أن يقول ما قال ~~؟ قال أبو سفيان : لا . قال : فقد علمت أنه لم يكن ليترك الكذب على الناس ~~ويكذب على الله . # ومن أجل هذا التدرج الذي طوي تحت جملة { ما بصاحبكم من جنة } أعقب ذلك ~~بحصر أمره في النذراة بقرب عذاب واقع ، أي في النذارة والرسالة الصادقة . # قال في ( الكشاف ) : أي مثل هذه الدعوى لا يتصدى لها إلا رجلان : إما ~~مجنون لا يبالي بافتضاحه إذا طولب بالبرهان ، وإما عاقل راجح العقل لا يدعي ~~مثله إلا بعد صحته بالحجة ، وإلا فما يجدي العاقل دعوى شيء لا بينة عليه ~~وقد علمتم أن محمدا صلى الله عليه وسلم ما به من جنة بل علمتموه أرجح قريش ~~عقلا وأرزنهم حلما وأثقبهم ذهنا وآصلهم رأيا وأصدقهم قولا وأجمعهم لما يحمد ~~عليه الرجال فكان مظنة لأن تظنوا به الخير وترجحوا فيه جانب الصدق على ~~الكذب ) ا ه . # فالقصر المستفاد من { إن هو إلا نذير لكم } قصر موصوف على صفة قصرا ~~إضافيا ، أي هو مقصور على صفة النذارة لا تحوم حوله الأوصاف التي لمزتموه ~~بها . # ومعنى { بين يدي عذاب } القرب ، أي قرب الحصول فيقتضي القبلية ، أي قبل ~~عذاب ، وقد تقدم آنفا في هذه السورة ، والمراد عذاب الآخرة . # هذا استقصاء لبقايا شبه التكذيب لدحضها سواء منها ما تعلقوا به من نحو ~~قولهم : كاهن وشاعر ومجنون وما لم يدعوه ولكنه قد يخطر ببال واحد منهم أن ~~يزعموا أنه يريد بهذه الدعوة نفعا لنفسه يكون أجرا له على التعليم والإرشاد ~~. # وهم لما ادعوا أنه ساحر أو أنه شاعر أو أنه كاهن لزم من دعواهم أنه يتعرض ~~PageV22P235 لجائزة الشاعر ، وحلوان الكاهن ؛ فلما نفيت عنه تلك الخلال لم ~~يبق لهم في الكنانة سهم طعن ، إلا أن يزعموا ms6672 أنه يطلب أجرا على الإرشاد ~~فقيل لهم : { ما سألتكم من أجر فهو لكم } إن كان بكم ظن انتفاعي منكم بما ~~دعوتكم إليه ، فما كان لي من أجر عليه فخذوه . وهذه طريقة بديعة في الكناية ~~التهكمية عن عدم انتفاعه بما يدعوهم إليه بأن يفرض كالواقع ثم يرتب عليه ~~الانكفاف عنه ورد ما فات منه ليفضي بذلك إلى البراءة منه ومن التعرض له ، ~~فهي كناية رمزية وأنهم يعلمون أنه لم يسألهم أجرا { قل ما أسألكم عليه من ~~أجر وما أنا من المتكلفين إن هو إلا ذكر للعالمين } ( ص : 86 ، 87 ) أو إن ~~كنت سألتكم أجرا فلا تعطونيه ، وإن كنتم أعطيتم شيئا فاستردوه ، فكني بهذا ~~الشرط المحقق انتفاؤه عند انتفاء أن يكون طالبا أجرا منهم على حد قوله ~~تعالى : { إن كنت قلته فقد علمته } ( المائدة : 116 ) . وهذا ما صرح به ~~عقبه من قوله { إن أجري إلا على الله } ، فجيء بالشرط بصيغة الماضي ليدل ~~على انتفاء ذلك في الماضي فيكون انتفاؤه في المستقبل أجدر ؛ على أن وقوعه ~~في سياق الشرط يقضي بانتفائه في المستقبل أيضا . وهذا جار مجرى التحدي لأنه ~~لو كان لجماعتهم أو آحادهم علم بأنه طلب أجرا منهم لجاروا حين هذا التحدي ~~بمكافحته وطالبوه برده عليهم . # وينتقل من هذا إلى تعين أن ما دعاهم إليه لا ينتفع به غيرهم بالنجاة من ~~العذاب ، وقد تكرر في القرآن التبرؤ من أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم ~~يريد منهم أجرا أو يتطلب نفعا لأن انتفاء ذلك ما يلاقيه من العناء في ~~الدعوة دليل أنه مأمور بذلك من الله لا يريد جزاء منهم . # و { ما } يجوز أن تكون شرطية ، و { من أجر } بيانا لإبهام { ما } وجملة { ~~فهو لكم } جواب الشرط . ويجوز أن تكون { ما } نافية . وتكون { من } لتوكيد ~~عموم النكرة في النفي ، وتكون الفاء في قوله : { فهو لكم } تفريعا على نفي ~~الأجر ، وضمير ( هو ) عائدا على القرآن المفهوم من المقام ومن تقدم قوله : ~~{ وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات } ( سبأ : 43 ) أي فهذا القرآن لفائدتكم لا ms6673 ~~لفائدتي لأن قوله : { ما سألتكم من أجر } يفيد أن لا فائدة له في هذه ~~الدعوة . ويكون معنى الآية نظير معنى قوله تعالى : { قل ما أسألكم عليه من ~~أجر وما أنا من المتكلفين إن هو إلا ذكر للعالمين } ( ص : 86 ، 87 ) . ~~PageV22P236 # والأجر تقدم عنه قوله تعالى : { ليجزيك أجر ما سقيت لنا في سورة القصص . # وجملة إن أجري إلا على الله } مستأنفة استئنافا بيانيا جوابا لسؤال مقدر ~~أن يسأل السامع : كيف لا يكون له على ما قام به أجر ، فأجيب بأن أجره مضمون ~~وعده الله به لأنه إنما يقوم بعمل لمرضاته وامتثال أمره فعليه أجره . # وحرف { على } يقتضي أنه حق الله وذلك بالنظر إلى وعده الصادق ، ثم ذيل ~~ذلك باستشهاد الله تعالى على باطنه ونيته التي هي من جملة الكائنات التي ~~الله شهيد عليها ، وعليم بخفاياها فهو من باب : { قل كفى بالله شهيدا بيني ~~وبينكم } ( الرعد : 43 ) أي وهو شاهد على ذلك كله . # والأجر : عوض نافع على عمل سواء كان مالا أو غيره . # وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص ياء { أجري } مفتوحة . وقرأها ابن ~~كثير وأبو بكر وحمزة والكسائي ساكنة ، وهما وجهان من وجوه ياء المتكلم في ~~الإضافة . # لا جرم إذ انتهى الاستدلال والمجادلة أن ينتقل إلى النداء بين ظهرانيهم ~~بظهور الحق فيستغنى عن مجادلتهم . # وأعيد فعل { قل } للاهتمام بالمقول كما أشرنا إليه آنفا . # والتأكيد لتحقيق هذا الخبر . # والتعبير عن اسم الله بلفظ الرب وإضافته إلى ضمير المتكلم للإشارة أن ~~الحق في جانبه وأنه تأييد من ربه فإن الرب ينصر مربوبه ويؤيده . فالمراد ~~بالربوبية هنا ربوبية الولاء والاختصاص لا مطلق الربوبية لأنها تعم الناس ~~كلهم . # وتقديم المسند إليه على المسند الفعلي للدلالة على الاختصاص دون التقوي ~~لأن تقوي الجملة حصل بحرف التأكيد . وهذا الاختصاص باعتبار ما في { يقذف ~~PageV22P237 بالحق } من معنى : الناصر لي دونكم فماذا ينفعكم اعتزازكم ~~بأموالكم وأولادكم وقوتكم . # والقذف : إلقاء شيء من اليد ، وأطلق على إظهار الحق قذف على سبيل ~~الاستعارة ، شبه إعلان الحق بإلقاء الحجر ونحوه . والمعنى : أن ms6674 ربي يقذفكم ~~بالحق . # أو هو إشارة إلى قوله : { بل نقذف بالحق على الباطل } ( الأنبياء : 18 ) ~~وعلى كل فهو تعريض بالتهديد والتخويف من نصر الله المؤمنين على المشركين . # وتخصيص وصف { علام الغيوب } من بين الأوصاف الإلهية للإشارة إلى أنه عالم ~~بالنوايا ، وأن القائل يعلم ذلك فالذي يعلم هذا لا يجترىء على الله بادعائه ~~باطلا أنه أرسله إليكم ، فالإعلام بهذه الصفة هنا يشبه استعمال الخبر في ~~لازم فائدته وهو العلم بالحكم الخبري . # ويجوز أن يكون معنى : { يقذف بالحق } يرسل الوحي ، أي على من يشاء من ~~عباده كقوله تعالى : { يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده } ( غافر : ~~15 ) ويكون قوله { علام الغيوب } إشارة إلى أنه أعلم حيث يجعل رسالاته لأن ~~المشركين كانوا يقولون : لولا أنزلت علينا الملائكة دون محمد . # وارتفع { علام } على أنه خبر مبتدأ محذوف ، أي هو علام الغيوب ، أو على ~~أنه نعت لاسم { إن } إما مقطوع ، وإما لمراعاة محل اسم { إن } حيث إنها ~~استوفت خبرها لأن حكم الصفة حكم عطف النسق عند أكثر النحاة وهو الحق . وقال ~~الفراء : رفع الاسم في مثل هذا هو غالب كلام العرب . ومثله بالبدل في قوله ~~تعالى : { إن ذلك لحق تخاصم أهل النار } ( ص : 64 ) . # وقرأ الجهور { الغيوب } بضم الغين . وقرأه أبو بكر وحمزة والكسائي بكسر ~~الغين كما جاء الوجهان في باء ( بيوت ) . # أعيد فعل { قل } للاهتمام بالمقول كما تقدم آنفا . # وجملة { قل جاء الحق } تأكيد لجملة { قل إن ربي يقذف بالحق } ( سبأ : 48 ~~) فإن الحق PageV22P238 قد جاء بنزول القرآن ودعوة الإسلام . وعطف { وما ~~يبدىء الباطل وما يعيد } على { جاء الحق } لأنه إذا جاء الحق انقشع الباطل ~~من الموضع الذي حل فيه الحق . # و { يبدىء } مضارع أبدأ بهمزة في أوله وهمزة في آخره والهمزة التي في ~~أوله للزيادة مثل همزة : أجاء ، وأسرى . وإسناد الإبداء والإعادة إلى ~~الباطل مجاز عقلي أو استعارة . # ومعنى { ما يبدىء الباطل وما يعيد } الكناية عن اضمحلاله وزواله وهو ما ~~عبر عنه بالزهوق في قوله تعالى : { إن الباطل كان زهوقا في ms6675 سورة الإسراء . ~~وذلك أن الموجود الذي تكون له آثار إما أن تكون آثاره مستأنفة أو معادة ~~فإذا لم يكن له إبداء ولا إعادة فهو معدوم وأصله مأخوذ من تصرف الحي فيكون ~~ما يبدىء وما يعيد } كناية عن الهلاك كما قال عبيد بن الأبرص : # أفقر من أهله عبيد # فاليوم لا يبدي ولا يعيد # ( يعني نفسه ) . # ويقولون أيضا : فلان ما يبدىء وما يعيد ، أي ما يتكلم ببادئة ولا عائدة ، ~~أي لا يرتجل كلاما ولا يجيب عن كلام غيره . وأكثر ما يستعمل فعل ( أبدأ ) ~~المهموز أوله مع فعل ( أعاد ) مزدوجين في إثبات أو نفي ، وقد تقدم قوله ~~تعالى : { أولم يروا كيف يبدىء الله الخلق ثم يعيده في سورة العنكبوت . # } # لما جرى ذكر الحق والباطل وكانوا يزعمون من مجموع أقوالهم أن النبي عليه ~~الصلاة والسلام غير صادق في دعوى الرسالة من الله كانت أقوالهم تقتضي زعمهم ~~إياه على ضلال وكان الرد عليهم قاطعا بأنه على هدى بقوله : { قل جاء الحق ~~وما يبدىء الباطل وما يعيد } ( سبأ : 49 ) انتقل هنا إلى متاركة جدالهم ~~وتركهم وشأنهم لقلة جدوى مراجعتهم . # وهذا محضر خاص وطي بساط مجلس واحد ، فلا يقتضي أنه يستمر على ترك ~~PageV22P239 مجادلتهم لأن الواقع ينافي ذلك فقد نزل القرآن بعد ذلك طويلا ~~مشتملا على دعوتهم وتحذيرهم وإنذارهم . # وصيغة القصر التي في قوله : { فإنما أضل على نفسي } لقصر الضلال المفروض ~~، أي على نفسي لا عليكم لأنهم كانوا يحاولون أن يقلع عما دعاهم إليه ولم ~~يقتصروا على صدودهم . # وتعدية { أضل } بحرف { على } تتضمن استعارة مكنية إذ شبه الضلال بجريرة ~~عليه فعداه بالحرف الشائع استعماله في الأشياء المكره عليها غير الملائمة ، ~~عكس اللام ، وذكر حرف الاستعلاء تخييل للمكنية ولا يقال : ضمن { أضل } معنى ~~أجني ، لأن { ضللت } الذي هو فعل الشرط المفروض غير مضمن معنى فعل آخر . # وأما قوله : { وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي } فكالاحتراس من أن يكون ~~حاله مقتصرا على فرض كونه مظنة الضلال مع ما فيه من الاعتراف لله بنعمته ~~بأن ما يناله من خير فهو ms6676 بإرشاد الله لا من نفسه لأنه ما كان يصل لذلك وهو ~~مغمور بأمة جاهلية لولا إرشاد الله إياه كما قال تعالى : { وكذلك أوحينا ~~إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان } ( الشورى : 52 ) . # واختير في جانب الهدى فعل { اهتديت } الذي هو مطاوع ( هدى ) لما فيه من ~~الإيماء إلى أن له هاديا ، وبينه بقوله : { فبما يوحي إلي ربي } ليحصل شكره ~~لله إجمالا ثم تفصيلا ، وفي قوله : { فبما يوحي إلي ربي } إيماء إلى أنه ~~على هدى لأنه أثبت أن وحيا من الله وارد إليه . # وقد استفيد أن الضلال المفروض إن حصل فسببه من قبل نفسه ، من إسناد فعل { ~~أضل } إلى ضمير المتكلم ثم مما عقبه من قصر الضلال على الحصول من المتكلم ، ~~وهو أغرق في التعلق به ، وليس الغرض من ذلك الكلامم بيان التسبب ولكن عدم ~~مجاوزة الضلال المفروض إليهم إذ هم يتبعوه فيما تلبس به ، ولم يرتكب مثل ~~هذا في جانب فرض اهتدائه لأن اهتداءه كان هو الحاصل في الواقع وكان شاملا ~~له ولغيره من الذين اتبعوه لأن اهتداءه ملابس لدعوته الناس إلى اتباعه ، ~~ولأن الغرض من الشرطين مختلف وإن كان يعلم من المقابلة أن سبب الضلال ~~PageV22P240 والاهتداء مختلف من جهة المعنى ولا سيما حين رجح جانب اهتدائه ~~بقوله : { فبما يوحي إلي ربي } . # على أن المقابلة بين الشرطين ينقدح بها في ذهن السامع أن الضلال من تسويل ~~النفس ولو حصل لكان جناية من النفس عليه وأن الاهتداء من الله وأنه نفع ~~ساقه إليه بوحيه . # وجملة { إنه سميع قريب } تذييل لما أفادته الجملتان المقولتان قبله من ~~الترديد في نسبة الاهتداء والضلال ، أي أن الله يعلم أني على هدى أو ضده ~~ويحصل من ذلك علم مقابله من أحوال خصومه لأنه سميع لما يقوله الفريقان قريب ~~مما يضمرونه فلا يخفى عليه . # والقرب هنا كناية عن العلم والإحاطة فيه قرب مجازي . وهذا تعريض بالتهديد ~~. # ( 51 53 ) # لما جاءهم التعريض بالتهديد من لازم المتاركة المدلول عليها بقوله : { ~~فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت ms6677 فبما يوحي إلي ربي } ( سبأ : 50 ) للعلم بأن ~~الضال يستحق العقاب أتبع حالهم حين يحل بهم الفزع من مشاهدة ما هددوا به . # والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم تسلية له أو لكل مخاطب . وحذف جواب { ~~لو } للتهويل . والتقدير : لرأيت أمرا فظيعا . # ومفعول { ترى } يجوز أن يكون محذوفا ، أي لو تراهم ، أو ترى عذابهم ويكون ~~{ إذ فزعوا } ظرفا ل { ترى } ويجوز أن يكون { إذ } هو المفعول به وهو مجرد ~~عن الظرفية ، أي لو ترى ذلك الزمان ، أي ترى ما يشتمل عليه . # والفزع : الخوف المفاجىء ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار : ( ~~إنكم لتكثرون PageV22P241 عند الفزع وتقلون عند الطمع ) . وهذا الفزع عند ~~البعث يشعر بأنهم كانوا غير مهيئين لهذا الوقت أسباب النجاة من هوله . # والأخذ : حقيقته التناول وهو هنا مجاز في الغلب والتمكن بهم كقوله تعالى ~~: { فأخذهم أخذة رابية } ( الحاقة : 10 ) . والمعنى : أمسكوا وقبض عليهم ~~لملاقاة ما أعد لهم من العقاب . # وجملة { فلا فوت } معترضة بين المتعاطفات . والفوت : التفلت والخلاص من ~~العقاب ، قال رويشد الطائي : # إن تذنبوا ثم تأتيني بقيتكم # مما علي بذنب منكم فوت # أي إذا أذنبتم فجاءت جماعة منكم معتذرين فذلك لا يدفع عنكم جزاءكم على ~~ذنبكم . # وفي ( الكشاف ) : ( ولو ، وإذ ، والأفعال التي هي فزعوا ، وأخذوا ، وحيل ~~بينهم ، كلها للمضي ، والمراد بها الاستقبال لأن ما الله فاعله في المستقبل ~~بمنزلة ما كان ووجد لتحققه ) ا ه . ويزداد عليها فعل { وقالوا } . # والمكان القريب : المحشر ، أي أخذوا منه إلى النار ، فاستغني بذكر { من } ~~الابتدائية عن ذكر الغاية لأن كل مبدأ له غاية ، ومعنى قرب المكان أنه قريب ~~إلى جهنم بحيث لا يجدون مهلة لتأخير العذاب . # وليس بين كلمتي { قريب } هنا والذي في قوله : { إنه سميع قريب } ( سبأ : ~~50 ) ما يشبه الإيطاء في الفواصل لاختلاف الكلمتين بالحقيقة والمجاز فصار ~~في الجمع بينهما محسن الجناس التام . # وعطف { وقالوا } على { وأخذوا } أي يقولون حينئذ : آمنا به . # وضمير { به } للوعيد أو ليوم البعث أو للنبيء صلى الله عليه وسلم أو ~~القرآن ، إذا كان الضمير محكيا من ms6678 كلامهم لأن جميع ما يصح معادا للضمير ~~مشاهد لهم وللملائكة ، فأجملوا فيما يراد الإيمان به لأنهم ضاق عليهم الوقت ~~فاستعجلوه بما يحسبونه منجيا لهم من العذاب ، وإن كان الضمير من الحكاية ~~فهو عائد إلى الحق من قوله : { قل إن ربي يقذف بالحق } ( سبأ : 48 ) لأن ~~الحق يتضمن ذلك كله . PageV22P242 # ثم استطرد الكلام بمناسبة قولهم { آمنا به } إلى إضاعتهم وقت الإيمان ~~بجملة { وأنى لهم التناوش } إلى آخرها . # و { أنى } استفهام عن المكان وهو مستعمل في الإنكار . # و { التناوش } قرأه الجمهور بواو مضمومة بعد الألف وهو التناول السهل أو ~~الخفيف وأكثر وروده في شرب الإبل شربا خفيفا من الحوض ونحوه ، قال غيلان بن ~~حريث : # باتت تنوش الحوض نوشا من علا # نوشا به تقطع أجواز الفلا # يتحدث عن راحلته ، أي تتناول الماء من أعلاه ولا تغوص مشافرها فيه . # وجملة { وأنى لهم التناوش من مكان بعيد } مركب تمثيلي يفيد تشبيه حالهم ~~إذ فرطوا في أسباب النجاة وقت المكنة منها حين كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يدعوهم ويحرضهم ويحذرهم وقد عمرهم الله ما يتذكر فيه من تذكر ثم جاؤوا ~~يطلبون النجاة بعد فوات وقتها بحالهم كحال من يريد تناوشها وهو في مكان ~~بعيد عن مراده الذي يجب تناوله . # وهذا التمثيل قابل لتفريق أجزائه بأن يشبه السعي بما يحصل بسرعة بالتناوش ~~ويشبه فوات المطلوب بالمكان البعيد كالحوض . # وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم وخلف بالهمزة في موقع ~~الواو فقال الزجاج : وهو من إبدال الواو المضمومة همزة لقصد التخفيف في نطق ~~الضمة كقوله تعالى : { أقتت } ( المرسلات : 11 ) وقولهم : أجوه : جمع وجه . ~~وبحث فيه أبو حيان ، وقال الفراء والزجاج أيضا : هو من نأش بالهمز إذا أبطأ ~~وتأخر في عمل . ومنه قول نهشل بن حري النهشلي : # تمنى نئيشا أن يكون أطاعني # وقد حدثت بعد الأمور أمور # أي تمنى أخيرا . وفسر المعري في ( رسالة الغفران ) نئيشا بمعنى : بعد ما ~~فات . وعلى كلا التفسيرين فالمراد بالتناوش وصف قولهم : { آمنا به } بأنه ~~إيمان تأخر وقته أو فات وقته ms6679 . PageV22P243 # وفي الجمع بين { مكان قريب } و { مكان بعيد } محسن الطباق . # وجملة { وقد كفروا به من قبل } في موضع الحال ، أي كيف يقولون آمنا به في ~~وقت الفوات والحال أنهم كفروا به من قبل في وقت التمكن فهو كقوله تعالى : { ~~وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون } ( القلم : 43 ) . # { ويقذفون } عطف على { كفروا } فهي حال ثانية . والتقدير : وكانوا يقذفون ~~بالغيب . واختيار صيغة المضارع لحكاية الحالة كقوله تعالى : { ويصنع الفلك ~~} ( هود : 38 ) . # والقذف : الرمي باليد من بعد . وهو هنا مستعار للقول بدون ترو ولا دليل ، ~~أي يتكلمون فيما غاب عن القياس من أمور الآخرة بما لا علم لهم به إذ أحالوا ~~البعث والجزاء وقالوا لشركائهم : هم شفعاؤنا عند الله . # ولك أن تجعل { ويقذفون بالغيب من مكان بعيد } تمثيلا مثل ما في قوله { ~~وأنى لهم التناوش من مكان بعيد } ، شبهوا بحال من يقذف شيئا وهو غائب عنه ~~لا يراه فهو لا يصيبه البتة . # وحذف مفعول { يقذفون } لدلالة فعل { وقد كفروا به من قبل } عليه ، أي ~~يقذفون أشياء من الكفر يرمون بها جزافا . # والغيب : المغيب . والباء للملابسة ، والمجرور بها في موضع الحال من ضمير ~~{ يقذفون } ، أي يقذفون وهم غائبون عن المقذوف من مكان بعيد . # و { مكان بعيد } هنا مستعمل في حقيقته يعني من الدنيا ، وهي مكان بعيد عن ~~الآخرة للاستغناء عن استعارته لما لا يشاهد منه بقوله : { بالغيب } كما ~~علمت فتعين للحقيقة لأنها الأصل ، وبذلك فليس بين لفظ { بعيد } المذكور هنا ~~والذي في قوله : { وأنى لهم التناوش من مكان بعيد } ما يشبه الإيطاء ~~لاختلاف الكلمتين بالمجاز والحقيقة . PageV22P244 # عطف على الجمل الفعلية نظائر هذه وهي جمل { فزعوا وأخذوا وقالوا } ( سبأ ~~: 51 ، 52 ) أي وحال زجهم في النار بينهم وبين ما يأملونه من النجاة بقولهم ~~: { آمنا به } ( سبأ : 52 ) . وما يشتهونه هو النجاة من العذاب أو عودتهم ~~إلى الدنيا ؛ فقد حكي عنهم في آيات أخرى أنهم تمنوه { فقالوا يا ليتنا نرد ~~ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين } ( الأنعام : 27 ) ، ( ربنا أرجعنا ~~نعمل صالحا غير الذي ms6680 كنا نعمل ) . # والتشبيه في قوله : { كما فعل بأشياعهم من قبل } تشبيه للحيلولة بحيلولة ~~أخرى وهي الحيلولة بين بعض الأمم وبين الإمهال حين حل بهم عذاب الدنيا ، ~~مثل فرعون وقومه إذ قال : { آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل ~~وأنا من المسلمين } ( يونس : 90 ) ، وكذلك قوم نوح حين رأوا الطوفان ، وما ~~من أمة حل بها عذاب إلا وتمنت الإيمان حينئذ فلم ينفعهم إلا قوم يونس . # والأشياع : المشابهون في النحلة وإن كانوا سالفين . وأصل المشايعة ~~المتابعة في العمل والحلف ونحوه ، ثم أطلقت هنا على مطلق المماثلة على سبيل ~~المجاز المرسل بقرينة قوله : { من قبل } ، أي كما فعل بأمثالهم في الدنيا ~~من قبل ، وأما يوم الحشر فإنما يحال بينهم وبين ما يشتهون وكذلك أشياعهم في ~~وقت واحد . # وفائدة هذا التشبيه تذكير الأحياء منهم وهم مشركو أهل مكة بما حل بالأمم ~~من قبلهم ليوقنوا أن سنة الله واحدة وأنهم لا تنفعهم أصنامهم التي زعموها ~~شفعاء عند الله . # وجملة { إنهم كانوا في شك مريب } مسوقة لتعليل الجمل التي قبلها . وفعل ~~بهم جميع ما سمعت لأنهم كانوا في حياتهم في شك من ذلك اليوم وما وصف لهم من ~~أهواله . # وإنما جعلت حالتهم شكا لأنهم كانوا في بعض الأمور شاكين وفي بعضها موقنين ~~، ألا ترى قوله تعالى : { قلتم ما ندري ما الساعة إن نظن إلا ظنا وما نحن ~~بمستيقنين } ( الجاثية : 32 ) . وإذا كان الشك مفضيا إلى تلك العقوبة ~~فاليقين أولى بذلك ، ومآل PageV22P245 الشك واليقين بالانتفاء واحد إذ ترتب ~~عليهما عدم الإيمان به وعدم النظر في دليله . # ويجوز أن تكون جملة { إنهم كانوا في شك مريب } مستأنفة استئنافا بيانيا ~~ناشئة عن سؤال يثيره قوله : { وحيل بينهم وبين ما يشتهون } كأن سائلا سأل ~~هل كانوا طامعين في حصول ما تمنوه ؟ فأجيب بأنهم كانوا يتمنون ذلك ويشكون ~~في استجابته فلما حيل بينهم وبينه غشيهم اليأس ، واليأس بعد الشك أوقع في ~~الحزن من اليأس المتأصل . # والمريب : الموقع في الريب . والريب : الشك ، فوصف الشك به وصف له بما هو ms6681 ~~مشتق من مادته لإفادة المبالغة كقولهم : شعر شاعر ، وليل أليل ، أو ليل داج ~~. ومحاولة غير هذا تعسف . # # PageV22P246 # | 1 ( سورة فاطر ) 1 # سميت ( سورة فاطر ) في كثير من المصاحف في المشرق والمغرب وفي كثير من ~~التفاسير . وسميت في ( صحيح البخاري ) وفي ( سنن الترمذي ) وفي كثير من ~~المصاحف والتفاسير ( سورة الملائكة ) لا غير . وقد ذكر لها كلا الاسمين ~~صاحب ( الإتقان ) . # فوجه تسميتها ( سورة فاطر ) أن هذا الوصف وقع في طالعة السورة ولم يقع في ~~أول سورة أخرى . ووجه تسميتها ( سورة الملائكة ) أنه ذكر في أولها صفة ~~الملائكة ولم يقع في سورة أخرى . # وهي مكية بالاتفاق وحكى الآلوسي عن الطبرسي أن الحسن استثنى آيتين : آية ~~{ إن الذين يتلون كتاب الله } ( فاطر : 29 ) الآية ، وآية { ثم أورثنا ~~الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا } ( فاطر : 32 ) الآية ، ولم أر هذا لغيره ~~. # وهذه السورة هي الثالثة والأربعون في ترتيب نزول سور القرآن . نزلت بعد ~~سورة الفرقان وقبل سورة مريم . # وقد عدت آيها في عد أهل المدينة والشام ستا وأربعين ، وفي عد أهل مكة ~~والكوفة خمسا وأربعين . # أغراض هذه السورة # اشتملت هذه السورة على إثبات تفرد الله تعالى بالإلهية فافتتحت بما يدل ~~على أنه مستحق الحمد على ما أبدع من الكائنات الدال إبداعها على تفرده ~~تعالى بالإلهية . PageV22P247 # وعلى إثبات صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما جاء به وأنه جاء به الرسل ~~من قبله . وإثبات البعث والدار الآخرة . # وتذكير الناس بإنعام الله عليهم بنعمة الإيجاد ونعمة الإمداد ، وما يعبد ~~المشركون من دونه لا يغنون عنهم شيئا وقد عبدهم الذين من قبلهم فلم يغنوا ~~عنهم . # وتثبيت النبي صلى الله عليه وسلم على ما يلاقيه من قومه . # وكشف نواياهم في الإعراض عن اتباع الإسلام لأنهم احتفظوا بعزتهم . # وإنذارهم أن يحل بهم ما حل بالأمم المكذبة قبلهم . # والثناء على الذين تلقوا الإسلام بالتصديق وبضد حال المكذبين . # وتذكيرهم بأنهم كانوا يودون أن يرسل إليهم رسول فلما جاءهم رسول تكبروا ~~واستنكفوا . # وأنهم لا مفر لهم من حلول العذاب عليهم فقد شاهدوا آثار الأمم ms6682 المكذبين ~~من قبلهم ، وأن لا يغتروا بإمهال الله إياهم فإن الله لا يخلف وعده . # والتحذير من غرور الشيطان والتذكير بعداوته لنوع الإنسان . # $ 2 ( { الحمد لله فاطر السماوات والارض جاعل الملائكة رسلا أولى & # 1764 أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد فى الخلق ما يشآء إن الله على كل شىء ~~قدير * ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من ~~بعده وهو العزيز الحكيم * ياأيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق ~~غير الله يرزقكم من السمآء والارض لا إلاه إلا هو فأنى تؤفكون * وإن يكذبوك ~~فقد كذبت رسل من قبلك وإلى الله ترجع الامور * ياأيها الناس إن وعد الله حق ~~فلا تغرنكم الحيواة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور * إن الشيطان لكم عدو ~~فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير * الذين كفروا لهم ~~عذاب شديد والذين ءامنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر كبير * أفمن زين ~~له سو & # 1764 ء عمله فرءاه حسنا فإن الله يضل من يشآء ويهدى من يشآء فلا تذهب ~~نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون * والله الذى & # 1764 أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الارض بعد ~~موتها كذلك النشور * من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه يصعد الكلم ~~الطيب والعمل الصالح يرفعه والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر ~~أولائك هو يبور * والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجا وما تحمل ~~من أنثى ولا تضع إلا بعلمه وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا فى كتاب ~~إن ذلك على الله يسير * وما يستوى البحران هاذا عذب فرات سآئغ شرابه وهاذا ~~ملح أجاج ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها وترى الفلك فيه ~~مواخر لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون * يولج اليل فى النهار ويولج النهار ~~فى اليل وسخر الشمس والقمر كل يجرى لاجل مسمى ذلكم الله ربكم له الملك ~~والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير * إن تدعوهم ms6683 لا يسمعوا دعآءكم ولو ~~سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير * ~~ياأيها الناس أنتم الفقرآء إلى الله والله هو الغنى الحميد * إن يشأ يذهبكم ~~ويأت بخلق جديد * وما ذلك على الله بعزيز * ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع ~~مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شىء ولو كان ذا قربى إنما تنذر الذين يخشون ~~ربهم بالغيب وأقاموا الصلواة ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه وإلى الله المصير ~~* وما يستوى الاعمى والبصير * ولا الظلمات ولا النور * ولا الظل ولا الحرور ~~* وما يستوى الاحيآء ولا الاموات إن الله يسمع من يشآء ومآ أنت بمسمع من فى ~~القبور * إن أنت إلا نذير * إنآ أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا وإن من أمة إلا ~~خلا فيها نذير * وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جآءتهم رسلهم بالبينات ~~وبالزبر وبالكتاب المنير * ثم أخذت الذين كفروا فكيف كان نكير * ألم تر أن ~~الله أنزل من السمآء مآء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد ~~بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود * ومن الناس والدوآب والانعام مختلف ~~ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور * إن الذين ~~يتلون كتاب الله وأقاموا الصلواة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون ~~تجارة لن تبور * ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور * والذى & # 1764 أوحينآ إليك من الكتاب هو الحق مصدقا لما بين يديه إن الله بعباده ~~لخبير بصير * ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ~~ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير * جنات عدن ~~يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير * وقالوا ~~الحمد لله الذى & # 1764 أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور * الذى & # 1764 أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب * ~~والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها ~~كذلك نجزى كل كفور * وهم يصطرخون فيها ربنآ أخرجنا نعمل ms6684 صالحا غير الذى كنا ~~نعمل أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجآءكم النذير فذوقوا فما للظالمين ~~من نصير * إن الله عالم غيب السماوات والارض إنه عليم بذات الصدور * هو ~~الذى جعلكم خلائف فى الارض فمن كفر فعليه كفره ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ~~ربهم إلا مقتا ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا * قل أرءيتم شركآءكم ~~الذين تدعون من دون الله أرونى ماذا خلقوا من الارض أم لهم شرك فى السماوات ~~أم ءاتيناهم كتابا فهم على بينة منه بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا ~~غرورا * إن الله يمسك السماوات والارض أن تزولا ولئن زالتآ إن أمسكهما من ~~أحد من بعده إنه كان حليما غفورا * وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جآءهم ~~نذير ليكونن أهدى من إحدى الامم فلما جآءهم نذير ما زادهم إلا نفورا * ~~استكبارا فى الارض ومكر السيىء ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله فهل ينظرون ~~إلا سنة آلاولين فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا * أولم ~~يسيروا فى الارض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم وكانو & # 1764 ا أشد منهم قوة وما كان الله ليعجزه من شىء فى السماوات ولا فى ~~الارض إنه كان عليما قديرا * ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ~~ظهرها من دآبة ولاكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جآء أجلهم فإن الله كان ~~بعباده بصيرا } ) 2 $ افتتاحها ب { الحمد لله } مؤذن بأن صفات من عظمة الله ~~ستذكر فيها ، وإجراء صفات الأفعال على اسم الجلالة من خلقه السماوات والأرض ~~وأفضلل ما فيها من الملائكة والمرسلين مؤذن بأن السورة جاءت لإثبات التوحيد ~~وتصديق الرسول صلى الله عليه وسلم وإيذان { الحمد لله } باستحقاق الله إياه ~~دون غيره تقدم في أول سورة الفاتحة . PageV22P248 # والفاطر : فاعل الفطر ، وهو الخلق ، وفيه معنى التكون سريعا لأنه مشتق من ~~الفطر وهو الشق ، ومنه { تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن } ( الشورى : 5 ) { ~~إذا السماء انفطرت } ( الانفطار : 1 ) . وعن ابن عباس ( كنت لا أدري ما ~~فاطر السماوات والأرض ( أي ms6685 لعدم جريان هذا اللفظ بينهم في زمانه ) حتى ~~أتاني أعرابيان يختصمان في بئر ، فقال أحدهما : أنا فطرتها ، أي أنا ~~ابتدأتها . وأحسب أن وصف الله ب { فاطر السماوات والأرض } مما سبق به ~~القرآن ، وقد تقدم عند قوله تعالى { فاطر السماوات والأرض في سورة الأنعام ~~، وقوله : وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض في آخر سورة ~~يوسف فضمه إلى ما هنا . # وأما جاعل } فيطلق بمعنى مكون ، وبمعنى مصير ، وعلى الاعتبارين يختلف ~~موقع قوله : { رسلا } بين أن يكون مفعولا ثانيا ل { جاعل } أي جعل الله من ~~الملائكة ، أي ليكونوا رسلا منه تعالى لما يريد أن يفعلوه بقوتهم الذاتية ، ~~وبين أن يكون حالا من { الملائكة } ، أي يجعل من أحوالهم أن يرسلوا . ~~ولصلاحية المعنيين أوثرت مادة الجعل دون أن يعطف على معمول { فاطر } . # وتخصيص ذكر الملائكة من بين مخلوقات السماوات والأرض لشرفهم بأنهم سكان ~~السماوات وعظيم خلقهم . # وأجري عليهم صفة أنهم رسل لمناسبة المقصود من إثبات الرسالة ، أي جاعلهم ~~رسلا منه إلى المرسلين من البشر للوحي بما يراد تبليغهم إياه للناس . # وقوله { أولي أجنحة } يجوز أن يكون حالا من { الملائكة } ، فتكون الأجنحة ~~ذاتية لهم من مقومات خلقتهم ، ويجوز أن يكون حالا من الضمير في { رسلا } ~~فيكون خاصة بحالة مرسوليتهم . # و { أجنحة } جمع جناح بفتح الجيم وهو ما يكون للطائر في موضع اليد ~~للإنسان فيحتمل أن إثبات الأجنحة للملائكة في هذه الآية وفي بعض الأحاديث ~~المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم حقيقة ، ويحتمل أنه استعارة للقوة ~~التي يخترقون بها الآفاق السماوية صعودا ونزولا لا يعلم كنهها إلا الله ~~تعالى . # و { مثنى } وأخواته كلمات دالة على معنى التكرير لاسم العدد التي تشتق ~~PageV22P249 منه ابتداء من الاثنين بصيغة مثنى ثم الثلاثة والأربعة بصيغة ~~ثلاث ورباع . والأكثر أنهم لا يتجاوزون بهذه الصيغة مادة الأربعة ، وقيل : ~~يجوز إلى العشرة . والمعنى : اثنين اثنين الخ . وتقدم قوله : { أن تقوموا ~~لله مثنى وفرادى في سورة سبأ . # والكلام على أولي } تقدم . # والمعنى : أنهم ذوو أجنحة بعضها مصففة جناحين جناحين في الصف ، وبعضها ~~ثلاثة ms6686 ثلاثة ، وبعضها أربعة أربعة ، وذلك قد تتعدد صفوفه فتبلغ أعدادا ~~كثيرة فلا ينافي هذا ما ورد في الحديث عن عبد الله بن مسعود : ( أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم رأى جبريل له ستمائة جناح ) . # ويجوز أن تكون أعداد الأجنحة متغيرة لكل ملك في أوقات متغيرة على حسب ~~المسافات التي يؤمرون باختراقها من السماوات والأرضين . والأظهر أن الأجنحة ~~للملائكة من أحوال التشكل الذي يتشكلون به . وفي رواية الزهري أن جبريل قال ~~للنبيء صلى الله عليه وسلم ( لو رأيت إسرافيل إن له لاثني عشر ألف جناح وإن ~~العرش لعلى كاهله ) . # واعلم أن ماهية الملائكة تتحصل فيما ذكره سعد الدين في كتاب ( المقاصد ) ~~( إنهم أجسام لطيفة نورانية قادرة على التشكلات بأشكال مختلفة ، شأنهم ~~الخير والطاعة ، والعلم ، والقدرة على الأعمال الشاقة ، ومسكنهم السماوات ، ~~وقال : هذا ظاهر الكتاب والسنة وهو قول أكثر الأمة ) . ا ه . ومعنى الأجسام ~~اللطيفة أنها من قبيل الجوهر لا العرض وأنها جواهر مما يسمى عند الحكماء ~~بالمجردات . # وعندي : أن تعريف صاحب ( المقاصد ) لحقيقة الملائكة لا يخلو عن تخليط في ~~ترتيب التعريف لأنه خلط في التعريف بين الذاتيات والعرضيات . # والوجه عندي في ترتيب التعريف أن يقال : أجسام لطيفة نورانية أخيار ذوو ~~قوة عظيمة ، ومن خصائصهم القدرة على التشكل بأشكال مختلفة ، والعلم بما ~~تتوقف عليه أعمالهم ، ومقرهم السماوات ما لم يرسلوا إلى جهة من الأرض . # وهذا التشكل انكماش وتقبض في ذرات نورانيتهم وإعطاء صورة من صور ~~الجسمانيات الكثيفة لذواتهم . دل على تشكلهم قوله تعالى لهم يوم بدر ~~PageV22P250 { فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان } ( الأنفال : 12 ~~) ، وثبت تشكل جبريل عليه السلام للنبيء صلى الله عليه وسلم في صورة دحية ~~الكلبي ، وتشكله له ولعمر بن الخطاب في حديث السؤال عن الإيمان والإسلام ~~والإحسان والساعة في صورة ( رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر ، لا يرى ~~عليه أثر السفر ، ولا يعرفه منا أحد ( أي من أهل المدينة ) حتى جلس إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه ) ~~الحديث ، وقول ms6687 النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن فارقهم الرجل ( هل تدرون من ~~السائل ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم . قال : فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم ~~) كما في ( الصحيحين ) عن عمر بن الخطاب . # وثبت حلول جبريل في غار حراء في بدء الوحي ، وظهوره للنبيء صلى الله عليه ~~وسلم على كرسي بين السماء والأرض بصورته التي رآه فيها في غار حراء كما ذلك ~~في حديث نزول سورة المدثر ، ورأى كثير من أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يوم بدر ناسا لا يعرفونهم على خيل يقاتلون معهم . # وجملة { يزيد في الخلق ما يشاء } مستأنفة استئنافا بيانيا لأن ما ذكر من ~~صفات الملائكة يثير تعجب السامع أن يتساءل عن هذه الصفة العجيبة ، فأجيب ~~بهذا الاستئناف بأن مشيئة الله تعالى لا تنحصر ولا توقت . ولكل جنس من ~~أجناس المخلوقات مقوماته وخواصه . فالمراد بالخلق : المخلوقات كلها ، أي ~~يزيد الله في بعضها ما ليس في خلقق آخر . فيشمل زيادة قوة بعض الملائكة على ~~بعض ، وكل زيادة في شيء بين المخلوقات من المحاسن والفضائل من حصافة عقل ~~وجمال صورة وشجاعة وذلقة لسان ولياقة كلام . ويجوز أن تكون جملة { يزيد في ~~الخلق ما يشاء } صفة ثانية للملائكة ، أي أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد ~~في خلقهم ما يشاء كأنه قيل : مثنى وثلاث ورباع وأكثر ، فما في بعض الأحاديث ~~من كثرة أجنحة جبريل يبين معنى { يزيد في الخلق ما يشاء } . وعليه فالمراد ~~بالخلق ما خلق عليه الملائكة من أن لبعضهم أجنحة زائدة على من لبعض آخر . # وجملة { إن الله على كل شيء قدير } تعليل لجملة { يزيد في الخلق ما يشاء ~~} ، وفي هذا تعريض بتسفيه عقول الذين أنكروا الرسالة وقالوا : { إن أنتم ~~إلا PageV22P251 بشر مثلنا } ( إبراهيم : 10 ) ، فأجيبوا بقول الرسل { إن ~~نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على ما يشاء من عباده } ( إبراهيم : 11 ) ~~. # هذا من بقية تصدير السورة ب { الحمد لله فاطر السماوات والأرض } ( فاطر : ~~1 ) ، وهو عطف على { فاطر السماوات والأرض } الخ . والتقدير : وفاتح الرحمة ~~للناس وممسكها عنهم فلا ms6688 يقدر أحد على إمساك ما فتحه ولا على فتح ما أمسكه . # و { ما } شرطية ، أي اسم فيه معنى الشرط . وأصلها اسم موصول ضمن معنى ~~الشرط . فانقلبت صلته إلى جملة شرطية وانقلبت جملة الخبر جوابا واقترنت ~~بالفاء لذلك ، فأصل { ما } الشرطية هو الموصولة . ومحل { ما } الابتداء ~~وجواب الشرط أغنى عن الخبر . # و { من رحمة } بيان لإبهام { ما } والرابط محذوف لأنه ضمير منصوب . # والفتح : تمثيلية لإعطاء الرحمة إذ هي من النفائس التي تشبه المدخرات ~~المتنافس فيها فكانت حالة إعطاء الله الرحمة شبيهة بحالة فتح الخزائن ~~للعطاء ، فأشير إلى هذا التمثيل بفعل الفتح ، وبيانه بقوله : { من رحمة } ~~قرينة الاستعارة التمثيلية . # والإمساك حقيقته : أخذ الشيء باليد مع الشد عليه بها لئلا يسقط أو ينفلت ~~، وهو يتعدى بنفسه ، أو هو هنا مجاز عن الحبس والمنع ولذلك قوبل به الفتح . # وأما قولهم : أمسك بكذا ، فالباء إما لتوكيد لصوق المفعول بفعله كقوله ~~تعالى : { ولا تمسكوا بعصم الكوافر } ( الممتحنة : 10 ) ، وإما لتضمينه ~~معنى الاعتصام كقوله تعالى : { فقد استمسك بالعروة الوثقى } ( لقمان : 22 ) ~~. # وقد أوهم في ( القاموس ) و ( اللسان ) و ( التاج ) أنه لا يتعدى بنفسه . ~~PageV22P252 # فقوله هنا : { وما يمسك } حذف مفعوله لدلالة قوله : { ما يفتح الله للناس ~~من رحمة } عليه . والتقدير : وما يمسكه من رحمة ، ولم يذكر له بيان استغناء ~~ببيانه من فعل . # والإرسال : ضد الإمساك ، وتعدية الإرسال باللام للتقوية لأن العامل هنا ~~فرع في العمل . # و { من بعده } بمعنى : من دونه كقوله تعالى : { فمن يهديه من بعد الله } ~~( الجاثية : 23 ) { فبأي حديث بعد الله } ( الجاثية : 6 ) ، أي فلا مرسل له ~~دون الله ، أي لا يقدر أحد على إبطال ما أراد الله من إعطاء أو منع والله ~~يحكم لا معقب لحكمه . وتذكير الضمير في قوله : { فلا مرسل له } مراعاة للفظ ~~{ ما } لأنها لا بيان لها ، وتأنيثه في قوله : { فلا ممسك لها } لمراعاة ~~بيان { ما } في قوله : { من رحمة } لقربه . # وعطف { وهو العزيز الحكيم } تذييل رجح فيه جانب الإخبار فعطف ، وكان ~~مقتضى الظاهر أن يكون مفصولا لإفادة أنه يفتح ويمسك ms6689 لحكمة يعلمها ، وأنه لا ~~يستطيع أحد نقض ما أبرمه في فتح الرحمة وغيره من تصرفاته لأن الله عزيز لا ~~يمكن لغيره أن يغلبه ، فأن نقض ما أبرم ضرب من الهوان والمذلة . ولذلك كان ~~من شعار صاحب السؤدد أنه يبرم وينقض قال الأعشى : # علقم ما أنت إلى عامر # الناقض الأوتار والواتر # وضمير { لها } وضمير { له } عائدان إلى { ما } من قوله : { ما يفتح الله ~~للناس من رحمة } ، روعي في تأنيث أحد الضميرين معنى { ما } فإنه اسم صادق ~~على { رحمة } وقد بين بها ، وروعي في تذكير الضمير الآخر لفظ { ما } لأنه ~~لفظ لا علامة تأنيث فيه . وهما اعتباران كثيران في مثله في فصيح الكلام ، ~~فالمتكلم بالخيار بين أي الاعتبارين شاء . والجمع بينهما في هذه الآية تفنن ~~. وأوثر بالتأنيث ضمير { ما } لأنها مبينة بلفظ مؤنث وهو { من رحمة } . # . # لما جرى ذكر رحمة الله التي تعم الناس كلهم أقبل على خطابهم بأن يتذكروا ~~PageV22P253 نعمة الله عليهم الخاصة وهي النعمة التي تخص كل واحد بخاصته ~~فيأتلف منها مجموع الرحمة العامة للناس كلهم وما هي إلا بعض رحمة الله ~~بمخلوقاته . # والمقصود من تذكر النعمة شكرها وقدرها قدرها . ومن أكبر تلك النعم نعمة ~~الرسالة المحمدية التي هي وسيلة فوز الناس الذين يتبعونها بالنعيم الأبدي . ~~فالمراد بالذكر هنا التذكر بالقلب وباللسان فهو من عموم المشترك أو من ~~إرادة القدر المشترك فإن الذكر باللسان والذكر بالقلب يستلزم أحدهما الآخر ~~وإلا لكان الأول هذيانا والثاني كتمانا . قال عمر بن الخطاب : ( أفضل من ~~ذكر الله باللسان ذكر الله عند أمره ونهيه ) ، أي وفي كليهما فضل . # ووصفت النعمة ب { عليكم } لأن المقصود من التذكر التذكر الذي يترتب عليه ~~الشكر ، وليس المراد مطلق التذكر بمعنى الاعتبار والنظر في بديع فضل الله ، ~~فذلك له مقام آخر ، على أن قوله : { هل من خالق غير الله يرزقكم } قد تضمن ~~الدعوة إلى النظر في دليل الوحدانية والقدرة والفضل . # والاستفهام إنكاري في معنى النفي ولذلك اقترن ما بعده ب { من } التي تزاد ~~لتأكيد النفي ، واختير الاستفهام ب { هل } دون ms6690 الهمزة لما في أصل معنى { هل ~~} من الدلالة على التحقيق والتصديق لأنها في الأصل بمعنى ( قد ) وتفيد ~~تأكيد النفي . # والاهتمام بهذا الاستثناء قدم في الذكر قبل ما هو في قوة المستثنى منه . ~~وجعل صفة ل { خالق } لأن { غير } صالحة للاعتبارين ولذلك جرت القراءات ~~المشهورة على اعتبار { غير } هنا وصفا ل { خالق } ، فجمهور القراء قرأوه ~~برفع { غير } على اعتبار محل { خالق } المجرور ب { من } لأن محله رفع ~~بالابتداء . وإنما لم يظهر الرفع للاشتغال بحركة حرف الجر الزائد . وقرأه ~~حمزة والكسائي وأبو جعفر وخلف بالجر على إتباع اللفظ دون المحل . وهما ~~استعمالان فصيحان في مثله اهتم بالتنبيه عليهما سيبويه في ( كتابه ) . # وجملة { يرزقكم } يجوز أن تكون وصفا ثانيا ل { خالق } . ويجوز أن تكون ~~استئنافا بيانيا . # وجعل النفي متوجها إلى القيد وهو جملة الصفة كما هي سنته في الكلام ~~المقيد PageV22P254 لأن المقصود التذكير بنعم الله تعالى ليشكروا ، ويكون ~~ذلك كناية عن الاستدلال على انتفاء وصف الخالقية عن غيره تعالى لأنه لو كان ~~غيره خالقا لكان رازقا إذ الخلق بدون رزق قصور في الخالقية لأن المخلوق ~~بدون رزق لا يلبث أن يصير إلى الهلاك والعدم فيكون خلقه عبثا ينزه عنه ~~الموصوف بالإلهية المقتضية للحكمة فكانت الآية مذكرة بنعمتي الإيجاد ~~والإمداد . # وزيادة { من السماء والأرض } تذكير بتعدد مصادر الأرزاق ؛ فإن منها ~~سماوية كالمطر الذي منه شراب ، ومنه طهور ، وسبب نبات أشجار وكلأ ، وكالمن ~~الذي ينزل على شجر خاص من أندية في الجو ، وكالضياء من الشمس ، والاهتداء ~~بالنجوم في الليل ، وكذلك أنواع الطير الذي يصاد ، كل ذلك من السماء . # ومن الأرض أرزاق كثيرة من حبوب وثمار وزيوت وفواكه ومعادن وكلأ وكمأة ~~وأسماك البحار والأنهار . # وفي هذا القيد فائدة أخرى وهي دفع توهم الغفل أن أرزاقا تأتيهم من غير ~~الله من أنواع العطايا التي يعطيها بعضهم بعضا ، والمعاوضات التي يعاوضها ~~بعضهم مع بعض فإنها لكثرة تداولها بينهم قد يلهيهم الشغل بها عن التدبر في ~~أصول منابعها فإن أصول موادها من صنع الله تعالى فآل ما يعطاه الناس ms6691 منها ~~إلى أنه من الله على نحو ما عرض للذي حاج إبراهيم في ربه إذ قال له إبراهيم ~~: { ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت } ( البقرة : 258 ) فهذا رجل ~~محكوم بقتله ها أنا ذا أعفو عنه فقد أحييته ، وهذا رجل حي ها أنا ذا آمر به ~~فيقتل فأنا أميت . فانتقل إبراهيم إلى أن قال له : { فإن الله يأتي بالشمس ~~من المشرق فأت بها من المغرب } ( البقرة : 258 ) . # . # هذا نتيجة عقب ذكر الدليل إذ رتب على انفراده بالخالقية والرازقية ~~انفراده بالإلهية لأن هذين الوصفين هما أظهر دلائل الإلهية عند الناس فجملة ~~{ لا إلاه إلا هو } مستأنفة . وفرع عليه التعجيب من انصرافهم عن النظر في ~~دلائل الوحدانية بجملة { فأنى تؤفكون } . PageV22P255 # و { أنى } اسم استفهام يجيء بمعنى استفهام عن الحالة أو عن المكان أو عن ~~الزمان . والاستفهام عن حالة انصرافهم هو المتعين هنا وهو استفهام مستعمل ~~في التعجيب من انصرافهم عن الاعتراف بالوحدانية تبعا لمن يصرفهم وهم ~~أولياؤهم وكبراؤهم . # و { تؤفكون } مبني للمجهول من أفكه من باب ضربه ، إذا صرفه وعدل به ، ~~فالمصروف مأفوك . وحذف الفاعل هنا لأن آفكيهم أصناف كثيرون ، وتقدم في قوله ~~تعالى : { قاتلهم الله أنى يؤفكون في سورة براءة . # } # عطف على جملة { اذكروا نعمت الله عليكم } ( فاطر : 3 ) أي وإن استمروا ~~على انصرافهم عن قبول دعوتك ولم يشكروا النعمة ببعثك فلا عجب فقد كذب أقوام ~~من قبلهم رسلا من قبل . وهو انتقال من خطاب الناس إلى خطاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم لمناسبة جريان خطاب الناس على لسانه فهو مشاهد لخطابهم ، فلا جرم ~~أن يوجه إليه الخطاب بعد توجيهه إليهم إذ المقام واحد كقوله تعالى : { يوسف ~~أعرض عن هذا واستغفري لذنبك } ( يوسف : 29 ) . # وإذ قد أبان لهم الحجة على انفراد الله تعالى بالإلهية حين خاطبهم بذلك ~~نقل الإخبار عن صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أنكروا قبوله منه فإنه ~~لما استبان صدقه في ذلك بالحجة ناسب أن يعرض إلى الذين كذبوه بمثل عاقبة ~~الذين كذبوا الرسل من قبله ms6692 وقد أدمج في خلال ذلك تسلية الرسول صلى الله ~~عليه وسلم على تكذيب قومه إياه بأنه لم يكن مقامه في ذلك دون مقام الرسل ~~السابقين . # وجيء في هذا الشرط بحرف { إن } الذي أصله أن يعلق به شرط غير مقطوع ~~بوقوعه تنزيلا لهم بعد ما قدمت إليهم الحجة على وحدانية الله المصدقة لما ~~جاءهم به الرسول عليه الصلاة والسلام فكذبوه فيه ، منزلة من أيقن بصدق ~~الرسول فلا يكون فرض استمرارهم على تكذيبه إلا كما يفرض المحال . ~~PageV22P256 # وهذا وجه إيثار الشرط هنا بالفعل المضارع الذي في حيز الشرط يتمخض ~~للاستقبال ، أي إن حدث منهم تكذيب بعد ما قرع أسماعهم من البراهين الدامغة ~~. # والمذكور جوابا للشرط إنما هو سبب لجواب محذوف إذ التقدير : وإن يكذبوك ~~فلا يحزنك تكذيبهم إذ قد كذبت رسل من قبلك فاستغني بالسبب عن المسبب ~~لدلالته عليه . # وإنما لم يعرف { رسل } وجيء به منكرا لما في التنكير من الدلالة على ~~تعظيم أولئك الرسل زيادة على جانب صفة الرسالة من جانب كثرتهم وتنوع آيات ~~صدقهم ومع ذلك كذبهم أقوامهم . # وعطف على هذه التسلية والتعريض ما هو كالتأكيد لهما والتذكير بعاقبة ~~مضمونها بأن أمر المكذبين قد آل إلى لقائهم جزاء تكذيبهم من لدن الذي ترجع ~~إليه الأمور كلها ، فكان أمر أولئك المكذبين وأمر أولئك الرسل في جملة عموم ~~الأمور التي أرجعت إلى الله تعالى إذ لا تخرج أمورهم من نطاق عموم الأمور . # وقد اكتسبت هذه الجملة معنى التذييل بما فيها من العموم . # و { الأمور } جمع أمر وهو الشأن والحال ، أي إلى الله ترجع الأحوال كلها ~~يتصرف فيها كيف يشاء ، فتكون الآية تهديدا للمكذبين وإنذارا . # أعيد خطاب الناس إعذارا لهم وإنذارا بتحقيق أن وعد الله الذي وعده من ~~عقابه المكذبين في يوم البعث هو وعد واقع لا يتخلف وذلك بعد أن قدم لهم ~~التذكير بدلائل الوحدانية المشتملة عليها ، مع الدلالة على نعم الله عليهم ~~ليعلموا أنه لا يستحق العبادة غيره وأنه لا يتصف بالإلهية الحق غيره . # وبعد أن أشار إليهم بأن ما أنتجته ms6693 تلك الدلائل هو ما أنبأهم به الرسول ~~صلى الله عليه وسلم فيعلمون صدقه فيما أنبأهم من توحيد الله وهو أكبر ما ~~قرع آذانهم وأحرج شيء PageV22P257 لنفوسهم ، فإذا تأيد بالدليل البرهاني ~~تمهد السبيل لتصديق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أخبرهم به من وعد الله ~~وهو يوم البعث لأنه لما تبين صدقه في الأولى يعلم صدقه في الثانية بحكم ~~قياس المساواة . # والخطاب للمشركين ، أو لهم وللمؤمنين لأن ما تلاه صالح لموعظة الفريقين ~~كل على حسب حاله . # وتأكيد الخبر ب { إن } إما لأن الخطاب للمنكرين ، وإما لتغليب فريق ~~المنكرين على المؤمنين لأنهم أحوج إلى تقوية الموعظة . # والوعد مصدر ، وهو الإخبار عن فعل المخبر شيئا في المستقبل ، والأكثر أن ~~يكون فيما عدا الشر ، ويخص الشر منه باسم الوعيد ، يعمهما وهو هنا مستعمل ~~في القدر المشترك . وقد تقدم عند قوله تعالى : { الشيطان يعدكم الفقر الآية ~~في سورة البقرة . # وإضافته إلى الاسم الأعظم توطئة لكونه حقا لأن الله لا يأتي منه الباطل . # والحق هنا مقابل الكذب . والمعنى : أن وعد الله صادق . ووصفه بالمصدر ~~مبالغة في حقيته . # والمراد به : الوعد بحلول يوم جزاء بعد انقضاء هذه الحياة كما دل عليه ~~تفريع فلا تغرنكم الحياة الدنيا } الآية . # والغرور بضم الغين ويقال التغرير : إيهام النفع والصلاح فيما هو ضر وفساد ~~. وتقدم عند قوله تعالى : { لا يغرنك تقلب الذين كفروا في سورة آل عمران ~~وعند قوله : زخرف القول غرورا في سورة الأنعام . # والمراد بالحياة : ما تشتمل عليه أحوال الحياة الدنيا من لهو وترف ، ~~وانتهائها بالموت والعدم مما يسول للناس أن ليس بعد هذه الحياة أخرى . # وإسناد التغرير إلى الحياة ولو مع تقدير المضاف إسناد مجازي لأن الغار ~~للمرء هو نفسه المنخدعة بأحوال الحياة الدنيا فهو من إسناد الفعل إلى سببه ~~والباعث عليه . PageV22P258 # والنهي في الظاهر موجه إلى الناس والمنهي عنه من أحوال الحياة الدنيا ، ~~وليست الحياة الدنيا من فعل الناس ، فتعين أن المقصود النهي عن لازم ذلك ~~الإسناد وهو الاغترار لمظاهر الحياة . ونظيره كثير في كلام العرب كقولهم : ~~لا ms6694 أعرفنك تفعل كذا ، ولا أرينك ههنا ، ولا يجرمنكم شنآن قوم } ( المائدة : ~~2 ) ، وتقدم نظيره في قوله تعالى : { لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد ~~آخر آل عمران . # وكذلك القول في قوله تعالى : ولا يغرنكم بالله الغرور } . # والغرور بفتح الغين : هو الشديد التغرير . والمراد به الشيطان ، قال ~~تعالى : { فدلاهما بغرور } ( الأعراف : 22 ) . وهو يغير الناس بتزيين ~~القبائح لهم تمويها بما يلوح عليها من محاسن تلائم نفوس الناس . # والباء في قول { بالله } للملابسة وهي داخلة على مضاف مقدر أي ، بشأن ~~الله ، أي يتطرق إلى نقض هدى الله فإن فعل غر يتعدى إلى مفعول واحد فإذا ~~أريد تعديته إلى بعض متعلقاته عدي إليه بواسطة حرف الجر ، فقد يعدى بالباء ~~وهي باء الملابسة كقوله تعالى : { يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم } ( ~~الانفطار : 6 ) وقوله في سورة الحديد : { وغركم بالله الغرور وذلك إذا أريد ~~بيان من الغرور ملابس له على تقدير مضاف ، أي بحال من أحواله . وتلك ملابسة ~~الفعل للمفعول في الكلام على الإيجاز . وليست هذه الباء باء السببية . # وقد تضمنت الآية غرورين : غرورا يغتره المرء من تلقاء نفسه ويزين لنفسه ~~من المظاهر الفاتنة التي تلوح له في هذه الدنيا ما يتوهمه خيرا ولا ينظر في ~~عواقبه بحيث تخفى مضاره في بادىء الرأي ولا يظن أنه من الشيطان . # وغرورا يتلقاه ممن يغره وهو الشيطان ، وكذلك الغرور كله في هذا العالم ~~بعضه يمليه المرء على نفسه وبعضه يتلقاه من شياطين الإنس والجن ، فترك ~~تفصيل الغرور الأول الآن اعتناء بالأصل والأهم ، فإن كل غرور يرجع إلى غرور ~~الشيطان . وسيأتي تفصيله عند قوله تعالى : من كان يريد العزة فلله العزة ~~جميعا } ( فاطر : 10 ) . PageV22P259 # لما كان في قوله : { ولا يغرنكم بالله الغرور } ( فاطر : 5 ) إبهام ما في ~~المراد بالغرور عقب ذلك ببيانه بأن الغرور هو الشيطان ليتقرر المسند إليه ~~بالبيان بعد الإبهام . فجملة { إن الشيطان لكم عدو } تتنزل من جملة { ولا ~~يغرنكم بالله الغرور منزلة البيان من المبين فلذلك فصلت ولم تعطف ، وهذا من ~~دلالة ترتيب الكلام على ms6695 إرادة المتكلم إذ يعلم السامع من وقوع وصف الشيطان ~~عقب وصف الغرور أن الغرور هو الشيطان . # وأظهر اسم الشيطان في مقام الإضمار للإفصاح عن المراد بالغرور أنه ~~الشيطان وإثارة العداوة بين الناس والشيطان معنى من معاني القرآن تصريحا ~~وتضمنا ، وهو هنا صريح كما في قوله تعالى : وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو } ~~( البقرة : 36 ) . # وتلك عداوة مودعة في جبلته كعداوة الكلب للهر لأن جبلة الشيطان موكولة ~~بإيقاع الناس في الفساد وأسوأ العواقب في قوالب محسنة مزينة ، وشواهد ذلك ~~تظهر للإنسان في نفسه وفي الحوادث حيثما عثر عليها وقد قال تعالى : { يا ~~بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة } ( الأعراف : 27 ) . # وتأكيد الخبر بحرف التأكيد لقصد تحقيقه لأنهم بغفلتهم عن عداوة الشيطان ~~كحال من ينكر أن الشيطان عدو . # وتقديم { لكم } على متعلقة للاهتمام بهذا المتعلق فرع عنه أن أمروا ~~باتخاذه عدوا لأنهم إذا علموا أنه عدو لهم حق عليهم اتخاذه عدوا وإلا ~~لكانوا في حماقة . وفيه تنبيه على وجوب عداوتهم الدعاة في الضلالة ~~المستمدين من الشيطان . # والكلام على لفظ عدو تقدم عند قوله تعالى : { فإن كان من قوم عدو لكم في ~~سورة النساء . # واللام في لكم } لام الاختصاص وهي التي تتضمنها الإضافة فلما قدم ما حقه ~~أن يكون مضافا إليه صرح باللام ليحصل معنى الإضافة . PageV22P260 # وإنما أمر الله باتخاذ العدو عدوا ولم يندب إلى العفو عنه والإغضاء عن ~~عداوته كما أمر في قوله : { فمن عفا وأصلح فأجره على الله } ( الشورى : 40 ~~) ونحو ذلك مما تكرر في القرآن وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم لأن ما ندب ~~إليه من العفو إنما هو فيما بين المسلمين بعضهم مع بعض رجاء صلاح حال العدو ~~لأن عداوة المسلم عارضة لأغراض يمكن زوالها ولها حدود لا يخشى معها المضار ~~الفادحة كما قال تعالى : { ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة ~~كأنه ولي حميم } ( فصلت : 34 ) ولذلك لم يأمر الله تعالى بمثل ذلك مع أعداء ~~الدين فقال : { لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء } ( الممتحنة ms6696 : 1 ) الآية ، ~~بل لم يأمر الله تعالى بالعفو عن المحاربين من أهل الملة لأن مناوأتهم غير ~~عارضة بل هي لغرض ابتزاز الأموال ونحو ذلك فقال : { إلا الذين تابوا من قبل ~~أن تقدروا عليهم } ( المائدة : 34 ) فعداوة الشيطان لما كانت جبلية لا يرجى ~~زوالها مع من يعفو عنه لم يأمر الله إلا باتخاذه عدوا لأنه إذا لم يتخذ ~~عدوا لم يراقب المسلم مكائده ومخادعته . ومن لوازم اتخاذه عدوا العمل بخلاف ~~ما يدعو إليه لتجنب مكائده ولمقته بالعمل الصالح . # فالإيقاع بالناس في الضر لا يسلم منه أولياؤه ولا أعداؤه ولكن أولياءه ~~يضمر لهم العداوة ويأنس بهم لأنه يقضي بهم وطره وأما أعداؤه فهو مع عداوته ~~لهم يشمئز وينفر ويغتاظ من مقاومتهم وساوسه إلى أن يبلغ حد الفرار من عظماء ~~الأمة فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر : ( إيه يا بن الخطاب ما رآك ~~الشيطان سالكا فجا إلا سلك فجا غير فجك ) . وورد في ( الصحيح ) ( إذا أقيمت ~~الصلاة أدبر الشيطان ) الحديث . وورد ( أنه ما ريء الشيطان أخسأ وأحقر منه ~~في يوم عرفة لما يرى من الرحمة ) . # وأعقب الأمر باتخاذ الشيطان عدوا بتحذير من قبول دعوته وحث على وجوب ~~اليقظة لتغريره وتجنب توليه بأنه يسعى في ضر أوليائه وحزبه فيدعوهم إلى ما ~~يوقعهم في السعير . وهذا يؤكد الأمر باتخاذه عدوا لأن أشد الناس تضررا به ~~هم حزبه وأولياؤه . # وجملة { إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير } تعليل لجملة { فاتخذوه ~~عدوا } . وجيء بها في صيغة حصر لانحصار دعوته في الغاية المذكورة عقبها ~~بلام العلة كيلا يتوهم أن دعوته تخلو عن تلك الغاية ولو في وقت ما . وبهذا ~~PageV22P261 العموم الذي يقتضيه الحصر صارت الجملة أيضا في معنى التذييل ~~لما قبلها كله . # ومقتضى وقوع فعل { يدعو } في حيز القصر أن مفعوله وهو قوله : { حزبه } هو ~~المقصود من القصر ، أي أنه يدعو حزبه ولا يدعو غير حزبه ، والشيطان يدعو ~~الناس كلهم سواء في ذلك حزبه ومن لم يركن إلى دعوته إلا أن أثر دعوته لا ~~يظهر إلا ms6697 في الذين يركنون له فيصيرون حزبه قال تعالى له : { إن عبادي ليس ~~لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين } ( الحجر : 42 ) . وحكى الله عن ~~الشيطان بقوله : { لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين } ( الحجر : 39 ~~، 40 ) فتعين أن في الكلام إيجاز حذف . والتقدير : إنما يدعو حزبه دعوة ~~بالغة مقصده . والقرينة هي ما تقدم من التحذير ولو كان لا يدعو إلا حزبه ~~لما كان لتحذير غيرهم فائدة . # واللام في قوله : { ليكونوا من أصحاب السعير } يجوز أن تكون لام العلة ~~فإن الشيطان قد يكون ساعيا لغاية إيقاع الآدميين في العذاب نكاية بهم ، وهي ~~علة للدعوة مخفية في خاطره الشيطاني وإن كان لا يجهر بها لأن إخفاءها من ~~جملة كيده وتزيينه ، ويجوز أن تكون اللام لام العاقبة والصيرورة مثل { ~~فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا } ( القصص : 8 ) قال ابن عطية : ~~لأنه لم يدعهم إلى السعير إنما اتفق أن صار أمرهم عن دعائه إلى ذلك . # و { السعير } : النار الشديدة ، وغلب في لسان الشرع على جنهم . # استئناف ابتدائي يفيد مفاد الفذلكة والاستنتاج مما تقدم . وهذا الاستئناف ~~يومىء إلى أن الذين كفروا هم حزب الشيطان لأنه لما ذكر أن حزبه من أصحاب ~~السعير وحكم هنا بأن الذين كفروا لهم عذاب شديد علم أن الذين كفروا من ~~أصحاب السعير إذ هو العذاب الشديد فعلم أنهم حزب الشيطان بطريقة قياس مطوي ~~، فالذين كفروا هم حزب الشيطان لعكوفهم على متابعته وإن لم يعلنوا ذلك ~~لاقتناعه منهم بملازمة ما يمليه عليهم . PageV22P262 # وأما المؤمنون العصاة فليسوا من حزبه لأنهم يعلمون كيده ولكنهم يتبعون ~~بعض وسوسته بدافع الشهوات وهم مع ذلك يلعنونه ويتبرأون منه . وقد قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ( إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم ~~هذه ولكنه قد رضي منكم بما دون ذلك مما تحقرون من أعمالكم ) . # وذكر { والذين آمنوا وعملوا الصالحات } تتميم بأن الذين لم يكونوا من ~~حزبه قد فازوا بالخيرات . # وقد أشارت الآية إلى طرفين في الضلال والاهتداء وطوت ما بين ذينك ms6698 من ~~المراتب ليعلم أن ما بين ذلك ينالهم نصيبهم من أشبه أحوالهم بأحوال أحد ~~الفريقين على عادة القرآن في وضع المسلم بين الخوف والرجاء ، والأمل ~~والرهبة . # لما جرى تحذير الناس من غرور الشيطان وإيقاظهم إلى عداوته للنوع الإنساني ~~، وتقسيم الناس إلى فريقين : فريق انطلت عليه مكائد الشيطان واغتروا بغروره ~~ولم يناصبوه العداء ، وفريق أخذوا حذرهم منه واحترسوا من كيده وتجنبوا ~~السير في مسالكه ، ثم تقسيمهم إلى كافر معذب ومؤمن صالح منعم عليه ، أعقب ~~ذلك بالإيماء إلى استحقاق حزب الشيطان عذاب السعير ، وبتسلية النبي صلى ~~الله عليه وسلم على من لم يخلصوا من حبائل الشيطان من أمة دعوته بأسلوب ~~الملاطفة في التسلية ففرع على جميع ما تقدم قوله : { أفمن زين له سوء عمله ~~فراءه حسنا } إلى قوله : { بما يصنعون } فابتداؤه بفاء التفريع ربط له بما ~~تقدم ليعود الذهن إلى ما حكي من أحوالهم ، فالتفريع على قوله : { إنما يدعو ~~حزبه ليكونوا من أصحاب السعير } ( فاطر : 6 ) ، ثم بإبراز الكلام المفرع في ~~صورة الاستفهام الإنكاري ، واجتلاب الموصول الذي تومىء صلته إلى علة الخبر ~~المقصود ، فأشير إلى أن وقوعه في هذه الحالة ناشىء من تزيين الشيطان له سوء ~~عمله ، فالمزين للأعمال السيئة هو الشيطان قال تعالى : { وزين لهم الشيطان ~~أعمالهم } ( النمل : 24 ) فرأوا أعمالهم PageV22P263 السيئة حسنة فعكفوا ~~عليها ولم يقبلوا فيها نصيحة ناصح ، ولا رسالة مرسل . # و { من } موصولة صادقة على جمع من الناس كما دل عليه قوله في آخر الكلام ~~{ فلا تذهب نفسك عليهم حسرات } بل ودل عليه تفريع هذا على قوله { إنما يدعو ~~حزبه ليكونوا من أصحاب السعير } ( فاطر : 6 ) و { من } في موضع رفع ~~الابتداء والخبر عنه محذوف إيجازا لدلالة ما قبله عليه وهو قوله : { الذين ~~كفروا لهم عذاب شديد } ( فاطر : 7 ) عقب قوله : { إنما يدعو حزبه ليكونوا ~~من أصحاب السعير . فتقديره بالنسبة لما استحقه حزب الشيطان من العذاب : ~~أفأنت تهدي من زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من ~~يشاء . # وتقديره بالنسبة إلى تسلية النبي ms6699 : لا يحزنك مصيره فإن الله مطلع عليه . # وفرع عليه : فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء } . وفرع على هذا قوله : ~~{ فلا تذهب نفسك عليهم حسرات } أي فلا تفعل ذلك ، أي لا ينبغي لك ذلك فإنهم ~~أوقعوا أنفسهم في تلك الحالة بتزيين الشيطان لهم ورؤيتهم ذلك حسنا وهو من ~~فعل أنفسهم فلماذا تتحسر عليهم . # وهذا الخبر مما دلت عليه المقابلة في قوله : { الذين كفروا لهم عذاب شديد ~~والذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر كبير } ( فاطر : 7 ) فقد دل ~~ذلك على أن الكفر سوء وأن الإيمان حسن ، فيكون ( من زين له سوء عمله ) هو ~~الكافر ، ويكون ضده هو المؤمن ، ونظير هذا التركيب قوله تعالى : { أفمن حق ~~عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار في سورة الزمر ، وتقدم عند قوله ~~تعالى : أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت في سورة الرعد . # والتزيين : تحسين ما ليس بحسن بعضه أو كله . وقد صرح هنا بضده في قوله : ~~سوء عمله } ، أي صورت لهم أعمالهم السيئة بصورة حسنة ليقدموا عليها بشره ~~وتقدم في أوائل سورة النمل . # وجملة { فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء } مفرعة ، وهي تقرير ~~PageV22P264 للتسلية وتأييس من اهتداء من لم يخلق الله فيه أسباب الاهتداء ~~إلى الحق من صحيح النظر وإنصاف المجادلة . # وإسناد الإضلال والهداية إلى الله إسناد بواسطة أنه خالق أسباب الضلال ~~والاهتداء ، وذلك من تصرفه تعالى بالخلق وهو سر من الحكمة عظيم لا يدرك ~~غوره وله أصول وضوابط سأبينها في ( رسالة القضاء والقدر ) إن شاء الله ~~تعالى . # وجملة { فلا تذهب نفسك عليهم حسرات } مفرعة على المفرع على جملة { أفمن ~~زين له سوء عمله } الخ فتؤول إلى التفريع على الجملتين فيؤول إلى أن يكون ~~النظم هكذا : أفتتحسر على من زين لهم سوء أعمالهم فرأوها حسناتت واختاروا ~~لأنفسهم طريق الضلال فإن الله أضلهم باختيارهم وهو قد تصرف بمشيئته فهو ~~أضلهم وهدى غيرهم بمشيئته وإرادته التي شاء بها إيجاد الموجودات لا بأمره ~~ورضاه الذي دعا به الناس إلى الرشاد ، فلا ms6700 تذهب نفسك عليهم حسرات وإنما ~~حسرتهم على أنفسهم إذ رضوا لها باتباع الشيطان ونبذوا اتباع إرشاد الله كما ~~دل على ذلك قوله : { إن الله عليم بما يصنعون } تسجيلا عليهم أنهم ورطوا ~~أنفسهم فيما أوقعوها فيه بصنعهم . # فالله أرشدهم بإرسال رسوله ليهديهم إلى ما يرضيه ، والله أضلهم بتكوين ~~نفوسهم نافرة عن الهدى تكوينا متسلسلا من كائنات جمة لا يحيط بها إلا علمه ~~وكلها من مظاهر حكمته ولو شاء لجعل سلاسل الكائنات على غير هذا النظام ~~فلهدى الناس جميعا ، وكلهم ميسر بتيسيره إلى ما يعلم منهم فعدل عن النظم ~~المألوف إلى هذا النظم العجيب . وصيغ بالاستفهام الإنكاري والنهي التثبيتي ~~، ونظير هذه الآية في هذا الأسلوب قوله تعالى : { أفمن حق عليه كلمة العذاب ~~أفأنت تنقذ من في النار في سورة الزمر ، فإن أصل نظمها : أفمن حق عليه كلمة ~~العذاب أنت تنقذه من النار ، أفأنت تنقذ الذين في النار . إلا أن هذه الآية ~~زادت بالاعتراض وكان المفرع الأخير فيها نهيا والأخرى عريت عن الاعتراض ~~وكان المفرع الأخير فيها استفهاما إنكاريا . # والنهي موجه إلى نفس الرسول أن تذهب حسرات على الضالين ولم يوجه إليه بأن ~~يقال : فلا تذهب عليهم حسرات ، والرسول ونفسه متحدان PageV22P265 فتوجيه ~~النهي إلى نفسه دون أن يقال فلا تذهب عليهم حسرات للإشارة إلى أن الذهاب ~~مستعار إلى التلف والانعدام كما يقال : طارت نفسه شعاعا ، ومثله في كلامهم ~~كثير كقول الأعرابي من شعراء الحماسة : # أقول للنفس تأساء وتعزية # إحدى يدي أصابتني ولم ترد # لتحصل فائدة توزيع النهي والخطاب على شيئين في ظاهر الأمر فهو تكرير ~~الخطاب والنهي لكليهما . وهي طريقة التجريد المعدود في المحسنات ، وفائدة ~~التكرير الموجب تقرير الجملة في النفس . وقد تقدم قريب من هذا عند قوله ~~تعالى : وما يخادعون إلا أنفسهم في سورة البقرة . # والحسرة تقدمت في قوله تعالى : وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر من سورة ~~مريم . # وانتصب حسرات } على المفعول لأجله ، أي لا تتلف نفسك لأجل الحسرة عليهم ، ~~وهو كقوله : { لعلك باخع نفسك أن لا يكونوا مؤمنين } ( الشعراء : 3 ms6701 ) ، ~~وقوله : { وابيضت عيناه من الحزن } ( يوسف : 84 ) أي من حزن نفسه لا من حزن ~~العينين . # وجمعت الحسرات مع أن اسم الجنس صالح للدلالة على تكرار الأفراد قصدا ~~للتنبيه على إرادة أفراد كثيرة من جنس الحسرة لأن تلف النفس يكون عند تعاقب ~~الحسرات الواحدة تلو الأخرى لدوام المتحسر منه فكل تحسر يترك حزازة وكمدا ~~في النفس حتى يبلغ إلى الحد الذي لا تطيقه النفس فينفطر له القلب فإنه قد ~~علم في الطب أن الموت من شدة الألم كالضرب المبرح وقطع الأعضاء سببه اختلال ~~حركة القلب من توارد الآلام عليه . # وقرأ الجمهور { فلا تذهب نفسك } بفتح الفوقية والهاء ورفع { نفسك } على ~~أنه نهي لنفسه وهو كناية ظاهرة عن نهيه . وقرأه أبو جعفر بضم الفوقية وكسر ~~الهاء ونصب { نفسك } على أنه نهي الرسول أن يذهب نفسه . # وقد اشتملت هذه الآية على فاآت أربع كلها للسببية والتفريع وهي التي بلغ ~~بها نظم الآية إلى هذا الإيجاز البالغ حد الإعجاز وفي اجتماعها محسن جمع ~~النظائر . # وجملة { إن الله عليم بما يصنعون } تصلح لإفادة التصبر والتحلم ، أي أن ~~الله PageV22P266 عليم بصنعهم في المخالفة عن أمره فكما أنه لحلمه لم يعجل ~~بمؤاخذتهم فكن أنت مؤتسيا بالله ومتخلقا بما تستطيعه من صفاته وفي ضمن هذا ~~كناية عن عدم إفلاتهم من العذاب على سوء عملهم ، وليس في هذه الجملة معنى ~~التعليل لجملة { فلا تذهب نفسك عليهم حسرات } لأن كمد نفس الرسول صلى الله ~~عليه وسلم لم يكن لأجل تأخير عقابهم ولكن لأجل عدم اهتدائهم . # وتأكيد الخبر ب { إن } إما تمثيل لحال الرسول صلى الله عليه وسلم بحال من ~~أغفله التحسر عليهم عن التأمل في إمهال الله إياهم فأكد له الخبر ب { إن ~~الله عليم بما يصنعون } ، وإما لجعل التأكيد لمجرد الاهتمام بالخبر لتكون { ~~إن } مغنية غناء فاء التفريع فتتمخض الجملة لتقرير التسلية والتعريض ~~بالجزاء عن ذلك . # وعبر ب { يصنعون } دون : يعملون ، للإشارة إلى أنهم يدبرون مكائد للنبيء ~~صلى الله عليه وسلم وللمسلمين فيكون هذا الكلام إيذانا بوجود باعث آخر ms6702 على ~~النزع عن الحسرة عليهم . وعن ابن عباس : أن المراد به أبو جهل وحزبه . # لما قدم في أول السورة الاستدلال بأن الله فطر السماوات والأرض وما في ~~السماوات من أهلها وذلك أعظم دليل على تفرده بالإلهية ثني هنا بالاستدلال ~~بتصريف الأحوال بين السماء والأرض وذلك بإرسال الرياح وتكوين السحاب وإنزال ~~المطر ، فهذا عطف على قوله : { فاطر السماوات والأرض } ( فاطر : 1 ) . # وإظهار اسم الجلالة في مقام الإضمار دون أن يقول وهو الذي أرسل الرياح ~~فيعود الضمير إلى اسم الله من قوله : { إن الله عليم بما يصنعون } ( فاطر : ~~8 ) . # واختير من دلائل الوحدانية دلالة تجمع أسباب المطر ليفضي من ذلك إلى ~~تنظير إحياء الأموات بعد أحوال الفناء بآثار ذلك الصنع العجيب وأن الذي خلق ~~وسائل إحياء الأرض قادر على خلق وسائل إحياء الذين ضمنتهم الأرض على سبيل ~~الإدماج . PageV22P267 # وإذ قد كان القصد من الاستدلال هو وقوع الإحياء وتقرر وقوعه جيء بفعل ~~الماضي في قوله : { أرسل } . وأما تغييره إلى المضارع في قوله : { فتثير ~~سحابا } فلحكاية الحال العجيبة التي تقع فيها إثارة الرياح السحاب وهي ~~طريقة للبلغاء في الفعل الذي فيه خصوصية بحال تستغرب وتهم السامع . وهو ~~نظير قول تأبط شرا : # بأني قد لقيت الغول تهوي # بسهب كالصحيفة صحصحان # فأضربها بلا دهش فخرت # صريعا لليدين وللجران # فابتدأ ب ( لقيت ) لإفادة وقوع ذلك ثم ثنى ب ( أضربها ) لاستحضار تلك ~~الصورة العجيبة من إقدامه وثباته حتى كأنهم يبصرونه في تلك الحالة . ولم ~~يؤت بفعل الإرسال في هذه الآية بصيغة المضارع بخلاف قوله في سورة الروم { ~~الله الذي يرسل الرياح الآية لأن القصد هنا استدلال بما هو واقع إظهارا ~~لإمكان نظيره وأما آية سورة الروم فالمقصود منها الاستدلال على تجديد صنع ~~الله ونعمه . # والقول في الرياح والسحاب تقدم غير مرة أولاها في سورة البقرة . # وفي قوله : فسقناه } بعد قوله : { الله الذي أرسل الرياح } التفاوت من ~~الغيبة إلى التكلم . # وقوله : { كذلك النشور } سبيله سبيل قوله : { يا أيها الناس إن وعد الله ~~حق } ( فاطر : 5 ) الآيات من إثبات البعث ms6703 مع تصديق الرسول صلى الله عليه ~~وسلم فيما أخبر به عنه ، إلا أن ما قبله كان مأخوذا من فحوى الدلالة لما ~~ظهرت في برهان صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أخبر به من توحيد أخذ من ~~طريق دلالة التقريب لوقوع البعث إذ عسر على عقولهم تصديق إمكان الإعادة بعد ~~الفناء ليحصل من بارقة صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وبارقة الإمكان ما ~~يسوق أذهانهم إلى استقامة التصديق بوقوع البعث . # والإشارة في قوله : { كذلك النشور } إلى المذكور من قوله : { فأحيينا به ~~الأرض } . والأظهر أن تكون الإشارة إلى مجموع الحالة المصورة ، أي مثل ذلك ~~الصنع المحكم المتقن نصنع صنعا يكون به النشور بأن يهيىء الله حوادث سماوية ~~أو PageV22P268 أرضية أو مجموعة منهما حتى إذا استقامت آثارها وتهيأت أجسام ~~لقبول أرواحها أمر الله بالنفخة الأولى والثانية فإذا الأجساد قائمة ماثلة ~~نظير أمر الله بنفخ الأرواح في الأجنة عند استكمال تهيئها لقبول الأرواح . # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم تقريب ذلك بمثل هذا مما رواه أحمد ~~وابن أبي شيبة وقريب منه في ( صحيح مسلم ) عن عروة بن مسعود عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ( قيل لرسول الله : كيف يحيي الله الموتى وما آية ذلك في ~~خلقه ؟ فقال : هل مررت بواد أهلك ممحلا ثم مررت به يهتز خضرا ؟ قيل : نعم . ~~قال : فكذلك يحيي الله الموتى وتلك آيته في خلقه ) . وفي بعض الروايات عن ~~أبي رزين العقيلي أن السائل أبو رزين . # وقرأ الجمهور { الرياح } بصيغة الجمع . وقرأ حمزة والكسائي ( الريح ) ~~بالإفراد ، والمعرف بلام الجنس يستوي فيه المفرد والجمع . # . # مضى ذكر غرورين إجمالا في قوله تعالى : { فلا تغرنكم الحياة الدنيا } ( ~~فاطر : 5 ) ، { ولا يغرنكم بالله الغرور } ( فاطر : 5 ) فأخذ في تفصيل ~~الغرور الثاني من قوله تعالى : { إن الشيطان لكم عدو } ( فاطر : 6 ) وما ~~استتبعه من التنبيه على أحجار كيده وانبعاث سموم مكره والحذر من مصارع ~~متابعته وإبداء الفرق بين الواقعين في حبائله والمعافين من أدوائه ، بدارا ~~بتفصيل الأهم والأصلل ، وأبقى تفصيل الغرور الأول إلى ms6704 هنا . # وإذ قد كان أعظم غرور المشركين في شركهم ناشئا عن قبول تعاليم كبرائهم ~~وسادتهم وكان أعظم دواعي القادة إلى تضليل دهمائهم وصنائعهم ، هو ما يجدونه ~~من العزة والافتنان بحب الرئاسة فالقادة يجلبون العزة لأنفسهم والأتباع ~~يعتزون بقوة قادتهم ، لا جرم كانت إرادة العزة ملاك تكاتف المشركين بعضهم ~~مع بعض ، وتألبهم على مناوأة الإسلام ، فوجه الخطاب إليهم لكشفف اغترارهم ~~بطلبهم العزة في الدنيا ، فكل مستمسك بحبل الشرك معرض عن التأمل في دعوة ~~الإسلام ، لا يمسكه بذلك إلا إرادة العزة ، فلذلك نادى عليهم القرآن بأن من ~~PageV22P269 كان ذلك صارفه عن الدين الحق فليعلم بأن العزة الحق في اتباع ~~الإسلام وأن ما هم فيه من العزة كالعدم . # و { من } شرطية ، وجعل جوابها { فلله العزة جميعا } ، وليس ثبوت العزة ~~لله بمرتب في الوجود على حصول هذا الشرط فتعين أن ما بعد فاء الجزاء هو علة ~~الجواب أقيمت مقامه واستغني بها عن ذكره إيجازا ، وليحصل من استخراجه من ~~مطاوي الكلام تقرره في ذهن السامع ، والتقدير : من كان يريد العذاب فليستجب ~~إلى دعوة الإسلام ففيها العزة لأن العزة كلها لله تعالى ، فأما العزة التي ~~يتشبثون بها فهي كخيط العنكبوت لأنها واهية بالية . وهذا أسلوب متبع في ~~المقام الذي يراد فيه تنبيه المخاطب على خطإ في زعمه كما في قول الربيع بن ~~زياد العبسي في مقتل مالك بن زهير العبسي : # من كان مسرورا بمقتل مالك # فليأتت نسوتنا بوجه نهار # يجد النساء حواسرا يندبنه # بالليل قبل تبلج الإسفار # أراد أن من سره مقتل مالك فلا يتمتع بسروره ولا يحسب أنه نال مبتغاه لأنه ~~إن أتى ساحة نسوتنا انقلب سروره غما وحزنا إذ يجد دلائل أخذ الثأر من قاتله ~~بادية له ، لأن العادة أن القتيل لا يندبه النساء إلا إذا أخذ ثأره . هذا ~~ما فسره المرزوقي وهو الذي تلقيته عن شيخنا الوزير وفي البيتين تفسير آخر . # وقد يكون بالعكس وهو تثبيت المخاطب على علمه كقوله تعالى : { من كان يرجو ~~لقاء الله فإن أجل الله لآت } ( العنكبوت : 5 ) . # وقريب ms6705 من هذا الاستعمال ما يقصد به إظهار الفرق بين من اتصف بمضمون الشرط ~~ومن اتصف بمضمون الجزاء كقول النابغة : # فمن يكن قد قضى من خلة وطرا # فإنني منكك ما قضيت أوطاري # وقول ضابىء بن الحارث : # ومن يك أمسى بالمدينة رحله # فإني وقيار بها لغريب # وقول الكلابي : # فمن يكلم يغرض فإني وناقتي # بحجر إلى أهل الحمى غرضان PageV22P270 # فتقديم المجرور يفيد قصرا وهو قصر ادعائي ، لعدم الاعتداد بما للمشركين ~~من عزة ضئيلة ، أي فالعزة لله لا لهم . # ومنه ما يكون فيه ترتيب الجواب على الشرط في الوقوع ، وهو الأصل كقوله ~~تعالى : { من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء } ( الإسراء : 18 ) ~~الآية ، وقوله : { من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم ~~فيها } ( هود : 15 ) . # و { جميعا } أفادت الإحاطة فكانت بمنزلة التأكيد للقصر الادعائي فحصلت ~~ثلاثة مؤكدات ؛ فالقصر بمنزلة تأكيدين و { جميعا } بمنزلة تأكيد . وهذا ~~قريب من قوله { أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا } ( النساء : 139 ~~) فإن فيه تأكيدين : تأكيدا ب ( إن ) وتأكيدا ب { جميعا } لأن تلك الآية ~~نزلت في وقت قوة الإسلام فلم يحتج فيها إلى تقوية التأكيد . وتقدم الكلام ~~على { جميعا } عند قوله تعالى : { ويوم نحشرهم جميعا في سورة سبأ . # وانتصب جميعا } على الحال من { العزة } وكأنه فعيل بمعنى مفعول ، أي ~~العزة كلها لله لا يشذ شيء منها فيثبت لغيره ، لأن العزة المتعارفة بين ~~الناس كالعدم إذ لا يخلو صاحبها من احتياج ووهن والعزة الحق لله . # وتعريف { العزة } تعريف الجنس . والعزة : الشرف والحصانة من أن ينال بسوء ~~. فالمعنى : من كان يريد العزة فانصرف عن دعوة الله إبقاء على ما يخاله ~~لنفسه من عزة فهو مخطىء إذ لا عزة له فهو كمن أراق ماء للمع سراب . والعزة ~~الحق لله الذي دعاهم على لسان رسوله . وعزة المولى ينال حزبه وأولياءه حظ ~~منها فلو اتبعوا أمر الله فالتحقوا بحزبه صارت لهم عزة الله وهي العزة ~~الدائمة ؛ فإن عزة المشركين يعقبها ذل الانهزام والقتل والأسر في الدنيا ~~وذل الخزي والعذاب في الآخرة ms6706 ، وعزة المؤمنين في تزايد الدنيا ولها درجات ~~كمال في الآخرة . # . # كما أتبع تفصيل غرور الشيطان بعواقبه في الآخرة بقوله : { إنما يدعو حزبه ~~PageV22P271 ليكونوا من أصحاب السعير } ( فاطر : 6 ) الآية ، وبذكر مقابل ~~عواقبه من حال المؤمنين ، كذلك أتبع تفصيل غرور الأنفس أهلها بعواقبه وبذكر ~~مقابله أيضا ليلتقي مآل الغرورين ومقابلهما في ملتقى واحد ، ولكن قدم في ~~الأول عاقبة أهل الغرور بالشيطان ثم ذكرت عاقبة أضدادهم ، وعكس في ما هنا ~~لجريان ذكر عزة الله فقدم ما هو المناسب لآثار عزة الله في حزبه وجنده . # وجملة { إليه يصعد الكلم الطيب } مستأنفة استئنافا ابتدائيا بمناسبة ~~تفصيل الغرور الذي يوقع فيه . # والمقصود أن أعمال المؤمنين هي التي تنفع ليعلم الناس أن أعمال المشركين ~~سعي باطل . والقربات كلها ترجع إلى أقوال وأعمال ، فالأقوال ما كان ثناء ~~على الله تعالى واستغفارا ودعاء ، ودعاء الناس إلى الأعمال الصالحة . وتقدم ~~ذكرها عند قوله تعالى : { وقولوا قولا سديدا في سورة الأحزاب . والأعمال ~~فيها قربات كثيرة . وكان المشركون يتقربون إلى أصنامهم بالثناء والتمجيد ~~كما قال أبو سفيان يوم أحد : اعل هبل ، وكانوا يتحنثون بأعمال من طواف وحج ~~وإغاثة ملهوف وكان ذلك كله مشوبا بالإشراك لأنهم ينوون بها التقرب إلى ~~الآلهة فلذلك نصبوا أصناما في الكعبة وجعلوا هبل وهو كبيرهم على سطح الكعبة ~~، وجعلوا إسافا ونائلة فوق الصفا والمروة ، لتكون مناسكهم لله مخلوطة ~~بعبادة الآلهة تحقيقا لمعنى الإشراك في جميع أعمالهم . # فلما قدم المجرور من قوله : إليه يصعد الكلم الطيب } أفيد أن كل ما يقدم ~~من الكلم الطيب إلى غير الله لا طائل تحته . # وأما قوله : { والعمل الصالح يرفعه } ف { العمل } مقابل { الكلم } ، أي ~~الأفعال التي ليست من الكلام ، وضمير الرفع عائد إلى معاد الضمير المجرور ~~في قوله : { إليه } وهو اسم الجلالة من قوله { فلله العزة جميعا } . ~~والضمير المنصوب من { يرفعه } عائد إلى { العمل الصالح } أي الله يرفع ~~العمل الصالح . # والصعود : الإذهاب في مكال عال . والرفع : نقل الشيء من مكان إلى مكان ~~أعلى منه ، فالصعود مستعار للبلوغ إلى عظيم القدر وهو كناية ms6707 عن القبول لديه ~~. PageV22P272 والرفع : حقيقته نقل الجسم من مقره إلى أعلى منه وهو هنا ~~كناية للقبول عند عظيم ، لأن العظيم تتخيله التصورات رفيع المكان . فيكون ~~كل من ( يصعد ) و ( يرفع ) تبعتين قرينتي مكنية بأن شبه جانب القبول عند ~~الله تعالى بمكان مرتفع لا يصله إلا ما يصعد إليه . # فقوله : { العمل } مبتدأ وخبره { يرفعه } ، وفي بناء المسند الفعلي على ~~المسند إليه ما يفيد تخصيص المسند إليه بالمسند ، فإذا انضم إليه سياق ~~جملته عقب سياق جملة القصر المشعر بسريان حكم القصر إليه بالقرينة لاتحاد ~~المقام إذ لا يتوهم أن يقصر صعود الكلم الطيب على الجانب الإلهي ثم يجعل ~~لغيره شركة معه في رفع العمل الصالح ، تعين معنى التخصيص ، فصار المعنى : ~~الله الذي يقبل من المؤمنين أقوالهم وأعمالهم الصالحة . # وإنما جيء في جانب العمل الصالح بالإخبار عنه بجملة { يرفعه } ولم يعطف ~~على { الكلم الطيب } في حكم الصعود إلى الله مع تساوي الخبرين لفائدتين : # أولاهما : الإيماء إلى أن نوع العمل الصالح أهم من نوع الكلم الطيب على ~~الجملة لأن معظم العمل الصالح أوسع نفعا من معظم الكلم الطيب ( عدا كلمة ~~الشهادتين وما ورد تفضيله من الأقوال في السنة مثل دعاء يوم عرفة ) فلذلك ~~أسند إلى الله رفعه بنفسه كقول النبي صلى الله عليه وسلم ( من تصدق بصدقة ~~من كسب طيب ولا يقبل الله إلا طيبا تلقاها الرحمن بيمينه ، وكلتا يديه يمين ~~، فيربيها له كما يربي أحدكم فلوه حتى تصير مثل الجبل ) . # وثانيهما : أن الكلم الطيب يتكيف في الهواء فإسناد الصعود إليه مناسب ~~لماهيته ، وأما العمل الصالح فهو كيفيات عارضة لذوات فاعلة ومفعولة فلا ~~يناسبه إسناد الصعود إليه وإنما يحسن أن يجعل متعلقا لرفع يقع عليه ويسخره ~~إلى الارتفاع . PageV22P273 # . # هذا فريق من الذين يريدون العزة من المشركين وهم الذين ذكرهم الله تعالى ~~في قوله : { وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك } ( ~~الأنفال : 30 ) الآية قاله أبو العالية فعطفهم على { من كان يريد العزة } ~~تخصيص لهم بالذكر لما اختصوا به من تدبير المكر ms6708 . وهو من عطف الخاص على ~~العام للاهتمام بذكره . # والمكر : تدبير إلحاقق الضر بالغير في خفية لئلا يأخذ حذره ، وفعله قاصر ~~. وهو يتعلق بالمضرور بواسطة الباء التي للملابسة ، يقال : مكر بفلان ، ~~ويتعلق بوسيلة المكر بباء السببية يقال : مكر بفلان بقتله ؛ فانتصاب { ~~السيئات } هنا على أنه وصف لمصدر المكر نائبا مناب المفعول المطلق المبين ~~لنوع الفعل فكأنه قيل والذين يمكرون المكر السيىء . وكان حق وصف المصدر أن ~~يكون مفردا كقوله تعالى : { ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله } ( فاطر : 43 ~~) فلما أريد هنا التنبيه على أن أولياء الشيطان لهم أنواع من المكر عدل عن ~~الإفراد إلى الجمع وأتي به جمع مؤنث للدلالة على معنى الفعلات من المكر ، ~~فكل واحدة من مكرهم هي سيئة ، كما جاء ذلك في لفظ ( صالحة ) كقول جرير : # كيف الهجاء وما تنفك صالحة # من آل لأم بظهر الغيب تأتيني # أي صالحات كثيرة ، وأنواع مكراتهم هي ما جاء في قوله تعالى : { وإذ يمكر ~~بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك } ( الأنفال : 30 ) . # والتعريف في { السيئات } تعريف الجنس . وجيء باسم الموصول للإيماء إلى أن ~~مضمون الصلة علة فيما يرد بعدها من الحكم ، أي لهم عذاب شديد جزاء مكرهم . ~~وعبر بالمضارع في الصلة للدلالة على تجدد مكرهم واستمراره وأنه دأبهم ~~وهجيراهم . # ولما توعدهم الله بالعذاب الشديد على مكرهم أنبأهم أن مكرهم لا يروج ولا ~~ينفق وأن الله سيبطله فلا ينتفعون منه في الدنيا ، ويضرون بسببه في الآخرة ~~فقال { ومكر أولئك هو يبور } . PageV22P274 # وعبر عنهم باسم الإشارة دون الضمير الذي هو مقتضى الظاهر لتمييزهم أكمل ~~تمييز ، فيكنى بذلك عن تمييز المكر المضاف إليهم ووضوحه في علم الله وعلم ~~رسوله صلى الله عليه وسلم بما أعلمه الله به منه ، فكأنما أشير إليهم وإلى ~~مكرهم باسم إشارة واحد على سبيل الإيجاز . # والضمير المتوسط بين { مكر أولئك } وبين { يبور } ضمير فصل إذ لا يحتمل ~~غيره . ومثله قوله تعالى : { ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده } ~~( التوبة : 104 ) . # والراجح من أقوال النحاة قول المازني : إن ms6709 ضمير الفصل يليه الفعل المضارع ~~، وحجته قوله : { ومكر أولئك هو يبور } دون غير المضارع ، ووافقه عبد ~~القاهر الجرجاني في ( شرح الإيضاح ) لأبي على الفارسي ، وخالفهما أبو حيان ~~وقال : لم يذهب أحد إلى ذلك فيما علمنا . وأقول : إن وجه وقوع الفعل ~~المضارع بعد ضمير الفصل أن المضارع يدل على التجدد فإذا اقتضى المقام إرادة ~~إفادة التجدد في حصول الفعل من إرادة الثبات والدوام في حصول النسبة ~~الحكمية لم يكن إلى البليغ سبيل للجمع بين القصدين إلا أن يأتي بضمير الفصل ~~ليفيد الثبات والتقوية لتعذر إفادة ذلك بالجملة الإسلامية . وقد تقدم القول ~~في ذلك عند قوله : { وأولئك هم المفلحون } ( البقرة : 5 ) ، فالفصل هنا ~~يفيد القصر ، أي مكرهم يبور دون غيره ، ومعلوم أن غيره هنا تعريض بأن الله ~~يمكر بهم مكرا يصيب المحز منهم على حد قوله تعالى : { ومكروا ومكر الله ~~والله خير الماكرين } ( آل عمران : 54 ) . # والبوار حقيقته : كساد التجارة وعدم نفاق السلعة ، واستعير هنا لخيبة ~~العمل بوجه الشبه بين ما دبروه من المكر مع حرصهم على إصابة النبي صلى الله ~~عليه وسلم بضر وبين ما ينمقه التاجر وما يخرجه من عيابه ويرصفه على مبناته ~~وسط اللطيمة مع السلع لاجتلاب شره المشترين . ثم لا يقبل عليه أحد من أهل ~~السوق فيرجع من لطيمته لطيم كف الخيبة ، فارغ الكف والعيبة . # . # هذا عود إلى سوق دلائل الوحدانية بدلالة عليها من أنفس الناس بعد أن قدم ~~لهم ما هو من دلالة الآفاق بقوله : { والله الذي أرسل الرياح } ( فاطر : 9 ~~) . فهذا كقوله : PageV22P275 { سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى ~~يتبين لهم أنه الحق } ( فصلت : 53 ) وقوله : { وفي أنفسكم أفلا تبصرون } ( ~~الذاريات : 21 ) فابتدأهم بتذكيرهم بأصل التكوين الأول من تراب وهو ما تقرر ~~علمه لدى جميع البشر من أن أصلهم وهو البشر الأول ، خلق من طين فصار ذلك ~~حقيقة مقررة في علم البشر وهي مما يعبر عنه في المنطق ( بالأصول الموضوعة ) ~~القائمة مقام المحسوسات . # ثم استدرجهم إلى التكوين الثاني بدلالة خلق النسل من نطفة وذلك علم مستقر ms6710 ~~في النفوس بمشاهدة الحاضر وقياس الغائب على المشاهد ، فكما يجزم المرء بأن ~~نسله خلق من نطفته يجزم بأنه خلق من نطفة أبوية ، وهكذا يصعد إلى تخلق ~~أبناء آدم وحواء . # والنطفة تقدمت عند قوله تعالى : { أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ~~في سورة الكهف . # وقوله : ثم جعلكم أزواجا } يشير إلى حالة في التكوين الثاني وهو شرطه من ~~الازدواج . ف { ثم } عاطفة الجملة فهي دالة على الترتيب الرتبي الذي هو أهم ~~في الغرض أعني دلالة التكوين على بديع صنع الخالق سبحانه فذلك موزع على ~~مضمون قوله : { ثم من نطفة } . # والمعنى : ثم من نطفة وقد جعلكم أزواجا لتركيب تلك النطفة ، فالاستدلال ~~بدقة صنع النوع الإنساني من أعظم الدلائل على وحدانية الصانع . وفيها غنية ~~عن النظر في تأمل صنع بقية الحيوان . # والأزواج : جمع زوج وهو الذي يصير بانضمام الفرد إليه زوجا ، أي شفعا ، ~~وقد شاع إطلاقه على صنف الذكور مع صنف الإناث لاحتياج الفرد الذكر من كل ~~صنف إلى أنثاه من صنفه والعكس . # . # بعد الاستدلال بما في بدء التكوين الثاني من التلاقح بين النطفتين استدل ~~بما ينشأ عن ذلك من الأطوار العارضة للنطفة في الرحم وهو أطوار الحمل من ~~أوله إلى الوضع . PageV22P276 # وأدمج في ذلك دليل التنبيه على إحاطة علم الله بالكائنات الخفية والظاهرة ~~، ولكون العلم بالخفيات أعلى قدم ذكر الحمل على ذكر الوضع ، والمقصود من ~~عطف الوضع أن يدفع توهم وقوف العلم عند الخفيات التي هي من الغيب دون ~~الظواهر بأن يشتغل عنها بتدبير خفياتها كما هو شأن عظماء العلماء من الخلق ~~، لظهور استحالة توجه إرادة الخلق نحو مجهول عند مريده . # والاستثناء مفرغ من عموم الأحوال . والباء للملابسة . والمجرور في موضع ~~الحال . # . # لا جرم أن الحديث عن التكوين يستتبع ذكر الموت المكتوب على كل بشر فجاء ~~بذكر علمه الآجال والأعمار للتنبيه على سعة العلم الإلهي . # والتعمير : جعل الإنسان عامرا ، أي باقيا في الحياة ، فإن العمر هو مدة ~~الحياة يقال : عمر فلان كفرح ونصر وضرب ، إذا بقي زمانا ، فمعنى عمره ~~بالتضعيف : جعله ms6711 باقيا مدة زائدة على المدة المتعارفة في أعمار الأجيال ، ~~ولذلك قوبل بالنقص من العمر ، ولذلك لا يوصف بالتعمير صاحبه إلا بالمبني ~~للمجهول فيقال : عمر فلان فهو معمر . وقد غلب في هذه الأجيال أن يكون الموت ~~بين الستين والسبعين فما بينهما ، فهو عمر متعارف ، والمعمر الذي يزيد عمره ~~على السبعين ، والمنقوص عمره الذي يموت دون الستين . ولذلك كان أرجح ~~الأقوال في تعمير المفقود عند فقهاء المالكية هو الإبلاغ به سبعين سنة من ~~تاريخ ولادته ووقع القضاء في تونس بأنه ما تجاوز ثمانين سنة ، قالوا : لأن ~~الذين يعيشون إلى ثمانين سنة غير قليل فلا ينبغي الحكم باعتبار المفقود ~~ميتا إلا بعد ذلك لأنه يترتب عليه الميراث ولا ميراث بشك ، ولأنه بعد الحكم ~~باعتباره ميتا تزوج امرأته ، وشرط صحة التزوج أن تكون المرأة خلية من عصمة ~~، ولا يصح إعمال الشرط مع الشك فيه . وهو تخريج فيه نظر . # وضمير { من عمره } عائدا إلى { معمر } على تأويل { معمر } ب ( أحد ) كأنه ~~PageV22P277 قيل : وما يعمر من أحد ولا ينقص من عمره ، أي عمر أحد وآخر . ~~وهذا كلام جار على التسامح في مثله في الاستعمال واعتمادا على أن السامعين ~~يفهمون المراد كقوله تعالى : { وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو ~~أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث من ~~بعد وصية يوصي بها أو دين } ( النساء : 12 ) لظهور أنه لا ينقلب الميت ~~وارثا لمن قد ورثه ولا وارث ميتا موروثا لوارثه . # والكتاب كناية عن علم الله تعالى الذي لا يغيب عنه معلوم كما أن الشيء ~~المكتوب لا يزاد فيه ولا ينقص ، ويجوز أن يجعل الله موجودات هي كالكتب تسطر ~~فيها الآجال مفصلة وذلك يسير في مخلوقات الله تعالى . ولذلك قال : { إن ذلك ~~على الله يسير } أي لا يلحقه من هذا الضبط عسر ولا كد . # وقد ورد هنا الإشكال العام الناشىء عن التعارض بين أدلة جريان كل شيء على ~~ما هو سابق في علم الله في الأزل ، وبين إضافة ms6712 الأشياء إلى أسباب وطلب ~~اكتساب المرغوب من تلك الأسباب واجتناب المكروه منها فكيف يثبت في هذه ~~الآية للأعمار زيادة ونقص مع كونها في كتاب وعلم لا يقبل التغيير ، وكيف ~~يرغب في الصدقة مثلا بأنها تزيد في العمر ، وأن صلة الرحم تزيد في العمر . # والمخلص من هذا ونحوه هو القاعدة الأصلية الفارقة بين كون الشيء معلوما ~~لله تعالى وبين كونه مرادا ، فإن العلم يتعلق بالأشياء الموجودة والمعدومة ~~، والإرادة تتعلق بإيجاد الأشياء على وفق العلم بأنها توجد ، فالناس ~~مخاطبون بالسعي لما تتعلق به الإرادة فإذا تعلقت الإرادة بالشيء علمنا أن ~~الله علم وقوعه ، وما تصرفات الناس ومساعيهم إلا أمارات على ما علمه الله ~~لهم ، فصدقة المتصدق أمارة على أن الله علم تعميره ، والله تعالى يظهر ~~معلوماته في مظاهر تكريم أو تحقير ليتم النظام الذي أسس الله عليه هذا ~~العالم ويلتئم جميع ما أراده الله من هذا التكوين على وجوه لا يخل بعضها ~~ببعض وكل ذلك مقتضى الحكمة العالية . ولا مخلص من هذا الإشكال إلا هذا ~~الجواب وجميع ما سواه وإن أقنع ابتداء فمآله إلى حيث ابتدأ الإشكال . ~~PageV22P278 # انتقال من الاستدلال بالأحوال في الأجواء بين السماء والأرض على تفرد ~~الله تعالى بالإلهية إلى الاستدلال بما على الأرض من بحار وأنهار وما في ~~صفاتها من دلالة زائدة على دلالة وجود أعيانها ، على عظيم مخلوقات الله ~~تعالى ، فصيغ هذا الاستدلال على أسلوب بديع إذ اقتصر فيه على التنبيه على ~~الحكمة الربانية في المخلوقات وهي ناموس تمايزها بخصائص مختلفة واتحاد ~~أنواعها في خصائص متماثلة استدلالا على دقيق صنع الله تعالى كقوله : { تسقى ~~بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل } ( الرعد : 4 ) ويتضمن ذلك ~~الاستدلال بخلق البحرين أنفسهما لأن ذكر اختلاف مذاقهما يستلزم تذكر ~~تكوينهما . # فالتقدير : وخلق البحرين العذب والأجاج على صورة واحدة وخالف بين ~~أعراضهما ، ففي الكلام إيجاز حذف ، وإنما قدم من هذا الكلام تفاوت البحرين ~~في المذاق واقتصر عليه لأنه المقصود من الاستدلال بأفانين الدلائل على دقيق ~~صنع الله تعالى . # وفي ( الكشاف ) : ضرب البحرين ms6713 العذب والمالح مثلا للمؤمن والكافر ، ثم ~~قال على سبيل الاستطراد في صفة البحرين وما علق بهما من نعمته وعطائه { ومن ~~كل تأكلون لحما طريا } . # والبحر في كلام العرب : اسم للماء الكثير القار في سعة ، فالفرات والدجلة ~~بحران عذبان وبحر خليج العجم ملح . وتقدم ذكر البحرين عند قوله تعالى : { ~~وهو الذي مرج البحرين في سورة الفرقان وقد اتحدا في إخراج الحيتان والحلية ~~، أي اللؤلؤ والمرجان ، وهما يوجد أجودهما في بحر العجم حيث مصب النهرين ، ~~ولماء النهرين العذب واختلاطه بماء البحر الملح أثر في جودة اللؤلؤ كما ~~بيناه فيما تقدم في سورة النحل ، فقوله : ومن كل تأكلون لحما طريا } كلية ، ~~وقوله : { وتستخرجون حلية } كل لا كلية لأن من مجموعها تستخرجون حلية . ~~وكلمة { كل } صالحة للمعنيين ، فعطف { وتستخرجون } من استعمال المشترك في ~~معنييه . PageV22P279 # فالاختلاف بين البحرين بالعذوبة والملوحة دليل على دقيق صنع الله . ~~والتخالف في بعض مستخرجاتهما والتماثل في بعضها دليل آخر على دقيق الصنع ~~وهذا من أفانين الاستدلال . # والعذب : الحلو حلاوة مقبولة في الذوق . # والملح بكسر الميم وسكون اللام : الشيء الموصوف بالملوحة بذاته لا بإلقاء ~~ملح فيه ، فأما الشيء الذي يلقى فيه الملح حتى يكتسب ملوحة فإنما يقال له : ~~مالح ، ولا يقال : ملح . # ومعنى : { سائغ شرابه } أن شربه لا يكلف النفس كراهة ، وهو مشتق من ~~الإساغة وهي استطاعة ابتلاع المشروب دون غصة ولا كره . قال عبد الله بن ~~يعرب : # فساغ لي الشراب وكنت قبلا # أكاد أغص بالماء الحميم # والأجاج : الشديد الملوحة ، وتقدم ذكر البحر في قوله تعالى : { ويعلم ما ~~في البر والبحر في سورة الأنعام ، وبقية الآية تقدم نظيره في أول سورة ~~النحل . # وتقديم الظرف في قوله : فيه مواخر } على عكس آية سورة النحل ، لأن هذه ~~الآية مسوقة مساق الاستدلال على دقيق صنع الله تعالى في المخلوقات وأدمج ~~فيه الامتنان بقوله : { تأكلون . . . . وتستخرجون حلية } وقوله : { لتبتغوا ~~من فضله } فكان المقصد الأول من سياقها الاستدلال على عظيم الصنع فهو الأهم ~~هنا . ولما كان طفو الفلك على الماء حتى لا يغرق فيه أظهر في ms6714 الاستدلال على ~~عظيم الصنع من الذي ذكر من النعمة والامتنان قدم ما يدل عليه وهو الظرفية ~~في البحر . والمخر في البحر آية صنع الله أيضا بخلق وسائل ذلك والإلهام له ~~، إلا أن خطور السفر من ذلك الوصف أو ما يتبادر إلى الفهم فأخر هنا لأنه من ~~مستتبعات الغرض لا من مقصده فهو يستتبع نعمة تيسير الأسفار لقطع المسافات ~~التي لو قطعت بسير القوافل لطالت مدة الأسفار . # ومن هنا يلمع بارق الفرقق بين هذه الآية وآية سورة النحل في كون فعل { ~~لتبتغوا } غير معطوف بالواو هنا ومعطوفا نظيره في آية النحل لأن الابتغاء ~~علق PageV22P280 هنا ب { مواخر } إيقافا على الغرض من تقديم الظرف ، وفي ~~آية النحل ذكر المخر في عداد الامتنان لأنه به تيسير الأسفار ، ثم فصل بين ~~{ مواخر } وعلته بظرف { فيه } ، فصار ما يؤمىء إليه الظرف فصلا بغرض أدمج ~~إدماجا وهو الاستدلال على عظيم الصنع بطفو الفلك على الماء ، فلما أريد ~~الانتقال منه إلى غرض آخر وهو العود إلى الامتنان بالمخر لنعمة التجارة في ~~البحر عطف المغاير في الغرض . # ( 13 ، 14 ) # . # استدلال عليهم بما في مظاهر السماوات من الدلائل على بديع صنع الله في ~~أعظم المخلوقات ليتذكروا بذلك أنه الإله الواحد . # وتقدم الكلام على نظير هذه الآية في سورة لقمان ، سوى أن هذه الآية جاء ~~فيها { كل يجري لأجل } فعدي فعل { يجري } باللام وجيء في آية سورة لقمان ~~تعدية فعل { يجري } بحرف ( إلى ) ، فقيل اللام تكون بمعنى ( إلى ) في ~~الدلالة على الانتهاء ، فالمخالفة بين الآيتين تفنن في النظم . وهذا أباه ~~الزمخشري في سورة لقمان ورده أغلظ رد فقال : ليس ذلك من تعاقب الحرفين ولا ~~يسلك هذه الطريقة إلا بليد الطبع ضيق العطن ولكن المعنيين أعني الانتهاء ~~والاختصاص كل واحد منهما ملائم لصحة الغرض لأن قولك : يجري إلى أجل مسمى ~~معناه يبلغه ، وقوله : { يجري لأجل } تريد لإدراك أجل ا ه . وجعل اللام ~~للاختصاص أي ويجري لأجل أجل ، أي لبلوغه واستيفائه ، والانتهاء والاختصاص ~~كل منهما ملائم للغرض ، أي فمآل المعنيين واحد وإن ms6715 كان طريقه مختلفا ، يعني ~~فلا يعد الانتهاء معنى للام كما فعل ابن مالك وابن هشام ، وهو وإن كان يرمي ~~إلى تحقيق الفرق بين معاني الحروف وهو مما نميل إليه إلا أننا لا نستطيع أن ~~ننكر كثرة ورود اللام في مقام معنى الانتهاء كثرة جعلت استعارة حرف التخصيص ~~لمعنى الانتهاء من الكثرة إلى مساويه للحقيقة ، اللهم إلا أن يكون الزمخشري ~~يريد أن الأجل هنا هو أجل كل إنسان ، أي عمره وأن الأجل في سورة لقمان هو ~~أجل بقاء هذا العالم . # وهو على الاعتبارين إدماج للتذكير في خلال الاستدلال ففي هذه الآية ذكرهم ~~PageV22P281 بأن لأعمارهم نهاية تذكيرا مرادا به الإنذار والوعيد على نحو ~~قوله تعالى في سورة الأنعام { ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى . واقتلاع ~~الطغيان والكبرياء من نفوسهم . # ويريد ذلك أن معظم الخطاب في هذه الآية موجه إلى المشركين ، ألا ترى إلى ~~قوله بعدها : والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير } وفي سورة لقمان ~~الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم أو عام لكل مخاطب من مؤمن وكافر فكان ~~إدماج التذكير فيه بأن لهذا العالم انتهاء أنسب بالجميع ليستعد له الذين ~~آمنوا وليرغم الذين كفروا على العلم بوجود البعث لأن نهاية هذا العالم ~~ابتداء لعالم آخر . # . # استئناف موقعه موقع النتيجة من الأدلة بعد تفصيلها . # واسم الإشارة موجه إلى من جرت عليه الصفات والأخبار السابقة من قوله : { ~~والله الذي أرسل الرياح } ( فاطر : 9 ) الآيات فكان اسمه حريا بالإشارة ~~إليه بعد إجراء تلك الصفات إذ بذكرها يتميز عند السامعين أكمل تمييز حتى ~~كأنه مشاهد لأبصارهم مع ما في اسم الإشارة من البعد المستعمل كناية عن ~~تعظيم المشار إليه ، ومع ما يقتضيه إيراد اسم الإشارة عقب أوصاف كثيرة من ~~التنبيه على أنه حقيق بما سيرد بعد الإشارة من أجل تلك الصفات فأخبر عنه ~~بأنه صاحب الاسم المختص به الذي لا يجهلونه ، وأخبر عنه بأنه رب الخلائق ~~بعد أن سجل عليهم ما لا قبل لهم بإنكاره من أنه الذي خلقهم خلقا من بعد خلق ~~، وأن ms6716 خلقهم من تراب ، وقدر آجالهم وأوجد ما هو أعظم منهم من الأحوال ~~السماوية والأرضية مما يدل على أنه لا يعجزه شيء فهو الرب دون غيره وهو ~~الذي الملك والسلطان له لا لغيره أفاد ذلك كله قوله تعالى : { ذلكم الله ~~ربكم له الملك } ، فانتهض الدليل . PageV22P282 # وعطف عليه التصريح بأن أصنامهم لا يملكون من الملك شيئا ولو حقيرا وهو ~~الممثل بالقطمير . # والقطمير : القشرة التي في شق النواة كالخيط الدقيق . فالمعنى : لا ~~يملكون شيئا ولو حقيرا ، فكونهم لا يملكون أعظم من القطمير معلوم بفحوى ~~الخطاب ، وذلك حاصل بالمشاهدة فإن أصنامهم حجارة جاثمة لا تملك شيئا بتكسب ~~ولا تحوزه بهبة ، فإذا انتفى أنها تملك شيئا انتفى عنها وصف الإلهية بطريق ~~الأولى ، فنفي ما كانوا يزعمونه من أنها تشفع لهم . # وجملة { إن تدعوهم } خبر ثان عن { الذين تدعون من دونه } ( فاطر : 13 ) . ~~والمقصد منها تنبيه المشركين إلى عجز أصنامهم بأنها لا تسمع ، وليس ذلك ~~استدلالا فإنهم كانوا يزعمون أن الأصنام تسمع منهم فلذلك كانوا يكلمونها ~~ويوجهون إليها محامدهم ومدائحهم ، ولكنه تمهيد للجملة المعطوفة على الخبر ~~وهي جملة { ولو سمعوا ما استجابوا لكم } فإنها معطوفة على جملة { إن تدعوهم ~~لا يسمعوا دعاءكم } ، وليست الواو اعتراضية ، أي ولو سمعوا على سبيل الفرض ~~والتقدير ومجاراة مزاعمكم حين تدعونها فإنها لا تستجيب لدعوتكم ، أي لا ترد ~~عليكم بقبول ، وهذا استدلال سنده المشاهدة ، فطالما دعوا الأصنام فلم ~~يسمعوا منها جوابا وطالما دعوها فلم يحصل ما دعوها لتحصيله مع أنها حاضرة ~~بمرأى منهم غير محجوبة ، فعدم إجابتها دليل على أنها لا تسمع ، لأن شأن ~~العظيم أن يستجيب لأوليائه الذين يسعون في مرضاته ، فقد لزمهم إما عجزها ~~وإما أنها لا تفقه إذ ليس في أوليائها مغمز بأنهم غير مرضين لهذا . وهذا من ~~أبدع الاستدلال الموطأ بمقدمة متفق عليها . # وقوله : { ما استجابوا } يجوز أن يكون بمعنى إجابة المنادي بكلمات الجواب ~~. ويجوز أن يكون بمعنى إجابة السائل بتنويله ما سأله . وهذا من استعمال ~~المشترك في معنييه . # ولما كشف حال الأصنام في الدنيا بما فيه ms6717 تأييس من انتفاعهم بها فيها كمل ~~كشف أمرها في الآخرة بأن تلك الأصنام ينطقها الله فتتبرأ من شركهم ، أي ~~تتبرأ من أن تكون دعت له أو رضيت به . PageV22P283 # والكفر : جحد في كراهة . # والشرك أضيف إلى فاعله ، أي بشرككم إياهم في الإلهية مع الله تعالى . # وأجري على الأصنام موصول العاقل وضمائر العقلاء { والذين تدعون } ( فاطر ~~: 13 ) إلى قوله : { يكفرون بشرككم } على تنزيل الأصنام منزلة العقلاء ~~مجاراة للمردود عليهم على طريقة التهكم . # وقوله : { ولا ينبئك مثل خبير } تذييل لتحقيق هذه الأخبار بأن المخبر بها ~~هو الخبير بها وبغيرها ولا يخبرك أحد مثل ما يخبرك هو . # وعبر بفعل الإنباء لأن النبأ هو الخبر عن حدث خطير مهم . # والخطاب في قوله : { ينبئك } لكل من يصح منه سماع هذا الكلام لأن هذه ~~الجملة أرسلت مرسل الأمثال فلا ينبغي تخصيص مضمونها بمخاطب معين . # و { خبير } صفة مشبهة مشتقة من خبر ، بضم الباء ، فلان الأمر ، إذا علمه ~~علما لا شك فيه . والمراد ب { خبير } جنس الخبير ، فلما أرسل هذا القول ~~مثلا وكان شأن الأمثال أن تكون موجزة صيغ على أسلوب الإيجاز فحذف منه متعلق ~~فعل ( ينبىء ) ومتعلق وصف { خبير } ، ولم يذكر وجه المماثلة لعلمه من ~~المقام . وجعل { خبير } نكرة مع أن المراد به خبير معين وهو المتكلم فكان ~~حقه التعريف ، فعدل إلى تنكيره لقصد التعميم في سياق النفي لأن إضافة كلمة ~~{ مثل } إلى خبير لا تفيده تعريفا . وجعل نفي فعل الإنباء كناية عن نفي ~~المنبىء . ولعل التركيب : ولا يوجد أحد ينبئك بهذا الخبر يماثل هذا الخبير ~~الذي أنبأك به ، فإذا أردف مخبر خبره بهذا المثل كان ذلك كناية عن كون ~~المخبر بالخبر المخصوص يريد ب { خبير } نفسه للتلازم بين معنى هذا المثل ~~وبين تمثل المتكلم منه . فالمعنى : ولا ينبئك بهذا الخبر مثلي لأني خبرته ، ~~فهذا تأويل هذا التركيب وقد أغفل المفسرون بيان هذا التركيب . # والمثل بكسر الميم وسكون المثلثة : المساوي ؛ إما في قدر فيكون بمعنى ضعف ~~، وإما المساوي في صفة فيكون بمعنى شبيه وهو بوزن فعل بمعنى ms6718 فاعل وهو قليل ~~. ومنه قولهم : شبه ، وند ، وخدن . PageV22P284 # لما أشبع المقام أدلة ، ومواعظ ، وتذكيراتت ، مما فيه مقنع لمن نصب نفسه ~~منصب الانتفاع والاقتناع ، ولم يظهر مع ذلك كله من أحوال القوم ما يتوسم ~~منه نزعهم عن ضلالهم وربما أحدث ذلك في نفوس أهل العزة منهم إعجابا بأنفسهم ~~واغترارا بأنهم مرغوب في انضمامهم إلى جماعة المسلمين فيزيدهم ذلك الغرور ~~قبولا لتسويل مكائد الشيطان لهم أن يعتصموا بشركهم ، ناسب أن ينبئهم الله ~~بأنه غني عنهم وأن دينه لا يعتز بأمثالهم وأنه مصيرهم إلى الفناء وآت بناس ~~يعتز بهم الإسلام . # فالمراد ب { يا أيها الناس } هم المشركون كما هو غالب اصطلاح القرآن ، ~~وهم المخاطبون بقوله آنفا { ذلكم الله ربكم له الملك } ( فاطر : 13 ) ~~الآيات . # وقبل أن يوجه إليهم الإعلام بأن الله غني عنهم وجه إليهم إعلام بأنهم ~~الفقراء إلى الله لأن ذلك أدخل للذلة على عظمتهم من الشعور بأن الله غني ~~عنهم فإنهم يوقنون بأنهم فقراء إلى الله ولكنهم لا يوقنون بالمقصد الذي ~~يفضي إليه علمهم بذلك ، فأريد إبلاغ ذلك إليهم لا على وجه الاستدلال ولكن ~~على وجه قرع أسماعهم بما لم تكن تقرع به من قبل عسى أن يستفيقوا من غفلتهم ~~ويتكعكعوا عن غرور أنفسهم ، على أنهم لا يخلو جمعهم من أصحاب عقول صالحة ~~للوصول إلى حقائق الحق فأولئك إذا قرعت أسماعهم بما لم يكونوا يسمعونه من ~~قبل ازدادوا يقينا بمشاهدة ما كان محجوبا عن بصائرهم بأستار الاشتغال بفتنة ~~ضلالهم عسى أن يؤمن من هيأه الله بفطرته للإيمان ، فمن بقي على كفره كان ~~بقاؤه مشوبا بحيرة ومر طعم الحياة عنده ، فأين ما كانت تتلقاه مسامعهم من ~~قبل تمجيدهم وتمجيد آبائهم وتمجيد آلهتهم ، ألا ترى أنهم لما عاتبوا النبي ~~صلى الله عليه وسلم في بعض مراجعتهم عدوا عليه شتم آبائهم ، فحصل بهذه ~~الآية فائدتان . # وجملة { أنتم الفقراء } تفيد القصر لتعريف جزأيها ، أي قصر صفة الفقر على ~~الناس المخاطبين قصرا إضافيا بالنسبة إلى الله ، أي أنتم المفتقرون إليه ~~وليس هو بمفتقر إليكم وهذا في ms6719 معنى قوله تعالى : { إن تكفروا فإن الله غني ~~عنكم } ( الزمر : 7 ) المشعر بأنهم يحسبون أنهم يغيظون النبي صلى الله عليه ~~وسلم بعدم قبول دعوته . فالوجه حمل القصر PageV22P285 المستفاد من جملة { ~~أنتم الفقراء } على القصر الإضافي ، وهو قصر قلب ، وأما حمل القصر الحقيقي ~~ثم تكلف أنه ادعائي فلا داعي إليه . # وإتباع صفة { الغني } ب { الحميد } تكميل ، فهو احتراس لدفع توهمهم أنه ~~لما كان غنيا عن استجابتهم وعبادتهم فهم معذورون في أن لا يعبدوه ، فنبه ~~على أنه موصوف بالحمد لمن عبده واستجاب لدعوته كما أتبع الآية الآخرى { إن ~~تكفروا فإن الله غني عنكم } ( الزمر : 7 ) بقوله : { وإن تشكروا يرضه لكم } ~~( الزمر : 7 ) . ومن المحسنات وقوع { الحميد } في مقابلة قوله : { إلى الله ~~} كما وقع { الغني } في مقابلة قوله : { الفقراء } لأنه لما قيد فقرهم ~~بالكون إلى الله قيد غنى الله تعالى بوصف { الحميد } لإفادة أن غناه تعالى ~~مقترن بجوده فهو يحمد من يتوجه إليه . # ( 16 ، 17 ) # واقع موقع البيان لما تضمنته جملة { وهو الغني الحميد } ( فاطر : 15 ) من ~~معنى قلة الاكتراث بإعراضهم عن الإسلام ، ومن معنى رضاه على من يعبده فهو ~~تعالى لغناه عنهم وغضبه عليهم لو شاء لأبادهم وأتى بخلق آخرين يعبدونه فخلص ~~العالم من عصاة أمر الله وذلك في قدرته ولكنه أمهلهم إعمالا لصفة الحلم . # فالمشيئة هنا المشيئة الناشئة عن الاستحقاق ، أي أنهم استحقوا أن يشاء ~~الله إهلاكهم ولكنه أمهلهم ، لا أصل المشيئة التي هي كونه مختارا في فعله ~~لا مكره له لأنها لا يحتاج إلى الإعلام بها . # والإذهاب مستعمل في الإهلاك ، أي الإعدام من هذا العالم ، أي إن يشأ يسلط ~~عليهم موتا يعمهم فكأنه أذهبهم من مكان إلى مكان لأنه يأتي بهم إلى الدار ~~الآخرة . # والإتيان بخلق جديد مستعمل في إحداث ناس لم يكونوا موجودين ولا مترقبا ~~وجودهم ، أي يوجد خلقا من الناس يؤمنون بالله . # فالخلق هنا بمعنى المخلوق مثل قوله تعالى : { هذا خلق الله فأروني ماذا ~~خلق PageV22P286 الذين من دونه } ( لقمان : 11 ) . وهذا في معنى قوله : { ~~وإن تتولوا يستبدل قوما ms6720 غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم } ( محمد : 38 ) . # وليس المعنى : أنه إن يشأ يعجل بموتهم فيأتي جيل أبنائهم مؤمنين لأن قوله ~~: { وما ذلك على الله بعزيز } ينبو عنه . # وعطف عليه الإعلام بأن ذلك لو شاء لكان هينا عليه وما هو عليه بعزيز . # والعزيز : الممتنع الغالب ، وهذا زيادة في الإرهاب والتهديد ليكونوا ~~متوقعين حلول هذا بهم . # ومفعول فعل المشيئة محذوف استغناء بما دل عليه جواب الشرط وهو { يذهبكم } ~~أي إن يشأ إذهابكم ، ومثل هذا الحذف لمفعول المشيئة كثير في الكلام . # والإشارة في قوله : { وما ذلك } عائدة إلى الإذهاب المدلول عليه ب { ~~يذهبكم } أو إلى ما تقدم بتأويل المذكور . # . # لما كان ما قبل هذه الآية مسوقا في غرض التهديد وكان الخطاب للناس أريدت ~~طمأنة المسلمين من عواقب التهديد ، فعقب بأن من لم يأت وزرا لا يناله جزاء ~~الوازر في الآخرة قال تعالى : { ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها ~~جثيا } ( مريم : 72 ) . وقد يكون وعدا بالإنجاء من عذاب الدنيا إذا نزل ~~بالمهددين الإذهاب والإهلاك مثلما أهلك فريق الكفار يوم بدر وأنجى فريق ~~المؤمنين ، فيكون هذا وعدا خاصا لا يعارضه قوله تعالى : { واتقوا فتنة لا ~~تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة } ( الأنفال : 25 ) وما ورد في حديث أم سلمة ~~قالت : ( يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال : نعم إذا كثر الخبث ) . # فموقع قوله : { ولا تزر وازرة وزر أخرى } كموقع قوله تعالى : { حتى إذا ~~استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فننجي من نشاء ولا يرد بأسنا ~~PageV22P287 عن القوم المجرمين } ( يوسف : 110 ) . ولهذا فالظاهر أن هذا ~~تأمين للمسلمين من الاستئصال كقوله تعالى : { وما كان الله معذبهم وهم ~~يستغفرون } ( الأنفال : 33 ) بقرينة قوله عقبه { إنما تنذر الذين يخشون ~~ربهم بالغيب } وهو تأمين من تعميم العقاب في الآخرة بطريق الأولى ويجوز أن ~~يكون المراد : ولا تزر وازرة وزر أخرى يوم القيامة ، أي إن يشأ يذهبكم ~~جميعا ولا يعذب المؤمنين في الآخرة ، وهذا كقول النبي صلى الله عليه وسلم ( ~~ثم يحشرون على نياتهم ) . # والوجه الأول أعم وأحسن . وأياما ms6721 كان فإن قضية { ولا تزر وازرة وزر أخرى ~~} كلية عامة فكيف وقد قال الله تعالى : { وليحملن أثقالهم وأثقالا مع ~~أثقالهم في سورة العنكبوت ، فالجمع بين الآيتين أن هذه الآية نفت أن يحمل ~~أحد وزر آخر لا مشاركة له للحامل على اقتراف الوزر ، وأما آية سورة ~~العنكبوت فموردها في زعماء المشركين الذين موهوا الضلالة وثبتوا عليها ، ~~فإن أول تلك الآية وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل ~~خطاياكم } ( العنكبوت : 12 ) ، وكانوا يقولون ذلك لكل من يستروحون منه ~~الإقبال على الإيمان بالأحرى . # وأصل الوزر بكسر الواو : هو الوقر بوزنه ومعناه . وهو الحمل بكسر الحاء ، ~~أي ما يحمل ، ويقال : وزر إذا حمل . فالمعنى : ولا تحمل حاملة حمل أخرى ، ~~أي لا يحمل الله نفسا حملا جعله لنفس أخرى عدلا منه تعالى لأن الله يحب ~~العدل وقد نفى عن شأنه الظلم وإن كان تصرفه إنما هو في مخلوقاته . # وجرى وصف الوازرة على التأنيث لأنه أريد به النفس . # ووجه اختيار الإسناد إلى المؤنث بتأويل النفس دون أن يجري الإضمار على ~~التذكير بتأويل الشخص ، لأن معنى النفس هو المتبادر للأذهان عند ذكر ~~الاكتساب كما في قوله تعالى : { ولا تكسب كل نفس إلا عليها في سورة الأنعام ~~، وقوله : كل نفس بما كسبت رهينة في سورة المدثر ، وغير ذلك من الآيات . # ثم نبه على أن هذا الحكم العادل مطرد مستمر حتى لو استغاثت نفس مثقلة ~~بالأوزار من ينتدب لحمل أوزارها أو بعضها لم تجد من يحمل عنها شيئا ، لئلا ~~يقيس الناس الذين في الدنيا أحوال الآخرة على ما تعارفوه ، فإن العرب ~~تعارفوا PageV22P288 النجدة إذا استنجدوا ولو كان لأمر يضر بالمنجد . ومن ~~أمثالهم لو دعي الكريم إلى حتفه لأجاب ، وقال وداك بن ثميل المازني : # إذا استنجدوا لم يسألوا من دعاهم # لأية حرب أم بأي مكان # ولذلك سمي طلب الحمل هنا دعاء لأن في الدعاء معنى الاستغاثة . # وحذف مفعول تدع } لقصد العموم . والتقدير : وإن تدع مثقلة أي مدعو . # وقوله : { إلى حملها } متعلق ب { تدع } ، وجعل الدعاء إلى الحمل لأن ~~الحمل ms6722 سبب الدعاء وعلته . فالتقدير : وإن تدع مثقلة أحدا إليها لأجل أن ~~يحمل عنها حملها ، فحذف أحد متعلقي الفعل المجرور باللام لدلالة الفعل ~~ومتعلقه المذكور على المحذوف . # وهذا إشارة إلى ما سيكون في الآخرة ، أي لو استصرخت نفس من يحمل عنها ~~شيئا من أوزارها ، كما كانوا يزعمون أن أصنامهم تشفع لهم أو غيرهم ، لا تجد ~~من يجيبها لذلك . # وقوله : { ولو كان ذا قربى } في موضع الحال من { مثقلة } . و { لو } ~~وصلية كالتي في قوله تعالى : { فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى ~~به في سورة آل عمران . # والضمير المستتر في كان } عائد إلى مفعول { تدع } المحذوف ، إذ تقديره : ~~وإن تدع مثقلة أحدا إلى حملها كما ذكرنا . فيصير التقدير : ولو كان المدعو ~~ذا قربى ، فإن العموم الشمولي الذي اقتضته النكرة في سياق الشرط يصير في ~~سياق الإثبات عموما بدليا . # ووجه ما اقتضته المبالغة من { لو } الوصلية أن ذا القربى أرق وأشفق على ~~قريبه ، فقد يظن أنه يغني عنه في الآخرة بأن يقاسمه الثقل الذي يؤدي به إلى ~~العذاب فيخف عنه العذاب بالاقتسام . PageV22P289 # والإطلاق في القربى يشمل قريب القرابة كالأبوين والزوجين كما قال تعالى : ~~{ يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه } ( عبس : 34 ، 35 ) . # وهذا إبطال لاعتقاد الغناء الذاتي بالتضامن والتحامل فقد كان المشركون ~~يقيسون أمور الآخرة على أمور الدنيا فيعللون أنفسهم إذا هددوا بالبعث بأنه ~~إن صح فإن لهم يومئذ شفعاء وأنصارا ، فهذا سياق توجيه هذا إلى المشركين ثم ~~هو بعمومه ينسحب حكمه على جميع أهل المحشر ، فلا يحمل أحد عن أحد إثمه . ~~وهذا لا ينافي الشفاعة الواردة في الحديث ، كما تقدم في سورة سبأ ، فإنها ~~إنما تكون بإذن الله تعالى إظهارا لكرامة نبيئه محمد صلى الله عليه وسلم ~~ولا ينافي ما جعله الله للمؤمنين من مكفرات للذنوب كما ورد أن أفراط ~~المؤمنين يشفعون لأمهاتهم ، فتلك شفاعة جعلية جعلها الله كرامة للأمهات ~~المصابة من المؤمنات . # . # استئناف بياني لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يخطر في نفسه التعجب من عدم ~~تأثر ms6723 أكثر المشركين بإنذاره فأجيب بإن إنذاره ينتفع به المؤمنون ومن تهيأوا ~~للإيمان . # وإيراد هذه الآية عقب التي قبلها يؤكد أن المقصد الأول من التي قبلها ~~موعظة المشركين وتخويفهم ، وإبلاغ الحقيقة إليهم لاقتلاع مزاعمهم وأوهامهم ~~في أمر البعث والحساب والجزاء . فأقبل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم ~~بالخطاب ليشعر بأن تلك المواعظ لم تجد فيهم وأنها إنما ينتفع بها المسلمون ~~، وهو أيضا يؤكد ما في الآية الأولى من التعريض بتأمين المسلمين بما اقتضاه ~~عموم الإنذار والوعيد . # وأطلق الإنذار هنا على حصول أثره ، وهو الانكفاف أو التصديق به ، وليس ~~المراد حقيقة الإنذار ، وهو الإخبار عن توقع مكروه لأن القرينة صادقة عن ~~المعنى الحقيقي وهي قرينة تكرر الإنذار للمشركين الفينة بعد الفينة وما هو ~~ببعيد عن هذه الآية ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أنذر المشركين طول مدة ~~دعوته ، فتعين أن تعلق الفعل المقصور عليه ب { الذين يخشون ربهم بالغيب } ~~تعلق على معنى حصول أثر الفعل . PageV22P290 # فالمقصود من القصر أنه قصر قلب لأن المقصود التنبيه على أن لا يظن النبي ~~صلى الله عليه وسلم انتفاع الذين لا يؤمنون بنذارته ، وإن كانت صيغة القصر ~~صالحة لمعنى القصر الحقيقي لكن اعتبار المقام يعين اعتبار القصر الإضافي . ~~ونظير هذه الآية قوله في سورة يس { إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن ~~بالغيب } وقوله : { فذكر بالقرآن من يخاف وعيد في سورة ق ، مع أن التذكير ~~بالقرآن يعم الناس كلهم . # والغيب : ما غاب عنك ، أي الذين يخشون ربهم في خلواتهم وعند غيبتهم عن ~~العيان ، أي الذين آمنوا حقا غير مرائين أحدا . # وأقاموا الصلاة } أي لم يفرطوا في صلاة كما يؤذن به فعل الإقامة كما تقدم ~~في أول سورة البقرة . # ولما كانت هاتان الصفتان من خصائص المسلمين صار المعنى : إنما تنذر ~~المؤمنين ، فعدل عن استحضارهم بأشهر ألقابهم مع ما فيه من الإيجاز إلى ~~استحضارهم بصلتين مع ما فيهما من الإطناب ، تذرعا بذكر هاتين الصلتين إلى ~~الثناء عليهم بإخلاص الإيمان في الإعتقاد والعمل . # وجملة { ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه ms6724 } تذييل جار مجرى المثل . وذكر ~~التذييل عقب المذيل يؤذن بأن ما تضمنه المذيل داخل في التذييل بادىء ذي بدء ~~مثل دخول سبب العام في عمومه من أول وهلة دون أن يخص العام به ، فالمعنى : ~~أن الذين خشوا ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة هم ممن تزكى فانتفعوا بتزكيتهم ، ~~فالمعنى : إنما ينتفع بالنذارة الذين يخشون ربهم بالغيب فأولئك تزكوا بها ~~ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه . # والمقصود من القصر في قوله : { فإنما يتزكى لنفسه } أن قبولهم النذارة ~~كان لفائدة أنفسهم ، ففيه تعريض بأن الذين لم يعبأوا بنذارته تركوا تزكية ~~أنفسهم بها فكان تركهم ضرا على أنفسهم . # وجملة { وإلى الله المصير } تكميل للتذييل ، والتعريف في { المصير } ~~PageV22P291 للجنس ، أي المصير كله إلى الله سواء فيه مصير المتزكي ومصير ~~غير المتزكي ، أي وكل يجازى بما يناسبه . # وتقديم المجرور في قوله : { وإلى الله المصير } للاهتمام للتنبيه على أنه ~~مصير إلى من اقتضى اسمه الجليل الصفات المناسبة لإقامة العدل وإفاضة الفضل ~~مع الرعاية على الفاصلة . # ( 19 23 ) { } # . # أربعة أمثال للمؤمنين والكافرين ، وللإيمان والكفر ، شبه الكافر بالأعمى ~~، والكفر بالظلمات ، والحرور والكافر بالميت ، وشبه المؤمن بالبصير وشبه ~~الإيمان بالنور والظل ، وشبه المؤمن بالحي تشبيه المعقول بالمحسوس . فبعد ~~أن بين قلة نفع النذارة للكافرين وأنها لا ينتفع بها غير المؤمنين ضرب ~~للفريقين أمثالا كاشفة عن اختلاف حاليهما ، وروعي في هذه الأشباه توزيعها ~~على صفة الكافر والمؤمن ، وعلى حالة الكفر والإيمان ، وعلى أثر الإيمان ~~وأثر الكفر . # وقدم تشبيه حال الكافر وكفره على تشبيه حال المؤمن وإيمانه ابتداء لأن ~~الغرض الأهم من هذا التشبيه هو تفظيع حال الكافر ثم الانتقال إلى حسن حال ~~ضده لأن هذا التشبيه جاء لإيضاح ما أفاده القصر في قوله : { إنما تنذر ~~الذين يخشون ربهم بالغيب } ( فاطر : 18 ) كما تقدم آنفا من أنه قصر إضافي ~~قصر قلب ، فالكافر شبيه بالأعمى في اختلاط أمره بين عقل وجهالة ، كاختلاط ~~أمر الأعمى بين إدراك وعدمه . # والمقصود : أن الكافر وإن كان ذا عقل يدرك به الأمور فإن عقله تمحض ~~لإدراك أحوال الحياة الدنيا وكان ms6725 كالعدم في أحوال الآخرة كقوله تعالى : { ~~يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون } ( الروم : 7 ) ، ~~فحاله المقسم بين انتفاع بالعقل وعدمه يشبه حال الأعمى في إدراكه أشياء ~~وعدم إدراكه . # والعمى يعبر به عن الضلال ، قال ابن رواحة : PageV22P292 # أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا # به موقنات أن ما قال واقع # ثم شبه الكفر بالظلمات في أنه يجعل الذي أحاط هو به غير متبين للأشياء ، ~~فإن من خصائص الظلمة إخفاء الأشياء ، والكافر خفيت عنه الحقائق الاعتقادية ~~، وكلما بينها له القرآن لم ينتقل إلى أجلى ، كما لو وصفت الطريق للسائر في ~~الظلام . # وجي في { الظلمات } بلفظ الجمع لأنه الغالب في الاستعمال فهم لا يذكرون ~~الظلمة إلا بصيغة الجمع . وقد تقدم في قوله : { وجعل الظلمات والنور في ~~الأنعام . # وضرب الظل مثلا لأثر الإيمان ، وضده وهو الحرور مثلا لأثر الكفر ؛ فالظل ~~مكان نعيم في عرف السامعين الأولين ، وهم العرب أهل البلاد الحارة التي ~~تتطلب الظل للنعيم غالبا إلا في بعض فصل الشتاء ، وقوبل بالحرور لأنه مؤلم ~~ومعذب في عرفهم كما علمت ، وفي مقابلته بالحرور إيذان بأن المراد تشبيهه ~~بالظل في حالة استطابته . # والحرور } حر الشمس ، ويطلق أيضا على الريح الحارة وهي السموم ، أو ~~الحرور : الريح الحارة التي تهب بليل والسموم تهب بالنهار . # وقدم في هذه الفقرة ما هو من حال المؤمنين على عكس الفقرات الثلاث التي ~~قبلها لأجل الرعاية على الفاصلة بكلمة { الحرور } . وفواصل القرآن من ~~متممات فصاحته ، فلها حظ من الإعجاز . # فحال المؤمن يشبه حال الظل تطمئن فيه المشاعر ، وتصدر فيه الأعمال عن ~~تبصر وتريث وإتقان . وحال الكافر يشبه الحرور تضطرب فيه النفوس ولا تتمكن ~~معه العقول من التأمل والتبصر وتصدر فيها الآراء والمساعي معجلة متفككة . # وأعلم أن تركيب الآية عجيب فقد احتوت على واوات عطف وأدوات نفي ؛ فكل من ~~الواوين اللذين في قوله : { ولا الظلمات } الخ ، وقوله : { الظل } الخ عاطف ~~جملة على جملة وعاطف تشبيهات ثلاثة بل تشبيه منها يجمع الفريقين . والتقدير ~~: ولا تستوي الظلمات والنور ولا يستوي الظل والحرور ، وقد ms6726 صرح بالمقدر ~~أخيرا في قوله : { وما يستوي الأحياء ولا الأموات } . PageV22P293 # وأما الواوات الثلاثة في قوله : { والبصير } { ولا النور } { ولا الحرور ~~} فكل واو عاطف مفردا على مفرد ، فهي ستة تشبيهات موزعة على كل فريق ؛ ف { ~~البصير } عطف على { الأعمى } ، و { النور } عطف على { الظلمات } ، و { ~~الحرور } عطف على { الظل } ، ولذلك أعيد حرف النفي . # وأما أدوات النفي فاثنان منها مؤكدان للتغلب الموجه إلى الجملتين ~~المعطوفتين المحذوف فعلاهما { ولا الظلمات ولا الظل } ، واثنان مؤكدان ~~لتوجه النفي إلى المفردين المعطوفين على مفردين في سياق نفي التسوية بينهما ~~وبين ما عطفا عليهما وهما واو { ولا النور } ، وواو { ولا الحرور } ، ~~والتوكيد بعضه بالمثل وهو حرف { لا } وبعضه بالمرادف وهو حرف { ما } ولم ~~يؤت بأداة نفي في نفي الاستواء الأول لأنه الذي ابتدىء به نفي الاستواء ~~المؤكد من بعد فهو كله تأييس . وهو استعمال قرآني بديع في عطف المنفيات من ~~المفردات والجمل ، ومنه قوله تعالى : { لا تستوي الحسنة ولا السيئة في سورة ~~فصلت . # وجملة وما يستوي الأحياء ولا الأموات } أظهر في هذه الجملة الفعل الذي ~~قدر في الجملتين اللتين قبلها وهو فعل { يستوي } لأن التمثيل هنا عاد إلى ~~تشبيه حال المسلمين والكافرين إذ شبه حال المسلم بحال الأحياء وحال ~~الكافرين بحال الأموات ، فهذا ارتقاء في تشبيه الحالين من تشبيه المؤمن ~~بالبصير والكافر بالأعمى إلى تشبيه المؤمن بالحي والكافر بالميت ، ونظيره ~~في إعادة فعل الاستواء قوله تعالى في سورة الرعد : { قل هل يستوي الأعمى ~~والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور . # فلما كانت الحياة هي مبعث المدارك والمساعي كلها وكان الموت قاطعا ~~للمدارك والمساعي شبه الإيمان بالحياة في انبعاث خير الدنيا والآخرة منه ~~وفي تلقي ذلك وفهمه ، وشبه الكفر بالموت في الانقطاع عن الأعمال والمدركات ~~النافعة كلها وفي عدم تلقي ما يلقى إلى صاحبه فصار المؤمن شبيها بالحي ~~مشابهة كاملة لما خرج من الكفر إلى الإيمان ، فكأنه بالإيمان نفخت فيه ~~الحياة بعد الموت كما أشار إليه قوله تعالى في سورة الأنعام أو من كان ميتا ~~فأحييناه ، وكان الكافر شبيها ms6727 بالميت ما دام على كفره . واكتفي بتشبيه ~~الكافر والمؤمن في موضعين عن PageV22P294 تشبيه الكفر والإيمان وبالعكس ~~لتلازمهما ، وأوتي تشبيه الكافر والمؤمن في موضعين لكون وجه الشبه في ~~الكافر والمؤمن أوضح ، وعكس ذلك في موضعين لأن وجه الشبه أوضح في الموضعين ~~الآخرين . # } . # لما كان أعظم حرمان نشأ عن الكفر هو حرمان الانتفاع بأبلغ كلام وأصدقه ~~وهو القرآن كان حال الكافر الشبيه بالموت أوضح شبها به في عدم انتفاعه ~~بالقرآن وإعراضه عن سماعه { وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا ~~فيه لعلكم تغلبون } ( فصلت : 26 ) ، وكان حال المؤمنين بعكس ذلك إذ تلقوا ~~القرآن ودرسوه وتفقهوا فيه { الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك ~~الذين هداهم الله } ( الزمر : 18 ) ، وأعقب تمثيل حال المؤمنين والكافرين ~~بحال الأحياء والأموات بتوجيه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم معذرة ~~له في التبليغ للفريقين ، وفي عدم قبول تبليغه لدى أحد الفريقين ، وتسلية ~~له عن ضياع وابل نصحه في سباخ قلوب الكافرين فقيل له : إن قبول الذين قبلوا ~~الهدى واستمعوا إليه كان بتهيئة الله تعالى نفوسهم لقبول الذكر والعلم ، ~~وإن عدم انتفاع المعرضين بذلك هو بسبب موت قلوبهم فكأنهم الأموات في القبور ~~وأنت لا تستطيع أن تسمع الأموات ، فجاء قوله : { إن الله يسمع من يشاء وما ~~أنت بمسمع من في القبور } على مقابلة قوله : { وما يستوي الأحياء ولا ~~الأموات } مقابلة اللف بالنشر المرتب . # فجملة { إن الله يسمع من يشاء } تعليل لجملة { إنما تنذر الذين يخشون ~~ربهم بالغيب } ( فاطر : 18 ) ، لأن معنى القصر ينحل إلى إثبات ونفي فكان ~~مفيدا فريقين : فريقا انتفع بالإنذار ، وفريقا لم ينتفع ، فعلل ذلك ب { إن ~~الله يسمع من يشاء } . # وقوله : { وما أنت بمسمع من في القبور } إشارة إلى الذين لم يشأ الله أن ~~يسمعهم إنذارك . # واستعير { من في القبور } للذين لم تنفع فيهم النذر ، وعبر عن الأموات ب ~~{ من في القبور } لأن من في القبور أعرق في الابتعاد عن بلوغ الأصوات لأن ~~PageV22P295 بينهم وبين المنادي حاجز الأرض . فهذا إطناب أفاد معنى لا ~~يفيده الإيجاز ms6728 بأن يقال : وما أنت بمسمع الموتى . # وجيء بصيغة الجمع { الأحياء } و { الأموات } تفننا في الكلام بعد أن أورد ~~الأعمى والبصير بالإفراد لأن المفرد والجمع في المعرف بلام الجنس سواء إذا ~~كان اسما له أفراد بخلاف النور والظل والحرور ، وأما جمع { الظلمات } فقد ~~علمت وجهه آنفا . # وجملة { إن أنت إلا نذير } أفادت قصرا إضافيا بالنسبة إلى معالجة تسميعهم ~~الحق ، أي أنت نذير للمشابهين من في القبور ولست بمدخل الإيمان في قلوبهم ، ~~وهذا مسوق مساق المعذرة للنبيء صلى الله عليه وسلم وتسليته إذ كان مهتما من ~~عدم إيمانهم . # والنذير : المنبىء عن توقع حدوث مكروه أو مؤلم . # والاقتصار على وصفه بالنذير لأن مساق الكلام على المصممين على الكفر . # استئناف ثناء على النبي صلى الله عليه وسلم وتنويه به وبالإسلام . وفيه ~~دفع توهم أن يكون قصره على النذارة قصرا حقيقا لتبين أن قصره على النذارة ~~بالنسبة للمشركين الذين شابه حالهم حال أصحاب القبور ، أي أن رسالتك تجمع ~~بشارة ونذارة ؛ فالبشارة لمن قبل الهدى ، والنذارة لمن أعرض عنه ، وكل ذلك ~~حق لأن الجزاء على حسب القبول ، فهي رسالة ملابسة للحق ووضع الأشياء ~~مواضعها . # فقوله : { بالحق } إما حال من ضمير المتكلم في { أرسلناك } أي محقين غير ~~لاعبين ، أو من كاف الخطاب ، أي محقا أنت غير كاذب ، أو صفة لمصدر محذوف ، ~~أي إرسالا ملابسا بالحق لا يشوبه شيء من الباطل . وتقدم نظير هذه الجملة في ~~سورة البقرة . # وقوله : { وإن من أمة إلا خلا فيها نذير } إبطال لاستبعاد المشركين أن ~~يرسل الله إلى الناس بشرا منهم ، فإن تلك الشبهة كانت من أعظم ما صدهم عن ~~التصديق PageV22P296 به ، فلذلك أتبعت دلائل الرسالة بإبطال الشبهة الحاجبة ~~على حد قوله تعالى : { قل ما كنت بدعا من الرسل } ( الأحقاف : 9 ) . # وأيضا في ذلك تسفيه لأحلامهم إذ رضوا أن يكونوا دون غيرهم من الأمم التي ~~شرفت بالرسالة . # ووجه الاقتصار على وصف النذير هنا دون الجمع بينه وبين وصف البشير هو ~~مراعاة العموم الذي في قوله : { وإن من أمة إلا خلا فيها نذير } ، فإن ms6729 من ~~الأمم من لم تحصل لها بشارة لأنها لم يؤمن منها أحد ، ففي الحديث : ( عرضت ~~علي الأمم فجعل النبي يمر معه الرهط ، والنبي يمر معه الرجل الواحد ، ~~والنبي يمر وحده ) الحديث ، فإن الأنبياء الذين مروا وحدهم هم الأنبياء ~~الذين لم يستجب لهم أحد من قومهم ، وقد يكون عدم ذكر وصف البشارة للاكتفاء ~~بذكر قرينة اكتفاء بدلالة ما قبله عليه ، وأوثر وصف النذير بالذكر لأنه أشد ~~مناسبة لمقام خطاب المكذبين . # ومعنى الأمة هنا : الجذم العظيم من أهل نسب ينتهي إلى جد واحد جامع ~~لقبائل كثيرة لها مواطن متجاورة مثل أمة الفرس وأمة الروم وأمة الصين وأمة ~~الهند وأمة اليونان وأمة إسرائيل وأمة العرب وأمة البربر ؛ فما من أمة من ~~هؤلاء إلا وقد سبق فيها نذير ، أي رسول أو نبيء ينذرهم بالمهلكات وعذاب ~~الآخرة . فمن المنذرين من علمناهم ، ومنهم من أنذروا وانقرضوا ولم يبق ~~خبرهم قال تعالى : { ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من ~~لم نقصص عليك } ( غافر : 78 ) . # والحكمة في الإنذار أن لا يبقى الضلال رائجا وأن يتخول الله عباده ~~بالدعوة إلى الحق سواء عملوا بها أو لم يعملوا فإنها لا تخلو من أثر صالح ~~فيهم . وإنما لم يسم القرآن إلا الأنبياء والرسل الذين كانوا في الأمم ~~السامية القاطنة في بلاد العرب وما جاورها لأن القرآن حين نزوله ابتدأ ~~بخطاب العرب ولهم علم بهؤلاء الأقوام فقد علموا أخبارهم وشهدوا آثارهم فكان ~~الاعتبار بهم أوقع ، ولو ذكرت لهم رسل أمم لا يعرفونهم لكان إخبارهم عنهم ~~مجرد حكاية ولم يكن فيه استدلال واعتبار . PageV22P297 # ( 25 ، 26 ) # أعقب الثناء على النبي صلى الله عليه وسلم بتسليته على تكذيب قومه ~~وتأنيسه بأن تلك سنة الرسل مع أممهم . # وإذ قد كان سياق الحديث في شأن الأمم جعلت التسلية في هذه الآية بحال ~~الأمم مع رسلهم عكس ما في آية آل عمران : { فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك ~~جاءوا بالبينات والزبر والكتاب المنير لأن سياق آية آل عمران كان في رد ~~محاولة أهل ms6730 الكتاب إفحام الرسول لأن قبلها الذين قالوا إن الله عهد إلينا ~~أن لا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار } ( آل عمران : 183 ) . # وقد خولف أيضا في هذه الآية أسلوب آية آل عمران إذ قرن كل من ( الزبر ~~والكتاب المنير ) هنا بالباء ، وجردا منها في آية آل عمران وذلك لأن آية آل ~~عمران جرت في سياق زعم اليهود أن لا تقبل معجزة رسول إلا معجزة قربان تأكله ~~النار ، فقيل في التفرد ببهتانهم : قد كذبت الرسل الذين جاء الواحد منهم ~~بأصناف المعجزات مثل عيسى عليه السلام ومن معجزاتهم قرابين تأكلها النار ~~فكذبتموهم ، فترك إعادة الباء هنالك إشارة إلى أن الرسل جاءوا بالأنواع ~~الثلاثة . # ولما كان المقام هنا لتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم ناسب أن يذكر ~~ابتلاء الرسل بتكذيب أممهم على اختلاف أحوال الرسل ؛ فمنهم الذين أتوا ~~بآيات ، أي خوارق عادات فقط مثل صالح وهود ولوط ، ومنهم من أتوا بالزبر وهي ~~المواعظ التي يؤمر بكتابتها وزبرها ، أي تخطيطها لتكون محفوظة وتردد على ~~الألسن كزبور داود وكتب أصحاب الكتب من أنبياء بني إسرائيل مثل أرمياء ~~وإيلياء ، ومنهم من جاءوا بالكتاب المنير ، يعني كتاب الشرائع مثل إبراهيم ~~وموسى وعيسى ، فذكر الباء مشير إلى توزيع أصناف المعجزات على أصناف الرسل . # فزبور إبراهيم صحفه المذكورة في قوله تعالى : { صحف إبراهيم وموسى } ( ~~الأعلى : 19 ) . # وزبور موسى كلامه في المواعظ الذي ليس فيه تبليغ عن الله مثل دعائه الذي ~~PageV22P298 دعا به في قادش المذكور في الإصحاح التاسع من سفر التثنية ، ~~ووصيته في عبر الأردن التي في الإصحاح السابع والعشرين من السفر المذكور ، ~~ومثل نشيده الوعظي الذي نطق به وأمر بني إسرائيل بحفظه والترنم به في ~~الإصحاح الثاني والثلاثين منه ، ومثل الدعاء الذي بارك به أسباط إسرائيل في ~~عربات مؤاب في آخر حياته في الإصحاح الثالث والثلاثين منه . # وزبور عيسى أقواله المأثورة في الأناجيل مما لم يكن منسوبا إلى الوحي . # فالضمير في ( جاءوا ) للرسل وهو على التوزيع ، أي جاء مجموعهم بهذه ~~الأصناف من الآيات ، ولا يلزم أن يجيء ms6731 كل فرد منهم بجميعها كما يقال بنو ~~فلان قتلوا فلانا . # وجواب { إن يكذبوك } محذوف دلت عليه علته وهي قوله : { فقد كذبت رسل من ~~قبلك } ( فاطر : 4 ) . والتقدير : إن يكذبوك فلا تحزن ، ولا تحسبهم مفلتين ~~من العقاب على ذلك إذ قد كذب الأقوام الذين جاءتهم رسل من قبل هؤلاء وقد ~~عاقبناهم على تكذيبهم . # فالفاء في قوله : { فقد كذب الذين من قبلهم } فاء فصيحة أو تفريع على ~~المحذوف . # وجملة { جاءتهم } صلة { الذين } ، و { من قبلهم } في موضع الحال من اسم ~~الموصول مقدم عليه أو متعلق ب { جاءتهم } . # و { ثم } عاطفة جملة { أخذت } على جملة { جاءتهم } أي ثم أخذتهم ، وأظهر ~~{ الذين كفروا } في موضع ضمير الغيبة للإيماء إلى أن أخذهم لأجل ما تضمنته ~~صلة الموصول من أنهم كفروا . # والأخذ مستعار للاستئصال والإفناء ؛ شبه إهلاكهم جزاء على تكذيبهم بإتلاف ~~المغيرين على عدوهم يقتلونهم ويغنمون أموالهم فتبقى ديارهم بلقعا كأنهم ~~أخذوا منها . # و ( كيف ) استفهام مستعمل في التعجيب من حالهم وهو مفرع بالفاء على { ~~أخذت الذين كفروا } ، والمعنى : أخذتهم أخذا عجيبا كيف ترون أعجوبته . ~~PageV22P299 وأصل ( كيف ) أن يستفهم به عن الحال فلما استعمل في التعجيب من ~~حال أخذهم لزم أن يكون حالهم معروفا ، أي يعرفه النبي صلى الله عليه وسلم ~~وكل من بلغته أخبارهم فعلى تلك المعرفة المشهورة بني التعجيب . # والنكير : اسم لشدة الإنكار ، وهو هنا كناية عن شدة العقاب لأن الإنكار ~~يستلزم الجزاء على الفعل المنكر بالعقاب . # وحذفت ياء المتكلم تخفيفا ولرعاية الفواصل في الوقف لأن الفواصل يعتبر ~~فيها الوقت ، وتقدم في سبأ . # . # استئناف فيه إيضاح ما سبقه من اختلاف أحوال الناس في قبول الهدى ورفضه ~~بسبب ما تهيأت خلقة النفوس إليه ليظهر به أن الاختلاف بين أفراد الأصناف ~~والأنواع ناموس جبلي فطر الله عليه مخلوقات هذا العالم الأرضي . # والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم ليدفع عنه اغتمامه من مشاهدة عدم ~~انتفاع المشركين بالقرآن . # وضرب اختلاف الظواهر في أفراد الصنف الواحد مثلا لاختلاف البواطن تقريبا ~~للأفهام ، فكان هذا الاستئناف من الاستئناف البياني لأن مثل ms6732 هذا التقريب ~~مما تشرئب إليه الأفهام عند سماع قوله : { إن الله يسمع من يشاء } ( فاطر : ~~22 ) . # والرؤية بصرية ، والاستفهام تقريري ، وجاء التقرير على النفي على ما هو ~~المستعمل كما بيناه عند قوله تعالى : { ألم يروا أنه لا يكلمهم في سورة ~~الأعراف وفي آيات أخرى . # وضمير فأخرجنا } التفات من الغيبة إلى التكلم . # والألوان : جمع لون وهو عرض ، أي كيفية تعرض لسطوح الأجسام يكيفه النور ~~كيفيات مختلفة على اختلاف ما يحصل منها عند انعكاسها إلى عدسات الأعين ~~PageV22P300 من شبه الظلمة وهو لون السواد وشبه الصبح هو لون البياض ، فهما ~~الأصلان للألوان ، وتنشق منها ألوان كثيرة وضعت لها أسماء اصطلاحية ~~وتشبيهية . وتقدم عند قوله تعالى : { قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها ~~في سورة البقرة ، وتقدم في سورة النحل . # والمقصود من الاعتبار هو اختلاف ألوان الأصناف من النوع الواحد كاختلاف ~~ألوان التفاح مع ألوان السفرجل ، وألوان العنب مع ألوان التين ، واختلاف ~~ألوان الأفراد من الصنف الواحد تارات كاختلاف ألوان التمور والزيتون ~~والأعناب والتفاح والرمان . # وذكر إنزال الماء من السماء إدماج في الغرض للاعتبار بقدرة الله مع ما ~~فيه من اتحاد أصل نشأة الأصناف والأنواع كقوله تعالى : تسقى بماء واحد ~~ونفضل بعضها على بعض في الأكل } ( الرعد : 4 ) وذلك أرعى للاعتبار . # وجيء بالجملتين الفعليتين في { أنزل } و ( أخرجنا ) لأن إنزال الماء ~~وإخراج الثمرات متجدد آنا فآنا . # والالتفات من الغيبة إلى التكلم في قوله : { أنزل } وقوله : ( أخرجنا ) ~~لأن الاسم الظاهر أنسب بمقام الاستدلال على القدرة لأنه الاسم الجامع ~~لمعاني الصفات . # وضمير التكلم أنسب بما فيه امتنان . # وقدم الاعتبار باختلاف أحوال الثمرات لأن في اختلافها سعة تشبه سعة ~~اختلاف الناس في المنافع والمدارك والعقائد . وفي الحديث : ( مثل المؤمن ~~الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب ، ومثل المؤمن الذي لا ~~يقرأ القرآن كمثل التمرة طعمها طيب ولا ريح لها ، ومثل المنافق الذي يقرأ ~~القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر ، ومثل المنافق الذي لا يقرأ ~~القرآن كمثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها ) . # وجرد ms6733 { مختلفا } من علامة التأنيث مع أن فاعله جمع وشأن النعت السببي أن ~~يوافق مرفوعه في التذكر وضده والإفراد وضده ، ولا يوافق في ذلك منعوته ، ~~PageV22P301 لأنه لما كان الفاعل جمعا لما لا يعقل وهو الألوان كان حذف ~~التاء في مثله جائزا في الاستعمال ، وآثره القرآن إيثارا للإيجاز . # والمراد بالثمرات : ثمرات النخيل والأعناب وغيرها ، فثمرات النخيل أكثر ~~الثمرات ألوانا ، فإن ألوانها تختلف باختلاف أطوارها ، فمنها الأخضر ~~والأصفر والأحمر والأسود . # . # عطف على جملة { ألم تر أن الله } فهي مثلها مستأنفة ، وعطفها عليها ~~للمناسبة الظاهرة . # و { جدد } مبتدأ { ومن الجبال } خبره . وتقديم الخبر للاهتمام وللتشويق ~~لذكر المبتدأ حثا على التأمل والنظر . # و { من } تبعيضية على معنى : وبعض تراب الجبال جدد ، ففي الجبل الواحد ~~توجد جدد مختلفة ، وقد يكون بعض الجدد بعضها في بعض الجبال وبعض آخر في بعض ~~آخر . # و { جدد } : جمع جدة بضم الجيم ، وهي الطريقة والخطة في الشيء تكون واضحة ~~فيه . يقال للخطة السوداء التي على ظهر الحمار جدة ، وللظبي جدتان مسكيتا ~~اللون تفصلان بين لوني ظهره وبطنه ، والجدد البيض التي في الجبال هي ما ~~كانت صخورا بيضاء مثل المروة ، أو كانت تقرب من البياض فإن من التراب ما ~~يصير في لون الأصهب فيقال : تراب أبيض ، ولا يعنون أنه أبيض كالجير والجص ~~بل يعنون أنه مخالف لغالب ألوان التراب ، والجدد الحمر هي ذات الحجارة ~~الحمراء في الجبال . # و { غرابيب } جمع غربيب ، والغربيب : اسم للشيء الأسود الحالك سواده ، ~~ولا تعرف له مادة مشتق هو منها ، وأحسب أنه مأخوذ من الجامد ، وهو الغراب ~~لشهرة الغراب بالسواد . PageV22P302 # { وسود } جمع أسود وهو الذي لونه السواد . # فالغربيب يدل على أشد من معنى أسود ، فكان مقتضى الظاهر أن يكون { غرابيب ~~} متأخرا عن { سود } لأن الغالب أنهم يقولون : أسود غربيب ، كما يقولون : ~~أبيض يقق وأصفر فاقع وأحمر قان ، ولا يقولون : غربيب أسود وإنما خولف ذلك ~~للرعاية على الفواصل المبنية على الواو والياء الساكنتين ابتداء من قوله : ~~{ والله هو الغني الحميد } ( فاطر : 15 ) ، على أن في دعوى أن يكون غربيبا ms6734 ~~تابعا لأسود نظرا والآية تؤيد هذا النظر ، ودعوى كون { غرابيب } صفة لمحذوف ~~يدل عليه { سود } تكلف واضح ، وكذلك دعوى الفراء : أن الكلام على التقديم ~~والتأخير ، وغرض التوكيد حاصل على كل حال . # . # موقعه كموقع قوله : { ومن الجبال جدد } ( فاطر : 27 ) ، ولا يلزم أن يكون ~~مسوغ الابتداء بالنكرة غير مفيد معنى آخر فإن تقديم الخبر هنا سوغ الابتداء ~~بالنكرة . # واختلاف ألوان الناس منه اختلاف عام وهو ألوان أصناف البشر وهي الأبيض ~~والأسود والأصفر والأحمر حسب الاصطلاح الجغرافي . وللعرب في كلامهم تقسيم ~~آخر لألوان أصناف البشر ، وقد تقدم عند قوله : { واختلاف ألسنتكم وألوانكم ~~في سورة الروم . # ومن } تبعيضية . والمعنى : أن المختلف ألوانه بعض من الناس ، ومجموع ~~المختلفات كله هو الناس كلهم وكذلك الدواب والأنعام ، وهو نظم دقيق دعا ~~إليه الإيجاز . # وجيء في جملة { ومن الجبال جدد } ( فاطر : 27 ) و { من الناس والدواب ~~والأنعام مختلف ألوانه } بالاسمية دون الفعلية كما في الجملة السابقة لأن ~~اختلاف ألوان الجبال والحيوان الدال على اختلاف أحوال الإيجاد اختلافا ~~دائما لا يتغير وإنما يحصل مرة واحدة عند الخلق وعند تولد النسل . ~~PageV22P303 # . # الأظهر عندي أن { كذلك } ابتداء كلام يتنزل منزلة الإخبار بالنتيجة عقب ~~ذكر الدليل . والمعنى : كذلك أمر الاختلاف في ظواهر الأشياء المشاهد في ~~اختلاف ألوانها وهو توطئة لما يرد بعده من تفصيل الاستنتاج بقوله : { إنما ~~يخشى الله من عباده } أي إنما يخشى الله من البشر المختلفة ألوانهم العلماء ~~منهم ، فجملة { إنما يخشى الله من عباده العلماء } مستأنفة عن جملة { كذلك ~~} . وإذا علم ذلك دل بالالتزام على أن غير العلماء لا تتأتى منهم خشية الله ~~فدل على أن البشر في أحوال قلوبهم ومداركهم مختلفون . وهذا مثل قوله : { ~~إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب } ( فاطر : 18 ) . # وأوثر هذا الأسلوب في الدلالة تخلصا للتنويه بأهل العلم والإيمان لينتقل ~~إلى تفصيل ذلك بقوله : { إن الذين يتلون كتاب الله } ( فاطر : 29 ) الآية . ~~. . # فقوله : { كذلك } خبر لمبتدأ محذوف دل عليه المقام . والتقدير : كذلك ~~الاختلاف ، أو كذلك الأمر على نحو قوله تعالى في سورة الكهف : { كذلك ms6735 وقد ~~أحطنا بما لديه خبرا وهو من فصل الخطاب كما علمت هنالك ولذلك يحسن الوقف ~~على ما قبله ويستأنف ما بعده . # وأما جعل كذلك } من توابع الكلام السابق فلا يناسب نظم القرآن لضعفه . # والقصر المستفاد من { إنما } قصر إضافي ، أي لا يخشاه الجهال ، وهم أهل ~~الشرك فإن من أخص أوصافهم أنهم أهل الجاهلية ، أي عدم العلم ؛ فالمؤمنون ~~يومئذ هم العلماء ، والمشركون جاهلون نفيت عنهم خشية الله . ثم إن العلماء ~~في مراتب الخشية متفاوتون في الدرجات تفاوتا كثيرا . وتقديم مفعول { يخشى } ~~على فاعله لأن المحصور فيهم خشية الله هم العلماء فوجب تأخيره على سنة ~~تأخير المحصور فيه . # والمراد بالعلماء : العلماء بالله وبالشريعة ، وعلى حسب مقدار العلم في ~~ذلك تقوى الخشية ؛ فأما العلماء بعلوم لا تتعلق بمعرفة الله وثوابه وعقابه ~~معرفة على PageV22P304 وجهها فليست علومهم بمقربة لهم من خشية الله ، ذلك ~~لأن العالم بالشريعة لا تلتبس عليه حقائق الأسماء الشرعية فهو يفهم مواقعها ~~حق الفهم ويرعاها في مواقعها ويعلم عواقبها من خير أو شر ، فهو يأتي ويدع ~~من الأعمال ما فيه مراد الله ومقصد شرعه ، فإن هو خالف ما دعت إليه الشريعة ~~في بعض الأحوال أو في بعض الأوقات لداعي شهوة أو هوى أو تعجل نفع دنيوي كان ~~في حال المخالفة موقنا أنه مورط فيما لا تحمد عقباه ، فذلك الإيقان لا يلبث ~~أن ينصرف به عن الاسترسال في المخالفة بالإقلاع أو الإقلال . # وغير العالم إن اهتدى بالعلماء فسعيه مثل سعي العلماء وخشيته متولدة عن ~~خشية العلماء . قال الشيخ أبو محمد بن أبي زيد ( والعلم دليل على الخيرات ~~وقائد إليها ، وأقرب العلماء إلى الله أولاهم به وأكثرهم له خشية وفيما ~~عنده رغبة ) . # وجملة { إن الله عزيز غفور } تكميل للدلالة على استغناء الله تعالى عن ~~إيمان المشركين ولكنه يريد لهم الخير . ولما كان في هذا الوصف ضرب من ~~الإعراض عنهم مما قد يحدث يأسا في نفوس المقاربين منهم ، ألفت قلوبهم ~~بإتباع وصف { عزيز } ، بوصف { غفور } أي فهو يقبل التوبة منهم إن تابوا إلى ~~ما ms6736 دعاهم الله إليه على أن في صفة { غفور } حظا عظيما لأحد طرفي القصر وهم ~~العلماء ، أي غفور لهم . # ( 29 ، 30 ) # استئناف لبيان جملة { إنما يخشى الله من عباده العلماء } ( فاطر : 28 ) ~~الآية ، فالذين يتلون كتاب الله هم المراد بالعلماء ، وقد تخلص إلى بيان ~~فوز المؤمنين الذين اتبعوا الذكر وخشوا الرحمن بالغيب فإن حالهم مضاد لحال ~~الذين لم يسمعوا القرآن وكانوا عند تذكيرهم به كحال أهل القبور لا يسمعون ~~شيئا . فبعد أن أثنى عليهم ثناء إجماليا بقوله تعالى : { إنما يخشى الله من ~~عباده العلماء } ، وأجمل حسن جزائهم بذكر PageV22P305 صفة { غفور } ( فاطر ~~: 28 ) ولذلك ختمت هذه الآية بقوله : { إنه غفور شكور } فصل ذلك الثناء ~~وذكرت آثاره ومنافعه . # فالمراد ب { الذين يتلون كتاب الله } المؤمنون به لأنهم اشتهروا بذلك ~~وعرفوا به وهم المراد بالعلماء . قال تعالى : { بل هو آيات بينات في صدور ~~الذين أوتوا العلم } ( العنكبوت : 49 ) . وهو أيضا كناية عن إيمانهم لأنه ~~لا يتلو الكتاب إلا من صدق به وتلقاه باعتناء . وتضمن هذا أنهم يكتسبون من ~~العلم الشرعي من العقائد والأخلاق والتكاليف ، فقد أشعر الفعل المضارع ~~بتجدد تلاوتهم فإن نزول القرآن متجدد فكلما نزل منه مقدار تلقوه وتدارسوه . # وكتاب الله القرآن وعدل عن اسمه العلم إلى اسم الجنس المضاف لاسم الجلالة ~~لما في إضافته إليه من تعظيم شأنه . # وأتبع ما هو علامة قبول الإيمان والعلم به بعلامة أخرى وهي إقامة الصلاة ~~كما تقدم في سورة البقرة { الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة فإنها أعظم ~~الأعمال البدنية ، ثم أتبعت بعمل عظيم من الأعمال في المال وهي الإنفاق ، ~~والمراد بالإنفاق حيثما أطلق في القرآن هو الصدقات واجبها ومستحبها وما ورد ~~الإنفاق في السور المكية إلا والمراد به الصدقات المستحبة إذ لم تكن الزكاة ~~قد فرضت أيامئذ ؛ على أنه قد تكون الصدقة مفروضة دون نصب ولا تحديد ثم حددت ~~بالنصب والمقادير . # وجيء في جانب إقامة الصلاة والإنفاق بفعل المضي لأن فرض الصلاة والصدقة ~~قد تقرر وعملوا به فلا تجدد فيه ، وامتثال الذي كلفوا به يقتضي أنهم ms6737 ~~مداومون عليه . # وقوله : مما رزقناهم } إدماج للامتنان وإيماء إلى أنه إنفاق شكر على نعمة ~~الله عليهم بالرزق فهم يعطون منه أهل الحاجة . # ووقع الالتفات من الغيبة من قوله : { كتاب الله } إلى التكلم في قوله : { ~~مما رزقناهم } لأنه المناسب للامتنان . PageV22P306 # وانتصب { سرا وعلانية } على الصفة لمصدر { أنفقوا } محذوفف ، أي إنفاق سر ~~وإنفاق علانية والمصدر مبين للنوع . # والمعنى : أنهم لا يريدون من الإنفاق إلا مرضاة الله تعالى لا يراءون به ~~، فهم ينفقون حيث لا يراهم أحد وينفقون بمرأى من الناس فلا يصدهم مشاهدة ~~الناس عن الإنفاق . # وفي تقديم السر إشارة إلى أنه أفضل لانقطاع شائبة الرياء منه ، وذكر ~~العلانية للإشارة إلى أنهم لا يصدهم مرأى المشركين عن الإنفاق فهم قد ~~أعلنوا بالإيمان وشرائعه حب من حب أو كره من كره . # و { يرجون تجارة } هو خبر { إن } . # والخبر مستعمل في إنشاء التبشير كأنه قيل : ليرجوا تجارة ، وزاده التعليل ~~بقوله : { ليوفيهم أجورهم } قرينة على إرادة التبشير . # والتجارة مستعارة لأعمالهم من تلاوة وصلاة وإنفاق . # ووجه الشبه مشابهة ترتب الثواب على أعمالهم بترتب الربح على التجارة . # والمعنى : ليرجوا أن تكون أعمالهم كتجارة رابحة . # والبوار : الهلاك . وهلاك التجارة : خسارة التاجر . فمعنى { لن تبور } ~~أنها رابحة . و { لن تبور } صفة { تجارة } . والمعنى : أنهم يرجون عدم بوار ~~التجارة . # فالصفة مناط التبشير والرجاء لا أصل التجارة لأن مشابهة العمل الفظيع ~~لعمل التاجر شيء معلوم . # و { ليوفيهم } متعلق ب { يرجون } ، أي بشرناهم بذلك وقدرناه لهم لنوفيهم ~~أجورهم . ووقع الالتفات من التكلم في قوله : { مما رزقناهم } إلى الغيبة ~~رجوعا إلى سياق الغيبة من قوله : { يتلون كتاب الله } أي ليوفي الله الذين ~~يتلون كتابه . # والتوفية : جعل الشيء وافيا ، أي تاما لا نقيصة فيه ولا غبن . # وأسجل عليهم الفضل بأنه يزيدهم على ما تستحقه أعمالهم ثوابا من فضله ، ~~PageV22P307 أي كرمه ، وهو مضاعفة الحسنات الواردة في قوله تعالى : { كمثل ~~حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة } ( البقرة : 261 ) الآية . # وذيل هذا الوعد بما يحققه وهو أن الغفران والشكران من شأنه ، فإن من ~~صفاته ms6738 الغفور الشكور ، أي الكثير المغفرة والشديد الشكر . # فالمغفرة تأتي على تقصير العباد المطيعين ، فإن طاعة الله الحق التي هي ~~بالقلب والعمل والخواطر لا يبلغ حق الوفاء بها إلا المعصوم ولكن الله تجاوز ~~عن الأمة فيما حدثت به أنفسها ، وفيما همت به ولم تفعله ، وفي اللمم ، وفي ~~محو الذنوب الماضية بالتوبة ، والشكر كناية عن مضاعفة الحسنات على أعمالهم ~~فهو شكر بالعمل لأن الذي يجازي على عمل المجزي بجزاء وافر يدل جزاؤه على ~~أنه حمد للفاعل فعله . # وأكد هذا الخبر بحرف التأكيد زيادة في تحقيقه ، ولما في التأكيد من ~~الإيذان بكون ذلك علة لتوفية الأجور والزيادة فيها . # وفي الآية ما يشمل ثواب قراء القرآن ، فإنهم يصدق عنهم أنهم من الذين ~~يتلون كتاب الله ويقيمون الصلاة ولو لم يصاحبهم التدبر في القرآن فإن ~~للتلاوة حظها من الثواب والتنور بأنوار كلام الله . # . # لما كان المبدأ به من أسباب ثواب المؤمنين هو تلاوتهم كتاب الله أعقب ~~التنويه بهم بالتنويه بالقرآن للتذكير بذلك ، ولأن في التذكير بجلال القرآن ~~وشرفه إيماء إلى علة استحقاق الذين يتلونه ما استحقوا . وابتدىء التنويه به ~~بأنه وحي من الله إلى رسوله ، وناهيك بهذه الصلة تنويها بالكتاب ، وهو ~~يتضمن تنويها بشأن الذي أنزل عليه من قوله : { والذي أوحينا إليك } ، ففي ~~هذا مسرة للنبيء صلى الله عليه وسلم وبشارة له بأنه أفضل الرسل وأن كتابه ~~أفضل الكتب . PageV22P308 # وهذه نكتة تعريف المسند إليه باسم الموصول لما في الصلة من الإيماء إلى ~~وجه كونه الحق الكامل ، دون الإضمار الذي هو مقتضى الظاهر بأن يقال : وهو ~~الكتاب الحق . # فالتعريف في { الكتاب } تعريف العهد . # و { من } بيانية لما في الموصول من الإبهام ، والتقدير : والكتاب الذي ~~أوحينا إليك هو الحق . فقدم الموصول الذي حقه أن يقع صفة للكتاب تقديما ~~للتشويق بالإبهام ليقع بعده التفصيل فيتمكن من الذهن فضل تمكن . # فجملة { والذي أوحينا إليك من الكتاب } معطوفة على جملة { إن الذين يتلون ~~كتاب الله } ( فاطر : 29 ) فهي مثلها في حكم الاستئناف . # وضمير { هو } ضمير فصل ، وهو تأكيد لما أفاده ms6739 تعريف المسند من القصر . # والتعريف في { الحق } تعريف الجنس . وأفاد تعريف الجزأين قصر المسند على ~~المسند إليه ، أي قصر جنس الحق على { الذي أوحينا إليك } ، وهو قصر ادعائي ~~للمبالغة لعدم الاعتداد بحقية ما عداه من الكتب . # فأما الكتب غير الإلهية مثل ( الزند فستا ) كتاب ( زرادشت ) ومثل كتب ~~الصابئة فلأن ما فيها من قليل الحق قد غمر بالباطل والأوهام . # وأما الكتب الإلهية كالتوراة والإنجيل وما تضمنته كتب الأنبياء كالزبور ~~وكتاب أرميا من الوحي الإلهي ، فما شهد القرآن بحقيته فقد دخل في شهادة ~~قوله : { مصدقا لما بين يديه } ، وما جاء نسخه بالقرآن فقد بين النسخ تحديد ~~صلاحيته في القرآن . وذلك أيضا تصديق لها لأنه يدفع موهم بطلانها عند من ~~يجد خلافها في القرآن وما عسى أن يكون قد نقل على تحريف أو تأويل فقد دخل ~~فيما أخرجه القصر . وقد بين القرآن معظمه وكشف عن مواقعه كقوله : { وهو ~~محرم عليكم إخراجهم } ( البقرة : 85 ) . # ومعنى ( ما بين يديه ) ما سبقه لأن السابق يجيء متقدما على المسبوق فكأنه ~~يمشي بين يديه كقوله تعالى : { إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد } ( ~~سبأ : 46 ) . PageV22P309 والمراد بما بين يديه ما قبله من الشرائع ، ~~وأهمها شريعة موسى وشريعة عيسى عليهما السلام . # وانتصب { مصدقا } على الحال من { الكتاب } والعامل في الحال فعل { أوحينا ~~} ليفيد أنه مع كونه حقا بالغا في الحقية فهو مصدق للكتب الحقة ، ومقرر لما ~~اشتملت عليه من الحق . # . # تذييل جامع لما تضمنته الآيات قبله من تفضيل بعض عباد الله على بعض ومن ~~انطواء ضمائرهم على الخشية وعدمها ، وإقبال بعضهم على الطاعات وإعراض بعض ، ~~ومن تفضيل بعض كتب الله على بعض المقتضي أيضا تفضيل بعض المرسلين بها على ~~بعض ، فموقع قوله : { إن الله بعباده لخبير بصير } موقع إقناع السامعين بأن ~~الله عليم بعباده وهو يعاملهم بحسب ما يعلم منهم ، ويصطفي منهم من علم أنه ~~خلقه كفئا لاصطفائه ، فألقم بهذا الذين قالوا : { أأنزل عليه الذكر من ~~بيننا } ( ص : 8 ) حجرا ، وكأولئك أيضا الذين ينكرون القرآن من أهل ms6740 الكتاب ~~بعلة أنه جاء مبطلا لكتابهم . # والخبير : العالم بدقائق الأمور المعقولة والمحسوسة والظاهرة والخفية . # والبصير : العالم بالأمور المبصرة . وتقديم الخبير على البصير لأنه أشمل ~~. وذكر البصير عقبه للعناية بالأعمال التي هي من المبصرات وهي غالب شرائع ~~الإسلام ، وقد تكرر إرداف الخبير بالبصير في مواضع كثيرة من القرآن . # والتأكيد ب { إن } واللام للاهتمام بالمقصود من هذا الخبر . # { ثم } للترتيب الرتبي كما هو شأنها في عطفها الجمل فهي هنا لعطف الجمل ~~PageV22P310 عطفا ذكريا ، فالمتعاطفات بها بمنزلة المستأنفات ، فهذه الجملة ~~كالمستأنفة ، و { ثم } للترقي في الاستئناف . وهذا ارتقاء في التنويه ~~بالقرآن المتضمن التنويه بالرسول صلى الله عليه وسلم وعروج في مسرته ~~وتبشيره ، فبعد أن ذكر بفضيلة كتابه وهو أمر قد تقرر لديه زيد تبشيرا بدوام ~~كتابه وإيتائه أمة هم المصطفون من عباد الله تعالى ، وتبشيره بأنهم يعملون ~~به ولا يتركونه كما ترك أمم من قبله كتبهم ورسلهم ، لقوله : { فمنهم ظالم ~~لنفسه } الآية ، فهذه البشارة أهم عند النبي صلى الله عليه وسلم من الإخبار ~~بأن القرآن حق مصدق لما بين يديه ، لأن هذه البشارة لم تكن معلومة عنده ~~فوقعها أهم . # وحمل الزمخشري { ثم } هنا على التراخي الزمني فاحتاج إلى تكلف في إقامة ~~المعنى . # والمراد ب { الكتاب } الكتاب المعهود وهو الذي سبق ذكره في قوله : { ~~والذي أوحينا إليك من الكتاب } ( فاطر : 31 ) أي القرآن . # و { أورثنا } جعلنا وارثين . يقال : ورث ، إذا صار إليه مال ميت قريب . ~~ويستعمل بمعنى الكسب عن غير اكتساب ولا عوض ، فيكون معناه : جعلناهم آخذين ~~الكتاب منا ، أو نجعل الإيراث مستعملا في الأمر بالتلقي ، أي أمرنا ~~المسلمين بأن يرثوا القرآن ، أي يتلقوه من الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى ~~الاحتمالين ففي الإيراث معنى الإعطاء فيكون فعل { أورثنا } حقيقا بأن ينصب ~~مفعولين . وكان مقتضى الظاهر أن يكون أحد المفعولين الذي هو الآخذ في ~~المعنى هو المفعول الأول والآخر ثانيا ، وإنما خولف هنا فقدم المفعول ~~الثاني لأمنن اللبس قصدا للاهتمام بالكتاب المعطى . وأما التنويه بآخذي ~~الكتاب فقد حصل من الصلة . # والمراد بالذين اصطفاهم الله ms6741 : المؤمنون كما قال تعالى : { يا أيها الذين ~~آمنوا اركعوا واسجدوا إلى قوله : هو اجتباكم } ( الحج : 77 ، 78 ) . وقد ~~اختار الله للإيمان والإسلام أفضل أمة من الناس ، وقد رويت أحاديث كثيرة ~~تؤيد هذا المعنى في مسند أحمد بن حنبل وغيره ذكرها ابن كثير في ( تفسيره ) ~~. # ولما أريد تعميم البشارة مع بيان أنهم مراتب فيما بشروا به جيء بالتفريع ~~في قوله : { فمنهم ظالم لنفسه } إلى آخره ، فهو تفصيل لمراتب المصطفين ~~لتشمل البشارة PageV22P311 جميع أصنافهم ولا يظن أن الظالم لنفسه محروم ~~منها ، فمناط الاصطفاء هو الإيمان والإسلام وهو الانقياد بالقول والاستسلام ~~. # وقدم في التفصيل ذكر الظالم لنفسه لدفع توهم حرمانه من الجنة وتعجيلا ~~لمسرته . # والفاء في قوله : { فمنهم ظالم لنفسه } الخ تفصيل لأحوال الذين أورثوا ~~الكتاب أي أعطوا القرآن . وضمير ( منهم ) الأظهر أنه عائد إلى { الذين ~~اصطفينا } ، وذلك قول الحسن وعليه فالظالم لنفسه من المصطفين . وقيل هو ~~عائد إلى { عبادنا } أي ومن عبادنا علمه والإطلاق . وهو قول ابن عباس ~~وعكرمة وقتادة والضحاك ، وعليه فالظالم لنفسه هو الكافر . ويسري أثر هذا ~~الخلاف في محمل ضمير { جنات عدن يدخلونها } ( فاطر : 33 ) ولذلك يكون قول ~~الحسن جاريا على وفاق ما روي عن عمر وعثمان وابن مسعود وأبي الدرداء وعقبة ~~بن عمرو وما هو مروي عن عائشة وهو الراجح . # والظالمون لأنفسهم هم الذين يجرون أنفسهم إلى ارتكاب المعصية فإن معصية ~~المرء ربه ظلم لنفسه لأنه يورطها في العقوبة المعينة للمعاصي على تفصيلها ~~وذلك ظلم للنفس لأنه اعتداء عليها إذ قصر بها عن شيء من الخيرات قليل أو ~~كثير ، وورطها فيما تجد جزاء ذميما عليه . قال تعالى حكاية عن آدم وحواء ~~حين خالفا ما نهيا عنه من أكل الشجرة { قالا ربنا ظلمنا أنفسنا } ( الأعراف ~~: 23 ) وقال : { ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا ~~رحيما } ( النساء : 110 ) وقال : { إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني ~~غفور رحيم في سورة النمل ، وقال : قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا ~~تقنطوا من رحمة ms6742 الله إن الله يغفر الذنوب جميعا في سورة الزمر . # واللام في لنفسه } لام التقوية لأن العامل فرع في العمل إذ هو اسم فاعل . # والمقتصد : هو غير الظالم نفسه كما تقتضيه المقابلة ، فهم الذين اتقوا ~~الكبار ولم يحرموا أنفسهم من الخيرات المأمور بها وقد يلمون باللمم المعفو ~~عنه من الله ، ولم يأتوا بمنتهى القربات الرافعة للدرجات ، فالاقتصاد ~~افتعال من القصد وهو ارتكاب PageV22P312 القصد وهو الوسط بين طرفين يبينه ~~المقام ، فلما ذكر هنا في مقابلة الظالم والسابق علم أنه مرتكب حالة بين ~~تينك الحالتين فهو ليس بظالم لنفسه وليس بسابق . # والسابق أصله : الواصل إلى غاية معينة قبل غيره من الماشين إليها . وهو ~~هنا مجاز لإحراز الفضل لأن السابق يحرز السبق ( بفتح الباء ) ، أو مجاز في ~~بذل العناية لنوال رضى الله ، وعلى الاعتبارين في المجاز فهو مكنى عن ~~الإكثار من الخير لأن السبق يستلزم إسراع الخطوات ، والإسراع إكثار . وفي ~~هذا السبق تفاوت أيضا كخيل الحلبة . # والخيرات : جمع خير على غير قياس ، والخير : النافع . والمراد بها هنا ~~الطاعات لأنها أعمال صالحة نافعة لعاملها وللناس بآثارها . # والباء للظرفية ، أي في الخيرات كقوله : { يسارعون في الإثم والعدوان } ( ~~المائدة : 62 ) . # وفي ذكر الخيرات في القسم الآخر دلالة على أنها مرادة في القسمين الأولين ~~فيؤول إلى معنى ظالم لنفسه في الخيرات ومقتصد في الخيرات أيضا ، ولك أن ~~تجعل معنى { ظالم لنفسه } أنه ناقصها من الخيرات كقوله : { كلتا الجنتين ~~آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا أي لم تنقص عن معتادها في الإثمار في سورة ~~الكهف . # والإذن مستعمل في التيسير على سبيل المجاز ، والباء للسببية متعلقة بسابق ~~} ، وليس المراد به الأمر لأن الله أمر الناس كلهم بفعل الخير سواء منهم من ~~أتى به ومن قصر به . # ولك أن تجعل الباء للملابسة وتجعلها ظرفا مستقرا في موضع الحال من { سابق ~~} أي متلبسا بإذن الله ويكون الإذن مصدرا بمعنى المفعول ، أي سابق ملابس ~~لما أذن الله به ، أي لم يخالفه . # وعلى الوجه الأول هو تنويه بالسابقين بأن سبقهم كان بعون من الله ms6743 وتيسير ~~منه . # وفيما رأيت من تفسير هذه المراتب الثلاث في الآية المأخوذ من كلام الأيمة ~~، PageV22P313 مع ضميمة لا بد منها . تستغني عن التيه في مهامه أقوال كثيرة ~~في تفسيرها تجاوزت الأربعين قولا . # والإشارة في قوله : { ذلك هو الفضل الكبير } إلى الاصطفاء المفهوم من { ~~اصطفينا } أو إلى المذكور من الاصطفاء وإيراث الكتاب . # و { الفضل } : الزيادة في الخير ، و { الكبير } مراد به ذو العظم المعنوي ~~وهو الشرف وهو فضل الخروج من الكفر إلى الإيمان والإسلام . وهذا الفضل ~~مراتب في الشرف كما أشار إليه تقسيم أصحابه إلى : ظالم ، ومقتصد ، وسابق . ~~وضمير الفصل لتأكيد القصر الحاصل من تعريف الجزأين ، وهو حقيقي لأن الفضل ~~الكبير منحصر في المشار إليه بذلك لأن كل فضل هو غير كبير إلا ذلك الفضل . # ووجه هذا الانحصار أن هذا الاصطفاء وإيراث الكتاب جمع فضيلة الدنيا وفضل ~~الآخرة قال تعالى : { من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة ~~طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون } ( النحل : 97 ) ، وقال : { ~~وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف ~~الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم ~~أمنا } ( النور : 55 ) . # الأظهر أنه بدل اشتمال من قوله : { ذلك هو الفضل الكبير } ( فاطر : 32 ) ~~فإن مما يشتمل عليه الفضل دخولهم الجنة كما علمت وتخصيص هذا الفضل من بين ~~أصنافه لأنه أعظم الفضل لأنه أمارة على رضوان الله عنهم حين إدخالهم الجنة ~~، { ورضوان من الله أكبر } ( التوبة : 72 ) . # ويجوز أن يكون استئنافا بيانيا لبيان الفضل الكبير وقد بين بأعظم أصنافه ~~. والمعنى واحد . # وضمير الجماعة في { يدخلونها } راجع إلى { الذين اصطفينا } ( فاطر : 32 ) ~~المقسم إلى ثلاثة أقسام : ظالمم ، ومقتصد ، وسابقق ، أي هؤلاء كلهم يدخلون ~~الجنة لأن PageV22P314 المؤمنين كلهم مآلهم الجنة كما دلت عليه الأخبار ~~التي تكاثرت . وقد روى الترمذي بسند فيه مجهولان عن أبي سعيد الخدري ( أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال في هذه الآية : { ثم أورثنا الكتاب الذين ~~اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ms6744 ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات } ( ~~فاطر : 32 ) قال : ( هؤلاء كلهم بمنزلة واحدة وكلهم في الجنة ) . قال ~~الترمذي : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه . قال أبو بكر بن ~~العربي في ( العارضة ) : من الناس من قال : إن هذه الأصناف الثلاثة هم ~~الذين في سورة الواقعة ( 8 10 ) : { أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ~~والسابقون . وهذا فاسد لأن أصحاب المشأمة في النار الحامية ، وأصحاب سورة ~~فاطر في جنة عالية لأن الله ذكرهم بين فاتحة وخاتمة فأما الفاتحة فهي قوله ~~: ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا } ( فاطر : 32 ) فجعلهم مصطفين ~~. ثم قال في آخرهم { جنات عدن يدخلونها } ( فاطر : 33 ) ولا يصطفى إلا من ~~يدخل الجنة ، ولكن أهل الجنة ظالم لنفسه فقال : { فمنهم ظالم لنفسه } ( ~~فاطر : 32 ) وهو العاصي والظالم المطلق هو الكافر ، وقيل عنه : الظالم ~~لنفسه رفقا به ، وقيل للآخر : السابق بإذن الله إنباء أن ذلك بنعمة الله ~~وفضله لا من حال العبد ا ه . # وفي الإخبار بالمسند الفعلي عن المسند إليه إفادة تقوي الحكم وصوغ الفعل ~~بصيغة المضارع لأنه مستقبل ، وكذلك صوغ { يحلون } وهو خبر ثانن عن { جنات ~~عدن } . وتقدم نظيرها في سورة الحج فانظره . # وقرأ نافع وعاصم وأبو جعفر { ولؤلؤا } بالنصب عطفا على محل { أساور } ~~لأنه لما جر بحرف الجر الزائد كان في موضع نصب على المفعول الثاني لفعل { ~~يحلون } فجاز في المعطوف أن ينصب على مراعاة محل المعطوف عليه . وقرأه ~~الباقون بالجر على مراعاة اللفظ ، وهما وجهان . # ( 34 ، 35 ) # الأظهر أن جملة { وقالوا } في موضع الحال من ضمير { يحلون } ( فاطر : 33 ~~) لئلا يلزم تأويل PageV22P315 الماضي بتحقيق الوقوع مع أنه لم يقصد في ~~قوله : { يدخلونها } ( فاطر : 33 ) . وتلك المقالة مقارنة للتحلية واللباس ~~، وهو كلام يجري بينهم ساعتئذ لإنشاء الثناء على الله على ما خولهم من دخول ~~الجنة ، ولما فيه من الكرامة . # وإذهاب الحزن مجاز في الإنجاء منه فتصدق بإزالته بعد حصوله ويصدق بعدم ~~حصوله . # و { الحزن } الأسف . والمراد : أنهم لما أعطوا ما أعطوه زال عنهم ما ~~كانوا فيه قبل من ms6745 هول الموقف ومن خشية العقاب بالنسبة للسابقين والمقتصدين ~~ومما كانوا فيه من عقاب بالنسبة لظالمي أنفسهم . # وجملة { إن ربنا لغفور شكور } استئناف ثناء على الله شكروا به نعمة ~~السلامة أثنوا عليه بالمغفرة لما تجاوز عما اقترفوه من اللمم وحديثث الأنفس ~~ونحو ذلك مما تجاوز الله عنه بالنسبة للمقتصدين والسابقين ، ولما تجاوز عنه ~~من تطويل العذاب وقبول الشفاعة بالنسبة لمختلف أحوال الظالمين أنفسهم ~~وأثنوا على الله بأنه شكور لما رأوا من إفاضته الخيرات عليهم ومضاعفة ~~الحسنات مما هو أكثر من صالحات أعمالهم . وهذا على نحو ما تقدم في قوله : { ~~ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور } ( فاطر : 30 ) . # و { المقامة } مصدر ميمي من أقام بالمكان إذا قطنه . والمراد : دار ~~الخلود . وانتصب { دار المقامة } على المفعول الثاني ل { أحلنا } أي أسكننا ~~. # و { من } في قوله : { من فضله } ابتدائية في موضع الحال من { دار المقامة ~~} . # والفضل : العطاء ، وهو أخو التفضل في أنه عطاء منة وكرم . # ومن فضل الله أن جعل لهم الجنة جزاء على الأعمال الصالحة لأنه لو شاء لما ~~جعل للصالحات عطاء ولكان جزاؤها مجرد السلامة من العقاب ، وكان أمر من لم ~~يستحق الخلود في النار كفافا ، أي لا عقاب ولا ثواب فيبقى كالسوائم ، وإنما ~~أرادوا من هذا تمام الشكر والمبالغة في التأدب . # وجملة { لا يمسنا فيها نصب } حال ثانية . PageV22P316 # والمس : الإصابة في ابتداء أمرها ، والنصب : التعب من نحو شدة حر وشدة ~~برد . واللغوب : الإعياء من جراء عمل أو جري . # وإعادة الفعل المنفي في قوله : { ولا يمسنا فيها لغوب } لتأكيد انتفاء ~~المس . # مقابلة الأقسام الثلاثة للذين أورثوا الكتاب بذكر الكافرين يزيدنا يقينا ~~بأن تلك الأقسام أقسام المؤمنين ، ومقابلة جزاء الكافرين بنار جهنم يوضح أن ~~الجنة دار للأقسام الثلاثة على تفاوت في الزمان والمكان . # وفي قوله تعالى في الكفار : { ولا يخفف عنهم من عذابها } إيماء إلى أن ~~نار عقاب المؤمنين خفيفة عن نار المشركين . # فجملة { والذين كفروا } معطوفة على جملة { جنات عدن يدخلونها } ( فاطر : ~~33 ) . # ووقع الإخبار عن نار جهنم بأنها { لهم ms6746 } بلام الاستحقاق للدلالة على أنها ~~أعدت لجزاء أعمالهم كقوله تعالى : { فاتقوا النار التي وقودها الناس ~~والحجارة أعدت للكافرين في سورة البقرة وقوله : واتقوا النار التي أعدت ~~للكافرين في سورة آل عمران ، فنار عقاب عصاة المؤمنين نار مخالفة أو أنها ~~أعدت للكافرين . # وإنما دخل فيها من أدخل من المؤمنين الذين ظلموا أنفسهم لاقترافهم ~~الأعمال السيئة التي شأنها أن تكون للكافرين . # وقدم المجرور في لهم نار جهنم } على المسند إليه للتشويق إلى ذكر المسند ~~إليه حتى إذا سمعه السامعون تمكن من نفوسهم تمام التمكن . # وجملة { لا يقضى عليهم } بدل اشتمال من جملة { لهم نار جهنم } ، والقضاء ~~: حقيقته الحكم ، ومنه قضاء الله حكمه وما أوجده في مخلوقاته . وقد يستعمل ~~بمعنى أماته كقوله تعالى : { فوكزه موسى فقضى عليه } ( القصص : 15 ) . وهو ~~هنا محتمل PageV22P317 للحقيقة ، أي لا يقدر الله موتهم ، فقوله : { ~~فيموتوا } مسبب على القضاء . والمعنى : لا يقضى عليهم بالموت فيموتوا ، ~~ومحتمل للمجاز وهو الموت . وتفريع { فيموتوا } على هذا الوجه أنهم لا ~~يموتون إلا الإماتة التي يتسبب عليها الموت الحقيقي الذي يزول عنده الإحساس ~~، فيفيد أنهم يماتون موتا ليس فيه من الموت إلا آلامه دون راحته ، قال ~~تعالى : { ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون } ( الزخرف : 77 ~~) وقال تعالى : { كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب } ( ~~النساء : 56 ) . # وضمير { عذابها } عائد إلى جهنم ليشمل ما ورد من أن المعذبين يعذبون ~~بالنار ويعذبون بالزمهرير وهو شدة البرد وكل ذلك من عذاب جهنم . # ووقع { كذلك } موقع المفعول المطلق لقوله : { نجزي } أي نجزيهم جزاء كذلك ~~الجزاء ، وتقدم عند قوله تعالى : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا في سورة البقرة ~~. # وجملة كذلك نجزي كل كفور } تذييل . والكفور : الشديد الكفر ، وهو المشرك ~~. # وقرأ الجمهور { نجزي } بنون العظمة ونصب { كل } . وقرأه أبو عمرو وحده { ~~يجزى } بياء الغائب والبناء للنائب ورفع { كل } . # . # الضمير إلى { الذين كفروا } ( فاطر : 36 ) والجملة عطف على جملة { لهم ~~نار جهنم } ( فاطر : 36 ) ولا تجعل حالا لأن التذييل آذن بانتهاء الكلام ~~وباستقبال كلام جديد . # و { يصطرخون } مبالغة ms6747 في ( يصرخون ) لأنه افتعال من الصراخ وهو الصياح ~~بشدة وجهد ، فالاصطراخ مبالغة فيه ، أي يصيحون من شدة ما نابهم . # وجملة { ربنا أخرجنا } بيان لجملة { يصطرخون } ، يحسبون أن رفع الأصوات ~~أقرب إلى علم الله بندائهم ولإظهار عدم إطاقة ما هم فيه . PageV22P318 # وقولهم : { نعمل صالحا } وعد بالتدارك لما فاتهم من الأعمال الصالحة ~~ولكنها إنابة بعد إبانها . # ولإرادة الوعد جزم { نعمل صالحا } في جواب الدعاء . والتقدير : إن تخرجنا ~~نعمل صالحا . # و { غير الذي كنا نعمل } نعت ل { صالحا } ، أي عملا مغايرا لما كنا نعمله ~~في الدنيا وهذا ندامة على ما كانوا يعملونه لأنهم أيقنوا بفساد عملهم وضره ~~فإن ذلك العالم عالم الحقائق . # . # الواو عاطفة فعل قول محذوفا لعلمه من السياق بحسب الضمير في { نعمركم } ~~معطوفا على جملة { وهم يصطرخون فيها } فإن صراخهم كلام منهم ، والتقدير : ~~يقولون ربنا أخرجنا ونقول ألم نعمركم . # والاستفهام تقريع للتوبيخ ، وجعل التقرير على النفي توطئة لينكره المقرر ~~حتى إذا قال : بلى علم أنه لم يسعه الإنكار حتى مع تمهيد وطاء الإنكار إليه ~~. # والتعمير : تطويل العمر . وقد تقدم غير مرة ، منها عند قوله تعالى : { ~~يود أحدهم لو يعمر ألف سنة في سورة البقرة ، وقوله : وما يعمر من معمر في ~~هذه السورة . # وما } ظرفية مصدرية ، أي زمان تعمير معمر . # وجملة { يتذكر فيه من تذكر } صفة ل { ما } ، أي زمانا كافيا بامتداده ~~للتذكر والتبصير . # و { النذير } الرسول محمد صلى الله عليه وسلم # وجملة { وجاءكم النذير } عطف على جملة ( ألم نعمركم ) لأن معناها الخبر ~~PageV22P319 فعطف عليها الخبر ، على أن عطف الخبر على الإنشاء جائز على ~~التحقيق وهو هنا حسن . # ووصف الرسول بالنذير لأن الأهم من شأنه بالنسبة إليهم هو النذارة . # والفاء في { فذوقوا } للتفريع . وحذف مفعول ( ذوقوا ) لدلالة المقام عليه ~~، أي ذوقوا العذاب . # والأمر في قوله { فذوقوا } مستعمل في معنى الدوام وهو كناية عن عدم ~~الخلاص من العذاب . # وقوله : { فما للظالمين من نصير } تفريع على ما سبق من الحكاية . فيجوز ~~أن يكون من جملة الكلام الذي وبخهم الله به فهو تذييل له وتفريع ms6748 عليه ~~لتأييسهم من الخلاص يعني : فأين الذين زعمتم أنهم أولياؤكم ونصراؤكم فما ~~لكم من نصير . # وعدل عن ضمير الخطاب أن يقال : فما لكم من نصير ، إلى الاسم الظاهر بوصف ~~( الظالمين ) لإفادة سبب انتفاء النصير عنهم ؛ ففي الكلام إيجاز ، أي لأنكم ~~ظالمون وما للظالمين من نصير ، فالمقصود ابتداء نفي النصير عنهم ويتبعه ~~التعميم بنفي النصير عن كل من كان مثلهم من المشركين . # ويجوز أن يكون كلاما مستقلا مفرعا على القصة ذيلت به للسامعين من قوله : ~~{ والذين كفروا لهم نار جهنم } ( فاطر : 36 ) ، فليس فيه عدول عن الإضمار ~~إلى الإظهار لأن المقصود إفادة شمول هذا الحكم لكل ظالم فيدخل الذين كفروا ~~المتحدث عنهم في العموم . # والظلم : هو الاعتداء على حق صاحب حق ، وأعظمه الشرك لأنه اعتداء على ~~الله بإنكار صفته النفيسة وهي الوحدانية ، واعتداء المشرك على نفسه إذ ~~أقحمها في العذاب قال تعالى : { إن الشرك لظلم عظيم } ( لقمان : 13 ) . # وتعميم ( الظالمين ) وتعميم ( النصير ) يقتضي أن نصر الظالم تجاوز للحق ، ~~لأن الحق أن لا يكون للظالم نصير ، إذ واجب الحكمة والحق أن يأخذ المقتدر ~~على يد كل ظالم لأن الأمة مكلفة بدفع الفساد عن جماعتها . PageV22P320 # وفي هذا إبطال لخلق أهل الجاهلية القائلين في أمثالهم ( انصر أخاك ظالما ~~أو مظلوما ) . وقد ألقى النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه إبطال ذلك ~~فساق لهم هذا المثل حتى سألوا عنه ثم أصلح معناه مع بقاء لفظه فقال : ( إذا ~~كان ظالما تنصره على نفسه فتكفه عن ظلمه ) . # ( 38 ، 39 ) # جملة { إن الله عالم غيب السماوات والأرض } استئناف واصل بين جملة { إن ~~الله بعباده لخبير بصير } ( فاطر : 31 ) وبين جملة { قل أرأيتم شركاءكم ~~الذين تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض } ( فاطر : 40 ) الآية ~~، فتسلسلت معانيه فعاد إلى فذلكة الغرض السالف المنتقل عنه من قوله : { وإن ~~يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم إلى قوله : إن الله بعباده لخبير بصير } ( ~~فاطر : 25 31 ) ، فكانت جملة { إن الله عالم غيب السماوات والأرض } ~~كالتذييل لجملة { إن الله بعباده لخبير ms6749 بصير } . # وفي هذا إيماء إلى أن الله يجازي كل ذي نية على حسب ما أضمره ليزداد ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقينا بأن الله غير عالم بما يكنه المشركون . # وجملة { إنه عليم بذات الصدور } مستأنفة هي كالنتيجة لجملة { إن الله ~~عالم غيب السماوات والأرض } لأن ما في الصدور من الأمور المغيبة فيلزم من ~~علم الله بغيب السموات والأرض علمه بما في صدور الناس . # و ( ذات الصدور ) ضمائر الناس ونياتهم ، وتقدم عند قوله تعالى : { إنه ~~عليم بذات الصدور في سورة الأنفال . # وجيء في الإخبار بعلم الله بالغيب بصيغة اسم الفاعل ، وفي الإخبار بعلمه ~~بذات الصدور بصيغة المبالغة لأن المقصود من إخبار المخاطبين تنبيههم على ~~أنه PageV22P321 كناية عن انتفاء أن يفوت علمه تعالى شيء . وذلك كناية عن ~~الجزاء عليه فهي كناية رمزية . # وجملة هو الذي جعلكم خلائف في الأرض } معترضة بين جملة { إن الله عالم ~~غيب السماوات والأرض } الآية وبين جملة { فمن كفر فعليه كفره } . # والخلائف : جمع خليفة ، وهو الذي يخلف غيره في أمر كان لذلك الغير ، كما ~~تقدم عند قوله تعالى : { إني جاعل في الأرض خليفة في سورة البقرة ، فيجوز ~~أن يكون بعد أمم مضت كما في قوله : ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم في ~~سورة يونس فيكون هذا بيانا لقوله : إن الله عالم غيب السماوات والأرض } أي ~~هو الذي أوجدكم في الأرض فكيف لا يعلم ما غاب في قلوبكم كما قال تعالى : { ~~ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير } ( الملك : 14 ) ويكون ما صدف ضمير ~~جماعة المخاطبين شاملا للمؤمنين وغيرهم من الناس . # ويجوز أن يكون المعنى : هو الذي جعلكم متصرفين في الأرض ، كقوله تعالى : ~~{ ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون } ( الأعراف : 129 ) ، فيكون الكلام ~~بشارة للنبيء صلى الله عليه وسلم بأن الله قدر أن يكون المسلمون أهل سلطان ~~في الأرض بعد أمم تداولت سيادة العالم ويظهر بذلك دين الإسلام على الدين ~~كله . # والجملة الاسمية مفيدة تقوي الحكم الذي هو جعل الله المخاطبين خلائف في ~~الأرض . # وقد تفرع على قوله ms6750 : { عليم بذات الصدور } قوله : { فمن كفر فعليه كفره } ~~وهو شرط مستعمل كناية عن عدم الاهتمام بأمر دوامهم على الكفر . # وجملة { ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا } بيان لجملة { فمن ~~كفر فعليه كفره } وكان مقتضى ظاهر هذا المعنى أن لا تعطف عليها لأن البيان ~~لا يعطف على المبين ، وإنما خولف ذلك للدلالة على الاهتمام بهذا البيان ~~فجعل مستقلا بالقصد إلى الإخبار به فعطفت على الجملة المبينة بمضمونها ~~تنبيها على ذلك الاستقلال ، وهذا مقصد يفوت لو ترك العطف ، أما ما تفيده من ~~البيان فهو أمر لا يفوت لأنه تقتضيه نسبة معنى الجملة الثانية من معنى ~~الجملة الأولى . PageV22P322 # والمقت : البغض مع خزي وصغار ، وتقدم عند قوله تعالى : { إنه كان فاحشة ~~ومقتا وساء سبيلا في سورة النساء ، أي يزيدهم مقت الله إياهم ، ومقت الله ~~مجاز عن لازمه وهو إمساك لطفه عنهم وجزاؤهم بأشد العقاب . # وتركيب جملة ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا } تركيب عجيب لأن ~~ظاهره يقتضي أن الكافرين كانوا قبل الكفر ممقوتين عند الله فلما كفروا ~~زادهم كفرهم مقتا عنده ، في حال أن الكفر هو سبب مقت الله إياهم ، ولو لم ~~يكفروا لما مقتهم الله . فتأويل الآية : أنهم لما وصفوا بالكفر ابتداء ثم ~~أخبر بأن كفرهم يزيدهم مقتا علم أن المراد بكفرهم الثاني الدوام على الكفر ~~يوما بعد يوم ، وقد كان المشركون يتكبرون على المسلمين ويشاقونهم ويؤيسونهم ~~من الطماعية في أن يقبلوا الإسلام بأنهم أعظم من أن يتبعوهم وأنهم لا ~~يفارقون دين آبائهم ، ويحسبون ذلك مقتا منهم للمسلمين فجازاهم الله بزيادة ~~المقت على استمرار الكفر ، قال تعالى : { إن الذين كفروا ينادون لمقت الله ~~أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون } ( غافر : 10 ) ، يعني ~~: ينادون في المحشر ، وكذلك القول في معنى قوله : { ولا يزيد الكافرين ~~كفرهم إلا خسارا } . # والخسار : مصدر خسر مثل الخسارة ، وهو : نقصان التجارة . واستعير لخيبة ~~العمل ؛ شبه عملهم في الكفر بعمل التاجر والخاسر ، أي الذي بارت سلعته فباع ~~بأقل مما اشتراها به فأصابه الخسار فكلما ms6751 زاد بيعا زادت خسارته حتى تفضي به ~~إلى الإفلاس ، وقد تقدم ذلك في آيات كثيرة منها ما في سورة البقرة . # لم يزل الكلام موجها لخطاب النبي صلى الله عليه وسلم # ولما جرى ذكر المشركين وتعنتهم وحسبان أنهم مقتوا المسلمين عاد إلى ~~الاحتجاج عليهم في بطلان إلهية آلهتهم بحجة أنها لا يوجد في الأرض شيء يدعي ~~PageV22P323 أنها خلقته ، ولا في السماوات شيء لها فيه شرك مع الله فأمر ~~الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يحاجهم ويوجه الخطاب إليهم بانتفاء صفة ~~الإلهية عن أصنامهم ، وذلك بعد أن نفى استحقاقها لعبادتهم بأنها لا ترزقهم ~~كما في أول السورة ، وبعد أن أثبت الله التصرف في مظاهر الأحداث الجوية ~~والأرضية واختلاف أحوالها من قوله : { والله الذي أرسل الرياح } ( فاطر : 9 ~~) ، وذكرهم بخلقهم وخلق أصلهم وقال عقب ذلك { ذلكم الله ربكم له الملك } ( ~~فاطر : 13 ) الآية عاد إلى بطلان إلهية الأصنام . # وبنيت الحجة على مقدمة مشاهدة انتفاء خصائص الإلهية عن الأصنام ، وهي ~~خصوصية خلق الموجودات وانتفاء الحجة النقلية بطريقة الاستفهام التقريري في ~~قوله : { أرأيتم شركاءكم } يعني : إن كنتم رأيتموهم فلا سبيل لكم إلا ~~الإقرار بأنهم لم يخلقوا شيئا . # والمستفهم عن رؤيته في مثل هذا التركيب في الاستعمال هو أحوال المرئي ~~وإناطة البصر بها ، أي أن أمر المستفهم عنه واضح باد لكل من يراه كقوله : { ~~أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم } ( الماعون : 1 ، 2 ) وقوله ~~: { أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتني إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته } ~~( الإسراء : 62 ) الخ . . والأكثر أن يكون ذلك توطئة لكلام يأتي بعده يكون ~~هو كالدليل عليه أو الإيضاح له أو نحو ذلك ، فيؤول معناه بما يتصل به من ~~كلام بعده ، ففي قوله هنا : { أرأيتم شركاءكم } تمهيد لأن يطلب منهم ~~الإخبار عن شيء خلقه شركاؤهم فصار المراد من { أرأيتم شركاءكم } انظروا ما ~~تخبرونني به من أحوال خلقهم شيئا من الأرض ، فحصل في قوله : { أرأيتم ~~شركاءكم } إجمال فصله قوله : { أروني ماذا خلقوا من الأرض } فتكون جملة { ~~أروني ماذا خلقوا } بدلا ms6752 من جملة { أرأيتم شركاءكم } بدل اشتمال أو بدل ~~مفصل من مجمل . # والمراد بالشركاء من زعموهم شركاء الله في الإلهية فلذلك أضيف الشركاء ~~إلى ضمير المخاطبين ، أي الشركاء عندكم ، لظهور أن ليس المراد أن الأصنام ~~شركاء مع المخاطبين بشيء فتمحضت الإضافة لمعنى مدعيكم شركاء لله . # والموصول والصلة في قوله : { الذين تدعون من دون الله } للتنبيه على ~~الخطإ في تلك الدعوة كقول عبدة بن الطبيب : PageV22P324 # إن الذين ترونهم إخوانكم # يشفي غليل صدورهم أن تصرعوا # وقرينة التخطئة تعقيبه بقوله : { أروني ماذا خلقوا من الأرض } ، فإنه أمر ~~للتعجيز إذ لا يستطيعون أن يروه شيئا خلقته الأصنام ، فيكون الأمر التعجيزي ~~في قوة نفي أن خلقوا شيئا ما ، كما كان الخبر في بيت عبدة الوارد بعد الصلة ~~قرينة على كون الصلة للتنبيه على خطأ المخاطبين . # وفعل الرؤية قلبي بمعنى الإعلام والإنباء ، أي أنبئوني شيئا مخلوقا للذين ~~تدعون من دون الله في الأرض . # و { ماذا } كلمة مركبة من ( ما ) الاستفهامية و ( ذا ) التي بمعنى الذي ~~حين تقع بعد اسم استفهام ، وفعل الإراءة معلق عن العمل في المفعول الثاني ~~والثالث بالاستفهام . والتقدير : أروني شيئا خلقوه مما على الأرض . # و { من } ابتدائية ، أي شيئا ناشئا من الأرض ، أو تبعيضية على أن المراد ~~بالأرض ما عليها كإطلاق القرية على سكانها في قوله : { واسأل القرية } ( ~~يوسف : 82 ) . # و { أم } منقطعة للإضراب الانتقالي ، وهي تؤذن باستفهام بعدها . والمعنى ~~: بل ألهم شرك في السماوات . # والشرك بكسر الشين : اسم للنصيب المشترك به في ملك شيء . # والمعنى : ألهم شرك مع الله في ملك السموات وتصريف أحوالها كسير الكواكب ~~وتعاقب الليل والنهار وتسخير الرياح وإنزال المطر . # ولما كان مقر الأصنام في الأرض كان من الراجح أن تتخيل لهم الأوهام تصرفا ~~كاملا في الأرض فكأنهم آلهة أرضية ، وقد كانت مزاعم العرب واعتقاداتهم ~~أفانين شتى مختلطة من اعتقاد الصابئة ومن اعتقاد الفرس واعتقاد الروم ~~فكانوا أشباها لهم فلذلك قيل لأشباههم في الإشراك { أروني ماذا خلقوا من ~~الأرض } ، أي فكان تصرفهم في ذلك تصرف الخالقية ، فأما السماوات فقلما يخطر ms6753 ~~ببال المشركين أن للأصنام تصرفا في شؤونها ، ولعلهم لم يدعوا ذلك ولكن جاء ~~قوله : { أم لهم شرك في السماوات } مجيء تكملة الدليل على الفرض والاحتمال ~~، كما يقال في آداب البحث ( فإن قلت ) . وقد كانوا ينسبون للأصنام بنوة لله ~~تعالى قال تعالى : PageV22P325 { أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة ~~الأخرى ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذن قسمة ضيزى إن هي إلا أسماء سميتموها ~~أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان } ( النجم : 19 23 ) . # فمن أجل ذلك جيء في جانب الاستدلال على انتفاء تأثير الأصنام في العوالم ~~السماوية بإبطال أن يكون لها شرك في السماوات لأنهم لا يدعون لها في ~~مزاعمهم أكثر من ذلك . # ولما قضي حق البرهان العقلي على انتفاء إلهية الذين يدعون من دون الله ~~انتقل إلى انتفاء الحجة السمعية من الله تعالى المثبتة آلهة دونه لأن الله ~~أعلم بشركائه وأنداده لو كانوا ، فقال تعالى : { أم آتيناهم كتابا فهم على ~~بينات منه } المعنى : بل آتيناهم كتابا فهم يتمكنون من حجة فيه تصرح بإلهية ~~هذه الآلهة المزعومة . # وقرأ نافع وابن عامر والكسائي وأبو بكر عن عاصم { على بينات } بصيغة ~~الجمع . وقرأه ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وحفص عن عاصم ويعقوب { على بينة } ~~بصيغة الإفراد . فأما قراءة الجمع فوجهها أن شأن الكتاب أن يشتمل على أحكام ~~عديدة ومواعظ مكررة ليتقرر المراد من إيتاء الكتب من الدلالة القاطعة بحيث ~~لا تحتمل تأويلا ولا مبالغة ولا نحوها على حد قول علماء الأصول في دلالة ~~الأخبار المتواترة دلالة قطعية ، وأما قراءة الإفراد فالمراد منها جنس ~~البينة الصادق بأفراد كثيرة . # ووصف البينات أو البينة ب { منه } للدلالة على أن المراد كون الكتاب ~~المفروض إيتاؤه إياهم مشتملا على حجة لهم تثبت إلاهية الأصنام . وليس مطلق ~~كتاب يؤتونه أمارة من الله على أنه راضض منهم بما هم عليه كدلالة المعجزات ~~على صدق الرسول ، وليست الخوارق ناطقة بأنه صادق فأريد : أآتيناهم كتابا ~~ناطقا مثل ما آتينا المسلمين القرآن . # ثم كر على ذلك كله الإبطال بواسطة { بل } ، بأن ذلك كله منتف ms6754 وأنهم لا ~~باعث لهم على مزاعمهم الباطلة إلا وعد بعضهم بعضا مواعيد كاذبة يغر بعضهم ~~بها بعضا . # والمراد بالذين يعدونهم رؤساء المشركين وقادتهم بالموعودين عامتهم ~~ودهماؤهم ، PageV22P326 أو أريد أن كلا الفريقين واعد وموعود في الرؤساء ~~وأيمة الكفر يعدون العامة نفع الأصنام وشفاعتها وتقريبها إلى الله ونصرها ~~غرورا بالعامة والعامة تعد رؤساءها التصميم على الشرك قال تعالى حكاية عنهم ~~: { إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها } ( الفرقان : 42 ) . # و { إن } نافية ، والاستثناء مفرع عن جنس الوعد محذوفا . # وانتصب { غرورا } على أنه صفة للمستثنى المحذوف . والتقدير : إن يعد ~~الظالمون بعضهم بعضا وعدا إلا وعدا غرورا . # والغرور تقدم معناه عند قوله تعالى : { لا يغرنك تقلب الذين كفروا في ~~البلاد في آل عمران . # } # انتقال من نفي أن يكون لشركائهم خلق أو شركة تصرف في الكائنات التي في ~~السماء والأرض إلى إثبات أنه تعالى هو القيوم على السماوات والأرض لتبقيا ~~موجودتين فهو الحافظ بقدرته نظام بقائهما . وهذا الإمساك هو الذي يعبر عنه ~~في علم الهيئة بنظام الجاذبية بحيث لا يعتريه خلل . # وعبر عن ذلك الحفظ بالإمساك على طريقة التمثيل . # وحقيقة الإمساك : القبض باليد على الشيء بحيث لا ينفلت ولا يتفرق ، فمثل ~~حال حفظ نظام السماوات والأرض بحال استقرار الشيء الذي يمسكه الممسك بيده ، ~~ولما كان في الإمساك معنى المنع عدي إلى الزوال ب { من } ، وحذفت كما هو ~~شأن حروف الجر مع { أن } و { أن } في الغالب ، وأكد هذا الخبر بحرف التوكيد ~~لتحقيق معناه وأنه لا تسامح فيه ولا مبالغة ، وتقدم عند قوله تعالى : { ~~ويمسك السماء في سورة الحج . ثم أشير إلى أن شأن الممكنات المصير إلى ~~الزوال والتحول ولو بعد أدهار فعطف عليه قوله : ولئن زالتا إن أمسكهما من ~~أحد من PageV22P327 بعده } ، فالزوال المفروض أيضا مراد به اختلال نظامهما ~~الذي يؤدي إلى تطاحنهما . # والزوال يطلق على العدم ، ويطلق على التحول من مكان إلى مكان ، ومنه زوال ~~الشمس عن كبد السماء ، وتقدم آخر سورة إبراهيم . # وقد اختير هذا الفعل دون غيره لأن المقصود معناه ms6755 المشترك فإن الله ~~يمسكهما من أن يعدما ، ويمسكهما من أن يتحول نظام حركتهما ، كما قال تعالى ~~: { لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار } ( يس : 40 ) ~~. فالله مريد استمرار انتظام حركة الكواكب والأرض على هذا النظام المشاهد ~~المسمى بالنظام الشمسي وكذلك نظام الكواكب الأخرى الخارجة عنه إلى فلك ~~الثوابت ، أي إذا أراد الله انقراض تلك العوالم أو بعضها قيض فيها طوارىء ~~الخلل والفساد والخرق بعد الالتئام والفتق بعد الرتق ، فتفككت وانتشرت إلى ~~ما لا يعلم مصيره إلا الله تعالى وحينئذ لا يستطيع غيره مدافعة ذلك ولا ~~إرجاعها إلى نظامها السابق فربما اضمحلت أو اضمحل بعضها ، وربما أخذت مسالك ~~جديدة من البقاء . # وفي هذا إيقاظ للبصائر لتعلم ذلك علما إجماليا وتتدبر في انتساق هذا ~~النظام البديع . # فاللام موطئة للقسم . والشرط وجوابه مقسم عليه ، أي محقق تعليق الجواب ~~بالشرط ووقوعه عنده ، وجواب الشرط هو الجملة المنفية ب { إن } النافية وهي ~~أيضا سادة مسد جواب القسم . # وإذ قد تحقق بالجملة السابقة أن الله ممسكهما عن الزوال علم أن زوالهما ~~المفروض لا يكون إلا بإرادة الله تعالى زوالهما وإلا لبطل أنه ممسكهما من ~~الزوال . # وأسند فعل { زالتا } إلى { السماوات والأرض } على تأويل السماوات بسماء ~~واحدة . وأسند الزوال إليهما للعلم بأن الله هو الذي يزيلهما لقوله : { إن ~~الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا } . # وجيء في نفي إمساك أحد بحرف { من } المؤكدة للنفي تنصيصا على عموم ~~PageV22P328 النكرة في سياق النفي ، أي لا يستطيع أحد كائنا من كان ~~إمساكهما وإرجاعهما . # و ( من بعد ) صفة { أحد } و { من } ابتدائية ، أي أحد ناشىء أو كائن من ~~زمان بعده ، لأن حقيقة ( بعد ) تأخر زمان أحد عن زمن غيره المضافف إليه ( ~~بعد ) وهو هنا مجاز عن المغايرة بطريق المجاز المرسل لأن بعدية الزمان ~~المضاف تقتضي مغايرة صاحب تلك البعدية ، كقوله تعالى : { فمن يهديه من بعد ~~الله } ( الجاثية : 23 ) ، أي غير الله فالضمير المضاف إليه ( بعد ) عائد ~~إلى الله تعالى . # وهذا نظير استعمال ( وراء ) بمعنى ( دون ) أو بمعنى ( غير ms6756 ) أيضا في قول ~~النابغة : # وليس وراء الله للمرء مذهب # وفي ذكر إمساك السماوات عن الزوال بعد الإطناب في محاجة المشركين وتفظيع ~~غرورهم تعريض بأن ما يدعون إليه من الفظاعة من شأنه أن يزلزل الأرضين ويسقط ~~السماء كسفا لولا أن الله أراد بقاءهما لحكمة ، كما في قوله تعالى : { لقد ~~جئتم شيئا إدا يكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا } ( ~~مريم : 89 ، 90 ) . وهذه دلالة من مستتبعات التراكيب باعتبار مثار مقامات ~~التكلم بها ، وهو أيضا تعريض بالتهديد . # ولذلك أتبع بالتذييل بوصف الله تعالى بالحلم والمغفرة لما يشمله صفة ~~الحليم من حلمه على المؤمنين أن لا يزعجهم بفجائع عظيمة ، وعلى المشركين ~~بتأخير مؤاخذتهم فإن التأخير من أثر الحلم ، وما تقتضيه صفة الغفور من أن ~~في الإمهال إعذارا للظالمين لعلهم يرجعون كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~( لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده ) لما رأى ملك الجبال فقال له : ( ~~إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين ) . # وفعل { كان } المخبر به عن ضمير الجلالة مفيد لتقرر الاتصاف بالصفتين ~~الحسنيين . PageV22P329 # ( 42 ، 43 ) # . # هذا شيء حكاه القرآن عن المشركين فهو حكاية قول صدر عنهم لا محالة ، ولم ~~يرو خبر عن السلف يعين صدور مقالتهم هذه ، ولا قائلها سوى كلام أثر عن ~~الضحاك هو أشبه بتفسير الضمير من { أقسموا } ، وتفسير المراد { من إحدى ~~الأمم } ولم يقل إنه سبب نزول . # وقال كثير من المفسرين : إن هذه المقالة صدرت عنهم قبل بعثة النبي صلى ~~الله عليه وسلم لما بلغهم أن اليهود والنصارى كذبوا الرسل . والذي يلوح لي ~~: أن هذه المقالة صدرت عنهم في مجاري المحاورة أو المفاخرة بينهم وبين بعض ~~أهل الكتاب ممن يقدم عليهم بمكة ، أو يقدمون هم عليهم في أسفارهم إلى يثرب ~~أو إلى بلاد الشام ، فربما كان أهل تلك البلدان يدعون المشركين إلى اتباع ~~اليهودية أو النصرانية ويصغرون الشرك في نفوسهم ، فكان المشركون لا يجرأون ~~على تكذيبهم لأنهم كانوا مرموقين عندهم بعين الوقار إذ كانوا يفضلونهم ~~بمعرفة الديانة وبأنهم ليسوا أميين وهم يأبون ms6757 أن يتركوا دين الشرك فكانوا ~~يعتذرون بأن رسول القوم الذين يدعونهم إلى دينهم لم يكن مرسلا إلى العرب ~~ولو جاءنا رسول لكنا أهدى منكم ، كما قال تعالى : { أو تقولوا لو أنا أنزل ~~علينا الكتاب لكنا أهدى منهم } ( الأنعام : 157 ) . والأظهر أن يكون ~~الداعون لهم هم النصارى لأن الدعاء إلى النصرانية من شعار أصحاب عيسى عليه ~~السلام فإنهم يقولون : إن عيسى أوصاهم أن يرشدوا بني الإنسان إلى الحق ~~وكانت الدعوة إلى النصرانية فأشبه في بلاد العرب أيام الجاهلية وتنصرت ~~قبائل كثيرة مثل تغلب ، ولخم ، وكلب ، ونجران ، فكانت هذه الدعوة إن صح ~~إيصاء عيسى عليه السلام بها دعوة إرشاد إلى التوحيد لا دعوة تشريع ، فإذا ~~ثبتت هذه الوصية فما أراها إلا توطئة لدين يجيء تعم دعوته سائر البشر ، ~~فكانت وصيته وسطا بين أحوال الرسل الماضين إذ كانت دعوتهم خاصة وبين حالة ~~الرسالة المحمدية العامة لكافة الناس عزما . PageV22P330 # أما اليهود فلم يكونوا يدعون الناس إلى اليهودية ولكنهم يقبلون من يتهود ~~كما تهود عرب اليمن . # وأحسب أن الدعوة إلى نبذ عبادة الأصنام ، أو تشهير أنها لا تستحق العبادة ~~، لا يخلو عنها علماء موحدون ، وبهذا الاعتبار يصح أن يكون بعض النصاح من ~~أحبار يهود يثرب يعرض لقريش إذا مروا على يثرب بأنهم على ضلال من الشرك ~~فيعتذرون بما في هذه الآية . وهي تساوق قوله تعالى : { وهذا كتاب أنزلناه ~~مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين ~~من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب ~~لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة } ( الأنعام : 155 157 ) ~~. # فيتضح بهذا أن هذه الآية معطوفة على ما قبلها من أخبار ضلال المشركين في ~~شأن الربوبية وفي شأن الرسالة والتدين ، وأن ما حكي فيها هو من ضلالاتهم ~~ومجازفتهم . # والقسم بين أهل الجاهلية أكثره بالله ، وقد يقسمون بالأصنام وبآبائهم ~~وعمرهم . # والغالب في ذلك أن يقولوا : باللات والعزى ، ولذلك جاء في الحديث : ( من ~~حلف باللات والعزى فليقل لا إله إلا ms6758 الله ) ، أي من جرى على لسانه ذلك جري ~~الكلام الغالب وذلك في صدر انتشار الإسلام . # وجهد اليمين : أبلغها وأقواها . وأصله من الجهد وهو التعب ، يقال : بلغ ~~كذا مني الجهد ، أي عملته حتى بلغ عمله مني تعبي ، كناية عن شدة عزمه في ~~العمل . فجهد الأيمان هنا كناية عن تأكيدها ، وتقدم نظيره في قوله تعالى : ~~{ أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم في سورة العقود ، وتقدم في سورة ~~الأنعام وسورة النحل وسورة النور . # وانتصب جهد } على النيابة عن المفعول المطلق المبين للنوع لأنه صفة لما ~~كان حقه أن يكون مفعولا مطلقا وهو { أيمانهم } إذ هو جمع يمين وهو الحلف ~~PageV22P331 فهو مرادف ل { أقسموا } ، فتقديره : وأقسموا بالله قسما جهدا ، ~~وهو صفة بالمصدر أضيفت إلى موصوفها . # وجملة { لئن جاءهم نذير } الخ بيان لجملة { أقسموا } كقوله تعالى : { ~~فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم الآية } ( طه : 120 ) . # وعبر عن الرسول بالنذير لأن مجادلة أهل الكتاب إياهم كانت مشتملة على ~~تخويف وإنذار ، ولذلك لم يقتصر على وصف النذير في قوله تعالى : { أن تقولوا ~~ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير } ( المائدة : 19 ) . وهذا ~~يرجح أن تكون المجادلة جرت بينهم وبين بعض النصارى لأن الإنجيل معظمه نذارة ~~. # و { إحدى الأمم } أمة من الأمم ذات الدين ؛ فإن عنوا بها أمة معروفة : ~~إما الأمة النصرانية ، وإما الأمة اليهودية ، أو الصابئة كان التعبير عنها ~~ب { إحدى الأمم } إبهاما لها يحتمل أن يكون إبهاما من كلام المقسمين تجنبا ~~لمجابهة تلك الأمة بصريح التفضيل عليها ، ويحتمل أن يكون إبهاما من كلام ~~القرآن على عادة القرآن في الترفع عما لا فائدة في تعيينه إذ المقصود أنهم ~~أشهدوا الله على أنهم إن جاءهم رسول يكونوا أسبق من غيرهم اهتداء فإذا هم ~~لم يشموا رائحة الاهتداء . ويحتمل أن يكون فريق من المشركين نظروا في قسمهم ~~بهدي اليهود ، وفريق نظروا بهدي النصارى ، وفريق بهدي الصابئة ، فجمعت ~~عبارة القرآن ذلك بقوله : { من إحدى الأمم } ليأتي على مقالة كل فريق مع ~~الإيجاز . # وذكر في ( الكشاف ) وجها آخر ms6759 أن يكون { إحدى الأمم } بمعنى أفضل الأمم ، ~~فيكون من تعبير المقسمين ، أي أهدى من أفضل الأمم ، ولكنه بناه على التنظير ~~بما ليس له نظير ، وهو قولهم : إحدى الإحد ( بكسر الهمزة وفتح الحاء في ~~الإحد ) ولا يتم التنظير لأن قولهم : إحدى الإحد ، جرى مجرى المثل في ~~استعظام الأمر في الشر أو الخير . وقرينة إرادة الاستعظام إضافة ( إحدى ) ~~إلى اسم من لفظها فلا يقتضي أنه معنى يراد في حالة تجرد { إحدى } عن ~~الإضافة . # وبين : { أهدى } و { إحدى } الجناس المحرف . # وهذه الآية وغيرها وما يؤثر من تنصر بعض العرب ومن اتساع بعضهم في ~~PageV22P332 التحنف يدل على أنهم كانوا يعلمون رسالة الرسل ، وأما ما حكي ~~عنهم في قوله تعالى : { وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على ~~بشر من شيء } ( الأنعام : 91 ) ، فذلك صدر منهم في الملاجة والمحاجة لما ~~لزمتهم الحجة بأن الرسل من قبل محمد صلى الله عليه وسلم كانوا من البشر ~~وكانت أحوالهم أحوال البشر مثل قوله تعالى : { وما أرسلنا قبلك من المرسلين ~~إلا أنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق } ( الفرقان : 20 ) فلجأوا إلى ~~إنكار أن يوحي الله إلى بشر شيئا . # وأما ما حكي عنهم هنا فهو شأنهم قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم # والنذير : المنذر بكلامه . فالمعنى : فلما جاءهم رسول وهو محمد صلى الله ~~عليه وسلم ولم يكن جاءهم رسول قبله كما قال تعالى : { لتنذر قوما ما أتاهم ~~من نذير من قبلك } ( القصص : 46 ) وهذا غير القسم المحكي في قوله تعالى : ( ~~وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها ) . # والزيادة : أصلها نماء وتوفر في ذوات . وقد يراد بها القوة في الصفات على ~~وجه الاستعارة كقوله تعالى : { فزادتهم رجسا إلى رجسهم } ( التوبة : 125 ) ~~. ومن ثمة تطلق الزيادة أيضا على طرو حال على حال ، أو تغيير حال إلى غيره ~~كقوله تعالى : { فلن نزيدكم إلا عذابا } ( النبأ : 30 ) . # وتطلق على ما يطرأ من الخير على الإنسان وإن لم يكن نوعه عنده من قبل ~~كقوله تعالى : { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ms6760 } ( يونس : 26 ) ، أي وعطاء ~~يزيد في خيرهم . # ولما كان مجيء الرسول يقتضي تغير أحوال المرسل إليهم إلى ما هو أحسن كان ~~الظن بهم لما أقسموا قسمهم ذلك أنهم إذا جاءهم النذير اهتدوا وازدادوا من ~~الخير أن كانوا على شأن من الخير فإن البشر لا يخلو من جانب من الخير قوي ~~أو ضعيف فإذا بهم صاروا نافرين من الدين الذي جاءهم . # والاستثناء مفرع من مفعول { زادهم } المحذوف ، أي ما أفادهم صلاحا وحالا ~~أو نحو ذلك إلا نفورا فيكون الاستثناء في قوله : { إلا نفورا } من تأكيد ~~الشيء بما يشبه ضده لأنهم لم يكونوا نافرين من قبل . # ويحتمل أن يكون المراد أنهم لما أقسموا : { لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى } ~~كان PageV22P333 حالهم حال النفور من قبول دعوة النصارى إياهم إلى دينهم أو ~~من الاتعاظ بمواعظ اليهود في تقبيح الشرك فأقسموا ذلك القسم تفصيا من ~~المجادلة ، وباعثهم عليه النفور من مفارقة الشرك ، فلما جاءهم الرسول ما ~~زادهم شيئا وإنما زادهم نفورا ، فالزيادة بمعنى التغيير والاستثناء تأكيد ~~للشيء بما يشبه ضده . والنفور هو نفورهم السابق ، فالمعنى لم يزدهم شيئا ~~وحالهم هي هي . # وضمير { زادهم } عائد إلى رسول أو إلى المجيء المأخوذ من { جاءهم } . ~~وإسناد الزيادة إليه على كلا الاعتبارين مجاز عقلي لأن الرسول أو مجيئه ليس ~~هو يزيدهم ولكنه سبب تقوية نفورهم أو استمرار نفورهم . # و { استكبارا } بدل اشتمال من { نفورا } أو مفعول لأجله ، لأن النفور في ~~معنى الفعل فصح إعماله في المفعول له . والتقدير : نفروا لأجل الاستكبار في ~~الأرض . # والاستكبار : شدة التكبر ، فالسين والتاء فيه للمبالغة مثل استجاب . # والأرض : موطن القوم كما في قوله تعالى : { لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا ~~معك من قريتنا } ( الأعراف : 88 ) أي بلدنا ، فالتعريف في { الأرض } للعهد ~~. والمعنى : أنهم استكبروا في قومهم أن يتبعوا واحدا منهم . # { ومكر السيىء } عطف على { استكبارا } بالوجوه الثلاثة ، وإضافة { مكر } ~~إلى { السيىء } من إضافة الموصوف إلى الصفة مثل : عشاء الآخرة . وأصله : أن ~~يمكروا المكر السيىء بقرينة قوله : { ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله } . # والمكر : إخفاء الأذى ms6761 وهو سيىء لأنه من الغدر وهو مناف للخلق الكريم ، ~~فوصفه بالسيىء وصف كاشف ، ولعل التنبيه إلى أنه وصف كاشف هو مقتضى إضافة ~~الموصوف إلى الوصف لإظهار ملازمة الوصف للموصوف فلم يقل : ومكرا سيئا ( ولم ~~يرخص في المكر إلا في الحرب لأنها مدخول فيها على مثله ) أي مكرا بالنذير ~~وأتباعه وهو مكر ذميم لأنه مقابلة المتسبب في صلاحهم بإضمار ضره . ~~PageV22P334 # وقد تبين كذبهم في قسمهم إذ قالوا : ( لئن جاءنا نذير لنكونن أهدى منهم ) ~~وأنهم ما أرادوا به إلا التفصي من اللوم . # وجملة { ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله } تذييل أو موعظة . و { يحيق } ~~: ينزل به شيء مكروه حاق به ، أي نزل وأحاط إحاطة سوء ، أي لا يقع أثره إلا ~~على أهله . وفيه حذف مضاف تقديره : ضر المكر السيىء أو سوء المكر السيىء ~~كما دل عليه فعل { يحيق } ؛ فإن كان التعريف في { المكر } للجنس كان المراد ~~ب ( أهله ) كل ماكر . وهذا هو الأنسب بموقع الجملة ومحملها على التذييل ~~ليعم كل مكر وكل ماكر ، فيدخل فيه الماكرون بالمسلمين من المشركين ، فيكون ~~القصر الذي في الجملة قصرا ادعائيا مبنيا على عدم الاعتداد بالضر القليل ~~الذي يحيق بالممكور به بالنسبة لما أعده الله للماكر في قدره من ملاقاة ~~جزائه على مكره فيكون ذلك من النواميس التي قدرها القدر لنظام هذا العالم ~~لأن أمثال هذه المعاملات الضارة تؤول إلى ارتفاع ثقة الناس بعضهم ببعض ~~والله بنى نظام هذا العالم على تعاون الناس بعضهم مع بعض لأن الإنسان مدني ~~بالطبع ، فإذا لم يأمن أفراد الإنسان بعضهم بعضا تنكر بعضهم لبعض وتبادروا ~~الإضرار والإهلاك ليفوز كل واحد بكيد الآخر قبل أن يقع فيه فيفضي ذلك إلى ~~فساد كبير في العالم والله لا يحب الفساد ، ولا ضر عبيده إلا حيث تأذن ~~شرائعه بشيء ، ولهذا قيل في المثل : ( وما ظالم إلا سيبلى بظالم ) . وقال ~~الشاعر : # لكل شيء آفة من جنسه # حتى الحديد سطا عليه المبرد # وكم في هذا العالم من نواميس مغفول عنها ، وقد قال الله تعالى : { والله ~~لا يحب ms6762 الفساد } ( البقرة : 205 ) . وفي كتاب ابن المبارك في الزهد بسنده ~~عن الزهري بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تمكر ولا تعن ~~ماكرا فإن الله يقول { ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله } ) ، ومن كلام ~~العرب ( من حفر لأخيه جبا وقع فيه منكبا ) ، ومن كلام عامة أهل تونس ( يا ~~حافر حفرة السوء ما تحفر إلا قياسك ) . # وإذا كان تعريف { المكر } تعريف العهد كان المعنى : ولا يحيق هذا المكر ~~إلا بأهله ، أي الذين جاءهم النذير فازدادوا نفورا ، فيكون موقع قوله : { ~~ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله } موقع الوعيد بأن الله يدفع عن رسوله صلى ~~الله عليه وسلم مكرهم ويحيق PageV22P335 ضر مكرهم بهم بأن يسلط عليهم رسوله ~~على غفلة منهم كما كان يوم بدر ويوم الفتح ، فيكون على نحو قوله تعالى : { ~~ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين } ( آل عمران : 54 ) فالقصر حقيقي . # فكم انهالت من خلال هذه الآية من آداب عمرانية ومعجزات قرآنية ومعجزات ~~نبوية خفية . # واعلم أن قوله تعالى : { ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله } قد جعل في ~~علم المعاني مثالا للكلام الجاري على أسلوب المساواة دون إيجاز ولا إطناب . ~~وأول من رأيته مثل بهذه الآية للمساواة هو الخطيب القزويني في ( الإيضاح ) ~~وفي ( تلخيص المفتاح ) ، وهو مما زاده على ما في ( المفتاح ) ولم يمثل صاحب ~~( المفتاح ) للمساواة بشيء ولم أدر من أين أخذه القزويني فإن الشيخ عبد ~~القاهر لم يذكر الإيجاز والإطناب في كتابه . # وإذ قد صرح صاحب ( المفتاح ) ( أن المساواة هي متعارف الأوساط وأنه لا ~~يحمد في باب البلاغة ولا يذم ) فقد وجب القطع بأن المساواة لا تقع في ~~الكلام البليغ بله المعجز . ومن العجيب إقرار العلامة التفتزاني كلام صاحب ~~( تلخيص المفتاح ) وكيف يكون هذا من المساواة وفيه جملة ذات قصر والقصر من ~~الإيجاز لأنه قائم مقام جملتين : جملة إثبات للمقصود ، وجملة نفيه عما سواه ~~، فالمساواة أن يقال : يحيق المكر السيىء بالماكرين دون غيرهم ، فما عدل عن ~~ذلك إلى صيغة القصر فقد سلك طريقة الإيجاز . # وفيه أيضا حذف ms6763 مضاف إذ التقدير : ولا يحيق ضر المكر السيىء إلا بأهله على ~~أن في قوله : { بأهله } إيجازا لأنه عوض عن أن يقال : بالذين تقلدوه . ~~والوجه أن المساواة لم تقع في القرآن وإنما مواقعها في محادثات الناس التي ~~لا يعبأ فيها بمراعاة آداب اللغة . # وقرأ حمزة وحده { ومكر السيىء } بسكون الهمزة في حالة الوصل إجراء للوصل ~~مجرى الوقف . PageV22P336 # . # تفريع على جملة { فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا } الآية . # ويجوز أن يكون تفريعا على جملة { ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله } على ~~الوجه الثاني في تعريف { المكر } وفي المراد ب { بأهله } ، أي كما مكر ~~الذين من قبلهم فحاق بهم مكرهم كذلك هؤلاء . # و { ينظرون } هنا من النظر بمعنى الانتظار . كقول ذي الرمة : # وشعثث ينظرون إلى بلال # كما نظر العطاش حيا الغمام # فقوله : ( إلى ) مفرد مضاف ، وهو النعمة وجمعه آلاء . # ومعنى الانتظار هنا : أنهم يستقبلون ما حل بالمكذبين قبلهم ، فشبه لزوم ~~حلول العذاب بهم بالشيء المعلوم لهم المنتظر منهم على وجه الاستعارة . # والسنة : العادة : والأولون : هم السابقون من الأمم الذين كذبوا رسلهم ، ~~بقرينة سياق الكلام . و { سنة } مفعول { ينظرون } وهو على حذف مضاف . ~~تقديره : مثل أو قياس ، وهذا كقوله تعالى : { فهل ينتظرون إلا مثل أيام ~~الذين خلوا من قبلهم } ( يونس : 102 ) . # والفاء في قوله : { فلن تجد لسنت الله تبديلا } فاء فصيحة لأن ما قبلها ~~لما ذكر الناس بسنة الله في المكذبين أفصح عن اطراد سنن الله تعالى في خلقه ~~. والتقدير : إذا علموا ذلك فلن تجد لسنة الله تبديلا . # و { لن } لتأكيد النفي . # والخطاب في { تجد } لغير معين فيعم كل مخاطب ، وبذلك يتسنى أن يسير هذا ~~الخبر مسير الأمثال . وفي هذا تسلية للنبيء صلى الله عليه وسلم وتهديد ~~للمشركين . # والتبديل : تغيير شيء وتقدم عند قوله تعالى : { ولا تتبدلوا الخبيث ~~بالطيب في سورة النساء . PageV22P337 # والتحويل : نقل الشيء من مكان إلى غيره ، وكأنه مشتق من الحول وهو الجانب ~~. # والمعنى : أنه لا تقع الكرامة في موقع العقاب ، ولا يترك عقاب الجاني . ~~وفي هذا المعنى قول الحكماء : ما ms6764 بالطبع لا يتخلف ولا يختلف . # } # . # عطف على جملة { فهل ينظرون إلا سنت الأولين } ( فاطر : 43 ) استدلالا على ~~أن مساواتهم للأولين تنذر بأن سيحل بهم ما حل بأولئك من نوع ما يشاهدونه من ~~آثار استئصالهم في ديارهم . # وجملة { وكانوا أشد منهم قوة } في موضع الحال ، أي كان عاقبتهم الاضمحلال ~~مع أنهم أشد قوة من هؤلاء فيكون استئصال هؤلاء أقرب . # وجيء بهذه الحال في هذه الآية لما يفيده موقع الحال من استحضار صورة تلك ~~القوة إيثارا للإيجاز لاقتراب ختم السورة . ولذلك لم يؤت في نظائرها بجملة ~~الحال ولكن أتى فيها بجملة وصفف في قوله في سورة غافر : { الذين كانوا من ~~قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا في الأرض ، وفي سورة الروم الذين من ~~قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض حيث أوثر فيهما الإطناب بتعداد بعض ~~مظاهر تلك القوة . # } . # لما عرض وصف الأمم السابقة بأنهم أشد قوة من قريش في معرض التمثيل ~~بالأولين تهديدا واستعدادا لتلقي مثل عذابهم أتبع ذلك بالاحتراس عن ~~الطماعية في النجاة من مثل عذابهم بعلة أن لهم من المنجيات ما لم يكن للأمم ~~الخالية كزعمهم : أن لهم آلهة تمنعهم من عذاب الله بشفاعتها أو دفاعها فقيل ~~: { وما PageV22P338 كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض } ، ~~أي هبكم أقوى من الأولين أو أشد حيلة منهم أو لكم من الأنصار ما ليس لهم ، ~~فما أنتم بمفلتين من عذاب الله لأن الله لا يعجزه شيء في الأرض ولا في ~~السماء كقوله : { وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء وما لكم من دون ~~الله من ولي ولا نصير } ( العنكبوت : 22 ) . # وجيء بلام الجحود مع { كان } المنفية لإفادة تأكيد نفي كل شيء يحول دون ~~قدرة الله وإرادته ، فهذه الجملة كالاحتراس . # ومعنى ( يعجزه ) : يجعله عاجزا عن تحقيق مراده فيه فيفلت أحد عن مراد ~~الله منه . # وجملة { إنه كان عليما قديرا } تعليل لانتفاء شيء يغالب مراد الله بأن ~~الله شديد العلم واسعه لا يخفى عليه شيء وبأنه شديد القدرة . # وقد حصر ms6765 هذان الوصفان انتفاء أن يكون شيء يعجز الله لأن عجز المريد عن ~~تحقيق إرادته : إما أن يكون سببه خفاء موضع تحقق الإرادة ، وهذا ينافي ~~إحاطة العلم ، أو عدم استطاعة التمكن منه وهذا ينافي عموم القدرة . # تذكير لهم عن أن يغرهم تأخير المؤاخذة فيحسبوه عجزا أو رضى من الله بما ~~هم فيه فهم الذين قالوا : { اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا ~~حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم } ( الأنفال : 32 ) فعلمهم أن لعذاب ~~الله آجالا اقتضتها حكمته ، فيها رعي مصالح أمم آخرين ، أو استبقاء أجيال ~~آتين . فالمراد ب { الناس } مجموع الأمة ، وضمير ( ما كسبوا ) وضمير { ~~يؤخرهم } عائد إلى { أجل } . # ونظير هذه الآية تقدم في سورة النحل إلى قوله : { فإذا جاء أجلهم } إلا ~~أن هذه الآية جاء فيها { بما كسبوا } وهنالك جاء فيها { بظلمهم } ( النحل : ~~61 ) لأن ما كسبوا PageV22P339 يعم الظلم وغيره . وأوثر في سورة النحل { ~~بظلمهم } لأنها جاءت عقب تشنيع ظلم عظيم من ظلمهم وهو ظلم بناتهم الموءودات ~~وإلا أن هنالك قال : { ما ترك عليها } ( النحل : 61 ) وهنا { ما ترك على ~~ظهرها } وهو تفنن تبعه المعري في قوله : # وإن شئت فازعم أن من فوق ظهرها # عبيدك واستشهد إلهاك يشهد # والضمير للأرض هنا وهناك في البيت لأنها معلومة من المقام . والظهر : ~~حقيقته متن الدابة الذي يظهر منها ، وهو ما يعلو الصلب من الجسد وهو مقابل ~~البطن فأطلق على ظهر الإنسان أيضا وإن كان غير ظاهر لأن الذي يظهر من ~~الإنسان صدره وبطنه . وظهر الأرض مستعار لبسطها الذي يستقر عليه مخلوقات ~~الأرض تشبيها للأرض بالدابة المركوبة على طريقة المكنية . ثم شاع ذلك فصار ~~من الحقيقة . # فأما قوله هنا : { فإن الله كان بعباده بصيرا } ، وقد قال هنالك { لا ~~يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } ( النحل : 61 ) ، فما هنا إيماء إلى الحكمة ~~في تأخيرهم إلى أجل مسمى . والتقدير : فإذا جاء أجلهم آخذهم بما كسبوا فإن ~~الله كان بعباده بصيرا ، أي عليما في حالي التأخير ومجيء الأجل ، ولهذا ~~فقوله : { فإن الله كان بعباده بصيرا ms6766 } دليل جواب ( إذا ) وليس هو جوابها ، ~~ولذلك كان حقيقا بقرنه بفاء التسبب ، وأما ما في سورة النحل فهو الجواب وهو ~~تهديد بأنهم إذا جاء أجلهم وقع بهم العذاب دون إمهال . # وقوله : { فإن الله كان بعباده بصيرا } هو أيضا جواب عن سؤال مقدر أن ~~يقال : ماذا جنت الدواب حتى يستأصلها الله بسبب ما كسب الناس ، وكيف يهلك ~~كل من على الأرض وفيهم المؤمنون والصالحون ، فأفيد أن الله أعلم بعدله . ~~فأما الدواب فإنها مخلوقة لأجل الإنسان كما قال تعالى : { هو الذي خلق لكم ~~ما في الأرض جميعا } ( البقرة : 29 ) ، فإهلاكها قد يكون إنذارا للناس ~~لعلهم يقلعون عن إجرامهم ، وأما حال المؤمنين في حين إهلاك الكفار فالله ~~أعلم بهم فلعل الله أن يجعل لهم طريقا إلى النجاة كما نجى هودا ومن معه ، ~~ولعله إن أهلكهم أن يعوض لهم حسن الدار كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ( ~~ثم يحشرون على نياتهم ) . # # PageV22P340 # | 1 ( سورة يس ) 1 # سميت هذه السورة يس بمسمى الحرفين الواقعين في أولها في رسم المصحف لأنها ~~انفردت بهما فكانا مميزين لها عن بقية السور ، فصار منطوقهما علما عليها . ~~وكذلك ورد اسمها عن النبي صلى الله عليه وسلم # ( سقط : من منتصف الصفحة ( 341 ) في الجزء الأول من المجلد رقم ( 11 ) ~~حتى نهاية الصفحة ( 80 ) من الجزء الثاني من المجلد . ( هذه الصفحة مكررة : # | 1 ( سورة يس ) 1 # سميت هذه السورة يس بمسمى الحرفين الواقعين في أولها في رسم المصحف لأنها ~~انفردت بهما فكانا مميزين لها عن بقية السور ، فصار منطوقهما علما عليها . ~~وكذلك ورد اسمها عن النبي صلى الله عليه وسلم ) # ( هذه الصفحة مكررة : # | 1 ( سورة يس ) 1 # سميت هذه السورة يس بمسمى الحرفين الواقعين في أولها في رسم المصحف لأنها ~~انفردت بهما فكانا مميزين لها عن بقية السور ، فصار منطوقهما علما عليها . ~~وكذلك ورد اسمها عن النبي صلى الله عليه وسلم ) # PageV22P341 # | 1 ( سورة الصافات ) 1 # اسمها المشهور المتفق عليه ( الصافات ) . وبذلك سميت في كتب التفسير وكتب ~~السنة وفي المصاحف كلها ، ولم يثبت ms6767 شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~تسميتها ، وقال في ( الإتقان ) : رأيت في كلام الجعبري أن سورة ( الصافات ) ~~تسمى ( سورة الذبيح ) وذلك يحتاج إلى مستند من الأثر . # ووجه تسميتها باسم ( الصافات ) وقوع هذا اللفظ فيها بالمعنى الذي أريد به ~~أنه وصف الملائكة وإن كان قد وقع في سورة ( الملك ) لكن بمعنى آخر إذ أريد ~~هنالك صفة الطير ، على أن الأشهر أن ( سورة الملك ) نزلت بعد ( سورة ~~الصافات ) . # وهي مكية بالاتفاق وهي السادسة والخمسون في تعداد نزول السور ، نزلت بعد ~~سورة الأنعام وقبل سورة لقمان . # وعدت آيها مائة واثنتين وثمانين عند أكثر أهل العدد . وعدها البصريون ~~مائة وإحدى وثمانين . # $ 2 ( { والصافات صفا * فالزاجرات زجرا * فالتاليات ذكرا * إن إلاهكم ~~لواحد * رب السماوات والارض وما بينهما ورب المشارق * إنا زينا السمآء ~~الدنيا بزينة الكواكب * وحفظا من كل شيطان مارد * لا يسمعون إلى الملإ ~~الاعلى ويقذفون من كل جانب * دحورا ولهم عذاب واصب * إلا من خطف الخطفة ~~فأتبعه شهاب ثاقب * فاستفتهم أهم أشد خلقا أم من خلقنآ إنا خلقناهم من طين ~~لازب * بل عجبت ويسخرون * وإذا ذكروا لا يذكرون * وإذا رأوا ءاية يستسخرون ~~* وقالو & # 1764 ا إن هاذآ إلا سحر مبين * أءذا متنا وكنا ترابا وعظاما أءنا ~~لمبعوثون * أو ءابآؤنا الاولون * قل نعم وأنتم داخرون * فإنما هى زجرة ~~واحدة فإذا هم ينظرون * وقالوا ياويلنا هاذا يوم الدين * هاذا يوم الفصل ~~الذى كنتم به تكذبون * احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون * من ~~دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم * وقفوهم إنهم مسئولون * ما لكم لا ~~تناصرون * بل هم اليوم مستسلمون * وأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون * قالو & # 1764 ا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين * قالوا بل لم تكونوا مؤمنين * وما ~~كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم قوما طاغين * فحق علينا قول ربنآ إنا ~~لذآئقون * فأغويناكم إنا كنا غاوين * فإنهم يومئذ فى العذاب مشتركون * إنا ~~كذلك نفعل بالمجرمين * إنهم كانو & # 1764 ا إذا قيل لهم لا إلاه إلا الله يستكبرون * ويقولون أءنا لتاركو & # 1764 ءالهتنا ms6768 لشاعر مجنون * بل جآء بالحق وصدق المرسلين * إنكم لذآئقو ~~العذاب الاليم * وما تجزون إلا ما كنتم تعملون * إلا عباد الله المخلصين * ~~أولائك لهم رزق معلوم * فواكه وهم مكرمون * فى جنات النعيم * على سرر ~~متقابلين * يطاف عليهم بكأس من معين * بيضآء لذة للشاربين * لا فيها غول ~~ولا هم عنها ينزفون * وعندهم قاصرات الطرف عين * كأنهن بيض مكنون * فأقبل ~~بعضهم على بعض يتسآءلون * قال قآئل منهم إنى كان لى قرين * يقول أءنك لمن ~~المصدقين * أءذا متنا وكنا ترابا وعظاما أءنا لمدينون * قال هل أنتم مطلعون ~~* فاطلع فرءاه فى سوآء الجحيم * قال تالله إن كدت لتردين * ولولا نعمة ربى ~~لكنت من المحضرين * أفما نحن بميتين * إلا موتتنا الاولى وما نحن بمعذبين * ~~إن هاذا لهو الفوز العظيم * لمثل هاذا فليعمل العاملون * أذالك خير نزلا أم ~~شجرة الزقوم * إنا جعلناها فتنة للظالمين * إنها شجرة تخرج فى & # 1764 أصل الجحيم * طلعها كأنه رءوس الشياطين * فإنهم لاكلون منها فمالئون ~~منها البطون * ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم * ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم * ~~إنهم ألفوا ءابآءهم ضآلين * فهم على ءاثارهم يهرعون * ولقد ضل قبلهم أكثر ~~الاولين * ولقد أرسلنا فيهم منذرين * فانظر كيف كان عاقبة المنذرين * إلا ~~عباد الله المخلصين * ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون * ونجيناه وأهله من ~~الكرب العظيم * وجعلنا ذريته هم الباقين * وتركنا عليه فى الاخرين * سلام ~~على نوح فى العالمين * إنا كذلك نجزى المحسنين * إنه من عبادنا المؤمنين * ~~ثم أغرقنا الاخرين * وإن من شيعته لإبراهيم * إذ جآء ربه بقلب سليم * إذ ~~قال لابيه وقومه ماذا تعبدون * أءفكا ءالهة دون الله تريدون * فما ظنكم برب ~~العالمين * فنظر نظرة فى النجوم * فقال إنى سقيم * فتولوا عنه مدبرين * ~~فراغ إلى ءالهتهم فقال ألا تأكلون * ما لكم لا تنطقون * فراغ عليهم ضربا ~~باليمين * فأقبلو & # 1764 ا إليه يزفون * قال أتعبدون ما تنحتون * والله خلقكم وما تعملون * ~~قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه فى الجحيم * فأرادوا به كيدا فجعلناهم ~~الاسفلين * وقال إنى ذاهب إلى ربى سيهدين * رب هب لى من الصالحين ms6769 * فبشرناه ~~بغلام حليم * فلما بلغ معه السعى قال يابنى إنى & # 1764 أرى فى المنام أنى أذبحك فانظر ماذا ترى قال ياأبت افعل ما تؤمر ~~ستجدنى & # 1764 إن شآء الله من الصابرين * فلما أسلما وتله للجبين * وناديناه أن ~~ياإبراهيم * قد صدقت الرؤيآ إنا كذلك نجزى المحسنين * إن هاذا لهو البلاء ~~المبين * وفديناه بذبح عظيم * وتركنا عليه فى الاخرين * سلام على إبراهيم * ~~كذلك نجزى المحسنين * إنه من عبادنا المؤمنين * وبشرناه بإسحاق نبيا من ~~الصالحين * وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين * ~~ولقد مننا على موسى وهارون * ونجيناهما وقومهما من الكرب العظيم * ونصرناهم ~~فكانوا هم الغالبون * وءاتيناهما الكتاب المستبين * وهديناهما الصراط ~~المستقيم * وتركنا عليهما فى الاخرين * سلام على موسى وهارون * إنا كذلك ~~نجزى المحسنين * إنهما من عبادنا المؤمنين * وإن إلياس لمن المرسلين * إذ ~~قال لقومه ألا تتقون * أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين * الله ربكم ورب ~~ءابآئكم الاولين * فكذبوه فإنهم لمحضرون * إلا عباد الله المخلصين * وتركنا ~~عليه فى الاخرين * سلام على إل ياسين * إنا كذلك نجزى المحسنين * إنه من ~~عبادنا المؤمنين * وإن لوطا لمن المرسلين * إذ نجيناه وأهله أجمعين * إلا ~~عجوزا فى الغابرين * ثم دمرنا الاخرين * وإنكم لتمرون عليهم مصبحين * ~~وباليل أفلا تعقلون * وإن يونس لمن المرسلين * إذ أبق إلى الفلك المشحون * ~~فساهم فكان من المدحضين * فالتقمه الحوت وهو مليم * فلولا أنه كان من ~~المسبحين * للبث فى بطنه إلى يوم يبعثون * فنبذناه بالعرآء وهو سقيم * ~~وأنبتنا عليه شجرة من يقطين * وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون * فئامنوا ~~فمتعناهم إلى حين * فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون * أم خلقنا الملائكة ~~إناثا وهم شاهدون * ألا إنهم من إفكهم ليقولون * ولد الله وإنهم لكاذبون * ~~أصطفى البنات على البنين * مالكم كيف تحكمون * أفلا تذكرون * أم لكم سلطان ~~مبين * فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين * وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ولقد ~~علمت الجنة إنهم لمحضرون * سبحان الله عما يصفون * إلا عباد الله المخلصين ~~* فإنكم وما تعبدون * مآ أنتم عليه بفاتنين * إلا من هو صال الجحيم * وما ~~منآ إلا ms6770 له مقام معلوم * وإنا لنحن الصآفون * وإنا لنحن المسبحون * وإن ~~كانوا ليقولون * لو أن عندنا ذكرا من الاولين * لكنا عباد الله المخلصين * ~~فكفروا به فسوف يعلمون * ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم لهم ~~المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون * فتول عنهم حتى حين * وأبصرهم فسوف ~~يبصرون * أفبعذابنا يستعجلون * فإذا نزل بساحتهم فسآء صباح المنذرين * وتول ~~عنهم حتى حين * وأبصر فسوف يبصرون * سبحان ربك رب العزة عما يصفون * وسلام ~~على المرسلين * والحمد لله رب العالمين } ) 2 $ أغراضها # إثبات وحدانية الله تعالى ، وسوق دلائل كثيرة على ذلك دلت على انفراده ~~بصنع المخلوقات العظيمة التي لا قبل لغيره بصنعها وهي العوالم السماوية ~~بأجزائها وسكانها ولا قبل لمن على الأرض أن يتطرق في ذلك . وإثبات أن البعث ~~يعقبه الحشر والجزاء . PageV23P081 ووصف حال المشركين يوم الجزاء ووقوع ~~بعضهم في بعض . ووصف حسن أحوال المؤمنين ونعيمهم . ومذاكرتهم فيما كان يجري ~~بينهم وبين بعض المشركين من أصحابهم في الجاهلية ومحاولتهم صرفهم عن ~~الإسلام . ثم انتقل إلى تنظير دعوة محمد صلى الله عليه وسلم قومه بدعوة ~~الرسل من قبله ، وكيف نصر الله رسله ورفع شأنهم وبارك عليهم . وأدمج في ~~خلال ذلك شيء من مناقبهم وفضائلهم وقوتهم في دين الله وما نجاهم الله من ~~الكروب التي حفت بهم . وخاصة منقبة الذبيح ، والإشارة إلى أنه إسماعيل . ~~ووصف ما حل بالأمم الذين كذبوهم . ثم الإنحاء على المشركين فساد معتقداتهم ~~في الله ونسبتهم إليه الشركاء . وقولهم : الملائكة بنات الله ، وتكذيب ~~الملائكة إياهم على رؤوس الأشهاد . وقولهم في النبي صلى الله عليه وسلم ~~والقرآن ، وكيف كانوا يودون أن يكون لهم كتاب . ثم وعد الله رسوله بالنصر ~~كدأب المرسلين ودأب المؤمنين السابقين ، وأن عذاب الله نازل بالمشركين ، ~~وتخلص العاقبة الحسنى للمؤمنين . # وكانت فاتحتها مناسبة لأغراضها بأن القسم بالملائكة مناسب لإثبات ~~الوحدانية لأن الأصنام لم يدعوا لها ملائكة ، والذي تخدمه الملائكة هو ~~الإله الحق ولأن الملائكة من جملة المخلوقات الدال خلقها على عظم الخالق ، ~~ويؤذن القسم بأنها أشرف المخلوقات العلوية . # ثم إن الصفات التي لوحظت في ms6771 القسم بها مناسبة للأغراض المذكورة بعدها ، ف ~~{ الصافات يناسب عظمة ربها ، و الزاجرات يناسب قذف الشياطين عن السماوات ، ~~ويناسب تسيير الكواكب وحفظها من أن يدرك بعضها بعضا ، ويناسب زجرها الناس ~~في المحشر . PageV23P082 و التاليات ذكرا يناسب أحوال الرسول والرسل عليهم ~~الصلاة والسلام وما أرسلوا به إلى أقوامهم . # هذا وفي الافتتاح بالقسم تشويق إلى معرفة المقسم عليه ليقبل عليه السامع ~~بشراشره . فقد استكملت فاتحة السورة أحسن وجوه البيان وأكملها . # ( 1 4 ) } # القسم لتأكيد الخبر مزيد تأكيد لأنه مقتضى إنكارهم الوحدانية ، وهو قسم ~~واحد والمقسم به نوع واحد مختلف الأصناف ، وهو طوائف من الملائكة كما ~~يقتضيه قوله : { فالتاليات ذكرا } . # وعطف ( الصفات ) بالفاء يقتضي أن تلك الصفات ثابتة لموصوف واحد باعتبار ~~جهة ترجع إليها وحدته ، وهذا الموصوف هو هذه الطوائف من الملائكة فإن الشأن ~~في عطف الأوصاف أن تكون جارية على موصوف واحد لأن الأصل في العطف بالفاء ~~اتصال المتعاطفات بها لما في الفاء من معنى التعقيب ولذلك يعطفون بها أسماء ~~الأماكن المتصلل بعضها ببعض كقول امرىء القيس : # بسقط اللوى بين الدخول فحومل # فتوضح فالمقرة . . . البيت # وكقول لبيد : # بمشارق الجبليين أو بمحجر # فتضمنتها فرده فمرخاها # فصدائق إن أيمنت فمظنة # . . . . . . . . . . . . البيت # ويعطفون بها صفاتت موصوف واحد كقول ابن زيابة : # يا لهف زيابة للحارث ال # صابح فالغانم فالآيب # يريد صفات للحارث ، ووصفه بها تهكما به . PageV23P083 # فعن جماعة من السلف : أن هذه الصفات للملائكة . وعن قتادة أن ( التاليات ~~ذكرا ) الجماعة الذين يتلون كتاب الله من المسلمين . وقسم الله بمخلوقاته ~~يومىء إلى التنويه بشأن المقسم به من حيث هو دال على عظيم قدرة الخالق أو ~~كونه مشرفا عند الله تعالى . # وتأنيث هذه الصفات باعتبار إجرائها على معنى الطائفة والجماعة ليدل على ~~أن المراد أصناف من الملائكة لا آحاد منهم . # و { الصافات } جمع : صافة ، وهي الطائفة المصطف بعضها مع بعض . يقال : صف ~~الأمير الجيش ، متعديا إذا جعله صفا واحدا أو صفوفا ، فاصطفوا . ويقال : ~~فصفوا ، أي صاروا مصطفين ، فهو قاصر . وهذا من المطاوع الذي جاء على وزن ~~فعله مثل ms6772 قول العجاج : # قد جبر الدين الإله فجبر # وتقدم قوله : { فاذكروا اسم الله عليها صواف في سورة الحج ، وقوله : ~~والطير صافات } ( النور : 41 ) . # ووصف الملائكة بهذا الوصف يجوز أن يكون على حقيقته فتكون الملائكة في ~~العالم العلوي مصطفة صفوفا ، وهي صفوف متقدم بعضها على بعض باعتبار مراتب ~~الملائكة في الفضل والقرب . ويجوز أن يكون كناية عن الاستعداد لامتثال ما ~~يلقى إليهم من أمر الله تعالى قال تعالى ، حكاية عنهم في هذه السورة { وإنا ~~لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون } ( الصافات : 165 ، 166 ) . # والزجر : الحث في نهي أو أمر بحيث لا يترك للمأمور تباطؤ في الإتيان ~~بالمطلوب ، والمراد به : تسخير الملائكة المخلوقاتت التي أمرهم الله ~~بتسخيرها خلقا أو فعلا ، كتكوين العناصر ، وتصريف الرياح ، وإزجاء السحاب ~~إلى الآفاق . # و ( التاليات ذكرا ) المترددون لكلام الله تعالى الذي يتلقونه من جانب ~~القدس لتبليغ بعضهم بعضا أو لتبليغه إلى الرسل كما أشار إليه قوله تعالى : ~~{ حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير ~~} ( سبأ : 23 ) . وبينه قول النبي PageV23P084 صلى الله عليه وسلم ( إذا ~~قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة ~~على صفوان فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم ؟ قالوا : الذي قال الحق ~~) . والمراد ب ( التاليات ) ما يتلونه من تسبيح وتقديس لله تعالى لأن ذلك ~~التسبيح لما كان ملقنا من لدن الله تعالى كان كلامهم بها تلاوة . والتلاوة ~~: القراءة ، وتقدمت في قوله تعالى : { واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك ~~سليمان في البقرة } ، وقوله : { وإذا تليت عليهم آياته في } ( الأنفال : 2 ~~) . # والذكر ما يتذكر به من القرآن ونحوه ، وتقدم في قوله : { وقالوا يا أيها ~~الذي نزل عليه الذكر في سورة الحجر . # وما تفيده الفاء من ترتيب معطوفها يجوز أن يكون ترتيبا في الفضل بأن يراد ~~أن الزجر وتلاوة الذكر أفضل من الصف لأن الاصطفاف مقدمة لها ووسيلة ~~والوسيلة دون المتوسل إليه ، وأن تلاوة الذكر أفضل من الزجر باعتبار ما ~~فيها من إصلاح المخلوقات المزجورة بتبليغ الشرائع ms6773 إن كانت التلاوة تلاوة ~~الوحي الموحى به للرسل ، أو بما تشتمل عليه التلاوة من تمجيد الله تعالى ~~فإن الأعمال تتفاضل تارة بتفاضل متعلقاتها . # وقد جعل الله الملائكة قسما وسطا من أقسام الموجودات الثلاثة باعتبار ~~التأثير والتأثر . فأعظم الأقسام المؤثر الذي لا يتأثر وهو واجب الوجود ~~سبحانه ، وأدناها المتأثر الذي لا يؤثر وهو سائر الأجسام ، والمتوسط الذي ~~يؤثر ويتأثر وهذا هو قسم المجردات من الملائكة والأرواح فهي قابلة للأثر عن ~~عالم الكبرياء الإلهية وهي تباشر التأثير في عالم الأجسام . وجهة قابليتها ~~الأثر من عالم الكبرياء مغايرة لجهة تأثيرها في عالم الأجسام وتصرفها فيها ~~، فقوله : فالزاجراتت زجرا } إشارة إلى تأثيرها ، وقوله : { فالتالياتت ~~ذكرا } إشارة إلى تأثرها بما يلقى إليها من أمر الله فتتلوه وتتعبد بالعمل ~~به . # وجملة { إن إلاهكم لواحد } جواب القسم ومناط التأكيد صفة ( واحد ) لأن ~~المخاطبين كانوا قد علموا أن لهم إلاها ولكنهم جعلوه عدة آلهة فأبطل ~~اعتقادهم PageV23P085 بإثبات أنه واحد غير متعدد ، وهذا إنما يقتضي نفي ~~الإلاهية عن المتعددين وأما اقتضاؤه تعيين الإلاهية لله تعالى فذلك حاصل ~~بأنهم لا ينكرون أن الله تعالى هو الرب العظيم ولكنهم جعلوا له شركاء فحصل ~~التعدد في مفهوم الإلاه فإذا بطل التعدد تعين انحصار الإلاهية في رب واحد ~~هو الله تعالى . # أتبع تأكيد الإخبار عن وحدانية الله تعالى بالاستدلال على تحقيق ذلك ~~الإخبار لأن القسم لتأكيده لا يقنع المخاطبين لأنهم مكذبون من بلغ إليهم ~~القسم ، فالجملة استئناف بياني لبيان الإلاه الواحد مع إدماج الاستدلال على ~~تعيينه بذكر ما هو من خصائصه المقتضي تفرده بالإلاهية . # فقوله : { رب السماوات والأرض } خبر لمبتدأ محذوف . والتقدير : هو رب ~~السماوات ، أي إلاهكم الواحد هو الذي تعرفونه بأنه رب السماوات والأرض إلى ~~آخره . # فقوله : { رب السماوات والأرض } خبر لمبتدأ محذوف جرى حذفه على طريقة ~~الاستعمال في حذف المسند إليه من الكلام الوارد بعد تقدم حديث عنه كما نبه ~~عليه صاحب ( المفتاح ) . # فإن المشركين مع غلوهم في الشرك لم يتجرأوا على ادعاء الخالقية لأصنامهم ~~ولا التصرف في العوالم العلوية ، وكيف ms6774 يبلغون إليها وهم لقى على وجه الأرض ~~فكان تفرد الله بالخالقية أفحم حجة عليهم في بطلان إلهية الأصنام . وشمل { ~~السماوات والأرض وما بينهما } جميع العوالم المشهودة للناس بأجرامها ~~وسكانها والموجودات فيها . # وتخصيص { المشارق } بالذكر من بين ما بين السماوات والأرض لأنها أحوال ~~مشهودة كل يوم . # وجمع { المشارق } باعتبار اختلاف مطلع الشمس في أيام نصف سنة دورتها وهي ~~السنة الشمسية وهي مائة وثمانون شرقا باعتبار أطول نهار في السنة الشمسية ~~PageV23P086 وأقصره مكررة مرتين في السنة ابتداء من الرجوع الشتوي إلى ~~الرجوع الخريفي ، وهي مطالع متقاربة ليست متحدة ، فإن المشرق اسم لمكان ~~شروق الشمس وهو ظهورها فإذا راعوا الجهة دون الفصل قالوا : المشرق ، ~~بالإفراد ، وإذا روعي الفصلان الشتاء والصيف قيل : رب المشرقين ، على أن ~~جمع المشارق قد يكون بمراعاة اختلاف المطالع في مبادىء الفصول الأربعة . ~~والآية صالحة للاعتبارين ليعتبر كل فريق من الناس بها على حسب مبالغ علمهم ~~. # ( 6 7 ) # هذه الجملة تتنزل من جملة { رب السماوات والأرض وما بينهما } ( الصافات : ~~5 ) منزلة الدليل على أنه رب السماوات . واقتصر على ربوبية السماوات لأن ~~ثبوتها يقتضي ربوبية الأرض بطريق الأولى . وأدمج فيها منة على الناس بأن ~~جعل لهم في السماء زينة الكواكب تروق أنظارهم فإن محاسن المناظر لذة ~~للناظرين قال تعالى : { ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون } ( النحل : ~~6 ) ، ومنة على المسلمين بأن جعل في تلك الكواكب حفظا من تلقي الشياطين ~~للسمع فيما قضى الله أمره في العالم العلوي لقطع سبيل اطلاع الكهان على بعض ~~ما سيحدث في الأرض فلا يفتنوا الناس في الإسلام كما فتنوهم في الجاهلية ، ~~وليكون ذلك تشريفا للنبيء صلى الله عليه وسلم بأن قطعت الكهانة عند إرساله ~~وللإشارة إلى أن فيها منفعة عظيمة دينية وهي قطع دابر الشك في الوحي ، كما ~~أن فيها منفعة دنيوية وهي للزينة والاهتداء بها في ظلمات البر والبحر . # و { الكواكب } : الكريات السماوية التي تلمع في الليل عدا الشمس والقمر . ~~وتسمى النجوم ، وهي أقسام : منها العظيم ، ومنها دونه ، فمنها الكواكب ~~السيارة ، ومنها الثوابت ، ومنها ms6775 قطع تدور حول الشمس . وفي الكواكب حكم ~~منها أن تكون زينة للسماء في الليل فالكواكب هي التي بها زينت السماء . ~~فإضافة { زينة } إلى { الكواكب } إن جعلت { زينة } مصدرا بوزن فعلة ~~PageV23P087 مثل نسبة كانت من إضافة المصدر إلى فاعله ، أي زانتها الكواكب ~~أو إلى المفعول ، أي بزينة الله الكواكب ، أي جعلها زينا . وإن جعلت { زينة ~~} اسما لما يتزين به مثل قولنا : ليقة لما تلاق به الدواة ، فالإضافة ~~حقيقية على معنى ( من ) الابتدائية ، أي زينة حاصلة من الكواكب . وأيا ما ~~كان فإقحام لفظ { زينة } تأكيد ، والباء للسببية ، أي زينا السماء بسبب ~~زينة الكواكب فكأنه قيل : إنا زينا السماء الدنيا بالكواكب تزيينا فكان { ~~بزينة الكواكب } في قوة : بالكواكب تزيينا ، فقوله : { بزينة } مصدر مؤكد ~~لفعل { زينا } في المعنى ولكن حول التعليق فجعل { زينة } هو المتعلق ب { ~~زينا } ليفيد معنى التعليل ومعنى الإضافة في تركيب واحد على طريقة الإيجاز ~~، لأنه قد علم أن الكواكب زينة من تعليقه بفعل { زينا } من غير حاجة إلى ~~إعادة { زينة } لولا ما قصد من معنى التعليل والتوكيد . # و { الدنيا } : أصله وصف هو مؤنث الأدنى ، أي القربى . والمراد : قربها ~~من الأرض ، أي السماء الأولى من السماوات السبع . # ووصفها بالدنيا : إما لأنها أدنى إلى الأرض من بقية السماوات ، والسماء ~~الدنيا على هذا هي الكرة التي تحيط بكرة الهواء الأرضية وهي ذات أبعاد ~~عظيمة . ومعنى تزيينها بالكواكب والشهب على هذا أن الله جعل الكواكب والشهب ~~سابحة في مقعر تلك الكرة على أبعاد مختلفة ووراء تلك الكرة السماوات السبع ~~محيط بعضها ببعض في أبعاد لا يعلم مقدار سعتها إلا الله تعالى . ونظام ~~الكواكب المعبر عنه بالنظام الشمسي على هذا من أحوال السماء الدنيا ، ولا ~~مانع من هذا لأن هذه اصطلاحات ، والقرآن صالح لها ، ولم يأت لتدقيقها ولكنه ~~لا ينافيها . والسماء الدنيا على هذا هي التي وصفت في حديث الإسراء بالأولى ~~. وإما لأن المراد بالسماء الدنيا الكرة الهوائية المحيطة بالأرض وليس فيها ~~شيء من الكواكب ولا من الشهب وأن الكواكب والشهب في أفلاكها وهي السماوات ms6776 ~~الست والعرش ، فعلى هذا يكون النظام الشمسي كله ليس من أحوال السماء ~~PageV23P088 الدنيا . ومعنى تزيين السماء الدنيا بالكواكب والشهب على هذا ~~الاحتمال أن الله تعالى جعل أديم السماء الدنيا قابلا لاختراق أنوار ~~الكواكب في نصف الكرة السماوية الذي يغشاه الظلام من تباعد نور الشمس عنه ~~فتلوح أنوار الكواكب متلألئة في الليل فتكون تلك الأضواء زينة للسماء ~~الدنيا تزدان بها . # والآية صالحة للاحتمالين لأنها لم يثبت فيها إلا أن السماء الدنيا تزدان ~~بزينة الكواكب ، وذلك لا يقتضي كون الكواكب سابحة في السماء الدنيا . ~~فالزينة متعلقة بالناس ، والأشياء التي يزدان بها الناس مغايرة لهم منفصلة ~~عنهم ومثله قولنا : ازدان البحر بأضواء القمر . # وقرأ الجمهور { بزينة الكواكب } بإضافة { زينة } إلى { الكواكب . } وقرأ ~~حمزة { بزينة الكواكب } بتنوين { زينة } وجر { الكواكب } على أن { الكواكب ~~} بدل من { زينة } . وقرأه أبو بكر عن عاصم بتنوين { زينة } ونصب { الكواكب ~~} على الاختصاص بتقدير : أعني . # وقد تقدم الكلام على زينة السماء بالكواكب وكونها حفظا من الشياطين عند ~~قوله تعالى : { ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين وحفظناها من ~~كل شيطان رجيم في سورة الحجر ( 16 ، 17 ) . وتقدم ذكر الكواكب في قوله : ~~رأى كوكبا في سورة الأنعام . # وانتصب حفظا } بالعطف على { بزينة الكواكب } عطفا على المعنى كما ذهب ~~إليه في ( الكشاف ) وبينه ما بيناه آنفا من أن قوله : { بزينة الكواكب } في ~~قوة أن يقال : بالكواكب زينة ، وعامله { زينا . # والحفظ من الشياطين حكمة من حكم خلق الكواكب في علم الله تعالى لأن ~~الكواكب خلقت قبل استحقاق الشياطين الرجم فإن ذلك لم يحصل إلا بعد أن أطرد ~~إبليس من عالم الملائكة فلم يحصل شرط اتحاد المفعول لأجله مع عامله في ~~الوقت ، وأبو علي الفارسي لا يرى اشتراط ذلك . ولعل الزمخشري يتابعه على ~~ذلك حيث جعله مفعولا لأجله وهو الحق لأنه قد يكون على اعتباره علة مقدرة ~~كما جوز في الحال أن تكون مقدرة . PageV23P089 ولك أن تجعل حفظا } منصوبا ~~على المفعول المطلق الآتي بدلا من فعله فيكون في تقدير : وحفظنا ، عطفا على ~~{ زينا ، } أي ms6777 حفظنا بالكواكب من كل شيطان مارد . وهذا قول المبرد . ~~والمحفوظ هو السماء ، أي وحفظناها بالكواكب من كل شيطان . # وليس الذي به الحفظ هو جميع الذي به التزيين بل العلة موزعة فالذي هو ~~زينة مشاهد بالأبصار ، والذي هو حفظ هو المبين بقوله : { فأتبعه شهاب ثاقب ~~} ( الصافات : 10 ) . # ومعنى كون الكواكب حفظا من الشياطين أن من جملة الكواكب الشهب التي ترجم ~~بها الشياطين عند محاولتها استراق السمع فتفر الشياطين خشية أن تصيبها ~~لأنها إذا أصابت أشكالها اخترقتها فتفككت فلعلها تزول أشكالها بذلك التفكك ~~فتنعدم بذلك قوام ماهيتها أو تتفرق لحظة لم تلتئم بعد فتتألم من ذلك الخرق ~~والالتئام فإن تلك الشهب التي تلوح للناظر قطعا لامعة مثل النجوم جارية في ~~السماء إنما هي أجسام معدنية تدور حول الشمس وعندما تقرب إلى الأرض تتغلب ~~عليها جاذبية الأرض فتنزعها من جاذبية الشمس فتنقض بسرعة نحو مركز الأرض ~~ولشدة سرعة انقضاضها تولد في الجو الكروي حرارة كافية لإحراق الصغار منها ~~وتحمى الكبار منها إلى درجة من الحرارة توجب لمعانها وتسقط حتى تقع على ~~الأرض في البحر غالبا وربما وقعت على البر ، وقد يعثر عليها بعض الناس إذ ~~يجدونها واقعة على الأرض قطعا معدنية متفاوتة وربما أحرقت ما تصيبه من شجر ~~أو منازل . وقد أرخ نزول بعضها سنة قبل ميلاد المسيح ببلاد الصين فكسر عدة ~~مركبات وقتل رجالا ، وقد ذكرها العرب في شعرهم قبل الإسلام قال دوس بن حجر ~~يصف ثورا وحشيا : # فانقض كالدري يتبعه # نقع يثور تخاله طنبا # وقال بشر بن خازم أبي خازم أنشده الجاحظ في ( الحيوان ) : # والعير يرهقها الخبار وجحشها # ينقض خلفهما انقاضا الكواكب # وفي سنة سجل مرور كريات نارية في الجو أحرقت بيوتا عدة . PageV23P090 ~~وسقطت بالقطر التونسي مرتين أو ثلاث مرات ، منها قطعة سقطت في أوائل هذا ~~القرن وسط المملكة أحسب أنها بجهات تالة ورأيت شظية منها تشبه الحديد ، ~~والعامة يحسبونها صاعقة ويسمون ذلك حجر الصاعقة ، وتساقطها يقع في الليل ~~والنهار ولكنا لا نشاهد مرورها في النهار لأن شعاع الشمس يحجبها عن ms6778 الأنظار ~~. # ومما علمت من تدحرج هذه الشهب من فلك الشمس إلى فلك الأرض تبين لك سبب ~~كونها من السماء الدنيا وسبب اتصالها بالأجرام الشيطانية الصاعدة من الأرض ~~تتطلب الاتصال بالسماوات . وقد سميت شهبا على التشبيه بقبس النار وهو الجمر ~~، وقد تقدم في قوله تعالى : { أو آتيكم بشهاب قبس في سورة النمل . # والمارد : الخارج عن الطاعة الذي لا يلابس الطاعة ساعة قال تعالى : ومن ~~أهل المدينة مردوا على النفاق } ( التوبة : 101 ) . وفي وصفه بالمارد إشارة ~~إلى أن ما يصيب إخوانه من الضر بالشهب لا يعظه عن تجديد محاولة الاستراق ~~لما جبل عليه طبعه الشيطاني من المداومة على تلك السجايا الخبيثة كما لا ~~ينزجر الفراش عن التهافت حول المصباح بما يصيب أطراف أجنحته من مس النار . # ( 8 10 ) # اعتراض بين جملة { إنا زينا السماء الدنيا } ( الصافات : 6 ) وجملة { ~~فاستفتهم أهم أشد خلقا } ( الصافات : 11 ) قصد منه وصف قصة طرد الشياطين . # وعلى تقدير قوله : { وحفظا } ( الصافات : 7 ) مصدرا نائبا مناب فعله يجوز ~~جعل جملة { لا يسمعون } بيانا لكيفية الحفظ فتكون الجملة في موقع عطف ~~البيان من جملة { وحفظا } على حد قوله تعالى : { فوسوس إليه الشيطان قال يا ~~آدم هل أدلك } ( طه : 120 ) الآية ، أي انتفى بذلك الحفظ سمع الشياطين ~~للملأ الأعلى . PageV23P091 # وحرف { إلى } يشير إلى تضمين فعل { يسمعون } معنى ينتهون فيسمعون ، أي لا ~~يتركهم الرمي بالشهب منتهين إلى الملأ الأعلى انتهاء الطالب المكان المطلوب ~~بل تدحرهم قبل وصولهم فلا يتلقفون من علم ما يجري في الملأ الأعلى الأشياء ~~مخطوفة غير متبينة ، وذلك أبعد لهم من أن يسمعوا لأنهم لا ينتهون فلا ~~يسمعون . وفي ( الكشاف ) : أن سمعت المعدى بنفسه يفيد الإدراك ، وسمعت ~~المعدى ب { إلى } يفيد الإصغاء مع الإدراك . # وقرأ الجمهور : { لا يسمعون } بسكون السين وتخفيف الميم . وقرأه حمزة ~~والكسائي وحفص عن عاصم وخلف { لا يسمعون } بتشديد السين وتشديد الميم ~~مفتوحتين على أن أصله : لا يتسمعون فقلبت التاء سينا توصلا إلى الإدغام ، ~~والتسمع : تطلب السمع وتكلفه ، فالمراد التسمع المباشر ، وهو الذي يتهيأ له ~~إذا ms6779 بلغ المكان الذي تصل إليه أصوات الملأ الأعلى ، أي أنهم يدحرون قبل ~~وصولهم المكان المطلوب ، والقراءتان في معنى واحد . وما نقل عن أبي عبيد من ~~التفرقة بينهما في المعنى والاستعمال لا يصح . # وحاصل معنى القراءتين أن الشهب تحول بين الشياطين وبين أن يسمعوا شيئا من ~~الملأ الأعلى وقد كانوا قبل البعثة المحمدية ربما اختطفوا الخطفة فألقوها ~~إلى الكهان فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم قدر زيادة حراسة السماء ~~بإرداف الكواكب بعضها ببعض حتى لا يرجع من خطف الخطفة سالما كما دل عليه ~~قوله : { إلا من خطف الخطفة } ، فالشهب كانت موجودة من قبل وكانت لا تحول ~~بين الشياطين وبين تلقف أخبار مقطعة من الملأ الأعلى فلما بعث محمد صلى ~~الله عليه وسلم حرمت الشياطين من ذلك . # و { الملأ } : الجماعة أهل الشأن والقدر . والمراد بهم هنا الملائكة . ~~ووصف { الملإ } ب { الأعلى } لتشريف الموصوف . # والقذف : الرجم ، والجانب : الجهة ، والدحور : الطرد . وانتصب على أنه ~~مفعول مطلق ل { يقذفون } . وإسناد فعل { يقذفون } للمجهول لأن القاذف معلوم ~~وهم الملائكة الموكلون بالحفظ المشار إليه في قوله تعالى : { وإنا لمسنا ~~السماء PageV23P092 فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا } ( الجن : 8 ) . # والعذاب الواصب : الدائم يقال : وصب يصب وصوبا ، إذا دام . والمعنى : ~~أنهم يطردون في الدنيا ويحقرون ولهم عذاب دائم في الآخرة فإن الشياطين ~~للنار { فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا في سورة مريم ~~، ويجوز أن يكون المراد عذاب القذف وأنه واصب ، أي لا ينفك عنهم كلما ~~حاولوا الاستراق لأنهم مجبولون على محاولته . # وجملة ولهم عذاب واصب } معترضة بين الجملة المشتملة على المستثنى منه وهي ~~جملة { لا يسمعون إلى الملإ الأعلى } وبين الاستثناء . # و { من خطف الخطفة } مستثنى من ضمير { لا يسمعون } فهو في محل رفع على ~~البدلية منه . # والخطف : ابتدار تناول شيء بسرعة ، و { الخطفة } المرة منه . فهو مفعول ~~مطلق ل { خطف } لبيان عدد مرات المصدر ، أي خطفة واحدة ، وهو هنا مستعار ~~للإسراع بسمع ما يستطيعون سمعه من كلام غير تام كقوله تعالى : { يكاد البرق ~~يخطف أبصارهم ms6780 في سورة البقرة . # وأتبعه بمعنى تبعه فهمزته لا تفيده تعدية ، وهي كهمزة أبان بمعنى بان . # والشهاب : القبس والجمر من النار . والمراد به هنا ما يسمى بالنيزك في ~~اصطلاح علم الهيئة ، وتقدم في قوله : فأتبعه شهاب مبين في سورة الحجر . # والثاقب : الخارق ، أي الذي يترك ثقبا في الجسم الذي يصيبه ، أي ثاقب له ~~. وعن ابن عباس : الشهاب لا يقتل الشيطان الذي يصيبه ولكنه يحترق ويخبل ، ~~أي يفسد قوامه فتزول خصائصه ، فإن لم يضمحل فإنه يصبح غير قادر على محاولة ~~استراق السمع مرة أخرى ، أي إلا من تمكن من الدنو إلى محل يسمع فيه كلمات ~~من كلمات الملأ الأعلى فيردف بشهاب يثقبه فلا يرجع إلى حيث صدر ، وهذا من ~~خصائص ما بعد البعثة المحمدية . # وقد تقدم الكلام على استراق السمع عند قوله تعالى : وما تنزلت به ~~الشياطين وما ينبغي لهم في سورة الشعراء ( 210 ، 211 ) . PageV23P093 # } # الفاء تفريع على قوله : { إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب } ( ~~الصافات : 6 ) باعتبار ما يقتضيه من عظيم القدرة على الإنشاء ، أي فسلهم عن ~~إنكارهم البعث وإحالتهم إعادة خلقهم بعد أن يصيروا عظاما ورفاتا ، أخلقهم ~~حينئذ أشد علينا أم خلق تلك المخلوقات العظيمة ؟ # وضمير الغيبة في قوله : { فاستفتهم } عائد إلى غير مذكور للعلم به من ~~دلالة المقام وهم الذين أحالوا إعادة الخلق بعد الممات . وكذلك ضمائر ~~الغيبة الآتية بعده وضمير الخطاب منه موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أي ~~فسلهم ، وهو سؤال محاجة وتغليط . # والاستفتاء : طلب الفتوى بفتح الفاء وبالواو ، ويقال : الفتيا بضم الفاء ~~وبالياء . وهي إخبار عن أمر يخفى عن غير الخواص في غرض ما . وهي : # إما إخبار عن علم مختص به المخبر قال تعالى : { يوسف أيها الصديق أفتنا ~~في سبع بقرات } ( يوسف : 46 ) الآية ، وقال : { يستفتونك قل الله يفتيكم في ~~الكلالة } ( النساء : 176 ) ، وتقدم في قوله : { الذي فيه تستفتيان في سورة ~~يوسف . # وإما إخبار عن رأي يطلب من ذي رأي موثوق به ومنه قوله تعالى : قالت يا ~~أيها الملأ أفتوني في أمري في سورة النمل ms6781 . # والمعنى : فاسألهم عن رأيهم فلما كان المسؤول عنه أمرا محتاجا إلى إعمال ~~نظر أطلق على الاستفهام عنه فعل الاستفتاء . # وهمزة : أهم أشد خلقا } للاستفهام المستعمل للتقرير بضعف خلق البشر ~~بالنسبة للمخلوقات السماوية لأن الاستفهام يؤول إلى الإقرار حيث إنه يلجىء ~~المستفهم إلى الإقرار بالمقصود من طرفي الاستفهام ، فالاستفتاء في معنى ~~الاستفهام فهو يستعمل في كل ما يستعمل فيه الاستفهام . و { أشد } بمعنى : ~~أصعب وأعسر . PageV23P094 # و { خلقا } تمييز ، أي أخلقهم أشد أم خلق من خلقنا الذي سمعتم وصفه . # والمراد ب { من خلقنا } ما خلقه الله من السماوات والأرض وما بينهما ~~الشامل للملائكة والشياطين والكواكب المذكورة آنفا بقرينة إيراد فاء ~~التعقيب بعد ذكر ذلك ، وهذا كقوله تعالى : { أأنتم أشد خلقا أم السماء } ( ~~النازعات : 27 ) ونحوه . # وجيء باسم العاقل وهو { من } الموصولة تغليبا للعاقلين من المخلوقات . # وجملة { إنا خلقناهم من طين لازب } في موضع العلة لما يتولد من معنى ~~الاستفهام في قوله : { أهم أشد خلقا أم من خلقنا } من الإقرار بأنهم أضعف ~~خلقا من خلق السماوات وعوالمها احتجاجا عليهم بأن تأتي خلقهم بعد الفناء ~~أهون من تأتي المخلوقات العظيمة المذكورة آنفا ولم تكن مخلوقة قبل فإنهم ~~خلقوا من طين لأن أصلهم وهو آدم خلق من طين كما هو مقرر لدى جميع البشر ~~فكيف يحيلون البعث بمقالاتهم التي منها قولهم : { أإذا متنا وكنا ترابا ~~وعظاما أءنا لمبعوثون } ( الصافات : 16 ) . # والطين : التراب المخلوط بالماء . # واللازب : اللاصق بغيره ومنه أطلق على الأمر الواجب ( لازب ) في قول ~~النابغة : # ولا يحسبون الشر ضربة لازب # وقد قيل : إن باء لازب بدل من ميم لازم ، والمعنى : أنه طين عتيق صار ~~حمأة . وضمير { إنا خلقناهم } عائد إلى المشركين وهو على حذف مضاف ، أي ~~خلقنا أصلهم وهو آدم فإنه الذي خلق من طين لازب ، فإذا كان أصلهم قد أنشىء ~~من تراب فكيف ينكرون إمكان إعادة كل آدمي من تراب . # ( 12 14 ) # { بل } للإضراب الانتقالي من التقرير التوبيخي إلى أن حالهم عجب . # وقرأ الجمهور { بل عجبت } بفتح التاء للخطاب . والخطاب للنبيء صلى الله ms6782 ~~عليه وسلم PageV23P095 المخاطب بقوله : { فاستفتهم } ( الصافات : 11 ) . ~~وفعل المضي مستعمل في معنى الأمر وهو من استعمال الخبر في معنى الطلب ~~للمبالغة كما يستعمل الخبر في إنشاء صيغ العقود نحو : بعت . والمعنى : اعجب ~~لهم . ويجوز أن يكون العجب قد حصل من النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى ~~إعراضهم وقلة إنصافهم فيكون الخبر مستعملا في حقيقته . ويجوز أن يكون ~~الكلام على تقدير همزة الاستفهام ، أي بل أعجبت . # والمعنى على الجميع : أن حالهم حرية بالتعجب كقوله تعالى : { وإن تعجب ~~فعجب قولهم أإذا كنا ترابا أإنا لفي خلق جديد في سورة الرعد } . # وقرأ حمزة والكسائي وخلف { بل عجبت } بضم التاء للمتكلم فيجوز أن يكون ~~المراد : أن الله أسند العجب إلى نفسه . ويعرف أنه ليس المراد حقيقة العجب ~~المستلزمة الروعة والمفاجأة بأمر غير مترقب بل المراد التعجيب أو الكناية ~~عن لازمه ، وهو استعظام الأمر المتعجب منه . وليس لهذا الاستعمال نظير في ~~القرآن ولكنه تكرر في كلام النبوءة منه قوله صلى الله عليه وسلم ( إن الله ~~ليعجب من رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة يقاتل هذا في سبيل الله ~~فيقتل ثم يتوب الله على القاتل فيستشهد ) رواه النسائي بهذا اللفظ . يعني ~~ثم يسلم القاتل الذي كان كافرا فيقاتل فيستشهد في سبيل الله . # وقوله في حديث الأنصاري وزوجه إذ أضافا رجلا فأطعماه عشاءهما وتركا ~~صبيانهما ( عجب الله من فعالكما ) . # ونزل فيه { ويؤثرون على أنفسهم } ( الحشر : 9 ) . وقوله : ( عجب الله من ~~قوم يدخلون الجنة في السلاسل ) . وإنما عدل عن الصريح وهو الاستعظام لأن ~~الكناية أبلغ من التصريح ، والصارف عن معنى اللفظ الصريح في قوله : { عجبت ~~} ما هو معلوم من مخالفته تعالى للحوادث . PageV23P096 ويجوز أن يكون أطلق ~~{ عجبت } على معنى المجازاة على عجبهم لأن قوله : { فاستفتهم أهم أشد خلقا ~~} ( الصافات : 11 ) دل على أنهم عجبوا من إعادة الخلق فتوعدهم الله بعقاب ~~على عجبهم . وأطلق على ذلك العقاب فعل { عجبت } كما أطلق على عقاب مكرهم ~~المكر في قوله : { ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين } ( آل عمران : 54 ~~) . # والواو في ms6783 { ويسخرون } واو الحال ، والجملة في موضع الحال من ضمير { عجبت ~~} أي كان أمرهم عجبا في حال استسخارهم بك في استفتائهم . وجيء بالمضارع في ~~{ يسخرون } لإفادة تجدد السخرية ، وأنهم لا يرعوون عنها . # والسخرية : الاستهزاء ، وتقدمت في قوله تعالى : { فحاق بالذين سخروا منهم ~~في سورة الأنعام } . # والتذكير بأن يذكروا ما يغفلون عنه من قدرة الله تعالى عليهم ، ومن تنظير ~~حالهم بحال الأمم التي استأصلها الله تعالى فلا يتعظوا بذلك عنادا فأطلق { ~~لا يذكرون } على أثر الفعل ، أي لا يحصل فيهم أثر تذكر ما يذكرون به وإن ~~كانوا قد ذكروا ذلك . ويجوز أن يراد لا يذكرون ما ذكروا به ، أي لشدة ~~إعراضهم عن التأمل فيما ذكروا به لاستقرار ما ذكروا به في عقولهم فلا ~~يذكرون ما هم غافلون عنه ، على حد قوله تعالى : { أم تحسب أن أكثرهم يسمعون ~~أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام } ( الفرقان : 44 ) . # و { وإذا رأوا ءاية } أي خارق عادة أظهره الرسول صلى الله عليه وسلم دالا ~~على صدقه لأن الله تعالى لا يغير نظام خلقته في هذا العالم إلا إذا أراد ~~تصديق الرسول لأن خرق العادة من خالق العادات وناظم سنن الأكوان قائم مقام ~~قوله : صدق هذا الرسول فيما أخبر به عني . وقد رأوا انشقاق القمر ، فقالوا ~~: هذا سحر ، قال تعالى : { اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا ~~ويقولوا سحر مستمر } ( القمر : 1 ، 2 ) . PageV23P097 # و { يستسخرون } مبالغة في السخرية فالسين والتاء للمبالغة كقوله : { ~~فاستجاب لهم ربهم } ( آل عمران : 195 ) وقوله : { فاستمسك بالذي أوحي إليك ~~} ( الزخرف : 43 ) . # فالسخرية المذكورة في قوله : { ويسخرون } سخرية من محاجة النبي صلى الله ~~عليه وسلم إياهم بالأدلة . والسخرية المذكورة هنا سخرية من ظهور الآيات ~~المعجزات ، أي يزيدون في السخرية بمن ظن منهم أن ظهور المعجزات يحول بهم عن ~~كفرهم ، ألا ترى أنهم قالوا : { إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا ~~عليها } ( الفرقان : 42 ) . # ( 15 19 ) { } # عطف على جملة { فاستفتهم أهم أشد خلقا } ( الصافات : 11 ) الآية . ~~والإشارة في قوله : { إن هاذا إلا سحر مبين ms6784 } إلى مضمون قوله : { فاستفتهم ~~أهم أشد خلقا } وهو إعادة الخلق عند البعث ، ويبينه قوله : { أءذا متنا ~~وكنا ترابا وعظاما إنا لمبعوثون } ، أي وقالوا في رد الدليل الذي تضمنه ~~قوله : { أهم أشد خلقا أم من خلقنا } ( الصافات : 11 ) أي أجابوا بأن ادعاء ~~إعادة الحياة بعد البلى كلام سحر مبين ، أي كلام لا يفهم قصد به سحر السامع ~~. هذا وجه تفسير هذه الآية تفسيرا يلتئم به نظمها خلافا لما درج عليه ~~المفسرون . # وقرأ نافع وحده { إنا لمبعوثون } بهمزة واحدة هي همزة { إن } باعتبار أنه ~~جواب { إذا } الواقعة في حيز الاستفهام فهو من حيز الاستفهام . وقرأ غير ~~نافع { أإنا } بهمزتين : إحداهما همزة الاستفهام مؤكدة للهمزة الداخلة على ~~{ إذا } . # وقوله : { أو ءاباؤنا } قرأه قالون عن نافع وابن عامر وأبو جعفر بسكون ~~واو { أو على أن الهمزة مع الواو حرف واحد هو أو } العاطفة المفيدة للتقسيم ~~هنا . PageV23P098 ووجه العطف ب { أو } هو جعلهم الآباء الأولين قسما آخر ~~فكان عطفه ارتقاء في إظهار استحالة إعادة هذا القسم لأن آباءهم طالت عصور ~~فنائهم فكانت إعادة حياتهم أوغل في الاستحالة . وقرأ الباقون بفتح الواو ~~على أن الواو واو العطف والهمزة همزة استفهام فهما حرفان . وقدمت همزة ~~الاستفهام على حرف العطف حسب الاستعمال الكثير . والتقدير : وأآباؤنا ~~الأولون مثلنا . # وعلى كلتا القراءتين فرفعه بالعطف على محل اسم { إن الذي كان مبتدأ قبل ~~دخول إن ، والغالب في العطف على اسم إن يرفع المعطوف اعتبارا بالمحل كما في ~~قوله تعالى : أن الله بريء من المشركين ورسوله } ( التوبة : 3 ) أو يجعل ~~معطوفا على الضمير المستتر في خبر { إن وهو هنا مرفوع بالنيابة عن الفاعل ~~ولا يضر الفصل بين المعطوف عليه الذي هو ضمير متصل وبين حرف العطف ، أو بين ~~المعطوف عليه والمعطوف بالهمزة المفضي إلى إعمال ما قبل الهمزة فيما بعدها ~~وذلك ينافي صدارة الاستفهام لأن صدارة الاستفهام بالنسبة إلى جملته فلا ~~ينافيها عمل عامل من جملة قبله لأن الإعمال اعتبار يعتبره المتكلم ويفهمه ~~السامع فلا ينافي الترتيب اللفظي . # والاستفهام في قوله : أإذا ms6785 متنا } إنكاري كما تقدم فلذلك كان قوله تعالى ~~: { قل نعم } جوابا لقولهم { أءذا متنا } على طريقة الأسلوب الحكيم بصرف ~~قصدهم من الاستفهام إلى ظاهر الاستفهام فجعلوا كالسائلين : أيبعثون ؟ فقيل ~~لهم : نعم ، تقريرا للبعث المستفهم عنه ، أي نعم تبعثون . وجيء ب { قل } ~~غير معطوف لأنه جار على طريقة الاستعمال في حكاية المحاورات كما تقدم عند ~~قوله تعالى : { قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها في سورة البقرة } . # و { أنتم داخرون } جملة في موضع الحال . والداخر : الصاغر الذليل ، أي ~~تبعثون بعث إهانة مؤذنة بترقب العقاب لا بعث كرامة . # وفرع على إثبات البعث الحاصل بقوله : { نعم } ، أن بعثهم وشيك الحصول لا ~~يقتضي معالجة ولا زمنا إن هي إلا إعادة تنتظر زجرة واحدة . PageV23P099 # والزجرة : الصيحة ، وقد تقدم آنفا قوله تعالى : { فالزاجرات زجرا } ( ~~الصافات : 2 ) . # و { واحدة } تأكيد لما تفيده صيغة الفعلة من معنى المرة لدفع توهم أن ~~يكون المراد من الصيحة الجنس دون الوجود لأن وزن الفعلة يجيء لمعنى المصدر ~~دون المرة . وضمير { هي } ضمير القصة والشأن وهو لا معاد له إنما تفسره ~~الجملة التي بعده . وفرع عليه { فإذا هم ينظرون } ودل فاء التفريع على ~~تعقيب المفاجأة ، ودل حرف المفاجأة على سرعة حصول ذلك . وقد تقدم ذلك في ~~قوله تعالى : { إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون في سورة ~~يس } . # وكني عن الحياة الكاملة التي لا دهش يخالطها بالنظر في قوله : { ينظرون } ~~لأن النظر لا يكون إلا مع تمام الحياة . وأوثر النظر من بين بقية الحواس ~~لمزيد اختصاصه بالمقام وهو التعريض بما اعتراهم من البهت لمشاهدة الحشر . # يجوز أن تكون الواو للحال ، أي قائلين { ياويلنا } أي يقول جميعهم : يا ~~ويلنا يقوله كل أحد عنه وعن أصحابه . ويجوز أن يكون عطفا على جملة { ينظرون ~~} ( الصافات : 19 ) . والمعنى : ونظروا وقالوا . # والويل : سوء الحال . وحرف النداء للاهتمام . وقد تقدم نظيره في قوله ~~تعالى : { يا حسرة على العباد في سورة يس } . # والإشارة إلى اليوم المشاهد . و { الدين } : الجزاء ، وتقدم في سورة ~~الفاتحة . # يجوز أن يكون هذا ms6786 كلاما موجها إليهم من جانب الله تعالى جوابا عن قولهم : ~~PageV23P100 { ياويلنا هذا يوم الدين } ( الصافات : 20 ) ، والخبر مستعمل ~~في التعريض بالوعيد ، ويجوز أن يكون من تمام قولهم ، أي يقول بعضهم لبعض { ~~هذا يوم الفصل } . # و { الفصل } : تمييز الحق من الباطل ، والمراد به الحكم والقضاء ، أي هذا ~~يوم يفضي عليكم بما استحققتموه من العقاب . # ( 22 26 ) # تخلص من الإنذار بحصول البعث إلى الإخبار عما يحل بهم عقبه إذا ثبتوا على ~~شركهم وإنكارهم البعث والجزاء . # و { احشروا } أمر ، وهو يقتضي آمرا ، أي ناطقا به ، فهذا مقول لقول محذوف ~~لظهور أنه لا يصلح للتعلق بشيء مما سبقه ، وحذف القول من حديث البحر ، ~~وظاهر أنه أمر من قبل الله تعالى للملائكة الموكلين بالناس يوم الحساب . # والحشر : جمع المتفرقين إلى مكان واحد . # و { الذين ظلموا } : المشركون { إن الشرك لظلم عظيم } ( لقمان : 13 ) . # والأزواج ظاهره أن المراد به حلائلهم وهو تفسير مجاهد والحسن . وروي عن ~~النعمان بن بشير يرويه عن عمر بن الخطاب وتأويله : أنهن الأزواج الموافقات ~~لهم في الإشراك ، أما من آمن فهن ناجيات من تبعات أزواجهن وهذا كذكر أزواج ~~المؤمنين في قوله تعالى : { هم وأزواجهم في ظلال } ( يس : 56 ) فإن المراد ~~أزواجهم المؤمنات فأطلق حملا على المقيد في قوله : { ومن صلح من آبائهم ~~وأزواجهم وذرياتهم } ( الرعد : 23 ) . # وذكر الأزواج إبلاغ في الوعيد والإنذار لئلا يحسبوا أن النساء المشركات ~~لا تبعة عليهن . وذلك مثل تخصيصهن بالذكر في قوله تعالى : { الحر بالحر ~~والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى في سورة البقرة } . PageV23P101 # وقيل : الأزواج : الأصناف ، أي أشياعهم في الشرك وفروعه قاله قتادة وهو ~~رواية عن عمر بن الخطاب وابن عباس . # وعن الضحاك : الأزواج المقارنون لهم من الشياطين . # وضمير { يعبدون } عائد إلى { الذين ظلموا وأزواجهم } . وما صدق { ما } ~~غير العقلاء ، فأما العقلاء فلا تزر وازرة وزر أخرى . # والضمير المنصوب في { فاهدوهم } عائد إلى { الذين ظلموا وأزواجهم وما ~~كانوا يعبدون من دون الله ، } أي الأصنام . وعطف { فاهدوهم } بفاء التعقيب ~~إشارة إلى سرعة الأمر بهم إلى النار عقب ذلك الحشر فالأمر بالأصالة ms6787 في ~~القرآن . # والهداية والهدي : الدلالة على الطريق لمن لا يعرفه ، فهي إرشاد إلى ~~مرغوب وقد غلبت في ذلك ، لأن كون المهدي راغبا في معرفة الطريق من لوازم ~~فعل الهداية ولذلك تقابل بالضلالة وهي الحيرة في الطريق ، فذكر { اهدوهم } ~~هنا تهكم بالمشركين ، كقول عمرو بن كلثوم : # قريناكم فعجلنا قراكم # قبيل الصبح مرادة طحونا # والصراط : الطريق ، أي طريق جهنم . # ومعنى : { وقفوهم } أمر بإيقافهم في ابتداء السير بهم لما أفاده الأمر من ~~الفور بقرينة فاء التعقيب التي عطفته ، أي احبسوهم عن السير قليلا ليسألوا ~~سؤال تأييس وتحقير وتغليظ ، فيقال لهم : { ما لكم لا تناصرون } ، أي ما لكم ~~لا ينصر بعضكم بعضا فيدفع عنه الشقاء الذي هو فيه ، وأين تناصركم الذي كنتم ~~تتناصرون في الدنيا وتتألبون على الرسول وعلى المؤمنين . # فالاستفهام في { ما لكم لا تناصرون } مستعمل في التعجيز مع التنبيه على ~~الخطأ الذي كانوا فيه في الحياة الدنيا . [ # وجملة { ما لكم لا تناصرون } مبينة لإبهام { مسؤولون } وهو استفهام ~~مستعمل في التعجيب للتذكير بما يسوءهم ، فظهر أن السؤال ليس على حقيقته ~~PageV23P102 وإنما أريد به لازمه وهو التعجيب ، والمعنى : أي شيء اختص بكم ~~، ف { ما الاستفهامية مبتدأ ولكم } خبر عنه . # وجملة { لا تناصرون } حال من ضمير { لكم } وهي مناط الاستفهام ، أي أن ~~هذه الحالة تستوجب التعجب من عدم تناصركم . وقرأ الجمهور { لا تناصرون } ~~بتخفيف المثناة الفوقية على أنه من حذف إحدى التاءين . وقرأه البزي عن ابن ~~كثير وأبو جعفر بتشديد المثناة على إدغام إحدى التاءين في الأخرى . # والإضراب المستفاد من { بل } إضراب لإبطال إمكان التناصر بينهم وليس ذلك ~~مما يتوهمه السمع ، فلذلك كان الإضراب تأكيدا لما دل عليه الاستفهام من ~~التعجيز . # والاستسلام : الإسلام القوي ، أي إسلام النفس وترك المدافعة فهو مبالغة ~~في أسلم . # وذكر { اليوم } لإظهار النكاية بهم ، أي زال عنهم ما كان لهم من تناصر ~~وتطاول على المسلمين قبل اليوم ، أي في الدنيا إذ كانوا يقولون : { نحن ~~جميع منتصر } ( القمر : 44 ) وقد قالها أبو جهل يوم بدر ، أي نحن جماعة لا ~~تغلب فكان لذكر ms6788 اليوم وقع بديع في هذا المقام . # ( 27 32 ) { } # عطف على { مستسلمون } ( الصافات : 26 ) أي استسلموا وعاد بعضهم على بعض ~~باللائمة والمتسائلون : المتقاولون وهم زعماء أهل الشرك ودهماؤهم كما تبينه ~~حكاية تحاورهم من قوله : { وما كان لنا عليكم من سلطان } وقوله : { ~~فأغويناكم } الخ . PageV23P103 # وعبر عن إقبالهم بصيغة المضي وهو مما سيقع في القيامة ، تنبيها على تحقيق ~~وقوعه لأن لذلك مزيد تأثير في تحذير زعمائهم من التغرير بهم ، وتحذير ~~دهمائهم من الاغترار بتغريرهم ، مع أن قرينة الاستقبال ظاهرة من السياق من ~~قوله : { فإذا هم ينظرون } ( الصافات : 19 ) الآية . # والإقبال : المجيء من جهة قبل الشيء ، أي من جهة وجهه وهو مجيء المتجاهر ~~بمجيئه غير المتختل الخائف . واستعير هنا للقصد بالكلام والاهتمام به كأنه ~~جاءه من مكان آخر . # فحاصل المعنى حكاية عتاب ولوم توجه به الذين اتبعوا على قادتهم وزعمائهم ~~، ودلالة التركيب عليه أن يكون الإتيان أطلق على الدعاية والخطابة فيهم لأن ~~الإتيان يتضمن القصد دون إرادة مجيء ، كقول النابغة : # آتاك امرؤ مستبطن لي بغضة # وقد تقدم استعماله واستعمال مرادفه وهو المجيء معا في قوله تعالى : { ~~قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون وأتيناك بالحق الآية في سورة الحجر } ~~( 63 ، 64 ) . أو أن يكون اليمين مرادا به جهة الخير لأن العرب تضيف الخير ~~إلى جهة اليمين . وقد اشتقت من اليمن وهو البركة ، وهي مؤذنة بالفوز ~~بالمطلوب عندهم . وعلى ذلك جرت عقائدهم في زجر الطير والوحش من التيمن ~~بالسانح ، وهو الوارد من جهة يمين السائر ، والتشاؤم ، أي ترقب ورود الشر ~~من جهة الشمال . # وكان حق فعل { تأتوننا } أن يعدى إلى جهة اليمين بحرف ( من ) فلما عدي ~~بحرف { عن } الذي هو للمجاوزة تعين تضمين { تأتوننا } معنى ( تصدوننا ) ~~ليلائم معنى المجاوزة ، أي تأتوننا صاديننا عن اليمين ، أي عن الخير . فهذا ~~وجه تفسير الآية الذي اعتمده ابن عطية والزمخشري وقد اضطرب كثير في تفسيرها ~~. قال ابن عطية ما خلاصته : اضطرب المتأولون في معنى قولهم : { عنن اليمين ~~} فعبر عنه ابن زيد وغيره بطريق الجنة ونحو هذا من العبارات التي ms6789 هي تفسير ~~بالمعنى ولا تختص بنفس اللفظة ، وبعضهم أيضا نحا في تفسيره إلى ما يخص ~~اللفظة فتحصل من ذلك معان منها : أن يريد باليمين القوة والشدة ( قلت وهو ~~عن ابن عباس والفراء ) PageV23P104 فكأنهم قالوا إنكم كنتم تغروننا بقوة ~~منكم ، ومن المعاني التي تحتملها الآية أن يريدوا : تأتوننا من الجهة التي ~~يحسنها تمويهكم وإغواؤكم وتظهرون فيها أنها جهة الرشد ( وهو عن الزجاج ~~والجبائي ) ومما تحتمله الآية أن يريدوا : إنكم كنتم تأتوننا ، أي تقطعون ~~بنا عن أخبار الخير واليمن ، فعبروا عنها باليمين ، ومن المعاني أن يريدوا ~~: أنكم تجيئون من جهة الشهوات وعدم النظر لأن جهة يمين الإنسان فيها كبده ~~وجهة شماله فيها قلبه وأن نظر الإنسان في قلبه وقيل : تحلفون لنا ا . ه . # وجواب الزعماء بقولهم : { بل لم تكونوا مؤمنين } إضراب إبطال لزعم ~~الأتباع أنهم الذين صدوهم عن طريق الخير أي بل هم لم يكونوا ممن يقبل ~~الإيمان لأن تسليط النفي على فعل الكون دون أن يقال : بل لم تؤمنوا ، مشعر ~~بأن الإيمان لم يكن من شأنهم ، أي بل كنتم أنتم الآبين قبول الإيمان . و { ~~ما كان لنا عليكم من سلطان } أي من قهر وغلبة حتى نكرهكم على رفض الإيمان ، ~~ولذلك أكدوا هذا المعنى بقولهم : { بل كنتم قوما طاغين } ، أي كان الطغيان ~~وهو التكبر عن قبول دعوة رجل منكم شأنكم وسجيتكم ، فلذلك أقحموا لفظ { قوما ~~} بين ( كان ) وخبرها لأن استحضارهم بعنوان القومية في الطغيان يؤذن بأن ~~الطغيان من مقومات قوميتهم كما قدمنا عند قوله تعالى : { لآيات لقوم يعقلون ~~في سورة البقرة } . # وفرعوا على كلامهم اعترافهم بأنهم جميعا استحقوا العذاب فقولهم : { فحق ~~علينا قول ربنا إنا لذائقون } ، تفريع الاعتراض ، أي كان أمر ربنا بإذاقتنا ~~عذاب جهنم حقا . وفعل ( حق ) بمعنى ثبت . # وجملة { إنا لذائقون } بيان ل { قول ربنا . } وحكي القول بالمعنى على ~~طريقة الالتفات ولولا الالتفات لقال : إنكم لذائقون أو إنهم لذائقون . ~~ونكتة الالتفات زيادة التنصيص على المعني بذوق العذاب . # وحذف مفعول ( ذائقون ) لدلالة المقام عليه وهو الأمر بقوله تعالى : { ~~فاهدوهم إلى صراط ms6790 الجحيم } ( الصافات : 23 ) . PageV23P105 # وفرعوا على مضمون ردهم عليهم من قولهم : { بل لم تكونوا مؤمنين } إلى { ~~قوما طاغين } قولهم : { فأغويناكم } ، أي ما أكرهناكم على الشرك ولكنا ~~وجدناكم متمسكين به وراغبين فيه فأغويناكم ، أي فأيدناكم في غوايتكم لأنا ~~كنا غاوين فسولنا لكم ما اخترناه لأنفسنا فموقع جملة { إنا كنا غاوين } ~~موقع العلة . # و ( إن ) مغنية غناء لام التعليل وفاء التفريع كما ذكرناه غير مرة . # وزيادة { كنا } للدلالة على تمكين الغواية من نفوسهم ، وقد استبان لهم أن ~~ما كانوا عليه غواية فأقروا بها ، وقد قدمنا عند قوله تعالى في سورة ~~المؤمنين : { فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون أن ~~تساؤلهم المنفي هنالك هو طلب بعضهم من بعض النجدة والنصرة وأن تساؤلهم هنا ~~تساؤل عن أسباب ورطتهم فلا تعارض بين الآيتين . # ( 33 34 ) } # هذا الكلام من الله تعالى موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ، ~~ويشبه أن يكون اعتراضا بين حكاية حوار الله أهل الشرك في القيامة وبين ~~توبيخ الله إياهم بقوله : { إنكم لذائقوا العذابب الأليم } ( الصافات : 38 ~~) . # والفاء للفصيحة لأنها وردت بعد تقرير أحوال وكان ما بعد الفاء نتيجة لتلك ~~الأحوال فكانت الفاء مفصحة عن شرط مقدر ، أي إذا كان حالهم كما سمعتم فإنهم ~~يوم القيامة في العذاب مشتركون لاشتراكهم في الشرك وتمالئهم ، أي لا عذر ~~للكلام للفريقين لا للزعماء بتسويلهم ولا للدهماء بنصرهم . وقد يكون عذاب ~~الدعاة المغوين أشد من عذاب الآخرين وذلك لا ينافي الاشتراك في جنس العذاب ~~كما دلت عليه أدلة أخرى ، لأن المقصود هنا بيان عدم إجداء معذرة كلا ~~الفريقين وتنصله . وهذه الجملة معترضة بين جمل حكاية موقفهم في الحساب . # وجملة { إنا كذلك نفعل بالمجرمين } تعليل لما اقتضته جملة { فإنهم يومئذ ~~في PageV23P106 العذاب مشتركون } أي فإن جزاء المجرمين يكون مثل ذلك الجزاء ~~في مؤاخذة التابع المتبوع . # والمراد بالمجرمين : المشركون ، أي المجرمين مثل جرمهم ، وقد بينته جملة ~~{ إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إلاه إلا الله يستكبرون } ( الصافات : 35 ) . # ( 35 36 ) # استئناف بياني أفاد تعليل جزائهم ms6791 وبيان إجرامهم بذكر ما كانوا عليه من ~~التكبر عن الاعتراف بالوحدانية لله ومن وصف الرسول صلى الله عليه وسلم بما ~~هو منزه عنه وصفا يرمون به إلى تكذيبه فيما جاء به . فحرف ( إن ) هنا ليس ~~للتأكيد لأن كونهم كذلك مما لا منازع فيه وإنما هو للاهتمام بالخبرفلذلك ~~تفيد التعليل والربط وتغني غناء فاء التفريع . # وذكر فعل الكون ليدل على أن ما تضمنه الخبر وصف متمكن منهم فهو غير منقطع ~~ولا هم حائدون عنه . # ومعنى { قيل لهم لا إلاه إلا الله } أنه يقال لهم على سبيل الدعوة ~~والتعليم . # وفاعل القول المبني فعله للنائب هو النبي صلى الله عليه وسلم فحذف للعلم ~~به . # والاستكبار : شدة الكبر ، فالسين والتاء للمبالغة ، أي يتعاظمون عن أن ~~يقبلوا ذلك من رجل مثلهم ، ولك أن تجعل السين والتاء للطلب ، أي إظهار ~~التكبر ، أي يبدو عليهم التكبر والاشمئزاز من هذا القول . # ويقارن استكبارهم أن يقول بعضهم لبعض : لا نترك آلهتنا لشاعر مجنون ، ~~وأتوا بالنفي على وجه الاستفهام الإنكاري إظهارا لكون ما يدعوهم إليه ~~الرسول صلى الله عليه وسلم أمر منكر لا يطمع في قبولهم إياه ، تحذيرا لمن ~~يسمع مقالتهم من أن يجول في خاطره تأمل في قول الرسول صلى الله عليه وسلم { ~~لا إلاه إلا الله } . وقووا هذا التحذير بجعل حرف الإنكار مسلطا على الجملة ~~الموكدة بحرف التوكيد للدلالة على أنهم إذا أتوا ما أنكروه كانوا قد تحقق ~~تركهم آلهتهم تنزيلا لبعض المخاطبين منزلة من يشك في أن PageV23P107 ~~الإيمان بتوحيد الإله يفضي إلى ترك آلهتهم ليسدوا على المخاطبين منافذ ~~التردد أن يتطرق منها إلى خواطرهم . # واللام في { لشاعر } لام العلة والأجل ، أي لأجل شاعر ، أي لأجل دعوته . # وقولهم : ( شاعر مجنون ) قول موزع ، أي يقول بعضهم : هو شاعر ، وبعضهم : ~~هو مجنون ، أو يقولون مرة : شاعر ، ومرة : مجنون ، كما في الآية الأخرى { ~~كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون } ( الذاريات ~~: 52 ) . # اعتراض في آخر الاعتراض قصدت منه المبادرة بتنزيه النبي صلى الله عليه ~~وسلم ms6792 عما قالوه . # و { بل } إضراب إبطال لقولهم : { لشاعر مجنون } ( الصافات : 36 ) وبإثبات ~~صفته الحق لبيان حقيقة ما جاء به . وفي وصف ما جاء به أنه الحق ما يكفي ~~لنفي أن يكون شاعرا ومجنونا ، فإن المشركين ما أرادوا بوصفه بشاعر أو مجنون ~~إلا التنفير من اتباعه فمثلوه بالشاعر من قبيلة يهجو أعداء قبيلته ، أو ~~بالمجنون يقول ما لا يقوله عقلاء قومه ، فكان قوله تعالى : { بل جاء بالحق ~~} مثبتا لكون الرسول على غير ما وصفوه إثباتا بالبينة . # وأتبع ذلك بتذكيرهم بأنه ما جاء إلا بمثل ما جاءت به الرسل من قبله ، ~~فكان الإنصاف أن يلحقوه بالفريق الذي شابههم دون فريق الشعراء أو المجانين ~~. # وتصديق المرسلين يجمع ما جاء به الرسول محمد صلى الله عليه وسلم إجمالا ~~وتفصيلا ، لأن ما جاء به لا يعدو أن يكون تقريرا لما جاءت به الشرائع ~~السالفة فهو تصديق له ومصادقة عليه ، أو أن يكون نسخا لما جاءت به بعض ~~الشرائع السالفة ، والإنباء بنسخه وانتهاء العمل به تصديق للرسل الذين ~~جاءوا به في حين مجيئهم به ، فكل هذا مما شمله معنى التصديق ، وأول ذلك هو ~~إثبات الوحدانية بالربوبية لله تعالى . فالمعنى : أن ما دعاكم إليه من ~~التوحيد قد دعت إليه الرسل من قبله ، وهذا احتجاج بالنقل عقب الاحتجاج ~~بأدلة النظر . PageV23P108 # ( 38 39 ) # هذا من كلام الله يوم القيامة الموجه إلى المشركين عقب تساؤلهم وتحاورهم ~~فيكون ما بين هذا وبين محاورتهم المنتهية بقولهم : { إنا كنا غاوين } ( ~~الصافات : 32 ) اعتراضا ، أي فلما انتهوا من تحاورهم خوطبوا بما يقطع طمعهم ~~في قبول تنصل كلا الفريقين من تبعات الفريق الآخر ليزدادوا تحققا من العذاب ~~الذي علموه من قولهم : { فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون } ( الصافات : 31 ~~) ، وهذا ما تقتضيه دلالة اسم الفاعل في قوله : { لذائقوا العذاب } لأن اسم ~~الفاعل حقيقة في الحال ، أي حال التلبس ، فإنه لما قيل لهم هذا كانوا ~~مشرفين على الوقوع في العذاب وذلك زمن حالل في العرف العربي . # ولما وصف عذابهم بأنه أليم عطف عليه إخبارهم بأن ذلك ms6793 المقدار لا حيف ~~عليهم فيه لأنه على وفاق أعمالهم التي كانوا يعملونها في الدنيا من آثار ~~الشرك ، والحظ الأكبر من ذلك الجزاء هو حظ الشرك ولكن كني عن الشرك بأعماله ~~وأما هو فهو أمر اعتقادي . وفي هذا دليل على أن الكفار مجازون على أعمالهم ~~السيئة من الأقوال والأعمال كتمجيد آلهتهم والدعاء لها ، وتكذيب الرسول صلى ~~الله عليه وسلم وأذاه وأذى المؤمنين ، وقولهم في أصنامهم إنهم شفعاء عند ~~الله ، وفي الملائكة إنهم بنات الله ، ومن قتل الأنفس والغارة على الأموال ~~ووأد البنات والزنا فإن ذلك كله مما يزيدهم عذابا ، وهو يؤيد قول الذين ~~ذهبوا إلى أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة وأن ذلك واقع . PageV23P109 # ( 40 49 ) { لله } # استثناء منقطع في معنى الاستدراك ، والاستدراك تعقيب الكلام بما يضاده ، ~~وهذا الاستدراك تعقيب على قوله : { فإنهم يومئذ في العذابب مشتركون } ( ~~الصافات : 33 ) فإن حال عباد الله المخلصين تام الضدية لحال الذين ظلموا ، ~~وليس يلزم في الاستدراك أن يكون رفع توهم وإنما ذلك غالب ، فقول بعض ~~العلماء في تعريفه هو : تعقيب الكلام برفع ما يتوهم ثبوته أو نفيه ، تعريف ~~أغلبي ، أو أريد أدنى التوهم لأن الاستثناء المنقطع أعم من ذلك ، فقد يكون ~~إخراجا من حكم لا من محكوم عليه ضرورة أنهم صرحوا بأن حرف الاستثناء في ~~المنقطع قائم مقام لكن ، ولذلك يقتصرون على ذكر حرف الاستثناء والمستثنى بل ~~يردفونه بجملة تبين محل الاستدراك كقوله تعالى : { فسجدوا إلا إبليس لم يكن ~~من الساجدين } ( الأعراف : 11 ) وقوله : { إلا إبليس أبى } ( البقرة : 34 ) ~~، وكذلك قوله هنا : { إلا عباد الله المخلصين أولئك لهم رزق معلوم } . ولو ~~كان المعنى على الاستثناء لما أتبع المستثنى بأخبار عنه لأنه حينئذ يثبت له ~~نقيض حكم المستثنى منه بمجرد الاستثناء ، فإن ذلك مفاد { إلا ، ونظيره مع ~~لكن قوله تعالى : أفأنت تنقذ من في النار لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف ~~الآية في سورة الزمر ( 19 ، 20 ) . # وذكر المؤمنين بوصف العبودية المضافة لله تعالى تنويه بهم وتقريب ، وذلك ~~اصطلاح غالب في القرآن في إطلاق العبد والعباد ms6794 مضافا إلى ضميره تعالى كقوله ~~: واذكر عبدنا داود ذا الأيد } ( ص : 17 ) { واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ~~ويعقوب } ( ص : 45 ) { يا عبادي لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون } ( ~~الزخرف : 68 ) ، وربما أطلق العبد غير مضاف مرادا به التقريب أيضا كقوله : ~~{ ووهبنا لداوود سليمان نعم العبد } ( ص : 30 ) ، أي العبد لله ، ألا ترى ~~أنه لما أريد ذكر قوم من عباد الله من المشركين لم يؤت بلفظ العباد مضافا ~~كما في قوله تعالى : { بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد } ( الإسراء : ~~5 ) إلا PageV23P110 بقرينة مقام التوبيخ في قوله : { أأنتم أضللتم عبادي ~~هؤلاء } ( الفرقان : 17 ) لأن صفة الإضلال قرينة على أن الإضافة ليست ~~للتقريب ، وقوله : { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين ~~} ( الحجر : 42 ) فقرينة التغليب هي مناط استثناء الغاوين من قوله { عبادي ~~وينسب إلى الشافعي : # ومما زادني شرفا وفخرا # وكدت بأخمصي أطأ الثريا # دخولي تحت قولك يا عبادي # وأن أرسلت أحمد لي نبيا # والمراد بهم هنا الذين آمنوا بالنبي فإنهم الذين يخطرون بالبال عند ذكر ~~أحوال المشركين الذين كفروا به وقالوا فيه ما هو منه بريء خطور الضد بذكر ~~ضده . # والمخلصين } صفة عباد الله وهو بفتح اللام إذا أريد الذين أخلصهم الله ~~لولايته ، وبكسرها أي الذين أخلصوا دينهم لله . فقرأه نافع وعاصم وحمزة ~~والكسائي وأبو جعفر وخلف بفتح اللام . وقرأه ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو ~~ويعقوب بكسر اللام . # و { أولئك } إشارة إلى { عباد الله } قصد منه التنبيه على أنهم استحقوا ~~ما بعد اسم الإشارة لأجل مما أثبت لهم من صفة الإخلاص كما ذلك من مقتضيات ~~تعريف المسند إليه بالإشارة كقوله تعالى : { أولئك على هدى من ربهم } ( ~~البقرة : 5 ) بعد قوله : { هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب الآية في سورة ~~البقرة } ( 2 ، 3 ) . # والرزق : الطعام قال تعالى : { وجد عندها رزقا } ( آل عمران : 37 ) ، ~~وقال : { لا يأتيكما طعام ترزقانه } ( يوسف : 37 ) . والمعلوم : الذي لا ~~يتخلف عن ميعاده ولا ينتظره أهله . # و { فواكه } عطف بيان من { رزق . } والمعنى : أن طعامهم كله ms6795 من الأطعمة ~~التي يتفكه بها لا مما يؤكل لأجل الشبع . والفواكه : الثمار والبقول ~~اللذيذة . # { وهم مكرمون } عطف على { لهم رزق معلوم ، } أي يعاملون بالحفاوة والبهجة ~~فإنه وسط في أثناء وصف ما أعد لهم من النعيم الجسماني أن لهم نعيم الكرامة ~~وهو أهم لأن به انتعاش النفس مع ما في ذلك من خلوص النعمة ممن يكدرها ~~PageV23P111 وذلك لأن الإحسان قد يكون غير مقترن بمدح وتعظيم ولا بأذى وهو ~~الغالب ، وقد يكون مقترنا بأذى وذلك يكدر من صفوه ، قال تعالى : { يا أيها ~~الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى } ( البقرة : 264 ) فإذا كان ~~الإحسان مع عبارات الكرامة وحسن التلقي فذلك الثواب . # و { سرر } : جمع سرير وهو ككرسي واسع يمكن الاضطجاع عليه ، وكان الجلوس ~~على السرير من شعار الملوك وأضرابهم ، وذلك جلوس أهل النعيم لأن الجالس على ~~السرير لا يجد مللا لأنه يغير جلسته كيف تتيسر له . # و { متقابلين } كل واحد قبالة الآخر . وهذا أتم للأنس لأن فيه أنس ~~الاجتماع وأنس نظر بعضهم إلى بعض فإن رؤية الحبيب والصديق تؤنس النفس . # والظاهر : أن معنى كونهم متقابلين تقابل أفراد كل جماعة مع أصحابهم ، ~~وأنهم جماعات على حسب تراتيبهم في طبقات الجنة ، وأن أهل كل طبقة يقسمون ~~جماعات على حسب قرابتهم في الجنة كما قال تعالى : { هم وأزواجهم في ظلال } ~~( يس : 56 ) وكثرة كل جماعة لا تنافي تقابلهم على السرر والأرائك وتحادثهم ~~لأن شؤون ذلك العالم غير جارية على المتعارف في الدنيا . # ومعنى { يطاف } يدار عليهم وهم في مجالسهم . والكأس ( بهمزة بعد الكاف ) ~~: إناء الخمر ، مؤنث ، وهي إناء بلا عروة ولا أنبوب واسعة الفم ، أي محل ~~الصب منها ، تكون من فضة ومن ذهب ومن خزف ومن زجاج ، وتسمى قدحا وهو مذكر . ~~وجمع كأس : كاسات وكؤوس وأكؤس . وكانت خاصة بسقي الخمر حتى كانت الكأس من ~~أسماء الخمر تسمية باسم المحل ، وجعلوا منه قول الأعشى : # وكأسس شربت على لذة # وأخرى تداويت منها بها # وقد قيل : لا يسمى ذلك الإناء كأسا إلا إذا كانت فيه الخمر وإلا فهو ms6796 قدح ~~. والمعني بها في الآية الخمر لأنه أفرد الكأس مع أن المطوف عليهم كثيرون ، ~~ولأنها وصفت بأنها { من معين } . وروى ابن أبي شيبة والطبري عن الضحاك أنه ~~قال : كل كأس في القرآن إنما عني بها الخمر . وروي مثله عن ابن عباس وقال ~~به الأخفش . PageV23P112 # و { معين } بفتح الميم ، قيل أصله : معيون . فقيل : ميمه أصلية ، وهو ~~مشتق من معن يقال : ماء معن ، فيكون { معين } بوزن فعيل مثال مبالغة من ~~المعن وهو الإبعاد في الفعل شبه جريه بالإبعاد في المشي ، وهذا أظهر في ~~الاشتقاق . وقيل : ميمه زائدة وهو مشتق من عانه ، إذا أبصره لأنه يظهر على ~~وجه الأرض في سيلانه فوزنه مفعول ، وأصله معيون فهو مشتق من اسم جامد وهو ~~اسم العين ، وليس فعل عان مستعملا استغنوا عنه بفعل عاين . # و { بيضاء } صفة ل ( كأس ) . وإذ قد أريد بالكأس الخمر الذي فيها كان وصف ~~{ بيضاء } للخمر . وإنما جرى تأنيث الوصف تبعا للتعبير عن الخمر بكلمة كأس ~~، على أن اسم الخمر يذكر ويؤنث وتأنيثها أكثر . روى مالك عن زيد بن أسلم : ~~لونها مشرق حسن فهي لا كخمر الدنيا في منظرها الرديء من حمرة أو سواد . # واللذة : اسم معناه إدراك ملائم نفس المدرك ، يقال : لذه ولذ به ، ~~والمصدر : اللذة واللذاذة . وفعله من باب فرح ، تقول : لذذت بالشيء ويقال : ~~شيء لذ ، أي لذيذ فهو وصف بالمصدر فإذا جاء بهاء التأنيث كما في هذه الآية ~~فهو الاسم لا محالة لأن المصدر الوصف لا يؤنث بتأنيث موصوفه ، يقال : امرأة ~~عدل ولا يقال : امرأة عدلة . ووصف الكأس بها كالوصف بالمصدر يفيد المبالغة ~~في تمكن الوصف ، فقوله تعالى : { لذة } هو أقصى مما يؤدي شدة الالتذاذ ~~بكلمة واحدة ، لأنه عدل به عن الوصف الأصلي لقصد المبالغة ، وعدل عن المصدر ~~إلى الاسم لما في المصدر من معنى الاشتقاق . # وجملة { لا فيها غول } صفة رابعة لكأس باعتبار إطلاقه على الخمر . # والغول ، بفتح الغين : ما يعتري شارب الخمر من الصداع والألم ، اشتق من ~~الغول مصدر غاله ، إذا أهلكه . وهذا في معنى قوله تعالى ms6797 : { لا يصدعون عنها ~~} ( الواقعة : 19 ) . # وتقديم الظرف المسند على المسند إليه لإفادة التخصيص ، أي هو منتفف عن ~~خمر الجنة فقط دون ما يعرف من خمر الدنيا ، فهو قصر قلب . ووقوع { غول } ~~PageV23P113 وهو نكرة بعد { لا } النافية أفاد انتفاء هذا الجنس من أصله ، ~~ووجب رفعه لوقوع الفصل بينه وبين حرف النفي بالخبر . # وجملة { ولا هم عنها ينزفون } معطوفة على جملة { لا فيها غول . # وقدم المسند عليه على المسند ، والمسند فعل ليفيد التقديم تخصيص المسند ~~إليه بالخبر الفعلي ، أي بخلاف شاربي الخمر من أهل الدنيا . # و ينزفون } مبني للمجهول في قراءة الجمهور يقال : نزف الشارب ، بالبناء ~~للمجهول إذا كان مجردا ( ولا يبنى للمعلوم ) فهو منزوف ونزيف ، شبهوا عقل ~~الشارب بالدم يقال : نزف دم الجريح ، أي أفرغ . وأصله من : نزف الرجل ماء ~~البئر متعديا ، إذا نزحه ولم يبق منه شيئا . وقرأه حمزة والكسائي وخلف { ~~ينزفون } بضم الياء وكسر الزاي من أنزف الشارب ، إذا ذهب عقله ، أي صار ذا ~~نزف ، فالهمزة للصيرورة لا للتعدية . # و { قاصرات الطرف } أي حابسات أنظارهن حياء وغنجا . والطرف : العين ، وهو ~~مفرد لا جمع له من لفظه لأن أصل الطرف مصدر : طرف بعينه من باب ضرب ، إذا ~~حرك جفنيه ، فسميت العين طرفا ، فالطرف هنا الأعين ، أي قاصرات الأعين ، ~~وتقدم عند قوله تعالى : { لا يرتد إليهم طرفهم في سورة إبراهيم } ، وقوله : ~~{ قبل أن يرتد إليك طرفك في سورة النمل } . # وذكر ( عند ) لإفادة أنهن ملابسات لهم في مجالسهم التي تدار عليهم فيها ~~كأس الجنة ، وكان حضور الجواري مجالس الشراب من مكملات الأنس والطرب عند ~~سادة العرب ، قال طرفة : # نداماي بيض كالنجوم وقينة # تروح علينا بين برد ومجسد # و { عين } جمع : عيناء ، وهي المرأة الواسعة العين النجلاوتها . # والبيض المكنون : هو بيض النعام ، والنعام يكن بيضه في حفر في الرمل ~~ويفرش لها من دقيق ريشه ، وتسمى تلك الحفر : الأداحي ، واحدتها أدحية بوزن ~~أثفية . فيكون البيض شديد لمعان اللون وهو أبيض مشوب بياضه بصفرة ~~PageV23P114 وذلك اللون أحسن ألوان النساء ، وقديما شبهوا الحسان ببيض ~~النعام ، قال ms6798 امرؤ القيس : # وبيضة خدر لا يرام خباؤها # تمتعت من لهو بها غير معجل # ( 50 57 ) { لله } # الفاء للتفريع لأن شأن المتجالسين في مسرة أن يشرعوا في الحديث فإن في ~~الحديث مع الأصحاب والمنتدمين لذة كما قال محمد بن فياض : # وما بقيت من اللذات إلا # أحاديث الكرام على الشراب # فإذا استشعروا أن ما صاروا إليه من النعيم كان جزاء على ما سبق من ~~إيمانهم وإخلاصهم تذكر بعضهم من كان يجادله في ثبوت البعث والجزاء فحمد ~~الله على أن هداه لعدم الإصغاء إلى ذلك الصاد فحدث بذلك جلساءه وأراهم إياه ~~في النار ، فلذلك حكي إقبال بعضهم على بعض بالمساءلة بفاء التعقيب . وهذا ~~يدل على أن الناس في الآخرة تعود إليهم تذكراتهم التي كانت لهم في الدنيا ~~مصفاة من الخواطر السيئة والأكدار النفسانية مدركة الحقائق على ما هي عليه ~~. وجيء في حكاية هذه الحالة بصيغ الفعل الماضي مع أنها مستقبلة لإفادة ~~تحقيق وقوع ذلك حتى كأنه قد وقع على نحو قوله تعالى : { أتى أمر الله } ( ~~النحل : 1 ) ، والقرينة هي التفريع على الأخبار المتعلقة بأحوال الآخرة . # والتساؤل : أن يسأل بعضهم بعضا ، وحذف المتساءل عنه لدلالة ما بعده عليه ~~، وقد بين نحوا منه قوله تعالى : { في جنات يتساءلون عن المجرمين ما سلككم ~~في سقر } ( المدثر : 40 ، 42 ) . PageV23P115 # وجملة { قال قائل منهم } بدل اشتمال من جملة { يتساءلون ، } أي قال أحدهم ~~في جواب سؤال بعضهم ، فإن معنى التساؤل يشتمل على معنى الجواب فلذلك جعلناه ~~بدل اشتمال لا بدل بعض ولا عطف بيان ، والقرين مراد به الجنس ، فإن هذا ~~القول من شأنه أن يقوله كثير من خلطاء المشركين قبل أن يسلموا . # والقرين : المصاحب الملازم شبهت الملازمة الغالبة بالقرن بين شيئين بحيث ~~لا ينفصلان ، أي يقول له صاحبه لما أسلم وبقي صاحبه على الكفر يجادله في ~~الإسلام ويحاول تشكيكه في صحته رجاء أن يرجع به إلى الكفر كما قال سعيد بن ~~زيد : ( لقد رأيتني وأن عمر لموثقي على الإسلام ) أي جاعلني في وثاق لأجل ~~أني أسلمت ، وكان سعيد صهر ms6799 عمر زوج أخته . # والاستفهام في { أإنك لمن المصدقين } مستعمل في الإنكار ، أي ما كان يحق ~~لك أن تصدق بهذا ، وسلط الاستفهام على حرف التوكيد لإفادة أنه بلغه تأكد ~~إسلام قرينه فجاء ينكر عليه ما تحقق عنده ، أي أن إنكاره إسلامه بعد تحقق ~~خبره ، ولولا أنه تحققه لما ظن به ذلك . والمصدق هو : الموقن بالخبر . # وجملة { أإذا متنا } بيان لجملة { أإنك لمن المصدقين } بينت الإنكار ~~المجمل بإنكار مفصل وهو إنكار أن يبعث الناس بعد تفرق أجزائهم وتحولها ~~ترابا بعد الموت ثم يجازوا . # وجملة { إنا لمدينون } جواب { إذا } . وقرنت بحرف التوكيد للوجه الذي ~~علمته في قوله : { أإنك لمن المصدقين . # والمدين : المجازى يقال : دانه يدينه ، إذا جازاه ، والأكثر استعماله في ~~الجزاء على السوء ، والدين : الجزاء كما في سورة الفاتحة . وقيل هنا أإنا ~~لمدينون } وفي أول السورة { إنا لمبعوثون } ( الصافات : 16 ) لاختلاف ~~القائلين . # وقرأ الجميع { أإنك } بهمزتين . وقرأ من عدا ابن عامر { أإذا متنا } ~~بهمزتين وابن عامر بهمزة واحدة وهي همزة { إذا } اكتفاء بهمزة { أإنا ~~لمدينون } في PageV23P116 قراءته . وقرأ نافع { إنا لمدينون } بهمزة واحدة ~~اكتفاء بالاستفهام الداخل على شرطها . وقرأه الباقون بهمزتين . # وجملة { قال هل أنتم مطلعون } بدل اشتمال من جملة { قال قائل منهم } لأن ~~قوله : { هل أنتم مطلعون } المحكي بها هو مما اشتمل عليه قوله الأول إذ هو ~~تكملة للقول الأول . والاستفهام بقوله { هل أنتم مطلعون } مستعمل في العرض ~~، عرض على رفقائه أن يتطلعوا إلى رؤية قرينه وما صار إليه ، وذلك : إما ~~لأنه علم أن قرينه مات على الكفر بأن يكون قد سبقه بالموت ، وإما لأنه ألقي ~~في روعه أن قرينه صار إلى النار ، وهو موقن بأن خازن النار يطلعهم على هذا ~~القرين لعلمهم بأن لأهل الجنة ما يتساءلون قال تعالى : { ولهم ما يدعون } ( ~~يس : 57 ) . # وحذف متعلق { مطلعون } لدلالة آخر الكلام عليه بقوله : { في سواء الجحيم ~~. } فالتقدير : هل أنتم مطلعون على أهل النار لننظره فيهم . # وفي قوله : { فاطلع } اكتفاء ، أي فاطلع واطلعوا فرآه ورأوه في سواء ~~الجحيم إذ هو إنما عرض عليهم ms6800 الاطلاع ليعلموا تحقيق ما حدثهم عن قرينه . ~~واقتصر على ذكر اطلاعه هو دون ذكر اطلاع رفقائه لأنه ابتدأ بالاطلاع ليميز ~~قرينه فيريه لرفقائه . # و { سواء الجحيم } وسطها قال بلعاء بن قيس : # عضبا أصاب سواء الرأس فانفلقا # وجملة { قال تالله إن كدت لتردين } مستأنفة استئنافا بيانيا لأن وصف هذه ~~الحالة يثير في نفس السامع أن يسأل : فماذا حصل حين اطلع ؟ فيجاب بأنه حين ~~رأى قرينه أخذ يوبخه على ما كان يحاوله منه حتى كاد أن يلقيه في النار مثله ~~. وهذا التوبيخ يتضمن تنديمه على محاولة إرجاعه عن الإسلام . # والقسم بالتاء من شأنه أن يقع فيما جواب قسمه غريب ، كما تقدم في قوله ~~تعالى : { قالوا تالله لقد علمتم في سورة يوسف } ، وقوله : { وتالله لأكيدن ~~أصنامكم في سورة الأنبياء } . ومحل الغرابة هو خلاصه من شبكة قرينه واختلاف ~~PageV23P117 حال عاقبتيهما مع ما كانا عليه من شدة الملازمة والصحبة وما ~~حفه من نعمة الهداية وما تورط قرينه في أوحال الغواية . # و { إن } مخففة من الثقيلة واتصل بها الفعل الناسخ على ما هو الغالب في ~~أحوالها إذا أهملت . واللام الداخلة على خبر كاد هي الفارقة بين { إن } ~~المخففة والنافية . و ( ترديني ) توقعني في الردى وهو الهلاك ، وأصل الردى ~~: الموت ثم شاعت استعارته لسوء الحال تشبيها بالموت لما شاع من اعتبار ~~الموت أعظم ما يصاب به المرء . # والمعنى : أنك قاربت أن تفضي بي إلى حال الردى بإلحاحك في صرفي عن ~~الإيمان بالبعث لفرط الصحبة . ولولا نعمة هداية الله وتثبيته لكنت من ~~المحضرين معك في العذاب . # وقرأ الجمهور { لتردين } بنون مكسورة في آخره دون ياء المتكلم على ~~التخفيف ، وهو حذف شائع في الاستعمال الفصيح وهو لغة أهل نجد . وكتب في ~~المصاحف بدون ياء . وقرأه ورش عن نافع بإثبات الياء ولا ينافي رسم المصحف ~~لأن كثيرا من الياءات لم تكتب في المصحف ، وقرأ القراء بإثباتها فإن كتاب ~~المصحف قد حذفوا مدودا كثيرة من ألفات وياءات . # والمحضرون : أريد بهم المحضرون في النار ، أي لكنت من المحضرين معك ~~للعذاب . وقد كثر ms6801 إطلاق المحضر ونحوه على الذي يحضر لأجل العقاب . وقد فسر ~~بعض المفسرين القرين هنا بالشيطان الذي يلازم الإنسان لإضلاله وإغوائه . ~~وطريق حكاية تصدي القائل من أهل الجنة لإخبار أهل مجلسه بحاله يبطل هذا ~~التفسير لأنه لو كان المراد الشيطان لكان إخباره به غير مفيد فما من أحد ~~منهم إلا كان له قرين من الشياطين ، وما منهم إلا عالم بأن مصير الشياطين ~~إلى النار . # وقيل : نزلت في شريكين هما المشار إليهما في قوله تعالى : { واضرب لهم ~~مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب في سورة الكهف } . PageV23P118 # وروي عن عطاء الخراساني : أنها نزلت في أخوين مؤمن وكافر ، كانا غنيين ، ~~وكان المؤمن ينفق ماله في الصدقات وكان الكافر ينفق ماله في اللذات . وفي ~~هذه الآية عبرة من الحذر من قرناء السوء ووجوب الاحتراس مما يدعون إليه ~~ويزينونه من المهالك . # ( 58 60 ) # عطفت الفاء الاستفهام على جملة { قال هل أنتم مطلعون } ( الصافات : 54 ) ~~، فالاستفهام موجه من هذا القائل إلى بعض المتسائلين . وهو مستعمل في ~~التقرير المراد به التذكير بنعمة الخلود فإنه بعد أن أطلعهم على مصير قرينه ~~السوء أقبل على رفاقه بإكمال حديثه تحدثا بالنعمة واغتباطا وابتهاجا بها ، ~~وذكرا لها فإن لذكر الأشياء المحبوبة لذة فما ظنك بذكر نعمة قد انغمسوا ~~فيها وأيقنوا بخلودها . ولعل نظم هذا التذكر في أسلوب الاستفهام التقريري ~~لقصد أن يسمع تكرر ذكر ذلك حين يجيبه الرفاق بأن يقولوا : نعم ما نحن ~~بميتين . # والاستثناء في قوله : { إلا موتتنا الأولى } منقطع لأن الموت المنفي هو ~~الموت في الحال ، أو الاستقبال كما هو شأن اسم الفاعل فتعين أن المستثنى ~~غير داخل في المنفي فهو منقطع ، أي لكن الموتة الأولى . وذلك الاستدراك ~~تأكيد للنفي . وانتصابه لأجل الانقطاع لا لأجل النفي . # وعطف { وما نحن بمعذبين } ليتمحض الاستفهام للتحدث بالنعمة لأن المشركين ~~أيضا ما هم بميتين ولكنهم معذبون فحالهم شر من الموت . قيل لبعض الحكماء : ~~ما شر من الموت ؟ فقال : الذي يتمنى فيه الموت . # والظاهر أن جملة { إن هاذا لهو الفوز العظيم } حكاية لبقية كلام ms6802 القائل ~~لرفاقه ، فهي بمنزلة التذييل والفذلكة لحالتهم المشاهد بعضها والمتحدثث عن ~~بعضها بقوله : { أفما نحن بميتين . PageV23P119 # والفوز } : الظفر بالمطلوب ، أي حالنا هو النجاح والظفر العظيم . وقد ~~أبدع في تصوير حسن حالهم بحصر الفوز فيه حتى كان كل فوز بالنسبة إليه ليس ~~بفوز ، فالحصر للمبالغة لعدم الاعتداد بغيره ثم ألحقوا ذلك الحصر بوصفه ب { ~~العظيم . # } # هذا تذييل لحكاية حال عباد الله المخلصين فهو كلام من جانب الله تعالى ~~للتنويه بما فيه عباد الله المخلصون ، وللتحريض على العمل بمثل ما عملوه ~~مما أوجب لهم إخلاص الله إياهم ، فالإشارة في قوله : { لمثلل هاذا } إلى ما ~~تضمنه قوله : { أولئك لهم رزق معلوم } ( الصافات : 41 ) الآيات ، أي لمثل ~~نعيمهم وأنسهم ومسرتهم ولذاتهم وبهجتهم وخلود ذلك كله . # والمراد بمثله : نظيره من نعيمم لمخلصين آخرين . والمراد بالعاملين : ~~الذين يعملون الخير ويسيرون على ما خطت لهم شريعة الإسلام ، فحذف مفعول ( ~~يعمل ) اختصارا لظهوره من المقام . # واللام في { لمثل } لام التعليل . وتقديم المجرور على عامله لإفادة القصر ~~، أي لا لعمل غيره ، وهو قصر قلب للرد على المشركين الذين يحسبون أنهم ~~يعملون أعمالا صالحة يتفاخرون بها من الميسر ، قال تعالى : { قل هل ننبئكم ~~بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون ~~صنعا } ( الكهف : 103 104 ) . # والمعنى : لنوال مثل هذا ، فحذف مضاف لدلالة اللام على معناه . # والفاء للتفريع على مضمون القصة المذكورة قبلها من قوله : { إلا عباد ~~الله المخلصين } ( الصافات : 40 ) الآيات . # والأمر في { فليعمل } للإرشاد الصادق بالواجبات والمندوبات . PageV23P120 # ( 62 68 ) { } # استئناف بعد تمام قصة المؤمن ورفاقه قصد منه التنبيه إلى البون بين حال ~~المؤمن والكافر جرى على عادة القرآن في تعقيب القصص والأمثال بالتنبيه إلى ~~مغازيها ومواعظها . # فالمقصود بالخبر هو قوله : { إنا جعلناها ، } أي شجرة الزقوم { فتنة ~~للظالمين } إلى آخرها . وإنما صيغ الكلام على هذا الأسلوب للتشويق إلى ما ~~يرد فيه . # والاستفهام مكنى به عن التنبيه على فضل حال المؤمن وفوزه وخسار الكافر . ~~وهو خطاب لكل سامع . # والإشارة ب { أذالك } إلى ما تقدم من حال المؤمنين ms6803 في النعيم والخلود ، ~~وجيء باسم الإشارة مفردا بتأويل المذكور ، بعلامة بعد المشار إليه لتعظيمه ~~بالبعد ، أي بعد المرتبة وسموها لأن الشيء النفيس الشريف يتخيل عاليا ~~والعالي يلازمه البعد عن المكان المعتاد وهو السفل ، وأين الثريا من الثرى ~~. # والنزل : بضمتين ، ويقال : نزل بضم وسكون هو في أصل اللغة : المكان الذي ~~ينزل فيه النازل ، قاله الزجاج . وجرى عليه صاحب ( اللسان ) وصاحب ( ~~القاموس ) ، وأطلق إطلاقا شائعا كثيرا على الطعام المهيأ للضيف لأنه أعد له ~~لنزوله تسمية باسم مكانه نظير ما أطلقوا اسم السكن بسكون الكاف على الطعام ~~المعد للساكن الدار إذ المسكن يقال فيه : سكن أيضا . واقتصر عليه أكثر ~~المفسرين ولم يذكر الراغب غيره . ويجوز أن يكون المراد من النزل هنا طعام ~~الضيافة في الجنة . PageV23P121 ويجوز أن يراد به مكان النزول على تقدير ~~مضاف في قوله : { أم شجرة الزقوم } بتقدير : أم مكان شجرة الزقوم . # وعلى الوجهين فانتصاب { نزلا } على الحال من اسم الإشارة ومتوجه الإشارة ~~بقوله : { ذلك } إلى ما يناسب الوجهين مما تقدم من قوله : { رزق معلوم ~~فواكه وهم مكرمون في جناتت النعيم } ( الصافات : 41 43 ) . # ويجري على الوجهين معنى معادل الاستفهام فيكون إما أن تقدر : أم منزل ~~شجرة الزقوم على حد قوله تعالى : { أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا } ( ~~مريم : 73 ) فقد ذكر مكانين ، وإما أن نقدر : أم نزل شجرة الزقوم ، وعلى ~~هذا الوجه الثاني تكون المعادلة مشاكلة تهكما لأن طعام شجرة الزقوم لا يحق ~~له أن يسمى نزلا . # وشجرة الزقوم ذكرت هنا ذكر ما هو معهود من قبل لورودها معرفة بالإضافة ~~ولوقوعها في مقام التفاوت بين حالي خير وشر فيناسب أن تكون الحوالة على ~~مثلين معروفين ، فأما أن يكون اسما جعله القرآن لشجرة في جهنم ويكون سبق ~~ذكرها في { ثم إنكم أيها الضالون المكذبون لآكلون من شجر من زقوم في سورة ~~الواقعة } ( 51 52 ) ، وكان نزولها قبل نزول سورة الصافات . ويبين هذا ما ~~رواه الكلبي أنه لما نزلت هذه الآية ( أي آية سورة الواقعة ) قال ابن ~~الزبعرى : أكثر الله في بيوتكم ms6804 الزقوم ، فإن أهل اليمن يسمون التمر والزبد ~~بالزقوم . فقال أبو جهل لجاريته : زقمينا فأتته بزبد وتمر فقال : تزقموا . # وعن ابن سيده : بلغنا أنه لما نزلت : { إن شجرة الزقوم طعام الأثيم ( أي ~~في سورة الدخان } ( 43 44 ) ) لم يعرفها قريش . فقال أبو جهل : يا جارية ~~هاتي لنا تمرا وزبدا نزدقمه ، فجعلوا يأكلون ويقولون : أفبهاذا يخوفنا محمد ~~في الآخرة ا . ه . والمناسب أن يكون قولهم هذا عندما سمعوا آية سورة ~~الواقعة لا آية سورة الدخان وقد جاءت فيها نكرة . وإما أن يكون اسما لشجر ~~معروف هو مذموم ، قيل : هو شجر من أخبث الشجر يكون بتهامة وبالبلاد المجدبة ~~المجاورة للصحراء كريهة الرائحة صغيرة الورق مسمومة ذات لبن إذا أصاب جلد ~~الإنسان تورم ومات منه في الغالب . قاله قطرب وأبو حنيفة . PageV23P122 # وتصدي القرآن لوصفها المفصل هنا يقتضي أنها ليست معروفة عندهم فذكرها ~~مجملة في سورة الواقعة فلما قالوا ما قالوا فصل أوصافها هنا بهذه الآية وفي ~~سورة الدخان بقوله : { إن شجرة الزقوم طعام الأثيم كالمهل تغلي في البطون ~~كغلي الحميم } ( الدخان : 43 46 ) . # وقد سماها القرآن بهذه الإضافة كأنها مشتقة من الزقمة بضم الزاء وسكون ~~القاف وهو اسم الطاعون ، وقال ابن دريد : لم يكن الزقوم اشتقاقا من التزقم ~~وهو الإفراط في الأكل حتى يكرهه . وهو يريد الرد على من قال : إنها مشتقة ~~من التزقم وهو البلع على جهد لكراهة الشيء . واستأنف وصفها بأن الله جعلها ~~{ فتنة للظالمين } ، أي عذابا مثل ما في قوله : { إن الذين فتنوا المؤمنين ~~والمؤمنات } ( البروج : 10 ) ، أي عذبوهم بأخدود النار . # وفسرت الفتنة أيضا بأن خبر شجرة الزقوم كان فتنة للمشركين إذ أغراهم ~~بالتكذيب والتهكم فيكون معنى { جعلناها } جعلنا ذكرها وخبرها ، أي لما نزلت ~~آية سورة الواقعة ، أي جعلنا ذكرها مثيرا لفتنتهم بالتكذيب والتهكم دون ~~تفهم ، وذلك مثل قوله : { وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا ~~عدتهم إلا فتنة للذين كفروا } ( المدثر : 31 ) ، فإنه لما نزل قوله تعالى ~~في وصف جهنم : { عليها تسعة عشر } ( المدثر : 30 ) قال أبو جهل لقريش ms6805 : ~~ثكلتكم أمهاتكم إن ابن أبي كبشة يخبركم أن خزنة النار تسعة عشر وأنتم الدهم ~~أيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل منهم ( أي من خزنة النار ) فقال أبو ~~الأشد الجمحي : أنا أكفيكم سبعة عشر فاكفوني أنتم اثنين فأنزل الله تعالى : ~~{ وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة } ( المدثر : 31 ) أي فليس الواحد منهم ~~كواحد من الناس { وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا } ( المدثر : 31 ) ~~. # واستأنف لوصفها استئنافا ثانيا مكررا فيه كلمة { إنها } للتهويل . ومعنى ~~{ تخرج } تنبت كما قال تعالى : { والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه } ( ~~الأعراف : 58 ) . ومن عجيب قدرة الله تعالى أن جعل من النار شجرة وهي نارية ~~لا محالة . صور الله في النار شجرة من النار ، وتقريب ذلك ما يصور في ~~الشماريخ النارية من صور ذات ألوان كالنخيل ونحوه . PageV23P123 # وجعل لها طلعا ، أي ثمرا ، وأطلق عليه اسم الطلع على وجه الاستعارة ~~تشبيها له بطلع النخلة لأن اسم الطلع خاص بالنخيل . قال ابن عطية : عن ~~السدي ومجاهد قال الكفار : كيف يخبر محمد عن النار أنها تنبت الأشجار ، وهي ~~تأكلها وتذهبها ، فقولهم هذا ونحوه من الفتنة لأنه يزيدهم كفرا وتكذيبا . # و { رءوس الشياطين } يجوز أن يكون مرادا بها رؤوس شياطين الجن جمع شيطان ~~بالمعنى المشهور ورؤوس هذه الشياطين غير معروفة لهم ، فالتشبيه بها حوالة ~~على ما تصور لهم المخيلة ، وطلع شجرة الزقوم غير معروف فوصف للناس فظيعا ~~بشعا ، وشبهت بشاعته ببشاعة رؤوس الشياطين ، وهذا التشبيه من تشبيه المعقول ~~بالمعقول كتشبيه الإيمان بالحياة في قوله تعالى : { لتنذر من كان حيا } ( ~~يس : 70 ) والمقصود منه هنا تقريب حال المشبه فلا يمتنع كون المشبه به غير ~~معروف ولا كون المشبه كذلك . # ونظيره قول امرىء القيس : # ومسنونة زرق كأنياب أغوال # وقيل : أريد برؤوس الشياطين ثمر الأستن ، والأستن ( بفتح الهمزة وسكون ~~السين وفتح التاء ) شجرة في بادية اليمن يشبه شخوص الناس ويسمى ثمره رؤوس ~~الشياطين ، وإنما سموه كذلك لبشاعة مرآه ثم صار معروفا ، فشبه به في الآية ~~. وقيل : { الشياطين : } جمع شيطان وهو من الحيات ما ms6806 لرؤوسه أعراف ، قال ~~الراجز يشبه امرأته بحية منها : # عنجرد تحلف حين أحلف # كمثل شيطانن الحماط أعرف # الحماط : جمع حماطة بفتح الحاء : شجر تكثر فيه الحيات ، والعنجرد بكسر ~~الراء : المرأة السليطة . # وهذه الصفات التي وصفت بها شجرة الزقوم بالغة حدا عظيما من الذم وذلك ~~الذم هو الذي عبر عنه بالملعونة في قوله تعالى : { والشجرة الملعونة في ~~القرآن في سورة الإسراء } ، وكذلك في آية { إن شجرة الزقوم طعام الأثيم ~~كالمهل تغلي في البطون كغلي الحميم في سورة الدخان } ( 43 46 ) . ~~PageV23P124 # وقد أنذروا بأنهم آكلون منها إنذارا مؤكدا ، أي آكلون من ثمرها وهو ذلك ~~الطلع . وضمير { منها } للشجرة جرى على الشائع من قول الناس أكلت من النخلة ~~، أي من ثمرها . والمعنى : أنهم آكلون منها كرها وذلك من العذاب ، وإذا كان ~~المأكول كريها يزيده كراهة سوء منظره ، كما أن المشتهى إذا كان حسن المنظر ~~كان الإقبال عليه بشره لظهور الفرق بين تناول تفاحة صفراء وتناول تفاحة ~~موردة اللون ، وكذلك محسنات الشراب ، ألا ترى إلى كعب بن زهير كيف أطال في ~~محسنات الماء الذي مزجت به الخمر في قوله : # شجت بذي شبم من ماء مجنية # صافف بأبطح أضحى وهو مشمول # تنفي الرياح القذى عنه وأفرطه # من صوب سارية بيض يعاليل # وملء البطون كناية عن كثرة ما يأكلون منها على كراهتها . وإسناد الأكل ~~وملء البطون إليهم إسناد حقيقي وإن كانوا مكرهين على ذلك الأكل والملء . ~~والفاء في قوله : { فمالئون } فاء التفريع ، وفيها معنى التعقيب ، أي لا ~~يلبثون أن تمتلىء بطونهم من سرعة الالتقام ، وذلك تصوير لكراهتها فإن ~~الطعام الكريه كالدواء إذا تناوله آكله أسرع ببلعه وأعظم لقمه لئلا يستقر ~~طعمه على آلة الذوق . # و { ثم } في قوله : { ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم } للتراخي الرتبي ~~لأنها عطفت جملة ، وليس للتراخي في الإخبار معنى إلا إفادة أن ما بعد حرف ~~التراخي أهم أو أعجب مما قبله بحيث لم يكن السامع يرقبه فهو أعلى رتبة ~~باعتبار أنه زيادة في العذاب على الذي سبقه فوقعه أشد منه ، وقد ms6807 أشعر بذلك ~~قوله { عليها } ، أي بعدها أي بعد أكلهم منها . # والشوب : أصله مصدر شاب الشيء بالشيء إذا خلطه به ، ويطلق على الشيء ~~المشوب به إطلاقا للمصدر على المفعول كالخلق على المخلوق . وكلا المعنيين ~~محتمل هنا . PageV23P125 وضمير { عليها } عائد إلى { شجرة الزقوم } بتأويل ~~ثمرها . و ( على ) بمعنى ( مع ) ، ويصح أن تكون للاستعلاء لأن الحميم ~~يشربونه بعد الأكل فينزل عليه في الأمعاء . # والحميم : القيح السائل من الدمل ، وتقدم عند قوله تعالى : { لهم شراب من ~~حميم في سورة الأنعام } . # والقول في عطف { ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم } كالقول في عطف { ثم إن لهم ~~عليها لشوبا من حميم . # والمرجع : مكان الرجوع ، أي المكان الذي يعود إليه الخارج منه بعد أن ~~يفارقه . وقد يستعار للانتقال من حالة طارئة إلى حالة أصلية تشبيها بمغادرة ~~المكان ثم العود إليه كقول عمر بن الخطاب في كلامه مع هنيىء صاحب الحمى ~~فإنهما إن تهلك ماشيتهما يرجعان إلى نخل وزرع ، يعني عثمان بن عفان وعبد ~~الرحمن بن عوف ، فإنه إنما عنى أنهما ينتقلان من الانتفاع بالماشية إلى ~~الانتفاع بالنخل والزرع وكذلك ينبغي أن يفسر الرجوع في الآية لأن المشركين ~~حين يطعمون من شجرة الزقوم ويشربون الحميم لم يفارقوا الجحيم فأريد التنبيه ~~على أن عذاب الأكل من الزقوم والشراب من الحميم زيادة على عذاب الجحيم ، ~~ألا ترى إلى قوله : إنها شجرة تخرج في أصلل الجحيم } فليس ثمة مغادرة ~~للجحيم حتى يكون الرجوع حقيقة ، مثله قول النبي صلى الله عليه وسلم حين ~~رجوعه من إحدى مغازيه ( رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ) يريد ~~مجاهدة النفس فإنه لم يعنن أنهم حين اشتغالهم بالجهاد قد تركوا مجاهدة ~~أنفسهم وإنما عنى أنهم كانوا في جهاد زائد فصاروا إلى الجهاد السابق . # ( 69 70 ) # تعليل لما جازاهم الله به من العذاب وإبداء للمناسبة بينه وبين جرمهم ، ~~فإن جرمهم كان تلقيا لما وجدوا عليه آباءهم من الشرك وشعبه بدون نظر ولا ~~اختيار لما PageV23P126 يختاره العاقل ، فكان من جزائهم على ذلك أنهم ~~يطعمون طعاما مؤلما ويسقون شرابا قذرا ms6808 بدون اختيار كما تلقوا دين آبائهم ~~تقليدا واعتباطا . # فموقع ( إن ) موقع فاء السببية ، ومعناها معنى لام التعليل ، وهي لذلك ~~مفيدة ربط الجملة بالتي قبلها كما تربطها الفاء ولام التعليل كما تقدم غير ~~مرة . # والمراد : المشركون من أهل مكة الذين قالوا : { إنا وجدنا آباءنا على أمة ~~} ( الزخرف : 22 ) . # وفي قوله : { ألفوا ءابآءهم ضالين } إيماء إلى أن ضلالهم لا يخفى عن ~~الناظر فيه لو تركوا على الفطرة العقلية ولم يغشوها بغشاوة العناد . # والفاء الداخلة على جملة { فهم على آثارهم يهرعون } فاء العطف للتفريع ~~والتسبب ، أي متفرع على إلفائهم آباءهم ضالين أن اقتفوا آثارهم تقليدا بلا ~~تأمل ، وهذا ذم لهم . # والآثار : ما تتركه خطى الماشين من موطىء الأقدام فيعلم السائر بعدهم أن ~~مواقعها مسلوكة موصلة إلى معمور ، فمعنى { على الاستعلاء التقريبي ، وهو ~~معنى المعية لأنهم يسيرون معها ولا يلزم أن يكونوا معتلين عليها . # و يهرعون } بفتح الراء مبنيا للمجهول مضارع : أهرعه ، إذا جعله هارعا ، ~~أي حمله على الهرع وهو الإسراع المفرط في السير ، عبر به عن المتابعة دون ~~تأمل ، فشبه قبول الإعتقاد بدون تأمل بمتابعة السائر متابعة سريعة لقصد ~~الالتحاق به . # وأسند إلى المجهول للدلالة على أن ذلك ناشىء عن تلقين زعمائهم وتعاليم ~~المضللين ، فكأنهم مدفوعون إلى الهرع في آثار آبائهم فيحصل من قوله : { ~~يهرعون } تشبيه حال الكفرة بحال من يزجى ويدفع إلى السير وهو لا يعلم إلى ~~أين يسار به . PageV23P127 # ( 71 74 ) { } # عقب وصف حال المشركين في الآخرة وما علل به من أنهم ألفوا آباءهم ضالين ~~فاتبعوا آباءهم بتنظيرهم بمن سلفوا من الضالين وتذكيرا للرسول صلى الله ~~عليه وسلم بذلك مسلاة له على ما يلاقيه من تكذيبهم ، واستقصاء لهم في ~~العبرة والموعظة بما حل بالأمم قبلهم ، فهذه الجملة معطوفة على مضمون ~~الجملة التي قبلها إكمالا للتعليل ، أي اتبعوا آثار آبائهم واقتدوا بالأمم ~~أشياعهم . # ووصف الذين ضلوا قبلهم بأنهم { أكثر الأولين } لئلا يغتر ضعفاء العقول ~~بكثرة المشركين ولا يعتزوا بها ، ليعلموا أن كثرة العدد لا تبرر ضلال ~~الضالين ولا خطأ المخطئين ، وأن الهدى ms6809 والضلال ليسا من آثار العدد كثرة ~~وقلة ولكنهما حقيقتان ثابتتان مستقلتان فإذا عرضت لإحداهما كثرة أو قلة فلا ~~تكونان فتنة لقصار الأنظار وضعفاء التفكير . قال تعالى : { قل لا يستوي ~~الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث } ( المائدة : 100 ) . # وأكملت العلة والتسلية والعبرة بقوله : { ولقد أرسلنا فيهم منذرين } أي ~~رسلا ينذرونهم ، أي يحذرونهم ما سيحل بهم مثل ما أرسلناك إلى هؤلاء . وخص ~~المرسلين بوصف المنذرين لمناسبة حال المتحدث عنهم وأمثالهم . وضمير { فيهم ~~} راجع إلى { الأولين ، } أي أرسلنا في الأول منذرين فاهتدى قليل وضل ~~أكثرهم . # وفرع على هذا التوجيه الخطاب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ترشيحا لما ~~في الكلام السابق من جانب التسلية والتثبيت مع التعريض بالكلام لتهديد ~~المشركين بذلك ، ويجوز أن يكون الخطاب لكل من يسمع القرآن فشمل النبي صلى ~~الله عليه وسلم # والأمر بالنظر مستعمل في التعجيب والتهويل فإن أريد بالعاقبة عاقبتهم في ~~الدنيا فالنظر بصري ، وإن أريد عاقبتهم في الآخرة كما يقتضيه السياق فالنظر ~~قلبي ، ولا مانع من إرادة الأمرين واستعمال المشترك في المعنيين . ~~PageV23P128 # والتعريف في قوله : { المنذرين } تعريف العهد ، وهم المنذرون الذين أرسل ~~إليهم المنذرون ، أي فهم الضالون المعبر عنهم بأنهم { أكثر الأولين . } ~~فالمعنى : فانظر كيف كان عاقبة الضالين الذين أنذرناهم فلم ينتذروا كما فعل ~~هؤلاء الذين ألفوا آباءهم ضالين فاتبعوهم ، فقد تحقق اشتراك هؤلاء وأولئك ~~في الضلال ، فلا جرم أن تكون عاقبة هؤلاء كعاقبة أولئك . وفعل النظر معلق ~~عن معموله بالاستفهام ، والاستفهام تعجيبي للتفظيع . # واستثني { عباد الله المخلصين } من { الأولين } استثناء متصلا فإن عباد ~~الله المخلصين كانوا من جملة المنذرين فصدقوا المنذرين ولم يشاركوا ~~المنذرين في عاقبتهم المنظور فيها وهي عاقبة السوء . وتقدم اختلاف القراء ~~في فتح اللام وكسرها من قوله : { المخلصين } عند قوله تعالى : { وما تجزون ~~إلا ما كنتم تعملون إلا عباد الله المخلصين } ( الصافات : 39 40 ) . # ( 75 82 ) { } # أتبع التذكير والتسلية من جانب النظر في آثار ما حل بالأمم المرسل إليهم ~~، وما أخبر عنه من عاقبتهم في الآخرة ، بتذكير وتسلية من جانب الإخبار عن ~~الرسل ms6810 الذين كذبهم قومهم وآذوهم وكيف انتصر الله لهم ليزيد رسول صلى الله ~~عليه وسلم تثبيتا ويلقم المشركين تبكيتا . وذكر في هذه السورة ست قصص من ~~قصص الرسل مع أقوامهم لأن في كل قصة منها خاصية لها شبه بحال الرسول صلى ~~الله عليه وسلم مع قومه وبحاله الأكمل في دعوته ، ففي القصص كلها عبرة ~~وأسوة وتحذير كما سيأتي تفصيله عند كل قصة منها ، ويجمعها كلها مقاومة ~~الشرك ومقاومة أهلها . PageV23P129 واختير هؤلاء الرسل الستة : لأن نوحا ~~القدوة الأولى ، وإبراهيم هو رسول الملة الحنيفية التي هي نواة الشجرة ~~الطيبة شجرة الإسلام ، وموسى لشبه شريعته بالشريعة الإسلامية في التفصيل ~~والجمع بين الدين والسلطان ، فهؤلاء الرسل الثلاثة أصول . ثم ذكر ثلاثة رسل ~~تفرعوا عنهم وثلاثتهم على ملة رسل من قبلهم . فأما لوط فهو على ملة إبراهيم ~~، وأما إلياس ويونس فعلى ملة موسى . # وابتدى بقصة نوح مع قومه فإنه أول رسول بعثه الله إلى الناس وهو الأسوة ~~الأولى والقدوة المثلى . وابتداء القصة بذكر نداء نوح ربه موعظة للمشركين ~~ليحذروا دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم ربه تعالى بالنصر عليهم كما دعا ~~نوح على قومه وهذا النداء هو المحكي في قوله : { قال رب انصرني بما كذبون } ~~( المؤمنون : 26 ) ، وقوله : { قال نوح رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ~~ماله وولده إلا خسارا الآيات من سورة نوح } . # والفاء في قوله : { فلنعم المجيبون } تفريع على { نادانا ، } أي نادانا ~~فأجبناه ، فحذف المفرع لدلالة { فلنعم المجيبون } عليه لتضمنه معنى فأجبناه ~~جواب من يقال فيه : نعم المجيب . والمخصوص بالمدح محذوف ، أي فلنعم ~~المجيبون نحن . وضمير المتكلم المشارك مستعمل في التعظيم كما هو معلوم . ~~وتأكيد الخبر وتأكيد ما فرع عليه بلام القسم لتحقيق الأمرين تحذيرا ~~للمشركين بعد تنزيلهم منزلة من ينكر أن نوحا دعا فاستجيب له . # والتنجية : الإنجاء وهو جعل الغير ناجيا . والنجاة : الخلاص من ضر واقع . ~~وأطلقت هنا على السلامة من ذلك قبل الوقوع فيه لأنه لما حصلت سلامته في حين ~~إحاطة الضر بقومه نزلت سلامته منه مع قربه منه بمنزلة الخلاص ms6811 منه بعد ~~الوقوع فيه تنزيلا لمقاربة وقوع الفعل منزلة وقوعه ، وهذا إطلاق كثير للفظ ~~النجاة بحيث يصح أن يقال : النجاة خلاص من ضر واقع أو متوقع . # والمراد بأهله : عائلته إلا من حق عليه القول منهم ، وكذلك المؤمنون من ~~قومه ، قال تعالى : { قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق ~~عليه PageV23P130 القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل } ( هود : 40 ) . ~~فالاقتصار على أهله هنا لقلة من آمن به من غيرهم ، أو أريد بالأهل أهل دينه ~~كقوله تعالى : { إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه } ( آل عمران : 68 ) ~~. # وأشعر قوله : { ونجيناه وأهله } أن استجابة دعاء نوح كانت بأن أهلك قومه ~~. # و { الكرب } : الحزن الشديد والغم . ووصفه ب { العظيم } لإفادة أنه عظيم ~~في نوعه فهو غم على غم . والمعني به الطوفان ، وهو كرب عظيم على الذين ~~وقعوا فيه ، فإنجاء نوح منه هو سلامته من الوقوع فيه كما علمت لأنه هول في ~~المنظر ، وخوف في العاقبة والواقع فيه موقن بالهلاك . ولا يزال الخوف يزداد ~~به حتى يغمره الماء ثم لا يزال في آلام من ضيق النفس ورعدة القر والخوف ~~وتحقق الهلاك حتى يغرق في الماء . # وإنجاء الله إياه نعمة عليه ، وإنجاء أهله نعمة أخرى ، وإهلاك ظالميه ~~نعمة كبرى ، وجعل عمران الأرض بذريته نعمة دائمة لأنهم يدعون له ويذكر ~~بينهم مصالح أعماله وذلك مما يرحمه الله لأجله ، وستأتي نعم أخرى تبلغ ~~اثنتي عشرة . # وضمير الفصل في قوله : { هم الباقين } للحصر ، أي لم يبق أحد من الناس ~~إلا من نجاه الله مع نوح في السفينة من ذريته ، ثم من تناسل منهم فلم يبق ~~من أبناء آدم غير ذرية نوح فجميع الأمم من ذرية أولاد نوح الثلاثة . # وظاهر هذا أن من آمن مع نوح من غير أبنائه لم يكن لهم نسل . قال ابن عباس ~~: لما خرج نوح من السفينة مات من معه من الرجال والنساء إلا ولده ونساءه . ~~وبذلك يندفع التعارض بين هذه الآية وبين قوله في سورة هود { قلنا احمل فيها ~~من كل ms6812 زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا ~~قليل } ( هود : 40 ) ، وهذا جار على أن الطوفان قد عم الأرض كلها واستأصل ~~جميع البشر إلا من حملهم نوح في السفينة وقد تقدم خبره في سورة هود . # وعموم الطوفان هو مقتضى ظواهر الكتاب والسنة ، ومن قالوا إن الطوفان لم ~~يعم الأرض فإنما أقدموا على إنكاره من جهة قصر المدة التي حددت بها كتب ~~الإسرائيليين ، وليس يلزم الاطمئنان لها في ضبط عمر الأرض وأحداثها وذلك ~~ليس PageV23P131 من القواطع ، ويكون القصر إضافيا أي لم يبق من قومه الذين ~~أرسل إليهم . وقد يقال : نسلم أن الطوفان لم يعم الأرض ولكنه عم البشر ~~لأنهم كانوا منحصرين في البلاد التي أصابها الطوفان ولئن كانت أدلة عموم ~~الطوفان غير قطعية فإن مستندات الذين أنكروه غير ناهضة فلا تترك ظواهر ~~الأخبار لأجلها . # وزاد الله في عداد كرامة نوح عليه السلام قوله : { وتركنا عليه في ~~الآخرين } ، فتلك نعمة خامسة . # والترك : حقيقته تخليف شيء والتخلي عنه . وهو هنا مراد به الدوام على وجه ~~المجاز المرسل أو الاستعارة ، لأن شأن النعم في الدنيا أنها متاع زائل بعد ~~، طال مكثها أو قصر ، فكأن زوالها استرجاع من معطيها كما جاء في الحديث : ( ~~لله ما أخذ وله ما أعطى ) فشرف الله نوحا بأن أبقى نعمه عليه في أمم بعده . # وظاهر { الآخرين } أنها باقية في جميع الأمم إلى انقضاء العالم ، وقرينة ~~المجاز تعليق { عليه } ب { تركنا } لأنه يناسب الإبقاء ، يقال : أبقى على ~~كذا ، أي حافظ عليه ليبقى ولا يندثر ، وعلى هذا لا يكون ل { تركنا } مفعول ~~، وبعضهم قدر له مفعولا يدل عليه المقام ، أي تركنا ثناء عليه ، فيجوز أن ~~يراد بهذا الإبقاء تعميره ألف سنة ، فهو إبقاء أقصى ما يمكن إبقاء الحي ~~إليه فوق ما هو متعارف . ويجوز أن يراد بقاء حسن ذكره بين الأمم كما قال ~~إبراهيم : { واجعل لي لسان صدقق في الآخرين } ( الشعراء : 84 ) فكان نوح ~~مذكورا بمحامد الخصال حتى قيل : لا تجهل أمة من أمم الأرض نوحا ms6813 وفضله ~~وتمجيده وإن اختلفت الأسماء التي يسمونه بها باختلاف لغاتهم . فجاء في ( ~~سفر التكوين ) الإصحاح التاسع : كان نوح رجلا بارا كاملا في أجياله وسار ~~نوح مع الله . وورد ذكره قبل الإسلام في قول النابغة : # فألفيت الأمانة لم تخنا # كذلك كان نوح لا يخون # وذكره لبني إسرائيل في معرض الاقتداء به في قوله : { ذرية من حملنا مع ~~نوح إنه كان عبدا شكورا } ( الإسراء : 3 ) . PageV23P132 # وذكر ابن خلدون : أن بعضهم يزعم أن نوحا هو ( أفريدون ) ملك بلاد الفرس ، ~~وبعضهم يزعم أن نوحا هو ( أوشهنك ) ملك الفرس الذي كان بعد ( كيومرث ) ~~بمائتي سنة وهو يوافق أن نوحا كان بعد آدم وهو كيومرث بمائتي سنة حسب كتب ~~الإسرائيلين . على أن كيومرث يقال : إنه آدم كما تقدم في سورة البقرة . # ومتعلق { عليه } من قوله : { وتركنا عليه } لم يحم أحد من المفسرين حوله ~~فيما اطلعت ، والوجه أن يتعلق { عليه } بفعل { تركنا } بتضمين هذا الفعل ~~معنى ( أنعمنا ) فكان مقتضى الظاهر أن يعدى هذا الفعل باللام ، فلما ضمن ~~معنى أنعمنا أفاد بمادته معنى الإبقاء له ، أي إعطاء شيء من الفضائل ~~المدخرة التي يشبه إعطاؤها ترك أحد متاعا نفيسا لمن يخليه هو له ويخلفه فيه ~~. وأفاد بتعليق حرف ( على ) به أن هذا الترك من قبيل الإنعام والتفضيل ، ~~وكذلك شأن التضمين أن يفيد المضمن مفاد كلمتين فهو من ألطف الإيجاز . ثم إن ~~مفعول { تركنا } لما كان محذوفا وكان فعل ( أنعمنا ) الذي ضمنه فعل { تركنا ~~} مما يحتاج إلى متعلق معنى المفعول ، كان محذوفا أيضا مع عامله فكان ~~التقدير : وتركنا له ثناء وأنعمنا عليه ، فحصل في قوله : { تركنا عليه } ~~حذف خمس كلمات وهو إيجاز بديع . ولذلك قدر جمهور المتقدمين من المفسرين { ~~وتركنا } ثناء حسنا عليه . # وجملة { سلام على نوحح في العالمين } إنشاء ثناء الله على نوح وتحية له ~~ومعناه لازم التحية وهو الرضى والتقريب ، وهو نعمة سادسة . وتنوين { سلام } ~~للتعظيم ولذلك شاع الابتداء بالنكرة لأنها كالموصوف . # والمراد بالعالمين : الأمم والقرون وهو كناية عن دوام السلام عليه كقوله ~~تعالى : { وسلام عليه يوم ولد ms6814 ويوم يموت ويوم يبعث حيا } ( مريم : 15 ) في ~~حق عيسى عليه السلام وكقوله : { سلام على آل ياسين } ( الصافات : 130 ) { ~~سلام على إبراهيم } ( الصافات : 109 ) . # وفي { العالمين } حال فهو ظرف مستقر أو خبر ثان عن { سلام . # وذهب الكسائي والفراء والمبرد والزمخشري إلى أن قوله : سلام على نوح في ~~PageV23P133 العالمين } في محل مفعول { تركنا } ، أي تركنا عليه هذه الكلمة ~~وهي { سلام على نوحح في العالمين } وهو من الكلام الذي قصدت حكايته كما ~~تقول قرأت { سورة أنزلناها وفرضناها } ( النور : 1 ) ، أي جعلنا الناس ~~يسلمون عليه في جميع الأجيال ، فما ذكروه إلا قالوا : عليه السلام . ومثل ~~ذلك قالوا في نظائرها في هذه الآيات المتعاقبة . # وزيد في سلام نوح في هذه السورة وصفه بأنه في العالمين دون السلام على ~~غيره في قصة إبراهيم وموسى وهارون وإلياس للإشارة إلى أن التنويه بنوح كان ~~سائرا في جميع الأمم لأنهم كلهم ينتمون إليه ويذكرونه ذكر صدق كما قدمناه ~~آنفا . # وجملة { إنا كذلك نجزي المحسنين } تذييل لما سبق من كرامة الله نوحا . و ~~( إن ) تفيد تعليلا لمجازاة الله نوحا بما عده من النعم بأن ذلك لأنه كان ~~محسنا ، أي متخلقا بالإحسان وهو الإيمان الخالص المفسر في قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم ( الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه ~~يراك ) ، وأي دليل على إحسانه أجلى من مصابرته في الدعوة إلى التوحيد ~~والتقوى وما ناله من الأذى من قومه طول مدة دعوته . # والمعنى : إنا مثل ذلك الجزاء نجزي المحسنين . وفي هذا تنويه بنوح عليه ~~السلام بأن جزاءه كان هو المثال والإمام لجزاء المحسنين على مراتب إحسانهم ~~وتفاوت تقاربها من إحسان نوح عليه السلام وقوته في تبليغ الدعوة . فهو أول ~~من أوذي في الله فسن الجزاء لمن أوذي في الله ، وكان على قالب جزائه ، ~~فلعله أن يكون له كفل من كل جزاء يجزاه أحد على صبره إذا أوذي في الله ، ~~فثبت لنوح بهذا وصف الإحسان ، وهو النعمة السابعة . وثبت له أنه مثل ~~للمحسنين في جزائهم على إحسانهم ms6815 ، وهي النعمة الثامنة . # وجملة { إنه من عبادنا المؤمنين } تعليل لاستحقاقه المجازاة الموصوفة ~~بقوله : { كذالك نجزي المحسنين } فاختلف معلول هذه العلة ومعلول العلة التي ~~قبلها . # وأفاد وصفه ب { إنه من عبادنا } أنه ممن استحق هذا الوصف ، وقد علمت غير ~~مرة أن وصف ( عبد ) إذا أضيف إلى ضمير الجلالة أشعر بالتقريب ورفع ~~PageV23P134 الدرجة ، اقتصر على وصف العباد بالمؤمنين تنويها بشأن الإيمان ~~ليزداد الذين آمنوا إيمانا ويقلع المشركون عن الشرك . وهذه نعمة تاسعة . ~~وأقحم معها من { عبادنا } لتشريفه بتلك الإضافة على نحو ما تقدم آنفا في ~~قوله تعالى : { إلا عباد الله المخلصين أولئك لهم رزق معلوم } ( الصافات : ~~40 41 ) وهذه نعمة عاشرة ، وفي ذلك تنبيه على عظيم قدر الإيمان . # وفي هذه القصة عبرة للمشركين بما حل بقوم نوح وتسلية للنبيء صلى الله ~~عليه وسلم وجعل نوح قدوة له ، وإيماء إلى أن الله ينصره كما نصر نوحا على ~~قومه وينجيه من أذاهم وتنويه بشأن المؤمنين . و { ثم } التي في قوله : { ثم ~~أغرقنا الآخرين } للترتيب والتراخي الرتبيين لأن بعض ما ذكر قبلها في ~~الكلام هو مما حصل بعد مضمون جملتها في نفس الأمر كما هو بين ، ومعنى ~~التراخي الرتبي هنا أن إغراق الذين كذبوه مع نجاته ونجاة أهله ، أعظم رتبة ~~في الانتصار له والدلالة على وجاهته عند الله تعالى وعلى عظيم قدرة الله ~~تعالى ولطفه . # ومعنى { الآخرين } من عداه وعدا أهله ، أي بقية قومه ، وفي التعبير عنهم ~~بالآخرين ضرب من الاحتقار . ومما في الحديث أنه جاءه رجل فقال : ( إن الآخر ~~قد زنى ) يعني نفسه على رواية الآخر بمد الهمزة وهي إحدى روايتين في الحديث ~~. # وتقدم ذكر نوح وقصته عند قوله تعالى : { إن الله اصطفى آدم ونوحا في آل ~~عمران } ، وفي الأعراف ، وفي سورة هود ، وذكر سفينته في أول سورة العنكبوت ~~. # ( 83 87 ) { } # تخلص إلى حكاية موقف إبراهيم عليه السلام من قومه في دعوتهم إلى التوحيد ~~PageV23P135 وما لاقاه منهم وكيف أيده الله ونجاه منهم ، وقع هذا التخلص ~~إليه بوصفه من شيعة نوح ليفيد بهذا الأسلوب الواحد ms6816 تأكيد الثناء على نوح ~~وابتداء الثناء على إبراهيم وتخليد منقبة لنوح إن كان إبراهيم الرسول ~~العظيم من شيعته وناهيك به . وكذلك جمع محامد لإبراهيم في كلمة كونه من ~~شيعة نوح المقتضي مشاركته له في صفاته كما سيأتي ، وهذا كقوله تعالى : { ~~ذرية من حملنا مع نوح } ( الإسراء : 3 ) . # والشيعة : اسم لمن يناصر الرجل وأتباعه ويتعصب له فيقع لفظ شيعة على ~~الواحد والجمع . وقد يجمع على شيع وأشياع إذا أريد : جماعات كل جماعة هي ~~شيعة لأحد . # وقد تقدم عند قوله تعالى : { ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين في سورة ~~الحجر } ، وعند قوله تعالى : { وجعل أهلها شيعا في سورة القصص } . # وكان إبراهيم من ذرية نوح وكان دينه موافقا لدين نوح في أصله وهو نبذ ~~الشرك . # وجعل إبراهيم من شيعة نوح لأن نوحا قد جاءت رسل على دينه قبل إبراهيم ~~منهم هود وصالح فقد كانا قبل إبراهيم لأن القرآن ذكرهما غير مرة عقب ذكر ~~نوح وقبل ذكر لوط معاصر إبراهيم . ولقول هود لقومه : { واذكروا إذ جعلكم ~~خلفاء من بعد قوم نوح } ( الأعراف : 69 ) ، ولقول صالح لقومه : { واذكروا ~~إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد } ( الأعراف : 74 ) ، وقول شعيب لقومه : { ويا ~~قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم ~~صالح وما قوم لوط منكم ببعيد } ( هود : 89 ) . فجعل قوم لوط أقرب زمنا ~~لقومه دون قوم هود وقوم صالح . وكان لوط معاصر إبراهيم فهؤلاء كلهم شيعة ~~لنوح وإبراهيم من تلك الشيعة وهذه نعمة حادية عشرة . # وتوكيد الخبر ب { إن } ولام الابتداء للرد على المشركين لأنهم يزعمون ~~أنهم على ملة إبراهيم وهذا كقوله تعالى : { وما كان من المشركين } ( البقرة ~~: 135 ) . # و { إذ } ظرف للماضي وهو متعلق بالكون المقدر للجار والمجرور الواقعين ~~خبرا عن { إن } في قوله : { وإن من شيعته لإبراهيم ، } أو متعلق بلفظ شيعة ~~لما فيه من PageV23P136 معنى المشايعة والمتابعة ، أي كان من شيعته حين جاء ~~ربه بقلب سليم كما جاء نوح ، فذلك وقت كونه من شيعته ، أي لأن ms6817 نوحا جاء ربه ~~بقلب سليم . وفي { إذ } معنى التعليل لكونه من شيعته فإن معنى التعليل كثير ~~العروض ل { إذ } كقوله تعالى : { ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب ~~مشتركون } ( الزخرف : 39 ) . وهذه نعمة على نوح وهي ثانية عشرة . # والباء في { بقلبب سليم } للمصاحبة ، أي جاء معه قلب صفته السلامة فيؤول ~~إلى معنى : إذ جاء ربه بسلامة قلب ، وإنما ذكر القلب ابتداء ثم وصف ب { ~~سليم } لما في ذكر القلب من إحضار حقيقة ذلك القلب النزيه ، ولذلك أوثر ~~تنكير ( قلب ) دون تعريف . و { سليم : } صفة مشبهة مشتقة من السلامة وهي ~~الخلاص من العلل والأدواء لأنه لما ذكر القلب ظهر أن السلامة سلامته مما ~~تصاب به القلوب من أدوائها فلا جائز أن تعني الأدواء الجسدية لأنهم ما ~~كانوا يريدون بالقلب إلا مقر الإدراك والأخلاق . فتعين أن المراد : صاحب ~~القلب مع نفسه بمثل طاعة الهوى والعجب والغرور ، ومع الناس بمثل الكبر ~~والحقد والحسد والرياء والاستخفاف . # وأطلق المجيء على معاملته به في نفسه بما يرضي ربه على وجه التمثيل بحال ~~من يجيء أحدا ملقيا إليه ما طلبه من سلاح أو تحف أو ألطاف فإن الله أمره ~~بتزكية نفسه فامتثل فأشبه حال من دعاه فجاءه . وهذا نظير قوله تعالى : { ~~أجيبوا داعي الله } ( الأحقاف : 31 ) . # وقد جمع قوله : { بقلبب سليم } جوامع كمال النفس وهي مصدر محامد الأعمال ~~. وفي الحديث : ( ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت ~~فسد الجسد كله ألا وهي القلب ) . # وقد حكي عن إبراهيم قوله : { يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله ~~بقلب سليم } ( الشعراء : 88 89 ) ، فكان عماد ملة إبراهيم هو المتفرع عن ~~قوله : { بقلب سليم ، } وذلك جماع مكارم الأخلاق ولذلك وصف إبراهيم بقوله ~~تعالى : { إن إبراهيم لحليم أواه منيب } ( هود : 75 ) ، فكان منزها عن كل ~~خلق ذميم واعتقاد باطل . PageV23P137 # ثم إن مكارم الأخلاق قابلة للازدياد فكان حظ إبراهيم منها حظا كاملا لعله ~~أكمل من حظ نوح بناء على أن إبراهيم أفضل الرسل بعد ms6818 محمد صلى الله عليه ~~وسلم وادخر الله منتهى كمالها لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم فلذلك قال : ~~( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) ، ولذلك أيضا وصفت ملة إبراهيم ~~بالحنيفية ووصف الإسلام بزيادة ذلك في قول النبي صلى الله عليه وسلم ( بعثت ~~بالحنيفية السمحة ) . وتعليق كونه من شيعة نوح بهذا الحين المضاف إلى تلك ~~الحالة كناية عن وصف نوح بسلامة القلب أيضا يحصل من قوله : { وإن من شيعته ~~لإبراهيم } إثبات مثل صفات نوح لإبراهيم ومن قوله : { إذ جاء ربه بقلبب ~~سليم } إثبات صفة مثل صفة إبراهيم لنوح على طريق الكناية في الإثباتين ، ~~إلا أن ذلك أثبت لإبراهيم بالصريح ويثبت لنوح باللزوم فيكون أضعف فيه من ~~إبراهيم . # و { إذ قال لأبيه } بدل من { من جاء ربه بقلب سليم } بدل اشتمال فإن قوله ~~هذا لما نشأ عن امتلاء قلبه بالتوحيد والغضب لله على المشركين كان كالشيء ~~المشتمل عليه قلبه السليم فصدر عنه . # و { ماذا تعبدون } استفهام إنكاري على أن يعبدوا ما يعبدونه ولذلك أتبعه ~~باستفهام آخر إنكاري وهو { أئفكا ءالهة دون الله تريدون . } وهذا الذي ~~اقتضى الإتيان باسم الإشارة بعد ( ما ) الاستفهامية الذي هو مشرب معنى ~~الموصول المشار إليه ، فاقتضى أن ما يعبدونه مشاهد لإبراهيم فانصرف ~~الاستفهام بذلك إلى معنى دون الحقيقي وهو معنى الإنكار ، بخلاف قوله : { إذ ~~قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون } في سورة الشعراء فإنه استفهام على معبوداتهم ~~ولذلك أجابوا عنه { قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين } ، وإنما أراد ~~بالاستفهام هنالك التمهيد إلى المحاجة فصوره في صورة الاستفهام لسماع ~~جوابهم فينتقل إلى إبطاله ، كما هو ظاهر من ترتيب حجاجه هنالك ، فذلك حكاية ~~لقول إبراهيم في ابتداء دعوته قومه ، وأما ما هنا فحكاية لبعض أقواله في ~~إعادة الدعوة وتأكيدها . # وجملة { أئفكا ءالهة دون الله تريدون } بيان لجملة { ماذا تعبدون } بين ~~به مصب الإنكار في قوله : { ماذا تعبدون } وإيضاحه ، أي كيف تريدون آلهة ~~إفكا . PageV23P138 # وإرادة الشيء : ابتغاؤه والعزم على حصوله ، وحق فعلها أن يتعدى إلى ~~المعاني قال ابن الدمينة : # تريدين قتلي قد ظفرتت بذلك ms6819 # فإذا عدي إلى الذوات كان على معنى يتعلق بتلك الذوات كقول عمرو بن شاس ~~الأسدي : # أرادت عرارا بالهوان ومن يرد # عرارا لعمري بالهوان فقد ظلم # فلذلك كانت تعدية فعل { تريدون } إلى { ءالهة } على معنى : تريدونها ~~بالعبادة أو بالتأليه ، فكان معنى { ءالهة } دليلا على جانب إرادتها . # فانتصب { ءالهة } على المفعول به وقدم المفعول على الفعل للاهتمام به ~~ولأن فيه دليلا على جهة تجاوز معنى الفعل للمفعول . # وانتصب { إفكا } على الحال من ضمير { تريدون } أي آفكين . والإفك : الكذب ~~. ويجوز أن يكون حالا من آلهة ، أي آلهة مكذوبة ، أي مكذوب تأليهها . ~~والوصف بالمصدر صالح لاعتبار معنى الفاعل أو معنى المفعول . وقدمت الحال ~~على صاحبها للاهتمام بالتعجيل بالتعبير عن كذبهم وضلالهم . # وقوله : { دون الله } أي خلاف الله وغيره ، وهذا صالح لاعتبار قومه عبدة ~~أوثان غير معترفين بإلاه غير أصنامهم ، ولاعتبارهم مشركين مع الله آلهة ~~أخرى مثل المشركين من العرب لأن العرب بقيت فيهم أثارة من الحنيفية فلم ~~ينسوا وصف الله بالإلاهية وكان قوم إبراهيم وهم الكلدان يعبدون الكواكب ~~نظير ما كان عليه اليونان والقبط . # وفرع على استفهام الإنكار استفهام آخر وهو قوله : { فما ظنكم برب ~~العالمين } وهو استفهام أريد به الإنكار والتوقيف على الخطأ ، وأريد بالظن ~~الإعتقاد الخطأ . # وسمي ظنا لأنه غير مطابق للواقع ولم يسمه علما لأن العلم لا يطلق إلا على ~~PageV23P139 الإعتقاد المطابق للواقع ولذلك عرفوه بأنه : ( صفة توجب تمييزا ~~لا يحتمل النقيض ) ولا ينتفي احتمال النقيض إلا متى كان موافقا للواقع . ~~وكثر إطلاق الظن على التصديق المخطىء والجهل المركب كما في قوله تعالى : { ~~إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون في سورة الأنعام } . وقوله : { إن ~~الظن لا يغني من الحق شيئا } ( يونس : 36 ) . # وقول النبي صلى الله عليه وسلم ( إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ) . # والمعنى : أن اعتقادكم في جانب رب العالمين جهل منكر . # وفعل الظن إذا عدي بالباء أشعر غالبا بظن صادق قال تعالى : { وتظنون ~~بالله الظنونا } ( الأحزاب : 10 ) وقال : { وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم ~~أرداكم } ( فصلت : 23 ) . ومنه ms6820 إطلاق الظنين على المتهم فإن أصله : ظنين به ~~، فحذفت الباء ووصل الوصف ، وذلك أنه إذا عدي بالباء فالأكثر حذف مفعوله ~~وكانت الباء للإلصاق المجازي ، أي ظن ظنا ملصقا بالله ، أي مدعى تعلقه ~~بالله وإنما يناسب ذلك ما ليس لائقا بالله . وتقدمت الإشارة إليه عند قوله ~~تعالى : { وتظنون بالله الظنونا في سورة الأحزاب } . # والمعنى : فما ظنكم السيىء بالله ، ولما كان الظن من أفعال القلب فتعديته ~~إلى اسم الذات دون إتباع الاسم بوصف متعينة لتقدير وصف مناسب . وقد حذف ~~المتعلق هنا لقصد التوسع في تقدير المحذوف بكل احتمال مناسب تكثيرا للمعاني ~~فيجوز أن تعتبر من ذاتت رب العالمين أوصافه . ويجوز أن يعتبر منها الكنه ~~والحقيقة ، فاعتبار الوصف على وجهين : # أحدهما : المعنى المشتق منه الرب وهو الربوبية وهي تبليغ الشيء إلى كماله ~~تدريجا ورفقا فإن المخلوق محتاج إلى البقاء والإمداد وذلك يوجب أن يشكر ~~الممد فلا يصد عن عبادة ربه ، فيكون التقدير : فما ظنكم أن له شركاء وهو ~~المنفرد باستحقاق الشكر المتمثل في العبادة لأنه الذي أمدكم بإنعامه . # وثانيهما : أن يعتبر فيه معنى المالكية وهي أحد معنيي الرب وهو مستلزم ~~لمعنى PageV23P140 القهر والقدرة على المملوك ، فيكون التقدير : فما ظنكم ~~ماذا يفعل بكم من عقاب على كفرانه وهو مالككم ومالك العالمين . # وأما جواز اعتبار حقيقة رب العالمين وكنهه . فالتقدير فيه : فما ظنكم ~~بكنه الربوبية فإنكم جاهلون الصفات التي تقتضيها وفي مقدمتها الوحدانية . # ( 88 96 ) { } # مفرع على جملة { إذ قال لأبيه وقومه } ( الصافات : 85 ) تفريع قصص بعطف ~~بعضها على بعض . # والمقصود من هذه الجمل المتعاطفة بالفاءات هو الإفضاء إلى قوله { فراغ ~~إلى آلهتهم } وأما ما قبلها فتمهيد لها وبيان كيفية تمكنه من أصنامهم ~~وكسرها ليظهر لعبدتها عجزها . # وقال ابن كثير في ( تفسيره ) ( قال قتادة : والعرب تقول لمن تفكر : نظر ~~في النجوم ، يعني قتادة : أنه نظر إلى السماء متفكرا فيما يلهيهم به ) ا ه ~~. وفي ( تفسير القرطبي ) عن الخليل والمبرد : يقال للرجل إذا فكر في شيء ~~يدبره : نظر في النجوم ، أي أنه نظر في النجوم ، مما ms6821 جرى مجرى المثل في ~~التعبير عن التفكير لأن المتفكر يرفع بصره إلى السماء لئلا يشتغل بالمرئيات ~~فيخلو بفكره للتدبر فلا يكون المراد أنه نظر في النجوم وهي طالعة ليلا بل ~~المراد أنه نظر للسماء التي هي قرار النجوم وذكر النجوم جرى على المعروف من ~~كلامهم . # وجنح الحسن إلى تأويل معنى النجوم بالمصدر أنه نظر فيما نجم له من الرأي ~~، يعني أن النجوم مصدر نجم بمعنى ظهر . # وعن ثعلب : نظر هنا تفكر فيما نجم من كلامهم لما سألوه أن يخرج معهم إلى ~~عيدهم ليدبر حجة . PageV23P141 # والمعنى : ففكر في حيلة يخلو له بها بد أصنامهم فقال : { إني سقيم } ~~ليلزم مكانه ويفارقوه فلا يريهم بقاؤه حول بدهم ثم يتمكن من إبطال ~~معبوداتهم بالفعل . والوجه : أن التعقيب الذي أفادته الفاء من قوله : { ~~فنظر } تعقيب عرفي ، أي لكل شيء نحسبه فيفيد كلاما مطويا يشير إلى قصة ~~إبراهيم التي قال فيها : { إني سقيم } والتي تفرع عليها قوله تعالى : { ~~فراغ إلى أهله } ( الذاريات : 26 ) الخ . # وتقييد النظرة بصيغة المرة في قوله : { نظرة } إيماء إلى أن الله ألهمه ~~المكيدة وأرشده إلى الحجة كما قال تعالى : { ولقد آتينا إبراهيم رشده } ( ~~الأنبياء : 51 ) . # وقوله : { إني سقيم } عذر انتحله ليتركوه فيخلو ببيت الأصنام ليخلص إليها ~~عن كثب فلا يجد من يدفعه عن الإيقاع بها . وليس في القرآن ولا في السنة ~~بيان لهذا لأنه غني عن البيان . وذكر المفسرون أنه اعتذر عن خروجه مع قومه ~~من المدينة في يوم عيد يخرجون فيه فزعم أنه مريض لا يستطيع الخروج فافترض ~~إبراهيم خروجهم ليخلو ببد الأصنام وهو الملائم لقوله : { فتولوا عنه مدبرين ~~. # والسقيم : صفة مشبهة وهو المريض كما تقدم في قوله : بقلب سليم } ( ~~الصافات : 84 ) . يقال : سقم بوزن مرض ، ومصدره السقم بالتحريك ، فيقال : ~~سقام وسقم بوزن قفل . # والتولي : الإعراض والمفارقة . # لم ينطق إبراهيم فإن النجوم دلته على أنه سقيم ولكنه لما جعل قوله : { ~~إني سقيم } مقارنا لنظره في النجوم أوهم قومه أنه عرف ذلك من دلالة النجوم ~~حسب أوهامهم . # و { مدبرين } حال ، أي ولوه ms6822 أدبارهم ، أي : ظهورهم . والمعنى : ذهبوا ~~وخلفوه وراء ظهورهم بحيث لا ينظرونه . وقد قيل : إن { مدبرين } حال مؤكدة ~~وهو من التوكيد الملازم لفعل التولي غالبا لدفع توهم أنه تولي مخالفة ~~وكراهة دون انتقال . وما وقع في التفاسير في معنى نظره في النجوم وفي تعيين ~~سقمه المزعوم كلام لا يمتع بين موازين المفهوم ، وليس في الآية ما يدل على ~~أن للنجوم دلالة على حدوث شيء من حوادث الأمم ولا الأشخاص ومن يزعم ذلك فقد ~~ضل PageV23P142 دينا ، واختل نظرا وتخمينا . وقد دونوا كذبا كثيرا في ذلك ~~وسموه علم أحكام الفلك أو النجوم . # وقد ظهر من نظم الآية أن قوله : { إني سقيم } لم يكن مرضا ولذلك جاء ~~الحديث الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ( لم يكذب إبراهيم ~~إلا ثلاث كذبات اثنتين منهن في ذات الله عز وجل قوله : { إني سقيم ، } ~~وقوله : { بل فعله كبيرهم هذا } ( الأنبياء : 63 ) ، وبينا هو ذات يوم ~~وسارة إذ أتى على جبار من الجبابرة فسأله عن سارة فقال : ( هي أختي ) ~~الحديث ، فورد عليه إشكال من نسبة الكذب إلى نبيء . # ودفع الإشكال : أن تسمية هذا الكلام كذبا منظور فيه إلى ما يفهمه أو ~~يعطيه ظاهر الكلام وما هو بالكذب الصراح بل هو من المعاريض ، أي أني مثل ~~السقيم في التخلف عن الخروج ، أو في التألم من كفرهم وأن قوله : ( هي أختي ~~) أراد أخوة الإيمان ، وأنه أراد التهكم في قوله : { بل فعله كبيرهم هذا } ~~( الأنبياء : 63 ) لظهور قرينة أن مراده التغليط . # وهذه الأجوبة لا تدفع إشكالا يتوجه على تسمية النبي صلى الله عليه وسلم ~~هذا الكلام بأنه كذبات . وجوابه عندي : أنه لم يكن في لغة قوم إبراهيم ~~التشبيه البليغ ، ولا المجاز ، ولا التهكم ، فكان ذلك عند قومه كذبا وأن ~~الله أذن له فعل ذلك وأعلمه بتأويله كما أذن لأيوب أن يأخذ ضغثا من عصي ~~فيضرب به ضربة واحدة ليبر قسمه إذ لم تكن الكفارة مشروعة في دين أيوب عليه ~~السلام . # وفعل ( راغ ) معناه : حاد عن الشيء ، ومصدره الروغ ms6823 والروغان ، وقد أطلق ~~هنا على الذهاب إلى أصنامهم مخاتلة لهم ولأجل الإشارة إلى تضمينه معنى ~~الذهاب عدي ب { إلى } . # وإطلاق الآلهة على الأصنام مراعى فيه اعتقاد عبدتها بقرينة إضافتها إلى ~~ضميرهم ، أي إلى الآلهة المزعومة لهم . # ومخاطبة إبراهيم تلك الأصنام بقوله : { ألا تأكلون ما لكم لا تنطقون } ~~وهو في حال خلوة بها وعلى غير مسمع من عبدتها قصد به أن يثير في نفسه غضبا ~~PageV23P143 عليها إذ زعموا لها الإلاهية ليزداد قوة عزم على كسرها . # فليس خطاب إبراهيم للأصنام مستعملا في حقيقته ولكنه مستعمل في لازمه وهو ~~تذكر كذب الذين ألهوها والذين سدنوا لها وزعموا أنها تأكل الطعام الذي ~~يضعونه بين يديها ويزعمون أنها تكلمهم وتخبرهم . # ولذلك عقب هذا الخطاب بقوله : { فراغ عليهم ضربا باليمين . } وقد استعمل ~~فعل ( راغ ) هنا مضمنا معنى ( أقبل ) من جهة مائلة عن الأصنام لأنه كان ~~مستقبلها ثم أخذ يضربها ذات اليمين وذات الشمال نظير قوله تعالى : { ~~فيميلون عليكم } ( النساء : 102 ) . # وانتصب { ضربا باليمين } على الحال من ضمير { فراغ } أي ضاربا . وتقييد ~~الضرب باليمين لتأكيد { ضربا } أي ضربا قويا ، ونظيره قوله تعالى : { ~~لأخذنا منه باليمين } ( الحاقة : 45 ) وقول الشماخ : # إذا ما راية رفعت لمجد # تلقاها عرابة باليمين # فلما علموا بما فعل إبراهيم بأصنامهم أرسلوا إليه من يحضره في ملئهم حول ~~أصنامهم كما هو مفصل في سورة الأنبياء وأجمل هنا . # فالتعقيب في قوله : { فأقبلوا إليه } تعقيب نسبي وجاءه المرسلون إليه ~~مسرعين { يزفون } أي يعدون ، والزف : الإسراع في الجري ، ومنه زفيف النعامة ~~وزفها وهو عدوها الأول حين تنطلق . # وقرأ الجمهور { يزفون } بفتح الياء وكسر الزاي على أنه مضارع زف . وقرأه ~~حمزة وخلف بضم الياء وكسر الزاي ، على أنه مضارع أزف ، أي شرعوا في الزفيف ~~، فالهمزة ليست للتعدية بل للدخول في الفعل ، مثل قولهم : أدنف ، أي صار في ~~حال الدنف ، وهو راجع إلى كون الهمزة للصيرورة . # وجملة { قال أتعبدون ما تنحتون } استئناف بياني لأن إقبال القوم إلى ~~إبراهيم بحالة تنذر بحنقهم وإرادة البطش به يثير في نفس السامع تساؤلا عن ms6824 ~~حال إبراهيم في تلقيه بأولئك وهو فاقد للنصير معرض للنكال فيكون { قال ~~أتعبدون ما PageV23P144 تنحتون } جوابا وبيانا لما يسأل عنه ، وذلك منبىء ~~عن رباطة جأش إبراهيم إذ لم يتلق القوم بالاعتذار ولا بالاختفاء ، ولكنه ~~لقيهم بالتهكم بهم إذ قال : { بل فعله كبيرهم هذا كما في سورة الأنبياء } . ~~ثم أنحى عليهم باللائمة والتوبيخ وتسفيه أحلامهم إذ بلغوا من السخافة أن ~~يعبدوا صورا نحتوها بأيديهم أو نحتها أسلافهم ، فإسناد النحت إلى المخاطبين ~~من قبيل إسناد الفعل إلى القبيلة إذا فعله بعضها كقولهم : بنو أسد قتلوا ~~حجر بن عمرو أبا امرىء القيس . # والنحت : بري العود ليصير في شكل يراد ، فإن كانت الأصنام من الخشب ~~فإطلاق النحت حقيقة ، وإن كانت من حجارة كما قيل ، فإطلاق النحت على نقشها ~~وتصويرها مجاز . # والاستفهام إنكاري والإتيان بالموصول والصلة لما تشتمل عليه الصلة من ~~تسلط فعلهم على معبوداتهم ، أي أن شأن المعبود أن يكون فاعلا لا منفعلا ، ~~فمن المنكر أن تعبدوا أصناما أنتم نحتموها وكان الشأن أن تكون أقل منكم . # والواو في { والله خلقكم وما تعملون } واو الحال ، أي أتيتم منكرا إذ ~~عبدتم ما تصنعونه بأيديكم والحال أن الله خلقكم وما تعملون وأنتم معرضون عن ~~عبادته ، أو وأنتم مشركون معه في العبادة مخلوقاتت دونكم . والحال مستعملة ~~في التعجيب لأن في الكلام حذفا بعد واو الحال إذ التقدير : ولا تعبدون الله ~~وهو خلقكم وخلق ما نحتموه . # و { ما } موصولة و { تعملون } صلة الموصول ، والرابط محذوف على الطريقة ~~الكثيرة ، أي وما تعملونها . ومعنى { تعملون } تنحتون . وإنما عدل عن إعادة ~~فعل { تنحتون } لكراهية تكرير الكلمة فلما تقدم لفظ { تنحتون } علم أن ~~المراد ب { ما تعملون } ذلك المعمول الخاص وهو المعمول للنحت لأن العمل أعم ~~. يقال : عملت قميصا وعملت خاتما . وفي حديث صنع المنبر ( أرسل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لامرأة من الأنصار أن مري غلامك النجار يعمل لي أعوادا ~~أكلم عليها الناس ) . # وخلق الله إياها ظاهر ، وخلقه ما يعملونها : هو خلق المادة التي تصنع ~~منها PageV23P145 من حجر أو خشب ، ولذلك ms6825 جمع بين إسناد الخلق إلى الله بواو ~~العطف ، وإسناد العمل إليهم بإسناد فعل { تعملون . # وقد احتج الأشاعرة على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى بهذه الآية على ~~أن تكون ما } مصدرية أو تكون موصولة ، على أن المراد : ما تعملونه من ~~الأعمال . وهو تمسك ضعيف لما في الآية من الاحتمالين ولأن المقام يرجح ~~المعنى الذي ذكرناه إذ هو في مقام المحاجة بأن الأصنام أنفسها مخلوقة لله ~~فالأولى المصير إلى أدلة أخرى . # ( 97 98 ) # { الجحيم } : النار الشديدة الوقود ، وكل نار على نار وجمر فوق جمر فهو ~~جحيم . # وتقدمت هذه القصة ونظير هذه الآية في سورة الأنبياء ، وعبر هنا ب { ~~الأسفلين } وهنالك ب { الأخسرين } ( الأنبياء : 70 ) والأسفل هو المغلوب ~~لأن الغالب يتخيل معتليا على المغلوب فهو استعارة للمغلوب ، والأخسر هنالك ~~استعارة لمن لا يحصل من سعيه على بغيته . # ( 99 100 ) # لما نجا إبراهيم من نارهم صمم على الخروج من بلده ( أور الكلدانيين ) . # وهذه أول هجرة في سبيل الله للبعد عن عبادة غير الله . والتوراة بعد أن ~~طوت سبب أمر الله إياه بالخروج ذكر فيها أنه خرج قاصدا بلاد حران في أرض ~~كنعان ( وهي بلاد الفينيقيين ) . # والظاهر : أن هذا القول قاله علنا في قومه ليكفوا عن أذاه ، وكان الأمم ~~الماضون يعدون الجلاء من مقاطع الحقوق ، قال زهير : PageV23P146 # وإن الحق مقطعه ثلاث # يمين أو نفار أو جلاء # ولذلك لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجرة من مكة لم يتعرض له ~~قريش في بادىء الأمر ثم خافوا أن تنتشر دعوته في الخارج فراموا اللحاق به ~~فحبسهم الله عنه . # ويحتمل أن يكون قال ذلك في أهله الذين يريد أن يخرج بهم معه فمعنى { ذاهب ~~إلى ربي } مهاجر إلى حيث أعبد ربي وحده ولا أعبد آلهة غيره ولا أفتن في ~~عبادته كما فتنت في بلدهم . # ومراد الله أن يفضي إلى بلوغ مكة ليقيم هنالك أول مسجد لإعلان توحيد الله ~~فسلك به المسالك التي سلكها حتى بلغ به مكة وأودع بها أهلا ونسلا ، وأقام ~~بها قبيلة دينها ms6826 التوحيد ، وبنى لله معبدا ، وجعل نسله حفظة بيت الله ، ~~ولعل الله أطلعه على تلك الغاية بالوحي أو سترها عنه حتى وجد نفسه عندها ~~فلذلك أنطقه بأن ذهابه إلى الله نطقا عن علم أو عن توفيق . # وجملة { سيهدين } يجوز أن تكون حالا وهو الأظهر لأنه أراد إعلام قومه ~~بأنه واثق بربه وأنه لا تردد له في مفارقتهم ، ويجوز أن تكون استئنافا ؛ ~~فعلى الأول هي حال من اسم الجلالة ، ولا يمنع من جعل الجملة حالا اقترانها ~~بحرف الاستقبال فإن حرف الاستقبال يدل على أنها حال مقدرة ، والتقدير : أني ~~ذاهب إلى ربي مقدرا ، كما لم يمتنع مجيء الحال معمولا لعامل مستقبل كما في ~~قوله تعالى : { سيدخلون جهنم داخرين } ( غافر : 60 ) وقوله تعالى : { إن ~~معي ربي سيهدين } ( الشعراء : 62 ) وقول سعد بن ناشب : # سأغسل عني العار بالسيف جالبا # علي قضاء الله ما كان جالبا # وامتناع اقتران جملة الحال بعلامة الاستقبال في الإثبات أو النفي مذهب ~~بصري ، وهو ناظر إلى غالب أحوال استعمال الحال ، وجوازه مذهب كوفي كما ذكره ~~ابن الأنباري في ( الإنصاف ) ، والحق في جانب نحاة الكوفة . وقد تلقف ~~المذهب البصري معظم علماء العربية وتحير المحققون منهم في تأييده فلجأوا ~~إلى أن علته استبشاع الجمع بين كون الكلمة حالا وبين اقترانها بعلامة ~~الاستقبال . ونبينه بأن الحال ما سميت حالا إلا لأن المراد منها ثبوت وصف ~~في الحال وهذا ينافي اقترانها PageV23P147 بعلامة الاستقبال تنافيا في ~~الجملة . هذا بيان ما وجه به الرضي مذهب البصريين وتبعه التفتزاني في مبحث ~~الحال من شرحه المطول على ( تلخيص المفتاح ) . وفي مبحث الاستفهام ب ( هل ) ~~منه . وقد زيف السيد الجرجاني في ( حاشية المطول ) ذلك التوجيه في مبحث ~~الحال تزييفا رشيقا . # ويجوز أن تكون جملة { سيهدين } مستأنفة وبذلك أجاب نحاة البصرة عن تمسك ~~نحاة الكوفة بالآية في جواز اقتران الحال بعلم الاستقبال ، فالاستئناف ~~بياني بيانا لسبب هجرته . # وجملة { رب هب لي من الصالحين } بقية قوله فإنه بعد أن أخبر أنه مهاجر ~~استشعر قلة أهله وعقم امرأته وثار ذلك الخاطر في نفسه ms6827 عند إزماع الرحيل لأن ~~الشعور بقلة الأهل عند مفارقة الأوطان يكون أقوى لأن المرء إذا كان بين ~~قومه كان له بعض السلو بوجود قرابته وأصدقائه . # ومما يدل على أنه سأل النسل ما جاء في سفر التكوين ( الاصحاح الخامس عشر ~~) ( وقال أبرام إنك لم تعطني نسلا وهذا ابن بيتي ( بمعنى مولاه ) وارث لي ( ~~أنهم كانوا إذا مات عن غير نسل ورثه مواليه ) ) . وكان عمر إبراهيم حين خرج ~~من بلاده نحوا من سبعين سنة . # وقال في ( الكشاف ) : لفظ الهبة غلب في الولد . لعله يعني أن هذا اللفظ ~~غلب في القرآن في الولد : ولا أحسبه غلب فيه في كلام العرب لأني لم أقف ~~عليه وإن كان قد جاء في الأخ في قوله تعالى : { ووهبنا له من رحمتنا أخاه ~~هارون نبيا } ( مريم : 53 ) . # فحذف مفعول الفعل لدلالة الفعل عليه . # ووصفه بأنه من الصالحين لأن نعمة الولد تكون أكمل إذا كان صالحا فإن صلاح ~~الأبناء قرة عين للآباء ، ومن صلاحهم برهم بوالديهم . PageV23P148 # ( 101 102 ) { لله } # الفاء في { فبشرناه } للتعقيب ، والبشارة : الإخبار بخير وارد عن قرب أو ~~على بعد ؛ فإن كان الله بشر إبراهيم بأنه يولد له ولد أو يوجد له نسل عقب ~~دعائه كما هو الظاهر وهو صريح في سفر التكوين في الإصحاح الخامس عشر فقد ~~أخبره بأنه استجاب له وأنه يهبه ولدا بعد زمان ، فالتعقيب على ظاهره ؛ وإن ~~كان الله بشره بغلام بعد ذلك حين حملت منه هاجر جاريته بعد خروجه بمدة ~~طويلة ، فالتعقيب نسبي ، أي بشرناه حين قدرنا ذلك أول بشارة بغلام فصار ~~التعقيب آئلا إلى المبادرة كما يقال : تزوج فولد له ؛ وعلى الاحتمالين ~~فالغلام الذي بشر به هو الولد الأول الذي ولد له وهو إسماعيل لا محالة . # والحليم : الموصوف بالحلم وهو اسم يجمع أصالة الرأي ومكارم الأخلاق ~~والرحمة بالمخلوق . قيل : ما نعت الله الأنبياء بأقل مما نعتهم بالحلم . # وهذا الغلام الذي بشر به إبراهيم هو إسماعيل ابنه البكر وهذا غير الغلام ~~الذي بشره به الملائكة الذين أرسلوا إلى قوم لوط في قوله ms6828 تعالى : { قالوا ~~لا تخف وبشروه بغلام عليم } ( الذاريات : 28 ) فذلك وصف بأنه { عليم } . ~~وهذا وصف ب { حليم . } وأيضا ذلك كانت البشارة به بمحضر سارة أمه وقد جعلت ~~هي المبشرة في قوله تعالى : { فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب قالت : ~~يا ويلتا أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا } ( هود : 72 ) ، فتلك بشارة كرامة ~~والأولى بشارة استجابة دعائه ، فلما ولد له إسماعيل تحقق أمل إبراهيم أن ~~يكون له وارث من صلبه . # فالبشارة بإسماعيل لما كانت عقب دعاء إبراهيم أن يهب الله له من الصالحين ~~عطفت هنا بفاء التعقيب ، وبشارته بإسحاق ذكرت في هذه السورة معطوفة بالواو ~~عطف القصة على القصة . # والفاء في { فلما بلغ معه السعي } فصيحة لأنها مفصحة عن مقدر ، تقديره : ~~فولد له ويفع وبلغ السعي فلما بلغ السعي قال يا بني الخ ، أي بلغ أن ~~PageV23P149 يسعى مع أبيه ، أي بلغ سن من يمشي مع إبراهيم في شؤونه . # فقوله : { معه } متعلق بالسعي والضمير المستتر في { بلغ } للغلام ، ~~والضمير المضاف إليه { معه } عائد إلى إبراهيم . و { السعي } مفعول { بلغ } ~~ولا حجة لمن منع تقدم معمول المصدر عليه ، على أن الظروف يتوسع فيها ما لا ~~يتوسع في غيرها من المعمولات . # وكان عمر إسماعيل يومئذ ثلاث عشرة سنة وحينئذ حدث إبراهيم ابنه بما رآه ~~في المنام ورؤيا الأنبياء وحي وكان أول ما بدىء به رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الرؤيا الصادقة ولكن الشريعة لم يوح بها إليه إلا في اليقظة مع رؤية ~~جبريل دون رؤيا المنام ، وإنما كانت الرؤيا وحيا له في غير التشريع مثل ~~الكشف على ما يقع وما أعد له وبعض ما يحل بأمته أو بأصحابه ، فقد رأى في ~~المنام أنه يهاجر من مكة إلى أرض ذات نخل فلم يهاجر حتى أذن له في الهجرة ~~كما أخبر بذلك أبا بكر رضي الله عنه ، ورأى بقرا تذبح فكان تأويل رؤياه من ~~استشهد من المسلمين يوم أحد ، ولقد يرجح قول القائلين من السلف بأن الإسراء ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقظة ms6829 وبالجسد على قول القائلين بأنه كان ~~في المنام وبالروح خاصة ، فإن في حديث الإسراء أن الله فرض الصلاة في ليلته ~~والصلاة ثاني أركان الإسلام فهي حقيقة بأن تفرض في أكمل أحوال الوحي للنبيء ~~صلى الله عليه وسلم وهو حال اليقظة فافهم . # وأمر الله إبراهيم بذبح ولده أمر ابتلاء . # وليس المقصود به التشريع إذ لو كان تشريعا لما نسخ قبل العمل به لأن ذلك ~~يفيت الحكمة من التشريع بخلاف أمر الابتلاء . # والمقصود من هذا الابتلاء إظهار عزمه وإثبات علو مرتبته في طاعة ربه فإن ~~الولد عزيز على نفس الوالد ، والولد الوحيد الذي هو أمل الوالد في مستقبله ~~أشد عزة على نفسه لا محالة ، وقد علمت أنه سأل ولدا ليرثه نسله ولا يرثه ~~مواليه ، فبعد أن أقر الله عينه بإجابة سؤله وترعرع ولده أمره بأن يذبحه ~~فينعدم نسله ويخيب أمله ويزول أنسه ويتولى بيده إعدام أحب النفوس إليه وذلك ~~أعظم الابتلاء . فقابل أمر ربه بالامتثال وحصلت حكمة الله من ابتلائه ، ~~وهذا معنى قوله تعالى : { إن هاذا لهو البلاء المبين } ( الصافات : 106 ) . ~~PageV23P150 # وإنما برز هذا الابتلاء في صورة الوحي المنامي إكراما لإبراهيم عن أن ~~يزعج بالأمر بذبح ولده بوحي في اليقظة لأن رؤى المنام يعقبها تعبيرها إذ قد ~~تكون مشتملة على رموز خفية وفي ذلك تأنيس لنفسه لتلقي هذا التكليف الشاق ~~عليه وهو ذبح ابنه الوحيد . # والفاء في قوله : { فانظر ماذا ترى } فاء تفريع ، أو هي فاء الفصيحة ، أي ~~إذا علمت هذا فانظر ماذا ترى . والنظر هنا نظر العقل لا نظر البصر فحقه أن ~~يتعدى إلى مفعولين ولكن علقه الاستفهام عن العمل . والمعنى : تأمل في الذي ~~تقابل به هذا الأمر ، وذلك لأن الأمر لما تعلق بذات الغلام كان للغلام حظ ~~في الامتثال وكان عرض إبراهيم هذا على ابنه عرض اختبار لمقدار طواعيته ~~بإجابة أمر الله في ذاته لتحصل له بالرضى والامتثال مرتبة بذل نفسه في ~~إرضاء الله وهو لا يرجو من ابنه إلا القبول لأنه أعلم بصلاح ابنه وليس ~~إبراهيم مأمورا بذبح ابنه ms6830 جبرا ، بل الأمر بالذبح تعلق بمأمورين : أحدهما ~~بتلقي الوحي ، والآخر بتبليغ الرسول إليه ، فلو قدر عصيانه لكان حاله في ~~ذلك حال ابن نوح الذي أبى أن يركب السفينة لما دعاه أبوه فاعتبر كافرا . # وقرأ الجمهور { ماذا ترى } بفتح التاء والراء . وقرأ حمزة والكسائي وخلف ~~بضم التاء وكسر الراء ، أي ماذا تريني من امتثال أو عدمه . وحكى جوابه فقال ~~: { يأبتت افعل ما تؤمر } دون عطف ، جريا على حكاية المقاولات كما تقدم عند ~~قوله تعالى : { قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها في سورة البقرة } . # وابتداء الجواب بالنداء واستحضار المنادى بوصف الأبوة وإضافة الأب إلى ~~ياء المتكلم المعوض عنها التاء المشعر تعويضها بصيغة ترقيق وتحنن . # والتعبير عن الذبح بالموصول وهو { ما تؤمر } دون أن يقول : اذبحني ، يفيد ~~وحده إيماء إلى السبب الذي جعل جوابه امتثالا لذبحه . PageV23P151 وحذف ~~المتعلق بفعل { تؤمر } لظهور تقديره : أي ما تؤمر به . وبقي الفعل كأنه من ~~الأفعال المتعدية ، وهذا الحذف يسمى بالحذف والإيصال ، كقول عمرو بن معد ~~يكرب : # أمرتك الخير فافعل ما أمرت به # فقد تركتك ذا مال وذا نشب # وصيغة الأمر في قوله : { افعل } مستعملة في الإذن . وعدل عن أن يقال : ~~اذبحني ، إلى { افعل ما تؤمر } للجمع بين الإذن وتعليله ، أي أذنت لك أن ~~تذبحني لأن الله أمرك بذلك ، ففيه تصديق أبيه وامتثال أمر الله فيه . # وجملة { ستجدني } هي الجواب لأن الجمل التي قبلها تمهيد للجواب كما علمت ~~فإنه بعد أن حثه على فعل ما أمر به وعده بالامتثال له وبأنه لا يجزع ولا ~~يهلع بل يكون صابرا ، وفي ذلك تخفيف من عبء ما عسى أن يعرض لأبيه من الحزن ~~لكونه يعامل ولده بما يكره . وهذا وعد قد وفى به حين أمكن أباه من رقبته ، ~~وهو الوعد الذي شكره الله عليه في الآية الأخرى في قوله : { واذكر في ~~الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد } ( مريم : 54 ) ، وقد قرن وعده ب { إن ~~شاء الله } استعانة على تحقيقه . # وفي قوله : { من الصابرين } من المبالغة في اتصافه بالصبر ما ليس في ms6831 ~~الوصف : بصابر ، لأنه يفيد أنه سيجده في عداد الذين اشتهروا بالصبر وعرفوا ~~به ، ألا ترى أن موسى عليه السلام لما وعد الخضر قال : { ستجدني إن شاء ~~الله صابرا } ( الكهف : 69 ) لأنه حمل على التصبر إجابة لمقترح الخضر . # ( 103 107 ) { لله } # { أسلما } استسلما . يقال : سلم واستسلم وأسلم بمعنى : انقاد وخضع ، وحذف ~~المتعلق لظهوره من السياق ، أي أسلما لأمر الله فاستسلام إبراهيم بالتهيؤ ~~PageV23P152 لذبح ابنه ، واستسلام الغلام بطاعة أبيه فيما بلغه عن ربه . # و { تله } : صرعه على الأرض ، وهو فعل مشتق من اسم التل وهو الصبرة من ~~التراب كالكدية ، وأما قوله في حديث الشرب ( فتله في يده ) أي القدح ، فذلك ~~على تشبيه شدة التمكين كأنه ألقاه في يده . # واللام في { للجبين } بمعنى ( على ) كقوله : { يخرون للأذقان سجدا } ( ~~الإسراء : 107 ) ، وقوله تعالى : { دعانا لجنبه } ( يونس : 12 ) ، ومعناها ~~أن مدخولها هو أسفل جزء من صاحبه . # والجبين : أحد جانبي الجبهة ، وللجبهة جبينان ، وليس الجبين هو الجبهة ~~ولهذا خطأوا المتنبي في قوله : # وخل زيا لمن يحققه # ما كل دامم جبينه عابد # وتبع المتنبي إطلاق العامة وهو خطأ ، وقد نبه على ذلك ابن قتيبة في ( أدب ~~الكتاب ) ولم يتعقبه ابن السيد البطليوسي في ( الاقتضاب ) ولكن الحريري لم ~~يعده في ( أوهام الخواص ) فلعله أن يكون غفل عنه ، وذكر مرتضى في ( تاج ~~العروس ) عن شيخه تصحيح إطلاق الجبين على الجبهة مجازا بعلاقة المجاورة ، ~~وأنشد قول زهير : # يقيني بالجبين ومنكبيه # وأدفعه بمطرد الكعوب # وزعم أن شارح ديوان زهير ذكر ذلك . وهذا لا يصح استعماله إلا عند قيام ~~القرينة لأن المجاز إذا لم يكثر لا يستحق أن يعد في معاني الكلمة على أنا ~~لا نسلم أن زهيرا أراد من الجبين الجبهة . ولم يذكر هذا في الأساس . # والمعنى : أنه ألقاه على الأرض على جانب بحيث يباشر جبينه الأرض من شدة ~~الاتصال . ومناداة الله إبراهيم بطريق الوحي بإرسال الملك ، أسندت المناداة ~~إلى الله تعالى لأنه الآمر بها . # وتصديق الرؤيا : تحقيقها في الخارج بأن يعمل صورة العمل الذي رآه يقال : ~~رؤيا صادقة ، إذا حصل ms6832 بعدها في الواقع ما يماثل صورة ما رآه الرائي قال ~~الله تعالى : PageV23P153 { لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق } ( الفتح : ~~27 ) . وفي حديث عائشة : ( أول ما بدىء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~الوحي الرؤيا الصادقة ، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ) . وبضد ~~ذلك يقال : كذبت الرؤيا ، إذا حصل خلاف ما رأى . وفي الحديث : ( إذا اقترب ~~الزمان لم تكد تكذب رؤيا المؤمن ) ، فمعنى { قد صدقت الرؤيا } قد فعلت مثل ~~صورة ما رأيت في النوم أنك تفعله . وهذا ثناء من الله تعالى على إبراهيم ~~بمبادرته لامتثال الأمر ولم يتأخر ولا سأل من الله نسخ ذلك . # والمراد : أنه صدق ما رآه إلى حد إمرار السكين على رقبة ابنه ، فلما ~~ناداه جبريل بأن لا يذبحه كان ذلك الخطاب نسخا لما في الرؤيا من إيقاع ~~الذبح ، وذلك جاء من قبل الله لا من تقصير إبراهيم ، فإبراهيم صدق الرؤيا ~~إلى أن نهاه الله عن إكمال مثالها ، فأطلق على تصديقه أكثرها أنه صدقها ، ~~وجعل ذبح الكبش تأويلا لذبح الولد الواقع في الرؤيا . # وجملة { إنا كذلك نجزي المحسنين } تعليل لجملة { وناديناه } لأن نداء ~~الله إياه ترفيع لشأنه فكان ذلك النداء جزاء على إحسانه . وهذه الجملة يجوز ~~أن تكون من خطاب الله تعالى إبراهيم ، ويجوز أن تكون معترضة بين جمل خطاب ~~إبراهيم ، والإشارة في قوله : { كذالك } إلى المصدر المأخوذ من فعل { صدقت ~~} من المصدر وهو التصديق مثل عود الضمير على المصدر المأخوذ من { اعدلوا هو ~~أقرب للتقوى } ( المائدة : 8 ) ، أي إنا نجزي المحسنين كذلك التصديق ، أي ~~مثل عظمة ذلك التصديق نجزي جزاء عظيما للمحسنين ، أي الكاملين في الإحسان ، ~~أي وأنت منهم . # ولما يتضمنه لفظ الجزاء من معنى المكافأة ومماثلة المجزي عليه عظم شأن ~~الجزاء بتشبيهه بمشبه مشار إليه بإشارة البعيد المفيد بعدا اعتباريا وهو ~~الرفعة وعظم القدر في الشرف ، فالتقدير : إنا نجزي المحسنين جزاء كذلك ~~الإحسان الذي أحسنت به بتصديقك الرؤيا ، مكافأة على مقدار الإحسان فإنه بذل ~~أعز الأشياء عليه في طاعة ربه فبذل ms6833 الله إليه من أحسن الخيرات التي بيده ~~تعالى ، فالمشبه والمشبه به معقولان إذ ليس واحد منهما بمشاهد ولكنهما ~~متخيلان بما يتسع له التخيل المعهود عند المحسنين مما يقتضيه اعتقادهم في ~~وعد الصادق من جزاء PageV23P154 القادر العظيم ، قال تعالى : { هل جزاء ~~الإحسان إلا الإحسان } ( الرحمن : 60 ) . # ولما أفاد اسم الإشارة من عظمة الجزاء أكد الخبر ب { إن لدفع توهم ~~المبالغة ، أي هو فوق ما تعهده في العظمة وما تقدره العقول . # وفهم من ذكر المحسنين أن الجزاء إحسان بمثل الإحسان فصار المعنى : إنا ~~كذلك الإحسان العظيم الذي أحسنته نجزي المحسنين ، فهذا وعد بمراتب عظيمة من ~~الفضل الرباني ، وتضمن وعد ابنه بإحسان مثله من جهة نوط الجزاء بالإحسان ، ~~وقد كان إحسان الابن عظيما ببذل نفسه . # وقد أكد ذلك بمضمون جملة إن هذا لهو البلاء المبين } أي هذا التكليف الذي ~~كلفناك هو الاختبار البين ، أي الظاهر دلالة على مرتبة عظيمة من امتثال أمر ~~الله . # واستعمل لفظ البلاء مجازا في لازمه وهو الشهادة بمرتبة من لو اختبر بمثل ~~ذلك التكليف لعلمت مرتبته في الطاعة والصبر وقوة اليقين . # وجملة { إن هذا لهو البلاء المبين } في محل العلة لجملة { إنا كذلك نجزي ~~المحسنين } على نحو ما تقدم في موقع جملة { إنه من عبادنا المؤمنين } ( ~~الصافات : 81 ) في قصة نوح . # وجواب { فلما أسلما } محذوف دل عليه قوله : { وناديناه ، } وإنما جيء به ~~في صورة العطف إيثارا لما في ذلك من معنى القصة على أن يكون جوابا لأن ~~الدلالة على الجواب تحصل بعطف بعض القصة دون العكس ، وحذف الجواب في مثل ~~هذا كثير في القرآن وهو من أساليبه ومثله قوله تعالى : { فلما ذهبوا به ~~وأجمعوا أن يجعلوه في غيابات الجب وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا ~~يشعرون ، وجاءوا أباهم عشاء يبكون } ( يوسف : 15 ، 16 ) . # وجملة { وفديناه } يظهر أنها من الكلام الذي خاطب الله به إبراهيم . # والمعنى : وقد فدينا ابنك بذبح عظيم ولولا هذا التقدير تكون حكاية نداء ~~الله إبراهيم غير مشتملة على المقصود من النداء وهو إبطال الأمر بذبح ms6834 ~~الغلام . PageV23P155 # والفدى والفداء : إعطاء شيء بدلا عن حق للمعطى ، ويطلق على الشيء المفدى ~~به من إطلاق المصدر على المفعول . وأسند الفداء إلى الله لأنه الآذن به ، ~~فهو مجاز عقلي ، فإن الله أوحى إلى إبراهيم أن يذبح الكبش فداء عن ذبح ابنه ~~وإبراهيم هو الفادي بإذن الله ، وابن إبراهيم مفدى . # والذبح بكسر الذال : المذبوح ووزن فعل بكسر الفاء وسكون عين الكلمة يكثر ~~أن يكون بمعنى المفعول مما اشتق منه مثل : الحب والطحن والعدل . # ووصفه ب { عظيم } بمعنى شرف قدر هذا الذبح ، وهو أن الله فدى به ابن ~~رسولل وأبقى به من سيكون رسولا فعظمه بعظم أثره ، ولأنه سخره الله لإبراهيم ~~في ذلك الوقت وذلك المكان . # وقد أشارت هذه الآيات إلى قصة الذبيح ولم يسمه القرآن لعله لئلا يثير ~~خلافا بين المسلمين وأهل الكتاب في تعيين الذبيح من ولدي إبراهيم ، وكان ~~المقصد تألف أهل الكتاب لإقامة الحجة عليهم في الاعتراف برسالة محمد صلى ~~الله عليه وسلم وتصديقق القرآن ، ولم يكن ثمة مقصد مهم يتعلق بتعيين الذبيح ~~ولا في تخطئة أهل الكتاب في تعيينه ، وأمارة ذلك أن القرآن سمى إسماعيل في ~~مواضع غير قصة الذبح وسمى إسحاق في مواضع ، ومنها بشارة أمه على لسان ~~الملائكة الذين أرسلوا إلى قوم لوط ، وذكر اسمي إسماعيل وإسحاق أنهما وهبا ~~له على الكبر ولم يسم أحدا في قصة الذبح قصدا للإبهام مع عدم فوات المقصود ~~من الفضل لأن المقصود من القصة التنويه بشأن إبراهيم فأي ولديه كان الذبيح ~~كان في ابتلائه بذبحه وعزمه عليه وما ظهر في ذلك من المعجزة تنويه عظيم ~~بشأن إبراهيم وقال الله تعالى : { ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي ~~أحسن } ( العنكبوت : 46 ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم ( لا تصدقوا أهل ~~الكتاب ولا تكذبوهم ) . روى الحاكم في ( المستدرك ) عن معاوية بن أبي سفيان ~~أن أحد الأعراب قال للنبيء صلى الله عليه وسلم يا ابن الذبيحين فتبسم النبي ~~صلى الله عليه وسلم وهو يعني أنه من ولد إسماعيل وهو الذبيح وأن أباه عبد ms6835 ~~الله بن عبد المطلب كان أبوه عبد المطلب نذر : لئن رزقه الله بعشرة بنين أن ~~يذبح العاشر للكعبة ، فلما ولد عبد الله وهو العاشر عزم عبد المطلب على ~~الوفاء بنذره ، فكلمه كبراء أهل البطاح أن يعدله PageV23P156 بعشرة من ~~الإبل وأن يستقسم بالأزلام عليه وعلى الإبل فإن خرج سهم الإبل نحرها ، ففعل ~~فخرج سهم عبد الله ، فقالوا : أرضض الآلهة ، أي الآلهة التي في الكعبة ~~يومئذ ، فزاد عشرة من الإبل واستقسم فخرج سهم عبد الله ، فلم يزالوا يقولون ~~: أرضض الآلهة ويزيد عبد المطلب عشرة من الإبل ويعيد الاستقسام ويخرج سهم ~~عبد الله إلى أن بلغ مائة من الإبل واستقسم عليهما فخرج سهم الإبل فقالوا ~~رضيت الآلهة فذبحها فداء عنه . # وكانت منقبة لعبد المطلب ولابنه أبي النبي صلى الله عليه وسلم تشبه منقبة ~~جده إبراهيم وإن كانت جرت على أحوال الجاهلية فإنها يستخلص منها غير ما حف ~~بها من الأعراض الباطلة ، وكان الزمان زمان فترة لا شريعة فيه ولم يرد في ~~السنة الصحيحة ما يخالف هذا . إلا أنه شاع من أخبار أهل الكتاب أن الذبيح ~~هو إسحاق بن إبراهيم بناء على ما جاء في ( سفر التكوين ) في ( الإصحاح ) ~~الثاني والعشرين وعلى ما كان يقصه اليهود عليهم ، ولم يكن فيما علموه من ~~أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم ما يخالفه ولا كانوا يسألونه . # والتأمل في هذه الآية يقوي الظن بأن الذبيح إسماعيل ، فإنه ظاهر قوي في ~~أن المأمور بذبحه هو الغلام الحليم في قوله : { فبشرناه بغلامم حليم } ( ~~الصافات : 101 ) وأنه هو الذي سأل إبراهيم ربه أن يهب له فساقت الآية قصة ~~الابتلاء بذبح هذا الغلام الحليم الموهوب لإبراهيم ، ثم أعقبت قصته بقوله ~~تعالى : { وبشرناه بإسحاق نبيئا من الصالحين } ( الصافات : 112 ) ، وهذا ~~قريب من دلالة النص على أن إسحاق هو غير الغلام الحليم الذي مضى الكلام على ~~قصته لأن الظاهر أن قوله : { وبشرناه } ( الصافات : 112 ) بشارة ثانية وأن ~~ذكر اسم إسحاق يدل على أنه غير الغلام الحليم الذي أجريت عليه الضمائر ~~المتقدمة . فهذا دليل أول ms6836 . # الدليل الثاني : أن الله لما ابتلى إبراهيم بذبح ولده كان الظاهر أن ~~الابتلاء وقع حين لم يكن لإبراهيم ابن غيره لأن ذلك أكمل في الابتلاء كما ~~تقدم . # الدليل الثالث : أن الله تعالى ذكر : { فبشرناه بغلام حليم } ( الصافات : ~~101 ) عقب ما ذكر من قول إبراهيم : { رب هب لي من الصالحين } ( الصافات : ~~100 ) ، فدل على أن هذا الغلام الحليم الذي أمر PageV23P157 بذبحه هو ~~المبشر به استجابة لدعوته ، وقد ظهر أن المقصود من الدعوة أن لا يكون عقيما ~~يرثه عبيد بيته كما جاء في ( سفر التكوين ) وتقدم آنفا . # الدليل الرابع : أن إبراهيم بنى بيتا لله بمكة قبل أن يبني بيتا آخر بنحو ~~أربعين سنة كما في حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم ومن شأن بيوت ~~العبادة في ذلك الزمان أن تقرب فيها القرابين فقربان أعز شيء على إبراهيم ~~هو المناسب لكونه قربانا لأشرف هيكل . وقد بقيت في العرب سنة الهدايا في ~~الحج كل عام وما تلك إلا تذكرة لأول عام أمر فيه إبراهيم بذبح ولده وأنه ~~الولد الذي بمكة . # الدليل الخامس : أن أعرابيا قال للنبيء صلى الله عليه وسلم يابن الذبيحين ~~، فعلم مراده وتبسم ، وليس في آباء النبي صلى الله عليه وسلم ذبيح غير عبد ~~الله وإسماعيل . # الدليل السادس : ما وقع في ( سفر التكوين ) في الإصحاح الثاني والعشرين ~~أن الله امتحن إبراهيم فقال له : ( خذ ابنك وحيدك الذي تحبه إسحاق واذهب ~~إلى أرض المريا وأصعده هنالك محرقة على أحد الجبال الذي أقول لك ) إلى آخر ~~القصة . ولم يكن إسحاق ابنا وحيدا لإبراهيم فإن إسماعيل ولد قبله بثلاث ~~عشرة سنة . ولم يزل إبراهيم وإسماعيل متواصلين وقد ذكر في الإصحاح الخامس ~~والعشرين من سفر التكوين عند ذكر موت إبراهيم عليه السلام ( ودفنه إسحاق ~~وإسماعيل ابناه ) ، فإقحام اسم إسحاق بعد قوله : ابنك وحيدك ، من زيادة ~~كاتب التوراة . # الدليل السابع : قال صاحب ( الكشاف ) : ويدل عليه أن قرني الكبش كانا ~~منوطين في الكعبة في أيدي بني إسماعيل إلى أن احترق البيت في حصار ابن ~~الزبير ms6837 ا . ه . وقال القرطبي عن ابن عباس : والذي نفسي بيده لقد كان أول ~~الإسلام وأن رأس الكبش لمعلق بقرنيه من ميزاب الكعبة وقد يبس . قلت : وفي ~~صحة كون ذلك الرأس رأس كبش الفداء من زمن إبراهيم نظر . # الدليل الثامن : أنه وردت روايات في حكمة تشريع الرمي في الجمرات من عهد ~~الحنيفية أن الشيطان تعرض لإبراهيم ليصده عن المضي في ذبح ولده وذلك من ~~مناسك الحج لأهل مكة ولم تكن لليهود سنة ذبح معين . PageV23P158 # وذكر القرطبي عن ابن عباس : أن الشيطان عرض لإبراهيم عند الجمرات ثلاث ~~مرات فرجمه في كل مرة بحصيات حتى ذهب من عند الجمرة الأخرى . وعنه : أن ~~موضع معالجة الذبح كان عند الجمار وقيل عند الصخرة التي في أصل جبل ثبير ~~بمنى . # الدليل التاسع : أن القرآن صريح في أن الله لما بشر إبراهيم بإسحاق قرن ~~تلك البشارة بأنه يولد لإسحاق يعقوب ، قال تعالى : { فبشرناها بإسحاق ومن ~~وراء إسحاق يعقوب } ( هود : 71 ) وكان ذلك بمحضر إبراهيم فلو ابتلاه الله ~~بذبح إسحاق لكان الابتلاء صوريا لأنه واثق بأن إسحاق يعيش حتى يولد له ~~يعقوب لأن الله لا يخلف الميعاد . ولما بشره بإسماعيل لم يعده بأنه سيولد ~~له وما ذلك إلا توطئة لابتلائه بذبحه فقد كان إبراهيم يدعو لحياة ابنه ~~إسماعيل . فقد جاء في ( سفر التكوين ) الإصحاح السابع عشر ( وقال إبراهيم ~~لله : ليت إسماعيل يعيش أمامك فقال الله : بل سارة تلد لك ابنا وتدعو اسمه ~~إسحاق وأقيم عهدي معه عهدا أبديا لنسله من بعده ) . ويظهر أن هذا وقع بعد ~~الابتلاء بذبحه . # الدليل العاشر : أنه لو كان المراد بالغلام الحليم إسحاق لكان قوله تعالى ~~بعد هذا : { وبشرناه بإسحاق نبيئا من الصالحين } ( الصافات : 112 ) تكريرا ~~لأن فعل : بشرناه بفلان ، غالب في معنى التبشير بالوجود . # واختلف علماء السلف في تعيين الذبيح فقال جماعة من الصحابة والتابعين : ~~هو إسماعيل وممن قاله أبو هريرة وأبو الطفيل عامر بن واثلة وعبد الله بن ~~عمر وابن عباس ومعاوية بن أبي سفيان . وقاله من التابعين سعيد بن المسيب ~~والشعبي ms6838 ومجاهد وعلقمة والكلبي والربيع بن أنس ومحمد بن كعب القرظي وأحمد ~~بن حنبل . وقال جماعة : هو إسحاق ونقل عن ابن مسعود والعباس بن عبد المطلب ~~وجابر بن عبد الله وعمر وعلي من الصحابة ، وقاله جمع من التابعين منهم : ~~عطاء وعكرمة والزهري والسدي . وفي ( جامع العتبية ) أنه قول مالك بن أنس . # فإن قلت : فعلام جنحت إليه واستدلت عليه من اختيارك أن يكون PageV23P159 ~~لابتلاء بذبح إسماعيل دون إسحاق ، فكيف تتأول ما وقع في ( سفر التكوين ) ؟ # قلت : أرى أن ما في ( سفر التكوين ) نقل مشتتا غير مرتبة فيه أزمان ~~الحوادث بضبط يعين الزمن بين الذبح وبين أخبار إبراهيم ، فلما نقل النقلة ~~التوراة بعد ذهاب أصلها عقب أسر بني إسرائيل في بلاد أشور زمن بختنصر ، ~~سجلت قضية الذبيح في جملة أحوال إبراهيم عليه السلام وأدمج فيها ما اعتقده ~~بنو إسرائيل في غربتهم من ظنهم الذبيح إسحاق . ويدل لذلك قول الإصحاح ~~الثاني والعشرين ( وحدث بعد هذه الأمور أن الله امتحن إبراهيم فقال خذ ابنك ~~وحيدك ) الخ ؛ فهل المراد من قولها : بعد هذه الأمور ، بعد جميع الأمور ~~المتقدمة أو بعد بعض ما تقدم . # ( 108 111 ) { لله } # القول في { وتركنا عليه في الآخرين } نظير الكلام المتقدم في ذكر نوح ~~عليه السلام في هذه السورة وإعادته هنا تأكيد لما سبق لزيادة التنويه ~~بإبراهيم عليه السلام . # ويرد أن يقال : لماذا لم تؤكد جملة { كذالك نجزي المحسنين } ب ( إن ) هنا ~~وأكدت مع ذكر نوح وفيما تقدم من ذكر إبراهيم . وأشار في ( الكشاف ) أنه لما ~~تقدم في هذه القصة قوله : { إنا كذلك نجزي المحسنين } ( الصافات : 80 ) ~~وكان إبراهيم هو المجزي اكتفي بتأكيد نظيره عن تأكيده ، أي لأنه بالتأكيد ~~الأول حصل الاهتمام فلم يبق داع لإعادته . # واقتصر على تأكيد معنى الجملة تأكيدا لفظيا لأنه تقرير للعناية بجزائه ~~على إحسانه . ولم يذكر هنا { في العالمين } ( الصافات : 79 ) لأن إبراهيم ~~لا يعرفه جميع الأمم من البشر بخلاف نوح عليه السلام كما تقدم في قصته . ~~PageV23P160 # ( 112 113 ) # هذه بشارة أخرى لإبراهيم ومكرمة له ، وهي غير ms6839 البشارة بالغلام الحليم ، ~~فإسحاق غير الغلام الحليم . وهذه البشارة هي التي ذكرت في القرآن في قوله ~~تعالى : { فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب } ( هود : 71 ) . وتسمية ~~المبشر به إسحاق تحتمل أن الله عين له اسما يسميه به وهو مقتضى ما في ~~الإصحاح السابع عشر من ( سفر التكوين ) ( سارة امرأتك تلد ابنا وتدعو اسمه ~~إسحاق ) . # وتحتمل أن المراد : بشرناه بولد الذي سمي إسحاق ، وهو على الاحتمالين ~~إشارة إلى أن الغلام المبشر به في الآية قبل هذه ليس هو الذي اسمه إسحاق ~~فتعين أنه الذي سمي إسماعيل . ومعنى البشارة به البشارة بولادته له لأن ~~البشارة لا تتعلق بالذوات بل تتعلق بالمعاني . # وانتصب { نبيئا } على الحال من { إسحاق } ، فيجوز أن يكون حكاية للبشارة ~~فيكون الحال حالا مقدرا لأن اتصاف إسحاق بالنبوءة بعد زمن البشارة بمدة ~~طويلة بل هو لم يكن موجودا ، فالمعنى : وبشرناه بولادة ولد اسمه إسحاق ~~مقدرا حاله أنه نبيء ، وعدم وجود صاحب الحال في وقت الوصف بالحال لا ينافي ~~اتصافه بالحال على تقدير وجوده لأن وجود صاحب الحال غير شرط في وصفه بالحال ~~بل الشرط مقارنة تعلق الفعل به مع اعتبار معنى الحال لأن غايته أنه من ~~استعمال اسم الفاعل في زمان الاستقبال بالقرينة ولا تكون الحال المقدرة إلا ~~كذلك ، وطول زمان الاستقبال لا يتحدد ، ومنه ما تقدم في قوله تعالى : { ~~ويأتينا فردا في سورة مريم } . # واعلم أن معنى الحال المقدرة أنها مقدر حصولها غير حاصلة الآن والمقدر هو ~~الناطق بها ، وهي وصف لصاحبها في المستقبل وقيد لعاملها كيفما كان ، فلا ~~PageV23P161 تحتفل بما أطال به في ( الكشاف ) ولا بمخالفة البيضاوي له ولا ~~بما تفرع على ذلك من المباحثات . وإن كان وضعا معترضا في أثناء القصة كان ~~تنويها بإسحاق وكان حالا حاصلة . # وقوله : { من الصالحين } حال ثانية ، وذكرها للتنويه بشأن الصلاح فإن ~~الأنبياء معدودون في زمرة أهله وإلا فإن كل نبيء لا بد أن يكون صالحا ، ~~والنبوءة أعظم أحوال الصلاح لما معها من العظمة . # وبارك جعله ذا بركة والبركة زيادة الخير في ms6840 مختلف وجوهه ، وقد تقدم ~~تفسيرها عند قوله تعالى : { إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا في سورة ~~آل عمران } . وقوله : { وبركات عليك في سورة هود } . # و { على } للاستعلاء المجازي ، أي تمكن البركة من الإحاطة بهما . # ولما ذكر ما أعطاهما نقل الكلام إلى ذريتهما فقال : { ومن ذريتهما محسن } ~~، أي عامل بالعمل الحسن ، { وظالم لنفسه } أي مشرك غير مستقيم للإشارة إلى ~~أن ذريتهما ليس جميعها كحالهما بل هم مختلفون ؛ فمن ذرية إبراهيم أنبياء ~~وصالحون ومؤمنون ومن ذرية إسحاق مثلهم ، ومن ذرية إبراهيم من حادوا عن سنن ~~أبيهم مثل مشركي العرب ، ومن ذرية إسحاق كذلك مثل من كفر من اليهود بالمسيح ~~وبمحمد صلى الله عليهما ، ونظيره قوله تعالى : { قال ومن ذريتي قال لا ينال ~~عهدي الظالمين في سورة البقرة } . # وفيه تنبيه على أن الخبيث والطيب لا يجري أمرهما على العرق والعنصر فقد ~~يلد البر الفاجر والفاجر البر ، وعلى أن فساد الأعقاب لا يعد غضاضة على ~~الآباء ، وأن مناط الفضل هو خصال الذات وما اكتسب المرء من الصالحات ، وأما ~~كرامة الآباء فتكملة للكمال وباعث على الاتسام بفضائل الخلال ، فكان في هذه ~~التكملة إبطال غرور المشركين بأنهم من ذرية إبراهيم ، وإنها مزية لكن لا ~~يعادلها الدخول في الإسلام وأنهم الأولى بالمسجد الحرام . قال أبو طالب في ~~خطبة خديجة للنبيء صلى الله عليه وسلم ( الحمد لله الذي جعلنا من ذرية ~~إبراهيم وزرع إسماعيل وجعلنا PageV23P162 رجال حرمه وسدنة بيته ) فكان ذلك ~~قبل الإسلام وقال الله تعالى لهم بعد الإسلام : { أجعلتم سقاية الحاج ~~وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا ~~يستوون عند الله } ( التوبة : 19 ) . وقال تعالى : { وهم يصدون عن المسجد ~~الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون } ( الأنفال : 34 ) وقال ~~: { إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا } ( آل ~~عمران : 68 ) . # وقد ضرب الله هذه القصة مثلا لحال النبي صلى الله عليه وسلم في ثباته على ~~إبطال الشرك وفيما لقي من المشركين وإيماء إلى أنه يهاجر من ms6841 أرض الشرك وأن ~~الله يهديه في هجرته ويهب له أمة عظيمة كما وهب إبراهيم أتباعا ، فقال : { ~~إن إبراهيم كان أمة } ( النحل : 120 ) . # وفي قوله تعالى : { ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين } مثل لحال النبي ~~صلى الله عليه وسلم والمؤمنين معه من أهل مكة ولحال المشركين من أهل مكة . # ( 114 116 ) # عطف على قوله : { ولقد نادانا نوح } ( الصافات : 75 ) ، والمناسبة هي ما ~~ذكر هنالك . # وذكر هنا ما كان منة على موسى وهارون وهو النبوءة فإنها أعظم درجة يرفع ~~إليها الإنسان ، ولذلك اكتفي عن تعيين الممنون به لحمل الفعل على أكمل ~~معناه . وجعلت منة من الله عليهما لأن موسى لم يسأل النبوءة إذ ليست ~~النبوءة بمكتسبة وكانت منة على هارون أيضا لأنه إنما سأل له موسى ذلك ولم ~~يسأله هارون ، فهي منة عليه وإرضاء لموسى ، والمنة عليهما من قبيل إيصال ~~المنافع فإن الله أرسل موسى لإنقاذ بني إسرائيل من استعباد القبط لإبراهيم ~~وإسرائيل . # وفي اختلاف مبادىء القصص الثلاث إشارة إلى أن الله يغضب لأوليائه ؛ إما ~~باستجابة دعوة ، وإما لجزاء على سلامة طوية وقلب سليم ، وإما لرحمة منه ~~ومنة على عباده المستضعفين . وإنجاء موسى وهارون وقومهما كرامة أخرى لهما ~~ولقومهما بسببهما ، وهذه نعمة إزالة الضر ، فحصل لموسى وهارون نوعا الإنعام ~~وهما : إعطاء المنافع ، ودفع المضار . PageV23P163 # و { الكرب العظيم } : هو ما كانوا فيه من المذلة تحت سلطة الفراعنة ومن ~~اتباع فرعون إياهم في خروجهم حين تراءى الجمعان فقال أصحاب موسى { إنا ~~لمدركون } ( الشعراء : 61 ) فأوحى الله إليه أن يضرب بعصاه البحر فضربه ~~فانفلق واجتاز منه بنو إسرائيل ، ثم مد البحر أمواجه على فرعون وجنده ، على ~~أن الكرب العظيم أطلق على الغرق في قصة نوح السابقة وفي سورة الأنبياء على ~~الأمم التي مروا ببلادها من العمالقة والأموريين فكان بنو إسرائيل منتصرين ~~في كل موقعة قاتلوا فيها عن أمر موسى وما انهزموا إلا حين أقدموا على قتال ~~العمالقة والكنعانيين في سهول وادي ( شكول ) لأن موسى نهاهم عن قتالهم ~~هنالك كما هو مسطور في تاريخهم . # و { هم ms6842 } من قوله : { فكانوا هم الغالبين } ضمير فصل وهو يفيد قصرا ، أي ~~هم الغالبين لغيرهم وغيرهم لم يغلبوهم ، أي لم يغلبوا ولو مرة واحدة فإن ~~المنتصر قد ينتصر بعد أن يغلب في مواقع . # ( 117 122 ) { } # { الكتاب المستبين } : هو التوراة ، والمستبين القوي الوضوح ، فالسين ~~والتاء للمبالغة يقال : استبان الشيء إذا ظهر ظهورا شديدا . # وتعدية فعل الإيتاء إلى ضمير موسى وهارون مع أن الذي أوتي التوراة هو ~~موسى كما قال تعالى : { ولقد آتينا موسى الكتاب } ( المؤمنون : 49 ) من حيث ~~إن هارون كان معاضدا لموسى في رسالته فكان له حظ من إيتاء التوراة كما قال ~~الله في الآية الأخرى { ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء } ( الأنبياء ~~: 48 ) وهذا من استعمال الإيتاء في معنييه الحقيقي والمجازي . # و { الصراط المستقيم } : الدين الحق كما تقدم في سورة الفاتحة ، وقد كانت ~~شريعة التوراة يوم أوتيها موسى عليه السلام هي الصراط المستقيم فلما نسخت ~~PageV23P164 بالقرآن صار القرآن هو الصراط المستقيم للأبد وتعطل صراط ~~التوراة . ويجوز أن يراد ب { الصراط المستقيم } أصول الديانة التي لا تختلف ~~فيها الشرائع وهي التوحيد وكليات الشرائع التي أشار إليها قوله تعالى : { ~~شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا إلى قوله : وموسى وعيسى } ( الشورى : 13 ) ~~. # والقول في تفسير { وتركنا عليهما في الآخرين } إلى آخر الآيات الأربع ~~كالقول في نظائره عند ذكر نوح في هذه السورة ، إلا أن احتمال أن تكون جملة ~~{ سلام على موسى وهارون } مفعولا لفعل { تركنا عليهما } على إرادة حكاية ~~اللفظ هنا أضعف منه فيما تقدم إذ ليس يطرد أن يكون تسليم الآخرين على موسى ~~وهارون معا لأن الذي ذكر موسى يقول : السلام على موسى والذي يجري على لسانه ~~ذكر هارون يقول : السلام على هارون ولا يجمع اسميهما في السلام إلا الذي ~~يجري على لسانه ذكرهما معا كما يقول المحدث عن جابر : رضي الله عنه ، ويقول ~~عن عبد الله بن حرام رضي الله عنه فإذا قال : عن جابر بن عبد الله ، قال : ~~رضي الله عنهما . # وفي ذكر قصة موسى وهارون عبرة مثل ms6843 كامل للنبيء صلى الله عليه وسلم في ~~رسالته وإنزال القرآن عليه وهدايته وانتشار دينه وسلطانه بعد خروجه من ديار ~~المشركين . # ( 123 132 ) { } # أتبع الكلام على رسل ثلاثة أصحاب الشرائع : نوح وإبراهيم وموسى بالخبر عن ~~ثلاثة أنبياء وما لقوه من قومهم وذلك كله شواهد لتسلية الرسول محمد صلى ~~الله عليه وسلم وقوارع من الموعظة لكفار قريش . وابتدىء ذكر هؤلاء الثلاثة ~~بجملة { وإن إلياس لمن المرسلين } لأنهم سواء في PageV23P165 مرتبة الدعوة ~~إلى دين الله ، وفي أنهم لا شرائع لهم . وتأكيد إرسالهم بحرف التأكيد ~~للاهتمام بالخبر لأنه قد يغفل عنه إذ لم تكن لهؤلاء الثلاثة شريعة خاصة . و ~~{ إلياس } هو ( إيلياء ) من أنبياء بني إسرائيل التابعين لشريعة التوراة ، ~~وأطلق عليه وصف الرسول لأنه أمر من جانب الله تعالى بتبليغ ملوك إسرائيل أن ~~الله غضب عليهم من أجل عبادة الأصنام ، فإطلاق وصف الرسول عليه مثل إطلاقه ~~على الرسل إلى أهل أنطاكية المذكورين في سورة يس . # و { إذ } ظرف متعلق ب { المرسلين } ، أي أنه من حين ذلك القول كان مبلغا ~~رسالة عن الله تعالى إلى قومه . # وقد تقدم ذكر إلياس في سورة الأنعام ، والمراد بقومه : بنو إسرائيل ~~وكانوا قد عبدوا بعلا معبود الكنعانيين بسبب مصاهرة بعض ملوك يهوذا ~~للكنعانيين ولذلك قام إلياس داعيا قومه إلى نبذ عبادة بعل الصنم وإفراد ~~الله بالعبادة . # وقوله : { ألا } كلمتان : همزة الاستفهام للإنكار ، و { لا } النافية ، ~~إنكار لعدم تقواهم ، وحذف مفعول { تتقون } لدلالة ما بعده عليه . # و ( بعل ) اسم صنم الكنعانيين وهو أعظم أصنامهم لأن كلمة بعل في لغتهم ~~تدل على معنى الذكورة . ثم دلت على معنى السيادة فلفظ البعل يطلق على الذكر ~~، وهو عندهم رمز على الشمس ويقابله كلمة ( تانيت ) بمثناتين ، أي الأنثى ~~وكانت لهم صنمة تسمى عند الفينيقيين بقرطاجنة ( تانيت ) وهي عندهم رمز ~~القمر وعند فينيقيي أرض فينيقية الوطن الأصلي للكنعانيين تسمى هذه الصنمة ( ~~العشتاروث ) . وقد أطلق على بعل في زمن موسى عليه السلام اسم ( مولك ) أيضا ~~، وقد مثلوه بصورة إنسان له رأس عجل وله قرنان وعليه إكليل ms6844 وهو جالس على ~~كرسي مادا يديه كمن يتناول شيئا وكانت صورته من نحاس وداخلها مجوف وقد ~~وضعوها على قاعدة من بناء كالتنور فكانوا يوقدون النار في ذلك التنور حتى ~~يحمى النحاس ويأتون بالقرابين فيضعونها على ذراعيه فتحترق بالحرارة فيحسبون ~~لجهلهم الصنم تقبلها وأكلها من يديه ، وكانوا يقربون له أطفالا من أطفال ~~ملوكهم وعظماء ملتهم ، وقد عبده بنو إسرائيل غير مرة تبعا للكنعانيين ، ~~والعمونيين ، PageV23P166 والمؤوبيين وكان لبعل من السدنة في بلاد السامرة ~~، أو مدينة صرفة أربعمائة وخمسون سادنا . وتوجد صورة بعل في دار الآثار ~~بقصر اللوفر في باريس منقوشة على وجه حجارة صوروه بصورة إنسان على رأسه ~~خوذة بها قرنان وبيده مقرعة . ولعلها صورته عند بعض الأمم التي عبدته ولا ~~توجد له صورة في آثار قرطاجنة الفينيقية بتونس . # وجيء في قوله : { وتذرون أحسن الخالقين } بذكر صفة الله دون اسمه العلم ~~تعريضا بتسفيه عقول الذين عبدوا بعلا بأنهم تركوا عبادة الرب المتصف بأحسن ~~الصفات وأكملها وعبدوا صنما ذاته وخش فكأنه قال : أتدعون صنما بشعا جمع ~~عنصري الضعف وهما المخلوقية وقبح الصورة وتتركون من له صفة الخالقية ~~والصفات الحسنى . # وقرأ الجمهور { إلياس } بهمزة قطع في أوله على اعتبار الألف واللام من ~~جملة الاسم العلم فلم يحذفوا الهمزة إذا وصلوا { إن } بها . وقرأه ابن عامر ~~بهمزة وصل فحذفها في الوصل مع { إن } على اعتبار الألف واللام حرفا للمح ~~الأصل . وأن أصل الاسم ياس مراعاة لقوله : { سلام على آل ياسين } . # وللعرب في النطق بالأسماء الأعجمية تصرفات كثيرة لأنه ليس من لغتهم فهم ~~يتصرفون في النطق به على ما يناسب أبنية كلامهم . # وجملة { الله ربكم ورب ءابآئكم الأولين } قرأ الأكثر برفع اسم الجلالة ~~وما عطف عليه فهو مبتدأ والجملة مستأنفة استئنافا ابتدائيا والخبر مستعمل ~~في التنبيه على الخطأ بأن عبدوا { بعلا } . وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن ~~عاصم ويعقوب وخلف بنصب اسم الجلالة على عطف البيان ل { أحسن الخالقين } ، ~~والمقصود من البيان زيادة التصريح لأن المقام مقام إيضاح لأصل الديانة ، ~~وعلى كلتا القراءتين فالكلام مسوق لتذكيرهم بأن ms6845 من أصول دينهم أنهم لا رب ~~لهم إلا الله ، وهذا أول أصول الدين فإنه رب آبائهم فإن آباءهم لم يعبدوا ~~غير الله من عهد إبراهيم عليه السلام وهو الأب الأول من حيث تميزت أمتهم عن ~~غيرهم ، أو هو يعقوب قال تعالى : { وأوصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني ~~إن الله اصطفى لكم الدين فلا PageV23P167 تموتن إلا وأنتم مسلمون } ( ~~البقرة : 132 ) ، واحتراز ب { الأولين } عن آبائهم الذين كانوا في زمان ~~ملوكهم بعد سليمان . # وجمع هذا الخبر تحريضا على إبطال عبادة ( بعل ) لأن في الطبع محبة ~~الاقتداء بالسلف في الخير . وقد جمع إلياس من معه من أتباعه وجعل مكيدة ~~لسدنة ( بعل ) فقتلهم عن آخرهم انتصارا للدين وانتقاما لمن قتلتهم ( إيزابل ~~) زوجة ( آخاب ) . # وفي ( مفاتيح الغيب ) : ( كان الملقب بالرشيد الكاتب يقول : لو قيل : ~~أتدعون بعلا وتدعون أحسن الخالقين ، أوهم أنه أحسن ) ، أي أوهم كلام الرشيد ~~أنه لو كانت كلمة ( تدعون ) عوضا عن { تذرون } . وأجاب الفخر بأن فصاحة ~~القرآن ليست لأجل رعاية هذه التكاليف بل لأجل قوة المعاني وجزالة الألفاظ ا ~~ه . وهو جواب غير مقنع إذ لا سبيل إلى إنكار حسن موقع المحسنات البديعية ~~بعد استكمال مقتضيات البلاغة . قال السكاكي : ( وأصل الحسن في جميع ذلك ( ~~أي ما ذكر من المحسنات البديعية ) أن تكون الألفاظ توابع للمعاني لا أن ~~تكون المعاني لها توابع ، أعني أن لا تكون متكلفة ) . فإذا سلمنا أن ( ~~تذرون ) و ( تدعون ) مترادفان لم يكن سبيل إلى إبطال أن إيثار ( تدعون ) ~~أنسب . # فالوجه إما أن يجاب بما قاله سعد الله محشي البيضاوي بأن الجناس من ~~المحسنات فإنما يناسب كلاما صادرا في مقام الرضى لا في مقام الغضب والتهويل ~~. يعني أن كلام إلياس المحكي هنا محكي عن مقام الغضب والتهويل فلا تناسبه ~~اللطائف اللفظية ( يعني بالنظر إلى حال المخاطبين به لأن كلامه محكي في ~~العربية بما يناسب مصدره في لغة قائله وذلك من دقائق الترجمة ) ، وهو جواب ~~دقيق ، وإن كابر فيه الخفاجي بكلام لا يليق ، وإن تأملته جزمت باختلاله . ~~وقد أجيب بما يقتضي ms6846 منع الترادف بين فعلي { تذرون } و ( تدعون ) بأن فعل ~~PageV23P168 ( يدع ) أخص : إما لأنه يدل على ترك شيء مع الاعتناء بعدم تركه ~~كما قال سعد الله ، وإما لأن فعل يدع يدل على ترك شيء قبل العلم ، وفعل ( ~~يذر ) يدل على ترك شيء بعد العلم به كما حكاه سعد الله عن بعض الأيمة عازيا ~~إياه للفخر . # وعندي : أن منع الترادف هو الوجه لكن لا كما قال سعد الله ولا كما نقل عن ~~الفخر بل لأن فعل ( يدع ) قليل الاستعمال في كلام العرب ولذلك لم يقع في ~~القرآن إلا في قراءة شاذة لا سند لها خلافا لفعل ( يذر ) . ولا شك أن سبب ~~ذلك أن فعل ( يذر ) يدل على ترك مع إعراض عن المتروك بخلاف ( يدع ) فإنه ~~يقتضي تركا مؤقتا وأشار إلى الفرق بينهما كلام الراغب فيهما . وهنالك عدة ~~أجوبة أخرى ، هي بالإعراض عنها أحرى . # ومعنى { فكذبوه } أنهم لم يطيعوه تملقا لملوكهم الذين أجابوا رغبة نسائهم ~~المشركات لإقامة هياكل للأصنام فإن ( إيزابل ) ابنة ملك الصيدونيين زوجة ( ~~أخاب ) ملك إسرائيل لما بلغها ما صنع إلياس بسدنة بعل ثأرا لمن قتلته ( ~~إيزابل ) من صالحي إسرائيل أرسلت إلى إلياس تتوعده بالقتل فخرج إلى موضع ~~اسمه ( بئر سبع ) ثم ساح في الأرض وسأل الله أن يقبضه إليه فأمره بأن يعهد ~~إلى صاحبه ( اليسع ) بالنبوءة من بعده ، ثم قبضه الله إليه فلم يعرف أحد ~~مكانه . # وفي كتاب ( إيلياء ) من كتب اليهود أن الله رفعه إلى السماء في مركبة ~~يجرها فرسان ، وأن ( اليسع ) شاهده صاعدا فيها ولذلك كان بعض السلف يقول : ~~إن إلياس هو إدريس الذي قال الله فيه : { إنه كان صديقا نبيئا ورفعناه ~~مكانا عليا } ( مريم : 56 ، 57 ) ، وقيل كان عبد الله بن مسعود يقرأ : { إن ~~إدريس لمن المرسلين } عوض { وإن إلياس } ويقرأ ( سلام على إدراسين ) على ~~أنه لغة في إدريس . ولا يقتضي ما في كتب اليهود من رفعه أن يكون هو إدريس ~~لأن الرفع إذا صح قد يتكرر وقد رفع عيسى عليه السلام . # ومعنى { فإنهم لمحضرون } أن الله ms6847 يحضرهم للعقاب ، وقد تقدم عند قوله ~~تعالى : { ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين في هذه السورة الصافات . # واستثني من ذلك عباد الله المخلصون وهم الذين اتبعوا إلياس وأعانوه على ~~قتل سدنة ( بعل ) . وتقدم القول فيه عند قوله تعالى : إلا عباد الله ~~المخلصين } فيما PageV23P169 سبق من هذه السورة . # وكذلك قوله : { وتركنا عليه في الآخرين سلام على آل ياسين } إلى آخر ~~الآية تقدم نظيره . وقوله : { آل ياسين } قيل أريد به إلياس خاصة وعبر عنه ~~ب { ياسين } لأنه يدعى به . قال في ( الكشاف ) : ولعل لزيادة الألف والنون ~~في لغتهم معنى ويكون ذكر { آل } إقحاما كقوله : { أدخلوا آل فرعون أشد ~~العذاب } ( غافر : 46 ) على أحد التفسيرين فيه ، وفي قوله : { فقد آتينا آل ~~إبراهيم الكتاب والحكمة } ( النساء : 54 ) . # وقيل : إن ياسين هو أبو إلياس . فالمراد : سلام على إلياس وذويه من آل ~~أبيه . # وقرأ نافع وابن عامر { ءال ياسين بهمزة بعدها ألف على أنهما كلمتان آل و ~~( ياسين ) . وقرأه الباقون بهمزة مكسورة دون ألف بعدها وبإسكان اللام على ~~أنها كلمة واحدة هي اسم إلياس وهي مرسومة في المصاحف كلها على قطعتين آل ~~ياسين } ولا منافاة بينها وبين القراءتين لأن آل قد ترسم مفصولة عن مدخولها ~~. والأظهر أن المراد ب { آل ياسين } أنصاره الذين اتبعوه وأعانوه كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم ( آل محمد كل تقي ) . وهؤلاء هم أهل ( جبل الكرمل ~~) الذين استنجدهم إلياس على سدنة بعل فأطاعوه وأنجدوه وذبحوا سدنة بعل كما ~~هو موصوف بإسهاب في الإصحاح الثامن عشر من سفر الملوك الأول . فيكون المعنى ~~: سلام على ياسين وآله ، لأنه إذا حصلت لهم الكرامة لأنهم آله فهو بالكرامة ~~أولى . # وفي قصة إلياس إنباء بأن الرسول عليه أداء الرسالة ولا يلزم من ذلك أن ~~يشاهد عقاب المكذبين ولا هلاكهم للرد على المشركين الذين قالوا : { متى هذا ~~الوعد إن كنتم صادقين } ( يونس : 48 ) قال تعالى : { قل رب إما تريني ما ~~يوعدون رب فلا تجعلني في القوم الظالمين وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون ~~} ( المؤمنون : 93 95 ms6848 ) ، وقال تعالى : { فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو ~~نتوفينك فإلينا يرجعون } ( غافر : 77 ) وفي الآية الأخرى { وإلينا يرجعون } ~~( مريم : 40 ) . PageV23P170 # ( 133 136 ) { } # هذا ثاني الأنبياء الذين جمعهم التنظير في هذه الآية ، ولوط كان رسولا ~~للقرى التي كان ساكنا في إحداها فهو رسول لا شريعة له سوى أنه جاء ينهى ~~الأقوام الذين كان نازلا بينهم عن الفاحشة وتلك لم يسبق النهي عنها في ~~شريعة إبراهيم . # و { إذ } ظرف متعلق ب { المرسلين } . والمعنى : أنه في حين إنجاء الله ~~إياه وإهلاك الله قومه كان قائما بالرسالة عن الله تعالى ناطقا بما أمره ~~الله ، وإنما خص حين إنجائه بجعله ظرفا للكون من المرسلين لأن ذلك الوقت ~~ظرف للأحوال الدالة على رسالته إذ هي مماثلة لأحوال الرسل من قبل ومن بعد . ~~وتقدمت قصة لوط في سورة الأنعام وفي سورة الأعراف . # والعجوز : امرأة لوط ، وتقدم خبرها وتقدم نظيرها في سورة الشعراء . # ( 137 138 ) # الخطاب لقريش الذين سيقت هذه القصص لعظتهم . والمرور : مجاوزة السائر ~~بسيره شيئا يتركه ، والمراد هنا : مرورهم في السفر ، وكان أهل مكة إذا ~~سافروا في تجارتهم إلى الشام يمرون ببلاد فلسطين فيمرون بأرض لوط على شاطىء ~~البحر الميت المسمى بحيرة لوط . وتعدية المرور بحرف ( على ) يعين أن الضمير ~~المجرور بتقدير مضاف إلى : على أرضهم ، كما قال تعالى : { أو كالذي مر على ~~قرية } ( البقرة : 259 ) . يقال : مر عليه ومر به ، وتعديته بحرف ( على ) ~~تفيد تمكن المرور أشد من تعديته بالباء ، وكانوا يمرون بديار لوط بجانبها ~~لأن قراهم غمرها البحر الميت وآثارها باقية تحت الماء . # والمصبح : الداخل في وقت الصباح ، أي تمرون على منازلهم في الصباح تارة ~~وفي الليل تارة بحسب تقدير السير في أول النهار وآخره ، لأن رحلة قريش إلى ~~الشام PageV23P171 تكون في زمن الصيف ويكون السير بكرة وعشيا وسرى ؛ والباء ~~في { وبالليل } للظرفية . # والخبر الذي في قوله : { وإنكم لتمرون عليهم } مستعمل في الإيقاظ ~~والاعتبار لا في حقيقة الإخبار ، وتأكيده بحرف التوكيد وباللام تأكيد ~~للمعنى الذي استعمل فيه ، وذلك مثل قوله : { وإنها لبسبيل مقيم في ms6849 سورة ~~الحجر } . وفرع على ذلك بالفاء استفهام إنكاري من عدم فطنتهم لدلالة تلك ~~الآثار على ما حل بهم من سخط الله وعلى سبب ذلك وهو تكذيب رسول الله لوط . # وقد أشرنا إلى وجه تخصيص قصة لوط مع القصص الخمس في أول الكلام على قصة ~~نوح وتزيد على تلك القصص بأن فيها مشاهدة آثار قومه الذين كذبوا وأصروا على ~~الكفر . # ( 139 144 ) { } # يونس هو ابن متى ، واسمه بالعبرانية ( يونان بن آمتاي ) ، وهو من أهل ~~فلسطين ، وهو من أنبياء بني إسرائيل أرسله الله إلى أهل ( نينوى ) وكانت ~~نينوى مدينة عظيمة من بلاد الأشوريين وكان بها أسرى بني إسرائيل الذين ~~بأيدي الأشوريين وكانوا زهاء مائة ألف بقوا بعد ( دانيال ) . وكان يونس في ~~أول القرن الثامن قبل المسيح ، وقد تقدم ذكره وذكر قومه في الأنعام وسورة ~~يونس . # و { إذ } ظرف متعلق ب { المرسلين } ، وإنما وقتت رسالته بالزمن الذي أبق ~~فيه إلى الفلك لأن فعلته تلك كانت عندما أمره الله بالذهاب إلى نينوى ~~لإبلاغ بني إسرائيل أن الله غضب عليهم لأنهم انحرفوا عن شريعتهم . # فحينما أوحى الله إليه بذلك عظم عليه هذا الأمر فخرج من بلده وقصد مرسى ( ~~يافا ) ليذهب إلى مدينة ( ترشيش ) وهي طرطوسية على شاطىء بلاد الشام فهال ~~PageV23P172 البحر حتى اضطر أهل السفينة إلى تخفيف عدد ركابها فاستهموا على ~~من يطرحونه من سفينتهم في البحر فكان يونس ممن خرج سهم إلقائه في البحر ~~فالتقمه حوت عظيم وجرت قصته المذكورة في سورة الأنبياء ، فلما كان هروبه من ~~كلفة الرسالة مقارنا لإرساله وقت بكونه من المرسلين . # و { أبق } مصدره إباق بكسر الهمزة وتخفيف الباء وهو فرار العبد من مالكه ~~. وفعله كضرب وسمع . والمراد هنا : أن يونس هرب من البلد الذي أوحي إليه ~~فيه قاصدا بلدا آخر تخلصا من إبلاغ رسالة الله إلى أهل ( نينوى ) ولعله خاف ~~بأسهم واتهم صبر نفسه على أذاهم المتوقع لأنهم كانوا من بني إسرائيل في ~~حماية الأشوريين . ففعل { أبق } هنا استعارة تمثيلية ، شبهت حالة خروجه من ~~البلد الذي كلفه ربه فيه ms6850 بالرسالة تباعدا من كلفة ربه بإباق العبد من سيده ~~الذي كلفه عملا . # و { الفلك المشحون } : المملوء بالراكبين ، وتقدم معناه في قصة نوح . # وساهم : قارع . وأصله مشتق من اسم السهم لأنهم كانوا يقترعون بالسهام وهي ~~أعواد النبال وتسمى الأزلام . # وتفريع { فساهم } يؤذن بجمل محذوفة تقديرها : فهال البحر وخاف الراكبون ~~الغرق فساهم . وهذا نظير التفريع في قوله تعالى : { أن اضرب بعصاك البحر ~~فانفلق } ( الشعراء : 63 ) والمذكور في كتاب ( يونان ) من كتب اليهود : أن ~~بعضهم قال لبعض : هلم نلقق قرعة لنعرف من هو سبب هذه البلية فألقوا قرعة ~~فوقعت على يونس . وعن ابن عباس ووهب بن منبه أن القرعة خرجت ثلاث مرات على ~~يونس . # وسنة الاقتراع في أسفار البحر كانت متبعة عند الأقدمين إذا ثقلت السفينة ~~بوفرة الراكبين أو كثرة المتاع . وفيها قصة الحيلة التي ذكرها الصفدي في ( ~~شرح الطغرائية ) : أن بعض الأصحاب يدعي أن مركبا فيه مسلمون وكفار ~~PageV23P173 أشرف على الغرق وأرادوا أن يرموا بعضهم إلى البحر ليخف المركب ~~فينجو بعضهم ويسلم المركب فقالوا : نقترع فمن وقعت القرعة عليه ألقيناه . ~~فنظر رئيس المركب إليهم وهم جالسون على هذه الصورة فقال : ليس هذا حكما ~~مرضيا وإنما نعد الجماعة فمن كان تاسعا ألقيناه فارتضوا بذلك فلم يزل يعدهم ~~ويلقي التاسع فالتاسع إلى أن ألقى الكفار وسلم المسلمون وهذه صورة ذلك ( ~~وصور دائرة فيها علامات حمر وعلامات سود ، فالحمر للمسلمين ومنهم ابتداء ~~العد وهو إلى جهة الشمال ) قال : ولقد ذكرتها لنور الدين علي بن إسماعيل ~~الصفدي فأعجبته وقال : كيف أصنع بحفظ هذا الترتيب فقلت له : الضابط في هذا ~~البيت تجعل حروفه المعجمة للكفار والمهملة للمسلمين وهو : # الله يقضي بكل يسر # ويرزق الضيف حين كانا ا . ه # وكانت القرعة طريقا من طرق القضاء عند التباس الحق أو عند استواء عدد في ~~استحقاق شيء . وقد تقدم في سورة آل عمران عند قوله : { وما كنت لديهم إذ ~~يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وهي طريقة إقناعية كان البشر يصيرون إليها ~~لفصل التنازع يزعمون أنها دالة على إرادة الله تعالى ms6851 عند الأمم المتدينة ، ~~أو إرادة الأصنام عند الأمم التي تعبد الأصنام تمييز صاحب الحق عند التنازع ~~. ولعلها من مخترعات الكهنة وسدنة الأصنام . فلما شاعت في البشر أقرتها ~~الشرائع لما فيها من قطع الخصام والقتال ، ولكن الشرائع الحق لما أقرتها ~~اقتصدت في استعمالها بحيث لا يصار إليها إلا عند التساوي في الحق وفقدانن ~~المرجح ، الذي هو مؤثر في نوع ما يختلفون فيه ، فهي من بقايا الأوهام . وقد ~~اقتصرت الشريعة الإسلامية في اعتبارها على أقل ما تعتبر فيه . مثل تعيين ~~أحد الأقسام المتساوية لأحد المتقاسمين إذ تشاحوا في أحدها ، قال ابن رشد ~~في المقدمات } : ( والقرعة إنما جعلت تطييبا لأنفس المتقاسمين وأصلها قائم ~~في كتاب الله لقوله تعالى في قصة يونس : { فساهم فكان من المدحضين . # وعندي : أن ليس في الآية دليل على مشروعية القرعة في الفصل بين ~~المتساويين لأنها لم تحك شرعا صحيحا كان قبل الإسلام إذ لا يعرف دين أهل ~~السفينة الذين أجروا الاستهام على يونس ، على أن ما أجري الاستهام عليه قد ~~أجمع المسلمون PageV23P174 على أنه لا يجري في مثله استهام . فلو صح أن ذلك ~~كان شرعا لمن قبلنا فقد نسخه إجماع علماء أمتنا . # قال ابن العربي : الاقتراع على إلقاء الآدمي في البحر لا يجوز فكيف ~~المسلم فإنه لا يجوز فيمن كان عاصيا أن يقتل ولا أن يرمى به في النار ~~والبحر . وإنما تجري عليه الحدود والتعزير على مقدار جنايته . وظن بعض ~~الناس أن البحر إذا هال على القوم فاضطروا إلى تخفيف السفينة أن القرعة ~~تضرب عليهم فيطرح بعضهم تخفيفا ، وهذا فاسد فلا تخفف برمي بعض الرجال وإنما ~~ذلك في الأموال وإنما يصبرون على قضاء الله . وكانت في شريعة من قبلنا ~~القرعة جائزة في كل شيء على العموم . وجاءت القرعة في شرعنا على الخصوص في ~~ثلاثة مواطن : # الأول : } كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه ~~فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه . # الثاني : أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع إليه أن رجلا أعتق في مرض موته ms6852 ~~ستة أعبد لا مال له غيرهم فأقرع بين اثنين وهما معادل الثلث وأرق أربعة . # الثالث : أن رجلين اختصما إليه في مواريث درست ، فقال : اذهبا وتوخيا ~~الحق واستهما وليحلل كل واحد منكما صاحبه . # واختلف علماؤنا في القرعة بين الزوجات عند الغزو على قولين : الصحيح ~~منهما الاقتراع ، وبه قال أكثر فقهاء الأمصار ، وذلك لأن السفر بجميعهن لا ~~يمكن واختيار واحدة منهن إيثار فلم يبق إلا القرعة . # قال القرافي في ( الفرق ) : متى تعينت المصلحة أو الحق في جهة لا يجوز ~~الاقتراع لأن في القرعة ضياع الحق ومتى تساوت الحقوق أو المصالح فهذا موضع ~~القرعة دفعا للضغائن فهي مشروعة بين الخلفاء إذا استوت فيهم الأهلية ~~للولاية والأيمة والمؤذنين إذ استووا والتقدم للصف الأول عند الازدحام ~~وتغسيل الأموات عند تزاحم الأولياء وتساويهم وبين الحاضنات والزوجات في ~~السفر PageV23P175 والقسمة والخصوم عند الحكام في عتق العبيد إذا أوصى ~~بعتقهم في المرض ولم يحملهم الثلث . وقاله الشافعي وابن حنبل . وقال أبو ~~حنيفة : لا تجوز القرعة ( بينهم ) . ويعتق من كل واحد ثلثه ويستسعى في ~~قيمته ووافق في قيمة الأرض . قال : والحق عندي أنها تجري في كل مشكل ا . ه ~~. قلت : وفي ( الصحيح ) ( عن أم العلاء الأنصارية أنه لما اقترعت الأنصار ~~على سكنى المهاجرين وقع في سهمهم عثمان بن مظعون ) الحديث . وقال الجصاص : ~~( احتج بهذه الآية بعض الأغمار في إيجاب القرعة في العبيد يعتقهم المريض . ~~وذلك إغفال منه لأن يونس ساهم في طرحه في البحر وذلك لا يجوز عند أحد من ~~الفقهاء كما لا تجوز القرعة في قتل من خرجت عليه وفي أخذ ماله فدل على أنه ~~خاص فيه ) . وقال في سورة آل عمران : ( ومن الناس من يحتج بإلقاء الأقلام ~~في كفالة مريم ) على جواز القرعة في العبيد يعتقهم الرجل في مرضه ثم يموت ~~ولا مال له غيرهم وليس هذا ( أي إلقاء الأقلام ) من عتق العبيد في شيء لأن ~~الرضى بكفالة الواحد منهم مريم جائز في مثله ولا يجوز التراضي على استرقاق ~~من حصلت له الحرية ، وقد كان عتق الميت ms6853 نافذا في الجميع فلا يجوز نقله ~~بالقرعة عن أحد منهم إلى غيره كما لا يجوز التراضي على نقل الحرية عمن وقعت ~~عليه . # والإدحاض : جعل المرء داحضا ، أي زالقا غير ثابتت الرجلين وهو هنا ~~استعارة للخسران والمغلوبية . # والالتقام : البلع . والحوت الذي التقمه : حوت عظيم يبتلع الأشياء ولا ~~يعض بأسنانه ويقال : إنه الحوت الذي يسمى ( بالين ) بالافرنجية . # والمليم : اسم فاعل من ألام ، إذا فعل ما يلومه عليه الناس لأنه جعلهم ~~لائمين فهو ألامهم على نفسه . # وكان غرقه في البحر المسمى بحر الروم وهو الذي نسميه البحر الأبيض ~~المتوسط ، ولم يكن بنهر دجلة كما غلط فيه بعض المفسرين . PageV23P176 # و { كان من المسبحين } بقوله : { لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من ~~الظالمين كما في سورة الأنبياء } ، فأنجاه الله بسبب تسبيحه وتوبته فقذفه ~~الحوت من بطنه إلى البر بعد أن مكث في جوف الحوت ثلاث ليال ، وقيل : يوما ~~وليلة ، وقيل : بضع ساعات . # ومعنى قوله : { إلى يوم يبعثون } التأبيد بأن يميت الله الحوت حين ~~ابتلاعه ويبقيهما في قعر البحر ، أو بأن يختطف الحوت في حجر في البحر أو ~~نحوه فلا يطفو على الماء حتى يبعث يونس يوم القيامة من قعر البحر . # ( 145 146 ) { } # الفاء فصيحة لأنها تفصح عن كلام مقدر دل عليه قوله : { فلولا أنه كان من ~~المسبحين للبث في بطنه } ( الصافات : 143 ، 144 ) . فالتقدير : يسبح ربه في ~~بطن الحوت أن لا إلاه إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجاب الله له ~~ونجاه كما في سورة الأنبياء . والمعنى : فلفظه الحوت وقاءه ، وحمله الموج ~~إلى الشاطىء . # والنبذ : الإلقاء وأسند نبذه إلى الله لأن الله هو الذي سخر الحوت لقذفه ~~من بطنه إلى شاطىء لا شجر فيه . والعراء : الأرض التي لا شجر فيها ولا ما ~~يغطيها . # وكان يونس قد خرج من بطن الحوت سقيما لأن أمعاء الحوت أضرت بجلده بحركتها ~~حوله فإنه كان قد نزع ثيابه عندما أريد رميه في البحر ليخف للسباحة ، ولعل ~~الله أصاب الحوت بشبه الإغماء فتعطلت حركة هضمه تعطلا ما فبقي كالخدر ms6854 لئلا ~~تضر أمعاؤه لحم يونس . وأنبت الله شجرة من يقطين لتظلله وتستره . واليقطين ~~: الدباء وهي كثيرة الورق تتسلق أغصانها في الشيء المرتفع ، فالظاهر أن ~~أغصان اليقطينة تسلقت على جسد يونس فكسته وأظلته . واختير له اليقطين ليمكن ~~له أن يقتات من غلته PageV23P177 فيصلح جسده لطفا من ربه به بعد أن أجرى له ~~حادثا لتأديبه ، شأن الرب مع عبيده أن يعقب الشدة باليسر . # وهذا حدث لم يعهد مثيله من الرسل ولأجله قال النبي صلى الله عليه وسلم ( ~~ما ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى ) ، يريد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم نفسه إذ لا يحتمل أن يكون أراد أحدا آخر إذ لا يخطر بالبال أن ~~يقوله أحد غير الأنبياء . والمعنى نفي الأخيرية في وصف النبوءة ، أي لا ~~يظنن أحد أن فعلة يونس تسلب عنه النبوءة . # فذلك مثل قوله صلى الله عليه وسلم ( لا تفضلوا بين الأنبياء ) ، أي في ~~أصل النبوءة لا في درجاتها فقد قال الله تعالى : { تلك الرسل فضلنا بعضهم ~~على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات } ( البقرة : 253 ) وقال : { ~~ولقد فضلنا بعض النبيئين على بعض } ( الإسراء : 55 ) . # واعلم أن الغرض من ذكر يونس هنا تسلية النبي صلى الله عليه وسلم فيما ~~يلقاه من ثقل الرسالة بأن ذلك قد أثقل الرسل من قبله فظهرت مرتبة النبي صلى ~~الله عليه وسلم في صبره على ذلك وعدم تذمره ولإعلام جميع الناس بأنه مأمور ~~من الله تعالى بمداومة الدعوة للدين لأن المشركين كانوا يلومونه على إلحاحه ~~عليهم ودعوته إياهم في مختلف الأزمان والأحوال ويقولون : لا تغشنا في ~~مجالسنا فمن جاءك فمنا فاسمعه ، كما قال عبد الله بن أبي قال تعالى : { يا ~~أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالاته } ( ~~المائدة : 67 ) فلذكر قصة يونس أثر من موعظة التحذير من الوقوع فيما وقع ~~فيه يونس من غضب ربه ألا ترى إلى قوله تعالى : { فاصبر لحكم ربك ولا تكن ~~كصاحب الحوت إذ نادى وهو ms6855 مكظوم لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء ~~وهو مذموم } ( القلم : 48 ، 49 ) . # وليعلم الناس أن الله إذا اصطفى أحدا للرسالة لا يرخص له في الفتور عنها ~~ولا ينسخ أمره بذلك لأن الله أعلم حيث يجعل رسالاته . PageV23P178 # ( 147 148 ) # ظاهر ترتيب ذكر الإرسال بعد الإنجاء من الحوت أنه إعادة لإرساله . وهذا ~~هو مقتضى ما في كتاب يونس من كتب اليهود إذ وقع في الإصحاح الثالث : ثم صار ~~قول الرب إلى يونس ثانية : قم اذهب إلى نينوى وناد لها المناداة التي أنا ~~مكلمك بها . # والمرسل إليهم : اليهود القاطنون في نينوى في أسر الأشوريين كما تقدم . ~~والظاهر أن الرسول إذا بعث إلى قوم مختلطين بغيرهم أن تعم رسالته جميع ~~الخليط لأن في تمييز البعض بالدعوة تقريرا لكفر غيرهم . ولهذا لما بعث الله ~~موسى عليه السلام لتخليص بني إسرائيل دعا فرعون وقومه إلى نبذ عبادة ~~الأصنام ، فيحتمل أن المقدرين بمائة ألف هم اليهود وأن المعطوفين بقوله : { ~~أو يزيدون } هم بقية سكان ( نينوى ) . وذكر في كتاب يونس أن دعوة يونس لما ~~بلغت ملك نينوى قام عن كرسيه وخلع رداءه ولبس مسحا وأمر أهل مدينته بالتوبة ~~والإيمان الخ . ولم يذكر أن يونس دعا غير أهل نينوى من بلاد أشور مع سعتها ~~. # وروى الترمذي عن أبي بن كعب قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~قول الله تعالى : { وأرسلناه إلى مائة ألفف أو يزيدون } قال : ( عشرون ألفا ~~) . قال الترمذي : حديث غريب . # فحرف { أو } في قوله : { أو يزيدون } بمعنى ( بل ) على قول الكوفيين ~~واختيار الفراء وأبي علي الفارسي وابن جني وابن برهان . واستشهدوا بقول ~~جرير : # ماذا ترى في عيال قد برمت بهم # لم أحصص عدتهم إلا بعداد # كانوا ثمانين أو زادوا ثمانية # لولا رجاؤك قد قتلت أولادي # والبصريون لا يجيزون ذلك إلا بشرطين أن يتقدمها نفي أو نهي وأن يعاد ~~PageV23P179 العامل ، وتأولوا هذه الآية بأن { أو } للتخيير ، والمعنى إذا ~~رآهم الرائي تخير بين أن يقول : هم مائة ألف ، أو يقول : يزيدون . # ويرجحه أن المعطوف ms6856 ب { أو } غير مفرد بل هو كلام مبين ناسب أن يكون الحرف ~~للإضراب . والفاء في { فآمنوا } للتعقيب العرفي لأن يونس لما أرسل إليهم ~~ودعاهم امتنعوا في أول الأمر فأخبرهم بوعيد بهلاكهم بعد أربعين يوما ثم ~~خافوا فآمنوا كما أشار إليه قوله تعالى : { فلولا كانت قرية ءامنت فنفعها ~~إيمانها إلا قوم يونس لما ءامنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ~~ومتعناهم إلى حين } ( يونس : 98 ) . # تفريع على ما تقدم من الإنكار على المشركين وإبطال دعاويهم ، وضرب ~~الأمثال لهم بنظرائهم من الأمم ففرع عليه أمر الله رسوله صلى الله عليه ~~وسلم بإبطال ما نسبه المشركون إلى الله من الولد . فضمير الغيبة من قوله : ~~{ فاستفتهم } عائد على غير مذكور يعلم من المقام . مثل نظيره السابق في ~~قوله : { فاستفتهم أهم أشد خلقا أمن خلقنا } ( الصافات : 11 ) . والمراد : ~~التهكم عليهم بصورة الاستفتاء إذ يقولون : ولد الله ، على أنهم قسموا قسمة ~~ضيزى حيث جعلوا لله البنات وهم يرغبون في الأبناء الذكور ويكرهون الإناث ، ~~فجعلوا لله ما يكرهون . وقد جاءوا في مقالهم هذا بثلاثة أنواع من الكفر : # أحدها : أنهم أثبتوا التجسيم لله لأن الولادة من أحوال الأجسام . # الثاني : إيثار أنفسهم بالأفضل وجعلهم لله الأقل . قال تعالى : { وإذا ~~بشر أحدهم بما ضرب للرحمان مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم } ( الزخرف : 17 ) ~~. # الثالث : أنهم جعلوا للملائكة المقربين وصف الأنوثة وهم يتعيرون بأبي ~~الإناث ، ولذلك كرر الله تعالى هذه الأنواع من كفرهم في كتابة غير مرة . ~~PageV23P180 # فجملة { ألربك البنات } بيان لجملة { فاستفتهم } . وضمير { لربك } مخاطب ~~به النبي صلى الله عليه وسلم وهو حكاية للاستفتاء بالمعنى لأنه إذا ~~استفتاهم يقول : ألربكم البنات ، وكذلك ضمير { ولهم } محكي بالمعنى لأنه ~~إنما يقول لهم : ولكم البنون . وهذا التصرف يقع في حكاية القول ونحوه مما ~~فيه معنى القول مثل الاستفتاء . # { أم } منقطعة بمعنى ( بل ) وهي لا يفارقها معنى الاستفهام ، فالكلام ~~بعدها مقدر بهمزة الاستفهام ، أي بل أخلقنا الملائكة إناثا . وضمير { خلقنا ~~} التفات من الغيبة إلى التكلم وهو إذا استفتاهم يقول لهم : أم خلق ~~الملائكة ms6857 ، كما تقدم ، والاستفهام إنكاري وتعجيبي من جرأتهم وقولهم بلا علم ~~. # وجملة { وهم شاهدون } في موضع الحال وهي قيد للإنكار ، أي كانوا حاضرين ~~حين خلقنا الملائكة فشهدوا أنوثة الملائكة لأن هذا لا يثبت لأمثالهم إلا ~~بالمشاهدة إذ لا قبل لهم بعلم ذلك إلا المشاهدة . وبقي أن يكون ذلك بالخبر ~~القاطع فذلك ما سينفيه بقوله : { أم لكم سلطان مبين } ( الصافات : 156 ) ، ~~وذلك لأن أنوثة الملائكة ليست من المستحيل ولكنه قول بلا دليل . # وضمير : { وهم شاهدون } محكي بالمعنى في الاستفتاء . والأصل : وأنتم ~~شاهدون ، كما تقدم آنفا . # ( 151 152 ) # ارتقاء في تجهيلهم بأنهم يقولون المستحيل فضلا على القول بلا دليل فلذلك ~~سماه إفكا . والجملة معترضة بين جمل الاستفتاء . PageV23P181 # و { ألا } حرف تنبيه للاهتمام بالخبر . والإفك : الكذب أي قولهم هذا بعض ~~من أكذوباتهم . ولذلك أعقبه بعطف { وإنهم لكاذبون } مؤكدا ب ( إن ) واللام ~~، أي شأنهم الكذب في هذا وفي غيره من باطلهم ، فليست الجملة تأكيدا لقوله : ~~{ من إفكهم } كيف وهي معطوفة . # ( 153 157 ) { } # عود إلى الاستفتاء ، ولذلك لم تعطف لأن بينها وبين ما قبلها كمال الاتصال ~~، فالمعنى : وقل لهم : اصطفى البنات . # قرأ الجمهور : { أصطفى } بهمزة قطع مفتوحة على أنها همزة الاستفهام وأما ~~همزة الوصل التي في الفعل فمحذوفة لأجل الوصل . وقرأه أبو جعفر بهمزة وصل ~~على أن همزة الاستفهام محذوفة . # والكلام ارتقاء في التجهيل ، أي لو سلمنا أن الله اتخذ ولدا فلماذا اصطفى ~~البنات دون الذكور ، أي اختار لذاته البنات دون البنين والبنون أفضل عندكم ~~؟ # وجملة { ما لكم كيف تحكمون } بدل اشتمال من جملة { أصطفى البنات على ~~البنين } فإن إنكار اصطفاء البنات يقتضي عدم الدليل في حكمهم ذلك ، فأبدل { ~~ما لكم كيف تحكمون } من إنكار ادعائهم اصطفاء الله البنات لنفسه . وقوله : ~~{ ما لكم } : { ما } استفهام عن ذات وهي مبتدأ و { لكم } خبر . # والمعنى : أي شيء حصل لكم ؟ وهذا إبهام فلذلك كانت كلمة ( ما لك ) ونحوها ~~في الاستفهام يجب أن يتلى بجملة حالل تبين الفعل المستفهم عنه نحو : { ما ~~لكم لا تنطقون } ( الصافات : 92 ) ونحو { ما لك ms6858 لا تأمننا على يوسف } ( ~~يوسف : 11 ) وقد بينت هنا بما PageV23P182 تضمنته جملة استفهام { كيف ~~تحكمون } فإن { كيف } اسم استفهام عن الحال وهي في موضع الحال من ضمير { ~~تحكمون } قدمت لأجل صدارة الاستفهام . وجملة { تحكمون } حال من ضمير { لكم ~~} في قوله تعالى : { ما لكم } فحصل استفهامان : أحدهما عن الشيء الذي حصل ~~لهم فحكموا هذا الحكم . وثانيهما عن الحالة التي اتصفوا بها لما حكي هذا ~~الحكم الباطل . وهذا إيجاز حذف إذ التقدير : ما لكم تحكمون هذا الحكم ، كيف ~~تحكمونه . وحذف متعلق { تحكمون } لما دل عليه الاستفهامان من كون ما حكموا ~~به منكرا يحق العجب منه فكلا الاستفهامين إنكار وتعجيب . # وفرع عليه الاستفهام الإنكاري عن عدم تذكرهم ، أي استعمال ذكرهم بضم ~~الذال وهو العقل أي فمنكر عدم تفهمكم فيما يصدر من حكمكم . # و { أم لكم سلطان مبين } إضراب انتقالي ف { أم } منقطعة بمعنى ( بل ) ~~التي معناها الإضراب الصالح للإضراب الإبطالي والإضراب الانتقالي . ~~والسلطان : الحجة . والمبين : الموضح للحق . والاستفهام الذي تقتضيه { أم } ~~بعدها إنكاري أيضا . فالمعنى : ما لكم سلطان مبين ، أي على ما قلتم : إن ~~الملائكة بنات الله . # وتفرع على إنكار أن تكون لهم حجة بما قالوا أن خوطبوا بالإتيان بكتاب من ~~عند الله على ذلك إن كانوا صادقين فيما زعموا ، أي فإن لم تأتوا بكتاب على ~~ذلك فأنتم غير صادقين . والأمر في قوله : { فأتوا } أمر تعجيز مثل قوله : { ~~وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله } ( البقرة : 23 ~~) . # وإضافة الكتاب إليهم على معنى المفعولية ، أي كتاب مرسل إليكم . ~~ومجادلتهم بهذه الجمل المتفننة رتبت على قانون المناظرة ؛ فابتدأهم بما ~~يشبه الاستفسار عن دعويين : دعوى أن الملائكة بنات الله ، ودعوى أن ~~الملائكة إناث بقوله : { فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون أم خلقنا ~~الملائكة إناثا } ( الصافات : 149 ، 150 ) . PageV23P183 # ثم لما كان تفسيرهم لذلك معلوما من متكرر أقوالهم نزلوا منزلة المجيب بأن ~~الملائكة بنات الله وأن الملائكة إناث . وإنما أريد من استفسارهم صورة ~~الاستفسار مضايقة لهم ولينتقل من مقام الاستفسار إلى مقام المطالبة بالدليل ms6859 ~~على دعواهم ، فذلك الانتقال ابتداء من قوله : { وهم شاهدون } ( الصافات : ~~150 ) وهو اسم فاعل من شهد إذا حضر ورأى ، ثم قوله : { أم لكم سلطان مبين ~~فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين } فرددهم بين أن يكونوا قد استندوا إلى دليل ~~المشاهدة أو إلى دليل غيره وهو هنا متعين لأن يكون خبرا مقطوعا بصدقه ولا ~~سبيل إلى ذلك إلا من عند الله تعالى ، لأن مثل هذه الدعوى لا سبيل إلى ~~إثباتها غير ذلك ، فدليل المشاهدة منتف بالضرورة ، ودليل العقل والنظر منتف ~~أيضا إذ لا دليل من العقل يدل على أن الملائكة إناث ولا على أنهم ذكور . # فلما علم أن دليل العقل غير مفروض هنا انحصر الكلام معهم في دليل السمع ~~وهو الخبر الصادق لأن أسباب العلم للخلق منحصرة في هذه الأدلة الثلاثة : ~~أشير إلى دليل الحس بقوله : { وهم شاهدون } ، وإلى دليلي العقل والسمع ~~بقوله : { أم لكم سلطان مبين } ، ثم فرع عليه قوله : { فأتوا بكتابكم إن ~~كنتم صادقين } وهو دليل السمع . فأسقط بهذا التفريع احتمال دليل العقل لأن ~~انتفاءه مقطوع إذ لا طريق إليه وانحصر دليل السمع في أنه من عند الله كما ~~علمت إذ لا يعلم ما في غيب الله غيره . # ثم خوطبوا بأمر التعجيز بأن يأتوا بكتاب أي بكتاب جاءهم من عند الله . ~~وإنما عين لهم ذلك لأنهم يعتقدون استحالة مجيء رسول من عند الله واستحالة ~~أن يكلم الله أحدا من خلقه ، فانحصر الدليل المفروض من جانب السمع أن يكون ~~إخبارا من الله في أن ينزل عليهم كتاب من السماء لأنهم كانوا يجوزون ذلك ~~لقولهم : { ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه } ( الإسراء : 93 ) ~~، ولن يستطيعوا أن يأتوا بكتاب . # فذكر لفظ ( كتابكم ) إظهار في مقام الإضمار لأن مقتضى الظاهر أن يقال : ~~فأتوا به ، أي السلطان المبين فإنه لا يحتمل إلا أن يكون كتابا من عند الله ~~. وإضافة كتاب إلى ضميرهم من إضافة ما فيه معنى المصدر إلى معنى المفعول ~~PageV23P184 على طريقة الحذف والإيصال ، والتقدير : بكتاب إليكم ، لأن ما ~~فيه مادة الكتابة ms6860 لا يتعدى إلى المكتوب إليه بنفسه بل بواسطة حرف الجر وهو ~~( إلى ) . # فلا جرم قد اتضح إفحامهم بهذه المجادلة الجارية على القوانين العقلية ~~ولذلك صاروا كالمعترفين بأن لا دليل لهم على ما زعموه فانتقل السائل ~~المستفتي من مقام الاعتراض في المناظرة إلى انقلابه مستدلا باستنتاج من ~~إفحامهم وذلك هو قوله : { ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم ~~لكاذبون } ( الصافات : 151 ، 152 ) الواقعع معترضا بين الترديد في الدليل . # وأما قوله : { أصطفى البنات على البنين } فذلك بمنزلة التسليم في أثناء ~~المناظرة كما علمت عند الكلام عليه ، وهذا يسمى المعارضة . وإنما أقحم في ~~أثناء الاستدلال عليهم ولم يجعل مع حكاية دعواهم ليكون آخر الجدل معهم هو ~~الدليل الذي يجرف جميع ما بنوه وهو قوله : { أم لكم سلطان مبين فأتوا ~~بكتابكم إن كنتم صادقين } . فهذا من بديع النسيج الجامع بين أسلوب المناظرة ~~وأسلوب الموعظة وأسلوب التعليم . # وقرأ الجمهور { تذكرون } بتشديد الذال على أن أصله تتذكرون فأدغمت إحدى ~~التاءين في الذال بعد قلبها ذالا لقرب مخرجيهما . وقرأ حمزة والكسائي وحفص ~~عن عاصم وخلف بتخفيف الذال على أن إحدى التاءين حذفت تخفيفا . # عطف على جملة { ليقولون } ( الصافات : 151 ) أي شفعوا قولهم : { ولد الله ~~} ( الصافات : 152 ) ، فجعلوا بين الله وبين الجن نسبا بتلك الولادة ، أي ~~بينوا كيف حصلت تلك الولادة بأن جعلوها بين الله تعالى وبين الجنة نسبا . ~~PageV23P185 # و { الجنة } : الجماعة من الجن ، فتأنيث اللفظ بتأويل الجماعة مثل تأنيث ~~رجلة ، الطائفة من الرجال ، ذلك لأن المشركين زعموا أن الملائكة بنات الله ~~من سروات الجن ، أي من فريقق نساء من الجن من أشراف الجن ، وتقدم في قوله ~~تعالى : { أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة في سورة الأعراف } . # والنسب : القرابة العمودية أو الأفقية أي من الأطراف والكلام على حذف ~~مضاف ، أي ذوي نسب لله تعالى وهو نسب النبوءة لزعمهم أن الملائكة بنات الله ~~تعالى ، أي جعلوا لله تعالى نسبا للجنة وللجنة نسبا لله . وقوله : { بينه ~~وبين الجنة } يجوز أن يكون حالا من { نسبا } أي كائنا بينه وبين الجنة ms6861 ، أي ~~أن نسبه تعالى ، أي نسله سبحانه ناشىء من بينه وبين الجن . ويجوز أن يكون ~~متعلقا ب { جعلوا } ، أي جعلوا في الاقتران بينه وبين الجن نسبا له ، أي ~~جعلوا من ذلك نسبا يتولد له ، فقوله : { بينه وبين الجنة نسبا } هو كقولك : ~~بين فلان وفلانة بنون ، أي له منها ولها منه بنون ، وهذا المعنى هو مراد من ~~فسره بأن جعلوا الجن أصهارا لله تعالى ، فتفسيره النسب بالمصاهرة تفسير ~~بالمعنى وليس المراد أن النسب يطلق على المصاهرة كما توهمه كثير ، لأن هذا ~~الإطلاق غير موجود في دواوين اللغة فلا تغترر به . ولعدم الغوص في معنى ~~الآية ذهب من ذهب إلى أن المراد بالجنة الملائكة ، أي جعلوا بين الله وبين ~~الملائكة نسب الأبوة والبنوة ، وهذا تفسير فاسد لأنه يصير قوله : { وجعلوا ~~بينه وبين الجنة نسبا } إعادة لما تقدم من قوله : { ألا إنهم من إفكهم ~~ليقولون ولد الله } ( الصافات : 151 ، 152 ) ومن قوله : { أم خلقنا ~~الملائكة إناثا وهم شاهدون } ( الصافات : 150 ) . # ومن ذهب إلى أن المراد من { الجنة } أصل الجنة وهو الشيطان وأن معنى ~~الآية : أنهم جعلوا الله نسيبا للشيطان نسب الأخوة ، تعالى الله عن ذلك . ~~على أنه إشارة إلى قول الثنوية من المجوس بوجود إلاه للخير هو الله ، وإلاه ~~للشر هو الشيطان وهم من ملل مجوس فارس وسموا إلاه الخير ( يزدان ) وإلاه ~~الشر ( أهرمن ) وقالوا : كان إلاه الخير وحده فخطر له خاطر في نفسه من الشر ~~فنشأ منه إلاه الشر هو ( أهرمن ) وهو ما نعاه المعري عليهم بقوله : ~~PageV23P186 # قال أناس باطل زعمهم # فراقبوا الله ولا تزعمن # فكر ( يزدان ) على غرة # فصيغ من تفكيره ( أهرمن ) # وهذا الدين كان معروفا عند بعض العرب في الجاهلية من عرب العراق ~~المجاورين لبلاد فارس والخاضعين لسلطانهم ولم يكن معروفا بين أهل مكة ~~المخاطبين بهذه الآيات ، ولأن الجنة لا يشمل الشياطين إذا أطلق فإن الشيطان ~~كان من الجن إلا أنه تميز به صنف خاص منهم . # وجملة { ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون } معترضة بين جملة { وجعلوا بينه ~~وبين الجنة نسبا ms6862 } وبين جملة { سبحان الله عما يصفون } ( الصافات : 159 ) و ~~{ جعلوا بينه } الخ . . . حال والواو حالية ، وضمير { أنهم } عائد إلى ~~المشركين أو إلى الجنة ، والوجهان مرادان فإن الفريقين معاقبان . والمحضرون ~~: المجلوبون للحضور ، والمراد : محضرون للعقاب ، بقرينة مقام التوبيخ فإن ~~التوبيخ يتبعه التهديد ، والغالب في فعل الإحضار أن يراد به إحضار سوء قال ~~تعالى : { ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين } ( الصافات : 57 ) ولذلك حذف ~~متعلق ( محضرون ) ، فأما الإتيان بأحد لإكرامه فيطلق عليه المجيء . والمعنى ~~: أن الجن تعلم كذب المشركين في ذلك كذبا فاحشا يجازون عليه بالإحضار ~~للعذاب ، فجعل ( محضرون ) كناية عن كذبهم لأنهم لو كانوا صادقين ما عذبوا ~~على قولهم ذلك . وظاهره أن هذا العلم حاصل للجن فيما مضى ، ولعل ذلك حصل ~~لهم من زمان تمكنهم من استراق السمع . ويجوز أن يكون من استعمال الماضي في ~~موضع المستقبل لتحقيق وقوعه مثل { أتى أمر الله } ( النحل : 1 ) ، أي ستعلم ~~الجنة ذلك يوم القيامة . والمقصود : أنهم يتحققون ذلك ولا يستطيعون دفع ~~العذاب عنهم فقد كانوا يعبدون الجن لاعتقاد وجاهتهم عند الله بالصهر الذي ~~لهم . PageV23P187 # أتبعت حكاية قولهم الباطلل والوعيد عليه باعتراض بين المستثنى منه ~~والمستثنى يتضمن إنشاء تنزيه الله تعالى عما نسبوه إليه ، فهو إنشاء من ~~جانب الله تعالى لتنزيهه ، وتلقين للمؤمنين بأن يقتدوا بالله في ذلك ~~التنزيه ، وتعجيب من فظيع ما نسبوه إليه . # اعتراض بين جملة { سبحان الله عما يصفون } ( الصافات : 159 ) وجملة { ~~فإنكم وما تعبدون } ( الصافات : 161 ) الآية ، والاستثناء منقطع ، قيل نشأ ~~عن قولهم : { إنهم لمحضرون } ( الصافات : 158 ) والمعنى لكن عباد الله ~~المخلصين لا يحضرون ، وقيل نشأ عن قوله : { عما يصفون } ( الصافات : 159 ) ~~أي لكن عباد الله المخلصين لا يصفونه بذلك ، وقيل من ضمير { وجعلوا } ( ~~الصافات : 158 ) أي لكن عباد الله المخلصين لا يجعلون ذلك . وهو من معنى ~~القول الثاني ، فالمراد بالعباد المخلصين المؤمنون . # والوجه عندي : أن يكون استثناء منقطعا نشأ عن قوله : { سبحان الله عما ~~يصفون } ( الصافات : 159 ) فهو مرتبط به لأن ( ما يصفون ) أفاد أنهم يصفون ~~الله بأن الملائكة بناته ms6863 كما دل عليه قوله : { ألربك البنات } ( الصافات : ~~149 ) . والمعنى : لكن الملائكة عباد الله المخلصين ، فالمراد من { عباد ~~الله المخلصين } الملائكة فهذه الآية في معنى قوله : { وقالوا اتخذ الرحمن ~~ولدا سبحانه بل عباد مكرمون } ( الأنبياء : 26 ) . # ( 161 163 ) # عقب قولهم في الملائكة والجن بهذا لأن قولهم ذلك دعاهم إلى عبادة الجن ~~وعبادة الأصنام التي سولها لهم الشيطان وحرضهم عليها الكهان خدمة الجن ~~PageV23P188 فعقب ذلك بتأييس المشركين من إدخال الفتنة على المؤمنين في ~~إيمانهم بما يحاولون منهم من الرجوع إلى الشرك ، أو هي فاء فصيحة ، ~~والتقدير : إذا علمتم أن عباد الله المخلصين منزهون عن مثل قولكم ، فإنكم ~~لا تفتنون إلا من هو صالي الجحيم . # فيجوز أن يكون هذا الكلام داخلا في حيز الاستفتاء من قوله : { فاستفتهم ~~ألربك البنات } ( الصافات : 149 ) الآية . ويجوز أن يكون تفريعا على قوله : ~~{ وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا } ( الصافات : 158 ) الآية . والواو في قوله ~~: { وما تعبدون } واو العطف أو واو المعية وما بعدها مفعول معه والخبر هو { ~~ما أنتم عليه بفاتنين } . وضمير { أنتم } خطاب للمشركين مثل ضمير ( إنكم ) ~~. # والمعنى : أنكم مصطحبين بالجن الذين تعبدونهم لا تفتنون أحدا . ووجه ذكر ~~المفعول معه أنهم كانوا يموهون للناس أن الجن تنفع وتضر وأن الأصنام كذلك ~~وكانوا يخوفون الناس من بأسها وانتقامها كما قالت امرأة الطفيل بن عمرو ~~الدوسي لما أسلم ودعاها إلى الإسلام ( ألا تخشى على الصبية من ذي الشرى ؟ ~~قال : لا ) فأسلمت وكانوا يزعمون أن من يسب الأصنام يصيبه البرص أو الجذام ~~. # قال ابن إسحاق : لما قدم ضمام بن ثعلبة وافد بني سعد بنن بكر على قومه من ~~عند النبي صلى الله عليه وسلم قال في قوله : باست اللات والعزى . فقالوا : ~~يا ضمام اتق الجذام اتق الجنون . ولا يستقيم أن تكون الواو عاطفة لأن ~~الأصنام لا يسند إليها الإفتان . # وجوز في ( الكشاف ) أن يكون قوله : { وما تعبدون } مفعولا معه سادا مسد ~~خبر ( إن ) ، والمعنى : فإنكم مع ما تعبدون ، أي فإنكم قرناء لآلهتكم لا ~~تبرحون تعبدونها ، وهذا كما يقولون ( كل رجل ms6864 وضيعته ) أي مع ضيعته ، أي ~~مقارن لها . # و { ما تعبدون } صادق على الجن لقوله تعالى : { وجعلوا لله شركاء الجن } ~~( الأنعام : 100 ) لأن الجن تصدر منهم فتنة الناس بالإشراك دون الأصنام إذ ~~لا يتصور ذلك منها قال PageV23P189 تعالى : { ويوم نحشرهم وما يعبدون من ~~دون الله فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء } ( الفرقان : 17 ) الآية . # وضمير { عليه } يجوز أن يكون عائدا إلى اسم الجلالة في قوله : { ليقولون ~~ولد الله } ( الصافات : 151 ، 152 ) أو في قوله : { إلا عباد الله } ( ~~الصافات : 160 ) ، ويجوز أن يعود إلى { ما تعبدون } بمراعاة إفراد اسم ~~الموصول وهو { ما . # وحذف مفعول فاتنين } لقصد العموم . والتقدير : بفاتنين أحدا ، ومعياره ~~صحة الاستثناء في قوله : { إلا من هو صالل الجحيم } فالاستثناء مفرغ ~~والمستثنى مفعول { بفاتنين } . وحرف ( على ) يتعلق ب ( فاتنين ) إما لتضمين ~~( فاتنين ) معنى مفسدين إن كان الضمير المجرور بها عائدا إلى اسم الجلالة ~~كما يقال : فسد العبد على سيده وخلق فلان المرأة على زوجها ، وتكون ( على ) ~~للاستعلاء المجازي لأن تضمين مفسدين فيه معنى الغلبة . وإما لتضمينه معنى ~~حاملين ومسؤولين ويكون ( على ) بمعنى لام التعليل كقوله : { ولتكبروا الله ~~على ما هداكم } ( البقرة : 185 ) ويكون تقدير مضاف بين ( على ) ومجرورها ~~تقديره : على عبادة ما تعبدون ، والمعنى : أنكم والشياطين لا يتبعكم أحد في ~~دينكم إلا من عرض نفسه ليكون صالي الجحيم ، وهذا في معنى قوله تعالى : { إن ~~عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين وإن جهنم لموعدهم أجمعين ~~} ( الحجر : 42 ، 43 ) . # ورسم في المصحف { صالل الجحيم } بدون ياء بعد اللام اعتبارا بحالة الوصل ~~فإن الياء لا ينطق بها فرسمه كاتب المصحف بمثل حالة النطق ، ولذلك ينبغي أن ~~لا يوقف على { صال . # ( 164 166 ) } # فيجوز أن يكون عطفا على قوله : { إلا عباد الله المخلصين } ( الصافات : ~~160 ) على أول الوجهين PageV23P190 في المعني بعباد الله المخلصين فيكون ~~عطفا على معنى الاستثناء المنقطع لأن معناه أنهم ليسوا أولاد الله تعالى ، ~~وعطف عليه أنهم يتبرأون من ذلك فالواو عاطفة قولا محذوفا يدل عليه أن ما ~~بعد الواو ms6865 لا يصلح إلا أن يكون كلام قائل . والتقدير : ويقولون ما منا إلا ~~له مقام معلوم وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون ، وهذا الوجه أوفق ~~بالصفات المذكورة من قوله : { إلا له مقام معلوم } وقوله : { الصافون ~~المسبحون } : الشائع وصف الملائكة بأمثالها في القرآن كما تقدم في أول ~~السورة وصفهم بالصافات ، ووصفهم بالتسبيح كثير كقوله : { والملائكة يسبحون ~~بحمد ربهم } ( الشورى : 5 ) ، وذكر مقاماتهم في قوله تعالى : { ذي قوة عند ~~ذي العرش مكين مطاع ثم أمين } ( التكوير : 20 ، 21 ) وقوله : { ولقد رءاه ~~نزلة أخرى عند سدرة المنتهى } ( النجم : 13 ، 14 ) . # وفي أحاديث كثيرة مثلا حديث الإسراء أن جبريل وجد في كل سماء ملكا ~~يستأذنه جبريل أن يدخل تلك السماء ويسأله الملك : من أنت ؟ ومن معك ؟ وهل ~~أرسل إليه ؟ فإذا قال : نعم ، فتح له . وعن مقاتل أن قوله : { وما منا إلا ~~له مقام معلوم } إلى { المسبحون } نزل ورسول الله صلى الله عليه وسلم عند ~~سدرة المنتهى فتأخر جبريل فقال له النبي : أهنا تفارقني فقال : لا أستطيع ~~أن أتقدم عن مكاني وأنزل الله حكاية عن قول الملائكة { وما منا إلا له مقام ~~معلوم } الآيتين . # ويجوز أن يكون هذا مما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقوله للمشركين ~~عطفا على التفريع الذي في قوله : { فإنكم وما تعبدون } ( الصافات : 161 ) ~~إلى آخره ويتصل الكلام بقوله : { فاستفتهم ألربك البنات } ( الصافات : 149 ~~) إلى هنا . والمعنى : ما أنتم بفاتنيننا فتنة جراءة على ربنا فنقول مثل ~~قولكم : الملائكة بنات الله والجن أصهار الله فما منا إلا له مقام معلوم لا ~~يتجاوزه وهو مقام المخلوقية لله والعبودية له . # والمنفي ب { ما } محذوف دل عليه وصفه بقوله : { منا } . والتقدير : وما ~~أحد منا كما في قول سحيم بن وثيل : # أنا ابن جلا وطلاع الثنايا # متى أضع العمامة تعرفوني PageV23P191 # التقدير : ابن رجل جلا . والخبر هو قوله : { إلا له مقام معلوم } . ~~والتقدير : ما أحد منا إلا كائن له مقام معلوم . # والمقام : أصله مكان القيام . ولما كان القيام يكون في الغالب لأجل العمل ~~كثر إطلاق المقام على ms6866 العمل الذي يقوم به المرء كما حكي في قول نوح : { إن ~~كان كبر عليكم مقامي } ( يونس : 71 ) أي عملي . # والمعلوم : المعين المضبوط ، وأطلق عليه وصف { معلوم } لأن الشيء المعين ~~المضبوط لا يشتبه على المتبصر فيه فمن تأمله علمه . والمعنى : ما من أحد ~~منا معشر المؤمنين إلا له صفة وعمل نحو خالقه لا يستزله عنه شيء ولا تروج ~~عليه فيه الوساوس فلا تطمعوا أن تزلونا عن عبادة ربنا . فالمقام هو صفة ~~العبودية لله بقرينة وقوع هذه الجملة عقب قوله : { فإنكم وما تعبدون ما ~~أنتم عليه بفاتنين } ( الصافات : 161 ، 162 ) ، أي ما أنتم بفاتنين لنا فلا ~~يلتبس علينا فضل الملائكة فنرفعه إلى مقام البنوة لله تعالى ولا نشبه ~~اعتقادكم في تصرف الجن أن تبلغوا بهم مقام المصاهرة لله تعالى والمداناة ~~لجلاله كقوله : { وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم } ( الأنعام : 100 ) . # فقوله : { وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون } أي وإنا معشر المسلمين ~~، الصافون أي الواقفون لعبادة الله صفوفا بالصلاة . ووصف وقوفهم في الصلاة ~~بالصف تشبها بنظام الملائكة . قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث مسلم : ~~( جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة ) ، والمراد بالمسبحين المنزهون لله تعالى عن ~~أن يتخذ ولدا أو يكون خلق صهرا له أو صاحبة خلافا لشرككم إذ عبادتكم مكاء ~~وتصدية وخلافا لكفركم إذ تجعلون له صواحب وبنات وأصهارا . وحذف متعلق { ~~الصافون . . . المسبحون } لدلالة قوله { ما أنتم عليه بفاتنين } ( الصافات ~~: 162 ) عليه ، أي الصافون لعبادته المسبحون له ، فإن الكلام في هذه الآيات ~~كلها متعلق بشؤون الله تعالى . وتعريف جزأي الجملة ، وضمير الفصل من قوله : ~~{ لنحن } يفيدان قصرا مؤكدا فهو قصر قلب ، أي دون ما وصفتموه به من البنوة ~~لله . PageV23P192 # ( 167 170 ) # انتقال من ذكر كفر المشركين بتعدد الإلاه وبإنكار البعث وما وصفوا به ~~الرسول صلى الله عليه وسلم من السحر والجنون ثم بما نسبوا لله مما لا يليق ~~بإلاهيته وما تخلل ذلك من المواعظ والوعيد لهم والوعد للمؤمنين والعبرة ~~بمصارع المكذبين السابقين وما لقيه رسل الله من أقوامهم . # فانتقال الكلام إلى ذكر ما ms6867 كفر به المشركون من تكذيب القرآن الذي أنزله ~~الله هدى لهم ، فالمقصود من هذا هو قوله : { فكفروا به } أي الذكر ، وإنما ~~قدم له في نظم الكلام ما فيه تسجيل عليهم تهافتهم في القول إذ كانوا قبل أن ~~يأتيهم محمد صلى الله عليه وسلم بالكتاب المبين يودون أن يشرفهم الله بكتاب ~~لهم كما شرف الأولين ويرجون لو كان ذلك أن يكونوا عبادا لله مخلصين له فلما ~~جاءهم ما رغبوا فيه كفروا به وذلك أفظع الكفر لأنه كفر بما كانوا على بصيرة ~~من أمره إذ كانوا يتمنونه لأنفسهم ويغبطون الأمم التي أنزل عليهم مثله فلم ~~يكن كفرهم عن مباغتة ولا عن قلة تمكن من النظر . # وتأكيد الخبر ب { إن } المخففة من الثقيلة وبلام الابتداء الفارقة بين ~~المخففة والنافية للتسجيل عليهم بتحقيق وقوع ذلك منهم ليسد عليهم باب ~~الإنكار . وإقحام فعل { كانوا } للدلالة على أن خبر ( كان ) ثابت لهم في ~~الماضي . والتعبير بالمضارع في ( يقولون ) لإفادة أن ذلك تكرر منهم . # و { لو } شرطية وسدت { أن } وصلتها مسد فعل الشرط وهو كثير في الكلام . # والذكر : الكتاب المقروء ، سمي ذكرا لأنه يذكر الناس بما يجب عليهم مسمى ~~بالمصدر . وتقدم عند قوله تعالى : { وقالوا يأيها الذي نزل عليه الذكر إنك ~~لمجنون في سورة الحجر } . # و { من الأولين } صفة ل { ذكرا ، } والمراد ب { الأولين } الرسل السابقون ~~، و { من } ابتدائية ، أي ذكرا جائيا من الرسل الأولين ، أي مثل موسى وعيسى ~~. ومرادهم PageV23P193 بهذا أن الرسل الأولين لم يكونوا مرسلين إليهم ولا ~~بلغوا إليهم كتابهم ولو كانوا مرسلين إليهم لآمنوا بهم فكانوا عباد الله ~~المخلصين ، فذكر في جواب { لو } ما هو أخص من الإيمان ليفيد معنى الإيمان ~~بدلالة الفحوى . # وفي جملة { لكنا عباد الله المخلصين } صيغة قصر من أجل كون المسند إليه ~~معرفة بالإضمار والمسند معرفة بالإضافة ، أي لكنا عباد الله دون غيرنا ، ~~ولما وصف المسند ب { المخلصين } وهو معرف بلام الجنس حصل قصر عباد الله ~~الذين لهم صفة الإخلاص في المسند إليه ، وهذا قصر ادعائي للمبالغة في ثبوت ~~صفة ms6868 الإخلاص لهم حتى كانوا شبيهين بالمنفردين بالإخلاص لعدم الاعتداد ~~بإخلاص غيرهم في جانب إخلاصهم . وهو يؤول إلى معنى تفضيل أنفسهم في الإخلاص ~~لله حينئذ ، كما صرح به في قوله تعالى : { أو تقولوا لو أنا أنزل علينا ~~الكتاب لكنا أهدى منهم } ( الأنعام : 157 ) . # والفاء في قوله : { فكفروا به } للتعقيب على فعل { ليقولون } ، أي استمر ~~قولهم حتى كان آخره أن جاءهم الكتاب فكفروا به ، أو للفصيحة ، والتقدير : ~~فكان عندهم ذكر فكفروا به ، فالضمير عائد إلى الذكر وهو القرآن قال تعالى : ~~{ إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتاب عزيز } ( فصلت : 41 ) . وهذا ~~معنى قوله تعالى : { وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى ~~من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا } ( فاطر : 42 ) . # وبهذا كان للوعيد بقوله : { فسوف يعلمون } موقعه المصادف المجز من الكلام ~~، وهوله بما ضمنه من الإبهام . و ( سوف ) أخت السين في إفادة مطلق ~~الاستقبال . # ( 171 173 ) # تسلية للنبيء صلى الله عليه وسلم على ما تضمنه قوله : { فكفروا به } ( ~~الصافات : 170 ) وبيان لبعض الوعيد الذي في قوله : { فسوف يعلمون } ( ~~الصافات : 170 ) بمنزلة بدل البعض من الكل ولكنه غلب عليه PageV23P194 جانب ~~التسلية فعطف بالواو عطف القصة على القصة . # والكلمة مراد بها الكلام ، عبر عن الكلام بكلمة إشارة إلى أنه منتظم في ~~معنى واحد دال على المقصود دلالة سريعة فشبه بالكلمة الواحدة في سرعة ~~الدلالة وإيجاز اللفظ كقوله تعالى : { كلا إنها كلمة هو قائلها } ( ~~المؤمنون : 100 ) وقول النبي صلى الله عليه وسلم ( أصدق كلمة قالها شاعر ~~كلمة لبيد : # ألا كل شيء ما خلا الله باطل ) # وبينت الكلمة بجملة { إنهم لهم المنصورون } ، أي الكلام المتضمن وعدهم ~~بأن ينصرهم الله على الذين كذبوهم وعادوهم وهذه بشارة للنبيء صلى الله عليه ~~وسلم عقب تسليته لأنه داخل في عموم المرسلين . # وعطف { وإن جندنا لهم الغالبون } بشارة للمؤمنين فإن المؤمنين جند الله ، ~~أي أنصاره لأنهم نصروا دينه وتلقوا كلامه ، كما سموا حزب الله في قوله : { ~~كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز ms6869 } ( المجادلة : 21 ) إلى قوله ~~: { أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه } ( المجادلة : 22 ) إلى ~~قوله : { أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون } ( المجادلة : 22 ) ~~. وقوله : { لهم الغالبون } يشمل علوهم على عدوهم في مقام الحجاج وملاحم ~~القتال في الدنيا ، وعلوهم عليهم في الآخرة كما قال تعالى : { والذين اتقوا ~~فوقهم يوم القيامة } ( البقرة : 212 ) فهو من استعمال { الغالبون } في ~~حقيقته ومجازه . # ومعنى { المنصورون } و { الغالبون } في أكثر الأحوال وباعتبار العاقبة ، ~~فلا ينافي أنهم يغلبون نادرا ثم تكون لهم العاقبة ، أو المراد النصر ~~والغلبة الموعود بهما قريبا وهما ما كان يوم بدر . # ( 174 175 ) # هذا مفرع على التسلية التي تضمنها قوله : { ولقد سبقت كلمتنا } ( الصافات ~~: 171 ) . PageV23P195 التولي حقيقته : المفارقة كما تقدم في قصة إبراهيم { ~~فتولوا عنه مدبرين } ( الصافات : 90 ) ، واستعمل هنا مجازا في عدم الاهتمام ~~بما يقولونه وترك النكد من إعراضهم . # والحين : الوقت . وأجمل هنا إيماء إلى تقليله ، أي تقريبه ، فالتنكير ~~للتحقير المعنوي وهو التقليل . ومعنى { أبصرهم } انظر إليهم ، أي من الآن ، ~~وعدي ( أبصر ) إلى ضميرهم الدال على ذواتهم ، وليس المراد النظر إلى ذواتهم ~~لكن إلى أحوالهم ، أي تأمل أحوالهم تر كيف ننصرك عليهم ، وهذا وعيد بما حل ~~بهم يوم بدر . # وحذف ما يتعلق به الإبصار من حال أو مفعول معه بتقدير : وأبصرهم مأسورين ~~مقتولين ، أو وأبصرهم وما يقضى به عليهم من أسر وقتل لدلالة ما تقدم من ~~قوله : { إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون } ( الصافات : 172 ، ~~173 ) عليه ، إذ ليس المأمور به أيضا ذواتهم ، وهذا من دلالة الاقتضاء . ~~وصيغة الأمر في { وأبصرهم } مستعملة في الإرشاد على حد قول : # إذا أعجبتك الدهر حال من امرىء # فدعه وواكل أمره واللياليا # أي إذا شئت أن تتحقق قرارة حاله فانتظره . # وعبر عن ترتب نزول الوعيد بهم بفعل الإبصار للدلالة على أن ما توعدوا به ~~واقع لا محالة وأنه قريب حتى أن الموعود بالنصر يتشوف إلى حلوله فكان ذلك ~~كناية عن تحققه وقربه لأن تحديق البصر لا يكون إلا إلى شيء أشرف على ms6870 الحلول ~~. # وتفريع { فسوف يبصرون } على { وأبصرهم } تفريع لإنذارهم بوعيد قريب على ~~بشارة النبي بقربه فإن ذلك المبصر يسر النبي صلى الله عليه وسلم ويحزن ~~أعداءه ، ففي الكلام اكتفاء ، كأنه قيل : أبصرهم وما ينزل بهم فسوف تبصر ما ~~وعدناك وليبصروا ما ينزل بهم فسوف يبصرونه . وحذف مفعول { يبصرون } لدلالة ~~ما دلت عليه دلالة الاقتضاء . واعلم أن تفريع { فسوف يبصرون } على { ~~وأبصرهم } يمنع من إرادة أن يكون المعنى : وأبصرهم حين ينزل بهم العذاب بعد ~~ذلك الحين كما لا يخفى . PageV23P196 # ( 176 177 ) # هذا تفريع على التأجيل المذكور في قوله : { حتى حين } ( الصافات : 174 ) ~~فإن ذلك ما أنذرهم بعذاب يحل بهم توقع أنهم سيقولون على سبيل الاستهزاء ~~أرنا العذاب الذي تخوفنا به وعجله لنا . # وبعض المفسرين ذكر أنهم قالوه فلوحظ ذلك وفرع عليه استفهام تعجيبي من ~~استعجالهم ما في تأخيره والنظرة به رأفة بهم واستبقاء لهم حينا . # والفاء في قوله : { فإذا نزل بساحتهم } فاء الفصيحة ، أي إن كانوا ~~يستعجلون بالعذاب فإذا نزل بهم فبئس وقت نزوله . وإسناد النزول إلى العذاب ~~وجعله في ساحتهم استعارة تمثيلية مكنية ، شبهت هيئة حصول العذاب لهم بعد ما ~~أنذروا به فلم يعبأوا بهيئة نزول جيش عدو في ساحتهم بعد أن أنذرهم به ~~النذير العريان فلم يأخذوا أهبتهم حتى أناخ بهم . # وذكر الصباح لأنه من علائق الهيئة المشبه بها فإن شأن الغارة أن تكون في ~~الصباح ولذلك كان نذير المجيء بغارة عدو ينادي : يا صباحاه نداء ندبة وتفجع ~~. ولذلك جعل جواب ( إذا ) قوله : { فساء صباح المنذرين } أي بئس الصباح ~~صباحهم . # وفي وصفهم ب { المنذرين } ترشيح للتمثيل وتورية في اللفظ لأن المشبهين ~~منذرون من الله بالعذاب . والذين يسوء صباحهم عند الغارة هم المهزومون ~~فكأنه قيل : فإذا نزل بساحتهم كانوا مغلوبين . وهذا التمثيل قابل لتفريق ~~أجزائه في التشبيه بأن يشبه العذاب بالجيش ، وحلوله بهم بنزول الجيش بساحة ~~قوم وما يلحقهم من ضر العذاب بضر الهزيمة ، ووقت نزول العذابب بهم بتصبيح ~~العدو محلة قوم . قال في ( الكشاف ) : ( وما فصحت هذه PageV23P197 الآية ~~ولا كانت ms6871 لها الروعة التي تحس بها ويروقك موردها على نفسك وطبعك إلا ~~لمجيئها على طريقة التمثيل ) . # واعلم أن في اختيار هذا التمثيل البديع معنى بديعا من الإيماء إلى أن ~~العذاب الذي وعدوه هو ما أصابهم يوم بدر من قتل وأسر على طريقة التورية . # ( 178 179 ) # عطف على جملة { فإذا نزل بساحتهم } ( الصافات : 177 ) الآية لأن معنى ~~المعطوف عليها الوعد بأن الله سينتقم منهم فعطف عليه أمره رسوله صلى الله ~~عليه وسلم بأن لا يهتم بعنادهم . # وهذه نظير التي سبقتها المفرعة بالفاء فلذلك يحصل منها تأكيد نظيرتها ، ~~على أنه قد يكون هذا التولي غير الأول وإلى حينن آخر وإبصار آخر ، فالظاهر ~~أنه تول عمن يبقى من المشركين بعد حلول العذاب الذي استعجلوه ، فيحتمل أن ~~يكون حينا من أوقات الدنيا فهو إنذار بفتح مكة . ويحتمل أن يكون إلى حين من ~~أحيان الآخرة ، وإنما جعل ذلك غاية لتولي النبي صلى الله عليه وسلم عنهم ~~لأن توليه العذاب عنهم غاية لتولي النبي صلى الله عليه وسلم عنهم لأن توليه ~~عنهم مستمر إلى يوم القيامة فإن مدة لحاق النبي صلى الله عليه وسلم بالرفيق ~~الأعلى لما كانت متصلة بتوليه عنهم جعلت تلك المدة كأنها ظرف للتولي ينتهي ~~بحين إحضارهم للعقاب ، فيكون قوله : { حتى حين } مرادا به الأبد . # وحذف مفعول { وأبصر } في هذه الآية لدلالة ما في نظيرها عليه . # ( 180 182 ) { لله } # خطاب النبي صلى الله عليه وسلم تذييلا لخطابه المبتدأ بقوله تعالى : { ~~فاستفتهم ألربك البنات } ( الصافات : 149 ) الآية . فإنه خلاصة جامعة لما ~~حوته من تنزيه الله وتأييده رسله . وهذه الآية فذلكة لما احتوت عليه السورة ~~من الأغراض جمعت تنزيه الله والثناء على PageV23P198 الرسل والملائكة وحمد ~~الله على ما سبق ذكره من نعمة على المسلمين من هدى ونصر وفوز بالنعيم ~~المقيم . # وهذه المقاصد الثلاثة هي أصول كمال النفوس في العاجل والآجل ، لأن معرفة ~~الله تعالى بما يليق به تنقذ النفس من الوقوع في مهاوي الجهالة المفضية إلى ~~الضلالة فسوء الحالة . وإنما يتم ذلك بتنزيهه عما لا يليق ms6872 به . فأشار قوله ~~: { سبحان ربك } الخ إلى تنزيهه ، وأشار وصف { رب العزة } إلى التوصيف ~~بصفات الكمال ، فإن العزة تجمع الصفاتت النفسية وصفاتت المعاني والمعنوية ~~لأن الربوبية هي كمال الاستغناء عن الغير ، ولما كانت النفوس وإن تفاوتت في ~~مراتب الكمال لا تسلم من نقص أو حيرة كانت في حاجة إلى مرشدين يبلغونها ~~مراتب الكمال بإرشاد الله تعالى وذلك بواسطة الرسل إلى الناس وبواسطة ~~المبلغين من الملائكة إلى الرسل . وكانت غاية ذلك هي بلوغ الكمال في الدنيا ~~والفوز بالنعيم الدائم في الآخرة . وتلك نعمة تستوجب على الناس حمد الله ~~تعالى على ذلك لأن الحمد يقتضي اتصاف المحمود بالفضائل وإنعامه بالفواضل ~~وأعظمها نعمة الهداية بواسطة الرسل فهم المبلغون إرشاد الله إلى الخلق . # و { رب } هنا بمعنى : مالك . ومعنى كونه تعالى مالك العزة : أنه منفرد ~~بالعزة الحقيقية وهي العزة التي لا يشوبها افتقار ، فإضافة { رب } إلى { ~~العزة } على معنى لام الاختصاص كما يقال : صاحب صدق ، لمن اختص بالصدق وكان ~~عريقا فيه . وفي الانتقال من الآيات السابقة إلى التسبيح والتسليم إيذان ~~بانتهاء السورة على طريقة براعة الختم مع كونها من جوامع الكلم . # والتعريف في { العزة } كالتعريف في { الحمد } هو تعريف الجنس فيقتضي ~~انفراده تعالى به لأن ما يثبت لغيره من ذلك الجنس كالعدم كما تقدم في سورة ~~الفاتحة . # وتنكير { سلام } للتعظيم . PageV23P199 ووصف { المرسلين } يشمل الأنبياء ~~والملائكة فإن الملائكة مرسلون فيما يقومون به من تنفيذ أمر الله . # روى القرطبي في ( تفسيره ) بسنده إلى يحيى بن يحيى التميمي النيسابوري ~~إلى أبي سعيد الخدري قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مرة ولا ~~مرتين يقول آخر صلاته أو حين ينصرف : { سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام ~~على المرسلين } . # ومن المروي عن علي بن أبي طالب ( من أراد أن يكتال بالمكيال الأوفى من ~~الأجر يوم القيامة فليقل آخر مجلسه حين يريد أن يقوم { سبحان ربك رب العزة ~~عما يصفون } إلى آخر السورة ، وفي بعض أسانيده أنه رفعه إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ولم يصح ms6873 ) . # # PageV23P200 # | 1 ( سورة ص ) 1 # سميت في المصاحف وكتب التفسير وكتب السنة والآثار عن السلف ( سورة صاد ) ~~كما ينطق باسم حرف الصاد تسمية لها بأول كلمة منها هي صاد ( بصاد فألف فدال ~~ساكنة سكون وقف ) شأن حروف التهجي عند التهجي بها أن تكون موقوفة ، أي ~~ساكنة الأعجاز . وأما قول المعري يذكر سليمان عليه السلام : # وهو من سخرت له الإنس والج # ن بما صح من شهادة صاد # فإنما هي كسرة القافية الساكنة تغير إلى الكسرة ( لأن الكسر أصل في ~~التخلص من السكون ) كقول امرىء القيس : # عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزل # وفي ( الإتقان ) عن كتاب ( جمال القراء ) للسخاوي : أن سورة ص تسمى أيضا ~~سورة داود ولم يذكر سنده في ذلك . وكتب اسمها في المصاحف بصورة حرف الصاد ~~مثل سائر الحروف المقطعة في أوائل السور اتباعا لما كتب في المصحف . وهي ~~مكية في قول الجميع . وذكر في ( الإتقان ) أن الجعبري حكى قولا بأنها مدنية ~~، قال السيوطي : وهو خلاف حكاية جماعة الإجماع على أنها مكية . وعن الداني ~~في كتاب ( العدد ) قول بأنها مدنية وقال : إنه ليس بصحيح . # وهي السورة الثامنة والثلاثون في عداد نزول السور نزلت بعد سورة { ~~اقتربتت الساعة وقبل سورة الأعراف . PageV23P201 وعدت آيها ستا وثمانين عند ~~أهل الحجاز والشام والبصرة وعدها أيوب بن المتوكل البصري خمسا وثمانين . ~~وعدت عند أهل الكوفة ثمانا وثمانين . # $ 2 ( { ص & # 1764 والقرءان ذى الذكر * بل الذين كفروا فى عزة وشقاق * كم أهلكنا من ~~قبلهم من قرن فنادوا ولات حين مناص * وعجبو & # 1764 ا أن جآءهم منذر منهم وقال الكافرون هاذا ساحر كذاب * أجعل الالهة ~~إلاها واحدا إن هاذا لشىء عجاب * وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على ~~ءالهتكم إن هاذا لشىء يراد * ما سمعنا بهاذا فى الملة الاخرة إن هاذا إلا ~~اختلاق * أءنزل عليه الذكر من بيننا بل هم فى شك من ذكرى بل لما يذوقوا ~~عذاب * أم عندهم خزآئن رحمة ربك العزيز الوهاب * أم لهم ملك السماوات ~~والارض وما بينهما فليرتقوا فى الاسباب * جند ما هنالك ms6874 مهزوم من الاحزاب * ~~كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الاوتاد * وثمود وقوم لوط وأصحاب لئيكة ~~أولائك الاحزاب * إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب * وما ينظر هاؤلآء إلا صيحة ~~واحدة ما لها من فواق * وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب * اصبر ~~على ما يقولون واذكر عبدنا داوود ذا الايد إنه أواب * إنا سخرنا الجبال معه ~~يسبحن بالعشى والإشراق * والطير محشورة كل له أواب * وشددنا ملكه وءاتيناه ~~الحكمة وفصل الخطاب * وهل أتاك نبؤا الخصم إذ تسوروا المحراب * إذ دخلوا ~~على داوود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا ~~بالحق ولا تشطط واهدنآ إلى سوآء الصراط * إن هذآ أخى له تسع وتسعون نعجة ~~ولى نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزنى فى الخطاب * قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك ~~إلى نعاجه وإن كثيرا من الخلطآء ليبغى & # 1764 بعضهم على بعض إلا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم وظن ~~داوود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب * فغفرنا له ذالك وإن له ~~عندنا لزلفى وحسن مئاب * ياداوود إنا جعلناك خليفة فى الارض فاحكم بين ~~الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل ~~الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب * وما خلقنا السمآء والارض وما ~~بينهما باطلا ذالك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار * أم نجعل ~~الذين ءامنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين فى الارض أم نجعل المتقين كالفجار ~~* كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبرو & # 1764 ا ءاياته وليتذكر أولو الالباب * ووهبنا لداوود سليمان نعم العبد ~~إنه أواب * إذ عرض عليه بالعشى الصافنات الجياد * فقال إنى & # 1764 أحببت حب الخير عن ذكر ربى حتى توارت بالحجاب * ردوها على فطفق مسحا ~~بالسوق والاعناق * ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب * قال ~~رب اغفر لى وهب لى ملكا لا ينبغى لاحد من بعدى & # 1764 إنك أنت الوهاب * فسخرنا له الريح تجرى بأمره رخآء حيث أصاب * ~~والشياطين كل بنآء وغواص * وءاخرين مقرنين فى ms6875 الاصفاد * هاذا عطآؤنا فامنن ~~أو أمسك بغير حساب * وإن له عندنا لزلفى وحسن مئاب * واذكر عبدنآ أيوب إذ ~~نادى ربه أنى مسنى الشيطان بنصب وعذاب * اركض برجلك هاذا مغتسل بارد وشراب ~~* ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لاولى الالباب * وخذ بيدك ~~ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب * واذكر ~~عبادنآ إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولى الايدى والابصار * إنآ أخلصناهم بخالصة ~~ذكرى الدار * وإنهم عندنا لمن المصطفين الاخيار * واذكر إسماعيل واليسع وذا ~~الكفل وكل من الاخيار * هاذا ذكر وإن للمتقين لحسن مئاب * جنات عدن مفتحة ~~لهم الابواب * متكئين فيها يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب * وعندهم قاصرات ~~الطرف أتراب * هاذا ما توعدون ليوم الحساب * إن هاذا لرزقنا ما له من نفاد ~~* هاذا وإن للطاغين لشر مئاب * جهنم يصلونها فبئس المهاد * هاذا فليذوقوه ~~حميم وغساق * وءاخر من شكله أزواج * هاذا فوج مقتحم معكم لا مرحبا بهم إنهم ~~صالو النار * قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا فبئس القرار * ~~قالوا ربنا من قدم لنا هاذا فزده عذابا ضعفا فى النار * وقالوا ما لنا لا ~~نرى رجالا كنا نعدهم من الاشرار * أتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الأبصار * ~~إن ذلك لحق تخاصم أهل النار * قل إنمآ أنا منذر وما من إلاه إلا الله ~~الواحد القهار * رب السماوات والارض وما بينهما العزيز الغفار * قل هو نبأ ~~عظيم * أنتم عنه معرضون * ما كان لى من علم بالملإ الاعلى إذ يختصمون * إن ~~يوحى إلى إلا أنمآ أنا نذير مبين * إذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشرا من ~~طين * فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين * فسجد الملائكة كلهم ~~أجمعون * إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين * قال ياإبليس ما منعك أن تسجد ~~لما خلقت بيدى أستكبرت أم كنت من العالين * قال أنا خير منه خلقتنى من نار ~~وخلقته من طين * قال فاخرج منها فإنك رجيم * وإن عليك لعنتى & # 1764 إلى يوم الدين * قال رب فأنظرنى & # 1764 إلى يوم يبعثون * قال ms6876 فإنك من المنظرين * إلى يوم الوقت المعلوم * ~~قال فبعزتك لاغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين * قال فالحق والحق ~~أقول * لاملان جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين * قل مآ أسئلكم عليه من أجر ~~ومآ أنآ من المتكلفين * إن هو إلا ذكر للعالمين * ولتعلمن نبأه بعد حين } ) ~~2 $ روى الترمذي عن ابن عباس قال : مرض أبو طالب فجاءته قريش وجاءه النبي ~~وعند أبي طالب مجلس رجلل ، فقام أبو جهل كي يمنع النبي من أن يجلس وشكوه ~~إلى أبي طالب ، فقال : يا بن أخي ما تريد من قومك ؟ قال : إني أريد منهم ~~كلمة واحدة تدين لهم بها العرب وتؤدي إليهم العجم الجزية . قال : كلمة ~~واحدة قال : يا عم يقولوا لا إله إلا الله فقالوا : أإلاها واحدا ما سمعنا ~~بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق ، قال فنزل فيهم القرآن ص والقرآن ~~ذي الذكر } ( ص : 1 ) إلى قوله : { ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا ~~إلا اختلاق } ( ص : 7 ) قال : حديث حسن . فهذا نص في أن نزولها في آخر حياة ~~أبي طالب وهذا المرض مرض موته كما في ابن عطية فتكون هذه السورة قد نزلت في ~~سنة ثلاث قبل الهجرة . # أغراضها # أصلها ما علمت من حديث الترمذي في سبب نزولها . وما اتصل به من توبيخ ~~المشركين على تكذيبهم الرسول صلى الله عليه وسلم وتكبرهم عن قبول ما أرسل ~~به ، وتهديدهم بمثل ما حل بالأمم المكذبة قبلهم وأنهم إنما كذبوه لأنه جاء ~~بتوحيد الله تعالى ولأنه اختص بالرسالة من دونهم . وتسلية الرسول صلى الله ~~عليه وسلم عن تكذيبهم وأن يقتدي بالرسل من قبله داود وأيوب وغيرهم وما ~~جوزوا عن صبرهم ، واستطراد الثناء على داود وسليمان وأيوب ، وأتبع ذكر ~~أنبياء آخرين لمناسبة سنذكرها . وإثبات البعث لحكمة جزاء العاملين بأعمالهم ~~من خير أو شر . وجزاء المؤمنين المتقين وضده من جزاء الطاغين والذين أضلوهم ~~وقبحوا لهم الإسلام والمسلمين . ووصف أحوالهم يوم القيامة . PageV23P202 # وذكر أول غواية حصلت وأصل كل ضلالة وهي غواية الشيطان في قصة السجود لآدم ms6877 ~~. # وقد جاءت فاتحتها مناسبة لجميع أغراضها إذ ابتدئت بالقسم بالقرآن الذي ~~كذب به المشركون ، وجاء المقسم عليه أن الذين كفروا في عزة وشقاق وكل ما ~~ذكر فيها من أحوال المكذبين سببه اعتزازهم وشقاقهم ، ومن أحوال المؤمنين ~~سببه ضد ذلك ، مع ما في الافتتاح بالقسم من التشويق إلى ما بعده فكانت ~~فاتحتها مستكملة خصائص حسن الابتداء . # # القول في هذا الحرف كالقول في نظائره من الحروف المقطعة الواقعة في أوائل ~~بعض السور بدون فرق أنها مقصودة للتهجي تحديا لبلغاء العرب أن يأتوا بمثل ~~هذا القرآن وتوركا عليهم إذ عجزوا عنه واتفق أهل العد على أن { ص } ليس ~~بآية مستقلة بل هي في مبدأ آية إلى قوله : { ذي الذكر } وإنما لم تعد { ص } ~~آية لأنها حرف واحد كما لم يعد { ق } ( ق : 1 ) و { ن ( القلم : 1 ) آية . # } . # الواو للقسم أقسم بالقرآن قسم تنويه به . ووصف ب { ذي الذكر } لأن { ذي } ~~تضاف إلى الأشياء الرفيعة فتجري على متصف مقصود التنويه به . # و { الذكر } : التذكير ، أي تذكير الناس بما هم عنه غافلون . ويجوز أن ~~يراد بالذكر ذكر اللسان وهو على معنى : الذي يذكر ، بالبناء للنائب ، أي ~~والقرآن المذكور ، أي الممدوح المستحق الثناء على أحد التفسيرين في قوله ~~تعالى : { لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم } ( الأنبياء : 10 ) أي شرفكم ~~. # وقد تردد المفسرون في تعيين جواب القسم على أقوال سبعة أو ثمانية وأحسن ~~ما قيل فيه هنا أحد وجهين : أولهما أن يكون محذوفا دل عليه حرف { ص } فإن ~~المقصود PageV23P203 منه التحدي بإعجاز القرآن وعجزهم عن معارضته بأنه كلام ~~بلغتهم ومؤلف من حروفها فكيف عجزوا عن معارضته . فالتقدير : والقرآن ذي ~~الذكر أنه لمن عند الله لهذا عجزتم عن الإتيان بمثله . # وثانيهما : الذي أرى أن الجواب محذوف أيضا دل عليه الإضراب الذي في قوله ~~: { بلل الذين كفروا في عزة وشقاق } ( ص : 2 ) بعد أن وصف القرآن ب { ذي ~~الذكر } ، لأن ذلك الوصف يشعر بأنه ذكر وموقظ للعقول فكأنه قيل : إنه لذكر ~~ولكن الذين كفروا في عزة وشقاق يجحدون ms6878 أنه ذكر ويقولون : سحر مفترى وهم ~~يعلمون أنه حق كقوله تعالى : { فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله ~~يجحدون } ( الأنعام : 33 ) ، فجواب القسم محذوف يدل عليه السياق ، وليس حرف ~~{ ص } هو المقسم عليه مقدما على القسم ، أي ليس دليل الجواب من اللفظ بل من ~~المعنى والسياق . # والغرض من حذف جواب القسم هنا الإعراض عنه إلى ما هو أجدر بالذكر وهو صفة ~~الذين كفروا وكذبوا القرآن عنادا أو شقاقا منهم . # { بل } للإضراب الإبطالي وهذا نوع من الإضراب الإبطالي نبه عليه الراغب ~~في ( مفردات القرآن ) وأشار إليه في ( الكشاف ) ، وتحريره أنه ليس إبطالا ~~محضا للكلام السابق بحيث يكون حرف { بل } فيه بمنزلة حرف النفي كما هو غالب ~~الإضراب الإبطالي ، ولا هو إضراب انتقالي ، ولكن هذا إبطال لتوهمم ينشأ عن ~~الكلام الذي قبله إذ دل وصف القرآن ب { ذي الذكر } ( ص : 1 ) أن القرآن ~~مذكر سامعيه تذكيرا ناجعا ، فعقب بإزالة توهم من يتوهم أن عدم تذكر الكفار ~~ليس لضعفف في تذكير القرآن ولكن لأنهم متعززون مشاقون ، فحرف { بل } في مثل ~~هذا بمنزلة حرف الاستدراك ، والمقصود منه تحقيق أنه ذو ذكر ، وإزالة الشبهة ~~التي قد تعرض في ذلك . # ومثله قوله تعالى : { ق والقرآن المجيد بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم } ( ~~ق : 1 ، 2 ) ، أي PageV23P204 ليس امتناعهم من الإيمان بالقرآن لنقص في ~~علوه ومجده ولكن لأنهم عجبوا أن جاءهم به رجل منهم . # ولك أن تجعل { بل } إضراب انتقال من الشروع في التنويه بالقرآن إلى بيان ~~سبب إعراض المعرضين عنه ، لأن في بيان ذلك السبب تحقيقا للتنويه بالقرآن ~~كما يقال : دع ذا وخذ في حديث . . ، كقول امرىء القيس : # فدع ذا وسل الهم عنك بجسرة # ذمول إذا صام النهار وهجرا # وقال زهير : # دع ذا وعد القول في هرم # خير البداة وسيد الحضر # وقول الأعشى : # فدع ذا ولكن ما ترى رأي كاشح # يرى بيننا من جهله دق منشم # وقول العجاج : # دع ذا وبهج حسبا مبهجا # ومعنى ذلك أن الكلام أخذ في الثناء على القرآن ثم انقطع عن ذلك ms6879 إلى ما هو ~~أهم وهو بيان سبب إعراض المعرضين عنه لاعتزازهم بأنفسهم وشقاقهم ، فوقع ~~العدول عن جواب القسم استغناء بما يفيد مفاد ذلك الجواب . # وإنما قيل : { الذين كفروا } دون ( الكافرون ) لما في صلة الموصول من ~~الإيماء إلى الإخبار عنهم بأنهم في عزة وشقاق . والعزة تحوم إطلاقاتها في ~~الكلام حول معاني المنعة والغلبة والتكبر فإن كان ذلك جاريا على أسباب ~~واقعة فهي العزة الحقيقية وإن كان عن غرور وإعجاب بالنفس فهي عزة مزورة قال ~~تعالى : { وإذا قيل له اتق الله أخذته بالعزة بالإثم } ( البقرة : 206 ) ، ~~أي أخذته الكبرياء وشدة العصيان ، وهي هنا عزة باطلة أيضا لأنها إباء من ~~الحق وإعجاب بالنفس . وضد العزة الذلة قال تعالى : { أذلة على المؤمنين ~~أعزة على الكافرين } ( المائدة : 54 ) وقال السموأل أو غيره : # وما ضرنا أنا قليل وجارنا # عزيز وجار الأكثرين ذليل PageV23P205 # و { في للظرفية المجازية مستعارة لقوة التلبس بالعزة . والمعنى : متلبسون ~~بعزة على الحق . # والشقاق : العناد والخصام . والمراد : وشقاق لله بالشرك ولرسوله بالتكذيب ~~. والمعنى : أن الحائل بينهم وبين التذكير بالقرآن هو ما في قرارة نفوسهم ~~من العزة والشقاق . # } # استئناف بياني لأن العزة عن الحق والشقاق لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ~~مما يثير في خاطر السامع أن يسأل عن جزاء ذلك فوقع هذا بيانا له ، وهذه ~~الجملة معترضة بين جملة { بل الذين كفروا في عزة وشقاق } ( ص : 2 ) ، وبين ~~جملة { وعجبوا أن جاءهم منذر منهم } ( ص : 4 ) . # وكان هذا البيان إخبارا مرفقا بحجة من قبيل قياس تمثيل ، لأن قوله : { من ~~قبلهم } يؤذن بأنهم مثلهم في العزة والشقاق ومتضمنا تحذيرا من التريث عن ~~إجابة دعوة الحق ، أي ينزل بهم العذاب فلا ينفعهم ندم ولا متاب كما لم ينفع ~~القرون من قبلهم . فالتقدير : سيجازون على عزتهم وشقاقهم بالهلاك كما جوزيت ~~أمم كثيرة من قبلهم في ذلك فليحذروا ذلك فإنهم إن حقت عليهم كلمة العذاب لم ~~ينفعهم متاب كما لم ينفع الذين من قبلهم متاب عند رؤية العذاب . # و { كم } اسم دال على عدد كثير . و { من قرن ms6880 } تمييز لإبهام العدد ، أي ~~عددا كثيرا من القرون ، وهي في موضع نصب بالمفعولية ل { أهلكنا } . # والقرن : الأمة كما في قوله تعالى : { ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين } ~~( المؤمنون : 42 ) . و { من قبلهم } يجوز أن يكون ظرفا مستقرا جعل صفة ل { ~~قرن } مقدمة عليه فوقعت حالا ، وإنما قدم للاهتمام بمضمونه ليفيد الاهتمام ~~إيماء إلى أنهم أسوة لهم في العزة والشقاق وأن ذلك سبب إهلاكهم . ويجوز أن ~~يكون متعلقا ب { أهلكنا } على أنه ظرف لغو ، وقدم على مفعول فعله ~~PageV23P206 مع أن المفعول أولى بالسبق من بقية معمولات الفعل ليكون تقديمه ~~اهتماما به إيماء إلى الإهلاك كما في الوجه الأول . # وفرع على الإهلاك أنهم نادوا فلم ينفعهم نداؤهم ، تحذيرا من أن يقع هؤلاء ~~في مثل ما وقعت فيه القرون من قبلهم إذ أضاعوا الفرصة فنادوا بعد فواتها ~~فلم يفدهم نداؤهم ولا دعاؤهم . والمراد بالنداء في { فنادوا } نداؤهم الله ~~تعالى تضرعا ، وهو الدعاء كما حكي عنهم في قوله تعالى : { ربنا اكشف عنا ~~العذاب إنا مؤمنون } ( الدخان : 12 ) . وقوله : { حتى إذا أخذنا مترفيهم ~~بالعذاب إذا هم يجأرون } ( المؤمنون : 64 ) . # وجملة { ولات حين مناص } في موضع الحال ، والواو واو الحال ، أي نادوا في ~~حال لا حين مناص لهم . # و { لات } حرف نفي بمعنى ( لا ) المشبهة ب ( ليس ) و { لات } حرف مختص ~~بنفي أسماء الأزمان وما يتضمن معنى الزمان من إشارة ونحوها . وهي مركبة من ~~( لا ) النافية وصلت بها تاء زائدة لا تفيد تأنيثا لأنها ليست هاء وإنما هي ~~كزيادة التاء في قولهم : ربت وثمت . والنفي بها لغير الزمان ونحوه خطأ في ~~اللغة وقع فيه أبو الطيب إذ قال : # لقد تصبرت حتى لات مصطبر # والآن أقحم حتى لات مقتحم # وأغفل شارحو ديوانه كلهم وقد أدخل { لات على غير اسم زمان . وأيا ما كان ~~فقد صارت ( لا ) بلزوم زيادة التاء في آخرها حرفا مستقلا خاصا بنفي أسماء ~~الزمان فخرجت عن نحو : ربت وثمت . # وزعم أبو عبيد القاسم بن سلام أن التاء في ولات حين مناص } متصلة ب { حين ms6881 ~~} وأنه رآها في مصحف عثمان متصلة ب { حين } وزعم أن هذه التاء PageV23P207 ~~تدخل على : حين وأوان وآن يريد أن التاء لاحقة لأول الاسم الذي بعد ( لا ) ~~ولكنه لم يفسر لدخولها معنى . وقد اعتذر الأيمة عن وقوع التاء متصلة ب { ~~حين } في بعض نسخ المصحف الإمام بأن رسم المصحف قد يخالف القياس ، على أن ~~ذلك لا يوجد في غير المصحف الذي رآه أبو عبيد من المصاحف المعاصرة لذلك ~~المصحف والمرسومة بعده . والمناص : النجاء والفوت ، وهو مصدر ميمي ، يقال : ~~ناصه ، إذا فاته . # والمعنى : فنادوا مبتهلين في حال ليس وقت نجاء وفوت ، أي قد حق عليهم ~~الهلاك كما قال تعالى : { فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله ~~التي قد خلت في عباده } ( غافر : 85 ) . # ( 4 5 ) # . # عطف على جملة { الذين كفروا في عزة وشقاق } ( ص : 2 ) فهو من الكلام ~~الواقع الإضراب للانتقال إليه كما وقع في قوله تعالى : { ق والقرآن المجيد ~~بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم } ( ق : 1 ، 2 ) . # والمعنى : أنه استقر في نفوسهم استحالة بعثة رسول منهم فذلك سبب آخر ~~لانصرافهم عن التذكر بالقرآن . # والعجب حقيقته : انفعال في النفس ينشأ عن علم بأمر غير مترقب وقوعه عند ~~النفس ، ويطلق على إنكار شيء نادر على سبيل المجاز بعلاقة اللزوم كما في ~~قوله تعالى : { قالوا أتعجبين من أمر الله في سورة هود } فإن محل العتاب هو ~~كون امرأة إبراهيم أحالت أن تلد ، وهي عجوز وكذلك إطلاقه هنا . والمعنى : ~~وأنكروا وأحالوا أن جاءهم منذر منهم . PageV23P208 # والمنذر : الرسول ، أي منذر لهم بعذاب على أفعال هم متلبسون بها . # وعبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم بوصف المنذر : ووصف بأنه منهم للإشارة ~~إلى سوء نظرهم من عجبهم لأن شأن النذير أن يكون من القوم ممن ينصح لهم ~~فكونه منهم أولى من أن يكون من غيرهم . # ثم إن كان التبعيض المستفاد من حرف ( من ) مرادا به أنه بعض العرب أو بعض ~~قريش فأمر تجهيلهم في عجبهم من هذا النذير بين ؛ وإن كان مرادا به أنه بعض ms6882 ~~البشر وهو الظاهر فتجهيلهم لأن من كان من جنسهم أجدر بأن ينصح لهم من رسول ~~من جنس آخر كالملائكة ، وهذه جدارة عرفية . وهذا العجب تكرر تصريحهم به غير ~~مرة فهو مستقر في قرارة نفوسهم ، وهو الأصل الداعي لهم إلى الإعراض عن ~~تصديقه فلذلك ابتدئت به حكاية أقوالهم التي قالوها في مجلس شيخ الأباطح كما ~~تقدم في ذكر سبب النزول . # . # بعد أن كشف ما انطوت عليه نفوسهم من العزة والشقاق وإحالة بعثة رسول ~~للبشر من جنسهم ، حوسبوا بما صرحوا به من القول في مجلسهم ذلك ، إشارة بهذا ~~الترتيب إلى أن مقالتهم هذه نتيجة لعقيدتهم تلك . # وفي قوله : { الكافرون } وضع الظاهر موقع المضمر وكان مقتضى الظاهر أن ~~يقال : ( وقالوا هذا ساحر ) الخ ، وهذا لقصد وصفهم بأنهم كافرون بربهم ~~مقابلة لما وصموا به النبي صلى الله عليه وسلم فوصفوا بما هو شتم لهم يجمع ~~ضروبا من الشتم تأصيلا وتفريعا وهو الكفر الذي هو جماع فساد التفكير وفاسد ~~الأعمال . # ولفظ { هاذا } أشاروا به إلى النبي صلى الله عليه وسلم استعملوا اسم ~~الإشارة لتحقير مثله في قولهم : { أهذا الذي يذكر آلهتكم } ( الأنبياء : 36 ~~) وإنما قالوا مقالتهم هذه حين انصرافهم من مجلس أبي طالب المذكور في سبب ~~نزول السورة جعلوا النبي صلى الله عليه وسلم لقرب عهدهم بمحضره كأنه حاضر ~~حين الإشارة إليه . PageV23P209 وجعلوا حاله سحرا وكذبا لأنهم لما لم تقبل ~~عقولهم ما كلمهم به زعموا ما لا يفهمون منه مثل كون الإلاه واحدا أو كونه ~~يعيد الموتى أحياء سحرا إذ كانوا يألفون من السحر أقوالا غير مفهومة كما ~~تقدم عند قوله تعالى : { يعلمون الناس السحر في سورة البقرة } . وزعموا ما ~~يفهمونه ويحيلونه مثل ادعاء الرسالة عن الله كذبا . وبينوا ذلك بجملتين : ~~إحداهما { أجعل الآلهة إلاها واحدا } ، والثانية جملة { أءنزل عليه الذكر ~~من بيننا } ( ص : 8 ) . # فجملة { أجعل الآلهة إلها واحدا } بيان لجملة { هاذا ساحر كذاب } ، أي ~~حيث عدوه مباهتا لهم بقلب الحقائق والأخبار بخلاف الواقع . # والهمزة للاستفهام الإنكاري التعجيبي ولذلك أتبعوه بما هو كالعلة لقولهم ms6883 ~~: { ساحر } وهو { إن هذا لشيء عجاب } أي يتعجب منه كما يتعجب من شعوذة ~~الساحر . # و { عجاب } : وصف الشيء الذي يتعجب منه كثيرا لأن وزن فعال بضم أوله يدل ~~على تمكن الوصف مثل : طوال ، بمعنى المفرط في الطول ، وكرام بمعنى الكثير ~~الكرم ، فهو أبلغ من كريم ، وقد ابتدأوا الإنكار بأول أصل من أصول كفرهم ~~فإن أصول كفرهم ثلاثة : الإشراك ، وتكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم وإنكار ~~البعث ، والجزاء في الآخرة . # ( 6 7 ) # الانطلاق حقيقته : الانصراف والمشي ، ويستعمل استعمال أفعال الشروع لأن ~~الشارع ينطلق إليه ، ونظيره في ذلك : ذهب بفعل كذا ، كما في قول النبهاني : # فإن كنت سيدنا سدتنا # وإن كنت للخال فاذهب فخل PageV23P210 # وكذلك قام في قوله تعالى : { إذ قاموا فقالوا في سورة الكهف } . # وقيل : إن الانطلاق هنا على حقيقته ، أي وانصرف الملأ منهم عن مجلس أبي ~~طالب . و { الملأ } : سادة القوم قال ابن عطية : قائل ذلك عقبة بن أبي معيط ~~. وقال غير ابن عطية : إن من القائلين أبا جهل ، والعاصي بن وائل ، والأسود ~~بن عبد يغوث . # و { أن } تفسيرية لأن الانطلاق إن كان مجازا فهو في الشروع فقد أريد به ~~الشروع في الكلام فكان فيه معنى القول دون حروفه فاحتاج إلى تفسير بكلام ~~مقول ، وإن كان الانطلاق على حقيقته فقد تضمن انطلاقهم عقب التقاول بينهم ~~بكلامهم الباطل { هاذا ساحر } ( ص : 4 ) إلى قوله : { عجاب } ( ص : 5 ) ~~يقتضي أنهم انطلقوا متحاورين في ماذا يصنعون . ولما أسند الانطلاق إلى ~~الملأ منهم على أنهم ما كانوا لينطلقوا إلا لتدبير في ماذا يصنعون فكان ذلك ~~مقتضيا تحاورا وتقاولا احتيج إلى تفسيره بجملة { أن امشوا واصبروا على ~~ءالهتكم } الخ . والأمر بالمشي يحتمل أن يكون حقيقة ، أي انصرفوا عن هذا ~~المكان مكان المجادلة ، واشتغلوا بالثبات على آلهتكم . ويجوز أن يكون مجازا ~~في الاستمرار على دينهم كما يقال : كما سار الكرام ، أي اعمل كما عملوا ، ~~ومنه سميت الأخلاق والأعمال المعتادة سيرة . # والصبر : الثبات والملازمة ، يقال : صبر الدابة إذا ربطها ، ومنه سمي ~~الثبات عند حلول الضر صبرا لأنه ms6884 ملازمة للحلم والأناة بحيث لا يضطرب بالجزع ~~، ونظير هذه الآية قوله تعالى : { إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا ~~عليها } ( الفرقان : 42 ) . . # وحرف { على } يدل على تضمين { اصبروا } معنى : اعكفوا وأثبتوا ، فحرف { ~~على } هنا للاستعلاء المجازي وهو التمكن مثل { أولئك على هدى من ربهم } ( ~~البقرة : 5 ) . وليس هو حرف { على } المتعارف تعدية فعل الصبر به في نحو ~~قوله : { اصبر على ما يقولون } ( المزمل : 10 ) فإن ذلك بمعنى ( مع ) ، ~~ولذلك يخلفه اللام في مثل ذلك الموقع نحو قوله تعالى : { فاصبر لحكم ربك } ~~( القلم : 48 ) ، ولا بد هنا من تقدير مضاف ، أي على عبادة PageV23P211 ~~آلهتكم ، فلا يتعدى إلى مفعول إن كان مجازا فهو في الشروع فقد أريد به ~~الشروع في الكلام فكان . # وجملة { إن هاذا لشيء يراد } تعليل للأمر بالصبر على آلهتهم لقصد تقوية ~~شكهم في صحة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم بأنها شيء أراده لغرض أي ليس ~~صادقا ولكنه مصنوع مراد منه مقصد كما يقال : هذا أمر دبر بليل ، فالإشارة ب ~~{ هاذا } إلى ما كانوا يسمعونه في المجلس من دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ~~إياهم أن يقولوا : لا إلاه إلا الله . # وقوله : { ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة } من كلام الملأ . والإشارة إلى ~~ما أشير إليه بقولهم : { إن هاذا لشيء يراد } ، أي هذا القول وهو { أجعل ~~الآلهة إلاها واحدا } ( ص : 5 ) . # والجملة مستأنفة أو مبينة لجملة { إن هاذا لشيء يراد } لأن عدم سماع مثله ~~يبين أنه شيء مصطنع مبتدع . وإعادة اسم الإشارة من وضع الظاهر موضع المضمر ~~لقصد زيادة تمييزه . وفي قوله : { بهاذا } تقدير مضاف ، أي بمثل هذا الذي ~~يقوله . ونفي السماع هنا خبر مستعمل كناية عن الاستبعاد والاتهام بالكذب . # و { الملة } : الدين ، قال تعالى : { ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى ~~حتى تتبع ملتهم في سورة البقرة } ، وقال : { إني تركت ملة قوم لا يؤمنون ~~بالله وهم بالآخرة هم كافرون واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب في ~~سورة يوسف } ( 37 ، 38 ) . # و { الآخرة } : تأنيث الآخر وهو الذي يكون بعد ms6885 مضي مدة تقررت فيها أمثاله ~~كقوله تعالى : { ثم الله ينشىء النشأة الآخرة } ( العنكبوت : 20 ) . # والمجرور من قوله : { في الملة الآخرة } يجوز أن يكون ظرفا مستقرا في ~~موضع الحال من اسم الإشارة بيانا للمقصود من الإشارة متعلقا بفعل { سمعنا } ~~. والمعنى : ما سمعنا بهذا قبل اليوم فلا نعتد به . ويجوز على هذا التقدير ~~أن يكون المراد ب { الملة الآخرة } دين النصارى ، وهو عن ابن عباس وأصحابه ~~وعليه فالمشركون استشهدوا على بطلان توحيد الإلاه بأن دين النصارى الذي ظهر ~~قبل PageV23P212 الإسلام أثبت تعدد الآلهة ، ويكون نفي السماع كناية عن ~~سماع ضده وهو تعدد الآلهة . ويجوز أن يريدوا ب { الملة الآخرة } الملة التي ~~هم عليها ويكون إشارة إلى قول ملأ قريش لأبي طالب في حين احتضاره حين قال ~~له النبي صلى الله عليه وسلم ( يا عم قل لا إلاه إلا الله كلمة أحاج لك بها ~~عند الله . فقالوا له جميعا : أترغب عن ملة عبد المطلب ) . فقولهم : { في ~~الملة الآخرة } كناية عن استمرار انتفاء هذا إلى الزمن الأخير فيعلم أن ~~انتفاءه في ملتهم الأولى بالأحرى . # وجملة { إن هاذا إلا اختلاق } مبينة لجملة { ما سمعنا بهاذا } وهذا هو ~~المتحصل من كلامهم المبدوء ب { امشوا واصبروا على ءالهتكم } فهذه الجملة ~~كالفذلكة لكلامهم . # والاختلاق : الكذب المخترع الذي لا شبهة لقائله . # . # يجوز أن يكون { أءنزل عليه الذكر من بيننا } من كلام عموم الكافرين ~~المحكي بقوله : { وقال الكافرون هذا ساحر كذاب } ( ص : 4 ) فيكون متصلا ~~بقوله : { أجعل الآلهة إلاها واحدا } ( ص : 5 ) ويكون قوله { أءنزل عليه ~~الذكر } بيانا لجملة { كذاب } ( ص : 4 ) ، لأن تقديره : هذا كذاب إذ هو خبر ~~ثان ل ( كان ) ، ولكونه بيانا للذي قبله لم يعطف عليه ويكون ما بينهما من ~~قوله : { وانطلق الملأ منهم } ( ص : 6 ) إلى قوله : { إن هاذا إلا اختلاق } ~~( ص : 7 ) اعتراضا بين جملتي البيان . # ويجوز أن يكون من تمام كلام الملأ واستغني به عن بيان جملة { كذاب } لأن ~~نطق الملأ به كافف في قول الآخرين بموجبه فاستغنوا عن بيان جملة { كذاب } . # والاستفهام إنكاري ms6886 ، ومناط الإنكار هو الظرف { من بيننا } وهو في موضع ~~حال من ضمير { عليه } ، فأنكروا أن يخص محمد صلى الله عليه وسلم بالإرسال ~~وإنزالل القرآن دون غيره منهم ، وهذا هو المحكي في قوله تعالى : { وقالوا ~~لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم } ( الزخرف : 31 ) أي من مكة ~~أو الطائف ولم يريدوا بهذا الإنكار PageV23P213 تجويز أصل الرسالة عن الله ~~وإنما مرادهم استقصاء الاستبعاد فإنهم أنكروا أصل الرسالة كما اقتضاه قوله ~~تعالى : { وعجبوا أن جاءهم منذر منهم } ( ص : 4 ) وغيره من الآيات ، وهذا ~~الأصل الثاني من أصول كفرهم التي تقدم ذكرها عند قوله تعالى : { أجعل ~~الآلهة إلاها واحدا } ( ص : 5 ) وهو أصل إنكار بعثه رسول منهم . # . # يجوز أن يكون هذا جوابا عن قولهم : { أءنزل عليه الذكر من بيننا } أي ليس ~~قصدهم الطعن في اختصاصك بالرسالة ولكنهم شاكون في أصل إنزاله ، فتكون { بل ~~} إضرابا إبطاليا تكذيبا لما يظهر من إنكارهم إنزال الذكر عليه من بينهم ~~على ما تقدم ، أي إنما قصدهم الشك في أن الله يوحي إلى أحد بالرسالة ، ~~فيكون معنى { في شك من ذكري } شكا من وقوعه . والشك يطلق على اليقين مجازا ~~مرسلا بعلاقة الإطلاق والتقييد فيكون كمعنى قوله تعالى : { فإنهم لا ~~يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون } ( الأنعام : 33 ) . ويجوز أن ~~يكون انتقالا من خبر عنهم إلى خبر آخر فيكون استئنافا وتكون { بل } للإضراب ~~الانتقالي ، والمعنى : وهم في شك من ذكري ، أي في شك من كنه القرآن ، فمرة ~~يقولون : افتراه ، ومرة يقولون : شعر ، ومرة : سحر ، ومرة : أساطير الأولين ~~، ومرة : قول كاهن . فالمراد بالشك حقيقته أي التردد في العلم . وإضافة ~~الذكر إلى ضمير المتكلم وهو الله تعالى إضافة تشريف ولتحقيق كونه من عند ~~الله . والذكر على هذا الوجه هو عين المراد من قوله : { أءنزل عليه الذكر } ~~وإنما وقع التعبير عنه بالظاهر دون الضمير توصلا إلى التنويه به بأنه من ~~عند الله . # و { في } للظرفية المجازية ، جعلت ملابسة الشك إياهم بمنزلة الظرف المحيط ~~بمحويه في أنه لا يخلو منه جانب من جوانبه ms6887 . # و { من } في قوله : { من ذكري } ابتدائية لكون الشك صفة لهم ، أي نشأ لهم ~~PageV23P214 الشك من شأن ذكري ، أي من جانب نفي وقوعه ، أو في جانب ما ~~يصفونه به . # . # أتبع ذلك الإضراب بإضراب آخر يبين أن الذي جرأهم على هذا الشقاق أنهم لما ~~تأخر حلول العذاب بهم ظنوا وعيده كاذبا فأخذوا في البذاءة والاستهزاء ولو ~~ذاقوا العذاب لألقمت أفواههم الحجر . # و { لما } حرف نفي بمعنى ( لم ) إلا أن في { لما } خصوصية ، وهي أنها تدل ~~على المنفي بها متصل الانتفاء إلى وقت التكلم بخلاف ( لم ) فلذلك كان النفي ~~ب { لما } قد يفهم منه ترقب حصول المنفي بعد ذلك قال صاحب ( الكشاف ) في ~~قوله تعالى : { ولما يدخل الإيمان في قلوبكم في سورة الحجرات } ما في { لما ~~من معنى التوقع دال على أن هؤلاء قد آمنوا فيما بعد ، أي دال بطريق المفهوم ~~الحاصل من معنى غاية النفي إلى زمن التكلم ، أي لا أضمن ما بعد ذلك ، وقد ~~ذاقوا عذاب السيف يوم بدر بعد نزول هذه الآية بأربع سنين . # وإضافة عذاب } إلى ياء المتكلم لاختصاصه بالله لأنه مقدره وقاض به عليهم ~~ولوقوعه على حالة غير جارية على المعتاد إذ الشأن أن يستأصل الجيش القوي ~~الجيش القليل . وحذفت ياء المتكلم تخفيفا للفاصلة ، وأبقيت الكسرة دليلا ~~عليها وهو حذف كثير في الفواصل والشعر على نحو حذفها من المنادى . # { أم } منقطعة وهي للإضراب أيضا وهو إضراب انتقالي فإن { أم } مشعرة ~~باستفهام بعدها هو للإنكار والتوبيخ إنكارا لقولهم : { أءنزل عليه الذكر من ~~بيننا } ( ص : 8 ) أي ليست خزائن فضل الله تعالى عندهم فيتصدوا لحرمان من ~~يشاءون حرمانه من مواهب الخير فإن المواهب من الله يصيب بها من يشاء فهو ~~يختار للنبوءة من PageV23P215 يصطفيه وليس الاختيار لهم فيجعلوا من لم ~~يقدموه عليهم في دينهم غير أهل لأن يختاره الله . # وتقديم الظرف للاهتمام لأنه مناط الإنكار وهو كقوله تعالى : { أهم يقسمون ~~رحمة ربك } ( الزخرف : 32 ) . # والخزائن : جمع خزانة بكسر الخاء . وهي البيت الذي يخزن فيه المال أو ~~الطعام ، ويطلق أيضا ms6888 على صندوق من خشب أو حديد يخزن فيه المال . # والخزن : الحفظ والحرز . والرحمة : ما به رفق بالغير وإحسان إليه ، شبهت ~~رحمة الله بالشيء النفيس المخزون الذي تطمح إليه النفوس في أنه لا يعطى إلا ~~بمشيئة خازنه على طريقة الاستعارة المكنية . وإثبات الخزائن : تخييل مثل ~~إثبات الأظفار للمنية ، والإضافة على معنى لام الاختصاص . والعدول عن اسم ~~الجلالة إلى وصف لأن له مزيد مناسبة للغرض الذي الكلام فيه إيماء إلى أن ~~تشريفه إياه بالنبوءة من آثار صفة ربوبيته له لأن وصف الرب مؤذن بالعناية ~~والإبلاغ إلى الكمال . وأجري على الرب صفة { العزيز } لإبطال تدخلهم في ~~تصرفاته ، وصفة { الوهاب } لإبطال جعلهم الحرمان من الخير تابعا لرغباتهم ~~دون موادة الله تعالى . # و { العزيز } : الذي لا يغلبه شيء ، و { الوهاب } : الكثير المواهب فإن ~~النبوءة رحمة عظيمة فلا يخول إعطاؤها إلا لشديد العزة وافر الموهبة . # إضراب انتقالي إلى رد يأتي على جميع مزاعمهم ويشمل بإجماله جميع النقوض ~~التفصيلية لمزاعمهم بكلمة جامعة كالحوصلة فيشبه التذييل لما يتضمنه من عموم ~~الملك وعموم الأماكن المقتضي عموم العلم وعموم التصرف ينعى عليهم قولهم في ~~المغيبات بلا علم وتحكمهم في مراتب الموجودات بدون قدرة ولا غنى . ~~PageV23P216 # والاستفهام المقدر بعد { أم } المنقطعة تهكمي وليس إنكاريا لأن تفريع أمر ~~التعجيز عليه يعين أنه تهكمي . فالمعنى : إن كان لهم ملك السماوات والأرض ~~وما بينهما فكان لهم شيء من ذلك فليصعدوا إن استطاعوا في أسباب السماوات ~~ليخبروا حقائق الأشياء فيتكلموا عن علم في كنه الإلاه وصفاته وفي إمكان ~~البعث وعدمه وفي صدق الرسول صلى الله عليه وسلم أو ضده وليفتحوا خزائن ~~الرحمة فيفيضوا منها على من يعجبهم ويحرموا من لا يرمقونه بعين استحسان . # والأمر في { فليرتقوا } للتعجيز مثل قوله : { فليمدد بسبب إلى السماء } ( ~~الحج : 15 ) . # والتعريف في { الأسباب } لعهد الجنس لأن المعروف أن لكل محل مرتفع أسبابا ~~يصعد بها إليه كقول زهير : # ومن هاب أسباب المنايا ينلنه # وإن يرق أسباب السماء بسلم # وقول الأعشى : # فلو كنت في حب ثمانين قامة # ورقيت أسباب السماء بسلم # والسبب ms6889 : الحبل الذي يتعلق به الصاعد إلى النخلة للجذاذ ، فإن جعل من ~~حبلين ووصل بين الحبلين بحبال معترضة مشدودة أو بأعواد بين الحبلين مضفور ~~عليها جنبتا الحبلين فهو السلم . وحرف الظرفية استعارة تبعية للتمكن من ~~الأسباب حتى كأنها ظروف محيطة بالمرتقين . # يجوز أن يكون استئنافا يتصل بقوله : { كم أهلكنا من قبلهم من قرن } ( ص : ~~3 ) الآية أريد به وصل الكلام السابق فإنه تقدم قوله : { بل الذين كفروا في ~~عزة وشقاق } ( ص : 2 ) وتلاه قوله : { كم أهلكنا من قبلهم من قرن } الآية . ~~فلما تقضى الكلام على تفصيل ما للذين كفروا من عزة وشقاق وما لذلك من ~~الآثار ثني العنان إلى PageV23P217 تفصيل ما أهلك من القرون أمثالهم من ~~قبلهم في الكفر ليفضي به إلى قوله : { كذبت قبلهم قوم نوح } ( ص : 12 ) إلى ~~قوله : { فحق عقاب } ( ص : 14 ) . # فتكون جملة { كذبت قبلهم قوم نوح } بدلا من جملة { جند ما هنالك مهزوم من ~~الأحزاب } بدل بعض من كل . ويجوز أن يكون استئنافا ابتدائيا مستقلا خارجا ~~مخرج البشارة للنبيء صلى الله عليه وسلم بأن هؤلاء جند من الأحزاب مهزوم ، ~~أي مقدر انهزامه في القريب ، وهذه البشارة معجزة من الإخبار بالغيب ختم بها ~~وصف أحوالهم . قال قتادة : وعد الله أنه سيهزمهم وهم بمكة فجاء تأويلها يوم ~~بدر . وقال الفخر : إشارة إلى فتح مكة . وقال بعض المفسرين : إشارة إلى نصر ~~يوم الخندق . # وعادة الأخبار الجارية مجرى البشارة أو النذارة بأمر مغيب أن تكون مرموزة ~~، والرمز في هذه البشارة هو اسم الإشارة من قوله : { هنالك } فإنه ليس في ~~الكلام ما يصلح لأن يشار إليه بدون تأول فلنجعله إشارة إلى مكان أطلع الله ~~عليه نبيئه صلى الله عليه وسلم وهو مكان بدر . ويجوز أن يكون لفظ { الأحزاب ~~} في هذه الآية إشارة خفية إلى انهزام الأحزاب أيام الخندق فإنها عرفت ~~بغزوة الأحزاب . وسماهم الله { الأحزاب } في السورة التي نزلت فيهم ، فتكون ~~تلك التسمية إلهاما كما ألهم الله المسلمين فسموا حجة النبي صلى الله عليه ~~وسلم حجة الوداع وهو يومئذ بينهم سليم ms6890 المزاج ، وهذا في عداد المعجزات ~~الخفية التي جمعنا طائفة منها في كتاب خاص . ولعل اختيار اسم الإشارة ~~البعيد رمز إلى أن هذا الانهزام سيكون في مكان بعيد غير مكة فلا تكون الآية ~~مشيرة إلى فتح مكة لأن ذلك الفتح لم يقع فيه عذاب للمكذبين بل عفا الله ~~عنهم وكانوا الطلقاء . # وهذه الإشارة قد علمها النبي صلى الله عليه وسلم وهي من الأسرار التي ~~بينه وبين ربه حتى كان المستقبل تأويلها كما علم يعقوب سر رؤيا ابنه يوسف ، ~~فقال له : { لا تقصص رؤياك على إخوتك } ( يوسف : 5 ) . ولم يعلم يوسف ~~تأويلها إلا يوم قال : { يا أبتت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا ~~} ( يوسف : 100 ) يشير إلى سجود أبويه له . PageV23P218 # وأما ظاهر الآية الذي تلقاه الناس يوم نزولها فهو أن الجند هم كفار أهل ~~مكة وأن التنوين فيه للنوعية ، أي ما هم إلا جند من الجنود الذين كذبوا ~~فأهلكوا ، وأن الإشارة ب { هنالك } إلى مكان اعتباري وهو ما هم فيه من ~~الرفعة الدنيوية العرفية وأن الانهزام مستعار لإضعاف شوكتهم ، وعلى ~~التفسيرين الظاهر والمؤول لا تعدو الآية أن تكون تسلية للرسول صلى الله ~~عليه وسلم وتثبيتا له وبشارة بأن دينه سيظهر عليهم . # والجند : الجماعة الكثيرة قال تعالى : { هل أتاك حديث الجنود فرعون وثمود ~~} ( البروج : 17 ، 18 ) . # و { ما } حرف زائد يؤكد معنى ما قبله فهي توكيد لما دل عليه { جند } ~~بمعناه ، وتنكيره للتعظيم ، أي جند عظيم ، لأن التنوين وإن دل على التعظيم ~~فليس نصا فصار بالتوكيد نصا . وقد تقدم الكلام عليها عند قوله تعالى : { إن ~~الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها في سورة البقرة } ، فإن ~~كانت الآية مشيرة إلى يوم بدر فتعظيم { جند } لأن رجاله عظماء قريش مثل أبي ~~جهل وأمية بن خلف ، وإن كانت مشيرة إلى يوم الأحزاب فتعظيم { جند } لكثرة ~~رجاله من قبائل العرب . # ووصف { جند } ب { مهزوم } على معنى الاستقبال ، أي سيهزم ، واسم المفعول ~~كاسم الفاعل مجاز في الاستقبال ، والقرينة حالية وهو من ms6891 باب استعمال ما هو ~~للحال في معنى المستقبل تنبيها على تحقيق وقوعه فكأنه من القرب بحيث هو ~~كالواقع في الحال . # و { الأحزاب } : الذين على رأي واحد يتحزب بعضهم لبعض ، وتقدم في سورة ~~الأحزاب . # و { من } للتبعيض . والمعنى : أن هؤلاء الجند من جملة الأمم وهو تعريض ~~لهم بالوعيد بأن يحل بهم ما حل بالأمم ، قال تعالى : { وقال الذي آمن يا ~~قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من ~~بعدهم } ( غافر : 30 ، 31 ) . PageV23P219 # ( 12 14 ) # لما كان قوله : { جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب } ( ص : 11 ) تسلية ~~للنبيء صلى الله عليه وسلم ووعدا له بالنصر وتعريضا بوعيد مكذبيه بأنهم ~~صائرون إلى ما صارت إليه الأحزاب الذين هؤلاء منهم كما تقدم آنفا جيء بما ~~هو كالبيان لهذا التعريض . والدليلل على المصير المقصود على طريقة قياس ~~المساواة وقد تقدم آنفا أن هذه الجملة : إما بدل من جملة { جند ما هنالك } ~~الخ ، وإما استئناف ولذلك فصلت عن التي قبلها . # وحذف مفعول { كذبت } لأنه سيرد ما يبينه في قوله : { إن كل إلا كذب الرسل ~~} كما سيأتي . وخص فرعون بإسناد التكذيب إليه دون قومه لأن الله أرسل موسى ~~عليه السلام إلى فرعون ليطلق بني إسرائيل فكذب موسى فأمر الله موسى بمجادلة ~~فرعون لإبطال كفره فتسلسل الجدال في العقيدة ووجب إشهار أن فرعون وقومه في ~~ضلال لئلا يغتر بنو إسرائيل بشبهات فرعون ، ثم كان فرعون عقب ذلك مضمرا أذى ~~موسى ومعلنا بتكذيبه . # ووصف فرعون بأنه ب { ذو الأوتاد } لعظمة ملكه وقوته فلم يكن ذلك ليحول ~~بينه وبين عذاب الله . وأصل { الأوتاد } أنه : جمع وتد بكسر التاء : عود ~~غليظ له رأس مفلطح يدق في الأرض ليشد به الطنب ، وهو الحبل العظيم الذي تشد ~~به شقة البيت والخيمة فيشد إلى الوتد وترفع الشقة على عماد البيت قال ~~الأفوه الأودي : # والبيت لا يبتنى إلا على عمد # ولا عماد إذا لم ترس أوتاد # و { الأوتاد } في الآية مستعار لثبات الملك والعز ، كما قال الأسود بن ms6892 ~~يعفر : # ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة # في ظل ملك ثابت الأوتاد # وقيل : { الأوتاد } : البناءات الشاهقة . وهو عن ابن عباس والضحاك ، سميت ~~الأبنية أوتادا لرسوخ أسسها في الأرض . PageV23P220 وهذا القول هو الذي ~~يتأيد بمطابقة التاريخ فإن فرعون المعني في هذه الآية هو ( منفتاح الثاني ) ~~الذي خرج بنو إسرائيل من مصر في زمنه وهو من ملوك العائلة التاسعة عشرة في ~~ترتيب الأسر التي تداولت ملك مصر ، وكانت هذه العائلة مشتهرة بوفرة المباني ~~التي بناها ملوكها من معابد ومقابر وكانت مدة حكمهم مائة وأربعا وسبعين سنة ~~من سنة قبل المسيح إلى سنة ق . م . # وقال الأستاذ محمد عبده في ( تفسيره ) للجزء الثلاثين من القرآن في سورة ~~الفجر : وما أجمل التعبير عما ترك المصريون من الأبنية الباقية بالأوتاد ~~فإنها هي الأهرام ومنظرها في عين الرائي منظر الوتد الضخم المغروز في الأرض ~~ا . ه . وأكثر الأهرام بنيت قبل زمن فرعون موسى منفتاح الثاني فكان منفتاح ~~هذا مالك تلك الأهرام فإنه يفتخر بعظمتها وليس يفيد قوله : { ذو الأوتاد } ~~أكثر من هذا المعنى إذ لا يلزم أن يكون هو الباني تلك الأهرام . وذلك كما ~~يقال : ذو النيل ، وقال تعالى حكاية عنه : { وهذه الأنهار تجري من تحتي } ( ~~الزخرف : 51 ) . # وأما { ثمود وقوم لوط } فتقدم الكلام عليهم غير مرة . و { أصحاب ليكة } : ~~هم أهل مدين ، وقد تقدم خبرهم وتحقيق أنهم من قوم شعيب وأنهم مختلطون مع ~~مدين في سورة الشعراء . # وتقديم ذكر فرعون على ثمود وقوم لوط وأصحاب ليكة مع أن قصته حدثت بعد ~~قصصهم لأن حاله مع موسى أشبه بحال زعماء أهل الشرك بمكة من أحوال الأمم ~~الأخرى فإنه قاوم موس بجيش كما قاوم المشركون المسلمين بجيوش . # وجملة { أولائك الأحزاب } معترضة بين جملة { كذبت قبلهم } وجملة { إن كل ~~إلا كذب الرسل } . واسم الإشارة مستعمل في التعظيم ، أي تعظيم القوة . # والتعريف في { الأحزاب } استغراق ادعائي وهو المسمى بالدلالة على معنى ~~الكمال مثل : هم القوم وأنت الرجل . والحصر المستفاد من تعريف المسند ~~والمسند إليه حصر ادعائي ، قصرت صفة PageV23P221 الأحزاب على ms6893 المشار إليهم ~~ب { أولائك } بادعاء الأمم وأن غيرهم لما يبلغوا مبلغ أن يعدوا من الأحزاب ~~فظاهر القصر ولام الكمال لتأكيد معنى الكمال كقول الأشهب بن رميلة : # وإن الذي حانت بفلج دماؤهم # هم القوم كل القوم يا أم خالد # والمعنى : أولئك المذكورون هم الأمم لا تضاهيهم أمم في القوة والشدة . ~~وهذا تعريض بتخويف مشركي العرب من أن ينزل بهم ما نزل بأولئك على حد قوله ~~تعالى : { أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من ~~قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان ~~لهم من الله من واق ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا فأخذهم ~~الله إنه قوي شديد العقاب في سورة غافر ( 21 ، 22 ) . # وجملة إن كل إلا كذب الرسل } مؤكدة لجملة { كذبت قبلهم قوم نوح } إلى ~~قوله : { وأصحاب ليكة } ، أخبر أولا عنهم بأنهم كذبوا وأكد ذلك بالإخبار ~~عنهم بأنهم ليسوا إلا مكذبين على وجه الحصر كأنهم لا صفة لهم إلا تكذيب ~~الرسل لتوغلهم فيها وكونها هجيراهم . و { إن } نافية ، وتنوين { كل } تنوين ~~عوض ، والتقدير : إن كلهم . # وجيء بالمسند فعلا في قوله : { كذب الرسل } ليفيد تقديم المسند إليه عليه ~~تخصيص المسند إليه بالمسند الفعلي فحصل بهذا النظم تأكيد الحصر . # وتعدية { كذب } إلى { الرسل } بصيغة الجمع مع أن كل أمة إنما كذبت رسولها ~~، مقصود منه تفظيع التكذيب لأن الأمة إنما كذبت رسولها مستندة لحجة ~~سفسطائية هي استحالة أن يكون واحد من البشر رسولا من الله فهذه السفسطة ~~تقتضي أنهم يكذبون جميع الرسل . وقد حصل تسجيل التكذيب عليهم بفنون من ~~تقوية ذلك التسجيل وهي إبهام مفعول { كذبت } في قوله : { كذبت قبلهم } ثم ~~تفصيله بقوله : { إلا كذب الرسل } وما في قوله : { إن كل إلا كذب الرسل } ~~من الحصر ، وما في تأكيده بالمسند الفعلي في قوله : { إلا كذب } ، وما في ~~جعل المكذب به جميع الرسل ، PageV23P222 فأنتج ذلك التسجيل استحقاقهم عذاب ~~الله في قوله : { فحق عقاب } ، أي عقابي ، فحذفت ياء المتكلم للرعاية على ~~الفاصلة وأبقيت ms6894 الكسرة في حالة الوصل . # وحق : تحقق ، أي كان حقا ، لأنه اقتضاه عظيم جرمهم . والعقاب : هو ما حل ~~بكل أمة منهم من العذاب وهو الغرق والتمزيق بالريح ، والغرق أيضا ، والصيحة ~~، والخسف ، وعذاب يوم الظلة . # وفي هذا تعريض بالتهديد لمشركي قريش بعذابب مثل عذاب أولئك لاتحادهم في ~~موجبه . # لما أشعر قوله : { فحق عقاب } ( ص : 14 ) بتهديد مشركي قريش بعذاب ~~ينتظرهم جريا على سنة الله في جزاء المكذبين رسله ، عطف على جملة الإخبار ~~عن حلول العذاب بالأحزاب السابقين جملة توعد بعذاب الذين ماثلوهم في ~~التكذيب . # و { هؤلاء } إشارة إلى كفار قريش لأن تجدد دعوتهم ووعيدهم وتكذيبهم يوما ~~فيوما جعلهم كالحاضرين فكانت الإشارة مفهوما منها أنها إليهم ، وقد تتبعت ~~اصطلاح القرآن فوجدته إذا استعمل { هاؤلاء } ولم يكن معه مشار إليه مذكور : ~~أنه يريد به المشركين من أهل مكة كما نبهت عليه فيما مضى غير مرة . # و { ينظر } مشتق من النظر بمعنى الانتظار قال تعالى : { هل ينظرون إلا أن ~~تأتيهم الملائكة } ( الأنعام : 158 ) ، أي ما ينتظر المشركون إلا صيحة ~~واحدة ، وهذا كقوله تعالى : { فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من ~~قبلهم } ( يونس : 102 ) . # والمتبادر من الآية أنها تهديد لهم بصيحة صاعقة ونحوها كصيحة ثمود أو ~~صيحة النفخ في الصور التي يقع عندها البعث للجزاء ، ولكن ما سبق ذكره آنفا ~~من أن قوله تعالى : { جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب } ( ص : 11 ) إيماء ~~إلى بشارة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأن معانديه سيهزمون ويعمل فيهم ~~السيف يوم بدر ، يقتضي أن الصيحة PageV23P223 صيحة القتال وهي أن يصيح ~~النذير : يا صباحاه كما صاح الصارخ بمكة حين تعرض المسلمون لعير قريش ببدر ~~. ووصفها ب { واحدة } إشارة إلى أن الصاعقة عظيمة مهلكة ، أو أن النفخة ~~واحدة وهي نفخة الصعق ، وفي خفي المعنى إيماء إلى أن القوم يبتدرون إلى ~~السلاح ويخرجون مسرعين لإنقاذ غيرهم فكانت الوقعة العظيمة وقعة يوم بدر أو ~~صيحة المبارزين للقتال يومئذ . # وأسند الانتظار إليهم في حين أنهم غافلون عن ذلك ومكذبون بظاهره إسناد ~~مجازي على ms6895 طريقة المجاز العقلي فإنهم ينتظر بهم ذلك المسلمون الموعودون ~~بالنصر ، أو ينتظر بهم الملائكة الموكلون بحشرهم عند النفخة ، فلما كانوا ~~متعلق الانتظار أسند فعل { ينظر } إليهم لملابسة المفعولية على نحو { في ~~عيشة راضية } ( الحاقة : 21 ) . # والفواق ، بفتح الفاء وضمها : اسم لما بين حلبتي حالب الناقة ورضعتي ~~فصيلها ، فإن الحالب يحلب الناقة ثم يتركها ساعة ليرضعها فصيلها ليدر اللبن ~~في الضرع ثم يعودون فيحلبونها ، فالمدة التي بين الحلبتين تسمى فواقا . وهي ~~ساعة قليلة وهم قبل ابتداء الحلب يتركون الفصيل يرضعها لتدر باللبن . ~~وجمهور أهل اللغة على أن الفتح والضم فيه سواء ، وذهب أبو عبيدة والفراء ~~إلى أن بين المفتوح والمضموم فرقا فقالا : المفتوح بمعنى الراحة مثل الجواب ~~من الإجابة ، والمضموم اسم للمدة . واللبن المجتمع في تلك الحصة يسمى : ~~الفيقة بكسر الفاء ، وجمعها أفاويق . # ومعنى { ما لها من فواق } ليس بعدها إمهال بقدر الفواق ، وهذا كقوله ~~تعالى : { ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون فلا يستطيعون توصية ~~} ( يس : 49 ، 50 ) . # وقرأ الجمهور { فواق } بفتح الفاء . وقرأه حمزة والكسائي بضم الفاء . # حكاية حالة استخفافهم بالبعث والجزاء وتكذيبهم ذلك ، وتكذيبهم بوعيد ~~PageV23P224 القرآن إياهم فلما هددهم القرآن بعذاب الله قالوا : ربنا عجل ~~لنا نصيبنا من العذاب في الدنيا قبل يوم الحساب إظهارا لعدم اكتراثهم ~~بالوعيد وتكذيبه ، لئلا يظن المسلمون أن استخفافهم بالوعيد لأنهم لا يؤمنون ~~بالبعث فأبانوا لهم أنهم لا يصدقون النبي صلى الله عليه وسلم في كل وعيد ~~حتى الوعيد بعذاب الدنيا الذي يعتقدون أنه في تصرف الله . فالقول هذا قالوه ~~على وجه الاستهزاء وحكي عنهم هنا إظهارا لرقاعتهم وتصلبهم في الكفر . # وهذا الأصل الثالث من أصول كفرهم المتقدم ذكرها وهو إنكار البعث والجزاء ~~فهو عطف على { وقال الكافرون هاذا ساحر كذاب } ( ص : 4 ) فذكر قولهم : { ~~أجعل الآلهة إلاها واحدا } ( ص : 5 ) ، ثم ذكر قولهم : { أءنزل عليه الذكر ~~من بيننا } ( ص : 8 ) وما عقبه من عواقب مثل ذلك القول ، أفضى القول إلى ~~أصلهم الثالث . قيل : قائل ذلك النضر بن الحارث ، وقيل : أبو جهل ms6896 والقوم ~~حاضرون راضون فأسند القول إلى الجميع . # والقط : هو القسط من الشيء ، ويطلق على قطعة من الورق أو الرق أو الثوب ~~التي يكتب فيها العطاء لأحد ولذلك يفسر بالصك ، وقد قال المتلمس في صحيفة ~~عمرو بن هند التي أعطاه إياها إلى عامله بالبحرين يوهمه أنه أمر بالعطاء ~~وإنما هي أمر بقتله وعرف المتلمس ما تحتوي عليه فألقاها في النهر وقال في ~~صحيفته المضروب بها المثل : # وألقيتها بالثني من جنب كافر # كذلك يلقى كل قط مضلل # فالقط يطلق على ما يكتب فيه عطاء أو عقاب ، والأكثر أنه ورقة العطاء ، ~~قال الأعشى : # ولا الملك النعمان يوما لقيته # بأمته يعطي القطوط ويأفق # ولهذا قال الحسن : إنما عنوا عجل لنا النعيم الذي وعدتنا به على الإيمان ~~حتى نراه الآن فنوقن . # وعلى تسليم اختصاص القط بصك العطاء لا يكون ذلك مانعا من قصدهم ~~PageV23P225 تعجيل العقاب بأن يكونوا سموا الحظ من العقاب قطا على طريق ~~التهكم ، كما قال عمرو بن كلثوم إذ جعل القتال قرى : # قريناكم فعجلنا قراكم # قبيل الصبح مرداة طحونا # فيكونون قد أدمجوا تهكما في تهكم إغراقا في التهكم . # وتسميتهم { يومم الحساب } أيضا من التهكم لأنهم لا يؤمنون بالحساب . # ( 17 20 ) # أعقب حكاية أقوالهم من التكذيب ابتداء من قوله : { وقال الكافرون هاذا ~~ساحر كذاب } ( ص : 4 ) إلى هنا ، بأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم ~~بالصبر على أقوالهم إذ كان جميعها أذى : إما صريحا كما قالوا : { ساحر كذاب ~~} وقالوا : { إن هاذا إلا اختلاق } ( ص : 7 ) { إن هذا لشيء يراد } ( ص : 6 ~~) ، وإما ضمنا وذلك ما في سائر أقوالهم من إنكار ما جاء به الرسول صلى الله ~~عليه وسلم والاستهزاء بقولهم : { ربنا عجل لنا قطنا } ( ص : 16 ) من إثبات ~~أن الإلاه واحد ، ويشمل ما يقولونه مما لم يحك في أول هذه السورة . # وقوله : { واذكر عبدنا داوود } إلى آخره يجوز أن يكون عطفا على قوله : { ~~اصبر على ما يقولون } بأن أتبع أمره بالصبر وبالائتساء ببعض الأنبياء ~~السابقين فيما لقوه من الناس ثم كانت لهم عاقبة النصر ms6897 وكشف الكرب . ويجوز ~~أن يكون عطفا على مجموع ما تقدم عطف القصة على القصة والغرض هو هو . ~~وابتدىء بذكر داود لأن الله أعطاه ملكا وسلطانا لم يكن لآبائه ففي ذكره ~~إيماء إلى أن شأن محمد صلى الله عليه وسلم سيصير إلى العزة والسلطان ، ولم ~~يكن له سلف ولا جند فقد كان حال النبي صلى الله عليه وسلم أشبه بحال داود ~~عليه السلام . # وأدمج في خلال ذلك الإيماء إلى التحذير من الضجر في ذات الله تعالى ~~واتقاء PageV23P226 مراعاة حظوظ النفس في سياسة الأمة إبعادا لرسوله صلى ~~الله عليه وسلم عن مهاوي الخطأ والزلل وتأديبا له في أول أمره وآخره مما أن ~~يتلقى بالعذل . وكان داود أيضا قد صبر على ما لقيه من حسد شاول ( طالوت ) ~~ملك إسرائيل إياه على انتصاره على جالوت ملك فلسطين . # فالمصدر المتصرف منه { واذكر عبدنا داوود } هو الذكر بضم الذال وهو ~~التذكر وليس هو ذكر اللسان لأنه إنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ~~لتسليته وحفظ كماله لا ليعلمه المشركين ولا ليعلمه المسلمين على أن كلا ~~الأمرين حاصل تبعا حين إبلاغ المنزل في شأن داود إليهم وقراءته عليهم . ~~ومعنى الأمر بتذكر ذلك تذكر ما سبق إعلام النبي صلى الله عليه وسلم به من ~~فضائله وتذكير ما عسى أن يكون لم يعلمه مما يعلم به في هذه الآية . # ووصف داود ب { عبدنا } وصف تشريف بالإضافة بقرينة المقام كما تقدم عند ~~قوله : { إلا عباد الله المخلصين في سورة الصافات } . # و { الأيد } : القوة والشدة ، مصدر : آد يئيد ، إذا اشتد وقوي ، ومنه ~~التأييد التقوية ، قال تعالى : { فآواكم وأيدكم بنصره في سورة الأنفال } . # وكان داود قد أعطي قوة نادرة وشجاعة وإقداما عجيبين وكان يرمي الحجر ~~بالمقلاع فلا يخطىء الرمية ، وكان يلوي الحديد ليصنعه سردا للدروع بأصابعه ~~، وهذه القوة محمودة لأنه استعملها في نصر دين التوحيد . # وجملة { إنه أواب } تعليل للأمر بذكره إيماء إلى أن الأمر لقصد الاقتداء ~~به ، كما قال تعالى : { فبهداهم اقتده } ( الأنعام : 90 ) ، فالجملة معترضة ~~بين جملة { واذكر } وجملة ms6898 بيانها وهي { إنا سخرنا الجبال معه . # والأواب : الكثير الأوب ، أي الرجوع . والمراد : الرجوع إلى ما أمر الله ~~به والوقوف عند حدوده وتدارك ما فرط فيه . والتائب يطلق عليه الأواب ، وهو ~~غالب استعمال القرآن وهو مجاز ولا تسمى التوبة أوبا ، وزبور } داود المسمى ~~عند اليهود ب ( المزامير ) مشتمل على كثير من الاستغفار وما في معناه من ~~التوبة . PageV23P227 # وجملة { إنا سخرنا الجبال معه } بيان لجملة { واذكر عبدنا } أي اذكر ~~فضائله وما أنعمنا عليه من تسخير الجبال وكيت وكيت ، و { معه } ظرف ل { ~~يسبحن } ، وقدم على متعلقه للاهتمام بمعيته المذكورة ، وليس ظرفا ل { سخرنا ~~} لاقتضائه ، وتقدم تسخير الجبال والطير لداود في سورة الأنبياء . # وجملة { يسبحن } حال . واختير الفعل المضارع دون الوصف الذي هو الشأن في ~~الحال لأنه أريد الدلالة على تجدد تسبيح الجبال معه كلما حضر فيها ، ولما ~~في المضارع من استحضار تلك الحالة الخارقة للعادة . والتسبيح أصله قول : ~~سبحان الله ، ثم أطلق على الذكر وعلى الصلاة ، ومنه حديث عائشة : ( لم يكن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يسبح سبحة الصبح وإني لأسبحها ) ، وليس هذا ~~المعنى مرادا هنا لأن الجبال لا تصلي والطير كذلك ولأن داود لا يصلي في ~~الجبال إذ الصلاة في شريعتهم لا تقع إلا في المسجد وأما الصلاة في الأرض ~~فهي من خصائص الإسلام . # والعشي : ما بعد العصر . يقال : عشي وعشية . و { الإشراق } : وقت ظهور ~~ضوء الشمس واضحا على الأرض وهو وقت الضحى ، يقال : أشرقت الأرض ولا يقال : ~~أشرقت الشمس ، وإنما يقال : شرقت الشمس وهو من باب قعد ، ولذلك كان قياس ~~المكان منه المشرق بفتح الراء ولكنه لم يجىء إلا بكسر الراء . ووقت طلوع ~~الشمس هو الشروق ووقت الإشراق الضحى ، يقال : شرقت الشمس ولما تشرق ، ويقال ~~: كلما ذر شارق ، أي كلما طلعت الشمس . والباء في { بالعشي } للظرفية فتعين ~~أن المراد بالإشراق وقت الإشراق . # والمحشورة : المجتمعة حوله عند قراءته الزبور . وانتصب { محشورة } على ~~الحال من { الطير . ولم يؤت في صفة الطير بالحشر بالمضارع كما جيء به في ~~يسبحن } إذ الحشر يكون ms6899 دفعة فلا يقتضي المقام دلالة على تجدد ولا على ~~استحضار الصورة . # وتنوين { كل له أواب } عوض عن المضاف إليه . والتقدير : كل المحشورة له ~~PageV23P228 أواب ، أي كثير الرجوع إليه ، أي يأتيه من مكان بعيد . وهذه ~~معجزة له لأن شأن الطير النفور من الإنس . وكلمة { كل } على أصل معناها من ~~الشمول . و { أواب } هذا غير { أواب } في قوله : { إنه أواب } فلم تتكرر ~~الفاصلة . واللام في { له أواب } لام التقوية ، وتقديم المجرور على متعلقه ~~للاهتمام بالضمير المجرور . # والشد : الإمساك وتمكن اليد مما تمسكه ، فيكون لقصد النفع كما هنا ، ~~ويكون لقصد الضر كقوله : { واشدد على قلوبهم في سورة } ( يونس : 88 ) . # فشد الملك هو تقوية ملكه وسلامته من أضرار ثورة لديه ومن غلبة أعدائه ~~عليه في حروبه . وقد ملك داود أربعين سنة ومات وعمره سبعون سنة في ظل ملك ~~ثابت . # و { الحكمة } : النبوءة . والحكمة في الأعم : العلم بالأشياء كما هي ~~والعمل بالأمور على ما ينبغي ، وقد اشتمل كتاب ( الزبور ) على حكم جمة . # و { فصل الخطاب } : بلاغة الكلام وجمعه للمعنى المقصود بحيث لا يحتاج ~~سامعه إلى زيادة تبيان ، ووصف القول ب ( الفصل ) وصف بالمصدر ، أي فاصل . ~~والفاصل : الفارق بين شيئين ، وهو ضد الواصل ، ويطلق مجازا على ما يميز ~~شيئا عن الاشتباه بضده . وعطفه هنا على الحكمة قرينة على أنه استعمل في ~~معناه المجازي كما في قوله تعالى : { إن يوم الفصل كان ميقاتا } ( النبأ : ~~17 ) . # والمعنى : أن داود أوتي من أصالة الرأي وفصاحة القول ما إذا تكلم جاء ~~بكلام فاصل بين الحق والباطل شأن كلام الأنبياء والحكماء ، وحسبك بكتابه ( ~~الزبور ) المسمى عند اليهود ب ( المزامير ) فهو مثل في بلاغة القول في ~~لغتهم . # وعن أبي الأسود الدؤلي : { فصل الخطاب } هو قوله في خطبه ( أما بعد ) قال ~~: وداود أول من قال ذلك ، ولا أحسب هذا صحيحا لأنها كلمة عربية ولا ~~PageV23P229 يعرف في كتاب داود أنه قال ما هو بمعناها في اللغة العبرية ، ~~وسميت تلك الكلمة فصل الخطاب عند العرب لأنها تقع بين مقدمة المقصود وبين ~~المقصود . فالفصل فيه على ms6900 المعنى الحقيقي وهو من الوصف بالمصدر ، والإضافة ~~حقيقية . وأول من قال : ( أما بعد ) هو سحبان وائل خطيب العرب ، وقيل : { ~~فصل الخطاب } القضاء بين الخصوم وهذا بعيد إذ لا وجه لإضافته إلى الخطاب . # واعلم أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد أعطي من كل ما أعطي داود فكان ~~أوابا ، وهو القائل : ( إني ليغان على قلبي فأستغفر الله في اليوم سبعين ~~مرة ) ، وسخر له جبل حراء على صعوبة مسالكه فكان يتحنث فيه إلى أن نزل عليه ~~الوحي وهو في غار ذلك الجبل ، وعرضت عليه جبال مكة أن تصير له ذهبا فأبى ~~واختار العبودية وسخرت له من الطير الحمام فبنت وكرها على غار ثور مدة ~~اختفائه به مع الصديق في مسيرهما في الهجرة . وشد الله ملك الإسلام له ، ~~وكفاه عدوه من قرابته مثل أبي لهب وابنه عتبة ومن أعدائه مثل أبي جهل ، ~~وآتاه الحكمة ، وآتاه فصل الخطاب قال : ( أوتيت جوامع الكلم واختصر لي ~~الكلام اختصارا ) بله ما أوتيه الكتاب المعجز بلغاء العرب عن معارضته ، قال ~~تعالى في وصف القرآن : { إنه لقول فصل وما هو بالهزل } ( الطارق : 13 ، 14 ~~) . # ( 21 25 ) { } # جملة { وهل أتاك نبأ الخصم } إلى آخرها معطوفة على جملة { إنا سخرنا ~~الجبال معه } ( ص : 18 ) . والإنشاء هنا في معنى الخبر ، فإن هذه الجملة ~~قصت شأنا من شأن داود مع ربه تعالى فهي نظير ما قبلها . PageV23P230 # والاستفهام مستعمل في التعجيب أو في البحث على العلم فإن كانت القصة ~~معلومة للنبيء صلى الله عليه وسلم كان الاستفهام مستعملا في التعجيب وإن ~~كان هذا أول عهده بعلمها كان الاستفهام للحث مثل { هل أتاك حديث الغاشية } ~~( الغاشية : 1 ) . والخطاب يجوز أن يكون لكل سامع والوجهان الأولان قائمان ~~. والنبأ : الخبر . # والتعريف في { الخصم } للعهد الذهني ، أي عهد فرد غير معين من جنسه أي ~~نبأ خصم معين هذا خبره ، وهذا مثل التعريف في : ادخل السوق . والخصام ~~والاختصام : المجادلة والتداعي ، وتقدم في قوله : { هذان خصمان في سورة ~~الحج } . # و { الخصم } : اسم يطلق على الواحد وأكثر ، وأريد به هنا خصمان ms6901 لقوله ~~بعده { خصمان } . وتسميتهما بالخصم مجاز بعلاقة الصورة وهي من علاقة ~~المشابهة في الذات لا في صفة من صفات الذات ، وعادة علماء البيان أن ~~يمثلوها بقول القائل إذا رأى صورة أسد : هذا أسد . # وضمير الجمع مراد به المثنى ، والمعنى : إذ تسورا المحراب ، والعرب ~~يعدلون عن صيغة التثنية إلى صيغة الجمع إذا كانت هناك قرينة لأن في صيغة ~~التثنية ثقلا لندرة استعمالها ، قال تعالى : { فقد صغت قلوبكما } ( التحريم ~~: 4 ) أي قلباكما . # و { إذ تسوروا } إذا جعلت { إذ } ظرفا للزمن الماضي فهو متعلق بمحذوف دل ~~عليه { الخصم } ، والتقدير : تحاكم الخصم حين تسوروا المحراب لداود . # ولا يستقيم تعلقه بفعل { أتاك } ولا ب { نبأ } لأن النبأ الموقت بزمنن ~~تسور الخصم محراب داود لا يأتي النبي صلى الله عليه وسلم # ولك أن تجعل { إذ } اسما للزمن الماضي مجردا عن الظرفية وتجعله بدل ~~اشتمال من { الخصم } لما في قوله تعالى : { واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت ~~من أهلها } ( مريم : 16 ) ، فالخصم مشتمل على زمن تسورهم المحراب ، وخروج { ~~إذ } عن الظرفية لا يختص بوقوعها مفعولا به بل المراد أنه يتصرف فيكون ظرفا ~~وغير ظرف . PageV23P231 # والتسور : تفعل مشتق من السور ، وهو الجدار المحيط بمكان أو بلد يقال : ~~تسور ، إذا اعتلى على السور ، ونظيره قولهم : تسنم جمله ، إذا علا سنامه ، ~~وتذرأه إذا علا ذروته ، وقريب منه في الاشتقاق قولهم : صاهى ، إذا ركب صهوة ~~فرسه . # والمعنى : أن بيت عبادة داود عليه السلام كان محوطا بسور لئلا يدخله أحد ~~إلا بإذن من حارس السور . # و { المحراب } : البيت المتخذ للعبادة ، وتقدم عند قوله تعالى : { يعملون ~~له ما يشاء من محاريب في سورة سبأ } . # و { إذ دخلوا } بدل من { إذ تسوروا } لأنهم تسوروا المحراب للدخول على ~~داود . # والفزع : الذعر ، وهو انفعال يظهر منه اضطراب على صاحبه من توقع شدة أو ~~مفاجأة ، وتقدم في قوله : { لا يحزنهم الفزع الأكبر في سورة الأنبياء } . ~~قال ابن العربي في كتاب ( أحكام القرآن ) : إن قيل : لم فزع داود وقد قويت ~~نفسه بالنبوءة ؟ وأجاب بأن الله لم يضمن له ms6902 العصمة ولا الأمن من القتل وكان ~~يخاف منهما وقد قال الله لموسى { لا تخف } وقبله قيل للوط . فهم مؤمنون من ~~خوف ما لم يكن قيل لهم إنكم منه معصومون اه . # وحاصل جوابه : أن ذلك قد عرض للأنبياء إذ لم يكونوا معصومين من إصابة ~~الضر حتى يؤمن الله أحدهم فيطمئن والله لم يؤمن داود فلذلك فزع . وهو جواب ~~غير تام الإقناع لأن السؤال تضمن قول السائل وقد قويت نفسه بالنبوءة فجعل ~~السائل انتفاء تطرق الخوف إلى نفوس الأنبياء أصلا بنى عليه سؤاله ، وهو ~~أجاب بانتفاء التأمين فلم يطابق سؤال السائل . وكان الوجه أن ينفي في ~~الجواب سلامة الأنبياء من تطرق الخوف إليهم . والأحسن أن نجيب : # أولا : بأن الخوف انفعال جبلي وضعه الله في أحوال النفوس عند رؤية ~~المكروه فلا تخلو من بوادره نفوس البشر فيعرض لها ذلك الانفعال بادىء ذي ~~بدء ثم يطرأ PageV23P232 عليه ثبات الشجاعة فتدفعه على النفس ونفوس الناس ~~متفاوتة في دوامه وانقشاعه ، فأما إذا أمن الله نبيئا فذلك مقام آخر كقوله ~~لموسى { لا تخف } وقوله للنبيء صلى الله عليه وسلم { فسيكفيكهم الله } ( ~~البقرة : 137 ) . # وثانيا : بأن الذي حصل لداود عليه السلام فزع وليس بخوف . والفزع أعم من ~~الخوف إذ هو اضطراب يحصل من الإحساس بشيء شأنه أن يتخلص منه وقد جاء في ~~حديث خسوف الشمس ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج فزعا ، أي مسرعا ~~مبادرا للصلاة توقعا أن يكون ذلك الخسوف نذير عذاب ) ، ولذلك قال القرآن { ~~ففزع منهم } ولم يقل : خاف . وقال في إبراهيم عليه السلام { فأوجس منهم ~~خيفة } ( الذاريات : 28 ) أي توجسا ما لم يبلغ حد الخوف . وأما قول الخصم ~~لداود { لا تخف } فهو قول يقوله القادم بهيئة غير مألوفة من شأنها أن تريب ~~الناظر . # وثالثا : أن الأنبياء مأمورون بحفظ حياتهم لأن حياتهم خير للأمة فقد يفزع ~~النبي من توقع خطر خشية أن يكون سببا في هلاكه فينقطع الانتفاع به لأمته . ~~وقد جاء في حديث عائشة : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أرق ذات ليلة ms6903 فقال ~~: ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني الليلة إذ سمعنا صوت السلاح فقال : من ~~هذا ؟ قال : سعد بن أبي وقاص جئت لأحرسك . قالت : فنام النبي صلى الله عليه ~~وسلم حتى سمعنا غطيطه ) . وروى الترمذي : أن العباس كان يحرس النبي صلى ~~الله عليه وسلم حتى نزل قوله تعالى : { والله يعصمك من الناس } ( المائدة : ~~67 ) فتركت الحراسة . # ومعنى { بغى بعضنا } اعتدى وظلم . والبغي : الظلم ، والجملة صفة ل { ~~خصمان } والرابط ضمير { بعضنا } ، وجاء ضمير المتكلم ومعه غيره رعيا لمعنى ~~{ خصمان } . # ولم يبينا الباغي منهما لأن مقام تسكين روع داود يقتضي الإيجاز بالإجمال ~~ثم يعقبه التفصيل ، ولإظهار الأدب مع الحاكم فلا يتوليان تعيين الباغي ~~منهما بل يتركانه للحاكم يعين الباغي منهما في حكمه حين قال لأحدهما : { ~~لقد ظلمك بسؤالل نعجتك إلى نعاجه } . # والفاء في { فاحكم بيننا بالحق } تفريع على قوله : { خصمان } لأن داود ~~عليه PageV23P233 السلام لما كان ملكا وكان اللذان حضرا عنده خصمين كان طلب ~~الحكم بينهما مفرعا على ذلك . # والباء في { بالحق } للملابسة ، وهي متعلقة ب { احكم . } وهذا مجرد طلب ~~منهما للحق كقول الرجل للنبيء صلى الله عليه وسلم الذي افتدى ابنه ممن زنى ~~بامرأته : فاحكم بيننا بكتاب الله . # والنهي في { لا تشطط } مستعمل في التذكير والإرشاد . # و { تشطط } : مضارع أشط ، يقال : أشط عليه ، إذا جار عليه ، وهو مشتق من ~~الشطط وهو مجاوزة الحد والقدر المتعارف . # ومخاطبة الخصم داود بهذا خارجة مخرج الحرص على إظهار الحق وهو في معنى ~~الذكرى بالواجب فلذلك لا يعد مثلها جفاء للحاكم والقاضي ، وهو من قبيل : ~~اتق الله في أمري . وصدوره قبل الحكم أقرب إلى معنى التذكير وأبعد عن ~~الجفاء ، فإن وقع بعد الحكم كان أقرب إلى الجفاء كالذي قال للنبيء صلى الله ~~عليه وسلم في قسمة قسمها ( اعدل ، فقال له الرسول : ويلك فمن يعدل إن لم ~~أعدل ) . # وقد قال علماؤنا في قول الخصم للقاضي : ( اتق الله في أمري ) إنه لا يعد ~~جفاء للقاضي ولا يجوز للقاضي أن يعاقبه عليه كما يعاقب من أساء إليه . ~~وأفتى مالك بسجن ms6904 فتى ، فقال أبوه لمالك : اتق الله يا مالك ، فوالله ما ~~خلقت النار باطلا ، فقال مالك : من الباطل ما فعله ابنك . فهذا فيه زيادة ~~بالتعريض بقوله فوالله ما خلقت النار باطلا . وقولهما : { واهدنا إلى سواء ~~الصراط } يصرف عن إرادة الجفاء من قولهما : { ولا تشطط } لأنهما عرفا أنه ~~لا يقول إلا حقا وأنهما تطلبا منه الهدى . # والهدى : هنا مستعار للبيان وإيضاح الصواب . و { سواء الصراط } : مستعار ~~للحق الذي لا يشوبه باطل لأن الصراط الطريق الواسع ، والسواء منه هو الذي ~~لا التواء فيه ولا شعب تتشعب منه فهو أسرع إيصالا إلى المقصود باستوائه ~~وأبعد عن الالتباس بسلامته من التشعب . PageV23P234 # ومجموع { اهدنا إلى سواء الصراط } تمثيل لحال الحاكم بالعدل بحال المرشد ~~الدال على الطريق الموصلة فهو من التمثيل القابل تجزئة التشبيه في أجزائه ، ~~ويؤخذ من هنا أن حكم القاضي العدل يحمل على الجري على الحق وأن الحكم يجب ~~أن يكون بالحق شرعا لأنه هدي فهو والفتيا سواء في أنهما هدي إلا أن الحكم ~~فيه إلزام . # ومعنى { أكفلنيها } اجعلها في كفالتي ، أي حفظي وهو كناية عن الإعطاء ~~والهبة ، أي هبها لي . # وجملة { إن هاذا أخي } إلى آخرها بيان لجملة { خصمان بغى بعضنا على بعض } ~~وظاهر الأخ أنهما أرادا أخوة النسب . وقد فرضا أنفسهما أخوين وفرضا الخصومة ~~في معاملات القرابة وعلاقة النسب واستبقاء الصلات ، ثم يجوز أن يكون { أخي ~~} بدلا من اسم الإشارة . ويجوز أن يكون خبر { إن } وهو أولى لأن فيه زيادة ~~استفظاع اعتدائه عليه . # و { عزني } غلبني في مخاطبته ، أي أظهر في الكلام عزة علي وتطاولا . فجعل ~~الخطاب ظرفا للعزة مجازا لأن الخطاب دل على العزة والغلبة فوقع تنزيل ~~المدلول منزلة المظروف وهو كثير في الاستعمال . # والمعنى : أنه سأله أن يعطيه نعجته ، ولما رأى منه تمنعا اشتد عليه ~~بالكلام وهدده ، فأظهر الخصم المتشكي أنه يحافظ على أواصر القرابة فشكاه ~~إلى الملك ليصده عن معاملة أخيه معاملة الجفاء والتطاول ليأخذ نعجته عن غير ~~طيب نفس . وبهذا يتبين أن موضع هذا التحاكم طلب الإنصاف في معاملة ms6905 القرابة ~~لئلا يفضي الخلاف بينهم إلى التواثب فتنقطع أواصر المبرة والرحمة بينهم . # وقد علم داود من تساوقهما للخصومة ومن سكوت أحد الخصمين أنهما متقاربان ~~على ما وصفه الحاكي منهما ، أو كان المدعى عليه قد اعترف . فحكم داود بأن ~~سؤال الأخ أخاه نعجته ظلم لأن السائل في غنى عنها والمسؤول ليس له غيرها ~~فرغبة السائل فيما بيد أخيه من فرط الحرص على المال PageV23P235 واجتلاب ~~النفع للنفس بدون اكتراث بنفع الآخر . وهذا ليس من شأن التحاب بين الأخوين ~~والإنصاف منهما فهو ظلم وما كان من الحق أن يسأله ذلك أعطاه أو منعه ، ~~ولأنه تطاول عليه في الخطاب ولامه على عدم سماح نفسه بالنعجة ، وهذا ظلم ~~أيضا . # والإضافة في قوله : { بسؤال نعجتك } للتعريف ، أي هذا السؤال الخاص ~~المتعلق بنعجة معروفة ، أي هذا السؤال بحذافره مشتمل على ظلم ، وإضافة سؤال ~~من إضافة المصدر إلى مفعوله . وتعليق { إلى نعاجه } ب ( سؤال ) تعليق على ~~وجه تضمين ( سؤال ) معنى الضم ، كأنه قيل : بطلب ضم نعجتك إلى نعاجه . # فهذا جواب قولهما : { فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط } ثم أعقبه بجواب ~~قولهما : { واهدنا إلى سواء الصراط } إذ قال : { وإن كثيرا من الخلطاء ~~ليبغي بعضهم على بعضض إلا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات } المفيد أن بغي ~~أحد المتعاشرين على عشيره متفش بين الناس غير الصالحين من المؤمنين ، وهو ~~كناية عن أمرهما بأن يكونا من المؤمنين الصالحين وأن ما فعله أحدهما ليس من ~~شأن الصالحين . # وذكر غالب أحوال الخلطاء أراد به الموعظة لهما بعد القضاء بينهما على ~~عادة أهل الخير من انتهاز فرص الهداية فأراد داود عليه السلام أن يرغبهما ~~في إيثار عادة الخلطاء الصالحين وأن يكره إليهما الظلم والاعتداء . ويستفاد ~~من المقام أنه يأسف لحالهما ، وأنه أراد تسلية المظلوم عما جرى عليه من ~~خليطه ، وأن له أسوة في أكثر الخلطاء . # وفي تذييل كلامه بقوله : { وقليل ما هم } حث لهما أن يكونا من الصالحين ~~لما هو متقرر في النفوس من نفاسة كل شيء قليل ، قال تعالى : { قل لا يستوي ~~الخبيث والطيب ولو أعجبك ms6906 كثرة الخبيث } ( المائدة : 100 ) . والسبب في ذلك ~~من جانب الحكمة أن الدواعي إلى لذات الدنيا كثيرة والمشي مع الهوى محبوب ~~ومجاهدة النفس عزيزة الوقوع ، فالإنسان محفوف بجواذب السيئات ، وأما دواعي ~~الحق والكمال فهو الدين والحكمة ، وفي أسباب الكمال إعراض عن محركات ~~PageV23P236 الشهوات ، وهو إعراض عسير لا يسلكه إلا من سما بدينه وهمته إلى ~~الشرف النفساني وأعرض عن الداعي الشهواني ، فذلك هو العلة في هذا الحكم ~~بالقلة . # وزيادة { ما } بعد { قليل } لقصد الإبهام كما تقدم آنفا في قوله : { جند ~~ما هنالك } ( ص : 11 ) ، وفي هذا الإبهام إيذان بالتعجب من ذلك بمعونة ~~السياق والمقام كما أفادت زيادتها في قول امرىء القيس : # وحديث الركب يوم هنا # وحديث ما على قصره # معنى التلهف والتشوق . # وقد اختلف المفسرون في ماهية هاذين الخصمين ، فقال السدي والحسن ووهب بن ~~منبه : كانا ملكين أرسلهما الله في صورة رجلين لداود عليه السلام لإبلاغ ~~هذا المثل إليه عتابا له . ورواه الطبري عن أنس مرفوعا . وقيل كانا أخوين ~~شقيقين من بني إسرائيل ، أي ألهمهما الله إيقاع هذا الوعظ . # واعلم أن سوق هذا النبأ عقب التنويه بداود عليه السلام ليس إلا تتميما ~~للتنويه به لدفع ما قد يتوهم أنه ينقض ما ذكر من فضائله مما جاء في كتاب ( ~~صمويل الثاني ) من كتب اليهود في ذكر هذه القصة من أغلاط باطلة تنافي مقام ~~النبوءة فأريد بيان المقدار الصادق منها وتذييله بأن ما صدر عن داود عليه ~~السلام يستوجب العتاب ولا يقتضي العقاب ولذلك ختمت بقوله تعالى : { وإن له ~~عندنا لزلفى وحسن مئاب } ( ص : 40 ) . وبهذا تعلم أن ليس لهذا النبأ تعلق ~~بالمقصد الذي سيق لأجله ذكر داود ومن عطف عليه من الأنبياء . # وهذا النبأ الذي تضمنته الآية يشير به إلى قصة تزوج داود عليه السلام ~~زوجة ( أوريا الحثي ) من رجال جيشه وكان داود رآها فمال إليها ورام تزوجها ~~فسأله أن يتنازل له عنها وكان في شريعتهم مباحا أن الرجل يتنازل عن زوجه ~~إلى غيره لصداقة بينهما فيطلقها ويتزوجها الآخر بعد مضي عدتها وتحقق ms6907 براءة ~~رحمها كما كان ذلك في صدر الإسلام . وخرج أوريا في غزو مدينة ( ربة ) ~~للعمونيين وقيل في غزو PageV23P237 عمان قصبة البلقاء من فلسطين فقتل في ~~الحرب وكان اسم المرأة ( بثشبع بنت اليعام وهي أم سليمان ) . وحكى القرآن ~~القصة اكتفاء بأن نبأ الخصمين يشعر بها لأن العبرة بما أعقبه نبأ الخصمين ~~في نفس داود فعتب الله على داود أن استعمل لنفسه هذا المباح فعاتبه بهذا ~~المثل المشخص ، أرسل إليه ملكين نزلا من أعلى سور المحراب في صورة خصمين ~~وقصا عليه القصة وطلبا حكمه وهديه فحكم بينهما وهداهما بما تقدم تفسيره ~~لتكون تلك الصورة عظة له ويشعر أنه كان الأليق بمقامه أن لا يتناول هذا ~~الزواج وإن كان مباحا لما فيه من إيثار نفسه بما هو لغيره ولو بوجه مباح ~~لأن الشعور بحسن الفعل أو قبحه قد لا يحصل عليه حين يفعله فإذا رأى أو سمع ~~أن واحدا عمله شعر بوصفه . # ووقع في سفر ( صمويل الثاني ) من كتب اليهود سوق هذه القصة على الخلاف ~~هذا . # وليس في قول الخصمين : { هاذا أخي } ولا في فرضهما الخصومة التي هي غير ~~واقعة ارتكاب الكذب لأن هذا من الأخبار المخالفة للواقع التي لا يريد ~~المخبر بها أن يظن المخبر ( بالفتح ) وقوعها إلا ريثما يحصل الغرض من ~~العبرة بها ثم ينكشف له باطنها فيعلم أنها لم تقع . وما يجري في خلالها من ~~الأوصاف والنسب غير الواقعة فإنما هو على سبيل الفرض والتقدير وعلى نية ~~المشابهة . # وفي هذا دليل شرعي على جواز وضع القصص التمثيلية التي يقصد منها التربية ~~والموعظة ولا يتحمل واضعها جرحة الكذب خلافا للذين نبزوا الحريري بالكذب في ~~وضع ( المقامات ) كما أشار هو إليه في ديباجتها . وفيها دليل شرعي لجواز ~~تمثيل تلك القصص بالأجسام والذوات إذا لم تخالف الشريعة ، ومنه تمثيل ~~الروايات والقصص في ديار التمثيل ، فإن ما يجري في شرع من قبلنا يصلح دليلا ~~لنا في شرعنا إذا حكاه القرآن أو سنة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يرد في ~~شرعنا ما ينسخه . # وأخذ ms6908 من الآية مشروعية القضاء في المسجد ، قالوا : وليس في القرآن ما يدل ~~على ذلك سوى هذه الآية بناء على أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا حكاه الكتاب ~~أو السنة . PageV23P238 وقد حكيت هذه القصة في سفر ( صمويل الثاني ) في ~~الإصحاح الحادي عشر على خلاف ما في القرآن وعلى خلاف ما تقتضيه العصمة ~~لنبوءة داود عليه السلام فاحذروه . # والذي في القرآن هو الحق ، والمنتظم مع المعتاد وهو المهيمن عليه ، ولو ~~حكي ذلك بخبر آحاد في المسلمين لوجب رده والجزم بوضعه لمعارضته المقطوع به ~~من عصمة الأنبياء من الكبائر عند جميع أهل السنة ومن الصغائر عند المحققين ~~منهم وهو المختار . # ( 24 25 ) # أي علم داود بعد انتهاء الخصومة أن الله جعلها له فتنة ليشعره بحال فعلته ~~مع ( أوريا ) وقد أشعره بذلك ما دله عليه انصراف الخصمين بصورة غير معتادة ~~، فعلم أنهما ملكان وأن الخصومة صورية فعلم أن الله بعثهما إليه عتبا له ~~على متابعة نفسه زوجة ( أوريا ) وطلبه التنازل عنها . وعبر عن علمه ذلك ~~بالظن لأنه علم نظري اكتسبه بالتوسم في حال الحادثة وكثيرا ما يعبر عن ~~العلم النظري بالظن لمشابهته الظن من حيث إنه لا يخلو من تردد في أول النظر ~~. # و { أنما } مفتوحة الهمزة أخت ( إنما ) تفيد الحصر ، أي ظن أن الخصومة ~~ليست إلا فتنة له ، أو ظن أن ما صدر منه في تزوج امرأة أوريا ليس إلا فتنة ~~. ومعنى { فتناه } قدرنا له فتنة ، فيجوز أن تكون الفتنة بالمعنى المشهور ~~في تدبير الحيلة لقتل ( أوريا ) فعبر عنها بالفتنة لأنها أورثت داود مخالفة ~~للأليق به من صرف نفسه عن شيء غيره ، وعدم متابعته ميله النفساني وإن كان ~~في دائرة المباح في دينهم ، فيكون المعنى : وعلم أن ما صدر منه فتنة من ~~النفس . وإنما علم ذلك بعد أن أحس من نفسه كراهية مثلها مما صوره له ~~الخصمان . # ويجوز أن يكون الفتن بمعنى الابتلاء والاختبار ، كقوله تعالى لموسى : { ~~وفتناك PageV23P239 فتونا } ( طه : 40 ) ، أي ظن أنا اختبرنا زكانته بإرسال ~~الملكين ، يصور أن له صورة ms6909 شبيهة بفعله ففطن أن ما فعله أمر غير لائق به . ~~وتفريع { فاستغفر ربه } على ذلك الظن ظاهر على كلا الاحتمالين ، أي لما علم ~~ذلك طلب الغفران من ربه لما صنع . # وخر خرورا : سقط ، وقد تقدم في قوله تعالى : { فخر عليهم السقف من فوقهم ~~في سورة } ( النحل : 26 ) . # والركوع : الانحناء بقصد التعظيم دون وصول إلى الأرض قال تعالى : { تراهم ~~ركعا سجدا } ( الفتح : 29 ) ، فذكر شيئين . قالوا : لم يكن لبني إسرائيل ~~سجود على الأرض وكان لهم الركوع ، وعليه فتقييد فعل { خر } بحال { راكعا } ~~تمجز في فعل { خر } بعلاقة المشابهة تنبيها على شدة الانحناء حتى قارب ~~الخرور . ومن قال : كان لهم السجود جعل إطلاق الرجوع عليه مجازا بعلاقة ~~الإطلاق . وقال ابن العربي : لا خلاف في أن الركوع هاهنا السجود ، قلت : ~~الخلاف موجود . # والمعروف أنه ليس لبني إسرائيل سجود بالجبهة على الأرض ، ويحتمل أن يكون ~~السجود عبادة الأنبياء كشأن كثير من شرائع الإسلام كانت خاصة بالأنبياء من ~~قبل كما تقدم في قوله تعالى : { فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون } ( البقرة : ~~132 ) ، وتقدم قوله تعالى : { وخروا له سجدا في سورة يوسف } . وكان ركوع ~~داود عليه السلام تضرعا لله تعالى ليقبل استغفاره . # والإنابة : التوبة : يقال : أناب ، ويقال : ناب . وتقدم عند قوله تعالى : ~~{ إن إبراهيم لحليم أواه منيب في سورة هود } . وعند قوله : { منيبين إليه ~~في سورة الروم } . # وهنا موضع سجدة من سجود القرآن من العزائم عند مالك لثبوت سجود النبي صلى ~~الله عليه وسلم عندها . ففي ( صحيح البخاري ) عن مجاهد ( سألت ابن عباس عن ~~السجدة في ص فقال : أو ما تقرأ { ومن ذريته داود وسليمان } ( الأنعام : 84 ~~) إلى قوله : { أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده } ( الأنعام : 90 ) ~~فكان داود ممن أمر نبيئكم أن يقتدي به فسجدها داود فسجدها رسول الله ) . ~~وفي ( سنن أبي داود ) عن ابن عباس PageV23P240 ( ليس ص من عزائم السجود ، ~~وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد فيها ) . وفيه عن أبي سعيد ~~الخدري قال : ( قرأ رسول الله وهو على المنبر ص فلما بلغ ms6910 السجدة نزل فسجد ~~وسجد الناس معه فلما كان يوم آخر قرأها فلما بلغ السجدة تشزن الناس للسجود ~~( أي تهيأوا وتحركوا لأجله ) فقال رسول الله : إنما هي توبة نبيء ولكني ~~رأيتكم تشزنتم للسجود فنزل فسجد وسجدوا ) ، وقول أبي حنيفة فيها مثل قول ~~مالك ولم ير الشافعي سجودا في هذه الآية إما لأجل قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم ( إنما هي توبة نبيء ) فرجع أمرها إلى أنها شرع من قبلنا ، والشافعي ~~لا يرى شرع من قبلنا دليلا . # ووجه السجود فيها عند من رآه أن ركوع داود هو سجود شريعتهم فلما اقتدى به ~~النبي صلى الله عليه وسلم أتى في اقتدائه بما يساوي الركوع في شريعة ~~الإسلام وهو السجود . وقال أبو حنيفة : الركوع يقوم مقام سجود التلاوة أخذا ~~من هذه الآية . # واسم الإشارة في قوله : { فغفرنا له ذالك } إلى ما دلت عليه خصومة ~~الخصمين من تمثيل ما فعله داود بصورة قضية الخصمين ، وهذا من لطائف القرآن ~~إذ طوى القصة التي تمثل له فيها الخصمان ثم أشار إلى المطوي باسم الإشارة ، ~~وأتبع الله الخبر عن الغفران له بما هو أرفع درجة وهو أنه من المقربين عند ~~الله المرضي عنهم وأنه لم يوقف به عند حد الغفران لا غير . والزلفى : ~~القربى ، وهو مصدر أو اسم مصدر . وتأكيد الخبر لإزالة توهم أن الله غضب ~~عليه إذ فتنه تنزيلا لمقام الاستغراب منزلة مقام الإنكار . # والمئاب : مصدر ميمي بمعنى الأوب . وهو الرجوع . والمراد به : الرجوع إلى ~~الآخرة . وسمي رجوعا لأنه رجوع إلى الله ، أي إلى حكمة البحت ظاهرا وباطنا ~~قال تعالى : { إليه أدعو وإليه مئاب } ( الرعد : 36 ) . # وحسن المئاب : حسن المرجع ، وهو أن يرجع رجوعا حسنا عند نفسه وفي ~~PageV23P241 مرأى الناس ، أي له حسن رجوع عندنا وهو كرامة عند الله يوم ~~الجزاء ، أي الجنة يؤوب إليها . # مقول قول محذوف معطوف على { فغفرنا له ذلك } ( ص : 25 ) أي صفحنا عنه ~~وذكرناه بنعمة الملك ووعظناه ، فجمع له بهذا تنويها بشأنه وإرشادا للواجب . ~~وافتتاح الخطاب بالنداء لاسترعاء وعيه واهتمامه بما سيقال ms6911 له . # والخليفة : الذي يخلف غيره في عملل ، أي يقوم مقامه فيه ، فإن كان مع ~~وجود المخلوف عنه قيل : هو خليفة فلان ، وإن كان بعدما مضى المخلوف قيل : ~~هو خليفة من فلان . والمراد هنا : المعنى الأول بقرينة قوله : { فاحكم بين ~~الناس بالحق } . # فالمعنى : أنه خليفة الله في إنفاذ شرائعه للأمة المجعول لها خليفة مما ~~يوحي به إليه ومما سبق من الشريعة التي أوحي إليه العمل بها . وخليفة عن ~~موسى عليه السلام وعن أحبار بني إسرائيل الأولين المدعوين بالقضاة ، أو ~~خليفة عمن تقدمه في الملك وهو شاول . # و { الأرض } : أرض مملكته المعهودة ، أي جعلناك خليفة في أرض إسرائيل . ~~ويجوز أن يجعل الأرض مرادا به جميع الأرض فإن داود كان في زمنه أعظم ملوك ~~الأرض فهو متصرف في مملكته ويخاف بأسه ملوك الأرض فهو خليفة الله في الأرض ~~إذ لا ينفلت شيء من قبضته ، وهذا قريب من الخلافة في قوله تعالى : { ثم ~~جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم } ( يونس : 14 ) وقوله : { ويجعلكم خلفاء ~~الأرض } ( النمل : 62 ) . # وهذا المعنى خلاف معنى قوله تعالى : { وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في ~~الأرض خليفة } ( البقرة : 30 ) فإن الأرض هنالك هي هذه الكرة الأرضية . قال ~~ابن عطية : ولا يقال خليفة الله إلا لرسوله صلى الله عليه وسلم وأما ~~الخلفاء فكل واحد منهم خليفة الذي قبله ، PageV23P242 ألا ترى أن الصحابة ~~رضي الله عنهم حرروا هذا المعنى فقالوا لأبي بكر رضي الله عنه : يا خليفة ~~رسول الله ، وبهذا كان يدعى بذلك مدة حياته ، فلما ولي عمر قالوا : يا ~~خليفة خليفة رسول الله فطال ورأوا أنه سيطول أكثر في المستقبل إذا ولي ~~خليفة بعد عمر فدعوا عمر أمير المؤمنين ، وقصر هذا على الخلفاء ، وما يجيء ~~في الشعر من دعاء أحد الخلفاء خليفة الله فذلك تجوز كما قال ابن قيسس ~~الرقيات : # خليفة الله في بريته # جفت بذاك الأقلام والكتب # وفرع على جعله خليفة أمره بأن يحكم بين الناس بالحق للدلالة على أن ذلك ~~واجبه وأنه أحق الناس بالحكم بالعدل ، ذلك لأنه ms6912 هو المرجع للمظلومين والذي ~~ترفع إليه مظالم الظلمة من الولاة فإذا كان عادلا خشيه الولاة والأمراء ~~لأنه ألف العدل وكره الظلم فلا يقر ما يجري منه في رعيته كلما بلغه فيكون ~~الناس في حذر من أن يصدر عنهم ما عسى أن يرفع إلى الخليفة فيقتص من الظالم ~~، وأما إن كان الخليفة يظلم في حكمه فإنه يألف الظلم فلا يغضبه إذا رفعت ~~إليه مظلمة شخص ولا يحرص على إنصاف المظلوم . # وفي ( الكشاف ) : أن بعض خلفاء بني أمية قال لعمر بن عبد العزيز أو ~~للزهري : هل سمعت ما بلغنا ؟ قال : وما هو ؟ قال : بلغنا أن الخليفة لا ~~يجري عليه القلم ولا تكتب له معصية ، فقال : يا أمير المؤمنين ، الخلفاء ~~أفضل أم الأنبياء ، ثم تلا هذه الآية . والمراد ب { الناس } ناس مملكته ~~فالتعريف للعهد أو هو للاستغراق العرفي . # والحق : هو ما يقتضيه العدل الشرعي من معاملة الناس بعضهم بعضا وتصرفاتهم ~~في خاصتهم وعامتهم ويتعين الحق بتعيين الشريعة . والباء في { بالحق } باء ~~المجازية ، جعل الحق كالآلة التي يعمل بها العامل في قولك : قطعه بالسكين ، ~~وضربه بالعصا . # وقوله : { ولا تتبعع الهوى } معطوف على التفريع ، ولعله المقصود من ~~التفريع . وإنما تقدم عليه أمره بالحكم بالحق ليكون توطئة للنهي عن اتباع ~~الهوى سدا لذريعة PageV23P243 الوقوع في خطأ الحق فإن داود ممن حكم بالحق ~~فأمره به باعتبار المستقبل . والتعريف في { الهوى } تعريف الجنس المفيد ~~للاستغراق ، فالنهي يعم كل ما هو هوى ، سواء كان هوى المخاطب أو هوى غيره ~~مثل هوى زوجه وولده وسيده ، وصديقه ، أو هوى الجمهور : { قالوا يا موسى ~~اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون } ( الأعراف : 138 ) . # ومعنى الهوى : المحبة ، وأطلق على الشيء المحبوب مبالغة ، أي ولو كان هوى ~~شديدا تعلق النفس به . والهوى : كناية عن الباطل والجور والظلم لما هو ~~متعارف من الملازمة بين هذه الأمور وبين هوى النفوس ، فإن العدل والإنصاف ~~ثقيل على النفوس فلا تهواه غالبا ، ومن صارت له محبة الحق سجية فقد أوتي ~~العلم والحكمة وأيد بالحفظ أو العصمة ms6913 . # والنهي عن اتباع الهوى تحذير له وإيقاظ ليحذر من جراء الهوى ويتهم هوى ~~نفسه ويتعقبه فلا ينقاد إليه فيما يدعوه إليه إلا بعد التأمل والتثبت ، وقد ~~قال سهل بن حنيف رضي الله عنه : ( اتهموا الرأي ) ، ذلك أن هوى النفس يكون ~~في الأمور السهلة عليها الرائقة عندها ومعظم الكمالات صعبة على النفس لأنها ~~ترجع إلى تهذيب النفس والارتقاء بها عن حضيض الحيوانية إلى أوج الملكية ، ~~ففي جميعها أو معظمها صرف للنفس عما لاصقها من الرغائب الجسمانية الراجع ~~أكثرها إلى طبع الحيوانية لأنها إما مدعوة لداعي الشهوة أو داعي الغضب ~~فالاسترسال في اتباعها وقوع في الرذائل في الغالب ، ولهذا جعل هنا الضلال ~~عن سبيل الله مسببا على اتباع الهوى ، وهو تسبب أغلبي عرفي ، فشبه الهوى ~~بسائر في طريق مهلكة على طريقة المكنية ورمز إليه بلازم ذلك وهو الإضلال عن ~~طريق الرشاد المعبر عنه بسبيل الله ، فإن الذي يتبع سائرا غير عارف بطريق ~~المنازل النافعة لا يلبث أن يجد نفسه وإياه في مهلكة أو مقطعة طريق . # واتباع الهوى قد يكون اختيارا ، وقد يكون كرها . والنهي عن اتباعه يقتضي ~~النهي عن جميع أنواعه ؛ فأما الاتباع الاختياري فالحذر منه ظاهر ، وأما ~~الاتباع الاضطراري فالتخلص منه بالانسحاب عما جره إلى الإكراه ، ولذلك ~~اشترط PageV23P244 العلماء في الخليفة شروطا كلها تحوم حول الحيلولة بينه ~~وبين اتباع الهوى وما يوازيه من الوقوع في الباطل ، وهي : التكليف ، ~~والحرية ، والعدالة ، والذكورة ، وأما شرط كونه من قريش عند الجمهور فلئلا ~~يضعف أمام القبائل بغضاضة . # وانتصب { فيضلك } بعد فاء السببية في جواب النهي . ومعنى جواب النهي جواب ~~المنهي عنه فهو السبب في الضلال وليس النهي سببا في الضلال . وهذا بخلاف ~~طريقة الجزم في جواب النهي . # و { سبيل الله } : الأعمال التي تحصل منها مرضاته وهي الأعمال التي أمر ~~الله بها ووعد بالجزاء عليها ، شبهت بالطريق الموصل إلى الله ، أي إلى ~~مرضاته . وجملة : { إن الذين يضلون عن سبيل الله } إلى آخرها يظهر أنها مما ~~خاطب الله به داود ، وهي عند أصحاب العدد آية واحدة من ms6914 قوله : { ياداود إنا ~~جعلناك خليفة في الأرض } إلى { يوم الحساب } ، فهي في موقع العلة للنهي ، ~~فكانت ( إن ) مغنية عن فاء التسبب والترتب ، فالشيء الذي يفضي إلى العذاب ~~الشديد خليق بأن ينهى عنه ، وإن كانت الجملة كلاما منفصلا عن خطاب داود ~~كانت معترضة ومستأنفة استئنافا بيانيا لبيان خطر الضلال عن سبيل الله . # والعموم الذي في قوله { الذين يضلون عن سبيل الله } يكسب الجملة وصف ~~التذييل أيضا وكلا الاعتبارين موجب لعدم عطفها . وجيء بالموصول للإيماء إلى ~~أن الصلة علة لاستحقاق العذاب . واللام في { لهم عذاب } للاختصاص ، والباء ~~في { بما نسوا يوم الحساب } سببية . # و ( ما ) مصدرية ، أي بسبب نسيانهم يوم الحساب ، وتتعلق الباء بالاستقرار ~~الذي ناب عنه المجرور في قوله : { لهم عذاب } . # والنسيان : مستعار للإعراض الشديد لأنه يشبه نسيان المعرض عنه كما في ~~قوله تعالى : { نسوا الله فنسيهم } ( التوبة : 67 ) ، وهو مراتب أشدها ~~إنكار البعث والجزاء ، قال تعالى : { فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا ~~نسيناكم } ( السجدة : 14 ) . ودونه مراتب كثيرة تكون على وفق مراتب العذاب ~~لأنه إذا كان السبب ذا مراتب كانت المسببات تبعا لذلك . PageV23P245 # والمراد ب { يوم الحساب } ما يقع فيه من الجزاء على الخير والشر ، فهو في ~~المعنى على تقدير مضاف ، أي جزاء يوم الحساب على حد قوله تعالى : { ونسي ما ~~قدمت يداه } ( الكهف : 57 ) ، أي لم يفكر في عاقبة ما يقدمه من الأعمال . ~~وفي جعل الضلال عن سبيل الله ونسيان يوم الحساب سببين لاستحقاق العذاب ~~الشديد تنبيه على تلازمهما فإن الضلال عن سبيل الله يفضي إلى الإعراض عن ~~مراقبة الجزاء . وترجمة داود تقدمت عند قوله تعالى : { ومن ذريته داود في ~~الأنعام } وقوله : { وآتينا داود زبورا في النساء } . # لما جرى في خطاب داود ذكر نسيان يوم الحساب وكان أقصى غايات ذلك النسيان ~~جحود وقوعه لأنه يفضي إلى عدم مراعاته ومراقبته أبدا اعترض بين القصتين ~~بثلاث آيات لبيان حكمة الله تعالى في جعل الجزاء ويومه احتجاجا على منكريه ~~من المشركين . # والباطل : ضد الحق ، فكل ما كان غير حق فهو الباطل ms6915 ، ولذلك قال تعالى في ~~الآية الأخرى : { ما خلقناهما إلا بالحق } ( الدخان : 39 ) . # والمراد بالحق المأخوذ من نفي الباطل هنا ، هو أن تلك المخلوقات خلقت على ~~حالة لا تخرج عن الحق ؛ إما حالا كخلق الملائكة والرسل والصالحين ، وإما في ~~المآل كخلق الشياطين والمفسدين لأن إقامة الجزاء عليهم من بعد استدراك ~~لمقتضى الحق . # وقد بنيت هذه الحجة على الاستدلال بأحوال المشاهدات وهي أحوال السماوات ~~والأرض وما بينهما ، والمشركون يعلمون أن الله هو خالق السماوات والأرض وما ~~بينهما ، فأقيم الدليل على أساس مقدمة لا نزاع فيها ، وهي أن الله خلق ذلك ~~وأنهم إذا تأملوا أدنى تأمل وجدوا من نظام هذه العوالم دلالة تحصل بأدنى ~~PageV23P246 نظر على أنه نظام على غاية الإحكام إحكاما مطردا ، وهو ما ~~نبههم الله إليه بقوله : { وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا } . # ومصب النفي الحال وهو قوله : { باطلا } فهو عام لوقوعه في سياق النفي ، ~~وبعد النظر يعلم الناظر أن خالقها حكيم عادل وأن تصرفات الفاعل يستدل ~~بالظاهر منها على الخفي ، فكان حقا على الذين اعتادوا بتحكيم المشاهدات ~~وعدم تجاوزها أن ينظروا بقياس من خفي عنهم على ما هو مشاهد لهم ، فلما ~~استقر أن نظام السماء والأرض وما بينهما كان جاريا على مقتضى الحكمة وكامل ~~النظام ، فعليهم أن يتدبروا فيما خفي عنهم من وقوع البعث والجزاء فإن جميع ~~ما في الأرض جار على نظام بديع إلا أعمال الإنسان ، فمن المعلوم بالمشاهدة ~~أن من الناس صالحين نافعين ، ومنهم دون ذلك إلى صنف المجرمين المفسدين ، ~~وإن من الصالحين كثيرا لم ينالوا من حظوظ الخيرات الدنيوية شيئا أو إلا ~~شيئا قليلا هو أقل مما يستحقه صلاحه وما جاهده من الارتقاء بنفسه إلى معارج ~~الكمال . ومن المفسدين من هم بعكس ذلك . # والفساد : اختلال اجتلبه الإنسان إلى نفسه باتباعه شهواته باختياره الذي ~~أودعه الله فيه ، وبقواه الباطنية قال تعالى : { لقد خلقنا الإنسان في أحسن ~~تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } ( التين : ~~4 ، 6 ) وفي هذه المراتب يدنو الناس دنوا متدرجا إلى ms6916 مراتب الملائكة أو ~~دنوا متدليا إلى أحضية الشياطين فكانت الحكمة الإلاهية تقتضي أن يلتحق كل ~~فريق بأشباهه في النعيم الأبدي أو الجحيم السرمدي . # ولولا أن حكمة نظام خلق العوالم اقتضت أن يحال بين العوالم الزائلة ~~والعوالم السرمدية في المدة المقدرة لبقاء هذه الأخيرة لأطار الله الصالحين ~~إلى أوج النعيم الخالد ، ولدس المجرمين في دركات السعير المؤبد ، لعلل ~~كثيرة اقتضت ذلك جماعها رعي الإبقاء على خصائص المخلوقات حتى تؤدي وظائفها ~~التي خلقت لها ، وهي خصائص قد تتعارض فلو أوثر بعضها على غيره بالإبقاء ~~لأفضى إلى زوال الآخر ، فمكن الله كل نوع وكل صنف من الكدح لنوال ملائمه ~~وأرشد الجميع إلى الخير وأمر ونهى وبين وحدد . PageV23P247 وجعل لهم من بعد ~~هذا العالم الزائل عالما خالدا يكون فيه وجود الأصناف محوطا بما تستحقه ~~كمالاتها وأضدادها من حسن أو سوء ، ولو لم يجعل الله العالم الأبدي لذهب ~~صلاح الصالحين باطلا أجهدوا فيه أنفسهم وأضاعوا في تحصيله جما غفيرا من ~~لذائذهم الزائلة دون مقابل ، ولعاد فساد المفسدين غنما أرضوا به أهواءهم ~~ونالوا به مشتهاهم فذهب ما جروه على الناس من أرزاء باطلا ، فلا جرم لو لم ~~يكن الجزاء الأبدي لعاد خلق الأرض باطلا ولفاز الغوي بغوايته . # فإذا استقرت هذه المقدمة تعين أن إنكار البعث والجزاء يلزمه أن يكون ~~منكره قائلا بأن خلق السماء والأرض وما بينهما شيء من الباطل ، وقد دلت ~~الدلائل الأخرى أن لا يكون في خلق ذلك شيء من الباطل بقياس الخفي على ~~الظاهر ، فبطل ما يفضي إلى القول بأن في خلق بعض ما ذكر شيء من الباطل . # والمشركون وإن لم يصدر منهم ذلك ولا اعتقدوه لكنهم آيلون إلى لزومه لهم ~~بطريق دلالة الالتزام لأن من أنكر البعث والجزاء فقد تقلد أن ما هو جار في ~~أحوال الناس باطل ، والناس من خلق الله فباطلهم إذا لم يؤاخذهم خالقهم عليه ~~يكون مما أقره خالقهم ، فيكون في خلق السماء والأرض وما بينهما شيء من ~~الباطل ، فتنتقض كلية قوله : { وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ms6917 ، ~~} وهو ما ألزمهم إياه قوله تعالى : { ذالك ظن الذين كفروا . } والإشارة إلى ~~القضية المنفية لا إلى نفيها ، أي خلق المذكورات باطلا هو ظن الذين كفروا ، ~~أي اعتقادهم . وأطلق الظن على العلم لأن ظنهم علم مخالف للواقع فهو باسم ~~الظن أجدر لأن إطلاق الظن يقع عليه أنواع من العلم المشبه والباطل . وفي ~~هذه الآية دليل على أن لازم القول يعتبر قولا ، وأن لازم المذهب مذهب وهو ~~الذي نحاه فقهاء المالكية في موجبات الردة من أقوال وأفعال . # وفرع على هذا الاستدلال وعدمم جري المشركين على مقتضاه قوله : { فويل ~~للذين كفروا من النار } أي نار جهنم . وعبر عنهم بالموصول لما تشير إليه ~~الصلة من أنهم استحقوا العقاب على سوء اعتقادهم وسوء أعمالهم ، وأن ذلك ~~أيضا من آثار انتفاء الباطل عن خلق السماوات والأرض وما بينهما ، لأنهم ~~كانوا على باطل في إعراضهم عن الاستدلال بنظام السماوات والأرض ، وفي ~~ارتكابهم مفاسد عوائد PageV23P248 الشرك وملته ، وقد تمتعوا بالحياة الدنيا ~~أكثر مما تمتع بها الصالحون فلا جرم استحقوا جزاء أعمالهم . # ولفظ : ( ويل ) يدل على أشد السوء . وكلمة : ويل له ، تقال للتعجيب من ~~شدة سوء حالة المتحدث عنه ، وهي هنا كناية عن شدة عذابهم في النار . و { من ~~} ابتدائية كما في قوله تعالى : { فويل لهم مما كتبت أيديهم } ( البقرة : ~~79 ) ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم لابن الزبير حين شرب دم حجامته : ( ~~ويل لك من الناس وويل للناس منك ) . # { أم } منقطعة أفادت إضرابا انتقاليا وهو ارتقاء في الاستدلال على ثبوت ~~البعث وبيان لما هو من مقتضى خلق السماء والأرض بالحق ، بعد أن سيق ذلك ~~بوجه الاستدلال الجملي ، وقد كان هذا الانتقال بناء على ما اقتضاه قوله : { ~~ذالك ظن الذين كفروا } ( ص : 27 ) فلأجل ذلك بني على استفهام مقدر بعد { أم ~~} وهو من لوازم استعمالها ، وهو استفهام إنكاري . والمعنى : لو انتفى البعث ~~والجزاء كما تزعمون لاستوت عند الله أحوال الصالحين وأحوال المفسدين . # والتشبيه في قوله : { كالمفسدين } للتسوية . والمعنى : إنكار أن يكونوا ~~سواء في جعل الله ، أي إذا لم يجاز ms6918 كل فريق بما يستحقه على عمله ، فالمشاهد ~~في هذه الحياة الدنيا خلاف ذلك فتعين أن يكون الجزاء في عالم آخر وهو الذي ~~يسلك له الناس بعد البعث . وقد أخذ في الاستدلال جانب المساواة بين الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات وبين المفسدين في الأرض ، لأنه يوجد كثير من ~~الفريقين متساوين في حالة الحياة الدنيا في النعمة أو في التوسط أو في ~~البؤس والخصاصة ، فحالة المساواة كافية لتكون مناط الاستدلال على إبطال ظن ~~الذين كفروا بقطع النظر عن حالة أخرى أولى PageV23P249 بالدلالة ، وهي ~~المقابلة بين فريق المفسدين أولي النعمة وفريق الصالحين أولي البؤس ، وعن ~~حالة دون ذلك وهي فريق المفسدين أصحاب البؤس والخصاصة وفريق الصالحين أولي ~~النعمة لأنها لا تسترعي خاطر الناظر . # و { أم } الثانية منقطعة أيضا ومفادها إضراب انتقال ثانن للارتقاء في ~~الاستدلال على أن الحكمة الربانية بمراعاة الحق وانتفاع الباطل في الخلق ~~تقتضي الجزاء والبعث لأجله . # ومعنى الاستفهام الذي تقتضيه { أم } الثانية : الإنكار كالذي اقتضته { أم ~~} الأولى . وهذا الارتقاء في الاستدلال لقصد زيادة التشنيع على منكري البعث ~~والجزاء بأن ظنهم ذلك يقتضي أن جعل الله المتقين مساوين للفجار في أحوال ~~وجود الفريقين ، وتقريره مثل ما قرر به الاستدلال الأول . # والمتقون : هم الذين كانت التقوى شعارهم . والتقوى : ملازمة اتباع ~~المأمورات واجتناب المنهيات في الظاهر والباطن ، وقد تقدم في أول سورة ~~البقرة . # والفجار : الذين شعارهم الفجور ، وهو أشد المعصية ، والمراد به : الكفر ~~وأعماله التي لا تراقب أصحابها التقوى كما في قوله تعالى : { أولئك هم ~~الكفرة الفجرة } ( عبس : 42 ) وقد تقدم تفصيل من هذا عند قوله تعالى : { ~~إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحاتت بالقسط والذين ~~كفروا لهم شراب من حميمم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون هو الذي جعل الشمس ~~ضياء إلى قوله : ما خلق الله ذالك إلا بالحق } ( يونس : 4 ، 5 ) . # والمقصود من هذا الإطناب زيادة التهويل والتفظيع على الذين ظنوا ظنا يفضي ~~إلى أن الله خلق شيئا من السماء والأرض وما بينهما باطلا فإن في الانتقال ~~من دلالة الأضعف ms6919 إلى دلالة الأقوى وفي تكرير أداة الإنكار شأنا عظيما من ~~فضح أمر الضالين . PageV23P250 # عقب الإمعان في تهديد المشركين وتجهيلهم على إعراضهم عن التدبر بحكمة ~~الجزاء ويوم الحساب عليه والاحتجاج عليهم ، أعرض الله عن خطابهم ووجه ~~الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالثناء على الكتاب المنزل عليه ، ~~وكان هذا القرآن قد بين لهم ما فيه لهم مقنع ، وحجاجا هو لشبهاتهم مقلع ، ~~وأنه إن حرم المشركون أنفسهم من الانتفاع به فقد انتفع به أولو الألباب وهم ~~المؤمنون . وفي ذلك إدماج الاعتزاز بهذا الكتاب لمن أنزل عليه ولمن تمسك به ~~واهتدى بهديه من المؤمنين . وهذا نظير قوله تعالى عقب ذكر خلق الشمس والقمر ~~: { ما خلق الله ذالك إلا بالحق يفصل الأياتت لقومم يعلمون في أول سورة ~~يونس } . # والجملة استئناف معترضض وفي هذا الاستئناف نظر إلى قوله في أول السورة { ~~والقرءانن ذي الذكر } ( ص : 1 ) إعادة للتنويه بشأن القرآن كما سيعاد ذلك ~~في قوله تعالى : { هذا ذكر } ( ص : 49 ) . # فقوله : { كتاب } يجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف ، والتقدير : هذا كتاب ، ~~وجملة { أنزلناه } صفة { كتاب . } ويجوز أن يكون مبتدأ وجملة { أنزلناه } ~~صفة { كتاب ومبارك } خبرا عن { كتاب . 6 # وتنكير كتاب } للتعظيم ، لأن الكتاب معلوم فما كان تنكيره إلا لتعظيم ~~شأنه وهو مبتدأ سوغ الابتداء به وصفه بجملة { أنزلناه } و { مبارك } هو ~~الخبر . ولك أن تجعل ما في التنكير من معنى التعظيم مسوغا للابتداء وتجعل ~~جملة { أنزلناه } خبرا أول و { مبارك } خبرا ثانيا و { ليدبروا } متعلق ب { ~~أنزلناه } ولكن لا يجعل { كتاب } خبر مبتدأ محذوف وتقدره : هذا كتاب ، إذ ~~ليس هذا بمحز كبير من البلاغة . # والمبارك : المنبثة فيه البركة وهي الخير الكثير ، وكل آيات القرآن مبارك ~~فيها لأنها : إما مرشدة إلى خير ، وإما صارفة عن شر وفساد ، وذلك سبب الخير ~~في العاجل والآجل ولا بركة أعظم من ذلك . PageV23P251 # والتدبر : التفكر والتأمل الذي يبلغ به صاحبه معرفة المراد من المعاني ، ~~وإنما يكون ذلك في كلام قليل اللفظ كثير المعاني التي أودعت فيه بحيث كلما ~~ازداد المتدبر ms6920 تدبرا انكشفت له معان لم تكن بادية له بادىء النظر . وأقرب ~~مثل للتدبر هنا هو ما مر آنفا من معاني قوله تعالى : { وما خلقنا السماء ~~والأرض وما بينهما باطلا إلى قوله : أم نجعل المتقين كالفجار } ( ص : 27 ، ~~28 ) ، وتقدم عند قوله تعالى : { أفلا يتدبرون القرآن في سورة النساء } . # وقرأ الجمهور : { ليدبروا } بياء الغيبة وتشديد الدال . وأصل ( يدبروا ) ~~يتدبروا ، فقلبت التاء دالا لقرب مخرجيهما ليتأتى الإدغام لتخفيفه وهو صيغة ~~تكلف مشتقة من فعل : دبر بوزن ضرب ، إذا تبع ، فتدبره بمنزلة تتبعه ، ~~ومعناه : أنه يتعقب ظواهر الألفاظ ليعلم ما يدبر ظواهرها من المعاني ~~المكنونة والتأويلات اللائقة ، وتقدم عند قوله تعالى : { أفلم يدبروا القول ~~في سورة المؤمنين } . # وقرأ أبو جعفر { لتدبروا } بتاء الخطاب وتخفيف الدال وأصلها : لتتدبروا ~~فحذفت إحدى التاءين اختصارا ، والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم ومن معه ~~من المسلمين . # والتذكر : استحضار الذهن ما كان يعلمه وهو صادق باستحضار ما هو منسي ~~وباستحضار ما الشأن أن لا يغفل عنه وهو ما يهم العلم به ، فجعل القرآن ~~للناس ليتدبروا معانيه ويكشفوا عن غوامضه بقدر الطاقة فإنهم على تعاقب ~~طبقات العلماء به لا يصلون إلى نهاية من مكنونه ولتذكرهم الآية بنظيرها وما ~~يقاربها ، وليتذكروا ما هو موعظة لهم وموقظ من غفلاتهم . # وضمير ( يدبروا ) على قراءة الجمهور عائد إلى { أولوا الألباب } على ~~طريقة الإضمار للفعل المهمل عن العمل في التنازع ، والتقدير : ليدبر أولو ~~الألباب آياته ويتذكروا ، وأما على قراءة أبي جعفر فإسناد ( يتذكر ) إلى { ~~أولوا الألباب } اكتفاء عن وصف المتدبرين بأنهم أولو الألباب لأن التدبر ~~مفضض إلى التذكر . والتذكر من آثار التدبر فوصف فاعل أحد الفعلين يغني عن ~~وصف فاعل الفعل الآخر . PageV23P252 # و { أولوا الألباب } : أهل العقول وفيه تعريض بأن الذين لم يتذكروا ~~بالقرآن ليسوا من أهل العقول ، وأن التذكر من شأن المسلمين الذين يستمعون ~~القول فيتبعون أحسنه ، فهم ممن تدبروا آياته فاستنبطوا من المعاني ما لم ~~يعلموا ، ومن قرأه فتذكر به ما كان علمه وتذكر به حقا كان عليه أن يرعاه ، ~~والكافرون أعرضوا عن ms6921 التدبر فلا جرم فاتهم التذكر . # جعل التخلص إلى مناقب سليمان عليه السلام من جهة أنه من منن الله على ~~داود عليه السلام ، فكانت قصة سليمان كالتكملة لقصة داود . ولم يكن لحال ~~سليمان عليه السلام شبه بحال محمد صلى الله عليه وسلم فلذلك جزمنا بأن لم ~~يكن ذكر قصته هنا مثالا لحال محمد صلى الله عليه وسلم وبأنها إتمام لما ~~أنعم الله به على داود إذ أعطاه سليمان ابنا بهجة له في حياته وورث ملكه ~~بعد مماته ، كما أنبأ عنه قوله تعالى : { ووهبنا لداوود سليمان } الآية . # ولهذه النكتة لم تفتتح قصة سليمان بعبارة : واذكر ، كما افتتحت قصة داود ~~ثم قصة أيوب ، والقصص بعدها مفصلها ومجملها غير أنها لم تخل من مواضع إسوة ~~وعبرة وتحذير على عادة القرآن من افتراض الإرشاد . # ومن حسن المناسبة لذكر موهبة سليمان أنه ولد لداود من المرأة التي عوتب ~~داود لأجل استنزال زوجها أوريا عنها كما تقدم ، فكانت موهبة سليمان لداود ~~منها مكرمة عظيمة هي أثر مغفرة الله لداود تلك المخالفة التي يقتضي قدره ~~تجنبها وإن كانت مباحة وتحققه لتعقيب الأخبار عن المغفرة له بقوله : { وإن ~~له عندنا لزلفى وحسن مئاب } ( ص : 40 ) فقد رضي الله عنه فوهب له من تلك ~~الزوجة نبيئا وملكا عظيما . # فجملة { ووهبنا لداود سليمان } عطف على جملة { إنا سخرنا الجبال معه } ( ~~ص : 18 ) وما بعدها من الجمل . وجملة { نعم العبد } في موضع الحال من { ~~سليمان } وهي ثناء عليه ومدح له من جملة من استحقوا عنوان العبد لله ، وهو ~~العنوان المقصود منه التقريب بالقرينة PageV23P253 كما تقدم في قوله تعالى ~~: { إلا عباد الله المخلصين أولئك لهم رزق معلوم في سورة الصافات } ( 40 ، ~~41 ) . # والمخصوص بالمدح محذوف لدلالة ما تقدم عليه وهو قوله : { سليمان } ~~والتقدير : نعم العبد سليمان . # وجملة { إنه أواب } تعليل للثناء عليه ب { نعم العبد . } والأواب : ~~مبالغة في الآيب أي كثير الأوب ، أي الرجوع إلى الله بقرينة أنه مادحه . ~~والمراد من الأوب إلى الله : الأوب إلى أمره ونهيه ، أي إذا حصل له ما ms6922 ~~يبعده عن ذلك تذكر فآب ، أي فتاب ، وتقدم ذلك آنفا في ذكر داود . # ( 31 33 ) # يتعلق { إذ عرض } ب { أواب } ( ص : 30 ) . وتعليق هذا الظرف ب { أواب } ~~تعليق تعليل لأن الظروف يراد منها التعليل كثيرا لظهور أن ليس المراد أنه ~~أواب في هذه القصة فقط لأن صيغة أواب تقتضي المبالغة . والأصل منها الكثرة ~~فتعين أن ذكر قصة من حوادث أوبته كان لأنها ينجلي فيها عظم أوبته . والعرض ~~: الإمرار والإحضار أمام الرائي ، أي عرض سواس خيله إياها عليه . # والعشي : من العصر إلى الغروب . وتقدم في قوله : { بالغداة والعشي في ~~سورة الأنعام } . وذلك وقت افتقاد الخيل والماشية بعد رواحها من مراعيها ~~ومراتعها . وذكر العشي هنا ليس لمجرد التوقيت بل ليبنى عليه قوله : { حتى ~~توارت بالحجاب ، } فليس ذكر العشي في وقع هذه الآية كوقعه في قول عمرو بن ~~كلثوم : # ملوك من بني جشم بن بكر # يساقون العشية يقتلونا PageV23P254 # و { الصافنات } : وصف لموصوف محذوف استغنى عن ذكره لدلالة الصفة عليه لأن ~~الصافن لا يكون إلا من الخيل والأفراس وهو الذي يقف على ثلاث قوائم وطرف ~~حافر القائمة الرابعة لا يمكن القائمة الرابعة من الأرض ، وتلك من علامات ~~خفته الدالة على كرم أصل الفرس وحسن خلاله ، يقال : صفن الفرس صفونا ، ~~وأنشده ابن الأعربي والزجاج في صفة فرس : # ألف الصفون فلا يزال كأنه # مما يقوم على الثلاثث كسيرا # { الجياد } : جمع جواد بفتح الواو وهو الفرس ذو الجودة ، أي النفاسة ، ~~وكان سليمان مولعا بالإكثار من الخيل والفرسان ، فكانت خيله تعد بالآلاف . # وأصل تركيب { أحببت حب الخير : } أحببت الخير حبا ، فحول التركيب إلى { ~~أحببت حب الخير } فصار { حب الخير } تمييزا لإسناد نسبة المحبة إلى نفسه ~~لغرض الإجمال ثم التفصيل كقوله تعالى : { وفجرنا الأرض عيونا } ( القمر : ~~12 ) وقول كعب بن زهير : # أكرم بها خلة # وقولهم : لله دره فارسا . # وضمن { أحببت } معنى عوضت ، فعدي ب { عن } في قوله : { عن ذكر ربي } فصار ~~المعنى : أحببت الخير حبا فجاوزت ذكر ربي . والمراد بذكر الرب الصلاة ، ~~فلعلها صلاة كان رتبها لنفسه لأن وقت ms6923 العشي ليست فيه صلاة مفروضة في شريعة ~~موسى إلا المغرب . # و { الخير } : المال النفيس كما في قوله تعالى : { إن ترك خيرا } ( ~~البقرة : 180 ) . والخيل من المال النفيس . وقال الفراء : الخير بالراء من ~~أسماء الخيل . والعرب تعاقب بين اللام والراء كما يقولون : انهملت العين ~~وانهمرت . وختل وختر إذا خدع . PageV23P255 # وقلت : إن العرب من عادتهم التفاؤل ولهم بالخيل عناية عظيمة حتى وصفوا ~~شياتها وزعموا دلالتها على بخت أو نحس فلعلهم سموها الخير تفاؤلا لتتمحض ~~للسعد والبخت . وضمير { توارت } للشمس بقرينة ذكر العشي وحرف الغاية ولفظ ~~الحجاب ، على أن الإضمار للشمس في ذكر الأوقات كثير في كلامهم . كما قال ~~لبيد : # حتى إذا ألقت يدا في كافر # وأجن عورات الثغور ظلامها # أي ألقت الشمس يدها في الظلمة ، أي ألقت نفسها فهو من التعبير عن الذات ~~ببعض أعضائها . # والتواري : الاختفاء ، والحجاب : الستر في البيت الذي تحتجب وراءه المرأة ~~وغيرها ومنه قول أنس بن مالك : فأنزل الله آية الحجاب . # والكلام تمثيل لحالة غروب الشمس بتواري المرأة وراء الحجاب وكل من أجزاء ~~هذه التمثيلية مستعار ؛ فللشمس استعيرت المرأة على طريقة المكنية ، ~~ولاختفائها عن الأنظار استعير التواري ، ولأفق غروب الشمس استعير الحجاب . # والمعنى : عرضت عليه خيله الصافنات الجياد فاشتغل بأحوالها حبا فيها حتى ~~غربت الشمس ففاتته صلاة كان يصليها في المساء قبل الغروب ، فقال عقب عرض ~~الخيل وقد انصرفت : إني أحببت الخيل فغفلت عن صلاتي لله . # وكلامه هذا خبر مستعمل في التحسر كقول أم مريم { رب إني وضعتها أنثى } ( ~~آل عمران : 36 ) . # والخطاب في قوله : { ردوها علي } لسواس خيله . والضمير المنصوب عائد إلى ~~الخيل بالقرينة ، أي أرجعوا الخيل إلي ، وقيل : هو عائد إلى الشمس والخطاب ~~للملائكة ، وهذا في غاية البعد ولولا كثرة ذكره في كتب المفسرين لكان ~~الأولى بنا عدم التعرض له . وأحسن منه على هذا الاعتبار في معاد ضمير ~~الغيبة أن يكون الأمر مستعملا في التعجيز ، أي هل تستطيعون أن تردوا الشمس ~~بعد غروبها ، كقول مهلهل : PageV23P256 # يا لبكر انشروا لي كليبا # وقول الحارث الضبي أحد أصحاب الجمل ms6924 : # ردوا علينا شيخنا ثم بجل # يريد : عثمان بن عفان رضي الله عنه ، فلا استبعاد في هذا المحمل . والفاء ~~في قوله : { فطفق } تعقيبية ، وطفق من أفعال الشروع ، أي فشرع . # و { مسحا } مصدر أقيم مقام الفعل ، أي طفق يمسح مسحا . وحرف التعريف في { ~~بالسوقق والأعناق } عوض عن المضاف إليه ، أي بسوقها وأعناقها كقوله تعالى : ~~{ فإن الجنة هي المأوى } ( النازعات : 41 ) . والمسح حقيقته : إمرار اليد ~~على الشيء لإزالة ما عليه من غبش أو ماء أو غبار وغير ذلك مما لا يراد ~~بقاؤه على الشيء ويكون باليد وبخرقة أو ثوب ، وقد يطلق المسح مجازا على ~~معان منها : الضرب بالسيف يقال : مسحه بالسيف . ويقال : مسح السيف به . ~~ولعل أصله كناية عن القتل بالسيف لأن السيف يمسح عنه الدم بعد الضرب به . # والسوق : جمع ساق . وقرأه الجمهور بواو ساكنة وبوزن فعل مثل : دار ودور ، ~~ووزن فعل في جمع مثله قليل . وقرأه قنبل عن ابن كثير وأبو جعفر ( السؤق ) ~~بهمزة ساكنة بعد السين جمع : سأق بهمزة بعد السين وهي لغة في ساق . # و { الأعناق } : جمع عنق وهو الرقبة . والباء في { بالسوق } مزيدة ~~للتأكيد ، أي تأكيد اتصال الفعل بمفعوله كالتي في قوله تعالى : { وامسحوا ~~برؤوسكم } ( المائدة : 6 ) وفي قول النابغة : # لك الخير إن وارت بك الأرض واحدا # وأصبح جد الناس يضلع عاثرا # وقد تردد المفسرون في المعنى الذي عنى بقوله : { فطفق مسحا بالسوقق ~~والأعناق ، } فعن ابن عباس والزهري وابن كيسان وقطرب : طفق يمسح أعراف ~~الخيل وسوقها بيده حبا لها . وهذا هو الجاري على المناسب لمقام نبيء ~~والأوفق بحقيقة PageV23P257 المسح ولكنه يقتضي إجراء ترتيب الجمل على خلاف ~~مقتضى الظاهر بأن يكون قوله : { ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والأعناق } ~~متصلا بقوله : { إذ عرض عليه بالعشي الصافنات } أي بعد أن استعرضها ~~وانصرفوا بها لتأوي إلى مذاودها قال : { ردوها علي فطفق مسحا بالسوق ~~والأعناق } إكراما لها ولحبها . ويجعل قوله : { فقال إني أحببت حب الخير عن ~~ذكر ربي حتى توارت بالحجاب } معترضا بينهما ، وإنما قدم للتعجيل بذكر ندمه ~~على تفريطه في ذكر الله ms6925 في بعض أوقات ذكره ، أي أنه لم يستغرق في الذهول بل ~~بادر الذكرى بمجرد فوات وقت الذكر الذي اعتاده ، إذ لا يناسب أن يكون قوله ~~: { ردوها علي فطفق } الخ من آثار ندمه وتحسره على هذا التفسير ، وهذا يفيد ~~أن فوات وقت ذكره نشأ عن ذلك الرد الذي أمر به بقوله : { ردها علي } فإنهم ~~اعتادوا أن يعرضوها عليه وينصرفوا وقد بقي ما يكفي من الوقت للذكر فلما ~~حملته بهجته بها على أن أمر بإرجاعها واشتغل بمسح أعناقها وسوقها خرج وقت ~~ذكره فتندم وتحسر . # وعن الحسن وقتادة ومالك بن أنس في رواية ابنن وهب والفراء وثعلب : أن ~~سليمان لما ندم على اشتغاله بالخيل حتى أضاع ذكر الله في وقت كان يذكر الله ~~فيه أمر أن ترد عليه الخيل التي شغلته فجعل يعرقب سوقها ويقطع أعناقها ~~لحرمان نفسه منها مع محبته إياها توبة منه وتربية لنفسه . واستشعروا أن هذا ~~فساد في الأرض وإضاعة للمال فأجابوا : بأنه أراد ذبحها ليأكلها الفقراء لأن ~~أكل الخيل مباح عندهم وبذلك لم يكن ذبحها فسادا في الأرض . # وتجنب بعضهم هذا الوجه وجعل المسح مستعارا للتوسيم بسمة الخيل الموقوفة ~~في سبيل الله بكي نار أو كشط جلد لأن ذلك يزيل الجلدة الرقيقة التي على ~~ظاهر الجلد ، فشبهت تلك الإزالة بإزالة المسح ما على ظهر الممسوح من ملتصق ~~به ، وهذا أسلم عن الاعتراض من القول الأول وهو معزو لبعض المفسرين في ( ~~أحكام القرآن ) لابن العربي . وقال ابن العربي : إنه وهم . وهذه طريقة ~~جليلة من طرائق تربية النفس ومظاهر كمال التوبة بالنسبة إلى ما كان سببا في ~~الهفوة . # وعلى هذين التأويلين يكون قوله : { فطفق } تعقيبا على { ردوها علي } وعلى ~~محذوف بعده . والتقدير : فردوها عليه فطفق ، كقوله : { أن اضرب بعصاك البحر ~~PageV23P258 فانفلق } ( الشعراء : 63 ) . ويكون قوله : { ردوها علي } من ~~مقول : { فقال إني أحببت حب الخير . # ( 34 35 ) } # قد قلت آنفا عند قوله تعالى : { ووهبنا لداود سليمان } ( ص : 30 ) إن ما ~~ذكر من مناقب سليمان لم يخل من مقاصد ائتساء وعبرة وتحذير على ms6926 عادة القرآن ~~في ابتدار وسائل الإرشاد بالترغيب والترهيب ، فكذلك كانت الآيات المتعلقة ~~بندمه على الاشتغال بالخيل عن ذكر الله موقع أسوة به في مبادرة التوبة ~~وتحذير من الوقوع في مثل غفلته ، وكذلك جاءت هذه الآيات مشيرة إلى فتنة ~~عرضت لسليمان أعقبتها إنابة ثم أعقبتها إفاضة نعم عظيمة فذكرت عقب ذكر قصة ~~ما ناله من السهو عن عبادته وهو دون الفتنة . والفتن والفتون والفتنة : ~~اضطراب الحال الشديد الذي يظهر به مقدار صبر وثبات من يحل به ، وتقدم ذلك ~~عند قوله تعالى : { إنما نحن فتنة في سورة البقرة } . # وقد أشارت الآية إلى حدث عظيم حل بسليمان ، واختلفت أقوال المفسرين في ~~تعيين هذه الفتنة فذكروا قصصا هي بالخرافات أشبه ، ومقام سليمان عن أمثالها ~~أنزه . ومن أغربها قولهم : إنه ولد له ابن فخاف عليه الناس أن يقتلوه ~~فاستودعه الريح لتحضنه وترضعه در ماء المزن فلم يلبث أن أصابه الموت وألقته ~~الريح على كرسي سليمان ليعلم أنه لا مرد لمحتوم الموت . وهذا ما نظمه ~~المعري تبعا لأوهام الناس فقال حكاية عن سليمان : # خاف غدر الأنامم فاستودع الري # ح سليلا تغذوه در العهاد # وتوخى النجاة وقد أي # قن أن الحمام بالمرصاد PageV23P259 # فرمته به على جانب الكر # سي أم اللهيم أخت النآد # والذي يظهر من السياق أن قوله تعالى : { وألقينا على كرسيه جسدا } إشارة ~~إلى شيء من هذه الفتنة ليرتبط قوله : { ثم أناب } بذلك . # ويحتمل أنه قصة أخرى غير قصة فتنته . وأظهر أقوالهم أن تكون الآية إشارة ~~إلى ما في ( صحيح البخاري ) ( عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال : قال سليمان لأطوفن الليلة على تسعين امرأة كلهن تأتي بفارس ~~يجاهد في سبيل الله . فقال له صاحبه : قل إن شاء الله . فلم يقل : إن شاء ~~الله . فطاف عليهن جميعا فلم تحمل منهن إلا إمرأة واحدة جاءت بشق رجل ، ~~وأيم الذي نفس محمد بيده لو قال : إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسانا ~~أجمعون ) . وليس في كلام النبي صلى الله عليه وسلم أن ذلك ms6927 تأويل هذه الآية ~~ولا وضع البخاري ولا الترمذي الحديث في التفسير من كتابيهما . قال جماعة : ~~فذلك النصف من الإنسان هو الجسد الملقى على كرسيه جاءت به القابلة فألقته ~~له وهو على كرسيه ، فالفتنة على هذا خيبة أمله ومخالفة ما أبلغه صاحبه . # وإطلاق الجسد على ذلك المولود ؛ إما لأنه ولد ميتا ، كما هو ظاهر قوله : ~~( شق رجل ) ، وإما لأنه كان خلقة غير معتادة فكان مجرد جسد . وهذا تفسير ~~بعيد لأن الخبر لم يقتض أن الشق الذي ولدته المرأة كان حيا ولا أنه جلس على ~~كرسي سليمان . وتركيب هذه الآية على ذلك الخبر تكلف . # وقال وهب بن منبه وشهر بن حوشب : تزوج سليمان ابنة ملك صيدون بعد أن غزا ~~أباها وقتله فكانت حزينة على أبيها ، وكان سليمان قد شغف بحبها فسألته ~~لترضى أن يأمر المصورين ليصنعوا صورة لأبيها فصنعت لها فكانت تغدو وتروح مع ~~ولائدها يسجدن لتلك الصورة فلما علم سليمان بذلك أمر بذلك التمثال فكسر ، ~~وقيل : كانت تعبد صنما لها من ياقوت خفية فلما فطن سليمان أو أسلمت المرأة ~~ترك ذلك الصنم . PageV23P260 وهذا القول مختزل مما وقع في ( سفر الملوك ) ~~الأول من كتب اليهود إذ جاء في الإصحاح الحادي عشر : وأحب سليمان نساء ~~غريبة كثيرة بنت فرعون ومعها نساء مؤابيات وعمونيات ، وأدوميات وصيدونيات ~~وحثيات من الأمم التي قال عنهم الرب لبني إسرائيل : لا تدخلون إليهم لأنهم ~~يميلون قلوبكم وراء آلهتهم . فبنى هيكلا للصنم ( كموش ) صنم المؤابيين على ~~الجبل الذي تجاه أورشليم فقال الله له : من أجل أنك لم تحفظ عهدي فإني أمزق ~~مملكتك بعدك تمزيقا وأعطيها لعبدك ولا أعطي ابنك إلا سبطا واحدا الخ . # ويؤخذ من ذلك كله : أن سليمان اجتهد وسمح لنسائه المشركات أن يعبدن ~~أصنامهن في بيوتهن التي هي بيوته أو بنى لهن معابد يعبدن فيها فلم يرض الله ~~منه ذلك لأنه وإن كان قد أباح له تزوج المشركات فما كان ينبغي لنبيء أن ~~يسمح لنسائه بذلك الذي أبيح لعامة الناس الذين يتزوجون المشركات وإن كان ~~سليمان تأول أن ms6928 ذلك قاصر على المرأة لا يتجاوز إليه . # وعلى هذا التأويل يكون المراد بالجسد الصنم لأنه صورة بلا روح كما سمى ~~الله العجل الذي عبده بنو إسرائيل جسدا في قوله : { فأخرج لهم عجلا جسدا له ~~خوار } ( طه : 88 ) . # ويكون معنى إلقائه على كرسيه نصبه في بيوت زوجاته المشركات بقرب من مواضع ~~جلوسه إذ يكون له في كل بيت منها كرسي يجلس عليه . # وعطف { ثم أناب } بحرف { ثم } المفيد للتراخي الرتبي لأن رتبة الإنابة ~~أعظم ذكر في قوله : { فقال إني أحببت حب الخير } ( ص : 32 ) . والإنابة : ~~التوبة . # وجملة { قال رب اغفر لي } بدل اشتمال من جملة { أناب } لأن الإنابة تشتمل ~~على ترقب العفو عما عسى أن يكون قد صدر منه مما لا يرضي الله تعالى صدوره ~~من أمثاله . # وإردافه طلب المغفرة باستيهاب ملك لا ينبغي لأحد من بعده لأنه توقع من ~~غضب الله أمرين : العقاب في الآخرة ، وسلب النعمة في الدنيا إذ قصر في ~~شكرها ، وكان سليمان يومئذ في ملك عظيم فسؤال موهبة الملك مراد به استدامة ~~PageV23P261 ذلك الملك وصيغة الطلب ترد لطلب الدوام مثل : { يا أيها الذين ~~آمنوا آمنوا بالله ورسوله } ( النساء : 136 ) . وتنكير { ملكا } للتعظيم . # وارتقى سليمان في تدرج سؤاله إلى أن وصف ملكا أنه لا ينبغي لأحد من بعده ~~، أي لا يتأتى لأحد من بعده ، أي لا يعطيه الله أحدا يبتغيه من بعده . فكنى ~~ب { لا ينبغي } عن معنى لا يعطى لأحد ، أي لا تعطيه أحدا من بعدي . # ففعل : { ينبغي } مطاوع بغاه ، يقال : بغاه فانبغى له وليس للملك اختيار ~~وانبغاء وإنما الله هو المعطي والميسر فإسناد الانبغاء إلى الملك مجاز عقلي ~~، وحقيقته : انبغاء سببه . وهذا من التأدي في دعائه إذ لم يقل : لا تعطه ~~أحدا من بعدي . # وسأل الله أن لا يقيم له منازعا في ملكه وأن يبقى له ذلك الملك إلى موته ~~، فاستجاب فكان سليمان يخشى ظهور عبده ( يربعام بن نباط ) من سبط أفرايم ~~عليه إذ كان أظهر الكيد لسليمان فطلبه سليمان ليقتله فهرب إلى ( شيشق ) ~~فرعون مصر ms6929 وبقي في مصر إلى وفاة سليمان . فهذا أيضا مما حمل سليمان أن يسأل ~~الله تثبيت ملكه وأن لا يعطيه أحدا غيره . وكان لسليمان عدوان آخران هما ( ~~هدد ) الأدومي و ( رزون ) من أهل صرفة مقيمين في تخوم مملكة إسرائيل فخشي ~~أن يكون الله هيأهما لإزالة ملكه . # واستعمل { من بعدي } في معنى : من دوني ، كقوله تعالى : { فمن يهديه من ~~بعد الله } ( الجاثية : 23 ) ، فيكون معنى { لا ينبغي } أنه لا ينبغي لأحد ~~غيري ، أي في وقت حياتي فهذا دعاء بأن لا يسلط أحد على ملكه مدة حياته . # وعلى هذا التفسير لا يكون في سؤاله هذا الملك شيء من الاهتمام بأن لا ~~ينال غيره مثل ما ناله هو فلا يرد على ذلك أن مثل هذا يعد من الحسد . # ويجوز أن يبقى { من بعدي } على ظاهره ، أي بعد حياتي . فمعنى { لا ينبغي ~~} : لا ينبغي مثله لأحد بعد وفاتي . وتأويل ذلك أنه قصد من سؤاله الإشفاق ~~PageV23P262 من أن يلي مثل ذلك الملك من ليس له من النبوءة والحكمة والعصمة ~~ما يضطلع به لأعباء ملك مثل ذلك الملك ومن ليس له من النفوذ على أمته ما ~~لسليمان على أمته فلا يلبث أن يحسد على الملك فينجم في الأمة منازعون للملك ~~على ملكه ، فينتفي أيضا على هذا التأويل إيهام أنه سأل ذلك غيرة على نفسه ~~أن يعطى أحد غيره مثل ملكه ( مما تشم منه رائحة الحسد ) . # وقد تضمنت دعوته شيئين : هما أن يعطى ملكا عظيما ، وأن لا يعطى غيره مثله ~~في عظمته . وقد حكى الله دعاء سليمان وهو سر بينه وبين ربه إشعارا بأنه ~~ألهمه إياه ، وأنه استجاب له دعوته تعريفا برضاه عنه وبأنه جعل استجابته ~~مكرمة توبته . ومعنى ذلك أنه لا يأتي ملك بعده له من السلطان جميع ما ~~لسليمان فإن ملك سليمان عم التصرف في الجن وتسخير الريح والطير ، ومجموع ~~ذلك لم يحصل لأحد من بعده . # وفي ( الصحيح ) عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن ~~عفريتا من الجن تفلت البارحة ليقطع علي ms6930 صلاتي فأمكنني الله منه فأخذته ~~فأردت أن أربطه بسارية من سواري المسجد حتى تنظروا إليه كلكم فذكرت دعوة ~~أخي سليمان : ( رب هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي فرددته خاسئا ) . # وجملة { إنك أنت الوهاب } علة للسؤال كله وتمهيد للإجابة ، فقامت ( إن ) ~~مقام حرف التفريع ودلت صيغة المبالغة في { الوهاب } على أنه تعالى يهب ~~الكثير والعظيم لأن المبالغة تفيد شدة الكمية أو شدة الكيفية أو كلتيهما ~~بقرينة مقام الدعاء ، فمغفرة الذنب من المواهب العظيمة لما يرتب عليه من ~~درجات الآخرة وإعطاء مثل هذا الملك هو هبة عظيمة . و { أنت } ضمير فصل ، ~~وأفاد الفصل به قصرا فصار المعنى : أنت القوي الموهبة لا غيرك ، لأن الله ~~يهب ما لا يملك غيره أن يهبه . PageV23P263 # ( 36 38 ) # اقتضت الفاء وترتيب الجمل أن تسخير الريح وتسخير الشياطين كانا بعد أن ~~سأل الله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده أن أعطاه هاتين الموهبتين زيادة في ~~قوة ملكه وتحقيقا لاستجابة دعوته لأنه إنما سأل ملكا لا ينبغي لأحد غيره ~~ولم يسأل الزيادة فيما أعطيه من الملك . ولعل الله أراد أن يعطيه هاتين ~~الموهبتين وأن لا يعطيهما أحدا بعده حتى إذا أعطى أحدا بعده ملكا مثل ملكه ~~فيما عدا هاتين الموهبتين لم يكن قد أخلف إجابته . # والتسخير الإلجاء إلى عمل بدون اختيار ، وهو مستعار هنا لتكوين أسباب صرف ~~الريح إلى الجهات التي يريد سليمان توجيه سفنه إليها لتكون معينة سفنه على ~~سرعة سيرها ، ولئلا تعاكس وجهه سفنه ، وتقدم في قوله تعالى : { ولسليمان ~~الريح غدوها شهر ورواحها شهر في سورة سبأ } . # وقرأ أبو جعفر { الرياح } بصيغة الجمع . # وتقدم قوله : { تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها في سورة الأنبياء ~~} . # واللام في { له } للعلة ، أي لأجله ، أي ذلك التسخير كرامة من الله له ~~بأن جعل تصريف الرياح مقدرا على نحو رغبته . # والأمر في قوله : { بأمره } مستعار للرغبة أو للدعاء بأن يدعو الله أن ~~تكون الريح متجهة إلى صوب كذا حسب خطة أسفار سفائنه ، أو يرغب ذلك في نفسه ~~، فيصرف الله ms6931 الريح إلى ما يلائم رغبته وهو العليم بالخفيات . # والرخاء : اللينة التي لا زعزعة في هبوبها . وانتصب { رخاء } على الحال ~~من ضمير { تجري } أي تجري بأمره لينة مساعدة لسير السفن وهذا من التسخير ~~لأن شأن الريح أن تتقلب كيفيات هبوبها ، وأكثر ما تهب أن تهب شديدة عاصفة ، ~~وقد قال تعالى في سورة الأنبياء : { ولسليمان الريح عاصفة ومعناه : سخرنا ~~PageV23P264 لسليمان الريح التي شأنها العصوف ، فمعنى فسخرنا له } جعلناها ~~له رخاء . فانتصب { عاصفة } في آية سورة الأنبياء على الحال من { الريح } ~~وهي حال منتقلة . ولما أعقبه بقوله : { تجري بأمره } علم أن عصفها يصير إلى ~~لين بأمر سليمان ، أي دعائه ، أو بعزمه ، أو رغبته لأنه لا تصلح له أن تكون ~~عاصفة بحال من الأحوال ، فهذا وجه دفع التنافي بين الحالين في الآيتين . # و { أصاب } معناه قصد ، وهو مشتق من الصوب ، أي الجهة ، أي تجري إلى حيث ~~أي جهة قصد السير إليها . حكى الأصمعي عن العرب : ( أصاب الصواب فأخطأ ~~الجواب ) أي أراد الصواب فلم يصب . وقيل : هذا استعمال لها في لغة حمير ، ~~وقيل في لغة هجر . # و { الشياطين } جمع شيطان ، وحقيقته الجني ، ويستعمل مجازا للبالغ غاية ~~المقدرة والحذق في العمل الذي يعمله . ومنه قوله تعالى : { وكذلك جعلنا لكل ~~نبيء عدوا شياطين الإنس والجن } ( الأنعام : 112 ) ، فسخر الله النوع الأول ~~لسليمان تسخيرا خارقا للعادة على وجه المعجزة فهو مسخر له في الأمور ~~الروحانية والتصرفات الخفية وليس من شأن جنسهم إيجاد الصناعات المتقنة ~~كالبناء ، وسخر النوع الثاني له تسخير إذلال ومغلوبية لعظم سلطانه وإلقاء ~~مهابته في قلوب الأمم فكانوا يأتون طوعا للانضواء تحت سلطانه كما فعلت ~~بلقيس وقد تقدم في سورة سبأ . فيجوز أن يكون { الشياطين } مستعملا في ~~حقيقته ومجازه . # و { كل بناء } بدل من { الشياطين } بدل بعض من كل ، أي كل بناء وغواص ~~منهم ، أي من الشياطين . و { كل } هنا مستعملة في معنى الكثير ، وهو ~~استعمال وارد في القرآن والكلام الفصيح ، قال تعالى : { ولو جاءتهم كل آية ~~} ( يونس : 97 ) وقال : { ثم كلي من كل الثمرات } ( النحل ms6932 : 69 ) . وقال ~~النابغة : # بها كل ذيال وخنساء ترعوي # وتقدم عند قوله تعالى : { وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها في سورة الأنعام ~~} . PageV23P265 # والبناء : الذي يبني وهو اسم فاعل مصوغ على زنة المبالغة للدلالة على ~~معنى الصناعة مثل نجار وقصار وحداد . # والغواص : الذي يغوص في البحر لاستخراج محار اللؤلؤ ، وهو أيضا مما صيغ ~~على وزن المبالغة للدلالة على الصناعة ، قال النابغة : # أو درة صدفية غواصها # بهج متى يرها يهل ويسجد # قال تعالى : { ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك } ( ~~الأنبياء : 82 ) . # وقد بلغت الصناعة في ملك سليمان مبلغا من الإتقان والجودة والجلال ، ~~وناهيك ببناء هيكل أورشليم وهو الذي سمي في الإسلام المسجد الأقصى وما جلب ~~إليه من مواد إقامته من الممالك المجاورة له ، وكذلك الصرح الذي أقامه ~~وأدخلت عليه فيه مملكة سبأ . # و { ءاخرين } عطف على { كل بناء وغواص } فهو من جملة بدل البعض . وجمع ~~آخر بمعنى مغاير ، فيجوز أن تكون المغايرة في النوع من غير نوع الجن ، ~~ويجوز أن تكون المغايرة في الصفة ، أي غير بنائين وغواصين . وقد كان يجلب ~~من الممالك المجاورة له والداخلة تحت ظل سلطانه ما يحتاج إليه في بناء ~~القصور والحصون والمدن وكانت مملكته عظيمة وكل الملوك يخشون بأسه ويصانعونه ~~. # والمقرن : اسم مفعول من قرنه مبالغة في قرنه أي جعله قرينا لغيره لا ينفك ~~أحدهما عن الآخر . # و { الأصفاد } : جمع صفد بفتحتين وهو القيد . يقال : صفده ، إذا قيده . ~~وهذا صنف ممن عبر عنهم بالشياطين شديد الشكيمة يخشى تفلته ويرام أن يستمر ~~يعمل أعمالا لا يجيدها غيره فيصفد في القيود ليعمل تحت حراسة الحراس . وقد ~~كان أهل الرأي من الملوك يجعلون أصحاب الخصائص في الصناعات محبوسين حيث لا ~~يتصلون بأحد لكيلا يستهويهم جواسيس ملوك آخرين يستصنعونهم ليتخصص أهل تلك ~~المملكة بخصائص تلك الصناعات فلا تشاركها فيها مملكة أخرى وبخاصة في صنع ~~آلات الحرب من سيوف ونبال وقسي ودرق ومجان وخوذ وبيضات ودروع ، فيجوز أن ~~يكون معنى : { مقرنين في PageV23P266 الأصفاد } حقيقة ، ويجوز أن يكون ~~تمثيلا لمنع ms6933 الشياطين من التفلت . # وقد كان ملك سليمان مشتهرا بصنع الدروع السابغات المتقنة . يقال : دروع ~~سليمانية . قال النابغة : # وكل صموت نثلة تبعية # ونسج سليم كل قمصاء ذائل # أراد نسج سليمان ، أي نسج صناعه . # والإشارة إلى التسخير المستفاد من { فسخرنا له الريح } ( ص : 36 ) إلى ~~قوله : { والشياطين } ( ص : 37 ) أي هذا التسخير عطاؤنا . والإضافة لتعظيم ~~شأن المضاف لانتسابه إلى المضاف إليه فكأنه قيل : هذا عطاء عظيم أعطيناكه . ~~والعطاء مصدر بمعنى المعطى مثل الخلق بمعنى المخلوق . # و ( امنن ) أمر مستعمل في الإذن والإباحة ، وهو مشتق من المن المكنى به ~~عن الإنعام ، أي فأنعم على من شئت بالإطلاق ، أو أمسك في الخدمة من شئت . # فالمن : كناية عن الإطلاق بلازم اللام ، كقوله تعالى : { فإما منا بعد ~~وإما فداء } ( محمد : 4 ) . # وجملتا { فامنن أو أمسك } معترضتان بين قوله : { عطاؤنا } وقوله : { بغير ~~حساب } ، وهو تفريع مقدم من تأخير . # والتقديم لتعجيل المسرة بالنعمة ، ونظيره قوله تعالى من بعد : { هذا ~~فليذوقوه حميم وغساق } ( ص : 57 ) وقول عنترة : # ولقد نزلت فلا تظني غيره # مني بمنزلة المحب المكرم # وقول بشارة : # كقائلة إن الحمار فنحه # عن القت أهل السمسم المتهذب # مجازا وكناية في التحديد والتقدير ، أي هذا عطاؤنا غير محدد ولا مقتر فيه ~~، أي عطاؤنا واسعا وافيا لا تضييق فيه عليك . PageV23P267 # ويجوز أن يكون { بغير حساب } حالا من ضمير ( أمنن أو أمسك ) . ويكون ~~الحساب بمعنى المحاسبة المكنى بها عن المؤاخذة . والمعنى : أمنن أو أمسك لا ~~مؤاخذة عليك فيمن مننت عليه بالإطلاق إن كان مفسدا ، ولا فيمن أمسكته في ~~الخدمة إن كان صالحا . # تقدم نظيره آنفا في قصة داود وبيان نكتة التأكيد بحرف { إن } . # ( 41 42 ) # هذا مثل ثانن ذكر به النبي صلى الله عليه وسلم إسوة به في الصبر على أذى ~~قومه والالتجاء إلى الله في كشف الضر ، وهو معطوف على { واذكر عبدنا داود ~~ذا الأيد } ( ص : 17 ) ولكونه مقصودا بالمثل أعيد معه فعل { اذكر } كما ~~نبهنا عليه في قوله : { واذكر عبدنا داود } ( ص : 17 ) ، وقد تقدم الكلام ~~على نظير صدر هذه ms6934 الآية في سورة الأنبياء . وترجمة أيوب عليه السلام تقدمت ~~في سورة الأنعام . # وإذ كانت تعدية فعل { اذكر } إلى اسم أيوب على تقدير مضاف لأن المقصود ~~تذكر الحالة الخاصة به كان قوله : { إذ نادى ربه } بدل اشتمال من أيوب لأن ~~زمن ندائه ربه مما تشتمل عليه أحوال أيوب . وخص هذا الحال بالذكر من بين ~~أحواله لأنه مظهر توكله على الله واستجابة الله دعاءه بكشف الضر عنه . # والنداء : نداء دعاء لأن الدعاء يفتتح ب : يا رب ، ونحوه . # و { أني مسني الشيطان } متعلق ب { نادى } بحذف الباء المحذوفة مع ( أن ) ~~، أي نادى : بأني مسني الشيطان ، وهو في الأصل جملة مبينة لجملة { نادى ربه ~~} ولولا وجود ( أن ) المفتوحة التي تصير الجملة في موقع المفرد لكانت جملة ~~مبينة لجملة { نادى } ، ولما احتاجت إلى تقدير حرف الجر ليتعدى إليها فعل { ~~نادى } وخاصة حيث خلت الجملة من حرف نداء . فقولهم : إنها مجرورة بباء ~~مقدرة PageV23P268 جرى على اعتبارات الإعراب تفرقة بين موقع ( أن ) ~~المفتوحة وموقع ( إن ) المكسورة ولهذا الفرق بين الفتحح والكسر اطرد وجها ~~فتحح الهمزة وكسرها في نحو ( خير القول أني أحمد ) . # وقد ذكرنا في قوله تعالى : { فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة ~~مردفين في سورة } ( الأنفال : 9 ) رأينا في كون ( أن ) المفتوحة الهمزة ~~المشددة النون مركبة من ( أن ) التفسيرية ( وأن ) الناسخة . والخبر مستعمل ~~في الدعاء والشكاية ، كقوله : { رب إني وضعتها أنثى } ( آل عمران : 36 ) ، ~~وقد قال في آية سورة الأنبياء { أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين . # والنصب ، بضم النون وسكون الصاد : المشقة والتعب ، وهي لغة في نصب ~~بفتحتين ، وتقدم النصب في سورة الكهف . وقرأ أبو جعفر بنصب } بضم الصاد وهو ~~ضم إتباع لضم النون . # والعذاب : الألم . والمراد به المرض يعني : أصابني الشيطان بتعب وألم . ~~وذلك من ضر حل بجسده وحاجة أصابته في ماله كما في الآية الأخرى { أني مسني ~~الضر } ( الأنبياء : 83 ) . # وظاهر إسناد المس بالنصب والعذاب إلى الشيطان أن الشيطان مس أيوب بهما ، ~~أي أصابه بهما حقيقة مع أن النصب والعذاب هما الماسان أيوب ms6935 ، ففي سورة ~~الأنبياء { أني مسني الضر فأسند المس إلى الضر ، والضر هو النصب والعذاب . ~~وترددت أفهام المفسرين في معنى إسناد المس بالنصب والعذاب إلى الشيطان ، ~~فإن الشيطان لا تأثير له في بني آدم بغير الوسوسة كما هو مقرر من مكرر آيات ~~القرآن وليس النصب والعذاب من الوسوسة ولا من آثارها . وتأولوا ذلك على ~~أقوال تتجاوز العشرة وفي أكثرها سماجة وكلها مبني على حملهم الباء في قوله ~~: بنصب } على أنها باء التعدية لتعدية فعل { مسني } ، أو باء الآلة مثل : ~~ضربه بالعصا ، أو يؤول النصب والعذاب إلى معنى المفعول الثاني من باب أعطى ~~. # والوجه عندي : أن تحمل الباء على معنى السببية بجعل النصب والعذاب مسببين ~~PageV23P269 لمس الشيطان إياه ، أي مسني بوسواس سببه نصب وعذاب ، فجعل ~~الشيطان يوسوس إلى أيوب بتعظيم النصب والعذاب عنده ويلقي إليه أنه لم يكن ~~مستحقا لذلك العذاب ليلقي في نفس أيوب سوء الظن بالله أو السخط من ذلك . أو ~~تحمل الباء على المصاحبة ، أي مسني بوسوسة مصاحبة لضر وعذاب ، ففي قول أيوب ~~{ أني مسني الشيطان بنصبب وعذاب } كناية لطيفة عن طلب لطف الله به ورفع ~~النصب والعذاب عنه بأنهما صارا مدخلا للشيطان إلى نفسه فطلب العصمة من ذلك ~~على نحو قول يوسف عليه السلام : { وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من ~~الجاهلين } ( يوسف : 33 ) . # وتنوين ( نصب وعذاب ) للتعظيم أو للنوعية ، وعدل عن تعريفهما لأنهما ~~معلومان لله . # وجملة { اركض برجلك } الخ مقولة لقول محذوف ، أي قلنا له اركض برجلك ، ~~وذلك إيذان بأن هذا استجابة لدعائه . # والركض : الضرب في الأرض بالرجل ، فقوله : { برجلك } زيادة في بيان معنى ~~الفعل مثل : { ولا طائر يطير بجناحيه } ( الأنعام : 38 ) وقد سمى الله ذلك ~~استجابة في سورة الأنبياء إذ قال : { فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر . # وجملة هاذا مغتسل } مقولة لقول محذوف دل عليه المقول الأول ، وفي الكلام ~~حذف دلت عليه الإشارة . فالتقدير : فركض الأرض فنبع ماء فقلنا له : هذا ~~مغتسل بارد وشراب . فالإشارة إلى ماء لأنه الذي يغتسل به ويشرب . # ووصف الماء ms6936 بذلك في سياق الثناء عليه مشير إلى أن ذلك الماء فيه شفاؤه ~~إذا اغتسل به وشرب منه ليتناسب قول الله له مع ندائه ربه لظهور أن القول ~~عقب النداء هو قول استجابة الدعاء من المدعو . و { مغتسل } اسم مفعول من ~~فعل اغتسل ، أي مغتسل به فهو على حذف حرف الجر وإيصال المغتسل القاصر إلى ~~المفعول مثل قوله : # تمرون الديار ولم تعوجوا PageV23P270 # ووصفه ب { بارد } إيماء إلى أن به زوال ما بأيوب من الحمى من القروح . ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم ( الحمى من فيح جهنم فأطفئوها بالماء ) ، أي ~~نافع شاف ، وبالتنوين استغني عن وصف { شراب } إذ من المعلوم أن الماء شراب ~~فلولا إرادة التعظيم بالتنوين لكان الإخبار عن الماء بأنه شراب إخبارا بأمر ~~معلوم ، ومرجع تعظيم { شراب } إلى كونه عظيما لأيوب وهو شفاء ما به من مرض ~~. # اقتصار أيوب في دعائه على التعريض بإزالة النصب والعذاب يشعر بأنه لم يصب ~~بغير الضر في بدنه . ويحتمل أن يكون قد أصابه تلف المال وهلاك العيال كما ~~جاء في كتاب ( أيوب ) من كتب اليهود فيكون اقتصاره على النصب والعذاب في ~~دعائه لأن في هلاك الأهل والمال نصبا وعذابا للنفس . ولم يتقدم في هذه ~~الآية ولا في آية سورة الأنبياء أن أيوب رزىء أهله فيجوز أن يكون معنى { ~~ووهبنا له أهله ومثلهم معهم } أن الله أبقى له أهله فلم يصب فيهم بما يكره ~~وزاده بنين وحفدة . # ويكون فعل { وهبنا } مستعملا في حقيقته ومجازه . ويؤيد هذا المحمل وقوع ~~كلمة { معهم } عقب كلمة { ومثلهم } فإن ( مع ) تشعر بأن الموهوب لاحق بأهله ~~ومزيد فيهم فليس في الآية تقدير مضاف في قوله : { ووهبنا له أهله } . # وليس في الأخبار الصحيحة ما يخالف هذا إلا أقوالا عن المفسرين ناشئة عن ~~أفهام مختلفة . ويحتمل أن يكون مما أصابه أنه هلك وأولاده في مدة ضره كما ~~جاء في كتاب ( أيوب ) من كتب اليهود وأقوال بعض السلف من المفسرين فيتعين ~~تقدير مضاف ، أي وهبنا له عوض أهله . وألفاظ الآية تنبو عن هذا الوجه ms6937 ~~الثاني . PageV23P271 # ومعنى { ومثلهم } مماثلهم . والمراد : مماثل عددهم ، أي ضعف عدد أهله من ~~بنين وحفدة . # وتقدم نظير هذه الآية في قوله : { وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من ~~عندنا وذكرى للعابدين في سورة الأنبياء } . وما بين الآيتين من تغيير يسير ~~هو مجرد تفنن في التعبير لا يقتضي تفاوتا في البلاغة . وأما ما بينهما من ~~مخالفة في قوله هنا : { وذكرى لأولي الألباب } وقوله في سورة الأنبياء { ~~وذكرى للعابدين ، فأما قوله هنا وذكرى لأولي الألباب } فإن الذكر التذكير ~~بما خفي أو بما يخفى وأولو الألباب هم أهل العقول ، أي تذكرة لأهل النظر ~~والاستدلال . فإن في قصة أيوب مجملها ومفصلها ما إذا سمعه العقلاء ~~المعتبرون بالحوادث والقائسون على النظائر استدلوا على أن صبره قدوة لكل من ~~هو في حرج أن ينتظر الفرج ، فلما كانت قصص الأنبياء في هذه السورة مسوقة ~~للاعتبار بعواقب الصابرين وكان النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون مأمورين ~~بالاعتبار بها من قوله : { اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ذا الأيد } ~~كما تقدم حق أن يشار إليهم ( بأولي الألباب ) . # وأما الذي في سورة الأنبياء فإنه جيء به شاهدا على أن النبوءة لا تنافي ~~البشرية وأن الأنبياء تعتريهم من الأحداث ما يعتري البشر مما لا ينقص منهم ~~في نظر العقل والحكمة وأنهم إنما يقومون بأمر الله ، ابتداء من قوله تعالى ~~: { وما أرسلنا قبلك إلا رجالا يوحى إليهم } ( الأنبياء : 7 ) وأنهم معرضون ~~لأذى الناس مما لا يخل بحرمتهم الحقيقية وأقصى ذلك الموت من قوله : { وما ~~جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون } ( الأنبياء : 34 ) . # وإذ كان المشركون يقولون : { نتربص به ريب المنون } ( الطور : 30 ) ، ~~وحاولوا قتله غير مرة فعصمه الله ، ثم من قوله : { ولقد استهزىء برسل من ~~قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون } ( الأنعام : 10 ) ثم ~~قال : { ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين الذين يخشون ~~ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون } ( الأنبياء : 48 ، 49 ) ، وذكر من ~~الأنبياء من ابتلي من قومه فصبر ، ومن ابتلي من غيرهم فصبر ms6938 ، وكيف كانت ~~عاقبة صبرهم واحدة مع اختلاف الأسباب الداعية إليه . فكانت في ذلك آيات ~~للعابدين ، أي الممتثلين أمر الله المجتنبين نهيه ، فإن مما أمر به الله ~~الصبر على ما PageV23P272 يلحق المرء من ضر لا يستطيع دفعه لكون دفعه خارجا ~~عن طاقته فختم بخاتمة أن في ذلك لآيات للعابدين . # . # مقول لقول محذوف دلت عليه صيغة الكلام ، والتقدير : وقلنا خذ بيدك ضغثا ~~فاضرب به ولا تحنث ، وهو قول غير القول المحذوف في قوله : { اركض برجلك } ( ~~ص : 42 ) لأن ذلك استجابة دعوة وهذا إفتاء برخصة ، وذلك له قصته ، وهذا له ~~قصة أخرى أشارت إليها الآية إجمالا ولم يرد في تعيينها أثر صحيح ومجملها أن ~~زوج أيوب حاولت عملا ففسد عليه صبره من استعانة ببعض الناس على مواساته ~~فلما علم بذلك غضب وأقسم ليضربنها عددا من الضرب ثم ندم وكان محبا لها ، ~~وكانت لائذة به في مدة مرضه فلما سري عنه أشفق على امرأته من ذلك ولم يكن ~~في دينهم كفارة اليمين فأوحى الله إليه أن يضربها بحزمة فيها عدد من ~~الأعواد بعدد الضربات التي أقسم عليها رفقا بزوجه لأجله وحفظا ليمينه من ~~حنثه إذ لا يليق الحنث بمقام النبوءة . وليست هذه القضية ذات أثر في الغرض ~~الذي سيقت لأجله قصة أيوب من الأسوة وإنما ذكرت هنا تكملة لمظهر لطف الله ~~بأيوب جزاء على صبره . # ومعاني الآية ظاهرة في أن هذا الترخيص رفق بأيوب ، وأنه لم يكن مثله ~~معلوما في الدين الذي يدين به أيوب إبقاء على تقواه ، وإكراما له لحبه زوجه ~~، ورفقا بزوجه لبرها به ، فهو رخصة لا محالة في حكم الحنث في اليمين . # فجاء علماؤنا ونظروا في الأصل المقرر في المسألة المفروضة في أصول الفقه ~~وهي : أن شرع من قبلنا هل هو شرع لنا إذا حكاه القرآن أو السنة الصحيحة ، ~~ولم يكن في شرعنا ما ينسخه من نص أو أصل من أصول الشريعة الإسلامية . فأما ~~الذين لم يروا أن شرع من قبلنا شرع لنا وهم أبو بكر الباقلاني من المالكية ~~وجهور الشافعية ms6939 وجميع الظاهرية فشأنهم في هذا ظاهر ، وأما الذين أثبتوا أصل ~~الاقتداء بشرع من قبلنا بقيوده المذكورة وهم مالك وأبو حنيفة والشافعي ~~PageV23P273 فتخطوا للبحث في أن هذا الحكم الذي في هذه الآية هل يقرر مثله ~~في فقه الإسلام في الإفتاء في الأيمان وهل يتعدى به إلى جعله أصلا للقياس ~~في كل ضرب يتعين في الشرع له عدد إذا قام في المضروب عذر يقتضي الترخيص بعد ~~البناء على إثبات القياس على الرخص ، وهل يتعدى به إلى جعله أصلا للقياس ~~أيضا لإثبات أصل مماثل وهو التحيل بوجه شرعي للتخلص من واجب تكليفف شرعي ، ~~واقتحموا ذلك على ما في حكاية قصة أيوب من إجمال لا يتبصر به الناظر في صفة ~~يمينه ولا لفظه ولا نيته إذ ليس من مقصد القصة . # فأما في الأيمان فقد كفانا الله التكلف بأن شرع لنا كفارات الأيمان . ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم ( إني والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها ~~خيرا منها إلا كفرت عن يميني فعلت الذي هو خير ) ، فصار ما في شرعنا ناسخا ~~لما شرع لأيوب فلا حاجة إلى الخوض فيها ، ومذهب الحنفية العمل بذلك استنادا ~~لكونه شرعا لمن قبلنا وهو قول الشافعي . # وقال مالك : هذه خاصة بأيوب أفتى الله بها نبيئا . وحكى القرطبي عن ~~الشافعي أنه خصه بما إذا حلف ولم تكن له نية كأنه أخرجه مخرج أقل ما يصدق ~~عليه لفظ الضرب والعدد . وأما القياس على فتوى أيوب في كل ضرب معين بعدد في ~~غير اليمين ، أي في باب الحدود والتعزيرات فهو تطوح في القياس لاختلاف ~~الجنس بين الأصل والفرع ، ولاختلاف مقصد الشريعة من الكفارات ومقصدها من ~~الحدود والتعزيرات ، ولترتب المفسدة على إهمال الحدود والتعزيرات دون ~~الكفارات . ولا شك أن مثل هذا التسامح في الحدود يفضي إلى إهمالها ومصيرها ~~عبثا . وما وقع في ( سنن أبي داود ) من حديث أبي أمامة عن بعض أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من الأنصار ( أن رجلا منهم كان مريضا مضنى فدخلت ~~عليه جارية فهش لها فوقع عليها ms6940 فاستفتوا له رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقالوا : لو حملناه إليك لتفسخت عظامه ما هو إلا جلد على عظم فأمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذوا له مائة شمراخ فيضربوه بها ضربة واحدة . ~~PageV23P274 ورواه غير أبي داود بأسانيد مختلفة وعبارات مختلفة . وما هي ~~إلا قصة واحدة فلا حجة فيه لأنه تطرقته احتمالات . # أولها : أن ذلك الرجل كان مريضا مضنى ولا يقام الحد على مثله . # الثاني : لعل المرض قد أخل بعقله إخلالا أقدمه على الزنا فكان المرض شبهة ~~تدرأ الحد عنه . # الثالث : أنه خبر آحاد لا ينقض به التواتر المعنوي الثابت في إقامة ~~الحدود . # الرابع : حمله على الخصوصية . ومذهب الشافعي أنه يعمل بذلك في الحد ~~للضرورة كالمرض وهو غريب لأن أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وأقوال السلف ~~متضافرة على أن المريض والحامل ينتظران في إقامة الحد عليهما حتى يبرآ ، ~~ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن تضرب الحامل بشماريخ ، فماذا يفيد ~~هذا الضرب الذي لا يزجر مجرما ، ولا يدفع مأثما ، وفي ( أحكام الجصاص ) عن ~~أبي حنيفة مثل ما للشافعي . وحكى الخطابي أن أبا حنيفة ومالكا اتفقا على ~~أنه لا حد إلا الحد المعروف . فقد اختلف النقل عن أبي حنيفة . # . # علة لجملة { اركض برجلك } ( ص : 42 ) وجملة { ووهبنا له أهله } ( ص : 43 ~~) ، أي أنعمنا عليه بجبر حاله ، لأنا وجدناه صابرا على ما أصابه فهو قدوة ~~للمأمور بقوله : { اصبر على ما يقولون } ( المزمل : 10 ) صلى الله عليه ~~وسلم فكانت ( إن ) مغنية عن فاء التفريع . # ومعنى { وجدناه } أنه ظهر في صبره ما كان في علم الله منه . # وقوله : { نعم العبد إنه أواب } مثل قوله في سليمان { نعم العبد إنه أواب ~~} ( ص : 30 ) ، فكان سليمان أوابا لله من فتنة الغنى والنعيم ، وأيوب أوابا ~~لله من فتنة الضر والاحتياج ، وكان الثناء عليهما متماثلا لاستوائهما في ~~الأوبة وإن اختلفت الدواعي . قال سفيان : أثنى الله على عبدين ابتليا : ~~أحدهما صابر ، والآخر شاكر ، ثناء واحدا . فقال لأيوب ولسليمان { نعم العبد ~~إنه أواب } . PageV23P275 # ( 45 47 ms6941 ) # القول فيه كالقول في نظائره لغة ومعنى . وذكر هؤلاء الثلاثة ذكر اقتداء ~~وائتساء بهم ، فأما إبراهيم عليه السلام فيما عرف من صبره على أذى قومه ، ~~وإلقائه في النار ، وابتلائه بتكليف ذبح ابنه ، وأما ذكر إسحاق ويعقوب ~~فاستطراد بمناسبة ذكر إبراهيم ولما اشتركا به من الفضائل مع أبيهم التي ~~يجمعها اشتراكهم في معنى قوله : { أولي الأيدي والأبصار } ليقتدي النبي صلى ~~الله عليه وسلم بثلاثتهم في القوة في إقامة الدين والبصيرة في حقائق الأمور ~~. # وابتدىء بإبراهيم لتفضيله بمقام الرسالة والشريعة ، وعطف عليه ذكر ابنه ~~وعطف على ابنه ابنه يعقوب . وقرأ الجمهور { واذكر عبادنا } بصيغة الجمع على ~~أن { إبراهيم } ومن عطف عليه كله عطف بيان . وقرأ ابن كثير { عبدنا } بصيغة ~~الإفراد على أن يكون { إبراهيم } عطف بيان من { عبدنا } ويكون { إسحاق ~~ويعقوب } عطف نسق على { عبدنا } . ومآل القراءتين متحد . # و { الأيدي } : جمع يد بمعنى القوة في الدين . كقوله تعالى : { والسماء ~~بنيناها بأيد في سورة الذاريات } . # و { الأبصار } : جمع بصر بالمعنى المجازي ، وهو النظر الفكري المعروف ~~بالبصيرة ، أي التبصر في مراعاة أحكام الله تعالى وتوخي مرضاته . # وجملة { إنا أخلصناهم } علة للأمر بذكرهم لأن ذكرهم يكسب الذاكر الاقتداء ~~بهم في إخلاصهم ورجاء الفوز بما فازوا به من الاصطفاء والأفضلية في الخير . ~~و { أخلصناهم } : جعلناهم خالصين ، فالهمزة للتعدية ، أي طهرناهم من درن ~~PageV23P276 النفوس فصارت نفوسهم نقية من العيوب العارضة للبشر ، وهذا ~~الإخلاص هو معنى العصمة اللازمة للنبوءة . # والعصمة : قوة يجعلها الله في نفس النبي تصرفه عن فعل ما هو في دينه ~~معصية لله تعالى عمدا أو سهوا ، وعما هو موجب للنفرة والاستصغار عند أهل ~~العقول الراجحة من أمة عصره . وأركان العصمة أربعة : # الأول : خاصية للنفس يخلقها الله تعالى تقتضي ملكة مانعة من العصيان . # الثاني : حصول العلم بمثالب المعاصي ومناقب الطاعات . # الثالث : تأكد ذلك العلم بتتابع الوحي والبيان من الله تعالى . # الرابع : العتاب من الله على ترك الأولى وعلى النسيان . # وإسناد الإخلاص إلى الله تعالى لأنه أمر لا يحصل للنفس البشرية إلا بجعل ~~خاص من الله تعالى ms6942 وعناية لدنية بحيث تنزع من النفس غلبة الهوى في كل حال ~~وتصرف النفس إلى الخير المحض فلا تبقى في النفس إلا نزعات خفيفة تقلع النفس ~~عنها سريعا بمجرد خطورها ، قال النبي صلى الله عليه وسلم ( إني ليغان على ~~قلبي فأستغفر الله في اليوم سبعين مرة ) . # والباء في { بخالصة } للسببية تنبيها على سبب عصمتهم . وعبر عن هذا السبب ~~تعبيرا مجملا تنبيها على أنه أمر عظيم دقيق لا يتصور بالكنه ولكن يعرف ~~بالوجه ، ولذلك استحضر هذا السبب بوصف مشتق من فعل { أخلصناهم } على نحو ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم لمن سأله عن اقتناعه من أكل لحم الضب ( أني ~~تحضرني من الله حاضرة ) أي حاضرة لا توصف ، ثم بينت هذه الخالصة بأقصى ما ~~تعبر عنه اللغة وهي أنها { ذكرى الدار } . # والذكرى : اسم مصدر يدل على قوة معنى المصدر مثل الرجعى والبقيا لأن ~~زيادة المبنى تقتضي زيادة المعنى . والدار المعهودة لأمثالهم هي الدار ~~الآخرة ، أي PageV23P277 بحيث لا ينسون الآخرة ولا يقبلون على الدنيا ، ~~فالدار التي هي محل عنايتهم هي الدار الآخرة ، قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم ( فأقول ما لي وللدنيا ) . # وأشار قوله تعالى : { بخالصة ذكرى الدار } إلى أن مبدأ العصمة هو الوحي ~~الإلهي بالتحذير مما لا يرضي الله وتخويف عذاب الآخرة وتحبيب نعيمها فتحدث ~~في نفس النبي صلى الله عليه وسلم شدة الحذر من المعصية وحب الطاعة ثم لا ~~يزال الوحي يتعهده ويوقظه ويجنبه الوقوع فيما نهي عنه فلا يلبث أن تصير ~~العصمة ملكة للنبيء يكره بها المعاصي ، فأصل العصمة هي منتهى التقوى التي ~~هي ثمرة التكليف ، وبهذا يمكن الجمع بين قول أصحابنا : العصمة عدم خلق ~~المعصية مع بقاء القدرة على المعصية ، وقولل المعتزلة : إنها ملكة تمنع عن ~~إرادة المعاصي ، فالأولون نظروا إلى المبدأ والأخيرون نظروا إلى الغاية ، ~~وبه يظهر أيضا أن العصمة لا تنافي التكليف وترتب المدحح على الطاعات . # وقرأ نافع وهشام عن ابن عامر وأبو جعفر ( خالصة ) بدون تنوين لإضافته إلى ~~{ ذكرى الدار } والإضافة بيانية لأن { ذكرى الدار } هي نفس ms6943 الخالصة ، فكأنه ~~قيل : بذكرى الدار ، وليست من إضافة الصفة إلى الموصوف ولا من إضافة المصدر ~~إلى مفعوله ولا إلى فاعله ، وإنما ذكر لفظ ( خالصة ) ليقع إجمال ثم يفصل ~~بالإضافة للتنبيه على دقة هذا الخلوص كما أشرنا إليه . والتعريف بالإضافة ~~لأنها أقصى طريق للتعريف في هذا المقام . وقرأ الجمهور بتنوين ( خالصة ) ~~فيكون { ذكرى الدار } عطف بيان أو بدلا مطابقا . وغرض الإجمال والتفصيل ~~ظاهر . وإضافة ( خالصة ) إلى { ذكرى الدار } في قراءة نافع من إضافة الصفة ~~إلى الموصوف وإبدالها منها في قراءة الجمهور من إبدال الصفة من الموصوف . ~~ويجوز أن يكون { ذكرى } مرادف الذكر بكسر الذال ، أي الذكر الحسن ، كقوله ~~تعالى : { وجعلنا لهم لسان صدق عليا } ( مريم : 50 ) وتكون { الدار } هي ~~الدار الدنيا . PageV23P278 ويجوز أن يكون مرادفا للذكر بضم الذال وهو ~~التذكر الفكري ومراعاة وصايا الدين . و { الدار } : الدار الآخرة . # وعطف عليه : { إنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار } لأنه مما يبعث على ~~ذكرهم بأنهم اصطفاهم الله من بين خلقه فقربهم إليه وجعلهم أخيارا . # و { الأخيار } : جمع خير بتشديد الياء ، أو جمع خير بتخفيفها مثل الأموات ~~جمعا لميت وميت ، وكلتا الصيغتين تدل على شدة الوصف في الموصوف . # فصل ذكر إسماعيل عن عده مع أبيه إبراهيم وأخيه إسحاق لأن إسماعيل كان جد ~~الأمة العربية ، أي معظمها فإنه أبو العدنانيين . وجد للأم لمعظم ~~القحطانيين لأن زوج إسماعيل جرهمية فلذلك قطع عن عطفه على ذكر إبراهيم وعاد ~~الكلام إليه هنا . # وأما قرنه ذكره بذكر اليسع وذي الكفل بعطف اسميهما على اسمه فوجهه دقيق ~~في البلاغة وليس يكفي في توجيهه ما تضمنه قوله : { وكل من الأخيار } ، لأن ~~التماثل في الخيرية والاصطفاء ثابت لجميع الأنبياء والمرسلين ، فلا يكون ~~ذكرهما بعد ذكر إسماعيل أولى من ذكر غيرهما من ذوي الخيرية الذين شملهم لفظ ~~الأخيار والاصطفاء ، فإن شرط قبول العطف بالواو أن يكون بين المعطوف ~~والمعطوف عليه جامع عقلي أو وهمي أو خيالي كما قال في ( المفتاح ) ، قال ~~ومن هنا عابوا أبا تمام في قوله : # لا والذي هو عالم أن النوى # صبر ms6944 وأن أبا الحسين كريم # حيث جمع بين مرارة النوى وكرم أبي الحسين وإن كانا مقترنين في تعلق علم ~~الله بهما وذلك مساو لاقتران إسماعيل واليسع وذي الكفل في أنهم من الأخيار ~~في هذه الآية . PageV23P279 # فبنا أن نطلب الدقيقة التي حسنت في هذه الآية عطف اليسع وذي الكفل على ~~إسماعيل . فأما عطف اليسع على إسماعيل فلأن اليسع كان مقامه في بني إسرائيل ~~كمقام إسماعيل في بني إبراهيم لأن اليسع كان بمنزلة الابن للرسول إلياس ( ~~إيليا ) وكان إلياس يدافع ملوك يهوذا وملوك إسرائيل عن عبادة الأصنام ، ~~وكان اليسع في إعانته كما كان إسماعيل في إعانة إبراهيم ، وكان إلياس لما ~~رفع إلى السماء قام اليسع مقامه كما هو مبين في سفر ( الملوك الثاني ) ~~الإصحاح ( 1 2 ) . # وأما عطف ذي الكفل على إسماعيل فلأنه مماثل لإسماعيل في صفة الصبر قال ~~الله تعالى في سورة الأنبياء { وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين . ~~وقرأ الجمهور اليسع } بهمزة وصل وبلام واحدة وهي من أصل الاسم في اللغة ~~العبرانية فعربته العرب باللام وليست لام التعريف ، فدع عنك ما أطالوا به . ~~وقرأه حمزة والكسائي بهمزة وصل وبلامين وتشديد الثانية وهو أقرب إلى أصله ~~العبراني وهو اسم أعجمي معرب ، والهمزة واللام ، أو واللامان أصلية . # وتنوين { كل } في قوله : { وكل من الأخيار } عوض عن المضاف إليه ، أي وكل ~~أولئك الثلاثة من الأخيار . وتقدم ذكر اليسع في سورة الأنعام ، وذكر ذي ~~الكفل في سورة الأنبياء . # ( 49 52 ) { } # { هاذا ذكر } جملة فصلت الكلام السابق عن الكلام الآتي بعدها قصدا ~~لانتقال الكلام من غرض إلى غرض مثل جملة : أما بعد فكذا ومثل اسم الإشارة ~~المجرد نحو { هذا وإن للطاغين لشر مئاب } ( ص : 55 ) ، وقوله : { ذلك ومن ~~يعظم حرمات الله } ( الحج : 30 ) ، { وذلك ومن يعظم شعائر الله ، في سورة ~~الحج } . قال في ( الكشاف ) : وهو كما يقول الكاتب إذا فرغ من فصل من كتابه ~~وأراد الشروع في آخر : هذا PageV23P280 وقد كان كيت وكيت اه . وهذا الأسلوب ~~من الانتقال هو المسمى في عرف علماء الأدب بالاقتضاب ms6945 وهو طريقة العرب ومن ~~يليهم من المخضرمين ، ولهم في مثله طريقتان : أن يذكروا الخبر كما في هذه ~~الآية وقولل المؤلفين : هذا باب كذا ، وأن يحذفوا الخبر لدلالة الإشارة على ~~المقصود ، كقوله تعالى : { ذلك ومن يعظم حرمات الله } ( الحج : 30 ) ، أي ~~ذلك شأن الذي عملوا بما دعاهم إليه إبراهيم وذكروا اسم الله على ذبائحهم ~~ولم يذكروا أسماء الأصنام ، وقوله : { ذلك ومن يعظم شعائر الله ، أي ذلك ~~مثل الذين أشركوا بالله ، وقوله بعد آيات هذا وإن للطاغين لشر مئاب } ( ص : ~~55 ) أي هذا مآب المتقين ، ومنه قول الكاتب : هذا وقد كان كيت وكيتت ، ~~وإنما صرح بالخبر في قوله : { هاذا ذكر } للاهتمام بتعيين الخبر ، وأن ~~المقصود من المشار إليه التذكر والاقتداء فلا يأخذ السامع اسم الإشارة مأخذ ~~الفصل المجرد والانتقالل الاقتضابي ، مع إرادة التوجيه بلفظ { ذكر } ~~بتحميله معنى حسن السمعة ، أي هذا ذكر لأولئك المسمين في الآخرين مع أنه ~~تذكرة للمقتدين على نحو المعنيين في قوله تعالى : { وإنه لذكر لك ولقومك في ~~سورة الدخان } ( الزخرف : 44 ) . # ومن هنا احتمل أن تكون الإشارة ب { هذا } إلى القرآن ، أي القرآن ذكر ، ~~فتكون الجملة استئنافا ابتدائيا للتنويه بشأن القرآن راجعا إلى غرض قوله ~~تعالى : { كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب } ~~( ص : 29 ) . # والواو في { وإن للمتقين } الخ ، يجوز أن تكون للعطف الذكري ، أي انتهى ~~الكلام السابق بقولنا { هذا } ونعطف عليه { إن للمتقين } الخ . ويجوز أن ~~تكون واو الحال . وتقدم معنى { حسن مئاب . } واللام في { للمتقين } لام ~~الاختصاص ، أي لهم حسن مآب يوم الجزاء . وانتصب { جناتت عدن } على البيان ~~من { حسن مئاب . } والعدن : الخلود . # و { مفتحة } حال من { جناتت عدن } ، والعامل في الحال ما في { للمتقين } ~~من معنى الفعل وهو الاستقرار فيكون ( ال ) في { الأبواب } عوضا عن الضمير . ~~PageV23P281 والتقدير : أبوابها ، على رأي نحاة الكوفة ، وأما عند البصريين ~~ف { الأبواب } بدل من الضمير في { مفتحة } على أنه بدل اشتمال أو بعض ~~والرابط بينه وبين المبدل منه محذوف تقديره : الأبواب منها . وتفتيح ~~الأبواب كناية عن التمكين ms6946 من الانتفاع بنعيمها لأن تفتيح الأبواب يستلزم ~~الإذن بالدخول وهو يستلزم التخلية بين الداخل وبين الانتفاع بما وراء ~~الأبواب . # وقوله { متكئين فيها } تقدم قريب منه في سورة يس . # و { يدعون } : يأمرون بأن يجلب لهم ، يقال : دعا بكذا ، أي سأل أن يحضر ~~له . والباء في قولهم : دعا بكذا ، للمصاحبة ، والتقدير : دعا مدعوا يصاحبه ~~كذا ، قال عدي بن زيد : # ودعوا بالصبوح يوما فجاءت # قينة في يمينها إبريق # قال تعالى في سورة يس { لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون . # وانتصب متكئين } على الحال من ( المتقين ) وهي حال مقدرة . وجملة { يدعون ~~} حال ثانية مقدرة أيضا . # والشراب : اسم للمشروب ، وغلب إطلاقه على الخمر إذا لم يكن في الكلام ذكر ~~للماء كقوله آنفا { هذا مغتسل بارد وشراب } ( ص : 42 ) . وتنوين { شراب } ~~هنا للتعظيم ، أي شراب نفيس في جنسه ، كقول أبي خراش الهذلي : # لقد وقعت على لحم # و { عندهم قاصرات الطرف : عند } ظرف مكان قريب و { قاصرات الطرف } صفة ~~لموصوف محذوف ، أي نساء قاصرات النظر . وتعريف { الطرف } تعريف الجنس ~~الصادق بالكثير ، أي قاصرات الأطراف . و { الطرف } : النظر بالعين ، وقصر ~~الطرف توجيهه إلى منظور غير متعدد ، فيجوز أن يكون المعنى : أنهن قاصرات ~~أطرافهن على أزواجهن . فالأطراف المقصورة أطرافهن . وإسناد { قاصرات } إلى ~~ضميرهن إسناد حقيقي ، أي لا يوجهن أنظارهن PageV23P282 إلى غيرهم وذلك ~~كناية عن قصر محبتهن على أزواجهن . # ويجوز أن يكون المعنى : أنهن يقصرن أطراف أزواجهن عليهن فلا تتوجه أنظار ~~أزواجهن إلى غيرهن اكتفاء منهم بحسنهن وذلك كناية عن تمام حسنهن في أنظار ~~أزواجهن بحيث لا يتعلق استحسانهم بغيرهن ، فالأطراف المقصورة أطراف أزواجهن ~~، وإسناد { قاصرات } إليهن مجاز عقلي إذ كان حسنهن سبب قصر أطراف الأزواج ~~فإنهن ملابسات سبب سببب القصر . # و { أتراب } : جمع ترب بكسر التاء وسكون الراء ، وهو اسم لمن كان عمره ~~مساويا عمر من يضاف إليه ، تقول : هو ترب فلان ، وهي ترب فلانة ، ولا تلحق ~~لفظ ترب علامة تأنيث . والمراد : أنهن أتراب بعضهن لبعض ، وأنهن أتراب ~~لأزواجهن لأن التحاب بين الأقران أمكن . # والظاهر أن { أتراب } وصف قائم ms6947 بجميع نساء الجنة من مخلوقاتت الجنة ومن ~~النساء اللاتي كن أزواجا في الدنيا لأصحاب الجنة ، فلا يكون بعضهن أحسن ~~شبابا من بعض فلا يلحق بعض أهل الجنة غض إذا كانت نساء غيره أجد شبابا ، ~~ولئلا تتفاوت نساء الواحد من المتقين في شرخ الشباب ، فيكون النعيم بالأقل ~~شبابا دون النعيم بالأجد منهن . وتقدم الكلام على { وعندهم قاصرات الطرف ~~عين في سورة الصافات } . # استئناف ابتدائي فيجوز أن يكون كلاما قيل للمتقين وقت نزول الآية فهو ~~مؤكد لمضمون جملة { وإن للمتقين لحسن مئاب } ( ص : 49 ) . والإشارة إذن إلى ~~ما سبق ذكره من قوله : { لحسن مئاب } فاسم الإشارة هنا مغاير لاستعماله ~~المتقدم في قوله : { هذا ذكر } ( ص : 49 ) . وجيء باسم الإشارة القريب ~~تنزيلا للمشار إليه منزلة المشار إليه الحاضر إيماء إلى أنه محقق وقوعه ~~تبشيرا للمتقين . والتعبير بالمضارع في قوله : { توعدون } على ظاهره . ~~PageV23P283 # ويجوز أن يكون كلاما يقال للمتقين في الجنة فتكون الجملة مقول قول محذوف ~~هو في محل حال ثانية من ( المتقين ) . والتقدير : مقولا لهم : هذا ما ~~توعدون ليوم الحساب . والقول : إما من الملائكة مثل قوله تعالى : { ادخلوا ~~الجنة بما كنتم تعملون } ( النحل : 32 ) ، وإما من جانب الله تعالى نظير ~~قوله لضدهم : { ونقول ذوقوا عذاب الحريق } ( آل عمران : 181 ) . # والإشارة إذن إلى ما هو مشاهد عندهم من النعيم . # وقرأ الجمهور : { توعدون } بتاء الخطاب فهو على الاحتمال الأول التفات من ~~الغيبة إلى الخطاب لتشريف المتقين بعز الحضور لخطاب الله تعالى ، وعلى ~~الاحتمال الثاني الخطاب لهم على ظاهره . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحده ( ~~يوعدون ) بياء الغيبة فهو على الاحتمال الأول التفات عن توجيه الخطاب إليهم ~~إلى توجيهه للطاغين لزيادة التنكيل عليهم . والإشارة إلى المذكور من ( حسن ~~المئاب ) ، وعلى الاحتمال الثاني كذلك وجه الكلام إلى أهل المحشر لتنديم ~~الطاغين وإدخال الحسرة والغم عليهم . والإشارة إلى النعيم المشاهد . # واللام في { ليومم الحساب } لام العلة ، أي وعدتموه لأجل يوم الحساب . ~~والمعنى لأجل الجزاء يوم الحساب ، فلما كان الحساب مؤذنا بالجزاء جعل اليوم ~~هو العلة . وهذه اللام تفيد ms6948 معنى التوقيت تبعا كقوله تعالى : { أقم الصلاة ~~لدلوك الشمس } ( الإسراء : 78 ) تنزيلا للوقت منزلة العلة . ولذلك قال ~~الفقهاء : أوقات الصلوات أسباب . # يجري محمل اسم الإشارة هذا على الاحتمالين المذكورين في الكلام السابق . # والعدول عن الضمير إلى اسم الإشارة لكمال العناية بتمييزه وتوجيه ذهن ~~السامع إليه . وأطلق الرزق على النعمة كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم ~~( لو أن أحدهم قال حين PageV23P284 يضاجع أهله : اللهم جنبنا الشيطان وجنب ~~الشيطان ما رزقتنا ثم ولد لهما ولد لم يمسه شيطان أبدا ) فسمى الولد رزقا . # والتوكيد ب { إن } للاهتمام . والنفاد : الانقطاع والزوال . # ( 55 56 ) # اسم الإشارة { هذا } مستعمل في الانتقال من غرض إلى غرض تنهية للغرض الذي ~~قبله . والقول فيه كالقول في { هاذا ذكر وإن للمتقين لحسن مئاب } ( ص : 49 ~~) . والتقدير : هذا شأن المتقين ، أو هذا الشأن ، أو هذا كما ذكر . # وجملة { يصلونها } حال من { جهنم } وهي حال مؤكدة لمعنى اللام الذي هو ~~عامل في ( الطاغين ) فإن معنى اللام أنهم تختص بهم جهنم واختصاصها بهم هو ~~ذوق عذابها لأن العذاب ذاتي لجهنم . # والطاغي : الموصوف بالطغيان وهو : مجاوزة الحد في الكبر والتعاظم . ~~والمراد بهم عظماء أهل الشرك لأنهم تكبروا بعظمتهم على قبول الإسلام ، ~~وأعرضوا عن دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم بكبر واستهزاء ، وحكموا على ~~عامة قومهم بالابتعاد عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن المسلمين وعن سماع ~~القرآن ، وهم : أبو جهل وأمية بن خلف ، وعتبة بن ربيعة ، والوليد بن عتبة ، ~~والعاصي بن وائل وأضرابهم . # والفاء في { فبئس المهاد } لترتيب الإخبار وتسببه على ما قبله ، نظير عطف ~~الجمل ب ( ثم ) وهي كالفاء في قوله تعالى : { فلم تقتلوهم } ( الأنفال : 17 ~~) بعد قوله : { فلا تولوهم الأدبار في سورة الأنفال } . وهذا استعمال بديع ~~كثير في القرآن وهو يندرج في استعمالات الفاء العاطفة ولم يكشف عنه في ( ~~مغني اللبيب ) . # والمعنى : جهنم يصلونها ، فيتسبب على ذلك أن نذكر ذم هذا المقر لهم ، ~~وعبر عن جهنم ب { المهاد } على وجه الاستعارة ، شبه ما هم فيه من النار من ~~تحتهم بالمهاد ms6949 وهو فراش النائم كقوله تعالى : { لهم من جهنم مهاد } ( ~~الأعراف : 41 ) . PageV23P285 # ( 57 58 ) # اسم الإشارة هنا جار على غالب مواقعه وهو نظير قوله : { هذا ما توعدون ~~ليوم الحساب } ( ص : 53 ) والقول فيه مثله . وإشارة القريب لتقريب الإنذار ~~والمشار إليه ما تضمنه قوله : { جهنم يصلونها } ( ص : 56 ) من الصلي ومن ~~معنى العذاب ، أو الإشارة إلى شر من قوله : { لشر مئاب } ( ص : 55 ) . # و { حميم } خبر عن اسم الإشارة . ومعنى الجملة في معنى بدل الاشتمال لأن ~~شر المآب أو العذاب مشتمل على الحميم والغساق وغيره من شكله ، والمعنى : أن ~~ذلك لهم لقوله : { وإن للطاغين لشر مئاب } ( ص : 55 ) فما فصل به شر المآب ~~وعذاب جهنم فهو في المعنى معمول للام . والحميم : الماء الشديد الحرارة . # والغساق : قرأه الجمهور بتخفيف السين . وقرأه حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ~~وخلف بتشديدها . قيل هما لغتان وقيل : غساق بالتشديد مبالغة في غاسق بمعنى ~~سائل ، فهو على هذا وصف لموصوف محذوف وليس اسما لأن الأسماء التي على زنة ~~فعال قليلة في كلامهم . # والغساق : سائل يسيل في جهنم ، يقال : غسق الجرح ، إذا سال منه ماء أصفر ~~. وأحسب أن هذا الاسم بهذا الوزن أطلقه القرآن على سائل كريه يسقونه كقوله ~~: { بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب } ( الكهف : 29 ) . وأحسب أنه لم ~~تكن هذه الزنة من هذه المادة معروفة عند العرب ، وبذلك يومىء كلام الراغب . ~~وهذا سبب اختلاف المفسرين في المراد منه . والأظهر : أنه صيغ له هذا الوزن ~~ليكون اسما لشيء يشبه ما يغسق به الجرح ، ولذلك سمي بالمهل والصديد في آيات ~~أخرى . # وجملة { فليذوقوه } معترضة بين اسم الإشارة والخبر عنه ، وهذا من ~~الاعتراض PageV23P286 المقترن بالفاء دون الواو ، والفاء فيه كالفاء في ~~قوله : { فبئس المهاد } ( ص : 56 ) وقد تقدمت آنفا . # وموقع الجملة كموقع قوله : { فامنن أو أمسك } ( ص : 39 ) كما تقدم آنفا . # وقوله : { وءاخر } صفة لموصوف محذوف دلت عليه الإشارة بقوله : { هذا } ~~وضمير { فليذوقوه } ووصف آخر يدل على مغاير . وقوله : { من شكله } يدل على ~~أنه مغاير له بالذات وموافق في النوع ، فحصل ms6950 من ذلك أنه عذاب آخر أو مذوق ~~آخر . # والشكل بفتح الشين : المثل ، أي المماثل في النوع ، أي وعذاب آخر غير ذلك ~~الذي ذاقوه من الحميم والغساق هو مثل ذلك المشار إليه أو مثل ذلك الذوق في ~~التعذيب والألم . وأفرد ضمير { شكله } مع أن معاده { حميم وغساق } نظرا إلى ~~إفراد اسم الإشارة ، أو إلى إفراد ( مذوق ) المأخوذ من ( يذوقوه ) ، فقوله ~~: { من شكله } صفة ل { آخر . # والأزواج : جمع زوج بمعنى النوع والجنس ، وقد تقدم عند قوله : ومن كل ~~الثمرات جعل فيها زوجين اثنين في سورة الرعد } . # والمعنى : وعذاب آخر هو أزواج أصناف كثيرة . ولما كان اسما شائعا في كل ~~مغاير صح وصفه ب { أزواج } بصيغة الجمع . # وقرأ الجمهور : { وءاخر } بصيغة الإفراد . وقرأه أبو عمرو ويعقوب { وأخر ~~} بضم الهمزة جمع أخرى على اعتبار تأنيث الموصوف ، أي وأزواج أخر من شكل ~~ذلك العذاب . # ابتداء كلام حكي به تخاصم المشركين في النار فيما بينهم إذا دخلوها كما ~~دل عليه قوله تعالى في آخره : { إن ذلك لحق تخاصم أهل النار } ( ص : 64 ) ، ~~وبه فسر قتادة PageV23P287 وابن زيد ، وجريانه بينهم ليزدادوا مقتا بأن ~~يضاف إلى عذابهم الجسماني عذاب أنفسهم برجوع بعضهم على بعض بالتنديم وسوء ~~المعاملة . # وأسلوب الكلام يقتضي متكلما صادرا منه ، وأسلوب المقاولة يقتضي أن ~~المتكلم به هم الطاغون الذين لهم شر المآب لأنهم أساس هذه القضية . ~~فالتقدير : يقولون ، أي الطاغون بعضهم لبعض : هذا فوج مقتحم معكم ، أي ~~يقولون مشيرين إلى فوج من أهل النار أقحم فيهم ليسوا من أكفائهم ولا من ~~طبقتهم وهم فوج الأتباع من المشركين الذين اتبعوا الطاغين في الحياة الدنيا ~~، وذلك ما دل عليه قوله : { أنتم قدمتموه لنا } ( ص : 60 ) أي أنتم سبب ~~إحضار هذا العذاب لنا . وهو الموافق لمعنى نظائره في القرآن كقوله تعالى : ~~{ كلما دخلت أمة لعنت أختها } ( الأعراف : 38 ) إلى قوله : { بما كنتم ~~تكسبون في سورة الأعراف } ، وقوله : { إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين ~~اتبعوا في سورة البقرة } ، وقوله : { وأقبل بعضهم على بعضض يتسآءلون الآيات ~~من سورة الصافات } . وأوضح ms6951 من ذلك كله قوله تعالى في آخر هذه الآية { إن ~~ذالك لحق تخاصم أهلل النار } ( ص : 64 ) . # فجملة القول المحذوف في موضع الحال من الطاغين . وجملة { هذا فوج } إلى ~~آخرها مقول القول المحذوف . # والفوج : الجماعة العظيمة من الناس ، وتقدم في قوله : { ويوم نحشر من كل ~~أمة فوجا في سورة النمل } . # والاقتحام : الدخول في الناس ، و ( مع ) مؤذنة بأن المتكلمين متبوعون ، ~~وأن الفوج المقتحم أتباع لهم ، فأدخلوا فيهم مدخل التابع مع المتبوع ~~بعلامات تشعر بذلك . # وجملة : { لا مرحبا بهم } معترضة مستأنفة لإنشاء ذم الفوج . و { لا مرحبا ~~} نفي لكلمة يقولها المزور لزائره وهي إنشاء دعاء الوافد . و { مرحبا } ~~مصدر بوزن المفعل ، وهو الرحب بضم الراء وهو منصوب بفعل محذوف دل عليه معنى ~~الرحب ، أي أتيت رحبا ، أي مكانا ذا رحب ، فإذا أرادوا كراهية الوافد ~~والدعاء عليه قالوا : لا مرحبا به ، كأنهم أرادوا النفي بمجموع الكلمة : ~~PageV23P288 # لا مرحبا بغد ولا أهلا به # إن كان تفريق الأحبة في غد # وذلك كما يقولون في المدح : حبذا ، فإذا أرادوا ذما قالوا : لا حبذا . ~~وقد جمعهما قول كنزة أم شملة المنقري تهجو فيه صاحبة ذي الرمة : # ألا حبذا أهل الملا غير أنه # إذا ذكرت مي فلا حبذا هيا # ومعنى الرحب في هذا كله : السعة المجازية ، وهي الفرح ولقاء المرغوب في ~~ذلك المكان بقرينة أن نفس السعة لا تفيد الزائد ، وإنما قالوا ذلك لأنهم ~~كرهوا أن يكونوا هم وأتباعهم في مكان واحد جريا على خلق جاهليتهم من ~~الكبرياء واحتقار الضعفاء . # وجملة { إنهم صالوا النار } خبر ثان عن اسم الإشارة ، والخبر مستعمل في ~~التضجر منهم ، أي أنهم مضايقوننا في مضيق النار كما أومأ إليه قولهم : { ~~مقتحم معكم لا مرحبا بهم } . # فسمعهم الأتباع فيقولون : { بل أنتم لا مرحبا بكم } إضرابا عن كلامهم . ~~وجيء بحكاية قولهم على طريقة المحاورات فلذلك جرد من حرف العطف ، أي أنتم ~~أولى بالشتم والكراهية بأن يقال : لا مرحبا بكم ، لأنكم الذين تسببتم ~~لأنفسكم ولنا في هذا العذاب بإغرائكم إيانا على التكذيب والدوام على الكفر ~~. و ms6952 { بل } للإضراب الإبطالي لرد الشتم عليهم وأنهم أولى به منهم . # وذكر ضمير المخاطبين في قوله : { أنتم لا مرحبا بكم } للتنصل من شتمهم ، ~~أي أنتم المشتومون ، أي أولى بالشتم منا ، وقد استفيد هذا المعنى من حرف ~~الإبطال لا من الضمير لأن الضمير لا مفهوم له ولأن موقعه هنا لا يقتضي حصرا ~~ولا تقويا لأنه مخبر عنه بجملة إنشائية ، أي أنتم يقال لكم : لا مرحبا بكم ~~. # وإذا قد كان قول : مرحبا ، إنشاء دعاء بالخير ، وكان نفيه إنشاء دعاء ~~PageV23P289 بضده ، كان قوله ( بهم ) بيانا لمن وجه الدعاء لهم ، أي إيضاحا ~~للسامع أن الدعاء على أصحاب الضمير المجرور بالباء فكانت الباء فيه للتبيين ~~. قال في ( الكشاف ) : و ( بهم ) بيان لمدعو عليهم . وقال الهمذاني في شرحه ~~( للكشاف ) : يعني : البيان المصطلح ، كأن قائلا يقول : بمن يحصل هذا الرحب ~~؟ فيقول : بهم . وهذا كما في { هيت لك } ( يوسف : 23 ) . يعني أن الباء فيه ~~بمعنى لام التبيين . وهذا المعنى أغفله ابن هشام في معاني الباء . وأشار ~~الهمذاني إلى أنه متولد من معنى السببية . والأحسن عندي أن يكون متولدا من ~~معنى المصاحبة بطريق الاستعارة التبعية ثم غلب استعمال الباء في مثله في ~~كلامهم فصار كالحقيقة لأنه لما صار إنشاء دعاء لم تبق معه ملاحظة الإخبار ~~بحصول الرحب معهم أو بسببهم كما يتجه بالتأمل . # وجملة { أنتم قدتمتوه لنا } علة لقلب سبب الشتم إليهم ، أي لأنكم قدمتم ~~العذاب لنا ، فضمير النصب في { قدمتموه } عائد إلى العذاب المشاهد ، وهو ~~حاضر في الذهن غير مذكور في اللفظ ، مثل { حتى توارت بالحجاب } ( ص : 32 ) ~~. ووقوع { أنتم } قبل { قدمتموه } المسند الفعلي يفيد الحصر ، أي لم يضلنا ~~غيركم فأنتم أحقاء بالعذاب . # والتقديم : جعل الشيء قدام غيره ، قال تعالى : { ذوقوا عذاب الحريق ذلك ~~بما قدمت أيديكم } ( آل عمران : 181 ، 182 ) . فتقديم العذاب لهم جعله ~~قدامهم ، أي جعله حيث يجدونه عند وصولهم . وإسناد تقديم العذاب إلى ~~المخاطبين مجاز عقلي لأن الرؤساء كانوا سببا في تقديم العذاب لأتباعهم ~~بإغوائهم وكان العذاب جزاء عن الغواية . وجعل العذاب مقدما وإنما المقدم ~~العمل ms6953 الذي استحق العذاب ، وهذا مجاز عقلي في المفعول فاجتمع في قوله : { ~~قدمتموه } مجازان عقليان . # وقوله : { فبئس القرار } موقعه كموقع قوله آنفا { فبئس المهاد } ( ص : 56 ~~) . وهو ذم لإقامتهم في جهنم تشنيعا عليهم فيما تسببوا لأنفسهم فيه . ~~والمعنى : فبئس القرار ما قدمتموه لنا ، أي العذاب . والقرار : المكث . ~~PageV23P290 # { قالوا } أي الفوج المقتحم وهو فوج الأتباع ، فهذا من كلام الذين قالوا ~~{ بل أنتم لا مرحبا بكم } ( ص : 60 ) لأن قولهم : { من قدم لنا هذا } يعين ~~هذا المحمل . ولذلك حق أن يتساءل الناظر عن وجه إعادة فعل { قالوا } وعن ~~وجه عدم عطفه على قولهم الأول . # فأما إعادة فعل القول فلإفادة أن القائلين هم الأتباع فأعيد فعل القول ~~تأكيدا للفعل الأول لقصد تأكيد فاعل القول تبعا لأنه محتمل لضمير القائلين ~~. # والمقصود من حكاية قولهم : { هاذا } تحذير كبراء المشركين من عواقب ~~رئاستهم وزعامتهم التي يجرون بها الويلات على أتباعهم فيوقعونهم في هاوية ~~السوء حتى لا يجد الأتباع لهم جزاء بعد الفوت إلا طلب مضاعفة العذاب لهم . ~~وأما تجريد فعل { قالوا } عن العاطف فلأنه قصد به التوكيد اللفظي والتوكيد ~~اللفظي يكون على مثال الموكد . # ولا تلتبس حكاية هذا القول على هذه الكيفية بحكاية المحاورات فيحسب أنه ~~من كلام الفريق الآخر لأن الدعاء بعنوان { من قدم لنا هذا } يعين أن قائليه ~~هم القائلون { أنتم قدمتموه لنا } ( ص : 60 ) ، وأن الذين قدموا لهم هم ~~الطاغون . وفي معنى هذه الآية آية سورة الأعراف { قالت أخراهم لأولاهم ربنا ~~هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار . # و من } في قوله : { من قدم لنا هذا } موصولة ، وجملة { فزده } خبر عن { ~~من } ، واقتران الخبر بالفاء جرى على معاملة الموصول معاملة الشرط في قرن ~~خبره بالفاء وهو كثير ، وتقدم عند قوله تعالى : { والذين يكنزون الذهب ~~والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم في سورة براءة } . # والضعف ، بكسر الضاد : يستعمل اسم مصدر ضعف وضاعف ، فهو اسم التضعيف ~~والمضاعفة ، أي تكرير المقدار وتكرير القوة ، وهو من الألفاظ المتضايفة ~~المعاني كالنصف والزوج . PageV23P291 # ويستعمل اسما بمعنى الشيء ms6954 المضاعف ، وهذا هو قياس زنة فعل بكسر الفاء ~~وسكون العين ، فهو بمعنى : الشيء الذي ضوعف لأن زنه فعل تدل على ما سلط ~~عليه فعل نحو ذبح ، أي مذبوح . # ( 62 63 ) # عطف على { هذا فوج مقتحم معكم } ( ص : 59 ) على ما قدر فيه من فعلل قول ~~محذوفف كما تقدم ، فهذا من قول الطاغين فإنهم الذين كانوا يحقرون المسلمين ~~. # والاستفهام في { ما لنا لا نرى رجالا } استفهام يلقيه بعضهم لبعض تلهفا ~~على عدم رؤيتهم من عرفوهم من المسلمين مكنى به عن ملام بعضهم لبعض على ~~تحقيرهم المسلمين واعترافهم بالخطأ في حسبانهم . فليس الاستفهام عن عدم ~~رؤيتهم المسلمين في جهنم استفهاما حقيقيا ناشئا عن ظن أنهم يجدون رجال ~~المسلمين معهم إذ لا يخطر ببال الطاغين أن يكون رجال المسلمين معهم ، كيف ~~وهم يعلمون أنهم بضد حالهم فلا يتوهمونهم معهم في العذاب ، ويجوز أن يكون ~~الاستفهام حقيقيا استفهموا عن مصير المسلمين لأنهم لم يروهم يومئذ ، إذ قد ~~علموا أن الناس صاروا إلى عالم آخر وهو الذي كانوا ينذرون به ، ويكون قولهم ~~: { ما لنا لا نرى رجالا } الخ تمهيدا لقولهم : { أتخذناهم سخريا } على ~~كلتا القراءتين الآتي ذكرهما . # و { الأشرار } : جمع شر الذي هو بمعنى الأشر ، مثل الأخيار جمع خير بمعنى ~~الأخير ، أو هو : جمع شرير ضد الخير ، أي الموصوفين بشر الحالة ، أي كنا ~~نحسبهم أشقياء قد خسروا لذة الحياة باتباعهم الإسلام ورضاهم بشظف العيش ، ~~وهم يعنون أمثال بلال ، وعمار بن ياسر ، وصهيب ، وخباب ، وسلمان . وليس ~~المراد أنهم يعدونهم أشرارا في الآخرة مستحقين العذاب فإنهم لم يكونوا ~~يؤمنون بالبعث . # وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم { أتخذناهم } بهمزة قطع هي همزة ~~PageV23P292 الاستفهام ، وحذفت همزة الوصل من فعل ( اتخذنا ) لأنها لا تثبت ~~مع همزة الاستفهام لعدم صحة الوقف على همزة الاستفهام ، فجملة { أتخذناهم } ~~بدل من جملة { ما لنا لا نرى رجالا } . و { أم } حرف إضراب ، والتقدير : بل ~~زاغت عنهم أبصارنا . # والزيغ : الميل عن الجهة ، أي مالت أبصارنا عن جهتهم فلم تنظرهم . # و ( أل ) في { الأبصار } عوض عن ms6955 المضاف إليه ، أي أبصارنا ، فيكون المعنى ~~: أكان تحقيرنا إياهم في الدنيا خطأ . وكنى عنه باتخاذهم سخريا لأن في فعل ~~{ أتخذناهم } إيماء إلى أنهم ليسوا بأهل للسخرية ، وهذا تندم منهم على ~~الاستسخار بهم . # وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف { أتخذناهم } بهمزة وصل على أن ~~الجملة صفة { رجالا } ثانية وعليه تكون { أم منقطعة للإضراب عن قولهم ~~اتخذناهم سخريا } أي بل زاغت عنهم الأبصار . # والسخري : اسم مصدر سخر منه ، إذا استهزأ به ، فالسخري الاستهزاء ، وهو ~~دال على شدة الاستهزاء لأن ياءه في الأصل ياء نسب وياء النسب تأتي للمبالغة ~~في الوصف . وقرأ نافع وحمزة والكسائي وأبو جعفر وخلف بضم السين . وقرأه ~~الباقون بكسر السين كما تقدم في سورة المؤمنين . # تذييل وتنهية لوصف حال الطاغين وأتباعهم ، وعذابهم ، وجدالهم . وتأكيد ~~الخبر بحرف التوكيد منظور فيه لما يلزم الخبر من التعريض بوعيد المشركين ~~وإثبات حشرهم وجزائهم بأنه حق ، أي ثابت كقوله : { وإن الدين لواقع } ( ~~الذاريات : 6 ) . PageV23P293 # والإشارة إلى ما حكي عنهم من المقاولة . وسميت المقاولة تخاصما ، أي ~~تجادلا وإن لم تقع بينهم مجادلة ، فإن الطاغين لم يجيبوا الفوج على قوله : ~~{ بل أنتم لا مرحبا بكم } ( ص : 60 ) ، ولكن لما اشتملت المقاولة على ما هو ~~أشد من الجدال وهو قول كل فريق للآخر { لا مرحبا بكم } كان الذم أشد من ~~المخاصمة فأطلق عليه اسم التخاصم حقيقة . وتقدم ذكر الخصام عند قوله تعالى ~~: { هذان خصمان في سورة الحج } . # وأضيف هذا التخاصم إلى أهل النار كلهم اعتبارا بغالب أهلها لأن غالب أهل ~~النار أهل الضلالات الاعتقادية وهم لا يعدون أن يكونوا دعاة للضلال أو ~~أتباعا للدعاة إليه فكلهم يجري بينهم هذا التخاصم ، أما من كان في النار من ~~العصاة فكثير منهم ليس عصيانه إلا تبعا لهواه مع كونه على علم بأن ما يأتيه ~~ضلالة لم يسوله له أحد . # و { أهلل النار } هم الخالدون فيها ، كقولهم : أهل قرية كذا ، فإنه لا ~~يشمل المغترب بينهم ، على أن وقت نزول هذه الآية لم يكن في مكة غير ~~المسلمين الصالحين وغير المشركين ms6956 ، فوصف أهل النار يومئذ لا يتحقق إلا في ~~المشركين دون عصاة المسلمين . وقوله : { تخاصم أهلل النار } إما خبر مبتدأ ~~محذوف ، تقديره : هو تخاصم أهل النار ، والجملة استئناف لزيادة بيان مدلول ~~اسم الإشارة ، أو هو مرفوع على أنه خبر ثان عن { إن ، } أو على أنه بدل من ~~{ لحق . # ( 65 66 ) } # هذا راجع إلى قوله : { وقال الكافرون هاذا ساحر كذاب } ( ص : 4 ) إلى ~~قوله : { أءنزل عليه الذكر من بيننا } ( ص : 8 ) ، فلما ابتدرهم الجواب عن ~~ذلك التكذيب بأن نظر حالهم بحال الأمم المكذبة من قبلهم ولتنظير حال الرسول ~~صلى الله عليه وسلم بحال الأنبياء الذين صبروا ، واستوعب ذلك بما فيه مقنع ~~عاد الكلام إلى تحقيق مقام الرسول صلى الله عليه وسلم من قومه فأمره الله ~~أن يقول : { إنما أنا منذر } مقابل قولهم : { هاذا ساحر PageV23P294 كذاب } ~~، وأن يقول : { ما من إله إلا الله } مقابل إنكارهم التوحيد كقولهم : { ~~أجعل الآلهة إلاها واحدا } ( ص : 5 ) فالجملة استئناف ابتدائي . وذكر صفة ~~الواحد تأكيد لمدلول { ما من إله إلا الله } إماء إلى رد إنكارهم . وذكر ~~صفة { القهار } تعريض بتهديد المشركين بأن الله قادر على قهرهم ، أي غلبهم ~~. وتقدم الكلام على القهر عند قوله تعالى : { وهو القاهر فوق عباده في سورة ~~الأنعام . # وإتباع ذلك بصفة رب السمواتت والأرض وما بينهما } تصريح بعموم ربوبيته ~~وأنه لا شريك له في شيء منها . ووصف { العزيز } تمهيد للوصف ب { الغفار } ، ~~أي الغفار عن عزة ومقدرة لا عن عجز وملق أو مراعاة جانب مساو . والمقصود من ~~وصف { الغفار } هنا استدعاء المشركين إلى التوحيد بعد تهديدهم بمفاد وصف { ~~القهار } لكي لا ييأسوا من قبول التوبة بسبب كثرة ما سيق إليهم من الوعيد ~~جريا على عادة القرآن في تعقيب الترهيب بالترغيب والعكس . # ( 67 70 ) # إعادة الأمر بالقول هنا مستأنفا . والعدول عن الإتيان بحرف يعطف المقول ~~أعني { هو نبؤا عظيم } على المقول السابق أعني { أنا منذر } ( ص : 65 ) ، ~~عدول يشعر بالاهتمام بالمقول هنا كي لا يؤتى به تابعا لمقولل آخر فيضعف ~~تصدي السامعين لوعيه . # وجملة { قل ms6957 هو نبؤا عظيم أنتم عنه معرضون } يجوز أن تكون في موقع ~~الاستئناف الابتدائي انتقالا من غرض وصف أحوال أهل المحشر إلى غرض قصة ~~PageV23P295 خلق آدم وشقاء الشيطان ، فيكون ضمير { هو } ضمير شأن يفسره ما ~~بعده وما يبين به ما بعده من قوله : { إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا ~~من طين } ( ص : 71 ) جعل هذا كالمقدمة للقصة تشويقا لتلقيها فيكون المراد ~~بالنبأ نبأ خلق آدم وما جرى بعده ، ويكون ضمير { يختصمون } عائدا إلى الملأ ~~الأعلى لأن الملأ جماعة . ويراد بالاختصام الاختلاف الذي جرى بين الشيطان ~~وبين من بلغ إليه من الملائكة أمر الله بالسجود لآدم ، فالملائكة هم الملأ ~~الأعلى وكان الشيطان بينهم فعد منهم قبل أن يطرد من السماء . # ويجوز أن تكون جملة { قل هو نبؤا عظيم } الخ تذييلا للذي سبق من قوله : { ~~وإن للمتقين لحسن مئاب } ( ص : 49 ) إلى هنا ، تذييلا يشعر بالتنويه به ~~وبطلب الإقبال على التدبر فيه والاعتبار به . وعليه يكون ضمير { هو } ضميرا ~~عائدا إلى الكلام السابق على تأويله بالمذكور فلذلك أتي لتعريفه بضمير ~~المفرد . # والمراد بالنبأ : خبر الحشر وما أعد فيه للمتقين من حسن مآب ، وللطاغين ~~من شر مآب ، ومن سوء صحبة بعضهم لبعض ، وتراشقهم بالتأنيب والخصام بينهم ~~وهم في العذاب ، وترددهم في سبب أن لم يجدوا معهم المؤمنين الذين كانوا ~~يعدونهم من الأشرار . ووصف النبأ ب { عظيم } تهويل على نحو قوله تعالى : { ~~عم يتساءلون عن النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون } ( النبأ : 1 3 ) . ~~وعظمة هذا النبأ بين الأنباء من نوعه من أنباء الشر مثل قوله : { فساد كبير ~~} ( الأنفال : 73 ) ، فتم الكلام عند قوله تعالى : { أنتم عنه معرضون } . # فتكون جملة { ما كان لي من علم بالملأ الأعلى } إلى قوله : { نذير مبين } ~~استئنافا للاستدلال على صدق النبأ بأنه وحي من الله ولولا أنه وحي لما كان ~~للرسول صلى الله عليه وسلم قبل بمعرفة هذه الأحوال على حد قوله تعالى : { ~~وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون } ~~( آل عمران ms6958 : 44 ) ، ونظائر هذا الاستدلال كثيرة في القرآن . PageV23P296 # وتكون جملة { إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا } ( ص : 71 ) إلى آخره ~~استئنافا ابتدائيا . # وعلى هذا فضمير { يختصمون } عائد إلى أهل النار من قوله : { تخاصم أهلل ~~النار } ( ص : 64 ) إذ لا تخاصم بين أهل الملأ الأعلى . والمعنى : ما كان ~~لي من علم بعالم الغيب وما يجري فيه من الإخبار بما سيكون إذ يختصم أهل ~~النار في النار يوم القيامة . # وعلى كلا التفسيرين فمعنى { أنتم عنه معرضون } ، أنهم غافلون عن العلم به ~~فقد أعلموا بالنبأ بمعناه الأول وسيعلمون قريبا بالنبأ بمعناه الثاني . # وجيء بالجملة الاسمية في قوله : { أنتم عنه معرضون } لإفادة إثبات ~~إعراضهم وتمكنه منهم ، فأما إعراضهم عن النبأ بمعناه الأول فظاهر تمكنه من ~~نفوسهم لأنه طالما أنذرهم بعذاب الآخرة ووصفه فلم يكترثوا بذلك ولا ارعووا ~~عن كفرهم . وأما إعراضهم عن النبأ بمعناه الثاني ، فتأويل تمكنه من نفوسهم ~~عدم استعدادهم للاعتبار بمغزاه من تحقق أن ما هم فيه هو وسوسة من الشيطان ~~قصدا للشر بهم . # ولعل هذه الآية من هذه السورة هي أول ما نزل على النبي صلى الله عليه ~~وسلم من ذكر قصة خلق آدم وسجود الملائكة وإباء إبليس من السجود ، فإن هذه ~~السورة في ترتيب نزول سور القرآن لا يوجد ذكر قصة آدم في سورة نزلت قبلها . ~~فذلك وجه التوطئة للقصة بأساليب العناية والاهتمام مما خلا غيرها عن مثله ~~وبأنها نبأ كانوا معرضين عنه . وأيا ما كان فقوله : { أنتم عنه معرضون } ~~توبيخ لهم وتحميق . # وجملة { ما كان لي من علمم بالملأ الأعلى إذ يختصمون } اعتراض إبلاغ في ~~التوبيخ على الإعراض عن النبأ العظيم ، وحجة على تحقق النبأ بسبب أنه موحى ~~به من الله وليس للرسول صلى الله عليه وسلم سبيل إلى عمله لولا وحي الله ~~إليه به . وذكر فعل { كان } دال على أن المنفي علمه بذلك فيما مضى من الزمن ~~قبل أن يوحى إليه بذلك كما PageV23P297 قال تعالى : { وما كنت لديهم إذ ~~يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ ms6959 يختصمون } ( آل عمران : 44 ~~) وقوله : { وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من ~~الشاهدين } ( القصص : 44 ) . # والباء في قوله : { بالملأ الأعلى } على كلا المعنيين للنبأ ، لتعدية { ~~علم } لتضمينه معنى الإحاطة ، وهو استعمال شائع في تعدية العلم . ومنه ما ~~في حديث سؤال الملكين في ( الصحيح ) فيقال له : ما علمك بهذا الرجل . ويجوز ~~على المعنى الثاني في النبأ أن تكون الباء ظرفية ، أي ما كان لي علم كائن ~~في الملأ الأعلى ، أي ما كنت حاضرا في الملأ الأعلى فهي كالباء في قوله : { ~~وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر } ( القصص : 44 ) . # والملأ : الجماعة ذات الشأن ، ووصفه ب { الأعلى } لأن المراد ملأ ~~السماوات وهم الملائكة ولهم علو حقيقي وعلو مجازي بمعنى الشرف . # و { إذ يختصمون } ظرف متعلق بفعل { ما كان لي من علم } أي حين يختصم أهل ~~الملأ الأعلى على أحد التأويلين ، أي في حين تنازع الملائكة وإبليس في ~~السماء . والتعبير بالمضارع في موضع المضي لقصد استحضار الحالة ، أو حين ~~يختصم الطاغون وأتباعهم في النار بين يدي الملأ الأعلى ، أي ملائكة النار ~~أو ملائكة المحشر ، والمضارع على أصله من الاستقبال . # والاختصام : افتعال من خصمه ، إذا نازعه وخالفه فهو مبالغة في خصم . # وجملة { إن يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين } مبينة لجملة { ما كان لي ~~من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون } ، أي ما علمت بذلك النبأ إلا بوحي من ~~الله وإنما أوحى الله إلي ذلك لأكون نذيرا مبينا . # وقد ركبت هذه الجملة من طريقين للقصر : أحدهما طريق النفي والاستثناء ، ~~والآخر طريق { أنما } المفتوحة الهمزة وهي أخت ( إنما ) المكسورة الهمزة في ~~معانيها التي منها إفادة الحصر ، ولا التفات إلى قول من نفوا إفادتها الحصر ~~فإنها مركبة من PageV23P298 ( أن ) المفتوحة الهمزة و ( ما ) الكافة وليست ~~( أن ) المفتوحة الهمزة إلا ( إن ) المكسورة تغير كسرة همزتها إلى فتحة ~~لتفيد معنى مصدريا مشربا ب ( أن ) المصدرية إشرابا بديعا جعل شعاره فتح ~~همزتها لتشابه ( أن ) المصدرية في فتح الهمزة وتشابه ( أن ) في تشديد ms6960 النون ~~، وهذا من دقيق الوضع في اللغة العربية . وتكون { أنما } مفتوحة الهمزة إذا ~~جعلت معمولة لعامل في الكلام . والذي يقتضيه مقام الكلام هنا أن فتح همزة { ~~أنما } لأجل لام تعليل مقدرة مجرور بها { أنما } . والتقدير : إلا لأنما ~~أنا نذير ، أي إلا لعلة الإنذار ، أي ما أوحي إلي نبأ الملأ الأعلى إلا ~~لأنذركم به ، أي ليس لمجرد القصص . # فالاستثناء من علل ، وقد نزل فعل { يوحى } منزلة اللازم ، أي ما يوحى إلي ~~وحي فلا يقدر له مفعول لقلة جدواه وإيثار جدوى تعليل الوحي . # وبهذا التقدير تكمل المناسبة بين موقع هذه الجملة وموقع جملة { ما كان لي ~~من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون } المبينة بها جملة { قل هو نبؤا عظيم ~~أنتم عنه معرضون } ، إذ لا مناسبة لو جعل { أنما أنا نذير مبين } مستثنى من ~~نائب فاعل الوحي بأن يقدر : إن يوحى إلي شيء إلا أنما أنا نذير مبين ، أي ~~ما يوحى إلي شيء إلا كوني نذيرا ، وإن كان ذلك التقدير قد يسبق إلى الوهم ~~لكنه بالتأمل يتضح رجحان تقدير العلة عليه . # فأفادت جملة { إن يوحى إلي أنما أنا نذير مبين } حصر حكمة ما يأتيه من ~~الوحي في حصول الإنذار وحصر صفة الرسول صلى الله عليه وسلم في صفة النذارة ~~، ويستلزم هذان الحصران حصرا ثالثا ، وهو أن إخبار القرآن وحي من الله ~~وليست أساطير الأولين كما زعموا . فحصل في هذه الجملة ثلاثة حصور : اثنان ~~منها بصريح اللفظ ، والثالث بكناية الكلام ، وإلى هذا المعنى أشار قوله ~~تعالى : { وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما ~~أتاهم من نذير من قبلك } ( القصص : 46 ) . وهذه الحصور : اثنان منها ~~إضافيان ، وهما قصر ما يوحى إليه على علة النذارة وقصر الرسول صلى الله ~~عليه وسلم على صفة النذارة ، وكلاهما قلب لاعتقادهم أنهم يسمعون القرآن ~~ليتخذوه لعبا PageV23P299 واعتقادهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم ساحر أو ~~مجنون . وعلم من هذا أن ذكر نبأ خلق آدم قصد به الإنذار من كيد الشيطان . ~~وقرأ أبو جعفر { إلا ms6961 إنما } بكسر همزة { إنما } على تقدير القول ، أي ما ~~يوحى إلا هذا الكلام . # ( 71 74 ) { } # موقع { إذ قال ربك للملائكة } صالح لأن يكون استئنافا فإذا جعلنا النبأ ~~بمعنى نبأ أهل المحشر الموعود به فيكون { إذ قال } متعلقا بفعل محذوف ~~تقديره : أذكر ، على أسلوب قوله : { وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم إذ ~~قال موسى لأهله إني آنست نارا } ( النمل : 6 ، 7 ) ، ونظائره . # فإما على جعل النبأ بمعنى نبأ خلق آدم فإن جملة { إذ قال ربك } بدل من { ~~إذ يختصمون } ( ص : 69 ) بدل بعض من كل لأن مجادلة الملأ الأعلى على كلا ~~التفسيرين المتقدمين غير مقتصرة على قضية قصة إبليس ، فقد روى الترمذي ~~بسنده عن مالك بن يخامر عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثا طويلا في رؤيا ~~النبي صلى الله عليه وسلم ( أنه رأى ربه تعالى فقال له : يا محمد فيم يختصم ~~الملأ الأعلى ؟ قلت : لا أدري . قالها ثلاثا . ثم قال بعد الثالثة بعد أن ~~فتح الله عليه ، قلت : في الكفارات . قال : ما هن ؟ قلت مشي الأقدام إلى ~~الحسنات والجلوس في المساجد ) . وذكر أشياء من الأعمال الصالحة ( ولم يذكر ~~اختصامهم في قضية خلق آدم ) . وقال الترمذي هو حديث حسن صحيح وقال عن ~~البخاري : إنه أصح من غيره مما في معناه ولم يخرجه البخاري في ( صحيحه ) ~~وليس في الحديث أنه تفسير لهذه الآية ، وإنما جعله الترمذي في كتاب ( ~~التفسير ) لأن ما ذكر فيه بعض مما يختصم فيه أهل الملأ الأعلى مراد به ~~اختصام خاص هو ما جرى بينهم في قصة خلق آدم والمقاولة بين الله وبين ~~الملائكة لأن قوله : { فسجد الملائكة } يقتضي أنهم قالوا كلاما دل على أنهم ~~أطاعوا الله فيما أمرهم به ، بل ورد في سورة البقرة تفصيل ما جرى من قول ~~الملائكة فهو يبين ما PageV23P300 أجمل هنا وإن كان متأخرا إذ المقصود من ~~سوق القصة هنا الاتعاظ بكبر إبليس دون ما نشأ عن ذلك . ويجوز أن يكون { إذ ~~قال ربك } منصوبا بفعل مقدر ، أي اذكر إذ قال ربك للملائكة ms6962 ، وهو بناء على ~~أن ضمير { هو نبؤا عظيم } ( ص : 67 ) ليس ضمير شأن بل هو عائد إلى ما قبله ~~وأن { إذ يختصمون } ( ص : 69 ) مراد به خصومة أهل النار . وقصة خلق آدم ~~تقدم ذكرها في سور كثيرة أشبهها بما هنا ما في سورة الحجر ، وأبينها ما في ~~سورة البقرة . # ووقع في سورة الحجر { إلا إبليس أبى } وفي هذه السورة { إلا إبليس استكبر ~~} فيكون ما في هذه الآية يبين الباعث على الإباية . ووقعت هنا زيادة { وكان ~~من الكافرين } ، وهو بيان لكون المراد في سورة الحجر من قوله : { أن يكون ~~مع الساجدين } الإباية من الكون من الساجدين لله ، أي المنزهي الله عن ~~الظلم والجهل . # ووقع في هذه السورة { وكان من الكافرين } ، ومعناه أنه كان كافرا ساعتئذ ~~، أي ساعة إبائه من السجود ولم يكن قبل كافرا ، ففعل { كان } الذي وقع في ~~هذا الكلام حكاية لكفره الواقع في ذلك الوقت . قال الزجاج : ( ( كان ) جار ~~على باب سائر الأفعال الماضية إلا أن فيه إخبارا عن الحالة فيما مضى ، إذا ~~قلت : كان زيد عالما ، فقد أنبأت عن أن حالته فيما مضى من الدهر هذا ، وإذا ~~قلت : سيكون عالما فقد أنبأت عن أن حالة ستقع فيما يستقبل ، فهما عبارتان ~~عن الأفعال والأحوال ) اه . # وقد بدت من إبليس نزعة كانت كامنة في جبلته وهي نزعة الكبر والعصيان ، ~~ولم تكن تظهر منه قبل ذلك لأن الملأ الذي كان معهم كانوا على أكمل حسن ~~الخلطة فلم يكن منهم مثير لما سكن في نفسه من طبع الكبر والعصيان . فلما ~~طرأ على ذلك الملأ مخلوق جديد وأمر أهل الملأ الأعلى بتعظيمه كان ذلك موريا ~~زناد الكبر في نفس إبليس فنشأ عنه الكفر بالله وعصيان أمره . PageV23P301 # وهذا ناموس خلقي جعله الله مبدأ لهذا العالم قبل تعميره ، وهو أن تكون ~~الحوادث والمضائق معيار الأخلاق والفضيلة ، فلا يحكم على نفس بتزكية أو ~~ضدها إلا بعد تجربتها وملاحظة تصرفاتها عند حلول الحوادث بها . وقد مدح رجل ~~عند عمر بن الخطاب بالخير ، فقال عمر : هل أريتموه الأبيض ms6963 والأصفر ؟ يعني ~~الدراهم والدنانير . وقال الشاعر : # لا تمدحن امرأ حتى تجربه # ولا تذمنه من قبل تجريب # إن الرجال صناديق مقفلة # وما مفاتيحها غير التجاريب # ووجه كونه من الكافرين أنه امتنع من طاعة الله امتناع طعن في حكمة الله ~~وعلمه ، وذلك كفر لا محالة ، وليس كامتناع أحد من أداء الفرائض إن لم يجحد ~~أنها حق خلافا للخوارج وكذلك المعتزلة . # ( 75 76 ) # أي خاطب الله إبليس ولا شك أن هذا الخطاب حينئذ كان بواسطة ملك من ~~الملائكة لأن إبليس لما استكبر قد انسلخ عن صفة الملكية فلم يعد بعد أهلا ~~لتلقي الخطاب من الله ولم يكن أرفع رتبة من الرسل الذين قال الله فيهم { ~~وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي ~~بإذنه ما يشاء } ( الشورى : 51 ) ، وبذلك تكون المحاورة المحكية هنا بواسطة ~~ملك فيكون الاختصام بينه وبين الملائكة على جعل ضمير { يختصمون } ( ص : 69 ~~) عائدا إلى الملأ الأعلى كما تقدم . # وجيء بفعل { قال } غير معطوف حسب طريقة المقاولات . وتقدم قريب من هذه ~~الآية في سورة الحجر إلا قوله هنا { ما منعك أن تسجد } ، أي ما منعك من ~~السجود ، ووقع في سورة ( الأعراف : 12 ) { أن لا تسجد على أن لا زائدة . ~~وحكي هنا أن الله قال له : لما خلقت بيدي } ، أي خلقته بقدرتي ، أي خلقا ~~خاصا دفعة ومباشرة لأمر التكوين ، فكان تعلق هذا التكوين تعلقا أقرب من ~~تعلقه بإيجاد الموجودات PageV23P302 المرتبة لها أسباب تباشرها من حمل ~~وولادة كما هو المعروف في تخلق الموجودات عن أصولها . ولا شك في أن خلق آدم ~~فيه عناية زائدة وتشريف اتصال أقرب . فاليدان تمثيل لتكون آدم من مجرد أمر ~~التكوين للطين بهيئة صنع الفخاري للإناء من طين إذ يسويه بيديه . وكان ~~السلف يقرون أن اليدين صفة خاصة لله تعالى لورودهما في القرآن مع جزمهم ~~بتنزيه الله عن مشابهة المخلوقات وعن الجسمية وقصدهم الحذر من تحكيم الآراء ~~في صفات الله ، أو أن تحمل العقول القاصرة صفاتت الله على ما تعارفته ms6964 { ~~ولتصنع على عيني } ( طه : 39 ) وقال مرة { فإنك بأعيننا } ( الطور : 48 ) . ~~وقد تقدم القول في الآيات المشاهبة في أول سورة آل عمران . # وفي إلقاء هذا السؤال إلى إبليس قطع بمعذرته . والمعنى : أمن أجل أنك ~~تتعاظم بغير حق أم لأنك من أصحاب العلو ، والمراد بالعلو الشرف ، أي من ~~العالين على آدم فلا يستحق أن تعظمه فأجاب إبليس مما يشق الثاني . فتبين ~~أنه يعد نفسه أفضل من آدم لأنه مخلوق من النار وآدم مخلوق من الطين ، يعني ~~والنار أفضل من الطين ، أي في رأيه . وعبر عن آدم باسم ( ما ) الموصولة وهو ~~حينئذ إنسان لأن سجود الملائكة لآدم كان بعد خلقه وتعليمه الأسماء كما في ~~سورة البقرة . ويؤيد قول أهل التحقيق أن ( ما ) لا تختص بغير العاقل ~~وشواهده كثيرة في القرآن وغيره من كلام العرب . # وقال : { أنا خير منه } قول من الشيطان حكي على طريقة المحاورات . وجملة ~~{ خلقتني من نار وخلقته من طين } بيان لجملة { أنا خير منه } . وقد جعل ~~إبليس عذره مبنيا على تأصيل أن النار خير من الطين ولم يرد في القرآن أن ~~الله رد عليه هذا التأصيل لأنه أحقر من ذلك فلعنه وأطرده لأنه ادعى باطلا ~~وعصى ربه استكبارا : وطرده أجمع لإبطال علمه ودحض دليله ، غير أن النور ~~الذي في النار نور عارض قائم بالأجسام الملتهبة التي تسمى نارا ، وليس ~~للنار قيام بنفسها ولذلك لم تعد أن يكون كيانها مخلوطا بما يلهبها . # ومعنى كون الشيطان مخلوقا من النار أن ابتداء تكون الذرة الأصلية لقوام ~~PageV23P303 ماهيته من عنصر النار ، ثم تمتزج تلك الذرة بعناصر أخرى مثل ~~الهواء وما الله أعلم به . ومعنى كون آدم مخلوقا من الطين أن ابتداء تكون ~~ذرات جثمانه من عنصر التراب وأدخل على تلك الذرات ما امتزجت به عناصر ~~الهواء والماء والنار وما يتولد على ذلك التركيب من عناصر كيماوية وقوة ~~كهربائية تتقوم بمجموعها ماهية الإنسان . # وتكون { من } في الموضعين ابتدائية لا تبعيضية . # وقد جزم الفلاسفة الأولون والأطباء بأن عنصر النار أشرف من عنصر التراب ~~ويعبر عنه ms6965 بالأرض لأن النار لطيفة مضيئة اللون والتراب كثيف مظلم اللون . # وقال الشيرازي في ( شرح كليات القانون ) : إن النار وإن ترجحت على الأرض ~~بما ذكر فالأرض راجحة عليها بأنها خير للحيوان والنبات ، وغير مفسدة ببردها ~~، بخلاف النار فإنها مفسدة بحرها لكونه في الغاية إلى غير ذلك . # والحق : أن أفضلية العناصر لا تقتضي أفضلية الكائنات المنشأة منها لأن ~~العناصر أجرام بسيطة لا تتكون المخلوقات من مجردها بل المخلوقات تتكون ~~بالتركيب بين العناصر ، والأجسام الإنسانية مركبة من العناصر كلها . والروح ~~الآدمي لطيفة نورانية تفوق بها الإنسان على جميع المركبات بأن كان فيه جزء ~~ملكي شارك به الملائكة ، ولذلك طلب منه خالقه تعالى وتقدس أن يلحق نفسه ~~بالملائكة فتحقق ذلك الالتحاق كاملا في الأنبياء والمرسلين ومن أجل ذلك ~~قلنا : إن الأنبياء والرسل أفضل من الملائكة لاستواء الفريقين في تمحض ~~النورانية وتميز فريق الأنبياء بأنهم لحقوا تلك المراتب بالاصطفاء والطاعة ~~، فليس لإبليس دليل في التفضيل على آدم وإنما عرضت له شبهة ضالة ولذلك جوزي ~~على إبائه من السجود إليه بالطرد من الملأ الأعلى . # وإنما بسطنا القول هنا لرد شبه طائفة من الملاحدة الذين يصوبون شبهة ~~إبليس طعنا في الدين لا إيمانا بالشياطين ليعلموا أنه لو سلمنا أن النار ~~أشرف من الطين لما كان ذلك مقتضيا أن يكون ما ينشأ من النار أفضل مما ينشأ ~~من الطين لأن PageV23P304 المخلوق كائن مركب من عناصر وأجزاء متفاوتة ~~والتركيب قد يدخل على المادة الأولى شرفا وقد يدخل عليها حقارة ، والتفاضل ~~إنما يتقوم من الكمال في الذات والآثار . # ( 77 78 ) # عاقبه الله على ما برز من نفسانيته فخالف ما كان من طريقته فأطرده من ~~الملأ الأعلى ومن الجنة ، وضمير { قال } عائد إلى الله تعالى على طريقة ~~حكاية المقاولات . وفرع أمره بالخروج من الجنة بالفاء على ما تقدمه من ~~السؤال والجواب لأن جوابه دل على كون خبث في نفسه بدت آثاره في عمله فلم ~~يصلح لمخالطة أهل الملأ الأعلى . وتقدم تفسير نظير هذه الآية في سورة الحجر ~~. # واللعنة : الإبعاد من رحمة ms6966 الله ، وأضيف إلى الله لتشنيع متعلقها وهو ~~الملعون لأن الملعون من جانب الله هو أشنع ملعون . # وجعل { يومم الدين } غاية اللعنة للدلالة على دوامها مدة هذه الحياة كلها ~~ليستغرق الأزمنة كلها ، وليس المراد حصول ضد اللعنة له يوم الدين أعني ~~الرحمة لأن يوم الدين يوم الجزاء على الأعمال فجزاء الملعون العذاب الأليم ~~كما أنبأ بذلك التعبير ب { يومم الدين } دون : { يوم يبعثون } ( ص : 79 ) ، ~~أو { يوم الوقت المعلوم } ( ص : 81 ) . # ( 79 81 ) # أي قال إبليس . وتقدم نظير هذه الآية في سورة الحجر وتفسيرها هناك مستوفى ~~. # ( 82 83 ) # الفاء لتفريع كلامه على أمر الله إياه بالخروج من الجنة وعقابه إياه ~~باللعنة PageV23P305 الدائمة وهذا التفريع من تركيب كلام متكلم على كلام ~~متكلم آخر . وهو الملقب بعطف التلقين في قوله تعالى : { قال ومن ذريتي في ~~سورة البقرة } . # أقسم الشيطان بعزة الله تحقيقا لقيامه بالإغواء دون تخلف ، وإنما أقسم ~~على ذلك وهو يعلم عظمة هذا القسم لأنه وجد في نفسه أن الله أقدره على ~~القيام بالإغواء والوسوسة وقد قال في سورة الحجر : { رب بما أغويتني لأزينن ~~لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين . # والعزة : القهر والسلطان ، وعزة الله هي العزة الكاملة التي لا تختل ~~حقيقتها ولا يتخلف سلطانها ، وقسم إبليس بها ناشىء عن علمه بأنه لا يستطيع ~~الإغواء إلا لأن الله أقدره ولولا ذلك لم يستطع نقض قدرة الله تعالى . # وتقدم تفسير نظير : ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين في سورة } ~~( الحجر : 40 ) . # ( 84 85 ) # أي قال الله تعالى تفريعا ، وهذا التفريع نظير التفريع في قوله : { ~~فبعزتك لأغوينهم أجمعين } ( ص : 82 ) . # وقوبل تأكيد عزمه الذي دل عليه قوله { فبعزتك } ( ص : 82 ) بتأكيد مثله ، ~~وهو لفظ { الحق } الدال على أن ما بعده حق ثابت لا يتخلف ، ولم يزد في ~~تأكيد الخبر على لفظ { الحق } تذكيرا بأن وعد الله تعالى حق لا يحتاج إلى ~~قسم عليه ترفعا من جلال الله عن أن يقابل كلام الشيطان بقسم مثله . ولذلك ~~زاد هذا المعنى تقريرا بالجملة المعترضة وهي { والحق أقول } الذي ms6967 هو بمعنى ~~: لا أقول إلا الحق ، ولا حاجة إلى القسم . # وقرأ الجمهور : { فالحق } بالنصب وانتصابه على المفعولية المطلقة بدلا عن ~~فعل من لفظه محذوفف تقديره : أحق ، أي أوجب وأحقق . وأصله التنكير ، ~~فتعريفه باللام تعريف الجنس كالتعريف في : أرسلها العراك ، فهو في حكم ~~النكرة PageV23P306 وإنما تعريفه حلية لفظية إشارة إلى ما يعرفه السامع من ~~أن الحق ما هو وتقدم بيانه في أول الفاتحة . # وقرأه عاصم وحمزة بالرفع على أنه لما تعرف باللام غلبت عليه الاسمية ~~فتنوسي كونه نائبا عن الفعل . وهذا الرفع إما على الابتداء ، أي فالحق قولي ~~، أو فالحق لأملأن جهنم الخ ، على أن تكون جملة القسم قائمة مقام الخبر ، ~~وإما على الخبرية ، أي فقولي الحق وتكون جملة { لأملأن جهنم } مفسر القول ~~المحذوف ، ولا خلاف في نصب الحق من قوله : { والحق أقول . } وتقدم تفصيل ~~ذلك في أول سورة الفاتحة . # وجملة { لأملأن جهنم منك } الخ مبينة لجملة { فالحق } وهي مؤكدة بلام ~~القسم والنون . # وتقدم المفعول في { والحق أقول } للاختصاص ، أي ولا أقول إلا الحق . # و ( من ) في قوله : { منك وممن تبعك } بيانية وهي التي تدخل على التمييز ~~وينتصب التمييز بتقدير معناها . وتدخل على تمييز ( كم ) في نحو { كم أهلكنا ~~من قبلهم من قرن } ( ص : 3 ) ، وهي هنا بيان لما دل عليه { لأملأن } من ~~مقدار مبهم فبين بآية { منك وممن تبعك } ولما كان شأن مدخول ( من ) ~~البيانية أن يكون نكرة تعين اعتبار كاف الخطاب في معنى اسم الجنس ، أي من ~~جنسك الشياطين إذ لا تكون ذات إبليس ملأ لجهنم . وإذ قد عطف عليه { وممن ~~تبعك منهم أي من تبعك من الذين أغويتهم من بني آدم ، فلا جائز أن يبقى من ~~عدا هذين من الشياطين والجنة غير ملء لجهنم . # وأجمعين } توكيد لضمير { منك } و ( لمن ) في قوله : { وممن تبعك . # واعلم أن حكاية هذه المقاولة بين كلام الله وبين الشيطان حكاية لما جرى ~~في خلد الشيطان من المدارك المترتبة المتولدة في قرارة نفسه ، وما جرى في ~~إرادة الله من المسببات المترتبة على أسبابها من ms6968 خواطر الشيطان لأن العالم ~~الذي جرت فيه هذه الأسباب ومسبباتها عالم حقيقة لا يجري فيه إلا الصدق ولا ~~مطمع فيه لترويج PageV23P307 المواربة ولا الحيلة ولذلك لا تعد خواطر ~~الشيطان المذكورة فيه جرأة على جلال الله تعالى ولا تعد مجازاة الله تعالى ~~الشيطان عليه تنازلا من الله لمحاورة عبد بغيض لله تعالى . # وقد ذكرنا في تفسير سورة الحجر ما دلت عليه الأقوال التي جرت من الشيطان ~~بين يدي الله تعالى والأقوال التي ألقاها الله عليه . # ( 86 88 ) } # لما أمر الله رسوله بإبلاغ المواعظ والعبر التي تضمنتها هذه السورة أمره ~~عند انتهائها أن يقرع أسماعهم بهذا الكلام الذي هو كالفذلكة للسورة تنهية ~~لها تسجيلا عليهم أنه ما جاءهم إلا بما ينفعهم وليس طالبا من ذلك جزاء ، أي ~~لو سألهم عليه أجرا لراج اتهامهم إياه بالكذب لنفع نفسه ، فلما انتفى ذلك ~~وجب أن ينتفي توهم اتهامه بالكذب لأن وازع العقل يصرف صاحبه على أن يكذب ~~لغير نفع يرجوه لنفسه . # والمعنى عموم نفي سؤاله الأجر منهم من يوم بعث إلى وقت نزول هذه الآية ~~وهو قياس استقراء لأنهم إذا استقروا أحوال الرسول صلى الله عليه وسلم فيما ~~مضى وجدوا انتفاء سؤاله أجرا أمرا عاما بالاستقراء التام الحاصل من جميع ~~أفراد المشركين في جميع مخالطاتهم إياه ، فهو أمر متواتر بينهم فهذا إبطال ~~لقولهم { كذاب } ( ص : 4 ) المحكي عنهم في أول السورة وإقامة الحجة على صدق ~~رسالته كما سيجيء . # وضمير { عليه } عائد إلى القرآن المعلوم من المقام فإن مبدأ السورة قوله ~~{ والقرانن ذي الذكر } ( ص : 1 ) فهذا من رد العجز على المصدر . # وعطف { وما أنا من المتكلفين } أفاد انتفاء جميع التكلف عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم # والتكلف : معالجة الكلفة ، وهي ما يشق على المرء عمله والتزامه لكونه ~~يحرجه PageV23P308 أو يشق عليه ، ومادة التفعل تدل على معالجة ما ليس بسهل ~~، فالمتكلف هو الذي يتطلب ما ليس له أو يدعي علم ما لا يعلمه . # فالمعنى هنا : ما أنا بمدع النبوءة باطلا من غير أن يوحى إلي وهو ms6969 رد ~~لقولهم : { كذاب } ( ص : 4 ) وبذلك كان كالنتيجة لقوله : { ما أسألكم عليه ~~من أجر } لأن المتكلف شيئا إنما يطلب من تكلفه نفعا ، فالمعنى : وما أنا ~~ممن يدعون ما ليس لهم . ومنه حديث الدارقطني عن ابن عمر قال : خرج رسول ~~الله في بعض أسفاره فمر على رجل جالس عند مقراة له ( أي حوض ماء ) ، فقال ~~عمر : يا صاحب المقراة أولغت السباع الليلة في مقراتك ؟ فقال له النبي صلى ~~الله عليه وسلم يا صاحب المقراة لا تخبره ، هذا متكلف لها ما حملت في ~~بطونها ولنا ما بقي شراب وطهور . وفي ( الصحيحين ) عن ابن مسعود أنه قال : ~~( يا أيها الناس من علم منكم علما فليقل به ومن لم يعلم فليقل : الله أعلم ~~، قال الله لرسوله : { قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين } . # وأخذ من قوله : { وما أنا من المتكلفين } أن ما جاء به من الدين لا تكلف ~~فيه ، أي لا مشقة في تكاليفه وهو معنى سماحة الإسلام ، وهذا استرواح مبني ~~على أن من حكمة الله أن يجعل بين طبع الرسول صلى الله عليه وسلم وبين روح ~~شريعته تناسبا ليكون إقباله على تنفيذ شرعه بشراشره لأن ذلك أنفى للحرج عنه ~~في القيام بتنفيذ ما أمر به . # وتركيب { ما أنا من المتكلفين } أشد في نفي التكلف من أن يقول : ما أنا ~~بمتكلف ، كما تقدم بيانه عند قوله تعالى : { قال أعوذ بالله أن أكون من ~~الجاهلين في سورة البقرة } . # وجملة { إن هو إلا ذكر للعالمين } بدل اشتمال من جملة { وما أنا من ~~المتكلفين } اشتمال نفي الشيء على ثبوت ضده ، فلما نفى بقوله : { وما أنا ~~من المتكلفين } أن يكون تقول القرآن على الله ، ثبت من ذلك أن القرآن ذكر ~~للناس ذكرهم الله به ، أي ليس هو بالأساطير أو الترهات . ولك أن تجعلها ~~تذييلا إذ لا منافاة بينهما هنا . وهذا الإخبار عن موقع القرآن لدى جميع ~~أمة الدعوة لا خصوص المشركين الذين كان في مجادلتهم لأنه لما ثبت أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم PageV23P309 لا ms6970 يرجو من معانديه أجرا . وثبت بذلك أنه ~~ليس بمتقول ما لم يوح إليه انتقل إلى إثبات أن القرآن ذكر للناس قاطبة ~~فيدخل في ذلك مشركو أهل مكة وغيرهم من الناس ، فكأنه قيل يستغني الله عنكم ~~بأقوامم آخرين كما قال تعالى : { إن تكفروا فإن الله غني عنكم } ( الزمر : ~~7 ) . # وعموم العالمين يكسب الجملة معنى التذييل للجملتين قبلها . # والقصر الذي اشتملت عليه جملة { إن هو إلا ذكر للعالمين } قصر قلب إضافي ~~، أي هو ذكر لا أساطير ولا سحر ولا شعر ولا غير ذلك للرد على المشركين ما ~~وسموا به القرآن من غير صفاته الحقيقية . # وجملة { ولتعلمن نبأه بعد حين } عطف على جملة { إن هو إلا ذكر للعالمين } ~~باعتبار ما يشتمل عليه القصر من جانب الإثبات ، أي وستعلمون خبر هذا القرآن ~~بعد زمان علما جزما فيزول شككم فيه ، فالكلام إخبار عن المستقبل كما هو ~~مقتضى وجود نون التوكيد . # والنبأ : الخبر ، وأصل الخبر : الصدق ، أي الموافقة للواقع ، فإذا قيل : ~~أتاني نبأ كذا ، فمعناه الخبر عن حاله في الواقع ، فإضافة النبأ إلى ما ~~يضاف إليه على معنى اللام إذ معنى اللام هو أصل معاني الإضافة ، قال تعالى ~~: { وهل أتاك نبأ الخصم } ( ص : 21 ) ، أي ستعلمون صدق وصف هذا القرآن أنه ~~الحق ، وهذا كما قال تعالى : { سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى ~~يتبين لهم أنه الحق } ( فصلت : 53 ) . وفسر النبأ بمعنى المفعول ، أي ما ~~أنبأ به القرآن من إنذاركم بالعذاب ، فهو تهديد . وكلا الاحتمالين واقع فإن ~~من المخاطبين من عجل له عذاب السيف يوم بدر ، وبقيتهم رأوا ذلك رأي العين ~~منهم من علموا دخول الناس في الإسلام فماتوا بغيظهم ومنهم من شاهدوا فتح ~~مكة وآمنوا ، أو رأوا قبائل العرب تدخل في الدين أفواجا فعلموا نبأ صدق ~~القرآن وما وعد به بعد حين فازدادوا إيمانا . # وحين كل فريق ما مضى عليه من زمن بين هذا الخطاب وبين تحقق الصدق . ~~والحين : الزمن من ساعة إلى أربعين سنة . فختم الكلام بتسجيل التبليغ وأن ~~فائدة ما أبلغهم لهم لا ms6971 للنبيء صلى الله عليه وسلم وختم بالمواعدة لوقتت ~~يقينهم بنبيئه ، وهذا مؤذن بانتهاء الكلام ومراعاة حسن الختام . # PageV23P310 # | 1 ( سورة الزمر ) 1 # سميت ( سورة الزمر ) من عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقد روى الترمذي عن ~~عائشة قالت : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم لا ينام حتى يقرأ الزمر وبني ~~إسرائيل ) . وإنما سميت سورة الزمر لوقوع هذا اللفظ فيها دون غيرها من سور ~~القرآن . # وفي ( تفسير القرطبي ) عن وهب بن منبه أنه سماها ( سورة الغرف ) ( ~~وتناقله المفسرون ) . ووجه أنها ذكر فيها لفظ الغرف ، أي بهذه الصيغة دون ~~الغرفات ، في قوله تعالى : { لهم غرف من فوقها غرف } ( الزمر : 20 ) الآية ~~. وهي مكية كلها عند الجمهور وعن ابن عباس أن قوله تعالى : { قل يا عبادي ~~الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله } ( الزمر : 53 ) الآيات ~~الثلاث . وقيل : إلى سبع آيات نزلت بالمدينة في قصة وحشي قاتل حمزة ، وسنده ~~ضعيف ، وقصته عليها مخائل القصص . # وعن عمر بن الخطاب أن تلك الآيات نزلت بالمدينة في هشام بن العاصي بن ~~وائل إذ تأخر عن الهجرة إلى المدينة بعد أن استعد لها . وفي رواية : أن معه ~~عياش بن أبي ربيعة وكانا تواعدا على الهجرة إلى المدينة ففتنا فافتتنا . # والأصح أنها نزلت في المشركين كما سيأتي عند تفسيرها ، وما نشأ القول ~~بأنها مدنية إلا لما روي فيها من القصص الضعيفة . وقيل : نزل أيضا قوله ~~تعالى : { قل يا عبادي الذين ءامنوا اتقوا ربكم } ( الزمر : 10 ) الآية ~~بالمدينة . # وعن ابن عباس أن قوله تعالى : { الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها } ( ~~الزمر : 23 ) الآية نزل بالمدينة . PageV23P311 فبلغت الآيات المختلف فيها ~~تسع آيات . # $ 2 ( { تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم * إنآ أنزلنآ إليك الكتاب ~~بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين * ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من ~~دونه أوليآء ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى & # 1764 إن الله يحكم بينهم فى ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدى من هو ~~كاذب كفار * لو أراد الله أن يتخذ ولدا ms6972 لاصطفى مما يخلق ما يشآء سبحانه هو ~~الله الواحد القهار * خلق السماوات والارض بالحق يكور اليل على النهار ~~ويكور النهار على اليل وسخر الشمس والقمر كل يجرى لاجل مسمى ألا هو العزيز ~~الغفار * خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من الانعام ~~ثمانية أزواج يخلقكم فى بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق فى ظلمات ثلاث ذلكم ~~الله ربكم له الملك لا & # 1764 إلاه إلا هو فأنى تصرفون * إن تكفروا فإن الله غنى عنكم ولا يرضى ~~لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم ~~مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون إنه عليم بذات الصدور * وإذا مس الإنسان ضر ~~دعا ربه منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسى ما كان يدعو & # 1764 إليه من قبل وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله قل تمتع بكفرك قليلا إنك ~~من أصحاب النار * أمن هو قانت ءانآء اليل ساجدا وقآئما يحذر الاخرة ويرجوا ~~رحمة ربه قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو ~~الالباب * قل ياعباد الذين ءامنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا فى هاذه الدنيا ~~حسنة وأرض الله واسعة إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب * قل إنى & # 1764 أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين * وأمرت لان أكون أول المسلمين * ~~قل إنى & # 1764 أخاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم * قل الله أعبد مخلصا له دينى * ~~فاعبدوا ما شئتم من دونه قل إن الخاسرين الذين خسرو & # 1764 ا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين * لهم من ~~فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ذالك يخوف الله به عباده ياعباد فاتقون * ~~والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابو & # 1764 ا إلى الله لهم البشرى فبشر عباد * الذين يستمعون القول فيتبعون ~~أحسنه أولائك الذين هداهم الله وأولائك هم أولو الالباب * أفمن حق عليه ~~كلمة العذاب أفأنت تنقذ من فى النار * لاكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من ~~فوقها غرف مبنية تجرى من تحتها الانهار ms6973 وعد الله لا يخلف الله الميعاد * ~~ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء فسلكه ينابيع فى الارض ثم يخرج به زرعا ~~مختلفا ألوانه ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يجعله حطاما إن فى ذلك لذكرى لاولى ~~الالباب * أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية ~~قلوبهم من ذكر الله أولائك فى ضلال مبين * الله نزل أحسن الحديث كتابا ~~متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ~~ذكر الله ذلك هدى الله يهدى به من يشآء ومن يضلل الله فما له من هاد * أفمن ~~يتقى بوجهه سو & # 1764 ء العذاب يوم القيامة وقيل للظلمين ذوقوا ما كنتم تكسبون * كذب ~~الذين من قبلهم فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون * فأذاقهم الله الخزى فى ~~الحيواة الدنيا ولعذاب الاخرة أكبر لو كانوا يعلمون * ولقد ضربنا للناس فى ~~هاذا القرءان من كل مثل لعلهم يتذكرون * قرءانا عربيا غير ذى عوج لعلهم ~~يتقون * ضرب الله مثلا رجلا فيه شركآء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان ~~مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون * إنك ميت وإنهم ميتون * ثم إنكم يوم ~~القيامة عند ربكم تختصمون * فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جآءه ~~أليس فى جهنم مثوى للكافرين * والذى جآء بالصدق وصدق به أولائك هم المتقون ~~* لهم ما يشآءون عند ربهم ذلك جزآء المحسنين * ليكفر الله عنهم أسوأ الذى ~~عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذى كانوا يعملون * أليس الله بكاف عبده ~~ويخوفونك بالذين من دونه ومن يضلل الله فما له من هاد * ومن يهد الله فما ~~له من مضل أليس الله بعزيز ذى انتقام * ولئن سألتهم من خلق السماوات والارض ~~ليقولن الله قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادنى الله بضر هل هن ~~كاشفات ضره أو أرادنى برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبى الله عليه يتوكل ~~المتوكلون * قل ياقوم اعملوا على مكانتكم إنى عامل فسوف تعلمون * من يأتيه ~~عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم * إنآ ms6974 أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق فمن ~~اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ومآ أنت عليهم بوكيل * الله يتوفى ~~الانفس حين موتها والتى لم تمت فى منامها فيمسك التى قضى عليها الموت ويرسل ~~الاخرى إلى أجل مسمى إن فى ذلك لايات لقوم يتفكرون * أم اتخذوا من دون الله ~~شفعآء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون * قل لله الشفاعة جميعا له ~~ملك السماوات والارض ثم إليه ترجعون * وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب ~~الذين لا يؤمنون بالاخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون * قل ~~اللهم فاطر السماوات والارض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فى ما ~~كانوا فيه يختلفون * ولو أن للذين ظلموا ما فى الارض جميعا ومثله معه ~~لافتدوا به من سو & # 1764 ء العذاب يوم القيامة وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون * وبدا ~~لهم سيئات ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون * فإذا مس الإنسان ضر ~~دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنمآ أوتيته على علم بل هى فتنة ولاكن ~~أكثرهم لا يعلمون * قد قالها الذين من قبلهم فمآ أغنى عنهم ما كانوا يكسبون ~~* فأصابهم سيئات ما كسبوا والذين ظلموا من هاؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا ~~وما هم بمعجزين * أولم يعلمو & # 1764 ا أن الله يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر إن فى ذلك لايات لقوم يؤمنون * ~~قل ياعبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر ~~الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم * وأنيبو & # 1764 ا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون * ~~واتبعو & # 1764 ا أحسن مآ أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم ~~لا تشعرون * أن تقول نفس ياحسرتى على ما فرطت فى جنب الله وإن كنت لمن ~~الساخرين * أو تقول لو أن الله هدانى لكنت من المتقين * أو تقول حين ترى ~~العذاب لو أن لى كرة فأكون من المحسنين * بلى قد جآءتك ءاياتى فكذبت بها ms6975 ~~واستكبرت وكنت من الكافرين * ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم ~~مسودة أليس فى جهنم مثوى للمتكبرين * وينجى الله الذين اتقوا بمفازتهم لا ~~يمسهم السو & # 1764 ء ولا هم يحزنون * الله خالق كل شىء وهو على كل شىء وكيل * له ~~مقاليد السماوات والارض والذين كفروا بئايات الله أولائك هم الخاسرون * قل ~~أفغير الله تأمرونى & # 1764 أعبد أيها الجاهلون * ولقد أوحى إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ~~ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين * بل الله فاعبد وكن من الشاكرين * وما ~~قدروا الله حق قدره والارض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات ~~بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون * ونفخ فى الصور فصعق من فى السماوات ومن ~~فى الارض إلا من شآء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون * وأشرقت ~~الارض بنور ربها ووضع الكتاب وجىء بالنبيين والشهدآء وقضى بينهم بالحق وهم ~~لا يظلمون * ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون * وسيق الذين كفرو & # 1764 ا إلى جهنم زمرا حتى إذا جآءوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتهآ ألم ~~يأتكم رسل منكم يتلون عليكم ءايات ربكم وينذرونكم لقآء يومكم هاذا قالوا ~~بلى ولاكن حقت كلمة العذاب على الكافرين * قيل ادخلو & # 1764 ا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين * وسيق الذين اتقوا ~~ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جآءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام ~~عليكم طبتم فادخلوها خالدين * وقالوا الحمد لله الذى صدقنا وعده وأورثنا ~~الارض نتبوأ من الجنة حيث نشآء فنعم أجر العاملين * وترى الملائكة حآفين من ~~حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضى بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين } ~~) 2 $ والمتجه : أنها كلها مكية وأن ما يخيل أنه نزل في قصص معينة إن صحت ~~أسانيده أن يكون وقع التمثل به في تلك القصص فاشتبه على بعض الرواة بأنه ~~سبب نزول . # وسيأتي عند قوله تعالى : { وأرض الله واسعة } ( الزمر : 10 ) أنها نزلت ~~قبيل هجرة المؤمنين إلى الحبشة ، أي في سنة خمس قبل الهجرة . وهي السورة ~~التاسعة والخمسون في ms6976 ترتيب النزول على المختار ، نزلت بعد سورة سبأ وقبل ~~سورة غافر . وعدت آياتها عند المدنيين والمكيين والبصريين اثنتين وسبعين ، ~~وعند أهل الشام ثلاثا وسبعين ، وعند أهل الكوفة خمسا وسبعين . # أغراضها # ابتدئت هذه السورة بما هو كالمقدمة للمقصود ، وذلك بالتنويه بشأن القرآن ~~تنويها تكرر في ستة مواضع من هذه السورة لأن القرآن جامع لأغراضها . ~~وأغراضها كثيرة تحوم حول إثبات تفرد الله تعالى بالإلاهية وإبطال الشرك ~~فيها . وإبطال تعلللات المشركين لإشراكهم وأكاذيبهم . ونفي ضرب من ضروب ~~الإشراك وهو زعمهم أن لله ولدا . والاستدلال على وحدانية الله في الإلاهية ~~بدلائل تفرده بإيجاد العوالم العلوية والسفلية ، وبتدبير نظامها وما تحتوي ~~عليه مما لا ينكر المشركون انفراده به . PageV23P312 والخلق العجيب في ~~أطوار تكون الإنسان والحيوان . والاستدلال عليهم بدليل من فعلهم وهو ~~التجاؤهم إلى الله عندما يصيبهم الضر . والدعوة إلى التدبر فيما يلقى إليهم ~~من القرآن الذي هو أحسن القول . وتنبيههم على كفرانهم شكر النعمة . ~~والمقابلة بين حالهم وبين حال المؤمنين المخلصين لله . وأن دين التوحيد هو ~~الذي جاءت به الرسل من قبل . والتحذير من أن يحل بالمشركين ما حل بأهل ~~الشرك من الأمم الماضية . وإعلام المشركين بأنهم وشركاءهم لا يعبأ بهم عند ~~الله وعند رسوله صلى الله عليه وسلم فالله غني عن عبادتهم ، ورسوله لا ~~يخشاهم ولا يخاف أصنامهم لأن الله كفاه إياهم جميعا . وإثبات البعث والجزاء ~~لتجزى كل نفس بما كسبت . وتمثيل البعث بإحياء الأرض بعد موتها . وضرب لهم ~~مثله بالنوم والإفاقة بعده وأنه يوم الفصل بين المؤمنين والمشركين . وتمثيل ~~حال المؤمنين وحال المشركين في الحياتين الحياة الدنيا والحياة الآخرة . ~~ودعاء المشركين للإقلاع عن الإسراف على أنفسهم ، ودعاء المؤمنين للثبات على ~~التقوى ومفارقة دار الكفر . وختمت بوصف حال يوم الحساب . # وتخلل ذلك كله وعيد ووعد ، وأمثال ، وترهيب وترغيب ، ووعظ وإيماء بقوله : ~~{ قل هل يستوي الذين يعلمون } ( الزمر : 9 ) الآية إلى أن شأن المؤمنين ~~أنهم أهل علم وأن المشركين أهل جهالة ، وذلك تنويه برفعة العلم ومذمة الجهل ~~. PageV23P313 # ( 1 2 ) # فاتحة أنيقة في التنويه بالقرآن جعلت ms6977 مقدمة لهذه السورة لأن القرآن جامع ~~لما حوته وغيره من أصول الدين . # ف { تنزيل } مصدر مراد به معناه المصدري لا معنى المفعول ، كيف وقد أضيف ~~إلى الكتاب وأصل الإضافة أن لا تكون بيانية . # وتنزيل : مصدر نزل المضاعف وهو مشعر بأنه أنزله منجما . واختيار هذه ~~الصيغة هنا للرد على الطاعنين لأنهم من جملة ما تعللوا به قولهم : { لولا ~~نزل عليه القرآن جملة واحدة } ( الفرقان : 32 ) . وقد تقدم الفرق بين ~~المضاعف والمهموز في مثله في المقدمة الأولى . # والتعريف في { الكتاب } للعهد ، وهو القرآن المعهود بينهم عند كل تذكير ~~وكل مجادلة . وأجرى على اسم الجلالة الوصف ب { العزيز الحكيم } للإيماء إلى ~~أن ما ينزل منه يأتي على ما يناسب الصفتين ، فيكون عزيزا قال تعالى : { ~~وإنه لكتاب عزيز } ( فصلت : 41 ) ، أي القرآن ، عزيز غالب بالحجة لمن كذب ~~به ، وغالب بالفضل لما سواه من الكتب من حيث إن الغلبة تستلزم التفضل ~~والتفوق ، وغالب لبلغاء العرب إذ أعجزهم عن معارضة سورة منه ، ويكون حكيما ~~مثل صفة منزله . # والحكيم : إما بمعنى الحاكم ، فالقرآن أيضا حاكم عن معارضيه بالحجة ، ~~وحاكم على غيره من الكتب السماوية بما فيه من التفصيل والبيان قال تعالى : ~~{ مصدقا لمن بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه } ( المائدة : 48 ) . # وإما بمعنى : المحكم المتقن ، فالقرآن مشتمل على البيان الذي لا يحتمل ~~الخطأ ، وإما بمعنى الموصوف بالحكمة ، فالقرآن مشتمل على الحكمة كاتصاف ~~منزله بها . وهذه معان مرادة من الآية فيما نرى ، على أن في هذين الوصفين ~~إيماء إلى أن القرآن معجز ببلاغة لفظه وبإعجازه العلمي ، إذا اشتمل على ~~علوم لم يكن للناس علم بها كما بيناه في المقدمة العاشرة . # وفي وصف { الحكيم } إيماء إلى أنه أنزله بالحكمة وهي الشريعة { يؤتي ~~الحكمة من يشاء } ( البقرة : 269 ) . PageV23P314 وفي هذا إرشاد إلى وجود ~~التدبر في معاني هذا الكتاب ليتوصل بذلك التدبر إلى العلم بأنه حق من عند ~~الله ، قال تعالى : { سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم ~~أنه الحق } ( فصلت : 53 ) . # ومعنى { العزيز الحكيم } في صفات الله تقدم ms6978 في تفسير قوله تعالى : { فإن ~~زللتم من بعد ما جاءئكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم في سورة البقرة ~~} . # وافتتاح جملة { إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق } بحرف ( إن ) مراعى فيه ما ~~استعمل فيه الخبر من الامتنان . فيحمل حرف ( إن ) على الاهتمام بالخبر . ~~وما أريد به من التعريض بالذين أنكروا أن يكون منزلا من الله فيحمل حرف ( ~~إن ) على التأكيد استعمالا للمشترك في معنييه . ولما في هذه الآية من زيادة ~~الإعلان بصدق النبي المنزل عليه الكتاب جدير بالتأكيد لأن دليل صدقه ليس في ~~ذاته بل هو قائم بالإعجاز الذي في القرآن وبغيره من المعجزات ، فكان مقضى ~~التأكيد موجودا بخلاف مقتضى الحال في قوله : { تنزيل الكتابب من الله } . # فجملة { إنا أنزلنا إليك الكتاب } تتنزل منزلة البيان لجملة { تنزيل ~~الكتابب من الله . } وإعادة لفظ { الكتاب } للتنويه بشأنه جريا على خلاف ~~مقتضى الظاهر بالإظهار في مقام الإضمار . وتعدية { أنزلنا } بحرف الانتهاء ~~تقدم في قوله : { والذين يؤمنون بما أنزل إليك في أول البقرة } . # والباء في { بالحق } للملابسة ، وهي ظرف مستقر حالا من { الكتاب } ، أي ~~أنزلنا إليك القرآن ملابسا للحق في جميع معانيه { لا يأتيه الباطل من بين ~~يديه ولا من خلفه } ( فصلت : 42 ) . # وفرع على المعنى الصريح من قوله : { إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق } أن ~~أمر بأن يعبد الله مخلصا له العبادة . وفي هذا التفريع تعريض بما يناسب ~~المعنى التعريضي في المفرع عليه وهو أن المعرض بهم أن يعبدوا الله مخلصين ~~له الدين عليهم أن يدبروا في المعنى المعرض به . PageV23P315 # وهذا إيماء إلى أن إنزال الكتاب عليه نعمة كبرى تقتضي أن يقابلها الرسول ~~صلى الله عليه وسلم بالشكر بإفراده بالعبادة ، وإيماء إلى أن إشراك ~~المشركين بالله غيره في العبادة كفر لنعمه التي أنعم بها ، فإن الشكر صرف ~~العبد جميع ما أنعم الله به عليه فيما خلق لأجله ، وفي العبادة تحقيق هذا ~~المعنى قال تعالى : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } ( الذاريات : 56 ~~) . # فالمقصود من الأمر بالعبادة التوطئة إلى تقييد العبادة بحالة الإخلاص من ~~قوله { مخلصا ms6979 له الدين } ، فالمأمور به عبادة خاصة ، ولذلك لم يكن الأمر ~~بالعبادة مستعملا في معنى الأمر بالدوام عليها . ولذلك أيضا لم يؤت في هذا ~~التركيب بصيغة قصر خلاف قوله : { بل الله فاعبد } ( الزمر : 66 ) لأن ~~المقصود هنا زيادة التصريح بالإخلاص والرسول صلى الله عليه وسلم منزه عن أن ~~يعبد غير الله . وقد توهم ابن الحاجب من عدم تقديم المعمول هنا أن تقديم ~~المفعول في قوله تعالى : { بل الله فاعبد في آخر هذه السورة لا يفيد القصر ~~وهي زلة عالم . # والإخلاص : الإمحاض وعدم الشوب بمغاير ، وهو يشمل الإفراد . وسميت السورة ~~التي فيها توحيد الله سورة الإخلاص ، أي إفراد الله بالإلاهية . وأوثر ~~الإخلاص هنا لإفادة التوحيد وأخص منه وهو أن تكون عبادة النبي ربه غير ~~مشوبة بحظ دنيوي كما قال تعالى : قل ما أسئلكم عليه من أجر } ( ص : 86 ) . # والدين : المعاملة . والمراد به هنا معاملة المخلوق ربه وهي عبادته . ~~فالمعنى : مخلصا له العبادة غير خالط بعبادته عبادة غيره . وانتصب { مخلصا ~~} على الحال من الضمير المستتر في { أعبد . # ولما أفاد قوله : مخلصا له الدين } معنى إفراده بالعبادة لم يكن هنا ~~مقتضض لتقديم مفعول { أعبد الله } على عامله لأن الاختصاص قد استفيد من ~~الحال في قوله : { مخلصا له الدين } ، وبذلك يبطل استناد الشيخ ابن الحاجب ~~لهذه الآية في توجيه رأيه بإنكار إفادة تقديم المفعول على فعله التخصيص ، ~~وتضعيفه لاستدلال أيمة المعاني بقوله تعالى : { بل الله فاعبد آخر السورة ~~بأنه تقديم لمجرد PageV23P316 الاهتمام لورود فاعبد الله ، } قال في ( ~~إيضاح المفصل ) في شرح قول صاحب ( المفصل ) في الديباجة ( الله أحمد على أن ~~جعلني من علماء العربية ) ، الله أحمد على طريقة { إياك نعبد } ( الفاتحة : ~~5 ) تقديما للأهم ، وما قيل : إنه للحصر لا دليل عليه والتمسك فيه بنحو { ~~بل الله فاعبد ( الزمر : 66 ) ضعيف لورود فاعبد الله ا ه . ونقل عنه أنه ~~كتب في حاشيته على الإيضاح } هنالك قوله : ( لا دليل فيه على الحصر فإن ~~المعبودية من صفاته تعالى الخاصة به ، فالاختصاص مستفاد من الحال لا من ~~التقديم ) ا ms6980 ه . # وهو ضغث على إبالة فإنه لم يقتصر على منع دليل شهد به الذوق السليم عند ~~أيمة الاستعمال وعلى سند منعه بتوهمه أن التقديم الذي لوحظ في مقام يجب أن ~~يلاحظ في كل مقام ، كأن الكلام قد جعل قوالب يؤتى بها في كل مقام ، وذلك ~~ينبو عنه اختلاف المقامات البلاغية ، حتى جعل الاختصاص بالعبادة مستفادا من ~~القرينة لا من التقديم ، كأن القرينة لو سلم وجودها تمنع من التعويل على ~~دلالة النطق . # # استئناف للتخلص إلى استحقاقه تعالى الإفراد بالعبادة وهو غرض السورة ~~وأفاد التعليل للأمر بالعبادة الخالصة لله لأنه إذا كان الدين الخالص ~~مستحقا لله وخاصا به كان الأمر بالإخلاص له مصيبا محزه فصار أمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم بإخلاص العبادة له مسببا عن نعمة إنزال الكتاب إليه ومقتضى ~~لكونه مستحق الإخلاص في العبادة اقتضاء الكلية لجزئياتها . وبهذا العموم ~~أفادت الجملة معنى التذييل فتحملت ثلاثة مواقع كلها تقتضي الفصل . # وافتتحت الجملة بأداة التنبيه تنويها بمضمونها لتتلقاه النفس بشراشرها ~~وذلك هو ما رجح اعتبار الاستئناف فيها ، وجعل معنى التعليل حاصلا تبعا من ~~ذكر إخلاص عام بعد إخلاص خاص وموردهما واحد . # واللام في { لله الدين الخالص } لام الملك الذي هو بمعنى الاستحقاق ، أي ~~لا يحق الدين الخالص ، أي الطاعة غير المشوبة إلا له على نحو { الحمد لله } ~~( الفاتحة : 2 ) . PageV23P317 وتقديم المسند لإفادة الاختصاص فأفاد قوله : ~~{ لله الدين الخالص } أنه مستحقه وأنه مختص به . # والدين : الطاعة كما تقدم . والخالص : السالم من أن يشوبه تشريك غيره في ~~عبادته ، فهذا هو المقصود من الآية . # ومما يتفرع على معنى الآية إخلاص المؤمن الموحد في عبادة ربه ، أي أن ~~يعبد الله لأجله ، أي طلبا لرضاه وامتثالا لأمره وهو آيل إلى أحوال النية ~~في العبادة المشار إليها بقول النبي صلى الله عليه وسلم ( إنما الأعمال ~~بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى ~~الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما ~~هاجر إليه ) . # وعرف الغزالي الإخلاص ms6981 بأنه تجريد قصد التقرب إلى الله عن جميع الشوائب . ~~والإخلاص في العبادة أن يكون الداعي إلى الإتيان بالمأمور وإلى ترك المنهي ~~إرضاء الله تعالى ، وهو معنى قولهم : لوجه الله ، أي لقصد الامتثال بحيث لا ~~يكون الحظ الدنيوي هو الباعث على العبادة مثل أن يعبد الله ليمدحه الناس ~~بحيث لو تعطل المدح لترك العبادة . ولذا قيل : الرياء الشرك الأصغر ، أي ~~إذا كان هو الباعث على العمل ، ومثل ذلك أن يقاتل لأجل الغنيمة فلو أيس ~~منها ترك القتال ؛ فأما إن كان للنفس حظ عاجل وكان حاصلا تبعا للعبادة وليس ~~هو المقصود فهو مغتفر وخاصة إذا كان ذلك لا تخلو عنه النفوس ، أو كان مما ~~يعين على الاستزادة من العبادة . # وفي ( جامع العتبية ) في ما جاء من أن النية الصحيحة لا تبطلها الخطرة ~~التي لا تملك . حدث العتبي عن عيسى بن دينار عن ابن وهب عن عطاء الخراساني ~~أن معاذ بن جبل قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنه ليس من بني سلمة إلا ~~مقاتل ، فمنهم من القتال طبيعته ، ومنهم من يقاتل رياء ومنهم من يقاتل ~~احتسابا ، فأي هؤلاء الشهيد من أهل الجنة ؟ فقال : يا معاذ بن جبل : ( من ~~قاتل على شيء من هذه الخصال أصل أمره أن تكون كلمة الله هي العليا فقتل فهو ~~شهيد من أهل الجنة ) . PageV23P318 # قال ابن رشد في ( شرحه ) : هذا الحديث فيه نص جلي على أن من كان أصل عمله ~~لله وعلى ذلك عقد نيته لم تضره الخطرات التي تقع في القلب ولا تملك ، على ~~ما قاله مالك خلاف ما ذهب إليه ربيعة ، وذلك أنهما سئلا عن الرجل يحب أن ~~يلقى في طريق المسجد ويكره أن يلقى في طريق السوق فأنكر ذلك ربيعة ولم ~~يعجبه أن يحب أحد أن يرى في شيء من أعمال الخير . وقال مالك : إذا كان أول ~~ذلك وأصله لله فلا بأس به إن شاء الله قال الله تعالى : { وألقيت عليك محبة ~~مني } ( طه : 39 ) ، وقال : { واجعل لي لسان صدق في الآخرين } ( الشعراء : ~~84 ms6982 ) . قال مالك : وإنما هذا شيء يكون في القلب لا يملك وذلك من وسوسة ~~الشيطان ليمنعه من العمل فمن وجد ذلك فلا يكسله عن التمادي على فعل الخير ~~ولا يؤيسه من الأجر وليدفع الشيطان عن نفسه ما استطاع ( أي إذا أراد تثبيطه ~~عن العمل ) ، ويجدد النية فإن هذا غير مؤاخذ به إن شاء الله ا ه . وذكر قبل ~~ذلك عن مالك أنه رأى رجلا من أهل مصر يسأل عن ذلك ربيعة . وذكر أن ربيعة ~~أنكر ذلك . قال مالك : فقلت له ما ترى في التهجير إلى المسجد قبل الظهر ؟ ~~قال : ما زال الصالحون يهجرون . وفي ( جامع المعيار ) : سئل مالك عن الرجل ~~يذهب إلى الغزو ومعه فضل مال ليصيب به من فضل الغنيمة ( أي ليشتري من الناس ~~ما صح لهم من الغنيمة ) فأجاب لا بأس به ونزع بآية التجارة في الحج قوله : ~~{ ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم } ( البقرة : 198 ) وأن ذلك غير ~~مانع ولا قادح في صحة العبادة إذا كان قصده بالعبادة وجه الله ولا يعد هذا ~~تشريكا في العبادة لأن الله هو الذي أباح ذلك ورفع الحرج عن فاعله مع أنه ~~قال : { فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ~~} ( الكهف : 110 ) فدل أن هذا التشريك ليس بداخل بلفظه ولا بمعناه تحت آية ~~الكهف ا ه . # وأقول : إن القصد إلى العبادة ليتقرب إلى الله فيسأله ما فيه صلاحه في ~~الدنيا أيضا لا ضير فيه ، لأن تلك العبادة جعلت وسيلة للدعاء ونحوه وكل ذلك ~~تقرب إلى الله تعالى وقد شرعت صلوات لكشف الضر وقضاء الحوائج مثل صلاة ~~الاستخارة وصلاة الضر والحاجة ، ومن المغتفر أيضا أن يقصد العامل من عمله ~~PageV23P319 أن يدعو له المسلمون ويذكروه بخير . وفي هذا المعنى قال عبد ~~الله بن رواحة رضي الله عنه حين خروجه إلى غزوة مؤتة ودعا له المسلمون حين ~~ودعوه ولمن معه بأن يردهم الله سالمين : # لكنني أسأل الرحمن مغفرة # وضربة ذات فرعع يقذف الزبدا # أو طعنة من يدي ms6983 حران مجهزة # بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا # حتى يقولوا إذا مروا على حدثي # أرشدك الله من غاز وقد رشدا # وقد علمت من تقييدنا الحظ بأنه حظ دنيوي أن رجاء الثواب واتقاء العقاب هو ~~داخل في معنى الإخلاص لأنه راجع إلى التقرب لرضى الله تعالى . وينبغي أن ~~تعلم أن فضيلة الإخلاص في العبادة هي قضية أخص من قضية صحة العبادة ~~وإجزائها في ذاتها إذ قد تعرو العبادة عن فضيلة الإخلاص وهي مع ذلك صحيحة ~~مجزئة ، فللإخلاص أثر في تحصيل ثواب العمل وزيادته ولا علاقة له بصحة العمل ~~. وفي ( مفاتيح الغيب ) : وأما الإخلاص فهو أن يكون الداعي إلى الإتيان ~~بالفعل أو الترك مجرد الانقياد فإن حصل معه داع آخر ؛ فإما أن يكون جانب ~~الداعي إلى الانقياد راجحا على جانب الداعي المغاير ، أو معادلا له ، أو ~~مرجوحا . وأجمعوا على أن المعادل والمرجوح ساقط ، وأما إذا كان الداعي إلى ~~الطاعة راجحا على جانب الداعي الآخر فقد اختلفوا في أنه هل يفيد أو لا ا ه ~~. # وذكر أبو إسحاق الشاطبي : أن الغزالي أي في كتاب النية من الربع الرابع ~~من ( الإحياء ) يذهب إلى أن ما كان فيه داعي غير الطاعة مرجوحا أنه ينافي ~~الإخلاص . وعلامته أن تصير الطاعة أخف على العبد بسبب ما فيها من غرض ، وأن ~~أبا بكر بن العربي أي في كتاب ( سراج المريدين ) كما نقله في ( المعيار ) ~~يذهب إلى أن ذلك لا يقدح في الإخلاص . # قال الشاطبي : وكان مجال النظر في المسألة يلتفت إلى انفكاك القصدين أو ~~عدم انفكاكهما ، فالغزالي يلتفت إلى مجرد وجود اجتماع القصدين سواء كان ~~القصدان مما يصح انفكاكهما أو لا ، وابن العربي يلتفت إلى وجه الانفكاك ) . ~~PageV23P320 # فهذه مسألة دقيقة ألحقناها بتفسير الآية لتعلقها بالإخلاص المراد في ~~الآية ، وللتنبيه على التشابه العارض بين المقاصد التي تقارن قصد العبادة ~~وبين إشراك المعبود في العبادة بغيره . # . # عطف على جملة { ألا لله الدين الخالص } لزيادة تحقيق معنى الإخلاص لله في ~~العبادة وأنه خلوص كامل لا يشوبه شيء من الإشراك ولا إشراك الذين زعموا ms6984 ~~أنهم اتخذوا أولياء وعبدوهم حرصا على القرب من الله يزعمونه عذرا لهم ~~فقولهم من فساد الوضع وقلبب حقيقة العبادة بأن جعلوا عبادة غير الله وسيلة ~~إلى القرب من الله فنقضوا بهذه الوسيلة مقصدها وتطلبوا القربة بما أبعدها ، ~~والوسيلة إذا أفضت إلى إبطال المقصد كان التوسل بها ضربا من العبث . # واسم الموصول مراد به المشركون وهو في محل رفع على الابتداء وخبره جملة { ~~إن الله يحكم بينهم } . وجملة { ما نعبدهم } مقول لقول محذوف لأن نظمها ~~يقتضي ذلك إذ ليس في الكلام ما يصلح لأن يعود عليه نون المتكلم ومعه غيره ، ~~فتعين أنه ضمير عائد إلى المبتدأ ، أي هم المتكلمون به وبما يليه ، وفعل ~~القول محذوف وهو كثير ، وهذا القول المحذوف يجوز أن يقدر بصيغة اسم الفاعل ~~فيكون حالا من { الذين اتخذوا } أي قائلين : ما نعبدهم ، ويجوز أن يقدر ~~بصيغة الفعل . والتقدير : قالوا ما نعبدهم ، وتكون الجملة حينئذ بدل اشتمال ~~من جملة { اتخذوا } فإن اتخاذهم الأولياء اشتمل على هذه المقالة . # وقوله : { إن الله يحكم بينهم } وعيد لهم على قولهم ذلك فعلم منه إبطال ~~تعللهم في قولهم : { ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله } لأن الواقع أنهم ~~عبدوا الأصنام أكثر من عبادتهم لله . فضمير { بينهم } عائد إلى الذين ~~اتخذوا أولياء . والمراد ب { ما هم فيه يختلفون } PageV23P321 اختلاف ~~طرائقهم في عبادة الأصنام وفي أنواعها من الأنصاب والملائكة والجن على ~~اختلاف المشركين في بلاد العرب . # ومعنى الحكم بينهم أنه يبين لهم ضلالهم جميعا يوم القيامة إذ ليس معنى ~~الحكم بينهم مقتضيا الحكم لفريق منهم على فريق آخر بل قد يكون الحكم بين ~~المتخاصمين بإبطال دعوى جميعهم . ويجوز أن يكون على تقدير معطوف على { ~~بينهم } مماثل له دلت عليه الجملة المعطوف عليها وهي { ألا لله الدين ~~الخالص } ، لاقتضائها أن الذين أخلصوا الدين لله قد وافقوا الحق فالتقدير ~~يحكم بينهم وبين المخلصين على حد قول النابغة : # فما كان بين الخير لو جاء سالما # أبو حجر إلا ليالل قلائل # تقديره : بين الخير وبيني بدلالة سياق الرثاء والتلهف . # والاستثناء في ms6985 قوله : { إلا ليقربونا } استثناء من علل محذوفة ، أي ما ~~نعبدهم لشيء إلا لعلة أن يقربونا إلى الله فيفيد قصرا على هذه العلة قصر ~~قلب إضافي ، أي دون ما شنعتم علينا من أننا كفرنا نعمة خالقنا إذ عبدنا ~~غيره . وقد قدمنا آنفا من أنهم أرادوا به المعذرة ويكون في أداة الاستثناء ~~استخدام لأن اللام المقدرة قبل الاستثناء لام العاقبة لا لام العلة إذ لا ~~يكون الكفران بالخالق علة لعاقل ولكنه صائر إليه ، فالقصر لا ينافي أنهم ~~أعدوهم لأشياء أخر إذا عدوهم شفعاء واستنجدوهم في النوائب ، واستقسموا ~~بأزلامهم للنجاح ، كما هو ثابت في الواقع . # والزلفى : منزلة القرب ، أي ليقربونا إلى الله في منزلة القرب ، والمراد ~~بها منزلة الكرامة والعناية في الدنيا لأنهم لا يؤمنون بمنازل الآخرة ، ~~ويكون منصوبا بدلا من ضمير { ليقربونا } بدل اشتمال ، أي ليقربوا منزلتنا ~~إلى الله . ويجوز أن يكون { زلفى } اسم مصدر فيكون مفعولا مطلقا ، أي قربا ~~شديدا . # وأفاد نظم { هم فيه يختلفون } أمرين أن الاختلاف ثابت لهم ، وأنه متكرر ~~متجدد ، فالأول من تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي ، والثاني من كون ~~المسند فعلا مضارعا . PageV23P322 # . # يجوز أن يكون خبرا ثانيا عن قوله : { والذين اتخذوا من دونه أولياء } وهو ~~كناية عن كونهم كاذبين في قولهم : { ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله } وعن ~~كونهم كفارين بسبب ذلك ، وكناية عن كونهم ضالين . # ويجوز أن يكون استئنافا بيانيا لأن قوله : { إن الله يحكم بينهم في ما هم ~~فيه يختلفون } يثير في نفوس السامعين سؤالا عن مصير حالهم في الدنيا من ~~جراء اتخاذهم أولياء من دونه ، فيجاب بأن الله لا يهدي من هو كاذب كفار ، ~~أي يذرهم في ضلالهم ويمهلهم إلى يوم الجزاء بعد أن بين لهم الدين فخالفوه . # والمراد ب { من هو كاذب كفار } الذين اتخذوا من دونه أولياء ، أي ~~المشركين ، فكان مقتضى الظاهر الإتيان بضميرهم ، وعدل عنه إلى الإضمار لما ~~في الصلة من وصفهم بالكذب وقوة الكفر . # وهداية الله المنفية عنهم هي : أن يتداركهم الله بلطفه بخلق الهداية في ~~نفوسهم ، فالهداية المنفية ms6986 هي الهداية التكوينية لا الهداية بمعنى الإرشاد ~~والتبليغ وهو ظاهر ، فالمراد نفي عناية الله بهم ، أي العناية التي بها ~~تيسير الهداية عليهم حتى يهتدوا ، أي لا يوفقهم الله بل يتركهم على رأيهم ~~غضبا عليهم . والتعبير عنهم بطريق الموصولية لما في الموصول من الصلاحية ~~لإفادة الإيماء إلى علة الفعل ليفيد أن سبب حرمانهم التوفيق هو كذبهم وشدة ~~كفرهم . # فإن الله إذا أرسل رسوله إلى الناس فبلغهم كانوا عندما يبلغهم الرسول ~~رسالة ربه بمستوى متحد عند الله بما هم عبيد مربوبون ثم يكونون أصنافا في ~~تلقيهم الدعوة ؛ فمنهم طالب هداية بقبول ما فهمه ويسأل عما جهله ، ويتدبر ~~وينظر ويسأل ، فهذا بمحل الرضى من ربه فهو يعينه ويشرح صدره للخير حتى يشرق ~~باطنه بنور الإيمان كما قال تعالى : { فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره ~~للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا } ( الأنعام : 125 ) وقال : { ~~ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق ~~والعصيان أولئك هم الراشدون فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم } ( ~~الحجرات : 7 ، 8 ) . PageV23P323 # ولا جرم أنه كلما توغل العبد في الكذب على الله وفي الكفر به ازداد غضب ~~الله عليه فازداد بعد الهداية الإلاهية عنه ، كما قال تعالى : { كيف يهدي ~~الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البيناات والله لا ~~يهدي القوم الظالمين } ( آل عمران : 86 ) . # والتوفيق : خلق القدرة على الطاعة فنفي هداية الله عنهم كناية عن نفي ~~توفيقه ولطفه لأن الهداية مسببة عن التوفيق فعبر بنفي المسبب عن نفي السبب ~~. وكذبهم هو ما اختلقوه من الكفر بتأليه الأصنام ، وما ينشأ عن ذلك من ~~اختلاق صفات وهمية للأصنام وشرائع يدينون بها لهم . # والكفار : الشديد الكفر البليغة ، وذلك كفرهم بالله وبالرسول صلى الله ~~عليه وسلم وبالقرآن بإعراضهم عن تلقيه ، والتجرد عن الموانع للتدبر فيه . ~~وعلم من مقارنة وصفهم بالكذب بوصفهم بالأبلغية في الكفر أنهم متبالغون في ~~الكذب أيضا لأن كذبهم المذموم إنما هو كذبهم في كفرياتهم فلزم من مبالغة ~~الكفر مبالغة ms6987 الكذب فيه . # موقع هذه الآية موقع الاحتجاج على أن المشركين كاذبون وكفارون في اتخاذهم ~~أولياء من دون الله ، وفي قولهم : { ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله } ( ~~الزمر : 3 ) وأن الله حرمهم الهدى وذلك ما تضمنه قوله قبله : { إن الله لا ~~يهدي من هو كاذب كفار } ( الزمر : 3 ) ، فقصد إبطال شركهم بإبطال أقواه وهو ~~عدهم في جملة شركائهم شركاء زعموا لهم بنوة لله تعالى ، حيث قالوا : { اتخذ ~~الله ولدا } ( البقرة : 116 ) فإن المشركين يزعمون اللات والعزى ومناة ~~بناتت الله قال تعالى : { أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألكم ~~الذكر وله الأنثى } ( النجم : 19 21 ) . # قال في ( الكشاف ) هنالك : ( كانوا يقولون : إن الملائكة وهذه الأصنام ( ~~يعني هذه الثلاثة ) بنات الله ) وذكر البغوي عن الكلبي كان المشركون بمكة ~~يقولون : PageV23P324 الأصنام والملائكة بنات الله فخص الإعتقاد بأهل مكة ، ~~والظاهر أن ذلك لم يقولوه في غير اللات والعزى ومناة ، لأن أسماءها مؤنثة ، ~~وإلا فإن في أسماء كثير من أسماء أصنامهم ما هو مذكر نحو ذي الخلصة ، وذكر ~~في ( الكشاف ) عند ذكر البسملة أنهم كانوا يقولون عند الشروع في أعمالهم : ~~باسم اللات ، باسم العزى . # فالمقصود من هذه الآية إبطال إلاهية أصنام المشركين على طريقة المذهب ~~الكلامي . واعلم أن هذه الآية والآيات بعدها اشتملت على حجج انفراد الله . # ومعنى الآية : لو كان الله متخذا ولدا لاختار من مخلوقاته ما يشاء ~~اختياره ، أي لاختار ما هو أجدر بالاختيار ولا يختار لبنوته حجارة كما ~~زعمتم لأن شأن الاختيار أن يتعلق بالأحسن من الأشياء المختار منها فبطل أن ~~تكون اللات والعزى ومناة بناتت لله تعالى ، وإذا بطل ذلك عنها بطل عن سائر ~~الأصنام بحكم المساواة أو الأحرى ، فتكون { لو هنا هي الملقبة لو الصهيبية ~~، أي التي شرطها مفروض فرضا على أقصى احتمال وهي التي يمثلون لها بالمثل ~~المشهور : نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه ، فكان هذا إبطالا لما ~~تضمنه قوله : والذين اتخذوا من دونه إولياء ما نعبدهم إلى قوله : كفار } ( ~~الزمر : 3 ) . وليس هو إبطالا لمقالة بعض ms6988 العرب : إن الملائكة بنات الله ، ~~لأن ذلك لم يكن من عقيدة المشركين بمكة الذين وجه الخطاب إليهم ، ولا ~~إبطالا لبنوة المسيح عند النصارى لأن ذلك غير معتقد عند المشركين المخاطبين ~~ولا شعور لهم به ، وليس المقصود محاجة النصارى ولم يتعرض القرآن المكي إلى ~~محاجة النصارى . # واعلم أنه بني الدليل على قاعدة استحالة الولد على الله تعالى إذ بني ~~القياس الشرطي على فرض اتخاذ الولد لا على فرض التولد ، فاقتضى أن المراد ~~باتخاذ الولد التبني لأن إبطال التبني بهذا الاستدلال يستلزم إبطال تولد ~~الابن بالأولى . # وعزز المقصود من ذكر فعل الاتخاذ بتعقيبه بفعل الاصطفاء على طريقة مجاراة ~~الخصم المخطىء ليغير في مهواة خطئه ، أي لو كان لأحد من الله نسبة بنوة ~~PageV23P325 لكانت تلك النسبة التبني لا غير إذ لا تتعقل بنوة لله غير ~~التبني ولو كان الله متبنيا لاختار ما هو الأليق بالتبني من مخلوقاته دون ~~الحجارة التي زعمتموها بنات لله . وإذا بطلت بنوة تلك الأصنام الثلاثة ~~المزعومة بطلت إلاهية سائر الأصنام الأخرى التي اعترفوا بأنها في مرتبة دون ~~مرتبة اللات والعزى ومناة بطريق الأولى واتفاقق الخصمين فقد اقتضى الكلام ~~دليلين : طوي أحدهما وهو دليل استحالة الولد بالمعنى الحقيقي عن الله تعالى ~~، وذكر دليل إبطال التبني لما لا يليق أن يتبناه الحكيم . # هذا وجه تفسير هذه الآية وبيان وقعها مما قبلها وبه تخرج عن نطاق الحيرة ~~التي وقع فيها المفسرون فسلكوا مسالك تعسف في معناها ونظمها وموقعها ، ولم ~~يتم لأحد منهم وجه الملازمة بين شرط { لو وجوابها ، وسكت بعضهم عن تفسيرها ~~. فوقع في الكشاف } ما يفيد أن المقصود نفي زعم المشركين بنوة الملائكة ~~وجعل جواب { لو محذوفا وجعل المذكور في موضع الجواب إرشادا إلى الإعتقاد ~~الصحيح في الملائكة فقال : يعني لو أراد الله اتخاذ الولد لامتنع ، ولم يصح ~~لكونه ( أي ذلك الاتخاذ ) محالا ولم يتأت إلا أن يصطفي من خلقه بعضه ~~ويختصهم ويقربهم كما يختص الرجل ولده وقد فعل ذلك بالملائكة فغركم اختصاصه ~~إياهم فزعمتم أنهم أولاده جهلا منكم بحقيقته المخالفة ms6989 لحقائق الأجسام ~~والأعراض . فجعل ما هو في الظاهر جواب لو مفيدا معنى الاستدراك الذي يعقب ~~المقدم والتالي غالبا ، فلذلك فسره بمرادفه وهو الاستثناء الذي هو من تأكيد ~~الشيء بما يشبه ضده . # وللتفتزاني بحث يقتضي عدم استقامة تقرير الكشاف } لدليل شرط { لو وجوابه ~~، واستظهر أن لو صهيبية تبعا لتقرير ذكره صاحب الكشف } . وبعد فإن كلام ~~صاحب ( الكشاف ) يجعل هذه الآية منقطعة عن الآيات التي قبلها ، فيجعلها ~~بمنزلة غرض مستأنف مع أن نظم الآية نظم الاحتجاج لا نظم الإفادة ، فكان ~~محمل ( الكشاف ) فيها بعيدا . ومع قطع النظر عن هذا فإن في تقرير الملازمة ~~في الاستدلال خفاء وتعسفا كما أشار إليه الشقار في كتابه ( التقريب مختصر ~~الكشاف ) . PageV23P326 # وقال ابن عطية : معنى اتخاذ الولد اتخاذ التشريف والتبني وعلى هذا يستقيم ~~قوله : { لاصطفى } وأما الاتخاذ المعهود في الشاهد ( يعني اتخاذ النسل ) ~~فمستحيل أن يتوهم في جهة الله ولا يستقيم عليه قوله : { لاصطفى } . ومما ~~يدل على أن معنى أن يتخذ الاصطفاء والتبني قوله : { مما يخلق } أي من ~~محداثته ا ه وتبعه عليه الفخر . # وبنى عليه صاحب ( التقريب ) فقال عقب تعقب كلام ( الكشاف ) ( والأولى ما ~~قيل : لو أراد أن يتخذ ولدا كما زعمتم لاختار الأفضل ( أي الذكور ) لا ~~الأنقص وهن الإناث ) . وقال التفتزاني في ( شرح الكشاف ) : هذا معنى الآية ~~بحسب الظاهر ، وذكر أن صاحب ( الكشاف ) لم يسلكه للوجه الذي ذكره التفتزاني ~~هناك . والذي سلكه ابن عطية وإن كان أقرب وأوضح من مسلك ( الكشاف ) في ~~تقرير الدليل لكنه يشاركه في أنه لا يصل الآية بالآيات التي قبلها وبنبغي ~~أن لا تقطع بينها الأواصر ، وكم ترك الأول للآخر . # وجملة { سبحانه } تنزيه له عما نسبوه إليه من الشركاء بعد أن أبطله ~~بالدليل الامتناعي عودا إلى خطاب النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين الذي ~~فارقه من قوله : { فاعبد الله مخلصا له الدين } ( الزمر : 2 ) . # وجملة { هو الله الواحد القهار } دليل للتزيه المستفاد من { سبحانه } . ~~فجملة { هو الله } تمهيد للوصفين ، وذكر اسمه العلم لإحضاره في الأذهان ~~بالاسم المختص به فلذلك لم يقل ms6990 : هو الواحد القهار كما قال بعد : { ألا هو ~~العزيز الغفار } ( الزمر : 5 ) . وإثبات الوحدانية له يبطل الشريك في ~~الإلاهية على تفاوت مراتبه ، وإثبات { القهار } يبطل ما زعموه من أن ~~أولياءهم تقربهم إلى الله زلفى وتشفع لهم . # والقهر : الغلبة ، أي هو الشديد الغلبة لكل شيء لا يغلبه شيء ولا يصرفه ~~عن إرادته . PageV23P327 # . # هذه الجملة بيان لجملة { هو الله الواحد القهار } ( الزمر : 4 ) فإن خلق ~~هذه العوالم والتصرف فيها على شدتها وعظمتها يبين معنى الوحدانية ومعنى ~~القهارية ، فتكون جملة { هو الله الواحد القهار } ذات اتصالين : اتصالل ~~بجملة { لو أراد الله أن يتخذ ولدا } ( الزمر : 4 ) كاتصال التذييل ، ~~واتصالل بجملة { خلق السماوات والأرض بالحق } اتصال التمهيد . # وقد انتقل من الاستدلال باقتضاء حقيقة الإلاهية نفي الشريك إلى الاستدلال ~~بخلق السماوات والأرض على أنه المنفرد بالخلق إذ لا يستطيع شركاؤهم خلق ~~العوالم . # والباء في { بالحق } للملابسة ، أي خلقها خلقا ملابسا للحق وهو هنا ضد ~~العبث ، أي خلقهما خلقا ملابسا للحكمة والصواب والنفع لا يشوب خلقهما عبث ~~ولا اختلال قال تعالى : { وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما ~~خلقناهما إلا بالحق } ( الدخان : 38 39 ) . # وجملة { يكور اليل } بيان ثان وهو كتعداد الجمل في مقام الاستدلال أو ~~الامتنان . وأوثر المضارع في هذه الجملة للدلالة على تجدد ذلك وتكرره ، أو ~~لاستحضار حالة التكوير تبعا لاستحضار آثارها فإن حالة تكوير الله الليل على ~~النهار غير مشاهدة وإنما المشاهد أثرها وتجدد الأثر يدل على تجدد التأثير . # والتكوير حقيقته : اللف واللي ، يقال : كور العمامة على رأسه إذا لواها ~~ولفها ، ومثلت به هنا هيئة غشيان الليل على النهار في جزء من سطح الأرض ~~وعكس ذلك على التعاقب بهيئة كور العمامة ، إذ تغشى اللية اللية التي قبلها ~~. وهو تمثيل بديع قابل للتجزئة بأن تشبه الأرض بالرأس ، ويشبه تعاور الليل ~~والنهار عليها بلف طيات العمامة ، ومما يزيده إبداعا إيثار مادة التكوير ~~الذي هو معجزة علمية من معجزات القرآن المشار إليها في المقدمة الرابعة ~~والموضحة في المقدمة العاشرة ، فإن مادة التكوير جائية من اسم ms6991 الكرة ، وهي ~~الجسم المستدير من جميع PageV23P328 جهاته على التساوي ، والأرض كروية ~~الشكل في الواقع وذلك كان يجهله العرب وجمهور البشر يومئذ فأومأ القرآن ~~إليه بوصف العرضين اللذين يعتريان الأرض على التعاقب وهما النور والظلمة ، ~~أو الليل والنهار ، إذ جعل تعاورهما تكويرا لأن عرض الكرة يكون كرويا تبعا ~~لذاتها ، فلما كان سياق هذه الآية للاستدلال على الإلاهية الحق بإنشاء ~~السماوات والأرض اختير للاستدلال على ما يتبع ذلك الإنشاء من خلق العرضين ~~العظيمين للأرض مادة التكوير دون غيرها من نحو الغشيان الذي عبر به في قوله ~~تعالى : { يغشي الليل النهار في سورة الأعراف } ، لأن تلك الآية مسوقة ~~للدلالة على سعة التصرف في المخلوقات لأن أولها { إن ربكم الله الذي خلق ~~السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش } ( الأعراف : 54 ) فكان ~~تصوير ذلك بإغشاء الليل والنهار خاصة لأنه دل على قوة التمكن من تغييره ~~أعراض مخلوقاته ، ولذلك اقتصر على تغيير أعظم عرض وهو النور بتسليط الظلمة ~~عليه ، لتكون هاته الآية لمن يأتي من المسلمين الذين يطلعون على علم الهيئة ~~فتكون معجزة عندهم . # وعطف جملة { ويكور النهار على الليل } هو من عطف الجزء المقصود من الخبر ~~كقوله : { ثيبات وأبكارا } ( التحريم : 5 ) . # وتسخير الشمس والقمر هو تذليلهما للعمل على ما جعل الله لهما من نظام ~~السير سير المتبوع والتابع ، وقد تقدم في سورة الأعراف وغيرها . وعطفت جملة ~~{ وسخر الشمس والقمر } على جملة { يكور الليل على النهار } لأن ذلك التسخير ~~مناسب لتكوير الليل على النهار وعكسه فإن ذلك التكوير من آثار ذلك التسخير ~~فتلك المناسبة اقتضت عطف الجملة التي تضمنته على الجملة التي قبلها . # وجملة { كل يجري لأجلل مسمى } في موقع بدل اشتمال من جملة { سخر الشمس ~~والقمر } وذلك أوضح أحوال التسخير . وتنوين { كل للعوض ، أي كل واحد . ~~والجري : السير السريع . واللام للعلة . PageV23P329 # والأجل هو أجل فنائهما فإن جريهما لما كان فيه تقريب فنائهما جعل جريهما ~~كأنه لأجل الأجل أي لأجل ما يطلبه ويقتضيه أجل البقاء ، وذلك كقوله تعالى : ~~والشمس تجري لمستقر لها } ( يس ms6992 : 38 ) ، فالتنكير في ( أجل ) للإفراد . ~~ويجوز أن يكون المراد بالأجل أجل حياة الناس الذي ينتهي بانتهاء الأعمار ~~المختلفة . وليس العمر إلا أوقاتا محدودة وأنفاسا معدودة . وجري الشمس ~~والقمر تحسب به تلك الأوقات والأنفاس ، فصار جريهما كأنه لأجل . # قال أسقف نجران : # منع البقاء تقلب الشمس # وطلوعها من حيث لا تمسي # وأقوالهم في هذا المعنى كثيرة . # فالتنكير في { أجل } للنوعية الذي هو في معنى لآجالل مسماة . ولعل تعقيبه ~~بوصف { الغفار } يرجح هذا المحمل كما سيأتي . # والمسمى : المجعول له وسم ، أي ما به يعين وهو ما عينه الله لأن يبلغ ~~إليه . وقد جاء في آيات أخرى { كل يجري إلى أجل } ( لقمان : 29 ) بحرف ~~انتهاء الغاية ، ولام العلة وحرف الغاية متقاربان في المعنى الأصلي وأحسب ~~أن اختلاف التعبير بهما مجرد تفنن في الكلام . # . # استئناف ابتدائي هو في معنى الوعيد والوعد ، فإن وصف { العزيز } كناية عن ~~أنه يفعل ما يشاء لا غالب له فلا تجدي المشركين عبادة أوليائهم ، ووصف { ~~الغفار مؤذن باستدعائهم إلى التوبة باتباع الإسلام . وفي وصف الغفار } ~~مناسبة لذكر الأجل لأن المغفرة يظهر أثرها بعد البعث الذي يكون بعد الموت ~~وانتهاء الأجل تحريضا على البدار بالتوبة قبل الموت حين يفوت التدارك . وفي ~~افتتاح الجملة بحرف التنبيه إيذان بأهمية مدلولها الصريح والكنائي . ~~PageV23P330 # . # انتقال إلى الاستدلال بخلق الناس وهو الخلق العجيب . وأدمج فيه الاستدلال ~~بخلق أصلهم وهو نفس واحدة تشعب منها عدد عظيم وبخلق زوج آدم ليتقوم ناموس ~~التناسل . والجملة يجوز أن تكون في موضع الحال من ضمير الجلالة ، ويجوز أن ~~تكون استئنافا ابتدائيا تكريرا للاستدال . # والخطاب للمشركين بدليل قوله بعده : { فأنى تصرفون } ، وهو التفات من ~~الغيبة إلى الخطاب ، ونكتته أنه لما أخبر رسوله صلى الله عليه وسلم عنهم ~~بطريق الغيبة أقبل على خطابهم ليجمع في توجيه الاستدلال إليهم بين طريقي ~~التعريض والتصريح . وتقدم نظير هذه الجملة في سورة الأعراف ، إلا أن في هذه ~~الجملة عطف قوله : { جعل منها زوجها } بحرف { ثم } الدال على التراخي ~~الرتبي لأن مساقها الاستدلال على الوحدانية وإبطال الشريك بمراتبه ، فكان ms6993 ~~خلق آدم دليلا على عظيم قدرته تعالى وخلق زوجه من نفسه دليلا آخر مستقل ~~الدلالة على عظيم قدرته . فعطف بحرف { ثم الدال في عطف الجمل على التراخي ~~الرتبي إشارة إلى استقلال الجملة المعطوفة بها بالدلالة مثل الجملة ~~المعطوفة هي عليها ، فكان خلق زوج آدم منه أدل على عظيم القدرة من خلق ~~الناس من تلك النفس الواحدة ومن زوجها لأنه خلق لم تجر به عادة فكان ذلك ~~الخلق أجلب لعجب السامع من خلق الناس فجيء له بحرف التراخي المستعمل في ~~تراخي المنزلة لا في تراخي الزمن لأن زمن خلق زوج آدم سابق على خلق الناس . ~~فأما آية الأعراف فمساقها مساق الامتنان على الناس بنعمة الإيجاد ، فذكر ~~الأصلان للناس معطوفا أحدهما على الآخر بحرف التشريك في الحكم الذي هو ~~الكون أصلا لخلق الناس . # وقد تضمنت الآية ثلاث دلائل على عظم القدرة خلق الناس من ذكر وأنثى ~~بالأصالة وخلق الذكر الأول بالإدماج وخلق الأنثى بالأصالة أيضا : / / ~~PageV23P331 # } . # استدلال بما خلقه الله تعالى من الأنعام عطف على الاستدلال بخلق الإنسان ~~لأن المخاطبين بالقرآن يومئذ قوام حياتهم بالأنعام ولا تخلو الأمم يومئذ من ~~الحاجة إلى الأنعام ولم تزل الحاجة إلى الأنعام حافة بالبشر في قوام حياتهم ~~. وهذا اعتراض بين جملة { خلقكم من نفسس واحدة } وبين { يخلقكم في بطونن ~~أمهاتكم } لمناسبة أزواج الأنعام لزوج النفس الواحدة . # وأدمج في هذا الاستدلال امتنان بما فيها من المنافع للناس لما دل عليه ~~قوله : { لكم } لأن في الأنعام مواد عظيمة لبقاء الإنسان وهي التي في قوله ~~تعالى : { والأنعام خلقها لكم فيها دفء إلى قوله : إلا بشق الأنفس } ( ~~النحل : 5 7 ) وقوله : { ومن أصوافها وأوبارها الخ في سورة النحل } . # والإنزال : نقل الجسم من علو إلى سفل ، ويطلق على تذليل الأمر الصعب كما ~~يقال : نزلوا على حكم فلان ، لأن الأمر الصعب يتخيل صعب المنال كالمعتصم ~~بقمم الجبال ، قال خصاب بن المعلى من شعراء الحماسة : # أنزلني الدهر على حكمه # من شاهق عالل إلى خفض # فإطلاق الإنزال هنا بمعنى التذليل والتمكين على نحو قوله تعالى ms6994 : { ~~وأنزلنا الحديد } ( الحديد : 25 ) أي سخرناه للناس فألهمناهم إلى معرفة ~~قينه يتخذونه سيوفا ودروعا ورماحا وعتادا مع شدته وصلابته . ويجوز أن يكون ~~إنزال الأنعام إنزالها الحقيقي ، أي إنزال أصولها من سفينة نوح كقوله تعالى ~~: { ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم } ( الأعراف : ~~11 ) ، أي خلقنا أصلكم وهو آدم ، قال تعالى : { قلنا احمل فيها من كل زوجين ~~اثنين } ( هود : 40 ) فيكون الإنزال هو الإهباط قال تعالى : { قيل يا نوح ~~اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك } ( هود : 48 ) ، فهذان وجهان ~~حسنان لإطلاق الإنزال ، وهما أحسن من تأويل المفسرين إنزال الأنعام بمعنى ~~الخلق ، أي لأن خلقها بأمر التكوين الذي ينزل من حضرة القدس إلى الملائكة . ~~PageV23P332 # والأزواج : الأنواع ، كما في قوله تعالى : { ومن كل الثمرات جعل فيها ~~زوجين اثنين } ( الرعد : 3 ) والمراد أنواع الإبل والغنم والبقر والمعز . # وأطلق على النوع اسم الزوج الذي هو المثنى لغيره لأن كل نوع يتقوم كيانه ~~من الذكر والأنثى وهما زوجان أو أطلق عليها أزواج لأنه أشار إلى ما أنزل من ~~سفينة نوح منها وهو ذكر وأنثى من كل نوع كما تقدم آنفا . # . # بدل من جملة { خلقكم من نفسس واحدة } وضمير المخاطبين هنا راجع إلى الناس ~~لا غير وهو استدلال بتطور خلق الإنسان على عظيم قدرة الله وحكمته ودقائق ~~صنعه . # والتعبير بصيغة المضارع لإفادة تجدد الخلق وتكرره مع استحضار صورة هذا ~~التطور العجيب استحضارا بالوجه والإجمال الحاصل للأذهان على حسب اختلاف ~~مراتب إدراكها ، ويعلم تفصيله علماء الطب والعلوم الطبيعية وقد بينه الحديث ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم ( إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ~~نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل إليه الملك فينفخ ~~فيه الروح ) . # وقوله : { خلقا من بعد خلق } أي طورا من الخلق بعد طور آخر يخالفه وهذه ~~الأطوار عشرة : # الأول : طور النطفة ، وهي جسم مخاطي مستدير أبيض خال من الأعضاء يشبه ~~دودة ، طوله نحو خمسة مليميتر . # الثاني : طور العلقة ، وهي تتكون بعد ms6995 ثلاثة وثلاثين يوما من وقت استقرار ~~النطفة في الرحم ، وهي في حجم النملة الكبيرة طولها نحو ثلاثة عشر مليمترا ~~يلوح فيها الرأس وتخطيطات من صور الأعضاء . PageV23P333 # الثالث : طور المضغة وهي قطعة حمراء في حجم النحلة . # الرابع : عند استكمال شهرين يصير طوله ثلاثة صانتميتر وحجم رأسه بمقدار ~~نصف بقيته ولا يتميز عنقه ولا وجهه ويستمر احمراره . # الخامس : في الشهر الثالث يكون طوله خمسة عشر صانتيميترا ووزنه مائة غرام ~~ويبدو رسم جبهته وأنفه وحواجبه وأظافره ويستمر احمرار جلده . # السادس : في الشهر الرابع يصير طوله عشرين صانتيميترا ووزنه غرامات ، ~~ويظهر في الرأس زغب وتزيد أعضاؤه البطنية على أعضائه الصدرية وتتضح أظافره ~~في أواخر ذلك الشهر . # السابع : في الشهر السادس يصير طوله نحو ثلاثين صنتيمترا ووزنه خمسمائة ~~غرام ويظهر فيه مطبقا وتتصلب أظافره . # الثامن : في الشهر السابع يصير طوله ثمانية وثلاثين صنتيمترا ويقل ~~احمرارا جلده ويتكاثف جلده وتظهر على الجلد مادة دهنية دسمة ملتصقة ، ويطول ~~شعر رأسه ويميل إلى الشقرة وتتقبب جمجمته من الوسط . # التاسع : في الشهر الثامن يزيد غلظه أكثر من ازدياد طوله ويكون طوله نحو ~~أربعين صنتيمترا ، ووزنه نحو أربعة أرطال أو تزيد ، وتقوى حركته . # العاشر : في الشهر التاسع يصير طوله من خمسين إلى ستين صنتيمترا ووزنه من ~~ستة إلى ثمانية أرطال . ويتم عظمه ، ويتضخم رأسه ، ويكثف شعره ، وتبتدىء ~~فيه وظائف الحياة في الجهاز الهضمي والرئة والقلب ، ويصير نماؤه بالغذاء ، ~~وتظهر دورة الدم فيه المعروفة بالدورة الجنينية . # و ( الظلمات الثلاث ) : ظلمة بطن الأم ، وظلمة الرحم ، وظلمة المشيمة ، ~~وهي غشاء من جلد يخلق مع الجنين محيطا به ليقيه وليكون به استقلاله مما ~~ينجر إليه من الأغذية في دورته الدموية الخاصة به دون أمه . وفي ذكر هذه ~~الظلمات تنبيه على إحاطة علم الله تعالى بالأشياء ونفوذ قدرته إليها في أشد ~~ما تكون فيه من الخفاء . PageV23P334 # وانتصب { خلقا } على المفعولية المطلقة المبينة للنوعية باعتبار وصفه ~~بأنه { من بعد خلق } ، ويتعلق قوله : { في ظلماتت ثلاث } ب { يخلقكم } . # وقرأ الجمهور { أمهاتكم } بضم الهمزة وفتح الميم في حالي ms6996 الوصل والوقف ~~وقرأه حمزة في حال الوصل بكسر الهمزة إتباعا لكسرة نون { بطون } وبكسر ~~الميم إتباعا لكسر الهمزة . وقرأه الكسائي بكسر الميم في حال الوصل مع فتح ~~الهمزة . . # . # بعد أن أجري على اسم الله تعالى من الأخبار والصفات القاضية بأنه المتصرف ~~في الأكوان كلها : جواهرها وأعراضها ، ظاهرها وخفيها ، ابتداء من قوله : { ~~خلق السماواتت والأرض بالحق } ( الأنعام : 73 ) ، ما يرشد العاقل إلى أنه ~~المنفرد بالتصرف المستحق العبادة المنفرد بالإلاهية أعقب ذلك باسم الإشارة ~~للتنبيه على أنه حقيق بما يرد بعده من أجل تلك التصرفات والصفات . والجملة ~~فذلكة ونتيجة أنتجتها الأدلة السابقة ولذلك فصلت . # واسم الإشارة لتمييز صاحب تلك الصفات عن غيره تمييزا يفضي إلى ما يرد بعد ~~اسم الإشارة على نحو ما قرر في قوله تعالى : { أولئك على هدى من ربهم في ~~سورة البقرة } . # والمعنى : ذلكم الذي خلق وسخر وأنشأ الناس والأنعام وخلق الإنسان أطوارا ~~هو الله ، فلا تشركوا معه غيره إذ لم تبق شبهة تعذر أهل الشرك بشركهم ، أي ~~ليس شأنه بمشابه حال غيره من آلهتكم قال تعالى : { أم جعلوا لله شركاء ~~خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم } ( الرعد : 16 ) . # والإتيان باسمه العلم لإحضار المسمى في الأذهان باسم مختص زيادة في ~~البيان لأن حال المخاطبين نزل منزلة حال من لم يعلم أن فاعل تلك الأفعال ~~العظيمة هو الله تعالى . # واسم الجلالة خبر عن اسم الإشارة . وقوله : { ربكم } صفة لاسم الجلالة . ~~PageV23P335 # ووصفه بالربوبية تذكير لهم بنعمة الإيجاد والإمداد وهو معنى الربوبية ، ~~وتوطئة للتسجيل عليهم بكفران نعمته الآتي في قوله : { إن تكفروا فإن الله ~~غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر } ( الزمر : 7 ) . # وجملة { له الملك } خبر ثان عن اسم الإشارة . # والملك : أصله مصدر ملك ، وهو مثلث الميم إلا أن مضمون الميم خصه ~~الاستعمال بملك البلاد ورعاية الناس ، وفيه جاء قوله تعالى : { تؤتي الملك ~~من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء } ( آل عمران : 26 ) ، وصاحبه : ملك ، بفتح ~~الميم وكسر اللام ، وجمعه : ملوك . # وتقديم المجرور لإفادة الحصر الادعائي ، أي الملك لله لا لغيره ، وأما ~~ملك الملوك ms6997 فهو لنقصه وتعرضه للزوال بمنزلة العدم ، كما تقدم في قوله تعالى ~~: { الحمد لله } ( الفاتحة : 2 ) ، وفي حديث القيامة : ( ثم يقول أنا الملك ~~أين ملوك الأرض ) ، فالإلاهية هي الملك الحق ، ولذلك كان ادعاؤهم شركاء ~~للإلاه الحق خطأ ، فكان الحصر الادعائي لإبطال ادعاء المشركين . # وجملة { لا إلاه إلا هو } بيان لجملة الحصر في قوله : { له الملك } . ~~وفرع عليه استفهام إنكاري عن انصرافهم عن توحيد الله تعالى ، ولما كان ~~الانصراف حالة استفهم عنها بكلمة { أنى التي هي هنا بمعنى ( كيف ) كقوله ~~تعالى : أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة } ( الأنعام : 101 ) . # والصرف : الإبعاد عن شيء ، والمصروف عنه هنا محذوف ، تقديره : عن توحيده ~~، بقرينة قوله : { لا إله إلا هو } . # وجعلهم مصروفين عن التوحيد ولم يذكر لهم صارفا ، فجاء في ذلك بالفعل ~~المبني للمجهول ولم يقل لهم : فأنى تنصرفون ، نعيا عليهم بأنهم كالمقودين ~~إلى الكفر غير المستقلين بأمورهم يصرفهم الصارفون ، يعني أيمة الكفر أو ~~الشياطين الموسوسين لهم . وذلك إلهاب لأنفسهم ليكفوا عن امتثال أيمتهم ~~الذين يقولون لهم : { لا تسمعوا لهذا القرآن } ( فصلت : 26 ) ، عسى أن ~~ينظروا بأنفسهم في دلائل الوحدانية المذكورة لهم . PageV23P336 # والمعنى : فكيف يصرفكم صارف عن توحيده بعدما علمتم من الدلائل الآنفة . ~~والمضارع هنا مراد منه زمن الاستقبال بقرينة تفريعه على ما قبله من الدلائل ~~. # . # أتبع إنكار انصرافهم عن توحيد الله بعد ما ظهر على ثبوته من الأدلة ، بأن ~~أعلموا بأن كفرهم إن أصروا عليه لا يضر الله وإنما يضر أنفسهم . وهذا شروع ~~في الإنذار والتهديد للكافرين ومقابلته بالترغيب والبشارة للمؤمنين فالجملة ~~مستأنفة واقعة موقع النتيجة لما سبق من إثبات توحيد الله بالإلاهية . # فجملة { إن تكفروا } مبينة لإنكار انصرافهم عن التوحيد ، أي إن كفرتم بعد ~~هذا الزمن فاعلموا أن الله غني عنكم . ومعناه : غني عن إقراركم له ~~بالوحدانية ، أي غير مفتقر له . وهذا كناية عن كون طلب التوحيد منهم لنفعهم ~~ودفع الضر عنهم لا لنفع الله ، وتذكيرهم بهذا ليقبلوا على النظر من أدلة ~~التوحيد . والخبر مستعمل كناية في تنبيه المخاطب على الخطأ من ms6998 فعله . # وقوله : { ولا يرضى لعباده الكفر } اعتراض بين الشرطين لقصد الاحتراس من ~~أن يتوهم السامعون أن الله لا يكترث بكفرهم ولا يعبأ به فيتوهموا أنه ~~والشكر سواء عنده ، ليتأكد بذلك معنى استعمال الخبر في تنبيه المخاطب على ~~الخطأ . وبهذا تعين أن يكون المراد من قوله : { لعباده } العباد الذين وجه ~~الخطاب إليهم في قوله : { إن تكفروا فإن الله غني عنكم } ، وذلك جري على ~~أصل استعمال اللغة لفظ العباد ، كقوله : { ويوم نحشرهم وما يعبدون من دون ~~الله فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل } ( الفرقان : 17 ) ~~. الآية ؛ وإن كان الغالب في القرآن في لفظ العباد المضاف إلى اسم الله ~~تعالى أو ضميره أن يطلق على خصوص المؤمنين والمقربين ، وقرينة السياق ظاهرة ~~هنا ظهورا دون ظهورها في قوله : { أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء } ( الفرقان : ~~17 ) . # والرضى حقيقته : حالة نفسانية تعقب حصول ملائم مع ابتهاج به ، وهو على ~~PageV23P337 التحقيق فيه معنى ليس في معنى الإرادة لما فيه من الاستحسان ~~والابتهاج ويعبر عنه بترك الاعتراض ، ولهذا يقابل الرضى بالسخط ، وتقابل ~~الإرادة بالإكراه ، والرضى آئل إلى معنى المحبة . والرضى يترتب عليه نفاسة ~~المرضي عند الراضي وتفضيله واختياره ، فإذا أسند الرضى إلى الله تعالى تعين ~~أن يكون المقصود لازم معناه الحقيقي لأن الله منزه عن الانفعالات ، كشأن ~~إسناد الأفعال والصفات الدالة في اللغة على الانفعالات مثل : الرحمن ~~والرؤوف ، وإسناد الغضب والفرح والمحبة ، فيؤول الرضى بلازمه من الكرامة ~~والعناية والإثابة إن عدي إلى الناس ، ومن النفاسة والفضل إن عدي إلى أسماء ~~المعاني . وقد فسره صاحب ( الكشاف ) بالاختيار في قوله تعالى : { ورضيت لكم ~~الإسلام دينا في سورة العقود . # وفعل الرضى يعدى في الغالب بحرف ( عن ) ، فتدخل على اسم عين لكن باعتبار ~~معنى فيها هو موجب الرضى . وقد يعدى بالباء فيدخل غالبا على اسم معنى نحو : ~~رضيت بحكم فلان ، ويدخل على اسم ذات باعتبار معنى يدل عليه تمييز بعده نحو ~~: رضيت بالله ربا ، أو نحوه مثل : أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة } ( ~~التوبة : 38 ) ، أو قرينة مقام كقول قريش في ms6999 وضع الحجر الأسود : هذا محمد ~~قد رضينا به ، أي رضينا به حكما إذ هم قد اتفقوا على تحكيم أول داخل . # ويعدى بنفسه ، ولعله يراعى فيه التضمين ، أو الحذف والإيصال ، فيدخل ~~غالبا على اسم معنى نحو : رضيت بحكم فلان بمعنى : أحببت حكمه . وفي هذه ~~الحالة قد يعدى إلى مفعول ثان بواسطة لام الجر نحو : { ورضيت لكم الإسلام ~~دينا } ( المائدة : 3 ) ، أي رضيته لأجلكم وأحببته لكم ، أي لأجلكم ، أي ~~لمنفعتكم وفائدتكم . وفي هذا التركيب مبالغة في التنويه بالشيء المرضي لدى ~~السامع حتى كأن المتكلم يرضاه لأجل السامع . # فإذا كان قوله : { لعباده } عاما غير مخصوص وهو من صيغ العموم ثار في ~~الآية إشكال بين المتكلمين في تعلق إرادة الله تعالى بأفعال العباد إذ من ~~الضروري PageV23P338 أن من عباد الله كثيرا كافرين ، وقد أخبر الله تعالى ~~أنه لا يرضى لعباده الكفر ، وثبت بالدليل أن كل واقع هو مراد الله تعالى إذ ~~لا يقع في ملكه إلا ما يريد فأنتج ذلك بطريقة الشكل الثالث أن يقال : كفر ~~الكافر مراد لله تعالى لقوله تعالى : { ولو شاء ربك ما فعلوه } ( الأنعام : ~~112 ) ولا شيء من الكفر بمرضي لله تعالى لقوله : { ولا يرضى لعباده الكفر } ~~، ينتج القياس بعض ما أراده الله ليس بمرضي له فتعين أن تكون الإرادة ~~والرضى حقيقتين مختلفتين وأن يكون لفظاهما غير مترادفين ، ولهذا قال الشيخ ~~أبو الحسن الأشعري إن الإرادة غير الرضى ، والرضى غير الإرادة والمشيئة ، ~~فالإرادة والمشيئة بمعنى واحد والرضى والمحبة والاختيار بمعنى واحد ، وهذا ~~حمل لهذه الألفاظ القرآنية على معان يمكن معها الجمع بين الآيات قال ~~التفتزاني : وهذا مذهب أهل التحقيق . # وينبني عليها القول في تعلق الصفات الإلاهية بأفعال العباد فيكون قوله ~~تعالى : { ولا يرضى لعباده الكفر } راجعا إلى خطاب التكاليف الشرعية ، ~~وقوله : { ولو شاء ربك ما فعلوه ( الأنعام : 112 ) راجعا إلى تعلق الإرادة ~~بالإيجاد والخلق . ويتركب من مجموعهما ومجموع نظائر كل منهما الإعتقاد بأن ~~للعباد كسبا في أفعالهم الاختيارية وأن الله تتعلق إرادته بخلق تلك الأفعال ~~الاختيارية عند توجه كسب العبد ms7000 نحوها ، فالله خالق لأفعال العبد غير مكتسب ~~لها . والعبد مكتسب غير خالق ، فإن الكسب عند الأشعري هو الاستطاعة المفسرة ~~عنده بسلامة أسباب الفعل وآلاته ، وهي واسطة بين القدرة والجبر ، أي هي دون ~~تعلق القدرة وفوق تسخير الجبر جمعا بين الأدلة الدينية الناطقة بمعنى : أن ~~الله على كل شيء قدير ، وأنه خالق كل شيء ، وبين دلالة الضرورة على الفرق ~~بين حركة المرتعش وحركة الماشي ، وجمعا بين أدلة عموم القدرة وبين توجيه ~~الشريعة خطابها للعباد بالأمر بالإيمان والأعمال الصالحة ، والنهي عن الكفر ~~والسيئات وترتيب الثواب والعقاب . # وأما الذين رأوا الاتحاد بين معاني الإرادة والمشيئة والرضى وهو قول كثير ~~من أصحاب الأشعري وجميع الماتريدية فسلكوا في تأويل الآية محمل لفظ لعباده ~~} على العام المخصوص ، أي لعباده المؤمنين واستأنسوا لهذا المحمل بأنه ~~الجاري على غالب استعمال القرآن في لفظة ( العباد ) لاسم الله ، أو ضميره ~~كقوله : { عينا PageV23P339 يشرب بها عباد الله } ( الإنسان : 6 ) ، قالوا ~~: فمن كفر فقد أراد الله كفره ومن آمن فقد أراد الله إيمانه ، والتزم كلا ~~الفريقين الأشاعرة والماتريدية أصله في تعلق إرادة الله وقدرته بأفعال ~~العباد الاختيارية المسمى بالكسب ، ولم يختلفا إلا في نسبة الأفعال للعباد ~~: أهي حقيقية أم مجازية ، وقد عد الخلاف في تشبيه الأفعال بين الفريقين ~~لفظيا . # ومن العجيب تهويل الزمخشري بهذا القول إذ يقول : ( ولقد تمحل بعض الغواة ~~ليثبت لله ما نفاه عن ذاته من الرضى بالكفر فقال : هذا من العام الذي أريد ~~به الخاص الخ ) ، فكان آخر كلامه ردا لأوله وهل يعد التأويل تضليلا أم هل ~~يعد العام المخصوص بالدليل من النادر القليل . # وأما المعتزلة فهم بمعزل عن ذلك كله لأنهم يثبتون القدرة للعباد على ~~أفعالهم وأن أفعال العباد غير مقدورة لله تعالى ويحملون ما ورد في الكتاب ~~من نسبة أفعال من أفعال العباد إلى الله أو إلى قدرته أنه على معنى أنه ~~خالق أصولها وأسبابها ، ويحملون ما ورد من نفي ذلك كما في قوله : { ولا ~~يرضى لعباده الكفر } على حقيقته ولذلك أوردوا هذه الآية للاحتجاج بها . وقد ms7001 ~~أوردها إمام الحرمين في ( الإرشاد ) في فصل حشر فيه ما استدل به المعتزلة ~~من ظواهر الكتاب . # وقوله : { وإن تشكروا يرضه لكم } عطف على جملة { إن تكفروا } والمعنى : ~~وإن تشكروا بعد هذه الموعظة فتقلعوا عن الكفر وتشكروا الله بالاعتراف له ~~بالوحدانية والتنزيه يرض لكم الشكر ، أي يجازيكم بلوازم الرضى . والشكر ~~يتقوم من اعتقاد وقول وعمل جزاء على نعمة حاصلة للشاكر من المشكور . ~~والضمير المنصوب في قوله : { يرضه } عائد إلى الشكر المتصيد من فعل { إن ~~تشكروا } . # . # كأن موقع هذه الآية أنه لما ذكر قبلها أن في المخاطبين كافرا وشاكرا وهم ~~في بلد واحد بينهم وشائج القرابة والولاء ، فربما تحرج المؤمنون من أن ~~يمسهم إثم من جراء كفر أقربائهم وأوليائهم ، أو أنهم خشوا أن يصيب الله ~~الكافرين بعذاب في PageV23P340 الدنيا فيلحق منه القاطنين معهم بمكة ~~فأنبأهم الله بأن كفر أولئك لا ينقص إيمان هؤلاء وأراد اطمئنانهم على ~~أنفسهم . # وأصل الوزر ، بكسر الواو : الثقل ، وأطلق على الإثم لأنه يلحق صاحبه تعب ~~كتعب حامل الثقل . ويقال : وزر بمعنى حمل الوزر ، بمعنى كسب الإثم . وتأنيث ~~{ وازرة } و { أخرى } باعتبار إرادة معنى النفس في قوله : { واتقوا يوما لا ~~تجزي نفس عن نفس شيئا } ( البقرة : 48 ) . # والمعنى : لا تحمل نفس وزر نفس أخرى ، أي لا تغني نفس عن نفس شيئا من ~~إثمها ، فلا تطمع نفس بإعانة ذويها وأقربائها ، وكذلك لا تخشى نفس صالحة أن ~~تؤاخذ بتبعة نفس أخرى من ذويها أو قرابتها . وفي هذا تعريض بالمتاركة وقطع ~~اللجاج مع المشركين وأن قصارى المؤمنين أن يرشدوا الضلال لا أن يلجئوهم إلى ~~الإيمان ، كما تقدم في آخر سورة الأنعام . # . # { ثم } للترتيبين الرتبي والتراخي ، أي وأعظم من كون الله غنيا عنكم أنه ~~أعد لكم الجزاء على كفركم وسترجعون إليه ، وتقدم نظيرها في آخر سورة ~~الأنعام . # وإنما جاء في آية ( الأنعام : 164 ) : { بما كنتم فيه تختلفون لأنها وقعت ~~إثر آيات كثيرة تضمنت الاختلاف بين أحوال المؤمنين وأحوال المشركين ولم ~~يجيء مثل ذلك هنا ، فلذلك قيل هنا : بما كنتم تعملون } ، أي من كفر ms7002 من كفر ~~وشكر من شكر . # والإنباء : مستعمل مجازا في الإظهار الحاصل به العلم ، ويجوز أن يكون ~~مستعملا في حقيقة الإخبار بأن يعلن لهم بواسطة الملائكة أعمالهم ، والمعنى ~~: أنه يظهر لكم الحق لا مرية فيه أو يخبركم به مباشرة ، وتقدم بيانه في آخر ~~الأنعام ، وفيه تعريض بالوعد والوعيد . # وجملة { إنه عليم بذاتت الصدور } تعليل لجملة { ينبئكم بما كنتم تعملون } ~~PageV23P341 لأن العليم بذات الصدور لا يغادر شيئا إلا علمه فإذا أنبأ ~~بأعمالهم كان إنباؤه كاملا . # وذات : صاحبة ، مؤنث ( ذو ) بمعنى صاحب صفة لمحذوف تقديره الأعمال ، أي ~~بالأعمال صاحبة الصدور ، أي المستقرة في النوايا فعبر ب { الصدور } عما يحل ~~بها ، والصدور مراد بها القلوب المعبر بها عما به الإدراك والعزم ، وتقدم ~~في قوله : { ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور في سورة } ( الأنفال : 43 ~~) . # . # هذا مثال لتقلب المشركين بين إشراكهم مع الله غيره في العبادة ، وبين ~~إظهار احتياجهم إليه ، فذلك عنوان على مبلغ كفرهم وأقصاه . والجملة معطوفة ~~على جملة { ذالكم الله ربكم له الملك } ( الزمر : 6 ) الآية لاشتراك ~~الجملتين في الدلالة على أن الله منفرد بالتصرف مستوجب للشكر ، وعلى أن ~~الكفر به قبيح ، وتتضمن الاستدلال على وحدانية إلاهية بدليل من أحوال ~~المشركين به فإنهم إذا مسهم الضر لجأوا إليه وحده ، وإذا أصابتهم نعمة ~~أعرضوا عن شكره وجعلوا له شركاء . # فالتعريف في { الإنسان } تعريف الجنس ولكن عمومه هنا عموم عرفي لفريق من ~~الإنسان وهم أهل الشرك خاصة لأن قوله : { وجعل لله أندادا } لا يتفق مع حال ~~المؤمنين . # والقول بأن المراد : انسان معين وأنه عتبة بن ربيعة ، أو أبو جهل ، خروج ~~عن مهيع الكلام ، وإنما هذان وأمثالهما من جملة هذا الجنس . وذكر الإنسان ~~إظهار في مقام الإضمار لأن المقصود به المخاطبون بقوله : { خلقكم من نفس ~~واحدة إلى قوله : فينبئكم بما كنتم تعملون } ( الزمر : 6 ، 7 ) ، فكان ~~مقتضى الظاهر أن يقال : وإذا مسكم الضر دعوتم ربكم الخ ، فعدل إلى الإظهار ~~لما في معنى الإنسان من مراعاة ما في PageV23P342 الإنسانية من التقلب ~~والاضطراب إلا من عصمه الله ms7003 بالتوفيق كقوله تعالى : { ويقول الإنسان أإذا ~~ما مت لسوف أخرج حيا } ( مريم : 66 ) ، وقوله : { أيحسب الإنسان أن لن نجمع ~~عظامه } ( القيامة : 3 ) وغير ذلك ولأن في اسم الإنسان مناسبة مع النسيان ~~الآتي في قوله : { نسي ما كان يدعو إليه من قبل } . وتقدم نظير لهذه الآية ~~في قوله : { وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه في سورة الروم } . # والتخويل : الإعطاء والتمليك دون قصد عوض . وعينه واو لا محالة . وهو ~~مشتق من الخول بفتحتين وهو اسم للعبيد والخدم ، ولا التفات إلى فعل خال ~~بمعنى : افتخر ، فتلك مادة أخرى غير ما اشتق منه فعل خول . # والنسيان : ذهول الحافظة عن الأمر المعلوم سابقا . # وما صدق { ما } في قوله : { ما كان يدعوا إليه من قبل } هو الضر ، أي نسي ~~الضر الذي كان يدعو الله إليه ، أي إلى كشفه عنه ، ومفعول { يدعوا } محذوف ~~دل عليه قوله : { دعا ربه } ، وضمير { إليه } عائد إلى { ما } ، أي نسي ~~الضر الذي كان يدعو الله إليه ، أي إلى كشفه . ويجوز أن يكون { ما } صادقا ~~على الدعاء كما تدل عليه الصلة ويكون الضمير المجرور ب ( إلى ) عائدا إلى { ~~ربه } ، أي نسي الدعاء ، وضمن الدعاء معنى الابتهال والتضرع فعدي بحرف ( ~~إلى ) . وعائد الصلة محذوف دل عليه فعل الصلة تفاديا من تكرر الضمائر . ~~والمعنى : نسي عبادة الله والابتهال إليه . # والأنداد : جمع ند بكسر النون ، وهو الكفء ، أي وزاد على نسيان ربه فجعل ~~له شركاء . # واللام في قوله : { ليضل عن سبيله } لام العاقبة ، أي لام التعليل ~~المجازي لأن الإضلال لما كان نتيجة الجعل جاز تعليل الجعل به كأنه هو العلة ~~للجاعل . والمعنى : وجعل لله أندادا فضل عن سبيل الله . PageV23P343 # وقرأ الجمهور { ليضل } بضم الياء ، أي ليضل الناس بعد أن أضل نفسه إذ لا ~~يضل الناس إلا ضال . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب بفتح الياء ، أي ليضل ~~هو ، أي الجاعل وهو إذا ضل أضل الناس . # . # استئناف بياني لأن ذكر حالة الإنسان الكافر المعرض عن شكر ربه يثير وصفها ~~سؤال السامع عن عاقبة هذا الكافر ms7004 ، أي قل يا محمد للإنسان الذي جعل لله ~~أندادا ، أي قل لكل واحد من ذلك الجنس ، أو روعي في الإفراد لفظ الإنسان . ~~والتقدير : قل تمتعوا بكفركم قليلا إنكم من أصحاب النار . وعلى مثل هذين ~~الاعتبارين جاء إفراد كاف الخطاب بعد الخبر عن الإنسان في قوله تعالى : { ~~يقول الإنسان يومئذ أين المفر كلا لا وزر إلى ربك يومئذ المستقر في سورة ~~القيامة ( 10 12 ) . # والتمتع : الانتفاع الموقت ، وقد تقدم عند قوله تعالى : ولكم في الأرض ~~مستقر ومتاع إلى حين في سورة } ( الأعراف : 24 ) . # والباء في { بكفرك } ظرفية أو للملابسة وليست لتعدية فعل التمتع . ومتعلق ~~التمتع محذوف دل عليه سياق التهديد . والتقدير : تمتع بالسلامة من العذاب ~~في زمن كفرك أو متكسبا بكفرك تمتعا قليلا فأنت آئل إلى العذاب لأنك من ~~أصحاب النار . # ووصف التمتع بالقليل لأن مدة الحياة الدنيا قليل بالنسبة إلى العذاب في ~~الآخرة ، وهذا كقوله تعالى : { فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل ~~} ( التوبة : 38 ) . وصيغة الأمر في قوله : { تمتع } مستعملة في الإمهال ~~المراد منه الإنذار والوعيد . # وجملة { إنك من أصحابب النار } بيان للمقصود من جملة { تمتع بكفرك قليلا ~~} وهو الإنذار بالمصير إلى النار بعد مدة الحياة . PageV23P344 و { من } ~~للتبعيض لأن المشركين بعض الأمم والطوائف المحكوم عليها بالخلود في النار . # وأصحاب النار : هم الذين لا يفارقونها فإن الصحبة تشعر بالملازمة ، ~~فأصحاب النار : المخلدون فيها . # . # قرأ نافع وابن كثير وحمزة وحدهم { أمن } بتخفيف الميم على أن الهمزة دخلت ~~على ( من ) الموصولة فيجوز أن تكون الهمزة همزة استفهام و ( من ) مبتدأ ~~والخبر محذوف دل عليه الكلام قبله من ذكر الكافر في قوله : { وجعل لله ~~أندادا } إلى قوله : { من أصحابب النار } ( الزمر : 8 ) . والاستفهام ~~إنكاري والقرينة على إرادة الإنكار تعقيبه بقوله : { قل هل يستوي الذين ~~يعلمون والذين لا يعلمون } لظهور أن { هل فيه للاستفهام الإنكاري وبقرينة ~~صلة الموصول . تقديره : أمن هو قانت أفضل أم من هو كافر ؟ والاستفهام حينئذ ~~تقريري ويقدر له معادل محذوف دل عليه قوله عقبه : قل هل يستوي الذين ms7005 يعلمون ~~والذين لا يعلمون } . # وجعل الفراء الهمزة للنداء و { من هو قانت : النبي ، ناداه الله بالأوصاف ~~العظيمة الأربعة لأنها أوصاف له ونداء لمن هم من أصحاب هذه الأوصاف ، يعني ~~المؤمنين أن يقولوا : هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ، وعليه ~~فإفراد ( قل ) مراعاة للفظ ( من ) المنادى . # وقرأ الجمهور أمن هو قانت بتشديد ميم ( من ) على أنه لفظ مركب من كلمتين ~~( أم ) و ( من ) فأدغمت ميم ( أم ) في ميم ( من ) . وفي معناه وجهان : # أحدهما } : أن تكون ( أم ) معادلة لهمزة استفهام محذوفة مع جملتها دلت ~~عليها ( أم ) لاقتضائها معادلا . ودل عليها تعقيبه ب { هل يستوي الذين ~~يعلمون والذين لا يعلمون } لأن التسوية لا تكون إلا بين شيئين . فالتقدير : ~~أهذا الجاعل لله أندادا PageV23P345 الكافر خير أمن هو قانت ، والاستفهام ~~حقيقي والمقصود لازمه ، وهو التنبيه على الخطأ عند التأمل . # والوجه الثاني : أن تكون ( أم ) منقطعة لمجرد الإضراب الانتقالي . و ( أم ~~) تقتضي استفهاما مقدرا بعدها . ومعنى الكلام : دع تهديدهم بعذاب النار ~~وانتقل بهم إلى هذا السؤال : الذي هو قانت ، وقائم ، ويحذر الله ويرجو ~~رحمته . والمعنى : أذلك الإنسان الذي جعل لله أندادا هو قانت الخ ، ~~والاستفهام مستعمل في التهكم لظهور أنه لا تتلاقى تلك الصفات الأربع مع صفة ~~جعله لله أندادا . # والقانت : العابد . وقد تقدم عند قوله تعالى : { وقوموا لله قانتين في ~~سورة } ( البقرة : 238 ) . # والآناء : جمع أنى مثل أمعاء ومعى ، وأقفاء وقفى ، والأنى : الساعة ، ~~ويقال أيضا : إني بكسر الهمزة ، كما تقدم في قوله : { غير ناظرين إناه في ~~سورة } ( الأحزاب : 53 ) . وانتصب { ءاناء } على الظرف ل { قانت } ، وتخصيص ~~الليل بقنوتهم لأن العبادة بالليل أعون على تمحض القلب لذكر الله ، وأبعد ~~عن مداخلة الرياء وأدل على إيثار عبادة الله على حظ النفس من الراحة والنوم ~~، فإن الليل أدعى إلى طلب الراحة فإذا آثر المرء العبادة فيه استنار قلبه ~~بحب التقرب إلى الله قال تعالى : { إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا ~~} ( المزمل : 6 ) ، فلا جرم كان تخصيص الليل بالذكر دالا على أن هذا القانت ~~لا يخلو ms7006 من السجود والقيام آناء النهار بدلالة فحوى الخطاب قال تعالى : { ~~إن لك في النهار سبحا } ( المزمل : 7 ) ، وبذلك يتم انطباق هذه الصلة على ~~حال النبي صلى الله عليه وسلم # وقوله : { ساجدا وقائما } حالان مبينان ل { قانت } ومؤكدان لمعناه . ~~وجملة { يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه } حالان ، فالحال الأول والثاني لوصف ~~عمله الظاهر والجملتان اللتان هما ثالث ورابع لوصف عمل قلبه وهو أنه بين ~~الخوف من سيئاته وفلتاته وبين الرجاء لرحمة ربه أن يثيبه على حسناته . وفي ~~هذا تمام المقابلة بين حال المؤمنين الجارية على وفق حال نبيئهم صلى الله ~~عليه وسلم وحال PageV23P346 أهل الشرك الذين لا يدعون الله إلا في نادر ~~الأوقات ، وهي أوقات الاضطرار ، ثم يشركون به بعد ذلك ، فلا اهتمام لهم إلا ~~بعاجل الدنيا لا يحذرون الآخرة ولا يرجون ثوابها . # والرجاء والخوف من مقامات السالكين ، أي أوصافهم الثابتة التي لا تتحول . ~~والرجاء : انتظار ما فيه نعيم وملاءمة للنفس . والخوف : انتظار ما هو مكروه ~~للنفس . والمراد هنا : الملاءمة الأخروية لقوله : { يحذر الآخرة } ، أي ~~يحذر عقاب الآخرة فتعين أن الرجاء أيضا المأمول في الآخرة . وللخوف مزيته ~~من زجر النفس عما لا يرضي الله ، وللرجاء مزيته من حثها على ما يرضي الله ~~وكلاهما أنيس السالكين . # وإنما ينشأ الرجاء على وجود أسبابه لأن المرء لا يرجو إلا ما يظنه حاصلا ~~ولا يظن المرء أمرا إلا إذا لاحت له دلائله ولوازمه ، لأن الظن ليس بمغالطة ~~والمرء لا يغالط نفسه ، فالرجاء يتبع السعي لتحصيل المرجو قال الله تعالى : ~~{ ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا } ( ~~الإسراء : 19 ) فإن ترقب المرء المنفعة من غير أسبابها فذلك الترقب يسمى ~~غرورا . # وإنما يكون الرجاء أو الخوف ظنا مع تردد في المظنون ، أما المقطوع به فهو ~~اليقين واليأس وكلاهما مذموم قال تعالى : { فلا يأمن مكر الله إلا القوم ~~الخاسرون } ( الأعراف : 99 ) ، وقال : { إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم ~~الكافرون } ( يوسف : 87 ) . # وقد بسط ذلك حجة الإسلام أبو حامد في كتاب الرجاء والخوف ms7007 من كتاب ( ~~الإحياء ) . ولله در أبي الحسن التهامي إذ يقول : # وإذا رجوت المستحيل فإنما # تبني الرجاء على شفير هار # وسئل الحسن البصري عن رجل يتمادى في المعاصي ويرجو فقال : هذا تمن وإنما ~~الرجاء ، قوله : { يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه } . # وقال بعض المفسرين أريد ب { من هو قانت } أبو بكر ، وقيل عمار بن ~~PageV23P347 ياسر ، وقيل صهيب ، وقيل : أبو ذر ، وقيل ابن مسعود ، وهي ~~روايات ضعيفة ولا جرم أن هؤلاء المعدودين هم من أحق من تصدق عليه هذه الصلة ~~فهي شاملة لهم ولكن محمل الموصول في الآية على تعميم كل من يصدق عليه معنى ~~الصلة . # استئناف بياني موقعه كموقع قوله : { قل تمتع بكفرك قليلا } ( الزمر : 8 ) ~~أثاره وصف المؤمن الطائع ، والمعنى : أعلمهم يا محمد بأن هذا المؤمن العالم ~~بحق ربه ليس سواء للكافر الجاهل بربه . وإعادة فعل { قل هنا للاهتمام بهذا ~~المقول ولاسترعاء الأسماع إليه . # والاستفهام هنا مستعمل في الإنكار . والمقصود : إثبات عدم المساواة بين ~~الفريقين ، وعدم المساواة يكنى به عن التفضيل . والمراد : تفضيل الذين ~~يعلمون على الذين لا يعلمون ، كقوله تعالى : لا يستوي القاعدون من المؤمنين ~~غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله ~~المجاهدين } ( النساء : 95 ) الآية ، فيعرف المفضل بالتصريح كما في آية { ~~لا يستوي القاعدون } ( النساء : 95 ) أو بالقرينة كما في قوله هنا : { هل ~~يستوي الذين يعلمون } الخ لظهور أن العلم كمال ولتعقيبه بقوله : { إنما ~~يتذكر أولوا الألباب } . ولهذا كان نفي الاستواء في هذه الآية أبلغ من نفي ~~المماثلة في قول النابغة : # يخبرك ذو عرضهم عني وعالمهم # وليس جاهل شيء مثل من علما # وفعل { يعلمون } في الموضعين منزل منزلة اللازم فلم يذكر له مفعول . ~~والمعنى : الذين اتصفوا بصفة العلم ، وليس المقصود الذين علموا شيئا معينا ~~حتى يكون من حذف المفعولين اختصارا إذ ليس المعنى عليه ، وقد دل على أن ~~المراد الذين اتصفوا بصفة العلم قوله عقبه : { إنما يتذكر أولوا الألباب } ~~أي أهل العقول ، والعقل والعلم مترادفان ، أي لا يستوي الذين لهم علم فهم ~~يدركون حقائق الأشياء ms7008 على ما هي عليه وتجري أعمالهم على حسب علمهم ، مع ~~الذين PageV23P348 لا يعلمون فلا يدركون الأشياء على ما هي عليه بل تختلط ~~عليهم الحقائق وتجري أعمالهم على غير انتظام ، كحال الذين توهموا الحجارة ~~آلهة ووضعوا الكفر موضع الشكر . فتعين أن المعنى : لا يستوي من هو قانت ~~آناء الليل يحذر ربه ويرجوه ، ومن جعل لله أندادا ليضل عن سبيله . وإذ قد ~~تقرر أن الذين جعلوا لله أندادا هم الكفار بحكم قوله : { قل تمتع بكفرك ~~قليلا } ثبت أن الذين لا يستوون معهم هم المؤمنون ، أي هم أفضل منهم ، وإذ ~~قد تقرر أن الكافرين من أصحاب النار فقد اقتضى أن المفضلين عليهم هم من ~~أصحاب الجنة . # وعدل عن أن يقول : هل يستوي هذا وذاك ، إلى التعبير بالموصول إدماجا ~~للثناء على فريق ولذم فريق بأن أهل الإيمان أهل علم وأهل الشرك أهل جهالة ~~فأغنت الجملة بما فيها من إدماج عن ذكر جملتين ، فالذين يعلمون هم أهل ~~الإيمان ، قال تعالى : { إنما يخشى الله من عباده العلماء } ( فاطر : 28 ) ~~والذين لا يعلمون هم أهل الشرك الجاهلون ، قال تعالى : { قل أفغير الله ~~تأمروني أعبد أيها الجاهلون } ( الزمر : 64 ) . # وفي ذلك إشارة إلى أن الإيمان أخو العلم لأن كليهما نور ومعرفة حق ، وأن ~~الكفر أخو الضلال لأنه والضلال ظلمة وأوهام باطلة . # هذا ووقع فعل { يستوي } في حيز النفي يكسبه عموم النفي لجميع جهات ~~الاستواء . وإذ قد كان نفي الاستواء كناية عن الفضل آل إلى إثبات الفضل ~~للذين يعلمون على وجه العموم ، فإنك ما تأملت مقاما اقتحم فيه عالم وجاهل ~~إلا وجدت للعالم فيه من السعادة ما لا تجده للجاهل ولنضرب لذلك مثلا ~~بمقامات ستة هي جل وظائف الحياة الاجتماعية : # المقام الأول : الاهتداء إلى الشيء المقصود نواله بالعمل به وهو مقام ~~العمل ، فالعالم بالشيء يهتدي إلى طرقه فيبلغ المقصود بيسر وفي قرب ويعلم ~~ما هو من العمل أولى بالإقبال عنه ، وغير العالم به يضل مسالكه ويضيع زمانه ~~في طلبه ؛ فإما أن يخيب في سعيه وإما أن يناله بعد أن ms7009 تتقاذفه الأرزاء ~~وتنتابه النوائب وتختلط عليه الحقائق فربما يتوهم أنه بلغ المقصود حتى إذا ~~انتبه وجد نفسه في غير مراده ، ومثله قوله تعالى : { والذين كفروا أعمالهم ~~كسراب بقيعة يحسبه الظمئان ماء حتى PageV23P349 إذا جاءه لم يجده شيئا } ( ~~النور : 39 ) . ومن أجل هذا شاع تشبيه العلم بالنور والجهل بالظلمة . # المقام الثاني : ناشىء عن الأول وهو مقام السلام من نوائب الخطأ ومزلات ~~المذلات ، فالعالم يعصمه علمه من ذلك ، والجاهل يريد السلامة فيقع في ~~الهلكة ، فإن الخطأ قد يوقع في الهلاك من حيث طلب الفوز ومثله قوله تعالى : ~~{ فما ربحت تجارتهم } ( البقرة : 16 ) إذ مثلهم بالتاجر خرج يطلب فوائد ~~الربح من تجارته فآب بالخسران ولذلك يشبه سعي الجاهل بخبط العشواء ، ولذلك ~~لم يزل أهل النصح يسهلون لطلبة العلم الوسائل التي تقيهم الوقوع فيما لا ~~طائل تحته من أعمالهم . # المقام الثالث : مقام أنس الانكشاف فالعالم تتميز عنده المنافع والمضار ~~وتنكشف له الحقائق فيكون مأنوسا بها واثقا بصحة إدراكه وكلما انكشفت له ~~حقيقة كان كمن لقي أنيسا بخلاف غير العالم بالأشياء فإنه في حيرة من أمره ~~حين تختلط عليه المتشابهات فلا يدري ماذا يأخذ وماذا يدع ، فإن اجتهد لنفسه ~~خشي الزلل وإن قلد خشي زلل مقلده ، وهذا المعنى يدخل تحت قوله تعالى : { ~~كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا } ( البقرة : 20 ) . # المقام الرابع : مقام الغنى عن الناس بمقدار العلم والمعلومات فكلما ~~ازداد علم العالم قوي غناه عن الناس في دينه ودنياه . # المقام الخامس : الإلتذاذ بالمعرفة ، وقد حصر فخر الدين الرازي اللذة في ~~المعارف وهي لذة لا تقطعها الكثرة . وقد ضرب الله مثلا بالظل إذ قال : { ~~وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور } ( ~~فاطر : 19 21 ) فإن الجلوس في الظل يلتذ به أهل البلاد الحارة . # المقام السادس : صدور الآثار النافعة في مدى العمر مما يكسب ثناء الناس ~~في العاجل وثواب الله في الآجل ، فإن العالم مصدر الارشاد والعلم دليل على ~~الخير وقائد إليه قال الله تعالى : { إنما يخشى الله ms7010 من عباده العلماء } ( ~~فاطر : 28 ) . والعلم على مزاولته ثواب جزيل ، قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم ~~إلا نزلت عليهم الملائكة وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله فيمن PageV23P350 عنده ~~) . وعلى بثه مثل ذلك ، قال النبي صلى الله عليه وسلم ( إذا مات ابن آدم ~~انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية ، وعلم بثه في صدور الرجال ، وولد ~~صالح يدعو له بخير ) . # فهذا التفاوت بين العالم والجاهل في صوره التي ذكرناها مشمول لنفي ~~الاستواء الذي في قوله تعالى : { قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا ~~يعلمون } وتتشعب من هذه المقامات فروع جمة وهي على كثرتها تنضوي تحت معنى ~~هذه الآية . # وقوله : { إنما يتذكر أولوا الألباب } واقع موقع التعليل لنفي الاستواء ~~بين العالم وغيره المقصود منه تفضيل العالم والعلم ، فإن كلمة ( إنما ) ~~مركبة من حرفين ( إن ) و ( ما ) الكافة أو النافية فكانت ( إن ) فيه مفيدة ~~لتعليل ما قبلها مغنية غناء فاء التعليل إذ لا فرق بين ( إن ) المفردة و ( ~~إن ) المركبة مع ( ما ) ، بل أفادها التركيب زيادة تأكيد وهو نفي الحكم ~~الذي أثبتته ( إن ) عن غير من أثبتته له . وقد أخذ في تعليل ذلك جانب إثبات ~~التذكر للعالمين ، ونفيه من غير العالمين ، بطريق الحصر لأن جانب التذكر هو ~~جانب العمل الديني وهو المقصد الأهم في الإسلام لأن به تزكية النفس ~~والسعادة الأبدية قال النبي صلى الله عليه وسلم ( من يرد الله به خيرا ~~يفقهه في الدين ) . # والألباب : العقول ، وأولو الألباب : هم أهل العقول الصحيحة ، وهم أهل ~~العلم . فلما كان أهل العلم هم أهل التذكر دون غيرهم أفاد عدم استواء الذين ~~يعلمون والذين لا يعلمون . فليس قوله : { إنما يتذكر أولوا الألباب } كلاما ~~مستقلا . # لما أجري الثناء على المؤمنين بإقبالهم على عبادة الله في أشد الآناء ~~وبشدة PageV23P351 مراقبتهم إياه بالخوف والرجاء وبتمييزهم بصفة العلم ~~والعقل والتذكر ، بخلاف حال المشركين في ذلك كله ، أتبع ذلك بأمر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بالإقبال على خطابهم للاستزادة ms7011 من ثباتهم ورباطة جأشهم ~~، والتقدير : قل للمؤمنين ، بقرينة قوله : { ياعباد الذين ءامنوا } الخ . # وابتداء الكلام بالأمر بالقول للوجه الذي تقدم في نظيره آنفا ، وابتداء ~~المقول بالنداء وبوصف العبودية المضاف إلى ضمير الله تعالى ، كل ذلك يؤذن ~~بالاهتمام بما سيقال وبأنه سيقال لهم عن ربهم ، وهذا وضع لهم في مقام ~~المخاطبة من الله وهي درجة عظيمة . وحذفت ياء المتكلم المضاف إليها { عباد ~~} وهو استعمال كثير في المنادى المضاف إلى ياء المتكلم . # وقرأه العشرة { ياعباد بدون ياء في الوصل والوقف كما في إبراز المعاني } ~~لأبي شامة وكما في ( الدرة المضيئة ) في القراءات الثلاث المتممة للعشر ~~لعلي الضباع المصري ، بخلاف قوله تعالى : { قل ياعبادي الذين أسرفوا على ~~أنفسهم } ( الزمر : 53 ) الآتي في هذه السورة ، فالمخالفة بينهما مجرد تفنن ~~. وقد يوجه هذا التخالف بأن المخاطبين في هذه الآية هم عباد الله المتقون ، ~~فانتسابهم إلى الله مقرر فاستغني عن إظهار ضمير الجلالة في إضافتهم إليه ، ~~بخلاف الآية الآتية ، فليس في كلمة { ياعباد } من هذه الآية إلا وجه واحد ~~باتفاق العشرة ولذلك كتبها كتاب المصحف بدون ياء بعد الدال . # وما وقع في ( تفسير ابن عطية ) من قوله : وقرأ جمهور القراء { قل يا ~~عبادي } بفتح الياء . وقرأ أبو عمرو أيضا وعاصم والأعشى وابن كثير { يا ~~عباد } بغير ياء في الوصل ا ه . سهو ، وإنما اختلف القراء في الآية الآتية ~~{ قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم } في هذه السورة فإنها ثبتت فيه ياء ~~المتكلم فاختلفوا كما سنذكره . # والأمر بالتقوى مراد به الدوام على المأمور به لأنهم متقون من قبل ، وهو ~~يشعر بأنهم قد نزل بهم من الأذى في الدين ما يخشى عليهم معه أن يقصروا في ~~تقواهم . وهذا الأمر تمهيد لما سيوجه إليهم من أمرهم بالهجرة للسلامة من ~~الأذى في دينهم ، وهو ما عرض به في قوله تعالى : { وأرض الله واسعة } . ~~PageV23P352 # وفي استحضارهم بالموصول وصلته إيماء إلى أن تقرر إيمانهم مما يقتضي ~~التقوى والامتثال للمهاجرة . وجملة { للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة } ~~وما عطف عليها استئناف بياني لأن ms7012 إيراد الأمر بالتقوى للمتصفين بها يثير ~~سؤال سائل عن المقصود من ذلك الأمر فأريد بيانه بقوله : { أرض الله واسعة ، ~~} ولكن جعل قوله { للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة } تمهيدا له لقصد تعجيل ~~التكفل لهم بموافقة الحسنى في هجرتهم . ويجوز أن تكون جملة { للذين أحسنوا ~~في هذه الدنيا حسنة } مسوقة مساق التعليل للأمر بالتقوى الواقع بعدها . # والمراد بالذين أحسنوا : الذين اتقوا الله وهم المؤمنون الموصوفون بما ~~تقدم من قوله : { أمن هو قانت } ( الزمر : 9 ) الآية ، لأن تلك الخصال تدل ~~على الإحسان المفسر بقول النبي صلى الله عليه وسلم ( أن تعبد الله كأنك ~~تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) ، فعدل عن التعبير بضمير الخطاب بأن يقال ~~: لكم في الدنيا حسنة ، إلى الإتيان باسم الموصول الظاهر وهو { الذين ~~أحسنوا } ليشمل المخاطبين وغيرهم ممن ثبتت له هذه الصلة . وذلك في معنى : ~~اتقوا ربكم لتكونوا محسنين فإن للذين أحسنوا حسنة عظيمة فكونوا منهم . ~~وتقديم المسند في { للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة } للاهتمام بالمحسن ~~إليهم وأنهم أحرياء بالإحسان . # والمراد بالحسنة الحالة الحسنة ، واستغني بالوصف عن الموصوف على حد قوله ~~: { ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة } ( البقرة : 201 ) . وقوله ~~في عكسه { وجزاء سيئة سيئة مثلها } ( الشورى : 40 ) . وتوسيط قوله : { في ~~هذه الدنيا } بين { للذين أحسنوا } وبين { حسنة } نظم مما اختص به القرآن ~~في مواقع الكلم لإكثار المعاني التي يسمح بها النظم ، وهذا من طرق إعجاز ~~القرآن . فيجوز أن يكون قوله : { في هذه الدنيا } حالا من { حسنة } قدم على ~~صاحب الحال للتنبيه من أول الكلام على أنها جزاؤهم في الدنيا ، لقلة خطور ~~ذلك في بالهم ضمن الله لهم تعجيل الجزاء الحسن في الدنيا قبل ثواب الآخرة ~~على PageV23P353 نحو ما أثنى على من يقول : { ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي ~~الآخرة حسنة . وقد جاء في نظير هذه الجملة في سورة النحل } قوله : { ولدار ~~الآخرة خير ، أي خير من أمور الدنيا ، ويكون الاقتصار على حسنة الدنيا في ~~هذه الآية لأنها مسوقة لتثبيت المسلمين على ما يلاقونه ms7013 من الأذى ، ولأمرهم ~~بالهجرة عن دار الشرك والفتنة في الدين ، فأما ثواب الآخرة فأمر مقرر عندهم ~~من قبل ومومى إليه بقوله بعده : إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب } أي ~~يوفون أجرهم في الآخرة . قال السدي : الحسنة في الدنيا الصحة والعافية . ~~ويجوز أن يكون قوله : ( في الدنيا ) متعلقا بفعل { أحسنوا } على أنه ظرف ~~لغوي ، أي فعلوا الحسنات في الدنيا فيكون المقصود التنبيه على المبادرة ~~بالحسنات في الحياة الدنيا قبل الفوات والتنبيه على عدم التقصير في ذلك . # وتنوين { حسنة } للتعظيم وهو بالنسبة لحسنة الآخرة للتعظيم الذاتي ، ~~وبالنسبة لحسنة الدنيا تعظيم وصفي ، أي حسنة أعظم من المتعارف ، وأيا ما ~~كان فاسم الإشارة في قوله : { في هذه الدنيا } لتمييز المشار إليه وإحضاره ~~في الأذهان . وعليه فالمراد ب { حسنة } يحتمل حسنة الآخرة ويحتمل حسنة ~~الدنيا ، كما في قوله تعالى : { الذين يقولون ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي ~~الآخرة حسنة في سورة البقرة } . وقد تقدم نظير هذه الآية في سورة النحل ~~قوله تعالى : { وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين أحسنوا ~~في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ، فألحق بها ما قرر هنا . # وعطف عليه وأرض الله واسعة } عطف المقصود على التوطئة . وهو خبر مستعمل ~~في التعريض بالحث على الهجرة في الأرض فرارا بدينهم من الفتن بقرينة أن كون ~~الأرض واسعة أمر معلوم لا يتعلق الغرض بإفادته وإنما كني به عن لازم معناه ~~، كما قال إياس بن قبيصة الطائي : # ألم تر أن الأرض رحب فسيحة # فهل تعجزني بقعة من بقاعها # والوجه أن تكون جملة { وأرض الله واسعة } معترضة والواو اعتراضية لأن تلك ~~الجملة جرت مجرى المثل . PageV23P354 # والمعنى : إن الله وعدهم أن يلاقوا حسنة إذا هم هاجروا من ديار الشرك . ~~وليس حسن العيش ولا ضده مقصورا على مكان معين وقد وقع التصريح بما كني عنه ~~هنا في قوله تعالى : { قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها } ( ~~النساء : 97 ) . # والمراد : الإيماء إلى الهجرة إلى الحبشة . قال ابن عباس في قوله تعالى : ~~{ قل يا عباد الذين ms7014 ءامنوا اتقوا ربكم } يريد جعفر بن أبي طالب والذين ~~خرجوا معه إلى الحبشة . ونكتة الكناية هنا إلقاء الإشارة إليهم بلطف وتأنيس ~~دون صريح الأمر لما في مفارقة الأوطان من الغم على النفس ، وأما الآية التي ~~في سورة النساء فإنها حكاية توبيخ الملائكة لمن لم يهاجروا . # وموقع جملة { إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب } موقع التذييل لجملة { ~~للذين أحسنوا } وما عطف عليها لأن مفارقة الوطن والتغرب والسفر مشاق لا ~~يستطيعها إلا صابر ، فذيل الأمر به بتعظيم أجر الصابرين ليكون إعلاما ~~للمخاطبين بأن أجرهم على ذلك عظيم لأنهم حينئذ من الصابرين الذين أجرهم ~~بغير حساب . # والصبر : سكون النفس عند حلول الآلام والمصائب بأن لا تضجر ولا تضطرب ~~لذلك ، وتقدم عند قوله تعالى : { وبشر الصابرين في سورة البقرة } . وصيغة ~~العموم في قوله : { الصابرين تشمل كل من صبر على مشقة في القيام بواجبات ~~الدين وامتثال المأمورات واجتناب المنهيات ، ومراتب هذا الصبر متفاوتة ~~وبقدرها يتفاوت الأجر . # والتوفية : إعطاء الشيء وافيا ، أي تاما . والأجر : الثواب في الآخرة كما ~~هو مصطلح القرآن . # وقوله : بغير حساب } كناية عن الوفرة والتعظيم لأن الشيء الكثير لا يتصدى ~~لعده ، والشيء العظيم لا يحاط بمقداره فإن الإحاطة بالمقدار ضرب من الحساب ~~وذلك شأن ثواب الآخرة الذي لا يخطر على قلب بشر . PageV23P355 # وفي ذكر التوفية وإضافة الأجر إلى ضميرهم تأنيس لهم بأنهم استحقوا ذلك لا ~~منة عليهم فيه وإن كانت المنة لله على كل حال على نحو قوله تعالى : { لهم ~~أجر غير ممنون } ( الانشقاق : 25 ) . # والحصر المستفاد من { إنما منصب على القيد وهو بغير حساب } والمعنى : ما ~~يوفي الصابرون أجرهم إلا بغير حساب ، وهو قصر قلب مبني على قلب ظن الصابرين ~~أن أجر صبرهم بمقدار صبرهم ، أي أن أجرهم لا يزيد على مقدار مشقة صبرهم . # والهجرة إلى الحبشة كانت سنة خمس قبل الهجرة إلى المدينة . وكان سببها أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى ما يصيب أصحابه من البلاء وأن عمه ~~أبا طالب كان يمنع ابن أخيه من أضرار المشركين ولا ms7015 يقدر أن يمنع أصحابه قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكا لا ~~يظلم عنده أحد حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه ) ، فخرج معظم المسلمين ~~مخافة الفتنة فخرج ثلاثة وثمانون رجلا وتسع عشرة امرأة سوى أبنائهم الذين ~~خرجوا بهم صغارا . وقد كان أبو بكر الصديق استأذن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في الهجرة فأذن له فخرج قاصدا بلاد الحبشة فلقيه ابن الدغنة فصده ~~وجعله في جواره . # ولما تعلقت إرادة الله تعالى بنشر الإسلام في مكة بين العرب لحكمة اقتضت ~~ذلك وعذر بعض المؤمنين فيما لقوه من الأذى في دينهم أذن لهم بالهجرة وكانت ~~حكمته مقتضية بقاء رسوله صلى الله عليه وسلم بين ظهراني المشركين لبث دعوة ~~الإسلام لم يأذن له بالهجرة إلى موطن آخر حتى إذا تم مراد الله من توشج ~~نواة الدين في تلك الأرض التي نشأ فيها رسوله صلى الله عليه وسلم وأصبح ~~انتقال الرسول صلى الله عليه وسلم إلى بلد آخر أسعد بانتشار الإسلام في ~~الأرض أذن الله لرسوله صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى المدينة بعد أن هيأ ~~له بلطفه دخول أهلها في الإسلام وكل ذلك جرى بقدر وحكمة ولطف برسوله صلى ~~الله عليه وسلم PageV23P356 # ( 11 ، 12 ) # بعد أن أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بخطاب المسلمين بقوله : { قل ~~يا عباد الذين ءامنوا اتقوا } ( الزمر : 10 ) أمر رسوله صلى الله عليه وسلم ~~بعد ذلك أن يقول قولا يتعين أنه مقول لغير المسلمين . # نقل الفخر عن مقاتل : أن كفار قريش قالوا للنبيء صلى الله عليه وسلم ما ~~يحملك على هذا الدين الذي أتيتنا به ، ألا تنظر إلى ملة أبيك وجدك وسادات ~~قومك يعبدون اللات والعزى ، فأنزل الله : { قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا ~~له الدين } . # وحقا فإن إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بذلك إذا حمل على صريحه إنما ~~يناسب توجيهه إلى المشركين الذي يبتغون صرفه عن ذلك . ويجوز أن يكون موجها ~~إلى المسلمين الذين ms7016 أذن الله لهم بالهجرة إلى الحبشة على أنه توجيه لبقائه ~~بمكة لا يهاجر معهم لأن الإذن لهم بالهجرة للأمن على دينهم من الفتن ، ~~فلعلهم ترقبوا أن يهاجر الرسول صلى الله عليه وسلم معهم إلى الحبشة فآذنهم ~~الرسول صلى الله عليه وسلم بأن الله أمره أن يعبد الله مخلصا له الدين ، أي ~~أن يوحده في مكة فتكون الآية ناظرة إلى قوله تعالى : { فاصدع بما تؤمر ~~وأعرض عن المشركين إنا كفيناك المستهزئين } ( الحجر : 94 95 ) ، أي أن الله ~~أمره بأن يقيم على التبليغ بمكة فإنه لو هاجر إلى الحبشة لانقطعت الدعوة ~~وإنما كانت هجرتهم إلى الحبشة رخصة لهم إذ ضعفوا عن دفاع المشركين عن دينهم ~~ولم يرخص ذلك للنبيء صلى الله عليه وسلم # وقد جاء قريب من هذه الآية بعد ذكر أن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ~~ومماته لله ، أي فلا يفرق من الموت في سبيل الدين وذلك قوله تعالى في سورة ~~الأنعام ( 162 ، 163 ) : { قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب ~~العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين . PageV23P357 # فكان قوله : لأن أكون أول المسلمين } علة ل { أعبد الله مخلصا له الدين } ~~، فالتقدير : وأمرت بذلك لأن أكون أول المسلمين ، فمتعلق { أمرت } محذوف ~~لدلالة قوله : { أن أعبد الله مخلصا له الدين } عليه . ف { أول هنا مستعمل ~~في مجازه فقط إذ ليس المقصود من الأولية مجرد السبق في الزمان فإن ذلك حصل ~~فلا جدوى في الإخبار به ، وإنما المقصود أنه مأمور بأن يكون أقوى المسلمين ~~إسلاما بحيث أن ما يقوم به الرسول من أمور الإسلام أعظم مما يقوم به كل ~~مسلم كما قال : إني لأتقاكم لله وأعلمكم به . # وعطف وأمرت } الثاني على { أمرت } الأول للتنويه بهذا الأمر الثاني ولأنه ~~غاير الأمر الأول بضميمة قيد التعليل فصار ذكر الأمر الأول لبيان المأمور ، ~~وذكر الأمر الثاني لبيان المأمور لأجله ، ليشير إلى أنه أمر بأمرين عظيمين ~~: أحدهما يشاركه فيه غيره وهو أن يعبد الله مخلصا له الدين ، والثاني يختص ~~به وهو أن يعبده ms7017 كذلك ليكون بعبادته أول المسلمين ، أي أمره الله بأن يبلغ ~~الغاية القصوى في عبادة الله مخلصا له الدين ، فجعل وجوده متمحضا للإخلاص ~~على أي حال كان كما قال في الآية الأخرى : { قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ~~ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين } ( ~~الأنعام : 162 ، 163 ) . # واعلم أنه لما كان الإسلام هو دين الأنبياء في خاصتهم كما تقدم عند قوله ~~تعالى { فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون في سورة البقرة } ونظائرها كثيرة ، ~~كانت في هذه الآية دلالة على أن محمدا صلى الله عليه وسلم أفضل الرسل لشمول ~~لفظ المسلمين للرسل السابقين . # هذا القول متعين لأن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم مأمورا بأن يواجه به ~~المشركين الذين كانوا يحاولون النبي صلى الله عليه وسلم أن يترك الدعوة وأن ~~يتابع دينهم . وهما أحد الشقين PageV23P358 اللذين وجه الخطاب السابق ~~إليهما ، وتعيين كل لما وجه إليه منطو بقرينة السياق وقرينة ما بعده من ~~قوله : { فاعبدوا ما شئتم من دونه } ( الزمر : 15 ) . # وإعادة الأمر بالقول على هذا للتأكيد اهتماما بهذا المقول ، وأما على ~~الوجه الثاني من الوجهين المتقدمين في المراد من توجيه المطلب في قوله : { ~~إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين } ( الزمر : 11 ) الآية فتكون إعادة ~~فعل { قل } لأجل اختلاف المقصودين بتوجيه القول إليهم ، وقد تقدم قول مقاتل ~~: قال كفار قريش للنبيء : ما يحملك على هذا الدين الذي أتيتنا به ألا تنظر ~~إلى ملة أبيك وجدك وسادات قومك يعبدون اللات والعزى . # ( 14 15 ) # . # أمر بأن يعيد التصريح بأنه يعبد الله وحده تأكيدا لقوله : { قل إني أمرت ~~أن أعبد الله مخلصا له الدين } ( الزمر : 11 ) ، لأهميته ، وإن كان مفاد ~~الجملتين واحدا لأنهما معا تفيدان أنه لا يعبد إلا الله تعالى باعتبار ~~تقييد { أعبد الله } الأول بقيد { مخلصا له الدين } وباعتبار تقديم المفعول ~~على { أعبد } الثاني فتأكد معنى التوحيد مرتين ليتقرر ثلاث مرات ، وتمهيدا ~~لقوله : { فاعبدوا ما شئتم من دونه } وهو المقصود . # والفاء في قوله : { فاعبدوا } الخ لتفريع الكلام الذي ms7018 بعدها على الكلام ~~قبلها فهو تفريع ذكري . والأمر في قوله : { فاعبدوا ما شئتم من دونه } ~~مستعمل في معنى التخلية ، ويعبر عنه بالتسوية . والمقصود التسوية في ذلك ~~عند المتكلم فتكون التسوية كناية عن قلة الاكتراث بفعل المخاطب ، أي أن ذلك ~~لا يضرني كقوله في سورة الكهف : { فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ، أي ~~اعبدوا أي شيء شئتم عبادته من دون الله . وجعلت الصلة هنا فعل المشيئة ~~إيماء إلى أن رائدهم في تعيين معبوداتهم هو مجرد المشيئة والهوى بلا دليل . ~~PageV23P359 # } # أعقب أمر التسوية في شأنهم بشيء من الموعظة حرصا على إصلاحهم على عادة ~~القرآن ، ولوحظ في إبلاغهم هذه الموعظة مقام ما سبق من التخلية بينهم وبين ~~شأنهم جمعا بين الإرشاد وبين التوبيخ ، فجيء بالموعظة على طريق التعريض ~~والحديث عن الغائب والمراد المخاطبون . # وافتتح المقول بحرف التوكيد تنبيها على أنه واقع وتعريف { الخاسرين } ~~تعريف الجنس ، أي أن الجنس الذين عرفوا بالخسران هم الذين خسروا أنفسهم ~~وأهليهم . # وتعريف المسند والمسند إليه من طريق القصر ، فيفيد هذا التركيب قصر جنس ~~الخاسرين على الذين خسروا أنفسهم وأهليهم ، وهو قصر مبالغة لكمال جنس ~~الخسران في الذين خسروا أنفسهم وأهليهم فخسران غيرهم كلا خسران ، ولهذا ~~يقال في لام التعريف في مثل هذا التركيب إنها دالة على معنى الكمال فليسوا ~~يريدون أن معنى الكمال من معاني لام التعريف . # ولما كان الكلام مسوقا بطريق التعريض بالذين دار الجدال معهم من قوله : { ~~إن تكفروا فإن الله غني عنكم إلى قوله : فاعبدوا ما شئتم من دونه } ( الزمر ~~: 7 15 ) ، علم أن المراد بالذين خسروا أنفسهم وأهليهم هم الذين جرى الجدال ~~معهم ، فأفاد معنى : أن الخاسرين أنتم ، إلا أن وجه العدول عن الضمير إلى ~~الموصولية في قوله : { الذين خسروا أنفسهم } لإدماج وعيدهم بأنهم يخسرون ~~أنفسهم وأهليهم يوم القيامة . # ومعنى خسرانهم أنفسهم : أنهم تسببوا لأنفسهم في العذاب في حين حسبوا أنهم ~~سعوا لها في النعيم والنجاح ، وهو تمثيل لحالهم في إيقاع أنفسهم في العذاب ~~وهم يحسبون أنهم يلقونها في النعيم ، بحال التاجر الذي عرض ms7019 ماله للنماء ~~والربح فأصيب بالتلف ، فأطلق على هذه الهيئة تركيب { خسروا أنفسهم } ، وقد ~~تقدم في قوله تعالى : { ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما ~~كانوا بأياتنا يظلمون في أول سورة الأعراف . PageV23P360 # وأما خسرانهم أهليهم فهو مثل خسرانهم أنفسهم وذلك أنهم أغروا أهليهم من ~~أزواجهم وأولادهم بالكفر كما أوقعوا أنفسهم فيه فلم ينتفعوا بأهليهم في ~~الآخرة ولم ينفعوهم : لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه } ( عبس : 37 ) ، ~~وهذا قريب من قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا ~~} ( التحريم : 6 ) ، فكان خسرانهم خسرانا عظيما . # فقوله : { ألا ذلك هو الخسران المبين } استئناف هو بمنزلة الفذلكة ~~والنتيجة من الكلام السابق لأن وصف { الذين خسروا } بأنهم خسروا أحب ما ~~عندهم وبأنهم الذين انحصر فيهم جنس الخاسرين ، يستخلص منه أن خسارتهم أعظم ~~خسارة وأوضحها للعيان ، ولذلك أوثرت خسارتهم باسم الخسران الذي هو اسم مصدر ~~الخسارة دال على قوة المصدر والمبالغة فيه . # وأشير إلى العناية والاهتمام بوصف خسارتهم ، بأن افتتح الكلام بحرف ~~التنبيه داخلا على اسم الإشارة المفيد تمييز المشار إليه أكمل تمييز ، ~~وبتوسط ضمير الفصل المفيد للقصر وهو قصر ادعائي ، والقول فيه كالقول في ~~الحصر في قوله : { إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم } . # . # بدل اشتمال من جملة { ألا ذلك هو الخسران المبين } ( الزمر : 15 ) ، وخص ~~بالإبدال لأنه أشد خسرانهم عليهم لتسلطه على إهلاك أجسامهم . والخسران ~~يشتمل على غير ذلك من الخزي وغضب الله واليأس من النجاة . فضمير { لهم } ~~عائد إلى مجموع { أنفسهم وأهليهم } ( الزمر : 15 ) . # والظلل : اسم جمع ظلة ، وهي شيء مرتفع من بناء أو أعواد مثل الصفة يستظل ~~به الجالس تحته ، مشتقة من الظل لأنها يكون لها ظل في الشمس ، وتقدم ذلك ~~عند قوله تعالى : { إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام في سورة البقرة } ~~، وقوله : { وإذا غشيهم موج كالظلل في سورة لقمان } . وهي هنا استعارة ~~للطبقة التي تعلو أهل النار في نار جهنم بقرينة قوله : { من النار } ، شبهت ~~بالظلة في العلو والغشيان PageV23P361 مع التهكم لأنهم يتمنون ما يحجب عنهم ~~حر ms7020 النار فعبر عن طبقات النار بالظلل إشارة إلى أنهم لا واقي لهم من حر ~~النار على نحو تأكيد الشيء بما يشبه ضده ، وقوله { لهم } ترشيح للاستعارة . # وأما إطلاق الظلل على الطبقات التي تحتهم فهو من باب المشاكلة ولأن ~~الطبقات التي تحتهم من النار تكون ظللا لكفار آخرين لأن جهنم دركات كثيرة . # . # تذييل للتهديد بالوعيد من قوله تعالى : { قل إن الخاسرين الذين خسروا ~~أنفسهم } ( الزمر : 15 ) الآية ، أو استئناف بياني بتقدير سؤال يخطر في نفس ~~السامع لوصف عذابهم بأنه ظلل من النار من فوقهم وظلل من تحتهم أن يقول سائل ~~: ما يقع إعداد العذاب لهم في الآخرة بعد فوات تدارك كفرهم ؟ فأجيب بأن ~~الله جعل ذلك العذاب في الآخرة لتخويف الله عباده حين يأمرهم بالاستقامة ~~ويشرع لهم الشرائع ليعلموا أنهم إذا لم يستجيبوا لله ورسله تكون ذلك ~~عاقبتهم . ولما كان وعيد الله خبرا منه ولا يكون إلا صدقا حقق لهم في ~~الآخرة ما توعدهم به في الحياة وتخويف الله به معناه أنه يخوفهم بالإخبار ~~به وبوصفه ، أما إذاقتهم إياه فهي تحقيق للوعيد . # ويعلم من هذا بطريق المقابلة جعل الجنة لترغيب عباده في التقوى ، إلا أنه ~~طوى ذكره لأن السياق موعظة لأهل الشرك فالله جعل الجنة وجهنم إتماما لحكمته ~~ومراده من نظام الحياة الدنيا ليكون الناس فيها على أكمل ما ترتقي إليه ~~النفس الزكية . والظاهر أن الجنة جعلها الله مسكنا لأهل النفوس المقدسة من ~~الملائكة والناس مثل الرسل فلذلك هي مخلوقة من قبل ظهور التكليف ، وأما ~~جهنم فيحتمل أنها مقدمة وهو ظاهر حديث : ( اشتكت النار إلى ربها فقالت : ~~أكل بعضي بعضا فأذن لها بنفسين نفس في الشتاء ونفس في الصيف ) . ويحتمل ~~أنها تخلق يوم الجزاء ويتأول الحديث . # وقوله تعالى : { ذالك } إشارة إلى ما وصف من الخسران والعذاب بتأويل ~~المذكور . PageV23P362 والتخويف : مصدر خوفه ، إذا جعله خائفا إذا أراه ~~ووصف له شيئا يثير في نفسه الخوف ، وهو الشعور بما يؤلم النفس بواسطة إحدى ~~الحواس الخمس . # والعباد المضاف إلى ضمير الجلالة في الموضعين هنا يعم ms7021 كل عبد من الناس من ~~مؤمن وكافر إذ الجميع يخافون العذاب على العصيان ، والعذاب متفاوت وأقصاه ~~الخلود لأهل الشرك ، وليس العباد هنا مرادا به أهل القرب لأنه لا يناسب ~~مقام التخويف ولأن قرينة قوله : { عباده } تدل على أن المنادين جميع العباد ~~، ففرق بينه وبين نحو { يا عباد لا خوف عليكم اليوم } ( الزخرف : 68 ) . # تفريع وتعقيب لجملة { ذالك يخوف الله به عباده } لأن التخويف مؤذن بأن ~~العذاب أعد لأهل العصيان فناسب أن يعقب بأمر الناس بالتقوى للتفادي من ~~العذاب . # وقدم النداء على التفريع مع أن مقتضى الظاهر تأخيره عنه كقوله تعالى : { ~~واتقون يا أولي الألباب في سورة البقرة } لأن المقام هنا مقام تحذير وترهيب ~~، فهو جدير باسترعاء ألباب المخاطبين إلى ما سيرد من بعد من التفريع على ~~التخويف بخلاف آية البقرة فإنها في سياق الترغيب في إكمال أعمال الحج ~~والتزود للآخرة فلذلك جاء الأمر بالتقوى فيها معطوفا بالواو . # وحذفت ياء المتكلم من قوله : { يا عباد } على أحد وجوه خمسة في المنادى ~~المضاف إلى ياء المتكلم . # ( 17 18 ) # لما انتهى تهديد المشركين وموعظة الخلائق أجمعين ثني عنان الخطاب إلى ~~جانب المؤمنين فيما يختص بهم من البشارة مقابلة لنذارة المشركين . ~~PageV23P363 والجملة معطوفة على جملة { قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم ~~} ( غافر : 15 ) الآية . # والتعبير عن المؤمنين ب { الذين اجتنبوا الطاغوت } لما في الصلة من ~~الإيماء إلى وجه بناء الخبر وهو { لهم البشرى } ، وهذا مقابل قوله : { ذالك ~~يخوف الله به عباده } ( الزمر : 16 ) . # والطاغوت : مصدر أو اسم مصدر طغا على وزن فعلوت بتحريك العين بوزن رحموت ~~وملوكت . وفي أصله لغتان الواو والياء لقولهم : طغا طغوا مثل علو ، وقولهم ~~: طغوان وطغيان . وظاهر ( القاموس ) أنه واوي ، وإذ كانت لامه حرف علة ~~ووقعت بعدها واو زنة فعلوت استثقلت الضمة عليها فقدموها على العين ليتأتى ~~قلبها ألفا حيث تحركت وانفتح ما قبلها فصار طاغوت بوزن فلعوت بتحريك اللام ~~وتاؤه زائدة للمبالغة في المصدر . # ومن العلماء من جعل الطاغوت اسما أعجميا على وزن فاعول مثل جالوت وطالوت ~~وهارون ، وذكره ms7022 في ( الإتقان ) فيما وقع في القرآن من المعرب وقال : إنه ~~الكاهن بالحبشية . واستدركه ابن حجر فيما زاده على أبيات ابن السبكي في ~~الألفاظ المعربة الواقعة في القرآن ، وقد تقدم ذكره بأخصر مما هنا عند قوله ~~تعالى : { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ~~في سورة النساء } . # وأطلق الطاغوت في القرآن والسنة على القوي في الكفر أو الظلم ، فأطلق على ~~الصنم ، وعلى جماعة الأصنام ، وعلى رئيس أهل الكفر مثل كعب بن الأشرف . ~~وأما جمعه على طواغيت فذلك على تغليب الاسمية علما بالغلبة إذ جعل الطاغوت ~~لواحد الأصنام وهو قليل ، وهو هنا مراد به جماعة الأصنام وقد أجرى عليه ~~ضمير المؤنث في قوله : { أن يعبدوها } باعتبار أنه جمع لغير العاقل ، وأجري ~~عليه ضمير جماعة الذكور في قوله تعالى : { والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت ~~يخرجونهم من النور إلى الظلمات في سورة البقرة } باعتبار أنه وقع خبرا عن ~~الأولياء وهو جمع مذكر ، وباعتبار تنزيلها منزلة العقلاء في زعم عبادها . و ~~{ أن يعبدوها } بدل من { الطاغوت } بدل اشتمال . PageV23P364 # والإنابة : التوبة وتقدمت في قوله : { إن إبراهيم لحليم أواه منيب في ~~سورة هود } . والمراد بها هنا التوبة من كل ذنب ومعصية وأعلاها التوبة من ~~الشرك الذي كانوا عليه في الجاهلية . # والبشرى : البشارة ، وهي الإخبار بحصول نفع ، وتقدمت في قوله تعالى : { ~~لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة في سورة يونس } . والمراد بها هنا ~~: البشرى بالجنة . # وفي تقديم المسند من قوله : { لهم البشرى } إفادة القصر وهو مثل القصر في ~~{ أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب } . # وفرع على قوله : { لهم البشرى } قوله : { فبشر عباد الذين يستمعون القول ~~فيتبعون أحسنه } وهم الذين اجتنبوا الطاغوت ، فعدل عن الإتيان بضميرهم بأن ~~يقال : فبشرهم ، إلى الإظهار باسم العباد مضاف إلى ضمير الله تعالى ، ~~وبالصلة لزيادة مدحهم بصفتين أخريين وهما : صفة العبودية لله ، أي عبودية ~~التقرب ، وصفة استماع القول واتباع أحسنه . # وقرأ العشرة ما عدا السوسي راوي أبي عمرو كلمة { عباد بكسر الدال دون ياء ~~وهو تخفيف واجتزاء بوجود ms7023 الكسرة على الدال . وقرأها السوسي بياء بعد الدال ~~مفتوحة في الوصل وساكنة في الوقف ، ونقل عنه حذف الياء في حالة الوقف وهما ~~وجهان صحيحان في العربية كما في التسهيل } ، لكن اتفقت المصاحف على كتابة { ~~عباد هنا بدون ياء بعد الدال وذلك يوهن قراءة السوسي إلا أن يتأول لها ~~بأنها من قبيل الأداء . # والتعريف في القول } تعريف الجنس ، أي يستمعون الأقوال مما يدعو إلى ~~الهدى مثل القرآن وإرشاد الرسول صلى الله عليه وسلم ويستمعون الأقوال التي ~~يريد أهلها صرفهم عن الإيمان من ترهات أيمة الكفر فإذا استمعوا ذلك اتبعوا ~~أحسنه وهو ما يدعو إلى الحق . # والمراد : يتبعون القول الحسن من تلك الأقوال ، فاسم التفضيل هنا ليس ~~PageV23P365 مستعملا في تفاوت الموصوف به في الفضل على غيره فهو للدلالة ~~على قوة الوصف ، مثل قوله تعالى : { قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه ~~} ( يوسف : 33 ) . أثنى الله عليهم بأنهم أهل نقد يميزون بين الهدى والضلال ~~والحكمة والأوهام نظار في الأدلة الحقيقية نقاد للأدلة السفسطائية . وفي ~~الموصول إيماء إلى أن اتباع أحسن القول سبب في حصول هداية الله إياهم . # وجملة { أولئك الذين هداهم الله } مستأنفة لاسترعاء الذهن لتلقي هذا ~~الخبر . وأكد هذا الاسترعاء بجعل المسند إليه اسم إشارة ليتميز المشار ~~إليهم . أكمل تميزه مع التنبيه على أنهم كانوا أحرياء بهذه العناية ~~الربانية لأجل ما اتصفوا به من الصفات المذكورة قبل اسم الإشارة وهي صفات ~~اجتنابهم عبادة الأصنام مع الإنابة إلى الله واستماعهم كلام الله واتباعهم ~~إياه نابذين ما يلقي به المشركون من أقوال التضليل . # والإتيان باسم الإشارة عقب ذكر أوصاف أو أخبار طريقة عربية في الاهتمام ~~بالحكم والمحكوم عليه فتارة يشار إلى المحكوم عليه كما هنا وتارة يشار إلى ~~الخبر كما في قوله : { هذا وإن للطاغين لشر مئاب في سورة } ( ص : 55 ) . # وقد أفاد تعريف الجزأين في قوله : { أولئك الذين هداهم الله } قصر ~~الهداية عليهم وهو قصر صفة على موصوف وهو قصر إضافي قصر تعيين ، أي دون ~~الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم . # ومعنى { هداهم ms7024 الله } أنهم نالوا هذه الفضيلة بأن خلق الله نفوسهم قابلة ~~للهدى الذي يخاطبهم به الرسول صلى الله عليه وسلم فتهيأت نفوسهم لذلك ~~وأقبلوا على سماع الهدى بشراشرهم وسعوا إلى ما يبلغهم إلى رضاه وطلبوا ~~النجاة من غضبه . وليس المراد بهدي الله إياهم أنه وجه إليهم أوامر إرشاده ~~لأن ذلك حاصل للذين خوطبوا بالقرآن فأعرضوا عنه ولم يتطلبوا البحث عما يرضي ~~الله تعالى فأصروا على الكفر . PageV23P366 # وأشارت جملة { وأولئك هم أولوا الألباب } إلى معنى تهيئهم للاهتداء بما ~~فطرهم الله عليه من عقول كاملة ، وأصل الخلقة ميالة لفهم الحقائق غير ~~مكترثة بالمألوف ولا مراعاة الباطل ، على تفاوت تلك العقول في مدى سرعة ~~البلوغ للاهتداء ، فمنهم من آمن عند أول دعاء النبي صلى الله عليه وسلم مثل ~~خديجة وأبي بكر الصديق وعلي بن أبي طالب ، ومنهم من آمن بعيد ذلك أو بعده ، ~~فأشير إلى رسوخ هذه الأحوال في عقولهم بذكر ضمير الفصل مع كلمة { أولوا } ~~الدالة على أن الموصوف بها ممسك بما أضيفت إليه كملة { أولوا } ، وبما دل ~~عليه تعريف { الألباب } من معنى الكمال ، فليس التعريف فيه تعريف الجنس لأن ~~جنس الألباب ثابت لجميع العقلاء . وأشار إعادة اسم الإشارة إلى تميزهم بهذه ~~الخصلة من بين نظرائهم وأهل عصرهم . # وفيه تنبيه على أن حصول الهداية لا بد له من فاعل وقابل ، فأشير إلى ~~الفاعل بقوله تعالى : { هداهم الله } ، وإلى القابل بقوله : { هم أولوا ~~الألباب } . وفي هذه الجملة من القصر ما في قوله : { أولئك الذين هداهم ~~الله } . # وقد دل ثناء الله على عباده المؤمنين الكمل بأنهم أحرزوا صفة اتباع أحسن ~~القول الذي يسمعونه ، على شرف النظر والاستدلال للتفرقة بين الحق والباطل ~~وللتفرقة بين الصواب والخطأ ولغلق المجال في وجه الشبهة ونفي تلبس السفسطة ~~. وهذا منه ما هو واجب على الأعيان وهو ما يكتسب به الإعتقاد الصحيح على ~~قدر قريحة الناظر ، ومنه واجب على الكفاية وهو فضيلة وكمال في الأعيان وهو ~~النظر والاستدلال في شرائع الإسلام وإدراك دلائل ذلك والفقه في ذلك والفهم ~~فيه والتهمم برعاية ms7025 مقاصده في شرائع العبادات والمعاملات ، وآداب المعاشرة ~~لإقامة نظام الجامعة الإسلامية على أصدق وجه وأكمله ، وإلجام الخائضين في ~~ذلك بعماية وغرور ، وإلقام المتنطعين والملحدين . # ومما يتبع ذلك انتقاء أحسن الأدلة وأبلغغ الأقوال الموصلة إلى هذا ~~المقصود بدون اختلال ولا اعتلال بتهذيب العلوم ومؤلفاتها ، فقد قيل : خذوا ~~من كل علم أحسنه أخذا من قوله تعالى هنا : { الذين يستمعون القول فيتبعون ~~أحسنه } . PageV23P367 وعن ابن زيد نزلت في زيد بن عمرو بن نفيل وأبي ذر ~~الغفاري وسلمان الفارسي اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها في جاهليتهم واتبعوا ~~أحسن ما بلغهم من القول . # وعن ابن عباس نزل قوله : { فبشر عباد الذين يستمعون القول } الآية في ~~عثمان وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير وسعيد بن زيد ، وسعد بن أبي وقاص ~~جاؤوا إلى أبي بكر الصديق حين أسلم فسألوه فأخبرهم بإيمانه فآمنوا . # لما أفاد الحصر في قوله : { لهم البشرى } ( الزمر : 17 ) والحصران اللذان ~~في قوله : { أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب } ( الزمر : ~~18 ) أن من سواهم وهم المشركون لا بشرى لهم ولم يهدهم الله ولا ألباب لهم ~~لعدم انتفاعهم بعقولهم ، وكان حاصل ذلك أن المشركين محرومون من حسن العاقبة ~~بالنعيم الخالد لحرمانهم من الطاعة التي هي سببه فرع على ذلك استفهام ~~إنكاري مفيد التنبيه على انتفاء الطماعية في هداية الفريق الذي حقت عليه ~~كلمة العذاب ، وهم الذين قصد إقصاؤهم عن البشرى ، والهداية والانتفاعع ~~بعقولهم ، بالقصر المصوغة عليه صيغ القصر الثلاث المتقدمة كما أشرنا إليه . # وقد جاء نظم الكلام على طريقة مبتكرة في الخبر المهتم به بأن يؤكد مضمونه ~~الثابت للخبر عنه ، بإثبات نقيضض أو ضد ذلك المضمون لضد المخبر عنه ليتقرر ~~مضمون الخبر مرتين مرة بأصله ومرة بنقيضه أو ضده ، لضد المخبر عنه كقوله ~~تعالى : { هذا وإن للطاغين لشر مئاب } ( ص : 55 ) عقب قوله : { هذا ذكر وإن ~~للمتقين لحسن مئاب } ( ص : 49 ) . ويكثر أن يقع ذلك بعد الإتيان باسم إشارة ~~للخبر المتقدم كما في الآية المذكورة أو للمخبر عنه كما في هذه السورة في ~~قوله آنفا ms7026 : { أولئك الذين هداهم الله } ( الزمر : 18 ) فإنه بعد أن أشير ~~إلى الموصوفين مرتين فرع عليه بعده إثبات ضد حكمهم لمن هم متصفون بضد حالهم ~~. # وبهذا يظهر حسن موقع الفاء لتفريع هذه الجملة على جملة { أولئك الذين ~~PageV23P368 هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب } ( الزمر : 18 ) لأن ~~التفريع يقتضي اتصالا وارتباطا بين المفرع والمفرع عليه وذلك ، كالتفريع في ~~قول لبيد : # أفتلك أم وحشية مسبوعة # خذلت وهادية الصوار قوامها # إذ فرع تشبيها على تشبيه لاختلاف المشبه بهما . # وكلمة { العذاب } كلام وعيد الله إياهم بالعذاب في الآخرة . ومعنى { حق } ~~تحققت في الواقع ، أي كانت كلمة العذاب المتوعد بها حقا غير كذب ، فمعنى { ~~حق } هنا تحقق ، وحق كلمة العذاب عليهم ضد هدي الله الآخرين ، وكونهم في ~~النار ضد كون الآخرين لهم البشرى ، وترتيب المتضادين جرى على طريقة شبه ~~اللف والنشر المعكوس ، نظير قوله تعالى : { إن الذين كفروا سواء عليهم ~~أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ختم الله على قلوبهم إلى قوله : ولهم عذاب ~~عظيم } ( البقرة : 6 ، 7 ) بعد قوله : { والذين يؤمنون بما أنزل إليك إلى ~~قوله : أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون } ( البقرة : 4 ، 5 ) ، ~~فإن قوله : { ختم الله على قلوبهم } ضد لقوله : { أولئك على هدى من ربهم } ~~وقوله : { ولهم عذاب عظيم ضد قوله : أولئك هم المفلحون } . # و ( من ) من قوله تعالى : { أفمن حق عليه كلمة العذاب } روي عن ابن عباس ~~أن المراد بها أبو لهب وولده ومن تخلف عن الإيمان من عشيرة النبي صلى الله ~~عليه وسلم فيكون ( من ) مبتدأ حذف خبره . والتقدير : تنقذه من النار ، كما ~~دل عليه ما بعده وتكون جملة { أفأنت تنقذ من في النار } تذييلا ، أي أنت لا ~~تنقذ الذين في النار . والهمزة للاستفهام الإنكاري ، والهمزة الثانية كذلك ~~. وإحداهما تأكيد للأخرى التي قبلها للاهتمام بشأن هذا الاستفهام الإنكاري ~~على نحو تكرير ( أن ) في قول قس بن ساعدة : # لقد علم الحي اليمانون أنني # إذ قلت : أما بعد ، أني خطيبها # والذي درج عليه صاحب ( الكشاف ) وتبعه شارحوه أن ( من ) في ms7027 قوله : { أفمن ~~حق عليه كلمة العذاب } شرطية ، بناء على أن الفاء في قوله : { أفأنت تنقذ ~~من PageV23P369 في النار } يحسن أن تكون لمعنى غير معنى التفريع المستفاد ~~من التي قبلها وإلا كانت مؤكدة للأولى وذلك ينقص معنى من الآية . ويجوز أن ~~تكون ( من ) الأولى موصولة مبتدأ وخبره { أفأنت تنقذ من في النار } ، وتكون ~~الفاء في قوله : { أفأنت تنقذ من في النار } مؤكدة للفاء الأولى في قوله : ~~{ أفمن حق } الخ فتكون الهمزة والفاء معا مؤكدتين للهمزة الأولى والفاء ~~التي معها لاتصالهما ، ولأن جملة { أفأنت تنقذ } صادقة على ما صدقت عليه ~~جملة { أفمن حق عليه كلمة العذاب } ، ويكون الاستفهام الإنكاري جاريا على ~~غالب استعماله من توجهه إلى كلام لا شرط فيه . وأصل الكلام على اعتبار ( من ~~) شرطية : أمن تحقق عليه كلمة العذاب في المستقبل ، فأنت لا تنقذه منه ~~فتكون همزة { أفأنت تنقذ من في النار } للاستفهام الإنكاري وتكون همزة { ~~أفمن حق عليه كلمة العذاب } افتتح بها الكلام المتضمن الإنكار للتنبيه من ~~أول الأمر على أن الكلام يتضمن إنكارا ، كما أن الكلام الذي يشتمل على نفي ~~قد يفتتحونه بحرف نفي قبل أن ينطقوا بالنفي كما في قول مسلم بن معبد ~~الوالبي من بني أسد : # فلا والله لا يلفى لما بي # ولا لما بهم أبدا دواء # ويفيد ذكرها توكيد مفاد همزة الإنكار إفادة تبعية . # وأصل الكلام على اعتبار ( من ) الأولى موصولة : الذين تحق عليهم كلمة ~~العذاب أنت لا تنقذهم من النار ، فتكون الهمزة في قوله : { أفمن حق عليه ~~كلمة العذاب } للاستفهام الإنكاري وتكون همزة { أفأنت تنقذ من في النار } ~~تأكيدا للهمزة الأولى . # و { من } من قوله : { من في النار } موصولة . و { من في النار } هم من حق ~~عليهم كلمة العذاب لأن كلمة العذاب هي أن يكونوا من أهل النار فوقع إظهار ~~في مقام الإضمار ، والأصل : ( أفأنت تنقذه من النار ) . PageV23P370 # وفائدة هذا الإظهار تهويل حالتهم لما في الصلة من حرف الظرفية المصور ~~لحالة إحاطة النار بهم ، أي أفأنت تريد إنقاذهم من الوقوع في النار وهم ~~الآن ms7028 في النار لأنه محقق مصيرهم إلى النار ، فشبه تحقق الوقوع في المستقبل ~~بتحققه في الحال . وقد صرح بمثل هذا الخبر المحذوف في قوله تعالى : { أفمن ~~يلقى في النار خير أمن يأتي آمنا يوم القيامة في سورة فصلت } وقوله : { ~~أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم في سورة الملك ~~} . # والاستفهام تقريري كناية عن عدم التساوي بين هذا وبين المؤمن . # وكلمة { العذاب } هي كلام الله المقتضي أن الكافر في العذاب ، أي تقدير ~~الله ذلك للكافر في وعيده المتكرر في القرآن . وتجريد فعل { حق } من تاء ~~التأنيث مع أن فاعله مؤنث اللفظ وهو { كلمة } ، لأن الفاعل اكتسب التذكير ~~مما أضيف هو إليه نظرا لإمكان الاستغناء عن المضاف بالمضاف إليه ، فكأنه ~~قيل : أفمن حق عليه العذاب . وفائدة إقحام { كلمة } الإشارة إلى أن ذلك أمر ~~الله ووعيده . # وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي في { أفأنت تنقذ } مفيد لتقوي الحكم ~~وهو إنكار أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم بتكرير دعوته يخلصهم من تحقق ~~الوعيد أو يحصل لهم الهداية إذا لم يقدرها الله لهم . # والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم تهوينا عليه بعض حرصه على تكرير ~~دعوتهم إلى الإسلام ، وحزنه على إعراضهم وضلالهم ، وإلا فلم يكن النبي صلى ~~الله عليه وسلم بالذي يظن أنه ينقذهم من وعيد الله ، ولذلك اجتلب فعل ~~الإنقاذ هنا تشبيها لحال النبي صلى الله عليه وسلم في حرصه على هديهم وبلوغ ~~جهده في إقناعهم بتصديق دعوته ، وحالهم في انغماسهم في موجبات وعيدهم بحال ~~من يحاول إنقاذ ساقط في النار قد أحاطت النار بجوانبه استحقاقا قضى به من ~~لا يرد مراده ، فحالهم تشبه حال وقوعهم في النار من الآن لتحقق وقوعه ، ~~وحذف المركب الدال على الحالة المشبه بها ، ورمز إلى معناه بذكر شيء من ~~ملائمات ذلك المركب المحذوف وهو فعل { تنقذ من في النار } الذي هو من ~~ملائمات وقوعهم في النار على طريقة التمثيل بالمكنية ، أي إجراء الاستعارة ~~المكنية في المركب ، ويكون قوله : { تنقذ من في النار } PageV23P371 قرينة ms7029 ~~هذه المكنية وهو في ذاته استعارة تحقيقية كما في قوله تعالى : { ينقضون عهد ~~الله } ( البقرة : 27 ) . # وهذا مما أشار إليه ( الكشاف ) وبينه التفتزاني فيعد من مبتكرات دقائق ~~أنظارهما ، وبه يتم تقسيم الاستعارة التمثيلية إلى قسمين مصرحة ومكنية . ~~وذلك كان مغفولا عنه في علم البيان وبهذا تعلم أن الإنقاذ أطلق على الإلحاح ~~في الإنذار من إطلاق اسم المسبب على السبب ، وأن من في النار من هو صائر ~~إلى النار ، فلا متمسك للمعتزلة في الاستدلال بالآية على نفي الشفاعة ~~المحمدية لأهل الكبائر ؛ على أننا لو سلمنا أن الآية مسوقة في غرض الشفاعة ~~فإنما نفت الشفاعة لأهل الشرك لأن من في النار يحتمل العهد وهم المتحدث ~~عنهم في هذه الآية . ولا خلاف في أن المشركين لا شفاعة فيهم قال تعالى : { ~~فما تنفعهم شفاعة الشافعين } ( المدثر : 48 ) ، على أن المنفي هو أن يكون ~~النبي صلى الله عليه وسلم منقذا لمن أراد الله عدم إنقاذه ، فأما الشفاعة ~~فهو سؤال الله أن ينقذه . # وقد اشتملت هذه الآية على نكت بديعة من الإعجاز إذ أفادت أن هذا الفريق ~~من أهل الشرك الذين يكمن الكفر في قلوبهم حقت عليهم كلمة الله بتعذيبهم فهم ~~لا يؤمنون ، وأن حالهم الآن كحال من وقع في النار فهو هالك لا محالة ، وحال ~~النبي صلى الله عليه وسلم في حرصه على هديهم كحال من رأى ساقطا في النار ~~فاندفع بدافع الشفقة إلى محاولة إنقاذه ولكنه لا يستطيع ذلك فلذلك أنكرت ~~شدة حرصه على تخليصهم فكان إيداع هذا المعنى في جملتين نهاية في الإيجاز مع ~~قرنه بما دل عليه تأكيد الهمزة والفاء في الجملة الثانية من الإطناب في ~~مقام الصراحة . ثم بما أودع في هاتين الجملتين من الاستعارة التمثيلية ~~العجيبة بطريق المكنية ومن الاستعارة المصرحة في قرينة المكنية . # وحاصل نظم هذا التركيب : أفمن حق عليه كلمة العذاب فهو في النار أفأنت ~~تنقذه وتنقذ من في النار . # وقد أشار إلى هذه الحالة الممثلة في هذه الآية حديث أبي هريرة أنه سمع ~~النبي PageV23P372 صلى الله عليه ms7030 وسلم يقول : ( إنما مثلي ومثل الناس كمثل ~~رجل استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في ~~النار يقعن فيها فجعل ينزعهن ويغلبنه فيقتحمن فيها ، فأنا آخذ بحجزكم عن ~~النار وأنتم تقتحمون فيها ) . # أعيدت بشارة الذين اجتنبوا الطاغوت تفصيلا للإجمال الواقع من قبل . ~~وافتتح الإخبار عنهم بحرف الاستدراك لزيادة تقرير الفارق بين حال المؤمنين ~~وحال المشركين والمضادة بينهما ، فحرف الاستدراك هنا لمجرد الإشعار بتضاد ~~الحالين ليعلم السامع أنه سيتلقى حكما مخالفا لما سبق كما تقدم في قوله ~~تعالى : { ولكن انظر إلى الجبل في سورة الأعراف } ، وقوله : { ولكن كره ~~الله انبعاثهم في سورة براءة } ، فحصل في قضية الذين اجتنبوا عبادة الطاغوت ~~تقرير على تقرير ابتدىء بالإشارتين في قوله : { أولئك الذين هداهم الله ~~وأولئك هم أولوا الألباب } ( الزمر : 18 ) ثم بما أعقب من تفريع حال ~~أضدادهم على ذكر أحوالهم ثم بالاستدراك الفارق بين حالهم وحال أضدادهم . # والمراد بالذين اتقوا ربهم : هم الذين اجتنبوا عبادة الطاغوت وأنابوا إلى ~~الله واتبعوا أحسن القول واهتدوا بهدي الله وكانوا أولي ألباب ، فعدل عن ~~الإتيان بضميرهم هنا إلى الموصول لقصد مدحهم بمدلول الصلة وللإيماء إلى أن ~~الصلة سبب للحكم المحكوم به على الموصول وهو نوالهم الغرف . وعدل عن اسم ~~الجلالة إلى وصف الرب المضاف إلى ضمير المتقين لما في تلك الإضافة من ~~تشريفهم برضى ربهم عنهم . # واللام في { لهم } للاختصاص . والمعنى : أنها لهم في الجنة ، أي أعدت لهم ~~في الجنة . # والغرف : جمع غرفة بضم الغين وسكون الراء ، وهي البيت المرتكز على بيت ~~آخر ، ويقال لها العلية ( بضم العين وكسرها وبكسر اللام مشددة والتحتية ~~كذلك ) PageV23P373 وتقدمت الغرفة في آخر سورة الفرقان . # ومعنى { من فوقها غرف } أنها موصوفة باعتلاء غرف عليها وكل ذلك داخل في ~~حيز لام الاختصاص ، فالغرف التي فوق الغرف هي لهم أيضا لأن ما فوق البناء ~~تابع له وهو المسمى بالهواء في اصطلاح الفقهاء . فالمعنى : لهم أطباق من ~~الغرف ، وذلك مقابل ما جعل لأهل النار في قوله : { لهم من فوقهم ظلل من ms7031 ~~النار ومن تحتهم ظلل } ( الزمر : 16 ) . # وخولف بين الحالتين : فجعل للمتقين غرف موصوفة بأنها فوقها غرف ، وجعلت ~~للمشركين ظلل من النار ، وعطف عليها أن من تحتهم ظللا للإشارة إلى أن ~~المتقين متنعمون بالتنقل في تلك الغرف ، وإلى أن المشركين محبوسون في ~~مكانهم ، وأن الظلل من النار من فوقهم ومن تحتهم لتتظاهر الظلل بتوجيه لفح ~~النار إليه من جميع جهاتهم . # والمبنية : المسموكة الجدران بحجر وجص ، أو حجر وتراب ، أو بطوب مشمس ثم ~~توضع عليها السقف ، وهذا نعت لغرف التي فوقها غرف . ويعلم منه أن الغرف ~~المعتلى عليها مبنية بدلالة الفحوى . وقد تردد المفسرون في وجه وصف الغرف ~~مع أن الغرفة لا تكون إلا من بناء ، ولم يذهبوا إلى أنه وصف كاشف ولهم ~~العذر في ذلك لقلة جدواه فقيل ذكر المبنية للدلالة على أنها غرف حقيقة لا ~~أشياء مشابهة الغرف فرقا بينهما وبين الظلل التي جعلت للذين خسروا يوم ~~القيامة فإن ظللهم كانت من نار فلا يظن السامع أن غرف المتقين مجاز عن ~~سحابات من الظل أو نحو ذلك لعدم الداعي إلى المجاز هنا بخلافه هنالك لأنه ~~اقتضاه مقام التهكم . # وقال في ( الكشاف ) : { مبنية } مثل المنازل اللاصقة للأرض ، أي فذكر ~~الوصف تمهيد لقوله : { تجري من تحتها الأنهار } لأن المعروف أن الأنهار لا ~~تجري إلا تحت المنازل السفلية أي لم يفت الغرف شيء من محاسن المنازل ~~السفلية . # وقيل : أريد أنها مهيأة لهم من الآن . فهي موجودة لأن اسم المفعول كاسم ~~PageV23P374 الفاعل في اقتضائه الاتصاف بالوصف في زمن الحال فيكون إيماء ~~إلى أن الجنة مخلوقة من الآن . # ويجوز عندي أن يكون الوصف احترازا عن نوع من الغرف تكون نحتا في الحجر في ~~الجبال مثل غرف ثمود ، ومثل ما يسميه أهل الجنوب التونسي غرفا ، وهي بيوت ~~منقورة في جبال ( مدنين ) و ( مطماطة ) و ( تطاوين ) وانظر هل تسمى تلك ~~البيوت غرفا في العربية فإن كتب اللغة لم تصف مسمى الغرفة وصفا شافيا . ~~ويجوز أن يكون { مبنية } وصفا للغرف باعتبار ما دل عليه لفظها من معنى ~~المبني ms7032 المعتلي فيكون الوصف دالا على تمكن المعنى الموصوف ، أي مبنية بناء ~~بالغا الغاية في نوعه كقولهم : ليل أليل ، وظل ظليل . # وجري الأنهار من تحتها من كمال حسن منظرها للمطل منها . ومعنى { من تحتها ~~} أن الأنهار تمر على ما يجاور تحتها ، كما تقدم في قوله تعالى : { جنات ~~تجري من تحتها الأنهار في آل عمران ، فأطلق اسم تحت على مجاورة . # ويجوز أن يكون المعنى : تجري من تحت أسسها الأنهار ، أي تخترق أسسها وتمر ~~فيها وفي ساحاتها ، وذلك من أحسن ما يرى في الديار كديار دمشق وقصر الحمراء ~~بالأندلس وديار أهل الترف في مدينة فاس فيكون إطلاق تحت حقيقة . # والمعنى : أن كل غرفة منها يجري تحتها نهر فهو من مقابلة الجمع ليقسم على ~~الآحاد ، وذلك بأن يصعد الماء إلى كل غرفة فيجري تحتها . # و وعد الله } مصدر منصوب على أنه مفعول مطلق مؤكد لنفسه لأن قوله : { لهم ~~غرف } في معنى : وعدهم الله غرفا وعدا منه . ويجوز انتصابه على الحال من { ~~غرف } على حد قوله : { وعدا علينا ، } وإضافة { وعد } إلى اسم الجلالة ~~مؤذنة بأنه وعد موفى به فوقعت جملة { لا يخلف الله الميعاد } بيانا لمعنى { ~~وعد الله } . # والميعاد : مصدر ميمي بمعنى الوعد . PageV23P375 # استئناف ابتدائي انتقل به إلى غرض التنويه بالقرآن وما احتوى عليه من هدى ~~الإسلام ، وهو الغرض الذي ابتدئت به السورة وانثنى الكلام منه إلى ~~الاستطراد بقوله تعالى : { فاعبد الله مخلصا له الدين } ( الزمر : 2 ) إلى ~~هنا ، فهذا تمهيد لقوله : { أفمن شرح الله صدره للإسلام } إلى قوله : { ذلك ~~هدى الله يهدي به من يشاء } ( الزمر : 22 ، 23 ) فمثلت حالة إنزال القرآن ~~واهتداء المؤمنين به والوعد بنماء ذلك الاهتداء ، بحالة إنزال المطر ونبات ~~الزرع به واكتماله . وهذا التمثيل قابل لتجزئة أجزائه على أجزاء الحالة ~~المشبه بها : فإنزال الماء من السماء تشبيه لإنزال القرآن لإحياء القلوب ، ~~وإسلاك الماء ينابيع في الأرض تشبيه لتبليغ القرآن للناس ، وإخراج الزرع ~~المختلف الألوان تشبيه لحال اختلاف الناس من طيب وغيره ، ونافع وضار ، ~~وهياج الزرع تشبيه لتكاثر المؤمنين بين المشركين ms7033 . وأما قوله تعالى : { ثم ~~يجعله حطاما } فهو إدماج للتذكير بحالة الممات واستواء الناس فيها من نافع ~~وضار . وفي تعقيب هذا بقوله : { أفمن شرح الله صدره للإسلام } إلى قوله : { ~~ومن يضلل الله فما له من هاد } ( الزمر : 22 ، 23 ) إشارة إلى العبرة من ~~هذا التمثيل . # وقريب من تمثيل هذه الآية ما في ( الصحيحين ) عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال : ( مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير ~~أصاب أرضا فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير ، وكان ~~منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا ، وأصاب ~~منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه ~~في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم ، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ~~ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به ) . ويجوز أن يكون المعنى أصالة وإدماجا ~~على عكس ما بينا ، فيكون عودا إلى PageV23P376 الاستدلال على تفرد الله ~~تعالى بالالاهية بدليل من مخلوقاته التي يشاهدها الناس مشاهدة متكررة ، ~~فيكون قوله تعالى : { ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء } إلى قوله : { إن ~~في ذلك لذكرى لأولي الألباب } متصلا بقوله تعالى : { خلقكم من نفسس واحدة ~~ثم جعل منها زوجها } ( الزمر : 6 ) المتصل بقوله تعالى : { خلق السماواتت ~~والأرض بالحقق يكور الليل على النهار } ( الزمر : 5 ) ، ويكون ما بيناه من ~~تمثيل حال نزول القرآن وانتفاع المؤمنين إدماجا في هذا الاستدلال . وعلى ~~كلا الوجهين أدمج في أثناء الكلام إيماء إلى إمكان إحياء الناس حياة ثانية ~~. # والكلام استفهام تقريري ، والخطاب لكل من يصلح للخطاب فليس المراد به ~~مخاطبا معينا . والرؤية بصرية . # وقوله : { أنزل من السماء ماء } تقدم نظيره في قوله : { وهو الذي أنزل من ~~السماء ماء في سورة الأنعام } . # و { سلكه } أدخله ، أي جعله سالكا ، أي داخلا ، ففعل سلك هنا متعد وقد ~~تقدم عند قوله تعالى : { وسلك لكم فيها سبلا في سورة طه } ، وذكرنا هنالك ~~أن فعل سلك يكون قاصرا ومتعديا ، وهذا ms7034 الإدخال دليل ثان . # و { ينابيع } جمع ينبوع وهو العين من الماء ، تقدم في قوله تعالى : { حتى ~~تفجر لنا من الأرض ينبوعا في سورة الإسراء } . وانتصب { ينابيع } على الحال ~~من ضمير { ماء } . وتصيير الماء الداخل في الأرض ينابيع دليل ثالث على عظيم ~~قدرة الله . # وعطف ب { ثم } قوله : { ثم يخرج به زرعا } لإفادة التراخي الرتبي بحرف { ~~ثم } كشأنها في عطف الجمل لأن إخراج الزرع من الأرض بعد إقحالها أوقع في ~~نفوس الناس لأنه أقرب لأبصارهم وأنفع لعيشهم وإذ هو المقصود من المطر . ~~وهذا الإخراج دليل رابع . # والألوان : جمع لون ، واللون : كيفية لائحة على ظاهر الجسم في الضوء ، ~~وتقدم في سورة فاطر ( 27 ، 28 ) . PageV23P377 واختلاف ألوان الزرع بالمعنى ~~الأول أن لكل نوع من الزرع لونا ولنورها ألوانا ولكل صنف من الزرع ألوان ~~مختلفة في أطوار نباته وبلوغه أشده ، وهذا الاختلاف مع اتحاد الأرض التي ~~تنبت فيها واتحاد الماء الذي نبت به آية خامسة على عظيم القدرة والانفراد ~~بالتصرف . # ومعنى { يهيج } يغلظ ويرتفع . وحقيقة الهياج : ثورة الإنسان أو الحيوان ، ~~ويستعار الهياج لشدة الشيء من غير الحيوان يقال : هاجت ريح ، ومنه هياج ~~الزرع في الآية لأن الزرع تطول سوقه وسنابله فيتم جفافه فإذا تحرك بمرور ~~الريح عليه صار له حفيف وخشخشة سواء في ذلك الحب والكلأ وهذا الطور آية ~~سادسة على الوحدانية . # والحطام : المحطوم ، أي المكسور المفتوت ، ووزن فعال ( بضم الفاء ) يدل ~~على المفعول كالفتات والدقاق ، ومثله الفعالة كالصبابة والقلامة والقمامة . ~~والمعنى : أنه يبلغ من اليبس إلى حد أن يتحطم ويتكسر بحك بعضه بعضا وتساقطه ~~وكسر الريح إياه . وهذا الطور آية سابعة على قدرة الله . وجميعها آيات على ~~دقة صنعه وكيف أودع الأطوار الكثيرة في الشيء الواحد يخلف بعضها بعضا من ~~طور وجوده إلى طور اضمحلاله . # وجملة { إن في ذلك لذكرى لأولى الألباب } مبينة للاستفهام التقريري ~~وفذلكة للأطوار المستفهم عنها ، فالإشارة بذلك إلى المذكور من الإنزال إلى ~~آخر الأطوار . # والمراد : ذكرى بالدلالة على ما يغفل عنه العاقل . ويجوز أن تكون الذكرى ~~لما يذهل عنه ms7035 العاقل مما تشتمل عليه هذه الأحوال من مبدئها إلى منتهاها . ~~فمن ذلك أنها تصلح مثالا لتقريب البعث فإن إنزال الماء على الأرض وإنباتها ~~بسببه أمر يتجدد بعد أن صار ما عليها من النبات حطاما ، وتخللت زراريعه ~~الأرض فنبتت مرة أخرى بنزول الماء ، فكذلك يعود الإنسان بعد فنائه كما أشار ~~إليه قوله تعالى : { والله أنبتكم من الأرض نباتا ثم يعيدكم فيها ويخرجكم ~~إخراجا } ( نوح : 17 ، 18 ) فتتضمن الآية إدماج تقريب البعث وإمكانه مع ~~الاستدلال على انفراد الله تعالى بالتصرف ، ومن PageV23P378 ذلك أنها تصلح ~~مثلا للحياة الدنيا كما في آية سورة يونس وفي سورة الكهف ، والمقصود : ~~تشبيه الحالة بالحالة فلا يعتبر التجوز في مفردات هذا المركب بأن يطلب لكل ~~طور من أطوار الدنيا طور يشتبه به من أطوار النبات . ومنها أنها مثل لأطوار ~~الإنسان من طور النطف إلى الشباب إلى الشيخوخة ثم الهلاك ، والمقصود تشبيه ~~الحالة بالحالة مع إمكان توزيع تشبيه كل طور من أطوار الحالة المشبهة بطور ~~من أطوار الحالة المشبه بها وهو أكمل أنواع التمثيلية . # و { أولي الألباب } هم الذين ينتفعون بألبابهم فيهتدون بما نصب لهم من ~~الأدلة ، كما تقدم آنفا في قوله : { إنما يتذكر أولوا الألباب } ( الزمر : ~~9 ) ، وهم الذين استدلوا فآمنوا . وفي هذا تعريض بأن الذين لم يستفيدوا من ~~الأدلة بمنزلة من عدموا العقول . # . # تفريع على ما تقدم من قوله : { لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف } ( الزمر : ~~20 ) وما ألحق به من تمثيل حالهم في الانتفاع بالقرآن فرع عليه هذا ~~الاستفهام التقريري . # و ( من ) موصلة مبتدأ ، والخبر محذوف دل عليه قوله : { لكن الذين اتقوا ~~ربهم } مما اقتضاه حرف الاستدراك من مخالفة حالة لحال من حق عليه كلمة ~~العذاب . # والتقدير : أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه مثل الذي حق ~~عليه كلمة العذاب فهو في ظلمة الكفر ، أو تقديره : مثل من قسا قلبه بدلالة ~~قوله : { فويل للقاسية قلوبهم } ، وهذا من دلالة اللاحق . # وشرح الصدر للإسلام استعارة لقبول العقل هدي الإسلام ومحبته . وحقيقة ~~الشرح أنه : شق اللحم ms7036 ، ومنه سمي علم مشاهدة باطن الأسباب وتركيبه علم ~~التشريح لتوقفه على شق الجلد واللحم والإطلاع على ما تحت ذلك . ولما كان ~~الإنسان إذا تحير وتردد في أمر يجد في نفسه غما يتأثر منه جهازه العصبي ~~فيظهر تأثره في انضغاط نفسه حتى يصير تنفسه عسيرا ويكثر تنهده وكان ~~PageV23P379 عضو التنفس في الصدر ، شبه ذلك الانضغاط بالضيق والانطباق ~~فقالوا : ضاق صدره ، قال تعالى عن موسى : { ويضيق صدري } ( الشعراء : 13 ) ~~، وقالوا : انطبق صدره وانطبقت أضلاعه وقالوا في ضد ذلك : شرح الله صدره ، ~~وجمع بينهما قوله تعالى : { فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن ~~يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء في سورة الأنعام } ، ~~ومنه قولهم : فلان في انشراح ، أي يحس كأن صدره شرح ووسع . # ومن رشاقة ألفاظ القرآن إيثار كلمة { شرح } للدلالة على قبول الإسلام لأن ~~تعاليم الإسلام وأخلاقه وآدابه تكسب المسلم فرحا بحاله ومسرة برضى ربه ~~واستخفافا للمصائب والكوارث لجزمه بأنه على حق في أمره وأنه مثاب على ضره ~~وأنه راجج رحمة ربه في الدنيا والآخرة ولعدم مخالطة الشك والحيرة ضميره . # فإن المؤمن أول ما يؤمن بأن الله واحد وأن محمدا صلى الله عليه وسلم ~~رسوله ينشرح صدره بأنه ارتفع درجات عن الحالة التي كان عليها حالة الشرك إن ~~اجتنب عبادة أحجار هو أشرف منها ومعظم ممتلكاته أشرف منها كفرسه وجمله ~~وعبده وأمته وماشيته ونخله ، فشعر بعزة نفسه مرتفعا عما انكشف له من ~~مهانتها السابقة التي غسلها عنه الإسلام ، ثم أصبح يقرأ القرآن وينطق عن ~~الحكمة ويتسم بمكارم الأخلاق وأصالة الرأي ومحبة فعل الخير لوجه الله لا ~~للرياء والسمعة ، ولا ينطوي باطنه على غل ولا حسد ولا كراهية في ذات الله ~~وأصبح يعد المسلمين لنفسه إخوانا ، وقد ترك الاكتساب بالغارة والميسر ، ~~واستغنى بالقناعة عن الضراعة إلا إلى الله تعالى ، وإذا مسه ضر رجا زواله ~~ولم ييأس من تغير حاله . وأيقن أنه مثاب على تحمله وصبره ، وإذا مسته نعمة ~~حمد ربه وترقب المزيد ، فكان صدره منشرحا بالإسلام ms7037 متلقيا الحوادث باستبصار ~~غير هياب شجاع القلب عزيز النفس . # واللام في { للإسلام } لام العلة ، أي شرحه لأجل الإسلام ، أي لأجل قبوله ~~. وفرع على أن شرح الله صدره للإسلام قوله تعالى : { فهو على نور من ربه } ~~فالضمير عائد إلى { من } . PageV23P380 # والنور : مستعار للهدى ووضوح الحق لأن النور به تنجلي الأشياء ويخرج ~~المبصر من غياهب الضلالة وتردد اللبس بين الحقائق والأشباح . # واستعيرت { على } استعارة تبعية أو تمثيلية للتمكن من النور كما استعيرت ~~في قوله تعالى : { أولئك على هدى من ربهم } ( البقرة : 5 ) على الوجهين ~~المقررين هنالك . و { من ربه } نعت ل { نور و من ابتدائية ، أي نور موصوف ~~بأنه جاء به من عند الله فهو نور كامل لا تخالطه ظلمة ، وهو النور الذي ~~أضيف إلى اسم الله في قوله تعالى : يهدي الله لنوره من يشاء في سورة النور ~~} . # فرع على وصف حال من شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه ، ما يدل ~~على حال ضده وهم الذين لم يشرح الله صدورهم للإسلام فكانت لقلوبهم قساوة ~~فطروا عليها فلا تسلك دعوة الخير إلى قلوبهم . وأجمل سوء حالهم بما تدل ~~عليه كلمة { ويل } من بلوغهم أقصى غايات الشقاوة والتعاسة ، وقد تقدم تفصيل ~~معانيه عند قوله تعالى : { فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم في سورة } ( ~~البقرة : 79 ) . # والقاسي : المتصف بالقساوة في الحال ، وحقيقة القساوة : الغلظ والصلابة ~~في الأجسام ، وقد تقدمت عند قوله تعالى : { فهي كالحجارة أو أشد قسوة } ( ~~البقرة : 74 ) . وقسوة القلب : مستعارة لقلة تأثر العقل بما يسدى إلى صاحبه ~~من المواعظ ونحوها ، ويقابل هذه الاستعارة استعارة اللين لسرعة التأثر ~~بالنصائح ونحوها ، كما سيأتي في قوله تعالى : { ثم تلين جلودهم وقلوبهم } ( ~~الزمر : 23 ) . # و { من } في قوله : { من ذكر الله } يجوز أن تكون بمعنى ( عن ) بتضمين { ~~القاسية } معنى المعرضة والنافرة ، وقد عد مرادف معنى ( عن ) من معاني { من ~~، واستشهد له في مغني اللبيب } بهذه الآية وبقوله تعالى : { لقد كنت في ~~غفلة من هذا } ( ق : 22 ) ، وفيه نظر ، لإمكان حملهما على معنيين شائعين من ~~معاني ms7038 { من وهما معنى التعليل في الآية الأولى كقولهم : سقاهم من الغيمة ، ~~أي لأجل PageV23P381 العطش ، قاله الزمخشري . وجعل المعنى : أن قسوة قلوبهم ~~حصلت فيهم من أجل ذكر الله ، ومعنى الابتداء في الآية الثانية ، أي قست ~~قلوبهم ابتداء من سماع ذكر الله . والمراد بذكر الله القرآن وإضافته إلى ~~الله زيادة تشريف له . والمعنى : أنهم إذا تليت آية اشمأزوا فتمكن ~~الاشمئزاز منهم فقست قلوبهم . # وحاصل المعنى : أن كفرهم يحملهم على كراهية ما يسمعونه من الدعوة إلى ~~الإسلام بالقرآن فكلما سمعوه أعرضوا وعاندوا وتجددت كراهية الإسلام في ~~قلوبهم حتى ترسخ تلك الكراهية في قلوبهم فتصير قلوبهم قاسية . # فكان القرآن أن سبب اطمئنان قلوب المؤمنين قال تعالى : الذين آمنوا ~~وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب } ( الرعد : 28 ) . ~~وكان سببا في قساوة قلوب الكافرين . وسبب ذلك اختلاف القابلية فإن السبب ~~الواحد تختلف آثاره وأفعاله باختلاف القابلية ، وإنما تعرف خصائص الأشياء ~~باعتبار غالب آثارها في غالب المتأثرات ، فذكر الله سبب في لين القلوب ~~وإشراقها إذا كانت القلوب سليمة من مرض العناد والمكابرة والكبر ، فإذا حل ~~فيها هذا المرض صارت إذا ذكر الله عندها أشد مرضا مما كانت عليه . # وجملة { أولئك في ضلالل مبين } مستأنفة استئنافا بيانيا لأن ما قبله من ~~الحكم بأن قساوة قلوبهم من أجل أن يذكر الله عندهم يثير في نفس السامع أن ~~يتساءل : كيف كان ذكر الله سبب قساوة قلوبهم ؟ فأفيد بأن سبب ذلك هو أنهم ~~متمكنون من الضلالة منغمسون في حمأتها فكان ضلالهم أشد من أن يتقشع حين ~~يسمعون ذكر الله . # وافتتاح هذه الجملة باسم الإشارة عقب ما وصفوا به من قساوة القلوب لإفادة ~~أن ما سيذكر من حالهم بعد الإشارة إليهم صاروا به أحرياء لأجل ما ذكر قبل ~~اسم الإشارة كما تقدم في قوله : { أولئك على هدى من ربهم في سورة البقرة } ~~، فكان مضمون قوله : { أولئك في ضلالل مبين } وهو الضلال الشديد علة لقسوة ~~قلوبهم PageV23P382 حسبما اقتضاه وقوع جملته استئنافا بيانيا . وكان ~~مضمونها مفعولا لقسوة قلوبهم حسبما اقتضاه تصدير ms7039 جملتها باسم الإشارة عقب ~~وصف المشار إليهم بأوصاف . . # وكذلك شأن الأعراض النفسية أن تكون فاعلة ومنفعلة باختلاف المثار وما ~~تتركه من الآثار لأنها علل ومعلولات بالاعتبار لا يتوقف وجود أحد الشيئين ~~منهما على وجود الآخر التوقف المسمى بالدور المعي . # والمبين : الشديد الذي لا يخفى لشدته ، فالمبين كناية عن القوة والرسوخ ~~فهو يبين للمتأمل أنه ضلال . # . # استئناف بياني نشأ بمناسبة المضادة بين مضمون جملة { فويل للقاسية قلوبهم ~~من ذكر الله } ( الزمر : 22 ) . ومضمون هذه الجملة وهو أن القرآن يلين قلوب ~~الذين يخشون ربهم لأن مضمون الجملة السابقة يثير سؤال سائل عن وجه قسوة ~~قلوب الضالين من ذكر الله فكانت جملة { الله نزل أحسن الحديث } إلى قوله : ~~{ من هاد } مبينة أن قساوة قلوب الضالين من سماع القرآن إنما هي لرين في ~~قلوبهم وعقولهم لا لنقص في هدايته . وهذا كما قال تعالى في سورة البقرة : { ~~هدى للمتقين ثم قال : إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا ~~يؤمنون ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم } ( البقرة : 6 7 ) . # وهذه الجملة تكميل للتنويه بالقرآن المفتتح به غرض السورة وسيقفى بثناء ~~آخر عند قوله : { ولقد ضربنا للناسس في هاذا القرءانن من كل مثل لعلهم ~~يتذكرون } ( الزمر : 27 ) الآية ، ثم بقوله : { إنا أنزلنا عليك الكتاب ~~للناس بالحق } ( الزمر : 41 ) ثم بقوله : { واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ~~ربكم } ( الزمر : 55 ) . # وافتتاح الجملة باسم الجلالة يؤذن بتفخيم أحسن الحديث المنزل بأن منزله ~~هو أعظم عظيم ، ثم الإخبار عن اسم الجلالة بالخبر الفعلي يدل على تقوية ~~الحكم PageV23P383 وتحقيقه على نحو قولهم : هو يعطي الجزيل ، ويفيد مع ~~التقوية دلالة على الاختصاص ، أي اختصاص تنزيل الكتاب بالله تعالى ، ~~والمعنى : الله نزل الكتاب لا غيره وضعه ، ففيه إثبات أنه منزل من عالم ~~القدس ، وذلك أيضا كناية عن كونه وحيا من عند الله لا من وضع البشر . فدلت ~~الجملة على تقو واختصاص بالصراحة ، وعلى اختصاص بالكناية ، وإذ أخذ مفهوم ~~القصر ومفهوم الكناية وهو المغاير لمنطوقهما كذلك يؤخذ مغاير التنزيل فعلا ~~يليق ms7040 بوضع البشر ، فالتقدير : لا غير الله وضعه ، ردا لقول المشركين : هو ~~أساطير الأولين . # والتحقيق الذي درج عليه صاحب ( الكشاف ) في قوله تعالى : { الله يستهزىء ~~بهم } ( البقرة : 15 ) هو أن التقوى والاختصاص يجتمعان في إسناد الخبر ~~الفعلي إلى المسند إليه ، ووافقه على ذلك شراح ( الكشاف ) . # ومفاد هذا التقديم على الخبر الفعلي فيه تحقيق لما تضمنته الإضافة من ~~التعظيم لشأن المضاف في قوله تعالى : { من ذكر الله } ( الزمر : 22 ) كما ~~علمته آنفا ، فالمراد ب { أحسن الحديث } عين المراد ب { ذكر الله } وهو ~~القرآن ، عدل عن ذكر ضميره لقصد إجراء الأوصاف الثلاثة عليه . وهي قوله : { ~~كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم } الخ ، فانتصب { ~~كتابا } على الحال من { أحسن الحديث } أو على البدلية من { أحسن الحديث } ، ~~وانتصب { متشابها } على أنه نعت { كتابا } . # الوصف الأول : أنه أحسن الحديث . أي أحسن الخبر ، والتعريف للجنس ، ~~والحديث : الخبر ، سمي حديثا لأن شأن الإخبار أن يكون عن أمر حدث وجد . سمي ~~القرآن حديثا باسم بعض ما اشتمل عليه من أخبار الأمم والوعد والوعيد . وأما ~~ما فيه من الإنشاء من أمر ونهي ونحوهما فإنه لما كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم مبلغه للناس آل إلى أنه إخبار عن أمر الله ونهيه . # وقد سمي القرآن حديثا في مواضع كثيرة كقوله تعالى : { فبأي حديث بعده ~~PageV23P384 يؤمنون في سورة } ( الأعراف : 185 ) ، وقوله : { فلعلك باخع ~~نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا في سورة } ( الكهف : 6 ) . # ومعنى كون القرآن أحسن الحديث أنه أفضل الأخبار لأنه اشتمل على أفضل ما ~~تشتمل عليه الأخبار من المعاني النافعة والجامعة لأصول الإيمان ، والتشريع ~~، والاستدلال ، والتنبيه على عظم العوالم والكائنات ، وعجائب تكوين الإنسان ~~، والعقل ، وبث الآداب ، واستدعاء العقول للنظر والاستدلال الحق ، ومن ~~فصاحة ألفاظه وبلاغة معانيه البالغين حد الإعجاز ، ومن كونه مصدقا لما ~~تقدمه من كتب الله ومهيمنا عليها . وفي إسناد إنزاله إلى الله استشهاد على ~~حسنه حيث نزله العليم بنهاية محاسن الأخبار والذكر . # الوصف الثاني : أنه كتاب ، أي مجموع كلام مراد قراءته وتلاوته ms7041 والاستفادة ~~منه ، مأمور بكتابته ليبقى حجة على مر الزمان فإن جعل الكلام كتابا يقتضي ~~أهمية ذلك الكلام والعناية بتنسيقه والاهتمام بحفظه على حالته . ولما سمى ~~الله القرآن كتابا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر كتاب الوحي من ~~أصحابه أن يكتبوا كل آية تنزل من الوحي في الموضع المعين لها بين أخواتها ~~استنادا إلى أمر من الله ، لأن الله أشار إلى الأمر بكتابته في مواضع كثيرة ~~من أولها قوله : { بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ } ( البروج : 21 22 ) ~~وقوله : { إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون } ( الواقعة : 77 78 ) . # الصفة الثالثة : أنه متشابه ، أي متشابهة أجزاؤه متماثلة في فصاحة ~~ألفاظها وشرف معانيها ، فهي متكافئة في الشرف والحسن ( وهذا كما قالوا : ~~امرأة متناصفة الحسن ، أي أنصفت صفاتها بعضها بعضا فلم يزد بعضها على بعض ، ~~قال ابن هرمة : # إني غرضت إلى تناصف وجهها # غرض المحب إلى الحبيب الغائب # ومنه : قولهم وجه مقسم ، أي متماثل الحسن ، كأن أجزاءه تقاسمت الحسن ~~وتعادلته ، قال أرقم بن علباء اليشكري : # ويوما توافينا بوجه مقسم # كأن ظبية تعطو إلى وارق السلم PageV23P385 # أي بوجه قسم الحسن على أجزائه أقساما . # فمعانيه متشابهة في صحتها وأحكامها وابتنائها على الحق والصدق ومصادفة ~~المحز من الحجة وتبكيت الخصوم وكونها صلاحا للناس وهدى . وألفاظه متماثلة ~~في الشرف والفصاحة والإصابة للأغراض من المعاني بحيث تبلغ ألفاظه ومعانيه ~~أقصى ما تحتمله أشرف لغة للبشر وهي اللغة العربية مفردات ونظما ، وبذلك كان ~~معجزا لكل بليغ عن أن يأتي بمثله ، وفي هذا إشارة إلى أن جميع آيات القرآن ~~بالغ الطرف الأعلى من البلاغة وأنها متساوية في ذلك بحسب ما يقتضيه حال كل ~~آية منها ، وأما تفاوتها في كثرة الخصوصيات وقلتها فذلك تابع لاختلاف ~~المقامات ومقتضيات الأحوال ، فإن بلاغة الكلام مطابقته لمقتضى الحال ، ~~والطرف الأعلى من البلاغة هو مطابقة الكلام لجميع ما يقتضيه الحال ، فآيات ~~القرآن متماثلة متشابهة في الحسن لدى أهل الذوق من البلغاء بالسليقة أو ~~بالعلم وهو في هذا مخالف لغيره من الكلام البليغ فإن ذلك ms7042 لا يخلو عن تفاوت ~~ربما بلغ بعضه مبلغ أن لا يشبه بقيته ، وهذا المعنى مما يدخل في قوله تعالى ~~: { أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ~~} ( النساء : 82 ) ، فالكاتب البليغ والشاعر المجيد لا يخلو كلام أحد منهما ~~من ضعف في بعضه ، وأيضا لا تتشابه أقوال أحد منهما بل تجد لكل منهما قطعا ~~متفاوتة في الحسن والبلاغة وصحة المعاني . وبما قررنا تعلم أن المتشابه هنا ~~مراد به معنى غير المراد في قوله تعالى : { وأخر متشابهات } ( آل عمران : 7 ~~) لاختلاف ما فيه التشابه . # الصفة الرابعة : كونه مثاني ، ومثاني : جمع مثنى بضم الميم وبتشديد النون ~~جمعا على غير قياس ، أو اسم جمع . ويجوز كونه جمع مثنى بفتح الميم وتخفيف ~~النون وهو اسم لجعل المعدود أزواجا اثنين ، اثنين ، وكلا الاحتمالين يطلق ~~على معنى التكرير . كني عن معنى التكرير بمادة التثنية لأن التثنية أول ~~مراتب التكرير ، كما كني بصيغة التثنية عن التكرير في قوله تعالى : { ثم ~~ارجع البصر كرتين } ( الملك : 4 ) ، وقول العرب : لبيك وسعديك ، أي إجابات ~~كثيرة ومساعدات كثيرة . # وقد تقدم بيان معنى { مثاني } في قوله تعالى : { ولقد آتيناك سبعا من ~~المثاني في سورة } ( الحجر : 87 ) ، فالقرآن مثاني لأنه مكرر الأغراض . ~~PageV23P386 # وهذا يتضمن امتنانا على الأمة بأن أغراض كتابها مكررة فيه لتكون مقاصده ~~أرسخ في نفوسها ، وليسمعها من فاته سماع أمثالها من قبل . ويتضمن أيضا ~~تنبيها على ناحية من نواحي إعجازه ، وهي عدم الملل من سماعه وأنه كلما تكرر ~~غرض من أغراضه زاده تكرره قبولا وحلاوة في نفوس السامعين . فكأنه الوجه ~~الحسن الذي قال في مثله أبو نواس : # يزيدك وجهه حسنا # إذا ما زدته نظرا # وقد عد عياض في كتاب ( الشفاء ) من وجوه إعجاز القرآن : أن قارئه لا يمله ~~وسامعه لا يمجه ، بل الإكباب على تلاوته يزيده حلاوة ، وترديده يوجب له ~~محبة ، لا يزال غضا طريا ، وغيره من الكلام ولو بلغ من الحسن والبلاغة ~~مبلغا عظيما يمل مع الترديد ويعادى إذا أعيد ، ولذا وصف رسول الله صلى الله ms7043 ~~عليه وسلم القرآن : ( بأنه لا يخلق على كثرة الرد ) . رواه الترمذي عن علي ~~بن أبي طالب مرفوعا . # وذكر عياض أن الوليد بن المغيرة سمع من النبي صلى الله عليه وسلم { إن ~~الله يأمر بالعدل والإحسان } ( النحل : 90 ) الآية فقال : ( والله إن له ~~لحلاوة وإن عليه لطلاوة ) . # وبهذا تعلم أن وصف القرآن هنا بكونه مثاني هو غير الوصف الذي في قوله : { ~~ولقد أتيناك سبعا من المثاني } ( الحجر : 78 ) لاختلاف ما أريد فيه ~~بالتثنية وإن كان اشتقاق الوصف متحدا . # ووصف { كتابا } وهو مفرد بوصف { مثاني } وهو مقتض التعدد يعين أن هذا ~~الوصف جرى عليه باعتبار أجزائه ، أي سوره أو آياته باعتبار أن كل غرض منه ~~يكرر ، أي باعتبار تباعيضه . # الصفة الخامسة : أنه تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم ~~وقلوبهم ، وهذا الوصف مرتب على الوصف قبله وهو كون القرآن مثاني ، أي مثنى ~~الأغراض ، وهو مشتمل على ثلاث جهات : # أولاها : وصف القرآن بالجلالة والروعة في قلوب سامعيه ، وذلك لما في ~~آياته الكثيرة من الموعظة التي توجل منها القلوب ، وهو وصف كمال لأنه من ~~آثار قوة PageV23P387 تأثير كلامه في النفوس ، ولم يزل شأن أهل الخطابة ~~والحكمة الحرص على تحصيل المقصود من كلامهم لأن الكلام إنما يواجه به ~~السامعون لحصول فوائد مرجوة من العمل به ، وما تبارى الخطباء والبلغاء في ~~ميادين القول إلا للتسابق إلى غايات الإقناع ، كما قال قيس بن خارجة ، وقد ~~قيل له : ما عندك ؟ ( عندي قرى كلل نازل ، ورضى كل ساخط ، وخطبة من لدن ~~تطلع الشمس إلى أن تغرب ، آمر فيها بالتواصل وأنهى عن التقاطع ) . وقد ذكر ~~أرسطو في الغرض من الخطابة أنه إثارة الأهواء وقال : ( إنها انفعالات في ~~النفس تثير فيها حزنا أو مسرة ) . # وقد اقتضى قوله : { تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم } أن القرآن يشتمل ~~على معان تقشعر منها الجلود وهي المعاني الموسومة بالجزالة التي تثير في ~~النفوس روعة وجلالة ورهبة تبعث على امتثال السامعين له وعملهم بما يتلقونه ~~من قوارع القرآن وزواجره ، وكني عن ذلك بحالة تقارن ms7044 انفعال الخشية والرهبة ~~في النفس لأن الإنسان إذا ارتاع وخشي اقشعر جلده من أثر الانفعال الرهبني ، ~~فمعنى { تقشعر منه } تقشعر من سماعه وفهمه ، فإن السماع والفهم يومئذ ~~متقارنان لأن السامعين أهل اللسان . يقال : اقشعر الجلد ، إذا تقبض تقبضا ~~شديدا كالذي يحصل عند شدة برد الجسد ورعدته . يقال : اقشعر جلده ، إذا سمع ~~أو رأى ما يثير انزعاجه وروعه ، فاقشعرار الجلود كناية عن وجل القلوب الذي ~~تلزمه قشعريرة في الجلد غالبا . # وقد عد عياض في ( الشفاء ) من وجوه إعجاز القرآن : الروعة التي تلحق قلوب ~~سامعيه عند سماعه والهيبة التي تعتريهم عند تلاوته لعلو مرتبته على كل كلام ~~من شأنه أن يهابه سامعه ، قال تعالى : { لو أنزلنا هذا القرآن على جبل ~~لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون ~~} ( الحشر : 21 ) . # وعن أسماء بنت أبي بكر كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا قرىء ~~عليهم القرآن كما نعتهم الله تدمع أعينهم وتقشعر جلودهم . وخص القشعريرة ~~بالذين يخشون ربهم باعتبار ما سيردف به من قوله : { ثم تلين جلودهم } كما ~~يأتي ، قال عياض : ( وهي ، أي الروعة التي تلحق قلوب سامعيه عند سماعه ، ~~على المكذبين به أعظم حتى كانوا يستثقلون سماعه كما قال تعالى : ~~PageV23P388 { وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا } ( ~~الإسراء : 46 ) . # وهذه الروعة قد اعترت جماعة قبل الإسلام ، فمنهم من أسلم لها لأولل وهلة ~~. حكي في الحديث الصحيح عن جبير بن مطعم قال : ( سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور فلما بلغ قوله تعالى : { أم خلقوا من غير ~~شيء أم هم الخالقون إلى قوله : المصيطرون } ( الطور : 35 37 ) كاد قلبي أن ~~يطير وذلك أول ما وقر الإسلام في قلبي ) . # ومنهم من لم يسلم ، روي عن محمد بن كعب القرظي قال : ( أخبرت أن عتبة بن ~~ربيعة كلم النبي صلى الله عليه وسلم في كفه عن سب أصنامهم وتضليلهم ، وعرض ~~عليه أمورا والنبي صلى الله عليه وسلم يسمع فلما فرغ قال له النبي صلى ms7045 الله ~~عليه وسلم اسمع ما أقول ، وقرأ عليه { حم فصلت حتى بلغ قوله : فإن أعرضوا ~~فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود } ( فصلت : 13 ) فأمسك عتبة على فم ~~النبي صلى الله عليه وسلم وناشده الرحم أن يكف ) أي عن القراءة . # وأما المؤمن فلا تزال روعته وهيبته إياه مع تلاوته توليه انجذابا وتكسبه ~~هشاشة لميل قلبه إليه ، قال تعالى : { تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم ~~تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله } . # الجهة الثانية من جهات هذا الوصف : لين قلوب المؤمنين عند سماعه أيضا عقب ~~وجلها العارض من سماعه قبل . # واللين : مستعار للقبول والسرور ، وهو ضد للقساوة التي في قوله : { فويل ~~للقاسية قلوبهم من ذكر الله } ، فإن المؤمن إذا سمع آيات الوعيد والتهديد ~~يخشى ربه ويتجنب ما حذر منه فيقشعر جلده فإذا عقب ذلك بآيات البشارة والوعد ~~استبشر وفرح وعرض أعماله على تلك الآيات فرأى نفسه متحلية بالعمل الذي وعد ~~الله عليه بالثواب فاطمأنت نفسه وانقلب الوجل والخوف رجاء وترقبا ، فذلك ~~معنى لين القلوب . # وإنما يبعث هذا اللين في القلوب ما في القرآن من معاني الرحمة وذلك في ~~الآيات الموصوفة معانيها بالسهولة نحو قوله تعالى : { قل يا عبادي الذين ~~أسرفوا على PageV23P389 أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب ~~جميعا إنه هو الغفور الرحيم } ( الزمر : 53 ) ، والموصوفة معانيها بالرقة ~~نحو : { يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون الذين آمنوا بآياتنا ~~وكانوا مسلمين } ( الزخرف : 68 69 ) ، وقد علم في فن الخطابة أن للجزالة ~~مقاماتها وللسهولة والرقة مقاماتهما . # الجهة الثالثة من جهات هذا الوصف : أعجوبة جمعه بين التأثيرين المتضادين ~~: مرة بتأثير الرهبة ، ومرة بتأثير الرغبة ، ليكون المسلمون في معاملة ربهم ~~جارين على ما يقتضيه جلاله وما يقتضيه حلمه ورحمته . وهذه الجهة اقتضاها ~~الجمع بين الجهتين المصرح بهما وهما جهة القشعريرة وجهة اللين ، مع كون ~~الموصوف بالأمرين فريقا واحدا وهم الذين يخشون ربهم ، والمقصود وصفهم ~~بالتأثرين عند تعاقب آيات الرحمة بعد آيات الرهبة . قال الفخر : إن ~~المحققين من أهل الكمال ms7046 قالوا : ( السائرون في مبدأ جلال الله إن نظروا إلى ~~عالم الجلال طاشوا ، وإن لاح لهم أثر من عالم الجمال عاشوا ) ا ه . فالآية ~~هنا ذكرت لهم الحالتين لوقوعها بعد قوله : { مثاني } كما أشرنا إليه آنفا ، ~~وإلا فقد اقتصر على وصف الله المؤمنين بالوجل في قوله تعالى : { إنما ~~المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم في سورة } ( الأنفال : 2 ) ، ~~فالمقام هنا لبيان تأثر المؤمنين بالقرآن ، والمقام هنالك للثناء على ~~المؤمنين بالخشية من الله في غير حالة قراءة القرآن . # وإنما جمع بين الجلود والقلوب في قوله تعالى : { ثم تلين جلودهم وقلوبهم ~~إلى ذكر الله } ولم يكتف بأحد الأمرين عن الآخر كما اكتفي في قوله : { ~~تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم } لأن اقشعرار الجلود حالة طارئة عليها لا ~~يكون إلا من وجل القلوب وروعتها فكني به عن تلك الروعة . # وأما لين الجلود عقب تلك القشعريرة فهو رجوع الجلود إلى حالتها السابقة ~~قبل اقشعرارها ، وذلك قد يحصل عن تناسس أو تشاغل بعد تلك الروعة ، فعطف ~~عليه لين القلوب ليعلم أنه لين خاص ناشىء عن اطمئنان القلوب بالذكر كما قال ~~تعالى : { ألا بذكر الله تطمئن القلوب } ( الرعد : 28 ) وليس مجرد رجوع ~~الجلود إلى حالتها التي كانت قبل القشعريرة . ولم يكتف بذكر لين القلوب عن ~~لين الجلود لأنه قصد أن لين القلوب أفعمها حتى ظهر أثره على ظاهر الجلود . ~~PageV23P390 # و { ذكر الله } وهو أحسن الحديث ، وعدل عن ضميره لبعد المعاد ، وعدل عن ~~إعادة اسمه السابق لمدحه بأنه ذكر من الله بعد أن مدح بأنه أحسن الحديث ~~والمراد ب { ذكر الله } ما في آياته من ذكر الرحمة والبشارة ، وذلك أن ~~القرآن ما ذكر موعظة وترهيبا إلا أعقبه بترغيب وبشارة . # وعدي فعل { تلين } بحرف { إلى } لتضمين { تلين } معنى : تطمئن وتسكن . # استئناف بياني فإن إجراء تلك الصفات الغر على القرآن الدالة على أنه قد ~~استكمل أقصى ما يوصف به كلام بالغ في نفوس المخاطبين كيف سلكت آثاره إلى ~~نفوس الذين يخشون ربهم مما يثير سؤالا يهجس في نفس السامع ms7047 أن يقول : كيف لم ~~تتأثر به نفوس فريق المصرين على الكفر وهو يقرع أسماعهم يوما فيوما ، فتقع ~~جملة { ذالك هدى الله يهدي به من يشاء } جوابا عن هذا السؤال الهاجس . # فالإشارة إلى مضمون صفات القرآن المذكورة وتأثر المؤمنين بهديه ، أي ذلك ~~المذكور هدى الله ، أي جعله الله سببا كاملا جامعا لوسائل الهدى ، فمن فطر ~~الله عقله ونفسه على الصلاحية لقبول الهدى سريعا أو بطيئا اهتدى به ، كذلك ~~ومن فطر الله قلبه على المكابرة ، أو على فساد الفهم ضل فلم يهتد حتى يموت ~~على ضلاله ، فأطلق على هذا الفطر اسم الهدى واسم الضلال ، وأسند كلاهما إلى ~~الله لأنه هو جبار القلوب على فطرتها وخالق وسائل ذلك ومدبر نواميسه ~~وأنظمته . # فمعنى إضافة الهدى إلى الله في قوله : { ذالك هدى الله } راجع إلى ما ~~هيأه الله للهدى من صفات القرآن فإضافته إليه بأنه أنزله لذلك . ومعنى ~~إسناد الهدى والإضلال إلى الله راجع إلى مراتب تأثر المخاطبين بالقرآن ~~PageV23P391 وعدم تأثرهم بحيث كان القرآن مستوفيا لأسباب اهتداء الناس به ~~فكانوا منهم من اهتدى به ومنهم من ضل عنه . # ويجوز أن تكون الإشارة إلى { أحسن الحديث } وهو الكتاب ، أي ذلك القرآن ~~هدى الله ، أي دليل هدى الله . ومقصده : اهتدى به من شاء الله اهتداءه ، ~~وكفر به من شاء الله ضلاله . # فجملة { ومن يضلل الله فما له من هاد } تذييل للاستئناف البياني . # ومعنى { من يشاء } على تقدير : من يشاء هديه ، أي من تعلقت مشيئته ، وهي ~~إرادته بأنه يهتدي فخلقه متأثرا بتلك المشيئة فقدر له الاهتداء ، وفهم من ~~قوله { من يشاء } أنه لا يهدي به من لم يشأ هديه وهو ما دلت عليه المقابلة ~~بقوله : { ومن يضلل الله فما له من هاد } ، أي من لم يشأ هديه فلم يقلع عن ~~ضلاله فلا سبيل لهديه . # والمعنى : إن ذلك لنقص في الضال لا في الكتاب الذي من شأنه الهدى . # . # الجملة اعتراض بين الثناء على القرآن فيما مضى وقوله الآتي : { ولقد ~~ضربنا للناسس في هذا القرءانن من كل مثل } ( الزمر : 27 ms7048 ) . # وجعلها المفسرون تفريعا على جملة { ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن ~~يضلل الله فما له من هاد } ( الزمر : 23 ) بدلالة مجموع الجملتين على ~~فريقين : فريق مهتد ، وفريق ضالل ، ففرع على ذلك هذا الاستفهام المستعمل في ~~معنى مجازي . وجعل المفسرون في الكلام حذفا ، وتقدير المحذوف : كمن أمن ~~العذاب أو كمن هو في النعيم . وجعلوا الاستفهام تقريريا أو إنكاريا ، ~~والمقصود : عدم التسوية بين من هو في العذاب وهو الضال ومن هو في النعيم ~~وهو الذي هداه الله ، وحذف حال الفريق الآخر لظهوره من المقابلة التي ~~اقتضاها الاستفهام بناء على أن هذا التركيب نظير قوله : { أفمن حق عليه ~~كلمة العذاب } ( الزمر : 19 ) وقوله : { أفمن PageV23P392 شرح الله صدره ~~للإسلام } ( الزمر : 22 ) ، والقول فيه مثل القول في سابقه من الاستفهام ~~وحذف الخبر ، وتقديره : أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب ، لأن الله أضله كمن ~~أمن من العذاب لأن الله هداه ، وهو كقوله تعالى : { أفمن كان على بينة من ~~ربه كمن زين له سوء عمله } ( محمد : 14 ) . والمعنى : أن الذين اهتدوا لا ~~ينالهم العذاب . # ويجوز عندي أن يكون الكلام تفريعا على جملة { ومن يضللل الله فما له من ~~هاد } ( الزمر : 23 ) تفريعا لتعيين ما صدق ( من ) في قوله : { ومن يضلل ~~الله فما له من هاد } ويكون { من يتقي } خبرا لمبتدأ محذوف ، تقديره : أفهو ~~من يتقي بوجهه سوء العذاب ، والاستفهام للتقرير . # والاتقاء : تكلف الوقاية وهي الصون والدفع ، وفعلها يتعدى إلى مفعولين ، ~~يقال : وقى نفسه ضرب السيف ، ويتعدى بالباء إلى سبب الوقاية ، يقال : وقى ~~بترسه ، وقال النابغة : # سقط النصيف ولم ترد إسقاطه # فتناولته واتقتنا باليد # وإذا كان وجه الإنسان ليس من شأنه أن يوقى به شيء من الجسد ، إذ الوجه ~~أعز ما في الجسد وهو يوقى ولا يتقى به فإن من جبلة الإنسان إذا توقع ما ~~يصيب جسده ستر وجهه خوفا عليه ، فتعين أن يكون الاتقاء بالوجه مستعملا ~~كناية عن عدم الوقاية على طريقة التهكم أو التلميح ، فكأنه قيل : من يطلب ~~وقاية وجهه فلا يجد ما يقيه به ms7049 إلا وجهه ، وهذا من إثبات الشيء بما يشبه ~~نفيه ، وقريب منه قوله تعالى : { وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل } ( ~~الكهف : 29 ) . # و { سوء العذاب } منصوب على المفعولية لفعل { يتقي } . وأصله مفعول ثان ~~إذ أصله : وقى نفسه سوء العذاب ، فلما صيغ منه الافتعال صار الفعل متعديا ~~إلى مفعول واحد هو الذي كان مفعولا ثانيا . # يجوز أن يكون { وقيل } عطفا على الصلة . والتقدير : أفمن يتقي بوجهه سوء ~~العذاب ، وقيل لهم فإن ( من ) مراد بها جمع ، والتعبير ب { الظالمين } ~~إظهار في PageV23P393 مقام الإضمار للإيماء إلى أن ما يلاقونه من العذاب ~~مسبب على ظلمهم ، أي شركهم . # والمعنى : أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب فلا يجد وقاية تنجيه من ذوق العذاب ~~فيقال لهم : ذوقوا العذاب . # ويجوز أن يكون المراد ب { الظالمين } جميع الذين أشركوا بالله من الأمم ~~غير خاص بالمشركين المتحدث عنهم ، فيكون { الظالمين } إظهارا على أصله لقصد ~~التعميم ، فتكون الجملة في معنى التذييل ، أي ويقال لهؤلاء وأشباههم ، ~~ويظهر بذلك وجه تعقيبه بقوله تعالى : { كذب الذين من قبلهم } ( الزمر : 25 ~~) . # وجاء فعل { وقيل } بصيغة المضي وهو واقع في المستقبل لأنه لتحقق وقوعه ~~نزل منزلة فعل مضى . ويجوز أن يكون جملة { وقيل للظالمين } في موضع الحال ~~بتقدير ( قد ) ولذلك لا يحتاج إلى تأويل صيغة المضي على معنى الأمر المحقق ~~وقوعه . # والذوق : مستعار لإحساس ظاهر الجسد لأن إحساس الذوق باللسان أشد من إحساس ~~ظاهر الجلد فوجه الشبه قوة الجنس . # والمذوق : هو العذاب فهو جزاء ما اكتسبوه في الدنيا من الشرك وشرائعه ، ~~فجعل المذوق نفس ما كانوا يكسبون مبالغة مشيرة إلى أن الجزاء وفق أعمالهم ~~وأن الله عادل في تعذيبهم . # وأوثر { تكسبون } على ( تعملون ) لأن خطابهم كان في حال اتقائهم سوء ~~العذاب ولا يخلو حال المعذب من التبرم الذي هو كالإنكار على معذبه . فجيء ~~بالصلة الدالة على أن ما ذاقوه جزاء ما اكتسبوه قطعا لتبرمهم . PageV23P394 # ( 25 26 ) # استئناف بياني لأن ما ذكر قبله من مصير المشركين إلى سوء العذاب يوم ~~القيامة ويوم يقال للظالمين هم وأمثالهم : { ذوقوا ما كنتم تكسبون ms7050 } ( ~~الزمر : 24 ) ، يثير في نفوس المؤمنين سؤالا عن تمتع المشركين بالنعمة في ~~الدنيا ويتمنون أن يعجل لهم العذاب فكان جوابا عن ذلك قوله : { كذب الذين ~~من قبلهم فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون } ، أي هم مظنة أن يأتيهم العذاب ~~كما أتى العذاب الذين من قبلهم إذ أتاهم العذاب في الدنيا بدون إنذار غير ~~مترقبين مجيئه ، على نحو قوله تعالى : { فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين ~~خلوا من قبلهم } ( يونس : 102 ) ، فكان عذاب الدنيا خزيا يخزي به الله من ~~يشاء من الظالمين ، وأما عذاب الآخرة فجزاء يجزي به الله الظالمين على ~~ظلمهم . # والفاء في قوله : { فأتاهم العذاب } دالة على تسبب التكذيب في إتيان ~~العذاب إليهم فلما ساواهم مشركو العرب في تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم ~~كان سبب حلول العذاب بأولئك موجودا فيهم فهو منذر بأنهم يحل بهم مثل ما حل ~~بأولئك . # وضمير { من قبلهم } عائد على { من يتقي بوجهه سوء العذاب } ( الزمر : 24 ~~) باعتبار أن معنى ( من ) جمع . وفي هذا تعريض بإنذار المشركين بعذاب يحل ~~بهم في الدنيا وهو عذاب السيف الذي أخزاهم الله به يوم بدر . فالمراد ~~بالعذاب الذي أتى الذين من قبلهم : هو عذاب الدنيا ، لأنه الذي يوصف ~~بالإتيان من حيث لا يشعرون . # و { حيث } ظرف مكان ، أي جاء العذاب الذين من قبلهم من مكان لا يشعرون به ~~؛ فقوم أتاهم من جهة السماء بالصواعق ، وقوم أتاهم من الجو مثل ريح عاد ، ~~قال تعالى : { فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ~~ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم } ( الأحقاف : 24 ) ، وقوم أتاهم من ~~تحتهم بالزلازل PageV23P395 والخسف مثل قوم لوط ، وقوم أتاهم من نبع الماء ~~من الأرض مثل قوم نوح ، وقوم عم عليهم البحر مثل قوم فرعون . # وكان العذاب الذي أصاب كفار قريش لم يخطر لهم ببال ، وهو قطع السيوف ~~رقابهم وهم في عزة من قومهم وحرمة عند قبائل العرب ما كانوا يحسبون أيديا ~~تقطع رقابهم كحال أبي جهل وهو في الغرغرة يوم بدر حين قال ms7051 له ابن مسعود : ~~أنت أبا جهل ؟ فقال : ( وهل أعمد من رجل قتله قومه ) . # واستعارة الإذاقة لإهانة الخزي تخييلية وهي من تشبيه المعقول بالمحسوس . # وعطف عليه { ولعذاب الآخرة أكبر } للاحتراس ، أي أن عذاب الآخرة هو ~~الجزاء ، وأما عذاب الدنيا فقد يصيب الله به بعض الظلمة زيادة خزي لهم . # وقوله : { لو كانوا يعلمون } جملة معترضة في آخر الكلام . ومفعول { ~~يعلمون } دل عليه الكلام المتقدم ، أي لو كان هؤلاء يعلمون أن الله أذاق ~~الآخرين الخزي في الدنيا بسبب تكذيبهم الرسل ، وأن الله أعد لهم عذابا في ~~الآخرة هو أشد . وضمير { يعلمون } عائد إلى ما عاد إليه ضمير { قبلهم } . ~~وجواب { لو } محذوف دل عليه التعريض بالوعيد في قوله : { كذب الذين من ~~قبلهم } الآية ، تقديره : لو كانوا يعلمون أن ما حل بهم سببه تكذيبهم رسلهم ~~كما كذب هؤلاء محمدا صلى الله عليه وسلم # ووصف عذاب الآخرة ب { أكبر } بمعنى : أشد فهو أشد كيفية من عذاب الدنيا ~~وأشد كمية لأنه أبدي . # ( 27 28 ) # عطف على جملة { الله نزل أحسن الحديث إلى قوله : فما له من هاد } ( الزمر ~~: 23 ) ، تتمة للتنويه بالقرآن وإرشاده ، وللتعريض بتسفيه أحلام الذين ~~كذبوا به PageV23P396 وأعرضوا عن الاهتداء بهديه . وتأكيد الخبر بلام القسم ~~وحرفف التحقيق منظور فيه إلى حال الفريق الذين لم يتدبروا القرآن وطعنوا ~~فيه وأنكروا أنه من عند الله . # والتعريف في { الناس } للاستغراق ، أي لجميع الناس ، فإن الله بعث محمدا ~~صلى الله عليه وسلم للناس كافة . # وضرب المثل : ذكره ووصفه ، وقد تقدم في قوله تعالى : { إن الله لا يستحي ~~أن يضرب مثلا في سورة البقرة } . وتنوين { مثل } للتعظيم والشرف ، أي من كل ~~أشرف الأمثال ، فالمعنى : ذكرنا للناس في القرآن أمثالا هي بعض من كل أنفع ~~الأمثال وأشرفها . والمراد : شرف نفعها . # وخصت أمثال القرآن بالذكر من بين مزايا القرآن لأجل لفت بصائرهم للتدبر ~~في ناحية عظيمة من نواحي إعجازه وهي بلاغة أمثاله ، فإن بلغاءهم كانوا ~~يتنافسون في جودة الأمثال وإصابتها المحز من تشبيه الحالة بالحالة . وتقدم ~~هذا عند قوله تعالى : { ولقد صرفنا ms7052 للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى ~~أكثر الناس إلا كفورا في سورة الإسراء } ، وتقدم في قوله : { ولقد ضربنا ~~للناسس في هذا القرآنن من كل مثل في سورة الروم } . # ومعنى الرجاء في { لعلهم يتذكرون } منصرف إلى أن حالهم عند ضرب الأمثال ~~القرآنية كحال من يرجو الناس منه أن يتذكر ، وهذا مثل نظائر هذا الترجي ~~الواقع في القرآن ، وتقدم في سورة البقرة . # ومعنى التذكر : التأمل والتدبر لينكشف لهم ما هم غافلون عنه سواء ما سبق ~~لهم به علم فنسوه وشغلوا عنه بسفسافف الأمور ، وما لم يسبق لهم علم به مما ~~شأنه أن يستبصره الرأي الأصيل حتى إذا انكشف له كان كالشيء الذي سبق له ~~علمه وذهل عنه ، فمعنى التذكر معنى بديع شامل لهذه الخصائص . # وهذا وصف القرآن في حد ذاته إن صادف عقلا صافيا ونفسا مجردة عن ~~PageV23P397 المكابرة فتذكر به المؤمنون به من قبل ، وتذكر به من كان ~~التذكر به سببا في إيمانه بعد كفره بسرعة أو ببطء ، وأما الذين لم يتذكروا ~~به فإن عدم تذكرهم لنقص في فطرتهم وتغشية العناد لألبابهم . وكذلك معنى ~~قوله : { لعلهم يتقون } . # وانتصب { قرءانا } على الحال من اسم الإشارة المبين بالقرآن ، فالحال هنا ~~موطئة لأنها توطئة للنعت في قوله تعالى : { قرءانا عربيا } وإن كان بظاهر ~~لفظ { قرءانا } حالا مؤكدة ولكن العبرة بما بعده ، ولذلك قال الزجاج : إن { ~~عربيا } منصوب على الحال ، أي لأنه نعت للحال . # والمقصود من هذه الحال التورك على المشركين حيث تلقوا القرآن تلقي من سمع ~~كلاما لم يفهمه كأنه بلغة غير لغته لا يعيره بالا كقوله تعالى : { فإنما ~~يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون } ( الدخان : 58 ) ، مع التحدي لهم بأنهم ~~عجزوا عن معارضته وهو من لغتهم ، وهو أيضا ثناء على القرآن من حيث إنه كلام ~~باستقامة ألفاظه لأن اللغة العربية أفصح لغات البشر . # والعوج بكسر العين أريد به : اختلال المعاني دون الأعيان ، وأما العوج ~~بفتح العين فيشملها ، وهذا مختار أيمة اللغة مثل ابن دريد والزمخشري ~~والزجاج والفيروزبادي ، وصحح المرزوقي في ( شرح الفصيح ) أنهما سواء ms7053 ، وقد ~~تقدم عند قوله تعالى : { ولم يجعل له عوجا في سورة الكهف } ، وقوله : { لا ~~ترى فيها عوجا ولا أمتا في } ( سورة طه : 107 ) . # وهذا ثناء على القرآن بكمال معانيه بعد أن أثني عليه باستقامة ألفاظه . # ووجه العدول عن وصفه بالاستقامة إلى وصفه بانتفاء العوج عنه التوسل إلى ~~إيقاع { عوج } وهو نكرة في سياق ما هو بمعنى النفي وهو كلمة { غير } فيفيد ~~انتفاء جنس العوج على وجه عموم النفي ، أي ليس فيه عوج قط ، ولأن لفظ { عوج ~~} مختص باختلال المعاني ، فيكون الكلام نصا في استقامة معاني القرآن لأن ~~الدلالة على استقامة ألفاظه ونظمه قد استفيدت من وصفه بكونه عربيا كما ~~علمته آنفا . PageV23P398 # وقوله : { لعلهم يتقون } مثل قوله : { لعلهم يتذكرون } ، وذكر هنا { ~~يتقون } لأنهم إذا تذكروا يسرت عليهم التقوى ، ولأن التذكر أنسب بضرب ~~الأمثال لأن في الأمثال عبرة بأحوال الممثل به فهي مفضية إلى التذكر ، ~~والاتقاء أنسب بانتفاء العوج لأنه إذا استقامت معانيه واتضحت كان العمل بما ~~يدعو إليه أيسر وذلك هو التقوى . # استئناف وهو من قبيل التعرض إلى المقصود بعد المقدمة فإن قوله : { ولقد ~~ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل } ( الروم : 58 ) توطئة لهذا المثل ~~المضروب لحال أهل الشرك وحال أهل التوحيد ، وفي هذا الانتقال تخلص أتبع ~~تذكيرهم بما ضرب لهم في القرآن من كل مثل على وجه إجمالل العموم استقصاء في ~~التذكير ومعاودة للإرشاد ، وتخلصا من وصف القرآن بأن فيه من كل مثل ، إلى ~~تمثيل حال الذين كفروا بحالل خاص . # فهذا المثل متصل بقوله تعالى : { أفمن شرح الله صدره للإسلام إلى قوله : ~~أولئك في ضلالل مبين } ( الزمر : 22 ) ، فهو مثل لحال من شرح الله صدرهم ~~للإسلام وحال من قست قلوبهم . # ومجيء فعل { ضرب الله } بصيغة الماضي مع أن ضرب هذا المثل ما حصل إلا في ~~زمن نزول هذه الآية لتقريب زمن الحال من زمن الماضي لقصد التشويق إلى علم ~~هذا المثل فيجعل كالإخبار عن أمر حصل لأن النفوس أرغب في علمه كقول المثوب ~~: قد قامت الصلاة . وفيه التنبيه ms7054 على أنه أمر محقق الوقوع كما تقدم عند ~~قوله تعالى : { وضرب الله مثلا قرية في سورة النحل } . # أما صاحب ( الكشاف ) فجعل فعل { ضرب } مستعملا في معنى الأمر إذ فسره ~~بقوله : اضرب لهم مثلا وقل لهم ما تقولون في رجل من المماليك قد اشترك فيه ~~شركاء ، إلى آخر كلامه ، فكان ظاهر كلامه أن الخبر هنا مستعمل في الطلب ، ~~فقرره شارحوه الطيبي والقزويني والتفتزاني بما حاصل مجموعه : أنه أراد أن ~~النبي PageV23P399 صلى الله عليه وسلم لما سمع قوله : { ولقد ضربنا للناس ~~في هذا القرءان من كل مثل ( الزمر : 27 ) علم أنه سينزل عليه مثل من أمثال ~~القرآن فأنبأه الله بصدق ما علمه وجعله لتحققه كأنه ماض . # وليلائم توجيه الاستفهام إليهم بقوله : هل يستويانن مثلا } ( فإنه سؤال ~~تبكيت ) فتلتئم أطراف نظم الكلام ، فعدل عن مقتضى الظاهر من إلقاء ضرب ~~المثل بصيغة الأمر إلى إلقائه بصيغة المضي لإفادة صدق علم النبي صلى الله ~~عليه وسلم وكل هذا أدق معنى وأنسب ببلاغة القرآن من قول من جعل المضي في ~~فعل { ضرب } على حقيقته وقال : إن معناه : ضرب المثل في علمه فأخبر به قومك ~~. # فالذي دعا الزمخشري إلى سلوك هذا المعنى في خصوص هذه الآية هو رعي ~~مناسبات اختص بها سياق الكلام الذي وقعت فيه ، ولا داعي إليه في غيرها من ~~نظائر صيغتها مما لم يوجد لله فيه مقتضض لنحو هذا المحمل ، ألا ترى أنه لا ~~يتأتى في نحو قوله : { ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة كما في سورة إبراهيم ~~} ، وقد أشرنا إليه عند قوله : { وضرب الله مثلا قرية في سورة } ( النحل : ~~112 ) . # وقد يقال فيه وفي نظائره : إن العدول عن أن يصاغ بصيغة الطلب كما في قوله ~~: { واضرب لهم مثلا أصحاب القرية } ( يس : 13 ) ، { واضرب لهم مثلا رجلين } ~~( الكهف : 32 ) { واضرب لهم مثل الحياة الدنيا } ( الكهف : 45 ) إلى أن صيغ ~~بصيغة الخبر هو التوسل إلى إسناده إلى الله تنويها بشأن المثل كما أشرنا ~~إليه في سورة النحل . # وإسناد ضرب المثل إلى الله لأنه كون ms7055 نظمه بدون واسطة ثم أوحى به إلى ~~رسوله صلى الله عليه وسلم فالقرآن كله من جعل الله سواء في ذلك أمثاله ~~وغيرها ، وهو كله مأمور رسوله صلى الله عليه وسلم بتبليغه ، فكأنه قال له : ~~ضرب الله مثلا فاضربه للناس وبينه لهم ، إذ المقصود من ضرب هذا المثل محاجة ~~المشركين وتبكيتهم به في كشف سوء حالتهم في الإشراك ، إذ مقتضى الظاهر أن ~~يجري الكلام على طريقة نظائره كقوله : { واضرب لهم مثلا أصحاب القرية } ( ~~يس : 13 ) ، وكذلك ما تقدم من الأمر في نحو قوله : { قل هل يستوي الذين ~~يعلمون والذين لا يعلمون } ( الزمر : 9 ) ، { قل يا عباد الذين ءامنوا ~~اتقوا ربكم } ( الزمر : 10 ) ، { قل إني أمرت أن أعبد الله } ( الزمر : 11 ~~) ، { قلل الله أعبد } ( الزمر : 14 ) ، { قل إن الخاسرين } ( الزمر : 15 ) ~~، { فبشر عباد } ( الزمر : 17 ) . PageV23P400 # وقد يتطلب وجهه التفرقة بين ما صيغ بصيغة الخبر وما صيغ بصيغة الطلب ~~فنفرق بين الصنفين بأن ما صيغ بصيغة الخبر كان في مقامم أهم لأنه إما تمثيل ~~لإبطال الإشراك ، وإما لوعيد المشركين ، وإما لنحو ذلك ، خلافا لما صيغ ~~بصيغة الخبر فإنه كائن في مقام العبرة والموعظة للمسلمين أو أهل الكتاب ، ~~وهذا ما أشرنا إليه إجمالا في سورة النحل . وقوله : { رجلا فيه شركاء } وما ~~بعده في موضع البيان ل { مثلا } . # وجعل الممثل به حالة رجل ليس للاحتراز عن امرأة أو طفل ولكن لأن الرجل هو ~~الذي يسبق إلى أذهان الناس في المخاطبات والحكايات ، ولأن ما يراد من الرجل ~~من الأعمال أكثر مما يراد من المرأة والصبي ، ولأن الرجل أشد شعورا بما هو ~~فيه من الدعة أو الكد ، وأما المرأة والصبي فقد يغفلان ويلهيان . # وجملة { فيه شركاء } نعت ل { رجلا } ، وتقديم المجرور على { شركاء } لأن ~~خبر النكرة يحسن تقديمه عليها إذا وصفت ، فإذا لم توصف وجب تقديم الخبر ~~لكراهة الابتداء بالنكرة . ومعنى { فيه شركاء } : في ملكه شركاء . # والتشاكس : شدة الاختلاف ، وشدة الاختلاف في الرجل الاختلاف في استخدامه ~~وتوجيهه . # وقرأ الجمهور { سلما } بفتح السين وفتح اللام بعدها ميم وهو ms7056 اسم مصدر : ~~سلم له ، إذا خلص . وقرأه ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب { سالما بصيغة اسم ~~الفاعل وهو من : سلم ، إذا خلص ، واختار هذه القراءة أبو عبيد ولا وجه له ، ~~والحق أنهما سواء كما أيده النحاس وأبو حاتم ، والمعنى : أنه لا شركة فيه ~~للرجل . وهذا تمثيل لحال المشرك في تقسم عقله بين آلهة كثيرين فهو في حيرة ~~وشك من رضى بعضهم عنه وغضب بعض ، وفي تردد عبادته إن أرضى بها أحد آلهته ، ~~لعله يغضب بها ضده ، فرغباتهم مختلفة وبعض القبائل أولى ببعض الأصنام من ~~بعض ، قال تعالى : ولعلا بعضهم على بعض } ( المؤمنون : 91 ) ، ويبقى هو ~~ضائعا لا يدري على PageV23P401 أيهم يعتمد ، فوهمه شعاع ، وقلبه أوزاع ، ~~بحال مملوك اشترك فيه مالكون لا يخلون من أن يكون بينهم اختلاف وتنازع ، ~~فهم يتعاورونه في مهن شتى ويتدافعونه في حوائجهم ، فهو حيران في إرضائهم ~~تعبان في أداء حقوقهم لا يستقل لحظة ولا يتمكن من استراحة . # ويقابله تمثيل حال المسلم الموحد يقوم بما كلفه ربه عارفا بمرضاته مؤملا ~~رضاه وجزاءه ، مستقر البال ، بحال العبد المملوك الخالص لمالك واحد قد عرف ~~مراد مولاه وعلم ما أوجبه عليه ففهمه واحد وقلبه مجتمع . # وكذلك الحال في كل متبع حق ومتبع باطل فإن الحق هو الموافق لما في الوجود ~~والواقع ، والباطل مخالف لما في الواقع ، فمتبع الحق لا يعترضه ما يشوش ~~عليه باله ولا ما يثقل عليه أعماله ، ومتبع الباطل يتعثر به في مزالق الخطى ~~ويتخبط في أعماله بين تناقض وخطأ . # ثم قال : { هل يستويانن مثلا } ، أي هل يكون هذان الرجلان المشبهان ~~مستويين حالا بعد ما علمتم من اختلاف حالي المشبهين بهما . والاستفهام في ~~قوله : { هل يستويان } يجوز أن يكون تقريريا ، ويجوز أن يكون إنكاريا ، ~~وجيء فيه ب { هل } لتحقيق التقرير أو الإنكار . وانتصب { مثلا } على ~~التمييز لنسبة { يستويان } . # والمثل : الحال . والتقدير : هل يستوي حالاهما ، والاستواء يقتضي شيئين ~~فأكثر ، وإنما أفرد التمييز المراد به الجنس ، وقد عرف التعدد من فاعل { ~~يستويان } ولو أسند الفعل إلى ما وقع به التمييز لقيل ms7057 : هل يستوي مثلاهما . # وجملة { الحمد لله } يجوز أن تكون جوابا للاستفهام التقريري بناء على أن ~~أحد الظرفين المقرر عليهما محقق الوقوع لا يسع المقرر عليه إلا الإقرار به ~~، فيقدرون : أنهم أقروا بعدم استوائهما في الحالة ، أي بأن أحدهما أفضل من ~~الآخر ، فإن مثل هذا الاستفهام لا ينتظر السائل جوابا عنه ، فلذلك يصح أن ~~يتولى الجواب عنه قبل أن يجيب المسؤول كقوله تعالى : { عم يتساءلون عن ~~النبأ العظيم } ( النبأ : 1 2 ) ، وقد يبنى على أن المسؤول اعترف فيؤتى بما ~~يناسب اعترافه كما هنا ، PageV23P402 فكأنهم قالوا : لا يستويان ، وذلك هو ~~ما يبتغيه المتكلم من استفهامه ، فلما وافق جوابهم بغية المستفهم حمد الله ~~على نهوض حجته ، فتكون الجملة استئنافا ، فموقعها كموقع النتيجة بعد الدليل ~~، وتكون جملة { بل أكثرهم لا يعلمون } قرينة على أنهم نزلوا منزلة من علم ~~فأقر وأنهم ليسوا كذلك في نفس الأمر ، ويجوز أن تكون معترضة إذا جعل ~~الاستفهام إنكاريا فتكون معترضة بين الإنكار وبين الإضراب الانتقالي في ~~قوله { بل أكثرهم لا يعلمون } أي لا يعلمون عدم استواء الحالتين ولو علموا ~~لاختاروا لأنفسهم الحسنى منهما ، ولما أصروا على الإشراك . # وأفاد هذا أن ما انتحلوه من الشرك وتكاذيبه لا يمت إلى العلم بصلة فهو ~~جهالة واختلاق . و { بل } للإضراب الانتقالي . وأسند عدم العلم لأكثرهم لأن ~~أكثرهم عامة أتباع لزعمائهم الذين سنوا لهم الإشراك وشرائعه انتفاعا بالجاه ~~والثناء الكاذب بحيث غشى ذلك على عملهم . # ( 30 31 ) { لله } # لما جرى الكلام من أول السورة في مهيع إبطال الشرك وإثبات الوحدانية ~~للإلاه ، وتوضيح الاختلاف بين حال المشركين وحال الموحدين المؤمنين بما ~~ينبىء بتفضيل حال المؤمنين ، وفي مهيع إقامة الحجة على بطلان الشرك وعلى ~~أحقية الإيمان ، وإرشاد المشركين إلى التبصر في هذا القرآن ، وتخلل في ذلك ~~ما يقتضي أنهم غير مقلعين عن باطلهم ، وختم بتسجيل جهلهم وعدم علمهم ، ختم ~~هذا الغرض بإحالتهم على حكم الله بينهم وبين المؤمنين يوم القيامة حين لا ~~يستطيعون إنكارا ، وحين يلتفتون فلا يرون إلا نارا . # وقدم لذلك تذكيرهم بأن الناس كلهم ms7058 صائرون إلى الموت فإن الموت آخر ما ~~يذكر به السادر في غلوائه إذا كان قد اغتر بعظمة الحياة ولم يتفكر في ~~اختيار طريق السلامة والنجاة ، وهذا من انتهاز القرآن فرص الإرشاد والموعظة ~~. PageV23P403 # فالمقصود هو قوله : { إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون } فاغتنم هذا ~~الغرض ليجتلب معه موعظة بما يتقدمه من الحوادث عسى أن يكون لهم بها معتبر ، ~~فحصلت بهذا فوائد : منها تمهيد ذكر يوم القيامة ، ومنها التذكير بزوال هذه ~~الحياة ، فهذان عامان للمشركين والمؤمنين ، ومنها حث المؤمنين على المبادرة ~~للعمل الصالح ، ومنها إشعارهم بأن الرسول صلى الله عليه وسلم يموت كما مات ~~النبيئون من قبله ليغتنموا الانتفاع به في حياته ويحرصوا على ملازمة مجلسه ~~، ومنها أن لا يختلفوا في موته كما اختلفت الأمم في غيره ، ومنها تعليم ~~المسلمين أن الله سوى في الموت بين الخلق دون رعي لتفاضلهم في الحياة لتكثر ~~السلوة وتقل الحسرة . # فجملتا { إنك ميت وإنهم ميتون } استئناف ، وعطف عليهما { ثم إنكم يوم ~~القيامة عند ربكم تختصمون } بحرف { ثم } الدال على الترتيب الرتبي لأن ~~الإنباء بالفصل بينهم يوم القيامة أهم في هذا المقام من الإنباء بأنهم ~~صائرون إلى الموت . # والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم وهو خبر مستعمل في التعريض بالمشركين ~~إذ كانوا يقولون : { نتربص به ريب المنون } ( الطور : 30 ) ، والمعنى : أن ~~الموت يأتيك ويأتيهم فما يدري القائلون : { نتربص به ريب المنون أن يكونوا ~~يموتون قبلك ، وكذلك كان ، فقد رأى رسول الله مصارع أشد أعدائه في قليب بدر ~~، قال عبد الله بن مسعود : دعا رسول الله على أبي جهل وعتبة بن ربيعة وشيبة ~~بن ربيعة والوليد بن عتبة وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط وعمارة بن الوليد ~~فوالذي نفسي بيده لقد رأيت الذين عدهم رسول الله صرعى في القليب قليب بدر . # وضمير الغيبة في وإنهم ميتون } للمشركين المتحدث عنهم ، وأما المؤمنون ~~فلا غرض هنا للإخبار بأنهم ميتون كما هو بين من تفسير الآية . وتأكيد ~~الخبرين ب ( إن ) لتحقيق المعنى التعريضي المقصود منها . # والمراد بالميت : الصائر إلى الموت ms7059 فهو من استعمال الوصف فيمن سيتصف به ~~في المستقبل تنبيها على تحقيق وقوعه مثل استعمال اسم الفاعل في المستقبل ~~كقوله تعالى : { إني جاعل في الأرض خليفة } ( البقرة : 30 ) . PageV23P404 # والميت : هو من اتصف بالموت ، أي زالت عنه الحياة ، ومثله : الميت بتخفيف ~~السكون على الياء ، والتحقيق أنه لا فرق بينهما خلافا للكسائي والفراء . # وتأكيد جملة { إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون } لرد إنكار المشركين ~~البعث . وتقديم { عند ربكم } على { تختصمون } للاهتمام ورعاية الفاصلة . # والاختصام : كناية عن الحكم بينهم ، أي يحكم بينكم فيما اختصمتم فيه في ~~الدنيا من اثبات المشركين آلهة وإبطالكم ذلك ، فهو كقوله تعالى : { إن ربك ~~ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون } ( النحل : 124 ) . ويجوز ~~أن يكون الاختصام أطلق على حكاية ما وقع بينهم في الدنيا حين تعرض أعمالهم ~~، كما يقال : هذا تخاصم فلان وفلان ، في طالع محضر خصومة ومقاولة بينهما ~~يقرأ بين يدي القاضي . # ويجوز أن تصور خصومة بين الفريقين يومئذ ليفتضح المبطلون ويبهج أهل الحق ~~على نحو ما قال تعالى : { إن ذلك لحق تخاصم أهل النار } ( ص : 64 ) . # وعلى الوجه الأول فضمير { إنكم } عائد إلى مجموع ما عاد إليه ضمير { إنك ~~} و { إنهم } . # وعلى الوجهين الأخيرين يجوز أن يكون الضمير كما في الوجه الأول . ويجوز ~~أن يكون عائدا إلى جميع الأمة وهو اختصام الظلامات ، وقد ورد تأويل الضمير ~~على هذا المعنى فيما رواه النسائي وغيره عن عبد الله بن عمر قال : ( لما ~~نزلت هذه الآية قلنا : كيف نختصم ونحن إخوان ، فلما قتل عثمان وضرب بعضنا ~~وجه بعض بالسيف قلنا : هذا الخصام الذي وعدنا ربنا ) . وروى سعيد بن منصور ~~عن أبي سعيد الخدري مثل مقالة ابن عمر ولكن أبا سعيد قال : ( فلما كان يوم ~~صفين وشد بعضنا على بعض بالسيوف قلنا : نعم هو ذا ) . وسواء شملت الآية هذه ~~المحامل وهو الأليق ، أو لم تشملها فالمقصود الأصلي منها هو تخاصم أهل ~~الإيمان وأهل الشرك . PageV23P405 # أفادت الفاء تفريع ما بعدها على ما قبلها تفريع القضاء عن الخصومة التي ~~في قوله ms7060 : { ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ( الزمر : 31 ) إذ قد ~~علمت أن الاختصام كني به عن الحكم بينهم فيما خالفوا فيه وأنكروه ، والمعنى ~~: يقضي بينكم يوم القيامة فيكون القضاء على من كذب على الله وكذب بالصدق إذ ~~جاءه إذ هو الذي لا أظلم منه ، أي فيكون القضاء على المشركين إذ كذبوا على ~~الله بنسبة الشركاء إليه والبنات ، وكذبوا بالصدق وهو القرآن ، وما صدق ممن ~~كذب على الله } الفريق الذين في قوله : { وإنهم ميتون ( الزمر : 30 ) وهم ~~المعنيون في قوله تعالى : وقيل للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون ( الزمر : 24 ~~) . # وقد كني عن كونهم مدينين بتحقيق أنهم أظلم لأن من العدل أن لا يقر الظالم ~~على ظلمه فإذا وصف الخصم بأنه ظالم علم أنه محكوم عليه كما قال تعالى حكاية ~~عن داود : قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه ( ص : 24 ) . وقد عدل عن صوغ ~~الحكم عليهم بصيغة الإخبار إلى صوغه في صورة الاستفهام للإيماء إلى أن ~~السامع لا يسعه إلا الجواب بأنهم أظلم . # فالاستفهام مستعمل مجازا مرسلا أو كناية مراد به أنهم أظلم الظالمين وأنه ~~لا ظالم أظلم منهم ، فآل معناه إلى نفي أن يكون فريق أظلم منهم فإنهم أتوا ~~أصنافا من PageV24P005 الظلم العظيم : ظلم الاعتداء على حرمة الرب بالكذب ~~في صفاته إذ زعموا أن له شركاء في الربوبية ، والكذب عليه بادعاء أنه أمرهم ~~بما هم عليه من الباطل ، وظلم الرسول بتكذيبه ، وظلم القرآن بنسبته إلى ~~الباطل ، وظلم المؤمنين بالأذى ، وظلم حقائق العالم بقلبها وإفسادها ، وظلم ~~أنفسهم بإقحامها في العذاب الخالد . # وعدل عن الإتيان بضميرهم إلى الإتيان بالموصول لما في الصلة من الإيماء ~~إلى وجه كونهم أظلم الناس . وإنما اقتصر في التعليل على أنهم كذبوا على ~~الله وكذبوا بالصدق لأن هذين الكذبين هما جماع ما أتوا به من الظلم المذكور ~~آنفا . # والصدق : ضد الكذب . والمراد بالصدق القرآن الذي جاء به النبي ، ومجيء ~~الصدق إليهم : بلوغه إياهم ، أي سماعهم إياه وفهمهم فإنه بلسانهم وجاء ~~بأفصح بيان بحيث لا يعرض عنه إلا ms7061 مكابر مؤثر حظوظ الشهوة والباطل على حظوظ ~~الإنصاف والنجاة . # وفي الجمع بين كلمة ( الصدق ) وفعل كذب } محسن الطباق . # و { إذ جاءه } متعلق ب { كذب ، } و { إذ } ظرف زمن ماض وهو مشعر ~~بالمقارنة بين الزمن الذي تدل عليه الجملة المضاف إليها ، وحصول متعلقه ، ~~فقوله : { إذ جاءه } يدل على أنه كذب بالحق بمجرد بلوغه إياه بدون مهلة ، ~~أي بادر بالتكذيب بالحق عند بلوغه إياه من غير وقفة لإعمال رؤية ولا اهتمام ~~بميز بين حق وباطل . # وجملة { أليس في جهنم مثوى للكافرين } مبينة لمضمون جملة { فمن أظلم ممن ~~كذب على الله } أي أن ظلمهم أوجب أن يكون مثواهم في جهنم . # والاستفهام تقريري ، وإنما وجه الاستفهام إلى نفي ما المقصود التقرير به ~~جريا PageV24P006 على الغالب في الاستفهام التقريري وهي طريقة إرخاء العنان ~~للمقرر بحيث يفتح له باب الإنكار علما من المتكلم بأن المخاطب لا يسعه ~~الإنكار فلا يلبث أن يقر بالإثبات . ويجوز أن يكون الاستفهام إنكاريا ردا ~~لاعتقادهم أنهم ناجون من النار الدال عليه تصميمهم على الإعراض عن التدبر ~~في دعوة القرآن . # والكافرون : هم الذين كفروا بالله فأثبتوا له الشركاء أو كذبوا الرسل بعد ~~ظهور دلالة صدقهم ، والتعريف في ( الكافرين ) للجنس المفيد للاستغراق فشمل ~~الكافرين المتحدث عنهم شمولا أوليا . وتكون الجملة مفيدة للتذييل أيضا ، ~~ويكون اقتضاء مصير الكافرين المتحدث عنهم إلى النار ثابتا بشبه الدليل الذي ~~يعم مصير جميع الجنس الذي هم من أصنافه . وليس في الكلام إظهار في مقام ~~الإضمار . # والمثوى : اسم مكان الثواء ، وهو القرار ، فالمثوى المقر . # ( 33 35 ) # الذي جاء بالصدق هو محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم والصدق : القرآن ~~كما تقدم آنفا في قوله : { وكذب بالصدق إذ جاءه ( الزمر : 32 ) . # وجملة وصدق به } صلة موصولل محذوفف تقديره : والذي صدق به ، لأن المصدق ~~غير الذي جاء بالصدق ، والقرينة ظاهرة لأن الذي صدق غير الذي جاء بالصدق ~~فالعطف عطف جملة كاملة وليس عطف جملة صلة . PageV24P007 # وضمير { به } يجوز أن يعود على ( الصدق ) ويجوز أن يعود على الذي { جاء ~~بالصدق ، } والتصديق بكليهما ms7062 متلازم ، وإذ قد كان المصدقون بالقرآن أو ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم من ثبت له هذا الوصف كان مرادا به أصحاب محمد ~~صلى الله عليه وسلم وهم جماعة فلا تقع صفتهم صلة ل { الذي } لأن أصله ~~للمفرد ، فتعين تأويله بفريق ، وقرينته { أولئك هم المتقون ، } وإنما أفرد ~~عائد الموصول في قوله : { وصدق } رعيا للفظ { الذي } وذلك كله من الإيجاز . # وروى الطبري بسنده إلى علي بن أبي طالب أنه قال : الذي جاء بالصدق محمد ~~صلى الله عليه وسلم والذي صدق به أبو بكر ، وقاله الكلبي وأبو العالية ، ~~ومحمله على أن أبا بكر أول من صدق النبي صلى الله عليه وسلم # وجملة { أولئك هم المتقون } خبر عن اسم الموصول . وجيء باسم الإشارة ~~للعناية بتمييزهم أكمل تمييز . وضمير الفصل في قوله { هم المتقون } يفيد ~~قصر جنس المتقين على { الذي جاء بالصدق وصدق به } لأنه لا متقي يومئذ غير ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه وكلهم متقون لأن المؤمنين بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم لما أشرقت على نفوسهم أنوار الرسول صلى الله عليه وسلم ~~تطهرت ضمائرهم من كل سيئة فكانوا محفوظين من الله بالتقوى قال تعالى : { ~~كنتم خير أمة أخرجت للناس ( آل عمران : 110 ) . والمعنى : أولئك هم الذين ~~تحقق فيهم ما أريد من إنزال القرآن الذي أشير إليه في قوله : لعلهم يتقون ( ~~الزمر : 28 ) . # وجملة لهم ما يشاءون عند ربهم } مستأنفة استئنافا بيانيا لأنهم لما قصر ~~عليهم جنس المتقين كان ذلك مشعرا بمزية عظيمة فكان يقتضي أن يسأل السامع عن ~~جزاء هذه المزية فبين له أن لهم ما يشاؤون عند الله . و { ما يشاءون } هو ~~ما يريدون ويتمنون ، أي يعطيهم الله ما يطلبون في الجنة . # ومعنى { عند ربهم } أن الله ادخر لهم ما يبتغونه ، وهذا من صيغ الالتزام ~~PageV24P008 ووعد الإيجابب ، يقال : لك عندي كذا أي ألتزم لك بكذا ، ثم ~~يجوز أن الله يلهمهم أن يشاءوا ما لا يتجاوز قدر ما عين الله من الدرجات في ~~الجنة فإن أهل الجنة متفاوتون في الدرجات . وفي الحديث : ( إن ms7063 الله يقول ~~لأحدهم : تمنه ، فلا يزال يتمنى حتى تنقطع به الأماني فيقول الله لك ذلك ~~وعشرة أمثاله معه ) . # ويجوز أن { ما يشاءون } مما يقع تحت أنظارهم في قصورهم ويحجب الله عنهم ~~ما فوق ذلك بحيث لا يسألون إلا ما هو من عطاء أمثالهم وهو عظيم ويقلع الله ~~من نفوسهم ما ليس من حظوظهم . ويجوز أن { ما يشاءون } كناية عن سعة ما ~~يعطونه كما ورد في الحديث ( ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب ~~بشر ) وهذا كما يقول من أسديت إليه بعمل عظيم : لك علي حكمك ، أو لك عندي ~~ما تسأل ، وأنت تريد ما هو غاية الإحسان لأمثاله . # وعدل عن اسم الجلالة إلى وصف { ربهم } في قوله : { عند ربهم } إيماء إلى ~~أنه يعطيهم عطاء الربوبية والإيثار بالخير . # ثم نوه بهذا الوعد بقوله : { ذالك جزاء المحسنين } والمشار إليه هو ما ~~يشاءون لما تضمنه من أنه جزاء لهم على التصديق . وأشير إليه باسم الإشارة ~~لتضمنه تعظيما لشأن المشار إليه . والمراد بالمحسنين أولئك الموصوفون بأنهم ~~المتقون ، وكان مقتضى الظاهر أن يؤتى بضميرهم فيقال : ذلك جزاؤهم ، فوقع ~~الإظهار في مقام الإضمار لإفادة الثناء عليهم بأنهم محسنون . # والإحسان : هو كمال التقوى لأنه فسره النبي صلى الله عليه وسلم بأنه : ( ~~أن تعبد الله كأنك تراه ) وأي إحسان وأي تقوى أعظم من نبذهم ما نشأوا عليه ~~من عبادة الأصنام ، ومن تحملهم مخالفة أهليهم وذويهم وعداوتهم وأذاهم ، ومن ~~صبرهم على مصادرة أموالهم ومفارقة نسائهم تصديقا للذي جاء بالصدق وإيثارا ~~لرضى الله على شهوة النفس ورضى العشيرة . PageV24P009 # وقوله : { ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا } اللام للتعليل وهي تتعلق ~~بفعل محذوف دل عليه قوله : { لهم ما يشاءون عند ربهم ، } والتقدير : وعدهم ~~الله بذلك والتزم لهم ذلك ليكفر عنهم أسوأ الذي عملوا . والمعنى : أن الله ~~وعدهم وعدا مطلقا ليكفر عنهم أسوأ ما عملوه ، أي ما وعدهم بذلك الجزاء إلا ~~لأنه أراد أن يكفر عنهم سيئات ما عملوا . # والمقصود من هذا الخبر إعلامهم به ليطمئنوا من عدم مؤاخذتهم على ms7064 ما فرط ~~منهم من الشرك وأحواله . # و { أسوأ } يجوز أن يكون باقيا على ظاهر اسم التفضيل من اقتضاء مفضل عليه ~~، فالمراد بأسوأ عملهم هو أعظمه سوءا وهو الشرك ، سئل النبي صلى الله عليه ~~وسلم أي الذنب أعظم ؟ فقال : ( أن تدعو لله ندا وهو خلقك ) . وإضافته إلى { ~~الذي عملوا } إضافة حقيقية ، ومعنى كون الشرك مما عملوا باعتبار أن الشرك ~~عمل قلبي أو باعتبار ما يستتبعه من السجود للصنم ، وإذا كفر عنهم أسوأ الذي ~~عملوا كفر عنهم ما دونه من سيىء أعمالهم بدلالة الفحوى ، فأفاد أنه يكفر ~~عنهم جميع ما عملوا من سيئات ، فإن أريد بذلك ما سبق قبل الإسلام فالآية ~~تعم كل من صدق بالرسول صلى الله عليه وسلم والقرآن بعد أن كان كافرا فإن ~~الإسلام يجب ما قبله ، وإن أريد بذلك ما عسى أن يعمله أحد منهم من الكبائر ~~في الإسلام كان هذا التكفير خصوصية لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فإن فضل الصحبة عظيم . روي عن رسول الله أنه قال : ( لا تسبوا أصحابي ~~فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا ~~نصيفه ) . # ويجوز أن يكون { أسوأ } مسلوب المفاضلة وإنما هو مجاز في السوء العظيم ~~على نحو قوله تعالى : { قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه ( يوسف : 33 ~~) أي العمل الشديد السوء ، وهو الكبائر ، وتكون إضافته بيانية . وفي هذه ~~الآية دلالة على أن رتبة صحبة النبي عظيمة . # وقال رسول الله : الله الله في أصحابي لا تتخذوهم PageV24P010 غرضا بعدي ~~فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن آذاهم فقد آذاني ومن ~~آذاني فقد آذى الله ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه . وقد أوصى أيمة سلفنا ~~الصالح أن لا يذكر أحد من أصحاب الرسول إلا بأحسنن ذكر ، وبالإمساك عما شجر ~~بينهم ، وأنهم أحق الناس بأن يلتمس لهم أحسن المخارج فيما جرى بين بعضهم ، ~~ويظن بهم أحسن المذاهب ، ولذلك اتفق السلف على تفسيق ابن الأشتر النخعي ومن ~~لف لفه من الثوار الذين جاءوا ms7065 من مصر إلى المدينة لخلع عثمان بن عفان ، ~~واتفقوا على أن أصحاب الجمل وأصحاب صفين كانوا متنازعين عن اجتهاد وما ~~دفعهم عليه إلا السعي لصلاح الإسلام والذب عن جامعته من أن تتسرب إليها ~~الفرقة والاختلال ، فإنهم جميعا قدوتنا وواسطة تبليغ الشريعة إلينا ، ~~والطعن في بعضهم يفضي إلى مخاوف في الدين ، ولذلك أثبت علماؤنا عدالة جميع ~~أصحاب النبي . # وإظهار اسم الجلالة في موضعع الاضمار بضمير ربهم } في قوله : { ليكفر ~~الله عنهم } لزيادة تمكن الإخبار بتكفير سيئاتهم تمكينا لاطمئنان نفوسهم ~~بوعد ربهم . # وعطف على الفعل المجعولل علة أولى فعل هو علة ثانية وهو : { ويجزيهم ~~أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون . } وهو المقصود من التعليل للوعد الذي ~~تضمنه قوله : { لهم ما يشاءون عند ربهم . # والبناء في قوله : بأحسن الذي كانوا يعملون } للسببية وهي ظرف مستقر صفة ~~ل { أجرهم } وليست متعلقة بفعل { يجزيهم } ، أي يجزيهم أجرا على أحسن ~~أعمالهم . وإذا كان الجزاء على العمل الأحسن بها الوعد وهو { لهم ما يشاءون ~~عند ربهم ، } فدل على أنهم يجازون على ما هو دون الأحسن من محاسن أعمالهم ، ~~بدلالة إيذان وصف ( الأحسن ) بأن علة الجزاء هي الأحسنية وهي تتضمن أن ~~لمعنى الحسن تأثيرا في الجزاء فإذا كان جزاء أحسن أعمالهم أن لهم ما يشاءون ~~عند ربهم كان جزاء ما هو دون الأحسن من أعمالهم جزاء دون ذلك بأن يجازوا ~~بزيادة وتنفيل على ما استحقوه على أحسن أعمالهم بزيادة تنعم أو كرامة أو ~~نحو ذلك . PageV24P011 # وفي ( مفاتيح الغيب ) : أن مقاتلا كان شيخ المرجئة وهم الذين يقولون لا ~~يضر شيء من المعاصي مع الإيمان واحتج بهذه الآية فقال : إنها تدل على أن من ~~صدق الأنبياء والرسل فإنه تعالى يكفر عنهم أسوأ الذي عملوا . ولا يجوز حمل ~~الأسوأ على الكفر السابق لأن الظاهر من الآية يدل على أن التكفير إنما حصل ~~في حال ما وصفهم الله بالتقوى وهو التقوى من الشرك وإذا كان كذلك وجب أن ~~يكون المراد من الأسوأ الكبائر التي يأتي بها بعد الإيمان ا ه . ولم يجب ~~عنه ms7066 في ( مفاتيح الغيب ) وجوابه : لأن الأسوأ محتمل أن أدلة كثيرة أخرى ~~تعارض الاستدلال بعمومها . وفي الجمع بين كلمة { أسوأ } وكملة { أحسن } ~~محسن الطبق . # ( 36 37 ) # . # لما ضرب الله مثلا للمشركين والمؤمنين بمثل رجل فيه شركاء متشاكسون ورجلل ~~خالصص لرجل ، كان ذلك المثل مثيرا لأن يقول قائل المشركين لتتألبن شركاؤنا ~~على الذي جاء يحقرها ويسبها ، ومثيرا لحمية المشركين أن ينتصروا لآلهتهم ~~كما قال مشركو قوم إبراهيم { حرقوه وانصروا آلهتكم ( الأنبياء : 68 ) . ~~وربما أنطقتهم حميتهم بتخويف الرسول ، ففي الكشاف } و ( تفسير القرطبي ) : ~~أن قريشا قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ( إنا نخاف أن تخبلك آلهتنا ~~وإنا نخشى عليك معرتها ( بعين بعد الميم بمعنى الإصابة بمكروه يعنون المضرة ~~) لعيبك إياها ) . وفي ( تفسير ابن عطية ) ما هو بمعنى هذا ، فلما حكى ~~تكذيبهم النبي عطف الكلام إلى ما هددوه به وخوفوه من شر أصنامهم بقوله : { ~~أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه } . # فهذا الكلام معطوف على قوله : { ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء ( الزمر : ~~29 ) الآية والمعنى : أن الله الذي أفردته بالعبادة هو كافيك شر المشركين ~~وباطل آلهتهم التي عبدوها من دونه ، فقوله : أليس الله بكافف عبده } تمهيد ~~لقوله : و { يخوفونك بالذين من دونه } قدم عليه لتعجيل مساءة المشركين بذلك ~~، ويستتبع ذلك تعجيل مسرة الرسول صلى الله عليه وسلم بأن الله ضامن له ~~الوقاية كقوله : { فسيكفيكهم الله ( البقرة : 137 ) . PageV24P012 # وأصل النظم : ويخوفونك بالذين من دون الله والله كافيك ، فغير مجرى النظم ~~لهذا الغرض ، ولك أن تجعل نظم الكلام على ترتيبه في اللفظ فتجعل جملة أليس ~~الله بكاف عبده } استئنافا ، وتصير جملة { ويخوفونك } حالا . # ووقع التعبير عن النبي صلى الله عليه وسلم بالاسم الظاهر وهو { عبده } ~~دون ضمير الخطاب لأن المقصود توجيه الكلام إلى المشركين ، وحذف المفعول ~~الثاني ل { كاف } لظهور أن المقصود كافيك أذاهم ، فأما الأصنام فلا تستطيع ~~أذى حتى يكفاه الرسول صلى الله عليه وسلم والاستفهام إنكار عليهم ظنهم أن ~~لا حامي للرسول صلى الله عليه وسلم من ضر الأصنام . [ والمراد ب ms7067 { عبده } ~~هو الرسول صلى الله عليه وسلم لا محالة وبقرينة و { يخوفونك } . # وفي استحضار الرسول صلى الله عليه وسلم بوصف العبودية وإضافته إلى ضمير ~~الجلالة ، معنى عظيم من تشريفه بهذه الإضافة وتحقيقق أنه غير مسلمه إلى ~~أعدائه . # والخطاب في { ويخوفونك } للنبيء صلى الله عليه وسلم وهو التفات من ضمير ~~الغيبة العائد على { عبده } ، ونكتة هذا الإلتفات هو تمحيض قصد النبي ~~بمضمون هذه الجملة بخلاف جملة { أليس الله بكاف عبده } كما علمت آنفا . # و { الذين من دونه } هم الأصنام . عبر عنهم وهم حجارة بموصول العقلاء ~~لكثرة استعمال التعبير عنهم في الكلام بصيغ العقلاء . و { من دونه } صلة ~~الموصول على تقدير محذوف يتعلق به المجرور دل عليه السياق ، تقديره : ~~اتخذوهم من دونه أو عبدوهم من دونه . # ووقع في ( تفسير البيضاوي ) أن سبب نزول هذه الآية هو خبر توجيه النبي ~~صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى هدم العزى وأن سادن العزى قال لخالد ~~: أحذركها يا خالد فإن لها شدة لا يقوم لها شيء ، فعمد خالد إلى العزى فهشم ~~أنفها حتى كسرها بالفأس فأنزل الله هذه الآية . وتأول الخطاب في قوله : { ~~ويخوفونك } بأن تخويفهم خالدا أرادوا به تخويف النبي صلى الله عليه وسلم ~~فتكون هذه الآية مدنية وسياق الآية نابب عنه . ولعل بعض من قال هذا إنما ~~أراد الاستشهاد لتخويف المشركين النبي صلى الله عليه وسلم من أصنامهم بمثال ~~مشهور . PageV24P013 # وقرأ الجمهور { بكاف عبده } . وقرأ حمزة والكسائي وأبو جعفر وخلف { عباده ~~} بصيغة الجمع أي النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين فإنهم لما خوفوا ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقد أرادوا تخويفه وتخويف أتباعه وأن الله كفاهم ~~شرهم . # اعتراض بين جملة { أليس الله بكاف عبده } الآية وجملة { أليس الله بعزيز ~~ذي انتقام } قصد من هذا الاعتراض أن ضلالهم داء عياء لأنه ضلال مكون في ~~نفوسهم وجبلتهم قد ثبتته الأيام ، ورسخه تعاقب الأجيال ، فران بغشاوته على ~~ألبابهم ، فلما صار ضلالهم كالمجبول المطبوع أسند إيجاده إلى الله كناية عن ~~تعسر أو تعذر اقتلاعه من نفوسهم ms7068 . # وأريد من نفي الهادي من قوله : { فما له من هاد } نفي حصول الاهتداء ، ~~فكني عن عدم حصول الهدى بانتفاء الهادي لأن عدم الاهتداء يجعل هاديهم ~~كالمنفي . وقد تقدم قوله في سورة الأعراف { من يضلل الله فلا هادي له . # والآيتان متساويتان في إفادة نفي جنس الهادي ، إلا أن إفادة ذلك هنا ~~بزيادة من } تنصيصا على نفي الجنس . وفي آية الأعراف ببناء هادي على الفتح ~~بعد ( لا ) النافية للجنس فإن بناء اسمها على الفتح مشعر بأن المراد نفي ~~الجنس نصا . والاختلاف بين الأسلوبين تفنن في الكلام وهو من مقاصد البلغاء ~~. # وتقديم { له } على { هاد } للاهتمام بضميرهم في مقام نفي الهادي لهم لأن ~~ضلالهم المحكي هنا بالغ في الشناعة إذا بلغ بهم حد الطمع في تخويف النبي ~~بأصنامهم في حال ظهور عدم اعتداده بأصنامهم لكل متأمل من حالل دعوته ، وإذ ~~بلغ بهم اعتقاد مقدرة أصنامهم مع الغفلة عن قدرة الرب الحق ، بخلاف آية ~~الأعراف فإن فيها ذكر إعراضهم عن النظر في ملكوت السماوات والأرض وهو ضلال ~~دون ضلال التخويف من بأس أصنامهم . PageV24P014 # وأما جملة { ومن يهد الله فما له من مضل } فقد اقتضاها أن الكلام الذي ~~اعترضت بعده الجملتان اقتضى فريقين : فريقا متمسكا بالله القادر على النفع ~~والضر وهو النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون ، وآخر مستمسكا بالأصنام ~~العاجزة عن الأمرين ، فلما بين أن ضلال الفريق الثاني ضلال مكين ببيان أن ~~هدى الفريق الآخر راسخ متين فلا مطمع للفريق الضال بأن يجروا المهتدين إلى ~~ضلالهم . # . # تعليل لإنكار انتفاء كفاية الله عن ذلك كإنكار أن الله عزيز ذو انتقام ، ~~فلذلك فصلت الجملة عن التي قبلها . # والاستفهام تقريري لأن العلم بعزة الله متقرر في النفوس لاعتراف الكل ~~بإلاهيته والإلاهية تقتضي العزة ، ولأن العلم بأنه منتقم متقرر من مشاهدة ~~آثار أخذه لبعض الأمم مثل عاد وثمود . فإذا كانوا يقرون لله بالوصفين ~~المذكورين فما عليهم إلا أن يعلموا أنه كافف عبده بعزته فلا يقدر أحد على ~~إصابة عبده بسوء ، وبانتقامه من الذين يبتغون لعبده الأذى . # والعزيز : صفة ms7069 مشبهة مشتقة من العز ، وهو منعة الجانب وأن لا يناله ~~المتسلط وهو ضد الذل ، وتقدم عند قوله تعالى : { فاعلموا أن الله عزيز حكيم ~~في سورة البقرة . # والانتقام : المكافأة على الشر بشر ، وهو مشتق من النقم وهو الغضب كأنه ~~مطاوعه لأنه مسبب عن النقم ، وقد تقدم عند قوله تعالى : فانتقمنا منهم ~~فأغرقناهم في اليم في سورة الأعراف . وانظر قوله تعالى : والله عزيز ذو ~~انتقام في سورة العقود . PageV24P015 # } # . # اعتراض بين جملة { أليس الله بعزيز ( الزمر : 37 ) ، وجملة قل أفرأيتم ما ~~تدعون من دون الله } ، فالواو اعتراضية ، ويجوز أن يكون معطوفا على جملة { ~~أليس الله بكاف عبده ( الزمر : 36 ) وهو تمهيد لما يأتي بعده من قوله : قل ~~أفرءيتم ما تدعون من دون الله } ، لأنه قصد به التوطئة إليه بما لا نزاع ~~فيه لأنهم يعترفون بأن الله هو المتصرف في عظائم الأمور ، أي خلقهما وما ~~تحويانه ، وتقدم نظيره في سورة العنكبوت . # جاءت جملة { قل أفرءيتم } على أسلوب حكاية المقاولة والمجاوبة لكلامهم ~~المحكي بجملة { ليقولن الله } ولذلك لم تعطف الثانية بالواو ولا بالفاء ، ~~والمعنى : ليقولن الله فقل أفرأيتم ما تدعون من دون الله الخ . والفاء من { ~~أفرءيتم } لتفريع الاستفهام الإنكاري على جوابهم تفريعا يفيد محاجتهم على ~~لازم اعترافهم بأن الله هو خالق السماوات والأرض كما في قوله تعالى : { قل ~~أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون ( الزمر : 64 ) . وهذا تفريع ~~الإلزام على الإقرار ، والنتيجة على الدليل فإنهم لما أقروا بأنه خالق ~~السماوات والأرض يلزمهم أن يقروا بأنه المتصرف فيما تحويه السماوات والأرض ~~. والرؤية قلبية ، أي أفظننتم . # وما تدعون من دون الله } مفعول ( رأيتم ) الأول والمفعول الثاني محذوف سد ~~مسده جواب الشرط المعترض بعد المفعول الأول على قاعدة اللغة العربية عند ~~اجتماع مبتدأ وشرط أن يجري ما بعدهما على ما يناسب جملة الشرط لأن المفعول ~~الأول لأفعال القلوب في معنى المبتدأ . PageV24P016 # وجملة { هل هن كاشفات ضره } جواب { إن . واستعمال العرب إذا صدر الجواب ~~بأداة استفهام غير الهمزة يجوز تجرده عن الفاء الرابطة للجواب كقوله تعالى ~~: قل أرأيتكم ms7070 إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون ~~( الأنعام : 47 ) ، ويجوز اقترانه بالفاء كقوله : قال يا قوم أرأيتم إن كنت ~~على بينة من ربي وآتاني منه رحمة فمن ينصرني من الله ( هود : 63 ) . فأما ~~المصدر بالهمزة فلا يجوز اقترانه بالفاء كقوله : أرأيت إن كذب وتولى ألم ~~يعلم بأن الله يرى ( العلق : 13 ، 14 ) . # وجواب الشرط دليل على المفعول الثاني لفعل الرؤية . والتقدير : أرأيتم ما ~~تدعون من دون الله كاشفاتت ضره . والهمزة للاستفهام وهو إنكاري إنكارا لهذا ~~الظن . # وجيء بحرف هل } في جواب الشرط وهي للاستفهام الإنكاري أيضا تأكيدا لما ~~أفادته همزة الاستفهام مع ما في ( هل ) من إفادة التحقيق . وضمير { هن } ~~عائد إلى ما الموصولة وكذلك الضمائر المؤنثة الواردة بعده ظاهرة ومستترة ، ~~إما لأن ( ما ) صدق ما الموصولة هنا أحجار غير عاقلة وجمع غير العقلاء يجري ~~على اعتبار التأنيث ، ولأن ذلك يصير الكلام من قبيل الكلام الموجه بأن ~~آلهتهم كالإناث لا تقدر على النصر . # والكاشفات : المزيلات ، فالكشف مستعار للإزالة بتشبيه المعقول وهو الضر ~~بشيء مستتر ، وتشبيه إزالته بكشف الشيء المستور ، أي إخراجه ، وهي مكنية ~~والكشف استعارة تخييلية . # والإمساك أيضا مكنية بتشبيه الرحمة بما يسعف به ، وتشبيه التعرض لحصولها ~~بإمساك صاحب المتاع متاعه عن طالبيه . # وعدل عن تعدية فعل الإرادة للضر والرحمة ، إلى تعديته لضمير المتكلم ذات ~~المضرور والمرحوم مع أن متعلق الإرادات المعاني دون الذوات ، فكان مقتضى ~~الظاهر أن يقال : إن أراد ضري أو أراد رحمتي فحق فعل الإرادة إذا قصد ~~تعديته إلى شيئين أن يكون المراد هو المفعول ، وأن يكون ما معه معدى إليه ~~بحرف الجر ، نحو أردت خيرا لزيد ، أو أردت به خيرا ، فإذا عدل عن ذلك قصد ~~به PageV24P017 الاهتمام بالمراد به لإيصال المراد إليه حتى كأن ذاته هي ~~المراد لمن يريد إيصال شيء إليه ، وهذا من تعليق الأحكام بالذوات . والمراد ~~أحوال الذوات مثل { حرمت عليكم الميتة ( المائدة : 3 ) ، أي أكلها . ونظم ~~التركيب : إن أرادني وأنا متلبس بضر منه أو برحمة منه ، قال عمرو ms7071 بن شاس : # أرادت عرارا بالهوانن ومن يرد # عرارا لعمري بالهوانن فقد ظلم # وإنما فرض إرادة الضر وإرادة الرحمة في نفسه دون أن يقول : إن أرادكم ، ~~لأن الكلام موجه إلى ما خوفوه من ضر أصنامهم إياه . # وقرأ الجمهور كاشفات ضره } و { ممسكات رحمته } بإضافة الوصفين إلى ~~الاسمين . وقرأ أبو عمرو ويعقوب بتنوين الوصفين ونصب { ضره } و { رحمته } ~~وهو اختلاف في لفظ تعلق الوصف بمعموله والمعنى واحد . # ولما ألقمهم الله بهذه الحجة الحجر وقطعهم فلا يحيروا ببنت شفة أمر رسوله ~~صلى الله عليه وسلم أن يقول : { حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون } ، وإنما ~~أعيد الأمر بالقول ولم ينتظم { حسبي الله } في جملة الأمر الأول ، لأن هذا ~~المأمور بأن يقوله ليس المقصود توجيهه إلى المشركين فإن فيما سبقه مقنعا من ~~قلة الاكتراث بأصنامهم ، وإنما المقصود أن يكون هذا القول شعار النبي صلى ~~الله عليه وسلم في جميع شؤونه ، وفيه حظ للمؤمنين معه حاصل من قوله : { ~~عليه يتوكل المتوكلون } قال تعالى : { يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك ~~من المؤمنين ( الأنفال : 64 ) ، فإعادة فعل قل } للتنبيه على استقلال هذا ~~الغرض عن الغرض الذي قبله . # والحسب : الكافي . وتقدم في قوله تعالى : { وقالوا حسبنا الله ونعم ~~الوكيل في آل عمران . وحذف المتعلق في هذه الجملة لعموم المتعلقات ، أي ~~حسبي الله من كل شيء وفي كل حال . # والمراد بقوله اعتقاده ، ثم تذكره ، ثم الإعلان به ، لتعليم المسلمين ~~وإغاظة المشركين . PageV24P018 # والتوكل : تفويض أمور المفوض إلى من يكفيه إياه ، وتقدم في قوله : فإذا ~~عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين في سورة آل عمران . # وجملة عليه يتوكل المتوكلون } يجوز أن تكون مما أمر بأن يقوله تذكرا من ~~النبي صلى الله عليه وسلم وتعليما للمسلمين فتكون الجملة تذييلا للتي قبلها ~~لأنها أعم منها باعتبار القائلين لأن { حسبي الله } يؤول إلى معنى : توكلت ~~على الله ، أي حسبي أنا وحسب كل متوكل ، أي كل مؤمن يعرف الله حق معرفته ~~ويعتمد على كفايته دون غيره ، فتعريف { المتوكلون } للعموم العرفي ، أي ~~المتوكلون الحقيقيون إذ ms7072 لا عبرة بغيرهم . # ويجوز أن تكون من كلام الله تعالى خاطب به رسوله صلى الله عليه وسلم ولم ~~يأمره بأن يقوله فتكون الجملة تعليلا للأمر بقول : { حسبي الله } ، أي اجعل ~~الله حسبك ، لأن أهل التوكل يتوكلون على الله دون غيره وهم الرسل والصالحون ~~وإذ قد كنت من رفيقهم فكن مثلهم في ذلك على نحو قوله تعالى : { أولئك الذين ~~هدى الله فبهداهم اقتده ( الأنعام : 90 ) . وتقديم المجرور على يتوكل } ~~لإفادة الاختصاص لأن أهل التوكل الحقيقيين لا يتوكلون إلا على الله تعالى ، ~~وذلك تعريض بالمشركين إذ اعتمدوا في أمورهم على أصنامهم . # ( 39 40 ) # لما أبلغهم الله من الموعظة أقصى مبلغ ، ونصب لهم من الحجج أسطع حجة ، ~~وثبت رسوله صلى الله عليه وسلم أرسخ تثبيت ، لا جرم أمر رسوله صلى الله ~~عليه وسلم بأن يوادعهم موادعة مستقرب النصر ، ويواعدهم ما أعد لهم من خسر . # وعدم عطف جملة { قل } هذه على جملة { قل حسبي الله } ( الزمر : 38 ) لدفع ~~توهم أن يكون أمره { قل حسبي الله } لقصد إبلاغه إلى المشركين نظير ترك ~~العطف في البيت المشهور في علم المعاني : PageV24P019 # وتظن سلمى أنني أبغي بها # بدلا أراها في الضلال تهيم # لم يعطف جملة : أراها في الضلال ، لئلا يتوهم أنها معطوفة على جملة : ~~أبغي بها بدلا ، ولأنها انتقال من غرض الدعوة والمحاجة إلى غرض التهديد . ~~وابتدأ المقول بالنداء بوصف القوم لما يشعر به من الترقيق لحالهم والأسف ~~على ضلالهم لأن كونهم قومه يقتضي أن لا يدخرهم نصحا . # والمكانة : المكان ، وتأنيثه روعي فيه معنى البقعة ، استعير للحالة ~~المحيطة بصاحبها إحاطة المكان بالكائن فيه . والمعنى : اعملوا على طريقتكم ~~وحالكم من عداوتي ، وتقدم نظيره في سورة الأنعام . # وقرأ الجمهور { مكانتكم } بصيغة المفرد . وقرأ أبو بكر عن عاصم { ~~مكاناتكم } بصيغة الجمع بألف وتاء . # وقال تعالى هنا : { من يأتيه عذاب يخزيه } ليكون التهديد بعذاب خزي في ~~الدنيا وعذاب مقيم في الآخرة . فأما قوله في سورة الأنعام : { قل يا قوم ~~اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار فلم ms7073 يذكر ~~فيها العذاب لأنها جاءت بعد تهديدهم بقوله : إن ما توعدون لآت وما أنتم ~~بمعجزين ( الأنعام : 134 ) . # وحذف متعلق إني عامل } ليعم كل متعلق يصلح أن يتعلق ب { عامل } مع ~~الاختصار فإن مقابلته بقوله : { اعملوا على مكانتكم } يدل على أنه أراد من ~~{ إني عامل } أنه ثابت على عمله في نصحهم ودعوتهم إلى ما ينجيهم . وأن حذف ~~ذلك مشعر بأنه لا يقتصر على مقدار مكانته وحالته بل حالة تزداد كل حين قوة ~~وشدة لا يعتريها تقصير ولا يثبطها إعراضهم ، وهذا من مستتبعات الحذف ولم ~~ننبه عليه في سورة الأنعام وفي سورة هود . # و { من } استفهامية علقت فعل { تعلمون } عن العمل في مفعوليه . ~~PageV24P020 # والعذاب المخزي هو عذاب الدنيا . والمراد به هنا عذاب السيف يوم بدر . ~~والعذاب المقيم هو عذاب الآخرة ، وإقامته خلوده . وتنوين { عذاب } في ~~الموضعين للتعظيم المراد به التهويل . # وأسند فعل { يأتيه } إلى العذاب المخزي لأن الإتيان مشعر بأنه يفاجئهم ~~كما يأتي الطارق . وكذلك إسناد فعل { يحل } إلى العذاب المقيمم لأن الحلول ~~مشعر بالملازمة والإقامة معهم ، وهو عذاب الخلود ، ولذلك يسمى منزل القول ~~حلة ، ويقال للقوم القاطنين غير المسافرين هم حلال ، فكان الفعل مناسبا ~~لوصفه بالمقيم . وتعدية فعل { يحل } بحرف ( على ) للدلالة على تمكنه . # الجملة تعليل للأمر بأن يقول لهم اعملوا على مكانتكم المفيد موادعتهم ~~وتهوين تصميم كفرهم عليه ، وتثبيته على دعوته . والمعنى : لأنا نزلنا عليك ~~الكتاب بالحق لفائدة الناس وكفاك ذلك شرفا وهداية وكفاك تبليغه إليهم فمن ~~اهتدى من الناس فهدايته لنفسه بواسطتك ومن ضل فلم يهتد به فضلاله على نفسه ~~وما عليك من ضلالهم تبعة لأنك بلغت ما أمرت به . ولذلك خولف بين ما هنا ~~وبين قوله في صدر السورة { إنا أنزلنا إليك الكتاب للناس بالحق } ( القصص : ~~2 ) ، لأن تلك في غرض التنويه بشأن النبي صلى الله عليه وسلم فناسب أن يكون ~~إنزال الكتاب إليه ، و { للناس } متعلق ب { أنزلنا ، } و { بالحق } حال من ~~{ الكتاب } ، والباء للملابسة ، واللام في { للناس } للعلة ، أي لأجل الناس ~~. وفي الكلام مضاف مفهوم مما ms7074 تؤذن به اللام من معنى الفائدة والنفع أي لنفع ~~الناس ، أو مما يؤذن به التفريع في قوله : { فمن اهتدى } الخ . وفاء { فمنن ~~اهتدى فلنفسه } للتفريع وهو تفريع ناشىء من معنى اللام . و ( من ) شرطية ، ~~أي من حصل منه الاهتداء في المستقبل فإن اهتداءه لفائدة PageV24P021 نفسه ~~لا غير ، أي ليست لك من اهتدائه فائدة لذاتك لأن فائدة الرسول صلى الله ~~عليه وسلم ( وهي شرفه وأجره ) ثابتة عن التبليغ سواء اهتدى من اهتدى وضل من ~~ضل . # وتقدم نظير هذه الآية في قوله : { قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ~~ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه آخر سورة يونس ، وفي قوله : وأمرت أن ~~أكون من المسلمين وأن أتلو القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه في آخر سورة ~~النمل ( 91 ، 92 ) ، ولكن جيء في تينك الآيتين بصيغة قصر الاهتداء على نفس ~~المهتدي وترك ذلك في هذه السورة ، ووجه ذلك أن تينك الآيتين واردتان بالأمر ~~بمخاطبة المشركين فكان المقام فيهما مناسبا لإفادة أن فائدة اهتدائهم لا ~~تعود إلا لأنفسهم ، أي ليست لي منفعة من اهتدائهم ، خلافا لهذه الآية فإنها ~~خطاب موجه من الله إلى رسوله ليس فيها حال من ينزل منزلة المدل باهتدائه . # أما قوله : ومن ضل فإنما يضل عليها } فصيغة القصر فيه لتنزيل الرسول صلى ~~الله عليه وسلم في أسفه على ضلالهم المفضي بهم إلى العذاب منزلة من يعود ~~عليه من ضلالهم ضر ، فخوطب بصيغة القصر ، وهو قصر قلب على خلاف مقتضى ~~الظاهر . ولذلك اتحدت الآيات الثلاث في الاشتمال على القصر بالنسبة لجانب ~~ضلالهم فإن قوله في سورة النمل { فقل إنما أنا من المنذرين في معنى : فإنما ~~يضل عليها } ، أي ليس ضلالكم علي فإنما أنا من المنذرين . وهذه نكت من ~~دقائق إعجاز القرآن . # وقوله : { وما أنت عليهم بوكيل } القول فيه كالقول في { وما أنا عليكم ~~بوكيل في سورة يونس . وجملة و وما أنت عليهم بوكيل } عطف على جملة { فمنن ~~اهتدى فلنفسه } أي لست مأمورا بإرغامهم على الاهتداء ، فصيغ هذا الخبر في ~~جملة اسمية ms7075 للدلالة على ثبات حكم هذا النفي . PageV24P022 # يصلح هذا أن يكون مثلا لحال ضلال الضالين وهدى المهتدين نشأ عن قوله : { ~~فمن اهتدى فلنفسه إلى قوله : وما أنت عليهم بوكيل ( الزمر : 41 ) . # والمعنى : أن استمرار الضال على ضلاله قد يحصل بعده اهتداء وقد يوافيه ~~أجله وهو في ضلاله فضرب المثل لذلك بنوم النائم قد تعقبه إفاقة وقد يموت ~~النائم في نومه ، وهذا تهوين على نفس النبي برجاء إيمان كثير ممن هم يومئذ ~~في ضلال وشرك كما تحقق ذلك . فتكون الجملة تعليلا للجملة قبلها ولها اتصال ~~بقوله : أفمن شرح الله صدره للإسلام إلى قوله : في ضلال مبين ( الزمر : 22 ~~) . # ويجوز أن يكون انتقالا إلى استدلال على تفرد الله تعالى بالتصرف في ~~الأحوال فإنه ذكر دليل التصرف بخلق الذوات ابتداء من قوله : خلق السموات ~~والأرض بالحق إلى قوله : في ظلمات ثلاث ( الزمر : 5 ، 6 ) ، ثم دليل التصرف ~~بخلق أحوال ذواتت وإنشاء ذواتت من تلك الأحوال وذلك من قوله : ألم تر أن ~~الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض إلى قوله : لأولى الألباب ( ~~الزمر : 21 ) وأعقب كل دليل بما يظهر فيه أثره من الموعظة والعبرة والزجر ~~عن مخالفة مقتضاه ، فانتقل هنا إلى الاستدلال بحالة عجيبة من أحوال أنفس ~~المخلوقات وهي حالة الموت وحالة النوم . وقد أنبأ عن الاستدلال قوله : إن ~~في ذلك لآيات لقوم يتفكرون } ، فهذا دليل للناس من أنفسهم ، قال تعالى : { ~~وفي أنفسكم أفلا تبصرون ( الذاريات : 21 ) وقال : ضرب لكم مثلا من أنفسكم ( ~~الروم : 28 ) ، فتكون الجملة استئنافا ابتدائيا للتدرج في الاستدلال ولها ~~اتصال بجملة خلق السموات والأرض بالحق } وجملة { ألم تر أن الله أنزل } ~~المتقدمتين ، وعلى كلا الوجهين أفادت الآية إبراز حقيقتين عظيمتين من ~~نواميس الحياتين النفسية والجسدية وتقديم اسم الجلالة على الخبر الفعلي ~~لإفادة تخصيصه بمضمون الخبر ، أي الله يتوفى لا غيره فهو قصر حقيقي لإظهار ~~فساد أن أشركوا PageV24P023 به آلهة لا تملك تصرفا في أحوال الناس . # والتوفي : الإماتة ، وسميت توفيا لأن الله إذا أمات أحدا فقد توفاه أجله ~~فالله ms7076 المتوفي وملك الموت متوف أيضا لأنه مباشر التوفي . # والميت : متوفى بصيغة المفعول ، وشاع ذلك فصار التوفي مرادفا للإماتة ~~والوفاة مرادفة للموت بقطع النظر عن كيفية تصريف ذلك واشتقاقه من مادة ~~الوفاء . # وتقدم في قوله تعالى : { والذين يتوفون منكم في سورة البقرة : وقوله : قل ~~يتوفاكم ملك الموت في سورة السجدة . # والأنفس : جمع نفس ، وهي الشخص والذات قال تعالى : وفي أنفسكم أفلا ~~تبصرون } وتطلق على الروح الذي به الحياة والإدراك . # ومعنى التوفي يتعلق بالأنفس على كلا الإطلاقين . والمعنى : يتوفى الناس ~~الذين يموتون فإن الذي يوصف بالموت هو الذات لا الروح وأن توفيها سلب ~~الأرواح عنها . # وقوله : { والتي لم تمت } عطف على الأنفس باعتبار قيد { حين موتها } لأنه ~~في معنى الوصف فكأنه قيل يتوفى الأنفس التي تموت في حالة نومها ، والأنفس ~~التي لم تمت في نومها فأفاقت . ويتعلق { في منامها } بقوله : { يتوفى } ، ~~أي ويتوفى أنفسا لم تمت يتوفاها في منامها كل يوم ، فعلم أن المراد بتوفيها ~~هو منامها ، وهذا جار على وجه التشبيه بحسب عرف اللغة إذ لا يطلق على ~~النائم ميت ولا متوفى . وهو تشبيه نحي به منحى التنبيه إلى حقيقة علمية فإن ~~حالة النوم حالة انقطاع أهم فوائد الحياة عن الجسد وهي الإدراك سوى أن ~~أعضاءه الرئيسية لم تفقد صلاحيتها للعودة إلى أعمالها حين الهبوب من النوم ~~، ولذلك قال تعالى : { وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم ~~يبعثكم فيه كما تقدم في سورة الأنعام PageV24P024 . # والفاء في فيمسك } فاء الفصيحة لأن ما تقدم يقتضي مقدرا يفصح عنه الفاء ~~لبيان توفي النفوس في المقام . # والإمساك : الشد باليد وعدم تسليم المشدود . والمعنى : فيبقي ولا يرد ~~النفس التي قضى عليها بالموت ، أي يمنعها أن ترجع إلى الحياة فإطلاق ~~الإمساك على بقاء حالة الموت تمثيل لدوام تلك الحالة . ومن لطائفه أن أهل ~~الميت يتمنون عود ميتهم لو وجدوا إلى عوده سبيلا ولكن الله لم يسمح لنفس ~~ماتت أن تعود إلى الحياة . # والإرسال : الإطلاق والتمكين من مبارحة المكان للرجوع إلى ما كان والمراد ~~ب { الأخرى ms7077 } { التي لم تمت } ولكن الله جعلها بمنزلة الميتة . والمعنى : ~~يرد إليها الحياة كاملة . والمقصود من هذا إبراز الفرق بين الوفاتين . # ويتعلق { إلى أجل مسمى } بفعل { يرسل } لما فيه من معنى يرد الحياة إليها ~~، أي فلا يسلبها الحياة كلها إلا في أجلها المسمى ، أي المعين لها في تقدير ~~الله تعالى . # والتسمية : التعيين ، وتقدمت في قوله تعالى : { إذا تداينتم بدين إلى أجل ~~مسمى فاكتبوه في سورة البقرة . # هذا هو الوجه في تفسير الآية الخلي عن التكلفات وعن ارتكاب شبه الاستخدام ~~في قوله : التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى } وعن التقدير . # وجملة { إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون } مستأنفة كما تذكر النتيجة عقب ~~الدليل ، أي أن في حالة الإماتة والإنامة دلائل على انفراد الله تعالى ~~بالتصرف وأنه المستحق للعبادة دون غيره وأن ليس المقصود من هذا الخبر ~~الإخبار باختلاف حالتي الموت والنوم بل المقصود التفكر والنظر في مضرب ~~المثل ، وفي دقائق صنع الله والتذكير بما تنطوي عليه من دقائق الحكمة التي ~~تمر على كل انسان كل يوم في PageV24P025 نفسه ، وتمر على كثير من الناس في ~~آلهم وفي عشائرهم وهم معرضون عما في ذلك من الحكم وبديع الصنع . # وجعل ما تدل عليه آياتت كثيرة لأنهما حالتان عجيبتان ثم في كل حالة تصرف ~~يغاير التصرف الذي في الأخرى ، ففي حالة الموت سلب الحياة عن الجسم وبقاء ~~الجسم كالجماد ومنع من أن تعود إليه الحياة وفي حالة النوم سلب بعض الحياة ~~عن الجسم حتى يكون كالميت وما هو بميت ثم منح الحياة أن تعود إليه دواليك ~~إلى أن يأتي إبان سلبها عنه سلبا مستمرا . # و ( الآيات لقوم يتفكرون ) حاصلة على كل من إرادة التمثيل وإرادة استدلال ~~على الانفراد بالتصرف . وتأكيد الخبر ب { إن } لتنزيل معظم الناس منزلة ~~المنكر لتلك الآيات لعدم جريهم في أحوالهم على مقتضى ما تدل عليه . # والتفكر : تكلف الفكرة ، وهو معالجة الفكر ومعاودة التدبر في دلالة ~~الأدلة على الحقائق . # وقرأ الجمهور { قضى عليها الموت } ببناء الفعل للفاعل ونصب الموت . وقرأه ~~حمزة والكسائي وخلف ms7078 { قضي عليها الموت } ببناء الفعل للنائب وبرفع الموت ~~وهو على مراعاة نزع الخافض . والتقدير : قضي عليها بالموت ، فلما حذف ~~الخافض صار الاسم الذي كان مجرورا بمنزلة المفعول به فجعل نائبا عن الفاعل ~~، أو على تضمين { قضي } معنى كتب وقدر . # ( 43 44 ) # { أم } منقطعة وهي للاضراب الانتقالي انتقالا من تشنيع إشراكهم إلى إبطال ~~معاذيرهم في شركهم ، ذلك أنهم لما دمغتهم حجج القرآن باستحالة أن يكون لله ~~PageV24P026 شركاء تمحلوا تأويلا لشركهم فقالوا : { ما نعبدهم إلا ليقربونا ~~إلى الله زلفى ( الزمر : 3 ) كما حكي عنهم في أول هذه السورة ، فلما ~~استوفيت الحجج على إبطال الشرك أقبل هنا على إبطال تأويلهم منه ومعذرتهم . ~~والاستفهام الذي تشعر به أم } في جميع مواقعها هو هنا للإنكار بمعنى أن ~~تأويلهم وعذرهم منكر كما كان المعتذر عنه منكرا فلم يقضوا بهذه المعذرة ~~وطرا . وقد تقدم في أول السورة بيان مرادهم بكونهم شفعاء . # وأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم مقالة تقطع بهتانهم وهي ~~{ أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون . # فالواو في أولو كانوا } عاطفة كلام المجيب على كلامهم وهو من قبيل ما سمي ~~بعطف التلقين في قوله تعالى : { قال ومن ذريتي في سورة البقرة ، ولك أن ~~تجعل الواو للحال كما هو المختار في نظيره . وتقدم في قوله : ولو افتدى به ~~في سورة آل عمران . وصاحب الحال مقدر دل عليه ما قبله من قوله : اتخذوا من ~~دون الله شفعاء . } والتقدير : أيشفعون لو كانوا لا يملكون شيئا . والظاهر ~~أن حكم تصدير الاستفهام قبل واو الحال كحكم تصديره قبل واو العطف . # وأفاد تنكير { شيئا } في سياق النفي عموم كل ما يملك فيدخل في عمومه جميع ~~أنواع الشفاعة . ولما كانت الشفاعة أمرا معنويا كان معنى ملكها تحصيل ~~إجابتها ، والكلام تهكم إذ كيف يشفع من لا يعقل فإنه لعدم عقله لا يتصور ~~خطور معنى الشفاعة عنده فضلا عن أن تتوجه إرادته إلى الاستشفاع فاتخاذهم ~~شفعاء من الحماقة . # ولما نفى أن يكون لأصنامهم شيء من الشفاعة في عموم نفي ملك ms7079 شيء من ~~الموجودات عن الأصنام ، قوبل بقوله : { لله الشفاعة } أي الشفاعة كلها لله ~~. وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يقول ذلك لهم ليعلموا أن لا يملك ~~الشفاعة إلا الله ، أي هو مالك إجابة شفاعة الشفعاء الحق . PageV24P027 ~~وتقديم الخبر المجرور وهو { لله } على المبتدأ لإفادة الحصر . واللام للملك ~~، أي قصر ملك الشفاعة على الله تعالى لا يملك أحد الشفاعة عنده . # و { جميعا } حال من الشفاعة مفيدة للاستغراق ، أي لا يشذ جزئي من جزئيات ~~حقيقة الشفاعة عن كونه ملكا لله وقد تأكد بلازم هذه لحال ما دل عليه الحصر ~~من انتفاء أن يكون شيء من الشفاعة لغير الله . # وجملة { له ملك السموات والأرض } لتعميم انفراد الله بالتصرف في السماوات ~~والأرض الشامل للتصرف في مؤاخذة المخلوقات وتسيير أمورهم فموقعها موقع ~~التذييل المفيد لتقرير الجملة التي قبله وزيادة . والمراد الملك بالتصرف ~~بالخلق وتصريف أحوال العالمين ومن فيهما ، فإذا كان ذلك الملك له فلا ~~يستطيع أحد صرفه عن أمر أراد وقوعه إلى ضد ذلك الأمر في مدة وجود السماوات ~~والأرض ، وهذا إبطال لأن تكون لآلهتهم شفاعة لهم في أحوالهم في الدنيا . ~~وعطف عليه { ثم إليه ترجعون } للإشارة إلى إثبات البعث وإلى أنه لا يشفع ~~أحد عند الله بعد الحشر إلا من أذنه الله بذلك . # و { ثم } للترتيب الرتبي كشأنها في عطف الجمل ، ذلك لأن مضمون { إليه ~~ترجعون } أن لله ملك الآخرة كما كان له ملك الدنيا وملك الآخرة أعظم لسعة ~~مملوكاته وبقائها . وتقديم { إليه } على { ترجعون } للاهتمام والتقوي ~~وللرعاية على الفاصلة . # عطف على جملة { اتخذوا من دون الله شفعاء } ( الزمر : 43 ) لإظهار ~~تناقضهم في أقوالهم المشعر بأن ما يقولونه أقضية سفسطائية يقولونها للتنصل ~~من دمغات الحجج التي جبههم بها القرآن ، فإنهم يعتذرون تارة على إشراكهم ~~بأن شركاءهم شفعاء لهم عند الله . وهذا يقتضي أنهم معترفون بأن الله هو ~~إلاههم وإلاه شركائهم ، PageV24P028 ثم إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ~~أن الله واحد أو ذكر المسلمون كلمة لا إله إلا الله اشمأزت قلوب المشركين ~~من ms7080 ذلك . وكذلك إذا ذكر الله بأنه إله الناس ولم يذكر مع ذكره أن أصنامهم ~~شركاء لله اشمأزت قلوبهم من الاقتصار على ذكر الله فلا يرضون بالسكوت عن ~~وصف أصنامهم بالإلهية وذلك مؤذن بأنهم يسوونها بالله تعالى . # فقوله : { وحده } لك أن تجعله حالا من اسم الجلالة ومعناه منفردا . ويقدر ~~في قوله : { ذكر الله } معنى : ذكر بوصف الإلهية ويكون معنى { ذكر الله ~~وحده } ذكر تفرده بالإلهية . وهذا جار على قول يونس بن حبيب في { وحده } . ~~ولك أن تجعله مصدرا وهو قول الخليل بن أحمد ، أي هو مفعول مطلق لفعلل { ذكر ~~} لبيان نوعه ، أي ذكرا وحدا ، أي لم يذكر مع اسم الله أسماء أصنامهم . ~~وإضافة المصدر إلى ضمير الجلالة لاشتهار المضاف إليه بهذا الوحد . وهذا ~~الذكر هو الذي يجري في دعوة النبي صلى الله عليه وسلم وفي الصلوات وتلاوة ~~القرآن وفي مجامع المسلمين . # ومعنى { إذا ذكر الذين من دونه } إذا ذكرت أصنامهم بوصف الإلهية وذلك حين ~~يسمعون أقوال جماعة المشركين في أحاديثهم وأيمانهم باللات والعزى ، أي ولم ~~يذكر اسم الله معها فاستبشارهم بالاقتصار على ذكر أصنامهم مؤذن بأنهم ~~يرجحون جانب الأصنام على جانب الله تعالى . والذكر : هو النطق بالاسم . ~~والمراد إذا ذكر المسلمون اسم الله أشمأز المشركون لأنهم لم يسمعوا ذكر ~~آلهتهم وإذا ذكر المشركون أسماء أصنامهم استبشر الذين يسمعونهم من قومهم . ~~والتعبير عن آلهتهم ب { الذين من دونه } دون لفظ : شركائهم أو شفعائهم ، ~~للإيماء إلى أن علة استبشارهم بذلك الذكر هو أنه ذكر من هم دون الله ، أي ~~ذكر مناسب لهذه الصلة ، أي هو ذكر خالل عن اسم الله ، فالمعنى : وإذا ذكر ~~شركاؤهم دون ذكر الله إذا هم يستبشرون . # والاقتصار على التعرض لهذين الذكرين لأنهما أظهر في سوء نوايا المشركين ~~نحو الله تعالى ، وفي بطلان اعتذارهم بأنهم ما يعبدون الأصنام إلا ليقربوهم ~~إلى الله ويشفعوا لهم عنده ، فأما الذكر الذي يذكر فيه اسم الله وأسماء ~~آلهتهم كقولهم في PageV24P029 التلبية : لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك ~~تملكه وما ملك ، فذلك ذكر ms7081 لا مناسبة له بالمقام . # وذكر جمع من المفسرين لقوله : { إذا ذكر الذين من دونه } أنه إشارة إلى ~~ما يروى من قصة الغرانيق ، ونسب تفسير ذلك بذلك إلى مجاهد ، وهو بعيد عن ~~سياق الآية . ومن البناء على الأخبار الموضوعة فلله در من أعرضوا عن ذكر ~~ذلك . # والاشمئزار : شدة الكراهية والنفور ، أي كرهت ذلك قلوبهم ومداركهم . # والاستبشار : شدة الفرح حتى يظهر أثر ذلك على بشرة الوجه ، وتقدم في قوله ~~: { وجاء أهل المدينة يستبشرون في سورة الحجر . # ومقابلة الاشمئزاز بالاستبشار مطابقة كاملة لأن الاشمئزاز غاية الكراهية ~~والاستبشار غاية الفرح . # والتعبير عن المشركين بالذين لا يؤمنون بالآخرة } لأنهم عرفوا بهذه الصلة ~~بين الناس مع قصد إعادة تذكيرهم بوقوع القيامة . # و { إذا } الأولى و { إذا } الثانية ظرفان مضمنان معنى الشرط كما هو ~~الغالب . و { إذا } الثالثة للمفاجأة للدلالة على أنهم يعاجلهم الاستبشار ~~حينئذ من فرط حبهم آلهتهم . ولذلك جيء بالمضارع في { يستبشرون } دون أن ~~يقال : مستبشرون ، لإفادة تجدد استبشارهم . # لما كان أكثر ما تقدم من السورة مشعرا بالاختلاف بين المشركين والمؤمنين ~~، وبأن المشركين مصممون على باطلهم على ما غمرهم من حجج الحق دون إغناء ~~الآيات والتدبر عنهم أمر الرسول صلى الله عليه وسلم عقب ذلك بأن يقول هذا ~~PageV24P030 القول تنفيسا عنه من كدر الأسى على قومه ، وإعذارا لهم ~~بالنذارة ، وإشعارا لهم بأن الحق في جانبهم مضاع ، وأن الأجدر بالرسول صلى ~~الله عليه وسلم متاركتهم وأن يفوض الحكم في خلافهم إلى الله . وفي هذا ~~التفويض إشارة إلى أن الذي فوض أمره إلى الله هو الواثق بحقيه دينه المطمئن ~~بأن التحكيم يظهر حقه وباطل خصمه . # وابتدىء خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم ربه بالنداء لأن المقام مقام ~~توجيه وتحاكم . وإجراء الوصفين على اسم الجلالة لما فيهما من المناسبة ~~بخضوع الخلق كلهم لحكمه وشمول علمه لدخائلهم من محق ومبطل . # والفاطر : الخالق ، وفاطر السماوات والأرض فاطر لما تحتوي عليه . ووصف { ~~فاطر السموات والأرض } مشعر بصفة القدرة ، وتقديمه قبل وصف العلم لأن شعور ~~الناس بقدرته سابق على شعورهم بعلمه ، ولأن ms7082 القدرة أشد مناسبة لطلب الحكم ~~لأن الحكم إلزام وقهر فهو من آثار القدرة مباشرة . # والغيب : ما خفي وغاب عن علم الناس ، والشهادة : ما يعلمه الناس مما يدخل ~~تحت الإحساس الذي هو أصل العلوم . # والعدول عن الإضمار إلى الاسم الظاهر في قوله : { بين عبادك } دون أن ~~يقول : بيننا ، لما في { عبادك } من العموم لأنه جمع مضاف فيشمل الحكم ~~بينهم في قضيتهم هذه والحكم بين كل مختلفين لأن التعميم أنسب بالدعاء ~~والمباهلة . # وجملة { أنت تحكم بين عبادك } خبر مستعمل في الدعاء . والمعنى : احكم ~~بيننا . وفي تلقين هذا الدعاء للنبيء صلى الله عليه وسلم إيماء إلى أنه ~~الفاعل الحق . وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي في قوله : { أنت تحكم } ~~لإفادة الاختصاص ، أي أنت لا غيرك . وإذ لم يكن في الفريقين من يعتقد أن ~~غير الله يحكم بين الناس في مثل هذا الاختلاف فيكون الرد عليه بمفاد القصر ~~، تعين أن القصر مستعمل كناية تلويحية PageV24P031 عن شدة شكيمتهم في ~~العناد وعدم الإنصاف والانصياع إلى قواطع الحجج ، بحيث إن من يتطلب حاكما ~~فيهم لا يجد حاكما فيهم إلا الله تعالى . وهذا أيضا يؤمىء إلى العذر للرسول ~~صلى الله عليه وسلم في قيامه بأقصى ما كلف به لأن هذا القول إنما يصدر عمن ~~بذل وسعه فيما وجب عليه ، فلما لقنه ربه أن يقوله كان ذلك في معنى : أنك ~~أبلغت وأديت الرسالة فلم يبق إلا ما يدخل تحت قدرة الله تعالى التي لا ~~يعجزها الألداء أمثال قومك ، وفيه تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وفيه ~~وعيد للمعاندين . # والحكم يصدق بحكم الآخرة وهو المحقق الذي لا يخلف ، ويشمل حكم الدنيا ~~بنصر المحق على المبطل إذا شاء الله أن يعجل بعض حكمه بأن يعجل لهم العذاب ~~في الدنيا . # والإتيان بفعل الكون صلة ل { ما } الموصولة ليدل على تحقق الاختلاف ، ~~وكون خبر ( كان ) مضارعا تعريض بأنه اختلاف متجدد إذ لا طماعية في ارعواء ~~المشركين عن باطلهم . # وتقديم { فيه } على { يختلفون } للرعاية على الفاصلة مع الاهتمام بالأمر ~~المختلف فيه . # ( 47 48 ) # عطف ms7083 على جملة { قل اللهم فاطر السموات والأرض ( الزمر : 46 ) الخ لأنها ~~تشير إلى أن الحق في جانب النبي وهو الذي دعا ربه للمحاكمة ، وأن الحكم ~~سيكون على المشركين ، فأعقب ذلك بتهويل ما سيكون به الحكم بأنه لو وجد ~~المشركون فدية منه بالغة ما بلغت لافتدوا بها . PageV24P032 # وما في الأرض } يشمل كل عزيز عليهم من أهليهم وأموالهم بل وأنفسهم فهو ~~أهون من سوء العذاب يوم القيامة . والمعنى : لو أن ذلك ملك لهم يوم القيامة ~~لافتدوا به يومئذ . ووجه التهويل في ذلك هو ما يستلزمه ملك هذه الأشياء من ~~الشح بها في متعارف النفوس ، فالكلام تمثيل لحالهم في شدة الدرك والشقاء ~~بحال من لو كان له ما ذكر لبذله فدية من ذلك العذاب ، وتقدم نظير هذا في ~~سورة العقود . وتضمن حرف الشرط أن كون ما في الأرض لهم منتف ، فأفاد أن لا ~~فداء لهم من سوء العذاب وهو تأييس لهم . # و { من } في قوله : { من سوء العذاب } بمعنى لام التعليل ، أي لافتدوا به ~~لأجل العذاب السيىء الذي شاهدوه . ويجوز أن تكون للبدل ، أي بدلا عن { سوء ~~العذاب } . # وعطف على هذا التأييس تهويل آخر في عظم ما ينالهم من العذاب وهو ما في ~~الموصول من قوله : { ما لم يكونوا يحتسبون } من الإيهام الذي تذهب فيه نفس ~~السامع إلى كل تصوير من الشدة . ويجوز جعل الواو للحال ، أي لافتدوا به في ~~حال ظهور ما لم يكونوا يحتسبون . # و { من الله } متعلق ب { بدا } . و { من } ابتدائية ، أي ظهر لهم مما أعد ~~الله لهم الذي لم يكونوا يظنونه . # والاحتساب : مبالغة في الحساب بمعنى الظن مثل : اقترب بمعنى قرب . ~~والمعنى : ما لم يكونوا يظنونه وذلك كناية عن كونه متجاوزا أقصى ما يتخيله ~~المتخيل حين يسمع أوصافه ، فلا التفات في هذه الكناية إلى كونهم كانوا ~~مكذبين بالبعث فلم يكن يخطر ببالهم ، ونظير هذا في الوعد بالخبر قوله تعالى ~~: { فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين ( السجدة : 17 ) . # و سيئات } جمع سيئة ، وهو وصف أضيف إلى ms7084 موصوفه وهو الموصول { ما كسبوا } ~~أي مكسوباتهم السيئاتت . وتأنيثها باعتبار شهرة إطلاق السيئة على ~~PageV24P033 الفعلة وإن كان فيما كسبوه ما هو من فاسد الإعتقاد كاعتقاد ~~الشركاء لله وإضمار البغض للرسول والصالحين والأحقاد والتحاسد فجرى تأنيث ~~الوصف على تغليب السيئات العملية مثل الغصب والقتل والفواحش تغليبا لفظيا ~~لكثرة الاستعمال . # وأوثر فعل { كسبوا } على فعل : عملوا ، لقطع تبرمهم من العذاب بتسجيل ~~أنهم اكتسبوا أسبابه بأنفسهم ، كما تقدم آنفا في قوله : { وقيل للظالمين ~~ذوقوا ما كنتم تكسبون ( الزمر : 24 ) دون : تعملون . # والحوق : الإحاطة ، أي أحاط بهم فلم ينفلتوا منه ، وتقدم الخلاف في ~~اشتقاقه في قوله تعالى : ولقد استهزىء برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ~~في سورة الأنعام . # و ما كانوا به يستهزءون } هو عذاب الآخرة ، أي يستهزئون بذكره تنزيلا ~~للعقاب منزلة مستهزء به فيكون الضمير المجرور استعارة مكنية . ولك أن تجعل ~~الباء للسببية وتجعل متعلق { يستهزوءن } محذوفا ، أي يستهزئون بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم بسبب ذكره العذاب . وتقديم { به } على { يستهزوءن } ~~للاهتمام به وللرعاية على الفاصلة . # الفاء لتفريع هذا الكلام على قوله : { وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب ~~الذين لا يؤمنون بالآخرة ( الزمر : 45 ) الآية وما بينهما اعتراض مسلسل ~~بعضه مع بعض للمناسبات . # وتفريع ما بعد الفاء على ما ذكرناه تفريع وصف بعض من غرائب أحوالهم على ~~بعض ، وهل أغرب من فزعهم إلى الله وحده بالدعاء إذا مسهم الضر وقد كانوا ~~يشمئزون من ذكر اسمه وحده فهذا تناقض من أفعالهم وتعكيس ، فإنه تسبب ~~PageV24P034 حديث على حديث وليس تسببا على الوجود . وهذه النكتة هي الفارقة ~~بين العطف بالفاء هنا وعطف نظيرها بالواو في قوله أول السورة وإذا مس ~~الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه } ( الزمر : 8 ) . والمقصود بالتفريع هو ~~قوله : { فإذا مس الإنسان ضر دعانا } ، وأما ما بعده فتتميم واستطراد . # وقد تقدم القول في نظير صدر هذه الآية في قوله : { وإذا مس الإنسان ضر ~~دعا ربه منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسي ( الزمر : 8 ) الآية . وأن ~~المراد بالإنسان كل مشرك فالتعريف ms7085 تعريف الجنس ، والمراد جماعة من الناس ~~وهم أهل الشرك فهو للاستغراق العرفي . والمخالفة بين الآيتين تفنن ولئلا ~~تخلو إعادة الآية من فائدة زائدة كما هو عادة القرآن في القصص المكررة . # وقوله : إنما أوتيته على علم إنما } فيه هي الكلمة المركبة من ( إن ) ~~الكافة التي تصير كلمة تدل على الحصر بمنزلة ( ما ) النافية التي بعدها ( ~~إلا ) الاستثنائية . والمعنى : ما أوتيت الذي أوتيته من نعمة إلا لعلم مني ~~بطرق اكتسابه . وتركيز ضمير الغائب في قوله : { أوتيته } عائد إلى { نعمة } ~~على تأويل حكاية مقالتهم بأنها صادرة منهم في حال حضور ما بين أيديهم من ~~أنواع النعم فهو من عود الضمير إلى ذات مشاهدة ، فالضمير بمنزلة اسم ~~الإشارة كقوله تعالى : { بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم ( ~~الأحقاف : 24 ) . # ومعنى قال إنما أوتيته على علم } اعتقد ذلك فجرى في أقواله إذ القول على ~~وفق الإعتقاد . و { على } للتعليل ، أي لأجل علمم ، أي بسبب علم . وخولف ~~بين هذه الآية وبين آية سورة القصص في قوله : { على علم عندي فلم يذكر هنا ~~عندي لأن المراد بالعلم هنا مجرد الفطنة والتدبير ، وأريد هنالك علم صوغ ~~الذهب والفضة والكيمياء التي اكتسب بها قارون من معرفة تدابيرها مالا عظيما ~~، PageV24P035 وهو علم خاص به ، وأما ما هنا فهو العلم الذي يوجد في جميع ~~أهل الرأي والتدبير . # والمراد : العلم بطرق الكسب ودفع الضر كمثل حيل النوتي في هول البحر . ~~والمعنى : أنه يقول ذلك إذا ذكره بنعمة الله عليه الرسول أو أحد المؤمنين ، ~~وبذلك يظهر موقع صيغة الحصر لأنه قصد قلب كلام من يقول له إن ذلك من رحمة ~~الله به . # و بل } للإضراب الإبطالي وهو إبطال لزعمهم أنهم أوتوا ذلك بسبب علمهم ~~وتدبيرهم ، أي بل إن الرحمة التي أوتوها إنما آتاهم الله إياها ليظهر للأمم ~~مقدار شكرهم ، أي هي دالة على حالة فيهم تشبه حالة الاختبار لمقدار علمهم ~~بالله وشكرهم إياه لأن الرحمة والنعمة بها أثر في المنع عليه إما شاكرا ~~وإما كفورا والله عالم بهم وغني عن اختبارهم ms7086 . # وضمير { هي } عائد إلى القول المستفاد من { قال } على طريقة إعادة الضمير ~~على المصدر المأخوذ من فعل نحو { اعدلوا هو أقرب للتقوى ( المائدة : 8 ) ، ~~وإنما أنث ضميره باعتبار الإخبار عنه بلفظ فتنة } ، أو على تأويل القول ~~بالكلمة كقوله تعالى : { كلا إنها كلمة هو قائلها ( المؤمنون : 100 ) بعد ~~قوله : قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت ( المؤمنون : 99 ، 100 ) ~~والمراد : أن ذلك القول سبب فتنة أو مسبب عن فتنة في نفوسهم . ويجوز أن ~~يكون الضمير عائدا إلى نعمة } . # والاستدراك بقوله تعالى : { ولكن أكثرهم لا يعلمون } ناشىء عن مضمون جملة ~~{ إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم } ، أي لكن لا يعلم أكثر ~~الناس ومنهم القائلون ، أنهم في فتنة بما أوتوا من نعمة إذا كانوا مثل ~~هؤلاء القائلين الزاعمين أن ما هم فيه من خير نتيجة مساعيهم وحيلهم . # وضمير { أكثرهم } عائد إلى معلوم من المقام غير مذكور في الكلام إذ لم ~~يتقدم ما يناسب أن يكون له معادا ، والمراد به الناس ، أي لكن أكثر الناس ~~لا يعلمون أن بعض ما أوتوه من النعمة في الدنيا يكون لهم فتنة بحسب ما ~~يتلقونها به من قلة PageV24P036 الشكر وما يفضي إلى الكفر ، فدخل في هذا ~~الأكثر جميع المشركين الذين يقول كل واحد منهم : إنما أوتيته على علم . # ( 50 51 ) { لله } # جملة { قد قالها } مبينة لمضمون { هي فتنة ( الزمر : 49 ) لأن بيان مغبة ~~الذين قالوا هذا القول في شأن النعمة التي تنالهم يبين أن نعمة هؤلاء كانت ~~فتنة لهم . وضمير قالها } عائد إلى قول القائل { إنما أوتيته على علم } ( ~~الزمر : 49 ) ، على تأويل القول بالكلمة التي هي الجملة كقوله تعالى : { ~~قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها } ( ~~المؤمنون : 99 ، 100 ) . # و { الذين من قبلهم } هم غير المتدينين ممن سلفوا ممن علمهم الله ، ومنهم ~~قارون وقد حكى عنه في سورة القصص أنه قال ذلك . # والمراد ب { ما كانوا يكسبون } ما كسبوه من أموال . وعدم إغنائه عنهم ~~أنهم لم يستطيعوا ms7087 دفع العذاب بأموالهم . والفاء في { فما أغنى عنهم ما ~~كانوا يكسبون } لتفريع عدم إغناء ما كسبوه على مقالتهم تلك فإن عدم الإغناء ~~مشعر بأنهم حل بهم من السوء ما شأن مثله أن يتطلب صاحبه الافتداء منه ، ~~فإذا كان ذلك السوء عظيما لم يكن له فداء ، ففي الكلام إيجاز حذف يبينه ~~قوله بعده : { فأصابهم سيئات ما كسبوا } . ففاء { فأصابهم سيئات ما كسبوا } ~~مفرعة على جملة { ما أغنى عنهم } ، أي تسبب على انتفاء إغناء الكسب عنهم ~~حلول العقاب بهم . وكان مقتضى الظاهر في ترتيب الجمل أن تكون جملة { ~~فأصابهم سيئات ما كسبوا } مقدمة على جملة { فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون ~~} ، لأن الإغناء إنما PageV24P037 يترقب عند حلول الضير بهم فإذا تقرر عدم ~~الإغناء يذكر بعده حلول المصيبة ، فعكس الترتيب على خلاف مقتضى الظاهر لقصد ~~التعجيل بإبطال مقالة قائلهم { إنما أوتيته على علم ( الزمر : 49 ) ، أي لو ~~كان لعلمهم أثر في جلب النعمة لهم لكان له أثر في دفع الضر عنهم . # والإشارة بهؤلاء } إلى المشركين من أهل مكة وقد بينا غير مرة أننا ~~اهتدينا إلى كشف عادة من عادات القرآن إذا ذكرت فيه هذه الإشارة أن يكون ~~المراد بها المشركون من قريش . وإصابة السيئات مراد بها في الموضعين إصابة ~~جزاء السيئات وهو عقاب الدنيا وعقاب الآخرة لأن جزاء السيئة سيئة مثلها . # والمعجز : الغالب ، وتقدم عند قوله تعالى : { إن ما توعدون لآت وما أنتم ~~بمعجزين في سورة الأنعام ، أي ما هم بمعجزينا ، فحذف مفعول اسم الفاعل ~~لدلالة القرينة عليه . # } # عطف على جملة { ولاكن أكثرهم لا يعلمون ( الزمر : 49 ) فبعد أن وصف ~~أكثرهم بانتفاء العلم بأن الرحمة لهم فتنة وابتلاء ، عطف عليه إنكار علمهم ~~انتفاء علمهم بذلك وإهمالهم النظر في الأدلة المفيدة للعلم وصمهم آذانهم عن ~~الآيات التي تذكرهم بذلك حتى بقوا في جهالة مركبة وكان الشأن أن يعلموا أن ~~الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ، أي يعطي الخير من يشاء ، ويمنع من يشاء . # فالاستفهام إنكار عليهم في انتفاء علمهم بذلك لأنهم تسببوا في انتفاء ms7088 ~~العلم ، فالإنكار عليهم يتضمن توبيخا . واقتصر في الإنكار على إنكار انتفاء ~~العلم بأن بسط الرزقق وقدره من فعل الله PageV24P038 تعالى لأنه أدنى ~~لمشاهدتهم أحوال قومهم فكم من كاد غير مرزوق وكم من آخر يجيئه الرزق من حيث ~~لا يحتسب . # وجعل في ذلك آيات كثيرة لأن اختلاف أحوال الرزق الدالة على أن التصرف بيد ~~الله تعالى ينبىء عن بقية الأحوال فتحصل في ذلك آيات كثيرة دالة على انفراد ~~الله تعالى بالتصرف في نفس الأمر . وجعلت الآيات لقوم يؤمنون لأن المؤمنين ~~قد علموا ذلك وتخلقوا به ولم تكن فيه آيات للمشركين الغافلين عنه . # } # أطنبت آيات الوعيد بأفنانها السابقة إطنابا يبلغ من نفوس سامعيها أي مبلغ ~~من الرعب والخوف ، على رغمم تظاهرهم بقلة الاهتمام بها . وقد يبلغ بهم ~~وقعها مبلغ اليأس من سعي ينجيهم من وعيدها ، فأعقبها الله ببعث الرجاء في ~~نفوسهم للخروج إلى ساحل النجاة إذا أرادوها على عادة هذا الكتاب المجيد من ~~مداواة النفوس بمزيج الترغيب والترهيب . # والكلام استئناف بياني لأن الزواجر السابقة تثير في نفوس المواجهين بها ~~خاطر التساؤل عن مسالك النجاة فتتلاحم فيها الخواطر الملكية والخواطر ~~الشيطانية إلى أن يرسي التلاحم على انتصار إحدى الطائفتين ، فكان في إنارة ~~السبيل لها ما يسهل خطو الحائرين في ظلمات الشك ويرتفق بها ويواسيها بعد أن ~~أثخنتها جروح التوبيخ والزجر والوعيد ويضمد تلك الجراحة والحليم يزجر ويلين ~~وتثير في نفس النبي صلى الله عليه وسلم خشية أن يحيط غضب الله بالذين دعاهم ~~إليه فأعرضوا أو حببهم في الحق فأبغضوا فلعله لا يفتح لهم باب التوبة ولا ~~تقبل منهم بعد إعراضهم أوبة ولاسيما بعد أن أمره بتفويض الأمر إلى حكمه ~~PageV24P039 المشتم منه ترقب قطع الجدال وفصمه فكان أمره لرسوله صلى الله ~~عليه وسلم بأن يناديهم بهذه الدعوة تنفيسا عليه وتفتيحا لباب الأوبة إليه ~~فهذا كلام ينحل إلى استئنافين فجملة { قل } استئناف لبيان ما ترقبه أفضل ~~النبيئين صلى الله عليه وسلم أي بلغ عني هذا القول . # وجملة { ياعبادي } استئناف ابتدائي من خطاب الله لهم . وابتداء ms7089 الخطاب ~~بالنداء وعنوانن العباد مؤذن بأن ما بعده إعداد للقبول وإطماع في النجاة . # والخطاب بعنوان { ياعبادي } مراد به المشركون ابتداء بدليل قوله : { ~~وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب } ( الزمر : 54 ) وقوله : { وإن كنت ~~لمن الساخرين } ( الزمر : 56 ) وقوله : { بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها ~~واستكبرت وكنت من الكافرين } ( الزمر : 59 ) . فهذا الخطاب جرى على غير ~~الغالب في مثله في عادة القرآن عند ذكر { عبادي } بالإضافة إلى ضمير ~~المتكلم تعالى . # وفي ( صحيح البخاري ) عن ابن عباس ( أن ناسا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا ~~وأكثروا ، وزنوا وأكثروا ، فأتوا محمدا صلى الله عليه وسلم فقالوا : إن ~~الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة يعني وقد سمعوا ~~آيات الوعيد لمن يعمل تلك الأعمال وإلا فمن أين علموا أن تلك الأعمال جرائم ~~وهم في جاهلية فنزل : { والذين لا يدعون مع الله إلاها آخر ولا يقتلون ~~النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون } ( الفرقان : 68 ) يعني إلى قوله ~~: { إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا } ( الفرقان : 70 ) ونزل : { قل يا ~~عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله } . # وقد رويت أحاديث عدة في سبب نزول هذه الآية غير حديث البخاري وهي بين ~~ضعيف ومجهول ويستخلص من مجموعها أنها جزئيات لعموم الآية وأن الآية عامة ~~لخطاب جميع المشركين وقد أشرنا إليها في ديباجة تفسير السورة . ومن أجمل ~~الأخبار المروية فيها ما رواه ابن إسحاق عن نافع عن ابن عمر عن عمر قال : ( ~~لما اجتمعنا على الهجرة اتعدت أنا وهشام بن العاص السهمي ، PageV24P040 ~~وعياش بن أبي ربيعة بن عتبة . فقلنا : الموعد أضاة بني غفار ، وقلنا : من ~~تأخر منا فقد حبس فليمضض صاحباه . فأصبحت أنا وعياش بن عتبة وحبس عنا هشام ~~وإذا هو قد فتن فافتتن فكنا نقول بالمدينة : هؤلاء قد عرفوا الله ثم ~~افتتنوا لبلاء لحقهم لا نرى لهم توبة . وكانوا هم يقولون هذا في أنفسهم ، ~~فأنزل الله : { قل ياعبادي الذين أسرفوا } إلى قوله : { مثوى للمتكبرين ( ~~الزمر : 60 ) قال ms7090 عمر فكتبتها بيدي ثم بعثتها إلى هشام . قال هشام : فلما ~~قدمت علي خرجت بها إلى ذي طوى فقلت : اللهم فهمنيها فعرفت أنها نزلت فينا ~~فرجعت فجلست على بعيري فلحقت برسول الله ا ه . فقول عمر : فأنزل الله يريد ~~أنه سمعه بعد أن هاجر وأنه مما نزل بمكة فلم يسمعه عمر إذ كان في شاغل ~~تهيئة الهجرة فما سمعها إلا وهو بالمدينة فإن عمر هاجر إلى المدينة قبل ~~النبي . # فالخطاب بقوله : ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم } تمهيد بإجمال يأتي ~~بيانه في الآيات بعده من قوله : { وأنيبوا إلى ربكم ( الزمر : 54 ) . وبعد ~~هذا فعموم عبادي وعموم صلة الذين أسرفوا } يشمل أهل المعاصي من المسلمين ~~وإن كان المقصود الأصلي من الخطاب المشركين على عادة الكلام البليغ من كثرة ~~المقاصد والمعاني التي تفرغ في قوالب تسعها . # وقرأ الجمهور { ياعبادي الذين أسرفوا } بفتح ياء المتكلم ، وقرأه أبو ~~عمرو وحمزة والكسائي ويعقوب بإسكان الياء . ولعل وجه ثبوت الياء في هذه ~~الآية دون نظيرها وهو قوله تعالى : { قل يا عبادي الذين آمنوا اتقوا ربكم ( ~~الزمر : 10 ) ، أن الخطاب هنا للذين أسرفوا وفي مقدمتهم المشركون وكلهم ~~مظنة تطرق اليأس من رحمة الله إلى نفوسهم ، فكان إثبات ( يا ) المتكلم في ~~خطابهم زيادة تصريح بعلامة التكلم تقوية لنسبة عبوديتهم إلى الله تعالى ~~إيماء إلى أن شأن الرب الرحمة بعباده . # والإسراف : الإكثار . والمراد به هنا الإسراف في الذنوب والمعاصي ، وتقدم ~~ذكر الإسراف في قوله تعالى : ولا تأكلوها إسرافا } في سورة النساء وقوله : ~~{ فلا يسرف في القتل } في سورة الإسراء . والأكثر أن يعدى إلى متعلقه بحرف ~~{ من } ، وتعديته هنا ب ( على ) لأن PageV24P041 الإكثار هنا من أعمالل ~~تتحملها النفس وتثقل بها وذلك متعارف في التبعات والعدوان تقول : أكثرت على ~~فلان ، فمعنى { أسرفوا على أنفسهم } : أنهم جلبوا لأنفسهم ما تثقلهم تبعته ~~ليشمل ما اقترفوه من شرك وسيئات . # والقنوط : اليأس ، وتقدم في قوله : { فلا تكن من القانطين } في سورة ~~الحجر . # وجملة { إن الله يغفر الذنوب جميعا } تعليل للنهي عن اليأس من رحمة الله ~~. # ومادة الغفر ms7091 ترجع إلى الستر ، وهو يقتضي وجود المستور واحتياجه للستر فدل ~~{ يغفر الذنوب } على أن الذنوب ثابتة ، أي المؤاخذة بها ثابتة والله يغفرها ~~، أي يزيل المؤاخذة بها ، وهذه المغفرة تقتضي أسبابا أجملت هنا وفصلت في ~~دلائل أخرى من الكتاب والسنة منها قوله تعالى : { وإني لغفار لمن تاب وآمن ~~وعمل صالحا ثم اهتدى } ( طه : 82 ) ، وتلك الدلائل يجمعها أن للغفران ~~أسبابا تطرأ على المذنب ولولا ذلك لكانت المؤاخذة بالذنوب عبثا ينزه عنه ~~الحكيم تعالى ، كيف وقد سماها ذنوبا وتوعد عليها فكان قوله : { إن الله ~~يغفر الذنوب } دعوة إلى تطلب أسباب هذه المغفرة فإذا طلبها المذنب عرف ~~تفصيلها . و { جميعا } حال من { الذنوب } ، أي حال جميعها ، أي عمومها ، ~~فيغفر كل ذنب منها إن حصلت من المذنب أسباب ذلك . وسيأتي الكلام على كلمة ( ~~جميع ) عند قوله تعالى : { والأرض جميعا قبضته } في هذه السورة . # وجملة { إنه هو الغفور الرحيم } تعليل لجملة { يغفر الذنوب جميعا } أي لا ~~يعجزه أن يغفر جميع الذنوب ما بلغ جميعها من الكثرة لأنه شديد الغفران شديد ~~الرحمة . فبطل بهذه الآية قول المرجئة إنه لا يضر مع الإيمان شيء . ~~PageV24P042 # لما فتح لهم باب الرجاء أعقبه بالإرشاد إلى وسيلة المغفرة معطوفا بالواو ~~وللدلالة على الجمع بين النهي عن القنوط من الرحمة وبين الإنابة جمعا يقتضي ~~المبادرة ، وهي أيضا مقتضى صيغة الأمر . # والإنابة : التوبة ولما فيها وفي التوبة من معنى الرجوع عدي الفعلان بحرف ~~{ إلى . والمعنى : توبوا إلى الله مما كنتم فيه من الشرك بأن توحدوه . # وعطف عليه الأمر بالإسلام ، أي التصديق بالنبي والقرآن واتباع شرائع ~~الإسلام . # وفي قوله : من قبلل أن يأتيكم العذاب } إيذان بوعيد قريب إن لم ينيبوا ~~ويسلموا كما يلمح إليه فعل { يأتيكم } . والتعريف في العذاب تعريف الجنس ، ~~وهو يقتضي أنهم إن لم ينيبوا ويسلموا يأتهم العذاب . والعذاب منه ما يحصل ~~في الدنيا إن شاءه الله وهذا خاص بالمشركين ، وأما المسلمون فقد استعاذ لهم ~~منه الرسول صلى الله عليه وسلم حين نزل : { قل هو القادر على أن يبعث عليكم ~~عذابا من ms7092 فوقكم أو من تحت أرجلكم كما تقدم في سورة الأنعام ، ومن العذاب ~~عذاب الآخرة وهو جزاء الكفر والكبائر . # وهذا الخطاب يأخذ كل فريق منه بنصيب ، فنصيب المشركين الإنابة إلى ~~التوحيد واتباع دين الإسلام ، ونصيب المؤمنين منه التوبة إذا أسرفوا على ~~أنفسهم والإكثار من الحسنات وأما الإسلام فحاصل لهم . # والنصر : الإعانة على الغلبة بحيث ينفلت المغلوب من غلبة قاهره كرها على ~~القاهر ولا نصير لأحد على الله . PageV24P043 وأما الشفاعة لأهل الكبائر ~~فليست من حقيقة النصر المنفي وهذه الفقرة أكثر حظ فيها هو حظ المشركين . # } # { أحسن ما أنزل } هو القرآن وهو معنى قوله : { الذين يستمعون القول ~~فيتبعون أحسنه ( الزمر : 18 ) . والحظ للمشركين في هذه الآية لأن المسلمين ~~قد اتبعوا القرآن كما قال تعالى : فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون ~~أحسنه أولئك الذين هداهم الله } ( الزمر : 17 ، 18 ) . # و { أحسن } اسم تفضيل مستعمل في معنى كامل الحسن ، وليس في معنى تفضيل ~~بعضه على بعض لأن جميع ما في القرآن حسن فهو من باب قوله تعالى : { قال رب ~~السجن أحب إلي مما يدعونني إليه } ( يوسف : 33 ) . # وإضافة { أحسن } إلى { ما أنزل } من إضافة الصفة إلى الموصوف . # والعذاب المذكور في هذه هو العذاب المذكور قبل بنوعيه وكله بغتة إذ لا ~~يتقدمه إشعار ، فعذاب الدنيا يحل بغتة وعذاب الآخرة كذلك لأنه تظهر بوارقه ~~عند البعث وقد أتاهم عذاب السيف يوم بدر ويأتيهم عذاب الآخرة يوم البعث . # ( 56 58 ) # { أن تقول } تعليل للأوامر في قوله : { وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له ( ~~الزمر : 54 ) واتبعوا أحسن ما أنزل ( الزمر : 55 ) على حذف لام التعليل مع ~~( أن ) وهو كثير . PageV24P044 # وفيه حذف لا } النافية بعد { أن ، وهو شائع أيضا كقوله تعالى : وهذا كتاب ~~أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على ~~طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين أو تقولوا لو أنا أنزل علينا ~~الكتاب لكنا أهدى منهم ( الأنعام : 155 157 ) ، وكقوله : فلا تتبعوا الهوى ~~أن تعدلوا } ( النساء : 135 ) . وعادة صاحب ( الكشاف ) تقدير : كراهية أن ~~تفعلوا ms7093 كذا . وتقدير ( لا ) النافية أظهر لكثرة التصرف فيها في كلام العرب ~~بالحذف والزيادة . # والمعنى : لئلا تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله . وظاهر القول ~~إنه القول جهرة وهو شأن الذي ضاق صبره عن إخفاء ندامته في نفسه فيصرخ بما ~~حدث به نفسه فتكون هذه الندامة المصرح بها زائدة على التي أسرها ، ويجوز أن ~~يكون قولا باطنا في النفس . وتنكير { نفس } للنوعية ، أي أن يقول صنف من ~~النفوس وهي نفوس المشركين فهو كقوله تعالى : { علمت نفس ما أحضرت } ( ~~التكوير : 14 ) . وقول لبيد : # أو يعتلق بعض النفوس حمامها # يريد نفسه . # وحرف ( يا ) في قوله : { يا حسرتي } استعارة مكنية بتشبيه الحسرة بالعاقل ~~الذي ينادي ليقبل ، أي هذا وقتك فاحضري ، والنداء من روادف المشبه به ~~المحذوف ، أي يا حسرتي احضري فأنا محتاج إليك ، أي إلى التحسر ، وشاع ذلك ~~في كلامهم حتى صارت هذه الكلمة كالمثل لشدة التحسر . # والحسرة : الندامة الشديدة . والألف عوض عن ياء المتكلم . # وقرأ أبو جعفر وحده { يا حسرتاي } بالجمع بين ياء المتكلم والألف التي ~~جعلت عوضا عن الياء في قولهم : { يا حسرتي } . والأشهر عن أبي جعفر أن ~~الياء التي بعد الألف مفتوحة . وتعدية الحسرة بحرف الاستعلاء كما هو غالبها ~~للدلالة على تمكن التحسر من مدخول { على . PageV24P045 # وما في ما فرطت } صدرية ، أي على تفريطي في جنب الله . # والتفريط : التضييع والتقصير ، يقال : فرطه . والأكثر أن يقال : فرط فيه ~~. والجنب والجانب مترادفان ، وهو ناحية الشيء ومكانه ومنه { والصاحبب ~~بالجنب ( النساء : 36 ) أي الصاحب المجاور . # وحرف في هنا يجوز أن يكون لتعدية فعل فرطت } فلا يكون للفعل مفعول ويكون ~~المفرط فيه هو جنب الله ، أي جهته ويكون الجنب مستعارا للشأن والحق ، أي ~~شأن الله وصفاته ووصاياه تشبيها لها بمكان السيد وحماه إذا أهمل حتى اعتدي ~~عليه أو أقفر ، كما قال سابق البربري : # أما تتقين الله في جنب وامق # له كبد حرى عليكك تقطع # أو تكون جملة { فرطت في جنب الله } تمثيلا لحال النفس التي أوقفت للحساب ~~والعقابب بحال العبد الذي عهد ms7094 إليه سيده حراسة حماه ورعاية ماشيته فأهملها ~~حتى رعي الحمى وهلكت المواشي وأحضر للثقاف فيقول : يا حسرتا على ما فرطت في ~~جنب سيدي . وعلى هذا الوجه يجوز إبقاء الجنب على حقيقته لأن التمثيل يعتمد ~~تشبيه الهيئة بالهيئة . ويجوز أن تكون { ما } موصولة وفعل { فرطت } متعديا ~~بنفسه على أحد الاستعمالين ، ويكون المفعول محذوفا وهو الضمير المحذوف ~~العائد إلى الموصول ، وحذفه في مثله كثير ، ويكون المجرور ب { في } حالا من ~~ذلك الضمير ، أي كائنا ما فرطته في جانب الله . # وجملة { وإن كنت لمن الساخرين } خبر مستعمل في إنشاء الندامة على ما ~~فاتها من قبول ما جاءها به الرسول من الهدى فكانت تسخر منه ، والجملة حال ~~من فاعل فرطت ، أي فرطت في جنب الله تفريط الساخر لا تفريط الغافل ، وهذا ~~إقرار بصورة التفريط . PageV24P046 و { إن } مخففة من { إن } المشددة ، ~~واللام في { لمن الساخرين } فارقة بين { إن } المخففة و ( إن ) النافية . # و { من الساخرين } أشد مبالغة في الدلالة على اتصافهم بالسخرية من أن ~~يقال : وإن كنت لساخرة ، كما تقدم غير مرة منها عند قوله تعالى : { قال ~~أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين } في سورة البقرة . # ومعنى { أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين } إنهم يقولونه لقصد ~~الاعتذار والتنصل ، تعيد أذهانهم ما اعتادوا الاعتذار به للنبيء صلى الله ~~عليه وسلم كما حكى الله عنهم : { وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ( الزخرف ~~: 20 ) وهم كانوا يقولونه لقصد إفحام النبي حين يدعوهم فبقي ذلك التفكير ~~عالقا بعقولهم حين يحضرون للحساب . والكلام في من المتقين } مثله في { من ~~الساخرين } . # وأما قولها : { حين ترى العذاب لو أن لي كرة } فهو تمن محض . و { لو } ~~فيه للتمني ، وانتصب { فأكون } على جواب التمني . # والكرة : الرجعة . وتقدم في قوله : { فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين } ~~في سورة الشعراء ، أي كرة إلى الدنيا فأحسن ، وهذا اعتراف بأنها علمت أنها ~~كانت من المسيئين . وقد حكي كلام النفس في ذلك الموقف على ترتيبه الطبيعي ~~في جولانه في الخاطر بالابتداء بالتحسر على ما ms7095 أوقعت فيه نفسها ، ثم ~~بالاعتذار والتنصل طمعا أن ينجيها ذلك ، ثم بتمني أن تعود إلى الدنيا لتعمل ~~الإحسان كقوله تعالى : { قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت } ( ~~المؤمنون : 99 ، 100 ) . فهذا الترتيب في النظم هو أحكم ترتيب ولو رتب ~~الكلام على خلافه لفاتت الإشارة إلى تولد هذه المعاني في الخاطر حينما ~~يأتيهم العذاب ، وهذا هو الأصل في الإنشاء ما لم يوجد ما يقتضي العدول عنه ~~كما بينته في كتاب ( أصول الإنشاء والخطابة ) . PageV24P047 # { بلى } حرف لإبطال منفي أو فيه رائحة النفي ، لقصد إثبات ما نفي قبله ، ~~فتعين أن تكون هنا جوابا لقول النفس { لو أن الله هداني لكنت من المتقين } ~~( الزمر : 57 ) ، لما تقتضيه { لو التي استعملت للتمني من انتفاء ما تمناه ~~وهو أن يكون الله هداه ليكون من المتقين ، أي لم يهدني الله فلم أتق . ~~وجملة قد جاءتك ءاياتي } تفصيل للإبطال وبيان له ، وهو مثل الجواب بالتسليم ~~بعد المنع ، أي هداك الله . # وقد قوبل كلام النفس بجواب يقابله على عدد قرائنه الثلاث ، وذلك بقوله : ~~{ قد جاءتك آياتي فكذبت بها } وهذا مقابل { لو أن الله هداني } ( الزمر : ~~57 ) ثم بقوله : { واستكبرت } وهو مقابل قولها : { على ما فرطت في جنبب ~~الله } ( الزمر : 56 ) ، أي ليست نهاية أمرك التفريط بل أعظم منه وهو ~~الاستكبار ، ثم بقوله : { وكنت من الكافرين } وهذا مقابل قولل النفس { لكنت ~~من المتقين } ( الزمر : 57 ) فهذه قرائن ثلاث . والمعنى : أن الله هداك في ~~الدنيا بالإرشاد بآيات القرآن فقابلت الإرشاد بالتكذيب والاستكبار والكفر ~~بها فلا عذر لك . # وكان الجواب على طريقة النشر المشوش بعد اللف رعيا لمقتضى ذلك التشويش ~~وهو أن يقع ابتداء النشر بإبطال الأهم مما اشتمل عليه اللف وهو ما ساقوه ~~على معنى التنصل والاعتذار من قولهم : { لو أن الله هداني } ( الزمر : 57 ) ~~لقصد المبادرة بإعلامهم بما يدحض معذرتهم ، ثم عاد إلى إبطال قولهم : { على ~~ما فرطت في جنب الله } ( الزمر : 56 ) فأبطل بقوله : { فكذبت بها } ، ثم ~~أكمل بإبطال قولهم : { لو أن لي كرة فأكون من المحسنين } ( الزمر ms7096 : 58 ) ~~بقوله : { وكنت من الكافرين } . ولم يورد جواب عن قول النفس { وإن كنت لمن ~~الساخرين } ( الزمر : 56 ) لأنه إقرار . PageV24P048 # ولو لم يسلك هذا الأسلوب في النشر لهذا اللف لفات التعجيل بدحض المعذرة ، ~~ولفاتت مقابلة القرائن الثلاث المجاب عنها بقرائن أمثالها لما علمت من أن ~~الإبطال روعي فيه قرائن ثلاث على وزان أقوال النفس ، وأن ترتيب أقوال النفس ~~كان جاريا على الترتيب الطبيعي ، فلو لم يشوش النشر لوجب أن يقتصر فيه على ~~أقل من عدد قرائن اللف فتفوت نكتة المقابلة التي هي شأن الجدال ؛ مع ما فيه ~~من التورك . # وتركيب قوله : { وكنت من الكافرين } مثل ما تقدم آنفا في نظائره من قوله ~~: { وإن كنت لمن الساخرين } ( الزمر : 56 ) وما بعده مما أقحم فيه فعل { ~~كنت } . # واتفق القراء على فتح التاءات الثلاث في قوله : { فكذبت بها واستكبرت ~~وكنت من الكافرين } وكذلك فتح الكاف من قوله : { جاءتك } راجعة إلى النفس ~~بمعنى الذات المغلبة في أن يراد بها الذكور ويعلم أن النساء مثلهم ، مثل ~~تغليب صيغة جمع المذكر في قوله : { من الساخرين } ( الزمر : 56 ) . # عطف على إحدى الجمل المتقدمة المتعلقة بعذاب المشركين في الدنيا والآخرة ~~، والأحسن أن يكون عطفا على جملة { والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما ~~كسبوا } ( الزمر : 51 ) ، أي في الدنيا كما أصاب الذين من قبلهم ويوم ~~القيامة تسود وجوههم . فيجوز أن يكون اسوداد الوجوه حقيقة جعله الله علامة ~~لهم وجعل بقية الناس بخلافهم . وقد جعل الله اسوداد الوجوه يوم القيامة ~~علامة على سوء المصير كما جعل بياضها علامة على حسن المصير قال تعالى : { ~~يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم ~~فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون وأما PageV24P049 الذين ابيضت وجوههم ففي ~~رحمة الله هم فيها خالدون } في سورة آل عمران ( 106 ، 107 ) . ويجوز أن ~~يكون ابيضاض الوجوه مستعملا في النضرة والبهجة قال تعالى : { وجوه يومئذ ~~ناضرة } ( القيامة : 22 ) ، وقال حسان بن ثابت : # بيض الوجوه كريمة أحسابهم # ويقولون في الذي يخصل خصلة يفتخر بها قومه : بيضت وجوهنا ms7097 . والخطاب في ~~قوله : { ترى } لغير معين . # وجملة { وجوههم مسودة } مبتدأ وخبر ، وموقع الجملة موقع الحال من { الذين ~~كذبوا على الله } ، لأن الرؤية هنا بصرية لا ينصب فعلها مفعولين . ولا يلزم ~~اقتران جملة الحال الاسمية بالواو . # و { الذين كذبوا على الله } : هم الذين نسبوا إليه ما هو منزه عنه من ~~الشريك وغير ذلك من تكاذيب الشرك ، فالذين كذبوا على الله هم الذين ظلموا ~~الذين ذكروا في قوله : { والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا } ( ~~الزمر : 51 ) ، وصفوا أولا بالظلم ثم وصفوا بالكذب على الله في حكاية أخرى ~~فليس قوله : { الذين كذبوا على الله } إظهارا في مقام الإضمار . # ويدخل في { الذين كذبوا على الله } كل من نسب إلى الله صفة لا دليل له ~~فيها ، ومن شرع شيئا فزعم أن الله شرعه متعمدا قاصدا ترويجه للقبول بدون ~~دليل ، فيدخل أهل الضلال الذين اختلقوا صفات لله أو نسبوا إليه تشريعا ، ~~ولا يدخل أهل الاجتهاد المخطئون في الأدلة سواء في الفروع بالاتفاق وفي ~~الأصول على ما نختاره إذا استفرغوا الجهود . ونسبة شيء إلى الله أمرها خطير ~~، ولذلك قال أيمتنا : إن الحكم المقيس غير المنصوص يجوز أن يقال هو دين ~~الله ولا يجوز أن يقال : قاله الله . # ولذلك فجملة { أليس في جهنم مثوى للمتكبرين } واقعة موقع الاستئناف ~~البياني لجملة { ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة } على كلا المعنيين ~~لأن PageV24P050 السامع يسأل عن سبب اسوداد الوجوه فيجاب بأن في جهنم ~~مثواهم يعني لأن السواد يناسب ما سيلفح وجوههم من مس النار فأجيب بطريقة ~~الاستفهام التقريري بتنزيل السائل المقدر منزلة من يعلم أن مثواهم جهنم فلا ~~يليق به أن يغفل عن مناسبة سواد وجوههم ، لمصيرهم إلى النار ، فإن للدخائل ~~عناوينها ، وهذا الاستفهام كما في قوله تعالى : { ليقولوا أهؤلاء من الله ~~عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين } ( الأنعام : 53 ) ، وكقول أبي ~~مسعود الأنصاري للمغيرة بن شعبة حين كان أمير الكوفة وقد أخر الصلاة يوما ( ~~ما هذا يا مغيرة أليس قد علمت أن جبريل نزل فصلى فصلى ms7098 رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم . وكقول الحجاج في خطبته في أهل الكوفة ( ألستم أصحابي بالأهواز ~~حين رمتم الغدر ) الخ . # والتكبر : شدة الكبر ، ومن أوصاف الله تعالى المتكبر ، والكبر : إظهار ~~المرء التعاظم على غيره لأنه يعد نفسه عظيما . وتعريف المتكبرين هنا ~~للاستغراق ، وأصحاب التكبر مراتب أقواها الشرك ، قال تعالى : { إن الذين ~~يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين } ( غافر : 60 ) وهو المعني بقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم ( لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من ~~خردل من كبر ولا يدخل النار من كان في قلبه حبة خردل من إيمان ) أخرجه مسلم ~~عن ابن مسعود ، ألا ترى أنه قابله بالإيمان ، ودونه مراتب كثيرة متفاوتة في ~~قوة حقيقة ماهية التكبر ، وكلها مذمومة . وما يدور على الألسن : أن الكبر ~~على أهل الكبر عبادة ، فليس بصحيح . # وفي وصفهم بالمتكبرين إيماء إلى أن عقابهم بتسويد وجوههم كان مناسبا ~~لكبريائهم لأن المتكبر إذا كان سيىء الوجه انكسرت كبرياؤه لأن الكبرياء ~~تضعف بمقدار شعور صاحبها بمعرفة الناس نقائصه . # عطف على جملة { ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة ( الزمر : 60 ) ~~إلى PageV24P051 آخرها ، أي وينجي الله الذين اتقوا من جهنم لأنهم ليسوا ~~بمتكبرين . وهذا إيذان بأن التقوى تنافي التكبر لأن التقوى كمال الخلق ~~الشرعي وتقتضي اجتناب المنهيات وامتثال الأمر في الظاهر والباطن ، والكبر ~~مرض قلبي باطني فإذا كان الكبر ملقيا صاحبه في النار بحكم قوله : أليس في ~~جهنم مثوى للمتكبرين } ( الزمر : 60 ) فضد أولئك ناجون منها وهم المتقون إذ ~~التقوى تحول دون أسباب العقاب التي منها الكبر ، فالذين اتقوا هم أهل ~~التقوى وهي معروفة ، ولذلك ففعل { اتقوا } منزل منزلة اللازم لا يقدر له ~~مفعول . # والمفازة يجوز أن تكون مصدرا ميميا للفوز وهو الفلاح ، مثل المتاب وقوله ~~تعالى : { إن للمتقين مفازا } ( النبأ : 31 ) ، ولحاق التاء به من قبيل ~~لحاق هاء التأنيث بالمصدر في نحو قوله تعالى : { ليس لوقعتها كاذبة } ( ~~الواقعة : 2 ) . وتقدم ذلك في اسم سورة الفاتحة وعند قوله تعالى : { فلا ~~تحسبنهم بمفازة من العذاب } في آل ms7099 عمران ، والباء للملابسة ، أي متلبسين ~~بالفوز أو الباء للسببية ، أي بسبب ما حصلوا عليه من الفوز . ويجوز أن تكون ~~المفازة اسما للفلاة ، كما في قول لبيد : # لورد تقلص الغيطان عنه # يبذ مفازة الخمس الكمال # سميت مفازة باسم مكان الفوز ، أي النجاة وتأنيثها بتأويل البقعة ، وسموها ~~مفازة باعتبار أن من حل بها سلم من أن يلحقه عدوه ، كما قال العديل : # ودون يد الحجاج من أن تنالني # بساط بأيدي أنا عجات عريض # وقول النابغة : # تدافع الناس عنا حين نركبها # من المظالم تدعى أم صبار # وعلى هذا المعنى فالباء بمعنى ( في ) . والمفازة : الجنة . وإضافة مفازة ~~إلى ضميرهم كناية عن شدة تلبسهم بالفوز حتى عرف بهم كما يقال : فاز فوز ~~فلان . # وقرأ الجمهور { بمفازتهم } بصيغة المفرد . وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر ~~عن عاصم وخلف { بمفازاتهم بصيغة الجمع وهي تجري على المعنيين في المفازة ~~لأن PageV24P052 المصدر قد يجمع باعتبار تعدد الصادر منه ، أو باعتبار تعدد ~~أنواعه ، وكذلك تعدد أمكنة الفوز بتعدد الطوائف ، وعلى هذا فإضافة المفازة ~~إلى ضمير الذين اتقوا } لتعريفها بهم ، أي المفازة التي علمتم أنها لهم وهي ~~الجنة ، وقد علم ذلك من آيات وأخبار منها قوله تعالى : { إن للمقتين مفازا ~~حدائق وأعنابا وكواعب أترابا } ( النبأ : 31 ، 33 ) . # وجملة { لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون } مبينة لجملة { وينجي الله الذين ~~اتقوا بمفازتهم } لأن نفي مس السوء هو إنجاؤهم ونفي الحزن عنهم نفي لأثر ~~المس السوء . وجيء في جانب نفي السوء بالجملة الفعلية لأن ذلك لنفي حالة ~~أهل النار عنهم ، وأهل النار في مس من السوء متجدد . وجيء في نفي الحزن ~~عنهم بالجملة الاسمية لأن أهل النار أيضا في حزن وغم ثابت لازم لهم . # ومن لطيف التعبير هذا التفنن ، فإن شأن الأسواء الجسدية تجدد آلامها وشأن ~~الأكدار القلبية دوام الإحساس بها . # ( 62 63 ) # هذا استئناف ابتدائي تمهيد لقوله : { قل أفغير الله تأمروني أعبد ( الزمر ~~: 64 ) في ذكر تمسك الرسول والرسلل من قبله بالتوحيد ونبذ الشرك والبراءة ~~منه والتصلبب في مقاومته والتصميمم على قطع دابره ، وجعلت ms7100 الجمل الثلاث من ~~قوله : الله خالق كل شيء } إلى قوله : { السموات والأرض } مقدمات تؤيد ما ~~يجيء بعدها من قوله : { قل أفغير الله تأمروني أعبد } ( الزمر : 64 ) . # وقد اشتمل هذا الاستئناف ومعطوفاته على ثلاث جمل وجملة رابعة : ~~PageV24P053 # فالجملة الأولى : { الله خالق كل شيء } وهذه الجملة أدخلت كل موجود في ~~أنه مخلوق لله تعالى ، فهو ولي التصرف فيه لا يخرج من ذلك إلا ذات الله ~~تعالى وصفاته فهي مخصوصة من هذا العموم بدليل العقل وهو أنه خالق كل شيء ~~فلو كان خالق نفسه أو صفاته لزم توقف الشيء على ما يتوقف هو عليه وهذا ما ~~يسمى بالدور في الحكمة ، واستحالته عقلية ، فخص هذا العموم العقل . ~~والمقصود من هذا إثبات حقيقة ، والزام الناس بتوحيده لأنه خالقهم ، وليس في ~~هذا قصد ثناء ولا تعاظم ، والمقصود من هذه المقدمة تذكير الناس بأنهم جميعا ~~هم وما معهم عبيد لله وحده ليس لغيره منة عليهم بالإيجاد . # الجملة الثانية : { وهو على كل شيء وكيل } وجيء بها معطوفة لأن مدلولها ~~مغاير لمدلول التي قبلها . والوكيل المتصرف في شيء بدون تعقب ولما لم يعلق ~~بذلك الوصف شيء علم أنه موكول إليه جنس التصرف وحقيقته التي تعم جميع أفراد ~~ما يتصرف فيه ، فعم تصرفه أحوال جميع الموجودات من تقدير الأعمال والآجال ~~والحركاتت ، وهذه المقدمة تقتضي الاحتياج إليه بالإمداد فهم بعد أن أوجدهم ~~لم يستغنوا عنه لمحة ما . # الجملة الثالثة : { له مقاليد السمواتت والأرض } وجيء بها مفصولة لأنها ~~تفيد بيان الجملة التي قبلها فإن الوكيل على شيء يكون هو المتصرف في العطاء ~~والمنع . # والمقاليد : جمع إقليد بكسر الهمزة وسكون القاف وهذا جمع على غير قياس ، ~~وإقليد قيل معرب عن الفارسية ، وأصله ( كليد ) قيل من الرومية وأصله ( ~~اقليدس ) وقيل كلمة يمانية وهو مما تقاربت فيه اللغات وهي كناية عن حفظ ~~ذخائرها ، فذخائر الأرض عناصرها ومعادنها وكيفيات أجوائها وبحارها ، وذخائر ~~السماوات سير كواكبها وتصرفات أرواحها في عوالمها وعوالمنا وما لا يعلمه ~~إلا الله تعالى . ولما كانت تلك العناصر والقوى شديدة النفع للناس وكان ~~الناس ms7101 في حاجة إليها شبهت بنفائس المخزونات فصح أيضا أن تكون المقاليد ~~استعارة مكنية ، وهي أيضا استعارة مصرحة للأمر الإلهي التكويني والتسخيري ~~الذي يفيض به على الناس من تلك الذخائر المدخرة كقوله تعالى : { وإن من شيء ~~إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم } ( الحجر : 21 ) . PageV24P054 # وهذه المقدمة تشير إلى أن الله هو معطي ما يشاء لمن يشاء من خلقه ، ومن ~~أعظم ذلك النبوءة وهدي الشريعة فإن جهل المشركين بذلك هو الذي جرأهم على أن ~~أنكروا اختصاص محمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة دونهم ، واختصاص أتباعه ~~بالهدى فقالوا : { أهؤلاء من الله عليهم من بيننا } ( الأنعام : 53 ) . ~~فهذه الجمل اشتملت على مقدمات ثلاث تقتضي كل واحدة منها دلالة على وحدانية ~~الله بالخلق ، ثم بالتصرف المطلق في مخلوقاته ، ثم بوضع النظم والنواميس ~~الفطرية والعقلية والتهذيبية في نظام العالم وفي نظام البشر . وكل ذلك موجب ~~توحيده وتصديق رسوله صلى الله عليه وسلم والاستمساك بعروته كما رشد بذلك ~~أهل الإيمان . # فأما الجملة الرابعة وهي : { والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون ~~} فتحتمل الاعتراض ولكن اقترانها بالواو بعد نظائرها يرجح أن تكون الواو ~~فيها عاطفة وأنها مقصودة بالعطف على ما قبلها لأن فيها زيادة على مفاد ~~الجملة قبلها ، وتكون مقدمة رابعة للمقصود تجهيلا للذين هم ضد المقصود من ~~المقدمات فإن الاستدلال على الحق بإبطال ضده ضرب من ضروب الاستدلال . لأن ~~الاستدلال يعود إلى ترغيب وتنفير فإذا كان الذين كفروا بآيات الله خاسرين ~~لا جرم كان الذين آمنوا بآيات الله هم الفائزين ، فهذه الجملة تقابل جملة { ~~وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم } ( الزمر : 61 ) المنتقل منها إلى هؤلاء ~~الآيات ، وهي مع ذلك مفيدة إنذارهم وتأفين آرائهم ، لأن موقعها بعد دلائل ~~الوحدانية وهي آيات دالة على أن الله واحد يقتضي التنديد عليهم في عدم ~~الاهتداء بها . # ووصف { الذين كفروا بآيات الله } بأنهم الخاسرون لأنهم كفروا بآيات من له ~~مقاليد خزائن الخير فعرضوا أنفسهم للحرمان مما في خزائنه وأعظمها خزائن خير ~~الآخرة . # وآيات الله هي دلائل وجوده ووحدانيته التي أشارت ms7102 إليها الجمل الثلاث ~~السابقة . PageV24P055 # والإخبار عن الذين كفروا باسم الإشارة للتنبيه عن أن المشار إليهم خسروا ~~لأجلل ما وصفوا به قبل اسمم الإشارة وهو الكفر بآيات الله . وتوسط ضمير ~~الفصل لإفادة حصر الخسارة فيهم وهو قصر ادعائي بناء على عدم الاعتداد ~~بخسارة غيرهم بالنسبة إلى خسارتهم فخسارتهم أعظم خسارة . # هذا نتيجة المقدمات وهو المقصود بالإثبات ، فالفاء في قوله : { أفغير ~~الله } لتفريع الكلام المأمور الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يقوله على ~~الكلام الموحى به إليه ليقرع به أسماعهم ، فإن الحقائق المتقدمة موجهة إلى ~~المشركين فبعد تقررها عندهم وإنذارهم على مخالفة حالهم لما تقتضيه تلك ~~الحقائق أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يوجه إليهم هذا الاستفهام ~~الإنكاري منوعا على ما قبله إذ كانت أنفسهم قد خسئت بما جبهها من الكلام ~~السابق تأييسها لهم من محاولة صرف الرسول صلى الله عليه وسلم عن التوحيد ~~إلى عبادة غير الله . # وتوسط فعل { قل } اعتراض بين التفريع والمفرع عنه لتصيير المقام لخطاب ~~المشركين خاصة بعد أن كان مقام الكلام قبله مقام البيان لكل سامع من ~~المؤمنين وغيرهم ، فكان قوله : { قل } هو الواسطة في جعل التفريع خاصا بهم ~~، وهذا من بديع النظم ووفرة المعاني وهو حقيق بأن نسميه ( تلوين البساط ) . # و { غير الله } منصوب ب { أعبد } الذي هو متعلق ب { تأمروني } على حذف ~~حرف الجر مع ( أن ) وحذف حرف الجر مع ( أن ) كثير فقوله : { أعبد } على ~~تقدير : أن أعبد فلما حذف الجار المتعلق ب { تأمروني } حذفت ( أن ) التي ~~كانت متصلة به ، كما حذفت في قول طرفه : # ألا أيهذا الزاجري احضر الوغى # وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي # وهذا استعمال جائز عند أبي الحسن الأخفش وابن مالك ونحاة الأندلس . # والجمهور يمنعونه ويجعلون قوله : { أعبد } هو المستفهم عنه ، وفعل ~~PageV24P056 { تأمروني } اعتراضا أو حالا ، والتقدير : أأعبد غير الله حال ~~كونكم تأمرونني بذلك ، ومنه قولهم في المثل : تسمع بالمعيدي خير من أن تراه ~~، وفي الحديث ( وتعين الرجل على دابته فتحمله عليها أو تحمل عليها متاعه ~~صدقة ) . # وقرأ نافع { تأمروني ms7103 } بنون واحدة خفيفة على حذف واحدة من النونين اللتين ~~هما نون الرفع ونون الوقاية على الخلاف في المحذوفة وهو كثير في القرآن ~~كقوله : { فبم تبشرون } ( الحجر : 54 ) ، وفتح نافع ياء المتكلم للتخفيف ~~والتفادي من المد . وقرأ الجمهور { تأمروني } بتشديد النون إدغاما للنونين ~~مع تسكين الياء للتخفيف . وقرأ ابن كثير بتشديد النون وفتح الياء . وقرأ ~~ابن عامر { تأمرونني } بإظهار النونين وتسكين الياء . # ونداؤهم بوصف الجاهلين تقريع لهم بعد أن وصفوا بالخسران ليجمع لهم بين ~~نقص الآخرة ونقص الدنيا . والجهل هنا ضد العلم لأنهم جهلوا دلالة الدلائل ~~المتقدمة فلم تفد منهم شيئا فعموا عن دلائل الوحدانية التي هي بمرأى منهم ~~ومسمع فجهلوا دلالتها على الصانع الواحد ولم يكفهم هذا الحظ من الجهل حتى ~~تدلوا إلى حضيض عبادة أجسام من الصخر الأصم . وإطلاق الجهل على ضد العلم ~~إطلاق عربي قديم قال النابغة : # يخبرك ذو عرضهم عني وعالمهم # وليس جاهل شيء مثل من علما # وقال السموأل أو عبد الملك بن عبد الرحيم الحارثي : # سلي إن جهلتت الناس عنا وعنهم # فليس سواء عالم وجهول # وحذف مفعول { الجاهلون } لتنزيل الفعل منزلة اللازم كأن الجهل صار لهم ~~سجية فلا يفقهون شيئا فهم جاهلون بما أفادته الدلائل من الوحدانية التي لو ~~علموها لما أشركوا ولما دعوا النبي صلى الله عليه وسلم إلى اتباع شركهم ، ~~وهم جاهلون بمراتب النفوس الكاملة جهلا أطمعهم أن يصرفوا النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن التوحيد وأن يستزلوه PageV24P057 بخزعبلاتهم وإطماعهم إياه أن ~~يعبدوا الله إن هو شاركهم في عبادة أصنامهم يحسبون الدين مساومة ومغابنة ~~وتطفيفا . # ( 65 66 ) # تأييد لأمره بأن يقول للمشركين تلك المقالة مقالة إنكار أن يطمعوا منه في ~~عبادة الله ، بأنه قول استحقوا أن يرموا بغلظته لأنهم جاهلون بالأدلة ~~وجاهلون بنفس الرسول وزكائها . وأعقب بأنهم جاهلون بأن التوحيد هو سنة ~~الأنبياء وأنهم لا يتطرق الإشراك حوالي قلوبهم ، فالمقصود الأهم من هذا ~~الخبر التعريض بالمشركين إذ حاولوا النبي صلى الله عليه وسلم على الاعتراف ~~بإلاهية أصنامهم . # والواو عاطفة على جملة { قل ( الزمر : 64 ms7104 ) . وتأكيد الخبر بلام القسم ~~وبحرف ( قد ) تأكيد لما فيه من التعريض للمشركين . # والوحي : الإعلام من الله بواسطة الملك . والذين من قبله هم الأنبياء ~~والمرسلون . فالمراد القبلية في صفة النبوءة فالذين من قبلك } مراد به ~~الأنبياء . # وجملة { لئن أشركت ليحبطن عملك } مبينة لمعنى أوحي كقوله تعالى : { فوسوس ~~إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد } ( طه : 120 ) . # والتاء في { أشركت } تاء الخطاب لكل من أوحي إليه بمضمون هذه الجملة من ~~الأنبياء فتكون الجملة بيانا لما أوحي إليه وإلى الذين من قبله . ويجوز أن ~~يكون الخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم فتكون الجملة بيانا لجملة { أوحي ~~إليك } ، ويكون { وإلى الذين من قبلك } اعتراضا لأن البيان تابع للمبين ~~عمومه ونحوه . وأيا ما كان فالمقصود بالخطاب تعريض بقومم الذي أوحى إليه ~~لأن فرض إشراك النبي صلى الله عليه وسلم غير متوقع . PageV24P058 واللام في ~~{ لئن أشركت } موطئة للقسم المحذوف دالة عليه ، واللام في { ليحبطن } لام ~~جواب القسم . # والحبط : البطلان والدحض ، حبط عمله : ذهب باطلا . والمراد بالعمل هنا : ~~العمل الصالح الذي يرجى منه الجزاء الحسن الأبدي . # ومعنى حبطه : أن يكون لغوا غير مجازى عليه . وتقدم حكم الإشراك بعد ~~الإيمان ، وحكم رجوع ثواب العمل لصاحبه إن عاد إلى الإيمان بعد أن أبطل ~~إيمانه عند قوله تعالى : { ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك ~~حبطت أعمالهم } في سورة البقرة . # ثم عطف عليه أن صاحب الإشراك من الخاسرين ، شبه حاله حينئذ بحال التاجر ~~الذي أخرج مالا ليربح فيه زيادة مال فعاد وقد ذهب ماله الذي كان بيده أو ~~أكثره ، فالكلام تمثيل لحال من أشرك بعد التوحيد فإن الإشراك قد طلب به ~~مبتكروه زيادة القرب من الله إذ قالوا : { ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله ~~زلفى } ( الزمر : 3 ) { ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله } ( يونس : 18 ) ~~فكان حالهم كحال التاجر الذي طلب الزيادة على ما عنده من المال ولكنه طلب ~~الربح من غير بابه ، فباء بخسرانه وتبابه . وفي تقدير فرض وقوع الإشراك من ~~الرسول والذين من قبله ms7105 مع تحقق عصمتهم التنبيه على عظم أمر التوحيد وخطر ~~الإشراك ليعلم الناس أن أعلى الدرجات في الفضل لو فرض أن يأتي عليها ~~الإشراك لما أبقى منها أثرا ولدحضها دحضا . # و { بل } لإبطال مضمون جملة لئن أشركت أي بل لا تشرك ، أو لإبطال مضمون ~~جملة { أفغير الله تأمروني أعبد } . # والفاء في قوله : { فاعبد } يظهر أنها تفريع على التحذير من حبط العملل ~~ومن الخسران فحصل باجتماع { بل } والفاء ، في صدر الجملة ، أن جمعت غرضين : ~~غرضض إبطال كلامهم ، وغرضض التحذير من أحوالهم ، وهذا وجه رشيق . # ومقتضى كلام سيبويه : أن الفاء مفرعة على فعل أمر محذوف يقدر بحسب ~~PageV24P059 المقام ، وتقديره : تنبه فاعبد الله ( أي تنبه لمكرهم ولا ~~تغترر بما أمروك أن تعبد غير الله ) فحذف فعل الأمر اختصارا فلما حذف ~~استنكر الابتداء بالفاء فقدموا مفعول الفعل الموالي لها فكانت الفاء متوسطة ~~كما هو شأنها في نسج الكلام وحصل مع ذلك التقديمم حصر . وجعل الزمخشري ~~والزجاج الفاء جزاءية دالة على شرط مقدر أي يدل عليه السياق ، تقديره : إن ~~كنت عاقلا مقابل قوله : { أيها الجاهلون } ( الزمر : 64 ) فاعبد الله ، ~~فلما حذف الشرط ( أي إيجازا ) عوض عنه تقديم المفعول وهو قريب من كلام ~~سيبويه . وعن الكسائي والفراء الفاء مؤذنة بفعل قبلها يدل عليه الفعل ~~الموالي لها ، والتقدير : الله أعبد فاعبد ، فلما حذف الفعل الأول حذف ~~مفعول الفعل الملفوظ به للاستغناء عنه بمفعول الفعل المحذوف . # وتقديم المعمول على { فاعبد } لإفادة القصر ، كما تقدم في قوله : { قل ~~الله أعبد في هذه السورة ، أي أعبد الله لا غيره ، وهذا في مقام الرد على ~~المشركين كما تضمنه قوله : قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون } ( ~~الزمر : 64 ) . # والشكر هنا : العمل الصالح لأنه عطف على إفراد الله تعالى بالعبادة فقد ~~تمحض معنى الشكر هنا للعمل الذي يرضي الله تعالى والقول عموم الخطاب للنبيء ~~صلى الله عليه وسلم ولمن قبله أو في خصوصه بالنبي صلى الله عليه وسلم ويقاس ~~عليه الأنبياء كالقول في { لئن أشركت ليحبطن عملك } . # لما جرى الكلام على أن الله ms7106 تعالى خلق كل شيء وأن له مقاليد السماوات ~~والأرض وهو ملك عوالم الدنيا ، وذيل ذلك بأن الذين كفروا بدليل الوحدانية ~~هم PageV24P060 الخاسرون ، وانتقل الكلام هنا إلى عظمة ملك الله تعالى في ~~العالم الأخروي الأبدي ، وأن الذين كفروا بآيات الله الدالة على ملكوت ~~الدنيا قد خسروا بترك النظر ، فلو اطلعوا على عظيم ملك الله في الآخرة ~~لقدروه حق قدره فتكون الواو عاطفة جملة { والأرض جميعا قبضته يوم القيامة } ~~على جملة { له مقاليد السموات والأرض } ( الزمر : 63 ) ويكون قوله : { وما ~~قدروا الله } الخ معترضا بين الجملتين ، اقتضاها التناسب مع جملة { والذين ~~كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون ( الزمر : 63 ) . # ويجوز أن تكون معطوفة على جملة الله خالق كل شيء ( الزمر : 62 ) فتكون ~~جملة وما قدروا الله حق قدره } وجملة { والأرض جميعا قبضته } كلتاهما ~~معطوفتين على جملة { الله خالق كل شيء } ( الزمر : 62 ) . والمعنى : هو هو ~~، إلا أن الحال أوضح إفصاحا عنه . # ويجوز أن تكون جملة { والأرض جميعا قبضته } عطف غرض على غرض انتقل به إلى ~~وصف يوم القيامة وأحوال الفريقين فيه ، وجملة { وما قدروا الله حق قدره } ~~اعتراضا ، وهو تمثيل لحال الجاهل بعظمة شيء بحال من لم يحقق مقدار صبرة ~~فنقصها عن مقدارها ، فصار معنى { ما قدروا الله : } ما عرفوا عظمته حيث لم ~~ينزهوه عما لا يليق بجلاله من الشريك في إلاهيته . # و { حق قدره } من إضافة الصفة إلى الموصوف ، أي ما قدروا الله قدره الحق ~~، فانتصب { حق } على النيابة عن المفعول المطلق المبين للنوع ، وتقدم نظير ~~هذا في سورة الأنعام . # وجميع : أصله اسم مفعول مثل قتيل ، قال لبيد : # عريت وكان بها الجميع فأبكروا # منها وغودر نؤيها وثمامها # وبذلك استعمل توكيدا مثل ( كل ) و ( أجمع ) قال تعالى : { يوم يبعثهم ~~الله جميعا } في سورة المجادلة . وقد وقع { جميعا } هنا حالا من { الأرض } ~~واسم { الأرض } مؤنث فكان تجريد ( جميع ) من علامة التأنيث جريا على الوجه ~~الغالب في جريان فعيل بمعنى مفعول على موصوفه ، وقد تلحقه علامة التأنيث ~~كقول امرىء القيس : PageV24P061 # فلو أنها نفس تموت ms7107 جميعة # ولكنها نفس تساقط أنفسا # وانتصب { جميعا } هنا على الحال من { الأرض } وتقدم نظيره آنفا في قوله : ~~{ قل لله الشفاعة جميعا } ( الزمر : 44 ) . # والقبضة بفتح القاف المرة من القبض ، وتقدم في قوله : { فقبضت قبضة من ~~أثر الرسول } في سورة طه . # والإخبار عن الأرض بهذا المصدر الذي هو بمعنى المفعول كالخلق بمعنى ~~المخلوق للمبالغة في الاتصاف بالمعنى المصدري وإنما صيغ لها وزن المرة ~~تحقيرا لها في جانب عظمة ملك الله تعالى ، وإنما لم يجأ بها مضمومة القاف ~~بمعنى الشيء المقبوض لئلا تفوت المبالغة في الاتصاف ولا الدلالة على ~~التحقير فالقبضة مستعارة للتناول استعارة تصريحية ، والقبضة تدل على تمام ~~التمكن من المقبوض وأن المقبوض لا تصرف له ولا تحرك . # وهذا إيماء إلى تعطيل حركة الأرض وانقماع مظاهرها إذ تصبح في عالم الآخرة ~~شيئا موجودا لا عمل له وذلك بزوال نظام الجاذبية وانقراض أسباب الحياة التي ~~كانت تمد الموجودات الحية على سطح الأرض من حيوان ونبات . # وطي السماوات : استعارة مكنية لتشويش تنسيقها واختلال أبعاد أجرامها ، ~~فإن الطي رد ولف بعض شقق الثوب أو الورق على بعض بعد أن كانت مبسوطة منتشرة ~~على نسق مناسب للمقصود من نشره فإذا انتهى المقصود طوي المنشور ، قال تعالى ~~: { يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب كما بدأنا أول خلق نعيده } ( ~~الأنبياء : 104 ) . وإثبات الطي تخييل . # والباء في { بيمينه } للآلة والسببية . واليمين : وصف لليد ولا يد هنا ~~وإنما هي كناية عن القدرة لأن العمل يكون باليد اليمين قال الشاعر أنشده ~~الفراء والمبرد ، قال القرطبي : # ولما رأيت الشمس أشرق نورها # تناولت منها حاجتي بيمين PageV24P062 # أي بقدرة . وضمير ( منها ) يعود على مذكور في أبيات قبله . # والمقصود من هاتين الجملتين تمثيل عظمة الله تعالى بحال من أخذ الأرض في ~~قبضته ومن كانت السماوات مطوية أفلاكها وآفاقها بيده تشبيه المعقول ~~بالمتخيل وهي تمثيلية تنحل أجزاؤها إلى استعارتين ، وفيها دلالة على أن ~~الأرض والسماوات باقية غير مضمحلة ولكن نظامهما المعهود اعتراه تعطيل ، وفي ~~( الصحيح ) عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه ms7108 وسلم يقول : ( ~~يقبض الله الأرض ويطوي السماوات بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض ) ~~. وعن عبد الله بن مسعود قال : جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال : يا محمد إنا نجد أن الله يجعل السماوات على إصبع ، ~~والأرضين على إصبع ، والشجر على إصبع ، والماء والثرى على إصبع ، وسائر ~~الخلق على اصبع . فيقول أنا الملك ، فضحك رسول الله حتى بدت نواجذه تصديقا ~~لقول الحبر ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { وما قدروا الله حق قدره ~~والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما ~~يشركون } . # ومعنى قوله : ثم قرأ هذه الآية ، نزلت قبل ذلك لأنها مما نزل بمكة . ~~والحبر من أحبار يهود المدينة ، وقول الراوي : تصديقا لقول الحبر ، مدرج في ~~الحديث من فهم الراوي كما جزم به أبو العباس القرطبي في كتابه : ( المفهم ~~على صحيح مسلم ) ، وقال الخطابي روى هذا الحديث غير واحد عن عبد الله بن ~~مسعود من طريق عبيدة فلم يذكروا قوله تصديقا لقول الحبر ، ولعله من الراوي ~~ظن وحسبان . ا ه ، أي فهو من إدراج إبراهيم النخعي رواية عن عبيدة . وإنما ~~كان ضحك النبي صلى الله عليه وسلم استهزاء بالحبر في ظنه أن الله يفعل ذلك ~~حقيقة وأن له يدا وأصابع حسب اعتقاد اليهود التجسيم ولذلك أعقبه بقراءة { ~~وما قدروا الله حق قدره } لأن افتتاحها يشتمل على إبطال ما توهمه الحبر ~~ونظراؤه من الجسمية ، وذلك معروف من اعتقادهم وقد رده القرآن عليهم غير مرة ~~مما هو معلوم فلم يحتج النبي صلى الله عليه وسلم إلى التصريح بإبطاله ~~واكتفى بالإشارة التي يفهمها المؤمنون ، ثم أشار إلى أن ما توهمه اليهودي ~~توزيعا على الأصابع إنما هو مجاز عن الأخذ والتصرف . PageV24P063 وفي بعض ~~روايات الحديث فنزل قوله تعالى : { وما قدروا الله حق قدره } وهو وهم من ~~بعض رواته وكيف وهذه مكية وقصة الحبر مدنية . # وجملة { سبحانه وتعالى عما يشركون } إنشاء تنزيه لله تعالى عن إشراك ~~المشركين له آلهة وهو يؤكد جملة ms7109 { وما قدروا الله حق قدره } . # انتقال من إجمال عظمة القدرة يوم القيامة إلى تفصيلها لما فيه من تهويل ~~وتمثيل لمجموع الأحوال يومئذ مما ينذر الكافر ويبشر المؤمن ويذكر بإقامة ~~العدل والحق ، ثم تمثيل إزجاء المشركين إلى جهنم وسوق المؤمنين إلى الجنة . # فالجملة من عطف القصة على القصة ، ومناسبة العطف ظاهرة ، وعبر بالماضي في ~~قوله : { ونفخ } وقوله : فصعق مجازا لأنه محقق الوقوع مثل قوله : { أتى أمر ~~الله } ( النحل : 1 ) ، ويجوز أن تكون الواو للحال بتقدير ( قد ) أي والحال ~~قد نفخ في الصور ، فتكون صيغة الماضي في فعلي ( نفخ وصعق ) مستعملة في ~~حقيقتها . وابتدئت الجملة بحديث النفخ في الصور إذ هو ميقات يوم القيامة ~~وما يتقدمه من موت كل حي على وجه الأرض . وتكرر ذكره في القرآن والسنة . # والصور : بوق ينادى به البعيد المتفرق مثل الجيش ، ومثل النداء للصلاة ~~فقد كان اليهود ينادون به : للصلاة الجامعة ، كما جاء في حديث بدء الأذان ~~في الإسلام . والمراد به هنا نداء الخلق لحضور الحشر أحيائهم وأمواتهم ، ~~وتقدم عند قوله : { يوم ينفخ في الصور } في الأنعام . وهو علامة لأمر ~~التكوين ، فالأحياء يصعقون فيموتون ( كما يموت المفزوع ) بالنفخة الأولى ، ~~والأموات يصعقون اضطرابا تدب بسببه فيهم الحياة فيكونون مستعدين لقبول ~~الحياة ، فإذا نفخت النفخة الثانية حلت الأرواح في الأجساد المخلوقة لهم ~~على مثال ما بلي من PageV24P064 أجسادهم التي بليت ، أو حلت الأرواح في ~~الأجساد التي لم تزل باقية غير بالية كأجساد الذين صعقوا عند النفخة الأولى ~~، ويجوز أن يكون بين النفختين زمن تبلى فيه جميع الأجساد . # والاستثناء من اسم الموصول الأول ، أي إلا من أراد الله عدم صعقه وهم ~~الملائكة والأرواح ، وتقدم في سورة النمل { ويوم ينفخ في الصور ففزع من في ~~السماوات ومن في الأرض } . # و { ثم } تؤذن بتراخي الرتبة لأنها عاطفة جملة ، ويجوز أن تفيد مع ذلك ~~المهلة المناسبة لما بين النفختين . و { أخرى } صفة لمحذوف ، أي نفخة أخرى ~~، وهي نفخة مخالف تأثيرها لتأثير النفخة الأولى ، لأن الأولى نفخة إهلاك ~~وصعق ، والثانية نفخة إحياء وذلك باختلاف ms7110 الصوتين أو باختلاف أمري التكوين ~~. وإنما ذكرت النفخة الثانية في هذه الآية ولم تذكر في قوله في سورة النمل ~~{ ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ~~وكل أتوه داخرين } لأن تلك في غرض الموعظة بفناء الدنيا وهذه الآية في غرض ~~عظمة شأن الله في يوم القيامة ، وكذلك وصف النفخة بالواحدة في سورة الحاقة ~~( 13 ، 15 ) { فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة ~~واحدة فيومئذ وقعت الواقعة } وذكرت هنا نفختان . # وضمير { هم } عائد على { من في السموات ومن في الأرض } فيما بقي من ~~مفهومه بعد التخصيص ب { إلا من شاء الله } وهم الذين صعقوا صعق ممات وصعق ~~اضطراب يهيأ لقبول الحياة عند النفخة . # و { إذا } للمفاجأة للتنبيه على سرعة حلول الحياة فيهم وقيامهم إثره و { ~~قيام } جمع قائم . # وجملة { ينظرون } حال . والنظر : الإبصار ، وفائدة هذه الحال الدلالة على ~~أنهم حيوا حياة كاملة لا غشاوة معها على أبصارهم ، أي لا دهش فيها كما في ~~قوله تعالى : { فإنما هي زجرة PageV24P065 واحدة فإذا هم ينظرون في سورة ~~الصافات ، أو أريد أنهم ينظرون نظر المقلب بصره الباحث . ويجوز أن يكون من ~~النظرة ، أو الانتظار . # ( 69 70 ) } # صورت هذه الآيات جلال ذلك الموقف وجماله أبدع تصوير والتعريف في { الأرض ~~} تعريف العهد الذكري الضمني فقد تضمن قوله : { فإذا هم قيام ينظرون } ( ~~الزمر : 68 ) أنهم قيام على قرار فإن القيام يستدعي مكانا تقوم فيه تلك ~~الخلائق وهو أرض الحشر وهي الساهرة في قوله تعالى في سورة النازعات ( 13 ، ~~14 ) : { فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة } وفسرت بأنها الأرض ~~البيضاء النقية وليس المراد الأرض التي كانوا عليها في الدنيا فإنها قد ~~اضمحلت قال تعالى : { يوم تبدل الأرض غير الأرض } ( إبراهيم : 48 ) . # وإشراق الأرض انتشار الضوء عليها ، يقال : أشرقت الأرض ، ولا يقال : ~~أشرقت الشمس ، كما تقدم عند قوله : { بالعشي والإشراق } في سورة ص . # وإضافة النور إلى الرب إضافة تعظيم لأنه منبعث من جانب القدس وهو الذي في ms7111 ~~قوله تعالى : { الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح } ~~الآية من سورة النور . فإضافة نور إلى الرب إضافة تشريف للمضاف كقوله تعالى ~~: { هذه ناقة الله لكم آية } ( الأعراف : 73 ) كما أن إضافة ( رب ) إلى ~~ضمير الأرض لتشريف المضاف إليه ، أي بنور خاص خلقه الله فيها لا بسطوع ~~مصباح ولا بنور كوكب شمس أو غيرها ، وإذ قد كان النور نورا ذاتيا لتلك ~~الأرض كان إشارة إلى خلوصها من ظلمات الأعمال فدل على أن ما يجري على تلك ~~الأرض من الأعمال والأحداث حق وكمال في بابه لأن عالم الأنوار لا يشوبه شيء ~~من ظلمات الأعمال ، ألا ترى أن العالم الأرضي لما لم يكن نيرا بذاته بل كان ~~نوره مقتبسا من شروق الشمس والكواكب ليلا كان ما على وجه الأرض من الأعمال ~~والمخلوقات PageV24P066 خليطا من الخير والشر . وهذا يغني عن جعل النور ~~مستعارا للعدل فإن ذلك المعنى حاصل بدلالة الالتزام كناية ، ولو حمل النور ~~على معنى العدل لكان أقل شمولا لأحوال الحق والكمال وهو يغني عنه قوله : { ~~وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون } . هذا هو الوجه في تفسير الآية وقد ذهب ~~فيها المفسرون من السلف والخلف طرائق شتى . # و { الكتاب } تعريفه تعريف الجنس ، أي وضعت الكتب وهي صحائف أعمال العباد ~~أحضرت للحساب بما فيها من صالح وسيىء . والوضع : الحط ، والمراد به هنا ~~الإحضار . # ومجيء النبيئين للشهادة على أممهم ، كما تقدم في قوله تعالى : { فكيف إذا ~~جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا } في سورة النساء . # والشهداء : جمع شهيد وهو الشاهد ، قال تعالى : { وجاءت كل نفس معها سائق ~~وشهيد } في سورة ق . والمراد الشهداء من الملائكة الحفظة الموكلين بإحصاء ~~أعمال العباد . وضمير { بينهم } عائد إلى { من في السموات ومن في الأرض } ( ~~الزمر : 68 ) أي قضي بين الناس بالحق . # ويجوز أن يكون المراد بالكتاب كتب الشرائع التي شرعها الله للعباد على ~~ألسنة الرسل ويكون إحضارها شاهدة على الأمم بتفاصيل ما بلغه الرسل إليهم ~~لئلا يزعموا أنهم لم تبلغهم الأحكام . وقد ms7112 صورت الآية صورة المحكمة الكاملة ~~التي أشرقت بنور العدل ، وصدر الحكم على ما يستحقه المحكوم فيهم من كرامة ~~ونذالة ، ولذلك قال : { وقضي بينهم بالحق } أي صدر القضاء فيهم بما يستحقون ~~وهو مسمى الحق ، فمن القضاء ما هو فصل بين الناس في معاملات بعضهم مع بعض ~~من كل ظالم ومظلوم ومعتد ومعتدى عليه في اختلاف المعتقدات واختلاف ~~المعاملات قال تعالى : { إن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه ~~يختلفون } ( النحل : 124 ) . PageV24P067 # ومن القضاء القضاء على كل نفس بما هي به حقيقة من مرتبة الثواب أو العقاب ~~وهو قوله : { ووفيت كل نفس ما عملت } . فقضاء الله هو القضاء العام الذي لا ~~يقتصر على إنصاف المتداعين كقضاء القاضي ، ولا على سلوك الداعرين كقضاء ~~والي الشرطة ، ولا على مراقبة المغيرين كقضاء والي الحسبة ، ولكنه قضاء على ~~كل نفس فيما اعتدت وفيما سلكت وفيما بدلت ، ويزيد على ذلك بأنه قضاء على كل ~~نفس بما اختلت به من عمل وبما أضمرته من ضمائر إن خيرا فخير وإن شرا فشر . ~~وإلى ذلك تشير المراتب الثلاث في الآية : مرتبة { وقضي بينهم بالحق وهم لا ~~يظلمون } ، ومرتبة { ووفيت كل نفسس ما عملت } ، ومرتبة { وهو أعلم بما ~~يفعلون } . # والتوفية : إعطاء الشيء وافيا لا نقص فيه عن الحق في إعطائه ولا عن عطاء ~~أمثاله . وفي قوله : { ما عملت } مضاف محذوف ، أي جزاء ما عملت لظهور أن ما ~~عمله المرء لا يوفاه بعد أن عمله وإنما يوفى جزاءه . # والقول في الأفعال الماضوية في قوله : { وأشرقت } ، { ووضع } ، { وجاء } ~~، { ووفيت } كالقول في قوله : { ونفخ في الصور } ( الزمر : 68 ) . # ( 71 72 ) # هذا تنفيذ القضاء الذي جاء في قوله : { وقضي بينهم بالحق } ( الزمر : 69 ~~) وقوله : { ووفيت كل نفسس ما عملت } ( الزمر : 70 ) ، فإن عاقبة ذلك ~~ونتيجته إيداع المجرمين في العقاب PageV24P068 وإيداع الصالحين في دار ~~الثواب . # وابتدىء في الخبر بذكر مستحقي العقاب لأنه الأهم في هذا المقام إذ هو ~~مقام إعادة الموعظة والترهيب للذين لم يتعظوا بما تكرر في القرآن من العظات ~~مثل هذه فأما أهل ms7113 الثواب فقد حصل المقصود منهم فما يذكر عنهم فإنما هو ~~تكرير بشارة وثناء . # والسوق : أن يجعل الماشي ماشيا آخر يسير أمامه ويلازمه ، وضده القود ، ~~والسوق مشعر بالإزعاج والإهانة ، قال تعالى : { كأنما يساقون إلى الموت } ( ~~الأنفال : 6 ) . # والزمر : جمع زمرة ، وهي الفوج من الناس المتبوع بفوج آخر ، فلا يقال : ~~مرت زمرة من الناس ، إلا إذا كانت متبوعة بأخرى ، وهذا من الألفاظ التي ~~مدلولها شيء مقيد . وإنما جعلوا زمرا لاختلاف درجات كفرهم ، فإن كان المراد ~~بالذين كفروا مشركي قريش المقصودين بهذا الوعيد كان اختلافهم على حسب شدة ~~تصلبهم في الكفر وما يخالطه من حدب على المسلمين أو فظاظة ، ومن محايدة ~~للنبيء صلى الله عليه وسلم أو أذى ، وإن كان المراد بهم جميع أهل الشرك كما ~~تقتضيه حكاية الموقف مع قوله : { ألم يأتكم رسل } كان تعدد زمرهم على حسب ~~أنواع إشراكهم . # و { حتى } ابتدائية و { إذا } ظرف لزمان المستقبل يضمن معنى الشرط غالبا ~~، أي سيقوا سوقا ملازما لهم بشدته متصل بزمن مجيئهم إلى النار . # وجملة { فتحت } جواب { إذا } لأنها ضمنت معنى الشرط وأغنى ذكر { إذا } عن ~~الإتيان ب ( لما ) التوقيتية ، والتقدير : فلما جاءوها فتحت أبوابها ، أي ~~وكانت مغلقة لتفتح في وجوههم حين مجيئهم فجأة تهويلا ورعبا . # وقرأ الجمهور { فتحت بتشديد التاء للمبالغة في الفتح . وقرأه عاصم وحمزة ~~والكسائي وخلف بتخفيف التاء على أصل الفعل . # والخزنة : جمع خازن وهو الوكيل والبواب غلب عليه اسم الخازن لأنه يقصد ~~لخزن المال . PageV24P069 # والاستفهام الموجه إلى أهل النار استفهام تقريري مستعمل في التوبيخ ~~والزجر كما دل عليه قولهم بعده : ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى ~~المتكبرين } . # و { منكم } صفة ل { رسل ، } والمقصود من الوصف التورك عليهم لأنهم كانوا ~~يقولون : { أبشرا منا واحدا نتبعه } ( القمر : 24 ) ، والتلاوة : قراءة ~~الرسالة والكتاب لأن القارىء يتلو بعض الكلام ببعض ، وأصل الآيات : ~~العلامات مثل آيات الطريق . وأطلقت على الأقوال الدالة على الحق ، والمراد ~~بها هنا الأقوال الموحى بها إلى الرسل مثل صحف إبراهيم وموسى والقرآن ، ~~وأخصها باسم الآيات هي آيات القرآن لأنها ms7114 استكملت كنه الآيات باشتمالها على ~~عظم الدلالة على الحق وإذ هي معجزات بنظمها ولفظها ، وما عداه يسمى آيات ~~على وجه المشاكلة كما في حديث الرجم : أن اليهودي الذي أحضر التوراة وضع ~~يده على آية الرجم ، ولأن في معاني كثير من القرآن والكتب السماوية ما فيه ~~دلائل نظرية على الوحدانية والبعث ونحوها من الاستدلال . # وأسندت التلاوة إلى جميع الرسل وإن كان فيهم من ليس له كتاب ، على طريقة ~~التغليب . # وإضافة ( يوم ) إلى ضمير المخاطبين باعتبار كونهم فيه كقول النبي صلى ~~الله عليه وسلم في خطبة حجة الوداع ( كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في ~~بلدكم هذا ) فالإضافة قائمة مقام التعريف ب ( أل ) العهدية . # وجوابهم بحرف { بلى } إقرار بإبطال المنفي وهو إتيان الرسل وتبليغهم ~~فمعناه إثبات إتيانن الرسل وتبليغهم . # وكلمة { العذاب } هي الوعيد به على ألسنة الرسل كما في قول بعضهم في ~~الآية الأخرى : { فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون } ( الصافات : 31 ) أي ~~تحققت فينا ، فالتعريف في كلمة { العذاب } تعريف الجنس لإضافتها إلى معرفة ~~بلام الجنس ، أي كلمات . PageV24P070 # ومحل الاستدراك هو ما طوي في الكلام مما اقتضى أن تحق عليهم كلمات الوعيد ~~، وذلك بإعراضهم من الإصغاء لأمر الرسل ، فالتقدير : ولكن تكبرنا وعاندنا ~~فحقت كلمة العذاب على الكافرين ، وهذا الجواب من قبيل جواب المتندم المكروب ~~فإنه يوجز جوابه ويقول لسائله أو لائمة : الأمر كما ترى . # ولم يعطف فعل { قالوا } على ما قبله لأنه جاء في معرض المقاولة كما تقدم ~~غير مرة انظر قوله تعالى : { أتجعل فيها من يفسد فيها إلى قوله : قال إني ~~أعلم ما لا تعلمون } ( البقرة : 30 ) . # وفعل { قيل } مبني للنائب للعلم بالفاعل إذ القائل : ادخلوا أبواب جهنم ، ~~هم خزنتها . # ودخول الباب : ولوجه لوصول ما وراءه قال تعالى : { ادخلوا عليهم الباب } ~~( المائدة : 23 ) أي لجوا الأرض المقدسة ، وهي أريحا . # والمثوى : محل الثواء وهو الإقامة ، والمخصوص بالذم محذوف دل عليه ما ~~قبله والتقدير : بئس مثوى المتكبرين جهنم ووصفوا ب { المتكبرين } لأنهم ~~أعرضوا عن قبول الإسلام تكبرا عن أن يتبعوا واحدا منهم . # أطلق ms7115 على تقدمة المتقين إلى الجنة فعل السوق على طريقة المشاكلة ل { سيق ~~} ( الزمر : 71 ) الأولل ، والمشاكلة من المحسنات ، وهي عند التحقيق من ~~قبيل الاستعارة التي لا علاقة لها إلا المشابهة الجملية التي تحمل عليها ~~مجانسة اللفظ . وجعلهم زمرا بحسب مراتب التقوى . # والواو في جملة { وفتحت أبوابها } واو الحال ، أي حين جاءوها وقد فتحت ~~PageV24P071 أبوابها فوجدوا الأبواب مفتوحة على ما هو الشأن في اقتبال أهل ~~الكرامة . # وقد وهم في هذه الواو بعض النحاة مثل ابن خالويه والحريري وتبعهما ~~الثعلبي في ( تفسيره ) فزعموا أنها واو تدخل على ما هو ثامن إما لأن فيه ~~مادة ثمانية كقوله : { ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم } ( الكهف : 22 ) ، ~~فقالوا في { وفتحت أبوابها } جيء بالواو لأن أبواب الجنة ثمانية ، وإما ~~لأنه ثامن في التعداد نحو قوله تعالى : { التائبون العابدون } إلى قوله : { ~~والناهون عن المنكر } ( التوبة : 112 ) فإنه الوصف الثامن في التعداد ووقوع ~~هذه الواوات مصادفة غريبة ، وتنبه أولئك إلى تلك المصادفة تنبه لطيف ولكنه ~~لا طائل تحته في معاني القرآن بله بلاغته ، وقد زينه ابن هشام في ( مغني ~~اللبيب ) ، وتقدم الكلام عليها عند قوله تعالى : { التائبون العابدون } في ~~سورة التوبة وعند قوله : { ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم } في سورة الكهف . # و { إذا } هنا لمجرد الزمان غير مضمنة معنى الشرط ، فالتقدير : حتى زمنن ~~مجيئهم إلى أبواب الجنة ، أي خلتهم الملائكة الموكلون بإحفافهم عند أبواب ~~الجنة ، كحالة من يهدي العروس إلى بيتها فإذا أبلغها بابه خلى بينها وبين ~~بيتها ، كأنهم يقولون : هذا منزلكم فدونكموه ، فتلقتهم خزنة الجنة بالسلام ~~. # و { طبتم } دعاء بالطيب لهم ، أي التزكية وطيب الحالة ، والجملة إنشاء ~~تكريم ودعاء . # والخلاف بين القراء في { فتحت } هنا كالخلاف في نظيره المذكور آنفا . # عطف هذا الكلام يؤذن بأن قولهم ذلك غير جواب لقول الملائكة بل حمدوا الله ~~على ما منحهم من النعيم الذي وعدهم به ، وإنما وعدهم به بعنوان الأعمال ~~الصالحة فلما كانوا أصحاب الأعمال الصالحة جعلوا وعد العاملين للصالحات ~~وعدا لهم لتحقق المعلق عليه الوعد فيهم . ومعنى { صدقنا } حقق لنا وعده . ~~PageV24P072 # وقوله ms7116 : { أورثنا الأرض } كلام جرى مجرى المثل لمن ورث الملك قال تعالى : ~~{ أن الأرض يرثها عبادي الصالحون } ( الأنبياء : 105 ) فعبر القرآن عن مراد ~~أهل الجنة المختلفي اللغات بهذا التركيب العربي الدال على معاني ما نطقوا ~~به من لغاتهم المختلفة . ويجوز أن يكون أهل الجنة نطقوا بكلام عربي ألهمهم ~~الله إياه فقد جاء في الآثار أن كلام أهل الجنة بالعربية الفصحى . ولفظ { ~~الأرض } جار على مراعاة التركيب التمثيلي لأن الأرض قد اضمحلت أو بدلت . ~~ويجوز أن يكون لفظ { الأرض } مستعارا للجنة لأنها قرارهم كما أن الأرض قرار ~~الناس في الحياة الأولى . # وإطلاق الإيراث استعارة تشبيها للإعطاء بالتوريث في سلامته من تعب ~~الاكتساب . # والتبؤ : السكني والحلول ، والمعنى : أنهم يتنقلون في الغرف والبساتين ~~تفننا في النعيم . # وأرادوا ب { العاملين } أنفسهم ، أي عاملي الخير ، وهذا من التصريح ~~بالحقائق فليس فيه عيب تزكية النفس ، لأن ذلك العالم عالم الحقائق الكاملة ~~المجردة عن شوب النقائص . # واعلم أن الآيات وصفت مصير أهل الكفر ومصير المتقين يوم الحشر ، وسكتت عن ~~مصير أهل المعاصي الذين لم يلتحقوا بالمتقين بالتوبة من الكبائر وغفرانن ~~الصغائر باجتناب الكبائر ، وهذه عادة القرآن في الإعراض عن وصف رجال من ~~الأمة الإسلامية بمعصية ربهم إلا عند الاقتضاء لبيان الأحكام ، فإن الكبائر ~~من أمر الجاهلية فما كان لأهل الإسلام أن يقعوا فيها فإذا وقعوا فيها ~~فعليهم بالتوبة ، فإذا ماتوا غير تائبين فإن الله تعالى يحصي لهم حسنات ~~أعمالهم وطيبات نواياهم فيقاصهم بها إن شاء ، ثم هم فيما دون ذلك يقتربون ~~من العقاب بمقدار اقترابهم من حال أهل الكفر في وفرة المعاصي فيؤمر بهم إلى ~~النار ، أو إلى الجنة ، ومنهم أهل الأعراف . وقد تقدمت نبذة من هذا الشأن ~~في سورة الأعراف . PageV24P073 # . # عطف على ما قبله من ذكر أحوال يوم القيامة التي عطف بعضها على بعض ابتداء ~~من قوله تعالى : { ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض } ( ~~الزمر : 68 ) إن من جملة تلك الأحوال حف الملائكة حول العرش . # والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم فيكون إيذانا ms7117 بأنها رؤية دنو من العرش ~~وملائكته ، وذلك تكريم له بأن يكون قد حواه موكب الملائكة الذين حول العرش ~~. # والحف : الإحداق بالشيء والكون بجوانبه . # وجملة { يسبحون بحمد ربهم } حال ، أي يقولون أقوالا تدل على تنزيه الله ~~تعالى وتعظيمه ملابسة لحمدهم إياه . فالباء في { بحمد ربهم } للملابسة ~~تتعلق ب { يسبحون } . وفي استحضار الله تعالى بوصف ربهم إيماء إلى أن قربهم ~~من العرش ترفيع في مقام العبودية الملازمة للخلائق . # . # تأكيد لجملة { وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون } ( الزمر : 69 ) المتقدمة ~~. # . # يجوز أن يكون توكيدا لجملة { وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده } ( الزمر ~~: 74 ) . ويجوز أن يكون حكاية قول آخر لقائلين من الملائكة والرسل وأهل ~~الجنة ، فهو أعم من القول المتقدم الذي هو قول المسوقين إلى الجنة من ~~المتقين ، فهذا قولهم يحمدون الله على عدل قضائه وجميع صفات كماله . # PageV24P074 # | 1 ( سورة المؤمن ) 1 # وردت تسمية هذه السورة في السنة ( حم المؤمن ) روى الترمذي عن أبي هريرة ~~قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ { حم المؤمن إلى إليه المصير } ~~( غافر : 1 3 ) ، وآية الكرسي حين يصبح حفظ بهما ) الحديث . وبذلك اشتهرت ~~في مصاحف المشرق ، وبذلك ترجمها البخاري في ( صحيحه ) والترمذي في ( الجامع ~~) . ووجه التسمية أنها ذكرت فيها قصة مؤمن آل فرعون ولم تذكر في سورة أخرى ~~بوجه صريح . # والوجه في إعراب هذا الاسم حكاية كلمة { حم ساكنة الميم بلفظها الذي يقرأ ~~. وبإضافته إلى لفظ المؤمن بتقدير : سورة حم ذكر المؤمن أو لفظ المؤمن ~~وتسمى أيضا سورة الطول لقوله تعالى في أولها : ذي الطول ( غافر : 3 ) وقد ~~تنوسي هذا الاسم . وتسمى سورة غافر لذكر وصفه تعالى : غافر الذنب } ( غافر ~~: 3 ) في أولها . وبهذا الاسم اشتهرت في مصاحف المغرب . # $ 2 ( { حم & # 1764 * تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم * غافر الذنب وقابل التوب ~~شديد العقاب ذى الطول لا إلاه إلا هو إليه المصير * ما يجادل فى & # 1764 ءايات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم فى البلاد * كذبت ~~قبلهم قوم نوح والاحزاب من بعدهم وهمت كل ms7118 أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا ~~بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب * وكذالك حقت كلمة ربك على ~~الذين كفرو & # 1764 ا أنهم أصحاب النار * الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ~~ويؤمنون به ويستغفرون للذين ءامنوا ربنا وسعت كل شىء رحمة وعلما فاغفر ~~للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم * ربنا وأدخلهم جنات عدن التى ~~وعدتهم ومن صلح من ءابآئهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم * وقهم ~~السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم * إن الذين ~~كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون ~~* قالوا ربنآ أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج ~~من سبيل * ذلكم بأنه إذا دعى الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم ~~لله العلى الكبير * هو الذى يريكم ءاياته وينزل لكم من السمآء رزقا وما ~~يتذكر إلا من ينيب * فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون * رفيع ~~الدرجات ذو العرش يلقى الروح من أمره على من يشآء من عباده لينذر يوم ~~التلاق * يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شىء لمن الملك اليوم لله ~~الواحد القهار * اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع ~~الحساب * وأنذرهم يوم الازفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من ~~حميم ولا شفيع يطاع * يعلم خآئنة الاعين وما تخفى الصدور * والله يقضى ~~بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشىء إن الله هو السميع البصير * أولم ~~يسيروا فى الارض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد ~~منهم قوة وءاثارا فى الارض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق ~~* ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا فأخذهم الله إنه قوى شديد ~~العقاب * ولقد أرسلنا موسى بئاياتنا وسلطان مبين * إلى فرعون وهامان وقشرون ~~فقالوا ساحر كذاب * فلما جآءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلو & # 1764 ا أبنآء الذين ءامنوا معه واستحيوا نسآءهم وما كيد الكافرين إلا فى ms7119 ~~ضلال * وقال فرعون ذرونى & # 1764 أقتل موسى وليدع ربه إنى & # 1764 أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر فى الارض الفساد * وقال موسى إنى عذت ~~بربى وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب * وقال رجل مؤمن من ءال فرعون ~~يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله وقد جآءكم بالبينات من ربكم وإن ~~يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذى يعدكم إن الله لا يهدى من ~~هو مسرف كذاب * ياقوم لكم الملك اليوم ظاهرين فى الارض فمن ينصرنا من بأس ~~الله إن جآءنا قال فرعون مآ أريكم إلا مآ أرى ومآ أهديكم إلا سبيل الرشاد * ~~وقال الذى & # 1764 ءامن ياقوم إنى & # 1764 أخاف عليكم مثل يوم الاحزاب * مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من ~~بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد * وياقوم إنى & # 1764 أخاف عليكم يوم التناد * يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم ~~ومن يضلل الله فما له من هاد * ولقد جآءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم ~~فى شك مما جآءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا كذلك يضل ~~الله من هو مسرف مرتاب * الذين يجادلون فى & # 1764 ءايات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين ءامنوا ~~كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار * وقال فرعون ياهامان ابن لى صرحا ~~لعلى & # 1764 أبلغ الاسباب * أسباب السماوات فأطلع إلى إلاه موسى وإنى لاظنه ~~كاذبا وكذالك زين لفرعون سو & # 1764 ء عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون إلا فى تباب * وقال الذى & # 1764 ءامن ياقوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد * ياقوم إنما هاذه الحيواة ~~الدنيا متاع وإن الاخرة هى دار القرار * من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ~~ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولائك يدخلون الجنة يرزقون فيها ~~بغير حساب * وياقوم ما لى & # 1764 أدعوكم إلى النجواة وتدعوننى & # 1764 إلى النار * تدعوننى لاكفر بالله وأشرك به ما ليس لى به ms7120 علم وأنا ~~أدعوكم إلى العزيز الغفار * لا جرم أنما تدعوننى & # 1764 إليه ليس له دعوة فى الدنيا ولا فى الاخرة وأن مردنآ إلى الله وأن ~~المسرفين هم أصحاب النار * فستذكرون مآ أقول لكم وأفوض أمرى & # 1764 إلى الله إن الله بصير بالعباد * فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق ~~بئال فرعون سو & # 1764 ء العذاب * النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلو & # 1764 ا ءال فرعون أشد العذاب * وإذ يتحآجون فى النار فيقول الضعفاء للذين ~~استكبرو & # 1764 ا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار * قال الذين ~~استكبرو & # 1764 ا إنا كل فيهآ إن الله قد حكم بين العباد * وقال الذين فى النار ~~لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب * قالو & # 1764 ا أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء ~~الكافرين إلا فى ضلال * إنا لننصر رسلنا والذين ءامنوا فى الحيواة الدنيا ~~ويوم يقوم الاشهاد * يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سو & # 1764 ء الدار * ولقد ءاتينا موسى الهدى وأورثنا بنى & # 1764 إسراءيل الكتاب * هدى وذكرى لاولى الالباب * فاصبر إن وعد الله حق ~~واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشى والابكار * إن الذين يجادلون فى & # 1764 ءايات الله بغير سلطان أتاهم إن فى صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه ~~فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير * لخلق السماوات والارض أكبر من خلق ~~الناس ولاكن أكثر الناس لا يعلمون * وما يستوى الاعمى والبصير والذين ~~ءامنوا وعملوا الصالحات ولا المسى & # 1764 ء قليلا ما تتذكرون * إن الساعة لاتية لا ريب فيها ولاكن أكثر الناس ~~لا يؤمنون * وقال ربكم ادعونى & # 1764 أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتى سيدخلون جهنم داخرين * الله ~~الذى جعل لكم اليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن الله لذو فضل على الناس ~~ولاكن أكثر الناس لا يشكرون * ذلكم الله ربكم خالق كل شىء لا إلاه إلا هو ~~فأنى تؤفكون * كذلك يؤفك الذين كانوا بئايات الله يجحدون * الله الذى ms7121 جعل ~~لكم الارض قرارا والسمآء بنآء وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات ذلكم ~~الله ربكم فتبارك الله رب العالمين * هو الحى لا إلاه إلا هو فادعوه مخلصين ~~له الدين الحمد لله رب العالمين * قل إنى نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون ~~الله لما جآءنى البينات من ربى وأمرت أن أسلم لرب العالمين * هو الذى خلقكم ~~من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغو & # 1764 ا أشدكم ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغو & # 1764 ا أجلا مسمى ولعلكم تعقلون * هو الذى يحى ويميت فإذا قضى أمرا فإنما ~~يقول له كن فيكون * ألم تر إلى الذين يجادلون فى & # 1764 ءايات الله أنى يصرفون * الذين كذبوا بالكتاب وبمآ أرسلنا به رسلنا ~~فسوف يعلمون * إذ الاغلال فى & # 1764 أعناقهم والسلاسل يسحبون * فى الحميم ثم فى النار يسجرون * ثم قيل ~~لهم أين ما كنتم تشركون * من دون الله قالوا ضلوا عنا بل لم نكن ندعوا من ~~قبل شيئا كذلك يضل الله الكافرين * ذلكم بما كنتم تفرحون فى الارض بغير ~~الحق وبما كنتم تمرحون * ادخلو & # 1764 ا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين * فاصبر إن وعد الله ~~حق فإما نرينك بعض الذى نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون * ولقد أرسلنا رسلا ~~من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك وما كان لرسول أن يأتى ~~بئاية إلا بإذن الله فإذا جآء أمر الله قضى بالحق وخسر هنالك المبطلون * ~~الله الذى جعل لكم الانعام لتركبوا منها ومنها تأكلون * ولكم فيها منافع ~~ولتبلغوا عليها حاجة فى صدوركم وعليها وعلى الفلك تحملون * ويريكم ءاياته ~~فأى ءايات الله تنكرون * أفلم يسيروا فى الارض فينظروا كيف كان عاقبة الذين ~~من قبلهم كانو & # 1764 ا أكثر منهم وأشد قوة وءاثارا فى الارض فمآ أغنى عنهم ما كانوا ~~يكسبون * فلما جآءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما ~~كانوا به يستهزءون * فلما رأوا بأسنا قالو & # 1764 ا ءامنا بالله ms7122 وحده وكفرنا بما كنا به مشركين * فلم يك ينفعهم ~~إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التى قد خلت فى عباده وخسر هنالك الكافرون ~~} ) 2 $ وهي مكية بالاتفاق وعن الحسن استثناء قوله تعالى : { وسبح بحمد ربك ~~بالعشي والإبكار } ( غافر : 55 ) ، لأنه كان يرى أنها نزلت في فرض الصلوات ~~الخمس وأوقاتها . ويرى أن فرض صلواتت خمسس وأوقاتها ما وقع إلا في المدينة ~~وإنما كان المفروض بمكة ركعتين كل يوم من غير توقيت ، وهو من بناء ضعيف على ~~ضعيف فإن الجمهور على أن الصلوات الخمس فرضت بمكة في أوقاتها على أنه لا ~~يتعين أن يكون المراد بالتسبيح في تلك الآية الصلوات بل يحمل على ظاهر لفظه ~~من كل قول ينزه به الله تعالى . # وأشذ منه ما روي عن أبي العالية أن قوله تعالى : { إن الذين يجادلون في ~~آيات PageV24P075 الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ~~ببالغيه } ( غافر : 56 ) نزلت في يهود من المدينة جادلوا النبي صلى الله ~~عليه وسلم في أمر الدجال وزعموا أنه منهم . وقد جاء في أول السورة { ما ~~يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا . والمراد بهم : المشركون . # وهذه السورة جعلت الستين في عداد ترتيب نزول السور نزلت بعد سورة الزمر ~~وقبل سورة فصلت وهي أول سور ( آل حم ) نزولا . وقد كانت هذه السورة مقروءة ~~عقب وفاة أبي طالب ، أي سنة ثلاث قبل الهجرة لما سيأتي أن أبا بكر قرأ آية ~~أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله } ( غافر : 28 ) حين آذى نفر من قريش رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حول الكعبة ، وإنما اشتد أذى قريشش رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بعد وفاة أبي طالب . # والسور المفتتحة بكلمة { حم سبع سور مرتبة في المصحف على ترتيبها في ~~النزول ويدعى مجموعها آل حم جعلوا لها اسم ( آل ) لتآخيها في فواتحها . ~~فكأنها أسرة واحدة وكلمة ( آل ) تضاف إلى ذي شرف ( ويقال لغير المقصود ~~تشريفه أهل فلان ) قال الكميت : # قرأنا لكم في آلل حاميم آية # تأولها منا فقيه ms7123 ومعرب # يريد قول الله تعالى في سورة حم عسق قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة ~~في القربى ( الشورى : 23 ) على تأويل غير ابن عباس فلذلك عززه بقوله : ~~تأولها منا فقيه ومعرب . # وربما جمعت السور المفتتحة بكلمة حم فقيل الحواميم جمع تكسير على زنة ~~فعاليل لأن مفرده على وزن فاعيل وزنا عرض له من تركيب اسمي الحرفين : حا ، ~~ميم ، فصار كالأوزان العجمية مثل ( قابيل ) ، و ( راحيل ) وما هو بعجمي ~~لأنه وزن عارض لا يعتد به . وجمع التكسير على فعاليل يطرد في مثله . وقد ~~ثبت أنهم جمعوا حم على حواميم في أخبار كثيرة عن ابن مسعود ، وابن عباس ، ~~وسمرة بن جندب ، ونسب في بعض الأخبار إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولم ~~PageV24P076 يثبت بسند صحيح . ومثله السور المفتتحة بكلمة طس أو طسم جمعوها ~~على طواسين بالنون تغليبا . وأنشد أبو عبيدة أبياتا لم يسم قائلها : # حلفت بالسبع الألى قد طولت # وبمئين بعدها قد أمئت # وبثمان ثنيت وكررت # وبالطواسينن اللواتي ثلثت # وبالحواميم اللواتي سبعت # وبالمفصل التي قد فصلت # وعن أبي عبيدة والفراء أن قول العامة الحواميم ليس من كلام العرب وتبعهما ~~أبو منصور الجواليقي . # وقد عدت آيها أربعا وثمانين في عد أهل المدينة وأهل مكة ، وخمسا وثمانين ~~في عد أهل الشام والكوفة ، واثنتين وثمانين في عد أهل البصرة . # أغراض هذه السورة # تضمنت هذه السورة أغراضا من أصول الدعوة إلى الإيمان ، فابتدئت بما يقتضي ~~تحدي المعاندين في صدق القرآن كما اقتضاه الحرفان المقطعان في فاتحتها كما ~~تقدم في أول سورة البقرة . # وأجري على اسم الله تعالى من صفاته ما فيه تعريض بدعوتهم إلى الإقلاع عما ~~هم فيه ، فكانت فاتحة السورة مثل ديباجة الخطبة مشيرة إلى الغرض من تنزيل ~~هذه السورة . وعقب ذلك بأن دلائل تنزيل هذا الكتاب من الله بينة لا يجحدها ~~إلا الكافرون من الاعتراف بها حسدا ، وأن جدالهم تشغيب وقد تكرر ذكر ~~المجادلين في آيات الله خمس مرات في هذه السورة ، وتمثيلل حالهم بحال الأمم ~~التي كذبت رسل الله بذكرهم إجمالا ، ثم ms7124 التنبيه على آثار استئصالهم وضرب ~~المثل بقوم فرعون . وموعظة مؤمن آل فرعون قومه بمواعظ تشبه دعوة محمد قومه ~~. PageV24P077 والتنبيه على دلائل تفرد الله تعالى بالإلهية إجمالا . ~~وإبطالل عبادة ما يعبدون من دون الله . والتذكير بنعم الله على الناس ~~ليشكره الذين أعرضوا عن شكره . والاستدلالل على إمكان البعث . وإنذارهم بما ~~يلقون من هوله وما يترقبهم من العذاب ، وتوعدهم بأن لا نصير لهم يومئذ وبأن ~~كبراءهم يتبرؤون منهم . وتثبيتت الله رسوله بتحقيق نصر هذا الدين في حياته ~~وبعد وفاته . وتخلل ذلك الثناء على المؤمنين ووصف كرامتهم وثناء الملائكة ~~عليهم . # وورد في فضل هذه السورة الحديث الذي رواه الترمذي عن أبي هريرة قال قال ~~رسول الله : من قرأ حم المؤمن إلى إليه المصير } ( غافر : 1 ، 3 ) وآية ~~الكرسي حين يصبح حفظ بهما حتى يمسي ، ومن قرأهما حين يمسي حفظ بهما حتى ~~يصبح ) . # القول فيه كالقول في نظائره من الحروف المقطعة في أوائل السور ، وأن ~~معظمها وقع بعده ذكر القرآن وما يشير إليه لتحدي المنكرين بالعجز عن ~~معارضته . وقد مضى ذلك في أول سورة البقرة وذكرنا هنالك أن الحروف التي ~~أسماؤها ممدودة الآخر ينطق بها في هذه الفواتح مقصورة بحذف الهمزة تخفيفا ~~لأنها في حالة الوقف مثل اسم ( حا ) في هذه السورة واسم ( را ) في ( ألر ) ~~واسم ( يا ) في ( يس ) . # القول فيه كالقول في فاتحة سورة الزمر . ويزاد هنا أن المقصود بتوجيه هذا ~~الخبر هم المشركون المنكرون أن القرآن منزل من عند الله . فتجريد الخبر عن ~~PageV24P078 المؤكد إخراج له على خلاف مقتضى الظاهر بجعل المنكر كغير ~~المنكر لأنه يحف به من الأدلة ما إن تأمله ارتدع عن إنكاره فما كان من حقه ~~أن ينكر ذلك . # أجريت على اسم الله ستة نعوت معارف ، بعضها بحرف التعريف وبعضها بالإضافة ~~إلى معرف بالحرف . # ووصف الله بوصفي { العزيز العليم } ( غافر : 2 ) هنا تعريض بأن منكري ~~تنزيل الكتاب منه مغلوبون مقهورون ، وبأن الله يعلم ما تكنه نفوسهم فهو ~~محاسبهم على ذلك ، ورمز إلى أن القرآن كلام العزيز العليم فلا ms7125 يقدر غير ~~الله على مثله ولا يعلم غير الله أن يأتي بمثله . # وهذا وجه المخالفة بين هذه الآية ونظيرتها من أول سورة الزمر التي جاء ~~فيها وصف { العزيز الحكيم } ( الزمر : 1 ) على أنه يتأتى في الوصف بالعلم ~~ما تأتى في بعض احتمالات وصف { الحكيم في سورة الزمر . ويتأتى في الوصفين ~~أيضا ما تأتى هنالك من طريقي إعجاز القرآن . وفي ذكرهما رمز إلى أن الله ~~أعلم حيث يجعل رسالته وأنه لا يجاري أهواء الناس فيمن يرشحونه لذلك من ~~كبرائهم وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم } ( الزخرف : ~~31 ) . # وفي إتباع الوصفين العظيمين بأوصاف { غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ~~ذي الطول } ترشيح لذلك التعريضض كأنه يقول : إن كنتم أذنبتم بالكفر بالقرآن ~~فإن تدارك ذنبكم في مكنتكم لأن الله مقرر اتصافه بقبول التوبة وبغفران ~~الذنب فكما غفر لمن تابوا من الأمم فقبل إيمانهم يغفر لمن يتوب منكم . # وتقديم { غافر } على { قابل التوب } مع أنه مرتب عليه في الحصول للاهتمام ~~PageV24P079 بتعجيل الإعلام به لمن استعد لتدارك أمره فوصف { غافر الذنب ~~وقابل التوب } تعريض بالترغيب ، وصفتا { شديد العقاب ذي الطول } تعريض ~~بالترهيب . والتوب : مصدر تاب ، والتوب بالمثناة والثوب بالمثلثة والأوب ~~كلها بمعنى الرجوع ، أي الرجوع إلى أمر الله وامتثاله بعد الابتعاد عنه . ~~وإنما عطفت صفة { وقابل التوب } بالواو على صفة { غافر الذنب } ولم تفصل ~~كما فصلت صفتا { العليم ( غافر : 2 ) غافر الذنب } وصفة { شديد العقاب } ~~إشارة إلى نكتة جليلة وهي إفادة أن يجمع للمذنب التائب بين رحمتين بين أن ~~يقبل توبته فيجعلها له طاعة ، وبين أن يمحو عنه بها الذنوب التي تاب منها ~~وندم على فعلها ، فيصبح كأنه لم يفعلها . وهذا فضل من الله . # وقوله : { شديد العقاب } إفضاء بصريح الوعيد على التكذيب بالقرآن لأن ~~مجيئه بعد قوله : { تنزيل الكتاب من الله ( غافر : 2 ) يفيد أنه المقصود من ~~هذا الكلام بواسطة دلالة مستتبعات التراكيب . # والمراد بغافر } و { قابل } أنه موصوف بمدلوليهما فيما مضى إذ ليس المراد ~~أنه سيغفر وسيقبل ، فاسم الفاعل فيهما ms7126 مقطوع عن مشابهة الفعل ، وهو غير ~~عامل عمل الفعل ، فلذلك يكتسب التعريف بالإضافة التي تزيد تقريبه من ~~الأسماء ، وهو المحمل الذي لا يناسب غيره هنا . # و صفة مشبهة مضافة لفاعلها ، وقد وقعت نعتا لاسم الجلالة اعتدادا بأن ~~التعريف الداخل على فاعل الصفة يقوم مقام تعريف الصفة فلم يخالف ما هو ~~المعروف في الكلام من اتحاد النعت والمنعوت في التعريف واكتساب الصفة ~~المشبهة التعريف بالإضافة هو قول نحاة الكوفة طردا لباب التعريف بالإضافة ، ~~وسيبويه يجوز اكتساب الصفات المضافة التعريف بالإضافة إلا الصفة المشبهة ~~لأن إضافتها إنما هي لفاعلها في المعنى لأن أصل ما تضاف إليه الصفة المشبهة ~~أنه كان فاعلا فكانت إضافتها إليه مجرد تخفيف لفظي والخطب سهل . # والطول يطلق على سعة الفضل وسعة المال ، ويطلق على مطلق القدرة كما في ( ~~القاموس ) ، وظاهره الإطلاق وأقره في ( تاج العروس ) وجعله من معنى هذه ~~الآية ، PageV24P080 ووقوعه مع { شديد العقاب } ومزاوجتها بوصفي { غافر ~~الذنب وقابل التوب } ليشير إلى التخويف بعذاب الآخرة من وصف { شديد العقاب ~~} ، وبعذاب الدنيا من وصف { ذي الطول } كقوله : { أو نرينك الذي وعدناهم ~~فإنا عليهم مقتدرون } ( الزخرف : 42 ) ، وقوله : { قل إن الله قادر على أن ~~ينزل آية } ( الأنعام : 37 ) . وأعقب ذلك بما يدل على الوحدانية وبأن ~~المصير ، أي المرجع إليه تسجيلا لبطلان الشرك وإفسادا لإحالتهم البعث . # فجملة { لا إله إلا هو } في موضع الصفة ، وأتبع ذلك بجملة { إليه المصير ~~} إنذارا بالبعث والجزاء لأنه لما أجريت صفات { غافر الذنب وقابل التوبب ~~شديد العقاب } أثير في الكلام الإطماع والتخويف فكان حقيقا بأن يشعروا بأن ~~المصير إما إلى ثوابه وإما إلى عقابه فليزنوا أنفسهم ليضعوها حيث يلوح من ~~حالهم . # وتقديم المجرور في { إليه المصير } للاهتمام وللرعاية على الفاصلة بحرفين ~~: حرف لين ، وحرف صحيح مثل : العليم ، والبلاد ، وعقاب . # وقد اشتملت فاتحة هذه السورة على ما يشير إلى جوامع أغراضها ويناسب الخوض ~~في تكذيب المشركين بالقرآن ويشير إلى أنهم قد اعتزوا بقوتهم ومكانتهم وأن ~~ذلك زائل عنهم كما زال عن أمم أشد منهم ، فاستوفت هذه الفاتحة ms7127 كمال ما يطلب ~~في فواتح الأغراض مما يسمى براعة المطلع أو براعة الاستهلال . # استئناف بياني نشأ من قوله : { تنزيل الكتابب من الله العزيز العليم } ( ~~غافر : 2 ) المقتضي أن كون القرآن منزلا من عند الله أمر لا ريب فيه كما ~~تقدم ، فينشأ في نفوس السامعين أن يقولوا : فما بال هؤلاء المجادلين في صدق ~~نسبة القرآن إلى الله لم تقنعهم دلائل نزول القرآن من الله ، فأجيب بأنه ما ~~يجادل في صدق القرآن إلا الذين كفروا بالله وإذ قد كان كفر المكذبين ~~بالقرآن أمرا معلوما كان الإخبار عنهم PageV24P081 بأنهم كافرون غير مقصود ~~منه إفادة اتصافهم بالكفر ، فتعين أن يكون الخبر غير مستعمل في فائدة الخبر ~~لا بمنطوقه ولا بمفهومه ، فإن مفهوم الحصر وهو : أن الذين آمنوا لا يجادلون ~~في آيات الله كذلك أمر معلوم مقرر ، فيجوز أن يجعل المراد بالذين كفروا نفس ~~المجادلين في آيات الله وأن المراد بكفرهم كفرهم بوحدانية الله بسبب ~~إشراكهم ، فالمعنى : لا عجب في جدالهم بآيات الله فإنهم أتوا بما هو أعظم ~~وهو الإشراك على طريقة قوله تعالى : { يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم ~~كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة } ( ~~النساء : 153 ) . # ويجوز أن يجعل المراد بالذين كفروا جميع الكافرين بالله من السابقين ~~والحاضرين ، أي ما الجدل في آيات الله إلا من شأن أهل الكفر والإشراك ، ~~ومجادلة مشركي مكة شعبة من شعب مجادلة كل الكافرين ، فيكون استدلالا بالأعم ~~على الخاص ، وعلى كلا الوجهين ترك عطف هذه الجملة على التي قبلها . # والمراد بالمجادلة هنا المجادلة بالباطل بقرينة السياق فمعنى { في آيات ~~الله } في صدق آيات الله بقرينة قوله : { تنزيل الكتاب من الله العزيز ~~العليم } ( غافر : 2 ) فتعين تقدير مضاف دل عليه المقام كما دل قوله تعالى ~~عن إبراهيم عليه السلام : { يجادلنا في قوم لوط } ( هود : 74 ) ، على تقدير ~~: في إهلاك قوم لوط ، فصيغة المفاعلة للمبالغة في الفعل من جانب واحد ~~لإفادة التكرر مثل : سافر وعافاه الله ، وهم يتلونون في الاختلاق ويعاودون ~~التكذيب والقول ms7128 الزور من نحو قولهم : { أساطير الأولين } ( الأنعام : 25 ) ~~، { سحر مبين } ( المائدة : 110 ) ، { قول كاهن } ( الحاقة : 42 ) ، { قول ~~شاعر } ( الحاقة : 41 ) لا ينفكون عن ذلك . ومن المجادلة توركهم على الرسول ~~صلى الله عليه وسلم بسؤاله أن يأتيهم بآيات كما يقترحون ، نحو قولهم : { لن ~~نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا } ( الإسراء : 90 ) الآيات وقولهم : ~~{ لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا } ( الفرقان : 7 ) الآيات . # وقد كان لتعلق { في } الظرفية بالجدال ، ولدخوله على نفس الآيات دون ~~أحوالها في قوله : { ما يجادل في آيات الله } موقع عظيم من البلاغة لأن ~~الظرفية تحوي جميع أصناف الجدال ، وجعل مجرور الحرف نفس الآيات دون تعيين ~~نحو صدقها أو وقوعها أو صنفها ، فكان قوله : { في آيات الله } جامعا للجدل ~~بأنواعه PageV24P082 ولمتعلق الجدل باختلاف أحواله والمراد الجدال بالباطل ~~كما دل عليه تنظير حالهم بحال من قال فيهم { وجادلوا بالباطل } ( غافر : 5 ~~) فإذا أريد الجدال بالحق يقيد فعل الجدال بما يدل عليه . # والمعنى : ما يجادل في آيات الله أنها من عند الله ، فإن القرآن تحداهم ~~أن يأتوا بمثله فعجزوا ، وإنما هو تلفيق وتستر عن عجزهم عن ذلك واعتصام ~~بالمكابرة فمجادلتهم بعدما تقدم من التحدي دالة على تمكن الكفر منهم وأنهم ~~معاندون وبذلك حصل المقصود من فائدة هذا وإلا فكونهم كفارا معلوم . # وإظهار اسم الجلالة في قوله : { ما يجادل في آيات الله } دون أن يقول : ~~في آياته ، لتفظيع أمرها بالصريح لأن ذكر اسم الجلالة مؤذن بتفظيع جدالهم ~~وكفرهم وللتصريح بزيادة التنويه بالقرآن . # وفرع قوله : { فلا يغررك تقلبهم في البلاد } على مضمون { ما يجادل في ~~آيات الله إلا الذين كفروا } لما علمت من أن مقتضى تلك الجملة أن المجادلين ~~في آيات الله هم أهل الكفر ، وذلك من شأنه أن يثير في نفس من يراهم في متعة ~~ونعمة أن يتساءل في نفسه كيف يتركهم الله على ذلك ويظن أنهم أمنوا من عذاب ~~الله ، ففرع عليه الجواب { فلا يغررك تقلبهم في البلاد } أي إنما هو ~~استدراج ومقدار من حلم الله ورحمته بهم ms7129 وقتا ما ، أو أن معناه نحن نعلم ~~أنهم يجادلون في آياتنا إصرارا على الكفر فلا يوهمك تقلبهم في البلاد أنا ~~لا نؤاخذهم بذلك . # والغرور : ظن أحد شيئا حسنا وهو بضده يقال : غرك ، إذا جعلك تظن السيىء ~~حسنا . ويكون التغرير بالقول أو بتحسين صورة القبيح . # والتقلب : اختلاف الأحوال ، وهو كناية عن تناول محبوب ومرغوب . و { ~~البلاد } الأرض ، وأريد بها هنا الدنيا كناية عن الحياة . # والمخاطب بالنهي في قوله : { فلا يغررك } يجوز أن يكون غير معين فيعم كل ~~من شأنه أن يغره تقلب الذين كفروا في البلاد ، وعلى هذا يكون النهي جاريا ~~على PageV24P083 حقيقة بابه ، أي موجها إلى من يتوقع منه الغرور ، ومثله ~~كثير في كلامهم ، قال كعب بن زهير : # فلا يغرنك ما منت وما وعدت # إن الأماني والأحلام تضليل # ويجوز أن يكون الخطاب موجها للنبيء صلى الله عليه وسلم على أن تكون صيغة ~~النهي تمثيلية بتمثيل حال النبي صلى الله عليه وسلم في استبطائه عقاب ~~الكافرين بحال من غره تقلبهم في البلاد سالمين ، كقوله تعالى : { ذرهم ~~يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون } ( الحجر : 3 ) . # والمعنى : لا يوهمنك تناولهم مختلف النعماء واللذات في حياتهم أننا غير ~~مؤاخذينهم على جدالهم في آياتنا ، أو لا يوهمنك ذلك أننا لا نعلم ما هم ~~عليه فلم نؤاخذهم به تنزيلا للعالم منزلة الجاهل في شدة حزن الرسول صلى ~~الله عليه وسلم على دوام كفرهم ومعاودة أذاهم كقوله : { ولا تحسبن الله ~~غافلا عما يعمل الظالمون } ( إبراهيم : 42 ) ، وفي معنى هذه قوله تعالى : { ~~لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد ~~} وتقدمت في آل عمران ( 196 ، 197 ) . # جملة { كذبت قبلهم قوم نوح } وما بعدها بيان لجملة { فلا يغررك تقلبهم في ~~البلد } ( غافر : 4 ) باعتبار التفريع الواقع عقب هاته الجمل من قوله : { ~~فأخذتهم فكيف كان عقاب } ، فالمعنى : سبقتهم أمم بتكذيب الرسل كما كذبوك ~~وجادلوا بالباطل رسلهم كما جادلك هؤلاء فأخذتهم فكيف رأيت عقابي إياهم كذلك ~~مثل هؤلاء في إمهالهم إلى أن آخذهم . # والأحزاب : جمع ms7130 حزب بكسر الحاء وسكون الزاي وهو اسم للجماعة الذين هم ~~سواء في شأن : من اعتقاد أو عمل أو عادة . والمراد بهم هنا الأمم الذين ~~PageV24P084 كانت كل أمة منهم متفقة في الدين ، فكل أمة منهم حزب فيما ~~اتفقت عليه . # وفي قوله : { من بعدهم } إشارة إلى أن قوم نوح كانوا حزبا أيضا فكانوا ~~يدينون بعبادة الأصنام : يغوث ، ويعوق ، ونسر ، وود ، وسواع ، وكذلك كانت ~~كل أمة من الأمم التي كذبت الرسل حزبا متفقين في الدين ، فعاد حزب ، وثمود ~~حزب ، وأصحاب الأيكة حزب ، وقوم فرعون حزب . والمعنى : أنهم جميعا اشتركوا ~~في تكذيب الرسل وإن تخالف بعض الأمم مع بعضها في الأديان . وفي الجمع بين { ~~قبلهم } و { من بعدهم } محسن الطباق في الكلام . # والهم : العزم . وحقه أن يعدى بالباء إلى المعاني لأن العزم فعل نفساني ~~لا يتعلق إلا بالمعاني . كقوله تعالى : { وهموا بما لم ينالوا } ( التوبة : ~~74 ) ، ولا يتعدى إلى الذوات ، فإذا عدي إلى اسم ذات تعين تقدير معنى من ~~المعاني التي تلابس الذات يدل عليها المقام كما في قوله تعالى : { ولقد همت ~~به } ( يوسف : 24 ) أي همت بمضاجعته . وقد يذكر بعد اسم الذات ما يدل على ~~المعنى الذي يهم به كما في قوله هنا : { ليأخذوه } إن الهم بأخذه ، وارتكاب ~~هذا الأسلوب لقصد الإجمال الذي يعقبه التفصيل ، ومثله تعلق أفعال القلوب ~~بالأسماء في ظننتك جائيا ، أي ظننت مجيئك . # والأخذ يستعمل مجازا بمعنى التصرف في الشيء بالعقاب والتعذيب والقتل ونحو ~~ذلك من التنكيل ، قال تعالى : { فأخذهم أخذة رابية } ( الحاقة : 10 ) ويقال ~~للأسير : أخيذ ، وللقتيل : أخيذ . # واختير هذا الفعل هنا ليشمل مختلف ما همت به كل أمة برسولها من قتل أو ~~غيره كما قال تعالى : { وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبوتك أو يقتلوك أو ~~يخرجوك } ( الأنفال : 30 ) . # والمعنى : أن الأمم السابقة من الكفرة لم يقتصروا على تكذيب الرسول بل ~~تجاوزوا ذلك إلى غاية الأذى من الهم بالقتل كما حكى الله عن ثمود : { قالوا ~~تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا ~~لصادقون } ( النمل ms7131 : 49 ) . وقد تآمر كفار قريش على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ليلة دار الندوة ليقتلوه أن يتجمع نفر من جميع عشائرهم فيضربوه ~~بالسيوف ضربة رجل واحد كيلا يستطيع PageV24P085 أولياؤه من بني هاشم الأخذ ~~بثأره ، فأخذ الله الأمم عقوبة لهم على همهم برسلهم فأهلكهم واستأصلهم . # ويفهم من تفريع قوله : { فأخذتهم } على قوله : { وهمت كل أمة برسولهم ~~ليأخذوه } إنذار المشركين أن همهم بقتل الرسول صلى الله عليه وسلم هو منتهى ~~أمد الإمهال لهم ، فإذا صمموا العزم على ذلك أخذهم الله كما أخذ الأمم ~~المكذبة قبلهم حين همت كل أمة برسولهم ليأخذوه فإن قريشا لما هموا بقتل ~~الرسول صلى الله عليه وسلم أنجاه الله منهم بالهجرة ثم أمكنه من نواصيهم ~~يوم بدر . والمراد ب { كل أمة } كل أمة من الأحزاب المذكورين . # وضمير { وجادلوا بالباطل } عائد على { كل أمة } . والمقصود : من تعداد ~~جرائم الأمم السابقة من تكذيب الرسل والهم بقتلهم والجدال بالباطل تنظير ~~حال المشركين النازل فيهم قوله : { ما يجادل في آياتت الله إلا الذين كفروا ~~} ( غافر : 4 ) بحال الأمم السابقين سواء ، لينطبق الوعيد على حالهم أكمل ~~انطباق في قوله : { فأخذتهم فكيف كان عقاب } . # والباء في قوله : { بالباطل } للملابسة ، أي جادلوا ملابسين للباطل ~~فالمجرور في موضع الحال من الضمير ، أو الباء للآلة بتنزيل الباطل منزلة ~~الآلة لجدالهم فيكون الظرف لغوا متعلقا ب { جادلوا } . وتقييد { جادلوا } ~~هذا بقيد كونه { بالباطل } يقتضي تقييد ما أطلق في قوله : { ما يجادل في ~~آيات الله إلا الذين كفروا } . # والإدحاض : إبطال الحجة ، قال تعالى : { حجتهم داحضة عند ربهم } ( الشورى ~~: 16 ) . والمعنى : أنهم زوروا الباطل في صورة الحق وروجوه بالسفسطة في ~~صورة الحجة ليبطلوا حجج الحق وكفى بذلك تشنيعا لكفرهم . # وفرع على قوله : { فأخذتهم } قوله : { فكيف كان عقاب } كما فرع قوله : { ~~فلا يغررك تقلبهم في البلاد } ( غافر : 4 ) على جملة { ما يجادل في آيات ~~الله إلا الذين كفروا } ( غافر : 4 ) PageV24P086 فيجري توجيه الاستفهام ~~هنا على نحو ما جرى من توجيه الخطاب هناك . # والأخذ هنا : الغلب . والاستفهام ب { كيف كان عقاب ms7132 } مستعمل في التعجيب ~~من حالة العقاب وذلك يقتضي أن المخاطب بالاستفهام قد شاهد ذلك الأخذ ~~والعقاب وإنما بني ذلك على مشاهدة آثار ذلك الأخذ في مرور الكثير على ~~ديارهم في الأسفار كما أشار إليه قوله تعالى : { وإنها لبسبيل مقيم } ( ~~الحجر : 76 ) ونحوه ، وفي سماع الأخبار عن نزول العقاب بهم وتوصيفهم ، فنزل ~~جميع المخاطبين منزلة من شاهد نزول العذاب بهم ، ففي هذا الاستفهام تحقيق ~~وتثبيت لمضمون جملة { فأخذتهم } . # ويجوز أن يكون في هذا الاستفهام معنى التقرير بناء على أن المقصود بقوله ~~: { كذبت قبلهم قوم نوح } إلى قوله : { فأخذتهم } التعريض بتهديد المشركين ~~من قريش بتنبيههم على ما حل بالأمم قبلهم لأنهم أمثالهم في الإشراك ~~والتكذيب فلذلك يكون الاستفهام عما حل بنظرائهم تقريريا لهم بذلك . # وحذفت ياء المتكلم من { عقاب } تخفيفا مع دلالة الكسرة عليها . # الواو عاطفة على جملة { فكيف كان عقاب } ( غافر : 5 ) ، أي ومثل ذلك الحق ~~حقت كلمات ربك فالمشار إليه المصدر المأخوذ من قوله : { حقت كلمات ربك } ~~على نحو ما قرر غير مرة ، أولاها عند قوله تعالى : { وكذلك جعلناكم أمة ~~وسطا } في سورة البقرة ، وهو يفيد أن المشبه بلغ الغاية في وجه الشبه حتى ~~لو أراد أحد أن يشبهه لم يشبهه إلا بنفسه . # ولك أن تجعل المشار إليه الأخذ المأخوذ من قوله : { فأخذتهم ( غافر : 5 ) ~~، أي ومثل ذلك الأخذ الذي أخذ الله به قوم نوح والأحزاب من بعدهم حقت كلمات ~~الله على الذين كفروا ، فعلم من تشبيه تحقق كلمات الله على الذين كفروا ~~بذلك PageV24P087 الأخذ لأن ذلك الأخذ كان تحقيقا لكلمات الله ، أي تصديقا ~~لما أخبرهم به من الوعيد ، فالمراد بالذين كفروا } جميع الكافرين ، فالكلام ~~تعميم بعد تخصيص فهو تذييل لأن المراد بالأحزاب الأمم المعهودة التي ذكرت ~~قصصها فيكون { الذين كفروا } أعم . وبذلك يكون التشبيه في قوله : { وكذلك ~~حقت كلمات ربك } جاريا على أصل التشبيه من المغايرة بين المشبه والمشبه به ~~، وليس هو من قبيل قوله تعالى : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } ( البقرة : 143 ~~) ونظائره . # ويجوز أن يكون المراد ب { الذين ms7133 كفروا } عين المراد بقوله آنفا : { ما ~~يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا } ( غافر : 4 ) أي مثل أخذ قوم نوح ~~والأحزاب حقت كلمات ربك على كفار قومك ، أي حقت عليهم كلمات الوعيد إذا لم ~~يقلعوا عن كفرهم . # و ( كلمات الله ) هي أقواله التي أوحى بها إلى الرسل بوعيد المكذبين ، و ~~{ على الذين كفروا } يتعلق ب { حقت . # وقوله : أنهم أصحاب النار } يجوز أن يكون بدلا من { كلمات ربك } بدلا ~~مطابقا فيكون ضمير { أنهم } عائد إلى { الذين كفروا } ، أي حق عليهم أن ~~يكونوا أصحاب النار ، وفي هذا إيماء إلى أن الله غير معاقب أمة الدعوة ~~المحمدية بالاستئصال لأنه أراد أن يخرج منهم ذرية مؤمنين . # ويجوز أن يكون على تقدير لام التعليل محذوفة على طريقة كثرة حذفها قبل ( ~~أن ) . والمعنى : لأنهم أصحاب النار ، فيكون ضمير { أنهم } عائدا إلى جميع ~~ما ذكر قبله من قوم نوح والأحزاب من بعدهم ومن الذين كفروا . # وقرأ الجمهور { كلمة ربك } بالإفراد . وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر ~~بصيغة الجمع ، والإفراد هنا مساو للجمع لأن المراد به الجنس بقرينة أن ~~الضمير المجرور ب ( على ) تعلق بفعل { حقت } وهو ضمير جمع فلا جرم أن تكون ~~الكلمة جنسا صادقا بالمتعدد بحسب تعدد أزمان كلمات الوعيد وتعدد الأمم ~~المتوعدة . PageV24P088 # استئناف ابتدائي اقتضاه الانتقال من ذكر الوعيد المؤذن بذم الذين كفروا ~~إلى ذكر الثناء على المؤمنين ، فإن الكلام الجاري على ألسنة الملائكة مثل ~~الكلام الجاري على ألسنة الرسل إذ الجميع من وحي الله ، والمناسبة المضادة ~~بين الحالين والمقالين . # ويجوز أن يكون استئنافا بيانيا ناشئا عن وعيد المجادلين في آيات الله أن ~~يسأل سائل عن حال الذين لا يجادلون في آيات الله فآمنوا بها . # وخص في هذه الآية طائفة من الملائكة موصوفة بأوصاف تقتضي رفعة شأنهم ~~تذرعا من ذلك إلى التنويه بشأن المؤمنين الذين تستغفر لهم هذه الطائفة ~~الشريفة من الملائكة ، وإلا فإن الله قد أسند مثل هذا الاستغفار لعموم ~~الملائكة في قوله في سورة الشورى { والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون ~~لمن في الأرض ms7134 } أي من المؤمنين بقرينة قوله فيها بعده : { والذين اتخذوا من ~~دونه أولياء الله حفيظ عليهم } ( الشورى : 6 ) . # و { الذين يحملون العرش } هم الموكلون برفع العرش المحيط بالسماوات وهو ~~أعظم السماوات ، ولذلك أضيف إلى الله في قوله تعالى : { ويحمل عرش ربك ~~فوقهم يومئذ ثمانية } ( الحاقة : 17 ) . # و { من حوله } طائفة من الملائكة تحف بالعرش تحقيقا لعظمته قال تعالى : { ~~وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم } ( الزمر : 75 ) ، ولا ~~حاجة إلى الخوض في عددهم { وما يعلم جنود ربك إلا هو } ( المدثر : 31 ) . # والإخبار عن صنفي الملائكة بأنهم يسبحون ويؤمنون به ؛ توطئة وتمهيد ~~للإخبار عنهم بأنهم يستغفرون للذين آمنوا فذلك هو المقصود من الخبر ، فقدم ~~له ما فيه PageV24P089 تحقيق استجابة استغفارهم لصدوره ممن دأبهم التسبيح ~~وصفتهم الإيمان . # وصيغة المضارع في { يسبحون } و { يؤمنون } و { يستغفرون } مفيدة لتجدد ~~ذلك وتكرره ، وذلك مشعر بأن المراد أنهم يفعلون ذلك في الدنيا كما هو ~~الملائم لقوله : { فاغفر للذين تابوا } وقوله : { وأدخلهم جنات عدنن التي ~~وعدتهم } ( غافر : 8 ) وقوله : { ومن تق السيئات } ( غافر : 9 ) الخ وقد ~~قال في الآية الأخرى { ويستغفرون لمن في الأرض } ( الشورى : 5 ) أي من ~~المؤمنين كما تقدم . # ومعنى تجدد الإيمان المستفاد من { ويؤمنون } تجدد ملاحظته في نفوس ~~الملائكة وإلا فإن الإيمان عقد ثابت في النفوس وإنما تجدده بتجدد دلائله ~~وآثاره . وفائدة الإخبار عنهم بأنهم يؤمنون مع كونه معلوما في جانب ~~الملائكة التنويه بشأن الإيمان بأنه حال الملائكة ، والتعريض بالمشركين أن ~~لم يكونوا مثل أشرف أجناس المخلوقات مثل قوله تعالى في حق إبراهيم { وما ~~كان من المشركين } ( الأنعام : 161 ) . # وجملة { ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما } مبينة ل { يستغفرون } ، وفيها قول ~~محذوف دلت عليه طريقة التكلم في قولهم : { ربنا } . # والباء في { بحمد ربهم } للملابسة ، أي يسبحون الله تسبيحا مصاحبا للحمد ~~، فحذف مفعول { يسبحون } لدلالة المتعلق به عليه . # والمراد ب { الذين آمنوا } المؤمنون المعهودون وهم المؤمنون بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم لأنهم المقصود في هذا المقام وإن كان صالحا لكل المؤمنين . # وافتتح دعاء الملائكة ms7135 للمؤمنين بالنداء لأنه أدخل في التضرع وأرجى ~~للإجابة ، وتوجهوا إلى الله بالثناء بسعة رحمته وعلمه لأن سعة الرحمة مما ~~يطمع باستجابة الغفران ، وسعة العلم تتعلق بثبوت إيمانن الذين آمنوا . # ومعنى السعة في الصفتين كثرة تعلقاتهما ، وذكر سعة العلم كناية عن يقينهم ~~بصدق إيمان المؤمنين فهو بمنزلة قول القائل ، أنت تعلم أنهم آمنوا بك ~~ووحدوك . PageV24P090 # وجيء في وصفه تعالى بالرحمة الواسعة والعلم الواسع بأسلوب التمييز المحول ~~عن النسبة لما في تركيبه من المبالغة بإسناد السعة إلى الذات ظاهرا حتى كأن ~~ذاته هي التي وسعت ، فذلك إجمال يستشرف به السامع إلى ما يرد بعده فيجيء ~~بعده التمييز المبين لنسبة السعة أنها من جانب الرحمة وجانب العلم ، وهي ~~فائدة تمييز النسبة في كلام العرب ، لأن للتفصيل بعد الإجمال تمكينا للصفة ~~في النفس كما في قوله تعالى : { واشتعل الرأس شيبا } ( مريم : 4 ) . ~~والمراد أن الرحمة والعلم وسعا كل موجود ، الآن ، أي في الدنيا وذلك هو ~~سياق الدعاء كما تقدم آنفا ، فما من موجود في الدنيا إلا وقد نالته قسمة من ~~رحمة الله سواء في ذلك المؤمن والكافر والإنسان والحيوان . # و { كل شيء } كل موجود ، وهو عام مخصوص بالعقل بالنسبة للرحمة ، أي كل ~~شيء محتاج إلى الرحمة ، وتلك هي الموجودات التي لها إدراك تدرك به الملائم ~~والمنافر والنافع والضار ، من الإنسان والحيوان ، إذ لا فائدة في تعلق ~~الرحمة بالحجر والشجر ونحوهما . وأما بالنسبة إلى العلم فالعموم على بابه ~~قال تعالى : { ألا يعلم من خلق } ( الملك : 14 ) . # ولما كان سياق هذا الدعاء أنه واقع في الدنيا كما تقدم اندفع ما عسى أن ~~يقال إن رحمة الله لا تسع المشركين يوم القيامة إذ هم في عذاب خالد فلا ~~حاجة إلى تخصيص عموم كل شيء بالنسبة إلى سعة الرحمة بمخصصات الأدلة ~~المنفصلة القاضية بعدم سعة رحمة الله للمشركين بعد الحساب . # وتفرع على هذه التوطئة بمناجاة الله تعالى ما هو المتوسل إليه منها وهو ~~طلب المغفرة للذين تابوا لأنه إذا كان قد علم صدق توبة من تاب منهم وكانت ms7136 ~~رحمته وسعت كل شيء فقد استحقوا أن تشملهم رحمته لأنهم أحرياء بها . # ومفعول { فاغفر } محذوف للعلم ، أي اغفر لهم ما تابوا منه ، أي ذنوب ~~الذين تابوا . والمراد بالتوبة : الإقلاع عن المعاصي وأعظمها الإشراك بالله ~~. PageV24P091 # واتباع سبيل الله هو العمل بما أمرهم واجتناب ما نهاهم عنه ، فالإرشاد ~~يشبه الطريق الذي رسمه الله لهم ودلهم عليه فإذا عملوا به فكأنهم اتبعوا ~~السبيل فمشوا فيه فوصلوا إلى المقصود . # { وقهم عذاب الجحيم } عطف على { فاغفر } فهو من جملة التفريع فإن الغفران ~~يقتضي هذه الوقاية لأن غفران الذنب هو عدم المؤاخذة به . وعذاب الجحيم جعله ~~الله لجزاء المذنبين ، إلا أنهم عضدوا دلالة الالتزام بدلالة المطابقة ~~إظهارا للحرص على المطلوب . والجحيم : شدة الالتهاب ، وسميت به جهنم دار ~~الجزاء على الذنوب . # ( 8 9 ) # إعادة النداء في خلال جمل الدعاء اعتراض للتأكيد بزيادة التضرع ، وهذا ~~ارتقاء من طلب وقايتهم العذاب إلى طلب إدخالهم مكان النعيم . # والعدن : الإقامة ، أي الخلود . والدعاء لهم بذلك مع تحققهم أنهم موعودون ~~به تأدب مع الله تعالى لأنه لا يسأل عما يفعل ، كما تقدم في سورة آل عمران ~~قوله : { ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك } . # ويجوز أن يكون المراد بقولهم : { وأدخلهم } عجل لهم بالدخول . ويجوز أن ~~يكون ذلك تمهيدا لقولهم : { ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذريتهم } فإن ~~أولئك لم يكونوا موعودين به صريحا . و { من صلح } عطف على الضمير المنصوب ~~في { أدخلهم } . PageV24P092 # والمعنى دعاء بأن يجعلهم الله معهم في مساكن متقاربة ، كما تقدم في قوله ~~تعالى : { هم وأزواجهم في ظلال } في سورة يس ، وقوله : { ألحقنا بهم ~~ذرياتهم } في سورة الطور . # ورتبت القرابات في هذه الآية على ترتيبها الطبيعي فإن الآباء أسبق علاقة ~~بالأبناء ثم الأزواج ثم الذريات . # وجملة { إنك أنت العزيز الحكيم } اعتراض بين الدعوات استقصاء للرغبة في ~~الإجابة بداعي محبة الملائكة لأهل الصلاح لما بين نفوسهم والنفوس الملكية ~~من التناسب . واقتران هذه الجملة بحرف التأكيد للاهتمام بها . و ( إن ) في ~~مثل هذا المقام تغني غناء فاء السببية ، أي فعزتك وحكمتك هما اللتان ~~جرأتانا ms7137 على سؤال ذلك من جلالك ، فالعزة تقتضي الاستغناء عن الانتفاع ~~بالأشياء النفيسة فلما وعد الصالحين الجنة لم يكن لله ما يضنه بذلك فلا ~~يصدر منه مطل ، والحكمة تقتضي معاملة المحسن بالإحسان . # وأعقبوا بسؤال النجاة من العذاب والنعيم بدار الثواب بدعاء بالسلامة من ~~عموم كل ما يسوءهم يوم القيامة بقولهم : { وقهم السيئات } وهو دعاء جامع إذ ~~السيئات هنا جمع سيئة وهي الحالة أو الفعلة التي تسوء من تعلقت به مثل ما ~~في قوله : { فوقاه الله سيئات ما مكروا } ( غافر : 45 ) وقوله تعالى : { ~~وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه } ( الأعراف : 131 ) صيغت على وزن ~~فيعلة للمبالغة في قيام الوصف بالموصوف مثل قيم وسيد وصيقل ، فالمعنى : ~~وقهم من كل ما يسوءهم . # فالتعريف في { السيئات } للجنس وهو صالح لإفادة الاستغراق ، فوقوعه في ~~سياق ما هو كالنفي وهو فعل الوقاية يفيد عموم الجنس ، على أن بساط الدعاء ~~يقتضي عموم الجنس ولو بدون لام نفي كقول الحريري : # يا أهل ذا المغنى وقيتم ضرا PageV24P093 # وفي الحديث ( اللهم أعط منفقا خلفا ، وممسكا تلفا ) أي كل منفق وممسك . # والمراد : إبلاغ هؤلاء المؤمنين أعلى درجات الرضى والقبول يوم الجزاء ~~بحيث لا ينالهم العذاب ويكونون في بحبوحة النعيم ولا يعتريهم ما يكدرهم من ~~نحو التوبيخ والفضيحة . وقد جاء هذا المعنى في آيات كثيرة كقوله : { فوقاهم ~~الله شر ذلك اليوم } ( الإنسان : 11 ) . # وجملة { ومن تقق السيئات يومئذ فقد رحمته } تذييل ، أي وكل من وقي ~~السيئات يوم القيامة فقد نالته رحمة الله ، أي نالته الرحمة كاملة ففعل { ~~رحمته } مراد به تعظيم مصدره . # وقد دل على هذا المراد في هذه الآية قوله : { وذالك هو الفوز العظيم } إذ ~~أشير إلى المذكور من وقاية السيئات إشارة للتنويه والتعظيم . ووصف الفوز ~~بالعظيم لأنه فوز بالنعيم خالصا من الكدرات التي تنقص حلاوة النعمة . # وتنوين { يومئذ } عوض عن المضاف إليه ، أي يوم إذ تدخلهم جنات عدن . # مقابلة سؤال الملائكة للمؤمنين بالنعيم الخالص يوم القيامة بما يخاطب به ~~المشركون يومئذ من التوبيخ والتنديم وما يراجعون به من طلب العفو ms7138 مؤذنة ~~بتقدير معنى الوعد باستجابة دعاء الملائكة للمؤمنين ، فطي ذكر ذلك ضرب من ~~الإيجاز . # والانتقال منه إلى بيان ما سيحل بالمشركين يومئذ ضرب من الأسلوب الحكيم ~~لأن قوله : { إن الذين كفروا ينادون } الآيات مستأنف استئنافا بيانيا كأن ~~سائلا PageV24P094 سأل عن تقبل دعاء الملائكة للمؤمنين فأجيب بأن الأهم أن ~~يسأل عن ضد ذلك ، وفي هذا الأسلوب إيماء ورمز إلى أن المهم من هذه الآيات ~~كلها هو موعظة أهل الشرك رجوعا إلى قوله : { وكذلك حقت كلمات ربك على الذين ~~كفروا أنهم أصحاب النار ( غافر : 6 ) والمراد بالذين كفروا هنا مشركو أهل ~~مكة ، فإنهم المقصود بهذه الأخبار كما تقدم آنفا في قوله : ويستغفرون للذين ~~آمنوا } ( غافر : 7 ) . # والمعنى : أنهم يناديهم الملائكة تبليغا عن رب العزة ، قال تعالى : { ~~أولئك ينادون من مكان بعيد } ( فصلت : 44 ) وهو بعد عن مرتبة الجلال ، أي ~~ينادون وهم في جهنم كما دل عليه قوله : { فهل إلى خروج من سبيل } ( غافر : ~~11 ) . # واللام في { لمقت الله } لام القسم . والمقت : شدة البغض . و { إذ تدعون ~~} ظرف ل { مقتكم أنفسكم } . # و { إذ } ظرف للزمن الماضي ، أي حين كنتم تدعون إلى الإيمان على لسان ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وذلك في الدنيا بقرينة { تدعون } وجيء بالمضارع ~~في { تدعون } و { تكفرون } للدلالة على تكرر دعوتهم إلى الإيمان وتكرر ~~كفرهم ، أي تجدده . # ومعنى : مقتهم أنفسهم حينئذ أنهم فعلوا لأنفسهم ما يشبه المقت إذ حرموها ~~من فضيلة الإيمان ومحاسن شرائعه ورضوا لأنفسهم دين الكفر بعد أن أوقظوا على ~~ما فيه من ضلال ومغبة سوء ، فكان فعلهم ذلك شبيها بفعل المرء لبغيضه من ~~الضر والكيد ، وهذا كما يقال : فلان عدو نفسه . وفي حديث سعد بن أبي وقاص ~~عن عمر بن الخطاب أن عمر قال لنساء من قريش يسألن النبي صلى الله عليه وسلم ~~ويستكثرن ، فلما دخل عمر ابتدرن الحجاب فقال لهن : ( يا عدواتت أنفسهن ~~أتهبنني ولا تهبن رسول الله صلى الله عليه وسلم . # فالمقت مستعار لقلة التدبر فيما يضر . وقد أشار إلى وجه هذه الاستعارة ~~قوله : { إذ ms7139 تدعون إلى الإيمان فتكفرون } فمناط الكلام هو { فتكفرون } وفي ~~ذكر { ينادون } ما يدل على كلام محذوف تقديره : أن الذين كفروا يمقتهم الله ~~وينادون لمقت الله الخ . PageV24P095 # ومعنى مقت الله : بغضه إياهم وهو مجاز مرسل أطلق على المعاملة بآثار ~~البغض من التحقير والعقاب فهو أقرب إلى حقيقة البغض لأن المراد به أثره وهو ~~المعاملة بالنكال ، وهو شائع شيوع نظائره مما يضاف إلى الله مما تستحيل ~~حقيقته عليه ، وهذا الخبر مستعمل في التوبيخ والتنديم . # و { أكبر } بمعنى أشد وأخطر أثرا ، فإطلاق الكبر عليه مجاز لأن الكبر من ~~أوصاف الأجسام لكنه شاع إطلاقه على القوة في المعاني . ولما كان مقتهم ~~أنفسهم حرمهم من الإيمان الذي هو سبب النجاة والصلاح وكان غضب الله عليهم ~~أوقعهم في العذاب كان مقت الله إياهم أشد وأنكى من مقتهم أنفسهم لأن شدة ~~الإيلام أقوى من الحرمان من الخير . والمقت الأول قريب من قوله : { أولئك ~~الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم } ( البقرة : 16 ) ، والمقت ~~الثاني قريب من قوله تعالى : { ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا ~~} ( فاطر : 39 ) وهو مقت العذاب . هذا هو الوجه في تفسير الآية الملاقي ~~لتناسق نظمها ، وللمفسرين فيها وجوه أخر تدنو وتبعد مما ذكرنا فاستعرضها ~~واحكم فيها . # و { أنفسكم } يتنازعه { مقت الله ، } و { مقتكم } فهو مفعول المصدرين ~~المضافين إلى فاعليهما . # وبني فعل { تدعون } إلى النائب للعلم بالفاعل لظهور أن الداعي هو الرسول ~~صلى الله عليه وسلم أو الرسل عليهم السلام . وتفريع { فتكفرون } بالفاء على ~~{ تدعون } يفيد أنهم أعقبوا الدعوة بالكفر ، أي بتجديد كفرهم السابق ~~وبإعلانه أي دون أن يتمهلوا مهلة النظر والتدبر فيما دعوا إليه . ~~PageV24P096 # جواب عن النداء الذي نودوا به من قبل الله تعالى فحكي مقالهم على طريقة ~~حكاية المحاورات بحذف حرف العطف ، طمعوا أن يكون اعترافهم بذنوبهم وسيلة ~~إلى منحهم خروجا من العذاب خروجا ما ليستريحوا منه ولو بعض الزمن ، وذلك ~~لأن النداء الموجه إليهم من قبل الله أوهمهم أن فيه إقبالا عليهم . # والمقصود من الاعتراف هو اعترافهم بالحياة الثانية لأنهم ms7140 كانوا ينكرونها ~~وأما الموتتان والحياة الأولى فإنما ذكرن إدماجا للاستدلال في صلب الاعتراف ~~تزلفا منهم ، أي أيقنا أن الحياة الثانية حق وذلك تعريض بأن إقرارهم صدق لا ~~مواربة فيه ولا تصنع لأنه حاصل عن دليل ، ولذلك جعل مسببا على هذا الكلام ~~بعطفه بفاء السببية في قوله : { فاعترفنا بذنوبنا } . # والمراد بإحدى الموتتين : الحالة التي يكون بها الجنين لحما لا حياة فيه ~~في أول تكوينه قبل أن ينفخ فيه الروح ، وإطلاق الموت على تلك الحالة مجاز ~~وهو مختار الزمخشري والسكاكي بناء على أن حقيقة الموت انعدام الحياة من ~~الحي بعد أن اتصف بالحياة ، فإطلاقه على حالة إنعدام الحياة قبل حصولها فيه ~~استعارة ، إلا أنها شائعة في القرآن حتى ساوت الحقيقة فلا إشكال في استعمال ~~{ أمتنا } في حقيقته ومجازه ، ففي ذلك الفعل جمع بين الحقيقة والاستعارة ~~التبعية تبعا لجريان الاستعارة في المصدر ، ولا مانع من ذلك لأنه واقع ~~ووارد في الكلام البليغ كاستعمال المشتركك في معنييه ، والذين لا يرون ~~تقييد مدلول الموت بأن يكون حاصلا بعد الحياة يكون إطلاق الموت على حالة ما ~~قبل الاتصاف بالحياة عندهم واضحا ، وتقدم في قوله تعالى : { وكنتم أمواتا ~~فأحياكم } في سورة البقرة ، على أن إطلاق الموت على الحالة التي قبل نفخ ~~الروح في هذه الآية أسوغ لأن فيه تغليبا للموتة الثانية . وأما الموتة ~~الثانية فهي الموتة المتعارفة عند انتهاء حياة الإنسان والحيوان . # والمراد بالاحياءتين : الاحياءة الأولى عند نفخ الروح في الجسد بعد مبدأ ~~PageV24P097 تكوينه ، والإحياءة الثانية التي تحصل عند البعث ، وهو في معنى ~~قوله تعالى : { وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون } ~~( البقرة : 28 ) . # وانتصب { اثنتين } في الموضعين على الصفة لمفعول مطلق محذوف . والتقدير : ~~موتتين اثنتين وإحياءتين اثنتين فيجيء في تقدير موتتين تغليب الاسم الحقيقي ~~على الاسم المجازي عند من يقيد معنى الموت . # وقد أورد كثير من المفسرين إشكال أن هنالك حياة ثالثة لم تذكر هنا وهي ~~الحياة في القبر التي أشار إليها حديث سؤال القبر وهو حديث اشتهر بين ~~المسلمين من عهد السلف ms7141 ، وفي كون سؤال القبر يقتضي حياة الجسم حياة كاملة ~~احتمال ، وقد يتأول بسؤال روح الميت عند جسده أو بحصول حياة بعض الجسد أو ~~لأنها لما كانت حياة مؤقتة بمقدار السؤال ليس للمتصف بها تصرف الإحياء في ~~هذا العالم ، لم يعتد بها لاسيما والكلام مراد منه التوطئة لسؤال خروجهم من ~~جهنم ، وبهذا يعلم أن الآية بمعزل عن أن يستدل بها لثبوت الحياة عند السؤال ~~في القبر . # وتفرع قولهم : { فاعترفنا بذنوبنا } على قولهم : { وأحييتنا اثنتين } ~~اعتبار أن إحدى الإحياءتين كانت السبب في تحقق ذنوبهم التي من أصولها ~~إنكارهم البعث فلما رأوا البعث رأي العين أيقنوا بأنهم مذنبون إذ أنكروه ~~ومذنبون بما استكثروه من الذنوب لاغترارهم بالأمن من المؤاخذة عليهم بعد ~~الحياة العاجلة . # فجملة { فاعترفنا بذنوبنا } إنشاء إقرار بالذنوب ولذلك جيء فيه بالفعل ~~الماضي كما هو غالب صيغ الخبر المستعمل في الإنشاء مثل صيغ العقود نحو : ~~بعت . والمعنى : نعترف بذنوبنا . # وجعلوا هذا الاعتراف ضربا من التوبة توهما منهم أن التوبة تنفع يومئذ ، ~~فلذلك فرعوا عليه : { فهل إلى خروج من سبيل } ، فالاستفهام مستعمل في العرض ~~والاستعطاف كليا لرفع العذاب ، وقد تكرر في القرآن حكاية سؤال أهل النار ~~الخروج أو التخفيف ولو يوما . PageV24P098 # والاستفهام بحرف { هل } مستعمل في الاستعطاف . وحرف { من } زائد لتوكيد ~~العموم الذي في النكرة ليفيد تطلبهم كل سبيل للخروج وشأن زيادة { من } أن ~~تكون في النفي وما في معناه دون الاثبات . وقد عد الاستفهام ب { هل } خاصة ~~من مواقع زيادة { من } لتوكيد العموم كقوله تعالى : { وتقول هل من مزيد } ( ~~ق : 30 ) ، وتقدم ذلك عند قوله تعالى : { فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا } ~~في سورة الأعراف ، وأن وجه اختصاص { هل بوقوع من الزائدة في المستفهم عنه ~~بها أنه كثر استعمال الاستفهام بها في معنى النفي ، وزيادة من حينئذ لتأكيد ~~النفي وتنصيص عموم النفي ، فخف وقوعها بعد هل على ألسن أهل الاستعمال . # وتنكير خروج للنوعية تلطفا في السؤال ، أي إلى شيء من الخروج قليلل أو ~~كثير لأن كل خروج يتنفعون به راحة من العذاب ms7142 كقولهم : ادعوا ربكم يخفف عنا ~~يوما من العذاب } ( غافر : 49 ) . # والسبيل : الطريق واستعير إلى الوسيلة التي يحصل بها الأمر المرغوب ، ~~وكثر تصرف الاستعمال في إطلاقات السبيل والطريق والمسلك والبلوغ على ~~الوسيلة وبحصول المقصود . # وتنكير { سبيل } كتنكير { خروج } أي من وسيلة كيف كانت بحق أو بعفو ~~بتخفيف أو غير ذلك . # قال في ( الكشاف ) ( وهذا كلام من غلب عليه اليأس والقنوط ) يريد أن في ~~اقتناعهم بخروج ما دلالة على أنهم يستبعدون حصول الخروج . # عدل عن جوابهم بالحرمان من الخروج إلى ذكر سبب وقوعهم في العذاب ، وإذ قد ~~كانوا عالمين به حين قالوا : { فاعترفنا بذنوبنا } ( غافر : 11 ) ، كانت ~~إعادة التوقيف عليه PageV24P099 بعد سؤال الصفح عنه كناية عن استدامته وعدم ~~استجابة سؤالهم الخروج منه على وجه يشعر بتحقيرهم . وزيد ذلك تحقيقا بقوله ~~: { فالحكم لله العلي الكبير } . # فالإشارة ب { ذلكم } إلى ما هم فيه من العذاب الذي أنبأ به قوله : { ~~ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم } ( غافر : 10 ) وما عقب به من ~~قولهم : { فهل إلى خروج من سبيل } ( غافر : 11 ) . # والباء في { بأنه } للسببية ، أي بسبب كفركم إذا دعي الله وحده . وضمير { ~~بأنه } ضمير الشأن ، وهو مفسر بما بعده من قوله : { إذا دعي الله وحده ~~كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا } ، فالسبب هو مضمون القصة الذي حاصل سبكه : ~~بكفركم بالوحدانية وإيمانكم بالشرك . # و { إذا } مستعملة هنا في الزمن الماضي لأن دعاء الله واقع في الحياة ~~الدنيا وكذلك كفرهم بوحدانية الله ، فالدعاء الذي مضى مع كفرهم به كان سبب ~~وقوعهم في العذاب . # ومجيء { وإن يشرك به تؤمنوا } بصيغة المضارع في الفعلين مؤول بالماضي ~~بقرينة ما قبله ، وإيثار صيغة المضارع في الفعلين لدلالتهما على تكرر ذلك ~~منهم في الحياة الدنيا فإن لتكرره أثرا في مضاعفة العذاب لهم . # والدعاء : النداء ، والتوجه بالخطاب . وكلا المعنيين يستعمل فيه الدعاء ~~ويطلق الدعاء على العبادة ، كما سيأتي عند قوله تعالى : { وقال ربكم ادعوني ~~أستجب لكم } في هذه السورة ، فالمعنى إذا نودي الله بمسمعكم نداء دالا على ~~أنه إله واحد مثل آيات القرآن ms7143 الدالة على نداء الله بالوحدانية ، فالدعاء ~~هنا الإعلان والذكر ، ولذلك قوبل بقوله : { كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا } ، ~~والدعاء بهذا المعنى أعم من الدعاء بمعنى سؤال الحاجات ولكنه يشمله ، أو ~~إذا عبد الله وحده . PageV24P100 # ومعنى { كفرتم } جددتم الكفر ، وذلك إما بصدور أقوال منهم ينكرون فيها ~~انفراد الله بالإلاهية ، وإما بملاحظة الكفر ملاحظة جديدة وتذكر آلهتهم . ~~ومعنى : { وإن يشرك به تؤمنوا } إن يصدر ما يدل على الإشراك بالله من أقوال ~~زعمائهم ورفاقهم الدالة على تعدد الآلهة أو إذا أشرك به في العبادة تؤمنوا ~~، أي تجددوا الإيمان بتعدد الآلهة في قلوبكم أو تؤيدوا ذلك بأقوال التأييد ~~والزيادة . ومتعلق { كفرتم } و { تؤمنوا } محذوفان لدلالة ما قبلهما . ~~والتقدير : كفرتم بتوحيده وتؤمنوا بالشركاء . # وجيء في الشرط الأول ب { إذا التي الغالب في شرطها تحقق وقوعه إشارة إلى ~~أن دعاء الله وحده أمر محقق بين المؤمنين لا تخلو عنه أيامهم ولا مجامعهم ، ~~مع ما تفيد إذا من الرغبة في حصول مضمون شرطها . # وجيء في الشرط الثاني بحرف إن التي أصلها عدم الجزم بوقوع شرطها ، أو أن ~~شرطها أمر مفروض ، مع أن الإشراك محقق تنزيلا للمحقق منزلة المشكوك المفروض ~~للتنبيه على أن دلائل بطلان الشرك واضحة بأدنى تأمل وتدبر فنزل إشراكهم ~~المحقق منزلة المفروض لأن المقام مشتمل على ما يقلع مضمون الشرط من أصله ~~فلا يصلح إلا لفرضه على نحو ما يفرض المعدوم موجودا أو المحال ممكنا . # والألف واللام في الحكم للجنس . واللام في لله للملكك أي جنس الحكم ملك ~~لله ، وهذا يفيد قصر هذا الجنس على الكون لله كما تقدم في قوله : الحمد لله ~~} في سورة الفاتحة وهو قصر حقيقي إذ لا حكم يوم القيامة لغير الله تعالى . # وبهذه الآية تمسك الحرورية يوم حروراء حين تداعى جيش الكوفة وجيش الشام ~~إلى التحكيم فثارت الحرورية على علي بن أبي طالب وقالوا : لا حكم إلا لله ( ~~جعلوا التعريف للجنس والصيغة للقصر ) وحدقوا إلى هذه الآية وأغضوا عن آيات ~~جمة ، فقال علي لما سمعها : ( كلمة حق أريد بها باطل ) اضطرب ms7144 الناس ولم يتم ~~التحكيم . PageV24P101 # وإيثار صفتي { العلي الكبير } بالذكر هنا لأن معناهما مناسب لحرمانهم من ~~الخروج من النار ، أي لعدم نقض حكم الله عليهم بالخلود في النار ، لأن ~~العلو في وصفه تعالى علو مجازي اعتباري بمعنى شرف القدر وكماله ، فهو العلي ~~في مراتب الكمالات كلها بالذات ، ومن جملة ما يقتضيه ذلك تمام العلم وتمام ~~العدل ، فلذلك لا يحكم إلا بما تقتضيه الحكمة والعدل . # ووصف { الكبير } كذلك هو كبر مجازي ، وهو قوة صفات كماله ، فإن الكبير ~~قوي وهو الغني المطلق ، وكلا الوصفين صيغ على مثال الصفة المشبهة للدلالة ~~على الاتصاف الذاتي المكين ، وإنما يقبل حكم النقض لأحد أمرين إما لعدم ~~جريه على ما يقتضيه من سبب الحكم وهو النقض لأجل مخالفة الحق وهذا ينافيه ~~وصف { العلي ، } وإما لأنه جور ومجاوز للحد ، وهذا ينافيه وصف { الكبير } ~~لأنه يقتضي الغنى عن الجور . # هذا استئناف ابتدائي إقبال على خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ~~بعد أن انقضى وصف ما يلاقي المشركون من العذاب ، وما يدعون من دعاء لا ~~يستجاب ، وقرينة ذلك قوله : { ولو كره الكافرون } ( غافر : 14 ) . # ومناسبة الانتقال هي وصفا { العلي الكبير } ( غافر : 12 ) لأن جملة { ~~يريكم آياته } تناسب وصف العلو ، وجملة { ينزل لكم من السماء رزقا } تناسب ~~وصف { الكبير } بمعنى الغني المطلق . # والآيات : دلائل وجوده ووحدانيته . وهي المظاهر العظيمة التي تبدو للناس ~~في هذا العالم كقوله : { هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا } ( الرعد : 12 ) ~~وقوله : { إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي ~~الألباب } ( آل عمران : 190 ) . وتنزيل الرزق من السماء هو نزول المطر لأن ~~المطر سبب الرزق وهو في نفسه آية PageV24P102 أدمج معها امتنان ، ولذلك عقب ~~الأمران بقوله : { وما يتذكر إلا من ينيب } . # وصيغة المضارع في { يريكم } و { ينزل } تدل على أن المراد إراءة متجددة ~~وتنزيل متجدد وإنما يكون ذلك في الدنيا ، فتعين أن الخطاب مستأنف مراد به ~~المؤمنون وليس من بقية خطاب المشركين في جهنم ، ويزيد ذلك تأييدا قوله : { ~~فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون ms7145 } ( غافر : 14 ) . # وعدي فعلا ( يرى ) و { ينزل } إلى ضمير المخاطبين وهم المؤمنون لأنهم ~~الذين انتفعوا بالآيات فآمنوا وانتفعوا بالرزق فشكروا بالعمل بالطاعات فجعل ~~غيرهم بمنزلة غير المقصودين بالآيات لأنهم لم ينتفعوا بها كما قال تعالى : ~~{ وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون } ( العنكبوت : 43 ) ~~فجعل غير العالمين كمن لا يعقل ولا يفقه . # ولذلك ذيلت إراءة الآيات وإنزال الرزق لهم بقوله : { وما يتذكر إلا من ~~ينيب } أي من آمن ونبذ الشرك لأن الشرك يصد أهله عن الإنصاف وإعمال النظر ~~في الأدلة . # والإنابة : التوبة ، وفي صيغة المضارع إشارة إلى أن الإنابة المحصلة ~~للمطلوب هي الإنابة المتجددة المتكررة ، وإذ قد كان المخاطبون منيبين إلى ~~الله كان قوله : { وما يتذكر إلا من ينيب } دالا بدلالة الاقتضاء على أنهم ~~رأوا الآيات واطمأنوا بها وأنهم عرفوا قدر النعمة وشكروها فكان بين الإنابة ~~وبين التذكر تلازم عادي ، ولذلك فجملة { وما يتذكر إلا من ينيب } تذييل . # وتقديم { لكم } على مفعول { ينزل } وهو { رزقا } لكمال الامتنان بأن جعل ~~تنزيل الرزق لأجل الناس ولو أخر المجرور لصار صفة ل { رزقا } فلا يفيد أن ~~التنزيل لأجل المخاطبين بل يفيد أن الرزق صالح للمخاطبين وبين المعنيين بون ~~بعيد ، فكان تقديم المجرور في الترتيب على مفعول الفعل على خلاف مقتضى ~~الظاهر لأن حق المفعول أن يتقدم على غيره من متعلقات الفعل وإنما خولف ~~الظاهر لهذه النكتة . PageV24P103 # وجعل تنزيل الرزق لأجل المخاطبين وهم المؤمنون إشارة إلى أن الله أراد ~~كرامتهم ابتداء وأن انتفاع غيرهم بالرزق انتفاع بالتبع لهم لأنهم الذين ~~بمحل الرضى من الله تعالى . # وتثار من هذه الآية مسألة الاختلاف بين الأشعرية مع الماتريدي ومع ~~المعتزلة في أن الكافر منعم عليه أو لا ؟ فعن الأشعري أن الكافر غير منعم ~~عليه في الدنيا ولا في الدين ولا في الآخرة ، وقال القاضي أبو بكر ~~الباقلاني والماتريدي : هو منعم عليه نعمة دنيوية ، لا دينية ولا أخروية ، ~~وقالت المعتزلة : هم منعم عليه نعمة دنيوية ودينية لا أخروية ، فأما ~~الأشعري فلم يعتبر بظاهر الملاذ التي تحصل للكافر ms7146 في الحياة فإنما ذلك ~~إملاء واستدراج لأن مآلها العذاب المؤلم فلا تستحق اسم النعمة . # وأنا أقول : لو استدل له بأنها حاصلة لهم تبعا فهي لذائد وليست نعما لأن ~~النعمة لذة أريد منها نفع من وصلت إليه كما أشرت إليه آنفا . # وأما الباقلاني فراعى ظاهر الملاذ فلم يمنع أن تكون نعما وإن كانت ~~عواقبها آلاما ، وآيات القرآن شاهدة لقوله . وأما المعتزلة فزادوا فزعموا ~~أن الكافر منعم عليه دينا ، وأرادوا بذلك أن الله مكن الكافر من نعمة ~~القدرة على النظر المؤدي إلى معرفة الله وواجبب صفاته . والذي استقر عليه ~~رأي المحققين من المتكلمين أن هذا الخلاف لفظي لأنه غير ناظر إلى حقيقة ~~حالة الكافر في الدنيا والدين ، وإنما نظر كل شق من أهل الخلاف إلى ما حف ~~بأحوال الكافر في تلك النعمة فرجع إلى الخلاف في الألفاظ المصطلح عليها ~~ومدلولاتها لا في حقائق المقصود منها . # تفريع على ما شاهدوا من الآيات وما أفيض عليهم من الرزق ، وعلى أنهم ~~المرجوون للتذكر ، أي إذ كنتم بهذه الدرجة فادعوا الله مخلصين ، ففي الفاء ~~معنى الفصيحة كما تقدم في قوله : { وما يتذكر إلا من ينيب } ( غافر : 13 ) ~~. PageV24P104 # والمعنى : أن الله أراكم آياته وأنزل لكم الرزق وما يتذكر بذلك إلا ~~المنيبون وأنتم منهم فادعوا الله مخلصين لتوفر دواعي تلك العبادة . # والدعاء هنا الإعلان وذكر الله ونداؤه ويشمل الدعاء بمعنى سؤال الحاجة ~~شمول الأعم للأخص ، وتقدم آنفا أن الدعاء يطلق على العبادة . والأمر مستعمل ~~في طلب الدوام لأن المؤمنين قد دعوا الله مخلصين له ، فالمقصود : دوموا على ~~ذلك ولو كره الكافرون ، لأن كراهية الكافرين ذلك من المؤمنين تكون سببا ~~لمحاولتهم صرفهم عن ذلك بكل وسيلة يجدون إليها سبيلا فيخشى ذلك أن يفتن ~~فريقا من المؤمنين ، فالكراهية كناية عن المقاومة والصد لأنهما لازمان ~~للكراهية لأن شأن الكاره أن لا يصبر على دوام ما يكرهه ، فالأمر بقوله : { ~~فادعوا الله مخلصين } لي نحو الأمر في قوله : { يا أيها الذين آمنوا آمنوا ~~بالله ورسوله } ( النساء : 136 ) . # وإظهار اسم الجلالة في قوله : { فادعوا ms7147 الله } لأن الكلام تفريع لاستجداد ~~غرض آخر فجعل مستقلا عما قبله . # وتقدم تفسير { مخلصين له الدين } في تفسير قوله : { فاعبد الله مخلصا له ~~الدين } أول سورة الزمر . # وجملة { ولو كره الكافرون } في موضع الحال من فاعل { ادعوا } . # و { لو } وصلية تفيد أن شرطها أقصى ما يكون من الأحوال التي يراد تقييد ~~عامل الحال بها ، أي اعبدوه في كل حال حتى في حال كراهية الكافرين ذلك لأن ~~كراهية الكافرين ذلك والمؤمنون بين ظهرانيهم وفي بلاد فيه سلطان الكافرين ~~مظنة لأن يصدهم ذلك عن دعاء الله مخلصين له الدين . وهذا في معنى قوله ~~تعالى : { فاصدع بما تؤمر } ( الحجر : 94 ) وقد تقدم تفصيل ( لو ) هذه عند ~~قوله : { فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به } في سورة آل ~~عمران . PageV24P105 # ( 15 16 ) # . # { رفيع الدرجات } خبر عن مبتدأ محذوف هو ضمير اسم الجلالة في قوله : { ~~فادعوا الله } ( غافر : 14 ) وليس خبرا ثانيا بعد قوله : { هو الذي يريكم ~~آياته } ( غافر : 13 ) لأن الكلام هنا في غرض مستجد ، وحذف المسند إليه في ~~مثله حذف اتباع للاستعمال في حذف مثله ، كذا سماه السكاكي بعد أن يجري من ~~قبل الجملة حديث عن المحذوف كقول عبد الله بن الزبير أو إبراهيم بن العباس ~~الصولي أو محمد بن سعيد الكاتب : # سأشكر عمرا إن تراخت منيتي # أيادي لم تمنن وإن هي جلت # فتى غير محجوب الغنى عن صديقه # ولا مظهرا للشكوى إذا النعل زلت # و { رفيع } يجوز أن يكون صفة مشبهة . والتعريف في { الدرجات } عوض عن ~~المضاف إليه . والتقدير : رفيعة درجاته ، فلما حول وصف ما هو من شؤونه إلى ~~أن يكون وصفا لذاته سلك طريق الإضافة وجعلت الصفة المشبهة خبرا عن ضمير ~~الجلالة وجعل فاعل الصفة مضافا إليه ، وذلك من حالات الصفة المشبهة يقال : ~~فلان حسن فعله ، ويقال : فلان حسن الفعل ، فيؤول قوله : { رفيع الدرجات } ~~إلى صفة ذاته . # و { الدرجات } مستعارة للمجد والعظمة ، وجمعها إيذان بكثرة العظمات ~~باعتبار صفات مجد الله التي لا تحصر ، والمعنى : أنه حقيق بإخلاص الدعاء ~~إليه ms7148 . ويجوز أن يكون من أمثلة المبالغة ، أي كثير رفعع الدرجات لمن يشاء ~~وهو معنى قوله تعالى : { نرفع درجات من نشاء } ( يوسف : 76 ) . وإضافته إلى ~~{ الدرجات } من الإضافة إلى المفعول فيكون راجعا إلى صفات أفعال الله تعالى ~~. # والمقصود : تثبيتهم على عبادة الله مخلصين له الدين بالترغيب بالتعرض إلى ~~PageV24P106 رفع الله درجاتهم كقوله : { يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين ~~أوتوا العلم درجات } في سورة المجادلة . # و { ذو العرش } خبر ثان وفيه إشارة إلى أن رفع الدرجات منه متفاوت . # كما أن مخلوقاته العليا متفاوتة في العظم والشرف إلى أن تنتهي إلى العرش ~~وهو أعلى المخلوقات كأنه قيل : إن الذي رفع السماوات ورفع العرش ماذا ~~تقدرون رفعه درجات عابديه على مراتب عبادتهم وإخلاصهم . # وجملة { يلقي الروح من أمره } خبر ثالث ، أو بدل بعض من جملة { رفيع ~~الدرجات } فإن من رفع الدرجات أن يرفع بعض عباده إلى درجة النبوءة وذلك ~~أعظم رفع الدرجات بالنسبة إلى عباده ، فبدل البعض هو هنا أهم أفراد المبدل ~~منه . # والإلقاء : حقيقته رمي الشيء من اليد إلى الأرض ، ويستعار للاعطاء إذا ~~كان غير مترقب ، وكثر هذا في القرآن ، قال : { فألقوا إليهم القول إنكم ~~لكاذبون وألقوا إلى الله يومئذ السلم } ( النحل : 86 ، 87 ) . واستعير هنا ~~للوحي لأنه يجيء فجأة على غير ترقب كإلقاء الشيء إلى الأرض . # والروح : الشريعة ، وحقيقة الروح : ما به حياة الحي من المخلوقات ، ~~ويستعار للنفيس من الأمور وللوحي لأنه به حياة الناس المعنوية وهي كمالهم ~~وانتظام أمورهم ، فكما تستعار الحياة للإيمان والعلمم ، كذلك يستعار الروح ~~الذي هو سبب الحياة لكمال النفوس وسلامتها من الطوايا السيئة ، ويطلق الروح ~~على الملك قال : { فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا } ( مريم : 17 ~~) . # و { من } ابتدائية في { من أمره } ، أي بأمره ، فالأمر على ظاهره . ويجوز ~~أن تكون { من } تبعيضية ظرفا مستقرا صفة { الروح } أي بعض شؤونه التي لا ~~يطلع عليها غيره إلا من ارتضى فيكون الأمر بمعنى الشأن ، أي الشؤون العجيبة ~~، وقيل : { من } بيانية وأن الأمر هو الروح وهذا بعيد . # وهذه الآية تشير ms7149 إلى أن النبوءة غير مكتسبة لأنها ابتدئت بقوله : { ~~فادعوا الله PageV24P107 مخلصين له الدين } ( غافر : 14 ) ثم أعقب بقوله : ~~{ رفيع الدرجات } فأشار إلى عبادة الله بإخلاص سبب لرفع الدرجات ، ثم أعقب ~~بقوله : { يلقي الروح من أمره } فجيء بفعل الإلقاء وبكون الروح من أمره ~~وبصلة { من يشاء من عباده } ، فآذن بأن ذلك بمحض اختياره وعلمه كما قال ~~تعالى : { الله أعلم حيث يجعل رسالاته } ( الأنعام : 124 ) . وهذا يرتبط ~~بقوله في أول السورة { إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له ~~الدين } فأمر رسوله صلى الله عليه وسلم بالإخلاص في العبادة مفرعا على ~~إنزال الكتاب إليه ، وجاء في شأن الناس بقوله : { فادعوا الله مخلصين } ( ~~غافر : 14 ) ثم أعقبه بقوله : { رفيع الدرجات } . # وقد ضرب لهم العرش والأنبياء مثلين لرفع الدرجات في العوالم والعقلاء ، ~~وفيه تعريض بتسفيه المشركين { فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه } ( القمر : 24 ~~) ، { وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم } ( الزخرف : ~~31 ) و { قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله } ( الأنعام : 124 ) ~~. # وتخلص من ذكر النبوءة إلى النذارة بيوم الجزاء ليعود وصف يوم الجزاء الذي ~~انقطع الكلام عليه من قوله تعالى : { ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم } ~~( غافر : 12 ) الخ . # والإنذار : إخبار فيه تحذير مما يسوء ، وهو ضد التبشير إذ هو إخبار بما ~~فيه مسرة . وفعله المجرد : نذر كعلم ، يقال : نذر بالعدو فحذره . والهمزة ~~في أنذر للتعدية فحقه أن لا يتعدى بالهمزة إلا إلى مفعول واحد ، وهو الذي ~~كان فاعل الفعل المجرد ، وأن يتعدى إلى الأمر المخبر به بالباء ، يقال : ~~أنذرتهم بالعدو ، غير أنه غلب في الاستعمال تضمينه معنى التحذير فعدوه إلى ~~مفعول ثان وهو استعمال القرآن ، وأما قوله في أول الأعراف { لتنذر به ~~فالباء فيه للسببية أو الآلة المجازية وليست للتعدية . وضمير به عائدا إلى ~~الكتاب . # والضمير المستتر في لينذر } عائد إلى اسم الجلالة من قوله : { فادعوا ~~الله } ( غافر : 14 ) ، والأحسن أن يعود على { من } الموصولة لينذر من ألقى ~~عليه الروح قومه ، ولأن PageV24P108 فيه تخلصا ms7150 إلى ذكر الرسول الأعظم صلى ~~الله عليه وسلم الذي هو بصدد الإنذار دون الرسل الذين سبقوا إذ لا تلائمهم ~~صيغة المضارع ولأنه مرجح لإظهار اسم الجلالة في قوله : { لا يخفى على الله ~~منهم شيء } كما سيأتي . # و { يوم التلاقي } هو يوم الحشر ، وسمي يوم التلاقي لأن الناس كلهم ~~يلتقون فيه ، أو لأنهم يلقون ربهم لقاء مجازيا ، أي يقفون في حضرته وأمام ~~أمره مباشرة كما قال تعالى : { الذين لا يرجون لقاءنا } ( يونس : 7 ) أي لا ~~يرجون يوم الحشر . وانتصب { يوم التلاقي } على أنه مفعول ثان ل { ينذر } ، ~~وحذف المفعول الأول لظهوره ، أي لينذر الناس . وبين { التلاقي } و { يلقي } ~~جناس . # وكتب { التلاقي } في المصحف بدون ياء . وقرأه نافع وأبو عمرو في رواية ~~عنه بكسرة بدون ياء . وقرأه الباقون بالياء لأنه وقع في الوصل لا في الوقف ~~فلا موجب لطرح الياء إلا معاملة الوصل معاملة الوقف وهو قليل في النثر ~~فيقتصر فيه على السماع . وكفى برواية نافع وأبي عمرو سماعا . # و { يوم هم بارزون } بدل من { يوم التلاقي } . و { هم بارزون } جملة ~~اسمية ، والمضاف ظرف مستقبل وذلك جائز على الأرجح بدون تقدير . # وضمير الغيبة عائد إلى { الكافرون من قوله : ولو كره الكافرون } ( غافر : ~~14 ) . # وجملة { لا يخفى على الله منهم شيء } بيان لجملة { هم بارزون } والمعنى : ~~أنهم واضحة ظواهرهم وبواطنهم فإن ذلك مقتضى قولهم : { منهم شيء } . # وإظهار اسم الجلالة لأن إظهاره أصرح لبعد معاده بما عقبه من قوله : { على ~~من يشاء من عباده } ، ولأن الأظهر أن ضمير { لينذر } عائد إلى { من يشاء } ~~. # ومعنى { منهم } من مجموعهم ، أي من مجموع أحوالهم وشؤونهم ، ولهذا أوثر ~~ضمير الجمع لما فيه من الإجمال الصالح لتقدير مضاف مناسب للمقام ، وأوثر ~~أيضا لفظ { شيء } لتوغله في العموم ، ولم يقل لا يخفى على الله منهم أحد ، ~~PageV24P109 أو لا يخفى على الله من أحد شيء ، أي من أجزاء جسمه ، فالمعنى ~~: لا يخفى على الله شيء من أحوالهم ظاهرها وباطنها . # مقول لقول محذوف ، وحذف القول من حديث البحر . والتقدير : يقول الله لمن ms7151 ~~الملك اليوم ، ففعل القول المحذوف جملة في موضع الحال ، أو استئناف بياني ~~جوابا عن سؤال سائل عما ذا يقع بعد بروزهم بين يدي الله . # والاستفهام إما تقريري ليشهد الطغاة من أهل المحشر على أنفسهم أنهم كانوا ~~في الدنيا مخطئين فيما يزعمونه لأنفسهم من ملك لأصنامهم حين يضيفون إليها ~~التصرف في ممالك من الأرض والسماء ، مثل قول اليونان بإلاه البحر وإلاه ~~الحرب وإلاه الحكمة ، وقول أقباط مصر بإلاه الشمس وإلاه الموت وإلاه الحكمة ~~، وقول العرب باختصاص بعض الأصنام ببعض القبائل مثل اللاتت لثقيف ، وذي ~~الخلصة لدوس ، ومناة للأوس والخزرج . وكذلك ما يزعمونه لأنفسهم من سلطان ~~على الناس لا يشاركهم فيه غيرهم كقول فرعون : { ما علمت لكم من إله غيري } ~~( القصص : 38 ) وقوله : { أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي } ( ~~الزخرف : 51 ) ، وتلقيب أكاسرة الفرس أنفسهم بلقب : ملك الملوك ( شاهنشاه ) ~~، وتلقيب ملوك الهند أنفسهم بلقب ملك الدنيا ( شاه جهان ) . ويفسر هذا ~~المعنى ما في الحديث في صفة يوم الحشر ( ثم يقول الله أنا الملك أين ملوك ~~الأرض ) استفهاما مرادا منه تخويفهم من الظهور يومئذ ، أي أين هم اليوم ~~لماذا لم يظهروا بعظمتهم وخيلائهم . # ويجوز أيضا أن يكون الاستفهام كناية عن التشويق إلى ما يرد بعده من ~~الجواب لأن الشأن أن الذي يسمع استفهاما يترقب جوابه فيتمكن من نفسه الجواب ~~عند سماعه فضل تمكن ، على أن حصول التشويق لا يفوت على اعتبار الاستفهام ~~للتقرير ، وقريب منه : { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي ~~إذا دعان } ( البقرة : 186 ) . PageV24P110 # و { اليوم } المعرف باللام هو اليوم الحاضر ، وحضوره بالنسبة إلى القول ~~المحكي أنه يقال فيه ، أي اليوم الذي وقع فيه هذا القول كما هو شأن أسماء ~~الزمان الظروف إذا عرفت باللام . # وجملة { لله الواحد القهار } يجوز أن تكون من بقية القول المقدر الصادر ~~من جانب الله تعالى بأن يصدر من ذلك الجانب استفهام ويصدر منه جوابه لأنه ~~لما كان الاستفهام مستعملا في التقرير أو التشويق كان من الشأن أن يتولى ~~الناطق به ms7152 الجواب عنه ، ونظيره قوله تعالى : { عم يتساءلون عنن النبإ ~~العظيم } ( النبأ : 1 ، 2 ) . ويجوز أن تكون مقول قول آخر محذوف ، أي فيقول ~~المسؤولون : { لله الواحد القهار } إقرارا منهم بذلك ، والتقدير : فيقول ~~البارزون لله الواحد القهار ، فتكون معترضة . # وذكر الصفتين { الواحد القهار } دون غيرهما من الصفات العلى لأن ~~لمعنييهما مزيد مناسبة بقوله : { لمنن الملك اليوم } حيث شوهدت دلائل ~~الوحدانية لله وقهره جميع الطغاة والجبارين . # لا ريب في أن هذه الجمل الثلاث متصلة بالمقول الصادر من جانب الله تعالى ~~، سواء كان مجموع الجملتين السابقتين مقولا واحدا أم كانت الثانية منهما من ~~مقول أهل المحشر . وترتيب هذه الجمل الخمس هو أنه لما تقرر أن الملك لله ~~وحده في ذلك اليوم بمجموع الجملتين السابقتين ، عددت آثار التصرف بذلك ~~الملكك وهي الحكم على العباد بنتائج أعمالهم وأنه حكم عادل لا يشوبه ظلم ، ~~وأنه عاجل لا يبطىء لأن الله لا يشغله عن إقامة الحق شاغل ولا هو بحاجة إلى ~~التدبر والتأمل في طرق قضائه ، وعلى هذه النتائج جاء ترتيب { اليوم تجزى كل ~~نفس بما كسبت } ، ثم PageV24P111 { لا ظلم اليوم } ، ثم { إن الله سريع ~~الحساب } ، وأما مواقع هاته الجمل الثلاث فإن جملة { اليوم تجزى } الخ ~~واقعة موقع البيان لما في جملة { لمن الملك اليوم } ( غافر : 16 ) وجوابها ~~من إجمال ، وجملة { لا ظلم اليوم } واقعة موقع بدل الاشتمال من جملة { ~~اليوم تجزى كل نفس بما كسبت } أي جزاء عادلا لا ظلم فيه ، أي ليس فيه أقل ~~شوب من الظلم حسبما اقتضاه وقوع النكرة بعد { لا } النافية للجنس . # وتعريف { اليوم } في قوله : { اليوم تجزى كل نفس } وقوله : { لا ظلم ~~اليوم } نظير تعريف { لمن الملك اليوم } ( غافر : 16 ) ، وجملة { إن الله ~~سريع الحساب } واقعة موقع التعليل لوقوع الجزاء في ذلك اليوم ولانتفاء ~~الظلم عن ذلك الجزاء . وتأخيرها عن تينك الجملتين مشير إلى أنها علة لهما ، ~~فحرف التوكيد واقع موقع فاء السببية كما هو شأن { إن } إذا جاءت في غير ~~مقام رد الإنكار ، فسرعة الحساب تقتضي سرعة الحكم . وسرعة الحكم تقتضي ms7153 تملؤ ~~الحاكم من العلم بالحق ، ومن تقدير جزاء كل عامل على عمله دون تردد ولا بحث ~~لأن الحاكم علام الغيوب ، فكان قوله : { سريع الحساب } علة لجميع ما تقدمه ~~في هذا الغرض . والمعنى : أن الله محاسبهم حسابا سريعا لأنه سريع الحساب . # والحساب مصدر حاسب غيره إذا حسب له ما هو مطلوب بإعداده ، وفائدة ذلك ~~تختلف فتارة يكون الحساب لقصد استحضار أشياء كيلا يضيع منها شيء ، وتارة ~~يكون لقصد توقيف من يتعين توقيفه عليها ، وتارة يكون لقصد مجازاة كل شيء ~~منها بعدله ، وهذا الأخير هو المراد هنا ولأجله سمي يوم الجزاء يوم الحساب ~~، وهو المراد في قوله تعالى : { إن حسابهم إلا على ربي } ( الشعراء : 113 ) ~~. والباء في قوله : { بما كسبت } للسببية ، أي تجزى بسبب ما كسبت ، أي جزاء ~~مناسبا لما كسبت ، أي عملت . # وفي الآية إيماء إلى أن تأخير القضاء بالحق بعد تبينه للقاضي بدون عذر ~~ضرب من ضروب الجور لأن الحق إن كان حق العباد فتأخير الحكم لصاحب الحق ~~إبقاء لحقه بيد غيره ، ففيه تعطيل انتفاعه بحقه برهة من الزمان وذلك ظلم ، ~~ولعل صاحب الحق في حاجة إلى تعجيل حقه لنفع معطل أو لدفع ضر جاثم ، ولعله ~~أن PageV24P112 يهلك في مدة تأخير حقه فلا ينتفع به ، أو لعل الشيء المحكوم ~~به يتلف بعارض أو قصد فلا يصل إليه صاحبه بعد . وإن كان الحق حق الله كان ~~تأخير القضاء فيه إقرارا للمنكر . في ( صحيح البخاري ) ( أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم استعمل أبا موسى على اليمن ثم أتبعه معاذ بن جبل فلما قدم ~~معاذ على أبي موسى ألقى إليه أبو موسى وسادة وقال له : أنزل ، وإذا رجل ~~موثق عند أبي موسى ، قال معاذ : ما هذا ؟ قال : كان يهوديا فأسلم ثم تهود . ~~قال معاذ : لا أجلس حتى يقتل ، قضاء الله ورسوله ، ثلاث مرات ، فأمر به أبو ~~موسى فقتل ) . # الأظهر أن يكون قوله : { وأنذرهم } وما بعده معترضا بين جملة { إن الله ~~سريع الحساب } ( غافر : 17 ) وجملة { يعلم خائنة الأعين } ( غافر : 19 ) ~~على الوجهين ms7154 الآتيين في موقع جملة { يعلم خائنة الأعين } ، فالواو اعتراضية ~~، والمناسبة أن ذكر الحساب به يقتضي التذكير بالاستعداد ليوم الحساب وهو ~~يوم الآزفة . # ويوم الآزفة يوم القيامة . وأصل الآزفة اسم فاعل مؤنث مشتق من فعل أزف ~~الأمر ، إذا قرب ، فالآزفة صفة لموصوف محذوف تقديره : الساعة الآزفة ، أو ~~القيامة الآزفة ، مثل الصاخة ، فتكون إضافة { يوم } إلى { الآزفة } ، ~~حقيقية . وتقدم القول في تعدية الإنذار إلى ( اليوم ) في قوله : { لتنذر ~~يوم التلاقي } ( غافر : 15 ) . # و { إذ } بدل من { يوم } فهو اسم زمان منصوب على المفعول به ، مضاف إلى ~~جملة { القلوب لدى الحناجر } و { أل } في { القلوب } و { الحناجر } عوض عن ~~المضاف إليه . وأصله : إذ قلوبهم لدى حناجرهم ، فبواسطة ( أل ) عوض تعريف ~~الإضافة بتعريف العهد وهو رأي نحاة الكوفة ، والبصريون يقدرون : إذ القلوب ~~منهم والحناجر PageV24P113 منهم والمعنى : إذ قلوب الذين تنذرهم ، يعني ~~المشركين ، فأما قلوب الصالحين يومئذ فمطمئنة . # والقلوب : البضعات الصنوبرية التي تتحرك حركة مستمرة ما دام الجسم حيا ~~فتدفع الدم إلى الشرايين التي بها حياة الجسم . # والحناجر : جمع حنجرة بفتح الحاء وفتح الجيم وهي الحلقوم . ومعنى القلوب ~~لدى الحناجر : أن القلوب يشتد اضطراب حركتها من فرط الجزع مما يشاهده أهلها ~~من بوارق الأهوال حتى تتجاوز القلوب مواضعها صاعدة إلى الحناجر كما قال ~~تعالى في ذكر يوم الأحزاب : { وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر } ( ~~الأحزاب : 10 ) . # وكاظم : اسم فاعل من كظم كظوما ، إذا احتبس نفسه ( بفتح الفاء ) . فمعنى ~~{ كاظمين } : اكنين لا يستطيعون كلاما . فعلى هذا التأويل لا يقدر ل { ~~كاظمين } مفعول لأنه عومل معاملة الفعل اللازم . ويقال : كظم كظما ، إذا سد ~~شيئا مجرى ماء أو بابا أو طريقا فهو كاظم ، فعلى هذا يكون المفعول مقدرا . ~~والتقدير : كاظمينها ، أي كاظمين حناجرهم إشفاقا من أن تخرج منها قلوبهم من ~~شدة الاضطراب . وانتصب { كاظمين } على الحال من ضمير الغائب في قوله : { ~~أنذرهم } على أن الحال حال مقدرة . ويجوز أن يكون حالا من القلوب على ~~المجاز العقلي بإسناد الكاظم إلى القلوب وإنما الكاظم أصحاب القلوب كما في ~~قوله تعالى ms7155 : { فويل لهم مما كتبت أيديهم } ( البقرة : 79 ) وإنما الكاتبون ~~هم بأيديهم . # وجملة { ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع } في موضع بدل اشتمال من جملة ~~{ القلوب لدى الحناجر } لأن تلك الحالة تقتضي أن يستشرفوا إلى شفاعة من ~~اتخذوهم ليشفعوا لهم عند الله فلا يلفون صديقا ولا شفيعا . والحميم : المحب ~~المشفق . # والتعريف في { الظالمين } للاستغراق ليعم كل ظالم ، أي مشرك فيشمل ~~الظالمين المنذرين ، ومن مضى من أمثالهم فيكون بمنزلة التذييل ولذلك فليس ~~ذكر الظالمين من الإظهار في مقام الإضمار . PageV24P114 # ووصف : { شفيع } بجملة { يطاع } وصف كاشف إذ ليس أن المراد لهم شفعاء لا ~~تطاع شفاعتهم لظهور قلة جدوى ذلك ولكن لما كان شأن من يتعرض للشفاعة أن يثق ~~بطاعة المشفوع عنده له . وأتبع { شفيع } بوصف { يطاع } لتلازمهما عرفا فهو ~~من إيراد نفي الصفة اللازمة للموصوف . والمقصود : نفي الموصوف بضرب من ~~الكناية التلميحية كقول ابنن أحمر : # ولا ترى الضب بها ينجحر # أي لا ضب فيها فينجحر ، وذلك يفيد مفاد التأكيد . # والمعنى : أن الشفيع إذا لم يطع فليس بشفيع . والله لا يجترىء أحد على ~~الشفاعة عنده إلا إذا أذن له فلا يشفع عنده إلا من يطاع . # يجوز أن تكون جملة { يعلم خائنة الأعين } خبرا عن مبتدأ محذوف هو ضمير ~~عائد إلى اسم الجلالة من قوله : { إن الله سريع الحساب } ( غافر : 17 ) على ~~نحو ما قرر قبله في قوله : { رفيع الدرجات } ( غافر : 15 ) . ومجموع الظاهر ~~والمقدر استئناف للمبالغة في الإنذار لأنهم إذا ذكروا بأن الله يعلم ~~الخفايا كان إنذارا بالغا يقتضي الحذر من كل اعتقاد أو عمل نهاهم الرسول ~~صلى الله عليه وسلم عنه ، فبعد أن أيأسهم من شفيع يسعى لهم في عدم المؤاخذة ~~بذنوبهم أيأسهم من أن يتوهموا أنهم يستطيعون إخفاء شيء من نواياهم أو أدنى ~~حركات أعمالهم على ربهم . ويجوز أن تكون خبرا ثانيا عن اسم { إن في قوله : ~~إن الله سريع الحساب } ( غافر : 17 ) ، وما بينهما اعتراض كما مر على كلا ~~التقديرين . PageV24P115 # و { خائنة الأعين } مصدر مضاف إلى فاعله فالخائنة مصدر على ms7156 وزن اسم ~~الفاعل مثل العافية للمعافاة ، والعاقبة ، والكاذبة في قوله تعالى : { ليس ~~لوقعتها كاذبة } ( الواقعة : 2 ) ويجوز إبقاء { خائنة } على ظاهر اسم ~~الفاعل فيكون صفة لموصوف محذوف دل عليه { الأعين ، } أي يعلم نظرة الأعين ~~الخائنة . # وحقيقة الخيانة : عمل من أؤتمن على شيء بضد ما أؤتمن لأجله بدون علم صاحب ~~الأمانة ، ومن ذلك نقض العهد بدون إعلان بنبذه . ومعنى : { خائنة الأعين } ~~خيانة النظر ، أي مسارقة النظر لشيء بحضرة من لا يحب النظر إليه . فإضافة { ~~خائنة } إلى { الأعين } من إضافة الشيء إلى آلته كقولهم : ضرب السيف . # والمراد ب { خائنة الأعين } النظرة المقصود منها إشعار المنظور إليه بما ~~يسوء غيرها الحاضر استهزاء به أو إغراء به . وإطلاق الخائنة بمعنى الخيانة ~~على هذه النظرة استعارة مكنية ، شبه الجليس بالحليف في أنه لما جلس إليك أو ~~جلست إليه فكأنه عاهدك على السلامة ، ألا ترى أن المجالسة يتقدمها السلام ~~وهو في الأصل إنباء بالمسالمة فإذا نظرت إلى آخر غيركما نظرا خفيا لإشارة ~~إلى ما لا يرضي الجليس من استهزاء أو إغراء فكأنك نقضت العهد المدخول عليه ~~بينكما ، فإطلاق الخيانة على ذلك تفظيع له ، ويتفاوت قرب التشبيه بمقدار ~~تفاوت ما وقعت النظرة لأجله في الإساءة وآثار المضرة . ولذلك قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم ( ما يكون لنبي أن تكون له خائنة الأعين ) ، أي لا تصدر منه ~~. # و { وما تخفي الصدور } النوايا والعزائم التي يضمرها صاحبها في نفسه ، ~~فأطلق الصدر على ما يكن الأعضاء الرئيسية على حسب اصطلاح أصحاب اللغة . ~~PageV24P116 # كان مقتضى الظاهر أن يؤتى بجملة { يقضي بالحق } معطوفة بالواو على جملة { ~~يعلم خائنة الأعين ( غافر : 19 ) فيقال : ويقضى بالحق ولكن عدل عن ذلك لما ~~في الاسم العلم لله تعالى من الإشعار بما يقتضيه المسمى به من صفات الكمال ~~التي منها العدل في القضاء ، ونظيره في الإظهار في مقام الإضمار قوله تعالى ~~: أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه } ~~( الرعد : 41 ) . وليحصل من تقديم المسند إليه على المسند الفعلي تقوي ~~المعنى ، ومنه ms7157 قوله تعالى : { إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن ~~سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم ~~يحشرون } ( الأنفال : 36 ) أعيد الموصول ولم يؤت بضمير { الذين كفروا } ~~ليفيد تقديم الاسم على الفعل تقوي الحكم . # والجملة من تمام الغرض الذي سيقت إليه جملة { يعلم خائنة الأعين } ( غافر ~~: 19 ) كما تقدم ، وكلتاهما ناظرة إلى قوله : { ما للظالمين من حميم ولا ~~شفيع } ( غافر : 18 ) أي أن ذلك من القضاء بالحق . # وأما جملة { والذين تدعون من دونه لا يقضون بشيء } فناظرة إلى جملة { ما ~~للظالمين من حميم ولا شفيع } ( غافر : 18 ) فبعد أن نفي عن أصنامهم الشفاعة ~~، نفي عنها القضاء بشيء ما بالحق أو بالباطل وذلك إظهار لعجزها . ولا تحسبن ~~جملة { والذين تدعون من دونه لا يقضون بشيء } مسوقة ضميمة إلى جملة : { ~~والله يقضي بالحق } ليفيد مجموع الجملتين قصر القضاء بالحق على الله تعالى ~~قصر قلب ، أي دون الأصنام ، كما أفيد القصر من ضم الجملتين في قول السموأل ~~أو عبد الملك الحارثي : # تسيل على حد الظبات نفوسنا # وليست على غير الظبات تسيل # لأن المنفي عن آلهتهم أعم من المثبت لله تعالى ، وليس مثل ذلك مما يضاد ~~صيغة القصر لكفى في إفادته تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي بحمله على ~~إرادة PageV24P117 الاختصاص في قوله : { والله يقضي بالحق } . فالمراد من ~~قوله : { والذين تدعون من دونه لا يقضون بشيء } التذكير بعجز الذين يدعونهم ~~وأنهم غير أهل للإلهية ، وهذه طريقة في إثبات صفة لموصوف ثم تعقيب ذلك ~~بإظهار نقيضه فيما يعد مساويا له كما في قول أمية بن أبي الصلت : # تلك المكارم لا قعبانن من لبن # شيبا بماء فصار فيما بعد أبوالا # وإلا لما كان لعطف قوله : لا قعبانن من لبن ، مناسبة . # والدعاء يجوز أن يكون بمعنى النداء وأن يكون بمعنى العبادة كما تقدم آنفا ~~. # وجملة { إن الله هو السميع البصير } مقررة لجمل { يعلم خائنة الأعين وما ~~تخفي الصدور } إلى قوله : { لا يقضون بشيء } ( غافر : 19 ، 20 ) . فتوسيط ~~ضمير الفصل مفيد للقصر وهو ms7158 تعريض بأن آلهتهم لا تسمع ولا تبصر فكيف ينسبون ~~إليها الإلهية ، وإثبات المبالغة في السمع والبصر لله تعالى يقرر معنى { ~~يقضي بالحق } لأن العالم بكل شيء تتعلق حكمته بإرادة الباطل ولا تخطىء ~~أحكامه بالعثار في الباطل . وتأكيد الجملة بحرف التأكيد تحقيق للقصر . وقد ~~ذكر التفتزاني في ( شرح المفتاح ) في مبحث ضمير الفصل أن القصر يؤكد . # وقرأ نافع وهشام عن ابن عامر { تدعون بتاء الخطاب على الالتفات من الغيبة ~~إلى الخطاب لقرع أسماع المشركين بذلك . وقرأ الجمهور بياء الغيبة على ~~الظاهر . PageV24P118 # ( 21 22 ) } # انتقال من إنذارهم بعذاب الآخرة على كفرهم إلى موعظتهم وتحذيرهم من أن ~~يحل بهم عذاب الدنيا قبل عذاب الآخرة كما حل بأمم أمثالهم . # فالواو عاطفة جملة { ألم يسيروا في الأرض } على جملة { وأنذرهم يوم ~~الأزفة } ( غافر : 18 ) الخ . والاستفهام تقريري على ما هو الشائع في مثله ~~من الاستفهام الداخل على نفي في الماضي بحرف ( لم ) ، والتقرير موجه للذين ~~ساروا من قريش ونظروا آثار الأمم الذين أبادهم الله جزاء تكذيبهم رسلهم ، ~~فهم شاهدوا ذلك في رحلتيهم رحلة الشتاء ورحلة الصيف وإنهم حدثوا بما شاهدوه ~~من تضمهم نواديهم ومجالسهم فقد صار معلوما للجميع ، فبهذا الاعتبار أسند ~~الفعل المقرر به إلى ضمير الجمع على الجملة . # والمضارع الواقع بعد ( لم ) والمضارع الواقع في جوابه منقلبان إلى المضي ~~بواسطة ( لم ) . وتقدم شبيه هذه الآية في آخر سورة فاطر وفي سورة الروم . # والضمير المنفصل في قوله : { كانوا هم } ضمير فصل عائد إلى { الظالمين } ~~( غافر : 18 ) وهم كفار قريش الذين أريدوا بقوله : { وأنذرهم ( غافر : 18 ) ~~، وضمير الفصل لمجرد توكيد الحكم وتقويته وليس مرادا به قصر المسند على ~~المسند إليه ، أي قصر الأشدية على ضمير : كانوا } إذ ليس للقصر معنى هنا ~~كما تقدم في قوله تعالى : { إنني أنا الله } في سورة طه وهذا ضابط التفرقة ~~بين ضمير الفصل الذي يفيد القصر وبين الذي يفيد PageV24P119 مجرد التأكيد . ~~واقتصار القزويني في ( تلخيص المفتاح ) على إفادة ضمير الفصل الاختصاص ~~تقصير تبع فيه كلام ( المفتاح ) وقد نبه عليه سعد الدين ms7159 في ( شرحه على ~~التلخيص ) . # والمراد بالقوة القوة المعنوية وهي كثرة الأمة ووفرة وسائل الاستغناء عن ~~الغير كما قال تعالى : { فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من ~~أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة } ( فصلت : 15 ) ~~. # وجملة { كانوا هم أشد منهم قوة } الخ مستأنفة استئنافا بيانيا لتفصيل ~~الإجمال الذي في قوله : { كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم } لأن العبرة ~~بالتفريع بعدها بقوله : { فأخذهم الله بذنوبهم } . # وقرأ الجمهور { منهم } بضمير الغائب ، وقرأه ابن عامر { منكم بضمير خطاب ~~الجماعة وكذلك رسمت في مصحف الشام ، وهذه الرواية جارية على طريقة الالتفات ~~. # والآثار : جمع أثر ، وهو شيء أو شكل يرسمه فعل شيء آخر ، مثل أثر الماشي ~~في الرمل قال تعالى : فقبضت قبضة من أثر الرسول } ( طه : 96 ) ومثل العشب ~~أثر المطر في قوله تعالى : { فانظر إلى أثر رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد ~~موتها } ( الروم : 50 ) ، ويستعار الأثر لما يقع بعد شيء كقوله تعالى : { ~~فلعلك باخع نفسك على آثارهم } ( الكهف : 6 ) . # والمراد بالأرض : أرض أمتهم . # والفاء في { فأخذهم الله } لتفريع الأخذ على كونهم أشد قوة من قريش لأن ~~القوة أريد بها هنا الكناية عن الإباء من الحق والنفور من الدعوة ، ~~فالتقدير : فأعرضوا ، أو فكفروا فأخذهم الله . # والآخذ : الاستئصال والإهلاك كني عن العقاب بالأخذ ، أو استعمل الأخذ ~~مجازا في العقاب . # والذنوب : جمع ذنب وهو المعصية ، والمراد بها الإشراك وتكذيب الرسل ، ~~PageV24P120 وذلك يستتبع ذنوبا جمة ، وسيأتي تفسيرها بقوله : { ذالك بأنهم ~~كانت تأتيهم رسلهم بالبينات } . # ومعنى : { وما كان لهم من الله من واق } ما كان لهم من عقابه وقدرته ~~عليهم ، فالواقي : هو المدافع الناصر . # و { من الأولى متعلقة بواق ، } وقدم الجار والمجرور للاهتمام بالمجرور ، ~~و { من } الثانية زائدة لتأكيد النفي بحرف ( ما ) وذلك إشارة إلى المذكور ~~وهو أخذ الله إياهم بذنوبهم . # والباء للسببية ، أي ذلك الأخذ بسبب أنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات ~~فكفروا بهم ، وفي هذا تفصيل للإجمال الذي في قوله : { فأخذهم الله بذنوبهم ~~} . والجملة بعد ( أن ) المفتوحة في ms7160 تأويل مصدر . فالتقدير : ذلك بسبب تحقق ~~مجيء الرسل إليهم فكفرهم بهم . # وأفاد المضارع في قوله : { تأتيهم } تجدد الإتيان مرة بعد مرة لمجموع تلك ~~الأمم ، أي يأتي لكل أمة منهم رسول ، فجمع الضمير في { تأتيهم } و { رسلهم ~~} وجمع الرسل في قوله : { رسلهم } من مقابلة الجمع بالجمع ، فالمعنى : أن ~~كل أمة منهم أتاها رسول . ولم يؤت بالمضارع في قوله : { فكفروا } لأن كفر ~~أولئك الأمم واحد وهو الإشراك وتكذيب الرسل . # وكرر قوله : { فأخذهم الله } بعد أن تقدم نظيره في قوله : { فأخذهم الله ~~بذنوبهم } الخ إطنابا لتقرير أخذ الله إياهم بكفرهم برسلهم ، وتهويلا على ~~المنذرين بهم أن يساووهم في عاقبتهم كما ساووهم في أسبابها . # وجملة : { إنه قوي شديد العقاب } تعليل وتبيين لأخذ الله إياهم وكيفيته ~~وسرعة أخذه المستفادة من فاء التعقيب ، فالقوي لا يعجزه شيء فلا يعطل مراده ~~ولا يتريث ، و { شديد العقاب } بيان لذلك الأخذ على حد قوله تعالى : { ~~فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر } ( القمر : 42 ) . PageV24P121 # ( 23 24 ) # هذا ذكر فريق آخر من الأمم لم يشهد العرب آثارهم وهم قوم فرعون أقباط مصر ~~، وتقدم نظير هذه الآية في أواخر سورة هود . وتقدم ذكر هامان وهو لقب وزير ~~فرعون في سورة القصص . وفي هذه القصة أنها تزيد على ما أجمل من قصص أمم ~~أخرى أن فيها عبرتين : عبرة بكيد المكذبين وعنادهم ثم هلاكهم ، وعبرة بصبر ~~المؤمنين وثباتهم ثم نصرهم ، وفي كلتا العبرتين وعيد ووعد . # وجملة : { فقالوا ساحر كذاب } معترضة بين جملة { ولقد أرسلنا موسى } وبين ~~جملة { فلما جاءهم بالحق } ( غافر : 25 ) . # وقارون هو من بني إسرائيل كذب موسى ، وتقدم ذكره في القصص ، وقد قيل إنه ~~كان منقطعا إلى فرعون وخادما له ، وهذا بعيد لأنه كان في زمرة من خرج مع ~~موسى ، أي فاشترك أولئك في رمي رسولهم بالكذب والسحر كما فعلت قريش . # أي رموه ابتداء بأنه ساحر كذاب توهما أنهم يلقمونه حجر الإحجام فلما ~~استمر على دعوته وجاءهم بالحق ، أي أظهر لهم الآيات الحق ، أي الواضحة ، ~~فأطلق { جاءهم } على ظهور الحق كقوله تعالى : { جاء الحق ms7161 وزهق الباطل } ( ~~الإسراء : 81 ) . # و { من عندنا } وصف للحق لإفادة أنه حق خارق للعادة لا يكون إلا من تسخير ~~الله وتأييده ، وهو آيات نبوته التسع . # ووجه وقوع { فلما جاءهم بالحق من عندنا } بعد قوله : { أرسلنا موسى ~~بآياتنا } ( غافر : 23 ) PageV24P122 مع اتحاد مفاد الجملتين فإن مفاد جملة ~~{ جاءهم } مساو لمفاد جملة { أرسلنا } ومفاد قوله : { بالحق } مساو لمفاد ~~قوله : { بآياتنا وسلطان مبين } ( غافر : 23 ) أن الأول للتنويه برسالة ~~موسى وعظمة موقفه أمام أعظم ملوك الأرض يومئذ ، وأما قوله : { فلما جاءهم ~~بالحق } فهو بيان لدعوته إياهم وما نشأ عنها ، وتقدير الكلام : أرسلنا موسى ~~بآياتنا إلى فرعون فلما جاءهم بالحق ، فسلكت في هذا النظم طريقة الإطناب ~~للتنويه والتشريف . # وجملة { فقالوا ساحر كذاب } معترضة . وأرادوا بقولهم اقتلوا أبناء الذين ~~معه أن يرهبوا أتباعه حتى ينفضوا عنه فلا يجد أنصارا ويبقى بنو إسرائيل في ~~خدمة المصريين . # وضمير { جاءهم } يحمل على أنه عائد إلى غير مذكور في اللفظ لأنه ضمير جمع ~~يدل عليه المقام وهم أهل مجلس فرعون الذين لا يخلو عنهم مجلس الملك في مثل ~~هذه الحوادث العظيمة كما في قوله تعالى : { وقال فرعون يا أيها الملأ ما ~~علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين } ( القصص : 38 ) الآية ~~. وليس عائدا إلى فرعون وهامان وقارون ، لأن قارون لم يكن مع فرعون حين ~~دعاه موسى ولم يكن من المكذبين لموسى في وقت حضوره لدى فرعون ولكنه طغا بعد ~~خروج بني إسرائيل من مصر وبلغ به طغيانه إلى الكفر كما تقدم في قصته في ~~سورة القصص . # والضمير في قولهم : { اقتلوا } مخاطب به فرعون خطاب تعظيم مثل { رب ~~ارجعون ( المؤمنون : 99 ) . وإنما أبهم القائلون لعدم تعلق الغرض بعلمه ، ~~ففعل قالوا } بمنزلة المبني للنائب أو بمنزلة : قال قائل ، لأن المقصود ~~قوله بعده : { وما كيد الكافرين إلا في ضلال } . وهو محل الاعتبار لقريش ~~بأن كيد أمثالهم كان مضاعا فكذلك يكون كيدهم . وهذا القتل غير القتل الذي ~~فعله فرعون الذي ولد موسى في زمنه . # وسمي هذا الرأي كيدا لأنهم ms7162 تشاوروا فيه فيما بينهم دون أن يعلم بذلك موسى ~~PageV24P123 والذين آمنوا معه وأنهم أضمروه ولم يعلنوه ثم شغلهم عن إنفاذه ~~ما حل بهم من المصائب التي ذكرت في قوله تعالى في سورة الأعراف : { ولقد ~~أخذنا آل فرعون بالسنين } الآية ، ثم بقوله : { فأرسلنا عليهم الطوفان ~~والجراد } ( الأعراف : 133 ) الآية . # والضلال : الضياع والاضمحلال كقوله : { قالوا أئذا ضللنا في الأرض إنا ~~لفي خلق جديد } ( السجدة : 10 ) أي هذا الكيد الذي دبروه قد أخذ الله على ~~أيديهم فلم يجدوا لانقاذه سبيلا . # عطف { وقال } بالواو يدل على أنه قال هذا القول في موطن آخر ولم يكن ~~جوابا لقولهم : { اقتلوا أبناء الذين ءامنوا معه } ( غافر : 25 ) ، وفي هذا ~~الأسلوب إيماء إلى أن فرعون لم يعمل بإشارة الذين قالوا : { اقتلوا أبناء ~~الذين ءامنوا معه } وأنه سكت ولم يراجعهم بتأييد ولا إعراض ، ثم رأى أن ~~الأجدر قتل موسى دون أن يقتل الذين آمنوا معه لأن قتله أقطع لفتنتهم . # ومعنى : { ذروني } إعلامهم بعزمه بضرب من إظهار ميله لذلك وانتظاره ~~الموافقة عليه بحيث يمثل حاله وحال المخاطبين بحال من يريد فعل شيء فيصد ~~عنه ، فلرغبته فيه يقول لمن يصده : دعني أفعل كذا ، لأن ذلك التركيب مما ~~يخاطب به الممانع والملائم ونحوهما ، قال طرفة : # فان كنت لا تستطيع دفع منيتي # فدعني أبادرها بما ملكت يدي # ثم استعمل هذا في التعبير عن الرغبة ولم يكن ثمة معارض أو ممانع ، وهو ~~استعمال شائع في هذا وما يرادفه مثل : دعني وخلني ، كما في قوله تعالى : { ~~ذرني ومن خلقت وحيدا } ( المدثر : 11 ) وقوله : { وذرني والمكذبين } ( ~~المزمل : 11 ) ، وقول أبي القاسم السهيلي : PageV24P124 # دعني على حكم الهوى أتضرع # فعسى يلين لي الحبيب ويخشع # وذلك يستتبع كناية عن خطر ذلك العمل وصعوبة تحصيله لأن مثله مما يمنع ~~المستشار مستشيره من الإقدام عليه ، ولذلك عطف عليه : { وليدع ربه } لأن ~~موسى خوفهم عذاب الله وتحداهم بالآيات التسع . ولام الأمر في { وليدع ربه } ~~مستعملة في التسوية وعدم الاكتراث . وجملة { إني أخاف أن يبدل دينكم } ~~تعليل للعزم على قتل موسى . والخوف مستعمل ms7163 في الإشفاق ، أي أظن ظنا قويا أن ~~يبدل دينكم . وحذفت ( من ) التي يتعدى بها فعل { أخاف } لأنها وقعت بينه ~~وبين ( أن ) . # والتبديل : تعويض الشيء بغيره . وتوسم فرعون ذلك من إنكار موسى على فرعون ~~زعمه أنه إله لقومه فإن تبديل الأصول يقتضي تبديل فروع الشريعة كلها . # والإضافة في قوله : { دينكم } تعريض بأنهم أولى بالذب عن الدين وإن كان ~~هو دينه أيضا لكنه تجرد في مشاورتهم عن أن يكون فيه مراعاة لحظ نفسه كما ~~قالوا هم { أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك } ( الأعراف : ~~127 ) وذلك كله إلهاب وتحضيض . # والأرض : هي المعهودة عندهم وهي مملكة فرعون . # ومعنى إظهار موسى الفساد عندهم أنه يتسبب في ظهوره بدعوته إلى تغيير ما ~~هم عليه من الديانة والعوائد . وأطلق الإظهار على الفشو والانتشار على سبيل ~~الاستعارة . وقد حمله غروره وقلة تدبره في الأمور على ظن أن ما خالف دينهم ~~يعد فسادا إذ ليست لهم حجة لدينهم غير الإلف والانتفاع العاجل . ~~PageV24P125 # وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وأبو جعفر { وأن بواو العطف . ~~وقرأ غيرهم أو أن } ب ( أو ) التي للترديد ، أي لا يخلو سعي موسى عن حصول ~~أحد هاذين . وقرأ نافع وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم وأبو جعفر بضم ياء { ~~يظهر } ونصب { الفساد } أي يبدل دينكم ويكون سببا في ظهور الفساد . وقرأه ~~ابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم ويعقوب وخلف بفتح الياء ~~وبرفع { الفساد } على معنى أن الفساد يظهر بسبب ظهور أتباع موسى ، أو بأن ~~يجترىء غيره على مثل دعواه بأن تزول حرمة الدولة ، لأن شأن أهل الخوف عن ~~عمل أن ينقلب جبنهم شجاعة إذا رأوا نجاح من اجترأ على العمل الذي يريدون ~~مثله . # هذا حكاية كلام صدر من موسى في غير حضرة فرعون لا محالة ، لأن موسى لم ~~يكن ممن يضمه ملأ استشارة فرعون حين قال لقومه : { ذروني أقتل موسى } ( ~~غافر : 26 ) ولكن موسى لما بلغه ما قاله فرعون في ملائه قال موسى في قومه : ~~{ إني عذت بربي وربكم ms7164 } ، ولذلك حكي فعل قوله معطوفا بالواو لأن ذلك القول ~~لم يقع في محاورة مع مقال فرعون بخلاف الأقوال المحكية في سورة الشعراء ( ~~18 31 ) من قوله : { قال ألم نربك فينا وليدا } إلى قوله : { قال فأت به إن ~~كنت من الصادقين } . # وقوله : { عذت بربي وربكم من كل متكبر } خطاب لقومه من بني إسرائيل ~~تطمينا لهم وتسكينا لإشفاقهم عليه من بطش فرعون . والمعنى : إني أعددت ~~العدة لدفع بطش فرعون العوذ بالله من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب وفي ~~مقدمة هؤلاء المتكبرين فرعون . # ومعنى ذلك : أن موسى علم أنه سيجد مناوين متكبرين يكرهون ما أرسله الله ~~به إليهم ، فدعا ربه وعلم أن الله ضمن له الحفظ وكفاه ضير كل معاند ، وذلك ~~ما حكي في سورة طه ( 45 ، 46 ) : { قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو ~~أن يطغى قال PageV24P126 لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى } فأخبر موسى قومه ~~بأن ربه حافظ له ليثقوا بالله كما كان مقام النبي لاحين كان في أول البعثة ~~تحرسه أصحابه في الليل فلما نزل قوله تعالى : { فاصدع بما تؤمر وأعرض عن ~~المشركين إنا كفيناك المستهزئين } ( الحجر : 94 ، 95 ) الآية أمر أصحابه ~~بأن يتخلوا عن حراسته . # وتأكيد الخبر بحرف ( إن ) متوجه إلى لازم الخبر وهو أن الله ضمن له ~~السلامة وأكد ذلك لتنزيل بعض قومه أو جلهم منزلة من يتردد في ذلك لما رأى ~~من إشفاقهم عليه . # والعوذ : الالتجاء إلى المحل الذي يستعصم به العائذ فيدفع عنه من يروم ~~ضره ، يقال : عاذ بالجبل ، وعاذ بالجيش ، وقال تعالى : { فاستعذ بالله من ~~الشيطان الرجيم } ( النحل : 98 ) . # وعبر عن الجلالة بصفة الرب مضافا إلى ضمير المتكلم لأن في صفة الرب إيماء ~~إلى توجيه العوذ به لأن العبد يعوذ بمولاه . وزيادة وصفه برب المخاطبين ~~للإيماء إلى أن عليهم أن لا يجزعوا من مناواة فرعون لهم وأن عليهم أن ~~يعوذوا بالله من كل ما يفظعهم . # وجعلت صفة { لا يؤمن بيومم الحساب } مغنية عن صفة الكفر أو الإشراك لأنها ~~تتضمن الإشراك وزيادة ، لأنه إذا ms7165 اجتمع في المرء التجبر والتكذيب بالجزاء ~~قلت مبالاته بعواقب أعماله فكملت فيه أسباب القسوة والجرأة على الناس . # عطف قول هذا الرجل يقتضي أنه قال قوله هذا في غير مجلس شورى PageV24P127 ~~فرعون ، لأنه لو كان قوله جاريا مجرى المحاورة مع فرعون في مجلس استشارته ، ~~أو كان أجاب به عن قول فرعون : { ذروني أقتل موسى } ( غافر : 26 ) لكانت ~~حكاية قوله بدون عطف على طريقة المحاورات . والذي يظهر أن الله ألهم هذا ~~الرجل بأن يقول مقالته إلهاما كان أول مظهر من تحقيق الله لاستعاذة موسى ~~بالله ، فلما شاع توعد فرعون بقتل موسى عليه السلام جاء هذا الرجل إلى ~~فرعون ناصحا ولم يكن يتهمه فرعون لأنه من آله . # وخطابه بقوله : { أتقتلون } موجه إلى فرعون لأن فرعون هو الذي يسند إليه ~~القتل لأنه الآمر به ، ولحكاية كلام فرعون عقب كلام مؤمن آل فرعون بدون عطف ~~بالواو في قوله : { قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى } ( غافر : 29 ) . # ووصفه بأنه من آل فرعون صريح في أنه من القبط ولم يكن من بني إسرائيل ~~خلافا لبعض المفسرين ألا ترى إلى قوله تعالى بعده : { يا قوم لكم الملك ~~اليوم ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا ( غافر : 29 ) فإن ~~بني إسرائيل لم يكن لهم ملك هنالك . # والأظهر أنه كان من قرابة فرعون وخاصته لما يقتضيه لفظ آل من ذلك حقيقة ~~أو مجازا . والمراد أنه مؤمن بالله ومؤمن بصدق موسى ، وما كان إيمانه هذا ~~إلا لأنه كان رجلا صالحا اهتدى إلى توحيد الله إما بالنظر في الأدلة فصدق ~~موسى عندما سمع دعوته كما اهتدى أبو بكر الصديق رضي الله عنه إلى تصديق ~~النبي في حين سماع دعوته فقال له : صدقت . وكان كتمه الإيمان متجددا مستمرا ~~تقية من فرعون وقومه إذ علم أن إظهاره الإيمان يضره ولا ينفع غيره كما كان ~~( سقراط ) يكتم إيمانه بالله في بلاد اليونان خشية أن يقتلوه انتصارا ~~لآلهتهم . # وأراد بقوله : أتقتلون رجلا } إلى آخره أن يسعى لحفظ موسى من القتل بفتح ~~باب ms7166 المجادلة في شأنه لتشكيك فرعون في تكذيبه بموسى ، وهذا الرجل هو غير ~~PageV24P128 الرجل المذكور في سورة القصص في قوله تعالى : { وجاء رجل من ~~أقصى المدينة يسعى } فإن تلك القصة كانت قبيل خروج موسى من مصر ، وهذه ~~القصة في مبدأ دخوله مصر . ولم يوصف هنالك بأنه مؤمن ولا بأنه من آل فرعون ~~بل كان من بني إسرائيل كما هو صريح سفر الخروج . والظاهر أن الرجل المذكور ~~هنا كان رجلا صالحا نظارا في أدلة التوحيد ولم يستقر الإيمان في قلبه على ~~وجهه إلا بعد أن سمع دعوة موسى ، وإن الله يقيض لعباده الصالحين حماة عند ~~الشدائد . # قيل اسم هذا الرجل حبيب النجار وقيل سمعان ، وقد تقدم في سورة ( يس ) أن ~~حبيبا النجار من رسل عيسى عليه السلام . وقصة هذا الرجل المؤمن من آل فرعون ~~غير مذكورة في ( التوراة ) بالصريح ولكنها مذكورة إجمالا في الفقرة السابعة ~~من الإصحاح العاشر ( فقال عبيد فرعون إلى متى يكون لنا هذا ( أي موسى ) فخا ~~أطلق الرجال ليعبدوا الرب إلاههم ) . # والاستفهام في { أتقتلون } استفهام إنكار ، أي يقبح بكم أن تقتلوا نفسا ~~لأنه يقول ربي الله ، أي ولم يجبركم على أن تؤمنوا به ولكنه قال لكم قولا ~~فاقبلوه أو ارفضوه ، فهذا محمل قوله : { أن يقول ربي الله } وهو الذي يمكن ~~الجمع بينه وبين كون هذا الرجل يكتم إيمانه . # و { أن يقول } . مجرور بلام التعليل المقدرة لأنها تحذف مع ( أن ) كثيرا ~~. وذكر اسمم الله لأنه الذي ذكره موسى ولم يكن من أسماء آلهة القبط . # وأما قوله : { وقد جاءكم بالبينااتت من ربكم } فهو ارتقاء في الحجاج بعد ~~أن استأنس في خطاب قومه بالكلام الموجه فارتقى إلى التصريح بتصديق موسى ~~بعلة أنه جاء بالبينات ، أي الحجج الواضحة بصدقه ، وإلى التصريح بأن الذي ~~سماه الله في قوله : { أن يقول ربي الله } هو رب المخاطبين فقال : { من ~~ربكم } . فجملة { وقد جاءكم بالبينات من ربكم } في موضع الحال من قوله : { ~~رجلا } والباء في { بالبينات } للمصاحبة . PageV24P129 # وقوله : { وإن يك كاذبا فعليه كذبه } رجوع إلى ضرب من ms7167 إيهام الشك في صدق ~~موسى ليكون كلامه مشتملا على احتمالي تصديق وتكذيب يتداولهما في كلامه فلا ~~يؤخذ عليه أنه مصدق لموسى بل يخيل إليهم أنه في حالة نظر وتأمل ليسوق فرعون ~~وملأه إلى أدلة صدق موسى بوجه لا يثير نفورهم ، فالجملة عطف على جملة { وقد ~~جاءكم بالبينات } فتكون حالا . # وقدم احتمال كذبه على احتمال صدقه زيادة في التباعد عن ظنهم به الانتصار ~~لموسى فأراد أن يظهر في مظهر المهتم بأمر قومه ابتداء . # ومعنى : { وإن يك كاذبا فعليه كذبه } استنزالهم للنظر ، أي فعليكم بالنظر ~~في آياته ولا تعجلوا بقتله ولا باتباعه فإن تبين لكم كذبه فيما تحداكم به ~~وما أنذركم به من مصائب فلم يقع شيء من ذلك لم يضركم ذلك شيئا وعاد كذبه ~~عليه بأن يوسم بالكاذب ، وإن تبين لكم صدقه يصبكم بعض ما توعدكم به ، أي ~~تصبكم بوارقه فتعلموا صدقه فتتبعوه ، وهذا وجه التعبير ب { بعض } دون أن ~~يقول : يصبكم الذي يعدكم به . والمراد بالوعد هنا الوعد بالسوء وهو المسمى ~~بالوعيد . أي فإن استمررتم على العناد يصبكم جميع ما توعدكم به بطريق ~~الأولى . # وقد شابه مقام أبي بكر الصديقق مقام مؤمن آل فرعون إذ آمن بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم حين سمع دعوته ولم يكن من آله ، ويوم جاء عقبة بن أبي معيط ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم ( والنبي صلى الله عليه وسلم بفناء الكعبة ) ~~يخنقه بثوبه فأقبل أبو بكر فأخذ بمنكب عقبة ودفعه وقال : { أتقتلون رجلا أن ~~يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم } . قال علي بن أبي طالب : ( ~~والله ليوم أبي بكر خير من مؤمن آل فرعون ، إن مؤمن آل فرعون رجل يكتم ~~إيمانه وإن أبا بكر كان يظهر إيمانه وبذل ماله ودمه ) # وأقول : كان أبو بكر أقوى يقينا من مؤمن آل فرعون لأن مؤمن آل فرعون كتم ~~إيمانه وأبو بكر أظهر إيمانه . # وجملة { إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب } يجوز أنها من قول مؤمن آل ~~فرعون ، فالمقصود منها تعليل قوله : { وإن يك ms7168 كاذبا فعليه كذبه وإن يك ~~صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم } أي لأن الله لا يقره على كذبه فإن كان كاذبا ~~على PageV24P130 الله فلا يلبث أن يفتضح أمره أو يهلكه ، كما قال تعالى : { ~~ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين } ( ~~الحاقة : 44 46 ) لأن الله لا يمهل الكاذب عليه ، ولأنه إذا جاءكم بخوارق ~~العادات فقد تبين صدقه لأن الله لا يخرق العادة بعد تحدي المتحدي بها إلا ~~ليجعلها أمارة على أنه مرسل منه لأن تصديق الكاذب محال على الله تعالى . # ومعنى : { يصيبكم بعض الذي يعدكم } أي مما توعدكم بوقوعه في الدنيا ، أو ~~في الآخرة وكيف إذا كانت البينة نفسها مصائب تحل بهم مثل الطوفان والجراد ~~وبقية التسع الآيات . # والمسرف : متجاوز المعروف في شيء ، فالمراد هنا مسرف في الكذب لأن أعظم ~~الكذب أن يكون على الله ، قال تعالى : { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا ~~أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء } ( الأنعام : 93 ) # وإذا كان المراد الإسراف في الكذب تعين أن قوله : { كذاب } عطف بيان وليس ~~خبرا ثانيا إذ ليس ثمة إسراف هنا غير إسراف الكذب ، وفي هذا اعتراف من هذا ~~المؤمن بالله الذي أنكره فرعون ، رماه بين ظهرانيهم . ويجوز أن تكون جملة { ~~إن الله لا يهدي } إلى آخرها جملة معترضة بين كلامي مؤمن آل فرعون ليست من ~~حكاية كلامه وإنما هي قول من جانب الله في قرآنه يقصد منها تزكية هذا الرجل ~~المؤمن إذ هداه الله للحق ، وأنه تقي صادق ، فيكون نفي الهداية عن المسرف ~~الكذاب كناية عن تقوى هذا الرجل وصدقه لأنه نطق عن هدى والله لا يعطي الهدى ~~من هو مسرف كذاب . # . # لما توسم نهوض حجته بينهم وأنها داخلت نفوسهم ، أمن بأسهم ، وانتهز فرصة ~~انكسار قلوبهم ، فصارحهم بمقصوده من الإيمان بموسى على سنن الخطباء ~~PageV24P131 وأهل الجدل بعد تقرير المقدمات والحجج أن يهجموا على الغرض ~~المقصود ، فوعظهم بهذه الموعظة . وأدخل قومه في الخطاب فناداهم ليستهويهم ~~إلى تعضيده أمام فرعون فلا يجد فرعون بدا ms7169 من الانصياع إلى اتفاقهم وتظاهرهم ~~، وأيضا فإن تشريك قومه في الموعظة أدخل في باب النصيحة فابتدأ بنصح فرعون ~~لأنه الذي بيده الأمر والنهي ، وثنى بنصيحة الحاضرين من قومه تحذيرا لهم من ~~مصائب تصيبهم من جراء امتثالهم أمر فرعون بقتل موسى فإن ذلك يهمهم كما يهم ~~فرعون . وهذا الترتيب في إسداء النصيحة نظير الترتيب في قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم ( ولأئمة المسلمين وعامتهم ) . ولا يخفى ما في ندائهم بعنوان ~~أنهم قومه من الاستصغاء لنصحه وترقيق قلوبهم لقوله . # وابتداء الموعظة بقوله : { لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض } تذكير ~~بنعمة الله عليهم ، وتمهيد لتخويفهم من غضب الله ، يعني : لا تغرنكم عظمتكم ~~وملككم فإنهما معرضان للزوال إن غضب الله عليكم . # والمقصود : تخويف فرعون من زوال ملكه ، ولكنه جعل الملك لقومه لتجنب ~~مواجهة فرعون بفرض زوال ملكه . # والأرض : أرض مصر ، أي نافذا حكمكم في هذا الصقع . # وفرع على هذا التمهيد : { فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا ، } و ( من ) ~~للاستفهام الإنكاري عن كل ناصر ، فالمعنى : فلا نصر لنا من بأس الله . ~~وأدمج نفسه مع قومه في { ينصرنا } و { جاءنا ، } ليريهم أنه يأبى لقومه ما ~~يأباه لنفسه وأن المصيبة إن حلت لا تصيب بعضهم دون بعض . # ومعنى { ظاهرين } غالبين ، وتقدم آنفا ، أي إن كنتم قادرين على قتل موسى ~~فالله قادر على هلاككم . PageV24P132 # والبأس : القوة على العدو والمعاند ، فهو القوة على الضر . # تفطن فرعون إلى أنه المعرض به في خطاب الرجل المؤمن قومه فقاطعه كلامه ~~وبين سبب عزمه على قتل موسى عليه السلام بأنه ما عرض عليهم ذلك إلا لأنه لا ~~يرى نفعا إلا في قتل موسى ولا يستصوب غير ذلك ويرى ذلك هو سبيل الرشاد ، ~~وكأنه أراد لا يترك لنصيحة مؤمنهم مدخلا إلى نفوس ملئه خيفة أن يتأثروا ~~بنصحه فلا يساعدوا فرعون على قتل موسى . ولكون كلام فرعون صدر مصدر ~~المقاطعة لكلام المؤمن جاء فعل قولل فرعون مفصولا غير معطوف وهي طريقة ~~حكاية المقاولات والمحاورة . # ومعنى : { ما أريكم } : ما أجعلكم رائين إلا ما أراه لنفسي ms7170 ، أي ما أشير ~~عليكم بأن تعتقدوا إلا ما أعتقده ، فالرؤية علمية ، أي لا أشير إلا بما هو ~~معتقدي . # والسبيل : مستعار للعمل ، وإضافته إلى الرشاد قرينة ، أي ما أهديكم وأشير ~~عليكم إلا بعمل فيه رشاد . وكأنه يعرض بأن كلام مؤمنهم سفاهة رأي . والمعنى ~~الحاصل من الجملة الثانية غير المعنى الحاصل من الجملة الأولى كما هو بين ~~وكما هو مقتضى العطف . # ( 30 31 ) { لله } # لما كان هذا تكملة لكلام الذي آمن ولم يكن فيه تعريج على محاورة فرعون ~~على قوله : { ما أريكم إلا ما أرى } ( غافر : 29 ) الخ وكان الذي آمن قد ~~جعل كلام فرعون في البين PageV24P133 واسترسل يكمل مقالته عطف فعل قوله ~~بالواو ليتصل كلامه بالكلام الذي قبله ، ولئلا يتوهم أنه قصد به مراجعة ~~فرعون ولكنه قصد إكمال خطابه ، وعبر عنه بالذي آمن لأنه قد عرف بمضمون ~~الصلة بعد ما تقدم . وإعادته نداء قومه تأكيد لما قصده من النداء الأول ~~حسبما تقدم . # وجعل الخوف وما في معناه يتعدى إلى المخوف منه بنفسه وإلى المخوف عليه ~~بحرف ( على ) قال لبيد يرثي أخاه أربد : # أخشى على أربد الحتوف ولا # أخشى عليه الرياح والمطرا # و { يومم الأحزاب } مراد به ، الجنس لا ( يوم ) معين بقرينة إضافته إلى ~~جمع أزمانهم متباعدة . فالتقدير : مثل أيام الأحزاب ، فإفراد يوم للإيجاز ، ~~مثل بطن في قول الشاعر وهو من شواهد سيبويه في باب الصفة المشبهة بالفاعل : # كلوا في بعض بطنكم تعفوا # فإن زمانكم زمن خميص # والمراد بأيام الأحزاب أيام إهلاكهم والعرب يطلقون اليوم على يوم الغالب ~~ويوم المغلوب . والأحزاب الأمم لأن كل أمة حزب تجمعهم أحوال واحدة وتناصر ~~بينهم فلذلك تسمى الأمة حزبا ، وتقدم عند قوله تعالى : { كل حزب بما لديهم ~~فرحون } في سورة المؤمنين . # والدأب : العادة والعمل الذي يدأب عليه عامله ، أي يلازمه ويكرره ، وتقدم ~~في قوله تعالى : { كدأب آل فرعون } في أول آل عمران . # وانتصب { مثل دأبب قومم نوح } على عطف البيان من { مثل يومم الأحزاب } ~~ولما كان بيانا له كان ما يضافان إليه متحدا لا محالة فصار ms7171 الأحزاب و ( ~~الدأب ) في معنى واحد وإنما يتم ذلك بتقدير مضاف متحد فيهما ، فالتقدير : ~~مثل يومم جزاء الأحزاب . مثل يومم جزاء دأب قوم نوح وعاد وثمود ، أي جزاء ~~عملهم . ودأبهم الذي اشتركوا فيه هو الاشراك بالله . PageV24P134 # وهذا يقتضي أن القبط كانوا على علم بما حل بقوم نوح وعاد وثمود ، فأما ~~قوم نوح فكان طوفانهم مشهورا ، وأما عاد وثمود فلقرب بلادهم من البلاد ~~المصرية وكان عظيما لا يخفى على مجاوريهم . # وجملة { وما الله يريد ظلما للعباد } معترضة ، والواو اعتراضية وهي ~~اعتراض بين كلاميه المتعاطفين ، أي أخاف عليكم جزاء عادلا من الله وهو جزاء ~~الإشراك . # والظلم يطلق على الشرك { إن الشرك لظلم عظيم } ( لقمان : 13 ) ، ويطلق ~~على المعاملة بغير الحق ، وقد جمع قوله : { وما الله يريد ظلما للعباد } ~~نفي الظلم بمعنييه على طريقة استعمال المشترك في معنييه . وكذلك فعل { يريد ~~} يطلق بمعنى المشيئة كقوله : { ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ( المائدة ~~: 6 ) ويطلق بمعنى المحبة كقوله : ما أريد منهم من رزق } ( الذاريات : 57 ) ~~، فلما وقع فعل الإرادة في حيز النفي اقتضى عموم نفي الإرادة بمعنييها على ~~طريقة استعمال المشترك في معنييه ، فالله تعالى لا يحب صدور ظلم من عباده ~~ولا يشاء أن يظلم عباده . وأول المعنيين في الإرادة وفي الظلم أعلق بمقام ~~الإنذار ، والمعنى الثاني تابع للأول لأنه يدل على أن الله تعالى لا يترك ~~عقاب أهل الشرك لأنه عدل ، لأن التوعد بالعقاب على الشرك والظلمم أقوى ~~الأسباب في إقلاع الناس عنه ، وصدق الوعيد من متممات ذلك مع كونه مقتضى ~~الحكمة لإقامة العدل . # وتقديم اسم { الله } على الخبر الفعلي لإفادة قصر مدلول المسند على ~~المسند إليه ، وإذ كان المسند واقعا في سياق النفي كان المعنى : قصر نفي ~~إرادة الظلم على الله تعالى قصر قلب ، أي الله لا يريد ظلما للعباد بل غيره ~~يريدونه لهم وهم قادة الشرك وأيمته إذ يدعونهم إليه ويزعمون أن الله أمرهم ~~به قال تعالى : { وإذ فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا ~~بها قل إن الله ms7172 لا يأمر بالفحشاء } ( الأعراف : 28 ) . # هذا على المعنى الأول للظلم ، وأما على المعنى الثاني فالمعنى : ما الله ~~يريد أن PageV24P135 يظلم عباده ولكنهم يظلمون أنفسهم باتباع أيمتهم على ~~غير بصيرة كقوله تعالى : { إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم ~~يظلمون } ( يونس : 44 ) وبظلمهم دعاتهم وأيمتهم كما قال تعالى : { وما ~~زادوهم غير تتبيب } ( هود : 101 ) ، فلم يخرج تقديم المسند إليه على الخبر ~~الفعلي في سياق النفي في هذه الآية عن مهيع استعماله في إفادة قصر المسند ~~على المسند إليه فتأمله . # ( 32 33 ) # أعقب تخويفهم بعقاب الدنيا الذي حل مثله بقوم نوح وعاد وثمود والذين من ~~بعدهم بأن خوفهم وأنذرهم عذاب الآخرة عاطفا جملته على جملة عذاب الدنيا . # وأقحم بين حرف العطف والمعطوفف نداء قومه للغرض الذي تقدم آنفا . # و { يوم التنادي } هو يوم الحساب والحشر ، سمي { يوم التنادي } لأن الخلق ~~يتنادون يومئذ : فمن مستشفع ومن متضرع ومن مسلم ومهنىء ومن موبخ ومن معتذر ~~ومن آمر ومن معلن بالطاعة قال تعالى : { يوم يناديهم } ( فصلت : 47 ) ، { ~~أولئك ينادون من مكان بعيد } ( فصلت : 44 ) ، { ونادى أصحاب الجنة أصحاب ~~النار } ( الأعراف : 44 ) ، { ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة } ( الأعراف : ~~50 ) ، { يوم ندعوا كل أناس بإمامهم } ( الإسراء : 71 ) ، { دعوا هنالك ~~ثبورا } ( الفرقان : 13 ) ، { يوم يدع الداع إلى شيء نكر } ( القمر : 6 ) ~~ونحو ذلك . # ومن بديع البلاغة ذكر هذا الوصف لليومم في هذا المقام ليذكرهم أنه في ~~موقفه بينهم يناديهم ب ( يا قوم ) ناصحا ومريدا خلاصهم من كل نداء مفزع يوم ~~القيامة ، وتأهيلهم لكل نداء سار فيه . # وقرأ الجمهور { يوم التناد } بدون ياء في الوصل والوقفف وهو غير منون ~~ولكن عومل معاملة المنون لقصد الرعاية على الفواصل ، كقول التاسعة من نساء ~~PageV24P136 حديث أم زرع : ( زوجي رفيع العماد ، طويل النجاد ، كثير الرماد ~~، قريب البيت من الناد ) فحذفت الياء من كلمة ( الناد ) وهي معرفة . # وقرأ ابن كثير { يوم التنادي بإثبات الياء على الأصل اعتبارا بأن الفاصلة ~~هي قوله : فما له من هاد } . # و { يوم تولون } بدل من { يوم التناد ms7173 } ، والتولي : الرجوع ، والإدبار : ~~أن يرجع من الطريق التي وراءه ، أي من حيث أتى هربا من الجهة التي ورد ~~إليها لأنه وجد فيها ما يكره ، أي يوم تفرون من هول ما تجدونه . و { مدبرين ~~} حال مؤكدة لعاملها وهو { تولون } . # وجملة { ما لكم من الله من عاصم } في موضع الحال . والمعنى : حالة لا ~~ينفعكم التولي . # والعاصم : المانع والحافظ . و { من الله } متعلق ب { عاصم ، } و { من } ~~المتعلقة به للابتداء ، تقول : عصمه من الظالم ، أي جعله في منعة مبتدأة من ~~الظالم . وضمن فعل ( عصم ) معنى : أنقذ وانتزع ، ومعنى : { من الله } من ~~عذابه وعقابه لأن المنع إنما تتعلق به المعاني لا الذوات . و { من } ~~الداخلة على { عاصم } مزيدة لتأكيد النفي . # وأغنى الكلام على تعدية فعل : { أخاف عليكم مثل يومم الأحزاب } ( غافر : ~~30 ) عن إعادته هنا . # وجملة { ومن يضلل الله فما له من هاد } عطف على جملة { إني أخاف عليكم ~~يوم التناد } لتضمنها معنى : إني أرشدتكم إلى الحذر من يوم التنادي . # وفي الكلام إيجاز بحذف جمل تدل عليها الجملة المعطوفة . والتقدير : هذا ~~إرشاد لكم فإن هداكم الله عملتم به وإن أعرضتم عنه فذلك لأن الله أضلكم ومن ~~يضلل الله فما له من هاد ، وفي هذه الجملة معنى التذييل . # ومعنى إسناد الإضلال والإغواء ونحوهما إلى الله أن يكون قد خلق نفس ~~PageV24P137 الشخص وعقله خلقا غير قابل لمعاني الحق والصواب ، ولا ينفعل ~~لدلائل الإعتقاد الصحيح . # وأراد من هذه الصلة العموم الشامل لكل من حرمه الله التوفيق ، وفيه تعريض ~~بتوقعه أن يكون فرعون وقومه من جملة هذا العموم ، وآثر لهم هذا دون أن يقول ~~: { ومن يهد الله فما له من مضل } ( الزمر : 37 ) لأنه أحس منهم الإعراض ~~ولم يتوسم فيهم مخائل الانتفاع بنصحه وموعظته . # ( 34 35 ) # . # توسم فيهم قلة جدوى النصح لهم وأنهم مصممون على تكذيب موسى فارتقى في ~~موعظتهم إلى اللوم على ما مضى ، ولتذكيرهم بأنهم من ذرية قوم كذبوا يوسف ~~لما جاءهم بالبينات فتكذيب المرشدين إلى الحق شنشنة معروفة في أسلافهم ~~فتكون سجية فيهم . وتأكيد الخبر ms7174 ب ( قد ) ولام القسم لتحقيقه لأنهم مظنة أن ~~ينكروه لبعد عهدهم به . # فالمجيء في قوله : { جاءكم } مستعار للحصول والظهور والباء للملابسة ، أي ~~ولقد ظهر لكم يوسف ببينات . ولا يلزم أن يكون إظهار البينات مقارنا دعوة ~~إلى شرع لأنه لما أظهر البينات وتحققوا مكانته كان عليهم بحكم العقل السليم ~~أن يتبينوا آياته ويستهدوا طريق الهدى والنجاة ، فإن الله لم يأمر يوسف بأن ~~يدعو فرعون وقومه ، لحكمة لعلها هي انتظار الوقت والحالل المناسب الذي ~~ادخره الله لموسى عليه السلام . # والبينات : الدلائل البينة المظهرة أنه مصطفى من الله للإرشاد إلى الخير ~~، فكان على كل عاقل أن يتبع خطاه ويترسم آثاره ويسأله عما وراء هذا العالم ~~PageV24P138 المادي ، بناء على أن معرفة الوحدانية واجبة في أزمان الفترات ~~: إما بالعقل ، أو بما تواتر بين البشر من تعاليم الرسل السابقين على ~~الخلاف بين المتكلمين . # والبينات : إخباره بما هو مغيب عنهم من أحوالهم بطريق الوحي في تعبير ~~الرؤى ، وكذلك آية العصمة التي انفرد بها من بينهم وشهدت له بها امرأة ~~العزيز وشاهد أهلها حتى قال الملك : { ائتوني به استخلصه لنفسي ( يوسف : 54 ~~) ، فكانت دلائل نبوءة يوسف واضحة ولكنهم لم يستخلصوا منها استدلالا يقتفون ~~به أثره في صلاح آخرتهم ، وحرصوا على الانتفاع به في تدبير أمور دنياهم ~~فأودعوه خزائن أموالهم وتدبير مملكتهم ، فقال له الملك : إنك اليوم لدينا ~~مكين أمين } ( يوسف : 54 ) . ولم يخطر ببالهم أن يسترشدوا به في سلوكهم ~~الديني . فإن قلت : إذا لم يهتدوا إلى الاسترشاد بيوسف في أمور دينهم ~~وألهاهم الاعتناء بتدبير الدنيا عن تدبير الدين فلماذا لم يدعهم يوسف إلى ~~الإعتقاد بالحق واقتصر على أن سأل من الملك : { اجعلني على خزائن الأرض إني ~~حفيظ عليم } ( يوسف : 55 ) . # قلت : لأن الله لم يأمره بالدعوة للإرشاد إلا إذا سئل منه ذلك لحكمة كما ~~علمت آنفا ، فأقامه الله مقام المفتي والمرشد لمن استرشد لا مقام المحتسب ~~المغير للمنكر ، و { الله أعلم حيث يجعل رسالاته } ( الأنعام : 124 ) ، ~~فلما أقامه الله كذلك وعلم يوسف من قول الملك : { إنك اليوم لدينا ms7175 مكين ~~أمين } ( يوسف : 54 ) أن الملك لا يريد إلا تدبير مملكته وأمواله ، لم ~~يسأله أكثر مما يفي له بذلك . وأما وجوب طلبهم المعرفة والاسترشاد منه فذلك ~~حق عليهم ، فمعنى : { فما زلتم في شك مما جاءكم به } الإنحاء على أسلافهم ~~في قلة الاهتمام بالبحث عن الكمال الأعلى وهو الكمال النفساني باتباع الدين ~~القويم ، أي فما زال أسلافكم يشعرون بأن يوسف على أمر عظيم من الهدى غير ~~مألوف لهم ويهرعون إليه في مهماتهم ثم لا تعزم نفوسهم على أن يطلبوا منه ~~الإرشاد في أمور الدين . فهم من أمره في حالة شك ، أي كان حاصل ما بلغوا ~~إليه في شأنه أنهم في شك مما يكشف لهم عن واجبهم نحوه فانقضت مدة حياة يوسف ~~بينهم وهم في شك من الأمر . PageV24P139 فالملام متوجه عليهم لتقصيرهم في ~~طلب ما ينجيهم بعد الموت قال تعالى : { من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ~~( الإسراء : 18 ) الآيتين . # وحتى } للغاية وغايتها هو مضمون الجملة التي بعدها وهي جملة : { إذا هلك ~~} ، و { إذا } هنا اسم لزمان المضي مجرورة ب ( حتى ) وليست بظرف ، أي حتى ~~زمنن هلاك يوسف قلتم : لن يبعث الله من بعده رسولا ، أي قال أسلافكم في وقت ~~وفاة يوسف : لا يبعث الله في المستقبل أبدا رسولا بعد يوسف ، يعنون : أنا ~~كنا مترددين في الإيمان بيوسف فقد استرحنا من التردد فإنه لا يجيء من يدعي ~~الرسالة عن الله من بعده ، وهذا قول جرى منهم على عادة المعاندين ~~والمقاومين لأهل الإصلاح والفضل أن يعترفوا بفضلهم بعد الموت تندما على ما ~~فاتهم من خير كانوا يدعونهم إليه . # وفيه ضرب من المبالغة في الكمال في عصره كما يقال : خاتمة المحققين ، ~~وبقية الصالحين ، ومن لا يأتي الزمان بمثله ، وحاصله أنهم كانوا في شك من ~~بعثة رسول واحد ، وأنهم أيقنوا أن من يدعي الرسالة بعده كاذب فلذلك كذبوا ~~موسى . # ومقالتهم هذه لا تقتضي أنهم كانوا يؤمنون بأنه رسول ضرورة أنهم كانوا في ~~شك من ذلك وإنما أرادوا بها قطع هذا الاحتمال في المستقبل وكشف الشك ms7176 عن ~~نفوسهم وظاهر هذه الآية أن يوسف كان رسولا لظاهر قوله : { قلتم لن يبعث ~~الله من بعده رسولا } أن رسولا محال من ضمير { من بعده } . والوجه أن يكون ~~قوله : { رسولا } مفعول { يبعث } وأنه لا يقتضي وصف يوسف به فإنه لم يرد في ~~الأخبار عدة في الرسل ولا أنه دعا إلى دين في مصر وكيف والله يقول : { ما ~~كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله } ( يوسف : 76 ) ولا شك في ~~أنه نبيء إذا وجد مساغا للإرشاد أظهره كقوله : { يا صاحبي السجن أأرباب ~~متفرقون خير أم الله الواحد القهار ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها ~~أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان } ( يوسف : 39 ، 40 ) وقوله : { ~~إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون وأتعبت ملة آباءي ~~إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء } ( يوسف : 37 ، 38 ~~) . PageV24P140 # وعدي فعل { جاءكم } إلى ضمير المخاطبين . وأسند { فما زلتم } و { قلتم } ~~إلى ضميرهم أيضا ، وهم ما كانوا موجودين حينئذ قصدا لحمل تبعة أسلافهم ~~عليهم وتسجيلا عليهم بأن التكذيب للناصحين واضطراب عقولهم في الانتفاع ~~بدلائل الصدق قد ورثوه عن أسلافهم في جبلتهم وتقرر في نفوسهم فانتقاله ~~إليهم جيلا بعد جيل كما تقدم في خطاب بني إسرائيل في سورة البقرة : { وإذا ~~نجيناكم من آل فرعون } ونحوه . # جرى أكثر المفسرين على أن هذه الجمل حكاية لبقية كلام المؤمن وبعضهم جعل ~~بعضها من حكاية كلام المؤمن وبعضها كلاما من الله تعالى ، وذلك من تجويز أن ~~يكون قوله : { الذين يجادلون } الخ بدلا أو مبتدأ ، وسكت بعضهم عن ذلك ~~مقتصرا على بيان المعنى دون تصد لبيان اتصالها بما قبلها . # والذي يظهر أن قوله : { كذالك يضل الله من هو مسرف مرتاب } إلى قوله : { ~~جبار } . كله من كلام الله تعالى معترض بين كلام المؤمن وكلام فرعون فإن ~~هذا من المعاني الإسلامية قصد منه العبرة بحال المكذبين بموسى تعريضا ~~بمشركي قريش ، أي كضلال قوم فرعون يضل الله من هو مسرف مرتاب أمثالكم ms7177 ، ~~فكذلك يكون جزاؤكم ، ويؤيد هذا الوجه قوله في آخرها : { وعند الذين ءامنوا ~~} فإن مؤمن آل فرعون لم يكن معه مؤمن بموسى وهارون غيره ، وهذا من باب تذكر ~~الشيء بضده ، ومما يزيد يقينا بهذا أن وصف { الذين يجادلون في آيات الله } ~~تكرر أربع مرات من أول هذه السورة ، ثم كان هنا وسطا في قوله : { إن الذين ~~يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه ~~} ( غافر : 56 ) ، ثم كان خاتمة في قوله : { ألم تر إلى الذين يجادلون في ~~آيات الله أنى يصرفون } ( غافر : 69 ) . PageV24P141 # والإشارة في قوله كذلك : إلى الضلال المأخوذ من قوله : { يضل الله } أي ~~مثل ذلك الضلال يضل الله المسرفين المرتابين ، أي أن ضلال المشركين في ~~تكذيبهم محمدا صلى الله عليه وسلم مثل ضلال قوم فرعون في تكذيبهم موسى عليه ~~السلام . والخطاب بالكاف المقترنة باسم الإشارة خطاب للمسلمين . # والمسرف : المفرط في فعل لا خير فيه . والمرتاب : الشديد الريب ، أي الشك ~~. # وإسناد الإضلال إلى الله كإسناد نفي الهداية إليه في قوله : { إن الله لا ~~يهدي من هو مسرف كذاب } ( غافر : 28 ) ، وتقدم آنفا . # وقوله : { الذين يجادلون في آيات الله } يجوز أن يكون مبتدأ خبره { كبر ~~مقتا } ويجوز أن يكون بدلا من ( من ) في قوله : { من هو مسرف مرتاب } فبين ~~أن ماصدق ( من ) جماعة لا واحد ، فروعي في { من هو مسرف مرتاب } لفظ ( من ) ~~فأخبر عنه بالإفراد ، وروعي في البدل معنى ( من ) فأبدل منه موصول الجمع . ~~وصلة { الذين } عرف بها المشركون من قريش قال تعالى : { إن الذين يلحدون في ~~آياتنا لا يخفون علينا } ( فصلت : 40 ) وقال في هذه السورة : { ما يجادل في ~~آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد } . # واختيار المضارع في { يجادلون } لإفادة تجدد مجادلتهم وتكررها وأنهم لا ~~ينفكون عنها . وهذا صريح في ذمهم وكناية عن ذم جدالهم الذي أوجب ضلالهم . # وفي الموصولية إيماء إلى علة إضلالهم ، أي سبب خلق الضلال في قلوبهم ~~الإسراف بالباطل تكرر مجادلتهم قصدا للباطل . والمجادلة : تكرير ms7178 الاحتجاج ~~لإثبات مطلوب المجادل وإبطال مطلوب من يخالفه قال تعالى : { وجادلهم بالتي ~~هي أحسن } ( النحل : 125 ) ، فمن المجادلة في آيات الله المحاجة لإبطال ~~دلالتها ، ومنها المكابرة فيها كما قالوا : { قلوبنا في أكنة مما تدعونا ~~إليه وفي PageV24P142 آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب } ( فصلت : 5 ) ، ~~ومنها قطع الاستماع لها ، كما قال عبد الله بن أبي بن سلول في وقت صراحة ~~كفره للنبيء صلى الله عليه وسلم وقد جاء النبي صلى الله عليه وسلم مجلسا ~~فيه ابن سلول فقرأ عليهم القرآن فقال عبد الله بن سلول لا أحسن مما تقول ~~أيها المرء ولا تغشنا به في مجالسنا واجلس في رحلك فمن جاءك فاقرأ عليه . # و { بغير سلطاان } متعلق ب { يجادلون ، } والباء للاستعانة ، والسلطان : ~~الحجة . والمعنى : أنهم يجادلون بما ليس بحجة ولكن باللجاج والاستهزاء . و ~~{ أتاهم } صفة ل { سلطان . } والإتيان مستعار للظهور والحصول . # وحصول الحجة هو اعتقادها ولوحها في العقل ، أي يجادلون جدلا ليس مما ~~تثيره العقول والنظر الفكري ولكنه تمويه وإسكات . # وجملة { كبر مقتا عند الله } خبر { إن من باب الإخبار بالإنشاء ، وهي ~~إنشاء ذم جدالهم المقصود منه كم فم الحق ، أي كبر جدالهم مقتا عند الله ، ~~ففاعل كبر } ضمير الجدال المأخوذ من { يجادلون } على طريقة قوله : { إعدلوا ~~هو أقرب للتقوى } ( المائدة : 8 ) . # و { مقتا تمييز للكبر وهو تمييز نسبة محول عن الفاعل ، والتقدير : كبر ~~مقت جدالهم . # وفعل كبر } هنا ملحق بأفعال الذم مثل : ساء ، لأن وزن فعل بضم العين يجيء ~~بمعنى : نعم وبئس ، ولو كانت ضمة عينه أصلية وبهذا تفظيع بالصراحة بعد أن ~~استفيد من صلة الموصول أن جدالهم هو سبب إضلالهم ذلك الإضلال المكين ، فحصل ~~بهذا الاستئناف تقرير فظاعة جدالهم بطريقي الكناية والتصريح . # والكبر : مستعار للشدة ، أي مقت جدالهم مقتا شديدا . والمقت : شدة البغض ~~، وهو كناية عن شدة العقاب على ذلك من الله . وكونه مقتا عند الله تشنيع ~~لهم وتفظيع . PageV24P143 # أما عطف { وعند الذين ءامنوا } فلم أر في التفاسير الكثيرة التي بين يدي ~~من عرج على فائدة عطف { وعند الذين ms7179 آمنوا } ما عدا المهائمي في ( تبصرة ~~الرحمن ) إذ قال : { كبر مقتا عند الله } وهو موجب للإضلال ، ويدل على أنه ~~كبر مقتا أنه عند الذين آمنوا ، وهم المظاهر التي يظهر فيها ظهور الحق ا ه ~~. وكلمة المهائمي كلمة حسنة يعني أن كونه مقتا عند الله لا يحصل في علم ~~الناس إلا بالخبر فزيد الخبر تأييدا بالمشاهدة فإن الذين آمنوا على قلتهم ~~يومئذ يظهر بينهم بغض مجادلة المشركين . # وعندي : أن أظهر من هذا أن الله أراد التنويه بالمؤمنين ولم يرد إقناع ~~المشركين فإنهم لا يعبأون ببغض المؤمنين ولا يصدقون ببغض الله إياهم ، ~~فالمقصود الثناء على المؤمنين بأنهم يكرهون الباطل ، كما قال : { والمؤمنون ~~والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر } ( التوبة : ~~71 ) مع الإشارة إلى تبجيل مكانتهم بأن ضمت عنديتهم إلى عندية الله تعالى ~~على نحو قوله تعالى : { شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم ~~} ( آل عمران : 18 ) وقوله : { يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من ~~المؤمنين } ( الأنفال : 64 ) وقوله : { هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين } ( ~~الأنفال : 62 ) ونحو قول النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر حديث كلام الذئب ~~فتعجب بعض من حضر فقال : ( آمنت بذلك وأبو بكر ) ولم يكن أبو بكر في المجلس ~~. # وفي إسناد كراهية الجدال في آيات الله بغير سلطان للمؤمنين تلقين ~~للمؤمنين بالإعراض عن مجادلة المشركين على نحو ما في قوله تعالى : { وإذا ~~سمعوا اللغو أعرضوا عنه } ( القصص : 55 ) ، وقوله : { وإذا خاطبهم الجاهلون ~~قالوا سلاما } ( الفرقان : 63 ) وقوله : { وإذا مروا باللغو مروا كراما } ( ~~الفرقان : 72 ) . # والقول في { كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار } كالقول في { كذلك ~~يضل الله من هو مسرف مرتاب } . # والطبع : الختم ، وتقدم في قوله تعالى : { ختم الله على قلوبهم } في سورة ~~البقرة . # والختم والطبع والأكنة : خلق الضلالة في القلب ، أي النفس . والمتكبر : ~~ذو الكبر المبالغ فيه ولذلك استعيرت صيغة التكلف . PageV24P144 والجبار : ~~مثال مبالغة من الجبر ، وهو الإكراه ، فالجبار : الذي يكره الناس على ما لا ~~يحبون عمله لظلمه . # وقرأ ms7180 الجمهور : { على كل قلب متكبر } بإضافة { قلب } إلى { متكبر . } ~~وقرأ أبو عمرو وحده وابن ذكوان عن ابن عامر بتنوين { قلب على أن يكون متكبر ~~} و { جبار } صفتين ل { قلب ، } ووصف القلب بالتكبر والجبر مجاز عقلي . ~~والمقصود وصف صاحبه كقوله تعالى : { فإنه آثم قلبه } ( البقرة : 283 ) لأنه ~~سبب الإثم كما يقال : رأت عيني وسمعت أذني . # ( 36 37 ) صلى الله عليه وسلم # { # هذه مقالة أخرى لفرعون في مجلس آخر غير المجلس الذي حاجه فيه موسى ولذلك ~~عطف قوله بالواو كما أشرنا إليه فيما عطف من الأقوال السابقة آنفا ، وكما ~~أشرنا إليه في سورة القصص ، وتقدم الكلام هنالك مستوفى على نظير معنى هذه ~~الآية على حسب ظاهرها ، وتقدم ذكر ( هامان ) والصرح هنالك . # وقد لاح لي هنا محمل آخر أقرب أن يكون المقصود من الآية ينتظم مع ما ~~ذكرناه هنالك في الغاية ويخالفه في الدلالة ، وذلك أن يكون فرعون أمر ببناء ~~صرح لا لقصد الارتقاء إلى السماوات بل ليخلو بنفسه رياضة ليستمد الوحي من ~~الرب الذي ادعى موسى أنه أوحى إليه إذ قال : إنا قد أوحي إلينا أن العذاب ~~على من كذب وتولى } ( طه : 48 ) فإن الارتياض في مكان منعزل عن الناس كان ~~من شعار الاستيحاء الكهنوتي عندهم ، وكان فرعون يحسب نفسه أهلا لذلك لزعمه ~~أنه ابن الآلهة وحامي الكهنة والهياكل . وإنما كان يشغله تدبير أمر المملكة ~~فكان يكل شؤون الديانة إلى الكهنة في معابدهم ، فأراد في هذه الأزمة ~~الجدلية أن يتصدى لذلك بنفسه ليكون قوله الفصل في نفي وجود إله آخر تضليلا ~~لدهماء أمته ، لأنه أراد التوطئة للإخبار بنفي إله أخر غير آلهتهم فأراد أن ~~يتولى وسائل النفي بنفسه كما PageV24P145 كانت لليهود محاريب للخلوة ~~للعبادة كما تقدم عند قوله تعالى : { فخرج على قومه من المحراب } ( مريم : ~~11 ) وقوله : { كلما دخل عليها زكريا المحراب } ( آل عمران : 37 ) ومن ~~اتخاذ الرهبان النصارى صوامع في أعالي الجبال للخلوة للتعبد ، ووجودها عند ~~هذه الأمم يدل على أنها موجودة عند الأمم المعاصرة لهم والسابقة عليهم . # والأسباب : جمع سبب ms7181 ، والسبب ما يوصل إلى مكان بعيد ، فيطلق السبب على ~~الطريق ، ويطلق على الحبل لأنهم كانوا يتوصلون به إلى أعلى النخيل . ~~والمراد هنا : طرق السماوات ، كما في قول زهير : # ومن هاب أسباب المنايا ينلنه # وإن يرق أسباب السماء بسلم # وانتصب { أسباب السماوات } على البدل المطابق لقوله : { الأسباب . } وجيء ~~بهذا الأسلوب من الاجمال ثم التفصيل للتشويق إلى المراد بالأسباب تفخيما ~~لشأنها وشأنن عمله لأنه أمر عجيب ليورد على نفس متشوقة إلى معرفته وهي نفس ~~( هامان ) . # والاطلاع بتشديد الطاء مبالغة في الطلوع ، والطلوع : الظهور . والأكثر أن ~~يكون ظهورا من ارتفاع ، ويعرف ذلك أو عدمه بتعدية الفعل فإن عدي بحرف ( على ~~) فهو الظهور من ارتفاع ، وإن عدي بحرف ( إلى ) فهو ظهور مطلق . # وقرأ الجمهور : { فأطلع } بالرفع تفريعا على { أبلغ } كأنه قيل : أبلغ ثم ~~اطلع ، وقرأه حفص عن عاصم بالنصب على جواب الترجي لمعاملة الترجي معاملة ~~التمني وإن كان ذلك غير مشهور ، والبصريون ينكرونه كأنه قيل : متى بلغت ~~اطلعت ، وقد تكون له ههنا نكتة وهي استعارة حرف الرجاء إلى معنى التمني على ~~وجه الاستعارة التبعية إشارة إلى بعد ما ترجاه ، وجعل نصب الفعل بعده قرينة ~~على الاستعارة . # وبين { إلى } و { إلاه } الجناس الناقص بحرفف كما ورد مرتين في قول أبي ~~تمام : # يمدون من أيد عواصص عواصم # تصول بأسياف قواض قواضب PageV24P146 # وجملة { وإني لأظنه كاذبا } معترضة للاحتراس من أن يظن ( هامان ) وقومه ~~أن دعوة موسى أوهنت منه يقينه بدينه وآلهته وأنه يروم أن يبحث بحث متأمل ~~ناظر في أدلة المعرفة فحقق لهم أنه ما أراد بذلك إلا نفي ما ادعاه موسى ~~بدليل الحس . وجيء بحرف التوكيد المعزز بلام الابتداء لينفي عن نفسه اتهام ~~وزيره إياه بتزلزل اعتقاده في دينه . والمعنى : إني أفعل ذلك ليظهر كذب ~~موسى . # والظن هنا مستعمل في معنى اليقين والقطع ، ولذلك سمى الله عزمه هذا كيدا ~~في قوله : { وما كيد فرعون إلا في تباب } . # جملة { وكذلك زين لفرعون } عطف على جملة { وقال فرعون } لبيان حال ~~اعتقاده وعمله بعد أن بين حال أقواله ، والمعنى ms7182 : أنه قال قولا منبعثا عن ~~ضلال اعتقاد ومغريا بفساد الأعمال . ولهذا الاعتبار اعتبار جميع أحوال ~~فرعون لم تفصل هذه الجملة عن التي قبلها إذ لم يقصد بها ابتداء قصة أخرى ، ~~وهذا مما سموه بالتوسط بين كمالي الاتصال والانقطاع في باب الفصل والوصل من ~~علم المعاني . وافتتاحها ب { كذلك } كافتتاح قوله تعالى : { وكذلك جعلناكم ~~أمة وسطا } في سورة البقرة ، أي مثل ذلك التزيين أي تزيين عمل فرعون زين له ~~سوء عمله مبالغة في أن تزيين عمله له بلغ من القوة في نوعه ما لا يوجد له ~~شبه يشبه به فمن أراد تشبيهه فليشبهه بعينه . # وبني فعل إلى المجهول لأن المقصود معرفة مفعول التزيين لا معرفة فاعله ، ~~أي حصل له تزيين سوء عمله في نفسه فحسب الباطل حقا والضلال اهتداء . # وقرأ الجمهور : { وصد } بفتح الصاد وهو يجوز اعتباره قاصرا الذي مضارعه ~~يصد بكسر الصاد ، ويجوز اعتباره متعديا الذي مضارعه يصد بضم الصاد ، أي ~~PageV24P147 أعرض عن السبيل ومنع قومه اتباع السبيل . وقرأه حمزة والكسائي ~~وعاصم بضم الصاد . # والقول فيه كالقول في : { زين لفرعون سوء عمله } . # وتعريف { السبيل } للعهد ، أي سبيل الله ، أو سبيل الخير ، أو سبيل الهدى ~~. ويجوز أن يكون التعريف للدلالة على الكمال في النوع ، أي صد عن السبيل ~~الكامل الصالح . # وجملة { وما كيد فرعون إلا في تباب } عطف على جملة { وكذلك زين لفرعون ~~سوء عمله } ، والمراد بكيده ما أمر به من بناء الصرح والغاية منه ، وسمي ~~كيدا لأنه عمل ليس المراد به ظاهره بل أريد به الإفضاء إلى إيهام قومه كذب ~~موسى عليه السلام . # والتباب : الخسران والهلاك ، ومنه : { تبت يدا أبي لهبب وتب } ( المسد : ~~1 ) ، وحرف الظرفية استعارة تبعية لمعنى شدة الملابسة كأنه قيل : ( وما كيد ~~فرعون إلا بتباب شديد ) . والاستثناء من أحوال مقدرة . # ( 38 40 ) # هذا مقال في مقام آخر قاله مؤمن آل فرعون ، فهذه المقالات المعطوفة ~~بالواو مقالات متفرقة . فابتدأ موعظته بندائهم ليلفت إليه أذهانهم ويستصغي ~~أسماعهم ، وبعنوان أنهم قومه لتصغى إليه أفئدتهم . PageV24P148 ورتب خطبته ~~على أسلوب تقديم الإجمال ms7183 ثم تعقيبه بالتفصيل ، فابتدأ بقوله : { اتبعونن ~~أهدكم سبيل الرشاد } ، وسبيل الرشاد مجمل وهو على إجماله مما تتوق إليه ~~النفوس ، فربط حصوله باتباعهم إياه مما يقبل بهم على تلقي ما يفسر هذا ~~السبيل ، ويسترعي أسماعهم إلى ما يقوله إذ لعله سيأتيهم بما ترغبه أنفسهم ~~إذ قد يظنون أنه نقح رأيه ونخل مقاله وأنه سيأتي بما هو الحق الملائم لهم . ~~وتقدم ذكر { سبيل الرشاد } آنفا . # وأعاد النداء تأكيدا لإقبالهم إذ لاحت بوارقه فأكمل مقدمته بتفصيل ما ~~أجمله يذكرهم بأن الحياة الدنيا محدودة بأجل غير طويل ، وأن وراءها حياة ~~أبدية ، لأنه علم أن أشد دفاعهم عن دينهم منبعث عن محبة السيادة والرفاهية ~~، وذلك من متاع الدنيا الزائل وأن الخير لهم هو العمل للسعادة الأبدية . ~~وقد بنى هذه المقدمة على ما كانوا عليه من معرفة أن وراء هذه الحياة حياة ~~أبدية فيها حقيقة السعادة والشقاء ، وفيها الجزاء على الحسنات والسيئات ~~بالنعيم أو العذاب ، إذ كانت ديانتهم تثبت حياة أخرى بعد الحياة الدنيا ~~ولكنها حرفت معظم وسائل السعادة والشقاوة ، فهذه حقائق مسلمة عندهم على ~~إجمالها وهي من نوع الأصول الموضوعة في صناعة الجدل ، وبذلك تمت مقدمة ~~خطبته وتهيأت نفوسهم لبيان مقصده المفسر لإجمال مقدمته . # فجملة { إنما هاذه الحيواة الدنيا متاع } مبينة لجملة { أهدكم سبيل ~~الرشاد } . والمتاع : ما ينتفع به انتفاعا مؤجلا . والقرار : الدوام في ~~المكان . والقصر المستفاد من قوله { إنما هذه الحياة الدنيا متاع } قصر ~~موصوفف على صفة ، أي لا صفة للدنيا إلا أنها نفع موقت ، وهو قصر قلب لتنزيل ~~قومه في تهالكهم على منافع الدنيا منزلة من يحسبها منافع خالدة . # وجملتا { من عمل سيئة } إلى آخرهما بيان لجملة { وإن الآخرة هي دار ~~القرار } والقصر المستفاد من ضمير الفصل في قوله { وإن الآخرة هي دار ~~القرار } قصر قلبب نظير القصر في قوله : { إنما هذه الحياة الدنيا متاع } ، ~~وهو مؤكد للقصر في PageV24P149 قوله : { إنما هذه الحياة الدنيا متاع } من ~~تأكيد إثبات ضد الحكم لضد المحكوم عليه ، وهو قصر قلب ، أي لا الدنيا . ( ~~ومن ) من قوله : { من ms7184 عمل سيئة } شرطية . ومعنى { إلا مثلها } المماثلة في ~~الوصف الذي دل عليه اسم السيئة وهو الجزاء السيء ، أي لا يجزي عن عمل السوء ~~بجزاء الخير ، أي لا يطمعوا أن يعلموا السيئات وأنهم يجازون عليها جزاء خير ~~. وفي ( صحيح البخاري ) عن وهب بن منبه وكان كثير الوعظ للناس فقيل له ، ~~إنك بوعظك تقنط الناس فقال : ( أأنا أقدر أن أقنط الناس والله يقول : { يا ~~عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله } ( الزمر : 53 ) ~~ولكنكم تحبون أن تبشروا بالجنة على مساوي أعمالكم ) . وكأن المؤمن خص ~~الجزاء بالأعمال لأنهم كانوا متهاونين بالأعمال وكان قصارى ما يهتمون به هو ~~حسن الإعتقاد في الآلهة ، ولذلك توجد على جدر المعابد المصرية صورة الحساب ~~في هيئة وضع قلب الميت في الميزان ليكون جزاؤه على ما يفسر عنه ميزان قلبه ~~. # ولذلك ترى مؤمن آل فرعون لم يهمل ذكر الإيمان بعد أن اهتم بتقديم الأعمال ~~فتراه يقول : { ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن } ، فالإيمان هو أس ~~هيكل النجاة ، ولذلك كان الكفر أس الشقاء الأبدي فإن كل عمل سيء فإن سوءه ~~وفساده جزئي منقضض فكان العقاب عليه غير أبدي ، وأما الكفر فهو سيئة دائمة ~~مع صاحبها لأن مقرها قلبه واعتقاده وهو ملازم له فلذلك كان عقابه أبديا ، ~~لأن الحكمة تقتضي المناسبة بين الأسباب وآثارها فدل قوله : { فلا يجزى إلا ~~مثلها } أن جزاء الكفر شقاء أبدي لأن مثل الكفر في كونه ملازما للكافر إن ~~مات كافرا . # وبهذا البيان أبطلنا قول المعتزلة والخوارج بمساواة مرتكب الكبائر للكافر ~~في الخلود في العذاب ، بأنه قول يفضي إلى إزالة مزية الإيمان ، وذلك تنافيه ~~أدلة الشريعة البالغة مبلغ القطع ، ونظير هذا المعنى قوله تعالى : { فك ~~رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة ثم كان ~~من الذين آمنوا } ( البلد : 13 17 ) . # وترتيبه دخول الجنة على عمل الصالحات معناه : من عمل صالحا ولم يعمل ~~PageV24P150 سيئة بقرينة مقابلته بقوله : { من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ~~} ، فإن ms7185 خلط المؤمن عملا صالحا وسيئا فالمقاصة ، وبيانه في تفاصيل الشريعة ~~. # وقوله : { بغير حساب } كناية على سعة الرزق ووفرته كما تقدم عند قوله ~~تعالى : { إن الله يرزق من يشاء بغير حساب } في سورة آل عمران . # و { من في قوله : ومن عمل صالحا } الخ شرطية ، وجوابها { فأولائك يدخلون ~~الجنة } . وجيء باسم الإشارة للتنبيه على أن المشار إليه يستحق ما سيذكر ~~بعد اسم الإشارة من أجل ما ذكر قبل اسم الإشارة من الأوصاف ، وهي عمل ~~الصالحات مع الإيمان زيادة على استفادة ذلك من تعليقه على الجملة الشرطية . ~~وتقديم المسند إليه على المسند الفعلي في جملة جواب الشرط لإفادة الحصر . ~~والمعنى : أنكم إن متم على الشرك والعمل السيىء لا تدخلونها . # وقوله : { من ذكر أو أنثى } بيان لما في { من من الإبهام من جانب احتمال ~~التعميم فلفظ ذكر أو أنثى } مراد به عموم الناس بذكر صنفيهم تنصيصا على ~~إرادة العموم ، وليس المقصود به إفادة مساواة الأنثى للذكر في الجزاء على ~~الأعمال إذ لا مناسبة له في هذا المقام ، وتعريضا بفرعون وخاصته أنهم غير ~~مفلتين من الجزاء . # وقرأ الجمهور { يدخلون الجنة } بفتح الياء . وقرأه ابن كثير وأبو عمرو ~~وأبو بكر عن عاصم بضمها وفتح الخاء ، والمعنى واحد . # ( 41 43 ) { } # أعاد نداءهم وعطفت حكايته بواو العطف للإشارة إلى أن نداءه اشتمل على ما ~~PageV24P151 يقتضي في لغتهم أن الكلام قد تخطى من غرض إلى غرض وأنه سيطرق ~~ما يغاير أول كلامه مغايرة ما تشبه مغايرة المتعاطفين في لغة العرب ، وأنه ~~سيرتقي باستدراجهم في درج الاستدلال إلى المقصود بعد المقدمات ، فانتقل هنا ~~إلى أن أنكر عليهم شيئا جرى منهم نحوه وهو أنهم أعقبوا موعظته إياهم بدعوته ~~للإقلاع عن ذلك وأن يتمسك بدينهم وهذا شيء مطوي في خلال القصة دلت عليه ~~حكاية إنكاره عليهم ، وهو كلام آيسس من استجابتهم لقوله فيه : { فستذكرون ~~ما أقول لكم } ( غافر : 44 ) ، ومتوقعع أذاهم لقوله : { وأفوض أمري إلى ~~الله } ( غافر : 44 ) ، ولقوله تعالى آخر القصة : { فوقاه الله سيئات ما ~~مكروا } ( غافر : 45 ) . فصرح هنا وبين ms7186 بأنه لم يزل يدعوهم إلى اتباع ما ~~جاء به موسى وفي اتباعه النجاة من عذاب الآخرة فهو يدعوهم إلى النجاة حقيقة ~~، وليس إطلاق النجاة على ما يدعوهم إليه بمجاز مرسل بل يدعوهم إلى حقيقة ~~النجاة بوسائط . # والاستفهام في { ما لي أدعوكم إلى النجواة } استفهام تعجبي باعتبار ~~تقييده بجملة الحال وهي { وتدعونني إلى النار } فجملة { وتدعونني إلى النار ~~} في موضع الحال بتقدير مبتدأ ، أي وأنتم تدعونني إلى النار وليست بعطف لأن ~~أصل استعمال : ما لي أفعل ، وما لي لا أفعل ونحوه ، أن يكون استفهاما عن ~~فعل أو حالل ثبت للمجرور باللام ( وهي لام الاختصاص ) ، ومعنى لام الاختصاص ~~يكسب مدخولها حالة خفيا سببها الذي علق بمدخول اللام نحو قوله تعالى : { ما ~~لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض } ( التوبة : 38 ) ~~{ ما لي لا أرى الهدهد } ( النمل : 20 ) وقولك لمن يستوقفك : ما لك ؟ فتكون ~~الجملة التي بعد اسم الاستفهام وخبره جملة فعلية . # وتركيب : ما لي ونحوه ، هو كتركيب : هل لك ونحوه في قوله تعالى : { فقل ~~هل لك إلى أن تزكى } ( النازعات : 18 ) وقول كعب بن زهير : # ألا بلغا عني بجيرا رسالة # فهل لك فيما قلت ويحك هل لك # فإذا قامت القرينة على انتفاء إرادة الاستفهام الحقيقي انصرف ذلك إلى ~~التعجب من الحالة ، أو إلى الإنكار أو نحو ذلك . فالمعنى هنا على التعجب ~~يعني PageV24P152 أنه يعجب من دعوتهم إياه لدينهم مع ما رأوا من حرصه على ~~نصحهم ودعوتهم إلى النجاة وما أتاهم به من الدلائل على صحة دعوته وبطلان ~~دعوتهم . # وجملة { تدعونني لأكفر بالله } بيان لجملة { وتدعونني إلى النار } لأن ~~الدعوة إلى النار أمر مجمل مستغرب فبينه ببيان أنهم يدعونه إلى التلبس ~~بالأسباب الموجبة عذاب النار . والمعنى : تدعونني للكفر بالله وإشراك ما لا ~~أعلم مع الله في الإلهية . # ومعنى { ما ليس لي به علم } ما ليس لي بصحته أو بوجوده علم ، والكلام ~~كناية عن كونه يعلم أنها ليست آلهة بطريق الكناية بنفي اللازم عن نفي ~~الملزوم . # وعطف عليه { وأنا أدعوكم ms7187 إلى العزيز الغفار } فكان بيانا لمجمل جملة { ~~أدعوكم إلى النجواة } . وإبراز ضمير المتكلم في قوله : { وأنا أدعوكم } ~~لإفادة تقوي الخبر بتقديم المسند إليه على خبره الفعلي . # وفعل الدعوة إذا ربط بمتعلق غير مفعوله يعدى تارة باللام وهو الأكثر في ~~الكلام ، ويعدى بحرف ( إلى ) وهو الأكثر في القرآن لما يشتمل عليه من ~~الاعتبارات ولذلك علق به معموله في هذه الآية أربع مرات ب ( إلى ) ومرة ~~باللام مع ما في ربط فعل الدعوة بمتعلقه الذي هو من المعنويات من مناسبة ~~لام التعليل مثل { تدعونني لأكفر بالله وأشرك به } ، وربطه بما هو ذات بحرف ~~( إلى ) في قوله : { أدعوكم إلى النجواة } فإن النجاة هي نجاة من النار فهي ~~نجاة من أمر محسوس ، وقوله : { وتدعونني إلى النار } وقوله : { وأنا أدعوكم ~~إلى العزيز الغفار لا جرم أنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا } الخ ، ~~لأن حرف ( إلى ) دال على الانتهاء لأن الذي يدعو أحدا إلى شيء إنما يدعوه ~~إلى أن ينتهي إليه ، فالدعاء إلى الله الدعاء إلى توحيده بالربوبية فشبه ~~بشيء محسوس تشبيه المعقول بالمحسوس ، وشبه اعتقاده صحته بالوصول إلى الشيء ~~المسعي إليه ، وشبهت الدعوة إليه بالدلالة على الشيء المرغوب الوصول إليه ~~فكانت في حرف ( إلى ) استعارة مكنية وتخييلية وتبعية ، وفي { العزيز الغفار ~~} استعارة مكنية ، وفي { أدعوكم } استعارة تبعية وتخييلية . PageV24P153 # وعدل عن اسم الجلالة إلى الصفتين { العزيز الغفار } لإدماج الاستدلال على ~~استحقاقه الإفراد بالإلهية والعبادة ، بوصفه { العزيز } لأنه لا تناله ~~الناس بخلاف أصنامهم فإنها ذليلة توضع على الأرض ويلتصق بها القتام وتلوثها ~~الطيور بذرقها ، ولإدماج ترغيبهم في الإقلاع عن الشرك بأن الموحد بالإلهية ~~يغفر لهم ما سلف من شركهم به حتى لا ييأسوا من عفوه بعد أن أساءوا إليه . # وجملة { لا جرم أنما تدعونني } بيان لجملة { تدعونني لأكفر بالله } . ~~وكلمة { لا جرم } بفتحتين في الأفصح من لغاتت ثلاث فيها ، كلمة يراد بها ~~معنى لا يثبت أو لا بد ، فمعنى ثبوته لأن الشيء الذي لا ينقطع هو باق وكل ~~ذلك يؤول إلى معنى حق وقد يقولون ms7188 : لا ذا جرم ، ولا أن ذا جرم ، ولا عن ذا ~~جرم ، ولا جر بدون ميم ترخيما للتخفيف . # والأظهر أن { جرم اسم لا فعل لأنه لو كان فعلا لكان ماضيا بحسب صيغته ~~فيكون دخول لا عليه من خصائص استعمال الفعل في الدعاء . # والأكثر أن يقع بعدها ( أن ) المفتوحة المشددة فيقدر معها حرف ( في ) ~~ملتزما حذفه غالبا . والتقدير : لا شك في أن ما تدعونني إليه ليس له دعوة . ~~وتقدم بيان معنى لا جرم وأن جرم فعل أو اسم عند قوله تعالى : لا جرم أنهم ~~في الآخرة هم الأخسرون } في سورة هود . # وما صدق { ما الأصنام ، وأعيد الضمير عليها مفردا في قوله : ليس له } ~~مراعاة لإفراد لفظ ( ما ) . # وقوله : { لا جرم أنما تدعونني إليه } إلى قوله : { أصحاب النار } واقع ~~موقع التعليل لجملتي { ما لي أدعوكم إلى النجواة وتدعونني إلى النار } لأنه ~~إذا تحقق أن لا دعوة للأصنام في الدنيا بدليل المشاهدة ، ولا في الآخرة ~~بدلالة الفحوى ، فقد تحقق أنها لا تنجي أتباعها في الدنيا ولا يفيدهم ~~دعاؤها ولا نداؤها . وتحقق إذن أن المرجو للإنعام في الدنيا والآخرة هو ~~الرب الذي يدعوهم هو إليه . وهذا دليل إقناعي غير قاطع للمنازع في إلهية رب ~~هذا المؤمن ولكنه أراد إقناعهم PageV24P154 واستحفظهم دليله لأنهم سيظهر ~~لهم قريبا أن رب موسى له دعوة في الدنيا ثقة منه بأنهم سيرون انتصار موسى ~~على فرعون ويرون صرف فرعون عن قتل موسى بعد عزمه عليه فيعلمون أن الذي دعا ~~إليه موسى هو المتصرف في الدنيا فيعلمون أنه المتصرف في الآخرة . # ومعنى { ليس له دعوة } انتفاء أن يكون الدعاء إليه بالعبادة أو الالتجاء ~~نافعا لا نفي وقوع الدعوة لأن وقوعها مشاهد . فهذا من باب ( لا صلاة لمن لم ~~يقرأ بفاتحة الكتاب ) وقولهم : ليس ذلك بشيء ، أي بشيء نافع ، وبهذا تعلم ~~أن { دعوة مصدر متحمل معنى ضمير فاعل ، أي ليست دعوة داع ، وأن ضمير له } ~~عائد إلى ( ما ) الموصولة ، أي لا يملك دعوة الداعين ، أي لا يملك إجابتهم ~~. # وعطفت على هذه الجملة جملة ms7189 { وأن مردنا إلى الله } عطف اللازم على ملزومه ~~لأنه إذا تبين أن رب موسى المسمى ( الله ) هو الذي له الدعوة ، تبين أن ~~المرد أي المصير إلى الله في الدنيا بالالتجاء والاستنصار وفي الآخرة ~~بالحكم والجزاء . ولو عطف مضمون هذه الجملة بالفاء المفيدة للتفريع لكانت ~~حقيقة بها ، ولكن عدل عن ذلك إلى عطفها بالواو اهتماما بشأنها لتكون مستقلة ~~الدلالة بنفسها غير باحثث سامعها على ما ترتبط به ، لأن الشيء المتفرع على ~~شيء يعتبر تابعا له ، كما قال الأصوليون في أن جواب السائل غير المستقل ~~بنفسه تابع لعموم السؤال . # وكذلك جملة { وأن المسرفين هم أصحاب النار } بالنسبة إلى تفرع مضمونها ~~على مضمون جملة { وأن مردنا إلى الله } لأنه إذا كان المصير إليه كان الحكم ~~والجزاء بين الصائرين إليه من مثاب ومعاقب فيتعين أن المعاقب هم الكافرون ~~بالله . # فالإسراف هنا : إفراط الكفر ، ويشمل ما قيل : إنه أريد هنا سفك الدم بغير ~~حق ليصرف فرعون عن قتل موسى عليه السلام . والوجه أن يعم أصحاب الجرائم ~~والآثام . والتعريف فيه تعريف الجنس المفيد للاستغراق وهو تعريض بالذين ~~يخاطبهم إذ هم مسرفون على كل تقدير فهم مسرفون في إفراط كفرهم PageV24P155 ~~بالرب الذي دعا إليه موسى ، ومسرفون فيما يستتبعه ذلك من المعاصي والجرائم ~~فضمير الفصل في قوله : { هم أصحاب النار } يفيد قصرا ادعائيا لأنهم ~~المتناهون في صحبة النار بسبب الخلود بخلاف عصاة المؤمنين ، وهذا لحمل كلام ~~المؤمن على موافقة الواقع لأن المظنون به أنه نبي أو ملهم وإلا فإن المقام ~~مقام تمييز حال المؤمنين من حال المشركين ، وليس مقام تفصيل درجات الجزاء ~~في الآخرة . # هذا الكلام متاركة لقومه وتنهية لخطابه إياهم ولعله استشعر من ملامحهم أو ~~من مقاطعتهم كلامه بعبارات الإنكار ، ما أيأسه من تأثرهم بكلامه ، فتحداهم ~~بأنهم إن أعرضوا عن الانتصاح لنصحه سيندمون حين يرون العذاب إما في الدنيا ~~كما اقتضاه تهديده لهم بقوله : { إني أخاف عليكم مثل يومم الأحزاب } ( غافر ~~: 30 ) ، أو في الآخرة كما اقتضاه قوله : { إني أخاف عليكم يوم التناد } ( ~~غافر : 32 ) ، فالفاء تفريع ms7190 على جملة { ما لي أدعوكم إلى النجواة وتدعونني ~~إلى النار } ( غافر : 41 ) . # وفعل { ستذكرون } مشتق من الذكر بضم الذال وهو ضد النسيان ، أي ستذكرون ~~في عقولكم ، أي ما أقول لكم الآن يحضر نصب بصائركم يوم تحققه ، فشبه ~~الإعراض بالنسيان ورمز إلى النسيان بما هو من لوازمه في العقل ملازمة الضد ~~لضده وهو التذكر على طريقة المكنية وفي قرينتها استعارة تبعية . والمعنى ~~سيحل بكم من العذاب ما يذكركم ما أقوله : إنه سيحل بكم . # وجملة { وأفوض أمري إلى الله } عطف على جملة { ما لي أدعوكم إلى النجواة ~~وتدعونني إلى النار } ، ومساق هذه الجملة مساق الانتصاف منهم لما أظهروه له ~~من الشر ، يعني : أني أكل شأني وشأنكم معي إلى الله فهو يجزي كل فاعل بما ~~فعل ، وهذا كلام منصف فالمراد ب { أمري } شأني ومهمي . PageV24P156 ويدل ~~لمعنى الانتصاف تعقيبه بقوله : { إن الله بصير بالعباد } معللا تفويض أمره ~~معهم إلى الله بأن الله عليم بأحوال جميع العباد فعموم العباد شمله وشمل ~~خصومه . # وقال في ( الكشاف ) قوله : { وأفوض أمري إلى الله } لأنهم توعدوه ا ه . ~~يعني أن فيه إشعارا بذلك بمعونة ما بعده . # و { العباد } الناس يطلق على جماعتهم اسم العباد ، ولم أر إطلاق العبد ~~على الإنسان الواحد ولا إطلاق العبيد على الناس . # والبصير : المطلع الذي لا يخفى عليه الأمر . والباء للتعدية كما في قوله ~~تعالى : { فبصرت به عن جنب } ( القصص : 11 ) ، فإذا أرادوا تعدية فعل البصر ~~بنفسه قالوا : أبصره . # ( 45 46 ) # تفريع { فوقاه الله } مؤذن بأنهم أضمروا مكرا به . وتسميته مكرا مؤذن ~~بأنهم لم يشعروه به وأن الله تكفل بوقايته لأنه فوض أمره إليه . والمعنى : ~~فأنجاه الله ، فيجوز أن يكون نجا مع موسى وبني إسرائيل فخرج معهم ، ويجوز ~~أن يكون فر من فرعون ولم يعثروا عليه . # و ( ما ) مصدرية . والمعنى : سيئات مكرهم . وإضافة { سيئات } إلى ( مكر ) ~~إضافة بيانية ، وهي هنا في قوة إضافة الصفة إلى الموصوف لأن المكر سيء . ~~وإنما جمع السيئات باعتبار تعدد أنواع مكرهم التي بيتوها . # وحاق : أحاط . والعذاب : الغرق . والتعريف للعهد لأنه ms7191 مشهور معلوم . ~~وتقدم له ذكر في السور النازلة قبل هذه السورة . PageV24P157 # ومناسبة فعل { حاق لذلك العذاب أنه مما يحيق على الحقيقة ، وإنما كان ~~الغرق سوء عذاب لأن الغريق يعذب باحتباس النفس مدة وهو يطفو على الماء ~~ويغوص فيه ويرعبه هول الأمواج وهو موقن بالهلاك ثم يكون عرضة لأكل الحيتان ~~حيا وميتا وذلك ألم في الحياة وخزي بعد الممات يذكرون به بين الناس . # وقوله : النار يعرضون عليها غدوا وعشيا } يجوز أن يكون جملة وقعت بدلا من ~~جملة { وحاق بآل فرعون سوء العذاب } ، فيجعل { النار } مبتدأ ويجعل جملة { ~~يعرضون عليها } خبرا عنه ويكون مجموع الجملة من المبتدأ وخبره بدل اشتمال ~~من جملة { وحاق بآلل فرعون سوء العذاب } لأن سوء العذاب إذا أريد به الغرق ~~كان مشتملا على موتهم وموتهم يشتمل على عرضهم على النار غدوا وعشيا ، ~~فالمذكور عذابان : عذاب الدنيا وعذاب الغرق وما يلحق به من عذابب قبل عذاب ~~يوم القيامة . # ويجوز أن يكون { النار } بدلا مفردا من { سوء العذاب } بدلا مطابقا وجملة ~~{ يعرضون عليها } حالا من { النار } فيكون المذكور في الآية عذابا واحدا ~~ولم يذكر عذاب الغرق . وعلى كلا الوجهين فالمذكور في الآية عذاب قبل عذاب ~~يوم القيامة فذلك هو المذكور بعده بقوله : { ويوم تقوم الساعة ادخلوا ءال ~~فرعون أشد العذاب } . # والعرض حقيقته : إظهار شيء لمن يراه لترغيب أو لتحذير وهو يتعدى إلى ~~الشيء المظهر بنفسه وإلى من يظهر لأجله بحرف ( على ) ، وهذا يقتضي أن ~~المعروض عليه لا يكون إلا من يعقل ومنزلا منزلة من يعقل ، وقد يقلب هذا ~~الاستعمال لقصد المبالغة كقول العرب ( عرضت الناقة على الحوض ) ، وحقه : ~~عرضت الحوض على الناقة ، وهو الاستعمال الذي في هذه الآية وقوله في سورة ~~الأحقاف { ويوم يعرض الذين كفروا على النار } . وقد عد علماء المعاني القلب ~~من أنواع تخريج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر ومثلوا له بقول العرب : عرضت ~~الناقة على الحوض . واختلفوا في عده من أفانين الكلام البليغ فعده منها أبو ~~عبيدة والفارسي والسكاكي ولم يقبله الجمهور ، وقال القزويني : إن تضمن ~~اعتبارا ms7192 لطيفا قبل وإلا رد . PageV24P158 # وعندي أن الاستعمالين على مقتضى الظاهر وأن العرض قد كثر في معنى الإمرار ~~دون قصد الترغيب كما يقال : عرض الجيش على أميره واستعرضه الأمير . ولعل ~~أصله مجاز ساوى الحقيقة فليس في الآيتين قلب ولا في قول العرب : عرضت ~~الناقة على الحوض ، قلب ، ويقال : عرض بنو فلان على السيف ، إذا قتلوا به . ~~وخرج في ( الكشف ) آية الأحقافف على قولهم : عرض على السيفف . # ومعنى عرضهم على النار أن أرواحهم تشاهد المواضع التي أعدت لها في جهنم ، ~~وهو ما يبينه حديث عبد الله بن عمر في ( الصحيح ) قال : قال رسول الله : ( ~~إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن ~~أهل الجنة ، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار فيقال : هذا مقعدك حتى ~~يبعثك الله يوم القيامة ) . # وقوله : { غدوا وعشيا } كناية عن الدوام لأن الزمان لا يخلو عن هاذين ~~الوقتين . # وقوله : { ويوم تقوم الساعة أدخلوا ءال فرعون أشد العذاب } هذا ذكر عذاب ~~الآخرة الخالد ، أي يقال : أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ، وعلم من عذاب آل ~~فرعون أن فرعون داخل في ذلك العذاب بدلالة الفحوى . # وقرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص وأبو جعفر ويعقوب { أدخلوا } بهمزة قطع ~~وكسر الخاء . وقرأ الباقون بهمزة وصل وضم الخاء على معنى أن القول موجه إلى ~~آل فرعون وأن { ءال فرعون } منادى بحذف الحرف . # ( 47 48 ) # يجوز أن يكون { إذ } معمولا ل ( اذكر ) محذوفف فيكون عطفا على جملة { ~~وأنذرهم يوم الأزفة } ، والضمير عائدا إلى { الذين يجادلون في ءايات الله ~~بغير PageV24P159 سلطان } ( غافر : 35 ) وما بين هذا وذاك اعتراض واستطراد ~~لأنها قصد منها عظة المشركين بمن سبقهم من الأمم المكذبين فلما استوفي ذلك ~~عاد الكلام إليهم . ويفيد ذلك صريح الوعيد للمشركين بعد أن ضربت لهم ~~الأمثال كما قال تعالى : { وللكافرين أمثالها } ( محمد : 10 ) ، وقد تكرر ~~في القرآن موعظة المشركين بمثل هذا كقوله تعالى : { إذ تبرأ الذين اتبعوا ~~من الذين اتبعوا } الآية في سورة البقرة ، وقوله : { قالت أخراهم لأولاهم ~~ربنا هؤلاء ms7193 أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار } الآية في سورة الأعراف . # ويجوز أن تكون { وإذ يتحآجون } عطفا على جملة { ويوم تقوم الساعة ادخلوا ~~ءال فرعون أشد العذاب } ( غافر : 46 ) لأن ( إذ ) و ( يوم ) كليهما ظرف ~~بمعنى ( حين ) ، فيكون المعنى : وحين تقوم الساعة يقال : أدخلوا آل فرعون ~~أشد العذاب ، وحين يتحاج أهل النار فيقول الضعفاء الخ . # وقرن { فيقول الضعفاؤا } بالفاء لإفادة كون هذا القول ناشئا عن تحاجهم في ~~النار مع كون ذلك دالا على أنه في معنى متعلق { إذ ، وهذا استعمال من ~~استعمالات الفاء التي يسميها النحاة زائدة ، وأثبت زيادتها جماعة منهم ~~الأخفش والفراء والأعلم وابن برهان ، وحكاه عن أصحابه البصريين . وضمير ~~يتحاجون } على هذا الوجه عائد إلى آل فرعون . ويفيد مع ذلك تعريضا بوعيد ~~المشركين كما هو مقتضى المماثلة المسوقة وضمير { يتحاجون } غير عائد إلى { ~~ءال فرعون } ( غافر : 46 ) لأن ذلك يأباه قوله : { وقال الذين في النار ~~لخزنة جهنم ادعوا ربكم } ( غافر : 49 ) وقوله : { أولم تك تأتيكم رسلكم ~~بالبينات } ( غافر : 50 ) ولم يأت آل فرعون إلا رسول واحد هو موسى عليه ~~السلام فيعود ضمير { يتحاجون } إلى معلوم من المقام وهم أهل النار . # والتحاج : الاحتجاج من جانبين فأكثر ، أي إقامة كل فريق حجته وهو يقتضي ~~وقوع خلاف بين المتحاجين إذ الحجة تأييد لدعوى لدفع الشك في صحتها . # والضعفاء : عامة الناس الذين لا تصرف لهم في أمور الأمة . والذين ~~PageV24P160 استكبروا : سادة القوم ، أي الذين تكبروا كبرا شديدا ، فالسين ~~والتاء فيه للمبالغة . وقول الضعفاء للكبراء هذا الكلام يحتمل أنه على ~~حقيقته فهو ناشىء عما اعتادوه من اللجإ إليهم في مهمهم حين كانوا في الدنيا ~~فخالوا أنهم يتولون تدبير أمورهم في ذلك المكان ولهذا أجاب الذين استكبروا ~~بما يفيد أنهم اليوم سواء في العجز وعدم الحيلة فقالوا : { إنا كل فيهآ } ~~أي لو أغنينا عنكم لأغنينا عن أنفسنا . # وتقديم قولهم : { إنا كنا لكم تبعا } على طلب التخفيف عنهم من النار ، ~~مقدمة للطلب لقصد توجيهه وتعليله وتذكيرهم بالولاء الذي بينهم في الدنيا ، ~~يلهمهم الله هذا القول لافتضاح ms7194 عجز المستكبرين أن ينفعوا أتباعهم تحقيرا ~~لهم جزاء على تعاظمهم الذي كانوا يتعاظمون به في الدنيا . # ويحتمل أن قول الضعفاء ليس مستعملا في حقيقة الحث على التخفيف عنهم ولكنه ~~مستعمل في التوبيخ ، أي كنتم تدعوننا إلى دين الشرك فكانت عاقبة ذلك أنا ~~صرنا في هذا العذاب فهل تستطيعون الدفع عنا . وتأكيد { إنا كنا لكم تبعا } ~~ب ( إن ) للاهتمام بالخبر وليس لرد إنكار . # والتبع : اسم لمن يتبع غيره ، يستوي فيه الواحد والجمع ، وهو مثل خدم ~~وحشم لأن أصله مصدر ، فلذلك استوى فيه الواحد والجمع ، وقيل التبع : جمع لا ~~يجري على الواحد ، فهو إذن من الجموع النادرة . # والاستفهام في قوله : { فهل أنتم مغنون } مستعمل في الحث واللوم على ~~خذلانهم وترك الاهتمام بما هم فيه من عذاب . # وجيء بالجملة الاسمية الدالة على الثبات ، أي هل من شأنكم أنكم مغنون عنا ~~. و { مغنون } اسم فاعل من أغنى غناء بفتح الغين والمد ، أي فائدة وإجزاء . # والنصيب : الحظ والحصة من الشيء ، قال تعالى : { للرجال نصيب مما ترك ~~PageV24P161 الوالدان والأقربون } إلى قوله : { نصيبا مفروضا } ( النساء : ~~7 ) . # وقد ضمن { مغنون } معنى دافعون ورادون ، فلذلك عدي إلى مفعولل وهو { ~~نصيبا } أي جزءا من حر النار غير محدد المقدار من قوتها ، و { من النار } ~~بيان ل { نصيبا } كقوله تعالى : { فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء ~~} ( إبراهيم : 21 ) فهم قانعون بكل ما يخفف عنهم من شدة حر النار وغير ~~طامعين في الخروج منها . ويجوز أن يكون { مغنون } على معناه دون تضمين ~~ويكون { نصيبا } منصوبا على المفعول المطلق لمغنون والتقدير غناء نصيبا ، ~~أي غناء ما ولو قليلا . و { من النار } متعلقا ب { مغنون } كقوله تعالى : { ~~وما أغني عنكم من الله من شيء } ( يوسف : 67 ) . ويجوز أن يكون النصيب ~~الجزء من أزمنة العذاب فيكون على حذف مضاف تقديره : من مدة النار . # ولما كان جواب الذين استكبروا للذين استضعفوا جاريا في مجرى المحاورة جرد ~~فعل { قال من حرف العطف على طريقة المحاورة كما تقدم غير مرة . # ومعنى قولهم : إنا كل فيها ms7195 } نحن وأنتم مستوون في الكون في النار فكيف ~~تطمعون أن ندفع عنكم شيئا من العذاب . وعلى وجه أن يكون قول الضعفاء { إنا ~~كنا لكم تبعا } إلى آخره توبيخا ولوما لزعمائهم يكون قول الزعماء { إنا كل ~~فيها } اعترافا بالغلط ، أي دعوا لومنا وتوبيخنا فقد كفانا أنا معكم في ~~النار وتأكيد الكلام ب ( إن ) للاهتمام بتحقيقه أو لتنزيل من طالبوهم ~~بالغناء عنهم من عذاب النار مع مشاهدتهم أنهم في العذاب مثلهم ، منزلة من ~~يحسبهم غير واقعين في النار ، وفي هذا التنزيل ضرب من التوبيخ يقولون : ~~ألستم تروننا في النار مثلكم فكيف نغني عنكم . و { كل } مرفوع بالابتداء ~~وخبره { فيها } والجملة من المبتدأ وخبره خبر ( إن ) وتنوين ( كل ) تنوين ~~عوض عن المضاف إليه ، إذ التقدير : إنا كلنا في النار . # وجملة { إن الله قد حكم بين العباد } تتنزل منزلة بدل الاشتمال من جملة { ~~إنا PageV24P162 كل فيها } فكلتا الجملتين جواب لهم مؤيس من حصول التخفيف ~~عنهم . والمعنى : نحن مستوون في العذاب وهو حكم الله فلا مطمع في التقصي من ~~حكمه فقد جوزي كل فريق بما يستحق . # وما في هذه الجملة الثانية من عموم تعلق فعل الحكم بين العباد ما يجعل ~~هذا البدل بمنزلة التذييل ، أي أن الله حكم بين العباد كلهم بجزاء أعمالهم ~~فكان قسطنا من الحكم هذا العذاب . فكلمة هنا مستعملة في معناها الحقيقي وهو ~~المكان المتوسط ، أي وقع حكمه وقضاؤه في مجمعهم الذي حضره من حكم عليه ومن ~~حكم له ومن لم يتعرض للحكومة لأنه من أهل الكرامة بالجنة ، فليست كلمة ( ~~بين ) هنا بمنزلة ( بين ) في قوله تعالى : { فاحكم بينهم بما أنزل الله } ( ~~المائدة : 48 ) فإنها في ذلك مستعملة مجازا في التفرقة بين المحق والمبطل . # وفي هذه الآية عبرة لزعماء الأمم وقادتهم أن يحذروا الارتماء بأنفسهم في ~~مهاوي الخسران فيوقعوا المقتدين بهم في تلك المهاوي فإن كان إقدامهم ~~ومغامرتهم بأنفسهم وأممهم على علم بعواقب ذلك كانوا أحرياء بالمذمة والخزي ~~في الدنيا ومضاعفة العذاب في الآخرة ، إذ ما كان لهم أن يغروا بأقوام وكلوا ms7196 ~~أمورهم بقادتهم عن حسن ظن فيهم ، أن يخونوا أمانتهم فيهم كما قال تعالى : { ~~وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم } ( العنكبوت : 13 ) ، وإن كان قحمهم ~~أنفسهم في مضائق الزعامة عن جهل بعواقب قصورهم وتقصيرهم فإنهم ملومون على ~~عدم التوثق من كفاءتهم لتدبير الأمة فيخبطوا بها خبط عشواء حتى يزلوا بها ~~فيهووا بها من شواهق بعيدة فيصيروا رميما ، ويلقوا في الآخرة جحيما . # ( 49 50 ) # لما لم يجدوا مساغا للتخفيف من العذاب في جانب كبرائهم ، وتنصل كبراؤهم ~~PageV24P163 من ذلك أو اعترفوا بغلطهم وتوريطهم قومهم وأنفسهم تمالأ الجميع ~~على محاولة طلب تخفيف العذاب بدعوة من خزنة جهنم ، فلذلك أسند القول إلى ~~الذين في النار ، أي جميعهم من الضعفاء والذين استكبروا . # وخزنة : جمع خازن ، وهو الحافظ لما في المكان من مال أو عروض . و { خزنة ~~جهنم } هم الملائكة الموكلون بما تحويه من النار ووقودها والمعذبين فيها ~~وموكلون بتسيير ما تحتوي عليه دار العذاب وأهلها ولذلك يقال لهم : خزنة ~~النار ، لأن الخزن لا يتعلق بالنار بل بما يحويها فليس قوله هنا : { جهنم } ~~إظهارا في مقام الإضمار إذ لا يحسن إضافة خزنة إلى النار ولو تقدم لفظ جهنم ~~لقال : لخزنتها ، كما في قوله في سورة الملك ( 6 8 ) { وللذين كفروا بربهم ~~عذاب ( جهنم ) وبئس المصير } إلى قوله : { سألهم خزنتها } فإن الضمير ل { ~~جهنم } لا ل { النار } . # وفي ( الكشاف ) أنه من الإظهار في مقام الإضمار للتهويل بلفظ { جهنم } ، ~~والمسلك الذي سلكناه أوضح . # وفي إضافة ( رب ) إلى ضمير المخاطبين ضرب من الإغراء بالدعاء ، أي لأنكم ~~أقرب إلى استجابته لكم . ولما ظنوهم أرجى للاستجابة سألوا التخفيف يوما من ~~أزمنة العذاب وهو أنفع لهم من تخفيف قوة النار الذي سألوه من مستكبريهم . # وجزم { يخفف } بعد الأمر بالدعاء ، ولعله بتقدير لام الأمر لكثرة ~~الاستعمال ، ومن أهل العربية من يجعله جزما في جواب الطلب لتحقيق التسبب . ~~فيكون فيه إيذان بأن الذين في النار واثقون بأن خزنة جهنم إذا دعوا الله ~~استجاب لهم . وهذا الجزم شائع بعد الأمر بالقول وما في معناه لهذه النكتة ~~وحقه ms7197 الرفع أو إظهار لام الأمر . وتقدم الكلام عليه عند قوله تعالى : { قل ~~لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة } في سورة إبراهيم . # وضمن { يخفف } معنى ينقص فنصب { يوما ، } أو هو على تقدير مضاف ، أي عذاب ~~يوم ، أي مقدار يوم ، وانتصب { يوما } على المفعول به ل { يخفف } . ~~PageV24P164 # واليوم كناية عن القلة ، أي يخفف عنا ولو زمنا قليلا . و { من العذاب } ~~بيان ل { يوما } لأنه أريد به المقدار فاحتاج إلى البيان على نحو التمييز . ~~ويجوز تعلقه ب { يخفف } . # وجواب خزنة جهنم لهم بطريق الاستفهام التقريري المراد به : إظهار سوء ~~صنيعهم بأنفسهم إذ لم يتبعوا الرسل حتى وقعوا في هذا العذاب ، وتنديمهم على ~~ما أضاعوه في حياتهم الدنيا من وسائل النجاة من العقاب . وهو كلام جامع ~~يتضمن التوبيخ ، والتنديم ، والتحسير ، وبيان سبب تجنب الدعاء لهم ، ~~وتذكيرهم بأن الرسل كانت تحذرهم من الخلود في العذاب . # والواو في قوله : { أولم تك تأتيكم رسلكم } لم يعرج المفسرون على موقعها ~~. وهي واو العطف عطف بها ( خزنة جهنم ) كلامهم على كلام الذين في النار من ~~قبيل طريقة عطف المتكلم كلاما على كلامم صدر من المخاطب إيماء إلى أن حقه ~~أن يكون من بقية كلامه وأن لا يغفله ، وهو ما يلقب بعطف التلقين كقوله ~~تعالى : { قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي } ( البقرة : 124 ) فإن ~~أهل النار إذا تذكروا ذلك علموا وجاهة تنصل خزنة جهنم من الشفاعة لهم ، ~~وتفريع { فادعو } على ذلك ظاهر على كلا التقديرين . وهمزة الاستفهام مقدمة ~~من التأخير على التقديرين ، لوجوب صدارتها . # وجملة { وما دعاء الكافرين إلا في ضلال } يجوز أن تكون من كلام خزنة جهنم ~~تذييلا لكلامهم يبين أن قولهم : { فادعو } مستعمل في التنبيه على الخطأ ، ~~أي دعاؤكم لم ينفعكم لأن دعاء الكافرين في ضلال والواو اعتراضية ، ويجوز أن ~~تكون من كلام الله تعالى تذييلا واعتراضا . # والبينات : الحجج الواضحة والدعوات الصريحة إلى اتباع الهدى . فلم يسعهم ~~إلا الاعتراف بمجيء الرسل إليهم بالبينات فقالوا : بلى ، فرد عليهم خزنة ~~جهنم بالتنصل من أن يدعوا الله بذلك ، إلى إيكال ms7198 أمرهم إلى أنفسهم بقولهم : ~~{ فادعو } تفريعا على اعترافهم بمجيء الرسل إليهم بالبينات . PageV24P165 # ومعنى تفريعه عليه هو أنه مفرع عليه باعتبار معناه الكنائي الذي هو ~~التنصل من أن يدعوا لهم ، أي كما توليتم الإعراض عن الرسل استبدادا بآرائكم ~~فتولوا اليوم أمر أنفسكم فادعوا أنتم ، فإن ( من تولى قرها يتولى حرها ) ، ~~فالأمر في قوله : { فادعو } مستعمل في الإباحة أو في التسوية ، وفيه تنبيه ~~على خطإ السائلين في سؤالهم . # وزيادة فعل الكون في { أولم تك تأتيكم } للدلالة على أن مجيء الرسل إلى ~~الأمم أمر متقرر محقق ، لما يدل عليه فعل الكون من الوجود بمعنى التحقق ، ~~وأما الدلالة على أن فعل الإتيان كان في الزمن الماضي فهو مستفاد من ( لم ) ~~النافية في الماضي . # والضلال : الضياع ، وأصله : خطأ الطريق ، كما في قوله تعالى : { أإذا ~~ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق جديد } ( السجدة : 10 ) . # والمعنى : أن دعاءهم لا ينفعهم ولا يقبل منهم ، وسواء كان قوله : { وما ~~دعاء الكافرين إلا في ضلال } من كلام الملائكة أو من كلام الله تعالى فهو ~~مقتض عموم دعائهم لأن المصدر المضاف من صيغ العموم فيقتضي أن دعاء الكافرين ~~غير متقبل في الآخرة وفي الدنيا لأن عموم الذوات يستلزم عموم الأزمنة ~~والأمكنة . # وأما ما يوهم استجابة دعاء الكافرين نحو قوله تعالى : { قل من ينجيكم من ~~ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من ~~الشاكرين قل الله ينجيكم منها } ( الأنعام : 63 ، 64 ) وقوله : { دعوا الله ~~مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين فلما أنجاهم إذا هم ~~يبغون في الأرض بغير الحق } ( يونس : 22 ، 23 ) ، فظاهر أن هذه لا تدل على ~~استجابة كرامة ولكنها لتسجيل كفرهم ونكرانهم ، وقد يتوهم في بعض الأحوال أن ~~يدعو الكافر فيقع ما طلبه وإنما ذلك لمصادفة دعائه وقت إجابة دعاء غيره من ~~الصالحين ، وكيف يستجاب دعاء الكافر وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~استبعاد استجابة دعاء المؤمن الذي يأكل الحرام ويلبس الحرام في حديث مسلم ~~عن أبي هريرة : ( ذكر رسول ms7199 الله صلى الله عليه وسلم رجلا يطيل السفر أشعث ~~أغبر يمد يديه إلى السماء : يا رب يا رب ، ومطعمه حرام ومشربه حرام وغذي ~~PageV24P166 بالحرام فأنى يستجاب له ) . ولهذا لم يقل الله : فلما استجاب ~~دعاءهم ، وإنما قال : فلما نجاهم ، أي لأنه قدر نجاتهم من قبل أن يدعوا أو ~~لأن دعاءهم صادف دعاء بعض المؤمنين . # ( 51 52 ) # كلام مستأنف وهو استخلاص للعبرة من القصص الماضية مسوق لتسلية الرسول صلى ~~الله عليه وسلم ووعده بحسن العاقبة ، وتسلية المؤمنين ووعدهم بالنصر وحسن ~~العاقبة في الدنيا والآخرة . وذلك أن الكلام من ابتداء السورة كان بذكر ~~مجادلة المشركين في القرآن بقوله تعالى : { ما يجادل في آيات الله إلا ~~الذين كفروا } ( غافر : 4 ) وأومأ إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بأن شيعهم ~~آيلة إلى خسار بقوله : { فلا يغررك تقلبهم في البلاد } ( غافر : 4 ) ، ~~وامتد الكلام في الرد على المجادلين وتمثيل حالهم بحال أمثالهم من الأمم ~~التي آل أمرها إلى خيبة واضمحلال في الدنيا وإلى عذاب دائم في الآخرة ولما ~~استوفى الغرض مقتضاه من اطناب البيان بين الله لرسوله صلى الله عليه وسلم ~~عقبه أنه ينصر رسله والذين آمنوا في الدنيا كما دل عليه قوله في آخر الكلام ~~{ فاصبر إن وعد الله حق ( غافر : 77 ) . # وقد علم من فعل النصر أن هنالك فريقا منصورا عليهم الرسل والمؤمنون في ~~الدنيا والآخرة ، ومن المتعين أنهم الفريق المعاند للرسل وللمؤمنين ، فنصر ~~الرسل والمؤمنين عليهم في الدنيا بإظهارهم عليهم وإبادتهم ، وفي الآخرة ~~بنعيم الجنة لهم وعذاب النار لأعدائهم . # والتعبير بالمضارع في قوله : لننصر } لما فيه من استحضار حالات النصر ~~العجيبة التي وصف بعضها في هذه السورة ووصف بعض آخر في سور أخرى تقدم ~~نزولها ، وإلا فإن نصر الرسل الذين سبقوا محمدا صلى الله عليه وسلم قد مضى ~~ونصر محمد صلى الله عليه وسلم مترقب غير حاصل حين نزول الآية . PageV24P167 ~~وتأكيد الخبر ب ( إن ) وبجعل المسند فعليا في قوله : { لننصر } مراعى فيه ~~حال المعرض بهم بأن الله ينصر رسله عليهم وهم المشركون لأنهم ms7200 كانوا يكذبون ~~بذلك . # وهذا وعد للمؤمنين بأن الله ناصرهم على من ظلمهم في الحياة الدنيا بأن ~~يوقع الظالم في سوء عاقبة أو بأن يسلط عليه من ينتقم منه بنحو أو أشد مما ~~ظلم به مؤمنا . # والأشهاد : جمع شاهد . والقيام : الوقوف في الموقف . والأشهاد : الرسل ، ~~والملائكة الحفظة والمؤمنون من هذه الأمة ، كما أشار إليه قوله : { لتكونوا ~~شهداء على الناس } ( البقرة : 143 ) ، وذلك اليوم هو يوم الحشر ، وشهادة ~~الرسل على الذين كفروا بهم من جملة نصرهم عليهم وكذلك شهادة المؤمنين . # و { يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم } بدل من { يوم يقوم الأشهاد } وهو ~~منصوب على البدلية من الظرف . والمراد بالظالمين : المشركون . والمعذرة اسم ~~مصدر اعتذر ، وتقدم عند قوله تعالى : { قالوا معذرة إلى ربكم } في سورة ~~الأعراف . # وظاهر إضافة المعذرة إلى ضميرهم أنهم تصدر منهم يومئذ معذرة يعتذرون بها ~~عن الأسباب التي أوجبت لهم العذاب مثل قولهم : { ربنا هؤلاء أضلونا ( ~~الأعراف : 38 ) وهذا لا ينافي قوله تعالى : ولا يؤذن لهم فيعتذرون } ( ~~المرسلات : 36 ) الذي هو في انتفاء الاعتذار من أصله لأن ذلك الاعتذار هو ~~الاعتذار المأذون فيه ، وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى : { فيومئذ لا تنفع ~~الذين ظلموا معذرتهم } في سورة الروم . # وقرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي وخلف { لا ينفع } بالياء التحتية لأن ~~الفاعل وهو ( معذرة ) غير حقيقي التأنيث وللفصل بين الفعل وفاعله بالمفعول ~~. وقرأ الباقون بالتاء الفوقية على اعتبار التأنيث اللفظي . # و { لهم اللعنة } عطف على جملة { لا ينفع الظالمين معذرتهم } أي ويوم لهم ~~اللعنة . PageV24P168 واللعنة : البعد والطرد ، أي من رحمة الله ، { ولهم ~~سوء الدار } هي جهنم . وتقديم ( لهم ) في هاتين الجملتين للاهتمام ~~بالانتقام منهم . # ( 53 54 ) # هذا من أوضح مثل نصر الله رسله والذين آمنوا بهم وهو أشبه الأمثال بالنصر ~~الذي قدره الله تعالى للنبيء صلى الله عليه وسلم والمؤمنين فإن نصر موسى ~~على قوم فرعون كون الله به أمة عظيمة لم تكن يؤبه بها وأوتيت شريعة عظيمة ~~وملكا عظيما ، وكذلك كان نصر النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وكان أعظم ~~من ms7201 ذلك وأكمل وأشرف . # فجملة : { ولقد ءاتينا موسى الهدى } الخ معترضة بين { إنا لننصر رسلنا } ~~) غافر : 51 ) وبين التفريع عليه في قوله : { فاصبر إن وعد الله حق } ( ~~غافر : 55 ) ، وأي نصر أعظم من الخلاص من العبودية والقلة والتبعع لأمة ~~أخرى في أحكام تلائم أحوال الأمة التابعة ، إلى مصير الأمة مالكة أمر نفسها ~~ذات شريعة ملائمة لأحوالها ومصالحها وسيادة على أمم أخرى ، وذلك مثل ~~المسلمين مع النبي صلى الله عليه وسلم وبعده وهو إيماء إلى الوعد بأن ~~القرآن الذي كذب به المشركون باقق موروث في الأمة الإسلامية . # والهدى الذي أوتيه موسى هو ما أوحي إليه من الأمر بالدعوة إلى الدين الحق ~~، أي الرسالة وما أنزل إليه من الشريعة وهي المراد بالكتاب ، أي التوراة ، ~~وهو الذي أورثه الله بني إسرائيل ، أي جعله باقيا فيهم بعد موسى عليه ~~السلام فهم ورثوه عن موسى ، أي أخذوه منه في حياته وأبقاه الله لهم بعد ~~وفاته ، فإطلاق الإيراث استعارة . وفي ذلك إيذان بأن الكتاب من جملة الهدى ~~الذي أوتيه موسى ، قال تعالى : { إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور } ( ~~المائدة : 44 ) ، ففي الكلام إيجاز حذف تقديره : ولقد آتينا موسى الهدى ~~والكتاب وأورثنا بني إسرائيل الكتاب ، فإن موسى أوتى من الهدى ما لم يرثه ~~بنو إسرائيل وهو الرسالة وأوتي من الهدى ما أورثه بنو إسرائيل وهو الشريعة ~~التي في التوراة . # و { هدى } و { ذكرى } حالان من { الكتاب ، } أي هدى لبني إسرائيل وذكرى ~~PageV24P169 لهم ، ففيه علم ما لم يعلمه المتعلمون ، وفيه ذكرى لما علمه ~~أهل العلم منهم ، وتشمل الذكرى استنباط الأحكام من نصوص الكتاب وهو الذي ~~يختص بالعلماء منهم من أنبيائهم وقضاتهم وأحبارهم ، فيكون { لأولي الألباب ~~} متعلقا ب { ذكرى } . # وأولو الألباب : أولو العقول الراجحة القادرة على الاستنباط . # تفريع على قوله : { إنا لننصر رسلنا } ( غافر : 51 ) أي فاعلم أنا ناصروك ~~والذين آمنوا واصبر على ما تلاقيه من قومك ولا تهن . # وجملة : { إن وعد الله حق } تعليل للأمر بالصبر . و { إن للاهتمام بالخبر ~~وهي في مثل هذا المقام تغني غناء فاء التعليل ms7202 فكأنه قيل : فوعد الله حق ~~ويفاد بأن التأكيد الذي هو للاهتمام والتحقيق . # ووعد الله هو وعد رسوله بالنصر في الآية السابقة وفي غير ما آية . ~~والمعنى لا تستبطىء النصر فإنه واقع ، وذلك ما نصر به النبي في أيامه على ~~المشركين يوم بدر ويوم الفتح ويوم حنين وفي أيام الغزوات الأخرى . وما عرض ~~من الهزيمة يوم أحد كان امتحانا وتنبيها على سوء مغبة عدم الحفاظ على وصية ~~الرسول أن لا يبرحوا من مكانهم ثم كانت العاقبة للمؤمنين . # وعطف على الأمر بالصبر الأمر بالاستغفار والتسبيح فكانا داخلين في سياق ~~التفريع على الوعد بالنصر رمز إلى تحقيق الوعد لأنه أمر عقبه بما هو من ~~آثار الشكر كناية عن كون نعمة النصر حاصلة لا محالة ، وهذه كناية رمزية . # والأمر بالاستغفار أمر بأن يطلب من الله تعالى المغفرة التي اقتضتها ~~النبوءة ، PageV24P170 أي اسأل الله دوام العصمة لتدوم المغفرة ، وهذا مقام ~~التخلية عن الأكدار النفسية ، وفيه تعريض بأن أمته مطلوبون بذلك بالأحرى ~~كقوله : ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك } ( ~~الزمر : 65 ) وأيضا فالنبي صلى الله عليه وسلم مأمور بالاستغفار تعبدا ~~وتأدبا . وأمر بتسبيح الله تعالى وتنزيهه بالعشي والإبكار ، أي الأوقات ~~كلها فاقتصر على طرفي أوقات العمل . # والعشي : آخر النهار إلى ابتداء ظلمة الليل ، ولذلك سمي طعام الليل عشاء ~~، وسميت الصلاة الأخيرة بالليل عشاء . والإبكار : اسم لبكرة النهار ~~كالإصباح اسم للصباح ، والبكرة أول النهار ، وتقدمت في قوله : { أن سبحوا ~~بكرة وعشيا } في سورة مريم . وتقدم العشي في قوله : { ولا تطرد الذين يدعون ~~ربهم بالغداة والعشي } في سورة الأنعام . وهذا مقام التحلي بالكمالات ~~النفسية وبذلك يتم الشكر ظاهرا وباطنا . وجعل الأمران معطوفين على الأمر ~~بالصبر لأن الصبر هنا لانتظار النصر الموعود ، ولذلك لم يؤمر بالصبر لما ~~حصل النصر في قوله : { إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين ~~الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره } ( النصر : 1 3 ) فإن ذلك مقام محض ~~الشكر دون الصبر . # وقد أخبر الله نبيئه صلى الله عليه ms7203 وسلم بأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه ~~وما تأخر كما في أول سورة الفتح ، فتعين أن أمره بالاستغفار في سورة غافر ~~قبل أن يخبره بذلك ، لطلب دوام المغفرة ، وكان أمره به في سورة النصر بعد ~~أن أخبره بغفران ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، للارشاد إلى شكر نعمة النصر ، ~~وقد قال بعض الصحابة للنبيء صلى الله عليه وسلم في شأن عبادته : إن الله قد ~~غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، فقال ؛ ( أفلا أكون عبدا شكورا ) . وكان ~~يكثر أن يقول في سجوده ( سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي ) . بعد ~~نزول سورة { إذا جاء نصر الله } ( النصر : 1 ) قالت عائشة رضي الله عنها ~~يتأول القرآن . وبحكم السياق تعلم أن الآية لا علاقة لها بفرض الصلاة ولا ~~بأوقاتها وإنما هي على نحو قوله تعالى : { فسبح بحمد ربك واستغفره } في ~~سورة النصر . PageV24P171 # . # جرى الكلام من أول السورة إلى هنا في ميدان الرد على مجادلة المشركين في ~~آيات الله ودحض شبههم وتوعدهم على كفرهم وضرب الأمثال لهم بأمثالهم من أهل ~~العناد ابتداء من قوله : { ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا } ( غافر ~~: 4 ) وقوله : { أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا ~~من قبلهم } ( غافر : 21 ) ، كما ذكرت أمثال أضدادهم من أهل الإيمان من حضر ~~منهم ومن غبر من قوله : { ولقد أرسلنا موسى بئاياتنا وسلطان مبين إلى فرعون ~~( هود : 96 ، 97 ) ثم قوله : وقال رجل مؤمن من ءال فرعون } ( غافر : 28 ) ، ~~وختم ذلك بوعد النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالنصر كما نصر النبيئون ~~من قبله والذين آمنوا بهم ، وأمر بالصبر على عناد قومه والتوجه إلى عبادة ~~ربه ، فكان ذكر الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان عقب ذلك من باب ~~المثل المشهور : ( الشيء بالشيء يذكر ) . # وبهذه المناسبة انتقل هنا إلى كشف ما تكنه صدور المجادلين من أسباب ~~جدالهم بغير حق ، ليعلم الرسول صلى الله عليه وسلم دخيلتهم فلا يحسب أنهم ~~يكذبونه تنقصا له ولا تجويزا للكذب ms7204 عليه ، ولكن الذي يدفعهم إلى التكذيب هو ~~التكبر عن أن يكونوا تبعا للرسول صلى الله عليه وسلم ووراء الذين سبقوهم ~~بالإيمان ممن كانوا لا يعبأون بهم . وهذا نحو قوله تعالى : { قد نعلم أنه ~~ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون } ( ~~الأنعام : 33 ) . # فقوله : { إن الذين يجادلون في ءاياتت الله } الآية استئناف ابتدائي وهو ~~كالتكرير لجملة { الذين يجادلون في ءايات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا ~~عند الله } ( غافر : 35 ) تكرير تعداد للتوبيخ عند تنهية غرض الاستدلال كما ~~يوقف الموبخ المرة بعد المرة . و { الذين يجادلون } هم مشركو أهل مكة وهم ~~المخبر عنهم في قوله أول السورة : { ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا ~~فلا يغررك تقلبهم في البلاد } ( غافر : 4 ) . ومعنى المجادلة في آيات الله ~~تقدم هنالك . PageV24P172 # ويتعلق قوله : { بغير سلطان } ب { يجادلون . } والباء للمصاحبة ، أي ~~مصاحب لهم غير سلطان ، أي غير حجة ، أي أنهم يجادلون مجادلة عناد وغصب . # وفائدة هذا القيد تشنيع مجادلتهم وإلا فإن المجادلة في آيات الله لا تكون ~~إلا بغير سلطان لأن آيات الله لا تكون مخالفة للواقع فهذا القيد نظير القيد ~~في قوله : { ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله } ( القصص : 50 ) ، ~~وكذلك وصف { سلطان } بجملة { أتاهم } لزيادة تفظيع مجادلتهم بأنها عرية عن ~~حجة لديهم فهم يجادلون بما ليس لهم به علم ، وتقدم نظير أول هذه الآية في ~~أثناء قصة موسى وفرعون في هذه السورة . # و { إن في قوله : إن في صدورهم إلا كبر } نافية والجار والمجرور خبر مقدم ~~، والاستثناء مفرغ ، و { كبر } مبتدأ مؤخر ، والجملة كلها خبر عن { الذين ~~يجادلون } . وأطلق الصدور على القلوب مجازا بعلاقة الحلول ، والمراد ضمائر ~~أنفسهم ، والعرب يطلقون القلب على العقل لأن القلب هو الذي يحس الإنسان ~~بحركته عند الانفعالات النفسية من الفرح وضده والاهتمامم بالشيء . والكبر ~~من الانفعالات النفسية ، وهو : إدراك الإنسان خواطر تشعره بأنه أعظم من ~~غيره فلا يرضى بمساواته بله متابعته ، وتقدم في تفسير قوله تعالى : { إلا ~~إبليس أبى واستكبر ms7205 } في سورة البقرة . # والمعنى : ما يحملهم على المجادلة في آيات الله إلا الكبر على الذي جاءهم ~~بها وليست مجادلتهم لدليل لاح لهم . وقد أثبت لهم الكبر الباعث على ~~المجادلة بطريق القصر لينفى أن يكون داعيهم إلى المجادلة شيء آخر غير الكبر ~~على وجه مؤكد ، فإن القصر تأكيد على تأكيد لما يتضمنه من إثبات الشيء بوجه ~~مخصوص مؤكد ، ومن نفي ما عداه فتضمن جملتين . # وجملة { ما هم ببالغيه } يجوز أن تكون معترضة ، ويجوز أن تكون في موضع ~~PageV24P173 الصفة ل { كبر . } وحقيقة البلوغ : الوصول ، قال تعالى : { إلى ~~بلد لم تكونوا بالغيبة إلا بشق الأنفس } ( النحل : 7 ) ويطلق على نوال ~~الشيء وتحصيله مجازا مرسلا كما في قوله تعالى : { ما بلغوا معشار ما ~~آتيناهم } ( سبأ : 45 ) وهو هنا محمول على المعنى المجازي لا محالة ، أي ما ~~هم ببالغي الكبر . # وإذ قد كان الكبر مثبتا حصوله في نفوسهم إثباتا مؤكدا بقوله : { إن في ~~صدورهم إلا كبر } ، تعين أن نفي بلوغهم الكبر منصرف إلى حالات الكبر : فإما ~~أن يراد نفي أهليتهم للكبر إذ هم أقل من أن يكون لهم الكبر كقوله تعالى : { ~~ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين } ( المنافقون : 8 ) ~~أي لا عزة حقا لهم ، فالمعنى هنا : كبر زيف ، وإما أن يراد نفي نوالهم شيئا ~~من آثار كبرهم مثل تحقير الذين يتكبرون عليهم مثل احتقار المتكبر عليهم ~~ومخالفتهم إياهم فيما يدعونهم إليه فضلا عن الانتظام في سلك اتباعهم ، ~~وإذلالهم ، وإفحام حجتهم ، فالمعنى : ما هم ببالغين مرادهم الذي يأملونه ~~منك في نفوسهم الدالة عليه أقوالهم مثل قولهم : { نتربص به ريب المنون } ( ~~الطور : 30 ) وقولهم : { لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون } ~~( فصلت : 26 ) ونحو ذلك من أقوالهم الكاشفة لآمالهم . # فتنكير : { كبر } للتعظيم ، أي كبر شديد بتعدد أنواعه ، وتمكنه من نفوسهم ~~، فالضمير البارز في { ببالغيه } عائد إلى الكبر على وجه المجاز بعلاقة ~~السببية أو المسببية ، والداعي إلى هذا المجاز طلب الإيجاز لأن تعليق نفي ~~البلوغ باسم ذات الكبر يشمل جميع الأحوال التي يثيرها الكبر ، وهذا ms7206 من ~~مقاصد إسناد الأحكام إلى الذوات إن لم تقم قرينة على إرادة حالة مخصوصة ، ~~كما في قوله تعالى : { نحن قسمنا بينهم معيشتهم } ( الزخرف : 32 ) أي جميع ~~أحوال معيشتهم . فشمل قوله : { ما هم ببالغيه } عدم بلوغهم شيئا مما ينطوي ~~عليه كبرهم ، فما بلغوا الفضل على غيرهم حتى يتكبروا ، ولا مطمع لهم في ~~حصول آثار كبرهم ، كما قال تعالى : { لقد استكبروا في أنفسهم وعتو عتوا ~~كبيرا } ( الفرقان : 21 ) . # وقد نفي أن يبلغوا مرادهم بصوغه في قالب الجملة الاسمية لإفادتها ثبات ~~مدلولها ودوامه ، فالمعنى ، أنهم محرومون من بلوغه حرمانا مستمرا ، فاشتمل ~~تشويه حالهم إثباتا ونفيا على خصوصيات بلاغية كثيرة . PageV24P174 ومن ~~المفسرين من جعل ما صدق : { الذين يجادلون في ءايات الله } هنا اليهود ، ~~وجعله في معنى قوله تعالى : { أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله } ~~( النساء : 54 ) ، وارتقى بذلك إلى القول بأن هذه الآية مدنية ألحقت ~~بالسورة المكية كما تقدم في مقدمة تفسير السورة ، وأيدوا تفسيرهم هذا بآثار ~~لو صحت لم تكن فيها دلالة على أكثر من صلوحية الآية لأن تضرب مثلا لكل فريق ~~يجادلون في آيات الله بغير سلطان جدالا يدفعهم إليهم الكبر . # لما ضمن الله لرسوله صلى الله عليه وسلم أن الذين يجادلونه فيما جاءهم به ~~يحدوهم إلى الجدال كبرهم المنطوي على كيدهم وأنهم لا يبلغون من أضمروه وما ~~يضمرونه ، فرع على ذلك أن أمره بأن يجعل الله معاذه منهم ، أي لا يعبأ بما ~~يبيتونه ، أي قدم على طلب العوذ بالله . وحذف متعلق ( استعذ ) لقصد تعميم ~~الاستعاذة من كل ما يخاف منه . # وجملة { إنه هو السميع البصير } تعليل للأمر بالدوام على الاستعاذة ، أي ~~لأنه المطلع على أقوالهم وأعمالهم وأنت لا تحيط علما بتصاريف مكرهم وكيدهم ~~. # والتوكيد بحرف ( إن ) ، والحصر بضمير الفصل مراعى فيه التعريض بالمتحدث ~~عنهم وهم الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان . والمعنى : أنه هو القادر ~~على إبطال ما يصنعونه لا أنت فكيف يتم لهم ما أضمروه لك . # مناسبة اتصال هذا الكلام بما قبله أن أهم ما جادلوا ms7207 فيه من آيات الله هي ~~الآيات المثبتة للبعث وجدالهم في إثبات البعث هو أكبر شبهة لهم ضللت أنفسهم ~~PageV24P175 وروجوها في عامتهم فقالوا : { أإذا كنا ترابا أإنا لفي خلق ~~جديد } ( الرعد : 5 ) . فكانوا يسخرون من النبي صلى الله عليه وسلم لأجل ~~ذلك { وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم ~~لفي خلق جديد أفترى على الله كذبا أم به جنة } ( سبأ : 7 ، 8 ) ، ولما ~~كانوا مقرين بأن الله هو خالق السماوات والأرض أقيمت عليهم الحجة على إثبات ~~البعث بأن بعث الأموات لا يبلغ أمره مقدار أمر خلق السماوات والأرض بالنسبة ~~إلى قدرة الله تعالى . والكلام مؤذن بقسم مقدر لأن اللام لام جواب القسم ، ~~والمقصود : تأكيد الخبر . # ومعنى { أكبر } أنه أعظم وأهم وأكثر متعلقاتت قدرة بالقادر عليه لا يعجز ~~عن خلق ناس يبعثهم للحساب . # فالمراد بالناس في قوله : { من خلقق الناس } الذين يعيد الله خلقتهم كما ~~بدأهم أول مرة ويودع فيهم أرواحهم كما أودعها فيهم أول مرة . والخبر مستعمل ~~في غير معناه لأن كون خلقها أكبر هو أمر معلوم وإنما أريد التذكير والتنبيه ~~عليه لعدم جريهم على موجب علمهم به . # وموقع الاستدراك في قوله : { ولاكن أكثر الناسس لا يعلمون } ما اقتضاه ~~التوكيد بالقسم من اتضاح أن خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس . ~~فالمعنى : أن حجة إمكان البعث واضحة ولكن الذين ينكرونها لا يعلمون ، أي لا ~~يعلمون الدليل لأنهم متلاهون عن النظر في الأدلة مقتنعون ببادىء الخواطر ~~التي تبدو لهم فيتخذونها عقيدة دون بحث عن معارضها ، فلما جروا على حالة ~~انتقاء العلم نزلوا منزلة من لا علم لهم فلذلك نزل فعل { يعلمون } منزلة ~~اللازم ولم يذكر له مفعول . # فالمراد ب { أكثر الناس } هم الذين يجادلون في آيات البعث وهم المشركون ، ~~وأما الذين علموا ذلك فهم المؤمنون وهم أقل منهم عددا . وإظهار لفظ { الناس ~~} في قوله : { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } مع أن PageV24P176 مقتضى الظاهر ~~الإضمار ، لتكون الجملة مستقلة بالدلالة فتصلح لأن تسير مسير الأمثال ، ~~فالمعنى أنهم أنكروا ms7208 البعث لاستبعادهم خلق الأجسام مع أن في خلق السماوات ~~والأرض ما لا يبقى معه استبعاد مثل ذلك . # لما نزلهم منزلة من لا يعلم ضرب مثلا لهم وللمؤمنين ، فمثل الذين يجادلون ~~في أمر البعث مع وضوح إمكانه مثل الأعمى ، ومثل المؤمنين الذين آمنوا به ~~حال البصير ، وقد علم حال المؤمنين من مفهوم صفة { أكثر الناس } لأن ~~الأكثرين من الذين لا يعلمون يقابلهم أقلون يعلمون . والمعنى : لا يستوي ~~الذين اهتدوا والذين هم في ضلال ، فإطلاق الأعمى والبصير استعارة للفريقين ~~الذين تضمنهما قوله : { ولكن أكثر الناسس لا يعلمون } ( غافر : 57 ) . # ونفي الاستواء بينهما يقتضي تفضيل أحدهما على الآخر كما قدمنا في قوله ~~تعالى : { لا يستوي القاعدون من المؤمنين } الآية في سورة النساء ، ومن ~~المتبادر أن الأفضل هو صاحب الحال الأفضل وهو البصير إذ لا يختلف الناس في ~~أن البصر أشرف من العمى في شخص واحد ، ونفي الاستواء بدون متعلق يقتضي ~~العموم في متعلقاته ، لكنه يخص بالمتعلقات التي يدل عليها سياق الكلام وهي ~~آيات الله ودلائل صفاته ، ويسمى مثل هذا العموم العموم العرفي ، وتقدم ~~نظيرها في سورة فاطر . # وقوله : { والذين ءامنوا وعملوا الصالحاتت ولا المسيء } زيادة بيان ~~لفضيلة أهل الإيمان بذكر فضيلتهم في أعمالهم بعد ذكر فضلهم في إدراك أدلة ~~إمكان البعث ونحوه من أدلة الإيمان . والمعنى : وما يستوي الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات والمسيئون ، أي في أعمالهم كما يؤذن بذلك قوله : { وعملوا ~~الصالحاتت ولا المسيء } ، وفيه إيماء إلى PageV24P177 اختلاف جزاء الفريقين ~~وهذا الإيماء إدماج للتنبيه على الثواب والعقاب . # والواو في قوله : { والذين ءامنوا } عاطفة الجملة على الجملة بتقدير : ~~وما يستوي الذين آمنوا . # والواو في قوله : { ولا المسيء } عاطفة { المسيء } على { الذين آمنوا } ~~عطف المفرد على المفرد ، فالعطف الأول عطف المجموع مثل قوله تعالى : { هو ~~الأول والآخر والظاهر والباطن } ( الحديد : 3 ) . # وإنما قدم ذكر الأعمى على ذكر البصير مع أن البصر أشرف من العمى بالنسبة ~~لذات واحدة ، والمشبه بالبصير أشرف من المشبه بالأعمى إذ المشبه بالبصير ~~المؤمنون ، فقدم ذكر تشبيه الكافرين مراعاة لكون الأهم في ms7209 المقام بيان حال ~~الذين يجادلون في الآيات إذ هم المقصود بالموعظة . # وأما قوله : { والذين ءامنوا وعملوا الصالحاتت ولا المسيء } فإنما رتب ~~فيه ذكر الفريقين على عكس ترتيبه في التشبيه بالأعمى والبصير اهتماما بشرف ~~المؤمنين . # وأعيدت ( لا ) النافية بعد واو العطف على النفي ، وكان العطف مغنيا عنها ~~فإعادتها لإفادة تأكيد نفي المساواة ومقام التوبيخ يقتضي الإطناب ، ولذلك ~~تعد ( لا ) في مثله زائدة كما في ( مغني اللبيب ) ، وكان الظاهر أن تقع ( ~~لا ) قبل ( الذين آمنوا ) ، فعدل عن ذلك للتنبيه على أن المقصود عدم مساواة ~~المسيء لمن عمل الصالحات ، وأن ذكر الذين آمنوا قبل المسيء للاهتمام بالذين ~~آمنوا ولا مقتضي للعدول عنه بعد أن قضي حق الاهتمام بالذين سبق الكلام لأجل ~~تمثيلهم ، فحصل في الكلام اهتمامان . # وقريب منه ما في سورة فاطر في أربع جمل : اثنتين قدم فيهما جانب تشبيه ~~الكافرين ، واثنتين قدم فيهما تشبيه جانب المؤمنين ، وذلك قوله تعالى : { ~~وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما ~~يستوي الأحياء ولا الأموات } ( فاطر : 19 22 ) . # و { قليلا } حال من { أكثر الناس } في قوله تعالى قبله : { ولكن أكثر ~~الناس لا PageV24P178 يعلمون } ، و ( ما ) في قوله : { ما يتذكرون } مصدرية ~~وهي في محل رفع على الفاعلية . وهذا مؤكد لمعنى قوله : { ولكن أكثر الناس ~~لا يعلمون } لأن قلة التذكر تؤول إلى عدم العلم ، والقلة هنا كناية عن ~~العدم وهو استعمال كثير ، كقوله تعالى : { فقليلا ما يؤمنون } ( البقرة : ~~88 ) ، ويجوز أن تكون على صريح معناها ويكون المراد بالقلة عدم التمام ، أي ~~لا يعلمون فإذا تذكروا تذكروا تذكرا لا يتممونه فينقطعون في أثنائه عن ~~التعمق إلى استنباط الدلالة منه فهو كالعدم في عدم ترتب أثره عليه . # وقرأ الجمهور { يتذكرون بياء الغيبة جريا على مقتضى ظاهر الكلام ، وقرأ ~~عاصم وحمزة والكسائي وخلف تتذكرون } بتاء الخطاب على الالتفات ، والخطاب ~~للذين يجادلون في آيات الله . # وكون الخطاب لجميع الأمة من مؤمنين ومشركين وأن التذكر القليل هو تذكر ~~المؤمنين فهو قليل بالنسبة لعدم تذكر المشركين بعيد عن سياق ms7210 الرد ولا يلاقي ~~الالتفات . # لما أعطي إثبات البعث ما يحق من الحجاج والاستدلال ، تهيأ المقام ~~لاستخلاص تحقيقه كما تستخلص النتيجة من القياس ، فأعلن بتحقيق مجيء { ~~الساعة } وهي ساعة البعث إذ { الساعة } في اصطلاح الإسلام علم بالغلبة على ~~ساعة البعث ، فالساعة والبعث مترادفان في المآل ، فكأنه قيل : إن الذي جادل ~~فيه المجادلون سيقع لا محالة إذ انكشفت عنه شبه الضالين وتمويهاتهم فصار ~~بينا لا ريب فيه . # وتأكيد الخبر ب ( إن ) ولام الابتداء لزيادة التحقيق ، وللإشارة إلى أن ~~الخبر تحقق بالأدلة السابقة . وذلك أن الكلام موجه للذين أنكروا البعث ، ~~ولهذا لم PageV24P179 يؤت بلام الابتداء في قوله في سورة طه { إن الساعة ~~آتية } لأن الخطاب لموسى عليه السلام . # وجيء باسم الفاعل في { آتية } الذي هو حقيقة في الحال ، للإيماء إلى أنها ~~لما تحققت فقد صارت كالشيء الحاضر المشاهد . والمراد تحقيق وقوعها لا ~~الإخبار عن وقوعها . # وجملة { لا ريب فيها } مؤكدة لجملة { إن الساعة لأتية } ، ونفي الريب عن ~~نفس الساعة ، والمراد نفيه عن إتيانها لدلالة قوله : { آتية } على ذلك . # ومعنى نفي الريب في وقوعها : أن دلائلها واضحة بحيث لا يعتد بريب ~~المرتابين فيها لأنهم ارتابوا فيها لعدم الروية والتفكر ، وهذا قريب من ~~قوله تعالى : { ذلك الكتاب لا ريب فيه } ( البقرة : 2 ) . # فموقع الاستدراك الذي في قوله : { ولاكن أكثر الناس لا يؤمنون } هو ما ~~يثيره نفي الريب عن وقوعها من أن يتساءل متسائل كيف ينفي الريب عنها والريب ~~حاصل لكثير من الناس ، فكان الاستدراك بقوله : { ولاكن أكثر الناس لا ~~يؤمنون } جوابا لذلك السؤال . والمعنى : ولكن أكثر الناس يمرون بالأدلة ~~والآيات وهم معرضون عن دلالتها فيبقون غير مؤمنين بمدلولاتها ولو تأملوا ~~واستنبطوا بعقولهم لظهر لهم من الأدلة ما يؤمنون بعده ، فلذلك نفي عنهم هنا ~~وصف الإيمان . # وهذا الاستدراك استئناف بياني ، ولولا أن ( لكن ) يكثر أن تقع بعد واو ~~العطف لكانت الجملة جديرة بالفصل دون عطف ، فهذا العطف تحلية لفظية . # و { أكثر الناس } هم المشركون ، وهم يومئذ أكثر من المؤمنين جدا . # لما كانت المجادلة في آيات الله ms7211 تشمل مجادلتهم في وحدانية الإلهية كما دل ~~عليه PageV24P180 قوله الآتي ، { ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون من دون ~~الله قالوا ضلوا عنا بل لم نكن ندعوا من قبل شيئا } ( غافر : 73 ، 74 ) ، ~~فجعل { لم نكن ندعوا } نقيض ما قيل لهم { أين ما كنتم تشركون } ، وتشمل ~~المجادلة في وقوع البعث كما دل عليه قوله بعد هذه { ألم تر إلى الذين ~~يجادلون في آيات الله أنى يصرفون } إلى قوله : { إذ الأغلال في أعناقهم ~~والسلاسل } ( غافر : 69 71 ) الآية ، أعقب ذكر المجادلة أولا بقوله : { ~~لخلق السموات والأرضض أكبر من خلقق الناس } ( غافر : 57 ) وذلك استدلال على ~~إمكان البعث ، ثم عطف عليه قوله : { وقال ربكم ادعوني أستجب لكم } الآية ~~تحذيرا من الإشراك به ، وأيضا لما ذكر أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم ~~بدعاء الله وحده أمرا مفرعا على توبيخ المشركين بقوله : { ذالكم بأنه إذا ~~دعي الله وحده كفرتم } ( غافر : 12 ) وعلى قوله عقب ذلك : { وما يتذكر إلا ~~من ينيب } ( غافر : 13 ) وانتقل الكلام أثر ذلك إلى الأهم وهو الأمر بإنذار ~~المشركين بقوله : { وأنذرهم يوم الأزفة } ( غافر : 18 ) الخ ، وتتابعت ~~الأغراض حتى استوفت مقتضاها ، عاد الكلام الآن إلى ما يشمل عبادة المؤمنين ~~الخالصة لله تعالى وهو أيضا متصل بقوله : { وما دعاؤا الكافرين إلا في ضلال ~~} ( غافر : 50 ) . فلما تقدم ذكر الدعاء بمعنييه : معنى العبادة ، ومعنى ~~سؤال المطلوب ، أردف بهذا الأمر الجامع لكلا المعنيين . # والقول المخبر عنه بفعل : { قال ربكم } يجوز أن يراد به كلام الله النفسي ~~، أي ما تعلقت إرادة الله تعلقا صلاحيا ، بأن يقوله عند إرادة تكوينه ، ~~ويجوز أن يراد القول اللفظي ويكون التعبير ب ( قال ) الماضي إخبارا عن ~~أقوال مضت في آيات قبل نزول هذه الآية مثل قوله : { فادعوا الله مخلصين له ~~الدين } ( غافر : 14 ) بخلاف قوله : { أجيب دعوة الداع إذ دعان } ( البقرة ~~: 186 ) فإنه نزل بعد هذه الآية ، ويجوز أن يكون الماضي مستعملا في الحال ~~مجازا ، أي يقول ربكم : ادعوني . # والدعاء يطلق بمعنى النداء المستلزم للاعتراف بالمنادى ، ويطلق على الطلب ms7212 ~~وقد جاء من كلام النبي صلى الله عليه وسلم ما فيه صلاحية معنى الدعاء الذي ~~في هذه الآية لما يلائم المعنيين في حديث النعمان بن بشير قال : سمعت النبي ~~صلى الله عليه وسلم يقول : ( الدعاء هو العبادة ) ثم قرأ { وقال ربكم ~~ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين } رواه ~~الترمذي . وقال : هذا حديث حسن صحيح ، فإن قوله : ( الدعاء هو العبادة ) ~~يقتضي اتحاد الحقيقتين PageV24P181 فإذا كان الدعاء هو العبادة كانت ~~العبادة هي الدعاء لا محالة . فالدعاء يطلق على سؤال العبد من الله حاجته ~~وهو ظاهر معناه في اللغة ، ويطلق على عبادة الله على طريق الكناية لأن ~~العبادة لا تخلو من دعاء المعبود بنداء تعظيمه والتضرع إليه ، وهذا إطلاق ~~أقل شيوعا من الأول ، ويراد بالعبادة في اصطلاح القرآن إفراد الله بالعبادة ~~، أي الاعتراف بوحدانيته . # والاستجابة تطلق على إعطاء المسؤول لمن سأله وهو أشهر إطلاقها وتطلق على ~~أثر قبول العبادة بمغفرة الشرك السابق وبحصول الثواب على أعمال الإيمان ~~فإفادة الآية على معنى طلب الحاجة من الله يناسب ترتب الاستجابة على ذلك ~~الطلب معلقا على مشيئة الله أو على استيفاء شروط قبول الطلب ، وإعطاء خير ~~منه في الدنيا ، أو إعطاء عوض منه في الآخرة . وإفادتها على معنى إفراد ~~الله بالعبادة ، أي بأن يتوبوا عن الشرك ، فترتب الاستجابة هو قبول ذلك ، ~~فإن قبول التوبة من الشرك مقطوع به . # فلما جمعت الآية بين الفعلين على تفاوت بين شيوع الإطلاق في كليهما علمنا ~~أن في المعنى المراد ما يشبه الاحتباك بأن صرح بالمعنى المشهور ، في كلا ~~الفعلين ثم أعقب بقوله : { إن الذين يستكبرون عن عبادي ، } فعلمنا أن ~~المراد الدعاء والعبادة ، وأن الاستجابة أريد بها قبول الدعاء وحصول أثر ~~العبادة . ففعل { ادعوني } مستعمل في معنييه بطريقة عموم المشترك . # وفعل { أستجب } مستعمل في حقيقته ومجازه ، والقرينة ما علمت ، وذلك من ~~الإيجاز والكلامم الجامع . # وتعريف الله بوصف الرب مضافا إلى ضمير المخاطبين لما في هذا الوصف ~~وإضافته من الإيماء إلى وجوب امتثال أمره لأن من حق ms7213 الربوبية امتثال ما ~~يأمر به موصوفها لأن المربوب محقوق بالطاعة لربه ، ولهذا لم يعرج مع هذا ~~الوصف على تذكير بنعمته ولا إشارة إلى كمالات ذاته . # وجملة { إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم } تعليل للأمر ~~PageV24P182 بالدعاء تعليلا يفيد التحذير من إباية دعاء الله حين الإقبال ~~على دعاء الأصنام ، كما قال تعالى : { ذالكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم ~~وإن يشرك به تؤمنوا } ( غافر : 12 ) وكان المشركون لا يضرعون إلى الله إلا ~~إذا لم يتوسموا استجابة شركائهم ، كما قال تعالى : { فلما نجاكم إلى البر ~~أعرضتم } ( الإسراء : 67 ) . ومعنى التعليل للأمر بالدعاء بهذا التحذير : ~~أن الله لا يحب لعباده ما يفضي بهم إلى العذاب ، قال تعالى : { ولا يرضى ~~لعباده الكفر } ( الزمر : 7 ) ففي الآية دليل على طلب الله من عباده أن ~~يدعوه في حاجاتهم . # ومشروعية الدعاء لا خلاف فيها بين المسلمين وإنما الخلاف في أنه ينفع في ~~رد القدر أو لا ؟ وهو خلاف بيننا وبين المعتزلة . وليس في الآية حجة عليهم ~~لأنهم تأولوا معنى { أستجب لكم } ، وتقدم قوله تعالى : { وإذا سألك عبادي ~~عني فإني قريب } الآية في سورة البقرة ، وفي الإتيان بالموصول إيماء إلى ~~التعليل . # و { داخرين } حال من ضمير { سيدخلون } أي أذلة ، دخر كمنع وفرح : صغر وذل ~~، وتقدم قوله : { سجدا لله وهم داخرون } في سورة النحل . # وقرأ الجمهور { سيدخلون } بفتح التحتية وضم الخاء . وقرأه أبو جعفر ورويس ~~عن يعقوب بضم التحتية وفتح الخاء على البناء للنائب ، أي سيدخلهم ملائكة ~~العذاب جهنم . # يجوز أن يكون اسم الجلالة بدلا من { ربكم } في { وقال ربكم } ( غافر : 60 ~~) اتبع { ربكم } بالاسم العلم ليقضى بذلك حقان : حق استحقاقه أن يطاع ~~بمتقضى الربوبية والعبودية ، وحق استحقاقه الطاعة لصفات كماله التي يجمعها ~~اسم الذات . ولذلك لم يؤت مع وصف الرب المتقدم بشيء من ذكر نعمه ولا ~~كمالاته اجتزاء بمقتضى حق الربوبية ، وذكر مع الاسم العلم بعض إنعامه ~~وإفضاله ثم وصف الاسم بالموصول وصلته إشارة إلى بعض صفاته ، وإيماء إلى وجه ~~الأمر بعبادته ، وتكون الجملة استنئافا بيانيا ناشئا عن ms7214 تقوية الأمر بدعائه ~~. PageV24P183 ويجوز أن يكون اسم الجلالة مبتدأ والموصول صفة له ويكون ~~الخبر قوله : { ذالكم الله ربكم } ( غافر : 64 ) ويكون جملة { إن الله لذو ~~فضل } معترضة ، أو أن يكون اسم الجلالة مبتدأ والموصول خبرا . # واعتبار الجملة مستأنفة أحسن من اعتبار اسم الجلالة بدلا لأنه أنسب ~~بالتوقيف على سوء شكرهم ، وبمقام تعداد الدلائل وأسعد بقوله : { الله الذي ~~جعل لكم الأرض قرارا } ( غافر : 64 ) ، فتكون الجملة واقعة موقع التعليل ~~لجملة { إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين } ( غافر : 60 ) ~~، أي تسببوا لأنفسهم بذلك العقاب لأنهم كفروا نعمة الله إذ جعل لهم الليل ~~والنهار . وعلى هذه الاعتبارات كلها فقد سجلت هذه الآية على الناس تقسيمهم ~~إلى : شاكر نعمة ، وكفورها ، كما سجلت عليهم الآية السابقة تقسيمهم إلى : ~~مؤمن بوحدانية الله ، وكافر بها . # وهذه الآية للتذكير بنعمة الله تعالى على الخلق كما اقتضاه لام التعليل ~~في قوله : واقتضاه التذييل بقوله : { إن الله لذو فضلل على الناسس ولكن ~~أكثر الناسس لا يشكرون . } وأدمج في التذكير بالنعمة استدلال على انفراده ~~تعالى بالتصرف بالخلق ، والتدبير الذي هو ملازم حقيقة الإلهية . # وابتدىء الاستدلال بدلائل الأكوان العلوية وآثارها الواصلة إلى الأكوان ~~السفلية ، وهي مظهر النعمة بالليل والنهار فهما تكوينان عظيمان دالان على ~~عظيم قدرة مكونهما ومنظمهما وجاعلهما متعاقبين ، فنيطت بهما أكثر مصالح هذا ~~العالم ومصالح أهله ، فمن مصالح العالم حصول التعادل بين الضياء والظلمة ، ~~والحرارة والبرودة لتكون الأرض لائقة بمصالح من عليها فتنبت الكلأ وتنضج ~~الثمار ، ومن مصالح سكان العالم سكون الإنسان والحيوان في الليل لاسترداد ~~النشاط العصبي الذي يعييه عمل الحواس والجسد في النهار ، فيعود النشاط إلى ~~المجموع العصبي في الجسد كله وإلى الحواس ، ولولا ظلمة الليل لكان النوم ~~غير PageV24P184 كامل فكان عود النشاط بطيئا وواهنا ولعاد على القوة ~~العصبية بالانحطاط والاضمحلال في أقرب وقت فلم يتمتع الإنسان بعمر طويل . ~~ومنها انتشار الناس والحيوان في النهار وتبين الذوات بالضياء ، وبذلك تتم ~~المساعي للناس في أعمالهم التي بها انتظام أمر المجتمع من المدن والبوادي ، ~~والحضر والسفر ، فإن الإنسان ms7215 مدني بالطبع ، وكادح للعمل والاكتساب ، فحاجته ~~للضياء ضرورية ولولا الضياء لكانت تصرفات الناس مضطربة مختبطة . # وللتنويه بشأن إبصار الناس في الضياء وكثرة الفوائد الحاصلة لهم من ذلك ~~أسند الإبصار إلى النهار على طريقة المجاز العقلي لقوة الملابسة بين ~~الأفعال وزمانها ، فأسند إبصار الناس إلى نفس النهار لأنه سبب بعضه وسبب ~~كمال بعض آخر . فأما نعمة السكون في الليل فهي نعمة واحدة هي رجوع النشاط . # وفي ذكر الليل والنهار تذكير بآية عظيمة من المخلوقات وهي الشمس التي ~~ينشأ الليل من احتجاب أشعتها عن نصف الكرة الأرضية وينشأ النهار من انتشار ~~شعاعها على النصف المقابل من الكرة الأرضية ، ولكن لما كان المقصد الأول من ~~هذه الآية الامتنان ذكر الليل والنهار دون الشمس ، وقد ذكرت الشمس في آيات ~~أخرى كان الغرض الأهم منها الدلالة على عظيم القدرة والوحدانية كقوله : { ~~والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم } ( الأنعام : 96 ) . # ودلت مقابلة تعليل إيجاد الليل بعلة سكون الناس فيه ، بإسناد الإبصار إلى ~~ذات النهار على طريقة المجاز العقلي وإنما المبصرون الناس في النهار ، على ~~احتباك إذ يفهم من كليهما أن الليل ساكن أيضا ، وأن النهار خلق ليبصر الناس ~~فيه إذ المنة بهما سواء ، فهذا من بديع الإيجاز مع ما فيه من تفنن أسلوبي ~~الحقيقة والمجاز العقلي . ولم يعكس فيقل : جعل لكم الليل ساكنا والنهار ~~لتبصروا فيه ، لئلا تفوت صراحة المراد من السكون كيلا يتوهم أن سكون الليل ~~هو شدة الظلام فيه كما يقال : ليل ساج ، لقلة الأصوات فيه . PageV24P185 # وتقدم الكلام على الليل والنهار في سورة البقرة عند قوله تعالى : { إن في ~~خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار } ، وفي مواضع أخرى . # وجملة { إن الله لذو فضلل على الناس } اعتراض هو كالتذييل لجملة { الله ~~الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه } لأن الفضل يشمل جعل الليل والنهار وغير ~~ذلك من النعم ، ولأن { الناس } يعم المخاطبين بقوله : { جعل لكم } وغيرهم ~~من الناس . # وتنكير { فضل } للتعظيم لأن نعم الله تعالى عظيمة جليلة ولذلك قال : { ~~لذو فضل } ولم يقل : لمتفضل ، ولا ms7216 لمفضل ، فعدل إلى إضافة ( ذو ) إلى { فضل ~~} لتأتي التنكير المشعر بالتعظيم . وعدل عن نحو : له فضل ، إلى { لذو فضل } ~~لما يدل عليه ( ذو ) من شرف ما يضاف هو إليه . # والاستدراك ب { لكن } ناشىء عن لازم { ذو فضل على الناس } لأن الشأن أن ~~يشكر الناس ربهم على فضله فكان أكثرهم كافرا بنعمه ، وأي كفر للنعمة أعظم ~~من أن يتركوا عبادة خالقهم المتفضلل عليهم ويعبدوا ما لا يملك لهم نفعا ولا ~~ضرا . # وخرج ب { أكثر الناس } الأقل وهم المؤمنون فإنهم أقل { ولو أعجبك كثرة ~~الخبيث } ( المائدة : 100 ) . والعدول عن ضمير ( الناس ) في قوله : { ولاكن ~~أكثر الناسس لا يشكرون } إلى الاسم الظاهر ليتكرر لفظ الناس عند ذكر عدم ~~الشكر كما ذكر عند التفضل عليهم فيسجل عليهم الكفران بوجه أصرح . # وقد علمت مما تقدم وجه اختلاف المنفيات في قوله : { ولكن أكثر الناسس لا ~~يعلمون } ( غافر : 57 ) وقوله : { ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ( غافر : 59 ) ~~وقوله : ولكن أكثر الناس لا يشكرون } ، فقد أتبع كل غرض أريد إثباته بما ~~يناسب حال منكريه . PageV24P186 # اتصل الكلام على دلائل التفرد بالإلهية من قوله : { ذالكم الله ربكم خالق ~~كل شيء } إلى قوله : { مخلصين له الدين } ( غافر : 62 65 ) اتصال الأدلة ~~بالمستدل عليه . # والإشارة ب { ذلكم } إلى اسم الجلالة في قوله : { الله الذي جعل لكم ~~الليل لتسكنوا فيه } ( غافر : 61 ) . وعدل عن الضمير إلى اسم الإشارة ~~لإفادة أنه تعالى معلوم متميز بأفعاله المنفرد بها بحيث إذا ذكرت أفعاله ~~تميز عما سواه فصار كالمشاهد المشار إليه ، فكيف تلتبس إلهيته بإلهية ~~مزعومة للأصنام فليست للذين أشركوا به شبهة تلبس عليهم ما لا يفعل مثل فعله ~~، أي ذلكم ربكم لا غيره وفي اسم الإشارة هذا تعريض بغباوة المخاطبين الذين ~~التبست عليهم حقيقة إلهيته . # وقوله : { الله ربكم خالق كل شيء لا إلاه إلا هو } أخبار أربعة عن اسم ~~الإشارة ، ابتدىء فيها بالاسم الجامع لصفات الإلهية إجمالا ، وأردف ب { ~~ربكم } أي الذي دبر خلق الناس وهيأ لهم ما به قوام حياتهم . ولما كان في ~~معنى الربوبية ms7217 من معنى الخلق ما هو خلق خاص بالبشر بأنه خالق الأشياء كلها ~~كما خلقهم ، وأردف بنفي الإلهية عن غيره فجاءت مضامين هذه الأخبار الأربعة ~~مترتبة بطريقة الترقي ، وكان رابعها نتيجة لها ، ثم فرع عليها استفهام ~~تعجيبي من انصرافهم عن عبادته إلى جانب عبادة غيره مع وضوح فساد إعراضهم عن ~~عبادته . # و { أنى } اسم استفهام عن الكيفية ، وأصله استفهام عن المكان فإذا جعلوا ~~الحالة في معنى الجانب ومثار الشيء استفهموا ب ( أنى ) عن الحالة ويشعر ~~بذلك قوله تعالى : { أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة } في سورة الأنعام . # و { تؤفكون } تصرفون ، وتقدم في قوله تعالى : { قاتلهم الله أنى يؤفكون } ~~في سورة براءة ، وبناؤه للمجهول لإجمال بسبب إعراضهم إذ سيبين بحاصل الجملة ~~بعده . PageV24P187 # هذه الجملة معترضة بمنزلة التعليل لمضمون الجملة التي قبلها وهو التعجيب ~~من انصرافهم عن عبادة ربهم خالقهم وخالق كل شيء فإن في تعليل ذلك ما يبين ~~سبب التعجيب ، فجيء في جانب المأفوكين بالموصول لأن الصلة تومىء إلى وجه ~~بناء الخبر وعلته ، أي أن استمرارهم على الجحد بآيات الله دون تأمل ولا ~~تدبر في معانيها ودلائلها يطبع نفوسهم على الانصراف عن العلم بوجوب ~~الوحدانية له تعالى . فالإشارة بذلك إلى الإفك المأخوذ من فعل { تؤفكون ( ~~غافر : 62 ) أي مثل إفككم ذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون . # فيجوز أن يكون المراد بالذين كانوا بآيات الله يجحدون } المخاطبين بقوله ~~: { ذالكم الله ربكم } ( غافر : 62 ) ، ويكون الموصول وصلته إظهارا في مقام ~~الإضمار ، والمعنى : كذلك تؤفكون ، أي مثل أفككم تؤفكون ، ويكون التشبيه ~~مبالغة في أن إفكهم بلغ في كنه الأفك النهاية بحيث لو أراد المقرب أن يقربه ~~للسامعين بشبيه له لم يجد شبيها له أوضح منه وأجلى في ماهيته فلا يسعه إلا ~~أن يشبهه بنفسه على الطريقة المألوفة المبينة في قوله تعالى : { وكذلك ~~جعلناكم أمة وسطا } ( البقرة : 143 ) ، وبذلك تكون صلة الموصول من قوله : { ~~الذين كانوا بئاياتت الله يجحدون } إيماء إلى علة إفكهم تعليلا صريحا . # ويجوز أن يكون المراد ب { الذين كانوا بآيات ms7218 الله يجحدون } كل من جحد ~~بآيات الله من مشركي العرب ومن غيرهم من المشركين والمكذبين فيصير التعليل ~~المومى إليه بالصلة تعليلا تعريضيا لأنه إذا كان الأفك شأن الذين يجحدون ~~بآيات الله كلهم فقد شمل ذلك هؤلاء بحكم المماثلة . وصيغة المضارع لاستحضار ~~الحالة ، وذكر فعل الكون للدلالة على أن الجحد بآيات الله شأنهم وهجيراهم . # وهذا أصل عظيم في الأخلاق العلمية ، فإن العقول التي تتخلق بالإنكار ~~PageV24P188 والمكابرة قبل التأمل في المعلومات تصرف عن انكشاف الحقائق ~~العلمية فتختلط عليها المعلومات ولا تميز بين الصحيح والفاسد . # . # استئناف ثان بناء على أحسن الوجوه التي فسرنا بها موقع قوله : { الله ~~الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه } ( غافر : 61 ) كما تقدم فلذلك لم تعطف ~~على التي قبلها لأن المقام مقام تعداد دلائل انفراده تعالى بالتصرف ~~وبالإنعام عليهم حتى يفتضح خطلهم في الإشراك به وكفرانن نعمه ، فذكرهم في ~~الآية السابقة بآثار قدرته في إيجاد الأعراض القائمة بجواهر هذا العالم ، ~~وهما عرضا الظلمة والنور ، وفي كليهما نعم عظيمة على الناس ، وذكرهم في هذه ~~الآية بآثار خلق الجواهر في هذا العالم على كيفيات هي نعمة لهم ، وفي خلق ~~أنفسهم على صور صالحة بهم ، فأما إن جعلت اسم الجلالة في قوله : { الله ~~الذي جعل } الخ بدلا من { ربكم } في { وقال ربكم ادعوني } ( غافر : 60 ) ، ~~فإن جملة { الله الذي جعل لكم الأرض قرارا } تكون مستأنفة استئنافا ~~ابتدائيا . # والموصول وصلته يجوز أن يكون صفة لاسم الجلالة فيكون الخبر قوله : { ~~ذالكم الله ربكم } وهو أولى لأن المقصود إثبات إلهيته وحده بدليل ما هو ~~مشاهد من إتقان صنعه الممزوج بنعمته . ويجوز أن يكون الموصول خبرا فيكون ~~الخبر مستعملا في الامتنان والاعتبار ، ولما كان المقصود الأول من هذه ~~الآية الامتنان كما دل عليه قوله : { لكم } قدمت الأرض على السماء لأن ~~الانتفاع بها محسوس وذكرت السماء بعدها كما يستحضر الشيء بضده مع قصد إيداع ~~دلائل علم الهيئة لمن فيهم استعداد للنظر فيها وتتبع أحوالها على تفاوت ~~المدارك وتعاقب الأجيال واتساع العلوم . # والقرار أصله ، مصدر قر ، إذا سكن ms7219 . وهو هنا من صفات الأرض لأنه في حكم ~~الخبر عن الأرض ، فالمعنى يحتمل : أنه جعلها قارة غير مائدة ولا مضطربة فلم ~~تكن مثل كرة الهواء مضطربة متحركة ، ولو لم تكن قارة لكان الناس في عناء من ~~PageV24P189 اضطرابها وتزلزلها ، وقد يفضي ذلك بأكثرهم إلى الهلاك وهذا في ~~معنى قوله : { وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم } في سورة الأنبياء . # ويحتمل أن المعنى جعل الأرض ذات قرار ، أي قرار لكم ، أي جعلها مستقرا ~~لكم كقوله تعالى : { وأويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين } ( المؤمنون : 50 ~~) أي خلقها على كيفية تلائم الاستقرار عليها بأن جعلها يابسة غير سائلة ولو ~~شاء لجعل سطح الأرض سيالا كالزئبق أو كالعجل فلا يزال الإنسان سائخا فيها ~~يطفو تارة ويسيخ أخرى فلا يكاد يبقى على تلك الحالة ، وذلك كوسط سبخة ( ~~التاكمرت ) المسماة : ( شط الجريد ) الفاصل بين ( نفطة ) و ( نفزاوة ) من ~~الجنوب التونسي فإن فيها مسافات إذا مشت فيها القوافل ساخت في الأرض فلا ~~يعثر عليها ، ولذلك لا تسير فيها القوافل إلا بهداة عارفين بمسالك السير في ~~علامات منصوبة ، فكانت خلقة الأرض دالة على عظيم قدرة الله وعلى دقيق حكمته ~~وعلى رحمته بالإنسان والحيوان المعمور بهما وجه الأرض . # والبناء : ما يرفع سمكه على الأرض للاتقاء من الحر والبرد والمطر والدواب ~~. ووصف السماء بالبناء جار على طريقة التشبيه البليغ ، وتقدم الكلام مستوفى ~~عند قوله تعالى : { الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء } في سورة ~~البقرة . # . # لا جرم أن حكمة الله تعالى التي تعلقت بإيجاد ما يحف بالإنسان من العوالم ~~على كيفيات ملائمة لحياة الإنسان وراحته قد تعلقت بإيجاد الإنسان في ذاته ~~على كيفية ملائمة له مدة بقاء نوعه على الأرض وتحت أديم السماء ولذلك أعقب ~~التذكير بما مهد له من خلق الأرض والسماء ، بالتذكير بأنه خلقه خلقا ~~مستوفيا مصلحته وراحته . PageV24P190 # وعبر عن هذا الخلق بفعل { صوركم } لأن التصوير خلق على صورة مرادة تشعر ~~بالعناية ، ألا ترى إلى قوله تعالى : { ولقد خلقناكم ثم صورناكم } ( ~~الأعراف : 11 ) فاقتضى حسن الصور فلذلك عدل في ms7220 جانب خلق الإنسان عن فعل ~~الجعل إلى فعل التصوير بقوله : { وصوركم } فهو كقوله تعالى : { الذي خلقك ~~فسواك فعدلك في أي صورة } ( الانفطار : 7 ، 8 ) ثم صرح بما اقتضاه فعل ~~التصوير من الإتقان والتحسين بقوله : { فأحسن صوركم } . والفاء في قوله : { ~~فأحسن صوركم } عاطفة جملة على جملة ودالة على التعقيب أي أوجد صورة الإنسان ~~فجاءت حسنة . # وعطف على هذه العبرة والمنة منة أخرى فيها عبرة ، أي خلقكم في أحسن صورة ~~ثم أمدكم بأحسنن رزق ، فجمع لكم بين الإيجاد والإمداد ، ولما كان الرزق ~~شهوة في ظاهره وكان مشتملا على حكمة إمداد الجسم بوسائل تجديد قواه الحيوية ~~وكان في قوله : { ورزقكم } إيماء إلى نعمة طول الوجود فلم يكن الإنسان من ~~الموجودات التي تظهر على الأرض ثم تضمحل في زمن قريب وجمع له بين حسن ~~الإيجاد وبين حسن الإمداد فجعل ما به مدد الحياة وهو الرزق من أحسن الطيبات ~~على خلاف رزق بقية أنواع الحيوان . # موقع { ذلكم الله ربكم } كموقع نظيره المتقدم آنفا . وإعادة هذا تكرير ~~للتوقيف على خطل رأيهم في عبادة غيره على طريقة التعريض ، بقرينة ما تقدم ~~في نظيره من قوله : { لا إله إلا هو فأنى تؤفكون } ( غافر : 62 ) ، وقرينة ~~قوله هنا : { لا إلاه إلا هو فادعوه مخلصين له الدين } ( غافر : 65 ) . # وفرع على ما ذكر من بدائع صنعه وجزيل منه . أن أنشيء الثناء عليه بما ~~يفيد اتصافه بعظيم صفات الكمال فقال : { فتبارك الله } ، وفعل { تبارك } ~~صيغة مفاعلة مستعملة مجازا في قوة ما اشتق منه الفعل . وهو مشتق من اسم ~~جامد وهو البركة ، والبركة : اسم يدل على تزايد الخير . وإظهار اسم الجلالة ~~مع فعل PageV24P191 { تبارك } دون الإتيان بضمير مع تقدم اسمه ، فالإظهار ~~لتكون الجملة كلمة ثناء مستقلة . # و { رب العالمين } خالق أجناس العقلاء من الناس والملائكة والجن . وهذا ~~الوصف من تمام الإنشاء لأن في ذكر ربوبيته للعالمين وهم أشرف أجناس ~~الموجودات استحضارا لما أفاضه عليهم من خيرات الإيجاد والإمداد . # . # استئناف ثالث للارتقاء في إثبات إلهيته الحق بإثبات ما يناسبها وهو ~~الحياة الكاملة ، فهذه ms7221 الجملة مقدمة لجملة { لا إلاه إلا هو } فإثبات ~~الحياة الواجبة لذاته فإن الذي رب العالمين وأوجدهم على أكمل الأحوال ~~وأمدهم بما به قوامهم على ممر الأزمان لا جرم أنه موصوف بالحياة الحق لأن ~~مدبر المخلوقات على طول العصور يجب أن يكون موصوفا بالحياة ، إذ الحياة ( ~~مع ما عرض من عسر في تعريفها عند الحكماء والمتكلمين ) هي صفة وجودية تصحح ~~لمن قامت به الإدراك والإرادة والفعل ، وتقدم الكلام عليها عند قوله تعالى ~~: { وكنتم أمواتا فأحياكم } في سورة البقرة . # فإن كان اتصاف موصوفها بها مسبوقا بعدم فهي حياة ممكنة عارضة مثل حياة ~~الملائكة وحياة الأرواح وحياة الإنسان وحياة الحيوان وحياة الأساريع ، ~~فتكون متفاوتة في موصوفاتها بتفاوت قوتها فيها ومتفاوتة في موصوفها الواحد ~~بتفاوت أزمانها مثل تفاوت حياة الشخص الواحد في وقت شبابه ، وحياته في وقت ~~هرمه ومثل حياة الشخص وقت نشاطه وحياته وقت نومه ، وبذلك التفاوت تصير إلى ~~الخفوت ثم إلى الزوال ، ويظهر أثر تفاوتها في تفاوت آثارها من الإدراك ~~والإرادة والفعل . # وإن كان اتصاف موصوفها بها أزليا غير مسبوق بعدم فهي حياة واجب الوجود ~~سبحانه وهي حياة واجبة ذاتية . وهي الحياة الحقيقية لأنها غير معرضة للنقص ~~ولا للزوال ، فلذلك كان الحي حقيقة هو الله تعالى كما أنبأت عنه صيغة الحصر ~~في PageV24P192 قوله : { هو الحي } وهو قصر ادعائي لعدم الاعتداد بحياة ما ~~سواه من الأحياء لأنها عارضة ومعرضة للفناء والزوال . # فموقع قوله : { لا إلاه إلا هو } موقع النتيجة من الدليل لأن كل من سواه ~~لا حياة له واجبة ، فهو معرض للزوال فكيف يكون إلها مدبرا للعالم . وجميع ~~ما عبد من دون الله هو بين ما لم يتصف بالحياة تماما كالأصنام من الحجارة ~~أو الخشب أو المعادن . ومثل الكواكب الشمسس والقمر والشجر ، وبين ما اتصف ~~بحياة عارضة غير زائلة كالملائكة ، وبين ما اتصف بحياة عارضة زائلة من ~~معبودات البشر مثل ( بوذة ) و ( برهما ) بله المعبودات من البقر والثعابين ~~. قال تعالى : { والذين تدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون } ( ~~النحل : 20 ) أي ms7222 لا يستطيع أحدهم التصرف بالإيجاد والإحياء وهو مخلوق ، أي ~~معرض للحياة { أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون } ( النحل : 21 ) ~~فجعل نفي الحياة عنهم في الحال أو في المآل دلالة على انتفاء إلهيتهم وجعل ~~نفي إدراك بعض المدركات عنهم دلالة على انتفاء إلهيتهم . # وبعد اتضاح الدلالة على انفراده تعالى بالإلهية فرع عليه الأمر بعبادته ~~وحده غير مشركين غيره في العبادة لنهوض انفراده باستحقاق أن يعبد . # والدعاء : العبادة لأنها يلازمها السؤال والنداء في أولها وفي أثنائها ~~غالبا ، لأن الدعاء عنوان انكسار النفس وخضوعها كما تقدم آنفا عند قوله ~~تعالى : { وقال ربكم ادعوني أستجب لكم } ( غافر : 60 ) وكما في قوله الآتي ~~: { بل لم نكن ندعو من قبل شيئا } ( غافر : 74 ) . # والإخلاص : الإفراد وتصفية الشيء مما ينافيه أو يفسده . # والدين : المعاملة . وأطلق على الطاعة وهو المراد هنا لأنها أشد أنواع ~~المعاملة بين المطيع والمطاع . والمعنى : فإذ كان هو الحي دون الأصنام وكان ~~لا إله غيره فاعبدوه غير مشركين معه غيره في عبادته . # ويدخل في ماهية الإخلاص دخولا أوليا ترك الرياء في العبادة لأن الرياء ~~وهو أن PageV24P193 يقصد المتعبد من عبادته أن يراه الناس سواء كان قصدا ~~مجردا أو مخلوطا مع قصد التقرب إلى الله . كل ذلك لا يخلو من حصول حظ في ~~تلك العبادة لغير الله وإن لم يكن ذلك الحظ في جوهرها . وهذا معنى ما جاء ~~في الحديث ( إن الرياء الشرك الأصغر ) . # وتقديم { له } المتعلق بمخلصين على مفعول { مخلصين } لأنه الأهم في هذا ~~المقام به لأنه أشد تعلقا بمتعلقه من تعلق المفعول بعامله . # يجوز أن تكون إنشاء للثناء على الله كما هو شأن أمثالها في غالب مواقع ~~استعمالها كما تقدم في سورة الفاتحة ، فيجوز أن تكون متصلة بفعل { فادعوه } ~~على تقدير قول محذوف ، أي قائلين ، الحمد لله رب العالمين ، أو قولوا : ~~الحمد لله رب العالمين ، وقرينة المحذوف هو أن مثل هذه الجملة مما يجري على ~~ألسنة الناس كثيرا فصارت كالمثل في إنشاء الثناء على الله . والمعنى : ~~فاعبدوه بالعمل وبالثناء عليه وشكره . ويجوز ms7223 أن تكون كلاما مستأنفا أريد به ~~إنشاء الثناء على الله من نفسه تعليما للناس كيف يحمدونه ، كما تقدم في ~~وجوه نظيرها في سورة الفاتحة . أو جاريا على لسان الرسول صلى الله عليه ~~وسلم على نحو قوله تعالى : { فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب ~~العالمين } ( الأنعام : 45 ) عقب قوله : { قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله ~~أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين } الآيات من سورة الأنعام ~~. # وعندي : أنه يجوز أن يكون { الحمد } مصدرا جيء به بدلا من فعله على معنى ~~الأمر ، أي أحمدوا الله رب العالمين . وعدل به عن النصب إلى الرفع لقصد ~~الدلالة على الدوام والثبات كما تقدم في أول الفاتحة . PageV24P194 وفصل ~~الجملة عن الكلام الذي قبلها أسعد بالاحتمالين الأول والرابع . # جملة معترضة بين أدلة الوحدانية بدلالة الآيات الكونية والنفسية ليجروا ~~على مقتضاها في أنفسهم بأن يعبدوا الله وحده ، فانتقل إلى تقرير دليل ~~الوحدانية بخبر الوحي الإلهي بإبطال عبادة غير الله على لسان رسوله صلى ~~الله عليه وسلم ليعمل بذلك في نفسه ويبلغ ذلك إليهم فيعلموا أنه حكم الله ~~فيهم ، وأنهم لا عذر لهم في الغفلة عنها أو عدم إتقان النظر فيها أو قصور ~~الاستنتاج منها بعد أن جاءهم رسول من الله يبين لهم أنواعا بمختلف البيان ~~من أدلة برهانية وتقريبية إقناعية . # وأن هذا الرسول صلى الله عليه وسلم إنما يدعوهم إلى ما يريده لنفسه فهو ~~ممحض لهم النصيحة ، وهاديهم إلى الحجة لتتظاهر الأدلة النظرية بأدلة الأمر ~~الإلهي بحيث يقوى إبطال مذهبهم في الشرك ، فإن ما نزل من الوحي تضمن أدلة ~~عقلية وإقناعية وأوامر إلهية وزواجر وترغيبات ، وكل ذلك يحوم حول إثبات ~~تفرد الله تعالى بالإلهية والربوبية تفردا مطلقا لا تشوبه شائبة مشاركة ولو ~~في ظاهر الحال كما تشوب المشاركة في كثير من الصفات الأخرى في مثل الملك ~~والملك والحمد ، والنفع والضر ، والكرم والإعانة وذلك كثير . فكان قوله ~~تعالى : { قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دونن الله لما جاءني البينات ~~من ربي } إبطالا لعبادة ms7224 غير الله بالقول الدال على التحذير والتخويف بعد أن ~~أبطل ذلك بدلالة الحجة على المقصود . وهذه دلالة كنائية لأن النهي يستلزم ~~التحذير . # وذكر مجيء البينات في أثناء هذا الخبر إشارة إلى طرق أخرى من الأدلة على ~~تفرد الله بالإلهية تكررت قبل نزول هذه الآية . وكان تقديم المسند إليه وهو ~~ضمير { إني } على الخبر الفعلي لتقوية الحكم نحو : هو يعطي الجزيل ، وكان ~~تخصيص PageV24P195 ذاته بهذا النهي دون تشريكهم في ذلك الغرض الذي تقدم مع ~~العلم بأنهم منهيون عن ذلك وإلا فلا فائدة لهم في إبلاغ هذا القول فكان ~~الرسول صلى الله عليه وسلم من حين نشأته لم يسجد لصنم قط وكان ذلك مصرفة من ~~الله تعالى إياه عن ذلك إلهاما إلاهيا إرهاصا لنبوءته . # و { لما } حرف أو ظرف على خلاف بينهم ، وأيا ما كان فهي كلمة تفيد اقتران ~~مضمون جملتين تليانها تشبهان جملتي الشرط والجزاء ، ولذلك يدعونها ( لما ) ~~التوقيتية ، وحصول ذلك في الزمن الماضي ، فقوله : { لما جاءني البينات من ~~ربي } توقيت لنهيه عن عبادة غير الله بوقت مجيء البينات ، أي بينات الوحي ~~فيما مضى وهو يقتضي أن النهي لم يكن قبل وقت مجيء البينات . # والمقصود من إسناد المنهية إلى الرسول صلى الله عليه وسلم التعريض بنهي ~~المشركين ، فإن الأمر بأن يقول ذلك لا قصد منه إلا التبليغ لهم وإلا فلا ~~فائدة لهم في الإخبار بأن الرسول عليه الصلاة والسلام منهي عن أن يعبد ~~الذين يدعون من دون الله ، يعني : فإذا كنت أنا منهيا عن ذلك فتأملوا في ~~شأنكم واستعملوا أنظاركم فيه ، ليسوقهم إلى النظر في الأدلة سوقا لينا خفيا ~~لاتباعه فيما نهى عنه ، كما جاء ذلك صريحا لا تعريضا في قول إبراهيم عليه ~~السلام لأبيه { يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك ~~صراطا سويا يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمان عصيا } ( مريم : ~~43 ، 44 ) وبني الفعل للنائب لظهور أن الناهي هو الله تعالى بقرينة مقام ~~التبليغ والرسالة . # ومعنى الدعاء في قوله : { الذين تدعون ms7225 } يجوز أن يكون على ظاهر الدعاء ، ~~وهو القول الذي تسأل به حاجة ، ويجوز أن يكون بمعنى تعبدون كما تقدم في ~~قوله تعالى : { وقال ربكم ادعوني أستجب لكم } ( غافر : 60 ) فيكون العدول ~~عن أن يقول : أن أعبد الذين تعبدون ، تفننا . و ( من ) في قوله : { من ربي ~~} ابتدائية ، وجعل المجرور ب ( من ) وصف ( رب ) مضافا إلى ضمير المتكلم دون ~~أن يجعل مجرورها ضميرا يعود على اسم الجلالة إظهارا في مقام الإضمار على ~~خلاف مقتضى الظاهر لتربية المهابة في نفوس PageV24P196 المعرض بهم ليعلموا ~~أن هذا النهي ومجيء البينات هو من جانب سيده وسيدهم فما يسعهم إلا أن ~~يطيعوه ولذلك عززه بإضافة الرب إلى الجميع في قوله : { وأمرت أن أسلم لرب ~~العالمين } أي ربكم ورب غيركم فلا منصرف لكم عن طاعته . # والإسلام : الانقياد بالقول والعمل ، وفعله متعد ، وكثر حذف مفعوله فنزل ~~منزلة اللازم ، فأصله : أسلم نفسه أو ذاته أو وجهه كما صرح به في نحو قوله ~~تعالى : { فقل أسلمت وجهي لله } ، ومن استعماله كاللازم قوله تعالى : { فقل ~~أسلمت وجهي لله } في سورة آل عمران وقوله تعالى : { إذ قال له ربه أسلم قال ~~أسلمت لرب العالمين } في سورة البقرة ، وكذلك هو هنا . # استئناف رابع بعد اسئتناف جملة { هو الحي } ( غافر : 65 ) وما تفرع عليها ~~، وكلها ناشىء بعضه عن بعض . وهذا الامتنان بنعمة الإيجاد وهو نعمة لأن ~~الموجود شرف والمعدوم لا عناية به . وأدمج فيه الاستدلال على الإبداع . ~~وتقدم الكلام على أطوار خلق الإنسان في سورة الحج ، وتقدم الكلام على بعضه ~~في سورة فاطر . # والطفل : اسم يصدق على الواحد والاثنين والجمع ، للمذكر والمؤنث قال ~~تعالى : { أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء } ( النور : 31 ) وقد ~~يطابق فيقال : طفل وطفلان وأطفال . # واللامات في قوله : { ثم لتبلغوا أشدكم } وما عطف عليه ب ( ثم ) متعلقات ~~بمحذوف تقديره : ثم يبقيكم ، أو ثم ينشئكم لتبلغوا أشدكم ، وهي لامات ~~PageV24P197 التعليل مستعملة في معنى ( إلى ) لأن الغاية المقدرة من الله ~~تشبه العلة فيما يفضي إليها ، وتقدم نظيره في سورة الحج . # وقوله : { ولتبلغوا ms7226 أجلا مسمى } عطف على { لتكونوا شيوخا } أي للشيخوخة ~~غاية وهي الأجل المسمى أي الموت فلا طور بعد الشيخوخة . وأما الأجل المقدر ~~للذين يهلكون قبل أن يبلغوا الشيخوخة فقد استفيد من قوله : { ومنكم من ~~يتوفى من قبل } أن من قبل بعض هذه الأطوار ، أي يتوفى قبل أن يخرج طفلا وهو ~~السقط أو قبل أن يبلغ الأشد ، أو يتوفى قبل أن يكون شيخا . ولتعلقه بما ~~يليه خاصة عطف عليه بالواو ولم يعطف ب ( ثم ) كما عطفت المجرورات الأخرى ، ~~والمعنى : أن الله قدر انقراض الأجيال وخلقها بأجيال أخرى ، فالحي غايته ~~الفناء وإن طالت حياته ، ولما خلقه على حالة تؤول إلى الفناء لا محالة كان ~~عالما بأن من جملة الغايات في ذلك الخلقق أن يبلغوا أجلا . # وبني { قبل } على الضم على نية معنى المضاف إليه ، أي من قبل ما ذكر . ~~والأشد : القوة في البدن ، وهو ما بين ثمان عشرة سنة إلى الثلاثين وتقدم في ~~سورة يوسف . # وشيوخ : جمع شيخ ، وهو من بلغ سن الخمسين إلى الثمانين ، وتقدم عند قوله ~~تعالى : { وهذا بعلي شيخا } في سورة هود . ويجوز في ( شيوخ ) ضم الشين . ~~وبه قرأ نافع وأبو عمرو وحفص عن عاصم وأبو جعفر ويعقوب وخلف . ويجوز كسر ~~الشين وبه قرأ ابن كثير وحمزة ، والكسائي . # وقوله : { ولعلكم تعقلون } عطف على { ولتبلغوا أجلا مسمى } أي أن من جملة ~~ما أراده الله من خلق الإنسان على الحالة المبينة ، أن تكون في تلك الخلقة ~~دلالة لآحاده على وجود هذا الخالق الخلق البديع ، وعلى إنفراده بالإلهية ، ~~وعلى أن ما عداه لا يستحق وصف الإلهية ، فمن عقل ذلك من الناس فقد اهتدى ~~إلى ما أريد منه ومن لم يعقل ذلك فهو بمنزلة عديم العقل . ولأجل هذه النكتة ~~لم يؤت PageV24P198 لفعل { تعقلون } بمفعول ولا بمجرور لأنه نزل منزلة ~~اللازم ، أي رجاء أن يكون لكم عقول فهو مراد لله من ذلك الخلق فمن حكمته أن ~~جعل ذلك الخلق العجيب علة لأمور كثيرة . # استئناف خامس ومناسبة موقعه من قوله : { هو الذي خلقكم من تراب } إلى ms7227 ~~قوله : { ثم يخرجكم طفلا } إلى { ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أجلا مسمى ~~ولعلكم تعقلون } ( غافر : 67 ) فإن من أول ما يرجى أن يعقلوه هو ذلك التصرف ~~البديع بخلق الحياة في الإنسان عند تكوينه بعد أن كان جثة لا حياة فيها ، ~~وخلق الموت فيه عند انتهاء أجله بعد أن كان حيا متصرفا بقوته وتدبيره . # فمعنى { يحيي } يوجد المخلوق حيا . ومعنى { يميت } أنه يعدم الحياة عن ~~الذي كان حيا ، وهذا هو محل العبرة . وأما إمكان الإحياء بعد الإماتة ~~فمدلول بدلالة قياس التمثيل العقلي وليس هو صريح الآية . والمقصود الامتنان ~~بالحياة تبعا لقوله قبل هذا : { هو الذي خلقكم من تراب } إلى قوله : { ثم ~~يخرجكم طفلا } ( غافر : 67 ) . # وفي قوله : { يحيي ويميت } المحسن البديعي المسمى الطباق . وفرع على هذا ~~الخبر إخبار بأنه إذا أراد أمرا من أمور التكوين من إحياء أو إماتة أو ~~غيرهما فإنه يقدر على فعله دون تردد ولا معالجة ، بل بمجرد تعلق قدرته ~~بالمقدور وذلك التعلق هو توجيه قدرته للإيجاد أو الإعدام . فالفاء من قوله ~~: { فإذا قضى } فاء تفريع الإخبار بما بعدها على الإخبار بما قبلها . # وقول : { كن } تمثيل لتعلق القدرة بالمقدور بلا تأخير ولا عدة ولا معاناة ~~وعلاج بحال من يرد إذن غيره بعمل فلا يزيد على أن يوجه إليه أمرا فإن صدور ~~القول PageV24P199 عن القائل أسرع أعمال الإنسان وأيسر ، وقد اختير لتقريب ~~ذلك أخصر فعل وهو { كن } المركب من حرفين متحرك وساكن . # ( 69 72 ) # بنيت هذه السورة على إبطال جدل الذين يجادلون في آيات الله جدال التكذيب ~~والتورك كما تقدم في أول السورة إذ كان من أولها قوله : { ما يجادل في آيات ~~الله إلا الذين كفروا } ( غافر : 4 ) وتكرر ذلك خمس مرات فيها ، فنبه على ~~إبطال جدالهم في مناسبات الإبطال كلها إذ ابتدىء بإبطاله على الإجمال عقب ~~الآيات الثلاث من أولها بقوله : { ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا } ~~( غافر : 4 ) ثم بإبطاله بقوله : { الذين يجادلون في ءايات الله بغير سلطان ~~أتاهم كبر مقتا عند الله } ( غافر ms7228 : 35 ) ، ثم بقوله : { إن الذين يجادلون ~~في ءاياتت الله بغير سلطانن أتاهم إن في صدورهم إلا كبر } ( غافر : 56 ) ثم ~~بقوله : { ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون } . # وذلك كله إيماء إلى أن الباعث لهم على المجادلة في آيات الله هو ما اشتمل ~~عليه القرآن من إبطال الشرك فلذلك أعقب كل طريقة من طرائق إبطال شركهم ~~بالإنحاء على جدالهم في آيات الله ، فجملة { ألم تر إلى الذين يجادلون في ~~آيات الله } مستأنفة للتعجيب من حال انصرافهم عن التصديق بعد تلك الدلائل ~~البينة . والاستفهام مستعمل في التقرير وهو منفي لفظا ، والمراد به : ~~التقرير على الإثبات ، كما تقدم غير مرة ، منها عند قوله : { قال أو لم ~~تؤمن } في سورة البقرة . # والرؤية علمية ، وفعلها معلق عن العمل بالاستفهام ب { أنى يصرفون } ، و ( ~~أنى ) بمعنى ( كيف ) ، وهي مستعملة في التعجيب مثل قوله : { أنى يكون لي ~~PageV24P200 ولد ولم يمسسني بشر } ( آل عمران : 47 ) أي أرأيت عجيب ~~انصرافهم عن التصديق بالقرآن بصارف غير بين منشؤه ، ولذلك بني فعل { يصرفون ~~} للنائب لأن سبب صرفهم عن الآيات ليس غير أنفسهم . ويجوز أن تكون ( أنى ) ~~بمعنى ( أين ) ، أي ألا تعجب من أين يصرفهم صارف عن الإيمان حتى جادلوا في ~~آيات الله مع أن شبه انصرافهم عن الإيمان منتفية بما تكرر من دلائل الآفاق ~~وأنفسهم وبما شاهدوا من عاقبة الذين جادلوا في آيات الله ممن سبقهم ، وهذا ~~كما يقول المتعجب من فعل أحد ( أين يذهب بك ) . # وبناء فعل { يصرفون } للمجهول على هذا الوجه للتعجيب من الصارف الذي ~~يصرفهم وهو غير كائن في مكان غير نفوسهم . # وأبدل { الذين كذبوا بالكتاب } من { الذين يجادلون } لأن صلتي الموصولين ~~صادقتان على شيء واحد ، فالتكذيب هو ما صدق الجدال ، والكتاب : القرآن . # وعطف { وبما أرسلنا به رسلنا } يجوز أن يكون على أصل العطف مقتضيا ~~المغايرة ، فيكون المراد : وبما أرسلنا به رسلنا من الكتب قبل نزول القرآن ~~، فيكون تكذيبهم ما أرسلت به الرسل مرادا به تكذيبهم جميع الأديان كقوله ~~تعالى : { وما قدروا الله حق ms7229 قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء } ~~( الأنعام : 91 ) ، ويحتمل أنه أريد به التكذيب بالبعث فلعلهم لما جاءهم ~~محمد صلى الله عليه وسلم بإثبات البعث سألوا عنه أهل الكتاب فأثبتوه فأنكر ~~المشركون جميع الشرائع لذلك . ويجوز أن يكون عطف مرادف ، فائدته التوكيد ، ~~والمراد ب { رسلنا } محمد صلى الله عليه وسلم كقوله : { كذبت قوم نوح ~~المرسلين ( الشعراء : 105 ) يعني الرسول نوحا على أن في العطف فائدة زائدة ~~على ما في المعطوف عليه وهي أن مما جاء به الرسول مواعظ وإرشادا كثيرا ليس ~~من القرآن . # وتفرع على تكذيبهم وعيدهم بما سيلقونه يوم القيامة فقيل فسوف يعلمون ، ~~PageV24P201 أي سوف يجدون العذاب الذي كانوا يجادلون فيه فيعلمونه . وعبر ~~عن وجدانهم العذاب بالعلم به بمناسبة استمرارهم على جهلهم بالبعث وتظاهرهم ~~بعدم فهم ما يقوله الرسول فأنذروا بأن ما جهلوه سيتحققونه يومئذ كقول الناس ~~: ستعرف منه ما تجهل ، قال أبو علي البصير : # فتذم رأيك في الذين خصصتهم # دوني وتعرف منهم ما تجهل # وحذف مفعول يعلمون } لدلالة { كذبوا بالكتاب } عليه ، أي يتحققون ما ~~كذبوا به . والظرف الذي في قوله : { إذ الأغلال في أعناقهم } متعلق ب { ~~يعلمون } أي يعلمون في ذلك الزمن . وشأن ( إذ ) أن تكون اسما للزمن الماضي ~~واستعملت هنا للزمن المستقبل بقرينة ( سوف ) فهو إما استعمال المجاز بعلاقة ~~الإطلاق ، وإما استعارة تبعية للزمن المستقبل المحقق الوقوع تشبيها بالزمن ~~الماضي وقد تكرر ذلك . ومنه اقترانها ب ( يوم ) في نحو قوله : { يومئذ تحدث ~~أخبارها } ( الزلزلة : 4 ) ، وقوله : { يومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله } ( ~~الروم : 4 ، 5 ) . وأول ما يعلمونه حين تكون الأغلال في أعناقهم أنهم ~~يتحققون وقوع البعث . # والأغلال : جمع غل ، بضم العين ، وهو حلقة من قد أو حديد تحيط بالعنق ~~تناط بها سلسلة من حديد ، أو سير من قد يمسك بها المجرم والأسير . # والسلاسل : جمع سلسلة بكسر السينين وهي مجموع حلق غليظة من حديد متصل ~~بعضها ببعض . # ومن المسائل ما رأيته أن الشيخ ابن عرفة كان يوما في درسه في التفسير سئل ~~: هل تكون هذه ms7230 الآية سندا لما يفعله أمراء المغرب أصلحهم الله من وضع ~~الجناة بالأغلال والسلاسل جريا على حكم القياس على فعل الله في العقوبات ~~كما استنبطوا بعض صور عقاب من عمل قوم لوط من الرجم بالحجارة ، أو الإلقاء ~~من شاهق . فأجاب بالمنع لأن وضع الغل في العنق ضرب من التمثيل وإنما يوثق ~~الجاني من يده ، قال : لأنهم إنما قاسوا على فعل الله في الدنيا ولا يقاس ~~على PageV24P202 تصرفه في الآخرة لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الإحراق ~~بالنار ، وقوله : ( إنما يعذب بها رب العزة ) . # وجملة { يسحبون في الحميم } حال من ضمير { أعناقهم } أو من ضمير { يعلمون ~~} . والسحب : الجر ، وهو يجمع بين الإيلام والإهانة . والحميم : أشد الحر . # و ( ثم ) عاطفة جملة { في النار يسجرون } على جملة { يسحبون في الحميم } ~~. وشأن ( ثم ) إذا عطفت الجمل أن تكون للتراخي الرتبي وذلك أن احتراقهم ~~بالنار أشد في تعذيبهم من سحبهم على النار ، فهو ارتقاء في وصف التعذيب ~~الذي أجمل بقوله : { فسوف يعلمون } والسجر بالنار حاصل عقب السحب سواء كان ~~بتراخخ أم بدونه . # والسجر : ملء التنور بالوقود لتقوية النار فيه ، فإسناد فعل { يسجرون } ~~إلى ضميرهم إسناد مجازي لأن الذي يسجر هو مكانهم من جهنم ، فأريد بإسناد ~~المسجور إليهم المبالغة في تعلق السجر بهم ، أو هو استعارة تبعية بتشبيههم ~~بالتنور في استقرار النار بباطنهم كما قال تعالى : { يصهر به ما في بطونهم ~~والجلود } ( الحج : 20 ) . # ( 73 76 ) { } # ( ثم ) هذه للتراخي الرتبي لا محالة لأن هذا القول يقال لهم قبل دخول ~~النار ، بدليل أن مما وقع في آخر القول : { ادخلوا أبواب جهنم } ، ودخول ~~أبواب جهنم قبل السحب في حميمها والسجر في نارها . وهذا القيل ارتقاء في ~~تقريعهم PageV24P203 وإعلان خطل آرائهم بين أهل المحشر وهو أشد على النفس ~~من ألم الجسم ، ولأن هذا القول مقدمة لتسليط العذاب عليهم لاشتماله على ~~بيان سبب العذاب من عبادة الأصنام وازدهائهم في الأرض بكفرهم ومرحهم ، وهو ~~أيضا ارتقاء في وصف أحوالهم الدالة على نكالهم إذ ارتقى من صفة جزائهم على ~~إشراكهم وهو شيء ms7231 غير مستغرب ترتبه على الشرك إلى وصف تحقيرهم آلهتهم التي ~~كانوا يعبدونها وذلك غريب من أحوالهم وأشد دلالة على بطلان إلهية أصنامهم ~~وهو المقصد المهم من القوارع التي سلطت عليهم في هذه السورة . فموقع ~~المعطوف ب ( ثم ) هنا كموقع المعطوف بها في قول أبي نواس : # قل إن ساد ثم ساد أبوه # قبله ثم ساد من قبل جده # من حيث كانت سيادة جده أرسخت له سيادة أبيه وأعقبت سيادة نفسه ، وهذا ~~استعمال موجود بكثرة . وصيغ ( قيل ) بصيغة المضي لأنه محقق الوقوع فكأنه ~~وقع ومضى وكذلك فعل { قالوا ضلوا } . # والقائل لهم : ناطق بإذن الله . و ( أين ) للاستفهام عن مكان الشيء ~~المجهول المكان ، والاستفهام هنا مستعمل في التنبيه على الغلط والفضيحة في ~~الموقف فإنهم كانوا يزعمون أنهم يعبدون الأصنام ليكونوا شفعاء لهم من غضب ~~الله فلما حق عليهم العذاب فلم يجدوا شفعاء ذكروا بما كانوا يزعمونه فقيل ~~لهم { أين ما كنتم تشركون من دونن الله } ، فابتدروا بالجواب قبل انتهاء ~~المقالة طمعا في أن ينفعهم الاعتذار . فجملة { قالوا ضلوا عنا } معترضة في ~~أثناء القول الذي قيل لهم ، ومعنى { ضلوا } غابوا كقوله : { أإذا ضللنا في ~~الأرض أإنا لفي خلق جديد } ( السجدة : 10 ) أي غيبنا في التراب ، ثم عرض ~~لهم فعلموا أن الأصنام لا تفيدهم . فأضربوا عن قولهم : { ضلوا عنا } وقالوا ~~: { بل لم نكن ندعوا من قبل شيئا } أي لم نكن في الدنيا ندعو شيئا يغني عنا ~~، فنفي دعاء شيء هنا راجع إلى نفي دعاء شيء يعتد به ، كما تقول : حسبت أن ~~فلانا شيء فإذا هو ليس بشيء ، إن كنت خبرته فلم تر عنده خيرا . وفي الحديث ~~: ( سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الكهان فقال : PageV24P204 ( ليسوا ~~بشيء ) أي ليسوا بشيء معتد به فيما يقصدهم الناس لأجله ، وقال عباس بن ~~مرداس : # وقد كنت في الحرب ذا تدراء # فلم أعط شيئا ولم أمنع # وتقدم عند قوله تعالى : { لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل } في ~~سورة العقود ، إذ ليس المعنى على إنكار أن يكونوا عبدوا شيئا لمنافاته ms7232 ~~لقولهم : { ضلوا عنا } المقتضي الاعتراف الضمني بعبادتهم . # وفسر كثير من المفسرين قولهم : { بل لم نكن ندعوا من قبل شيئا } أنه ~~إنكار لعبادة الأصنام بعد الاعتراف بها لاضطرابهم من الرعب فيكون من نحو ~~قوله تعالى : { ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين } ~~( الأنعام : 23 ) . ويجوز أن يكون لهم في ذلك الموقف مقالان ، وهذا كله قبل ~~أن يحشروا في النار هم وأصنامهم فإنهم يكونون متماثلين حينئذ كما قال تعالى ~~: { إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم } . # وجملة { كذالك يضل الله الكافرين } تذييل معترض بين أجزاء القول الذي ~~يقال لهم . ومعنى الإشارة تعجيب من ضلالهم ، أي مثل ضلالهم ذلك يضل الله ~~الكافرين . والمراد بالكافرين : عموم الكافرين ، فليس هذا من الإظهار في ~~مقام الإضمار . والتشبيه في قوله : { كذالك يضل الله الكافرين } يفيد تشبيه ~~إضلال جميع الكافرين بإضلاله هؤلاء الذين يجادلون في آيات الله ، فتكون ~~جملة { كذالك يضل الله الكافرين } تذييلا ، أي مثل إضلال الذين يجادلون في ~~آيات الله يضل الله جميع الكافرين ، فيكون إضلال هؤلاء الذين يجادلون مشبها ~~به إضلال الكافرين كلهم ، والتشبيه كناية عن كون إضلال الذين يجادلون في ~~آيات الله بلغ قوة نوعه بحيث ينظر به كل ما خفي من أصناف الضلال ، وهو ~~كناية عن كون مجادلة هؤلاء في آيات الله أشد الكفر . # والتشبيه جار على أصله وهو إلحاق ناقص بكامل في وصف ولا يكون من قبيل ~~PageV24P205 { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } ( البقرة : 143 ) ولا هو نظير قوله ~~المتقدم { كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون } ( غافر : 63 ) . # وقوله : { ذالكم بما كنتم تفرحون } تكملة القيل الذي يقال لهم حين إذ ~~الإغلال في أعناقهم . والإشارة إلى ما هم فيه من العذاب . و ( ما ) في ~~الموضعين مصدرية ، أي ذلكم مسبب على فرحكم ومرحكم اللذين كانا لكم في ~~الدنيا ، والأرض : مطلقة على الدنيا . # والفرح : المسرة ورضى الإنسان على أحواله ، فهو انفعال نفساني . والمرح ~~ما يظهر على الفارح من الحركات في مشيه ونظره ومعاملته مع الناس وكلامه ~~وتكبره فهو هيئة ظاهرية ms7233 . # و { بغير الحق } يتنازعه كل من { تفرحون } و { تمرحون } أي تفرحون بما ~~يسركم من الباطل وتزدهون بالباطل فمن آثار فرحهم بالباطل تطاولهم على ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ومن المرح بالباطل استهزاؤهم بالرسول صلى الله ~~عليه وسلم والمؤمنين ، قال تعالى : { وإذا مروا بهم يتغامزون وإذا انقلبوا ~~إلى أهلهم انقلبوا فاكهين } ( المطففين : 30 ، 31 ) . فالفرح كلما جاء ~~منهيا عنه في القرآن فالمراد به هذا الصنف منه ، كقوله تعالى : { إذ قال له ~~قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين } ( القصص : 76 ) لا كل فرح ، فإن ~~الله امتن على المؤمنين بالفرح في قوله : { ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ~~} ( الروم : 4 ، 5 ) . وبين { تفرحون وتمرحون } الجناس المحرف . # وجملة { ادخلوا أبواب جهنم } يجوز أن تكون استنئافا بيانيا لأنهم لما ~~سمعوا التقريع والتوبيخ وأيقنوا بانتفاء الشفيع ترقبوا ماذا سيؤمر به في ~~حقهم فقيل لهم { أدخلوا أبواب جهنم } ، ويجوز أن تكون بدل اشتمال من جملة { ~~ذالكم بما كنتم تفرحون } الخ ، فإن مدلول اسم الإشارة العذاب المشاهد لهم ~~وهو يشتمل على إدخالهم أبواب جهنم والخلود فيها . # ودخول الأبواب كناية عن الكون في جهنم لأن الأبواب إنما جعلت ليسلك منها ~~إلى البيت ونحوه . PageV24P206 و { خالدين } حال مقدرة ، أي مقدرا خلودكم . # وفرع عليه { فبئس مثوى المتكبرين } ، والمخصوص بالذم محذوف لأنه يدل عليه ~~ذكر جهنم أي فبئس مثوى المتكبرين جهنم ، ولم يتصل فعل ( بئس ) بتاء التأنيث ~~لأن فاعله في الظاهر هو { مثوى } لأن العبرة بإسناد فعل الذم والمدح إلى ~~الاسم المذكور بعدهما ، وأما اسم المخصوص فهو بمنزلة البيان بعد الإجمال ~~فهو متبدأ خبره محذوف أو خبر مبتدإ محذوف ، ولذلك عد باب نعم وبئس من طرق ~~الإطناب . # والمثوى : محل الثواء ، والثواء : الإقامة الدائمة ، وأوثر لفظ { مثوى } ~~دون ( مدخل ) المناسبب ل { ادخلوا } لأن المثوى أدل على الخلود فهو أولى ~~بمساءتهم . # والمراد بالمتكبرين : المخاطبون ابتداء لأنهم جادلوا في آيات الله عن كبر ~~في صدورهم كما قال تعالى : { إن الذين يجادلون في ءاياتت الله بغير سلطانن ~~أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ms7234 ببالغيه } ( غافر : 56 ) ولأن تكبرهم من ~~فرحهم . # وإنما عدل عن ضميرهم إلى الاسم الظاهر وهو { المتكبرين } للإشارة إلى أن ~~من أسباب وقوعهم في النار تكبرهم على الرسل . وليكون لكل موصوف بالكبر حظ ~~من استحقاق العقاب إذا لم يتب ولم تغلب حسناته على سيئاته إن كان من أهل ~~الإيمان . # قد كان فيما سبق من السورة ما فيه تسلية للنبيء صلى الله عليه وسلم على ~~ما تلقاه به المشركون من الإساءة والتصميم على الإعراض ابتداء من قوله في ~~أول السورة { فلا يغررك تقلبهم في البلاد } ( غافر : 4 ) ثم قوله : { أولم ~~يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم } ( غافر : 21 ~~) ، ثم قوله : { إنا لننصر رسلنا } ( غافر : 51 ) ثم قوله : { فاصبر إن وعد ~~PageV24P207 الله حق واستغفر لذنبك } ( غافر : 55 ) الآية ، ففرع هنا على ~~جميع ما سبق وما تخلله من تصريح وتعريض أن أمر الله النبي صلى الله عليه ~~وسلم بالصبر على ما يلاقيه منهم ، وهذا كالتكرير لقوله فيما تقدم { فاصبر ~~إن وعد الله حق واستغفر لذنبك } ( غافر : 55 ) . وذلك أن نظيره المتقدم ورد ~~بعد الوعد بالنصر في قوله : { إنا لننصر رسلنا والذين ءامنوا في الحيواة ~~الدنيا ويوم يقوم الأشهاد } ( غافر : 51 ) ثم قوله : { ولقد ءاتينا موسى ~~الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب } ( غافر : 53 ) الآية ، فلما تم الكلام ~~على ما أخذ الله به المكذبين من عذاب الدنيا انتقل الكلام إلى ذكر ما ~~يلقونه في الآخرة بقوله : { الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف ~~يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل } ( غافر : 70 ، 71 ) الآيات ، ثم ~~أعقبه بقوله : { فاصبر إن وعد الله حق } عودا إلى بدء إذ الأمر بالصبر مفرع ~~على ما اقتضاه قوله : { فلا يغررك تقلبهم في البلاد كذبت قبلهم قوم نوح ( ~~غافر : 4 ، 5 ) الآيات ، ثم قوله : وأنذرهم يوم الأزفة إذ القلوب لدى ~~الحناجر } ( غافر : 18 ) ثم قوله : { أولم يسيروا في الأرضض فينظروا } ( ~~غافر : 21 ) وما بعده ، فلما حصل الوعد بالانتصاف من مكذبي النبي صلى الله ~~عليه وسلم في الدنيا ms7235 والآخرة ، أعقب بقوله : { فاصبر إن وعد الله حق فإما ~~نرينك بعض الذي نعدهم } فإن مناسبة الأمر بالصبر عقب ذلك أن يكون تعريضا ~~بالانتصار له ولذلك فرع على الأمر بالصبر الشرط المردد بين أن يريه بعض ما ~~توعدهم الله به وبين أن لا يراه ، فإن جواب الشرط حاصل على كلتا الحالتين ~~وهو مضمون { فإلينا يرجعون } أي أنهم غير مفلتين من العقاب ، فلا شك أن أحد ~~الترديدين هو أن يرى النبي صلى الله عليه وسلم عذابهم في الدنيا . # ولهذا كان للتأكيد ب ( إن ) في قوله : { إن وعد الله حق } موقعه ، وذلك ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين استبطأوا النصر كما قال تعالى : { ~~وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله } ( البقرة : 214 ) ~~فنزلوا منزلة المتردد فيه فأكد وعده بحرف التوكيد . والتعبير بالمضارع في ~~قوله : { يرجعون } لإفادته التجدد فيشعر بأنه رجوع إلى الله في الدنيا . # وقوله : { فإما نرينك } شرط ، اقترن حرف ( إن ) الشرطية بحرف ( ما ) ~~PageV24P208 الزائدة للتأكيد ولذلك لحقت نون التوكيد بفعل الشرط . وعطف ~~عليه { أو نتوفينك } وهو فعل شرط ثان . وجملة { فإلينا يرجعون } جواب لفعل ~~الشرط الثاني لأن المعنى على أنه جواب له . وأما فعل الشرط الأول فجوابه ~~محذوف دل عليه أول الكلام وهو قوله : { إن وعد الله حق } وتقدير جوابه : ~~فإما نرينك بعض الذي نعدهم فذاك ، أو نتوفينك فإلينا يرجعون ، أي فهم غير ~~مفلتين مما نعدهم . # وتقدم نظير هذين الشرطين في سورة يونس إلا أن في سورة يونس { فإلينا ~~مرجعهم } وفي سورة غافر { فإلينا يرجعون } ، والمخالفة بين الآيتين تفنن ، ~~ولأن ما في يونس اقتضى تهديدهم بأن الله شهيد على ما يفعلون ، أي على ما ~~يفعله الفريقان من قوله : { ومنهم من يستمعون إليك } ( يونس : 42 ) وقوله : ~~{ ومنهم من ينظر إليك } ( يونس : 43 ) فكانت الفاصلة حاصلة بقوله : { على ~~ما يفعلون } ( يونس : 46 ) ، وأما هنا فالفاصلة معاقبة للشرط فاقتضت صوغ ~~الرجوع بصيغة المضارع المختتم بواو ونون ، على أن { مرجعهم } ( يونس : 46 ) ~~معرف بالإضافة فهو مشعر بالمرجع المعهود وهو مرجعهم في الآخرة ms7236 بخلاف قوله : ~~{ يرجعون } المشعر برجوع متجدد كما علمت . # والمعنى : أنهم واقعون في قبضة قدرتنا في الدنيا سواء كان ذلك في حياتك ~~مثل عذاب يوم بدر أو بعد وفاتك مثل قتلهم يوم اليمامة ، وأما عذاب الآخرة ~~فذلك مقرر لهم بطريق الأولى ، وهذا كقوله : { أو نرينك الذي وعدناهم فإنا ~~عليهم مقتدرون } ( الزخرف : 42 ) . # وتقديم المجرور في قوله : { فإلينا يرجعون } للرعاية على الفاصلة ~~وللاهتمام . # ذكرنا عند قوله تعالى : { ما يجادل في ءايات الله إلا الذين كفروا } في ~~أول هذه PageV24P209 السورة أن من صور مجادلتهم في الآيات إظهارهم عدم ~~الاقتناع بمعجزة القرآن فكانوا يقترحون آيات كما يريدون لقصدهم إفحام ~~الرسول صلى الله عليه وسلم فلما انقضى تفصيل الإبطال لضلالهم بالأدلة ~~البينة والتذكير بالنعمة والإنذار بالترهيب والترغيب وضربب الأمثال بأحوال ~~الأمم المكذبة ثم بوعد الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالنصر وتحقيق ~~الوعد ، أعقب ذلك بتثبيت الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه ما كان شأنه إلا ~~شأن الرسل من قبله أن لا يأتوا بالآيات من تلقاء أنفسهم ولا استجابة لرغائب ~~معانديهم ولكنها الآيات عند الله يظهر ما شاء منها بمقتضى إرادته الجارية ~~على وفق علمه وحكمته ، وفي ذلك تعريض بالرد على المجادلين في آيات الله ، ~~وتنبيه لهم على خطإ ظنهم أن الرسل تنتصب لمناقشة المعاندين . # فالمقصود الأهم من هذه الآية هو قوله : { وما كان لرسولل أن يأتي بآية ~~إلا بإذنن الله } وأما قوله : { ولقد أرسلنا رسلا من قبلك } الخ فهو كمقدمة ~~للمقصود لتأكيد العموم من قوله : { وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن ~~الله } ، وهو مع ذلك يفيد بتقديمه معنى مستقلا من رد مجادلتهم فإنهم كانوا ~~يقولون : { ما أنزل الله على بشر من شيء } ( الأنعام : 91 ) ويقولون : { ~~لولا أنزل عليه ملك } ( الأنعام : 8 ) فدمغت مزاعمهم بما هو معلوم بالتواتر ~~من تكرر بعثة الرسل في العصور والأمم الكثيرة . # وقد بعث الله رسلا وأنبياء لا يعلم عددهم إلا الله تعالى لأن منهم من ~~أعلم الله بهم نبيه صلى الله عليه وسلم ومنهم من لم يعلمه بهم ms7237 إذ لا كمال ~~في الإعلام بمن لم يعلمه بهم ، والذين أعلمه بهم منهم من قصه في القرآن ، ~~ومنهم من أعلمه بهم بوحي غير القرآن فورد ذكر بعضهم في الآثار الصحيحة ~~بتعيين أو بدون تعيين ، ففي الحديث : ( أن الله بعث نبيئا اسمه عبود عبدا ~~أسود ) وفي الحديث ذكر : حنظلة بن صفوان نبي أهل الرس ، وذكر خالد بن سنان ~~نبي عبس ، وفي الحديث : ( أن نبيئا لسعته نملة فأحرق قريتها فعوتب في ذلك ) ~~. ولا يكاد الناس يحصون عددهم لتباعد أزمانهم وتكاثر أممهم وتقاصي أقطارهم ~~مما لا تحيط به علوم الناس ولا تستطيع إحصاءه أقلام المؤرخين وأخبار ~~القصاصين وقد حصل من العلم ببعضهم وبعض أممهم ما فيه كفاية لتحصيل العبرة ~~في الخير والشر ، والترغيب والترهيب . PageV24P210 # وقد جاء في القرآن تسمية خمسة عشر رسولا وهم : نوح وإبراهيم ولوط ~~وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف وهود وصالح وشعيب وموسى وهارون وعيسى ويونس ~~ومحمد صلى الله عليه وسلم واثنا عشر نبيئا وهم : داود وسليمان وأيوب ~~وزكرياء ويحيى وإلياس واليسع وإدريس وآدم وذو الكفل وذو القرنين ولقمان ~~ونبيئة وهي مريم . وورد بالإجمال دون تسمية صاحب موسى المسمى في السنة ~~خضراء ونبي بني إسرائيل وهو صمويل وتبع . # وليس المسلمون مطالبين بأن يعلموا غير محمد صلى الله عليه وسلم ولكن ~~الأنبياء الذين ذكروا في القرآن بصريح وصف النبوءة يجب الإيمان بنبوءتهم ~~لمن قرأ الآيات التي ذكروا فيها وعدتهم خمسة وعشرون بين رسول ونبيء ، وقد ~~اشتمل قوله تعالى : { وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه } إلى قوله : { ~~ولوطا } ( الأنعام : 83 86 ) على أسماء ثمانية عشر منهم وذكر أسماء سبعة ~~آخرين في آيات أخرى وقد جمعها من قال : # حتم على كل ذي التكليف معرفة # بأنبياء على التفصيل قد علموا # في تلك حجتنا منهم ثمانية # من بعد عشر ويبقى سبعة وهم # إدريس هود شعيب صالح وكذا # ذو الكفل آدم بالمختار قد ختموا # واعلم أن في كون يوسف رسولا ترددا بينته عند قوله تعالى : { ولقد جاءكم ~~يوسف من قبل بالبينات } في هذه السورة ، وأن في نبوءة الخضر ms7238 ولقمان وذي ~~القرنين ومريم ترددا . واخترت إثبات نبوءتهم لأن الله ذكر في بعضهم أنه ~~خاطبهم ، وذكر في بعضهم أنه أوتى الحكمة وقد اشتهرت في النبوءة ، وفي بعضهم ~~أنه كلمته الملائكة . ولا يجب الإيمان إلا بوقوع الرسالة والنبوءة على ~~الإجمال . # ولا يجب على الأمة الإيمان بنبوءة رسالة معين إلا محمدا صلى الله عليه ~~وسلم أو من بلغ العلم بنبوءته بين المسلمين مبلغ اليقين لتواتره مثل موسى ~~وعيسى وإبراهيم ونوح . # ولكن من اطلع على ذكر نبوءة نبيء بوصفه ذلك في القرآن صريحا وجب عليه ~~الإيمان بما علمه . PageV24P211 وما ثبت بأخبار الآحاد لا يجب الإيمان به ~~لأن الاعتقادات لا تجب بالظن ولكن ذلك تعليم لا وجوب اعتقاد . # وتنكير { رسلا } مفيد للتعظيم والتكثير ، أي أرسلنا رسلا عددهم كثير ~~وشأنهم عظيم . وعطف { وما كان لرسول } الخ بالواو دون الفاء يفيد استقلال ~~هذه الجملة بنفسها لما فيها من معنى عظيم حقيق بأن لا يكون تابعا لغيره ، ~~ويكتفي في الدلالة على ارتباط الجملتين بموقع إحداهما من الأخرى . # والآية : المعجزة ، وإذن الله : هو أمر التكوين الذي يخلق الله به خارق ~~العادة ليجعله علامة على صدق الرسول . ومعنى إتيان الرسول بآية : هو تحديه ~~قومه بأن الله سيؤيده بآية يعينها مثل قول صالح عليه السلام : { هذه ناقة ~~الله لكم آية } ( الأعراف : 73 ) وقول موسى عليه السلام لفرعون : { أولو ~~جئتك بشيء مبين } ( الشعراء : 30 ) الآية . # وقول عيسى عليه السلام : { إني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيها ~~فيكون طائرا بإذن الله } ( آل عمران : 49 ) وقول محمد صلى الله عليه وسلم { ~~فأتوا بسورة من مثله } ( البقرة : 23 ) . # فالباء في { بآية باء التعدية لفعل أن يأتي } وأما الباء في { بإذن الله ~~} فهي باء السببية دخلت على مستثنى من أسباب محذوفة في الاستثناء المفرغ ، ~~أي ما كان له أن يأتي بآية بسبب من الأسباب إلا بسبب إذن الله تعالى . وهذا ~~إبطال لما يتوركون به من المقترحات والتعلات . # وفرع عليه قوله : { فإذا جاء أمر الله قضي بالحق } أي فإذا جاء أمر الله ~~بإظهار الرسول ms7239 آية ظهر صدق الرسول وكان ذلك قضاء من الله تعالى لرسوله ~~بالحق على مكذبيه ، فإذن الله هو أمره التكويني بخلق آية وظهورها . # وقوله : { فإذا جاء أمر الله } الأمر : القضاء والتقدير ، كقوله تعالى : ~~{ أتى أمر الله فلا تستعجلوه } ( النحل : 1 ) وقوله : { أو أمر من عنده } ( ~~المائدة : 52 ) وهو الحدث القاهر للناس كما في PageV24P212 قول عمر لما قال ~~له أبو قتادة يوم حنين ( ما شأن الناس ) حين انهزموا وفروا قال عمر : ( أمر ~~الله ) . وفي العدول عن : إذن الله ، إلى { أمر الله } تعريض بأن ما سيظهره ~~الله من الإذن لمحمد صلى الله عليه وسلم هي آيات عقاب لمعانديه ، فمنها : ~~آية الجوع سبع سنين حتى أكلوا الميتة ، وآية السيفف يوم بدر إذ استأصل ~~صناديد المكذبين من أهل مكة ، وآية السيفف يوم حنين إذ استأصل صناديد أهل ~~الطائف ، وآية الأحزاب التي قال الله عنها : { يا أيها الذين آمنوا اذكروا ~~نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها } ( ~~الأحزاب : 9 ) ثم قال : { ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى ~~الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا وأنزل الذين ظاهروهم من أهل ~~الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا ~~وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطؤها وكان الله على كل شيء قديرا ~~( الأحزاب : 25 27 ) . # وفي إيثار قضي بالحق } بالذكر دون غيره من نحو : ظهر الحق ، أو تبين ~~الصدق ، ترشيح لما في قوله : { أمر الله } من التعريض بأنه أمر انتصاف من ~~المكذبين . ولذلك عطف عليه { وخسر هنالك المبطلون } أي خسر الذين جادلوا ~~بالباطل ليدحضوا به الحق . # والخسران : مستعار لحصول الضر لمن أراد النفع ، كخسارة التاجر الذي أراد ~~الربح فذهب رأس ماله ، وقد تقدم معناه غير مرة ، منها قوله تعالى : { فما ~~ربحت تجارتهم } في أوائل سورة البقرة . # و { هنالك } أصله اسم إشارة إلى المكان ، واستعير هنا للإشارة إلى الزمان ~~المعبر عنه ب ( إذا ) في قوله : { فإذا جاء أمر الله } . # وفي هذه الاستعارة نكتة بديعية وهي الإيماء إلى أن ms7240 المبطلين من قريش ~~ستأتيهم الآية في مكان من الأرض وهو مكان بدر وغيره من مواقع إعمال السيف ~~فيهم PageV24P213 فكانت آيات محمد صلى الله عليه وسلم حجة على معانديه أقوى ~~من الآيات السماوية نحو الصواعق أو الريح ، وعن الآياتت الأرضية نحو الغرق ~~والخسف لأنها كانت مع مشاركتهم ومداخلتهم حتى يكون انغلابهم أقطع لحجتهم ~~وأخزى لهم نظير آية عصا موسى مع عصي السحرة . # ( 79 80 ) # انتقال من الامتنان على الناس بما سخر لأجلهم من نظام العوالم العليا ~~والسفلى ، وبما منحهم من الإيجاد وتطوره وما في ذلك من الألطاف بهم وما ~~أدمج فيه من الاستدلال على انفراده تعالى بالتصرف فكيف ينصرف عن عبادته ~~الذين أشركوا به آلهة أخرى ، إلى الامتنان بما سخر لهم من الإبل لمنافعهم ~~الجمة خاصة وعامة ، فالجملة استئناف سادس . # والقول في افتتاحها كالقول في افتتاح نظائرها السابقة باسم الجلالة أو ~~بضميره . # والأنعام : الإبل والغنم والمعز والبقر . والمراد هنا : الإبل خاصة لقوله ~~: { ولتبلغوا عليها حاجة } وقوله : { وعليها وعلى الفلكك تحملون } وكانت ~~الإبل غالب مكاسبهم . # والجعل : الوضع والتمكين والتهيئة ، فيحمل في كل مقام على ما يناسبه ~~وفائدة الامتنان تقريب نفوسهم من التوحيد لأن شأن أهل المروءة الاستحياء من ~~المنعم . # وأدمج في الامتنان استدلال على دقيق الصنع وبليغ الحكمة كما دل عليه قوله ~~: { ويريكم ءاياته } ( غافر : 81 ) أي في ذلك كله . PageV24P214 # واللام في { لكم } لام التعليل ، أي لأجلكم وهو امتنان مجمل يشمل بالتأمل ~~كل ما في الإبل لهم من منافع وهم يعلمونها إذا تذكروها وعدوها . ثم فصل ذلك ~~الإجمال بعض التفصيل بذكر المهم من النعم التي في الإبل بقوله : { لتركبوا ~~منها } إلى { تحملون . } فاللام في { لتركبوا منها } لام كي وهي متعلقة ب { ~~جعل } أي لركوبكم . # و ( من ) في الموضعين هنا للتبعيض وهي صفة لمحذوف يدل عليه ( من ) أي ~~بعضا منها ، وهو ما أعد للأسفار من الرواحل . ويتعلق حرف ( من ) ب { تركبوا ~~} ، وتعلق ( من ) التبعيضية بالفعل تعلق ضعيف وهو الذي دعا التفتزاني إلى ~~القول بأن ( من ) في مثله اسم بمعنى بعضض ، وتقدم ذلك عند ms7241 قوله تعالى : { ~~ومن الناس من يقول آمنا بالله } في سورة البقرة . # وأريد بالركوب هنا الركوب للراحة من تعب الرجلين في الحاجة القريبة ~~بقرينة مقابلته بقوله : { ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم } . # وجملة { ومنها تأكلون } في موضع الحال من { الأنعام ، } أو عطف على ~~المعنى من جملة { لتركبوا منها } لأنها في قوة أن يقال : تركبون منها ، على ~~وجه الاستئناف لبيان الإجمال الذي في { جعل لكم الأنعام } ، وعلى ~~الاعتبارين فهي في حيز ما دخلت عليه لام كي فمعناها : ولتأكلوا منها . # وجملة { ولكم فيها منافع } عطف على جملة { ومنها تأكلون } ، والمعنى أيضا ~~على اعتبار التعليل كأنه قيل : ولتجتنوا منافعها المجعولة لكم وإنما غير ~~أسلوب التعليل تفننا في الكلام وتنشيطا للسامع لئلا يتكرر حرف التعليل ~~تكراراتت كثيرة . # والمنافع : جمع منفعة ، وهي مفعلة من النفع ، وهي : الشيء الذي ينتفع به ~~، أي يستصلح به . فالمنافع في هذه الآية أريد بها ما قابل منافع أكل لحومها ~~في قوله : { ومنها PageV24P215 تأكلون } مثل الانتفاع بأوبارها وألبانها ~~وأثمانها وأعواضها في الديات والمهور ، وكذلك الانتفاع بجلودها باتخاذها ~~قبابا وغيرها وبالجلوس عليها ، وكذلك الانتفاع بجمال مرآها في العيون في ~~المسرح والمراح ، والمنافع شاملة للركوب الذي في قوله : { لتركبوا منها } ، ~~فذكر المنافع بعد { لتركبوا منها } تعميم بعد تخصيص كقوله تعالى : { ولي ~~فيها مئارب أخرى } ( طه : 18 ) بعد قوله : { هي عصاي أتوكؤ عليها } ( طه : ~~18 ) ، فذكر هنا الشائع المطروق عندهم ثم ذكر مثيله في الشيوع وهو الأكل ~~منها ، ثم عاد إلى عموم المنافع ، ثم خص من المنافع الأسفار ، فإن اشتداد ~~الحاجة إلى الأنعام فيها تجعل الانتفاع بركوبها للسفر في محل الاهتمام . ~~ولما كانت المنافع ليست منحصرة في أجزاء الأنعام جيء في متعلقها بحرف ( في ~~) دون ( من ) لأن ( في ) للظرفية المجازية بقرينة السياق فتشمل كل ما يعد ~~كالشيء المحوي في الأنعام ، كقول سبرة بن عمرو الفقعسي من شعراء الحماسة ~~يذكر ما أخذه من الإبل في دية قريب : # نحابي بها أكفاءنا ونهينها # ونشرب في أثمانها ونقامر # وأنبأ فعل { لتبلغوا } أن الحاجة التي في الصدور حاجة في مكان بعيد ms7242 ~~يطلبها صاحبها . والحاجة : النية والعزيمة . # والصدور أطلق على العقول اتباعا للمتعارف الشائع كما يطلق القلوب على ~~العقول . # وأعقب الامتنان بالأنعام بالامتنان بالفلك لمناسبة قوله : { ولتبلغوا ~~عليها حاجة في صدوركم } فقال : { وعليها وعلى الفلكك تحملون } ، وهو انتقال ~~من الامتنان بجعل الأنعام ، إلى الامتنان بنعمة الركوب في الفلك في البحار ~~والأنهار فالمقصود هو قوله : { وعلى الفلكك تحملون } . وأما قوله : { ~~وعليها } فهو تمهيد له وهو اعتراض بالواو الاعتراضية تكريرا للمنة ، على ~~أنه قد يشمل حمل الأثقال على الإبل كقوله تعالى : { وتحمل أثقالكم } ( ~~النحل : 7 ) فيكون إسناد الحمل إلى ضمير الناس تغليبا . PageV24P216 # ووجه الامتنان بالفلك أنه امتنان بما ركب الله في الإنسان من التدبير ~~والذكاء الذي توصل به إلى المخترعات النافعة بحسب مختلف العصور والأجيال ، ~~كما تقدم في سورة البقرة عند قوله تعالى : { والفلك التي تجري في البحر بما ~~ينفع الناس } الآيات ، وبينا هنالك أن العرب كانوا يركبون البحر الأحمر في ~~التجارة ويركبون الأنهار أيضا قال النابغة يصف الفرات : # يظل من خوفه الملاح معتصما # بالخيزرانة بعد الأين والنجد # والجمع بين السفر بالإبل والسفر بالفلك جمع لطيف ، فإن الإبل سفائن البر ~~، وقديما سموها بذلك ، قاله الزمخشري في تفسير سورة المؤمنين . # وإنما قال : { وعلى الفلك } ولم يقل : وفي الفلك ، كما قال : { فإذا ~~ركبوا في الفلك } ( العنكبوت : 65 ) لمزاوجة والمشاكلة مع { وعليها ، } ~~وإنما أعيد حرف ( على ) في الفلك لأنها هي المقصودة بالذكر وكان ذكر { ~~وعليها } كالتوطئة لها فجاءت على مثالها . # وتقديم المجرورات في قوله : { ومنها تأكلون } وقوله : { وعليها وعلى ~~الفلك } لرعاية على الفاصلة مع الاهتمام بما هو المقصود في السياق . وتقديم ~~{ لكم } على { الأنعام } مع أن المفعول أشد اتصالا بفعله من المجرور لقصد ~~الاهتمام بالمنعم عليهم . # وأما تقديم المجرورين في قوله : { ولكم فيها منافع } فللاهتمام بالمنعم ~~عليهم والمنعم بها لأنه الغرض الأول من قوله : { الله الذي جعل لكم الأنعام ~~} . # عطف على جملة { لكم الأنعام } ( غافر : 79 ) أي الله الذي يريكم آياته . ~~وهذا انتقال من متعدد الامتنان بما تقدم من قوله : { الله الذي جعل لكم ~~الليل لتسكنوا فيه ms7243 } ( غافر : 61 ) ، { الله الذي جعل لكم الأرض قرارا ( ~~غافر : 64 ) ، هو الذي خلقكم من تراب } ( غافر : 67 ) ، { الله الذي جعل ~~لكم الأنعام ( غافر : 79 ) ، فإن تلك ذكرت في معرض الامتنان تذكيرا ~~PageV24P217 بالشكر ، فنبه هنا على أن في تلك المنن آيات دالة على ما يجب ~~لله من الوحدانية والقدرة والحكمة . # ولذلك كان قوله : ويريكم ءاياته } مفيدا مفاد التذييلل لما في قوله : { ~~آياته } من العموم لأن الجمع المعرف بالإضافة من صيغ العموم ، أي يريكم ~~آياته في النعم المذكورات وغيرها من كل ما يدل على وجوب توحيده وتصديق رسله ~~ونبذ المكابرة فيما يأتونهم به من آيات صدقهم . # وقد جيء في جانب إراءة الآيات بالفعل المضارع لدلالته على التجدد لأن ~~الإنسان كلما انتفع بشيء من النعم علم ما في ذلك من دلالة على وحدانية ~~خالقها وقدرته وحكمته . والإراءة هنا بصرية ، عبر بها عن العلم بصفات الله ~~إذ كان طريق ذلك العلم هو مشاهدة تلك الأحوال المختلفة فمن تلك المشاهدة ~~ينتقل العقل إلى الاستدلال ، وفيه إشارة إلى أن دلالة وجود الخالق ~~ووحدانيته وقدرته برهانية تنتهي إلى اليقين والضرورة . # وإضافة الآيات إلى ضمير الجلالة لزيادة التنويه بها ، والإرشاد إلى إجادة ~~النظر العقلي في دلائلها ، وأما كونها جائية من لدن الله وكون إضافتها من ~~الإضافة إلى ما هو في معنى الفاعل ، فذلك أمر مستفاد من إسناد فعل { يريكم ~~} إلى ضميره تعالى . وفرع على إراءة الآيات استفهام إنكاري عليهم من أجل ~~إنكارهم ما دلت عليه تلك الآيات . # و ( أي ) اسم استفهام يطلب به تمييز شيء عن مشاركه فيما يضاف إليه ( أي ) ~~، وهو هنا مستعمل في إنكار أن يكون شيء من آيات الله يمكن أن ينكر دون غيره ~~من الآيات فيفيد أن جميع الآيات صالح للدلالة على وحدانية الله وقدرته لا ~~مساغ لادعاء خفائه وأنهم لا عذر لهم في عدم الاستفادة من إحدى الآيات . ~~PageV24P218 والأكثر في استعمال ( أي ) إذا أضيفت إلى اسم مؤنثث اللفظ أن ~~لا تلحقها هاء التأنيث اكتفاء بتأنيث ما تضاف إليه لأن الغالب في الأسماء ~~التي ms7244 ليست بصفات أن لا يفرق بين مذكرها ومؤنثها بالهاء نحو حمار فلا يقال ~~للمؤنث حمارة . و ( أي ) اسم ويزيد بما فيه من الإبهام فلا يفسره إلا ~~المضاف إليه فلذلك قال هنا { فأي ءاياتت الله } دون : فأية آيات الله ، لأن ~~إلحاق علامة التأنيث ب ( أي ) في مثل هذا قليل ، ومن غير الغالب تأنيث ( أي ~~) في قول الكميت : # بأي كتاب أم بأية سنة # ترى حبهم عارا علي وتحسب # ( 82 83 ) # تفريع هذا الاستفهام عقب قوله : { ويريكم ءاياته } ( غافر : 81 ) ، يقتضي ~~أنه مساوق للتفريع الذي قبله وهو { فأي ءاياتت الله تنكرون } ( غافر : 81 ) ~~فيقتضي أن السير المستفهم عنه بالإنكار على تركه هو سير تحصل فيه آيات ~~ودلائل على وجود الله ووحدانيته وكلا التفريعين متصل بقوله : { ولتبلغوا ~~عليها حاجة في صدوركم وعليها وعلى الفلكك تحملون } ( غافر : 80 ) ، فذلك هو ~~مناسبة الانتقال إلى التذكير بعبرة آثار الأمم التي استأصلها الله تعالى ~~لما كذبت رسله وجحدت آياته ونعمه . # وحصل بذلك تكرير الإنكار الذي في قوله قبل هذا : { أولم يسيروا في الأرضض ~~فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة } ( ~~غافر : 21 ) الآية ، فكان ما تقدم انتقالا عقب آيات الإنذار والتهديد ، ~~وكان هذا انتقالا عقب آيات الامتنان والاستدلال ، وفي كلا الانتقالين تذكير ~~وتهديد ووعيد . وهو يشير إلى أنهم إن لم يكونوا ممن تزعهم النعم عن كفران ~~مسديها كشأن أهل النفوس الكريمة فليكونوا ممن يردعهم الخوف من البطش كشأن ~~أهل النفوس اللئيمة فليضعوا أنفسهم حيث يختارون من إحدى الخطتين . ~~PageV24P219 # والقول في قوله : { أفلم يسيروا في الأرض } إلى قوله : { وءاثارا في ~~الأرض } مثل القول في نظيره السابق في هذه السورة ، وخولف في عطف جملة { ~~أفلم يسيروا } بين هذه الآية فعطفت بالفاء للتفريع لوقوعها بعدما يصلح لأن ~~يفرع عنه إنكار عدم النظر في عاقبة الذين من قبلهم بخلاف نظيرها الذي قبلها ~~فقد وقع بعد إنذارهم بيوم الآزفة . # وجملة { فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون } معترضة والفاء للتفريع على قوله ~~: { كانوا أكثر منهم } وهو كقوله تعالى ms7245 : { هذا فليذوقوه حميم وغساق } ( ص ~~57 ) وقول عنترة : # ولقد نزلتت فلا تظني غيره # مني بمنزلة المحب المكرم # وفائدة هذا الاعتراض التعجيل بإفادة إن كثرتهم وقوتهم وحصونهم وجناتهم لم ~~تغن عنهم من بأس الله شيئا . # وجملة { فلما جاءتهم رسلهم بالبينات } الآية مفرعة على جملة { كانوا أكثر ~~منهم } أي كانوا كذلك إلى أن جاءتهم رسل الله إليهم بالبينات فلم يصدقوهم ~~فرأوا بأسنا . وجعلها في ( الكشاف ) جارية مجرى البيان والتفسير لقوله : { ~~فما أغنى عنهم } ، وما سلكته أنا أحسن وموقع الفاء يؤيده . # ولما في ( لما ) من معنى التوقيت أفادت معنى أن الله لم يغير ما بهم من ~~النعم العظمى حتى كذبوا رسله . وجواب ( لما ) جملة { فرحوا بما عندهم من ~~العلم } وما عطف عليها . # واعلم أن المفسرين ذهبوا في تفسير هذه الآية طرائق قددا ذكر بعضها الطبري ~~عن بعض سلف المفسرين . وأنهاها صاحب ( الكشاف ) إلى ست ، ومال صاحب ( الكشف ~~) إلى إحداها ، وأبو حيان إلى أخرى ولا حاجة إلى جلب ذلك . # والطريقة التي يرجح سلوكها هي أن هنا ضمائر عشرة هي ضمائر جمع الغائبين ~~وأن بعضها عائد لا محالة على { الذين من قبلهم } وأن وجه النظم أن تكون ~~الضمائر متناسقة غير مفككة فلذا يتعين أن تكون عائدة إلى معاد واحد ، ~~PageV24P220 فالذين ( فرحوا بما عندهم من العلم ) هم ( الذين جاءتهم رسلهم ~~بالبينات ) ، وهم الذين ( حاق بهم ما كانوا به يستهزئون ) ، والذين رأوا ~~بأس الله ، فما بنا إلا أن نبين معنى { فرحوا بما عندهم من العلم } . # فالفرح هنا مكنى به عن آثاره وهي الازدهاء كما في قوله تعالى : { إذ قال ~~له قومه لا تفرح } ( القصص : 76 ) أي بما أنت فيه مكنى به هنا عن تمسكهم ~~بما هم عليه ، فالمعنى : أنهم جادلوا الرسل وكابروا الأدلة وأعرضوا عن ~~النظر . وما عندهم من العلم هو معتقداتهم الموروثة عن أهل الضلالة من ~~أسلافهم . # قال مجاهد : قالوا لرسلهم : نحن أعلم منكم لن نبعث ولن نعذب اه . وإطلاق ~~العلم على اعتقادهم تهكم وجري على حسب معتقدهم وإلا فهو جهل . وقال السدي : ~~فرحوا بما عندهم ms7246 من العلم بجهلهم يعني فهو من قبيل قوله تعالى : { قل هل ~~عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون } ( ~~الأنعام : 148 ) . # وحاق بهم : أحاط ، يقال : حاق يحيق حيقا ، إذا أحاط ، وهو هنا مستعار ~~للشدة التي لا تنفيس بها لأن المحيط بشيء لا يدع له مفرجا . # و { ما كانوا به يستهزءون } هو الاستئصال والعذاب . والمعنى : أن رسلهم ~~أوعدوهم بالعذاب فاستهزؤوا بالعذاب ، أي بوقوعه وفي ذكر فعل الكون تنبيه ~~على أن الاستهزاء بوعيد الرسل كان شنشنة لهم ، وفي الإتيان ب { يستهزؤون } ~~مضارعا إفادة لتكرر استهزائهم . # ( 84 85 ) # موقع جملة { فلما رأوا بأسنا } من قوله : { فلما جاءتهم رسلهم بالبينات } ~~( غافر : 83 ) كموقع جملة { فلما جاءتهم رسلهم من قوله : كانوا أكثر منهم } ~~( غافر : 82 ) لأن إفادة ( لما ) معنى التوقيت يثير معنى توقيتت انتهاء ما ~~قبلها ، أي دام دعاء الرسل إياهم ودام PageV24P221 تكذيبهم واستهزاؤهم إلى ~~أن رأوا بأسنا فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده . # والبأس : الشدة في المكروه ، وهو جامع لأصناف العذاب كقوله تعالى : { ~~فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ( ~~الأنعام : 42 ، 43 ) فذلك البأس بمعنى البأساء ، ألا ترى إلى قوله : تضرعوا ~~وهو هنا يقول : فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا } فالبأس هنا العذاب ~~الخارق للعادة المنذر بالفناء فإنهم لما رأوه علموا أنه العذاب الذي أنذروه ~~. وفرع عليه قوله : { فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا } ، أي حين ~~شاهدوا العذاب لم ينفعهم الإيمان لأن الله لا يقبل الإيمان عند نزول عذابه ~~. # وعدل عن أن يقال : فلم ينفعهم ، إلى قوله : { فلم يك ينفعهم } لدلالة فعل ~~الكون على أن خبره مقرر الثبوتت لاسمه ، فلما أريد نفي ثبوت النفع إياهم ~~بعد فوات وقته اجتلب لذلك نفي فعل الكون الذي خبره { ينفعهم } . والمعنى أن ~~الإيمان بعد رؤية بوارق العذاب لا يفيد صاحبه مثل الإيمان عند الغرغرة ومثل ~~الإيمان عند طلوع الشمس من مغربها كما جاء في الحديث الصحيح وسيأتي بيان ~~هذا عقبه . # انتصب { سنت الله } على النيابة عن ms7247 المفعول المطلق لأن { سنت } اسم مصدر ~~السن ، وهو آتت بدلا من فعله ، والتقدير : سن الله ذلك سنة ، فالجملة ~~مستأنفة استئنافا بيانيا جوابا لسؤال من يسأل لماذا لم ينفعهم الإيمان وقد ~~آمنوا ، فالجواب أن ذلك تقدير قدره الله للأمم السالفة أعلمهم به وشرطه ~~عليهم فهي قديمة في عباده لا ينفع الكافر الإيمان إلا قبل ظهور البأس ولم ~~يستثن من ذلك إلا قوم يونس قال تعالى : { فلولا كانت قرية آمنت فنفعها ~~إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ( ~~يونس : 98 ) . PageV24P222 # وهذا حكم الله في البأس بمعنى العقاب الخارق للعادة والذي هو آية بينة ، ~~فأما البأس الذي هو معتاد والذي هو آية خفية مثل عذاب بأس السيف الذي نصر ~~الله به رسوله يوم بدر ويوم فتح مكة ، فإن من يؤمن عند رؤيته مثل أبي سفيان ~~بن حرب حين رأى جيش الفتح ، أو بعد أن ينجو منه مثل إيمان قريش يوم الفتح ~~بعد رفع السيف عنهم ، فإيمانه كامل مثل إيمان خالد بن الوليد ، وأبي سفيان ~~بن الحارث بن عبد المطلب ، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح بعد ارتداده . # ووجه عدم قبول الإيمان عند حلول عذاب الاستئصال وقبولل الإيمان عند نزول ~~بأس السيف ؛ أن عذاب الاستئصال مشارفة للهلاك والخروج من عالم الدنيا ~~فإيقاع الإيمان عنده لا يحصل المقصد من إيجاب الإيمان وهو أن يكون المؤمنون ~~حزبا وأنصارا لدينه وأنصارا لرسله ، وماذا يغني إيمان قوم لم يبق فيهم إلا ~~رمق ضعيف من حياة ، فإيمانهم حينئذ بمنزلة اعتراف أهل الحشر بذنوبهم وليست ~~ساعة عمل ، قال تعالى في شأن فرعون : إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله ~~إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من المسلمين ءالآن وقد عصيت قبل وكنت ~~من المفسدين ( يونس : 90 ، 91 ) ، أي فلم يبق وقت لاستدراك عصيانه وإفساده ~~، وقال تعالى : يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من ~~قبل أو كسبت في إيمانها خيرا ( الأنعام : 158 ) فأشار قوله : أو كسبت ms7248 في ~~إيمانها خيرا } إلى حكمة عدم انتفاع أحد بإيمانه ساعتئذ . وإنما كان ما حل ~~بقوم يونس حالا وسيطا بين ظهور البأس وبين الشعور به عند ظهور علاقاته كما ~~بيناه في سورة يونس . # وجملة { وخسر هنالك الكافرون } كالفذلكة لقوله : { فلم يك ينفعهم إيمانهم ~~لما رأوا بأسنا } ، وبذلك آذنت بانتهاء الغرض من السورة . و { هنالك } اسم ~~إشارة إلى مكانن ، استعير للإشارة إلى الزمان ، أي خسروا وقت رؤيتهم بأسنا ~~إذ انقضت حياتهم وسلطانهم وصاروا إلى ترقب عذاب خالد مستقبل . # والعدول عن ضمير { الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة ( غافر : ~~21 ) إلى الاسم الظاهر وهو الكافرون } إيماء إلى أن سبب خسرانهم هو الكفر ~~بالله وذلك إعذار للمشركين من قريش . PageV24P223 # أسلوب سورة غافر # أسلوبها أسلوب المحاجة والاستدلال على صدق القرآن وأنه منزل من عند الله ~~، وإبطال ضلالة المكذبين وضرب مثلهم بالأمم المكذبة ، وترهيبهم من التمادي ~~في ضلالهم وترغيبهم في التبصر ليهتدوا . وافتتحت بالحرفين المقطعين من حروف ~~الهجاء لأن أول أغراضها أن القرآن من عند الله ففي حرفي الهجاء رمز إلى ~~عجزهم عن معارضته بعد أن تحداهم ، لذلك فلم يفعلوا ، كما تقدم في فاتحة ~~سورة البقرة . وفي ذلك الافتتاح تشويق إلى تطلع ما يأتي بعده للاهتمام به . # وكان في الصفات التي أجريت على اسم منزل القرآن إيماء إلى أنه لا يشبه ~~كلام البشر لأنه كلام العزيز العليم ، وإيماء إلى تيسير إقلاعهم عن الكفر ، ~~وترهيب من العقاب على الإصرار ، وذلك كله من براعة الاستهلال . ثم تخلص من ~~الإيماء والرمز إلى صريح وصف ضلال المعاندين وتنظيرهم بسابقيهم من الأمم ~~التي استأصلها الله . # وخص بالذكر أعظم الرسل السالفين وهو موسى مع أمة من أعظم الأمم السالفة ~~وهم أهل مصر وأطيل ذلك لشدة مماثلة حالهم لحال المشركين من العرب في ~~الاعتزاز بأنفسهم ، وفي قلة المؤمنين منهم مثل مؤمن آل فرعون ، وتخلل ذلك ~~ثبات موسى وثبات مؤمن آل فرعون إيماء إلى التنظير بثبات محمد صلى الله عليه ~~وسلم وأبي بكر ، ثم انتقل إلى الاستدلال على الوحدانية وسعة القدرة ms7249 على ~~إعادة الأموات . وختمت بذكر أهل الضلال من الأمم السالفة الذين أوبقهم ~~الإعجاب برأيهم وثقتهم بجهلهم فصمت آذانهم عن سماع حجج الحق ، وأعماهم عن ~~النظر في دلائل الكون فحسبوا أنهم على كمال لا ينقصهم ما به حاجة إلى ~~الكمال ، فحاق بهم العذاب ، وفي هذا رد العجز على الصدر . وخوف الله ~~المشركين من الانزلاق في مهواة الأولين بأن سنة الله في عباده الإمهال ثم ~~المؤاخذة ، فكان ذلك كلمة جامعة للغرض أذنت بانتهاء الكلام فكانت محسن ~~الختام . PageV24P224 # وتخلل في ذلك كله من المستطردات والانتقالات بذكر ثناء الملأ الأعلى على ~~المؤمنين وثنائهم على الكافرين ، وذكر ما هم صائرون إليه من العذاب ~~والندامة ، وتمثيل الفارق بين المؤمنين والكافرين ، وتشويه حال الكافرين في ~~الآخرة ، وتثبيت المؤمنين على إيمانهم وأن الله ناصر رسوله والمؤمنين في ~~الدنيا والآخرة ، وأمرهم بالصبر والتوكل ، وأن شأن الرسول صلى الله عليه ~~وسلم كشأن الرسل من قبله في لقيان التكذيب وفي أنه يأتي بالآيات التي ~~أجراها الله على يديه دون مقترحات المعاندين . # PageV24P225 PageV24P226 # | 1 ( سورة فصلت ) 1 # تسمى حم السجدة بإضافة حم إلى السجدة كما قدمناه في أول سورة المؤمن ، ~~وبذلك ترجمت في ( صحيح البخاري ) وفي ( جامع الترمذي ) لأنها تميزت عن ~~السور المفتتحة بحروف حم بأن فيها سجدة من سجود القرآن . وأخرج البيهقي في ~~( شعب الإيمان ) عن خليل بن مرة : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~لا ينام حتى يقرأ : تبارك ، وحم السجدة . # وسميت في معظم مصاحف المشرق والتفاسير سورة السجدة ، وهو اختصار قولهم : ~~حم السجدة وليس تمييزا لها بذات السجدة . وسميت هذه السورة في كثير من ~~التفاسير سورة فصلت . واشتهرت تسميتها في تونس والمغرب سورة فصلت لوقوع ~~كلمة { فصلت آياته ( فصلت : 3 ) في أولها فعرفت بها تمييزا لها من السور ~~المفتتحة بحروف حم . كما تميزت سورة المؤمن باسم سورة غافر عن بقية السور ~~المفتتحة بحروف حم . # وقال الكواشي : وتسمى سورة المصابيح لقوله تعالى فيها : وزينا السماء ~~الدنيا بمصابيح } ( فصلت : 12 ) ، وتسمى سورة الأقوات لقوله تعالى : { وقدر ~~فيها أقواتها } ( فصلت : 10 ms7250 ) . PageV24P227 # وقال الكواشي في ( التبصرة ) : تسمى سجدة المؤمن ووجه هذه التسمية قصد ~~تمييزها عن سورة الم السجدة المسماة سورة المضاجع فأضافوا هذه إلى السورة ~~التي قبلها وهي سورة المؤمن كما ميزوا سورة المضاجع باسم سجدة لقمان لأنها ~~واقعة بعد سورة لقمان . # $ 2 ( { حم & # 1764 * تنزيل من الرحمان الرحيم * كتاب فصلت ءاياته قرءانا عربيا لقوم ~~يعلمون * بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون * وقالوا قلوبنا فى & # 1764 أكنة مما تدعونا إليه وفى ءاذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل ~~إننا عاملون * قل إنمآ أنا بشر مثلكم يوحى إلى أنمآ إلاهكم إلاه واحد ~~فاستقيمو & # 1764 ا إليه واستغفروه وويل للمشركين * الذين لا يؤتون الزكواة وهم ~~بالاخرة هم كافرون * إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون * ~~قل أءنكم لتكفرون بالذى خلق الارض فى يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب ~~العالمين * وجعل فيها رواسى من فوقها وبارك فيها وقدر فيهآ أقواتها فى & # 1764 أربعة أيام سوآء للسآئلين * ثم استوى إلى السمآء وهى دخان فقال لها ~~وللارض ائتيا طوعا أو كرها قالتآ أتينا طآئعين * فقضاهن سبع سماوات فى ~~يومين وأوحى فى كل سمآء أمرها وزينا السمآء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير ~~العزيز العليم * فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود * إذ ~~جآءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم ألا تعبدو & # 1764 ا إلا الله قالوا لو شآء ربنا لانزل ملائكة فإنا بمآ أرسلتم به ~~كافرون * فأما عاد فاستكبروا فى الارض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة ~~أولم يروا أن الله الذى خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بئاياتنا يجحدون * ~~فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا فى & # 1764 أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزى فى الحيواة الدنيا ولعذاب الاخرة ~~أخزى وهم لا ينصرون * وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم ~~صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون * ونجينا الذين ءامنوا وكانوا يتقون * ~~ويوم يحشر أعدآء الله إلى النار فهم يوزعون * حتى إذا ما جآءوها شهد عليهم ~~سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون * وقالوا لجلودهم لم ms7251 شهدتم علينا ~~قالو & # 1764 ا أنطقنا الله الذى أنطق كل شىء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون * ~~وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولاكن ظننتم ~~أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون * وذلكم ظنكم الذى ظننتم بربكم أرداكم ~~فأصبحتم من الخاسرين * فإن يصبروا فالنار مثوى لهم وإن يستعتبوا فما هم من ~~المعتبين * وقيضنا لهم قرنآء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم وحق عليهم ~~القول فى & # 1764 أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين * وقال الذين ~~كفروا لا تسمعوا لهاذا القرءان والغوا فيه لعلكم تغلبون * فلنذيقن الذين ~~كفروا عذابا شديدا ولنجزينهم أسوأ الذى كانوا يعملون * ذلك جزآء أعدآء الله ~~النار لهم فيها دار الخلد جزآء بما كانوا بئاياتنا يجحدون * وقال الذين ~~كفروا ربنآ أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا ~~من الاسفلين * إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ~~ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التى كنتم توعدون * نحن أوليآؤكم فى ~~الحيواة الدنيا وفى الاخرة ولكم فيها ما تشتهى & # 1764 أنفسكم ولكم فيها ما تدعون * نزلا من غفور رحيم * ومن أحسن قولا ممن ~~دعآ إلى الله وعمل صالحا وقال إننى من المسلمين * ولا تستوى الحسنة ولا ~~السيئة ادفع بالتى هى أحسن فإذا الذى بينك وبينه عداوة كأنه ولى حميم * وما ~~يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاهآ إلا ذو حظ عظيم * وإما ينزغنك من ~~الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم * ومن ءاياته اليل والنهار ~~والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذى خلقهن إن كنتم ~~إياه تعبدون * فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم ~~لا يسئمون * ومن ءاياته أنك ترى الارض خاشعة فإذآ أنزلنا عليها المآء اهتزت ~~وربت إن الذى & # 1764 أحياها لمحى الموتى إنه على كل شىء قدير * إن الذين يلحدون فى & # 1764 ءاياتنا لا يخفون علينآ أفمن يلقى فى النار خير أم من يأتى & # 1764 ءامنا يوم ms7252 القيامة اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير * إن الذين ~~كفروا بالذكر لما جآءهم وإنه لكتاب عزيز * لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا ~~من خلفه تنزيل من حكيم حميد * ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك إن ~~ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم * ولو جعلناه قرءانا أعجميا لقالوا لولا فصلت ~~ءاياته ءاعجمى وعربى قل هو للذين ءامنوا هدى وشفآء والذين لا يؤمنون فى & # 1764 ءاذانهم وقر وهو عليهم عمى أولائك ينادون من مكان بعيد * ولقد ~~ءاتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربك لقضى بينهم وإنهم ~~لفى شك منه مريب * من عمل صالحا فلنفسه ومن أسآء فعليها وما ربك بظلام ~~للعبيد * إليه يرد علم الساعة وما تخرج من ثمرات من أكمامها وما تحمل من ~~أنثى ولا تضع إلا بعلمه ويوم يناديهم أين شركآئى قالو & # 1764 ا ءاذناك ما منا من شهيد * وضل عنهم ما كانوا يدعون من قبل وظنوا ما ~~لهم من محيص * لا يسئم الانسان من دعآء الخير وإن مسه الشر فيئوس قنوط * ~~ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضرآء مسته ليقولن هاذا لى ومآ أظن الساعة ~~قآئمة ولئن رجعت إلى ربى & # 1764 إن لى عنده للحسنى فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من عذاب ~~غليظ * وإذآ أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعآء ~~عريض * قل أرءيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو فى شقاق ~~بعيد * سنريهم ءاياتنا فى الافاق وفى & # 1764 أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شىء شهيد * ~~ألا إنهم فى مرية من لقآء ربهم ألا إنه بكل شىء محيط } ) 2 $ وهي مكية ~~بالاتفاق نزلت بعد سورة غافر وقبل سورة الزخرف ، وعدت الحادية والستين في ~~ترتيب نزول السور . وعدت آيها عند أهل المدينة وأهل مكة ثلاثا وخمسين ، ~~وعند أهل الشام والبصرة اثنتين وخمسين ، وعند أهل الكوفة أربعا وخمسين . # أغراضها # التنويه بالقرآن والإشارة إلى عجزهم عن ms7253 معارضته . وذكر هديه ، وأنه معصوم ~~من أن يتطرقه الباطل ، وتأييده بما أنزل إلى الرسل من قبل الإسلام . وتلقي ~~المشركين له بالإعراض وصم الآذان . وإبطال مطاعن المشركين فيه وتذكيرهم بأن ~~القرآن نزل بلغتهم فلا عذر لهم أصلا في عدم انتفاعهم بهديه . وزجر المشركين ~~وتوبيخهم على كفرهم بخالق السماوات والأرض مع بيان ما في خلقها من الدلائل ~~على تفرده بالإلهية . # وإنذارهم بما حل بالأمم المكذبة من عذاب الدنيا ووعيدهم بعذاب الآخرة ~~وشهادة سمعهم وأبصارهم وأجسادهم عليهم وتحذيرهم من القرناء المزينين لهم ~~الكفر من الشياطين والناس وأنهم سيندمون يوم القيامة على اتباعهم في الدنيا ~~PageV24P228 وقوبل ذلك بما للموحدين من الكرامة عند الله . # وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بدفعهم بالتي هي أحسن وبالصبر على جفوتهم ~~وأن يستعيذ بالله من الشيطان . وذكرت دلائل تفرد الله بخلق المخلوقات ~~العظيمة كالشمس والقمر . ودلائل إمكان البعث وأنه واقع لا محالة ولا يعلم ~~وقته إلا الله تعالى . وتثبيت النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بتأييد ~~الله إياهم بتنزل الملائكة بالوحي ، وبالبشارة للمؤمنين . وتخلل ذلك أمثال ~~مختلفة في ابتداء خلق العوالم وعبر في تقلبات أهل الشرك والتنويه بإيتاء ~~الزكاة . # القول في الحروف الواقعة فاتحة هذه السورة كالقول في { ألام . # ( 2 4 ) } # افتتح الكلام باسم نكرة لما في التنكير من التعظيم . والوجه أن يكون { ~~تنزيل } مبتدأ سوغ الابتداء به ما في التنكير من معنى التعظيم فكانت بذلك ~~كالموصوفة وقوله : { من الرحمانن الرحيم } خبر عنه . وقوله : { كتاب بدل من ~~تنزيل فحصل من المعنى : أن التنزيل من الله كتاب ، وأن صفته فصلت آياته ، ~~موسوما بكونه قرآنا عربيا ، فحصل من هذا الأسلوب أن القرآن منزل من الرحمن ~~الرحيم مفصلا عربيا . PageV24P229 ولك أن تجعل قوله : من الرحمان الرحيم } ~~في موضع الصفة للمبتدأ وتجعل قوله : { كتاب } خبر المبتدأ ، وعلى كلا ~~التقديرين هو أسلوب فخم وقد مضى مثله في قوله تعالى : { آلمص كتاب أنزل ~~إليك } ( الأعراف : 1 ، 2 ) . # والمراد : أنه منزل ، فالمصدر بمعنى المفعول كقوله : { وإنه لتنزيل رب ~~العالمين نزل به الروح الأمين } ( الشعراء : 192 ، 193 ms7254 ) وهو مبالغة في ~~كونه فعل الله تنزيله ، تحقيقا لكونه موحى به وليس منقولا من صحف الأولين . ~~وتنكير { تنزيل وكتاب لإفادة التعظيم . # والكتاب : اسم لمجموع حروف دالة على ألفاظ مفيدة وسمي القرآن كتابا لأن ~~الله أوحى بألفاظه وأمر رسوله بأن يكتب ما أوحي إليه ، ولذلك اتخذ الرسول ~~كتابا يكتبون له كل ما ينزل عليه من القرآن . وإيثار الصفتين الرحمانن ~~الرحيم } على غيرهما من الصفات العلية للإيماء إلى أن هذا التنزيل رحمة من ~~الله بعباده ليخرجهم من الظلمات إلى النور كقوله تعالى : { فقد جاءكم بينة ~~من ربكم وهدى ورحمة } ( الأنعام : 157 ) وقوله تعالى : { وما أرسلناك إلا ~~رحمة للعالمين } ( الأنبياء : 107 ) وقوله : { أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك ~~الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون } ( العنكبوت : 51 ) ~~. # والجمع بين صفتي { الرحمانن الرحيم } للإيماء إلى أن الرحمة صفة ذاتية ~~لله تعالى ، وأن متعلقها منتشر في المخلوقات كما تقدم في أول سورة الفاتحة ~~والبسملة . وفي ذلك إيماء إلى استحماق الذين أعرضوا عن الاهتداء بهذا ~~الكتاب بأنهم أعرضوا عن رحمة ، وأن الذين اهتدوا به هم أهل المرحمة لقوله ~~بعد ذلك : { قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر ~~وهو عليهم عمى } ( فصلت : 44 ) . # ومعنى : { فصلت ءاياته } بينت ، والتفصيل : التبيين والإخلاء من الالتباس ~~. PageV24P230 والمراد : أن آيات القرآن واضحة الأغراض لا تلتبس إلا على ~~مكابر في دلالة كل آية على المقصود منها ، وفي مواقعها وتمييز بعضها عن بعض ~~في المعنى باختلاف فنون المعاني التي تشتمل عليها ، وقد تقدم في طالعة سورة ~~هود . # ومن كمال تفصيله أنه كان بلغة كثيرة المعاني ، واسعة الأفنان ، فصيحة ~~الألفاظ ، فكانت سالمة من التباس الدلالة ، وانغلاق الألفاظ ، مع وفرة ~~المعاني غير المتنافية في قلة التراكيب ، فكان وصفه بأنه عربي من مكملات ~~الإخبار عنه بالتفصيل . وقد تكرر التنويه بالقرآن من هذه الجهة كقوله : { ~~بلسان عربي مبين } ( الشعراء : 195 ) ولهذا فرع عليه ذم الذين أعرضوا عنه ~~بقوله هنا { فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون } وقوله هنالك : { كذلك سلكناه في ~~قلوب المجرمين ms7255 لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم } ( الشعراء : 200 ، ~~201 ) . # والقرآن : الكلام المقروء المتلو . وكونه قرآنا من صفات كماله ، وهو أنه ~~سهل الحفظ ، سهل التلاوة ، كما قال تعالى : { ولقد يسرنا القرآن للذكر } ( ~~القمر : 22 ) ولذلك كان شأن الرسول صلى الله عليه وسلم حفظ القرآن عن ظهر ~~قلب ، وكان شأن المسلمين الاقتداء به في ذلك على حسب الهمم والمكنات ، وكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يشير إلى تفضيل المؤمنين بما عندهم من القرآن . ~~وكان يوم أحد يقدم في لحد شهدائه من كان أكثرهم أخذا للقرآن تنبيها على فضل ~~حفظ القرآن زيادة على فضل تلك الشهادة . # وانتصب { قرآنا على النعت المقطوع للاختصاص بالمدح وإلا لكان مرفوعا على ~~أنه خبر ثالث أو صفة للخبر الثاني ، فقوله : قرآنا } مقصود بالذكر للإشارة ~~إلى هذه الخصوصية التي اختص بها من بين سائر الكتب الدينية ، ولولا ذلك ~~لقال : كتاب فصلت آياته عربي كما قال في سورة الشعراء { بلسان عربي مبين } ~~. ولك أن تجعله منصوبا على الحال . # وقوله : { لقومم يعلمون } صفة ل { قرآنا } ظرف مستقر ، أي كائنا لقوم ~~PageV24P231 يعلمون باعتبار ما أفاده قوله : { قرءانا عربيا } من معنى وضوح ~~الدلالة وسطوع الحجة ، أو يتعلق { لقومم يعلمون } بقوله : { تنزيل أو بقوله ~~: فصلت ءاياته } على معنى أن فوائد تنزيله وتفصيله لقوم يعلمون دون غيرهم ~~فكأنه لم ينزل إلا لهم ، أي فلا بدع إذا أعرض عن فهمه المعاندون فإنهم قوم ~~لا يعلمون ، وهذا كقوله تعالى : { وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون ~~} ( يونس : 101 ) وقوله : { وما يعقلها إلا العالمون } ( العنكبوت : 43 ) ~~وقوله : { إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون } ( يوسف : 2 ) وقوله : { ~~بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم } ( العنكبوت : 49 ) . # والبشير : اسم للمبشر وهو المخبر بخبر يسر المخبر . والنذير : المخبر ~~بأمر مخوف ، شبه القرآن بالبشير فيما اشتمل عليه من الآيات المبشرة ~~للمؤمنين الصالحين ، وبالنذير فيما فيه من الوعيد للكافرين وأهل المعاصي ، ~~فالكلام تشبيه بليغ . وليس : { بشيرا } أو { نذيرا } اسمي فاعل لأنه لو ~~أريد ذلك لقيل : مبشرا ومنذرا . # والجمع بين ms7256 : { بشيرا } و { نذيرا } من قبيل محسن الطباق . وانتصب { ~~بشيرا } على أنه حال ثانية من { كتاب } أو صفة ل { قرآنا ، } وصفة الحال في ~~معنى الحال ، فالأولى كونه حالا ثانية . # وجيء بقوله : { نذيرا } معطوفا بالواو للتنبيه على اختلاف موقع كل من ~~الحالين فهو بشير لقوم وهم الذين اتبعوه ونذير لآخرين ، وهم المعرضون عنه ، ~~وليس هو جامعا بين البشارة والنذارة لطائفة واحدة فالواو هنا كالواو في ~~قوله : { ثيبات وأبكارا } ( التحريم : 5 ) بعد قوله : { مسلمات مؤمنات ~~قانتات تائبات عابدات سائحات } ( التحريم : 5 ) . # وتفريع { فأعرض أكثرهم } على ما ذكر من صفات القرآن . وضمير { أكثرهم } ~~عائد إلى معلوم من المقام وهم المشركون كما هي عادة القرآن في غير موضع . ~~والمعنى : فأعرض أكثر هؤلاء عما في القرآن من الهدى فلم يهتدوا ، ومن ~~البشارة فلم يعنوا بها ، ومن النذارة فلم يحذروها ، فكانوا في أشد الحماقة ~~، إذ لم PageV24P232 يعنوا بخير ، ولا حذروا الشر ، فلم يأخذوا بالحيطة ~~لأنفسهم وليس عائدا ل { قوم يعلمون } لأن الذين يعلمون لا يعرض أحد منهم . # والفاء في قوله : { فهم لا يسمعون } للتفريع على الإعراض ، أي فهم لا ~~يلقون أسماعهم للقرآن فضلا عن تدبره ، وهذا إجمال لإعراضهم . وتقديم المسند ~~إليه على المسند الفعلي في { فهم لا يسمعون } دون أن يقول : فلا يسمعون ~~لإفادة تقوي الحكم وتأكيده . # عطف { وقالوا } على { فأعرض ( فصلت : 4 ) أو حال من أكثرهم ( فصلت : 4 ) ~~أو عطف على لا يسمعون } ( فصلت : 4 ) ، أو حال من ضميره ، والمعنى : أنهم ~~أعرضوا مصرحين بقلة الاكتراث وبالانتصاب للجفاء والعداء . وهذا تفصيل ~~للإعراض عما وصف به القرآن من الصفات التي شأنها أن تقربهم إلى تلقيه لا أن ~~يبعدوا ويعرضوا وقد جاء بالتفصيل بأقوالهم التي حرمتهم من الانتفاع بالقرآن ~~واحدا واحدا كما ستعلمه . # والمراد بالقلوب : العقول ، حكي بمصطلح كلامهم قولهم إذ يطلقون القلب على ~~العقل . # والأكنة : جمع كنان مثل : غطاء وأغطية وزنا ومعنى ، أثبتت لقلوبهم أغطية ~~على طريقة التخييل ، وشبهت القلوب بالأشياء المغطاة على طريقة الاستعارة ~~المكنية . ووجه الشبه حيلولة وصول الدعوة إلى عقولهم كما يحول الغطاء ~~والغلاف دون ms7257 تناول ما تحته . وما يدعوهم إليه يعم كل ما دعاهم إليه من ~~المدلولات وأدلتها ، ومنها دلالة معجزة القرآن وما تتضمنه من دلالة أمية ~~الرسول صلى الله عليه وسلم من نحو قوله تعالى : { وما كنت تتلو من قبله من ~~كتاب ولا تخطه بيمينك } ( العنكبوت : 48 ) . PageV24P233 # وجعلت القلوب في أكنة لإفادة حرف { في } معنى إحاطة الظرف بالمظروف . ~~وكذلك جعل الوقر في القلوب لإفادة تغلغله في إدراكهم . # و ( من ) في قوله : { مما تدعونا إليه } بمعنى ( عن ) مثل قوله تعالى : { ~~فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله } ( الزمر : 22 ) وقوله : { قد كنا في ~~غفلة من هذا } ( الأنبياء : 97 ) ، والمعنى : قلوبنا في أكنة فهي بعيدة عما ~~تدعونا إليه لا ينفذ إليها . # والوقر بفتح الواو : ثقل السمع وهو الصمم ، وكأن اللغة أخذته من الوقر ~~بكسر الواو ، وهو الحمل لأنه يثقل الدابة عن التحرك ، فأطلقوه على عدم تحرك ~~السمع عند قرع الصوت المسموع ، وشاع ذلك حتى ساوى الحقيقة ففتحوا له الواو ~~تفرقة بين الحقيقة والمجاز ، كما فرقوا بين العض الحقيقي وعظ الدهر بأن ~~صيروا ضاده ظاء . وقد تقدم ذكر الأكنة والوقر في قوله : { وجعلنا على ~~قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا } في الأنعام وفي سورة الإسراء . # والحجاب : الساتر للمرئي من حائط أو ثوب . أطلقوا اسم الحجاب على ما يمنع ~~نفوسهم أن يأخذوا بالدين الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من كراهية ~~دينه وتجافي تقلده بجامعع أن الحجاب يحول بين الرائي والمرئي فلا ينظر ~~أحدهما الآخر ولا يصل إليه ، ومرادهم البراءة منه . مثل نبو قلوبهم عن تقبل ~~الإسلام واعتقاده بحال ما هو في أكنة ، وعدم تأثر أسماعهم بدعوته بصم ~~الآذان ، وعدم التقارب بين ما هم عليه وما هو عليه بالحجاب الممدود بينه ~~وبينهم فلا تلاقي ولا ترائي . # وقد جمعوا بين الحالات الثلاث في التمثيل للمبالغة في أنهم لا يقبلون ما ~~يدعوهم إليه . واجتلاب حرف { من } في قوله : { ومن بيننا وبينك حجاب } ~~لتقوية معنى الحجاب بين الطرفين وتمكن لازمه الذي هو بعد المسافة التي بين ~~الطرفين لأن ms7258 { من } هذه زائدة لتأكيد مضمون الجملة . PageV24P234 وضمير { ~~بيننا } عائد إلى ما عاد إليه ضمير { أكثرهم ( فصلت : 4 ) . # وعطف وبينك } تأكيد لأن واو العطف مغنية عنه وأكثر استعمال ( بين ) أن ~~يكون معطوفا عليه مثله كقوله تعالى : { قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين ~~} ( الزخرف : 38 ) . # وقد جعل ابن مالك ( من ) الداخلة على ( قبل ) و ( بعد ) زائدة فيكون ( ~~بين ) مقيسا على ( قبل ) و ( بعد ) لأن الجميع ظروف . وهذا القول المحكي ~~عنهم في القرآن ب { قالوا } يحتمل أن يكون القرآن حكاه عنهم بالمعنى ، فجمع ~~القرآن بإيجازه وبلاغته ما أطالوا به الجدال وأطنبوا في اللجاج ، ويحتمل ~~أنه حكاه بلفظهم فيكون مما قاله أحد بلغائهم في مجامعهم التي جمعت بينهم ~~وبين النبي صلى الله عليه وسلم وهذا ظاهر ما في سيرة ابن إسحاق ، وزعم أنهم ~~قالوه استهزاء وأن الله حكاه في سورة الكهف . # ويحتمل أن يكونوا تلقفوه مما سمعوه في القرآن من وصف قلوبهم وسمعهم ~~وتباعدهم كقوله : { وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا } في ~~سورة الإسراء ، فإن سورة الإسراء معدودة في النزول قبل سورة فصلت . وكذلك ~~قوله تعالى : { وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة ~~حجابا مستورا } في سورة الإسراء أيضا ، فجمعوا ذلك وجادلوا به الرسول . ~~فيكون ما في هذه الآية من البلاغة قد اقتبسوه من آيات أخرى . قيل : إن ~~قائله أبو جهل في مجمع من قريش فلذلك أسند القول إليهم جميعا لأنهم مشائعون ~~له . # وقد جاء في حكاية أقوالهم ما فيه تفصيل ما يقابل ما ذكر قبله من صفات ~~القرآن وهي { تنزيل من الرحمانن الرحيمم كتاب فصلت ءاياته قرءانا عربيا ( ~~فصلت : 2 ، 3 ) ، فإن كونه تنزيلا من الرحمن الرحيم يستدعي تفهمه والانتفاع ~~بما فيه ، فقوبل بقولهم : قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه } وكونه فصلت ~~آياته يستدعي تلقيها والاستماع إليها فقوبل بقولهم : { في آذاننا وقر } ، ~~أي فلا نسمع تفصيله ، وكونه قرآنا عربيا أشد إلزاما لهم بفهمه فقوبل ذلك ~~بما يقطع هذه الحجة وهو { من بيننا وبينك PageV24P235 حجاب } أي فلا ms7259 يصل ~~كلامه إليهم ولا يتطرق جانبهم ، فهذه تفاصيل إعراضهم عن صفات القرآن . # وقولهم : { فاعمل إننا عاملون } تفريع على تأييسهم الرسول من قبولهم ~~دعوته وجعل قولهم هذا مقابل وصف القرآن بأنه بشير ونذير لظهور أنه تعين ~~كونه نذيرا لهم بعذاب عظيم لأنهم أعرضوا فحكي ما فيه تصريحهم بأنهم لا ~~يعبأون بنذارته فإن كان له أذى فليؤذهم به وهذا كقول فرعون : ( ذروني أقتل ~~موسى وليدع ربه ) . # وحذف مفعولا ( اعمل ) و { عاملون } ليعم كل ما يمكن عمله كل مع الآخر ما ~~يناسبه . والأمر في قوله : { فاعمل } مستعمل في التسوية كقول عنترة بن ~~الأخرس المعني : # أطل حمل الشناءة لي وبغضي # وعش ما شئت فانظر من تضير # وكقوله تعالى : { اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير } ( فصلت : 40 ) . # والخبر في قولهم : { إننا عاملون } مستعمل في التهديد . # ( 6 ، 7 ) # . # استئناف ابتدائي هو تلقين الرسول صلى الله عليه وسلم أن يجيب قولهم : { ~~فاعمل إننا عاملون } ( فصلت : 5 ) المفرع على قولهم : { قلوبنا في أكنة مما ~~تدعونا إليه } ( فصلت : 5 ) إلى آخره جواب المتبرىء من أن يكون له حول وقوة ~~ليعمل في إلجائهم إلى الإيمان لما أبوه إذ ما هو إلا بشر مثلهم في البشرية ~~لا حول له على تقليب القلوب الضالة ، إلى الهدى ، وما عليه إلا أن يبلغهم ~~ما أوحى الله إليه . وهذا الخبر يفيد كناية عن تفويض الأمر في العمل ~~PageV24P236 بجزائهم إلى الله تعالى كأنه يقول : وماذا أستطيع أن أعمل معكم ~~فإني رسول من الله فحسابكم على الله . # فصيغة القصر في { إنما أنا بشر مثلكم } تفيد قصرا إضافيا ، أي أنا مقصور ~~على البشرية دون التصرف في قلوب الناس . وبين مما تميز به عنهم على وجه ~~الاحتراس من أن يتلقفوا قوله : { إنما أنا بشر مثلكم } تلقف من حصل على ~~اعتراف خصمه بنهوض حجته بما يثبت الفارق بينه وبينهم في البشرية ، وهو ~~مضمون جملة { يوحى إلي } وذلك للتسجيل عليهم إبطال زعمهم المشهور المكرر أن ~~كونه بشرا مانع من إرساله عن الله تعالى لقولهم : { ما لهذا الرسول يأكل ~~الطعام ويمشي ms7260 في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا } ( الفرقان : ~~7 ) ، ونحوه مما تكرر في القرآن . ومثل هذا الاحتراس ما حكاه الله عن قول ~~الكفار لرسلهم : { إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد ~~آباؤنا فأتونا بسلطان مبين قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله ~~يمن على من يشاء من عباده } ( إبراهيم : 10 ، 11 ) . # وحرصا على إبلاغ الإرشاد إليهم بين له ما يوحى إليه بقوله : { إنما ~~إلاهكم إلاه واحد } إعادة لما أبلغهم إياه غير مرة ، شأن القائم بهدي الناس ~~أن لا يغادر فرصة لإبلاغهم الحق إلا انتهزها . ونظيره ما جاء في محاورة ~~موسى وفرعون { قال فرعون وما رب العالمين قال رب السماوات والأرض وما ~~بينهما إن كنتم مؤمنين قال لمن حوله ألا تستمعون قال ربكم ورب آبائكم ~~الأولين قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون قال رب المشرق والمغرب وما ~~بينهما إن كنتم تعقلون } ( الشعراء : 23 28 ) . # و { أنما } مفتوحة الهمزة ، وهي أخت { إنما } المكسورة وإنما تفتح همزتها ~~إذا وقعت معمولة لما قبلها ولم تكن في الابتداء كما تفتح همزة ( أن ) وتكسر ~~همزة ( إن ) لأن إنما أو ( أنما ) مركبان من ( إن ) أو ( أن ) مع ( ما ) ~~الكافة الزائدة للدلالة على معنى ( ما ) و ( إلا ) حتى ذهب وهل بعضهم أن ( ~~ما ) التي معها هي النافية اغترارا بأن معنى القصر إثبات الحكم للمذكور ~~ونفيه عما عداه مثل ( ما ) و ( إلا ) ولا ينبغي التردد في كون أنما ~~المفتوحة الهمزة مفيدة القصر PageV24P237 مثل أختها المكسورة الهمزة وبذلك ~~جزم الزمخشري في تفسير سورة الأنبياء ، وما رده أبو حيان عليه إنما هو ~~مجازفة ، وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى : { قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله ~~واحد فهل أنتم مسلمون } في سورة الأنبياء . # فقوله : { أنما إلاهكم إلاه واحد } إدماج للدعوة إلى الحق في خلال الجواب ~~حرصا على الهدي . # وكذلك التفريع بقوله : { فاستقيموا إليه واستغفروه } فإنه إتمام لذلك ~~الإدماج بتفريع فائدته عليه لأن إثبات أن الله إله واحد إنما يقصد منه ~~إفراده ms7261 بالعبادة ونبذ الشرك . هذا هو الوجه في توجيه ارتباط { قل إنما أنا ~~بشر } بقولهم : { قلوبنا في أكنة ( فصلت : 5 ) الخ . # وموقع أنما إلاهكم إلاه واحد } أنه نائب فاعل { يوحى إلي } ، أي يوحى إلي ~~معنى المصدر المنسبك من { أنما إلاهكم إلاه واحد } وهو حصر صفة الله تعالى ~~في أنه واحد ، أي دون شريك . # ومماثلته لهم : المماثلة في البشرية فتفيد تأكيد كونه بشرا . # والاستقامة : كون الشيء قويما ، أي غير ذي عوج وتطلق مجازا على كون الشيء ~~حقا خالصا ليست فيه شائبة تمويه ولا باطل . وعلى كون الشخص صادقا في ~~معاملته أو عهده غير خالط به شيئا من الحيلة أو الخيانة ، فيقال : فلان رجل ~~مستقيم ، أي صادق الخلق ، وإن أريد صدقه مع غيره يقال : استقام له ، أي ~~استقام لأجله ، أي لأجل معاملته منه . ومنه قوله تعالى : { فما استقاموا ~~لكم فاستقيموا لهم } ( التوبة : 7 ) والاستقامة هنا بهذا المعنى ، وإنما ~~عدي بحرف ( إلى ) لأنها كثيرا ما تعاقب اللام ، يقال : ذهبت له وذهبت إليه ~~، والأحسن أن إيثار ( إلى ) هنا لتضمين ( استقيموا ) معنى : توجهوا ، لأن ~~التوحيد توجه ، أي صرف الوجه إلى الله دون غيره ، كما حكى عن إبراهيم : { ~~إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين } ( ~~الأنعام : 79 ) ، أو ضمن ( استقيموا ) معنى : أنيبوا ، أي توبوا من الشرك ~~كما دل عليه عطف { واستغفروه . PageV24P238 # والاستغفار : طلب العفو عما فرط من ذنب أو عصيان وهو مشتق من الغفر وهو ~~الستر . # والمعنى : فأخلصوا إلى الله في عبادته ولا تشركوا به غيره واسألوا منه ~~الصفح عما فرط منكم من الشرك والعناد . # } # وعيد للمشركين بسوء الحال والشقاء في الآخرة يجوز أن يكون من جملة القول ~~الذي أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقوله فهو معطوف على جملة { إنما ~~أنا بشر } . ويجوز أن يكون كلاما معترضا من جانب الله تعالى فتكون الواو ~~اعتراضية بين جملة { قل إنما أنا بشر } وجملة { قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق ~~الأرض } ( فصلت : 9 ) أي أجبهم بقولك : أنا بشر مثلك يوحى إلي ونحن أعتدنا ~~لهم ms7262 الويل والشقاء إن لم يقبلوا ما تدعوهم إليه ، فيكون هذا إخبارا من الله ~~تعالى . # وذكر المشركين إظهار في مقام الإضمار ويستفاد تعليق الوعيد على استمرارهم ~~على الكفر من الإخبار عن الويل بكونه ثابتا للمشركين والموصوفين بالذين لا ~~يؤتون الزكاة وبأنهم كافرون بالبعث لأن تعليق الحكم بالمشتق يؤذن بعلية ما ~~منه الاشتقاق ، ولأن الموصول يؤذن بالإيماء إلى وجه بناء الخبر . فأما كون ~~الشرك وإنكار البعث موجبين للويل فظاهر ، وأما كون عدم إيتاء الزكاة موجبا ~~للويل فذلك لأنه حمل عليهم ما قارن الإشراك وإنكار البعث من عدم الانتفاع ~~بالأعمال التي جاء بها الإسلام ، فذكر ذلك هنا لتشويه كفرهم وتفظيع شركهم ~~وكفرانهم بالبعث بأنهما يدعوانهم إلى منع الزكاة ، أي إلى القسوة على ~~الفقراء الضعفاء وإلى الشح بالمال وكفى بذلك تشويها في حكم الأخلاق وحكم ~~العرف فيهم لأنهم يتعيرون باللؤم ، ولكنهم يبذلون المال في غير وجهه ~~ويحرمون منه مستحقيه . PageV24P239 # ويعلم من هذا أن مانع الزكاة من المسلمين له حظ من الويل الذي استحقه ~~المشركون لمنعهم الزكاة في ضمن شركهم ، ولذلك رأى أبو بكر قتال مانعي ~~الزكاة ممن لم يرتدوا عن الإسلام ومنعوا الزكاة مع المرتدين ، ووافقه جميع ~~أصحاب رسول صلى الله عليه وسلم ف { الزكاة } في الآية هي الصدقة لوقوعها ~~مفعول { يؤتون ، } ولم تكن يومئذ زكاة مفروضة في الإسلام غير الصدقة دون ~~تعيين نصبب ولا أصنافف الأرزاق المزكاة ، وكانت الصدقة مفروضة على الجملة ، ~~ولبعض الصدقة ميقات وهي الصدقة قبل مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم قال ~~تعالى : { يأيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ~~} ( المجادلة : 12 ) . # وجملة { وهم بالآخرة هم كافرون } إما حال من ضمير { يؤتون } وإما معطوفة ~~على الصلة . وضمير { هم كافرون } ضمير فصل لا يفيد هنا إلا توكيد الحكم ~~ويشبه أن يكون هنا توكيدا لفظيا لا ضمير فصل ومثله قوله : { وهم بالآخرة هم ~~كافرون } في سورة يوسف ، وقوله : { إنني أنا الله } في سورة طه . # وتقديم { بالآخرة } على متعلقه وهو { كافرون } لإفادة الاهتمام . # استئناف بياني نشأ عن الوعيد الذي ms7263 توعد به المشركون بعد أن أمروا ~~بالاستقامة إلى الله واستغفاره عما فرط منهم ، كأن سائلا يقول : فإن اتعظوا ~~وارتدعوا فماذا يكون جزاؤهم ، فأفيد ذلك وهو أنهم حينئذ يكونون من زمرة { ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون } ، وفي هذا تنويه بشأن ~~المؤمنين . # وتقديم { لهم } للاهتمام بهم . PageV24P240 # والأجر : الجزاء النافع ، عن العمل الصالح ، أو هو ما يعطونه من نعيم ~~الجنة . # والممنون : مفعول من المن ، وهو ذكر النعمة للمنعم عليه بها ، والتقدير ~~غير ممنون به عليهم ، وذلك كناية عن كونهم أعطوه شكرا لهم على ما أسلفوه من ~~عمل صالح فإن الله غفور شكور ، يعني : أن الإنعام عليهم في الجنة ترافقه ~~الكرامة والثناء فلا يحسون بخجل العطاء ، وهو من قبيل قوله : { لا تبطلوا ~~صدقاتكم بالمن والأذى } ( البقرة : 264 ) ، فأجرهم بمنزلة الشيء المملوك ~~لهم الذي لم يعطه إياهم أحد وذلك تفضل من الله ، وقريب منه قول لبيد : # غضف كواسب لا يمن طعامها # أي تأخذ طعامها بأنفسها فلا منة لأحد عليها . # بعد أن أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجيب المشركين بأنه بشر ~~يوحى إليه فما يملك إلجاءهم إلى الإيمان أمره عقب ذلك بمعاودة إرشادهم إلى ~~الحق على طريقة الاستفهام عن كفرهم بالله ، مدمجا في ذلك تذكيرهم بالأدلة ~~الدالة على أن الله واحد ، بطريقة التوبيخ على إشراكهم به في حين وضوح ~~الدلائل على انفراده بالخلق واتصافه بتمام القدرة والعلم . # فجملة { قل أئنكم لتكفرون } إلى آخرها استئناف ابتدائي ثان هو جواب ثان ~~عن مضمون قولهم : { إننا عاملون } ( فصلت : 5 ) . # وهمزة الاستفهام المفتتح بها الكلام مستعملة في التوبيخ فقوله : { أئنكم ~~لتكفرون } كقوله في سورة البقرة { كيف تكفرون بالله } . # وفي الافتتاح بالاستفهام وحرفي التوكيد تشويق لتلقي ما بعد ذلك لدلالة ~~ذلك PageV24P241 على أن أمرا مهما سيلقى إليهم ، وتوكيد الخبر ب ( إن ) ~~ولام الابتداء بعد الاستفهام التوبيخي أو التعجيبي استعمال وارد كثيرا في ~~الكلام الفصيح ، ليكون الإنكار لأمر محقق ، وهو هنا مبني على أنهم يحسبون ~~أنهم مهتدون وعلى تجاهلهم الملازمة بين الانفراد بالخلق وبين استحقاق ~~الإفراد ms7264 بالعبادة فأعلموا بتوكيد أنهم يكفرون ، وبتوبيخهم على ذلك ، ~~فالتوبيخ المفاد من الاستفهام مسلط على تحقيق كفرهم بالله ، وذلك من ~~البلاغة بالمكانة العليا ، واحتمال أن يكون التوكيد مسلطا على التوبيخ ~~والإنكار قلب لنظام الكلام . # ومجيء فعل ( تكفرون ) بصيغة المضارع لإفادة أن تجدد كفرهم يوما فيوما مع ~~سطوع الأدلة التي تقتضي الإقلاع عنه أمر أحق بالتوبيخ . ومعنى الكفر به ~~الكفر بانفراده بالإلهية ، فلما أشركوا معه آلهة كانوا واقعين في إبطال ~~إلهيته لأن التعدد ينافي حقيقة الإلهية فكأنهم أنكروا وجوده لأنهم لما ~~أنكروا صفات ذاته فقد تصوروه على غير كنهه . # وأدمج في هذا الاستدلال بيان ابتداء خلق هذه العوالم ، فمحل الاستدلال هو ~~صلة الموصول ، وأما ما تعلق بها فهو إدماج . # و { الأرض } : هي الكرة الأرضية بما فيها من يابس وبحار ، أي خلق جرمها . ~~واليومان : تثنية يوم ، وهو الحصة التي بين طلوع الشمس من المشرق وطلوعها ~~ثانية . والمراد : في مدة تساوي يومين مما عرفه الناس بعد خلق الأرض لأن ~~النور والظلمة اللذان يقدر اليوم بظهورهما على الأرض لم يظهرا إلا بعد خلق ~~الأرض ، وقد تقدم ذلك في سورة الأعراف . # وإنما ابتدىء بذكر خلق الأرض لأن آثاره أظهر للعيان وهي في متناول ~~الإنسان ، فلا جرم أن كانت الحجة عليهم بخلق الأرض أسبق نهوضا . ولأن ~~النعمة بما تحتوي عليه الأرض أقوى وأعم فيظهر قبح الكفران بخالقها أوضح ~~وأشنع . # وعطف { وتجعلون له أندادا } على { لتكفرون } تفسير لكفرهم بالله . وكان ~~PageV24P242 مقتضى الظاهر أن في التفسير لا يعطف فعدل إلى عطفه ليكون ~~مضمونه مستقلا بذاته . # والأنداد : جمع ند بكسر النون وهو المثل . والمراد : أنداد في الإلهية . # والتعبير عن الجلالة بالموصول دون الاسم العلم لما تؤذن به الصلة من ~~تعليل التوبيخ ، لأن الذي خلق الأرض هو المستحق للعبادة . # والإشارة ب { ذالك رب العالمين } إلى ( الذي خلق الأرض في يومين ) وفي ~~الإشارة نداء على بلادة رأيهم إذ لم يتفطنوا إلى أن الذي خلق الأرض هو رب ~~العالمين لأنه خالق الأرض وما فيها ، ولا إلى أن ربوبيته تقتضي انتفاء الند ~~والشريك ، وإذا ms7265 كان هو رب العالمين فهو رب ما دون العالمين من الأجناس التي ~~هي أحط من العقلاء كالحجارة والأخشاب التي منها صنعع أصنامهم . وجملة { ~~ذالك رب العالمين } معترضة بين المعطوفات على الصلة . # عطف على فعل الصلة لا على معمول الفعل ، فجملة { وجعل فيها رواسي } الخ ~~صلة ثانية في المعنى ، ولذلك جيء بفعل آخر غير فعل ( خلق ) لأن هذا الجعل ~~تكوين آخر حصل بعد خلق الأرض وهو خلق أجزاء تتصل بها إما من جنسها كالجبال ~~وإما من غير جنسها كالأقوات ولذلك أعقب بقوله : { في أربعة أيام } بعد قوله ~~: { في يومين } ( فصلت : 9 ) . # والرواسي : الثوابت ، وهو صفة للجبال لأن الجبال حجارة لا تنتقل بخلاف ~~الرمال والكثبان ، وهي كثيرة في بلاد العرب . وحذف الموصوف لدلالة الصفة ~~عليه كقوله تعالى : { ومن آياته الجواري في البحر } ( الشورى : 32 ) أي ~~السفن الجواري . وقد تقدم تفسيره عند قوله تعالى : { وجعلنا في الأرض رواسي ~~أن تميد بهم } في سورة الأنبياء PageV24P243 . # ووصف الرواسي ب { من فوقها } لاستحضار الصورة الرائعة لمناظر الجبال ، ~~فمنها الجميل المنظر المجلل بالخضرة أو المكسو بالثلوج ، ومنها الرهيب ~~المرأى مثل جبال النار ( البراكين ) ، والجبال المعدنية السود . # و { بارك فيها } جعل فيها البركة . والبركة : الخير النافع ، وفي الأرض ~~خيرات كثيرة فيها رزق الإنسان وماشيته ، وفيها التراب والحجارة والمعادن ، ~~وكلها بركات . و { قدر } جعل قدرا ، أي مقدارا ، قال تعالى : { قد جعل الله ~~لكل شيء قدرا } ( الطلاق : 3 ) . والمقدار : النصاب المحدود بالنوع أو ~~بالكمية ، فمعنى { قدر فيها أقواتها } أنه خلق في الأرض القوى التي تنشأ ~~منها الأقوات وخلق أصول أجناس الأقوات وأنواعها من الحب للحبوب ، والكلأ ~~والكمأة ، والنوى للثمار ، والحرارة التي يتأثر بها تولد الحيوان من الدواب ~~والطير ، وما يتولد منه الحيتان ودواب البحار والأنهار . # ومن التقدير : تقدير كل نوع بما يصلح له من الأوقات من حر أو برد أو ~~اعتدال . وأشار إلى ذلك قوله : { والله أنبتكم من الأرض نباتا } ( نوح : 17 ~~) ويأتي القول فيه ، وقوله : { وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر } ( النحل : 81 ~~) وقوله : { وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا ms7266 } ( النحل : 80 ) الآية . # وجمع الأقوات مضافا إلى ضمير الأرض يفيد العموم ، أي جميع أقواتها وعمومه ~~باعتبار تعدد المقتاتين ، فللدواب أقوات ، وللطير أقوات ، وللوحوش أقوات ، ~~وللزواحف أقوات ، وللحشرات أقوات ، وجعل للإنسان جميع تلك الأقوات مما ~~استطاب منها كما أفاده قوله تعالى : { هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا } ~~ومضى الكلام عليه في سورة البقرة . # وقوله : { في أربعة أيام } فذلكة لمجموع مدة خلق الأرض جرمها ، وما عليها ~~من رواسي ، وما فيها من القوى ، فدخل في هذه الأربعة الأيام اليومانن ~~اللذان في قوله : { في يومين } ( فصلت : 9 ) فكأنه قيل : في يومين آخرين ~~فتلك أربعة أيام ، فقوله في { أربعة أيام } فذلكة ، وعدل عن ذلك إلى ما في ~~نسج الآية لقصد الإيجاز PageV24P244 واعتمادا على ما يأتي بعده من قوله : { ~~فقضاهن سبع سماوات في يومين } ( فصلت : 12 ) ، فلو كان اليومان اللذان قضى ~~فيهما خلق السماوات زائدين على ستة أيام انقضت في خلق الأرض وما عليها لصار ~~مجموع الأيام ثمانية ، وذلك ينافي الإشارة إلى عدة أيام الأسبوع ، فإن ~~اليوم السابع يوم فراغ من التكوين . وحكمة التمديد للخلق أن يقع على صفة ~~كاملة متناسبة . # و { سواء } قرأه الجمهور بالنصب على الحال من { أيام } أي كاملة لا نقص ~~فيها ولا زيادة . وقرأه أبو جعفر مرفوعا على الابتداء بتقدير : هي سواء . ~~وقرأه يعقوب مجرورا على الوصف ل { أيام . # وللسائلين } يتنازعه كل من أفعال { جعل } و { بارك } و { قدر } فيكون { ~~للسائلين } جمع سائل بمعنى الطالب للمعرفة ، ويجوز أن يتعلق بمحذوف ، أي ~~بينا ذلك للسائلين ويجوز أن يكون ل { السائلين } متعلقا بفعل { قدر فيها ~~أقواتها } فيكون المراد بالسائلين الطالبين للقوت . # { ثم } للترتيب الرتبي ، وهي تدل على أن مضمون الجملة المعطوفة أهم مرتبة ~~من مضمون الجملة المعطوف عليها ، فإن خلق السماوات أعظم من خلق الأرض ، ~~وعوالمها أكثر وأعظم ، فجيء بحرف الترتيب الرتبي بعد أن قضي حق الاهتمام ~~بذكر خلق الأرض حتى يوفى المقتضيان حقهما . وليس هذا بمقتض أن الإرادة ~~تعلقت بخلق السماء بعد تمام خلق الأرض ولا مقتضيا أن خلق السماء وقع ms7267 بعد ~~خلق الأرض كما سيأتي . # والاستواء : القصد إلى الشيء توا لا يعترضه شيء آخر . وهو تمثيل لتعلق ~~إرادة الله تعالى بإيجاد السماوات ، وقد تقدم في قوله تعالى : { هو الذي ~~خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء } في سورة البقرة . وربما ~~كان في قوله : { فقال لها وللأرضض ائتيا طوعا أو كرها } إشارة إلى أنه ~~تعالى توجهت إرادته لخلق PageV24P245 السماوات والأرض توجها واحدا ثم اختلف ~~زمن الإرادة التنجيزي بتحقيق ذلك فتعلقت إرادته تنجيزا بخلق السماء ثم بخلق ~~الأرض ، فعبر عن تعلق الإرادة تنجيزا لخلق السماء بتوجه الإرادة إلى السماء ~~، وذلك التوجه عبر عنه بالاستواء . ويدل لذلك قوله : { فقال لها وللأرضض ~~ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طآئعين } ففعل { ائتيا } أمر للتكوين . # والدخان : ما يتصاعد من الوقود عند التهاب النار فيه . وقوله : { وهي ~~دخان } تشبيه بليغ ، أي وهي مثل الدخان ، وقد ورد في الحديث : ( أنها كانت ~~عماء ) . # وقيل : أراد بالدخان هنا شيئا مظلما ، وهو الموافق لما في ( سفر التكوين ~~) من قولها : ( وعلى وجه الغمر ظلمة ) وهو بعيد عن قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه لم يكن في الوجود من الحوداث إلا العماء ، والعماء : سحاب رقيق ، ~~أي رطوبة دقيقة وهو تقريب للعنصر الأصلي الذي خلق الله منه الموجودات ، وهو ~~الذي يناسب كون السماء مخلوقة قبل الأرض . ومعنى : { وهي دخان } أن أصل ~~السماء هو ذلك الكائن المشبه بالدخان ، أي أن السماء كونت من ذلك الدخان ~~كما تقول : عمدت إلى هاته النخلة ، وهي نواة ، فاخترت لها أخصب تربة ، ~~فتكون مادة السماء موجودة قبل وجود الأرض . # وقوله : { فقال لها وللأرض } تفريع على فعل { استوى إلى السماء وهي دخان ~~} فيكون القول موجها إلى السماء والأرض حينئذ ، أي قبل خلق السماء لا محالة ~~وقبل خلق الأرض ، لأنه جعل القول لها مقارنا القول للسماء ، وهو قول تكوين ~~. أي تعلقق القدرة بالسماء والأرض ، أي بمادة تكوينهما وهي الدخان لأن ~~السماء تكونت من العماء بجمود شيء منه سمي جلدا فكانت منه السماء وتكون مع ~~السماء الماء وتكونت الأرض ms7268 بيبس ظهر في ذلك الماء كما جاء الإصحاح الأول من ~~( سفر التكوين ) من التوراة . # والإتيان في قوله : { ائتيا } أصله : المجيء والإقبال ولما كان معناه ~~الحقيقي غير PageV24P246 مراد لأن السماء والأرض لا يتصور أن يأتيا ، ولا ~~يتصور منهما طواعية أو كراهية إذ ليستا من أهل العقول والإدراكات ، ولا ~~يتصور أن الله يكرههما على ذلك لأنه يقتضي خروجهما عن قدرته بادىء ذي بدء ~~تعين الصرف عن المعنى الحقيقي وذلك بأحد وجهين لهما من البلاغة المكانة ~~العليا : # الوجه الأول : أن يكون الإتيان مستعارا لقبول التكوين كما استعير للعصيان ~~الإدبار في قوله تعالى : { ثم أدبر يسعى } ( النازعات : 22 ) ، وقول النبي ~~صلى الله عليه وسلم لمسيلمة حين امتنع من الإيمان والطاعة في وفد قومه بني ~~حنيفة ( لئن أدبرت ليعقرنك الله ) ، وكما يستعار النفور والفرار للعصيان . ~~فمعنى { ائتيا } امتثلا أمر التكوين . وهذا الامتثال مستعار للقبول وهو من ~~بناء المجاز على المجاز وله مكانة في البلاغة ، والقول على هذا الوجه ~~مستعار لتعلق القدرة بالمقدور كما في قوله : { أن يقول له كن فيكون } ( يس ~~: 82 ) . # وقوله : { طوعا أو كرها } كناية عن عدم البد من قبول الأمر وهو تمثيل ~~لتمكن القدرة من إيجادهما على وفق إرادة الله تعالى فكلمة { طوعا أو كرها } ~~جارية مجرى الامثال . و { طوعا أو كرها } مصدران وقعا حالين من ضمير { ~~ائتنا } أي طائعين أو كارهين . # والوجه الثاني : أن تكون جملة { فقال لها وللأرض ائتنا طوعا أو كرها } ~~مستعملة تمثيلا لهيئة تعلق قدرة الله تعالى لتكوين السماء والأرض لعظمة ~~خلقهما بهيئة صدور الأمر من آمر مطاع للعبد المأذون بالحضور لعمل شاق أن ~~يقول له : ائت لهذا العمل طوعا أو كرها ، لتوقع إبائه من الإقدام على ذلك ~~العمل ، وهذا من دون مراعاة مشابهة أجزاء الهيئة المركبة المشبهة لأجزاء ~~الهيئة المشبه بها ، فلا قول ولا مقول ، وإنما هو تمثيل ، ويكون { طوعا أو ~~كرها } على هذا من تمام الهيئة المشبه بها وليس له مقابل في الهيئة المشبهة ~~. والمقصود على كلا الاعتبارين تصوير عظمة القدرة الإلهية ونفوذها في ~~المقدورات دقت ms7269 أو جلت . PageV24P247 # وأما قوله : { قالتا أتينا طائعين } فيجوز أن يكون قول السماء والأرض ~~مستعارا لدلالة سرعة تكونهما لشبههما بسرعة امتثال المأمور المطيع عن ~~طواعية فإنه لا يتردد ولا يتلكأ على طريقة المكنية والتخييل من باب قول ~~الراجز الذي لا يعرف تعيينه : # امتلأ الحوض وقال قطني # وهو كثير ، ويجوز أن يكون تمثيلا لهيئة تكون السماء والأرض عند تعلق قدرة ~~الله تعالى بتكوينهما بهيئة المأمور بعمل تقبله سريعا عن طواعية . وهما ~~اعتباران متقاربان ، إلا أن القول ، والإتيان ، والطوع ، على الاعتبار ~~الأول تكون مجازات ، وعلى الاعتبار الثاني تكون حقائق وإنما المجاز في ~~التركيب على ما هو معلوم من الفرق بين المجاز المفرد والمجاز المركب في فن ~~البيان . # وإنما جاء قوله : { طآئعين } بصيغة الجمع لأن لفظ السماء يشتمل على سبع ~~سماوات كما قال تعالى إثر هذا { فقضاهن سبع سموات } ( فصلت : 12 ) ~~فالامتثال صادر عن جمع ، وأما كونه بصيغة جمع المذكر فلأن السماء والأرض ~~ليس لهما تأنيث حقيقي . # وأما كونه بصيغة جمع العقلاء فذلك ترشيح للمكنية المتقدمة مثل قوله تعالى ~~: { إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين } ( يوسف : 4 ) ~~. # . # تفريع على قوله : { فقال لها وللأرضض ائتيا } ( فصلت : 11 ) . # والقضاء : الإيجاد الإبداعي لأن فيه معنى الإتمام والحكم ، فهو يقتضي ~~الابتكار والإسراع ، كقول أبي ذؤيب الهذلي : # وعليهما مسرودتان قضاهما # داود أو صنع السوابغغ تبع # وضمير { فقضاهن } عائد إلى السماوات على اعتبار تأنيث لفظها ، وهذا تفنن ~~. PageV24P248 وانتصب { سبع سموات } على أنه حال من ضمير ( قضاهن ) أو عطف ~~بيان له ، وجوز أن يكون مفعولا ثانيا ل ( قضاهن ) لتضمين ( قضاهن ) معنى ~~صيرهن ، وهذا كقوله في سورة البقرة { فسواهن سبع سماوات } . # وكان خلق السماوات في يومين قبل أربعة الأيام التي خلقت فيها الأرض وما ~~فيها . وقد بينا في سورة البقرة أن الأظهر أن خلق السماء كان قبل خلق الأرض ~~وهو المناسب لقواعد علم الهيئة . وليس في هذه الآية ما يقتضي ذلك . وإنما ~~كانت مدة خلق السماوات السبع أقصر من مدة خلق الأرض مع أن عوالم السماوات ~~أعظم وأكثر ms7270 لأن الله خلق السماوات بكيفية أسرع فلعل خلق السماوات كان ~~بانفصال بعضها عن بعض وتفرقع أحجامها بعضها عن خروج بعض آخر منه ، وهو الذي ~~قربه حكماء اليونان الأقدمون بما سموه صدور العقول العشرة بعضها عن بعض ، ~~وكانت سرعة انبثاق بعضها عن بعض معلولة لأحوال مناسبة لما تركبت به من ~~الجواهر . وأما خلق الأرض فالأشبه أنه بطريقة التولد المبطىء لأنها تكونت ~~من العناصر الطبيعية فكان تولد بعضها عن بعض أيضا { وما يعلم جنود ربك إلا ~~هو ( المدثر : 31 ) . # وهذه الأيام كانت هي مبدأ الاصطلاح على ترتيب أيام الأسبوع وقد خاض ~~المفسرون في تعيين مبدأ هذه الأيام ، فأما كتب اليهود ففيها أن مبدأ هذه ~~الأيام هو الأحد وأن سادسها هو يوم الجمعة وأن يوم السبت جعله الله خلوا من ~~الخلق ليوافق طقوس دينهم الجاعلة يوم السبت يوم راحة للناس ودوابهم اقتداء ~~بإنهاء خلق العالمين . وعلى هذا الاعتبار جرى العرب في تسمية الأيام ابتداء ~~من الأحد الذي هو بمعنى أول أو واحد ، واسمه في العربية القديمة ( أول ) ~~وذلك سرى إليهم من تعاليم اليهود أو من تعاليم أسبق كانت هي الأصل الأصيل ~~لاصطلاح الأمتين . والذي تشهد له الأخبار من السنة أن الله خلق آدم يوم ~~الجمعة وأنه آخر أيام الأسبوع ، وأنه خير أيام الأسبوع وأفضلها ، وأن ~~اليهود والنصارى اختلفوا في PageV24P249 تعيين اليوم الأفضل من الأسبوع ، ~~وأن الله هدى إليه المسلمين . قال النبي فهذا اليوم ( أي الجمعة ) هو اليوم ~~الذي اختلفوا فيه فهدانا الله إليه فالناس لنا فيه تبع اليهود غدا والنصارى ~~بعد غد . ولا خلاف في أن الله خلق آدم بعد تمام خلق السماء والأرض فتعين أن ~~يكون يوم خلقه هو اليوم السابع . وقد روى مسلم في صحيحه } عن أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ( أن الله ابتدأ الخلق يوم السبت ) . وقد ضعفه ~~البخاري وابن المديني بأنه من كلام كعب الأحبار حدث به أبا هريرة وإنما ~~اشتبه على بعض رواة سنده فظنه مرفوعا . # ولهذه تفصيلات ليس وراءها طائل وإنما ألممنا بها هنا ms7271 لئلا يعرو التفسير ~~عنها فيقع من يراها في غيره في حيرة وإنما مقصد القرآن العبرة . # . # { وأوحى } عطف على { فقضاهن . # والوحي : الكلام الخفي ، ويطلق الوحي على حصول المعرفة في نفس من يراد ~~حصولها عنده دون قولل ، ومنه قوله تعالى حكاية عن زكرياء فأوحى إليهم } ( ~~مريم : 11 ) أي أومأ إليهم بما يدل على معنى : سبحوا بكرة وعشيا . وقول أبي ~~دؤاد : # يرمون بالخطب الطوالل وتارة # وحي الملاحظ خيفة الرقباء # ثم يتوسع فيه فيطلق على إلهام الله تعالى المخلوقات لما تتطلبه مما فيه ~~صلاحها كقوله : { وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا } ( النحل ~~: 68 ) أي جبلها على إدراك ذلك وتطلبه ، ويطلق على تسخير الله تعالى بعض ~~مخلوقاته لقبول أثر قدرته كقوله : { إذا زلزلت الأرض زلزالها } ( الزلزلة : ~~1 ) إلى قوله : { بأن ربك أوحى لها } ( الزلزلة : 5 ) . # والوحي في السماء يقع على جميع هذه المعاني من استعمال اللفظ في حقيقته ~~ومجازاته ، فهو أوحى في السماوات بتقادير نظم جاذبيتها ، وتقادير سير ~~PageV24P250 كواكبها ، وأوحى فيها بخلق الملائكة فيها ، وأوحى إلى الملائكة ~~بما يتلقونه من الأمر بما يعملون ، قال تعالى : { وهم بأمره يعملون } ( ~~الأنبياء : 27 ) وقال : { يسبحون الليل والنهار لا يفترون } ( الأنبياء : ~~20 ) . # و { أمرها } بمعنى شأنها ، وهو يصدق بكل ما هو من ملابساتها من سكانها ~~وكواكبها وتماسك جرمها والجاذبية بينها وبين ما يجاورها . وذلك مقابل قوله ~~في خلق الأرض { وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها ( ~~فصلت : 10 ) . وانتصب أمرها } على نزع الخافض ، أي بأمرها أو على تضمين ~~أوحى معنى قدر أو أودع . # ووقع الالتفات من طريق الغيبة إلى طريق التكلم في قوله : { وزينا السماء ~~الدنيا بمصابيح } تجديدا لنشاط السامعين لطول استعمال طريق الغيبة ابتداء ~~من قوله : { بالذي خلق الأرض في يومين } ( فصلت : 9 ) مع إظهار العناية ~~بتخصيص هذا الصنع الذي ينفع الناس دينا ودنيا وهو خلق النجوم الدقيقة ~~والشهب بتخصيصه بالذكر من بين عموم { وأوحى في كل سمآء أمرها } ، فما ~~السماء الدنيا إلا من جملة السماوات ، وما النجوم والشهب إلا من جملة ms7272 أمرها ~~. # والمصابيح : جمع مصباح ، وهو ما يوقد بالنار في الزيت للإضاءة وهو مشتق ~~من الصباح لأنهم يحاولون أن يجعلوه خلفا عن الصباح . والمراد بالمصابيح : ~~النجوم ، استعير لها المصابيح لما يبدو من نورها . # وانتصب { حفظا } على أنه مفعول لأجله لفعل محذوف دل عليه فعل { زينا } . ~~والتقدير : وجعلناها حفظا . والمراد : حفظا للسماء من الشياطين المسترقة ~~للسمع . وتقدم الكلام على نظيره في سورة الصافات . # الإشارة إلى المذكور من قوله : { وجعل فيها رواسي من فوقها ( فصلت : 10 ) ~~إلى قوله : وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا } . PageV24P251 والتقدير : ~~وضع الشيء على مقدار معين ، وتقدم نظيره في سورة يس . وتقدم وجه إيثار وصفي ~~{ العزيز العليم } بالذكر . # ( 13 ، 14 ) ) # . # بعد أن قرعتهم الحجة التي لا تترك للشك مسربا إلى النفوس بعدها في أن ~~الله منفرد بالإلهية لأنه منفرد بإيجاد العوالم كلها . وكان ثبوت الوحدانية ~~من شأنه أن يزيل الريبة في أن القرآن منزل من عند الله لأنهم ما كفروا به ~~إلا لأجل إعلانه بنفي الشريك عن الله تعالى ، فلما استبان ذلك كان الشأن أن ~~يفيئوا إلى تصديق الرسول والإيمانن بالقرآن ، وأن يقلعوا عن إعراضهم المحكي ~~عنهم بقوله في أول السورة { فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون } ( فصلت : 4 ) الخ ~~، فلذلك جعل استمرارهم على الإعراض بعد تلك الحجج أمرا مفروضا كما يفرض ~~المحال ، فجيء في جانبه بحرف ( إن ) الذي الأصل فيه أن يقع في الموقع الذي ~~لا جزم فيه بحصول الشرط كقوله تعالى : { أفنضرب عنكم الذكر صفحا إن كنتم ~~قوما مسرفين } ( الزخرف : 5 ) في قراءة من قرأ بكسر همزة ( إن ) . # فمعنى { فإن أعرضوا } إن استمروا على إعراضهم بعد ما هديتهم بالدلائل ~~البينة وكابروا فيها ، فالفعل مستعمل في معنى الاستمرار كقوله : { ياأيها ~~الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله } ( النساء : 136 ) . # والإنذار : التخويف ، وهو هنا تخويف بتوقع عقاب مثل عقاب الذين شابهوهم ~~في الإعراض خشية أن يحل بهم ما حل بأولئك ، بناء على أن المعروف أن تجري ~~أفعال الله على سنن واحد ، وليس هو وعيدا لأن قريشا لم تصبهم صاعقة مثل ~~صاعقة عاد وثمود ms7273 ، وإن كانوا قد ساووهما في التكذيب والإعراض عن الرسل وفي ~~التعللات التي تعللوا بها من قولهم : { لو شاء الله لأنزل ملائكة ( ~~المؤمنون : 24 ) وأمهل الله قريشا حتى آمن كثير منهم واستأصل كفارهم بعذاب ~~خاص . PageV24P252 # وحقيقة الصاعقة : نار تخرج مع البرق تحرق ما تصيبه ، وتقدم ذكرها في قوله ~~تعالى : يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق } في سورة البقرة . وتطلق على ~~الحادثة المبيرة السريعة الإهلاكك ، ولما أضيفت صاعقة هنا إلى عاد وثمود ، ~~وعاد لم تهلكهم الصاعقة وإنما أهلكهم الريح وثمود أهلكوا بالصاعقة فقد ~~استعمل الصاعقة هنا في حقيقته ومجازه ، أو هو من عموم المجاوز والمقتضي ~~لذلك على الاعتبارين قصد الإيجاز ، وليقع الإجمال ثم التفصيل بعد بقوله : { ~~فأما عاد } ( فصلت : 15 ) إلى قوله : { بما كانوا يكسبون } ( فصلت : 17 ) . # و { إذ } ظرف للماضي ، والمعنى مثل صاعقتهم حين جاءتهم الرسل إلى آخر ~~الآيات . روى ابن إسحاق في سيرته أن عتبة بن ربيعة كلم النبي صلى الله عليه ~~وسلم فيما جاء به من خلافف قومه فتلا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم { حم ~~تنزيل من الرحمانن الرحيم } حتى بلغ { فقل أنذرتكم صاعقة ( فصلت : 1 13 ) ~~الآية ، فأمسك عتبة على فم النبي وقال له : ناشدتك الله والرحم . # وضمير جاءتهم } عائد إلى عاد وثمود باعتبار عدد كل قبيلة منهما . وجمع ~~الرسل هنا من باب إطلاق صيغة الجمع على الاثنين مثل قوله تعالى : { فقد صغت ~~قلوبكما } ( التحريم : 4 ) ، والقرينة واضحة وهو استعمال غير عزيز ، وإنما ~~جاءهم رسولان هود وصالح . # وقوله : { من بينن أيديهم ومن خلفهم } تمثيل لحرص رسول كل منهم على هداهم ~~بحيث لا يترك وسيلة يتوسل بها إلى إبلاغهم الدين إلا توسل بها . فمثل ذلك ~~بالمجيء إلى كل منهم تارة من أمامه وتارة من خلفه لا يترك له جهة ، كما ~~يفعل الحريص على تحصيل أمر أن يتطلبه ويعيد تطلبه ويستوعب مظان وجوده أو ~~مظان سماعه ، وهذا التمثيل نظير الذي في قوله تعالى حكاية عن الشيطان { ثم ~~لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم } ( الأعراف : 17 ms7274 ~~) . # وإنما اقتصر في هذه الآية على جهتين ولم تستوعب الجهات الأربع كما مثل ~~حال الشيطان في وسوسته لأن المقصود هنا تمثيل الحرص فقط وقد حصل ، والمقصود ~~PageV24P253 في الحكاية عن الشيطان تمثيل الحرص مع التلهف تحذيرا منه ~~وإثارة لبغضه في نفوس الناس . و { ألا تعبدوا إلا الله } تفسير لجملة { ~~جآءتهم الرسل } لتضمن المجيء معنى الإبلاغ بقرينة كون فاعل المجيء متصفا ~~بأنهم رسل ، فتكون ( أن ) تفسيرية ل { جاءتهم } بهذا التأويل كقول الشاعر : # إن تحملا حاجة لي خف محملها # تستوجبا منة عندي بها ويدا # أن تقرآنن على أسماء ويحكما # مني السلام وأن لا تشعرا أحدا # إذ فسر الحاجة بأن يقرأ السلام على أسماء لأنه أراد بالحاجة الرسالة ، ~~وهذا جري على رأي الزمخشري والمحققين من عدم اشتراط تقدم جملة فيها معنى ~~القول دون حروفه بل الاكتفاء بتقدم ما أريد به معنى القول ولو لم يكن جملة ~~خلافا لما أطال به صاحب ( مغني اللبيب ) من أبحاث لا يرضاها الأريب ، أو ~~لما يتضمنه عنوان { الرسل } من إبلاغ رسالة . # حكاية جواب عاد وثمود لرسوليهم فقد كان جوابا متماثلا لأنه ناشىء عن ~~تفكير متماثل وهو أن تفكير الأذهان القاصرة من شأنه أن يبنى على تصورات ~~وهمية وأقيسة تخييلية وسفسطائية ، فإنهم يتصورون صفات الله تعالى وأفعاله ~~على غير كنهها ويقيسونها على أحوال المخلوقات ، ولذلك يتماثل في هذا حال ~~أهل الجهالة كما قال تعالى : { كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا ~~قالوا ساحر أو مجنون أتواصوا به بل هم قوم طاغون } ( الذاريات : 52 ، 53 ) ~~، أي بل هم متماثلون في الطغيان ، أي الكفر الشديد فتملي عليهم أوهامهم ~~قضايا متماثلة . # ولكون جوابهم جرى في سياق المحاورة أتت حكاية قولهم غير معطوفة بأسلوب ~~المقاولة ، كما تقدم قوله تعالى : { وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في ~~الأرض PageV24P254 خليفة } ( البقرة : 30 ) فإن قول الرسل لهم : لا تعبدوا ~~إلا الله قد حكي بفعل فيه دلالة على القول ، وهو فعل { جاءتهم } كما تقدم ~~آنفا . # فقولهم : { لو شاء ربنا لأنزل ملائكة } يتضمن إبطال رسالة البشر عن ms7275 الله ~~تعالى . ومفعول { شاء } محذوف دل عليه السياق ، أي لو شاء ربنا أن يرسل ~~إلينا لأنزل ملائكة من السماء مرسلين إلينا ، وهذا حذف خاص هو غير حذف ~~مفعول فعل المشيئة الشائع في الكلام لأن ذلك فيما إذا كان المحذوف مدلولا ~~عليه بجواب { لو } كقوله تعالى : { فلو شاء لهداكم أجمعين } ( الأنعام : ~~149 ) ، ونكتته الإبهام ثم البيان ، وأما الحذف في الآية فهو للاعتماد على ~~قرينة السياق والإيجاز وهو حذف عزيز لمفعول فعل المشيئة ، ونظيره قول ~~المعري : # وإن شئت فازعم أن من فوق ظهرها # عبيدك واستشهد إلهك يشهد # وتضمن كلامهم قياسا استثنائيا تركيبه : لو شاء ربنا أن يرسل رسولا لأرسل ~~ملائكة ينزلهم من السماء لكنه لم ينزل إلينا ملائكة فهو لم يشأ أن يرسل ~~إلينا رسولا . وهذا إيماء إلى تكذيبهم الرسل ولهذا فرعوا عليه قولهم : { ~~فإنا بما أرسلتم به كافرون } أي جاحدون رسالتكم وهو أيضا كناية عن التكذيب ~~. # ( 15 ، 16 ) # بعد أن حكي عن عاد وثمود ما اشترك فيه الأمتان من الكابرة والإصرار على ~~الكفر فصل هنا بعض ما اختصت به كل أمة منهما من صورة الكفر ، وذكر من ذلك ~~ما له مناسبة لما حل بكل أمة منهما من العذاب . PageV24P255 # والفاء تفريع على جملة { قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة } ( فصلت : 14 ) ~~المقتضية أنهم رفضوا دعوة رسوليهم ولم يقبلوا إرشادهما واستدلالهما . # و { أما } حرف شرط وتفصيل ، وقد تقدم الكلام عليها عند قوله تعالى : { ~~فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم } في سورة البقرة . والمعنى : ~~فأما عاد فمنعهم من قبول الهدى استكبارهم . # والاستكبار : المبالغة في الكبر ، أي التعاظم واحتقار الناس ، فالسين ~~والتاء فيه للمبالغة مثل : استجاب ، والتعريف في { الأرض } للعهد ، أي ~~أرضهم المعهودة . وإنما ذكر من مساويهم الاستكبار لأن تكبرهم هو الذين ~~صرفهم عن اتباع رسولهم وعن توقع عقاب الله . # وقوله : { بغير الحق } زيادة تشنيع لاستكبارهم ، فإن الاستكبار لا يكون ~~بحق إذ لا مبرر للكبر بوجه من الوجوه لأن جميع الأمور المغريات بالكبر من ~~العلم والمال والسلطان والقوة وغير ذلك لا تبلغ الإنسان ms7276 مبلغ الخلو عن ~~النقص وليس للضعيف الناقص حق في الكبر ولذلك كان الكبر من خصائص الله تعالى ~~. وهم قد اغتروا بقوة أجسامهم وعزة أمتهم وادعوا أنهم لا يغلبهم أحد ، وهو ~~معنى قولهم : { من أشد منا قوة } فقولهم ذلك هو سبب استكبارهم لأنه أورثهم ~~الاستخفاف بمن عداهم ، فلما جاءهم هود بإنكار ما هم عليه من الشرك والطغيان ~~عظم عليهم ذلك لأنهم اعتادوا العجب بأنفسهم وأحوالهم فكذبوا رسولهم . # فلما كان اغترارهم بقوتهم هو باعثهم على الكفر وكان قولهم : { من أشد منا ~~قوة } دليلا عليه خص بالذكر . وإنما عطف بالواو مع أنه كالبيان لقوله : { ~~فاستكبروا في الأرضض بغير الحق } إشارة إلى استقلاله بكونه موجب الإنكار ~~عليهم ، لأن قولهم ذلك هو بمفرده منكر من القول فذكر بالعطف على فعل ( ~~استكبروا ) لأن شأن العطف أن يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه ، ~~ويعلم أنه باعثهم على الاستكبار بالسياق . PageV24P256 # وجملة { أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة } جملة معترضة ، ~~والواو اعتراضية . والرؤية علمية ، والاستفهام إنكاري ، والمعنى : إنكار ~~عدم علمهم بأن الله أشد منهم قوة حيث أعرضوا عن رسالة رسول ربهم وعن إنذاره ~~إياهم إعراض من لا يكترث بعظمة الله تعالى لأنهم لو حسبوا لذلك حسابه ~~لتوقعوا عذابه فلأقبلوا على النظر في دلائل صدق رسولهم . وإجراء وصف { الذي ~~خلقهم } على اسم الجلالة لما في الصلة من الإيماء إلى وجه الإنكار عليهم ~~لجهلهم بأن الله أقوى منهم فإن كونهم مخلوقين معلوم لهم بالضرورة ، فكان ~~العلم به كافيا في الدلالة على أنه أشد منهم قوة ، وأنه حقيق بأن يحسبوا ~~لغضبه حسابه فينظروا في أدلة صدق رسوله إليهم . # وضمير { هو أشد منهم } ضمير فصل ، وهو مفيد تقوية الحكم بمعنى وضوحه ، ~~وإذا كان ذلك الحكم محققا كان عدم علمهم بمقتضاه أشنع وعذرهم في جهله ~~منتفيا . # والقوة حقيقتها : حالة في الجسم يتأتى بها أن يعمل الأعمال الشاقة ، ~~وتطلق على لازم ذلك من القدرة ووسائل الأعمال ، وقد تقدم بيان إطلاقها في ~~قوله تعالى : { فخذها بقوة } في سورة الأعراف ، والمراد بها هنا ms7277 معناها ~~الحقيقي والكنائي والمجازي ، فهو مستعمل في حقيقته تصريحا وكناية ، ومجازه ~~لما عندهم من وسائل تذليل صعاب الأمور لقوة أجسامهم وقوة عقولهم . والعرب ~~تضرب المثل بعاد في أصالة آرائهم فيقولون : أحلام عاد ، قال النابغة : # أحلام عاد وأجسام مطهرة # من المعقة والآفاتت والإثم # ويقولون في وصف الأشياء التي يقل صنع أمثالها : عادية يقولون : بئر عادية ~~، وبناء عادي . # ولما كانت القوة تستلزم سعة القدرة أسند القوة إلى الله تعالى بمعنى أن ~~قدرته تعالى لا يستعصي عليها شيء تتعلق به إرادته تعالى ، وهذا المراد هنا ~~في قوله : { أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة } أي هو أوسع قدرة من ~~قدرتهم فإطلاق القوة PageV24P257 على قدرة الله تعالى بمعنى كمالل القدرة ، ~~أي عموم تأثيرها وتعلقها بالممكنات على وفق الإرادة لا يستعصي على تعلق ~~قدرته شيء ممكن ، وكمالل غناه عن التأثر للغير ، وتقدم عند قوله تعالى : { ~~إن الله قوي شديد العقاب } في سورة الأنفال . # وجملة { أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة } معترضة بين ~~الجمل المتعاطفة ، والواو فيها اعتراضية . # وقوله : { وكانوا بئآياتنا يجحدون } يحتمل أن المراد بالآيات معجزات ~~رسولهم هود فلم يؤمنوا بها وأصروا على العناد ولم يذكر القرآن لهود آيات ~~سوى أنه أنذرهم عذابا يأتيهم من السماء ، قال تعالى : { فلما رأوه عارضا ~~مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب ~~أليم } ( الأحقاف : 24 ) فذلك من تكذيبهم بأوائل الآيات . # ويحتمل أن المراد بالآيات دلائل الوحدانية التي في دعوة رسولهم وتذكيرهم ~~بنعم الله عليهم كقوله : { واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم ~~في الخلق بسطة } ( الأعراف : 69 ) ، وقوله : { واتقوا الذي أمدكم بما ~~تعلمون أمدكم بأنعام وبنين وجنات وعيون } ( الشعراء : 132 ، 134 ) . # ودل فعل { كانوا } على أن التكذيب بالآيات متأصل فيهم . ودلت صيغة ~~المضارع في قوله : { يجحدون } أن الجحد متكرر فيهم متجدد . ورتب على ذلك ~~وصف عقابهم بأن الله أرسل عليهم ريحا فأشارت الفاء إلى أن عقابهم كان مسببا ~~على حالة كفرهم بصفتها فإن باعث كفرهم ms7278 كان اغترارهم بقوتهم ، فأهلكهم الله ~~بما لا يترقب الناس الهلاك به فإن الناس يقولون للشيء الذي لا يؤبه به : هو ~~ريح ، ليريهم أن الله شديد القوة وأنه يضع القوة في الشيء الهين مثل الريح ~~ليكون عذابا وخزيا ، أي تحقيرا كما قال : { لنذيقهم عذاب الخزي في الحيواة ~~الدنيا } ، وأي خزي أشد من أن تتراماهم الريح في الجو كالريش ، وأن تلقيهم ~~هلكى على التراب عن بكرة أبيهم فيشاهدهم المارون PageV24P258 بديارهم جثثا ~~صرعى قد تقلصت جلودهم وبليت أجسامهم كأنهم أعجاز نخل خاوية . # والريح : تموج في الهواء يحدث من تعاكس الحرارة والبرودة ، وتنتقل موجاته ~~كما تنتقل أمواج البحر والريح الذي أصاب عادا هو الريح الدبور ، وهو الذي ~~يهب من جهة مغرب الشمس ، سميت دبورا بفتح الدال وتخفيف الباء لأنها تهب من ~~جهة دبر الكعبة قال النبي صلى الله عليه وسلم ( نصرت بالصبا وأهلكت عاد ~~بالدبور ) . وإنما كانت الريح التي أصابت عادا بهذه القوة بسبب قوة انضغاط ~~في الهواء غير معتاد فإن الانضغاط يصير الشيء الضعيف قويا ، كما شوهد في ~~عصرنا أن الأجسام الدقيقة من أجزاء كيمياوية تسمى الذرة تصير بالانضغاط ~~قادرة على نسف مدينة كاملة ، وتسمى الطاقة الذرية ، وقد نسف بها جزء عظيم ~~من بلاد اليابان في الحرب العامة . # والصرصر : الريح العاصفة التي يكون لها صرصرة ، أي دوي في هبوبها من شدة ~~سرعة تنقلها . وتضعيف عينه للمبالغة في شدتها بين أفراد نوعها كتضعيف كبكب ~~للمبالغة في كب . وأصله صر ، أي صاح ، وهو وصف لا يؤنث لفظه لأنه لا يجري ~~إلا على الريح وهي مقدرة التأنيث . # والنحسات بفتح النون وسكون الحاء : جمع نحس بدون تأنيث لأنه مصدر أو اسم ~~مصدر لفعل نحس كعلم ، كقوله تعالى : { في يوم نحس مستمر } ( القمر : 19 ) . # وقرأه نافع وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب بسكون الحاء . ويجوز كسر الحاء ~~وبه قرأ البقية على أنه صفة مشبهة من ( نحس ) إذا أصابه النحس إصابة سوء أو ~~ضر شديد . وضده البخت في أوهام العامة ، ولا حقيقة للنحس ولا للبخت ولكنهما ~~عارضان للإنسان ، فالنحس يعرض ms7279 له من سوء خلقه مزاجه أو من تفريطه أو من ~~فساد بيئته أو قومه ، والبخت يعرض من جراء عكس ذلك . وبعض النوعين أمور ~~اتفاقية وربما كان بعضها جزاء من الله على عمل خير أو شر من عباده أو في ~~PageV24P259 دينه كما حل بعاد وأهل الجاهلية . وعامة الأمم يتوهمون النحس ~~والبخت من نوع الطيرة ومن التشاؤم والتيمن ، ومنه الزجر والعيافة عند العرب ~~في الجاهلية ومنه تطلع الحدثان من طوالع الكواكب والأيامم عند معظم الأمم ~~الجاهلة أو المختلة العقيدة . وكل ذلك أبطله الإسلام ، أي كشف بطلانه ، بما ~~لم يسبقه تعليم من الأديان التي ظهرت قبل الإسلام . # فمعنى وصف الأيام بالنحسات : أنها أيام سوء شديد أصابهم وهو عذاب الريح ، ~~وهي ثمانية أيام كما جاء في قوله تعالى : { سخرها عليهم سبع ليال وثمانية ~~أيام حسوما } ( الحاقة : 7 ) ، فالمراد : أن تلك الأيام بخصوصها كانت نحسا ~~وأن نحسها عليهم دون غيرهم من أهل الأرض لأن عادا هم المقصودون بالعذاب . ~~وليس المراد أن تلك الأيام من كل عام هي أيام نحس على البشر لأن ذلك لا ~~يستقيم لاقتضائه أن تكون جميع الأمم حل بها سوء في تلك الأيام . ووصفت تلك ~~الأيام بأنها { نحسات } لأنها لم يحدث فيها إلا السوء لهم من إصابة آلام ~~الهشم المحققق إفضاؤه إلى الموت ، ومشاهدة الأموات من ذويهم ، وموت أنعامهم ~~، واقتلاع نخيلهم . # وقد اخترع أهل القصص تسمية أيام ثمانية نصفها آخر شهر ( شباط ) ونصفها ~~شهر ( آذار ) تكثر فيها الرياح غالبا دعوها أيام الحسوم ثم ركبوا على ذلك ~~أنها الموصوفة بحسوم في قوله تعالى في سورة الحاقة { سخرها عليهم سبع ليال ~~وثمانية أيام حسوما } ، فزعموا أنها الأيام الموافقة لأيام الريح التي ~~أصابت عادا ، ثم ركبوا على ذلك أنها أيام نحس من كل عام وكذبوا على بعض ~~السلف مثل ابن عباس أكاذيب في ذلك وذلك ضغث على إبالة ، وتفنن في أوهام ~~الضلالة . # وجمع { نحسات } بالألف والتاء لأنه صفة لجمعع غير العاقل وهو { أيام } . # واللام في { لنذيقهم } للتعليل وهي متعلقة ب ( أرسلنا ) . والإذاقة تخييل ~~لمكنية ، شبه ms7280 العذاب بطعام هيىء لهم على وجه التهكم كما سمى عمرو بن كلثوم ~~الغارة قرى في قوله : PageV24P260 # قريناكم فعجلنا قراكم # قبيل الصبح مرداة طحونا # والإذاقة : تخييل من ملائمات الطعام المشبه به . # والخزي : الذل . وإضافة { عذاب } إلى { الخزي } من إضافة الموصوف إلى ~~الصفة بدليل مقابلته بقوله : { ولعذاب الآخرة أخزى } ، أي أشد إخزاء من ~~إخزاء عذاب الدنيا ، وذلك باعتبار أن الخزي وصف للعذاب من باب الوصف ~~بالمصدر أو اسم المصدر للمبالغة في كون ذلك العذاب مخزيا للذي يعذب به . ~~ومعنى كون العذاب مخزيا : أنه سبب خزي فوصف العذاب بأنه خزي بمعنى مخز من ~~باب المجاز العقلي ، ويقدر قبل الإضافة : لنذيقهم عذابا خزيا ، أي مخزيا ، ~~فلما أريدت إضافة الموصوف إلى صفته قيل : { عذاب الخزي } ، للمبالغة أيضا ~~لأن إضافة الموصوف إلى الصفة مبالغة في الاتصاف حتى جعلت الصفة بمنزلة شخص ~~آخر يضاف إليه الموصوف وهو قريب من محسن التجريد فحصلت مبالغتان في قوله : ~~{ عذاب الخزي } مبالغة الوصف بالمصدر ، ومبالغة إضافة الموصوف إلى الصفة . # وجملة { ولعذاب الآخرة أخزى } احتراس لئلا يحسب السامعون أن حظ أولئك من ~~العقاب هو عذاب الإهلاك بالريح فعطف عليه الإخبار بأن عذاب الآخرة أخزى ، ~~أي لهم ولكل من عذب عذابا في الدنيا لغضب الله عليه . وأخزى : اسم تفضيل ~~جرى على غير قياس ، وقياسه أن يقال : أشد إخزاء ، لأنه لا يقال : خزاه ، ~~بمعنى أخزاه ، أي أهانه ، ومثل هذا في صوغ اسم التفضيل كثير في الاستعمال . # وجملة { وهم لا ينصرون } تذييل ، أي لا ينصرهم من يدفع العذاب عنهم ، ولا ~~من يشفع لهم ، ولا من يخرجهم منه بعد مهلة . PageV24P261 # بقية التفصيل الذي في قوله : { فأما عاد فاستكبروا } ( فصلت : 15 ) . # ولما كان حال الأمتين واحدا في عدم قبول الإرشاد من جانب الله تعالى كما ~~أشار إليه قوله تعالى : { لو شاء ربنا لأنزل ملائكة } ( فصلت : 14 ) كان ~~الإخبار عن ثمود بأن الله هداهم مقتضيا أنه هدى عادا مثل ما هدى ثمود وأن ~~عادا استحبوا العمى على الهدى مثل ما استحبت ثمود . والمعنى : وأما ثمود ~~فهديناهم هداية إرشاد ms7281 برسولنا إليهم وتأييده بآية الناقة التي أخرجها لهم ~~من الأرض . # فالمراد بالهداية هنا : الإرشاد التكليفي ، وهي غير ما في قوله : { ومن ~~يهد الله فما له من مضل } ( الزمر : 37 ) فإن تلك الهداية التكوينية ~~لمقابلته بقوله : { ومن يضللل الله فما له من هاد } ( غافر : 33 ) . # واستحبوا العمى معناه : أحبوا ، فالسين والتاء للمبالغة مثلهما في قوله : ~~{ فاستكبروا في الأرضض بغير الحق } ( فصلت : 15 ) ، أي كان العمى محبوبا ~~لهم . والعمى : هنا مستعار للضلال في الرأي ، أي اختاروا الضلال بكسبهم . ~~وضمن ( استحبوا ) معنى : فضلوا ، وهيأ لهذا التضمين اقترانه بالسين والتاء ~~للمبالغة لأن المبالغة في المحبة تستلزم التفضيل على بقية المحبوبات فلذلك ~~عدي ( استحبوا ) بحرف { على } ، أي رجحوا باختيارهم . وتعليق { على الهدى } ~~بفعل ( استحبوا ) لتضمينه معنى : فضلوا وآثروا . # وفرع عليه { فأخذتهم صاعقة العذابب الهون } ، وكان العقاب مناسبا للجرم ~~لأنهم استحبوا الضلال الذي هو مثل العمى ، فمن يستحبه فشأنه أن يحب العمى ، ~~فكان جزاؤهم بالصاعقة لأنها تعمي أبصارهم في حين تهلكهم قال تعالى : { يكاد ~~البرق يخطف أبصارهم } ( البقرة : 20 ) . PageV24P262 # والأخذ : مستعار للإصابة المهلكة لأنها اتصال بالمهلك يزيله من الحياة ~~فكأنه أخذ باليد . # والصاعقة : الصيحة التي تنشأ في كهربائية السحاب الحامل للماء فتنقدح ~~منها نار تهلك ما تصيبه . وإضافة { صاعقة } إلى { العذاب } للدلالة على ~~أنها صاعقة تعرف بطريق الإضافة إذ لا يعرف بها إلا ما تضاف إليه ، أي صاعقة ~~خارقة لمعتاد الصواعق ، فهي صاعقة مسخرة من الله لعذاب ثمود ، فإن أصل معنى ~~الإضافة أنها بتقدير لام الاختصاص فتعريف المضاف لا طريق له إلا بيان ~~اختصاصه بالمضاف إليه . # و { العذاب } هو : الإهلاك بالصعق ، ووصف ب { الهون } كما وصف العذاب ~~بالخزي في قوله : { لنذيقهم عذاب الخزي } ( فصلت : 16 ) ، أي العذاب الذي ~~هو سبب الهون . و { الهون } : الهوان وهو الذل ، ووجه كونه هوانا أنه إهلاك ~~فيه مذلة إذ استؤصلوا عن بكرة أبيهم وتركوا صرعى على وجه الأرض كما بيناه ~~في مهلك عاد . أي أخذتهم الصاعقة بسبب كسبهم في اختيارهم البقاء على الضلال ~~بإعراضهم عن دعوة رسولهم وعن دلالة آياته . # ويعلم ms7282 من قوله في شأن عاد { ولعذاب الآخرة أخزى } ( فصلت : 16 ) أن لثمود ~~عذابا في الآخرة لأن الأمتين تماثلتا في الكفر فلم يذكر ذلك هنا اكتفاء ~~بذكره فيما تقدم . وهذا محسن الاكتفاء ، وهو محسن يرجع إلى الإيجاز . # الأظهر أنه عطف على التفصيل في قوله : { فأما عاد فاستكبروا } ( فصلت : ~~15 ) وما عطف عليه من قوله : { وأما ثمود فهديناهم } ( فصلت : 17 ) لأن ~~موقع هاته الجملة المتضمنة إنجاء المؤمنين من العذاب بعد أن ذكر عذاب عاد ~~وعذاب ثمود يشير إلى أن المعنى إنجاء الذين آمنوا من قوم عاد وقوم ثمود ، ~~فمضمون هذه الجملة فيه معنى استثناء من عموم أمتي عاد وثمود فيكون لها حكم ~~الاستثناء الوارد بعد جمل متعاقبة أنه يعود إلى جميعها PageV24P263 فإن ~~جملتي التفصيل هما المقصود ، قال تعالى : { ولما جاء أمرنا نجينا هودا ~~والذين آمنوا معه برحمة منا } ( هود : 58 ) وقال : { ولما جاء أمرنا نجينا ~~صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا } ( هود : 66 ) . وقد بينا في سورة هود ~~كيف أنجى الله هودا والذين آمنوا معه ، وصالحا والذين آمنوا معه . # وقوله : { وكانوا يتقون } ، أي كان سنتهم اتقاء الله والنظر فيما ينجي من ~~غضبه وعقابه ، وهو أبلغ في الوصف من أن يقال : والمتقين . # ( 19 21 ) # لما فرغ من موعظة المشركين بحال الأمم المكذبة من قبلهم وإنذارهم بعذاب ~~يحل بهم في الدنيا كما حل بأولئك ليكون لهم ذلك عبرة فإن لاستحضار المثل ~~والنظائر أثرا في النفس تعتبر به ما لا تعتبر بتوصف المعاني العقلية ، ~~انتقل إلى إنذارهم بما سيحل بهم في الآخرة فجملة { ويوم نحشر أعداء الله } ~~الآيات ، معطوفة على جملة { فقل أنذرتكم صاعقة } ( فصلت : 13 ) الآيات . ~~والتقدير : وأنذرهم يوم نحشر أعداء الله إلى النار . ودل على هذا المقدر ~~قوله : { أنذرتكم صاعقة الخ ، أي وأنذرهم يوم عقاب الآخرة . # وأعداء الله : هم مشركو قريش لأنهم أعداء رسوله قال تعالى : يأيها الذين ~~آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء } ( الممتحنة : 1 ) يعني المشركين ~~لقوله بعده : { يخرجون الرسول وإياكم } ( الممتحنة : 1 ) ، ولأنها نزلت في ~~قضية كتاب حاطب بن أبي ms7283 بلتعة إلى قريش يعلمهم بتهيؤ النبي صلى الله عليه ~~وسلم لغزو مكة ولقوله في آخر هذه الآيات { ذالك جزاء أعداء الله } ( فصلت : ~~28 ) بعد قوله { وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهاذا القرءانن والغوا فيه ~~لعلكم تغلبون } ( فصلت : 26 ) . PageV24P264 ولا يجوز أن يكون المراد ب { ~~أعداء الله } جميع الكفار من الأمم بحيث يدخل المشركون من قريش دخول البعض ~~في العموم لأن ذلك المحمل لا يكون له موقع رشيق في المقام لأن الغرض من ذكر ~~ما أصاب عادا وثمود هو تهديد مشركي مكة بحلول عذاب مثله في الدنيا لأنهم قد ~~علموه ورأوا آثاره فللتهديد بمثله موقع لا يسعهم التغافل عنه ، وأما عذاب ~~عاد وثمود في الآخرة فهو موعود به في المستقبل وهم لا يؤمنون به فلا يناسب ~~أن يجعل موعظة لقريش بل الأجدر أن يقع إنذار قريش رأسا بعذاب يعذبونه في ~~الآخرة ، ولذلك أطيل وصفه لتهويله ما لم يطل بمثله حين التعرض لعذاب عاد في ~~الآخرة بقوله : { ولعذاب الآخرة أخزى } ( فصلت : 16 ) المكتفى به عن ذكر ~~عذاب ثمود . ولهذا فليس في قوله : { أعداء الله } إظهار في مقام الإضمار من ~~ضمير عاد وثمود . # ويجوز أن يكون { ويوم نحشر أعداء الله } مفعولا لفعل ( واذكر ) محذوفا ~~مثل نظائره الكثيرة . والحشر : جمع الناس في مكان لمقصد . # ويتعلق قوله : { إلى النار } ب { نحشر } لتضمين { نحشر } معنى : نرسل ، ~~أي نرسلهم إلى النار . # والفاء في قوله : { فهم يوزعون } عطف وتفريع على { نحشر } لأن الحشر ~~يقتضي الوزع إذ هو من لوازمه عرفا ، إذ الحشر يستلزم كثرة عدد المحشورين ~~وكثرة العدد تستلزم الاختلاط وتداخل بعضهم في بعض فلا غنى لهم عن الوزع ~~لتصفيفهم ورد بعضهم عن بعض . والوزع : كف بعضهم عن بعض ومنعهم من الفوضى ، ~~وتقدم في سورة النمل ، وهو كناية عن كثرة المحشورين . # وقرأ نافع ويعقوب { نحشر } بنون العظمة مبنيا للفاعل ونصب { أعداء } . ~~وقرأه الباقون بياء الغائب مبنيا للنائب . # و { حتى } ابتدائية وهي مفيدة لمعنى الغاية فهي حرف انتهاء في المعنى ~~وحرف PageV24P265 ابتداء في اللفظ ، أي أن ما بعدها جملة ms7284 مستأنفة . و { إذا ~~} ظرف للمستقبل متضمن معنى الشرط وهو متعلق بجوابه ، و { ما } زائدة ~~للتوكيد بعد { إذا } تفيد توكيد معنى { إذا } من الارتباط بالفعل الذي بعد ~~{ إذا } سواء كانت شرطية كما في هذه الآية أم كانت لمجرد الظرفية كقوله ~~تعالى : { وإذا ما غضبوا هم يغفرون } ( الشورى : 37 ) . ويظهر أن ورود { ما ~~} بعد { إذا } يقوي معنى الشرط في { إذا } ، ولعله يكون معنى الشرط حينئذ ~~نصا احتمالا . وضمير المؤنث الغائب في { جاءوها } عائد إلى { النار } ، أي ~~إذا وصلوا إلى جهنم . # وجملة { شهد عليهم سمعهم وأبصارهم } الخ يقتضي كلام المفسرين أنها جواب { ~~إذا } ، فاقتضى الارتباط بين شرطها وجوابها وتعليقها بفعل الجواب . ~~واستشعروا أن الشهادة عليهم تكون قبل أن يوجهوا إلى النار ، فقدروا فعلا ~~محذوفا تقديره : وسئلوا عما كانوا يفعلون فأنكروا فشهد عليهم سمعهم ~~وأبصارهم وجلودهم ، يعني : سألهم خزنة النار . # وأحسن من ذلك أن نقول : إن جواب { إذا } محذوف للتهويل وحذف مثله كثير في ~~القرآن ، ويكون جملة { شهد عليهم سمعهم } إلى آخرها مستأنفة استئنافا ~~بيانيا نشأ عن مفاد { حتى } من الغاية لأن السائل يتطلب ماذا حصل بين حشرهم ~~إلى النار وبين حضورهم عند النار فأجيب بأنه { شهد عليهم سمعهم وأبصارهم ~~وجلودهم } إلى قوله : { الذي أنطق كل شيء } ويتضمن ذلك أنهم حوسبوا على ~~أعمالهم وأنكروها فشهدت عليهم جوارحهم وأجسادهم . أو أن يكون جواب { إذا } ~~قوله : { فإن يصبروا فالنار مثوى لهم } ( فصلت : 24 ) الخ . # وجملة { شهد عليهم سمعهم وأبصارهم } وما عطف عليها معترضة بين الشرط ~~وجوابه . وشهادة جوارحهم وجلودهم عليهم : شهادة تكذيب وافتضاح لأن كون ذلك ~~شهادة يقتضي أنهم لما رأوا النار اعتذروا بإنكار بعض ذنوبهم طمعا في تخفيف ~~PageV24P266 العذاب وإلا فقد علم الله ما كانوا يصنعون وشهدت به الحفظة ~~وقرىء عليهم كتابهم ، وما أحضروا للنار إلا وقد تحققت إدانتهم ، فما كانت ~~شهادة جوارحهم إلا زيادة خزي لهم وتحسيرا وتنديما على سوء اعتقادهم في سعة ~~علم الله . # وتخصيص السمع والأبصار والجلود بالشهادة على هؤلاء دون بقية الجوارح لأن ~~للسمع اختصاصا بتلقي دعوة النبي صلى الله عليه ms7285 وسلم وتلقي آيات القرآن ، ~~فسمعهم يشهد عليهم بأنهم كانوا يصرفونه عن سماع ذلك كما حكى الله عنهم ~~بقوله : { وفي ءاذاننا وقر } ( فصلت : 5 ) ، ولأن للأبصار اختصاصا بمشاهدة ~~دلائل المصنوعات الدالة على انفراد الله تعالى بالخلق والتدبير فذلك دليل ~~وحدانيته في إلهيته ، وشهادة الجلود لأن الجلد يحوي جميع الجسد لتكون شهادة ~~الجلود عليهم شهادة على أنفسها فيظهر استحقاقها للحرق بالنار لبقية الأجساد ~~دون اقتصار على حرق موضع السمع والبصر . ولذلك اقتصروا في توجيه الملامة ~~على جلودهم لأنها حاوية لجميع الحواس والجوارح ، وبهذا يظهر وجه الاقتصار ~~على شهادة السمع والأبصار والجلود هنا بخلاف آية سورة النور { يوم تشهد ~~عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون } ، لأن آية النور تصف ~~الذين يرمون المحصنات وهم الذين اختلقوا تهمة الإفك ومشوا في المجامع ~~يشيعونها بين الناس ويشيرون بأيديهم إلى من اتهموه إفكا . # وإنما قالوا لجلودهم { لم شهدتم علينا } دون أن يقولوه لسمعهم وأبصارهم ~~لأن الجلود مواجهة لهم يتوجهون إليها بالملامة . وإجراء ضمائر السمع والبصر ~~والجلود بصيغتي ضمير جمع العقلاء لأن التحاور معها صيرها بحالة العقلاء ~~يومئذ . ومن غريب التفسير قول من زعموا أن الجلود أريد بها الفروج ونسب هذا ~~للسدي والفراء ، وهو تعنت في محمل الآية لا داعي إليه بحال ، وعلى هذا ~~التفسير بنى أحمد الجرجاني في كتاب ( كنايات الأدباء ) فعد الجلود من ~~الكنايات عن الفروج وعزاه لأهل التفسير فجازف في التعبير . # والاستفهام في قولهم : { لم شهدتم علينا } مستعمل في الملامة وهم يحسبون ~~أن PageV24P267 جلودهم لكونها جزءا منهم لا يحق لها شهادتها عليهم لأنها ~~تجر العذاب إليها . واستعمال الاستفهام عن العلة في معرض التوبيخ كثير ~~كقوله تعالى : { فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم } ( آل عمران : 66 ) . # وقول الجلود { أنطقنا الله } اعتذار بأن الشهادة جرت منها بغير اختيار . ~~وهذا النطق من خوارق العادات كما هو شأن العالم الأخروي . وقولهم : { الذي ~~أنطق كل شيء } تمجيد لله تعالى ولا علاقة له بالاعتذار ، والمعنى : الذي ~~أنطق كل شيء له نطق من الحيوان واختلاف دلالة أصواتها على وجدانها ، فعموم ms7286 ~~{ كل شيء } مخصوص بالعرف . # يجوز أن تكون هذه الجملة والتي عطفت عليها من تمام ما أنطق الله به ~~جلودهم قتفي على مقالتها تشهيرا بخطئهم في إنكارهم البعث والمصير إلى الله ~~لزيادة التنديم والتحسير ، وهذا ظاهر كون الواو في أول الجملة واو العطف ~~فيكون التعبير بالفعل المضارع في قوله : { وإليه ترجعون } لاستحضار حالتهم ~~فإنهم ساعتئذ في قبضة تصرف الله مباشرة . وأما رجوعهم بمعنى البعث فإنه قد ~~مضى بالنسبة لوقت إحضارهم عند جهنم ، أو يكون المراد بالرجوع الرجوع إلى ما ~~ينتظرهم من العذاب . # ويجوز أن تكون هذه الجملة وما بعدها اعتراضا بين جملة { ويوم نحشر أعداء ~~الله إلى النار } وجملة { فإن يصبروا فالنار مثوى لهم } ( فصلت : 24 ) ~~موجها من جانب الله تعالى إلى المشركين الأحياء لتذكيرهم بالبعث عقب ذكر ~~حالهم في القيامة انتهازا لفرصة الموعظة السابقة عند تأثرهم بسماعها . # ويكون فعل { ترجعون } مستعملا في الاستقبال على أصله ، والكلام استدلال ~~على إمكان البعث . PageV24P268 قال تعالى : { أفعيينا بالخلق الأول بل هم ~~في لبس من خلق جديد } ( ق : 15 ) . وتقديم متعلق { ترجعون } عليه للاهتمام ~~ورعاية الفاصلة . # ( 22 ، 23 ) # قل من تصدى من المفسرين لبيان اتصال هذه الآيات الثلاث بما قبلها ، ومن ~~تصدى منهم لذلك لم يأت بما فيه مقنع ، وأولى كلام في ذلك كلام ابن عطية ~~ولكنه وجيز وغير محرر وهو وبعض المفسرين ذكروا سببا لنزولها فزادوا بذلك ~~إشكالا وما أبانوا انفصالا . ولنبدأ بما يقتضيه نظم الكلام ، ثم نأتي على ~~ما روي في سبب نزولها بما لا يفضي إلى الانفصام . # فيجوز أن تكون جملة { وما كنتم تستترون } بتمامها معطوفة على جملة { وهو ~~خلقكم أول مرة } ( فصلت : 21 ) الخ فتكون مشمولة للاعتراض متصلة بالتي ~~قبلها على كلا التأويلين السابقين في التي قبلها . ويجوز أن تكون مستقلة ~~عنها : إما معطوفة على جملة { ويوم نحشر أعداء الله إلى النار } ( فصلت : ~~19 ) الآيات ، وإما معترضة بين تلك الجملة وجملة { فإن يصبروا فالنار مثوى ~~لهم } ( فصلت : 24 ) ، وتكون الواو اعتراضية ، ومناسبة الاعتراض ما جرى من ~~ذكر شهادة سمعهم وأبصارهم وجلودهم ms7287 عليهم . فيكون الخطاب لجميع المشركين ~~الأحياء في الدنيا ، أو للمشركين في يوم القيامة . # وعلى هذه الوجوه فالمعنى : ما كنتم في الدنيا تخفون شرككم وتستترون منه ~~بل كنتم تجهرون به وتفخرون باتباعه فماذا لومكم على جوارحكم وأجسادكم أن ~~شهدت عليكم بذلك فإنه كان أمرا مشهورا فالاستتار مستعمل في الإخبار مجازا ~~PageV24P269 لأن حقيقة الاستتار إخفاء الذوات والذي شهدت به جوارحهم هو ~~اعتقاد الشرك والأقوال الداعية إليه . وحرف { ما } نفي بقرينة قوله بعده : ~~{ ولاكن ظننتم أن الله لا يعلم } الخ ، ولا بد من تقدير حرف جر يتعدى به ~~فعل { تستترون } إلى { أن يشهد } وهو محذوف على الطريقة المشهورة في حذف ~~حرف الجر مع ( أن ) . وتقديره : بحسب ما يدل عليه الكلام وهو هنا يقدر حرف ~~من ، أي ما كنتم تستترون من شهادة سمعكم وأبصاركم وجلودكم ، أي ما كنتم ~~تستترون من تلك الشهود ، وما كنتم تتقون شهادتها ، إذ لا تحسبون أن ما أنتم ~~عليه ضائر إذ أنتم لا تؤمنون بوقوع يوم الحساب . # فأما ما ورد في سبب نزول الآية فهو حديث ( الصحيحين ) و ( جامع الترمذي ) ~~بأسانيد يزيد بعضها على بعض إلى عبد الله بن مسعود قال : ( كنت مستترا ~~بأستار الكعبة فجاء ثلاثة نفر قرشيان وثقفي أو ثقفيان وقرشي قليل فقه ~~قلوبهم كثير شحم بطونهم فتكلموا بكلام لم أفهمه ، فقال أحدهم : أترون الله ~~يسمع ما نقول ، فقال الآخر : يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا ، وقال ~~الآخر : إن كان يسمع إذا جهرنا فهو يسمع إذا أخفينا ، قال عبد الله : فذكرت ~~ذلك للنبيء صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى : { وما كنتم تستترون أن ~~يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم } إلى قوله : { فأصبحتم من الخاسرين } . وهذا ~~بظاهره يقتضي أن المخاطب به نفر معين في قضية خاصة مع الصلاحية لشمول من ~~عسى أن يكون صدر منهم مثل هذا العمل للتساوي في التفكير . ويجعل موقعها بين ~~الآيات التي قبلها وبعدها غريبا ، فيجوز أن يكون نزولها صادف الوقت الموالي ~~لنزول التي قبلها ، ويجوز أن تكون نزلت في وقت آخر وأن رسول ms7288 الله صلى الله ~~عليه وسلم أمر بوضعها في موضعها هذا لمناسبة ما في الآية التي قبلها من ~~شهادة سمعهم وأبصارهم . PageV24P270 # ومع هذا فهي آية مكية إذ لم يختلف المفسرون في أن السورة كلها مكية . ~~وقال ابن عطية : يشبه أن يكون هذا بعد فتح مكة فالآية مدنية ، ويشبه أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ الآية متمثلا بها عند إخبار عبد الله ~~إياه ا ه . وفي كلامه الأول مخالفة لما جزم به هو وغيره من المفسرين أن ~~السورة كلها مكية ، وكيف يصح كلامه ذلك وقد ذكر غيره أن النفر الثلاثة هم : ~~عبد ياليل الثقفي وصفوان وربيعة ابنا أمية بنن خلف ، فأما عبد ياليل فأسلم ~~وله صحبة عند ابن إسحاق وجماعة ، وكذلك صفوان بن أمية ، وأما ربيعة بن أمية ~~فلا يعرف له إسلام فلا يلاقي ذلك أن تكون الآية نزلت بعد فتح مكة . وأحسن ~~ما في كلام ابن عطية طرفه الثاني وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ~~الآية متمثلا بها فإن ذلك يؤول قول ابن مسعود فأنزل الله تعالى الآية ، ~~ويبين وجه قراءة النبي صلى الله عليه وسلم إياها عندما أخبره ابن مسعود ~~بأنه قرأها تحقيقا لمثال من صور معنى الآية ، وهو أن مثل هذا النفر ممن ~~يشهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم ، وذلك قاض بأن هؤلاء النفر كانوا ~~مشركين يومئذ ، والآية تحق على من مات منهم كافرا مثل ربيعة بن أمية بن خلف ~~. # وعلى بعض احتمالات هذا التفسير يكون فعل { تستترون } مستعملا في حقيقته ~~أي تستترون بأعمالكم عن سمعكم وأبصاركم وجلودكم ، وذلك توبيخ كناية عن أنهم ~~ما كانوا يرون ما هم عليه قبيحا حتى يستتروا منه وعلى بعض الاحتمالات فيما ~~ذكر يكون فعل { تستترون } مستعملا في حقيقته ومجازه ، ولا يعوزك توزيع ~~أصناف هذه الاحتمالات بعضها مع بعض في كل تقدير تفرضه . وحاصل معنى الآية ~~على جميع الاحتمالات : أن الله عليم بأعمالكم ونياتكم لا يخفى عليه شيء ~~منها إن جهرتم أو سترتم وليس الله بحاجة إلى شهادة جوارحكم عليكم وما ms7289 ~~أوقعكم في هذا الضر إلا سوء ظنكم بجلال الله . # { وذالكم ظنكم } الإشارة إلى الظن المأخوذ من فعل { ظننتم أن الله لا ~~يعلم كثيرا مما تعملون } ، ويستفاد من الإشارة إليه تمييزه أكمل تمييز ~~وتشهير شناعته للنداء على ضلالهم . PageV24P271 وأتبع اسم الإشارة بالبدل ~~بقوله : { ظنكم } لزيادة بيانه ليتمكن ما يعقبه من الخبر ، والخبر هو فعل { ~~أرداكم } وما تفرع عليه . # و { الذي ظننتم بربكم } صفة ل { ظنكم } . والإتيان بالموصول لما في الصلة ~~من الإيماء إلى وجه بناء الخبر وهو { أرداكم } وما تفرع عليه ، أي الذي ~~ظننتم بربكم ظنا باطلا . والعدول عن اسم الله العلم إلى { بربكم } للتنبيه ~~على ضلالل ظنهم ، إذ ظنوا خفاء بعض أعمالهم عن علمه مع أنه ربهم وخالقهم ~~فكيف يخلقهم وتخفى عنه أعمالهم ، وهو يشير إلى قوله : { ألا يعلم من خلق ~~وهو اللطيف الخبير } ( الملك : 14 ) ، ففي وصف { بربكم } إيماء إلى هذا ~~المعنى . # والإرداء : الإهلاك ، يقال : ردي كرضي ، إذا هلك ، أي مات ، والإرداء ~~مستعار للإيقاع في سوء الحالة بحيث أصارهم مثل الأموات فإن ذلك أقصى ما هو ~~متعارف بين الناس في سوء الحالة وفي الإتيان بالمسند فعلا إفادة قصر ، أي ~~ما أرداكم إلا ظنكم ذلك ، وهو قصر إضافي ، أي لم تردكم شهادة جوارحكم حتى ~~تلوموها بل أرداكم ظنكم أن الله لا يعلم أعمالكم فلم تحذروا عقابه . # وقوله : { فأصبحتم من الخاسرين } تمثيل لحالهم إذ يحسبون أنهم وصلوا إلى ~~معرفة ما يحق أن يعرفوه من شؤون الله ووثقوا من تحصيل سعادتهم ، وهم ما ~~عرفوا الله حق معرفته فعاملوا الله بما لا يرضاه فاستحقوا العذاب من حيث ~~ظنوا النجاة ، فشبه حالهم بحال التاجر الذي استعد للربح فوقع في الخسارة . # والمعنى : أنه نعي عليهم سوء استدلالهم وفساد قياسهم في الأمور الإلهية ، ~~وقياسهم الغائب على الشاهد ، تلك الأصول التي استدرجتهم في الضلالة فأحالوا ~~رسالة البشر عن الله ونفوا البعث ، ثم أثبتوا شركاء لله في الإلهية ، وتفرع ~~لهم من ذلك كله قطع نظرهم عما وراء الحياة الدنيا وأمنهم من التبعات في ~~الحياة الدنيا ، فذلك جماع قوله ms7290 تعالى : { وذالكم ظنكم الذي ظننتم بربكم ~~أرداكم فأصبحتم من الخاسرين } . PageV24P272 # واعلم أن أسباب الضلال في العقائد كلها إنما تأتي على الناس من فساد ~~التأمل وسرعة الإيقان وعدم التمييز بين الدلائل الصائبة والدلائل المشابهة ~~وكل ذلك يفضي إلى الوهم المعبر عنه بالظن السيىء ، أو الباطل . وقد ذكر ~~الله مثله في المنافقين وأن ظنهم هو ظن أهل الجاهلية فقال : { يظنون بالله ~~غير الحق ظن الجاهلية } ( آل عمران : 154 ) ، فليحذر المؤمنون من الوقوع في ~~مثل هذه الأوهام فيبوءوا ببعض ما نعي على عبدة الأصنام . # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ( إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ) ~~يريد الظن الذين لا دليل عليه . و ( أصبحتم ) بمعنى : صرتم ، لأن أصبح يكثر ~~أن تأتي بمعنى : صار . # تفريع على جواب { إذا ( فصلت : 20 ) على كلا الوجهين المتقدمين ، أو ~~تفريع على جملة وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا } ( فصلت : 21 ) ، أو هو ~~جواب { إذا } ، وما بينهما اعتراض على حسب ما يناسب الوجوه المتقدمة . ~~والمعنى على جميع الوجوه : أن حاصل أمرهم أنهم قد زج بهم في النار فإن ~~صبروا واستسلموا فهم باقون في النار ، وإن اعتذروا لم ينفعهم العذر ولم ~~يقبل منهم تنصل . # وقوله : { فالنار مثوى لهم } دليل جواب الشرط لأن كون النار مثوى لهم ليس ~~مسببا على حصول صبرهم وإنما هو من باب قولهم : إن قبل ذلك فذاك ، أي فهو ~~على ذلك الحال ، فالتقدير : فإن يصبروا فلا يسعهم إلا الصبر لأن النار مثوى ~~لهم . # ومعنى { وإن يستعتبوا } إن يسألوا العتبى ( بضم العين وفتح الموحدة ~~مقصورا اسم مصدر الإعتاب ) وهي رجوع المعتوب عليه إلى ما يرضي العاتب . ~~PageV24P273 وفي المثل ( ما مسيء من أعتب ) أي من رجع عما أساء به فكأنه لم ~~يسىء . وقلما استعملوا المصدر الأصلي بمعنى الرجوع استغناء عنه باسم المصدر ~~وهو العتبى . والعاتب هو اللائم ، والسين والتاء فيه للطلب لأن المرء لا ~~يسأل أحدا أن يعاتبه وإنما يسأله ترك المعاتبة ، أي يسأله الصفح عنه فإذا ~~قبل منه ذلك قيل : أعتبه أيضا ، وهذا من غريب تصاريف هذه المادة ms7291 في اللغة ~~ولهذا كادوا أن يميتوا مصدر : أعتب بمعنى رجع وأبقوه في معنى قبل العتبى ، ~~وهو المراد في قوله تعالى : { فما هم من المعتبين } أي أن الله لا يعتبهم ، ~~أي لا يقبل منهم . # عطف على جملة { ويوم نحشر أعداء الله ( فصلت : 19 ) ، وذلك أنه حكي قولهم ~~المقتضي إعراضهم عن التدبر في دعوة الإيمان ثم ذكر كفرهم بخالق الأكوان ~~بقوله قل أينكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين ( فصلت : 9 ) ثم ذكر ~~مصيرهم في الآخرة بقوله ويوم نحشر أعداء الله ثم عقب ذلك بذكر سبب ضلالهم ~~الذي نشأت عنه أحوالهم بقوله : وقيضنا لهم قرناء } . وتخلل بين ما هنالك ~~وما هنا أفانين من المواعظ والدلائل والمنن والتعاليم والقوارع والإيقاظ . # وقيض : أتاح وهيأ شيئا للعمل في شيء . والقرناء جمع : قرين ، وهو الصاحب ~~الملازم ، والقرناء هنا : هم الملازمون لهم في الضلالة : إما في الظاهر مثل ~~دعاة الكفر وأيمته ، وإما في باطن النفوس مثل شياطين الوسواس الذين قال ~~الله فيهم : { ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين } ويأتي ~~في سورة الزخرف . ومعنى تقييضهم لهم : تقديرهم لهم ، أي خلق المناسبات التي ~~يتسبب عليها PageV24P274 تقارن بعضهم مع بعض لتناسب أفكار الدعاة والقابلين ~~كما يقول الحكماء ( استفادة القابل من المبدإ تتوقف على المناسبة بينهما ) ~~. فالتقييض بمعنى التقدير عبارة جامعة لمختلف المؤثرات والتجمعات التي توجب ~~التآلف والتحاب بين الجماعات ، ولمختلف الطبائع المكونة في نفوس بعض الناس ~~فيقتضي بعضها جاذبية الشياطين إليها وحدوث الخواطر السيئة فيها . وللإحاطة ~~بهذا المقصود أوثر التعبير هنا ب { قيضنا } دون غيره من نحو : بعثنا ، ~~وأرسلنا . # والتزيين : التحسين ، وهو يشعر بأن المزين غير حسن في ذاته . و { ما بين ~~أيديهم } يستعار للأمور المشاهدة ، وما خلفهم يستعار للأمور المغيبة . # والمراد ب { ما بين أيديهم } أمور الدنيا ، أي زينوا لهم ما يعملونه في ~~الدنيا من الفساد مثل عبادة الأصنام ، وقتل النفس بلا حق ، وأكل الأموال ، ~~والعدول على الناس باليد واللسان ، والميسر ، وارتكاب الفواحش ، والوأد . ~~فعودوهم باستحسان ذلك كله لما فيه من موافقة الشهوات والرغبات ms7292 العارضة ~~القصيرة المدى ، وصرفوهم عن النظر فيما يحيط بأفعالهم تلك من المفاسد ~~الذاتية الدائمة . # والمراد ب { ما خلفهم } الأمور المغيبة عن الحس من صفات الله ، وأمور ~~الآخرة من البعث والجزاء مثل الشرك بالله ونسبة الولد إليه ، وظنهم أنه ~~يخفى عليه مستور أعمالهم ، وإحالتهم بعثة الرسل ، وإحالتهم البعث والجزاء . ~~ومعنى تزيينهم هذا لهم تلقينهم تلك العقائد بالأدلة السفسطائية مثل قياس ~~الغائب على الشاهد ، ونفي الحقائق التي لا تدخل تحت المدركات الحسية كقولهم ~~: { أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون أو آباؤنا الأولون } ( ~~الصافات : 16 ، 17 ) . # و { حق عليهم } أي تحقق فيهم القول وهو وعيد الله إياهم بالنار على الكفر ~~، فالتعريف في { القول } للعهد . وفي هذا العهد إجمال لأنه وإن كان قد ورد ~~في القرآن ما يعهد منه هذا القول مثل قوله : { أفمن حق عليه كلمة العذاب } ~~( الزمر : 19 ) وقوله : { فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون } ( الصافات : 31 ~~) ، فإنه يمكن أن لا تكون الآيات المذكورة قد سبقت هذه الآية . PageV24P275 # وقوله : { في أمم } حال من ضمير { عليهم } ، أي حق عليهم حالة كونهم في ~~أمم أمثالهم قد سبقوهم . والظرفية هنا مجازية ، وهي بمعنى التبعيض ، أي هم ~~من أمم قد خلت من قبلهم حق عليهم القول . ومثل هذا الاستعمال قول عمرو بن ~~أذينة : # إن تك عن أحسن الصنيعة مأفو # كا ففي آخرين قد أفكوا # أي فأنت من جملة آخرين قد صرفوا عن أحسن الصنيعة . # و { من } في قوله : { من الجن والإنس } بيانية ، فيجوز أن يكون بيانا ل { ~~أمم } ، أي من أمم من البشر ومن الشياطين فيكون مثل قوله تعالى : { قال ~~فالحق والحق أقول لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين } ( ص : 84 ، 85 ) ~~، وقوله : { قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار } ~~( الأعراف : 38 ) ويجوز أن يكون بيانا ل { قرناء } أي ملازمين لهم ملازمة ~~خفية وهي ملازمة الشياطين لهم بالوسوسة وملازمة أيمة الكفر لهم بالتشريع ~~لهم ما لم يأذن به الله . # وجملة { إنهم كانوا خاسرين } يجوز أن تكون بيانا للقول ms7293 مثل نظيرتها { فحق ~~علينا قول ربنا إنا لذائقون } في سورة الصافات ، ويجوز أن تكون مستأنفة ~~استئنافا بيانيا ناشئا عن جملة { وحق عليهم القول في أمم } والمعنيان ~~متقاربان . # عطف على جملة { وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه } ( فصلت : 5 ) ~~عطف القصة على القصة ، ومناسبة التخلص إليه أن هذا القول مما ينشأ عن تزيين ~~قرنائهم من الإنس ، أو هو عطف على جملة { فزينوا لهم } ( فصلت : 25 ) . ~~وهذا حكاية لحال أخرى من أحوال إعراضهم عن الدعوة المحمدية بعد أن وصف ~~إعراضهم في أنفسهم انتقل إلى وصف تلقينهم الناس أساليب PageV24P276 الإعراض ~~، فالذين كفروا هنا هم أيمة الكفر يقولون لعامتهم : لا تسمعوا لهذا القرآن ~~، فإنهم علموا أن القرآن كلام هو أكمل الكلام شريف معانن وبلاغة تراكيب ~~وفصاحة ألفاظ ، وأيقنوا أن كل من يسمعه وتداخل نفسه جزالة ألفاظه وسمو ~~أغراضه قضى له فهمه أنه حق إتباعه ، وقد أدركوا ذلك بأنفسهم ولكنهم غالبتهم ~~محبة الدوام على سيادة قومهم فتمالؤوا ودبروا تدبيرا لمنع الناس من استماعه ~~، وذلك خشية من أن ترق قلوبهم عند سماع القرآن فصرفوهم عن سماعه . # وهذا من شأن دعاة الضلال والباطل أن يكموا أفواه الناطقين بالحق والحجة ، ~~بما يستطيعون من تخويف وتسويل ، وترهيب وترغيب ولا يدعوا الناس يتجادلون ~~بالحجة ويتراجعون بالأدلة لأنهم يوقنون أن حجة خصومهم أنهض ، فهم يسترونها ~~ويدافعونها لا بمثلها ولكن بأساليب من البهتان والتضليل ، فإذا أعيتهم ~~الحيل ورأوا بوارق الحق تخفق خشوا أن يعم نورها الناس الذين فيهم بقية من ~~خير ورشد عدلوا إلى لغو الكلام ونفخوا في أبواق اللغو والجعجعة لعلهم ~~يغلبون بذلك على حجج الحق ويغمرون الكلام القول الصالح باللغو ، وكذلك شأن ~~هؤلاء . # فقولهم : { لا تسمعوا لهاذا القرءان } تحذيرا واستهزاء بالقرآن ، فاسم ~~الإشارة مستعمل في التحقير كما فيما حكي عنهم { أهذا الذي يذكر آلهتكم } ( ~~الأنبياء : 36 ) . وتسميتهم إياه بالقرآن حكاية لما يجري على ألسنة ~~المسلمين من تسميته بذلك . وتعدية فعل { تسمعوا } باللام لتضمينه معنى : ~~تطمئنوا أو تركنوا . # واللغو : القول الذي لا فائدة فيه ، ويسمى الكلام الذي لا جدوى له ms7294 لغوا ، ~~وهو واوي اللام ، فأصل { والغوا } : والغووا استثقلت الضمة على الواو فحذفت ~~والتقى ساكنان فحذف أولهما وسكنت الواو الثانية سكونا حيا ، والواو علامة ~~الجمع . وهذا الجاري على ظاهر كلام ( الصحاح ) و ( القاموس ) في ( الكشاف ) ~~أنه يقال : لغي يلغى ، كما يقال : لغا يلغو فهو إذن واوي ويائي . فمعنى { ~~والغوا فيه } قولوا أقوالا لا معنى لها أو تكلموا كلاما غير مراد منه إفادة ~~PageV24P277 أو المقصود إحداث أصوات تغمر صوت النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالقرآن . ولما كان المقصود بتخلل أصواتهم صوت القارىء حتى لا يفقهه ~~السامعون عدي اللغو بحرف ( في ) الظرفية لإفادة إيقاع لغوهم في خلال صوت ~~القارىء وقوع المظروف في الظرف على وجه المجاز . وأدخل حرف الظرفية على اسم ~~القرآن دون اسم شيء من أحواله مثل صوتت أو كلامم ليشمل كل ما يخفي ألفاظ ~~القرآن أو يشكك في معانيها أو نحو ذلك . وهذا نظم له مكانة من البلاغة . # قال ابن عباس : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم وهو بمكة إذا قرأ القرآن ~~يرفع صوته فكان أبو جهل وغيره يطردون الناس عنه ويقولون لهم : لا تسمعوا له ~~والغوا فيه ، فكانوا يأتون بالمكاء والصفير والصياح وإنشاد الشعر والأراجيز ~~وما يحضرهم من الأقوال التي يصخبون بها ) . وقد ورد في ( الصحيح ) ( أنهم ~~قالوا لما استمعوا إلى قراءة أبي بكر وكان رقيق القراءة : إنا نخاف أن يفتن ~~أبناءنا ونساءنا ) . # ومعنى { لعلكم تغلبون } رجاء أن تغلبوا محمدا بصرف من يتوقع أن يتبعه إذا ~~سمع قراءته . وهذا مشعر بأنهم كانوا يجدون القرآن غالبهم إذ كان الذين ~~يسمعونه يداخل قلوبهم فيؤمنون ، أي فإن لم تفعلوا فهو غالبكم . # ( 27 ، 28 ) # دلت الفاء على أن ما بعدها مفرع عما قبلها : فإما أن يكون تفريعا على آخر ~~ما تقدم وهو قوله : { وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهاذا القرآن } ( فصلت : ~~26 ) الآية ، وإما أن يكون مفرعا على جميع ما تقدم ابتداء من قوله : { ~~وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه } ( فصلت : 5 ) الآية وقوله : { فإن ~~أعرضوا } ( فصلت : 13 ) الآية وقوله : { ويوم نحشر أعداء ms7295 الله إلى النار } ~~( فصلت : 19 ) الآية وقوله : { وقيضنا لهم قرناء } ( فصلت : 25 ) الآية ~~وقوله : { وقال الذين كفروا لا تسمعوا } ( فصلت : 26 ) الخ . PageV24P278 ~~وعلى كلا الوجهين يتعين أن يكون المراد ب { الذين كفروا } هنا : المشركين ~~الذين الكلام عنهم . # ف { الذين كفروا } إظهار في مقام الإضمار لقصد ما في الموصول من الإيماء ~~إلى علة إذاقة العذاب ، أي لكفرهم المحكي بعضه فيما تقدم . وإذاقة العذاب : ~~تعذيبهم ، استعير له الإذاقة على طريق المكنية والتخييلة . والعذاب الشديد ~~عن ابن عباس : أنه عذاب يوم بدر فهو عذاب الدنيا . # وعطف { ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون } عن ابن عباس : لنجزينهم أسوأ ~~الذي كانوا يعملون في الآخرة . و { أسوأ الذي كانوا يعملون } منصوب على نزع ~~الخافض . والتقدير : على أسوأ ما كانوا يعملون ، ولك أن تجعله منصوبا على ~~النيابة عن المفعول المطلق تقديره : جزاء مماثلا أسوأ الذي كانوا يعملون . # وأسوأ : اسم تفضيل مسلوب المفاضلة ، وإنما أريد به السيىء ، فصيغ بصيغة ~~التفضيل للمبالغة في سوئه . وإضافته إلى { الذي كانوا يعملون } من إضافة ~~البعض إلى الكل وليس من إضافة اسم التفضيل إلى المفضل عليه . # والإشارة ب { ذالك جزاء أعداء الله } إلى ما تقدم وهو الجزاء والعذاب ~~الشديد على أسوأ أعمالهم . وأعداء الله : هم المشركون الذين تقدم ذكرهم ~~بقوله تعالى : { ويوم نحشر أعداء الله ( فصلت : 19 ) . # والنار عطف بيان من جزاء أعداء الله } . # و { دار الخلد } : النار . فقوله : { لهم فيها دار الخلد } جاء بالظرفية ~~بتنزيل النار منزلة ظرف لدار الخلد وما دار الخلد إلا عين النار . وهذا من ~~أسلوب التجريد ليفيد مبالغة معنى الخلد في النار . وهو معدود من المحسنات ~~البديعية ، ومنه قوله تعالى : { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة } ( ~~الأحزاب : 21 ) وقول أبي حامد العتابي : PageV24P279 # وفي الرحمن للضعفاء كافي # أي والرحمان كاف للضعفاء . # و { الخلد } : طول البقاء ، وأطلق في اصطلاح القرآن على البقاء المؤبد ~~الذي لا نهاية له . # وانتصب { جزآء } على الحال من { دار الخلد } . والباء للسببية . و ( ما ) ~~مصدرية ، أي جزاء بسبب كونهم يجحدون بآياتنا . # وصيغة المضارع في { يجحدون ms7296 } دالة على تجدد الجحود حينا فحينا وتكرره . ~~وعدي فعل { يجحدون } بالباء لتضمينه معنى : يكذبون . وتقديم { بآياتنا } ~~للاهتمام وللرعاية على الفاصلة . # عطف على جملة { لهم فيها دار الخلد } ( فصلت : 28 ) ، أي ويقولون في جهنم ~~، فعدل عن صيغة الاستقبال إلى صيغة المضي للدلالة على تحقيق وقوع هذا القول ~~وهو في معنى قوله تعالى : { حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم ~~لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فئآتهم عذابا ضعفا من النار } ( الأعراف : 38 ) ~~، فالقائلون { ربنا أرنا اللذين أضلانا } : هم عامة المشركين ، كما يدل ~~عليه قوله : { اللذينن أضلانا } . # ومعنى { أرنا } عين لنا ، وهو كناية عن إرادة انتقامهم منهم ولذلك جزم { ~~نجعلهما } في جواب الطلب على تقدير : إن ترناهما نجعلهما تحت أقدامنا . # والجعل تحت الأقدام : الوطء بالأقدام والرفس ، أي نجعل آحادهم تحت أقدام ~~آحاد جماعتنا ، فإن الدهماء أكثر من القادة فلا يعوزهم الانتقام منهم . ~~وكان الوطء بالأرجل من كيفيات الانتقام والامتهان ، قال ابن وعلة الجرمي : # ووطئنا وطأ على حنق # وطأ المقيد نابت الهرم PageV24P280 # وإنما طلبوا أن يروهما لأن المضلين كانوا في دركات من النار أسفل من ~~دركات أتباعهم فلذلك لم يعرفوا أين هم . # والتعليل { ليكونا من الأسفلين } توطئة لاستجابة الله تعالى لهم أن ~~يريهموهما لأنهم علموا من غضب الله عليهم أنه أشد غضبا على الفريقين ~~المضلين فتوسلوا بعزمهم على الانتقام منهم إلى تيسير تمكينهم من الانتقام ~~منهم . والأسفلون : الذين هم أشد حقارة من حقارة هؤلاء الذين كفروا ، أي ~~ليكونوا أحقر منا جزاء لهم ، فالسفالة مستعارة للإهانة والحقارة . # وقرأ الجمهور { أرنا } بكسر الراء . وقرأه ابن كثير وابن عامر والسوسي عن ~~أبي عمرو وأبو بكر عن عاصم ويعقوب بسكون الراء للتخفيف من ثقل الكسرة ، كما ~~قالوا : فخذ في فخذ . وعن الخليل إذا قلت : أرني ثوبك بكسر الراء ، فالمعنى ~~: بصرنيه ، وإذا قلته بسكون الراء فهو استعطاء ، معناه : أعطنيه . وعلى هذا ~~يكون معنى قراءة ابن كثير وابن عامر ومن وافقهما : مكنا من الذين أضلانا كي ~~نجعلهما تحت أقدامنا ، أي ائذن لنا بإهانتهما وخزيهما . وقرأ ابن كثير { ~~اللذين } بتشديد النون من ms7297 اسم الموصول وهي لغة ، وتقدم في قوله تعالى : { ~~واللذان يأتيانها منكم } في سورة النساء . # ( 30 32 ) { لله } # بعد استيفاء الكلام على ما أصاب الأمم الماضية المشركين المكذبين من عذاب ~~الدنيا وما أعد لهم من عذاب الآخرة مما فيه عبرة للمشركين الذين كذبوا ~~محمدا صلى الله عليه وسلم PageV24P281 بطريق التعريض ، ثم أنذروا بالتصريح ~~بما سيحل بهم في الآخرة ، ووصف بعض أهواله ، تشوف السامع إلى معرفة حظ ~~المؤمنين ووصفف حالهم فجاء قوله : { إن الذين قالوا ربنا الله } الخ ، ~~بيانا للمترقب وبشرى للمتطلب ، فالجملة استئناف بياني ناشىء عما تقدم من ~~قوله : { ويوم نحشر أعداء الله إلى النار } ( فصلت : 19 ) إلى قوله : { من ~~الأسفلين } ( فصلت : 29 ) . # وافتتاح الجملة بحرف التوكيد منظور فيه إلى إنكار المشركين ذلك ، ففي ~~توكيد الخبر زيادة قمع لهم . ومعنى { قالوا ربنا الله } أنهم صدعوا بذلك ~~ولم يخشوا أحدا بإعلانهم التوحيد ، فقولهم تصريح بما في اعتقادهم لأن ~~المراد بهم قالوا ذلك عن اعتقاد ، فإن الأصل في الكلام الصدق وهو مطابقة ~~الخبر الواقع وما في الوجود الخارجي . # وقوله : { ربنا الله } يفيد الحصر بتعريف المسند إليه والمسند ، أي لا رب ~~لنا إلا الله ، وذلك جامع لأصل الاعتقاد الحق لأن الإقرار بالتوحيد يزيل ~~المانع من تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما جاء به إذ لم يصد المشركين ~~عن الإيمان بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم إلا أنه أمرهم بنبذ عبادة ~~غير الله ، ولأن التكذيب بالبعث تلقوه من دعاة الشرك . # والاستقامة حقيقتها : عدم الاعوجاج والميلل ، والسين والتاء فيها ~~للمبالغة في التقوم ، فحقيقة استقام : استقل غير مائل ولا منحن . وتطلق ~~الاستقامة بوجه الاستعارة على ما يجمع معنى حسن العمل والسيرة على الحق ~~والصدق قال تعالى : { فاستقيموا إليه واستغفروه } ( فصلت : 6 ) وقال : { ~~فاستقم كما أمرت } ( هود : 112 ) ، ويقال : استقامت البلاد للملك ، أي ~~أطاعت ، ومنه قوله تعالى : { فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم } ( التوبة : ~~7 ) . ف { استقاموا } هنا يشمل معنى الوفاء بما كلفوا به وأول ما يشمل من ~~ذلك أن يثبتوا على أصل التوحيد ، أي لا ms7298 يغيروا ولا يرجعوا عنه . # ومن معنى هذه الآية ما روي في ( صحيح مسلم ) عن سفيان الثقفي قال : ~~PageV24P282 قلت : يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا ~~غيرك . قال : ( قل آمنت بالله ثم استقم ) . وعن أبي بكر { ثم استقاموا } : ~~لم يشركوا بالله شيئا . وعن عمر : استقاموا على الطريقة لطاعته ثم لم ~~يروغوا روغان الثعالب . وقال عثمان : ثم أخلصوا العمل لله . وعن علي : ثم ~~أدوا الفرائض . فقد تولى تفسير هذه الآية الخلفاء الأربعة رضي الله عنهم . ~~وكل هذه الأقوال ترجع إلى معنى الاستقامة في الإيمان وآثاره ، وعناية هؤلاء ~~الأربعة أقطاب الإسلام ببيان الاستقامة مشير إلى أهميتها في الدين . # وتعريب المسند إليه بالموصولية دون أن يقال : إن المؤمنين ونحوه لما في ~~الصلة من الإيماء إلى أنها سبب ثبوت المسند للمسند إليه فيفيد أن تنزل ~~الملائكة عليهم بتلك الكرامة مسبب على قولهم : { ربنا الله } واستقامتهم ~~فإن الإعتقاد الحق والإقبال على العمل الصالح هما سبب الفوز . # و { ثم } للتراخي الرتبي لأن الاستقامة زائدة في المرتبة على الإقرار ~~بالتوحيد لأنها تشمله وتشمل الثبات عليه والعمل بما يستدعيه ، ولأن ~~الاستقامة دليل على أن قولهم : { ربنا الله } كان قولا منبعثا عن اعتقاد ~~الضمير والمعرفة الحقيقية . # وجمع قوله : { قالوا ربنا الله ثم استقاموا } أصلي الكمال الإسلامي ، ~~فقوله : { قالوا ربنا الله } مشير إلى الكمال النفساني وهو معرفة الحق ~~للاهتداء به ، ومعرفة الخير لأجل العمل به ، فالكمال علم يقيني وعمل صالح ، ~~فمعرفة الله بالإلهية هي أساس العلم اليقيني . وأشار قوله : { استقاموا } ~~إلى أساس الأعمال الصالحة وهو الاستقامة على الحق ، أي أن يكون وسطا غير ~~مائل إلى طرفي الإفراط والتفريط قال تعالى : { اهدنا الصراط المستقيم } ( ~~الفاتحة : 6 ) وقال : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } ( البقرة : 143 ) على أن ~~كمال الإعتقاد راجع إلى الاستقامة ، فالاعتقاد الحق أن لا يتوغل في جانب ~~النفي إلى حيث ينتهي إلى التعطيل ، ولا يتوغل في جانب الإثبات إلى حيث ~~ينتهي إلى التشبيه والتمثيل بل يمشي على الخط المستقيم الفاصل بين التشبيه ~~والتعطيل ، PageV24P283 ويستمر كذلك فاصلا بين ms7299 الجبري والقدري ، وبين ~~الرجاء والقنوط ، وفي الأعمال بين الغلو والتفريط . # وتنزل الملائكة على المؤمنين يحتمل أن يكون في وقت الحشر كما دل عليه ~~قولهم : { التي كنتم توعدون } ، وكما يقتضيه كلامهم لهم لأن ظاهر الخطاب ~~أنه حقيقة ، فذلك مقابل قوله : { ويوم نحشر أعداء الله إلى النار فهم ~~يوزعون } ( فصلت : 19 ) ، فأولئك تلاقيهم الملائكة بالوزع ، والمؤمنون ~~تتنزل عليهم الملائكة بالأمن . وذكر التنزل هنا للتنويه بشأن المؤمنين أن ~~الملائكة ينزلون من علوياتهم لأجلهم فأما أعداء الله فهم يجدون الملائكة ~~حضرا في المحشر يزعونهم وليسوا يتنزلون لأجلهم فثبت للمؤمنين بهذا كرامة ~~ككرامة الأنبياء والمرسلين إذ ينزل الله عليهم الملائكة . والمعنى : أنه ~~يتنزل على كل مؤمن ملكان هما الحافظان اللذان كانا يكتبان أعماله في الدنيا ~~. ولتضمن { تتنزل } معنى القول وردت بعده ( أن ) التفسيرية والتقدير : ~~يقولون لا تخافوا ولا تحزنوا . ويجوز أن يكون تنزل الملائكة عليهم في ~~الدنيا ، وهو تنزل خفي يعرف بحصول آثاره في نفوس المؤمنين ويكون الخطاب ب { ~~لا تخافوا ولا تحزنوا } بمعنى إلقائهم في روعهم عكس وسوسة الشياطين القرناء ~~بالتزيين ، أي يلقون في أنفس المؤمنين ما يصرفهم عن الخوف والحزن ويذكرهم ~~بالجنة فتحل فيهم السكينة فتنشرح صدورهم بالثقة بحلولها ، ويلقون في نفوسهم ~~نبذ ولاية من ليسوا من حزب الله ، فذلك مقابل قوله : { وقيضنا لهم قرنآء } ~~( فصلت : 25 ) الآية فإنه تقييض في الدنيا . وهذا يقتضي أن المؤمنين ~~الكاملين لا يخافون غير الله ، ولا يحزنون على ما يصيبهم ، ويوقنون أن كل ~~شيء بقدر ، وهم فرحون بما يترقبون من فضل الله . # وعلى هذا المعنى فقوله : { التي كنتم } تعتبر ( كان ) فيه مزيدة للتأكيد ~~، ويكون المضارع في { توعدون } على أصل استعماله للحال والاستقبال ، ويكون ~~قولهم : { نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة } تأييدا لهم في ~~الدنيا ووعدا بنفعهم في الآخرة . PageV24P284 # و { لا } ناهية ، والمقصود من النهي عن الخوف : النهي عن سببه ، وهو توقع ~~الضر ، أي لا تحسبوا أن الله معاقبكم ، فالنهي كناية عن التأمين من جانب ~~الله تعالى لأنهم إذا تحققوا الأمن زال خوفهم ، وهذا تطمين من الملائكة ms7300 ~~لأنفس المؤمنين . # والخوف : غم في النفس ينشأ عن ظن حصول مكروه شديد . والحزن : غم في النفس ~~ينشأ عن وقوع مكروه بفواتت نفعع أو حصول ضر . # وألحقوا بتأمينهم بشارتهم ، لأن وقع النعيم في النفس موقع المسرة إذا لم ~~يخالطه توقع المكروه . # ووصف الجنة ب { التي كنتم توعدون } تذكير لهم بأعمالهم التي وعدوا عليها ~~بالجنة ، وتعجيل لهم بمسرة الفوز برضى الله ، وتحقيق وعده ، أي التي كنتم ~~توعدونها في الدنيا . وفي ذكر فعل الكون تنبيه على أنهم متأصلون في الوعد ~~بالجنة وذلك من سابق إيمانهم وأعمالهم . # وفي التعبير بالمضارع في { توعدون } إفادة أنهم قد تكرر وعدهم بها ، وذلك ~~بتكرر الأعمال الموعود لأجلها وبتكرر الوعد في مواقع التذكير والتبشير . # وقول الملائكة : { نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة } تعريف ~~بأنفسهم للمؤمنين تأنيسا لهم . # فإن العلم بأن المتلقي صاحب قديم يزيد نفس القادم انشراحا وأنسا ويزيل ~~عنه دهشة القدوم ، يخفف عنه من حشمة الضيافة ، ويزيل عنه وحشة الاغتراب ، ~~أي نحن الذين كنا في صحبتكم في الدنيا ، إذ كانوا يكتبون حسناتهم ويشهدون ~~عند الله بصلاتهم كما في حديث : ( يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة ~~بالنهار فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم : كيف تركتم عبادي ؟ فيقولون : أتيناهم ~~وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون ) . وقد حفظوا العهد فكانوا أولياء المؤمنين ~~في الآخرة ، وقد جيء بهذا القول معترضا بين صفات الجنة PageV24P285 ليتحقق ~~المؤمنون أن بشارتهم بالجنة بشارة محب يفرح لحبيبه بالخير ويسعى ليزيده . # واعلم أن قوله : { في الحياة الدنيا } إشارة إلى مقابلة قوله في المشركين ~~{ وقيضنا لهم قرناء } ( فصلت : 25 ) فكما قيض للكافر قرناء في الدنيا قيض ~~للمؤمنين ملائكة يكونون قرناءهم في الدنيا ، وكما أنطق أتباعهم باللائمة ~~عليهم أنطق الملائكة بالثناء على المؤمنين . وهذه الآية تقتضي أن هذا الصنف ~~من الملائكة خاص برفقة المؤمنين وولائهم ولا حظ للكافرين فيهم ، فإن كان ~~الحفظة من خصائص المؤمنين كما نقله ابن ناجي في ( شرح الرسالة ) فمعنى ~~ولايتهم للمؤمنين ظاهر ، وإن كان الحفظة موكلين على المؤمنين والكافرين كما ~~مشى عليه الجمهور وهو ظاهر قوله تعالى : { كلا ms7301 بل تكذبون بالدين وإن عليكم ~~لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون } ( الانفطار : 9 12 ) فهذا صنف من ~~الملائكة موكل بحفظ المؤمنين في الدنيا ، وهم غير الحفظة ، وقد يكون هذا ~~الصنف من الملائكة هو المسمى بالمعقبات في قوله تعالى : { له معقبات من بين ~~يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله } حسب ما تقدم في سورة الرعد . # وقد دلت عدة آثار متفاوتة في القبول على أن الملائكة الذين لهم علاقة ~~بالناس عموما أو بالمؤمنين خاصة أصناف كثيرة . وعن عثمان ( أنه سأل النبي ~~صلى الله عليه وسلم كم من ملك على الإنسان ، فذكر له عشرين ملكا ) . ولعل ~~وصف الملائكة المتنزلين بأنهم أولياء يقتضي أن عملهم مع المؤمن عمل صلاح ~~وتأييد مثل إلهام الطاعات ومحاربة الشياطين ونحو ذلك ، وبذلك تتم مقابلة ~~تنزلهم على المؤمنين بذكر تقييض القرناء للكافرين ، وهذا أحسن . # وجملة { ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم } عطف على { التي كنتم توعدون } وما ~~بينهما جملة معترضة كما بينته آنفا . # ومعنى { ما تدعون } : ما تتمنون . يقال : ادعى ، أي تمنى ، وقد تقدم عند ~~قوله تعالى : { ولهم ما يدعون } في سورة يس . PageV24P286 والمعنى : لكم ~~فيها ما تشتهونه مما يقع تحت الحس وما تتمنونه في نفوسكم من كل ما يخطر ~~بالبال مما يجول في الخيال ، فما يدعون غير ما تشتهيه أنفسهم . # ولهذه المغايرة أعيد { لكم } ليؤذن باستقلال هذا الوعد عن سابقه ، فلا ~~يتوهم أن العطف عطف تفسير أو عطف عام على خاص . # والنزل بضم النون وضم الزاي : ما يهيأ للضيف من القرى ، وهو مشتق من ~~النزول لأنه كرامة النزيل ، وهو هنا مستعار لما يعطونه من الرغائب سواء ~~كانت رزقا أم غيره . ووجه الشبه سرعة إحضاره كأنه مهيأ من قبلل أن يشتهوه ~~أو يتمنوه . # و { من غفور رحيم } صفة { نزلا } ، و { من } ابتدائية . # وانتصب { نزلا } على الحال من { ما تشتهي أنفسكم } . و { ما تدعون } حال ~~كونه كالنزل المهيأ للضيف ، أي تعطونه كما يعطى النزل للضيف . # وأوثرت صفتا ( الغفور الرحيم ) هنا للإشارة إلى أن الله غفر لهم أو ~~لأكثرهم اللمم وما ms7302 تابوا منه ، وأنه رحيم بهم لأنهم كانوا يحبونه ويخافونه ~~ويناصرون دينه . # ليس هذا من حكاية خطاب الملائكة للمؤمنين في الآخرة وإنما هو موجه من ~~الله فالأظهر أنه تكملة للثناء على { الذين قالوا : ربنا الله ( فصلت : 30 ~~) ، واستقاموا ، وتوجيه لاستحقاقهم تلك المعاملة الشريفة ، وقمع للمشركين ~~إذ تقرع أسماعهم ، أي كيف لا يكونون بتلك المثابة وقد قالوا أحسن القول ~~وعملوا أحسن العمل . وذكر هذا الثناء عليهم بحسن قولهم عقب ذكر مذمة ~~المشركين ووعيدهم على سوء قولهم : لا تسمعوا لهذا القرآن ( فصلت : 26 ) ، ~~مشعر لا محالة بأن بين الفريقين بونا بعيدا ، طرفاه : الأحسن المصرح به ، ~~والأسوأ المفهوم بالمقابلة ، أي فلا يستوي الذين قالوا أحسن القول وعملوا ~~أصلح العمل مع الذين قالوا أسوأ القول وعملوا أسوأ العمل ، ولهذا عقب بقوله ~~: ولا تستوي الحسنة ولا السيئة } ( فصلت : 34 ) . PageV24P287 # والواو إما عاطفة على جملة { إن الذين قالوا ربنا الله } ( فصلت : 30 ) ، ~~أو حالية من { الذين قالوا . والمعنى : أنهم نالوا ذلك إذ لا أحسن منهم ~~قولا وعملا . ومن } استفهام مستعمل في النفي ، أي لا أحد أحسن قولا من هذا ~~الفريق كقوله : { ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله } الآية في سورة النساء ~~. # و { ممن دعا إلى الله } : كل أحد ثبت له مضمون هذه الصلة . والدعاء إلى ~~شيء : أمر غيرك بالإقبال على شيء ، ومنه قولهم : الدعوة العباسية والدعوة ~~العلوية ، وتسمية الواعظ عند بني عبيد بالداعي لأنه يدعو إلى التشيع لآل ~~علي بن أبي طالب . فالدعاء إلى الله : تمثيل لحال الآمر بإفراد الله ~~بالعبادة ونبذ الشرك بحال من يدعو أحدا بالإقبال إلى شخص ، وهذا حال ~~المؤمنين حين أعلنوا التوحيد وهو ما وصفوا به آنفا في قوله : { إن الذين ~~قالوا ربنا ( فصلت : 30 ) كما علمت وقد كان المؤمنون يدعون المشركين إلى ~~توحيد الله ، وسيد الداعين إلى الله هو محمد . وقوله : ممن دعا إلى الله } ~~( من ) فيه تفضيلية لاسم { أحسن } ، والكلام على حذف مضاف تقديره : من قول ~~من دعا إلى الله . وهذا الحذف كالذي في قول النابغة : # وقد خفت حتى ما ms7303 تزيد مخافتي # على وعلل في ذي المطارة عاقل # أي لا تزيد مخافتي على مخافة وعل ، ومنه قوله تعالى : { ولكن البر من آمن ~~بالله } الآية في سورة البقرة . # والعمل الصالح : هو العمل الذي يصلح عامله في دينه ودنياه صلاحا لا يشوبه ~~فساد ، وذلك العمل الجاري على وفق ما جاء به الدين ، فالعمل الصالح : هو ما ~~وصف به المؤمنون آنفا في قوله : { ثم استقاموا } ( فصلت : 30 ) . # وأما { وقال إنني من المسلمين } فهو ثناء على المسلمين بأنهم افتخروا ~~بالإسلام واعتزوا به بين المشركين ولم يتستروا بالإسلام . # والاعتزاز بالدين عمل صالح ولكنه خص بالذكر لأنه أريد به غيظ PageV24P288 ~~الكافرين . ومثال هذا ما وقع يوم أحد حين صاح أبو سفيان : اعل هبل ، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم قولوا : ( الله أعلى وأجل ) فقال أبو سفيان : لنا ~~العزى ولا عزى لكم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( قولوا الله مولانا ~~ولا مولى لكم ) . وإنما لم يذكر نظير هذا القول في الصلة المشيرة إلى سبب ~~تنزل الملائكة على المؤمنين بالكرامة وهي { الذين قالوا ربنا الله ثم ~~استقاموا } ( فصلت : 30 ) لأن المقصود من ذكرها هنا الثناء عليهم بتفاخرهم ~~على المشركين بعزة الإسلام ، وذلك من آثار تلك الصلة فلا حاجة إلى ذكره ~~هنالك بخلاف موقعه هنا . # وفي هذه الآية منزع عظيم لفضيلة علماء الدين الذين بينوا السنن ووضحوا ~~أحكام الشريعة واجتهدوا في التوصل إلى مراد الله تعالى من دينه ومن خلقه . ~~وفيها أيضا منزع لطيف لتأييد قول الماتريدي وطائفة من علماء القيروان وعلى ~~رأسهم محمد بن سحنون : أن المسلم يقول : أنا مؤمن ولا يقول إن شاء الله ~~خلافا لقول الأشعري وطائفة من علماء القيروان وعلى رأسهم محمد بن عبدوس ~~فنقل أنه كان يقول : أنا مؤمن إن شاء الله . وقد تطاير شرر هذا الخلاف بين ~~علماء القيروان مدة قرن . والحق إنه خلاف لفظي كما بينه الشيخ أبو محمد بن ~~أبي زيد ونقله عياض في ( المدارك ) ووافقه . وذكرنا المسألة مفصلة عند قوله ~~تعالى : { وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن ms7304 يشاء الله ربنا } في سورة ~~الأعراف وبذلك فلا حجة في هذه الآية لأحد الفريقين وإنما الحجة في آية سورة ~~الأعراف على الماتريدي ومحمد بن سحنون . والقول في قوله : { وقال إنني من ~~المسلمين } كالقول في { إن الذين قالوا ربنا الله ( فصلت : 30 ) . # } # عطف هذه الجملة له موقع عجيب ، فإنه يجوز أن يكون عطفا على جملة { ومن ~~أحسن قولا ممن دعا إلى الله } ( فصلت : 33 ) الخ تكملة لها فإن المعطوف ~~عليها تضمنت PageV24P289 الثناء على المؤمنين إثر وعيد المشركين وذمهم ، ~~وهذه الجملة فيها بيان التفاوت بين مرتبة المؤمنين وحال المشركين ، فإن ~~الحسنة اسم منقول من الصفة فتلمح الصفة مقارن له ، فالحسنة حالة المؤمنين ~~والسيئة حالة المشركين ، فيكون المعنى كمعنى آيات كثيرة من هذا القبيل مثل ~~قوله تعالى : { وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا ~~المسيء } ( غافر : 58 ) ، فعطف هذه الجملة على التي قبلها على هذا الاعتبار ~~يكون من عطف الجمل التي يجمعها غرض واحد وليس من عطف غرض على غرض . ويجوز ~~أن تكون عطفا على جملة { وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرءان والغوا ~~فيه لعلكم تغلبون } ( فصلت : 26 ) الواقعة بعد جملة { وقالوا قلوبنا في ~~أكنة مما تدعونا إليه } ( فصلت : 5 ) إلى قوله : { فاعمل إننا عاملون } ( ~~فصلت : 5 ) فإن ذلك مثير في نفس النبي صلى الله عليه وسلم الضجر من إصرار ~~الكافرين على كفرهم وعدم التأثر بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحق ~~فهو بحال من تضيق طاقة صبره على سفاهة أولئك الكافرين ، فأردف الله ما تقدم ~~بما يدفع هذا الضيق عن نفسه بقوله : { ولا تستوي الحسنة ولا السيئة } الآية ~~. # فالحسنة تعم جميع أفراد جنسها وأولاها تبادرا إلى الأذهان حسنة الدعوة ~~إلى الإسلام لما فيها من جم المنافع في الآخرة والدنيا ، وتشمل صفة الصفح ~~عن الجفاء الذي يلقى به المشركون دعوة الإسلام لأن الصفح من الإحسان ، وفيه ~~ترك ما يثير حميتهم لدينهم ويقرب لين نفوس ذوي النفوس اللينة . فالعطف على ~~هذا من عطف غرض على غرض ، وهو الذي يعبر عنه ms7305 بعطف القصة على القصة ، وهي ~~تمهيد وتوطئة لقوله عقبها { ادفع بالتي هي أحسن } الآية . # وقد علمت غير مرة أن نفي الاستواء ونحوه بين شيئين يراد به غالبا تفضيل ~~أحدهما على مقابله بحسب دلالة السياق كقوله تعالى : { أفمن كان مؤمنا كمن ~~كان فاسقا لا يستوون } ( السجدة : 18 ) . وقولل الأعشى : # ما يجعل الجد الضنون الذي # جنب صوب اللجبب الماطر # مثل الفراتي إذا ما طما # يقذف بالبوصي والماهر PageV24P290 # فكان مقتضى الظاهر أن يقال : ولا تستوي الحسنة والسيئة ، دون إعادة { لا ~~} النافية بعد الواو الثانية كما قال تعالى : { وما يستوي الأعمى والبصير } ~~( غافر : 58 ) ، فإعادة { لا } النافية تأكيد لأختها السابقة . وأحسن من ~~اعتبار التأكيد أن يكون في الكلام إيجاز حذف مؤذن باحتباك في الكلام ، ~~تقديره : وما تستوي الحسنة والسيئة ولا السيئة والحسنة . فالمراد بالأول ~~نفي أن تلتحق فضائل الحسنة مساوىء السيئة ، والمراد بالثاني نفي أن تلتحق ~~السيئة بشرف الحسنة . وذلك هو الاستواء في الخصائص ، وفي ذلك تأكيد وتقوية ~~لنفي المساواة ليدل على أنه نفي تام بين الجنسين : جنسس الحسنة وجنس السيئة ~~لا مبالغة فيه ولا مجاز ، وقد تقدم الكلام على نظيره في سورة فاطر . # وفي التعبير بالحسنة والسيئة دون المحسن والمسيء إشارة إلى أن كل فريق من ~~هذين قد بلغ الغاية في جنس وصفه من إحسان وإساءة على طريقة الوصف بالمصدر ، ~~وليتأتى الانتقال إلى موعظة تهذيب الأخلاق في قوله : { ادفع بالتي هي أحسن ~~} ، فيشبه أن يكون إيثار نفي المساواة بين الحسنة والسيئة توطئة للانتقال ~~إلى قوله : { ادفع بالتي هي أحسن } . # وقوله : { ادفع بالتي هي أحسن } يجري موقعه على الوجهين المتقدمين في عطف ~~جملة { ولا تستوي الحسنة ولا السيئة } . # فالجملة على الوجه الأول من وجهي موقع جملة { ولا تستوي الحسنة ولا ~~السيئة } تخلص من غرض تفضيل الحسنة على السيئة إلى الأمر بخلق الدفع بالتي ~~هي أحسن لمناسبة أن ذلك الدفع من آثار تفضيل الحسنة على السيئة إرشادا من ~~الله لرسوله وأمته بالتخلق بخلق الدفع بالحسنى . وهي على الوجه الثاني من ~~وجهي موقع جملة { ولا تستوي ms7306 الحسنة ولا السيئة } واقعة موقع النتيجة من ~~الدليل والمقصد من المقدمة ، فمضمونها ناشىء عن مضمون التي قبلها . # وكلا الاعتبارين في الجملة الأولى مقتض أن تكون جملة { ادفع بالتي هي ~~أحسن } مفصولة غير معطوفة . PageV24P291 # وإنما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك لأن منتهى الكمال البشري خلقه ~~كما قال : ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) . وقالت عائشة لما سئلت عن ~~خلقه ( كان خلقه القرآن ) لأنه أفضل الحكماء . # والإحسان كمال ذاتي ولكنه قد يكون تركه محمودا في الحدود ونحوها فذلك ~~معنى خاص . والكمال مطلوب لذاته فلا يعدل عنه ما استطاع ما لم يخش فوات ~~كمال أعظم ، ولذلك قالت عائشة : ( ما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لنفسه قط إلا أن تنتهك حرمات الله فيغضب لله ) . وتخلق الأمة بهذا الخلق ~~مرغوب فيه قال تعالى : { وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على ~~الله } ( الشورى : 40 ) . # وروى عياض في ( الشفاء ) وهو مما رواه ابن مردويه عن جابر بن عبد الله ~~وابن جرير في ( تفسيره ) لما نزل قوله تعالى : { خذ العفو } ( الأعراف : ~~199 ) سأل النبيء صلى الله عليه وسلم جبريل عن تأويلها فقال له : حتى أسأل ~~العالم ، فأتاه فقال : ( يا محمد إن الله يأمرك أن تصل من قطعك وتعطي من ~~حرمك وتعفو عمن ظلمك ) . # ومفعول { ادفع } محذوف دل عليه انحصار المعنى بين السيئة والحسنة ، فلما ~~أمر بأن تكون الحسنة مدفوعا بها تعين أن المدفوع هو السيئة ، فالتقدير : ~~ادفع السيئة بالتي هي أحسن كقوله تعالى : { ويدرءون بالحسنة السيئة } في ~~سورة الرعد وقوله : { ادفع بالتي هي أحسن السيئة } في سورة المؤمنين . # و { التي هي أحسن } هي الحسنة ، وإنما صيغت بصيغة التفضيل ترغيبا في دفع ~~السيئة بها لأن ذلك يشق على النفس فإن الغضب من سوء المعاملة من طباع النفس ~~وهو يبعث على حب الانتقام من المسيء فلما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ~~بأن يجازي السيئة بالحسنة أشير إلى فضل ذلك . وقد ورد في صفة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ( ولا يدفع بالسيئة السيئة ولكن ms7307 يعفو ويصفح ) . وقد قيل : ~~إن ذلك وصفه في التوراة . وفرع على هذا الأمر قوله : { فإذا الذي بينك ~~وبينه عداوة كأنه ولي حميم } لبيان ما في ذلك الأمر من الصلاح ترويضا على ~~التخلق بذلك الخلق الكريم ، وهو أن تكون النفس مصدرا للإحسان . ولما كانت ~~الآثار الصالحة تدل على صلاح مثارها . وأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم ~~بالدفع بالتي هي أحسن أردفه بذكر بعض محاسنه PageV24P292 وهو أن يصير العدو ~~كالصديق ، وحسن ذلك ظاهر مقبول فلا جرم أن يدل حسنه على حسن سببه . # ولذكر المثل والنتائج عقب الإرشاد شأن ظاهر في تقرير الحقائق وخاصة التي ~~قد لا تقبلها النفوس لأنها شاقة عليها ، والعداوة مكروهة والصداقة والولاية ~~مرغوبة ، فلما كان الإحسان لمن أساء يدنيه من الصداقة أو يكسبه إياها كان ~~ذلك من شواهد مصلحة الأمر بالدفع بالتي هي أحسن . # و ( إذا ) للمفاجأة ، وهي كناية عن سرعة ظهور أثر الدفع بالتي هي أحسن في ~~انقلاب العدو صديقا . وعدل عن ذكر العدو معرفا بلام الجنس إلى ذكره باسم ~~الموصول ليتأتى تنكير عداوة للنوعية وهو أصل التنكير فيصدق بالعداوة القوية ~~ودونها ، كما أن ظرف { بينك وبينه } يصدق بالبين القريب والبين البعيد ، ~~أعني ملازمة العداوة أو طروها . # وهذا تركيب من أعلى طرف البلاغة لأنه يجمع أحوال العداوات فيعلم أن ~~الإحسان ناجع في اقتلاع عداوة المحسن إليه للمحسن على تفاوت مراتب العداوة ~~قوة وضعفا ، وتمكنا وبعدا ، ويعلم أنه ينبغي أن يكون الإحسان للعدو قويا ~~بقدر تمكن عداوته ليكون أنجع في اقتلاعها . ومن الأقوال المشهورة : النفوس ~~مجبولة على حب من أحسن إليها . # والتشبيه في قوله : { كأنه ولي حميم } ، تشبيه في زوال العداوة ومخالطة ~~شوائب المحبة ، فوجه الشبه هو المصافاة والمقاربة وهو معنى متفاوت الأحوال ~~، أي مقول على جنسه بالتشكيك على اختلاف تأثر النفس بالإحسان وتفاوت قوة ~~العداوة قبل الإحسان ، ولا يبلغ مبلغ المشبه به إذ من النادر أن يصير العدو ~~وليا حميما ، فإن صاره فهو لعوارض غير داخلة تحت معنى الإسراع الذي آذنت به ~~( إذا ) الفجائية . والعداوة التي بين ms7308 المشركين وبين النبي صلى الله عليه ~~وسلم عداوة في الدين ، فالمعنى : فإذا PageV24P293 الذي بينك وبينه عداوة ~~لكفره ، فلذلك لا تشمل الآية من آمنوا بعد الكفر فزالت عداوتهم للنبيء صلى ~~الله عليه وسلم لأجل إيمانهم كما زالت عداوة عمر رضي الله عنه بعد إسلامه ~~حتى قال يوما للنبيء صلى الله عليه وسلم لأنت أحب إلي من نفسي التي بين ~~جنبي ، وكما زالت عداوة هند بنت عتبة زوج أبي سفيان إذ قالت للنبيء صلى ~~الله عليه وسلم ما كان أهل خباء أحب إلي من أن يذلوا من أهل خبائك واليوم ~~ما أهل خباء أحب إلي من أن يعزوا من أهل خبائك فقال لها النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأيضا ، أي وستزيدين حبا . # وعن مقاتل : أنه قال : هذه الآية نزلت في أبي سفيان كان عدوا للنبيء صلى ~~الله عليه وسلم في الجاهلية فصار بعد إسلامه وليا مصافيا . وهو وإن كان كما ~~قالوا فلا أحسب أن الآية نزلت في ذلك لأنها نزلت في اكتساب المودة بالإحسان ~~. # والولي : اسم مشتق من الولاية بفتح الواو ، والولاء ، وهو : الحليف ~~والناصر ، وهو ضد العدو ، وتقدم في غير آية من القرآن . # والحميم : القريب والصديق . ووجه الجمع بين { ولي حميم } أنه جمع خصلتين ~~كلتاهما لا تجتمع مع العداوة وهما خصلتا الولاية والقرابة . # عطف على جملة { ادفع بالتي هي أحسن } ( فصلت : 34 ) ، أو حال من ( التي ~~هي أحسن ) ، وضمير { يلقاهآ } عائد إلى ( التي هي أحسن ) باعتبار تعلقها ~~بفعل ( ادفع ) ، أي بالمعاملة والمدافعة التي هي أحسن ، فأما مطلق الحسنة ~~فقد يحصل لغير الذين صبروا . # وهذا تحريض على الارتياض بهذه الخصلة بإظهار احتياجها إلى قوة عزم وشدة ~~مراس للصبر على ترك هوى النفس في حب الانتقام ، وفي ذلك تنويه بفضلها بأنها ~~تلازمها خصلة الصبر وهي في ذاتها خصلة حميدة وثوابها جزيل كما علم من عدة ~~آيات في القرآن ، وحسبك قوله تعالى : { إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر } ( العصر : 2 ، 3 ) . ~~PageV24P294 فالصابر مرتاض بتحمل المكاره وتجرع الشدائد ms7309 وكظم الغيظ فيهون ~~عليه ترك الانتقام . # و { يلقاها } يجعل لاقيا لها ، أي كقوله تعالى : { ولقاهم نضرة وسرورا } ~~( الإنسان : 11 ) ، وهو مستعار للسعي لتحصيلها لأن التحصيل على الشيء بعد ~~المعالجة والتخلق يشبه السعي لملاقاة أحد فيلقاه . وجيء في { يلقاها } ~~بالمضارع في الموضعين باعتبار أن المأمور بالدفع بالتي هي أحسن مأمور ~~بتحصيل هذا الخلق في المستقبل ، وجيء في الصلة وهي { الذين صبروا } بالماضي ~~للدلالة على أن الصبر خلق سابق فيهم هو العون على معاملة المسيء بالحسنى ، ~~ولهذه النكتة عدل عن أن يقال : إلا الصابرون ، لنكتة كون الصبر سجية فيهم ~~متأصلة . ثم زيد في التنويه بها بأنها ما تحصل إلا لذي حظ عظيم . # والحظ : النصيب من الشيء مطلقا ، وقيل : خاص بالنصيب من خير ، والمراد ~~هنا : نصيب الخير ، بالقرينة أو بدلالة الوضع ، أي ما يحصل دفع السيئة ~~بالحسنة إلا لصاحب نصيب عظيم من الفضائل ، أي من الخلق الحسن والاهتداء ~~والتقوى . # فتحصل من هذين أن التخلق بالصبر شرط في الاضطلاع بفضيلة دفع السيئة بالتي ~~هي أحسن ، وأنه ليس وحده شرطا فيها بل وراءه شروط أخر يجمعها قوله : { حظ ~~عظيم } ، أي من الأخلاق الفاضلة ، والصبر من جملة الحظ العظيم لأن الحظ ~~العظيم أعم من الصبر ، وإنما خص الصبر بالذكر لأنه أصلها ورأس أمرها ~~وعمودها . # وفي إعادة فعل { وما يلقاها } دون اكتفاء بحرف العطف إظهار لمزيد ~~الاهتمام بهذا الخبر بحيث لا يستتر من صريحه شيء تحت العاطف . # وأفاد { ذو حظ عظيم } أن الحظ العظيم من الخير سجيته وملكته كما اقتضته ~~إضافة { ذو } . PageV24P295 وحاصل ما أشار إليه الجملتان أن مثلك من يتلقى ~~هذه الوصية وما هي بالأمر الهين لكل أحد . # عطف على جملة { وما يلقاها إلا الذين صبروا } ( فصلت : 35 ) ، فبعد أن ~~أرشد إلى ما هو عون على تحصيل هذا الخلق المأمور به وهو دفع السيئة بالتي ~~هي أحسن ، وبعد أن شرحت فائدة العمل بها بقوله : { فإذا الذي بينك وبينه ~~عداوة كأنه ولي حميم } ( فصلت : 34 ) صرف العنان هنا إلى التحذير من ~~عوائقها التي تجتمع كثرتها في حقيقة ms7310 نزغ الشيطان ، فأمر بأنه إن وجد في ~~نفسه خواطر تصرفه عن ذلك وتدعوه إلى دفع السيئة بمثلها فإن ذلك نزغ من ~~الشيطان دواؤه أن تستعيذ بالله منه فقد ضمن الله له أن يعيذه إذا استعاذه ~~لأنه أمره بذلك ، والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم # وفائدة هذه الاستعاذة تجديد داعية العصمة المركوزة في نفس النبي صلى الله ~~عليه وسلم لأن الاستعاذة بالله من الشيطان استمداد للعصمة وصقل لزكاء النفس ~~مما قد يقترب منها من الكدرات . وهذا سر من الاتصال بين النبي صلى الله ~~عليه وسلم وربه وقد أشار إليه قول النبي صلى الله عليه وسلم ( إنه ليغان ~~على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة ) ، فبذلك تسلم نفسه من أن ~~يغشاها شيء من الكدرات ويلحق به في ذلك صالحو المؤمنين . # وفي الحديث القدسي عند الترمذي ( ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى ~~أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش ~~بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه ) . ثم ~~يلتحق بذلك بقية المؤمنين على تفاوتهم كما دل عليه حديث ابن مسعود عند ~~PageV24P296 الترمذي قال النبي صلى الله عليه وسلم ( إن للشيطان لمة بابن ~~آدم وللملك لمة ، فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق ، وأما لمة ~~الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق ، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله فليحمد ~~الله ، ومن وجد الأخرى فليستعذ بالله من الشيطان ) . # والنزغ : النخس ، وحقيقته : مس شديد للجلد بطرف عود أو إصبع ، فهو مصدر ، ~~وهو هنا مستعار لاتصال القوة الشيطانية بخواطر الإنسان تأمره بالشر وتصرفه ~~عن الخير ، وتقدم في قوله تعالى : { وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ ~~بالله إنه سميع عليم } في سورة الأعراف وإسناد { ينزغنك } إلى { نزغ } مجاز ~~عقلي من باب : جد جده ، و { من } ابتدائية . ويجوز أن يكون المراد بالنزغ ~~هنا : النازغ ، وهو الشيطان ، وصف بالمصدر للمبالغة ، و { من } بيانية ، أي ~~ينزغنك النازغ الذي هو الشيطان . والمبالغة حاصلة على التقديرين مع اختلاف ~~جهتها . # وجيء ms7311 في هذا الشرط ب ( إن ) التي الأصل فيها عدم الجزم بوقوع الشرط ~~ترفيعا لقدر النبي صلى الله عليه وسلم فإن نزغ الشيطان له إنما يفرض كما ~~يفرض المحال ، ألا ترى إلى قوله تعالى : { إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من ~~الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ( الأعراف : 201 ) فجاء في ذلك الشرط بحرف ( ~~إذا ) التي الأصل فيها الجزم بوقوع الشرط أو بغلبة وقوعه . و ( ما ) زائدة ~~بعد حرف الشرط لتوكيد الربط بين الشرط وجوابه وليست لتحقيق حصول الشرط ~~فإنها تزاد كثيرا بعد ( إن ) دون أن تكون دالة على الجزم بوقوع فعل الشرط . # وضمير الفصل في قوله : إنه هو السميع العليم } لتقوية الحكم وهو هنا حكم ~~كنائي لأن المقصود لازم وصف السميع العليم وهو مؤاخذة من تصدر منهم أقوال ~~وأعمال في أذى النبي صلى الله عليه وسلم والكيد له ممن أمر بأن يدفع ~~سيئاتهم بالتي هي أحسن . والمعنى : فإن سول لك الشيطان أن لا تعامل أعداءك ~~بالحسنة وزين لك الانتقام وقال لك : كيف تحسن إلى أعداء الدين ، وفي ~~الانتقام منهم قطع PageV24P297 كيدهم للدين ، فلا تأخذ بنزغه وخذ بما ~~أمرناك واستعذ بالله من أن يزلك الشيطان فإن الله لا يخفى عليه أمر أعدائك ~~وهو يتولى جزاءهم . # عطف على جملة { قل أينكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين } ( فصلت : 9 ~~) الآية عطف القصة على القصة فإن المقصود من ذكر خلق العوالم أنها دلائل ~~على انفراد الله بالإلهية ، فلذلك أخبر هنا عن المذكورات في هذه الجملة ~~بأنها من آيات الله انتقالا في أفانين الاستدلال فإنه انتقال من الاستدلال ~~بذواتت من مخلوقاته إلى الاستدلال بأحوال من أحوال تلك المخلوقات ، فابتدىء ~~ببعض الأحوال السماوية وهي حال الليل والنهار ، وحال طلوع الشمس وطلوع ~~القمر ، ثم ذكر بعده بعض الأحوال الأرضية بقوله : { ومن ءاياته أنك ترى ~~الأرض خاشعة } ( فصلت : 39 ) . # ويدل لهذا الانتقال أنه انتقل من أسلوب الغيبة من قوله : { فإن أعرضوا ~~فقل أنذرتكم صاعقة } إلى قوله : { ولا تستوي الحسنة ولا السيئة } ( فصلت : ~~13 34 ) إلى أسلوب خطابهم رجوعا ms7312 إلى خطابهم الذي في قوله : { أينكم لتكفرون ~~بالذي خلق الأرض ( فصلت : 9 ) . # والآيات : الدلائل ، وإضافتها إلى ضمير الله لأنها دليل على وحدانيته ~~وعلى وجوده . # واختلاف الليل والنهار آية من آيات القدرة التي لا يفعلها غير الله تعالى ~~، فلا جرم كانت دليلا على انفراده بالصنع فهو منفرد بالإلهية . وتقدم ~~الكلام على الليل والنهار عند قوله تعالى في سورة البقرة إن في خلق ~~السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار } . # والمراد بالشمس والقمر ابتداء هنا حركتهما المنتظمة المستمرة ، وأما ~~خلقهما فقد علم من خلق السماوات والأرض كما تقدم آنفا في قوله : { فقضاهن ~~سبع PageV24P298 سموات } ( فصلت : 12 ) ، فإن الشمس إحدى السماوات السبع ~~والقمر تابع للشمس ، ولم يذكر ما يدل على بعض أحوال الشمس والقمر مثل طلوع ~~أو غروبب أو فلك أو نحو ذلك ليكون صالحا للاستدلال بأحوالهما وهو المقصود ~~الأول ، ولخلقهما تأكيد لما استفيد من قوله : { فقضاهن سبع سمواات } توفيرا ~~للمعاني . # ولما جرى الاعتبار بالشمس والقمر وكان في الناس أقوام عبدوا الشمس والقمر ~~وهم الصابئة ومنبعهم من العراق من زمن إبراهيم عليه السلام ، وقد قص الله ~~خبرهم في سورة الأنعام في قوله : { فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ~~ربي } الآيات ، ثم ظهر هذا الدين في سبأ ، عبدوا الشمس كما قصه الله في ~~سورة النمل . ولم أقف على أن العرب في زمن نزول القرآن كان منهم من يعبد ~~الشمس والقمر ، ويظهر من كلام الزمخشري أنه لم يقف على ذلك لقوله هنا : ( ~~لعل ناسا منهم كانوا يسجدون للشمس والقمر ) ا ه . ولكن وجود عبادة الشمس في ~~اليمن أيام سبأ قبل أن يتهودوا يقتضي بقاء آثاره من عبادة الشمس في بعض ~~بلاد العرب . وقد ذكر من أصنام العرب صنم اسمه ( شمس ) وبه سموا ( عبد شمس ~~) ، وكذلك جعلهم من أسماء الشمس الإلاهة ، قالت مية بنت أم عتبة : # تروحنا من اللعباء عصرا # فأعجلنا الإلهة أن تؤوبا # وكان الصنم الذي اسمه شمس يعبده بنو تميم وضبة وتيم وعكل وأد . وكنت وقفت ~~على أن بعض كنانة عبدوا القمر . # وفي ( تلخيص ms7313 التفسير ) للكواشي : ( وكان الناس يسجدون للشمس والقمر ~~يزعمون أنهم يقصدون بذلك السجود لله كالصابئين فنهوا عن ذلك وأمروا أن ~~يخصوه تعالى بالعبادة ) وليس فيه أن هؤلاء الناس من العرب ، على أن هدي ~~القرآن لا يختص بالعرب بل شيوع دين الصابئة في البلاد المجاورة لهم كاف في ~~التحذير من السجود للشمس والقمر . PageV24P299 وقد كان العرب يحسبون دين ~~الإسلام دين الصابئة فكانوا يقولون لمن أسلم : صبأ ، وكانوا يصفون النبي ~~صلى الله عليه وسلم بالصابىء ، فإذا لم يكن النهي في قوله : { لا تسجدوا ~~للشمسس ولا للقمر } نهي إقلاع بالنسبة للذين يسجدون للشمس والقمر ، فهو نهي ~~تحذير لمن لم يسجد لهما أن لا يتبعوا من يعبدونهما . # ووقوع قوله : { واسجدوا لله الذي خلقهن } بعد النهي عن السجود للشمس ~~والقمر يفيد مفاد الحصر لأن النهي بمنزلة النفي ، ووقوع الإثبات بعده ~~بمنزلة مقابلة النفي بالإيجاب ، فإنه بمنزلة النفي والاستثناء في إفادة ~~الحصر كما تراه في قول السموأل أو عبد الملك الحارثي : # تسيل على حد الظبات نفوسنا # وليست على غير الظبات تسيل # فكأنه قيل : لا تسجدوا إلا لله ، أي دون الشمس والقمر . # فجملة { لا تسجدوا للشمس } إلى قوله : { تعبدون } معترضة بين جملة { ومن ~~ءاياته الليل والنهار } ، وبين جملة { فإن استكبروا } ( فصلت : 38 ) . وفي ~~هذه الآية موضع سجود من سجود التلاوة ، فقال مالك وأصحابه عدا ابن وهب : ~~السجود عند قوله تعالى : { إن كنتم إياه تعبدون } وهو قول علي بن أبي طالب ~~وابن مسعود ، وروي عن الشافعي . وقال أبو حنيفة والشافعي في المشهور عنه ~~وابن وهب : هي عند قوله : { وهم لا يسأمون } ( فصلت : 38 ) ، وهو عن ابن ~~عمر وابن عباس وسعيد بن المسيب . # { } # الفاء للتفريع على نهيهم عن السجود للشمس والقمر وأمرهم بالسجود لله وحده ~~، أي فإن استكبروا أن يتبعوك وصمموا على السجود للشمس والقمر ، أو فإن ~~استكبروا عن الاعتراف بدلالة الليل والنهار والشمس والقمر على تفرد الله ~~PageV24P300 بالإلهية ( فيعم ضمير { استكبروا } جميع المشركين ) فالله غني ~~عن عبادتهم إياه . # والاستكبار : قوة التكبر ، فالسين والتاء للمبالغة وأصل السين والتاء ~~المستعملين للمبالغة ms7314 هما السين والتاء للحسبان ، أي عدوا أنفسهم ذوي كبر ~~شديد من فرط تكبرهم . # وجملة : { فالذين عند ربك } دليل جواب الشرط . والتقدير : فإن تكبروا عن ~~السجود لله فهو غني عن سجودهم ، لأن له عبيدا أفضل منهم لا يفترون عن ~~التسبيح له بإقبال دون سآمة . # والمراد بالتسبيح : كل ما يدل على تنزيه الله تعالى عما لا يليق به ~~بإثبات أضداد ما لا يليق به ، أو نفي ما لا يليق ، وذلك بالأقوال قال تعالى ~~: { والملائكة يسبحون بحمد ربهم } ( الشورى : 5 ) ، أو بالأعمال قال : { ~~ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون ~~يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون } ( النحل : 49 50 ) وذلك ما ~~يقتضيه قوله : { وهم لا يسأمون } من كون ذلك التسبيح قولا وعملا وليس مجرد ~~اعتقاد . # والعندية في قوله : { عند ربك } عندية تشريف وكرامة كقوله في سورة ~~الأعراف { إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون } . ~~وهؤلاء الملائكة هم العامرون للعوالم العليا التي جعلها الله مشرفة بأنها ~~لا يقع فيها إلا الفضيلة فكانت بذلك أشد اختصاصا به تعالى من أماكن غيرها ~~قصدا لتشريفها . # والسآمة : الضجر والملل من الإعياء . وذكر الليل والنهار هنا لقصد ~~استيعاب الزمان ، أي يسبحون له الزمان كله . # وجملة : { وهم لا يسأمون } في موضع الحال وهو أوقع من محمل العطف لأن كون ~~الإخبار عنهم مقيدا بهذه الحال أشد من إظهار عجيب حالهم إذ شأن العمل ~~الدائم أن يسلم منه عامله . PageV24P301 # عطف على جملة { ومن آياته الليل والنهار } ( فصلت : 37 ) ، وهذا استدلال ~~بهذا الصنع العظيم على أنه تعالى منفرد بفعله فهو دليل إلهيته دون غيره لأن ~~من يفعل ما لا يفعله غيره هو الإله الحق وإذا كان كذلك لم يجز أن يتعدد ~~لكون من لا يفعل مثل فعله ناقص القدرة ، والنقص ينافي الإلهية كما قال : { ~~أفمن يخلق كمن لا يخلق } ( النحل : 17 ) . # والخطاب في قوله : { أنك } لغير معين ليصلح لكل سامع . # والخشوع : التذلل ، وهو مستعار لحال الأرض إذا كانت مقحطة لا نبات ms7315 عليها ~~لأن حالها في تلك الخصاصة كحال المتذلل ، وهذا من تشبيه المحسوس بالمعقول ~~باعتبار ما يتخيله الناس من مشابهة اختلاف حالي القحولة والخصب بحالي ~~التذلل والازدهاء . # والاهتزاز حقيقته : مطاوعة هزه ، إذا حركه بعد سكونه فتحرك . وهو هنا ~~مستعار لربو وجه الأرض بالنبات ، شبه حال إنباتها وارتفاعها بالماء والنبات ~~بعد أن كانت منخفضة خامدة بالاهتزاز . ويؤخذ من مجموع ذلك أن هذا التركيب ~~تمثيل ، شبه حال قحولة الأرض ثم إنزال الماء عليها وانقلابها من الجدوبة ~~إلى الخصب والإنباتت البهيج بحال شخص كان كاسف البال رث اللباس فأصابه شيء ~~من الغنى فلبس الزينة واختال في مشيته زهوا ، ولذا يقال : هز عطفيه ، إذا ~~اختال في مشيته . # وفي قوله : { خاشعة } و { اهتزت } مكنية بأن شبهت بشخص كان ذليلا ثم صار ~~مهتزا لعطفيه ورمز إلى المشبه بهما بذكر رديفيهما . فهذا من أحسن التمثيل ~~وهو الذي يقبل تفريق أجزائه في أجزاء التشبيه . # وعطف { وربت } على { اهتزت } لأن المقصود من الاهتزاز هو ظهور النبات ~~عليها وتحركه . والمقصود بالربو : انتفاخها بالماء واعتلاؤها . PageV24P302 # وقرأ أبو جعفر { وربأت } بهمزة بعد الموحدة من ( ربأ ) بالهمز ، إذا ~~ارتفع . # إدماج لإثبات البعث في أثناء الاستدلال على تفرده تعالى بالخلق والتدبير ~~، ووقوعه على عادة القرآن في التفنن وانتهاز فرص الهدى إلى الحق . # والجملة استئناف ابتدائي والمناسبة مشابهة الإحياءين ، وحرف التوكيد ~~لمراعاة إنكار المخاطبين إحياء الموتى . # وتعريف المسند إليه بالموصولية لما في الموصول من تعليل الخبر ، وشبه ~~إمداد الأرض بماء المطر الذي هو سبب انبثاق البزور التي في باطنها التي ~~تصير نباتا بإحياء الميت ، فأطلق على ذلك { أحياها } على طريق الاستعارة ~~التبعية ، ثم ارتقي من ذلك إلى جعل ذلك الذي سمي إحياء لأنه شبيه الإحياء ~~دليلا على إمكان إحياء الموتى بطريقة قياس الشبه ، وهو المسمى في المنطق ~~قياس التمثيل ، وهو يفيد تقريب المقيس بالمقيس عليه . وليس الاستدلال ~~بالشبه والتمثيل بحجة قطعية ، بل هو إقناعي ولكنه هنا يصير حجة لأن المقيس ~~عليه وإن كان أضعف من المقيس إذ المشبه لا يبلغ قوة المشبه به ، فالمشبه به ~~حيث ms7316 كان لا يقدر على فعله إلا الخالق الذي اتصف بالقدرة التامة لذاته فقد ~~تساوى فيه قويه وضعيفه ، وهم كانوا يحيلون إحياء الأموات استنادا للاستبعاد ~~العادي ، فلما نظر إحياء الأموات بإحياء الأرض المشبه تم الدليل الإقناعي ~~المناسب لشبهتهم الإقناعية . وقد أشار إلى هذا تذييله بقوله : { إنه على كل ~~شيء قدير } . # # استئناف ابتدائي قصد به تهديد الذين أهملوا الاستدلال بآيات الله على ~~توحيده . PageV24P303 # وقوله : { لا يخفون علينا } مراد به الكناية عن الوعيد تذكيرا لهم بإحاطة ~~علم الله بكل كائن ، وهو متصل المعنى بقوله آنفا : { وما كنتم تستترون أن ~~يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم } ( فصلت : 22 ) الآية . # والإلحاد حقيقته : الميل عن الاستقامة ، والآيات تشمل الدلائل الكونية ~~المتقدمة في قوله : { قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين } ( فصلت ~~: 9 ) وقوله : { ومن آياته الليل والنهار } ( فصلت : 37 ) الخ . وتشمل ~~الآيات القولية المتقدمة في قوله : { وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا ~~القرآن والغوا فيه } ( فصلت : 26 ) . فالإلحاد في الآيات مستعار للعدول ~~والانصراف عن دلالة الآيات الكونية على ما دلت عليه . والإلحاد في الآيات ~~القولية مستعار للعدول عن سماعها وللطعن في صحتها وصرف الناس عن سماعها . # وحرف { في } من قوله : { في ءاياتنا } للظرفية المجازية لإفادة تمكن ~~إلحادهم حتى كأنه مظروف في آيات الله حيثما كانت أو كلما سمعوها . ومعنى ~~نفي خفائهم : نفي خفاء إلحادهم لا خفاء ذواتهم إذ لا غرض في العلم بذواتهم ~~. # . # تفريع على الوعيد في قوله : { لا يخفون علينا } لبيان أن الوعيد بنار ~~جهنم تعريض بالمشركين بأنهم صائرون إلى النار ، وبالمؤمنين بأنهم آمنون من ~~ذلك . # والاستفهام تقريع مستعمل في التنبيه على تفاوت المرتبتين . # وكني بقوله : { يأتي ءامنا } أن ذلك الفريق مصيره الجنة إذ لا غاية للأمن ~~إلا أنه في نعيم . وهذه كناية تعريضية بالذين يلحدون في آيات الله . # وفي الآية محسن الاحتباك ، إذ حذف مقابل : ( من يلقى في النار ) وهو : من ~~PageV24P304 يدخل الجنة ، وحذف مقابل : { من يأتي ءامنا } وهو : من يأتي ~~خائفا ، وهم أهل النار . # الجملة تذييل لجملة { إن الذين يلحدون في ءاياتنا } الخ ms7317 ، كما دل عليه ~~قوله عقبه : { إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم } ( فصلت : 41 ) الآية ، أي ~~لا يخفى علينا إلحادهم ولا غيره من سيىء أعمالهم . وإنما خص الإلحاد بالذكر ~~ابتداء لأنه أشنع أعمالهم ومصدر أسوائها . # والأمر في قوله : { اعملوا ما شئتم } مستعمل في التهديد ، أو في الإغراء ~~المكنى به عن التهديد . # وجملة : { إنه بما تعملون بصير } وعيد بالعقاب على أعمالهم على وجه ~~الكناية . # وتوكيده ب ( إن ) لتحقيق معنييه الكنائي والصريح ، وهو تحقيق إحاطة علم ~~الله بأعمالهم لأنهم كانوا شاكين في ذلك كما تقدم في قصة الثلاثة الذين نزل ~~فيهم قوله تعالى : { وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم } ( فصلت : 22 ) ~~الآية . # والبصير : العليم بالمبصرات . # ( 41 ، 42 ) # أعقب تهديدهم على الإلحاد في آيات الله على وجه العموم بالتعرض إلى ~~إلحادهم في آيات القرآن وهو من ذكر الخاص بعد العام للتنويه بخصال القرآن ~~وأنه ليس بعرضة لأن يكفر به بل هو جدير بأن يتقبل بالاقتداء والاهتداء ~~بهديه ، فلهذه الجملة اتصال في المعنى بجملة : { إن الذين يلحدون في آياتنا ~~} ( فصلت : 40 ) واتصال في الموقع بجملة { اعملوا ما شئتم } ( فصلت : 40 ) ~~. PageV24P305 # وتحديد هذين الاتصالين اختلفت فيه آراء المفسرين ، وعلى اختلافهم فيهما ~~جرى اختلافهم في موقعها من الإعراب وفي مواقع أجزائها من تصريح وتقدير . # فجعل صاحب ( الكشاف ) قوله : { إن الذين كفروا بالذكر } بدلا من قوله : { ~~إن الذين يلحدون في آياتنا ، وهو يريد أنه إبدال المفرد من المفرد بدلا ~~مطابقا أو بدل اشتمال ، وأنه بتكرير العامل وهو حرف إن } وإن كانت إعادة ~~العامل مع البدل غير مشهورة إلا في حرف الجر كما قال الرضي ، فكلام ~~الزمخشري في ( المفصل ) يقتضي الإطلاق ، وإن كان أتى بمثالين عاملهما حرف ~~جر . # وعلى هذا القول لا يقدر خبر لأن الخبر عن المبدل منه خبر عن البدل وهو ~~قوله : { لا يخفون علينا } ( فصلت : 40 ) . # وعن أبي عمرو بن العلاء والكسائي وعمرو بن عبيد ما يقتضي أنهم يجعلون ~~جملة : { إن الذين كفروا بالذكر } جملة مستقلة لأنهم جعلوا ل { إن } خبرا . ~~فأما أبو عمرو فقال ms7318 : خبر { إن } قوله : { أولئك ينادون من مكان بعيد } ( ~~فصلت : 44 ) . # حكي أن بلال بن أبي بردة سئل في مجلس أبي عمرو بن العلاء عن خبر { إن } ~~فقال : لم أجد لها نفاذا ، فقال له أبو عمرو : إنه منك لقريب : { أولئك ~~ينادون من مكان بعيد . وهو يقتضي جعل الجمل التي بين اسم إن } وخبرها جملا ~~معترضة وهي نحو سبع . وأما الكسائي وعمرو بن عبيد فقدروا خبرا لاسم { إن } ~~فقال الكسائي : الخبر محذوف دل عليه قوله قبله : { أفمن يلقى في النار خير ~~} ( فصلت : 40 ) ، فنقدر الخبر ، يلقون في النار ، مثلا . وسأل عيسى بن عمر ~~عمرو بن عبيد عن الخبر ، فقال عمرو : معناه أن الذين كفروا بالذكر كفروا به ~~وإنه لكتاب عزيز . فقال عيسى : أجدت يا أبا عثمان . ويجيء على قول هؤلاء أن ~~تكون الجملة بدلا من جملة : { إن الذين يلحدون في آياتنا بدل اشتمال إن ~~أريد بالآيات في قوله : في ءاياتنا مطلق الآيات ، أو بدلا مطابقا إن أريد ~~بالآيات آيات القرآن . وقيل الخبر قوله : ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل ~~من قبلك } ( فصلت : 43 ) ، أي ما يقال لك فيهم إلا ما قد قلنا للرسل من ~~قبلك في مكذبيهم ، أو ما يقولون إلا كما قاله الأمم PageV24P306 للرسل من ~~قبلك ، وما بينهما اعتراض . # والكفر بالقرآن يشمل إنكار كل ما يوصف به القرآن من دلائل كونه من عند ~~الله وما اشتمل عليه مما خالف معتقدهم ودين شركهم وذلك بالاختلافات التي ~~يختلفونها كقولهم : سحر ، وشعر ، وقول كاهن ، وقول مجنون ، ولو نشاء لقلنا ~~مثل هذا ، وأساطير الأولين ، وقلوبنا في أكنة ، وفي آذاننا وقر . والأظهر ~~أن تكون جملة { إن الذين كفروا بالذكر } الخ واقعة موقع التعليل للتهديد ~~بالوعيد في قوله : { لا يخفون علينا ( فصلت : 40 ) . والمعنى : لأنهم ~~جديرون بالعقوبة إذ كفروا بالآيات ، وهي آية القرآن المؤيد بالحق ، وبشهادة ~~ما أوصي إلى الرسل من قوله . # وموقع إن } موقع فاء التعليل . وخبر { إن } محذوف دل عليه سياق الكلام . ~~والأحسن أن يكون تقديره بما تدل عليه جملة الحال من جلالة ms7319 الذكر ونفاسته ، ~~فيكون التقدير : خسروا الدنيا والآخرة ، أو سفهوا أنفسهم أو نحو ذلك مما ~~تذهب إليه نفس السامع البليغ ، ففي هذا الحذف توفير للمعاني وإيجاز في ~~اللفظ يقوم مقام عدة جمل ، وحذف خبر { إن } إذا دل عليه دليل وارد في ~~الكلام . وأجازه سيبويه في باب ما يحسن السكوت عليه من هذه الأحرف الخمسة ، ~~وتبعه الجمهور ، وخالفه الفراء فشرطه بتكرر { إن } . ومن الحذف قوله تعالى ~~: { إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام } الآية في سورة ~~الحج ، وأنشد سيبويه : # يا ليت أيام الصبا رواجعا # إذ روي بنصب ( رواجعا ) على الحال فلم يذكر خبر ( ليت ) . # وذكر أن العرب يقولون : ( إن مالا وإن ولدا ) أي إن لهم ، وقول الأعشى : # إن محلا وإن مرتحلا PageV24P307 # أي أن لنا في الدنيا حلولا ولنا عنها مرتحلا ، إذ ليس بقية البيت وهو ~~قوله : # وإن في السفر إذ مضوا مهلا # ما يصح وقوعه خبرا عن ( إن ) الأولى . وقال جميل : # وقالوا نراها يا جميل تنكرت # وغيرها الواشي فقلت لعلها # وقال الجاحظ في ( البيان ) في باب من الكلام المحذوف عن الحسن : أن ~~المهاجرين قالوا : ( يا رسول الله إن الأنصار آوونا ونصرونا ، قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم تعرفون ذلك لهم ، قالوا : نعم ، قال : ( فإن ذلك ليس في ~~الحديث غير هذا ) يريد فإن ذلك شكر ومكافأة ا ه . وفي المقامة الثالثة ~~والأربعين ( حسبك يا شيخ فقد عرفت فنك ، واستبنت أنك ) أي أنك أبو زيد . ~~وقد مثل في ( شرح التسهيل ) لحذف خبر ( إن ) بهذه الآية . # وجملة : { وإنه لكتاب } الخ في موضع الحال من الذكر ، أي كفروا به في ~~حاله هذا ، ويجوز أن تكون الجملة عطفا على جملة : { إن الذين كفروا بالذكر ~~} على تقدير خبر { إن } المحذوف . وقد أجري على القرآن ستة أوصاف ما منها ~~واحد إلا وهو كمال عظيم : # الوصف الأول : أنه ذكر ، أي يذكر الناس كلهم بما يغفلون عنه مما في ~~الغفلة عنه فوات فوزهم . # الوصف الثاني من معنى الذكر : أنه ذكر للعرب وسمعة حسنة لهم بين الأمم ~~يخلد لهم مفخرة ms7320 عظيمة وهو كونه بلغتهم ونزل بينهم كما قال تعالى : { وإنه ~~لذكر لك ولقومك } ( الزخرف : 44 ) وفي قوله : { لما جاءهم } إشارة إلى هذا ~~المعنى الثاني . # الوصف الثالث : أنه كتاب عزيز ، والعزيز النفيس ، وأصله من العزة وهي ~~المنعة لأن الشيء النفسي يدافع عنه ويحمى عن النبذ فإنه بين الإتقان وعلو ~~المعاني ووضوح الحجة ومثل ذلك يكون عزيزا ، والعزيز أيضا : الذي يغلب ولا ~~يغلب ، وكذلك حجج القرآن . PageV24P308 # الوصف الرابع : أنه لا يتطرقه الباطل ولا يخالطه صريحه ولا ضمنيه ، أي لا ~~يشتمل على الباطل بحال . فمثل ذلك ب { من بين يديه ولا من خلفه } . # والمقصود استيعاب الجهات تمثيلا لحال انتفاء الباطل عنه في ظاهره وفي ~~تأويله بحال طرد المهاجم ليضر بشخص يأتيه من بين يديه فإن صده خاتله فأتاه ~~من خلفه ، وقد تقدم في قوله تعالى : { ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم ~~( الأعراف : 17 ) . # فمعنى : لا يأتيه الباطل } لا يوجد فيه ولا يداخله ، وليس المراد أنه لا ~~يدعى عليه الباطل . # الوصف الخامس : أنه مشتمل على الحكمة وهي المعرفة الحقيقية لأنه تنزيل من ~~حكيم ، ولا يصدر عن الحكيم إلا الحكمة : { ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا ~~كثيرا } ( البقرة : 269 ) فإن كلام الحكيم يأتي محكما متقنا رصينا لا يشوبه ~~الباطل . # الوصف السادس : أنه تنزيل من حميد ، والحميد هو المحمود حمدا كثيرا ، أي ~~مستحق الحمد الكثير ، فالكلام المنزل منه يستحق الحمد وإنما يحمد الكلام إذ ~~يكون دليلا للخيرات وسائقا إليها لا مطعن في لفظه ولا في معناه ، فيحمده ~~سامعه كثيرا لأنه يجده مجلبة للخير الكثير ، ويحمد قائله لا محالة خلافا ~~للمشركين . # وفي إجراء هذه الأوصاف إيماء إلى حماقة الذين كفروا بهذا القرآن وسفاهة ~~آرائهم إذ فرطوا فيه ففرطوا في أسباب فوزهم في الدنيا وفي الآخرة ولذلك جيء ~~بجملة الحال من الكتاب عقب ذكر تكذيبهم إياه فقال : { وإنه لكتاب عزيز } ~~الآيات . # . # استئناف بياني جواب لسؤال يثيره قوله : { إن الذين يلحدون في آياتنا لا ~~يخفون علينا } ( فصلت : 40 ) ، وقوله : { إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم ~~} ( فصلت : 41 ) وما ms7321 تخلل ذلك من الأوصاف فيقول سائل : فما بال هؤلاء طعنوا ~~فيه ؟ فأجيب بأن هذه سنة الأنبياء PageV24P309 مع أممهم لا يعدمون معاندين ~~جاحدين يكفرون بما جاءوا به . وإذا بنيت على ما جوزته سابقا أن يكون جملة : ~~{ ما يقال } خبر { إن ( فصلت : 41 ) كانت خبرا وليست استئنافا . # وهذا تسلية للنبيء بطريق الكناية وأمر له بالصبر على ذلك كما صبر من قبله ~~من الرسل بطريق التعريض . ولهذا الكلام تفسيران : # أحدهما : } أن ما يقوله المشركون في القرآن والنبي صلى الله عليه وسلم هو ~~دأب أمثالهم المعاندين من قبلهم فما صدق { ما قد قيل للرسل } هو مقالات ~~الذين كذبوهم ، أي تشابهت قلوب المكذبين فكانت مقالاتهم متماثلة قال تعالى ~~: { أتواصوا به } ( الذاريات : 53 ) . # التفسير الثاني : ما قلنا لك إلا ما قلناه للرسل من قبلك ، فأنت لم تكن ~~بدعا من الرسل فيكون لقومك بعض العذر في التكذيب ولكنهم كذبوا كما كذب ~~الذين من قبلهم ، فما صدق : { ما قد قيل للرسل } هو الدين والوحي فيكون من ~~طريقة قوله تعالى : { إن هذا لفي الصحف الأولى } ( الأعلى : 18 ) . وكلا ~~المعنيين وارد في القرآن فيحمل الكلام على كليهما . # وفي التعبير ب { ما } الموصولة وفي حذف فاعل القولين في قوله : { ما يقال ~~} وقوله : { ما قد قيل } نظم متين حمل الكلام هذين المعنيين العظيمين ، وفي ~~قوله : { إلا ما قد قيل للرسل } تشبيه بليغ . والمعنى : إلا مثل ما قد قيل ~~للرسل . # واجتلاب المضارع في { ما يقال } لإفادة تجدد هذا القول منهم وعدم ~~ارعوائهم عنه مع ظهور ما شأنه أن يصدهم عن ذلك . # واقتران الفعل ب { قد } لتحقيق أنه قد قيل للرسل مثل ما قال المشركون ~~للرسول صلى الله عليه وسلم فهو تأكيد للازم الخبر وهو لزوم الصبر على قولهم ~~. وهو منظور فيه إلى حال المردود عليهم إذ حسبوا أنهم جابهوا الرسول بما لم ~~يخطر ببال غيرهم ، وهذا على حد قوله تعالى : { كذلك ما أتى الذين من قبلهم ~~من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون أتواصوا به بل هم قوم طاغون } ( الذاريات ~~: 52 ، 53 ) . PageV24P310 # تسلية ms7322 للرسول صلى الله عليه وسلم ووعد بأن الله يغفر له . ووقوع هذا ~~الخبر عقب قوله : { ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك } يومىء إلى أن ~~هذا الوعد جزاء على ما لقيه من الأذى في ذات الله وأن الوعيد للذين آذوه ، ~~فالخبر مستعمل في لازمه . # ومعنى المغفرة له : التجاوز عما يلحقه من الحزن بما يسمع من المشركين من ~~أذى كثير . وحرف { إن } فيه لإفادة التعليل والتسبب لا للتأكيد . # وكلمة { ذو } مؤذنة بأن المغفرة والعقاب كليهما من شأنه تعالى وهو يضعهما ~~بحكمته في المواضع المستحقة لكل منهما . # ووصف العقاب ب { أليم } دون وصف آخر للاشارة إلى أنه مناسب لما عوقبوا ~~لأجله فإنهم آلموا نفس النبي صلى الله عليه وسلم بما عصوا وآذوا . # وفي جملة : { إن ربك لذو مغفرة وذو عقابب أليم } محسن الجمع ثم التقسيم ، ~~فقوله : { ما يقال لك } يجمع قائلا ومقولا له فكان الإيماء بوصف ( ذو مغفرة ~~) إلى المقول له ، ووصف { ذو عقاب أليم } إلى القائلين ، وهو جار على طريقة ~~اللف والنشر المعكوس وقرينة المقام ترد كلا إلى مناسبه . # . # اتصال نظم الكلام من أول السورة إلى هنا وتناسب تنقلاته بالتفريع والبيان ~~والاعتراض والاستطراد يقتضي أن قوله : { ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا } ~~إلى آخره تنقل في درج إثبات أن قصدهم العناد فيما يتعللون به ليواجهوا ~~إعراضهم عن القرآن والانتفاع بهديه بما يختلقونه عليه من الطعن فيه ~~والتكذيبب به ، وتكلف الأعذار الباطلة ليتستروا بذلك من الظهور في مظهر ~~المنهزم المحجوج ، فأخذ ينقض دعاويهم عروة عروة ، إذ ابتدئت السورة بتحديهم ~~بمعجزة القرآن بقوله : PageV24P311 { حم تنزيل من الرحمان الرحيم كتاب فصلت ~~ءاياته قرءانا عربيا } إلى قوله { فهم لا يسمعون } ( فصلت : 1 4 ) فهذا تحد ~~لهم ووصف للقرآن بصفة الإعجاز . # ثم أخذ في إبطال معاذيرهم ومطاعنهم بقوله : { وقالوا قلوبنا في أكنة مما ~~تدعونا إليه } ( فصلت : 5 ) ، فإن قولهم ذلك قصدوا به أن حجة القرآن غير ~~مقنعة لهم إغاظة منهم للنبيء صلى الله عليه وسلم ثم تمالئهم على الأعراض ~~بقوله : { وقال الذين كفروا لا ms7323 تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون ~~} ( فصلت : 26 ) وهو عجز مكشوف بقوله : { إن الذين يلحدون في ءاياتنا لا ~~يخفون علينا } ( فصلت : 40 ) وبقوله : { إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم } ~~( فصلت : 41 ) الآيات . فأعقبها بأوصاف كمال القرآن التي لا يجدون مطعنا ~~فيها بقوله : { وإنه لكتاب عزيز ( فصلت : 41 ) الآية . # وإذ قد كانت هذه المجادلات في أول السورة إلى هنا إبطالا لتعللاتهم ، ~~وكان عماده على أن القرآن عربي مفصل الدلالة المعروفة في لغتهم حسبما ~~ابتدىء الكلام بقوله : كتاب فصلت ءاياته قرءانا عربيا لقومم يعلمون } ( ~~فصلت : 3 ) وانتهي هنا بقوله : { وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين ~~يديه ولا من خلفه } ( فصلت : 41 ، 42 ) ، فقد نهضت الحجة عليهم بدلالته على ~~صدق الرسول صلى الله عليه وسلم من هذه الجهة فانتقل إلى حجة أخرى عمادها ~~الفرض والتقدير أن يكون قد جاءهم الرسول صلى الله عليه وسلم بقرآن من لغة ~~أخرى غير لغة العرب . # ولذلك فجملة : { ولو جعلناه قرءانا أعجميا } معطوفة على جملة : { وإنه ~~لكتاب عزيز ( فصلت : 41 ) على الاعتبارين المتقدمين آنفا في موقع تلك ~~الجملة . # ومعنى الآية متفرع على ما يتضمنه قوله : كتاب فصلت آياته قرءانا عربيا ~~لقوم يعلمون ( فصلت : 3 ) وقوله : قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي } ( ~~الكهف : 110 ) من التحدي بصفة الأمية كما علمت آنفا ، أي لو جئناهم بلون ~~آخر من معجزة الأمية فأنزلنا على الرسول قرآنا أعجميا ، وليس للرسول صلى ~~الله عليه وسلم علم بتلك اللغة من قبل ، لقلبوا معاذيرهم فقالوا : لولا ~~بينت آياته بلغة نفهمها وكيف يخاطبنا بكلام أعجمي . فالكلام جار على طريقة ~~الفرض كما هو مقتضى حرف { لو } الامتناعية . وهذا إبانة على أن هؤلاء القوم ~~لا تجدي معهم الحجة ولا ينقطعون عن المعاذير لأن جدالهم لا يريدون به تطلب ~~الحق وما هو إلا تعنت لترويج هواهم . PageV24P312 # ومن هذا النوع في الاحتجاج قوله تعالى : { ولو نزلناه على بعض الأعجمين ~~فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين } ( الشعراء : 198 ، 199 ) ، أي لو نزلناه ~~بلغة العرب على بعض الأعجمين فقرأه ms7324 عليهم بالعربية ، لاشتراك الحجتين في ~~صفة الأمية في اللغة المفروضض إنزال الكتاب بها ، إلا أن تلك الآية بينت ~~على فرض أن ينزل هذا القرآن على رسولل لا يعرف العربية ، وهذه الآية بنيت ~~على فرض أن ينزل القرآن على الرسول العربي صلى الله عليه وسلم بلغة غير ~~العربية . وفي هذه الآية إشارة إلى عموم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ~~للعرب والعجم فلم يكن عجبا أن يكون الكتاب المنزل عليه بلغة غير العرب لولا ~~أن في إنزاله بالعربية حكمة علمها الله ، فإن الله لما اصطفى الرسول صلى ~~الله عليه وسلم عربيا وبعثه بين أمة عربية كان أحق اللغات بأن ينزل بها ~~كتابه إليه العربية ، إذ لو نزل كتابه بغير العربية لاستوت لغات الأمم كلها ~~في استحقاق نزول الكتاب بها فأوقع ذلك تحاسدا بينها لأن بينهم من سوابق ~~الحوادث في التاريخ ما يثير الغيرة والتحاسد بينهم بخلاف العرب إذ كانوا في ~~عزلة عن بقية الأمم ، فلا جرم رجحت العربية لأنها لغة الرسول صلى الله عليه ~~وسلم ولغة القوم المرسل بينهم فلا يستقيم أن يبقى القوم الذين يدعوهم لا ~~يفقهون الكتاب المنزل إليهم . . # ولو تعددت الكتب بعدد اللغات لفاتت معجزة البلاغة الخاصة بالعربية لأن ~~العربية أشرف اللغات وأعلاها خصائص وفصاحة وحسن أداء للمعاني الكثيرة ~~بالألفاظ الوجيزة . ثم العرب هم الذين يتولون نشر هذا الدين بين الأمم ~~وتبيين معاني القرآن لهم . ووقع في ( تفسير الطبري ) عن سعيد بن جبير أنه ~~قال : قالت قريش : لولا أنزل هذا القرآن أعجميا وعربيا ؟ فأنزل الله : { ~~لولا فصلت ءاياته أعجمي وعربي } بهمزة واحدة على غير مذهب الاستفهام ا ه . ~~ولا أحسب هذا إلا تأويلا لسعيد بن جبير لأنه لم يسنده إلى راو ، ولم يرو عن ~~غيره فرأى أن الآية تنبىء عن جواب كلام صدر عن المشركين المعبر عنهم بضمير ~~{ لقالوا } . وسياق الآية ولفظها ينبو عن هذا المعنى ، وكيف و { لو } ~~الامتناعية تمتنع من تحمل هذا التأويل وتدفعه . PageV24P313 # وأما ما ذكره في ( الكشاف ) : ( أنهم كانوا لتعنتهم يقولون : هلا نزل ~~القرآن ms7325 بلغة العجم ؟ فقيل : لو كان كما يقترحون لم يتركوا الاعتراض والتعنت ~~، وقالوا : لولا فصلت آياته الخ ) . فلم نقف على من ذكر مثله من المفسرين ~~وأصحاب أسباب النزول وما هو إلا من صنف ما روي عن سعيد . ولو كان كذلك لكان ~~نظم الآية : وقالوا لولا فصلت آياته ، ولم يكن على طريقة { لو } وجوابها . ~~ولا يظن بقريش أن يقولوا ذلك إلا إذا كان على سبيل التهكم والاستهزاء . # وضمير { جعلناه } عائد إلى { الذكر في قوله : إن الذين كفروا بالذكر ( ~~فصلت : 41 ) . # وقوله : أعجمي وعربي } بقية ما يقولونه على فرض أن يجعل القرآن أعجميا ، ~~أي أنهم لا يخلون من الطعن في القرآن على كل تقدير . # و { لولا } حرف تحضيض . # ومعنى : { فصلت } هنا : بينت ووضحت ، أي لولا جعلت آياته عربية نفهمها . # والواو في قوله : { وعربي } للعطف بمعنى المعية . والمعنى : وكيف يلتقي ~~أعجمي وعربي ، أي كيف يكون اللفظ أعجميا والمخاطب به عربيا كأنهم يقولون : ~~أيلقى لفظ أعجمي إلى مخاطب عربي . # ومعنى : { قوآنا } كتابا مقروءا . وورد في الحديث تسمية كتاب داود عليه ~~السلام قرآنا ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم إن داود يسر له القرآن فكان ~~يقرأ القرآن كله في حين يسرج له فرسه ( أو كما قال ) . # والأعجمي : المنسوب إلى أعجم ، والأعجم مشتق من العجمة وهي الإفصاح ، ~~فالأعجم : الذي لا يفصح باللغة العربية ، وزيادة الياء فيه للوصف نحو : ~~أحمري ودواري . فالأعجمي من صفات الكلام . # وأفرد { وعربي } على تأويله بجنس السامع ، والمعنى : أكتاب عربي لسامعين ~~عرب فكان حق { عربي أن يجمع ولكنه أفرد لأن مبنى الإنكار على تنافر حالتي ~~الكتاب والمرسل إليهم ، فاعتبر فيه الجنس دون أن ينظر إلى إفراد ، أو جمع . ~~PageV24P314 وحاصل معنى الآية : أنها تؤذن بكلام مقدر داخل في صفات الذكر ، ~~وهو أنه بلسان عربي بلغتكم إتماما لهديكم فلم تؤمنوا به وكفرتم وتعللتم ~~بالتعللات الباطلة فلو جعلناه أعجميا لقلتم : هلا بينت لنا حتى نفهمه . # } # هذا جواب تضمنه قوله : { ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسلل من قبلك } ( ~~فصلت : 43 ) ، أي ما يقال من الطعن في ms7326 القرآن ، فجوابه : أن ذلك الذكر أو ~~الكتاب للذين آمنوا هدى وشفاء ، أي أن تلك الخصال العظيمة للقرآن حرمهم ~~كفرهم الانتفاع بها وانتفع بها المؤمنون فكان لهم هديا وشفاء . وهذا ناظر ~~إلى ما حكاه عنهم من قولهم : { قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا ~~وقر } ( فصلت : 5 ) ، فهو إلزام لهم بحكم على أنفسهم . # وحقيقة الشفاء : زوال المرض وهو مستعار هنا للبصارة بالحقائق وانكشاف ~~الالتباس من النفس كما يزول المرض عند حصول الشفاء ، يقال : شفيت نفسه ، ~~إذا زال حرجه ، قال قيس بن زهير : # شفيت النفس من حملل بنن بدر # وسيفي من حذيفة قد شفاني # ونظيره قولهم : شفي غليله ، وبرد غليله ، فإن الكفر كالداء في النفس لأنه ~~يوقع في العذاب ويبعث على السيئات . # وجملة : { والذين لا يؤمنون } الخ معطوفة على جملة : { هو للذين ءامنوا ~~هدى } فهي مستأنفة استئنافا ابتدائيا ، أي وأما الذين لا يؤمنون فلا تتخلل ~~آياته نفوسهم لأنهم كمن في آذانهم وقر دون سماعه ، وهو ما تقدم في حكاية ~~قولهم : { وفي آذاننا وقر } ( فصلت : 5 ) ، ولهذا الاعتبار كان معنى الجملة ~~متعلقا بأحوال القرآن مع الفريق غير المؤمن من غير تكلف لتقدير جعل الجملة ~~خبرا عن القرآن . PageV24P315 ويجوز أن تكون الجملة خبرا ثانيا عن ضمير ~~الذكر ، أي القرآن ، فتكون من مقول القول وكذلك جملة { وهو عليهم عمى } . # والإخبار عنه ب { وقر } و { عمى } تشبيه بليغ ووجه الشبه هو عدم الانتفاع ~~به مع سماع ألفاظه ، والوقر : داء فمقابلته بالشفاء من محسن الطباق . # وضمير { وهو عليهم عمى } يتبادر أنه عائد إلى الذكر أو الكتاب كما عاد ~~ضمير { هو } { للذين ءامنوا هدى } . والعمى : عدم البصر ، وهو مستعار هنا ~~لضد الاهتداء فمقابلته بالهدى فيها محسن الطباق . # والإسناد إلى القرآن على هذا الوجه في معاد الضمير بأنه عليهم عمى من ~~الإسناد المجازي لأن عنادهم في قبوله كان سببا لضلالهم فكان القرآن سبب ~~سببب ، كقوله تعالى : { وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم } ~~( التوبة : 125 ) . # ويجوز أن يكون ضمير { وهو } ضمير شأن تنبيها على فظاعة ضلالهم ms7327 . وجملة { ~~عليهم عمى } خبر ضمير الشأن ، أي وأعظم من الوقر أن عليهم عمى ، أي على ~~أبصارهم عمى كقوله : { وعلى أبصارهم غشاوة } ( البقرة : 7 ) . # وإنما علق العمى بالكون على ذواتهم لأنه لما كان عمى مجازيا تعين أن ~~مصيبته على أنفسهم كلها لا على أبصارهم خاصة فإن عمى البصائر أشد ضرا من ~~عمى الأبصار كقوله تعالى : { فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي ~~في الصدور } ( الحج : 46 ) . # وجملة { أولائك ينادون من مكانن بعيد } خبر ثالث عن { الذين لا يؤمنون } ~~. والكلام تمثيل لحال إعراضهم عن الدعوة عند سماعها بحال من ينادى من مكان ~~بعيد لا يبلغ إليه في مثله صوت المنادي على نحو قوله تعالى : { ومثل الذين ~~كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع } كما تقدم في سورة البقرة . وتقول العرب ~~لمن لا يفهم : أنت تنادى من مكان بعيد . والإشارة ب { أولائك } إلى { الذين ~~لا يؤمنون } لقصد التنبيه على أن المشار PageV24P316 إليهم بعد تلك الأوصاف ~~أحرياء بما سيذكر بعدها من الحكم من أجلها نظير { أولئك على هدى من ربهم } ~~( البقرة : 5 ) . # ويتعلق { من مكانن بعيد } ب { ينادون } . وإذا كان النداء من مكان بعيد ~~كان المنادى ( بالفتح ) في مكان بعيد لا محالة كما تقدم في تعلق { من الأرض ~~} ، بقوله : { ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض } ( الروم : 25 ) أي دعاكم من ~~مكانكم في الأرض ، ويذلك يجوز أن يكون { من مكانن بعيد } ظرفا مستقرا في ~~موضع الحال من ضمير { ينادون } وذلك غير متأت في قوله : { إذا دعاكم دعوة ~~من الأرض } . # . # اعتراض بتسلية للنبيء صلى الله عليه وسلم على تكذيب المشركين وكفرهم ~~بالقرآن بأنه ليس بأوحد في ذلك فقد أوتي موسى التوراة فاختلف الذين دعاهم ~~في ذلك ، فمنهم من آمن به ومنهم من كفر . # والمقصود الاعتبار بالاختلاف في التوراة فإنه أشد من الاختلاف في القرآن ~~فالاختلاف في التوراة كان على نوعين : اختلاف فيها بين مؤمن بها وكافر ، ~~فقد كفر بدعوة موسى فرعون وقومه وبعض بني إسرائيل مثل قارون ومثل الذين ~~عبدوا العجل في مغيب موسى للمناجاة ms7328 ، واختلاف بين المؤمنين بها اختلافا ~~عطلوا به بعض أحكامها كما قال تعالى : { ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم ~~من كفر } ( البقرة : 253 ) ، وكلا الاختلافين موضع عبرة وأسوة لاختلاف ~~المشركين في القرآن . وهذا ما عصم الله القرآن من مثله إذ قال : { وإنا له ~~لحافظون } ( يوسف : 12 ) فالتسلية للرسول صلى الله عليه وسلم بهذا أوقع ، ~~وهذا ناظر إلى قوله آنفا : { ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك } ( ~~فصلت : 43 ) على الوجه الثاني من معنييه بذكر فرد من أفراد ذلك العموم وهو ~~الأعظم الأهم . # هذا متعلق بالذين كذبوا بالقرآن من العرب لأن قوله : { لقضي بينهم } ~~يقتضي PageV24P317 أن الله أخر القضاء بينهم وبين المؤمنين إلى أجل اقتضته ~~حكمته ، فأما قوم موسى فقد قضى بينهم باستئصال قوم فرعون ، وبتمثيل ~~الأشوريين باليهود بعد موسى ، وبخراب بيت المقدس ، وزوال ملك إسرائيل آخرا ~~. وهذا الكلام داخل في إتمام التسلية للرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ~~في استبطاء النصر . # والكلمة هي كلمة الإمهال إلى يوم القيامة بالنسبة لبعض المكذبين ، ~~والإمهالل إلى يوم بدر بالنسبة لمن صرعوا ببدر . # والتعبير عن الجلالة بلفظ { ربك } لما في معنى الرب من الرأفة به ~~والانتصار له ، ولما في الإضافة إلى ضمير الرسول صلى الله عليه وسلم من ~~التشريف . وكلا الأمرين تعزيز للتسلية . # ولك أن تجعل كلمة ( بين ) دالة على أخرى مقدرة على سبيل إيجاز الحذف . ~~والتقدير : بينهم وبين المؤمنين ، أي بما يظهر به انتصار المؤمنين ، فإنه ~~يكثر أن يقال : بين كذا وبين كذا ، قال تعالى : { وحيل بينهم وبين ما ~~يشتهون } ( سبأ : 54 ) . # ومعنى { سبقت } أي تقدمت في علمه على مقتضى حكمته وإرادته . # والأجل المسمى : جنس يصدق بكل ما أجل به عقابهم في علم الله . وأما ضمير ~~{ وإنهم لفي شك منه مريب } فهو خاص بالمشركين الشاكين في البعث والشاكين في ~~أن الله ينصر رسوله والمؤمنين . # والريب : الشك ، فوصف { شك } ب { مريب } من قبيل الإسناد المجازي لقصد ~~المبالغة بأن اشتق له من اسمه وصف كقولهم : ليل أليل وشعر شاعر . # هذا من مكملات التسلية ms7329 ومن مناسبات ذكر الأجل المسمى . وفيه معنى التذييل ~~لأن { من } في الموضعين مفيدة للعموم سواء اعتبرت شرطية أو PageV24P318 ~~موصولة . ووجود الفاء في الموضعين : إما لأنهما جوابان للشرط ، وإما ~~لمعاملة الموصول معاملة الشرط وهو استعمال كثير . والمعنى : أن الإمهال ~~إعذار لهم ليتداركوا أمرهم . # وتقديم قريب من هذه الآية في سورة الزمر ، كما تقدم نظير { وما ربك ~~بظلامم للعبيد } لفظا ومعنى في سورة غافر . # وحرف ( على ) مؤذن بمؤاخذة وتحمل أعباء كما أن اللام في قوله : { فلنفسه ~~} مؤذن بالعطاء . # والخطاب في { ربك } للرسول صلى الله عليه وسلم وفيه ما تقدم من تعزيز ~~تسليته عند قوله آنفا : { ولولا كلمة سبقت من ربك } ( فصلت : 45 ) من ~~العدول إلى لفظ الرب المضاف إلى ضمير المخاطب . # والمراد بنفي الظلم عن الله تعالى لعبيده : أنه لا يعاقب من ليس منهم ~~بمجرم ، لأن الله لما وضع للناس شرائع وبين الحسنات والسيئات ، ووعد وأوعد ~~فقد جعل ذلك قانونا ، فصار العدول عنه إلى عقاب من ليس بمجرم ظلما إذ الظلم ~~هو الاعتداء على حق الغير في القوانين المتلقاة من الشرائع الإلهية أو ~~القوانين الوضعية المستخرجة من العقول الحكيمة . وأما صيغة ( ظلام ) ~~المقتضية المبالغة في الظلم فهي معتبرة قبل دخول النفي على الجملة التي ~~وقعت هي فيها كأنه قيل : ليعذب الله المسيء لكان ظلاما له وما هو بظلام ، ~~وهذا معنى قول علماء المعاني : إن النفي إذا توجه إلى كلام مقيد قد يكون ~~النفي نفيا للقيد وقد يكون القيد قيدا في النفي ومثلوه بهذه الآية . وهذا ~~استعمال دقيق في الكلام البليغ في نفي الوصف المصوغ بصيغة المبالغة من تمام ~~عدل الله تعالى أن جعل كل درجات الظلم في رتبة الظلم الشديد . PageV24P319 # ( 47 ، 48 ) { } # . # كانوا إذا أنذروا بالبعث وساعته استهزأوا فسألوا عن وقتها ، وكان ذلك مما ~~يتكرر منهم ، قال تعالى : { يسألونك عن الساعة أيان مرساها } ( الأعراف : ~~187 ) فلما جرى ذكر دليل إحياء الموتى وذكر إلحاد المشركين في دلالته ~~بسؤالهم عنها استهزاء انتقل الكلام إلى حكاية سؤالهم تمهيدا للجواب عن ~~ظاهره وتقديم المجرور على متعلقه ms7330 لإفادة الحصر ، أي إلى الله يفوض علم ~~الساعة لا إلي ، فهو قصر قلب . ورد عليهم بطريق الأسلوب الحكيم ، أي الأجدر ~~أن تعلموا أن لا يعلم أحد متى الساعة وأن تؤمنوا بها وتستعدوا لها . ومثله ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم وسأله رجل من المسلمين : متى الساعة ؟ فقال ~~له : ( ماذا أعددت لها ) ، أي استعدادك لها أولى بالاعتناء من أن تسأل عن ~~وقتها . # والرد : الإرجاع وهو مستعمل لتفويض علم ذلك إلى الله والتبرؤ من أن يكون ~~للمسؤول علم به ، فكأنه جيء بالسؤال إلى النبيء صلى الله عليه وسلم فرده ~~إلى الله . وفي حديث موسى مع الخضر في ( الصحيح ) ( فعاتب الله موسى أن لم ~~يرد العلم إليه ) وقال تعالى : { ولو ردوه إلى الرسول } ( النساء : 83 ) ~~الآية . وعطف جملة { وما تخرج من ثمرات من أكمامها } وما بعدها توجيه لصرف ~~العلم بوقت الساعة إلى الله بذكر نظائر لا يعلمها الناس ، وليس علم الساعة ~~PageV25P005 بأقرب منها فإنها أمور مشاهدة ولا يعلم تفصيل حالها إلا الله ، ~~أي فليس في عدم العلم بوقت الساعة حجة على تكذيب من أنذر بها ، لأنهم قالوا ~~: { متى هذا الوعد إن كنتم صادقين } ( يس : 48 ) ، أي إن لم تبين لنا وقته ~~فلست بصادق . فهذا وجه ذكر تلك النظائر ، وهي ثلاثة أشياء : # أولها : علم ما تخرجه أكمام النخيل من الثمر بقدره وجودته وثباته أو ~~سقوطه ، وضمير { أكمامها } راجع إلى الثمرات . والأكمام : جمع كم بكسر ~~الكاف وتشديد الميم وهو وعاء الثمر وهو الجف الذي يخرج من النخلة محتويا ~~على طلع الثمر . # ثانيها : حمل الأنثى من الناس والحيوان ، ولا يعلم التي تلقح من التي لا ~~تلقح إلا الله . # ثالثها : وقت وضع الأجنة فإن الإناث تكون حوامل مثقلة ولا يعلم وقت وضعها ~~باليوم والساعة إلا الله . # وعدل عن إعادة حرف { ما } مرة أخرى للتفادي من ذكر حرف واحد ثلاث مرات ~~لأن تساوي هذه المنفيات الثلاثة في علم الله تعالى وفي كون أزمان حصولها ~~سواء بالنسبة للحال وللاستقبال يسد علينا باب ادعاء الجمهور الفرق بين { ما ~~} و ( لا ms7331 ) في تخليص المضارع لزمان الحال مع حرف { ما } وتخليصه للاستقبال ~~مع حرف ( لا ) . ويؤيد رد ابن مالك عليهم فإن الحق في جانب قول ابن مالك . ~~وحرف { من } بعد مدخولي { ما } في الموضعين لإفادة عموم النفي ويسمى حرفا ~~زائدا . # والباء في { بعلمه } للملابسة . وتقدم نظيره في سورة فاطر . # وقرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم { ثمرات } بالجمع . وقرأه الباقون { ~~ثمرة } واحدة الثمرات . PageV25P006 # . # عطف على الجملة قبلها فإنه لما تضمن قوله : { إليه يرد علم الساعة } ~~إبطال شبهتهم بأن عدم بيان وقتها يدل على انتفاء حصولها ، وأتبع ذلك بنظائر ~~لوقت الساعة مما هو جار في الدنيا دوما عاد الكلام إلى شأن الساعة على وجه ~~الإنذار مقتضيا إثبات وقوع الساعة بذكر بعض ما يلقونه في يومها . # و { يوم } متعلق بمحذوف شائعع حذفه في القرآن ، تقديره : واذكر يوم ~~يناديهم . # والضمير في ( ينادي ) عائد إلى { ربك في قوله وما ربك بظلام للعبيد } ( ~~فصلت : 46 ) ، والنداء كناية عن الخطاب العلني كقوله : { ينادونهم ألم نكن ~~معكم } ( الحديد : 14 ) . وقد تقدم الكلام على النداء عند قوله تعالى : { ~~ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان } في آل عمران ، وقوله : { ونودوا أن ~~تلكم الجنة أورثتموها } في سورة الأعراف . # وجملة { أين شركائي } يصح أن يكون مقول قول محذوف كما صرح به في آية أخرى ~~{ ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون } ( القصص : 74 ) { ~~ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين } ( القصص : 65 ) . وحذف القول ليس ~~بعزيز . # ويصح أن تكون مبينة لما تضمنه { يناديهم } من معنى الكلام المعلن به . ~~وجاءت جملة { قالوا آذناك } غير معطوفة لأنها جارية على طريقة حكاية ~~المحاورات كما تقدم عند قوله تعالى : { وإذ قال ربك للملائكة } إلى قوله : ~~{ ما لا تعلمون } ( البقرة : 30 ) . # و { آذناك } أخبرناك وأعلمناك . وأصل هذا الفعل مشتق من الاسم الجامد وهو ~~الأذن بضم الهمزة وسكون الذال وقال تعالى : { فقل آذنتكم على سواء } ( ~~الأنبياء : 109 ) ، وقال الحارث بن حلزة : PageV25P007 # أذنتنا ببينها أسماء # وصيغة الماضي في { آذناك } إنشاء فهو بمعنى الحال مثل : بعت وطلقت ، أي ~~نأذنك ونقر بأنه ms7332 ما منا من شهيد . # والشهيد يجوز أن يكون بمعنى المشاهد ، أي المبصر ، أي ما أحد منا يرى ~~الذين كنا ندعوهم شركاءك الآن ، أي لا نرى واحدا من الأصنام التي كنا ~~نعبدها فتكون جملة { وضل عنهم ما كانوا يدعون } في موضع الحال ، والواو واو ~~الحال . ويجوز أن يكون الشهيد بمعنى الشاهد ، أي ما منا أحد يشهد أنهم ~~شركاؤك ، فيكون ذلك اعترافا بكذبهم فيما مضى ، وتكون جملة { وضل عنهم } ~~معطوفة على جملة { قالوا آذناك } ، أي قالوا ذلك ولم يجدوا واحدا من ~~أصنامهم . وفعل { آذناك } معلق عن العمل لورود النفي بعده . # و { ضل } : حقيقته غاب عنهم ، أي لم يجدوا ما كانوا يدعونهم من قبل في ~~الدنيا ، قال تعالى : { بل ضلوا عنهم } ( الأحقاف : 28 ) . فالمراد به هنا ~~: غيبة أصنامهم عنهم وعدم وجودها في تلك الحضرة بقطع النظر عن كونها ملقاة ~~في جهنم أو بقيت في العالم الدنيوي حين فنائه . وإذ لم يجدوا ما كانوا ~~يزعمونه فقد علموا أنهم لا محيص لهم ، أي لا ملجأ لهم من العذاب الذي ~~شاهدوا إعداده ، فالظن هنا بمعنى اليقين . # والمحيص مصدر ميمي أو اسم مكان من : حاص يحيص ، إذا هرب ، أي ما لهم مفر ~~من النار . PageV25P008 # ( 49 ، 50 ) # . # اعتراض بين أجزاء الوعيد . والمعنى : وعلموا ما لهم من محيص . وقد كانوا ~~إذا أصابتهم نعماء كذبوا بقيام الساعة فجملة { لا يسأم الإنسان من دعاء ~~الخير } إلى قوله : { قنوط } تمهيد لجملة { ولئن أذقناه رحمة منا } الخ . . ~~. # وموقع هذه الآيات عقب قوله { ويوم يناديهم أين شركائي قالوا آذناك } ( ~~فصلت : 47 ) الخ يقتضي مناسبة في النظم داعية إلى هذا الاعتراض فتلك قاضية ~~بأن الإنسان المخبر عنه بأنه لا يسأم من دعاء الخير وما عطف عليه هو من صنف ~~الناس الذين جرى ذكر قصصهم قبل هذه الآية وهم المشركون ، فإما أن يكون ~~المراد فريقا من نوع الإنسان ، فيكون تعريف { الإنسان } تعريف الجنس العام ~~لكن عمومه عرفي بالقرينة وهو الممثل له في علم المعاني بقولك : جمع الأمير ~~الصاغة . وإما أن يكون المراد إنسانا معينا من هذا ms7333 الصنف فيكون التعريف ~~تعريف العهد . كما أن الإخبار عن الإنسان بأنه يقول : ما أظن الساعة قائمة ~~، صريح أن المخبر عنه من المشركين معينا كان أو عاما عموما عرفيا . فقيل ~~المراد بالإنسان : المشركون كلهم ، وقيل أريد به مشرك معين ، قيل هو الوليد ~~بن المغيرة ، وقيل عتبة بن ربيعة . وأيا ما كان فالإخبار عن إنسان كافر . # ومحمل الكلام البليغ يرشد إلى أن إناطة هذه الأخبار بصنف من المشركين أو ~~بمشرك معين بعنوان إنسان يومىء بأن للجبلة الإنسانية أثرا قويا في الخلق ~~الذي منه هذه العقيدة إلا من عصمه الله بوازع الإيمان . فأصل هذا الخلق أمر ~~مرتكز في نفس الإنسان ، وهو التوجه إلى طلب الملائم والنافع ونسيان ما عسى ~~أن يحل به من المؤلم والضار ، فبذلك يأنس بالخير إذا حصل له فيزداد من ~~السعي لتحصيله ويحسبه كالملازم الذاتي فلا يتدبر في معطيه حتى يشكره ويسأله ~~المزيد تخضعا ، PageV25P009 وينسى ما عسى أن يطرأ عليه من الضر فلا يستعد ~~لدفعه عن نفسه بسؤال الفاعل المختار أن يدفعه عنه ويعيذه منه . فأما أن ~~الإنسان لا يسأم من دعاء الخير فمعناه : أنه لا يكتفي ، فأطلق على الاكتفاء ~~والاقتناع السآمة ، وهي الملل على وجه الاستعارة بتشبيه استرسال الإنسان في ~~طلب الخير على الدوام بالعمل الدائم الذي شأنه أن يسأم منه عامله فنفي ~~السآمة عنه رمز للاستعارة . # وفي الحديث : ( لو أن لابن آدم واديين من ذهب لأحب لهما ثالثا ، ولو أن ~~له ثلاثة لأحب لهما رابعا ، ولا يملأ عين ابن آدم إلا التراب ) ، وقال ~~تعالى : { وإنه لحب الخير لشديد } ( العاديات : 8 ) . # والدعاء : أصله الطلب بالقول ، وهو هنا مجاز في الطلب مطلقا فتكون إضافته ~~إلى الخير من إضافة المصدر إلى ما في معنى المفعول ، أي الدعاء بالخير أو ~~طلب الخير . ويجوز أن يكون الدعاء استعارة مكنية ، شبه الخير بعاقل يسأله ~~الإنسان أن يقبل عليه ، فإضافة الدعاء من إضافة المصدر إلى مفعوله . # وأما أن الإنسان يؤوس قنوط إن مسه الشر فذلك من خلق قلة صبر الإنسان على ~~ما يتعبه ويشق عليه ms7334 فيضجر إن لحقه شر ولا يوازي بين ما كان فيه من خير ~~فيقول : لئن مسني الشر زمنا لقد حل بي الخير أزمانا ، فمن الحق أن أتحمل ما ~~أصابني كما نعمت بما كان لي من خير ، ثم لا ينتظر إلى حين انفراج الشر عنه ~~وينسى الإقبال على سؤال الله أن يكشف عنه الضر بل ييأس ويقنط غضبا وكبرا ~~ولا ينتظر معاودة الخير ظاهرا عليه أثر اليأس بانكسار وحزن . واليأس فعل ~~قلبي هو : اعتقاد عدم حصوله الميؤوس منه . # والقنوط : انفعال يدني من أثر اليأس وهو انكسار وتضاؤل . ولم يذكر هنا ~~أنه ذو دعاء لله كما ذكر في قوله الآتي : { وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض } ~~( فصلت : 51 ) . لأن المقصود أهل الشرك وهم إنما ينصرفون إلى أصنامهم . ~~PageV25P010 وقد جاءت تربية الشريعة للأمة على ذم القنوط ، قال تعالى حكاية ~~عن إبراهيم { قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون } ( الحجر : 56 ) ، وفي ~~الحديث ( انتظار الفرج بعد الشدة عبادة ) . # فالآية وصفت خلقين ذميمين : أحدهما خلق البطر بالنعمة والغفلة عن شكر ~~الله عليها . وثانيهما اليأس من رجوع النعمة عند فقدها . وفي نظم الآية ~~لطائف من البلاغة : # الأولى : التعبير عن دوام طلب النعمة بعدم السآمة كما علمته . # الثانية : التعبير عن محبة الخير بدعاء الخير . # الثالثة : التعبير عن إضافة الضر بالمس الذي هو أضعف إحساس الإصابة قال ~~تعالى : { لا يمسهم السوء } ( الزمر : 61 ) . # الرابعة : اقتران شرط مس الشر ب { إن } التي من شأنها أن تدخل على النادر ~~وقوعه فإن إصابة الشر الإنسان نادرة بالنسبة لما هو مغمور به من النعم . # الخامسة : صيغة المبالغة في { يؤوس } . # السادسة : إتباع { يؤوس } ب { قنوط } الذي هو تجاوز إحساس اليأس إلى ظاهر ~~البدن بالانكسار ، وهو من شدة يأسه ، فحصلت مبالغتان في التعبير عن يأسه ~~بأنه اعتقاد في ضميره وانفعال في سحناته . فالمشرك يتأصل فيه هذا الخلق ~~ويتزايد باستمرار الزمان . والمؤمن لا تزال تربية الإيمان تكفه عن هذا ~~الخلق حتى يزول منه أو يكاد . # ثم بينت الآية خلقا آخر في الإنسان وهو أنه إذا ms7335 زال عنه كربه وعادت إليه ~~النعمة نسي ما كان فيه من الشدة ولم يتفكر في لطف الله به فبطر النعمة ، ~~وقال : قد استرجعت خيراتي بحيلتي وتدبيري ، وهذا الخير حق لي حصلت عليه ، ~~ثم إذا كان من أهل الشرك وهم المتحدث عنهم تراه إذا سمع إنذار النبي صلى ~~الله عليه وسلم بقيام الساعة أو هجس في نفسه هاجس عاقبة هذه الحياة قال لمن ~~يدعوه إلى العمل ليوم PageV25P011 الحساب أو قال في نفسه { ما أظن الساعة ~~قائمة } ولئن فرضت قيام الساعة على احتمال ضعيف فإني سأجد عند الله ~~المعاملة بالحسنى لأني من أهل الثراء والرفاهية في الدنيا فكذلك سأكون يوم ~~القيامة . وهذا من سوء اعتقادهم أن يحسبوا أحوال الدنيا مقارنة لهم في ~~الآخرة ، كما حكى الله تعالى عن العاصي بن وائل حين اقتضاه خباب بن الأرت ~~مالا له عنده من أجر صناعة سيف فقال له : حتى تكفر بمحمد ؟ فقال خباب : لا ~~أكفر بمحمد حتى يميتك الله ويبعثك ، فقال : أو إني لميت فمبعوث ؟ قال : نعم ~~. فقال : لئن بعثني الله فسيكون لي مالي فأقضيك ، فأنزل الله تعالى : { ~~أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا } الآيات من سورة مريم . # ولعل قوله : { ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى } إنما هو على سبيل ~~الاستهزاء كما في مقالة العاصي بن وائل . وذكر إنكار البعث هنا إدماج بذكر ~~أحوال الإنسان المشرك في عموم أحوال الإنسان . # وجيء في حكاية قوله { ولئن رجعت } بحرف ( إن ) الشرطية التي يغلب وقوعها ~~في الشرط المشكوك وقوعه لأنه جعل رجوعه إلى الله أمرا مفروضا ضعيف الاحتمال ~~. وأما دخول اللام الموطئة للقسم عليه فمورد التحقيق بالقسم هو حصول الجواب ~~لو حصل الشرط . # وكذلك التأكيد ب { إن } ولام الابتداء مورده هو جواب الشرط ، وكذلك تقديم ~~{ لي } و { عنده } على اسم { إن } هو لتقوي ترتب الجواب على الشرط . # والحسنى : صفة لموصوف محذوف ، أي الحالة الحسنى ، أو المعاملة الحسنى . ~~والأظهر أن الحسنى صارت اسما للإحسان الكثير أخذا من صيغة التفضيل . # واعلم أن الإنسان متفاوتة أفراده في ms7336 هذا الخلق المعزو إليه هنا على تفاوت ~~أفراده في الغرور ، ولما كان أكثر الناس يومئذ المشركين كان هذا الخلق ~~فاشيا فيهم PageV25P012 يقتضيه دين الشرك . ولا نظر في الآية لمن كان يومئذ ~~من المسلمين لأنهم النادر ، على أن المسلم قد يخامره بعض هذا الخلق وترتسم ~~فيه شيات منه ولكن إيمانه يصرفه عنه انصرافا بقدر قوة إيمانه ، ومعلوم أنه ~~لا يبلغ به إلى الحد الذي يقول { وما أظن الساعة قائمة } ، ولكنه قد تجري ~~أعمال بعض المسلمين على صورة أعمال من لا يظن أن الساعة قائمة مثل أولئك ~~الذين يأتون السيئات ثم يقولون : إن الله غفور رحيم ، والله غني عن عذابنا ~~، وإذا ذكر لهم يوم الجزاء قالوا : ما ثم إلا الخير ونحو ذلك ، فجعل الله ~~في هذه الآية مذمة للمشركين وموعظة للمؤمنين كمدا للأولين وانتشالا للآخرين ~~. # . # تفريع على جملة { ويوم يناديهم أين شركائي } ( فصلت : 47 ) وما اتصل بها ~~أي فلنعلمنهم بما عملوا علنا يعلمون به أنا لا يخفى علينا شيء مما عملوه ~~وتقريعا لهم . # وقول : { الذين كفروا } إظهار في مقام الإضمار ، ومقتضى الظاهر أن يقال : ~~ولننبئنهم بما عملوا ، فعدل إلى الموصول وصلته لما تؤذن به الصلة من علة ~~استحقاقهم الإذاقة بما عملوا وإذاقة العذاب . وقوله : { ولنذيقنهم من عذاب ~~غليظ } هو المقصود من التفريع . # والغليظ حقيقته : الصلب ، قال تعالى : { فاستغلظ فاستوى على سوقه } ( ~~الفتح : 29 ) ، وهو هنا مستعار للقوي في نوعه ، أي عذاب شديد الإيلام ~~والتعذيب ، كما استعير للقساوة في المعاملة في قوله { واغلظ عليهم } ( ~~التوبة : 73 ) وقوله : { وليجدوا فيكم غلظة } ( التوبة : 123 ) . # والإذاقة : مجاز في مطلق الإصابة في الحس لإطماعهم أنها إصابة خفيفة ~~كإصابة الذوق باللسان . وهذا تجريد للمجاز كما أن وصفه بالغليظ تجريد ثان ~~فحصل من ذلك ابتداء مطمع وانتهاء مؤيس . PageV25P013 # هذا وصف وتذكير بضرب آخر من طغيان النفس الإنسانية غير خاص بأهل الشرك بل ~~هو منبث في جميع الناس على تفاوتت إلا من عصم الله . وهو توصيف لنزق النفس ~~الإنساني وقلة ثباته فإذا أصابته السراء طغا وتكبر ونسي شكر ربه نسيانا ms7337 ~~قليلا أو كثيرا وشغل بلذاته ، وإذا أصابته الضراء لم يصبر وجزع ولجأ إلى ~~ربه يلح بسؤال كشف الضراء عنه سريعا . وفي ذكر هذا الضرب تعرض لفعل الله ~~وتقديره الخلتين السراء والضراء . وهو نقد لسلوك الإنسان في الحالتين ~~وتعجيب من شأنه . ومحل النقد والتعجيب من إعراضه ونأيه بجانبه واضح ، وأما ~~محل الانتقاد والتعجيب من أنه ذو دعاء عريض عندما يمسه الشر فهو من حيث لم ~~يتذكر الإقبال على دعاء ربه إلا عندما يمسه الشر وكان الشأن أن لا يغفل عن ~~ذلك في حال النعمة فيدعو بدوامها ويشكر ربه عليها وقبولل شكره لأن تلك ~~الحالة أولى بالعناية من حالة مس الضر . # وأما ما تقدم من قوله : { لا يسأم الإنسان من دعاء الخير إلى قوله : ~~للحسنى } ( فصلت : 49 ، 50 ) فهو وصف لضرب آخر أشد ، وهو خاص بأهل الشرك ~~لما وقع فيه من قوله : { وما أظن الساعة قائمة } ( الكهف : 36 ) ، فليس ~~قوله : { وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونئا بجانبه } الخ تكريرا مع قوله : ~~{ لا يسأم الإنسان } ( فصلت : 49 ) الآية . فهذا التفنن في وصف أحوال ~~الإنسان مع ربه هو الذي دعا إلى ما اشتمل عليه قوله : { وإذا أنعمنا } من ~~بعض التكرير لما ذكر في الضرب المتقدم لزيادة تقريره ، وللإشارة إلى اختلاف ~~الحالتين باعتبار الشرك وعدمه مع اتحادهما في مثار الجبلة الإنسانية ، ~~وباعتبار ما قدره الله للإنسان . # والإعراض : الانصراف عن شيء ، وهو مستعار هنا للغفلة عن شكر المنعم أو ~~التعمد لترك الشكر . PageV25P014 # ومتعلق فعل { أعرض } محذوف لدلالة السياق عليه ، والتقدير : أعرض عن ~~دعائنا . # والنأي : البعد ، وهو هنا مستعار لعدم التفكر في المنعم عليه ، فشبه عدم ~~اشتغاله بذلك بالبعد . والجانب للإنسان : منتهى جسمه من إحدى الجهتين ~~اللتين ليستا قبالة وجهه وظهره ، ويسمى الشق ، والعطف بكسر العين . والباء ~~للتعدية . والمعنى : أبعد جانبه ، كناية عن إبعاد نفسه ، أي ولى معرضا غير ~~ملتفت بوجهه إلى الشيء الذي ابتعد هو عنه . # ومعنى { مسه الشر } أصابه شر بسبب عادي . وعدل عن إسناد إصابة الشر إلى ~~الله تعليما للأدب مع الله كما قال ms7338 إبراهيم { الذي خلقني فهو يهدين } ( ~~الشعراء : 78 ) الخ . ثم قال : { وإذا مرضت فهو يشفين } ( الشعراء : 80 ) ~~فلم يقل : وإذا أمرضني ، وفي ذلك سر وهو أن النعم والخير مسخران للإنسان في ~~أصل وضع خلقته فهما الغالبان عليه لأنهما من مظاهر ناموس بقاء النوع . وأما ~~الشرور والأضرار فإن معظمها ينجر إلى الإنسان بسوء تصرفه وبتعرضه إلى ما ~~حذرته منه الشرائع والحكماء الملهمون فقلما يقع فيهما الإنسان إلا بعلمه ~~وجرأته . # والدعاء : الدعاء لله بكشف الشر عنه . ووصفه بالعريض استعارة لأن العرض ~~بفتح العين ضد الطول ، والشيء العريض هو المتسع مساحة العرض ، فشبه الدعاء ~~المتكرر الملح فيه بالثوب أو المكان العريض . وعدل عن أن يقال : فداع ، إلى ~~{ ذو دعاء } لما تشعر به كلمة { ذو } من ملازمة الدعاء له وتملكه منه . # والدعاء إلى الله من شيم المؤمنين وهم متفاوتون في الإكثار منه والإقلال ~~على تفاوت ملاحظة الحقائق الإلهية . وتوجه المشركين إلى الله بالدعاء هو ~~أقوال تجري على ألسنتهم توارثوها من عادات سالفة من أزمان تدينهم بالحنيفية ~~قبل أن تدخل عليهم عبادة الأصنام وتتأصل فيهم فإذا دعوا الله غفلوا عن ~~منافاة أقوالهم لعقائد شركهم . PageV25P015 # استئناف ابتدائي متصل بقوله : { إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم } إلى ~~قوله : { لفي شك منه مريب } ( فصلت : 41 ، 45 ) . فهذا انتقال إلى المجادلة ~~في شأن القرآن رجع به إلى الغرض الأصلي من هذه السورة وهو بيان حقية القرآن ~~وصدقه وصدق من جاء به . وهذا استدعاء ليعملوا النظر في دلائل صدق القرآن ~~مثل إعجازه وانتساقه وتأييد بعضه بعضا وكونه مؤيدا للكتب قبله ، وكونن تلك ~~الكتب مؤيدة له . # والمعنى : ما أنتم عليه من إنكار صدق القرآن ليس صادرا عن نظر وتمحيص ~~يحصل اليقين وإنما جازفتم به قبل النظر فلو تأملتم لاحتمل أن ينتج لكم ~~التأمل أنه من عند الله وأن لا يكون من عنده ، فإذا فرض الاحتمال الأول فقد ~~أقحمتم أنفسكم في شقاق قوي . وهذا من الكلام المنصف واقتصر فيه على ذكر ~~الحالة المنطبقة على صفاتهم تعريضا بأن ذلك هو الطرف الراجح في هذا ms7339 الإجمال ~~كأنه يقول : كما أنكم قضيتم بأنه ليس من عند الله وليس ذلك معلوما بالضرورة ~~فكذلك كونه من عند الله فتعالوا فتأملوا في الدلائل ، فهم لما أنكروا أن ~~يكون من عند الله وصدوا أنفسهم وعامتهم عن الاستماع إليه والتدبر فيه فقد ~~أعملوا شهوات أنفسهم وأهملوا الأخذ بالحيطة لهم أن يتدبروه حتى يكونوا على ~~بينة من أمرهم في شأنه ، وهم إذا تدبروه لا يلبثون أن يعلموا صدقه ، ~~فاستدعاهم الله إلى النظر بطريق تجويز أن يكون من عند الله فإنه إذا جاز ~~ذلك وكانوا قد كفروا به دون تأمل كانوا قد قضوا على أنفسهم بالضلال الشديد ~~، وإذا كانوا كذلك فقد حقت عليهم كلمات الوعيد . # و { إن } الشرطية شأنها أن تدخل على الشرط المشكوك فيه ، فالإتيان بها ~~إرخاء للعنان معهم لاستنزال طائر إنكارهم حتى يقبلوا على التأمل في دلائل ~~صدق القرآن . ويشبه أن يكون المقصود بهذا الخطاب والتشكيك أولا دهماء ~~المشركين الذين لم PageV25P016 ينظروا في دلالة القرآن أو لم يطيلوا النظر ~~ولم يبلغوا به حد الاستدلال . # وأما قادتهم وكبراؤهم وأهل العقول منهم فهم يعلمون أنه من عند الله ~~ولكنهم غلب عليهم حب الرئاسة على أنهم متفاوتون في هذا العلم إلى أن يبلغ ~~بعضهم إلى حد قريب من حالة الدهماء ولكن القرآن ألقى بينهم هذا التشكيك ~~تغليبا ومراعاة لاختلاف درجات المعاندين ومجاراة لهم ادعاءهم أنهم لم ~~يهتدوا نظرا لقولهم { قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي ءاذاننا وقر } ( ~~فصلت : 5 ) . # و { ثم } في قوله : { ثم كفرتم } للتراخي الرتبي لأن الكفر بما هو من عند ~~الله أمره أخطر من كون القرآن من عند الله . # و { من } الأولى للاستفهام وهو مستعمل في معنى النفي ، أي لا أضل ممن هو ~~في شقاق بعيد إذا تحقق الشرط . # و { من } الثانية موصولة وما صدقها المخاطبون بقوله : { كفرتم به } فعدل ~~عن الإضمار إلى طريق الموصول لما تأذن به الصلة من تعليل أنهم أضل الضالين ~~بكونهم شديدي الشقاق ، وذلك كناية عن كونهم أشد الخلق عقوبة لما هو معلوم ~~من أن الضلال ms7340 سبب للخسران . # والشقاق : العصيان . والمراد : عصيان أمر الله لظهور أن القرآن من عنده ~~على هذا الفرض بيننا . # والبعيد : الواسع المسافة ، واستعير هنا للشديد في جنسه ، ومناسبة هذه ~~الاستعارة للضلال لأن الضلال أصله عدم الاهتداء إلى الطريق ، وأن البعد ~~مناسب للشقاق لأن المنشق قد فارق المنشق عنه فكان فراقه بعيدا لا رجاء معه ~~للدنو ، وتقدم في قوله : { وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد } في ~~سورة البقرة . # وفعل { أرأيتم } معلق عن العمل لوجود الاستفهام بعده ، والرؤية علمية . ~~PageV25P017 # . # أعقب الله أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول للمشركين ما فيه تخويفهم ~~من عواقب الشقاق على تقدير أن يكون القرآن من عند الله وهم قد كفروا به إلى ~~آخر ما قرر آنفا ، بأن وعد رسوله صلى الله عليه وسلم على سبيل التسلية ~~والبشارة بأن الله سيغمر المشركين بطائفة من آياته ما يتبينون به أن القرآن ~~من عند الله حقا فلا يسعهم إلا الإيمان به ، أي أن القرآن حق بين غير محتاج ~~إلى اعترافهم بحقيته ، وستظهر دلائل حقيته في الآفاق البعيدة عنهم وفي ~~قبيلتهم وأنفسهم فتتظاهر الدلائل على أنه الحق فلا يجدوا إلى إنكارها سبيلا ~~، والمراد : أنهم يؤمنون به يومئذ مع جميع من يؤمن به . وفي هذا الوعد ~~للرسول صلى الله عليه وسلم تعريض بهم إذ يسمعونه على طريقة : فاسمعي يا ~~جارة . # فموقع هذه الجملة بصريحها وتعريضها من الجملة التي قبلها موقع التعليل ~~لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم ما أمر به ، والتعليل راجع ~~إلى إحالتهم على تشكيكهم في موقفهم للطعن في القرآن . وقد سكت عما يترتب ~~على ظهور الآيات في الآفاق وفي أنفسهم المبينة أن القرآن حق لأن ما قبله من ~~قوله : { أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق ~~بعيد } ( فصلت : 52 ) ينبىء عن تقديره ، أي لا يسعهم إلا الإيمان بأنه حق ~~فمن كان منهم شاكا من قبل عن قلة تبصر حصل له العلم بعد ذلك ، ومن كان إنما ~~يكفر ms7341 عنادا واحتفاظا بالسيادة افتضح بهتانه وسفهه جيرانه . وكلاهما قد أفات ~~بتأخير الإيمان خيرا عظيما من خير الآخرة بما أضاعه من تزود ثواب في مدة ~~كفره ومن خير الدنيا بما فاته من شرف السبق بالإيمان والهجرة كما قال تعالى ~~: { لا يستوي منكم من أنفق من قبلل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين ~~أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى } ( الحديد : 10 ) . # وفي هذه الآية طرف من الإعجاز بالإخبار عن الغيب إذ أخبرت بالوعد ~~PageV25P018 بحصول النصر له ولدينه وذلك بما يسر الله لرسوله صلى الله عليه ~~وسلم ولخلفائه من بعده في آفاق الدنيا والمشرق والمغرب عامة وفي باحة العرب ~~خاصة من الفتوح وثباتها وانطباع الأمم بها ما لم تتيسر أمثالها لأحد من ~~ملوك الأرض والقياصرة والأكاسرة على قلة المسلمين إن نسب عددهم إلى عدد ~~الأمم التي فتحوا آفاقها بنشر دعوة الإسلام في أقطار الأرض ، والتاريخ شاهد ~~بأن ما تهيأ للمسلمين من عجائب الانتشار والسلطان على الأمم أمر خارق ~~للعادة ، فيتبين أن دين الإسلام هو الحق وأن المسلمين كلما تمسكوا بعرى ~~الإسلام لقوا من نصر الله أمرا عجيبا يشهد بذلك السابق واللاحق ، وقد ~~تحداهم الله بذلك في قوله : { أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها ~~والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب } ( الرعد : 41 ) ثم قال { ويقول ~~الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم } ( الرعد : 43 ) . # ولم يقف ظهور الإسلام عند فتح الممالك والغلب على الملوك والجبابرة ، بل ~~تجاوز ذلك إلى التغلغل في نفوس الأمم المختلفة فتقلدوه دينا وانبثت آدابه ~~وأخلاقه فيهم فأصلحت عوائدهم ونظمهم المدنية المختلفة التي كانوا عليها ~~فأصبحوا على حضارة متماثلة متناسقة وأوجدوا حضارة جديدة سالمة من الرعونة ~~وتفشت لغة القرآن فتخاطبت بها الأمم المختلفة الألسن وتعارفت بواسطتها ~~ونبغت فيهم فطاحل من علماء الدين وعلماء العربية وأيمة الأدب العربي وفحول ~~الشعراء ومشاهير الملوك الذين نشروا الإسلام في الممالك بفتوحهم . # فالمراد بالآيات في قوله : { سنريهم آياتنا } ما يشمل الدلائل الخارجة عن ~~القرآن وما ms7342 يشمل آيات القرآن فإن من جملة معنى رؤيتها رؤية ما يصدق أخبارها ~~ويبين نصحها إياهم بدعوتها إلى خير الدنيا والآخرة . # والآفاق : جمع أفق بضمتين وتسكن فاؤه أيضا هو : الناحية من الأرض ~~المتميزة عن غيرها ، والناحية من قبة السماء . وعطف { وفي أنفسهم } يجوز أن ~~يكون من عطف الخاص على العام ، أي وفي أفق أنفسهم ، أي مكة وما حولها على ~~حذف مضاف . PageV25P019 # والأحسن أن يكون في الآفاق على عمومه الشامل لأفقهم ، ويكون معنى { وفي ~~أنفسهم } أنهم يرون آيات صدقه في أحوال تصيب أنفسهم ، أي ذواتهم مثل الجوع ~~الذي دعا عليهم به النبي صلى الله عليه وسلم ونزل فيه قوله تعالى : { ~~فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين } ( الدخان : 10 ) ، ومثل ما شاهدوه من ~~مصارع كبرائهم يوم بدر وقد توعدهم به القرآن بقوله { يوم نبطش البطشة ~~الكبرى إنا منتقمون } ( الدخان : 16 ) . وأية عبرة أعظم من مقتل أبي جهل ~~يوم بدر رماه غلامان من الأنصار وتولى عبد الله بن مسعود ذبحه وثلاثتهم من ~~ضعفاء المسلمين وهو ذلك الجبار العنيد . وقد قال عند موته : لو غير أكار ~~قتلني ، ومن مقتل أبي بن خلف يومئذ بيد النبي صلى الله عليه وسلم وقد كان ~~قال له بمكة : أنا أقتلك وقد أيقن بذلك فقال لزوجه ليلة خروجه إلى بدر : ~~والله لو بصق علي لقتلني . # . # عطف على إعلام الرسول بما سيظهر من دلائل صدق القرآن وصدق الرسول صلى ~~الله عليه وسلم زيادة لتثبيتت الرسول وشرح صدره بأن الله تكفل له بظهور ~~دينه ووضوح صدقه في سائر أقطار الأرض وفي أرض قومه ، على طريقة الاستفهام ~~التقريري تحقيقا لتيقن النبي صلى الله عليه وسلم بكفالة ربه بحيث كانت مما ~~يقرر عليها كناية عن اليقين بها ، فالاستفهام تقريري . # والمعنى : تكفيك شهادة ربك بصدقك فلا تلتفت لتكذيبهم ، وهذا على حد قوله ~~: { لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله ~~شهيدا } ( النساء : 166 ) وقوله : { وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا ~~} ( النساء : 79 ) فهذا وجه في موقع هذه الآية . # وهنالك وجه آخر ms7343 أن يكون مساقها مساق تلقين النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~يستشهد بالله على أن القرآن من عند الله ، فيكون موقعها موقع القسم بإشهاد ~~الله ، وهو قسم غليظ فيه معنى نسبة المقسم عليه إلى أنه مما يشهد الله به ~~فيكون الاستفهام إنكاريا إنكارا لعدم الاكتفاء بالقسم بالله ، وهو كناية عن ~~القسم ، وعن عدم PageV25P020 تصديقهم بالقسم ، فيكون معنى الآية قريبا من ~~معنى قوله تعالى : { قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم } ( الرعد : 43 ) ~~وقوله تعالى : { قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا } ( العنكبوت : 52 ) . # وليس معنى الآية إنكارا على المشركين أنهم لم يكتفوا بشهادة الله على صدق ~~القرآن ولا على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم لأنهم غير معترفين بأن الله ~~شهد بذلك فلا يظهر توجه الإنكار إليهم . ولقد دلت كلمات المفسرين في تفسير ~~هذه الآية على تردد في استخراج معناها من لفظها . # وقوله : { أنه على كل شيء شهيد } بدل اشتمال من { بربك } والتقدير : أو ~~لم يكفهم ربك علمه بكل شيء ، أي فهو يحقق ما وعدك من دمغهم بالحجة الدالة ~~على صدقك ، أو فمن استشهد به فقد صدق لأن الله لا يقر من استشهد به كاذبا ~~فلا يلبث أن يأخذه . # وفي الآية على الوجه الثاني من وجهي قوله : { أولم يكف بربك أنه على كل ~~شيء شهيد } إشارة إلى أن الله لا يصدق من كذب عليه فلا يتم له أمر وهو معنى ~~قول أيمة أصول الدين : إن دلالة المعجزة على الصدق أن تغيير الله العادة ~~لأجل تحدي الرسول صلى الله عليه وسلم قائم مقام قوله : صدق عبدي فيما أخبر ~~به عني . # تذييلان للسورة وفذلكتان افتتحا بحرف التنبيه اهتماما بما تضمناه . فأما ~~التذييل الأول فهو جماع ما تضمنته السورة من أحوال المشركين المعاندين إذ ~~كانت أحوالهم المذكورة فيها ناشئة عن إنكارهم البعث فكانوا في مأمن من ~~التفكير فيما بعد هذه الحياة ، فانحصرت مساعيهم في تدبير الحياة الدنيا ~~وانكبوا على ما يعود عليهم بالنفع فيها . PageV25P021 وضمير { إنهم } عائد ~~إليهم كما عاد ضمير الجمع في { سنريهم } ( فصلت ms7344 : 53 ) . # وأما التذييل الثاني فهو جامع لكل ما تضمنته السورة من إبطالل لأقوالهم ~~وتقويمم لاعوجاجهم ، لأن ذلك كله من آثار علم الله تعالى بالغيب والشهادة . ~~وتأكيد الجملتين بحرف التأكيد مع أن المخاطب بهما لا يشك في ذلك لقصد ~~الاهتمام بهما واستدعاء النظر لاستخراج ما تحويانه من المعاني والجزئيات . # والمرية بكسر الميم وهو الأشهر فيها واتفقت عليه القراءات المتواترة ، ~~وبكسر الميم وهو لغة مثل : خفية وخفية . والمرية : الشك . وحرف الظرفية ~~مستعار لتمكن الشك بهم حتى كأنهم مظروفون فيه و { من } ابتدائية وتعدى بها ~~أفعال الشك إلى الأمر المشكوك فيه بتنزيل متعلق الفعل منزلة مثار الفعل ~~بتشبيه المفعول بالمنشإ كأن الشك جاء من مكان هو المشكوك فيه . # وفي تعليقه بذات الشيء مع أن الشك إنما يتعلق بالأحكام مبالغة على طريقة ~~إسناد الأمور إلى الأعيان والمراد أوصافها ، فتقدير { في مرية من لقاء ربهم ~~} : في مرية من وقوع لقاء ربهم وعدمم وقوعه كقوله تعالى : { وإن كنتم في ~~ريب مما نزلنا على عبدنا } ( البقرة : 23 ) أي في ريب من كونه منزلا . ~~وأطلق الشك على جزمهم بعدم وقوع البعث لأن جزمهم خلي عن الدليل الذي يقتضيه ~~، فكان إطلاق الشك عليه تعريضا بهم بأن الأولى بهم أن يكونوا في شك على ~~الأقل . # ووصف الله بالمحيط مجاز عقلي لأن المحيط بكل شيء هو علمه فأسندت الإحاطة ~~إلى اسم الله لأن ( المحيط ) صفة من أوصافه وهو العلم . # وبهاتين الفذلكتين آذن بانتهاء الكلام فكان من براعة الختام . # PageV25P022 # | 1 ( سورة الشورى ) 1 # اشتهرت تسميتها عند السلف حم عسق ، وكذلك ترجمها البخاري في كتاب التفسير ~~والترمذي في ( جامعه ) ، وكذلك سميت في عدة من كتب التفسير وكثير من ~~المصاحف . وتسمى ( سورة الشورى ) بالألف واللام كما قالوا ( سورة المؤمن ) ~~، وبذلك سميت في كثير من المصاحف والتفاسير ، وربما قالوا ( سورة شورى ) ~~بدون ألف ولام حكاية للفظ القرآن . وتسمى ( سورة عسق ) بدون لفظ { حم } ~~لقصد الاختصار . ولم يعدها في ( الإتقان ) في عداد السور ذات الاسمين فأكثر ~~. ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء في ms7345 تسميتها . # $ 2 ( { حم & # 1764 * ع & # 1764 س & # 1764 ق & # 1764 * كذلك يوحى & # 1764 إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم * له ما فى السماوات ~~وما فى الارض وهو العلى العظيم * تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن والملائكة ~~يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن فى الارض ألا إن الله هو الغفور الرحيم * ~~والذين اتخذوا من دونه أوليآء الله حفيظ عليهم ومآ أنت عليهم بوكيل * وكذلك ~~أوحينآ إليك قرءانا عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها وتنذر يوم الجمع لا ريب ~~فيه فريق فى الجنة وفريق فى السعير * ولو شآء الله لجعلهم أمة واحدة ولاكن ~~يدخل من يشآء فى رحمته والظالمون ما لهم من ولى ولا نصير * أم اتخذوا من ~~دونه أوليآء فالله هو الولى وهو يحى الموتى وهو على كل شىء قدير * وما ~~اختلفتم فيه من شىء فحكمه إلى الله ذلكم الله ربى عليه توكلت وإليه أنيب * ~~فاطر السماوات والارض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الانعام أزواجا يذرؤكم ~~فيه ليس كمثله شىء وهو السميع البصير * له مقليد السماوات والارض يبسط ~~الرزق لمن يشآء ويقدر إنه بكل شىء عليم * شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ~~والذى & # 1764 أوحينآ إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا ~~تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبى & # 1764 إليه من يشآء ويهدى & # 1764 إليه من ينيب * وما تفرقو & # 1764 ا إلا من بعد ما جآءهم العلم بغيا بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك إلى ~~أجل مسمى لقضى بينهم وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفى شك منه مريب * ~~فلذلك فادع واستقم كمآ أمرت ولا تتبع أهوآءهم وقل ءامنت بمآ أنزل الله من ~~كتاب وأمرت لاعدل بينكم الله ربنا وربكم لنآ أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة ~~بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير * والذين يحآجون فى الله من بعد ~~ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد * الله الذى ~~& # 1764 أنزل الكتاب بالحق والميزان وما يدريك ms7346 لعل الساعة قريب * يستعجل بها ~~الذين لا يؤمنون بها والذين ءامنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق ألا إن ~~الذين يمارون فى الساعة لفى ضلال بعيد * الله لطيف بعباده يرزق من يشآء وهو ~~القوى العزيز * من كان يريد حرث الاخرة نزد له فى حرثه ومن كان يريد حرث ~~الدنيا نؤته منها وما له فى الاخرة من نصيب * أم لهم شركاء شرعوا لهم من ~~الدين ما لم يأذن به الله ولولا كلمة الفصل لقضى بينهم وإن الظالمين لهم ~~عذاب أليم * ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم والذين ءامنوا ~~وعملوا الصالحات فى روضات الجنات لهم ما يشآءون عند ربهم ذلك هو الفضل ~~الكبير * ذلك الذى يبشر الله عباده الذين ءامنوا وعملوا الصالحات قل لا ~~أسئلكم عليه أجرا إلا المودة فى القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن ~~الله غفور شكور * أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشإ الله يختم على ~~قلبك ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته إنه عليم بذات الصدور * وهو الذى ~~يقبل التوبة عن عباده ويعفوا عن السيئات ويعلم ما تفعلون * ويستجيب الذين ~~ءامنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذاب شديد * ولو بسط ~~الله الرزق لعباده لبغوا فى الارض ولاكن ينزل بقدر ما يشآء إنه بعباده خبير ~~بصير * وهو الذى ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولى الحميد ~~* ومن ءاياته خلق السماوات والارض وما بث فيهما من دآبة وهو على جمعهم إذا ~~يشآء قدير * ومآ أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير * ومآ ~~أنتم بمعجزين فى الارض وما لكم من دون الله من ولى ولا نصير * ومن ءاياته ~~الجوار فى البحر كالاعلام * إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره إن فى ~~ذلك لايات لكل صبار شكور * أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير * ويعلم الذين ~~يجادلون فى & # 1764 ءاياتنا ما لهم من محيص * فمآ أوتيتم من شىء فمتاع الحيواة الدنيا ~~وما عند الله خير وأبقى للذين ءامنوا وعلى ms7347 ربهم يتوكلون * والذين يجتنبون ~~كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون * والذين استجابوا لربهم ~~وأقاموا الصلواة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون * والذين إذآ ~~أصابهم البغى هم ينتصرون * وجزآء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على ~~الله إنه لا يحب الظالمين * ولمن انتصر بعد ظلمه فأولائك ما عليهم من سبيل ~~* إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون فى الارض بغير الحق أولائك ~~لهم عذاب أليم * ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الامور * ومن يضلل الله فما ~~له من ولى من بعده وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون هل إلى مرد من ~~سبيل * وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفى وقال الذين ~~ءامنو & # 1764 ا إن الخاسرين الذين خسرو & # 1764 ا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا إن الظالمين فى عذاب مقيم * وما ~~كان لهم من أوليآء ينصرونهم من دون الله ومن يضلل الله فما له من سبيل * ~~استجيبوا لربكم من قبل أن يأتى يوم لا مرد له من الله ما لكم من ملجأ يومئذ ~~وما لكم من نكير * فإن أعرضوا فمآ أرسلناك عليهم حفيظا إن عليك إلا البلاغ ~~وإنآ إذآ أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم ~~فإن الإنسان كفور * لله ملك السماوات والارض يخلق ما يشآء يهب لمن يشآء ~~إناثا ويهب لمن يشآء الذكور * أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشآء عقيما ~~إنه عليم قدير * وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من ورآء حجاب أو ~~يرسل رسولا فيوحى بإذنه ما يشآء إنه على حكيم * وكذلك أوحينآ إليك روحا من ~~أمرنا ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الإيمان ولاكن جعلناه نورا نهدى به من ~~نشآء من عبادنا وإنك لتهدى & # 1764 إلى صراط مستقيم * صراط الله الذى له ما فى السماوات وما فى الارض ~~ألا إلى الله تصير الامور } ) 2 $ وهي مكية كلها عند الجمهور ، وعدها في ( ~~الإتقان ) في عداد السور المكية ، وقد سبقه إلى ذلك الحسن بن ms7348 الحصار في ~~كتابه في ( الناسخ والمنسوخ ) كما عزاه إليه في ( الإتقان ) . وعن ابن عباس ~~وقتادة استثناء أربع آيات أولاها قوله { قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة ~~في القربى } ( الشورى : 23 ) إلى آخر الأربع الآيات . # وعن مقاتل استثناء قوله تعالى : { ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا ~~إلى قوله : إنه عليم بذات الصدور } ( الشورى : 23 ، 24 ) . روي أنها نزلت ~~في الأنصار وهي داخلة في PageV25P023 الآيات الأربع التي ذكرها ابن عباس . ~~وفي ( أحكام القرآن ) لابن الفرس عن مقاتل : أن قوله تعالى : { ولو بسط ~~الله الرزق لعباده } ( الشورى : 27 ) الآية نزل في أهل الصفة فتكون مدنية ، ~~وفيه عنه أن قوله تعالى : { والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون إلى قوله : ~~ما عليهم من سبيل } ( الشورى : 39 41 ) نزل بالمدينة . # نزلت بعد سورة الكهف وقبل سورة إبراهيم وعدت التاسعة والستين في ترتيب ~~نزول السور عند الجعبري المروي عن جابر بن زيد . وإذا صح أن آية { وهو الذي ~~ينزل الغيث من بعد ما قنطوا } ( الشورى : 28 ) نزلت في انحباس المطر عن أهل ~~مكة كما قال مقاتل تكون السورة نزلت في حدود سنة ثمان بعد البعثة ، ولعل ~~نزولها استمر إلى سنة تسع بعد أن آمن نقباء الأنصار ليلة العقبة فقد قيل : ~~إن قوله : { والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم } ( ~~الشورى : 38 ) أريد به الأنصار قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى ~~المدينة . وعدت آيها عند أهل المدينة ومكة والشام والبصرة خمسين ، وعند أهل ~~الكوفة ثلاثا وخمسين . # أغراض هذه السورة # أول أغراضها الإشارة إلى تحدي الطاعنين في أن القرآن وحي من الله بأن ~~يأتوا بكلام مثله ، فهذا التحدي لا تخلو عنه السور المفتتحة بالحروف ~~الهجائية المقطعة ، كما تقدم في سورة البقرة . واستدل الله على المعاندين ~~بأن الوحي إلى محمد صلى الله عليه وسلم ما هو إلا كالوحي إلى الرسل من قبله ~~لينذر أهل مكة ومن حولها بيوم الحساب . وأن الله الذي له ما في السماوات ~~وما في الأرض لا تعارض قدرته ولا يشك في ms7349 حكمته ، وقد خضعت له العوالم ~~العليا ومن فيها وهو فاطر المخلوقات فهو يجتبي من يشاء لرسالته فلا بدع أن ~~يشرع للأمة المحمدية من الدين مثل ما شرع لمن قبله من الرسل ، وما أرسل ~~الله الرسل إلا من البشر يوحي إليهم فلم يسبق أن أرسل ملائكة لمخاطبة عموم ~~الناس مباشرة . PageV25P024 وأن المشركين بالله لا حجة لهم إلا تقليد أيمة ~~الكفر الذين شرعوا لهم الإشراك وألقوا إليهم الشبهات . وحذرهم يوم الجزاء ~~واقتراب الساعة وما سيلقى المشركون يوم الحساب من العذاب مع إدماج التعريض ~~بالترغيب فيما سيلقاه المؤمنون من الكرامة ، وأنهم لو تدبروا لعلموا أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لا يأتي عن الله من تلقاء نفسه لأن الله لا يقره ~~على أن يقول عليه ما لم يقله . وذكرت دلائل الوحدانية وما هو من تلك الآيات ~~نعمة على الناس مثل دليل السير في البحر وما أوتيه الناس من نعم الدنيا . # وتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم بأن الله هو متولي جزاء المكذبين وما ~~على الرسول صلى الله عليه وسلم من حسابهم من شيء فما عليه إلا الاستمرار ~~على دعوتهم إلى الحق القويم . ونبههم إلى أنه لا يبتغي منهم جزاء على نصحه ~~لهم وإنما يبتغي أن يراعوا أواصر القرابة بينه وبينهم . وذكرهم نعم الله ~~عليهم ، وحذرهم من التسبب في قطعها بسوء أعمالهم ، وحرضهم على السعي في ~~أسباب الفوز في الآخرة والمبادرة إلى ذلك قبل الفوات ، فقد فاز المؤمنون ~~المتوكلون ، ونوه بجلايل أعمالهم وتجنبهم التعرض لغضب الله عليهم . وتخلل ~~ذلك تنبيه على آيات كثيرة من آيات انفراده تعالى بالخلق والتصرف المقتضي ~~إنفراده بالإلاهية إبطالا للشرك . # وختمها بتجدد المعجزة الأمية بأن الرسول صلى الله عليه وسلم جاءهم بهدى ~~عظيم من الدين وقد علموا أنه لم يكن ممن تصدى لذلك في سابق عمره وذلك أكبر ~~دليل على أن ما جاء به أمر قد أوحي إليه به فعليهم أن يهتدوا بهديه فمن ~~اهتدى بهديه فقد وافق مراد الله . وختم ذلك بكلمة جامعة تتضمن التفويض إلى ~~الله وانتظار حكمه ms7350 وهي كلمة { ألا إلى الله تصير الأمور } ( الشورى : 53 ) ~~. PageV25P025 # ( 1 ، 2 ) # ابتدئت بالحروف المقطعة على نحو ما ابتدئت به أمثالها مثل أول سورة ~~البقرة لأن ابتداءها مشير إلى التحدي بعجزهم عن معارضة القرآن وأن عجزهم عن ~~معارضته دليل على أنه كلام منزل من الله تعالى . # وخصت بزيادة كلمة { عسق } على أوائل السور من آل { حم } ولعل ذلك لحال ~~كانوا عليه من شدة الطعن في القرآن وقت نزول هذه السورة ، فكان التحدي لهم ~~بالمعارضة أشد فزيد في تحديهم من حروف التهجي . وإنما لم توصل الميم بالعين ~~كما وصلت الميم بالراء في طالعة سورة الرعد ، وكما وصلت الميم بالصاد في ~~مفتتح سورة الأعراف ، وكما وصلت العين بالصاد في مفتتح سورة مريم ، لأن ما ~~بعد الميم في السور الثلاث حرف واحد فاتصاله بما قبله أولى بخلاف ما في هذه ~~السورة فإنه ثلاثة حروف تشبه كلمة فكانت أولى بالانفصال . # موقع الإشارة في قوله : { كذلك يوحي إليك } كموقع قوله : { وكذلك جعلناكم ~~أمة وسطا في سورة البقرة . والمعنى : مثل هذا الوحي يوحي الله إليك ، ~~فالمشار إليه : الإيحاء المأخوذ من فعل يوحي } . # وأما { وإلى الذين من قبلك } فإدماج . والتشبيه بالنسبة إليه على أصله ، ~~أي مثل وحيه إليك وحيه إلى الذين من قبلك ، فالتشبيه مستعمل في كلتا ~~طريقتيه كما يستعمل المشترك في معنييه . والغرض من التشبيه إثبات التسوية ، ~~أي ليس وحي الله إليك إلا على سنة وحيه إلى الرسل من قبلك ، فليس وحيه إلى ~~الرسل من قبلك بأوضح من وحيه إليك . وهذا كقوله تعالى : { إنا أوحينا إليك ~~كما أوحينا إلى نوح والنبيئين من بعده } ( النساء : 163 ) ، أي ما جاء به ~~من الوحي إن هو إلا مثل ما جاءت به الرسل السابقون ، فما إعراض قومه عنه ~~إلا كإعراض الأمم السالفة عما جاءت به PageV25P026 رسلهم . فحصل هذا المعنى ~~الثاني بغاية الإيجاز مع حسن موقع الاستطراد . # وإجراء وصفي { العزيز الحكيم } على اسم الجلالة دون غيرهما لأن لهاتين ~~الصفتين مزيد اختصاص بالغرض المقصود من أن الله يصطفي من يشاء لرسالته . ف ~~{ العزيز ms7351 } المتصرف بما يريد لا يصده أحد . و { الحكيم } يحمل كلامه معاني ~~لا يبلغ إلى مثلها غيره ، وهذا من متممات الغرض الذي افتتحت به السورة وهو ~~الإشارة إلى تحدي المعاندين بأن يأتوا بسورة مثل سور القرآن . # وجملة { كذلك يوحي إليك } إلى آخرها ابتدائية ، وتقديم المجرور من قوله { ~~كذلك } على { يوحي إليك } للاهتمام بالمشار إليه والتشويق بتنبيه الأذهان ~~إليه ، وإذ لم يتقدم في الكلام ما يحتمل أن يكون مشارا إليه ب { كذلك } علم ~~أن المشار إليه مقدر معلوم من الفعل الذي بعد اسم الإشارة وهو المصدر ~~المأخوذ من الفعل ، أي كذلك الإيحاء يوحي إليك الله . وهذا استعمال متبع في ~~نظائر هذا التركيب كما تقدم في قوله تعالى : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } في ~~سورة البقرة . وأحسب أنه من مبتكرات القرآن إذ لم أقف على مثله في كلام ~~العرب قبل القرآن . وما ذكره الخفاجي في سورة البقرة من تنظيره بقول زهير : # كذلك خيمهم ولكل قوم # إذا مستهم الضراء خيم # لا يصح لأن بيت زهير مسبوق بما يصلح أن يكون مشارا إليه ، وقد فاتني ~~التنبيه على ذلك فيما تقدم من الآيات فعليك بضم ما هنا إلى ما هنالك . # والجار والمجرور صفة لمفعول مطلق محذوف دل عليه { يوحي } أي إيحاء كذلك ~~الإيحاء العجيب . والعدول عن صيغة الماضي إلى صيغة المضارع في قوله : { ~~يوحي } للدلالة على أن إيحاءه إليه متجدد لا ينقطع في مدة حياته الشريفة ~~لييأس المشركون من إقلاعه بخلاف قوله : { وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ~~} ( الشورى : 52 ) وقوله : { وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا } ( الشورى : 7 ~~) إذ لا غرض في إفادة معنى التجدد هناك . وأما مراعاة التجدد هنا ~~PageV25P027 فلأن المقصود من الآية هو ما أوحي به إلى محمد صلى الله عليه ~~وسلم من القرآن ، وأن قوله : { إلى الذين من قبلك } إدماج . # ولك أن تعتبر صيغة المضارع منظورا فيها إلى متعلقي الإيحاء وهو { إليك } ~~و { إلى الذين من قبلك } ، فتجعل المضارع لاستحضار الصورة من الإيحاء إلى ~~الرسل حيث استبعد المشركون وقوعه فجعل كأنه مشاهد على طريقة ms7352 قوله تعالى : { ~~الله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا } ( فاطر : 9 ) وقوله : { ويصنع الفلك } ~~( هود : 38 ) . # وقرأ الجمهور { يوحي } بصيغة المضارع المبني للفاعل واسم الجلالة فاعل . ~~وقرأه ابن كثير { يوحى } بالبناء للمفعول على أن { إليك } نائب فاعل ، ~~فيكون اسم الجلالة مرفوعا على الابتداء بجملة مستأنفة استئنافا بيانيا كأنه ~~لما قال : يوحى إليك ، قيل : ومن يوحيه ، فقيل : الله العزيز الحكيم ، أي ~~يوحيه الله على طريقة قول ضرار بن نهشل أو الحارث بن نهيك : # ليبك يزيد ضارع لخصومة # ومختبط مما تطيح الطوائح # إذ كانت رواية البيت بالبناء للنائب . # جملة { له ما في السماوات وما في الأرض } مقررة لوصفه { العزيز الحكيم } ~~( الشورى : 3 ) لأن من كان ما في السماوات وما في الأرض ملكا له تتحقق له ~~العزة لقوة ملكوته ، وتتحقق له الحكمة لأن الحكمة تقتضي خلق ما في السماوات ~~والأرض وإتقان ذلك النظام الذي تسير به المخلوقات . ولكون هذه الجملة مقررة ~~معنى التي قبلها كانت بمنزلة التأكيد فلم تعطف عليها . PageV25P028 # وجملة { وهو العلي العظيم } عطف عليها مقررة لما قررته الجملة قبلها فإن ~~من اتصف بالعلاء والعظمة لو لم يكن عزيزا لتخلف علاؤه وعظمته ، ولا يكون ~~إلا حكيما لأن علاءه يقتضي سموه عن سفاسف الصفات والأفعال ، ولو لم يكن ~~عظيما لتعلقت إرادته بسفاسف الأمور ولتنازل إلى عبث الفعال . # والعلو هنا علو مجازي ، وهو السمو في الكمال بحيث كان أكمل من كل موجود ~~كامل . والعظمة مجازية وهي جلالة الصفات والأفعال . وأفادت صيغة الجملة ~~معنى القصر ، أي لا علي ولا عظيم غيره لأن من عداه لا يخلو عن افتقار إليه ~~فلا علو له ولا عظمة . وهذا قصر قلب ، أي دون آلهتكم فلا علو لها كما ~~تزعمون . قال أبو سفيان : أعل هبل . # وتقدم معنى هاتين الجملتين في خلال آية الكرسي من سورة البقرة . # . # جملة مستأنفة مقررة لمعنى جملة { وهو العلي العظيم } ( الشورى : 4 ) ~~ولذلك لم تعطف عليها ، أي يكاد السماوات على عظمتهن يتشققن من شدة تسخرهن ~~فيما يسخرهن الله له من عمل لا يخالف ما قدره الله لهن ms7353 ، وأيضا قد قيل : إن ~~المعنى : يكاد السماوات يتفطرن من كثرة ما فيهن من الملائكة والكواكب ~~وتصاريف الأقدار ، فيكون في معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم ( أطتت ~~السماء وبحقها أن تئط . والذي نفس محمد بيده ما فيها موضع شبر إلا فيه جبهة ~~ملك ساجد يسبح الله بحمده ) ويرجحه تعقيبه بقوله تعالى : { والملائكة ~~يسبحون بحمد ربهم } كما سيأتي . # وقرأ نافع وحده والكسائي { يكاد } بتحتية في أوله . وقرأه الباقون بفوقية ~~وهما وجهان جائزان في الفعل المسند إلى جمع غير المذكر السالم وخاصة مع عدم ~~التأنيث الحقيقي . وتقدم في سورة مريم قوله : { يكاد السماوات يتفطرن منه . ~~PageV25P029 # وقرأ الجمهور يتفطرن } بتحتية ثم فوقية وأصله مضارع التفطر ، وهو مطاوع ~~التفطير الذي هو تكرير الشق . وقرأه أبو عمرو وأبو بكر عن عاصم ويعقوب ~~بتحتية ثم نون وهو مضارع : انفطر ، مطاوع الفطر مصدر فطر الثلاثي ، إذا شق ~~، وليس المقصود منه على القراءتين قبول أثر الفاعل إذ لا فاعل هنا للشق ~~وإنما المقصود الخبر بحصول الفعل ، وهذا كثير ، كقولهم : انشق ضوء الفجر ، ~~فلا التفات هنا لما يقصد غالبا في مادة التفعل من تكرير الفعل إذ لا فاعل ~~للشق هنا ولا لتكرره ، فاستوت القراءتان في باب البلاغة ، على أن استعمال ~~صيغ المطاوعة في اللغة ذو أنحاء كثيرة واعتبارات كما نبه عليه كلام الرضي ~~في ( شرح الشافية ) . # وقوله : { من فوقهن } يجوز أن يكون ضمير { فوقهن } عائدا على { السماوات ~~} ، فيكون المجرور متعلقا بفعل { يتفطرن } بمعنى : أن انشقاقهن يحصل من ~~أعلاهن ، وذلك أبلغ الانشقاق لأنه إذا انشق أعلاهن كان انشقاق ما دونه أولى ~~، كما قيل في قوله تعالى : { وهي خاوية على عروشها } كما تقدم في سورة ~~البقرة وفي سورة الحج . وتكون { من } ابتدائية . # ويجوز أن يكون الضمير عائدا إلى { الأرض } من قوله تعالى : { وما في ~~الأرض } ( الشورى : 4 ) على تأويل الأرض بأرضين باعتبار أجزاء الكرة ~~الأرضية أو بتأويل الأرض بسكانها من باب { واسأل القرية } ( يوسف : 82 ) . # وتكون { من } زائدة زيادتها مع الظروف لتأكيد الفوقية ، فيفيد الظرف ~~استحضار حالة التفطر وحالة موقعه ، وقد ms7354 شبه انشقاق السماء بانشقاق الوردة ~~في قوله تعالى : { فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان } ( الرحمن : 37 ) ~~. والوردة تنشق من أعلاها حين ينفتح برعومها فيوشك إن هن تفطرن أن يخررن ~~على الأرض ، أي يكاد يقع ذلك لما فشا في الأرض من إشراك وفساد على معنى ~~قوله تعالى : { وقالوا اتخذ الرحمان ولدا لقد جئتم شيئا إدا يكاد السماوات ~~يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا } ( مريم : 88 90 ) ويرجحه قوله ~~الآتي : { والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم } ( الشورى : 6 ) ~~. وعن ابن عباس { يكاد السماوات يتفطرن } من قول المشركين { اتخذ الله ولدا ~~} ( البقرة : 116 ) . PageV25P030 # . # جملة عطفت على جملة { يكاد السماوات يتفطرن } لإفادتها تقرير معنى عظمة ~~الله تعالى وجلاله المدلول عليهما بقوله : { وهو العلي العظيم } ( الشورى : ~~4 ) . # مرتبة واجب الوجود سبحانه وهو أهل التنزيه والحمد ومرتبة الروحانيات وهي ~~الملائكة وهي واسطة المتصرف القدير ومفيض الخير في تنفيذ أمره من تكوين ~~وهدى وإفاضة خير على الناس ، فهي حين تتلقى من الله أوامره تسبحه وتحمده ، ~~وحين تفيض خيرات ربها على عباده تستغفر للذين يتقبلونها تقبل العبيد ~~المؤمنين بربهم ، وتلك إشارة إلى حصول ثمرات إبلاغها ، وذلك بتأثيرها في ~~نظم أحوال العالم الإنساني . ومرتبة البشرية المفضلة بالعقل إذ أكمله ~~الإيمان وهي المراد ب ( من في الأرض ) . # جملة معطوفة على جملة { له ما في السماوات وما في الأرض } ( الشورى : 4 ) ~~بعد أن أفيد ما هو كالحجة على أن لله ما في السماوات وما في الأرض من قوله ~~{ وهو العلي العظيم يكاد السماوات } ( الشورى : 4 ، 5 ) الآيتين . فالمعنى ~~: قد نهضت حجة انفراده تعالى بالعزة والحكمة والعلو والعظمة وعلمها ~~المؤمنون فاستغفرت لهم الملائكة . وأما الذين لم يبصروا تلك الحجة وعميت ~~عليهم الأدلة فلا تهتم بشأنهم فإن الله حسبهم وما أنت عليهم بوكيل . فهذا ~~تسكين لحزن الرسول صلى الله عليه وسلم من أجل عدم إيمانهم بوحدانية الله ~~تعالى . # وهذه مقدمة لما سيأمر به الرسول صلى الله عليه وسلم من الدعوة ابتداء من ~~قوله : { وكذلك PageV25P031 أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر أم ms7355 القرى } ( ~~الشورى : 7 ) الآية ، ثم قوله : { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا } ( ~~الشورى : 13 ) الآيات ، ثم قوله : { فلذلك فادع واستقم } ( الشورى : 15 ) ، ~~وقوله : { قل لا أسألكم عليه أجرا } ( الشورى : 23 ) الآية . # وقوله : { الذين اتخذوا من دونه أولياء } مبتدأ وجملة { الله حفيظ عليهم ~~} خبر عن { الذين اتخذوا من دونه أولياء } . # والحفيظ : فعيل بمعنى فاعل ، أي حافظ ، وتختلف معانيه ومرجعها إلى رعاية ~~الشيء والعناية به : ويكثر أن يستعمل كناية عن مراقبة أحوال المرقوب ~~وأعماله ، وباختلاف معانيه تختلف تعديته بنفسه أو بحرف جر يناسب المعنى ، ~~وقد عدي هنا بحرف ( على ) كما يعدى الوكيل لأنه بمعناه . # والوكيل فعيل بمعنى مفعول وهو الموكول إليه عمل في شيء أو اقتضاء حق . ~~يقال : وكله على كذا ، ومنه الوكالة في التصرفات المالية والمخاصمة ، ويكثر ~~أن يستعمل كناية عن مراقبة أحوال الموكل عليه وأعماله . وقد استعمل { حفيظ ~~} و ( وكيل ) هنا في استعمالهما الكنائي عن متقارب المعنى فلذلك قد يفسر ~~أهل اللغة أحد هذين اللفظين بما يقرب من تفسير اللفظ الآخر كتفسير المرادف ~~بمرادفه ، وذلك تسامح . فعلى من يريد التفرقة بين اللفظين أن يرجع بهما إلى ~~أصل مادتي ( حفظ ) و ( وكل ) ، فمادة ( حفظ ) تقتضي قيام الحدث بفاعل ~~وتعديته إلى مفعول ، ومادة ( وكل ) تقتضي قيام الحدث بفاعل وتعديته إلى ~~مفعول وتجاوزه من ذلك المفعول إلى شيء آخر هو متعلق به ، وبذلك كان فعل ( ~~حفظ ) مفيدا بمجرد ذكر فاعله ومفعوله دون احتياج إلى متعلق آخر ، بخلاف فعل ~~( وكل ) فإفادته متوقفة على ذكر أو على تقدير ما يدل على شيء آخر زائد على ~~المفعول ومن علائقه ، فلذلك أوثر وصف { حفيظ } هنا بالإسناد إلى اسم ~~الجلالة لأن الله جل عن أن يكلفه غيره حفظ شيء فهو فاعل الحفظ ، وأوثر وصف ~~( وكيل ) بالإسناد إلى ضمير النبي صلى الله عليه وسلم لأن المقصود أن الله ~~لم يكلفه بأكثر من التبليغ ، والمعنى : الله رقيب عليهم لا أنت وما أنت ~~بموكل من الله على جبرهم على الإيمان . وفي معناه قوله في آخر هذه ~~PageV25P032 السورة { فإن أعرضوا ms7356 فما أرسلناك عليهم حفيظا إن عليك إلا ~~البلاغ } ( الشورى : 48 ) . # وأيضا هي كالبيان لما في جملة { يكاد السماوات يتفطرن } ( الشورى : 5 ) ~~لأن من أسباب مقاربة تفطرهن كثرة ما فيهن من الملائكة . ولولا أنها أريد ~~منها زيادة تقرير معنى جملة { وهو العلي العظيم ( الشورى : 4 ) لكانت جديرة ~~بأن تفصل ولكن رجح العطف لأجل الاهتمام بتقرير العلو والعظمة لله تعالى . ~~وأما التبيين فيحصل بمجرد تعقيب جملة يكاد السماوات يتفطرن بها كما علمته ~~آنفا . # فقوله : الملائكة } ( الشورى : 5 ) مبتدأ وجملة { يسبحون } ( الشورى : 5 ~~) خبر والمقصود الإعلام بجلال الله . # وتسبيح الملائكة بحمد الله : خضوع لعظمته وعلوه ، والتسبيح : التنزيه عن ~~النقائص . # فتسبيح الملائكة قد يكون عبارة عن إدراكهم عظمة الله تعالى فهو : انفعال ~~روحاني كقوله تعالى : { اذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة } ( الأعراف : 205 ) ~~، وقد يكون دلالة على التنزيه بما يناسب الملائكة من ظواهر الانفعال ~~بالطاعة أو من كلام مناسب للحالة الملكية وكذلك حمدهم ربهم واستغفارهم لمن ~~في الأرض . # ومفعول { يسبحون محذوف دل عليه مصاحبته بحمد ربهم ( الشورى : 5 ) تقديره ~~: يسبحون ربهم ، والباء للمصاحبة ، أي يسبحون تسبيحا مصاحبا لحمدهم ربهم ، ~~أي الثناء عليه بصفاته الكمالية ، ومن الثناء ما هو شكر على نعمه عليهم ~~وعلى غيرهم ، فالمعنى : يسبحون الله ويحمدونه . وهذا تعريض بالمشركين إذ ~~أعرضوا عن تسبيح ربهم وحمده وشغلوا بتحميد الأصنام التي لا نعمة لها عليهم ~~ولا تنفعهم ولا تضرهم . # وتقديم التسبيح على الحمد إشارة إلى أن تنزيه الله عما لا يليق به أهم من ~~إثبات صفات الكمال له لأن التنزيه تمهيد لإدراك كمالاته تعالى . ولذلك كانت ~~PageV25P033 الصفات المعبر عنها بصفات السلوب مقدمة في ترتيب علم الكلام ~~على صفات المعاني عندنا والصفاتت المعنوية . # والاستغفار لمن في الأرض : طلب المغفرة لهم بحصول أسبابها لأن الملائكة ~~يعلمون مراتب المغفرة وأسبابها ، وهم لكونهم من عالم الخير والهدى يحرصون ~~على حصول الخير للمخلوقات وعلى اهتدائهم إلى الإيمان بالله والطاعات ~~ويناجون نفوس الناس بدواعي الخير ، وهي الخواطر الملكية . فالمراد بلمن في ~~الأرض } ( الشورى : 5 ) من عليها يستحقون استغفار الملائكة كما ms7357 قال تعالى : ~~{ الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون ~~للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك ~~وقهم عذاب الجحيم } ( غافر : 7 ) ثم قال : { وقهم السيئات في سورة المؤمن . ~~وقد أثبت القرآن أن الملائكة يلعنون من تحق عليه اللعنة بقوله تعالى : ~~أولئك عليهم لعنة الله والملائكة } في سورة البقرة . فعموم من في الأرض هنا ~~مخصوص بما دلت عليه آية سورة المؤمن . # وجملة { ألا إن الله هو الغفور الرحيم ( الشورى : 5 ) تذييل لجملة ~~والملائكة يسبحون بحمد ربهم } ( الشورى : 5 ) إلى آخرها لإبطال وهم ~~المشركين أن شركاءهم يشفعون لهم ، ولذلك جيء في هذه الجملة بصيغة القصر ~~بضمير الفصل ، أي أن غير الله لا يغفر لأحد . وصدرت بأداة التنبيه للاهتمام ~~بمفادها . وقد أشارت الآية إلى مراتب الموجودات ، وهي : # والمقصود رفع التبعية عن النبي صلى الله عليه وسلم من عدم استجابتهم ~~للتوحيد ، أي لا تخش أن نسألك على عدم اهتدائهم إذ ما عليك إلا البلاغ ، ~~وتقدم في قوله : { وما أنت عليهم بوكيل في سورة الأنعام . # وإذ قد كان الحفيظ الوكيل بمعنى كان إثبات كون الله حفيظا عليهم ونفي كون ~~الرسول وكيلا عليهم مفيدا قصر الكون حفيظا عليهم على الله تعالى دون الرسول ~~بطريقق غير أحد طرق القصر المعروفة فإن هذا من صريح القصر ومنطوقه لا من ~~مفهومه وهو الأصل في القصر وإن كان قليلا ، ومنه قول السموأل : PageV25P034 # تسيل على حد الظبات نفوسنا # وليست على غير الظبات تسيل # وأما طرق القصر المعروفة في علم المعاني فهي من أسلوب الإيجاز ، والقصر ~~قصر قلب كما هو صريح طرفه الثاني في قوله : وما أنت عليهم بوكيل } ، نزل ~~الرسول صلى الله عليه وسلم منزلة من يحسب أنه وكيل على إيمانهم وحصل من هذا ~~التنزيل تعريض بهم بأنهم لا يضرون الرسول صلى الله عليه وسلم إذا لم يصدقوه ~~. # عطف على جملة { كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله } ( الشورى : 3 ) ~~الخ باعتبار المغايرة بين المعطوفة والمعطوف عليها بما في المعطوفة ms7358 من كون ~~الموحى به قرآنا عربيا ، وما في المعطوف عليها من كونه من نوع ما أوحي به ~~إلى الذين من قبله . والقول في { وكذلك أوحينا } كالقول في { كذلك يوحي ~~إليك } ( الشورى : 3 ) . # وإنما أعيد { وكذلك أوحينا } ليبنى عليه { قرآنا عربيا } لما حجز بينهما ~~من الفصل وأصل النظم : كذلك يوحي إليك الله العزيز الحكيم قرآنا عربيا مع ~~ما حصل بتلك الإعادة من التأكيد لتقرير ذلك المعنى أفضل تقرير . # والعدول عن ضمير الغائب إلى ضمير العظمة التفات . وفي هذا إشارة إلى أنه ~~لا فرق بين ما أوحي إليك وما أوحي إلى من قبلك ، إلا اختلاف اللغات كما قال ~~تعالى : { وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم } ( إبراهيم : 4 ) ~~. # والقرآن مصدر : قرأ ، مثل : غفران وسبحان ، وأطلق هنا على المقروء مبالغة ~~في الاتصاف بالمقروئية لكثرة ما يقرأه القارئون وذلك لحسنه وفائدته ، فقد ~~تضمن هذا الاسم معنى الكمال بين المقروءات . و { عربيا } نسبة إلى العربية ~~، أي لغة العرب PageV25P035 لأن كونه قرآنا يدل على أنه كلام ، فوصفه بكونه ~~{ عربيا } يفيد أنه كلام عربي . # وقوله : { لتنذر أم القرى ومن حولها } تعليل ل { أوحينا إليك قرآنا عربيا ~~} لأن كونه عربيا يليق بحال المنذرين به وهم أهل مكة ومن حولها ، فأولئك هم ~~المخاطبون بالدين ابتداء لما اقتضته الحكمة الإلاهية من اختيار الأمة ~~العربية لتكون أول من يتلقى الإسلام وينشره بين الأمم ، ولو روعي فيه جميع ~~الأمم المخاطبين بدعوة الإسلام لاقتضى أن ينزل بلغات لا تحصى ، فلا جرم ~~اختار الله له أفضل اللغات واختار إنزاله على أفضل البشر . # و { أم القرى } مكة ، وكنيت : أم القرى لأنها أقدم المدن العربية فدعاها ~~العرب : أم القرى ، لأن الأم تطلق على أصل الشيء مثل : أم الرأس ، وعلى ~~مرجعه مثل قولهم للراية : أم الحرب ، وقولهم : أم الطريق ، للطريق العظيم ~~الذي حوله طرق صغار . ثم إن إنذار أم القرى يقتضي إنذار بقية القرى بالأحرى ~~، قال تعالى : { وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا } ( القصص ~~: 59 ) ، وتقدم في قوله تعالى : { ولتنذر أم ms7359 القرى } في سورة الأنعام . # والمراد : لتنذر أهل أم القرى ، فأطلق اسم البلد على سكانه كقوله تعالى : ~~{ واسأل القرية } ( يوسف : 82 ) . وأهل مكة هم قريش ، وأما من حولها فهم ~~النازلون حولها من القبائل مثل خزاعة وكنانة ، ومن الذين حولها قريش ~~الظواهر وهم الساكنون خارج مكة في جبالها . # والاقتصار على إنذار أم القرى ومن حولها لا يقتضي تخصيص إنذار الرسول صلى ~~الله عليه وسلم بأهل مكة ومن حولها ، ولا تخصيص الرسول صلى الله عليه وسلم ~~بالإنذار دون التبشير للمؤمنين لأن تعليل الفعل بعلة باعثه لا يقتضي أن ~~الفعل المعلل مخصص بتلك العلة ولا بمتعلقاتها إذ قد يكون للفعل الواحد علل ~~باعثة فإن الرسول صلى الله عليه وسلم بعث للناس كافة ، كما قال تعالى : { ~~وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا } ( سبأ : 28 ) . والاقتصار هنا ~~على إنذار أهل مكة ومن حولها لأنهم المقصود بالرد عليهم لإنكارهم رسالة ~~محمد صلى الله عليه وسلم PageV25P036 # وانتصب { أم القرى } على المفعول به لفعل { تنذر } بتنزيل الفعل منزلة ~~المعدى إلى مفعول واحد إذ لم يذكر معه المنذر منه وهو الذي يكون مفعولا ~~ثانيا لفعل الإنذار . لأن ( أنذر ) يتعدى إلى مفعولين كقوله تعالى : { فقل ~~أنذرتكم صاعقة } ( فصلت : 13 ) ، وفي حديث الدجال : ( ما من نبيء إلا أنذر ~~قومه ) . فالمعنى : لتنذر أهل القرى ومن حولها ما ينذرونه من العذاب في ~~الدنيا والآخرة . # وقوله : { وتنذر يوم الجمع } أعيد فعل { تنذر } لزيادة تهويل أمر يوم ~~الجمع لأن تخصيصه بالذكر بعد عموم الإنذار يقتضي تهويله ، ولأن تعدية فعل { ~~وتنذر } إلى { يوم الجمع } تعدية مخالفة لإنذار أم القرى لأن { يوم الجمع } ~~مفعول ثان لفعل { وتنذر } ، أي وتنذر الناس يوم الجمع ، فمفعول { وتنذر } ~~الثاني هو المنذر به ومفعول { لتنذر } الأول هو المنذر . # وانتصب { يوم الجمع } على أنه مفعول ثانن لفعل { تنذر } وحذف مفعوله ~~الأول لدلالة ما تقدم عليه ، أي وتنذرهم ، أي أهل أم القرى يوم الجمع ~~بالخصوص كقوله { وأنذرهم يوم الآزفة } ( غافر : 18 ) . # ويوم الجمع : يوم القيامة ، سمي { يوم الجمع } لأن الخلائق تجمع فيه ~~للحساب ، قال ms7360 تعالى : { يوم يجمعكم ليوم الجمع } ( التغابن : 9 ) . # والجمع مصدر ، ويجوز أن يكون اسما للمجتمعين كقوله تعالى : { هذا فوج ~~مقتحم معكم } ( ص : 59 ) ، أي يوم جماعة الناس كلهم . # وجملة { فريق في الجنة } مستأنفة استئنافا بيانيا ، وعطفت عليها جملة { ~~وفريق في السعير } فكان الجملتان جوابا لسؤال سائل عن شأن هذا الجمع إن كان ~~بمعنى المصدر . فقيل : فريق في الجنة وفريق في السعير ، أي فريق من ~~المجموعين بهذا الجمع في الجنة وفريق في السعير ، أو لسؤال سائل عن حال هذا ~~الجمع إن كان الجمع بمعنى المجموعين . والتقدير : فريق منهم في الجنة وفريق ~~منهم في السعير . وتقدم السعير عند قوله تعالى : { كلما خبت زدناهم سعيرا } ~~في سورة الإسراء . وسوغ الابتداء ب { فريق } وهو نكرة لوقوعها في معرض ~~التفصيل كقول امرىء القيس : PageV25P037 # فأقبلت زحفا على الركبتين # فثوب لبست وثوب أجر # وجملة { لا ريب فيه } معترضة بين البيان والمبين . ومعنى { لا ريب فيه } ~~أن دلائله تنفي الشك في أنه سيقع فنزل ريب المرتابين في منزلة العدم لأن ~~موجبات اليقين بوقوعه بينة كقوله تعالى : { ذلك الكتاب لا ريب فيه في سورة ~~البقرة . وظرفية الريب المنفي في ضمير اليوم في قوله : لا ريب فيه } من باب ~~إيقاع الفعل ونحوه على اسم الذات ، والمراد : إيقاعه على بعض أحوالها التي ~~يدل عليها المقام مثل { حرمت عليكم الميتة } ( المائدة : 3 ) ، أي أكلها ، ~~أي لا ريب في وقوعه . وجملة { فريق في الجنة } الخ معترضة و { فريق } خبر ~~مبتدأ محذوف على طريقة الحذف المتابع فيه الاستعمال كما سماه السكاكي ، أي ~~هم فريق في الجنة الخ . # عطف على جملة { فريق في الجنة وفريق في السعير } ( الشورى : 7 ) . والغرض ~~من هذا العطف إفادة أن كونهم فريقين أمر شاء الله تقديره ، أي أوجد أسبابه ~~بحكمته ولو شاء لقدر أسباب اتحادهم على عقيدة واحدة من الهدى فكانوا سواء ~~في المصير ، والمراد : لكانوا جميعا في الجنة . # وهذا مسوق لتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على تمنيهم أن ~~يكون الناس كلهم مهتدين ويكون جميعهم في الجنة ، وبذلك تعلم ms7361 أن ليس المراد ~~: لو شاء الله لجعلهم أمة واحدة في الأمرين الهدى والضلال ، لأن هذا الشق ~~الثاني لا يتعلق الغرض ببيانه هنا وإن كان في نفس الأمر لو شاء الله لكان . ~~فتأويل هذه الآية بما جاء في قوله تعالى : { ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ~~ولكن حق القول مني لأملان جهنم من الجنة والناس أجمعين } ( السجدة : 13 ) ~~وقوله : { ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى ~~يكونوا مؤمنين } ( يونس : 99 ) . # وقد دل على ذلك الاستدراك الذي في قوله : { ولكن يدخل من يشاء في ~~PageV25P038 رحمته } أي ولكن شاء مشيئة أخرى جرت على وفق حكمته ، وهي أن ~~خلقهم قابلين للهدى والضلال بتصاريف عقولهم وأميالهم ، ومكنهم من كسب ~~أفعالهم وأوضح لهم طريق الخير وطريق الشر بالتكليف فكان منهم المهتدون وهم ~~الذين شاء الله إدخالهم في رحمته ، ومنهم الظالمون الذين ما لهم من ولي ولا ~~نصير . فقوله : { يدخل من يشاء في رحمته } أحد دليلين على المعنى المستدرك ~~إذ التقدير : ولكنه جعلهم فريقين فريقا في الجنة وفريقا في السعير ليدخل من ~~يشاء منهم في رحمته وهي الجنة . وأفهم ذلك أنه يدخل منهم الفريق الآخر في ~~عقابه ، فدل عليه أيضا بقوله : { والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير } لأن ~~نفي النصير كناية عن كونهم في بؤس وضر ومغلوبية بحيث يحتاجون إلى نصير لو ~~كان لهم نصير ، فيدخل في الظالمين مشركو أهل مكة دخولا أوليا لأنهم سبب ~~ورود هذا العموم . # وأصل النظم : ويدخل من يشاء في غضبه ، فعدل عنه إلى ما في الآية للدلالة ~~على أن سبب إدخالهم في غضبه هو ظلمهم ، أي شركهم { إن الشرك لظلم عظيم } ( ~~لقمان : 13 ) مع إفادة أنهم لا يجدون وليا يدفع عنهم غضبه ولا نصيرا يثأر ~~لهم . وضمير ( جعلهم ) عائد إلى فريق الجنة وفريق السعير باعتبار أفراد كل ~~فريق . # { أم } للإضراب الانتقالي كما يقال : دع الاهتمام بشأنهم وإنذارهم ولنعد ~~إلى فظاعة حالهم في اتخاذهم من دون الله أولياء . وتقدر بعد { أم } همزة ~~استفهام إنكاري . فالمعنى : بل ms7362 أأتخذوا من دونه أولياء ، أي أتوا منكرا لما ~~اتخذوا من دونه أولياء . فضمير { اتخذوا } عائد إلى { الذين اتخذوا من دونه ~~أولياء } ( الشورى : 6 ) في الجملة السابقة . PageV25P039 # والفاء في قوله : { فالله هو الولي } فاء جوابب لشرط مقدر دل عليه مقام ~~إنكار اتخاذهم أولياء من دون الله ، لأن إنكار ذلك يقتضي أن أولياءهم ليست ~~جديرة بالولاية ، وأنهم ضلوا في ولايتهم إياها ، فنشأ تقدير شرط معناه : إن ~~أرادوا وليا بحق فالله هو الولي . # قال السكاكي في ( المفتاح ) : وتقدير الشرط لقرائنن الأحوال غير ممتنع ~~قال تعالى : { فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم } ( الأنفال : 17 ) على تقدير ~~إن افتخرتم بقتلهم فلم تقتلوهم ، وقال { فالله هو الولي } على تقدير : إن ~~أرادوا وليا بحق فالله هو الولي بالحق لا ولي سواه . # والمراد بالولاية في قوله { أم اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولي } ، ~~ولاية المعبودية ، فأفاد تعريف المسند في قوله : { فالله هو الولي } قصر ~~جنس الولي بهذا الوصف على الله ، وإذ قد عبدوا غير الله تعين أن المراد قصر ~~الولاية الحق عليه تعالى . # وأفاد ضمير الفصل في قوله : { فالله هو الولي } تأكيد القصر وتحقيقه وأنه ~~لا مبالغة فيه تذكيرا بأن الولاية الحق في هذا الشأن مختصة بالله تعالى . ~~وهذا كله مسوق إلى النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين تسلية وتثبيتا ~~وتعريضا بالمشركين فإنهم لا يخلون من أن يسمعوه . # وعطف { وهو يحيي الموتى } على جملة { فالله هو الولي } إدماج لإعادة ~~إثبات البعث ترسيخا لعلم المسلمين وإبلاغا لمسامع المنكرين لأنهم أنكروا ~~ذلك في ضمن اتخاذهم أولياء من دون الله ، فلما أبطل معتقدهم إلاهية غير ~~الله أردف بإبطال ما هو من علائق شركهم وهو نفي البعث ، وليس ذلك استدلالا ~~عليهم لإبطال إلهاية آلهتهم لأن وقوع البعث مجحود عندهم . فأما عطف جملة { ~~وهو على كل شيء قدير } فهو لإثبات هذه الصفة لله تعالى تذكيرا بانفراده ~~بتمام القدرة ، ويفيد الاستدلال على إمكان البعث قال تعالى : { وهو الذي ~~يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه } ( الروم : 27 ) ، ويفيد الاستدلال على ~~نفي الإلهاية عن أصنامهم ms7363 لأن من لا يقدر على كل شيء لا يصلح للإلهاية : قال ~~تعالى : PageV25P040 { أفمن يخلق كمن لا يخلق } ( النحل : 17 ) وقال : { لا ~~يخلقون شيئا وهم يخلقون } ( النحل : 20 ) وقال { وإن يسلبهم الذباب شيئا لا ~~يستنقذوه منه } ( الحج : 73 ) . والغرض من هذا تعريض بإبلاغه إلى مسامع ~~المشركين . # ولما كان المقصود إثبات القدرة لله تعالى عطفت الجملة على التي قبلها ~~لأنها مثلها في إفادة الحكم ، وكانت إفادة التعليل بها حاصلة من موقعها ~~عقبها ، ولو أريد التعليل ابتداء لفصلت الجملة ولم تعطف . # . # . # يجوز أن يكون هذا تكملة للاعتراض فيكون كلاما موجها من الله تعالى إلى ~~الناس . ويجوز أن يكون ابتداء كلام متصلا بقوله : { ذلاكم الله ربي عليه ~~توكلت } ، { فحكمه إلى الله } تعين أن يكون مجموع هذا الكلام لمتكلمم واحد ~~، لأن ضمائر { ربي } ، و { توكلت } ، و { أنيب } ضمائره ، وتلك الضمائر لا ~~تصلح أن تعود إلى الله تعالى . ولا حظ في سياق الوحي إلى أحد سوى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فتعين تقدير فعل أمر بقولل يقوله النبي صلى الله عليه وسلم # والجملة معطوفة على الجمل التي قبلها لأن الكلام موجه إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم وإلى المسلمين . والواو عاطفة فعل أمر بالقول ، وحذف القول شائع ~~في القرآن بدلالة القرائن لأن مادة الاختلاف مشعرة بأنه بين فريقين وحالة ~~الفريقين مشعرة بأنه اختلاف في أمور الإعتقاد التي أنكرها الكافرون من ~~التوحيد والبعثث والنفع والإضرار . # و { من شيء } بيان لإبهام { ما } ، أي أي شيء اختلفتم فيه ، والمراد : من ~~أشياء الدين وشؤون الله تعالى . # وضمير { فحكمه } عائد إلى { ما اختلفتم } على معنى : الحكم بينكم في شأنه ~~إلى الله . والمعنى : أنه يتضح لهم يوم القيامة المحق من المبطل فيما ~~اختلفوا فيه حين يرون الثواب للمؤمنين والعقاب للمشركين ، فيعلم المشركون ~~أنهم مبطلون فيما كانوا يزعمون . PageV25P041 # و { إلى الله } خبر عن ( حكمه ) . و { إلى } للانتهاء وهو انتهاء مجازي ~~تمثيلي ، مثل تأخير الحكم إلى حلول الوقت المعين له عند الله تعالى بسير ~~السائر إلى أحد ينزل عنده . # ولا علاقة لهذه الآية باختلاف ms7364 علماء الأمة في أصول الدين وفروعه لأن ذلك ~~الاختلاف حكمه منوط بالنظر في الأدلة والأقيسة صحة وفسادا فإصدار الحكم بين ~~المصيب والمخطىء فيها يسير إن شاء الناس التداول والإنصاف . وبذلك توصل أهل ~~الحق إلى التمييز بين المصيب والمخطىء ، ومراتبب الخطأ في ذلك ، على أنه لا ~~يناسب سياق الآيات سابقها وتاليها ولا أغراض السور المكية . وقد احتج بهذه ~~الآية نفاة القياس ، وهو احتجاج لا يرتضيه نطاس . # . # يجوز أن تكون الجملة مقول قول محذوف يدل عليه قوله : { لتنذر أم القرى } ~~( الشورى : 7 ) الآية ، فتكون كلاما مستأنفا لأن الإنذار يقتضي كلاما منذرا ~~به ، ويجوز أن تكون متصلة بجملة { وما اختلفتم فيه من شيء } تكملة للكلام ~~الموجه من الله ويكون في قوله : { ربي } التفاتا من الخطاب إلى التكلم ، ~~والتقدير : ذلكم الله ربكم ، وتكون جملتا { عليه توكلت وإليه أنيب } ~~معترضتين . # والإشارة لتمييز المشار إليه وهو المفهوم من { فحكمه إلى الله } . وهذا ~~التمييز لإبطال التباس ماهية الإلهياة والربوبية على المشركين إذ سموا ~~الأصنام آلهة وأربابا . وأوثر اسم الإشارة الذي يستعمل للبعيد لقصد التعظيم ~~بالبعد الاعتباري اللازم للسمو وشرف القدر ، أي ذلكم الله العظيم . ويتوصل ~~من ذلك إلى تعظيم حكمه ، فالمعنى : الله العظيم في حكمه هو ربي الذي توكلت ~~عليه فهو كافيني منكم . # والتوكل : تفعل من الوكل ، وهو التفويض في العمل ، وتقدم عند قوله تعالى ~~، { فإذا عزمت فتوكل على الله } في سورة آل عمران . PageV25P042 # والإنابة : الرجوع ، والمراد بها هنا الكناية عن ترك الاعتماد على الغير ~~لأن الرجوع إلى الشيء يستلزم عدم وجود المطلوب عند غيره ، وتقدمت الإنابة ~~عند قوله تعالى : { إن إبراهيم لحليم أواه منيب } في سورة هود . # وجيء في فعل { توكلت } بصيغة الماضي وفي فعل { أنيب } بصيغة المضارع ~~للإشارة إلى أن توكله على الله كان سابقا من قبل أن يظهر له تنكر قومه له ، ~~فقد صادف تنكرهم منه عبدا متوكلا على ربه ، وإذا كان توكله قد سبق تنكر ~~قومه فاستمراره بعد أن كشروا له عن أنياب العدوان محقق . # وأما فعل { أنيب } فجيء فيه بصيغة المضارع للإشارة ms7365 إلى تجدد الإنابة وطلب ~~المغفرة . ويعلم تحققها في الماضي بمقارنتها لجملة { عليه توكلت } لأن ~~المتوكل منيب ، ويجوز أن يكون ذلك من الاحتباك . والتقدير : عليه توكلت ~~وأتوكل وإليه أنبت وأنيب . # وتقديم المتعلقين في { عليه توكلت وإليه أنيب } لإفادة الاختصاص ، أي لا ~~أتوكل إلا عليه ولا أنيب إلا إليه . # . # خبر ثانن عن الضمير في قوله تعالى : { وهو على كل شيء قدير } ( الشورى : ~~9 ) ، وما بينهما اعتراض كما علمت آنفا أعقب به أنه على كل شيء قدير ، فإن ~~خلق السماوات والأرض من أبرز آثار صفة القدرة المنفرد بها . # والفاطر : الخالق ، وتقدم في أول سورة فاطر . # . # جملة في موضع الحال من ضمير { فاطر } لأن مضمونها حال من أحوال ~~PageV25P043 فطر السماوات والأرض فإن خلق الإنسان والأنعام من أعجب أحوال ~~خلق الأرض . ويجوز كونها خبرا ثالثا عن ضمير { وهو على كل شيء قدير } ( ~~الشورى : 9 ) . # والمعنى : قدر في تكوين نوع الإنسان أزواجا لأفراده ، ولما كان ذلك ~~التقدير مقارنا لأصلل تكوين النوع جيء فيه بالفعل الماضي . # والخطاب في قوله : { لكم } للناس كلهم . والخطاب التفات من الغيبة . ~~واللام للتعليل . وتقديم { لكم } على غيره من معمولات { جعل } ليعرف أنه ~~معمول لذلك الفعل فلا يتوهم أنه صفة ل { أزواجا } ، وليكون التعليل به ~~ملاحظا في المعطوف بقوله { ومن الأنعام أزواجا } . # والأزواج : جمع زوج وهو الذي ينضم إلى فرد فيصير كلاهما زوجا للآخر ~~والمراد هنا : الذكور والإناث من الناس ، أي جعل لمجموعكم أزواجا ، فللذكور ~~أزواج من الإناث ، وللنساء أزواج من الرجال ، وذلك لأجل الجميع لأن بذلك ~~الجعل حصلت لذة التأنس ونعمة النسل . # ومعنى { من أنفسكم } من نوعكم ، ومن بعضكم ، كقوله : { فسلموا على أنفسكم ~~} ( النور : 61 ) وقوله : { ولا تقتلوا أنفسكم } ( النساء : 29 ) . وكون ~~الأزواج من أنفسهم كمال في النعمة لأنه لو جعل أحد الزوجين من نوع آخر لفات ~~نعيم الأنس ، وأما زعم العرب في الجاهلية أن الرجل قد يتزوج جنية أو غولا ~~فذلك من التكاذيب وتخيلات بعضهم ، وربما عرض لبعض الناس خبال في العقل خاص ~~بذلك فتخيل ذلك وتحدث به فراج عن كل ms7366 أبله . # وقوله : { ومن الأنعام أزواجا } عطف على { أزواجا } الأول فهو كمفعول ل { ~~جعل } والتقدير : وجعل من الأنعام أزواجا ، أي جعل منها أزواجا بعضها لبعض ~~. وفائدة ذكر أزواج الأنعام دون أزواج الوحش : أن في أنواع الأنعام فائدة ~~لحياة الإنسان لأنها تعيش معه ولا تنفر منه وينتفع بألبانها وأصوافها ~~ولحومها ونسلها وعملها من حمل وحرث ، فبجعلها أزواجا حصل معظم نفعها ~~للإنسان . PageV25P044 # والذرء : بث الخلق وتكثيره ، ففيه معنى توالي الطبقات على مر الزمان إذ ~~لا منفعة للناس من أزواج الأنعام باعتبارها أزواجا سوى ما يحصل من نسلها . # وضمير الخطاب في قوله : { يذرؤكم } للمخاطبين بقوله : { جعل لكم } . ~~ومراد شموله لجعل أزواج من الأنعام المتقدم ذكره لأن ذكر أزواج الأنعام لم ~~يكن هملا بل مرادا منه زيادة المنة فإن ذرء نسل الإنسان نعمة للناس وذرء ~~نسل الأنعام نعمة أخرى للناس ، ولذلك اكتفى بذكر الأزواج في جانب الأنعام ~~عن ذكر الذرء إذ لا منفعة للناس في تزاوج الأنعام سوى ما يحصل من نسلها . ~~وإذ كان الضمير ضمير جماعة العقلاء وكان ضمير خطاب في حين أن الأنعام ليست ~~عقلاء ولا مخاطبة ، فقد جاء في ذلك الضمير تغليب العقلاء إذ لم يذكر ضمير ~~صالح للعقلاء وغيرهم كأن يقال : يذراكك بكسر الكاف على تأويل إرادة خطاب ~~الجماعة . # وجاء فيه تغليب الخطاب على الغيبة ، فقد جاء فيه تغليبان وهو تغليب دقيق ~~إذ اجتمع في لفظ واحد نوعان من التغليب كما أشار إليه الكشاف والسكاكي في ~~مبحث التغليب من ( المفتاح ) . # وضمير { فيه } عائد إلى الجعل المفهوم من قوله { جعل لكم } ، أي في الجعل ~~المذكور على حد قوله : { اعدلوا هو أقرب للتقوى } ( المائدة : 8 ) . وجيء ~~بالمضارع في { يذرؤكم } لإفادة التجدد والتجدد أنسب بالامتنان . # وحرف ( في ) مستعار لمعنى السببية تشبيها للسبب بالظرف في احتوائه على ~~مسبباته كاحتواء المنبع على مائه والمعدن على ترابه ومثله قوله تعالى : { ~~ولكم في القصاص حياة } ( البقرة : 179 ) . # . # خبر ثالث أو رابع عن الضمير في قوله : { وهو على كل شيء قدير } ( الشورى ~~: 9 ) . وموقع هذه الجملة كالنتيجة للدليل فإنه ms7367 لما قدم ما هو نعم عظيمة ~~تبين أن الله لا يماثله PageV25P045 شيء من الأشياء في تدبيره وإنعامه . # ومعنى { ليس كمثله شيء } ليس مثله شيء ، فأقحمت كاف التشبيه على ( مثل ) ~~وهي بمعناه لأن معنى المثل هو الشبيه ، فتعين أن الكاف مفيدة تأكيدا لمعنى ~~المثل ، وهو من التأكيد اللفظي باللفظ المرادف من غير جنسه ، وحسنه أن ~~الموكد اسم فأشبه مدخول كاف التشبيه المخالف لمعنى الكاف فلم يكن فيه الثقل ~~الذي في قول خطام المجاشعي : # وصالياتت ككما يؤثفين # وإذ قد كان المثل واقعا في حيز النفي فالكاف تأكيد لنفيه فكأنه نفي المثل ~~عنه تعالى بجملتين تعليما للمسلمين كيف يبطلون مماثلة الأصنام لله تعالى . ~~وهذا الوجه هو رأي ثعلب وابن جني والزجاج والراغب وأبي البقاء وابن عطية . # وجعله في ( الكشاف ) وجها ثانيا ، وقدم قبله أن تكون الكاف غير مزيدة ، ~~وأن التقدير : ليس شبيه مثله شيء والمراد : ليس شبه ذاته شيء ، فأثبت لذاته ~~مثلا ثم نفى عن ذلك المثل أن يكون له مماثل كناية عن نفي المماثل لذات الله ~~تعالى ، أي بطريق لازم اللازم لأنه إذا نفي المثل عن مثله فقد انتفى المثل ~~عنه إذ لو كان له مثل لما استقام قولك : ليس شيء مثل مثله . وجعله من باب ~~قول العرب : فلان قد أيفعت لداته ، أي أيفع هو فكني بإيفاع لداته عن إيفاعه ~~. وقول رقيقة بنتت صيفي في حديث سقيا عبد المطلب ( ألا وفيهم الطيب الطاهر ~~لداته ) اه . أي ويكون معهم الطيب الطاهر يعني النبي صلى الله عليه وسلم # وتبعه على ذلك ابن المنير في ( الانتصاف ) ، وبعض العلماء يقول : هو ~~كقولك ليس لأخي زيد أخ ، تريد نفي أن يكون لزيد أخ لأنه لو كان لزيد أخ ~~لكان زيد أخا PageV25P046 لأخيه فلما نفيت أن يكون لأخيه أخ فقد نفيت أن ~~يكون لزيد أخ ، ولا ينبغي التعويل على هذا لما في ذلك من التكلف والإبهام ~~وكلاهما مما ينبو عنه المقام . # وقد شمل نفي المماثلة إبطال ما نسبوا لله البناتت وهو مناسبة وقوعه عقب ~~قوله : { جعل لكم من ms7368 أنفسكم أزواجا } الآية . # وحديث سقيا عبد المطلب ، أي خبر استسقائه لقريش أن رقيقة بنت أبي صيفي ~~قالت : تتابعت على قريش سنون أقحلت الضرع وأدقت العظم ، فبينا أنا نائمة ~~إذا هاتف يهتف : ( يا معشر قريش إن هذا النبي المبعوث منكم قد أظلتكم أيامه ~~ألا فانظروا رجلا منكم وسيطا عظاما جساما أبيض أوطف الأهداب سهل الخدين أشم ~~العرين فليخلص هو وولده ، ألا وفيهم الطيب الطاهر لداته وليهبط إليه من كل ~~بطن رجل فليشنوا من الماء وليمسوا من الطيب ثم ليرتقوا أبا قبيس فليستسق ~~الرجل وليؤمنوا فعثتم ما شئتم ) الخ . قالوا : وكان معهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم وهو يومئذ غلام . # واعلم أن هذه الآية نفت أن يكون شيء من الموجودات مثلا لله تعالى . ~~والمثل يحمل عند إطلاقه على أكمل أفراده ، قال فخر الدين ( المثلان : هما ~~اللذان يقوم كل واحد منهما مقام الآخر في حقيقته وماهيته ) اه . فلا يسمى ~~مثلا حقا إلا المماثل في الحقيقة والماهية وأجزائها ولوازمها دون العوارض ، ~~فالآية نفت أن يكون شيء من الموجودات مماثلا لله تعالى في صفات ذاته لأن ~~ذات الله تعالى لا يماثلها ذوات المخلوقات ، ويلزم من ذلك أن كل ما ثبت ~~للمخلوقات في محسوس ذواتها فهو منتفف عن ذات الله تعالى . وبذلك كانت هذه ~~الآية أصلا في تنزيه الله تعالى عن الجوارح والحواس والأعضاء عند أهل ~~التأويل والذين أثبتوا لله تعالى ما ورد في القرآن مما نسميه بالمتشابه ~~فإنما أثبتوه مع التنزيه عن ظاهره إذ لا خلاف في إعمال قوله : { ليس كمثله ~~شيء } وأنه لا شبيه له ولا نظير له . # وإذ قد اتفقنا على هذا الأصل لم يبق خلاف في تأويل النصوص الموهمة ~~PageV25P047 التشبيه ، إلا أن تأويل سلفنا كان تأويلا جمليا ، وتأويل خلفهم ~~كان تأويلا تفصيليا كتأويلهم اليد بالقدرة ، والعين بالعلم ، وبسط اليدين ~~بالجود ، والوجه بالذات ، والنزول بتمثيل حال الإجابة والقبول بحال نزول ~~المرتفع من مكانه الممتنع إلى حيث يكون سائلوه لينيلهم ما سألوه . ولهذا ~~قالوا : طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم . # ولما أفاد قوله : { ليس ms7369 كمثله شيء } صفاتت السلوبب أعقب بإثبات صفة العلم ~~لله تعالى وهي من الصفات المعنوية وذلك بوصفه ب { السميع البصير } الدالين ~~على تعلق علمه بالموجودات من المسموعات والمبصرات تنبيها على أن نفي مماثلة ~~الأشياء لله تعالى لا يتوهم منه أن الله منزه عن الاتصاف بما اتصفت به ~~المخلوقات من أوصاف الكمال المعنوية كالحياة والعلم ولكن صفات المخلوقات لا ~~تشبه صفاته تعالى في كمالها لأنها في المخلوقات عارضة ، وهي واجبة لله ~~تعالى في منتهى الكمال ، فكونه تعالى سميعا وبصيرا من جملة الصفات الداخلة ~~تحت ظلال التأويل بالحمل على عموم قوله تعالى : { ليس كمثله شيء } فلم ~~يقتضيا جارحتين . ولقد كان تعقيب قوله ذلك بهما شبيها بتعقيب المسألة ~~بمثالها . # خبر رابع أو خامس عن الضمير في قوله : { وهو على كل شيء قدير } ( الشورى ~~: 9 ) وموقع هذه الجملة كموقع التي قبلها تتنزل منزلة النتيجة لما تقدمها ، ~~لأنه إذا ثبت أن الله هو الولي وما تضمنته الجمل بعدها إلى قوله : { يذرؤكم ~~فيه } ( الشورى : 11 ) من انفراده بالخلق ، ثبت أنه المنفرد بالرزق . # والمقاليد : جمع إقليد على غير قياس ، أو جمع مقلاد ، وهو المفتاح ، ~~وتقدم عند قوله تعالى : { له مقاليد السموات والأرض في سورة الزمر . ~~PageV25P048 وتقديم المجرور لإفادة الاختصاص ، أي هي ملكه لا ملك غيره . # والمقاليد هنا استعارة بالكناية لخيرات السماوات والأرض ، شبهت الخيرات ~~بالكنوز ، وأثبت لها ما هو من مرادفات المشبه به وهو المفاتيح ، والمعنى : ~~أنه وحده المتصرف بما ينفع الناس من الخيرات . وأما ما يتراءى من تصرف بعض ~~الناس في الخيرات الأرضية بالإعطاء والحرمان والتقتير والتبذير فلا اعتداد ~~به لقلة جدواه بالنسبة لتصرف الله تعالى . # وجملة يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر } مبينة لمضمون جملة { له مقاليد ~~السموات والأرض } . وبسط الرزق : توسعته ، وقدره : كناية عن قلته ، وتقدم ~~عند قوله : { الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر في سورة الرعد . # وجملة إنه بكل شيء عليم } استئناف بياني هو كالعلة لقوله : { لمن يشاء } ~~، أي أن مشيئته جارية على حسب علمه بما يناسب أحوال المرزوقين من بسط أو ~~قدر . # وبيان هذا ms7370 في قوله الآتي : { ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض } ~~( الشورى : 27 ) . # . # انتقال من الامتنان بالنعم الجثمانية إلى الامتنان بالنعمة الروحية بطريق ~~الإقبال على خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين للتنويه بدين ~~الإسلام وللتعريض بالكفار الذين أعرضوا عنه . فالجملة ابتدائية . # ومعنى { شرع } أوضح وبين لكم مسالك ما كلفكم به . وأصل { شرع } جعل طريقا ~~واسعة ، وكثر إطلاقه على سن القوانين والأديان فسمي الدين شريعة . فشرع هنا ~~مستعار للتبيين كما في قوله : { أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم ~~PageV25P049 يأذن به الله } ( الشورى : 21 ) ، وتقدم في قوله تعالى : { لكل ~~جعلنا منكم شرعة ومنهاجا في سورة العقود . # والتعريف في الدين } تعريف الجنس ، وهو يعم الأديان الإلهاية السابقة . و ~~{ من } للتبعيض . # والتوصية : الأمر بشيء مع تحريض على إيقاعه والعمل به . ومعنى كونه شرع ~~للمسلمين من الدين ما وصى به نوحا أن الإسلام دين مثل ما أمر به نوحا وحضه ~~عليه . فقوله : { ما وصى به نوحا } مقدر فيه مضاف ، أي مثل ما وصى به نوحا ~~، أو هو بتقدير كاف التشبيه على طريقة التشبيه البليغ مبالغة في شدة ~~المماثلة حتى صار المثل كأنه عين مثله . وهذا تقدير شائع كقول ورقة بن نوفل ~~: ( هذا هو الناموس الذي أنزل على عيسى ) . # والمراد : المماثلة في أصول الدين مما يجب لله تعالى من الصفات ، وفي ~~أصول الشريعة من كليات التشريع ، وأعظمها توحيد الله ، ثم ما بعده من ~~الكليات الخمس الضروريات ، ثم الحاجيات التي لا يستقيم نظام البشر بدونها ، ~~فإن كل ما اشتملت عليه الأديان المذكورة من هذا النوع قد أودع مثله في دين ~~الإسلام . فالأديان السابقة كانت تأمر بالتوحيد ، والإيمان بالبعث والحياة ~~الآخرة ، وتقوى الله بامتثال أمره واجتناب منهيه على العموم ، وبمكارم ~~الأخلاق بحسب المعروف ، قال تعالى : { قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى ~~بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى إن هذا لفي الصحف الأولى صحفف ~~إبراهيم وموسى } ( الأعلى : 14 19 ) . وتختلف في تفاصيل ذلك وتفاريعه . # ودين الإسلام لم يخل عن تلك الأصول وإن ms7371 خالفها في التفاريع تضييقا ~~وتوسيعا ، وامتازت هذه الشريعة بتعليل الأحكام وسد الذرائع والأمر بالنظر ~~في الأدلة وبرفع الحرج وبالسماحة وبشدة الاتصال بالفطرة ، وقد بينت ذلك في ~~كتابي ( مقاصد الشريعة الإسلامية ) . أو المراد المماثلة فيما وقع عقبه ~~بقوله : { أن أقيموا الدين } إلخ بناء على أن PageV25P050 تكون { أن } ~~تفسيرية ، أي شرع لكم وجوب إقامة الدين الموحى به وعدم التفرق فيه كما ~~سيأتي . وأيا ما كان فالمقصود أن الإسلام لا يخالف هذه الشرائع المسماة ، ~~وأن اتباعه يأتي بما أتت به من خير الدنيا والآخرة . # والاقتصار على ذكر دين نوح وإبراهيم وموسى وعيسى لأن نوحا أول رسول أرسله ~~الله إلى الناس ، فدينه هو أساس الديانات ، قال تعالى : { إنا أوحينا إليك ~~كما أوحينا إلى نوح والنبيئين من بعده } ( النساء : 163 ) ولأن دين إبراهيم ~~هو أصل الحنيفية وانتشر بين العرب بدعوة إسماعيل إليه فهو أشهر الأديان بين ~~العرب ، وكانوا على أثارة منه في الحج والختان والقرى والفتوة . ودين موسى ~~هو أوسع الأديان السابقة في تشريع الأحكام ، وأما دين عيسى فلأنه الدين ~~الذي سبق دين الإسلام ولم يكن بينهما دين آخر ، وليتضمن التهيئة إلى دعوة ~~اليهود والنصارى إلى دين الإسلام . وتعقيب ذكر دين نوح بما أوحي إلى محمد ~~عليهما السلام للإشارة إلى أن دين الإسلام هو الخاتم للأديان ، فعطف على ~~أول الأديان جمعا بين طرفي الأديان ، ثم ذكر بعدهما الأديان الثلاثة الأخر ~~لأنها متوسطة بين الدينين المذكورين قبلها . وهذا نسج بديع من نظم الكلام ، ~~ولولا هذا الاعتبار لكان ذكر الإسلام مبتدأ به كما في قوله : { إنا أوحينا ~~إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيئين من بعده } ( النساء : 163 ) وقوله : { ~~وإذ أخذنا من النبيئين ميثاقهم ومنك ومن نوح الآية في سورة الأحزاب . # وذكر في الكشاف } في آية الأحزاب أن تقديم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ~~في التفصيل لبيان أفضليته لأن المقام هنالك لسرد من أخذ عليهم الميثاق ، ~~وأما آية سورة الشورى فإنما أوردت في مقام وصف دين الإسلام بالأصالة ~~والاستقامة فكأن الله قال : شرع لكم الدين الأصيل الذي ms7372 بعث به نوحا في ~~العهد القديم وبعث به محمدا صلى الله عليه وسلم في العهد الحديث ، وبعث به ~~من توسط بينهما . # فقوله : { والذي أوحينا إليك } هو ما سبق نزوله قبل هذه الآية من القرآن ~~بما فيه من أحكام ، فعطفه على ما وصى به نوحا لما بينه وبين ما وصى به نوحا ~~من المغايرة بزيادة التفصيل والتفريع . وذكره عقب ما وصى به نوحا للنكتة ~~التي تقدمت . PageV25P051 # وفي قوله تعالى : { ما وصى به نوحا } وقوله : { وما وصينا به إبراهيم } ، ~~جيء بالموصول { ما } ، وفي قوله : { والذي أوحينا إليك } جيء بالموصول { ~~الذي } ، وقد يظهر في بادىء الرأي أنه مجرد تفنن بتجنب تكرير الكلمة ثلاث ~~مرات متواليات ، وذلك كافف في هذا التخالف . وليس يبعد عندي أن يكون هذا ~~الاختلاف لغرض معنوي ، وأنه فرق دقيق في استعمال الكلام البليغ وهو أن { ~~الذي } وأخواته هي الأصل في الموصولات فهي موضوعة من أصل الوضع للدلالة على ~~من يعين بحالة معروفة هي مضمون الصلة ، ف { الذي } يدل على معروف عند ~~المخاطب بصلته . # وأما { ما } الموصولة فأصلها اسم عام نكرة مبهمة محتاجة إلى صفة نحو قوله ~~تعالى : { إن الله نعما يعظكم به } ( النساء : 58 ) عند الزمخشري وجماعة إذ ~~قدروه : نعم شيئا يعظكم به . ف { ما } نكرة تمييز ل ( نعم ) وجملة { يعظكم ~~به صفة لتلك النكرة . وقال سيبويه في قوله تعالى : هذا ما لدي عتيد } ( ق : ~~23 ) المراد : هذا شيء لدي عتيد ، وأنشدوا : # لما نافعع يسعى اللبيب فلا تكن # لشيء بعيد نفعه الدهر ساعيا # أي لشيء نافع ، فقد جاءت صفتها اسما مفردا بقرينة مقابلته بقوله : لشيء ~~بعيد نفعه ، ثم يعرض ل { ما } التعريف بكثرة استعمالها نكرة موصوفة بجملة ~~فتعرفت بصفتها وأشبهت اسم الموصول في ملازمة الجملة بعدها ، ولذلك كثر ~~استعمال { ما } موصولة في غير العقلاء ، فيكون إيثار { ما وصى به نوحا } و ~~{ ما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى } بحرف { ما } لمناسبة أنها شرائع بعد ~~العهد بها فلم تكن معهودة عند المخاطبين إلا إجمالا فكانت نكرات لا تتميز ~~إلا بصفاتها ، وأما إيثار ms7373 الموحى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم باسم { ~~الذي } فلأنه شرع متداول فيهم معروف عندهم . فالتقدير : شرع لكم شيئا وصى ~~به نوحا وشيئا وصى به إبراهيم وموسى وعيسى ، والشيء الموحى به إليك . ولعل ~~هذا من نكت الإعجاز المغفول عنها . وفي العدول من الغيبة إلى التكلم في ~~قوله : { والذي أوحينا إليك } بعد قوله { شرع لكم } التفات . # وذكر في جانب الشرائع الأربع السابقة فعل { وصى } وفي جانب شريعة ~~PageV25P052 محمد صلى الله عليه وسلم فعل الإيحاء لأن الشرائع التي سبقت ~~شريعة الإسلام كانت شرائع موقتة مقدرا ورود شريعة بعدها فكان العمل بها ~~كالعمل الذي يقوم به مؤتمن على شيء حتى يأتي صاحبه ، وليقع الاتصال بين فعل ~~{ أوحينا إليك } وبين قوله في صدر السورة { كذلك يوحي إليك وإلى الذين من ~~قبلك الله العزيز الحكيم } ( الشورى : 3 ) . # و { أن } في قوله : { أن أقيموا الدين } يجوز أن تكون مصدرية ، فإنها قد ~~تدخل على الجملة الفعلية التي فعلها متصرف ، والمصدر الحاصل منها في موضع ~~بدل الاشتمال من { ما } الموصولة الأولى أو الأخيرة . وإذا كان بدلا من ~~إحداهما كان في معنى البدل من جميع أخواتهما لأنها سواء في المفعولية لفعل ~~{ شرع } بواسطة العطف فيكون الأمر بإقامة الدين والنهي عن التفرق فيه مما ~~اشتملت عليه وصاية الأديان . ويجوز أن تكون تفسيرية لمعنى { وصى } لأنه ~~يتضمن معنى القول دون حروفه . فالمعنى : أن إقامة الدين واجتماع الكلمة ~~عليه أوصى الله بها كل رسول من الرسل الذين سماهم . وهذا الوجه يقتضي أن ما ~~حكي شرعه في الأديان السابقة هو هذا المعنى وهو إقامة الدين المشروع كما هو ~~، والإقامة مجملة يفسرها ما في كل دين من الفروع . # وإقامة الشيء : جعله قائما ، وهي استعارة للحرص على العمل به كقوله : { ~~ويقيمون الصلاة } ، وقد تقدم في سورة البقرة . # وضمير { أقيموا } مراد به : أمم أولئك الرسل ولم يسبق لهم ذكر في اللفظ ~~لكن دل على تقديرهم ما في فعل { وصى } من معنى التبليغ . وأعقب الأمر ~~بإقامة الدين بالنهي عن التفرق في الدين . # والتفرق : ضد التجمع ، وأصله ms7374 : تباعد الذوات ، أي اتساع المسافة بينها ~~ويستعار كثيرا لقوة الاختلاف في الأحوال والآراء كما هنا ، وهو يشمل التفرق ~~بين الأمة بالإيمان بالرسول ، والكفر به ، أي لا تختلفوا على أنبيائكم ، ~~ويشمل التفرق بين الذين آمنوا بأن يكونوا نحلا وأحزابا ، وذلك اختلاف الأمة ~~في أمور دينها ، أي في PageV25P053 أصوله وقواعده ومقاصده ، فإن الاختلاف ~~في الأصول يفضي إلى تعطيل بعضها فينخرم بعض أساس الدين . # والمراد : ولا تتفرقوا في إقامته بأن ينشط بعضهم لإقامته ويتخاذل البعض ، ~~إذ بدون الاتفاق على إقامة الدين يضطرب أمره . ووجه ذلك أن تأثير النفوس ~~إذا اتفقت يتوارد على قصد واحد فيقوى ذلك التأثير ويسرع في حصول الأثر إذ ~~يصير كل فرد من الأمة معينا للآخر فيسهل مقصدهم من إقامة دينهم . أما إذا ~~حصل التفرق والاختلاف فذلك مفضض إلى ضياع أمور الدين في خلال ذلك الاختلاف ~~، ثم هو لا يلبث أن يلقي بالأمة إلى العداوة بينها وقد يجرهم إلى أن يتربص ~~بعضهم ببعض الدوائر ، ولذلك قال الله تعالى : { ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ~~ريحكم } ( الأنفال : 46 ) . # وأما الاختلاف في فروعه بحسب استنباط أهل العلم بالدين فذلك من التفقه ~~الوارد فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم ( من يرد الله به خيرا يفقهه في ~~الدين ) . # . # اعتراض بين جملة { شرع لكم من الدين } وجملة { وما تفرقوا إلا من بعد ما ~~جاءهم العلم } ( الشورى : 14 ) . ولك أن تجعله استئنافا بيانيا جوابا عن ~~سؤال من يتعجب من إعراض المشركين عن الإسلام مع أنه دين مؤيد بما سبق من ~~الشرائع الإلهاية ، فأجيب إجمالا بأنه كبر على المشركين وتجهموه و { كبر } ~~بمعنى صعب ، وقريب منه إطلاق ثقل ، أي عجزوا عن قبول ما تدعوهم إليه ، ~~فالكبر مجاز استعير للشيء الذي لا تطمئن النفس لقبوله ، والكبر في الأصل ~~الدال على ضخامة الذات لأن شأن الشيء الضخم أن يعسر حمله ولما فيه من تضمين ~~معنى ثقل عدي ب { على } . # وعبر عن دعوة الإسلام ب { ما } الموصولة اعتبارا بنكران المشركين لهذه ~~الدعوة واستغرابهم إياها ، وعدهم إياها من المحال الغريب ، وقد كبر ms7375 عليهم ~~ذلك من ثلاث جهات : PageV25P054 # جهة الداعي لأنه بشر مثلهم قالوا { أبعث الله بشرا رسولا } ( الإسراء : ~~94 ) ، ولأنه لم يكن قبل الدعوة من عظماء القريتين { لولا نزل هذا القرآن ~~على رجلل من القريتين عظيم } ( الزخرف : 31 ) . # وجهة ما به الدعوة فإنهم حسبوا أن الله لا يخاطب الرسل إلا بكتاب ينزله ~~إليه دفعة من السماء فقد قالوا { لن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه ~~} ( الإسراء : 93 ) { وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة ~~أو نرى ربنا } ( الفرقان : 21 ) { وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله } ~~( البقرة : 118 ) والقائلون هم المشركون . # ومن جهة ما تضمنته الدعوة مما لم تساعد أهواؤهم عليه قالوا : { أجعل ~~الآلهة إلاها واحدا } ( ص : 5 ) { هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ~~ممزقق إنكم لفي خلقق جديد } ( سبأ : 7 ) . وجيء بالفعل المضارع في { تدعوهم ~~} للدلالة على تجدد الدعوة واستمرارها . # . # استئناف بياني جواب عن سؤال من يسأل : كيف كبرت على المشركين دعوة ~~الإسلام ، بأن الله يجتبي من يشاء ، فالمشركون الذين لم يقتربوا من هدى ~~الله غير مجتبين إلى الله إذ لم يشأ اجتباءهم ، أي لم يقدر لهم الاهتداء . ~~ويجوز أن يكون ردا على إحدى شبههم الباعثة على إنكارهم رسالته بأن الله ~~يجتبي من يشاء ولا يلزمه مراعاة عوائدكم في الزعامة والاصطفاء . # والاجتباء : التقريب والاختيار قال تعالى : { قالوا لولا اجتبيتها } ( ~~الأعراف : 203 ) . ومن يشاء الله اجتباءه من هداه إلى دينه ممن ينيب وهو ~~أعلم بسرائر خلقه . # وتقديم المسند إليه وهو اسم الجلالة على الخبر الفعلي لإفادة القصر ردا ~~على المشركين الذين أحالوا رسالة بشر من عند الله . وحين أكبروا أن يكون ~~الضعفة من المؤمنين خيرا منهم . PageV25P055 # . # عطف على جملة { ولا تتفرقوا فيه } ( الشورى : 13 ) وما بينهما اعتراض كما ~~علمت ، وفي الكلام حذف يدل عليه قوله : { وما تفرقوا } تقديره : فتفرقوا . ~~وضمير { تفرقوا } عائد إلى ما عاد إليه ضمير { أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا ~~} ( الشورى : 13 ) وهم أمم الرسل المذكورين ، أي أوصيناهم بواسطة رسلهم بأن ~~يقيموا الدين . دل على ms7376 تقديره ما في فعل { وصى } ( الشورى : 13 ) من معنى ~~التبليغ كما تقدم . # والعلم : إدراك العقل جزما أو ظنا . ومجيء العلم إليهم يؤذن بأن رسلهم ~~بينوا لهم مضار التفرق من عهد نوح كما حكى الله عنه في قوله : { ثم إني ~~دعوتهم جهارا ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا } إلى قوله : { سبلا ~~فجاجا في سورة نوح ( 8 20 ) . وإنما تلقى ذلك العلم علماؤهم . # ويجوز أن يكون المراد بالعلم سبب العلم ، أي إلا من بعد مجيء النبي ~~بصفاته الموافقة لما في كتابهم فتفرقوا في اختلاق المطاعن والمعاذير ~~الباطلة لينفوا مطابقة الصفات ، فيكون كقوله تعالى : وما تفرق الذين أوتوا ~~الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة } ( البينة : 4 ) على أحد تفسيرين . # والمعنى : وما تفرقت أممهم في أديانهم إلا من بعد ما جاءهم العلم على ~~لسان رسلهم من النهي عن التفرق في الدين مع بيانهم لهم مفاسد التفرق ~~وأضراره ، أي أنهم تفرقوا عالمين بمفاسد التفرق غير معذورين بالجهل . وهذا ~~كقوله تعالى : { وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة ~~} ( البينة : 4 ) على التفسير الآخر . # وذكر سبب تفرقهم بقوله : { بغيا بينهم } أي تفرقوا لأجل العداوة بينهم ، ~~أي بين المتفرقين ، أي لم يحافظوا على وصايا الرسل . وهذا تعريض بالمشركين ~~في إعراضهم عن دعوة الإسلام لعداوتهم للمؤمنين PageV25P056 وقوله : { ولولا ~~كلمة سبقت من ربك } الخ تحذير للمؤمنين من مثل ذلك الاختلاف . وتنكير { ~~كلمة } للتنويع لأن لكل فريق من المتفرقين في الدين كلمة من الله في ~~تأجيلهم فهو على حد قوله تعالى : { وعلى أبصارهم غشاوة } ( البقرة : 7 ) . ~~وتنكير { أجل } أيضا للتنويع لأن لكل أمة من المتفرقين أجلا مسمى ، فهي ~~آجال متفاوتة في الطول والقصر ومختلفة بالأزمنة والأمكنة . # والمراد بالكلمة ما أراده الله من إمهالهم وتأخير مؤاخذتهم إلى أجل لهم ~~اقتضته حكمته في نظام هذا العالم ، فربما أخرهم ثم عذبهم في الدنيا ، وربما ~~أخرهم إلى عذاب الآخرة ، وكل ذلك يدخل في الأجل المسمى ، ولكل ذلك كلمته . ~~فالكلمة هنا مستعارة للإرادة والتقدير . وسبقها تقدمها من قبل وقت تفرقهم ms7377 ~~وذلك سبق علم الله بها وإرادته إياها على وقف علمه وقدره ، وقد تقدم نظير ~~هذه الكلمة في سورة هود وفي سورة طه . # . # عطف على جملة { وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم } إلى قوله : { ~~لقضي بينهم } . وهذه الجملة هي المقصود من جملة { شرع لكم من الدين ما وصى ~~به نوحا } إلى قوله : { ولا تتفرقوا فيه } ( الشورى : 13 ) ، لأن المقصود ~~أهل الكتاب الموجودون في زمن نزول الآية . # وإذ قد كانت من الأمم التي أوحى الله إلى رسلهم أمتانن موجودتان في حين ~~نزول هذه الآية وهما اليهود والنصارى ، وكانتا قد تفرقتا فيما جاءهم به ~~العلم ، وكان الله قد أخر القضاء بين المختلفين منهم إلى أجل مسمى ، وكانوا ~~لما بلغتهم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم شكوا في انطباق الأوصاف التي ~~وردت في الكتاب بوصف النبي الموعود به . # فالمعنى : أنه كما تفرق أسلافهم في الدين قبل بعثة النبي الموعود به تفرق ~~خلفهم مثلهم وزادوا تفرقا في تطبيق صفات النبي الموعود به تفرقا ناشئا عن ~~التردد PageV25P057 والشك ، أي دون بذل الجهد في تحصيل اليقين ، فلم يزل ~~الشك دأبهم . فالمخبر عنهم بأنهم في شك : هم الذين أورثوا الكتاب من بعد ~~سلفهم . # وقد جاء نظم الآية على أسلوب إيجاز يتحمل هذه المعاني الكثيرة وما يتفرع ~~عنها ، فجيء بضمير { منه } بعد تقدم ألفاظ صالحة لأن تكون معاد ذلك الضمير ~~، وهي لفظ { الدين في قوله من الدين ( الشورى : 13 ) ، ولفظ الذي } في قوله ~~: { والذي أوحينا إليك } ( الشورى : 13 ) ، و { ما الموصولة في قوله : ما ~~تدعوهم إليه } ( الشورى : 13 ) ، وهذه الثلاثة مدلولها الإسلام . وهنالك ~~لفظ { ما وصينا } ( الشورى : 13 ) المتعدي إلى موسى وعيسى ، ولفظ { الكتاب ~~} في قوله { وإن الذين أورثوا الكتاب } . وهذان مدلولهما كتابا أهل الكتاب ~~. # وهؤلاء الذين أوتوا الكتاب هم الموجودون في وقت نزول الآية . والإخبار ~~عنهم بأنهم في شك ناشىء من تلك المعادات للضمير معناه : أن مبلغ كفرهم ~~وعنادهم لا يتجاوز حالة الشك في صدق الرسالة المحمدية ، أي ليسوا مع ذلك ~~بموقنين بأن الإسلام باطل ، ولكنهم ms7378 ترددوا ثم أقدموا على التكذيب به حسدا ~~وعنادا . فمنهم من بقي حالهم في الشك . ومنهم من أيقن بأن الإسلام حق ، كما ~~قال تعالى : { الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا ~~منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون } ( البقرة : 146 ) . ويحتمل أن المعنى لفي ~~شك بصدق القرآن أو في شك مما في كتابهم من الأمور التي تفرقوا فيها ، أو ما ~~في كتابهم من الدلالة على مجيء النبي الموعود به وصفاته . فهذه معان كثيرة ~~تتحملها الآية وكلها منطبقة على أهل الكتابين وبذلك يظهر أنه لا داعي إلى ~~صرف كلمة { شك } عن حقيقتها . # ومعنى { أورثوا الكتاب } صار إليهم علم الكتاب الذي اختلف فيه سلفهم ~~فاستعير الإرث للخلفية في علم الكتاب . # والتعريف في { الكتاب } للجنس ليشمل كتاب اليهود وكتاب النصارى . ~~PageV25P058 # فضمير { من بعدهم } عائد إلى ما عاد إليه ضمير { تفرقوا } وهم الذين ~~خوطبوا بقوله { ولا تتفرقوا فيه } ( الشورى : 13 ) . # وظرفية قوله : { في شك } ظرفية مجازية وهي استعارة تبعية ، شبه تمكن الشك ~~من نفوسهم بإحاطة الظرف بالمظروف . # و ( من ) في قوله : { لفي شك منه } ابتدائية وهو ابتداء مجازي معناه ~~المصاحبة والملابسة ، أي شك متعلق به أو في شك بسببه . ففي حرف ( من ) ~~استعارة تبعية ، وقع حرف ( من ) موقع باء المصاحبة أو السببية . # وتأكيد الخبر ب { إن } للاهتمام ومجرد تحقيقه للنبيء صلى الله عليه وسلم ~~والمؤمنين ، وهذا الاهتمام كناية عن التحريض للحذر من مكرهم وعدم الركون ~~إليهم لظهور عداوتهم لئلا يركنوا إليهم ، ولعل اليهود قد أخذوا يومئذ في ~~تشكيك المسلمين واختلطوا بهم في مكة ليتطلعوا حال الدعوة المحمدية . # هذا هو الوجه في تفسير هذه الآية وهو الذي يلتئم مع ما قبله ومع قوله ~~بعده { ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم ~~الله ربنا وربكم } ( الشورى : 15 ) الآية . # والمريب : الموجب الريب وهو الاتهام . فالمعنى : لفي شك يفضي إلى الظنة ~~والتهمة ، أي شك مشوب بتكذيب ، ف { مريب } اسم فاعل من أراب الذي همزته ~~للتعدية ، أي جاعل الريب ، وليست همزة أراب التي هي ms7379 للجعل في قولهم : ~~أرابني بمعنى أوهمني منه ريبة وهو ليس بذي ريب ، كما في قول بشار : # أخوك الذي إن ربته قال إنما # أربت وإن عاتبته لان جانبه # على رواية فتح التاء من أربت ، وتقدم قوله { وإننا لفي شك مما تدعونا ~~إليه مريب في سورة هود . PageV25P059 # } # الفاء للتفريع على قوله : { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا } ( الشورى ~~: 13 ) إلى آخره ، المفسر بقوله : { أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه } ( ~~الشورى : 13 ) المخلل بعضه بجمل معترضة من قوله : { كبر على المشركين إلى ~~من ينيب } ( الشورى : 13 ) . # واللام يجوز أن تكون للتعليل وتكون الإشارة بذلك إلى المذكور ، أي جميع ~~ما تقدم من الأمر بإقامة الدين والنهي عن التفرق فيه وتلقي المشركين للدعوة ~~بالتجهم وتلقي المؤمنين لها بالقبول والإنابة ، وتلقي أهل الكتاب لها بالشك ~~، أي فلأجل جميع ما ذكر فادع واستقم ، أي لأجل جميع ما تقدم من حصول ~~الاهتداء لمن هداهم الله ومن تبرم المشركين ومن شك أهل الكتاب فادع . # ولم يذكر مفعول ( ادع ) لدلالة ما تقدم عليه ، أي ادع المشركين والذين ~~أوتوا الكتاب والذين اهتدوا وأنابوا . وتقديم ( لذلك ) على متعلقه وهو فعل ~~( ادع ) للاهتمام بما احتوى عليه اسم الإشارة إذ هو مجموع أسباب للأمر ~~بالدوام على الدعوة . ويجوز أن تكون اللام في قوله : { فلذلك } لام التقوية ~~وتكون مع مجرورها مفعول ( ادع ) . والإشارة إلى { الدين من قوله : شرع لكم ~~من الدين ( الشورى : 13 ) أي فادع لذلك الدين . # وتقديم المجرور على متعلقه للاهتمام بالدين . # وفعل الأمر في قوله : فادع } مستعمل في الدوام على الدعوة كقوله : { يا ~~أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله } ( النساء : 136 ) ، بقرينة قوله : { ~~كما أمرت } ، وفي هذا إبطال PageV25P060 لشبهتهم في الجهة الثالثة المتقدمة ~~عند قوله تعالى : { كبر على المشركين ما تدعوهم إليه } ( الشورى : 13 ) . # والفاء في قوله : { فادع } يجوز أن تكون مؤكدة لفاء التفريع التي قبلها ، ~~ويجوز أن تكون مضمنة معنى الجزاء لما في تقديم المجرور من مشابهة معنى ~~الشرط كما في قوله تعالى : { فبذلك فليفرحوا } ( يونس : 58 ) . # والاستقامة : الاعتدال ، والسين ms7380 والتاء فيها للمبالغة مثل : أجاب واستجاب ~~. والمراد هنا الاعتدال المجازي وهو اعتدال الأمور النفسانية من التقوى ~~ومكارم الأخلاق ، وإنما أمر بالاستقامة ، أي الدوام عليها ، للإشارة إلى أن ~~كمال الدعوة إلى الحق لا يحصل إلا إذا كان الداعي مستقيما في نفسه . # والكاف في { كما أمرت } لتشبيه معنى المماثلة ، أي دعوة واستقامة مثل ~~الذي أمرت به ، أي على وفاقه ، أي وافية بما أمرت به . وهذه الكاف مما يسمى ~~كاف التعليل كقوله تعالى : { واذكروه كما هداكم } ( البقرة : 198 ) ، وليس ~~التعليل من معاني الكاف في التحقيق ولكنه حاصل معنى يعرض في استعمال الكاف ~~إذا أريد تشبيه عاملها بمدخولها على معنى المطابقة والموافقة . # والاتباع يطلق مجازا على المجاراة والموافقة ، وعلى المحاكاة والمماثلة ~~في العمل ، والمراد هنا كلا الإطلاقين ليرجع النهي إلى النهي عن مخالفة ~~الأمرين المأمور بهما في قوله { فادع واستقم } . # وضمير { أهواءهم } للذين ذكروا من قبل من المشركين والذين أوتوا الكتاب ، ~~والمقصود : نهي المسلمين عن ذلك من باب { لئن أشركت ليحبطن عملك } ( الزمر ~~: 65 ) ألا ترى إلى قوله : { فاستقم كما أمرت ومن تاب معك } في سورة هود . # ويجوز أن يكون معنى { ولا تتبع أهواءهم } لا تجارهم في معاملتهم ، أي لا ~~يحملك طعنهم في دعوتك على عدم ذكر فضائل رسلهم وهدي كتبهم عدا ما بدلوه ~~منها فأعلن بأنك مؤمن بكتبهم ، ولذلك عطف على قوله : { ولا تتبع أهواءهم } ~~قوله : { وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب } الآية ، فموقع واو العطف ~~PageV25P061 فيه بمنزلة موقع فاء التفريع . ويكون المعنى كقوله تعالى : { ~~ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى في سورة ~~المائدة . # والأهواء : جمع هوى وهو المحبة ، وغلب على محبة ما لا نفع فيه ، أي ادعهم ~~إلى الحق وإن كرهوه ، واستقم أنت ومن معك وإن عاداكم أهل الكتاب فهم يحبون ~~أن تتبعوا ملتهم ، وهذا من معنى قوله : ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى ~~حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك ~~من العلم ما لك من الله ms7381 من ولي ولا نصير } ( البقرة : 120 ) . # وقوله : { وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب } بعد قوله : { فادع } أمر ~~بمخالفة اليهود إذ قالوا : { نؤمن ببعض } ( النساء : 150 ) يعنون التوراة ، ~~{ ونكفر ببعض } ( النساء : 150 ) يعنون الإنجيل والقرآن ، فأمر الرسول صلى ~~الله عليه وسلم والمسلمون بالإيمان بالكتب الثلاثة الموحى بها من الله كما ~~قال تعالى : { وتؤمنون بالكتاب كله } ( آل عمران : 119 ) . فالمعنى : وقل ~~لمن يهمه هذا القول وهم اليهود . وإنما أمر بأن يقول ذلك إعلانا به وإبلاغا ~~لأسماع اليهود ، فلا يقابل إنكارهم حقية كتابه بإنكاره حقية كتابهم وفي هذا ~~إظهار لما تشتمل عليه دعوته من الإنصاف . # و { من كتاب } بيان لما أنزل الله ، فالتنكير في { كتاب } للنوعية ، أي ~~بأي كتاب أنزله الله وليس يومئذ كتاب معروف غير التوراة والإنجيل والقرآن . # وضمير { بينكم } خطاب للذين أمر بأن يوجه هذا القول إليهم وهم اليهود ، ~~أي أمرت أن أقيم بينكم العدل بأن أدعوكم إلى الحق ولا أظلمكم لأجل عداواتكم ~~ولكني أنفذ أمر الله فيكم ولا أنتمي إلى اليهود ولا إلى النصارى . ومعنى { ~~بينكم } أنني أقيم العدل بينكم فلا ترون بينكم جورا مني ، ف ( بين ) هنا ~~ظرف متحد غير موزع فهو بمعنى وسط الجمع وخلاله ، بخلاف ( بين ) في قول ~~القائل : قضى بين الخصمين أو قسم المال بين العفاة . فليس المعنى : لأعدل ~~بين فرقكم إذ لا يقتضيه السياق . # وفي هذه الآية مع كونها نازلة في مكة في زمن ضعف المسلمين إعجاز بالغيب ~~يدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم سيكون له الحكم على يهود بلاد العرب ~~مثل أهل خيبر PageV25P062 وتيماء وقريظة والنضير وبني قينقاع ، وقد عدل ~~فيهم وأقرهم على أمرهم حتى ظاهروا عليه الأحزاب كما تقدم في سورة الأحزاب . # واللام في قوله : { لأعدل } لام يكثر وقوعها بعد أفعال مادتي الأمر ~~والإرادة ، نحو قوله تعالى : { يريد الله ليبين لكم } ( النساء : 26 ) ، ~~وتقدم الكلام عليها وبعضهم يجعلها زائدة . # وجملة { الله ربنا وربكم } من المأمور بأن يقوله . فهي كلها جملة مستأنفة ~~عن جملة { آمنت بما أنزل الله من كتاب } مقررة ms7382 لمضمونها لأن المقصود من ~~جملة { الله ربنا وربكم } بحذافرها هو قوله : { لا حجة بيننا وبينكم } فهي ~~مقررة لمضمون { آمنت بما أنزل الله من كتاب } ، وإنما ابتدئت بجملتي { الله ~~ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم } تمهيدا للغرض المقصود وهو لا حجة ~~بيننا وبينكم ، فلذلك كانت الجمل كلها مفصولة عن جملة { آمنت بما أنزل الله ~~من كتاب وأمرت لأعدل بينكم } . # والمقصود من قوله : { الله ربنا وربكم } أننا متفقون على توحيد الله ~~تعالى كقوله تعالى : { قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ~~أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا } ( آل عمران : 64 ) الآية ، أي ~~فالله الشهيد علينا وعليكم إذ كذبتم كتابا أنزل من عنده ، فالخبر مستعمل في ~~التسجيل والإلزام . # وجملة { لنا أعمالنا ولكم أعمالكم } دعوة إنصاف ، أي أن الله يجازي كلا ~~بعمله . وهذا خبر مستعمل في التهديد والتنبيه على الخطأ . وجملة { لا حجة ~~بيننا وبينكم } هي الغرض المقصود بعد قوله { وأمرت لأعدل بينكم } أي أعدل ~~بينكم ولا أخاصمكم على إنكاركم صدقي . # والحجة : الدليل الذي يدل المسوق إليه على صدق دعوى القائم به وإنما تكون ~~الحجة بين مختلفين في دعوى . ونفي الحجة نفي جنس يجوز أن يكون كناية عن نفي ~~المجادلة التي من شأنها وقوع الاحتجاج كناية عن عدم التصدي لخصومتهم فيكون ~~المعنى الامساك عن مجادلتهم لأن الحق ظهر وهم مكابرون فيه وهذا تعريض بأن ~~الجدال معهم ليس بذي جدوى . PageV25P063 ويجوز أن يكون المنفي جنس الحجة ~~المفيدة ، بمعونة القرينة مثل : لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب . ~~والمعنى : أن الاستمرار على الاحتجاج عليهم بعد ما أظهر لهم من الأدلة يكون ~~من العبث ، وهذا تعريض بأنهم مكابرون . وأيا ما كان فليس هذا النفي مستعملا ~~في النهي عن التصدي للاحتجاج عليهم فقد حاجهم القرآن في آيات كثيرة نزلت ~~بعد هذه وحاجهم النبي صلى الله عليه وسلم في قضية الرجم وقد قال الله تعالى ~~: { ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن } ( العنكبوت : 46 ) ~~فالاستثناء صريح في مشروعية مجادلتهم . # و ( بين ) المكررة ms7383 في قوله : { بيننا وبينكم } ظرف موزع على جماعاتت أو ~~أفراد ضمير المتكلم المشاركك . وضمير المخاطبين ، كما يقال : قسم بينهم ، ~~وهذا مخالف ل ( بين ) المتقدم آنفا . # والمراد بالجمع في قوله : { الله يجمع بيننا } الحشر لفصل القضاء ، ~~فيومئذ يتبين المحق من المبطل ، وهذا كلام منصف . ولما كان مثل هذا الكلام ~~لا يصدر إلا من الواثق بحقه كان خطابهم به مستعملا في المتاركة والمحاجزة ، ~~أي سأترك جدالكم ومحاجتكم لقلة جدواها فيكم وأفوض أمري إلى الله يقضي بيننا ~~يوم يجمعنا ، فهذا تعريض بأن القضاء سيكون له عليهم . وتقديم المسند إليه ~~على الخبر الفعلي في قوله : { الله يجمع بيننا } للتقوي ، أي تحقيق وقوع ~~هذا الجمع وإلا فإن المخاطبين وهم اليهود يثبتون البعث . و ( بين ) هنا ظرف ~~موزع مثل الذي في قوله : { لا حجة بيننا وبينكم } . # وجملة { وإليه المصير } عطف على جملة { يجمع بيننا } . والتعريف في { ~~المصير } للاستغراق ، أي مصير الناس كلهم ، فبذلك كانت الجملة تذييلا بما ~~فيها من العموم ، أي مصيرنا ومصيركم ومصير الخلق كلهم . # وهذه الجمل الأربع تقتضي المحاجزة بين المؤمنين وبين اليهود وهي محاجزة ~~في المقاولة ومتاركة في المقاتلة في ذلك الوقت حتى أذن الله في قتالهم لما ~~ظاهروا الأحزاب . PageV25P064 # وليس في صيغ هذه الجمل ما يقتضي دوام المتاركة إذ ليس فيها ما يقتضي عموم ~~الأزمنة فليس الأمر بقتال بعضهم بعد يوم الأحزاب ناسخا لهذه الآية . # عطف على جملة { وقل آمنت بما أنزل الله } ( الشورى : 15 ) الخ ، وهو ~~يقتضي انتقال الكلام ، فلما استوفى حظ أهل الكتاب في شأن المحاجة معهم ، ~~رجع إلى المشركين في هذا الشأن بقوله : { والذين يحاجون في الله } . # وتغيير الأسلوب بالإتيان بالاسم الظاهر الموصول وكونن صلته مادة الاحتجاج ~~مؤذن بتغيير الغرض في المتحدث عنهم مع مناسبة ما ألحق به من قوله : { ~~يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها } ( الشورى : 18 ) وقوله : { أم لهم شركاء ~~شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله } ( الشورى : 21 ) ، فالمقصود ب { ~~الذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له } : المشركون لأنهم يحاجون في ~~شأن ms7384 الله وهو الوحدانية دون اليهود من أهل الكتاب فإنهم لا يحاجون في تفرد ~~الله بالإلهاية . وعن مجاهد أنه قال : { الذين يحاجون في الله } رجال طمعوا ~~أن تعود الجاهلية بعد ما دخل الناس في الإسلام . ووقع في كلام ابن عباس عند ~~الطبري : أنهم اليهود والنصارى . # فمعنى محاجتهم في الله محاجتهم في دين الله ، أي إدخالهم على الناس الشك ~~في صحة دين الإسلام أو في كونه أفضل من اليهودية والنصرانية . ومحاجتهم هي ~~ما يلبسوه به على المسلمين لإدخال الشك عليهم في اتباع الإسلام كقول ~~المشركين { ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ~~ملك فيكون معه نذيرا } ( الفرقان : 7 ) وقولهم في الأصنام { هؤلاء شفعاؤنا ~~عند الله } ( يونس : 18 ) وقولهم في إنكار البعث { أإذا متنا وكنا ترابا ~~ذلك رجع بعيد } ( ق : 3 ) وقولهم : { إن نتبعع الهدى معك نتخطف PageV25P065 ~~من أرضنا } ( القصص : 57 ) ، وكقول أهل الكتاب : نحن الذين على دين إبراهيم ~~، وقولهم : كتابنا أسبق من كتاب المسلمين . وإطلاق اسم الحجة على شبهاتهم ~~مجاراة لهم بطريق التهكم ، والقرينة قوله { داحضة عند ربهم } . # ومفعول { يحاجون } محذوف دل عليه قوله : { من بعد ما استجيب له } ، ~~والتقدير : يحاجون المستجيبين لله من بعد ما استجابوا له ، أي استجابوا ~~لدعوته على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم # وحذف فاعل { استجيب } إيجازا لأن المقصود من بعد حصول الاستجابة المعروفة ~~. # والداحضة : التي دحضت بفتح الحاء ، يقال : دحضت رجله تدحض ( بفتح الحاء ) ~~دحوضا ، أي زلت . استعير الدحض للبطلان بجامع عدم الثبوت كما لا تثبت القدم ~~في المكان الدحضض ، ولم يبين وجه دحضها اكتفاء بما بين في تضاعيف ما نزل من ~~القرآن من الأدلة على فساد تعدد الآلهة ، وعلى صدق الرسول صلى الله عليه ~~وسلم وعلى إمكان البعث ، وبما ظهر للعيان من تزايد المسلمين يوما فيوما ، ~~وأمنهم من أن يعتدى عليهم . # والغضب : غضب الله ، وإنما نكر للدلالة على شدته . ولم يحتج إلى إضافته ~~إلى اسم الجلالة أو ضميره لظهور المقصود من قوله : { حجتهم داحضة عند ربهم ~~} فالتقدير : وعليهم غضب منه . وإنما ms7385 قدم المسند على المسند إليه بقوله : { ~~وعليهم غضب } للاهتمام بوقوع الغضب عليهم كما هو مقتضى حرف الاستعلاء ~~المجازي . # وكذلك القول في { ولهم عذاب شديد } . ولعل المراد به عذاب السيف في ~~الدنيا بالقتل يوم بدر . PageV25P066 # قد علمتم أن من جملة محاجة المشركين في الله ومن أشدها تشغيبا في زعمهم ~~محاجتهم بإنكار البعث كما في قولهم : { هل ندلكم على رجلل ينبئكم إذا مزقتم ~~كل ممزقق إنكم لفي خلقق جديد أفترى على الله كذبا أم به جنة } ( سبأ : 7 ، ~~8 ) ، وقال شداد بن الأسود : # يخبرنا الرسول بأن سنحيا # وكيف حياة أصداء وهام # وقد دحض الله حجتهم في مواضع من كتابه بنفي استحالته ، وبدليل إمكانه ، ~~وأومأ هنا إلى مقتضي إيجابه ، فبين أن البعث والجزاء حق وعدل فكيف لا يقدره ~~مدبر الكون ومنزل الكتاب والميزان . وقد أشارت إلى هذا المعنى آيات كثيرة ~~منها قوله تعالى : { أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون } ( ~~المؤمنون : 115 ) وقوله : { إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما ~~تسعى } ( طه : 15 ) وقال : { وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ~~ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين ~~} ( الدخان : 38 40 ) . # وأكثرها جاء نظمها على نحو الترتيب الذي في نظم هذه الآية من الابتداء ~~بما يذكر بحكمة الإيجاد وأن تمام الحكمة بالجزاء على الأعمال . # فقوله : { الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان } تمهيد لقوله : { وما ~~يدريك لعل الساعة قريب } ، لأن قوله : { وما يدريك لعل الساعة قريب } يؤذن ~~بمقدر يقتضيه المعنى ، تقديره : فجعل الجزاء للسائرين على الحق والناكبين ~~عنه في يوم الساعة فلا محيص للعباد عن لقاء الجزاء وما يدريك لعل الساعة ~~قريب ، فهو ناظر إلى قوله { إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفسس بما ~~تسعى } ( طه : 15 ) . وهذه الجملة موقعها من جملة { والذين يحاجون في الله ~~} ( الشورى : 16 ) موقع الدليل ، والدليل من ضروب البيان ، ولذلك فصلت ~~الجملة عن التي قبلها لشدة اتصال معناها بمعنى الأخرى . # والإخبار عن اسم الجلالة باسم الموصول الذي مضمون صلته ms7386 إنزاله الكتاب ~~PageV25P067 والميزان ، لأجل ما في الموصولية من الإيماء إلى وجه بناء ~~الخبر الآتي ، وأنه من جنس الحق والعدل ، مثل الموصول في قوله تعالى : { إن ~~الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين ( غافر : 60 ) . # ولام التعريف في الكتاب } لتعريف الجنس ، أي إنزال الكتب وهو ينظر إلى ~~قوله آنفا : { وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب } ( الشورى : 15 ) . # والباء في { بالحق } للملابسة ، أي أنزل الكتب مقترنة بالحق بعيدة عن ~~الباطل . # والحق : كل ما يحق ، أي يجب في باب الصلاح عمله ويصح أن يفسر بالأغراض ~~الصحيحة النافعة . # و { الميزان } حقيقته : آلة الوزن ، والوزن : تقدير ثقلل جسم ، والميزان ~~آلة ذات كفتين معتدلتين معلقتين في طرفي قضيب مستو معتدل ، له عروة في وسطه ~~، بحيث لا تتدلى إحدى الكفتين على الأخرى إذا أمسك القضيب من عروته . ~~والميزان هنا مستعار للعدل والهدي بقرينة قوله { أنزل } فإن الدين هو ~~المنزل والدين يدعو إلى العدل والإنصاف في المجادلة في الدين وفي إعطاء ~~الحقوق ، فشبه بالميزان في تساوي رجحان كفتيه قال تعالى : { وأنزلنا معهم ~~الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط } ( الحديد : 25 ) . # وجملة { وما يدريك لعل الساعة قريب } معطوفة على جملة { الله الذي أنزل ~~الكتاب بالحق والميزان } ، والمناسبة هي ما ذكرناه من إيذان تلك الجملة ~~بمقدر . # وكلمة { وما يدريك } جارية مجرى المثل ، والكاف منها خطاب لغير معين ~~بمعنى : قد تدري ، أي قد يدري الداري ، ف { ما } استفهامية والاستفهام ~~مستعمل في التنبيه والتهيئة . و { يدريك } من الدراية بمعنى العلم . وقد ~~علق فعل ( يدري ) عن العمل بحرف الترجي . وعن ابن عباس كل ما جاء فعل ( ما ~~أدراك ) فقد أعلمه الله به أي بينه له عقب كلمة ( ما أدراك ) نحو { وما ~~أدراك ماهيه نار حامية } ( القارعة : 10 ، 11 ) وكل ما جاء فيه { وما ~~PageV25P068 يدريك } لم يعلمه به أي لم يعقبه بما يبين إبهامه نحو { وما ~~يدريك لعل الساعة قريب وما يدريك لعله يزكى ( عبس : 3 ) . ولعل معنى هذا ~~الكلام أن الاستعمال خص كل صيغة من هاتين الصيغتين بهذا الاستعمال فتأمل . # والمعنى : أي شيء ms7387 يعلمك أيها السامع الساعة قريبا ، أي مقتضي علمك متوفر ~~، فالخطاب لغير معين ، وفي معناه قوله تعالى : وما يشعركم أنها إذا جاءت لا ~~يؤمنون في سورة الأنعام . # والإخبار عن الساعة } ب { قريب } وهو غير مؤنث لأنه غلب لزوم كلمة قريب ~~وبعيد للتذكير باعتبار شيء كقوله تعالى : { وما يدريك لعل الساعة تكون ~~قريبا } ( الأحزاب : 63 ) وقوله : { إن رحمة الله قريب من المحسنين وقد ~~تقدم في سورة الأعراف . # } # . # يجوز أن تكون جملة { يستعجل بها } إلى آخرها حالا من { الساعة } ( الشورى ~~: 17 ) . ويجوز أن تكون بيانا لجملة { وما يدريك لعل الساعة قريب } ( ~~الشورى : 17 ) لما تضمنته من التنبيه والتهيئة بالنسبة إلى فريقي المؤمنين ~~بالساعة ، والذين لا يؤمنون بها ، فذكر فيها حال كلا الفريقين تجاه ذلك ~~التنبيه . فأما المشركون فيتلقونه بالاستهزاء والتصميم على الجحد بها ، وهو ~~المراد بقوله : { يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها } ، والذين آمنوا بها ~~يعملون لما به الفوز عندها ، ولذلك جيء عقبها بجملة { ألا إن الذين يمارون ~~في الساعة لفي ضلال بعيد } كما سيأتي . # والاستعجال : طلب التعجيل ، وتقدم في قوله تعالى : { استعجالهم بالخير في ~~سورة يونس ، أي يطلب الذين لا يؤمنون بالساعة من النبي أن يعجل الله بحلول ~~الساعة ليبين صدقه ، تهكما واستهزاء وكناية عن اتخاذهم تأخرها دليلا على ~~عدم وقوعها ، وهم آيسون منها كما دل عليه قوله في مقابله والذين آمنوا ~~مشفقون منها } . وقد تكرر منهم هذا المعنى بأساليب ذكرت في تضاعيف آي ~~القرآن PageV25P069 كقوله : { ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين } ( ~~سبأ : 29 ) { وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب } ( ص : 16 ) . # والإشفاق : رجاء وقوع ما يكره ، أي مشفقون من أهوالها ، وتقدم في قوله : ~~{ وهم من خشيته مشفقون } ( الأنبياء : 28 ) . وإنما جعل الإشفاق من ذات ~~الساعة لإفادة تعظيم أهوالها حتى كأن أحوالها هي ذاتها ، على طريقة إسناد ~~الحكم ونحوه إلى الأعيان نحو { حرمت عليكم الميتة } ( المائدة : 3 ) ، فهم ~~يتوخون النجاة منها بالطاعة والتقوى ، أي فهم لا يستعجلون بها وإنما ~~يغتنمون بقاءهم في الدنيا للعمل الصالح والتوبة . # والمراد ب { الذين ms7388 لا يؤمنون } : المشركون ، وعبر عنهم بالموصول لأن ~~الصلة تدل على علة استعجالهم بها ، والمراد بالذين آمنوا : المسلمون فإن ~~هذا لقب لهم ، ففي الكلام احتباك ، تقديره : يستعجل بها الذين لا يؤمنون ~~بها فلا يشفقون منها والذين آمنوا مشفقون منها فلا يستعجلون بها . # وعطفت على { مشفقون منها } جملة { ويعلمون أنها الحق } لإفادة أن إشفاقهم ~~منها إشفاق عن يقين وجزم لا إشفاق عن تردد وخشية أن يكشف الواقع على صدق ~~الإخبار بها وأنه احتمال مساو عندهم . وتعريف { الحق } في قوله : { أنها ~~الحق } تعريف الجنس وهو يفيد قصر المسند على المسند إليه قصر مبالغة لكمال ~~الجنس في المسند إليه نحو : عنترة الشجاع ، أي يوقنون بأنها الحق كل الحق ، ~~وذلك لظهور دلائل وقوعها حتى كأنه لا حق غيره . # . # الجملة تذييل لما قبلها بصريحها وكنايتها لأن صريحها إثبات الضلال للذين ~~يكذبون بالساعة وكنايتها إثبات الهدى للذين يؤمنون بالساعة . وهذا التذييل ~~فذلكة للجملة التي قبلها . PageV25P070 # وافتتاح الجملة بحرف { ألا } الذي هو للتنبيه لقصد العناية بالكلام . # والمماراة : مفاعلة من المرية بكسر الميم وهي الشك . والمماراة : الملاحة ~~لإدخال الشك على المجادل ، وقد تقدم في قوله تعالى : { فلا تمار فيهم } في ~~سورة الكهف . # وجعل الضلال كالظرف لهم تشبيها لتلبسهم بالضلال بوقوع بالمظروف في ظرفه ، ~~فحرف { في } للظرفية المجازية . # ووصف الضلال بالبعيد وصف مجازي ، شبه الكفر بضلال السائر في طريق وهو ~~يكون أشد إذا كان الطريق بعيدا ، وذلك كناية عن عسر إرجاعه إلى المقصود . # والمعنى : لفي ضلال شديد ، وتقدم في قوله : { فقد ضل ضلالا بعيدا في سورة ~~النساء . # } # هذه الجملة توطئة لجملة { من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه } ( ~~الشورى : 20 ) لأن ما سيذكر في الجملة الآتية هو أثر من آثار لطف الله ~~بعباده ورفقه بهم وما يسر من الرزق للمؤمنين منهم والكفار في الدنيا ، ثم ~~ما خص به المؤمنين من رزق الآخرة ، فالجملة مستأنفة استئنافا ابتدائيا ~~مقدمة لاستئناف الجملة الموطإ لها ، وهي جملة { من كان يريد حرث الآخرة نزد ~~له في حرثه الآية ( الشورى : 20 ) . وموقع جملة من ms7389 كان يريد حرث الآخرة } ~~الخ فسنبينه . # واللطيف : البر القوي البر . ويدخل في هذا كثير من النعم . فسر عدد من ~~المفسرين اللطيف بواهب بعضها وإنما هو تفسير تمثيل لا يخص دلالة الوصف به . ~~وفعل ( لطف ) من باب نصر يتعدى بالباء كما هنا وباللام كما في قوله : { إن ~~ربي لطيف لما يشاء كما تقدم في سورة يوسف . وتقدم تحقيق معنى اسمه تعالى ~~اللطيف . PageV25P071 # وعباده عام لجميع العباد ، وهم نوع الإنسان لأنه جمع مضاف . وجملة يرزق ~~من يشاء } في موضع الحال من اسم الجلالة ، أو في موضع خبر عنه . # والرزق : إعطاء ما ينفع . وهو عندنا لا يختص بالحلال وعند المعتزلة يختص ~~به والخلاف اصطلاح . # والظاهر : أن المراد هنا رزق الدنيا لأن الكلام توطئة لقوله : { من كان ~~يريد حرث الآخرة ( الشورى : 20 ) . # والمشيئة : مشيئة تقدير الرزق لكل أحد من العباد ليكون عموم اللطف للعباد ~~باقيا ، فلا يكون قوله : من يشاء } في معنى التكرير ، إذ يصير هكذا يرزق من ~~يشاء من عباده الملطوفف بجميعهم ، وما الرزق إلا من اللطف ، فيصير بعض ~~المعنى المفاد ، فلا جرم تعين أن المشيئة هنا مصروفة لمشيئة تقدير الرزق ~~بمقاديره . # والمعنى : أنه للطفه بجميع عباده لا يترك أحدا منهم بلا رزق وأنه فضل ~~بعضهم على بعض في الرزق جريا على مشيئته . وهذا المعنى يثير مسألة الخلاف ~~بين أيمة أصول الدين في نعمة الكافر ، ومن فروعها رزق الكافر . وعن الشيخ ~~أبي الحسن الأشعري أن الكافر غير منعم عليه نعمة دنيوية لأن ملاذ الكافر ~~استدراج لما كانت مفضية إلى العذاب في الآخرة فكانت غير نعمة ، ومرادهم ~~بالدنيوية مقابل الدينية . وكأن مراد الشيخ بهذا تحقيق معنى غضب الله على ~~الكافرين كما جاء في آيات كثيرة ، فمراده : أن الكافر غير منعم عليه نعمة ~~رضى وكرامة ولكنها نعمة رحمة لما له من انتساب المخلوقية لله تعالى . # وقال أبو بكر الباقلاني : الكافر منعم عليه نعمة دنيوية . وقالت المعتزلة ~~: هو منعم عليه نعمة دنيوية ودينية : فالدنيوية ظاهرة ، والدينية كالقدرة ~~على النظر المؤدي إلى معرفة الله . # وهذه مسألة أرجع ms7390 المحققون الخلاف فيها إلى اللفظ والبناء على المصطلحات ~~PageV25P072 والاعتبارات الموافقة لدقائق المذاهب ، إذ لا ينازع أحد في ~~نعمة المنعمين منهم وقد قال تعالى : { وذرني والمكذبين أولي النعمة } ( ~~المزمل : 11 ) . # وعطف { وهو القوي العزيز } على صفة { لطيف } أو على جملة { يرزق من يشاء ~~} وهو تمجيد لله تعالى بهاتين الصفتين ، ويفيد الاحتراس من توهم أن لطفه عن ~~عجز أو مصانعة ، فإنه قوي عزيز لا يعجز ولا يصانع ، أو عن توهم أن رزقه لمن ~~يشاء عن شح أو قلة فإنه القوي ، والقوي تنتفي عنه أسباب الشح ، والعزيز ~~ينتفي عنه سبب الفقر فرزقه لمن يشاء بما يشاء منوط لحكمة علمها في أحوال ~~خلقه عامة وخاصة ، قال تعالى : { ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ~~ولكن ينزل بقدر ما يشاء } ( الشورى : 27 ) الآية . # والإخبار عن اسم الجلالة بالمسند المعرفف باللام يفيد معنى قصر القوة ~~والعزة عليه تعالى ، وهو قصر الجنس للمبالغة لكماله فيه تعالى حتى كأن قوة ~~غيره وعزة غيره عدم . # هذه الآية متصلة بقوله : { يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا ~~مشفقون منها } ( الشورى : 18 ) الآية ، لما تضمنته من وجود فريقين : فريق ~~المؤمنين أكبر همهم حياة الآخرة ، وفريق الذين لا يؤمنون همهم قاصرة على ~~حياة الدنيا ، فجاء في هذه الآية تفصيل معاملة الله الفريقين معاملة ~~متفاوتة مع استوائهم في كونهم عبيده وكونهم بمحل لطف منه ، فكانت جملة { ~~الله لطيف بعباده ( الشورى : 19 ) تمهيدا لهذه الجملة ، وكانت هاته الجملة ~~تفصيلا لحظوظ الفريقين في شأن الإيمان بالآخرة وعدم الإيمان بها . # ولأجل هذا الاتصال بينها وبين جملة يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها } ( ~~الشورى : 18 ) ترك عطفها عليها ، وترك عطف توطئتها كذلك ، ولأجل الاتصال ~~بينها وبين جملة { الله PageV25P073 لطيف بعباده } ( الشورى : 19 ) اتصال ~~المقصود بالتوطئة ترك عطفها على جملة { الله لطيف بعباده . # والحرث : أصله مصدر حرث ، إذ شق الأرض ليزرع فيها حبا أو ليغرس فيها شجرا ~~، وأطلق على الأرض التي فيها زرع أو شجر وهو إطلاق كثير كما في قوله تعالى ~~: أن اغدوا على حرثكم ms7391 إن كنتم صارمين } ( القلم : 22 ) ، أي جنتكم لقوله ~~قبله { كما بلونا أصحاب الجنة } ( القلم : 17 ) وقال : { زين للناس حب ~~الشهوات من النساء إلى قوله : والأنعامم والحرث وقد تقدم في سورة آل عمران ~~. # والحرث في هذه الآية تمثيل للإقبال على كسب ما يعده الكاسب نفعا له يرجو ~~منه فائدة وافرة بإقبال الفلاح على شق الأرض وزرعها ليحصل له سنابل كثيرة ~~وثمار من شجر الحرث ، ومنه قول امرىء القيس : # كلانا إذا ما نال شيئا أفاته # ومن يحترث حرثي وحرثك يهزل # وإضافة حرث } إلى { الآخرة } وإلى { الدنيا } على معنى اللام كقوله : { ~~ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها } ( الإسراء : 19 ) ، وهي لام الاختصاص وهو ~~في مثل هذا اختصاص المعلل بعلته ، وما لام التعليل إلا من تصاريف لام ~~الاختصاص . # ومعنى { يريد حرث الآخرة } يبتغي عملا لأجل الآخرة . وذلك المريد : هو ~~المؤمن بالآخرة لأن المؤمن بالآخرة لا يخلو عن أن يريد الآخرة ببعض أعماله ~~كثيرا كان أو قليلا ، والذي يريد حرث الدنيا مراد به : من لا يسعى إلا لعمل ~~الدنيا بقرينة المقابلة بمن يريد حرث الآخرة ، فتعين أن مريد حرث الدنيا في ~~هذه الآية : هو الذي لا يؤمن بالآخرة . ونظيرها في هذا قوله تعالى في سورة ~~هود ( 15 ، 16 ) { من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم ~~فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما ~~صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون ، ألا ترى إلى قوله : ليس لهم في الآخرة ~~إلا النار } ( هود : 16 ) وقوله في سورة الإسراء ( 18 ، 19 ) { من كان يريد ~~العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما ~~مدحورا ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا . ~~PageV25P074 # وفعل نزد له في حرثه } يتحمل معنيين : أن تكون الزيادة في ثواب العمل ، ~~كقوله : { ويربي الصدقات } ( البقرة : 276 ) وقوله : { مثل الذين ينفقون ~~أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله ~~يضاعف لمن ms7392 يشاء } ( البقرة : 261 ) ، وسيأتي قريبا قوله : { ومن يقترف حسنة ~~نزد له فيها حسنا } ( الشورى : 23 ) . وعلى هذا فتعليق الزيادة بالحرث مجاز ~~عقلي علقت الزيادة بالحرثث وحقها أن تعلق بسببه وهو الثواب ، فالمعنى على ~~حذف مضاف . وأن تكون الزيادة في العمل ، أي نقدر له العون على الازدياد من ~~الأعمال الصالحة ونيسر له ذلك فيزداد من الصالحات . وعلى هذا فتعليق ~~الزيادة بالحرث حقيقة فيكون من استعمال المركب في حقيقته ومجازه العقليين . # ومعنى { نؤته منها } : نقدر له من متاع الدنيا من : مدة حياة وعافية ورزق ~~لأن الله قدر لمخلوقاته أرزاقهم وأمدادهم في الدنيا ، وجعل حظ الآخرة خاصا ~~بالمؤمنين كما قال : { ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن } ( ~~الإسراء : 19 ) . وقد شملت آية سورة الإسراء فريقا آخر غير مذكور هنا ، وهو ~~الذي يؤمن بالآخرة ويبتغي النجاة فيها ولكنه لم يؤمن بالإسلام مثل أهل ~~الكتاب ، وهذا الفريق مذكور أيضا في سورة البلد ( 11 17 ) بقوله تعالى : { ~~فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة فك رقبة أو إطعام إلى قوله : ثم كان ~~من الذين آمنوا } . # فلا يتوهمن متوهم أن هذه الآية ونحوها تحجر تناول المسلم حظوظ الدنيا إذا ~~أدى حق الإيمان والتكليف ، ولا أنها تصد عن خلط الحظوظ الدنيوية مع حظوظ ~~الآخرة إذا وقع الإيفاء بكليهما ، ولا أن الخلط بين الحظين ينافي الإخلاص ~~كطلب التبرد مع الوضوء وطلبب الصحة مع التطوع بالصوم إذا كان المقصد الأصلي ~~الإيفاء بالحق الديني . وقد تعرض لهذه المسألة أبو إسحاق الشاطبي في فصل ~~أول من المسألة السادسة من النوع الرابع من كتاب ( المقاصد ) من كتاب ( ~~الموافقات ) . وذكر فيها نظرين مختلفين للغزالي وأبي بكر بن العربي ورجح ~~فيها رأي أبي بكر بن العربي فانظره . PageV25P075 # والنصيب : ما يعين لأحد من الشيء المقسوم ، وهو فعيل من نصب لأن الحظ ~~ينصب ، أي يجعل كالصبرة لصاحبه ، وتقدم عند قوله تعالى : { أولئك لهم نصيب ~~مما كسبوا في سورة البقرة . # } # . # { أم } للإضراب الانتقالي وهو انتقال من الكلام على تفرق أهل الشرائع ~~السالفة في شرائعهم من انقرض منهم ms7393 ومن بقي كأهل الكتابين إلى الكلام على ما ~~يشابه ذلك من الاختلاف على أصل الديانة ، وتلك مخالفة المشركين للشرائع ~~كلها وتلقيهم دين الإشراك من أيمة الكفر وقادة الضلال . # ومعنى الاستفهام الذي تقضيه { أم } التي للإضراب هو هنا للتقريع والتهكم ~~، فالتقريع راجع إلى أنهم شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله والتهكم راجع ~~إلى من شرعوا لهم الشرك ، فسئلوا عمن شرع لهم دين الشرك : أهم شركاء آخرون ~~اعتقدوهم شركاء لله في الإلهاية وفي شرع الأديان كما شرع الله للناس ~~الأديان ؟ وهذا تهكم بهم لأن هذا النوع من الشركاء لم يدعه أهل الشرك من ~~العرب . وهذا المعنى هو الذي يساعد تنكير { شركاء } ووصفه بجملة { شرعوا ~~لهم من الدين } . ويجوز أن يكون المسؤول عن الذي شرع لهم هو الأصنام التي ~~يعبدونها ، وهو الذي درج عليه المفسرون ، فيكون { لهم } في موضع الحال من { ~~شركاء } . # والمقصود : فضح فظاعة شركهم بعروه عن الانتساب إلى الله ، أي إن لم يكن ~~مشروعا من الإله الحق فهو مشروع من الآلهة الباطلة وهي الشركاء . وظاهر أن ~~تلك الآلهة لا تصلح لتشريع دين لأنها لا تعقل ولا تتكلم ، فتعين أن دين ~~الشرك دين لا مستند له . وقريب من هذا قوله تعالى : { وكذلك زين لكثير من ~~المشركين قتل أولادهم شركاؤهم } ( الأنعام : 137 ) . PageV25P076 # وقيل المراد بالشركاء : أيمة دين الشرك أطلق عليهم اسم الشركاء مجازا ~~بعلاقة السببية . # وضميرا { لهم } عائدان إلى { الذين لا يؤمنون بها } ( الشورى : 18 ) أو ~~إلى { الذين يحاجون في الله } ( الشورى : 16 ) . والتعريف في { الدين } ~~للجنس ، أي شرعوا لهم من جنس الدين ما ، أي دينا لم يأذن به الله ، أي لم ~~يأذن بشرعه ، أي لم يرسل به رسولا منه ولا أوحى به بواسطة ملائكته . # ، # هو كقوله فيما تقدم { ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم } ~~( الشورى : 14 ) . # وكلمة الفصل هي : ما قدره الله وأراده من إمهالهم . والفصل : الفاصل ، أي ~~الذي لا تردد فيه . # . # عطف على جملة { ولولا كلمة الفصل } والمقصود تحقيق إمهالهم إلى أجل مسمى ~~لا يفلتهم ms7394 من المؤاخذة بما ظلموا . والمراد بالظالمين المشركون { إن الشرك ~~لظلم عظيم } ( لقمان : 13 ) . # والعذاب الأليم : عذاب الآخرة لجميعهم ، وعذاب الدنيا بالسيف والذل للذين ~~أخروا إلى إبان حلوله مثل قتلهم يوم بدر . # وتوكيد الخبر بحرف التوكيد لأن هذا الخبر موجه إليهم لأنهم يسمعون هذا ~~الكلام ويعلمون أنهم المقصودون به . PageV25P077 # جملة { ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا } بيان لجملة { وإن الظالمين لهم ~~عذاب أليم } ( الشورى : 21 ) ، بين حال هذا العذاب ببيان حال أصحابه حين ~~توقع حلوله ، وكفى بذلك منبئا عن هوله . # والخطاب ب { ترى } لغير معين فيعم كل من تمكن منه الرؤية يومئذ كقوله : { ~~وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون هل إلى مرد من سبيل وتراهم يعرضون ~~عليها خاشعين من الذل } ( الشورى : 44 ، 45 ) . والمقصود استحضار صورة حال ~~الظالمين يوم القيامة في ذهن المخاطب . # والإشفاق : توقع الشيء المضر وهو ضد التمني . # و ( ما كسبوا ) هو أعمالهم السيئة . والمراد : جزاؤها بقرينة المقام . ~~وجملة { وهو واقع بهم } في موضع الحال ، أي مشفقين إشفاقا يقارب اليأس وهو ~~أشد الإشفاق حين يعلمون أن المشفق منه لا ينجي منه حذر ، لأن الإشفاق إذا ~~حصل قبل اقتراب المشفق منه قد يحاول المشفق وسائل التخلص منه ، فأما إذا ~~وقع العذاب فقد حال دون التخلص حائله . والمعنى : مشفقين من عقاب أعمالهم ~~في حال نزول العقاب بهم . وليس المعنى : أنهم مشفقون في الدنيا من أعمالهم ~~السيئة لأنهم لا يدينون بذلك ، فما بني على ذلك الاحتمال من التفسير ليس ~~بينا . # والباء في قوله { واقع بهم } للاستعلاء ، كقول غاوي السلمي : # أرب يبول الثعلبان برأسه # وهذا الاستعمال قريب من معنى الإلصاق المجازي . وضمير { وهو واقع } عائد ~~على { ما كسبوا } باعتبار تقدير مضاف ، أي PageV25P078 جزاء ما كسبوا ، أي ~~في حال أن الجزاء واقع عليهم . # وجملة { والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات } حال من الظالمين ~~، والواو واو الحال ، أي ترى الظالمين في إشفاق في حال أن الذين آمنوا ~~يطمئنون في روضات الجنات ، وفي هذه الحال دلالة على أن الذين آمنوا قد ~~استقروا في الروضات من قبل ms7395 عرض الظالمين على الحساب وإشفاقهم من تبعاته . ~~وهذا من تضاد شأني الفريقين في الآخرة على عكسه بما كانوا عليه في الدنيا ~~المتقدم في قوله : { يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون ~~منها } ( الشورى : 18 ) ، أي فاليوم انقلب إشفاق المؤمنين اطمئنانا ~~واطمئنان المشركين إشفاقا ، وشتان بين الاطمئنانين والإشفاقين ، وبهذه ~~المضادة في الحالتين وأسبابهما صح اعتبار كينونة الذين آمنوا في الجنة حالا ~~من { الظالمين } . # والروضات : جمع روضة ، وهي اسم لمجموع ماء وشجر حاف به وخضرة حوله . # وجملة { لهم ما يشاءون عند ربهم } خبر ثان عن { الذين آمنوا } ، و { عند ~~} ظرف متعلق بالكون الذي تعلق به الجار والمجرور في { لهم ما يشاءون } . # والعندية تشريف لمعنى الاختصاص الذي أفادته اللام في قوله : { لهم } ~~وعناية بما يعطونه من رغبة . والمعنى : ما يشاؤونه حق لهم محفوظ عند ربهم . ~~ولا ينبغي جعل { عند } متعلقا بفعل { يشاءون } لأن { عند } حينئذ تكون ظرفا ~~لمشيئتهم ، أي مشيئة منهم متوجهة إلى ربهم ، فتؤول المشيئة إلى معنى الطلب ~~أن يعطيهم ما يطلبون فيفوت قصد التشريف والعناية . # ولك أن تجعل عند ربهم خبرا ثالثا عن الذين آمنوا ، أي هم عند ربهم ، أي ~~في ضيافته وقراه ، كما قال تعالى : { إن المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق ~~عند مليك مقتدر } ( القمر : 54 ، 55 ) ، ويكون ترتيب الأخبار الثلاثة جاريا ~~على نمط الارتقاء من الحسن إلى الأحسن بأن : أخبر عنهم بأنهم نزلوا في أحسن ~~منزل ، ثم أحضر لهم ما يشتهون ، ثم ارتقي إلى ما هو أعظم وهو كونهم عند ~~ربهم على حد قوله تعالى : { ورضوان من الله أكبر } ( التوبة : 72 ) . ومن ~~لطائف هذا الوجه أنه جاء على الترتيب المعهود PageV25P079 في الحصول في ~~الخارج فإن الضيف أو الوافد ينزل أول قدومه في منزل إكرام ثم يحضر إليه ~~القرى ثم يخالطه رب المنزل ويقترب منه . # وجملة { ذلك هو الفضل الكبير } تذييل . والإشارة إلى مضمون قوله : { في ~~روضات الجنات لهم ما يشاؤون عند ربهم } بتأويل : ذلك المذكور . وجيء باسم ~~إشارة البعيد استعارة لكون المشار إليه بعيد المكانة ms7396 بعد ارتفاع مجازي وهو ~~الشرف . # و { الفضل } يجوز أن يكون مصدرا بمعنى الشرف والتفوق على الغير فيكون في ~~معنى : فضلهم ، ويجوز أن يكون اسما لما يتفضل به من عطاء فيكون في معنى : ~~ذلك فضلنا عليهم ، وفي هذا الأخير دلالة على أن ثواب الأعمال فضل من الله ~~لأن طاعة العباد واجبة عليهم فإذا أدوها فقد فعلوا ما لا يسعهم إلا فعله ~~فلو لم يثابوا على ذلك لم يكن عدم إثابتهم ظلما . # وضمير الفصل يفيد قصرا ادعائيا للمبالغة في أعظمية الفضل ، و { الفضل } ~~يصلح لأن يعتبر كالمضاف إلى المفعول ، أي فضل الله عليهم ، وأن يعتبر ~~كالمضاف إلى الفاعل فضلهم ، أي شرفهم وبركتهم فيؤول معنى القصر إلى أن ~~الفضل الذي حصل للذين آمنوا وعملوا الصالحات أكبر فضل . # . # اسم الإشارة مؤكد لنظيره الذي قبله ، أي ذلك المذكور الذي هو فضل يحصل ~~لهم في الجنة هو أيضا بشرى لهم من الحياة الدنيا . # والعائد من الصلة إلى الموصول محذوف تقديره : الذي يبشر الله به عباده . ~~وحذفه هنا لتنزيله منزلة الضمير المنصوب باعتبار حذف الجار على طريقة حذفه ~~في نحو قوله : { واختار موسى قومه } ( الأعراف : 155 ) بتقدير : من قومه ، ~~فلما عومل معاملة المنصوب حذف كما يحذف الضمير المنصوب . PageV25P080 # وقرأ نافع وعاصم وابن عامر ويعقوب وخلف { يبشر } بضم التحتية وفتح ~~الموحدة وتشديد الشين المكسورة ، وهو من بشره ، إذا أخبره بحادثث يسره . ~~وقرأه ابن كثير وأبو عمر وحمزة والكسائي { يبشر } بفتح التحتية وسكون ~~الموحدة وضم الشين مخففة ، يقال : بشرت الرجل بتخفيف الشين أبشره من باب ~~نصر إذا غبطه بحادث يسره . # وجمع العباد المضاف إلى اسم الجلالة أو ضميره غلب إطلاقه في القرآن في ~~معرض التقريب وترفيع الشأن ، ولذلك يكون موقع { الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات } هنا موقع عطف البيان على نحو قوله تعالى : { ألا إن أولياء الله ~~لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون } ( يونس : 62 ، 63 ) ~~إذ وقع { الذين آمنوا موقع عطف البيان من أولياء الله . # } . # استئناف ابتدائي بمناسبة ذكر ما أعد للمشركين من عذاب وما ms7397 أعد للمؤمنين ~~من خير ، وضمير جماعة المخاطبين مراد به المشركون لا محالة وليس في الكلام ~~السابق ما يتوهم منه أن يكون { قل لا أسألكم } جوابا عنه ، فتعين أن جملة { ~~قل لا أسألكم عليه أجرا } كلام مستأنف استئنافا ابتدائيا . # ويظهر مما رواه الواحدي في ( أسباب النزول ) عن قتادة : أن المشركين ~~اجتمعوا في مجمع لهم فقال بعضهم لبعض : أترون محمدا يسأل على ما يتعاطاه ~~أجرا . فنزلت هذه الآية ، يعنون : إن كان ذلك جمعنا له مالا كما قالوه له ~~غير مرة ، أنها لا اتصال لها بما قبلها وأنها لما عرض سبب نزولها نزلت في ~~أثناء نزول الآيات التي قبلها والتي بعدها فتكون جملة ابتدائية . وكان ~~موقعها هنا لمناسبة ما سبق من ذكر حجاج المشركين وعنادهم فإن مناسبتها لما ~~معها من الآيات موجودة إذ هي من جملة ما واجه به القرآن محاجة المشركين ، ~~ونفى به أوهامهم ، واستفتح بصائرهم إلى النظر في علامات صدق الرسول ؛ فهي ~~جملة ابتدائية وقعت معترضة بين جملة { والذين آمنوا وعملوا الصالحات } ~~وجملة { ومن يقترف حسنة } . PageV25P081 # وابتدئت ب { قل } إما لأنها جواب عن كلام صدر منهم ، وإما لأنها مما يهتم ~~بإبلاغه إليهم كما أن نظائرها افتتحت بمثل ذلك مثل قوله تعالى : { قل ما ~~سألتكم من أجر فهو لكم } ( سبأ : 47 ) وقوله : { قل ما أسألكم عليه من أجر ~~وما أنا من المتكلفين } ( ص : 86 ) وقوله : { قل لا أسألكم عليه أجرا } ( ~~الأنعام : 90 ) . # وضمير { عليه } عائد إلى القرآن المفهوم من المقام . # والأجر : الجزاء الذي يعطاه أحد على عمل يعمله ، وتقدم عند قوله تعالى : ~~{ إن الله عنده أجر عظيم } في سورة براءة . # والمودة : المحبة والمعاملة الحسنة المشبهة معاملة المتحابين ، وتقدمت ~~عند قوله { مودة بينكم في الحياة الدنيا في سورة العنكبوت . والكلام على ~~تقدير مضاف أي معاملة المودة ، أي المجاملة بقرينة أن المحبة لا تسأل لأنها ~~انبعاث وانفعال نفساني . # وفي } للظرفية المجازية لأنه مجرورها وهو { القربى } لا يصلح لأن يكون ~~مظروفا فيه . # ومعنى الظرفية المجازية هنا : التعليل ، وهو معنى كثير العروض لحرف { في ~~} كقوله : { وجاهدوا ms7398 في الله } ( الحج : 78 ) . # و { القربى } : اسم مصدر كالرجعى والبشرى ، وهي قرابة النسب ، قال تعالى ~~: { وآتت ذا القربى حقه } ( الإسراء : 26 ) ، وقال زهير : # وظلم ذوي القربى أشد مضاضة . . . البيت # وتقدم عند قوله تعالى : { ولذي القربى } في سورة الأنفال . # ومعنى الآية على ما يقتضيه نظمها : لا أسألكم على القرآن جزاء إلا أن ~~تودوني ، أي أن تعاملوني معاملة الود ، أي غير معاملة العداوة ، لأجل ~~القرابة التي بيننا في النسب القرشي . PageV25P082 # وفي ( صحيح البخاري ) و ( جامع الترمذي ) سئل ابن عباس عن هذه الآية ~~بحضرة سعيد بن جبير فابتدر سعيد فقال : قربى آل محمد ، فقال ابن عباس : ~~عجلت لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة ، فقال : إلا أن تصلوا ما ~~بيني وبينكم من القرابة . وذكر القرطبي عن الشعبي أنه قال : أكثر الناس ~~علينا في هذه الآية فكتبنا إلى ابن عباس نسأله عنها فكتب أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان أوسط الناس في قريش فليس بطن من بطونهم إلا وقد ولده ~~فقال الله له : { قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى } إلا أن ~~تودوني في قرابتي منكم ، أي تراعوا ما بيني وبينكم فتصدقوني ، فالقربى ههنا ~~قرابة الرحم كأنه قال : اتبعوني للقرابة إن لم تتبعوني للنبوءة . انتهى ~~كلام القرطبي . وما فسر به بعض المفسرين أن المعنى : إلا أن تودوا أقاربي ~~تلفيق معنى عن فهم غير منظور فيه إلى الأسلوب العربي ، ولا تصح فيه رواية ~~عمن يعتد بفهمه . # أما كون محبة آل النبي صلى الله عليه وسلم لأجل محبة ما له اتصال به خلقا ~~من أخلاق المسلمين فحاصل من أدلة أخرى ، وتحديد حدودها مفصل في ( الشفاء ) ~~لعياض . والاستثناء منقطع لأن المودة لأجل القرابة ليست من الجزاء على ~~تبليغ الدعوة بالقرآن ولكنها مما تقتضيه المروءة فليس استثناؤها من عموم ~~الأجر المنفي استثناء حقيقيا . والمعنى : لا أسألكم على التبليغ أجرا ~~وأسألكم المودة لأجل القربى . وإنما سألهم المودة لأن معاملتهم إياه معاملة ~~المودة معينة على نشر دعوة الإسلام ، إذ تلين بتلك المعاملة شكيمتهم ms7399 ~~فيتركون مقاومته فيتمكن من تبليغ دعوة الإسلام على وجه أكمل . فصارت هذه ~~المودة غرضا دينيا لا نفع فيه لنفس النبي صلى الله عليه وسلم # وفي بعض الأخبار الموضوعة في أسباب النزول أن سبب نزول هذه الآية : أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة كانت تنوبه نوائب لا يسعها ما في ~~يديه . فقالت الأنصار : إن هذا الرجل هداكم الله به فنجمع له مالا ، ففعلوا ~~ثم أتوه به ، فنزلت . PageV25P083 وفي رواية : أن الأنصار قالوا له يوما : ~~أنفسنا وأموالنا لك ، فنزلت . وقيل نزل { ذلك الذي يبشر الله عباده } إلى ~~قوله : { إنه عليم بذات الصدور } ( الشورى : 23 ، 24 ) . ولأجل ذلك قال ~~فريق : إن هذه الآيات مدنية كما تقدم في أول السورة وهي أخبار واهية . # وتضمنت الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم منزه عن أن يتطلب من الناس ~~جزاء على تبليغ الهدى إليهم فإن النبوءة أعظم مرتبة في تعليم الحق وهي فوق ~~مرتبة الحكمة ، والحكماء تنزهوا عن أخذ الأجر على تعليم الحكمة ، فإن ~~الحكمة خير كثير والخير الكثير لا تقابله أعراض الدنيا ، ولذلك أمر الله ~~رسله بالتنزه عن طلب جزاء على التبليغ ، فقال حكاية عن نوح { وما أسألكم ~~عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين } ( الشعراء : 109 ) . وكذلك حكى ~~عن هود وصالح ولوط وشعيب . # . # تذييل لجملة { ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات } ~~والمعنى : وكلما عمل مؤمن حسنة زدناه حسنا من ذلك الفضل الكبير . وهذا في ~~معنى قوله تعالى : { والله يضاعف لمن يشاء } ( البقرة : 261 ) والواو ~~اعتراضية . # والاقتراف : افتعال من القرف ، وهو الاكتساب ، فالاقتراف مبالغة في الكسب ~~نظير الاكتساب ، وليس خاصا باكتساب السوء وإن كان قد غلب فيه ، وأصله من ~~قرف الشجرة ، إذا قشر قرفها ، بكسر القاف ، وهو لحاؤها ، أي قشر عودها ، ~~وتقدم عند قوله تعالى : { وليقترفوا ما هم مقترفون } في سورة الأنعام ، ~~وعند قوله : { وأموال اقترفتموها } في سورة براءة . # والحسنة : الفعلة ذات الحسن صفة مشبهة غلبت في استعمال القرآن والسنة على ~~الطاعة والقربة فصارت بمنزلة الجوامد علما ms7400 بالغلبة وهي مشتقة من الحسن وهو ~~جمال الصورة . والحسن : ضد القبح وهو صفة في الذات تقتضي قبول منظرها في ~~نفوس الرائين وميلهم إلى مداومة مشاهدتها . وتوصف المعنويات بالحسن فيراد ~~به كون الفعل أو الصفة محمودة عند العقول مرغوبا في الاتصاف بها . ~~PageV25P084 # ولما كانت الحسنة مأخوذة من الحسن جعلت الزيادة فيها من الزيادة في الحسن ~~مراعاة لأصل الاشتقاق فكان ذكر الحسن من الجناس المعبر عنه بجناس الاشتقاق ~~نحو قوله تعالى : { فأقم وجهك للدين القيم } ( الروم : 43 ) ، وصار المعنى ~~نزد له فيها مماثلا لها . ويتعين أن الزيادة فيها زيادة من غير عمله ولا ~~تكون الزيادة بعمل يعمله غيره لأنها تصير عملا يستحق الزيادة أيضا فلا ~~تنتهي الزيادة فتعين أن المراد الزيادة في جزاء أمثالها عند الله . وهذا ~~معنى قوله تعالى : { من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها } ( الأنعام : 160 ) ~~وقوله { والله يضاعف لمن يشاء } ( البقرة : 261 ) ، وقول النبي صلى الله ~~عليه وسلم ( من هم بحسنة فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف ~~) . # وجملة { إن الله غفور شكور } تذييل وتعليل للزيادة لقصد تحقيقها بأن الله ~~كثيرة مغفرته لمن يستحقها ، كثير شكره للمتقربين إليه . والمقصود بالتعليل ~~هو وصف الشكور ، وأما وصف الغفور فقد ذكر للإشارة إلى ترغيب المقترفين ~~السيئات في الاستغفار والتوبة ليغفر لهم فلا يقنطوا من رحمة الله . # إضراب انتقالي عطفا على قوله : { أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم ~~يأذن به الله } ( الشورى : 21 ) وهو الكلام المضرب عنه والمنتقل منه ، ~~والمراد الانتقال إلى توبيخ آخر ، فالهمزة المقدرة بعد { أم } للاستفهام ~~التوبيخي ، فإنهم قالوا ذلك فاستحقوا التوبيخ عليه . والمعنى : أم قالوا ~~افترى ويقولونه . # وجيء بفعل { يقولون } بصيغة المضارع ليتوجه التوبيخ لاستمرارهم على هذا ~~القول الشنيع مع ظهور دلائل بطلانه . فإذا كان قولهم هذا شنعا من القول ~~فاستمرارهم عليه أشنع . PageV25P085 # وفرع على توبيخهم على ذلك قوله : { فإن يشأ الله يختم على قلبك } وهو ~~تفريع فيه خفاء ودقة لأن المتبادر من التفريع أن ما بعد الفاء إبطال لما ~~نسبوه إليه من الافتراء ms7401 على الله وتوكيد للتوبيخ فكيف يستفاد هذا الإبطال ~~من الشرط وجوابه المفرعين على التوبيخ . # وللمفسرين في بيان هذا التفريع وترتبه على ما قبله أفهام عديدة لا يخلو ~~معظمها عن تكلف وضعف اقتناع . والوجه في بيانه : أن هذا الشرط وجوابه ~~المفرعين في ظاهر اللفظ على التوبيخ والإبطال هما دليل على المقصود ~~بالتفريع المناسب لتوبيخهم وإبطالل قولهم ، وتقدير المفرع هكذا : فكيف يكون ~~الافتراء منك على الله والله لا يقر أحدا أن يكذب عليه فلو شاء لختم على ~~قلبك ، أي سلبك العقل الذي يفكر في الكذب فتفحم عن الكلام فلا تستطيع أن ~~تتقول عليه ، أي وليس ثمة حائل يحول دون مشيئة الله ذلك لو افتريت عليه ، ~~فيكون الشرط كناية عن انتفاء الافتراء لأن الله لا يقر من يكذب عليه كلاما ~~، فحصل بهذا النظم إيجاز بديع ، وتكون الآية قريبا من قوله تعالى : { ولو ~~تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين } ( ~~الحاقة : 44 46 ) . # ولابن عطية كلمات قليلة يؤيد مغزاها هذا التقرير مستندة لقول قتادة ~~محمولا على ظاهر اللفظ من كون ما بعد الفاء هو المفرع ، ويكون الكلام كناية ~~عن الإعراض عن قولهم : { افترى على الله كذبا } ، أي أن الله يخاطب رسوله ~~بهذا تعريضا بالمشركين . والمعنى : أن افتراءه على الله لا يهمكم حتى ~~تناصبوا محمدا صلى الله عليه وسلم العداء ، فالله أولى منكم بأن يغار على ~~انتهاك حرمة رسالته وبأن يذب عن جلاله فلا تجعلوا هذه الدعوى همكم فإن الله ~~لو شاء لختم على قلبك فسلبك القدرة على أن تنسب إليه كلاما . وهذان الوجهان ~~هما المناسبان لموقع الآية ، ولفاء التفريع ، ولما في الشرط من الاستقبال ، ~~ولوقوع فعل الشرط مضارعا ، فالوقف على قوله : { على قلبك } وهو انتهاء كلام ~~. # وجملة { ويمح الله الباطل } معطوفة على التفريع ، وهي كلام مستأنف ، مراد ~~PageV25P086 منه أن الله يمحو باطل المشركين وبهتانهم ويحقق ما جاء به ~~رسوله صلى الله عليه وسلم # وعلى مراعاة هذا المعنى جرى جمع من أهل التفسير مثل الكسائي وابن ~~الأنباري والزجاج والزمخشري ولم يجعلوا ms7402 { ويمح } عطفا على فعل الجزاء لأن ~~المتبادر أن هذا وعد من الله بإظهار الإسلام ، ووعيد المشركين بأن دينهم ~~زائل . وهذا هو المتبادر من رفع { ويحق } باتفاق القراء على رفعه ، والمراد ~~بالمحو على هذا : الإزالة . والمراد بالباطل : الباطل المعهود وهو دين ~~الشرك . وبالحق : الحق المعهود ، وهو الإسلام . # أو يكون المعنى أن من شأن الله تعالى أن يزيل الباطل ويفضحه بإيجاد أسباب ~~زواله وأن يوضح الحق بإيجاد أسباب ظهوره ، حتى يكون ظهوره فاضحا لبطلان ~~الباطل فلو كان القرآن مفترى على الله لفضح الله بطلانه وأظهر الحق ، ~~فالمراد بالباطل : جنس الباطل ، وبالحق جنس الحق ، وتكون الجملة كالتذييل ~~للتفريع . والمعنى الأول أنسب بالاستئناف ، ولإفادته الوعيد بإزالة ما هم ~~عليه ونصر المسلمين عليهم . # وعلى كلا المعنيين فقوله : { ويمح الله الباطل } كلام مستأنف ليس معطوفا ~~على جزاء الشرط إذ ليس المعنى على : إن يشأ الله يمح الباطل ، بل هو تحقيق ~~لمحوه للباطل كقوله تعالى : { إن الباطل كان زهوقا } ( الإسراء : 81 ) ، ~~كما دل عليه رفع { ويحق الحق بكلماته } ، ففعل { يمح } مرفوع وحقه ظهور ~~الواو في آخره ، ولكنها حذفت تخفيفا في النطق ، وتبع حذفها في النطق حذفها ~~في الرسم اعتبارا بحال النطق كما حذف واو { سندع الزبانية } ( العلق : 18 ) ~~وواو { ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير } ( الإسراء : 11 ) . وذكر في ( ~~الكشاف ) أن الواو ثبتت في بعض المصاحف ولم يعينه ولا ذكره غيره فيما رأيت ~~. # وإظهار اسم الجلالة في قوله : { ويمح الله الباطل } دون أن يقول : ويمح ~~الباطل ، لتقوية تمكن المسند إليه من الذهن ولإظهار عناية الله بمحو الباطل ~~. وإنما عدل على الجملة الاسمية في صوغ { ويمح الله الباطل } فلم يقل : ~~والله يمحو الباطل ، لأنه أريد أن ما في إفادة المضارع من التجدد والتكرير ~~إيماء إلى أن هذا شأن الله وعادته لا تتخلف ولم يقصد تحقيق ذلك وتثبيته لأن ~~إفادة PageV25P087 التكرير تقتضي ذلك بطريق الكناية فحصل الغرضان . # والباء في { بكلماته } للسببية ، والكلمات هي : كلمات القرآن والوحي ~~كقوله { يريدون أن يبدلوا كلام الله } ( الفتح : 15 ) ، أو المراد : كلمات ~~التكوين المتعلقة بالإيجاد ms7403 على وفق علمه كقوله : { لا مبدل لكلماته } ( ~~الكهف : 27 ) . وإنما جاء هذا الرد عليهم بأسلوب الخطاب للنبيء صلى الله ~~عليه وسلم لأن ذلك أقوى في الاعتناء بتلقينه جواب تكذيبهم لأن المقام مقام ~~تفظيع لبهتانهم ، وهذا وجه التخالف بين أسلوب هذه الآية وأسلوب قوله تعالى ~~: { قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به } ( يونس : 16 ) لأن ذلك ~~لم يكن مسوقا لإبطال كلام صدر منهم . # وجملة { إنه عليم بذات الصدور } تعليل لمجموع جملتي { فإن يشإ الله } إلى ~~قوله : { بكلماته } ، أي لأنه لا يخفى عليه افتراء مفتر ولا صدق محق . و ( ~~ذات الصدور ) : النوايا والمقاصد التي يضمرها الناس في عقولهم . والصدور : ~~العقول ، أطلق عليها الصدور على الاستعمال العربي ، وقد تقدم عند قوله ~~تعالى : { إنه عليم بذات الصدور } في سورة الأنفال . # ( 25 ، 26 ) # لما جرى وعيد الذين يحاجون في الله لتأييد باطلهم من قوله تعالى : { ~~والذين يحاجون في الله من بعدما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ~~ولهم عذاب شديد } ( الشورى : 16 ) . ثم أتبع بوصف سوء حالهم يوم الجزاء ~~بقوله : { ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا } ( الشورى : 22 ) ، وقوبل بوصف ~~نعيم الذين آمنوا بقوله : { والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات ~~} ( الشورى : 22 ) ، وكان ذلك مظنة أن يكسر نفوس أهل PageV25P088 العناد ~~والضلالة ، أعقب بإعلامهم أن الله من شأنه قبول توبة من يتوب من عباده ، ~~وعفوه بذلك عما سلف من سيئاتهم . # وهذا الإخبار تعريض بالتحريض على مبادرة التوبة ولذلك جيء فيه بالفعل ~~المضارع الصالح للاستقبال . وهو أيضا بشارة للمؤمنين بأنه قبل توبتهم مما ~~كانوا فيه من الشرك والجاهلية فإن الذي من شأنه أن يقبل التوبة في المستقبل ~~يكون قد قبل توبة التائبين من قبل ، بدلالة لحن الخطاب أو فحواه ، وأن من ~~شأنه الاستجابة للذين آمنوا وعملوا الصالحات من عباده . وكل ذلك جري على ~~عادة القرآن في تعقيب الترهيب بالترغيب وعكسه . وهذا كله يتضمن وعدا ~~للمؤمنين بقبول إيمانهم وللعصاة بقبول توبتهم . # فجملة : { وهو الذي يقبل التوبة عن عباده } معطوفة على جملة { وإن ~~الظالمين ms7404 لهم عذاب أليم } ( الشورى : 21 ) وما اتصل بها مما تقدم ذكره ~~وخاصة جملة : { ويمح الله الباطل } ( الشورى : 24 ) . # وابتناء الإخبار بهذه الجملة على أسلوب الجملة الاسمية لإفادتها ثبات ~~حكمها ودوامه . ومجيء المسند اسم موصول لإفادة اتصاف الله تعالى بمضمون ~~صلته وأنها شأن من شؤون الله تعالى عرف به ثابت له لا يتخلف لأنه المناسب ~~لحكمته وعظمة شأنه وغناه عن خلقه . وإيثار جملة الصلة بصيغة المضارع لإفادة ~~تجدد مضمونه وتكرره ليعلموا أن ذلك وعد لا يتخلف ولا يختلف . # وفعل ( قبل ) يتعدى ب ( من ) الابتدائية تارة كما في قوله : { وما منعهم ~~أن تقبل منهم نفقاتهم } ( التوبة : 54 ) وقوله : { فلن يقبل من أحدهم ملء ~~الأرض ذهبا } ( آل عمران : 91 ) ، فيفيد معنى الأخذ للشيء المقبول صادرا من ~~المأخوذ منه ، ويعدى ب { عن } فيفيد معنى مجاوزة الشيء المقبول أو انفصاله ~~عن معطيه وباذله ، وهو أشد مبالغة في معنى الفعل من تعديته بحرف ( من ) لأن ~~فيه كناية عن احتباس الشيء المبذول عند المبذول إليه بحيث لا يرد على باذله ~~. PageV25P089 # فحصلت في جملة { وهو الذي يقبل التوبة عن عباده } أربع مبالغات : بناء ~~الجملة على الاسمية وعلى الموصولية وعلى المضارعية ، وعلى تعدية فعل الصلة ~~ب { عن } دون ( من ) . # و { التوبة } : الإقلاع عن فعل المعصية امتثالا لطاعة الله ، وتقدم ~~الكلام عليها عند قوله تعالى : { فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه في سورة ~~البقرة . وقبول التوبة منة من الله تعالى لأنه لو شاء لما رضي عن الذي ~~اقترف الجريمة ولكنه جعلها مقبولة لحكمته وفضله . # وفي ذكر اسم العباد دون نحو : الناس أو التائبين أو غير ذلك إيماء إلى أن ~~الله رفيق بعباده لمقام العبودية فإن الخالق والصانع يحب صلاح مصنوعه . # والعفو : عدم مؤاخذة الجاني بجنايته . والسيئات : الجرائم لأنها سيئة عند ~~الشرع . والعفو عن السيئات يكون بسبب التوبة بأن يعفو عن السيئات التي ~~اقترفها العاصي قبل توبته ، ويكون بدون ذلك مثل العفو عن السيئات عقب الحج ~~المبرور ، ومثل العفو عن السيئات لأجل الشهادة في سبيل الله ، ومثل العفو ~~عن السيئات ms7405 لكثرة الحسنات بأن يمحى عن العاصي من سيئاته ما يقابل مقدارا من ~~حسناته على وجه يعلمه الله تعالى ، ومثل العفو عن الصغائر باجتناب الكبائر ~~. # والتعريف في السيئات } تعريف الجنس المراد به الاستغراق وهو عام مخصوص ~~بغير الشرك قال تعالى : { إن الله لا يغفر أن يشرك به } ( النساء : 48 ) ~~ولك أن تجعله عوضا عن المضاف إليه ، أي عن سيئات عباده فيعم جميع العباد ~~عموما مخصوصا بالأدلة لهذا الحكم كما في الوجه الأول . # وجملة { ويعلم ما تفعلون } معترضة بين المتعاطفات أو في موضع الحال ، ~~والمقصود : أنه لا يخفى عليه شيء من أعمال عباده خيرها وشرها . وقرأ ~~الجمهور { ما يفعلون } بياء الغيبة ، أي ما يفعل عباده . وقرأ حمزة ~~والكسائي وحفص عن عاصم وخلف بتاء الخطاب على طريقة الالتفات . # والاستجابة : مبالغة في الإجابة ، وخصت الاستجابة في الاستعمال بامتثال ~~الدعوة أو الأمر . PageV25P090 وظاهر النظم أن فاعل { يستجيب } ضمير يعود ~~إلى ما عاد إليه ضمير { وهو الذي يقبل التوبة } وأن { الذين آمنوا } مفعول ~~{ يستجيب } وأن الجملة معطوفة على جملة { يقبل التوبة } . # والغالب في الاستعمال أن يقال : استجاب له ، كقوله : { ادعوني أستجب لكم ~~} ( غافر : 60 ) وقد يحذفون اللام فيعدونه بنفسه ، كقول كعب بن سعد : # وداعع دعا يا من يجيب إلى الندا # فلم يستجبه عند ذاك مجيب # والمعنى : أن الله يستجيب لهم ما يرجونه منه من ثواب ، وما يدعونه . # ويجوز أن يكون { الذين آمنوا } فعل { يستجيب } أي يستجيبون لله فيطيعونه ~~وتكون جملة { ويستجيب } عطفا على مجموع جملة { وهو الذي يقبل التوبة } ، أي ~~ذلك شأنه وهذا شأن عباده المؤمنين . # ومعنى { ويزيدهم من فضله } على الوجهين أنه يعطيهم ما أملوا من دعائهم ~~وعملهم وأعظم مما أملوا حين استجابوا له ولرسوله ، وأنه يعطيهم من الثواب ~~أكثر مما عملوا من الصالحات إذ جعل لهم الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ~~ضعف كما في الحديث ، وأنه يعطيهم من خير الدنيا ما لم يسألوه إياه كل ذلك ~~لأنه لطيف بهم ومدبر لمصالحهم . # ولما كانت الاستجابة والزيادة كرامة للمؤمنين ، أظهر اسم { الذين آمنوا } ~~وجيء به موصولا ms7406 للدلالة على أن الإيمان هو وجه الاستجابة لهم والزيادة لهم ~~. # وجملة { والكافرون لهم عذاب شديد } اعتراض عائد إلى ما سبق من قوله : { ~~ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم } ( الشورى : 22 ) توكيدا ~~للوعيد وتحذيرا من الدوام على الكفر بعد فتح باب التوبة لهم . PageV25P091 # عطف على جملة { ويزيدهم من فضله } ( الشورى : 26 ) أو على المجموع من ~~جملة { ويستجيب الذين آمنوا ( الشورى : 26 ) ومن جملة ويزيدهم من فضله . # وموقع معناها موقع الاستدراك والاحتراس فإنها تشير إلى جواب عن سؤال مقدر ~~في نفس السامع إذا سمع أن الله يستجيب للذين آمنوا وأنه يزيدهم من فضله أن ~~يتساءل في نفسه : أن مما يسأل المؤمنون سعة الرزق والبسطة فيه فقد كان ~~المؤمنون أيام صدر الإسلام في حاجة وضيق رزق إذ منعهم المشركون أرزاقهم ~~وقاطعوا معاملتهم ، فيجاب بأن الله لو بسط الرزق للناس كلهم لكان بسطه ~~مفسدا لهم لأن الذي يستغني يتطرقه نسيان الالتجاء إلى الله ، ويحمله على ~~الاعتداء على الناس فكان من خير المؤمنين الآجلل لهم أن لا يبسط لهم في ~~الرزق ، وكان ذلك منوطا بحكمة أرادها الله من تدبير هذا العالم تطرد في ~~الناس مؤمنهم وكافرهم قال تعالى : إن الإنسان ليطغى أن رءاه استغنى } ( ~~العلق : 6 ، 7 ) . وقد كان في ذلك للمؤمن فائدة أخرى ، وهي أن لا يشغله ~~غناه عن العمل الذي به يفوز في الآخرة فلا تشغله أمواله عنه ، وهذا ~~الاعتبار هو الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم حين قال للأنصار لما ~~تعرضوا له بعد صلاة الصبح وقد جاءه مال من البحرين ( فوالله ما الفقر أخشى ~~عليكم ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من قبلكم ~~فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم ) . # وقد وردت هذه الآية موردا كليا لأن قوله { لعباده } يعم جميع العباد . ~~ومن هذه الكلية تحصل فائدة المسؤول عليه الجزئي الخاص بالمؤمنين مع إفادة ~~الحكمة العامة من هذا النظام التكويني ، فكانت هذه الجملة بهذا الاعتبار ~~بمنزلة التذييل لما فيها من العموم ، أي أن الله أسس ms7407 نظام هذا العالم على ~~قوانين عامة وليس من حكمته أن يخص أولياءه وحزبه بنظام تكويني دنيوي ولكنه ~~خصهم بمعاني القرب PageV25P092 والرضى والفوز في الحياة الأبدية . وربما ~~خصهم بما أراد تخصيصهم به مما يرجع إلى إقامة الحق . # والبغي : العدوان والظلم ، أي لبغى بعضهم على بعض لأن الغنى مظنة البطر ~~والأشر إذا صادف نفسا خبيثة ، قال بعض بني جرم من طيء من شعراء الحماسة : # إذا أخصبتمو كنتم عدوا # وإن أجدبتمو كنتم عيالا # ولبعض العرب أنشده في ( الكشاف ) : # وقد جعل الوسمي ينبت بيننا # وبين بني رومان نبعا وشوحطا # فأما الفقر فقلما كان سببا للبغي إلا بغيا مشوبا بمخافة كبغي الجائع ~~بالافتكاك بالعنف فذلك لندرته لا يلتفت إليه ، على أن السياق لبيان حكمة ~~كون الرزق بقدر لا لبيان حكمة في الفقر . # فالتلازم بين الشرط وجوابه في قوله : { ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا ~~} حاصل بهذه السببية بقطع النظر عن كون هذا السبب قد يخلفه ضده أيضا ، على ~~أن بين بسط الرزق وبين الفقر مراتب أخرى من الكفاف وضيق الرزق والخصاصة ، ~~والفقر ، وهي متفاوتة فلا إشكال في التعليل . وعن خباب بن الأرت ( فينا ~~نزلت هذه الآية ، وذلك أنا نظرنا إلى أموال بني النضير وبني قريظة وبني ~~قينقاع فتمنيناها فنزلت ) ، وهذا مما حمل قوما على ظن هذه الآية مدنية كما ~~تقدم في أول السورة . وهذا إن صح عن خباب فهو تأويل منه لأن الآية مكية ~~وخباب أنصاري فلعله سمع تمثيل بعضهم لبعض بهذه الآية ولم يكن سمعها من قبل ~~. وروي أنها نزلت في أهل الصفة تمنوا سعة الرزق فنزلت ، وهذا خبر ضعيف . # ومعنى الآية : لو جعل الله جميع الناس في بسطة من الرزق لاختل نظام ~~حياتهم ببغي بعضهم على بعض لأن بعضهم الأغنياء تحدثه نفسه بالبغي لتوفر ~~PageV25P093 أسباب العدوان كما علمت فيجد من المبغي عليه المقاومة وهكذا ، ~~وذلك مفض إلى اختلال نظامهم . وبهذا تعلم أن بسط الرزق لبعض العباد كما هو ~~مشاهد لا يفضي إلى مثل هذا الفساد لأن الغنى قد يصادف نفسا صالحة ونفسا لها ms7408 ~~وازع من الدين فلا يكون سببا للبغي ، فإن صادف نفسا خبيثة لا وازع لها فتلك ~~حالة نادرة هي من جملة الأحوال السيئة في العالم ولها ما يقاومها في ~~الشريعة وفصلل القضاء وغيرة الجماعة فلا يفضي إلى فساد عام ولا إلى اختلال ~~نظام . # وإطلاق فعل التنزيل على إعطاء الرزق في قوله تعالى : { ولكن ينزل بقدر } ~~استعارة لأنه عطاء من رفيع الشأن ، فشبه بالنازل من علو وتكرر مثل هذا ~~الإطلاق في القرآن . # والقدر بفتحتين : المقدار والتعيين . # ومعنى { ما يشاء } أن مشيئته تعالى جارية على وفق علمه وعلى ما ييسره له ~~من ترتيب الأسباب على حسب مختلف صالح مخلوقاته وتعارض بعضها ببعض ، وكل ذلك ~~تصرفات وتقديرات لا يحيط بها إلا علمه تعالى . وكلها تدخل تحت قوله { إنه ~~بعباده خبير بصير } ، وهي جملة واقعة موقع التعليل للتي قبلها . # وافتتحت ب ( إن ) التي لم يرد منها تأكيد الخبر ولكنها لمجرد الاهتمام ~~بالخبر والإيذان بالتعليل لأن ( إن ) في مثل هذا المقام تقوم مقام فاء ~~التفريع وتفيد التعليل والربط ، فالجملة في تقدير المعطوفة بالفاء . # والجمع بين وصفي { خبير } و { بصير } لأن وصف { خبير } دال على العلم ~~بمصالح العباد وأحوالهم قبل تقديرها وتقدير أسبابها ، أي العلم بما سيكون . ~~ووصف { بصير } دال على العلم المتعلق بأحوالهم التي حصلت ، وفرق بين ~~التعلقين للعلم الإلاهي . PageV25P094 # عطف على جملة { ولكن ينزل بقدر ما يشاء } ( الشورى : 27 ) فإن الغيث سبب ~~رزق عظيم وهو ما ينزله الله بقدر هو أعلم به ، وفيه تذكير بهذه النعمة ~~العظيمة على الناس التي منها معظم رزقهم الحقيقي لهم ولأنعامهم . وخصها ~~بالذكر دون غيرها من النعم الدنيوية لأنها نعمة لا يختلف الناس فيها لأنها ~~أصل دوام الحياة بإيجاد الغذاء الصالح للناس والدواب ، وبهذا يظهر وقع قوله ~~: { ومن آياته خلق السموات والأرض وما بث فيهما من دابة ( الشورى : 29 ) ~~عقب قوله هنا وهو الذي ينزل الغيث } . # واختيار المضارع في { ينزل } لإفادة تكرر التنزيل وتجديده . والتعبير ~~بالماضي في قوله : { من بعد ما قنطوا } للإشارة إلى حصول القنوط وتقرره ~~بمضي زمان عليه ms7409 . # والغيث : المطر الآتي بعد الجفاف ، سمي غيثا بالمصدر لأن به غيث الناس ~~المضطرين ، وتقدم عنه قوله { فيه يغاث الناس } في سورة يوسف . # والقنوط : اليأس ، وتقدم عند قوله تعالى : { فلا تكن من القانطين } في ~~سورة الحجر . والمراد : من بعدما قنطوا من الغيث بانقطاع إمارات الغيث ~~المعتادة وضيق الوقت عن الزرع . # وصيغة القصر في قوله : { وهو الذي ينزل الغيث } تفيد قصر القلب لأن في ~~السامعين مشركين يظنون نزول الغيث من تصرف الكواكب وفيهم المسلمون الغافلون ~~، نزلوا منزلة من يظن نزول الغيث منوطا بالأسباب المعتادة لنزول الغيث ~~لأنهم كانوا في الجاهلية يعتقدون أن المطر من تصرف أنواء الكواكب . # وفي حديث زيد بن خالد الجهني قال : ( خطبنا رسول الله على إثر سماء كانت ~~من الليل فقال : أتدرون ماذا قال ربكم ؟ قال ، قال : أصبح من عبادي مؤمن بي ~~وكافر بي ، فأما من قال : مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر ~~PageV25P095 بالكوكب ، وأما من قال : مطرنا بنوء كذا ونوء كذا فذلك كافر بي ~~مؤمن بالكوكب ) . فهذا القصر بالنسبة للمشركين قصر قلب أصلي وهو بالنسبة ~~للمسلمين قصر قلب تنزيلي . # والنشر : ضد الطي ، وتقدم عند قوله تعالى : { يلقاه منشورا } في سورة ~~الإسراء . واستعير هنا للتوسيع والامتداد . والرحمة هنا : رحمته بالماء ، ~~وقيل : بالشمس بعد المطر . وضمير { من بعد ما قنطوا } عائد إلى { عباده من ~~قوله : وهو الذي يقبل التوبة عن عباده } ( الشورى : 25 ) . # وقد قيل : إن الآية نزلت بسبب رفع القحط عن قريش بدعوة النبي صلى الله ~~عليه وسلم بهم بذلك بعد أن دام عليهم القحط سبع سنين أكلوا فيها الجيف ~~والعظام وهو المشار إليه بقوله في سورة الدخان { إنا كاشفوا العذاب قليلا ~~إنكم عائدون } . # في ( الصحيح ) عن عبد الله بن مسعود ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لما دعا قريشا كذبوه واستعصوا عليه فقال : اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف ~~. فأتاه أبو سفيان فقال : يا محمد إن قومك قد هلكوا فادع الله أن يكشف عنهم ~~فدعا . ثم قال : تعودون بعد ) . وقد كان هذا في المدينة ويؤيده ms7410 ما روي أن ~~هذه الآية نزلت في استسقاء النبي صلى الله عليه وسلم لما سأله الأعرابي وهو ~~في خطبة الجمعة . وفي رواية أن الذي كلمه هو كعب بن مرة وفي بعض الروايات ~~في ( الصحيح ) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : اللهم عليك بقريش اللهم ~~اشدد وطأتك على مضر اللهم اجعلها عليهم سنين كسنين يوسف . وقرأ نافع وابن ~~عامر وعاصم وأبو جعفر { ينزل } بفتح النون وتشديد الزاي . وقرأه الباقون ~~بسكون النون وتخفيف الزاي . # وذكر صفتي { الولي الحميد } دون غيرهما لمناسبتهما للإغاثة لأن الولي ~~يحسن إلى مواليه والحميد يعطي ما يحمد عليه . ووصف حميد فعيل بمعنى مفعول . ~~وذكر المهدوي تفسير { ينشر رحمته } بطلوع الشمس بعد المطر . PageV25P096 # لما كان إنزال الغيث جامعا بين كونه نعمة وكونه آية دالة على بديع صنع ~~الله تعالى وعظيم قدرته المقتضية انفراده بالإلاهية ، انتقل من ذكره إلى ~~ذكر آيات دالة على انفراد الله تعالى بالإلاهية وهي آية خلق العوالم ~~العظيمة وما فيها مما هو مشاهد للناس دون قصد الامتنان . وهذا الانتقال ~~استطراد واعتراض بين الأغراض التي سياق الآيات فيها . # والآيات : جمع آية ، وهي العلامة والدليل على شيء . والسياق دال على أن ~~المراد آيات الإلاهية . والسموات : العوالم العليا غير المشاهدة لنا ~~والكواكب وما تجاوز الأرض من الجو . والأرض : الكرة التي عليها الحيوان ~~والنبات . والبث : وضع الأشياء في أمكنة كثيرة . # والدابة : ما يدب على الأرض ، أي يمشي فيشمل الطير لأن الطير يمشي إذا ~~نزل وهو مما أريد في قوله هنا : { فيهما } أي في الأرض وفي السماء ، أي بعض ~~ما يسمى بالسماء وهو الجو وهو ما يلوح للناظر مثل قبة زرقاء على الأرض في ~~النهار ، قال تعالى : { ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء } ( النحل ~~: 79 ) فإطلاق الدابة على الطير باعتبار أن الطير يدب على الأرض كثيرا ~~لالتقاط الحب وغير ذلك . وأما الموجودات التي في السموات العلى من الملائكة ~~والأرواح فلا يطلق عليها اسم دابة . ويجوز أن تكون في بعض السماوات موجودات ~~تدب فيها فإن الكواكب من السماوات . والعلماء ms7411 يترددون في إثبات سكان في ~~الكواكب ، وجوز بعض العلماء المتأخرين أن في كوكب المريخ سكانا ، وقال ~~تعالى : { ويخلق ما لا تعلمون } ( النحل : 8 ) ، على أنه قد يكون المراد من ~~الظرفية في قوله : { فيهما } ظرفية المجموع لا الجميع ، أي ما بث في مجموع ~~الأرض والسماء من دابة ، فالدابة إنما هي على الأرض ، ولما ذكرت الأرض ~~والسماء مقترنتين وجاء ذكر الدواب جعلت الدواب مظروفة فيهما لأن الأرض ~~محوطة بالسماوات ومتخيلة منها كالمظروف في ظرفه ، والمظروف في ظرف مظروف في ~~ظرف مظروفه كما قال تعالى : { مرج البحرين يلتقيان } ( الرحمن : 19 ) ثم ~~قال : PageV25P097 { يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان } ( الرحمن : 22 ) واللؤلؤ ~~والمرجان يخرجان من أحد البحرين وهو البحر الملح لا من البحر العذب . # وجملة { وهو على جمعهم إذا يشاء قدير } ، معترضة في جملة الاعتراض لإدماج ~~إمكان البعث في عرض الاستدلال على عظيم قدرة الله وعلى تفرده بالإلاهية . # والمعنى : أن القادر على خلق السماوات والأرض وما فيهما عن عدمم قادر على ~~إعادة خلق بعض ما فيهما للبعث والجزاء لأن ذلك كله سواء في جواز تعلق ~~القدرة به فكيف تعدونه محالا . وضمير الجماعة في قوله : { جمعهم } عائد إلى ~~ما بث فيهما من دابة باعتبار أن الذي تتعلق الإرادة بجمعه في الحشر للجزاء ~~هم العقلاء من الدواب أي الإنس . والمراد ب { جمعهم } حشرهم للجزاء ، قال ~~تعالى : { يوم يجمعكم ليوم الجمع } ( التغابن : 9 ) . # وقد ورد في أحاديث في ( الصحيح ) أن بعض الدواب تحشر للانتصاف ممن ظلمها ~~. و { إذا } ظرف للمستقبل وهو هنا مجرد عن تضمن الشرطية ، فالتقدير : حين ~~يشاء في مستقبل الزمان ، وهو متعلق ب { جمعهم } . وهذا الظرف إدماج ثان ~~لإبطال استدلالهم بتأخر يوم البعث على أنه لا يقع كما حكي عنهم في قوله ~~تعالى : { ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا } ( الإسراء : 51 ) و { ~~يقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ~~ساعة ولا تستقدمون } ( سبأ : 29 ، 30 ) . # لما تضمنت المنة بإنزال الغيث بعد القنوط أن القوم أصابهم جهد من القحط ms7412 ~~بلغ بهم مبلغ القنوط من الغيث أعقبت ذلك بتنبيههم إلى أن ما أصابهم من ذلك ~~البؤس هو جزاء على ما اقترفوه من الشرك تنبيها يبعثهم ويبعث الأمة على أن ~~PageV25P098 يلاحظوا أحوالهم نحو امتثال رضى خالقهم ومحاسبة أنفسهم حتى لا ~~يحسبوا أن الجزاء الذي أوعدوا به مقصور على الجزاء في الآخرة بل يعلموا أنه ~~قد يصيبهم الله بما هو جزاء لهم في الدنيا ، ولما كان ما أصاب قريشا من ~~القحط والجوع استجابة لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم عليهم كما تقدم ، ~~وكانت تلك الدعوة ناشئة على ما لاقوه به من الأذى ، لا جرم كان ما أصابهم ~~مسببا على ما كسبت أيديهم . # فالجملة عطف على جملة { وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا } ( الشورى ~~: 28 ) ، وأطلق كسب الأيدي على الأفعال والأقوالل المنكرة على وجه المجاز ~~بعلاقة الإطلاق ، أي بما صدر منكم من أقوال الشرك والأذى للنبيء صلى الله ~~عليه وسلم وفعلل المنكرات الناشئة عن دين الشرك . # والخطاب للمشركين ابتداء لأنهم المقصود من سياق الآيات كلها وهم أولى ~~بهذه الموعظة لأنهم كانوا غير مؤمنين بوعيد الآخرة ويشمل المؤمنين بطريق ~~القياس وبما دل على شمول هذا الحكم لهم من الأخبار الصحيحة ومن آيات أخرى . # والباء للسببية ، أي سبب ما أصابكم من مصيبة هو أعمالكم . وقرأ نافع وابن ~~عامر وأبو جعفر { بما كسبت أيديكم } على أن ( ما ) موصولة وهي مبتدأ . و { ~~بما كسبت أيديكم } ظرف مستقر هو خبر المبتدأ . وكذلك كتبت في مصحف المدينة ~~ومصحف الشام وقرأ الباقون { فبما كسبت أيديكم } بفاء قبل الباء وكذلك كتبت ~~في مصحف البصرة ومصحف الكوفة ، على أن ( ما ) متضمنة معنى الشرط فاقترن ~~خبرها بالفاء لذلك ، أو هي شرطية والفاء رابطة لجواب الشرط ويكون وقوع فعل ~~الشرط ماضيا للدلالة على التحقق . و { من } بيانية على القراءتين لما في ~~الموصول واسم الشرط من الإبهام . # والمصيبة : اسم للحادثة التي تصيب بضر ومكروه ، وقد لزمتها هاء التأنيث ~~للدلالة على الحادثة فلذلك تنوسيت منها الوصفية وصارت اسما للحادثة ~~المكروهة . # فقراءة الجمهور تعين معنى ms7413 عموم التسبب لأفعالهم فيما يصيبهم من المصائب ~~لأن ( ما ) في هذه القراءة إما شرطية والشرط دال على التسبب وإما موصولة ~~مشبهة بالشرطية ، فالموصولية تفيد الإيماء إلى علة الخبر ، وتشبيهها ~~بالشرطية يفيد التسبب . PageV25P099 وقراءة نافع وابن عامر لا تعين التسبب ~~بل تجوزه لأن الموصول قد يراد به واحد معين بالوصف بالصلة ، فتحمل على ~~العموم بالقرينة وبتأييد القراءة الأخرى لأن الأصل في اختلاف القراءات ~~الصحيحة اتحاد المعاني . وكلتا القراءتين سواء في احتمال أن يكون المقصود ~~بالخطاب فريقا معينا وأن يكون المقصود به جميع الناس ، وكذلك في أن يكون ~~المراد مصائب معينة حصلت في الماضي ، وأن يراد جميع المصائب التي حصلت ~~والتي تحصل . # ومعنى الآية على كلا التقديرين يفيد : أن مما يصيب الناس من مصائب الدنيا ~~ما هو جزاء لهم على أعمالهم التي لا يرضاها الله تعالى كمثل المصيبة أو ~~المصائب التي أصابت المشركين لأجل تكذيبهم وأذاهم للرسول صلى الله عليه ~~وسلم # ثم إن كانت ( ما ) شرطية كانت دلالتها على عموم مفهومها المبين بحرف { من ~~} البيانية أظهر لأن شرطها الماضي يصح أن يكون بمعنى المستقبل كما هو كثير ~~في الشروط المصوغة بفعل المضي والتعليق الشرطي يمحضها للمستقبل ، وإن كانت ~~( ما ) موصولة كانت دلالتها محتملة للعموم وللخصوص لأن الموصول يكون للعهد ~~ويكون للجنس . # وأيا ما كان فهو دال على أن من المصائب التي تصيب الناس في الدنيا ما ~~سلطه الله عليهم جزاء على سوء أعمالهم وإذا كان ذلك ثابتا بالنسبة لأناس ~~معينين كان فيه نذارة وتحذير لغيرهم ممن يفعل من جنس أفعالهم أن تحل بهم ~~مصائب في الدنيا جزاء على أعمالهم زيادة في التنكيل بهم إلا أن هذا الجزاء ~~لا يطرد فقد يجازي الله قوما على أعمالهم جزاء في الدنيا مع جزاء الآخرة ، ~~وقد يترك قوما إلى جزاء الآخرة ، فجزاء الآخرة في الخير الشر هو المطرد ~~الموعود به ، والجزاء في الدنيا قد يحصل وقد لا يحصل كما قال تعالى : { ~~ويعفو عن كثير } كما سنبينه . # وهذا المعنى قد تكرر ذكره في آيات وأحاديث كثيرة بوجه ms7414 الكلية وبوجه ~~الجزئية ، فمما جاء بطريق الكلية قوله تعالى : { فأما الإنسان إذا ما ~~ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمني وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه ~~رزقه فيقول ربي أهانني كلا بل لا تكرمون اليتيم ولا تحضون على طعام المسكين ~~وتأكلون التراث أكلا لما } ( الفجر : 15 19 ) الآية ، PageV25P100 فقوله : ~~{ بل لا تكرمون اليتيم } مرتب على قوله : { كلا } المرتب على قوله : { ~~فيقول ربي أكرمن } وقوله : { فيقول ربي أهانني } ، فدل على أن الكرامة ~~والإهانة إنما تسببا على عدم إكرام اليتيم والحض على طعام المسكين ، وقال ~~تعالى : { ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي ~~عملوا لعلهم يرجعون } ( الروم : 41 ) . # وفي ( سنن الترمذي ) : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تصيب ~~عبدا نكبة فما فوقها أو دونها إلا بذنب وما يعفو الله عنه أكثر ) . وهو ~~ينظر إلى تفسير هذه الآية ، وأما ما جاء على وجه الجزئية فمنه قوله تعالى ~~حكاية عن نوح { فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ~~ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا } ( نوح : 10 12 ) ~~وقوله حكاية عنه { أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون يغفر لكم من ذنوبكم ~~ويؤخركم إلى أجل مسمى في سورة نوح ( 3 ، 4 ) . وقوله خطابا لبني إسرائيل ~~فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا } الآية في سورة ~~البقرة ، وقوله { إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في ~~الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين ( الأعراف : 152 ) وقال حكاية عن موسى ~~أتهلكنا بما فعل السفهاء منا } ( الأعراف : 155 ) { وإذ تأذن ربك ليبعثن ~~عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب إن ربك لسريع العقاب في ~~الأعراف ، وقال في فرعون فأخذه الله نكال الآخرة والأولى } ( النازعات : 25 ~~) ، وقال في المنافقين { أو لا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم ~~لا يتوبون ولا هم يذكرون في براءة . # وفي حديث الترمذي قال النبي نقل الأقدام إلى الجماعات ، وإسباغ الوضوء في ~~المكروهات ، وانتظار ms7415 الصلاة بعد الصلاة ، من يحافظ عليهن عاش بخير ومات ~~بخير . وفي باب العقوبات من آخر سنن ابن ماجه عن النبي : وإن الرجل ليحرم ~~الرزق بالذنب يصيبه . وفي البخاري } قال خباب بن الأرت ( إنا آمنا بالله ~~وجاهدنا في سبيله فوجب أجرنا على الله فمنا من ذهب لم يأخذ من أجره شيئا ~~منهم مصعب بن عمير ، مات وما ترك إلا . . . كنا إذا غطينا بها رأسه بدت ~~رجلاه وإذا غطينا رجليه بدا رأسه فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~نغطي بها رأسه ونضع على رجليه من الإذخر ، PageV25P101 ومنهم من عجلت له ~~ثمرته فهو يهدبها ) . # وإذا كانت المصيبة في الدنيا تكون جزاء على فعل الشر فكذلك خيرات الدنيا ~~قد تكون جزاء على فعل الخير قال تعالى : { ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ~~ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي ~~الآخرة } ( يونس : 62 ، 64 ) ، وقال حكاية عن إخوة يوسف { قالوا تالله لقد ~~آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين } ( يوسف : 91 ) أي مذنبين ، أي وأنت لم ~~تكن خاطئا ، وقال : { فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة في آل ~~عمران وقال : وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما ~~رحمة من ربك في سورة الكهف ، وقال : وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا ~~الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم } إلى قوله : { ~~وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا } في سورة النور . # وهذا كله لا ينقض الجزاء في الآخرة ، فمن أنكروا ذلك وقالوا : إن الجزاء ~~إنما يحصل يوم القيامة لقوله تعالى : { ملك يوم الدين } ( الفاتحة : 4 ) أي ~~يوم الجزاء وإنما الدنيا دار تكليف والآخرة دار الجزاء ، فالجواب عن قولهم ~~هو : أنه ليس كون ما يصيب من الشر والخير في الدنيا جزاء على عمل بمطرد ، ~~ولا متعين له فإن لذلك أسبابا كثيرة وتدفعه أو تدفع بعضا منه جوابر كثيرة ~~والله يقدر ذلك استحقاقا ودفعا ولكنه مما يزيده الله به الجزاء إن شاء . # وقد تصيب الصالحين نكبات ومصائب وآلام ms7416 فتكون بلوى وزيادة في الأجر ولما ~~لا يعلمه إلا الله ، وقد تصيب المسرفين خيرات ونعم إمهالا واستدراجا ~~ولأسباب غير ذلك مما لا يحصيه إلا الله وهو أعلم بخفايا خلقه ونواياهم ~~ومقادير أعمالهم من حسنات وسيئات ، واستعداد نفوسهم وعقولهم لمختلف مصادر ~~الخير والشر قال تعالى : { ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم ~~لتولوا وهم معرضون } ( الأنفال : 23 ) . # ومما اختبط فيه ضعفاء المعرفة وقصار الأنظار أن زعم أهل القول بالتناسخ ~~أن هذه المصائب التي لا نرى لها أسبابا والخيرات التي تظهر في مواطن تحف ~~بها مقتضيات الشرور إنما هي بسبب جزاء الأرواح المودعة في الأجسام التي ~~نشاهدها PageV25P102 على ما كانت أصابته من مقتضيات الأحوال التي عرضت لها ~~في مرآنا قبل أن توضع في هذه الأجساد التي نراها ، وقد عموا عما يرد على ~~هذا الزعم من سؤال عن سبب إيداع الأرواح الشريرة في الأجساد الميسرة ~~للصالحات والعكس فبئس ما يفترون . # فقوله : { ويعفو عن كثير } عطف على جملة { وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت ~~أيديكم } ، وضمير { يعفو } عائد إلى ما عاد إليه ضمير { ومن آياته خلق ~~السماوات } ( الشورى : 29 ) . وهذا يشير إلى ما يتراءى لنا من تخلف إصابة ~~المصيبة عن بعض الذين كسبت أيديهم جرائم ، ومن ضد ذلك مما تصيب المصائب بعض ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، وهو إجمال يبينه على الجملة أن ما يعلمه ~~الله من أحوال عباده وما تغلب من حسناتهم على سيئاتهم ، وما تقتضيه حكمة ~~الله من إمهال بعض عباده أو من ابتلاء بعض المقربين ، وتلك مراتب كثيرة ~~وأحوال مختلفة تتعارض وتتساقط والموفق يبحث عن الأسباب فإن أعجزته فوض ~~العلم إلى الله . # والمعنى : أنه تعالى يعفو ، أي يصفح فلا يصيب كثيرا من عباده الذين ~~استحقوا جزاء السوء بعقوبات دنيوية لأنه يعلم أن ذلك أليق بهم . فالمراد ~~هنا : العفو عن المؤاخذة في الدنيا ولا علاقة لها بجزاء الآخرة فإن فيه ~~أدلة أخرى من الكتاب والسنة . # و { كثير } صفة لمحذوف ، أي عن خلق أو ناس . # عطف على جملة { ويعفو عن كثير } ( الشورى : 30 ms7417 ) ، وهو احتراس ، أي يعفو ~~عن قدرة فإنكم لا تعجزونه ولا تغلبونه ولكن يعفو تفضلا . # والمعجز : الغالب غيره بانفلاته من قبضته . والمعنى : ما أنتم بفالتين من ~~قدرة الله . والخطاب للمشركين . PageV25P103 # والمعنى : أن الله أصابكم بمصيبة القحط ثم عفا عنكم برفع القحط عنكم وما ~~أنتم بمفلتين من قدرة الله إن شاء أن يصيبكم ، فهو من معنى قوله : { إنا ~~كاشفوا العذابب قليلا إنكم عائدون } ( الدخان : 15 ) ، وقول النبي صلى الله ~~عليه وسلم لأبي سفيان حين دعا برفع القحط عنهم : تعودون بعد ، وقد عادوا ~~فأصابهم الله ببطشة بدر قال : { يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون } ( ~~الدخان : 16 ) . # وتقييد النفي بقوله : { في الأرض } لإرادة التعميم ، أي في أي مكان من ~~الأرض لئلا يحسبوا أنهم في منعة بحلولهم في مكة التي أمنها الله تعالى ، ~~وذلك أن العرب كانوا إذا خافوا سطوة ملك أو عظيم سكنوا الجهات الصعبة ، كما ~~قال النابغة ذاكرا تحذيره قومه من ترصد النعمان بن المنذر لهم وناصحا لهم : # إما عصيت فإني غير منفلت # مني اللصاب فجنبا حرة النار # أو أضع البيت في صماء مضلمة # من المظالم تدعى أم صبار # تدافع الناس عنا حين نركبها # تقيد العير لا يسري بها الساري # وجيء بالخبر جملة اسمية في قوله : { وما أنتم بمعجزين } للدلالة على ثبات ~~الخبر ودوامه ، أي نفي إعجازهم ثابت لا يتخلف فهم في مكنة خالقهم . # ولما أفاد قوله : { وما أنتم بمعجزين في الأرض } أن يكون لهم منجى من ~~سلطة الله أتبع بنفي أن يكون لهم ملجأ يلجأون إليه لينصرهم ويقيهم من عذاب ~~الله فقال : { وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير } أي ليس لكم ولي ~~يتولاكم فيمنعكم من سلطان الله ولا نصير ينصركم على الله إن أراد إصابتكم ~~فتغلبونه ، فجمعت الآية نفي ما هو معتاد بينهم من وجوه الوقاية . # و { من دون الله } ظرف مستقر هو خبر ثان عن { ولي } و { نصير } ، والخبر ~~الأول هو { لكم } . وتقديم الخبرين للاهتمام بالخبر ولتعجيل يأسهم من ذلك . ~~PageV25P104 # ( 32 34 ) # لما جرى تذكيرهم بأن ما أصابهم ms7418 من مصيبة هو مسبب عن اقتراف أعمالهم ، ~~وتذكيرهم بحلول المصائب تارة وكشفها تارة أخرى بقوله : { ويعفو عن كثير ( ~~الشورى : 30 ) ، وأعقب بأنهم في الحالتين غير خارجين عن قبضة القدرة ~~الإلاهية سيق لهم ذكر هذه الآية جامعة مثالا لإصابة المصائب وظهور مخائلها ~~المخيفة المذكرة بما يغفلون عنه من قدرة الله والتي قد تأتي بما أنذروا به ~~وقد تنكشف عن غير ضر ، ودليلا على عظيم قدرة الله تعالى وأنه لا محيص عن ~~إصابة ما أراده ، وإدماجا للتذكير بنعمة السير في البحر وتسخير البحر للناس ~~فإن ذلك نعمة ، قال تعالى : والفلكك التي تجري في البحر بما ينفع الناس } ~~في سورة البقرة ، فكانت هذه الجملة اعتراضا مثل جملة { ومن آياته خلق ~~السماوات والأرض ( الشورى : 29 ) . # والآيات : الأدلة الدالة على الحق . # والجواري : جمع جارية صفة لمحذوف دل عليه ذكر البحر ، أي السفن الجواري ~~في البحر كقوله تعالى في سورة الحاقة إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية ~~} . وعدل عن : الفلك إلى { الجواري } إيماء إلى محل العبرة لأن العبرة في ~~تسخير البحر لجريها وتفكير الإنسان في صنعها . # والأعلام : جمع علم وهو الجبل ، والمراد : بالجواري السفن العظيمة التي ~~تسع ناسا كثيرين ، والعبرة بها أظهر والنعمة بها أكثر . # وكتبت كلمة { الجوار } في المصحف بدون ياء بعد الراء ولها نظائر كثيرة في ~~القرآن في الرسم والقراءة ، وللقراء في أمثالها اختلاف هي التي تدعى عند ~~علماء القراءات بالياءات الزوائد . # وقرأ نافع وأبو عمرو وأبو جعفر { الجواري } في هذه السورة بإثبات الياء ~~في PageV25P105 حالة الوصل وبحذفها في حالة الوقف . وقرأ ابن كثير ويعقوب ~~بإثبات الياء في الحالين . وقرأ الباقون بحذفها في الحالين . # وإسكان الرياح : قطع هبوبها ، فإن الريح حركة وتموج في الهواء فإذا سكن ~~ذلك التموج فلا ريح . # وقرأ نافع { الرياح } بلفظ الجمع . وقرأه الباقون { الريح } بلفظ المفرد ~~. وفي قراءة الجمهور ما يدل على أن الريح قد تطلق بصيغة الإفراد على الريح ~~الخير ، وما قيل : إن الرياح للخير والريح للعذاب في القرآن هو غالب لا ~~مطرد . وقد قرىء في آيات أخرى ms7419 الرياح والريح في سياق الخير دون العذاب . # وقرأ الجمهور { يشأ } بهمزة ساكنة . وقرأه ورش عن نافع بألف على أنه ~~تخفيف للهمزة . # والرواكد : جمع راكدة ، والركود : الاستقرار والثبوت . # والظهر : الصلب للإنسان والحيوان ، ويطلق على أعلى الشيء إطلاقا شائعا . ~~يقال : ظهر البيت ، أي سطحه ، وتقدم في قوله تعالى : { وليس البر بأن تأتوا ~~البيوت من ظهورها ( البقرة : 189 ) . وأصله : استعارة فشاعت حتى قاربت ~~الحقيقة ، فظهر البحر سطح مائه البادي للناظر ، كما أطلق ظهر الأرض على ما ~~يبدو منها ، قال تعالى : ما ترك على ظهرها من دابة ( فاطر : 45 ) . # وجعل ذلك آية لكل صبار شكور لأن في الحالتين خوفا ونجاة ، والخوف يدعو ~~إلى الصبر ، والنجاة تدعو إلى الشكر . والمراد : أن في ذلك آيات لكل مؤمن ~~متخلق بخلق الصبر على الضراء والشكر للسراء ، فهو يعتبر بأحوال الفلك في ~~البحر اعتبارا يقارنه الصبر أو الشكر . # وإنما جعل ذلك آية للمؤمنين لأنهم الذين ينتفعون بتلك الآية فيعلمون أن ~~الله منفرد بالإلاهية بخلاف المشركين فإنها تمر بأعينهم فلا يعتبرون بها . # وقوله : أو يوبقهن } عطف على جزاء الشرط . # و { يوبقهن } : يهلكهن . والإيباق : الإهلاك ، وفعله وبق كوعد . والمراد ~~به PageV25P106 هنا الغرق ، فيجوز أن يكون ضمير جماعة الإناث عائدا إلى { ~~الجواري } على أن يستعار الإيباق للإغراق لأن الإغراق إتلاف . ويجوز أن ~~يكون الضمير عائدا إلى الراكبين على تأويل معاد الضمير بالجماعات بقرينة ~~قوله : { بما كسبوا } فهو كقوله : { وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ~~ليشهدوا منافع لهم ( الحج : 27 ) . # والباء للسببية وهو في معنى قوله : وما أصابكم من مصيبة بما كسبت أيديكم ~~( الشورى : 30 ) . # ويعف عن كثير } عطف على { يوبقهن } فهو في معنى جزاء للشرط المقدر ، أي ~~وإن يشأ يعف عن كثير فلا يوبقهم مع استحقاقهم أن يوبقوا . وهذا العطف ~~اعتراض . # . # قرأ نافع وابن عامر ويعقوب برفع { ويعلم } على أنه كلام مستأنف . وقرأه ~~الباقون بالنصب . # فأما الاستئناف على قراءة نافع وابن عامر ويعقوب فمعناه أنه كلام أنف لا ~~ارتباط له بما قبله ، وذلك تهديد للمشركين بأنهم لا محيص لهم من ms7420 عذاب الله ~~لأنه لما قال : { ومن آياته الجواري في البحر ( الشورى : 32 ) صار المعنى : ~~ومن آيات انفراده بالإلاهية الجواري في البحر . والمشركون يجادلون في دلائل ~~الوحدانية بالإعراض والانصراف عن سماعها فهددهم الله بأن أعلمهم أنهم لا ~~محيص لهم ، أي من عذابه ، فحذف متعلق المحيص إبهاما له تهويلا للتهديد ~~لتذهب النفس كل مذهب ممكن فيكون قوله : ويعلم الذين يجادلون } خبرا مرادا ~~به الإنشاء والطلب فهو في قوة : وليعلم الذين يجادلون ، أو اعلموا يا من ~~يجادلون ، وليس خبرا عنهم لأنهم لا يؤمنون بذلك حتى يعلموه . # وأما قراءة النصب فهي عند سيبويه وجمهور النحاة على العطف على فعل ~~PageV25P107 مدخول للام التعليل ، وتضمن ( أن ) بعده . والتقدير : لينتقم ~~منهم ويعلم الذين يجادلون الخ . وسموا هذه الواو واو الصرف لأنها تصرف ما ~~بعدها عن أن يكون معطوفا على ما قبلها ، إلى أن يكون معطوفا على فعل متصيد ~~من الكلام ، وهذا قول سيبويه في باب ما يرتفع بين الجزمين وينجزم بينهما ، ~~وتبعه في ( الكشاف ) ، وذهب الزجاج إلى أن الواو واو المعية التي ينصب ~~الفعل المضارع بعدها ب ( أن ) مضمرة . # ويجوز أن يجعل الخبر مستعملا في مقاربة المخبر به كقولهم : قد قامت ~~الصلاة ، فلما كان علمهم بذلك يوشك أن يحصل نزل منزلة الحاصل فأخبر عنهم به ~~، وعلى هذا الوجه يكون إنذارا بعقاب يحصل لهم قريب وهو عذاب السيف والأسر ~~يوم بدر . # وذكر فعل { يعلم } للتنويه والاعتناء بالخبر كقوله تعالى : { واعلموا ~~أنكم ملاقوه } في سورة البقرة ، وقوله : { واعلموا أنما غنمتم من شيء في ~~سورة الأنفال ، وقول النبي حين رأى أبا مسعود الأنصاري يضرب غلاما له ~~فناداه : اعلم أبا مسعود اعلم أبا مسعود ، قال أبو مسعود : فالتفت فإذا هو ~~رسول الله فإذا هو يقول : اعلم أبا مسعود . فألقيت السوط من يدي ، فقال لي ~~: إن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام رواه مسلم أواخر كتاب الإيمان . ~~وتقدم معنى الذين يجادلون في آياتنا } في هذه السورة . # و { ما } نافية ، وهي معلقة لفعل { يعلم } عن نصب المفعلوين . # والمحيص : مصدر ميمي من حاص ms7421 ، إذا أخذ في الفرار ومال في سيره ، وفي حديث ~~أبي سفيان في وصف مجلس هرقل ( فحاصوا حيصة حمر الوحش وأغلقت الأبواب ) . ~~والمعنى : ما لهم من فرار ومهرب من لقاء الله . والمراد : ما لهم من محيد ~~ولا ملجأ . وتقدم في قوله تعالى : { ولا يجدون عنها محيصا } في سورة النساء ~~PageV25P108 . # تفريع على جملة { ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا ( الشورى : 27 ) إلى ~~آخرها ، فإنها اقتضت وجود منعم عليه ومحروم ، فذكروا بأن ما أوتوه من رزق ~~هو عرض زائل ، وأن الخير في الثواب الذي ادخره الله للمؤمنين ، مع المناسبة ~~لما سبقه من قوله : ويعف عن كثير ( الشورى : 34 ) من سلامة الناس من كثير ~~من أهوال الأسفار البحرية فإن تلك السلامة نعمة من نعم الدنيا ، ففرعت عليه ~~الذكرى بأن تلك النعمة الدنيوية نعمة قصيرة الزمان صائرة إلى الزوال فلا ~~يجعلها الموفق غاية سعيه وليسع لعمل الآخرة الذي يأتي بالنعيم العظيم ~~الدائم وهو النعيم الذي ادخره الله عنده لعباده المؤمنين الصالحين . # والخطاب في قوله : أوتيتم } للمشركين جريا على نسق الخطاب السابق في قوله ~~: { وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ( الشورى : 30 ) وقوله : وما ~~أنتم بمعجزين في الأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير ( الشورى : 31 ~~) ، وينسحب الحكم على المؤمنين بلحن الخطاب ، ويجوز أن يكون الخطاب لجميع ~~الأمة ، فالفاء الأولى للتفريع ، وما } موصولة ضمنت معنى الشرط والفاء ~~الثانية في قوله : { فمتاع الحياة الدنيا } داخلة على خبر { ما } الموصولة ~~لتضمنها معنى الشرط وإنما لم نجعل { ما } شرطية لأن المعنى على الإخبار لا ~~على التعليق ، وإنما تضمن معنى الشرط وهو مجرد ملازمة الخبر لمدلول اسم ~~الموصول كما تقدم نظيره آنفا في قوله : { وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت ~~أيديكم ( الشورى : 30 ) في قراءة غير نافع وابنن عامر . # ويتعلق قوله : خير وأبقى للذين آمنوا } على وجه التنازع ، واتبعت صلة ( ~~الذين آمنوا ) بما يدل على عملهم بإيمانهم في اعتقادهم فعطف على الصلة أنهم ~~يتوكلون على ربهم دون غيره . وهذا التوكل إفراد لله بالتوجه إليه في كل ms7422 ما ~~تعجز عنه قدرة العبد ، فإن التوجه إلى غيره في ذلك ينافي التوحيد لأن ~~المشركين يتوكلون على آلهتهم أكثر من توكلهم على الله ، ولكون هذا متمما ~~لمعنى ( الذين آمنوا ) عطف على الصلة ولم يؤت معه باسم موصول بخلاف ما ورد ~~بعده . PageV25P109 # أتبع الموصول السابق بموصولات معطوفف بعضها على بعض كما تعطف الصفات ~~للموصوف الواحد ، فكذلك عطف هذه الصلات وموصولاتها أصحابها متحدون وهم ~~الذين آمنوا بالله وحده وقد تقدم نظيره عند قوله تعالى : { الذين يؤمنون ~~بالغيب ( البقرة : 3 ) ثم قوله : والذين يؤمنون بما أنزل إليك } الآية في ~~سورة البقرة . # والمقصود من ذلك : هو الاهتمام بالصلات فيكرر الاسم الموصول لتكون صلته ~~معتنى بها حتى كأن صاحبها المتحد منزل منزلة ذوات . فالمقصود : ما عند الله ~~خير وأبقى للمؤمنين الذين هذه صفاتهم ، أي أتبعوا إيمانهم بها . وهذه صفات ~~للمؤمنين باختلاف الأحوال العارضة لهم فهي صفات متداخلة قد تجتمع في المؤمن ~~الواحد إذا وجدت أسبابها وقد لا تجتمع إذا لم توجد بعض أسبابها مثل { ~~وأمرهم شورى بينهم . # وقرأ الجمهور كبائر } بصيغة الجمع . وقرأه حمزة والكسائي وخلف { كبير } ~~بالإفراد ، فكبائر الإثم : الفعلات الكبيرة من جنس الإثم وهي الآثام ~~العظيمة التي نهى الشرع عنها نهيا جازما ، وتوعد فاعلها بعقاب الآخرة مثل ~~القذف والاعتداء والبغي . وعلى قراءة { كبيرة الإثم } مراد به معنى كبائر ~~الإثم لأن المفرد لما أضيف إلى معرف بلام الجنس من إضافة الصفة إلى الموصوف ~~كان له حكم ما أضيف هو إليه . # و { الفواحش } : جمع فاحشة ، وهي : الفعلة الموصوفة بالشناعة والتي شدد ~~الدين في النهي عنها وتوعد عليها بالعذاب أو وضع لها عقوبات في الدنيا للذي ~~يظهر عليه من فاعليها . وهذه مثل قتل النفس ، والزنا ، والسرقة ، والحرابة ~~. وتقدم عند قوله : { وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا } في سورة ~~الأعراف . # وكبائر الإثم والفواحش قد تدعو إليها القوة الشاهية . ولما كان كثير من ~~كبائر الإثم والفواحش متسببا على القوة الغضبية مثل القتل والجراح والشتم ~~والضرب PageV25P110 أعقب الثناء على الذين يجتنبونها ، فذكر أن من شيمتهم ~~المغفرة عند الغضب ms7423 ، أي إمساك أنفسهم عن الاندفاع مع داعية الغضب فلا يغول ~~الغضب أحلامهم . # وجيء بكلمة { إذا } المضمنة معنى الشرط والدالة على تحقق الشرط ، لأن ~~الغضب طبيعة نفسية لا تكاد تخلو عنه نفس أحد على تفاوت . وجملة { وإذا ما ~~غضبوا هم يغفرون } عطف على جملة الصلة . # وقدم المسند إليه على الخبر الفعلي في جملة { هم يغفرون } لإفادة التقوي ~~. # وتقييد المسند ب { إذا } المفيدة معنى الشرط للدلالة على تكرر الغفران ~~كلما غضبوا . # والمقصود من هذا معاملة المسلمين بعضهم مع بعض فلا يعارضه قوله الآتي { ~~والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون ( الشورى : 39 ) لأن ذلك في معاملتهم ~~مع أعداء دينهم . # } # هذا موصول آخر وصلة أخرى . ومدلولهما من أعمال الذين آمنوا التي يدعوهم ~~إليها إيمانهم ، والمقصود منها ابتداء هم الأنصار ، كما روي عن عبد الرحمن ~~بن زيد . ومعنى ذلك أنهم من المؤمنين الذين تأصل فيهم خلق الشورى . # وأما الاستجابة لله فهي ثابتة لجميع من آمن بالله لأن الاستجابة لله هي ~~الاستجابة لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم فإنه دعاهم إلى الإسلام مبلغا عن ~~الله فكأن الله دعاهم إليه فاستجابوا لدعوته . والسين والتاء في { استجابوا ~~} للمبالغة في الإجابة ، أي هي إجابة لا يخالطها كراهية ولا تردد . # ولام له للتقوية يقال : استجاب له كما يقال : استجابه ، فالظاهر أنه أريد ~~منه استجابة خاصة ، وهي إجابة المبادرة مثل أبي بكر وخديجة وعبد الله بن ~~مسعود وسعد بن أبي وقاص ونقباء الأنصار أصحاب ليلة العقبة . PageV25P111 # وجعلت { وأمرهم شورى بينهم } عطفا على الصلة . وقد عرف الأنصار بذلك إذ ~~كان التشاور في الأمور عادتهم فإذا نزل بهم مهم اجتمعوا وتشاوروا وكان من ~~تشاورهم الذي أثنى الله عليهم به هو تشاورهم حين ورد إليهم نقباؤهم ~~وأخبروهم بدعوة محمد صلى الله عليه وسلم بعد أن آمنوا هم به ليلة العقبة ، ~~فلما أبلغوهم ذلك اجتمعوا في دار أبي أيوب الأنصاري فأجمع رأيهم على ~~الإيمان به والنصر له . # وإذ قد كانت الشورى مفضية إلى الرشد والصواب وكان من أفضل آثارها أن ~~اهتدى بسببها الأنصار إلى الإسلام ms7424 أثنى الله بها على الإطلاق دون تقييد ~~بالشورى الخاصة التي تشاور بها الأنصار في الإيمان وأي أمر أعظم من أمر ~~الإيمان . # والأمر : اسم من أسماء الأجناس العامة مثل : شيء وحادثث . وإضافة اسم ~~الجنس قد تفيد العموم بمعونة المقام ، أي جميع أمورهم متشاور فيها بينهم . # والإخبار عن الأمر بأنه شورى من قبيل الإخبار بالمصدر للمبالغة . ~~والإسناد مجاز عقلي لأن الشورى تسند للمتشاورين ، وأما الأمر فهو ظرف مجازي ~~للشورى ، ألا ترى أنه يقال : تشاورا في كذا ، قال تعالى : { وشاورهم في ~~الأمر فاجتمع في قوله : وأمرهم شورى } مجاز عقلي واستعارة تبعية ومبالغة . # والشورى مصدر كالبشرى والفتيا هي أن قاصد عمل يطلب ممن يظن فيه صواب ~~الرأي والتدبير أن يشير عليه بما يراه في حصول الفائدة المرجوة من عمله ، ~~وتقدم الكلام عليها عند قوله تعالى : { وشاورهم في الأمر } في سورة آل ~~عمران . # وقوله : { بينهم } ظرف مستقر هو صفة ل { شورى } . والتشاور لا يكون إلا ~~بين المتشاورين فالوجه أن يكون هذا الظرف إيماء إلى أن الشورى لا ينبغي أن ~~تتجاوز من يهمهم الأمر من أهل الرأي فلا يدخل فيها من لا يهمه الأمر ، وإلى ~~أنها سر بين المتشاورين قال بشار : # ولا تشهد الشورى أمرا غير كاتم # وقد كان شيخ الإسلام محمود ابن الخوجة أشار في حديث جرى بيني وبينه إلى ~~اعتبار هذا الإيماء إشارة بيده حين تلا هذه الآية ، ولا أدري أذلك استظهار ~~منه أم PageV25P112 شيء تلقاه من بعض الكتب أو بعض أساتذته وكلا الأمرين ~~ليس ببعيد عن مثله . # وأثنى الله عليهم بإقامة الصلاة ، فيجوز أن يكون ذلك تنويها بمكانة ~~الصلاة بأعمال الإيمان ، ويجوز أن يكون المراد إقامة خاصة ، فإذا كانت ~~الآية نازلة في الأنصار أو كان الأنصار المقصود الأول منها فلعل المراد ~~مبادرة الأنصار بعد إسلامهم بإقامة الجماعة إذ سألوا النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن يرسل إليهم من يقرئهم القرآن ويؤمهم في الصلاة فأرسل إليهم مصعب بن ~~عمير وذلك قبل الهجرة . # وأثنى عليهم بأنهم ينفقون مما رزقهم الله ، وللأنصار الحظ الأوفر من هذا ms7425 ~~الثناء ، وهو كقوله فيهم { ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ( الحشر : ~~9 ) . وذلك أن الأنصار كانوا أصحاب أموال وعمل فلما آمنوا كانوا أول جماعة ~~من المؤمنين لهم أموال يعينون بها ضعفاء المؤمنين منهم ومن المهاجرين ~~الأولين قبل هجرة النبي . فأما المؤمنون من أهل مكة فقد صادر المشركون ~~أموالهم لأجل إيمانهم ، قال النبي وهل ترك لنا عقيل من دار . # وقوله : ومما رزقناهم ينفقون } إدماج للامتنان في خلال المدح وإلا فليس ~~الإنفاق من غير ما يرزقه المنفق . # هذا موصول رابع وصلته خلق أراده الله للمسلمين ، والحظ الأول منه ~~للمؤمنين الذين كانوا بمكة قبل أن يهاجرون فإنهم أصابهم بغي المشركين ~~بأصناف الأذى من شتم وتحقير ومصادرة الأموال وتعذيب الذوات فصبروا عليه . # و { البغي } : الاعتداء على الحق ، فمعنى إصابته إياهم أنه سلط عليهم ، ~~أي بغي غيرهم عليهم وهذه الآية مقدمة لقوله في سورة الحج ( 39 ، 40 ) { أذن ~~للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ~~ديارهم بغير حق } فإن سورة الحج نزلت بالمدينة . وإنما أثنى الله عليهم ~~بأنهم ينتصرون لأنفسهم تنبيها على أن ذلك الانتصار ناشىء على ما أصابهم من ~~البغي فكان كل من السبب والمسبب موجب الثناء لأن الانتصار محمدة دينية إذ ~~هو لدفع البغي اللاحق بهم لأجل أنهم PageV25P113 مؤمنون ، فالانتصار ~~لأنفسهم رادع للباغين عن التوغل في البغي على أمثالهم ، وذلك الردع عون على ~~انتشار الإسلام ، إذ يقطع ما شأنه أن يخالج نفوس الراغبين في الإسلام من ~~هواجس خوفهم من أن يبغى عليهم . # وبهذا تعلم أن ليس بين قوله هنا { والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون } ~~وبين قوله آنفا { وإذا ما غضبوا هم يغفرون ( الشورى : 37 ) تعارض لاختلاف ~~المقامين كما علمت آنفا . # وعن إبراهيم النخعي : كان المؤمنون يكرهون أن يستذلوا وكانوا إذا قدروا ~~عفوا . # وأدخل ضمير الفصل بقوله : هم ينتصرون } الذي فصل بين الموصول وبين خبره ~~لإفادة تقوي الخبر ، أي لا ينبغي أن يترددوا في الانتصار لأنفسهم . # وأوثر الخبر الفعلي هنا دون أن يقال : منتصرون ، لإفادة معنى تجدد ms7426 ~~الانتصار كلما أصابهم البغي . # وأما مجيء الفعل مضارعا فلأن المضارع هو الذي يجيء معه ضمير الفصل . # هذه جمل ثلاث معترضة الواحدة تلو الأخرى بين جملة { والذين إذا أصابهم ~~البغي ( الشورى : 39 ) الخ وجملة ولمن انتصر بعد ظلمه ( الشورى : 41 ) . ~~وفائدة هذا الاعتراض تحديد الانتصار والترغيب في العفو ثم ذم الظلم ~~والاعتداء ، وهذا انتقال من الإذن في الانتصار من أعداء الدين إلى تحديد ~~إجرائه بين الأمة بقرينة تفريع فمن عفا وأصلح } على جملة { وجزاء سيئة سيئة ~~مثلها } إذ سمى ترك الانتصار عفوا وإصلاحا ولا عفو ولا إصلاح مع أهل الشرك ~~. # وبقرينة الوعد بأجر من الله على ذلك العفو ولا يكون على الإصلاح مع أهل ~~الشرك أجر . PageV25P114 # و { سيئة } صفة لمحذوف ، أي فعلة تسوء من عومل بها . ووزن { سيئة } فيعلة ~~مبالغة في الوصف مثل : هينة ، فعينها ياء ولامها همزة ، لأنها من ساء ، ~~فلما صيغ منها وزن فيعلة التقت ياءانن فأدغمتا ، أي أن المجازيء يجازيء من ~~فعل معه فعلة تسوءه بفعلة سيئة مثل فعلته في السوء ، وليس المراد بالسيئة ~~هنا المعصية التي لا يرضاها الله ، فلا إشكال في إطلاق السيئة على الأذى ~~الذي يلحق بالظالم . # ومعنى { مثلها } أنها تكون بمقدارها في متعارف الناس ، فقد تكون المماثلة ~~في الغرض والصورة وهي المماثلة التامة وتلك حقيقة المماثلة مثل القصاص من ~~القاتل ظلما بمثل ما قتل به ، ومن المعتدي بجراح عمد ، وقد تتعذر المماثلة ~~التامة فيصار إلى المشابهة في الغرض ، أي مقدار الضر وتلك هي المقاربة مثل ~~تعذر المشابهة التامة في جزاء الحروب مع عدو الدين إذ قد يلحق الضر بأشخاص ~~لم يصيبوا أحدا بضر ويسلم أشخاص أصابوا الناس بضر ، فالمماثلة في الحرب هي ~~انتقام جماعة من جماعة بمقدار ما يشفي نفوس الغالبين حسبما اصطلح عليه ~~الناس . # ومن ذلك أيضا إتلاف بعض الحواس بسبب ضرب على الرأس أو على العين فيصار ~~إلى الدية إذ لا تضبط إصابة حاسة الباغي بمثل ما أصاب به حاسة المعتدى عليه ~~. وكذلك إعطاء قيم المتلفات من المقومات إذ يتعسر أن يكلف ms7427 الجاني بإعطاء ~~مثل ما أتلفه . # ومن مشاكل المماثلة في العقوبة مسألة الجماعة يتمالؤون على قتل أحد عمدا ~~، أو على قطع بعض أعضائه ؛ فإن اقتص من واحد منهم كان ذلك إفلاتا لبقية ~~الجناة من عقوبة جرمهم ، وإن اقتص من كل واحد منهم كان ذلك زيادة في ~~العقوبة لأنهم إنما جنوا على واحد . # فمن العلماء من لم يعتد بتلك الزيادة ونظر إلى أن كل واحد منهم جنى على ~~المجني عليه فاستحق الجزاء بمثل ما ألحقه بالمجني عليه ، وجعل التعدد ملغى ~~وراعى في ذلك سد ذريعة أن يتحيل المجرم على التنصل من جرمه بضم جماعة إليه ~~، وهذا قول مالك والشافعي أخذا من قضاء عمر بن الخطاب ، وقوله : لو اجتمع ~~على قتله أهل صنعاء لاقتصصت منهم . PageV25P115 # ومنهم من عدل عن الزيادة مطلقا وهو قول داود الظاهري ، ومنهم من عدل عن ~~تلك الزيادة في القطع ولم يعدل عنها في القتل ، ولعل ذلك لأن عمر بن الخطاب ~~قضى به في القتل ولم يؤثر عن أحد في القطع . وربما ألغى بعضهم الزيادة إذا ~~كان طريق ثبوت الجناية ضعيفا مثل القسامة مع اللوث عند من يرى القصاص بها ~~فإن مالكا لم ير أن يقتل بالقسامة أكثر من رجل واحد . # واعلم أن المماثلة في نحو هذا تحقق بقيمة الغرم كما اعتبرت في الديات ~~وأروش الجنايات . # وجملة { إنه لا يحب الظالمين } في موضع العلة لكلام محذوف دل عليه السياق ~~فيقدر : أنه يحب العافين كما قال { والعافين عن الناس والله يحب المحسنين ( ~~آل عمران : 134 ) . ونصره على ظالمه موكول إلى الله وهو لا يحب الظالمين ، ~~أي فيؤجر الذين عفوا وينتصر لهم على الباغين لأنه لا يحب الظالمين فلا يهمل ~~الظالم دون عقاب ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل ~~إنه كان منصورا ( الإسراء : 33 ) . وقد استفيد حب الله العافين من قوله : ~~إنه لا يحب الظالمين } ، وعلى هذا فما صدق الظالمين : هم الذين أصابوا ~~المؤمنين بالبغي . # ويجوز أيضا أن يكون التعليل بقوله : { إنه لا يحب الظالمين } منصرفا ~~لمفهوم ms7428 جملة { وجزاء سيئة سيئة مثلها } أي دون تجاوز المماثلة في الجزاء ~~كقوله : { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به } ( النمل : 126 ) فيكون ~~ما صدق { الظالمين } : الذين يتجاوزون الحد في العقوبة من المؤمنين على أن ~~يكون تحذيرا من مجاوزة الحد ، كقول النبي صلى الله عليه وسلم ( من حام ~~الحمى يوشك أن يقع فيه ) . # وقد شملت هذه الآية بموقعها الاعتراضي أصول الإرشاد إلى ما في الانتصار ~~من الظالم وما في العفو عنه من صلاح الأمة ، ففي تخويل حق انتصار المظلوم ~~من ظالمه ردع للظالمين عن الإقدام على الظلم خوفا من أن يأخذ المظلوم بحقه ~~، فالمعتدي يحسب لذلك حسابه حين الهم بالعدوان . # وفي الترغيب في عفو المظلوم عن ظالمه حفظ آصرة الأخوة الإسلامية بين ~~المظلوم وظالمه كيلا تنثلم في آحاد جزئياتها بل تزداد بالعفو متانة كما قال ~~تعالى : PageV25P116 { ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ~~ولي حميم ( فصلت : 34 ) . # على أن الله تعالى لم يهمل جانب ردع الظالم فأنبأ بتحقيق أنه بمحل من غضب ~~الله عليه إذ قال : إنه لا يحب الظالمين } ولا ينحصر ما في طي هذا من هول ~~الوعيد . # وتنشأ على معنى هذه الآية مسألة غراء تجاذبتها أنظار السلف بالاعتبار ، ~~وهي : تحليل المظلوم ظالمه من مظلمته . قال أبو بكر بن العربي في ( الأحكام ~~) : روى ابن القاسم وابن وهب عن مالك وسئل عن قول سعيد بن المسيب : لا أحلل ~~أحدا ، فقال : ذلك يختلف . فقلت : الرجل يسلف الرجل فيهلك ولا وفاء له قال ~~: أرى أن يحلله ، وهو أفضل عندي لقول الله تعالى : { الذين يستمعون القول ~~فيتبعون أحسنه } ( الزمر : 18 ) ، وإن كان له فضل يتبع فقيل له : الرجل ~~يظلم الرجل ، فقال : لا أرى ذلك ، وهو عندي مخالف للأول لقول الله تعالى : ~~{ إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ( الشورى : 42 ) ، ويقول تعالى : ما ~~على المحسنين من سبيل ( التوبة : 91 ) فلا أرى أن تجعله من ظلمه في حل . # قال ابن العربي فصار في المسألة ثلاثة أقوال : أحدها : لا يحلله بحال ~~قاله ابن المسيب ms7429 . والثاني : يحلله ، قاله ابن سيرين ، زاد القرطبي وسليمان ~~بن يسار ، الثالث : إن كان مالا حلله وإن كان ظلما لم يحلله وهو قول مالك . # وجه الأول : } أن لا يحل ما حرم الله فيكون كالتبديل لحكم الله . # ووجه الثاني : أنه حقه فله أن يسقطه . # ووجه الثالث : أن الرجل إذا غلب على حقك فمن الرفق به أن تحلله ، وإن كان ~~ظالما فمن الحق أن لا تتركه لئلا يغتر الظلمة ويسترسلوا في أفعالهم القبيحة ~~. # وذكر حديث مسلم عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت قال : خرجت أنا ~~وأبي لطلب العلم في هذا الحي من الأنصار قبل أن يهلكوا فكان أول من لقينا ~~أبو اليسر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له أبي : أرى في وجهك ~~سنعة من غضب فقال : أجل كان لي على فلان دين ، فأتيت أهله وقلت : أثم هو ؟ ~~قالوا : PageV25P117 لا فخرج ابن له فقلت له : أين أبوك ؟ فقال سمع صوتك ~~فدخل أريكة أمي . فقلت : اخرج إلي ، فخرج . فقلت : ما حملك على أن اختبأت ~~مني ؟ قال : خشيت والله أن أحدثك فأكذبك وأنت صاحب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وكنت والله معسرا . قال : فأتى بصحيفته فمحاها بيده ، قال : إن وجدت ~~قضاء فاقض وإلا فأنت في حل . # يجوز أن تكون عطفا على جملة { فمن عفا وأصلح ( الشورى : 40 ) فيكون عذرا ~~للذين لم يعفوا ، ويجوز أنها عطف على جملة هم ينتصرون ( الشورى : 39 ) وما ~~بين ذلك اعتراض كما علمت ، فالجملة : إما مرتبطة بغرض انتصار المسلم على ~~ظالمه من المسلمين تكملة لجملة فمن عفا وأصلح فأجره على الله ( الشورى : 40 ~~) ، وإما مرتبطة بغرض انتصار المؤمنين من بغي المشركين عليهم ، وهو ~~الانتصار بالدفاع سواء كان دفاع جماعات وهو الحرب فيكون هذا تمهيدا للإذن ~~بالقتال الذي شرع من بعد ، أم دفاع الآحاد أن تمكنوا منه فقد صار المسلمون ~~بمكة يومئذ ذوي قوة يستطيعون بها الدفع عن أنفسهم آحادا كما قيل في عز ~~الإسلام بإسلام عمر بن الخطاب . # واللام في ولمن انتصر } موطئة للقسم ، و ( من ms7430 ) شرطية ، أو اللام لام ~~ابتداء و ( من ) موصولة . وإضافة { ظلمه } من إضافة المصدر إلى مفعوله ، أي ~~بعد كونه مظلوما . # ومعنى { بعد ظلمه } التنبيه على أن هذا الانتصار بعد أن تحقق أنهم ظلموا ~~: فإما في غير الحروب فمن يتوقع أن أحدا سيعتدي عليه ليس له أن يبادر أحدا ~~بأذى قبل أن يشرع في الاعتداء عليه ويقول : ظننت أنه يعتدي علي فبادرته ~~بالأذى اتقاء لاعتدائه المتوقع ، لأن مثل هذا يثير التهارج والفساد ، فنبه ~~الله المسلمين على تجنبه مع عدوهم إن لم تكن بينهم حرب . # وأما حال المسلمين بعضهم مع بعض فليس من غرض الآية ، فلو أن أحدا ~~PageV25P118 ساوره أحد ببادىء عمل من البغي فهو مرخص له أن يدافعه عن إيصال ~~بغيه إليه قبل أن يتمكن منه ولا يمهله حتى يوقع به ما عسى أن لا يتداركه ~~فاعله من بعد ، وذلك مما يرجع إلى قاعدة أن ما قارب الشيء يعطى حكم حصوله ، ~~أي مع غلبة ظنه بسبب ظهور بوادره ، وهو ما قال فيه الفقهاء : ( يجوز دفع ~~صائل بما أمكن ) . # ومحل هذه الرخصة هو الحالات التي يتوقع فيها حصول الضر حصولا يتعذر أو ~~يعسر رفعه وتداركه . ومعلوم أن محلها هو الحالة التي لم يفت فيها فعل البغي ~~، فأما إن فات فإن حق الجزاء عليه يكون بالرفع للحاكم ولا يتولى المظلوم ~~الانتصاف بنفسه ، وليس ذلك مما شملته هذه الآية ولكنه مستقرى من تصاريف ~~الشريعة ومقاصدها ففرضناه هنا لمجرد بيان مقصد الآية لا لبيان معناها . # والمراد بالسبيل موجب المؤاخذة باللائمة بين القبائل واللمز بالعدوان ~~والتبعة في الآخرة على الفساد في الأرض بقتل المسالمين ، سمي بذلك سبيلا ~~على وجه الاستعارة لأنه أشبه الطريق في إيصاله إلى المطلوب ، وكثر إطلاق ~~ذلك حتى ساوى الحقيقة . # والفاء في قوله : { فأولئك ما عليهم من سبيل } فاء جواب الشرط فإن جعلت ~~لام { لمن انتصر } لام الابتداء فهو ظاهر ، وإن جعلت اللام موطئة للقسم كان ~~اقتران ما بعدها بفاء الجواب ترجيحا للشرط على القسم عند اجتماعهما ، ~~والأعرف أن يرجح الأول منهما فيعطى جوابه ms7431 ويحذف جواب الثاني ، وقد يقال : ~~إن ذلك في القسم الصريح دون القسم المدلول باللام الموطئة . # وجيء باسم الإشارة في صدر جواب الشرط لتمييز الفريق المذكور أتم تمييز ، ~~وللتنبيه على أن سبب عدم مؤاخذتهم هو أنهم انتصروا بعد أن ظلموا ولم يبدأوا ~~الناس بالبغي . PageV25P119 # استئناف بياني فإنه لما جرى الكلام السابق كله على الإذن للذين بغي عليهم ~~أن ينتصروا ممن بغوا عليهم ثم عقب بأن أولئك ما عليهم من سبيل كان ذلك مثار ~~سؤالل سائلل عن الجانب الذي يقع عليه السبيل المنفي عن هؤلاء . # والقصر المفاد ب { إنما } تأكيد لمضمون جملة { فأولئك ما عليهم من سبيل ( ~~الشورى : 41 ) لأنه كان يكفي لإفادة معنى القصر أن يقابل نفي السبيل عن ~~الذين انتصروا بعد ظلمهم بإثبات أن السبيل على الظالمين ، لأن إثبات الشيء ~~لأحد ونفيه عمن سواه يفيد معنى القصر وهو الأصل في إفادة القصر بطريق ~~المساواة أو الإطناب كقول آلسمؤأل أو غيره : # تسيل على حد الظبات نفوسنا # وليست على غير الظبات تسيل # وأما طرق القصر المعروفة في علم المعاني فهي من الإيجاز ، فلما أوردت ~~أداة القصر هنا حصل نفي السبيل عن غيرهم مرة أخرى بمفاد القصر فتأكد حصوله ~~الأول الذي حصل بالنفي ، ونظيره قوله تعالى : ما على المحسنين من سبيل إلى ~~قوله : إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء في سورة براءة . # والمراد بالسبيل } عين المراد به في قوله : { فأولئك ما عليهم من سبيل ( ~~الشورى : 41 ) بقرينة أنه أعيد معرفا باللام بعد أن ذكر منكرا فإن إعادة ~~اللفظ النكرة معرفا بلام التعريف يفيد أن المراد به ما ذكر أولا . وهذا ~~السبيل الجزاء والتبعة في الدنيا والآخرة . # وشمل عموم الذين يظلمون } ، وعموم { الناس } كل ظالم ، وبمقدار ظلمه يكون ~~جزاؤه . ويدخل ابتداء فيه الظالمون المتحدث عنهم وهم مشركو أهل مكة ، ~~والناس المتحدث عنهم وهم المسلمون يومئذ . PageV25P120 # والبغي في الأرض : الاعتداء على ما وضعه الله في الأرض من الحق الشامل ~~لمنافع الأرض التي خلقت للناس ، مثل تحجير الزرع والأنعامم المحكي في قوله ~~تعالى : { وقالوا هذه ms7432 أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم ( ~~الأنعام : 138 ) ، ومثل تسييب السائبة وتبحير البحيرة ، والشامل لمخالفة ما ~~سنه الله في فطرة البشر من الأحوال القويمة مثل العدلل وحسن المعاشرة ، ~~فالبغي عليها بمثل الكبرياء والصلف وتحقير الناسس المؤمنين وطردهم عن مجامع ~~القوم بغي في الأرض بغير الحق . # والأرض } : أرض مكة ، أو جميع الكرة الأرضية وهو الأليق بعموم الآية ، ~~كما قال تعالى : { وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ( البقرة : 205 ) ~~وقال : ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ( الأعراف : 85 ) ، فكل فساد وظلم ~~يقع في جزء من الأرض فهو بغي مظروف في الأرض . # وبغير الحق } متعلق ب { يبغون } وهو لكشف حالة البغي لإفادة مذمته إذ لا ~~يكون البغي إلا بغير الحق فإن مسمى البغي هو الاعتداء على الحق ، وأما ~~الاعتداء على المبطل لأجل باطله فلا يسمى بغيا ويسمى اعتداء قال تعالى : { ~~فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ( البقرة : 194 ) ، ~~ويقال : استعدى فلان الحاكم على خصمه ، أي طلب منه الحكم عليه . # وجملة أولئك لهم عذاب أليم } بيان جملة { إنما السبيل على الذين يظلمون } ~~إن أريد ب { السبيل } في قوله : { ما عليهم من سبيل ( الشورى : 41 ) سبيل ~~العقاب في الآخرة ، أو بدل اشتمال منها إن أريد بالسبيل } هنالك ما يشمل ~~الملام في الدنيا ، أي السبيل الذي عليهم هو أن لهم عذابا أليما جزاء ظلمهم ~~وبغيهم . # وحكم هذه الآية يشمل ظلم المشركين للمسلمين ويشمل ظلم المسلمين بعضهم ~~بعضا ليتناسب مضمونها مع جميع ما سبق . # وجيء باسم الإشارة للتنبيه على أنهم أحرياء بما يذكر بعد اسم الإشارة ~~لأجل ما ذكر قبله مع تمييزهم أكمل تمييز بهذا الوعيد . PageV25P121 # عطف على جملة { ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل ( الشورى : ~~41 ) ، وموقع هذه الجملة موقع الاعتراض بين جملة إنما السبيل على الذين ~~يظلمون الناس ( الشورى : 42 ) وجملة ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده ( ~~الشورى : 44 ) . # وهذ الجملة تفيد بيان مزية المؤمنين الذي تحملوا الأذى من المشركين ~~وصبروا عليه ms7433 ولم يؤاخذوا به من آمن ممن آذوهم مثل أختت عمر بن الخطاب قبل ~~إسلامه ، ومثل صهره سعيد بن زيد فقد قال لقد رأيتني وأن عمر لموثقي على ~~الإسلام قبل أن يسلم عمر ، فكان في صبر سعيد خير دخل به عمر في الإسلام ، ~~ومزية المؤمنين الذين يصبرون على ظلم إخوانهم ويغفرون لهم فلا ينتصفون منهم ~~ولا يستعدون عليهم على نحو ما تقدم في مسألة التحلل عند قوله تعالى : فمن ~~عفا وأصلح فأجره على الله ( الشورى : 40 ) . # واللام الداخلة على ( من ) لام ابتداء و ( من ) موصولة . وجملة إن ذلك ~~لمن عزم الأمور } خبر عن ( من ) الموصولة ، ولام { لمن عزم الأمور } لام ~~الابتداء التي تدخل على خبر { إن } وهي من لامات الابتداء . # وقد اشتمل هذا الخبر على أربعة مؤكدات هي : اللام ، وإن ، ولام الابتداء ~~، والوصف بالمصدر في قوله : { عزم الأمور } تنويها بمضمونه ، وزيد تنويها ~~باسم الإشارة في قوله { إن ذلك } فصار فيه خمسة اهتمامات . # والعزم : عقد النية على العمل والثبات على ذلك والوصف بالعزم مشعر بمدح ~~الموصوف لأن شأن الفضائل أن يكون عملها عسيرا على النفوس لأنها تعاكس ~~الشهوات ، ومن ثم وصف أفضل الرسل بأولي العزم . # و { الأمور } : جمع أمر . والمراد به هنا : الخلال والصفات وإضافة { عزم ~~} إلى { الأمور } من إضافة الصفة إلى الموصوف ، أي من الأمور العزم . # ووصف { الأمور } ب ( العزم ) من الوصف بالمصدر للمبالغة في تحقق المعنى ~~فيها ، PageV25P122 وهو مصدر بمعنى اسم الفاعل ، أي الأمور العامة العازم ~~أصحابها مجازا عقليا . # والإشارة ب { ذلك } إلى الصبر والغفران المأخوذين من { صبر وغفر } ~~والمتحملين لضمير ( من ) الموصولة فيكون صوغ المصدر مناسبا لما معه من ضمير ~~، والتقدير : إن صبره وغفره لمن عزم الأمور . # وهذا ترغيب في العفو والصبر على الأذى وذلك بين الأمة الإسلامية ظاهر ، ~~وأما مع الكافرين فتعتريه أحوال تختلف بها أحكام الغفران ، وملاكها أن ~~تترجح المصلحة في العفو أو في المؤاخذة . # { . # بعد أن حكى أصنافا من كفر المشركين وعنادهم وتكذيبهم ، ثم ذكرهم بالآيات ~~الدالة على انفراد الله تعالى بالإلاهية وما في مطاويها من ms7434 النعم وحذرهم من ~~الغرور بمتاع الدنيا الزائل أعقبه بقوله : ومن يضلل الله فما له من ولي من ~~بعده } وهو معطوف على قوله : { إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ( ~~الشورى : 42 ) . # والمعنى : أن فيما سمعتهم هداية لمن أراد الله له أن يهتدي ، وأما من قدر ~~الله عليه بالضلال فما له من ولي غير الله يهديه أو ينقذه ، فالمراد نفي ~~الولي الذي يصلحه ويرشده ، كقوله : من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن ~~تجد له وليا مرشدا ( الكهف : 17 ) ، فالمراد هنا ابتداء معنى خاص من ~~الولاية . # وإضلال الله المرء : خلقه غير سريع للاهتداء أو غير قابل له وحرمانه من ~~تداركه إياه بالتوفيق كلما توغل في الضلالة ، فضلاله من خلق الله وتقدير ~~الله له ، والله دعا الناس إلى الهداية بواسطة رسله وشرائعه قال تعالى : ~~والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ( يونس : 25 ) أي ~~يدعو كل عاقل ويهدي بعض من دعاهم . # ومن } شرطية ، والفاء في { فما له من ولي } رابطة للجواب . ونفي الولي ~~PageV25P123 كناية عن نفي أسباب النجاة عن الضلالة وعواقب العقوبة عليها ~~لأن الولي من خصائصه نفع مولاه بالإرشاد والانتشال ، فنفي الولي يدل ~~بالالتزام على احتياج إلى نفعه مولاه وذلك يستلزم أن مولاه في عناء وعذاب ~~كما دل عليه قوله عقبه { وترى الظالمين لما رأوا العذاب } الآية . فهذه ~~كناية تلويحية ، وقد جاء صريح هذا المعنى في قوله : { ومن يضلل الله فما له ~~من هاد } في سورة الزمر وقوله : { ومن يضلل الله فما له من سبيل } الآتي في ~~هذه السورة . # وضمير { بعده } راجع إلى اسم الجلالة ، أي من بعد الله كقوله تعالى : { ~~فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون } في سورة الجاثية . # ومعنى { بعد } هنا بمعنى ( دون ) أو ( غير ) ، استعير لفظ { بعد } لمعنى ~~( دون ) لأن { بعد } موضوع لمن يخلف غائبا في مكانه أو في عمله ، فشبه ترك ~~الله الضال في ضلاله بغيبة الولي الذي يترك مولاه دون وصي ولا وكيل لمولاه ~~وتقدم في قوله تعالى : { فبأي حديث بعده يؤمنون ms7435 } في سورة الأعراف وقوله : ~~{ فماذا بعد الحق إلا الضلال } في سورة يونس . # و { من } زائدة للتوكيد . ومن مواضع زيادتها أن تزاد قبل الظروف غير ~~المتصرفة قال الحريري ( وما منصوب على الظرف لا يخفضه سوى حرف ) . # . # عطف على جملة { ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده } ، وهذا تفصيل ~~وبيان لما أجمل في الآيتين المعطوف عليهما وهما قوله : { ويعلم الذين ~~يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص ( الشورى : 35 ) ، وقوله : ومن يضلل الله ~~فما له من ولي من بعده } . # والمعنى : أنهم لا يجدون محيصا ولا وليا ، فلا يجدون إلا الندامة على ما ~~فات فيقولوا { هل إلى مرد من سبيل } . PageV25P124 # والاستفهام بحرف { هل } إنكاري في معنى النفي ، فلذلك أدخلت { من } ~~الزائدة على { سبيل } لأنه نكرة في سياق النفي . # والمرد : مصدر ميمي للرد ، والمراد بالرد : الرجوع ، يقال : رده ، إذا ~~أرجعه . ويجوز أن يكون { مرد } بمعنى الدفع ، أي هل إلى رد العذاب عنا الذي ~~يبدو لنا سبيل حتى لا نقع فيه ، فهو في معنى { إن عذاب ربك لواقع ما له من ~~دافع في سورة الطور . # والخطاب في ترى } لغير معين ، أي تناهت حالهم في الظهور فلا يختص به ~~مخاطب ، أو الخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم تسلية له على ما لاقاه منهم ~~من التكذيب . والمقصود : الإخبار بحالهم أولا ، والتعجيب منه ثانيا ، فلم ~~يقل : والظالمون لما رأوا العذاب يقولون ، وإنما قيل : { وترى الظالمين } ~~للاعتبار بحالهم . # ومجيء فعل { رأوا العذاب } بصيغة الماضي للتنبيه على تحقيق وقوعه ، ~~فالمضي مستعار للاستقبال تشبيها للمستقبل بالماضي في التحقق ، والقرينة فعل ~~{ ترى } الذي هو مستقبل إذ ليست الرؤية المذكورة بحاصلة في الحال فكأنه قيل ~~: لما يرون العذاب . # وجملة { يقولون } حال من { الظالمين } أي تراهم قائلين ، فالرؤية مقيدة ~~بكونها في حال قولهم ذلك ، أي في حال سماع الرائي قولهم . # . # أعيد فعل ( ترى ) للاهتمام بهذه الرؤية وتهويلها كما أعيد فعل ( تلاقوا ) ~~في قول وداكك بن ثميل المازني : # رويدا بني شيبان بعض وعيدكم # تلاقوا غدا خيلي على سفوان # تلاقوا جيادا لا تحيد عن ms7436 الوغى # إذا ظهرت في المأزق المتداني PageV25P125 # والعرض : أصله إظهار الشيء وإراءته للغير ، ولذلك كان قول العرب : عرضت ~~البعير على الحوض معدودا عند علماء اللغة وعلماء المعاني من قبيل القلب في ~~التركيب ، ثم تتفرع عليه إطلاقات عديدة متقاربة دقيقة تحتاج إلى تدقيق . # ومن إطلاقاته قولهم : عرض الجند على الأمير ، وعرض الأسرى على الأمير ، ~~وهو إمرارهم ليرى رأيه في حالهم ومعاملتهم ، وهو إطلاقه هنا على طريق ~~الاستعارة ، استعير لفظ { يعرضون } لمعنى : يمر بهم مرا عاقبته التمكن منهم ~~والحكم فيهم فكأن جهنم إذا عرضوا عليها تحكم بما أعد الله لهم من حريقها ، ~~ويفسره قوله في سورة الأحقاف { ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم ~~طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها } الآية . # وقد تقدم إطلاق له آخر عند قوله تعالى : { ثم عرضهم على الملائكة } في ~~سورة البقرة . # وبني فعل { يعرضون } للمجهول لأن المقصود حصول الفعل لا تعيين فاعله . ~~والذين يعرضون الكافرين على النار هم الملائكة كما دلت عليه آيات أخرى . # وضمير { عليها } عائد إلى العذاب بتأويل أنه النار أو جهنم أو عائد إلى ~~جهنم المعلومة من المقام . # وانتصب { خاشعين } على الحال من ضمير الغيبة في { تراهم } لأنها رؤية ~~بصرية . # والخشوع : التطامن وأثر انكسار النفس من استسلام واستكانة فيكون للمخافة ~~، وللمهابة ، وللطاعة ، وللعجز عن المقاومة . # والخشوع مثل الخضوع إلا أن الخضوع لا يسند إلا إلى البدن فيقال : خضع ~~فلان ، ولا يقال : خضع بصره إلا على وجه الاستعارة ، كما في قوله تعالى : { ~~فلا تخضعن بالقول } ( الأحزاب : 32 ) ، وأما الخشوع فيسند إلى البدن كقوله ~~تعالى : { خاشعين لله في آخر سورة آل عمران . ويسند إلى بعض أعضاء البدن ~~كقوله تعالى : PageV25P126 خشعا أبصارهم في سورة القمر ، وقوله : وخشعت ~~الأصوات للرحمان فلا تسمع إلا همسا في سورة طه . # والمراد بالخشوع في هذه الآية ما يبدو عليهم من أثر المذلة والمخافة . ~~فقوله : من الذل } متعلق ب { خاشعين } وتعلقه به يغني عن تعليقه ب { ينظرون ~~} ويفيد ما لا يفيده تعليقه به . # و { من } للتعليل ، أي خاشعين خشوعا ناشئا عن الذل ، أي ليس ms7437 خشوعهم ~~لتعظيم الله والاعتراف له بالعبودية لأن ذلك الإعتقاد لم يكن من شأنهم في ~~الدنيا . # وجملة { ينظرون من طرف خفي } في موضع الحال من ضمير { خاشعين } لأن النظر ~~من طرف خفي حالة للخاشع الذليل ، والمقصود من ذكرها تصوير حالتهم الفظيعة . ~~وفي قريب من هذا المعنى قول النابغة يصف سبايا : # ينظرن شزرا إلى من جاء عن عرض # بأوجه منكراتت الرق أحرار # وقول جرير : # فغض الطرف إنك من نمير # فلا كعبا بلغت ولا كلابا # والطرف : أصله مصدر ، وهو تحريك جفن العين ، يقال : طرف من باب ضرب ، أي ~~حرك جفنه ، وقد يطلق على العين من تسمية الشيء بفعله ، ولذلك لا يثنى ولا ~~يجمع قال تعالى : { لا يرتد إليهم طرفهم } ( إبراهيم : 43 ) . ووصفه في هذه ~~الآية ب { خفي } يقتضي أنه أريد به حركة العين ، أي ينظرون نظرا خفيا ، أي ~~لا حدة له فهو كمسارقة النظر ، وذلك من هول ما يرونه من العذاب ، فهم ~~يحجمون عن مشاهدته للروع الذي يصيبهم منها ، ويبعثهم ما في الإنسان من حب ~~الاطلاع على أن يتطلعوا لما يساقون إليه كحال الهارب الخائف ممن يتبعه ، ~~فتراه يمعن في الجري ويلتفت وراءه الفينة بعد الفينة لينظر هل اقترب منه ~~الذي يجري وراءه وهو في تلك الالتفاتة أفات خطوات من جريه لكن حب الاطلاع ~~يغالبه . PageV25P127 # و { من } في قوله : { من طرف خفي } للابتداء المجازي . والمعنى : ينظرون ~~نظرا منبعثا من حركة الجفن الخفية . وحذف مفعول { ينظرون } للتعميم أي ~~ينظرون العذاب ، وينظرون أهوال الحشر وينظرون نعيم المؤمنين من طرف خفي . # . # يترجح أن الواو للحال لا للعطف ، والجملة حال من ضمير الغيبة في { تراهم ~~} ، أي تراهم في حال الفظاعة الملتبسين بها ، وتراهم في حال سماع الكلام ~~الذام لهم الصادر من المؤمنين إليهم في ذلك المشهد . وحذفت ( قد ) مع الفعل ~~الماضي لظهور قرينة الحال . # وهذا قول المؤمنين يوم القيامة إذ كانوا يومئذ مطمئنين من الأهوال شاكرين ~~ما سبق من إيمانهم في الدنيا عارفين بربحح تجارتهم ومقابلين بالضد حالة ~~الذين كانوا يسخرون بهم في الدنيا إذ كانوا سببا ms7438 في خسارتهم يوم القيامة . # والظاهر : أن المؤمنين يقولون هذا بمسمع من الظالمين فيزيد الظالمين ~~تلهيبا لندامتهم ومهانتهم وخزيهم . فهذا الخبر مستعمل في إظهار المسرة ~~والبهجة بالسلامة مما لحق الظالمين ، أي قالوه تحدثا بالنعمة واغتباطا ~~بالسلامة يقوله كل أحد منهم أو يقوله بعضهم لبعض . وإنما جيء بحرف { إن } ~~مع أن القائل لا يشك في ذلك والسامع لا يشك فيه للاهتمام بهذا الكلام إذ قد ~~تبينت سعادتهم في الآخرة وتوفيقهم في الدنيا بمشاهدة ضد ذلك في معانديهم . # والتعريف في { الخاسرين } تعريف الجنس ، أي لا غيرهم . والمعنى : أنهم ~~PageV25P128 الأكملون في الخسران وتسمى ( أل ) هذه دالة على معنى الكمال ~~وهو مستفاد من تعريف الجزءين المفيد للقصر الادعائي حيث نزل خسران غيرهم ~~منزلة عدم الخسران . فالمعنى : لا خسران يشبه خسرانهم ، فليس في قوله : { ~~إن الخاسرين } إظهار في مقام الإضمار كما توهم ، وقد تقدم نظيره في قوله : ~~{ قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة في سورة الزمر . # والخسران : تلف مال التاجر ، واستعير هنا لانتفاء الانتفاع بما كان صاحبه ~~يعده للنفع ، فإنهم كانوا يأملون نعيم أنفسهم والأنس بأهليهم حيثما اجتمعوا ~~، فكشف لهم في هذا الجمع عن انتفاء الأمرين ، أو لأنهم كانوا يحسبون أن لا ~~يحيوا بعد الموت فحسبوا أنهم لا يلقون بعده ألما ولا توحشهم فرقة أهليهم ~~فكشف لهم ما خيب ظنهم فكانوا كالتاجر الذي أمل الربح فأصابه الخسران . ~~وقوله : يوم القيامة } يتعلق بفعل { خسروا } لا بفعل { قال } . # وجملة { ألا إن الظالمين في عذاب مقيم } تذييل للجمل التي قبلها من قوله ~~: { وترى الظالمين لما رأوا العذاب } ( الشورى : 44 ) الآيات . لأن حالة ~~كونهم في عذاب مقيم أعم من حالة تلهفهم على أن يردوا إلى الدنيا ، وذلهم ~~وسماعهم الذم . # وإعادة لفظ { الظالمين } إظهار في مقام الإضمار اقتضاه أن شأن التذييل أن ~~يكون مستقل الدلالة على معناه لأنه كالمثل . وليست هذه الجملة من قول ~~المؤمنين إذ لا قبل للمؤمنين بأن يحكموا هذا الحكم ، على أن أسلوب افتتاحه ~~يقتضي أنه كلام من بيده الحكم يوم القيامة وهو ملك يوم ms7439 الدين ، فهو كلام من ~~جانب الله ، أي وهم مع الندم وذلك الذل والخزي بسماع ما يكرهون في عذابب ~~مستمر . وافتتحت الجملة بحرف التنبيه لكثرة ذلك في التذييلات لأهميتها . # والمقيم : الذي لا يرتحل . ووصف به العذاب على وجه الاستعارة ، شبه ~~المستمر الدائم بالذي اتخذ دار إقامة لا يبرحها . PageV25P129 # . # عطف على جملة { ألا إن الظالمين في عذاب مقيم } ( الشورى : 45 ) أي هم في ~~عذاب دائم لا يجدون منه نصيرا . وهو رد لمزاعمهم أن آلهتهم تنفعهم عند الله ~~. # وجملة { ينصرونهم } صفة ل { أولياء } للدلالة على أن المراد هنا ولاية ~~خاصة ، وهي ولاية النصر ، كما كان قوله سابقا { ومن يضلل الله فما له من ~~ولي من بعده } ( الشورى : 44 ) مرادا به ولاية الإرشاد . # و { من } زائدة في النفي لتأكيد نفي الولي لهم . وقوله : { من دون الله } ~~صفة ثانية ل { أولياء } وهي صفة كاشفة . و { من } زائدة لتأكيد تعلق ظرف { ~~دون } بالفعل . # . # تذييل لجملة { وما كان لهم من أولياء ينصرونهم } ، وتقدم آنفا الكلام على ~~نظيره وهو { من يضلل الله فما له من ولي من بعده . # وسبيل } نكرة في سياق النفي فيعم كل سبيل مخلص من الضلال ومن آثاره ~~والمقصود هنا ابتداء هو سبيل الفرار من العذاب المقيم كما يقتضيه السياق . ~~وبذلك لم يكن ما هنا تأكيدا لما تقدم من قوله : { ومن يضلل الله فما له من ~~ولي من بعده . # } # بعد أن قطع خطابهم عقب قوله : { فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا } ~~( الشورى : 36 ) بما تخلص به إلى الثناء على فرق المؤمنين ، وما استتبع ذلك ~~من التسجيل على المشركين PageV25P130 بالضلالة والعذاب ، ووصفف حالهم ~~الفظيع ، عاد الكلام إلى خطابهم بالدعوة الجامعة لما تقدم طلبا لتدارك ~~أمرهم قبل الفوات ، فاستؤنف الكلام استئنافا فيه معنى النتيجة للمواعظ ~~المتقدمة لأن ما تقدم من الزواجر يهيىء بعض النفوس لقبول دعوة الإسلام . # والاستجابة : إجابة الداعي ، والسين والتاء للتوكيد . وأطلقت الاستجابة ~~على امتثال ما يطالبهم به النبي صلى الله عليه وسلم تبليغا عن الله تعالى ~~على طريقة المجاز لأن استجابة النداء تستلزم ms7440 الامتثال للمنادي فقد كثر ~~إطلاقها على إجابة المستنجد . والمعنى : أطيعوا ربكم وامتثلوا أمره من قبل ~~أن يأتي يوم العذاب وهو يوم القيامة لأن الحديث جار عليه . # واللام في { لربكم } لتأكيد تعدية الفعل إلى المفعول مثل : حمدت له وشكرت ~~له . وتسمى لام التبليغ ولام التبيين . وأصله استجابه ، قال كعب الغنوي : # وداعع دعا يا من يجيب إلى الندا # فلم يستجبه عند ذاك مجيب # ولعل أصله استجاب دعاءه له ، أي لأجله له كما في قوله تعالى : { ألم نشرح ~~لك صدرك } ( الشرح : 1 ) فاختصر لكثرة الاستعمال فقالوا : استجاب له وشكر ~~له ، وتقدم في قوله : { فليستجيبوا لي } في سورة البقرة . # والمرد : مصدر بمعنى الرد ، وتقدم آنفا في قوله : { هل إلى مرد من سبيل } ~~( الشورى : 44 ) . { ولا مرد له } صفة { يوم } . والمعنى : لا مرد لإثباته ~~بل هو واقع ، و { له } خبر { لا } النافية ، أي لا مرد كائنا له ، ولام { ~~له } للاختصاص . # و { من } : في قوله : { من الله } ابتدائية وهو ابتداء مجازي ، ومعناه : ~~حكم الله به فكأن اليوم جاء من لدنه . # ويجوز تعليق المجرور بفعل { يأتي } . ويجوز أن يتعلق بالكون الذي في خبر ~~{ لا } . والتقدير على هذا : لا مرد كائنا من الله له وليس متعلقا ب { مرد ~~} على أنه متمم معناه ، إذ لو كان كذلك كان اسم { لا } شبيها بالمضاف فكان ~~منونا PageV25P131 ولم يكن مبنيا على الفتح ، وما وقع في ( الكشاف ) مما ~~يوهم هذا مؤول بما سمعت ، ولذلك سماه صلة ، ولم يسمه متعلقا . # وجملة { ما لكم من ملجإ يومئذ } مستأنفة . والملجأ : مكان اللجأ ، واللجأ ~~: المصير والانحياز إلى الشيء ، فالملجأ : المكان الذي يصير إليه المرء ~~للتوقي فيه ، ويطلق مجازا على الناصر ، وهو المراد هنا ، أي ما لكم من شيء ~~يقيكم من العذاب . # والنكير : اسم مصدر أنكر ، أي ما لكم إنكار لما جوزيتم به ، أي لا يسعكم ~~إلا الاعتراف دون تنصل . # . # الفاء للتفريع على قوله : { استجيبوا لربكم } ( الشورى : 47 ) الآية ، ~~وهو جامع لما تقدم كما علمت إذ أمر الله نبيئه بدعوتهم للإيمان من قوله في ~~أول السورة { وكذلك أوحينا ms7441 إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها } ( ~~الشورى : 7 ) ثم قوله : { فلذلك فادع واستقم } ( الشورى : 15 ) . وما تخلل ~~ذلك واعترضه من تضاعيف الأمر الصريح والضمني إلى قوله : { استجيبوا لربكم } ~~( الشورى : 47 ) الآية ، ثم فرع على ذلك كله إعلام الرسول صلى الله عليه ~~وسلم بمقامه وعمله إن أعرض معرضون من الذين يدعوهم وبمعذرته فيما قام به ~~وأنه غير مقصر ، وهو تعريض بتسليته على ما لاقاه منهم ، والمعنى : فإن ~~أعرضوا بعد هذا كله فما أرسلناك حفيظا عليهم ومتكفلا بهم إذ ما عليك إلا ~~البلاغ . # وإذ قد كان ما سبق من الأمر بالتبليغ والدعوة مصدرا بقوله أوائل السورة { ~~والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل } ( ~~الشورى : 6 ) ، لا جرم ناسب أن يفرع على تلك الأوامر بعد تمامها مثل ما قدم ~~لها فقال : { فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا إن عليك إلا البلاغ } . ~~وهذا الارتباط هو نكتة الالتفات من الخطاب الذي في قوله : { استجيبوا ~~PageV25P132 لربكم } ( الشورى : 47 ) الآية ، إلى الغيبة في قوله هنا { فإن ~~أعرضوا } وإلا لقيل : فإن أعرضتم . # والحفيظ تقدم في صدر السورة وقوله : { فما أرسلناك عليهم حفيظا } ليس هو ~~جواب الشرط في المعنى ولكنه دليل عليه ، وقائم مقامه ، إذ المعنى : فإن ~~أعرضوا فلست مقصرا في دعوتهم ، ولا عليك تبعة صدهم إذ ما أرسلناك حفيظا ~~عليهم ، بقرينة قوله : { إن عليك إلا البلاغ } . وجملة { إن عليك إلا ~~البلاغ } بيان لجملة { فما أرسلناك عليهم حفيظا } باعتبار أنها دالة على ~~جواب الشرط المقدر . # و { إن } الثانية نافية . والجمع بينها وبين { إن } الشرطية في هذه ~~الجملة جناس تام . # و { البلاغ } : التبليغ ، وهو اسم مصدر ، وقد فهم من الكلام أنه قد أدى ~~ما عليه من البلاغ لأن قوله { فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا } دل على ~~نفي التبعة عن النبي صلى الله عليه وسلم من إعراضهم ، وأن الإعراض هو ~~الإعراض عن دعوته ، فاستفيد أنه قد بلغ الدعوة ولولا ذلك ما أثبت لهم ~~الإعراض . # . # تتصل هذه الجملة بقوله : { فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم ms7442 حفيظا إن عليك ~~إلا البلاغ } . لما تضمنته هذه من التعريض بتسلية الرسول صلى الله عليه ~~وسلم على ما لاقاه من قومه كما علمت ، ويؤذن بهذا الاتصال أن هاتين ~~الجلمتين جعلتا آية واحدة هي ثامنة وأربعون في هذه السورة ، فالمعنى : لا ~~يحزنك إعراضهم عن دعوتك فقد أعرضوا عن نعمتي وعن إنذاري بزيادة الكفر ، ~~فالجملة معطوفة على جملة { فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا } وابتداء ~~الكلام بضمير الجلالة المنفصل مسندا إليه فعل دون أن يقال : وإذا أذقنا ~~الإنسان الخ ، مع أن المقصود وصف هذا الإنسان بالبطر بالنعمة وبالكفر عند ~~الشدة ، لأن المقصود من موقع هذه الجملة هنا تسلية الرسول صلى الله عليه ~~وسلم عن جفاء قومه وإعراضهم ، فالمعنى : أن معاملتهم PageV25P133 ربهم هذه ~~المعاملة تسليك عن معاملتهم إياك على نحو قوله تعالى : { يسألك أهل الكتاب ~~أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك } ( النساء : ~~153 ) ، ولهذا لا تجد نظائر هذه الجملة في معناها مفتتحا بمثل هذا الضمير ~~لأن موقع تلك النظائر لا تماثل موقع هذه وإن كان معناهما متماثلا ، فهذه ~~الخصوصية خاصة بهذه الجملة . ولكن نظم هذه الآية جاء صالحا لإفادة هذا ~~المعنى ولإفادة معنى آخر مقارب له وهو أن يكون هذا حكاية خلق للناس كلهم ~~مرتكز في الجبلة لكن مظاهره متفاوتة بتفاوت أفراده في التخلق بالآداب ~~الدينية ، فيحمل { الإنسان } في الموضعين على جنس بني آدم ويحمل الفرح على ~~مطلقه المقولل عليه بالتشكيك حتى يبلغ مبلغ البطر ، وتحمل السيئة التي ~~قدمتها أيديهم على مراتب السيئات إلى أن تبلغ مبلغ الإشراك ، ويحمل وصف { ~~كفور } على ما يشمل اشتقاقه من الكفر بتوحيد الله ، والكفر بنعمة الله . # ولهذا اختلفت محامل المفسرين للآية . فمنهم من حملها على خصوص الإنسان ~~الكافر بالله مثل الزمخشري والقرطبي والطيبي ، ومنهم من حملها على ما يعم ~~أصناف الناس مثل الطبري والبغوي والنسفي وابنن كثير . ومنهم من حملها على ~~إرادة المعنيين على أن أولهما هو المقصود والثاني مندرج بالتبع وهذه طريقة ~~البيضاوي وصاحب الكشف ومنهم من عكس وهي طريقة ms7443 الكواشي في تلخيصه . وعلى ~~الوجهين فالمراد ب { الإنسان } في الموضع الأول والموضع الثاني معنى واحد ~~وهو تعريف الجنس المراد به الاستغراق ، أي إذا أذقنا الناس ، وأن الناس ~~كفورون ، ويكون استغراقا عرفيا أريد به أكثر جنس الإنسان في ذلك الزمان ~~والمكان لأن أكثر نوع الإنسان يومئذ مشركون ، وهذا هو المناسب لقوله : { ~~فإن الإنسان كفور } أي شديد الكفر قويه ، ولقوله : { بما قدمت أيديهم } أي ~~من الكفر . وإنما عدل عن التعبير بالناس إلى التعبير بالإنسان للإيماء إلى ~~أن هذا الخلق المخبر به عنهم هو من أخلاق النوع لا يزيله إلا التخلق بأخلاق ~~الإسلام فالذين لم PageV25P134 يسلموا باقون عليه ، وذلك أدخل في التسلية ~~لأن اسم الإنسان اسم جنس يتضمن أوصاف الجنس المسمى به على تفاوت في ذلك ~~وذلك لغلبة الهوى . وقد تكرر ذلك في القرآن مرارا كقوله : { إن الإنسان خلق ~~هلوعا } ( المعارج : 19 ) وقوله : { إن الإنسان لربه لكنود } ( العاديات : ~~6 ) وقوله : { وكان الإنسان أكثر شيء جدلا } ( الكهف : 54 ) . وتأكيد الخبر ~~بحرف التأكيد لمناسبة التسلية بأن نزل السامع الذي لا يشك في وقوع هذا ~~الخبر منزلة المتردد في ذلك لاستعظامه إعراضهم عن دعوة الخير فشبه بالمتردد ~~على طريقة المكنية ، وحرف التأكيد من روادف المشبه به المحذوف . # والإذاقة : مجاز في الإصابة . # والمراد بالرحمة : أثر الرحمة ، وهو النعمة . فالتقدير : وإنا إذا رحمنا ~~الإنسان فأصبناه بنعمة ، بقرينة مقابلة الرحمة بالسيئة كما قوبلت بالضراء ~~في قوله : { ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته في سورة فصلت . # والمراد بالفرح : ما يشمل الفرح المجاوز حد المسرة إلى حد البطر والتجبر ~~، على نحو ما استعمل في آيات كثيرة مثل قوله تعالى : إذ قال له قومه لا ~~تفرح إن الله لا يحب الفرحين } ( القصص : 76 ) لا الفرح الذي في مثل قوله ~~تعالى : { فرحين بما آتاهم الله من فضله } ( آل عمران : 170 ) . # وتوحيد الضمير في { فرح } لمراعاة لفظ الإنسان وإن كان معناه جمعا ، ~~كقوله : { فقاتلوا التي تبغي } ( الحجرات : 9 ) أي الطائفة التي تبغي ، ~~فاعتد بلفظ طائفة دون معناه مع أنه قال قبله { اقتتلوا ms7444 } ( الحجرات : 9 ) . ~~ولذلك جاء بعده { وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم } بضميري الجماعة ثم عاد ~~فقال { فإن الإنسان كفور } . # واجتلاب { إذا } في هذا الشرط لأن شأن { إذا } أن تدل على تحقق كثرة وقوع ~~شرطها ، وشأن { إن } أن تدل على ندرة وقوعه ، ولذلك اجتلب { إن } في قوله : ~~{ وإن تصبهم سيئة } لأن إصابتهم بالسيئة نادرة بالنسبة لإصابتهم بالنعمة ~~على حد قوله تعالى : { فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة ~~يطيروا بموسى ومن معه } ( الأعراف : 131 ) . PageV25P135 # ومعنى قوله : { وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم } تقدم بسطه عند قوله ~~آنفا { وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم } ( الشورى : 30 ) . # والحكم الذي تضمنته جملة { فإن الإنسان كفور } هو المقصود من جملة الشرط ~~كلها ، ولذلك أعيد حرف التأكيد فيها بعد أن صدرت به الجملة المشتملة على ~~الشرط ليحيط التأكيد بكلتا الجملتين ، وقد أفاد ذلك أن من عوارض صفة ~~الإنسانية عروض الكفر بالله لها ، لأن في طبع الإنسان تطلب مسالك النفع وسد ~~منافذ الضر مما ينجر إليه من أحوال لا تدخل بعض أسبابها في مقدوره ، ومن ~~طبعه النظر في الوسائل الواقية له بدلائل العقل الصحيح ، ولكن من طبعه ~~تحريك خياله في تصوير قوى تخوله تلك الأسباب فإذا أملى عليه خياله وجود قوى ~~متصرفة في النواميس الخارجة عن مقدوره خالها ضالته المنشودة ، فركن إليها ~~وآمن بها وغاب عنه دليل الحق ، إما لقصور تفكيره عن دركه وانعدامم المرشد ~~إليه ، أو لغلبة هواه الذي يملي عليه عصيان المرشدين من الأنبياء والرسل ~~والحكماء الصالحين إذ لا يتبعهم إلا القليل من الناس ولا يهتدي بالعقل من ~~تلقاء نفسه إلا الأقل مثل الحكماء ، فغلب على نوع الإنسان الكفر بالله على ~~الإيمان به كما بيناه آنفا في قوله : { وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة ~~فرح بها } . ولذلك عقب هذا الحكم على النوع بقوله : { لله ملك السماوات ~~والأرض يخلق ما يشاء } ( الشورى : 49 ) . ولم يخرج عن هذا العموم إلا ~~الصالحون من نوع الإنسان على تفاوت بينهم في كمال الخلق وقد استفيد خروجهم ~~من ms7445 آيات كثيرة كقوله : { لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل ~~سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } ( التين : 4 6 ) . # وقد شمل وصف { كفور } ما يشمل كفران النعمة وهما متلازمان في الأكثر . # ( 49 ، 50 ) # . # استئناف بياني لأن ما سبقه من عجيب خلق الإنسان الذي لم يهذبه الهدي ~~الإلاهي يثير في نفس السامع سؤالا عن فطر الإنسان على هاذين الخلقين اللذين ~~PageV25P136 يتلقى بهما نعمة ربه وبلاءه وكيف لم يفطر على الخلق الأكمل ~~ليتلقى النعمة بالشكر ، والضر بالصبر والضراعة ، وسؤالا أيضا عن سبب إذاقة ~~الإنسان النعمة مرة والبؤس مرة فيبطر ويكفر وكيف لم يجعل حاله كفافا لا ~~لذات له ولا بلايا كحال العجماوات فكان جوابه : أن الله المتصرف في ~~السماوات والأرض يخلق فيهما ما يشاء من الذوات وأحوالها . وهو جواب إجمالي ~~إقناعي يناسب حضرة الترفع عن الدخول في المجادلة عن الشؤون الإلاهية . # وفي قوله : { يخلق ما يشاء } من الإجمال ما يبعث المتأمل المنصف على تطلب ~~الحكمة في ذلك فإن تطلبها انقادت له كما أومأ إلى ذلك تذييل هذه الجملة ~~بقوله : { إنه عليم قدير } ، فكأنه يقول : عليكم بالنظر في الحكمة في مراتب ~~الكائنات وتصرف مبدعها ، فكما خلق الملائكة على أكمل الأخلاق في جميع ~~الأحوال ، وفطر الدواب على حد لا يقبل كمال الخلق ، كذلك خلق الإنسان على ~~أساس الخير والشر وجعله قابلا للزيادة منهما على اختلاف مراتب عقول أفراده ~~وما يحيط بها من الاقتداء والتقليد ، وخلقه كامل التمييز بين النعمة وضدها ~~ليرتفع درجاتت وينحط دركات مما يختاره لنفسه ، ولا يلائم فطر الإنسان على ~~فطرة الملائكة حالة عالمه المادي إذ لا تأهل لهذا العالم لأن يكون سكانه ~~كالملائكة لعدم الملاءمة بين عالم المادة وعالم الروح . ولذلك لما تم خلق ~~الفرد الأول من الإنسان وآن أوان تصرفه مع قرينته بحسب ما بزغ فيهما من ~~القوى ، لم يلبث أن نقل من عالم الملائكة إلى عالم المادة كما أشار إليه ~~قوله تعالى : { قال اهبطا منها جميعا } ( طه : 123 ) . # ولكن الله لم يسد على النوع منافذ الكمال فخلقه ms7446 خلقا وسطا بين الملكية ~~والبهيمية إذ ركبه من المادة وأودع فيه الروح ولم يخله عن الإرشاد بواسطة ~~وسطاء وتعاقبهم في العصور وتناقل إرشادهم بين الأجيال ، فإن اتبع إرشادهم ~~التحق بأخلاق الملائكة حتى يبلغ المقامات التي أقامته في مقام الموازنة بين ~~بعض أفراده وبين الملائكة في التفاضل . وقد أشار إلى ذلك قوله تعالى : { ~~قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي ~~فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن PageV25P137 ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره ~~يوم القيامة أعمى } ( طه : 123 ، 124 ) ، وقوله : { وإذ قلنا للملائكة ~~اسجدوا لآدم } ( البقرة : 34 ) . # . # بدل من جملة { يخلق ما يشاء } بدل اشتمال لأن خلقه ما يشاء يشتمل على ~~هبته لمن يشاء ما يشاء . وهذا الإبدال إدماج مثلل جامع لصور إصابة المحبوب ~~وإصابة المكروه فإن قوله { ويجعل من يشاء عقيما } هو من المكروه عند غالب ~~البشر ويتضمن ضربا من ضروب الكفران وهو اعتقاد بعض النعمة سيئة في عادة ~~المشركين من تطيرهم بولادة البنات لهم ، وقد أشير إلى التعريض بهم في ذلك ~~بتقديم الإناث على الذكور في ابتداء تعداد النعم الموهوبة على عكس العادة ~~في تقديم الذكور على الإناث حيثما ذكرا في القرآن في نحو { إنا خلقناكم من ~~ذكر وأنثى } ( الحجرات : 13 ) وقوله : { فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى } ~~( القيامة : 39 ) فهذا من دقائق هذه الآية . # والمراد : يهب لمن يشاء إناثا فقط ويهب لمن يشاء الذكور فقط بقرينة قوله ~~: { أو يزوجهم ذكرانا وإناثا } . وتنكير { إناثا } لأن التنكير هو الأصل في ~~أسماء الأجناس وتعريف { الذكور } باللام لأنهم الصنف المعهود للمخاطبين ، ~~فاللام لتعريف الجنس وإنما يصار إلى تعريف الجنس لمقصد ، أي يهب ذلك الصنف ~~الذي تعهدونه وتتحدثون به وترغبون فيه على حد قول العرب : أرسلها العراك ، ~~وتقدم في أول الفاتحة . و { أو للتقسيم . # والتزويج قرن الشيء بشيء آخر فيصيران زوجا . ومن مجازه إطلاقه على إنكاح ~~الرجل امرأة لأنهما يصيران كالزوج ، والمراد هنا : جعلهم زوجا في الهبة ، ~~أي يجمع لمن يشاء فيهب له ذكرانا مشفعين بإناث فالمراد ms7447 التزويج بصنف آخر لا ~~مقابلة كل فرد من الصنف بفرد من الصنف الآخر . PageV25P138 # والضمير في يزوجهم } عائد إلى كلا من الإناث والذكور . وانتصب { ذكرانا ~~وإناثا } على الحال من ضمير الجمع في { يزوجهم } . # والعقيم : الذي لا يولد له من رجل أو امرأة ، وفعله عقم من باب فرح وعقم ~~من باب كرم . وأصل فعله أن يتعدى إلى المفعول يقال عقمها الله من باب ضرب ، ~~ويقال عقمت المرأة بالبناء للمجهول ، أي عقمها عاقم لأن سبب العقم مجهول ~~عندهم . فهو مما جاء متعديا وقاصرا ، فالقاصر بضم القاف وكسرها والمتعدي ~~بفتحها ، والعقيم : فعيل بمعنى مفعول ، فلذلك استوى فيه المذكر والمؤنث ~~غالبا ، وربما ظهرت التاء نادرا قالوا : رحم عقيمة . # . # جملة في موضع العلة للمبدل منه وهو { يخلق ما يشاء } فموقع ( إن ) هنا ~~موقع فاء التفريع . والمعنى : أن خلقه ما يشاء ليس خلقا مهملا عريا عن ~~الحكمة لأنه واسع العلم لا يفوته شيء من المعلومات فخلقه الأشياء يجري على ~~وفق علمه وحكمته . وهو { قدير } نافذ القدرة ، فإذا علم الحكمة في خلق شيء ~~أراده ، فجرى على قدره . ولما جمع بين وصفي العلم والقدرة تعين أن هنالك ~~صفة مطوية وهي الإرادة لأنه إنما تتعلق قدرته بعد تعلق إرادته بالكائن . # وتفصيل المعنى : أنه عليم بالأسباب والقوى والمؤثرات التي وضعها في ~~العوالم ، وبتوافق آثار بعضها وتخالف بعض ، وكيف تتكون الكائنات على نحو ما ~~قدر لها من الأوضاع ، وكيف تتظاهر فتأتي الآثار على نسق واحد ، وتتمانع ~~فينقص تأثير بعضها في آثاره بسبب ممانعة مؤثراتت أخرى ، وكل ذلك من مظاهر ~~علمه تعالى في أصل التكوين العالمي ومظاهر قدرته في الجري على وفاق علمه . ~~PageV25P139 # عطف على ما سبق من حكاية ترهاتهم عطف القصة على القصة وهو عود إلى إبطال ~~شبه المشركين التي أشار إليها قوله تعالى : { كذلك يوحي إليك وإلى الذين من ~~قبلك الله العزيز الحكيم } ( الشورى : 3 ) ، وقوله تعالى : { كبر على ~~المشركين ما تدعوهم إليه } ( الشورى : 13 ) ، وقد أشرنا إلى تفصيل ذلك فيما ~~تقدم ، ويزيده وضوحا قوله عقبه { وكذلك أوحينا إليك روحا من ms7448 أمرنا } ( ~~الشورى : 52 ) . وهذه الآية تبطل الشبهة الثانية فيما عددناه من شبهاتهم في ~~كون القرآن وحيا من الله إلى محمد صلى الله عليه وسلم إذ زعموا أن محمدا ~~صلى الله عليه وسلم لو كان مرسلا من الله لكانت معه ملائكة تصدق قوله أو ~~لأنزل عليه كتاب جاهز من السماء يشاهدون نزوله قال تعالى : { وقالوا ما ~~لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه ~~نذيرا } ( الفرقان : 7 ) وقال { وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ~~ينبوعا إلى أن قال : ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه } ( ~~الإسراء : 90 93 ) . # وإذ قد كان أهم غرض هذه السورة إثبات كون القرآن وحيا من الله إلى محمد ~~صلى الله عليه وسلم كما أوحي من قبله للرسل كان العود إلى ذلك من قبيل رد ~~العجز على الصدر . فبين الله للمكذبين أن سنة الله في خطاب رسله لا تعدو ~~ثلاثة أنحاء من الخطاب ، منها ما جاء به القرآن فلم يكن ذلك بدعا مما جاءت ~~به الرسل الأولون وما كان الله ليخاطب رسله على الأنحاء التي اقترحها ~~المشركون على النبي صلى الله عليه وسلم فجيء بصيغة حصر مفتتحة بصيغة الجحود ~~المفيدة مبالغة النفي وهي { وما كان لبشر أن يكلمه الله } أي لم يتهيأ لأحد ~~من الرسل أن يأتيه خطاب من الله بنوع من هذه الثلاثة . # ودل ذلك على انتفاء أن يكون إبلاغ مراد الله تعالى لأمم الرسل بغير أحد ~~هذه PageV25P140 الأنواع الثلاثة أعني خصوص نوع إرسال رسول ، بدلالة فحوى ~~الخطاب فإنه إذا كان الرسل لا يخاطبهم الله إلا بأحد هذه الأنحاء الثلاثة ~~فالأمم أولى بأن لا يخاطبوا بغير ذلك من نحو ما سأله المشركون من رؤية الله ~~يخاطبهم ، أو مجيء الملائكة إليهم بل لا يتوجه إليهم خطاب الله إلا بواسطة ~~رسول منهم يتلقى كلام الله بنحو من الأنحاء الثلاثة وهو مما يدخل في قوله : ~~{ أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء } فإن الرسول يكون ملكا وهو الذي يبلغ ~~الوحي ms7449 إلى الرسل والأنبياء . # وخطاب الله الرسل والأنبياء قد يكون لقصد إبلاغهم أمرا يصلحهم نحو قوله ~~تعالى : { يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا } ( المزمل : 1 ، 2 ) ، وقد ~~يكون لإبلاغهم شرائع للأمم مثل معظم القرآن والتوراة ، أو إبلاغهم مواعظ ~~لهم مثل الزبور ومجلة لقمان . # والاستثناء في قوله : { إلا وحيا } استثناء من عموم أنواع المتكلم التي ~~دل عليها الفعل الواقع في سياق النفي وهو { ما كان لبشر أن يكلمه الله } . # فانتصاب { وحيا } على الصفة لمصدر محذوف دل عليه الاستثناء ، والتقدير : ~~إلا كلاما وحيا أي موحى به كما تقول : لا أكلمه إلا جهرا ، أو إلا إخفاتا ، ~~لأن الجهر والإخفات صفتان للكلام . # والمراد بالتكلم بلوغ مراد الله إلى النبي سواء كان ذلك البلوغ بكلام ~~يسمعه ولا يرى مصدره أو بكلام يبلغه إليه الملك عن الله تعالى ، أو بعلم ~~يلقى في نفس النبي يوقن بأنه مراد الله بعلم ضروري يجعله الله في نفسه . # وإطلاق الكلام على هذه الثلاثة الأنواع : بعضه حقيقة مثل ما يسمعه النبي ~~كما سمع موسى ، وبعضه مجاز قريب من الحقيقة وهو ما يبلغه إلى النبي فإنه ~~رسالة بكلام ، وبعضه مجاز محض وهو ما يلقى في قلب النبي مع العلم ، فإطلاق ~~فعل { يكلمه } على جميعها من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه على طريقة ~~استعمال المشترك في معانيه . # وإسناد فعل { يكلمه } إلى الله إسناد مجازي عقلي . وبهذا الاعتبار صار ~~استثناء الكلام الموصوف بأنه وحي استثناء متصلا . PageV25P141 # وأصل الوحي : الإشارة الخفية ، ومنه { فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا } ~~( مريم : 11 ) . ويطلق على ما يجده المرء في نفسه دفعة كحصول معنى الكلام ~~في نفس السامع قال عبيد بن الأبرص : # وأوحى إلي الله أن قد تآمروا # بإبلل أبي أوفى فقمت على رجل # وهذا الإطلاق هو المراد هنا بقرينة المقابلة بالنوعين الآخرين . ومن هنا ~~أطلق الوحي على ما فطر الله عليه الحيوان من الإلهام المتقن الدقيق كقوله : ~~{ وأوحى ربك إلى النحل } ( النحل : 68 ) . فالوحي بهذا المعنى نوع من أنواع ~~إلقاء كلام الله إلى الأنبياء وهو النوع الأول في ms7450 العد ، فأطلق الوحي على ~~الكلام الذي يسمعه النبي بكيفية غير معتادة وهذا الإطلاق من مصطلح القرآن ~~وهو الغالب في إطلاقات الكتاب والسنة ومنه قول زيد بن ثابت ( فعلمت أنه ~~يوحى إليه ثم سري عنه ) فقرأ { غير أولي الضرر } ( النساء : 95 ) ، ولم يقل ~~فنزل إليه جبريل . # والوحي بهذا المعنى غير الوحي الذي سيجيء في قوله : { أو يرسل رسولا ~~فيوحي بإذنه ما يشاء } . والمراد بالوحي هنا : إيقاع مراد الله في نفس ~~النبي يحصل له به العلم بأنه من عند الله فهو حجة للنبيء لمكان العلم ~~الضروري ، وحجة للأمة لمكان العصمة من وسوسة الشيطان ، وقد يحصل لغير ~~الأنبياء ولكنه غير مطرد ولا منضبط مع أنه واقع وقد قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم ( قد كان فيما مضى قبلكم من الأمم محدثون فإن يكن في أمتي منهم ~~أحد فعمر بن الخطاب ) قال ابن وهب : محدثون : ملهمون . # ومن هذا الوحي مرائي الأنبياء فإنها وحي ، وهي ليست بكلام يلقى إليهم ، ~~ففي الحديث ( إني رأيت دار هجرتكم وهي في حرة ذاتت نخل فوقع في وهلي أنها ~~اليمامة أو هجر فإذا هي طابة ) . وقد تشتمل الرؤيا على إلهام وكلام مثل ~~حديث ( رأيت بقرا تذبح ورأيت والله خير ) في رواية رفع اسم الجلالة ، أي ~~رأيت هذه الكلمة ، وقد أول النبي صلى الله عليه وسلم رؤياه البقر التي تذبح ~~بما أصاب المسلمين يوم أحد ، وأما ( والله خير ) فهو ما أتى الله به بعد ~~ذلك من الخير . PageV25P142 # ومن الإلهام مرائي الصالحين فإنها جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوءة . # وليس الإلهام بحجة في الدين لأن غير المعصوم لا يوثق بصحة خواطره إذ ليس ~~معصوما من وسوسة الشيطان . وبعض أهل التصوف وحكماء الإشراق يأخذون به في ~~خاصتهم ويدعون أن أمارات تميز لهم بين صادق الخواطر وكاذبها ومنه قول قطب ~~الدين الشيرازي في ديباجة شرحه على ( المفتاح ) ( إني قد ألقي إلي على سبيل ~~الإنذار من حضرة الملك الجبار بلسان الإلهام لا كوهم من الأوهام ) إلى أن ~~قال ( ما أورثني التجافي عن دار الغرور ms7451 ) . ومنه ما ورد في قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم ( إن روح القدس نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستوفي ~~أجلها ورزقها ) على أحد تفسيرين فيه ، ولا ريب في أنه المراد هنا لأن ألفاظ ~~هذا الحديث جرت على غير الألفاظ التي يحكى بها نزول الوحي بواسطة كلام ~~جبريل عليه السلام . # والنوع الثاني : أن يكون الكلام من وراء حجاب يسمعه سامعه ولا يرى مصدره ~~بأن يخلق الله كلاما في شيء محجوب عن سامعه وهو ما وصف الله هنا بقوله : { ~~أو من وراء حجاب } . # والمعنى : أو محجوبا المخاطب بالفتح عن رؤية مصدر الكلام ، فالكلام كأنه ~~من وراء حجاب ، وهذا مثل تكليم الله تعالى موسى في البقعة المباركة من ~~الشجرة ، ويحصل علم المخاطب بأن ذلك الكلام من عند الله أول مرة بآية يريه ~~الله إياها يعلم أنها لا تكون إلا بتسخير الله كما علم موسى ذلك بانقلاب ~~عصاه حية ثم عودها إلى حالتها الأولى ، وبخروج يده من جيبه بيضاء ، كما قال ~~تعالى : { آية أخرى لنريك من آياتنا الكبرى اذهب إلى فرعون إنه طغى } ( طه ~~: 22 ، 24 ) . ثم يصير بعد ذلك عادة يعرف بها كلام الله . # واختص بهذا النوع من الكلام في الرسل السابقين موسى عليه السلام وهو ~~المراد من قوله تعالى : { قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالتي ~~وبكلامي } ( الأعراف : 144 ) وليس الوحي إلى موسى منحصرا في هذا النوع فإنه ~~كان يوحى إليه الوحي الغالب لجميع الأنبياء والرسل وقد حصل هذا النوع من ~~الكلام لمحمد صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء ، فقد جاء في حديث الإسراء : ~~أن الله فرض عليه وعلى أمته PageV25P143 خمسين صلاة ثم خفف الله منها حتى ~~بلغت خمس صلوات وأنه سمع قوله تعالى : ( أتممت فريضتي وخففت عن عبادي ) . # وأشارت إليه سورة النجم ( 6 ، 12 ) بقوله تعالى : { فاستوى وهو بالأفق ~~الأعلى ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى ما كذب ~~الفؤاد ما رأى أفتمارونه على ما يرى . والقول بأنه سمع كلام الله ms7452 ليلة أسري ~~به إلى السماء مروي عن علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس وجعفر بن محمد ~~الصادق والأشعري والواسطي ، وهو الظاهر لأن فضل محمد على جميع المرسلين ~~يستلزم أن يعطيه الله من أفضل ما أعطاه رسله عليهم السلام جميعا . # النوع الثالث : أن يرسل الله الملك إلى النبي فيبلغ إليه كلاما يسمعه ~~النبي ويعيه ، وهذا هو غالب ما يوجه إلى الأنبياء من كلام الله تعالى ، قال ~~تعالى في ذكر زكرياء فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله ~~يبشرك بيحيى } ( آل عمران : 39 ) ، وقال في إبراهيم { وناديناه أن يا ~~إبراهيم قد صدقت الرؤيا } ( الصافات : 104 ، 105 ) وهذا الكلام يأتي بكيفية ~~وصفها النبي صلى الله عليه وسلم للحارث بن هشام وقد سأل رسول الله ( كيف ~~يأتيك الوحي ؟ فقال : أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فيفصم ~~عني وقد وعيت عنه أي عن جبريل ما قال ، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا ~~فيكلمني فأعي ما يقول ) . # فالرسول في قوله تعالى : { أو يرسل رسولا } : هو الملك جبريل أو غيره ، ~~وقوله : { فيوحي بإذنه ما يشاء } سمى هذا الكلام وحيا على مراعاة الإطلاق ~~القرآني الغالب كما تقدم نحو قوله : { وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي ~~يوحى علمه شديد القوى } ( النجم : 3 5 ) وهو غير المراد من قوله : { إلا ~~وحيا } بقرينة التقسيم والمقابلة . # ومن لطائف نسج هذه الآية ترتيب ما دل على تكليم الله الرسل بدلالات فجيء ~~بالمصدر أولا في قوله : { إلا وحيا } وجيء بما يشبه الجملة ثانيا وهو قوله ~~: { من وراء الحجاب } ، وجيء بالجملة الفعلية ثالثا بقوله : { يرسل رسولا } ~~. وقرأ نافع { أو يرسل } برفع { يرسل } على الخبرية ، والتقدير : أو هو ~~PageV25P144 مرسل رسولا . وقرأ { فيوحي } بسكون الياء بعد كسرة الحاء . ~~وقرأ الباقون { أو يرسل } بنصب الفعل على تقدير ( أن ) محذوفة دل عليها ~~العطف على المصدر فصار الفعل المعطوف في معنى المصدر ، فاحتاج إلى تقدير ~~حرف السبك . وقرأوا { فيوحي } بفتحة على الياء عطفا على { يرسل } . # وما صدق { ما يشاء } كلام ، أي فيوحي كلاما ms7453 يشاؤه الله فكانت هذه الجملة ~~في معنى الصفة ل ( كلاما ) المستثنى المحذوف ، والرابط هو { ما يشاء } لأنه ~~في معنى : كلاما ، فهو كربط الجملة بإعادة لفظ ما هي له أو بمرادفه نحو { ~~الحاقة ما الحاقة } ( الحاقة : 1 ، 2 ) . والتقدير : أو إلا كلاما موصوفا ~~بأن الله يرسل رسولا فيوحي بإذنه كلاما يشاؤه فإن الإرسال نوع من الكلام ~~المراد في هذه الآية . # والآية صريحة في أن هذه الأنواع الثلاثة أنواع لكلام الله الذي يخاطب به ~~عباده . وذكر النوعين : الأول والثالث صريح في أن إضافة الكلام المنوع ~~إليها إلى الله أو إسناده إليه حيثما وقع في ألفاظ الشريعة نحو قوله تعالى ~~: { حتى يسمع كلام الله } ( التوبة : 6 ) وقوله : { قال يا موسى إني ~~اصطفيتك على الناس برسالتي وبكلامي } ( الأعراف : 144 ) وقوله : { وكلم ~~الله موسى تكليما } ( النساء : 164 ) يدل على أنه كلام له خصوصية هي أنه ~~أوجده الله إيجادا بخرق العادة ليكون بذلك دليلا على أن مدلول ألفاظه مراد ~~لله تعالى ومقصود له كما سمي الروح الذي تكون به عيسى روح الله لأنه تكون ~~على سبيل خرق العادة ، فالله خلق الكلام الذي يدل على مراده خلقا غير جار ~~على سنة الله في تكوين الكلام ليعلم الناس أن الله أراد إعلامهم بأنه أراد ~~مدلولات ذلك الكلام بآية أنه خرق فيه عادة إيجاد الكلام فكان إيجادا غير ~~متولد من علل وأسباب عادية فهو كإيجاد السماوات والأرض وإيجاد آدم في أنه ~~غير متولد من علل وأسباب فطرية . # واعلم أن حقيقة الإلاهية لا تقتضي لذاتها أن يكون الله متكلما كما تقتضي ~~أنه واحد حي عالم قدير مريد ، ومن حاول جعل صفة الكلام من مقتضى الإلاهية ~~على تنظير الإلاه بالملك بناء على أن الملك يقتضي مخاطبة الرعايا بما يريد ~~الملك منهم ، فقد جاء بحجة خطابية ، بل الحق أن الذي اقتضى إثبات كلام الله ~~هو PageV25P145 وضع الشرائع الإلاهية ، أي تعلق إرادة الله بإرشاد الناس ~~إلى اجتناب ما يخل باستقامة شؤونهم بأمرهم ونهيهم وموعظتهم ووعدهم ووعيدهم ~~، من يوم نهي آدم عن الأكل من ms7454 الشجرة وتوعده بالشقاء إن أكل منها ثم من ~~إرسال الرسل إلى الناس وتبليغهم إياهم أمر الله ونهيه بوضع الشرائع وذلك من ~~عهد نوح بلا شك أو من عهد آدم إن قلنا إن آدم بلغ أهله أمر الله ونهيه . ~~فتعين الإيمان بأن الله آمر وناه وواعد وموعد ، ومخبر بواسطة رسله وأنبيائه ~~، وأن مراده ذلك أبلغه إلى الأنبياء بكلام يلقى إليهم ويفهمونه وهو غير ~~متعارف لهم قبل النبوءة وهو متفاوت الأنواع في مشابهة الكلام المتعارف . # ولما لم يرد في الكتاب والسنة وصف الله بأنه متكلم ولا إثبات صفة له تسمى ~~الكلام ، ولم تقتض ذلك حقيقة الإلاهية ما كان ثمة داع إلى إثبات ذلك عند ~~أهل التأويل من الخلف من أشعرية وماتريدية إذ قالوا : إن الله متكلم وإن له ~~صفة تسمى الكلام وبخاصة المعتزلة إذ قالوا إنه متكلم ونفوا صفة الكلام وأمر ~~المعتزلة أعجب إذ أثبتوا الصفات المعنوية لأجل القواطع من آيات القرآن ~~وأنكروا صفات المعاني تورعا وتخلصا من مشابهة القول بتعدد القدماء بلا داع ~~، وقد كان لهم في عدم إثبات صفة المتكلم مندوحة لانتفاء الداعي إلى إثباتها ~~، خلافا لما دعا إلى إثبات غيرها من الصفات المعنوية ، وقد حكى فخر الدين ~~في تفسير هذه السورة إجماع الأمة على أن الله تعالى متكلم . وقصارى ما ورد ~~في القرآن إسناد فعل الكلام إلى الله أو إضافة مصدره إلى اسمه ، وذلك لا ~~يوجب أن يشتق منه صفة لله تعالى ، فإنهم لم يقولوا لله صفة نافخ الأرواح ~~لأجل قوله تعالى : { ونفخت فيه من روحي } ( الحجر : 29 ) ، فالذي حدا مثبتي ~~صفة الكلام لله هو قوة تعلق هذا الوصف بصفة العلم فخصوا هذا التعلق باسم ~~خاص وجعلوه صفة مستقلة مثل ما فعلوا في صفة السمع والبصر . # هذا ، واعلم أن مثبتي صفة الكلام قد اختلفوا في حقيقتها ، فذهب السلف إلى ~~أنها صفة قديمة كسائر صفات الله . فإذا سئلوا عن الألفاظ التي هي الكلام : ~~أقديمة هي أم حادثة ؟ قالوا : قديمة ، وتعجب منهم فخر الدين الرازي ونبزهم ~~ولا PageV25P146 أحسبهم إلا أنهم تحاشوا ms7455 عن التصريح بأنها حادثة لئلا يؤدي ~~ذلك دهماء الأمة إلى اعتقاد حدوث صفات الله ، أو يؤدي إلى إبطال أن القرآن ~~كلام الله ، لأن تبيان حقيقة معنى الإضافة في قولهم : كلام الله ، دقيق جدا ~~يحتاج مدركه إلى شحذ ذهنه بقواعد العلوم ، والعامة على بون من ذلك . واشتهر ~~من أهل هذه الطريقة أحمد بن حنبل رحمه الله زمن فتنة خلق القرآن . وكان ~~فقهاء المالكية في زمن العبيديين ملتزمين هذه الطريقة . وقال الشيخ أبو ~~محمد بن أبي زيد في ( الرسالة ) : ( وإن القرآن كلام الله ليس بمخلوق فيبيد ~~ولا صفة لمخلوق فينفد ) . وقد نقشوا على إسطوانة من أساطين الجامع بمدينة ~~سوسة هذه العبارة : ( القرآن كلام الله وليس بمخلوق ) وهي ماثلة إلى الآن . # قال فخر الدين : واتفق أني قلت يوما لبعض الحنابلة : لو تكلم الله بهذه ~~الحروف ؛ إما أن يتكلم بها دفعة واحدة أو على التعاقب ، والأول باطل لأن ~~التكلم بها دفعة واحدة لا يفيد هذا النظم المركب على التعاقب والتوالي ، ~~والثاني باطل لأنه لو تكلم الله بها على التوالي كانت محدثة ، فلما سمع مني ~~هذا الكلام قال : ( الواجب علينا أن نقر ونمر ) يعني نقر بأن القرآن قديم ~~ونمر على هذا الكلام على وفق ما سمعناه قال : فتعجبت من سلامة قلب ذلك ~~القائل . # ومن الغريب جدا ما يعزى إلى محمد بن كرام وأصحابه الكرامية من القول بأن ~~كلام الله حروف وأصوات قائمة بذاته تعالى ، وقالوا : لا يلزم أن كل صفة لله ~~قديمة ، ونسب مثل هذا إلى الحشوية ، وأما المعتزلة فأثبتوا لله أنه متكلم ~~ومنعوا أن تكون له صفة تسمى الكلام ، والذي دعاهم إلى ذلك هو الجمع بين ما ~~شاع في القرآن والسنة وعند السلف من إسناد الكلام إلى الله وإضافته إليه ~~وقالوا : إن اشتقاق الوصف لا يستلزم قيام المصدر بالموصوف ، وتلك طريقتهم ~~في صفات المعاني كلها ، وزادوا فقالوا : معنى كونه متكلما أنه خالق الكلام ~~. # وأما الأشعري وأصحابه فلم يختلفوا في أن الكلام الذي نقول : إنه كلام ~~الله المركب من حروف وأصوات ، المتلو بألسنتنا ، المكتوب في ms7456 مصاحفنا ، إنه ~~حادث وليس هو صفة الله تعالى وإنما صفة الله مدلول ذلك الكلام المركب من ~~الحروف PageV25P147 والأصوات من المعاني من أمر ونهي ووعد ووعيد . وتقريب ~~ذلك عندي أن الكلام الحادث الذي خلقه الله دال على مراد الله تعالى وأن ~~مراد الله صفة لله . # قال أبو بكر الباقلاني عن الشيخ : إن كلام الله الأزلي مقروء بألسنتنا ، ~~محفوظ في قلوبنا ، مسموع بآذاننا ، مكتوب في مصاحفنا غير حال في شيء من ذلك ~~، كما أن الله معلوم بقلوبنا مذكور بألسنتنا معبود في محاريبنا وهو غير حال ~~في شيء من ذلك . والقراءة والقارىء مخلوقان ، كما أن العلم والمعرفة ~~مخلوقان ، والمعلوم والمعروف قديمان اه . يعني أن الألفاظ المقروءة ~~والمكتوبة دوال وهي مخلوقة والمدلول وهو كون الله مريدا لمدلولات تلك ~~التراكيب هو وصف الله تعالى ليصح أن الله أراد من الناس العمل بالمدلولات ~~التي دلت عليها تلك التراكيب . وقد اصطلح الأشعري على تسمية ذلك المدلولل ~~كلاما نفسيا وهو إرادة المعاني التي دل عليها الكلام اللفظي ، وقد استأنس ~~لذلك بقول الأخطل : # إن الكلام لفي الفؤاد وإنما # جعل اللسان على الفؤاد دليلا # وأما أبو منصور الماتريدي فنقل الفخر عنه كلاما مزيجا من كلام الأشعري ~~وكلام المعتزلة ، والبعض نقل عنه مثل قول السلف . وسبب اختلاف النقل عنه هو ~~أن الماتريدي تابع في أصول الدين أبا حنيفة . وقد اضطرب أتباعه في فهم ~~عبارته الواقعة في العقيدة المنسوبة إليه المسماة : الفقه الأكبر إن صح ~~عزوها إليه إذ كانت عبارة يلوح عليها التضارب ولعله مقصود . وتأويلها بما ~~يوافق كلام الأشعري هو التحقيق . # وتحقيق هذا المقام بوجه واضح قريب أن نقول : إن ثبوت صفة الكلام لله هو ~~مثل ثبوت صفة الإرادة وصفة القدرة له تعالى ، في الأزل وهو أشبه باتصافه ~~بالإرادة فكما أن معنى ثبوت صفة الإرادة لله إنه تعالى متى تعلق علمه ~~بإيجاد شيء لم يكن موجودا ، أو بإعدام شيء كان موجودا ، أنه لا يحول دون ~~تنفيذ ما تعلق علمه بإيجاده أو إعدامه حائل ولا يمنعه منه مانع ، ومتى تعلق ~~علمه بإبقاء ms7457 المعدوم في حالة العدم أو الموجود في حالة الوجود ، لا يكرهه ~~على ضد ذلك مكره . فكذلك ثبوت الكلام لله معناه أنه كلما تعلق علمه بأنه ~~يأمر أو ينهى أحدا لم يحل PageV25P148 حائل دون إيجاد ما يبلغ مراده إلى ~~المأمورين أو المنهيين ، وكلما تعلق علمه بأن يترك توجيه أمر أو نهي إلى ~~الناس لم يكرهه مكره على أن يأمرهم أو ينهاهم . # وكما أن للإرادة تعلقا صلاحيا أزليا وتعلقا تنجيزيا حادثا حين تتوجه ~~الإرادة إلى إيجاد بواسطة القدرة . كذلك نجد لكلام الله تعلقا صلاحيا أزليا ~~وتعلقا تنجيزيا حين اقتضاء علم الله توجيه أمره أو نهيه أو نحوهما إلى بعض ~~عباده . فالكلام الذي ينطق به الرسول وينسبه إلى الله تعالى هو حادث وهو ~~أثر التعلق التنجيزي الحادث ، والكلام الذي نعتقد أن الله أراده وأراد من ~~الناس العمل به هو الصفة الأزلية القديمة ولها التعلق الصلاحي القديم . وفي ~~( الرسالة الخاقانية ) للعلامة عبد الحكيم السلكوتي نقل عن بعض العلماء بأن ~~لكلام الله تعلقا تنجيزيا حادثا ، وهذا من التحقيق بمكان . # والتحقيق : أن ذلك الكلام الأزلي يتنوع إلى أنواع المدلولات من أمر ونهي ~~وخبر ووعد ووعيد ونحو ذلك . # وخلاصة معنى الآية أن الله قد يخلق في نفس جبريل أو غيره من الملائكة ~~علما بمراد الله على كيفية لا نعلمها ، وعلما بأن الله سخره إبلاغ مراده ~~إلى النبي ، والملك يبلغ إلى النبي ما أمر بتبليغه امتثالا للأمر التسخيري ~~، بألفاظ معينة ألقاها الله في نفس الملك مثل ألفاظ القرآن ، أو بألفاظ من ~~صنعة الملك كالتي حكى الله عن زكرياء بقوله : { فنادته الملائكة وهو قائم ~~يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى } ( آل عمران : 39 ) . أو يخلق في سمع ~~النبي كلاما يعلم علم اليقين أنه غير صادر إليه من متكلم ، فيوقن أنه من ~~عند الله بدلالة المعجزة أول مرة وبدلالة تعوده بعد ذلك . وهذا مثل الكلام ~~الذي كلم الله به موسى ألا ترى إلى قوله تعالى : { أن يا موسى إنني أنا ~~الله رب العالمين وأن ألقق عصاك } ( القصص : 30 ، 31 ms7458 ) الآية ، فقرن خطابه ~~الخارق للعادة بالمعجزة الخارقة للعادة ليوقن موسى أن ذلك كلام من عند الله ~~. أو يخلق في نفس النبي علما قطعيا بأن الله أراد منه كذا كما يخلق في نفس ~~الملك في الحالة المذكورة أولا . PageV25P149 # فعلى هذه الكيفيات يأتي الوحي للأنبياء ويختص القرآن بمزية أن الله تعالى ~~يخلق كلاما يعيه الملك ويؤمر بإبلاغه بنصه دون تغير إلى محمد صلى الله عليه ~~وسلم # والقول في موقع جملة { إنه علي حكيم } كالقول في جملة { إنه عليم قدير } ~~( الشورى : 50 ) السابقة ، وإنما أوثر هنا صفة العلي الحكيم لمناسبتهما ~~للغرض لأن العلو في صفة العلي علو عظمة فائقة لا تناسبها النفوس البشرية ~~التي لم تحظ من جانب القدس بالتصفية فما كان لها أن تتلقى من الله مراده ~~مباشرة فاقتضى علوه أن يكون توجيه خطابه إلى البشر بوسائط يفضي بعضها إلى ~~بعض لأن ذلك كما يقول الحكماء : استفادة القابل من المبدإ تتوقف عن ~~المناسبة بينهما . وأما وصف الحكيم فلأن معناه المتقن للصنع العالم بدقائقه ~~وما خطابه البشر إلا لحكمة إصلاحهم ونظام عالمهم ، وما وقوعه على تلك ~~الكيفيات الثلاث إلا من أثر الحكمة لتيسير تلقي خطابه ، ووعيه دون اختلال ~~فيه ولا خروج عن طاقة المتلقين . # وانظر ما تقدم عند قوله تعالى : { ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه } في ~~سورة الأعراف ، وعند قوله : { فأجره حتى يسمع كلام الله } في سورة براءة . # ( 52 ، 53 ) # . # عطف على جملة { وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا } ( الشورى : 51 ) ~~الآية ، وهذا دليل عليهم أن القرآن أنزل من عند الله أعقب به إبطال شبهتهم ~~التي تقدم لإبطالها قوله : { وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا الآية ، ~~أي كان وحينا إليك مثل كلامنا الذي كلمنا به من قبلك على ما صرح به في قوله ~~تعالى : إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيئين من بعده } ( النساء ~~: 163 ) . والمقصود من هذا هو قوله : { ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ~~} . PageV25P150 # والإشارة إلى سابق في الكلام وهو المذكور آنفا في قوله ms7459 : { وما كان لبشر ~~أن يكلمه الله إلا وحيا ( الشورى : 51 ) الآية ، أي ومثل الذي ذكر من تكليم ~~الله وحينا إليك روحا من أمرنا ، فيكون على حد قول الحارث بن حلزة : # مثلها تخرج النصيحة للقوم # فلاة من دونها أفلاء # أي مثل نصيحتنا التي نصحناها للملك عمرو بن هند تكون نصيحة الأقوام بعضهم ~~لبعض لأنها نصيحة قرابة ذوي أرحام . ويجوز أن تكون الإشارة إلى ما يأتي من ~~بعد وهو الإيحاء المأخوذ من أوحينا إليك } ، أي مثل إيحائنا إليك أوحينا ~~إليك ، أي لو أريد تشبيه إيحائنا إليك في رفعة القدر والهدى ما وجد له شبيه ~~إلا نفسه على طريقة قوله تعالى : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } كما تقدم في ~~سورة البقرة . والمعنى : إن ما أوحينا إليك هو أعز وأشرف وحي بحيث لا ~~يماثله غيره . # وكلا المعنيين صالح هنا فينبغي أن يكون كلاهما محملا للآية على نحو ما ~~ابتكرناه في المقدمة التاسعة من هذا التفسير . ويؤخذ من هذه الآية أن النبي ~~محمد صلى الله عليه وسلم قد أعطي أنواع الوحي الثلاثة ، وهو أيضا مقتضى ~~الغرض من مساق هذه الآيات . # والروح : ما به حياة الإنسان ، وقد تقدم عند قوله تعالى : { ويسألونك عن ~~الروح } في سورة الإسراء . وأطلق الروح هنا مجازا على الشريعة التي بها ~~اهتداء النفوس إلى ما يعود عليهم بالخير في حياتهم الأولى وحياتهم الثانية ~~، شبهت هداية عقولهم بعد الضلالة بحلول الروح في الجسد فيصير حيا بعد أن ~~كان جثة . # ومعنى { من أمرنا } مما استأثرنا بخلقه وحجبناه عن الناس فالأمر المضاف ~~إلى PageV25P151 الله بمعنى الشأن العظيم ، كقولهم : أمر أمر فلان ، أي ~~شأنه ، وقوله تعالى : { بإذن ربهم من كل أمر } ( القدر : 4 ) . # والمراد بالروح من أمر الله : ما أوحي به إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~من الإرشاد والهداية سواء كان بتلقين كلام معين مأمور بإبلاغه إلى الناس ~~بلفظه دون تغير وهو الوحي القرآني المقصود منه أمران : الهداية والإعجاز ، ~~أم كان غير مقيد بذلك بل الرسول مأمور بتبليغ المعنى دون اللفظ وهو ما يكون ~~بكلام غير ms7460 مقصود به الإعجاز ، أو بإلقاء المعنى إلى الرسول بمشافهة الملكك ~~، وللرسول في هذا أن يتصرف من ألفاظ ما أوحي إليه بما يريد التعبير به أو ~~برؤيا المنام أو بالإلقاء في النفس كما تقدم . واختتام هذه السورة بهذه ~~الآية مع افتتاحها بقوله : { كذلك أوحينا إليك } ( الشورى : 7 ) الآية فيه ~~محسن رد العجز على الصدر . # وجملة { ما كنت تدري ما الكتاب } في موضع الحال من ضمير { أوحينا } أي ~~أوحينا إليك في حال انتفاء علمك بالكتاب والإيمان ، أي أفضنا عليك موهبة ~~الوحي في حال خلوك عن علم الكتاب وعلم الإيمان . وهذا تحد للمعاندين ~~ليتأملوا في حال الرسول صلى الله عليه وسلم فيعلموا أن ما أوتيه من الشريعة ~~والآداب الخلقية هو من مواهب الله تعالى التي لم تسبق له مزاولتها ، ويتضمن ~~امتنانا عليه وعلى أمته المسلمين . # ومعنى عدم دراية الكتاب : عدم تعلق علمه بقراءة كتاب أو فهمه . ومعنى ~~انتفاء دراية الإيمان : عدم تعلق علمه بما تحتوي عليه حقيقة الإيمان الشرعي ~~من صفات الله وأصول الدين وقد يطلق الإيمان على ما يرادف الإسلام كقوله ~~تعالى : { وما كان الله ليضيع إيمانكم } ( البقرة : 143 ) وهو الإيمان الذي ~~يزيد وينقص كما في قوله تعالى : { ويزداد الذين آمنوا إيمانا } ( المدثر : ~~31 ) . فيزاد في معنى عدم دراية الإيمان انتفاء تعلق علم الرسول صلى الله ~~عليه وسلم بشرائع الإسلام . فانتفاء درايته بالإيمان مثل انتفاء درايته ~~بالكتاب ، أي انتفاء العلم بحقائقه ولذلك قال : { ما كنت تدري } ولم يقل : ~~ما كنت مؤمنا . PageV25P152 # وكلا الاحتمالين لا يقتضي أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن مؤمنا ~~بوجود الله ووحدانية إلاهيته قبل نزول الوحي عليه إذ الأنبياء والرسل ~~معصومون من الشرك قبل النبوءة فهم موحدون لله ونابذون لعبادة الأصنام ، ~~ولكنهم لا يعلمون تفاصيل الإيمان ، وكان نبيئنا صلى الله عليه وسلم في عهد ~~جاهلية قومه يعلم بطلان عبادة الأصنام ، وإذ قد كان قومه يشركون مع الله ~~غيره في الإلاهية فبطلان إلاهية الأصنام عنده تمحضه لإفراد الله بالإلاهية ~~لا محالة . # وقد أخبر بذلك عن نفسه فيما رواه ms7461 أبو نعيم في ( دلائل النبوءة ) عن شداد ~~بن أوس وذكره عياض في ( الشفاء ) غير معزو : ( أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال لما نشأت أي عقلت بغضت إلي الأوثان وبغض إلي الشعر ، ولم أهم بشيء ~~مما كانت الجاهلية تفعله إلا مرتين فعصمني الله منهما ثم لم أعد ) . وعلى ~~شدة منازعة قريش إياه في أمر التوحيد فإنهم لم يحاجوه بأنه كان يعبد ~~الأصنام معهم . وفي هذه الآية حجة للقائلين بأن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لم يكن متعبدا قبل نبوءته بشرع . # وإدخال { لا } النافية في قوله : { ولا الإيمان } تأكيد لنفي درايته إياه ~~، أي ما كنت تدري الكتاب ولا الإيمان ، للتنصيص على أن المنفي دراية كل ~~واحد منهما . # وقوله : { ولكن جعلناه نورا } عطف على جملة { ما كنت تدري ما الكتاب } . ~~وضمير { جعلناه } عائد إلى الكتاب في قوله : { ما كنت تدري ما الكتاب } . ~~والتقدير : وجعلنا الكتاب نورا . وأقحم في الجملة المعطوفة حرف الاستدراك ~~للتنبيه على أن مضمون هذه الجملة عكس مضمون جملة { ما كنت تدري ما الكتاب } ~~. # والاستدراك ناشىء على ما تضمنته جملة { ما كنت تدري ما الكتاب } لأن ظاهر ~~نفي دراية الكتاب أن انتفاءها مستمر فاستدرك بأن الله هداه بالكتاب وهدى به ~~أمته ، فالاستدراك واقع في المحز . والتقدير : ما كنت تدري ما الكتاب ولا ~~الإيمان ثم هديناك بالكتاب ابتداء وعرفناك به الإيمان وهديت به الناس ثانيا ~~PageV25P153 فاهتدى به من شئنا هدايته ، أي وبقي على الضلال من لم نشأ له ~~الاهتداء ، كقوله تعالى : { يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا } ( البقرة : 26 ) ~~. # وشبه الكتاب بالنور لمناسبة الهدي به لأن الإيمان والهدى والعلم تشبه ~~بالنور ، والضلال والجهل والكفر تشبه بالظلمة ، قال تعالى : { يخرجهم من ~~الظلمات إلى النور } ( البقرة : 257 ) . وإذا كان السائر في الطريق في ظلمة ~~ضل عن الطريق فإذا استنار له اهتدى إلى الطريق ، فالنور وسيلة الاهتداء ~~ولكن إنما يهتدي به من لا يكون له حائل دون الاهتداء وإلا لم تنفعه وسيلة ~~الاهتداء ولذلك قال تعالى : { نهدي به من نشاء من عبادنا ms7462 } ، أي نخلق بسببه ~~الهداية في نفوس الذين أعددناهم للهدى من عبادنا . فالهداية هنا هداية خاصة ~~وهي خلق الإيمان في القلب . # . # أي نهدي به من نشاء بدعوتك وواسطتك فلما أثبت الهدي إلى الله وجعل الكتاب ~~سببا لتحصيل الهداية عطف عليه وساطة الرسول في إيصال ذلك الهدي تنويها بشأن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم # فجملة { وإنك لتهدي } عطف على جملة { نهدي به من نشاء من عبادنا } . وفي ~~الكلام تعريض بالمشركين إذ لم يهتدوا به وإذ كبر عليهم ما يدعوهم إليه مع ~~أنه يهديهم إلى صراط مستقيم . # والهداية في قوله : { وإنك لتهدي } هداية عامة . وهي : إرشاد الناس إلى ~~طريق الخير فهي تخالف الهداية في قوله : { نهدي به من نشاء } . وحذف مفعول ~~{ لتهدي } للعموم ، أي لتهدي جميع الناس ، أي ترشدهم إلى صراط مستقيم ، ~~وهذا كقوله : { وهديناه النجدين فلا اقتحم العقبة } ( البلد : 10 ، 11 ) . ~~PageV25P154 # وتأكيد الخبر ب ( إن ) للاهتمام به لأن الخبر مستعمل في تثبيت قلب النبي ~~صلى الله عليه وسلم بالشهادة له بهذا المقام العظيم فالخبر مستعمل في لازم ~~معناه ، على أنه مستعمل أيضا للتعريض بالمنكرين لهديه فيكون في التأكيد ~~ملاحظة تحقيقه وإبطال إنكارهم . فكما أن الخبر مستعمل في لازمين من لوازم ~~معناه فكذلك التأكيد ب ( إن ) مستعمل في غرضين من أغراضه ، وكلا الأمرين ~~مما ألحق باستعمال المشترك في معنييه . # وتنكير { صراط } للتعظيم مثل تنكير ( عظم ) في قول أبي خراش : # فلا وأبي الطير المربة في الضحى # على خالد لقد وقعن على عظم # ولأن التنكير أنسب بمقام التعريض بالذين لم يأبهوا بهدايته . # وعدل عن إضافة { صراط } إلى اسم الجلالة ابتداء لقصد الإجمال الذي يعقبه ~~التفصيل بأن يبدل منه بعد ذلك { صراط الله } ليتمكن بهذا الأسلوب المعنى ~~المقصود فضل تمكن على نحو قوله : { اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت ~~عليهم } ( الفاتحة : 6 ، 7 ) . # وإجراء وصف اسم الجلالة باسم الموصول وصلته للإيماء إلى أن سبب استقامة ~~الصراط الذي يهدي إليه النبي بأنه صراط الذي يملك ما في السماوات وما في ~~الأرض فلا يعزب عنه شيء مما يليق ms7463 بعباده ، فلما أرسل إليهم رسولا بكتاب لا ~~يرتاب في أن ما أرسل لهم فيه صلاحهم . # . # تذييل وتنهية للسورة بختام ما احتوت عليه من المجادلة والاحتجاج بكلام ~~قاطع جامع منذر بوعيد للمعرضين فاجع ومبشر بالوعد لكل خاشع . وافتتحت ~~الجملة بحرف التنبيه لاسترعاء أسماع الناس . PageV25P155 وتقديم المجرور ~~لإفادة الاختصاص ، أي إلى الله لا إلى غيره . # و { المصير } : الرجوع والانتهاء ، واستعير هنا لظهور الحقائق كما هي يوم ~~القيامة فيذهب تلبيس الملبسين ، ويهن جبروت المتجبرين ، ويقر بالحق من كان ~~فيه من المعاندين ، وهذا كقوله تعالى : { وإلى الله عاقبة الأمور } ( لقمان ~~: 22 ) وقوله : { وإليه يرجع الأمر كله } ( هود : 123 ) . والأمور : الشؤون ~~والأحوال والحقائق وكل موجود من الذوات والمعاني . # وقد أخذ هذا المعنى الكميت في قوله : # فالآن صرت إلى أمية والأمور إلى مصائر # وفي تنهية السورة بهذه الآية محسن حسن الختام . # PageV25P156 # | 1 ( سورة الزخرف ) 1 # بسم الله الرحمن الرحيم # سميت في المصاحف العتيقة والحديثة سورة الزخرف وكذلك وجدتها في جزء عتيق ~~من مصحف كوفي الخط مما كتب في أواخر القرن الخامس ، وبذلك ترجم لها الترمذي ~~في كتاب التفسير من ( جامعه ) ، وسميت كذلك في كتب التفسير . وسماها ~~البخاري في كتاب التفسير من ( صحيحه ) سورة حم الزخرف بإضافة كلمة { حم } ~~إلى الزخرف على نحو ما بيناه في تسمية سورة حم المؤمن ، روى الطبرسي عن ~~الباقر أنه سماها كذلك . ووجه التسمية أن كلمة { وزخرفا وقعت فيها ولم تقع ~~في غيرها من سور القرآن فعرفوها بهذه الكلمة . وهي مكية . وحكى ابن عطية ~~الاتفاق على أنها مكية . وأما ما روي عن قتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ~~أن آية واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمان آلهة ~~يعبدون } ( الزخرف : 45 ) نزلت بالمسجد الأقصى فإذا صح لم يكن منافيا لهذا ~~لأن المراد بالمكي ما أنزل قبل الهجرة . # وهي معدودة السورة الثانية والستين في ترتيب نزول السور ، نزلت بعد سورة ~~فصلت وقبل سورة الدخان . وعدت آيها عند العادين من معظم الأمصار تسعا ~~وثمانين ، وعدها أهل الشام ثمانيا وثمانين ms7464 . # $ 2 ( { حم & # 1764 * والكتاب المبين * إنا جعلناه قرءانا عربيا لعلكم تعقلون * وإنه فى ~~& # 1764 أم الكتاب لدينا لعلى حكيم * أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما ~~مسرفين * وكم أرسلنا من نبي فى الاولين * وما يأتيهم من نبى إلا كانوا به ~~يستهزءون * فأهلكنآ أشد منهم بطشا ومضى مثل الاولين * ولئن سألتهم من خلق ~~السماوات والارض ليقولن خلقهن العزيز العليم * الذى جعل لكم الارض مهدا ~~وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون * والذى نزل من السمآء مآء بقدر فأنشرنا ~~به بلدة ميتا كذلك تخرجون * والذى خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك ~~والانعام ما تركبون * لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم ~~عليه وتقولوا سبحان الذى سخر لنا هاذا وما كنا له مقرنين * وإنآ إلى ربنا ~~لمنقلبون * وجعلوا له من عباده جزءا إن الإنسان لكفور مبين * أم اتخذ مما ~~يخلق بنات وأصفاكم بالبنين * وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمان مثلا ظل وجهه ~~مسودا وهو كظيم * أومن ينشأ فى الحلية وهو فى الخصام غير مبين * وجعلوا ~~الملائكة الذين هم عباد الرحمان إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسئلون ~~* وقالوا لو شآء الرحمان ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون * ~~أم ءاتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون * بل قالو & # 1764 ا إنا وجدنآ ءابآءنا على أمة وإنا على ءاثارهم مهتدون * وكذلك مآ ~~أرسلنا من قبلك فى قرية من نذير إلا قال مترفوهآ إنا وجدنآ ءابآءنا على أمة ~~وإنا على ءاثارهم مقتدون * قل أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه ءابآءكم ~~قالو & # 1764 ا إنا بمآ أرسلتم به كافرون * فانتقمنا منهم فانظر كيف كان عاقبة ~~المكذبين * وإذ قال إبراهيم لابيه وقومه إننى برآء مما تعبدون * إلا الذى ~~فطرنى فإنه سيهدين * وجعلها كلمة باقية فى عقبه لعلهم يرجعون * بل متعت ~~هاؤلاء وءابآءهم حتى جآءهم الحق ورسول مبين * ولما جآءهم الحق قالوا هاذا ~~سحر وإنا به كافرون * وقالوا لولا نزل هاذا القرءان على رجل من القريتين ~~عظيم * أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا ms7465 بينهم معيشتهم فى الحيواة الدنيا ~~ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمة ربك خير مما ~~يجمعون * ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمان لبيوتهم ~~سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون * ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكئون * ~~وزخرفا وإن كل ذلك لما متاع الحيواة الدنيا والاخرة عند ربك للمتقين * ومن ~~يعش عن ذكر الرحمان نقيض له شيطانا فهو له قرين * وإنهم ليصدونهم عن السبيل ~~ويحسبون أنهم مهتدون * حتى إذا جآءنا قال ياليت بيني وبينك بعد المشرقين ~~فبئس القرين * ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم فى العذاب مشتركون * أفأنت ~~تسمع الصم أو تهدى العمى ومن كان فى ضلال مبين * فإما نذهبن بك فإنا منهم ~~منتقمون * أو نرينك الذى وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون * فاستمسك بالذى & # 1764 أوحى إليك إنك على صراط مستقيم * وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسئلون * ~~واسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنآ أجعلنا من دون الرحمان ءالهة يعبدون * ~~ولقد أرسلنا موسى بئاياتنآ إلى فرعون وملايه فقال إنى رسول رب العالمين * ~~فلما جآءهم بئاياتنآ إذا هم منها يضحكون * وما نريهم من ءاية إلا هى أكبر ~~من أختها وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون * وقالوا ياأيه الساحر ادع لنا ربك ~~بما عهد عندك إننا لمهتدون * فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون * ونادى ~~فرعون فى قومه قال ياقوم أليس لى ملك مصر وهاذه الانهار تجرى من تحتى & # 1764 أفلا تبصرون * أم أنآ خير من هاذا الذى هو مهين ولا يكاد يبين * ~~فلولا ألقى عليه أسورة من ذهب أو جآء معه الملائكة مقترنين * فاستخف قومه ~~فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين * فلمآ ءاسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم ~~أجمعين * فجعلناهم سلفا ومثلا للاخرين * ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك ~~منه يصدون * وقالو & # 1764 ا ءأالهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون * إن هو ~~إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبنى & # 1764 إسراءيل * ولو نشآء لجعلنا منكم ملائكة فى الارض يخلفون * وإنه لعلم ~~للساعة فلا تمترن بها ms7466 واتبعون هاذا صراط مستقيم * ولا يصدنكم الشيطان إنه ~~لكم عدو مبين * ولما جآء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم ~~بعض الذى تختلفون فيه فاتقوا الله وأطيعون * إن الله هو ربى وربكم فاعبدوه ~~هاذا صراط مستقيم * فاختلف الاحزاب من بينهم فويل للذين ظلموا من عذاب يوم ~~أليم * هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة وهم لا يشعرون * الاخلاء يومئذ ~~بعضهم لبعض عدو إلا المتقين * ياعباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون * ~~الذين ءامنوا بئاياتنا وكانوا مسلمين * ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون ~~* يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب وفيها ما تشتهيه الانفس وتلذ الاعين ~~وأنتم فيها خالدون * وتلك الجنة التى & # 1764 أورثتموها بما كنتم تعملون * لكم فيها فاكهة كثيرة منها تأكلون * إن ~~المجرمين فى عذاب جهنم خالدون * لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون * وما ظلمناهم ~~ولاكن كانوا هم الظالمين * ونادوا يامالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون * ~~لقد جئناكم بالحق ولاكن أكثركم للحق كارهون * أم أبرمو & # 1764 ا أمرا فإنا مبرمون * أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ~~ورسلنا لديهم يكتبون * قل إن كان للرحمان ولد فأنا أول العابدين * سبحان رب ~~السماوات والارض رب العرش عما يصفون * فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا ~~يومهم الذى يوعدون * وهو الذى فى السمآء إلاه وفى الارض إلاه وهو الحكيم ~~العليم * وتبارك الذى له ملك السماوات والارض وما بينهما وعنده علم الساعة ~~وإليه ترجعون * ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم ~~يعلمون * ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون * وقيله يارب إن ~~هاؤلاء قوم لا يؤمنون * فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون } ) 2 $ ~~PageV25P157 أغراضها # أعظم ما اشتملت عليه هذه السورة من الأغراض : # التحدي بإعجاز القرآن لأنه آية صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما جاء ~~به والتنويه به عدة مرات وأنه أوحى الله به لتذكيرهم وتكرير تذكيرهم وإن ~~أعرضوا كما أعرض من قبلهم عن رسلهم . # وإذ قد كان باعثهم على الطعن في القرآن تعلقهم بعبادة الأصنام التي ms7467 نهاهم ~~القرآن عنها كان من أهم أغراض السورة ، التعجيب من حالهم إذ جمعوا بين ~~الاعتراف بأن الله خالقهم والمنعم عليهم وخالق المخلوقات كلها وبين اتخاذهم ~~آلهة يعبدونها شركاء لله ، حتى إذا انتقض أساس عنادهم اتضح لهم ولغيرهم ~~باطلهم . وجعلوا بناتت لله مع اعتقادهم أن البنات أحط قدرا من الذكور ~~فجمعوا بذلك بين الإشراك والتنقيص . وإبطال عبادة كل ما دون الله على تفاوت ~~درجات المعبودين في الشرف فإنهم سواء في عدم الإلاهية للألوهية ولبنوة الله ~~تعالى . وعرج على إبطال حججهم ومعاذيرهم ، وسفه تخييلاتهم وترهاتهم . ~~وذكرهم بأحوال الأمم السابقين مع رسلهم ، وأنذرهم بمثل عواقبهم ، وحذرهم من ~~الاغترار بإمهال الله وخص بالذكر رسالة إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام . ~~وخص إبراهيم بأنه جعل كلمة التوحيد باقية في جمع من عقبه وتوعد المشركين ~~وأنذرهم بعذاب الآخرة بعد البعث الذي كان إنكارهم وقوعه من مغذيات كفرهم ~~وإعراضهم لاعتقادهم أنهم في مأمن بعد الموت . # وقد رتبت هذه الأغراض وتفاريعها على نسج بديع وأسلوب رائع في التقديم ~~والتأخير والأصالة والاستطراد على حسب دواعي المناسبات التي اقتضتها ~~البلاغة ، وتجديد نشاط السامع لقبول ما يلقى إليه . وتخلل في خلاله من ~~الحجج والأمثال PageV25P158 والمثل والقوارع والترغيب والترهيب شيء عجيب ، ~~مع دحض شبه المعاندين بأفانين الإقناع بانحطاط ملة كفرهم وعسف معوج سلوكهم ~~. وأدمج في خلال ذلك ما في دلائل الوحدانية من النعم على الناس والإنذار ~~والتبشير . # وقد جرت آيات هذه السورة على أسلوب نسبة الكلام إلى الله تعالى عدا ما ~~قامت القرينة على الإسناد إلى غيره . # تقدم القول في نظائره ومواقعها قبل ذكر القرآن وتنزيله . # ( 2 ، 3 ) # أقسم بالكتاب المبين وهو القرآن على أن القرآن جعله الله عربيا واضح ~~الدلالة فهو حقيق بأن يصدقوا به لو كانوا غير مكابرين ، ولكنهم بمكابرتهم ~~كانوا كمن لا يعقلون . فالقسم بالقرآن تنويه بشأنه وهو توكيد لما تضمنه ~~جواب القسم إذ ليس القسم هنا برافع لتكذيب المنكرين إذ لا يصدقون بأن ~~المقسم هو الله تعالى فإن المخاطب بالقسم هم المنكرون بدليل قوله : { لعلكم ~~تعقلون } وتفريعع { أفنضرب عنكم ms7468 الذكر صفحا } ( الزخرف : 5 ) عليه . وتوكيد ~~الجواب ب ( إن ) زيادة توكيد للخبر أن القرآن من جعل الله . # وفي جعل المقسم به القرآن بوصف كونه مبينا ، وجعلل جواب القسم أن الله ~~جعله مبينا ، تنويه خاص بالقرآن إذ جعل المقسم به هو المقسم عليه ، وهذا ~~ضرب عزيز بديع لأنه يومىء إلى أن المقسم على شأنه بلغ غاية الشرف فإذا أراد ~~المقسم أن يقسم على ثبوت شرف له لم يجد ما هو أولى بالقسم به للتناسب بين ~~القسم والمقسم عليه . وجعل صاحب ( الكشاف ) من قبيله قول أبي تمام : ~~PageV25P159 # وثناياكك إنها اغريض # ولآلل تؤم وبرق وميض # إذ قدر الزمخشري جملة ( إنها اغريض ) جواب القسم وهو الذي تبعه عليه ~~الطيبي والقزويني في شرحيهما ( للكشاف ) ، وهو ما فسر به التبريزي في شرحه ~~لديوان أبي تمام ، ولكن التفتزاني أبطل ذلك في شرح ( الكشاف ) وجعل جملة ( ~~إنها اغريض ) استئنافا أي اعتراضا لبيان استحقاق ثناياها أن يقسم بها ، ~~وجعل جواب القسم قوله بعد أبيات ثلاثة : # لتكادني غمار من الأح # داث لم أدر أيهن أخوض # والنكت والخصوصيات الأدبية يكفي فيها الاحتمال المقبول فإن قوله قبله : # وارتكاضض الكرى بعينيكك في الن # وم فنونا وما بعيني غموض # يجوز أن يكون قسما ثانيا فيكون البيت جوابا له . # وإطلاق اسم الكتاب على القرآن باعتبار أن الله أنزله ليكتب وأن الأمة ~~مأمورون بكتابته وإن كان نزوله على الرسول صلى الله عليه وسلم لفظا غير ~~مكتوب . وفي هذا إشارة إلى أنه سيكتب فى المصاحف ، والمراد ب { الكتاب } ما ~~نزل من القرآن قبل هذه السورة وقد كتبه كتاب الوحي . # وضمير { جعلناه } عائد إلى { الكتاب } ، أي إنا جعلنا الكتاب المبين ~~قرآنا والجعل : الإيجاد والتكوين ، وهو يتعدى إلى مفعول واحد . # والمعنى : أنه مقروء دون حضور كتاب فيقتضي أنه محفوظ في الصدور ولولا ذلك ~~لما كانت فائدة للإخبار بأنه مقروء لأن كل كتاب صالح لأن يقرأ . والإخبار ~~عن الكتاب بأنه قرآن مبالغة في كون هذا الكتاب مقروءا ، أي ميسرا لأن يقرأ ~~لقوله : { ولقد يسرنا القرآن للذكر } ( القمر : 17 ) وقوله : { إن ms7469 علينا ~~جمعه وقرآنه } ( القيامة : 17 ) . وقوله : { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له ~~لحافظون } ( الحجر : 9 ) . # فحصل بهذا الوصف أن الكتاب المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم جامع ~~لوصفين : كونه كتابا ، وكونه مقروءا على ألسنة الأمة . وهذا مما اختص به ~~كتاب الإسلام . PageV25P160 و { عربيا } نسبة إلى العرب ، وإذ قد كان ~~المنسوب كتابا ومقروءا فقد اقتضى أن نسبته إلى العرب نسبة الكلام واللغة ~~إلى أهلها ، أي هو مما ينطق العرب بمثل ألفاظه ، وبأنواع تراكيبه . # وانتصب { قرآنا } على الحال من مفعول { جعلناه } . # ومعنى جعله { قرآنا عربيا } تكوينه على ما كونت عليه لغة العرب ، وأن ~~الله بباهر حكمته جعل هذا الكتاب قرآنا بلغة العرب لأنها أشرف اللغات ~~وأوسعها دلالة على عديد المعاني ، وأنزله بين أهل تلك اللغة لأنهم أفهم ~~لدقائقها ، ولذلك اصطفى رسوله من أهل تلك اللغة لتتظاهر وسائل الدلالة ~~والفهم فيكونوا المبلغين مراد الله إلى الأمم . وإذا كان هذا القرآن بهاته ~~المثابة فلا يأبى من قبوله إلا قوم مسرفون في الباطل بعداء عن الإنصاف ~~والرشد ، ولكن الله أراد هديهم فلا يقطع عنهم ذكره حتى يتم مراده ويكمل ~~انتشار دينه فعليهم أن يراجعوا عقولهم ويتدبروا إخلاصهم فإن الله غير ~~مؤاخذهم بما سلف من إسرافهم إن هم ثابوا إلى رشدهم . # والمقصود بوصف الكتاب بأنه عربي غرضان : أحدهما التنويه بالقرآن ، ومدحه ~~بأنه منسوج على منوال أفصح لغة ، وثانيهما التورك على المعاندين من العرب ~~حين لم يتأثروا بمعانيه بأنهم كمن يسمع كلاما بلغة غير لغته ، وهذا تأكيد ~~لما تضمنه الحرفان المقطعان المفتتحة بهما السورة من معنى التحدي بأن هذا ~~كتاب بلغتكم وقد عجزتم عن الإتيان بمثله . # وحرف ( لعل ) مستعار لمعنى الإرادة وتقدم نظيره في قوله : { لعلكم تعقلون ~~} في أوائل سورة البقرة . # والعقل الفهم . والغرض : التعريض بأنهم أهملوا التدبر في هذا الكتاب وأن ~~كماله في البيان والإفصاح نستأهل العناية به لا الإعراض عنه فقوله : { ~~لعلكم تعقلون } مشعر بأنهم لم يعقلوا . # والمعنى : أنا يسرنا فهمه عليكم لعلكم تعقلون فأعرضتم ولم تعقلوا معانيه ~~، PageV25P161 لأنه قد نزل مقدار عظيم لو ms7470 تدبروه لعقلوا ، فهذا الخبر ~~مستعمل في التعريض على طريقة الكناية . # عطف على جملة { إنا جعلناه قرآنا عربيا } ( الزخرف : 3 ) ، فهو زيادة في ~~الثناء على هذا الكتاب ثناء ثانيا للتنويه بشأنه رفعة وإرشادا . # و { أم الكتاب } : أصل الكتاب . والمراد ب { أم الكتاب } علم الله تعالى ~~كما في قوله : { وعنده أم الكتاب } في سورة الرعد ، لأن الأم بمعنى الأصل ~~والكتاب هنا بمعنى المكتوب ، أي المحقق الموثق وهذا كناية عن الحق الذي لا ~~يقبل التغيير لأنهم كانوا إذا أرادوا أن يحققوا عهدا على طول مدة كتبوه في ~~صحيفة ، قال الحارث بن حلزة : # حذر الجور والتطاخي وهل ين # قض ما في المهارق الأهواء # و { علي أصله المرتفع ، وهو هنا مستعار لشرف الصفة وهي استعارة شائعة . # وحكيم : أصله الذي الحكمة من صفات رأيه ، فهو هنا مجاز لما يحوي الحكمة ~~بما فيه من صلاح أحوال النفوس والقوانين المقيمة لنظام الأمة . # ومعنى كون ذلك في علم الله : أن الله علمه كذلك وما علمه الله لا يقبل ~~الشك . ومعناه : أن ما اشتمل عليه القرآن من المعاني هو من مراد الله وصدر ~~عن علمه . ويجوز أيضا أن يفيد هذا شهادة بعلو القرآن وحكمته على حد قولهم ~~في اليمين : الله يعلم ، وعلم الله . # وتأكيد الكلام ب ( إن ) لرد إنكار المخاطبين إذ كذبوا أن يكون القرآن ~~موحى به من الله . # ولدينا } ظرف مستقر هو حال من ضمير { إنه } أو من { أم PageV25P162 ~~الكتاب } والمقصود : زيادة تحقيق الخبر وتشريف المخبر عنه . وقرأ الجمهور ~~في { أم الكتاب } بضم همزة { أم } . وقرأه حمزة والكسائي بكسر همزة { إم ~~الكتاب } في الوصل اتباعا لكسرة { في } ، فلو وقف على { في } لم يكسر ~~الهمزة . # الفاء لتفريع الاستفهام الإنكاري على جملة { إنا جعلناه قرآنا عربيا ~~لعلكم تعقلون } ( الزخرف : 3 ) ، أي أتحسبون أن إعراضكم عما نزل من هذا ~~الكتاب يبعثنا على أن نقطع عنكم تجدد التذكير بإنزال شيء آخر من القرآن . ~~فلما أريدت إعادة تذكيرهم وكانوا قد قدم إليهم من التذكير ما فيه هديهم لو ~~تأملوا وتدبروا ، وكانت إعادة التذكير لهم ms7471 موسومة في نظرهم بقلة الجدوى بين ~~لهم أن استمرار إعراضهم لا يكون سببا في قطع الإرشاد عنهم لأن الله رحيم ~~بهم مريد لصلاحهم لا يصده إسرافهم في الإنكار عن زيادة التقدم إليهم ~~بالمواعظ والهدي . # والاستفهام إنكاري ، أي لا يجوز أن نضرب عنكم الذكر صفحا من جراء إسرافكم ~~. # والضرب حقيقته قرع جسم بآخر ، وله إطلاقات أشهرها : قرع البعير بعصا ، ~~وهو هنا مستعار لمعنى القطع والصرف أخذا من قولهم : ضرب الغرائب عن الحوضض ~~، أي أطردها وصرفها لأنها ليست لأهل الماء ، فاستعاروا الضرب للصرف والطرد ~~، وقال طرفة : # أضرب عنك الهموم طارقها # ضربك بالسيف قونس الفرس PageV25P163 # والذكر : التذكير ، والمراد به القرآن . # والصفح : الإعراض بصفح الوجه وهو جانبه وهو أشد الإعراض عن الكلام لأنه ~~يجمع ترك استماعه وترك النظر إلى المتكلم . # وانتصب { صفحا } على النيابة عن الظرف ، أي في مكان صفح ، كما يقال : ضعه ~~جانبا ، ويجوز أن يكون { صفحا } مصدر صفح عن كذا ، إذا أعرض ، فينتصب على ~~المفعول المطلق لبيان نوع الضرب بمعنى الصرف والإعراض . # والإسراف : الإفراط والإكثار ، وأغلب إطلاقه على الإكثار من الفعل الضائر ~~. ولذلك قيل ( لا سرف في الخير ) والمقام دال على أنهم أسرفوا في الإعراض ~~عن القرآن . # وقرأ نافع وحمزة والكسائي وأبو جعفر وخلف { إن كنتم } بكسر همزة { إن } ~~فتكون { إن } شرطية ، ولما كان الغالب في استعمال { إن } الشرطية أن تقع في ~~الشرط الذي ليس متوقعا وقوعه بخلاف ( إذا ) التي هي للشرط المتيقن وقوعه ، ~~فالإتيان ب { إن } في قوله : { إن كنتم قوما مسرفين } لقصد تنزيل المخاطبين ~~المعلوم إسرافهم منزلة من يشك في إسرافه لأن توفر الأدلة على صدق القرآن من ~~شأنه أن يزيل إسرافهم وفي هذا ثقة بحقية القرآن وضرب من التوبيخ على ~~إمعانهم في الإعراض عنه . وقرأه ابن كثير وابن عامر وعاصم وأبو عمرو ويعقوب ~~بفتح الهمزة على جعل { أن } مصدرية وتقدير لام التعليل محذوفا ، أي لأجل ~~إسرافكم ، أي لا نترك تذكيركم بسبب كونكم مسرفين بل لا نزال نعيد التذكير ~~رحمة بكم . # وإقحام { قوما } قبل { مسرفين } للدلالة على أن هذا الإسراف ms7472 صار طبعا لهم ~~وبه قوام قوميتهم ، كما قدمناه عند قوله تعالى : { لآياتت لقومم يعقلون } ~~في سورة البقرة . PageV25P164 # ( 6 8 ) # لما ذكر إسرافهم في الإعراض عن الإصغاء لدعوة القرآن وأعقبه بكلام موجه ~~إلى الرسول صلى الله عليه وسلم تسلية عما يلاقيه منهم في خلال الإعراض من ~~الأذى والاستهزاء بتذكيره بأن حاله في ذلك حال الرسل من قبله وسنة الله في ~~الأمم ، ووعد للرسول صلى الله عليه وسلم بالنصر على قومه بتذكيره بسنة الله ~~في الأمم المكذبة رسلهم . وجعل للتسلية المقام الأول من هذا الكلام بقرينة ~~العدل عن ضمير الخطاب إلى ضمير الغيبة في قوله : { فأهلكنا أشد منهم } كما ~~سيأتي ، ويتضمن ذلك تعريضا بزجرهم عن إسرافهم في الإعراض عن النظر في ~~القرآن . # فجملة { وكم أرسلنا من نبيء } معطوفة على جملة { إنا جعلناه قرآنا عربيا ~~} ( الزخرف : 3 ) وما بعدها إلى هنا عطف القصة على القصة . # و { كم } اسم دال على عدد كثير مبهم ، وموقع { كم } نصب بالمفعولية ل { ~~أرسلنا } ، وهو ملتزم تقديمه لأن أصله اسم استفهام فنقل من الاستفهام إلى ~~الإخبار على سبيل الكناية . # وشاع استعماله في ذلك حتى صار الإخبار بالكثرة معنى من معاني { كم } . ~~والداعي إلى اجتلاب اسم العدد الكثير أن كثرة وقوع هذا الحكم أدخل في زجرهم ~~عن مثله وأدخل في تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم وتحصيل صبره ، لأن كثرة ~~وقوعه تؤذن بأنه سنة لا تتخلف ، وذلك أزجر وأسلى . # و { الأولين } جمع الأول ، وهو هنا مستعمل في معنى الماضين السابقين ~~كقوله تعالى : { ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين } ( الصافات : 71 ) فإن الذين ~~أهلكوا قد انقرضوا بقطع النظر عمن عسى أن يكون خلفهم من الأمم . # والاستثناء في قوله : { إلا كانوا به يستهزئون } استثناء من أحوال ، أي ~~ما يأتيهم PageV25P165 نبيء في حال من أحوالهم إلا يقارن استهزاؤهم إتيان ~~ذلك النبي إليهم . # وجملة { وما يأتيهم من نبيء إلا كانوا به يستهزئون } في موضع الحال من { ~~الأولين } ، وهذا الحال هو المقصود من الإخبار . وجملة { فأهلكنا أشد منهم ~~بطشا } تفريع وتسبب عن جملة { وكم أرسلنا ms7473 من نبيء في الأولين } . # وضمير { أشد منهم } عائد إلى قوم مسرفين الذين تقدم خطابهم فعدل عن ~~استرسال خطابهم إلى توجيهه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم لأن الغرض الأهم ~~من هذا الكلام هو تسلية الرسول ووعده بالنصر . ويستتبع ذلك التعريض بالذين ~~كذبوه فإنهم يبلغهم هذا الكلام كما تقدم . # ويظهر أن تغيير أسلوب الإضمار تبعا لتغيير المواجهة بالكلام لا ينافي ~~اعتبار الالتفات في الضمير لأن مناط الالتفات هو اتحاد مرجع الضميرين مع ~~تأتي الاقتصار على طريقة الإضمار الأولى ، وهل تغيير توجيه الكلام إلا ~~تقوية لمقتضى نقل الإضمار ، ولا تفوت النكتة التي تحصل من الالتفات وهي ~~تجديد نشاط السامع بل تزداد قوة بازدياد مقتضياتها . # وكلام ( الكشاف ) ظاهر في أن نقل الضمير هنا التفات وعلى ذلك قرره شارحوه ~~، ولكن العلامة التفتزاني قال : ومثل هذا ليس من الالتفات في شيء ا ه . ~~ولعله يرى أن اختلاف المواجهة بالكلام الواقع فيه الضميران طريقة أخرى غير ~~طريقة الالتفات ، وكلام ( الكشاف ) فيه احتمال ، وخصوصيات البلاغة واسعة ~~الأطراف . والذين هم أشد بطشا من كفار مكة : هم الذين عبر عنهم ب { الأولين ~~} ووصفوا بأنهم يستهزئون بمن يأتيهم من نبيء . وهذا ترتيب بديع في الإيجاز ~~لأن قوله : { فأهلكنا أشد منهم بطشا } يقتضي كلاما مطويا تقديره : فلا نعجز ~~عن إهلاك هؤلاء المسرفين وهم أقل بطشا . # وهذا في معنى قوله تعالى : { وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي ~~أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم } ( محمد : 13 ) . PageV25P166 # والبطش : الإضرار القوي . # وانتصب { بطشا } على التمييز لنسبة الأشدية . # و { مثل الأولين } حالهم العجيبة . ومعنى { مضى } : انقرض ، أي ذهبوا عن ~~بكرة أبيهم ، فمضي المثل كناية عن استئصالهم لأن مضي الأحوال يكون بمضي ~~أصحابها ، فهو في معنى قوله تعالى : { فقطع دابر القوم الذين ظلموا } ( ~~الأنعام : 45 ) . وذكر { الأولين } إظهار في مقام الإضمار لتقدم قوله : { ~~في الأولين } . ووجه إظهاره أن يكون الإخبار عنهم صريحا وجاريا مجرى المثل ~~. # لما كان قوله : { وكم أرسلنا من نبيء في الأولين } ( الزخرف : 6 ) موجها ~~إلى الرسول صلى الله عليه وسلم للتسلية والوعد ms7474 بالنصر ، عطف عليه خطاب ~~الرسول صلى الله عليه وسلم صريحا بقوله : { ولئن سألتهم } الآية ، لقصد ~~التعجيب من حال الذين كذبوه فإنهم إنما كذبوه لأنه دعاهم إلى عبادة إلاه ~~واحد ونبذ عبادة الأصنام ، ورأوا ذلك عجبا مع أنهم يقرون لله تعالى بأنه ~~خالق العوالم وما فيها . وهل يستحق العبادة غير خالق العابدين ، ولأن ~~الأصنام من جملة ما خلق الله في الأرض من حجارة ، فلو سألهم الرسول صلى ~~الله عليه وسلم في محاجته إياهم عن خالق الخلق لما استطاعوا غير الإقرار ~~بأنه الله تعالى . # فجملة { ولئن سألتهم } معطوفة على جملة { وكم أرسلنا من نبيء في الأولين ~~( الزخرف : 6 ) عطف الغرض ، وهو انتقال إلى الاحتجاج على بطلان الإشراك ~~بإقرارهم الضمني : أن أصنامهم خالية عن صفة استحقاقق أن تعبد . وتأكيد ~~الكلام باللام الموطئة للقسم ولام الجواب ونون التوكيد لتحقيق أنهم يجيبون ~~بذلك تنزيلا لغير المتردد في الخبر منزلة المتردد ، وهذا التنزيل كناية عن ~~جدارة حالتهم بالتعجيب من اختلال تفكيرهم وتناقض عقائدهم وإنما فرض الكشف ~~عن عقيدتهم في صورة سؤالهم عن خالقهم للإشارة إلى أنهم غافلون عن ذلك في ~~PageV25P167 مجرى أحوالهم وأعمالهم ودعائهم حتى إذا سألهم السائل عن خالقهم ~~لم يتريثوا أن يجيبوا بأنه الله ثم يرجعون إلى شركهم . # وتاء الخطاب في سألتهم } للنبيء صلى الله عليه وسلم وهو ظاهر سياق ~~التسلية ، أو يكون الخطاب لغير معين ليعم كل مخاطب يتصور منه أن يسألهم . # و { العزيز العليم } هو الله تعالى . وليس ذكر الصفتين العليتين من مقول ~~جوابهم وإنما حكي قولهم بالمعنى ، أي ليقولن خلقهن الذي الصفتان من صفاته ، ~~وإنما هم يقولون : خلقهن الله ، كما حكي عنهم في سورة لقمان و { لئن سألتهم ~~من خلق السماوات والأرض ليقولن الله } . وذلك هو المستقرى من كلامهم نثرا ~~وشعرا في الجاهلية . وإنما عدل عن اسم العلي إلى الصفتين زيادة في إفحامهم ~~بأن الذي انصرفوا عن توحيده بالعبادة عزيز عليم ، فهو الذي يجب أن يرجوه ~~الناس للشدائد لعزته وأن يخلصوا له باطنهم لأنه لا يخفى عليه سرهم ، بخلاف ~~شركائهم فإنها ms7475 أذلة لا تعلم ، وإنهم لا ينازعون وصفه ب { العزيز العليم } . # وتخصيص هاتين الصفتين بالذكر من بين بقية الصفات الإلاهية لأنها مضادة ~~لصفات الأصنام فإن الأصنام عاجزة عن دفع الأيدي . # والتقدير : ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله ، وإن سألتهم ~~: أهو العزيز العليم . # هذا كلام موجه من الله تعالى ، هو تخلص من الاستدلال على تفرده بالإلاهية ~~بأنه المنفرد بخلق السماوات والأرض إلى الاستدلال بأنه المنفرد بإسداء ~~النعم التي بها قوام أود حياة الناس . فالجملة استئناف حذف منها المبتدأ ، ~~والتقدير : هو PageV25P168 الذي جعل لكم الأرض مهادا . وهذا الاستئناف ~~معترض بين جملة { ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض } ( الزخرف : 9 ) ~~الآية وجملة { وجعلوا له من عباده جزءا } ( الزخرف : 15 ) الآية . # واسم الموصول خبر لمبتدأ محذوف تقديره : هو الذي جعل لكم وهو من حذف ~~المسند إليه الوارد على متابعة الاستعمال في تسمية السكاكي حيث تقدم الحديث ~~عن الله تعالى فيما قبل هذه الجملة . واجتلاب الموصول للاشتهار بمضمون ~~الصلة فساوى الاسم العلم في الدلالة . # وذكرت صلتان فيهما دلالة على الانفراد بالقدرة العظيمة وعلى النعمة عليهم ~~، ولذلك أقحم لفظ { لكم } في الموضعين ولم يقل : الذي جعل الأرض مهادا وجعل ~~فيها سبلا كما في قوله : { ألم نجعل الأرض مهادا والجبال أوتادا } ( النبأ ~~: 6 ، 7 ) لأن ذلك مقام الاستدلال على منكري البعث ، فسيق لهم الاستدلال ~~بإنشاء المخلوقات العظيمة التي لا تعد إعادة خلق الإنسان بالنسبة إليها ~~شيئا عجيبا . # ولم يكرر اسم الموصول في قوله : { وجعل لكم فيها سبلا } لأن الصلتين ~~تجتمعان في الجامع الخيالي إذ كلتاهما من أحوال الأرض فجعلهما كجعلل واحد . ~~وضمائر الخطاب الأحد عشر الواقعة في الآيات الأربع من قوله : { الذي جعل ~~لكم الأرض مهادا } إلى قوله { مقرنين } ( الزخرف : 10 13 ) ليست من قبيل ~~الالتفات بل هي جارية على مقتضى الظاهر . # والمهاد : اسم لشيء يمهد ، أي يوطأ ويسهل لما يحل فيه ، وتقدم في قوله : ~~{ لهم من جهنم مهاد في سورة الأعراف . ووجه الامتنان أنه جعل ظاهر الأرض ~~منبسطا وذلك الانبساط لنفع البشر الساكنين عليها . وهذا ms7476 لا ينافي أن جسم ~~الأرض كروي كما هو ظاهر لأن كرويتها ليست منفعة للناس . وقرأ عاصم مهدا } ~~بدون ألف بعد الهاء وهو مراد به المهاد . # والسبل : جمع سبيل ، وهو الطريق ، ويطلق السبيل على وسيلة الشيء كقوله { ~~يقولون هل إلى مرد من سبيل } ( الشورى : 44 ) . ويصح إرادة المعنيين هنا ~~لأن في الأرض طرقا يمكن سلوكها ، وهي السهول وسفوح الجبال وشعابها ، أي لم ~~يجعل الأرض كلها PageV25P169 جبالا فيعسر على الماشين سلوكها ، بل جعل فيها ~~سبلا سهلة وجعل جبالا لحكمة أخرى ولأن الأرض صالحة لاتخاذ طرق مطروقة سابلة ~~. # ومعنى جعلل الله تلك الطرق بهذا المعنى : أنه جعل للناس معرفة السير في ~~الأرض واتباع بعضهم آثار بعض حتى تتعبد الطرق لهم وتتسهل ويعلم السائر ، أي ~~تلك السبل يوصله إلى مقصده . # وفي تيسير وسائل السير في الأرض لطف عظيم لأن به تيسير التجمع والتعارف ~~واجتلاب المنافع والاستعانة على دفع الغوائل والأضرار والسير في الأرض ~~قريبا أو بعيدا من أكبر مظاهر المدنية الإنسانية ، ولأن الله جعل في الأرض ~~معايش الناس من النبات والثمر وورق الشجر والكمأة والفقع وهي وسائل العيش ~~فهي سبل مجازية . وتقدم نظير هذه الآية في سورة طه . # والاهتداء : مطاوع هداه فاهتدى . والهداية حقيقتها : الدلالة على المكان ~~المقصود ، ومنه سمي الدال على الطرائق هاديا ، وتطلق على تعريف الحقائق ~~المطلوبة ومنه { إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور } ( المائدة : 44 ) . ~~والمقصود هنا المعنى الثاني ، أي رجاء حصول علمكم بوحدانية الله وبما يجب ~~له ، وتقدم في { اهدنا الصراط المستقيم } ( الفاتحة : 6 ) . # ومعنى الرجاء المستفاد من ( لعل ) استعارة تمثيلية تبعية ، مثل حال من ~~كانت وسائل الشيء حاضرة لديه بحال من يرجى لحصول المتوسل إليه . # انتقل من الاستدلال والامتنان بخلق الأرض إلى الاستدلال والامتنان بخلق ~~وسائل العيش فيها ، وهو ماء المطر الذي به تنبت الأرض ما يصلح لاقتيات ~~الناس . # وأعيد اسم الموصول للاهتمام بهذه الصلة اهتماما يجعلها مستقلة فلا يخطر ~~حضورها بالبال عند حظور الصلتين اللتين قبلها فلا جامع بينها وبينهما في ~~الجامع PageV25P170 الخيالي . وتقدم الكلام على نظيره في ms7477 سورة الرعد وغيرها ~~فأعيد اسم الموصول لأن مصداقه هو فاعل جميعها . # والإنشاء : الإحياء كما في قوله : { ثم إذا شاء أنشره } ( عبس : 22 ) . # وعن ابن عباس أنه أنكر على من قرأ { كيف ننشرها } ( البقرة : 259 ) بفتح ~~النون وضم الشين وتلا { ثم إذا شاء أنشره } ( عبس : 22 ) فأصل الهمزة فيه ~~للتعدية وفعله المجرد نشر بمعنى حيي ، يقال : نشر الميت ، برفع الميت قال ~~الأعشى : # حتى يقول الناس مما رأوا # يا عجبا للميتت الناشر # وأصل النشر بسط ما كان مطويا وتفرعت من ذلك معاني الإعادة والانتشار . # والنشر هنا مجاز لأن الإحياء للأرض مجاز ، وزاده حسنا هنا أن يكون مقدمة ~~لقوله : { كذلك تخرجون } . # وضمير { فأنشرنا } التفات من الغيبة إلى التكلم . والميت ضد الحي . ووصف ~~البلدة به مجاز شائع قال تعالى : { وآية لهم الأرض الميتة أحييناها } ( يس ~~: 33 ) . # وإنما وصفت البلدة وهي مؤنث بالميت وهو مذكر لكونه على زنة الوصف الذي ~~أصله مصدر نحو : عدل وزور فحسن تجريده من علامة التأنيث على أن الموصوف ~~مجازي التأنيث . # وجملة { كذلك تخرجون } معترضة بين المتعاطفين وهو استطراد بالاستدلالل ~~على ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من إثبات البعث ، بمناسبة ~~الاستدلال على تفرد الله بالإلاهية بدلائل في بعضها دلالة على إمكان البعث ~~وإبطال إحالتهم إياه . والإشارة بذلك إلى الانتشار المأخوذ من { فأنشرنا } ~~، أي مثل ذلك الانتشار تخرجون من الأرض بعد فنائكم ، ووجه الشبه هو إحداث ~~الحي بعد موته . والمقصود من التشبيه إظهار إمكان المشبه كقول أبي الطيب : ~~PageV25P171 # فإن تفق الأنام وأنت منهم # فإن المسك بعض دمم الغزال # وقرأ الجمهور { تخرجون } بالبناء للنائب . وقرأه حمزة والكسائي وابن ~~ذكوان عن ابن عامر { تخرجون } بالبناء للفاعل والمعنى واحد . # ( 11 14 ) # هذا الانتقال من الاستدلال والامتنان بخلق وسائل الحياة إلى الاستدلال ~~بخلق وسائل الاكتساب لصلاح المعاش ، وذكر منها وسائل الإنتاج وأتبعها ~~بوسائل الاكتساب بالأسفار للتجارة . وإعادة اسم الموصول لما تقدم في نظيره ~~آنفا . # والأزواج : جمع زوج ، وهو كل ما يصير به الواحد ثانيا ، فيطلق على كل ~~منهما أنه زوج للآخر مثل الشفع ms7478 . وغلب الزوج على الذكر وأنثاه من الحيوان ، ~~ومنه { ثمانية أزواج } في سورة الأنعام ، وتوسع فيه فأطلق الزوج على الصنف ~~ومنه قوله : { ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين } ( الرعد : 3 ) . وكلا ~~الاطلاقين يصح أن يراد هنا ، وفي أزواج الأنعام منافع بألبانها وأصوافها ~~وأشعارها ولحومها ونتاجها . # ولما كان المتبادر من الأزواج بادىء النظر أزواج الأنعام وكان من أهمها ~~عندهم الرواحل عطف عليها ما هو منها وسائل للتنقل برا وأدمج معها وسائل ~~السفر بحرا . فقال : { وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون } فالمراد ب { ~~ما تركبون } بالنسبة إلى الأنعام هو الإبل لأنها وسيلة الأسفار قال تعالى : ~~{ وآية لهم أنا حملنا ذرياتهم في الفلك المشحون وخلقنا لهم من مثله ما ~~يركبون } ( يس : 41 ، 42 ) وقد قالوا : الإبل سفائن البر . PageV25P172 # وجيء بفعل { جعل } مراعاة لأن الفلك مصنوعة وليست مخلوقة ، والأنعام قد ~~عرف أنها مخلوقة لشمول قوله : { خلق الأزواج } إياها . ومعنى جعل الله ~~الفلك والأنعام مركوبة : أنه خلق في الإنسان قوة التفكير التي ينساق بها ~~إلى استعمال الموجودات في نفعه فاحتال كيف يصنع الفلك ويركب فيها واحتال ~~كيف يروض الأنعام ويركبها . # وقدم الفلك على الأنعام لأنها لم يشملها لفظ الأزواج فذكرها ذكر نعمة ~~أخرى ولو ذكر الأنعام لكان ذكره عقب الأزواج بمنزلة الإعادة . فلما ذكر ~~الفلك بعنوان كونها مركوبا عطف عليها الأنعام فصار ذكر الأنعام مترقبا ~~للنفس لمناسبة جديدة ، وهذا كقول امرىء القيس : # كأني لم أركب جوادا للذة # ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال # ولم أسبأ الراح الكميت ولم أقل # لخيلي كري كرة بعد إجفال # إذ أعقب ذكر ركوب الجواد بذكر تبطن الكاعب للمناسبة ، ولم يعقبه بقوله : ~~ولم أقل لخيلي كري كرة ، لاختلاف حال الركوبين : ركوب اللذة وركوب الحرب . # والركوب حقيقته : اعتلاء الدابة للسير ، وأطلق على الحصول في الفلك ~~لتشبيههم الفلك بالدابة بجامع السير فركوب الدابة يتعدى بنفسه وركوب الفلك ~~يتعدى ب ( في ) للفرق بين الأصيل واللاحق ، وتقدم عند قوله تعالى : { وقال ~~اركبوا فيها } في سورة هود . # و { من الفلك والأنعام } بيان لإبهام { ما } الموصولة في ms7479 قوله : { ما ~~تركبون } . وحذف عائد الصلة لأنه متصل منصوب ، وحذف مثله كثير في الكلام . ~~وإذ قد كان مفعول { تركبون } هنا مبينا بالفلك والأنعام كان حق الفعل أن ~~يعدى إلى أحدهما بنفسه وإلى الآخر ب ( في ) فغلبت التعدية المباشرة على ~~التعدية بواسطة الحرف لظهور المراد ، وحذف العائد بناء على ذلك التغليب . ~~واستعمال فعل { تركبون } هنا من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه . # والاستواء الاعتلاء . والظهور : جمع ظهر ، والظهر من علائق الأنعام لا من ~~PageV25P173 علائق الفلك ، فهذا أيضا من التغليب . والمعنى : على ظهوره وفي ~~بطونه . فضمير { ظهوره } عائد إلى { ما } الموصولة الصادق بالفلك والأنعام ~~كما هو قضية البيان ، على أن السفائن العظيمة تكون لها ظهور ، وهي أعاليها ~~المجعولة كالسطوح لتقي الراكبين المطر وشدة الحر والقر . ولذلك فجمع الظهور ~~من جمع المشترك والتعدية بحرفف { على } بنيت على أن للسفينة ظهرا قال تعالى ~~: { فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك } ( المؤمنون : 28 ) . # وقد جعل قوله : { لتستووا على ظهوره } توطئة وتمهيدا للإشارة إلى ذكر ~~نعمة الله في قوله : { ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه } أي حينئذ ، ~~فإن ذكر النعمة في حال التلبس بمنافعها أوقع في النفس وأدعى للشكر عليها . ~~وأجدر بعدم الذهول عنها ، أي جعل لكم ذلك نعمة لتشعروا بها فتشكروه عليها ، ~~فالذكر هنا هو التذكر بالفكر لا الذكر باللسان . # وهذا تعريض بالمشركين إذ تقلبوا في نعم الله وشكروا غيره إذ اتخذوا له ~~شركاء في الإلاهية وهم لم يشاركوه في الأنعام . وذكر النعمة كناية عن شكرها ~~لأن شكر المنعم لازم للإنعام عرفا فلا يصرف عنه إلا نسيانه فإذا ذكره شكر ~~النعمة . # وعطف على { تذكروا نعمة ربكم } قوله : { وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا ~~} ، أي لتشكروا الله في نفوسكم وتعلنوا بالشكر بألسنتكم ، فلقنهم صيغة شكر ~~عناية به كما لقنهم صيغة الحمد في سورة الفاتحة وصيغة الدعاء في آخر سورة ~~البقرة . # وافتتح هذا الشكر اللساني بالتسبيح لأنه جامع للثناء إذ التسبيح تنزيه ~~الله عما لا يليق ، فهو يدل على التنزيه عن النقائص بالصريح ويدل ضمنا على ~~إثبات ms7480 الكمالات لله في المقام الخطابي . واستحضار الجلالة بطريق الموصولية ~~لما يؤذن به الموصول من علة التسبيح حتى يصير الحمد الذي أفاده التسبيح ~~شكرا لتعليله بأنه في مقابلة التسخير لنا . PageV25P174 واسم الإشارة موجه ~~إلى المركوب حينما يقول الراكب هذه المقالة من دابة أو سفينة . # والتسخير : التذييل والتطويع . وتسخير الله الدواب هو خلقه إياها قابلة ~~للترويض فاهمة لمراد الراكب ، وتسخير الفلك حاصل بمجموع خلق البحر صالحا ~~لسبح السفن على مائه ، وخلق الرياح تهب فتدفع السفن على الماء ، وخلق حيلة ~~الإنسان لصنع الفلك ، ورصد مهاب الرياح ، ووضع القلوع والمجاذيف ، ولولا ~~ذلك لكانت قوة الإنسان دون أن تبلغ استخدام هذه الأشياء القوية . ولهذا عقب ~~بقوله : { وما كنا له مقرنين } أي مطيقين ، أي بمجرد القوة الجسدية ، أي ~~لولا التسخير المذكور ، فجملة { وما كنا له مقرنين } في موضع الحال من ضمير ~~{ لنا } أي سخرها لنا في حال ضعفنا بأن كان تسخيره قائما مقام القوة . # والمقرن : المطيق ، يقال : أقرن ، إذا أطاق ، قال عمرو بن معديكرب : # لقد علم القبائل ما عقيل # لنا في النائبات بمقرنينا # وختم هذا الشكر والثناء بالاعتراف بأن مرجعنا إلى الله ، أي بعد الموت ~~بالبعث للحساب والجزاء ، وهذا إدماج لتلقينهم الإقرار بالبعث . وفيه تعريض ~~بسؤال إرجاع المسافر إلى أهله فإن الذي يقدر على إرجاع الأموات إلى الحياة ~~بعد الموت يرجى لإرجاع المسافر سالما إلى أهله . # والانقلاب : الرجوع إلى المكان الذي يفارقه . والجملة معطوفة على جملة ~~التنزيه عطف الخبر على الإنشاء . وفي هذا تعريض بتوبيخ المشركين على كفران ~~نعمة الله بالإشراك وبنسبة العجز عن الإحياء بعد الموت لأن المعنى : وجعل ~~لكم من الفلك والأنعام ما تركبون لتشكروا بالقلب واللسان فلم تفعلوا ، ~~ولملاحظة هذا المعنى أكد الخبر . وفيه تعريض بالمؤمنين بأن يقولوا هذه ~~المقالة كما شكروا لله ما سخر لهم من الفلك والأنعام . PageV25P175 وفيه ~~إشارة إلى أن حق المؤمن أن يكون في أحواله كلها ملاحظا للحقائق العالية ~~ناظرا لتقلبات الحياة نظر الحكماء الذين يستدلون ببسائط الأمور على عظيمها ~~. # هذا متصل بقوله : { ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ms7481 } ( الزخرف : 9 ) ~~أي ولئن سألتهم عن خالق الأشياء ليعترفن به وقد جعلوا له مع ذلك الاعتراف ~~جزءا . # فالواو للعطف على جملة { ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض . ويجوز ~~كونها للحال على معنى : وقد جعلوا له من عباده جزءا ، ومعنى الحال تفيد ~~تعجيبا منهم في تناقض آرائهم وأقوالهم وقلبهم الحقائق ، وهي غبارة في الرأي ~~تعرض للمقلدين في العقائد الضالة لأنهم يلفقون عقائدهم من مختلف آراء ~~الدعاة فيجتمع للمقلد من آراء المختلفين في النظر ما لو اطلع كل واحد من ~~المقتدين بهم على رأي غيره منهم لأبطله أو رجع عن الرأي المضاد له . # فالمشركون مقرون بأن الله خالق الأشياء كلها ومع ذلك جعلوا له شركاء في ~~الإلهية ، وكيف يستقيم أن يكون المخلوق إلاها ، وجعلوا لله بنات ، والبنوة ~~تقتضي المماثلة في الماهية ، وكيف يستقيم أن يكون لخالق الأشياء كلها بنات ~~فهن لا محالة مخلوقات له فإن لم يكن مخلوقات لزم أن يكن موجودات بوجوده ~~فكيف تكن بناته . وإلى هذا التناقض الإشارة بقوله : من عباده } أي من ~~مخلوقاته ، أو ليست العبودية الحقة إلا عبودية المخلوق جزءا ، أي قطعة . # والجزء : بعض من كل ، والقطعة منه . والولد كجزء من الوالد لأنه منفصل ~~منه ، ولذلك يقال للولد : بضعة . فهم جمعوا بين اعتقاد حدوث الملائكة وهو ~~مقتضى أنها عباد الله وبين اعتقاد إلاهيتها وهو مقتضى أنها بنات الله لأن ~~البنوة تقتضي المشاركة في الماهية . # ولما كانت عقيدة المشركين معروفة لهم ومعروفة للمسلمين كان المراد من ~~الجزء : PageV25P176 البنات ، لقول المشركين : إن الملائكة بنات الله من ~~سرواتت الجن ، أي أمهاتهم سروات الجن ، أي شريفات الجن فسروات جمع سرية . ~~وحكى القرطبي أن المبرد قال : الجزء ها هنا البنات ، يقال : أجزأت المرأة ، ~~إذا ولدت أنثى . وفي ( اللسان ) عن الزجاج أنه قال : أنشدت بيتا في أن معنى ~~جزء معنى الإناث ولا أدري البيت أقديم أم مصنوع ، وهو : # إن أجزأت حرة يوما فلا عجب # قد تجزىء الحرة المذكار أحيانا # وفي ( تاج العروس ) : أن هذا البيت أنشده ثعلب ، وفي ( اللسان ) أنشد أبو ~~حنيفة : # زوجتها من ms7482 بناتت الأوس مجزئة # للعوسج الرطبب في أبياتها زجل # ونسبه الماوردي في تفسيره إلى أهل اللغة . وجزم صاحب ( الكشاف ) بأن هذا ~~المعنى كذب على العرب وأن البيتين مصنوعان . # والجعل هنا معناه : الحكم على الشيء بوصفه حكما لا مستند له فكأنه صنع ~~باليد والصنع باليد يطلق عليه الجعل . # وجملة { إن الإنسان لكفور مبين } تذييل يدل على استنكار ما زعموه بأنه ~~كفر شديد . والمراد ب { الإنسان } هؤلاء الناس خاصة . # والمبين : الموضح كفره في أقواله الصريحة في كفر نعمة الله . # ( 16 ، 17 ) # { أم } للإضراب وهو هنا انتقالي لانتقال الكلام من إبطال معتقدهم بنوة ~~الملائكة لله تعالى بما لزمه من انتقاص حقيقة الإلاهية ، إلى إبطاله بما ~~يقتضيه من PageV25P177 انتقاص ينافي الكمال الذي تقتضيه الإلاهية . والكلام ~~بعد { أم } استفهام ، وهو استفهام إنكاري كما اقتضاه قوله : { وأصفاكم ~~بالبنين } . ومحل الاستدلال أن الإناث مكروهة عندهم فكيف يجعلون لله أبناء ~~إناثا وهلا جعلوها ذكورا . وليست لهم معذرة عن الفساد المنجر إلى معتقدهم ~~بالطريقتين لأن الإبطال الأول نظري يقيني والإبطال الثاني جدلي بديهي قال ~~تعالى : { ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى } ( النجم : 21 ، 22 ) ~~. فهذه حجة ناهضة عليهم لاشتهارها بينهم . # ولما ادعت سجاحح بنت الحارث النبوءة في بني تميم أيام الردة وكان قد ادعى ~~النبوءة قبلها مسيلمة الحنفي ، والأسود العنسي ، وطليحة بن خويلد الأسدي ، ~~قال عطارد بن حاجب التميمي : # أضحت نبيئتنا أنثى نطيف بها # وأصبحت أنبياء الناس ذكرانا # وأوثر فعل { اتخذ } هنا لأنه يشمل الاتخاذ بالولادة ، أي بتكوين الانفصال ~~عن ذات الله تعالى بالمزاوجة مع سروات الجن ، ويشمل ما هو دون ذلك وهو ~~التبني فعلى كلا الفرضين يتوجه إنكار أن يكون ما هو لله أدون مما هو لهم ~~كما قال تعالى : { ويجعلون لله ما يكرهون } ( النحل : 62 ) . وقد أشار إلى ~~هذا قوله : { وأصفاكم بالبنين } ، فهذا ارتقاء في إبطال معتقدهم بإبطال فرض ~~أن يكون الله تبنى الملائكة ، سدا على المشركين باب التأول والتنصلل من ~~فساد نسبتهم البناتت إلى الله ، فلعلهم يقولون : ما أردنا إلا التبني ، كما ~~تنصلوا حين دمغتهم ms7483 براهين بطلان إلاهية الأصنام فقالوا : { ما نعبدهم إلا ~~ليقربونا إلى الله زلفى } ( الزمر : 3 ) ، وقالوا : { هؤلاء شفعاؤنا عند ~~الله } ( يونس : 18 ) . # واعلم أن ما تؤذن به { أم } حيثما وقعت من تقدير استفهام بعدها هو هنا ~~استفهام في معنى الإنكار وتسلط الإنكار على اتخاذ البنات مع عدم تقدم ذكر ~~البنات لكونن المعلومم من جعل المشركين لله جزءا أن المجعول جزءا له هو ~~الملائكة وأنهم يجعلون الملائكة إناثا ، فذلك معلوم من كلامهم . وجملة { ~~وأصفاكم بالبنين } في موضع الحال . # والنفي الحاصل من الاستفهام الإنكاري منصب إلى قيد الحال ، فحصل ~~PageV25P178 إبطال اتخاذ الله البناتت بدليلين ، لأن إعطاءهم البنين واقع ~~فنفي اقترانه باتخاذه لنفسه البنات يقتضي انتفاء اتخاذه البنات فالمقصود ~~اقتران الإنكار بهذا القيد . وبهذا يتضح أن الواو في جملة { وأصفاكم } ليست ~~واو العطف لأن إنكار أن يكون أصفاهم بالبنين لا يقتضي نفي الأولاد الذكور ~~عن الله تعالى . والخطاب في { وأصفاكم } موجه إلى الذين جعلوا له من عباده ~~جزءا ، وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب ليكون الإنكار والتوبيخ أوقع ~~عليهم لمواجهتهم به . # وتنكير { بنات } لأن التنكير هو الأصل في أسماء الأجناس . وأما تعريف { ~~البنين } باللام فهو تعريف الجنس المتقدم في قوله : { الحمد لله } في سورة ~~الفاتحة . والمقصود منه هنا الإشارة إلى المعروف عندهم المتنافس في وجوده ~~لديهم وتقدم عند قوله { يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور } في سورة ~~الشورى . # وتقديم { البنات } في الذكر على { البنين } لأن ذكرهن أهم هنا إذ هو ~~الغرض المسوق له الكلام بخلاف مقام قوله : { أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ ~~من الملائكة إناثا } في سورة الإسراء . ولما في التقديم من الرد على ~~المشركين في تحقيرهم البنات وتطيرهم منهن مثل ما تقدم في سورة الشورى . # والإصفاء : إعطاء الصفوة ، وهي الخيار من شيء . # وجملة { وإذا بشر أحدهم } يجوز أن تكون في موضع الحال من ضمير النصب في { ~~وأصفاكم ربكم بالبنين ، ومقتضى الظاهر أن يؤتى بضمير الخطاب في قوله : ~~أحدهم } فعدل عن ضمير الخطاب إلى ضمير الغيبة على طريق الالتفات ليكونوا ~~محكيا حالهم إلى ms7484 غيرهم تعجيبا من فساد مقالتهم وتشنيعا بها إذ نسبوا لله ~~بنات دون الذكور وهو نقص ، وكانوا ممن يكره البنات ويحقرهن فنسبتها إلى ~~الله مفض إلى الاستخفاف بجانب الإلاهية . # والمعنى : أأتخذ مما يخلق بنات الله وأصفاكم بالبنين في حال أنكم إذا بشر ~~أحدكم بما ضربه للرحمان مثلا ظل وجهه مسودا . PageV25P179 ويجوز أن تكون ~~اعتراضا بين جملة { أم اتخذ مما يخلق بنات } وجملة { أو من ينشأ في الحلية ~~} ( الزخرف : 18 ) . # واستعمال البشارة هنا تهكم بهم كقوله : { فبشرهم بعذاب أليم } ( الإنشقاق ~~: 2 ) لأن البشارة إعلام بحصول أمر مسر . # و ( ما ) في قوله : { بما ضرب للرحمان مثلا } موصولة ، أي بشر بالجنس ~~الذي ضربه ، أي جعله مثلا وشبها لله في الإلاهية ، وإذ جعلوا جنس الأنثى ~~جزءا لله ، أي منفصلا منه فالمبشر به جنس الأنثى ، والجنس لا يتعين . فلا ~~حاجة إلى تقدير بشر بمثل ما ضربه للرحمان مثلا . # والمثل : الشبيه . # والضرب : الجعل والصنع ، ومنه ضرب الدينار ، وقولهم : ضربة لازبب ، فما ~~صدق { بما ضرب للرحمان مثلا } هو الإناث . # ومعنى { ظل } هنا : صار ، فإن الأفعال الناقصة الخمسة المفتتح بها باب ~~الأفعال الناقصة ، تستعمل بمعنى صار . # واسوداد الوجه من شدة الغضب والغيظ إذ يصعد الدم إلى الوجه فتصير حمرته ~~إلى سواد ، والمعنى : تغيظ . # والكظيم : الممسك ، أي عن الكلام كربا وحزنا . # عطف إنكار على إنكار ، والواو عاطفة الجملة على الجملة وهي مؤخرة عن همزة ~~الاستفهام لأن للاستفهام الصدر وأصل الترتيب : وأمن ينشأ . وجملة الاستفهام ~~معطوفة على الإنكار المقدر بعد { أم في قوله : أم اتخذ مما يخلق بنات } ( ~~الزخرف : 16 ) ، ولذلك يكون { من ينشؤا في الحلية } في محل نصب بفعل محذوف ~~دل عليه فعل { اتخذ PageV25P180 في قوله : أم اتخذ مما يخلق بنات } ( ~~الزخرف : 16 ) . والتقدير : أأتخذ من ينشأ في الحلية الخ . ولك أن تجعل { ~~من ينشؤا في الحلية } بدلا من قوله { بنات بدلا مطابقا وأبرز العامل في ~~البدل لتأكيد معنى الإنكار لا سيما وهو قد حذف من المبدل منه . وإذ كان ~~الإنكار إنما يتسلط على حكم الخبر كان موجب الإنكار الثاني ms7485 مغايرا لموجب ~~الإنكار الأول وإن كان الموصوف بما لوصفين اللذين تعلق بهما الإنكار موصوفا ~~واحدا وهو الأنثى . # ونشء الشيء في حالة أن يكون ابتداء وجوده مقارنا لتلك الحالة فتكون للشيء ~~بمنزلة الظرف . ولذلك اجتلب حرف في } الدالة على الظرفية وإنما هي مستعارة ~~لمعنى المصاحبة والملابسة فمعنى { من ينشؤا في الحلية } من تجعل له الحلية ~~من أول أوقات كونه ولا تفارقه ، فإن البنت تتخذ لها الحلية من أول عمرها ~~وتستصحب في سائر أطوارها ، وحسبك أنها شقت طرفا أذنيها لتجعل لها فيهما ~~الأقراط بخلاف الصبي فلا يحلى بمثل ذلك وما يستدام له . والنشء في الحلية ~~كناية عن الضعف عن مزاولة الصعاب بحسب الملازمة العرفية فيه . والمعنى : أن ~~لا فائدة في اتخاذ الله بنات لا غناء لهن فلا يحصل له باتخاذها زيادة عزة ، ~~بناء على متعارفهم ، فهذا احتجاج إقناعي خطابي . # و { الخصام } ظاهره : المجادلة والمنازعة بالكلام والمحاجة ، فيكون ~~المعنى : أن المرأة لا تبلغ المقدرة على إبانة حجتها . وعن قتادة : ما ~~تكلمت امرأة ولها حجة إلا جعلتها على نفسها ، وعنه : { من ينشأ في الحلية } ~~هن الجواري يسفههن بذلك ، وعلى هذا التفسير درج جميع المفسرين . # والمعنى عليه : أنهن غير قوادر على الانتصار بالقول فبلأولى لا يقدرن على ~~ما هو أشد من ذلك في الحرب ، أي فلا جدوى لاتخاذهن أولادا . # ويجوز عندي : أن يحمل الخصام على التقاتل والدفاع باليد فإن الخصم يطلق ~~على المحارب ، قال تعالى : { هذان خصمان اختصموا في ربهم } ( الحج : 19 ) ~~فسر بأنهم نفر من المسلمين مع نفر من المشركين تقاتلوا يوم بدر . ~~PageV25P181 # فمعنى { غير مبين } غير محقق النصر . قال بعض العرب وقد بشر بولادة بنت : ~~( والله ما هي بنعم الولد بزها بكاء ونصرها سرقة ) . # والمقصود من هذا فضح معتقدهم الباطل وأنهم لا يحسنون إعمال الفكر في ~~معتقداتهم وإلا لكانوا حين جعلوا لله بنوة أن لا يجعلوا له بنوة الإناث وهم ~~يعدون الإناث مكروهات مستضعفات . وتذكير ضمير { وهو في الخصام } مراعاة ~~للفظ { من } الموصولة . # و { الحلية } : اسم لما يتحلى به ، أي يتزين به ، قال ms7486 تعالى : { ~~وتستخرجون منه حلية تلبسونها } ( النحل : 14 ) . # وقرأ الجمهور { ينشأ } بفتح الياء وسكون النون . وقرأه حفص وحمزة ~~والكسائي { ينشأ } بضم الياء وفتح النون وتشديد الشين ومعناه : يعوده على ~~النشأة في الحلية ويربى . # عطف على { وجعلوا له من عباده جزءا } ( الزخرف : 15 ) ، أعيد ذلك مع تقدم ~~ما يغني عنه من قوله : { أم اتخذ مما يخلق بنات } ( الزخرف : 16 ) ليبنى ~~عليه الإنكار عليهم بقوله : { أأشهدوا خلقهم } استقراء لإبطال مقالهم إذ ~~أبطل ابتداء بمخالفته لدليل العقل وبمخالفته لما يجب لله من الكمال ، فكمل ~~هنا إبطاله بأنه غير مستند لدليل الحس . # وجملة { الذين هم عند الرحمن } صفة الملائكة . قرأ نافع وابن كثير وابن ~~عامر وأبو جعفر ويعقوب { عند } بعين فنون ودال مفتوحة والعندية عندية تشريف ~~، أي الذين هم معدودون في حضرة القدس المقدسة بتقديس الله فهم يتلقون الأمر ~~من الله بدون وساطة وهم دائبون على عبادته ، فكأنهم في حضرة الله ، وهذا ~~كقوله : { وله ما في السماوات والأرض ومن PageV25P182 عنده } ( الأنبياء : ~~19 ) وقوله : { إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته } ( الأعراف : 206 ~~) ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم ( تحاج آدم وموسى عند الله عز وجل ) ~~الحديث ، فالعندية مجاز والقرينة هي شأن من أضيف إليه { عند } . # وقرأ الباقون { عباد الرحمان } بعين وموحدة بعدها ألف ثم دال مضمومة على ~~معنى : الذين هم عباد مكرمون ، فالإضافة إلى اسم الرحمن تفيد تشريفهم قال ~~تعالى : { بل عباد مكرمون } ( الأنبياء : 26 ) والعبودية عبودية خاصة وهي ~~عبودية القرب كقوله تعالى : { فكذبوا عبدنا } ( القمر : 9 ) . # وجملة { أأشهدوا خلقهم } معترضة بين جملة { وجعلوا الملائكة } وجملة { ~~وقالوا لو شاء الرحمان ما عبدناهم } ( الزخرف : 20 ) . # وقرأ نافع وأبو جعفر بهمزتين أولاهما مفتوحة والأخرى مضمومة وسكون شين { ~~أأشهدوا } مبنيا للنائب وكيفية أداء الهمزتين يجري على حكم الهمزتين في ~~قراءة نافع ، وعلى هذه القراءة فالهمزة للاستفهام وهو للإنكار والتوبيخ . ~~وجيء بصيغة النائب عن الفاعل دون صيغة الفاعل لأن الفاعل معلوم أنه الله ~~تعالى لأن العالم العلوي الذي كان فيه خلق الملائكة لا يحضره إلا من أمر ms7487 ~~الله بحضوره ، ألا ترى إلى ما ورد في حديث الإسراء من قول كل ملك موكلل ~~بباب من أبواب السماوات لجبريل حين يستفتح ) من أنت ؟ قال : جبريل ، قال : ~~ومن معك ؟ قال : محمد قال : وقد أرسل إليه ؟ قال : نعم ، قال : مرحبا ونعم ~~المجيء جاء وفتح له ) . # والمعنى : أأشهدهم الله خلق الملائكة وكقوله تعالى : { ما أشهدتهم خلق ~~السماوات والأرض } ( الكهف : 51 ) . # وقرأه الباقون بهمزة مفتوحة فشين مفتوحة بصيغة الفعل ، فالهمزة لاستفهام ~~الإنكار دخلت على فعل شهد ، أي ما حضروا خلق الملائكة على نحو قوله تعالى : ~~{ أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون } ( الصافات : 150 ) . # وجملة { ستكتب شهادتهم } بدل اشتمال من جملة { أأشهدوا خلقهم } لأن ~~PageV25P183 ذلك الإنكار يشتمل على الوعيد . وهذا خبر مستعمل في التوعد . ~~وكتابة الشهادة كناية عن تحقق العقاب على كذبهم كما تقدم آنفا في قوله : { ~~وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم } ( الزخرف : 4 ) ومنه قوله تعالى : { ~~سنكتب ما قالوا } ( آل عمران : 181 ) . والسين في { ستكتب } لتأكيد الوعيد ~~. # والمراد بشهادتهم : ادعاؤهم أن الملائكة إناثا ، وأطلق عليها شهادة تهكما ~~بهم . # والسؤال سؤال تهديد وإنذار بالعقاب وليس مما يتطلب عنه جواب كقوله تعالى ~~: { ثم لتسألن يومئذ عن النعيم } ( التكاثر : 8 ) ، ومنه قول كعب بن زهير : # لذاك أهيب عندي إذ أكلمه # وقيل إنك منسوب ومسؤول # أي مسؤول عما سبق منك من التكذيب الذي هو معلوم للسائل . # عطف على جملة { ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز ~~العليم } ( الزخرف : 9 ) ، فإنها استدلال على وحدانية الله تعالى وعلى أن ~~معبوداتهم غير أهل لأن تعبد . فحكي هنا ما استظهروه من معاذيرهم عند نهوض ~~الحجة عليهم يرومون بها إفحام النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين فيقولون ~~: لو شاء الله ما عبدنا الأصنام ، أي لو أن الله لا يحب أن نعبدها لكان ~~الله صرفنا عن أن نعبدها ، وتوهموا أن هذا قاطع لجدال النبي صلى الله عليه ~~وسلم لهم لأنهم سمعوا من دينه أن الله هو المتصرف في الحوادث فتأولوه على ~~غير المراد منه . فضمير الغيبة في { ما عبدناهم ms7488 } عائد إلى معلوم من المقام ~~ومن ذكر فعل العبادة لأنهم كانوا يعبدون الأصنام وهم الغالب ، وأقوام منهم ~~يعبدون الجن قال تعالى : { بل كانوا يعبدون الجن } ( سبأ : 41 ) . # قال ابن مسعود : كان نفر من العرب يعبدون الجن ، وأقوام يعبدون الملائكة ~~مثل بني مليح بضم الميم وفتح اللام وبحاء مهملة وهم حي من خزاعة . فضمير ~~جمع PageV25P184 المذكر تغليب وليس عائدا إلى الملائكة لأنهم كانوا يزعمون ~~الملائكة إناثا فلو أرادوا الملائكة لقالوا ما عبدناها أو ما عبدناهن . ~~وهذا هو الوجه في معنى الآية . ومثله مروي عن مجاهد وابن جريج واقتصر عليه ~~الطبري وابن عطية ، ومن المفسرين من جعل معاد الضمير { الملائكة } ( الزخرف ~~: 19 ) ولعلهم حملهم على ذلك وقوع هذا الكلام عقب حكاية قولهم في الملائكة ~~: إنهم إناث وليس اقتران كلام بكلام بموجب اتحاد محمليهما . وعلى هذا ~~التفسير درج صاحب ( الكشاف ) وهو بعيد من اللفظ لتذكير الضمير كما علمت ، ~~ومن الواقع لأن العرب لم يعبد منهم الملائكة إلا طوائف قليلة عبدوا الجن ~~والملائكة مع الأصنام وليست هي الديانة العامة للعرب . وهذه المقالة مثارها ~~تخليط العامة والدهماء من عهد الجاهلية بين المشيئة والإرادة ، وبين الرضى ~~والمحبة ، فالعرب كانوا يقولون : شاء الله وإن شاء الله ، وقال طرفة : # فلو شاء ربي كنت قيس بن عاصم # ولو شاء ربي كنت عمرو بن مرثد # فبنوا على ذلك تخليطا بين مشيئة الله بمعنى تعلق إرادته بوقوع شيء ، وبين ~~مشيئته التي قدرها في نظام العالم من إناطة المسببات بأسبابها ، واتصال ~~الآثار بمؤثراتها التي رتبها الله بقدر حين كون العالم ونظمه وأقام له سننا ~~ونواميس لا تخرج عن مدارها إلا إذا أراد الله قلب نظمها لحكمة أخرى . ~~فمشيئة الله بالمعنى الأول يدل عليها ما أقامه من نظام أحوال العالم وأهله ~~. ومشيئته بالمعنى الثاني تدل عليها شرائعه المبعوث بها رسله . # وهذا التخليط بين المشيئتين هو مثار خبط أهل الضلالات من الأمم ، ومثار ~~حيرة أهل الجهالة والقصور من المسلمين في معنى القضاء والقدر ومعنى التكليف ~~والخطاب . وقد بينا ذلك عند قوله تعالى : { سيقول الذين ms7489 أشركوا لو شاء الله ~~ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا ~~بأسنا في سورة الأنعام . # وهذا القول الصادر منهم ينتظم منه قياس استثنائي أن يقال : لو شاء الله ~~ما PageV25P185 عبدنا الأصنام ، بدليل أن الله هو المتصرف في شؤوننا وشؤون ~~الخلائق لكنا عبدنا الأصنام بدليل المشاهدة فقد شاء الله أن نعبد الأصنام . # وقد أجيبوا عن قولهم بقوله تعالى : ما لهم بذلك من علم } أي ليس لهم ~~مستند ولا حجة على قياسهم لأن مقدم القياس الاستثنائي وهو { لو شاء الرحمن ~~ما عبدناهم } مبني على التباس المشيئة التكوينية بالمشيئة التكليفية فكان ~~قياسهم خليا عن العلم وهو اليقين ، فلذلك قال الله : { ما لهم بذلك } أي ~~بقولهم ذلك { من علم } بل هو من جهالة السفسطة واللبس . والإشارة إلى ~~الكلام المحكي بقوله : { وقالوا لو شاء الرحمن } . # وجملة { إن هم إلا يخرصون } بيان لجملة { ما لهم بذلك من علم } . # والخرص : التوهم والظن الذي لا حجة فيه قال تعالى : { قتل الخراصون } ( ~~الذاريات : 10 ) . # إضراب انتقالي ، عطف على جملة { ما لهم بذلك من علم } ( الزخرف : 20 ) ~~فبعد أن نفى أن يكون قولهم { لو شاء الرحمن ما عبدناهم } ( الزخرف : 20 ) ~~مستندا إلى حجة العقل ، انتقل إلى نفي أن يكون مستندا إلى حجة النقل عن ~~إخبار العالم بحقائق الأشياء التي هي من شؤونه . # واجتلب للإضراب حرف { أم } دون ( بل ) لما تؤذن به { أم } من استفهام ~~بعدها ، وهو إنكاري . والمعنى : وما آتيناهم كتابا من قبله . وضمير { من ~~قبله } عائد إلى القرآن المذكور في أول السورة . وفي قوله : { وإنه في أم ~~الكتاب لدينا لعلي حكيم } ( الزخرف : 4 ) . وفي هذا ثناء ثالث على القرآن ~~ضمني لاقتضائه أن القرآن لا يأتي إلا بالحق الذي يستمسك به . # وهذا تمهيد للتخلص إلى قوله تعالى : { بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة ~~} ( الزخرف : 22 ) . # و { من } مزيدة لتوكيد معنى ( قبل ) . والضمير المضاف إليه ( قبل ) ضمير ~~PageV25P186 القرآن ولم يتقدم له معاد في اللفظ ولكنه ظاهر من دلالة قوله : ~~{ كتابا } . # و { مستمسكون ms7490 } مبالغة في ( ممسكون ) يقال : أمسك بالشيء ، إذا شد عليه ~~يده ، وهو مستعمل مجازا في معنى الثبات على الشيء كقوله تعالى : { فاستمسك ~~بالذي أوحي إليك } ( الزخرف : 43 ) . # هذا إضراب إبطال عن الكلام السابق من قوله تعالى : { فهم به مستمسكون } ( ~~الزخرف : 21 ) فهو إبطال للمنفي لا للنفي ، أي ليس لهم علم فيما قالوه ولا ~~نقل . فكان هذا الكلام مسوقا مساق الذم لهم إذ لم يقارنوا بين ما جاءهم به ~~الرسول وبين ما تلقوه من آبائهم فإن شأن العاقل أن يميز ما يلقى إليه من ~~الاختلاف ويعرضه على معيار الحق . # والأمة هنا بمعنى الملة والدين ، كما في قوله تعالى في سورة الأنبياء { ~~إن هذه أمتكم أمة واحدة ، وقول النابغة : # وهل يأثمن ذو أمة وهو طائع # أي ذو دين . # وعلى } استعارة تبعية للملابسة والتمكن . # وقوله : { على آثارهم } خبر ( إن ) . و { مهتدون } خبر ثان . ويجوز أن ~~يكون { على آثارهم } متعلقا ب { مهتدون } بتضمين { مهتدون } معنى سائرون ، ~~أي أنهم لا حجة لهم في عبادتهم الأصنام إلا تقليد آبائهم ، وذلك ما يقولونه ~~عند المحاجة إذ لا حجة لهم غير ذلك . وجعلوا اتباعهم إياهم اهتداء لشدة ~~غرورهم بأحوال آبائهم بحيث لا يتأملون في مصادفة أحوالهم للحق . ~~PageV25P187 # جملة معترضة لتسلية النبي صلى الله عليه وسلم على تمسك المشركين بدين ~~آبائهم والإشارة إلى المذكور من قولهم : { إنا وجدنا آباءنا على أمة ( ~~الزخرف : 22 ) ، أي ومثل قولهم ذلك ، قال المترفون من أهل القرى المرسل ~~إليهم الرسل من قبلك . # والواو للعطف أو للاعتراض وما الواو الاعتراضية في الحقيقة إلا تعطف ~~الجملة المعترضة على الجملة التي قبلها عطفا لفظيا . # والمقصود أن هذه شنشنة أهل الضلال من السابقين واللاحقين ، قد استووا فيه ~~كما استووا في مثاره وهو النظر القاصر المخطىء ، كما قال تعالى : أتواصوا ~~به بل هم قوم طاغون } ( الذاريات : 53 ) ، أي بل هم اشتركوا في سببه الباعث ~~عليه وهو الطغيان . ويتضمن هذا تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم على ما ~~لقيه من قومه ، بأن الرسل من قبله لقوا مثل ما لقي . # وكاف التشبيه ms7491 متعلق بقوله : { قال مترفوها } . وقدم على متعلقه للاهتمام ~~بهذه المشابهة والتشويق لما يرد بعد اسم الإشارة . # وجملة { إلا قال مترفوها } في موضع الحال لأن الاستثناء هنا من أحوال ~~مقدرة أي ما أرسلنا إلى أهل قرية في حالل من أحوالهم إلا في حال قولل قاله ~~مترفوها : إنا وجدنا آباءنا الخ . # والمترفون : جمع المترف وهو الذي أعطي الترف ، أي النعمة ، وتقدم في قوله ~~تعالى : { وارجعوا إلى ما أترفتم فيه في سورة الأنبياء . # والمعنى : أنهم مثل قريش في الازدهاء بالنعمة التي هم فيها ، أي في بطر ~~نعمة الله عليهم . فالتشبيه يقتضي أنهم مثل الأمم السالفة في سبب الازدهاء ~~وهو ما هم PageV25P188 فيه من نعمة حتى نسوا احتياجهم إلى الله تعالى ، قال ~~تعالى : وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا } ( المزمل : 11 ) . # وقد جاء في حكاية قول المشركين الحاضرين وصفهم أنفسهم بأنهم مهتدون بآثار ~~آبائهم ، وجاء في حكاية أقوال السابقين وصفهم أنفسهم بأنهم بآبائهم مقتدون ~~، لأن أقوال السابقين كثيرة مختلفة يجمع مختلفها أنها اقتداء بآبائهم ، ~~فحكاية أقوالهم من قبيل حكاية القول بالمعنى ، وحكاية القول بالمعنى طريقة ~~في حكاية الأقوال كثر ورودها في القرآن وكلام العرب . # . # قرأ الجمهور { قل } بصيغة فعل الأمر لمفرد فيكون أمرا للرسول صلى الله ~~عليه وسلم بأن يقوله جوابا عن قول المشركين { إنا وجدنا آباءنا على أمة ~~وإنا على آثارهم مهتدون } ( الزخرف : 22 ) . # وقرأ ابن عامر وحفص { قال } بصيغة فعل المضي المسند إلى المفرد الغائب ~~فيكون الضمير عائدا إلى نذير الذين قالوا { إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا ~~على آثارهم مقتدون } ( الزخرف : 23 ) . فحصل من القراءتين أن جميع الرسل ~~أجابوا أقوامهم بهذا الجواب ، وعلى كلتا القراءتين جاء فعل { قل } أو { قال ~~} مفصولا غير معطوف لأنه واقع في مجال المحاورة كما تقدم غير مرة ، منها ~~قوله تعالى : { قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها في سورة البقرة . # وقرأ الجمهور جئتكم } بضمير تاء المتكلم . وقرأ أبو جعفر { جئناكم } بنون ~~ضمير المتكلم المشارك وأبو جعفر من الذين قرأوا { قل } بصيغة الأمر فيكون ~~ضمير { جئناكم } عائدا للنبيء ms7492 صلى الله عليه وسلم المخاطب بفعل { قل } ~~لتعظيمه صلى الله عليه وسلم من جانب ربه تعالى الذي خاطبه بقوله : { قل } . # والواو في قوله : { أولو } عاطفة الكلام المأمور به على كلامهم ، وهذا ~~العطف مما يسمى عطف التلقين ، ومنه قوله تعالى عن إبراهيم : { قال ومن ~~ذريتي } ( البقرة : 124 ) . PageV25P189 والهمزة للاستفهام التقريري ~~المشوبب بالإنكار . وقدمت على الواو لأجل التصدير . # و { لو } وصلية ، و { لو } الوصلية تقتضي المبالغة بنهاية مدلول شرطها ~~كما تقدم عند قوله تعالى : { ولو افتدى به } في آل عمران ، أي لو جئتكم ~~بأهدى من دين آبائكم تبقون على دين آبائكم وتتركون ما هو أهدى . # والمقصود من الاستفهام تقريرهم على ذلك لاستدعائهم إلى النظر فيما اتبعوا ~~فيه آباءهم لعل ما دعاهم إليه الرسول أهدى منهم . وصوغ اسم التفضيل من ~~الهدي إرخاء للعنان لهم ليتدبروا ، نزل ما كان عليهم آباؤهم منزلة ما فيه ~~شيء من الهدى استنزالا لطائر المخاطبين ليتصدوا للنظر كقوله : { وإنا أو ~~إياكم لعلى هدى أو في ضلالل مبين } ( سبأ : 24 ) . # . # بدل من جملة { إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون } ( ~~الزخرف : 23 ) ، لأن ذلك يشتمل على معنى : لا نتبعكم ونترك ما وجدنا عليه ~~آباءنا ، وضمير { قالوا } راجع إلى { مترفوها ( الزخرف : 23 ) لأن موقع ~~جملة فانتقمنا منهم } ( الزخرف : 25 ) يعين أن هؤلاء القائلين وقع الانتقام ~~منهم فلا يكون منهم المشركون الذين وقع تهديدهم بأولئك . # وقولهم : ( ما أرسلتم به ) يجوز أن يكون حكاية لقولهم ، فإطلاقهم اسم ~~الإرسال على دعوة رسلهم تهكم مثل قوله : { ما لهذا الرسول يأكل الطعام } ( ~~الفرقان : 7 ) ويجوز أن يكون حكاية بالمعنى وإنما قالوا إنا بما زعمتم أنكم ~~مرسلون به ، وما أرسلوا به توحيد الإلاه . # تفريع على جملة { قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون } ( الزخرف : 24 ) ، أي ~~انتقمنا منهم عقب PageV25P190 تصريحهم بتكذيب الرسل . وهذا تهديد بالانتقام ~~من الذين شابهوهم في مقالهم ، وهم كفار قريش . # والانتقام افتعال من النقم وهو المكافأة بالسوء ، وصيغة الافتعال لمجرد ~~المبالغة ، يقال : نقم كعلم وضرب ، إذا كافأ على السوء بسوء ، وفي المثل : ~~هو ms7493 كالأرقم إن يترك يلقم وإن يقتل ينقم . الأرقم : ضرب من الحيات يعتقد ~~العرب أنه من الجن فإن تركه المرء يتسور عليه فيلسعه ويقتله وإن قتله المرء ~~انتقم بتأثيره فأمات قاتله وهذا من أوهام العرب . # والمراد بالانتقام استئصالهم وانقراضهم . وتقدم في قوله تعالى : { ~~فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم } في سورة الأعراف . ولذلك فالنظر في قوله ~~: { فانظر كيف كان عاقبة المكذبين } نظر التفكر والتأمل فيما قص الله على ~~رسوله من أخبارهم كقوله تعالى : { قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين } في ~~سورة النمل ، وليس نظر البصر إذ لم ير النبي حالة الانتقام فيهم . ويجوز أن ~~يكون الخطاب لغير معين ، أي لكل من يتأتى منه التأمل . # و { كيف } استفهام عن الحالة وهو قد علق فعل النظر عن مفعوله . # ( 26 ، 27 ) # لما ذكرهم الله بالأمم الماضية وشبه حالهم بحالهم ساق لهم أمثالا في ذلك ~~من مواقف الرسل مع أممهم منها قصة إبراهيم عليه السلام مع قومه . وابتدأ ~~بذكر إبراهيم وقومه إبطالا لقول المشركين : { إنا وجدنا آباءنا على أمة ~~وإنا على آثارهم مهتدون ( الزخرف : 22 ) ، بأن أولى آبائهم بأن يقتدوا به ~~هو أبوهم الذي يفتخرون بنسبته إبراهيم . PageV25P191 # وجملة وإذ قال إبراهيم } عطف على عموم الكلام السابق من قوله : { وكذلك ~~ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير } ( الزخرف : 23 ) إلى قوله : { وإذ قال ~~إبراهيم } ، وهو عطف الغرض على الغرض . # و { إذ } ظرف متعلق بمحذوف ، تقديره : واذكر إذ قال إبراهيم ، ونظائر هذا ~~كثيرة في القرآن كما تقدم في قوله تعالى : { وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل ~~في الأرض خليفة } في سورة البقرة . # والمعنى : واذكر زمان قول إبراهيم لأبيه وقومه قولا صريحا في التبرؤ من ~~عبادة الأصنام . وخص أبو إبراهيم بالذكر قبل ذكر قومه وما هو إلا واحد منهم ~~اهتماما بذكره لأن براءة إبراهيم مما يعبد أبوه أدل على تجنب عبادة الأصنام ~~بحيث لا يتسامح فيها ولو كان الذي يعبدها أقرب الناس إلى موحد الله ~~بالعبادة مثل الأبب ، ولتكون حكاية كلام إبراهيم قدوة لإبطال قول المشركين ~~{ وإنا ms7494 على آثارهم مهتدون } ( الزخرف : 22 ) قال تعالى : { قد كانت لكم ~~أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءؤا منكم ومما ~~تعبدون من دون الله } ( الممتحنة : 4 ) أي فما كان لكم أن تقتدوا بآبائكم ~~المشركين وهلا اقتديتم بأفضل آبائكم وهو إبراهيم . # والبراء بفتح الباء مصدر بوزن الفعال مثل الظماء والسماع يخبر به ويوصف ~~به في لغة أهل العالية وهي ما فوق نجد إلى أرض تهامة مما وراء مكة وأما أهل ~~نجد فيقولون بريء . # والاستثناء في قوله : { إلا الذي فطرني } استثناء من ( ما تعبدون ) ، و ( ~~ما ) موصولة أي من الذين تعبدونهم فإن قوم إبراهيم كانوا مشركين مثل مشركي ~~العرب . وقد بسطنا ذلك فيما تقدم عند قوله : { وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر ~~أتتخذ أصناما آلهة } ( الأنعام : 74 ) . # وفرع على هذا قوله : { فإنه سيهدين } لأن قوله : { إنني براء مما تعبدون ~~} يتضمن معنى : إنني اهتديت إلى بطلان عبادتكم الأصنام بهدي من الله . ~~PageV25P192 وسين الاستقبال مؤذنة بأنه أخبرهم بأن هداية الله إياه قد ~~تمكنت وتستمر في المستقبل ، ويفهم أنها حاصلة الآن بفحوى الخطاب . # وتوكيد الخبر ب ( إن ) منظور فيه إلى حال أبيه وقومه لأنهم ينكرون أنه ~~الآن على هدى فهم ينكرون أنه سيكون على هدى في المستقبل . # عطف على { إذ قال إبراهيم } ( الزخرف : 26 ) أي أعلن تلك المقالة في قومه ~~معاصريه وجعلها كلمة باقية في عقبه ينقلونها إلى معاصريهم من الأمم . إذ ~~أوصى بها بنيه وأن يوصوا بنيهم بها ، قال تعالى في سورة البقرة ( 131 132 ) ~~{ إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين وأوصى بها إبراهيم بنيه ~~ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون } ، ~~فبتلك الوصية أبقى إبراهيم توحيد الله بالإلاهية والعبادة في عقبه يبثونه ~~في الناس . ولذلك قال يوسف لصاحبيه في السجن { يا صاحبي السجن آرباب ~~متفرقون خير أم الله الواحد القهار } ( يوسف : 39 ) وقال لهما { إني تركت ~~ملة قومم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون واتبعت ملة آبائي إبراهيم ~~وإسحاق ويعقوب ما ms7495 كان لنا أن نشرك بالله من شيء } إلى قوله : { ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون } ( يوسف : 37 40 ) . # فضمير الرفع في { جعلها } عائد إلى إبراهيم وهو الظاهر من السياق ~~والمناسب لقوله : { لعلهم يرجعون } ولأنه لم يتقدم اسم الجلالة ليعود عليه ~~ضمير { جعلها } . وحكى في ( الكشاف ) إنه قيل : الضمير عائد إلى الله وجزم ~~به القرطبي وهو ظاهر كلام أبي بكر بن العربي . # والضمير المنصوب في قوله : { وجعلها } عائد إلى الكلام المتقدم . وأنث ~~الضمير لتأويل الكلام بالكلمة نظرا لوقوع مفعوله الثاني لفظ { كلمة } لأن ~~الكلام يطلق عليه { كلمة } كقوله تعالى في سورة المؤمنين { إنها كلمة هو ~~قائلها } ، أي PageV25P193 قول الكافر { رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما ~~تركت } ( المؤمنون : 99 ، 100 ) . وقال تعالى : { كبرت كلمة تخرج من ~~أفواههم } ( الكهف : 5 ) وهي قولهم : { اتخذ الله ولدا } ( البقرة : 116 ) ~~وقد قال تعالى : { وأوصى بها إبراهيم بنيه } ( البقرة : 132 ) ، أي بقوله : ~~{ أسلمت لرب العالمين } ( البقرة : 131 ) فأعاد عليها ضمير التأنيث على ~~تأويل ( الكلمة ) . # واعلم أنه إنما يقال للكلام كلمة إذا كان كلاما سائرا على الألسنة متمثلا ~~به ، كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم ( أصدق كلمة قالها شاعر كلمة ~~لبيد : ألا كل شيء ما خلا الله باطل ) ، أو كان الكلام مجعولا شعارا كقولهم ~~: لا إلاه إلا الله كلمة الإسلام ، وقال تعالى : { ولقد قالوا كلمة الكفر } ~~( التوبة : 74 ) ) . # فالمعنى : جعل إبراهيم قوله : { إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني } ( ~~الزخرف : 26 ، 27 ) شعارا لعقبه ، أي جعلها هي وما يرادفها قولا باقيا في ~~عقبه على مر الزمان فلا يخلو عقب إبراهيم من موحدين لله نابذين للأصنام . ~~وأشعر حرف الظرفية بأن هاته الكلمة لم تنقطع بين عقب إبراهيم دون أن تعم ~~العقب ، فإن أريد بالعقب مجموع أعقابه فإن كلمة التوحيد لم تنقطع من اليهود ~~وانقطعت من العرب بعد أن تقلدوا عبادة الأصنام إلا من تهود منهم أو تنصر ، ~~وإن أريد من كل عقب فإن العرب لم يخلو من قائم بكلمة التوحيد مثل المتنصرين ~~منهم كالقبائل المتنصرة وورقة بن نوفل ms7496 ، ومثل المتحنفين كزيد بن عمرو بن ~~نفيل ، وأمية بن أبي الصلت . وذلك أن { في } ترد للتبعيض كما ذكرناه في ~~قوله تعالى : { وارزقوهم فيها واكسوهم في سورة النساء . وقال سبرة بن عمرو ~~الفقعسي من الحماسة : # ونشرب في أثمانها ونقامر # والعقب : الذرية الذين لا ينفصلون من أصلهم بأنثى ، أي جعل إبراهيم كلمة ~~التوحيد باقية في عقبه بالوصاية عليها راجيا أنهم يرجعون ، أي يتذكرون بها ~~التوحيد إذا ران رين على قلوبهم ، أو استحسنوا عبادة الأصنام كما قال قوم ~~موسى : اجعل لنا إلاها كما لهم آلهة } ( الأعراف : 138 ) فيهتدون بتلك ~~الكلمة حين يضيق الزمن عن بسط الحجة . وهذا شأن الكلام الذي يجعل شعارا ~~لشيء فإنه يكون أصلا موضوعا قد تبين PageV25P194 صدقه وإصابته ، فاستحضاره ~~يغني عن إعادة بسط الحجة له . # وجملة { لعلهم يرجعون } بدل اشتمال من جملة { وجعلها كلمة باقية في عقبه ~~} لأن جعله كلمة { إنني براء مما تعبدون } ( الزخرف : 26 ) باقية في عقبه ، ~~أراد منه مصالح لعقبه منها أنه رجا بذلك أن يرجعوا إلى نبذ عبادة الأصنام ~~إن فتنوا بعبادتها أو يتذكروا بها الإقلاع عن عبادة الأصنام إن عبدوها ، ~~فمعنى الرجوع ، العود إلى ما تدل عليه تلك الكلمة . ونظيره قوله تعالى : { ~~وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون } ( الزخرف : 48 ) ، أي لعلهم يرجعون عن ~~كفرهم . # فحرف ( لعل ) لإنشاء الرجاء ، والرجاء هنا رجاء إبراهيم لا محالة ، فتعين ~~أن يقدر معنى قولل صادر من إبراهيم بإنشاء رجائه ، بأن يقدر : قال : { ~~لعلهم يرجعون } ، أو قائلا : { لعلهم يرجعون } . والرجوع مستعار إلى تغيير ~~اعتقاد طارىء باعتقاد سابق ، شبه ترك الإعتقاد الطارىء والأخذ بالاعتقاد ~~السابق برجوع المسافر إلى وطنه أو رجوع الساعي إلى بيته . # والمعنى : يرجع كل من حاد عنها إليها ، وهذا رجاؤه قد تحقق في بعض عقبه ~~ولم يتحقق في بعضض كما قال تعالى : { قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي ~~الظالمين } ( البقرة : 124 ) أي المشركين . ولعل ممن تحقق فيه رجاء إبراهيم ~~عمود نسب النبي صلى الله عليه وسلم وإنما كانوا يكتمون دينهم تقية من قومهم ~~، وقد بسطت القول في هذا المعنى ms7497 وفي أحوال أهل الفترة في هذه الآية في ~~رسالة ( طهارة النسب النبوي من النقائص ) . # وفي قوله : { وجعلها كلمة باقية في عقبه } إشعار بأن وحدانية الله كانت ~~غير مجهولة للمشركين ، فيتجه أن الدعوة إلى العلم بوجود الله ووحدانيته ~~كانت بالغة لأكثر الأمم بما تناقلوه من أقوال الرسل السابقين ، ومن تلك ~~الأمم العرب ، فيتجه مؤاخذة المشركين على الإشراك قبل بعثة محمد صلى الله ~~عليه وسلم لأنهم أهملوا النظر فيما هو شائع بينهم أو تغافلوا عنه أو أعرضوا ~~. فيكون أهل الفترة مؤاخذين على نبذ PageV25P195 التوحيد في الدنيا ~~ومعاقبين عليه في الآخرة وعليه يحمل ما ورد في صحاح الآثار من تعذيب عمرو ~~بن لحي الذي سن عبادة الأصنام وما روي أن امرأ القيس حامل لواء الشعراء إلى ~~النار يوم القيامة وغير ذلك . وهذا الذي يناسب أن يكون نظر إليه أهل السنة ~~الذين يقولون : إن معرفة الله واجبة بالشرع لا بالعقل وهو المشهور عن ~~الأشعري ، والذين يقولون منهم : إن المشركين من أهل الفترة مخلدون في النار ~~على الشرك . وأما الذين قالوا بأن معرفة الله واجبة عقلا وهو قول جميع ~~الماتريدية وبعض الشافعية فلا إشكال على قولهم . # إضراب عن قوله : { لعلهم يرجعون } ( الزخرف : 28 ) ، وهو إضراب إبطال ، ~~أي لم يحصل ما رجاه إبراهيم من رجوع بعض عقبه إلى الكلمة التي أوصاهم ~~برعيها . فإن أقدم أمة من عقبه لم يرجعوا إلى كلمته ، وهؤلاء هم العرب ~~الذين أشركوا وعبدوا الأصنام . # وبعد { بل } كلام محذوف دل عليه الإبطال وما بعد الإبطالل ، وتقدير ~~المحذوف : بل لم يرجع هؤلاء وآباؤهم الأولون إلى التوحيد ولم يتبرأوا من ~~عبادة الأصنام ولا أخذوا بوصاية إبراهيم . # وجملة { متعت هؤلاء وآباءهم } مستأنفة استئنافا بيانيا لسائل يسأل عما ~~عاملهم الله به جزاء على تفريطهم في وصاية إبراهيم وهلا استأصلهم . كما قال ~~: { وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلى قوله : فانتقمنا منهم } ( ~~الزخرف : 23 25 ) ، فأجيب بأن الله متعهم بالبقاء إلى أن يجيئهم رسول بالحق ~~وذلك لحكمة علمها الله يرتبط بها وجود العرب زمنا طويلا ms7498 بدون رسول ، وتأخر ~~مجيء الرسول إلى الإبان الذي ظهر فيه . # وبهذا الاستئناف حصل التخلص إلى ما بدا من المشركين بعد مجيء الرسول ~~PageV25P196 صلى الله عليه وسلم من فظيع توغلهم في الإعراض عن التوحيد الذي ~~كان عليه أبوهم فكان موقع { بل } في هذه الآية أبلغ من موقعها في قول لبيد ~~: # بل ما تذكر من نوار وقد نأت # وتقطعت أسبابها ورمامها # إذ كان انتقاله اقتضابا وكان هنا تخلصا حسنا . # و { هؤلاء } إشارة إلى غير مذكور في الكلام ، وقد استقريت أن مصطلح ~~القرآن أن يريد بمثله مشركي العرب ، ولم أر من اهتدى للتنبيه عليه ، وقد ~~قدمته عند قوله تعالى : { وجئنا بك على هؤلاء شهيدا } في سورة النساء وفي ~~مواضع أخرى . # والمراد بآبائهم آباؤهم الذين سنوا عبادة الأصنام مثل عمرو بن لحي والذين ~~عبدوها من بعده . وتمتيع آبائهم تمهيد لتمتيع هؤلاء ، ولذلك كانت غاية ~~التمتيع مجيء الرسول فإن مجيئه لهؤلاء . والتمتيع هنا التمتيع بالإمهال ~~وعدم الاستئصال كما تدل عليه الغاية في قوله : { حتى جاءهم الحق ورسول مبين ~~} . # والمراد ب { الحق } القرآن كما يدل عليه قوله : { ولما جاءهم الحق قالوا ~~هذا سحر } ( الزخرف : 30 ) وقوله : { وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجلل ~~من القريتين عظيم } ( الزخرف : 31 ) وهذه الآية ثناء راجع على القرآن متصل ~~بالثناء عليه الذي افتتحت به السورة . # فإنه لما جاء القرآن على لسان محمد صلى الله عليه وسلم انتهى التمتيع ~~وأخذوا بالعذاب تدريجا إلى أن كان عذاب يوم بدر ويوم حنين ، وهدى الله ~~للإسلام من بقي يوم فتح مكة وأيام الوفود . وهذا في معنى قوله تعالى : { ~~وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم في سورة هود . # والحق الذي جاءهم هو : القرآن ، والرسول المبين : محمد ووصفه ب مبين } ~~لأنه أوضح الهدى ونصب الأدلة وجاء بأفصح كلام . فالإبانة راجعة إلى معاني ~~دينه وألفاظ كتابه . والحكمة في ذلك أن الله أراد أن يشرف هذا الفريق من ~~عقب إبراهيم بالانتشال PageV25P197 من أوحال الشرك والضلال إلى مناهج ~~الإيمان والإسلام واتباع أفضل الرسل وأفضل الشرائع ، فيجبر لأمة من ms7499 عقب ~~إبراهيم ما فرطوا فيه من الاقتداء بأبيهم حتى يكمل لدعوته شرف الاستجابة . # والمقصود من هذا زيادة الإمهال لهم لعلهم يتذكرون كما قال تعالى : { وهذا ~~كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون أن تقولوا إنما أنزل ~~الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين أو تقولوا لو أنا ~~أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة فمن ~~أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء ~~العذاب بما كانوا يصدفون } ( الأنعام : 155 157 ) . # ويستروح من قوله تعالى : { وجعلها كلمة باقية في عقبه } إلى قوله : { ~~وآباءهم } ( الزخرف : 28 ، 29 ) أن آباء النبي صلى الله عليه وسلم في عمود ~~نسبه لم يكونوا مضمرين الشرك وأنهم بعض من عقب إبراهيم الذين بقيت كلمته ~~فيهم ولم يجهروا بمخالفة قومهم اتقاء الفتنة . ولا عجب في ذلك فإن تغيير ~~المنكر إنما وجب بالشرع ولم يكن لديهم شرع . # تعجيب من حال تغافلهم ، أي قد كان لهم بعض العذر قبل مجيء الرسول صلى ~~الله عليه وسلم والقرآن لأن للغفلات المتقادمة غشاوة تصير الغفلة جهالة ، ~~فكان الشأن أن يستيقظوا لما جاءهم الحق ورسول مبين فيتذكروا كلمة أبيهم ~~إبراهيم ، ولكنهم لما جاءهم الحق قالوا : هذا سحر ، أي قالوا للرسول : هذا ~~ساحر ، فازدادوا رينا على رين . # فالخبر مستعمل في التعجيب لا في إفادة صدور هذا القول منهم لأن ذلك معلوم ~~لهم وللمسلمين . PageV25P198 وفي تعقيب الغاية بهذا الكلام إيذان بأن ~~تمتيعهم أصبح على وشك الانتهاء . # فجملة { ولما جاءهم الحق قالوا هذا سحر } معطوفة على جملة { حتى جاءهم ~~الحق } ( الزخرف : 29 ) فإن { لما } توقيتية فهي في قوة { حتى الغائية كأنه ~~قيل : متعت هؤلاء وآباءهم ، فلما جاءهم الحق عقب ذلك التمتيع لم يستفيقوا ~~من غفلتهم وقالوا : هذا سحر ، أي كانوا قبل مجيء الحق مشركين عن غفلة ~~وتساهل ، فلما جاءهم الحق صاروا مشركين عن عناد ومكابرة . # وجملة وإنا به كافرون } مقول ثانن ، أي قالوا : هذا سحر فلا نلتفت إليه ~~وقالوا إنا به ، أي بالقرآن ms7500 ، كافرون ، أي سواء كان سحرا أم غيره ، أي ~~فرضوا أنه سحر ثم ارتقوا فقالوا إنا به كافرون ، أي كافرون بأنه من عند ~~الله سواء كان سحرا أم شعرا أم أساطير الأولين . ولهذا المعنى أكدوا الخبر ~~بحرف التأكيد ليؤيسوا الرسول صلى الله عليه وسلم من إيمانهم به . # عطف على جملة { قالوا هذا سحر } ( الزخرف : 30 ) فهو في حيز جواب { لما ( ~~الزخرف : 30 ) التوقيتية واقع موقع التعجيب أيضا ، أي بعد أن أخذوا يتعللون ~~بالعلل لإنكار الحق إذ قالوا للقرآن : هذا سحر ، وإذ كان قولهم ذلك يقتضي ~~أن الذي جاء بالقرآن ساحر انتقل إلى ذكر طعن آخر منهم في الرسول بأنه لم ~~يكن من عظماء أهل القريتين . # ولولا } أصله حرف تحضيض ، استعمل هنا في معنى إبطال كونه رسولا على طريقة ~~المجاز المرسل بعلاقة الملازمة لأن التحضيض على تحصيل ما هو مقطوع بانتفاء ~~حصوله يستلزم الجزم بانتفائه . # والقريتان هما : مكة والطائف لأنهما أكبر قرى تهامة بلد القائلين وأما ~~يثرب وتيماء ونحوهما فهي من بلد الحجاز . PageV25P199 فالتعريف في { ~~القريتين } للعهد ، جعلوا عماد التأهل لسيادة الأقوام أمرين : عظمة المسود ~~، وعظمة قريته ، فهم لا يدينون إلا من هو من أشهر القبائل في أشهر القرى ~~لأن القرى هي مأوى شؤون القبائل وتموينهم وتجارتهم ، والعظيم : مستعار ~~لصاحب السؤدد في قومه ، فكأنه عظيم الذات . # روي عن ابن عباس أنهم عنوا بعظيم مكة الوليد بن المغيرة المخزومي ، ~~وبعظيم الطائف حبيب بن عمرو الثقفي . وعن مجاهد أنهم عنوا بعظيم مكة عتبة ~~بن ربيعة وبعظيم الطائف كنانة بن عبد ياليل . وعن قتادة عنوا الوليد بن ~~المغيرة وعروة بن مسعود الثقفي . ثم يحتمل أنهم قالوا هذا اللفظ المحكي ~~عنهم في القرآن ولم يسموا شخصين معينين ، ويحتمل أنهم سموا شخصين ووصفوهما ~~بهذين الوصفين ، فاقتصر القرآن على ذكر الوصفين إيجازا مع التنبيه على ما ~~كانوا يؤهلون به الاختيار للرسالة تحميقا لرأيهم . # وكان الرجلان اللذان عنوهما ذوي مال لأن سعة المال كانت من مقومات وصف ~~السؤدد كما حكي عن بني إسرائيل قولهم : { ولم يؤت سعة من المال ms7501 } ( البقرة ~~: 247 ) . # إنكار عليهم قولهم { لولا نزل هذا القرآن على رجلل من القريتين عظيم } ( ~~الزخرف : 31 ) ، فإنهم لما نصبوا أنفسهم منصب من يتخير أصناف الناس للرسالة ~~عن الله ، فقد جعلوا لأنفسهم ذلك لا لله ، فكان من مقتضى قولهم أن الاصطفاء ~~للرسالة بيدهم ، فلذلك قدم ضمير { هم } المجعول مسندا إليه ، على مسند فعلي ~~ليفيد معنى الاختصاص فسلط الإنكار على هذا الحصر إبطالا لقولهم وتخطئة لهم ~~في تحكمهم . PageV25P200 # ولما كان الاصطفاء للرسالة رحمة لمن يصطفى لها ورحمة للناس المرسل إليهم ~~، جعل تحكمهم في ذلك قسمة منهم لرحمة الله باختيارهم من يختار لها وتعيين ~~المتأهل لإبلاغها إلى المرحومين . # ووجه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأضيف لفظ ( الرب ) إلى ضميره ~~إيماء إلى أن الله مؤيده تأنيسا له ، لأن قولهم : { لولا نزل هذا القرآن ~~على رجل من القريتين عظيم } ( الزخرف : 31 ) قصدوا منه الاستخفاف به ، فرفع ~~الله شأنه بإبلاغ الإنكار عليهم بالإقبال عليه بالخطاب وبإظهار أن الله ربه ~~، أي متولي أمره وتدبيره . # وجملة { نحن قسمنا بينهم معيشتهم } تعليل للإنكار والنفي المستفاد منه ، ~~واستدلال عليه ، أي لما قسمنا بين الناس معيشتهم فكانوا مسيرين في أمورهم ~~على نحو ما هيأنا لهم من نظام الحياة وكان تدبير ذلك لله تعالى ببالغ حكمته ~~، فجعل منهم أقوياء وضعفاء ، وأغنياء ومحاويج ، فسخر بعضهم لبعض في أشغالهم ~~على حساب دواعي حاجة الحياة ، ورفع بذلك بعضهم فوق بعض ، وجعل بعضهم محتاجا ~~إلى بعض ومسخرا به . فإذا كانوا بهذه المثابة في تدبير المعيشة الدنيا ، ~~فكذلك الحال في إقامة بعضهم دون بعض للتبليغ فإن ذلك أعظم شؤون البشر . ~~فهذا وجه الاستدلال . # والسخري بضم السين وبكسرها وهما لغتان ولم يقرأ في القراءات المشهورة إلا ~~بضم السين . وقرأ ابن محيص في الشاذ بكسر السين : اسم للشيء المسخر ، أي ~~المجبور على عملل بدون اختياره ، واسم لمن يسخر به ، أي يستهزأ به كما في ( ~~مفردات ) الراغب و ( الأساس ) و ( القاموس ) . وقد فسر هنا بالمعنيين كما ~~قال القرطبي . وقال ابن عطية : هما لغتان في معنى التسخير ولا تدخل ms7502 لمعنى ~~الهزء في هذه الآية . ولم يقل ذلك غيره وكلام الراغب محتمل . واقتصر الطبري ~~على معنى التسخير . فالوجه في ذلك أن المعنيين معتبران في هذه الآية . ~~وإيثار لفظ { سخريا } في الآية دون غيره لتحمله للمعنيين وهو اختيار من ~~وجوه الإعجاز فيجوز أن يكون المعنى ليتعمل بعضهم بعضا في شؤون حياتهم فإن ~~الإنسان مدني ، أي محتاج إلى إعانة بعضه بعضا ، وعليه فسر الزمخشري وابن ~~عطية وقاله السدي وقتادة والضحاك وابن زيد ، PageV25P201 فلام { ليتخذ } ~~لام التعليل تعليلا لفعل { قسمنا } ، أي قسمنا بينهم معيشتهم ، أي أسباب ~~معيشتهم ليستعين بعضهم ببعض فيتعارفوا ويتجمعوا لأجل حاجة بعضهم إلى بعض ~~فتتكون من ذلك القبائل والمدن . # وعلى هذا يكون قوله : { بعضهم بعضا } عاما في كل بعض من الناس إذ ما من ~~أحد إلا وهو مستعمل لغيره وهو مستعمل لغير آخر . # ويجوز أن تكون اسما من السخرية وهي الاستهزاء . وحكاه القرطبي ولم يعين ~~قائله وبذلك تكون اللام للعاقبة مثل { فالتقطة آل فرعون ليكون لهم عدوا ~~وحزنا } ( القصص : 8 ) وهو على هذا تعريض بالمشركين الذين استهزؤوا ~~بالمؤمنين كقوله تعالى : { فاتخذتموهم سخريا في سورة قد أفلح المؤمنون . ~~وقد جاء لفظ السخري بمعنى الاستهزاء في آيات أخرى كقوله تعالى : فاتخذتموهم ~~سخريا حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون } ( المؤمنون : 110 ) وقوله : { ~~أتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الأبصار } ( ص : 63 ) . ولعل الذي عدل ببعض ~~المفسرين عن تفسير آية سورة الزخرف بهذا المعنى استنكارهم أن يكون اتخاذ ~~بعضهم لبعض مسخرة علة لفعل الله تعالى في رفعه بعضهم فوق بعض درجات ، ولكن ~~تأويل اللفظ واسع في نظائره وأشباهه . وتأويل معنى اللام ظاهر . # وجملة { ورحمة ربك خير مما يجمعون } تذييل للرد عليهم ، وفي هذا التذييل ~~رد ثانن عليهم بأن المال الذي جعلوه عماد الاصطفاء للرسالة هو أقل من رحمة ~~الله فهي خير مما يجمعون من المال الذي جعلوه سبب التفضيل حين قالوا : { ~~لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ( الزخرف : 31 ) فإن المال ~~شيء جمعه صاحبه لنفسه فلا يكون مثل اصطفاء الله العبد ليرسله ms7503 إلى الناس . # ورحمة الله : هي اصطفاؤه عبده للرسالة عنه إلى الناس ، وهي التي في قوله ~~: أهم يقسمون رحمة ربك } ، والمعنى : إذا كانوا غير قاسمين أقل أحوالهم ~~فكيف يقسمون ما هو خير من أهم أمورهم . PageV25P202 # ( 33 35 ) # { ولولا } حرف امتناع لوجود ، أي حرف شرط دل امتناع وقوعع جوابها لأجل ~~وقوع شرطها ، فيقتضي أن الله أراد امتناع وقوع أن يكون الناس أمة واحدة ، ~~أي أراد الاحتراز من مضمون شرطها . # لما تقرر أن من خلقهم تعظيم المال وأهل الثراء وحسبانهم ذلك أصل الفضائل ~~ولم يهتموا بزكاء النفوس ، وكان الله قد أبطل جعلهم المال سبب الفضل ~~بإبطالين ، بقوله : { أهم يقسمون رحمة ربك } ( الزخرف : 32 ) وقوله : { ~~ورحمة ربك خير مما يجمعون } ( الزخرف : 32 ) ، أعقب ذلك بتعريفهم أن المال ~~والغنى لا حظ لهما عند الله تعالى فإن الله أعطى كل شيء خلقه وجعل للأشياء ~~حقائقها ومقاديرها فكثيرا ما يكون المال للكافرين ومن لا خلاق لهم من الخير ~~، فتعين أن المال قسمة من الله على الناس جعل له أسبابا نظمها في سلك النظم ~~الاجتماعية وجعل لها آثارا مناسبة لها ، وشتان بينها وبين مواهب النفوس ~~الزكية والسرائر الطيبة ، فالمال في الغالب مصدر لإرضاء الشهوات ومرصد ~~للتفاخر والتطاول . وأما مواهب النفوس الطيبة فمصادر لنفع أصحابها ونفع ~~الأمة ، ففي أهل الشر أغنياء وفقراء وفي أهل الخير أمثال ذلك ، فظهر ~~التباين بين آثار كسب المال وآثار الفضائل النفسانية . # ويحصل من هذا التحقير للمال إبطال ثالث لما أسسوا عليه قولهم : { لولا ~~نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم } ( الزخرف : 31 ) ، فهذه الجملة ~~عطف على جملة { ورحمت ربك خير مما يجمعون ( الزخرف : 32 ) . # والناس يحتمل أن يراد به جميع الناس ، فيكون التعريف للاستغراق ، أي جميع ~~البشر . والأمة : الجماعة من البشر المتميزة عن غيرها باتحاد في نسب أو دين ~~أو PageV25P203 حالة معرف بها فمعنى أن يكون الناس أمة واحدة يحتمل أن لولا ~~أن يصير البشر على دين واحد وهو الغالب عليهم يومئذ ، أي الكفر ونبذ الفكرة ~~في الآخرة وعلى هذا تفسير ابن عباس ms7504 والحسن وقتادة والسدي . # فالمعنى عليه : لولا أن يصير الناس كلهم كفارا لخصصنا الكافرين بالمال ~~والرفاهية وتركنا المسلمين لما ادخرنا لهم من خيرات الآخرة ، فيحسب ضعفاء ~~العقول أن للكفر أثرا في حصول المال جعله الله جزاء لمن سماهم بالكافرين ~~فيتبعوا دين الكفر لتخيلهم الملازمة بين سعادة العيش وبين الكفر ، وقد كان ~~الناس في الأجيال الأولى أصحاب أوهام وأغلاط يجعلون للمقارنة حكم التسبب ~~فيؤول المعنى إلى : لولا تجنب ما يفضي إلى عموم الكفر وانقراضض الإيمان ، ~~لجعلنا المال لأهل الكفر خاصة ، أي والله لا يحب انقراض الإيمان من الناس ~~ولم يقدر اتحاد الناس على ملة واحدة بقوله : ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ~~ربك ولذلك خلقهم } ( هود : 118 ، 119 ) أي أن الله لطف بالعباد فعطل ما ~~يفضي بهم إلى اضمحلال الهدى من بينهم ، أي أبقى بينهم بصيصا من نور الهدى . # ويحتمل وهو الأولى عندي : أن يكون التعريف في { الناس } للعهد مرادا به ~~بعض طوائف البشر وهم أهل مكة وجمهورهم على طريقة الاستغراق العرفي وعلى ~~وزان قوله تعالى : { إن الناس قد جمعوا لكم } ( آل عمران : 173 ) ويكون ~~المراد بكونهم أمة واحدة اتحادهم في الثراء . # والمعنى : لولا أن تصير أمة من الأمم أهل ثروة كلهم أي وذلك مخالف لما ~~قدره الله من اشتمال كل بلد وكل قبيلة وكل أمة على أغنياء ومحاويج لإقامة ~~نظام العمران واحتياج بعضهم لبعض ، هذا لماله ، وهذا لصناعته ، وآخر لمقدرة ~~بدنه لجعلنا من يكفر بالرحمان وهم أهل مكة سواء في الثراء والرفاهية . وعلى ~~كلا الاحتمالين يتلخص من المعنى أن الثراء والرفاهية لا يقيم المدبر الحكيم ~~لهما وزنا فلا يمسكهما عن الناكبين عن طريق الحق والكمال ، فصار الكلام ~~يقتضي مقدرا محذوفا تقديره لكن لا يكون الناس سواء في الغنى لأنا لم نجعل ~~ذلك لأنا قدرنا في نظام الكون البشري PageV25P204 أن لا تكون أمة من الأمم ~~أو قبيلة أو أهل بلدة أغنياء ليس فيهم محاويج لأنه يفضي إلى انحرام نظام ~~الاجتماع وارتفاع احتياج بعضهم لبعض فيهلك مجتمعهم ، والله أراد بقاءهم إلى ~~أجل هم ms7505 بالغوه . # ويرجح هذا جعل متعلق فعل { يكفر } خصوص وصف الرحمن فإن مشركي مكة أنكروا ~~وصف الرحمن { قالوا وما الرحمن } ( الفرقان : 60 ) وقد تكرر التورك عليهم ~~بذلك في آي كثيرة . # ومعنى { لجعلنا لمن يكفر } لقدرنا في نظام المجتمع البشري أسباب الثراء ~~متصلة بالكفر بالله بحيث يكون الكفر سببا ومجلبة للغنى ، ولو أراد الله ذلك ~~لهيأ له أسبابه في عقول الناس وأساليب معاملاتهم المالية فدل هذا على أن ~~الله منع أسباب تعميم الكفر في الأرض لطفا منه بالإيمان وأهله وإن كان لم ~~يمنع وقوع كفر جزئي قليل أو كثير حفظا منه تعالى لناموس ترتيب المسببات على ~~أسبابها . وهذا من تفاريع التفرقة بين الرضى والإرادة فلا يرضى لعباده ~~الكفر ولو شاء ربك ما فعلوه . # واللام في قوله : { لبيوتهم } مثل اللام في قوله : { لمن يكفر بالرحمان } ~~، أي لجعلنا لبيوت من يكفر بالرحمان فيكون قوله { لبيوتهم } بدل اشتمال ممن ~~يكفر بالرحمان . وإنما صرح بتكرير العامل للتوكيد كما فعلوا في البدل من ~~المستفهم عنه في نحو : من ذا أسعيد أم علي ؟ فقرنوا البدل بأداة استفهام ~~ولم يقولوا : من ذا سعيد أم علي ؟ وتقدم عند قوله تعالى : { ومن النخل من ~~طلعها قنوان دانيةفي سورة الأنعام . # ونكتة هذا الإبدال تعليق المجرور ابتداء بفعل الجعل ثم الاهتمام بذكر من ~~يكفر بالرحمان في هذا المقام المقصود منه قرنه مع مظاهر الغنى في قرن ~~التحقير ، ثم يذكر ما يعز وجود أمثاله من الفضة والذهب ، وإذ قد كان الخبر ~~كله مستغربا كان حقيقا بأن ينظم في أسلوب الإجمال ثم التفصيل . # وقرأ الجمهور سقفا } بضم السين وضم القاف جمع سقف بفتح السين PageV25P205 ~~وسكون القاف وهو : البناء الممتد على جدران البيت المغطي فضاء البيت ، ~~وتقدم عند قوله تعالى : { فخر عليهم السقف من فوقهم في سورة النحل . وهذا ~~الجمع لا نظير له إلا رهن ورهن ولا ثالث لهما . وقرأه ابن كثير وأبو عمرو ~~وأبو جعفر سقفا } بفتح السين وإسكان القاف على الإفراد . والمراد من المفرد ~~الجنس بقرينة قوله { لبيوتهم } كأنه قيل : لكل بيت سقف . # والزخرف ms7506 : الزينة قال تعالى : { زخرف القول غرورا } في سورة الأنعام ، ~~فيكون هنا عطفا على { سقفا } جمعا لعديد المحاسن ، ويطلق على الذهب لأن ~~الذهب يتزين به ، كقوله : { أو يكون لك بيت من زخرف } ( الإسراء : 93 ) ، ~~فيكون { وزخرفا } عطفا على { سقفا } بتأويل : لجعلنا لهم ذهبا ، أي لكانت ~~سقفهم ومعارجهم وأبوابهم من فضة وذهب منوعة لأن ذلك أبهج في تلوينها . ~~وابتدىء بالفضة لأنها أكثر في التحليات وأجمل في اللون ، وأخر الذهب لأنه ~~أندر في الحلي ، ولأن لفظه أسعد بالوقف لكون آخره تنوينا ينقلب في الوقف ~~ألفا فيناسب امتداد الصوت وهو أفصح في الوقف . # ويجوز أن يكون لفظ { زخرفا } مستعملا في معنييه استعمال المشترك ، فلا ~~يرد سؤال عن تخصيص السقف والمعارج بالفضة . و { معارج } اسم جمع معراج ، ~~وهو الدرج الذي يعرج به إلى العلالي . # ومعنى { يظهرون } : يعلون كما في قوله تعالى : { فما استطاعوا أن يظهروه ~~} ( الكهف : 97 ) ، أي أن يتسوروه . # وسرر بضمتين : جمع سرير ، وتقدم عند قوله تعالى : { على سرر متقابلين } ~~في سورة الصافات ، وفائدة وصفها بجملة { عليها يتكئون } الإشارة إلى أنهم ~~يعطون هذه البهرجة مع استعمالها في دعة العيش والخلو عن التعب . والمراد أن ~~المعارج والأبواب والسرر من فضة ، فحذف الوصف من المعطوفات لدلالة ما وصف ~~المعطوف عليه . PageV25P206 # وذيل بقوله : { وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا } أي كل ما ذكر من ~~السقف والمعارج والأبواب والسرر من الفضة والذهب متاع الدنيا لا يعود على ~~من أعطيه بالسعادة الأبدية وأما السعادة الأبدية فقد ادخرها الله للمتقين ~~وليست كمثل البهارج والزينة الزائدة التي تصادف مختلف النفوس وتكثر لأهل ~~النفوس الضئيلة الخسيسة وهذا كقوله تعالى : { زين للناس حب الشهوات من ~~النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة ~~والأنعامم والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المئاب } ( آل ~~عمران : 14 ) . # وقرأ الجمهور { لما } بتخفيف الميم فتكون { إن } التي قبلها مخففة من ( ~~إن ) المشددة للتوكيد وتكون اللام الداخلة على { لما } اللام الفارقة بين ( ~~إن ) النافية و ( إن ) المخففة و ( ما ) زائدة للتوكيد بين المضاف والمضاف ~~إليه ms7507 . وقرأ عاصم وحمزة وهشام عن ابن عامر { لما } بتشديد الميم فهي { لما ~~} أخت ( ألا ) المختصة بالوقوع في سياق النفي فتكون { إن } نافية ، ~~والتقدير : وما كل ذلك إلا متاع الحياة الدنيا . # ابتدئت السورة بالتنويه بالقرآن ووصفه بأنه ذكر وبيان للناس ، ووصف عناد ~~المشركين في الصد عنه والإعراض ، وأعلموا بأن الله لا يترك تذكيرهم ~~ومحاجتهم لأن الله يدعو بالحق ويعد به . # وأطنب في وصف تناقض عقائدهم لعلهم يستيقظون من غشاوتهم ، وفي تنبيههم إلى ~~دلائل حقية ما يدعوهم إليه الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا القرآن ، وفضحت ~~شبهاتهم بأنهم لا تعويل لهم إلا على ما كان عليه آباؤهم الأولون الضالون ، ~~وأنذروا باقتراب انتهاء تمتيعهم وإمهالهم ، وتقضى ذلك بمزيد البيان ، وأفضى ~~الكلام إلى ما قالوه في القرآن ومن جاء به بقوله : { ولما جاءهم الحق قالوا ~~هذا سحر إلى قوله عظيم } ( الزخرف : 30 ، 31 ) ، وما ألحق به من التكملات ، ~~عاد الكلام هنا إلى عواقب صرفهم عقولهم PageV25P207 عن التدبر في الدعوة ~~القرآنية فكان انصرافهم سببا لأن يسخر الله شياطين لهم تلازمهم فلا تزال ~~تصرفهم عن النظر في الحق وأدلة الرشد . وهو تسخير اقتضاه نظام تولد الفروع ~~من أصولها ، فلا يتعجب من عمى بصائرهم عن إدراك الحق البين ، وهذا من سنة ~~الوجود في تولد الأشياء من عناصرها فالضلال ينمى ويتولد في النفوس ويتمكن ~~منها مرة بعد مرة حتى يصير طبعا على القلب وأكنة فيه وختما عليه ولا يضعف ~~عمل الشيطان إلا بتكرر الدعوة إلى الحق وبالزجر والإنذار ، فمن زناد ~~التذكير تنقدح شرارات نور فربما أضاءت فصادفت قوة نور الحق حالة وهن ~~الشيطان فتتغلب القوة الملكية على القوة الشيطانية فيفيق صاحبها من نومة ~~ضلاله . وقد أشار إلى ذلك قوله : { أفنضرب عنكم الذكر صفحا إن كنتم قوما ~~مسرفين } ( الزخرف : 5 ) كما تقدم هنالك ، ولولا ذلك لما ارعوى ضال عن ~~ضلاله ولما نفع إرشاد المرشدين في نفوس المخاطبين . # فجملة { ومن يعش عن ذكر الرحمن } عطف على جملة { ولما جاءهم الحق قالوا ~~هذا سحر } ( الزخرف : 30 ) الآية . # فجملة { ومن يعش عن ms7508 ذكر الرحمن } تمثيل لحالهم في إظهارهم عدم فهم القرآن ~~كقولهم : { قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر } ( فصلت : 5 ) ~~بحال من يعشو عن الشيء الظاهر للبصر . # و { يعش } : مضارع عشا كغزا عشوا بالواو ، إذا نظر إلى الشيء نظرا غير ~~ثابت يشبه نظر الأعشى ، وأما العشا بفتح العين والشين فهو اسم ضعف العين عن ~~رؤية الأشياء ، يقال : عشي بالياء مثل عرج إذا كانت في بصره آفة العشا ~~ومصدره عشى بفتح العين والقصر مثل العرج . والفعل واوي عشا يعشو ، ويقال ~~عشي يعشى إذا صار العشا له آفة لأن أفعال الأدواء تأتي كثيرا على فعل بكسر ~~العين مثل مرض . وعشي ياؤه منقلبة عن واو لأجل كسرة صيغة الأدواء . ~~PageV25P208 # فمعنى { ومن يعش } من ينظر نظرا غير متمكن في القرآن ، أي من لا حظ له ~~إلا سماع كلمات القرآن دون تدبر وقصد للانتفاع بمعانيه ، فشبه سماع القرآن ~~مع عدم الانتفاع به بنظر الناظر دون تأمل . # وعدي { يعش } ب { عن } المفيدة للمجاوزة لأنه ضمن معنى الإعراض عن ذكر ~~الرحمن وإلا فإن حق عشا أن يعدى ب ( إلى ) كما قال الحطيئة : # متى تأته تعشه إلى ضوء ناره # تجد خير نار عندها خير موقد # ولا يقال : عشوت عن النار إلا بمثل التضمين الذي في هاته الآية . فتفسير ~~من فسر { يعش عن ذكر الرحمن } بمعنى يعرض : أراد تحصيل المعنى باعتبار ~~التعدية ب { عن } ، وإنكار من أنكر وجود ( عشا ) بمعنى أعرض أراد إنكار أن ~~يكون معنى أصليا لفعل ( عشا ) وظن أن تفسيره بالإعراض تفسير لمعنى الفعل ~~وليس تفسيرا للتعدية ب { عن } فالخلاف بين الفريقين لفظي . # و { ذكر الرحمن } هو القرآن المعبر عنه بالذكر في قوله : { أفنضرب عنكم ~~الذكر صفحا } ( الزخرف : 5 ) . وإضافته إلى { الرحمن } إضافة تشريف وهذا ~~ثناء خامس على القرآن . # والتقييض : الإتاحة وتهيئة شيء لملازمة شيء لعمل حتى يتمه ، وهو مشتق من ~~اسم جامد وهو قيض البيضة ، أي القشر المحيط بما في داخل البيضة من المح لأن ~~القيض يلازم البيضة فلا يفارقها حتى يخرج منها الفرخ فيتم ms7509 ما أتيح له القيض ~~. # فصيغة التفعيل للجعل مثل طين الجدار : ومثل أزره ، أي ألبسه الإزار ، ~~ودرعوا الجارية ، أي ألبسوها الدرع . وأصله هنا تشبيه أي نجعله كالقيض له ، ~~ثم شاع حتى صار معنى مستقلا ، وقد تقدم في قوله تعالى : { وقيضنا لهم قرناء ~~} في سورة فصلت فضم إليه ما هنا . وأتى الضمير في { له } مفردا لأن لكل ~~واحد ممن تحقق فيهم الشرط شيطانا وليس لجميعهم شيطان واحد ولذلك سيجيء في ~~قوله : { قال يا ليت بيني وبينك } ( الزخرف : 38 ) بالإفراد ، أي قال كل من ~~له قرين لقرينه . PageV25P209 # ولم يذكر متعلق فعل { نقيض } اكتفاء بدلالة مفعوله وهو { شيطانا } فعلم ~~منه أنه مقيض لإضلاله ، أي هم أعرضوا عن القرآن لوسوسة الشيطان لهم . # وفرع عن { نقيض } قوله : { فهو له قرين } لأن التقيض كان لأجل مقارنته . # ومن الفوائد التي جرت في تفسير هذه الآية ما ذكره صاحب ( نيل الابتهاج ~~بتطريز الديباج ) في ترجمة الحفيد محمد بن أحمد بن محمد الشهير بابن مرزوق ~~قال : قال صاحب الترجمة : حضرت مجلس شيخنا ابن عرفة أول مجلس حضرته فقرأ { ~~ومن يعش عن ذكر الرحمن } فقال : قرىء { يعشو } بالرفع و { نقيض } بالجزم . ~~ووجهها أبو حيان بكلام ما فهمته . وذكر أن في النسخة خللا وذكر بعض ذلك ~~الكلام . فاهتديت إلى تمامه وقلت : يا سيدي معنى ما ذكر أن جزم { نقيض } ب ~~{ من } الموصولة لشبهها بالشرطية لما تضمنها من معنى الشرط وإذا كانوا ~~يعاملون الموصول الذي لا يشبه لفظ الشرط بذلك فما يشبه لفظه لفظ الشرط أولى ~~بتلك المعاملة . فوافق وفرح لما أن الإنصاف كان طبعه . وعند ذلك أنكر علي ~~جماعة من أهل المجلس وطالبوني بإثبات معاملة الموصول معاملة الشرط فقلت : ~~نصهم على دخول الفاء في خبر الموصول في نحو : الذي يأتيني فله درهم ، ~~فنازعوني في ذلك وكنت حديث عهد بحفظ التسهيل فقلت : قال ابن مالك فيما يشبه ~~المسألة ( وقد يجزمه مسبب عن صلة الذي تشبيها بجواب الشرط وأنشدت من شواهد ~~المسألة قول الشاعر : # كذاك الذي يبغي على الناس ظالما # تصبه على رغمم عواقب ms7510 ما صنع # فجاء الشاهد موافقا للحال . قال : وكنت في طرف الحلقة ، فصاح ابن عرفة ~~وقال : يا أخي ما بغينا ، لعلك ابن مرزوق ؟ فقلت : عبدكم ) انتهى من ( ~~اغتنام الفرصة ) . اه . # وجيء بالجملة المفرعة جملة اسمية للدلالة على الدوام ، أي فكان قرينا ~~مقارنة ثابتة دائمة ، ولذلك لم يقل : نقيض له شيطانا قرينا له . وقدم الجار ~~والمجرور على PageV25P210 متعلقه في قوله : { له قرين } للاهتمام بضمير { ~~من يعش عن ذكر الرحمن } أي قرين له مقارنة تامة . # وقرأ الجمهور { نقيض } بنون العظمة . وقرأ يعقوب بياء الغائب عائدا ضميره ~~على { الرحمن } . # في موضع الحال من الضمير في قوله { فهو له قرين } ( الزخرف : 36 ) أي ~~مقارنة صد عن السبيل . # وضميرا { إنهم } و ( يصدون ) عائدان إلى { شيطانا ( الزخرف : 36 ) لأنه ~~لما وقع من متعلقات الفعل الواقع جواب شرط اكتسب العموم تبعا لعموم من في ~~سياق الشرط فإنها من صيغ العموم مثل النكرة الواقعة في سياق الشرط على خلاف ~~بين أيمة أصول الفقه في عموم النكرة الواقعة في سياق الشرط ولكنه لا يجري ~~هنا لأن عموم شيطانا } تابع لعموم { من } إذ أجزاء جواب الشرط تجري على حكم ~~أجزاء جملة الشرط ، فقرينة عموم النكرة هنا لا تترك مجالا للتردد فيه لأجل ~~القرينة لا لمطلق وقوع النكرة في سياق الشرط . # وضمير النصب في ( يصدونهم ) عائد إلى { من } لأن { من } الشرطية عامة ~~فكأنه قيل : كل من يعشو عن ذكر الرحمن نقيض لهم شياطين لكل واحد شيطان . # وضميرا { يحسبون أنهم مهتدون } عائدان إلى ما عاد إليه ضمير النصب من ( ~~يصدونهم ) ، أي ويحسب المصدودون عن السبيل أنفسهم مهتدين . # وقد تتشابه الضمائر فترد القرينة كل ضمير إلى معاده كما في قول عباس بن ~~مرداس : # عدنا ولولا نحن أحدق جمعهم # بالمسلمين وأحرزوا ما جمعوا PageV25P211 # فضمير : أحرزوا ، لجمع المشركين ، وضمير : جمعوا ، للمسلمين . وضمير ~~الجمع في قوله تعالى : { وعمروها أكثر مما عمروها } في سورة الروم . # والتعريف في { السبيل } تعريف الجنس . والسبيل : الطريق السابلة الممتدة ~~الموصلة إلى المطلوب . وقد مثلت حالة الذين يعشون عن ذكر الرحمن وحال ~~مقارنة الشياطين ms7511 لهم بحال من استهدى قوما ليدلوه على طريق موصل لبغيته ~~فضللوه وصرفوه عن السبيل وأسلكوه في فيافي التيه غشا وخديعة ، وهو يحسب أنه ~~سائر إلى حيث يبلغ طلبته . # فجملة { ويحسبون أنهم مهتدون } معطوفة على جملة { وإنهم } ، فهي في معنى ~~الحال من الضمير في قوله { فهو } ( الزخرف : 36 ) والرابط واو الحال ، ~~والتقدير : ويحسب المصدودون أنهم مهتدون بهم إلى السبيل . # والاهتداء : العلم بالطريق الموصل إلى المقصود . # { حتى } ابتدائية ، وهي تفيد التسبب الذي هو غاية مجازية . فاستعمال { ~~حتى } فيه استعارة تبعية . وليست في الآية دلالة على دوام الصد عن السبيل ~~وحسبان الآخرين الاهتداء إلى فناء القرينين ، إذ قد يؤمن الكافر فينقطع ~~الصد والحسبان فلا تغتر بتوهم من يزعمون أن الغاية الحقيقية لا تفارق { حتى ~~} في جميع استعمالاتها . # وقرأ نافع وابن كثير وأبو بكر عن عاصم وأبو جعفر { جاءانا } بألف ضمير ~~المثنى عائدا على من يعش عن ذكر الرحمن وقرينه ، أي شيطانه ، وأفرد ضمير { ~~قال } لرجوعه إلى من يعش عن ذكر الرحمن خاصة ، أي قال الكافر متندما على ما ~~فرط من اتباعه إياه وائتماره بأمره . PageV25P212 وقرأ الجمهور { جاءنا } ~~بصيغة المفرد والضمير المستتر في { قال } عائد إلى { من يعش عن ذكر الرحمن ~~} ( الزخرف : 36 ) ، أي قال أحدهما وهو الذي يعشو . والمعنى على القراءتين ~~واحد لأن قراءة التثنية صريحة في مجيء الشيطان مع قرينه الكافر وأن المتندم ~~هو الكافر ، والقراءة بالإفراد متضمنة مجيء الشيطان من قوله : { يا ليت ~~بيني وبينك بعد المشرقين } إذ علم أن شيطانه القرين حاضر من خطاب الآخر ~~إياه بقوله : { وبينك } . وحرف { يا } أصله للنداء ، ويستعمل للتلهف كثيرا ~~كما في قوله { يا حسرة } ( يس : 30 ) وهو هنا للتلهف والتندم . # والمشرقان : المشرق والمغرب ، غلب اسم المشرق لأنه أكثر خطورا بالأذهان ~~لتشوف النفوس إلى إشراق الشمس بعد الإظلام . # والمراد بالمشرق والمغرب : إما مكان شروق الشمس وغروبها في الأفق ، وإما ~~الجهة من الأرض التي تبدو الشمس منها عند شروقها وتغيب منها عند غروبها ~~فيما يلوح لطائفة من سكان الأرض . وعلى الاحتمالين فهو مثل لشدة البعد . ~~وأضيف ms7512 { بعد } إلى { المشرقين } بالتثنية بتقدير : بعد لهما ، أي مختص بهما ~~بتأويل البعد بالتباعد وهو إيجاز بديع حصل من صيغة التغليب ومن الإضافة . ~~ومساواته أن يقال بعد المشرق من المغرب والمغربب من المشرق فنابت كلمة { ~~المشرقين } عن ست كلمات . # وقوله { فبئس القرين } ، بعد أن تمنى مفارقته فرع عليه ذما فالكافر يذم ~~شيطانه الذي كان قرينا ، ويعرض بذلك للتفصي من المؤاخذة ، وإلقاء التبعة ~~على الشيطان الذي أضله . # والمقصود من حكاية هذا تفظيع عواقب هذه المقارنة التي كانت شغف ~~المتقارنين ، وكذلك شأن كل مقارنة على عمل سيىء العاقبة . وهذا من قبل قوله ~~تعالى : { الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين } ( الزخرف : 67 ) . ~~PageV25P213 والمقصود تحذير الناس من قرين السوء وذم الشياطين ليعافهم ~~الناس كقوله : { إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا } ( فاطر : 6 ) . # الظاهر أن هذه الجملة معطوفة على جملة { قال يا ليت بيني وبينك بعد ~~المشرقين } ( الزخرف : 38 ) وأن قولا محذوفا دل عليه فعل { جاءانا ( الزخرف ~~: 38 ) الدال على أن الفريقين حضرا للحساب وتلك الحضرة تؤذن بالمقاولة فإن ~~الفريقين لما حضرا وتبرأ أحدهما من الآخر قصدا للتفصي من المؤاخذة كما ~~تقدمت الإشارة إليه آنفا فيقول الله ولن ينفعكم اليوم أنكم في العذاب ~~مشتركون . والخطاب موجه للذين عشوا عن ذكر الرحمن ولشياطينهم . # وفي هذا الكلام إشارة إلى كلام مطوي ، والتقدير : لا تلقوا التبعة على ~~القرناء فأنتم مؤاخذون بطاعتهم وهم مؤاخذون بإضلالكم وأنتم مشتركون في ~~العذاب ولن ينفعكم أنكم في العذاب مشتركون لأن عذاب فريق لا يخفف عن فريق ~~كما قال تعالى : ربنا هؤلاء أضلونا فئاتهم عذابا ضعفا من النار قال لكلل ~~ضعف ولكن لا تعلمون } ( الأعراف : 38 ) . # ووقوع فعل { ينفعكم } في سياق النفي يدل على نفي أن يكون الاشتراك في ~~العذاب نافعا بحال لأنه لا يخفف عن الشريك من عذابه . وأما ما يتعارفه ~~الناس من تسلي أحد برؤية مثله ممن مني بمصيبة فذلك من أوهام البشر في ~~الحياة الدنيا ، ولعل الله جعل لهم ذلك رحمة بهم في الدنيا ، وأما الآخرة ~~فعالم الحقائق دون الأوهام . وفي ms7513 هذا التوهم جاء قول الخنساء : # ولولا كثرة الباكين حولي # على إخوانهم لقتلت نفسي # وقرأ الجمهور { أنكم } بفتح همزة ( أن ) على جعل المصدر فاعلا . وقرأ ابن ~~عامر { إنكم } بكسر الهمزة على الاستئناف ويكون الوقف عند قوله : { إذ ~~PageV25P214 ظلمتم } وفاعل { ينفعكم } ضمير عائد على التمني بقولهم : { يا ~~ليت بيني وبينك بعد المشرقين } ( الزخرف : 38 ) ، أي لن ينفعكم تمنيكم ولا ~~تفصيكم . # و { إذ } أصله ظرف مبهم للزمن الماضي تفسره الجملة التي يضاف هو إليها ~~ويخرج عن الظرفية إلى ما يقاربها بتوسع أو إلى ما يشابهها بالمجاز . وهو ~~التعليل ، وهي هنا مجاز في معنى التعليل ، شبهت علة الشيء وسببه بالظرف في ~~اللزوم له . وقد ذكر في ( مغني اللبيب ) معنى التعليل من معاني { إذ } ولم ~~ينسبه لأحد من أيمة النحو واللغة . وجوز الزمخشري أن تكون { إذ } بدلا من { ~~اليوم } ، وتأويل الكلام على جعل فعل { ظلمتم } بمعنى : تبين أنكم ظلمتم ، ~~أي واستعمل الإخبار بمعنى التبين ، كقول زائد بن صعصعة الفقعسي : # إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة # ولم تجدي من أن تقري به بدا # أي تبين أن لم تلدني لئيمة ، وتبعه ابن الحاجب في أماليه وقال ابن جني : ~~راجعت أبا علي مرارا في قوله تعالى : { ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم } الآية ~~مستشكلا إبدال { إذ من اليوم } فآخر ما تحصل منه أن الدنيا والآخرة سواء في ~~حكم الله وعلمه فكأن { اليوم } ماض أو كأن { إذ } مستقبلة اه . وهو جواب ~~وهن مدخول . # وأقول : اجتمع في هذه الآية دوال على ثلاثة أزمنة وهي { لن } لنفي ~~المستقبل ، و { اليوم } اسم لزمن الحالل ، و { إذ } اسم لزمن المضي ، ~~وثلاثتها منوطة بفعل { ينفعكم } ومقتضياتها ينافي بعضها بعضا ، فالنفي في ~~المستقبل ينافي التقييد ب { اليوم } الذي هو للحال ، و { إذ } ينافي نفي ~~النفع في المستقبل وينافي التقييد ب { اليوم } فتصدى الزمخشري وغيره لدفع ~~التنافي بين مقتضى { إذ } ومقتضى { اليوم } بتأويل معنى { إذ } كما علمت ، ~~ولم يتصد هو ولا غيره لدفع التنافي بين مقتضى { اليوم } الدال على زمن ~~الحال وبين مقتضى { لن } وهو حصول النفي ms7514 في الاستقبال . وأنا أرى لدفعه أن ~~يكون { اليوم } ظرفا للحكم والإخبار ، أي تقرر اليوم انتفاء انتفاعكم ~~بالاشتراك في العذاب انتفاء مؤبدا من الآن ، كقول مقدام الدبيري : ~~PageV25P215 # لن يخلص العام خليل عشرا # ذاق الضماد أو يزور القبرا # وقد حصل من اجتماع هذه الدوال الثلاث في الآية طباق عزيز بين ثلاثة معان ~~متضادة في الجملة . # تفريع على جملة { ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا } ( الزخرف : 36 ~~) لأن ذلك أفاد توغلهم في الضلالة وعسر انفكاكهم عنها ، لأن مقارنة ~~الشياطين لهم تقتضي ذلك ، فانتقل منه إلى التهوين على النبي صلى الله عليه ~~وسلم ما يلاقيه من الكد والتحرق عليهم في تصميمهم على الكفر والغي وفيه ~~إيماء إلى تأييس من اهتداء أكثرهم . # والاستفهام لإنكار أن يكون حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على هداهم ~~ناجعا فيهم إذا كان الله قدر ضلالهم فأوجد أسبابه ، قال تعالى : { إن تحرص ~~على هداهم فإن الله لا يهدى من يضل } ( النحل : 37 ) ، ولما كان حال الرسول ~~صلى الله عليه وسلم في معاودة دعوتهم كحال من يظن أنه قادر على إيصال ~~التذكير إلى قلوبهم نزل منزلة من يظن ذلك فخوطب باستفهام الإنكار وسلط ~~الاستفهام على كلام فيه طريق قصر بتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي مع ~~إيلاء الضمير حرف الإنكار وهو قصر مؤكد وقصر قلب ، أي أنت لا تسمعهم ولا ~~تهديهم بل الله يسمعهم ويهديهم إن شاء ، وهو نظير { أفأنت تكره الناس حتى ~~يكونوا مؤمنين } ( يونس : 99 ) . # ومن بديع معنى الآية أن الله وصف حال إعراضهم عن الذكر بالعشا ، وهو ~~النظر الذي لا يتبين شبح الشيء المنظور إليه ثم وصفهم هنا بالصم العمي ~~إشارة إن التمحل للضلال ومحاولة تأييده ينقلب بصاحبه إلى أشد الضلال لا أن ~~التخلق يأتي دونه الخلق والأحوال تنقلب ملكات . وهو معنى قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم ( لا يزال العبد يكذب حتى يكتب عند الله كذابا ) أي حتى يحق ~~عليه أن الكذب ملكة له ، وإذ قد كان إعراضهم انصرافا عن استماع القرآن وعن ~~النظر في ms7515 الآيات كان حالهم يشبه حال الصم العمي كما مهد لذلك بقوله : { ومن ~~يعش عن ذكر PageV25P216 الرحمن ( الزخرف : 36 ) كما ذكرناه هنالك ، فظهرت ~~المناسبة بين وصفهم بالعشا وبين ما في هذا الانتقال لوصفهم بالصم العمي . # وعطف ومن كان في ضلال مبين } فيه معنى التذييل لأنه أعم من كل من الصم ~~والعمي باعتبار انفرادهما ، وباعتبار أن الصمم والعمى لما كانا مجازين قد ~~يكون تعلقهما بالمسموع والمبصر جزئيا في حالة خاصة فكان الوصف بالكون في ~~الضلال المبين تنبيها على عموم الأحوال وهو مع ذلك ترشيح للاستعارة لأن ~~اجتماع الصمم والعمى أبين ضلالا . # ( 41 ، 42 ) # تفريع على جملة { أفأنت تسمع الصم } ( الزخرف : 40 ) إلى آخرها المتضمنة ~~إيماء إلى التأييس من اهتدائهم ، والصريحة في تسلية النبي صلى الله عليه ~~وسلم من شدة الحرص في دعوتهم ، فجاء هنا تحقيق وعد بالانتقام منهم ، ومعناه ~~: الوعد بإظهار الدين إن كان في حياة النبي صلى الله عليه وسلم أو بعد ~~وفاته ، ووعيدهم بالعقاب في الدنيا قبل عقاب الآخرة ، فلأجل الوفاء بهذين ~~الغرضين ذكر في هذه الجملة أمران : الانتقام منهم لا محالة ، وكون ذلك ~~واقعا في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم أو بعد وفاته . والمفرع هو { فإنا ~~منهم منتقمون } وما ذكر معه ، فمراد منه تحقق ذلك على كل تقدير . # و ( إما ) كلمتان متصلتان أصلهما ( إن ) الشرطية و ( ما ) زائدة بعد ( إن ~~) ، وأدغمت نون ( إن ) في الميم من حرف ( ما ) ، وزيادة ( ما ) للتأكيد ، ~~ويكثر اتصال فعل الشرط بعد ( إن ) المزيدة بعدها ( ما ) بنون التوكيد زيادة ~~في التأكيد ، ويكتبونها بهمزة وميم وألف تبعا لحالة النطق بها . # والذهاب به هنا مستعمل للتوفي بقرينة قوله : { أو نرينك الذي وعدناهم } ~~لأن الموت مفارقة للأحياء فالإماتة كالانتقال به ، أي تغييبه ولذلك يعبر عن ~~الموت بالانتقال . والمعنى : فإما نتوفينك فإنا منهم منتقمون بعد وفاتك . ~~PageV25P217 وقد استعمل { منتقمون } للزمان المستقبل استعمال اسم الفاعل في ~~الاستقبال ، وهو مجاز شائع مساو للحقيقة والقرينة قوله : { فإما نذهبن بك } ~~. # والمراد ب { الذي وعدناهم } الانتقام المأخوذ من قوله : { فإنا منهم ~~منتقمون } . وقد ms7516 أراه الله تعالى الانتقام منهم بقتل صناديدهم يوم بدر ، ~~قال تعالى : { يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون } ( الدخان : 16 ) ~~والبطشة هي بطشة بدر . # وجملة { فإنا منهم منتقمون } جواب الشرط ، واقترن بالفاء لأنه جملة اسمية ~~، وإنما صيغ كذلك للدلالة على ثبات الانتقام ودوامه ، وأما جملة { فإنا ~~عليهم مقتدرون } فهي دليل جواب جملة { أو نرينك الذي وعدناهم } المعطوفة ~~على جملة الشرط لأن اقتدار الله عليهم لايناسب أن يكون معلقا على إراءته ~~الرسول صلى الله عليه وسلم الانتقام منهم ، فالجواب محذوف لا محالة لقصد ~~التهويل . وتقديره : أو إما نرينك الذي وعدناهم ، وهو الانتقام تر انتقاما ~~لا يفلتون منه فإنا عليهم مقتدرون ، أي مقتدرون الآن فاسم الفاعل مستعمل في ~~زمان الحال وهو حقيقته . # ولا يستقيم أن تكون جملة { فإنا منهم منتقمون } دليلا على الجواب المحذوف ~~لأنه يصير : أو إما نرينك الانتقام منهم فإنا منهم منتقمون . وتقديم ~~المجرورين { منهم } و { عليهم } على متعلقيهما للاهتمام بهم في التمكن ~~بالانتقام والاقتدار عليهم . # والوعد هنا بمعنى الوعيد بقرينة قوله قبله { فإنا منهم منتقمون } فإن ~~الوعد إذا ذكر مفعوله صح إطلاقه على الخير والشر ، وإذا لم يذكر مفعوله ~~انصرف للخير وأما الوعيد فهو للشر دائما . # والاقتدار : شدة القدرة ، واقتدر أبلغ من قدر . وقد غفل صاحب ( القاموس ) ~~عن التنبيه عليه . وقد اشتمل هذان الشرطان وجواباهما على خمسة مؤكدات وهي ( ~~ما ) الزائدة ، ونون التوكيد ، وحرف ( إن ) للتوكيد ، والجملة الاسمية ، ~~وتقديم المعمول على { منتقمون } . PageV25P218 # وفائدة الترديد في هذا الشرط تعميم الحالين حال حياة النبي صلى الله عليه ~~وسلم وحال وفاته . والمقصود : وقت ذينك الحالين لأن المقصود توقيت الانتقام ~~منهم . # والمعنى : أننا منتقمون منهم في الدنيا سواء كنت حيا أو بعد موتك ، أي ~~فالانتقام منهم من شأننا وليس من شأنك لأنه من أجل إعراضهم عن أمرنا وديننا ~~، ولعله لدفع استبطاء النبي صلى الله عليه وسلم أو المسلمين تأخير الانتقام ~~من المشركين ولأن المشركين كانوا يتربصون بالنبي الموت فيستريحوا من دعوته ~~فأعلمه الله أنه لا يفلتهم من الانتقام على تقدير موته وقد حكى الله ms7517 عنهم ~~قولهم : { نتربص به ريب المنون } ( الطور : 30 ) ففي هذا الوعيد إلقاء ~~الرعب في قلوبهم لما يسمعونه . # لما هون الله على رسوله صلى الله عليه وسلم ما يلاقيه من شدة الحرص على ~~إيمانهم ووعده النصر عليهم فرع على ذلك أن أمره بالثبات على دينه وكتابه ~~وأن لا يخور عزمه في الدعوة ضجرا من تصلبهم في كفرهم ونفورهم من الحق . # والاستمساك : شدة المسك ، فالسين والتاء فيه للتأكيد . والأمر به مستعمل ~~في طلب الدوام ، لأن الأمر بفعل لمن هو متلبس به لا يكون لطلب الفعل بل ~~لمعنى آخر وهو هنا طلب الثبات على التمسك بما أوحي إليه كما دل عليه قوله : ~~{ إنك على صراط مستقيم } وهذا كما يدعى للعزيز المكرم ، فيقال : أعزك الله ~~وأكرمك ، أي أدام ذلك وقوله : أحياك الله ، أي أطال حياتك ، ومنه قوله ~~تعالى في تعليم الدعاء { اهدنا الصراط المستقيم } ( الفاتحة : 6 ) . # والذي أوحي إليه هو القرآن . وجملة { إنك على صراط مستقيم } تأييد لطلب ~~الاستمساك بالذي أوحي إليه وتعليل له . PageV25P219 # والصراط المستقيم : هو العمل بالذي أوحي إليه ، فكأنه قيل : إنه صراط ~~مستقيم ، ولكن عدل عن ذلك إلى { إنك على صراط مستقيم } ليفيد أن الرسول صلى ~~الله عليه وسلم راسخ في الاهتداء إلى مراد الله تعالى كما يتمكن السائر من ~~طريق مستقيم لا يشوبه في سيره تردد في سلوكه ولا خشية الضلال في بنياته . ~~ومثله قوله تعالى : { إنك على الحق المبين } في سورة النمل . # وحرف { على } للاستعلاء المجازي المراد به التمكن كقوله : { أولئك على ~~هدى من ربهم } ( البقرة : 5 ) . وهذا تثبيت للرسول صلى الله عليه وسلم ~~وثناء عليه بأنه ما زاغ قيد أنملة عما بعثه الله به ، كقوله : { إنك على ~~الحق المبين } ويتبعه تثبيت المؤمنين على إيمانهم . وهذا أيضا ثناء سادس ~~على القرآن . # ذكر حظ الرسول صلى الله عليه وسلم من الثناء والتأييد في قوله : { على ~~صراط مستقيم } ( الزخرف : 43 ) المجعول علة للأمر بالثبات عليه ، ثم عطف ~~عليه تعليل آخر اشتمل على ذكر حظ القرآن من المدح ، والنفع بقوله : { وإنه ~~لذكر ms7518 } ، وتشريفه به بقوله : { لك } وأتبع بحظ التابعين له ولكتابه من ~~الاهتداء والانتفاع بقوله { ولقومك } . ثم عرض بالمعرضين عنه والمجافين له ~~بقوله : { وسوف تسألون } ، مع التوجيه في معنى كلمة ذكر من إرادة أن هذا ~~الدين يكسبه ويكسب قومه حسن السمعة في الأمم فمن اتبعه نال حظه من ذلك ومن ~~أعرض عنه عد في عداد الحمقى كما سيأتي ، مع الإشارة إلى انتفاع المتبعين به ~~في الآخرة ، واستضرار المعرضين عنه فيها ، وتحقيق ذلك بحرف الاستقبال . ~~فهذه الآية اشتملت على عشرة معان ، وبذلك كانت أوفر معاني من قول امرىء ~~القيس : # قفا نبكك من ذكرى حبيبب ومنزل PageV25P220 # المعدود أبلغ كلام من كلامهم في الإيجاز إذ وقف ، واستوقف ، وبكى واستبكى ~~. وذكر الحبيب ، والمنزل في مصراع . وهذه الآية لا تتجاوز مقدار ذلك ~~المصراع وعدة معانيها عشرة في حين كانت معاني مصراع امرىء القيس ستة مع ما ~~تزيد به هذه الآية من الخصوصيات ، وهي التأكيد ب ( إن ) واللام والكناية ~~ومحسن التوجيه . # والذكر يحتمل أن يكون ذكر العقل ، أي اهتداءه لما كان غير عالم به ، فشبه ~~بتذكر الشيء المنسي وهو ما فسر به كثير الذكر بالتذكير ، أي الموعظة . ~~ويحتمل ذكر اللسان ، أي أنه يكسبك وقومك ذكرا ، والذكر بهذا المعنى غالب في ~~الذكر بخبره . # والمعنى : أن القرآن سبب الذكر لأنه يكسب قومه شرفا يذكرون بسببه . وقد ~~روي هذا التفسير عن علي وابن عباس في رواية ابن عدي وابن مردويه قال ~~القرطبي : ( ونظيره قوله تعالى : { وإنه لذكر لك ولقومك } يعني القرآن شرف ~~لك ولقومك من قريش ، فالقرآن نزل بلسان قريش فاحتاج أهل اللغات كلها إلى ~~لسانهم كل من آمن بذلك فشرفوا بذلك على سائر أهل اللغات ) . وقال ابن عطية ~~( قال ابن عباس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على القبائل ~~فإذا قالوا له : فلمن يكون الأمر بعدك ؟ سكت حتى إذا نزلت هذه الآية فكان ~~إذا سئل عن ذلك قال : لقريش ) . ودرج عليه كلام ( الكشاف ) . # ففي لفظ { ذكر } محسن التوجيه فإذا ضم إليه أن ذكره وقومه بالثناء يستلزم ~~ذم ms7519 من خالفهم كان فيه تعريض بالمعرضين عنه . وقومه هم قريش لأنهم المقصود ~~بالكلام أو جميع العرب لأنهم شرفوا بكون الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم ~~منهم ونزول القرآن بلغتهم ، وقد ظهر ذلك الشرف لهم في سائر الأعصر إلى ~~اليوم ، ولولاه ما كان للعرب من يشعر بهم من الأمم العظيمة الغالبة على ~~الأرض . # وهذا ثناء سابع على القرآن . # والسؤال في قوله : { وسوف تسألون } سؤال تقرير . فسؤال المؤمنين عن ~~PageV25P221 مقدار العمل بما كلفوا به ، وسؤال المشركين سؤال توبيخ وتهديد ~~قال تعالى : { ستكتب شهادتهم ويسألون } ( الزخرف : 19 ) وقال تعالى : { ألم ~~يأتكم نذير إلى قوله : فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير } ( الملك : 8 ~~، 11 ) . # الأمر بالسؤال هنا تمثيل لشهرة الخبر وتحققه كما في قول السمؤال أو ~~الحارثي : # سلي إن جهلتت الناس عنا وعنهم # وقولل زيد الخيل : # سائل فوارس يربوع بشدتنا # وقوله : { فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك } ( يونس : 94 ) إذ لم يكن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم في شك حتى يسأل ، وإلا فإن سؤاله الرسل الذين من ~~قبله متعذر على الحقيقة . والمعنى استقر شرائع الرسل وكتبهم وأخبارهم هل ~~تجد فيها عبادة آلهة . وفي الحديث ( واستفتت قلبك ) أي تثبت في معرفة ~~الحلال والحرام . # وجملة { أجعلنا } بدل من جملة { واسأل } ، والهمزة للاستفهام وهو إنكاري ~~وهو المقصود من الخبر ، وهو رد على المشركين في قولهم : { إنا وجدنا آباءنا ~~على أمة وإنا على آثارهم مهتدون } ( الزخرف : 22 ) أي ليس آباؤكم بأهدى من ~~الرسل الأولين إن كنتم تزعمون تكذيب رسولنا لأنه أمركم بإفراد الله ~~بالعبادة . ويجوز أن يجعل السؤال عن شهرة الخبر . ومعنى الكلام : وإنا ما ~~أمرنا بعبادة آلهة دوننا على لسان أحد من رسلنا . وهذا رد لقول المشركين { ~~لو شاء الرحمن ما عبدناهم } ( الزخرف : 20 ) . # و { من } في قوله : { من قبلك } لتأكيد اتصال الظرف بعامله . PageV25P222 ~~و { من } في قوله : { من رسلنا } بيان ل { قبلك } . # فمعنى { أجعلنا } ما جعلنا ذلك ، أي جعل التشريع والأمر ، أي ما أمرنا ~~بأن تعبد آلهة دوننا . فوصف آلهة ب { يعبدون } لنفي أن يكون الله يرضى ms7520 ~~بعبادة غيره فضلا عن أن يكون غيره إلاها مثله وذلك أن المشركين كانوا ~~يعبدون الأصنام وكانوا في عقائدهم أشتاتا فمنهم من يجعل الأصنام آلهة شركاء ~~لله ، ومنهم من يزعم أنه يعبدهم ليقربوه من الله زلفى ، ومنهم من يزعمهم ~~شفعاء لهم عند الله . فلما نفي بهذه الآية أن يكون جعل آلهة يعبدون أبطل ~~جميع هذه التمحلات . # وأجري { آلهة } مجرى العقلاء فوصفوا بصيغة جمع العقلاء بقوله : { يعبدون ~~} . ومثله كثير في القرآن جريا على ما غلب في لسان العرب إذ اعتقدوهم عقلاء ~~عالمين . وقرأ ابن كثير والكسائي { وسل } بتخفيف الهمزة . # ( 46 ، 47 ) # قد ذكر الله في أول السورة قوله : { وكم أرسلنا من نبيء في الأولين وما ~~يأتيهم من نبيء إلا كانوا به يستهزئون فأهلكنا أشد منهم بطشا ومضى مثل ~~الأولين } ( الزخرف : 6 8 ) . وساق بعد ذلك تذكرة بإبراهيم عليه السلام مع ~~قومه ، وما تفرع على ذلك من أحوال أهل الشرك فلما تقضى أتبع بتنظير حال ~~الرسول صلى الله عليه وسلم مع طغاة قومه واستهزائهم بحال موسى مع فرعون ~~وملئه ، فإن للمثل والنظائر شأنا في إبراز الحقائق وتصوير الحالين تصويرا ~~يفضي إلى ترقب ما كان لإحدى الحالتين من عواقب أن تلحق أهل الحالة الأخرى ، ~~فإن فرعون وملئه تلقوا موسى بالإسراف في الكفر وبالاستهزاء به وباستضعافه ~~إذ لم يكن ذا بذخة ولا محلى بحلية الثراء وكانت مناسبة قوله PageV25P223 { ~~وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا } ( الزخرف : 45 ) الآية هيأت المقام لضرب ~~المثل بحال بعض الرسل الذين جاءوا بشريعة عظمى قبل الإسلام . # والمقصود من هذه القصة هو قوله فيها { فلما آسفونا انتقمنا منهم ~~فأغرقناهم أجمعين فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين } ( الزخرف : 55 ، 56 ) ، ~~فإن المراد بالآخرين المكذبون صناديد قريش . ومن المقصود منها بالخصوص هنا ~~: قوله { وملئه } أي عظماء قومه فإن ذلك شبيه بحال أبي جهل وأضرابه ، وقوله ~~: { فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون } لأن حالهم في ذلك مشابه لحال ~~قريش الذي أشار إليه قوله : { وكم أرسلنا من نبيء في الأولين وما يأتيهم من ~~نبيء إلا كانوا ms7521 به يستهزئون } ( الزخرف : 6 ، 7 ) ، وقوله بعد ذلك { أم أنا ~~خير من هذا الذي هو مهين } ( الزخرف : 52 ) لأنهم أشبهوا بذلك حال أبي جهل ~~ونحوه في قولهم : { لولا نزل هذا القرآن على رجلل من القريتين عظيم } ( ~~الزخرف : 31 ) إلا أن كلمة سادة قريش كانت أقرب إلى الأدب من كلمة فرعون ~~لأن هؤلاء كان رسولهم من قومهم فلم يتركوا جانب الحياء بالمرة وفرعون كان ~~رسوله غريبا عنهم . وقوله { فلولا ألقي عليه أساورة من ذهب } ( الزخرف : 53 ~~) لأنه مشابه لما تضمنه قول صناديد قريش { على رجل من القريتين عظيم } ( ~~الزخرف : 31 ) فإن عظمة ذينك الرجلين كانت بوفرة المال ، ولذلك لم يذكر ~~مثله في غير هذه القصة من قصص بعثة موسى عليه السلام ، وقولهم : { يا أيها ~~الساحر ادع لنا ربك } ( الزخرف : 49 ) وهو مضاه لقوله في قريش { هذا سحر ~~وإنا به كافرون } ( الزخرف : 30 ) ، وقوله : { فأغرقناهم أجمعين } ( الزخرف ~~: 55 ) الدال على أن الله أهلكهم كلهم ، وذلك إنذار بما حصل من استئصال ~~صناديد قريش يوم بدر . # فحصل من العبرة في هذه القصة أمران : # أحدهما : أن الكفار والجهلة يتمسكون بمثل هذه الشبهة في رد فضل الفضلاء ~~فيتمسكون بخيوط العنكبوت من الأمور العرضية التي لا أثر لها في قيمة النفوس ~~الزكية . # وثانيهما : أن فرعون صاحب العظمة الدنيوية المحضة صار مقهورا مغلوبا ~~انتصر عليه الذي استضعفه ، وتقدم نظير هذه الآية غير مرة . PageV25P224 # و { إذا } حرف مفاجأة ، أي يدل على أن ما بعده حصل عن غير ترقب فتفتتح به ~~الجملة التي يفاد منها حصول حادث على وجه المفاجأة . ووقعت الجملة التي ~~فيها { إذا } جوابا لحرف ( لما ) ، وهي جملة اسمية و ( لما ) تقتضي أن يكون ~~جوابها جملة فعلية ، لأن ما في { إذا } من معنى المفاجأة يقوم مقام الجملة ~~الفعلية . # والضحك : كناية عن الاستخفاف بالآيات والتكذيب فلا يتعين أن يكون كل ~~الحاضرين صدر منهم ضحك ، ولا أن ذلك وقع عند رؤية آية إذ لعل بعضها لا ~~يقتضي الضحك . # الأظهر أن جملة { وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها ms7522 } في موضع الحال ~~، وأن الواو واو الحال وأن الاستثناء من أحوال ، وما بعد { إلا } في موضع ~~الحال ، واستغنت عن الواو لأن { إلا } كافية في الربط . والمعنى : أنهم ~~يستخفون بالآيات التي جاء بها موسى في حال أنها آيات كبيرة عظيمة فإنما ~~يستخفون بها لمكابرتهم وعنادهم . # وصوغ { نريهم } بصيغة المضارع لاستحضار الحالة . ومعنى { هي أكبر من ~~أختها } يحتمل أن يراد به أن كل آية تأتي تكون أعظم من التي قبلها ، فيكون ~~هنالك صفة محذوفة لدلالة المقام ، أي من أختها السابقة ، كقوله تعالى : { ~~يأخذ كل سفينة غصبا } ( الكهف : 79 ) ، أي كل سفينة صحيحة ، وهذا يستلزم أن ~~تكون الآيات مترتبة في العظم بحسب تأخر أوقات ظهورها لأن الإتيان بآية بعد ~~أخرى ناشىء عن عدم الارتداع من الآية السابقة . ويحتمل ما قال صاحب ( ~~الكشاف ) أن الآيات موصوفات بالكبر لا بكونها متفاوتة فيه وكذلك العادة في ~~الأشياء التي تتلاقى في الفضل وتتفاوت منازلها فيه PageV25P225 التفاوت ~~اليسير ، أي تختلف آراء الناس في تفضيلها ، فعلى ذلك بنى الناس كلامهم ~~فقالوا : رأيت رجالا بعضهم أفضل من بعض ، وربما اختلفت آراء الرجل الواحد ~~فيها فتارة يفضل هذا وتارة يفضل ذاك ، ومنه بيت الحماسة : # من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم # مثل النجوم التي يسري بها الساري # وقد فاضلت الأنمارية بين الكملة من بنيها ثم قالت لما أبصرت مراتبهم ~~متقاربة قليلة التفاوت : ثكلتهم إن كنت أعلم أيهم أفضل ، هم كالحلقة ~~المفرغة لا يدرى أين طرفاها . فالمعنى : وما نريهم من آية إلا وهي آية ~~جليلة الدلالة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم تكاد تنسيهم الآية الأخرى ~~. والأخت مستعارة للمماثلة في كونها آية . # وعطف { وأخذناهم بالعذاب } على جملة { وما نريهم من آية } لأن العذاب كان ~~من الآيات . # والعذاب : عذاب الدنيا ، وهو ما يؤلم ويشق ، وذلك القحط والقمل والطوفان ~~والضفادع والدم في الماء . # والأخذ بمعنى : الإصابة . والباء في { بالعذاب } للاستعانة كما تقول : خذ ~~الكتاب بقوة ، أي ابتدأناهم بالعذاب قبل الاستئصال لعل ذلك يفيقهم من ~~غفلتهم ، وفي هذا تعريض بأهل مكة إذ أصيبوا بسني القحط ms7523 . # والرجوع : مستعار للإذعان والاعتراف ، وليس هو كالرجوع في قوله آنفا { ~~وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون } ( الزخرف : 28 ) . وضمائر الغيبة ~~في { نريهم } و { أخذناهم } ، و { لعلهم } عائدة إلى فرعون وملئه . ~~PageV25P226 # عطف على { وأخذناهم بالعذاب } ( الزخرف : 48 ) . والمعنى : ولما أخذناهم ~~بالعذاب على يد موسى سألوه أن يدعو الله بكشف العذاب عنهم . ومخاطبتهم موسى ~~بوصف الساحر مخاطبة تعظيم تزلفا إليه لأن الساحر عندهم كان هو العالم وكانت ~~علوم علمائهم سحرية ، أي ذات أسباب خفية لا يعرفها غيرهم وغير أتباعهم ، ~~ألا ترى إلى قول ملأ فرعون له { وابعث في المدائن حاشرين يأتوك بكل سحار ~~عليم } ( الشعراء : 36 ، 37 ) . # وكان السحر بأيدي الكهنة ومن مظاهره تحنيط الموتى الذي بقيت به جثث ~~الأموات سالمة من البلى ولم يطلع أحد بعدهم على كيفية صنعه . وفي آية ~~الأعراف { قالوا يا موسى ادع لنا ربك } ، ولا تنافي ما هنا لأن الخطاب خطاب ~~إلحاحح فهو يتكرر ويعاد بطرق مختلفة . # وقرأ الجمهور { باأيه الساحر } بدون ألف بعد الهاء في الوصل وهو ظاهر ، ~~وفي الوقف أي بفتحة دون ألف وهو غير قياسي لكن القراءة رواية . وعلله أبو ~~شامة بأنهم اتبعوا الرسم وفيه نظر . وقرأه أبو عمرو والكسائي ويعقوب بإثبات ~~الألف في الوقف . وقرأه ابن عامر بضم الهاء في الوصل خاصة وهو لغة بني أسد ~~، وكتبت في المصحف كلمة { أيه } بدون ألف بعد الهاء ، والأصل أن تكون بألف ~~بعد الهاء لأنها ( ها ) حرف تنبيه يفصل بين ( أي ) وبين نعتها في النداء ~~فحذفت الألف في رسم المصحف رعيا لقراءة الجمهور والأصل أن يراعى في الرسم ~~حالة الوقف . # وعنوا ب { ربك } الرب الذي دعاهم موسى إلى عبادته . والقبط كانوا يحسبون ~~أن لكل أمة ربا ولا يحيلون تعدد الآلهة ، وكانت لهم أرباب كثيرون مختلفة ~~أعمالهم وقدرهم ومثل ذلك كانت عقائد اليونان . # وأرادوا { بما عهد عندك } ما خصك بعلمه دون غيرك مما استطعت به أن تأتي ~~بخوارق العادة . PageV25P227 وكانوا يحسبون أن تلك الآيات معلولة لعلل خفية ~~قياسا على معارفهم بخصائص بعض الأشياء التي لا تعرفها ms7524 العامة ، وكان الكهنة ~~يعهدون بها إلى تلامذتهم ويوصونهم بالكتمان . # والعهد : هو الائتمان على أمر مهم ، وليس مرادهم به النبوءة لأنهم لم ~~يؤمنوا به وإذ لم يعرفوا كنه العهد عبروا عنه بالموصول وصلته . والباء في ~~قوله : { بما عهد عندك } متعلقة ب { ادع } وهي للاستعانة . ولما رأوا ~~الآيات علموا أن رب موسى قادر ، وأن بينه وبين موسى عهدا يقتضي استجابة ~~سؤله . # وجملة { إننا لمهتدون } جواب لكلام مقدر دل عليه { ادع لنا ربك } أي فإن ~~دعوت لنا وكشفت عنا العذاب لنؤمنن لك كما في آية الأعراف { لئن كشفت عنا ~~الرجز لنؤمنن لك } الآية . ف ( مهتدون ) اسم فاعل مستعمل في معنى الوعد وهو ~~منصرف للمستقبل بالقرينة كما دل عليه قوله : { ينكثون } ( الزخرف : 50 ) ~~ونظيره قوله في سورة الدخان ( 12 ، 13 ) حكاية عن المشركين { ربنا اكشف عنا ~~العذاب إنا مؤمنون أنى لهم الذكرى } الآية . وسموا تصديقهم إياه اهتداء لأن ~~موسى سمى ما دعاهم إليه هديا كما في آية النازعات { وأهديك إلى ربك فتخشى } ~~. # أي تفرع على تضرعهم ووعدهم بالاهتداء إذا كشف عنهم العذاب أنهم نكثوا ~~الوعد . # والنكث : نقض الحبل المبرم ، وتقدم في قوله : { فلما كشفنا عنهم الرجز ~~إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون } في سورة الأعراف ، وهو مجاز في الخيس ~~بالعهد . # والكلام على تركيب هذه الجملة مثل الكلام على قوله آنفا { فلما جاءهم ~~بآياتنا إذا هم منها يضحكون } ( الزخرف : 47 ) . PageV25P228 # لما كشف عنهم العذاب بدعوة موسى ، وأضمر فرعون وملؤه نكث الوعد الذي ~~وعدوه موسى بأنهم يهتدون ، خشي فرعون أن يتبع قومه دعوة موسى ويؤمنوا ~~برسالته فأعلن في قومه تذكيرهم بعظمة نفسه ليثبتهم على طاعته ، ولئلا ينقل ~~إليهم ما سأله من موسى وما حصل من دعوته بكشف العذاب وليحسبوا أن ارتفاع ~~العذاب أمر اتفاقي إذ قومه لم يطلعوا على ما دار بينه وبين موسى من سؤال ~~كشف العذاب . # والنداء : رفع الصوت ، وإسناده إلى فرعون مجاز عقلي ، لأنه الذي أمر ~~بالنداء في قومه . وكان يتولى النداء بالأمور المهمة الصادرة عن الملوك ~~والأمراء منادون يعينون لذلك وربما ms7525 نادوا في الأمور التي يراد علم الناس ~~بها . ومن ذلك ما حكي في قوله تعالى في سورة يوسف { ثم أذن مؤذن أيتها ~~العير إنكم لسارقون } وقوله تعالى : { فأرسل فرعون في المدائن حاشرين إن ~~هؤلاء لشرذمة قليلون وإنهم لنا لغائظون } ( الشعراء : 53 55 ) . # ووقع في المقامة الثلاثين للحريري : ( فلما جلس كأنه ابن ماء السماء ، ~~نادى مناد من قبل الأحماء ، وحرمة ساسان أستاذ الأستاذين ، وقدوة الشحاذين ~~، لا عقد هذا العقد المبجل ، في هذا اليوم الأغر المحجل ، إلا الذي جال ~~وجاب ، وشب في الكدية وشاب ) . فذلك نداء لإعلان العقد . # وجملة { قال } الخ مبينة لجملة { نادى } ، والمجاز العقلي في { قال } مثل ~~الذي في { ونادى فرعون } . # وفرعون المحكي عنه في هذه القصة هو منفطاح الثاني . # فالأنهار : فروع النيل وترعه ، لأنها لعظمها جعل كل واحد منها مثل نهر ~~فجمعت على أنهار وإنما هي لنهر واحد هو النيل . فإن كان مقر ملك فرعون هذا ~~في مدينة منفيس فاسم الإشارة في قوله : { وهذه الأنهار } إشارة إلى تفاريع ~~النيل التي تبتدىء قرب القاهرة فيتفرع النيل بها إلى فرعين عظيمين فرع ~~دمياط PageV25P229 وفرع رشيد ، وتعرف بالدلتا . وأحسب أنه الذي كان يدعى ~~فرع تنيس لأن تنيس كانت في تلك الجهة وغمرها البحر ، وله تفاريع أخرى صغيرة ~~يسمى كل واحد منها ترعة ، مثل ترعة الإسماعيلية ، وهنالك تفاريع أخرى تدعى ~~الرياح . وإن كان مقر ملكه طيبة التي هي بقرب مدينة آبو اليوم فالإشارة إلى ~~جداول النيل وفروعه المشهورة بين أهل المدينة كأنها مشاهدة لعيونهم . # ومعنى قوله : { تجري من تحتي } يحتمل أن يكون ادعى أن النيل يجري بأمره ، ~~فيكون { من تحتي } كناية عن التسخير كقوله تعالى : { كانتا تحت عبدين من ~~عبادنا صالحين } ( التحريم : 10 ) أي كانتا في عصمتهما . ويقول الناس : ~~دخلت البلدة الفلانية تحت الملك فلان ، ويحتمل أنه أراد أن النيل يجري في ~~مملكته من بلاد أصوان إلى البحر فيكون في { تحتي } استعارة للتمكن من ~~تصاريف النيل كالاستعارة في قوله تعالى : { قد جعل ربك تحتكك سريا } ( مريم ~~: 24 ) على تفسير ( سريا ) بنهر ، وكان مثل ms7526 هذا الكلام يروج على الدهماء ~~لسذاجة عقولهم . ويجوز أن يكون المراد بالأنهار مصب المياه التي كانت تسقي ~~المدينة والبساتين التي حولها وأن توزيع المياه كان بأمره في سداد وخزانات ~~، فهو يهول عليهم بأنه إذا شاء قطع عنهم الماء على نحو قول يوسف { ألا ترون ~~أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين } ( يوسف : 59 ) فيكون معنى { من تحتي } ~~من تحت أمري أي لا تجري إلا بأمري ، وقد قيل : كانت الأنهار تجري تحت قصره ~~. # والاستفهام في { أفلا تبصرون } تقريري جاء التقرير على النفي تحقيقا ~~لإقرارهم حتى أن المقرر يفرض لهم الإنكار فلا ينكرون . # { أم } منقطعة بمعنى ( بل ) للإضراب الانتقالي . والتقدير : بل أأنا خير ~~، والاستفهام اللازم تقديره بعدها تقريري . ومقصوده : تصغير شأن موسى في ~~نفوسهم بأشياء هي عوارض ليست مؤثرة انتقل من تعظيم شأن نفسه إلى إظهار ~~PageV25P230 البون بينه وبين موسى الذي جاء يحقر دينه وعبادة قومه إياه ، ~~فقال : أنا خير من هذا . والإشارة هنا للتحقير . وجاء بالموصول لادعاء أن ~~مضمون الصلة شيء عرف به موسى . # والمهين بفتح الميم : الذليل الضعيف ، أراد أنه غريب ليس من أهل بيوت ~~الشرف في مصر وليس له أهل يعتز بهم ، وهذا سفسطة وتشغيب إذ ليس المقام مقام ~~انتصار حتى يحقر القائم فيه بقلة النصير ، ولا مقام مباهاة حتى ينتقص صاحبه ~~بضعف الحال . # وأشار بقوله : { ولا يكاد يبين } إلى ما كان في منطق موسى من الحبسة ~~والفهاهة كما حكى الله في الآية عن موسى { وأخي هارون هو أفصح مني لسانا ~~فأرسله معي ردءا يصدقني } ( القصص : 34 ) وفي الأخرى { واحلل عقدة من لساني ~~يفقهوا قولي } ( طه : 27 ، 28 ) ، وليس مقام موسى يومئذ مقام خطابة ولا ~~تعليم وتذكير حتى تكون قلة الفصاحة نقصا في عمله ، ولكنه مقام استدلال وحجة ~~فيكفي أن يكون قادرا على إبلاغ مراده ولو بصعوبة وقد أزال الله عنه ذلك حين ~~تفرغ لدعوة بني إسرائيل كما قال : { قد أوتيت سؤلك يا موسى } ( طه : 36 ) . ~~ولعل فرعون قال ذلك لما يعلم من حال موسى قبل أن يرسله الله حين ms7527 كان في بيت ~~فرعون فذكر ذلك من حاله ليذكر الناس بأمر قديم فإن فرعون الذي بعث موسى في ~~زمنه هو منفطاح الثاني وهو ابن رعمسيس الثاني الذي ولد موسى في أيامه وربي ~~عنده ، وهذا يقتضي أن ( منفطاح ) كان يعرف موسى ولذلك قال له { ألم نربك ~~فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين } ( الشعراء : 18 ) . # وأما رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم فلما أرسل إلى أمة ذات فصاحة وبلاغة ~~وكانت معجزته القرآن المعجز في بلاغته وفصاحته وكانت صفة الرسول الفصاحة ~~لتكون له المكانة الجليلة في نفوس قومه . # ومعنى { ولا يكاد يبين } ويكاد أن لا يبين ، وقد تقدم القول في مثله عند ~~قوله تعالى : { فذبحوها وما كادوا يفعلون في سورة البقرة PageV25P231 . # } # لما تضمن وصفه موسى بمهين ولا يكاد يبين أنه مكذب له دعواه الرسالة عن ~~الله فرع عليه قوله : { فلولا ألقي عليه أساورة من ذهب } ترقيا في إحالة ~~كونه رسولا من الله ، وفرعون لجهله أو تجاهله يخيل لقومه أن للرسالة شعارا ~~كشعار الملوك . # و ( لولا ) حرف تحضيض مستعمل في التعجيز مثل ما في قوله { وقالوا لولا ~~نزل هذا القرآن على رجلل من القريتين عظيم . } ( الزخرف : 31 ) # والإلقاء : الرمي وهو مستعمل هنا في الإنزال ، أي هلا ألقي عليه من ~~السماء أساورة من ذهب ، أي سوره الرب بها ليجعله ملكا على الأمة . وقرأ ~~الجمهور { أساورة } ، وقرأ حفص عن عاصم ويعقوب { أسورة } . # والأساورة : جمع أسوار لغة في سوار . وأصل الجمع أساوير مخفف بحذف إشباع ~~الكسرة ثم عوض الهاء عن المحذوف كما عوضت في زنادقة جمع زنديق إذ حقه ~~زناديق . وأما سوار فيجمع على أسورة . # والسوار : حلقة عريضة من ذهب أو فضة تحيط بالرسغ ، هو عند معظم الأمم من ~~حلية النساء الحرائر ولذلك جاء في المثل : لو ذات سوار لطمتني أي لو حرة ~~لطمتني ، قاله أحد الأسرى لطمته أمة لقوم هو أسيرهم . وكان السوار من شعار ~~الملوك بفارس ومصر يلبس الملك سوارين . وقد كان من شعار الفراعنة لبس ~~سوارين أو أسورة من ذهب وربما جعلوا سوارين ms7528 على الرسغين وآخرين على العضدين ~~. فلما تخيل فرعون أن رتبة الرسالة مثل الملك حسب افتقادها هو من شعار ~~الملوك عندهم أمارة على انتفاء الرسالة . # و { أو } للترديد ، أي إن لم تلق عليه أساورة من ذهب فلتجىء معه طوائف من ~~الملائكة شاهدين له بالرسالة . PageV25P232 # ولم أقف على أنهم كانوا يثبتون وجود الملائكة بالمعنى المعروف عند أهل ~~الدين الإلاهي فلعل فرعون ذكر الملائكة مجاراة لموسى إذ لعله سمع منه أن ~~لله ملائكة أو نحو ذلك في مقام الدعوة فأراد إفحامه بأن يأتي معه بالملائكة ~~الذين يظهرون له . # و { مقترنين } حال من { الملائكة } ، أي مقترنين معه فهذه الحال مؤكدة ~~لمعنى { معه } لئلا يحمل معنى المعية على إرادة أن الملائكة تؤيده بالقول ~~من قولهم : قرنته به فاقترن ، أي مقترنين بموسى وهو اقتران النصير لنصيره . # أي فتفرع عن نداء فرعون قومه أن أثر بتمويهه في نفوس ملئه فعجلوا بطاعته ~~بعد أن كانوا متهيئين لاتباع موسى لما رأوا الآيات . فالخفة مستعارة ~~للانتقال من حالة التأمل في خلع طاعة فرعون والتثاقل في اتباعه إلى التعجيل ~~بالامتثال له كما يخف الشيء بعد التثاقل . # والمعنى يرجع إلى أنه استخف عقولهم فأسرعوا إلى التصديق بما قاله بعد أن ~~صدقوا موسى في نفوسهم لما رأوا آياته نزولا ورفعا . والمراد ب { قومه } هنا ~~بعض القوم ، وهم الذين حضروا مجلس دعوة موسى هؤلاء هم الملأ الذين كانوا في ~~صحبة فرعون . # والسين والتاء في { استخف } للمبالغة في أخف مثل قوله تعالى : { إنما ~~استزلهم الشيطان } ( آل عمران : 155 ) وقولهم : هذا فعل يستفز غضب الحليم . # وجملة { إنهم كانوا قوما فاسقين } في موضع العلة لجملة { فأطاعوه } كما ~~هو شأن ( إن ) إذا جاءت في غير مقام التأكيد فإن كونهم قد كانوا فاسقين أمر ~~بين ضرورة أن موسى جاءهم فدعاهم إلى ترك ما كانوا عليه من عبادة الأصنام ~~فلا يقتضي في المقام تأكيد كونهم فاسقين ، أي كافرين . والمعنى : أنهم إنما ~~خفوا لطاعة رأس الكفر لقرب عهدهم بالكفر لأنهم كانوا يؤلهون فرعون فلما حصل ~~PageV25P233 لهم تردد في شأنه ببعثة موسى ms7529 عليه السلام لم يلبثوا أن رجعوا ~~إلى طاعة فرعون بأدنى سبب . # والمراد بالفسق هنا : الكفر ، كما قال في شأنهم في آية الأعراف { سأوريكم ~~دار الفاسقين } . # ( 55 ، 56 ) # عقب ما مضى من القصة بالمقصود وهو هذه الأمور الثلاثة المترتبة المتفرع ~~بعضها على بعض وهي : الانتقام ، فالإغراق ، فالاعتبار بهم في الأمم بعدهم . # والأسف : الغضب المشوب بحزن وكدر ، وأطلق على صنيع فرعون وقومه فعل { ~~ءاسفونا } لأنه فعل يترتب عليه انتقام الله منهم انتقاما كانتقام الآسف ~~لأنهم عصوا رسوله وصمموا على شركهم بعد ظهور آيات الصدق لموسى عليه السلام ~~. # فاستعير { ءاسفونا } لمعنى عصونا للمشابهة ، والمعنى : فلما عصونا عصيان ~~العبد ربه المنعم عليه بكفران النعمة ، والله يستحيل عليه أن يتصف بالآسف ~~كما يستحيل عليه أن يتصف بالغضب على الحقيقة ، فيؤول المعنى إلى أن الله ~~عاملهم كما يعامل السيد المأسوف عبدا آسفه فلم يترك لرحمة سيده مسلكا . ~~وفعل أسف قاصر فعدي إلى المفعول بالهمزة . # وفي قوله : { فلما ءاسفونا } إيجاز لأن كونهم مؤسفين لم يتقدم له ذكر حتى ~~يبنى أنه كان سببا للانتقام منهم فدل إناطة أداة التوقيت به على أنه قد حصل ~~، والتقدير : فآسفونا فلما آسفونا انتقمنا منهم . والانتقام تقدم معناه ~~قريبا عند قوله تعالى : { فإنا منهم منتقمون } ( الزخرف : 41 ) . # وإنما عطف { فأغرقناهم } بالفاء على { انتقمنا منهم } مع أن إغراقهم هو ~~عين الانتقام منهم ، إما لأن فعل { انتقمنا } مؤول بقدرنا الانتقام منهم ~~فيكون PageV25P234 عطف { فأغرقناهم } بالفاء كالعطف في قوله : { أن يقول له ~~كن فيكون } ( يس : 82 ) ، وإما أن تجعل الفاء زائدة لتأكيد تسبب { ءاسفونا ~~} في الإغراق ، وأصل التركيب : انتقمنا منهم فأغرقناهم ، على أن جملة { ~~فأغرقناهم } مبينة لجملة { انتقمنا منهم } فزيدت الفاء لتأكيد معنى التبيين ~~، وإما أن تجعل الفاء عاطفة جملة { انتقمنا } على جملة { فاستخف قومه ( ~~الزخرف : 54 ) فأغرقناهم أجمعين } وتكون جملة { انتقمنا } معترضة بين ~~الجملة المفرعة والمفرعة عنها ، وتقدم نظير هذا عند قوله تعالى : { ~~فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم } ( الأعراف : 136 ) . # وفرع على إغراقهم أن الله جعلهم سلفا لقوم آخرين ، أي يأتون بعدهم . ~~والسلف بفتح السين ms7530 وفتح اللام في قراءة الجمهور : جمع سالف مثل : خدم لخادم ~~، وحرس لحارس . والسالف الذي يسبق غيره في الوجود أو في عمل أو مكان ، ولما ~~ذكر الانتقام كان المراد بالسلف هنا السالف في الانتقام ، أي أن من بعدهم ~~سيلقون مثل ما لقوا . وقرأ حمزة وحده والكسائي { سلفا } بضم السين وضم ~~اللام وهو جمع سليف اسم للفريق الذي سلف ومضى . # والمثل : النظير والمشابه ، يقال : مثل بفتحتين كما يقال شبه ، أي مماثل ~~. قال أبو علي الفارسي : المثل واحد يراد به الجمع . وأطلق المثل على لازمه ~~على سبيل الكناية ، أي جعلناهم عبرة للآخرين يعلمون أنهم إن عملوا مثل ~~عملهم أصابهم مثل ما أصابهم . ويجوز أن يكون المثل هنا بمعنى الحديث العجيب ~~الشأن الذي يسير بين الناس مسير الأمثالل ، أي جعلناهم للآخرين حديثا ~~يتحدثون به ويعظهم به محدثهم . # ومعنى الآخرين ، الناس الذين هم آخر مماثل لهم في حين هذا الكلام فتعين ~~أنهم المشركون المكذبون للرسول صلى الله عليه وسلم فإن هؤلاء هم آخر الأمم ~~المشابهة لقوم فرعون في عبادة الأصنام وتكذيب الرسول . ومعنى الكلام : ~~فجعلناهم سلفا لكم ومثلا لكم فاتعظوا بذلك . # ويتعلق { للآخرين } ب { سلفا ومثلا } على وجه التنازع . PageV25P235 # ( 57 ، 58 ) { } # عطف قصة من أقاصيص كفرهم وعنادهم على ما مضى من حكاية أقاويلهم ، جرت في ~~مجادلة منهم مع النبي صلى الله عليه وسلم وهذا تصدير وتمهيد بين يدي قوله : ~~{ ولما جاء عيسى بالبينات } ( الزخرف : 63 ) الآيات الذي هو المقصود من عطف ~~هذا الكلام على ذكر رسالة موسى عليه السلام . # واقتران الكلام ب { لما } المفيدة وجود جوابها عند وجود شرطها ، أو ~~توقيته ، يقتضي أن مضمون شرط { لما } معلوم الحصول ومعلوم الزمان فهو إشارة ~~إلى حديث جرى بسبب مثل ضربه ضارب لحال من أحوال عيسى ، على أن قولهم { ~~أألهتنا خير أم هو } يحتمل أن يكون جرى في أثناء المجادلة في شأن عيسى ، ~~ويحتمل أن يكون مجرد حكاية شبهة أخرى من شبه عقائدهم ، ففي هذه الآية إجمال ~~يبينه ما يعرفه النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون من جدل ms7531 جرى مع المشركين ~~، ويزيده بيانا قوله : { إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني ~~إسرائيل } ( الزخرف : 59 ) وهذه الآية من أخفى آي القرآن معنى مرادا . # وقد اختلف أهل التفسير في سبب نزول هذه الآية وما يبين إجمالها على ثلاثة ~~أقوال ذكرها في ( الكشاف ) وزاد من عنده احتمالا رابعا . وأظهر الأقوال ما ~~ذكره ابن عطية عن ابن عباس وما ذكره في ( الكشاف ) وجها ثانيا ووجها ثالثا ~~أن المشركين لما سمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم بيان { إن مثل عيسى . . ~~كمثل آدم } ( آل عمران : 59 ) وليس خلقه من دون أب بأعجب من خلق آدم من دون ~~أب ولا أم أو ذلك قبل أن تنزل سورة آل عمران لأن تلك السورة مدنية وسورة ~~الزخرف مكية قالوا : نحن أهدى من النصارى لأنهم عبدوا آدميا ونحن عبدنا ~~الملائكة أي يدفعون ما سفههم به النبي صلى الله عليه وسلم بأن حقه أن يسفه ~~النصارى فنزل قوله تعالى : { ولما ضرب ابن مريم مثلا } الآية ولعلهم قالوا ~~ذلك عن تجاهل بما جاء في القرآن من رد على النصارى . PageV25P236 # والذي جرى عليه أكثر المفسرين أن سبب نزولها الإشارة إلى ما تقدم في سورة ~~الأنبياء عند قوله تعالى : { إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم } إذ ~~قال عبد الله بن الزبعرى قبل إسلامه للنبيء صلى الله عليه وسلم أخاصة لنا ~~ولآلهتنا أم لجميع الأمم . فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( هو لكم ~~ولآلهتكم ولجميع الأمم ) ، قال : ( خصمتك ورب الكعبة ألست تزعم أن عيسى ابن ~~مريم نبيء وقد عبدته النصارى فإن كان عيسى في النار فقد رضينا أن نكون نحن ~~وآلهتنا معه ) ففرح بكلامه من حضر من المشركين وضج أهل مكة بذلك فأنزل الله ~~تعالى : { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون } في سورة ~~الأنبياء ونزلت هذه الآية تشير إلى لجاجهم . # وبعض المفسرين يزيد في رواية كلام ابن الزبعرى : وقد عبدت بنو مليح ~~الملائكة فإن كان عيسى والملائكة في النار فقد رضينا . وهذا يتلاءم مع بناء ms7532 ~~فعل { ضرب } للمجهول لأن الذي جعل عيسى مثلا لمجادلته هو عبد الله بن ~~الزبعرى ، وليس من عادة القرآن تسمية أمثاله ، ولو كان المثل مضروبا في ~~القرآن لقال : ولما ضربنا ابن مريم مثلا ، كما قال بعده { وجعلناه مثلا ~~لبني إسرائيل } ( الزخرف : 59 ) . ويتلاءم مع تعدية فعل { يصدون } بحرف ( ~~من ) الابتدائية دون حرف ( عن ) ومع قوله : { ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم ~~قوم خصمون } لأن الظاهر أن ضمير النصب في { ضربوه } عائد إلى ابن مريم . # والمراد بالمثل على هذا الممثل به والمشبه به ، لأن ابن الزبعرى نظر ~~آلهتهم بعيسى في أنها عبدت من دون الله مثله فإذا كانوا في النار كان عيسى ~~كذلك . ولا يناكد هذا الوجه إلا ما جرى عليه عد السور في ترتيب النزول من ~~عد سورة الأنبياء التي كانت آيتها سبب المجادلة متأخرة في النزول عن سورة ~~الزخرف ولعل تصحيح هذا الوجه عندهم بكر بالإبطال على من جعل سورة الأنبياء ~~متأخرة في النزول عن سورة الزخرف بل يجب أن تكون سابقة حتى تكون هذه الآية ~~مذكرة بالقصة التي كانت سبب نزول سورة الأنبياء ، وليس ترتيب النزول بمتفق ~~عليه ولا بمحقق السند فهو يقبل منه ما لا معارض له . على أنه قد تنزل الآية ~~ثم تلحق بسورة نزلت قبلها . PageV25P237 # فإذا رجح أن تكون سورة الأنبياء نزلت قبل سورة الزخرف كان الجواب القاطع ~~لابن الزبعرى في قوله تعالى فيها : { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك ~~عنها مبعدون } ( الأنبياء : 101 ) لأنه يعني أن عدم شمول قوله : { إنكم وما ~~تعبدون من دون الله حصب جهنم } ( الأنبياء : 98 ) لعيسى معلوم لكل من له ~~نظر وإنصاف لأن الحكم فيها إنما أسند إلى معبودات المشركين لا إلى معبود ~~النصارى وقليل من قبائل العرب التي لم تقصد بالخطاب القرآني أيامئذ ، ولما ~~أجابهم النبي صلى الله عليه وسلم بأن الآية لجميع الأمم إنما عنى المعبودات ~~التي هي من جنس أصنامهم لا تفقه ولا تتصف بزكاء ، بخلاف الصالحين الذين شهد ~~لهم القرآن برفعة الدرجة قبل تلك الآية ms7533 وبعدها ، إذ لا لبس في ذلك ، ويكون ~~الجواب المذكور هنا في سورة الزخرف بقوله : { ما ضربوه لك إلا جدلا } جوابا ~~إجماليا ، أي ما أرادوا به إلا التمويه لأنهم لا يخفى عليهم أن آية سورة ~~الأنبياء تفيد أن عيسى ليس حصب جهنم ، والمقام هنا مقام إجمال لأن هذه ~~الآية إشارة وتذكير إلى ما سبق من الحادثة حين نزول آية سورة الأنبياء . # وقرأ نافع وابن عامر والكسائي وأبو بكر عن عاصم وأبو جعفر وخلف { يصدون } ~~بضم الصاد من الصدود إما بمعنى الإعراض والمعرض عنه محذوف لظهوره من المقام ~~، أي يعرضون عن القرآن لأنهم أوهموا بجدلهم أن في القرآن تناقضا ، وإما على ~~أن الضم لغة في مضارع صد بمعنى ضج مثل لغة كسر الصاد وهو قول الفراء ~~والكسائي . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وحفص عن عاصم ويعقوب بكسر الصاد ~~وهو الصد بمعنى الضجيج والصخب . والمعنى : إذا قريش قومك يصخبون ويضجون من ~~احتجاج ابن الزبعرى بالمثل بعيسى في قوله ، معجبين بفلجه وظهور حجته لضعف ~~إدراكهم لمراتب الاحتجاج . # والتعبير عن قريش بعنوان { قومك } . للتعجيب منهم كيف فرحوا من تغلب ابن ~~الزبعرى على النبي صلى الله عليه وسلم بزعمهم في أمر عيسى عليه السلام ، أي ~~مع أنهم قومك وليسوا قوم عيسى ولا أتباع دينه فكان فرحهم ظلما من ذوي ~~القربى ، قال زهير : PageV25P238 # وظلم ذوي القربى أشد مضاضة # على المرء من وقع الحسام المهند # و ( من ) في قوله { منه } على الاحتمالين ليست لتعدية { يصدون } إلى ما ~~في معنى المفعول ، لأن الفعل إنما يتعدى إليه بحرف ( عن ) ، ولا أن الضمير ~~المجرور بها عائد إلى القرآن ولكنها متعلقة ب { يصدون } تعلقا على معنى ~~الابتداء ، أي يصدون صدا ناشئا منه ، أي من المثل ، أي ضرب لهم مثل فجعلوا ~~ذلك المثل سببا للصد . وقالوا جميعا : آلهتنا خير أم هو ، تلقفوها من فم ~~ابن الزبعرى حين قالها للنبيء صلى الله عليه وسلم فأعادوها . فهذا حكاية ~~لقول ابن الزبعرى : إنك تزعم أن عيسى نبيء وقد عبدته النصارى فإن كان عيسى ~~في النار ms7534 قد رضينا أن نكون وآلهتنا في النار . # والاستفهام في قوله : { آلهتنا خير أم هو } تقريري للعلم بأن النبي يفضل ~~عيسى على آلهتهم ، أي فقد لزمك أنك جعلت أهلا للنار من كنت تفضله فأمر ~~آلهتنا هين . # وضمير الرفع في { ما ضربوه } عائد إلى ابن الزبعرى وقومه الذين أعجبوا ~~بكلامه وقالوا بموجبه . وضمير النصب الغائب يجوز أن يكون عائدا إلى المثل ~~في قوله : { ولما ضرب ابن مريم مثلا } ، أي ما ضربوا لك ذلك المثل إلا جدلا ~~منهم ، أي محاجة وإفحاما لك وليسوا بمعتقدين هون أمر آلهتهم عندهم ، ولا ~~بطالبين الميز بين الحق والباطل ، فإنهم لا يعتقدون أن عيسى خير من آلهتهم ~~ولكنهم أرادوا مجاراة النبي في قوله ليفضوا إلى إلزامه بما أرادوه من ~~المناقضة . # ويجوز أن يكون ضمير النصب في { ضربوه } عائدا إلى مصدر مأخوذ من فعل { ~~وقالوا } ، أي ما ضربوا ذلك القول ، أي ما قالوه إلا جدلا . فالضرب بمعنى ~~الإيجاد كما يقال : ضرب بيتا ، وقول الفرزدق : # ضربت عليك العنكبوت بنسجها PageV25P239 # والاستثناء في { إلا جدلا } مفرغ للمفعول لأجله أو للحال ، فيجوز أن ~~ينتصب { جدلا } على المفعول لأجله ، أي ما ضربوه لشيء إلا للجدل ، ويجوز أن ~~ينصب على الحال بتأويله بمجادلين أي ما ضربوه في حال من أحوالهم إلا في حال ~~أنهم مجادلون لا مؤمنون بذلك . # وقوله : { بل هم قوم خصمون } إضراب انتقالي إلى وصفهم بحب الخصام ~~وإظهارهم من الحجج ما لا يعتقدونه تمويها على عامتهم . # والخصم بكسر الصاد : شديد التمسك بالخصومة واللجاج مع ظهور الحق عنده ، ~~فهو يظهر أن ذلك ليس بحق . # وقرأ الجمهور { آلهتنا } بتسهيل الهمزة الثانية . وقرأه عاصم وحمزة ~~والكسائي بتخفيفها . # لما ذكر ما يشير إلى قصة جدال ابن الزبعرى في قوله تعالى : { إنكم وما ~~تعبدون من دون الله حصب جهنم } ( الأنبياء : 98 ) ، وكان سبب جداله هو أن ~~عيسى قد عبد من دون الله لم يترك الكلام ينقضي دون أن يردف بتقرير عبودية ~~عيسى لهذه المناسبة ، إظهارا لخطل رأي الذين ادعوا إلهايته وعبدوه وهم ~~النصارى حرصا على الاستدلال للحق . # وقد ms7535 قصر عيسى على العبودية على طريقة قصر القلب للرد على الذين زعموه ~~إلهاا ، أي ما هو إلا عبد لا إلاه لأن الإلاهية تنافي العبودية . ثم كان ~~قوله : { أنعمنا عليه } إشارة إلى أنه قد فضل بنعمة الرسالة ، أي فليست له ~~خصوصية مزية على بقية الرسل ، وليس تكوينه بدون أب إلا إرهاصا . # وأما قوله : { وجعلناه مثلا لبني إسرائيل } فهو إبطال لشبهة الذين ألهوه ~~PageV25P240 بتوهمهم أن كونه خلق بكلمة من الله يفيد أنه جزء من الله فهو ~~حقيق بالإلاهية ، أي كان خلقه في بطن أمه دون أن يقربها ذكر ليكون عبرة ~~عجيبة في بني إسرائيل لأنهم كانوا قد ضعف إيمانهم بالغيب وبعد عهدهم بإرسال ~~الرسل فبعث الله عيسى مجددا للإيمان بينهم ، ومبرهنا بمعجزاته على عظم قدرة ~~الله ، ومعيدا لتشريف الله بني إسرائيل إذ جعل فيهم أنبياء ليكون ذلك سببا ~~لقوة الإيمان فيهم ، ومظهرا لفضيلة أهل الفضل الذين آمنوا به ولعناد الذين ~~منعهم الدفع عن حرمتهم من الاعتراف بمعجزاته فناصبوه العداء وسعوا للتنكيل ~~به وقتله فعصمه الله منهم ورفعه من بينهم فاهتدى به أقوام وافتتن به آخرون ~~. فالمثل هنا بمعنى العبرة كالذي في قوله آنفا { فجعلناهم سلفا ومثلا ~~للآخرين } ( الزخرف : 56 ) . # وفي قوله : { لبني إسرائيل } إشارة إلى أن عيسى لم يبعث إلا إلى بني ~~إسرائيل وأنه لم يدع غير بني إسرائيل إلى اتباع دينه ، ومن اتبعوه من غير ~~بني إسرائيل في عصور الكفر والشرك فإنما تقلدوا دعوته لأنها تنقذهم من ~~ظلمات الشرك والوثنية والتعطيل . # لما أشارت الآية السابقة إلى إبطال ضلالة الذين زعموا عيسى عليه السلام ~~ابنا لله تعالى ، من قصره على كونه عبدا لله أنعم الله عليه بالرسالة وأنه ~~عبرة لبني إسرائيل عقب ذلك بإبطال ما يماثل تلك الضلالة ، وهي ضلالة بعض ~~المشركين في ادعاء بنوة الملائكة لله تعالى المتقدم حكايتها في قوله : { ~~وجعلوا له من عباده جزءا } ( الزخرف : 15 ) الآيات فأشير إلى أن الملائكة ~~عباد لله تعالى جعل مكانهم العوالم العليا ، وأنه لو شاء لجعلهم من سكان ~~الأرض بدلا عن الناس ، أي ms7536 أن كونهم من أهل العوالم العليا لم يكن واجبا لهم ~~بالذات وما هو إلا وضع بجعل من الله تعالى كما جعل للأرض سكانا ، ولو شاء ~~الله لعكس فجعل الملائكة في الأرض بدلا عن PageV25P241 الناس ، فليس تشريف ~~الله إياهم بسكنى العوالم العليا بموجب بنوتهم لله ولا بمقتضض لهم إلاهية ، ~~كما لم يكن تشريف عيسى بنعمة الرسالة ولا تمييزه بالتكون من دون أب مقتضيا ~~له إلهاية وإنما هو بجعل الله وخلقه . # وجعل شرط { لو } فعلا مستقبلا للدلالة على أن هذه المشيئة لم تزل ممكنة ~~بأن يعوض للملائكة سكنى الأرض . # ومعنى ( من ) في قوله : { منكم } البدلية والعوض كالتي في قوله تعالى : { ~~أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة } ( التوبة : 38 ) . # والمجرور متعلق ب ( جعلنا ) ، وقدم على مفعول الفعل للاهتمام بمعنى هذه ~~البدلية لتتعمق أفهام السامعين في تدبرها . # وجملة { في الأرض يخلفون } بيان لمضمون شبه الجملة إلى قوله : { منكم } ~~وحذف مفعول { يخلفون } لدلالة { منكم } عليه ، وتقديم هذا المجرور للاهتمام ~~بما هو أدل على كون الجملة بيانا لمضمون { منكم } . وهذا هو الوجه في معنى ~~الآية وعليه درج المحققون . ومحاولة صاحب ( الكشاف ) حمل { منكم } على معنى ~~الابتدائية والاتصال لا يلاقي سياق الآيات . # . # الأظهر أن هذا عطف على جملة { وإنه لذكر لك ولقومك } ( الزخرف : 44 ) ~~ويكون ما بينهما مستطردات واعتراضا اقتضته المناسبة . # لما أشبع مقام إبطال إلاهية غير الله بدلائل الوحدانية ثني العنان إلى ~~إثبات أن القرآن حق ، عودا على بدء . وهذا كلام موجه من جانب الله تعالى ~~إلى المنكرين يوم البعث ، ويجوز أن يكون من كلام النبي صلى الله عليه وسلم # وضمير المذكر الغائب في قوله : { وإنه لعلم للساعة } مراد به القرآن ~~وبذلك PageV25P242 فسره الحسن وقتادة وسعيد بن جبير فيكون هذا ثناء ثامنا ~~على القرآن ، فالثناء على القرآن استمر متصلا من أول السورة آخذا بعضه بحجز ~~بعض متخللا بالمعترضات والمستطردات ومتخلصا إلى هذا الثناء الأخير بأن ~~القرآن أعلم الناس بوقوع الساعة . # ويفسره ما تقدم من قوله : { بالذي أوحي إليك } ( الزخرف : 43 ) ويبينه ~~قوله بعده { هذا صراط مستقيم } ، على ms7537 أن ورود مثل هذا الضمير في القرآن ~~مرادا به القرآن كثير معلوم من غير معاد فضلا على وجود معاده . # ومعنى تحقيق أن القرآن علم للساعة أنه جاء بالدين الخاتم للشرائع فلم يبق ~~بعد مجيء القرآن إلا انتظار انتهاء العالم . وهذا معنى ما روي من قول ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ( بعثت أنا والساعة كهاتين ، وقرن بين السبابة ~~والوسطى مشيرا إليهما ) ، والمشابهة في عدم الفصل بينهما . # وإسناد { علم للساعة } إلى ضمير القرآن إسناد مجازي لأن القرآن سبب العلم ~~بوقوع الساعة إذ فيه الدلائل المتنوعة على إمكان البعث ووقوعه . ويجوز أن ~~يكون إطلاق العلم بمعنى المعلم ، من استعمال المصدر بمعنى اسم الفاعل ~~مبالغة في كونه محصلا للعلم بالساعة إذ لم يقاربه في ذلك كتاب من كتب ~~الأنبياء . # وقد ناسب هذا المجاز أو المبالغة التفريع في قوله : { فلا تمترن بها } ~~لأن القرآن لم يبقق لأحد مرية في أن البعث واقع . وعن ابن عباس ومجاهد ~~وقتادة أن الضمير لعيسى ، وتأولوه بأن نزول عيسى علامة الساعة ، أي سبب علم ~~بالساعة ، أي بقربها ، وهو تأويل بعيد فإن تقدير مضاف وهو نزول لا دليل ~~عليه ويناكده إظهار اسم عيسى في قوله : { ولما جاء عيسى } ( الزخرف : 63 ) ~~الخ . ويجوز عندي أن يكون ضمير { إنه } ضمير شأن ، أي أن الأمر المهم لعلم ~~الناسس بوقوع الساعة . PageV25P243 # وعدي فعل { فلا تمترن بها } بالباء لتضمينه معنى : لا تكذبن بها ، أو ~~الباء بمعنى ( في ) الظرفية . # . # يجوز أن يكون ضمير المتكلم عائدا إلى الله تعالى ، أي اتبعوا ما أرسلت ~~إليكم من كلامي ورسولي ، جريا على غالب الضمائر من أول السورة كما تقدم ، ~~فالمراد باتباع الله : اتباع أمره ونهيه وإرشاده الوارد على لسان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فاتباع الله تمثيل لامتثالهم ما دعاهم إليه بأن شبه حال ~~الممتثلين أمر الله بحال السالكين صراطا دلهم عليه دليل . ويكون هذا كقوله ~~في سورة الشورى ( 52 ، 53 ) { وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله الذي ~~له ما في السماوات وما في الأرض . ويجوز أن يكون عائدا ms7538 إلى النبي بتقدير : ~~وقل اتبعون ، ومثله في القرآن كثير . # والإشارة في هذا صراط مستقيم } للقرآن المتقدم ذكره في قوله : { وإنه ~~لعلم للساعة } أو الإشارة إلى ما هو حاضر في الأذهان مما نزل من القرآن أو ~~الإشارة إلى دين الإسلام المعلوم من المقام كقوله تعالى : { وأن هذا صراطي ~~مستقيما فاتبعوه } ( الأنعام : 153 ) . # وحذفت ياء المتكلم تخفيفا مع بقاء نون الوقاية دليلا عليها . # لما أبلغت أسماعهم أفانين المواعظ والأوامر والنواهي ، وجرى في خلال ذلك ~~تحذيرهم من الإصرار على الإعراض عن القرآن ، وإعلامهم بأن ذلك يفضي بهم إلى ~~مقارنة الشيطان ، وأخذ ذلك حظه من البيان انتقل الكلام إلى نهيهم عن أن ~~يحصل صد الشيطان إياهم عن هذا الدين والقرآن الذي دعوا إلى اتباعه بقوله : ~~{ واتبعون هذا صراط مستقيم } ( الزخرف : 61 ) تنبيها على أن الصدود عن هذا ~~الدين من وسوسة PageV25P244 الشيطان ، وتذكيرا بعداوة الشيطان للإنسان ~~عداوة قوية لا يفارقها الدفع بالناس إلى مساوىء الأعمال ليوقعهم في العذاب ~~تشفيا لعداوته . # وقد صيغ النهي عن اتباع الشيطان في صده إياهم بصيغة نهي الشيطان عن أن ~~يصدهم ، للإشارة إلى أن في مكنتهم الاحتفاظ من الارتباق في شباك الشيطان ، ~~فكني بنهي الشيطان عن صدهم عن نهيهم عن الطاعة له بأبلغ من توجيه النبي صلى ~~الله عليه وسلم إليهم ، على طريقة قول العرب : لا أعرفنك تفعل كذا ، ولا ~~ألفينك في موضع كذا . # وجملة { إنه لكم عدو مبين } تعليل للنهي عن أن يصدهم الشيطان فإن شأن ~~العاقل أن يحذر من مكائد عدوه . وعداوة الشيطان للبشر ناشئة من خبث كينونته ~~مع ما انضم إلى ذلك الخبث من تنافي العنصرين فإذا التقى التنافي مع خبث ~~الطبع نشأ من مجموعهما القصد بالأذى ، وقد أذكى تلك العداوة حدث قارن نشأة ~~نوع الإنسان عند تكوينه ، في قصته مع آدم كما قصه القرآن غير مرة . وحرف ( ~~إن ) هنا موقعه موقع فاء التسبب في إفادة التعليل . # ( 63 ، 64 ) # قد علمت آنفا أن هذا هو المقصود من ذكر عيسى عليه السلام فهو عطف على قصة ~~إرسال موسى . # ولم ms7539 يذكر جواب { لما } فهو محذوف لدلالة بقية الكلام عليه . وموقع حرف { ~~لما } هنا أن مجيء عيسى بالبينات صار معلوما للسامع مما تقدم PageV25P245 ~~في قوله : { إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل } ( ~~الزخرف : 59 ) الآية ، أي لما جاءهم عيسى اختلف الأحزاب فيما جاء به ، فحذف ~~جواب { لما } لأن المقصود هو قوله : { فويل للذين ظلموا من عذاب يومم أليم ~~} ( الزخرف : 65 ) لأنه يفيد أن سنن الأمم المبعوث إليهم الرسل لم يختلف ~~فإنه لم يخل رسول عن قوم آمنوا به وقومم كذبوه ثم كانوا سواء في نسبة ~~الشركاء في الإلاهية بمزاعم النصارى أن عيسى ابن لله تعالى كما أشار إليه ~~قوله : { فويل للذين ظلموا ( الزخرف : 65 ) أي أشركوا كما هو اصطلاح القرآن ~~غالبا . فتم التشابه بين الرسل السابقين وبين محمد صلى الله عليهم أجمعين ، ~~فحصل في الكلام إيجاز تدل عليه فاء التفريع . # وفي قصة عيسى مع قومه تنبيه على أن الإشراك من عوارض أهل الضلالة لا يلبث ~~أن يخامر نفوسهم وإن لم يكن عالقا بها من قبل ، فإن عيس بعث إلى قوم لم ~~يكونوا يدينون بالشرك إذ هو قد بعث لبني إسرائيل وكلهم موحدون فلما اختلف ~~أتباعه بينهم وكذبت به فرق وصدقه فريق ثم لم يتبعوا ما أمرهم به لم يلبثوا ~~أن حدثت فيهم نحلة الإشراك . # وجملة قال قد جئتكم بالحكمة } مبينة لجملة { جاء عيسى بالبينات } وليست ~~جوابا لشرط { لما } الذي جعل التفريع في قوله : { فاختلف الأحزاب من بينهم ~~} ( مريم : 37 ) دليلا عليه . وفي إيقاع جملة { قد جئتكم بالحكمة } بيانا ~~لجملة { جاء عيسى بالبينات } إيماء إلى أنه بادأهم بهذا القول ، لأن شأن ~~أهل الضلالة أن يسرعوا إلى غاياتها ولو كانت مبادىء الدعوة تنافي عقائدهم ، ~~أي لم يدعهم عيسى إلى أكثر من اتباع الحكمة وبيان المختلف فيه ولم يدعهم ~~إلى ما ينافي أصول شريعة التوراة ومع ذلك لم يخل حاله من صدود مريع عنه ~~وتكذيب . # وابتداؤه بإعلامهم أنه جاءهم بالحكمة والبيان وهو إجمال حال رسالته ترغيب ~~لهم في وعي ما سيلقيه ms7540 إليهم من تفاصيل الدعوة المفرع بعضها على هذه المقدمة ~~بقوله : { فاتقوا الله وأطيعون إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه } . # والحكمة هي معرفة ما يؤدي إلى الحسن ويكف عن القبيح وهي هنا النبوءة ، ~~PageV25P246 وقد تقدم الكلام عليها عند قوله تعالى : { يؤتي الحكمة من يشاء ~~} في سورة البقرة . وقد جاء عيسى بتعليمهم حقائق من الأخلاق الفاضلة ~~والمواعظ . # وقوله : { ولأبين لكم } ، عطف على { بالحكمة } لأن كليهما متعلق بفعل { ~~جئتكم } . واللام للتعليل . والتبيين : تجلية المعاني الخفية لغموض أو سوء ~~تأويل ، والمراد ما بينه عيسى في الإنجيل وغيره مما اختلفت فيه أفهام ~~اليهود من الأحكام المتعلقة بفهم التوراة أو بتعيين الأحكام للحوادث ~~الطارئة . ولم يذكر في هذه الآية قوله المحكي في آية سورة آل عمران { ولأحل ~~لكم بعض الذي حرم عليكم } لأن ذلك قد قاله في مقام آخر . # والمقصود حكاية ما قاله لهم مما ليس شأنه أن يثير عليه قومه بالتكذيب فهم ~~كذبوه في وقت لم يذكر لهم فيه أنه جاء بنسخ بعض الأحكام من التوراة ، أي ~~كذبوه في حال ظهور آيات صدقه بالمعجزات وفي حال انتفاء ما من شأنه أن يثير ~~عليه شكا . وإنما قال : { بعض الذي تختلفون فيه } ، إما لأن الله أعلمه بأن ~~المصلحة لم تتعلق ببيان كل ما اختلفوا فيه بل يقتصر على البعض ثم يكمل بيان ~~الباقي على لسان رسول يأتي من بعده يبين جميع ما يحتاج إلى البيان . وإما ~~لأن ما أوحي إليه من البيان غير شامل لجميع ما هم مختلفون في حكمه وهو ~~ينتظر بيانه من بعد تدريجا في التشريع كما وقع في تدريج تحريم الخمر في ~~الإسلام . # وقيل : المراد ب { بعض الذي تختلفون فيه } ما كان الاختلاف فيه راجعا إلى ~~أحكام الدين دون ما كان من الاختلاف في أمور الدنيا . # وفي قوله : { بعض الذي تختلفون فيه } تهيئة لهم لقبول ما سيبين لهم حينئذ ~~أو من بعد . PageV25P247 # وهذه الآية تدل على جواز تأخير البيان فيما له ظاهر وفي ما يرجع إلى ~~البيان بالنسخ ، والمسألة من أصول الفقه . # وفرع على ms7541 إجمال فاتحة كلامه قوله : { فاتقوا الله وأطيعون } . وهذا كلام ~~جامع لتفاصيل الحكمة وبيان ما يختلفون فيه ، فإن التقوى مخافة الله . وقد ~~جاء في الأثر ( رأس الحكمة مخافة الله ) ، وطاعة الرسول تشمل معنى { ولأبين ~~لكم بعض الذي تختلفون فيه } فإذا أطاعوه عملوا بما يبين لهم فيحصل المقصود ~~من البيان وهو العمل . وأجمع منه قول النبي صلى الله عليه وسلم لسفيان ~~الثقفي وقد سأله أن يقول له في الإسلام قولا لا يسأل عنه أحدا غيره ( قل ~~آمنت بالله ثم استقم ) ، لأنه أليق بكلمة جامعة في شريعة لا يترقب بعدها ~~مجيء شريعة أخرى ، بخلاف قول عيسى عليه السلام { وأطيعون } فإنه محدود بمدة ~~وجوده بينهم . # وجملة { إن الله هو ربي وربكم } تعليل لجملة { فاتقوا الله وأطيعون } ~~لأنه إذا ثبت تفرده بالربوبية توجه الأمر بعبادته إذ لا يخاف الله إلا من ~~اعترف بربوبيته وانفراده بها . # وضمير الفصل أفاد القصر ، أي الله ربي لا غيره . وهذا إعلان بالوحدانية ~~وإن كان القوم الذين أرسل إليهم عيسى موحدين ، لكن قد ظهرت بدعة في بعض ~~فرقهم الذين قالوا : عزير ابن الله . وتأكيد الجملة ب { إن } لمزيد ~~الاهتمام بالخبر فإن المخاطبين غير منكرين ذلك . # وتقديم نفسه على قومه في قوله : { ربي وربكم } لقصد سد ذرائع الغلو في ~~تقديس عيسى ، وذلك من معجزاته لأن الله علم أنه ستغلو فيه فرق من أتباعه ~~فيزعمون بنوته من الله على الحقيقة ، ويضلون بكلمات الإنجيل التي يقول فيها ~~عيسى : أبي ، مريدا به الله تعالى . # وفرع على إثبات التوحيد لله الأمر بعبادته بقوله : { فاعبدوه } فإن ~~المنفرد بالإلاهية حقيق بأن يعبد . PageV25P248 # والإشارة ب { هذا صراط مستقيم } إلى مضمون قوله : { فاتقوا الله وأطيعون ~~} ، أي هذا طريق الوصول إلى الفوز عن بصيرة ودون تردد ، كما أن الصراط ~~المستقيم لا ينبهم السير فيه على السائر . # هذا التفريع هو المقصود من سوق القصة مساق التنظير بين أحوال الرسل ، أي ~~عقب دعوته اختلاف الأحزاب من بين الأمة الذين بعث إليهم والذين تقلدوا ملته ~~طلبا للاهتداء . # وهذا التفريع دليل على جواب ( لما ) المحذوف ms7542 . # وضمير { بينهم } مراد به الذين جاءهم عيسى لأنهم معلومون من سياق القصة ~~من قوله : { جاء عيسى } ( الزخرف : 63 ) فإن المجيء يقتضي مجيئا إليه وهم ~~اليهود . # و { من } يجوز أن تكون مزيدة لتأكيد مدلول { بينهم } أي اختلفوا اختلاف ~~أمة واحدة ، أي فمنهم من صدق عيسى وهم : يحيى بن زكرياء ومريم أم عيسى ~~والحواريون الاثنا عشر وبعض نساء مثل مريم المجدلية ونفر قليل ، وكفر به ~~جمهور اليهود وأحبارهم ، وكان ما كان من تألب اليهود عليه حتى رفعه الله . ~~ثم انتشر الحواريون يدعون إلى شريعة عيسى فاتبعهم أقوام في بلاد رومية ~~وبلاد اليونان ولم يلبثوا أن اختلفوا من بينهم في أصول الديانة فتفرقوا ~~ثلاث فرق : نسطورية ، ويعاقبة ، وملكانية . فقالت النسطورية : عيسى ابن ~~الله ، وقالت اليعاقبة : عيسى هو الله ، أي بطريق الحلول ، وقالت الملكانية ~~وهم الكاثوليك : عيسى ثالث ثلاثة مجموعها هو الإلاه ، وتلك هي : الأب الله ~~، والابن عيسى ، وروح القدس جبريل فالإلاه عندهم أقانيم ثلاثة . # وقد شملت الآية كلا الاختلافين فتكون الفاء مستعملة في حقيقة التعقيب ~~ومجازه بأن يكون شمولها للاختلاف الأخير مجازا علاقته المشابهة لتشبيه ~~مفاجأة PageV25P249 طرو الاختلاف بين أتباعه مع وجود الشريعة المانعة من ~~مثله كأنه حدث عقب بعثة عيسى وإن كان بينه وبينها زمان طويل دبت فيه بدعتهم ~~، واستعمال اللفظ في حقيقته ومجازه شائع لأن المدار على أن تكون قرينة ~~المجاز مانعة من إرادة المعنى الحقيقي وحده على التحقيق . وهذا الاختلاف ~~أجمل هنا ووقع تفصيله في آيات كثيرة تتعلق بما تلقى به اليهود دعوة عيسى ، ~~وآيات تتعلق بما أحدثه النصارى في دين عيسى من زعم بنوته من الله وإلاهيته ~~. # ويجوز أن تكون { من } في قوله : { من بينهم } ابتدائية متعلقة ب ( اختلف ~~) أي نشأ الاختلاف من بينهم دون أن يدخله عليهم غيرهم ، أي كان دينهم سالما ~~فنشأ فيهم الاختلاف . # وعلى هذا الوجه يختص الخلاف بأتباع عيسى عليه السلام من النصارى إذ ~~اختلفوا فرقا وابتدعوا قضية بنوة عيسى من الله فتكون الفاء خالصة للتعقيب ~~المجازي . # وفرع على ذكر الاختلاف تهديد بوعيد للذين ظلموا ms7543 بالعذاب يوم القيامة ~~تفريع التذييل على المذيل ، فالذين ظلموا يشمل جميع الذين أشركوا مع الله ~~غيره في الإلاهية { إن الشرك لظلم عظيم } ( لقمان : 13 ) ، وهذا إطلاق ~~الظلم غالبا في القرآن ، فعلم أن الاختلاف بين الأحزاب أفضى بهم أن صار ~~أكثرهم مشركين بقرينة ما هو معروف في الاستعمال من لزوم مناسبة التذييل ~~للمذيل ، بأن يكون التذييل يعم المذيل وغيره فيشمل عموم هذا التذييل مشركي ~~العرب المقصودين من هذه الأمثال والعبر ، ألا ترى أنه وقع في سورة مريم ~~قوله { فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يومم عظيم فجعلت ~~الصلة فعل كفروا لأن المقصود من آية سورة مريم الذين كفروا من النصارى ~~ولذلك أردف بقوله : لكن الظالمون اليوم في ضلالل مبين } ( مريم : 38 ) لما ~~أريد التخلص إلى إنذار المشركين بعد إنذار النصارى . PageV25P250 # استئناف بياني بتنزيل سامع قوله : { فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم } ~~( الزخرف : 65 ) منزلة من يطلب البيان فيسأل : متى يحل هذا اليوم الأليم ؟ ~~وما هو هذا الويل ؟ فوردت جملة { هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة } ~~جوابا عن الشق الأول من السؤال ، وسيجيء الجواب عن الشق الثاني في قوله : { ~~الأخلاء يومئذ بعضهم لبعضض عدو } ( الزخرف : 67 ) وفي قوله : { إن المجرمين ~~في عذاب جهنم } ( الزخرف : 74 ) الآيات . # وقد جرى الجواب على طريقة الأسلوب الحكيم ، والمعنى : أن هذا العذاب واقع ~~لا محالة سواء قرب زمان وقوعه أم بعد ، فلا يريبكم عدم تعجيله قال تعالى : ~~{ قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ماذا يستعجل منه المجرمون } ( ~~يونس : 50 ) ، وقد أشعر بهذا المعنى تقييد إتيان الساعة بقيد { بغتة } فإن ~~الشيء الذي لا تسبقه أمارة لا يدرى وقت حلوله . # و { ينظرون } بمعنى ينتظرون ، والاستفهام إنكاري ، أي لا ينتظرون بعد أن ~~أشركوا لحصول العذاب إلا حلول الساعة . وعبر عن اليوم بالساعة تلميحا لسرعة ~~ما يحصل فيه . # والتعريف في { الساعة } تعريف العهد . والبغتة : الفجأة ، وهي : حصول ~~الشيء عن غير ترقب . # و { أن تأتيهم } بدل من { الساعة } بدلا مطابقا فإن إتيان الساعة هو عين ms7544 ~~الساعة لأن مسمى الساعة حلول الوقت المعين ، والحلول هو المجيء المجازي ~~المراد هنا . # وجملة { وهم لا يشعرون } في موضع الحال من ضمير النصب في { تأتيهم } . ~~والشعور : العلم بحصول الشيء الحاصل . # ولما كان مدلول { بغتة } يقتضي عدم الشعور بوقوع الساعة حين تقع عليهم ~~كانت جملة الحال مؤكدة للجملة التي قبلها . PageV25P251 # ( 67 73 ) { } # استئناف يفيد أمرين : # أحدهما : بيان بعض الأهوال التي أشار إليها إجمال التهديد في قوله : { ~~فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم } ( الزخرف : 65 ) . # وثانيهما : موعظة المشركين بما يحصل يوم القيامة من الأهوال لأمثالهم ~~والحبرة للمؤمنين . وقد أوثر بالذكر هنا من الأهوال ما له مزيد تناسب لحال ~~المشركين في تألبهم على مناواة الرسول صلى الله عليه وسلم ودين الإسلام ، ~~فإنهم ما ألبهم إلا تناصرهم وتوادهم في الكفر والتباهي بذلك بينهم في ~~نواديهم وأسمارهم ، قال تعالى حكاية عن إبراهيم : { وقال إنما اتخذتم من ~~دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ~~ببعض ويلعن بعضكم بعضا } ( العنكبوت : 25 ) وتلك شنشنة أهل الشرك من قبل . # وفي معنى هذه الآية قوله المتقدم آنفا { حتى إذا جاآنا قال يا ليت بيني ~~وبينك بعد المشرقين فبئس القرين } ( الزخرف : 38 ) . # و { الأخلاء } : جمع خليل ، وهو الصاحب الملازم ، قيل : إنه مشتق من ~~التخلل لأنه كالمتخلل لصاحبه والممتزج به ، وتقدم في قوله : { واتخذ الله ~~إبراهيم خليلا } في سورة النساء . والمضاف إليه ( إذ ) من قوله : { يومئذ } ~~هو المعوض عنه التنوين دل عليه المذكور قبله في قوله : { من عذاب يوم أليم ~~} ( الزخرف : 65 ) . PageV25P252 # والعدو : المبغض ، ووزنه فعول بمعنى فاعل ، أي عاد ، ولذلك استوى جريانه ~~على الواحد وغيره ، والمذكر وغيره ، وتقدم عند قوله تعالى : { فإن كان من ~~قومم عدو لكم في سورة النساء . # وتعريف الأخلاء } تعريف الجنس وهو مفيد استغراقا عرفيا ، أي الأخلاء من ~~فريقي المشركين والمؤمنين أو الأخلاء من قريش المتحدث عنهم ، وإلا فإن من ~~الأخلاء غير المؤمنين من لا عداوة بينهم يوم القيامة وهم الذين لم يستخدموا ~~خلتهم في إغراء بعضهم بعضا على الشرك والكفر ms7545 والمعاصي وإن افترقوا في ~~المنازل والدرجات يوم القيامة . # و { يومئذ } ظرف متعلق بعدو ، وجملة { يا عبادي } مقولة لقول محذوف دلت ~~عليه صيغة الخطاب ، أي نقول لهم أو يقول الله لهم . وقرأ الجمهور { يا ~~عبادي } بإثبات الياء على الأصل . وقرأه حفص والكسائي بحذف ( ياء ) المتكلم ~~تخفيفا . قال ابن عطية قال أبو علي : وحذفها حسن لأنها في موضعع تنوين وهي ~~قد عاقبته فكما يحذف التنوين في الاسم المفرد المنادى كذلك تحذف الياء هنا ~~. # ومفاتحة خطابهم بنفي الخوف عنهم تأنيس لهم ومنة بإنجائهم من مثله وتذكير ~~لهم بسبب مخالفة حالهم لحال أهل الضلالة فإنهم يشاهدون ما يعامل به أهل ~~الضلالة والفساد . # و { لا خوف } مرفوع منون في جميع القراءات المشهورة ، وإنما لم يفتح لأن ~~الفتح على تضمين ( من ) الزائدة المؤكدة للعموم وإذ قد كان التأكيد مفيدا ~~التنصيص على عدم إرادة نفي الواحد ، وكان المقام غير مقام التردد في نفي ~~جنس الخوف عنهم لأنه لم يكن واقعا بهم حينئذ مع وقوعه على غيرهم ، فأمارة ~~نجاتهم منه واضحة ، لم يحتج إلى نصب اسم { لا } ، ونظيره قول الرابعة من ~~نساء حديث أم زرع : زوجي كليل تهامه ، لا حر ولا قر ولا مخافة ولا سآمه . ~~روايته برفع الأسماء الأربعة لأن انتفاء تلك الأحوال عن ليل تهامة مشهور ، ~~وإنما أرادت بيان وجوه الشبه من قولها كلي PageV25P253 ل تهامة . # وجيء في قوله : { ولا أنتم تحزنون } بالمسند إليه مخبرا عنه بالمسند ~~الفعلي لإفادة التقوي في نفي الحزن عنهم ، فالتقوي أفاد تقوي النفي لا نفي ~~قوة الحزن الصادق بحزن غير قوي . هذا هو طريق الاستعمال في نفس صيغ ~~المبالغة كما في قوله تعالى : { وما ربك بظلامم للعبيد } ( فصلت : 46 ) ، ~~تطمينا لأنفسهم بانتفاء الحزن عنهم في أزمنة المستقبل ، إذ قد يهجس ~~بخواطرهم هل يدوم لهم الأمن الذي هم فيه . # وجملة { الذين آمنوا بآياتنا } نعت للمنادى من قوله : { يا عبادي } جيء ~~فيها بالموصول لدلالة الصلة على علة انتفاء الخوف والحزن عنهم ، وعطف على ~~الصلة قوله : { وكانوا مسلمين } . والمخالفة بين الصلتين إذ كانت أولاهما ms7546 ~~فعلا ماضيا والثانية فعل كون مخبرا عنه باسم فاعل لأن الإيمان : عقد القلب ~~يحصل دفعة واحدة وأما الإسلام فهو الإتيان بقواعد الإسلام الخمس كما جاء ~~تفسيره في حديث سؤال جبريل ، فهو معروض للتمكن من النفس فلذلك أوثر بفعل ( ~~كان ) الدال على اتحاد خبره باسمه حتى كأنه من قوام كيانه . # وعطف أزواجهم عليهم في الإذن بدخول الجنة من تمام نعمة التمتع بالخلة ~~التي كانت بينهم وبين أزواجهم في الدنيا . # و { تحبرون } مبني للمجهول مضارع حبر بالبناء للمجهول ، وفعله حبره ، إذا ~~سره ، ومصدره الحبر بفتح فسكون ، والاسم الحبور والحبرة ، وتقدم في قوله ~~تعالى : { فهم في روضة يحبرون } في سورة الروم . # وجملة { يطاف عليهم بصحاف } الخ معترضة بين أجزاء القول فليس في ضمير { ~~عليهم } التفات بل المقام لضمير الغيبة . # والصحاف : جمع صحفة ، وهي : إناء مستدير واسع الفم ينتهي أسفله بما يقارب ~~التكوير . والصحفة : إناء لوضع الطعام أو الفاكهة مثل صحاف الفغفوري الصيني ~~تسع شبع خمسة ، وهي دون القصعة التي تسع شبع عشرة . وقد ورد أن عمر بن ~~الخطاب اتخذ صحافا على عدد أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فلا يؤتى إليه ~~بفاكهة أو طرفة إلا أرسل إليهن منها في تلك الصحاف . PageV25P254 # والأكواب : جمع كوب بضم الكاف وهو إناء للشراب من ماء أو خمر مستطيل ~~الشكل له عنق قصير في أعلى ذلك العنق فمه وهو مصب ما فيه ، وفمه أضيق من ~~جوفه ، والأكثر أن لا تكون له عروة يمسك منها فيمسك بوضع اليد على عنقه ، ~~وقد تكون له عروة قصيرة ، وهو أصغر من الإبريق إلا أنه لا خرطوم له ولا ~~عروة في الغالب . وأما الإبريق فله عروة وخرطوم . # وحذف وصف الأكواب لدلالة وصف صحاف عليه ، أي وأكواب من ذهب . وهذه ~~الأكواب تكون للماء وتكون للخمر . # وجملة { وفيها ما تشتهيه الأنفس } الخ حال من { الجنة } ، هي من بقية ~~القول . # وضمير { فيها } عائد إلى { الجنة } ، وقد عم قوله : { ما تشتهيه الأنفس } ~~كل ما تتعلق الشهوات النفسية بنواله وتحصيله ، والله يخلق في أهل الجنة ~~الشهوات اللائقة بعالم ms7547 الخلود والسمو . # و { تلذ } مضارع لذ بوزن علم : إذا أحس لذة ، وحق فعله أن يكون قاصرا ~~فيعدى إلى الشيء الذي به اللذة بالباء فيقال : لذ به ، وكثر حذف الباء ~~وإيصال الفعل إلى المجرور بنفسه فينتصب على نزع الخافض ، وكثر ذلك في ~~الكلام حتى صار الفعل بمنزلة المتعدي فقالوا : لذه . ومنه قوله هنا : { ~~وتلذ الأعين } التقدير ، وتلذه الأعين . والضمير المحذوف هو رابط الصلة ~~بالموصول . ولذة الأعين في رؤية الأشكال الحسنة والألوان التي تنشرح لها ~~النفس ، فلذة الأعين وسيلة للذة النفوس فعطف { وتلذ الأعين } على { ما ~~تشتهيه الأنفس } عطف ما بينه وبين المعطوف عليه عموم وخصوص ، فقد تشتهي ~~الأنفس ما لا تراه الأعين كالمحادثة مع الأصحاب وسماعع الأصوات الحسنة ~~والموسيقى . وقد تبصر الأعين ما لم تسبق للنفس شهوة رؤيته أو ما اشتهت ~~النفس طعمه أو سمعه فيؤتى به في صور جميلة إكمالا للنعمة . PageV25P255 و { ~~الأنفس } فاعل { تلذ } وحذف المفعول لظهوره من المقام . # وقرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم وأبو جعفر { ما تشتهيه } بهاء ضمير ~~عائد إلى { ما } الموصولة وكذلك هو مرسوم في مصحف المدينة ومصحف الشام ، ~~وقرأه الباقون { ما تشتهي } بحذف هاء الضمير ، وكذلك رسم في مصحف مكة ومصحف ~~البصرة ومصحف الكوفة . والمروي عن عاصم قارىء الكوفة روايتان : إحداهما أخذ ~~بها حفص والأخرى أخذ بها أبو بكر . وحذف العائد المتصل المنصوب بفعل أو وصف ~~من صلة الموصول كثير في الكلام . # وقوله : { وأنتم فيها خالدون } بشارة لهم بعدم انقطاع الحبرة وسعة الرزق ~~ونيل الشهوات ، وجيء فيه بالجملة الاسمية الدالة على الدوام والثبات تأكيدا ~~لحقيقة الخلود لدفع توهم أن يراد به طول المدة فحسب . # وتقديم المجرور للاهتمام ، وعطف على بعض ما يقال لهم مقول آخر قصد منه ~~التنويه بالجنة وبالمؤمنين إذ أعطوها بسبب أعمالهم الصالحة ، فأشير إلى ~~الجنة باسم إشارة البعيد تعظيما لشأنها وإلا فإنها حاضرة نصب أعينهم . # وجملة { وتلك الجنة التي أورثموها } الآية تذييل للقول . واسم الإشارة ~~مبتدأ و { الجنة } خبره ، أي تلك التي ترونها هي الجنة التي سمعتم بها ~~ووعدتم بدخولها ms7548 . وجملة { التي أورثتموها بما كنتم تعملون } صفة للجنة . # واستعير { أورثتموها } لمعنى : أعطيتموها دون غيركم ، بتشبيه إعطاء الله ~~المؤمنين دون غيرهم نعيم الجنة بإعطاء الحاكم مال الميت لوارثه دون غيره من ~~القرابة لأنه أولى به وآثر بنيله . # والباء في { بما كنتم تعملون } للسببية وهي سببية بجعل الله ووعده ، ودل ~~قوله { كنتم تعملون } على أن عملهم الذي استحقوا به الجنة أمر كائن متقرر ، ~~وأن عملهم ذلك متكرر متجدد ، أي غير منقطع إلى وفاتهم . PageV25P256 # وجملة { لكم فيها فاكهة } صفة ثانية للجنة . والفاكهة : الثمار رطبها ~~ويابسها ، وهي من أحسن ما يستلذ من المآكل ، وطعومها معروفة لكل سامع . # ووجه تكرير الامتنان بنعيم المأكل والمشرب في الجنة : أن ذلك من النعيم ~~الذي لا تختلف الطباع البشرية في استلذاذه ، ولذلك قال : { منها تأكلون } ~~كقوله تعالى : { كلوا من ثمره إذا أثمر } ( الأنعام : 141 ) . # ( 74 ، 75 ) # لهذه الجملة موقعان : # أحدهما : إتمام التفصيل لما أجمله الوعيد الذي في قوله تعالى : { فويل ~~للذين ظلموا من عذاب يوم أليم } ( الزخرف : 65 ) عقب تفصيل بعضه بقوله : { ~~هل ينظرون إلا الساعة } ( الزخرف : 66 ) الخ . وبقوله : { الأخلاء يومئذ ~~بعضهم لبعض عدو } ( الزخرف : 67 ) حيث قطع إتمام تفصيله بالاعتناء بذكر وعد ~~المؤمنين المتقين فهي في هذا الموقع بيان لجملة الوعيد وتفصيل لإجمالها . # الموقع الثاني : أنها كالاستئناف البياني يثيره ما يسمع من وصف أحوال ~~المؤمنين المتقين من التساؤل : كيف يكون حال أضدادهم المشركين الظالمين . # والموقعان سواء في كون الجملة لا محل لها من الإعراب . # وافتتاح الخبر ب { إن } للاهتمام به ، أو لتنزيل السائل المتلهفف للخبر ~~منزلة المتردد في مضمونه لشدة شوقه إليه ، أو نظرا إلى ما في الخبر من ~~التعريض بإسماعه المشركين وهم ينكرون مضمونه فكأنه قيل : إنكم أيها ~~المجرمون في عذاب جهنم خالدون . # والمجرمون : الذين يفعلون الإجرام ، وهو الذنب العظيم . والمراد بهم هنا ~~: المشركون المكذبون للنبيء صلى الله عليه وسلم لأن السياق لهم ، ولأن ~~الجملة بيان لإجمال وعيدهم في قوله : { فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم ~~( الزخرف : 65 ) ، ولأن جواب الملائكة نداءهم PageV25P257 بقولهم : لقد ~~جئناكم ms7549 بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون } ( الزخرف : 78 ) لا ينطبق على غير ~~المكذبين ، أي كارهون للإسلام والقرآن ، فذكر المجرمين إظهار في مقام ~~الإضمار للتنبيه على أن شركهم إجرام . # وجملة { لا يفتر عنهم } في موضع الحال من { عذاب جهنم } و { يفتر } مضاعف ~~فتر ، إذا سكن ، وهو بالتضعيف يتعدى إلى مفعول . والمعنى : لا يفتره أحد . # وجملة { وهم فيه مبلسون } عطف على جملة { إن المجرمين في عذاب جهنم ~~خالدون } . # والإبلاس : اليأس والذل ، وتقدم في سورة الأنعام : وزاد الزمخشري في معنى ~~الإبلاس قيد السكوت ولم يذكره غيره ، والحق أن السكوت من لوازم معنى ~~الإبلاس وليس قيدا في المعنى . # جملة معترضة في حكاية أحوال المجرمين قصد منها نفي استعظام ما جوزوا به ~~من الخلود في العذاب ونفي الرقة لحالهم المحكية بقوله : { وهم فيه مبلسون } ~~( الزخرف : 75 ) . # والظلم هنا : الاعتداء ، وهو الإصابة بضر بغير موجب مشروع أو معقول ، ~~فنفيه عن الله في معاملته إياهم بتلك المعاملة لأنها كانت جزاء على ظلمهم ~~فلذلك عقب بقوله : { ولكن كانوا هم الظالمين } أي المعتدين إذ اعتدوا على ~~ما أمر الله من الاعتراف له بالإلاهية ، وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إذ كذبوه ولمزوه ، كما تقدم في قوله : { إن الشرك لظلم عظيم } في سورة ~~لقمان . # و { هم } ضمير فصل لا يطلب معادا لأنه لم يجتلب للدلالة على معاد لوجود ~~ضمير { كانوا } دالا على المعاد فضمير الفصل مجتلب لإفادة قصر صفة الظلم ~~على اسم ( كان ) ، وإذ قد كان حرف الاستدراك بعد النفي كافيا في إفادة ~~PageV25P258 القصر كان اجتلاب ضمير الفصل تأكيدا للقصر بإعادة صيغة أخرى من ~~صيغ القصر . وجمهور العرب يجعلون ضمير الفصل في الكلام غير واقع في موقع ~~إعراب فهو بمنزلة الحرف ، وهو عند جمهور النحاة حرف لا محل له من الإعراب ~~ويسميه نحاة البصرة فصلا ، ويسميه نحاة الكوفة عمادا . # واتفق القراء على نصب { الظالمين } على أنه خبر { كانوا } وبنو تميم ~~يجعلونه ضميرا طالبا معادا وصدرا لجملته مبتدأ ويجعلون جملته في محل ~~الإعراب الذي يقتضيه ما قبله ، وعلى ذلك قرأ عبد ms7550 الله بن مسعود وأبو زيد ~~النحوي { ولكن كانوا هم الظالمون } على أن هم مبتدأ والجملة منه ومن خبره ~~خبر { كانوا } . وحكى سيبويه أن رؤبة بن العجاج كان يقول : أظن زيدا هو خير ~~منك ، برفع خير . # ( 77 ، 78 ) # جملة { ونادوا } حال من ضمير { وهم فيه مبلسون } ( الزخرف : 75 ) ، أو ~~عطف على جملة { وهم فيه مبلسون } . وحكي نداؤهم بصيغة الماضي مع أنه مما ~~سيقع يوم القيامة ، إما لأن إبلاسهم في عذاب جهنم وهو اليأس يكون بعد أن ~~نادوا يا مالك وأجابهم بما أجاب به ، وذلك إذا جعلت جملة { ونادوا } حالية ~~، وإما لتنزيل الفعل المستقبل منزلة الماضي في تحقيق وقوعه تخريجا للكلام ~~على خلاف مقتضى الظاهر نحو قوله تعالى : { ويوم ينفخ في الصور } ( النمل : ~~87 ) { فصعق من في السماوات ومن في الأرض } ( الزمر : 68 ) وهذا إن كانت ~~جملة { ونادوا } الخ معطوفة . # و ( مالك ) المنادى اسم الملك الموكل بجهنم خاطبوه ليرفع دعوتهم إلى الله ~~تعالى شفاعة . PageV25P259 # واللام في { ليقض علينا ربك } لام الأمر بمعنى الدعاء . وتوجيه الأمر إلى ~~الغائب لا يكون إلا على معنى التبليغ كما هنا ، أو تنزيل الحاضر منزلة ~~الغائب لاعتبار ما مثل التعظيمم في نحو قول الوزير للخليفة : لير الخليفة ~~رأيه . # والقضاء بمعنى : الإماتة كقوله : { فوكزه موسى فقضى عليه } ( القصص : 15 ~~) ، سألوا الله أن يزيل عنهم الحياة ليستريحوا من إحساس العذاب . وهم إنما ~~سألوا الله أن يميتهم فأجيبوا بأنهم ماكثون جوابا جامعا لنفي الإماتة ونفي ~~الخروج فهو جواب قاطع لما قد يسألونه من بعد . # ومن النوادر المتعلقة بهذه الآية ما روي أن ابن مسعود قرأ ( ونادوا يا ~~مال ) بحذف الكاف على الترخيم ، فذكرت قراءته لابن عباس فقال : ما كان أشغل ~~أهل النار عن الترخيم ، قال في ( الكشاف ) : وعن بعضهم : حسن الترخيم أنهم ~~يقتطعون بعض الاسم لضعفهم وعظم ما هم فيه اه . وأراد ببعضهم ابن جني فيما ~~ذكره الطيبي أن ابن جني قال : وللترخيم في هذا الموضع سر وذلك أنهم لعظم ما ~~هم عليه ضعفت وذلت أنفسهم وصغر كلامهم فكان هذا من ms7551 مواضع الاختصار . وفي ( ~~صحيح البخاري ) عن يعلى بن أمية سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ على ~~المنبر { ونادوا يا مالك } بإثبات الكاف . قال ابن عطية : وقراءة ( ونادوا ~~يا مال ) رواها أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم فيكون النبي صلى ~~الله عليه وسلم قرأ بالوجهين وتواترت قراءة إثبات الكاف وبقيت الأخرى مروية ~~بالآحاد فلم تكن قرآنا . # وجملة { لقد جئناكم بالحق } إلى آخرها في موضع العلة لجملة { إنكم ماكثون ~~} باعتبار تمام الجملة وهو الاستدراك بقوله : { ولكن أكثركم للحق كارهون } ~~. # وضمير { جئناكم } للملائكة ، والحق : الوحي الذي نزل به جبريل فنسب مالك ~~المجيء بالحق إلى جمعع الملائكة على طريقة اعتزاز الفريق والقبيلة بمزايا ~~PageV25P260 بعضها ، وهي طريقة معروفة في كلام العرب كقول الحارث بن حلزة : # وفككنا غل امرىء القيس عنه # بعد ما طال حبسه والعناء # وإنما نسبت كراهة الحق إلى أكثرهم دون جميعهم لأن المشركين فريقان أحدهما ~~سادة كبراء لملة الكفر وهم الذين يصدون الناس عن الإيمان بالإرهاب والترغيب ~~مثل أبي جهل حين صد أبا طالب عند احتضاره عن قول لا إلاه إلا الله وقال : ~~أترغب عن ملة عبد المطلب ، وثانيهما دهماء وعامة وهم تبع لأيمة الكفر . وقد ~~أشارت إلى ذلك آيات كثيرة منها قوله في سورة البقرة { إذ تبرأ الذين اتبعوا ~~من الذين اتبعوا } الآيات فالفريق الأول هم المراد من قوله : { ولكن أكثركم ~~للحق كارهون } وأولئك إنما كرهوا الحق لأنه يرمي إلى زوال سلطانهم وتعطيل ~~منافعهم . # وتقديم { للحق } على { كارهون } للاهتمام بالحق تنويها به ، وفيه إقامة ~~الفاصلة أيضا . # { أم } منقطة للإضراب الانتقالي من حديث إلى حديث مع اتحاد الغرض . انتقل ~~من حديث ما أعد لهم من العذاب يوم القيامة ما أعد لهم من الخزي في الدنيا . ~~فالجملة عطف على جملة { هل ينظرون إلا الساعة } ( الزخرف : 66 ) الخ . # والكلام بعد { أم } استفهام حذفت منه أداة الاستفهام وهو استفهام تقريري ~~وتهديد ، أي أأبرموا أمرا . وضمير { أبرموا } مراد به المشركون الذين ~~ناوأوا النبي صلى الله عليه وسلم وضمير ( إنا ) ضمير الجلالة . PageV25P261 # والفاء في قوله ms7552 : { فإنا مبرمون } للتفريع على ما اقتضاه الاستفهام من ~~تقدير حصول المستفهم عنه فيؤول الكلام إلى معنى الشرط ، أي إن أبرموا أمرا ~~من الكيد فإن الله مبرم لهم أمرا من نقض الكيد وإلحاق الأذى بهم ، ونظيره ~~وفي معناه قوله : { أم يريدون كيدا فالذين كفروا هم المكيدون } ( الطور : ~~42 ) . # وعن مقاتل نزلت هذه الآية في تدبير قريش بالمكر بالنبي صلى الله عليه ~~وسلم في دار الندوة حين استقر أمرهم على ما أشار به أبو جهل عليهم أن يبرز ~~من كل قبيلة رجل ليشتركوا في قتل النبي صلى الله عليه وسلم حتى لا يستطيع ~~بنو هاشم المطالبة بدمه ، وقتل الله جميعهم في بدر . # والإبرام حقيقته : القتل المحكم ، وهو هنا مستعار لإحكام التدبير والعزم ~~على ما دبروه . # والمخالفة بين { أبرموا } و { مبرمون } لأن إبرامهم واقع ، وأما إبرام ~~الله جزاء لهم فهو توعد بأن الله قدر نقض ما أبرموه فإن اسم الفاعل حقيقة ~~في زمن الحال ، أي نحن نقدر لهم الآن أمرا عظيما ، وذلك إيجاد أسباب وقعة ~~بدر التي استؤصلوا فيها . # والأمر : العمل العظيم الخطير ، وحذف مفعول { مبرمون } لدلالة ما قبله ~~عليه . # { أم } والاستفهام المقدر بعدها في قوله : { أم يحسبون } هما مثل ما تقدم ~~في قوله : { أم أبرموا أمرا } ( الزخرف : 79 ) . # وحرف { بلى } جواب للنفي من قوله : { أنا لا نسمع } ، أي بلى نحن نسمع ~~سرهم ونجواهم . PageV25P262 # والسمع هو : العلم بالأصوات . # والمراد بالسر : ما يسرونه في أنفسهم من وسائل المكر للنبيء صلى الله ~~عليه وسلم وبالنجوى ما يتناجون به بينهم في ذلك بحديث خفي . # وعطف { ورسلنا لديهم يكتبون } ليعلموا أن علم الله بما يسرون علم يترتب ~~عليه أثر فيهم وهو مؤاخذتهم بما يسرون لأن كتابة الأعمال تؤذن بأنها ستحسب ~~لهم يوم الجزاء . والكتابة يجوز أن تكون حقيقة ، وأن تكون مجازا ، أو كناية ~~عن الإحصاء والاحتفاظ . # والرسل : هم الحفظة من الملائكة لأنهم مرسلون لتقصي أعمال الناس ولذلك ~~قال : { لديهم يكتبون } كقوله : { ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد } ( ق ~~: 18 ) ، أي رقيب يرقب قوله . # ( 81 ، 82 ms7553 ) # لما جرى ذكر الذين ظلموا بادعاء بنوة الملائكة في قوله : { فويل للذين ~~ظلموا من عذاب يومم أليم } ( الزخرف : 65 ) عقب قوله : { ولما ضرب ابن مريم ~~مثلا } ( الزخرف : 57 ) ، وعقب قوله قبله { وجعلوا الملائكة الذين هم عند ~~الرحمن إناثا } ( الزخرف : 19 ) . # وأعقب بما ينتظرهم من أهوال القيامة وما أعد للذين انخلعوا عن الإشراك ~~بالإيمان ، أمر الله رسوله أن ينتقل من مقام التحذير والتهديد إلى مقام ~~الاحتجاج على انتفاء أن يكون لله ولد ، جمعا بين الرد على بعض المشركين ~~الذين عبدوا الملائكة ، والذين زعموا أن بعض أصنامهم بنات الله مثل اللاتت ~~والعزى ، فأمره بقوله : { قل إن كان للرحمان ولد فأنا أول العابدين } أي قل ~~لهم جدلا وإفحاما ، PageV25P263 ولقنه كلاما يدل على أنه ما كان يعزب عنه ~~أن الله ليس له ولد ولا يخطر بباله أن لله ابنا . والذين يقول لهم هذا ~~المقول هم المشركون الزاعمون ذلك فهذا غرض الآية على الإجمال لأنها افتتحت ~~بقوله : { قل إن كان للرحمان ولد } مع علم السامعين أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لا يروج عنده ذلك . ونظم الآية دقيق ومعضل ، وتحته معانن جمة : # وأولها وأولاها : أنه لو يعلم أن لله أبناء لكان أول من يعبدهم ، أي أحق ~~منكم بأن أعبدهم ، أي لأنه ليس أقل فهما من أن يعلم شيئا ابنا لله ولا ~~يعترف لذلك بالإلاهية لأن ابن الله يكون منسلا من ذات إلاهية فلا يكون إلا ~~إلاها وأنا أعلم أن الإلاه يستحق العبادة ، فالدليل مركب من ملازمة شرطية ، ~~والشرط فرضي ، والملازمة بين الجواب والشرط مبنية على أن المتكلم عاقل داعع ~~إلى الحق والنجاة فلا يرضى لنفسه ما يورطه ، وأيضا لا يرضى لهم إلا ما رضيه ~~لنفسه ، وهذا منتهى النصح لهم ، وبه يتم الاستدلال ويفيد أنه ثابت القدم في ~~توحيد الإلاه . # ونفي التعدد بنفي أخص أحوال التعدد وهو التعدد بالأبوة والبنوة كتعدد ~~العائلة ، وهو أصل التعدد فينتفي أيضا تعدد الآلهة الأجانب بدلالة الفحوى . ~~ونظيره قول سعيد بن جبير للحجاج . وقد قال له الحجاج حين أراد أن يقتله ms7554 : ~~لأبدلنك بالدنيا نارا تلظى فقال سعيد : لو عرفت أن ذلك إليك ما عبدت إلاها ~~غيرك ، فنبهه إلى خطئه بأن إدخال النار من خصائص الله تعالى . # والحاصل أن هذا الاستدلال مركب من قضية شرطية أول جزأيها وهو المقدم باطل ~~، وثانيهما وهو التالي باطل أيضا ، لأن بطلان التالي لازم لبطلان المقدم ، ~~كقولك : إن كانت الخمسة زوجا فهي منقسمة بمتساويين ، والاستدلال هنا ببطلان ~~التالي على بطلان المقدم لأن كون النبي صلى الله عليه وسلم عابدا لمزعوم ~~بنوته لله أمر منتفف بالمشاهدة فإنه لم يزل ناهيا إياهم عن ذلك . وهذا على ~~وزان الاستدلال في قوله تعالى : { لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا } ( ~~الأنبياء : 22 ) ، إلا أن تلك جعل شرطها بأداة صريحة في الامتناع ، وهذه ~~جعل شرطها بأداة غير صريحة في الامتناع . PageV25P264 والنكتة في العدول عن ~~الأداة الصريحة في الامتناع هنا إيهامهم في بادىء الأمر أن فرض الولد لله ~~محل نظر ، وليتأتى أن يكون نظم الكلام موجها حتى إذا تأملوه وجدوه ينفي أن ~~يكون لله ولد بطريق المذهب الكلامي . ويدل لهذا ما رواه في ( الكشاف ) أن ~~النضر بن عبد الدار بن قصي قال : إن الملائكة بنات الله فنزل قوله تعالى : ~~{ قل إن كان للرحمان ولد فأنا أول العابدين } . فقال النضر : ألا ترون أنه ~~قد صدقني ، فقال له الوليد بن المغيرة : ما صدقك ولكن قال : ما كان للرحمان ~~ولد فأنا أول الموحدين من أهل مكة . وروي مجمل هذا المعنى عن السدي فكان في ~~نظم الآية على هذا النظم إيجاز بديع ، وإطماع للخصوم بما إن تأملوه استبان ~~وجه الحق فإن أعرضوا بعد ذلك عد إعراضهم نكوصا . # وتحتمل الآية وجوها أخر من المعاني . منها : أن يكون المعنى إن كان ~~للرحمان ولد في زعمكم فأنا أول العابدين لله ، أي فأنا أول المؤمنين ~~بتكذيبكم ، قاله مجاهد ، أي بقرينة تذييله بجملة { سبحان رب السماوات ~~والأرض } الآية . # ومنها ، أن يكون حرف { إن } للنفي دون الشرط ، والمعنى : ما كان للرحمان ~~ولد فتفرع عليه : أنا أول العابدين لله ، أي أتنزه عن إثبات الشريك ms7555 له ، ~~وهذا عن ابن عباس وقتادة وزيد بن أسلم وابنه . ومنها : تأويل { العابدين } ~~أنه اسم فاعل من عبد يعبد من باب فرح ، أي أنف وغضب ، قاله الكسائي ، وطعن ~~فيه نفطويه بأنه إنما يقال في اسم فاعل عبد يعبد عبد وقلما يقولون : عابد ~~والقرآن لا يأتي بالقليل من اللغة . وقرأ الجمهور { ولد } بفتح الواو وفتح ~~اللام . وقرأه حمزة والكسائي { ولد } بضم الواو وسكون اللام جمع ولد . # وجملة { سبحان رب السماوات والأرض رب العرش عما يصفون } ، يجوز أن تكون ~~تكملة لما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يقوله ، أي قل : إن كان ~~للرحمان ولد على الفرض ، والتقدير : مع تنزيه عن تحقق ذلك في نفس الأمر . ~~فيكون لهذه الجملة حكم التالي في جزأي القياس الشرطي الاستثنائي . ~~PageV25P265 وليس في ضمير { يصفون } التفات لأن تقدير الكلام : قل لهم إن ~~كان للرحمان ولد . # ويجوز أن تكون كلاما مستأنفا من جانب الله تعالى لإنشاء تنزيهه عما ~~يقولون فتكون معترضة بين جملة { قل إن كان للرحمان ولد } وجملة { وهو الذي ~~في السماء إلاه } ( الزخرف : 84 ) . ولهذه الجملة معنى التذييل لأنها نزهت ~~الله عن جميع ما يصفونه به من نسبة الولد وغير ذلك . # ووصفه بربوبية أقوى الموجودات وأعمها وأعظمها ، لأنه يفيد انتفاء أن يكون ~~له ولد لانتفاء فائدة الولادة ، فقد تم خلق العوالم ونظام نمائها ودوامها ، ~~وعلم من كونه خالقها أنه غير مسبوق بعدم وإلا لاحتاج إلى خالق يخلقه ، ~~واقتضى عدم السبق بعدم أنه لا يلحقه فناء فوجود الولد له يكون عبثا . # اعتراض بتفريعع عن تنزيه الله عما ينسبونه إليه من الولد والشركاء ، وهذا ~~تأييس من إجداء الحجة فيهم وأن الأولى به متاركتهم في ضلالهم إلى أن يحين ~~يوم يلقون فيه العذاب الموعود . وهذا متحقق في أيمة الكفر الذين ماتوا عليه ~~، وهم الذين كانوا متصدين لمحاجة النبي صلى الله عليه وسلم ومجادلته ~~والتشغيب عليه مثل أبي جهل وأمية بن خلف وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة ~~والوليد بن عتبة والوليد بن المغيرة والنضر بن عبد الدار ممن قتلوا ms7556 يوم بدر ~~. # و ( اليوم ) هنا محتمل ليوم بدر وليوم القيامة وكلاهما قد وعدوه ، والوعد ~~هنا بمعنى الوعيد كما دل عليه السياق . # والخوض حقيقته : الدخول في لجة الماء ماشيا ، ويطلق مجازا على كثرة ~~الحديث ، والأخبار والاقتصار على الاشتغال بها ، وتقدم في قوله : { وإذا ~~رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم } في سورة الأنعام . PageV25P266 # والمعنى : فأعرض عنهم في حال خوضهم في الأحاديث ولعبهم في مواقع الجد حين ~~يهزأوون بالإسلام . واللعب : المزح والهزل . # وجزم فعل { يخوضوا ويلعبوا } بلام الأمر محذوفة وهو أولى من جعله جزما في ~~جواب الأمر ، وقد تكرر مثله في القرآن فالأمر هنا مستعمل في التهديد من ~~قبيل { اعملوا ما شئتم } ( فصلت : 40 ) . # وقرأ الجمهور { يلاقوا } بضم الياء وبألف بعد اللام ، وصيغة المفاعلة ~~مجاز في أنه لقاء محقق . وقرأه أبو جعفر { يلقوا } بفتح الياء وسكون اللام ~~على أنه مضارع المجرد . # . # عطف على جملة { قل إن كان للرحمان ولد } ( الزخرف : 81 ) والجملتان ~~اللتان بينهما اعتراضان ، قصد من العطف إفادة نفي الشريك في الإلاهية مطلقا ~~بعد نفي الشريك فيها بالبنوة ، وقصد بذكر السماء والأرض الإحاطة بعوالم ~~التدبير والخلق لأن المشركين جعلوا لله شركاء في الأرض وهم أصنامهم ~~المنصوبة ، وجعلوا له شركاء في السماء وهم الملائكة إذ جعلوهم بنات لله ~~تعالى فكان قوله : { في السماء إلاه وفي الأرض إلاه } إبطالا للفريقين مما ~~زعمت إلاهيتهم . وكان مقتضى الظاهر بهذه الجملة أن يكون أولها { الذي في ~~السماء إلاه } على أنه وصف للرحمان من قوله : { إن كان للرحمان ولد } ( ~~الزخرف : 81 ) ، فعدل عن مقتضى الظاهر بإيراد الجملة معطوفة لتكون مستقلة ~~غير صفة ، وبإيراد مبتدأ فيها لإفادة قصر صفة الإلاهية في السماء وفي الأرض ~~على الله تعالى لا يشاركه في ذلك غيره ، لأن إيراد المسند إليه معرفة ~~والمسند معرفة طريق من طرق القصر . فالمعنى وهو لا غيره الذي في السماء ~~إلاه وفي الأرض إلاه ، وصلة { الذي } جملة اسمية حذف صدرها ، وصدرها ضمير ~~يعود إلى معاد ضمير { وهو } وحذف صدر الصلة استعمال حسن إذا طالت الصلة كما ~~هنا . والتقدير ms7557 : الذي هو في السماء إلاه . PageV25P267 # والمجروران يتعلقان ب { إلاه } باعتبار ما يتضمنه من معنى المعبود لأنه ~~مشتق من أله ، إذا عبد فشابه المشتق . وصح تعلق المجرور به فتعلقه بلفظ ~~إلاه كتعلق الظرف بغربال وأقوى من تعلق المجرور بكانون في قول الحطيئة يهجو ~~أمه من أبيات : # أغربالا إذا استودعتت سرا # وكانونا على المتحدثينا # . # بعد أن وصف الله بالتفرد بالإلاهية أتبع بوصفه ب { الحكيم العليم } ~~تدقيقا للدليل الذي في قوله : { وهو الذي في السماء إلاه وفي الأرض إلاه } ~~، حيث دل على نفي إلاهية غيره في السماء والأرض واختصاصه بالإلاهية فيهما ~~لما في صيغة القصر من إثبات الوصف له ونفيه عمن سواه ، فكان قوله : { وهو ~~الحكيم العليم } تتميما للدليل واستدلالا عليه ، ولذلك سميناه تدقيقا إذ ~~التدقيق في الاصطلاح هو ذكر الشيء بدليلل دليله وأما التحقيق فذكر الشيء ~~بدليله لأن الموصوف بتمام الحكمة وكمال العلم مستغن عما سواه فلا يحتاج إلى ~~ولد ولا إلى بنت ولا إلى شريك . # عطف على { سبحان رب السموات والأرض } ( الزخرف : 82 ) ، قصد منه إتباع ~~إنشاء التنزيه بإنشاء الثناء والتمجيد . # و { تبارك } خبر مستعمل في إنشاء المدح لأن معنى { تبارك } كان متصفا ~~بالبركة اتصافا قويا لما يدل عليه صيغة تفاعل من قوة حصول المشتق منه لأن ~~أصلها أن تدل على صدور فعل من فاعلين مثل : تقاتل وتمارى ، فاستعملت في ~~مجرد تكرر الفعل ، وذلك مثل : تسامى وتعالى . PageV25P268 # والبركة : الزيادة في الخير . # وقد ذكر مع التنزيه أنه رب السماوات والأرض لاقتضاء الربوبية التنزيه عن ~~الولد المسوق الكلام لنفيه ، وعن الشريك المشمول لقوله : { عما يصفون } ( ~~الزخرف : 82 ) ، وذكر مع التبريك والتعظيم أن له ملك السماوات والأرض ~~لمناسبة الملك للعظمة وفيضض الخير ، فلا يريبك أن { رب السماوات والأرض } ( ~~الزخرف : 82 ) مغنن عن { الذي له ملك السماوات والأرض } ، لأن غرض القرآن ~~التذكير وأغراض التذكير تخالف أغراض الاستدلال والجدل ، فإن التذكير يلائم ~~التنبيه على مختلف الصفات باختلاف الاعتبارات والتعرض للاستمداد من الفضل . ~~ثم إن صيغة { تبارك } تدل على أن البركة ذاتية لله تعالى فيقتضي استغناءه ~~عن ms7558 الزيادة باتخاذ الولد واتخاذ الشريك ، فبهذا الاعتبار كانت هذه الجملة ~~استدلالا آخر تابعا لدليل قوله : { سبحان رب السموات والأرض رب العرش عما ~~يصفون } ( الزخرف : 82 ) . # وقد تأكد انفراده بربوبية أعظم الموجودات ثلاث مرات بقوله : { رب العرش } ~~( الزخرف : 82 ) وقوله : { وهو الذي في السماء إلاه وفي الأرض إلاه } ( ~~الزخرف : 84 ) وقوله : { الذي له ملك السموات والأرض وما بينهما } . # فكم من خصائص ونكت تنهال على المتدبر من آيات القرآن التي لا يحيط بها ~~إلا الحكيم العليم . # ولما كان قوله : { الذي له ملك السموات والأرض } مفيدا التصرف في هذه ~~العوالم مدة وجودها ووجود ما بينها أردفه بقوله : { وعنده علم الساعة وإليه ~~ترجعون } للدلالة على أن له مع ملك العوالم الفانية ملك العوالم الباقية ، ~~وأنه المتصرف في تلك العوالم بما فيها بالتنعيم والتعذيب ، فكان قوله : { ~~وعنده علم الساعة } توطئة لقوله : { وإليه ترجعون } وإدماجا لإثبات البعث . ~~وتقديم المجرور في { إليه ترجعون } لقصد التقوي إذ ليس المخاطبون بمثبتين ~~رجعى إلى غيره فإنهم لا يؤمنون بالبعث أصلا . # وأما قولهم للأصنام { هؤلاء شفعاؤنا عند الله } ( يونس : 18 ) فمرادهم ~~أنهم شفعاء لهم في PageV25P269 الدنيا أو هو على سبيل الجدل ولذلك أتبع ~~بقوله : { ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة } ( الزخرف : 86 ) . # وقرأ الجمهور { ترجعون } بالفوقية على الالتفات من الغيبة إلى الخطاب ~~للمباشرة بالتهديد . وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بالتحتية تبعا لأسلوب ~~الضمائر التي قبله ، وهم متفقون على أنه مبني للمجهول . # لما أنبأهم أن لله ملك السماوات والأرض وما بينهما وعنده علم الساعة ~~أعلمهم أن ما يعبدونه من دون الله لا يقدر على أن يشفع لهم في الدنيا ~~إبطالا لزعمهم أنهم شفعاؤهم عند الله . ولما كان من جملة من عبدوا دون الله ~~الملائكة استثناهم بقوله : { إلا من شهد بالحق وهم يعلمون } أي فهم يشفعون ~~، وهذا في معنى قوله : { وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون } ~~( الأنبياء : 26 ) ثم قال : { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ، وقد مضى في سورة ~~الأنبياء . # ووصف الشفعاء بأنهم شهدوا بالحق وهم يعلمون أي وهم يعلمون ms7559 حال من يستحق ~~الشفاعة . فقد علم أنهم لا يشفعون للذين خالف حالهم حال من يشهد لله بالحق ~~. # } # بعد أن أمعن في إبطال أن يكون إلاه غير الله بما سيق من التفصيلات ، جاء ~~هنا بكلمة جامعة لإبطال زعمهم إلاهية غير الله بقوله : { ولئن سألتهم من ~~خلقهم PageV25P270 ليقولن الله } أي سألتهم سؤال تقرير عمن خلقهم فإنه ~~يقرون بأن الله خلقهم ، وهذا معلوم من حال المشركين كقول ضمام بن ثعلبة ~~للنبيء صلى الله عليه وسلم ( أسألك بربك ورب من قبلك آلله أرسلك ) ، ولأجل ~~ذلك أكد إنهم يقرون لله بأنه الخالق فقال : { ليقولن الله } ، وذلك كافف في ~~سفاهة رأيهم إذ كيف يكون إلاها من لم يخلق ، قال تعالى : { أفمن يخلق كمن ~~لا يخلق أفلا تذكرون } ( النحل : 17 ) . # والخطاب في قوله : { سألتهم } للنبيء صلى الله عليه وسلم ويجوز أن يكون ~~لغير معين ، أي إن سألهم من يتأتى منه أن يسأل . وفرع على هذا التقرير ~~والإقرار الإنكار والتعجيب من انصرافهم من عبادة الله إلى عبادة آلهة أخرى ~~بقوله : { فأنى يؤفكون } . # و ( أنى ) اسم استفهام عن المكان فمحله نصب على الظرفية ، أي إلى أي مكان ~~يصرفون . و { يؤفكون } يصرفون : يقال : أفكه عن كذا ، يأفكه من باب ضرب ، ~~إذا صرفه عنه ، وبني للمجهول إذ لم يصرفهم صارف ولكن صرفوا أنفسهم عن عبادة ~~خالقهم ، فقوله : { فأنى يؤفكون } هو كقول العرب : أين يذهب بك ، أي أين ~~تذهب بنفسك إذ لا يريدون أن ذاهبا ذهب به يسألونه عنه ولكن المراد : أنه لم ~~يذهب به أحد وإنما ذهب بنفسه . # القيل مصدر قال ، والأظهر أنه اسم مراد به المفعول ، أي المقول مثل الذبح ~~وأصله : قول ، بكسر القاف وسكون الواو . والمعنى : ومقوله . # والضمير المضاف إليه : ( قيل ) ضمير الرسول صلى الله عليه وسلم بقرينة ~~سياق الاستدلال والحجاجج من قوله : { قل إن كان للرحمان ولد فأنا أول ~~العابدين } ( الزخرف : 81 ) ، وبقرينة قوله : { يا رب } وبقرينة أنه قال : ~~{ إن هؤلاء قوم لا يؤمنون } وبقرينة إجابته بقوله : { فاصفح عنهم وقل سلام ~~} ( الزخرف : 89 ) ، والأولى أن يكون ضمير الغائب ms7560 التفاتا عن الخطاب ~~PageV25P271 في قوله : { ولئن سألتهم من خلقهم } ( الزخرف : 87 ) ، فإنه ~~بعد ما مضى من المحاجة ومن حكاية إقرارهم بأن الله الذي خلقهم ، ثم إنهم لم ~~يتزحزحوا عن الكفر قيد أنملة ، حصل اليأس للرسول من إيمانهم فقال : { يا رب ~~إن هؤلاء قوم لا يؤمنون } التجاء إلى الله فيهم وتفويضا إليه ليجري حكمه ~~عليهم . # وهذا من استعمال الخبر في التحسر أو الشكاية وهو خبر بمعنى الإنشاء مثل ~~قوله تعالى : { وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا } ( ~~الفرقان : 30 ) ، أي لم يعملوا به فلم يؤمنوا ، ويؤيد هذا تفريع { فاصفح ~~عنهم } ( الزخرف : 89 ) ، ففي ضمير الغيبة التفات لأن الكلام كان جاريا على ~~أسلوب الخطاب من قوله : { ولئن سألتهم من خلقهم } ( الزخرف : 87 ) فمقتضى ~~الظاهر : وقولك : يا رب الخ . ويحسن هذا الالتفات أنه حكاية لشيء في نفس ~~الرسول فجعل الرسول بمنزلة الغائب لإظهار أن الله لا يهمل نداءه وشكواه على ~~حد قوله تعالى : { عبس وتولى } ( عبس : 1 ) . وإضافة القيل إلى ضمير الرسول ~~مشعرة بأنه تكرر منه وعرف به عند ربه ، أي عرف بهذا وبما في معناه من نحو { ~~يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا وقوله : حتى يقول الرسول والذين ~~آمنوا معه متى نصر الله } ( البقرة : 214 ) . # وقرأ الجمهور { وقيله } بنصب اللام على اعتبار أنه مصدر نصب على أنه ~~مفعول مطلق بدل من فعله . # والتقدير : وقال الرسول قيله ، والجملة معطوفة على جملة { ولئن سألتهم من ~~خلقهم } ( الزخرف : 87 ) أو على جملة { فأنى يؤفكون } ( الزخرف : 87 ) ، أي ~~وقال الرسول حينئذ يا رب الخ . ونظيره قول كعب بن زهير : # تمشي الوشاة جنابيها وقيلهم # إنك يا بن أبي سلمى لمقتول # على رواية ( قيلهم ) ونصبه ، أي ويقولون : قيلهم وهي رواية الأصمعي . # ويجوز أن يكون النصب على المفعول به لقوله : { لا نسمع } ( الزخرف : 80 ) ~~، والتقدير : بلى ونعلم قيله وهذا اختيار الفراء والأخفش ، وقال المبرد ~~والزجاج : هو منصوب بفعل مقدر دل عليه قوله : { وعنده علم الساعة } ( ~~الزخرف : 85 ) أي ويعلم قيله . PageV25P272 # وقرأ عاصم وحمزة بجر ms7561 لام ( قيله ) ويجوز في جره وجهان : # أحدهما : أن يكون عطفا على { الساعة في قوله : وعنده علم الساعة } ( ~~الزخرف : 85 ) أي وعلم قيلل الرسول : يا رب ، وهو على هذا وعد للرسول ~~بالنصر وتهديد لهم بالانتقام . # وثانيهما : أن تكون الواو للقسم ويكون جواب القسم جملة { إن هؤلاء قوم لا ~~يؤمنون } على أن الله أقسم بقول الرسول : يا رب ، تعظيما للرسول ولقيله ~~الذي هو تفويض للرب وثقة به . # ومقول { قيله } هو { يا رب } فقط ، أي أقسم بنداء الرسول ربه نداء مضطر . # وذكر ابن هشام في ( شرح الكعبية ) عن أبي حاتم السجستاني : أن من جر ~~فقوله بظن وتخليط ، وأنكره عليه ابن هشام لإمكان تخريج الجر على وجه صحيح . # وقد حذف بعد النداء ما نودي لأجله مما دل عليه مقام من أعيته الحيلة فيهم ~~ففوض أمره إلى ربه فأقسم الله بتلك الكلمة على أنهم لا يؤمنون ولكن الله ~~سينتقم منهم فلذلك قال : { فسوف تعلمون } ( الزخرف : 89 ) . # والإشارة ب { هؤلاء } إلى المشركين من أهل مكة كما هي عادة القرآن غالبا ~~ووصفهم بأنهم قوم لا يؤمنون ، أدل على تمكن عدم الإيمان منهم من أن يقول : ~~هؤلاء لا يؤمنون . # الفاء فصيحة لأنها أفصحت عن مقدر ، أي إذ قلت ذلك القيل وفوضت الأمر ~~إلينا فسأتولى الانتصاف منهم فاصفح عنهم ، أي أعرض عنهم ولا تحزن لهم وقل ~~لهم إن جادلوك : { سلام } ، أي سلمنا في المجادلة وتركناها . وأصل { سلام } ~~مصدر جاء بدلا من فعله . فأصله النصب ، وعدل إلى رفعه لقصد الدلالة على ~~الثبات كما تقدم في قوله : { الحمد لله رب العالمين } ( الفاتحة : 2 ) . ~~PageV25P273 # يقال : صفح يصفح من باب منع بمعنى : أعرض وترك ، وتقدم في أول السورة { ~~أفنضرب عنكم الذكر صفحا } ( الزخرف : 5 ) ولكن الصفح المأمور به هنا غير ~~الصفح المنكر وقوعه في قوله : { أفنضرب عنكم الذكر صفحا . وفرع عليه فسوف ~~تعلمون } تهديدا لهم ووعيدا . وحذف مفعول { تعلمون } للتهويل لتذهب نفوسهم ~~كل مذهب ممكن . وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر وروح عن يعقوب { تعلمون } ~~بالمثناة الفوقية على أن { فسوف تعلمون } مما أمر ms7562 الرسول بأن يقوله لهم ، ~~أي وقل سوف تعلمون . وقرأه الجمهور بياء تحتية على أنه وعد من الله لرسوله ~~صلى الله عليه وسلم بأنه منتقم من المكذبين . # وما في هذه الآية من الأمر بالإعراض والتسليم في الجدال والوعيد ما يؤذن ~~بانتهاء الكلام في هذه السورة وهو من براعة المقطع . # # PageV25P274 # | 1 ( سورة الدخان ) 1 # سميت هذه السورة حم الدخان . روى الترمذي بسندين ضعيفين يعضد بعضهما بعضا ~~: عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ( من قرأ حم الدخان في ليلة أو ~~في ليلة الجمعة ) الحديث . واللفظان بمنزلة اسم واحد لأن كلمة { حم } غير ~~خاصة بهذه السورة فلا تعد علما لها ، ولذلك لم يعدها صاحب ( الإتقان ) في ~~عداد السور ذوات أكثر من اسم . وسميت في المصاحف وفي كتب السنة سورة الدخان ~~. # ووجه تسميتها بالدخان وقوع لفظ الدخان فيها المراد به آية من آيات الله ~~أيد الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم فلذلك سميت به اهتماما بشأنه ، وإن ~~كان لفظ الدخان بمعنى آخر قد وقع في سورة حم تنزيل في قوله : { ثم استوى ~~إلى السماء وهي دخان } ( فصلت : 11 ) وهي نزلت قبل هذه السورة على المعروف ~~من ترتيب تنزيل سور القرآن عن رواية جابر بن زيد التي اعتمدها الجعبري ~~وصاحب ( الإتقان ) على أن وجه التسمية لا يوجبها . # وهي مكية كلها في قول الجمهور . قال ابن عطية : هي مكية لا أحفظ خلافا في ~~شيء منها . ووقع في ( الكشاف ) استثناء قوله : { إنا كاشفوا العذاب قليلا ~~إنكم عائدون } ( الدخان : 15 ) ولم يعزه إلى قائل ، ومثله القرطبي ، وذكره ~~الكواشي قولا وما عزاه إلى معين . وأحسب أنه قول نشأ عما فهمه القائل ، ~~وسنبينه في موضعه . PageV25P275 # وهي السورة الثالثة والستون في عد نزول السور في قول جابر بن زيد ، نزلت ~~بعد سورة الزخرف وقبل سورة الجاثية في مكانها هذا . وعدت آيها ستا وخمسين ~~عند أهل المدينة ومكة والشام ، وعدت عند أهل البصرة سبعا وخمسين ، وعند أهل ~~الكوفة تسعا وخمسين . # $ 2 ( { حم & # 1764 * والكتاب المبين * إنآ أنزلناه فى ليلة ms7563 مباركة إنا كنا منذرين * ~~فيها يفرق كل أمر حكيم * أمرا من عندنآ إنا كنا مرسلين * رحمة من ربك إنه ~~هو السميع العليم * رب السماوات والارض وما بينهمآ إن كنتم موقنين * لا ~~إلاه إلا هو يحى ويميت ربكم ورب ءابآئكم الاولين * بل هم فى شك يلعبون * ~~فارتقب يوم تأتى السمآء بدخان مبين * يغشى الناس هاذا عذاب أليم * ربنا ~~اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون * أنى لهم الذكرى وقد جآءهم رسول مبين * ثم ~~تولوا عنه وقالوا معلم مجنون * إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عآئدون * يوم ~~نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون * ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون وجآءهم رسول ~~كريم * أن أدو & # 1764 ا إلى عباد الله إنى لكم رسول أمين * وأن لا تعلوا على الله إنى & # 1764 ءاتيكم بسلطان مبين * وإنى عذت بربى وربكم أن ترجمون * وإن لم ~~تؤمنوا لى فاعتزلون * فدعا ربه أن هاؤلاء قوم مجرمون * فأسر بعبادى ليلا ~~إنكم متبعون * واترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون * كم تركوا من جنات وعيون ~~* وزروع ومقام كريم * ونعمة كانوا فيها فاكهين * كذلك وأورثناها قوما ~~ءاخرين * فما بكت عليهم السمآء والارض وما كانوا منظرين * ولقد نجينا بنى & # 1764 إسراءيل من العذاب المهين * من فرعون إنه كان عاليا من المسرفين * ~~ولقد اخترناهم على علم على العالمين * وءاتيناهم من الايات ما فيه بلؤا ~~مبين * إن هاؤلاء ليقولون * إن هى إلا موتتنا الاولى وما نحن بمنشرين * ~~فأتوا بئابآئنا إن كنتم صادقين * أهم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم ~~أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين * وما خلقنا السماوات والارض وما بينهما لاعبين ~~* ما خلقناهمآ إلا بالحق ولاكن أكثرهم لا يعلمون * إن يوم الفصل ميقاتهم ~~أجمعين * يوم لا يغنى مولى عن مولى شيئا ولا هم ينصرون * إلا من رحم الله ~~إنه هو العزيز الرحيم * إن شجرة الزقوم * طعام الاثيم * كالمهل يغلى فى ~~البطون * كغلى الحميم * خذوه فاعتلوه إلى سوآء الجحيم * ثم صبوا فوق رأسه ~~من عذاب الحميم * ذق إنك أنت العزيز الكريم * إن هاذا ما كنتم به تمترون * ~~إن المتقين فى مقام ms7564 أمين * فى جنات وعيون * يلبسون من سندس وإستبرق ~~متقابلين * كذلك وزوجناهم بحور عين * يدعون فيها بكل فاكهة ءامنين * لا ~~يذوقون فيها الموت إلا الموتة الاولى ووقاهم عذاب الجحيم * فضلا من ربك ذلك ~~هو الفوز العظيم * فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون * فارتقب إنهم ~~مرتقبون } ) 2 $ أغراضها # أشبه افتتاح هذه السورة فاتحة سورة الزخرف من التنويه بشأن القرآن وشرفه ~~وشرف وقت ابتداء نزوله ليكون ذلك مؤذنا أنه من عند الله ودالا على رسالة ~~محمد صلى الله عليه وسلم وليتخلص منه إلى أن المعرضين عن تدبر القرآن ~~ألهاهم الاستهزاء واللمز عن التدبر فحق عليهم دعاء الرسول بعذاب الجوع ، ~~إيقاظا لبصائرهم بالأدلة الحسية حين لم تنجع فيهم الدلائل العقلية ، ~~ليعلموا أن إجابة الله دعاء رسوله صلى الله عليه وسلم دليل على أنه أرسله ~~ليبلغ عنه مراده . فأنذرهم بعذاب يحل بهم علاوة على ما دعا به الرسول صلى ~~الله عليه وسلم تأييدا من الله له بما هو زائد على مطلبه . # وضرب لهم مثلا بأمم أمثالهم عصوا رسل الله إليهم فحل بهم من العقاب ما من ~~شأنه أن يكون عظة لهؤلاء ، تفصيلا بقوم فرعون مع موسى ومؤمني قومه ، ودون ~~التفصيل بقوم تبع ، وإجمالا وتعميما بالذين من قبل هؤلاء . # وإذ كان إنكار البعث وإحالته من أكبر الأسباب التي أغرتهم على إهمال ~~التدبر في مراد الله تعالى انتقل الكلام إلى إثباته والتعريف بما يعقبه من ~~عقوبة المعاندين ومثوبة المؤمنين ترهيبا وترغيبا . وأدمج فيها فضل الليلة ~~التي أنزل فيها القرآن ، أي ابتدىء إنزاله وهي ليلة القدر . وأدمج في خلال ~~ذلك ما جرت إليه المناسبات من دلائل الوحدانية وتأييد الله من آمنوا بالرسل ~~، ومن إثبات البعث . وختمت بالشد على قلب الرسول صلى الله عليه وسلم ~~بانتظار النصر وانتظار الكافرين القهر . PageV25P276 # القول في نظائره تقدم . # ( 2 6 ) { } # القول في نظير هذا القسم وجوابه تقدم في أول سورة الزخرف . ونوه بشأن ~~القرآن بطريقة الكناية عنه بذكر فضل الوقت الذي ابتدىء إنزاله فيه . # فتعريف { الكتاب } تعريف العهد ، والمراد بالكتاب : القرآن . # ومعنى الفعل في ms7565 { أنزلناه } ابتداء إنزاله فإن كل آية أو آيات تنزل من ~~القرآن فهي منضمة إليه انضمام الجزء للكل ، ومجموع ما يبلغ إليه الإنزال في ~~كل ساعة هو مسمى القرآن إلى أن تم نزول آخر آية من القرآن . # وتنكير { ليلة } للتعظيم ، ووصفها ب { مباركة } تنويه بها وتشويق ~~لمعرفتها . فهذه الليلة هي الليلة التي ابتدىء فيها نزول القرآن على محمد ~~صلى الله عليه وسلم في الغار من جبل حراء في رمضان قال تعالى : { شهر رمضان ~~الذي أنزل فيه القرآن } ( البقرة : 185 ) . # والليلة التي ابتدىء نزول القرآن فيها هي ليلة القدر قال تعالى : { إنا ~~أنزلناه في ليلة القدر } ( القدر : 1 ) . والأصح أنها في العشر الأواخر من ~~رمضان وأنها في ليلة الوتر . وثبت أن الله جعل لنظيرتها من كل سنة فضلا ~~عظيما لكثرة ثواب العبادة فيها في كل رمضان كرامة لذكرى نزول القرآن ~~وابتداء رسالة أفضل الرسل صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة . قال تعالى : ~~{ تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام هي حتى مطلع الفجر } ~~( القدر : 4 ، 5 ) . PageV25P277 وذلك من معاني بركتها وكم لها من بركات ~~للمسلمين في دينهم ، ولعل تلك البركة تسري إلى شؤونهم الصالحة من أمور ~~دنياهم . # فبركة الليلة التي أنزل فيها القرآن بركة قدرها الله لها قبل نزول القرآن ~~ليكون القرآن بابتداء نزوله فيها ملابسا لوقت مبارك فيزداد بذلك فضلا وشرفا ~~، وهذا من المناسبات الإلاهية الدقيقة التي أنبأنا الله ببعضها . والظاهر ~~أن الله أمدها بتلك البركة في كل عام كما أومأ إلى ذلك قوله : { شهر رمضان ~~الذي أنزل فيه القرآن إذ قاله بعد أن مضى على ابتداء نزول القرآن بضع عشرة ~~سنة . وقوله ليلة القدر خير من ألف شهر } ( القدر : 3 ) وقوله { تنزل ~~الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر وقوله : فيها يفرق كل أمر حكيم } ~~. وعن عكرمة : أن الليلة المباركة هي ليلة النصف من شعبان وهو قول ضعيف . # واختلف في الليلة التي ابتدىء فيها نزول القرآن على النبي صلى الله عليه ~~وسلم من ليالي رمضان ms7566 ، فقيل : هي ليلة سبع عشرة منه ذكره ابن إسحاق عن ~~الباقر أخذا من قوله تعالى : { إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا ~~يوم الفرقان يوم التقى الجمعان } ( الأنفال : 41 ) فإن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم التقى هو والمشركون ببدر يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة ليلة من ~~رمضان اه . أي تأول قوله : { وما أنزلنا على عبدنا } ( الأنفال : 41 ) أنه ~~ابتداء نزول القرآن . وفي المراد ب { ما أنزلنا } احتمالات ترفع الاحتجاج ~~بهذا التأويل بأن ابتداء نزول القرآن كان في مثل ليلة يوم بدر . والذي يجب ~~الجزم به أن ليلة نزول القرآن كانت في شهر رمضان وأنه كان في ليلة القدر . ~~ولما تضافرت الأخبار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في ليلة القدر ( ~~اطلبوها في العشر الأواخر من رمضان في ثالثة تبقى في خامسة تبقى في سابعة ~~تبقى في تاسعة تبقى ) . فالذي نعتمده أن القرآن ابتدىء نزوله في العشر ~~الأواخر من رمضان ، إلا إذا حمل قول النبي صلى الله عليه وسلم ( اطلبوها في ~~العشر الأواخر ) على خصوص الليلة من ذلك العام . PageV25P278 وقد اشتهر عند ~~كثير من المسلمين أن ليلة القدر ليلة سبع وعشرين باستمرار وهو مناف لحديث ( ~~اطلبوها في العشر الأواخر ) على كل احتمال . # وجملة { إنا كنا منذرين } معترضة . وحرف ( إن ) يجوز أن يكون للتأكيد ردا ~~لإنكارهم أن يكون الله أرسل رسلا للناس لأن المشركين أنكروا رسالة محمد صلى ~~الله عليه وسلم بزعمهم أن الله لا يرسل رسولا من البشر قال تعالى : { إذ ~~قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء } ( الأنعام : 91 ) ، فكان رد إنكارهم ~~ذلك ردا لإنكارهم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم فتكون جملة { إنا كنا ~~منذرين } مستأنفة . ويجوز أن تكون ( إن ) لمجرد الاهتمام بالخبر فتكون ~~مغنية غناء فاء التسبب فتفيد تعليلا ، فتكون جملة { إنا كنا منذرين } ~~تعليلا لجملة { أنزلناه } أي أنزلناه للإنذار لأن الإنذار شأننا ، فمضمون ~~الجملة علة العلة وهو إيجاز وإنما اقتصر على وصف { منذرين } مع أن القرآن ~~منذر ومبشر اهتماما بالإنذار لأنه مقتضى حال ms7567 جمهور الناس يومئذ ، والإنذار ~~يقتضي التبشير لمن انتذر . وحذف مفعول { منذرين } لدلالة قوله : { إنا ~~أنزلناه في ليلة مباركة } عليه ، أي منذرين المخاطبين بالقرآن . # وجملة { فيها يفرق كل أمر حكيم } مستأنفة استئنافا بيانيا ناشئا عن تنكير ~~{ ليلة } . ووصفها ب { مباركة } كما علمت آنفا فدل على عظم شأن هاته الليلة ~~عند الله تعالى فإنها ظهر فيها إنزال القرآن ، وفيها يفرق عند الله كل أمر ~~حكيم . وفي هذه الجمل الأربع محسن اللف والنشر ، ففي قوله : { إنا أنزلناه ~~في ليلة مباركة } لف بين معنيين أولهما : تعيين إنزال القرآن ، وثانيهما : ~~اختصاص تنزيله في ليلة مباركة ثم علل المعنى الأول بجملة { إنا كنا منذرين ~~} ، وعلل المعنى الثاني بجملة { فيها يفرق كل أمر حكيم } . # والمنذر : الذي ينذر ، أي يخبر بأمر فيه ضر لقصد أن يتقيه المخبر به ، ~~وتقدم في قوله تعالى : { إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا } في سورة البقرة ~~. # والفرق : الفصل والقضاء ، أي فيها يفصل كل ما يراد قضاؤه في الناس ولهذا ~~يسمى القرآن فرقانا ، وتقدم قوله تعالى : { فافرق بيننا وبين القوم ~~الفاسقين } في PageV25P279 سورة المائدة ، أي جعل الله الليلة التي أنزل ~~فيها القرآن وقتا لإنفاذ وقوع أمور هامة مثل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم ~~تشريفا لتلك المقضيات وتشريفا لتلك الليلة . # وكلمة { كل } يجوز أن تكون مستعملة في حقيقة معناها من الشمول وقد علم ~~الله ما هي الأمور الحكيمة فجمعها للقضاء بها في تلك الليلة وأعظمها ابتداء ~~نزول الكتاب الذي فيه صلاح الناس كافة . ويجوز أن تكون { كل } مستعملة في ~~معنى الكثرة ، وهو استعمال في كلام الله تعالى وكلام العرب ، وقد تقدم في ~~قوله تعالى في سورة النمل { وأوتيت من كل شيء } أي فيها تفرق أمور عظيمة . # والظاهر أن هذا مستمر في كل ليلة توافق عد تلك الليلة من كل عام كما يؤذن ~~به المضارع في قوله : { يفرق } . ويحتمل أن يكون استعمال المضارع في { يفرق ~~} لاستحضار تلك الحالة العظيمة كقوله تعالى : { فتثير سحابا } ( الروم : 48 ~~) . # والأمر الحكيم : المشتمل على حكمة من حكمة الله تعالى أو الأمر ms7568 الذي ~~أحكمه الله تعالى وأتقنه بما ينطوي عليه من النظم المدبرة الدالة على سعة ~~العلم وعمومه . وبعض تلك الأمور الحكيمة ينفذ الأمر به إلى الملائكة ~~الموكلين بأنواع الشؤون ، وبعضها ينفذ الأمر به على لسان الرسول مدة حياته ~~الدنيوية ، وبعضا يلهم إليه من ألهمه الله أفعالا حكيمة ، والله هو العالم ~~بتفاصيل ذلك . # وانتصب { أمرا من عندنا } على الحال من { أمر حكيم } . # وإعادة كلمة { أمرا } لتفخيم شأنه ، وإلا فإن المقصود الأصلي هو قوله : { ~~من عندنا } ، فكان مقتضى الظاهر أن يقع { من عندنا } صفة ل { أمر حكيم } ~~فخولف ذلك لهذه النكتة ، أي أمرا عظيما فخما إذا وصف ب { حكيم } . ثم بكونه ~~من عند الله تشريفا له بهذه العندية ، وينصرف هذا التشريف والتعظيم ابتداء ~~وبالتعيين إلى القرآن إذ كان بنزوله في تلك الليلة تشريفها وجعلها وقتا ~~لقضاء الأمور الشريفة الحكيمة . PageV25P280 وجملة { إنا كنا مرسلين } ~~معترضة وحرف ( إن ) فيها مثل ما وقع في { إنا كنا منذرين } . # واعلم أن مفتتح السورة يجوز أن يكون كلاما موجها إلى المشركين ابتداء ~~لفتح بصائرهم إلى شرف القرآن وما فيه من النفع للناس ليكفوا عن الصد عنه ~~ولهذا وردت الحروف المقطعة في أولها المقصود منها التحدي بالإعجاز ، ~~واشتملت تلك الجمل الثلاث على حرف التأكيد ، ويكون إعلام الرسول صلى الله ~~عليه وسلم بهذه المزايا حاصلا تبعا إن كان لم يسبق إعلامه بذلك بما سبق من ~~آي القرآن أو بوحي غير القرآن . ويجوز أن يكون موجها إلى الرسول صلى الله ~~عليه وسلم أصالة ويكون علم المشركين بما يحتوي عليه حاصلا تبعا بطريق ~~التعريض ، ويكون التوكيد منظورا فيه إلى الغرض التعريضي . # ومفعول { مرسلين } محذوف دل عليه مادة اسم الفاعل ، أي مرسلين الرسل . و ~~{ رحمة من ربك } مفعول له من { إنا كنا مرسلين } أي كنا مرسلين لأجل رحمتنا ~~، أي بالعباد المرسل إليهم لأن الإرسال بالإنذار رحمة بالناس ليتجنبوا ~~مهاوي العذاب ويكتسبوا مكاسب الثواب ، قال تعالى : { وما أرسلناك إلا رحمة ~~للعالمين } ( الأنبياء : 107 ) . ويجوز أن يكون { رحمة } حالا من الضمير ~~المنصوب في { أنزلناه } . # وإيراد لفظ ms7569 الرب في قوله : { من ربك } إظهار في مقام الإضمار لأن مقتضى ~~الظاهر أن يقول : رحمة منا . وفائدة هذا الإظهار الإشعار بأن معنى الربوبية ~~يستدعي الرحمة بالمربوبين ثم إضافة ( رب ) إلى ضمير الرسول صلى الله عليه ~~وسلم صرف للكلام عن مواجهة المشركين إلى مواجهة النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالخطاب لأنه الذي جرى خطابهم هذا بواسطته فهو كحاضر معهم عند توجيه الخطاب ~~إليهم فيصرف وجه الكلام تارة إليه كما في قوله : { يوسف أعرض عن هذا ~~واستغفري لذنبك } ( يوسف : 29 ) وهذا لقصد التنويه بشأنه بعد التنويه بشأن ~~الكتاب الذي جاء به . # وإضافة الرب إلى ضمير الرسول صلى الله عليه وسلم ليتوصل إلى حظ له في ~~خلال هذه PageV25P281 التشريعات بأن ذلك كله من ربه ، أي بواسطته فإنه إذا ~~كان الإرسال رحمة كان الرسول صلى الله عليه وسلم رحمة قال تعالى : { وما ~~أرسلناك إلا رحمة للعالمين } ( الأنبياء : 107 ) ، ويعلم من كونه رب الرسول ~~صلى الله عليه وسلم أنه رب الناس كلهم إذ لا يكون الرب رب بعض الناس دون ~~بعض فأغنى عن أن يقول : رحمة من ربك وربهم ، لأن غرض إضافة رب إلى ضمير ~~الرسول صلى الله عليه وسلم يأبى ذلك ، ثم سيصرح بأنه ربهم في قوله { ربكم ~~ورب آبائكم الأولين } ( الدخان : 8 ) وهو مقام آخر سيأتي بيانه . # وجملة { إنه هو السميع العليم } تعليل لجملة { إنا كنا مرسلين رحمة من ~~ربك } أي كنا مرسلين رحمة بالناس لأنه علم عبادة المشركين للأصنام وعلم ~~إغواء أيمة الكفر للأمم وعلم ضجيج الناس من ظلم قويهم ضعيفهم وعلم ما سوى ~~ذلك من أقوالهم فأرسل الرسل لتقويمهم وإصلاحهم وعلم أيضا نوايا الناس ~~وأفعالهم وإفسادهم في الأرض فأرسل الرسل بالشرائع لكف الناس عن الفساد ~~وإصلاح عقائدهم وأعمالهم ، فأشير إلى علم النوع الأول بوصف { السميع } لأن ~~السميع هو الذي يعلم الأقوال فلا يخفى عليه منها شيء . وأشير إلى علم النوع ~~الثاني بوصف { العليم } الشامل لجميع المعلومات . وقدم { السميع } للاهتمام ~~بالمسموعات لأن أصل الكفر هو دعاء المشركين أصنامهم . # واعلم أن السميع والعليم ms7570 تعليلان لجملة { إنا كنا مرسلين } بطريق الكناية ~~الرمزية لأن علة الإرسال في الحقيقة هي إرادة الصلاح ورحمة الخلق . وأما ~~العلم فهو الصفة التي تجري الإرادة على وفقه ، فالتعليل بصفة العلم بناء ~~على مقدمة أخرى وهي أن الله تعالى حكيم لا يحب الفساد ، فإذا كان لا يحب ~~ذلك وكان عليما بتصرفات الخلق كان علمه وحكمته مقتضيين أن يرسل للناس رسلا ~~رحمة بهم . وضمير الفصل أفاد الحصر ، أي هو السميع العليم لا أصنامكم التي ~~تدعونها . وفي هذا إيماء إلى الحاجة إلى إرسال الرسول إليهم بإبطال عبادة ~~الأصنام . # وفي وصف { السميع العليم } تعريض بالتهديد . PageV25P282 # هذا عود إلى مواجهة المشركين بالتذكير على نحو ما ابتدأت به السورة . وهو ~~تخلص للاستدلال على تفرد الله بالإلاهية إلزاما لهم بما يقرون به من أنه رب ~~السماوات والأرض وما بينهما ، ويقرون بأن الأصنام لا تخلق شيئا ، غير أنهم ~~معرضون عن نتيجة الدليل ببطلان إلاهية الأصنام ألا ترى القرآن يكرر تذكيرهم ~~بأمثال هذا مثل قوله تعالى : { أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون } ( ~~النحل : 17 ) وقوله : { والذين تدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم ~~يخلقون أموات غير أحياء } ( النحل : 20 ، 21 ) ، ولأجل ذلك ذكر الربوبية ~~إجمالا في قوله : { رحمة من ربك } ( الدخان : 6 ) ثم تفصيلا بذكر صفة عموم ~~العلم التي هي صفة المعبود بحق بصيغة قصر القلب المشير إلى أن الأصنام لا ~~تسمع ولا تعلم . وبذكر صفة التكوين المختصة به تعالى بإقرارهم ارتقاء في ~~الاستدلال . فلما لم يكن مجال للريب في أنه تعالى هو الإلاه الحق أعقب هذا ~~الاستدلال بجملة { إن كنتم موقنين } بطريقة إثارة التيقظ لعقولهم إذ نزلهم ~~منزلة المشكوكك إيقانهم لعدم جريهم على موجب الإيقان لله بالخالقية حين ~~عبدوا غيره بأن أتي في جانب فرض إيقانهم بطريقة الشرط ، وأتي بحرف الشرط ~~الذي أصله عدم الجزم بوقوع الشرط على نحو قوله تعالى : { أفنضرب عنكم الذكر ~~صفحا إن كنتم قوما مسرفين } ( الزخرف : 5 ) . # وقرأ الجمهور { رب السماوات } برفع { رب } على أنه خبر مبتدأ محذوف ، وهو ~~من حذف المسند ms7571 إليه لمتابعة الاستعمال في مثله بعد إجراء أخبار أو صفات عن ~~ذات ثم يردف بخبر آخر ، ومن ذلك قولهم بعد ذكر شخص : فتى يفعل ويفعل . وهو ~~من الاستئناف البياني إذ التقدير : إن أردت أن تعرفه فهو كذا . وقرأ عاصم ~~وحمزة والكسائي وخلف بجر { رب } على أنه بدل من قوله : { ربك } ( الدخان : ~~6 ) . # وحذف متعلق { موقنين } للعلم به من قوله : { رب السماوات والأرض وما ~~بينهما } . وجواب الشرط محذوف دل عليه المقام . والتقدير : إن كنتم موقنين ~~فلا تعبدوا غيره ، ولذلك أعقبه بجملة { لا إلاه إلا هو } ( الدخان : 8 ) . ~~PageV25P283 # جملة { لا إلاه إلا هو } نتيجة للدليل المتقدم لأن انفراده بربوبية ~~السماوات والأرض وما بينهما دليل على انفراده بالإلاهية ، أي على بطلان ~~إلاهية أصنامهم فكانت هذه الجملة نتيجة لذلك فلذلك فصلت لشدة اقتضاء الجملة ~~التي قبلها إياها . # وجملة { يحي ويميت } مستأنفة للاستدلال على أنه لا إلاه إلا هو بتفرده ~~بالإحياء والإماتة ، والمشركون لا ينازعون في أن الله هو المحيي والمميت ~~فكما استدل عليهم بتفرده بإيجاد العوالم وما فيها استدل عليهم بخلق أعظم ~~أحوال الموجودات وهي حالة الحياة التي شرف بها الإنسان عن موجودات العالم ~~الأرضي وكرم أيضا بإعطائها للحيوان لتسخيره لانتفاع الإنسان به بسببها ، ~~وبتفرده بالإماتة وهي سلب الحياة عن الحي للدلالة على أن الحياة ليست ذاتية ~~للحي . ولما كان تفرده بالإحياء والإماتة دليلا واضحا في أحوال المخاطبين ~~وفيما حولهم من ظهور الأحياء بالولادة والأمواتت بالوفاة يوما فيوما من ~~شأنه أن لا يجهلوا دلالته بله جحودهم إياها ومع ذلك قد عبدوا الأصنام التي ~~لا تحيي ولا تميت ، أعقب بإثبات ربوبيته للمخاطبين تسجيلا عليهم بجحد ~~الأدلة وبكفران النعمة . # وعطف { ورب آبائكم الأولين } ليسجل عليهم الإلزام بقولهم : { وإنا على ~~آثارهم مهتدون } ( الزخرف : 22 ) . ووصفهم ب { الأولين } لأنهم جعلوا أقدم ~~الآباء حجة أعظم من الآباء الأقربين كما قال تعالى حكاية عنهم { ما سمعنا ~~بهذا في آبائنا الأولين } ( المؤمنون : 24 ) . # { بل } للإضراب الإبطالي رد به أن يكونوا موقنين ومقرين بأنه رب السماوات ~~والأرض وما بينهما فإن إقرارهم غير ms7572 صادر عن علم ويقين ثابت بل هو كالعدمم ~~لأنهم خلطوه بالشك واللعب فارتفعت عنه خاصية اليقين والإقرار التي هي الجري ~~على موجب العلم ، فإن العلم إذا لم يجر صاحبه على العمل به وتجديد ملاحظته ~~PageV25P284 تطرق إليه الذهول ثم النسيان فضعف حتى صار شكا لانحجاب الأدلة ~~التي يرسخ بها في النفس ، أي هم شاكون في وحدانية الله تعالى . # والإتيان بحرف الظرفية للدلالة على شدة تمكن الشك من نفوسهم حتى كأنه ظرف ~~محيط بهم لا يجدون عنه مخرجا ، أي لا يفارقهم الشك ، فالظرفية استعارة ~~تبعية مثل الاستعلاء في قوله : { أولئك على هدى من ربهم } ( البقرة : 5 ) . # وجملة { يلعبون } حال من ضمير { هم } أي اشتغلوا عن النظر في الأدلة التي ~~تزيل الشك عنهم وتجعلهم مهتدين ، بالهزء واللعب في تلقي دعوة الرسول صلى ~~الله عليه وسلم فكأن انغماسهم في الشك مقارنا لحالهم من اللعب ، ولهذه ~~الجملة الحالية موقع عظيم إذ بها أفيد أن الشك حامل لهم على الهزء واللعب ، ~~وأن الشغل باللعب يزيد الشك فيهم رسوخا بخلاف ما لو قيل : بل هم في شك ولعب ~~، فتفطن . # ( 10 ، 11 ) { لله } # تفريع على جملة { بل هم في شك يلعبون } ( الدخان : 9 ) قصد منه وعد ~~الرسول صلى الله عليه وسلم بانتقام الله من مكذبيه ، ووعيد المشركين على ~~جحودهم بدلائل الوحدانية وصدق الرسول وعكوفهم على اللعب ، أي الاستهزاء ~~بالقرآن والرسول ، وذكر له مخوفات للمشركين لإعدادهم للإيمان وبطشة انتقام ~~من أيمتهم تستأصلهم . # فالخطاب في { ارتقب } للنبيء صلى الله عليه وسلم والأمر مستعمل في ~~التثبيت . والارتقاب : افتعال من رقبه ، إذا انتظره ، وإنما يكون الانتظار ~~عند قرب حصول الشيء المنتظر . وفعل ( ارتقب ) يقتضي بصريحه أن إتيان السماء ~~بدخان لم يكن حاصلا في نزول هذه الآية ، ويقتضي كناية عن اقتراب وقوعه كما ~~يرتقب الجائي من مكان قريب . # و { يوم } اسم زمان منصوب على أنه مفعول به ل ( ارتقب ) وليس ظرفا وذلك ~~كقوله تعالى : { يخافون يوما } ( النور : 37 ) ، وهو مضاف إلى الجملة بعده ~~لتمييز اليوم PageV25P285 المراد عن بقية الأيام بأنه الذي تأتي فيه ms7573 السماء ~~بدخان مبين فنصب { يوم } نصب إعراب ولم ينون لأجل الإضافة . # والجملة التي يضاف إليها اسم الزمان تستغني عن الرابط لأن الإضافة مغنية ~~عنه . ولأن الجملة في قوة المصدر . والتقدير : فارتقب يوم إتيان السماء ~~بدخان . وأطلق اليوم على الزمان فإن ظهور الدخان كان في أيامم وشهور كثيرة ~~. # والدخان : ما يتصاعد عند إيقاد الحطب ، وهو تشبيه بليغ ، أي بمثل دخان . # والمبين : البين الظاهر ، وهو اسم فاعل من أبان الذي هو بمعنى بان . ~~والمعنى : أنه ظاهر لكل أحد لا يشك في رؤيته . وقال أبو عبيدة وابن قتيبة : ~~الدخان في الآية هو : الغبار الذي يتصاعد من الأرض من جراء الجفاف وأن ~~الغبار يسميه العرب دخانا وهو الغبار الذي تثيره الرياح من الأرض الشديدة ~~الجفاف . وعن الأعرج : أنه الغبار الذي أثارته سنابك الخيل يوم فتح مكة فقد ~~حجبت الغبرة السماء ، وإسناد الإتيان به إلى السماء مجاز عقلي لأن السماء ~~مكانه حين يتصاعد في جو السماء أو حين يلوح للأنظار منها . والكلام يؤذن ~~بأن هذا الدخان المرتقب حادث قريب الحصول ، فالظاهر أنه حدث يكون في الحياة ~~الدنيا ، وأنه عقاب للمشركين . # فالمراد بالناس من قوله : { يغشى الناس } هم المشركون كما هو الغالب في ~~إطلاق لفظ الناس في القرآن ، وأنه يكشف زمنا قليلا عنهم إعذارا لهم لعلهم ~~يؤمنون ، وأنهم يعودون بعد كشفه إلى ما كانوا عليه ، وأن الله يعيده عليهم ~~كما يؤذن بذلك قوله : { إنا كاشفوا العذاب قليلا } ( الدخان : 15 ) . وأما ~~قوله : { يوم نبطش البطشة } ( الدخان : 16 ) فهو عذاب آخر . وكل ذلك يؤذن ~~بأن العذاب بالدخان يقع في الدنيا وأنه مستقبل قريب ، وإذ قد كانت الآية ~~مكية تعين أن هذا الدخان الذي هو عذاب للمشركين لا يصيب المؤمنين لقوله ~~تعالى : { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم ~~يستغفرون } ( الأنفال : 33 ) فتعين أن المؤمنين يوم هذا الدخان غير قاطنين ~~بدار PageV25P286 الشرك ، فهذا الدخان قد حصل بعد الهجرة لا محالة وتعين ~~أنه قد حصل قبل أن يسلم المشركون الذين بمكة وما حولها فيتعين أنه حصل ms7574 قبل ~~فتح مكة أو يوم فتح مكة على اختلاف الأقوال . والأصح أن هذا الدخان عني به ~~ما أصاب المشركين من سني القحط بمكة بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى ~~المدينة . والأصح في ذلك حديث عبد الله بن مسعود في ( صحيح البخاري ) عن ~~مسلم وأبي الضحى عن مسروق قال : دخلت على عبد الله بن مسعود فقال : إن ~~قريشا لما غلبوا على النبي صلى الله عليه وسلم واستعصوا عليه قال : اللهم ~~أعني عليهم بسبع كسبع يوسف ، فأخذتهم سنة أكلوا فيها العظام والميتة من ~~الجهد حتى جعل أحدهم يرى ما بينه وبين السماء كهيئة الدخان من الجوع فأتي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل له : استسقق لمضر أن يكشف عنهم العذاب ، ~~فدعا فكشف عنهم وقال الله له : إن كشفنا عنهم العذاب عادوا ، فعادوا : ~~فانتقم الله منهم يوم بدر فذلك قوله تعالى : { فارتقب يوم تأتي السماء ~~بدخان مبين } إلى قوله { يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون } ( الدخان : ~~10 16 ) والبطشة الكبرى يوم بدر . وإن عبد الله قال : مضى خمس : الدخان ، ~~والروم والقمر والبطشة واللزام . # في حديث أبي هريرة في ( صحيح البخاري ) في أبواب الاستسقاء أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من الركعة الآخرة من الصبح يقول : ( اللهم ~~أنج عياش بن أبي ربيعة . اللهم أنج سلمة بن هشام ، اللهم أنج الوليد بن ~~الوليد ، اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين ، اللهم اشدد وطأتك على مضر ، ~~اللهم اجعلها عليهم سنين كسنين يوسف . وهؤلاء الذين دعا لهم بالنجاة كانوا ~~ممن حبسهم المشركون بعد الهجرة ، وكل هذه الروايات يؤذن بأن دعاء النبي صلى ~~الله عليه وسلم على المشركين بالسنين كان بعد الهجرة لئلا يعذب المسلمون ~~بالجوع وأنه كان قبل وقعة بدر ، وفي بعض روايات القنوت أنه دعا في القنوت ~~على بني لحيان وعصية . # والذي يستخلص من الروايات أن هذا الجوع حل بقريش بعيد الهجرة ، وذلك هو ~~الجوع الذي دعا به النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال : ( اللهم أعني عليهم ~~بسبع كسبع يوسف ms7575 ) ، وفي رواية ( اللهم اشدد وطأتك على مضر ، اللهم اجعلها ~~عليهم سنين PageV25P287 كسنين يوسف ) فأتي النبي صلى الله عليه وسلم فقيل ~~له : استسق لمضر وفي رواية عن مسروق عن ابن مسعود في ( صحيح البخاري ) أن ~~الذي أتى النبي هو أبو سفيان . وقال المفسرون : إن أبا سفيان أتاه في ناس ~~من أهل مكة يعني أتوا المدينة لما علموا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~دعا عليهم بالقحط ، فقالوا : إن قومك قد هلكوا فادع الله أن يسقيهم فدعا . ~~وعلى هذه الرواية يكون قوله تعالى : { يوم تأتي السماء بدخان مبين } تمثيلا ~~لهيئة ما يراه الجائعون من شبه الغشاوة على أبصارهم حين ينظرون في الجو ~~بهيئة الدخان النازل من الأفق ، فالمجاز في التركيب . وأما مفردات التركيب ~~فهي مستعملة في حقائقها لأن من معاني السماء في كلام العرب قبة الجو ، ~~وتكون جملة { يغشى الناس } ترشيحا للتمثيلية لأن الذي يغشاهم هو الظلمة ~~التي في أبصارهم من الجوع ، وليس الدخان هو الذي يغشاهم . وبعض الروايات ~~ركب على هذه الآية حديث الاستسقاء الذي في ( الصحيح ) أن رجلا جاء يوم ~~الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال : يا رسول الله هلك الزرع ~~والضرع فادع الله أن يسقينا فرفع يديه وقال : اللهم اسقنا ثلاثا ، وما يرى ~~في السماء قزعة سحاب ، فتلبدت السماء بالسحاب وأمطروا من الجمعة إلى الجمعة ~~حتى سالت الأودية وسال وادي قناة شهرا ، فأتاه آت في الجمعة القابلة هو ~~الأول أو غيره ، فقال : يا رسول الله تقطعت السبل فادع الله أن يمسك المطر ~~عنا ، فقال : اللهم حوالينا ولا علينا ، فتفرقت السحب حتى صارت المدينة في ~~شبه الإكليل من السحاب . # والجمع بين الروايتين ظاهر . ويظهر أن هذا القحط وقع بعد يوم بدر فهو قحط ~~آخر غير قحط قريش الذي ذكر في هذه الآية . # ومعنى { يغشى الناس } أنه يحيط بهم ويعمهم كما تحيط الغاشية بالجسد ، أي ~~لا ينجو منه أحد من أولئك الناس وهم المشركون . فإن كان المراد من الدخان ~~ما أصاب أبصارهم من رؤية مثل الغبرة من الجوع ms7576 فالغشيان مجاز ، وإن كان ~~المراد منه PageV25P288 غبار الحرب يوم الفتح فالغشيان حقيقة أو مجاز مشهور ~~. ويجوز أن يكون غبارا متصاعدا في الجو من شدة الجفاف . # وقوله : { هذا عذاب أليم } قال ابن عطية يجوز أن يكون إخبارا من جانب ~~الله تعالى تعجيبا منه كما في قوله تعالى في قصة الذبيح { إن هذا لهو ~~البلاء المبين } ( الصافات : 106 ) . ويحتمل أن يكون ذلك من قول الناس ~~الذين يغشاهم العذاب بتقدير : يقولون : هذا عذاب أليم . والإشارة في { هذا ~~عذاب أليم } إلى الدخان المذكور آنفا ، عدل عن استحضاره بالإضمار وأن يقال ~~: هو عذاب أليم ، إلى استحضاره بالإشارة ، لتنزيله منزلة الحاضر المشاهد ~~تهويلا لأمره كما تقول : هذا الشتاء قادم فأعد له . # وقريب منه الأمر بالنظر في قوله تعالى : { انظر كيف كذبوا على أنفسهم } ( ~~الأنعام : 24 ) فإن المحكي مما يحصل في الآخرة . # هذه جملة معترضة بين جملة { هذا عذاب أليم } ( الدخان : 11 ) وجملة { أنى ~~لهم الذكرى } ( الدخان : 13 ) فهي مقول قول محذوف . وحملها جميع المفسرين ~~على أنها حكاية قولل الذين يغشاهم العذاب بتقدير يقولون : ربنا اكشف عنا ~~العذاب ، أي هو وعد صادر من الناس الذين يغشاهم العذاب بأنهم يؤمنون إن كشف ~~عنهم العذاب أي فيكون مثل قوله تعالى في سورة الزخرف { وقالوا يا أيها ~~الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون } ، أي إن دعوت ربك اتبعناك ~~ويكون بمعنى قوله في سورة الأعراف { ولما وقع عليهم الرجز قالوا يا موسى ~~ادع لنا ربك } إلى قوله : { لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك } . # ومما تسمح به تراكيب الآية وسياقها أن يكون القول المحذوف مقدرا بفعلل ~~أمر أي قولوا لتلقين المسلمين أن يستعيذوا بالله من أن يصيبهم ذلك العذاب ~~إذ كانوا PageV25P289 والمشركين في بلد واحد كما استعاذ موسى عليه السلام ~~بقوله : { أتهلكنا بما فعل السفهاء منا } ( الأعراف : 155 ) . وفيه إيماء ~~إلى أن الله سيخرج المؤمنين من مكة قبل أن يحل بأهلها هذا العذاب ، فهذا ~~التلقين كالذي في قوله تعالى : { ربنا لا تؤاخذنآ إن نسينآ أو أخطأنا } ( ~~البقرة : 286 ) الآيات ms7577 . وعليه فجملة { إنا مؤمنون } تعليل لطلب دفع العذاب ~~عنهم ، أي إنا متلبسون بما يدفع عنا عذاب الكافرين ، وفي تلقينهم بذلك ~~تنويه بشرف الإيمان ، وأسلوب الكلام جار على أن جملة { إنا مؤمنون } تعليل ~~لطلب كشف العذاب عنهم لما يقتضيه ظاهر استعمال حرف ( إن ) من معنى الإخبار ~~دون الوعد ، ومن التعليل دون التأكيد ، ولما يقتضيه اسم الفاعل في زمن ~~الحال دون الاستقبال ، ولأن سياقه خطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم بترقب ~~إعانة الله إياه على المشركين ، كما كان يدعو ( أعني عليهم بسبع كسني يوسف ~~) فمقتضى المقام تأمينه من أن يصيب العذاب المسلمين وفيهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم وظاهر مادة الكشف تقتضي إزالة شيء كان حاصلا في شيء إلا أن الكشف ~~هنا لما لم يكن مستعملا في معناه الحقيقي كان مجازه محتملا أن يكون مستعملا ~~في منع حصول شيء يخشى حصوله كما في قوله تعالى : { إلا قوم يونس لما آمنوا ~~كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا } ( يونس : 98 ) فإن قوم يونس لم ~~يحل بهم عذاب فزال عنهم ولكنهم توعدوا به فبادروا بالإيمان فنجاهم الله منه ~~، وقول جعفر بن علبة الحارثي : # لا يكشف الغماء إلا ابن حرة # يرى غمراتت الموت ثم يزورها # أراد أنه يمنع العدو من أن ينالهم بسوء ، ومحتملا للاستعمال في زوال شيء ~~كان حصل . ولم يذكر أحد من رواة السير والآثار أن المشركين وعدوا النبي صلى ~~الله عليه وسلم بأنهم يسلمون إن أزال الله عنهم القحط . PageV25P290 # ( 13 ، 14 ) # هذه الجملة جعلها جميع المفسرين جوابا عن قول القائلين { ربنا اكشف عنا ~~العذاب إنا مؤمنون } ( الدخان : 12 ) تكذيبا لوعدهم ، أي هم لا يتذكرون ، ~~وكيف يتذكرون وقد جاءهم ما هو أقوى دلالة من العذاب وهي دلائل صدق الرسول ~~صلى الله عليه وسلم وأما على التأويل الذي انتزعناه من تركيب الآية فهي ~~جملة مستأنفة ناشئة عن قوله : { بل هم في شكك يلعبون } ( الدخان : 9 ) وهي ~~كالنتيجة لها لأنهم إذا كانوا في شك يلعبون فقد صاروا بعداء عن الذكرى . # و { أنى } اسم استفهام أصله ms7578 استفهام عن أمكنة حصول الشيء ويتوسعون فيها ~~فيجعلونها استفهاما عن الأحوال بمعنى ( كيف ) بتنزيل الأحوال منزلة ظروف في ~~مكان كما هنا بقرينة قوله : { وقد جاءهم رسول مبين } . والمعنى : من أين ~~تحصل لهم الذكرى والمخافة عند ظهور الدخان المبين وقد سدت عليهم طرقها ~~بطعنهم في الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أتاهم بالتذكير . # والاستفهام مستعمل في الإنكار والإحالة ، أي كيف يتذكرون وهم في شك ~~يلعبون وقد جاءهم رسول مبين فتولوا عنه وطعنوا فيه . فجملة { وقد جاءهم } ~~في موضع الحال . # و { مبين } اسم فاعل إما من أبان المتعدي ، وحذف مفعوله لدلالة { الذكرى ~~} عليه ، أي مبين لهم ما به يتذكرون ، ويجوز أن يكون من أبان القاصر الذي ~~هو بمعنى بان ، أي رسول ظاهر ، أي ظاهرة رسالته عن الله بما توفر معها من ~~دلائل صدقه . # وإيثار { مبين } بتخفيف الياء على { مبين } بالتشديد من نكتت الإعجاز ~~ليفيد المعنيين . # و { ثم } للتراخي الرتبي وهو ترق من مفاد قوله : { بل هم في شك يلعبون ( ~~الدخان : 9 ) الذي اتصلت به جملة كانت جملة وقد جاءهم رسول مبين } من ~~متعلقاتها . PageV25P291 # فالمعنى : وقد جاءهم رسول فشكوا في رسالته ثم تولوا عنه وطعنوا فيه ، ~~فالتولي والطعن حصلا عند حصول الشك واللعب ، ولذلك كانت { ثم } للتراخي ~~الرتبي لا لتراخي الزمان . ومعنى التراخي الرتبي هنا أن التولي والبهتان ~~أفظع من الشك واللعب . والمعلم الذي يعلمه غيره ، وقد تقدم عند قوله تعالى ~~: { ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر في سورة النحل . # والمعنى : أنهم وصفوه مرة بأنه يعلمه غيره ، ووصفوه مرة بالجنون ، تنقلا ~~في البهتان ، أو وصفه فريق بهذا وفريق بذلك ، فالقول موزع بين أصحاب ضمير ~~قالوا } أو بين أوقات القائلين . ولا يصح أن يكون قولا واحدا في وقت واحد ~~لأن المجنون لا يكون معلما ولا يتأثر بالتعليم . # يجيء على ما فسر به جميع المفسرين قوله { ربنا اكشف عنا العذاب } ( ~~الدخان : 12 ) ، أن هذه الجملة جواب لسؤالهم ، ويجيء على ما درجنا عليه أن ~~تكون هذه الجملة إعلاما للنبيء صلى الله عليه وسلم بأن يكشف ms7579 العذاب المتوعد ~~به المشركون مدة ، فيعودون إلى ما كانوا فيه ، وعليه فضمير { إنكم عائدون } ~~التفات إلى خطاب المشركين ، أي يمسكون عن ذلك مدة وهي المدة التي أرسلوا ~~فيها وفدهم إلى المدينة ليسأل الرسول صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله بكشف ~~القحط عنهم فإنهم أيامئذ يمسكون عن الطعن والذم رجاء أن يدعو لهم ثم يعودون ~~لما كانوا فيه ، كما قال تعالى : { وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ~~ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل وجعل لله أندادا ليضل عن ~~سبيله } ( الزمر : 8 ) كما اقتضى أن العذاب عائد إليهم بعد عودتهم إلى ما ~~كانوا فيه من أسباب إصابتهم بالعذاب . # فمعنى { إنا كاشفوا العذاب } : إنا كاشفوه في المستقبل بقرينة قوله قبله ~~{ فارتقب يوم تأتي السماء بدخانن مبين } ( الدخان : 10 ) المقتضي أنه يحصل ~~في المستقبل ، والآية PageV25P292 متصل بعضها ببعض وكذلك معنى { إنكم ~~عائدون } ، أي في المستقبل . واسم الفاعل يكون مرادا به الحصول في المستقبل ~~بالقرينة . روي أنهم كشف عنهم القحط بعد استسقاء النبي صلى الله عليه وسلم ~~فحيوا وحييت أنعامهم ثم عادوا فعاودهم القحط كمال سبع سنين ، ولعلها عقبها ~~فتح مكة . # وجملة { إنكم عائدون } مستأنفة استئنافا بيانيا لأنهم إذا سمعوا { إنا ~~كاشفوا العذاب قليلا } تطلعوا إلى ما سيكون بعد كشفه ، وتطلع المؤمنون إلى ~~ما تصير إليه حال المشركين بعد كشف العذاب هل يقلعون عن الطعن فكان قوله : ~~{ إنكم عائدون } مبينا لما يتساءلون همخ . # هذا هو الانتقام الذي وعد به الرسول صلى الله عليه وسلم وتوعد به أيمة ~~الكفر . والجملة مستأنفة استئنافا بيانيا ناشئا عن قوله : { إنا كاشفوا ~~العذاب قليلا إنكم عائدون } ( الدخان : 15 ) فإن السامع يثار في نفسه سؤال ~~عن جزائهم حيث يعودون إلى التولي والطعن فأجيب بأن الانتقام منهم هو البطشة ~~الكبرى ، وهي الانتقام التام ، ولأجل هذا التطلع والتساؤل أكدا بخبر بحرف ~~التأكيد دفعا للتردد . # وأصل تركيب الجملة : إنا منتقمون يوم نبطش البطشة الكبرى ، ف { يوم } ~~منصوب على المفعول فيه لاسم الفاعل وهو { منتقمون } . # وتقدم ms7580 على عامله للاهتمام به لتهويله ولا يمنع من هذا التعليق أن العامل ~~في الظرف خبر عن ( إن ) بناء على الشائع من كلام النحاة أن ما بعد ( إن ) ~~لا يعمل فيما قبلها فإن الظروف ونحوها يتوسع فيها . # و { البطشة الكبرى } : هي بطشة يوم بدر فإن ما أصاب صناديد المشركين ~~يومئذ كان بطشة بالشرك وأهله لأنهم فقدوا سادتهم وذوي الرأي منهم الذين ~~كانوا يسيرون أهل مكة كما يريدون . PageV25P293 # والبطشة : واحدة البطش وهو : الأخذ الشديد بعنف ، وتقدم في قوله تعالى : ~~{ أم لهم أيد يبطشون بها } في سورة الأعراف . # ( 17 21 ) { } # جعل الله قصة قوم فرعون مع موسى عليه السلام وبني إسرائيل مثلا لحال ~~المشركين مع النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به ، وجعل ما حل بهم ~~إنذارا بما سيحل بالمشركين من القحط والبطشة مع تقريب حصول ذلك وإمكانه ~~ويسره وإن كانوا في حالة قوة فإن الله قادر عليهم ، كما قال تعالى : { ~~فأهلكنا أشد منهم بطشا } ( الزخرف : 8 ) فذكرها هنا تأييد للنبيء ووعد له ~~بالنصر وحسنن العاقبة ، وتهديد للمشركين . # وهذا المثل وإن كان تشبيها لمجموعع الحالة بالحالة فهو قابل للتوزيع بأن ~~يشبه أبو جهل بفرعون ، ويشبه أتباعه بملإ فرعون وقومه أو يشبه محمد صلى ~~الله عليه وسلم بموسى عليه السلام ، ويشبه المسلمون ببني إسرائيل . وقبول ~~المثل لتوزيع التشبيه من محاسنه . # وموقع جملة { ولقد فتنا } يجوز أن يكون موقع الحال فتكون الواو للحال وهي ~~حال من ضمير { إنا منتقمون } ( الدخان : 16 ) . ويجوز أن تكون معطوفة على ~~جملة { إنا منتقمون ( الدخان : 16 ) ، أي منتقمون منهم في المستقبل ~~وانتقمنا من قومم فرعون فيما مضى . # وأشعر قوله قبلهم } أن أهل مكة سيفتنون كما فتن قوم فرعون ، فكان هذا ~~الظرف مؤذنا بجملة محذوفة على طريقة الإيجاز ، والتقدير : إنا منتقمون ~~ففاتنوهم فقد فتنا قبلهم قوم فرعون ، ومؤذنا بأن المذكور كالدليل على توقع ~~ذلك وإمكانه وهو إيجاز آخر . PageV25P294 # والمقصود تشبيه الحالة بالحالة ولكن عدل عن صوغ الكلام بصيغة التشبيه ~~والتمثيل إلى صوغه بصيغة الإخبار اهتماما بالقصة وإظهارا بأنها في ذاتها ~~مما ms7581 يهم العلم به ، وأنها تذكير مستقل وأنها غير تابعة غيرها . ولأن جملة { ~~وجاءهم رسول كريم } عطفت على جملة { فتنا } أي ولقد جاءهم رسول كريم ، عطف ~~مفصل على مجمل ، وإنما جاء معطوفا إذ المذكور فيه أكثر من معنى الفتنة ، ~~فلا تكون جملة { وجاءهم رسول كريم } بيانا لجملة { فتنا } بل هي تفصيل لقصة ~~بعثة موسى عليه السلام . # والفتن : الإيقاع في اختلال الأحوال ، وتقدم في قوله تعالى : { والفتنة ~~أشد من القتل } في سورة البقرة . # والرسول الكريم : موسى ، والكريم : النفيس الفائق في صنفه ، وتقدم عند ~~قوله تعالى : { إني ألقي إلي كتاب كريم في سورة النمل ، أي رسول من خيرة ~~الرسل أو من خيرة الناس . # وأن أدوا إلي عباد الله } تفسير لما تضمنه وصف { رسول } وفعل { جاءهم } ~~من معنى الرسالة والتبليغ ففيهما معنى القول . ومعنى { أدوا إلي } أرجعوا ~~إلي وأعطوا قال تعالى : { ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك } ( آل ~~عمران : 75 ) ، يقال : أدى الشيء أوصله وأبلغه . وهمزة الفعل أصلية وهو ~~مضاعف العين ولم يسمع منه فعل سالم غير مضاعف ، جعل بني إسرائيل كالأمانة ~~عند فرعون على طريقة الاستعارة المكنية . # وخطاب الجمع لقوم فرعون . والمراد : فرعون ومن حضر من ملئه لعلهم يشيرون ~~على فرعون بالحق ، ولعله إنما خاطب مجموع الملإ لما رأى من فرعون صلفا ~~وتكبرا من الامتثال ، فخطاب أهل مشورته لعل فيهم من يتبصر الحق . # و { عباد الله } يجوز أن يكون مفعول { أدوا } مرادا به بنو إسرائيل ، ~~أجري وصفهم { عباد الله } تذكيرا لفرعون بموجب رفع الاستعباد عنهم ، وجاء ~~في سورة الشعراء { أن أرسل معنا بني إسرائيل } فحصل أنه وصفهم بالوصفين ، ~~فوصف PageV25P295 { عباد الله } مبطل لحسبان القبط إياهم عبيدا كما قال : { ~~وقومهما لنا عابدون } ( المؤمنون : 47 ) وإنما هم عباد الله ، أي أحرار ~~فعباد الله كناية عن الحرية كقول بشار يخاطب نفسه : # أصبحت مولى ذي الجلال وبعضهم # مولى العبيد فلذ بفضلك وافخر # ويجوز أن يكون مفعول فعل { أدوا } محذوفا يدل عليه المقام ، أي أدوا إلي ~~الطاعة ويكون { عباد الله } منادى بحذف حرف النداء . قال ابن ms7582 عطية : الظاهر ~~من شرع موسى أنه بعث إلى دعاء فرعون للإيمان وأن يرسل بني إسرائيل ، فلما ~~أبى فرعون أن يؤمن ثبتت المكافحة في أن يرسل بني إسرائيل ، قال : ويدل عليه ~~قوله بعد { وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون } . # وقوله : { إني لكم رسول أمين } علة للأمر بتسليم بني إسرائيل إليه ، أي ~~لأني مرسل إليكم بهذا ، وأنا أمين ، أي مؤتمن على أني رسول لكم . وتقديم { ~~لكم } على { رسول } للاهتمام بتعلق الإرسال بأنه لهم ابتداء بأن يعطوه بني ~~إسرائيل لأن ذلك وسيلة للمقصود من إرساله لتحرير أمة إسرائيل والتشريعع لها ~~، وليس قوله : { لكم } خطابا لبني إسرائيل فإن موسى قد أبلغ إلى بني ~~إسرائيل رسالته مع التبليغ إلى فرعون قال تعالى : { فما آمن لموسى إلا ذرية ~~من قومه على خوفف من فرعون وملائهم أن يفتنهم } ( يونس : 83 ) ، وليكون ~~امتناع فرعون من تسريح بني إسرائيل مبررا لانسلاخ بني إسرائيل عن طاعة ~~فرعون وفرارهم من بلاده . # وعطف على طلب تسليم بني إسرائيل نهيا عن الاستكبار عن إجابة أمر الله ~~أنفة من الحط من عظمته في أنظار قومهم فقال : { وأن لا تعلوا على الله } أي ~~لا تعلوا على أمره أو على رسوله فلما كان الاعتلاء على أمر الله وأمر رسوله ~~ترفيعا لأنفسهم على واجب امتثال ربهم جعلوا في ذلك كأنهم يتعالون على الله ~~. # و { أن لا تعلوا } عطف على { أن أدوا إلي } . وأعيد حرف { أن } التفسيرية ~~لزيادة تأكيد التفسير لمدلول الرسالة . و { لا } ناهية ، وفعل { تعلوا } ~~مجزوم ب { لا } الناهية . # وجملة { إني آتيكم بسلطان مبين } علة جديرة بالعود إلى الجمل الثلاث ~~PageV25P296 المتقدمة وهي { أدوا إلي عباد الله } ، { إني لكم رسول أمين } ~~، { وأن لا تعلوا على الله } لأن المعجزة تدل على تحقق مضامين تلك الجمل ~~معلولها وعلتها . # والسلطان من أسماء الحجة قال تعالى : { إن عندكم من سلطانن بهذا } ( يونس ~~: 68 ) فالحجة تلجىء المحوج على الإقرار لمن يحاجه فهي كالمتسلط على نفسه . # والمعجزة : حجة عظيمة ولذلك وصف السلطان ب { مبين } ، أي واضح الدلالة لا ~~ريب فيه . وهذه المعجزة هي انقلاب ms7583 عصاه ثعبانا مبينا . # و { آتيكم } مضارع أو اسم فاعل ( أتى ) . وعلى الاحتمالين فهو مقتض ~~للإتيان بالحجة في الحال . # وجملة { وإني عذت بربي } عطف على جملة { أدوا إلي عباد الله } ، فإن ~~مضمون هذه الجملة مما شمله كلامه حين تبليغ رسالته فكان داخلا في مجمل معنى ~~{ وجاءهم رسول كريم } المفسر بما بعد { أن } التفسيرية . ومعناه : تحذيرهم ~~من أن يرجموه لأن معنى { عذت بربي } جعلت ربي عوذا ، أي ملجأ . والكلام على ~~الاستعارة بتشبيه التذكير بخوف الله الذي يمنعهم من الاعتداء عليه ~~بالالتجاء إلى حصن أو معقل بجامع السلامة من الاعتداء . ومثل هذا التركيب ~~مما جرى مجرى المثل ، ومنه قوله في سورة مريم { قالت إني أعوذ بالرحمان منك ~~إن كنت تقيا } ، وقال أحد رجاز العرب : # قالت وفيها حيدة وذعر # عوذ بربي منكم وحجر # والتعبير عن الله تعالى بوصف { ربي وربكم } لأنه أدخل في ارعوائهم من ~~رجمه حين يتذكرون أنه استعصم بالله الذي يشتركون في مربوبيته وأنهم لا ~~يخرجون عن قدرته . # والرجم : الرمي بالحجارة تباعا حتى يموت المرمي أو يثخنه الجراح . والقصد ~~منه تحقير المقتول لأنهم كانوا يرمون بالحجارة من يطردونه ، قال : { فاخرج ~~منها فإنك رجيم } ( الحجر : 34 ) . PageV25P297 # وإنما استعاذ موسى منه لأنه علم أن عادتهم عقاب من يخالف دينهم بالقتل ~~رميا بالحجارة . وجاء في سورة القصص { فأخاف أن يقتلون } . ومعنى ذلك إن لم ~~تؤمنوا بما جئت به فلا تقتلوني ، كما دل عليه تعقيبه بقوله : { وإن لم ~~تؤمنوا لي } . # والمعنى : إن لم تؤمنوا بالمعجزة التي آتيكم بها فلا ترجموني فإني أعوذ ~~بالله من أن ترجموني ولكن اعتزلوني فكونوا غير موالين لي وأكون مع قرمي بني ~~إسرائيل ، فالتقدير : فاعتزلوني وأعتزلكم لأن الاعتزال لا يتحقق إلا من ~~جانبين . # وجيء في شرط { إن لم تؤمنوا لي } بحرف { إن } التي شأنها أن تستعمل في ~~الشرط غير المتيقن لأن عدم الإيمان به بعد دلالة المعجزة على صدقه من شأنه ~~أن يكون غير واقع فيفرض عدمه كما يفرض المحال . ولعله قال ذلك قبل أن يعلمه ~~الله بإخراج بني إسرائيل من مصر ms7584 ، أو أراد : فاعتزلوني زمنا ، يعني إلى أن ~~يعين له الله زمن الخروج . # وعدي { تؤمنوا } باللام لأنه يقال : آمن به وآمن له ، قال تعالى : { فآمن ~~له لوط } ( العنكبوت : 26 ) ، وأصل هذه اللام لام العلة على تضمين فعل ~~الإيمان معنى الركون . # وقد جاء ترتيب فواصل هذا الخطاب على مراعاة ما يبدو من فرعون وقومه عند ~~إلقاء موسى دعوته عليهم إذ ابتدأ بإبلاغ ما أرسل به إليهم فآنس منهم التعجب ~~والتردد فقال : { إني لكم رسول أمين } ، فرأى منهم الصلف والأنفة فقال : { ~~وأن لا تعلوا على الله } فلم يرعووا فقال : { إني آتيكم بسلطان مبين } ، ~~فلاحت عليهم علامات إضمار السوء له فقال : { وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون ~~وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون } ، فكان هذا الترتيب بين الجملل مغنيا عن ذكر ~~ما أجابوا به على أبدع إيجاز . # التعقيب المفاد بالفاء تعقيب على محذوف يقتضي هذا الدعاء إذ ليس في ~~المذكور قبل الفاء ما يناسبه التعقيب بهذا الدعاء إذ المذكور قبله كلام من ~~موسى PageV25P298 إليهم ، فالتقدير : فلم يستجيبوا له فيما أمرهم ، أو ~~فأصروا على أذاه وعدم متاركته فدعا ربه ، وهذا التقرير الثاني أليق بقوله : ~~{ أن هؤلاء قوم مجرمون } . وهذا كالتعقيب الذي في قوله تعالى : { فأوحينا ~~إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق } ( الشعراء : 63 ) ، وقوله : { أن ~~هؤلاء قوم مجرمون } اتفق القراء العشرة على قراءته بفتح الهمزة وشد النون ~~فما بعدها في قوة المصدر ، فلذلك تقدر الباء التي يتعدى بها فعل ( دعا ) ، ~~أي دعا ربه بما يجمعه هذا التركيب المستعمل في التعريض بأنهم استوجبوا ~~تسليط العقاب الذي يدعو به الداعي ، فالإخبار عن كونهم قوما مجرمين مستعمل ~~في طلب المجازاة على الإجرام أو في الشكاية من اعتدائهم ، أو في التخوف من ~~شرهم إذا استمروا على عدم تسريح بني إسرائيل ، وكل ذلك يقتضي الدعاء لكف ~~شرهم ، فلذلك أطلق على هذا الخبر فعل { دعا } . # تفريع على جملة { أن هؤلاء قوم مجرمون } ( الدخان : 22 ) ، والمفرع قول ~~محذوف دلت عليه صيغة الكلام ، أي فدعا فقلنا : اسر بعبادي . وقرأه نافع ~~وابن كثير وأبو ms7585 جعفر { فاسر } بهمزة وصل على أنه أمر من ( سرى ) ، وقرأه ~~الباقون بهمزة قطع من ( أسرى ) يقال : سرى وأسرى . وقد تقدم عند قوله تعالى ~~: { سبحان الذي أسرى بعبده } ( الإسراء : 1 ) فتقييده بزمان الليل هنا نظير ~~تقييده في سورة الإسراء ، والمقصود منه تأكيد معنى الإسراء بأنه حقيقة وليس ~~مستعملا مجازا في التبكير بناء على أن المتعارف في الرحيل أن يكون فجرا . # وفائدة التأكيد أن يكون له من سعة الوقت ما يبلغون به إلى شاطىء البحر ~~الأحمر قبل أن يدركهم فرعون بجنوده . # وجملة { إنكم متبعون } تقيد تعليلا للأمر بالإسراء ليلا لأنه مما يستغرب ~~، أي أنكم متبعون فأردنا أن تقطعوا مسافة يتعذر على فرعون لحاقكم . وتأكيد ~~الخبر ب ( إن ) لتنزيل غير السائل منزلة السائل إذا قدم إليه ما يلوح له ~~PageV25P299 بالخبر فيستشرف له استشراف المتردد السائل ، على حد قوله تعالى ~~: { ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون } ( هود : 37 ) . # وأسند الإتباع إلى غير مذكور لأنه من المعلوم أن الذي سيتبعهم هو فرعون ~~وجنوده . # عطف على جملة { فأسر بعبادي ليلا } ( الدخان : 23 ) فيجوز أن تكون ~~الجملتان صدرتا متصلتين بأن أعلم الله موسى حين أمره بالإسراء بأنه يضرب ~~البحر بعصاه فينفلق عن قعره اليابس حتى يمر منه بنو إسرائيل كما ورد في ~~آيات أخرى مثل آية سورة الشعراء . ولما أمره بذلك طمنه بأن لا يخشى بقاءه ~~منفلقا فيتوقع أن يلحق به فرعون بل يجتاز البحر ويتركه فإنه سيطغى على ~~فرعون وجنده فيغرقون ، ففي الكلام إيجاز تقديره : فإذا سريت بعبادي فسنفتح ~~لكم البحر فتسلكونه فإذا سلكته فلا تخش أن يلحقكم فرعون وجنده واتركه فإنهم ~~مغرقون فيه . ويجوز أن تكون الجملة الثانية صدرت وقت دخول موسى ومن معه في ~~طرائق البحر فيقدر قول محذوف ، أي وقلنا له : اترك البحر رهوا ، أي سيدخله ~~فرعون وجنده ولا يخرجون منه لأن في بقائه مفروقا حكمة أخرى وهي دخول فرعون ~~وجنده في طرائقه طمعا منهم أن يلحقوا موسى وقومه ، حتى إذا توسطوه انضم ~~عليهم ، فتحصل فائدة إنجاء بني إسرائيل وفائدة إهلاك عدوهم ms7586 ، فتكون الواو ~~عاطفة قولا محذوفا على القول المحذوف قبله . # وعلى الوجهين فالترك مستعمل مجازا في عدم المبالاة بالشيء كما يقال : دعه ~~يفعل كذا ، وذره ، كقوله تعالى : { ثم ذرهم في خوضهم يلعبون } ( الأنعام : ~~91 ) ، وقالت كبشة بنت معد يكرب : # ودع عنك عمرا إن عمرا مسالم # وهل بطن عمرو غير شبر المطعم # والبحر هو بحر القلزم المسمى اليوم البحر الأحمر . PageV25P300 # والرهو : الفجوة الواسعة . وأصله مصدر رها ، إذا فتح بين رجليه ، فسميت ~~الفجوة رهوا تسمية بالمصدر ، وانتصب { رهوا } على الحال من البحر على ~~التشبيه البليغ ، أي مثل رهو . # وجملة { إنهم جند مغرقون } استئناف بياني جوابا عن سؤال ناشىء عن الأمر ~~بترك البحر مفتوحا ، وضمير { إنهم } عائد إلى اسم الإشارة في قوله : { أن ~~هؤلاء قوم مجرمون } ( الدخان : 22 ) والجند : القوم والأمة وعسكر الملك . # وإقحام لفظ { جند } دون الاقتصار على { مغرقون } لإفادة أن إغراقهم قد ~~لزمهم حتى صار كأنه من مقومات عنديتهم كما قدمناه عند قوله تعالى : { ~~لآياتت لقومم يعقلون } في سورة البقرة . # ( 25 28 ) { } # . # استئناف ابتدائي مسوق للعبرة بعواقب الظالمين المغرورين بما هم فيه من ~~النعمة والقوة ، غرورا أنساهم مراقبة الله فيما يرضيه ، فموقع هذا ~~الاستئناف موقع النتيجة من الدليل أو البيان من الإجمال لما في قوله : { ~~ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون } ( الدخان : 17 ) من التنظير الإجمالي . # وضمير { تركوا } عائد إلى ما عاد إليه ضمير { إنهم جند مغرقون } ( الدخان ~~: 24 ) . # والترك حقيقته : إلقاء شيء في مكانن منتقل عنه إبقاء اختياريا ، ويطلق ~~مجازا على مفارقة المكان والشيء الذي في مكانن غلبة دون اختيار وهو مجاز ~~مشهور يقال : ترك الميت مالا ، ومنه سمي مخلف الميت تركة وهو هنا من هذا ~~القبيل . # وفعل { تركوا } مؤذن بأنهم أغرقوا وأعدموا ، وذلك مقتضى أن ما أمر الله ~~به موسى من الإسراء ببني إسرائيل وما معه من اتباع فرعون إياهم وانفلاق ~~البحر PageV25P301 وإزلاف بني إسرائيل واقتحام فرعون بجنوده البحر ، ~~وانضمام البحر عليهم قد تم ، ففي الكلام إيجاز حذفف جمل كثيرة يدل عليها { ~~كم تركوا } . # و { كم } اسم لعدد كثير مبهم يفسر ms7587 نوعه مميز بعد { كم } مجرور ب { من } ~~مذكورة أو محذوفة . وحكم { كم } كالأسماء تكون على حسب العوامل . وإذ كان ~~لها صدر الكلام لأنها في الأصل استفهام فلا تكون خبر مبتدأ ولا خبر ( كان ) ~~ولا ( إن ) وإذا كانت معمولة للأفعال وجب تقديمها على عاملها . وانتصب { كم ~~} هنا على المفعول به ل { تركوا } أي تركوا كثيرا من جنات . و { من } مميزة ~~لمبهم العدد في { كم } . # والمقام بفتح الميم : مكان القيام ، والقيام هنا مجاز في معنى التمكن من ~~المكان . # والكريم من كل نوع أنفسه وخيره ، والمراد به : المساكن والديار والأسواق ~~ونحوها مما كان لهم في مدينة ( منفسين ) . # والنعمة بفتح النون : اسم للتنعم مصوغ على وزنة المرة . وليس المراد به ~~المرة بل مطلق المصدر باعتبار أن مجموع أحوال النعيم صار كالشي الواحد وهو ~~أبلغ وأجمع في تصوير معنى المصدر ، وهذا هو المناسب لفعلل { تركوا } لأن ~~المتروك هو أشخاص الأمور التي ينعم بها وليس المتروك وهو المعنى المصدري . # و { فاكهين } متصفين بالفكاهة بضم الفاء وهي اللعب والمزح ، أي كانوا ~~مغمورين في النعمة لاعبين في تلك النعمة . وقرأ الجمهور { فاكهين } بصيغة ~~اسم الفاعل . وقرأه حفص وأبو جعفر { فكهين } بدون ألف على أنه صفة مشبهة . # وقوله : { كذلك } راجع لفعل { تركوا } . والتقدير : تركا مثل ذلك الترك . # والإشارة إلى مقدر دل عليه الكلام ومعنى الكاف ، وهذا التركيب تقدم ~~الكلام عليه عند قوله : { كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا في سورة الكهف . ~~PageV25P302 # } . # عطف على { تركوا } أي تركوها وأورثناها غيرهم ، أي لفرعون الذي ولي بعد ~~موت منفطا وسمي صطفا منفطا وهو أحد أمراء فرعون منفطا تزوج ابنة منفطا ~~المسماة طوسير التي خلفت أباها منفطا على عرش مصر ، ولكونه من غير نسل ~~فرعون وصف هو وجنده بقوم آخرين ، وليس المراد بقوله : { قوما آخرين } قوما ~~من بني إسرائيل ، ألا ترى أنه أعيد الاسم الظاهر في قوله عقبه { ولقد نجينا ~~بني إسرائيل } ( الدخان : 30 ) ، ولم يقل ولقد نجيناهم . # ووقع في آية الشعراء { فأخرجناهم من جناتت وعيون وكنوز ومقامم كريمم كذلك ~~وأورثناها بني إسرائيل } ( الشعراء ms7588 : 57 59 ) والمراد هنالك أن أنواعا مما ~~أخرجنا منه قوم فرعون أورثناها بني إسرائيل ، ولم يقصد أنواع تلك الأشياء ~~في خصوص أرض فرعون . ومناسبة ذلك هنالك أن القومين أخرجا مما كانا فيه ، ~~فسلب أحد الفريقين ما كان له دون إعادة لأنهم هلكوا ، وأعطي الفريق الآخر ~~أمثال ذلك في أرض فلسطين ، ففي قوله : { وأورثناها } تشبيه بليغ وانظر آية ~~سورة الشعراء . # تفريع على قوله : { كم تركوا من جنات } إلى قوله : { قوما آخرين } ( ~~الدخان : 25 28 ) ، فإن ذلك كله يتضمن أنهم هلكوا وانقرضوا ، أي فما كان ~~مهلكهم إلا كمهلك غيرهم ولم يكن حدثا عظيما كما كانوا يحسبون ويحسب قومهم ، ~~وكان من كلام العرب إذا هلك عظيم أن يهولوا أمر موته بنحو : بكت عليه ~~السماء ، وبكته الريح ، وتزلزلت الجبال ، قال النابغة في توقع موت النعمان ~~بن المنذر من مرضه : # فإن يهلك أبو قابوس يهلك # ربيع الناس والبلد الحرام # وقال في رثاء النعمان بن الحارث الغساني : # بكى حارث الجولان من فقد ربه # وحوران منه موحش متضائل PageV25P303 # والكلام مسوق مساق التحقير لهم ، وقريب منه قوله تعالى : { وإن كان مكرهم ~~لتزول منه الجبال } ( إبراهيم : 46 ) ، وهو طريقة مسلوكة وكثر ذلك في كلام ~~الشعراء المحدثين ، قال أبو بكر بن اللبانة الأندلسي في رثاء المعتمد بن ~~عباد ملك إشبيلية : # تبكي السماء بمزن رائحح غاد # على البهاليل من أبناء عباد # والمعنى : فما كان هلاكهم إلا كهلاك غيرهم ولا أنظروا بتأخير هلاكهم بل ~~عجل لهم الاستئصال . # ( 30 ، 31 ) { لله } # معطوف على الكلام المحذوف الذي دل عليه قوله : { إنهم جند مغرقون } ( ~~الدخان : 24 ) الذي تقديره : فأغرقناهم ونجينا بني إسرائيل كما قال في سورة ~~الشعراء ( 64 66 ) { وأزلفنا ثم الآخرين وأنجينا موسى ومن معه أجمعين ثم ~~أغرقنا الآخرين } . # والمعنى : ونجينا بني إسرائيل من عذاب فرعون وقساوته ، أي فكانت آية ~~البحر هلاكا لقوم وإنجاء لآخرين . والمقصود من ذكر هذا الإشارة إلى أن الله ~~تعالى ينجي الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم من عذاب أهل الشرك بمكة ، ~~كما نجى الذين اتبعوا موسى من عذاب ms7589 فرعون . # وجعل طغيان فرعون وإسرافه في الشر مثلا لطغيان أبي جهل وملئه ولأجل هذه ~~الإشارة أكد الخبر باللام . وقد يفيد تحقيق إنجاء المؤمنين من العذاب ~~المقدر للمشركين إجابة لدعوة { ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون } ( الدخان ~~: 12 ) . # و { العذاب المهين } : هو ما كان يعاملهم به فرعون وقومه من الاستعباد ~~والإشقاق عليهم في السخرة ، وكان يكلفهم أن يصنعوا له اللبن كل يوم لبناء ~~مدينتي فيثوم ورعمسيس وكان اللبن يصنع من الطوب والتبن فكان يكلفهم استحضار ~~التبن اللازم لصنع اللبن ويلتقطون متناثره ويذلونهم ولا يتركون لهم راحة ، ~~فذلك العذاب المهين لأنه عذاب فيه إذلال . PageV25P304 # وقوله : { من فرعون } الأظهر أن يكون بدلا مطابقا للعذاب المهين فتكون { ~~من } مؤكدة ل { من } الأولى المعدية ل { نجينا } لأن الحرف الداخل على ~~المبدل منه يجوز أن يدخل على البدل للتأكيد . ويحسن ذلك في نكت يقتضيها ~~المقام وحسنه هنا ، فأظهرت { من } لخفاء كون اسم فرعون بدلا من العذاب ~~تنبيها على قصد التهويل لأمر فرعون في جعل اسمه نفس العذاب المهين ، أي في ~~حال كونه صادرا من فرعون . # وجملة { إنه كان عاليا } مستأنفة استئنافا بيانيا لبيان التهويل الذي ~~أفاده جعل اسم فرعون بدلا من العذاب المهين . والعالي : المتكبر العظيم في ~~الناس ، قال تعالى : { إن فرعون علا في الأرض } ( القصص : 4 ) . # و { من المسرفين } خبر ثان عن فرعون ، والإسراف : الإفراط والإكثار . ~~والمراد هنا الإكثار في التعالي ، يراد الإكثار في أعمال الشر بقرينة مقام ~~الذم . و { من المسرفين } أشد مبالغة في اتصافه بالإسراف من أن يقال : ~~مسرفا ، كما تقدم في قوله تعالى : { قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين في ~~سورة البقرة . # } # إشارة إلى أن الله تعالى قد اختار الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~على أمم عصرهم كما اختار الذين آمنوا بموسى عليه السلام على أمم عصرهم وأنه ~~عالم بأن أمثالهم أهل لأن يختارهم الله . والمقصود : التنويه بالمؤمنين ~~بالرسل وأن ذلك يقتضي أن ينصرهم الله على أعدائهم ولأجل هذه الإشارة أكد ~~الخبر باللام و ( قد ) ، كما أكد في قوله ms7590 آنفا { ولقد نجينا بني إسرائيل } ~~( الدخان : 30 ) ، و { على } في قوله : { على علم } بمعنى ( مع ) ، كقول ~~الأحوص : # إني على ما قد علمتت محسد # أنمي على البغضاء والشنآن # وموضع المجرور بها موضع الحال . # والمراد ب { العالمين } الأمم المعاصرة لهم . ثم بدلوا بعد ذلك فضربت ~~عليهم PageV25P305 الذلة ، وقد اختار الله أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ~~على الأمم فقال : { كنتم خير أمة أخرجت للناس } ( آل عمران : 110 ) أي ~~أخرجها الله للناس . واختار المسلمين بعدهم اختيارا نسبيا على حسب ~~استقامتهم واستقامة غيرهم من الأمم على أن التوحيد لا يعدله شيء . # إيتاء الآيات من آثار الاختيار لأنه من عناية الله بالأمة لأنه يزيدهم ~~يقينا بإيمانهم . والمراد بالآيات المعجزات التي ظهرت على يد موسى عليه ~~السلام أيد الله به بني إسرائيل في مواقع حروبهم بنصر الفئة القليلة منهم ~~على الجيوش الكثيرة من عدوهم . # وهذا تعريض بالإنذار للمشركين بأن المسلمين سيغلبون جمعهم مع قلتهم في ~~بدر وغيرها . # والبلاء : الاختبار يكون بالخير والشر . فالأول اختبار لمقابلة النعمة ~~بالشكر أو غيره ، والثاني اختبار لمقدار الصبر ، قال تعالى : { ونبلوكم ~~بالشر والخير فتنة } ( الأنبياء : 35 ) أي ما فيه اختبار لهم في نظر الناس ~~ليعلم بعضهم أنهم قابلوا نعمة إيتاء الآيات بالشكر ، ويحذروا قومهم من ~~مقابلة النعمة بالكفران . # ( 34 36 ) # اعتراض بين جملة { يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون } ( الدخان : 16 ) ~~وجملة { أهم خير أم قوم تبع } ( الدخان : 37 ) فإنه لما هددهم بعذاب الدخان ~~ثم بالبطشة الكبرى وضرب لهم PageV25P306 المثل بقوم فرعون أعقب ذلك ~~بالإشارة إلى أن إنكار البعث هو الذي صرفهم عن توقع جزاء السوء على إعراضهم ~~. وافتتاح الكلام بحرف { إن } الذي ليس هو للتأكيد لأن هذا القول إلى ~~المشركين لا تردد فيه حتى يحتاج إلى التأكيد فتعين كون حرف { إن } لمجرد ~~الاهتمام بالخبر ، وهو إذا وقع مثل هذا الموقع أفاد التسبب وأغنى عن الفاء ~~. فالمعنى : إنا منتقمون منهم بالبطشة الكبرى لأنهم لا يرتدعون بوعيد ~~الآخرة لإنكارهم الحياة الآخرة فلم ينظروا إلا لما هم عليه في الحياة ~~الدنيا من النعمة ms7591 والقوة فلذلك قدر الله لهم الجزاء على سوء كفرهم جزاء في ~~الحياة الدنيا . # وضمير { هي } ضمير الشأن ويقال له : ضمير القصة لأنه يستعمل بصيغة المؤنث ~~بتأويل القصة ، أي لا قصة في هذا الغرض إلا الموتة المعروفة فهي موتة دائمة ~~لا نشور لنا بعدها . # وهذا كلام من كلماتهم في إنكار البعث فإن لهم كلمات في ذلك ، فتارة ينفون ~~أن تكون بعد الموت حياة كما حكى عنهم في آيات أخرى مثل قوله تعالى : { ~~وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا } ( الأنعام : 29 ) ، وتارة ينفون أن يطرأ ~~عليهم بعد الموتة المعروفة شيء غيرها يعنون بذلك شيئا ضد الموتة وهو الحياة ~~بعد الموتة . فلهم في نفي الحياة بعد الموت أفانين من أقوال الجحود ، وهذا ~~القصر قصر حقيقي في اعتقادهم لأنهم لا يؤمنون باعتراء أحوال لهم بعد الموت ~~. # وكلمة { هؤلاء } حيثما ذكر في القرآن غير مسبوق بما يصلح أن يشار إليه : ~~مراد به المشركون من أهل مكة كما استنبطناه ، وقدمنا الكلام عليه عند قوله ~~تعالى : { فإن يكفر بها هؤلاء } في سورة الأنعام . # ووصف { الأولى } مراد به السابقة مثل قوله : { وأنه أهلك عادا الأولى } ( ~~النجم : 50 ) ومنه قوله تعالى : { ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين } ( الصافات ~~: 71 ) . ونظيرها قوله تعالى : { أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى وما ~~نحن بمعذبين } ( الصافات : 58 ، 59 ) . # وأعقبوا قصر ما ينتابهم بعد الحياة على الموتة التي يموتونها ، بقوله : { ~~وما نحن PageV25P307 بمنشرين } تصريحا بمفهوم القصر . وجيء به معطوفا ~~للاهتمام به لأنه غرض مقصود مع إفادته تأكيد القصر وجعلوا قولهم : { فأتوا ~~بآبائنا إن كنتم صادقين } حجة على نفي البعث بأن الأموات السابقين لم يرجع ~~أحد منهم إلى الحياة وهو سفسطة لأن البعث الموعود به لا يحصل في الحياة ~~الدنيا ، وهذا من توركهم واستهزائهم . # وضمير جمع المخاطبين أرادوا به النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من ~~المؤمنين الذين كانوا يقولون لهم { إنكم مبعوثون } ( هود : 7 ) كما جاء في ~~حديث خباب بن الأرت مع العاصي بن وائل الذي نزل بسببه قوله تعالى : { ~~أفرأيت الذي كفر بآياتنا ms7592 وقال لأوتين مالا وولدا } الآية ، وتقدم في سورة ~~مريم . # استئناف ناشىء عن قوله : { ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون } ( الدخان : 17 ) ~~فضمير { هم راجع إلى اسم الإشارة في قوله : إن هؤلاء ليقولون إن هي إلا ~~موتتنا الأولى } ( الدخان : 34 ، 35 ) فبعد أن ضرب لهم المثل بمهلك قوم ~~فرعون زادهم مثلا آخر هو أقرب إلى اعتبارهم به وهو مهلك قوم أقرب إلى ~~بلادهم من قوم فرعون وأولئك قوم تبع فإن العرب يتسامعون بعظمة ملك تبع ~~وقومه أهل اليمن وكثير من العرب شاهدوا آثار قوتهم وعظمتهم في مراحل ~~أسفارهم وتحادثوا بما أصابهم من الهلك بسيل العرم . وافتتح الكلام ~~بالاستفهام التقريري لاسترعاء الأسماع لمضمونه لأن كل أحد يعلم أن تبعا ومن ~~قبله من الملوك خير من هؤلاء المشركين . # والمعنى : أنهم ليسوا خيرا من قوم تبع ومن قبلهم من الأمم الذين استأصلهم ~~الله لأجل إجرامهم فلما ماثلوهم في الإجرام فلا مزية لهم تدفع عنهم استئصال ~~الذي أهلك الله به أمما قبلهم . # والاستفهام في { أهم خير أم قوم تبع } تقريري إذ لا يسعهم إلا أن يعترفوا ~~بأن قوم تبع والذين من قبلهم خير منهم لأنهم كانوا يضربون بهم الأمثال في ~~القوة PageV25P308 والمنعة . والمراد بالخيرية التفضيل في القوة والمنعة ، ~~كما قال تعالى بعد ذكر قوم فرعون { أكفاركم خير من أولئكم في سورة القمر . ~~وقوم تبع هم حمير وهم سكان اليمن وحضرموت من حمير وسبأ وقد ذكرهم الله ~~تعالى في سورة ق . # وتبع بضم الميم وتشديد الموحدة لقب لمن يملك جميع بلاد اليمن حميرا وسبأ ~~وحضرموت ، فلا يطلق على الملك لقب تبع إلا إذا ملك هذه المواطن الثلاثة . ~~قيل سموه تبعا باسم الظل لأنه يتبع الشمس كما يتبع الظل الشمس ، ومعنى ذلك ~~: أنه يسير بغزاوته إلى كل مكان تطلع عليه الشمس ، كما قال تعالى في ذي ~~القرنين فاتبع سببا حتى إذا بلغ مغرب الشمس } إلى قوله : { لم نجعل لهم من ~~دونها سترا } ( الكهف : 85 90 ) ، وقيل لأنه تتبعه ملوك مخاليف اليمن ، ~~وتخضع له جميع الأقيال والأذواء من ملوك ms7593 مخاليف اليمن وأذوائه ، فلذلك لقب ~~تبعا لأنه تتبعه الملوك . # وتبع المراد هنا المسمى أسعد والمكنى أبا كرب ، كان قد عظم سلطانه وغزا ~~بلاد العرب ودخل مكة ويثرب وبلغ العراق . ويقال : إنه الذي بنى مدينة ~~الحيرة في العراق ، وكانت دولة تبع في سنة ألف قبل البعثة المحمدية ، وقيل ~~كان في حدود السبعمائة قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وتعليق الإهلاك ~~بقوم تبع دونه يقتضي أن تبعا نجا من هذا الإهلاك وأن الإهلاك سلط على قومه ~~، قالت عائشة : ألا ترى أن الله ذم قومه ولم يذمه . # والمروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في مسند أحمد وغيره أنه قال : ( لا ~~تسبوا تبعا فإنه كان قد أسلم وفي رواية كان مؤمنا ) ، وفسره بعض العلماء ~~بأنه كان على دين إبراهيم عليه السلام وأنه اهتدى إلى ذلك بصحبة حبرين من ~~أحبار اليهود لقيهما بيثرب حين غزاها وذلك يقتضي نجاته من الإهلاك . ولعل ~~الله أهلك قومه بعد موته أو في مغيبه . # وجملة { أهلكناهم } مستأنفة استئنافا بيانيا لما أثاره الاستفهام ~~التقريري من السؤال عن إبهامه ماذا أريد به . PageV25P309 وجملة { إنهم ~~كانوا مجرمين } تعليل لمضمون جملة { أهلكناهم } ، أي أهلكناهم عن بكرة ~~أبيهم بسبب إجرامهم ، أي شركهم . # ( 38 ، 39 ) # عطف على جملة { إن هؤلاء ليقولون إن هي إلا موتتنا الأولى } ( الدخان : ~~34 ، 35 ) ردا عليهم كما علمته آنفا . والمعنى : أنه لو لم يكن بعث وجزاء ~~لكان خلق السماوات والأرض وما بينهما عبثا ، ونحن خلقنا ذلك كله بالحق ، أي ~~بالحكمة كما دل عليه إتقان نظام الموجودات ، فلا جرم اقتضى خلق ذلك أن ~~يجازى كل فاعل على فعله وأن لا يضاع ذلك ، ولما كان المشاهد أن كثيرا من ~~الناس يقضي حياته ولا يرى لنفسه جزاء على أعماله تعين أن الله أخر جزاءهم ~~إلى حياة أخرى وإلا لكان خلقهم في بعض أحواله من قبيل اللعب . # وذكر اللعب توبيخ للذين أحالوا البعث والجزاء بأنهم اعتقدوا ما يفضي بهم ~~إلى جعل أفعال الحكيم لعبا ، وقد تقدم وجه الملازمة عند تفسير قوله تعالى : ~~{ أفحسبتم ms7594 أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون } في سورة المؤمنون ~~وعند قوله تعالى : { وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن ~~الذين كفروا في سورة ص . # ولاعبين } حال من ضمير { خلقنا } ، والنفي متوجه إلى هذا الحال فاقتضى ~~نفي أن يكون شيء من خلق ذلك في حالة عبث فمن ذلك حالة إهمال الجزاء . # وجملة { ما خلقناهما إلا بالحق } بدل اشتمال من جملة { وما خلقنا ~~السماوات والأرض وما بينهما لاعبين } . # والباء في { بالحق } للملابسة ، أي خلقنا ذلك ملابسا ومقارنا للحق ، أو ~~الباء للسببية ، أي بسبب الحق ، أي لإيجاد الحق من خلقهما . # والحق : ما يحق وقوعه من عمل أو قول ، أي يجب ويتعين لسببية أو تفرع أو ~~PageV25P310 مجازاة ، فمن الحق الذي خلقت السماوات والأرض وما بينهما لأجله ~~مكافأة كل عامل بما يناسب عمله ويجازيه ، وتقدم عند قوله تعالى : { أو لم ~~يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق } في ~~سورة الروم . # والاستدراك في قوله : { ولكن أكثرهم لا يعلمون } ناشىء عما أفاده نفي أن ~~يكون خلق المخلوقات لعبا وإثبات أنه للحق لا غير من كون شأن ذلك أن لا يخفى ~~ولكن جهل المشركين هو الذي سول لهم أن يقولوا { ما نحن بمنشرين } ( الدخان ~~: 35 ) . # وجملة الاستدراك تذييل ، وقريب من معنى الآية قوله : { وما خلقنا ~~السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة لآتية } في آخر سورة ~~الحجر . # ( 40 42 ) { لله } # هذه الجملة تتنزل من التي قبلها منزلة النتيجة من الاستدلال ولذلك لم ~~تعطف ، والمعنى : فيوم الفصل ميقاتهم إعلاما لهم بأن يوم القضاء هو أجل ~~الجزاء ، فهذا وعيد لهم وتأكيد الخبر لرد إنكارهم . # و { يوم الفصل } : هو يوم الحكم ، لأنه يفصل فيه الحق من الباطل وهو من ~~أسماء يوم القيامة قال تعالى : { لأي يوم أجلت ليوم الفصل } ( المرسلات : ~~12 ، 13 ) . # والميقات : اسم زمان التوقيت ، أي التأجيل ، قال تعالى : { إن يوم الفصل ~~كان ميقاتا } ( النبإ : 17 ) ، وتقدم عند قوله تعالى : { قل هي مواقيت ~~للناس والحج } في سورة البقرة وحذف متعلق الميقات ms7595 لظهوره من المقام ، أي ~~ميقات جزائهم . # وأضيف الميقات إلى ضمير المخبر عنهم لأنهم المقصود من هذا الوعيد وإلا ~~فإن يوم الفصل ميقات جميع الخلق مؤمنيهم وكفارهم . # والتأكيد ب { أجمعين } للتنصيص على الإحاطة والشمول ، أي ميقات ~~PageV25P311 لجزائهم كلهم لا يفلت منه أحد منهم تقوية في الوعيد وتأييسا من ~~الاستثناء . # و { يوم لا يغني مولى } بدل من { يوم الفصل } أو عطف بيان . وفتحة { يوم ~~لا يغنى } فتحة إعراب لأن { يوم } أضيف إلى جملة ذات فعل معرب . # والمولى : القريب والحليف ، وتقدم عند قوله تعالى : { وإني خفت الموالي ~~من ورائي في سورة مريم . وتنكير مولى } في سياق النفي لإفادة العموم ، أي ~~لا يغني أحد من الموالي كائنا من كان عن أحد من مواليه كائنا من كان . # و { شيئا } مفعول مطلق لأن المراد { شيئا } من إغناء . وتنكير { شيئا } ~~للتقليل وهو الغالب في تنكير لفظ شيء ، كما قال تعالى : { وشيء من سدر قليل ~~} ( سبأ : 16 ) . ووقوعه في سياق النفي للعموم أيضا ، يعني أي إغناء كان في ~~القلة بله الإغناء الكثير . والمعنى : يوم لا تغني عنهم مواليهم ، فعدل عن ~~ذلك إلى التعميم لأنه أوسع فائدة إذ هو بمنزلة التذييل . # والإغناء : الإفادة والنفع بالكثير أو القليل ، وضميرا { ولا هم ينصرون } ~~راجعان إلى ما رجع إليه ضمير { أهم خير } ( الدخان : 37 ) ، وهو اسم ~~الإشارة من قوله : { إن هؤلاء ليقولون } ( الدخان : 34 ) . والمعنى : أنهم ~~لا يغني عنهم أولياؤهم المظنون بهم ذلك ولا ينصرهم مقيضون آخرون ليسوا من ~~مواليهم تأخذهم الحمية أو الغيرة أو الشفقة فينصرونهم . # والنصر : الإعانة على العدو وعلى الغالب ، وهو أشد الإغناء . فعطف { ولا ~~هم ينصرون } على { لا يغني مولى عن مولى شيئا } زيادة في نفي عدم الإغناء . # فمحصل المعنى أنه لا يغني موال عن مواليه بشيء من الإغناء حسب مستطاعه ~~ولا ينصرهم ناصر شديد الاستطاعة هو أقوى منهم يدفع عنهم غلب القوي عليهم ، ~~فالله هو الغالب لا يدفعه غالب . وبني فعل { ينصرون } إلى المجهول ليعم نفي ~~كل ناصر مع إيجاز العبارة . PageV25P312 # والاستثناء بقوله : { إلا من رحم الله ms7596 } وقع عقب جملتي { لا يغني مولى عن ~~مولى شيئا ولا هم ينصرون } فحق بأن يرجع إلى ما يصلح للاستثناء منه في تينك ~~الجملتين . ولنا في الجملتين ثلاثة ألفاظ تصلح لأن يستثنى منها وهي { مولى ~~} الأول المرفوع بفعل { يغني } ، و { مولى } الثاني المجرور بحرف { عن } ، ~~وضمير { ولا هم ينصرون } ، فالاستثناء بالنسبة إلى الثلاثة استثناء متصل ، ~~أي إلا من رحمه الله من الموالي ، أي فإنه يأذن أن يشفع فيه ، ويأذن للشافع ~~بأن يشفع كما قال تعالى : { ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له } ( سبإ ~~: 23 ) وقال : { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى } ( الأنبياء : 28 ) . وفي حديث ~~الشفاعة أنه يقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم ( سل تعطه واشفع تشفع ) . ~~والشفاعة : إغناء عن المشفوع فيه . والشفعاء يومئذ أولياء للمؤمنين فإن من ~~الشفعاء الملائكة وقد حكى الله عنهم قولهم للمؤمنين { نحن أولياؤكم في ~~الحياة الدنيا وفي الآخرة } ( فصلت : 31 ) . # وقيل هو استثناء منقطع لأن من رحمه الله ليس داخلا في شيء قبله مما يدل ~~على أهل المحشر ، والمعنى : لكن من رحمه الله لا يحتاج إلى من يغني عنه أو ~~ينصره وهذا قول الكسائي والفراء . # وأسباب رحمة الله كثيرة مرجعها إلى رضاه عن عبده وذلك سر يعلمه الله . # وجملة { إنه هو العزيز الرحيم } استئناف بياني هو جواب مجمل عن سؤال سائل ~~عن تعيين من رحمه الله ، أي أن الله عزيز لا يكرهه أحد على العدول عن مراده ~~، فهو يرحم من يرحمه بمحض مشيئته وهو رحيم ، أي واسع الرحمة لمن يشاء من ~~عباده على وفق ما جرى به علمه وحكمته ووعده . وفي الحديث : ( ارحموا من في ~~الأرض يرحمكم من في السماء ) . PageV25P313 # ( 43 50 ) { } # لما ذكر الله فريقا مرحومين على وجه الإجمال قابله هنا بفريق معذبون وهم ~~المشركون ، ووصف بعض أصناف عذابهم وهو مأكلهم وإهانتهم وتحريقهم ، فكان ~~مقتضى الظاهر أن يبتدأ الكلام بالإخبار عنهم بأنهم يأكلون شجرة الزقوم كما ~~قال في سورة الواقعة ( 51 ، 52 ) { ثم إنكم أيها الضالون المكذبون لآكلون ~~من شجر من زقوم } الآية ، فعدل ms7597 عن ذلك إلى الإخبار عن شجرة الزقوم بأنها ~~طعام الأثيم اهتماما بالإعلام بحال هذه الشجرة . وقد جعلت شجرة الزقوم شيئا ~~معلوما للسامعين فأخبر عنها بطريق تعريف الإضافة لأنها سبق ذكرها في سورة ~~الواقعة التي نزلت قبل سورة الدخان فإن الواقعة عدت السادسة والأربعين في ~~عداد نزول السور وسورة الدخان ثالثة وستين . ومعنى كون الشجرة طعاما أن ~~ثمرها طعام ، كما قال تعالى : { طلعها كأنه رؤوس الشياطين فإنهم لآكلون ~~منها } ( الصافات : 65 ، 66 ) . # وكتبت كلمة { شجرت } في المصاحف بتاء مفتوحة مراعاة لحالة الوصل وكان ~~الشائع في رسم أواخر الكلم أن تراعى فيه حالة الوقف ، فهذا مما جاء على ~~خلاف الأصل . # و { الأثيم } : الكثير الآثام كما دلت عليه زنة فعيل . والمراد به : ~~المشركون المذكورون في قوله : { إن هؤلاء ليقولون إن هي إلا موتتنا الأولى ~~} ( الدخان : 34 ، 35 ) ، فهذا من الإظهار في مقام الإضمار لقصد الإيماء ~~إلى أن المهم بالشرك مع سبب معاملتهم هذه . PageV25P314 # وتقدم الكلام على شجرة الزقوم في سورة الصافات عند قوله تعالى : { أذلك ~~خير نزلا أم شجرة الزقوم . # والمهل بضم الميم دردي الزيت . والتشبيه به في سواد لونه وقيل في ذوبانه ~~. # والحميم } : الماء الشديد الحرارة الذي انتهى غليانه ، وتقدم عند قوله ~~تعالى : { لهم شراب من حميم في سورة الأنعام . ووجه الشبه هو هيئة غليانه . # وقرأ الجمهور تغلي } بالتاء الفوقية على أن الضمير ل { شجرة الزقوم } . ~~وإسناد الغليان إلى الشجرة مجاز وإنما الذي يغلي ثمرها . وقرأه ابن كثير ~~وحفص بالتحتية على رجوع الضمير إلى الطعام لا إلى المهل . # والغليان : شدة تأثر الشيء بحرارة النار يقال : غلي الماء وغلت القدر ، ~~قال النابغة : # يسير بها النعمان تغلي قدوره # وجملة { خذوه } الخ مقول لقول محذوف دل عليه السياق ، أي يقال لملائكة ~~العذاب : خذوه ، والضمير المفرد عائد إلى الأثيم باعتبار آحاد جنسه . # والعتل : القود بعنف وهو أن يؤخذ بتلبيب أحد فيقاد إلى سجن أو عذاب ، ~~وماضيه جاء بضم العين وكسرها . # وقرأه بالضم نافع وابن كثير وابن عامر . وقرأه الباقون بكسر التاء . # وسواء الشيء : وسطه وهو أشد ms7598 المكان حرارة . # وقوله : { إلى سواء الجحيم } يتنازعه في التعلق كل من فعلي { خذوه ~~فاعتلوه } لتضمنهما : سوقوه سوقا عنيفا . # و { ثم } للتراخي الرتبي لأن صب الحميم على رأسه أشد عليه من أخذه وعتله ~~. # والصب : إفراغ الشيء المظروف من الظرف وفعل الصب لا يتعدى إلى العذاب لأن ~~العذاب أمر معنوي لا يصب . فالصب مستعار للتقوية والإسراع فهو تمثيلية ~~PageV25P315 اقتضاها ترويع الأثيم حين سمعها ، فلما كان المحكي هنا القول ~~الذي يسمعه الأثيم صيغ بطريقة التمثيلية تهويلا ، بخلاف قوله : { يصب من ~~فوق رءوسهم الحميم } ( الحج : 19 ) الذي هو إخبار عنهم في زمن هم غير ~~سامعيه فلم يؤت بمثل هذه الاستعارة إذ لا مقتضى لها . # وجملة { ذق إنك أنت العزيز الكريم } مقول قول آخر محذوف تقديره : قولوا ~~له أو يقال له . # والذوق مستعار للإحساس وصيغة الأمر مستعملة في الإهانة . # وقوله : { إنك أنت العزيز الكريم } خبر مستعمل في التهكم بعلاقة الضدية . ~~والمقصود عكس مدلوله ، أي أنت الذليل المهان ، والتأكيد للمعنى التهكمي . ~~وقرأه الجمهور بكسر همزة { إنك } . وقرأه الكسائي بفتحها على تقدير لام ~~التعليل وضمير المخاطب المنفصل في قوله : { أنت } تأكيد للضمير المتصل في { ~~إنك } ولا يؤكد ضمير النصب المتصل إلا بضمير رفع منفصل . # وجملة { إن هذا ما كنتم به تمترون } بقية القول المحذوف ، أي ويقال ~~للآثمين جميعا : إن هذا ما كنتم به تمترون في الدنيا . والخبر مستعمل في ~~التنديم والتوبيخ واسم الإشارة مشار به إلى الحالة الحاضرة لديهم ، أي هذا ~~العذاب والجزاء هو ما كنتم تكذبون به في الدنيا . # والامتراء : الشك ، وأطلق الامتراء على جزيتهم بنفي يقينهم بانتفاء البعث ~~لأن يقينهم لما كان خليا عن دلائل العلم كان بمنزلة الشك ، أي أن البعث هو ~~بحيث لا ينبغي أن يوقن بنفيه على نحو ما قرر في قوله تعالى : { ذلك الكتاب ~~لا ريب فيه } ( البقرة : 2 ) . # ( 51 53 ) # استئناف ابتدائي انتقل به الكلام من وصف عذاب الأثيم إلى وصف نعيم ~~المتقين لمناسبة التضاد على عادة القرآن في تعقيب الوعيد بالوعد والعكس . ~~PageV25P316 # والمقام بضم الميم : مكان الإقامة . والمقام بفتح ms7599 الميم : مكان القيام ~~ويتناول المسكن وما يتبعه . وقرأه نافع وابن عامر وأبو جعفر بضم الميم . ~~وقرأه الباقون بفتح الميم . # والمراد بالمقام المكان فهو مجاز بعلاقة الخصوص والعموم . # والأمين بمعنى الآمن والمراد : الآمن ساكنه ، فوصفه ب { أمين } مجاز عقلي ~~كما قال تعالى : { وهذا البلد الأمين } ( التين : 3 ) . والأمن أكبر شروط ~~حسن المكان لأن الساكن أول ما يتطلب الأمن وهو السلامة من المكاره والمخاوف ~~فإذا كان آمنا في منزله كان مطمئن البال شاعرا بالنعيم الذي يناله . وأبدل ~~منه بأنهم { في جنات وعيون } وذلك من وسائل النزهة والطيب . وأعيد حرف { في ~~} مع البدل للتأكيد . # والجنات : جمع جنة ، وتقدم في أول البقرة . والعيون : جمع عين ، وتقدم في ~~قوله : { فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا في سورة البقرة ، فهذا نعيم مكانهم . ~~ووصف نعيم أجسادهم بذكر لباسهم وهو لباس الترف والنعيم وفيه كناية عن توفر ~~أسباب نعيم الأجساد لأنه لا يلبس هذا اللباس إلا من استكمل ما قبله من ~~ملائمات الجسد باطنه وظاهره . # والسندس : الديباج الرقيق النفيس ، والأكثر على أنه معرب من الفارسية ~~وقيل عربي . أصله : سندي ، منسوب إلى السند على غير قياس . والسندس يلبس ~~مما يلي الجسد . # والإستبرق : الديباج القوي يلبس فوق الثياب وهو معرب استبره فارسية ، وهو ~~الغليظ مطلقا ثم خص بغليظ الديباج ، ثم عرب . # وتقدما في قوله يلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق في سورة الكهف فارجع ~~إليه . ومن } لبيان الجنس ، والمبين محذوف دل عليه { يلبسون } . والتقدير : ~~ثيابا من سندس وإستبرق . PageV25P317 # ثم وصف نعيم نفوسهم بعضهم مع بعض في مجالسهم ومحادثاتهم بقوله : { ~~متقابلين } لأن الحديث مع الأصحاب والأحبة نعيم للنفس فأغنى قوله : { ~~متقابلين } عن ذكر اجتماعهم وتحابهم وحديث بعضهم مع بعض وأن ذلك شأنهم ~~أجمعين بأن ذكر ما يستلزم ذلك وهو صيغة متقابلين ومادته على وجه الإيجاز ~~البديع . # ( 54 57 ) { } # . # اعتراض وقد تقدم بيان معناه عن قوله تعالى : { كذلك وقد أحطنا بما لديه ~~خبرا } في سورة الكهف . وتقدم نظيره آنفا في هذه السورة . # . # معنى { زوجناهم } جعلناهم أزواجا جمع زوج ضد الفرد ، أي جعلنا كل ms7600 فرد من ~~المتقين زوجا بسبب نساء حور العيون . # والزوج هنا كناية عن القرين ، أي قرنا بكل واحد نساء حورا عينا ، وليس ~~فعل { زوجناهم } هنا مشتقا من الزوج الشائعع إطلاقه على امرأة الرجل وعلى ~~رجل المرأة لأن ذلك الفعل يتعدى بنفسه يقال : زوجه ابنته وتزوج بنت فلان ، ~~قال تعالى : { زوجناكها } ( الأحزاب : 37 ) ، وليس ذلك بمراد هنا إذ لا ~~طائل تحته ، إذ ليس في الجنة عقود نكاح ، وإنما المراد أنهم مأنوسون بصحبة ~~حبائب من النساء كما أنسوا بصحبة الأصحاب والأحبة من الرجال استكمالا ~~لمتعارف الأنس بين الناس . وفي كلا الأنسين نعيم نفساني منجر للنفس من ~~النعيم الجثماني ، وهذا معنى سام من معاني الانبساط الروحي وإنما أفسد بعضه ~~في الدنيا ما يخالط بعضه من أحوال تجر إلى فساد منهي عنه مثل ارتكاب المحرم ~~شرعا ومثل الاعتداء على المرأة قسرا ، PageV25P318 ومن مصطلحات متكلفة ، ~~وقد سمى الله سكونا فقال : { ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا ~~لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة } ( الروم : 21 ) . # والحور : جمع الحوراء ، وهي البيضاء ، أي بنساء بضيضات الجلد . # والعين : جمع العيناء ، وهي واسعة العين ، وتقدم في سورة الصافات . وشمل ~~الحور العين النساء اللاء كن أزواجهن في الدنيا ، ونساء يخلقهن الله لأجل ~~الجنة قال تعالى : { إنا أنشأناهن إنشاء } ( الواقعة : 35 ) وقال تعالى : { ~~هم وأزواجهم في ظلال } ( يس : 56 ) . # ومعنى { يدعون فيها بكل فاكهة } أي هم يأمرون بأن تحضر لهم الفاكهة ، أي ~~فيجابون . # والدعاء نوع من الأمر أي يأذنون بكل فاكهة ، أي بإحضار كل فاكهة . و { كل ~~} هنا مستعملة في الكثرة الشديدة لكل واحد منهم ويجوز أن تكون بمعنى ~~الإحاطة ، أي بكل صنف من أصناف الفاكهة . # والفاكهة : ما يتفكه به ، أي يتلذذ بطعمه من الثمار ونحوها . # وجملة { يدعون } حال من { المتقين } ( الدخان : 51 ) ، و { آمنين } حال ~~من ضمير { يدعون } . والمراد هنا أمن خاص غير الذي في قوله : { في مقامم ~~أمين } ( الدخان : 51 ) وهو الأمن من الغوائل والآلام من تلك الفواكه على ~~خلاف حال الإكثار من الطعام في الدنيا كقوله في خمر ms7601 الجنة { لا فيها غول ~~ولا هم عنها ينزفون } ( الصافات : 47 ) ، أو آمنين من نفاد ذلك وانقطاعه . # وجملة { لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى } حال أخرى . وهذه بشارة ~~بخلود النعمة لأن الموت يقطع ما كان في الحياة من النعيم لأصحاب النعيم كما ~~كان الإعلام بأن أهل الشرك لا يموتون نذارة بدوام العذاب . # والاستثناء في قوله : { إلا الموتة الأولى } من تأكيد الشيء بما يشبه ضده ~~لزيادة تحقيق انتفاء ذوق الموت عن أجل الجنة فكأنه قيل لا يذوقون الموت ~~البتة وقرينة ذلك وصفها ب { الأولى } . والمراد ب { الأولى } السالفة ، كما ~~تقدم آنفا في قوله : { إن هي إلا موتتنا الأولى } ( الدخان : 35 ) . ~~PageV25P319 # . # عطف على { وزوجناهم بحور عين } وهذا تذكير بنعمة السلامة مما ارتبك فيه ~~غيرهم . وذلك مما يحمد الله عليه كما ورد أن من آداب من يرى غيره في شدة أو ~~بأس أن يقول : الحمد لله الذي عافاني مما هو فيه . وضمير { وقاهم } عائد ~~إلى ضمير المتكلم في { وزوجناهم } على طريقة الالتفات . # و { فضلا } حال من المذكورات . والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم # وذكر الرب إظهار في مقام الإضمار ومقتضى الظاهر أن يقال : فضلا منه أو ~~منا . ونكتة هذا الإظهار تشريف مقام النبي صلى الله عليه وسلم والإيماء إلى ~~أن ذلك إكرام له لإيمانهم به . # وجملة { ذلك هو الفوز العظيم } تذييل ، والإشارة في { ذلك هو الفوز ~~العظيم } لتعظيم الفضل ببعد المرتبة . وأتي بضمير الفصل لتخصيص الفوز ~~بالفضل المشار إليه وهو قصر لإفادة معنى الكمال كأنه لا فوز غيره . # ( 58 ، 59 ) # الفاء للتفريع إشارة إلى أن ما بعدها متفرع عما قبلها حيث كان المذكور ~~بعد الفاء فذلكة للسورة ، أي إجمال لأغراضها بعد تفصيلها فيما مضى إحضارا ~~لتلك الأغراض وضبطا لترتب علتها . # وضمير { يسرناه } عائد إلى الكتاب المفهوم من المقام والمذكور في قوله ~~PageV25P320 { والكتاب المبين إنا أنزلناه في ليلة مباركة } ( الدخان : 2 ، ~~3 ) الخ ، والذي كان جل غرض السورة في إثبات إنزاله من الله كما أشار إليه ~~افتتاحها بالحروف المقطعة ، وقوله : { والكتاب المبين ، فهذا التفريع ms7602 مرتبط ~~بذلك الافتتاح وهو من رد العجز على الصدر . فهذا التفريع تفريع لمعنى الحصر ~~الذي في قوله : فإنما يسرناه بلسانك } لبيان الحكمة في إنزال القرآن ~~باللسان العربي فيكون تفريعا على ما تقدم في السورة وما تخلله وتبعه من ~~المواعظ . # ويجوز أن يكون المفرع قوله : { لعلهم يتذكرون } . وقدم عليه ما هو توطئة ~~له اهتماما بالمقدم وتقدير النظم فلعلهم يتذكرون بهذا لما يسرناه لهم ~~بلسانهم . # والقصر المستفاد من ( إنما ) قصر قلب وهو رد على المشركين إذ قد سهل لهم ~~طريق فهمه بفصاحته وبلاغته فقابلوه بالشك والهزء كما قصه الله في أول ~~السورة بقوله : { بل هم في شكك يلعبون } ( الدخان : 9 ) أي إنا جعلنا فهمه ~~يسيرا بسبب اللغة العربية الفصحى وهي لغتهم إلا ليتذكروا فلم يتذكروا . ~~فمفعول { يسرناه } مضاف مقدر دل عليه السياق تقديره : فهمه . # والباء في { بلسانك } للسببية ، أي بسبب لغتك ، أي العربية وفي إضافة ~~اللسان إلى ضمير النبي صلى الله عليه وسلم عناية بجانبه وتعظيم له ، وإلا ~~فاللسان لسان العرب كما قال تعالى : { وما أرسلنا من رسولل إلا بلسان قومه ~~} ( إبراهيم : 4 ) . # وإطلاق اللسان وهو اسم الجارحة المعروفة في الفم على اللغة مجاز شائع لأن ~~أهم ما يستعمل فيه اللسان الكلام قال تعالى : { بلسانن عربي مبين } ( ~~الشعراء : 195 ) . # وأفصح قوله { لعلهم يتذكرون } عن الأمر بالتذكير بالقرآن . والتقدير : ~~فذكرهم به ولا تسأم لعنادهم فيه ودم على ذلك حتى يحصل التذكر ، فالتيسير ~~هنا تسهيل الفهم ، وتقدم عند قوله تعالى : { فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به ~~المتقين الخ في سورة مريم . # و ( لعل ) مستعملة في التعليل ، أي لأجل أن يتذكروا به ، وهذا كقوله : ~~وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا لتنذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين } ( الأحقاف ~~: 12 ) . PageV25P321 # وفي هذا الكلام الموجز إخبار بتيسير القرآن للفهم لأن الغرض منه التذكر ، ~~قال تعالى : { ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر } ( القمر : 17 ) ، ~~وبأن سبب ذلك التيسير كونه بأفصح اللغات وكونه على لسان أفضل الرسل صلى ~~الله عليه وسلم فلذلك كان تسببه في حصول تذكرهم تسببا قريبا لو لم يكونوا ms7603 ~~في شك يلعبون . وباعتبار هذه المعاني المتوافرة حسن أن يفرع على هذه الجملة ~~تأييد النبي صلى الله عليه وسلم وتهديد معانديه بقوله : { فارتقب إنهم ~~مرتقبون } أي فارتقب النصر الذي سألته بأن تعان عليهم بسنين كسنين يوسف ~~فإنهم مرتقبون ذلك وأشد منه وهو البطشة الكبرى . # وإطلاق الارتقاب على حال المعاندين استعارة تهكمية لأن المعنى أنهم لاقون ~~ذلك لا محالة وقد حسنها اعتبار المشاكلة بين ( ارتقب ) و { مرتقبون } . # وجملة { إنهم مرتقبون } تعليل للأمر في قوله { فارتقب } أي ارتقب النصر ~~بأنهم لاقوا العذاب بالقحط وقد أغنت ( إن ) التسبب والتعليل . # وفي هذه الخاتمة رد العجز على الصدر إذ كان صدر السورة فيه ذكر إنزال ~~الكتاب المبين وأنه رحمة من الله بواسطة رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ~~وكان في صدرها الإنذار بارتقاب يوم تأتي السماء بدخان مبين وذكر البطشة ~~الكبرى . فكانت خاتمة هذه السورة خاتمة عزيزة المنال اشتملت على حسن براعة ~~المقطع وبديع الإيجاز . # PageV25P322 # | 1 ( سورة الجاثية ) 1 # سميت هذه السورة في كثير من المصاحف العتيقة بتونس وكتب التفسير وفي ( ~~صحيح البخاري ) سورة الجاثية معرفا باللام . # وتسمى حم الجاثية لوقوع لفظ { جاثية } ( الجاثية : 28 ) فيها ولم يقع في ~~موضع آخر من القرآن ، واقتران لفظ الجاثية بلام التعريف في اسم السورة مع ~~أن اللفظ المذكور فيها خلي عن لام التعريف لقصد تحسين الإضافة ، والتقدير : ~~سورة هذه الكلمة ، أي السورة التي تذكر فيها هذه الكلمة ، وليس لهذا ~~التعريف فائدة غير هذه . وذلك تسمية حم غافر ، وحم الزخرف . # وتسمى سورة شريعة لوقوع لفظ { شريعة } ( الجاثية : 18 ) فيها ولم يقع في ~~موضع آخر من القرآن . وتسمى سورة الدهر لوقوع { ما يهلكنا إلا الدهر } ( ~~الجاثية : 24 ) فيها ولم يقع لفظ الدهر في ذوات حم الأخر . # وهي مكية قال ابن عطية : بلا خلاف ، وفي ( القرطبي ) عن ابن عباس وقتادة ~~استثناء قوله تعالى : { قل للذين آمنوا يغفروا } إلى { بما كانوا يكسبون } ~~( الجاثية : 14 ) نزلت بالمدينة . وعن ابن عباس أنها نزلت عن عمر بن الخطاب ~~شتمه رجل من المشركين بمكة فأراد أن ms7604 يبطش به فنزلت . # وهي السورة الرابعة والستون في ترتيب نزول السور عند جابر بن زيد ، نزلت ~~بعد سورة الدخان وقبل الأحقاف . PageV25P323 وعدد آيها في عد المدينة ومكة ~~والشام والبصرة ست وثلاثون . وفي عد الكوفة سبع وثلاثون لاختلافهم في عد ~~لفظ { حم } آية مستقلة . # $ 2 ( { حم & # 1764 * تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم * إن فى السماوات والارض ~~لايات للمؤمنين * وفى خلقكم وما يبث من دآبة ءايات لقوم يوقنون * واختلاف ~~اليل والنهار ومآ أنزل الله من السمآء من رزق فأحيا به الارض بعد موتها ~~وتصريف الرياح ءايات لقوم يعقلون * تلك ءايات الله نتلوها عليك بالحق فبأى ~~حديث بعد الله وءاياته يؤمنون * ويل لكل أفاك أثيم * يسمع ءايات الله تتلى ~~عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم * وإذا علم من ءاياتنا ~~شيئا اتخذها هزوا أولائك لهم عذاب مهين * من ورآئهم جهنم ولا يغنى عنهم ما ~~كسبوا شيئا ولا ما اتخذوا من دون الله أوليآء ولهم عذاب عظيم * هاذا هدى ~~والذين كفروا بئايات ربهم لهم عذاب من رجز أليم * الله الذى سخر لكم البحر ~~لتجرى الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون * وسخر لكم ما فى ~~السماوات وما فى الارض جميعا منه إن فى ذلك لايات لقوم يتفكرون * قل للذين ~~ءامنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ليجزى قوما بما كانوا يكسبون * من ~~عمل صالحا فلنفسه ومن أسآء فعليها ثم إلى ربكم ترجعون * ولقد ءاتينا بنى & # 1764 إسراءيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على ~~العالمين * وءاتيناهم بينات من الامر فما اختلفو & # 1764 ا إلا من بعد ما جآءهم العلم بغيا بينهم إن ربك يقضى بينهم يوم ~~القيامة فيما كانوا فيه يختلفون * ثم جعلناك على شريعة من الامر فاتبعها ~~ولا تتبع أهوآء الذين لا يعلمون * إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن ~~الظالمين بعضهم أوليآء بعض والله ولى المتقين * هاذا بصائر للناس وهدى ~~ورحمة لقوم يوقنون * أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين ءامنوا ~~وعملوا الصالحات سوآء ms7605 محياهم ومماتهم سآء ما يحكمون * وخلق الله السماوات ~~والارض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون * أفرأيت من اتخذ إلاهه ~~هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن ~~يهديه من بعد الله أفلا تذكرون * وقالوا ما هى إلا حياتنا الدنيا نموت ~~ونحيا وما يهلكنآ إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون * وإذا ~~تتلى عليهم ءاياتنا بينات ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بئابآئنآ إن ~~كنتم صادقين * قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب ~~فيه ولاكن أكثر الناس لا يعلمون * ولله ملك السماوات والارض ويوم تقوم ~~الساعة يومئذ يخسر المبطلون * وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها ~~اليوم تجزون ما كنتم تعملون * هاذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ~~ما كنتم تعملون * فأما الذين ءامنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم فى رحمته ~~ذلك هو الفوز المبين * وأما الذين كفرو & # 1764 ا أفلم تكن ءاياتى تتلى عليكم فاستكبرتم وكنتم قوما مجرمين * وإذا ~~قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ما ندرى ما الساعة إن نظن إلا ~~ظنا وما نحن بمستيقنين * وبدا لهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به ~~يستهزءون * وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقآء يومكم هاذا ومأواكم النار وما ~~لكم من ناصرين * ذلكم بأنكم اتخذتم ءايات الله هزوا وغرتكم الحيواة الدنيا ~~فاليوم لا يخرجون منها ولا هم يستعتبون * فلله الحمد رب السماوات ورب الارض ~~رب العالمين * وله الكبريآء فى السماوات والارض وهو العزيز الحكيم } ) 2 $ ~~أغراضها # الابتداء بالتحدي بإعجاز القرآن وأنه جاء بالحق توطئة لما سيذكر بأنه حق ~~كما اقتضاه قوله { تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق } ( الجاثية : 6 ) . ~~وإثبات انفراد الله تعالى بالإلاهية بدلائل ما في السماوات والأرض من آثار ~~خلقه وقدرته في جواهر الموجودات وأعراضها وإدماج ما فيها مع ذلك من نعم يحق ~~على الناس شكرها لا كفرها . ووعيد الذين كذبوا على الله والتزموا ms7606 الآثام ~~بالإصرار على الكفر والإعراض عن النظر في آيات القرآن والاستهزاء بها . ~~والتنديد على المشركين إذ اتخذوا آلهة على حسب أهوائهم وإذ جحدوا البعث ، ~~وتهديدهم بالخسران يوم البعث ، ووصف أهوال ذلك ، وما أعد فيه من العذاب ~~للمشركين ومن رحمة للمؤمنين . ودعاء المسلمين للإعراض عن إساءة الكفار لهم ~~والوعد بأن الله سيخزي المشركين . # ووصف بعض أحوال يوم الجزاء . ونظر الذين أهملوا النظر في آيات الله مع ~~تبيانها وخالفوا على رسولهم صلى الله عليه وسلم فيما فيه صلاحهم بحال بني ~~إسرائيل في اختلافهم في كتابهم بعد أن جاءهم العلم وبعد أن اتبعوه فما ظنك ~~بمن خالف آيات الله من أول وهلة تحذيرا لهم من أن يقعوا فيما وقع فيه بنو ~~إسرائيل من تسليط الأمم عليهم وذلك تحذير بليغ . وذلك تثبيت للرسول صلى ~~الله عليه وسلم بأن شأن شرعه مع قومه كشأن شريعة موسى لا تسلم من مخالف ، ~~وأن ذلك لا يقدح فيها ولا في الذي جاء بها ، وأن لا يعبأ بالمعاندين ولا ~~بكثرتهم إذ لا وزن لهم عند الله . PageV25P324 # تقدم القول في نظائره ، وهذه جملة مستقلة . # استئناف ابتدائي وهو جملة مركبة من مبتدأ وخبر . { الكتاب } هو المعهود ~~وهو ما نزل من القرآن إلى تلك الساعة . # والمقصود : إثبات أن القرآن موحى به من الله إلى رسوله صلى الله عليه ~~وسلم فكان مقتضى الظاهر أن يجعل القرآن مسندا إليه ويخبر عنه فيقال القرآن ~~منزل من الله العزيز الحكيم لأن كونه منزلا من الله هو محل الجدال فيقتضي ~~أن يكون هو الخبر ولو أذعنوا لكونه تنزيلا لما كان منهم نزاع في أن تنزيله ~~من الله ولكن خولف مقتضى الظاهر لغرضين : # أحدهما : التشويق إلى تلقي الخبر لأنهم إذا سمعوا الابتداء بتنزيل الكتاب ~~استشرفوا إلى ما سيخبر عنه ؛ فأما الكافرون فيترقبون أنه سيلقى إليهم وصف ~~جديد لأحوال تنزيل الكتاب فيتهيأون لخوض جديد من جدالهم وعنادهم ، ~~والمؤمنون يترقبون لما يزيدهم يقينا بهذا التنزيل . # والغرض الثاني : أن يدعى أن كون القرآن تنزيلا أمر لا يختلف فيه فالذين ~~خالفوا فيه ms7607 كأنهم خالفوا في كونه منزلا من عند الله وهل يكون التنزيل إلا ~~من عند الله فيؤول إلى تأكيد الإخبار بأنه منزل من عند الله إذ لا فرق بين ~~مدلول كونه تنزيلا وكونه من عند الله إلا باختلاف مفهوم المعنيين دون ما ~~صدقيهما على طريقة قوله : { لا ريب فيه } ( البقرة : 2 ) . # وإيثار وصفي { العزيز الحكيم } بالذكر دون غيرهما من الأسماء الحسنى ~~لإشعار وصف { العزيز } بأن ما نزل منه مناسب لعزته فهو كتاب عزيز كما وصفه ~~تعالى بقوله : { وإنه لكتاب عزيز } ( فصلت : 41 ) ، أي هو غالب لمعانديه ، ~~وذلك لأنه أعجزهم عن معارضته ، ولإشعار وصف { الحكيم } بأن ما نزل ~~PageV25P325 من عنده مناسب لحكمته ، فهو مشتمل على دلائل اليقين والحقيقة ، ~~ففي ذلك إيماء إلى أن إعجازه ، من جانب بلاغته إذ غلبت بلاغة بلغائهم ، ومن ~~جانب معانيه إذ أعجزت حكمته حكمة الحكماء ، وقد تقدم مثيل هذا في طالعة ~~سورة الزمر وقريب منه في طالعة سورة غافر . # ( 3 5 ) # موقع هذا الكلام موقع تفصيل المجمل لما جمعته جملة { تنزيل الكتاب من ~~الله العزيز الحكيم } ( الجاثية : 2 ) باعتبار أن آيات السماوات والأرض وما ~~عطف عليها إنما كانت آيات للمؤمنين الموقنين ، وللذين حصل لهم العلم بسبب ~~ما ذكرهم به القرآن ، ومما يؤيد ذلك قوله تعالى : { تلك آيات الله نتلوها ~~عليك } ( الجاثية : 6 ) . # وأكد ب { إن } وإن كان المخاطبون غير منكريه لتنزيلهم منزلة المنكر لذلك ~~بسبب عدم انتفاعهم بما في هذه الكائنات من دلالة على وحدانية الله تعالى ~~وإلا فقد قال الله تعالى : { ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن ~~خلقهن العزيز العليم في سورة الزخرف . # والخطاب موجه إلى المشركين ولذلك قال : لآيات للمؤمنين } وقال : { آيات ~~لقوم يوقنون } دون أن يقال : لآيات لكم أو آيات لكم ، أي هي آيات لمن ~~يعلمون دلالتها من المؤمنين ومن الذين يوقنون إشارة إلى أن تلك الآيات لا ~~أثر لها في نفوس من هم بخلاف ذلك . والمراد بكون الآيات في السماوات والأرض ~~أن ذات السماوات والأرض وعداد صفاتها دلائل على الوحدانية فجعلت السماوات ~~والأرض ms7608 بمنزلة الظرف لما أودعته PageV25P326 من الآيات لأنها ملازمة لها ~~بأدنى نظر وجعلت الآيات للمؤمنين لأنهم الذين انتفعوا بدلالتها وعلموا منها ~~أن موجدها ومقدر نظامها واحد لا شريك له . # وعطف جملة { وفي خلقكم } الخ على جملة { إن في السماوات والأرض لآيات ~~للمؤمنين } عطف خاص على عام لما في هذا الخاص من التذكير بنعمة إيجاد النوع ~~استدعاء للشكر عليه . # والبث : التوزيع والإكثار وهو يقتضي الخلق والإيجاد فكأنه قيل وفي خلق ~~الله ما يبث من دابة . وتقدم البث في قوله تعالى : { وبث فيها من كل دابة } ~~في سورة البقرة . # وعبر بالمضارع في { يبث } ليفيد تجدد البث وتكرره باعتبار اختلاف أجناس ~~الدواب وأنواعها وأصنافها . والدابة تطلق على كل ما يدب على الأرض غير ~~الإنسان وهذا أصل إطلاقها وقد تطلق على ما يدب بالأرجل دون الطائر كقوله : ~~{ وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه } ( الأنعام : 38 ) . # والرزق أطلق هنا على المطر على طريقة المجاز المرسل لأن المطر سبب وجود ~~الأقوات . والرزق : القوت . وقد ذكر في آية سورة البقرة { وما أنزل الله من ~~السماء من ماء } . وتقدمت نظائر هذه الآية في أواسط سورة البقرة وفي مواضع ~~عدة . # والمراد ب ( المؤمنين ) ، وب ( قوم يوقنون ) ، وب ( قوم يعقلون ) واحد ، ~~وهم المؤمنون بتوحيد الله فحصل لهم اليقين وكانوا يعقلون ، أي يعلمون دلالة ~~الآيات . # والمعنى : أن المؤمنين والذين يوقنون ، أي يعلمون ولا يكابرون ، والذين ~~يعقلون دلالة الآثار على المؤثر ونظروا النظر الصحيح في شواهد السماوات ~~والأرض فعلموا أن لا بد لها من صانع وأنه واحد فأيقن بذلك العاقل منهم الذي ~~كان مترددا ، وازداد إيمانا من كان مؤمنا فصار موقنا . فالمعنى : أن الذين ~~انتفعوا بالآيات هم PageV25P327 المؤمنون العاقلون ، فوزعت هذه الأوصاف على ~~فواصل هذه الآي لأن ذلك أوقع في نفس السامع من إتلاء بعضها لبعض . # وقدم المتصفون بالإيمان لشرفه وجعل خلق الناس والدواب آية للموصوفين ~~بالإيقان لأن دلالة الخلق كائنة في نفس الإنسان وما يحيط به من الدواب ، ~~وجعل اختلاف الليل والنهار واختلاف حوادث الجو آية للذين اتصفوا بالعقل ms7609 لأن ~~دلالتها على الوحدانية بواسطة لوزام مترتبة بإدراك العقل . وقد أومأ ذكر ~~هذه الصفات إلى أن الذين لم يهتدوا بهذه الآيات ليسوا من أصحاب هذه الصفات ~~ولذلك أعقبه بقوله : { فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون } ( الجاثية : 6 ) ~~استفهاما إنكاريا بمعنى النفي . # واعلم أن هذا الكلام وإن كان موجها إلى قوم لا ينكرون وجود الإلاه وإنما ~~يزعمون له شركاء ، وكان مقصودا منه ابتداء إثبات الوحدانية ، فهو أيضا صالح ~~لإقامة الحجة على المعطلين الذين ينفون وجود الصانع المختار وفي العرب فريق ~~منهم . فإن أحوال السماوات كلها متغيرة دالة على تغير ما اتصفت بها ، ~~والتغير دليل الحدوث وهو الحاجة إلى الفاعل المختار الذي يوجدها بعد العدم ~~ثم يعدمها . # وقرأ الجمهور قوله : { آيات لقوم يوقنون } وقوله : { آيات لقوم يعقلون } ~~برفع { آيات } فيهما على أنهما مبتدآن وخبراهما المجروران . وتقدر ( في ) ~~محذوفة في قوله { واختلاف الليل والنهار } لدلالة أختها عليها التي في قوله ~~: { وفي خلقكم } . والعطف في كلتا الجملتين عطف جملة لا عطف مفرد . # وقرأها حمزة والكسائي وخلف { لآيات } في الموضعين بكسرة نائبة عن الفتحة ~~ف { آيات } الأول عطف على اسم { إن } و { في خلقكم } عطف على خبر { إن } ~~فهو عطف على معمولي عامل واحد ولا إشكال في جوازه وأما { آيات لقوم يعقلون ~~} فكذلك ، إلا أنه عطف على معمولي عاملين مختلفين ، أي ليسا مترادفين هما ( ~~إن ) و ( في ) على اعتبار أن الواو عاطفة { آيات } وليست عاطفة جملة { في ~~PageV25P328 خلقكم } الآية ، وهو جائز عند أكثر نحاة الكوفة وممنوع عند ~~أكثر نحاة البصرة ، ولذلك تأول سيبويه هذه القراءة بتقدير ( في ) عند قوله ~~: { واختلاف الليل والنهار } لدلالة أختها عليها وتبقى الواو عاطفة { آيات ~~} على اسم ( إن ) فلا يكون من العطف على معمولي عاملين . # والحق ما ذهب إليه جمهور الكوفيين وهو كثير كثرة تنبو عن التأويل . وجعل ~~ابن الحاجب في ( أماليه ) قراءة الجمهور برفع { آيات } في الموضعين أيضا من ~~العطف على معمولي عاملين لأن الرفع يحتاج إلى عاملل كما أن النصب يحتاج إلى ~~عاملل قال : وأكثر الناس يفرض الإشكال في ms7610 قراءة النصب لكون العامل لفظيا ~~وهما سواء . وقرأ يعقوب { آيات } الثانية فقط بكسر التاء على أنه حال متعدد ~~من اختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق وتصريف الرياح ، ~~والسحاب . # يجوز أن تكون الإشارة وبيانها بآيات الله إشارة إلى الآيات المذكورة في ~~قوله { لآيات للمؤمنين } ( الجاثية : 3 ) وقوله : { آيات لقوم يوقنون } ( ~~الجاثية : 4 ) وقوله : { آيات لقوم يعقلون } ( الجاثية : 5 ) . # وإضافتها إلى اسم الجلالة لأن خالقها على تلك الصفات التي كانت لها آيات ~~للمستنصرين . # وجملة { نتلوها عليك بالحق } في موضع الحال من { آيات الله } والعامل في ~~اسم الإشارة من معنى الفعل على نحو قوله تعالى : { وهذا بعلي شيخا } ( هود ~~: 72 ) . # والتلاوة : القراءة . ومعنى كون الآيات متلوة أن في ألفاظ القرآن المتلوة ~~دلالة عليها فاستعمال فعل ( نتلو ) مجاز عقلي لأن المتلو ما يدل عليها . ~~PageV25P329 # ويجوز أن تكون الإشارة إلى حاضر في الذهن غير مذكور لما دل عليه قوله : { ~~الكتاب } ( الجاثية : 2 ) أي تلك آيات الله المنزلة في القرآن ، فيكون ~~استعمال فعل { نتلوها } في حقيقته . # وإسناد التلاوة إلى الله مجاز عقلي أيضا لأن الله موجد القرآن المتلو ~~الدال على تلك الآيات . # وقوله : { فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون } ، و { بعد } هنا بمعنى ( ~~دون ) . فالمعنى : فبأي حديث دون الله وآياته ، وتقدم قوله تعالى : { ومن ~~يضلل الله فما له من ولي من بعده } في سورة الشورى ، وفي الأعراف { فبأي ~~حديث بعده يؤمنون } . والاستفهام في قوله : { فبأي حديث } مستعمل في ~~التأييس والتعجيب كقول الأعشى : # فمن أي ما تأتي الحوادث أفرق # وإضافة { بعد } إلى اسم الجلالة على تقدير مضاف دل عليه ما تقدم من قوله ~~: { فبأي حديث } ، والتقدير : بعد حديث الله ، أي بعد سماعه ، كقول النابغة ~~: # وقد خفت حتى ما تزيد مخافتي # على وعل في ذي المطارة عاقل # أي على مخافة وعل . # واسم { بعد } مستعمل في حقيقته . # والمراد بالحديث : الكلام ، يعني القرآن كقوله : { الله نزل أحسن الحديث ~~} ( الزمر : 23 ) وكما وقع إضافة حديث إلى ضمير القرآن في قوله في الأعراف ~~{ فبأي حديث بعده يؤمنون } وفي ms7611 آخر المرسلات { فبأي حديث بعده يؤمنون } . # وعطف و { آياته } على { حديث } لأن المراد بها الآيات غير القرآن من ~~دلائل السموات والأرض مما تقدم في قوله : { إن في السماوات والأرض لآيات ~~للمؤمنين } ( الجاثية : 3 ) . PageV25P330 # وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وحفص وأبو جعفر وروح عن يعقوب { يؤمنون } ~~بالتحتية . وقرأه ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر ورويس عن يعقوب بالتاء ~~الفوقية فهو التفات . # ( 7 10 ) # . # أعقب ذكر المؤمنين الموقنين العاقلين المنتفعين بدلالة آيات الله وما ~~يفيده مفهوم تلك الصفات التي أجريت عليهم من تعريض بالذين لم ينتفعوا بها ، ~~بصريح ذكر أولئك الذين لم يؤمنوا ولم يعقلوها كما وصف لذلك قوله : { فبأي ~~حديث بعد الله وآياته يؤمنون } ( الجاثية : 6 ) . # وافتتح ذكره بالويل له تعجيلا لإنذاره وتهديده قبل ذكر حاله . و ( ويل له ~~) كلمة دعاء بالشكر وأصل الويل الشر وحلوله . # و ( الأفاك ) القوي الإفك ، أي الكذب . والأثيم مبالغة أو صفة مشبهة وهو ~~يدل على المبالغ في اقتراف الآثام ، أي الخطايا . وفسره الفيروزآبادي في ( ~~القاموس ) بالكذاب وهو تسامح وإنما الكذب جزئي من جزئيات الأثيم . # وجعلت حالته أنه يسمع آيات الله ثم يصر مستكبرا لأن تلك الحالة وهي حالة ~~تكرر سماعه آيات الله وتكرر إصراره مستكبرا عنها تحمله على تكرير تكذيب ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وتكرير الإثم ، فلا جرم أن يكون أفاكا أثيما بله ~~ما تلبس به من الشرك الذي كله كذب وإثم . # والمراد ب { كل أفاك أثيم } جميع المشركين الذين كذبوا دعوة الرسول صلى ~~الله عليه وسلم وعاندوا في معجزة القرآن وقالوا { لن نؤمن بهذا القرآن ولا ~~بالذي بين يديه } ( سبإ : 31 ) PageV25P331 وبخاصة زعماء أهل الشرك وأيمة ~~الكفر مثل النضر بنن الحارث ، وأبي جهل وقرنائهم . و { آيات الله } أي ~~القرآن فإنها المتلوة . و { ثم } للتراخي الرتبي لأن ذلك الإصرار بعد سماع ~~مثل تلك الآيات أعظم وأعجب ، فهو يصر عند سماع آيات الله وليس إصراره ~~متأخرا عن سماع الآيات . # والإصرار : ملازمة الشيء وعدم الانفكاك عنه ، وحذف متعلق { يصر } لدلالة ~~المقام عليه ، أي يصرون على كفرهم ms7612 كما دل على ذلك قوله : { فبأي حديث بعد ~~الله وآياته يؤمنون } ( الجاثية : 6 ) . # وشبه حالهم في عدم انتفاعهم بالآيات بحالهم في انتفاء سماع الآيات ، وهذا ~~التشبيه كناية عن وضوح دلالة آيات القرآن بحيث أن من يسمعها يصدق بما دلت ~~عليه فلولا إصرارهم واستكبارهم لانتفعوا بها . # و { كأن } أصلها ( كأن ) المشددة فخففت فقدر اسمها وهو ضمير الشأن . وفرع ~~على حالتهم هذه إنذارهم بالعذاب الأليم وأطلق على الإنذار اسم البشارة التي ~~هي الإخبار بما يسر على طريقة التهكم . # والمراد بالعلم في قوله : { وإذا علم من آياتنا شيئا } السمع ، أي إذا ~~ألقى سمعه إلى شيء من القرآن اتخذه هزؤا ، أي لا يتلقى شيئا من القرآن إلا ~~ليجعله ذريعة للهزء به ، ففعل { علم } هنا متعد إلى واحد لأنه بمعنى عرف . # وضمير التأنيث في { اتخذها } عائد إلى { آياتنا } ، أي اتخذ الآيات هزؤا ~~لأنه يستهزىء بما علمه منها وبغيره ، فهو إذا علم شيئا منها استهزأ بما ~~علمه وبغيره . # ومعنى اتخاذهم الآيات هزؤا : أنهم يلوكونها بأفواههم لوك المستهزىء ~~بالكلام ، وإلا فإن مطلق الاستهزاء بالآيات لا يتوقف على العلم بشيء منها . ~~ومن الاستهزاء ببعض الآيات تحريفها على مواضعها وتحميلها غير المراد منها ~~عمدا للاستهزاء ، كقول أبي جهل لما سمع { إن شجرة الزقوم طعام الأثيم } ( ~~الدخان : 43 ، 44 ) تجاهل بإظهار أن الزقوم اسم PageV25P332 لمجموع الزبد ~~والتمر فقال : ( زقمونا ) ، وقوله : لما سمع قوله تعالى : { عليها تسعة عشر ~~} ( المدثر : 30 ) : أنا ألقاهم وحدي . # . # جيء باسم الإشارة للتنبيه على أن ما ذكر من الأوصاف من قوله تعالى : { ~~لكل أفاك أثيم } إلى قوله { هزؤا } على أن المشار إليهم أحرياء به لأجلل ما ~~قبل اسم الإشارة من الأوصاف . # وجملة { من ورائهم } بيان لجملة { لهم عذاب مهين } . وفي قوله : { من ~~ورائهم } تحقيق لحصول العذاب وكونه قريبا منهم وأنهم غافلون عن اقترابه ~~كغفلة المرء عن عدو يتبعه من ورائه ليأخذه فإذا نظر إلى أمامه حسب نفسه ~~آمنا . ففي الوراء استعارة تمثيلية للاقتراب والغفلة ، ومنه قوله تعالى : { ~~وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا } ( الكهف : 79 ) ، وقول ms7613 لبيد : # أليس ورائي إن تراخت منيتي # لزوم العصا تحنى عليها الأصابع # ومن فسر وراء بقدام ، فما رعى حق الكلام . # وعطف جملة { ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا } على جملة { من ورائهم جهنم } ~~لأن ذلك من جملة العذاب المهين فإن فقدان الفداء وفقدان الولي مما يزيد ~~العذاب شدة ويكسب المعاقب إهانة . ومعنى الإغناء في قوله : { ولا يغني عنهم ~~} الكفاية والنفع ، أي لا ينفعهم . # وعدي بحرف ( عن ) لتضمينه معنى يدفع فكأنه عبر بفعلين لا يغنيهم وبالدفع ~~PageV25P333 عنهم ، وتقدم في قوله : { لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من ~~الله شيئا } في سورة آل عمران . # و { ما كسبوا } : أموالهم . و { شيئا } منصوب على المفعولية المطلقة ، أي ~~شيئا من الإغناء لأن { شيئا } من أسماء الأجناسس العالية فهو مفسر بما وقع ~~قبله أو بعده ، وتنكيره للتقليل ، أي لا يدفع عنهم ولو قليلا من جهنم ، أي ~~عذابها . # { ولا ما اتخذوا } عطف على { ما كسبوا } وأعيد حرف النفي للتأكيد ، و { ~~أولياء } مفعول ثان ل { اتخذوا } . وحذف مفعوله الأول وهو ضميرهم لوقوعه في ~~حيز الصلة فإن حذف مثله في الصلة كثير . # وأردف { عذاب مهين } بعطف { ولهم عذاب عظيم } لإفادة أن لهم عذابا غير ~~ذلك وهو عذاب الدنيا بالقتل والأسر ، فالعذاب الذي في قوله : { ولهم عذاب ~~عظيم } غير العذاب الذي في قوله : { أولئك لهم عذاب مهين } . # جملة { هذا هدى } استئناف ابتدائي انتقل به من وصف القرآن في ذاته بأنه ~~منزل من الله وأنه من آيات الله إلى وصفه بأفضل صفاته بأنه هدى ، فالإشارة ~~بقوله : { هذا } إلى القرآن الذي هو في حال النزول والتلاوة فهو كالشيء ~~المشاهد ، ولأنه قد سبق من أوصافه من قوله : { تنزيل الكتاب من الله العزيز ~~الحكيم } ( الجاثية : 2 ) وقوله : { تلك آيات الله } ( الجاثية : 6 ) إلى ~~آخره ما صيره متميزا شخصا بحسن الإشارة إليه . ووصف القرآن بأنه { هدى } من ~~الوصف بالمصدر للمبالغة ، أي : هاد للناس ، فمن آمن فقد اهتدى ومن كفر به ~~فله عذاب لأنه حرم نفسه من الهدى فكان في الضلال وارتبق في المفاسد والآثام ~~. PageV25P334 # فجملة { والذين ms7614 كفروا } عطف على جملة { هذا هدى } والمناسبة أن القرآن من ~~جملة آيات الله وأنه مذكر بها ، فالذين كفروا بآيات الله كفروا بالقرآن في ~~عموم الآيات ، وهذا واقع موقع التذييل لما تقدمه ابتداء من قوله : { ويل ~~لكل أفاك أثيم } ( الجاثية : 7 ) . وجيء بالموصول وصلته لما تشعر به الصلة ~~من أنهم حقيقون بالعقاب . # واستحضروا في هذا المقام بعنوان الكفر دون عنواني الإصرار والاستكبار ~~اللذين استحضروا بهما في قوله : { ثم يصر مستكبرا } ( الجاثية : 8 ) لأن ~~الغرض هنا النعي عليهم إهمالهم الانتفاع بالقرآن وهو النعمة العظمى التي ~~جاءتهم من الله فقابلوها بالكفران عوضا عن الشكر ، كما جاء في قوله تعالى : ~~{ وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون } ( الواقعة : 82 ) . # والرجز : أشد العذاب ، قال تعالى : { فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من ~~السماء بما كانوا يفسقون } ( البقرة : 59 ) . ويجوز أن يكون حرف { من } ~~للبيان فالعذاب هو الرجز ويجوز أن يكون للتبعيض ، أي عذاب مما يسمى بالرجز ~~وهو أشده . # و { أليم } يجوز أن يكون وصفا ل { عذاب } فيكون مرفوعا وكذلك قرأه ~~الجمهور . ويجوز أن يكون وصفا ل { رجز } فيكون مجرورا كما قرأه ابن كثير ~~وحفص عن عاصم . # استئناف ابتدائي للانتقال من التذكير بما خلق الله من العوالم وتصاريف ~~أحوالها من حيث إنها دلالات على الوحدانية ، إلى التذكير بما سخر الله ~~للناس من المخلوقات وتصاريفها من حيث كانت منافع للناس تقتضي أن يشكروا ~~مقدرها PageV25P335 فجحدوا بها إذ توجهوا بالعبادة إلى غير المنعم عليهم ، ~~ولذلك علق بفعلي { سخر } في الموضعين مجرور بلام العلة بقوله : { لكم } ؛ ~~على أن هذه التصاريف آيات أيضا مثل اختلاف الليل والنهار ، وما أنزل الله ~~من السماء من ماء ، وتصريف الرياح ، ولكن لوحظ هنا ما فيها من النعم كما ~~لوحظ هنالك ما فيها من الدلالة ، والفطن يستخلص من المقامين كلا الأمرين ~~على ما يشبه الاحتباك . ومناسبة هذا الانتقال واضحة . # واسم الجلالة مسند إليه والموصول مسند ، وتعريف الجزأين مفيد الحصر وهو ~~قصر قلب بتنزيل المشركين منزلة من يحسب أن تسخير البحر وتسخير ما في ~~السماوات والأرض إنعام من شركائهم كقوله ms7615 تعالى : { هل من شركائكم من يفعل ~~من ذلكم من شيء } ( الروم : 40 ) ، فكان هذا القصر إبطالا لهذا الزعم الذي ~~اقتضاه هذا التنزيل . # وقوله : { لتجري الفلك فيه } بدل اشتمال من { لكم } لأن في قوله : { لكم ~~} إجمالا أريد تفصيله . فتعريف { الفلك } تعريف الجنس ، وليس جري الفلك في ~~البحر بنعمة على الناس إلا باعتبار أنهما يجرونهما للسفر في البحر فلا حاجة ~~إلى جعل الألف واللام عوضا عن المضاف إليه من باب { فإن الجنة هي المأوى } ~~( النازعات : 41 ) . # وعطف عليه { ولتبتغوا من فضله } باعتبار ما فيه من عموم الاشتمال ، فحصل ~~من مجموع ذلك أن تسخير البحر لجري الفلك فيه للسفر لقضاء مختلف الحاجات حتى ~~التنزه وزيارة الأهل . # وعطف { ولعلكم تشكرون } على قوله : { لتجري الفلك فيه } لا باعتبار ما ~~اشتمل عليه إجمالا ، بل باعتبار لفظه في التعليق بفعله . وهذا مناط سوق هذا ~~الكلام ، أي لعلكم تشكرون فكفرتم ، وتقدم نظير مفردات هذه الآية غير مرة ما ~~أغنى عن إعادته . PageV25P336 # . # هذا تعميم بعد تخصيص اقتضاه الاهتمام أولا ثم التعميم ثانيا . و { ما في ~~السماوات وما في الأرض } عام مخصوص بما تحصل للناس فائدة من وجوده : كالشمس ~~للضياء ، والمطر للشراب ، أو من بعض أحواله : كالكواكب للاهتداء بها في ~~ظلمات البر والبحر ، والشجر للاستظلال ، والأنعام للركوب والحرث ونحو ذلك . ~~وأما ما في السماوات والأرض مما لا يفيد الناس فغير مراد مثل الملائكة في ~~السماء والأهوية المنحبسة في باطن الأرض التي يأتي منها الزلزال . # وانتصب { جميعا } على الحال من { ما في السماوات وما في الأرض } . ~~وتنوينه تنوين عوض عن المضاف إليه ، أي جميع ذلك مثل تنوين ( كل ) في قوله ~~: { كلا هدينا } ( الأنعام : 84 ) . # و ( من ) ابتدائية ، أي جميع ذلك من عند الله ليس لغيره فيه أدنى شركة . ~~وموقع قوله : { منه } موقع الحال من المضاف إليه المحذوف المعوض عنه ~~التنوين أو من ضمير { جميعا } لأنه في معنى مجموعا . # . # أي في ذلك المذكور من تسخير البحر وتسخير ما في السموات والأرض دلائل على ~~تفرد الله بالإلاهية فهي وإن كانت مننا يحق أن ms7616 يشكرها الناس فإنها أيضا ~~دلائل إذا تفكر فيها المنعم عليهم اهتدوا بها ، فحصلت لهم منها ملائمات ~~جسمانية ومعارف نفسانية ، وبهذا الاعتبار كانت في عداد الآيات المذكورة ~~قبلها من قوله : { إن في السموات والأرض لآيات للمؤمنين } ( الجاثية : 3 ) ~~، وإنما أخرت عنها لأنها ذكرت في معرض الامتنان بأنها نعم ، ثم عقبت ~~بالتنبيه على أنها أيضا دلائل على تفرد الله بالخلق . PageV25P337 # وأوثر التفكر بالذكر في آخر صفات المستدلين بالآيات ، لأن الفكر هو منبع ~~الإيمان والإيقان والعلم المتقدمة في قوله : { لآيات للمؤمنين } ( الجاثية ~~: 3 ) { آيات لقوم يوقنون } ( الجاثية : 4 ) { آيات لقوم يعقلون } ( ~~الجاثية : 5 ) . # ( 14 ، 15 ) # إن كانت هذه متصلة بالآي التي قبلها في النزول ولم يصح ما روي عن ابن ~~عباس في سبب نزولها فمناسبة وقعها هنا أن قوله : { ويل لكل أفاك أثيم } إلى ~~قوله : { لهم عذاب من رجز أليم } ( الجاثية : 7 11 ) يثير غضب المسلمين على ~~المستهزئين بالقرآن . وقد أخذ المسلمون يعتزون بكثرتهم فكان ما ذكر من ~~استهزاء المشركين بالقرآن واستكبارهم عن سماعه يتوقع منه أن يبطش بعض ~~المسلمين ببعض المشركين ، ويحتمل أن يكون بدر من بعض المسلمين غضب أو توعد ~~وأن الله علم ذلك من بعضهم . # قال القرطبي والسدي : نزلت في ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من أهل مكة أصابهم أذى شديد من المشركين فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فأمرهم الله بالتجاوز عن ذلك لمصلحة في استبقاء الهدوء بمكة والمتاركة ~~بين المسلمين والمشركين ففي ذلك مصالح جمة من شيوع القرآن بين أهل مكة وبين ~~القبائل النازلين حولها فإن شيوعه لا يخلو من أن يأخذ بمجامع قلوبهم بالرغم ~~على ما يبدونه من إعراض واستكبار واستهزاء فتتهيأ نفوسهم إلى الدخول في ~~الدين عند زوال ممانعة سادتهم بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى ~~المدينة وبعد استئصال صناديد قريش يوم بدر . وقد تكرر في القرآن مثل هذا من ~~الأمر بالصفح عن المشركين والعفو عنهم والإعراض عن أذاهم ، ولكن كان أكثر ~~الآيات أمرا للنبيء صلى الله عليه ms7617 وسلم في نفسه وكانت هذه أمرا له بأن يبلغ ~~للمؤمنين ذلك ، وذلك يشعر بأن الآية نزلت في وقت كان المسلمون قد كثروا فيه ~~وأحسوا بعزتهم . فأمروا بالعفو وأن يكلوا أمر نصرهم إلى PageV25P338 الله ~~تعالى ، وإن كانت نزلت على سبب خاص عرض في أثناء نزول السورة فمناسبتها ~~لأغراض السورة واضحة لأنها تعليم لما يصلح به مقام المسلمين بمكة بين ~~المضادين لهم واحتمال ما يلاقونه من صلفهم وتجبرهم إلى أن يقضي الله بينهم ~~. # وقد روي في سبب نزولها أخبار متفاوتة الضعف ، فروى مكي بن أبي طالب أن ~~رجلا من المشركين شتم عمر بن الخطاب فهم أن يبطش به قال ابن العربي : ( ~~وهذا لم يصح ) . وفي ( الكشاف ) أن عمر شتمه رجل من غفار فهم أن يبطش به ~~فنزلت . وعن سعيد بن المسيب ( كنا بين يدي عمر بن الخطاب فقرأ قارىء هذه ~~الآية فقال عمر : ليجزي عمر بما صنع ) يعني أنه سبب نزول الآية . وروى ~~الواحدي والقشيري عن ابن عباس : إنها نزلت في غزوة بني المصطلق : نزلوا على ~~بئر يقال لها : المريسيع فأرسل عبد الله بن أبي غلامه ليستقي من البئر ~~فأبطأ ، فلما أتاه قال : ما حسبك . قال : غلام عمر قعد على فم البئر فما ~~ترك أحدا يسقي حتى ملأ قرب النبي صلى الله عليه وسلم وقرب أبي بكر وملأ ~~لمولاه ، فقال عبد الله بن أبي : ما مثلنا ومثل هؤلاء إلا كما قال القائل : ~~( سمن كلبك يأكلك ) فهم عمر بن الخطاب بقتله ، فنزلت . وروى ابن مهران عن ~~ابن عباس لما نزل قوله تعالى : { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا } ( ~~البقرة : 245 ) الآية قال فنحاص اليهودي : احتاج رب محمد ، فلما سمع عمر ~~بذلك اشتمل على سيفه وخرج في طلبه فنزلت الآية ، فبعث رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في طلبه فلما جاء قال : ضع سيفك . وهاتان روايتان ضعيفتان ومن ~~أجلهما روي عن عطاء وقتادة وابن عباس أن هذه الآية مدنية . # وأقرب هذه الأخبار ما قاله مكي بن أبي طالب . ولو صحت ما كان فيه ms7618 ما يفكك ~~انتظام الآيات سواء صادف نزولها تلك الحادثة أو أمر الله بوضعها في هذا ~~الموضع . # وجزم { يغفروا } على تقدير لام الأمر محذوفا ، أي قل لهم ليغفروا ، أو هو ~~مجزوم في جواب { قل } ، والمقول محذوف دل عليه الجواب . والتقدير : قل ~~للذين آمنوا اغفروا يغفروا . وهذا ثقة بالمؤمنين أنهم إذا قال لهم الرسول ~~صلى الله عليه وسلم امتثلوا . والوجهان PageV25P339 يتأتيان في مثل هذا ~~التركيب كلما وقع في الكلام ، وقد تقدم عند قوله تعالى : { قل لعبادي الذين ~~آمنوا يقيموا الصلاة } في سورة إبراهيم . # و { الذين لا يرجون أيام الله } يراد بهم المشركون من أهل مكة . # والرجاء : ترقب وتطلب الأمر المحبوب ، وهذا أشهر إطلاقاته وهو الظاهر في ~~هذه الآية . # والأيام : جمع يوم ، وهذا الجمع أو مفرده إذا أضيف إلى اسم أحد أو قوم أو ~~قبيلة كان المراد به اليوم الذي حصل فيه لمن أضيف هو إليه نصر وغلب على ~~معاند أو مقاتل ، ومنه أطلق على أيام القتال المشهورة بين قبائل العرب : ~~أيام العرب ، أي التي كان فيها قتال بين قبائل منهم فانتصر بعضهم على بعض ، ~~كما يقال أيام عبس ، وأيام داحس والغبراء ، وأيام البسوس ، قال عمرو بن ~~كلثوم : # وأيام لنا غر طوال # عصينا الملك فيها إن ندينا # فإذا قالوا : أيام بني فلان ، أرادوا الأيام التي انتصر فيها من أضيفت ~~الأيام إلى اسمه ، ويقولون : أيام بني فلان على بني فلان فيريدون أن ~~المجرور بحرف الاستعلاء مغلوب لتضمن لفظ { أيام } أو ( يوم ) معنى الانتصار ~~والغلب . وبذلك التضمن كان المجرور متعلقا بلفظ { أيام } أو ( يوم ) وإن ~~كان جامدا ، فمعنى { أيام الله } على هذا هو من قبيل قولهم : أيام بني فلان ~~، فيحصل من محمل الرجاء على ظاهر استعماله . # ومحمل { أيام الله } على محمل أمثاله أن معنى الآية للذين لا تترقب ~~نفوسهم أيام نصر الله ، أي نصر الله لهم : إما لأنهم لا يتوكلون على الله ~~ولا يستنصرونه بل توجههم إلى الأصنام ، وإما لأنهم لا يخطر ببالهم إلا أنهم ~~منصورون بحولهم وقوتهم فلا يخطر ببالهم سؤال نصر الله أو ms7619 رجاؤه وهم معروفون ~~بهذه الصلة بين المسلمين فلذلك أجريت عليهم هنا وعرفوا بها . وأوثر تعريفهم ~~بهذه الصلة ليكون في ذلك تعريض بأن الله ينصر الذين يرجون أيام نصره وهم ~~المؤمنون . والغرض من هذا التعريض الإيماء بالموصول إلى وجه أمر ~~PageV25P340 المؤمنين أن يغفروا للمشركين ويصفحوا عن أذى المشركين ولا ~~يتكلفوا الانتصار لأنفسهم لأن الله ضمن لهم النصر . # وقد يطلق { أيام الله } في القرآن على الأيام التي حصل فيها فضله ونعمته ~~على قوم ، وهو أحد تفسيرين لقوله تعالى : { وذكرهم بأيام الله } ( إبراهيم ~~: 5 ) . # ومعنى { لا يرجون أيام الله } على هذا التأويل أنهم في شغل عن ترقب نعم ~~الله بما هم فيه من إسناد فعل الخير إلى أصنامهم بانكبابهم على عبادة ~~الأصنام دون عبادة الله ويأتي في هذا الوجه من التعريض والتحريض مثل ما ذكر ~~في الوجه الأول لأن المؤمنين هم الذين يرجون نعمة الله . وفسر به قوله ~~تعالى : { وقال الذين لا يرجون لقاءنا } ( الفرقان : 21 ) وقوله : { ما لكم ~~لا ترجون لله وقارا } ( نوح : 13 ) ، فيكون المراد ب { أيام الله } : أيام ~~جزائه في الآخرة لأنها أيام ظهور حكمه وعزته فهي تقارب الأيام بالمعنى ~~الأول ، ومنه قوله تعالى : { ذلك اليوم الحق } ( النبأ : 39 ) ، أي ذلك يوم ~~النصر الذي يحق أن يطلق عليه ( يوم ) فيكون معنى هذه الآية : أنهم لا ~~يخافون تمكن الله من عقابهم لأنهم لا يؤمنون بالبعث . # ومعنى الآية أن المؤمنين أمروا بالعفو عن أذى المشركين وقد تكرر ذلك في ~~القرآن قال تعالى : { ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين ~~أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور } ( آل عمران : ~~186 ) . وفي ( صحيح البخاري ) عن أسامة بن زيد في هذه الآية : وكان النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله ~~ويصبرون على الأذى . # وقوله : { ليجزي قوما بما كانوا يكسبون } تعليل للأمر المستفاد من قوله : ~~{ يغفروا } أي ليغفروا ويصفحوا عن أذى المشركين فلا ينتصروا لأنفسهم ~~ليجزيهم الله على إيمانهم وعلى ما أوذوا في ms7620 سبيله فإن الانتصار للنفس توفية ~~للحق وماذا عساهم يبلغون من شفاء أنفسهم بالتصدي للانتقام من المشركين على ~~قلتهم وكثرة أولئك فإذا توكلوا على نصر ربهم كان نصره لهم أتم وأخضد لشوكة ~~المشركين كما قال نوح { إني مغلوب فانتصر } ( القمر : 10 ) . وهذا من معنى ~~قوله تعالى : { وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل } ( الحجر : 85 ) . ~~وكان مقتضى الظاهر أن يقال ليجزيهم بما كانوا PageV25P341 يكسبون ، فعدل ~~إلى الإظهار في مقام الإضمار ليكون لفظ { قوما } مشعرا بأنهم ليسوا بمضيعة ~~عند الله فإن لفظ ( قوم ) مشعر بفريق له قوامه وعزته { ذلك بأن الله مولى ~~الذين آمنوا } ( محمد : 11 ) . # وتنكير { قوما } للتعظيم ، فكأنه قيل : ليجزي أيما قوم ، أي قوما مخصوصين ~~. وهذا مدح لهم وثناء عليهم . ونحوه ما ذكر الطيبي عن ابن جني عن أبي علي ~~الفارسي في قول الشاعر : # أفآت بنو مروان ظلما دماءنا # وفي الله إن لم يعدلوا حكم عدل # قال أبو علي : هو تعالى أعرف المعارف وسماه الشاعر : حكما عدلا وأخرج ~~اللفظ مخرج التنكير ، ألا ترى كيف آل الكلام من لفظ التنكير إلى معنى ~~التعريف اه . قيل : والأظهر أن { قوما } مراد به الإبهام وتنوينه للتنكير ~~فقط . # والمعنى : ليجزي الله كل قوم بما كانوا يكسبون من خير أو شر بما يناسب ~~كسبهم فيكون وعيدا للمشركين المعتدين على المؤمنين ووعدا للمؤمنين ~~المأمورين بالصفح والتجاوز عن أذى المشركين ، وهذا وجه عدم تعليق الجزاء ~~بضمير الموقنين لأنه أريد العموم فليس ثمة إظهار في مقام الإضمار ويؤيد هذا ~~قوله : { من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها } ( فصلت : 46 ) . وهذا ~~كالتفصيل للإجمال الذي في قوله : { ليجزي قوما بما كانوا يكسبون } . ولذلك ~~فصلت الجملة ولم تعطف على سابقتها ، وتقدم نظيره في سورة فصلت . وقرأ ~~الجمهور { ليجزي قوما } بتحتية في أوله ، والضمير المستتر عائد إلى اسم ~~الجلالة في قوله : . وقرأه ابن عامر وحمزة والكسائي وخلف بنون العظمة في ~~أوله على الالتفات . وقرأه أبو جعفر بتحتية في أوله مضمومة وبفتح الزاي على ~~البناء للمجهول ونصب { قوما } . وتأويلها أن نائب الفاعل مصدر مأخوذ من ms7621 فعل ~~( يجزي ) . والتقدير : ليجزى الجزاء . { وقوما } مفعول ثان لفعل ( يجزى ) ~~من باب كسا وأعطى . وليس هذا من إنابة المصدر الذي هو مفعول مطلق وقد منعه ~~نحاة البصرة بل جعل المصدر مفعولا أول من باب أعطى وهو في المعنى مفعول ثان ~~لفعل جزى ، وإنابة المفعول الثاني في باب كسا وأعطى متفق PageV25P342 على ~~جوازه وإن كان الغالب إنابة المفعول الأول كقوله تعالى : { ثم يجزاه الجزاء ~~الأوفى } ( النجم : 41 ) . # وقوله : { ثم إلى ربكم ترجعون } أي بعد الأعمال في الدنيا تصيرون إلى حكم ~~الله تعالى فيجازيكم على أعمالكم الصالحة والسيئة بما يناسب أعمالكم . # وأطلق على المصير إلى حكم الله أنه رجوع إلى الله على طريقة التمثيل بحال ~~من كان بعيدا عن سيده أو أميره فعمل ما شاء ثم رجع إلى سيده أو أميره فإنه ~~يلاقي جزاء ما عمله ، وقد تقدمت نظائره . # ( 16 ، 17 ) # الوجه أن يكون سوق خبر بني إسرائيل هنا توطئة وتمهيدا لقوله بعده { ثم ~~جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها } ( الجاثية : 18 ) أثار ذلك ما تقدم من ~~قوله : { ويل لكل أفاك أثيم يسمع آيات الله تتلى عليه إلى قوله : اتخذها ~~هزؤا } ( الجاثية : 7 9 ) ثم قوله : { قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا ~~يرجون أيام الله } ( الجاثية : 14 ) فكان المقصد قوله { ثم جعلناك على ~~شريعة من الأمر } ( الجاثية : 18 ) ولذلك عطفت الجملة بحرف { ثم الدال على ~~التراخي الرتبي ، أي على أهمية ما عطف بها . # ومقتضى ظاهر النظم أن يقع قوله : ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب } ~~الآيتين بعد قوله : { جعلناك على شريعة من الأمر } ( الجاثية : 18 ) فيكون ~~دليلا وحجة له فأخرج النظم على خلاف مقتضى الظاهر فجعلت الحجة تمهيدا قصدا ~~للتشويق لما بعده ، وليقع ما بعده معطوفا ب { ثم الدالة على أهمية ما بعدها ~~. PageV25P343 # وقد عرف من تورك المشركين على النبي في شأن القرآن ما حكاه الله عنهم في ~~قوله : فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى } ( ~~القصص : 48 ) وقولهم : { لولا أنزل عليه القرآن جملة واحدة } ( الفرقان : ~~32 ) ، فمن ms7622 أجل ذلك وقع هذا بعد قوله : { ويل لكل أفاك أثيم إلى قوله : ~~وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزؤا } ( الجاثية : 7 9 ) وقوله : { قل ~~للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله } ( الجاثية : 14 ) ، فالجملة ~~معطوفة على تلك الجمل . # وأدمج في خلالها ما اختلف فيه بنو إسرائيل على ما دعتهم إليه شريعتهم ، ~~لما فيه من تسلية النبي صلى الله عليه وسلم على مخالفة قومه دعوته تنظيرا ~~في أصل الاختلاف دون أسبابه وعوارضه . # ولما كان في الكلام ما القصد منه التسلية والاعتبار بأحوال الأمم حسن ~~تأكيد الخبر بلام القسم وحرفف التحقيق ، فمصب هذا التحقيق هو التفريع الذي ~~في قوله : { فما اختلفوا حتى جاءهم العلم } ( يونس : 93 ) تأكيدا للمؤمنين ~~بأن الله يقضي بينهم وبين المشركين كشأنه فيما حدث بين بني إسرائيل . # وقد بسط في ذكر النظير في بني إسرائيل من وصف حالهم حينما حدث الاختلاف ~~بينهم ، ومن التصريح بالداعي للاختلاف بينهم ما طوي من مثلل بعضه من حال ~~المشركين حين جاءهم الإسلام فاختلفوا مع أهله إيجازا في الكلام للاعتماد ~~على ما يفهمه السامعون بطريق المقايسة على أن أكثره قد وقع تفصيله في ~~الآيات السابقة مثل قوله : { تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق } ( الجاثية ~~: 6 ) وقوله { هذا هدى } ( الجاثية : 11 ) فإن ذلك يقابل قوله هنا { ولقد ~~آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوءة } ومثل قوله : { وسخر لكم ما في ~~السموات وما في الأرض } ( الجاثية : 13 ) فإنه يقابل قوله هنا { ورزقناهم ~~من الطيبات } ، ومثل قوله : { يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا إلى ~~قوله لهم عذاب مهين } ( الجاثية : 8 ، 9 ) فإنه يقابل قوله هنا { وآتيناهم ~~بينات من الأمر فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم } ، ومثل ~~قوله : { ليجزي قوما بما كانوا يكسبون } ( الجاثية : 14 ) فإنه مقابل قوله ~~هنا { إن ربك يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون } . ~~PageV25P344 # و { الكتاب } : التوراة . # و { الحكم } يصح أن يكون بمعنى الحكمة ، أي الفهم في الدين وعلم محاسن ~~الأخلاق كقوله تعالى : { وآتيناه الحكم صبيا } ( مريم ms7623 : 12 ) ، يعني يحيى ، ~~ويصح أن يكون بمعنى السيادة ، أي أنهم يحكمون أنفسهم بأنفسهم ولا تحكمهم ~~أمة أخرى كقوله تعالى و { جعلكم ملوكا } ( المائدة : 20 ) ، و { النبوءة } ~~أن يقوم فيهم أنبياء . ومعنى إيتائهم هذه الأمور الثلاثة : إيجادها في ~~الأمة وإيجاد القائمين بها لأن نفع ذلك عائد على الأمة جمعاء فكان كل فرد ~~من الأمة كمن أوتي تلك الأمور . # وأما رزقهم من الطيبات فبأن يسر لهم امتلاك بلاد الشام التي تفيض لبنا ~~وعسلا كما في التوراة في وعد إبراهيم والتي تجبى إليها ثمرات الأرضين ~~المجاورة لها وترد عليها سلع الأمم المقابلة لها على سواحل البحر فتزخر ~~مراسيها بمختلف الطعام واللباس والفواكه والثمار والزخارف ، وذلك بحسن ~~موقعع البلاد من بين المشرق برا والمغرب بحرا . و { الطيبات } : هي التي ~~تطيب عند الناس وتحسن طعما ومنظرا ونفعا وزينة . وأما تفضيلهم على العالمين ~~فبأن جمع الله لهم بين استقامة الدين والخلق ، وبين حكم أنفسهم بأنفسهم ، ~~وبث أصول العدل فيهم ، وبين حسن العيش والأمن والرخاء ، فإن أمما أخرى ~~كانوا في بحبوحة من العيش ولكن ينقص بعضها استقامة الدين والخلق ، وبعضها ~~عزة حكم النفس وبعضها الأمن بسبب كثرة الفتن . # والمراد ب { العالمين } : أمم زمانهم وكل ذلك إخبار عما مضى من شأن بني ~~إسرائيل في عنفوان أمرهم لا عما آل إليه أمرهم بعد أن اختلفوا واضمحل ملكهم ~~ونسخت شريعتهم . # و { بينات } صفة نزلت منزلة الجامد ، فالبينة : الحجة الظاهرة ، أي ~~آتيناهم حججا ، أي علمناهم بواسطة كتبهم وبواسطة علمائهم حجج الحق والهدى ~~التي من شأنها أن لا تترك للشك والخطإ إلى نفوسهم سبلا إلا سدتها . # و { الأمر } : الشأن كما في قوله : { وما أمر فرعون برشيد } ( هود : 97 ) ~~والتعريف في { الأمر } PageV25P345 للتعظيم ، أي من شؤون عظيمة ، أي شأن ~~الأمة وما به قوام نظامها إذ لم يترك موسى والأنبياء من بعده شيئا مهما من ~~مصالحهم إلا وقد وضحوه وبينوه وحذروا من الالتباس فيه . # و { من } في قوله { من الأمر } بمعنى ( في ) الظرفية فيحصل من هذا أن ~~معنى { وءاتيناهم بينات من الأمر } : علمناهم حججا ms7624 وعلوما في أمر دينهم ~~ونظامهم بحيث يكونون على بصيرة في تدبير مجتمعهم وعلى سلامة من مخاطر الخطإ ~~والخطل . وفرع على ذلك قوله { فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم } ~~تفريع إدماج لمناسبته للحالة التي أريد تنظيرها . وتقدير الكلام : فاختلفوا ~~وما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم ، فحذف المفرع لدلالة ما بعده عليه ~~على طريقة الإيجاز إذ المقصود هو التعجيب من حالهم كيف اختلفوا حين لا مظنة ~~للاختلاف إذ كان الاختلاف بينهم بعدما جاءهم العلم المعهود بالذكر آنفا من ~~الكتاب والحكم والنبوءة والبينات من الأمر ، ولو اختلفوا قبل ذلك لكان لهم ~~عذر في الاختلاف وهذا كقوله تعالى : { وأضله الله على علم } ( الجاثية : 23 ~~) . وهذا الكلام كناية عن عدم التعجيب من اختلاف المشركين مع المؤمنين حيث ~~أن المشركين ليسوا على علم ولا هدى ليعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~ملطوف به في رسالته . # والبغي : الظلم . والمراد : أن اختلافهم عن عمد ومكابرة بعضهم لبعض وليس ~~عن غفلة أو تأويل ، وهذا الظلم هو ظلم الحسد فإن الحسد من أعظم الظلم ، أي ~~فكذلك حال نظرائهم من المشركين ما اختلفوا على النبي صلى الله عليه وسلم ~~إلا بغيا منهم عليه مع علمهم بصدقه بدلالة إعجاز القرآن لفظا ومعاني . # وانتصب { بغيا } إما على المفعول لأجله ، وإما على الحال بتأويل المصدر ~~باسم الفاعل ، وعلى كلا الوجهين فالعامل فيه فعل { اختلفوا } ، وإن كان ~~منفيا في اللفظ لأن الاستثناء أبطل النفي إذ ما أريد إلا نفي أن يكون ~~الاختلاف في وقت PageV25P346 قبل أن يحثهم العلم فلما استفيد ذلك ~~بالاستثناء صار الاختلاف ثابتا وما عدا ذلك غير منفي . # وجملة { إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون } مستأنفة ~~استئنافا بيانيا لأن خبرهم العجيب يثير سؤالا في نفس سامعه عن جزاء الله ~~إياهم على فعلهم ، وهذا جواب فيه إجمال لتهويل ما سيقضى به بينهم في الخير ~~والشر لأن الخلاف يقتضي محقا ومبطلا . # ونظير هذه الآية قوله تعالى : { ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ~~ورزقناهم من الطيبات ms7625 فما اختلفوا حتى جاءهم العلم إن ربك يقضي بينهم يوم ~~القيامة فيما كانوا فيه يختلفون } في سورة يونس . # ( 18 ، 19 ) # { ثم } للتراخي الرتبي كما هو شأنها في عطف الجمل ، ولولا إرادة التراخي ~~الرتبي لكانت الجملة معطوفة بالواو . وهذا التراخي يفيد أن مضمون الجملة ~~المعطوفة بحرف { ثم } أهم من مضمون الجملة المعطوفف عليها أهمية الغرض على ~~المقدمة والنتيجة على الدليل . وفي هذا التراخي تنويه بهذا الجعل وإشارة ~~إلى أنه أفضل من إيتاء بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوءة والبيناتت من ~~الأمر ، فنبوءة محمد صلى الله عليه وسلم وكتابه وحكمه وبيناته أفضل وأهدى ~~مما أوتيه بنو إسرائيل من مثل ذلك . # و { على } للاستعلاء المجازي ، أي التمكن والثبات على حد قوله تعالى : { ~~أولئك على هدى من ربهم } ( البقرة : 5 ) . # وتنوين { شريعة } للتعظيم بقرينة حرف التراخي الرتبي . PageV25P347 # والشريعة : الدين والملة المتبعة ، مشتقة من الشرع وهو : جعل طريق للسير ~~، وسمي النهج شرعا تسمية بالمصدر . وسميت شريعة الماء الذي يرده الناس ~~شريعة لذلك ، قال الراغب : استعير اسم الشريعة للطريقة الإلاهية تشبيها ~~بشريعة الماء قلت : ووجه الشبه ما في الماء من المنافع وهي الري والتطهير . # و { الأمر } : الشأن ، وهو شأن الدين وهو شأن من شؤون الله تعالى ، قال ~~تعالى : { وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا } ( الشورى : 52 ) ، فتكون { من ~~} تبعيضية وليست كالتي في قوله آنفا { وآتيناهم بينات من الأمر } ( الجاثية ~~: 17 ) لأن إضافة { شريعة } إلى { الأمر } تمنع من ذلك . # وقد بلغت هذه الجملة من الإيجاز مبلغا عظيما إذ أفادت أن شريعة الإسلام ~~أفضل من شريعة موسى ، وأنها شريعة عظيمة ، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم ~~متمكن منها لا يزعزعه شيء عن الدأب في بيانها والدعوة إليها . ولذلك فرع ~~عليه أمره باتباعها بقوله : { فاتبعها } أي دم على اتباعها ، فالأمر لطلب ~~الدوام مثل { يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله } ( النساء : 136 ) . # وبين قوله : { فاتبعها } وقوله : { ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون } ~~محسن المطابقة بين الأمر بالاتباع والنهي عن اتباع آخر . و { الذين لا ~~يعلمون } هم المشركون وأهواؤهم دين الشرك ms7626 قال تعالى : { أفرأيت من اتخذ ~~إلهاه هواه } ( الجاثية : 23 ) . # والأهواء : جمع هوى ، وهو المحبة والميل . والمعنى : أن دينهم أعمال ~~أحبوها لم يأمر الله بها ولا اقتضتها البراهين . # والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم والمقصود منه : إسماع المشركين لئلا ~~يطمعوا بمصانعة الرسول صلى الله عليه وسلم إياهم حين يرون منه الإغضاء عن ~~هفواتهم وأذاهم وحين يسمعون في القرآن بالصفح عنهم كما في الآية السالفة { ~~قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله } ( الجاثية : 14 ) . وفيه ~~أيضا تعريض للمسلمين بأن يحذروا من أهواء الذين لا يعلمون . وعن ابن ~~PageV25P348 عباس ( أنها نزلت لما دعته قريش إلى دين آبائه ) قال البغوي : ~~كانوا يقولون له : ارجع إلى دين آبائك فإنهم أفضل منك . # وجملة { إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا } تعليل للنهي عن اتباع أهواء ~~الذين لا يعلمون ، ويتضمن تعليل الأمر باتباع شريعة الله فإن كونهم لا ~~يغنون عنه من الله شيئا يستلزم أن في مخالفة ما أمر الله من اتباع شريعته ~~ما يوقع في غضب الله وعقابه فلا يغني عنه اتباع أهوائهم من عقابه . # والإغناء : جعل الغير غنيا ، أي غير محتاج ، فالآثم المهدد من قدير غير ~~غني عن الذي يعاقبه ولو حماه من هو كفء لمهدده أو أقدر منه لأغناه عنه وضمن ~~فعل الإغناء معنى الدفع فعدي ب ( عن ) . وانتصب { شيئا } على المفعول ~~المطلق ، و { من الله } صفة ل { شيئا } و { من } بمعنى بدل ، أي لن يغنوا ~~عنك بدلا من عذاب الله ، أي قليلا من الإغناء البديل من عقاب الله فالكلام ~~على حذف مضاف ، وتقدم عند قوله تعالى : { إن الذين كفروا لن تغني عنهم ~~أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا } في آل عمران . # وعطف على هذا التعليل تعليل آخر وهو { وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض } ~~أي إنهم ظالمون وأنت لست من الظالمين في شيء فلا يجوز أن تتبعهم في شيء ~~وإنما يتبعهم من هم أولياؤهم . وذيل ذلك بقوله : { والله ولي المتقين } وهو ~~يفيد أن النبي صلى الله عليه وسلم الله وليه لأن النبي ms7627 صلى الله عليه وسلم ~~أول المتقين . # إن كانت الإشارة إلى الكلام المتقدم وما فيه من ضرب المثل بموسى وقومه ~~ومن تفضيل شريعة محمد على شريعة موسى عليهما الصلاة والسلام والأمر بملازمة ~~اتباعها والتحذير من اتباع رغائب الذين لا يعلمون ، فهذه الجملة بمنزلة ~~التذييل لما قبلها والتهيئة لأغراضها تنبيها لما في طيها من عواصم عن الشك ~~والباطل بمنزلة قوله تعالى بعد عدة آيات في آخر سورة الأحقاف { بلاغ وقوله ~~في سورة الأنبياء ( 105 ، 106 ) PageV25P349 ولقد كتبنا في الزبور من بعد ~~الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون إن في هذا لبلاغا لقومم عابدين } . # وإن كانت الإشارة إلى القرآن إذ هو حاضر في الأذهان كانت الجملة استئنافا ~~أعيد بها التنويه بشأن القرآن ومتبعيه والتعريض بتحميق الذين أعرضوا عنه ، ~~وتكون مفيدة تأكيد قوله آنفا { هذا هدى والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب ~~من رجز أليم } ( الجاثية : 11 ) ، وتكون الجملة المتقدمة صريحة في وعيد ~~الذين كفروا بآياته وهذه تعريضا بأنهم لم يحظوا بهذه البصائر ، وكلا ~~الاحتمالين رشيق ، وكل بأن يكون مقصودا حقيق . # و { بصائر } : جمع بصيرة وهي إدراك العقل الأمور على حقائقها ، شبهت ببصر ~~العين ، وفرق بينهما بصيغة فعلية للمبالغة قال تعالى : { أدعو إلى الله على ~~بصيرة أنا ومن اتبعني } في سورة يوسف . وقال : { قال لقد علمت ما أنزل ~~هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر } في سورة الإسراء وقوله : { ولقد ~~آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس في سورة ~~القصص . # ووصف الآيات السابقة أو القرآن بالبصائر مجاز عقلي لأن ذلك سبب البصائر . ~~وجمع البصائر : إن كانت الإشارة إلى القرآن باعتبار المتبصرين بسببه كما ~~اقتضاه قوله : للناس } لأن لكل أحد بصيرته الخاصة فهي أمر جزئي بالتبع لكون ~~صاحبب كل بصيرة جزئيا مشخصا فناسب أن تورد جمعا ، فالبصيرة : الحاسة من ~~الحواس الباطنة ، وهذا بخلاف إفراد { هدى ورحمة } لأن الهدى والرحمة معنيان ~~كليان يصلحان للعدد الكثير قال تعالى : { هدى للناس } ( آل عمران : 4 ) ~~وقال : { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } ( الأنبياء : 107 ) . وإنما كان ~~هدى ms7628 لأنه طريق نفع لمن اتبع إرشاده فاتباعه كالاهتداء للطريق الموصلة إلى ~~المقصود . وإنما كان رحمة لأن في اتباع هديه نجاح الناس أفرادا وجماعاتت في ~~الدنيا لأنه نظام مجتمعهم ومناط أمنهم ، وفي الآخرة لأنه سبب نوالهم درجات ~~النعيم الأبدي . وكان بصائر لأنه يبين للناس الخير والشر ويحرضهم على الخير ~~ويحذرهم من الشر ويعدهم على فعل الخير ويوعدهم على فعل الشرور فعمله عمل ~~البصيرة . PageV25P350 # وجعل البصائر للناس لأنه بيان للناس عامة وجعل الهدى والرحمة لقوم يوقنون ~~لأنه لا يهتدي ببيانه إلا الموقن بحقيقته ولا يرحم به إلا من اتبعه المؤمن ~~بحقيته . # وذكر لفظ ( قوم ) للإيماء إلى أن الإيقان متمكن من نفوسهم كأنه من مقومات ~~قوميتهم التي تميزهم عن أقوام آخرين . # والإيقان : العلم الذي لا يتردد فيه صاحبه . وحذف متعلقه لأنه معلوم بما ~~جاءت به آيات الله . # انتقال من وصف تكذيبهم بالآيات واستهزائهم بها ثم من أمر المؤمنين بالصفح ~~عنهم وإيكال جزاء صنائعهم إلى الله ثم من التثبيت على ملازمة الشريعة ~~الإسلامية إلى وصف صنف آخر من ضلالهم واستهزائهم بالوعد والوعيد وإحالتهم ~~الحياة بعد الموت والجزاء على الأعمال وتخييلهم للناس أنهم يصيرون في ~~الآخرة ، على الحال التي كانوا عليها في الدنيا ، عظيمهم في الدنيا عظيمهم ~~في الآخرة ، وضعيفهم في الدنيا ضعيفهم في الآخرة ، وهذا الانتقال رجوع إلى ~~بيان قوله : { من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ثم إلى ربكم ترجعون } ( ~~الجاثية : 15 ) . # فحرف { أم } للإضراب الانتقالي ، والاستفهام الذي يلزم تقديره بعد { أم } ~~استفهام إنكاري ، والتقدير : لا يحسب الذين اجترحوا السيئات أنهم كالذين ~~آمنوا لا في الحياة وفي في الممات . و { الذين اجترحوا السيئات } في نقل عن ~~ابن عباس : أنهم المشركون كما يؤذن به الانتقال من الغرض السابق إلى هذا ~~الغرض وإنما عبر عنهم بهذا العنوان لما في الصلة من تعليل إنكار المشابهة ~~والمساواة بينهم وبين الذين آمنوا وعملوا الصالحات عند الله في عالم الخلد ~~ولأن اكتساب السيئات من شعار أهل الشرك إذ ليس لهم PageV25P351 دين وازع ~~يزعهم عن السيئات ولا هم مؤمنون بالبعث ms7629 والجزاء ، فيكون إيمانهم به مرغبا ~~في الجزاء ، ولذلك كثر في القرآن الكناية عن المشركين بالتلبس بالسيئات ~~كقوله : { ويل للمطففين } إلى قوله : { ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم ~~عظيم } ( المطففين : 1 5 ) وكقوله : { ما سلككم في سقر قالوا لم نك من ~~المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين } ~~( المدثر : 42 46 ) وقوله : { أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم ~~ولا يحض على طعام المسكين } ( الماعون : 1 3 ) ونظيره { أم حسب الذين ~~يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون } ( العنكبوت : 4 ) ، فإن ذلك حال ~~الكفار ، وأما المؤمن العاصي فلا تبلغ به حاله أن يحسب أنه مفلت من قدرة ~~الله . قيل : نزلت في قوم من المشركين . قال البغوي : نزلت في نفر من مشركي ~~مكة قالوا للمؤمنين : لئن كان ما تقولون حقا لنفضلن عليكم في الآخرة كما ~~فضلنا عليكم في الدنيا . وعن الكلبي : أن عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة ~~والوليد بن عتبة قالوا لعلي وحمزة وبعض المسلمين : والله ما أنتم على شيء ~~ولئن كان ما تقولون حقا أي إن كان البعث حقا لحالنا أفضل من حالكم في ~~الآخرة كما أنا أفضل حالا منكم في الدنيا . وتأويل نزول هذه الآية على هذا ~~السبب أن حدوث قول هؤلاء النفر صادف وقت نزول هذه الآيات من السورة أو أن ~~قولهم هذا متكرر فناسب تعرض الآية له حقه . # ونزول الآية على هذا السبب لإبطال كلامهم في ظاهر حاله وإن كانوا لم ~~يقولوه عن اعتقاد وإنما قالوه استهزاء ، لئلا يروج كلامهم على دهمائهم ~~والحديثين في الإسلام لأن شأن التصدي للإرشاد أن لا يغادر مغمزا لرواج ~~الباطل إلا سده ، كما في قوله تعالى : { أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال ~~لأوتين مالا وولدا أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا } ( مريم : 77 ، 78 ~~) وله نظائر في القرآن . وزاد القرطبي في حكاية كلام الكلبي أنهم قالوه حين ~~برزوا لهم يوم بدر ، وهو لا يستقيم لأن السورة مكية ولم ينقل عن أحد ~~استثناء هذه الآية منها ms7630 . # والاجتراح : الاكتساب ، وصيغة الافتعال فيه للمبالغة ، وهو مشتق من الجرح ~~PageV25P352 فأطلق على اكتساب السباع ونحوها ، ولذلك سميت كلاب الصيد جوارح ~~وسمي به اكتساب الناس لأن غالب كسبهم في الجاهلية كان من الإغارة على إبل ~~القوم وهي بالرماح ، قالت أم زرع : فنكحت بعده رجلا سريا ، ركب شريا ، وأخذ ~~خطبا وأراح علي نعما ثريا ، ولذلك غلب إطلاق الاجتراح على اكتساب الإثم ~~والخبيث . # وظاهر تركيب الآية أن قوله : { سواء محياهم ومماتهم } داخل في الحسبان ~~المنكور فيكون المعنى : إنكار أن يستوي المشركون مع المؤمنين لا في الحياة ~~ولا بعد الممات ، فكما خالف الله بين حاليهم في الحياة الدنيا فجعل فريقا ~~كفرة مسيئين وفريقا مؤمنين محسنين ، فكذلك سيخالف بين حاليهم في الممات ~~فيموت المشركون على اليأس من رحمة الله إذ لا يوقنون بالبعث ويلاقون بعد ~~الممات هول ما توعدهم الله به ، ويموت المؤمنون رجاء رحمة الله والبشرى بما ~~وعدوا به ويلاقون بعد الممات ثواب الله ورضوانه . # وقرأ الجمهور : { سواء } مرفوعا فيكون موقع جملة { سواء محياهم } موقع ~~البدل من كاف التشبيه التي هي بمعنى مثل على ما ذهب إليه صاحب ( الكشاف ) ~~يريد أنه بدل مطابق لأن الجملة تبدل من المفرد على الأصح ، والبدل المطابق ~~هو عطف البيان عند التحقيق ، فيكون جملة { سواء محياهم ومماتهم } بيان ما ~~حسبه المشركون . وقرأه حمزة والكسائي وحفص عن عاصم وخلف منصوبا ، فلفظ { ~~سواء } وحده بدل من كاف المماثلة ، بدل مفرد من مفرد أو حال من ضمير النصب ~~في { نجعلهم } . وهذا لأن المشركين قالوا للمسلمين : سنكون بعد الموت خيرا ~~منكم كما كنا في الحياة خيرا منكم . # فضمير { محياهم } وضمير { مماتهم } عائدان لكل من الذين اجترحوا السيئات ~~والذين آمنوا على التوزيع ، أي محيا كل مساو لمماته ، أي لا يتبدل حال ~~الفريقين بعد الممات بل يكونون بعد الممات كما كانوا في الحياة غير أن موقع ~~كاف التمثيل في قوله : { كالذين آمنوا } ليس واضح الملاقاة لحسبان المشركين ~~المسلط عليه الإنكار لأنهم إنما حسبوا أن يكونوا بعد الممات على تقدير وقوع ~~البعث PageV25P353 أحسن حالا من المؤمنين ms7631 لا أن يكونوا مثل المؤمنين لأنهم ~~قالوا ذلك في مقام التطاول على المؤمنين ، وإرادة إفحامهم بسفسطتهم . فبنا ~~أن نبين موقع هذا الكاف في الآية . # والذي أرى : أن موقعه الإيماء إلى أن الله قدر للمؤمنين حسن الحال بعد ~~الممات حتى صار ذلك المقدر مضرب الأمثال ومناط التشبيه ، وإلى أن حسبان ~~المشركين أنفسهم في الآخرة على حالة حسنة باطل ، فعبر عن حسبانهم الباطلل ~~بأنهم أثبتوا لأنفسهم في الآخرة الحال التي هي حال المؤمنين ، أي حسب ~~المشركون بزعمهم أن يكونوا بعد الموت في حالة إذا أراد الواصف أن يصفها ~~وصفها بمشابهة حال المؤمنين في عند الله وفي نفس الأمر ، وليس المراد أن ~~المشركين مثلوا حالهم بحال المؤمنين فيؤول قوله : { كالذين آمنوا } إلى ~~حكاية الكلام المحكي بعبارة تساويه لا بعبارة قائله ، وذلك مما يتوسع فيه ~~في حكاية الأقوال كقوله تعالى حكاية عن عيسى { ما قلت لهم إلا ما أمرتني به ~~أن اعبدوا الله ، ربي وربكم } ( المائدة : 117 ) فإن ما أمره الله به : أن ~~اعبدوا الله ربك وربهم ، وذلك من خلاف مقتضى الظاهر دعا الله هنا قصد ~~التنويه بالمؤمنين والعناية بزلفاهم عند الله ، فكأنه قيل : أحسبوا أن ~~نجعلهم في حالة حسنة ولكن هذا المأمول في حسبانهم هو في نفس الأمر حال ~~المؤمنين لا حالهم . فأوجز الكلام ، وفهم السامع يبسطه . والمواجه بهذا ~~الكلام هم النبي والمؤمنون تكملة للغرض المبتدأ به في قوله : { قل للذي ~~آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله } ( الجاثية : 14 ) على أن لك أن ~~تجعل قوله تعالى : { كالذين آمنوا } معترضا بين مفعولي ( نجعل ) وهما ضميرا ~~الغائبين وجملة { سواء محياهم } أو ولفظ { سواء } في قراءة نصبه فلا يكون ~~مرادا إدخاله في حسبان المشركين . # ويجوز على هذا أن يكون قوله : { كالذين آمنوا } تهكما على المشركين في ~~حسبانهم تأكيدا للإنكار عليهم . # ومن خلاف ظاهر التركيب ما قيل : إن مدلول { سواء محياهم ومماتهم } ليس من ~~حسبان المشركين المنكور ولكنه كلام مستأنف ، والمعنى : أنه لما أنكر ~~PageV25P354 حسبان استواء الكافرين والمؤمنين خطر ببال السامع أن يسأل كيف ~~واقع حال ms7632 الفريقين فأجيب بأن حال محياهم هو مقياس حال مماتهم ، أي حالهم في ~~الآخرة مختلف كما هو في الدنيا مختلف ، فالمؤمنون يحيون في الإقبال على ~~ربهم ورجاء فضله ، والكافرون يعيشون معرضين عن عبادة ربهم آيسين من البعث ~~والجزاء . وهذا ليس عين الجواب ولكنه من الاكتفاء بعلة الجواب عن ذكره . ~~والتقدير : حال الفريقين مختلف في الآخرة كما كان مختلفا في الحياة . # وجملة { ساء ما يحكمون } تذييل لما قبلها من إنكار حسبانهم وما اتصل بذلك ~~الإنكار من المعاني . واعلم أن هذه الآية وإن كان موردها في تخالف حالي ~~المشركين والمؤمنين فإن نوط الحكم فيها بصلة { الذين اجترحوا السيئات } ~~يجعل منها إيماء إلى تفاوت حالي المسيئين والمحسنين من أهل الإيمان وإن لم ~~يحسب أحد من المؤمنين ذلك وعن تميم الداري أنه بات ليلة يقرأ هذه الآية ~~ويركع ويسجد ويبكي إلى الصباح . وروي مثل ذلك عن الربيع بن خيثم وعن الفضيل ~~بن عياض : أنه كان كثيرا ما يردد من أول الليل هذه الآية ثم يقول : ليت ~~شعري من أي الفريقين أنت . يخاطب نفسه فكانت هذه الآية تسمى مبكاة العابدين ~~. # والمحيا والممات : مصدران ميميان أو اسما زمان ، أي حياتهم وموتهم ، وهو ~~على كلا الاعتبارين بتقدير مضاف ، أي حالة محياهم وحالات مماتهم . # الجملة معترضة والواو اعتراضية وهو اعتراض بين الكلام المتقدم وبين ما ~~فرع عليه من قوله : { أفرأيت من اتخذ إلاهه هواه } ( الجاثية : 23 ) هو ~~كالدليل على انتفاء أن يكون الذين اجترحوا السيئات الذين هم في بحبوحة عيش ~~مدة حياتهم أن يكونوا في نعيم بعد مماتهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات مدة ~~حياتهم فكان جزاؤهم النعيم بعد PageV25P355 مماتهم ، أي بعد حياتهم الثانية ~~بأن خلق السماواتت والأرض بالعدل يستدعي التفاوت بين المسيء والمحسن ، ~~والانتصاف للمعتدى عليه من المعتدي . # ووجه الاستدلال أن خلق السماوات والأرض تبين كونه في تمام الإتقان ~~والنظام بحيث إن دلائل إرادة العدل في تصاريفها قائمة ، وما أودعه الخالق ~~في المخلوقات من القوى مناسب لتحصيل ذلك النظام الذي فيه صلاحهم فإذا ~~استعملوها في الإفساد والإساءة كان من ms7633 إتمام إقامة النظام أن يعاقبوا على ~~تلك الإساءة والمشاهد أن المسيء كثير ما عكف على إساءته حتى المماتت ، فلو ~~لم يكن الجزاء بعد الموت حصل اختلال في نظام خلق المخلوقات وخلقق القوى ~~الصادر عنها الإحسان والإساءة ، وهذا المعنى تكرر في آيات كثيرة وكلما ذكر ~~شيء منه أتبع بذكر الجزاء ، وقد تقدم في سورة آل عمران قوله : { ويتفكرون ~~في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار ~~وقوله في سورة الدخان ( 38 40 ) وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما ~~لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون إن يوم الفصل ميقاتهم ~~أجمعين . # والباء في قوله : بالحق } للسببية أو للملابسة ، أي خلقا للسبب الحق أو ~~ملابسا للحق لا يتخلف الحق عن حال من أحواله . # والحق : اسم جامع لما شأنه أن يحق ويثبت ، ومن شأن الحكمة والحكيم أن ~~يقيمه ، ولذلك أشير بقوله : { وخلق الله } فإن اسم الجلالة جامع لصفات ~~الكمال وتصرفات الحكمة . # وعطف { ولتجزى كل نفس بما كسبت } على { بالحق } لأن المعطوف عليه المجرور ~~بالياء فيه معنى التعليل ، وهذا تفصيل بعد إجمال فإن الجزاء على الفعل بما ~~يناسبه هو من الحق ، ولأن تعليل الخلق بعلة الجزاء من تفصيل معنى الحق ~~وآثار كون الحق سببا لخلق السماوات والأرض أو ملابسا لأحوال خلقهما ، فظهرت ~~المناسبة بين الباء في المعطوف عليه واللام في المعطوف . # والباء في { بما كسبت } للتعويض . وما كسبته النفس لا تجزى به بل تجازى ~~بمثله وما يناسبه ، فالكلام على حذف مضاف ، أي بمثل ما كسبته . وهذه ~~المماثلة PageV25P356 مماثلة في النوع ، وأما تقدير تلك المماثلة فذلك ~~موكول إلى الله تعالى ومراعى فيه عظمة عالم الجزاء في الخير والشر ومقدار ~~تمرد المسيء وامتثال المحسن ، بخلاف الحدود والزواجر فإنها مقدرة بما يناسب ~~عالم الدنيا من الضعف . ولهذا أعقبه بقوله : { وهم لا يظلمون } فضمير { وهم ~~} عائد إلى { كل نفس } ، فإن ذلك الجزاء مما اقتضاه العدل الذي جعل سببا أو ~~ملابسا لخلق السماوات والأرض وما فيهما ، فهو عدل ، فليس من الظلم في شيء ms7634 ~~فالمجازى غير مظلوم ، وبالجزاء أيضا ينتفي أثر ظلم الظالم عن المظلوم إذ لو ~~ترك الجزاء لاستمر المظلوم مظلوما . # لما كان الذين حسبوا أن يكونوا في الآخرة في نعمة وعزة كما كانوا في ~~الدنيا قالوا ذلك عن غير دليل ولا نظر ولكن عن اتباع ما يشتهون لأنفسهم من ~~دوام الحال الحسن تفرع على حسبانهم التعجيب من حالهم ، فعطف بالفاء ~~الاستفهام المستعمل في التعجيب ، وجعل استفهاما عن رؤية حالهم ، للإشارة ~~إلى بلوغ حالهم من الظهور إلى حد أن تكون مرئية . # وأصل التركيب : { أفرأيت من اتخذ إلاهه هواه } الخ ، فقدمت همزة ~~الاستفهام ، والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم والمقصود من معه من ~~المسلمين ، أو الخطاب لغير معين ، أي تناهت حالهم في الظهور فلا يختص بها ~~مخاطب . # و { من } الموصولة صادقة على فريق المستهزئين الذين حسبوا أن يكون محياهم ~~ومماتهم سواء بقرينة ضمير الجمع في الجملة المعطوفة بقوله : { وقالوا ما هي ~~إلا حياتنا الدنيا } ( الجاثية : 24 ) الخ . # والمعنى : أن حجاجهم المسلمين مركز على اتباع الهوى والمغالطة ، فلا نهوض ~~PageV25P357 لحجتهم لا في نفس الأمر ولا فيما أرادوه ، على فرض وقوع البعث ~~من أن يكونوا آمنين من أهوال البعث ، وأنهم لا يرجى لهم اهتداء لأن الله ~~خلقهم غير قابلين للهدى فلا يستطيع غيره هداهم . # و { إلاهه } يجوز أن يكون أطلق على ما يلازم طاعته حتى كأنه معبود فيكون ~~هذا الإطلاق بطريقة التشبيه البليغ ، أي اتخذ هواه كإلاه له لا يخالف له ~~أمرا . ويجوز أن يبقى { إلاهه } على الحقيقة ويكون { هواه } بمعنى مهويه ، ~~أي عبد إلاها لأنه يحب أن يعبده ، يعني الذين اتخذوا الأصنام آلهة لا ~~يقلعون عن عبادتها لأنهم أحبوها ، أي ألفوها وتعلقت قلوبهم بعبادتها ، ~~كقوله تعالى : { وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم } ( البقرة : 93 ) . # ومعنى { أضله الله } أنه حفهم بأسباب الضلالة من عقول مكابرة ونفوس ضعيفة ~~، اعتادت اتباع ما تشتهيه لا تستطيع حمل المصابرة والرضى بما فيه كراهية ~~لها . فصارت أسماعهم كالمختوم عليها في عدم الانتفاع بالمواعظ والبراهين ، ~~وقلوبهم كالمختوم عليها في عدم نفوذ النصائح ودلائل ms7635 الأدلة إليها ، ~~وأبصارهم كالمغطاة بغشاوات فلا تنتفع بمشاهدة المصنوعات الإلاهية الدالة ~~على انفراد الله بالإلاهية وعلى أن بعد هذا العالم بعثا وجزاء . # ومعنى { على علم } أنهم أحاطت بهم أسباب الضلالة مع أنهم أهل علم ، أي ~~عقول سليمة أو مع أنهم بلغهم العلم بما يهديهم وذلك بالقرآن ودعوة النبي ~~صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام . # فحرف { على } هنا معناه المصاحبة بمعنى ( مع ) وأصل هذا المعنى استعارة ~~معنى الاستعلاء للاستعلاء المجازي وهو التمكن بين الوصف والموصوف . وشاع ~~ذلك حتى صار معنى من معاني ( على ) كما في قول الحارث بن حلزة : # فيقينا على الشناءة تنمينا # حصون وعزة قعساء # والمعنى : أنه ضال مع ما له من صفة العلم ، فالعلم هنا من وصف من اتخذ ~~إلاهه هواه وهو متمكن من العلم لو خلع عن نفسه المكابرة والميل إلى الهوى . ~~PageV25P358 # وقرأ الجمهور { غشاوة } بكسر الغين وفتح الشين بعدها ألف . وقرأه حمزة ~~والكسائي وخلف { غشوة } بفتح الغين وسكون الشين وهو من التسمية بالمصدر وهي ~~لغة . وتقدم معنى الختم والغشاوة في أول سورة البقرة . # وفرع على هذه الصلة استفهام إنكاري أن يكون غير الله يستطيع أن يهديهم ، ~~والمراد به تسلية النبي صلى الله عليه وسلم لشدة أسفه لإعراضهم وبقائهم في ~~الضلالة . # و { من بعد الله } بمعنى : دون الله ، وتقدم عند قوله تعالى : { فبأي ~~حديثث بعده يؤمنون آخر سورة الأعراف . # وفرع على ذلك استفهام عن عدم تذكر المخاطبين لهذه الحقيقة ، أي كيف نسوها ~~حتى ألحوا في الطمع بهداية أولئك الضالين وأسفوا لعدم جدوى الحجة لديهم وهو ~~استفهام إنكاري . # ومن المفسرين من حمل من } الموصولة في قوله { أفرأيت من اتخذ إلاهه هواه ~~} على معين فقال مقاتل : هو أبو جهل بسبب حديث جرى بينه وبين الوليد بن ~~المغيرة كانا يطوفان ليلة فتحدثا في شأن النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو ~~جهل : والله إني لأعلم إنه لصادق فقال له المغيرة : مه ، وما دلك على ذلك ، ~~قال : كنا نسميه في صباه الصادق الأمين فلما تم عقله وكمل رشده نسميه ~~الكذاب الخائن قال ms7636 : فما يمنعك أن تؤمن به قال : تتحدث عني بنات قريش أني ~~قد اتبعت يتيم أبي طالب من أجل كسرة ، واللاتت والعزى إن اتبعته أبدا فنزلت ~~هذه الآية . وإذا صح هذا فإن مطابقة القصة لقوله تعالى : { وأضله الله على ~~علم } ظاهرة . وعن مقاتل أيضا : أنها نزلت في الحارث بن قيس السهمي أحد ~~المستهزئين كان يعبد من الأصنام ما تهواه نفسه . # وهذه الآية أصل في التحذير من أن يكون الهوى الباعث للمؤمنين على أعمالهم ~~ويتركوا اتباع أدلة الحق ، فإذا كان الحق محبوبا لأحد فذلك من التخلق بمحبة ~~الحق تبعا للدليل مثل ما يهوى المؤمن الصلاة والجماعة وقيام رمضان وتلاوة ~~القرآن وفي الحديث ( أرحنا بها يا بلال ) يعني الإقامة للصلاة . وعن عبد ~~الله بن عمرو بن PageV25P359 العاصي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ~~لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ) وعن أبي الدرداء ( إذا أصبح ~~الرجل اجتمع هواه وعمله وعلمه فإن كان عمله تبعا لهواه فيومه يوم سوء وإن ~~كان عمله تبعا لعلمه فيومه يوم صالح ) . وأما اتباع الأمر المحبوب لإرضاء ~~النفس دون نظر في صلاحه أو فساده فذلك سبب الضلال وسوء السيرة . # قال عمرو بن العاصي : # إذا المرء لم يترك طعاما يحبه # ولم ينه قلبا غاويا حيث يمما # فيوشك أن تلقى له الدهر سبة # إذا ذكرت أمثالها تملأ الفما # ومن الكلمات المأثورة ( ثلاث من المهلكات : شح مطاع ، وهوى متبع ، وإعجاب ~~المرأ بنفسه ) ويروى حديثا ضعيف السند . وقدم السمع على القلب هنا بخلاف ~~آية سورة البقرة { ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة } ( ~~البقرة : 7 ) لأن المخبر عنهم هنا لما أخبر عنهم بأنهم اتخذوا إلاههم هواهم ~~، فقد تقرر أنهم عقدوا قلوبهم على الهوى فكان ذلك العقد صارفا السمع عن ~~تلقي الآيات فقدم لإفادة أنهم كالمختوم على سمعهم ، ثم عطف عليه { وقلبه } ~~تكميلا وتذكيرا بذلك العقد الصارف للسمع ثم ذكر ما { على بصره } من شبه ~~الغشاوة لأن ما عقد عليه قلبه بصره عن النظر في أدلة الكائنات . # وأما ms7637 آية سورة البقرة فإن المتحدث عنهم هم هؤلاء أنفسهم ولكن الحديث عنهم ~~ابتدىء بتساوي الإنذار وعدمه في جانبهم بقوله : { سواء عليهم أأنذرتهم أم ~~لم تنذرهم لا يؤمنون } ( البقرة : 6 ) فلما أريد تفصيله قدم الختم على ~~قلوبهم لأنه الأصل كما كان اتخاذ الهوى كالإلاه أصلا في وصف حالهم في آية ~~سورة الجاثية . فحالة القلوب هي الأصل في الانصراف عن التلقي والنظر في ~~الآيتين ولكن نظم هذه الآية كان على حسب ما يقتضيه الذكر من الترتيب ونظم ~~آية البقرة كان على حسب ما يقتضيه الطبع . وقرأ الجمهور { أفلا تذكرون } ~~بتشديد الذال . وقرأه عاصم بتخفيف الذال PageV25P360 وأصله عند الجميع { ~~تتذكرون } . فأما الجمهور فقراءتهم بقلب التاء الثانية ذالا لتقارب ~~مخرجيهما قصدا للتخفيف ، وأما عاصم فقراءته على حذف إحدى التاءين . # هذا عطف على جملة { أم حسب الذين اجترحوا السيئات } ( الجاثية : 21 ) أي ~~بعد أن جادلوا المسلمين بأنه إن كان يبعث بعد الموت فستكون عقباهم خيرا من ~~عقبى المسلمين ، يقولون ذلك لقصد التورك وهم لا يوقنون بالبعث والجزاء بل ~~ضربوه جدلا وإنما يقينهم قولهم { ما هي إلا حياتنا الدنيا } . # وتقدم في سورة الأنعام { وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن ~~بمبعوثين } وضمير { هي } ضمير القصة والشأن ، أي قصة الخوض في البعث تنحصر ~~في أن لا حياة بعد الممات ، أي القصة هي انتفاء البعث كما أفاده حصر الأمر ~~في الحياة الدنيا ، أي الحاضرة القريبة منا ، أي فلا تطيلوا الجدال معنا في ~~إثبات البعث ، ويجوز أن يكون { هي } ضمير الحياة باعتبار دلالة الاستثناء ~~على تقدير لفظ الحياة فيكون حصرا لجنس الحياة في الحياة الدنيا . # وجملة { نموت ونحيا } مبينة لجملة { ما هي إلا حياتنا الدنيا } أي ليس ~~بعد هذا العالم عالم آخر فالحياة هي حياة هذا العالم لا غير فإذا مات من ~~كان حيا خلفه من يوجد بعده . فمعنى { نموت ونحيا } يموت بعضنا ويحيا بعض أي ~~يبقى حيا إلى أمد أو يولد بعد من ماتوا . وللدلالة على هذا التطور عبر ~~بالفعل المضارع ، أي تتجدد فينا الحياة والموت . فالمعنى ms7638 : نموت ونحيا في ~~هذه الحياة الدنيا وليس ثمة حياة أخرى . ثم إن كانت هذه الجملة محكية بلفظ ~~كلامهم فلعلها مما جرى مجرى المثل بينهم ، وإن كانت حكاية لمعنى كلامهم فهي ~~من إيجاز القرآن وهم إنما قالوا : يموت بعضنا ويحيا بعضنا ثم يموت فصار ~~كالمثل . PageV25P361 # ولا يخطر بالبال أن حكاية قولهم : { نموت ونحيا } تقتضي إرادة نحيا بعد ~~أن نموت لأن قولهم { ما هي إلا حياتنا الدنيا } يصرف عن خطور هذا بالبال . ~~والعطف بالواو لا يقتضي ترتيبا بين المتعاطفين في الحصول . # وإنما قدم { نموت } في الذكر على { ونحيا } في البيان مع أن المبين قولهم ~~{ ما هي إلا حياتنا الدنيا } فكان الظاهر أن يبدأ في البيان بذكر اللفظ ~~المبين فيقال : نحيا ونموت ، فقيل قدم { نموت } لتتأتى الفاصلة بلفظ { نحيا ~~} مع لفظ { الدنيا } . وعندي أن تقديم فعل { نموت } على { نحيا } للاهتمام ~~بالموت في هذا المقام لأنهم بصدد تقرير أن الموت لا حياة بعده ويتبع ذلك ~~الاهتمام تأتي طباقين بين حياتنا الدنيا ونموت ثم بين نموت ونحيا . وحصلت ~~الفاصلة تبعا ، وذلك أدخل في بلاغة الإعجاز ولذلك أعقبه بقوله تعالى : { ~~وما لهم بذلك من علم } فالإشارة ب { ذلك } إلى قولهم { وما يهلكنا إلا ~~الدهر } ، أي لا علم لهم بأن الدهر هو المميت إذ لا دليل . # وأما زيادة { وما يهلكنا إلا الدهر } فقصدوا تأكيد معنى انحصار الحياة ~~والموت في هذا العالم المعبر عنه عندهم بالدهر . فالحياة بتكوين الخلقة ~~والممات بفعل الدهر . فكيف يرجى لمن أهلكه الدهر أن يعود حيا فالدهر هو ~~الزمان المستمر المتعاقب ليله ونهاره . # والمعنى : أحياؤنا يصيرون إلى الموت بتأثير الزمان ، أي حدثانه من طول ~~مدة يعقبها الموت بالشيخوخة ، أو من أسباب تفضي إلى الهلاك ، وأقوالهم في ~~هذا كثيرة ومن الشعر القديم قول عمرو بن قميئة : # رمتني بنات الدهر من حيث لا أرى # فما بال من يرمى وليس برام # ولعلهم يريدون أنه لو تأثر الزمان لبقي الناس أحياء كما قال أسقف نجران : # منع البقاء تقلب الشمس # وطلوعها من حيث لا تمسي # فلما كان الموت بفعل ms7639 الدهر فكيف يرجى أن يعودوا أحياء . وهذه كلمات كانت ~~تجري على ألسنتهم لقلة التدبر في الأمور وإن كانوا PageV25P362 يعلمون أن ~~الله هو الخالق للعوالم ، وأما ما يجري في العالم من التصرفات فلم يكن لهم ~~فيه رأي وكيف وحالتهم الأمية لا تساعد على ذلك ، وكانوا يخطئون في التفاصيل ~~حتى يأتوا بما يناقض ما يعتقدونه ، ولذلك أعقبه بقوله تعالى : { وما لهم ~~بذلك من علم } فإشارة ب { ذلك } إلى قولهم { وما يهلكنا إلا الدهر } أي لا ~~علم لهم بأن الدهر هو المميت إذ لا دليل على ذلك فإن الدليل النظري بين أن ~~الدهر وهو الزمان ليس بمميت مباشرة وهو ظاهر ولا بواسطة في الإماتة إذ ~~الزمان أمر اعتباري لا يفعل ولا يؤثر وإنما هو مقادير يقدر بها الناس ~~الأبعاد بين الحوادث مرجعه إلى تقدير حصة النهار والليل وحصص الفصول ~~الأربعة ، وإنما توهم عامة الناس أن الزمان متصرف ، وهي توهمات شاعت حتى ~~استقرت في الأذهان الساذجة . # والمراد بالظن في قوله : { إن هم إلا يظنون } ما ليس بعلم فهو هنا التخيل ~~والتوهم وجملة { إن هم إلا يظنون } مبينة بجملة { وما لهم بذلك من علم } أو ~~استئناف بياني كأن سائلا حين سمع قوله : { وما لهم بذلك من علم } سأل عن ~~مستندهم في قولهم ذلك فأجيب بأنه الظن المبني على التخيل . # وجيء بالمضارع في { يظنون } لأنهم يحددون هذا الظن ويتلقاه صغيرهم عن ~~كبيرهم في أجيالهم وما هم بمقلعين عنه . # عطف على { وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون } ( الجاثية : 24 ) ، أي ~~عقدوا على عقيدة أن لا حياة بعد الممات استنادا للأوهام والأقيسة الخيالية ~~. وإذا تليت عليهم آيات القرآن الواضحة الدلالة على إمكان البعث وعلى لزومه ~~لم يعارضوها بما يبطلها بل يهرعون إلى المباهتة فيقولون إن كان البعث حقا ~~فأتوا بآبائنا إن صدقتم . فالمراد بالآيات آيات القرآن المتعلقة بالبعث ~~بدليل ما قبل الكلام وما بعده . PageV25P363 # وفي قوله : { ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا } تسجيل عليهم ~~بالتلجلج عن الحجة البينة ، والمصير إلى سلاح العاجز من ms7640 المكابرة والخروج ~~عن دائرة البحث . # والخطاب بفعل { ائتوا } موجه للمؤمنين بدخول الرسول صلى الله عليه وسلم و ~~{ إلا أن قالوا } استثناء من حجتهم وهو يقتضي تسمية كلامهم هذا حجة وهو ليس ~~بحجة إذ هو بالبهتان أشبه فإما أن يكون إطلاق اسم الحجة عليه على سبيل ~~التهكم بهم كقول عمرو بن كلثوم : # قريناكم فعجلنا قراكم # قبيل الصبح مرداة طحونا # فسمى القتل قرى ، وعلى هذا يكون الاستثناء في قوله : { إلا أن قالوا ~~ائتوا بآبائنا } استثناء متصلا تهكما ، وإما أن يكون إطلاق اسم الحجة على ~~كلامهم جرى على اعتقادهم وتقديرهم دون قصد تهكم بهم ، أي أتوا بما توهموه ~~حجة فيكون الإطلاق استعارة صورية والاستثناء على هذا متصل أيضا . وإما أن ~~يكون الإطلاق استعارة بعلاقة الضدية فيكون مجازا مرسلا بتنزيل التضاد منزلة ~~التناسب على قصد التهكم فيكون المعنى أن لا حجة لهم البتة إذ لا حجة لهم ~~إلا هذه ، وهذه ليست بحجة بل هي عناد فيحصل أن لا حجة لهم بطريق التمليح ~~والكناية كقول جرانن العود : # وبلدة ليس بها أنيس # إلا اليعافير وإلا العيس # أي لا أنس بها البتة . # ويقدر قوله : { أن قالوا ائتوا بآبائنا } في محل رفع بالاستثناء المفرغ ~~على الاعتبارات الثلاثة فهو اسم { كان } و { حجتهم } خبرها لأن حجتهم منصوب ~~في قراءة جميع القراءات المشهورة . # وتقديم خبر { كان } على اسمها لأن اسمها محصور ب { إلا } فحقه التأخير عن ~~الخبر . PageV25P364 # . # تلقين لإبطال قولهم { وما يهلكنا إلا الدهر } ( الجاثية : 24 ) يتضمن ~~إبطال قولهم { ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا } ( الجاثية : 24 ) . # والمقصود منه قوله : { ثم يميتكم } وإنما قدم عليه { يحييكم } توطئة له ، ~~أي كما هو أوجدكم هو يميتكم لا الدهر ، فتقديم اسم الله على المسند الفعلي ~~وهو { يحييكم ثم يميتكم } يفيد تخصيص الإحياء والإماتة به لإبطال قولهم ، ~~إن الدهر هو الذي يميتهم . # وقوله : { ثم يجمعكم إلى يوم القيامة } إبطال لقولهم : { ما هي إلا ~~حياتنا الدنيا } ( الجاثية : 24 ) وليس هو إبطالا بطريق الاستدلال لأن أدلة ~~هذا تكررت فيما نزل من القرآن فاستغني عن تفصيلها ms7641 ولكنه إبطال بطريق ~~الإجمال والمعارضة . # وقوله : { لا ريب فيه } حال من { يوم القيامة } ، أي لا ريب في وجوده بما ~~يقتضيه من إحياء الأموات ، ومعنى نفي الريب فيه أنه حقيقة الريب وهي التي ~~تتقوم من دلائل تفضي إلى الشك منتفية عن قضية وقوع يوم القيامة بكثرة ~~الدلائل الدالة على إمكانه وعلى أنه بالنسبة لقدرة الله ليس أعجب من بدء ~~الخلق ، وأن الله أخبر عن وقوعه فوجب القطع بوقوعه . فكان الشك فيه جديرا ~~بالاقتلاع فكأنه معدوم . وهذا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن ~~الكهان ( ليسوا بشيء ) مع أنهم موجودون فأراد أنهم ليسوا بشيء حقيق ، وقد ~~تقدم عند قوله تعالى : { ذلك الكتاب لا ريب فيه } في سورة البقرة . # وعطف { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } على قوله : { لا ريب فيه } أي ولكن ~~ارتياب كثير من الناس فيه لأنهم لا يعلمون دلائل وقوعه . PageV25P365 # ( 27 29 ) # . # اعتراض تذييل لقوله : { قل الله يحييكم ثم يميتكم } ( الجاثية : 26 ) أي ~~لله لا لغيره ملك السماوات والأرض ، أي فهو المتصرف في أحوال ما حوته ~~السماوات والأرض من إحياء وإماتة ، وغير ذلك بما أوجد من أصولها وما قدر من ~~أسبابها ووسائلها فليس للدهر تصرف ولا لما سوى الله تعالى . وتقديم المجرور ~~على المسند إليه لإفادة التخصيص لرد معتقدهم من خروج تصرف غيره في بعض ما ~~في السماوات والأرض كقولهم في الدهر . # صلى الله عليه وسلم . # لما جرى ذكر يوم القيامة أعقب بإنذار الذين أنكروه من سوء عاقبتهم فيه . # و { المبطلون } : الآتون بالباطل في معتقداتهم وأقوالهم وأعمالهم إذ ~~الباطل ما ضاد الحق . والمقصود منه ابتداء هنا هو الشرك بالله فإنه أعظم ~~الباطل ثم تجيء درجات الباطل متنازلة وما من درجة منها إلا وهي خسارة على ~~فاعلها بقدر فعلته وقد أنذر الله الناس وهو العليم بمقادير تلك الخسارة . # { ويوم تقوم الساعة } ظرف متعلق ب { يخسر } ، وقدم عليه للاهتمام به ~~واسترعاء الأسماع لما يرد من وصف أحواله . # و { يومئذ } توكيد ل { يوم تقوم الساعة } وتنوينه عوض عن المضاف إليه ~~المحذوف ms7642 لدلالة ما أضيف إليه يوم عليه ، أي يوم إذ تقوم الساعة يخسر ~~المبطلون فالتأكيد بتحقيق مضمون الخبر ولتهويل ذلك اليوم . PageV25P366 # والخطاب في { ترى } لكل من يصلح له الخطاب بالقرآن فلا يقصد مخاطب معين ، ~~ويجوز أن يكون خطابا للرسول صلى الله عليه وسلم والمضارع في { ترى } مراد ~~به الاستقبال فالمعنى : وترى يومئذ . # والأمة : الجماعة العظيمة من الناس الذين يجمعهم دين جاء به رسول إليهم . # و { جاثية } اسم فاعل من مصدر الجثو بضمتين وهو البروك على الركبتين ~~باستئفاز ، أي بغير مباشرة المقعدة للأرض ، فالجاثي هو البارك المستوفز وهو ~~هيئة الخضوع . # وظاهر كون { كتابها } مفردا غير معرف باللام أنه كتاب واحد لكل أمة ~~فيقتضي أن يراد كتاب الشريعة مثل القرآن ، والتوراة ، والإنجيل ، وصحف ~~إبراهيم وغير ذلك لا صحائف الأعمال ، فمعنى { تدعى إلى كتابها } تدعى لتعرض ~~أعمالها على ما أمرت به في كتابها كما في الحديث ( القرآن حجة لك أو عليك ) ~~وقيل : أريد بقوله : { كتابها } كتاب تسجيل الأعمال لكل واحد ، أو مراد به ~~الجنس وتكون إضافته إلى ضمير الأمة على إرادة التوزيع على الأفراد لأن لكل ~~واحد من كل أمة صحيفة عمله خاصة به كما قال تعالى : { اقرأ كتابك كفى بنفسك ~~اليوم عليك حسيبا } ( الإسراء : 14 ) ، وقال : { ووضع الكتاب فترى المجرمين ~~مشفقين مما فيه } ( الكهف : 49 ) أي كل مجرم مشفق مما في كتابه ، إلا أن ~~هذه الآية الأخيرة وقع فيها الكتاب معرفا باللام فقبل العموم . وأما آية ~~الجاثية فعمومها بدلي بالقرينة . فالمراد : خصوص الأمم التي أرسلت إليها ~~الرسل ولها كتب وشرائع لقوله تعالى : { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } ( ~~الإسراء : 15 ) . # ومسألة مؤاخذة الأمم التي لم تجئها الرسل بخصوص جحد الإلاه أو الإشراكك ~~به مقررة في أصول الدين ، وتقدمت عند قوله تعالى : { وما كنا معذبين حتى ~~نبعث رسولا } في سورة الإسراء . # وقرأ الجمهور { كل أمة تدعى إلى كتابها } برفع { كل } على أنه مبتدأ و { ~~تدعى } PageV25P367 خبر عنه والجملة استئناف بياني لأن جثو الأمة يثير سؤال ~~سائل عما بعد ذلك الجثو . وقرأه يعقوب بنصب { كل ms7643 } على البدل من قوله : { ~~وترى كل أمة } . وجملة { تدعى } حال من { كل أمة } فأعيدت كلمة { كل أمة } ~~دون اكتفاء بقوله { تدعى } أو يدعون للتهويل والدعاء إلى الكتاب بالأمم ~~تجثو ثم تدعى كل أمة إلى كتابها فتذهب إليه للحساب ، أي يذهب أفرادها ~~للحساب ولو قيل : وترى كل أمة جاثية تدعى إلى كتابها لأوهم أن الجثو ~~والدعاء إلى الكتاب يحصلان معا مع ما في إعادة الخبر مرة ثانية من التهويل ~~. # وجملة { اليوم تجزون ما كنتم تعملون } بدل اشتمال من جملة { تدعى إلى ~~كتابها } بتقدير قول محذوف ، أي يقال لهم اليوم تجزون ، أي يكون جزاؤكم على ~~وفق أعمالكم وجريها على وفق ما يوافق كتاب دينكم من أفعالكم في الحسنات ~~والسيئات ، وهذا البدل وقع اعتراضا بين جملة { وترى كل أمة جاثية } وجملة { ~~فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات } ( الجاثية : 30 ) الآيات . # وجملة { هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق } من مقول القول المقدر ، وهي ~~مستأنفة استئنافا بيانيا لتوقع سؤال من يقول منهم : ما هو طريق ثبوت ~~أعمالها . والإشارة إما إلى كتاب شريعة الأمة المدعوة ، وإما إلى كتب ~~أفرادها على تأويل الكتاب بالجنس على الوجهتين المتقدمين . # وإفراد ضمير { ينطق } على هذا الوجه مراعاة للفظ { كتابنا } ، فالمعنى ~~هذه كتبنا تنطق عليكم بالحق . # وإضافة ( كتاب ) إلى ضمير الله تعالى بعد أن أضيف إلى { كل أمة } لاختلاف ~~الملابسة ، فالكتاب يلابس الأمة لأنه جعل لإحصاء أعمالهم أو لأن ما كلفوا ~~به مثبت فيه ، وإضافته إلى ضمير الله لأنه الآمر به . وإسناد النطق إلى ~~الكتاب مجاز عقلي وإنما تنطق بما في الكتاب ملائكة الحساب ، أو استعير ~~النطق للدلالة نحو قولهم : نطقت الحال . PageV25P368 # والمعنى : أن فيه شهادة عليهم بأن أعمالهم مخالفة لوصايا الكتاب أو بأنها ~~مكتوبة في صحائف أعمالهم على التأويلين في المراد بالكتاب . ولتضمن { ينطق ~~} معنى ( يشهد ) عدي بحرف ( على ) . # ولما كان المقام للتهديد اقتصر فيه على تعدية { ينطق } بحرف ( على ) دون ~~زيادة : ولكم ، إيثارا لجانب التهديد . # وجملة { إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون } استئناف بياني لأنهم إذا سمعوا ~~{ هذا كتابنا ينطق عليكم ms7644 بالحق } خطر ببالهم السؤال : كيف شهد عليهم الكتاب ~~اليوم وهم قد عملوا الأعمال في الدنيا ، فأجيبوا بأن الله كان يأمر بنسخ ما ~~يعملونه في الصحف في وقت عمله . # وإن حمل الكتاب على كتب الشريعة كانت جملة { إنا كنا نستنسخ ما كنتم ~~تعملون } تعليلا للجملة قبلها باعتبار تقييد النطق بأنه بالحق ، أي لأن ~~أعمالكم كانت محصاة مبين ما هو منها مخالف لما أمر به كتابهم . # والاستنساخ : استفعال من النسخ . # والنسخ : يطلق على كتابة ما يكتب على مثالل مكتوبب آخر قبله . ويسمى ~~بالمعارضة أيضا . وظاهر الأساس أن هذا حقيقة معنى النسخ وأن قولهم : نسخت ~~الشمس الظل مجاز . وكلام جمهور العلماء بخلافه كما يقوله علماء أصول الفقه ~~في باب النسخ . وكلام الراغب يحتمل الإطلاقين ، فإذا درجت على كلام الجمهور ~~فقد جعلت كتابة مكتوبب على مثال مكتوبب قبله كإزالة للمكتوب الأول لأن ذلك ~~في الغالب يكون لقصد التعويض عن المكتوب الأول لمن ليس عنده أو لخشية ضياع ~~الأصل . وعن ابن عباس أنه يقول : ألستم عربا وهل يكون النسخ إلا من كتاب . # وأما إطلاق النسخ على كتابة أنفف ليست على مثال كتابة أخرى سبقتها فكلام ~~الزمخشري في الأساس صريح في أنه من معاني النسخ حقيقة ، وهو ظاهر كلامه في ~~( الكشاف ) ، فيكون لفظ النسخ مشتركا في المعنيين بل ربما كان معنى ~~PageV25P369 مطلق الكتابة هو الأصل وكانت تسمية كتابة على مثل كتابة سابقة ~~نسخا لأن ذلك كتابة وكلام صاحب ( اللسان ) وصاحب ( القاموس ) أن نقل ~~الكتابة لا يسمى نسخا إلا إذا كان على مثال كتابة سابقة . وهذا اختلاف معضل ~~، والأظهر ما ذهب إليه صاحب ( اللسان ) وصاحب ( القاموس ) فيجوز أن يكون ~~السين والتاء في { نستنسخ } للمبالغة في الفعل مثل استجاب . ويجوز أن يكون ~~السين والتاء للطلب والتكليف ، أي نكلف الملائكة نسخ أعمالكم ، وعلى هذا ~~المحمل حمل المفسرون السين والتاء هنا أي للطلب ، ثم يجوز أن يكون النسخ ~~على معنى نقل كتابة عن كتابة سابقة وبه فسر ابن عباس قال : إن الله وكل ~~ملائكة ينسخون من أم الكتاب في رمضان ms7645 كل ما سيكون من أعمال بني آدم ، ويجوز ~~أن يكون النسخ بمعنى كتابة ما تعلمه الناس دون نقل عن أصل . # والمعنى : إنا كنا نكتب أعمالكم . وعن علي بن أبي طالب أنه قال : إن لله ~~ملائكة ينزلون كل يوم بشيء يكتبون فيه أعمال بني آدم ومثله عن الحسن والسدي ~~. # والنسخ هنا : الكتابة ، وإسناد فعل الاستنتاج إلى ضمير الله على هذا ~~إسناد مجازي لأن الله أمر الحفظة بكتابة الأعمال . # ( 30 32 ) { لله } # الفاء لعطف المفصل على المجمل ، وهو تفصيل لما أجمل في قوله : { وترى كل ~~أمة جاثية } ( الجاثية : 28 ) وما بينهما اعتراض . PageV25P370 # فالكلام هنا هو متصل بقوله : { وترى كل أمة جاثية كما دل عليه قوله : ~~وأما الذين كفروا أفلم تكن آياتي تتلى عليكم } . # وابتدىء في التفصيل بوصف حال المؤمنين مع أن المقام للحديث عن المبطلين ~~في قوله : { يومئذ يخسر المبطلون } ( الجاثية : 27 ) تنويها بالمؤمنين ~~وتعجيلا لمسرتهم وتعجيلا لمساءة المبطلين لأن وصف حال المؤمنين يؤذن ~~بمخالفة حال الآخرين لحالهم . # والتعبير ب ( يدخلهم في رحمته ) شامل لما تتصوره النفس من أنواع الكرامة ~~والنعيم إذ جعلت رحمة الله بمنزلة المكان يدخلونه . # وافتتح بيان حال الذين كفروا بما يقال لهم من التوبيخ والتقرير من قبل ~~الله تعالى ، فقوله : { أفلم تكن آياتي } مقول قول محذوف لظهور أن ذلك خطاب ~~صادر من متكلم من جانب الله تعالى فيقدر فيقال لهم على طريقة قوله بعد { ~~وقيل اليوم ننساكم } ( الجاثية : 34 ) . والفاء جواب { أما } ، أو فيقال ~~لهم { أفلم تكن آياتي تتلى عليكم } فلما حذف فعل القول قدم حرف الاستفهام ~~على فاء الجواب اعتدادا باستحقاقه التصدير كما يقدم الاستفهام على حروف ~~العطف . ولم يتعد بالمحذوف لأن التقديم لدفع الكراهة اللفظية من تأخر ~~الاستفهام عن الحرف وهي موجودة بعد حذف ما حذف . # والاستفهام توبيخ وتقرير . والمراد بالآيات القرآن ، أي فاستكبرتم على ~~الأخذ بها ولم تقتصروا على الاستكبار بل كنتم قوما مجرمين ، أي لم تفدكم ~~مواعظ القرآن صلاحا لأنفسهم بما سمعتم منه . وإقحام { قوما } دون الاقتصار ~~على : وكنتم مجرمين ، للدلالة على أن الإجرام ms7646 صار خلقا لهم وخالط نفوسهم ~~حتى صار من مقومات قوميتهم وقد قدمناه غير مرة . # وجملة { وإذا قيل إن وعد الله حق } إلخ عطف على جملة { فاستكبرتم } . ~~والتقدير : وقلتم ما ندري ما الساعة إذا قيل لكم إن الساعة لا ريب فيها . ~~وهذانن القولان مما تكرر في القرآن بلفظه وبمعناه ، فهو تخصيص لبعض آيات ~~القرآن بالذكر بعد التعميم في قوله : { أفلم تكن آياتي تتلى عليكم ~~فاستكبرتم } . PageV25P371 # والتعريف في { الساعة } للعهد وهي ساعة البعث ، أي زمان البعث كما عبر ~~عنه باليوم . وقرأ الجمهور { والساعة لا ريب فيها } برفع { الساعة } عطف ~~على جملة { إن وعد الله حق } . وقرأه حمزة وحده بنصب { والساعة } عطفا على ~~{ إن وعد الله } من العطف على معمولي عامل واحد . ومعنى { ما ندري ما ~~الساعة } ما نعلم حقيقة الساعة ونفي العلم بحقيقتها كناية عن جحد وقوع ~~الساعة ، أي علمنا أنها لا وقوع لها ، استنادا للتخيلات التي ظنوها أدلة ~~كقولهم : { أإذا كنا عظاما ورفاتا إنا لمبعوثون خلقا جديدا } ( الإسراء : ~~49 ) . # وقوله : { إن نظن إلا ظنا } ظاهر في أنه متصل بما قبله من قولهم : { ما ~~ندري ما الساعة } ، ومبين بما بعده من قوله : { وما نحن بمستيقنين } وموقعه ~~ومعناه مشكل ، وفي نظمه إشكال أيضا . فأما الإشكال من جهة موقعه ومعناه ~~فلأن القائلين موقنون بانتفاء وقوع الساعة لما حكي عنهم آنفا من قولهم : { ~~ما هي إلا حياتنا الدنيا } ( الجاثية : 24 ) الخ فلا يحق عليهم أنهم يظنون ~~وقوع الساعة بوجه من الوجوه ولو احتمالا . # ولا يستقيم أن يطلق الظن هنا على الإيقان بعدم حصوله فيعضل معنى قولهم { ~~إن نظن إلا ظنا } ، فتأوله الفخر فقال : إن القوم كانوا فريقين ، وأن الذين ~~قالوا { إن نظن إلا ظنا } فريق كانوا قاطعين بنفي البعث والقيامة وهم الذين ~~ذكرهم الله في الآية المتقدمة بقوله : { وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا } ~~( الجاثية : 24 ) . ومنهم من كان شاكا متحيرا فيه وهم الذين أراد الله بهذه ~~الآية اه . # وأقول : هذا لا يستقيم لأنه لو سلم أن فريقا من المشركين كانوا يشكون في ~~وقوع الساعة ms7647 ولا يجزمون بانتفائه فإن جمهرة المشركين نافون لوقوعها فلا ~~يناسب مقام التوبيخ تخصيصه بالذين كانوا مترددين في ذلك . والوجه عندي في ~~تأويله : إما يكون هذا حكاية لاستهزائهم بخبر البعث فإذا قيل لهم : { ~~الساعة لا ريب فيها } قالوا استهزاء { ما نظن إلا ظنا } ، ويدل عليه قوله ~~عقبه { وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون } ( الجاثية : 33 ) . PageV25P372 # وتأوله ابن عطية بأن معناه إن نظن بعد قبول خبركم إلا ظنا وليس يعطينا ~~يقينا اه ، أي فهو إبطالهم لخصوص قول المسلمين : الساعة لا ريب فيها . # وأما إشكاله من جهة النظم فمرجع الإشكال إلى استثناء الظن من نفسه في ~~قوله : { إن نظن إلا ظنا } فإن الاستثناء المفرغ لا يصح أن يكون مفرغا ~~للمفعول المطلق لانتفاء فائدة التفريع . والخلاص من هذا ما ذهب إليه ابن ~~هشام في ( مغني اللبيب ) أن مصحح الاستثناء الظن من نفسه أن المستثنى هو ~~الظن الموصوف بما دل عليه تنكيره من التحقير المشعر به التنوين على حد قول ~~الأعشى : # أحل به الشيب أثقاله # وما اغتره الشيب إلا اغترارا # أي ، إلا ظنا ضعيفا . # ومفعولا { نظن } محذوفان لدليل الكلام عليهما . والتقدير : إن نظن الساعة ~~واقعة . # وقولهم : { وما نحن بمستيقنين } يفيد تأكيد قولهم { ما ندري ما الساعة إن ~~نظن إلا ظنا } ، وعطفه عطف مرادف ، أي للتشريك في اللفظ . والسين والتاء في ~~{ بمستيقنين } للمبالغة في حصول الفعل . # عطف على جملة { أفلم تكن آياتي تتلى عليكم } ( الجاثية : 31 ) باعتبار ~~تقدير : فيقال لهم ، أي فيقال لهم ذلك { وبدا لهم سيئات ما عملوا } ، أي ~~جمع لهم بين التوبيخ والإزعاج فوبخوا بقوله : { أفلم تكن آياتي تتلى عليكم ~~} إلى آخره ، وأزعجوا بظهور سيئات أعمالهم ، أي ظهور جزاء سيئاتهم حين رأوا ~~دار العذاب وآلاته رؤية من يوقن بأنها معدة له وذلك بعلم يحصل لهم عند رؤية ~~الأهوال . PageV25P373 وعبر بالسيئات عن جزائها إشارة إلى تمام المعادلة ~~بين العمل وجزائه حتى جعل الجزاء نفس العمل على حد قوله : { فذوقوا ما كنتم ~~تكنزون } ( التوبة : 35 ) . # ومعنى { حاق } أحاط . # و { ما كانوا به يستهزئون } يعم كل ما ms7648 كان طريق استهزاء بالإسلام من ~~أقوالهم الصادرة عن استهزاء مثل قولهم : { إن نظن إلا ظنا وما نحن ~~بمستيقنين } ( الجاثية : 32 ) . وقول العاصي بن وائل لخباب بن الأرت : ~~لأوتين مالا وولدا في الآخرة فأقضي منه دينك . ومن الأشياء التي جعلوها ~~هزؤا مثل عذاب جهنم وشجرة الزقوم وهو ما عبر عنه آنفا ب { سيئات ما عملوا } ~~. وإنما عدل عن الإضمار إلى الموصولية لأن في الصلة تغليطا لهم وتنديما على ~~ما فرطوا من أخذ العدة ليوم الجزاء على طريقة قول عبدة بن الطيب : # إن الذين ترونهم إخوانكم # يشفي غليل صدورهم أن تصرعوا # والمعنى : أنهم قد أودعوا جهنم فأحاط بهم سرداقها . # والباء في { به يستهزئون } يجوز حملها على السببية وعلى تعدية فعل { ~~يستهزئون } إلى ما لا يتعدى إليه أي العذاب . # ( 34 ، 35 ) # لما أودعوا جهنم وأحاطت بهم نودوا { اليوم ننساكم } إلى آخره تأييسا لهم ~~من العفو عنهم . # وبني فعل { قيل } للنائب حطا لهم عن رتبة أن يصرح باسم الله في حكاية ~~الكلام الذي واجههم به كما أشرنا إليه عند قوله آنفا { وإذا قيل إن وعد ~~الله PageV25P374 حق } ( الجاثية : 32 ) بناء على أن ضمير { ننساكم } ضمير ~~الجلالة وليس من قول الملائكة ، فإن كان من قول خزنة جهنم ببناء فعل { وقيل ~~} للنائب للعلم بالفاعل . # وأطلق النسيان على الترك المؤبد على سبيل المجاز المرسل لأن النسيان ~~يستلزم ترك الشيء المنسي في محله أو تركه على حالته ، ويجوز أن يكون ~~النسيان مستعارا للإهمال وعدم المبالاة ، أي فلا تتعلق الإرادة بالتخفيف ~~عنهم وعلى هذين الاعتبارين يفسر معنى النسيان الثاني . # والكاف في { كما نسيتم لقاء يومكم } للتعليل كما في قوله تعالى : { ~~واذكروه كما هداكم } ( البقرة : 198 ) ، أي جزاء نسيانكم هذا اليوم ، أي ~~إعراضكم عن الإيمان به . # واللقاء : وجدان شيء شيئا في مكان ، وهو المصادفة يقال : لقي زيد عمرا ، ~~ولقي العصفور حبة . ولقاء اليوم ، أطلق اليوم على ما فيه من الأحداث على ~~سبيل المجاز المرسل لأنه أوجز من تعداد الأهوال الحاصلة منذ البعث إلى قضاء ~~الجزاء على الأعمال . # وإضافة يوم إلى ms7649 ضمير المخاطبين في { يومكم } باعتبار أن ذلك اليوم ظرف ~~لأحوال تتعلق بهم فإن الإضافة تكون لأدنى ملابسة ، ألا ترى أنه أضيف إلى ~~ضمير المؤمنين في قوله تعالى : { وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم ~~توعدون } ( الأنبياء : 103 ) . # ووصف اليوم باسم الإشارة تمييزه أكمل تمييز تكميلا لتعريفه بالإضافة لئلا ~~يلتبس عليهم بيوم آخر . # وعطف { ومأواكم النار } على { اليوم ننساكم } ليعلموا أن تركهم في النار ~~ترك مؤبد فإن المأوى هو مسكن الشخص الذي يأوي إليه بعد أعماله ، فالمعنى ~~أنكم قد أويتم إلى النار فأنتم باقون فيها ، وتقدم نظير قوله : { وما لكم ~~من ناصرين } قريبا ، والمقصود تخطئة زعمهم السابق أن الأصنام تنفعهم في ~~الشدائد . # و { ذلكم } إشارة إلى { مأواكم } والباء للسببية ، أي ذلكم المأوى بسبب ~~PageV25P375 اتخاذكم آيات الله ، وهي آيات القرآن هزؤا ، أي مستهزأ بها ، { ~~هزؤا } مصدر مراد به اسم المفعول مثل خلق . # وتغرير الحياة الدنيا إياهم سبب أيضا لجعل النار مأواهم . والتغرير : ~~الإطماع الباطل . ومعنى تغرير الحياة الدنيا إياهم : أنهم قاسوا أحوال ~~الآخرة على أحوال الدنيا فظنوا أن الله لا يحيي الموتى وتطرقوا من ذلك إلى ~~إنكار الجزاء في الآخرة على ما يعمل في الدنيا وغرهم أيضا ما كانوا عليه من ~~العزة والمنعة فخالوه منتهى الكمال فلم يصيخوا إلى داعي الرشد وعظة النصح ~~وأعرضوا عن الرسول صلى الله عليه وسلم وعن القرآن المرشد ولولا ذلك لأقبلوا ~~على التأمل فيما دعوا إليه فاهتدوا فسلموا من عواقب الكفر ولكون هذه ~~المغررات حاصلة في الحياة الدنيا أسند التغرير إلى الحياة على سبيل المجاز ~~العقلي لأن ذلك أجمع لأسباب الغرور . # وفرع على ذلك { فاليوم لا يخرجون منها } بالفاء وهذا من تمام الكلام الذي ~~قيل لهم لأن وقوع كلمة ( اليوم ) في أثنائه يعين أنه من القيل الذي يقال ~~لهم يومئذ . واتفق القراء على قراءة { لا يخرجون } بياء الغيبة . وكان ~~مقتضى الظاهر أن يقال : لا تخرجون ، بأسلوب الخطاب مثل سابقه ولكن عدل عن ~~طريقة الخطاب إلى الغيبة على وجه الالتفات . ويحسنه هنا أنه تخييل للإعراض ~~عنهم بعد توبيخهم وتأييسهم ms7650 وصرف بقية الإخبار عنهم إلى مخاطب آخر ينبأ ~~ببقية أمرهم تحقيرا لهم . # وقرأ الجمهور { يخرجون } بضم الياء وفتح الراء ، فالمعنى : أنهم يسألون ~~من يخرجهم فلا يخرجهم أحد كما في قوله تعالى : { ربنا أخرجنا منها } ( ~~المؤمنون : 107 ) وقوله : { فهل إلى خروج من سبيل } ( غافر : 11 ) . وقرأه ~~حمزة والكسائي { يخرجون } بفتح الياء وضم الراء . فالمعنى : أنهم يفزعون ~~إلى الخروج فلا يستطيعون لقوله تعالى : { كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم ~~أعيدوا فيها } ( الحج : 22 ) . # والاستعتاب بمعنى : الإعتاب ، فالسين والتاء للمبالغة كما يقال : أجاب ~~واستجاب . ومعنى الإعتاب : إعطاء العتبى وهي الرضا . وهو هنا مبني للمجهول ~~. أي لا يستعتبهم أحد ، أي ولا يرضون بما يسألون ، وتقدم نظيره في قوله ~~تعالى : { فيومئذ لا تنفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون } في سورة ~~الروم . PageV25P376 # وتقديم { هم } على { يستعتبون } وهو مسند فعلي بعد حرف النفي هنا تعريض ~~بأن الله يعتب غيرهم ، أي يرضي المؤمنين ، أي يغفر لهم . # ( 36 ، 37 ) # الفاء لتفريع التحميد والثناء على الله تفريعا على ما احتوت عليه السورة ~~من ألطاف الله فيما خلق وأرشد وسخر وأقام من نظم العدالة ، والإنعام على ~~المسلمين في الدنيا والآخرة ، ومن وعيد للمعرضين واحتجاج عليهم ، فلما كان ~~ذلك كله من الله كان دالا على اتصافه بصفات العظمة والجلال وعلى إفضاله على ~~الناس بدين الإسلام كان حقيقا بإنشاء قصر الحمد عليه فيجوز أن يكون هذا ~~الكلام مرادا منه ظاهر الإخبار ، ويجوز أن يكون مع ذلك مستعملا في معناه ~~الكنائي وهو أمر الناس بأن يقصروا الحمد عليه . ويجوز أن يكون إنشاء حمد ~~لله تعالى وثناء عليه . وكل ما سبقه من آيات هذه السورة مقتض للوجوه ~~الثلاثة ، ونظيره قوله تعالى : { فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله ~~رب العالمين في سورة الأنعام . # وتقديم ( لله ) لإفادة الاختصاص ، أي الحمد مختص به الله تعالى يعني ~~الحمد الحق الكامل مختص به تعالى كما تقدم في سورة الفاتحة . # وإجراء وصف رب السماوات } على اسمه تعالى إيماء إلى علة قصر الحمد على ~~الله إخبارا وإنشاء تأكيدا لما ms7651 اقتضته الفاء في قوله : { فلله الحمد } . ~~وعطف { ورب الأرض } بتكرير لفظ { رب } للتنويه بشأن الربوبية لأن رب ~~السماوات والأرض يحق حمده على أهل السماء والأرض ، فأما أهل السماء فقد ~~حمدوه كما أخبر الله عنهم بقوله : { والملائكة يسبحون بحمد ربهم } ( الشورى ~~: 5 ) . وأما أهل الأرض فمن حمده منهم فقد أدى حق الربوبية ومن حمد غيره ~~وأعرض عنه فقد سجل على نفسه سمة الإباق ، وكان بمأوى النار محل استحقاق . ~~PageV25P377 # ثم أتبع بوصف { رب العالمين } وهم سكان السماوات والأرض تأكيدا لكونهم ~~محقوقين بأن يحمدوه لأنه خالق العوالم التي هم منتفون بها وخالق ذواتهم ~~فيها كذلك . # وعقب ذلك بجملة { وله الكبرياء في السماوات والأرض } للإشارة إلى أن ~~استدعاءه خلقه لحمده إنما هو لنفعهم وتزكية نفوسهم فإنه غني عنهم كما قال : ~~{ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن ~~يطعمون } ( الذاريات : 56 ، 57 ) . # وتقديم المجرور في { وله الكبرياء } مثله في { فلله الحمد } . والكبرياء ~~: الكبر الحق الذي هو كمال الصفات وكمال الوجود . ثم أتبع ذلك بصفتي { ~~العزيز الحكيم } لأن العزة تشمل معاني القدرة والاختيار ، والحكمة تجمع ~~معاني تمام العلم وعمومه . وبهذه الخاتمة آذن الكلام بانتهاء السورة فهو من ~~براعة خواتم السور . # PageV25P378 # | 1 ( سورة الأحقاف ) 1 # سميت هذه السورة سورة الأحقاف } في جميع المصاحف وكتب السنة ، ووردت ~~تسميتها بهذا الاسم في كلام عبد الله بن عباس . روى أحمد بن حنبل بسند جيد ~~عن ابن عباس قال : ( أقرأني رسول الله سورة من آل حم وهي الأحقاف ) ، وكانت ~~السورة إذا كانت أكثر من ثلاثين آية سميت ثلاثين . وكذلك وردت تسميتها في ~~كلام عبد الله بن مسعود أخرج الحاكم بسند صححه عن ابن مسعود ( قال : أقرأني ~~رسول الله سورة الأحقاف ) الحديث . وحديث ابن عباس السابق يقتضي أنها تسمى ~~ثلاثين إلا أن ذلك لا يختص بها فلا يعد من أسمائها ولم يذكرها في ( الإتقان ~~) في عداد السور ذات أكثر من اسم . # ووجه تسميتها ( الأحقاف ) ورود لفظ ( الأحقاف ) فيها ولم يرد في غيرها من ~~سور القرآن ms7652 . وهي مكية قال القرطبي : باتفاق جميعهم ، وفي إطلاق كثير من ~~المفسرين . وبعض المفسرين نسبوا استثناء آيات منها إلى بعض القائلين ، فحكى ~~ابن عطية استثناء آيتين هما قوله تعالى : { قل أرأيتم إن كان من عند الله ~~وكفرتم به إلى الظالمين } ( الأحقاف : 10 ) فإنها أشارت إلى إسلام عبد الله ~~بن سلام وهو إنما أسلم بعد الهجرة ، وقوله : { فاصبر كما صبر أولوا العزم ~~من الرسل } ( الأحقاف : 35 ) . وفي ( الإتقان ) ثلاثة أقوال باستثناء آيات ~~ثلاث منها الثنتان اللتان ذكرهما ابن عطية والثالثة { ووصينا الإنسان ~~بوالديه إلى قوله : خاسرين } ( الأحقاف : 15 18 ) . وسيأتي ما يقتضي أنها ~~نزلت بعد مضي عامين PageV26P005 من البعثة وأسانيد جميعها متفاوتة . ~~وأقواها ما روي في الآية الأولى منها ، وسنبين ذلك عند الكلام عليها في ~~مواضعها . # وهذه السورة معدودة الخامسة والستين في عداد نزول السور ، نزلت بعد ~~الجاثية وقبل الذاريات . وعدت آيها عند جمهور أهل الأمصار أربعا وثلاثين ، ~~وعدها أهل الكوفة خمسا وثلاثين والاختلاف في ذلك مبني على أن { حم } تعتبر ~~آية مستقلة أو لا . # أغراضها # $ 2 ( { حم & # 1764 * تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم * ما خلقنا السماوات والارض ~~وما بينهمآ إلا بالحق وأجل مسمى والذين كفروا عمآ أنذروا معرضون * قل ~~أرأيتم ما تدعون من دون الله أرونى ماذا خلقوا من الارض أم لهم شرك فى ~~السماوات ائتونى بكتاب من قبل هاذآ أو أثارة من علم إن كنتم صادقين * ومن ~~أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعآئهم ~~غافلون * وإذا حشر الناس كانوا لهم أعدآء وكانوا بعبادتهم كافرين * وإذا ~~تتلى عليهم ءاياتنا بينات قال الذين كفروا للحق لما جآءهم هاذا سحر مبين * ~~أم يقولون افتراه قل إن افتريته فلا تملكون لى من الله شيئا هو أعلم بما ~~تفيضون فيه كفى به شهيدا بينى وبينكم وهو الغفور الرحيم * قل ما كنت بدعا ~~من الرسل ومآ أدرى ما يفعل بى ولا بكم إن أتبع إلا ما يوحى إلى ومآ أنا إلا ~~نذير مبين * قل أرءيتم إن ms7653 كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بنى & # 1764 إسراءيل على مثله فئامن واستكبرتم إن الله لا يهدى القوم الظالمين * ~~وقال الذين كفروا للذين ءامنوا لو كان خيرا ما سبقونآ إليه وإذ لم يهتدوا ~~به فسيقولون هاذآ إفك قديم * ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة وهاذا كتاب ~~مصدق لسانا عربيا لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين * إن الذين قالوا ربنا ~~الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون * أولائك أصحاب الجنة خالدين ~~فيها جزآء بما كانوا يعملون * ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه ~~كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين ~~سنة قال رب أوزعنى & # 1764 أن أشكر نعمتك التى & # 1764 أنعمت على وعلى والدى وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لى فى ذريتى & # 1764 إنى تبت إليك وإنى من المسلمين * أولائك الذين نتقبل عنهم أحسن ما ~~عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم فى & # 1764 أصحاب الجنة وعد الصدق الذى كانوا يوعدون * والذى قال لوالديه أف ~~لكمآ أتعداننى أن أخرج وقد خلت القرون من قبلى وهما يستغيثان الله ويلك ~~ءامن إن وعد الله حق فيقول ما هاذآ إلا أساطير الاولين * أولائك الذين حق ~~عليهم القول فى & # 1764 أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين * ولكل درجات ~~مما عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون * ويوم يعرض الذين كفروا على ~~النار أذهبتم طيباتكم فى حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب ~~الهون بما كنتم تستكبرون فى الارض بغير الحق وبما كنتم تفسقون * واذكر أخا ~~عاد إذ أنذر قومه بالاحقاف وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه ألا تعبدو & # 1764 ا إلا الله إنى & # 1764 أخاف عليكم عذاب يوم عظيم * قالو & # 1764 ا أجئتنا لتأفكنا عن ءالهتنا فأتنا بما تعدنآ إن كنت من الصادقين * ~~قال إنما العلم عند الله وأبلغكم مآ أرسلت به ولاكنى & # 1764 أراكم قوما تجهلون * فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هاذا ~~عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها ms7654 عذاب أليم * تدمر كل شىء بأمر ~~ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزى القوم المجرمين * ولقد مكناهم ~~فيمآ إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فمآ أغنى عنهم سمعهم ~~ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شىء إذ كانوا يجحدون بئايات الله وحاق بهم ما ~~كانوا به يستهزءون * ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى وصرفنا الايات لعلهم ~~يرجعون * فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا ءالهة بل ضلوا عنهم ~~وذلك إفكهم وما كانوا يفترون * وإذ صرفنآ إليك نفرا من الجن يستمعون ~~القرءان فلما حضروه قالو & # 1764 ا أنصتوا فلما قضى ولوا إلى قومهم منذرين * قالوا ياقومنآ إنا سمعنا ~~كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدى & # 1764 إلى الحق وإلى طريق مستقيم * ياقومنآ أجيبوا داعى الله وءامنوا به ~~يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم * ومن لا يجب داعى الله فليس بمعجز ~~فى الارض وليس له من دونه أوليآء أولائك فى ضلال مبين * أولم يروا أن الله ~~الذى خلق السماوات والارض ولم يعى بخلقهن بقادر على أن يحى الموتى بلى إنه ~~على كل شىء قدير * ويوم يعرض الذين كفروا على النار أليس هاذا بالحق قالوا ~~بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون * فاصبر كما صبر أولوا العزم ~~من الرسل ولا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثو & # 1764 ا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون } ) 2 $ ومن ~~الأغراض التي اشتملت عليها أنها افتتحت مثل سورة الجاثية بما يشير إلى ~~إعجاز القرآن للاستدلال على أنه منزل من عند الله . والاستدلال بإتقان خلق ~~السماوات والأرض على التفرد بالإلهية ، وعلى إثبات جزاء الأعمال . والإشارة ~~إلى وقوع الجزاء بعد البعث وأن هذا العالم صائر إلى فناء . وإبطال الشركاء ~~في الإلهية . والتدليل على خلوهم عن صفات الإلهية . وإبطال أن يكون القرآن ~~من صنع غير الله . وإثبات رسالة محمد صلى الله عليه وسلم واستشهاد الله ~~تعالى على صدق رسالته واستشهاد شاهد بني إسرائيل وهو عبد ms7655 الله بن سلام . ~~والثناء على الذين آمنوا بالقرآن وذكر بعض خصالهم الحميدة وما يضادها من ~~خصال أهل الكفر وحسدهم الذي بعثهم على تكذيبه . وذكرت معجزة إيمان الجن ~~بالقرآن . وختمت السورة بتثبيت الرسول صلى الله عليه وسلم # وأقحم في ذلك معاملة الوالدين والذرية مما هو من خلق المؤمنين ، وما هو ~~من خلق أهل الضلالة . PageV26P006 والعبرة بضلالهم مع ما كانوا عليه من ~~القوة ، وأن الله أخذهم بكفرهم وأهلك أمما أخرى فجعلهم عظة للمكذبين وأن ~~جميعهم لم تغن عنهم أربابهم المكذوبة . وقد أشبهت كثيرا من أغراض سورة ~~الجاثية مع تفنن . # تقدم القول في نظيره في أول سورة غافر . وهذه جملة مستقلة مثل نظائرها من ~~الحروف المقطعة في أوائل من سور القرآن . # تقدم القول في نظيره في أول الجاثية . # لما كان من أهم ما جاء به القرآن إثبات وحدانية الله تعالى ، وإثبات ~~البعث والجزاء ، لتوقف حصول فائدة الإنذار على إثباتهما ، جعل قوله : { ~~تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم } ( الأحقاف : 2 ) تمهيدا للاستدلال ~~على إثبات الوحدانية والبعث والجزاء ، فجعل خلق السماوات والأرض محل اتفاق ~~، ورتب عليه أنه ما كان ذلك الخلق إلا ملابسا للحق ، وتقتضي ملابسته للحق ~~أنه لا يكون خلقا عبثا بل هو دال على أنه يعقبه جزاء على ما يفعله ~~المخلوقون . واستثناء { بالحق } من أحوال عامة ، أي ما خلقناهما إلا في ~~حالة المصاحبة للحق . # وقوله : { والذين كفروا عما أنذروا معرضون } في موضع الحال من الضمير ~~المقدر في متعلق الجار والمجرور من قوله : { بالحق } ، فيكون المقصود من ~~الحال PageV26P007 التعجيب منهم وليس ذلك عطفا لأن الإخبار عن الذين كفروا ~~بالإعراض مستغنى عنه إذ هو معلوم ، والتقدير : إلا خلقا كائنا بملابسة الحق ~~في حال إعراض الذين كفروا عما أنذروا به مما دل عليه الخلق بالحق . # وصاحب الحال هو { السماوات والأرض } ، والمعنى : ما خلقناهما إلا في حالة ~~ملابسة الحق لهما وتعيين أجل لهما . وإعراض الذين كفروا عما أنذروا به من ~~آيات القرآن التي تذكرهم بما في خلق السماوات والأرض من ملابسة الحق . # وعطف { وأجل مسمى } على { بالحق ms7656 } ، عطف الخاص على العام للاهتمام به ~~كعطف جبريل وميكائيل على ملائكته في قوله تعالى : { وملائكته ورسله وجبريل ~~وميكائيل في سورة البقرة لأن دلالة الحدوث على قبول الفناء دلالة عقلية فهي ~~مما يقتضيه الحق ، وأن تعرض السماوات والأرض للفناء دليل على وقوع البعث ~~لأن انعدام هذا العالم يقتضي بمقتضى الحكمة أن يخلفه عالم آخر أعظم منه ، ~~على سنة تدرج المخلوقات في الكمال ، وقد كان ظن الدهريين قدم هذا العالم ~~وبقاءه أكبر شبهة لهم في إنكارهم البعث وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا ~~نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر } ( الجاثية : 24 ) . فالدهر عندهم متصرف ~~وهو باق غير فان ، فلو جوزوا فناء هذا العالم لأمكن نزولهم إلى النظر في ~~الأدلة التي تقتضي حياة ثانية . فجملة { والذين كفروا عما أنذروا معرضون } ~~مرتبطة بالاستثناء في قوله : { إلا بالحق } ، أي هم معرضون عما أنذروا به ~~من وعيد يوم البعث . # وحذف العائد من الصلة لأنه ضمير منصوب ب { أنذروا } . والتقدير : عما ~~أنذروه معرضون . ويجوز أن تكون { ما } مصدرية فلا يقدر بعدها ضمير . ~~والتقدير عن إنذارهم معرضون فشمل كل إنذار أنذروه . # وتقديم { عما أنذروا } على متعلقه وهو { معرضون } للاهتمام بما أنذروا ~~ويتبع ذلك رعاية الفاصلة . PageV26P008 # انتقل إلى الاستدلال على بطلان نفي صفة الإلهية عن أصنامهم . فجملة { قل ~~أرأيتم ما تدعون } أمر بإلقاء الدليل على إبطال الإشراك وهو أصل ضلالهم . # وجاء هذا الاستدلال بأسلوب المناظرة فجعل النبي صلى الله عليه وسلم ~~مواجها لهم بالاحتجاج ليكون إلجاء لهم إلى الاعتراف بالعجز عن معارضة حجته ~~، وكذلك جرى الاحتجاج بعده ثلاث مرات بطريقة أمر التعجيز بقوله : { أروني ~~ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات أيتوني بكتاب } الآية . و { ~~أرأيتم } استفهام تقريري فهو كناية عن معنى : أخبروني ، وقد تقدم في سورة ~~الأنعام قوله : { قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله ~~تدعون . # وقوله : أروني } تصريح بما كنى عنه طريق التقرير لقوله : { أرأيتم ما ~~تدعون } وموقع جملة { أروني } في موقع المفعول الثاني لفعل { أرأيتم } . # والأمر في { أروني ماذا خلقوا ms7657 من الأرض } مستعمل في التسخير والتعجيز ~~كناية عن النفي إن لم يخلقوا من الأرض شيئا فلا تستطيعوا أن تروني شيئا ~~خلقوه في الأرض ، وهذا من رؤوس مسائل المناظرة ، وهو مطالبة المدعي بالدليل ~~على إثبات دعواه . و { ماذا } بمعنى ما الذي خلقوه ، ف ( ما ) استفهامية ، ~~و ( ذا ) بمعنى الذي . وأصله اسم إشارة ناب عن الموصول . وأصل التركيب : ~~ماذا الذي خلقوا ، فاقتصر على اسم الإشارة وحذف اسم الموصول غالبا في ~~الكلام وقد يظهر كما في قوله تعالى : { من ذا الذي يشفع عنده } ( البقرة : ~~255 ) . ولهذا قال النحاة : إن ( ذا ) بعد ( ما ) أو ( من ) الاستفهاميتين ~~بمنزلة ( ما ) الموصولة . # والاستفهام في { ماذا خلقوا } إنكاري . وجملة { ماذا خلقوا } بدل من ~~PageV26P009 جملة { أروني } وفعل الرؤية معلق عن العمل بورود { ما } ~~الاستفهامية بعده ، وإذا لم يكن شيء من الأرض مخلوقا لهم بطل أن يكونوا ~~آلهة لخروج المخلوقات عن خلقهم ، وإذا بطل أن يكون لها خلق بطل أن يكون لها ~~تصرف في المخلوقات كما قال تعالى : { أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون ~~ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون في سورة الأعراف ( 191 ، 192 ) . # وأم } حرف إضراب انتقالي . والاستفهام المقدر بعد { أم } المنقطعة ~~استفهام إنكاري أي ليس لهم شرك مع الله في السماوات . وإنما أوثر انتفاء ~~الشركة بالنسبة للشركة في السماوات دون انتفاء الخلق كما أوثر انتفاء الخلق ~~بالنسبة إلى الأرض لأن مخلوقات الأرض مشاهدة للناس ظاهر تطورها وحدوثها وأن ~~ليس لما يدعونهم دون الله أدنى عمل في إيجادها ، وأما الموجودات السماوية ~~فهي محجوبة عن العيون لا عهد للناس بظهور وجودها ولا تطورها فلا يحسن ~~الاستدلال بعدم تأثير الأصنام في إيجاد شيء منها ولكن لما لم يدع المشركون ~~تصرفا للأصنام إلا في أحوال الناس في الأرض من جلب نفع أو دفع ضر اقتصر في ~~نفي تصرفهم في السماوات على الاستدلال بنفي أن يكون للأصنام شركة في أمور ~~السماوات لأن انتفاء ذلك لا ينازعون فيه . وتقدم نظير هذه الآية في سورة ~~فاطر { قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من ms7658 دون الله الآية فانظر ذلك . # ثم انتقل من الاستدلال بالمشاهدة وبالإقرار إلى الاستدلال بالأخبار ~~الصادقة بقوله : ائتوني بكتاب من قبل هذا } فجملة { ائتوني بكتاب } في موقع ~~مفعول ثان لفعل { أرأيتم } ، كرر كما يتعدد خبر المبتدأ . ومناط الاستدلال ~~أنه استدلال على إبطال دعوى المدعي بانعدام الحجة على دعواه ويسمى الإفحام ~~كما تقدم . والمعنى : نفي أن يكون لهم حجة على إلاهية الأصنام لا بتأثيرها ~~في المخلوقات ، ولا بأقوال الكتب ، فهذا قريب من قوله في سورة فاطر { أم ~~آتيناهم كتابا فهم على بينة منه . والمراد ب ( كتاب ) أي كتاب من الكتب ~~المقروءة . وهذا قاطع لهم فإنهم لا يستطيعون ادعاء أن لأصنامهم في الكتب ~~السابقة ذكرا غير الإبطال والتحذير من عبادتها ، فلا يوجد في الكتب إلا أحد ~~أمرين : إما إبطال عبادة الأصنام كما في PageV26P010 الكتب السماوية ، وإما ~~عدم ذكرها البتة ويدل على أن المراد ذلك قوله بعده : أو أثارة من علم } . # والإتيان مستعار للإحضار ولو كان في مجلسهم على ما تقدم في قوله تعالى : ~~{ فأتوا بسورة من مثله في سورة البقرة . # والإشارة في قوله : من قبل هذا } إلى القرآن لأنه حاضر في أذهان أصحاب ~~المحاجة فإنه يقرأ عليهم معاودة . ووجه تخصيص الكتاب بوصف أن يكون من قبل ~~القرآن ليسد عليهم باب المعارضة بأن يأتوا بكتاب يصنع لهم ، كما قالوا : { ~~لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين } ( الأنفال : 31 ) . # و { أثارة } بفتح الهمزة : البقية من الشيء . والمعنى : أو بقية بقيت ~~عندكم تروونها عن أهل العلم السابقين غير مسطورة في الكتب . وهذا توسيع ~~عليهم في أنواع الحجة ليكون عجزهم عن الإتيان بشيء من ذلك أقطع لدعواهم . ~~وفي قوله : { إن كنتم صادقين } إلهاب وإفحام لهم بأنهم غير آتين بحجة لا من ~~جانب العقل ولا من جانب النقل المسطور أو المأثور ، وقد قال تعالى في سورة ~~القصص { فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم . # ( 5 ، 6 ) } # اعتراض في أثناء تلقين الاحتجاج ، فلما أمر الله تعالى رسوله صلى الله ~~عليه وسلم بأن يحاجهم بالدليل وجه ms7659 الخطاب إليه تعجيبا من حالهم وضلالهم لأن ~~قوله : { وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء } الخ لا يناسب إلا أن يكون من ~~جانب الله . # و { من } استفهامية ، والاستفهام إنكار وتعجيب . والمعنى : لا أحد أشد ~~ضلالا وأعجب حالا ممن يدعون من دون الله من لا يستجيب له دعاءه فهو أقصى حد ~~من الضلالة . PageV26P011 ووجه ذلك أنهم ضلوا عن دلائل الوحدانية وادعوا ~~لله شركاء بلا دليل واختاروا الشركاء من حجارة وهي أبعد الموجودات عن قبول ~~صفات الخلق والتكوين والتصرف ثم يدعونها في نوائبهم وهم يشاهدون أنها لا ~~تسمع ولا تبصر ولا تجيب ثم سمعوا آيات القرآن توضح لهم الذكرى بنقائص ~~آلهتهم ، فلم يعتبروا بها وزعموا أنها سحر ظاهر فكان ضلالهم أقصى حد في ~~الضلال . # و { من لا يستجيب } الأصنام عبر عن الأصنام باسم الموصول المختص بالعقلاء ~~معاملة للجماد معاملة العقلاء إذ أسند إليها ما يسند إلى أولي العلم من ~~الغفلة ، ولأنه شاع في كلام العرب إجراؤها مجرى العقلاء فكثرت في القرآن ~~مجاراة استعمالهم في ذلك ، ومثل هذا جعل ضمائر جمع العقلاء في قوله : { وهم ~~} وقوله : { غافلون } وهي عائدة إلى { من لا يستجيب } . # وجعل يوم القيامة غاية لانتفاء الاستجابة . كناية عن استغراق مدة بقاء ~~الدنيا . وعبر عن نهاية الحياة الدنيا ب { يوم القيامة } لأن المواجه ~~بالخبر هو الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنون كما علمت وهم يثبتون يوم ~~القيامة . # وضميرا { كانوا } في الموضعين يجوز أن يعودا إلى { ممن يدعو من دون الله ~~} فإن المشركين يعادون أصنامهم يوم القيامة إذ يجدونها من أسباب شقائهم . ~~ويجوز أن يعودا إلى { من لا يستجيب له } فإن الأصنام يجوز أن تعطى حياة ~~يومئذ فتنطق بالتبري عن عبادها ومن عبادتهم إياها ، قال تعالى : { ويوم ~~القيامة يكفرون بشرككم } ( فاطر : 14 ) وقال : { ويوم يحشرهم وما يعبدون من ~~دون الله فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل قالوا سبحانك ~~ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا ~~الذكر وكانوا قوما بورا فقد كذبوكم بما ms7660 تقولون } ( الفرقان : 17 19 ) . # ويجوز أن يكون قوله : { كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين } جاريا ~~على التشبيه البليغ لمشابهتها للأعداء والمنكرين للعبادة في دلالتها على ما ~~يفضي إلى شقائهم وكذبهم كقوله تعالى : { وما زادوهم غير تتبيب } ( هود : ~~101 ) . # وعطف جملة { وإذا حشر الناس } الخ على ما قبلها لمناسبة ذكر يوم القيامة ~~. PageV26P012 ومن بديع تفنن القرآن توزيع معاد الضمائر في هذه الآية مع ~~تماثلها في اللفظ وهذا يتدرج في محسن الجمع مع التفريق وأدق . # عطف على جملة { ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له } ( ~~الأحقاف : 5 ) ، وقد علمت أن هذا مسوق مساق العد لوجوه فرط ضلالهم فإن آيات ~~القرآن تتلى عليهم صباح مساء تبين لهم دلائل خلو الأصنام عن مقومات الإلهية ~~فلا يتدبرونها وتحدو بهم إلى الحق فيغالطون أنفسهم بأن ما فهموه منها تأثر ~~سحري ، وأنها سحر ، ولم يكتفوا بذلك بل زادوا بهتانا فزعموا أنه مبين ، أي ~~واضح كونه سحرا . وهذا انتقال إلى إبطال ضلال آخر من ضلالهم وهو ضلال ~~التكذيب بالقرآن فهو مرتبط بقوله : { حم تنزيل الكتاب من الله } ( الأحقاف ~~: 1 ، 2 ) الخ . # وقوله : { الذين كفروا } إظهار في مقام الإضمار للتسجيل عليهم بالكفر ~~وبأنه سبب قولهم ذلك . # واللام في قوله : { للحق } لام العلة وليست لام تعدية فعل القول إلى ~~المقول له أي قال بعض الكافرين لبعض في شأن الذين آمنوا ومن أجل إيمانهم . ~~والحق : هو الآيات ، فعدل عن ضمير الآيات إلى إظهار لفظ الحق للتنبيه على ~~أنها حق وأن رميها بالسحر بهتان عظيم . و { لما جاءهم } توقيت لمقالتهم ، ~~أي يقولون ذلك بفور سماع الآيات وكلما جاءتهم ، أي دون تدبر ولا إجالة فكر ~~. # إضراب انتقال إلى نوع آخر من ضلال أقوالهم . PageV26P013 وسلك في ~~الانتقال مسلك الإضراب دون أن يكون بالعطف بالواو لأن الاضراب يفيد أن ~~الغرض الذي سينتقل إليه له مزيد اتصال بما قبله ، وأن المعنى : دع قولهم : ~~{ هذا سحر مبين } ( الأحقاف : 7 ) ، واستمع لما هو أعجب وهو قولهم : { ~~افتراه } ، أي افترى نسبته إلى الله ولم يرد ms7661 به السحر . # والاستفهام الذي يقدر بعد { أم } للإنكار على مقالتهم . والنفي الذي ~~يقتضيه الاستفهام الانكاري يتسلط على سبب الانكار ، أي كون القرآن مفترى ~~وليس متسلطا على نسبة القول إليهم لأنه صادر منهم وإنما المنفي الافتراء ~~المزعوم . # والضمير المنصوب في { افتراه } عائد إلى الحق في قوله : { قال الذين ~~كفروا للحق } ( الأحقاف : 7 ) ، أو إلى القرآن لعلمه من المقام ، أي افترى ~~القرآن فزعم أنه وحي من عند الله . # وقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بجواب مقالتهم بما يقلعها من جذرها ، ~~فكان قوله تعالى : { قل } جملة جارية مجرى جواب المقاولة لوقوعها في مقابلة ~~حكاية قولهم . وقد تقدم ذلك في قوله : { قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها في ~~أوائل سورة البقرة . # وجعل الافتراء مفروضا بحرف إن } الذي شأنه أن يكون شرطه نادر الوقوع ~~إشارة إلى أنه مفروض في مقام مشتمل على دلائل تقلع الشرط من أصله . # وانتصب { شيئا } على المفعولية لفعل { تملكون } ، أي شيئا يملك ، أي ~~يستطاع ، والمراد : شيء من الدفع فلا تقدرون على أن تردوا عني شيئا يرد علي ~~من الله . وتقدم معنى ( لا أملك شيئا ) عند قوله تعالى : { قل فمن يملك من ~~الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم في سورة العقود . # والتقدير : إن افتريته عاقبني الله معاقبة لا تملكون ردها . فقوله : فلا ~~تملكون لي من الله شيئا } دليل على الجواب المقدر في الكلام بطريق الالتزام ~~، لأن معنى { لا تملكون لي } لا تقدرون على دفع ضر الله عني ، فاقتضى أن ~~المعنى : إن افتريته عاقبني الله ولا تستطيعون دفع عقابه . # واعلم أن الشائع في استعمال ( لا أملك لك شيئا ) ونحوه أن يسند فعل ~~PageV26P014 الملك إلى الذي هو مظنة للدفع عن مدخول اللام المتعلقة بفعل ~~الملك كقوله تعالى : { قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا } ( الأعراف : 188 ) ~~وقوله { وما أملك لك من الله من شيء } ( الممتحنة : 4 ) ، أو أن يسند إلى ~~عام نحو { قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم } ، ~~فإسناد فعل الملك في هذه ms7662 الآية إلى المخاطبين وهم أعداء النبي صلى الله ~~عليه وسلم وليسوا بمظنة أن يدفعوا عنه ، لأنهم نصبوا أنفسهم في منصب الحكم ~~على النبي صلى الله عليه وسلم فجزموا بأنه افترى القرآن فحالهم حال من يزعم ~~أنه يستطيع أن يرد مراد الله تعالى على طريقة التهكم . واعلم أن وجه ~~الملازمة بين الشرط وجوابه في قوله : { إن افتريته فلا تملكون لي من الله ~~شيئا } أن الله لا يقر أحدا على أن يبلغ إلى الناس شيئا عن الله لم يأمره ~~بتبليغه ، وقد دل القرآن على هذا في قوله تعالى : { ولو تقول علينا بعض ~~الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه ~~حاجزين } ( الحاقة : 44 47 ) . ولعل حكمة ذلك أن التقول على الله يفضي إلى ~~فساد عظيم يختل به نظام الخلق ، والله يغار على مخلوقاته وليس ذلك كغيره من ~~المعاصي التي تجلبها المظالم والعبث في الأرض لأن ذلك إقدام على ما هو ~~معلوم الفساد لا يخفى على الناس فهم يدفعونه بما يستطيعون من حول وقوة ، أو ~~حيلة ومصانعة . وأما التقول على الله فيوقع الناس في حيرة بماذا يتلقونه ~~فلذلك لا يقره الله ويزيله . # وجملة { هم أعلم بما تفيضون فيه } بدل اشتمال من جملة { فلا تملكون لي من ~~الله شيئا } لأن جملة { فلا تملكون لي } تشتمل على معنى أن الله لا يرضى أن ~~يفتري عليه أحد ، وذلك يقتضي أنه أعلم منهم بحال من يخير عن الله بأنه ~~أرسله وما يبلغه عن الله . وذلك هو ما يخوضون فيه من الطعن والقدح والوصف ~~بالسحر أو بالافتراء أو بالجنون ، فما صدق ( ما ) الموصولة القرآن الذي دل ~~عليه الضمير الظاهر في { افتراه } أو الرسول صلى الله عليه وسلم الذي دل ~~عليه الضمير المستتر في { افتراه } أو مجموع أحوال الرسول صلى الله عليه ~~وسلم التي دل عليها مختلف خوضهم . ومتعلق اسم التفضيل محذوف ، أي هو أعلم ~~منكم . والإفاضة في الحديث : الخوض فيه والإكثار منه وهي منقولة من : فاض ~~الماء ؛ إذا سال . ومنه حديث مستفيض مشتهر ms7663 شائع ، والمعنى : هو أعلم بحال ~~ما تفيضون فيه . PageV26P015 # وجملة { كفى به شهيدا بيني وبينكم } بدل اشتمال من جملة { هو أعلم بما ~~تفيضون فيه } لأن الاخبار بكونه أعلم منهم بكنه ما يفيضون فيه يشتمل على ~~معنى تفويض الحكم بينه وبينهم إلى الله تعالى . وهذا تهديد لهم وتحذير من ~~الخوض الباطل ووعيد . # والشهيد : الشاهد ، أي المخبر بالواقع . والمراد به هنا الحاكم بما يعلمه ~~من حالنا كما دل عليه قوله : { بيني وبينكم } لأن الحكم يكون بين خصمين ولا ~~تكون الشهادة بينهما بل لأحدهما قال تعالى : { وجئنا بك على هؤلاء شهيدا } ~~( النساء : 41 ) . # وإجراء وصفي { الغفور الرحيم } عليه تعالى اقتضاه ما تضمنه قوله : { كفى ~~به شهيدا بيني وبينكم } من التهديد والوعيد ، وهو تعريض بطلب الإقلاع عما ~~هم فيه من الخوض بالباطل . # أعيد الأمر بأن يقول ما هو حجة عليهم لما علمت آنفا في تفسير قوله : { قل ~~أرأيتم ما تدعون من دون الله } ( الأحقاف : 4 ) الآيات . وهذا جواب عما ~~تضمنه قولهم : { افتراه } ( الأحقاف : 8 ) من إحالتهم صدقه فيما جاء به من ~~الرسالة عن الله إحالة دعتهم إلى نسبة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ~~الافتراء على الله . وإنما لم يعطف على جملة { قل إن افتريته } ( الأحقاف : ~~8 ) لأن المقصود الارتقاء في الرد عليهم من رد إلى أقوى منه فكان هذا ~~كالتعدد والتكرير ، وسيأتي بعده قوله : { قل أرأيتم إن كان من عند الله ~~وكفرتم به } ( الأحقاف : 10 ) . ونظير ذلك ما في سورة المؤمنين ( 81 84 ) { ~~بل قالوا مثل ما قال الأولون إلى قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون ~~وقوله قل من رب السماوات السبع } ( المؤمنون : 86 ) وقوله : { قل من بيده ~~ملكوت كل شيء } ( المؤمنون : 88 ) الخ . # والبدع بكسر الباء وسكون الدال ، معناه البديع مثل : الخف يعني الخفيف ~~قال امرؤ القيس : PageV26P016 # يزل الغلام الخف عن صواته # ومنه : الخل بمعنى الخليل . فالبدع : صفة مشبهة بمعنى البادع ، ومن ~~أسمائه تعالى : ( البديع ) خالق الأشياء ومخترعها . فالمعنى : ما كنت محدثا ~~شيئا لم يكن بين الرسل . # و { من } ابتدائية ، أي ms7664 ما كنت آتيا منهم بديعا غير مماثل لهم فكما سمعتم ~~بالرسل الأولين أخبروا عن رسالة الله إياهم فكذلك أنا فلماذا يعجبون من ~~دعوتي . وهذه الآية صالحة للرد على نصارى زماننا الذين طعنوا في نبوته ~~بمطاعن لا منشأ لها إلا تضليل وتمويه على عامتهم لأن الطاعنين ليسوا من ~~الغباوة بالذين يخفى عليهم بهتانهم كقولهم إنه تزوج النساء ، أو أنه قاتل ~~الذين كفروا ، أو أنه أحب زينب بنت جحش . # وقوله : { وما أدري ما يفعل بي ولا بكم } تتميم لقوله : { قل ما كنت بدعا ~~من الرسل } وهو بمنزلة الاعتراض فإن المشركين كانوا يسألون النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن مغيبات استهزاء فيقول أحدهم إذا ضلت ناقته : أين ناقتي ؟ ~~ويقول أحدهم : من أبي ، أو نحو ذلك فأمر الله الرسول صلى الله عليه وسلم أن ~~يعلمهم بأنه لا يدري ما يفعل به ولا بهم ، أي في الدنيا ، وهذا معنى قوله ~~تعالى : { قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم ~~الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء } ( الأعراف : 188 ) . # ولذلك كان قوله : { إن أتبع إلا ما يوحى } استئنافا بيانيا وإتماما لما ~~في قوله : { وما أدرى ما يفعل بي ولا بكم } بأن قصارى ما يدريه هو اتباع ما ~~يعلمه الله به فهو تخصيص لعمومه ، ومثل علمه بأنه رسول من الله وأن ~~المشركين في النار وأن وراء الموت بعثا . ومثل أنه سيهاجر إلى أرض ذات نخل ~~بين حرتين ، ومثل قوله تعالى : { إنا فتحنا لك فتحا مبينا } ( الفتح : 1 ) ~~، ونحو ذلك مما يرجع إلى ما أطلعه الله عليه ، فدع ما أطال به بعض المفسرين ~~هنا من المراد بقوله : { وما أدري ما يفعل بي ولا بكم } ومن كونها منسوخة ~~أو محكمة ومن حكم نسخ الخبر . # ووجه عطف { ولا بكم } على { بي } بإقحام ( لا ) النافية مع أنهما متعلقان ~~بفعل صلة { ما } الموصولة وليس في الصلة نفي ، فلماذا لم يقل : ما يفعل بي ~~وبكم PageV26P017 لأن الموصول وصلته لما وقعا مفعولا للمنفي في قوله : { ~~وما أدري } تناول ms7665 النفي ما هو في حيز ذلك الفعل المنفي فصار النفي شاملا ~~للجميع فحسن إدخال حرف النفي على المعطوف ، كما حسن دخول الباء التي شأنها ~~أن تزاد فيجر بها الاسم المنفي المعطوف على اسم ( إن ) وهو مثبت في قوله ~~تعالى : { أو لم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعى بخلقهن ~~بقادر على أن يحيي الموتى } ( الأحقاف : 33 ) لوقوع { أن } العاملة فيه في ~~خبر النفي وهو { أو لم يروا } وكذلك زيادة ( من ) في قوله تعالى : { ما يود ~~الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير } ( البقرة : ~~105 ) فإن { خير } وقع معمولا لفعل { ينزل } وهو فعل مثبت ولكنه لما انتفت ~~ودادتهم التنزيل صار التنزيل كالمنفي لديهم . # وعطف { وما أنا إلا نذير مبين } على جملة { ما كنت بدعا من الرسل } لأنه ~~الغرض المسوق له الكلام بخلاف قوله : { وما أدري ما يفعل بي ولا بكم } . ~~والمعنى : وما أنا نذير مبين لا مفتر ، فالقصر قصر إضافي ، وهو قصر قلب لرد ~~قولهم { افتراه } . # أعيد الأمر بأن يقول لهم حجة أخرى لعلها تردهم إلى الحق بعد ما تقدم من ~~قوله : { قل أرأيتم ما تدعون من دون الله } ( الأحقاف : 4 ) الآية وقوله : ~~{ قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا } ( الأحقاف : 8 ) وقوله : { ~~قل ما كنت بدعا من الرسل } ( الأحقاف : 9 ) الآية . # وهذا استدراج لهم للوصول إلى الحق في درجات النظر فقد بادأهم بأن ما ~~أحالوه من أن يكون رسولا من عند الله ليس بمحال إذ لم يكن أول الناس جاء ~~برسالة من الله . ثم أعقبه بأن القرآن إذا فرضنا أنه من عند الله وقد كفرتم ~~بذلك كيف يكون حالكم عند الله تعالى . # وأقحم في هذا أنه لو شهد شاهد من أهل الكتاب بوقوع الرسالات ونزول ~~PageV26P018 الكتب على الرسل ، وآمن برسالتي كيف يكون انحطاطكم عن درجته ، ~~وقد جاءكم كتاب فأعرضتم عنه ، فهذا كقوله : { أو تقولوا لو أنا أنزل علينا ~~الكتاب لكنا أهدى منهم } ( الأنعام : 157 ) ، وهذا تحريك للهمم . ونظير هذه ~~الآية آية ms7666 سورة فصلت { قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ~~ممن هو في شقاق بعيد } سوى أن هذه أقحم فيها قوله : { وشهد شاهد من بني ~~إسرائيل } فإن المشركين كانت لهم مخالطة مع بعض اليهود في مكة ولهم صلة ~~بكثير منهم في التجارة بالمدينة وخيبر فلما ظهرت دعوة النبي صلى الله عليه ~~وسلم كانوا يسألون من لقوه من اليهود عن أمر الأديان والرسل فكان اليهود لا ~~محالة يخبرون المشركين ببعض الأخبار عن رسالة موسى وكتابه وكيف أظهره الله ~~على فرعون . فاليهود وإن كانوا لا يقرون برسالة محمد صلى الله عليه وسلم ~~فهم يتحدثون عن رسالة موسى عليه السلام بما هو مماثل لحال النبي صلى الله ~~عليه وسلم مع قومه وفيه ما يكفي لدفع إنكارهم رسالته . # فالاستفهام في { أرأيتم } تقريري للتوبيخ ومفعولا { أرأيتم } محذوفان . ~~والتقدير : أرأيتم أنفسكم ظالمين . والضمير المستتر في { إن كان } عائد إلى ~~القرآن المعلوم من السياق أو إلى ما يوحى إلي في قوله آنفا { إن أتبع إلا ~~ما يوحى إلي } ( الأحقاف : 9 ) . وجملة { وكفرتم به } في موضع الحال من ~~ضمير { أرأيتم } . ويجوز أن يكون عطفا على فعل الشرط . وكذلك جملة { وشهد ~~شاهد من بني إسرائيل } لأن مضمون كلتا الجملتين واقع فلا يدخل في حيز الشرط ~~، وجواب الشرط محذوف دل عليه سياق الجدل . والتقدير : أفترون أنفسكم في ~~ضلال . # وجملة { إن الله لا يهدي القوم الظالمين } تذييل لجملة جواب الشرط ~~المقدرة وهي تعليل أيضا . والمعنى : أتظنون إن تبين أن القرآن وحي من الله ~~وقد كفرتم بذلك فشهد شاهد على حقية ذلك توقنوا أن الله لم يهدكم لأنكم ~~ظالمون وأن الله لا يهدي الظالمين . # وضميرا { كان } و { مثله } عائدان إلى القرآن الذي سبق ذكره مرات من قوله ~~: { تنزيل الكتاب من الله } ( الأحقاف : 2 ) وقوله : { ائتوني بكتاب من قبل ~~هذا } ( الأحقاف : 4 ) . PageV26P019 # وجملة { واستكبرتم } عطف على جملة { وشهد شاهد } الخ وجملة { وشهد شاهد } ~~عطف على جملة { إن كان من عند الله } . # والمثل : المماثل والمشابه في صفة أو فعل ، وضمير ms7667 { مثله } للقرآن فلفظ { ~~مثله } هنا يجوز أن يحمل على صريح الوصف ، أي على مماثل للقرآن فيما أنكروه ~~مما تضمنه القرآن من نحو توحيد الله وإثبات البعث وذلك المثل هو كتاب ~~التوراة أو الزبور من كتب بني إسرائيل يومئذ . ويجوز أن يحمل المثل على أنه ~~كناية عما أضيف إليه لفظ ( مثل ) ، فيكون لفظ ( مثل ) بمنزلة المقحم على ~~طريقة قول العرب : ( مثلك لا يبخل ) ، وكما هو أحد محملين في قوله تعالى : ~~{ ليس كمثله شيء } ( الشورى : 11 ) . فالمعنى : وشهد شاهد على صدق القرآن ~~فيما حواه . # ويجوز يكون ضمير { مثله } عائدا على الكلام المتقدم بتأويل المذكور ، أي ~~على مثل ما ذكر في أنه { من عند الله } وأنه ليس بدعا من كتب الرسل . # فالمراد ب { شاهد من بني إسرائيل } شاهد غير معين ، أي أي شاهد ، لأن ~~الكلام إنباء لهم بما كانوا يتساءلون به مع اليهود . وبهذا فسر الشعبي ~~ومسروق واختاره ابن عبد البر في ( الاستيعاب ) في ترجمة عبد الله بن سلام ~~فالخطاب في قوله : { أرأيتم } وما بعده موجه إلى المشركين من أهل مكة ، ~~وقال ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد وعكرمة : المراد ب { شاهد من بني ~~إسرائيل } عبد الله بن سلام . وروى الترمذي عن عبد الله بن سلام أنه قال : ~~في نزلت آيات من كتاب الله { وشهد شاهد من بني إسرائيل } الآية . # ومثل قول قتادة ومجاهد وعكرمة روي عن ابن زيد ومالك بن أنس وسفيان الثوري ~~ووقع في ( صحيح البخاري ) في باب فضل عبد الله بن سلام حديث عبد الله بن ~~يوسف عن مالك عن سعد بن أبي وقاص قال : وفيه نزلت هذه الآية { وشهد شاهد من ~~بني إسرائيل على مثله } الآية ، قال عبد الله بن يوسف : لا أدري قال مالك : ~~الآية أو في الحديث . قال مسروق : ليس هو ابن سلام لأنه أسلم بالمدينة ~~والسورة مكية ، وقال PageV26P020 الشعبي مثله . ويجوز أن تكون الآية نزلت ~~بالمدينة وأمر بوضعها في سورة الأحقاف ، وعلى هذا يكون الخطاب في قوله : { ~~أرأيتم } وما بعده لأهل الكتاب بالمدينة وما حولها . وعندي أنه ms7668 يجوز أن ~~يكون هذا إخبارا من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم بما سيقع من إيمان عبد ~~الله بن سلام فيكون هو المراد ب { شاهد من بني إسرائيل } وإن كانت الآية ~~مكية . # والظاهر أن مثل هذه الآية هو الذي جرأ المشركين على إنكار نزول الوحي على ~~موسى وغيره من الرسل فقالوا : { لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه } ~~( سبأ : 31 ) وقالوا : { ما أنزل الله على بشر من شيء } ( الأنعام : 91 ) ~~حين علموا أن قد لزمتهم الحجة بنزول ما سلف من الكتب قبل القرآن . # وجملة { إن الله لا يهدي القوم الظالمين } تعليل للكلام المحذوف الدال ~~عليه ما قبله ما علمته آنفا ، أي ضللتم ضلالا لا يرجى له زوال لأنكم ظالمون ~~والله لا يهدي القوم الظالمين . وهذا تسجيل عليهم بظلمهم أنفسهم . وجيء في ~~الشرط بحرف { إن } الذي شأنه أن يكون في الشرط غير المجزوم بوقوعه مجاراة ~~لحال المخاطبين استنزالا لطائر جماحهم لينزلوا للتأمل والمحاورة . # . # هذا حكاية خطأ آخر من أخطاء حجج المشركين الباطلة وهو خطأ منشؤه الإعجاب ~~بأنفسهم وغرورهم بدينهم فاستدلوا على أن لا خير في الإسلام بأن الذين ~~ابتدروا الأخذ به ضعفاء القوم وهم يعدونهم منحطين عنهم ، فهم الذين قالوا { ~~أهؤلاء من الله عليهم من بيننا كما تقدم في الأنعام ، وهو نظير قول قوم نوح ~~وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي } ( هود 27 ) ، ومناسبته ~~لما قبله أنه من آثار استكبارهم فناسب قوله : { واستكبرتم } ( الأحقاف : 10 ~~) . # واللام في قوله : { للذين آمنوا } لام التعليل متعلقة بمحذوف ، هو حال من ~~الذين كفروا تقديره : مخصصين أو مريدين كاللام في قوله تعالى : { وقالوا ~~لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما ~~قتلوا } ( آل عمران : 156 ) ، وقوله في الآية PageV26P021 السابقة { قال ~~الذين كفروا للحق لما جاءهم هذا سحر مبين } ( الأحقاف : 7 ) . وليست هي لام ~~تعدية فعل القول إلى المخاطب بالقول نحو { ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي ~~صبرا } ( الكهف : 72 ) المسماة لام التبليغ . # والضمير المستتر في ms7669 { كان } عائد إلى ما عد إليه ضمير { إن كان من عند ~~الله } ( الأحقاف : 10 ) وهو القرآن المفهوم من السياق أو { ما يوحى إلي } ~~( الأحقاف : 9 ) . والسبق أطلق على تحصيل شيء قبل أن يحصله آخر ، شبه بأسرع ~~الوصول بين المتجارين ، والمراد : الأخذ بما جاء به القرآن من العقائد ~~والأعمال . وضمير الغيبة في قوله : { سبقونا } عائد إلى غير مذكور في الآية ~~ولكنه مذكور في كلام الذين كفروا الذي حكته الآية أرادوا به المؤمنين ~~الأولين من المستضعفين مثل بلال وعمار بن ياسر ، وعبد الله بن مسعود ، ~~وسمية ، وزنيرة ( بزاي معجمة مكسورة ونون مكسورة مشددة مشبعة وراء مهملة ) ~~أمة رومية كانت من السابقات إلى الإسلام وممن عذبهن المشركون ومن أعتقهن ~~أبو بكر الصديق . # وعن عروة بن الزبير قال : عظماء قريش : لو كان ما جاء به محمد خيرا ما ~~سبقتنا إليه زنيرة ، أي من جملة أقوالهم التي جمعها القرآن في ضمير سبقونا ~~. # . # عطف على جملة { وقال الذين كفروا للذين آمنوا } الآية ، أي فقد استوفوا ~~بمزاعمهم وجوه الطعن في القرآن فقالوا : { سحر مبين } ( الأحقاف : 7 ) ~~وقالوا { افتراه } ( الأحقاف : 8 ) ، وقالوا { لو كان خيرا ما سبقونا إليه ~~} ، وبقي أن يقولوا هو { إفك قديم } . # وقد نبه الله على أن مزاعمهم كلها ناشئة عن كفرهم واستكبارهم بقوله : { ~~قال الذين كفروا } وقوله : { وكفرتم به } ( الأحقاف : 10 ) وقوله : { ~~واستكبرتم } ( الأحقاف : 10 ) وقوله : { وإذ لم يهتدوا به } الآية . # وإذ قد كانت مقالاتهم رامية إلى غرض واحد وهو تكذيب الرسول صلى الله عليه ~~وسلم كان توزيع أسبابها على مختلف المقالات مشعرا بأن جميعها أسباب لجميعها ~~. PageV26P022 # وضمير { به } عائد إلى القرآن واسم الإشارة راجع إليه . ومعنى الآية : ~~وإذ لم تحصل هدايتهم بالقرآن فيما مضى فسيستمرون على أن يقولوا هو { إفك ~~قديم } إذ لا مطمع في إقلاعهم عن ضلالهم في المستقبل . ولما كانت { إذ } ~~ظرفا للزمن الماضي وأضيفت هنا إلى جملة واقعة في الزمن الماضي كما يقتضيه ~~النفي بحرف { لم } تعين أن الإخبار عنه بأنهم سيقولون { هذا إفك } أنهم ~~يقولونه في المستقبل ، وهو مؤذن بأنهم ms7670 كانوا يقولون ذلك فيما مضى أيضا لأن ~~قولهم ذلك من تصاريف أقوالهم الضالة المحكية عنهم في سور أخرى نزلت قبل هذه ~~السورة ، فمعنى { فسيقولون } سيدومون على مقالتهم هذه في المستقبل . # فالاستقبال زمن للدوام على هذه المقالة وتكريرها مثله في قوله تعالى ~~حكاية عن إبراهيم { وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين } ( الزخرف : 27 ) فإنه ~~قد هداه من قبل وإنما أراد سيديم هدايته إياي . فليس المقصود إخبار الله ~~رسوله صلى الله عليه وسلم بأنهم { سيقولون هذا } ولم يقولوه في الماضي إذ ~~ليس لهذا الإخبار طائل . وإذ قد حكي أنهم قالوا ما يرادف هذا في آيات كثيرة ~~سابقة على هذه الآية وأنهم لا يقلعون عنه ولا حاجة إلى تقدير فعل محذوف ~~تتعلق به { إذ } . # وحيث قدم الظرف في الكلام على عامله أشرب معنى الشرط وهو إشراب وارد في ~~الكلام ، وكثير في { إذ } ، ولذلك دخلت الفاء في جوابه هنا في قوله : { ~~فسيقولون } . ويجوز أن تكون { إذ } للتعليل ، وتتعلق { إذ } ب ( يقولون ) ~~ولا تمنع الفاء من عمل ما بعدها فيما قبلها على التحقيق . وإنما انتظمت ~~الجملة هكذا لإفادة هذه الخصوصيات البلاغية ، فالواو للعطف والمعطوف في ~~معنى شرط والفاء لجواب الشرط . وأصل الكلام : وسيقولون هذا إفك قديم إذ لم ~~يهتدوا به # وهذا التفسير جار على ما اختاره ابن الحاجب في ( الأمالي ) دون ما ذهب ~~إليه صاحب ( الكشاف ) ، فإنه تكلف له تكلفا غير شاف . PageV26P023 # أتبع إبطال ترهاتهم الطاعنة في القرآن بهذا الكلام المفيد زيادة الإبطال ~~لمزاعمهم بالتذكير بنظير القرآن ومثيل له من كتب الله تعالى هو مشهور عندهم ~~وهو ( التوراة ) مع التنويه بالقرآن ومزيته والنعي عليهم إذ حرموا أنفسهم ~~الانتفاع بها ، فعطفت هذه الآية على التي قبلها لارتباطها بها في إبطال ~~مزاعمهم وفي أنها ناظرة إلى قوله : { وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله } ~~( الأحقاف : 10 ) كما تقدم . # ففي قوله : { ومن قبله كتاب موسى } إبطال لإحالتهم أن يوحي الله إلى محمد ~~صلى الله عليه وسلم بأن الوحي سنة إلهاية سابقة معلومة أشهره ( كتاب موسى ) ~~، أي ( التوراة ) وهم ms7671 قد بلغتهم نبوءته من اليهود . وضمير { من قبله } عائد ~~إلى القرآن . وتقديم { من قبله } للاهتمام بهذا الخبر لأنه محل القصد من ~~الجملة . # وعبر عن ( التوراة ) ب { كتاب موسى } بطريق الإضافة دون الاسم العلم وهو ~~( التوراة ) لما تؤذن به الإضافة إلى اسم موسى من التذكير بأنه كتاب أنزل ~~على بشر كما أنزل القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم تلميحا إلى مثار ~~نتيجة قياس القرآن على ( كتاب موسى ) بالمشابهة في جميع الأحوال . # و { إماما ورحمة } حالان من { كتاب موسى } ، ويجوز كونهما حالين من { ~~موسى } والمعنيان متلازمان . # والإمام : حقيقته الشيء الذي يجعله العامل مقياسا لعمل شيء آخر ويطلق ~~إطلاقا شائعا على القدوة قال تعالى : { واجعلنا للمتقين إماما } ( الفرقان ~~: 74 ) . وأصل هذا الإطلاق استعارة صارت بمنزلة الحقيقة ، واستعير الإمام ~~لكتاب موسى لأنه يرشد إلى ما يجب عمله فهو كمن يرشد ويعظ ، وموسى إمام أيضا ~~بمعنى القدوة . # والرحمة : اسم مصدر لصفة الراحم وهي من صفات الإنسان فهي ، رقة في النفس ~~تبعث على سوق الخير لمن تتعدى إليه . ووصف الكتاب بها استعارة لكونه ~~PageV26P024 سببا في نفع المتبعين لما تضمنه من أسباب الخير في الدنيا ~~والآخرة . # ووصف الكتاب بالمصدر مبالغة في الاستعارة ، وموسى أيضا رحمة لرسالته كما ~~وصف محمد صلى الله عليه وسلم بذلك في قوله : { وما أرسلناك إلا رحمة ~~للعالمين } ( الأنبياء : 107 ) . # وقوله : { وهذا كتاب مصدق } الخ هو المقيس على { كتاب موسى } . والإشارة ~~إلى القرآن لأنه حاضر بالذكر فهو كالحاضر بالذات . # والمصدق : المخبر بصدق غيره . وحذف مفعول المصدق ليشمل جميع الكتب ~~السماوية ، قال تعالى : { مصدقا لما بين يديه } ، أي مخبر بأحقية كل ~~المقاصد التي جاءت بها الكتب السماوية السالفة . وهذا ثناء عظيم على القرآن ~~بأنه احتوى على كل ما في الكتب السماوية وجاء مغنيا عنها ومبينا لما فيها . ~~والتصديق يشعر بأنه حاكم على ما اختلف فيه منها . وما حرف فهمه بها قال ~~تعالى : { مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه } ( المائدة : 48 ) . # وزاده ثناء بكونه { لسانا عربيا } ، أي لغة عربية فإنها أفصح اللغات ~~وأنفذها ms7672 في نفوس السامعين وأحب اللغات للناس ، فإنها أشرف وأبلغ وأفصح من ~~اللغة التي جاء بها كتاب موسى ، ومن اللغة التي تكلم بها عيسى ودونها ~~أتباعه أصحاب الأناجيل . وأدمج لفظ { لسانا } للدلالة على أن المراد ~~بعربيته عربية ألفاظه لا عربية أخلاقه وتعاليمه لأن أخلاق العرب يومئذ ~~مختلطة من محاسن ومساو فلما جاء الإسلام نفى عنها المساوي ، ولذلك قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) . وغلب إطلاق ~~اللسان على اللغة لأن أشرف ما يستعمل فيه اللسان هو الكلام قال تعالى : { ~~وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه } ( إبراهيم : 4 ) ، وقال : { فإنما ~~يسرناه بلسانك } ( مريم : 97 ) . # وقوله : { لتنذر الذين ظلموا } يجوز أن يتعلق ب { مصدقا لما بين يديه } ~~لأن ما سبقه مشتمل على الإنذار والبشارة والأحسن أن يتعلق بما في { كتاب } ~~من معنى PageV26P025 الإرشاد المشتمل على الإنذار والبشارة . وهذا أحسن ~~ليكون { لتنذر } علة للكتاب باعتبار صفته وحاله . # والذين ظلموا هم المشركون { إن الشرك لظلم عظيم } ( لقمان : 13 ) ويلحق ~~بهم الذين ظلموا أنفسهم من المؤمنين ولذلك قوبل بالمحسنين وهم المؤمنون ~~الأتقياء لأن المراد ظلم النفس ويقابله الإحسان . والنذارة مراتب والبشارة ~~مثلها . # و { بشرى } عطف على { مصدق } ، والتقدير : وهو بشرى للمحسنين ، أي الكتاب ~~، وهذا النظم يجعل الجملة بمنزلة الاحتراس والتتميم . # وقرأ نافع وابن عامر والبزي عن ابن كثير ويعقوب { لتنذر } بالمثناة ~~الفوقية خطابا للرسول صلى الله عليه وسلم فيحصل وصف الرسول صلى الله عليه ~~وسلم بأنه منذر ووصف كتابه بأنه { بشرى } وفيه احتباك . وقرأه الجمهور ~~بالمثناة التحتية على أنه خبر عن الكتاب فإسناد الإنذار إلى الكتاب مجاز ~~عقلي . # ( 13 ، 14 ) # استئناف بياني أوثر بصريحه جانب المؤمنين من المستمعين للقرآن لأنهم لما ~~سمعوا البشرى تطلعوا إلى صفة البشرى وتعيينن المحسنين ليضعوا أنفسهم في حق ~~مواضعها ، فأجيبوا بأن البشرى هي نفي الخوف والحزن عنهم ، وأنهم أصحاب ~~الجنة وأن المحسنين هم الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا في أعمالهم . ~~وأشير بمفهومه إلى التعريض بالذين ظلموا فإن فيه مفهوم القصر من قوله : { ~~أولئك أصحاب الجنة ms7673 } . وتعريفهم بطريق الموصولية لما تؤذن به الصلة من ~~تعليل كرامتهم عند الله لأنهم جمعوا حسن معاملتهم لربهم بتوحيده وخوفه ~~وعبادته ، وهو ما دل عليه { قالوا ربنا الله } إلى حسن معاملتهم أنفسهم وهو ~~معنى { ثم استقاموا } . PageV26P026 # وجيء في صلة الموصول بفعل { قالوا } لإيجاز المقول وغنيته عن أن يقال : ~~اعترفوا بالله وحده وأطاعوه . والمراد : أنهم قالوا ذلك واعتقدوا معناه إذ ~~الشأن في الكلام الصدق وعملوا به لأن الشأن مطابقة العمل للاعتقاد . # { ثم } للتراخي الرتبي : وهو الارتقاء والتدرج ، فإن مراعاة الاستقامة ~~أشق من حصول الإيمان لاحتياجها إلى تكرر مراقبة النفس ، فأما الإيمان ~~فالنظر يقتضيه واعتقاده يحصل دفعة لا يحتاج إلى تجديد ملاحظة . فهذا وجه ~~التراخي الرتبي من جهة ، وإن كان الإيمان أرقى درجة من العمل من حيث إنه ~~شرط في الاعتداد بالعمل ولذلك عطف ب { ثم } التي للتراخي في قوله تعالى : { ~~وما أدراك ما العقبة فك رقبة إلى قوله : ثم كان من الذين آمنوا } ( البلد : ~~12 17 ) ، فالاعتباران مختلفان باختلاف المقام المسوق فيه الكلام كما يظهر ~~بالتأمل هنا وهناك ، وتقدم نظيره في سورة فصلت . # ودخول الفاء على خبر الموصول وهو { فلا خوف عليهم } لمعاملة الموصول ~~معاملة الشرط كأنه قيل : إن قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ، ~~ومثله كثير في القرآن ، فأفاد تسبب ذلك في أمنهم من الخوف والحزن . و { ~~عليهم } خبر عن خوف ، أي لا خوف يتمكن منهم ويصيبهم ويلحقهم . # وتقديم المسند إليه على المسند الفعلي في قوله : { ولا هم يحزنون } ~~لتخصيص المسند إليه بالخبر نحو : ما أنا قلت هذا ، أي أن الحزن منتف عنهم ~~لا عن غيرهم ، والمراد بالغير : من لم يتصف بالإيمان والاستقامة في مراتب ~~الكفر والعصيان ، فجنس الخوف ثابت لمن عداهم على مراتب توقع العقاب حتى في ~~حالة الوجل من عدم قبول الشفاعة فيهم ومن توقع حرمانهم من نفحات الله تعالى ~~. # واستحضارهم بطريق اسم الإشارة في قوله : { أولئك أصحاب الجنة } للتنبيه ~~على أنهم أحرياء بما يرد من الإخبار عنهم بما بعد الإشارة لأجل الأوصاف ~~المذكورة قبل اسم الإشارة ms7674 ، كما تقدم في قوله : { أولئك على هدى من ربهم في ~~أول سورة البقرة PageV26P027 . # وأصحاب الجنة } أدل على الاختصاص بالجنة من أن يقال : أولئك في الجنة ~~وأولئك لهم الجنة لما في { أصحاب } من معنى الاختصاص وما في الإضافة أيضا . # وقوله : { جزاء بما كانوا يعملون } تصريح بما استفيد من تعليل الصلة في ~~الخبر ومن اقتضاء اسم الإشارة جدارتهم بما بعده وما أفاده وصف أصحاب وما ~~أفادته الإضافة ، وهذا من تمام العناية بالتنويه بهم . # # تطلب بعض المفسرين وجه مناسبة وقوع هذه الآية عقب التي قبلها ، وذكر ~~القرطبي عن القشيري أن وجه اتصال الكلام بعضه ببعض أن المقصود بيان أنه لا ~~يبعد أن يستجيب بعض الناس للنبيء صلى الله عليه وسلم ويكفر به بعضهم كما ~~اختلف حال الناس مع الوالدين . وقال ابن عساكر : لما ذكر الله التوحيد ~~والاستقامة عطف الوصية بالوالدين كما هو مقرون في غير ما آية من القرآن . ~~وكلا هذين القولين غير مقنع في وجه الاتصال . ووجه الاتصال عندي أن هذا ~~انتقال إلى قول آخر من أقوال المشركين وهو كلامهم في إنكار البعث وجدالهم ~~فيه فإن ذلك من أصول كفرهم بمحل القصد من هذه الآيات قوله : { والذي قال ~~لوالديه أف لكما إلى قوله : خاسرين } ( الأحقاف : 17 ، 18 ) . # وصيغ هذا في أسلوب قصة جدال بين والدين مؤمنين وولد كافر ، وقصة جدال بين ~~ولد مؤمن ووالدين كافرين لأن لذلك الأسلوب وقعا في أنفس السامعين مع ما روي ~~أن ذلك إشارة إلى جدال جرى بين عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق قبل إسلامه ~~وبين والديه كما سيأتي . ولذلك تعين أن يكون ما قبله توطئة وتمهيدا لذكر ~~هذا الجدال . # وقد روى الواحدي عن ابن عباس أن قوله : { ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا ~~إلى قوله : يوعدون } ( الأحقاف : 15 ، 16 ) نزل في أبي بكر الصديق . وقال ~~ابن عطية وغير واحد : نزلت في PageV26P028 أبي بكر وأبيه ( أبي قحافة ) ~~وأمه ( أم الخير ) أسلم أبواه جميعا . وقد تكررت الوصاية ببر الوالدين في ~~القرآن وحرض عليها النبي صلى الله عليه وسلم في مواطن ms7675 عديدة فكان البر ~~بالوالدين أجلى مظهرا في هذه الأمة منه في غيرها وكان من بركات أهلها بحيث ~~لم يبلغ بر الوالدين مبلغا في أمة مبلغه في المسلمين . وتقدم { ووصينا ~~الإنسان بوالديه حسنا في سورة العنكبوت . # والمراد بالإنسان الجنس ، أي وصينا الناس وهو مراد به خصوص الناس الذين ~~جاءتهم الرسل بوصايا الله والذين آمنوا وعملوا الصالحات وذلك هو المناسب ~~لقوله في آخرها أولئك الذين يتقبل عنهم أحسن ما عملوا } ( الأحقاف : 16 ) ~~الآية . # وكذلك هو فيما ورد من الآيات في هذا الغرض كما في سورة العنكبوت وفي سورة ~~لقمان بصيغة واحدة . # والحسن : مصدر حسن ، أي وصيناه بحسن المعاملة . وقرأه الجمهور كذلك . ~~وقرأه عاصم وحمزة والكسائي وخلف { إحسانا } . والنصب على القراءتين إما ~~بنزع الخافض وهو الباء وإما بتضمين { وصينا } معنى : ألزمنا . # والكره : بفتح الكاف وبضمها مصدر أكره ، إذا امتعض من شيء ، أي كان حمله ~~مكروها لها ، أي حالة حمله وولادته لذلك . وقرأ الجمهور { كرها } في ~~الموضعين بفتح الكاف . وقرأه عاصم وحمزة والكسائي وابن ذكوان عن ابن عامر ~~ويعقوب بضم الكاف في الموضعين . وانتصب { كرها } على الحال ، أي كارهة أو ~~ذات كره . # والمعنى : أنها حملته في بطنها متعبة من حمله تعبا يجعلها كارهة لأحوال ~~ذلك الحمل . ووضعته بأوجاع وآلام جعلتها كارهة لوضعه . وفي ذلك الحمل ~~والوضع فائدة له هي فائدة وجوده الذي هو كمال حال الممكن وما ترتب على ~~وجوده من الإيمان والعمل الصالح الذي به حصول النعم الخالدة . # وأشير إلى ما بعد الحمل من إرضاعه الذي به علاج حياته ودفع ألم الجوع عنه ~~PageV26P029 وهو عمل شاق لأمه فذكرت مدة الحمل والإرضاع لأنها لطولها ~~تستدعي صبر الأم على تحمل كلفة الجنين والرضيع . # والفصال : الفطام ، وذكر الفصال لأنه انتهاء مدة الرضاع فذكر مبدأ مدة ~~الحمل بقوله : { وحمله } وانتهاء الرضاع بقوله : { وفصاله } . والمعنى : ~~وحمله وفصاله بينهما ثلاثون شهرا . وقرأ يعقوب { وفصله } بسكون الصاد ، أي ~~فصله عن الرضاعة بقرينة المقام . # ومن بديع معنى الآية جمع مدة الحمل إلى الفصال في ثلاثين شهرا لتطابق ~~مختلف مدد الحمل إذ ms7676 قد يكون الحمل ستة أشهر وسبعة أشهر وثمانية أشهر وتسعة ~~وهو الغالب ، قيل : كانوا إذا كان حمل المرأة تسعة أشهر وهو الغالب أرضعت ~~المولود أحد وعشرين شهرا ، وإذا كان الحمل ثمانية أشهر أرضعت اثنين وعشرين ~~شهرا ، وإذا كان الحمل سبعة أشهر أرضعت ثلاثة وعشرين شهرا ، وإذا كان الحمل ~~ستة أشهر أرضعت أربعة وعشرين شهرا ، وذلك أقصى أمد الإرضاع فعوضوا عن نقص ~~كل شهر من مدة الحمل شهرا زائدا في الإرضاع لأن نقصان مدة الحمل يؤثر في ~~الطفل هزالا . # ومن بديع هذا الطي في الآية أنها صالحة للدلالة على أن مدة الحمل قد تكون ~~دون تسعة أشهر ولولا أنها تكون دون تسعة أشهر لحددته بتسعة أشهر لأن الغرض ~~إظهار حق الأم في البر بما تحملته من مشقة الحمل فإن مشقة مدة الحمل أشد من ~~مشقة الإرضاع فلولا قصد الإيماء إلى هذه الدلالة لكان التحديد بتسعة أشهر ~~أجدر بالمقام . وقد جعل علي بن أبي طالب رضي الله عنه هذه الآية مع آية ~~سورة البقرة { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين دليلا على أن الوضع قد ~~يكون لستة أشهر ، ونسب مثله إلى ابن عباس . ورووا عن معمر بن عبد الله ~~الجهني قال : تزوج رجل منا امرأة من جهينة فولدت لتمام ستة أشهر فانطلق ~~زوجها إلى عثمان بن عفان فذكر له فبعث إليها عثمان ، فلما أتي بها أمر ~~برجمها فبلغ ذلك عليا PageV26P030 فأتاه فقال : أما تقرأ القرآن قال : بلى ~~. قال : أما سمعت قوله : وحمله وفصاله ثلاثون شهرا } ، وقال : { حولين ~~كاملين } فلم نجده بقي إلا ستة أشهر . فرجع عثمان إلى ذلك وهو استدلال بني ~~على اعتبار أن شمول الصور النادرة التي يحتملها لفظ القرآن هو اللائق بكلام ~~علام الغيوب الذي أنزله تبيانا لكل شيء من مثل هذا . وتقدم الكلام على ~~أحكام الحمل في سورة البقرة . # . # { حتى } ابتدائية ومعناها معنى فاء التفريع على الكلام المتقدم ، وإذ ~~كانت { حتى } لا يفارقها معنى الغاية كانت مؤذنة هنا بأن الإنسان تدرج في ~~أطواره من وقت فصاله إلى أن بلغ أشده ms7677 ، أي هو موصى بوالديه حسنا في الأطوار ~~الموالية لفصاله ، أي يوصيه وليه في أطوار طفولته ثم عليه مراعاة وصية الله ~~في وقت تكليفه . # ووقوع { إذا } بعد { حتى } ليرتب عليها توقيت ما بعد الغاية من الخبر ، ~~أي كانت الغاية وقت بلوغه الأشد ، وقد تقدمت نظائر ذلك قريبا وبعيدا منها ~~قوله تعالى : { حتى إذا فشلتم في سورة آل عمران . # ولما كان إذا } ظرفا لزمن مستقبل كان الفعل الماضي بعدها منقلبا إلى ~~الاستقبال ، وإنما صيغ بصيغة الماضي تشبيها للمؤكد تحصيله بالواقع ، فهو ~~استعارة . # و { إذا } تجريد للاستعارة ، والمعنى : حتى يبلغ أشده ، أي يستمر على ~~الإحسان إليهما إلى أن يبلغ أشده فإذا بلغه { قال رب أوزعني } ، أي طلب ~~العون من الله على زيادة الإحسان إليهما بأن يلهمه الشكر على نعمه عليه ~~وعلى والديه . ومن جملة النعم عليه أن ألهمه الإحسان لوالديه . PageV26P031 ~~ومن جملة نعمه على والديه أن سخر لهما هذا الولد ليحسن إليهما ، فهاتان ~~النعمتان أول ما يتبادر عن عموم نعمة الله عليه وعلى والديه لأن المقام ~~للحديث عنهما . # وهذا إشارة إلى أن الفعل المؤقت ببلوغ الأشد وهو فعل { قال رب أوزعني } ~~من جملة ما وصي به الإنسان ، أي أن يحسن إلى والديه في وقت بلوغه الأشد . ~~فالمعنى : ووصينا الإنسان حسنا بوالديه حتى في زمن بلوغه الأشد ، أي أن لا ~~يفتر عن الإحسان إليهما بكل وجه حتى بالدعاء لهما . وإنما خص زمان بلوغه ~~الأشد لأنه زمن يكثر فيه الكلف بالسعي للرزق إذ يكون له فيه زوجة وأبناء ~~وتكثر تكاليف المرأة فيكون لها فيه زوج وبيت وأبناء فيكونان مظنة أن ~~تشغلهما التكاليف عن تعهد والديهما والإحسان إليهما فنبها بأن لا يفترا عن ~~الإحسان إلى الوالدين . # ومعنى { قال رب أوزعني } أنه دعا ربه بذلك ، ومعناه : أنه مأمور بالدعاء ~~إليهما بأنه لا يشغله الدعاء لنفسه عن الدعاء لهما وبأنه يحسن إليهما بظهر ~~الغيب منهما حين مناجاته ربه ، فلا جرم أن إحسانه إليهما في المواجهة حاصل ~~بفحوى الخطاب كما في طريقة الفحوى في النهي عن أذاهما بقوله تعالى ms7678 : { فلا ~~تقل لهما أف } ( الإسراء : 23 ) . # وحاصل المعنى : أن الله أمر بالإحسان إلى الوالدين في المشاهدة والغيبة ~~وبجميع وسائل الإحسان الذي غايته حصول النفع لهما ، وهو معنى قوله تعالى : ~~{ وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا } ( الإسراء : 24 ) وأن الله لما أمر ~~بالدعاء للأبوين وعد بإجابته على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم لقوله : ( ~~إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية ، وعلم بثه في صدور ~~الرجال ، وولد صالح يدعو له بخير ) . وما شكر الولد ربه على النعمة التي ~~أنعمها الله على والديه إلا من باب نيابته عنهما في هذا الشكر ، وهو من ~~جملة العمل الذي يؤديه الولد عن والديه . # وفي حديث الفضل بن عباس أن المرأة الخثعمية قالت لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يوم حجة الوداع ( إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي ~~شيخا كبيرا لا يثبت PageV26P032 على الراحلة أفيجزىء أن أحج عنه ، قال : ~~نعم حجي عنه ) ، وهو حج غير واجب على أبيها لعجزه . # والأشد : حالة اشتداد القوى العقلية والجسدية وهو جمع لم يسمع له بمفرد . ~~وقيل مفرده : شدة بكسر الشين وهاء التأنيث مثل نعمة جمعها أنعم ، وليس ~~الأشد اسما لعدد من سني العمر وإنما سنو العمر مظنة للأشد . ووقته ما بعد ~~الثلاثين سنة وتمامه عند الأربعين سنة ولذلك عطف على { بلغ أشده } قوله : { ~~وبلغ أربعين سنة } أي بلغ الأشد ووصل إلى أكمله فهو كقوله تعالى : { ولما ~~بلغ أشده واستوى } ( القصص : 14 ) ، وتقدم في سورة يوسف ، وليس قوله : { ~~وبلغ أربعين سنة } تأكيدا لقوله { بلغ أشده } لأن إعادة فعل بلغ تبعد ~~احتمال التأكيد وحرف العطف أيضا يبعد ذلك الاحتمال . # و { أوزعني } : ألهمني . وأصل فعل أوزع الدلالة على إزالة الوزع ، أي ~~الانكفاف عن عمل ما ، فالهمزة فيه للإزالة ، وتقدم في سورة النمل . # و { نعمتك } اسم مصدر مضاف يعم ، أي ألهمني شكر النعم التي أنعمت بها علي ~~وعلى والدي من جميع النعم الدينية كالإيمان والتوفيق ومن النعم الدنيوية ~~كالصحة والجدة . # وما ذكر من الدعاء لذريته بقوله : { وأصلح ms7679 لي في ذريتي } استطراد في ~~أثناء الوصاية بالدعاء للوالدين بأن لا يغفل الإنسان عن التفكر في مستقبله ~~بأن يصرف عنايته إلى ذريته كما صرفها إلى أبويه ليكون له من إحسان ذريته ~~إليه مثل ما كان منه لأبويه وإصلاح الذرية يشمل إلهامهم الدعاء إلى الوالد ~~. # وفي إدماج تلقين الدعاء بإصلاح ذريته مع أن سياق الكلام في الإحسان إلى ~~الوالدين إيماء إلى أن المرء يلقى من إحسان أبنائه إليه مثل ما لقي أبواه ~~من إحسانه إليهما ، ولأن دعوة الأب لابنه مرجوة الإجابة . وفي حديث أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ( ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن : ~~دعوة الوالد على ولده ، ودعوة المسافر ، ودعوة المظلوم ) ، وفي رواية ( ~~لولده ) وهو حديث حسن متعددة طرقه . PageV26P033 # واللام في { وأصلح لي } لام العلة ، أي أصلح في ذريتي لأجلي ومنفعتي ~~كقوله تعالى : { ألم نشرح لك صدرك } ( الشرح : 1 ) . ونكتة زيادة هذا في ~~الدعاء أنه بعد أن أشار إلى نعم الله عليه وعلى والديه تعرض إلى نفحات الله ~~فسأله إصلاح ذريته وعرض بأن إصلاحهم لفائدته ، وهذ تمهيد لبساط الإجابة ~~كأنه يقول : كما ابتدأتني بنعمتك وابتدأت والدي بنعمتك ومتعتهما بتوفيقي ~~إلى برهما ، كمل إنعامك بإصلاح ذريتي فإن إصلاحهم لي . وهذه ترقيات بديعة ~~في درجات القرب . # ومعنى ظرفية { في ذريتي } أن ذريته نزلت منزلة الظرف يستقر فيه ما هو به ~~الإصلاح ويحتوي عليه ، وهو يفيد تمكن الإصلاح من الذرية وتغلغله فيهم . ~~ونظيره في الظرفية قوله تعالى : { وجعلها كلمة باقية في عقبه } ( الزخرف : ~~28 ) . # وجملة { إني تبت إليك } كالتعليل للمطلوب بالدعاء تعليل توسل بصلة ~~الإيمان والإقرار بالنعمة والعبودية . وحرف ( إن ) للاهتمام بالخبر كما هو ~~ظاهر ، وبذلك يستعمل حرف ( إن ) في مقام التعليل ويغني غناء الفاء . # والمراد بالتوبة : الإيمان لأنه توبة من الشرك ، وبكونه من المسلمين أنه ~~تبع شرائع الإسلام وهي الأعمال . وقال : { من المسلمين } دون أن يقول : ~~وأسلمت كما قال : { تبت إليك } لما يؤذن به اسم الفاعل من التلبس بمعنى ~~الفعل في الحال وهو التجدد لأن الأعمال متجددة متكررة ، وأما ms7680 الإيمان فإنما ~~يحصل دفعة فيستقر لأنه اعتقاد ، وفيه الرعي على الفاصلة . هذا وجه تفسير ~~الآية بما تعطيه تراكيبها ونظمها دون تكلف ولا تحمل ، وهي عامة لكل مسلم ~~أهل لوصاية الله تعالى بوالديه والدعاء لهما إن كانا مؤمنين . # جيء باسم الإشارة للغرض الذي ذكرناه آنفا عند قوله : { أولئك أصحاب الجنة ~~خالدين فيها } ( الأحقاف : 14 ) . وكونه إشارة جمع ومخبرة عنه بألفاظ الجمع ~~ظاهر في أن PageV26P034 المراد بالإنسان من قوله : { ووصينا الإنسان } ( ~~الأحقاف : 15 ) غير معين بل المراد الجنس المستعمل في الاستغراق كما قدمناه ~~. والجملة مستأنفة استئنافا بيانيا لأن ما قبلها من الوصف والحث يحدث ترقب ~~السامع لمعرفة فائدة ذلك فكان قوله : { أولئك الذين يتقبل عنهم } إلى آخره ~~جوابا لترقية . # وعموم { أحسن ما عملوا } يكسب الجملة فائدة التذييل ، أي الإحسان ~~بالوالدين والدعاء لهما وللذرية من أفضل الأعمال فهو من أحسن ما عملوا . ~~وقد تقبل منهم كل ما هو أحسن ما عملوا . والتقبل : ترتب آثار العمل من ثواب ~~على العمل واستجابة للدعاء . وفي هذا إيماء إلى أن هذا الدعاء مرجو الإجابة ~~لأن الله تولى تلقينه مثل الدعاء الذي في سورة الفاتحة ودعاء آخر سورة ~~البقرة . # وعدي فعل { يتقبل } بحرف ( عن ) ، وحقه أن يعدى بحرف ( من ) تغليبا لجانب ~~المدعو لهم وهم الوالدان والذرية ، لأن دعاء الولد والوالد لأولئك بمنزلة ~~النيابة عنهم في عبادة الدعاء وإذا كان العمل بالنيابة متقبلا علم أن عمل ~~المرء لنفسه متقبل أيضا ففي الكلام اختصار كأنه قيل : أولئك يتقبل منهم ~~ويتقبل عن والديهم وذريتهم أحسن ما عملوا . وقرأ الجمهور { يتقبل } و { ~~يتجاوز } بالياء التحتية مضمومة مبنيين للنائب و { أحسن } مرفوع على ~~النيابة عن الفاعل ولم يذكر الفاعل لظهور أن المتقبل هو الله وقرأهما حمزة ~~والكسائي وحفص عن عاصم وخلف بنونين مفتوحتين ونصب { أحسن } . # وقوله : { في أصحاب الجنة } في موضع الحال من اسم الإشارة ، أي كائنين في ~~أصحاب الجنة حين يتقبل أحسن ما عملوا ويتجاوز عن سيئاتهم لأن أصحاب الجنة ~~متقبل أحسن أعمالهم ويتجاوز عن سيئاتهم ، وذكر هذا للتنويه بهم بأنهم من ms7681 ~~الفريق المشرفين كما يقال : أكرمه في أهل العلم . # وانتصب { وعد الصدق } على الحال من التقبل والتجاوز المفهوم من معاني { ~~يتقبل } و { يتجاوز } ، فجاء الحال من المصدر المفهوم من الفعل كما أعيد ~~PageV26P035 عليه الضمير في قوله تعالى : { اعدلوا هو أقرب للتقوى } ( ~~المائدة : 8 ) ، أي العدل أقرب للتقوى . # والوعد : مصدر بمعنى المفعول ، أي ذلك موعدهم الذي كانوا يوعدونه . # وإضافة { وعد } إلى { الصدق } إضافة على معنى ( من ) ، أي وعد من الصدق ~~إذ لا يتخلف . و { الذي كانوا يوعدون } صفة وعد الصدق ، أي ذلك هو الذي ~~كانوا يوعدونه في الدنيا بالقرآن في الآيات الحاثة على بر الوالدين وعلى ~~الشكر وعلى إصلاح الذرية . # هذا الفريق المقصود من هذه الآيات المبدوءة بقوله تعالى : { ووصينا ~~الإنسان } ( الأحقاف : 15 ) . وهذا الفريق الذي كفر بربه وأساء إلى والديه ~~، وقد علم أن والديه كانا مؤمنين من قوله : { أتعدانني أن أخرج وقد خلت ~~القرون من قبلي } الآية . # فجملة { والذي قال لوالديه } الأحسن أن تكون معطوفة على جملة { وإذا تتلى ~~عليهم آياتنا بينات } ( الأحقاف : 7 ) الخ انتقال إلى مقالة أخرى من أصول ~~شركهم وهي مقالة إنكار البعث . وأما قوله : { الذي قال لوالديه } فالوجه ~~جعله مفعولا لفعل مقدر تقديره : واذكر الذي قال لوالديه ، لأن هذا الوجه ~~يلائم كل الوجوه . ويجوز جعله مبتدأ وجملة { أولئك الذين حق عليهم القول في ~~أمم } ( الأحقاف : 18 ) خبرا عنه على أحد الوجهين الاثنين في مرجع اسم ~~الإشارة من قوله : { أولئك الذين حق عليهم القول } . # و { الذي } هنا اسم صادق على الفريق المتصف بصلته . وهذا وصف لفئة من ~~PageV26P036 أبناء من المشركين أسلم آباؤهم ودعوهم إلى الإسلام فلم ~~يستجيبوا لهم وأغلظوا لهم القول فضموا إلى الكفر بشنيع عقوق الوالدين وهو ~~قبيح لمنافاته الفطرة التي فطر الله الناس عليها لأن حال الوالدين مع ~~أبنائهما يقتضي معاملتهما بالحسنى ، ويدل لعدم اختصاص قوله في آخرها { ~~أولئك الذين حق عليهم القول } إلى آخره . # والذي عليه جمهور المفسرين : أن الآية لا تعني شخصا معينا وأن المراد ~~منها فريق أسلم آباؤهم ولم يسلموا حينئذ . وعن ابن ms7682 عباس ومروان بن الحكم ~~ومجاهد والسدي وابن جريج أنها نزلت في ابنن لأبي بكر الصديق واسمه عبد ~~الكعبة الذي سماه النبي صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بعد أن أسلم عبد ~~الرحمن قالوا : كان قبل الهجرة مشركا وكان يدعوه أبوه أبو بكر وأمه أم ~~رومان إلى الإسلام ويذكرانه بالبعث ، فيرد عليهما بكلام مثل ما ذكره في هذه ~~الآية . ويقول : فأين عبد الله بن جدعان ، وأين عثمان بن عمرو ، وأين عامر ~~بن كعب ، ومشايخ قريش حتى أسألهم عما يقول محمد . لكن ليست الآية خاصة به ~~حتى تكون نازلة فيه ، وبهذا يؤول قول عائشة رضي الله عنها لما قال مروان بن ~~الحكم لعبد الرحمن هو الذي يقول الله فيه : { والذي قال لوالديه أف لكما } ~~. وذلك في قصة إشارة عبد الرحمن على مروان أخذه البيعة ليزيد بن معاوية ~~بالعهد له بالخلافة . # ففي ( صحيح البخاري ) في كتاب التفسير عن يوسف بن ماهك أنه قال : ( كان ~~مروان ابن الحكم على الحجاز استعمله معاوية فخطب فجعل يذكر يزيد بن معاوية ~~لكي يبايع له بعد أبيه أي بولاية العهد فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر ~~أهرقلية أي اجعلتموها وراثة مثل سلطنة هرقل فقال : خذوه فدخل بيت عائشة فلم ~~يقدروا عليه ، فقال مروان : إن هذا الذي أنزل الله فيه { والذي قال لوالديه ~~أف لكما أتعدانني } ، فقالت عائشة من وراء الحجاب : ما أنزل الله فينا شيئا ~~من القرآن إلا أن الله أنزل عذري أي براءتي . وكيف يكون المراد ب { الذي ~~قال لوالديه أف لكما } عبد الرحمن بن أبي بكر وآخر الآية يقول : { أولئك ~~الذين حق عليهم القول إلى خاسرين } ( الأحقاف : 18 ) فذكر اسم الإشارة ~~للجمع ، وقضى على المتحدث عنهم بالخسران ، ولم أقف على من كان مشركا وكان ~~أبواه مؤمنين . وأياما PageV26P037 كان فقد أسلم عبد الرحمن قبل الفتح فلما ~~أسلم جب إسلامه ما قبله وخرج من الوعيد الذي في قوله : { أولئك الذين حق ~~عليهم القول } الآية ، لأن ذلك وعيد وكل وعيد فإنما هو مقيد تحققه بأن يموت ~~المتوعد به ms7683 غير مؤمن وهذا معلوم بالضرورة من الشريعة . وتلقب عند الأشاعرة ~~بمسألة الموافاة ، على أنه قيل إن الإشارة بقوله : { أولئك } عائدة إلى { ~~الأولين } من قوله : { ما هذا إلا أساطير الأولين } كما سيأتي . # وأف : اسم فعل بمعنى : أتضجر ، وتقدم الكلام عليه في سورة الإسراء وفي ~~سورة الأنبياء ، وهو هنا مستعمل كناية عن أقل الأذى فيكون الذين يؤذون ~~والديهم بأكثر من هذا أوغل في العقوق الشنيع وأحرى بالحكم بدلالة فحوى ~~الخطاب على ما تقرر في قوله تعالى : { فلا تقل لهما أف في سورة الإسراء . ~~وقرأ نافع وحفص عن عاصم أف } بكسر الفاء منونا . وقرأه ابن كثير وابن عامر ~~ويعقوب { أف } بفتح الفاء غير منون . وقرأه الباقون أف بكسر الفاء غير منون ~~، وهي لغات ثلاث فيه . # واعلم أن في قوله تعالى : { والذي قال لوالديه أف لكما } محسن الاتزان ~~فإنه بوزن مصراع من الرمل عروضه محذوفة ، وضربه محذوف ، وفيه الخبن والقبض ~~، ويزاد فيه الكف على قراءة غير نافع وحفص . # والاستفهام في { أتعدانني أن أخرج } إنكار وتعجب . والإخراج : البعث بعد ~~الموت . # وجعلت جملة الحال وهي { وقد خلت القرون من قبلي } قيدا لمنتهى الإنكار ، ~~أي كيف يكون ذلك في حال مضي القرون . # والقرون : جمع قرن وهو الأمة التي تقارب زمان حياتها ، وفي الحديث ( خير ~~القرون قرني ثم الذين يلونهم ) الحديث ، وقال تعالى : { أو لم يعلم أن الله ~~قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا } ( القصص : 78 ) ~~. # والمعنى : أنه أحال أن يخرج هو من الأرض بعد الموت ، وقد مضت أمم كثيرة ~~وطال عليها الزمن فلم يخرج منهم أحد . وهذا من سوء فهمه في معنى البعث أو ~~PageV26P038 من المغالطة في الاحتجاج لأن وعد البعث لم يوقت بزمن معين ولا ~~أنه يقع في هذا العالم . # وقرأ الجمهور { أتعدانني } بنونين مفككين وقرأه هشام عن ابن عامر بإدغام ~~النونين . # ومعنى { يستغيثان الله } يطلبان الغوث من الله ، أي يطلبان من الله الغوث ~~بأن يهديه ، فالمعنى : يستغيثان الله له . وليست جملة { ويلك آمن } بيانا ~~لمعنى استغاثتهما ولكنها مقول ms7684 قول محذوف يدل عليه معنى الجملة . وكلمة { ~~ويلك } كلمة تهديد وتخويف . # والويل : الشر . وأصل ويلك : ويل لك كما في قوله تعالى : { فويل للذين ~~يكتبون الكتاب بأيديهم } ( البقرة : 79 ) ، فلما كثر استعماله وأرادوا ~~اختصاره حذفوا اللام ووصلوا كاف الخطاب بكلمة ( ويل ) ونصبوه على نزع ~~الخافض . # وفعل { آمن } منزل منزلة اللازم ، أي اتصف بالإيمان وهو دعوة الإسلام ، ~~وجملة { إن وعد الله حق } تعليل للأمر بالإيمان وتعريض له بالتهديد من أن ~~يحق عليه وعد الله . # والأساطير : جمع أسطورة وهي القصة وغلب إطلاقها على القصة الباطلة أو ~~المكذوبة كما يقال : خرافة ، وتقدم في قوله تعالى : { وإذا قيل لهم ماذا ~~أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين في سورة النحل وفي قوله : وقالوا أساطير ~~الأولين اكتتبها في سورة الفرقان . # } # يجوز أن يكون اسم الإشارة مشيرا إلى الذي قال لديه هذه المقالة لما علمت ~~أن المراد به فريق ، فجاءت الإشارة إليه باسم إشارة الجماعة بتأويل الفريق ~~. PageV26P039 ويجوز أن يكون { أولئك } إشارة إلى { الأولين } من قوله : { ~~فيقول ما هذا إلا أساطير الأولين } ( الأحقاف : 17 ) ، وهم الذين روي أن ~~ابن أبي بكر ذكرهم حين قال : فأين عبد الله بن جدعان ، وأين عثمان بن عمرو ~~، ومشائخ قريش كما تقدم آنفا . واستحضار هذا الفريق بطريق اسم الإشارة ~~لزيادة تمييز حالهم العجيبة . # وتعريف { القول } تعريف العهد وهو قول معهود عند المسلمين لما تكرر في ~~القرآن من التعبير عنه بالقول في نحو آية { قال فالحق والحق أقول لأملان ~~جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين } ( ص : 84 ، 85 ) ، ونحو قوله : { أفمن حق ~~عليه كلمة العذاب } ( الزمر : 19 ) ، فإن الكلمة قول ، ونحو قوله : { لقد ~~حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون } ( يس : 7 ) الآية . وإطلاقه في هذه ~~الآية رشيق لصلوحية . # وإقحام { كانوا خاسرين } دون أن يقال : إنهم خاسرون ، للإشارة إلى أن ~~خسرانهم محقق فكني عن ذلك بجعلهم كائنين فيه . # وتأكيد الكلام بحرف ( إن ) لأنهم يظنون أن ما حصل لهم في الدنيا من ~~التمتع بالطيبات فوزا ليس بعده نكد لأنهم لا يؤمنون بالبعث والجزاء ، فشبهت ~~حالة ظنهم ms7685 هذا بحال التاجر الذي قل ربحه من تجارته فكان أمره خسرا ، وقد ~~تقدم غير مرة منها قوله تعالى : { فما ربحت تجارتهم في البقرة . # وإيراد فعل الكون بقوله : كانوا خاسرين } دون الاقتصار على { خاسرين } ~~لأن ( كان ) تدل على أن الخسارة متمكنة منهم . # عطف على الكلام السابق من قوله : { أولئك الذين يتقبل عنهم } ( الأحقاف : ~~16 ) ثم قوله : { أولئك الذين حق عليهم القول } ( الأحقاف : 18 ) الخ . # وتنوين ( كل ) تنوين عوض عما تضاف إليه { كل } وهو مقدر يعلم من السياق ، ~~أي ولكل الفريقين المؤمن البار بوالديه والكافر الجامع بين الكفر والعقوق ~~PageV26P040 درجات ، أي مراتب من التفاوت في الخبر بالنسبة لأهل جزاء الخير ~~وهم المؤمنون ، ودركات في الشر لأهل الكفر . والتعبير عن تلك المراتب ~~بالدرجات تغليب لأن الدرجة مرتبة في العلو وهو علو اعتباري إنما يناسب ~~مراتب الخير وأما المرتبة السفلى فهي الدركة قال تعالى : { إن المنافقين في ~~الدرك الأسفل من النار } ( النساء : 145 ) . ووجه التغليظ التنويه بشأن أهل ~~الخير . # و ( من ) في قوله : { مما عملوا } تبعيضية . والمراد ب { ما عملوا } جزاء ~~ما عملوا فيقدر مضاف . والدرجات : مراتب الأعمال في الخير وضده التي يكون ~~الجزاء على وفقها . ويجوز كون ( من ) ابتدائية ، وما عملوا نفس العمل فلا ~~يقدر مضاف والدرجات هي مراتب الجزاء التي تكون على حسب الأعمال ، ومقادير ~~ذلك لا يعلمها إلا الله وهي تتفاوت بالكثرة وبالسبق وبالخصوص ، فالذي قال ~~لوالديه أف لكما وأنكر البعث ثم أسلم بعد ذلك قد يكون هو دون درجة الذي ~~بادر بالإسلام وبر والديه وما يعقب إسلامه من العمل الصالح . وكل ذلك على ~~حسب الدرجات . # وأشار إلى أن جزاء تلك الدرجات كلها بقدر يعلمه الله ، وقوله بعده : { ~~ولنوفيهم أعمالهم } هو علة لمحذوف دل عليه الكلام وتقديره : قدرنا جزاءهم ~~على مقادير درجاتهم لنوفيهم جزاء أعمالهم ، أي نجازيهم تاما وافيا لا غبن ~~فيه . وقرأ الجمهور { ولنوفيهم } بنون العظمة . وقرأه ابن كثير وأبو عمرو ~~وعاصم وهشام عن ابن عامر ويعقوب بالتحتية مرادا به العود إلى الله تعالى ~~لأنه معلوم من المقام . # وجملة { وهم ms7686 لا يظلمون } احتراس منظور فيه إلى توفية أحد الفريقين وهو ~~الفريق المستحق للعقوبة لئلا يحسب أن التوفية بالنسبة إليهم أن يكون الجزاء ~~أشد مما تقتضيه أعمالهم . PageV26P041 # انتقال إلى وعيد الكافرين على الكفر بحذافره ، وذلك زائد على الوعيد ~~المتقدم المتعلق بإنكارهم البعث مع عقوقهم الوالدين المسلمين . فالجملة ~~معطوفة على جملة { والذي قال لوالديه أف لكما } ( الأحقاف : 17 ) الآيات . # والكلام مقول قول محذوف تقديره : ويقال للذين كفروا يوم يعرضون على النار ~~{ أذهبتم طيباتكم } ، ومناسبة ذكره هنا أنه تقرير لمعنى { لا يظلمون } ( ~~الأحقاف : 19 ) ، أي لا يظلمون في جزاء الآخرة مع أننا أنعمنا عليهم في ~~الدنيا ولو شئنا لعجلنا لهم الجزاء على كفرهم من الحياة الدنيا ، ولكن الله ~~لم يحرمهم من النعمة في الحياة الدنيا فإن نعمة الكافر في الدنيا نعمة عند ~~المحققين من المتكلمين . وعن الأشعري : أن الكافر غير منعم عليه في الدنيا ~~، وتؤول بأنه خلاف لفظي ، أي باعتبار أن عاقبتها سيئة . ونعمة الله في ~~الدنيا معاملة بفضل الربوبية وجزاؤهم على أعمالهم في الآخرة معاملة بعدل ~~الإلهية والحكمة . # وانتصب { يوم يعرض } على الظرفية لفعل القول المحذوف . والعرض تقدم في ~~قوله : { أولئك يعرضون على ربهم في سورة هود وقوله : النار يعرضون عليها في ~~سورة غافر وفي قوله : وتراهم يعرضون عليها في سورة الشورى . # وإذهاب الطيبات مستعار لمفارقتها كما أن إذهاب المرء إبعاد له عن مكان له ~~. والذهاب : المبارحة . والمعنى : استوفيتم ما لكم من الطيبات بما حصل لكم ~~من نعيم الدنيا ومتعتها فلم تبق لكم طيبات بعدها لأنكم لم تعملوا لنوال ~~طيبات الآخرة ، وهو إعذار لهم وتقرير لكونهم لا يظلمون فرتب عليه قوله : ~~فاليوم تجزون عذاب الهون } . # فالفاء فصيحة . والتقدير : إن كان كذلك فاليوم لم يبق لكم إلا جزاء سيىء ~~PageV26P042 أعمالكم ، وليست الفاء للتفريع ولا للتسبب . وليس في الآية ما ~~يقتضي منع المسلم من تناول الطيبات في الدنيا إذا توخى حلالها وعمل بواجبه ~~الديني فيما عدا ذلك وإن كان الزهد في الاعتناء بذلك أرفع درجة وهي درجة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وخاصة ms7687 من أصحابه . # وروى الحسن عن الأحنف بن قيس أنه سمع عمر بن الخطاب يقول : لأنا أعلم ~~بخفض العيش ولو شئت لجعلت أكبادا ، وصلائق وصنابا وكراكر وأسنمة ولكني رأيت ~~الله نعى على قوم فقال : { أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها ~~} . وإنما أراد عمر بذلك الخشية من أن يشغله ذلك عن واجبه من تدبير أمور ~~الأمة فيقع في التفريط ويؤاخذ عليه . وذكر ابن عطية : أن عمر حين دخل الشام ~~قدم إليه خالد بن الوليد طعاما طيبا . فقال عمر : هذا لنا فما لفقراء ~~المسلمين الذين ماتوا ولم يشبعوا من خبز الشعير ؟ فقال خالد : لهم الجنة ، ~~فبكى عمر . وقال : لئن كان حظنا في المقام وذهبوا بالجنة لقد باينونا بونا ~~بعيدا . # والهون : الهوان وهو الذل وإضافة { عذاب } إلى { الهون } مع إضافة ~~الموصوف إلى الصفة . والباء في قوله : { بما كنتم تستكبرون } للسببية وهي ~~متعلقة بفعل { تجزون } . # والمراد بالاستكبار ، الاستكبار على الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى قبول ~~التوحيد . # والفسوق : الخروج عن الدين وعن الحق ، وقد يأخذ المسلم بحظ من هذين ~~الجرمين فيكون له حظ من جزائهما الذي لقيه الكافرون ، وذلك مبين في أحكام ~~الدين . والفسوق : هنا الشرك . PageV26P043 # وقرأ الجمهور { أذهبتم } بهمزة واحدة على أنه خبر مستعمل في التوبيخ . ~~وقرأه ابن كثير { أأذهبتم } بهمزتين على الاستفهام التوبيخي . # سيقت قصة هود وقومه مساق الموعظة للمشركين الذين كذبوا بالقرآن كما أخبر ~~الله عنهم من أول هذه السورة في قوله : { والذين كفروا عما أنذروا معرضون } ~~( الأحقاف : 3 ) مع ما أعقبت به من الحجج المتقدمة من قوله : { قل أرأيتم ~~ما تدعون من دون الله } ( الأحقاف : 4 ) الذي يقابله قول هود { أن لا ~~تعبدوا إلا الله } ثم قوله : { قل ما كنت بدعا من الرسل } ( الأحقاف : 9 ) ~~الذي يقابله قوله : { وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه } ، ذلك كله ~~بالموعظة بحال هود مع قومه . وسيقت أيضا مساق الحجة على رسالة محمد صلى ~~الله عليه وسلم وعلى عناد قومه بذكر مثال لحالهم مع رسولهم بحال عاد مع ~~رسولهم . ولها أيضا موقع التسلية ms7688 للرسول صلى الله عليه وسلم على ما تلقاه ~~به قومه من العناد والبهتان لتكون موعظة وتسلية معا يأخذ كل منها ما يليق ~~به . # ولا تجد كلمة أجمع للمعنيين مع كلمة { اذكر } لأنها تصلح لمعنى الذكر ~~اللساني بأن يراد أن يذكر ذلك لقومه ، ولمعنى الذكر بالضم بأن يتذكر تلك ~~الحالة في نفسه وإن كانت تقدمت له وأمثالها لأن في التذكر مسلاة وإسوة ~~كقوله تعالى : { اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ذا الأيد في سورة ص . ~~وكلا المعنيين ناظر إلى قوله آنفا قل ما كنت بدعا من الرسل } فإنه إذا قال ~~لهم ذلك تذكروا ما يعرفون من قصص الرسل مما قصه عليهم القرآن من قبل وتذكر ~~هو لا محالة أحوال رسل كثيرين ثم جاءت قصة هود مثالا لذلك . ومشركو مكة إذا ~~تذكروا في حالهم وحال عاد وجدوا الحالين متماثلين فيجدر بهم أن يخافوا من ~~أن يصيبهم مثل ما أصابهم . # والاقتصار على ذكر عاد لأنهم أول الأمم العربية الذين جاءهم رسول بعد ~~PageV26P044 رسالة نوح العامة وقد كانت رسالة هود ورسالة صالح قبل رسالة ~~إبراهيم عليهم السلام ، وتأتي بعد ذكر قصتهم إشارة إجمالية إلى أمم أخرى من ~~العرب كذبوا الرسل في قوله تعالى : { ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى } ( ~~الأحقاف : 27 ) الآية . # وأخو عاد هو هود وتقدمت ترجمته في سورة الأعراف . وعبر عنه هنا بوصفه دون ~~اسمه العلم لأن المراد بالذكر هنا ذكر التمثيل والموعظة لقريش بأنهم أمثال ~~عاد في الإعراض عن دعوة رسول من أمتهم . # والأخ يراد به المشارك في نسب القبيلة ، يقولون : يا أخا بني فلان ، ويا ~~أخا العرب ، وهو المراد هنا وقد يراد بها الملازم والمصاحب ، يقال : أخو ~~الحرب وأخو عزمات . وقال النبي صلى الله عليه وسلم لزيد بن حارثة ( أنت ~~أخونا ومولانا ) وهو المراد في قوله تعالى : { كذبت قوم لوط المرسلين إذ ~~قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون } ( الشعراء : 160 ، 161 ) . ولم يكن لوط من ~~نسب قومه أهل سدوم . # و { إذ أنذر } اسم للزمن الماضي ، وهي هنا نصب على ms7689 البدل من أخا عاد ، أي ~~اذكر زمن إنذاره قومه فهي بدل اشتمال . وذكر الإنذار هنا دون الدعوة أو ~~الارسال لمناسبة تمثيل حال قوم هود بحال قوم محمد صلى الله عليه وسلم فهو ~~ناظر إلى قوله تعالى في أول السورة { والذين كفروا عما أنذروا معرضون } ( ~~الأحقاف : 3 ) . # والأحقاف : جمع حقف بكسر فسكون ، وهو الرمل العظيم المستطيل وكانت هذه ~~البلاد المسماة بالأحقاف منازل عاد وكانت مشرفة على البحر بين عمان وعدن . ~~وفي منتهى الأحقاف أرض حضرموت ، وتقدم ذكر عاد عند قوله تعالى : { وإلى عاد ~~أخاهم هودا في سورة الأعراف . # وجملة وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه } معترضة بين جملة { أنذر } ~~وجملة { أن لا تعبدوا إلا الله } المفسرة بها . وقد فسرت جملة { أنذر } ~~بجملة { لا تعبدوا إلا الله } الخ . # و ( أن ) تفسيرية لأن { أنذر } فيه معنى القول دون حروفه . PageV26P045 # ومعنى { خلت النذر } سبقت النذر أي نذر رسل آخرين . والنذر : جمع نذارة ~~بكسر النون . و { من بين يديه ومن خلفه } بمعنى قريبا من زمانه وبعيدا عنه ~~، ف { من بين يديه } معناه القرب كما في قوله تعالى : { إن هو إلا نذير لكم ~~بين يدي عذاب شديد } ( سبأ : 46 ) ، أي قبل العذاب قريبا منه قال تعالى : { ~~وقرونا بين ذلك كثيرا } ( الفرقان : 38 ) ، وقال { ورسلا لم نقصصهم عليك } ~~( النساء : 164 ) . وأما الذي من خلفه فنوح فقد قال هود لقومه { واذكروا إذ ~~جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح } ( الأعراف : 69 ) ، وهذا مراعاة للحالة ~~المقصود تمثيلها فهو ناظر إلى قوله تعالى : { قل ما كنت بدعا من الرسل } ( ~~الأحقاف : 9 ) أي قد خلت من قبله رسل مثل ما خلت بتلك . # وجملة { إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } تعليل للنهي في قوله : { أن لا ~~تعبدوا إلا الله } ، أي إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم بسبب شرككم . وعذاب ~~اليوم العظيم يحتمل الوعيد بعذاب يوم القيامة وبعذاب يوم الاستئصال في ~~الدنيا ، وهو الذي عجل لهم . ووصف اليوم بالعظم باعتبار ما يحدث فيه من ~~الأحداث العظيمة ، فالوصف مجاز عقلي . # جواب عن قوله ms7690 : { أن لا تعبدوا إلا الله } ( الأحقاف : 21 ) ، ولذلك جاء ~~فعل { قالوا } مفصولا على طريق المحاورة . # والاستفهام إنكار . والمجيء مستعار للقصد بطلب أمر عظيم ، شبه طرو الدعوة ~~بعد أن لم يكن يدعو بها بمجيء جاء لم يكن في ذلك المكان . # والأفك بفتح الهمزة : الصرف ، وأرادوا به معنى الترك ، أي لنترك عبادة ~~آلهتنا . وهذا الإنكار تعريض بالتكذيب فلذلك فرع عليه { فأتنا بما تعدنا إن ~~كنت من الصادقين } فصرحوا بتكذيبه بطريق المفهوم . PageV26P046 # والمعنى : ائتنا بالعذاب الذي تعدنا به ، أي عذاب اليوم العظيم ، وإنما ~~صرفوا مراد هود بالعذاب إلى خصوص عذاب الدنيا لأنهم لا يؤمنون بالبعث وبهذا ~~يؤذن قوله بعده { فلما رأوه عارضا } ( الأحقاف : 24 ) وقوله : { بل هو ما ~~استعجلتم به } ( الأحقاف : 24 ) . وأرادوا : ائتنا به الآن لأن المقام مقام ~~تكذيب بأن عبادة آلهتهم تجر لهم العذاب . # و { من الصادقين } أبلغ في الوصف بالصدق من أن يقال : إن كنت صادقا ، كما ~~تقرر في قوله تعالى : { وكان من الكافرين في سورة البقرة ، أي إن كنت في ~~قولك هذا من الذين صدقوا ، أي فإن لم تأت به فما أنت بصادق فيه . # } # لما جعلوا قولهم : { فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين } ( الأحقاف : ~~22 ) فصلا بينهم وبينه فيما أنذرهم من كون عبادة غير الله توجب عذاب يوم ~~عظيم ، كان الأمر في قولهم { فأتنا } مقتضيا الفور ، أي طلب تعجيله ليدل ~~على صدقه إذ الشأن أن لا يتأخر عن إظهار صدقه لهم . # وإسناد الإتيان بالعذاب إليه مجاز لأنه الواسطة في إتيان العذاب أن يدعو ~~الله أن يعجله ، أو جعلوا العذاب في مكنته يأتي به متى أراد ، تهكما به إذ ~~قال لهم إنه مرسل من الله فجعلوا ذلك مقتضيا أن بينه وبين الله تعاونا ~~وتطاوعا ، أي فلا تتأخر عن الإتيان به . # وقد دل على هذا الاقتضاء قوله لهم حين نزول العذاب { بل هو ما استعجلتم ~~به } ( الأحقاف : 24 ) فلذلك كان جوابه أن قال : { إنما العلم عند الله } ~~أي علم وقت إتيان العذاب محفوظ عند الله لا يطلع عليه أحد ، فالتعريف ms7691 في { ~~العلم } للاستغراق العرفي ، أي علم المغيبات ، أو التعريف عوض عن المضاف ~~إليه ، أي وقت العذاب . وهذا الجواب يجري على جميع الاحتمالات في معنى ~~قولهم : { فأتنا بما تعدنا } لأن جميعها يقتضي أنه عالم بوقته . # والحصر هنا حقيقي كقوله : { لا يجليها لوقتها إلا هو } ( الأعراف : 187 ) ~~والمقصود من هذا PageV26P047 الحصر شموله نفي العلم بوقت العذاب عن المتكلم ~~ردا على قولهم : { فأتنا بما تعدنا } . # و { عند } هنا مجاز في الانفراد بالعلم ، أي فالله هو العالم بالوقت الذي ~~يرسل فيه العذاب لحكمة في تأخيره . # ومعنى { وأبلغكم ما أرسلت به } أنه بعث مبلغا أمر الله وإنذاره ولم يبعث ~~للإعلام بوقت حلول العذاب كقوله تعالى : { يسألونك عن الساعة أيان مرساها ~~فيم أنت من ذكراها إلى ربك منتهاها إنما أنت منذر من يخشاها } ( النازعات : ~~42 45 ) ، فقوله : { أبلغكم ما أرسلت به } جملة معترضة بين جملة { إنما ~~العلم عند الله } وجملة { ولكني أراكم قوما تجهلون } . # وموقع الاستدراك بقوله : { ولكني أراكم قوما تجهلون } أنه عن قوله : { ~~إنما العلم عند الله } ، أي ولكنكم تجهلون صفات الله وحكمة إرساله الرسل ، ~~فتحسبون أن الرسل وسائط لإنهاء اقتراح الخلق على الله أن يريهم العجائب ~~ويساجلهم في الرغائب ، فمناط الاستدراك هو معمول خبر ( لكن ) وهو { قوما ~~تجهلون } ، والتقدير : ولكنكم قوم يجهلون ، فإدخال حرف الاستدراك على ضمير ~~المتكلم عدول عن الظاهر لئلا يبادرهم بالتجهيل استنزالا لطائرهم ، فجعل ~~جهلهم مظنونا له لينظروا في صحة ما ظنه من عدمها . وإنما زيد { قوما } ولم ~~يقتصر على { تجهلون } للدلالة على تمكن الجهالة منهم حتى صارت من مقومات ~~قوميتهم وللدلالة على أنها عمت جميع القبيلة كما قال لوط لقومه { أليس منكم ~~رجل رشيد } ( هود : 78 ) . # وقرأ الجمهور { وأبلغكم } بتشديد اللام . وقرأه أبو عمرو بتخفيف اللام . ~~يقال : بلغ الخبر بالتضعيف وأبلغه بالهمز ، إذا جعله بالغا . PageV26P048 # ( 24 ، 25 ) # الفاء لتفريع بقية القصة على ما ذكر منها ، أي فلما أراد الله إصابتهم ~~بالعذاب ورأوه عارض قالوا : { هذا عارض } إلى آخره ، ففي الكلام تقدير يدل ~~عليه السياق ، ويسمى التفريع فيه فصيحة ، وقد طوي ms7692 ذكر ما حدث بين تكذيبهم ~~هودا وبين نزول العذاب بهم ، وذكر في كتب تاريخ العرب أنهم أصابهم قحط شديد ~~سنين ، وأن هودا فارقهم فخرج إلى مكة ومات بها ، وقد قيل إنه دفن في الحجر ~~حول الكعبة ، وتقدم في سورة الحجر . # وقولهم : { هذا عارض ممطرنا } يشير إلى أنهم كانوا في حاجة إلى المطر . ~~وورد في سورة هود قول هود لهم : { ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه ~~يرسل السماء عليكم مدرارا وقصتهم مبسوطة في تفسيرنا لسورة هود . # وضمير رأوه } عائد إلى { ما تعدنا } ( الأحقاف : 22 ) ، وهو العذاب . ~~وأطلق على المرئي ضمير العذاب لأن المرئي سبب العذاب وهو ما حملته الريح . ~~و { عارضا } حال منه ، والعارض : السحاب الذي يعترض جو السماء أي رأوه ~~كالعارض . وليس المراد عارض المطر لأنه ليس كذلك وكيف قد أبطل قولهم : { ~~هذا عارض ممطرنا } بقوله : { بل هو ما استعجلتم به ريح } . و { مستقبل ~~أوديتهم } نعت ل { عارضا } . # والاستقبال : التوجه قبالة الشيء ، أي سائرا نحو أوديتهم . # وأودية : جمع واد جمعا نادرا مثل ناد وأندية . ويطلق الواد على محلة ~~القوم ونزلهم إطلاقا أغلبيا لأن غالب منازلهم في السهول ومقار المياه . وفي ~~حديث سعد بن معاذ بمكة بعد الهجرة وما جرى بينه وبين أبي جهل من تحاور ورفع ~~صوته على أبي جهل فقال له أمية : لا ترفع صوتك على أبي الحكم سيد أهل ~~الوادي . وجمع الأودية باعتبار كثرة منازلهم وانتشارها . PageV26P049 # والعارض في قولهم : { هذا عارض ممطرنا } : السحاب العظيم الذي يعرض في ~~الأفق كالجبل ، و { ممطرنا } نعت ل { عارض } . # وقوله : { بل هو ما استعجلتم به } مقول لقول محذوف ، يجوز أن يكون من قول ~~هود إن كان هود بين ظهرانيهم ولم يكن خرج قبل ذلك إلى مكة أو هو من قول بعض ~~رجالهم رأى مخائل الشر في ذلك السحاب . قيل : القائل هو بكر بن معاوية من ~~قوم عاد . قال لما رآه : ( إني لأرى سحابا مرمدا لا تدع من عاد أحدا ) لعله ~~تبين له الحق من إنذار هود حين رأى عارضا غير مألوف ولم ms7693 ينفعه ذلك بعد أن ~~حل العذاب بهم ، أو كان قد آمن من قبل فنجاه الله من العذاب بخارق عادة . ~~وإنما حذف فعل القول لتمثيل قائل القول كالحاضر وقت نزول هذه الآية ، وقد ~~سمع كلامهم وعلم غرورهم فنطق بهذا الكلام ترويعا لهم . وهذا من استحضار ~~الحالة العجيبة كقول مالك بن الريب : # دعاني الهوى من أهل ودي وجيرتي # بذي الشيطين فالتفت ورائيا # فتخيل داعيا يدعوه فالتفت ، وهذا من التخيل في الكلام البليغ . # وجعل العذاب مظروفا في الريح مبالغة في التسبب لأن الظرفية أشد ملابسة ~~بين الظرف والمظروف من ملابسة السبب والمسبب . والتدمير : الإهلاك ، وقد ~~تقدم . # و { كل شيء } مستعمل في كثرة الأشياء فإن ( كلا ) تأتي كثيرا في كلامهم ~~بمعنى الكثرة . وقد تقدم عند قوله تعالى : { ولو جاءتهم كل آية في سورة ~~يونس . # والمعنى : تدمر ما من شأنه أن تدمره الريح من الإنسان والحيوان والديار . # وقوله : بأمر ربها } حال من ضمير { تدمر } . وفائدة هذه الحال تقريب ~~كيفية تدميرها كل شيء ، أي تدميرا عجيبا بسبب أمر ربها ، أي تسخيره الأشياء ~~لها فالباء للسببية . PageV26P050 وأضيف الرب إلى ضمير الريح لأنها مسخرة ~~لأمر التكوين الإلهي فالأمر هنا هو أمر التكوين . # { فأصبحوا } أي صاروا ، وأصبح هنا من أخوات صار . وليس المراد : أن ~~تدميرهم كان ليلا فإنهم دمروا أياما وليالي ، فبعضهم هلك في الصباح وبعضهم ~~هلك مساء وليلا . # والخطاب في قوله : { لا ترى } لمن تتأتى منه الرؤية حينئذ إتماما ~~لاستحضار حالة دمارهم العجيبة حتى كأن الآية نازلة في وقت حدوث هذه الحادثة ~~. # والمراد بالمساكن : آثارها وبقاياها وأنقاضها بعد قلع الريح معظمها . ~~والمعنى : أن الريح أتت على جميعهم ولم يبق منهم أحد من ساكني مساكنهم . # وقوله : { كذلك نجزي القوم المجرمين } أي مثل جزاء عاد نجزي القوم ~~المجرمين ، وهو تهديد لمشركي قريش وإنذار لهم وتوطئة لقوله : { ولقد مكناهم ~~فيما إن مكناكم فيه } ( الأحقاف : 26 ) . # وقرأ الجمهور { لا ترى } بالمثناة الفوقية مبنيا للفاعل وبنصب { مساكنهم ~~} وقرأه عاصم وحمزة وخلف بياء تحتية مبنيا للمجهول وبرفع { مساكنهم } وأجرى ~~على الجمع صيغة الغائب المفرد ms7694 لأن الجمع مستثنى ب { إلا } وهي فاصلة بينه ~~وبين الفعل . # هذا استخلاص لموعظة المشركين بمثل عاد ، ليعلموا أن الذي قدر على إهلاك ~~عاد قادر على إهلاك من هم دونهم في القوة والعدد ، وليعلموا أن القوم كانوا ~~مثلهم مستجمعين قوى العقل والحس وأنهم أهملوا الانتفاع بقواهم فجحدوا بآيات ~~الله PageV26P051 واستهزؤوا بها وبوعيده فحاق بهم ما كانوا يستهزئون به ، ~~وقريش يعلمون أن حالهم مثل الحال المحكية عن أولئك فليتهيأوا لما سيحل بهم ~~. ولإفادة هذا الاستخلاص غير أسلوب الكلام إلى خطاب المشركين من أهل مكة ، ~~فالجملة في موضع الحال من واو الجماعة في { قالوا أجئتنا } ( الأحقاف : 22 ~~) والخبر مستعمل في التعجيب من عدم انتفاعهم بمواهب عقولهم . وتأكيد هذا ~~الخبر بلام القسم مع أن مفاده لا شك فيه مصروف إلى المبالغة في التعجيب . # والتمكين : إعطاء المكنة ( بفتح الميم وكسر الكاف ) وهي القدرة والقوة . ~~يقال : مكن من كذا وتمكن منه ، إذا قدر عليه . ويقال : مكنه في كذا ، إذا ~~جعل له القدرة على مدخول حرف الظرفية فيفسر بما يليق بذلك الظرف قال تعالى ~~: { مكناهم في الأرض ما لم نمكن لهم في سورة الأنعام . # فالمعنى : جعلنا لهم القدرة في الذي لم نمكنكم فيه ، أي من كل ما يمكن ~~فيه الأقوام والأمم ، وتقدم عند قوله تعالى : ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم ~~من قرن مكناهم في الأرض في أول الأنعام فضم إليه ما هنا . # و ( ما ) من قوله فيما } موصولة . و { إن } نافية ، أي في الذي ما مكناكم ~~فيه . # ومعنى مكناكم فيه : مكناكم في مثله أو في نوعه فإن الأجناس والأنواع من ~~الذوات حقائق معنوية لا تتغير مواهبها وإنما تختلف بوجودها في الجزئيات ، ~~فلذلك حسن تعدية فعل { مكناكم } بحرف الظرفية إلى ضمير اسم الموصول الصادق ~~على الأمور التي مكنت منها عاد . ومن بديع النظم أن جاء النفي هنا بحرف { ~~إن } النافية مع أن النفي بها أقل استعمالا من النفي ب ( ما ) النافية قصدا ~~هنا لدفع الكراهة من توالي مثلين في النطق وهما ( ما ) الموصولة و ( ما ) ~~النافية وإن ms7695 كان معناهما مختلفا ، ألا ترى أن العرب عوضوا الهاء عن الألف ~~في ( مهما ) ، فإن أصلها : ( ما ما ) مركبة من ( ما ) PageV26P052 الظرفية ~~و ( ما ) الزائدة لإفادة الشرط مثل ( أينما ) . قال في ( الكشاف ) : ولقد ~~أغث أبو الطيب في قوله : # لعمرك ما ما بان منك لضارب # وأقول ولم يتعقب ابن جني ولا غيره ممن شرح الديوان من قبل على المتنبي ~~وقد وقع مثله في ضرورات شعر المتقدمين كقول خطام المجاشعي : # وصاليات ككما يؤثفين # ولا يغتفر مثله للمولدين . # فأما إذا كانت ( ما ) نافية وأراد المتكلم تأكيدها تأكيدا لفظيا ، ~~فالإتيان بحرف ( إن ) بعد ( ما ) أحرى كما في قول النابغة : # رماد ككحل العين ما إن أبينه # ونؤي كجذم الحوض أثلم خاشع # وفائدة قوله : { وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة } أنهم لم ينقصهم شيء من ~~شأنه أي يخل بإدراكهم الحق لولا العناد ، وهذا تعريض بمشركي قريش ، أي أنكم ~~حرمتم أنفسكم الانتفاع بسمعكم وأبصاركم وعقولكم كما حرموه ، والحالة متحدة ~~والسبب متحد فيوشك أن يكون الجزاء كذلك . وإفراد السمع دون الأبصار ~~والأفئدة للوجه الذي تقدم في قوله : { قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم ~~وأبصاركم في سورة الأنعام وقوله : أم من يملك السمع والأبصار في سورة يونس ~~. # ومن } في قوله : { من شيء } زائدة للتنصيص على انتفاء الجنس فلذلك يكون { ~~شيء } المجرور ب { من } الزائدة نائبا عن المفعول المطلق لأن المراد بشيء ~~من الإغناء ، وحق { شيء } النصب وإنما جر بدخول حرف الجر الزائد . ~~PageV26P053 # و { إذ } ظرف ، أي مدة جحودهم وهو مستعمل في التعليل لاستواء مؤدى الظرف ~~ومؤدى التعليل لأنه لما جعل الشيء من الإغناء معلقا نفيه بزمان جحدهم بآيات ~~الله كما يستفاد من إضافة { إذ } إلى الجملة بعدها ، علم أن لذلك الزمان ~~تأثيرا في نفي الإغناء . # وآيات الله دلائل إرادته من معجزات رسولهم ومن البراهين الدالة على صدق ~~ما دعاهم إليه . وقد انطبق مثالهم على حال المشركين فإنهم جحدوا بآيات الله ~~وهي آيات القرآن لأنها جمعت حقيقة الآيات بالمعنيين . # وحاق بهم : أحاط بهم { وما كانوا به يستهزئون } العذاب ، عدل عن اسمه ~~الصريح ms7696 إلى الموصول للتنبيه على ضلالهم وسوء نظرهم . # أتبع ضرب المثل بحال عاد مع رسولهم بأن ذلك المثل ليس وحيدا في بابه فقد ~~أهلك الله أقواما آخرين من مجاوريهم تماثل أحوالهم أحوال المشركين ، وذكرهم ~~بأن قراهم قريبة منهم يعرفها من يعرفونها ويسمع عنها الذين لم يروها ، وهي ~~قرى ثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة وسبأ وقوم تبع ، والجملة معطوفة على جملة ~~{ واذكر أخا عاد } ( الأحقاف : 21 ) الخ . وكني عن إهلاك الأقوام بإهلاك ~~قراهم مبالغة في استئصالهم لأنه إذا أهلكت القرية لم يبق أحد من أهلها كما ~~كنى عنترة بشك الثياب عن شك الجسد في قوله : # فشككت بالرمح الأصم ثيابه # ومنه قوله تعالى : { وثيابك فطهر } ( المدثر : 4 ) . # وتصريف الآيات تنويعها باعتبار ما تدل عليه من الغرض المقصود منها وهو ~~الإقلاع عن الشرك وتكذيب الرسل ، وأصل معنى التصريف التغيير والتبديل لأنه ~~PageV26P054 مشتق من الصرف وهو الإبعاد . وكني به هنا عن التبيين والتوضيح ~~لأن تعدد أنواع الأدلة يزيد المقصود وضوحا . ومعنى تنويع الآيات أنها تارة ~~تكون بالحجة والمجادلة النظرية ، وتارة بالتهديد على الفعل ، وأخرى بالوعيد ~~، ومرة بالتذكير بالنعم وشكرها . وجملة { لعلهم يرجعون } مستأنفة لإنشاء ~~الترجي وموقعها موقع المفعول لأجله ، أي رجاء رجوعهم . # والرجوع هنا مجاز عن الإقلاع عما هم فيه من الشرك والعناد ، والرجاء من ~~الله تعالى يستعمل مجازا في الطلب ، أي توسعة لهم وإمهالا ليتدبروا ويتعظوا ~~. وهذا تعريض بمشركي أهل مكة فهم سواء في تكوين ضروب تصريف الآيات زيادة ~~على ما صرف لهم من آيات إعجاز القرآن والكلام على ( لعل ) في كلام الله ~~تقدم في أوائل البقرة . # تفريع على ما تقدم من الموعظة بعذاب عاد المفصل ، وبعذاب أهل القرى ~~المجمل ، فرع عليه توبيخ موجه إلى آلهتهم إذ قعدوا عن نصرهم وتخليصهم قدرة ~~الله عليهم ، والمقصود توجيه التوبيخ إلى الأمم المهلكة على طريقة توجيه ~~النهي ونحوه لغير المنهي ليجتنب المنهي أسباب المنهي عنه كقولهم لا أعرفنك ~~تفعل كذا ، ولا أرينك هنا . والمقصود بهذا التوبيخ تخطئة الأمم الذين ~~اتخذوا الأصنام للنصر والدفع وذلك مستعمل تعريضا بالسامعين ms7697 المماثلين لهم ~~في عبادة آلهة من دون الله استتماما للموعظة والتوبيخخ بطريق التنظير وقياس ~~التمثيل ، ولذلك عقب بقوله : { بل ضلوا عنهم } لأن التوبيخ آل إلى معنى نفي ~~النصر . # وحرف { لولا } إذا دخل على جملة فعلية كان أصله الدلالة على التحضيض ، أي ~~تحضيض فاعل الفعل الذي بعد { لولا } على تحصيل ذلك الفعل ، فإذا كان ~~PageV26P055 الفاعل غير المخاطب بالكلام كانت { لولا } دالة على التوبيخ ~~ونحو إذ لا طائل في تحضيض المخاطب على فعل غيره . # والإتيان بالموصول لما في الصلة من التنبيه على الخطإ والغلط في عبادتهم ~~الأصنام فلم تغن عنهم شيئا ، كقول عبدة بن الطبيب : # إن الذين ترونهم إخوانكم # يشفي غليل صدورهم أن تصرعوا # وعوملت الأصنام معاملة العقلاء بإطلاق جمع العقلاء عليهم جريا على الغالب ~~في استعمال العرب كما تقدم غير مرة . # و { قربانا } مصدر بوزن غفران ، منصوب على المفعول لأجله حكاية لزعمهم ~~المعروف المحكي في قوله تعالى : { والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم ~~إلا ليقربونا إلى الله زلفى } ( الزمر : 3 ) . وهذا المصدر معترض بين { ~~اتخذوا } ومفعوله ، و { من دون الله } يتعلق ب { اتخذوا } . و { دون } ~~بمعنى المباعدة ، أي متجاوزين الله في اتخاذ الأصنام آلهة وهو حكاية لحالهم ~~لزيادة تشويهها وتشبيعها . # و { بل } بمعنى لكن إضرابا واستدراكا بعد التوبيخ لأنه في معنى النفي ، ~~أي ما نصرهم الذين اتخذوهم آلهة ولا قربوهم إلى الله ليدفع عنهم العذاب ، ~~بل ضلوا عنهم ، أي بل غابوا عنهم وقت حلول العذاب بهم . # والضلال أصله : عدم الاهتداء للطريق واستعير لعدم النفع بالحضور استعارة ~~تهكمية ، أي غابوا عنهم ولو حضروا لنصروهم ، وهذا نظير التهكم في قوله ~~تعالى : { وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم في سورة القصص . # وأما قوله : وذلك إفكهم } فهو فذلكة لجملة { فلولا نصرهم الذين اتخذوا من ~~دون الله } الخ وقرينة على الاستعارة التهكمية في قوله : { ضلوا عنهم } . ~~والإشارة ب { ذلك } إلى ما تضمنه قوله : { الذين اتخذوا من دون الله قربانا ~~آلهة } من زعم الأصنام آلهة وأنها تقربهم إلى الله ، والإفك بكسر الهمزة . # والافتراء : نوع من ms7698 الكذب وهو ابتكار الأخبار الكاذبة ويرادف الاختلاق ~~لأنه مشتق من فري الجلد ، فالافتراء الكذب الذي يقوله ، فعطف { ما كانوا ~~يفترون } PageV26P056 على { إفكهم } عطف الأخص على الأعم ، فإن زعمهم ~~الأصنام شركاء لله كذب مروي من قبل فهو إفك . وأما زعمهم أنها تقربهم إلى ~~الله فذلك افتراء اخترعوه . # وإقحام فعل { كانوا } للدلالة على أن افتراءهم راسخ فيهم . ومجيء { ~~يفترون } بصيغة المضارع للدلالة على أن افتراءهم متكرر . # ( 29 32 ) # هذا تأييد للنبيء صلى الله عليه وسلم بأن سخر الله الجن للإيمان به ~~وبالقرآن فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقا عند الثقلين ومعظما في ~~العالمين وذلك ما لم يحصل لرسول قبله . # والمقصود من نزول القرآن بخبر الجن توبيخ المشركين بأن الجن وهم من عالم ~~آخر علموا القرآن وأيقنوا بأنه من عند الله والمشركون وهم من عالم الإنس ~~ومن جنس الرسول صلى الله عليه وسلم المبعوث بالقرآن وممن يتكلم بلغة القرآن ~~لم يزالوا في ريب منه وتكذيب وإصرار ، فهذا موعظة للمشركين بطريق المضادة ~~لأحوالهم بعد أن جرت موعظتهم بحال مماثليهم في الكفر من جنسهم . ومناسبة ~~ذكر إيمان الجن ما تقدم من قوله تعالى : { أولئك الذين حق عليهم القول في ~~أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين } ( الأحقاف : 18 ) ~~. # فالجملة معطوفة على جملة { واذكر أخا عاد } ( الأحقاف : 21 ) عطف القصة ~~على القصة ويتعلق قوله هنا { إذ صرفنا } بفعل يدل عليه قوله : { واذكر أخا ~~عاد } PageV26P057 والتقدير : واذكر إذ صرفنا إليك نفرا من الجن . وأمر ~~الله رسوله صلى الله عليه وسلم بذكر هذا للمشركين وإن كانوا لا يصدقونه ~~لتسجيل بلوغ ذلك إليهم لينتفع به من يهتدي ولتكتب تبعته على الذين لا ~~يهتدون . # وليس في هذه الآية ما يقتضي أن الله أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم إلى ~~الجن واختلف المفسرون لهذه الآية في أن الجن حضروا بعلم من النبي صلى الله ~~عليه وسلم أو بدون علمه . ففي ( جامع الترمذي ) عن ابن عباس قال : ( ما قرأ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم على ms7699 الجن ولا رآهم ، انطلق رسول الله في ~~طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ فلما كانوا بنخلة ، اسم موضع وهو يصلي ~~بأصحابه صلاة الفجر وكان نفر من الجن فيه فلما سمعوا القرآن رجعوا إلى ~~قومهم ، فقالوا : إنا سمعنا قرآنا عجبا ) . وفي ( الصحيح ) عن ابن مسعود ( ~~افتقدنا النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة وهو بمكة فقلنا ما فعل به اغتيل ~~أو واستطير فبتنا بشر ليلة حتى إذا أصبحنا إذا نحن به من قبل حراء فقال ( ~~أتاني داعي الجن فأتيتهم فقرأت عليهم القرآن ) . # وأيا ما كان فهذا الحادث خارق عادة وهو معجزة للنبيء صلى الله عليه وسلم ~~وقد تقدم قوله تعالى : { يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون ~~عليكم آياتي في سورة الأنعام . # والصرف : البعث . والنفر : عدد من الناس دون العشرين . وإطلاقه على الجن ~~لتنزيلهم منزلة الإنس وبيانه بقوله : من الجن } . # وجملة { يستمعون القرآن } في موضع الحال من الجن وحيث كانت الحال قيدا ~~لعاملها وهو { صرفنا } كان التقدير : يستمعون منك إذا حضروا لديك فصار ذلك ~~مؤديا مؤدى المفعول لأجله . فالمعنى : صرفناهم إليك ليستمعوا القرآن . # وضمير { حضروه } عائد إلى القرآن ، وتعدية فعل حضروا إلى ضمير القرآن ~~تعدية مجازية لأنهم إنما حضروا قارىء القرآن وهو الرسول صلى الله عليه وسلم ~~و { أنصتوا } أمر بتوجيه الأسماع إلى الكلام اهتماما به لئلا يفوت منه شيء ~~. PageV26P058 وفي حديث جابر بن عبد الله في حجة الوداع أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال له : ( استنصت الناس ) ، أي قبل أن يبدأ في خطبته . # وفي الحديث : ( إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت ) ~~، أي قالوا كلهم : أنصتوا ، كل واحد يقولها للبقية حرصا على الوعي فنطق بها ~~جميعهم . # و { قضي } مبني للنائب . والضمير للقرآن بتقدير مضاف ، أي قضيت قراءته ، ~~أي انتهى النبي صلى الله عليه وسلم من القراءة حين حضروا وبانتهائه من ~~القراءة تم مراد الله من صرف الجن ليستمعوا القرآن ف ( ولوا ) ، أي انصرفوا ~~من مكان الاستماع ورجعوا إلى حيث يكون جنسهم وهو المعبر ms7700 عنه ب { قومهم } ~~على طريقة المجاز ، نزل منزلة الإنس لأجل هذه الحالة الشبيهة بحالة الناس ، ~~فإطلاق القوم على أمة الجن نظير إطلاق النفر على الفريق من الجن المصروف ~~إلى سماع القرآن . # والمنذر : المخبر بخبر مخيف . # ومعنى { ولوا إلى قومهم منذرين } رجعوا إلى بني جنسهم بعد أن كانوا في ~~حضرة النبي صلى الله عليه وسلم يتسمعون القرآن فأبلغوهم ما سمعوا من القرآن ~~مما فيه التخويف من بأس الله تعالى لمن لا يؤمن بالقرآن . والتبشير لمن عمل ~~بما جاء به القرآن . ولا شك أن الله يسر لهم حضورهم لقراءة سورة جامعة لما ~~جاء به القرآن كفاتحة الكتاب وسورة الإخلاص . # وجملة { قالوا يا قومنا } إلى آخرها مبينة لقوله : { منذرين } . وحكاية ~~تخاطب الجن بهذا الكلام الذي هو من كلام عربي حكاية بالمعنى إذ لا يعرف أن ~~للجن معرفة بكلام الإنس ، وكذلك فعل { قالوا } مجاز عن الإفادة ، أي أفادوا ~~جنسهم بما فهموا منه بطرق الاستفادة عندهم معاني ما حكي بالقول في هذه ~~الآية كما في قوله تعالى : { قالت نملة يأيها النمل ادخلوا مساكنكم } ( ~~النمل : 18 ) . وابتدأوا إفادتهم بأنهم سمعوا كتابا تمهيدا للغرض من ~~الموعظة بذكر الكتاب ووصفه ليستشرف المخاطبون لما بعد ذلك . PageV26P059 # ووصف الكتاب بأنه { أنزل من بعد موسى } دون : أنزل على محمد صلى الله ~~عليه وسلم لأن ( التوراة ) آخر كتاب من كتب الشرائع نزل قبل القرآن ، وأما ~~ما جاء بعده فكتب مكملة للتوراة ومبينة لها مثل ( زبور داود ) و ( إنجيل ~~عيسى ) ، فكأنه لم ينزل شيء جديد بعد ( التوراة ) فلما نزل القرآن جاء بهدي ~~مستقل غير مقصود منه بيان التوراة ولكنه مصدق للتوراة وهاد إلى أزيد مما ~~هدت إليه ( التوراة ) . # و { ما بين يديه } : ما سبقه من الأديان الحق . ومعنى { يهدي إلى الحق } ~~: يهدي إلى الإعتقاد الحق ضد الباطل من التوحيد وما يجب لله تعالى من ~~الصفات وما يستحيل وصفه به . # والمراد بالطريق المستقيم : ما يسلك من الأعمال والمعاملة . وما يترتب ~~على ذلك من الجزاء ، شبه ذلك بالطريق المستقيم الذي لا يضل سالكه عن القصد ms7701 ~~من سيره . ويجوز أن يراد ب { الحق } ما يشمل الإعتقاد والأعمال الصالحة ~~ويراد بالطريق المستقيم الدلائل الدالة على الحق وتزييف الباطل فإنها ~~كالصراط المستقيم في إبلاغ متبعها إلى معرفة الحق . # وإعادتهم نداء قومهم للاهتمام بما بعد النداء وهو { أجيبوا داعي الله } ~~إلى آخره لأنه المقصود من توجيه الخطاب إلى قومهم وليس المقصود إعلام قومهم ~~بما لقوا من عجيب الحوادث وإنما كان ذلك توطئة لهذا ، ولأن اختلاف الأغراض ~~وتجدد الغرض مما يقتضي إعادة مثل هذا النداء كما يعيد الخطيب قوله : ( أيها ~~الناس ) كما وقع في خطبة حجة الوداع . واستعير { أجيبوا } لمعنى : اعملوا ~~وتقلدوا تشبيها للعمل بما في كلام المتكلم بإجابة نداء المنادي كما في ~~الآية : { إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي } ( إبراهيم : 22 ) أي إلا أن أمرتكم ~~فأطعتموني لأن قومهم لم يدعهم داع إلى شيء ، أي أطيعوا ما طلب منكم أن ~~تعملوه . # وداعي الله يجوز أن يكون القرآن لأنه سبق في قولهم : { إنا سمعنا كتابا ~~أنزل من بعد موسى } . وأطلق على القرآن { داعي الله } مجازا لأنه يشتمل على ~~طلب الاهتداء بهدي الله ، فشبه ذلك بدعاء إلى الله واشتق منه وصف للقرآن ~~بأنه PageV26P060 { داعي الله } على طريقة التبعية وهي تابعة لاستعارة ~~الإجابة لمعنى العمل . ويجوز أن يكون { داعي الله } محمدا صلى الله عليه ~~وسلم لأنه يدعو إلى الله بالقرآن . وعطف { وآمنوا به } على { أجيبوا داعي ~~الله } عطف خاص على عام . # وضمير { به } عائد إلى { الله } ، أي وآمنوا بالله ، وهو المناسب لتناسق ~~الضمائر مع { يغفر لكم } و { يجركم من عذاب أليم } أو عائد إلى داعي الله ، ~~أي آمنوا بما فيه أو آمنوا بما جاء به ، وعلى الاحتمالين الأخيرين يقتضي أن ~~هؤلاء الجن مأمورون بالإسلام . # و { من } في قوله : { من ذنوبكم } الأظهر أنها للتعليل فتتعلق بفعل { ~~أجيبوا } باعتبار أنه مجاب بفعل { يغفر } ، ويجوز أن تكون تبعيضية ، أي ~~يغفر لكم بعض ذنوبكم فيكون ذلك احترازا في الوعد لأنهم لم يتحققوا تفصيل ما ~~يغفر من الذنوب وما لا يغفر إذ كانوا قد سمعوا بعض القرآن ولم يحيطوا ms7702 بما ~~فيه . ويجوز أن تكون زائدة للتوكيد على رأي جماعة ممن يرون زيادة { من } في ~~الإثبات كما تزاد في النفي . وأما { من } التي في قوله : { ويجركم من عذاب ~~أليم } فهي لتعدية فعل { يجركم } لأنه يقال : أجاره من ظلم فلان ، بمعنى ~~منعه وأبعده . # وحكاية الله هذا عن الجن تقرير لما قالوه فيدل على أن للجن إدراكا ~~للمعاني وعلى أن ما تدل عليه أدلة العقل من الإلاهيات واجب على الجن ~~اعتقاده لأن مناط التكليف بالإلاهيات العقلية هو الإدراك ، وأنه يجب اعتقاد ~~المدركات إذا توجهت مداركهم إليها أو إذا نبهوا إليها كما دلت عليه قصة ~~إبليس . وهؤلاء قد نبهوا إليها بصرفهم إلى استماع القرآن وهم قد نبهوا ~~قومهم إليها بإبلاغ ما سمعوه من القرآن وعلى حسب هذا المعنى يترتب الجزاء ~~بالعقاب كما قال تعالى : { لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين } ( السجدة ~~: 13 ) ، وقال في خطاب الشيطان { لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين } ~~( ص : 85 ) ، فأما فروع الشريعة فغير لائقة بجنس الجن . وظاهر الآية أن ~~هؤلاء الذين بلغتهم دعوة القرآن مؤاخذون إذا لم يعملوا بها وأنهم يعذبون . ~~PageV26P061 واختلفوا في جزاء الجن على الإحسان فقال أبو حنيفة : ليس للجن ~~ثواب إلا أن يجاروا من عذاب النار ثم يقال لهم كونوا ترابا مثل البهائم ، ~~وقال مالك والشافعي وابن أبي ليلى والضحاك : كما يجازون على الإساءة يجازون ~~على الإحسان فيدخلون الجنة . وحكى الفخر أن مناظرة جرت في هذه المسألة بين ~~أبي حنيفة ومالك ولم أره لغيره . وهذه مسألة لا جدوى لها ولا يجب على ~~المسلم اعتقاد شيء منها سوى أن العالم إذا مرت بها الآيات يتعين عليه فهمها ~~. # ومعنى { فليس بمعجز في الأرض } أنه لا ينجو من عقاب الله على عدم إجابته ~~داعيه ، فمفعول { معجز } مقدر دل عليه المضاف إليه في قوله : { داعي الله } ~~أي فليس بمعجز الله ، وقال في سورة الجن { أن لن نعجز الله في الأرض ولن ~~نعجزه هربا وهو نفي لأن يكون يعجز طالبه ، أي ناجيا من قدرة الله عليه . ~~والكلام كناية عن ms7703 المؤاخذة بالعقاب . # والمقصود من قوله : في الأرض } تعميم الجهات فجرى على أسلوب استعمال ~~الكلام العربي وإلا فإن مكان الجن غير معين . و { ليس له من دونه أولياء } ~~، أي لا نصير ينصره على الله ويحميه منه ، فهو نفي أن يكون له سبيل إلى ~~النجاة بالاستعصام بمكان لا تبلغ إليه قدرة الله ، ولا بالاحتماء بمن ~~يستطيع حمايته من عقاب الله . وذكر هذا تعريض للمشركين . # واسم الإشارة في { أولئك في ضلال مبين } للتنبيه على أن من هذه حالهم ~~جديرون بما يرد بعد اسم الإشارة من الحكم لتسبب ما قبل اسم الإشارة فيه كما ~~في قوله : { أولئك على هدى من ربهم } ( لقمان : 5 ) . والظرفية المستفادة ~~من { في ضلال مبين } مجازية لإفادة قوة تلبسهم بالضلال حتى كأنهم في وعاء ~~هو الضلال . والمبين : الواضح ، لأنه ضلال قامت الحجج والأدلة على أنه باطل ~~. PageV26P062 # عود إلى الاستدلال على إمكان البعث فهو متصل بقوله : { والذي قال لوالديه ~~أف لكما أتعدانني أن أخرج وقد خلت القرون من قبلي إلى قوله : أولئك الذين ~~حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين } ~~( الأحقاف : 17 ، 18 ) فهو انتقال من الموعظة بمصير أمثالهم من الأمم إلى ~~الاستدلال على إبطال ضلالهم في شركهم وهو الضلال الذي جرأهم على إحالة ~~البعث ، بعد أن أطيل في إبطال تعدد الآلهة وفي إبطال تكذيبهم بالقرآن ~~وتكذيبهم النبي صلى الله عليه وسلم وهذا عود على بدء فقد ابتدئت السورة ~~بالاحتجاج على البعث بقوله تعالى : { ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما ~~إلا بالحق } ( الأحقاف : 3 ) الآية ويتصل بقوله : { والذي قال لوالديه أف ~~لكما أتعدانني أن أخرج إلى قوله : أساطير الأولين } ( الأحقاف : 17 ) . # والواو عاطفة جملة الاستفهام ، وهو استفهام إنكاري ، والرؤية علمية . ~~واختير هذا الفعل من بين أفعال العلم هنا لأن هذا العلم عليه حجة بينة ~~مشاهدة ، وهي دلالة خلق السماوات والأرض من عدم ، وذلك من شأنه أن يفرض ~~بالعقل إلى أن الله كامل القدرة على ما هو دون ذلك من إحياء الأموات . # ووقعت { أن ms7704 } مع اسمها وخبرها سادة مسد مفعولي { يروا } . ودخلت الباء ~~الزائدة على خبر { أن } وهو مثبت وموكد ، وشأن الباء الزائدة أن تدخل على ~~الخبر المنفي ، لأن { أن } وقعت في خبر المنفي وهو { أولم يروا } . # ووقع { بلى } جوابا عن الاستفهام الإنكاري . ولا يريبك في هذا ما شاع على ~~ألسنة المعربين أن الاستفهام الإنكاري في تأويل النفي ، وهو هنا اتصل بفعل ~~منفي ب ( لم ) فيصير نفي النفي إثباتا ، فكان الشأن أن يكون جوابه بحرف ( ~~نعم ) دون { بلى } ، لأن كلام المعربين أرادوا به أنه في قوة منفي عند ~~المستفهم به ، ولم يريدوا أنه يعامل معاملة النفي في الأحكام . وكون الشيء ~~بمعنى شيء لا يقتضي أن يعطى جميع أحكامه . PageV26P063 # ومحل التعجيب هو خبر { أن } وأما ما قبله فالمشركون لا ينكرونه فلا تعجيب ~~في شأنه . ووقوع الباء في خبر { أن } وهو { بقادر } باعتبار أنه في حيز ~~النفي لأن العامل فيه وهو حرف { أن } وقع في موضع مفعولي فعل { يروا } الذي ~~هو منفي فسرى النفي للعامل ومعموله ، فقرن بالباء لأجل ذلك ، وفي ( الكشاف ~~) ( قال الزجاج لو قلت : ما ظننت أن زيدا بقائم جاز ، كأنه قيل : أليس الله ~~بقادر ) اه . وقال أبو عبيدة والأخفش : الباء زائدة للتوكيد كالباء في قوله ~~: { وكفى بالله شهيدا } ( النساء : 79 ) يريدان أنها زائدة في الإثبات على ~~وجه الندور . # وأما موقع الجواب بحرف { بلى } فهو جواب لمحذوف دل عليه التعجيب من ظنهم ~~أن الله غير قادر على أن يحيي الموتى ، فإن ذلك يتضمن حكاية عنهم أن الله ~~لا يحيي الموتى ، فأجيب بقوله : { بلى } تعليما للمسلمين وتلقينا لما ~~يجيبونهم به . وحرف { بلى } لما كان جوابا كان قائما مقام جملة تقديرها : ~~هو قادر على أن يحيي الموتى . # وجملة { ولم يعي بخلقهن } عطف على جملة { الذي خلق السماوات والأرض } . ~~وقوله : { لم يعيي } مضارع عيي من باب رضي ، ومصدره العي بكسر العين وهو ~~العجز عن العمل أو عن الكلام ، ومنه العي في الكلام ، أي عسر الإبانة . ~~وتعديته بالباء هنا بلاغة ليفيد انتفاء عجزه عن صنعها وانتفاء عجزه في ms7705 ~~تدبير مقاديرها ومناسباتها ، فكانت باء الملابسة صالحة لتعليق الخلق بالعي ~~بمعنييه . # وكثير من أيمة اللغة يرون أن العي يطلق على التعب وعن عجز الرأي وعجز ~~الحيلة . وعن الكسائي والأصمعي : العي خاص بالعجز في الحيلة والرأي . وأما ~~الإعياء فهو التعب من المشي ونحوه ، وفعله أعيا ، وهذا ما درج عليه الراغب ~~وصاحب ( القاموس ) . # وظاهر الأساس : أن أعيا لا يكون إلا متعديا ، أي همزته همزة تعدية فهذا ~~قول ثالث . PageV26P064 # وزعم أبو حيان أن مثله مقصور على السماع . قلت : وهو راجع إلى تنازع ~~العاملين . # وعلى هذا الرأي يكون قوله تعالى هنا { ولم يعي } دالا على سعة علمه تعالى ~~بدقائق ما يقتضيه نظام السماوات والأرض ليوجدهما وافيين به . وتكون دلالته ~~على أنه قدير على إيجادهما بدلالة الفحوى أو يكون إيكال أمر قدرته على ~~خلقهما إلى علم المخاطبين ، لأنهم لم ينكروا ذلك ، وإنما قصد تنبيههم إلى ~~ما في نظام خلقهما من الدقائق والحكم ومن جملتها لزوم الجزاء على عمل ~~الصالحات والسيئات . وعليه أيضا تكون تعدية فعل { يعي } بالباء متعينة . # وقرأ الجمهور { بقادر } بالموحدة بصيغة اسم الفاعل . وقرأه يعقوب { يقدر ~~} بتحتية في أوله على أنه مضارع من القدرة ، وتكون جملة { يقدر } في محل ~~خبر { أن } . # وجملة { إنه على كل شيء قدير } تذييل لجملة { بلى } لأن هذه تفيد القدرة ~~على خلق السماوات والأرض وإحياء الموتى وغير ذلك من الموجودات الخارجة عن ~~السماوات والأرض . وتأكيد الكلام بحرف ( أن ) لرد إنكارهم أن يمكن إحياء ~~الله الموتى ، لأنهم لما أحالوا ذلك فقد أنكروا عموم قدرته تعالى على كل ~~شيء . # ولهذه النكتة جيء في القدرة على إحياء الموتى بوصف { قادر } ، وفي القدرة ~~على كل شيء بوصف { قدير } الذي هو أكثر دلالة على القدرة من وصف { قادر } . # موقع هذا الكلام أن عرض المشركين على النار من آثار الجزاء الواقع بعد ~~البعث ، فلما ذكر في الآية التي قبلها الاستدلال على إمكان البعث أعقب بما ~~PageV26P065 يحصل لهم يوم البعث جمعا بين الاستدلال والإنذار ، وذكر من ذلك ~~ما يقال لهم مما لا ممندوحة لهم عن الاعتراف ms7706 بخطئهم جمعا بين ما رد به في ~~الدنيا من قوله : { بلى } ( الأحقاف : 33 ) وما يردون في علم أنفسهم يوم ~~الجزاء بقولهم : { بلى وربنا } . والجملة عطف على جملة { أو لم يروا أن ~~الله الذي خلق السماوات والأرض } ( الأحقاف : 33 ) الخ . وأول الجملة ~~المعطوفة قوله : { أليس هذا بالحق } لأنه مقول فعل قول محذوف تقديره : ~~ويقال للذين كفروا يوم يعرضون على النار . # وتقديم الظرف على عامله للاهتمام بذكر ذلك اليومم لزيادة تقريره في ~~الأذهان . # وذكر { الذين كفروا } إظهار في مقام الإضمار للإيماء بالموصول إلى علة ~~بناء الخبر ، أي يقال لهم ذلك لأنهم كفروا . والإشارة إلى عذاب النار بدليل ~~قوله بعده { قال فذوقوا العذاب } . والحق : الثابت . # والاستفهام تقريري وتنديم على ما كانوا يزعمون أن الجزاء باطل وكذب ، ~~وقالوا { وما نحن بمعذبين } ( الصافات : 59 ) ، وإنما أقسموا على كلامهم ~~بقسم { وربنا } قسما مستعملا في الندامة والتغليظ لأنفسهم وجعلوا المقسم به ~~بعنوان الرب تحننا وتخضعا . وفرع على إقرارهم { فذوقوا العذاب } . والذوق ~~مجاز في الإحساس . والأمر مستعمل في الإهانة . # # تفريع على ما سبق في هذه السورة من تكذيب المشركين رسالة محمد صلى الله ~~عليه وسلم بجعلهم القرآن مفترى واستهزائهم به وبما جاء به من البعث ابتداء ~~من قوله : { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للحق لما جاءهم ~~هذا سحر مبين } ( الأحقاف : 7 ) ، وما اتصل به من ضرب المثل لهم بعاد . ~~فأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالصبر على ما لقيه منهم من أذى ، وضرب له ~~المثل بالرسل أولي العزم . PageV26P066 ويجوز أن تكون الفاء فصيحة . ~~والتقدير : فإذا علمت ما كان من الأمم السابقة وعلمت كيف انتقمنا منهم ~~وانتصرنا برسلنا فاصبر كما صبروا . # وأولوا العزم : أصحاب العزم ، أي المتصفون به . والعزم : نية محققة على ~~عمل أو قول دون تردد . قال تعالى : { فإذا عزمت فتوكل على الله } ( آل ~~عمران : 159 ) وقال : { ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله } ( ~~البقرة : 235 ) . وقال سعد بن ناشب من شعراء الحماسة يعني نفسه : # إذا هم ألقى بين عينيه عزمه # ونكب عن ذكر ms7707 العواقب جانبا # والعزم المحمود في الدين : العزم على ما فيه تزكية النفس وصلاح الأمة ، ~~وقوامه الصبر على المكروه وباعث التقوى ، وقوته شدة المراقبة بأن لا يتهاون ~~المؤمن عن محاسبته نفسه قال تعالى : { وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم ~~الأمور } ( آل عمران : 186 ) وقال : { ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم ~~نجد له عزما } ( طه : 115 ) . وهذا قبل هبوط آدم إلى عالم التكليف ، وعلى ~~هذا تكون { من } في قوله : { من الرسل } تبعيضية . وعن ابن عباس أنه قال : ~~كل الرسل أولو عزم ، وعليه تكون { من } بيانية . # وهذه الآية اقتضت أن محمدا صلى الله عليه وسلم من أولي العزم لأن تشبيه ~~الصبر الذي أمر به بصبر أولي العزم من الرسل يقتضي أنه مثلهم لأنه ممتثل ~~أمر ربه ، فصبره مثيل لصبرهم ، ومن صبر صبرهم كان منهم لا محالة . # وأعقب أمره بالصبر بنهيه عن الاستعجال للمشركين ، أي الاستعجال لهم ~~بالعذاب ، أي لا تطلب منا تعجيله لهم وذلك لأن الاستعجال ينافي العزم ولأن ~~في تأخير العذاب تطويلا لمدة صبر الرسول صلى الله عليه وسلم بكسب عزمه قوة ~~. # ومفعول { تستعجل } محذوف دل عليه المقام ، تقديره : العذاب أو الهلاك . ~~واللام في { لهم } لام تعدية فعل الاستعجال إلى المفعول لأجله ، أي لا ~~تستعجل لأجلهم ، والكلام على حذف مضاف إذ التقدير : لا تستعجل لهلاكهم . ~~وجملة { كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار } تعليل ~~للنهي PageV26P067 عن الاستعجال لهم بالعذاب بأن العذاب واقع بهم فلا يؤثر ~~في وقوعه تطويل أجله ولا تعجيله ، قال مرة بن عداء الفقعسي ، ولعله أخذ ~~قوله من هذه الآية : # كأنك لم تسبق من الدهر ليلة # إذا أنت أدركت الذي كنت تطلب # وهم عند حلوله منذ طول المدة يشبه حالهم حال عدم المهلة إلا ساعة قليلة . # و { من نهار } وصف الساعة ، وتخصيصها بهذا الوصف لأن ساعة النهار تبدو ~~للناس قصيرة لما للناس في النهار من الشواغل بخلاف ساعة الليل تطول إذ لا ~~يجد الساهر شيئا يشغله . فالتنكير للتقليل كما في حديث الجمعة قوله ms7708 صلى ~~الله عليه وسلم ( وفيه ساعة يستجاب فيها الدعاء ) ، وأشار بيده يقللها ، ~~والساعة جزء من الزمن . # . # فذلكة لما تقدم بأنه بلاغ للناس مؤمنهم وكافرهم ليعلم كل حظه من ذلك ، ~~فقوله : { بلاغ } خبر مبتدإ محذوف تقديره : هذا بلاغ ، على طريقة العنوان ~~والطالع نحو ما يكتب في أعلى الظهير : ( ظهير من أمير المؤمنين ) ، أو ما ~~يكتب في أعلى الصكوك نحو : ( إيداع وصية ) ، أو ما يكتب في التآليف نحو ما ~~في ( الموطأ ) ( وقوت الصلاة ) . ومنه ما يكتب في أعالي المنشورات القضائية ~~والتجارية كلمة : ( إعلان ) . # وقد يظهر اسم الإشارة كما في قوله تعالى : { هذا بلاغ للناس } ( إبراهيم ~~: 52 ) ، وقول سيبويه : ( هذا باب علم ما الكلم من العربية ) ، وقال تعالى ~~: { إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين } ( الأنبياء : 106 ) . # والجملة مستأنفة استئنافا ابتدائيا على طريقة الفذلكة والتحصيل مثل جملة ~~{ تلك عشرة كاملة } ( البقرة : 196 ) ، { تلك أمة قد خلت } ( البقرة : 134 ~~) . PageV26P068 # . # فرع على جملة { كأنهم يوم يرون ما يوعدون } إلى { من نهار } ، أي فلا ~~يصيب العذاب إلا المشركين أمثالهم . والاستفهام مستعمل في النفي ، ولذلك صح ~~الاستثناء منه كقوله تعالى : { ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه } ~~( البقرة : 130 ) . # ومعنى التفريع أنه قد اتضح مما سمعت أنه لا يهلك إلا القوم الفاسقون ، ~~وذلك من قوله : { قل ما كنت بدعا من الرسل } ( الأحقاف : 9 ) ، وقوله : { ~~لتنذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين إلى قوله : ولا هم يحزنون } ( الأحقاف : ~~12 ، 13 ) ، وقوله : { ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى } ( الأحقاف : 27 ) ~~الآية . # والإهلاك مستعمل في معنييه الحقيقي والمجازي ، فإن ما حكي فيما مضى بعضه ~~إهلاك حقيقي مثل ما في قصة عاد ، وما في قوله : { ولقد أهلكنا ما حولكم من ~~القرى } ، وبعضه مجازي وهو سوء الحال ، أي عذاب الآخرة : وذلك فيما حكي من ~~عذاب الفاسقين . # وتعريف { القوم } تعريف الجنس ، وهو مفيد العموم ، أي كل القوم الفاسقين ~~فيعم مشركي مكة الذين عناهم القرآن فكان لهذا التفريع معنى التذييل . # والتعبير بالمضارع في قوله : { فهل يهلك } على هذا الوجه لتغليب إهلاك ~~المشركين الذي لما يقع ms7709 على إهلاك الأمم الذين قبلهم . ولك أن تجعل التعريف ~~تعريف العهد ، أي القوم المتحدث عنهم في قوله : { كأنهم يوم يرون ما يوعدون ~~} الآية ، فيكون إظهارا في مقام الإضمار للإيماء إلى سبب إهلاكهم أنه ~~الإشراك . # والمراد بالفسق هنا الفسق عن الإيمان وهو فسق الإشراك . وأفاد الاستثناء ~~أن غيرهم لا يهلكون هذا الهلاك ، أو هم الذين آمنوا وعملوا الصالحات . # PageV26P069 PageV26P070 $ 1 ( سورة محمد # سميت هذه السورة في كتب السنة سورة محمد . وكذلك ترجمت في ( صحيح البخاري ~~) من رواية أبي ذر عن البخاري ، وكذلك في التفاسير قالوا : وتسمى سورة ~~القتال . # ووقع في أكثر روايات ( صحيح البخاري ) سورة الذين كفروا . والأشهر الأول ~~، ووجهه أنها ذكر فيها اسم النبيء صلى الله عليه وسلمفي الآية الثانية منها ~~فعرفت به قبل سورة آل عمران التي فيها { وما محمد إلا رسول . # وأما تسميتها سورة القتال فلأنها ذكرت فيها مشروعية القتال ، ولأنها ذكر ~~فيها لفظه في قوله تعالى : وذكر فيها القتال } ، مع ما سيأتي أن قوله تعالى ~~: { ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة إلى قوله : وذكر فيها القتال } ( ~~محمد : 20 ) أن المعني بها هذه السورة فتكون تسميتها سورة القتال تسمية ~~قرآنية . $ 2 ( { الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم * والذين ~~ءامنوا وعملوا الصالحات وءامنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر ~~عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم * ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين ~~ءامنوا اتبعوا الحق من ربهم كذلك يضرب الله للناس أمثالهم * فإذا لقيتم ~~الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذآ أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما ~~فدآء حتى تضع الحرب أوزارها ذالك ولو يشآء الله لانتصر منهم ولاكن ليبلو ~~بعضكم ببعض والذين قتلوا فى سبيل الله فلن يضل أعمالهم * سيهديهم ويصلح ~~بالهم * ويدخلهم الجنة عرفها لهم * ياأيها الذين ءامنو & # 1764 ا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم * والذين كفروا فتعسا لهم ~~وأضل أعمالهم * ذلك بأنهم كرهوا مآ أنزل الله فأحبط أعمالهم * أفلم يسيروا ~~فى الارض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم ms7710 وللكافرين ~~أمثالها * ذلك بأن الله مولى الذين ءامنوا وأن الكافرين لا مولى لهم * إن ~~الله يدخل الذين ءامنوا وعملوا الصالحات جنات تجرى من تحتها الانهار والذين ~~كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الانعام والنار مثوى لهم * وكأين من قرية ~~هى أشد قوة من قريتك التى & # 1764 أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم * أفمن كان على بينة من ربه كمن زين ~~له سو & # 1764 ء عمله واتبعو & # 1764 ا أهواءهم * مثل الجنة التى وعد المتقون فيهآ أنهار من مآء غير ءاسن ~~وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل ~~مصفى ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم كمن هو خالد فى النار وسقوا ~~مآء حميما فقطع أمعآءهم * ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا ~~للذين أوتوا العلم ماذا قال ءانفا أولائك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعو ~~& # 1764 ا أهوآءهم * والذين اهتدوا زادهم هدى وءاتاهم تقواهم * فهل ينظرون ~~إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جآء أشراطها فأنى لهم إذا جآءتهم ذكراهم * ~~فاعلم أنه لا إلاه إلأ الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات والله يعلم ~~متقلبكم ومثواكم * ويقول الذين ءامنوا لولا نزلت سورة فإذآ أنزلت سورة ~~محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين فى قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشى ~~عليه من الموت فأولى لهم * طاعة وقول معروف فإذا عزم الامر فلو صدقوا الله ~~لكان خيرا لهم * فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا فى الارض وتقطعو & # 1764 ا أرحامكم * أولائك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم * أفلا ~~يتدبرون القرءان أم على قلوب أقفالهآ * إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ~~ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم * ذلك بأنهم قالوا للذين ~~كرهوا ما نزل الله سنطيعكم فى بعض الامر والله يعلم إسرارهم * فكيف إذا ~~توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم * ذلك بأنهم اتبعوا مآ أسخط الله ~~وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم * أم حسب الذين فى قلوبهم مرض أن لن يخرج الله ~~أضغانهم * ولو نشآء لأريناكهم فلعرفتهم ms7711 بسيماهم ولتعرفنهم فى لحن القول ~~والله يعلم أعمالكم * ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو ~~أخباركم * إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشآقوا الرسول من بعد ما تبين ~~لهم الهدى لن يضروا الله شيئا وسيحبط أعمالهم * ياأيها الذين ءامنو & # 1764 ا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلو & # 1764 ا أعمالكم * إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار ~~فلن يغفر الله لهم * فلا تهنوا وتدعو & # 1764 ا إلى السلم وأنتم الاعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم * إنما ~~الحيواة الدنيا لعب ولهو وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا يسئلكم ~~أموالكم * ؤإن يسئلكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم * هآ أنتم هاؤلاء ~~تدعون لتنفقوا فى سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه ~~والله الغنى وأنتم الفقرآء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونو & # 1764 ا أمثالكم } ) 2 $ # وهي مدنية بالاتفاق حكاه ابن عطية وصاحب ( الإتقان ) . وعن النسفي : أنها ~~مكية . وحكى القرطبي عن الثعلبي وعن الضحاك وابن جبير : أنها مكية . ولعله ~~وهم ناشىء عما روي عن ابن عباس أن قوله تعالى : { وكأين من قرية هي أشد قوة ~~من قريتك } ( محمد : 13 ) الآية نزلت في طريق مكة قبل الوصول إلى حراء ، أي ~~في الهجرة . قيل نزلت هذه السورة بعد يوم بدر وقيل نزلت في غزوة أحد . وعدت ~~السادسة والتسعين في عداد نزول سور القرآن ، نزلت بعد سورة الحديد وقبل ~~سورة الرعد . # وآيها عدت في أكثر الأمصار تسعا وثلاثين ، وعدها أهل البصرة أربعين ، ~~وأهل الكوفة تسعا وثلاثين . PageV26P071 # أغراضها # معظم ما في هذه السورة التحريض على قتال المشركين ، وترغيب المسلمين في ~~ثواب الجهاد . افتتحت بما يثير حنق المؤمنين على المشركين لأنهم كفروا ~~بالله وصدوا عن سبيله ، أي دينه . # وأعلم الله المؤمنين بأنه لا يسدد المشركين في أعمالهم وأنه مصلح ~~المؤمنين فكان ذلك كفالة للمؤمنين بالنصر على أعدائهم . وانتقل من ذلك إلى ~~الأمر بقتالهم وعدم الإبقاء عليهم . وفيها وعد المجاهدين بالجنة ، وأمر ~~المسلمين بمجاهدة الكفار وأن لا يدعوهم إلى السلم ms7712 ، وإنذار المشركين بأن ~~يصيبهم ما أصاب الأمم المكذبين من قبلهم . ووصف الجنة ونعيمها ، ووصف جهنم ~~وعذابها . ووصف المنافقين وحال اندهاشهم إذا نزلت سورة فيها الحض على ~~القتال ، وقلة تدبرهم القرآن وموالاتهم المشركين . وتهديد المنافقين بأن ~~الله ينبىء رسوله صلى الله عليه وسلم بسيماهم وتحذير المسلمين من أن يروج ~~عليهم نفاق المنافقين . وختمت بالإشارة إلى وعد المسلمين بنوال السلطان ~~وحذرهم إن صار إليهم الأمر من الفساد والقطيعة . # صدر التحريض على القتال بتوطئة لبيان غضب الله على الكافرين لكفرهم وصدهم ~~الناس عن دين الله وتحقير أمرهم عند الله ليكون ذلك مثيرا في نفوس المسلمين ~~حنقا عليهم وكراهية فتثور فيهم همة الإقدام على قتال الكافرين ، وعدم ~~الاكتراث بما هم فيه من قوة ، حين يعلمون الله يخذل المشركين وينصر ~~المؤمنين ، فهذا تمهيد لقوله : { فإذا لقيتم الذين كفروا } ( محمد : 4 ) . ~~PageV26P072 # وفي الابتداء بالموصول والصلة المتضمنة كفر الذين كفروا ومناواتهم لدين ~~الله تشويق لما يرد بعده من الحكم المناسب للصلة ، وإيماء بالموصول وصلته ~~إلى علة الحكم عليه بالخبر أي لأجل كفرهم وصدهم ، وبراعة استهلال للغرض ~~المقصود . # والكفر : الإشراك بالله كما هو مصطلح القرآن حيثما أطلق الكفر مجردا عن ~~قرينة إرادة غير المشركين . وقد اشتملت هذه الجملة على ثلاثة أوصاف ~~للمشركين . وهي : الكفر ، والصد عن سبيل الله ، وضلال الأعمال الناشىء عن ~~إضلال الله إياهم . # والصد عن سبيل : هو صرف الناس عن متابعة دين الإسلام ، وصرفهم أنفسهم عن ~~سماع دعوة الإسلام بطريق الأولى . وأضيف ( السبيل ) إلى { الله } لأنه ~~الدين الذي ارتضاه الله لعباده { إن الدين عند الله الإسلام } ( آل عمران : ~~19 ) . واستعير اسم السبيل للدين لأن الدين يوصل إلى رضى الله كما يوصل ~~السبيل السائر فيه إلى بغيته . # ومن الصد عن سبيل الله صدهم المسلمين عن المسجد الحرام قال تعالى : { ~~ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام } ( الحج : 25 ) . ومن الصد عن المسجد ~~الحرام : إخراجهم الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين من مكة ، وصدهم عن ~~العمرة عام الحديبية . ومن الصد عن سبيل الله : إطعامهم الناس يوم بدر ~~ليثبتوا معهم ms7713 ويكثروا حولهم ، فلذلك قيل : إن الآية نزلت في المطعمين يوم ~~بدر وكانوا اثني عشر رجلا من سادة المشركين من قريش . وهم : أبو جهل وعتبة ~~بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبي بن خلف وأمية بن خلف ونبيه بن الحجاج ومنبه ~~بن الحجاج وأبو البختري بن هشام والحارث بن هشام وزمعة بن الأسود والحارث ~~بن عامر بن نوفل وحكيم بن حزام وهذا الأخير أسلم من بعد وصار من خيرة ~~الصحابة . وعد منهم صفوان بن أمية وسهل بن عمرو ومقيس الجمحي والعباس بن ~~PageV26P073 عبد المطلب وأبو سفيان بن حرب وهذان أسلما وحسن إسلامهما وفي ~~الثلاثة الآخرين خلاف . ومن الصد عن سبيل الله صدهم الناس عن سماع القرآن { ~~وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون } ( فصلت ~~: 26 ) . # والإضلال : الإبطال والإضاعة ، وهو يرجع إلى الضلال . وأصله الخطأ للطريق ~~المسلوك للوصول إلى مكان يراد وهو يستلزم المعاني الأخر . وهذا اللفظ رشيق ~~الموقع هنا لأنه الله أبطل أعمالهم التي تبدو حسنة ، فلم يثبهم عليها من ~~صلة رحم ، وإطعام جائع ، ونحوهما ، ولأن من إضلال أعمالهم أن كان غالب ~~أعمالهم عبثا وسيئا ولأن من إضلال أعمالهم أن الله خيب سعيهم فلم يحصلوا ~~منه على طائل فانهزموا يوم بدر وذهب إطعامهم الجيش باطلا ، وأفسد تدبيرهم ~~وكيدهم للرسول صلى الله عليه وسلم فلم يشفوا غليلهم يوم أحد ، ثم توالت ~~انهزاماتهم في المواقع كلها قال تعالى : { إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ~~ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون } ( الأنفال ~~: 36 ) . # هذا مقابل فريق الذين كفروا وهو فريق الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، ~~وإيراد الموصول وصلته للإيماء إلى وجه بناء الخبر وعلته ، أي لأجل إيمانهم ~~الخ كفر عنهم سيئاتهم . # وقد جاء في مقابلة الأوصاف الثلاثة التي أثبتت للذين كفروا بثلاثة أوصاف ~~ضدها للمسلمين وهي : الإيمان مقابل الكفر ، والإيمان بما نزل على محمد صلى ~~الله عليه وسلم مقابل الصد عن سبيل الله ، وعمل الصالحات مقابل بعض ما ~~تضمنه { أضل أعمالهم } ( محمد : 1 ) ، و { وكفر عنهم سيئاتهم } مقابل ms7714 بعض ~~آخر مما تضمنه { أضل أعمالهم } ، { وأصلح بالهم } مقابل بقية ما تضمنه { ~~أضل أعمالهم } . وزيد في جانب المؤمنين التنويه بشأن القرآن بالجملة ~~المعترضة قوله : { وهو الحق PageV26P074 من ربهم } وهو نظير لوصفه بسبيل ~~الله في قوله : { وصدوا عن سبيل الله } ( محمد : 1 ) . # وعبر عن الجلالة هنا بوصف الرب زيادة في التنويه بشأن المسلمين على نحو ~~قوله : { وأن الكافرين لا مولى لهم } ( محمد : 11 ) فلذلك لم يقل : وصدوا ~~عن سبيل ربهم . # وتكفير السيئات غفرانها لهم فإنهم لما عملوا الصالحات كفر الله عنهم ~~سيئاتهم التي اقترفوها قبل الإيمان ، وكفر لهم الصغائر ، وكفر عنهم بعض ~~الكبائر بمقدار يعلمه إذا كانت قليلة في جانب أعمالهم الصالحات كما قال ~~تعالى : { خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم } ( التوبة : ~~102 ) . # والبال : يطلق على القلب ، أي العقل وما يخطر للمرء من التفكير وهو أكثر ~~إطلاقه ولعله حقيقة فيه ، قال امرؤ القيس : # فعادي عداء بين ثور ونعجة # وكان عداء الوحش مني على بال # وقال : # عليه القتام سيء الظن والبال # ومنه قولهم : ما بالك ؟ أي ماذا ظننت حين فعلت كذا ، وقولهم : لا يبالي ، ~~كأنه مشتق منه ، أي لا يخطر بباله ، ومنه بيت العقيلي في الحماسة : # ونبكي حين نقتلكم عليكم # ونقتلكم كأنا لا نبالي # أي لا نفكر . # وحكى الأزهري عن جماعة من العلماء ، أي معنى لا أبالي : لا أكره اه . ~~وأحسبهم أرادوا تفسير حاصل المعنى ولم يضبطوا تفسير معنى الكلمة . # ويطلق البال على الحال والقدر . وفي الحديث ( كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ~~بحمد الله فهو أبتر ) . قال الوزير البطليوسي في شرح ديوان امرىء القيس : ~~قال أبو سعيد : كنت أقول للمعري : كيف أصبحت ؟ فيقول : بخير أصلح الله بالك ~~. ولم يوفه صاحب الأساس حقه من البيان وأدمجه في مادة ( بلو ) . وإصلاح ~~البال يجمع إصلاح الأمور كلها لأن تصرفات الإنسان تأتي على PageV26P075 حسب ~~رأيه ، فالتوحيد أصل صلاح بال المؤمن ، ومنه تنبعث القوى المقاومة للأخطاء ~~والأوهام التي تلبس بها أهل الشرك ، وحكاها عنهم القرآن في مواضع كثيرة ~~والمعنى : أقام أنظارهم ms7715 وعقولهم فلا يفكرون إلا صالحا ولا يتدبرون إلا ~~ناجحا . # # هذا تبيين للسبب الأصيل في إضلال أعمال الكافرين وإصلاح بال المؤمنين . ~~والإتيان باسم الإشارة لتمييز المشار إليه أكمل تمييز تنويها به . وقد ذكرت ~~هذه الإشارة أربع مرات في هذه الآيات المتتابعة للغرض الذي ذكرناه . # والإشارة إلى ما تقدم من الخبرين المتقدمين ، وهما { أضل أعمالهم } ( ~~محمد : 1 ) و { كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم } ( محمد : 2 ) ، مع اعتبار ~~علتي الخبرين المستفادتين من اسمي الموصول والصلتين وما عطف على كلتيهما . # واسم الإشارة مبتدأ ، وقوله : { بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل } الخ ~~خبره ، والباء للسببية ومجرورها في موضع الخبر عن اسم الإشارة ، أي ذلك ~~كائن بسبب اتباع الكافرين الباطل واتباع المؤمنين الحق ، ولما كان ذلك ~~جامعا للخبرين المتقدمين كان الخبر عنه متعلقا بالخبرين وسببا لهما . وفي ~~هذا محسن الجمع بعد التفريق ويسمونه كعكسه التفسير لأن في الجمع تفسيرا ~~للمعنى الذي تشترك فيه الأشياء المتفرقة تقدم أو تأخر . وشاهده قول حسان من ~~أسلوب هذه الآية : # قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم # أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا # سجية تلك فيهم غير محدثة # إن الخلائق فاعلم شرها البدع # قال في ( الكشاف ) : وهذا الكلام يسميه علماء البيان التفسير ، يريد أنه ~~من المحسنات البديعية . ونقل عن الزمخشري أنه أنشد لنفسه لما فسر لطلبته ~~هذه الآية فقيد عنه في الحواشي قوله : PageV26P076 # به فجع الفرسان فوق خيولهم # كما فجعت تحت الستور العواتق # تساقط من أيديهم البيض حيرة # وزعزع عن أجيادهن المخانق # وفي هذه الآية محسن الطباق مرتين بين { الذين كفروا } و { الذين آمنوا } ~~وبين { الحق } و { الباطل } . وفي بيتي الزمخشري محسن الطباق مرة واحدة بين ~~فوق وتحت . واتباع الباطل واتباع الحق تمثيليتان لهيئتي العمل بما يأمر به ~~أيمة الشرك أولياءهم وما يدعو إليه القرآن ، أي عملوا بالباطل وعمل الآخرون ~~بالحق . # ووصف { الحق } بأنه { من ربهم } تنويه به وتشريف لهم . # . # تذييل لما قبله ، أي مثل ذلك التبيين للحالين يبين الله الأحوال للناس ~~بيانا واضحا . # والمعنى : قد بينا لكل فريق من الكافرين والمؤمنين حاله تفصيلا ms7716 وإجمالا ، ~~وما تفضي إليه من استحقاق المعاملة بحيث لم يبق خفاء في كنه الحالين ، ومثل ~~ذلك البيان يمثل الله للناس أحوالهم كيلا تلتبس عليهم الأسباب والمسببات . # ومعنى { يضرب } : يلقي وهذا إلقاء تبيين بقرينة السياق ، وتقدم عند قوله ~~تعالى : { أن يضرب مثلا ما في سورة البقرة . # والأمثال : جمع مثل بالتحريك وهو الحال التي تمثل صاحبها ، أي تشهره ~~للناس وتعرفهم به فلا يلتبس بنظائره . واللام للأجل ، والمراد بالناس جميع ~~الناس . وضمير أمثالهم } للناس . # والمعنى : كهذا التبيين يبين الله للناس أحوالهم فلا يبقوا في غفلة عن ~~شؤون أنفسهم محجوبين عن تحقق كنههم بحجاب التعود لئلا يختلط الخبيث بالطيب ~~، ولكي يكونوا على بصيرة في شؤونهم ، وفي هذا إيماء إلى وجوب التوسم لتمييز ~~المنافقين عن المسلمين حقا ، فإن من مقاصد السورة التحذير من المنافقين . ~~PageV26P077 # ( 4 6 ) # . # لا شك أن هذه الآية نزلت بعد وقعة بدر لأن فيها قوله : { حتى إذا ~~أثخنتموهم فشدوا الوثاق } . وهو الحكم الذي نزل فيه العقاب على ما وقع يوم ~~بدر من فداء الأسرى التي في قوله تعالى : { ما كان لنبيء أن يكون له أسرى ~~حتى يثخن في الأرض } ( الأنفال : 67 ) الآية إذ لم يكن حكم ذلك مقررا يومئذ ~~، وتقدم في سورة الأنفال . # والفاء لتفريع هذا الكلام على ما قبله من إثارة نفوس المسلمين بتشنيع حال ~~المشركين وظهور خيبة أعمالهم وتنويه حال المسلمين وتوفيق آرائهم . # والمقصود : تهوين شأنهم في قلوب المسلمين وإغراؤهم بقطع دابرهم ليكون ~~الدين كله لله ، لأن ذلك أعظم من منافع فداء أسراهم بالمال ليعبد المسلمون ~~ربهم آمنين . وذلك ناظر إلى آية سورة الأنفال وإلى ما يفيده التعليل من ~~قوله : { حتى تضع الحرب أوزارها } . # و ( إذ ) ظرف للمستقبل مضمنة معنى الشرط ، وذلك غالب استعمالها وجواب ~~الشرط قوله : { فضرب الرقاب } . # واللقاء في قوله : { فإذا لقيتم الذين كفروا } : المقابلة ، وهو إطلاق ~~شهير للقاء ، يقال : يوم اللقاء ، فلا يفهم منه إلا لقاء الحرب ، ويقال : ~~إن لقيت فلانا لقيت منه أسدا ، وقال النابغة : # تجنب بني حن فإن لقاءهم # كريه وإن لم تلق إلا بصائر ms7717 # فليس المعنى : إذا لقيتم الكافرين في الطريق ، أو نحو ذلك وبذلك لا يحتاج ~~لذكر مخصص لفعل { لقيتم } . والمعنى : فإذا قاتلتم المشركين في المستقبل ~~فأمعنوا في قتلهم حتى إذا رأيتم أن قد خضدتم شوكتهم ، فآسروا منهم أسرى . # وضرب الرقاب : كناية مشهورة يعبر بها عن القتل سواء كان بالضرب أم ~~PageV26P078 بالطعن في القلوب بالرماح أو بالرمي بالسهام ، وأوثرت على كلمة ~~القتل لأن في استعمال الكناية بلاغة ولأن في خصوص هذا اللفظ غلظة وشدة ~~تناسبان مقام التحريض . # والضرب هنا بمعنى : القطع بالسيف ، وهو أحد أحوال القتال عندهم لأنه أدل ~~على شجاعة المحارب لكونه مواجه عدوه وجها لوجه . والمعنى : فاقتلوهم سواء ~~كان القتل بضرب السيف ، أو طعن الرماح ، أو رشق النبال ، لأن الغاية من ذلك ~~هو الإثخان . # والذين كفروا : هم المشركون لأن اصطلاح القرآن من تصاريف مادة الكفر ، ~~نحو : الكافرين ، والكفار ، والذين كفروا ، هو الشرك . و { حتى } ابتدائية ~~. ومعنى الغاية معها يؤول إلى معنى التفريع . # والإثخان : الغلبة لأنها تترك المغلوب كالشيء المثخن وهو الثقيل الصلب ~~الذي لا يخف للحركة ويوصف به المائع الذي جمد أو قارب الجمود بحيث لا يسيل ~~بسهولة ، ووصف به الثوب والحبل إذا كثرت طاقاتهما بحيث يعسر تفككها . # وغلب إطلاقه على التوهين بالقتل ، وكلا المعنيين في هذه الآية ، فإذا فسر ~~بالغلبة كان المعنى حتى إذا غلبتم منهم من وقعوا في قبضتكم أسرى فشدوا ~~وثاقهم وعليه فجواز المن والفداء غير مقيد . وإذا فسر الإثخان بكثرة القتل ~~فيهم كان المعنى حتى إذا لم يبق من الجيش إلا القليل فأسروا حينئذ ، أي ~~أبقوا الأسرى ، وكلا الاحتمالين لا يخلو من تأويل في نظم الآية إلا أن ~~الاحتمال الأول أظهر . وتقدم بيانه في سورة الأنفال في قوله : { حتى يثخن ~~في الأرض } . # وانتصب { ضرب الرقاب } على المفعولية المطلقة على أنه بدل من فعله ثم ~~أضيف إلى مفعوله ، والتقدير : فاضربوا الرقاب ضربا ، فلما حذف الفعل ~~اختصارا قدم المفعول المطلق على المفعول به وناب مناب الفعل في العمل في ~~ذلك المفعول وأضيف إلى المفعول إضافة الأسماء إلى الأسماء لأن ms7718 المصدر راجح ~~في الاسمية . PageV26P079 والشد : قوة الربط ، وقوة الإمساك . # والوثاق بفتح الواو : الشيء الذي يوثق به ، ويجوز فيه كسر الواو ولم يقرأ ~~به . وهو هنا كناية عن الأسر لأن الأسر يستلزم الوضع في القيد يشد به ~~الأسير . والمعنى : فاقتلوهم ، فإن أثخنتم منهم فأسروا منهم . # وتعريف { الرقاب } و { الوثاق } يجوز أن يكون للعهد الذهني ، ويجوز أن ~~يكون عوضا عن المضاف إليه ، أي فضرب رقابهم وشدوا وثاقهم . # والمن : الإنعام . والمراد به : إطلاق الأسير واسترقاقه فإن الاسترقاق من ~~عليه إذ لم يقتل ، والفداء : بكسر الفاء ممدودا تخليص الأسير من الأسر بعوض ~~من مال أو مبادلة بأسرى من المسلمين في يدي العدو . وقدم المن على الفداء ~~ترجيحا له لأنه أعون على امتلاك ضمير الممنون عليه ليستعمل بذلك بغضه . # وانتصب { منا } و { فداء } على المفعولية المطلقة بدلا من عامليهما ، ~~والتقدير : إما تمنون وإما تفدون . # وقوله { بعد } أي بعد الإثخان وهذا تقييد لإباحة المن والفداء . وذلك ~~موكول إلى نظر أمير الجيش بحسب ما يراه من المصلحة في أحد الأمرين كما فعل ~~النبي صلى الله عليه وسلم بعد غزوة هوازن . وهذا هو ظاهر الآية والأصل عدم ~~النسخ ، وهذا رأي جمهور أيمة الفقه وأهل النظر . فقوله : { الذين كفروا } ~~عام في كل كافر ، أي مشرك يشمل الرجال وهم المعروف حربهم ويشمل من حارب ~~معهم من النساء والصبيان والرهبان والأحبار . وهذه الآية لتحديد أحوال ~~القتال وما بعده ، لا لبيان وقت القتال ولا لبيان من هم الكافرون ، لأن ~~أوقات القتال مبينة في سورة براءة . ومعرفة الكافرين معلومة من اصطلاح ~~القرآن بقوله : { فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } ~~( التوبة : 5 ) . # ثم يظهر أن هذه الآية نزلت بعد آية { ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى ~~يثخن في الأرض في سورة الأنفال . واختلف العلماء في حكم هذه الآية في القتل ~~والمن والفداء والذي ذهب إليه مالك والشافعي والثوري والأوزاعي PageV26P080 ~~وهو أحد قولين عن أبي حنيفة رواه الطحاوي ، ومن السلف عبد الله بن عمر ، ~~وعطاء ، وسعيد بن جبير : أن هذه الآية ms7719 غير منسوخة ، وأنها تقتضي التخيير في ~~أسرى المشركين بين القتل أو المن أو الفداء ، وأمير الجيش مخير في ذلك . ~~ويشبه أن يكون أصحاب هذا القول يرون أن مورد الآية الإذن في المن أو الفداء ~~فهي ناسخة أو منهية لحكم قوله تعالى : ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى ~~يثخن في الأرض إلى قوله : لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم في سورة الأنفال ( 67 ~~، 68 ) . # وهذا أولى من جعلها ناسخة لقوله تعالى : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } ~~لما علمت من أن مورد تلك هو تعيين أوقات المتاركة ، وأوقات المحاربة ، ~~فلذلك لم يقل هؤلاء بحظر قتل الأسير في حين أن التخيير هنا وارد بين المن ~~والفداء ، ولم يذكر معهما القتل . وقد ثبت في ( الصحيح ) ثبوتا مستفيضا أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل من أسرى بدر النضر بن الحارث وذلك قبل ~~نزول هذه الآية ، وعقبة بن أبي معيط وقتل أسرى قريظة الذين نزلوا على حكم ~~سعد بن معاذ ، وقتل هلال بن خطل ومقيس بن حبابة يوم فتح مكة ، وقتل بعد أحد ~~أبا عزة الجمعي الشاعر وذلك كله لا يعارض هذه الآية لأنها جعلت التخيير ~~لولي الأمر . وأيضا لم يذكر في هذه الآية جواز الاسترقاق ، وهو الأصل في ~~الأسرى ، وهو يدخل في المن إذا اعتبر المن شاملا لترك القتل ، ولأن مقابلة ~~المن بالفداء تقتضي أن الاسترقاق مشروع . وقد روى ابن القاسم وابن وهب عن ~~مالك : أن المن من العتق . # وقال الحسن وعطاء : التخيير بين المن والفداء فقط دون قتل الأسير ، فقتل ~~الأسير يكون محظورا . وظاهر هذه الآية يعضد ما ذهب إليه الحسن وعطاء . وذهب ~~فريق من أهل العلم إلى أن هذه الآية منسوخة وأنه لا يجوز في الأسير المشرك ~~إلا القتل بقوله تعالى : { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } ( التوبة : 5 ) ~~. وهذا قول مجاهد وقتادة والضحاك والسدي وابن جريج ، ورواه العوفي عن ابن ~~عباس وهو المشهور عن أبي حنيفة ، وقال أبو يوسف ومحمد من أصحاب أبي حنيفة : ~~لا بأس أن يفادى أسرى المشركين الذين لم ms7720 يسلموا بأسرى المسلمين الذين بيد ~~PageV26P081 المشركين . وروى الجصاص أن النبي صلى الله عليه وسلم فدى ~~أسيرين من المسلمين بأسير من المشركين في ثقيف . # والغاية المستفادة من { حتى } في قوله : { حتى تضع الحرب أوزارها } ~~للتعليل لا للتقييد ، أي لأجل أن تضع الحرب أوزارها ، أي ليكف المشركون ~~عنها فتأمنوا من الحرب عليكم وليست غاية لحكم القتال . والمعنى يستمر هذا ~~الحكم بهذا ليهن العدو فيتركوا حربكم ، فلا مفهوم لهذه الغاية ، فالتعليل ~~متصل بقوله : { فضرب الرقاب } وما بينهما اعتراض . والتقدير : فضرب الرقاب ~~، أي لا تتركوا القتل لأجل أن تضع الحرب أوزارها ، فيكون واردا مورد ~~التعليم والموعظة ، أي فلا تشتغلوا عند اللقاء لا بقتل الذين كفروا لتضع ~~الحرب أوزارها فإذا غلبتموهم فاشتغلوا بالإبقاء على من تغلبونه بالأسر ~~ليكون المن بعد ذلك أو الفداء . # والأوزار : الأثقال ، ووضع الأوزار تمثيل لانتهاء العمل فشبهت حالة ~~انتهاء القتال بحالة وضع الحمال أو المسافر أثقاله ، وهذا من مبتكرات ~~القرآن . وأخذ منه عبد ربه السلمى ، أو سليم الحنفي قوله : # فألقت عصاها واستقر بها النوى # كما قر عينا بالإياب المسافر # فشبه حالة المنتهي من كلفة بحالة السائر يلقي عصاه التي استصحبها في سيره ~~. # . # أعيد اسم الإشارة بعد قوله آنفا : { ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل } ~~( محمد : 3 ) للنكتة التي تقدمت هنالك ، وهو خبر لمبتدأ محذوف أو مبتدأ ~~خبره محذوف . وتقدير المحذوف : الأمر ذلك ، والمشار إليه ما تقدم من قوله : ~~{ فضرب الرقاب } إلى هنا ، ويفيد اسم الإشارة تقرير الحكم ورسوخه في النفوس ~~. # والجملة من اسم الإشارة والمحذوف معترضة و { لو يشاء الله لانتصر منهم } ~~في موضع الحال من الضمير المرفوع المقدر في المصدر من قوله : { فضرب ~~PageV26P082 الرقاب } ، أي أمرتم بضرب رقابهم ، والحال أن الله لو شاء ~~لاستأصلهم ولم يكلفكم بقتالهم ، ولكن الله ناط المسببات بأسبابها المعتادة ~~وهي أن يبلو بعضكم ببعض . # وتعدية ( انتصر ) بحرف ( من ) مع أن حقه أن يعدى بحرف ( على ) لتضمينه ~~معنى : انتقم . # والاستدراك راجع إلى ما في معنى المشيئة من احتمال أن يكون الله ترك ~~الانتقام منهم لسبب غير ما ms7721 بعد الاستدراك . # والبلو حقيقته : الاختبار والتجربة ، وهو هنا مجاز في لازمه وهو ظهور ما ~~أراده الله من رفع درجات المؤمنين ووقع بأسهم في قلوب أعدائهم ومن إهانة ~~الكفار ، وهو أن شأنهم بمرأى ومسمع من الناس . # هذا من مظاهر بلوى بعضهم ببعض وهو مقابل ما في قوله : { فضرب الرقاب } ~~إلى قوله : { وإما فداء } ، فإن ذلك من مظاهر إهانة الذين كفروا فذكر هنا ~~ما هو من رفعة الذين قاتلوا في سبيل الله من المؤمنين بعناية الله بهم . # وجملة { والذين قاتلوا في سبيل الله } الخ عطف على جملة { فإذا لقيتم ~~الذين كفروا فضرب الرقاب } الآية فإنه لما أمرهم بقتال المشركين أعقب الأمر ~~بوعد الجزاء على فعله . # وذكر { الذين قاتلوا في سبيل الله } إظهار في مقام الإضمار إذ كان مقتضى ~~الظاهر أن يقال : فلن يضل الله أعمالكم ، وهكذا بأسلوب الخطاب ، فعدل عن ~~مقتضى الظاهر من الإضمار إلى الإظهار ليكون في تقديم المسند إليه على الخبر ~~الفعلي إفادة تقوي الخبر ، وليكون ذريعة إلى الإتيان بالموصول للتنويه ~~بصلته ، وللإيماء إلى وجه بناء الخبر على الصلة بأن تلك الصلة هي علة ما ~~ورد بعدها من الخبر . PageV26P083 # فجملة { فلن يضل أعمالهم } خبر عن الموصول ، وقرنت بالفاء لإفادة السببية ~~في ترتب ما بعد الفاء على صلة الموصول لأن الموصول كثيرا ما يشرب معنى ~~الشرط فيقرن خبره بالفاء ، وبذلك تكون صيغة الماضي في فعل { قاتلوا } ~~منصرفة إلى الاستقبال لأن ذلك مقتضى الشرط . وجملة { سيهديهم } وما عطف ~~عليها بيان لجملة { فلن يضل أعمالهم } . وتقدم الكلام آنفا على معنى إضلال ~~الأعمال وإصلاح البال . # ومعنى { عرفها لهم } أنه وصفها لهم في الدنيا فهم يعرفونها بصفاتها ، ~~فالجملة حال من الجنة ، أو المعنى هداهم إلى طريقها في الآخرة فلا يترددون ~~في أنهم داخلونها ، وذلك من تعجيل الفرح بها . وقيل : { عرفها } جعل فيها ~~عرفا ، أي ريحا طيبا ، والتطييب من تمام حسن الضيافة . # وقرأ الجمهور { قاتلوا } بصيغة المفاعلة ، فهو وعد للمجاهدين أحيائهم ~~وأمواتهم . وقرأه أبو عمرو وحفص عن عاصم { قتلوا } بالبناء للنائب ، فعلى ~~هذه القراءة يكون مضمون ms7722 الآية جزاء الشهداء فهدايتهم وإصلاح بالهم كائنان ~~في الآخرة . # لما ذكر أنه لو شاء الله لانتصر منهم علم منه أن ما أمر به المسلمين من ~~قتال الكفار إنما أراد منه نصر الدين بخضد شوكة أعدائه الذين يصدون الناس ~~عنه ، أتبعه بالترغيب في نصر الله والوعد بتكفل الله لهم بالنصر إن نصروه ، ~~وبأنه خاذل الذين كفروا بسبب كراهيتهم ما شرعه من الدين . # فالجملة استئناف ابتدائي لهاته المناسبة . وافتتح الترغيب بندائهم بصلة ~~الإيمان اهتماما بالكلام وإيماء إلى أن الإيماء يقتضي منهم ذلك ، والمقصود ~~تحريضهم على الجهاد في المستقبل بعد أن اجتنوا فائدته مشاهدة يوم بدر . ~~PageV26P084 # ومعنى نصرهم الله : نصر دينه ورسوله صلى الله عليه وسلم لأن الله غني عن ~~النصر في تنفيذ إرادته كما قال : { ولو يشاء الله لانتصر منهم } ( محمد : 4 ~~) . ولا حاجة إلى تقدير مضاف بين { تنصروا } واسم الجلالة تقديره : دين ~~الله ، لأنه يقال : نصر فلان فلانا ، إذا نصر ذويه وهو غير حاضر . وجيء في ~~الشرط بحرف { إن } الذي الأصل فيه عدم الجزم بوقوع الشرط للإشارة إلى مشقة ~~الشرط وشدته ليجعل المطلوب به كالذي يشك في وفائه به . # وتثبيت الأقدام : تمثيل لليقين وعدم الوهن بحالة من ثبتت قدمه في الأرض ~~فلم يزل ، فإن الزلل وهن يسقط صاحبه ، ولذلك يمثل الانهزام والخيبة والخطأ ~~بزلل القدم قال تعالى : { فتزل قدم بعد ثبوتها } ( النحل : 94 ) . # ( 8 ، 9 ) # هذا مقابل قوله : { والذين قاتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم } ( محمد ~~: 4 ) فإن المقاتلين في سبيل الله هم المؤمنون ، فهذا عطف على جملة { ~~والذين قاتلوا في سبيل الله } ( محمد : 4 ) الآية . # والتعس : الشقاء ويطلق على عدة معان : الهلاك ، والخيبة ، والانحطاط ، ~~والسقوط ، وهي معان تحوم حول الشقاء ، وقد كثر أن يقال : تعسا له ، للعاثر ~~البغيض ، أي سقوطا وخرورا لا نهوض منه . ويقابله قولهم للعاثر : لعا له ، ~~أي ارتفاعا ، قال الأعشى : # بذات لوث عفرناة إذا عثرت # فالتعس أولى لها من أن أقول لعا # وفي حديث الإفك : فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت : تعس مسطح لأن العثار ~~تعس ms7723 . # ومن بدائع القرآن وقوع { فتعسا لهم } في جانب الكفار في مقابلة قوله ~~للمؤمنين : { ويثبت أقدامكم } ( محمد : 7 ) . PageV26P085 # والفعل من التعس يجيء من باب منع وباب سمع ، وفي ( القاموس ) إذا خاطبت ~~قلت : تعست كمنع ، وإذا حكيت قلت : تعس كسمع . # وانتصب { تعسا } على المفعول المطلق بدلا من فعله . والتقدير : فتعسوا ~~تعسهم ، وهو من إضافة المصدر إلى فاعله مثل تبا له ، وويحا له . وقصد من ~~الإضافة اختصاص التعس بهم ، ثم أدخلت على الفاعل لام التبيين فصار { تعسا ~~لهم } . والمجرور متعلق بالمصدر ، أو بعامله المحذوف على التحقيق وهو مختار ~~بن مالك وإن أباه ابن هشام . ويجوز أن يكون { تعسا لهم } مستعملا في الدعاء ~~عليهم لقصد التحقير والتفظيع ، وذلك من استعمالات هذا المركب مثل سقيا له ~~ورعيا له وتبا له وويحا له وحينئذ يتعين في الآية فعل قول محذوف تقديره : ~~فقال الله : تعسا لهم ، أو فيقال : تعسا لهم . # ودخلت الفاء على { تعسا } وهو خبر الموصول لمعاملة الموصول معاملة الشرط ~~. # وقوله : { وأضل أعمالهم } إشارة إلى ما تقدم في أول السورة من قوله : { ~~الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم } ( محمد : 1 ) ، وتقدم القول ~~على { أضل أعمالهم } هنالك . # والقول في قوله : { ذلك بأنهم كرهوا } الخ في معناه ، وفي موقعه من ~~الجملة التي قبله وفي نكتة تكريره كما تقدم في قوله : { ذلك بأن الذين ~~كفروا اتبعوا الباطل } ( محمد : 3 ) . # والإشارة إلى التعس وإضلال الأعمال المتقدم ذكرهما . والكراهية : البغض ~~والعداوة . # و { ما أنزل الله } هو القرآن وما فيه من التوحيد والرسالة والبعث ، قال ~~تعالى : { كبر على المشركين ما تدعوهم إليه } ( الشورى : 13 ) . # والباء في { بأنهم كرهوا } للسببية . PageV26P086 وإحباط الأعمال إبطالها ~~: أي جعلها بطلا ، أي ضائعة لا نفع لهم منها ، والمراد بأعمالهم : الأعمال ~~التي يرجون منها النفع في الدنيا لأنهم لم يكونوا يرجون نفعها في الآخرة إذ ~~هم لا يؤمنون بالبعث وإنما كانوا يرجون من الأعمال الصالحة رضي الله ورضى ~~الأصنام ليعيشوا في سعة رزق وسلامة وعافية وتسلم أولادهم وأنعامهم ، ~~فالأعمال المحبطة بعض الأعمال المضللة ، وإحباطها هو عدم تحقق ms7724 ما رجوه منها ~~فهو أخص من إضلال أعمالهم كما علمته عند قوله تعالى : { الذين كفروا وصدوا ~~عن سبيل الله أضل أعمالهم } ( محمد : 1 ) أول السورة . والمقصود من ذكر هذا ~~الخاص بعد العام التنبيه على أنهم لم ينتفعوا بها لئلا يظن المؤمنون أنها ~~قد تخفف عنهم من العذاب فقد كانوا يتساءلون عن ذلك ، كما في حديث عدي بن ~~حاتم أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أعمال كان يتحنث بها في ~~الجاهلية من عتاقة ونحوها فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أسلمت ~~على ما سلف من خير ) أي ولو لم يسلم لما كان له فيها خير . # والمعنى : أنهم لو آمنوا بما أنزل الله لانتفعوا بأعمالهم الصالحة في ~~الآخرة وهي المقصود الأهم وفي الدنيا على الجملة . وقد حصل من ذكر هذا ~~الخاص بعد العام تأكيد الخير المذكور . # تفريع على جملة { والذين كفروا فتعسا لهم } ( محمد : 8 ) الآية ، وتقدم ~~القول في نظائر { أولم يسيروا في الأرض في سورة الروم وفي سورة غافر . # والاستفهام تقريري ، والمعنى : أليس تعس الذين كفروا مشهودا عليه بآثاره ~~من سوء عاقبة أمثالهم الذين كانوا قبلهم يدينون بمثل دينهم . # وجملة دمر الله عليهم } استئناف بياني ، وهذا تعريض بالتهديد . والتدمير ~~: الإهلاك والدمار وهو الهلك . PageV26P087 وفعل { دمر } متعد إلى المدمر ~~بنفسه ، يقال : دمرهم الله ، وإنما عدي في الآية بحرف الاستعلاء للمبالغة ~~في قوة التدمير ، فحذف مفعول { دمر } لقصد العموم ، ثم جعل التدمير واقعا ~~عليهم فأفاد معنى { دمر } كل ما يختص بهم ، وهو المفعول المحذوف ، وأن ~~التدمير واقع عليهم فهم من مشموله . # وجملة { وللكافرين أمثالها } اعتراض بين جملة { أفلم يسيروا في الأرض } ~~وبين جملة { ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا } ( محمد : 11 ) . والمراد ~~بالكافرين : كفار مكة . والمعنى : ولكفاركم أمثال عاقبة الذين من قبلهم من ~~الدمار وهذا تصريح بما وقع به التعريض للتأكيد بالتعميم ثم الخصوص . # وأمثال : جمع مثل بكسر الميم وسكون الثاء ، وجمع الأمثال لأن الله استأصل ~~الكافرين مرات حتى استقر الإسلام فاستأصل صناديدهم يوم بدر بالسيف ، ويوم ~~حنين ms7725 بالسيف أيضا ، وسلط عليهم الريح يوم الخندق فهزمهم وسلط عليهم الرعب ~~والمذلة يوم فتح مكة ، وكل ذلك مماثل لما سلطه على الأمم في الغاية منه وهو ~~نصر الرسول صلى الله عليه وسلم ودينه ، وقد جعل الله ما نصر به رسوله صلى ~~الله عليه وسلم أعلى قيمة بكونه بيده وأيدي المؤمنين مباشرة بسيوفهم وذلك ~~أنكى للعدو . وضمير { أمثالها } عائد إلى { عاقبة الذين من قبلهم } باعتبار ~~أنها حالة سوء . # أعيد اسم الإشارة للوجه الذي تقدم في قوله : { ذلك بأن الذين كفروا ~~اتبعوا الباطل } ( محمد : 3 ) وقوله : { ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم } ( ~~محمد : 4 ) . # واسم الإشارة منصرف إلى مضمون قوله : { وللكافرين أمثالها } ( محمد : 10 ~~) بتأويل : ذلك المذكور ، لأنه يتضمن وعيدا للمشركين بالتدمير ، وفي ~~تدميرهم انتصار للمؤمنين على ما لقوا منهم من الأضرار ، فأفيد أن ما توعدهم ~~الله به مسبب على أن الله نصير الذين آمنوا وهو المقصود من التعليل وما ~~بعده تتميم . PageV26P088 # والمولى ، هنا : الولي والناصر . والمعنى : أن الله ينصر الذين ينصرون ~~دينه وهم الذين آمنوا ولا ينصر الذين كفروا به ، فأشركوا معه في إلهيته ~~وإذا كان لا ينصرهم فلا يجدون نصيرا لأنه لا يستطيع أحد أن ينصرهم على الله ~~، فنفي جنس المولى لهم بهذا المعنى من معاني المولى . فقوله : { وأن ~~الكافرين لا مولى لهم } أفاد شيئين : أن الله لا ينصرهم ، وأنه إذا لم ~~ينصرهم فلا ناصر لهم ، وأما إثبات المولى للمشركين في قوله تعالى : { ثم ~~نقول للذين أشركوا مكانكم إلى قوله : وردوا إلى الله مولاهم الحق } ( يونس ~~: 28 30 ) فذلك المولى بمعنى آخر ، وهو معنى : المالك والرب ، فلا تعارض ~~بينهما . # استئناف بياني جواب سؤال يخطر ببال سامع قوله : { بأن الله مولى الذين ~~آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم } ( محمد : 11 ) عن حال المؤمنين في الآخرة ~~وعن رزق الكافرين في الدنيا ، فبين الله أن من ولايته المؤمنين أن يعطيهم ~~النعيم الخالد بعد النصر في الدنيا ، وأن ما أعطاه الكافرين في الدنيا لا ~~عبرة به لأنهم مسلوبون من فهم الإيمان فحظهم من الدنيا ms7726 أكل وتمتع كحظ ~~الأنعام ، وعاقبتهم في عالم الخلود العذاب ، فقوله : { والنار مثوى لهم } ~~في معنى قوله في سورة آل عمران ( 196 ، 197 ) { لا يغرنك تقلب الذين كفروا ~~في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد . # وهذا الاستئناف وقع اعتراضا بين جملة أفلم يسيروا في الأرض } ( محمد : 10 ~~) وجملة { وكأين من قرية } ( محمد : 13 ) الآية . # والمجرور من قوله : { كما تأكل الأنعام } في محل الحال من ضمير { يأكلون ~~} ، أو في محل الصفة لمصدر محذوف هو مفعول مطلق ل { يأكلون } لبيان نوعه . # والتمتع : الانتفاع القليل بالمتاع ، وتقدم في قوله : { متاع قليل في ~~سورة آل عمران ، وقوله : ومتاع إلى حين في سورة الأعراف . PageV26P089 # والمثوى : مكان الثواء ، والثواء : الاستقرار ، وتقدم في قوله : قال ~~النار مثواكم في الأنعام . وعدل عن الإضافة فقيل مثوى لهم } بالتعليق ~~باللام التي شأنها أن تنون في الإضافة ليفاد بالتنوين معنى التمكن من ~~القرار في النار مثوى ، أي مثوى قويا لهم لأن الإخبار عن النار في هذه ~~الآية حصل قبل مشاهدتها ، فلذلك أضيفت في قوله : { قال النار مثواكم لأنه ~~إخبار عنها وهم يشاهدونها في المحشر . # } # عطف على جملة { أفلم يسيروا في الأرض } ( محمد : 10 ) ، وما بينهما ~~استطراد اتصل بعضه ببعض . وكلمة { كأين } تدل على كثرة العدد ، وتقدم في ~~سورة آل عمران وفي سورة الحج . # والمراد بالقرية : أهلها ، بقرينة قوله : { أهلكناهم } ، وإنما أجري ~~الإخبار على القرية وضميرها لإفادة الإحاطة بجميع أهلها وجميع أحوالهم ~~وليكون لإسناد إخراج الرسول إلى القرية كلها وقع من التبعة على جميع أهلها ~~سواء منهم من تولى أسباب الخروج ، ومن كان ينظر ولا ينهى قال تعالى : { ~~وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم } ( الممتحنة : 9 ) . # وهذا إطناب في الوعيد لأن مقام التهديد والتوبيخ يقتضي الإطناب ، فمفاد ~~هذه الآية مؤكد لمفاد قوله : { فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر ~~الله عليهم وللكافرين أمثالها } ( محمد : 10 ) ، فحصل توكيد ذلك بما هو ~~مقارب له من إهلاك الأمم ذوات القرى والمدنن بعد أن شمل قوله : { الذين من ~~قبلهم } من كان من أهل القرى ms7727 ، وزاد هنا التصريح بأن الذين من قبلهم كانوا ~~أشد قوة منهم ليفهموا أن إهلاك هؤلاء هين على الله ، فإنه لما كان التهديد ~~السابق تهديدا بعذاب السيف من قوله : { فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب ~~} ( محمد : 4 ) الآيات ، قد يلقي في نفوسهم غرورا PageV26P090 فتعذر ~~استئصالهم بالسيف وهم ما هم من المنعة وأنهم تمنعهم قريتهم مكة وحرمتها بين ~~العرب فلا يقعدون عن نصرتهم ، فربما استخفوا بهذا الوعيد ولم يستكينوا لهذا ~~التهديد ، فأعلمهم الله أن قرى كثيرة كانت أشد قوة من قريتهم أهلكهم الله ~~فلم يجدوا نصيرا . # وبهذا يظهر الموقع البديع للتفريع في قوله : { فلا ناصر لهم } وزاد أيضا ~~إجراء الإضافة في قوله : { قريتك } ، ووصفها ب { التي أخرجتك } لما تفيده ~~إضافة القرية إلى ضمير الرسول صلى الله عليه وسلم من تعبير أهلها بمذمة ~~القطيعة ولما تؤذن به الصلة من تعليل إهلاكهم بسبب إخراجهم الرسول صلى الله ~~عليه وسلم من قريته قال تعالى : { وأخرجوهم من حيث أخرجوكم } ( البقرة : ~~191 ) . # وإطلاق الإخراج على ما عامل به المشركون النبي صلى الله عليه وسلم من ~~الجفاء والأذى ومقاومة نشر الدين إطلاق من قبيل الاستعارة لأن سوء معاملتهم ~~إياه كان سببا في خروجه من مكة وهي قريته ، فشبه سبب الخروج بالإخراج ثم ~~أطلق عليه فعل { أخرجتك } ، وليس ذلك بإخراج وإنما هو خروج فإن المشركين لم ~~يلجئوا النبي صلى الله عليه وسلم بالإخراج بل كانوا على العكس يرصدون أن ~~يمنعوه من الخروج خشية اعتصامه بقبائل تنصره فلذلك أخفى على الناس أمر ~~هجرته إلا عن أبي بكر رضي الله عنه ، فقوله : { أخرجتك } من باب قولك : ~~أقدمني بلدك حق لي على فلان ، وهو استعارة على التحقيق ، وليس مجازا عقليا ~~إذ ليس ثمة إخراج حتى يدعى أن سببه بمنزلة فاعل الإخراج ، ولا هو من ~~الكناية وإن كان قد مثل به الشيخ في دلائل الإعجاز للمجاز العقلي ، والمثال ~~يكفي فيه الفرض والاحتمال . وفرع على الإخبار بإهلاك الله إياهم الإخبار ~~بانتفاء جنس الناصر لهم ، أي المنقذ لهم من الإهلاك . # والمقصود : التذكير بأن أمثال هؤلاء ms7728 المشركين لم يجدوا دافعا يدفع عنهم ~~الإهلاك ، وذلك تعريض بتأييس المشركين من إلفاء ناصر ينصرهم في حربهم ~~للمسلمين قطعا لما قد يخالج نفوس المشركين أنهم لا يغلبون لتظاهر قبائل ~~العرب معهم ، ولذلك حزبوا الأحزاب في وقعة الخندق . # وضمير { لهم } عائد إلى { من قرية } لأن المراد بالقرى أهلها . والمعنى : ~~PageV26P091 أهلكناهم إهلاكا لا بقاء معه لشيء منهم لأن بقاء شيء منهم نصر ~~لذلك الباقي بنجاته من الإهلاك . # واسم الفاعل في قوله : { فلا ناصر } مراد به الجنس لوقوعه بعد ( لا ) ~~النافية للجنس فلذلك لا يقصد تضمنه لزمن ما لأنه غير مراد به معنى الفعل بل ~~مجرد الاتصاف بالمصدر فتمحض للاسمية ، ولا التفات فيه إلى زمن من الأزمنة ~~الثلاثة ، ولذا فمعنى { فلا ناصر لهم } : فلم ينصرهم أحد فيما مضى . ولا ~~حاجة إلى إجراء ما حصل في الزمن الماضي مجرى زمن الحال ، وقولهم اسم الفاعل ~~حقيقة في الحال جرى على الغالب فيما إذا أريد به معنى الفعل . وقرأ الجمهور ~~: { وكأين } بهمزة بعد الكاف وبتشديد الياء . وقرأه ابن كثير بألف بعد ~~الكاف وتخفيف الياء مكسورة وهي لغة . # تفريع على جملة { أهلكناهم فلا ناصر لهم } ( محمد : 13 ) لتحقيق أنهم لا ~~ناصر لهم تحقيقا يرجع إلى ما في الكلام من المعنى التعريضي فهو شبيه ~~بالاستئناف البياني جاء بأسلوب التفريع . # ويجوز مع ذلك أن يكون مفرعا على ما سبق من قوله : { إن الله يدخل الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات } ( محمد : 12 ) الآية ، فيكون له حكم الاعتراض لأنه ~~تفريع على اعتراض . وهذا تفنن في تلوين الكلام لتجديد نشاط السامعين هو من ~~الأساليب التي ابتكرها القرآن في كلام العرب . والاستفهام مستعمل في إنكار ~~المماثلة التي يقتضيها حرف التشبيه . # والمقصود من إنكار المشابهة بين هؤلاء وهؤلاء هو تفضيل الفريق الأول ، ~~وإنكار زعم المشركين أنهم خير من المؤمنين كما ظهر ذلك عليهم في مواطن ~~كثيرة PageV26P092 كقولهم : { لو كان خيرا ما سبقونا إليه } ( الأحقاف : 11 ~~) { وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون } ( المطففين : 32 ) { فاتخذتموهم ~~سخريا حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون } ( المؤمنون : 110 ) . # والمراد بالموصولين ms7729 فريقان كما دل عليه قوله في أحدهما { واتبعوا أهواءهم ~~} . # والبينة : البرهان والحجة ، أي حجة على أنه محق . و { من } ابتدائية ، ~~وفي التعبير بوصف الرب وإضافته إلى ضمير الفريق تنبيه على زلفى الفريق الذي ~~تمسك بحجة الله . # ومعنى وصف البينة بأنها من الله : أن الله أرشدهم إليها وحرك أذهانهم ~~فامتثلوا وأدركوا الحق ، فالحجة حجة في نفسها وكونها من عند الله تزكية لها ~~وكشف للتردد فيها وإتمام لدلالتها ، كما يظهر الفرق بين أخذ العلم عن متضلع ~~فيه وأخذه عن مستضعف فيه وإن كان مصيبا . و ( على ) للاستعلاء المجازي الذي ~~هو بمعنى التمكن كما في قوله تعالى : { أولئك على هدى من ربهم في سورة ~~البقرة . # وهذا الفريق هم المؤمنون وهم ثابتون على الدين واثقون بأنهم على الحق . ~~فلا جرم يكون لهم الفوز في الدنيا لأن الله يسر لهم أسبابه فإن قاتلوا ~~كانوا على ثقة بأنهم على الحق وأنهم صائرون إلى إحدى الحسنيين فقويت ~~شجاعتهم ، وإن سالموا عنوا بتدبير شأنه وما فيه نفع الأمة والدين فلم يألوا ~~جهدا في حسن أعمالهم ، وذلك من آثار أن الله أصلح بالهم وهداهم . والفريق ~~الذين زين له سوء عمله هم المشركون ، فإنهم كانوا في أحوال السوأى من عبادة ~~الأصنام والظلم والعدوان وارتكاب الفواحش ، فلما نبههم الله لفساد أعمالهم ~~بأن أرسل إليهم رسولا بين لهم صالح الأعمال وسيئاتها لم يدركوا ذلك ورأوا ~~فسادهم صلاحا فتزينت أعمالهم في أنظارهم ولم يستطيعوا الإقلاع عنها وغلب ~~إلفهم وهواهم على رأيهم فلم يعبأوا باتباع ما هو صلاح لهم في العاجل والآجل ~~، فذلك معنى قوله : كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم } بإيجاز . # وبني فعل { زين } للمجهول ليشمل المزينين لهم من أيمة كفرهم ، وما سولته ~~لهم أيضا عقولهم الآفنة من أفعالهم السيئة اغترارا بالإلف أو اتباعا للذات ~~العاجلة PageV26P093 أو لجلب الرئاسة ، أي زين له مزين سوء عمله ، وفي هذا ~~البناء إلى المجهول تنبيه لهم أيضا ليرجعوا إلى أنفسهم فيتأملوا فيمن زين ~~لهم سوء أعمالهم . ولما كان تزيين أعمالهم لهم يبعثهم على الدأب عليها كان ms7730 ~~يتولد من ذلك إلفهم بها وولعهم بها فتصير لهم أهواء لا يستطيعون مفارقتها ~~أعقب بقوله : { واتبعوا أهواءهم } . # والفرق بين الفريقين بين للعاقل المتأمل بحيث يحق أن يسأل عن مماثلة ~~الفريقين سؤال من يعلم انتفاء المماثلة وينكر على من عسى أن يزعمها . ~~والمراد بانتفاء المماثلة الكناية عن التفاضل ، والمقصود بالفضل ظاهر وهو ~~الفريق الذي وقع الثناء عليه . # استئناف بياني لأن ما جرى من ذكر الجنة في قوله : { إن الله يدخل الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات جناتت تجري من تحتها الأنهار } ( محمد : 12 ) مما ~~يستشرف السامع إلى تفصيل بعض صفاتها ، وإذ قد ذكر أنها تجري من تحتها ~~الأنهار موهم السامع أنها أنهار المياه لأن جري الأنهار أكمل محاسن الجنات ~~المرغوب فيها ، فلما فرغ من توصيف حال فريقي الإيمان والكفر ، ومما أعد ~~لكليهما ، ومن إعلان تباين حاليهما ثني العنان إلى بيان ما في الجنة التي ~~وعد المتقون ، وخص من ذلك بيان أنواع الأنهار ، ولما كان ذلك موقع الجملة ~~كان قوله : { مثل الجنة } مبتدأ محذوف الخبر . والتقدير : ما سيوصف أو ما ~~سيتلى عليكم ، أو مما يتلى عليكم . # وقوله : { كمن هو خالد في النار } كلام مستأنف مقدر فيه استفهام إنكاري ~~دل عليه ما سبق من قوله : { أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء ~~PageV26P094 عمله } ( محمد : 14 ) . والتقدير : أكمن هو خالد في النار . ~~والإنكار متسلط على التشبيه الذي هو بمعنى التسوية . ويجوز أن تكون جملة { ~~مثل الجنة } بدلا من جملة { أفمن كان على بينة من ربه } فهي داخلة في حيز ~~الاستفهام الإنكاري . والخبر قوله : { كمن هو خالد في النار } ، أي كحال من ~~هو خالد في النار وذلك يستلزم اختلاف حال النار عن حال الجنة ، فحصل نحو ~~الاحتباك إذ دل { مثل الجنة } على مثل أصحابها ودل مثل من هو خالد في النار ~~على مثل النار . # والمقصود : بيان البون بين حالي المسلمين والمشركين بذكر التفاوت بين ~~حالي مصيرهما المقرر في قوله : { إن الله يدخل الذين آمنوا وعمل الصالحات ~~جنات } ( الحج : 23 ) إلى آخره ، ولذلك لم يترك ms7731 ذكر أصحاب الجنة وأصحاب ~~النار في خلال ذكر الجنة والنار فقال : { مثل الجنة التي وعد المتقون } ~~وقال بعده { كمن هو خالد في النار } . ولقصد زيادة تصوير مكابرة من يسوي ~~بين المتمسك ببينة ربه وبين التابع لهواه ، أي هو أيضا كالذي يسوي بين ~~الجنة ذات تلك الصفات وبين النار ذاتت صفاتت ضدها . # وفيه اطراد أساليب السورة إذ افتتحت بالمقابلة بين الذين كفروا والذين ~~آمنوا ، وأعقب باتباع الكافرين الباطل واتباع المؤمنين الحق ، وثلث بقوله : ~~{ أفمن كان على بينة من ربه } الخ . والمثل : الحال العجيب . # وجملة { فيها أنهار } وما عطف عليها تفصيل للإجمال الذي في جملة { مثل ~~الجنة } ، فهو استئناف ، أو بدل مفصل من مجمل على رأي من يثبته في أنواع ~~البدل . # والأنهار : جمع نهر ، وهو الماء المستبحر الجاري في أخدود عظيم من الأرض ~~، وتقدم في قوله تعالى : { قال إن الله مبتليكم بنهر في سورة البقرة . ~~PageV26P095 # فأما إطلاق الأنهار على أنهار الماء فهو حقيقة ، وأما إطلاق الأنهار على ~~ما هو من لبن وخمر وعسل فذلك على طريقة التشبيه البليغ ، أي مماثلة للأنهار ~~، فيجوز أن تكون المماثلة تامة في أنها كالأنهار مستبحرة في أخاديد من أرض ~~الجنة فإن أحوال الآخرة خارقة للعادة المعروفة في الدنيا ، فإن مرأى أنهار ~~من هذه الأصناف مرأى مبهج . ويجوز أن تكون مماثلة هذه الأصناف للأنهار في ~~بعض صفات الأنهار وهي الاستبحار . وهذه الأصناف الخمسة المذكورة في الآية ~~كانت من أفضل ما يتنافسون فيه ومن أعز ما يتيسر الحصول عليه ، فكيف الكثير ~~منها ، فكيف إذا كان منها أنهار في الجنة . وتناول هذه الأصناف من التفكه ~~الذي هو تنعم أهل اليسار والرفاهية . # وقد ذكر هنا أربعة أشربة هي أجناس أشربتهم ، فكانوا يستجيدون الماء ~~الصافي لأن غالب مياههم من الغدران والأحواض بالبادية تمتلىء من ماء المطر ~~أو من مرور السيول فإذا استقرت أياما أخذت تتغير بالطحلب وبما يدخل فيها من ~~الأيدي والدلاء ، وشرب الوحوش وقليل البلاد التي تكون مجاورة الأنهار ~~الجارية . وكذلك اللبن كانوا إذا حلبوا وشربوا أبقوا ما استفضلوه إلى وقت ms7732 ~~آخر لأنهم لا يحلبون إلا حلبة واحدة أو حلبتين في اليوم فيقع في طعم اللبن ~~تغيير . فأما الخمر فكانت قليلة عزيزة عندهم لقلة الأعناب في الحجاز إلا ~~قليلا في الطائف ، فكانت الخمر تجتلب من بلاد الشام ومن بلاد اليمن ، وكانت ~~غالية الثمن وقد ينقطع جلبها زمانا في فصل الشتاء لعسر السير بها في الطرق ~~وفي أوقات الحروب أيضا خوف انتهابها . # والعسل هو أيضا من أشربتهم ، قال تعالى في النحل يخرج من بطونها شراب ~~مختلف ألوانه والعرب يقولون : سقاه عسلا ، ويقولون : أطعمه عسلا . وكان ~~العسل مرغوبا فيه يجتلب من بلاد الجبال ذات النبات المستمر . فأما الثمرات ~~فبعضها كثير عندهم كالتمر وبعضها قليل كالرمان . # والآسن : وصف من أسن الماء من باب ضرب ونصر وفرح ، إذا تغير لونه . وقرأه ~~ابن كثير أسن } بدون ألف بعد الهمزة على وزن فعل للمبالغة . PageV26P096 # والخمر : عصير العنب الذي يترك حتى يصيبه التخمر وهو الحموضة مثل خمير ~~العجين . و { لذة } وصف وليس باسم ، وهو تأنيث اللذ ، أي اللذيذ قال بشار : # ذكرت شبابي اللذ غير قريب # ومجلس لهو طاب بين شروب # واللذاذة : انفعال نفساني فيه مسرة ، وهي ضد الألم وأكثر حصوله من الطعوم ~~والأشربة والملامس البدنية ، فوصف خمر هنا بأنها { لذة } معناه يجد شاربها ~~لذاذة في طعمها ، أي بخلاف خمر الدنيا فإنها حريقة الطعم فلولا ترقب ما ~~تفعله في الشارب من نشوة وطرب لما شربها لحموضة طعمها . # والعسل المصفى : الذي خلص مما يخالط العسل من بقايا الشمع وبقايا أعضاء ~~النحل التي قد تموت فيه ، وتقدم الكلام على العسل وتربيته في سورة النحل . # ومعنى { من كل الثمرات } أصناف من جميع أجناس الثمرات ، فالتعريف في { ~~الثمرات } للجنس ، و { كل } مستعملة في حقيقتها وهو الإحاطة ، أي جميع ما ~~خلق الله من الثمرات مما علموه في الدنيا وما لم يعلموه مما خلقه الله ~~للجنة . و { من } تبعيضية ، وهذا كقوله تعالى : { فيهما من كل فاكهة زوجان ~~} ( الرحمن : 52 ) . # و { مغفرة } عطف على { أنهار } وما بعده ، أي وفيها مغفرة لهم ، أي تجاوز ~~عنهم ، أي إطلاق ms7733 في أعمالهم لا تكليف عليهم كمغفرته لأهل بدر إذ بينت بأن ~~يعملوا ما شاؤوا في الحديث ( لعل الله اطلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما ~~شئتم فقد غفرت لكم ) وقد تكون المغفرة كناية عن الرضوان عليهم كما قال ~~تعالى : { ورضوان من الله أكبر } ( التوبة : 72 ) . # وتقدير المضاف في { مثله } ظاهر للقرينة . وقوله : { وسقوا ماء حميعا } ~~جيء به لمقابلة ما وصف من حال أهل الجنة الذي في قوله : { فيها أنهار من ~~ماء غير آسن } إلى قوله : { من كل الثمرات } ، أي أن أهل النار محرومون من ~~جميع ما ذكر من المشروبات . وليسوا بذائقين إلا الماء PageV26P097 الحميم ~~الذي يقطع أمعاءهم بفور سقيه . ولذلك لم يعرج هنا على طعام أهل النار الذي ~~ذكر في قوله تعالى : { لآكلون من شجر من زقوم فمالئون منها البطون فشاربون ~~عليه من الحميم } ( الواقعة : 52 54 ) وقوله : { أذلك خير نزلا أم شجرة ~~الزقوم } ( الصافات : 62 ) إلى قوله : { فإنهم لآكلون منها فمالئون منها ~~البطون ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم } ( الصافات : 66 67 ) . # وضمير { سقوا } راجع إلى { من هو خالد في النار } باعتبار معنى ( من ) ~~وهو الفريق من الكافرين بعد أن أعيد عليه ضمير المفرد في قوله : { هو خالد ~~} . # والأمعاء : جمع معى مقصورا وبفتح الميم وكسرها ، وهو ما ينتقل الطعام ~~إليه بعد نزوله من المعدة . ويسمى عفج بوزن كتف . # . # ضمير { ومنهم } عائد إلى { الذين كفروا } ( محمد : 12 ) الذين جرى ذكرهم ~~غير مرة من أول السورة ، أي ومن الكافرين قوم يستمعون إليك ، وأراد بمن ~~يستمع معهم المنافقين بقرينة قوله : { قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال } ~~وقوله : { خرجوا من عندك } . # وليس المراد مجرد المستمعين مثل ما في قوله : { ومنهم من يستمعون إليك ~~أفأنت تسمع الصم } ( يونس : 42 ) وقوله : { ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على ~~قلوبهم أكنة } ( الأنعام : 25 ) للفرق الواضح بين الأسلوبين ، وهذا صنف آخر ~~من الكافرين الذين أسروا الكفر وتظاهروا بالإيمان ، وقد كان المنافقون بعد ~~الهجرة مقصودين من لفظ الكفار . وهذه السورة نازلة بقرب عهد من الهجرة ~~فلذلك ذكر فيها ms7734 الفريقان من الكفار . # ومعنى { يستمع إليك } : يحضرون مجلسك ويسمعون كلامك وما تقرأ عليهم من ~~القرآن . وهذه صفة من يتظاهر بالإسلام فلا يعرضون عن سماع القرآن إعراض ~~المشركين بمكة . روي عن الكلبي ومقاتل : أنها نزلت في عبد الله PageV26P098 ~~بن أبي بن سلول ورفاعة بن الثابوت والحارث بن عمرو وزيد بن الصلت ومالك بن ~~الدخشم . # والاستماع : أشد السمع وأقواه ، أي يستمعون باهتمام يظهرون أنهم حريصون ~~على وعي ما يقوله الرسول صلى الله عليه وسلم وأنهم يلقون إليه بالهم ، وهذا ~~من استعمال الفعل في معنى إظهاره لا في معنى حصوله . وحق فعل استمع أن يعدى ~~إلى المفعول بنفسه كما في قوله : { يستمعون القرآن } ( الأحقاف : 29 ) فإذا ~~أريد تعلقه بالشخص المسموع منه يقال : استمع إلى فلان كما قال هنا { ومنهم ~~من يستمع إليك } ، وكذا جاء في مواقعه كلها من القرآن . # و { حتى } في قوله : { حتى إذا خرجوا من عندك } ابتدائية و { إذا } اسم ~~زمان متعلق ب { قالوا } . # والمعنى : فإذا خرجوا من عندك قالوا الخ . # والخروج : مغادرة مكان معين محصورا وغير محصور ، فمنه { إذ أخرجني من ~~السجن } ( يوسف : 100 ) ، ومنه { يريد أن يخرجكم من أرضكم } ( الأعراف : ~~110 ) . والخروج من عند النبي صلى الله عليه وسلم مغادرة مجلسه الذي في ~~المسجد وهو الذي عبر عنه هنا بلفظ { عندك } . # و { من } لتعدية فعل { خرجوا } وليست التي تزاد مع الظروف في نحو قوله ~~تعالى : { من عند الله } ( البقرة : 89 ) . # والذين أوتوا العلم : هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الملازمون ~~لمجلسه وسمي منهم عبد الله بن مسعود وأبو الدرداء وابن عباس . وروي عنه أنه ~~قال : أنا منهم وسئلت فيمن سئل . والمعنى : أنهم يستمعون إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم من القرآن وما يقوله من الإرشاد وحذف مفعول { يستمعون } ~~ليشمل ذلك . PageV26P099 # ومعنى { آنفا } : وقتا قريبا من زمن التكلم ، ولم ترد هذه الكلمة إلا ~~منصوبة على الظرفية . قال الزجاج : هو من استأنف الشيء إذا ابتدأه اه يريد ~~أنه مشتق من فعل مزيد ولم يسمع له فعل مجرد ، وظاهر كلامهم ms7735 أن اشتقاقه من ~~الاسم الجامد وهو الأنف ، أي جارحة الشم وكأنهم عنوا به أنف البعير لأن ~~الأنف أول ما يبدو لراكبه فيأخذ بخطامه ، فلوحظ في اسم الأنف معنى الوصف ~~بالظهور ، وكني بذلك عن القرب ، وقال غيره : هو مشتق من أنف بضم الهمزة وضم ~~النون يوصف به الكأس التي لم يشرب منها من قبل ، وتوصف به الروضة التي لم ~~ترع قبل ، كأنهم لاحظوا فيها لازم وصف عدم الاستعمال وهو أنه جديد ، أي زمن ~~قريب ، ف { آنفا } زمانا لم يبعد العهد به . قال ابن عطية : ( والمفسرون ~~يقولون : { آنفا } معناه : الساعة القريبة منا وهذا تفسير المعنى ) اه . ~~وفي كلامه نظر لأن أهل اللغة فسروه بوقت يقرب منا . وصيغ على زنة اسم ~~الفاعل وليس فيه معنى اسم الفاعل ، فهذا اسم غريب التصريفف ولا يحفظ شيء من ~~شعر العرب وقع فيه هذا اللفظ . # واتفق القراء على قراءته بصيغة فاعل وشذت رواية عن البزي عن ابن كثير أنه ~~قرأ { آنفا } بوزن كتف . وقد أنكر بعض علماء القراءات نسبتها إلى ابن كثير ~~ولكن الشاطبي أثبتها في حرز الأماني وقد ذكرها أبو علي في الحجة . فإذا صحت ~~هذه الرواية عن البزي عنه كان { آنفا } حالا من ضمير { من يستمع } أجري على ~~الإفراد رعيا للفظ { من } . ومعناه : أنه يقول ذلك في حال أنه شديد الأنفة ~~، أي التكبر إظهارا لترفعه عن وعي ما يقوله النبي صلى الله عليه وسلم ~~وينتهي الكلام عند ماذا . وزعم أبو علي في الحجة : أن البزي توهمه مثل : ~~حاذر وحذر . ولا يظن مثل هذا بالبزي لو صحت الرواية عنه عن ابن كثير . # وسياق الكلام يدل على ذم هذا السؤال لقوله عقبه { أولئك الذين طبع الله ~~على قلوبهم } فهو سؤال ينبىء عن مذمة سائليه ، فإن كان سؤالهم حقيقة أنبأ ~~عن قلة وعيهم لما يسمعونه من النبي صلى الله عليه وسلم فهم يستعيدونه من ~~الذين علموه فلعل استعادتهم إياه لقصد أن يتدارسوه إذا خلوا مع إخوانهم ~~ليختلقوا مغامر يهيئونها بينهم ، أو أن يجيبوا من يسألهم من إخوانهم عما ms7736 ~~سمعوه في المجلس الذي كانوا فيه . PageV26P100 ويجوز أن يكون السؤال على ~~غير حقيقته ناوين به الاستهزاء يظهرون للمؤمنين اهتمامهم باستعادة ما سمعوه ~~ويقولون لإخوانهم : إنما نحن مستهزؤون ، أو أن يكون سؤالهم تعريضا بأنهم ~~سمعوا كلاما لا يستبين المراد منه لإدخال الشك في نفوس من يحسون منهم ~~الرغبة في حضور مجالس النبي صلى الله عليه وسلم تعريضا لقلة جدوى حضورها . ~~ويجوز أن تكون الآية أشارت إلى حادثة خاصة ذكر فيها النبي صلى الله عليه ~~وسلم المنافقين وأحوالهم وعلم الذين كانوا حاضرين منهم أنهم المعنيون بذلك ~~، فأرادوا أن يسألوا سؤال استطلاع هل شعر أهل العلم بأن أولئك هم المعنيون ~~، فيكون مفعول { يستمعون } محذوفا للعلم به عند النبي صلى الله عليه وسلم # . # استئناف بياني لأن قولهم : { ماذا قال آنفا } سؤال غريب من شأنه إثارة ~~سؤال من يسأل عن سبب حصوله على جميع التقادير السابقة في مرادهم منه . # وجيء باسم الإشارة بعد ذكر صفاتهم تشهيرا بهم ، وجيء بالموصول وصلتيه ~~خبرا عن اسم الإشارة لإفادة أن هؤلاء المتميزين بهذه الصفات هم أشخاص ~~الفريق المتقرر بين الناس أنهم فريق مطبوع على قلوبهم لأنه قد تقرر عند ~~المسلمين أن الذين صمموا على الكفر هم قد طبع الله على قلوبهم وأنهم متبعون ~~لأهوائهم ، فأفادت أن هؤلاء المستمعين زمرة من ذلك الفريق ، فهذا التركيب ~~على أسلوب قوله تعالى : { أولئك هم المفلحون في سورة البقرة . # والطبع على القلب : تمثيل لعدم مخالطة الهدى والرشد لعقولهم بحال الكتاب ~~المطبوع عليه ، أو الإناء المختوم بحيث لا يصل إليه من يحاول الوصول إلى ~~داخله ، فمعناه أن الله خلق قلوبهم ، أي عقولهم غير مدركة ومصدقة للحقائق ~~والهدى . وهذا الطبع متفاوت يزول بعضه عن بعض أهله في مدد متفاوتة ويدوم مع ~~بعض إلى الموت كما وقع ، وزواله بانتهاء ما في العقل من غشاوة الضلالة ~~وبتوجه لطف الله بمن شاء بحكمته اللطف به المسمى بالتوفيق الذي فسره ~~الأشعرية بخلق القدرة PageV26P101 والداعية إلى الطاعة ، وبأنه ما يقع عنده ~~صلاح العبد آخره . وفسر المعتزلة اللطف بإيصال المنافع إلى العبد ms7737 من وجه ~~يدق إدراكه وتمكينه بالقدرة والآلات . # } # جملة معترضة بين جملة { ومنهم من يستمع إليك } ( الأنعام : 25 ) وما فيهم ~~عنها من قوله : { فهل ينظرون إلا الساعة } ( الزخرف : 66 ) والواو اعتراضية ~~. والمقصود من هذا الاعتراض : مقابلة فريق الضلالة بفريق الهداية على ~~الأسلوب الذي أقيمت عليه هذه السورة كما تقدم في أولها . فهذا أسلوب مستمر ~~وإن اختلفت مواقع جمله . # والمعنى : والذين شرح الله صدرهم للإيمان فاهتدوا لطف الله بهم فزادهم ~~هدى وأرسخ الإيمان في قلوبهم ووفقهم للتقوى ، فاتقوا وغالبوا أهواءهم . ~~وإيتاء التقوى مستعار لتيسير أسبابها إذ التقوى معنى نفساني ، والإيتاء ~~يتعدى حقيقة للذوات . وإضافة التقوى إلى ضمير { الذين اهتدوا } إيماء إلى ~~أنهم عرفوا بها واختصت بهم . # # تفريع على ما مضى من وصف أحوال الكافرين من قوله : { أفلم يسيروا في ~~الأرض إلى قوله : واتبعوا أهواءهم } ( محمد : 10 16 ) الشاملة لأحوال ~~الفريقين ففرع عليها أن كلا الفريقين ينتظرون حلول الساعة لينالوا جزاءهم ~~على سوء كفرهم فضمير ينظرون مراد به الكافرون لأن الكلام تهديد ووعيد ، ~~ولأن المؤمنين ينتظرون أمورا أخر مثل النصر والشهادة ، قال تعالى : { قل هل ~~تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين } ( التوبة : 52 ) الآية . والنظر هنا بمعنى ~~الانتظار كما في قوله تعالى : { هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ~~ربك } ( الأنعام : 158 ) الآية . # والاستفهام إنكار مشوب بتهكم ، وهو إنكار وتهكم على غائبين ، موجه إلى ~~PageV26P102 الرسول صلى الله عليه وسلم أي لا تحسب تأخير مؤاخذتهم إفلاتا ~~من العقاب ، فإنه مرجون إلى الساعة . # وهذا الاستفهام الإنكاري ناظر إلى قوله آنفا { والذين كفروا يتمتعون ~~ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم } ( محمد : 12 ) . # والقصر الذي أفاده الاستثناء قصر ادعائي ، نزل انتظارهم ما يأملونه من ~~المرغوبات في الدنيا منزلة العدم لضآلة أمره بعد أن نزلوا منزلة من ينتظرون ~~فيما ينتظرون الساعة لأنهم لتحقق حلوله عليهم جديرون بأن يكونوا من ~~منتظريها . # و { أن تأتيهم } بدل اشتمال من الساعة . و { بغتة } حال من الساعة قال ~~تعالى : { لا تأتيكم إلا بغتة } ( الأعراف : 187 ) . والبغتة : الفجأة ، ~~وهو مصدر بمعنى : المرة ، والمراد ms7738 به هنا الوصف ، أي مباغتة لهم . # ومعنى الكلام : أن الساعة موعدهم وأن الساعة قريبة منهم ، فحالهم كحال من ~~ينتظر شيئا فإنما يكون الانتظار إذا اقترب موعد الشيء ، هذه الاستعارة ~~تهكمية . # والفاء من قوله : { فقد جاء أشراطها } فاء الفصيحة كالتي في قول عباس بن ~~الأحنف : # قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا # ثم القفول فقد جئنا خراسانا # وهذه الفصيحة تفيد معنى تعليل قرب مؤاخذتهم . # والأشراط : جمع شرط بفتحتين ، وهو : العلامة والأمارة على وجود شيء أو ~~على وصفه . وعلامات الساعة هي علامات كونها قريبة . وهذا القرب يتصور ~~بصورتين : # إحداهما أن وقت الساعة قريب قربا نسبيا بالنسبة إلى طول مدة هذا العالم ~~ومن عليه من الخلق . # والثانية : أن ابتداء مشاهدة أحوال الساعة يحصل لكل أحد بموته فإن روحه ~~إذا خلصت عن جسده شاهدت مصيرها مشاهدة إجمالية وبه فسر حديث أبي ~~PageV26P103 هريرة مرفوعا ( القبر روضة من رياض الجنة أو حفر من حفر النار ~~) رواه الترمذي . وهو ضعيف ويفسره حديث ابن عمر مرفوعا ( إذا مات الميت عرض ~~عليه مقعده بالغداة والعشي فإن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من ~~أهل النار فمن أهل النار ثم يقال : هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة ) ~~ونهاية حياة المرء قريبة وإن طال العمر . # والأشراط بالنسبة للصورة الأولى : الحوادث التي أخبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنها تقع بين يدي الساعة ، وأولها بعثته لأنه آخر الرسل وشريعته آخر ~~الشرائع ثم ما يكون بعد ذلك ، وبالنسبة للصورة الثانية أشراطها الأمراض ~~والشيخوخة . # . # تفريع على { فقد جاء أشراطها } . و { أنى } اسم يدل على الحالة ، ويضمن ~~معنى الاستفهام كثيرا وهو هنا استفهام إنكاري ، أي كيف يحصل لهم الذكرى إذا ~~جاءتهم الساعة ، والمقصود : إنكار الانتفاع بالذكرى حينئذ . # و { أنى } مبتدأ ثان مقدم لأن الاستفهام له الصدارة . و { ذكراهم } مبتدأ ~~أول و { لهم } خبر عن { أنى } ، وهذا التركيب مثل قوله تعالى : { أنى لهم ~~الذكرى في سورة الدخان ، وضمير جاءتهم } عائد إلى { الساعة } . # فرع على جميع ما ذكر من حال المؤمنين وحال الكافرين ومن ms7739 عواقب ذلك ووعده ~~أو وعيده أن أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالثبات على ما له من العلم ~~بوحدانية الله وعلى ما هو دأبه من التواضع لله بالاستغفار لذنبه ومن الحرص ~~على نجاة المؤمنين بالاستغفار لهم لأن في ذلك العلم وذلك الدأب استمطار ~~الخيرات له ولأمته PageV26P104 والتفريع هذا مزيد مناسبة لقوله آنفا { ذلك ~~بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم } ( محمد : 11 ) الآية ~~. # فالأمر في قوله : { فاعلم } كناية عن طلب العلم وهو العمل بالمعلوم ، ~~وذلك مستعمل في طلب الدوام عليه لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد علم ذلك ~~وعلمه المؤمنون ، وإذا حصل العلم بذلك مرة واحدة تقرر في النفس لأن العلم ~~لا يحتمل النقيض فليس الأمر به بعد حصوله لطلب تحصيله بل لطلب الثبات فهو ~~على نحو قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله } ( النساء ~~: 136 ) . وأما الأمر في قوله : { واستغفر لذنبك } فهو لطلب تجديد ذلك إن ~~كان قد علمه النبي صلى الله عليه وسلم من قبل وعمله أو هو لطلب تحصيله إن ~~لم يكن فعله من قبل . # وذكر { المؤمنات } بعد { المؤمنين } اهتمام بهن في هذا المقام وإلا فإن ~~الغالب اكتفاء القرآن بذكر المؤمنين وشموله للمؤمنات على طريقة التغليب ~~للعلم بعموم تكاليف الشريعة للرجال والنساء إلا ما استثني من التكاليف . # ومن اللطائف القرآنية أن أمر هنا بالعلم قبل الأمر بالعمل في قوله : { ~~واسغفر لذنبك } . قال ابن عيينة لما سئل عن فضل العلم : ألم تسمع قوله حين ~~بدأ به { فاعلم أنه لا إلاه إلا الله واستغفر لذنبك } . وترجم البخاري في ~~كتاب العلم من ( صحيحه ) باب العلم قبل القول والعمل لقول الله تعالى : { ~~فاعلم أنه لا إلاه إلا الله } فبدأ بالعلم . # وما يستغفر منه النبي صلى الله عليه وسلم ليس من السيئات لعصمته منها ، ~~وإنما هو استغفار من الغفلات ونحوها ، وتسميته بالذنب في الآية إما محاكاة ~~لما كان يكثر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقوله : ( اللهم اغفر لي خطيئتي ~~) وإنما كان يقوله في مقام ms7740 التواضع ، وإما إطلاق لاسم الذنب على ما يفوت من ~~الازدياد في العبادة مثل أوقات النوم والأكل ، وإطلاقه على ما عناه النبي ~~صلى الله عليه وسلم في قوله : ( إنه ليغان على قلبي وإني أستغفر الله في ~~اليوم مائة مرة ) . PageV26P105 # واللام في قوله : { لذنبك } لام التعيين بينت مفعولا ثانيا لفعل { استغفر ~~} واللام في قوله { وللمؤمنين } لام العلة ، أو بمعنى ( عن ) والمفعول ~~محذوف ، أي استغفر الذنوب لأجل المؤمنين ، وفي الكلام حذف ، تقديره : ~~وللمؤمنين لذنوبهم . # وجملة { والله يعلم متقلبكم ومثواكم } تذييل جامع لأحوال ما تقدم . ~~فالمتقلب : مصدر بمعنى التقلب ، أوثر جلبه هنا لمزاوجة قوله : { ومثواكم } ~~. والتقلب : العمل المختلف ظاهرا كان كالصلاة ، أو باطنا كالإيمان والنصح . # والمثوى : المرجع والمئال ، أي يعلم الله أحوالكم جميعا من مؤمنين ~~وكافرين ، وقدر لها جزاءها على حسب علمه بمراتبها ويعلم مصائركم وإنما ~~أمركم ونهاكم وأمركم بالاستغفار خاصة لإجراء أحكام الأسباب على مسبباتها ~~فلا تيأسوا ولا تهملوا . # ( 20 ، 21 ) { لله } # قد ذكرنا أن هذه السورة أنزلت بالمدينة وقد بدت قرون نفاق المنافقين ، ~~فلما جرى في هذه السورة وصف حال المنافقين أعقب ذلك بوصف أجلى مظاهر نفاقهم ~~، وذلك حين يدعى المسلمون إلى الجهاد فقد يضيق الأمر بالمنافقين إذ كان ~~تظاهرهم بالإسلام سيلجئهم إلى الخروج للقتال مع المسلمين ، وذلك أمر ليس ~~بالهين لأنه تعرض لإتلافهم النفوس دون أن يرجو منه نفعا في الحياة الأبدية ~~إذ هم لا يصدقون بها فيصبحوا في حيرة . وكان حالهم هذا مخالفا لحال الذين ~~آمنوا الذي تمنوا أن ينزل القرآن بالدعوة إلى القتال ليلاقوا المشركين ~~فيشفوا منهم غليلهم ، فبهذه المناسبة حكي تمني المؤمنين نزول حكم القتال ~~لأنه يلوح به تمييز حال المنافقين ، ويبدو منه الفرق بين حال الفريقين وقد ~~بين كره القتال لديهم في سورة براءة . # فالمقصود من هذه الآية هو قوله : { فإذ أنزلت سورة محكمة وذكر فيها ~~القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض } الآية ، وما قبله توطئة له بذكر سببه ، ~~وأفاد تقديمه PageV26P106 أيضا تنويها بشأن الذين آمنوا ، وأفاد ذكره ~~مقابلة بين حالي الفريقين جريا على سنن هذه السورة ms7741 . ومقال الذين آمنوا هذا ~~كان سببا في نزول قوله تعالى : { فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب } ( ~~محمد : 4 ) ، ولذلك فالمقصود من السورة التي ذكر فيها القتال هذه السورة ~~التي نحن بصددها . # ومعلوم أن قول المؤمنين هذا وقع قبل نزول هذه الآية فالتعبير عنه بالفعل ~~المضارع : إما لقصد استحضار الحالة مثل { ويصنع الفلك } ( هود : 38 ) ، ~~وإما للدلالة على أنهم مستمرون على هذا القول . وتبعا لذلك تكون { إذا } في ~~قوله : { فإذا أنزلت سورة } ظرفا مستعملا في الزمن الماضي لأن نزول السورة ~~قد وقع ، ونظر المنافقين إلى الرسول صلى الله عليه وسلم هذا النظر قد وقع ~~إذ لا يكون ذمهم وزجرهم قبل حصول ما يوجبه فالمقام دال والقرينة واضحة . # و { لولا } حرف مستعمل هنا في التمني ، وأصل معناه التخصيص فأطلق وأريد ~~به التمني لأن التمني يستلزم الحرص والحرص يدعو إلى التحضيض . # وحذف وصف { سورة } في حكاية قولهم : { لولا نزلت سورة } لدلالة ما بعده ~~عليه من قوله : { وذكر فيها القتال } لأن قوله { فإذا أنزلت سورة } ، أي ~~كما تمنوا اقتضى أن المسؤول سورة يشرع فيها قتال المشركين . فالمعنى : لولا ~~نزلت سورة يذكر فيها القتال وفرضه ، فحذف الوصف إيجازا . ووصف السورة ب { ~~محكمة } باعتبار وصف آياتها بالإحكام ، أي عدم التشابه وانتفاء الاحتمال ~~كما دلت عليه مقابلة المحكمات بالمتشابهات في قوله : { منه آيات محكمات هن ~~أم الكتاب وأخر متشابهات في سورة آل عمران ، أي لا تحتمل آيات تلك السورة ~~المتعلقة بالقتال إلا وجوب القتال وعدم الهوادة فيه مثل قوله : فإذا لقيتم ~~الذين كفروا فضرب الرقاب } ( محمد : 4 ) الآيات ، فلا جرم أن هذه السورة هي ~~التي نزلت إجابة عن تمني الذين آمنوا . وإنما قال : { وذكر فيها القتال } ~~لأن السورة ليست كلها متمحضة لذكر القتال فإن سور القرآن ذوات أغراض شتى . ~~PageV26P107 # والخطاب في { رأيت } للنبيء صلى الله عليه وسلم لأنه لاحق لقوله تعالى : ~~{ ومنهم من يستمع إليك } ( الأنعام : 25 ) . # و { الذين في قلوبهم مرض } هم المبطنون للكفر فجعل الكفر الخفي كالمرض ~~الذي مقره القلب لا يبدو منه شيء على ms7742 ظاهر الجسد ، أي رأيت المنافقين على ~~طريق الاستعارة . وقد غلب إطلاق هذه الصلة على المنافقين ، وأن النفاق مرض ~~نفساني معضل لأنه تتفرع منه فروع بيناها في قوله تعالى : { في قلوبهم مرض ~~في سورة البقرة . # وانتصب نظر المغشي عليه من الموت } على المفعولية المطلقة لبيان صفة ~~النظر من قوله : { ينظرون إليك } فهو على معنى التشبيه البليغ . # ووجه الشبه ثبات الحدقة وعدم التحريك ، أي ينظرون إليك نظر المتحير بحيث ~~يتجه إلى صوب واحد ولا يشتغل بالمرئيات لأنه في شاغل عن النظر ، وإنما ~~يوجهون أنظارهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم إذ كانوا بمجلسه حين نزول ~~السورة ، وكانوا يتظاهرون بالإقبال على تلقي ما ينطق به من الوحي فلما ~~سمعوا ذكر القتال بهتوا ، فالمقصود المشابهة في هذه الصورة . وفي معنى هذه ~~الآية قوله تعالى : { فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي ~~يغشى عليه من الموت في سورة الأحزاب . # ومن } هنا تعليلية ، أي المغشي عليه لأجل الموت ، أي حضور الموت . # وفرع على هذا قوله : { فأولى لهم طاعة وقول معروف } . وهذا التفريع ~~اعتراض بين جملة { ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت } وبين جملة { ~~فإذا عزم الأمر } . # ولفظ { أولى } هنا يجوز أن يكون مستعملا في ظاهره استعمال التفضيل على ~~شيء غير مذكور يدل عليه ما قبله ، أي أولى لهم من ذلك الخوفف الذي دل عليه ~~نظرهم كالمغشي عليه من الموت ، أن يطيعوا أمر الله ويقولوا قولا معروفا وهو ~~قول { سمعنا وأطعنا } ( البقرة : 285 ) فذلك القول المعروف بين المؤمنين ~~إذا دعوا أو أمروا كما قال تعالى : PageV26P108 { إنما كان قول المؤمنين ~~إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا في سورة ~~النور . # وعلى هذا الوجه فتعدية أولى } باللام دون الباء للدلالة على أن ذلك أولى ~~وأنفع ، فكان اجتلاب اللام للدلالة على معنى النفع . فهو مثل قوله تعالى : ~~{ ذلك أزكى لهم } ( النور : 30 ) وقوله : { هن أطهر لكم } ( هود : 78 ) . ~~وهو يرتبط بقوله بعده { فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم } . # ويجوز أن يكون { فأولى لهم ms7743 } مستعملا في التهديد والوعيد كما في قوله ~~تعالى : { أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى في سورة القيامة ( 34 ، 35 ) ، ~~وهو الذي اقتصر الزمخشري عليه . ومعناه : أن الله أخبر عن توعده إياهم . ثم ~~قيل على هذا الوجه إن أولى } مرتبة حروفه على حالها من الولي وهو القرب ، ~~وأن وزنه أفعل . وقال الجرجاني : هو في هذا الاستعمال مشتق من الويل . فأصل ~~أولى : أويل ، أي أشد ويلا ، فوقع فيه قلب ، ووزنه أفلع . وفي ( الصحاح ) ~~عن الأصمعي ما يقتضي : أنه يجعل ( أولى له ) مبتدأ محذوف الخبر . والتقدير ~~: أقرب ما يهلكه ، قال ثعلب : ولم يقل أحد في ( أولى له ) أحسن مما قال ~~الأصمعي . # واللام على هذا الوجه إما مزيدة ، أي أولاهم الله ما يكرهون فيكون مثل ~~اللام في قول النابغة : # سقيا ورعيا لذاك العاتب الزاري # وإما متعلقة ب { أولى } على أنه فعل مضى ، وعلى هذا الاستعمال يكون قوله ~~{ طاعة وقول معروف } كلاما مستأنفا وهو مبتدأ خبره محذوف ، أي طاعة وقول ~~معروف خير لهم ، أو خبر لمبتدأ محذوف ، تقديره : الأمر طاعة ، وقول معروف ، ~~أي أمر الله أن يطيعوا . PageV26P109 # . # تفريع على وصف حال المنافقين من الهلع عند سماع ذكر القتال فإنه إذا جد ~~أمر القتال ، أي حان أن يندب المسلمون إلى القتال سيضطرب أمر المنافقين ~~ويتسللون لواذا من حضور الجهاد ، وأن الأولى لهم حينئذ أن يخلصوا الإيمان ~~ويجاهدوا كما يجاهد المسلمون الخلص وإلا فإنهم لا محيص لهم من أحد أمرين : ~~إما حضور القتال بدون نية فتكون عليهم الهزيمة ويخسروا أنفسهم باطلا ، وإما ~~أن ينخزلوا عن القتال كما فعل ابن أبي وأتباعه يوم أحد . # و { إذا } ظرف للزمان المستقبل وهو الغالب فيها فيكون ما بعدها مقدرا ~~وجوده ، أي فإذا جد أمر القتال وحدث . # وجملة { فلو صدقوا الله } دليل جواب { إذا } لأن { إذا } ضمنت هنا معنى ~~الشرط ، أي كذبوا الله وأخلفوا فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم ، واقتران ~~جملة الجواب بالفاء للدلالة على تضمين { إذا } معنى الشرط ، وذلك أحسن من ~~تجريده عن الفاء إذا كانت جملة الجواب شرطية ms7744 أيضا . # والتعريف في { الأمر } تعريف العهد ، أو اللام عن المضاف إليه ، أي أمر ~~القتال المتقدم آنفا في قوله : { وذكر فيها القتال } . # والعزم : القطع وتحقق الأمر ، أي كونه لا محيص منه . واستعير العزم ~~للتعيين واللزوم على طريقة المكنية بتشبيه ما عبر عنه بالأمر ، أي القتال ~~برجل عزم على عمل ما وإثبات العزم له تخييلة كإثباتت الأظفار للمنية ، وهذه ~~طريقة السكاكي في جميع أمثلة المجاز العقلي ، وهي طريقة دقيقة لكن بدون ~~اطراد ولكن عندما يسمح بها المقام . وجعل في ( الكشاف ) إسناد العزم إلى ~~الأمر مجازا عقليا ، وحقيقته أن يسند لأصحاب العزم على طريق الجمهور في ~~مثله وهو هنا بعيد إذ ليس المعنى على حصول الجد من أصحاب الأمر ، ونظيره ~~قوله تعالى : { إن ذلك من عزم الأمور } ( لقمان : 17 ) فالكلام فيها سواء . ~~PageV26P110 # ومعنى { صدقوا الله } قالوا له الصدق ، وهو مطابقة الكلام لما في نفس ~~الأمر ، أي لو صدقوا في قولهم : نحن مؤمنون ، وهم إنما كذبوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إذ أظهروا له خلاف ما في نفوسهم ، فجعل الكذب على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كذبا على الله تفظيعا له وتهويلا لمغبته ، أي لو أخلصوا ~~الإيمان وقاتلوا بنية الجهاد لكان خيرا لهم في الدنيا والآخرة ، ففي الدنيا ~~خير العزة والحرمة وفي الآخرة خير الجنة . # فهذه الآية إنباء مما سيكون منهم حين يجد الجد ويجيء أوان القتال وهي من ~~معجزات القرآن في الإخبار بالغيب فقد عزم أمر القتال يوم أحد وخرج ~~المنافقون مع جيش المسلمين في صورة المجاهدين فلما بلغ الجيش إلى الشوط بين ~~المدينة وأحد قال عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين : ما ندري علام ~~نقتل أنفسنا هاهنا أيها الناس ؟ ورجع هو وأتباعه وكانوا ثلث الجيش وذلك سنة ~~ثلاث من الهجرة ، أي بعد نزول هذه الآية بنحو ثلاث سنين . # وقوله : { فلو صدقوا الله } جواب كما تقدم ، وفي الكلام إيجاز لأن قوله : ~~{ لكان خيرا } يؤذن بأنه إذا عزم الأمر حصل لهم ما لا خير فيه . ولفظ { ~~خيرا } ضد الشر بوزن ms7745 فعل ، وليس هو هنا بوزن أفعل . # مقتضى تناسق النظم أن هذا مفرع على قوله : { فإذا عزم الأمر فلو صدقوا ~~الله لكان خيرا لهم } ( محمد : 21 ) لأنه يفهم منه أنه إذا عزم الأمر تولوا ~~عن القتال وانكشف نفاقهم فتكون إتماما لما في الآية السابقة من الإنباء بما ~~سيكون من المنافقين يوم أحد . وقد قال عبد الله بن أبي : علام نقتل أنفسنا ~~ها هنا ؟ وربما قال في كلامه : وكيف نقاتل قريشا وهم من قومنا ، وكان لا ~~يرى على أهل يثرب أن يقاتلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم ويرى الاقتصار ~~على أنهم آووه . والخطاب موجه إلى الذين في قلوبهم مرض على الالتفات . # والاستفهام مستعمل في التكذيب لما سيعتذرون به لانخزالهم ولذلك جيء فيه ~~PageV26P111 ب { هل } الدالة على التحقيق لأنها في الاستفهام بمنزلة ( قد ) ~~في الخبر ، فالمعنى : أفيتحقق إن توليتم أنكم تفسدون في الأرض وتقطعون ~~أرحامكم وأنتم تزعمون أنكم توليتم إبقاء على أنفسكم وعلى ذوي قرابة أنسابكم ~~على نحو قوله تعالى : { قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال أن لا تقاتلوا } ~~( البقرة : 246 ) وهذا توبيخ كقوله تعالى : { ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم ~~وتخرجون فريقا منكم من ديارهم } ( البقرة : 85 ) . والمعنى : أنكم تقعون ~~فيما زعمتم التفادي منه وذلك بتأييد الكفر وإحداث العداوة بينكم وبين قومكم ~~من الأنصار . فالتولي هنا هو الرجوع عن الوجهة التي خرجوا لها كما في قوله ~~تعالى : { فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم } ( البقرة : 246 ) ~~وقوله : { أفرأيت الذي تولى } ( النجم : 33 ) وقوله : { فتولى فرعون فجمع ~~كيده ثم أتى } ( طه : 60 ) . وبمثله فسر ابن جريج وقتادة على تفاوتت بين ~~التفاسير . ومن المفسرين من حمل التولي على أنه مطاوع ولاه إذا أعطاه ولاية ~~، أي ولاية الحكم والإمارة على الناس وبه فسر أبو العالية والكلبي وكعب ~~الأحبار . وهذا بعيد من اللفظ ومن النظم وفيه تفكيك لاتصال نظم الكلام ~~وانتقال بدون مناسبة ، وتجاوز بعضهم ذلك فأخذ يدعي أنها نزلت في الحرورية ~~ومنهم من جعلها فيما يحدث بين بني أمية وبني هاشم على عادة ms7746 أهل الشيع ~~والأهواء من تحميل كتاب الله ما لا يتحمله ومن قصر عموماته على بعض ما يراد ~~منها . # وقرأ نافع وحده { عسيتم } بكسر السين . وقرأه بقية العشرة بفتح السين ~~وهما لغتان في فعل عسى إذا اتصل به ضمير . قال أبو علي الفارسي : وجه الكسر ~~أن فعله : عسي مثل رضي ، ولم ينطقوا به إلا إذا أسند هذا الفعل إلى ضمير ، ~~وإسناده إلى الضمير لغة أهل الحجاز ، أما بنو تميم فلا يسندونه إلى الضمير ~~البتة ، يقولون : عسى أن تفعلوا . # الإشارة إلى الذين في قلوبهم مرض على أسلوب قوله آنفا : { أولئك الذين ~~طبع الله على قلوبهم } ( محمد : 16 ) ولا يصح أن تكون الإشارة إلى ما يؤخذ ~~من قوله : { أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم } ( محمد : 22 ) لأن ذلك ~~لا يستوجب اللعنة ولا أن مرتكبيه بمنزلة PageV26P112 الصم ، على أن في صيغة ~~المضي في أفعال : لعنهم ، وأصمهم ، وأعمى ، ما لا يلاقي قوله : { فهل عسيتم ~~} ( محمد : 22 ) ولا ما في حرف ( إن ) من زمان الاستقبال . # واستعير الصمم لعدم الانتفاع بالمسموعات من آيات القرآن ومواعظ النبي صلى ~~الله عليه وسلم كما استعير العمى هنا لعدم الفهم على طريقة التمثيل لأن حال ~~الأعمى أن يكون مضطربا فيما يحيط به لا يدري نافعه من ضاره إلا بمعونة من ~~يرشده ، وكثر أن يقال : أعمى الله بصره ، مرادا به أنه لم يهده ، وهذه هي ~~النكتة في مجيء تركيب { وأعمى أبصارهم } مخالفا لتركيب { فأصمهم } إذ لم ~~يقل : وأعماهم . # وفي الآية إشعار بأن الفساد في الأرض وقطيعة الأرحام من شعار أهل الكفر ، ~~فهما جرمان كبيران يجب على المؤمنين اجتنابهما . # تفريع على قوله : { فأصمهم وأعمى أبصارهم } ( محمد : 23 ) ، أي هلا ~~تدبروا القرآن عوض شغل بالهم في مجلسك بتتبع أحوال المؤمنين ، أو تفريع على ~~قوله : { فأصمهم وأعمى أبصارهم } . والمعنى : أن الله خلقهم بعقول غير ~~منفعلة بمعاني الخير والصلاح فلا يتدبرون القرآن مع فهمه أو لا يفهمونه عند ~~تلقيه وكلا الأمرين عجيب . # والاستفهام تعجيب من سوء علمهم بالقرآن ومن إعراضهم عن سماعه . وحرف { أم ~~} للإضراب الانتقالي ms7747 . والمعنى : بل على قلوبهم أقفال وهذا الذي سلكه جمهور ~~المفسرين وهو الجاري على كلام سيبويه في قوله تعالى : { أفلا تبصرون أم أنا ~~خير من هذا الذي هو مهين في سورة الزخرف ( 51 ، 52 ) ، خلافا لما يوهمه أو ~~توهمه ابن هشام في مغني اللبيب } . # والتدبر : التفهم في دبر الأمر ، أي ما يخفى منه وهو مشتق من دبر الشيء ، ~~أي خلفه . PageV26P113 # والأقفال : جمع قفل ، وهو استعارة مكنية إذ شبهت القلوب ، أي العقول في ~~عدم إدراكها المعاني بالأبواب أو الصناديق المغلقة ، والأقفال تخييل ~~كالأظفار للمنية في قول أبي ذؤيب الهذلي : # وإذا المنية أنشبت أظفارها # ألفيت كل تميمة لا تنفع # وتنكير { قلوب } للتنويع أو التبعيض ، أي على نوع من القلوب أقفال . ~~والمعنى : بل بعض القلوب عليها أقفال . وهذا من التعريض بأن قلوبهم من هذا ~~النوع لأن إثبات هذا النوع من القلوب في أثناء التعجيب من عدم تدبر هؤلاء ~~القرآن يدل بدلالة الالتزام أن قلوب هؤلاء من هذا النوع من القلوب ذواتت ~~الأقفال . فكون قلوبهم من هذا النوع مستفاد من الإضراب الانتقالي في حكاية ~~أحوالهم . ويدنو من هذا قول لبيد : # تراك أمكنة إذا لم أرضها # أو يعتلق بعض النفوس حمامها # يريد نفسه لأنه وقع بعد قوله : تراك أمكنة البيت ، أي أنا تراك أمكنة . # وإضافة ( أقفال ) إلى ضمير { قلوب } نظم بديع أشار إلى اختصاص الأقفال ~~بتلك القلوب ، أي ملازمتها لها فدل على أنها قاسية . # لم يزل الكلام على المنافقين فالذين ارتدوا على أدبارهم منافقون ، فيجوز ~~أن يكون مرادا به قوم من أهل النفاق كانوا قد آمنوا حقا ثم رجعوا إلى الكفر ~~لأنهم كانوا ضعفاء الإيمان قليلي الاطمئنان وهم الذين مثلهم الله في سورة ~~البقرة بقوله : { مثلهم كمثل الذين استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب ~~الله بنورهم الآية . PageV26P114 # والارتداد على الأدبار على هذا الوجه : تمثيل للراجع إلى الكفر بعد ~~لإيمان بحال من سار ليصل إلى مكان ثم ارتد في طريقه . ولما كان الارتداد ~~سيرا إلى الجهة التي كانت وراء السائر جعل الارتداد إلى الأدبار ، أي إلى ms7748 ~~جهة الأدبار . وجيء بحرف على } للدلالة على أن الارتداد متمكن من جهة ~~الأدبار كما يقال : على صراط مستقيم . # والهدى : الإيمان ، وتبين الهدى لهم على هذا الوجه تبين حقيقي لأنهم ما ~~آمنوا إلا بعد أن تبين لهم هدى الإيمان . # وعلى هذا الوجه فالإتيان بالموصول والصلة ليس إظهارا في مقام الإضمار لأن ~~أصحاب هذه الصلة بعض الذين كان الحديث عنهم فيما تقدم . ويجوز أن يكون ~~مرادا به جميع المنافقين ، عبر عن تصميمهم على الكفر بعد مشاركتهم المسلمين ~~في أحوالهم في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم والصلاة معه وسماعع القرآن ~~والمواعظ بالارتداد لأنه مفارقة لتلك الأحوال الطيبة ، أي رجعوا إلى أقوال ~~الكفر وأعماله وذلك إذا خلوا إلى شياطينهم ، وتبين الهدى على هذا الوجه ~~كونه بينا في نفسه ، وهو بين لهم لوضوح أدلته ولا غبار عليه ، فهذا التبين ~~من قبيل قوله تعالى : { ذلك الكتاب لا ريب فيه } ( البقرة : 2 ) ، أي ليس ~~معه ما يوجب ريب المرتابين . ويجوز أن يكون المراد به قوما من المنافقين لم ~~يقاتلوا مع المسلمين بعد أن علموا أن القتال حق . وهذا قول ابن عباس ~~والضحاك والسدي ، وعليه فلعل المراد : الجماعة الذين انخزلوا يوم أحد مع ~~عبد الله بن أبي بن سلول ، والارتداد على الأدبار على هذا الوجه حقيقة ~~لأنهم رجعوا عن موقع القتال بعد أن نزلوا به فرجعوا إلى المدينة وكانت ~~المدينة خلفهم . وهذا عندي أظهر الوجهين وأليق بقوله بعد { ذلك بأنهم قالوا ~~للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر إلى قوله : وأدبارهم } ( ~~محمد : 26 ، 27 ) . والهدى على هذا الوجه هو الحق ، أي من بعد ما علموا أن ~~الحق قتال المشركين . # وأوثر أن يكون خبر ( إن ) جملة ليتاتى بالجملة اشتمالها على خصائص ~~الابتداء باسم الشيطان للاهتمام به في غرض ذمهم ، وأن يسند إلى اسمه مسند ~~فعلي ليفيد تقوي الحكم نحو : هو يعطي الجزيل . PageV26P115 # والتسويل : تسهيل الأمر الذي يستشعر منه صعوبة أو ضر وتزيين ما ليس بحسن ~~. # والإملاء : المد والتمديد في الزمان ، ويطلق على الإبقاء على الشيء كثيرا ms7749 ~~، أي أراهم الارتداد حسنا دائما كما حكى عنه في قوله تعالى : { قال يا آدم ~~هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى } ( طه : 120 ) ، أي أن ارتدادهم من ~~عمل الشيطان . # وقرأ الجمهور { وأملى لهم } بفتح الهمزة على صيغة المبني للفاعل . وقرأه ~~أبو عمرو بضم الهمزة وكسر اللام وفتح التحتية على صيغة المبني إلى المجهول ~~. وقرأه يعقوب بضم الهمزة وكسر اللام وسكون التحتية على أنه مسند إلى ~~المتكلم فالضمير عائد إلى الله تعالى ، أي الشيطان سول لهم وأنا أملي لهم ~~فيكون الكلام وعيدا ، أي أنا أؤخرهم قليلا ثم أعاقبهم . # استئناف بياني إذ التقدير أن يسأل سائل عن مظهر تسويل الشيطان لهم ~~الارتداد بعد أن تبين لهم الهدى ، فأجيب بأن الشيطان استدرجهم إلى الضلال ~~عندما تبين لهم الهدى فسول لهم أن يوافقوا أهل الشرك والكفر في بعض الأمور ~~مسولا أن تلك الموافقة في بعض الأمر لا تنقض اهتداءهم فلما وافقوهم وجدوا ~~حلاوة ما ألفوه من الكفر فيما وافقوا فيه أهل الكفر فأخذوا يعودون إلى ~~الكفر المألوف حتى ارتدوا على أدبارهم . وهذا شأن النفس في معاودة ما تحبه ~~بعد الانقطاع عنه إن كان الانقطاع قريب العهد . # فمعنى { قالوا } : قالوا قولا عن اعتقاد ورأي ، وإنما قالوا : { في بعض ~~الأمر } احترازا لأنفسهم إذا لم يطيعوا في بعض . # و { الذين كرهوا ما نزل الله } هم الذين كرهوا القرآن وكفروا ، وهم : إما ~~المشركون من أهل مكة قال تعالى فيهم { ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط ~~أعمالهم } ( محمد : 9 ) وقد كانت لهم صلة بأهل يثرب فلما هاجر النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلى PageV26P116 المدينة اشتد تعهد أهل مكة لأصحابهم من أهل ~~يثرب ليتطلعوا أحوال المسلمين ، ولعلهم بعد يوم بدر كانوا يكيدون للمسلمين ~~ويتأهبون للثأر منهم الذي أنجزوه يوم أحد . وإما اليهود من قريظة والنضير ~~فقد حكى الله عنهم في قوله : { ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم ~~الذين كفروا من أهل الكتاب } ( الحشر : 11 ) . # فالمراد ب { بعض الأمر } على الوجه الأول في محمل قوله : { إن الذين ~~ارتدوا ms7750 على أدبارهم } ( محمد : 25 ) إفشاء بعض أحوال المسلمين إليهم ~~وإشعارهم بوفرة عدد المنافقين وإن كانوا لا يقاتلون لكراهتهم القتال . ~~والمراد ب { بعض الأمر } على الوجه الثاني بعض أمر القتال ، يعنون تلك ~~المكيدة التي دبروها للانخزال عن جيش المسلمين . # والأمر هو : شأن الشرك وما يلائم أهله ، أي نطيعكم في بعض الكفر ولا ~~نطيعكم في جميع الشؤون لأن ذلك يفضح نفاقهم ، أو المراد في بعض ما تأمروننا ~~به من إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول كالخلق على المخلوق . # وأيا ما كان فهم قالوا ذلك للمشركين سرا فاطلع الله عليه نبيئه صلى الله ~~عليه وسلم ولذلك قال تعالى : { والله يعلم أسرارهم } . وقرأ الجمهور { ~~أسرارهم } بفتح الهمزة جمع سر . وقرأه حمزة والكسائي وحفص عن عاصم وخلف ~~بكسر الهمزة مصدر أسر . # الفاء يجوز أن تكون للتفريع على جملة { إن الذين ارتدوا على أدبارهم } ( ~~محمد : 25 ) الآية وما بينهما متصل بقوله : { الشيطان سول لهم } ( محمد : ~~25 ) بناء على المحمل الأول للارتداد فيكون التفريع لبيان ما سيلحقهم من ~~العذاب عند الموت وهو استهلال لما يتواصل من عذابهم عن مبدإ الموت إلى ~~استقرارهم في العذاب الخالد . PageV26P117 ويجوز على المحمل الثاني وهو أن ~~المراد الارتداد عن القتال وتكون الفاء فصيحة فيفيد : إذا كانوا فروا من ~~القتال هلعا وخوفا فكيف إذا توفتهم الملائكة ، أي كيف هلعهم ووجلهم الذي ~~ارتدوا بهما عن القتال . وهذا يقتضي شيئين : أولهما أنهم ميتون لا محالة ، ~~وثانيهما أن موتتهم يصحبها تعذيب . # فالأول مأخوذ بدلالة الالتزام وهو في معنى قوله تعالى : { الذين قالوا ~~لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم ~~صادقين } ( آل عمران : 168 ) وقوله : { وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار ~~جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون } ( التوبة : 81 ) . # والثاني هو صريح الكلام وهو وعيد لتعذيب في الدنيا عند الموت . # والمقصود : وعيدهم بأنهم سيعجل لهم العذاب من أول منازل الآخرة وهو حالة ~~الموت . ولما جعل هذا العذاب محققا وقوعه رتب عليه الاستفهام عن حالهم ~~استفهاما مستعملا في معنى تعجيب المخاطب من ms7751 حالهم عند الوفاة ، وهذا ~~التعجيب مؤذن بأنها حالة فظيعة غير معتادة إذ لا يتعجب إلا من أمر غير ~~معهود ، والسياق يدل على الفظاعة . # و { إذا } متعلق بمحذوف دل عليه اسم الاستفهام ، تقديره : كيف حالهم أو ~~عملهم حين تتوفاهم الملائكة . # وكثر حذف متعلق { كيف } في أمثال هذا مقدرا مؤخرا عن { كيف } وعن { إذا } ~~كقوله تعالى : { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد } ( النساء : 41 ) . ~~والتقدير : كيف يصنعون ويحتالون . # وجعل سيبويه { كيف } في مثله ظرفا وتبعه ابن الحاجب في الكافية . ولعله ~~أراد الفرار من الحذف . # وجملة { يضربون وجوههم وأدبارهم } حال من { الملائكة } . والمقصود من هذه ~~الحال : وعيدهم بهذه الميتة الفظيعة التي قدرها الله لهم وجعل الملائكة ~~تضرب وجوههم وأدبارهم ، أي يضربون وجوههم التي وقوها من ضرب السيف ~~PageV26P118 حين فروا من الجهاد فإن الوجوه مما يقصد بالضرب بالسيوف عند ~~القتال قال الحريش القريعي ، أو العباس بن مدراس : # نعرض للسيوف إذا التقينا # وجوها لا تعرض للنظام # ويضربون أدبارهم التي كانت محل الضرب لو قاتلوا ، وهذا تعريض بأنهم لو ~~قاتلوا لفروا فلا يقع الضرب إلا في أدبارهم . # الإشارة بذلك إلى الموت الفظيع الذي دل عليه قوله : { فكيف إذا توفتهم ~~الملائكة } ( محمد : 27 ) كما تقدم آنفا . واتباعهم ما أسخط الله : هو ~~اتباعهم الشرك . والسخط مستعار لعدم الرضى بالفعل . وكراهتهم رضوان الله : ~~كراهتهم أسباب رضوانه وهو الإسلام . # وفي ذكر اتباع ما أسخط الله وكراهة رضوانه محسن الطباق مرتين للمضادة بين ~~السخط والرضوان ، والاتباع والكراهية . والجمع بين الإخبار عنهم باتباعهم ~~ما أسخط الله وكراهتهم رضوانه مع إمكان الاجتزاء بأحدهما عن الآخر للإيماء ~~إلى أن ضرب الملائكة وجوه هؤلاء مناسب لإقبالهم على ما أسخط الله ، وأن ~~ضربهم أدبارهم مناسب لكراهتهم رضوانه لأن الكراهة تستلزم الإعراض والإدبار ~~، ففي الكلام أيضا محسن اللف والنشر المرتب . فكان ذلك التعذيب مناسبا ~~لحالي توقيهم في الفرار من القتال وللسببين الباعثين على ذلك التوقي . # وفرع على اتباعهم ما أسخط الله وكراهتهم رضوانه قوله : { فأحبط أعمالهم ~~فكان اتباعهم ما أسخط الله وكراهتهم رضوانه سببا في الأمرين ms7752 : ضرب الملائكة ~~وجوههم وأدبارهم عند الوفاة ، وإحباط أعمالهم . PageV26P119 # والإحباط : إبطال العمل ، أي أبطل انتفاعهم بأعمالهم التي عملوها مع ~~المؤمنين من قول كلمة التوحيد ومن الصلاة والزكاة وغير ذلك . وتقدم ما هو ~~بمعناه في أول السورة . # } # انتقال من التهديد والوعيد إلى الإنذار بأن الله مطلع رسوله صلى الله ~~عليه وسلم على ما يضمره المنافقون من الكفر والمكر والكيد ليعلموا أن ~~أسرارهم غير خافية فيوقنوا أنهم يكدون عقولهم في ترتيب المكائد بلا طائل ~~وذلك خيبة لآمالهم . # و { أم } منقطعة في معنى ( بل ) للإضراب الانتقالي ، والاستفهام المقدر ~~بعد { أم } للإنكار . وحرف ( لن ) لتأييد النفي ، أي لا يحسبون انتفاء ~~إظهار أضغانهم في المستقبل ، كما انتفى ذلك فيما مضى ، فلعل الله أن يفضح ~~نفاقهم . # واستعير المرض إلى الكفر بجامع الإضرار بصاحبه ، ولكون الكفر مقره العقل ~~المعبر عنه بالقلب كان ذكر القلوب مع المرض ترشيحا للاستعارة لأن القلب مما ~~يناسب المرض الخفي إذ هو عضو باطن فناسب المرض الخفي . # والإخراج أطلق على الإظهار والإبراز على وجه الاستعارة لأن الإخراج ~~استلال شيء من مكمنه ، فاستعير للإعلام بخبر خفي . # والأضغان : جمع ضغن بكسر الضاد المعجمة وسكون الغين المعجمة وهو الحقد ~~والعداوة . والمعنى أنه يخرجها من قلوبهم وكان العرب يجعلون القلوب مقر ~~الأضغان قال الشاعر ، وهو من شواهد المفتاح للسكاكي ولا يعرف قائله : # الضاربين بكل أبيض مخذم # والطاعنين مجامع الأضغان PageV26P120 # . # كان مرض قلوبهم خفيا لأنهم يبالغون في كتمانه وتمويهه بالتظاهر بالإيمان ~~، فذكر الله لنبيئه صلى الله عليه وسلم أنه لو شاء لأطلعه عليهم واحدا ~~واحدا فيعرف ذواتهم بعلاماتهم . # والسيمى بالقصر : العلامة الملازمة ، أصله : وسمى بوزن فعلى من الوسم وهو ~~جعل سمة للشيء ، وهو بكسر أوله . فهو من المثال الواوي الفاء حولت الواو من ~~موضع فاء الكلمة فوضعت في مكان عين الكلمة وحولت عين الكلمة إلى موضع الفاء ~~فصارت سومى فانقلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها ، وتقدم عند قوله ~~تعالى : { تعرفهم بسيماهم في سورة البقرة . # والمعنى : لأريناك أشخاصهم فعرفتهم ، أو لذكرنا لك أوصافهم فعرفتهم بها ~~ثم يحتمل أن الله ms7753 شاء ذلك وأراهم للرسول فعن أنس ما خفي على النبي بعد هذه ~~الآية شيء من المنافقين كان يعرفهم بسيماهم ذكره البغوي والثعلبي بدون سند ~~. ومما يروى عن حذيفة ما يقتضي أن النبي عرفه بالمنافقين أو ببعضهم ، ولكن ~~إذا صح هذا فإن الله لم يأمر بإجرائهم على غير حالة الإسلام ، ويحتمل أن ~~الله قال هذا إكراما لرسوله ولم يطلعه عليهم . # واللام في لأريناكهم } لام جواب { لو } التي تزاد فيه غالبا . واللام في ~~{ فلعرفتهم } تأكيد للام { لأريناكهم } لزيادة تحقيق تفرع المعرفة على ~~الإراءة . # . # هذا في معنى الاحتراس مما يقتضيه مفهوم { لو نشاء لأريناكهم } من عدم ~~وقوع المشيئة لإراءته إياهم بنعوتهم . والمعنى : فإن لم نرك إياهم بسيماهم ~~فلتقعن معرفتك بهم من لحن كلامهم بإلهام يجعله الله في علم رسوله صلى الله ~~عليه وسلم فلا يخفى عليه شيء من لحن كلامهم PageV26P121 فيحصل له العلم بكل ~~واحد منهم إذا لحن في قوله ، وهم لا يخلو واحد منهم من اللحن في قوله ، ~~فمعرفة الرسول بكل واحد منهم حاصلة وإنما ترك الله تعريفه إياهم بسيماهم ~~ووكله إلى معرفتهم بلحن قولهم إبقاء على سنة الله تعالى في نظام الخلق بقدر ~~الإمكان لأنها سنة ناشئة عن الحكمة فلما أريد تكريم الرسول صلى الله عليه ~~وسلم بإطلاعه على دخائل المنافقين سلك الله في ذلك مسلك الرمز . # واللام في { ولتعرفنهم } لام القسم المحذوف . # ولحن القول : الكلام المحال به إلى غير ظاهره ليفطن له من يراد أن يفهمه ~~دون أن يفهمه غيره بأن يكون في الكلام تعريض أو تورية أو ألفاظ مصطلح عليها ~~بين شخصين أو فرقة كالألفاظ العلمية قال القتال الكلائي : # ولقد وحيت لكم لكيما تفهموا # ولحنت لحنا ليس بالمرتاب # كان المنافقون يخاطبون النبي صلى الله عليه وسلم بكلام تواضعوه فيما ~~بينهم ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأخذهم بظاهر كلامهم فنبهه الله ~~إليه فكان بعد هذا يعرف المنافقين إذا سمع كلامهم . # . # تذييل ، فهو لعمومه خطاب لجميع الأمة المقصود منه التعليم وهو مع ذلك ~~كناية عن لازمه وهو الوعيد لأهل الأعمال ms7754 السيئة على أعمالهم ، والوعد لأهل ~~الأعمال الصالحة على أعمالهم ، وتنبيه لأهل النفاق بأن الله يوشك أن يفضح ~~نفاقهم كما قال آنفا { أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم ~~} ( محمد : 29 ) . # واجتلاب المضارع في قوله : { يعلم } للدلالة على أن علمه بذلك مستمر . ~~PageV26P122 # عطف على قوله : { والله يعلم أعمالكم } ( محمد : 30 ) . ومعناه معنى ~~الاحتراس مما قد يتوهم السامعون من قوله : { والله يعلم أعمالكم } من ~~الاستغناء عن التكليف . # ووجه هذا الاحتراس أن علم الله يتعلق بأعمال الناس بعد أن تقع ويتعلق بها ~~قبل وقوعها فإنها ستقع ويتعلق بعزم الناس على الاستجابة لدعوة التكاليف قوة ~~وضعفا ، ومن عدم الاستجابة كفرا وعنادا ، فبين بهذه الآية أن من حكمة ~~التكاليف أن يظهر أثر علم الله بأحوال الناس وتقدم الحجة عليهم . # ولما قال النبي صلى الله عليه وسلم ( إن الله كتب لكل عبد مقعده من الجنة ~~أو من النار . فقالوا أفلا نتكل على ما كتب لنا ؟ قال : اعملوا فكل ميسر ~~لما خلق له ، وقرأ { فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما ~~من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى } ( الليل : 5 10 ) ) . # والبلو : الاختبار وتعرف حال الشيء . والمراد بالابتلاء الأمر والنهي في ~~التكليف ، فإنه يظهر به المطيع والعاصي والكافر ، وسمي ذلك ابتلاء على وجه ~~المجاز المرسل لأنه يلزمه الابتلاء وإن كان المقصود منه إقامة مصالح الناس ~~ودفع الفساد عنهم لتنظيم أحوال حياتهم ثم ليترتب عليه مئال الحياة الأبدية ~~في الآخرة . ولكن لما كان التكليف مبينا لأحوال نفوس الناس في الامتثال ~~وممحصا لدعاويهم وكاشفا عن دخائلهم كان مشتملا على ما يشبه الابتلاء ، وإلا ~~فإن الله تعالى يعلم تفاصيل أحوالهم ، ولكنها لا تظهر للعيان للناس إلا عند ~~تلقي التكاليف فأشبهت الاختبار ، فإطلاق اسم الابتلاء على التكليف مجاز ~~مرسل وتسمية ما يلزم التكليف من إظهار أحوال النفوس ابتلاء استعارة ، ففي ~~قوله : { ولنبلونكم } مجاز مرسل واستعارة . # و { حتى } حرف انتهاء فما بعدها غاية للفعل الذي قبلها وهي هنا مستعملة ~~في معنى لام التعليل تشبيها لعلة الفعل ms7755 بغايته فإن غاية الفعل باعث لفاعل ~~الفعل في الغالب ، فلذلك كثر استعمال { حتى } بمعنى لام التعليل كقوله ~~تعالى : { هم PageV26P123 الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ~~ينفضوا } ( المنافقون : 7 ) . # فالمعنى : ولنبلونكم لنعلم المجاهدين منكم والصابرين ، وليس المراد ~~انتهاء البلوى عند ظهور المجاهدين منهم والصابرين . # وعلة الفعل لا يلزم انعكاسها ، أي لا يلزم أن لا يكون للفعل علة غيرها ~~فللتكليف علل وأغراض عديدة منها أن تظهر حال الناس في قبول التكليف ظهورا ~~في الدنيا تترتب عليه معاملات دنيوية . # وعلم الله الذي جعل علة للبلو هو العلم بالأشياء بعد وقوعها المسمى علم ~~الشهادة لأن الله يعلم من سيجاهد ومن يصبر من قبلل أن يبلوهم ولكن ذلك علم ~~غيب لأنه قبل حصول المعلوم في عالم الشهادة . # والأحسن أن يكون { حتى نعلم } مستعملا في معنى حتى نظهر للناس الدعاوي ~~الحق من الباطلة ، فالعلم كناية عن إظهار الشيء المعلوم بقطع النظر عن كون ~~إظهاره للغير كما هنا أو للمتكلم كقول إياس بن قبيصة الطائي : # وأقبلت والخطي يخطر بيننا # لا علم من جبانها من شجاعها # أراد ليظهر للناس أنه شجاع ويظهر من هو من القوم جبان ، فالله شرع الجهاد ~~لنصر الدين ومن شرعه يتبين من يجاهد ومن يقعد عن الجهاد ، ويتبين من يصبر ~~على لأواء الحرب ومن ينخزل ويفر ، فلا تروج على الناس دعوى المنافقين صدق ~~الإيمان ويعلم الناس المؤمنين الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه . # وبلو الإخبار : ظهور الأحدوثة من حسن السمعة وضده . وهذا في معنى قول ~~الأصوليين ترتب المدح والذم عاجلا ، وهو كناية أيضا عن أحوال أعمالهم من ~~خير وشر لأن الأخبار إنما هي أخبار عن أعمالهم ، وهذه علة ثانية عطفت على ~~قوله : { حتى نعلم المجاهدين منكم } . وإنما أعيد عطف فعل { نبلو } على فعل ~~{ نعلم } وكان مقتضى الظاهر أن يعطف { أخباركم } بالواو على ضمير المخاطبين ~~في { لنبلونكم } ولا يعاد { نبلو } ، فالعدول عن مقتضى ظاهر النظم إلى هذا ~~التركيب للمبالغة في بلو لأخبار لأنه كناية عن بلو أعمالهم وهي المقصود من ~~بلو ms7756 ذواتهم ، فذكره كذكر العام بعد الخاص إذ تعلق البلو الأول بالجهاد ~~والصبر ، وتعلق PageV26P124 البلو الثاني بالأعمال كلها ، وحصل مع ذلك ~~تأكيد البلو تأكيدا لفظيا . وقرأ الجمهور { ولنبلونكم حتى نعلم } { ونبلوا ~~} بالنون في الأفعال الثلاثة . وقرأ أبو بكر عن عاصم تلك الأفعال الثلاثة ~~بياء الغيبة والضمائر عائدة إلى اسم الجلالة في قوله : { والله يعلم ~~أعمالكم } . وقرأ الجمهور { ونبلو } بفتح الواو عطفا على { نعلم } . وقرأه ~~رويس عن يعقوب بسكون الواو عطفا على { ولنبلونكم } . # الظاهر أن المعني بالذين كفروا هنا الذين كفروا المذكورون في أول هذه ~~السورة وفيما بعد من الآيات التي جرى فيها ذكر الكافرين ، أي الكفار ~~الصرحاء عاد الكلام إليهم بعد الفراغ من ذكر المنافقين الذين يخفون الكفر ، ~~عودا على بدء لتهوين حالهم في نفوس المسلمين ، فبعد أن أخبر الله أنه أضل ~~أعمالهم وأنهم اتبعوا الباطل وأمر بضرب رقابهم وأن التعس لهم وحقرهم بأنهم ~~يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام ، وأن الله أهلك قرى هي أشد منهم قوة ، ~~ثم جرى ذكر المنافقين ، بعد ذلك ثني عنان الكلام إلى الذين كفروا أيضا ~~ليعرف الله المسلمين بأنهم في هذه المآزق التي بينهم وبين المشركين لا ~~يلحقهم منهم أدنى ضر ، وليزيد وصف الذين كفروا بأنهم شاقوا الرسول صلى الله ~~عليه وسلم # فالجملة استئناف ابتدائي وهي توطئة لقوله : { فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم ~~} ( محمد : 35 ) . وفعل { شاقوا } مشتق من كلمة شق بكسر الشين وهو الجانب ، ~~والمشاقة المخالفة ، كني بالمشاقة عن المخالفة لأن المستقر بشق مخالف ~~للمستقر بشق آخر فكلاهما مخالف ، فلذلك صيغت منه صيغة المفاعلة . # وتبين الهدى لهم : ظهور ما في دعوة الإسلام من الحق الذي تدركه العقول ~~إذا نبهت إليه ، وظهور أن أمر الإسلام في ازدياد ونماء ، وأن أمور الآخرين ~~في إدبار ، فلم PageV26P125 يردعهم ذلك عن محاولة الإضرار بالرسول صلى الله ~~عليه وسلم كما قال تعالى : { أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها ~~} ( الرعد : 41 ) . فحصل من مجموع ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم رسول ~~الله ، وأن الإسلام دين الله . # وقيل المراد ms7757 بالذين كفروا في هذه الآية يهود قريظة والنضير ، وعليه ~~فمشاقتهم الرسول صلى الله عليه وسلم مشاقة خفية مشاقة كيد ومكر ، وتبين ~~الهدى لهم ظهور أن محمدا صلى الله عليه وسلم هو الموعود به في التوراة وكتب ~~الأنبياء ، فتكون الآية تمهيدا لغزو قريظة والنضير . # وانتصب { شيئا } على المفعول المطلق ل { يضروا } والتنوين للتقليل ، أي ~~لا يضرون في المستقبل الله أقل ضر . وإضرار الله أريد به إضرار دينه لقصد ~~التنويه والتشريف لهذا الدين بقرينة قوله : { وشاقوا الرسول من بعد ما تبين ~~لهم الهدى } . # والإحباط : الإبطال كما تقدم آنفا . ومعنى إبطال أعمالهم بالنسبة ~~لأعمالهم في معاملة المسلمين أن الله يلطف برسوله صلى الله عليه وسلم ~~والمسلمين بتيسير أسباب نصرهم وانتشار دينه ، فلا يحصل الذين كفروا من ~~أعمالهم للصد والمشاقة على طائل . وهذا كما تقدم في تفسير قوله : { أضل ~~أعمالهم } ( محمد : 1 ) . # وحرف الاستقبال هنا لتحقيق حصول الإحباط في المستقبل وهو يدل على أن الله ~~محبط أعمالهم من الآن إذ لا يعجزه ذلك حتى يترصد به المستقبل ، وهذا ~~التحقيق مثل ما في قوله في سورة يوسف { قال سوف أستغفر لكم ربي } ( يوسف : ~~98 ) . # اعتراض بين جملة { إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول } ( ~~محمد : 32 ) ، وبين جملة { إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم ~~كفار } ( محمد : 34 ) وجه به PageV26P126 الخطاب إلى المؤمنين بالأمر بطاعة ~~الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وتجنب ما يبطل الأعمال الصالحة اعتبارا بما ~~حكي من حال المشركين في الصد عن سبيل الله ومشاقة الرسول صلى الله عليه ~~وسلم # فوصف الإيمان في قوله : { يا أيها الذين آمنوا } مقابل وصف الكفر في قوله ~~: { إن الذين كفروا } ( محمد : 32 ) ، وطاعة الله مقابل الصد عن سبيل الله ~~، وطاعة الرسول ضد مشاقة الرسول صلى الله عليه وسلم والنهي عن إبطال ~~الأعمال ضد بطلان أعمال الذين كفروا . فطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ~~التي أمروا بها هي امتثال ما أمر به ونهى عنه من أحكام الدين . وأما ما ليس ~~داخلا تحت ms7758 التشريع فطاعة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم فيه طاعة انتصاح ~~وأدب ، ألا ترى أن بريرة لم تطع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مراجعة ~~زوجها مغيث لما علمت أن أمره إياها ليس بعزم . # والإبطال : جعل الشيء باطلا ، أي لا فائدة منه ، فالإبطال تتصف به ~~الأشياء الموجودة . # ومعنى النهي عن إبطالهم الأعمال : النهي عن أسباب إبطالها ، فهذا مهيع ~~قوله : { ولا تبطلوا أعمالكم } . وتسمح محامله بأن يشمل النهي والتحذير عن ~~كل ما بين الدين أنه مبطل للعمل كلا أو بعضا مثل الردة ومثل الرياء في ~~العمل الصالح فإنه يبطل ثوابه . وهو عن ابن عباس قال تعالى : { يا أيها ~~الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى } ( البقرة : 264 ) . وكان بعض ~~السلف يخشى أن يكون ارتكاب الفواحش مبطلا لثواب الأعمال الصالحة ويحمل هذه ~~الآية على ذلك ، وقد قالت عائشة لما بلغها أن زيد بن أرقم عقد عقدا تراه ~~عائشة حراما : أخبروا زيدا أنه أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إن لم يترك فعله هذا ولعلها أرادت بذلك التحذير وإلا فما وجه تخصيص الإحباط ~~بجهاده وإنما علمت أنه كان أنفس عمل عنده . # وعن الحسن البصري والزهري : لا تبطلوا أعمالكم بالمعاصي الكبائر . ذكر ~~ابن عبد البر في ( الاستيعاب ) : ( أن زيد بن أرقم قال غزا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم تسع عشرة غزوة وغزوت منها معه سبع عشرة غزوة . وهذه كلها من ~~مختلف الأفهام في المعني بإبطال الأعمال وما يبطلها وأحسن PageV26P127 ~~أقوال السلف في ذلك ما روي عن ابن عمر قال : ( كنا نرى أنه ليس شيء من ~~حسناتنا إلا مقبولا حتى نزل { ولا تبطلوا أعمالكم } ، فقلنا : ما هذا الذي ~~يبطل أعمالنا ؟ فقلنا : الكبائر الموجبات والفواحش حتى نزل { إن الله لا ~~يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } ( النساء : 48 ) فكففنا عن ~~القول في ذلك وكنا نخاف على من أصاب الكبائر ونرجو لمن لم يصبها ) اه . ~~فأبان أن ذلك محامل محتملة لا جزم فيها . # وعن مقاتل { لا تبطلوا أعمالكم ms7759 } بالمن وقال : هذا خطاب لقوم من بني أسد ~~أسلموا وقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم قد آثرناك وجئناك بنفوسنا ~~وأهلنا ، يمنون عليه بذلك فنزلت فيهم هذه الآية ونزل فيهم أيضا قوله تعالى ~~: { يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم } ( الحجرات : 17 ) . # وهذه محامل ناشئة عن الرأي والتوقع ، والذي جاء به القرآن وبينته السنة ~~الصحيحة أن الحسنات يذهبن السيئات ولم يجىء : أن السيئات يذهبن الحسنات ، ~~وقال : { إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤتت من لدنه ~~أجرا عظيما } ( النساء : 40 ) . # وتمسك المعتزلة بهاته الآية فزعموا أن الكبائر تحبط الطاعات . ومن العجب ~~أنهم ينفون عن الله الظلم ولا يسلمون ظاهر قوله : { لا يسأل عما يفعل } ( ~~الأنبياء : 23 ) ، ومع ذلك يجعلون الله يبطل الحسنات إذا ارتكب صاحبها سيئة ~~. ونحن نرى أن كل ذلك مسطور في صحف الحسنات والسيئات وأن الحسنة مضاعفة ~~والسيئة بمقدارها . وهذا أصل تواتر معناه في الكتاب وصحيح الآثار ، فكيف ~~ينبذ بالقيل والقال من أهل الأخبار . # وحمل بعض علمائنا قوله تعالى : { ولا تبطلوا أعمالكم } على معنى النهي عن ~~قطع العمل المتقرب به إلى الله تعالى . وإطلاق الإبطال على القطع وعدمم ~~الإتمام يشبه أنه مجاز ، أي لا تتركوا العمل الصالح بعد الشروع فيه ، ~~فأخذوا منه أن النفل يجب بالشروع لأنه من الأعمال ، وهو قول أبي حنيفة في ~~النوافل مطلقا . ونسب ابن العربي في الأحكام مثله إلى مالك . ومثله القرطبي ~~وابن الفرس . ونقل PageV26P128 الشيخ الجد في ( حاشيته على المحلى ) عن ~~القرافي في ( شرح المحصول ) ونقل حلولو في ( شرح جمع الجوامع ) عن القرافي ~~في ( الذخيرة ) : أن مالكا قال بوجوب سبع نوافل بالشروع ، وهي : الصلاة ~~والصيام والحج والعمرة والاعتكاف والائتمام وطواف التطوع دون غيرها نحو ~~الوضوء والصدقة والوقف والسفر للجهاد ، وزاد حلولو إلحاق الضحية بالنوافل ~~التي تجب بالشروع ولم أقف على مأخذ القرافي ذلك ولا على مأخذ حلولو في ~~الأخير . ولم ير الشافعي وجوبا بالشروع في شيء من النوافل وهو الظاهر . # هذه الآية تكملة لآية { إن الذين كفروا وصدوا ms7760 عن سبيل الله وشاقوا الرسول ~~} ( محمد : 32 ) الخ لأن تلك مسوقة لعدم الاكتراث بمشاقهم ولبيان أن الله ~~مبطل صنائعهم وهذه مسوقة لبيان عدم انتفاعهم لمغفرة الله إذ ماتوا على ما ~~هم عليه من الكفر فهي مستأنفة استئنافا ابتدائيا . # واقتران خبر الموصول بالفاء إيماء إلى أنه أشرف معنى الشرط فلا يراد به ~~ذو صلة معين بل المراد كل من تحققت فيه ماهية الصلة وهي الكفر والموت على ~~الكفر . # الفاء للتفريع على ما تقرر في نفوس المؤمنين من خذل الله تعالى المشركين ~~بما أخبر به من أنه أضل أعمالهم وقدر لهم التعس ، وبما ضرب لهم من مصائر ~~أمثالهم من الذين من قبلهم دمرهم الله وأهلكهم ولم يجدوا ناصرا ، وما وعد ~~به المؤمنين من النصر عليهم وما أمرهم به من قتالهم وبتكلفه للمؤمنين ~~بالولاية وما وعدهم من الجزاء في دارالخلد وبما أتبع ذلك من وصف كيد فريق ~~المنافقين للمؤمنين PageV26P129 وتعهدهم بإعانة المشركين ، وذلك مما يوجس ~~منه المؤمنون خيفة إذ يعلمون أن أعداء لهم منبثون بين ظهرانيهم . # فعلى ذلك كله فرع نهيهم عن الوهن وعن الميل إلى الدعة ووعدهم بأنهم ~~المنتصرون وأن الله مؤيدهم . ويجوز أن يجعل التفريع على أقرب الأخبار ~~المتقدمة وهو قوله : { ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين } ( ~~محمد : 31 ) . # وهذا النهي عن الوهن وعن الدعاء إلى السلم تحذير من أمر توفرت أسباب ~~حصوله متهيئة للإقدام على الحرب عند الأمر بها وليس نهيا عن وهن حصل لهم ~~ولا عن دعائهم إلى السلم لأن هذه السورة نزلت بعد غزوة بدر وقبل غزوة أحد ~~في مدة لم يكن فيها قتال بين المسلمين والمشركين ولكن التحذير من أن ~~يستوهنهم المنافقون عند توجه أمر القتال فيقولوا : لو سالمنا القوم مدة حتى ~~نستعيد عدتنا ونسترجع قوتنا بعد يوم بدر ، وقد كان أبو سفيان ومن معه من ~~المشركين لما رجعوا إلى مكة مفلولين بعد وقعة بدر ، يتربصون بالمسلمين فرصة ~~يقاتلونهم فيها لما ضايقهم من تعرض المسلمين لهم في طريق تجارتهم إلى الشام ~~مثل ما وقع في غزوة السويق ms7761 ، وغزوة ذي قرد ، فلما كان في المدينة منافقون ~~وكان عند أهل مكة رجال من أهل يثرب خرجوا منها مع أبي عامر الضبغي الملقب ~~في الجاهلية بالراهب والذي غير النبي صلى الله عليه وسلم لقبه فلقبه الفاسق ~~. # كان من المتوقع أن يكيد للمسلمين أعداؤهم من أهل يثرب فيظاهروا عليهم ~~المشركين متسترين بعلة طلب السلم فحذرهم الله من أن يقعوا في هذه الحبالة . # والوهن : الضعف والعجز ، وهو هنا مجاز في طلب الدعة . ومعناه : النهي عن ~~إسلام أنفسهم لخواطر الضعف ، والعمل بهذا النهي يكون باستحضار مساوي تلك ~~الخواطر فإن الخواطر الشريرة إذا لم تقاومها همة الإنسان دبت في نفسه رويدا ~~رويدا حتى تتمكن منها فتصبح ملكة وسجية . فالمعنى : ادفعوا عن أنفسكم خواطر ~~الوهن واجتنبوا مظاهره ، وأولها الدعاء إلى السلم وهو المقصود بالنهي . ~~والنهي عن الوهن يقتضي أنهم لم يكونوا يومئذ في حال وهن . PageV26P130 # وعطف { وتدعوا } على { تهنوا } فهو معمول لحرف النهي ، والمعنى : ولا ~~تدعوا إلى السلم وهو عطف خاص على عام من وجه لأن الدعاء إلى السلم مع ~~المقدرة من طلب الدعة لغير مصلحة . وإنما خص بالذكر لئلا يظن أن فيه مصلحة ~~استبقاء النفوس والعدة بالاستراحة من عدوان العدو على المسلمين ، فإن ~~المشركين يومئذ كانوا متكالبين على المسلمين ، فربما ظن المسلمون أنهم إن ~~تداعوا معهم للسلم أمنوا منهم ، وجعلوا ذلك فرصة لينشوا الدعوة فعرفهم الله ~~أن ذلك يعود عليهم بالمضرة لأنه يحط من شوكتهم في نظر المشركين فيحسبونهم ~~طلبوا السلم عن ضعف فيزيدهم ذلك ضراوة عليهم وتستخف بهم قبائل العرب بعد أن ~~أخذوا من قلوبهم مكان الحرمة وتوقع البأس . # ولهذا المقصد الدقيق جمع بين النهي عن الوهن والدعاء إلى السلم وأتبع ~~بقوله : { وأنتم الأعلون } . # فتحصل مما تقرر أن الدعاء إلى السلم المنهي عنه هو طلب المسالمة من العدو ~~في حال قدرة المسلمين وخوف العدو منهم ، فهو سلم مقيد بكون المسلمين داعين ~~له وبكونه عن وهن في حال قوة . قال قتادة : أي لا تكونوا أول الطائفتين ~~ضرعت إلى صاحبتها . فهذا لا ينافي السلم المأذون ms7762 فيه بقوله : { وإن جنحوا ~~للسلم فاجنح لها في سورة الأنفال ، فإنه سلم طلبه العدو ، فليست هذه الآية ~~ناسخة لآية الأنفال ولا العكس ولكل حالة خاصة ، ومقيد بكون المسلمين في ~~حالة قوة ومنعة وعدة وعدة بحيث يدعون إلى السلم رغبة في الدعة . فإذا كان ~~للمسلمين مصلحة في السلم أو كان أخف ضرا عليهم فلهم أن يبتدئوا إذا احتاجوا ~~إليه وأن يجيبوا إليه إذا دعوا إليه . # وقد صالح النبي المشركين يوم الحديبية لمصلحة ظهرت فيما بعد ، وصالح ~~المسلمون في غزوهم أفريقية أهلها وانكفأوا راجعين إلى مصر . وقال عمر بن ~~الخطاب في كلام له مع بعض أمراء الجيش فقد آثرت سلامة المسلمين . وأما ~~الصلح على بعض الأرض مع فتحها فذلك لا ينافي قوة الفاتحين كما صالح أمراء ~~أبي بكر نصف أهل دمشق وكما صالح أمراء عمر أهل سود العراق وكانوا أعلم بما ~~فيه صلاحهم . PageV26P131 # وقرأ الجمهور إلى السلم } بفتح السين . وقرأه أبو بكر عن عاصم وحمزة بكسر ~~السين وهما لغتان . وجملة { وأنتم الأعلون } عطف على النهي عطف الخبر على ~~الإنشاء ، والخبر مستعمل في الوعد . # والأعلون : مبالغة في العلو . وهو هنا بمعنى الغلبة والنصر كقوله تعالى ~~لموسى : { إنك أنت الأعلى } ( طه : 68 ) ، أي والله جاعلكم غالبين . # و { الله معكم } عطف على الوعد . والمعية معية الرعاية والكلاءة ، أي ~~والله حافظكم وراعيكم فلا يجعل الكافرين عليكم سبيلا . والمعنى : وأنتم ~~الغالبون بعناية الله ونصره . # وصيغ كل من جملتي { أنتم الأعلون والله معكم } جملة اسمية للدلالة على ~~ثبات الغلب لهم وثبات عناية الله بهم . # وقوله : { ولن يتركم أعمالكم } وعد بتسديد الأعمال ونجاحها عكس قوله في ~~أول السورة { الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم } ( محمد : 1 ) ~~فكني عن توفيق الأعمال ونجاحها بعدم وترها ، أي نقصها للعلم بأنه إذا كان ~~لا ينقصها فبالحري أن لا يبطلها ، أي أن لا يخيبها ، وهو ما تقدم من قوله : ~~{ والذين قاتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم سيهديهم ويصلح بالهم } ( ~~محمد : 4 ، 5 ) . # يقال : وتره يتره وترا وترة كوعد ، إذا نقصه ، وفي ms7763 حديث ( الموطأ ) ( من ~~فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله ) . ويجوز أيضا أن يراد منه صريحه ~~، أي ينقصكم ثوابكم على أعمالكم ، أي الجهاد المستفاد من قوله { فلا تهنوا ~~وتدعوا إلى السلم } فيفيد التحريض على الجهاد بالوعد بأجره كاملا . # ( 36 ، 37 ) # . # تعليل لمضمون قوله : { فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم } ( محمد : 35 ) الآية ~~، وافتتاحها ب ( إن ) مغنن عن افتتاحها بفاء التسبب على ما بينه في دلائل ~~الإعجاز ، وليس اتصال PageV26P132 ( إن ) ب ( ما ) الزائدة الكافة بمغير ~~موقعها بدون ( ما ) لأن اتصالها بها زادها معنى الحصر . # والمراد ب { الحياة } أحوال مدة الحياة فهو على حذف مضافين . # واللعب : الفعل الذي يريد به فاعله الهزل دون اجتناء فائدة كأفعال ~~الصبيان في مرحهم . # واللهو : العمل الذي يعمل لصرف العقل عن تعب الجد في الأمور فيلهو عن ما ~~يهتم له ويكد عقله . # والإخبار عن الحياة بأنها لعب ولهو على معنى التشبيه البليغ ، شبهت أحوال ~~الحياة الدنيا باللعب واللهو في عدم ترتب الفائدة عليها لأنها فانية منقضية ~~والآخرة هي دار القرار . # وهذا تحذير من أن يحملهم حب لذائذ العيش على الزهادة في مقابلة العدو ~~ويتلو إلى مسالمته فإن ذلك يغري العدو بهم . # وحب الفتى طول الحياة يذله # وإن كان فيه نخوة وعزام # . # الأشبه أن هذا عطف على قوله : { فلا تهنوا وتدعو إلى السلم } ( محمد : 35 ~~) تذكيرا بأن امتثال هذا النهي هو التقوى المحمودة ، ولأن الدعاء إلى السلم ~~قد يكون الباعث عليه حب إبقاء المال الذي ينفق في الغزو ، فذكروا هنا ~~بالإيمان والتقوى ليخلعوا عن أنفسهم الوهن لأنهم نهوا عنه وعن الدعاء إلى ~~السلم فكان الكف عن ذلك من التقوى ، وعطف عليه أن الله لا يسألهم أموالهم ~~إلا لفائدتهم وإصلاح أمورهم ، ولذلك وقع بعده قوله : { ها أنتم هؤلاء تدعون ~~لتنفقوا في سبيل الله إلى قوله : عن نفسه } ( محمد : 38 ) ، على أن موقع ~~هذه الجملة تعليل النهي المتقدم بقوله : { إنما الحياة الدنيا لعب ولهو } ~~مشير إلى أن الحياة الدنيا إذا عمرت بالإيمان والتقوى كانت سببا في الخير ~~الدائم . PageV26P133 # والأجور هنا : أجور ms7764 الآخرة وهي ثواب الإيمان والتقوى . # فالخطاب للمسلمين المخاطبين بقوله : { فلا تهنوا } الآية . # والمقصود من الجملة قوله : { وتتقوا } وأما ذكر { تؤمنوا } فللاهتمام ~~بأمر الإيمان . ووقوع { تؤمنوا } في حيز الشرط مع كون إيمانهم حاصلا يعين ~~صرف معنى التعليق بالشرط فيه إلى إرادة الدوام على الإيمان إذ لا تتقوم ~~حقيقة التقوى إلا مع سبق الإيمان كما قال تعالى : { فك رقبة أو إطعام إلى ~~قوله : ثم كان من الذين آمنوا } ( البلد : 13 17 ) الآية . # والظاهر أن جملة { يؤتكم أجوركم } إدماج ، وأن المقصود من جواب الشرط هو ~~جملة { ولا يسألكم أموالكم } . وعطف { ولا يسألكم أموالكم } لمناسبة قوله : ~~{ يؤتكم أجوركم } ، أي أن الله يتفضل عليكم بالخيرات ولا يحتاج إلى أموالكم ~~، وكانت هذه المناسبات أحسن روابط لنظم المقصود من هذه المواعظ لأن البخل ~~بالمال من بواعث الدعاء إلى السلم كما علمت آنفا . # ومعنى الآية : وإن تؤمنوا وتتقوا باتباع ما نهيتهم عنه يرض الله منكم ~~بذلك ويكتف به ولا يسألكم زيادة عليه من أموالكم . فيعلم أن ما يعنيه النبي ~~صلى الله عليه وسلم عليهم من الإنفاق في سبيل الله إنما هو بقدر طاقتهم . ~~وهذه الآية في الإنفاق نظيرها قوله تعالى لجماعة من المسلمين في شأن الخروج ~~إلى الجهاد { يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله ~~أثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا ~~في الآخرة إلا قليل في سورة براءة . # فقوله : ولا يسألكم أموالكم } يفيد بعمومه وسياقه معنى لا يسألكم جميع ~~أموالكم ، أي إنما يسألكم ما لا يجحف بكم ، فإضافة أموال وهو جمع إلى ضمير ~~المخاطبين تفيد العموم ، فالمنفي سؤال إنفاق جميع الأموال ، فالكلام من نفي ~~العموم لا من عموم النفي بقرينة السياق ، وما يأتي بعده من قوله : { ها ~~أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله } الآية . PageV26P134 # ويجوز أن يفيد أيضا معنى : أنه لا يطالبكم بإعطاء مال لذاته فإنه غني ~~عنكم وإنما يأمركم بإنفاق المال لصالحكم كما قال : { ومن يبخل فإنما يبخل ~~عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء ms7765 } ( محمد : 38 ) . وهذا توطئة لقوله ~~بعده { ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله إلى قوله : فإنما يبخل عن ~~نفسه } ( محمد : 38 ) أي ما يكون طلب بذل المال إلا لمصلحة الأمة ، وأية ~~مصلحة أعظم من دمغها العدو عن نفسها لئلا يفسد فيها ويستعبدها . # وأما تفسير سؤال الأموال المنفي بطلب زكاة الأموال فصرف للآية عن مهيعها ~~فإن الزكاة مفروضة قبل نزول هذه السورة لأن الزكاة فرضت سنة اثنتين من ~~الهجرة على الأصح . # وجملة { إن يسألكموها } الخ تعليل لنفي سؤاله إياهم أموالهم ، أي لأنه إن ~~سألكم إعطاء جميع أموالكم وقد علم أن فيكم من يسمح بالمال لا تبخلوا بالبذل ~~وتجعلوا تكليفكم بذلك سببا لإظهار ضغنكم على الذين لا يعطون فيكثر الارتداد ~~والنفاق وذلك يخالف مراد الله من تزكية نفوس الداخلين في الإيمان . # وهذا مراعاة لحال كثير يومئذ بالمدينة كانوا حديثي عهد بالإسلام وكانوا ~~قد بذلوا من أموالهم للمهاجرين فيسر الله عليهم بأن لم يسألهم زيادة على ~~ذلك ، وكان بينهم كثير من أهل النفاق يترصدون الفرص لفتنتهم ، قال تعالى : ~~{ هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا } ( ~~المنافقون : 7 ) . وهذا يشير إليه عطف قوله : { ويخرج أضغانكم } أي تحدث ~~فيكم أضغان فيكون سؤاله أموالكم سببا في ظهورها فكأنه أظهرها . وهذه الآية ~~أصل في سد ذريعة الفساد . # والإحفاء : الإكثار وبلوغ النهاية في الفعل ، يقال : أحفاه في المسألة ~~إذا لم يترك شيئا من الإلحاح . وعن عبد الرحمن بن زيد : الإحفاء أن تأخذ كل ~~شيء بيديك ، وهو تفسير غريب . وعبر به هنا عن الجزم في الطلب وهو الإيجاب ، ~~أي فيوجب عليكم بذل المال ويجعل على منعه عقوبة . # والبخل : منع بذل المال . PageV26P135 # والضغن : العداوة ، وتقدم آنفا عند قوله { أن لن يخرج الله أضغانهم } ( ~~محمد : 29 ) . والمعنى : يمنعوا المال ويظهروا العصيان والكراهية ، فلطف ~~الله بالكثير منهم اقتضى أن لا يسألهم مالا على وجه الإلزام ثم زال ذلك ~~شيئا فشيئا لما تمكن الإيمان من قلوبهم فأوجب الله عليهم الإنفاق في الجهاد ~~. # والضمير المستتر في { ويخرج } عائد ms7766 إلى اسم الجلالة ، وجوز أن يعود إلى ~~البخل المأخوذ من قوله : { تبخلوا } أي من قبيل { اعدلوا هو أقرب للتقوى } ~~( المائدة : 8 ) . وقرأ الجمهور { يخرج } بياء تحتية في أوله . وقرأه يعقوب ~~بنون في أوله . # # كلام المفسرين من قوله : { ولا يسألكم أموالكم } إلى قوله : { عن نفسه } ~~( محمد : 36 38 ) يعرب عن حيرة في مراد الله بهذا الكلام . وقد فسرناه آنفا ~~بما يشفي وبقي علينا قوله : { ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا } الخ كيف موقعه ~~بعد قوله : { ولا يسألكم أموالكم } فإن الدعوة للإنفاق عين سؤال الأموال ~~فكيف يجمع بين ما هنا وبين قوله آنفا { ولا يسألكم أموالكم } . # فيجوز أن يكون المعنى : تدعون لتنفقوا في سبيل الله لتدفعوا أعداءكم عنكم ~~وليس ذلك لينتفع به الله كما قال : { والله الغني وأنتم الفقراء } . ونظم ~~الكلام يقتضي أن هذه دعوة للإنفاق في الحال وليس إعلاما لهم بأنهم سيدعون ~~للإنفاق فهو طلب حاصل . ويحمل { تدعون } على معنى تؤمرون أي أمر إيجاب . # ويجوز أن يحمل { تدعون } على دعوة الترغيب ، فتكون الآية تمهيدا للآيات ~~المقتضية إيجاب الإنفاق في المستقبل مثل آية { وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في ~~سبيل الله } ( التوبة : 41 ) ونحوها ، ويجوز أن يكون إعلاما بأنهم سيدعون ~~إلى الإنفاق في سبيل الله فيما بعد هذا الوقت فيكون المضارع مستعملا في زمن ~~الاستقبال والمضارع يحتمله في أصل وضعه . PageV26P136 # وعلى الاحتمالين فقوله : { فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه } ~~إما مسوق مساق التوبيخ أو مساق التنبيه على الخطإ في الشح ببذل المال في ~~الجهاد الذي هو محل السياق لأن المرء قد يبخل بخلا ليس عائدا بخله عن نفسه ~~. # ومعنى قوله : { فإنما يبخل عن نفسه } على الاحتمال الأول فإنما يبخل عن ~~نفسه إذ يتمكن عدوه من التسلط عليه فعاد بخله بالضر عليه ، وعلى الاحتمال ~~الثاني فإنما يبخل عن نفسه بحرمانها من ثواب الإنفاق . # والقصر المستفاد من { إنما } قصر قلب باعتبار لازم بخله لأن الباخل اعتقد ~~أنه منع من دعاه إلى الإنفاق ولكن لازم بخله عاد عليه بحرمان نفسه من منافع ~~ذلك الإنفاق ، فالقصر ms7767 مجاز مرسل مركب . وفعل ( بخل ) يتعدى ب { عن } لما ~~فيه من معنى الإمساك ويتعدى ب ( على ) لما فيه من معنى التضييق على المبخول ~~عليه . وقد عدي هنا بحرف { عن } . # { وها أنتم هؤلاء } مركب من كلمة ( ها ) تنبيه في ابتداء الجملة ، ومن ~~ضمير الخطاب ثم من ( ها ) التنبيه الداخلة على اسم الإشارة المفيدة تأكيد ~~مدلول الضمير . ونظيره قوله : { ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة ~~الدنيا في سورة النساء . والأكثر أن يكون اسم الإشارة في مثله مجردا عن ( ~~ها ) اكتفاء ب ( هاء ) التنبيه التي في أول التركيب كقوله تعالى : ها أنتم ~~أولاء تحبونهم في سورة آل عمران . # وجملة تدعون } في موضع الحال من اسم الإشارة ، ومجموع ذلك يفيد حصول ~~مدلول جملة الحال لصاحبها حصولا واضحا . وزعم كثير من النحاة أن عدم ذكر ~~اسم الإشارة بعد ( ها أنا ) ونحوه لحن ، لأنه لم يسمع دخول ( ها ) التنبيه ~~على اسم غير اسم الإشارة كما ذكره صاحب ( مغني اللبيب ) ، بناء على أن ( ها ~~) التنبيه المذكورة في أول الكلام هي التي تدخل على أسماء الإشارة في نحو : ~~هذا وهؤلاء ، وأن الضمير الذي يذكر بعدها فصل بينها وبين اسم الإشارة . ~~ولكن قد وقع ذلك في كلام صاحب ( المغني ) في ديباجة كتابه إذ قال : وها أنا ~~بائح بما أسررته ، وفي موضعين آخرين منه نبه عليهما بدر PageV26P137 الدين ~~الدماميني في شرحه ( المزج على المغني ) ، وذكر في شرحه الذي بالقول ~~المشتهر ب ( الحواشي الهندية ) أن تمثيل الزمخشري في ( المفصل ) بقوله : ها ~~إن زيدا منطلق يقتضي جواز : ها أنا أفعل ، لكن الرضي قال : لم أعثر بشاهد ~~على وقوع ذلك . # وجملة { والله الغني وأنتم الفقراء } تذييل للشيء قبلها فالله الغني ~~المطلق ، والغني المطلق لا يسأل الناس مالا في شيء ، والمخاطبون فقراء فلا ~~يطمع منهم البذل فتعين أن دعاءهم لينفقوا في سبيل الله دعاء بصرف أموالهم ~~في منافعهم كما أشار إلى ذلك قوله : { ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه } . # والتعريف باللام في { الغني } وفي { الفقراء } تعريف الجنس ، وهو فيهما ~~مؤذن بكمال الجنس في ms7768 المخبر عنه ، ولما وقعا خبرين وهما معرفتان أفادا ~~الحصر ، أي قصر الصفة على الموصوف ، أي قصر جنس الغني على الله وقصر جنس ~~الفقراء على المخاطبين ب { أنتم } وهو قصر ادعائي فيهما مرتب على دلالة ال ~~على معنى كمال الجنس ، فإن كمال الغنى لله لا محالة لعمومه ودوامه ، وإن ~~كان يثبت بعض جنس الغني لغيره . وأما كمال الفقر للناس فبالنسبة إلى غنى ~~الله تعالى وإن كانوا قد يغنون في بعض الأحوال لكن ذلك غنى قليل وغير دائم ~~. # . # عطف على قوله : { وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم } ( محمد : 36 ) . ~~والتولي : الرجوع ، واستعير هنا لاستبدال الإيمان بالكفر ، ولذلك جعل جزاؤه ~~استبدال قوم غيرهم كما استبدلوا دين الله بدين الشرك . # والاستبدال : التبديل ، فالسين والتاء للمبالغة ، ومفعوله { قوما } . ~~والمستبدل به محذوف دل على تقديره قوله { غيركم } ، فعلم أن المستبدل به هو ~~ما أضيف إليه ( غير ) لتعين انحصار الاستبدال في شيئين ، فإذا ذكر أحدهما ~~علم الآخر . والتقدير : يستبدل قوما بكم لأن المستعمل في فعل الاستبدال ~~والتبديل أن يكون المفعول هو المعوض ومجرور الباء هو العوض كقوله : { ~~أتستبدلون الذي هو أدنى PageV26P138 بالذي هو خير تقدم في سورة البقرة . ~~وإن كان كلا المتعلقين هو في المعنى معوض وعوض باختلاف الاعتبار ، ولذلك ~~عدل في هذه الآية عن ذكر المجرور بالباء مع المفعول للإيجاز . والمعنى : ~~يتخذ قوما غيركم للإيمان والتقوى ، وهذا لا يقتضي أن الله لا يوجد قوما ~~آخرين إلا عند ارتداد المخاطبين ، بل المراد : أنكم إن ارتددتم عن الدين ~~كان لله قوم من المؤمنين لا يرتدون وكان لله قوم يدخلون في الإيمان ولا ~~يرتدون . # روى الترمذي عن أبي هريرة قال : تلا رسول الله هذه الآية وإن تتولوا ~~يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم } . قالوا : ومن يستبدل بنا ؟ قال ~~: فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على منكب سلمان الفارسي ثم قال : هذا ~~وقومه ، هذا وقومه ) قال الترمذي حديث غريب . وفي إسناده مقال . وروى ~~الطبراني في ( الأوسط ) : هذا الحديث على شرط مسلم وزاد فيه ( والذي نفسي ~~بيده لو كان الإيمان ms7769 منوطا بالثريا لتناوله رجال من فارس ) . # وأقول هو يدل على أن فارس إذا آمنوا لا يرتدون وهو من دلائل نبوءة النبي ~~صلى الله عليه وسلم فإن العرب ارتد منهم بعض القبائل بعد وفاة النبي صلى ~~الله عليه وسلم وارتد البربر بعد فتح بلادهم وإيمانهم ثنتي عشرة مرة فيما ~~حكاه الشيخ أبو محمد ابن أبي زيد ، ولم يرتد أهل فارس بعد إيمانهم . # و { ثم } للترتيب الرتبي لإفادة الاهتمام بصفة الثبات على الإيمان وعلوها ~~على مجرد الإيمان ، أي ولا يكونوا أمثالكم في التولي . والجملة معطوفة ب ( ~~ثم ) على جملة { يستبدل قوما غيركم } فهي في حيز جواب الشرط والمعطوف على ~~جواب الشرط بحرف من حروف التشريك يجوز جزمه على العطف ، ويجوز رفعه على ~~الاستئناف . وقد جاء في هذه الآية على الجزم وجاء في قوله تعالى : { وإن ~~يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون } ( آل عمران : 111 ) على الرفع . ~~وأبدى الفخر وجها لإيثار الجزم هنا وإيثار الاستئناف هنالك فقال : وهو مع ~~الجواز فيه تدقيق وهو أن ههنا لا يكون متعلقا بالتولي لأنهم إن لم يتولوا ~~يكونون ممن يأتي الله بهم على الطاعة ، وإن تولوا لا يكونون مثلهم لكونهم ~~عاصين وكون من يأتي الله بهم PageV26P139 مطيعين ، وأما هنالك فسواء قاتلوا ~~أو لم يقاتلوا لا ينصرون فلم يكن للتعليق أي بالشرط هنالك وجه فرفع ~~بالابتداء وههنا جزم للتعليق اه . وهو دقيق ويزاد أن الفعل المعطوف على ~~الجزاء في آية آل عمران وقع في آخر الفاصلة التي جرت أخواتها على حرف الواو ~~والنون فلو أوثر جزم الفعل لأزيلت النون فاختلت الفاصلة . # # PageV26P140 $ 1 ( سورة الفتح # سورة { إنا فتحنا لك فتحا مبينا } ( الفتح : 1 ) سميت في كلام الصحابة ~~سورة الفتح . ووقع في ( صحيح البخاري ) عن عبد الله بن مغفل بغين معجمة ~~مفتوحة وفاء مشددة مفتوحة قال : قرأ النبيء صلى الله عليه وسلميوم فتح مكة ~~سورة الفتح فرجع فيها . وفيها حديث سهل بن حنيف : لقد رأيتنا يوم الحديبية ~~ولو ترى قتالا لقاتلنا . ثم حكى مقاله عمر إلى أن قال : فنزلت سورة ms7770 الفتح ~~ولا يعرف لها اسم آخر . ووجه التسمية أنها تضمنت حكاية فتح متجه الله ~~للنبيء صلى الله عليه وسلم كما سيأتي . # وهي مدنية على المصطلح المشهور في أن المدني ما نزل بعد الهجرة ولو كان ~~نزوله في مكان غير المدينة من أرضها أو من غيرها . وهذه السورة نزلت بموضع ~~يقال له كراع الغميم بضم الكاف من كراع وبفتح الغين المعجمة وكسر الميم من ~~الغميم موضع بين مكة والمدينة وهو واد على مرحلتين من مكة وعلى ثلاثة أميال ~~من عسفان وهو من أرض مكة . وقيل نزلت بضجنان بوزن سكران وهو جبل قرب مكة ~~ونزلت ليلا فهي من القرآن الليلي . # ونزولها سنة ست بعد الهجرة منصرف النبيء صلى الله عليه وسلممن الحديبية ~~وقبل غزوة خيبر وفي ( الموطأ ) عن عمر ( أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلمكان يسير في بعض أسفاره أي منصرفه من الحديبية ليلا وعمر بن الخطاب ~~يسير معه فسأله عمر بن الخطاب عن شيء فلم يجبه ثم سأله فلم يجبه ثم سأله ~~فلم يجبه فقال : عمر ثكلت أم عمر نزرت رسول الله صلى الله عليه وسلمثلاث ~~مرات كل ذلك لا يجيبك . قال عمر : فحركت بعيري وتقدمت أمام الناس وخشيت أن ~~ينزل في القرآن فما نشبت أن سمعت صارخا يصرخ بي ، فقلت : لقد خشيت أن يكون ~~نزل في قرآن ، فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV26P141 فسلمت عليه ~~فقال : ( لقد أنزلت علي الليلة سورة لهي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس ثم ~~قرأ { إنا فتحنا لك فتحا مبينا } ( الفتح : 1 ) . ومعنى قوله لهي أحب إلي ~~مما طلعت عليه الشمس لما اشتملت عليه من قوله : { ليغفر لك الله ما تقدم من ~~ذنبك } ( الفتح : 2 ) . # وأخرج مسلم والترمذي عن أنس قال : ( أنزل على النبيء { ليغفر لك الله ما ~~تقدم من ذنبك إلى قوله : فوزا عظيما } ( الفتح : 2 5 ) مرجعه من الحديبية ~~فقال النبيء صلى الله عليه وسلملقد أنزلت علي آية أحب إلي مما على وجه ~~الأرض ) ثم قرأها . # وهي السورة الثالثة عشرة بعد ms7771 المائة في ترتيب نزول السور في قول جابر بن ~~زيد . نزلت بعد سورة الصف وقبل سورة التوبة . وعدة آيها تسع وعشرون . وسبب ~~نزولها ما رواه الواحدي وابن إسحاق عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم ~~قالا : ( نزلت سورة الفتح بين مكة والمدينة في شأن الحديبية وقد حيل بيننا ~~وبين نسكنا فنحن بين الحزن والكآبة أنزل الله تعالى { إنا فتحنا لك فتحا ~~مبينا } فقال رسول الله : لقد أنزلت علي آية أحب إلي من الدنيا وما فيها ) ~~وفي رواية ( من أولها إلى آخرها ) . # $ 2 ( { إنا فتحنا لك فتحا مبينا * ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما ~~تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما * وينصرك الله نصرا عزيزا * هو ~~الذى & # 1764 أنزل السكينة فى قلوب المؤمنين ليزدادو & # 1764 ا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السماوات والارض وكان الله عليما ~~حكيما * ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجرى من تحتها الانهار خالدين فيها ~~ويكفر عنهم سيئاتهم وكان ذلك عند الله فوزا عظيما * ويعذب المنافقين ~~والمنافقات والمشركين والمشركات الظآنين بالله ظن السوء عليهم دآئرة السوء ~~وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وسآءت مصيرا * ولله جنود السماوات ~~والارض وكان الله عزيزا حكيما * إنآ أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا * لتؤمنوا ~~بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا * إن الذين يبايعونك ~~إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن ~~أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما * سيقول لك المخلفون من ~~الاعراب شغلتنآ أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا يقولون بألسنتهم ما ليس فى ~~قلوبهم قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا بل ~~كان الله بما تعملون خبيرا * بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى ~~أهليهم أبدا وزين ذلك فى قلوبكم وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا * ومن لم ~~يؤمن بالله ورسوله فإنآ أعتدنا للكافرين سعيرا * ولله ملك السماوات والارض ~~يغفر لمن يشآء ويعذب من يشآء وكان الله غفورا رحيما * سيقول المخلفون إذا ~~انطلقتم إلى مغانم ms7772 لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن ~~تتبعونا كذلكم قال الله من قبل فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون ~~إلا قليلا * قل للمخلفين من الاعراب ستدعون إلى قوم أولى بأس شديد ~~تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما ~~توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما * ليس على الاعمى حرج ولا على الاعرج حرج ~~ولا على المريض حرج ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجرى من تحتها الانهار ~~ومن يتول يعذبه عذابا أليما * لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت ~~الشجرة فعلم ما فى قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا * ومغانم ~~كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزا حكيما * وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها ~~فعجل لكم هاذه وكف أيدى الناس عنكم ولتكون ءاية للمؤمنين ويهديكم صراطا ~~مستقيما * وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها وكان الله على كل شىء ~~قديرا * ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الادبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا ~~* سنة الله التى قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا * وهو الذى كف ~~أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما ~~تعملون بصيرا * هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدى معكوفا أن ~~يبلغ محله ولولا رجال مؤمنون ونسآء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم ~~منهم معرة بغير علم ليدخل الله فى رحمته من يشآء لو تزيلوا لعذبنا الذين ~~كفروا منهم عذابا أليما * إذ جعل الذين كفروا فى قلوبهم الحمية حمية ~~الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى ~~وكانو & # 1764 ا أحق بها وأهلها وكان الله بكل شىء عليما * لقد صدق الله رسوله ~~الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شآء الله ءامنين محلقين رءوسكم ~~ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا * هو الذى ~~& # 1764 أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا ~~* محمد رسول الله والذين معه أشدآء ms7773 على الكفار رحمآء بينهم تراهم ركعا سجدا ~~يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم فى وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم فى ~~التوراة ومثلهم فى الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه ~~يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين ءامنوا وعملوا الصالحات منهم ~~مغفرة وأجرا عظيما } ) 2 $ أغراضها # تضمنت هذه السورة بشارة المؤمنين بحسن عاقبة صلح الحديبية وأنه نصر وفتح ~~فنزلت به السكينة في قلوب المسلمين وأزال حزنهم من صدهم عن الاعتمار بالبيت ~~وكان المسلمون عدة لا تغلب من قلة فرأوا أنهم عادوا كالخائبين فأعلمهم الله ~~بأن العاقبة لهم ، وأن دائرة السوء على المشركين والمنافقين . والتنويه ~~بكرامة النبيء صلى الله عليه وسلمعند ربه ووعده بنصر متعاقب . والثناء على ~~المؤمنين الذين عزروه وبايعوه ، وأن الله قدم مثلهم في التوراة وفي الإنجيل ~~. PageV26P142 ثم ذكر بيعة الحديبية والتنويه بشأن من حضرها . وفضح الذين ~~تخلفوا عنها من الأعراب ولمزهم بالجبن والطمع وسوء الظن بالله وبالكذب على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنعهم من المشاركة في غزوة خيبر ، وإنبائهم ~~بأنهم سيدعون إلى جهاد آخر فإن استجابوا غفر لهم تخلفهم عن الحديبية . ووعد ~~النبيء صلى الله عليه وسلم بفتح آخر يعقبه فتح أعظم منه وبفتح مكة . وفيها ~~ذكر بفتح من خيبر كما سيأتي في قوله تعالى : { فعجل لكم هذه } ( الفتح : 20 ~~) . # ( 1 3 ) . # افتتاح الكلام بحرف ( إن ) ناشىء على ما أحل للمسلمين من الكآبة على أن ~~أجيب المشركون إلى سؤالهم الهدنة كما سيأتي من حديث عمر بن الخطاب وما تقدم ~~من حديث عبد الله بن مغفل فالتأكيد مصروف للسامعين على طريقة التعريض ، ~~وأما النبيء صلى الله عليه وسلمفقد كان واثقا بذلك ، وسيأتي تبيين هذا ~~التأكيد قريبا . # والفتح : إزالة غلق البابب أو الخزانة قال تعالى : { لا تفتح لهم أبواب ~~السماء } ( الأعراف : 40 ) ويطلق على النصر وعلى دخول الغازي بلاد عدوه لأن ~~أرض كل قوم وبلادهم مواقع عنها فاقتحام الغازي إياها بعد الحرب يشبه إزالة ~~الغلق عن البيت أو الخزانة ، ولذلك كثر إطلاق الفتح على ms7774 النصر المقترن ~~بدخول أرض المغلوب أو بلده ولم يطلق على انتصار كانت نهايته غنيمة وأسر دون ~~اقتحام أرض فيقال : فتح خيبر وفتح مكة ولا يقال : فتح بدر . وفتح أحد . فمن ~~أطلق الفتح على مطلق النصر فقد تسامح ، وكيف وقد عطف النصر على الفتح في ~~قوله : { نصر من الله وفتح قريب في سورة الصف . ولعل الذي حداهم على عد ~~النصر من معاني مادة الفتح أن فتح البلاد هو أعظم النصر لأن النصر يتحقق ~~بالغلبة وبالغنيمة فإذا كان مع اقتحام أرض العدو PageV26P143 فذلك نصر عظيم ~~لأنه لا يتم إلا مع انهزام العدو أشنع هزيمة وعجزه عن الدفاع عن أرضه . ~~وأطلق الفتح على الحكم قال تعالى : ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين ~~الآية سورة ألم السجدة . # ولمراعاة هذا المعنى قال جمع من المفسرين : المراد بالفتح هنا فتح مكة ~~وأن محمله على الوعد بالفتح . والمعنى : سنفتح . وإنما جيء في الإخبار بلفظ ~~الماضي لتحققه وتيقنه ، شبه الزمن المستقبل بالزمن الماضي فاستعملت له ~~الصيغة الموضوعة للمضي . أو نقول استعمل فتحنا } بمعنى : قدرنا لك الفتح ، ~~ويكون هذا الاستعمال من مصطلحات القرآن لأنه كلام من له التصرف في الأشياء ~~لا يحجزه عن التصرف فيها مانع . وقد جرى على عادة إخبار الله تعالى لأنه لا ~~خلاف في إخباره ، وذلك أيضا كناية عن علو شأن المخبر مثل { أتى أمر الله ~~فلا تستعجلوه } ( النحل : 1 ) . # وما يندرج في هذا التفسير أن يكون المراد بالفتح صلح الحديبية تشبيها له ~~بفتح مكة لأنه توطئة له فعن جابر بن عبد الله : ما كنا نعد فتح مكة إلا يوم ~~الحديبية ، يريد أنهم أيقنوا بوقوع فتح مكة بهذا الوعد ، وعن البراء بن ~~عازب ( تعدون أنتم الفتح فتح مكة وقد كان فتح مكة فتحا ، ونحن نعد الفتح ~~بيعة الرضوان يوم الحديبية ) ، يريد أنكم تحملون الفتح في قوله : { إنا ~~فتحنا لك فتحا مبينا } على فتح مكة ولكنه فتح بيعة الرضوان وإن كان فتح مكة ~~هو الغالب عليه اسم الفتح . ويؤيد هذا المحمل حديث عبد الله بن مغفل ms7775 ( قرأ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلميوم فتح مكة سورة الفتح ) ، وفي رواية ( دخل ~~مكة وهو يقرأ سورة الفتح على راحلته ) . # على أن قرائن كثيرة ترجح أن يكون المراد بالفتح المذكور في سورة الفتح : ~~أولاها أنه جعله مبينا . # الثانية : أنه جعل علته ( النصر العزيز ) الثانية ، ولا يكون الشيء علة ~~لنفسه . PageV26P144 # الثالثة : قوله { وأثابهم فتحا قريبا } ( الفتح : 18 ) . # الرابعة : قوله : { ومغانم كثيرة يأخذونها } ( الفتح : 19 ) . # الخامسة : قوله : { فجعل من دون ذلك فتحا قريبا } ( الفتح : 27 ) . # والجمهور على أن المراد في سورة الفتح هو صلح الحديبية ، وجعلوا إطلاق ~~اسم الفتح عليه مجازا مرسلا باعتبار أنه آل إلى فتح خيبر وفتح مكة ، أو كان ~~سببا فيهما فعن الزهري ( لقد كان يوم الحديبية أعظم الفتوح ذلك أن النبيء ~~صلى الله عليه وسلمجاء إليها في ألف وأربعمائة فلما وقع صلح مشي الناس ~~بعضهم في بعض ، أي تفرقوا في البلاد فدخل بعضهم أرض بعض من أجل الأمن بينهم ~~، وعلموا وسمعوا عن الله فما أراد أحد الإسلام إلا تمكن منه ، فما مضت تلك ~~السنتانن إلا والمسلمون قد جاؤوا إلى مكة في عشرة آلاف ) اه ، وفي رواية ( ~~فلما كانت الهدنة أمن الناس بعضهم بعضا فالتقوا وتفاوضوا الحديث والمناظرة ~~فلم يكلم أحد يعقل بالإسلام إلا دخل فيه ) . وعلى هذا فالمجاز في إطلاق ~~مادة الفتح على سببه ومآله لا في صورة الفعل ، أي التعبير عن المستقبل بلفظ ~~الماضي لأنه بهذا الاعتبار المجازي قد وقع فيما مضي فيكون اسم الفتح استعمل ~~استعمال المشترك في معنييه ، وصيغة الماضي استعملت في معنييها فيظهر وجه ~~الإعجاز في إيثار هذا التركيب . وقيل : هو فتح خيبر الواقع عند الرجوع من ~~الحديبية كما يجىء في قوله : { إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها } ( الفتح : ~~15 ) . # وعلى هذه المحامل فتأكيد الكلام ب ( إن ) لما في حصول ذلك من تردد بعض ~~المسلمين أو تساؤلهم ، فعن عمر أنه لما نزلت { إنا فتحنا لك فتحا مبينا } ~~قال : ( أو فتح هو يا رسول الله ؟ قال : نعم والذي نفسي بيده إنه لفتح ) . ~~وروى البيهقي عن ms7776 عروة بن الزبير قال : أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلممن ~~الحديبية راجعا فقال رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والله ما ~~هذا بفتح صددنا عن البيت وصد هدينا . فبلغ ذلك رسول الله فقال : بئس الكلام ~~هذا بل هو أعظم الفتح لقد رضي المشركون أن يدفعوكم بالراح عن بلادهم ~~ويسألوكم القضية ويرغبون إليكم الأمان وقد كرهوا منكم ما كرهوا ولقد أظفركم ~~الله عليهم وردكم سالمين غانمين PageV26P145 مأجورين ، فهذا أعظم الفتح ~~أنسيتم يوم أحد إذ تصعدون ولا تلوون على أحد وأنا أدعوكم في أخراكم ، ~~أنسيتم يوم الأحزاب إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار ~~وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنون . فقال المسلمون : صدق الله ~~ورسوله وهو أعظم الفتوح والله يا رسول الله ما فكرنا فيما ذكرت ، ولأنت ~~أعلم بالله وبالأمور منا ) . # وحذف مفعول { فتحنا } لأن المقصود الإعلام بجنس الفتح لا بالمفتوح الخاص ~~. # واللام في قوله : { فتحنا لك } لام العلة ، أي فتحنا لأجلك فتحا عظيما ~~مثل التي في قوله تعالى : { ألم نشرح لك صدرك } ( الشرح : 1 ) . # وتقديم المجرور قبل المفعول المطلق خلافا للأصل في ترتيب متعلقات الفعل ~~لقصد الاهتمام والاعتناء بهذه العلة . # وقوله : { ليغفر لك الله } بدل اشتمال من ضمير { لك } . والتقدير : إنا ~~فتحنا فتحا مبينا لأجلك لغفران الله لك وإتمام نعمته عليك ، وهدايتك صراطا ~~مستقيما ونصرك نصرا عزيزا . . . وجعلت مغفرة الله للنبيء صلى الله عليه ~~وسلمعلة للفتح لأنها من جملة ما أراد الله حصوله بسبب الفتح ، وليست لام ~~التعليل مقتضية حصر الغرض من الفعل المعلل في تلك العلة ، فإن كثيرا من ~~الأشياء تكون لها أسباب كثيرة فيذكر بعضها مما يقتضيه المقام وإذ قد كان ~~الفتح لكرامة النبيء صلى الله عليه وسلمعلى ربه تعالى كان من علته أن يغفر ~~الله لنبيئه صلى الله عليه وسلممغفرة عامة إتماما للكرامة فهذه مغفرة خاصة ~~بالنبيء صلى الله عليه وسلمهي غير المغفرة الحاصلة للمجاهدين بسبب الجهاد ~~والفتح . # فالمعنى : أن الله جعل عند حصول هذا الفتح غفران جميع ما قد يؤاخذ ms7777 الله ~~على مثله رسله حتى لا يبقى لرسوله صلى الله عليه وسلمما يقصر به عن بلوغ ~~نهاية الفضل بين المخلوقات . فجعل هذه المغفرة جزاء له على إتمام أعماله ~~التي أرسل لأجلها من التبليغ والجهاد والنصب والرغبة إلى الله . فلما كان ~~الفتح حاصلا بسعيه وتسببه بتيسير الله له ذلك جعل الله جزاءه غفران ذنوبه ~~بعظم أثر ذلك الفتح بإزاحة الشرك وعلو كلمة الله تعالى وتكميل PageV26P146 ~~النفوس وتزكيتها بالإيمان وصالح الأعمال حتى ينتشر الخير بانتشار الدين ~~ويصير الصلاح خلقا للناس يقتدي فيه بعضهم ببعض وكل هذا إنما يناسب فتح مكة ~~وهذا هو ما تضمنته سورة { إذا جاء نصر الله } من قوله : { إذا جاء نصر الله ~~والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه ~~كان توابا } ( النصر : 1 3 ) أي إنه حينئذ قد غفر لك أعظم مغفرة وهي ~~المغفرة التي تليق بأعظمم من تاب على تائب ، وليست إلا مغفرة جميع الذنوب ~~سابقها وما عسى أن يأتي منها مما يعده النبيء صلى الله عليه وسلمذنبا لشدة ~~الخشية من أقل التقصير كما يقال : حسنات الأبرار سيئات المقربين ، وإن كان ~~النبيء صلى الله عليه وسلممعصوما من أن يأتي بعدها بما يؤاخذ عليه . وقال ~~ابن عطية : وإنما المعنى التشريف بهذا الحكم ولو لم تكن له ذنوب ، ولهذا ~~المعنى اللطيف الجليل كانت سورة { إذا جاء نصر الله } مؤذنة باقتراب أجل ~~النبيء صلى الله عليه وسلمفيما فهم عمر بن الخطاب وابن عباس ، وقد روي ذلك ~~عن النبيء صلى الله عليه وسلم # والتقدم والتأخر من الأحوال النسبية للموجودات الحقيقية أو الاعتبارية ~~يقال : تقدم السائر في سيره على الركب ، ويقال : تقدم نزول سورة كذا على ~~سورة كذا ولذلك يكثر الاحتياج إلى بيان ما كان بينهما تقدم وتأخر بذكر ~~متعلق بفعل تقدم وتأخر . وقد يترك ذلك اعتمادا على القرينة ، وقد يقطع ~~النظر على اعتبار متعلق فينزل الفعل منزلة الأفعال غير النسبية لقصد ~~التعميم في المتعلقات وأكثر ذلك إذا جمع بين الفعلين كقوله هنا { ما تقدم ~~من ذنبك ms7778 وما تأخر } ( الفتح : 2 ) . والمراد ب { ما تقدم } : تعميم المغفرة ~~للذنب كقوله : { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } ( البقرة : 255 ) ، فلا ~~يقتضي ذلك أنه فرط منه ذنب أو أنه سيقع منه ذنب وإنما المقصود أنه تعالى ~~رفع قدره رفعة عدم المؤاخذة بذنب لو قدر صدوره منه وقد مضى شيء من بيان ~~معنى الذنب عند قوله تعالى : { واستغفر لذنبك في سورة القتال . # وإنما أسند فعل ليغفر } إلى اسم الجلالة العلم وكان مقتضى الظاهر أن يسند ~~إلى الضمير المستتر قصدا للتنويه بهذه المغفرة لأن الاسم الظاهر أنفذ في ~~السمع وأجلب للتنبيه وذلك للاهتمام بالمسند وبمتعلقه لأن هذا الخبر أنف لم ~~يكن PageV26P147 للرسول صلى الله عليه وسلمعلم به ولذلك لم يبرز الفاعل في ~~{ ويتم نعمته عليك ويهديك } لأن إنعام الله عليه معلوم وهدايته معلومة ~~وإنما أخبر بازديادهما . # وإتمام النعمة : إعطاء ما لم يكن أعطاه إياه من أنواع النعمة مثل إسلام ~~قريش وخلاص بلاد الحجاز كلها للدخول تحت حكمه ، وخضوع من عانده وحاربه ، ~~وهذا ينظر إلى قوله تعالى : { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي } ~~( المائدة : 3 ) فذلك ما وعد به الرسول صلى الله عليه وسلمفي هذه الآية ~~وحصل بعد سنين . # ومعنى { ويهديك صراطا مستقيما } : يزيدك هديا لم يسبق وذلك بالتوسيع في ~~بيان الشريعة والتعريف بما لم يسبق تعريفه به منها ، فالهداية إلى الصراط ~~المستقيم ثابتة للنبيء صلى الله عليه وسلممن وقت بعثته ولكنها تزداد بزيادة ~~بيان الشريعة وبسعة بلاد الإسلام وكثرة المسلمين مما يدعو إلى سلوك طرائق ~~كثيرة في إرشادهم وسياستهم وحماية أوطانهم ودفع أعدائهم ، فهذه الهداية ~~متجمعة من الثبات على ما سبق هديه إليه ، ومن الهداية إلى ما لم يسبق إليه ~~وكل ذلك من الهداية . # والصراط المستقيم : مستعار للدين الحق كما تقدم في سورة الفاتحة . وتنوين ~~{ صراطا } للتعظيم . وانتصب { صراطا } على أنه مفعول ثان ل { يهدي } بتضمين ~~معنى الإعطاء ، أو بنزع الخافض كما تقدم في الفاتحة . # والنصر العزيز : غير نصر الفتح المذكور لأنه جعل علة الفتح فهو ما كان من ~~فتح مكة ms7779 وما عقبه من دخول قبائل العرب في الإسلام بدون قتال . وبعثهم ~~الوفود إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليتلقوا أحكام الإسلام ويعلموا ~~أقوامهم إذا رجعوا إليهم . ووصف النصر بالعزيز مجاز عقلي وإنما العزيز هو ~~النبي صلى الله عليه وسلم المنصور ، أو أريد بالعزيز المعز كالسميع في قول ~~عمرو بن معد يكرب : # آمن ريحانة الداعي السميع # أي المسمع ، وكالحكيم على أحد تأويلين . # والعزة : المنعة . # وإنما أظهر اسم الجلالة في قوله : { وينصرك الله } ولم يكتف بالضمير ~~اهتماما PageV26P148 بهذا النصر وتشريعا له بإسناده إلى الاسم الظاهر ~~لصراحة الظاهر والصراحة أدعى إلى السمع ، والكلام مع الإظهار أعلق بالذهن ~~كما تقدم في { ليغفر لك الله } . # # هذه الجملة بدل اشتمال من مضمون جملة { وينصرك الله نصرا عزيزا } ( الفتح ~~: 3 ) . وحصل منها الانتقال إلى ذكر حظ المسلمين من هذا الفتح فإن المؤمنين ~~هم جنود الله الذين قد نصر النبي صلى الله عليه وسلم بهم كما قال تعالى : { ~~هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين } ( الأنفال : 62 ) فكان في ذكر عناية الله ~~بإصلاح نفوسهم وإذهاب خواطر الشيطان عنهم وإلهامهم إلى الحق في ثبات عزمهم ~~، وقرارة إيمانهم تكوين لأسباب نصر النبي صلى الله عليه وسلم والفتح ~~الموعود به ليندفعوا حين يستنفرهم إلى العدو بقلوب ثابتة ، ألا ترى أن ~~المؤمنين تبلبلت نفوسهم من صلح الحديبية إذ انصرفوا عقبه عن دخول مكة بعد ~~أن جاؤوا للعمرة بعدد عديد حسبوه لا يغلب ، وأنهم إن أرادهم العدو بسوء أو ~~صدهم عن قصدهم قابلوه فانتصروا عليه وأنهم يدخلون مكة قسرا . وقد تكلموا في ~~تسمية ما حل بهم يومئذ فتحا كما علمت مما تقدم فلما بين لهم الرسول صلى ~~الله عليه وسلم ما فيه من الخير اطمأنت نفوسهم بعد الاضطراب ورسخ يقينهم ~~بعد خواطر الشك فلولا ذلك الاطمئنان والرسوخ لبقوا كاسفي البال شديدي ~~البلبال ، فذلك الاطمئنان هو الذي سماه الله بالسكينة ، وسمي إحداثه في ~~نفوسهم إنزالا للسكينة في قلوبهم فكان النصر مشتملا على أشياء من أهمها ~~إنزال السكينة ، وكان إنزال السكينة بالنسبة إلى هذا النصر نظير التأليف ms7780 ~~بين قلوب المؤمنين مع اختلاف قبائلهم وما كان بينهما من الأمن في الجاهلية ~~بالنسبة للنصر الذي في قوله تعالى : { هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف ~~بين قلوبهم } ( الأنفال : 62 ، 63 ) . # وإنزالها : إيقاعها في العقل والنفس وخلق أسبابها الجوهرية والعارضة ، ~~وأطلق على ذلك الإيقاع فعل الإنزال تشريفا لذلك الوجدان بأنه كالشيء الذي ~~هو مكان مرتفع فوق الناس فألقي إلى قلوب الناس ، وتلك رفعة تخييليه مراد ~~بها شرف ما PageV26P149 أثبتت له على طريقة التخييلية . ولما كان من عواقب ~~تلك السكينة أنها كانت سببا لزوال ما يلقيه الشيطان في نفوسهم من التأويل ~~لوعد الله إياهم بالنصر على غير ظاهره ، وحمله على النصر المعنوي ~~لاستبعادهم أن يكون ذلك فتحا ، فلما أنزل الله عليهم السكينة اطمأنت نفوسهم ~~، فزال ما خامرها وأيقنوا أنه وعد الله وأنه واقع فانقشع عنهم ما يوشك أن ~~يشكك بعضهم فيلتحق بالمنافقين الظانين بالله ظن السوء فإن زيادة الأدلة ~~تؤثر رسوخ المستدل عليه في العقل وقوة التصديق . وهذا اصطلاح شائع في ~~القرآن وجعل ذلك الازدياد كالعلة لإنزال السكينة في قلوبهم لأن الله علم أن ~~السكينة إذ حصلت في قلوبهم رسخ إيمانهم ، فعومل المعلوم حصوله من الفعل ~~معاملة العلة وأدخل عليه حرف التعليل وهو لام كي وجعلت قوة الإيمان بمنزلة ~~إيمان آخر دخل على الإيمان الأسبق لأن الواحد من أفراد الجنس إذا انضم إلى ~~أفراد أخر زادها قوة فلذلك علق بالإيمان ظرف { مع } في قوله : { مع إيمانهم ~~} فكان في ذلك الحادث خير عظيم لهم كما كان فيه خير للنبيء صلى الله عليه ~~وسلم بأن كان سببا لتشريفه بالمغفرة العامة ولإتمام النعمة عليه ولهدايته ~~صراطا مستقيما ولنصره نصرا عزيزا ، فأعظم به حدثا أعقب هذا الخير للرسول ~~صلى الله عليه وسلم ولأصحابه . # . # تذييل للكلام السابق لأنه أفاد أن لا عجب في أن يفتح الله لك فتحا عظيما ~~وينصرك على أقوام كثيرين أشداء نصرا صحبه إنزال السكينة في قلوب المؤمنين ~~بعد أن خامرهم الفشل وانكسار الخواطر ، فالله من يملك جميع وسائل النصر وله ~~القوة القاهرة في ms7781 السماوات والأرض وما هذا نصر إلا بعض مما لله من القوة ~~والقهر . # والواو اعتراضية وجملة التذييل معترضة بين جملة { ليزدادوا إيمانا مع ~~إيمانهم } وبين متعلقها وهو { ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات } ( الفتح : 5 ~~) الآية . # وأطلق على أسباب النصر الجنود تشبيها لأسباب النصر بالجنود التي تقاتل ~~وتنتصر . PageV26P150 # وفي تعقيب جملة { هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين } بجملة التذييل ~~إشارة إلى أن المؤمنين من جنود الله وأن إنزال السكينة في قلوبهم تشديد ~~لعزائمهم فتخصيصهم بالذكر قبل هذا العموم وبعده تنويه بشأنهم ، ويومىء إلى ~~ذلك قوله بعد { ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات } الآية . # فمن جنود السماوات : الملائكة الذين أنزلوا يوم بدر ، والريح التي أرسلت ~~على العدو يوم الأحزاب ، والمطر الذي أنزل يوم بدر فثبت الله به أقدام ~~المسلمين . ومن جنود الأرض جيوش المؤمنين وعديد القبائل الذين جاءوا مؤمنين ~~مقاتلين مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة مثل بني سليم ، ووفود ~~القبائل الذين جاءوا مؤمنين طائعين دون قتال في سنة الوفود . # والجنود : جمع جند ، والجند اسم لجماعة المقاتلين لا واحد له من لفظه ~~وجمعه باعتبار تعدد الجماعات لأن الجيش يتألف من جنود : مقدمة وميمنة ~~وميسرة وقلب وساقة . # وتقديم المسند على المسند إليه في { ولله جنود السماوات والأرض } لإفادة ~~الحصر ، وهو حصر ادعائي إذ لا اعتداد بما يجمعه الملوك والفاتحون من الجنود ~~لغلبة العدو بالنسبة لما لله من الغلبة لأعدائه والنصر لأوليائه . وجملة { ~~وكان الله عليما حكيما } تذييل لما قبله من الفتح والنصر وإنزال السكينة في ~~قلوب المؤمنين . # والمعنى : أنه عليم بأسباب الفتح والنصر وعليم بما تطمئن به قلوب المؤمين ~~بعد البلبلة وأنه حكيم يضع مقتضيات علمه في مواضعها المناسبة وأوقاتها ~~الملائمة . # اللام للتعليل متعلقة بفعل { ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم } ( الفتح : 4 ) ~~فما بعد اللام علة لعلة إنزال السكينة فتكون علة لإنزال السكينة أيضا ~~بواسطة أنه علة العلة . PageV26P151 # وذكر المؤمنات مع المؤمنين هنا لدفع توهم أن يكون الوعد بهذا الإدخال ~~مختصا بالرجال . وإذ كانت صيغة الجمع صيغة المذكر مع ما قد يؤكد هذا التوهم ms7782 ~~من وقوعه علة أو علة علة للفتح وللنصر وللجنود وكلها من ملابسات الذكور ، ~~وإنما كان للمؤمنات حظ في ذلك لأنهن لا يخلون من مشاركة في تلك الشدائد ممن ~~يقمن منهن على المرضى والجرحى وسقي الجيش وقت القتال ومن صبر بعضهن على ~~الثكل أو التأيم ، ومن صبرهن على غيبة الأزواج والأبناء وذوي القرابة . ~~والإشارة في قوله { وكان ذلك } إلى المذكور من إدخال الله إياهم الجنة . # والمراد بإدخالهم الجنة إدخال خاص وهو إدخالهم منازل المجاهدين وليس هو ~~الإدخال الذي استحقوه بالإيمان وصالح الأعمال الأخرى . ولذلك عطف عليه { ~~ويكفر عنهم سيئاتهم } . # والفوز : مصدر ، وهو الظفر بالخير والنجاح . و { عند الله } متعلق ب { ~~فوزا } ، أي فازوا عند الله بمعنى : لقوا النجاح والظفر في معاملة الله لهم ~~بالكرامة وتقديمه على متعلقه للاهتمام بهذه المعاملة ذات الكرامة . # الحديث عن جنود الله في معرض ذكر نصر الله يقتضي لا محالة فريقا مهزوما ~~بتلك الجنود وهم العدو ، فإذا كان النصر الذي قدره الله معلولا بما بشر به ~~المؤمنين فلا جرم اقتضى أنه معلول بما يسوء العدو وحزبه ، فذكر الله من علة ~~ذلك النصر أنه يعذب بسببه المنافقين حزب العدو ، والمشركين صميم العدو ، ~~فكان قوله : { ويعذب المنافقين } معطوفا على { ليدخل المؤمنين والمؤمنات ~~جنات } ( الفتح : 5 ) . # والمراد : تعذيب خاص زائد على تعذيبهم الذي استحقوه بسبب الكفر والنفاق ~~وقد أومأ إلى ذلك قوله بعده { عليهم دائرة السوء } . PageV26P152 # والابتداء بذكر المنافقين في التعذيب قبل المشركين لتنبيه المسلمين بأن ~~كفر المنافقين خفي فربما غفل المسلمون عن هذا الفريق أو نسوه . # كان المنافقون لم يخرج منهم أحد إلى فتح مكة ولا إلى عمرة القضية لأنهم ~~لا يحبون أن يراهم المشركون متلبسين بأعمال المسلمين مظاهرين لهم ولأنهم ~~كانوا يحسبون أن المشركين يدافعون المسلمين عن مكة وأنه يكون النصر ~~للمشركين . # والتعذيب : إيصال العذاب إليهم وذلك صادق بعذاب الدنيا بالسيف كما قال ~~تعالى : { يعذبهم الله بأيديكم } ( التوبة : 14 ) وقال : { يا أيها النبي ~~جاهد الكفار والمنافقين } ( التوبة : 73 ) ، وبالوجل ، وحذر الافتضاح ، ~~وبالكمد من رؤية المؤمنين منصورين سالمين قال ms7783 تعالى : { قل موتوا بغيظكم } ~~( آل عمران : 119 ) وقال : { إن تصبك حسنة تسوءهم } ( التوبة : 50 ) وصادق ~~بعذاب الآخرة وهو ما خص بالذكر في آخر الآية بقوله : { وأعد لهم جهنم } . # وعطف { المنافقات } نظير عطف { المؤمنات } ( الفتح : 5 ) المتقدم لأن ~~نساء المنافقين يشاركنهم في أسرارهم ويحضون ما يبيتونه من الكيد ويهيئون ~~لهم إيواء المشركين إذا زاروهم . # وقوله : { الظانين } صفة للمذكورين من المنافقين والمنافقات والمشركين ~~والمشركات فإن حق الصفة الواردة بعد متعدد أن تعود إلى جميعه ما لم يكن ~~مانع لفظي أو معنوي . # والسوء بفتح السين في قوله : { ظن السوء } في قراءة جميع العشرة ، وأما ~~في قولهم { عليهم دائرة السوء } فهو في قراءة الجمهور بالفتح أيضا . وقرأه ~~ابن كثير وأبو عمرو وحده بضم السين . والمفتوح والمضموم مترادفان في أصل ~~اللغة ومعناهما المكروه ضد السرور ، فهما لغتان مثل : الكره والكره ، الضعف ~~والضعف ، والضر والضر ، والبأس والبؤس . هذا عن الكسائي وتبعه الزمخشري ~~وبينه الجوهري بأن المفتوح مصدر والمضموم اسم مصدر ، إلا أن الاستعمال غلب ~~المفتوح في أن يقع وصفا لمذموم مضافا إليه موصوفه كما وقع في هذه الآية وفي ~~قوله : { ويتربص بكم الدوائر عليهم دائرة السوء في سورة براءة ، وغلب ~~المضموم في معنى الشيء الذي هو بذاته شر . PageV26P153 فإضافة الظن إلى ~~السوء من إضافة الموصوف إلى الصفة . # والمراد : ظنهم بالله أنهم لم يعد الرسول بالفتح ولا أمره بالخروج إلى ~~العمرة ولا يقدر للرسول النصر لقلة أتباعه وعزة أعدائه ، فهذا ظن سوء ~~بالرسول ، وهذا المناسب لقراءته بالفتح . # وأما دائرة السوء } في قراءة الجمهور فهي الدائرة التي تسوء أولئك ~~الظانين بقرينة قوله : { عليهم } ، ولا التفات إلى كونها محمودة عند ~~المؤمنين إذ ليس المقام لبيان ذلك والإضافة مثل إضافة { ظن السوء } ، وأما ~~في قراءة ابن كثير وأبي عمرو فإضافة { دائرة } المضموم من إضافة الأسماء ، ~~أي الدائرة المختصة بالسوء والملازمة له لا من إضافة الموصوف . وليس في ~~قراءتهما خصوصية زائدة على قراءة الجمهور ولكنها جمعت بين الاستعمالين ففتح ~~السوء الأول متعين وضم الثاني جائز وليس براجح والاختلاف اختلاف في الرواية ms7784 ~~. # وجملة { عليهم دائرة السوء } دعاء أو وعيد ، ولذلك جاءت بالاسمية ~~لصلوحيتها لذلك بخلاف جملة { وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم } فإنها ~~إخبار عما جنوه من سوء فعلهم فالتعبير بالماضي منه أظهر . # هذا نظير ما تقدم آنفا إلا أن هذا أوثر بصفة عزيز دون عليم لأن المقصود ~~من ذكر الجنود هنا الإنذار والوعيد بهزائم تحل بالمنافقين والمشركين فكما ~~ذكر { ولله جنود السماوات والأرض } فيما تقدم للإشارة إلى أن نصر النبي صلى ~~الله عليه وسلم يكون بجنود المؤمنين وغيرهما ذكر ما هنا للوعيد بالهزيمة ~~فمناسبة صفة عزيز ، أي لا يغلبه غالب . PageV26P154 # ( 8 ، 9 ) # لما أريد الانتقال من الوعد بالفتح والنصر وما اقتضاه ذلك مما اتصل به ~~ذكره إلى تبيين ما جرى في حادثة الحديبية وإبلاغ كل ذي حظ من تلك القضية ~~نصيبه المستحق ثناء أو غيره صدر ذلك بذكر مراد الله من إرسال رسوله صلى ~~الله عليه وسلم ليكون ذلك كالمقدمة للقصة وذكرت حكمة الله تعالى في إرساله ~~ما له مزيد اختصاص بالواقعة المتحدث عنها ، فذكرت أوصاف ثلاثة هي : شاهد ، ~~ومبشر ، ونذير . وقدم منها وصف الشاهد لأنه يتفرع عنه الوصفان بعده . # فالشاهد : المخبر بتصديق أحد أو تكذيبه فيما ادعاه أو ادعي به عليه وتقدم ~~في قوله : { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا في ~~سورة النساء وقوله : ويكون الرسول عليكم شهيدا في سورة البقرة . # فالمعنى : أرسلناك في حال أنك تشهد على الأمة بالتبليغ بحيث لا يعذر ~~المخالفون عن شريعتك فيما خالفوا فيه ، وتشهد على الأمم وهذه الشهادة حاصلة ~~في الدنيا وفي يوم القيامة ، فانتصب شاهدا } على أنه حال ، وهو حال مقارنة ~~ويترتب على التبليغ الذي سيشهد به أنه مبشر للمطيعين ونذير للعاصين على ~~مراتب العصيان . والكلام استئناف ابتدائي وتأكيده بحرف التأكيد للاهتمام . # وقوله : { لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا } . ~~قرأ الجمهور الأفعال الأربعة { لتؤمنوا وتعزروه وتوقروه وتسبحوه } بالمثناة ~~الفوقية في الأفعال الأربعة فيجوز أن تكون اللام في { لتؤمنوا } لام كي ~~مفيدة للتعليل ومتعلقة بفعل { أرسلناك ms7785 } . # والخطاب يجوز أن يكون للنبيء صلى الله عليه وسلم مع أمة الدعوة ، أي ~~لتؤمن أنت والذين أرسلت إليهم شاهدا ومبشرا ونذيرا ، والمقصود الإيمان ~~بالله . وأقحم { ورسوله } لأن الخطاب شامل للأمة وهم مأمورون بالإيمان ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم مأمور بأن ~~يؤمن بأنه رسول الله ولذلك كان يقول في تشهده : ( وأشهد أن PageV26P155 ~~محمدا عبده ورسوله ) وقال يوم حنين : ( أشهد أني عبد الله ورسوله ) . وصح ~~أنه كان يتابع قول المؤذن ( أشهد أن محمدا رسول الله ) . ويجوز أن يكون ~~الخطاب للناس خاصة ولا إشكال في عطف { ورسوله } . ويجوز أن يكون الكلام قد ~~انتهى عند قوله { ونذيرا } وتكون جملة { لتؤمنوا بالله } الخ جملة معترضة ، ~~ويكون اللام في قوله { لتؤمنوا } لام الأمر وتكون الجملة استئنافا للأمر ~~كما في قوله تعالى : { آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه ~~في سورة الحديد . # وقرأه ابن كثير وأبو عمرو بياء الغيبة فيها ، والضمائر عائدة إلى معلوم ~~من السياق لأن الشهادة والتبشير والنذارة متعينة للتعلق بمقدر ، أي شاهدا ~~على الناس ومبشرا ونذيرا لهم ليؤمنوا بالله الخ . # والتعزيز : النصر والتأييد ، وتعزيزهم الله كقوله : إن تنصروا الله } ( ~~محمد : 7 ) . والتوقير : التعظيم . والتسبيح : الكلام الذي يدل على تنزيه ~~الله تعالى عن كل النقائص . # وضمائر الغيبة المنصوبة الثلاثة عائدة إلى اسم الجلالة لأن إفراد الضمائر ~~مع كون المذكور قبلها اسمين دليل على أن المراد أحدهما . والقرينة على ~~تعيين المراد ذكر { وتسبحوه } ، ولأن عطف { ورسوله } على لفظ الجلالة ~~اعتداد بأن الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم إيمان بالله فالمقصود هو ~~الإيمان بالله . ومن أجل ذلك قال ابن عباس في بعض الروايات عنه : إن ضمير { ~~تعزروه وتوقروه } عائد إلى { رسوله } . # والبكرة : أول النهار . والأصيل : آخره ، وهما كناية عن استيعاب الأوقات ~~بالتسبيح والإكثار منه ، كما يقال : شرقا وغربا لاستيعاب الجهات . وقيل ~~التسبيح هنا : كناية عن الصلوات الواجبة والقول في { بكرة وأصيلا } هو هو . # وقد وقع في سورة الأحزاب نظير هذه الآية وهو قوله : { يا أيها النبي إنا ~~أرسلناك PageV26P156 شاهدا ms7786 ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا ~~منيرا } ( الأحزاب : 45 ، 46 ) ، فزيد في صفات النبي صلى الله عليه وسلم ~~هنالك { وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا } ولم يذكر مثله في الآية هذه ~~التي في سورة الفتح . ووجه ذلك أن هذه الآية التي في سورة الفتح وردت في ~~سياق إبطال شك الذين شكوا في أمر الصلح والذين كذبوا بوعد الفتح والنصر ، ~~والثناء على الذين اطمأنوا لذلك فاقتصر من أوصاف النبي صلى الله عليه وسلم ~~على الوصف الأصلي وهو أنه شاهد على الفريقين وكونه مبشرا لأحد الفريقين ~~ونذيرا للآخر ، بخلاف آية الأحزاب فإنها وردت في سياق تنزيه النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن مطاعن المنافقين والكافرين في تزوجه زينب بنت جحش بعد أن ~~طلقها زيد بن حارثة بزعمهم أنها زوجة ابنه ، فناسب أن يزاد في صفاته ما فيه ~~إشارة إلى التمحيص بين ما هو من صفات الكمال وما هو من الأوهام الناشئة عن ~~مزاعم كاذبة مثل التبني ، فزيد كونه { داعيا إلى الله بإذنه } ، أي لا يتبع ~~مزاعم الناس ورغباتهم وأنه سراج منير يهتدي به من همته في الاهتداء دون ~~التقعير . # وقد تقدم في تفسير سورة الأحزاب حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي في صفة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في ( التوراة ) فارجع إليه . # شروع في الغرض الأصلي من هذه السورة ، وهذه الجملة مستأنفة ، وأكد بحرف ~~التأكيد للاهتمام ، وصيغة المضارع في قوله : { يبايعونك } لاستحضار حالة ~~المبايعة الجليلة لتكون كأنها حاصلة في زمن نزول هذه الآية مع أنها قد ~~انقضت وذلك كقوله تعالى : { ويصنع الفلك } ( هود : 38 ) . # والحصر المفاد من { إنما } حصر الفعل في مفعوله ، أي لا يبايعون إلا الله ~~وهو قصر ادعائي بادعاء أن غاية البيعة وغرضها هو النصر لدين الله ورسوله ~~فنزل الغرض منزلة الوسيلة فادعى أنهم بايعوا الله لا الرسول . PageV26P157 ~~وحيث كان الحصر تأكيدا على تأكيد ، كما قال صاحب ( المفتاح ) : ( لم أجعل ( ~~إن ) التي في مفتتح الجملة للتأكيد لحصول التأكيد بغيرها فجعلتها للاهتمام ~~بهذا الخبر ليحصل بذلك غرضان ) . # وانتقل ms7787 من هذا الادعاء إلى تخيل أن الله تعالى يبايعه المبايعون فأثبتت ~~له اليد التي هي من روادف المبايع بالفتح على وجه التخييلية مثل إثبات ~~الأظفار للمنية . # وقد هيأت صيغة المبايعة لأن تذكر بعدها الأيدي لأن المبايعة يقارنها وضع ~~المبايع يده في يد المبايع بالفتح كما قال كعب بن زهير : # حتى وضعت يميني لا أنازعه # في كف ذي يسرات قيله القيل # ومما زاد هذا التخييل حسنا ما فيه من المشاكلة بين يد الله وأيديهم كما ~~قال في ( المفتاح ) : والمشاكلة من المحسنات البديعية والله منزه عن اليد ~~وسمات المحدثات . # فجملة { يد الله فوق أيديهم } مقررة لمضمون جملة { إن الذين يبايعونك ~~إنما يبايعون الله } المفيدة أن بيعتهم النبي صلى الله عليه وسلم في الظاهر ~~، هي بيعة منهم لله في الواقع فقررته جملة { يد الله فوق أيديهم } وأكدته ~~ولذلك جردت عن حرف العطف . وجعلت اليد المتخيلة فوق أيديهم : إما لأن ~~إضافتها إلى الله تقتضي تشريفها بالرفعة على أيدي الناس كما وصفت في المعطي ~~بالعليا في قول النبي صلى الله عليه وسلم ( اليد العليا خير من اليد السفلى ~~واليد العليا هي المعطية واليد السفلى هي الآخذة ) ، وإما لأن المبايعة ~~كانت بأن يمد المبايع كفه أمام المبايع بالفتح ويضع هذا المبايع يده على يد ~~المبايع ، فالوصف بالفوقية من تمام التخييلية . ويشهد لهذا ما في ( صحيح ~~مسلم ) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بايعه الناس كان عمر آخذا بيد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أي كان عمر يضع يد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في أيدي الناس كيلا يتعب بتحريكها لكثرة المبايعين فدل على أن يد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كانت توضع على يد المبايعين . وأيا ما كان فذكر ~~الفوقية هنا ترشيح للاستعارة وإغراق في التخيل . # والمبايعة أصلها مشتقة من البيع فهي مفاعلة لأن كلا المتعاقدين بائع ، ~~ونقلت PageV26P158 إلى معنى العهد على الطاعة والنصرة قال تعالى : { يا ~~أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا } ( ~~الممتحنة : 12 ms7788 ) الآية وهي هنا بمعنى العهد على النصرة والطاعة . وهي ~~البيعة التي بايعها المسلمون النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية تحت ~~شجرة من السمر وكانوا ألفا وأربعمائة على أكثر الروايات . وقال جابر بن عبد ~~الله : أو أكثر ، وعنه : أنهم خمس عشرة مائة . وعن عبد الله بن أبي أوفى ~~كانوا ثلاث عشرة مائة . وأول من بايع النبي صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة ~~أبو سنان الأسدي . وتسمى بيعة الرضوان لقول الله تعالى { لقد رضي الله عن ~~المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة } ( الفتح : 18 ) . # وكان سبب هذه البيعة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل عثمان بن عفان ~~من الحديبية إلى أهل مكة ليفاوضهم في شأن التخلية بين المسلمين وبين ~~الاعتمار بالبيت فأرجف بأن عثمان قتل فعزم النبي صلى الله عليه وسلم على ~~قتالهم لذلك ودعا من معه إلى البيعة على أن لا يرجعوا حتى يناجزوا القوم ، ~~فكان جابر بن عبد الله يقول : بايعوه على أن لا يفروا ، وقال سلمة بن ~~الأكوع وعبد الله بن زيد : بايعناه على الموت ، ولا خلاف بين هذين لأن عدم ~~الفرار يقتضي الثبات إلى الموت . ولم يتخلف أحد ممن خرج مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلى الحديبية عن البيعة إلا عثمان إذ كان غائبا بمكة للتفاوض في ~~شأن العمرة ، ووضع النبي صلى الله عليه وسلم يده اليمنى على يده اليسرى ~~وقال : ( هذه يد عثمان ) ثم جاء عثمان فبايع ، وإلا الجد بن قيس السلمى ~~اختفى وراء جمله حتى بايع الناس ولم يكن منافقا ولكنه كان ضعيف العزم . ~~وقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم أنتم خير أهل الأرض . # وفرع قوله : { فمن نكث فإنما ينكث على نفسه } على جملة { إن الذين ~~يبايعونك إنما يبايعون الله } ، فإنه لما كشف كنه هذه البيعة بأنها مبايعة ~~لله ضرورة أنها مبايعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم باعتبار رسالته عن ~~الله صار أمر هذه البيعة عظيما خطيرا في الوفاء بما وقع عليه التبايع وفي ~~نكث ذلك . # والنكث : كالنقض للحبل . قال تعالى ms7789 : { ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من ~~PageV26P159 بعد قوة أنكاثا } ( النحل : 92 ) . وغلب النكث في معنى النقض ~~المعنوي كإبطال العهد . # والكلام تحذير من نكث هذه البيعة وتفظيع له لأن الشرط يتعلق بالمستقبل . ~~ومضارع { ينكث } بضم الكاف في المشهور واتفق عليه القراء . ومعنى { فإنما ~~ينكث على نفسه } : أن نكثه عائد عليه بالضر كما دل عليه حرف على . # و { إنما } للقصر وهو لقصر النكث على مدلول { على نفسه } ليراد لا يضر ~~بنكثه إلا نفسه ولا يضر الله شيئا فإن نكث العهد لا يخلو من قصد إضرار ~~بالمنكوث ، فجيء بقصر القلب لقلب قصد الناكث على نفسه دون على النبي صلى ~~الله عليه وسلم ويقال : أوفى بالعهد وهي لغة تهامة ، ويقال : وفي بدون همز ~~وهي لغة عامة العرب ، ولم تجيء في القرآن إلا الأولى . قالوا : ولم ينكث ~~أحد ممن بايع . # والظاهر عندي : أن سبب المبايعة قد انعدم بالصلح الواقع بين النبي صلى ~~الله عليه وسلم وبين أهل مكة وأن هذه الآية نزلت فيما بين ساعة البيعة وبين ~~انعقاد الهدنة وحصل أجر الإيفاء بالنية عدمه لو نزل ما عاهدوا الله عليه . ~~وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر ورويس عن يعقوب { فسنؤتيه } بنون العظمة على ~~الالتفات من الغيبة إلى التكلم . وقرأه الباقون بياء الغيبة عائدا ضميره ~~على اسم الجلالة . # # لما حذر من النكث ورغب في الوفاء أتبع ذلك بذكر التخلف عن الانضمام إلى ~~جيش النبي صلى الله عليه وسلم حين الخروج إلى عمرة الحديبية وهو ما فعله ~~الأعراب الذين كانوا نازلين حول المدينة وهم ست قبائل : غفار ومزينة وجهينة ~~وأشجع وأسلم والديل بعد أن بايعوه على الخروج معه فإن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم PageV26P160 لما أراد المسير إلى العمرة استنفر من حول المدينة ~~منهم ليخرجوا معه فيرهبه أهل مكة فلا يصدوه عن عمرته فتثاقل أكثرهم عن ~~الخروج معه . وكان من أهل البيعة زيد بن خالد الجهني من جهينة وخرج مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم من أسلم مائة رجل منهم مرداس بن مالك الأسلمي ~~والد عباس ms7790 الشاعر وعبد الله بن أبي أوفى وزاهر بن الأسود ، وأهبان بضم ~~الهمزة بن أوس ، وسلمة بن الأكوع الأسلمي ، ومن غفار خفاف بضم الخاء ~~المعجمة بن أيماء بفتح الهمزة بعدها تحتية ساكنة ، ومن مزينة عائذ بن عمرو ~~. وتخلف عن الخروج معه معظمهم وكانوا يومئذ لم يتمكن الإيمان من قلوبهم ~~ولكنهم لم يكونوا منافقين ، وأعدوا للمعذرة بعد رجوع النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنهم شغلتهم أموالهم وأهلوهم ، فأخبر الله رسوله صلى الله عليه وسلم ~~بما بيتوه في قلوبهم وفضح أمرهم من قبلل أن يعتذروا . وهذه من معجزات ~~القرآن بالأخبار التي قبل وقوعه . # فالجملة مستأنفة استئنافا ابتدائيا لمناسبة ذكر الإيفاء والنكث ، فكمل ~~بذكر من تخلفوا عن الداعي للعهد . والمعنى : أنهم يقولون ذلك عند مرجع ~~النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة معتذرين كاذبين في اعتذارهم . # والمخلفون بفتح اللام هم الذين تخلفوا . وأطلق عليهم المخلفون أي غيرهم ~~خلفهم وراءه ، أي تركهم خلفه ، وليس ذلك بمقتض أنهم مأذون لهم بل المخلف هو ~~المتروك مطلقا . يقال : خلفنا فلانا ، إذا مروا به وتركوه لأنهم اعتذروا من ~~قبل خروج النبي صلى الله عليه وسلم فعذرهم بخلاف الأعراب فإنهم تخلف أكثرهم ~~بعد أن استنفروا ولم يعتذروا حينئذ . # والأموال : الإبل . # وأهلون : جمع أهل على غير قياس لأنه غير مستوفي لشروط الجمع بالواو ~~والنون أو الياء والنون ، فعد مما ألحق بجمع المذكر السالم . # ومعنى فاستغفر لنا : اسأل لنا المغفرة من الله إذ كانوا مؤمنين فهو طلب ~~PageV26P161 حقيقي لأنهم كانوا مؤمنين ولكنهم ظنوا أن استغفار النبي صلى ~~الله عليه وسلم لهم يمحو ما أضمروه من النكث وذهلوا عن علم الله بما أضمروه ~~كدأب أهل الجهالة فقد قتل اليهود زكرياء مخافة أن تصدر منه دعوة عليهم حين ~~قتلوا ابنه يحيى ولذلك عقب قولهم هنا بقوله تعالى : { بل كان الله بما ~~تعملون خبيرا } الآية . # وجملة { يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم } في موضع الحال . ويجوز أن ~~تكون بدل اشتمال من جملة { سيقول لك المخلفون } . # والمعنى : أنهم كاذبون فيما زعموه من الاعتذار ، وإنما كان تخلفهم ms7791 لظنهم ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم يقصد قتال أهل مكة أو أن أهل مكة مقاتلوه لا ~~محالة وأن الجيش الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم لا يستطيعون أن ~~يغلبوا أهل مكة ، فقد روي أنهم قالوا : يذهب إلى قوم غزوه في عقر داره ~~بالمدينة يعنون غزوة الأحزاب وقتلوا أصحابه فيقاتلهم وظنوا أنه لا ينقلب ~~إلى المدينة وذلك من ضعف يقينهم . # . # أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم ما فيه رد أمرهم إلى الله ~~ليعلمهم أن استغفاره الله لهم لا يكره الله على المغفرة بل الله يفعل ما ~~يشاء إذا أراده فإن كان أراد بهم نفعا نفعهم وإن كان أراد بهم ضرا ضرهم فما ~~كان من النصح لأنفسهم أن يتورطوا فيما لا يرضي الله ثم يستغفرونه . فلعله ~~لا يغفر لهم ، فالغرض من هذا تخويفهم من عقاب ذنبهم إذ تخلفوا عن نفير ~~النبي صلى الله عليه وسلم وكذبوا في الاعتذار ليكثروا من التوبة وتدارك ~~الممكن كما دل عليه قوله تعالى بعده { قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى ~~قوم } ( الفتح : 16 ) الآية . # فمعنى { إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا } هنا الإرادة التي جرت على ~~وفق علمه تعالى من إعطائه النفع إياهم أو إصابته بضر وفي هذا الكلام توجيه ~~بأن PageV26P162 تخلفهم سبب في حرمانهم من فضيلة شهود بيعة الرضوان وفي ~~حرمانهم من شهود غزوة خيبر بنهيه عن حضورهم فيها . # ومعنى الملك هنا : القدرة والاستطاعة ، أي لا يقدر أحد أن يغير ما أراده ~~الله وتقدم نظير هذا التركيب في قوله تعالى : { قل فمن يملك من الله شيئا ~~إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم في سورة العقود . # والغالب في مثل هذا أن يكون لنفي القدرة على تحويل الشر خيرا كقوله : ومن ~~يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا } ( المائدة : 41 ) . فكان الجري ~~على ظاهر الاستعمال مقتضيا الاقتصار على نفي أن يملك أحد لهم شيئا إذا أراد ~~الله ضرهم دون زيادة أو أراد بكم نفعا ، فتوجه هذه الزيادة ms7792 أنها لقصد ~~التتميم والاستيعاب ، ونظيره { قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم ~~سوءا أو أراد بكم رحمة في سورة الأحزاب . وقد مضى قريب من هذا في قوله ~~تعالى : قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله في سورة الأعراف ~~فراجعه . # وقرأ الجمهور ضرا } بفتح الضاد ، وقرأه حمزة والكسائي بضمها وهما بمعنى ، ~~وهو مصدر فيجوز أن يكون هنا مرادا به معنى المصدر ، أي إن أراد أن يضركم أو ~~ينفعكم . ويجوز أن يكون بمعنى المفعول كالخلق بمعنى المخلوق ، أي إن أراد ~~بكم ما يضركم وما ينفعكم . ومعنى تعلق { أراد } به أنه بمعنى أراد إيصال ما ~~يضركم أو ما ينفعكم . # وهذا الجواب لا عدة فيه من الله بأن يغفر لهم إذ المقصود تركهم في حالة ~~وجل ليستكثروا من فعل الحسنات . وقصدت مفاتحتهم بهذا الإبهام لإلقاء الوجل ~~في قلوبهم أن يغفر لهم ثم سيتبعه بقوله : { ولله ملك السماوات والأرض } ( ~~آل عمران : 189 ) الآية الذي هو أقرب إلى الإطماع . # و { بل } في قوله : { بل كان الله بما تعملون خبيرا } إضراب لإبطال قولهم ~~{ شغلتنا أموالنا وأهلونا } . وبه يزداد مضمون قوله : { يقولون بألسنتهم ما ~~ليس في قلوبهم } تقريرا لأنه يتضمن إبطالا لعذرهم ، ومن معنى الإبطال يحصل ~~بيان PageV26P163 الإجمال الذي في قوله : { كان الله بما تعملون خبيرا } إذ ~~يفيد أنه خبير بكذبهم في الاعتذار فلذلك أبطل اعتذارهم بحرف الإبطال . # وتقديم { بما تعملون } على متعلقه لقصد الاهتمام بذكر عملهم هذا . وما ~~صدق { ما تعملون } ما اعتقدوه وما ماهوا به من أسباب تخلفهم عن نفير الرسول ~~وكثيرا ما سمى القرآن الإعتقاد عملا . وفي قوله : { وكان بما تعملون خبيرا ~~} تهديد ووعيد . # هذه الجملة بدل اشتمال من جملة { بل كان الله بما تعملون خبيرا } ( الفتح ~~: 11 ) ، أي خبيرا بما علمتم ، ومنه ظنكم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون . # وأعيد حرف الإبطال زيادة لتحقيق معنى البدلية كما يكرر العامل في المبدل ~~منه والانقلاب : الرجوع إلى المأوى . # و { أن } مخففة من ( أن ) المشددة واسمها ضمير الشأن وسد المصدر مسد ms7793 ~~مفعولي { ظننتم } ، وجيء بحرف { لن } المفيد استمرار النفي . وأكد بقوله : ~~{ أبدا } لأن ظنهم كان قويا . # والتزيين : التحسين ، وهو كناية عن قبول ذلك وإنما جعل ذلك الظن مزينا في ~~اعتقادهم لأنهم لم يفرضوا غيره من الاحتمال ، وهو أن يرجع الرسول صلى الله ~~عليه وسلم سالما . وهكذا شأن العقول الواهية والنفوس الهاوية أن لا تأخذ من ~~الصور التي تتصور بها الحوادث إلا الصورة التي تلوح لها في بادىء الرأي . ~~وإنما تلوح لها أول شيء لأنها الصورة المحبوبة ثم يعتريها التزيين في العقل ~~فتلهو عن فرض غيرها فلا تستعد لحدثانه ، ولذلك قيل : حبك الشيء يعمي ويصم . # كانوا يقولون بين أقوالهم : إن محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه أكلة ~~بفتحات ثلاث رأس كناية عن القلة ، أي يشبعهم رأس بعير لا يرجعون ، أي هم ~~قليل بالنسبة لقريش والأحابيش وكنانة ، ومن في حلفهم . PageV26P164 # و { ظن السوء } أعم من ظنهم أن لا يرجع الرسول صلى الله عليه وسلم ~~والمؤمنون ، أي ظننتم ظن السوء بالدين وبمن بقي من الموقنين لأنهم جزموا ~~باستئصال أهل الحديبية وأن المشركين ينتصرون ثم يغزون المدينة بمن ينضم ~~إليهم من القبائل فيسقط في أيدي المؤمنين ويرتدون عن الدين فذلك ظن السوء . ~~والسوء بفتح السين تقدم آنفا في قوله : { الظانين بالله ظن السوء } ( الفتح ~~: 6 ) . # والبور : مصدر كالهلك بناء ومعنى ، ومثله البوار بالفتح كالهلاك ولذلك ~~وقع وصفا بالإفراد وموصوفه في معنى الجمع . والمراد الهلاك المعنوي ، وهو ~~عدم الخير والنفع في الدين والآخرة نظير قوله تعالى : { يهلكون أنفسهم في ~~سورة براءة . # وإقحام كلمة قوما } بين { كنتم } و { بورا } لإفادة أن البوار صار من ~~مقومات قوميتهم لشدة تلبسه بجميع أفرادهم كما تقدم عند قوله تعالى { لآيات ~~لقوم يعقلون في سورة البقرة . وقوله : وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا ~~يؤمنون في سورة يونس . # } # جملة معترضة بين أجزاء القول المأمور به في قوله : { قل فمن يملك لكم من ~~الله شيئا } ( الفتح : 11 ) الآيات وقوله : { ولله ملك السماوات والأرض } ( ~~آل عمران : 189 ) وهذا الاعتراض للتحذير من استدراجهم أنفسهم في ms7794 مدارج الشك ~~في إصابة أعمال الرسول صلى الله عليه وسلم أن يفضي بهم إلى دركات الكفر بعد ~~الإيمان إذ كان تخلفهم عن الخروج معه وما عللوا به تثاقلهم في نفوسهم ~~وإظهار عذر مكذوب أضمروا خلافه ، كل ذلك حوما حول حمى الشك يوشكون أن يقعوا ~~فيه . # و { من } شرطية . وإظهار لفظ الكافرين في مقام أن يقال : اعتدنا لهم ~~سعيرا ، لزيادة تقرير معنى { من لم يؤمن بالله ورسوله } . # والسعير : النار المسعرة وهو من أسماء جهنم . PageV26P165 # عطف على جملة { فمن يملك لكم من الله شيئا } ( الفتح : 11 ) فهو من أجزاء ~~القول ، وهذا انتقال من التخويف الذي أوهمه { فمن يملك لكم من الله شيئا } ~~إلى إطماعهم بالمغفرة التي سألوها ، ولذلك قدم الضر على النفع في الآية ~~الأولى فقيل { إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا } ( الفتح : 11 ) ليكون ~~احتمال إرادة الضر بهم أسبق في نفوسهم . # وقدمت المغفرة هنا بقوله : { يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء } ليتقرر معنى ~~الإطماع في نفوسهم فيبتدروا إلى استدراك ما فاتهم . وهذا تمهيد لوعدهم ~~الآتي في قوله : { قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد ~~إلى قوله : فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا } ( الفتح : 16 ) . # وزاد رجاء المغفرة تأكيدا بقوله : { وكان الله غفورا رحيما } أي الرحمة ~~والمغفرة أقرب من العقاب ، وللأمرين مواضع ومراتب في القرب والبعد ، ~~والنوايا والعوارض ، وقيمة الحسنات والسيئات ، قد أحاط الله بها وقدرها ~~تقديرا . # ولفظ { من يشاء } في الموضعين إجمال للمشيئة وأسبابها وقد بينت غير مرة ~~في تضاعيف القرآن والسنة ومن ذلك قوله : { إن الله لا يغفر أن يشرك به ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } ( النساء : 48 ) . # هذا استئناف ثان بعد قوله : { سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا ~~أموالنا وأهلونا } ( الفتح : 11 ) . وهو أيضا إعلام للنبيء صلى الله عليه ~~وسلم بما سيقوله المخلفون عن الحديبية يتعلق بتخلفهم عن الحديبية وعذرهم ~~الكاذب ، وأنهم سيندمون على تخلفهم حين يرون اجتناء أهل PageV26P166 ~~الحديبية ثمرة غزوهم ، ويتضمن تأكيد تكذيبهم في اعتذارهم عن التخلف بأنهم ~~حين يعلمون أن ms7795 هنالك مغانم من قتال غير شديد يحرصون على الخروج ولا تشغلهم ~~أموالهم ولا أهاليهم ، فلو كان عذرهم حقا لما حرصوا على الخروج إذا توقعوا ~~المغانم ولأقبلوا على الاشتغال بأموالهم وأهليهم . # ولكون هذه المقالة صدرت منهم عن قريحة ورغبة لم يؤت معها بمجرور { لك } ~~كما أتي به في قوله : { سيقول لك المخلفون } آنفا لأن هذا قول راغب صادق ~~غير مزور لأجل الترويج على النبي صلى الله عليه وسلم كما علمت ذلك فيما ~~تقدم . # واستغني عن وصفهم بأنهم من الأعراب لأن تعريف { المخلفون } تعريف العهد ، ~~أي المخلفون المذكورون . # وقوله : { إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها } متعلق ب { سيقول المخلفون } ~~وليس هو مقول القول . و { إذا } ظرف للمستقبل ، ووقوع فعل المضي بعده دون ~~المضارع مستعار لمعنى التحقيق ، و { إذا } قرينة على ذلك لأنها خاصة بالزمن ~~المستقبل . # والمراد بالمغانم في قوله : { إذا انطلقتم إلى مغانم } : الخروج إلى غزوة ~~خيبر فأطلق عليها اسم مغانم مجازا لعلاقة الأول مثل إطلاق خمرا في قوله : { ~~إني أراني أعصر خمرا } ( يوسف : 36 ) . وفي هذا المجاز إيماء إلى أنهم ~~منصورون في غزوتهم . # وأن النبي صلى الله عليه وسلم لما رجع من الحديبية إلى المدينة أقام شهر ~~ذي الحجة سنة وست وأياما من محرم سنة سبع ثم خرج إلى غزوة خيبر ورام ~~المخلفون عن الحديبية أن يخرجوا معه فمنعهم لأن الله جعل غزوة خيبر غنيمة ~~لأهل بيعة الرضوان خاصة إذ وعدهم بفتح قريب . # وقوله : { لتأخذوها } ترشيح للمجاز وهو إيماء إلى أن المغانم حاصلة لهم ~~لا محالة . # وذلك أن الله أخبر نبيئه صلى الله عليه وسلم أنه وعد أهل الحديبية أن ~~يعوضهم عن عدم دخول مكة مغانم خبير . PageV26P167 # و { مغانم } : جمع مغنم وهو اسم مشتق من غنم إذا أصاب ما فيه نفع له ~~كأنهم سموه مغنما باعتبار تشبيه الشيء المغنوم بمكان فيه غنم فصيغ له وزن ~~المفعل . # وأشعر قوله : { ذرونا } بأن النبي صلى الله عليه وسلم سيمنعهم من الخروج ~~معه إلى غزو خيبر لأن الله أمره أن لا يخرج معه إلى خيبر إلا ms7796 من حضر ~~الحديبية ، وتقدم في قوله تعالى : { وقال فرعون ذروني أقتل موسى في سورة ~~غافر . # وقوله : نتبعكم } حكاية لمقالتهم وهو يقتضي أنهم قالوا هذه الكلمة ~~استنزالا لإجابة طلبهم بأن أظهروا أنهم يخرجون إلى غزو خيبر كالأتباع ، أي ~~أنهم راضون بأن يكونوا في مؤخرة الجيش فيكون حظهم في مغانمه ضعيفا . # وتبديل كلام الله : مخالفة وحيه من الأمر والنهي والوعد كرامة للمجاهدين ~~وتأديبا للمخلفين عن الخروج إلى الحديبية . فالمراد بكلام الله ما أوحاه ~~إلى رسوله صلى الله عليه وسلم من وعد أهل الحديبية بمغانم خيبر خاصة لهم ، ~~وليس المراد بكلام الله هنا القرآن إذ لم ينزل في ذلك قرآن يومئذ . وقد ~~أشرك مع أهل الحديبية من ألحق بهم من أهل هجرة الحبشة الذين أعطاهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم بوحي . # وأما ما روي عن عبد الله بن زيد بن أسلم أن المراد بكلام الله قوله تعالى ~~: { فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا } ( التوبة : 83 ) فقد ~~رده ابن عطية بأنها نزلت بعد هذه السورة وهؤلاء المخلفون لم يمنعوا منعا ~~مؤبدا بل منعوا من المشاركة في غزوة خيبر لئلا يشاركوا في مغانمها فلا ~~يلاقي قوله فيها { لن تخرجوا معي أبدا } وينافي قوله في هذه السورة { قل ~~للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم } ( الفتح : ~~16 ) الآية ، فإنها نزلت في غزوة تبوك وهي بعد الحديبية بثلاث سنين . # وجملة { يريدون أن يبدلوا كلام الله } في موضع الحال . والإرادة في قوله ~~: { يريدون أن يبدلوا كلام الله } على حقيقتها لأنهم سيعلمون حينئذ يقولون ~~: { ذرونا نتبعكم } أن الله أوحى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم بمنعهم من ~~المشاركة في فتح خيبر كما دل عليه تنازلهم في قولهم : { ذرونا نتبعكم } فهم ~~يريدون حينئذ أن PageV26P168 يغيروا ما أمر الله به رسوله حين يقولون { ~~ذرونا نتبعكم } إذ اتباع الجيش والخروج في أوله سواء في المقصود من الخروج ~~. # وقرأ الجمهور { كلام الله } . وقرأه حمزة والكسائي وخلف { كلم الله } اسم ~~جمع كلمة . وجيء ب { لن } المفيدة تأكيد النفي ms7797 لقطع أطماعهم في الإذن لهم ~~باتباع الجيش الخارج إلى خيبر ولذلك حذف متعلق { تتبعونا } للعلم به . و { ~~من قبل } تقديره : من قبل طلبكم الذي تطلبونه وقد أخبر الله عنهم بما ~~سيقولونه إذ قال : { فسيقولون بل تحسدوننا } ، وقد قالوا ذلك بعد نحو شهر ~~ونصف فلما سمع المسلمون المتأهبون للخروج إلى خيبر مقالتهم قالوا : قد ~~أخبرنا الله في الحديبية بأنهم سيقولون هذا . # و { بل } هنا للإضراب عن قول الرسول صلى الله عليه وسلم { لن تتبعونا } ~~وهو إضراب إبطال نشأ عن فورة الغضب المخلوط بالجهالة وسوء النظر ، أي ليس ~~بكم الحفاظ على أمر الله ، بل بكم أن لا نقاسمكم في المغانم حسدا لنا على ~~ما نصيب من المغانم . # والحسد : كراهية أن ينال غيرك خيرا معينا أو مطلقا سواء كان مع تمني ~~انتقاله إليك أو بدون ذلك ، فالحسد هنا أريد به الحرص على الانفراد ~~بالمغانم وكراهية المشاركة فيها لئلا ينقص سهام الكارهين . وتقدم الحسد عند ~~قوله تعالى : { بغيا أن ينزل الله من فضله } ( البقرة : 90 ) وعند قوله : { ~~حسدا من عند أنفسهم } ( البقرة : 109 ) كلاهما في سورة البقرة . # وضمير الرفع مراد به أهل الحديبية ، نسبوهم إلى الحسد لأنهم ظنوا أن ~~الجواب بمنعهم لعدم رضى أهل الحديبية بمشاركتهم في المغانم . ولا يظن بهم ~~أن يريدوا بذلك الضمير شمول النبي صلى الله عليه وسلم لأن المخلفين كانوا ~~مؤمنين لا يتهمون النبي صلى الله عليه وسلم بالحسد ولذلك أبطل الله كلامهم ~~بالإضراب الإبطالي فقال : { بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا } ، أي ليس قولك ~~لهم ذلك لقصد الاستبشار بالمغانم لأهل الحديبية ولكنه أمر الله وحقه لأهل ~~الحديبية وتأديب للمخلفين ليكونوا عبرة لغيرهم فيما PageV26P169 يأتي وهم ~~ظنوه تمالؤا من جيش الحديبية لأنهم لم يفهموا حكمته وسببهم . وإنما نفى ~~الله عنهم الفهم دون الإيمان لأنهم كانوا مؤمنين ولكنهم كانوا جاهلين ~~بشرائع الإسلام ونظمه . # وأفاد قوله : { لا يفقهون } انتفاء الفهم عنهم لأن الفعل في سياق النفي ~~كالنكرة في سياق النفي يعم ، فلذلك استثنى منه بقوله : { إلا قليلا } أي ~~إلا فهما قليلا وإنما ms7798 قلله لكون فهمهم مقتصرا على الأمور الواضحة من ~~العاديات لا ينفذ إلى المهمات ودقائق المعاني ، ومن ذلك ظنهم حرمانهم من ~~الالتحاق بجيش غزوة خيبر منبعثا على الحسد . وقد جروا في ظنهم هذا على ~~المعروف من أهل الأنظار القاصرة والنفوس الضئيلة من التوسم في أعمال أهل ~~الكمال بمنظار ما يجدون من دواعي أعمالهم وأعمال خلطائهم . # و { قليلا } وصف للمستثنى المحذوف ، والتقدير : إلا فقها قليلا . # انتقال إلى طمأنة المخلفين بأنهم سينالون مغانم في غزوات آتية ليعلموا أن ~~حرمانهم من الخروج إلى خيبر مع جيش الإسلام ليس لانسلاخ الإسلام عنهم ولكنه ~~لحكمة نوط المسببات بأسبابها على طريقة حكمة الشريعة فهو حرمان خاص بوقعة ~~معينة كما تقدم آنفا ، وأنهم سيدعون بعد ذلك إلى قتال قوم كافرين كما تدعى ~~طوائف المسلمين ، فذكر هذا في هذا المقام إدخال للمسرة بعد الحزن ليزيل ~~عنهم انكسار خواطرهم من جراء الحرمان . وفي هذه البشارة فرصة لهم ليستدركوا ~~ما جنوه من التخلف عن الحديبية وكل ذلك دال على أنهم لم ينسلخوا عن الإيمان ~~، ألا ترى أن الله لم يعامل المنافقين المبطنين للكفر بمثل هذه المعاملة في ~~قوله : { فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي ~~PageV26P170 أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا ~~مع الخالفين } ( التوبة : 83 ) . # وكرر وصف من { الأعراب } هنا ليظهر أن هذه المقالة قصد بها الذين نزل ~~فيهم قوله : { سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا } ( ~~الفتح : 11 ) فلا يتوهم السامعون أن المعنى بالمخلفين كل من يقع منه التخلف ~~. # وأسند { تدعون } إلى المجهول لأن الغرض الأمر بامتثال الداعي وهو ولي أمر ~~المسلمين بقرينة قوله بعد في تذييله { ومن يطع الله ورسوله } ( الفتح : 17 ~~) ودعوة خلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم من بعده ترجع إلى دعوة الله ~~ورسوله لقوله : ( ومن أطاع أمري فقد أطاعني ) . # وعدي فعل { ستدعون } بحرف { إلى } لإفادة أنها مضمنة معنى المشي ، وهذا ~~فرق دقيق بين تعدية فعل الدعوة بحرف { إلى } وبين تعديته باللام نحو قولك : ~~دعوت فلانا ms7799 لما نابني ، قال طرفة : # وإن أدع للجلى أكن من حماتها # وقد يتعاقب الاستعمالان بضربب من المجاز والتسامح . # والقوم أولو البأس الشديد يتعين أنهم قوم من العرب لأن قوله تعالى : { ~~تقاتلونهم أو يسلمون } يشعر بأن القتال لا يرفع عنهم إلا إذا أسلموا ، ~~وإنما يكون هذا حكما في قتال مشركي العرب إذ لا تقبل منهم الجزية . فيجوز ~~أن يكون المراد هوازن وثقيف . وهذا مروي عن سعيد بن جبير ، وعكرمة وقتادة ، ~~وذلك غزوة حنين وهي بعد غزوة خيبر ، وأما فتح مكة فلم يكن فيه قتال . وعن ~~الزهري ومقاتل : أنهم أهل الردة لأنهم من قبائل العرب المعروفة بالبأس ، ~~وكان ذلك صدر خلافة أبي بكر الصديق . وعن رافع بن خديج أنه قال : والله لقد ~~كنا نقرأ هذه الآية { ستدعون إلى قوم أولى بأس شديد } فلا نعلم من هم حتى ~~دعانا أبو بكر إلى قتال بني حنيفة فعلمنا أنهم هم ، وعن ابن عباس وعطاء بن ~~أبي رباح ، وعطاء الخراساني ، والحسن هم فارس والروم . # وجملة { تقاتلونهم أو يسلمون } إما حال من ضمير { تدعون } ، وإما بدل ~~اشتمال من مضمون { تدعون } . PageV26P171 # و { أو } للترديد بين الأمرين والتنويع في حالة تدعون ، أي تدعون إلى ~~قتالهم وإسلامهم ، وذلك يستلزم الإمعان في مقاتلتهم والاستمرار فيها ما لم ~~يسلموا ، فبذلك كان { أو يسلمون } حالا معطوفا على جملة { تقاتلونهم } وهو ~~حال من ضمير { تدعون } . # وقوله : { وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما } تعبير ~~بالتوالي الذي مضى ، وتحذير من ارتكاب مثله في مثل هذه الدعوة بأنه تول ~~يوقع في الإثم لأنه تول عن دعوة إلى واجب وهو القتال للجهاد . فالتشبيه في ~~قوله : { كما توليتم من قبل } تشبيه في مطلق التولي لقصد التشويه وليس ~~تشبيها فيما يترتب على ذلك التولي . # جملة معترضة بين جملة { وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما ~~} ( الفتح : 16 ) وبين جملة { ومن يطع الله ورسوله } الآية قصد منها نفي ~~الوعيد عن أصحاب الضرارة تنصيصا على العذر للعناية بحكم التولي والتحذير ~~منه . # وجملة { من يطع الله } الخ تذييل لجملة ms7800 { فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا ~~حسنا } ( الفتح : 16 ) الآية لما تضمنته من إيتاء الأجر لكل مطيع من ~~المخاطبين وغيرهم ، والتعذيب لكل متول كذلك ، مع ما في جملة { ومن يطع الله ~~} من بيان أن الأجر هو إدخال الجنات ، وهو يفيد بطريق المقابلة أن التعذيب ~~الأليم بإدخالهم جهنم . وقرأ نافع وابن عامر { ندخله } و { نعذبه } بنون ~~العظمة على الالتفات من الغيبة إلى التكلم . وقرأ الجمهور { يدخله } بالياء ~~التحتية جريا على أسلوب الغيبة بعود الضمير إلى اسم الجلالة . PageV26P172 # ( 18 ، 19 ) { } # عود إلى تفصيل ما جازى الله به أصحاب بيعة الرضوان المتقدم إجماله في ~~قوله : { إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله } ( الفتح : 10 ) ، فإن كون ~~بيعتهم الرسول صلى الله عليه وسلم تعتبر بيعة لله تعالى أومأ إلى أن لهم ~~بتلك المبايعة مكانة رفيعة من خير الدنيا والآخرة ، فلما قطع الاسترسال في ~~ذلك بما كان تحذيرا من النكث وترغيبا في الوفاء ، بمناسبة التضاد وذكر ما ~~هو وسط بين الحالين وهو حال المخلفين ، وإبطال اعتذارهم وكشف طويتهم ، ~~وإقصائهم عن الخير الذي أعده الله للمبايعين وأرجائهم إلى خير يسنح من بعد ~~إن هم صدقوا التوبة وأخلصوا النية . # فقد أنال الله المبايعين رضوانه وهو أعظم خير في الدنيا والآخرة قال ~~تعالى : { ورضوان من الله أكبر } ( التوبة : 72 ) والشهادة لهم بإخلاص ~~النية ، وإنزاله السكينة قلوبهم ووعدهم بثواب فتح قريب ومغانم كثيرة . # وفي قوله : { عن المؤمنين إذ يبايعونك } إيذان بأن من لم يبايع ممن خرج ~~مع النبي صلى الله عليه وسلم ليس حينئذ بمؤمن وهو تعريض بالجد بن قيس إذ ~~كان يومئذ منافقا ثم حسن إسلامه . # وقد دعيت هذه البيعة بيعة الرضوان من قوله تعالى : { لقد رضي الله عن ~~المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة } . و { إذ يبايعونك } ظرف متعلق ب { رضي ~~} ، وفي تعليق هذا الظرف بفعل الرضى ما يفهم أن الرضى مسبب عن مفاد ذلك ~~الظرف الخاص بما أضيف هو إليه ، مع ما يعطيه توقيت الرضى بالظرف المذكور من ~~تعجيل حصول الرضى بحدثان ذلك الوقت ، ومع ما في جعل الجملة ms7801 المضاف إليها ~~الظرف فعلية مضارعية من حصول الرضى قبل انقضاء الفعل بل في حال تجدده . ~~فالمضارع في قوله { يبايعونك } مستعمل في الزمان الماضي لاستحضار حالة ~~PageV26P173 المبايعة الجليلة ، وكون الرضى حصل عند تجديد المبايعة ولم ~~ينتظر به تمامها ، فقد علمت أن السورة نزلت بعد الانصراف من الحديبية . # والتعريف في { الشجرة } تعريف العهد وهي : الشجرة التي عهدها أهل البيعة ~~حين كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا في ظلها ، وهي شجرة من شجر السمر ~~بفتح السين المهملة وضم الميم وهو شجر الطلح . وقد تقدم أن البيعة كانت لما ~~أرجف بقتل عثمان بن عفان بمكة فعن سلمة بن الأكوع وعبد الله بن عمر ، يزيد ~~أحدهما على الآخر ( بينما نحن قائلون يوم الحديبية وقد تفرق الناس في ظلال ~~الشجر إذ نادى عمر بن الخطاب : أيها الناس البيعة البيعة ، نزل روح القدس ~~فاخرجوا على اسم الله وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي دعا الناس ~~إلى البيعة فثار الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو تحت الشجرة ~~فبايعوه كلهم إلا الجد بن قيس ) . # وعن جابر بن عبد الله بعد أن عمي لو كنت أبصر لأريتكم مكان الشجرة . ~~وتواتر بين المسلمين علم مكان الشجرة بصلاة الناس عند مكانها . وعن سعيد بن ~~المسيب عن أبيه المسيب أنه كان فيمن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت ~~الشجرة قال : فلما خرجنا من العام المقبل أي في عمرة القضية نسيناها فلم ~~نقدر عليها وعن طارق بن عبد الرحمن قال : انطلقت حاجا فمررت بقوم يصلون قلت ~~: ما هذا المسجد ؟ قالوا : هذه الشجرة حيث بايع رسول الله بيعة الرضوان . ~~فأتيت سعيد بن المسيب فأخبرته فقال سعيد : إن أصحاب محمد صلى الله عليه ~~وسلم لم يعلموها وعلمتموها أنتم أفأنتم أعلم ) . # والمراد بقول طارق : ما هذا المسجد : مكان السجود ، أي الصلاة ، وليس ~~المراد البيت الذي يبني للصلاة لأن البناء على موضع الشجرة وقع بعد ذلك ~~الزمن فهذه الشجرة كانت معروفة للمسلمين وكانوا إذا مروا بها يصلون عندها ~~تيمنا ms7802 بها إلى أن كانت خلافة عمر فأمر بقطعها خشية أن تكون كذات أنواط التي ~~كانت في الجاهلية ، ولا معارضة بين ما فعله المسلمون وبين ما رواه سعيد بن ~~المسيب عن أبيه أنه وبعض أصحابه نسوا مكانها لأن الناس متفاوتون في توسم ~~الأمكنة واقتفاء الآثار . PageV26P174 # والمروي أن الذي بنى مسجدا على مكان الشجرة أبو جعفر المنصور الخليفة ~~العباسي ولكن في المسجد المذكور حجر مكتوب فيه ( أمر عبد الله أمير ~~المؤمنين أكرمه الله ببناء هذا المسجد مسجد البيعة وأنه بني سنة أربع ~~وأربعين ومائتين ، وهي توافق مدة المتوكل جعفر بن المعتصم وقد تخرب فجدده ~~المستنصر العباسي سنة 629 ثم جدده السلطان محمود خان العثماني سنة 1254 وهو ~~قائم إلى اليوم . # وذكر { تحت الشجرة } لاستحضار تلك الصورة تنويها بالمكان فإن لذكر مواضع ~~الحوادث وأزمانها معاني تزيد السامع تصورا ولما في تلك الحوادث من ذكرى مثل ~~مواقع الحروب والحوادث كقول عبد الله بن عباس ( ويوم الخميس وما يوم الخميس ~~اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه ) الحديث . ومواقع المصائب ~~وأيامها . # و { إذ } ظرف يتعلق بفعل { رضي } ، أي رضي الله عنهم في ذلك الحين . وهذا ~~رضى خاص ، أي تعلق رضى الله تعالى عنهم بتلك الحالة . # والفاء في قوله : { فعلم ما في قلوبهم } ليست للتعقيب لأن علم الله بما ~~في قلوبهم ليس عقب رضاه عنهم ولا عقب وقوع بيعتهم فتعين أن تكون فاء فصيحة ~~تفصح عن كلام مقدر بعدها . والتقدير : فلما بايعوك علم ما في قلوبهم من ~~الكآبة ، ويجوز أن تكون الفاء لتفريع الأخبار بأن الله علم ما في قلوبهم ~~بعد الإخبار برضى الله عنهم لما في الإخبار بعلمه ما في قلوبهم من إظهار ~~عنايته بهم . ويجوز أن يكون المقصود من التفريع قوله : { فأنزل السكينة ~~عليهم } ويكون قوله : { فعلم ما في قلوبهم } توطئة له على وجه الاعتراض . # والمعنى : لقد رضي الله عن المؤمنين من أجل مبايعتهم على نصرك فلما ~~بايعوا وتحفزوا لقتال المشركين ووقع الصلح حصلت لهم كآبة في نفوسهم فأعلمهم ~~الله أنه اطلع على ms7803 ما في قلوبهم من تلك الكآبة ، وهذا من علمه الأشياء بعد ~~وقوعها وهو من تعلق علم الله بالحوادث بعد حدوثها ، أي علمه بأنها وقعت وهو ~~تعلق حادث مثل التعلقات التنجيزية . والمقصود بإخبارهم بأن الله علم ما حصل ~~في قلوبهم الكآبة عن أنه قدر ذلك PageV26P175 لهم وشكرهم على حبهم نصر ~~النبي صلى الله عليه وسلم بالفعل ولذلك رتب عليه قوله : { فأنزل السكينة ~~عليهم وأثابهم فتحا قريبا } . # والسكينة هنا هي : الطمأنينة والثقة بتحقيق ما وعدهم الله من الفتح ~~والارتياض على ترقبه دون حسرة فترتب على علمه ما في قلوبهم إنزاله السكينة ~~عليهم ، أي على قلوبهم فعبر بضميرهم عوضا عن ضمير { قلوبهم } لأن قلوبهم هي ~~نفوسهم . # وعطف { أثابهم } على فعل { رضي الله } . ومعنى أثابهم : أعطاهم ثوابا ، ~~أي عوضا ، كما يقال في هبة الثواب ، أي عوضهم عن المبايعة بفتح قريب . ~~والمراد : أنه وعدهم بثواب هو فتح قريب ومغانم كثيرة ، ففعل { أثابهم } ~~مستعمل في المستقبل . وهذا الفتح هو فتح خيبر فإنه كان خاصا بأهل الحديبية ~~وكان قريبا من يوم البيعة بنحو شهر ونصف . # والمغانم الكثيرة المذكورة هنا هي : مغانم أرض خيبر والأنعام والمتاع ~~والحوائط فوصفت ب { كثيرة } لتعدد أنواعها وهي أول المغانم التي كانت فيها ~~الحوائط . # وفائدة وصف المغانم بجملة { يأخذونها } تحقيق حصول فائدة هذا الوعد لجميع ~~أهل البيعة قبل أن يقع بالفعل ففيه زيادة تحقيق لكون الفتح قريبا وبشارة ~~لهم بأنهم لا يهلك منهم أحد قبل رؤية هذا الفتح . # وجملة { وكان الله عزيزا حكيما } معترضة ، وهي مفيدة تذييل لجملة { ~~وأثابهم فتحا قريبا ومغانم كثيرة يأخذونها } لأن تيسير الفتح لهم وما حصل ~~لهم فيه من المغانم الكثيرة من أثر عزة الله التي لا يتعاصى عليها شيء صعب ~~، ومن أثر حكمته في ترتيب المسببات على أسبابها في حالة ليظن الرائي أنها ~~لا تيسر فيها أمثالها . # # هذه الجملة مستأنفة استئنافا بيانيا نشأ عن قوله : { وأثابهم فتحا قريبا ~~ومغانم كثيرة يأخذونها } ( الفتح : 18 ، 19 ) إذ علم أنه فتح خيبر ، فحق ~~لهم ولغيرهم أن يخطر ببالهم أن PageV26P176 يترقبوا مغانم ms7804 أخرى فكان هذا ~~الكلام جوابا لهم ، أي لكم مغانم أخرى لا يحرم منها من تخلفوا عن الحديبية ~~وهي المغانم التي حصلت في الفتوح المستقبلة . # فالخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم وللمسلمين تبعا للخطاب الذي في قوله : ~~{ إذ يبايعونك تحت الشجرة } ( الفتح : 18 ) وليس خاصا بالذين بايعوا . ~~والوعد بالمغانم الكثيرة واقع في ما سبق نزوله من القرآن وعلى لسان الرسول ~~صلى الله عليه وسلم مما بلغه إلى المسلمين في مقامات دعوته للجهاد . ووصف { ~~مغانم } بجملة { تأخذونها } لتحقيق الوعد . # وبناء على ما اخترناه من أن هذه السورة نزلت دفعة واحدة يكون فعل { فعجل ~~} مستعملا في الزمن المستقبل مجازا تنبيها على تحقيق وقوعه ، أي سيعجل لكم ~~هذه . وإنما جعل نوالهم غنائم خيبر تعجيلا ، لقرب حصوله من وقت والوعد به . ~~ويحتمل أن يكون تأخر نزول هذه الآية إلى ما بعد فتح خيبر على أنها تكملة ~~لآية الوعد التي قبلها ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بوضعها عقبها ~~وقد أشرنا إلى ذلك في الكلام على أول هذه السورة ولكن هذا غير مروي . # والإشارة في قوله : { هذه } إلى المغانم في قوله : { ومغانم كثيرة ~~يأخذونها } ( الفتح : 19 ) وأشير إليها على اختلاف الاعتبارين في استعمال ~~فعل { فعجل لكم هذه } . # . # امتنان عليهم بنعمة غفلوا عنها حين حزنوا لوقوع صلح الحديبية وهي نعمة ~~السلم ، أي كف أيدي المشركين عنهم فإنهم لو واجهوهم يوم الحديبية بالقتال ~~دون المراجعة في سبب قدومهم لرجع المسلمون بعد القتال متعبين . ولما تهيأ ~~لهم فتح خيبر ، وأنهم لو اقتتلوا مع أهل مكة لدحض في ذلك مؤمنون ومؤمنات ~~كانوا في مكة كما أشار إليه قوله تعالى : { ولولا رجال مؤمنون } ( الفتح : ~~25 ) الآية . # فالمراد ب { الناس } : أهل مكة جريا على مصطلح القرآن في إطلاق هذا اللفظ ~~غالبا . PageV26P177 # وقيل : المراد كف أيدي الأعراب المشركين من بني أسد وغطفان وكانوا أحلافا ~~ليهود خيبر وجاءوا لنصرتهم لما حاصر المسلمون خيبر فألقى الله في قلوبهم ~~الرعب فنكصوا . # وقيل : إن المشركين بعثوا أربعين رجلا ليصيبوا من المسلمين في الحديبية ~~فأسرهم المسلمون ، وهو ms7805 ما سيجيء في قوله : { وأيديكم عنهم } ( الفتح : 24 ) ~~. وقيل : كف أيدي اليهود عنكم ، أي عن أهلكم وذراريكم إذ كانوا يستطيعون أن ~~يهجموا على المدينة في مدة غيبة معظم أهلها في الحديبية ، وهذا القول لا ~~يناسبه إطلاق لفظ { الناس } في غالب مصطلح القرآن . # والكف : منع الفاعل من فعل أراده أو شرع فيه ، وهو مشتق من اسم الكف التي ~~هي اليد لأن أصل المنع أن يكون دفعا باليد ، ويقال : كف يده عن كذا ، إذا ~~منعه من تناوله بيده . # وأطلق الكف هنا مجازا على الصرف ، أي قدر الله كف أيدي الناس عنكم بأن ~~أوجد أسباب صرفهم عن أن يتناولوكم بضر سواء نووه أو لم ينووه ، وإطلاق ~~الفعل على تقديره كثير في القرآن حين لا يكون للتعبير عن المعاني الإلهية ~~فعل مناسب له في كلام العرب ، فإن اللغة بينت على متعارف الناس مخاطباتهم ~~وطرأت معظم المعاني الإلهية بمجيء القرآن فتغير عن الشأن الإلهي بأقرب ~~الأفعال إلى معناه . # . # الظاهر أن الواو عاطفة وأن ما بعد الواو علة كما تقتضي لام كي فتعين أنه ~~تعليل لشيء مما ذكر قبله في اللفظ أو عطف على تعليل سبقه . فيجوز أن يكون ~~معطوفا على بعض التعليلات المتقدمة من قوله : { ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ~~} ( الفتح : 4 ) أو من قوله : { ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات } ( الفتح : ~~5 ) وما بينهما اعتراضا وهو وإن طال فقد اقتضته التنقلات المتناسبات . ~~والمعنى أن الله أنزل السكينة في قلوب المؤمنين لمصالح لهم منها ازدياد ~~إيمانهم واستحقاقهم الجنة وتكفير سيئاتهم PageV26P178 واستحقاق المنافقين ~~والمشركين العذاب ، ولتكون السكينة آية للمؤمنين ، أي عبرة لهم واستدلالا ~~على لطف الله بهم وعلى أن وعده لا تأويل فيه . # ومعنى كون السكينة آية أنها سبب آية لأنهم لما نزلت السكينة في قلوبهم ~~اطمأنت نفوسهم فخلصت إلى التدبر والاستدلال فبانت لها آيات الله فتأنيث ~~ضمير الفعل لأن معاده السكينة . ويجوز أن يكون معطوفا على تعليل محذوف يثار ~~من الكلام السابق ، حذف لتذهب نفس السامع كل مذهب ممكن في تقديره توفيرا ~~للمعنى . والتقدير : فعجل لكم هذه لغايات ms7806 وحكم ولتكون آية . فهو من ذكر ~~الخاص بعد العام المقدر . # فالتقدير مثلا : ليحصل التعجيل لكم بنفع عوضا عما ترقبتموه من منافع قتال ~~المشركين ، ولتكون هذه المغانم آية للمؤمنين منكم ومن يعرفون بها أنهم من ~~الله بمكان عنايته وأنه موفف لهم ما وعدهم وضامن لهم نصرهم الموعود كما ضمن ~~لهم المغانم القريبة والنصر القريب . وتلك الآية تزيد المؤمنين قوة إيمان . ~~وضمير { لتكون } على هذه راجع إلى قوله : { هذه } على أنها المعللة . ويجوز ~~أن يكون الضمير للخصال التي دل عليها مجموع قوله : { فعجل لكم هذه وكف أيدي ~~الناس عنكم } فيكون معنى قوله : { ولتكون آية للمؤمنين } لغايات جمة منها ~~ما ذكر آنفا ومنها سلامة المسلمين في وقت هم أحوج فيه إلى استبقاء قوتهم ~~منهم إلى قتال المشركين ادخارا للمستقبل . # وجعل صاحب ( الكشاف ) جملة { ولتكون آية للمؤمنين } معترضة ، وعليه ~~فالواو اعتراضية غير عاطفة وأن ضمير { لتكون } عائدا إلى المرة من فعل كف : ~~أي الكفة . # وعطف عليه { ويهديكم صراطا مستقيما } وهو حكمة أخرى ، أي ليزول بذلك ما ~~خامركم من الكآبة والحزن فتتجرد نفوسكم لإدراك الخير المحض الذي في أمر ~~الصلح وإحالتكم على الوعد فتوقنوا أن ذلك هو الحق فتزدادوا يقينا . ويجوز ~~أن يكون فعل { ويهديكم } مستعملا في معنى الإدامة على الهدى وهو : الإيمان ~~الحاصل لهم من قبل على حد قوله : { يا أيها الذين آمنوا آمنوا } ( النساء : ~~136 ) على أحد تأويلين . PageV26P179 # هذا من عطف الجملة على الجملة فقوله : { أخرى } مبتدأ موصوف بجملة { لم ~~تقدروا عليها } والخبر قوله : { قد أحاط الله بها } . # ومجموع الجملة عطف على جملة { وعدكم الله مغانم كثيرة } ( الفتح : 20 ) ~~فلفظ { أخرى } صفة لموصوف محذوف دل عليه { مغانم } الذي في الجملة قبلها ، ~~أي هي نوع آخر من المغانم صعبة المنال ، ومعنى المغانم يقتضي غانمين فعلم ~~أنها لهم ، أي غير التي وعدهم الله بها ، أي هذه لم يعدهم الله بها ، ولم ~~نجعل { وأخرى } عطفا على قوله { هذه } ( الفتح : 20 ) عطف المفرد على ~~المفرد إذ ليس المراد غنيمة واحدة بل غنائم كثيرة . # ومعنى { لم تقدروا عليها ms7807 } : أنها موصوفة بعدم قدرتكم عليها ، فلما كانت ~~جملة { لم تقدروا عليها } صفة ل { أخرى } لم يقتض مدلول الجملة أنهم حاولوا ~~الحصول عليها فلم يقدروا ، وإنما المعنى : أن صفتها عدم قدرتكم عليها فلم ~~تتعلق أطماعكم بأخذها . # والإحاطة بالهمز : جعل الشيء حائطا أي حافظا ، فأصل همزته للجعل وصار ~~بالاستعمال قاصرا ، ومعناه : احتوى عليه ولم يترك له منصرفا فول على شدة ~~القدرة عليه قال تعالى : { لتأتنني به إلا أن يحاط بكم } ( يوسف : 66 ) أي ~~إلا أن تغلبوا غلبا لا تستطيعون معه الإتيان به . # فالمعنى : أن الله قدر عليها ، أي قدر عليها فجعلها لكم بقرينة قوله قبله ~~{ لم تقدروا عليها } . والمعنى : ومغانم أخرى لم تقدروا على نيلها قد قدر ~~الله عليها ، أي فأنا لكم إياها . # وإلا لم يكن لإعلامهم بأن الله قدر على ما لم يقدروا عليه جدوى لأنهم لا ~~يجهلون ذلك ، أي أحاط الله بها لأجلكم ، وفي معنى الإحاطة إيماء إلى أنها ~~كالشيء المحاط به من جوانبه فلا يفوتهم مكانه ، جعلت كالمخبوء لهم . ولذلك ~~ذيل بقوله : { وكان الله على كل شيء قديرا } إذ هو أمر مقرر في علمهم . ~~PageV26P180 # فعلم أن الآية أشارت إلى ثلاثة أنواع من المغانم : نوع من مغانم موعودة ~~لهم قريبة الحصول وهي مغانم خيبر ، ونوع هو مغانم مرجوة كثيرة غير معين وقت ~~حصولها ، ومنها مغانم يوم حنين وما بعده من الغزوات ، ونوع هو مغانم عظيمة ~~لا يخطر ببالهم نوالها قد أعدها الله للمسلمين ولعلها مغانم بلاد الروم ~~وبلاد الفرس وبلاد البربر . وفي الآية إيماء إلى أن هذا النوع الأخير لا ~~يناله جميع المخاطبين لأنه لم يأت في ذكره بضميرهم ، وهو الذي تأوله عمر في ~~عدم قسمة سواد العراق وقرأ قوله تعالى : { والذين جاءوا من بعدهم } ( الحشر ~~: 10 ) . # ( 22 ، 23 ) # هذا عطف على قوله : { وكف أيدي الناس عنكم } ( الفتح : 20 ) على أن بعضه ~~متعلق بالمعطوف عليه ، وبعضه معطوف على المعطوف عليه فما بينهما ليس من ~~الاعتراض . # والمقصود من هذا العطف التنبيه على أن كف أيدي الناس عنهم نعمة على ~~المسلمين باستبقاء ms7808 قوتهم وعدتهم ونشاطهم . وليس الكف لدفع غلبة المشركين ~~إياهم لأن الله قدر للمسلمين عاقبة النصر فلو قاتلهم الذين كفروا لهزمهم ~~المسلمون ولم يجدوا نصيرا ، أي لم ينتصروا بجمعهم ولا بمن يعينهم . # والمراد بالذين كفروا ما أريد بالناس في قوله : { وكف أيدي الناس عنكم } ~~. وكان مقتضى الظاهر الإتيان بضمير الناس بأن يقال : ولو قاتلوكم ، فعدل ~~عنه إلى الاسم الظاهر لما في الصلة من الإيماء إلى وجه بناء الخبر وهو أن ~~الكفر هو سبب تولية الإدبار في قتالهم للمسلمين تمهيدا لقوله : { سنة الله ~~التي قد خلت من قبل } . PageV26P181 # و { الأدبار } منصوب على أنه مفعول ثان ل { ولوا } ومفعوله الأول محذوف ~~لدلالة ضمير { قاتلكم الذين كفروا } عليه . والتقدير : لولوكم الأدبار . # وأل للعهد ، أي أدبارهم ، ولذلك يقول كثير من النحاة إن أل في مثله عوض ~~عن المضاف إليه وهو تعويض معنوي . # والتولية : جعل الشيء واليا ، أي لجعلوا ظهورهم تليكم ، أي ارتدوا إلى ~~ورائهم فصرتم وراءهم . # و { ثم } للتراخي الرتبي فإن عدم وجدان الولي والنصير أشد على المنهزم من ~~انهزامه لأن حين ينهزم قد يكون له أمل بأن يستنصر من ينجده فيكر به على ~~الذين هزموه فإذا لم يجد وليا ولا نصيرا تحقق أنه غير منتصر وأصل الكلام ~~لولوا الأدبار وما وجدوا وليا ولا نصيرا . # والولي : الموالي والصديق ، وهو أعم من النصير إذ قد يكون الولي غير قادر ~~على إيواء وليه وإسعافه . # والسنة : الطريقة والعادة . وانتصب { سنة الله } نيابة عن المفعول المطلق ~~الآتي بدلا من فعله لإفادة معنى تأكيد الفعل المحذوف . والمعنى : سن الله ~~ذلك سنة ، أي جعله عادة له ينصر المؤمنين على الكافرين إذا كانت نية ~~المؤمنين نصر دين الله كما قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا ~~الله ينصركم ويثبت أقدامكم } ( محمد : 7 ) وقال : { ولينصرن الله من ينصره ~~} ( الحج : 40 ) ، أي أن الله ضمن النصر للمؤمنين بأن تكون عاقبة حروبهم ~~نصرا وإن كانوا قد يغلبون في بعض المواقع كما وقع يوم أحد وقد قال تعالى : ~~{ والعاقبة للمتقين } ( القصص : 83 ) وقال : { والعاقبة للتقوى ms7809 } ( طه : ~~132 ) . # وإنما يكون كمال النصر على حسب ضرورة المؤمنين وعلى حسب الإيمان والتقوى ~~، ولذلك كان هذا الوعد غالبا للرسول ومن معه فيكون النصر تاما في حالة ~~الخطر كما كان يوم بدر ، ويكون سجالا في حالة السعة كما في وقعة أحد وقد دل ~~على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر : ( اللهم إن تهلك هذه ~~العصابة لا تعبد في الأرض ) وقال الله تعالى : { قال موسى لقومه استعينوا ~~بالله واصبروا إن PageV26P182 الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة ~~للمتقين } ( الأعراف : 128 ) ، ويكون لمن بعد الرسول صلى الله عليه وسلم من ~~جيوش المسلمين على حسب تمسكهم بوصايا الرسول صلى الله عليه وسلم ففي ( صحيح ~~البخاري ) عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم ( يأتي زمان ~~يغزو فآم من الناس فيقال : فيكم من صحب النبي ؟ فيقال : نعم ، فيفتح عليه ، ~~ثم يأتي زمان فيقال : فيكم من صحب أصحاب النبي ؟ فيقال : نعم فيفتح ثم يأتي ~~زمان فيقال : فيكم من صحب من صاحب النبي ؟ فيقال : نعم فيفتح ) . # ومعنى { خلت } مضت وسبقت من أقدم عصور اجتلاد الحق والباطل ، والمضاف ~~إليه { قبل } محذوف نوي معناه دون لفظه ، أي ليس في الكلام دال على لفظه ~~ولكن يدل عليه معنى الكلام ، فلذلك بني { قبل } على الضم . وفائدة هذا ~~الوصف الدلالة على اطرادها وثباتها . # والمعنى : أن ذلك سنة الله مع الرسل قال تعالى : { كتب الله لأغلبن أنا ~~ورسلي إن الله قوي عزيز } ( المجادلة : 21 ) . # ولما وصف تلك السنة بأنها راسخة فيما مضى أعقب ذلك بوصفها بالتحقق في ~~المستقبل تعميما للأزمنة بقوله : { ولن تجد لسنة الله تبديلا } لأن اطراد ~~ذلك النصر في مختلف الأمم والعصور وإخبار الله تعالى به على لسان رسله ~~وأنبيائه يدل على أن الله أراد تأييد أحزابه فيعلم أنه لا يستطيع كائن أن ~~يحول دون إرادة الله تعالى . # عطف على جملة { وكف أيدي الناس عنكم } ( الفتح : 20 ) وهذا كف غير الكف ~~المراد من قوله : { وكف أيدي الناس عنكم } . # وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي ms7810 لإفادة التخصيص ، أي القصر ، أي لم ~~PageV26P183 يكفهم عنكم ولا كفكم عنهم إلا الله تعالى ، لا أنتم ولا هم ~~فإنهم كانوا يريدون الشر بكم وأنتم حين أحطتم بهم كنتم تريدون قتلهم أو ~~أسرهم فإن دواعي امتداد أيديهم إليكم وامتداد أيديكم إليهم متوفرة فلولا أن ~~الله قدر موانع لهم ولكم لاشتبكتم في القتال ، فكف أيديهم عنكم بأن نبهكم ~~إليهم قبل أن يفاجئوكم وكف أيديكم عنهم حين أمر رسوله صلى الله عليه وسلم ~~بأن يعفو عنهم ويطلقهم . # وتقدم الكلام على معنى { كف } في قوله آنفا { وكف أيدي الناس عنكم } . ~~والمعنى : أنه لم يترك أحد من الفريقين الاعتداء على الفريق الآخر من تلقاء ~~نفسه ولكن ذلك كان بأسباب أوجدها الله تعالى لإرادته عدم القتال بينهم ، ~~وهي منة ثانية مثل المنة المذكورة في قوله : { وكف أيدي الناس عنكم . # وهذه الآية أشارت إلى كف عن القتال يسره الله رفقا بالمسلمين وإبقاء على ~~قوتهم في وقت حاجتهم إلى ذلك بعد وقعة بدر ووقعة أحد ، واتفق المفسرون ~~الأولون على أن هذا الكف وقع في الحديبية . وهذا يشير إلى ما روي من طرق ~~مختلفة وبعضها في سنن الترمذي وقال : هو حديث صحيح ، وفي بعضها زيادة على ~~بعض أن جمعا من المشركين يقدر بستة أو باثني عشر أو بثلاثين أو سبعين أو ~~ثمانين مسلحين نزلوا إلى الحديبية يريدون أن يأخذوا المسلمين على غرة ففطن ~~لهم المسلمون فأخذوهم دون حرب النبي بإطلاقهم وكان ذلك أيام كان السفراء ~~يمشون بين النبي وبين أهل مكة ولعل النبي أطلقهم تجنبا لما يعكر صفو الصلح ~~. # وضمائر الغيبة راجعة للذين كفروا في قوله : ولو قاتلكم الذين كفروا } ( ~~الفتح : 22 ) ووجه عوده إليه مع أن الذين كف الله أيديهم فريق غير الفريق ~~الذي في قوله : { ولو قاتلكم الذين كفروا } هو أن عرف كلام العرب جار على ~~أن ما يصدر من بعض القوم ينسب إلى القوم بدون تمييز كما تقدم في سورة ~~البقرة في قوله : { وإذ أخذنا ميثاقكم . # وقوله : ببطن مكة } ظاهر كلام الأساس : أن حقيقة البطن جوف ms7811 الإنسان ~~والحيوان وأن استعماله في معاني المنخفض من الشيء أو المتوسط مجاز ، قال ~~PageV26P184 الراغب : ويقال للجهة السفلى بطن ، وللعليا ظهر . ويقال : بطن ~~الوادي لوسطه . والمعروف من إطلاق لفظ البطن إذا أضيف إلى المكان أن يراد ~~به وسط المكان كما في قول كعب بن زهير : # في فتية من قريش قال قائلهم # ببطن مكة لما أسلموا زولوا # أي في وسط البلد الحرام فإن قائل : زولوا ، هو عمر بن الخطاب أو حمزة بن ~~عبد المطلب ، غير أن محمل ذلك في هذه الآية غير بين لأنه لا يعرف وقوع ~~اختلاط بين المسلمين والمشركين في وسط مكة يفضي إلى القتال حتى يمتن عليهم ~~بكف أيدي بعضهم عن بعض وكل ما وقع مما قد يفضي إلى القتال فإنما وقع في ~~الحديبية . فجمهور المفسرين حملوا بطن مكة في الآية على الحديبية من إطلاق ~~البطن على أسفل المكان ، والحديبية قريبة من مكة وهي من الحل وبعض أرضها من ~~الحرم وهي على الطريق بين مكة وجدة وهي إلى مكة أقرب وتعرف اليوم باسم ~~الشميسي ، وجعلوا الآية تشير إلى القصة المذكورة في ( جامع الترمذي ) وغيره ~~بروايات مختلفة وهي ما قدمناه آنفا . ومنهم من زاد في تلك القصة : أن جيش ~~المسلمين اتبعوا العدو إلى أن دخلوا بيوت مكة وقتلوا منهم وأسروا فيكون بطن ~~مكة محمولا على مشهور استعماله ، وهذا خبر مضطرب ومناف لظاهر قوله : { كف ~~أيديهم عنكم وأيديكم عنهم } . ومنهم من أبعد المحمل فجعل الآية نازلة في ~~فتح مكة وهذا لا يناسب سياق السورة ويخالف كلام السلف من المفسرين وهم أعلم ~~بالمقصود ، هذا كله بناء على أن الباء في قوله : { ببطن مكة } متعلقة بفعل ~~{ كف } ، أي كان الكف في بطن مكة . # ويجوز عندي أن يكون { ببطن مكة } ظرفا مستقرا هو حال من ضميري { عنكم } و ~~{ عنهم } وهو حال مقدرة ، أي لو كنتم ببطن مكة ، أي لو لم يقع الصلح فدخلتم ~~محاربين كما رغب المسلمون الذين كرهوا الصلح كما تقدم فيكون إطلاق { بطن ~~مكة } جاريا على الاستعمال الشائع ، أي في وسط مدينة ms7812 مكة . PageV26P185 ~~ولهذا أوثرت مادة الظفر في قوله : { من بعد أن أظفركم عليهم } دون أن يقال ~~: من بعد أن نصركم عليهم ، لأن الظفر هو الفوز بالمطلوب فلا يقتضي وجود ~~قتال فالظفر أعم من النصر ، أي من بعد أن أنالكم ما فيه نفعكم وهو هدنة ~~الصلح وأن تعودوا إلى العمرة في العام القابل . # ومناسبة تعريف ذلك المكان بهذه الإضافة الإشارة إلى أن جمع المشركين ~~نزلوا من أرض الحرم المكي إذ نزلوا من جبل التنعيم وهو من الحرم وكانوا ~~أنصارا لأهل مكة . # ويتعلق قوله : { من بعد أن أظفركم عليهم } بفعل { كف } باعتبار تعديته ~~إلى المعطوف على مفعوله ، أعني : { وأيديكم عنهم } لأنه هو الكف الذي حصل ~~بعد ظفر المسلمين بفئة المشركين عل حسب تلك الرواية والقرينة ظاهرة من قوله ~~: { من بعد أن أظفركم عليهم } . وهذا إشارة إلى أن كف أيدي بعضهم عن بعض ~~كان للمسلمين إذا منوا على العدو بعد التمكن منه . فعدي { أظفركم } ب ( على ~~) لتضمينه معنى أيدكم وإلا فحقه أن يعدى بالباء . # وجملة { وكان الله بما تعملون بصيرا } تذييل للتي قبلها ، والبصير بمعنى ~~العليم بالمرئيات ، أي عليما بعملكم حين أحطتم بهم وسقتموهم إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم تظنون أنكم قاتلوهم أو آسروهم . # وقرأ الجمهور { تعملون } بتاء الخطاب . وقرأه أبو عمرو وحده بياء الغيبة ~~، أي عليما بما يعملون من انحدارهم على غرة منكم طامعين أن يتمكنوا من أن ~~يغلبوكم وفي كلتا القراءتين اكتفاء ، أي كان الله بما تعملون ويعملون بصيرا ~~، أو بما يعملون وتعملون بصيرا ، لأن قوله : { كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ~~} يفيد عملا لكل فريق ، أي علم نواياكم فكفها لحكمة استبقاء قوتكم وحسن ~~سمعتكم بين قبائل العرب وأن لا يجد المشركون ذريعة إلى التظلم منكم بالباطل ~~. PageV26P186 # . # استئناف انتقل به من مقام الثناء على المؤمنين الذين بايعوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وما اكتسبوا بتلك البيعة من رضى الله تعالى وجزائه ثواب ~~الآخرة وخير الدنيا عاجله وآجله ، وضمان النصر لهم في قتال المشركين ، وما ~~هيأ لهم من أسباب النصر إلى تعيير ms7813 المشركين بالمذمة التي أتوا بها وهي صد ~~المسلمين عن المسجد الحرام وصد الهدي عن أن يبلغ به إلى أهله ، فإنها سبة ~~لهم بين العرب وهم أولى الناس بالحفاوة بمن يعتمرون ، وهم يزعمون أنهم أهل ~~حرم الله زواره ومعظميه ، وقد كان من عادتهم قبول كل زائر للكعبة من جميع ~~أهل الأديان ، فلا عذر لهم في منع المسلمين ولكنهم حملتهم عليه الحمية . # وضمير الغيبة المفتتح به عائد إلى الذين كفروا من قوله : { ولو قاتلكم ~~الذين كفروا لولوا الأدبار } ( الفتح : 22 ) الآية . والمقصود بالافتتاح ~~بضميرهم هنا لاسترعاء السمع لما يرد بعده من الخبر كما إذا جره حديث عن بطل ~~في يوم من أيام العرب ثم قال قائل عثرة هو البطن المحامي . # والمقصود من الصلة هو جملة { صدوكم عن المسجد الحرام } وذكر { الذين ~~كفروا } إدماج للنداء عليهم بوصف الكفر ولهذا الإدماج نكتة أيضا ، وهي أن ~~وصف الذين كفروا بمنزلة الجنس صار الموصول في قوة المعرف بلام الجنس فتفيد ~~جملة { هم الذين كفروا } قصر جنس الكفر على هذا الضمير لقصد المبالغة ~~لكمالهم في الكفر بصدهم المعتمرين عن المسجد الحرام وصد الهدي عن أن يبلغ ~~محله . # والهدي : ما يهدى إلى الكعبة من الأنعام ، وهو من التسمية باسم المصدر ~~ولذلك يستوي فيه الواحد والجمع كحكم المصدر قال تعالى : { والهدي والقلائد ~~} ( المائدة : 97 ) أي الأنعام المهدية وقلائدها وهو هنا الجمع . # والمعكوف : اسم مفعول عكفه ، إذ ألزمه المكث في مكان ، يقال : عكفه فعكف ~~فيستعمل قاصرا ومتعديا عن ابن سيده وغيره كما يقال : رجعه فرجع PageV26P187 ~~وجبره فجبر . وقال أبو علي الفارسي : لا أعرف عكف متعديا ، وتأول صيغة ~~المفعول في قوله تعالى : { معكوفا } على أنها لتضمين عكف معنى حبس . وفائدة ~~ذكر هذا الحال التشنيع على الذين كفروا في صدهم المسلمين عن البيت بأنهم ~~صدوا الهدايا أن تبلغ محلها حيث اضطر المسلمون أن ينحروا هداياهم في ~~الحديبية فقد عطلوا بفعلهم ذلك شعيرة من شعائر الله ، ففي ذكر الحال تصوير ~~لهيئة الهدايا وهي محبوسة . # ومعنى صدهم الهدي : أنهم صدوا أهل الهدي عن الوصول ms7814 إلى المنحر من منى . ~~وليس المراد : أنهم صدوا الهدايا مباشرة لأنه لم ينقل أن المسلمين عرضوا ~~على المشركين تخلية من يذهب بهداياهم إلى مكة لتنحر بها . # وقوله : { أن يبلغ محله } أن يكون بدل اشتمال من { الهدي } ويجوز أن يكون ~~معمولا لحرف جر محذوف وهو ( عن ) ، أي عن أن يبلغ محله . # والمحل بكسر الحاء : محل الحل مشتق من فعل حل ضد حرم ، أي المكان الذي ~~يحل فيه نحر الهدي ، وهو الذي لا يجزىء غيره ، وذلك بمكة بالمروة بالنسبة ~~للمعتمر ، ولذلك لما أحصروا أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينحروا ~~هديهم في مكانهم إذ تعذر إبلاغه إلى مكة لأن المشركين منعوهم من ذلك . ولم ~~يثبت في السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بتوخي جهة معينة للنحر من ~~أرض الحديبية ، وذلك من سماحة الدين فلا طائل من وراء الخوض في اشتراط ~~النحر في أرض الحرم للمحصر . # . # أتبع النعي على المشركين سوء فعلهم من الكفر والصد عن المسجد الحرام ~~وتعطيل شعائر الله وعده المسلمين بفتح قريب ومغانم كثيرة ، بما يدفع غرور ~~المشركين بقوتهم ، ويسكن تطلع المسلمين لتعجيل الفتح ، فبين أن الله كف ~~أيدي المسلمين عن المشركين مع ما قرره آنفا من قوله : { ولو قاتلكم الذين ~~كفروا PageV26P188 لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا } ( الفتح : ~~22 ) أنه إنما لم يأمر المسلمين بقتال عدوهم لما صدوهم عن البيت لأنه أراد ~~رحمة جمع من المؤمنين والمؤمنات كانوا في خلال أهل الشرك لا يعلمونهم ، ~~وعصم المسلمين من الوقوع في مصائب من جراء إتلاف إخوانهم ، فالجملة معطوفة ~~على جملة { ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار } أو على جملة { وهو الذي ~~كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم } ( الفتح : 24 ) الخ . وأيا ما كان فهي كلام ~~معترض بين جملة { هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام } الخ وبين جملة ~~{ إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية } ( الفتح : 26 ) . ونظم هذه الآية ~~بديع في أسلوبي الإطناب والإيجاز والتفنن في الانتقال ورشاقة كلماته . # و { لولا } دالة على امتناعع لوجود ms7815 ، أي امتنع تعذيبنا الكافرين لأجل ~~وجود رجال مؤمنين ونساء مؤمنات بينهم . وما بعد { لولا } مبتدأ وخبره محذوف ~~على الطريقة المستعملة في حذفه مع { لولا } إذا كان تعليق امتناع جوابها ~~على وجود شرطها وجودا مطلقا غير مقيد بحال ، فالتقدير : ولولا رجال مؤمنون ~~ونساء مؤمنات موجودون ، كما يدل عليه قوله بعده { لو تزيلوا } ، أي لو لم ~~يكونوا موجودين بينهم ، أي أن وجود هؤلاء هو الذي لأجله امتنع حصول مضمون ~~جواب { لولا } . # وإجراء الوصف على رجال ونساء بالإيمان مشير إلى أن وجودهم المانع من حصول ~~مضمون الجواب هو الوجود الموصوف بإيمان أصحابه ، ولكن الامتناع ليس معلقا ~~على وجود الإيمان بل على وجود ذوات المؤمنين والمؤمنات بينهم . وكذلك قوله ~~: { لم تعلموهم } ليس هو خبرا بل وصفا ثانيا إذ ليس محط الفائدة . # ووجه عطف { نساء مؤمنات } مع أن وجود { رجال مؤمنون } كاف في ربط امتناع ~~الجواب بالشرط ومع التمكن من أن يقول : ولولا المؤمنون ، فإن جمع المذكر في ~~اصطلاح القرآن يتناول النساء غالبا ، أن تخصيص النساء بالذكر أنسب بمعنى ~~انتفاء المعرة بقتلهن وبمعنى تعلق رحمة الله بهن . PageV26P189 # ومعنى { لم تعلموهم } لم تعملوا إيمانهم إذ كانوا قد آمنوا بعد خروج ~~النبي صلى الله عليه وسلم مهاجرا . # فعن جنبذ بجيم مضمومة ونون ساكنة وموحدة مضمومة وذال معجمة بن سبع بسين ~~مهملة مفتوحة وموحدة مضمومة ، ويقال : سباع بكسر السين يقال : إنه أنصاري ، ~~ويقال : قاري صاحبي قال : هم سبعة رجال سمي منهم الوليد بن الوليد بن ~~المغيرة ، وسلمة بن هشام ، وعياش بن أبي ربيعة وأبو جندل بن سهيل وأبو بصير ~~القرشي ولم أقف على اسم السابع وعدت أم الفضل زوج العباس بن عبد المطلب ، ~~وأحسب أن ثانيتهما أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط التي لحقت بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم بعد أن رجع إلى المدينة . وعن حجر بن خلف : ثلاثة رجال وتسع ~~نسوة ، ولفظ الآية يقتضي أن النساء أكثر من اثنتين . والظاهر أن المراد ~~بقوله : { لم تعلموهم } ما يشمل معنى نفي معرفة أشخاصهم ومعنى نفي العلم ~~بما في ms7816 قلوبهم ، فيفيد الأول أنهم لا يعلمهم كثير منكم ممن كان في الحديبية ~~من أهل المدينة ومن معهم من الأعراب فهم لا يعرفون أشخاصهم فلا يعرفون من ~~كان منهم مؤمنا إن كان يعرفهم المهاجرون ، ويفيد الثاني أنهم لا يعلمون ما ~~في قلوبهم من الإيمان أو ما أحدثوه بعد مفارقتهم من الإيمان ، أي لا يعلم ~~ذلك كله الجيش من المهاجرين والأنصار . # و { أن تطأوهم } بدل اشتمال من { رجال } ومعطوفه ، أو من الضمير المنصوب ~~في { لم تعلموهم } أي لولا أن تطئوهم . # والوطء : الدوس بالرجل ، ويستعار للإبادة والإهلاك ، وقد جمعهما الحارث ~~بن وعلة الذهلي في قوله : # ووطئتنا وطأ على حنق # وطء المقيد نابت الهرم # والإصابة : لحاق ما يصيب . # و ( من ) في قوله : { منهم } للابتداء المجازي الراجع إلى معنى التسبب ، ~~أي فتلحقكم من جرائهم ومن أجلهم معرة كنتم تتقون لحاقها لو كنتم تعلمونهم . ~~PageV26P190 # والمعرة : مصدر ميمي من عره ، إذا دهاه ، أي أصابه بما يكرهه ويشق عليه ~~من ضر أو غرم أو سوء قالة ، فهي هنا تجمع ما يلحقهم إذا ألحقوا أضرارا ~~بالمسلمين من دياتت قتلى ، وغرم أضرار ، ومن إثم يلحق القاتلين إذا لم ~~يتثبتوا فيمن يقتلونه ، ومن سوء قالة يقولها المشركون ويشيعونها في القبائل ~~أن محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم ينج أهل دينهم من ضرهم ليكرهوا ~~العرب في الإسلام وأهله . # والباء في { بغير علم } للملابسة ، أي ملابسين لانتفاء العلم . والمجرور ~~بها متعلق ب { تصيبكم } ، أي فتلحقكم من جرائهم مكاره لا تعلمونها حتى ~~تقعوا فيها . وهذا نفي علم آخر غير العلم المنفي في قوله : { لم تعلموهم } ~~لأن العلم المنفي في قوله : { لم تعلموهم } هو العلم بأنهم مؤمنون بالذي ~~انتفاؤه سبب إهلاك غير المعلومين الذي تسبب عليه لحاق المعرة . والعلم ~~المنفي ثانيا في قوله : { بغير علم } هو العلم بلحاق المعرة من وطأتهم ~~التابع لعدم العلم بإيمان القوم المهلكين وهو العلم الذي انتفاؤه يكون سببا ~~في الإقدام على إهلاكهم . # واللام في قوله : { ليدخل الله في رحمته من يشاء } للتعليل والمعلل واقع ~~لا مفروض ، فهو وجود شرط ms7817 { لولا } الذي تسبب عليه امتناع جوابها فالمعلل هو ~~ربط الجواب بالشرط ، أي لولا وجود رجال مؤمنين ونساء مؤمنات لعذبنا الذين ~~كفروا وأن هذا الربط لأجل رحمة الله من يشاء من عباده إذ رحم بهذا الامتناع ~~جيش المسلمين بأن سلمهم من معرة تلحقهم وأن أبقى لهم قوتهم في النفوس ~~والعدة إلى أمد معلوم ، ورحم المؤمنين والمؤمنات بنجاتهم من الإهلاك ، ورحم ~~المشركين بأن استبقاهم لعلهم يسلمون أو يسلم أكثرهم كما حصل بعد فتح مكة ، ~~ورحم من أسلموا منهم بعد ذلك بثواب الآخرة ، فالرحمة هنا شاملة لرحمة ~~الدنيا ورحمة الآخرة . # و { من يشاء } يعم كل من أراد الله من هذه الحالة رحمته في الدنيا ~~والآخرة أو فيهما معا . وعبر ب { من يشاء } لما فيه من شمول أصناف كثيرة ~~ولما فيه من الإيجاز ولما فيه من الإشارة إلى الحكمة التي اقتضت مشيئة الله ~~رحمة أولئك . PageV26P191 # وجواب { لولا } يجوز اعتباره محذوفا دل عليه جواب { لو } المعطوفة على { ~~لولا } في قوله : { لو تزيلوا } ، ويجوز اعتبار جواب { لو } مرتبطا على وجه ~~تشبيه التنازع بين شرطي { لولا } و { لو } لمرجع الشرطين إلى معنى واحد وهو ~~الامتناع فإن { لولا } حرف امتناع لوجود أي تدل على امتناع جوابها لوجود ~~شرطها . و { لو } حرف امتناع لامتناع ، أي تدل على امتناع جوابها لامتناع ~~شرطها فحكم جوابيهما واحد ، وهو الامتناع ، وإنما يختلف شرطاهما فشرط { لو ~~} منتف وشرط { لولا } مثبت . # وضمير { تزيلوا } عائد إلى ما دل عليه قوله : { ولولا رجال مؤمنون } الخ ~~من جمع مختلط فيه المؤمنون والمؤمنات مع المشركين كما دل عليه قوله : { لم ~~تعلموهم } . # والتزيل : مطاوع زيله إذا أبعده عن مكان ، وزيلهم ، أي أبعد بعضهم عن بعض ~~، أي فرقهم قال تعالى : { فزيلنا بينهم } ( يونس : 28 ) وهو هنا بمعنى ~~التفرق والتميز من غير مراعاة مطاوعة لفعل فاعل لأن أفعال المطاوعة كثيرا ~~ما تطلق لإرادة المبالغة لدلالة زيادة المبنى على زيادة المعنى وذلك أصل من ~~أصول اللغة . # والمعنى : لو تفرق المؤمنون والمؤمنات عن أهل الشرك لسلطنا المسلمين على ~~المشركين فعذبوا الذين كفروا عذاب السيف ms7818 . فإسناد التعذيب إلى الله تعالى ~~لأنه يأمر به ويقدر النصر للمسلمين كما قال تعالى : { قاتلوهم يعذبهم ~~بأيديكم في سورة براءة . # و ( من ) في قوله : منهم } للتبعيض ، أي لعذبنا الذين كفروا من ذلك الجمع ~~المتفرق المتميز مؤمنهم عن كافرهم ، أي حين يصير الجمع مشركين خلصا وحدهم . # وجملة { لو تزيلوا } إلى آخرها بيان لجملة { ولولا رجال مؤمنون } إلى ~~آخرها ، أي لولا وجود رجال مؤمنين الخ مندمجين في جماعة المشركين غير ~~مفترقين لو افترقوا لعذبنا الكافرين منهم . # وعدل عن ضمير الغيبة إلى ضمير المتكلم في قوله : { لعذبنا الذين كفروا } ~~على طريقة الالتفات . PageV26P192 # ظرف متعلق بفعل { صدوكم } ( الفتح : 25 ) أي صدوكم صدا لا عذر لهم فيه ~~ولا داعي إليه إلا حمية الجاهلية ، وإلا فإن المؤمنين جاءوا مسالمين معظمين ~~حرمة الكعبة سائقين الهدايا لنفع أهل الحرم فليس من الرشد أن يمنعوا عن ~~العمرة ولكن حمية الجاهلية غطت على عقولهم فصمموا على منع المسلمين ، ثم آل ~~النزاع بين الطائفتين إلى المصالحة على أن يرجع المسلمون هذا العام وعلى أن ~~المشركين يمكنوهم من العمرة في القابل وأن العامين سواء عندهم ولكنهم ~~أرادوا التشفي لما في قلوبهم من الإحن على المسلمين . # فكان تعليق هذا الظرف بفعل { وصدوكم } مشعرا بتعليل الصد بكونه حمية ~~الجاهلية ليفيد أن الحمية متمكنة منهم تظهر منها آثارها فمنها الصد عن ~~المسجد الحرام . # والحمية : الأنفة ، أي الاستنكاف من أمر لأنه يراه غضاضة عليه وأكثر ~~إطلاق ذلك على استكبار لا موجب له فإن كان لموجب فهو إباء الضيم . ولما كان ~~صدهم الناس عن زيارة البيت بلا حق لأن البيت بيت الله لا بيتهم كان داعي ~~المنع مجرد الحمية قال تعالى : { وما كانوا أولياءه } ( الأنفال : 34 ) . و ~~{ جعل } بمعنى وضع ، كقول الحريري في المقامة الأخيرة ( اجعل الموت نصب ~~عينك ) ، وقول الشاعر : # وإثمد يجعل في العين PageV26P193 # وضمير { جعل } يجوز أن يكون عائدا إلى اسم الجلالة في قوله : { ليدخل ~~الله في رحمته } ( الفتح : 25 ) من قوله : { لعذبنا الذين كفروا } ( الفتح ~~: 25 ) والعدول عن ضمير المتكلم إلى ضمير الغيبة التفات ms7819 . # و { الذين كفروا } مفعول أول ل { جعل } . و { الحمية } بدل اشتمال من { ~~الذين كفروا } ، و { في قلوبهم } في محل المفعول الثاني ل { جعل } ، أي ~~تخلقوا بالحمية فهي دافعة بهم إلى أفعالهم لا يراعون مصلحة ولا مفسدة فكذلك ~~حين صدوكم عن المسجد الحرام . # و { في قلوبهم } متعلق ب { جعل } ، أي وضع الحمية في قلوبهم . # وقوله : { حمية الجاهلية } عطف بيان للحمية قصد من إجماله ثم تفصيله ~~تقرير مدلوله وتأكيده ما يحصل لو قال : { إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم ~~حمية الجاهلية } . # وإضافة الحمية إلى الجاهلية لقصد تحقيرها وتشنيعها فإنها من خلق أهل ~~الجاهلية فإن ذلك انتساب ذم في اصطلاح القرآن كقوله : { يظنون بالله غير ~~الحق ظن الجاهلية } ( آل عمران : 154 ) وقوله : { أفحكم الجاهلية يبغون } ( ~~المائدة : 50 ) . # ويعكس ذلك إضافة السكينة إلى ضمير الله تعالى إضافة تشريف لأن السكينة من ~~الأخلاق الفاضلة فهي موهبة إلهاية . # وتفريع { فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين } ، على { إذ جعل ~~الذين كفروا } ، يؤذن بأن المؤمنين ودوا أن يقاتلوا المشركين وأن يدخلوا ~~مكة للعمرة عنوة غضبا من صدهم عنها ولكن الله أنزل عليهم السكينة . # والمراد بالسكينة : الثبات والأناة ، أي جعل في قلوبهم التأني وصرف عنهم ~~العجلة ، فعصمهم من مقابلة الحمية بالغضب والانتقامم فقابلوا الحمية ~~بالتعقل والتثبت فكان في ذلك خير كثير . PageV26P194 # وفي هذه الآية من النكت المعنوية مقابلة { جعل } ب { أنزل } في قوله : { ~~إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية } وقوله : { فأنزل الله سكينته } فدل ~~على شرف السكينة على الحمية لأن الإنزال تخييل للرفعة وإضافة الحمية إلى ~~الجاهلية ، وإضافة السكينة إلى اسم ذاته . وعطف على إنزال الله سكينته { ~~ألزمهم كلمة التقوى } ( الفتح : 26 ) ، أي جعل كلمة التقوى لازمة لهم لا ~~يفارقونها ، أي قرن بينهم وبين كلمة التقوى ليكون ذلك مقابل قوله : { ~~وصدوكم عن المسجد الحرام } ( الفتح : 25 ) فإنه لما ربط صدهم المسلمين عن ~~المسجد الحرام بالظرف في قوله : { إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية ~~الجاهلية } ربطا يفيد التعليل كما قدمناه آنفا ربط ملازمة المسلمين كلمة ~~التقوى بإنزال ms7820 السكينة في قلوبهم ، ليكون إنزال السكينة في قلوبهم ، وهو ~~أمر باطني ، مؤثرا فيهم عملا ظاهريا وهو ملازمتهم كلمة التقوى كما كانت ~~حمية الجاهلية هي التي دفعت الذين كفروا إلى صد المسلمين عن المسجد الحرام ~~. # وضمير النصب في { وألزمهم } عائد إلى { المؤمنين } لأنهم هم الذين عوض ~~الله غضبهم بالسكينة ولم يكن رسول الله مفارقا السكينة من قبل . # و { كلمة التقوى } إن حملت على ظاهر معنى { كلمة } كانت من قبيل الألفاظ ~~وإطلاق الكلمة على الكلام شائع ، قال تعالى : { إنها كلمة هو قائلها } ( ~~المؤمنون : 100 ) ففسرت الكلمة هنا بأنها قول : لا إله إلا الله . وروي هذا ~~عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي ، وقال : هو ~~حديث غريب . قلت : في سنده : ثوير ، ويقال : ثور بن أبي فاختة قال فيه ~~الدارقطني : هو متروك ، وقال أبو حاتم : هو ضعيف . وروى ابن مردوية عن أبي ~~هريرة وسلمة بن الأكوع مثله مرفوعا وكلها ضعيفة الأسانيد . وروي تفسيرها ~~بذلك عند عدد كثير من الصحابة ومعنى إلزامه إياهم كلمة التقوى : أنه قدر ~~لهم الثبات عليها قولا بلفظها وعملا بمدلولها إذ فائدة الكلام حصول معناه ، ~~فإطلاق ( الكلمة ) هنا كإطلاقه في قوله تعالى : { وجعلها كلمة باقية في ~~عقبه } ( الزخرف : 28 ) يعني بها قول إبراهيم لأبيه وقومه { إنني براء مما ~~تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين } ( الزخرف : 26 ، 27 ) . # وإضافة { كلمة } إلى { التقوى } على هذا التفسير إضافة حقيقية . ومعنى ~~PageV26P195 إضافتها : أن كلمة الشهادة أصل التقوى فإن أساس التقوى اجتناب ~~عبادة الأصنام ، ثم تتفرع على ذلك شعب التقوى كلها . ورويت أقوال أخرى في ~~تفسير { كلمة التقوى } بمعنى كلام آخر من الكلم الطيب وهي تفاسير لا تلائم ~~سياق الكلام ولا نظمه . ويجوز أن تحتمل { كلمة } على غير ظاهر معناها فتكون ~~مقحمة وتكون إضافتها إلى التقوى إضافة بيانية ، أي كلمة هي التقوى ، ويكون ~~المعنى : وألزمهم التقوى على حد إقحام لفظ اسم في قول لبيد : # إلى الحول ثم اسم السلام عليكما # ومنه قوله تعالى : { تبارك اسم ربك } ( الرحمن : 78 ) على أحد ms7821 التفسيرين ~~فيه . ويدخل في التقوى ابتداء توحيد الله تعالى . # ويجوز أن يكون لفظ { كلمة } مطلقا على حقيقة الشيء . وجماع معناه كإطلاق ~~الاسم في قول النابغة : # نبئت زرعة والسفاهة كاسمها # يهدي إلى غرائب الأشعار # ويؤيد هذا الوجه ما نقل عن مجاهد أنه قال : كلمة التقوى : الإخلاص . فجعل ~~( الكلمة ) معنى من التقوى . فالمعنى على هذين التوجهين الأخيرين : أنهم ~~تخلقوا بالتقوى لا يفارقونها فاستعير الإلزام لدوام المقارنة . وهذان ~~الوجهان لا يعارضان تفسير كلمة ( التقوى ) بكلمة ( الشهادة ) المروي عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يكون ذلك تفسيرا بجزئي من التقوى هو أهم ~~جزئياتها ، أي تفسير مثال . # وعن الحسن : أن كلمة { التقوى } الوفاء بالعهد ، فيكون الإلزام على هذا ~~بمعنى الإيجاب ، أي أمرهم بأن يفوا بما عاهدوا عليه للمشركين ولا ينقضوا ~~عهدهم ، فلذلك لم ينقض المسلمون العهد حتى كان المشركون هم الذين ابتدأوا ~~بنقضه . # والواو في { وكانوا أحق بها } واو الحال ، والجملة حال من الضمير المنصوب ~~، أي ألزمهم تلك الكلمة في حال كانوا فيه أحق بها وأهلها ممن لم يلزموها ~~وهم الذين لم يقبلوا التوحيد على نحو قوله تعالى : { وإن كانت لكبيرة إلا ~~على الذين هدى الله } ( البقرة : 143 ) . PageV26P196 وجيء بفعل كانوا ~~لدلالتها على أن هذه الأحقية راسخة فيهم حاصلة في الزمن الماضي ، أي في قدر ~~الله تعالى . # والمعنى : أن نفوس المؤمنين كانت متهيئة لقبول كلمة التقوى والتزامها بما ~~أرشدها الله إليه . والمفضل عليه مقدر دل عليه ما تقدم ، أي أحق بها من ~~الذين كفروا والذين جعل الله في قلوبهم الحمية لأن الله قدر لهم الاستعداد ~~للإيمان دون الذين أصروا على الكفر . # وأهل الشيء مستحقه ، والمعنى أنهم كانوا أهل كلمة التقوى لأنها تناسب ~~ضمائرهم وما انطوت عليه قلوبهم . وهذه الأهلية مثل الأحقية متفاوتة في ~~الناس وكلما اهتدى أحد من المشركين إلى الإسلام دل اهتداؤه على أنه حصلت له ~~هذه الأهلية للإسلام . # وجملة { وكان الله بكل شيء عليما } تذييل ، أي وسبق في علم الله ذلك في ~~عموم ما أحاط به علم الله من الأشياء مجرى ms7822 تكوينه على نحو علمه . # استئناف بياني ناشىء عن قوله : { فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى ~~المؤمنين } ( الفتح : 26 ) ودحض ما خامر نفوس فريق من الفشل أو الشك أو ~~التحير وتبيين ما أنعم الله به على أهل بيعة الرضوان من ثواب الدنيا ~~والآخرة إلى كشف شبهة عرضت للقوم في رؤيا رآها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رؤيا قبل خروجه إلى الحديبية ~~، أو وهو في الحديبية : كأنه وأصحابه قد دخلوا مكة آمنين وحلقوا وقصروا . ~~هكذا كانت الرؤيا مجملة ليس فيها وقوع حج ولا عمرة ، والحلاق والتقصير ~~مناسب لكليهما . PageV26P197 # وقص رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤياه على أصحابه فاستبشروا بها ~~وعبروها أنهم داخلون إلى مكة بعمرتهم التي خرجوا لأجلها ، فلما جرى الصلح ~~وتأهب الناس إلى القفول أثار بعض المنافقين ذكر الرؤيا فقالوا : فأين ~~الرؤيا فوالله ما دخلنا المسجد الحرام ولا حلقنا وقصرنا ؟ فقال لهم أبو بكر ~~رضي الله عنه : إن المنام لم يكن موقتا بوقت وأنه سيدخل وأنزل الله تعالى ~~هذه الآية . والمعنى أن رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم حق وأن الله ~~أوحى إليه بها وأنها وإن لم تقع في تلك القضية فستحقق بعد ذلك وكأن الحكمة ~~في إراءة الله رسوله صلى الله عليه وسلم لك الرؤيا أيامئذ وفي إخبار الرسول ~~صلى الله عليه وسلم أصحابه بها : أن الله أدخل بذلك على قلوبهم الثقة ~~بقوتهم وتربية الجراءة على المشركين في ديارهم فتسلم قلوبهم من ماء الجبن ~~فإن الأمراض النفسية إذا اعترت النفوس لا تلبث أن تترك فيها بقايا الداء ~~زمانا كما تبقى آثار المرض في العضو المريض بعد النقاهة زمانا حتى ترجع إلى ~~العضو قوته الأولى بعد مدة مناسبة . # وتوكيد الخبر بحرف ( قد ) لإبطال شبهة المنافقين الذين قالوا : فأين ~~الرؤيا ؟ # ومعنى { صدق الله رسوله الرؤيا } أنه أراه رؤيا صادقة لأن رؤيا الأنبياء ~~وحي فآلت إلى معنى الخبر فوصفت بالصدق لذلك . وهذا تطمين لهم بأن ذلك سيكون ~~لا محالة وهو في ms7823 حين نزول الآية لما يحصل بقرينة قوله : { إن شاء الله } . # وتعدية { صدق } إلى منصوب ثان بعد مفعوله من النصب على نزع الخافض المسمى ~~بالحذف والإيصال ، أي حذف الجار وإيصال الفعل إلى المجرور بالعمل فيه النصب ~~. وأصل الكلام : صدق الله رسوله في الرؤيا كقوله تعالى : { صدقوا ما عاهدوا ~~الله عليه } ( الأحزاب : 23 ) . # والباء في { بالحق } للملابسة وهو ظرف مستقر وقع صفة لمصدر محذوف ، أي ~~صدقا ملابسا الحق ، أو وقوع حالا صفة لمصدر محذوف ، أي صدقا ملابسا وقع ~~حالا من الرؤيا . PageV26P198 # والحق : الغرض الصحيح والحكمة ، أي كانت رؤيا صادقة وكانت مجعولة محكمة ~~وهي ما قدمناه آنفا . # وجملة { لتدخلن المسجد الحرام } إلى آخرها يجوز أن يكون بيانا لجملة { ~~صدق الله } لأن معنى { لتدخلن } تحقيق دخول المسجد الحرام في المستقبل ~~فيعلم منه أن الرؤيا إخبار بدخول لم يعين زمنه فهي صادقة فيما يتحقق في ~~المستقبل . وهذا تنبيه للذين لم يتفطنوا لذلك فجزموا بأن رؤيا دخول المسجد ~~تقتضي دخولهم إليه أيامئذ وما ذلك بمفهوم من الرؤيا وكان حقهم أن يعلموا ~~أنها وعد لم يعين إبان موعوده وقد فهم ذلك أبو بكر إذ قال لهم : إن المنام ~~لم يكن موقتا بوقت وأنه سيدخل . وقد جاء في سورة يوسف { وقال يا أبت هذا ~~تأويل رؤياي من قبل . وليست هذه الجملة بيانا للرؤيا لأن صيغة القسم لا ~~تلائم ذلك . # والأحسن أن تكون جملة لتدخلن المسجد الحرام } استئنافا بيانيا عن جملة { ~~صدق الله رسوله } أي سيكون ذلك في المستقبل لا محالة فينبغي الوقف عند قوله ~~: { بالحق } ليظهر معنى الاستئناف . # وقوله : { إن شاء الله } من شأنه أن يذيل به الخبر المستقبل إذا كان ~~حصوله متراخيا ، ألا ترى أن الذي يقال له : افعل كذا ، فيقول : أفعل إن شاء ~~الله ، لا يفهم من كلامه أنه يفعل في الحال أو في المستقبل القريب بل يفعله ~~بعد زمن ولكن مع تحقيق أنه يفعله . # ولذلك تأولوا قوله تعالى في سورة يوسف { وقال ادخلوا مصر إن شاء الله ~~آمنين أن إن شاء الله } للدخول مع تقدير ms7824 الأمن لأنه قال ذلك حين قد دخلوا ~~مصر . أما ما في هذه الآية فهو من كلام الله فلا يناسبه هذا المحمل . وليس ~~المقصود منه التنصل من التزام الوعد ، وهذا من استعمالات كلمة { إن شاء ~~الله } . فليس هو مثل استعمالها في اليمين فإنها حينئذ للثنيا لأنها في ~~موضع قولهم : إلا أن يشاء الله ، لأن معنى : إلا أن يشاء الله : عدم الفعل ~~، وأما إن شاء الله ، التي تقع موقع : إلا أن يشاء الله ، فمعناه إن شاء ~~الله الفعل . PageV26P199 # والموعود به صادق بدخولهم مكة بالعمرة سنة سبع وهي عمرة القضية ، فإنهم ~~دخلوا المسجد الحرام آمنين وحلق بعضهم وقصر بعض غير خائفين إذ كان بينهم ~~وبين المشركين عهد ، وذلك أقرب دخول بعد هذا الوعد ، وصادق بدخولهم المسجد ~~الحرام عام حجة الوداع ، وعدم الخوف فيه أظهر . وأما دخولهم مكة يوم الفتح ~~فلم يكونوا فيه محرمين . قال مالك في ( الموطأ ) بعد أن ساق حديث قتل ابن ~~خطل يوم الفتح ( ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ محرما والله ~~أعلم ) . # و { محلقين رؤوسكم } حال من ضمير { آمنين } وعطف عليه { ومقصرين } ~~والتحليق والتقصير كناية عن التمكن من إتمام الحج والعمرة وذلك من استمرار ~~الأمن على أن هذه الحالة حكت ما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم في رؤياه ~~، أي يحلق من رام الحلق ويقصر من رام التقصير ، أي لا يعجلهم الخوف عن ~~الحلق فيقتصروا على التقصير . # وجملة { لا تخافون } في موضع الحال فيجوز أن تكون مؤكدة ل { آمنين } ~~تأكيدا بالمرادف للدلالة على أن الأمن كامل محقق ، ويجوز أن تكون حالا ~~مؤسسة على أن { آمنين } معمول لفعل { تدخلن } وأن { لا تخافون } معمول ل { ~~ءامنين } ، أي آمنين أمن من لا يخاف ، أي لا تخافون غدرا . وذلك إيماء إلى ~~أنهم يكونون أشد قوة من عدوهم الذي أمنهم ، وهذا يومىء إلى حكمة تأخير ~~دخولهم مكة إلى عام قابل حيث يزدادون قوة واستعدادا وهو أظهر في دخولهم عام ~~حجة الوداع . # والفاء في قوله : { فعلم ما لم تعلموا } لتفريع الأخبار لا ms7825 لتفريع المخبر ~~به لأن علم الله سابق على دخولهم وعلى الرؤيا المؤذنة بدخولهم كما تقدم في ~~قوله : { فعلم ما في قلوبهم } ( الفتح : 18 ) . # وفي إيثار فعل { جعل } في هذا التركيب دون أن يقول : فتح لكم من دون ذلك ~~فتحا قريبا أو نحوه إفادة أن هذا الفتح أمره عجيب ما كان ليحصل مثله لولا ~~أن الله كونه . وصيغة الماضي في { جعل } لتنزيل المستقبل المحقق منزلة ~~الماضي ، أو لأن { جعل } بمعنى قدر . ودون هنا بمعنى غير ، ومن ( م ) ~~ابتدائية أو PageV26P200 بيانية . والمعنى : فجعل فتحا قريبا لكم زيادة على ~~ما وعدكم من دخول مكة آمنين . وهذا الفتح أوله هو فتح خيبر الذي وقع قبل ~~عمرة القضية وهذا القريب من وقت الصلح . # زيادة تحقيق لصدق الرؤيا بأن الذي أرسل رسوله صلى الله عليه وسلم بهذا ~~الدين ما كان ليريه رؤيا صادقة . فهذه الجملة تأكيد للتحقيق المستفاد من ~~حرف ( قد ) ولام القسم في قوله : { لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق } ( ~~الفتح : 27 ) . وبهذا يظهر لك حسن موقع الضمير والموصولل في قوله : { هو ~~الذي أرسل رسوله } لأن الموصول يفيد العلم بضمون الصلة غالبا . # والضمير عائد إلى اسم الجلالة في قوله : { لقد صدق الله رسوله الرؤيا } ، ~~وهم يعلمون أن رؤيا الرسول صلى الله عليه وسلم وحي من الله فهو يذكرهم ~~بهاتين الحقيقتين المعلومتين عندهم حين لم يجروا على موجب العلم بهما ~~فخامرتهم ظنون لا تليق بمن يعلم أن رؤيا الرسول وحي وأن الموحي له هو الذي ~~أرسله فكيف يريه رؤيا غير صادقة . وفي هذا تذكير ولوم للمؤمنين الذين غفلوا ~~عن هذا وتعريض بالمنافقين الذين أدخلوا التردد في قلوب المؤمنين . # والباء في { بالهدى } للمصاحبة وهو متعلق ب { أرسل } والهدى أطلق على ما ~~به الهدى ، أي كقوله تعالى : { ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين } ( ~~البقرة : 2 ) ، وقوله : { شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس } ( ~~البقرة : 185 ) . وعطف { دين الحق } على الهدى ليشمل ما جاء به الرسول صلى ~~الله عليه وسلم من الأحكام أصولها وفروعها مما أوحي به ms7826 إلى الرسول صلى الله ~~عليه وسلم سوى القرآن من كل وحي بكلام لم يقصد به الإعجاز أو كان من سنة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم # ويجوز أن يكون المراد { بالهدى } أصول الدين من اعتقاد الإيمان وفضائل ~~الأخلاق التي بها تزكية النفس ، و { بدين الحق } : شرائع الإسلام وفروعه . ~~PageV26P201 # واللام في { ليظهره } لتعليل فعل { أرسل } ومتعلقاته ، أي أرسله بذلك ~~ليظهر هذا الدين على جميع الأديان الإلهية السالفة ولذلك أكد ب { كله } ~~لأنه في معنى الجمع . ومعنى { يظهره } يعليه . والإظهار : أصله مشتق من ظهر ~~بمعنى بدا ، فاستعمل كناية عن الارتفاع الحقيقي ثم أطلق مجازا عن الشرف ~~فصار أظهره بمعنى أعلاه ، أي ليشرفه على الأديان كلها ، وهذا كقوله في حق ~~القرآن { مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه } ( المائدة : 48 ) . # ولما كان المقصود من قوله : { هو الذي أرسل رسوله بالهدى الخ الشهادة بأن ~~الرؤيا صدق ذيل الجملة بقوله : وكفى بالله شهيدا } أي أجزأتكم شهادة الله ~~بصدق الرؤيا إلى أن تروا ما صدقها في الإبان . وتقدم الكلام على نظير { ~~وكفى بالله شهيدا في آخر سورة النساء . # } # لما بين صدق الرسول صلى الله عليه وسلم في رؤياه واطمأنت نفوس المؤمنين ~~أعقب ذلك بتنويه شأن الرسول صلى الله عليه وسلم والثناء على المؤمنين الذين ~~معه . # و { محمد } خبر مبتدأ محذوف ، تقديره : هو محمد يعود هذا الضمير المحذوف ~~على قوله : { رسوله } ( الفتح : 28 ) في الآية قبلها . وهذا من حذف المسند ~~الذي وصفه السكاكي بالحذف الذي الاستعمال وارد على ترك المسند إليه وترك ~~نظائره . قال التفتازاني في ( المطول ) ( ومنه قولهم بعد أن يذكروا رجلا : ~~فتى من شأنه كذا وكذا ، وهو أن يذكروا الديار أو المنازل ربع كذا وكذا ) . ~~ومن أمثلة ( المفتاح ) لذاك قوله : ( فراجعهما ) أي العقل السليم والطبع ~~المستقيم في مثل قوله : # سأشكر عمرا إن تراخت منيتي # أيادي لم تمنن وإن هي جلت PageV26P202 # فتى غير محجوب الغنى عن صديقه # ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت # إذ لم يقل : هو فتى . # وهذا المعنى هو الأظهر هنا إذ ليس المقصود ms7827 إفادة أن محمدا رسول الله ~~وإنما المقصود بيان رسول الله من هو بعد أن أجرى عليه من الأخبار من قوله : ~~{ لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق } ( الفتح : 27 ) إلى قوله : { ليظهره ~~على الدين كله } ( الفتح : 28 ) فيعتبر السامع كالمشتاق إلى بيان : من هذا ~~المتحدث عنه بهذه الأخبار ؟ فيقال له : محمد رسول الله ، أي هو محمد رسول ~~الله . وهذا من العناية والاهتمام بذكر مناقبه صلى الله عليه وسلم فتعتبر ~~الجملة المحذوف مبتدؤها مستأنفة استئنافا بيانيا . وفيه وجوه أخر لا تخفى ، ~~والأحسن منها هذا . # وفي هذا نداء على إبطال جحود المشركين رسالته حين امتنعوا من أن يكتب في ~~صحيفة الصلح ( هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله . وقالوا : لو كنا نعلم أنك ~~رسول الله ما صددناك عن البيت ) . # وقوله : { والذين معه } يجوز أن يكون مبتدأ و { أشداء } خبرا عنه وما ~~بعده إخبار . والمقصود الثناء على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ومعنى { معه } : المصاحبة الكاملة بالطاعة والتأييد كقوله تعالى : { وقال ~~الله إني معكم } . والمراد : أصحابه كلهم لا خصوص أهل الحديبية . # وإن كانوا هم المقصود ابتداء فقد عرفوا بصدق ما عاهدوا عليه الله ، ولذلك ~~لما انهزم المسلمون يوم حنين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس بن ~~عبد المطلب ناد يا أصل السمرة . ويجوز أن يكون { والذين معه } عطفا على { ~~رسوله } من قوله : { هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق } ( التوبة : 33 ~~) . والتقدير : وأرسل الذين معه ، أي أصحابه على أن المراد بالإرسال ما ~~يشمل الإذن لهم بواسطة الرسول صلى الله عليه وسلم كقوله تعالى : ~~PageV26P203 { إذ أرسلنا إليهم اثنين } ( يس : 14 ) الآية فإن المرسلين إلى ~~أهل أنطاكية كانوا من الحواريين ، أمرهم عيسى بنشر الهدى والتوحيد . فيكون ~~الإرسال البعث له في قوله تعالى : { بعثنا عليكم عبادا لنا } وعلى هذا يكون ~~{ أرسلنا } في هذه الآية مستعملا في حقيقته ومجازه . # و { أشداء } : جمع شديد ، وهو الموصوف بالشدة المعنوية وهي صلابة ~~المعاملة وقساوتها ، قال تعالى في وصف النار { عليها ملائكة غلاظ شداد } ( ~~التحريم : 6 ) . # والشدة على ms7828 الكفار : هي الشدة في قتالهم وإظهار العداوة لهم ، وهذا وصف ~~مدح لأن المؤمنين الذين مع النبي صلى الله عليه وسلم كانوا هم فئة الحق ~~ونشر الإسلام فلا يليق بهم إلا إظهار الغضب لله والحب في الله والبغض في ~~الله من الإيمان ، وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أقوى المؤمنين إيمانا ~~من أجل إشراق أنوار النبوءة على قلوبهم فلا جرم أن يكونوا أشد على الكفار ~~فإن بين نفوس الفريقين تمام المضادة وما كانت كراهيتهم للصلح مع الكفار يوم ~~الحديبية ورغبتهم في قتل أسراهم الذين ثقفوهم يوم الحديبية وعفا عنهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم إلا من آثار شدتهم على الكفار ولم تكن لاحت لهم المصلحة ~~الراجحة على القتال وعلى القتل التي آثرها النبي صلى الله عليه وسلم ولذلك ~~كان أكثرهم محاورة في إباء الصلح يومئذ أشد أشدائهم على الكفار وهو عمر بن ~~الخطاب وكان أفهمهم للمصلحة التي توخاها النبي صلى الله عليه وسلم في إبرام ~~الصلح أبا بكر . وقد قال سهل بن حنيف يوم صفين : أيها الناس اتهموا الرأي ~~فلقد رأيتنا يوم أبي جندل ، ولو نستطيع أن نرد على رسول الله فعله لرددناه ~~. والله ورسوله أعلم . # ثم تكون أحكام الشدة على الكفار من وجوب وندب وإباحة وأحكام صحبتهم ~~ومعاملتهم جارية على مختلف الأحوال ولعلماء الإسلام فيها مقال ، وقد تقدم ~~كثير من ذلك في سورة آل عمران وفي سورة براءة . والشدة على الكفار اقتبسوها ~~من شدة النبي صلى الله عليه وسلم في إقامة الدين قال تعالى { بالمؤمنين ~~رؤوف رحيم } ( التوبة : 128 ) . # وأما كونهم رحماء بينهم فذلك من رسوخ أخوة الإيمان بينهم في نفوسهم . ~~PageV26P204 وقد وردت أخبار أخوتهم وتراحمهم في مواضع كثيرة من القرآن ~~وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم # وفي الجمع لهم بين هاتين الخلتين المتضادتين الشدة والرحمة إيماء إلى ~~أصالة آرائهم وحكمة عقولهم ، وأنهم يتصرفون في أخلاقهم وأعمالهم تصرف ~~الحكمة والرشد فلا تغلب على نفوسهم محمدة دون أخرى ولا يندفعون إلى العمل ~~بالجبلة وعدم الرؤية . وفي معنى هذه الآية قوله تعالى ms7829 : { فسوف يأتي الله ~~بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين في سورة العقود . # وفي تعليق رحماء } مع ظرف ( بين ) المفيد للمكان الداخل وسط ما يضاف هو ~~إليه تنبيه على انبثاث التراحم فيهم جميعا قال النبي صلى الله عليه وسلم ( ~~تجد المسلمين في توادهم وتراحمهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو اشتكى له ~~جميع الجسد بالسهر والحمى ) . # والخطاب في { تراهم } لغير معين بل لكل من تتأتى رؤيته إياهم ، أي يراهم ~~الرائي . # وإيثار صيغة المضارع للدلالة على تكرر ذلك ، أي تراهم كلما شئت أن تراهم ~~ركعا سجدا . وهذا ثناء عليهم بشدة إقبالهم على أفضل الأعمال المزكية للنفس ~~، وهي الصلوات مفروضها ونافلتها وأنهم يتطلبون بذلك رضى الله ورضوانه . وفي ~~سوق هذا في مساق الثناء إيماء إلى أن الله حقق لهم ما يبتغونه . # والسيما : العلامة ، وتقدم عند قوله تعالى : { تعرفهم بسيماهم في البقرة ~~وهذه سيما خاصة هي من أثر السجود . # واختلف في المراد من السيما التي وصفت بأنها من أثر السجود } على ثلاثة ~~أنحاء الأول : أنها أثر محسوس للسجود ، الثاني أنها من الأثر النفسي للسجود ~~، الثالث أنها أثر يظهر في وجوههم يوم القيامة . فبالأول فسر مالك بن أنس ~~وعكرمة وأبو العالية قال مالك : السيما هي ما PageV26P205 يتعلق بجباههم من ~~الأرض عند السجود مثل ما تعلق بجبهة النبي صلى الله عليه وسلم من أثر الطين ~~والماء لما وكف المسجد صبيحة إحدى وعشرين من رمضان . وقال السعيد وعكرمة : ~~الأثر كالغدة يكون في جبهة الرجل . # وليس المراد أنهم يتكلفون حدوث ذلك في وجوههم ولكنه يحصل من غير قصد بسبب ~~تكرر مباشرة الجبهة للأرض وبشرات الناس مختلفة في التأثر بذلك فلا حرج على ~~من حصل له ذلك إذا لم يتكلفه ولم يقصد به رياء . # وقال أبو العالية : يسجدون على التراب لا على الأثواب . # وإلى النحو الثاني فسر الأعمش والحسن وعطاء والربيع ومجاهد عن ابن عباس ~~وابن جزء والضحاك . فقال الأعمش : من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار . ~~وقريب منه عن عطاء والربيع بن سليمان . وقال ابن ms7830 عباس : هو حسن السمت . ~~وقال مجاهد : هو نور من الخشوع والتواضع . وقال الحسن والضحاك : بياض وصفرة ~~وتهيج يعتري الوجوه من السهر . وإلى النحو الثالث فسر سعيد بن جبير أيضا ~~والزهري وابن عباس في رواية العوفي والحسن أيضا وخالد الحنفي وعطية وشهر بن ~~حوشب : أنها سيما تكون لهم يوم القيامة ، وقالوا : هي بياض يكون في الوجه ~~يوم القيامة كالقمر ليلة البدر يجعله الله كرامة لهم . وأخرج الطبراني وابن ~~مردويه عن أبي بن كعب قال : قال رسول الله في قوله تعالى : { سيماهم في ~~وجوههم من أثر السجود } ( الفتح : 29 ) : النور يوم القيامة ، قيل وسنده ~~حسن وهو لا يقتضي تعطيل بقية الاحتمالات إذ كل ذلك من السيما المحمودة ولكن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أعلاها . # وضمائر الغيبة في قوله : { تراهم } و { يبتغون } و { سيماهم في وجوههم } ~~عائدة إلى { الذين معه } على الوجه الأول ، وإلى كل من { محمد رسول الله ~~والذين معه } على الوجه الثاني . PageV26P206 # . # الإشارة ب { ذلك } إلى المذكور من صفات الذين مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم لأن السابق في الذكر بمنزلة الحاضر فيشار إليه بهذا الاعتبار فاسم ~~الإشارة مبتدأ و { مثلهم } خبره . # والمثل يطلق على الحالة العجيبة ، ويطلق على النظير ، أي المشابه فإن كان ~~هنا محمولا على الحالة العجيبة فالمعنى : أن الصفات المذكورة هي حالهم ~~الموصوف في ( التوراة ) . وقوله : { في التوراة } متعلق ب { مثلهم } أو حال ~~منه . فيحتمل أن في ( التوراة ) وصف قوم سيأتون ووصفوا بهذه الصفات ، فبين ~~الله بهذه الآية أن الذين مع النبي صلى الله عليه وسلم هم المقصود بتلك ~~الصفة العجيبة التي في ( التوراة ) ، أي أن ( التوراة ) قد جاءت فيها بشارة ~~بمجيء محمد صلى الله عليه وسلم ووصف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والذي ~~وقفنا عليه في ( التوراة ) مما يصلح لتطبيق هذه الآية هو البشارة الرمزية ~~التي في الإصحاح الثالث والثلاثين من ( سفر التثنية ) من قول موسى عليه ~~السلام : ( جاء الرب من سينا وأشرق لهم من سعير وتلألأ من جبل فاران ، وأتى ~~من ربوات القدس وعن ms7831 يمينه نار شريعة لهم فأحب الشعب جميع قديسيه وهم جالسون ~~عند قدمك يتقبلون من أقوالك ) فإن جبل فاران هو حيال الحجاز . وقوله : ( ~~فأحب الشعب جميع قديسيه ) يشير إليه قوله : { رحماء بينهم } ( الفتح : 29 ) ~~، وقد تقدم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ما ينطبق على هذا من سورة ~~الفتح وقوله : قديسيه يفيد معنى { تراهم ركعا سجدا } ( الفتح : 29 ) ومعنى ~~{ سيماهم في وجوههم من أثر السجود } ( الفتح : 29 ) . وقوله في ( التوراة ) ~~( جالسون عند قدمك ) يفيد معنى قوله تعالى : { يبتغون فضلا من الله ورضوانا ~~} ( الحشر : 8 ) . ويكون قوله تعالى : { ذلك } إشارة إلى ما ذكر من الوصف . # . # ابتداء كلام مبتدأ . ويكون الوقف على قوله : { في التوراة } والتشبيه في ~~قوله : PageV26P207 { كزرع } خبره ، وهو المثل . وهذا هو الظاهر من سياق ~~الآية فيكون مشيرا إلى نحو قوله في ( إنجيل متى ) الإصحاح 13 فقرة 3 ( هو ~~ذا الزارع قد خرج ليزرع يعني عيسى عليه السلام وفيما هو يزرع سقط بعض على ~~الطريق فجاءت الطيور وأكلته ) إلى أن قال ( وسقط الآخر على الأرض الجيدة ~~فأعطى ثمره بعض مائة وآخر ستين وآخر ثلاثين ) . قال فقرة ، ثم قال : ( وأما ~~المزروع على الأرض الجيدة فهو الذي يسمع الكلمة ويفهم ، وهو الذي يأتي بثمر ~~فيصنع بعض مائة وبعض ستين وآخر ثلاثين ) . وهذا يتضمن نماء الإيمان في ~~قلوبهم وبأنهم يدعون الناس إلى الدين حتى يكثر المؤمنون كما تنبت الحبة ~~مائة سنبلة وكما تنبت من النواة الشجرة العظيمة . # وفي قوله : { أخرج شطأه } استعارة الإخراج إلى تفرع الفراخ من الحبة ~~لمشابهة التفرع بالخروج ومشابهة الأصل المتفرع عنه بالذي يخرج شيئا من مكان ~~. # والشطء بهمزة في آخره وسكون الطاء : فراخ الزرع وفروع الحبة . ويقال : ~~أشطأ الزرع ، إذا أخرج فروعا . وقرأه الجمهور بسكون الطاء وبالهمز وقرأه ~~ابن كثير { شطأه } بفتح الطاء بعدها ألف على تخفيف الهمزة ألفا . # و { آزره } قواه ، وهو من المؤازرة بالهمز وهي المعاونة وهو مشتق من اسم ~~الإزار لأنه يشد ظهر المتزر به ويعينه شده على العمل والحمل كذا قيل . ~~والأظهر عندي عكس ms7832 ذلك وهو أن يكون الإزار مشتقا اسمه من : آزر ، لأن ~~الاشتقاق من الأسماء الجامدة نادر لا يصار إلى ادعائه إلا إذا تعين . وصيغة ~~المفاعلة في { آزره } مستعارة لقوة الفعل مثل قولهم : عافاك الله ، وقوله ~~تعالى : { وبارك فيها } ( فصلت : 10 ) . # والضمير المرفوع في { آزره } للشطء ، والضمير المنصوب للزرع ، أي قوى ~~الشطء أصله . PageV26P208 # وقرأ الجمهور { فآزره } . وقرأه ابن ذكوان عن ابن عامر { فأزره } بدون ~~ألف بعد الهمزة والمعنى واحد . # ومعنى { استغلظ } غلظ غلظا شديدا في نوعه ، فالسين والتاء للمبالغة مثل : ~~استجاب . والضميران المرفوعان في { استغلظ } و { استوى } عائدان إلى الزرع ~~. # والسوق : جمع ساق على غير قياس لأن ساقا ليس بوصف وهو اسم على زنة فعل ~~بفتحتين . وقراءة الجميع { على سوقه } بالواو بعد الضمة . وقال ابن عطية : ~~قرأ ابن كثير { سؤقه } بالهمزة أي همزة ساكنة بعد السين المضمومة وهي لغة ~~ضعيفة يهمزون الواو التي قبلها ضمة ومنه قول الشاعر : # لحب المؤقدان إلى مؤسى # وتنسب لقنبل عن ابن كثير ولم يذكرها المفسرون ولم يذكرها في ( حرز ~~الأماني ) وذكرها النوري في كتاب ( غيث النفع ) وكلامه غير واضح في صحة ~~نسبة هذه القراءة إلى قنبل . # وساق الزرع والشجرة : الأصل الذي تخرج فيه السنبل والأغصان . ومعنى هذا ~~التمثيل تشبيه حال بدء المسلمين ونمائهم حتى كثروا وذلك يتضمن تشبيه بدء ~~دين الإسلام ضعيفا وتقويه يوما فيوما حتى استحكم أمره وتغلب على أعدائه . ~~وهذا التمثيل قابل لاعتبار تجزئة التشبيه في أجزائه بأن يشبه محمد صلى الله ~~عليه وسلم بالزارع PageV26P209 كما مثل عيسى غلب الإسلام في الإنجيل ، ~~ويشبه المؤمنون الأولون بحبات الزرع التي يبذرها في الأرض مثل : أبي بكر ~~وخديجة وعلي وبلال وعمار ، والشطء : من أيدوا المسلمين فإن النبي صلى الله ~~عليه وسلم دعا إلى الله وحده وانضم إليه نفر قليل ثم قواه الله بمن ضامن ~~معه كما يقوي الطاقة الأولى من الزرع ما يحتف بها مما يتولد منها حتى يعجب ~~الزراع . وقوله : { يعجب الزراع } تحسين للمشبه به ليفيد تحسين المشبه . # . # تعليل لما تضمنه تمثيلهم بالزرع الموصوف من نمائهم وترقيهم ms7833 في الزيادة ~~والقوة لأن كونهم بتلك الحالة من تقدير الله لهم أن يكونوا عليها فمثل بأنه ~~فعل ذلك ليغيظ بهم الكفار . # قال القرطبي : قال أبو عروة الزبيري : كنا عند مالك بن أنس فذكروا عنده ~~رجلا ينتقص أصحاب رسول الله فقرأ مالك هذه الآية { محمد رسول الله } إلى أن ~~بلغ قوله : { ليغيظ بهم الكفار } فقال مالك : من أصبح من الناس في قلبه غيظ ~~على أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أصابته هذه الآية . ~~وقلت : رحم الله مالك بن أنس ورضي عنه ما أدق استنباطه . # . # أعقب تنويه شأنهم والثناء عليهم بوعدهم بالجزاء على ما اتصفوا به من ~~الصفات التي لها الأثر المتين في نشر ونصر هذا الدين . # وقوله : { منهم } يجوز أن تكون ( من ) للبيان كقوله { فاجتنبوا الرجس من ~~PageV26P210 الأوثان } ( الحج : 30 ) وهو استعمال كثير ، ويجوز إبقاؤه على ~~ظاهر المعنى من التبعيض لأنه وعد لكل من يكون مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~في الحاضر والمستقبل فيكون ذكر ( من ) تحذيرا وهو لا ينافي المغفرة لجميعهم ~~لأن جميعهم آمنوا وعملوا الصالحات وأصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم هم ~~خيرة المؤمنين . انتهت سورة الفتح . # # PageV26P211 PageV26P212 $ 1 ( سورة الحجرات # سميت في جميع المصاحف وكتب السنة والتفسير سورة الحجرات وليس لها اسم ~~غيره ، ووجه تسميتها أنها ذكر فيها لفظ الحجرات . ونزلت في قصة نداء بني ~~تميم رسول الله صلى الله عليه وسلممن وراء حجراته ، فعرفت بهذه الإضافة . ~~وهي مدنية باتفاق أهل التأويل ، أي مما نزل بعد الهجرة ، وحكى السيوطي في ( ~~الإتقان ) قولا شاذا أنها مكية ولا يعرف قائل هذا القول . # وفي أسباب النزول للواحدي أن قوله تعالى : { يا أيها الناس إنا خلقناكم ~~من ذكر وأنثى } ( الحجرات : 13 ) الآية نزلت بمكة في يوم فتح مكة كما سيأتي ~~، ولم يثبت أن تلك الآية نزلت بمكة كما سيأتي . ولم يعدها في ( الإتقان ) ~~في عداد السور المستثنى بعض آياتها . وهي السورة الثامنة بعد المائة في ~~ترتيب نزول السور ، نزلت بعد سورة المجادلة وقبل سورة التحريم وكان نزول ~~هذه ms7834 السورة سنة تسع ، وأول آيها في شأن وفد بني تميم كما سيأتي عند قوله ~~تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله } ( الحجرات ~~: 1 ) وقوله : { إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون } ( ~~الحجرات : 4 ) . وعد جميع العادين آيها ثمان عشرة آية . # $ 2 ( { ياأيها الذين ءامنوا لا تقدموا بين يدى الله ورسوله واتقوا الله ~~إن الله سميع عليم * ياأيها الذين ءامنوا لا ترفعو & # 1764 ا أصواتكم فوق صوت النبى ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن ~~تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون * إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله ~~أولائك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم * إن الذين ~~ينادونك من ورآء الحجرات أكثرهم لا يعقلون * ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم ~~لكان خيرا لهم والله غفور رحيم * ياأيها الذين ءامنو & # 1764 ا إن جآءكم فاسق بنبإ فتبينو & # 1764 ا أن تصيببوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين * واعلمو & # 1764 ا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم فى كثير من الامر لعنتم ولاكن الله ~~حبب إليكم الايمان وزينه فى قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان ~~أولائك هم الراشدون * فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم * وإن طآئفتان من ~~المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التى ~~تبغى حتى تفى & # 1764 ء إلى أمر الله فإن فآءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطو & # 1764 ا إن الله يحب المقسطين * إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم ~~واتقوا الله لعلكم ترحمون * ياأيها الذين ءامنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن ~~يكونوا خيرا منهم ولا نسآء من نسآء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزو & # 1764 ا أنفسكم ولا تنابزوا بالالقاب بئس الاسم الفسوق بعد الايمان ومن لم ~~يتب فأولائك هم الظالمون * ياأيها الذين ءامنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن ~~بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ~~ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم * ياأيها الناس ms7835 إنا خلقناكم ~~من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبآئل لتعارفو & # 1764 ا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير * قالت الاعراب ~~ءامنا قل لم تؤمنوا ولاكن قولو & # 1764 ا أسلمنا ولما يدخل الايمان فى قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا ~~يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم * إنما المؤمنون الذين ءامنوا ~~بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم فى سبيل الله أولائك ~~هم الصادقون * قل أتعلمون الله بدينكم والله يعلم ما فى السماوات وما فى ~~الارض والله بكل شىء عليم * يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا على إسلامكم ~~بل الله يمن عليكم أن هداكم للايمان إن كنتم صادقين * إن الله يعلم غيب ~~السماوات والارض والله بصير بما تعملون } ) 2 $ أغراض السورة # تتعلق أغراضها بحوادث جدت متقاربة كانت سببا لنزول ما فيها من أحكام ~~وآداب . وأولها تعليم المسلمين بعض ما يجب عليهم من الأدب مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم في PageV26P213 معاملته وخطابه وندائه ، دعا إلى تعليمهم ~~إياها ما ارتكبه وفد بني تميم من جفاء الأعراب لما نادوا الرسول صلى الله ~~عليه وسلم من بيوته كما سيأتي عند قوله تعالى : { إن الذين ينادونك من وراء ~~الحجرات أكثرهم لا يعقلون } ( الحجرات : 4 ) . ووجوب صدق المسلمين فيما ~~يخبرون به . والتثبت في نقل الخبر مطلقا وأن ذلك من خلق المؤمنين ، ومجانبة ~~أخلاق الكافرين والفاسقين ، وتطرق إلى ما يحدث من التقاتل بين المسلمين ، ~~والإصلاح بينهم لأنهم إخوة ، وما أمر الله به من آداب حسن المعاملة بين ~~المسلمين في أحوالهم في السر والعلانية ، وتخلص من ذلك إلى التحذير من ~~بقايا خلق الكفر في بعض جفاة الأعراب تقويما لأود نفوسهم . # وقال فخر الدين عند تفسير قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم ~~فاسق بنبإ فتبينوا } ( الحجرات : 6 ) : هذه السورة فيها إرشاد المؤمنين إلى ~~مكارم الأخلاق ، وهي إما مع الله أو مع رسوله صلى الله عليه وسلم أو مع ~~غيرهما من أنباء الجنس ، وهم على صنفين : إما أن يكونوا على طريقة المؤمنين ~~وداخلين ms7836 في رتبة الطاعة أو خارجين عنها وهو الفسوق ، والداخل في طائفتهم : ~~إما أن يكون حاضرا عندهم أو غائبا عنهم فهذه خمسة أقسام ، قال : فذكر الله ~~في هذه السورة خمس مرات { يا أيها الذين آمنوا } وأرشد بعد كل مرة إلى ~~مكرمة من قسم من الأقسام الخمسة ، وسنأتي على بقية كلامه عند تفسير الآية ~~الأولى من هذه السورة . # وهذه السورة هي أول سور المفصل بتشديد الصاد ويسمى المحكم على أحد أقوال ~~في المذهب ، وهو الذي ارتضاه المتأخرون من الفقهاء وفي مبدأ المفصل عندنا ~~أقوال عشرة أشهرها قولان قيل : إن مبدأه سورة ق وقيل سورة الحجرات ، وفي ~~مبدأ وسط المفصل قولان أصحهما أنه سورة عبس ، وفي قصاره قولان أصحهما أنها ~~من سورة والضحى . # واختلف الحنفية في مبدأ المفصل على أقوال اثني عشر ، والمصحح أن أوله من ~~PageV26P214 الحجرات ، وأول وسط المفصل سورة الطارق ، وأول القصار سورة { ~~إذا زلزلت الأرض } ( الزلزلة : 1 ) . # وعند الشافعية قيل : أول المفصل سورة الحجرات ، وقيل سورة ق ، ورجحه ابن ~~كثير في التفسير كما سيأتي . وعند الحنابلة أول المفصل سورة ق . # والمفصل هو السور التي تستحب القراءة ببعضها في بعض الصلوات الخمس على ما ~~هو مبين في كتب الفقه . # الافتتاح بنداء المؤمنين للتنبيه على أهمية ما يرد بعد ذلك النداء ~~لتترقبه أسماعهم بشوق . ووصفهم ب { الذين آمنوا } جار مجرى اللقب لهم مع ما ~~يؤذن به أصله من أهليتهم لتلقي هذا النهي بالامتثال . # وقد تقدم عند الكلام على أغراض السورة أن الفخر ذكر أن الله أرشد ~~المؤمنين إلى مكارم الأخلاق ، وهي إما في جانب الله أو جانب رسوله صلى الله ~~عليه وسلم أو بجانب الفساق أو بجانب المؤمن الحاضر أو بجانب المؤمن الغائب ~~، فهذه خمسة أقسام ، فذكر الله في هذه السورة خمس مرات { يا أيها الذين ~~آمنوا } فأرشد في كل مرة إلى مكرمة مع قسم من الأقسام الخمسة إلخ ، فهذا ~~النداء الأول اندرج فيه واجب الأدب مع الله ورسوله صلى الله عليه وسلم تعرض ~~الغفلة عنها . # والتقدم حقيقته : المشي قبل الغير ، وفعله ms7837 المجرد : قدم من باب نصر قال ~~تعالى : { يقدم قومه يوم القيامة } ( هود : 98 ) . وحق قدم بالتضعيف أن ~~يصير متعديا إلى مفعولين لكن ذلك لم يرد وإنما يعدى إلى المفعول الثاني ~~بحرف على . PageV26P215 # ويقال : قدم بمعنى تقدم كأنه قدم نفسه ، فهو مضاعف صار غير متعد . فمعنى ~~{ لا تقدموا } لا تتقدموا . # ففعل { لا تقدموا } مضارع قدم القاصر بمعنى تقدم على غيره وليس لهذا ~~الفعل مفعول ، ومنه اشتقت مقدمة الجيش للجماعة المتقدمة منه وهي ضد الساقة ~~. ومنه سميت مقدمة الكتاب الطائفة منه المتقدمة على الكتاب . ومادة فعل ~~تجيء بمعنى تفعل مثل وجه بمعنى توجه وبين بمعنى تبين ، ومن أمثالهم بين ~~الصبح لذي عينين . # والتركيب تمثيل بتشبيه حال من يفعل فعلا دون إذن من الله ورسوله صلى الله ~~عليه وسلم بحال من يتقدم مماشيه في مشيه ويتركه خلفه . ووجه الشبه الانفراد ~~عنه في الطريق . والنهي هنا للتحذير إذ لم يسبق صدور فعل من أحد افتياتا ~~على الشرع . # ويستروح من هذا أن هذا التقدم المنهي عنه هو ما كان في حالة إمكان الترقب ~~والتمكن من انتظار ما يبرمه الرسول صلى الله عليه وسلم بأمر الله فيومىء ~~إلى أن إبرام الأمر في غيبة الرسول صلى الله عليه وسلم لا حرج فيه . # وهذه الآية تؤيد قول الفقهاء : إن المكلف لا يقدم على فعل حتى يعلم حكم ~~الله فيه . وعد الغزالي العلم بحكم ما يقدم عليه المكلف من قسم العلوم التي ~~هي فرض على الأعيان الذين تعرض لهم . والمقصود من الآية النهي عن إبرام شيء ~~دون إذن من رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر قبله اسم الله للتنبيه على ~~أن مراد الله إنما يعرف من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم وقد حصل من قوله ~~: { لا تقدموا } الخ معنى اتبعوا الله ورسوله . # وسبب نزول هذه الآية ما رواه البخاري في ( صحيحه ) في قصة وفد بني تميم ~~بسنده إلى ابن الزبير قال ( قدم ركب من بني تميم على النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال أبو بكر : أمر عليهم ms7838 القعقاع بن معبد بن زرارة . وقال عمر : بل ~~أمر الأقرع بن حابس . قال أبو بكر : ما أردت إلا خلافي أو إلى خلافي قال ~~عمر : ما أردت PageV26P216 خلافك أو إلى خلافك فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما ~~في ذلك فنزل { يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا ~~الله إن الله سميع عليم يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت ~~النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا ~~تشعرون } ( الحجرات : 1 ، 2 ) . # فهذه الآية توطئة للنهي عن رفع الأصوات عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والجهر له بالقول وندائه من وراء الحجرات . وعن الضحاك عن ابن عباس أنها ~~نزلت بسبب بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فقتلت بنو عامر رجال ~~السرية إلا ثلاثة نفر نجوا فلقوا رجلين من بين سليم فسألوهما عن نسبتهما ~~فاعتزيا إلى بني عامر ظنا منهما أن هذا الاعتزاء أنجى لهما من شر توقعاه ~~لأن بني عامر أعز من بني سليم ، فقتلوا النفر الثلاثة وسلبوهما ثم أتوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه فقال : ( بئسما صنعتم كانا من بني ~~سليم ، والسلب ما كسوتهما ) أي عرف ذلك لما رأى السلب فعرفه بأنه كساهما ~~إياه وكانت تلك الكسوة علامة على الإسلام لئلا يتعرض لهم المسلمون فوادهما ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزلت { يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا } ~~الآية ، أي لا تعملوا شيئا من تلقاء أنفسكم في التصرف من الأمة إلا بعد أن ~~تستأمروا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى هذه الرواية تكون القصة جرت ~~قبيل قصة بني تميم فقرنت آيتاهما في النزول . وهنالك روايات أخرى في سبب ~~نزولها لا تناسب موقع الآية مع الآيات المتصلة بها . وأيا ما كان سبب ~~نزولها فهي عامة في النهي عن جميع أحوال التقدم المراد . # وجعلت هذه الآية في صدر السورة مقدمة على توبيخ وفد بني تميم حين نادوا ~~النبي صلى الله عليه وسلم من وراء الحجرات لأن ما صدر ms7839 من بني تميم هو من ~~قبيل رفع الصوت عند النبي صلى الله عليه وسلم ولأن مماراة أبي بكر وعمر ~~وارتفاع أصواتهما كانت في قضية بني تميم فكانت هذه الآية تمهيدا لقوله : { ~~يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي الآية ، لأن من خصه ~~الله بهذه الحظوة ، أي جعل إبرام العمل بدون أمره كإبرامه بدون أمر الله ~~حقيق بالتهيب والإجلال أن يخفض الصوت لديه . PageV26P217 # وإنما قدم هذا على توبيخ الذين نادوا النبي لأن هذا أولى بالاعتناء إذ هو ~~تأديب من هو أولى بالتهذيب . # وقرأه الجمهور تقدموا } بضم الفوقية وكسر الدال مشددة . وقرأه يعقوب ~~بفتحهما على أن أصله : لا تتقدموا . وقال فخر الدين عند الكلام على قوله ~~تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا } ( الحجرات : 6 ~~) في هذه السورة : إن فيها إرشاد المؤمنين إلى مكارم الأخلاق وهي : إما مع ~~الله أو مع رسوله صلى الله عليه وسلم أو مع غيرهما من أبناء الجنس وهم على ~~صنفين لأنهم : إما أن يكونوا على طريقة المؤمنين من الطاعة ، وإما أن ~~يكونوا خارجين عنها بالفسق ؛ والداخل في طريقتهم : إما حاضر عندهم ، أو ~~غائب عنهم ، فذكر الله في هذه السورة خمس مرات { يا أيها الذين آمنوا } ~~وأرشد بعد كل مرة إلى مكرمة من قسم من الأقسام الخمسة . # فقال أولا : { يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بي يدي الله ورسوله } وهي ~~تشمل طاعة الله تعالى ، وذكر الرسول معه للإشارة إلى أن طاعة الله لا تعلم ~~إلا بقول الرسول فهذه طاعة للرسول تابعة لطاعة الله . وقال ثانيا : { يا ~~أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي } ( الحجرات : 2 ) لبيان ~~الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم لذاته في باب حسن المعاملة . وقال ثالثا ~~: { يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ } الآية للتنبيه على طريقة ~~سلوك المؤمنين في معاملة من يعرف بالخروج عن طريقتهم وهي طريقة الاحتراز ~~منه لأن عمله إفساد في جماعتهم ، وأعقبه بآية { وإن طائفتان من المؤمنين ~~اقتتلوا } ( الحجرات : 9 ) . وقال ms7840 رابعا { يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم ~~من قوم } ( الحجرات : 11 ) إلى قوله : { فأولئك هم الظالمون } ( البقرة : ~~229 ) فنهى عما يكثر عدم الاحتفاظ فيه من المعاملات اللسانية التي قلما ~~يقام لها وزن . وقال خامسا : { يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن ~~إلى قوله : تواب رحيم } ( الحجرات : 12 ) اه . # ويريد : أن الله ذكر مثالا من كل صنف من أصناف مكارم الأخلاق بحسب ما ~~PageV26P218 اقتضته المناسبات في هذه السورة بعد الابتداء بما نزلت السورة ~~لأجله ابتداء ليكون كل مثال منها دالا على بقية نوعه ومرشدا إلى حكم أمثاله ~~دون كلفة ولا سآمة . وقد سلك القرآن لإقامة أهم حسن المعاملة طريق النهي عن ~~أضدادها من سوء المعاملة لأن درء المفسدة مقدم في النظر العقلي على جلب ~~المصلحة . # وعطف { واتقوا الله } تكملة للنهي عن التقدم بين يدي الرسول صلى الله ~~عليه وسلم ليدل على أن ترك إبرام شيء دون إذن الرسول صلى الله عليه وسلم من ~~تقوى الله وحده ، أي ضده ليس من التقوى . # وجملة { إن الله سميع عليم } في موضع العلة للنهي عن التقدم بين يدي الله ~~ورسوله وللأمر بتقوى الله . # والسميع : العليم بالمسموعات ، والعليم أعم وذكرها بين الصفتين كناية عن ~~التحذير من المخالفة ففي ذلك تأكيد للنهي والأمر . # إعادة النداء ثانيا للاهتمام بهذا الغرض والإشعار بأنه غرض جدير بالتنبيه ~~عليه بخصوصه حتى لا ينغمر في الغرض الأول فإن هذا من آداب سلوك المؤمنين في ~~معاملة النبي صلى الله عليه وسلم ومقتضى التأدب بما هو آكد من المعاملات ~~بدلالة الفحوى . # وهذا أيضا توطئة لقوله : { إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا ~~يعقلون } ( الحجرات : 4 ) وإلقاء لتربية ألقيت إليهم لمناسبة طرف من أطراف ~~خبر وفد بني تميم . # والرفع : مستعار لجهر الصوت جهرا متجاوزا لمعتاد الكلام ، شبه جهر الصوت ~~بإعلاء الجسم في أنه أشد بلوغا إلى الأسماع كما أن إعلاء الجسم أوضح له في ~~الإبصار ، على طريقة الاستعارة المكنية ، أو شبه إلقاء الكلام بجهر قوي ~~بإلقائه من مكان مرتفع كالمئذنة على طريقة ms7841 الاستعارة التبعية . PageV26P219 # و { فوق صوت النبي } ترشيح لاستعارة { لا ترفعوا } وهو فوق مجازي أيضا . # وموقع قوله : { فوق صوت النبي } موقع الحال من { أصواتكم } ، أي متجاوزة ~~صوت النبي صلى الله عليه وسلم أي متجاوزة المعتاد في جهر الأصوات فإن النبي ~~صلى الله عليه وسلم يتكلم بجهر معتاد . ولا مفهوم لهذا الظرف لأنه خارج ~~مخرج الغالب ، إذ ليس المراد أنه إذا رفع النبي صلى الله عليه وسلم صوته ~~فارفعوا أصواتكم بمقدار رفعه . # والمعنى : لا ترفعوا أصواتكم في مجلسه وبحضرته إذا كلم بعضكم بعضا كما ~~وقع في سورة سبب النزول . ولقد تحصل من هذا النهي معنى الأمر بتخفيض ~~الأصوات عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ ليس المراد أن يكونوا سكوتا ~~عنده . # وفي ( صحيح البخاري ) : قال ابن الزبير فما كان عمر يسمع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بعد هذه الآية حتى يستفهمه . ولم يذكر أي ابن الزبير ذلك عن ~~أبيه يعني أبا بكر ولكن أخرج الحاكم وعبد بن حميد عن أبي هريرة : أن أبا ~~بكر قال بعد نزول هذه الآية ( والذي أنزل عليك الكتاب يا رسول الله لا ~~أكلمك إلا كأخي السرار حتى ألقى الله ) . # وفي ( صحيح البخاري ) قال ابن أبي مليكة ( كاد الخيران أن يهلكا أبو بكر ~~وعمر رفعا أصواتهما عند النبي صلى الله عليه وسلم . # وهذا النهي مخصوص بغير المواضع التي يؤمر بالجهر فيها كالأذان وتكبير يوم ~~العيد ، وبغير ما أذن فيه النبي صلى الله عليه وسلم إذنا خاصا كقوله للعباس ~~حين انهزم المسلمون يوم حنين ( ناد يا أصحاب السمرة ) وكان العباس جهير ~~الصوت . # وقوله : { ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض } نهي عن جهر آخر وهو ~~الجهر بالصوت عند خطابهم الرسول صلى الله عليه وسلم لوجوب التغاير بين ~~مقتضى قوله : { لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي } ومقتضى { ولا تجهروا له ~~بالقول } . PageV26P220 واللام في { له } لتعدية { تجهروا } لأن { تجهروا } ~~في معنى : تقولوا ، فدلت اللام على أن هذا الجهر يتعلق بمخاطبته ، وزاده ~~وضوحا التشبيه في قوله : { كجهر بعضكم لبعض } . # وفي ms7842 هذا النهي ما يشمل صنيع الذين نادوا النبي صلى الله عليه وسلم من ~~وراء الحجرات فيكون تخلصا من المقدمة إلى الغرض المقصود ، ويظهر حسن موقع ~~قوله بعده { إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون } ( ~~الحجرات : 4 ) . # و { أن تحبط أعمالكم } في محل نصب على نزع الخافض وهو لام التعليل وهذا ~~تعليل للمنهي عنه لا للنهي ، أي أن الجهر له بالقول يفضي بكم إن لم تكفوا ~~عنه أن تحبط أعمالكم ، فحبط الأعمال بذلك ما يحذر منه فجعله مدخولا للام ~~التعليل مصروف عن ظاهر . فالتقدير : خشية أن تحبط أعمالكم ، كذا يقدر نحاة ~~البصرة في هذا وأمثاله . والكوفيون يجعلونه بتقدير ( لا ) النافية فيكون ~~التقدير : أن لا تحبط أعمالكم فيكون تعليلا للنهي على حسب الظاهر . # والحبط : تمثيل لعدم الانتفاع بالأعمال الصالحة بسبب ما يطرأ عليها من ~~الكفر مأخوذ من حبطت الإبل إذا أكلت الخضر فنفخ بطونها وتعتل وربما هلكت . ~~وفي الحديث ( وإن مما ينبت الربيع لما يقتل حبطا أو يلم ) . وتقدم في سورة ~~المائدة قوله تعالى : { ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله } ( المائدة : 5 ) ~~. # وظاهر الآية التحذير من حبط جميع الأعمال لأن الجمع المضاف من صيغ العموم ~~ولا يكون حبط جميع الأعمال إلا في حالة الكفر لأن الأعمال الإيمان فمعنى ~~الآية : أن عدم الاحتراز من سوء الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم بعد هذا ~~النهي قد يفضي بفاعله إلى إثم عظيم يأتي على عظيم من صالحاته أو يفضي به ~~إلى الكفر . قال ابن عطية : أي يكون ذلك سببا إلى الوحشة في نفوسكم فلا ~~تزال معتقداتكم تتدرج القهقرى حتى يؤول ذلك إلى الكفر فحبط الأعمال . وأقول ~~: لأن عدم الانتهاء عن سوء الأدب مع الرسول صلى الله عليه وسلم يعود النفس ~~بالاسترسال فيه فلا تزال تزداد منه وينقص توفير الرسول صلى الله عليه وسلم ~~من النفس وتتولى من سيىء إلى أشد منه حتى يؤول إلى عدم الاكتراث بالتأدب ~~معه وذلك كفر . وهذا معنى { وأنتم لا PageV26P221 تشعرون } لأن المنتقل من ~~سيىء إلى أسوأ لا ms7843 يشعر بأنه آخذ في التملي من السوء بحكم التعود بالشيء ~~قليلا قليلا حتى تغمره المعاصي وربما كان آخرها الكفر حين تضرى النفس ~~بالإقدام على ذلك . ويجوز أن يراد حبط بعض الأعمال على أنه عام مراد به ~~الخصوص فيكون المعنى حصول حطيطة في أعمالهم بغلبة عظم ذنب جهرهم له بالقول ~~، وهذا مجمل لا يعلم مقدار الحبط إلا الله تعالى . # ففي قوله : { وأنتم لا تشعرون } تنبيه إلى مزيد الحذر من هذه المهلكات ~~حتى يصير ذلك دربة حتى يصل إلى ما يحبط الأعمال ، وليس عدم الشعور كائنا في ~~إتيان الفعل المنهي عنه لأنه لو كان كذلك لكان صاحبه غير مكلف لامتناع ~~تكليف الغافل ونحوه . # عن ابن عباس لما نزل قوله تعالى : { لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي } ( ~~الحجرات : 2 ) كان أبو بكر لا يكلم رسول الله إلا كأخي السرار ، أي مصاحب ~~السر من الكلام ، فأنزل الله تعالى : { إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول ~~الله } الآية . فهذه الجملة استئناف بياني لأن التحذير الذي في قوله : { أن ~~تحبط أعمالكم } ( الحجرات : 2 ) الخ يثير في النفس أن يسأل سائل عن ضد حال ~~الذي يرفع صوته . # وافتتاح الكلام بحرف التأكيد للاهتمام بمضمونه من الثناء عليهم وجزاء ~~عملهم ، وتفيد الجملة تعليل النهيين بذكر الجزاء عن ضد المنهي عنهما وأكد ~~هذا الاهتمام باسم الإشارة في قوله : { أولئك الذين امتحن الله قلوبهم ~~للتقوى } مع ما في اسم الإشارة من التنبيه على أن المشار إليهم جديرون ~~بالخبر المذكور بعده لأجلل ما ذكر من الوصف قبل اسم الإشارة . # وإذ قد علمت آنفا أن محصل معنى قوله : { لا ترفعوا أصواتكم } وقوله : { ~~ولا تجهروا } ( الحجرات : 2 ) الأمر بخفض الصوت عند النبي صلى الله عليه ~~وسلم يتضح لك وجه العدول عن نوط PageV26P222 الثناء هنا بعدم رفع الصوت ~~وعدم الجهر عند الرسول صلى الله عليه وسلم إلى نوطه بغض الصوت عنده . # والغض حقيقته : خفض العين ، أي أن لا يحدق بها إلى الشخص وهو هنا مستعار ~~لخفض الصوت والميلل به إلى الإسرار . # والامتحان : الاختبار والتجربة ، وهو افتعال ms7844 من محنه ، إذا اختبره ، ~~وصيغة الافتعال فيه للمبالغة كقولهم : اضطره إلى كذا . # واللام في قوله : للتقوى لام العلة ، والتقدير : امتحن قلوبهم لأجل ~~التقوى ، أي لتكون فيها التقوى ، أي ليكونوا أتقياء ، يقال : امتحن فلان ~~للشيء الفلاني كما يقال : جرب للشيء ودرب للنهوض بالأمر ، أي فهو مضطلع به ~~ليس بوانن عنه فيجوز أن يجعل الامتحان كناية على تمكن التقوى من قلوبهم ~~وثباتهم عليها بحيث لا يوجدون في حال ما غير متقين وهي كناية تلويحية لكون ~~الانتقال بعدة لوازم ، ويجوز أن يجعل فعل { امتحن } مجازا مرسلا عن العلم ، ~~أي علم الله أنهم متقون ، وعليه فتكون اللام من قوله : { للتقوى } متعلقة ~~بمحذوف هو حال من قلوب ، أي كائنة للتقوى ، فاللام للاختصاص . # وجملة { لهم مغفرة } خبر { إن } وهو المقصود من هذه من الجملة المستأنفة ~~وما بينهما اعتراض للتنويه بشأنه . وجعل في ( الكشاف ) خبر { إن } هو اسم ~~الإشارة مع خبره وجعل جملة { لهم } مستأنفة ولكل وجه فانظره . # وقال : ( وهذه الآية بنظمها الذي رتبت عليه من إيقاع الغاضين أصواتهم ~~اسما ل { إن } المؤكدة وتصيير خبرها جملة من مبتدأ وخبر معرفتين معا . ~~والمبتدأ اسم الإشارة ، واستئناف الجملة المستودعة ما هو جزاؤهم على عملهم ~~، وإيراد الجزاء نكرة مبهما أمره ناظرة في الدلالة على غاية الاعتداد ~~والارتضاء لما فعل الذين وقروا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي الإعلام ~~بمبلغ عزة رسول الله وقدر شرف منزلته ) اه . وهذا الوعد والثناء يشملان ~~ابتداء أبا بكر وعمر إذ كان كلاهما يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم كأخي ~~السرار . PageV26P223 # ( 4 ، 5 ) # هذه الجملة بيان لجملة { ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض } ( ~~الحجرات : 2 ) بيانا بالمثال وهو سبب النزول . فهذا شروع في الغرض والذي ~~نشأ عنه ما أوجب نزول صدر السورة فافتتح به لأن التحذير والوعد اللذين جعلا ~~لأجله صالحان لأن يكونا مقدمة للمقصود فحصل بذلك نسج بديع وإيجاز جليل وإن ~~خالف ترتيب ذكره ترتيب حصوله في الخارج ، وقد صادف هذا الترتيب المحز أيضا ~~إذ كان نداؤهم من وراء الحجرات من قبيل ms7845 الجهر للرسول صلى الله عليه وسلم ~~بالقول كجهر بعضهم لبعض فكان النهي عن الجهر له بالقول تخلصا لذكر ندائه من ~~وراء الحجرات . # والمراد بالذين ينادون النبي صلى الله عليه وسلم من وراء الحجرات جماعة ~~من وفد بني تميم جاؤوا المدينة في سنة تسع وهي سنة الوفود وكانوا سبعين ~~رجلا أو أكثر . وكان سبب وفود هذا الوفد إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~بني العنبر منهم كانوا قد شهروا السلاح على خزاعة ، وقيل كانوا منعوا ~~إخوانهم بني كعب بن العنبر بن عمرو بن تميم من إعطاء الزكاة ، وكان بنو كعب ~~قد أسلموامن قبل ولم أقف على وقت إسلامهم ، والظاهر أنهم أسلموا في سنة ~~الوفود فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بشر بن سفيان ساعيا لقبض صدقات ~~بني كعب ، فمنعهم بنو العنبر فبعث النبي صلى الله عليه وسلم عيينة بن حصن ~~في خمسين من العرب ليس فيهم أنصاري ولا مهاجري فأسر منهم أحد عشر رجلا ~~وإحدى عشرة امرأة وثلاثين صبيا . فجاء في أثرهم جماعة من رؤسائهم لفدائهم ~~فجاؤوا المدينة . وكان خطيبهم عطارد بن حاجب بن زراره ، وفيهم سادتهم ~~الزبرقان بن بدر ، وعمرو بن الأهتم ، والأقرع بن حابس ، ومعهم عيينة بن حصن ~~الفزاري الغطفاني وكان هذان الأخيران أسلما من قبل وشهدا مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم غزوة الفتح ، ثم جاء معهم الوفد فلما دخل الوفد المسجد وكان وقت ~~القائلة ورسول الله صلى الله عليه وسلم نائم في PageV26P224 حجرته ، نادوا ~~جميعا وراء الحجرات : يا محمد اخرج إلينا ثلاثا ، فإن مدحنا زين ، وإن ذمنا ~~شين ، نحن أكرم العرب سلكوا في عملهم هذا مسلك وفود العرب على الملوك ~~والسادة ، كانوا يأتون بيت الملك أو السيد فيطيفون به ينادون ليؤذن لهم كما ~~ورد في قصة ورود النابغة على النعمان بن الحارث الغساني . # وقولهم : إن مدحنا زين ، طريقة كانوا يستدرون بها العظماء للعطاء فإضافة ~~: مدحنا وذمنا إلى الضمير من إضافة المصدر إلى فاعله . فلما خرج إليهم رسول ~~الله قالوا : جئناك نفاخرك فاذن لشاعرنا وخطيبنا إلى ms7846 آخر القصة . وقولهم : ~~نفاخرك ، جروا فيه على عادة الوفود من العرب أن يذكروا مفاخرهم وأيامهم ، ~~ويذكر الموفود عليهم مفاخرهم ، وذلك معنى صيغة المفاعلة في قولهم : نفاخرك ~~، وكان جمهورهم لم يزالوا كفارا حينئذ وإنما أسلموا بعد أن تفاخروا ~~وتناشدوا الأشعار . # فالمراد ب { الذين ينادونك } رجال هذا الوفد . وإسناد فعل النداء إلى ~~ضمير { الذين } لأن جميعهم نادوه ، كما قال ابن عطية . ووقع في حديث البراء ~~بن عازب أن الذي نادى النداء هو الأقرع بن حابس ، وعليه فإسناد فعل { ~~ينادونك } إلى ضمير الجماعة مجاز عقلي عن نسبة فعل المتبوع إلى أتباعه إذ ~~كان الأقرع بن حابس مقدم الوفد ، كما يقال : بنو فلان قتلوا فلانا . وإنما ~~قتله واحد منهم ، قال تعالى : { وإذ قتلتم نفسا } ( البقرة : 72 ) . # ونفي العقل عنهم مراد به عقل التأدب الواجب في معاملة النبي صلى الله ~~عليه وسلم أو عقل التأدب المفعول عنه في عادتهم التي اعتادوها في الجاهلية ~~من الجفاء والغلظة والعنجهية ، وليس فيها تحريم ولا ترتب ذنب . وإنما قال ~~الله تعالى : { أكثرهم لا يعقلون } لأن منهم من لم يناد النبي صلى الله ~~عليه وسلم مثل ندائهم ، ولعل المقصود استثناء اللذين كانا أسلما من قبل . ~~فهذه الآية تأديب لهم وإخراج لهم من مذام أهل الجاهلية . # والوراء : الخلف ، وهو جهة اعتبارية بحسب موقع ما يضاف إليه . ~~PageV26P225 # والمعنى : أن الحجرات حاجزة بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم فهم لا ~~يرونه فعبر عن جهة من لا يرى بأنها وراء . # و { من } للابتداء ، أي ينادونك نداء صادرا من وراء الحجرات فالمنادون ~~بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم كانوا وراء حجراته فالذي يقول : ~~ناداني فلان وراء الدار ، لا يريد وراء مفتح الدار ولا وراء ظهرها ولكن أي ~~جهة منها وكان القوم المنادون في المسجد فهم تجاه الحجرات النبوية ، ولو ~~قال : ناداني فلان وراء الدار ، دون حرف { من } ، لكان محتملا لأن يكون ~~المنادي والمنادى كلاهما في جهة وراء الدار ، وأن المجرور ظرف مستقر في ~~موضع الحال من الفاعل أو المفعول ولهذا أوثر جلب { من ms7847 } ليدل بالصراحة على ~~أن المنادى كان داخل الحجرات لأن دلالة { من } على الابتداء تستلزم اختلافا ~~بين المبدإ والمنتهى كذا أشار في ( الكشاف ) ، ولا شك أنه يعني أن اجتلاب ~~حرف { من } لدفع اللبس فلا ينافي أنه لم يثبت هذا الفرق في قوله تعالى : { ~~ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم في سورة الأعراف وقوله : ثم إذا دعاكم ~~دعوة من الأرض في سورة الروم . وفيما ذكرنا ما يدفع الاعتراضات على صاحب ~~الكشاف } . # فلفظ { وراء } هنا مجاز في الجهة المحجوبة عن الرؤية . # والحجرات ، بضمتين ويجوز فتح الجيم : جمع حجرة بضم الحاء وسكون الجيم وهي ~~البقعة المحجورة ، أي التي منعت من أن يستعملها غير حاجرها فهي فعلة بمعنى ~~مفعولة كغرفة ، وقبضة . وفي الحديث : أيقظوا صواحب الحجر يعني أزواجه ، ~~وكانت الحجرات تفتح إلى المسجد . وقرأ الجمهور { الحجرات } بضمتين . وقرأه ~~أبو جعفر بضم الحاء وفتح الجيم . # وكانت الحجرات تسعا وهي من جريد النخل ، أي الحواجز التي بين كل واحدة ~~والأخرى ، وعلى أبوابها مسوح من شعر أسود وعرض البيت من باب الحجرة إلى باب ~~البيت نحو سبعة أذرع ، ومساحة البيت الداخل ، أي الذي في داخل الحجرة عشرة ~~أذرع ، أي فتصير مساحة الحجرة مع البيت سبعة عشر PageV26P226 ذراعا . قال ~~الحسن البصري : كنت أدخل بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في خلافة ~~عثمان بن عفان فأتناول سقفها بيدي . وإنما ذكر الحجرات دون البيوت لأن ~~البيت كان بيتا واحدا مقسما إلى حجرات تسع . # وتعريف { الحجرات } باللام تعريف العهد ، لأن قوله : { ينادونك } مؤذن ~~بأن الحجرات حجراته فلذلك لم تعرف بالإضافة . وهذا النداء وقع قبل نزول ~~الآية فالتعبير بصيغة المضارع في { ينادونك } لاستحضار حالة ندائهم . # ومعنى قوله : { ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم } أنه ~~يكسبهم وقارا بين أهل المدينة ويستدعي لهم الإقبال من الرسول صلى الله عليه ~~وسلم إذ يخرج إليهم غير كاره لندائهم إياه ، ورفع أصواتهم في مسجده فكان ~~فيما فعلوه جلافة . # فقوله : { خيرا } يجوز أن يكون اسم تفضيل ، ويكون في المعنى : لكان صبرهم ~~أفضل من العجلة ms7848 . ويجوز أن يكون اسما ضد الشر ، أي لكان صبرهم خيرا لما فيه ~~من محاسن الخلق بخلاف ما فعلوه فليس فيه خير ، وعلى الوجهين فالآية تأديب ~~لهم وتعليمهم محاسن الأخلاق وإزالة لعوائد الجاهلية الذميمة . # وإيثار { حتى } في قوله : { حتى تخرج إليهم } دون ( إلى ) لأجل الإيجاز ~~بحذف حرف ( أن ) فإنه ملتزم حذفه بعد { حتى } بخلافه بعد ( إلى ) فلا يجوز ~~حذفه . # وفي تعقيب هذا اللوم بقوله : { والله غفور رحيم } إشارة إلى أنه تعالى لم ~~يحص عليهم ذنبا فيما فعلوا ولا عرض لهم بتوبة . والمعنى : والله شأنه ~~التجاوز عن مثل ذلك رحمة بالناس لأن القوم كانوا جاهلين . PageV26P227 # هذا نداء ثالث ابتدىء به غرض آخر وهو آداب جماعات المؤمنين بعضهم مع بعض ~~وقد تضافرت الروايات عند المفسرين عن أم سلمة وابن عباس والحارث بن ضرارة ~~الخزاعي أن هذه الآية نزلت عن سبب قضية حدثت . ذلك أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم بعث الويد بن عقبة بن أبي معيط إلى بني المصطلق من خزاعة ليأتي ~~بصدقاتهم فلما بلغهم مجيئه ، أو لما استبطأوا مجيئه ، فإنهم خرجوا لتلقيه ~~أو خرجوا ليبلغوا صدقاتهم بأنفسهم وعليهم السلاح ، وأن الوليد بلغه أنهم ~~خرجوا إليه بتلك الحالة وهي حالة غير مألوفة في تلقي المصدقين وحدثته نفسه ~~أنهم يريدون قتله ، أو لما رآهم مقبلين كذلك على اختلاف الروايات خاف أن ~~يكونوا أرادوا قتله إذ كانت بينه وبينهم شحناء من زمن الجاهلية فولى راجعا ~~إلى المدينة . # هذا ما جاء في روايات أربع متفقة في صفة خروجهم إليه مع اختلافها في بيان ~~الباعث لهم على ذلك الخروج وفي أن الوليد أعلم بخروجهم إليه أو رآهم أو ~~استشعرت نفسه خوفا وأن الوليد جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن ~~بني المصطلق أرادوا قتلي وأنهم منعوا الزكاة فغضب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهم أن يبعث إليهم خالد بن الوليد لينظر في أمرهم ، وفي رواية أنه بعث ~~خالدا وأمره بأن لا يغزوهم حتى يستثبت أمرهم وأن خالدا لما بلغ ديار القوم ~~بعث عينا له ms7849 ينظر حالهم فأخبره أنهم يقيمون الأذان والصلاة فأخبرهم بما بلغ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم وقبض زكاتهم وقفل راجعا . وفي رواية ~~أخرى أنهم ظنوا من رجوع الوليد أن يظن بهم منع الصدقات فجاؤوا النبي صلى ~~الله عليه وسلم قبل أن يخرج خالد إليهم متبرئين من منع الزكاة ونية الفتك ~~بالوليد بن عقبة . وفي رواية أنهم لما وصلوا إلى المدينة وجدوا الجيش خارجا ~~إلى غزوهم . فهذا تلخيص هذه الروايات وهي بأسانيد ليس منها شيء في ( الصحيح ~~) . # وقد روي أن سبب نزول هذه الآية قضيتان أخريان ، وهذا أشهر . ولنشتغل الآن ~~ببيان وجه المناسبة لموقع هذه الآية عقب التي قبلها فإن PageV26P228 ~~الانتقال منها إلى هذه يقتضي مناسبة بينهما ، فالقصتان متشابهتان إذ كان ~~وفد بني تميم النازلة فيهم الآية السابقة جاؤوا معتذرين عن ردهم ساعي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لقبض صدقات بني كعب بن العنبر من تميم كما تقدم ، ~~وبنو المصطلق تبرؤوا من أنهم يمنعون الزكاة إلا أن هذا يناكده بعد ما بين ~~الوقتين إلا أن يكون في تعيين سنة وفد بني تميم وهم . # وإعادة الخطاب ب { يا أيها الذين آمنوا } وفصله بدون عاطف لتخصيص هذا ~~الغرض بالاهتمام كما علمت في قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا ~~أصواتكم فوق صوت النبي } . فالجملة مستأنفة استئنافا ابتدائيا للمناسبة ~~المتقدم ذكرها . # ولا تعلق لهذه الآية بتشريع في قضية بني المصطلق مع الوليد بن عقبة لأنها ~~قضية انقضت وسويت . # والفاسق : المتصف بالفسوق ، وهو فعل ما يحرمه الشرع من الكبائر . وفسر ~~هنا بالكاذب قاله ابن زيد ومقاتل وسهل بن عبد الله . # وأوثر في الشرط حرف { إن } الذي الأصل فيه أن يكون للشرط المشكوك في ~~وقوعه للتنبيه على أن شأن فعل الشرط أن يكون نادر الوقوع لا يقدم عليه ~~المسلمون . واعلم أن ليس الآية ما يقتضي وصف الوليد بالفاسق تصريحا ولا ~~تلويحا . # وقد اتفق المفسرون على أن الوليد ظن ذلك كما في ( الإصابة ) عن ابن عبد ~~البر وليس في الروايات ما يقتضي أنه تعمد ms7850 الكذب . قال الفخر : ( إن إطلاق ~~لفظ الفاسق على الوليد شيء بعيد لأنه توهم وظن فأخطأ ، والمخطىء لا يسمى ~~فاسقا ) . قلت : ولو كان الوليد فاسقا لما ترك النبي صلى الله عليه وسلم ~~تعنيفه واستتابته فإنه روى أنه لم يزد على قوله له ( التبين من الله ~~والعجلة من الشيطان ) ، إذ كان تعجيل الوليد الرجوع عجلة . وقد كان خروج ~~القوم للتعرض إلى الوليد بتلك الهيئة مثار ظنه PageV26P229 حقا إذ لم يكن ~~المعروف خروج القبائل لتلقي السعاة . وأنا أحسب أن عملهم كان حيلة من ~~كبرائهم على انصراف الوليد عن الدخول في حيهم تعيرا منهم في نظر عامتهم من ~~أن يدخل عدو لهم إلى ديارهم ويتولى قبض صدقاتهم فتعيرهم أعداؤهم بذلك يمتعض ~~منهم دهماؤهم ولذلك ذهبوا بصدقاتهم بأنفسهم في رواية أو جاؤوا معتذرين قبل ~~مجيء خالد بن الوليد إليهم في رواية أخرى . # ويؤيد هذا ما جاء في بعض روايات هذا الخبر أن الوليد أعلم بخروج القوم ~~إليه ، وسمع بذلك فلعل ذلك الإعلام موعز به إليه ليخاف فيرجع . وقد اتفق من ~~ترجموا للوليد بن عقبة على أنه كان شجاعا جوادا وكان ذا خلق ومروءة . واعلم ~~أن جمهور أهل السنة على اعتبار أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عدولا وإن ~~كل من رأى النبي صلى الله عليه وسلم وآمن به فهو من أصحابه . وزاد بعضهم ~~شرط أن يروي عنه أو يلازمه ومال إليه المازري . قال في ( أماليه ) في أصول ~~الفقه ( ولسنا نعني بأصحاب النبي كل من رآه أو زاره لماما إنما نريد أصحابه ~~الذين لازموه وعززوه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه وأولئك هم ~~المفلحون شهد الله لهم بالفلاح ) اه . وإنما تلقف هذه الأخبار الناقمون على ~~عثمان إذ كان من عداد مناقمهم الباطلة أنه أولى الوليد بن عقبة إمارة ~~الكوفة فحملوا الآية على غير وجهها وألصقوا بالوليد وصف الفاسق ، وحاشاه ~~منه لتكون ولايته الإمارة باطلا . وعلى تسليم أن تكون الآية إشارة إلى فاسق ~~معين فلماذا لا يحمل على إرادة الذي أعلم الوليد بأن القوم خرجوا له ليصدوه ms7851 ~~عن الوصول إلى ديارهم قصدا لإرجاعه . # وفي بعض الروايات أن خالدا وصل إلى ديار بني المصطلق . وفي بعضها أن بني ~~المصطلق وردوا المدينة معتذرين ، واتفقت الروايات على أن بين بني المصطلق ~~وبين الوليد بن عقبة شحناء من عهد الجاهلية . وفي الرواية أنهم اعتذروا ~~للتسلح بقصد إكرام ضيفهم . وفي السيرة الحلبية أنهم قالوا : خشينا أن ~~يبادئنا بالذي كان بيننا من شحناء . وهذه الآية أصل في الشهادة والرواية من ~~وجوب البحث عن دخيلة من جهل حال تقواه . وقد قال عمر بن الخطاب لا يؤسر أحد ~~في الإسلام بغير العدول ، وهي أيضا أصل عظيم في PageV26P230 تصرفات ولاة ~~الأمور وفي تعامل الناس بعضهم مع بعض من عدم الإصغاء إلى كل ما يروى ويخبر ~~به . # والخطاب ب { يا أيها الذين آمنوا } مراد به النبي صلى الله عليه وسلم ومن ~~معه ويشمل الوليد بن عقبة إذ صدق من أخبره بأن بني المصطلق يريد له سوءا ~~ومن يأتي من حكام المؤمنين وأمرائهم لأن المقصود منه تشريع تعديل من لا ~~يعرف بالصدق والعدالة . ومجيء حرف { إن } في هذا الشرط يومىء إلى أنه مما ~~ينبغي أن لا يقع إلا نادرا . # والتبين : قوة الإبانة وهو متعد إلى مفعول بمعنى أبان ، أي تأملوا ~~وأبينوا . والمفعول محذوف دل عليه قوله بنبإ أي تبينوا ما جاء به وإبانة كل ~~شيء بحسبها . والأمر بالتبين أصل عظيم في وجوب التثبت في القضاء وأن لا ~~يتتبع الحاكم القيل والقال ولا ينصاع إلى الجولان في الخواطر من الظنون ~~والأوهام . # ومعنى { فتبينوا } تبينوا الحق ، أي من غير جهة ذلك الفاسق . فخبر الفاسق ~~يكون داعيا إلى التتبع والتثبت يصلح لأن يكون مستندا للحكم بحال من الأحوال ~~وقد قال عمر بن الخطاب ( لا يؤسر أحد في الإسلام بغير العدول ) . # وإنما كان الفاسق معرضا خبره للريبة والاختلاق لأن الفاسق ضعيف الوازع ~~الديني في نفسه ، وضعف الوازع يجرئه على الاستخفاف بالمحظور وبما يخبر به ~~في شهادة أو خبر يترتب عليهما إضرار بالغير أو بالصالح العام ويقوي جرأته ~~على ذلك دوما إذا لم ms7852 يتب ويندم على ما صدر منه ويقلع عن مثله . # والإشراك أشد في ذلك الاجتراء لقلة مراعاة الوازع في أصول الإشراك . ~~وتنكير { فاسق } ، و { نبإ } ، في سياق الشرط يفيد العموم في الفساق بأي ~~فسق اتصفوا ، وفي الأنباء كيف كانت ، كأنه قيل : أي فاسق جاءكم بأي نبإ ~~فتوقفوا فيه وتطلبوا بيان الأمر وانكشافه . # وقرأ الجمهور { فتبينوا } بفوقية فموحدة فتحتية فنون من التبين ، وقرأ ~~حمزة والكسائي وخلف فتثبتوا بفوقية فمثلثة فموحدة ففوقية من التثبت . ~~والتبين : تطلب البيان وهو ظهور الأمر ، والتثبت التحري وتطلب الثبات وهو ~~الصدق . PageV26P231 ومآل القراءتين واحد وإن اختلف معناهما . وعن النبي ~~صلى الله عليه وسلم ( التثبت من الله والعجلة من الشيطان ) . # وموقع { أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا } الخ نصبا على نزع الخافض وهو ~~لام التعليل محذوفة . ويجوز كونه منصوبا على المفعول لأجله . # والمعلل باللام المحذوفة أو المقدرة هو التثبت ، فمعنى تعليله بإصابة يقع ~~إثرها الندم هو التثبت . فمعنى تعليله بإصابة يقع آخرها الندم أن الإصابة ~~علة تحمل على التثبت للتفادي منها فلذلك كان معنى الكلام على انتفاء حصول ~~هذه الإضافة لأن العلة إذا صلحت لإثبات الكف عن فعل تصلح للإتيان بضده ~~لتلازم الضد . وتقدم نظير هذا التعليل في قوله : { أن تحبط أعمالكم } ( ~~الحجرات : 2 ) في هذه السورة . # وهذا التحذير من جراء قبول خبر الكاذب يدل على تحذير من يخطر له اختلاق ~~خبر مما يترتب على خبره الكاذب من إصابة الناس . وهذا بدلالة فحوى الخطاب . # والجهالة : تطلق بمعنى ضد العلم ، وتطلق بمعنى ضد الحلم مثل قولهم : جهل ~~كجهل السيف ، فإن كان الأول ، فالباء للملابسة وهو ظرف مستقر في موضع الحال ~~، أي متلبسين أنتم بعدم العلم بالواقع لتصديقكم الكاذب ، ومتعلق { تصيبوا } ~~على هذا الوجه محذوف دل عليه السياق سابقا ولاحقا ، أي أن تصيبوهم بضر ، ~~وأكثر إطلاق الإصابة على إيصال الضر وعلى الإطلاق الثاني الباء للتعدية ، ~~أي أن تصيبوا قوما بفعل من أثر الجهالة ، أي بفعل من الشدة والإضرار . # ومعنى { فتصبحوا } فتصيروا لأن بعض أخوات ( كان ) تستعمل بمعنى الصيرورة ~~. والندم : الأسف على فعل ms7853 صدر . والمراد به هنا الندم الديني ، أي الندم ~~على التورط في الذنب للتساهل وترك تطلب وجوه الحق . # وهذا الخطاب الذي اشتمل عليه قوله : { يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق ~~بنبأ PageV26P232 فتبينوا } موجه ابتداء للمؤمنين المخبرين بفتح الباء كل ~~بحسب أثره بما يبلغ إليه من الأخبار على اختلاف أغراض المخبرين بكسر الباء ~~. ولكن هذا الخطاب لا يترك المخبرين بكسر الباء بمعزل عن المطالبة بهذا ~~التبين فيما يتحملونه من الأخبار وبتوخي سوء العاقبة فيما يختلقونه من ~~المختلقات ولكن هذا تبين وتثبت يخالف تبين الآخر وتثبته ، فهذا تثبت من ~~المتلقي بالتمحيص لما يتلقاه من حكاية أو يطرق سمعه من كلام والآخر تمحيص ~~وتمييز لحال المخبر . واعلم أن هذه الآية تتخرج منها أربع مسائل من الفقه ~~وأصوله : # المسألة الأولى : وجوب البحث عن عدالة من كان مجهول الحال في قبول ~~الشهادة أو الرواية عند القاضي وعند الرواة . وهذا صريح الآية وقد أشرنا ~~إليه آنفا . # المسألة الثانية : أنها دالة على قبول خبر الواحد الذي انتفت عنه تهمة ~~الكذب في شهادته أو روايته وهو الموسوم بالعدالة ، وهذا من مدلول مفهوم ~~الشرط في قوله : { إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا } وهي مسألة أصولية في العمل ~~بخبر الواحد . # المسألة الثالثة : قيل إن الآية تدل على أن الأصل في المجهول عدم العدالة ~~، أي عدم ظن عدالته فيجب الكشف عن مجهول الحال فلا يعمل بشهادته ولا ~~بروايته حتى يبحث عنه وتثبت عدالته . # وهذا قول جمهور الفقهاء والمحدثين وهو قول مالك . وقال بعضهم : الأصل في ~~الناس العدالة وينسب إلى أبي حنيفة فيقبل عنده مجهول الباطن ويعبر عنه ~~بمستور الحال . أما المجهول باطنه وظاهره معا فحكي الاتفاق على عدم قبول ~~خبره ، وكأنهم نظروا إلى معنى كلمة الأصل العقلي دون الشرعي ، وقد قيل : إن ~~عمر بن الخطاب كان قال : ( المسلمون عدول بعضهم عن بعض ) وأنه لما بلغه ~~ظهور شهادة الزور رجع فقال : ( لا يؤسر أحد في الإسلام بغير العدول ) . ~~ويستثنى من هذا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فإن الأصل أنهم عدول حتى ~~يثبت ms7854 خلاف ذلك بوجه لا خلاف فيه في الدين ولا يختلف فيه اجتهاد المجتهدين . ~~وإنما تفيد الآية هذا الأصل إذا حمل معنى الفاسق على ما يشمل المتهم بالفسق ~~. PageV26P233 # المسألة الرابعة : دل قوله : { فتصبحوا على ما فعلتم نادمين } أنه تحذير ~~من الوقوع فيما يوجب الندم شرعا ، أي ما يوجب التوبة من تلك الإصابة ، فكان ~~هذا كناية عن الإثم في تلك الإصابة فحذر ولاة الأمور من أن يصيبوا أحدا بضر ~~أو عقاب أو حد أو غرم دون تبين وتحقق توجه ما يوجب تسليط تلك الإصابة عليه ~~بوجه يوجب اليقين أو غلبة الظن وما دون ذلك فهو تقصير يؤاخذ عليه ، وله ~~مراتب بينها العلماء في حكم خطها القاضي وصفة المخطىء وما ينقض من أحكامه . ~~وتقديم المجرور على متعلقه في قوله : { على ما فعلتم نادمين } للاهتمام ~~بذلك الفعل ، وهو الإصابة بدون تثبت والتنبيه على خطر أمره . # ( 7 ، 8 ) # . # عطف على جملة { إن جاءكم فاسق بنبأ } ( الحجرات : 6 ) عطف تشريع على ~~تشريع وليس مضمونها تكملة لمضمون جملة { إن جاءكم فاسق } الخ بل هي جملة ~~مستقلة . # وابتداء الجملة ب { اعلموا } للاهتمام ، وقد تقدم في قوله تعالى : { ~~واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه في سورة البقرة . وقوله : ~~واعلموا أنما غنمتم من شيء في الأنفال . # وقوله : أن فيكم رسول الله } إن خبر مستعمل في الإيقاظ والتحذير على وجه ~~الكناية . فإن كون رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ظهرانيهم أمر معلوم لا ~~يخبر عنه . فالمقصود تعليم المسلمين باتباع ما شرع لهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من الأحكام ولو كانت غير موافقة لرغباتهم . # وجملة { لو يطيعكم في كثير من الأمر } الخ يجوز أن تكون استئنافا ~~ابتدائيا . فضميرا الجمع في قوله : { يطيعكم } وقوله : { لعنتم } عائدان ~~إلى الذين آمنوا على توزيع الفعل على الأفراد فالمطاع بعض الذين آمنوا وهم ~~الذين يبتغون أن يعمل PageV26P234 الرسول صلى الله عليه وسلم بما يطلبون ~~منه ، والعانت بعض آخر وهم جمهور المؤمنين الذين يجري عليهم قضاء النبي صلى ~~الله عليه وسلم بحسب رغبة ms7855 غيرهم . ويجوز أن تكون جملة { لو يطيعكم } الخ في ~~موضع الحال من ضمير { فيكم } لأن مضمون الجملة يتعلق بأحوال المخاطبين ، من ~~جهة أن مضمون جواب { لو } عنت يحصل للمخاطبين . ومآل الاعتبارين في موقع ~~الجملة واحد وانتظام الكلام على كلا التقديرين غير منثلم . # والطاعة : عمل أحد يؤمر به وما ينهى عنه وما يشار به عليه ، أي لو أطاعكم ~~فيما ترغبون . و { الأمر } هنا بمعنى الحادث والقضية النازلة . # والتعريف في الأمر تعريف الجنس شامل لجميع الأمور ولذلك جيء معه بلفظ { ~~كثير من } أي في أحداث كثيرة مما لكم رغبة في تحصيل شيء منها فيه مخالفة ~~لما شرعه . # وهذا احتراز عن طاعته إياهم في بعض الأمر مما هو غير شؤون التشريع كما ~~أطاعهم في نزول الجيش يوم بدر على جهة يستأثرون فيها بماء بدر . # والعنت : اختلال الأمر في الحاضر أو في العاقبة . # وصيغة المضارع في قوله : { لو يطيعكم } مستعملة في الماضي لأن حرف { لو } ~~يفيد تعليق الشرط في الماضي ، وإنما عدل إلى صيغة المضارع لأن المضارع صالح ~~للدلالة على الاستمرار ، أي لو أطاعكم في قضية معينة ولو أطاعكم كلما رغبتم ~~منه أو أشرتم عليه لعنتم لأن بعض ما يطلبونه مضر بالغير أو بالراغب نفسه ~~فإنه قد يحب عاجل النفع العائد عليه بالضر . # وتقديم خبر ( أن ) على اسمها في قوله : { أن فيكم رسول الله } للاهتمام ~~بهذا الكون فيهم وتنبيها على أن واجبهم الاغتباط به والإخلاص له لأن كونه ~~فيهم شرف عظيم لجماعتهم وصلاح لهم . PageV26P235 # والعنت : المشقة ، أي لأصاب الساعين في أن يعمل النبي صلى الله عليه وسلم ~~بما يرغبون العنت . وهو الإثم إذا استغفلوا النبي صلى الله عليه وسلم ~~ولأصاب غيرهم العنت بمعنى المشقة وهي ما يلحقهم من جريان أمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم على ما يلائم الواقع فيضر ببقية الناس وقد يعود بالضر على ~~الكاذب المتشفي برغبته تارة فيلحق عنت من كذب غيره تارة أخرى . # . # الاستدراك المستفاد من { لكن } ناشىء عن قوله : { لو يطيعكم في كثير من ~~الأمر لعنتم } لأنه اقتضى أن ms7856 لبعضهم رغبة في أن يطيعهم الرسول صلى الله ~~عليه وسلم فيما يرغبون أن يفعله مما يبتغون مما يخالونه صالحا بهم في أشياء ~~كثيرة تعرض لهم . والمعنى : ولكن الله لا يأمر رسوله إلا بما فيه صلاح ~~العاقبة وإن لم يصادف رغباتكم العاجلة وذلك فيما شرعه الله من الأحكام ، ~~فالإيمان هنا مراد منه أحكام الإسلام وليس مرادا منه الإعتقاد ، فإن اسم ~~الإيمان واسم الإسلام يتواردان ، أي حبب إليكم الإيمان الذي هو الدين الذي ~~جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا تحريض على التسليم لما يأمر به ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وهو في معنى قوله تعالى : { حتى يحكموك فيما شجر ~~بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما } ( النساء : 65 ~~) ، ولذا فكونه حبب إليهم الإيمان إدماج وإيجاز . والتقدير : ولكن الله شرع ~~لكم الإسلام وحببه إليكم أي دعاكم إلى حبه والرضى به فامتثلتم . # وفي قوله : { وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان } تعريض بأن الذين لا ~~يطيعون الرسول صلى الله عليه وسلم فيهم بقية من الكفر والفسوق ، قال تعالى ~~: { وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون إلى قوله ~~: هم الظالمون } ( النور : 48 50 ) . والمقصود من هذا أن يتركوا ما ليس من ~~أحكام الإيمان فهو من قبيل قوله PageV26P236 { بئس الاسم الفسوق بعد ~~الإيمان } ( الحجرات : 11 ) تحذيرا لهم من الحياد عن مهيعع الإيمان وتجنيبا ~~لهم ما هو من شأن أهل الكفر . # فالخبر في قوله : { حبب إليكم الإيمان } إلى قوله : { والعصيان } مستعمل ~~في الإلهاب وتحريك الهمم لمراعاة محبة الإيمان وكراهة الكفر والفسوق ~~والعصيان ، أي إن كنتم أحببتم الإيمان وكرهتم الكفر والفسوق والعصين فلا ~~ترغبوا في حصول ما ترغبونه إذا كان الدين يصد عنه وكان الفسوق والعصيان ~~يدعو إليه . [ وفي هذا إشارة إلى أن الاندفاع إلى تحصيل المرغوب من الهوى ~~دون تمييز بين ما يرضي الله وما لا يرضيه أثر من آثار الجاهلية من آثار ~~الكفر والفسوق والعصيان . # وذكر اسم الله في صدر جملة الاستدراك دون ضمير المتكلم لما يشعر به ms7857 اسم ~~الجلالة من المهابة والروعة . وما يقتضيه من واجب اقتبال ما حبب إليه ونبذ ~~ما كره إليه . # وعدي فعلا { حبب } و { كره } بحرف ( إلى ) لتضمينهما معنى بلغ ، أي بلغ ~~إليكم حب الإيمان وكره الكفر . ولم يعد فعل { وزينه } بحرف ( إلى ) مثل ~~فعلي { حبب } و { كره } ، للإيماء إلى أنه لما رغبهم في الإيمان وكرههم ~~الكفر امتثلوا فأحبوا الإيمان وزان في قلوبهم . والتزيين : جعل الشيء زينا ~~، أي حسنا قال عمر بن أبي ربيعة : # أجمعت خلتي مع الفجر بينا # جلل الله ذلك الوجه زينا # وجملة { أولئك هم الراشدون } معترضة للمدح . والإشارة ب { أولئك } إلى ~~ضمير المخاطبين في قوله : { إليكم } مرتين وفي قوله : { قلوبكم } أي الذين ~~أحبوا الإيمان وتزينت به قلوبهم ، وكرهوا الكفر والفسوق والعصيان هم ~~الراشدون ، أي هم المستقيمون على طريق الحق . # وأفاد ضمير الفصلل القصر وهو قصر إفراد إشارة إلى أن بينهم فريقا ليسوا ~~براشدين وهم الذين تلبسوا بالفسق حين تلبسهم به فإن أقلعوا عنه التحقوا ~~بالراشدين . PageV26P237 # وانتصب { فضلا من الله ونعمة } على المفعول المطلق المبين للنوع من أفعال ~~{ حبب } { وزين } { وكره } لأن ذلك التحبيب والتزيين والتكريه من نوع الفضل ~~والنعمة . # وجملة { والله عليم حكيم } تذييل لجملة { واعلموا أن فيكم رسول الله } ~~إلى آخرها إشارة إلى أن ما ذكر فيها من آثار علم الله وحكمته . . والواو ~~اعتراضية . # لما جرى قوله : { أن تصيبوا قوما بجهالة } ( الحجرات : 6 ) الآية كان مما ~~يصدق عليه إصابة قوم أن تقع الإصابة بين طائفتين من المؤمنين لأن من ~~الأخبار الكاذبة أخبار النميمة بين القبائل وخطرها أكبر مما يجري بين ~~الأفراد والتبين فيها أعسر ، وقد لا يحصل التبين إلا بعد أن تستعر نار ~~الفتنة ولا تجدي الندامة . وفي ( الصحيحين ) عن أنس بن مالك : أن الآية ~~نزلت في قصة مرور رسول الله صلى الله عليه وسلم على مجلس فيه عبد الله بن ~~أبي بن سلول ورسول الله صلى الله عليه وسلم على حمار فوقف رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وبال الحمار ، فقال عبد الله بن أبي : خل سبيل حمارك ms7858 فقد ~~آذانا نتنه . فقال له عبد الله بن رواحة : والله إن بول حماره لأطيب من ~~مسكك فاستبا وتجالدا وجاء قوماهما الأوس والخزرج ، فتجالدوا بالنعال والسعف ~~فرجع إليهم رسول الله فأصلح بينهم . . . فنزلت هذه الآية . وفي ( الصحيحين ~~) عن أسامة بن زيد : وليس فيه أن الآية نزلت في تلك الحادثة . # ويناكد هذا أن تلك الوقعة كانت في أول أيام قدوم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم المدينة . وهذه السورة نزلت سنة تسع من الهجرة وأن أنس بن مالك لم ~~يجزم بنزولها في ذلك لقوله : فبلغنا أن نزلت فيهم { وإن طائفتان من ~~المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما } . اللهم أن تكون هذه الآية ألحقت بهذه ~~السورة بعد نزول الآية بمدة طويلة . PageV26P238 وعن قتاده والسدي : أنها ~~نزلت في فتنة بين الأوس والخزرج بسبب خصومة بين رجل وامرأته أحدهما من ~~الأوس والآخر من الخزرج انتصر لكل منهما قومه حتى تدافعوا وتناول بعضهم ~~بعضا بالأيدي والنعال والعصي فنزلت الآية فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ~~فأصلح بينهما وهذا أظهر من الرواية الأولى فكانت حكما عاما نزل في سبب خاص ~~. # و { إن } حرف شرط يخلص الماضي للاستقبال فيكون في قوة المضارع وارتفع { ~~طائفتان } بفعل مقدر يفسره قوله : { اقتتلوا } للاهتمام بالفاعل . وإنما ~~عدل عن المضارع بعد كونه الأليق بالشرط لأنه لما أريد تقديم الفاعل على ~~فعله للاهتمام بالمسند إليه جعل الفعل ماضيا على طريقة الكلام الفصيح في ~~مثله مما أوليت فيه { إن } الشرطية الاسم نحو { وإن أحد من المشركين ~~استجارك } ( التوبة : 6 ) ، { وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا } ( النساء : ~~128 ) . قال الرضي ( وحق الفعل الذي يكون بعد الاسم الذي يلي ( إن ) أن ~~يكون ماضيا وقد يكون مضارعا على الشذوذ وإنما ضعف مجيء المضارع لحصول الفصل ~~بين الجازم وبين معموله ) . ويعود ضمير { اقتتلوا } على { طائفتان } ~~باعتبار المعنى لأن طائفة ذات جمع ، والطائفة الجماعة . وتقدم عند قوله ~~تعالى : { فلتقم طائفة منهم معك في سورة النساء . # والوجه أن يكون فعل اقتتلوا } مستعملا في إرادة الوقوع مثل { يا أيها ~~الذين آمنوا إذا قمتم إلى ms7859 الصلاة } ( المائدة : 6 ) ومثل { والذين يظاهرون ~~من نسائهم ثم يعودون لما قالوا } ( المجادلة : 3 ) ، أي يريدون العود لأن ~~الأمر بالإصلاح بينهما واجب قبل الشروع في الاقتتال وذلك عند ظهور بوادره ~~وهو أولى من انتظار وقوع الاقتتال ليمكن تدارك الخطب قبل وقوعه على معنى ~~قوله تعالى : { وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما ~~أن يصلحا بينهما صلحا } ( النساء : 128 ) . # وبذلك يظهر وجه تفريع قوله : { فإن بغت إحداهما على الأخرى } على جملة { ~~اقتتلوا } ، أي فإن ابتدأت إحدى الطائفتين قتال الأخرى ولم تنصع إلى ~~الإصلاح فقاتلوا الباغية . PageV26P239 # والبغي : الظلم والاعتداء على حق الغير ، وهو هنا مستعمل في معناه اللغوي ~~وهو غير معناه الفقهي ف { التي تبغي } هي الطائفة الظالمة الخارجة عن الحق ~~وإن لم تقاتل لأن بغيها يحمل الطائفة المبغي عليها أن تدافع عن حقها . ~~وإنما جعل حكم قتال الباغية أن تكون طائفة لأن الجماعة يعسر الأخذ على أيدي ~~ظلمهم بأفراد من الناس وأعوانن الشرطة فتعين أن يكون كفهم عن البغي بالجيش ~~والسلاح . # وهذا في التقاتل بين الجماعات والقبائل ، فأما خروج فئة عن جماعة ~~المسلمين فهو أشد وليس هو مورد هذه الآية ولكنها أصل له في التشريع . وقد ~~بغى أهل الردة على جماعة المسلمين بغيا بغير قتال فقاتلهم أبو بكر رضي الله ~~عنه ، وبغى بغاة أهل مصر على عثمان رضي الله عنه فكانوا بغاة على جماعة ~~المؤمنين ، فأبى عثمان قتالهم وكره أن يكون سببا في إراقة دماء المسلمين ~~اجتهادا منه فوجب على المسلمين طاعته لأن ولي الأمر ولم ينفوا عن الثوار ~~حكم البغي . # ويتحقق وصف البغي بإخبار أهل العلم أن الفئة بغت على الأخرى أو بحكم ~~الخليفة العالم العدل ، وبالخروج عن طاعة الخليفة وعن الجماعة بالسيف إذا ~~أمر بغير ظلم ولا جور ولم تخش من عصيانه فتنة لأن ضر الفتنة أشد من شد ~~الجور في غير إضاعة المصالح العامة من مصالح المسلمين ، وذلك لأن الخروج عن ~~طاعة الخليفة بغي على الجماعة الذين مع الخليفة . # وقد كان تحقيق معنى البغي ms7860 وصوره غير مضبوط في صدر الإسلام وإنما ضبطه ~~العلماء بعد وقعة الجمل ولم تطل ثم بعد وقعة صفين ، وقد كان القتال فيها ~~بين فئتين ولم يكن الخارجون عن علي رضي الله عنه من الذين بايعوه بالخلافة ~~، بل كانوا شرطوا لمبايعتهم إياه أخذ القود من قتلة عثمان منهم ، فكان ~~اقتناع أصحاب معاوية مجالا للاجتهاد بينهم وقد دارت بينهم كتب فيها حجج ~~الفريقين ولا يعلم الثابت منها والمكذوب إذ كان المؤرخون أصحاب أهواء ~~مختلفة . وقال ابن العربي : كان طلحة والزبير يريان البداءة بقتل قتلة ~~عثمان أولى ، إلا أن العلماء حققوا بعد ذلك أن البغي في جانب أصحاب معاوية ~~لأن البيعة بالخلافة لا تقبل التقييد بشرط . PageV26P240 وقد اعترف الجميع ~~بأن معاوية وأصحابه كانوا مدافعين عن نظر اجتهادي مخطىء ، وكان الواجب يقضى ~~على جماعة من المسلمين الدعاء إلى الصلح بين الفريقين حسب أمر القرآن وجوب ~~الكفاية فقد قيل : إن ذلك وقع التداعي إليه ولم يتم لانتقاض الحرورية على ~~أمر التحكيم فقالوا : لا حكم إلا لله ولا نحكم الرجال . # وقيل : كيدت مكيدة بين الحكمين ، والأخبار في ذلك مضطربة على اختلاف ~~المتصدين لحكاية القضية من المؤرخين أصحاب الأهواء . والله أعلم بالضمائر . # وسئل الحسن البصري عن القتال بين الصحابة فقال : شهد أصحاب محمد وغبنا ~~وعلموا وجهلنا . وقال المحاسبي : تعلم أن القوم كانوا أعلم بما دخلوا فيه ~~منا . # والأمر في قوله : { فقاتلوا التي تبغي } للوجوب ، لأن هذا حكم بين ~~الخصمين والقضاء بالحق واجب لأنه لحفظ حق المحق ، ولأن ترك قتال الباغية ~~يجر إلى استرسالها في البغي وإضاعة حقوق المبغي عليها في الأنفس والأحوال ~~والأغراض والله لا يحب الفساد ، ولأن ذلك يجرىء غيرها على أن تأتي مثل ~~صنيعها فمقاتلها زجر لغيرها . وهو وجوب كفاية ويتعين بتعيين الإمام جيشا ~~يوجهه لقتالها إذ لا يجوز أن يلي قتال البغاة إلا الأيمة والخلفاء . فإذا ~~اختل أمر الإمامة فليتول قتال البغاة السواد الأعظم من الأمة وعلماؤها . ~~فهذا الوجوب مطلق في الأحوال تقيده الأدلة الدالة على عدم المصير إليه إذا ~~علم أن قتالها يجر ms7861 إلى فتنة أشد من بغيها . وقد تلتبس الباغية من الطائفتين ~~المتقاتلتين فإن أسباب التقاتل قد تتولد من أمور لا يؤبه بها في أول الأمر ~~ثم تثور الثائرة ويتجالد الفريقان فلا يضبط أمر الباغي منهما ، فالإصلاح ~~بينهما يزيل اللبس فإن امتنعت إحداهما تعين البغي في جانبها لأن للإمام ~~والقاضي أن يجبر على الصلح إذا خشي الفتنة ورأى بوارقها ، وذلك بعد أن تبين ~~لكلتا الطائفتين شبهتها إن كانت لها شبهة وتزال بالحجة الواضحة والبراهين ~~القاطعة ومن يأب منهما فهو أعق وأظلم . PageV26P241 # وجعل الفيء إلى أمر الله غاية للمقاتلة ، أي يستمر قتال الطائفة الباغية ~~إلى غاية رجوعها إلى أمر الله ، وأمر الله هو ما في الشريعة من العدل والكف ~~عن الظلم ، أي حتى تقلع عن بغيها ، وأتبع مفهوم الغاية ببيان ما تعامل به ~~الطائفتان بعد أن تفي الباغية بقوله : { فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل } ~~، والباء للملابسة والمجرور حال من ضمير { اصلحوا } . # والعدل : هو ما يقع التصالح عليه بالتراضي والإنصاف وأن لا يضر بإحدى ~~الطائفتين فإن المتالف التي تلحق كلتا الطائفتين قد تتفاوت تفاوتا شديدا ~~فتجب مراعاة التعديل . # وقيد الإصلاح المأمور به ثانيا بقيد أن تفيء الباغية بقيد { بالعدل } ولم ~~يقيد الإصلاح المأمور به ، وهذا القيد يقيد به أيضا الإصلاح المأمور به ~~أولا لأن القيد من شأنه أن يعود إليه لاتحاد سبب المطلق والمقيد ، أي يجب ~~العدل في صورة الإصلاح فلا يضيعوا بصورة الصلح منافع عن كلا الفريقين إلا ~~بقدر ما تقتضيه حقيقة الصلح من نزول عن بعض الحق بالمعروف . # ثم أمر المسلمين بالعدل بقوله : { وأقسطوا } أمرا عاما تذييلا للأمر ~~بالعدل الخاص في الصلح بين الفريقين ، فشمل ذلك هذا الأمر العام أن يعدلوا ~~في صورة ما إذا قاتلوا التي تبغي ، ثم قال : { فإن فاءت فأصلحوا بينهما } . ~~وهذا إصلاح ثان بعد الإصلاح المأمور به ابتداء . ومعناه : أن الفئة التي ~~خضعت للقوة وألقت السلاح تكون مكسورة الخاطر شاعرة بانتصار الفئة الأخرى ~~عليها فأوجب على المسلمين أن يصلحوا بينهما بترغيبهما في إزالة الإحن ~~والرجوع إلى أخوة الإسلام ms7862 لئلا يعود التنكر بينهما . # قال أبو بكر بن العربي : ومن العدل في صلحهم أن لا يطالبوا بما جرى بينهم ~~مدة القتال من دم ولا مال فإنه تلف على تأويل وفي طلبهم به تنفير لهم عن ~~الصلح واستشراء في البغي وهذا أصل في المصلحة اه . ثم قال : لا ضمان عليهم ~~في نفس ولا مال عندنا المالكية . وقال أبو حنيفة يضمنون . وللشافعي فيه ~~قولان . فأما ما كان قائما رد بعينه وانظر هل ينطبق PageV26P242 كلام ابن ~~العربي على نوعي الباغية أو هو خاص بالباغية على الخليفة وهو الأظهر . # فأما حكم تصرف الجيش المقاتل للبغاة فكأحوال الجهاد إلا أنه لا يقتل ~~أسيرهم ولا يتبع مدبرهم ولا يذفف على جريحهم ولا تسبى ذراريهم ولا تغنم ~~أموالهم ولا تسترق أسراهم . وللفقهاء تفاصيل في أحوال جبر الأضرار اللاحقة ~~بالفئة المعتدى عليها والأضرار اللاحقة بالجماعة التي تتولى قتال البغاة ~~فينبغي أن يؤخذ من مجموع أقوالهم ما يرى أولو الأمر المصلحة في الحمل عليها ~~جريا على قوله تعالى : { وأقسطوا إن الله يحب المقسطين } . # تعليل لإقامة الإصلاح بين المؤمنين إذا استشرى الحال بينهم ، فالجملة ~~موقعها موقع العلة ، وقد بني هذا التعليل على اعتبار حال المسلمين بعضهم مع ~~بعض كحال الإخوة . # وجيء بصيغة القصر المفيدة لحصر حالهم في حال الإخوة مبالغة في تقرير هذا ~~الحكم بين المسلمين فهو قصر ادعائي أو هو قصر إضافي للرد على أصحاب الحالة ~~المفروضة الذين يبغون على غيرهم من المؤمنين ، وأخبر عنهم بأنهم إخوة مجازا ~~على وجه التشبيه البليغ زيادة لتقرير معنى الأخوة بينهم حتى لا يحق أن يقرن ~~بحرف التشبيه المشعر بضعف صفتهم عن حقيقة الأخوة . وهذه الآية فيها دلالة ~~قوية على تقرر وجوب الأخوة بين المسلمين لأن شأن { إنما } أن تجيء لخبر لا ~~يجهله المخاطب ولا يدفع صحته أو لما ينزل منزلة ذلك كما قال الشيخ في ( ~~دلائل الإعجاز ) في الفصل الثاني عشر وساق عليه شواهد كثيرة من القرآن ~~وكلام العرب فلذلك كان قوله تعالى : { إنما المؤمنون إخوة } مفيد أن معنى ~~الأخوة بينهم معلوم ms7863 مقرر . وقد تقرر ذلك في تضاعيف كلام الله تعالى وكلام ~~PageV26P243 رسوله صلى الله عليه وسلم من ذلك قوله تعالى : { يقولون ربنا ~~اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان في سورة الحشر ، وهي سابقة في ~~النزول على هذه السورة فإنها معدودة الثانية والمائة ، وسورة الحجرات ~~معدودة الثامنة والمائة من السور . وآخى النبي بين المهاجرين والأنصار حين ~~وروده المدينة وذلك مبدأ الإخاء بين المسلمين . وفي الحديث لو كنت متخذا ~~خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر ولكن أخوة الإسلام أفضل . # وفي باب تزويج الصغار من الكبار من صحيح البخاري } ( أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم خطب عائشة من أبي بكر . فقال له أبو بكر : إنما أنا أخوك فقال : ~~أنت أخي في دين الله وكتابه وهي لي حلال ) . وفي حديث ( صحيح مسلم ) ( ~~المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره بحسب امرىء من الشر أن ~~يحقر أخاه المسلم ) . وفي الحديث ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب ~~لنفسه ) أي يحب للمسلم ما يحب لنفسه . # فأشارت جملة { إنما المؤمنون إخوة } إلى وجه وجوب الإصلاح بين الطائفتين ~~المتباغيتين منهم ببيان أن الإيمان قد عقد بين أهله من النسب الموحى ما لا ~~ينقص عن نسب الأخوة الجسدية على نحو قول عمر بن الخطاب للمرأة التي شكت ~~إليه حاجة أولادها وقالت : أنا بنت خفاف بن أيماء ، وقد شهد أبي مع رسول ~~الله الحديبية فقال عمر ( مرحبا بنسب قريب ) . ولما كان المتعارف بين الناس ~~أنه إذا نشبت مشاقة بين الأخوين لزم بقية الإخوة أن يتناهضوا في إزاحتها ~~مشيا بالصلح بينهما فكذلك شأن المسلمين إذا حدث شقاق بين طائفتين منهم أن ~~ينهض سائرهم بالسعي بالصلح بينهما وبث السفراء إلى أن يرقعوا ما وهى ، ~~ويرفعوا ما أصاب ودهى . # وتفريع الأمر بالإصلاح بين الأخوين ، على تحقيق كون المؤمنين إخوة تأكيد ~~لما دلت عليه { إنما } من التعليل فصار الأمر بالإصلاح الواقع ابتداء دون ~~تعليل في قوله : PageV26P244 { فأصلحوا بينهما ، وقوله : فأصلحوا بينهما ~~بالعدل } ( الحجرات : 9 ) قد أردف بالتعليل فحصل تقريره ، ثم عقب بالتفريع ms7864 ~~فزاده تقريرا . # وقد حصل من هذا النظم ما يشبه الدعوى وهي كمطلوب القياس ، ثم ما يشبه ~~الاستدلال بالقياس ، ثم ما يشبه النتيجة . # ولما تقرر معنى الأخوة بين المؤمنين كمال التقرر عدل عن أن يقول : ~~فأصلحوا بين الطائفتين ، إلى قوله : { بين أخويكم } فهو وصف جديد نشأ عن ~~قوله : { إنما المؤمنون إخوة } ، فتعين إطلاقه على الطائفتين فليس هذا من ~~وضع الظاهر موضع الضمير فتأمل . # وأوثرت صيغة التثنية في قوله : { أخويكم } مراعاة لكون الكلام جار على ~~طائفتين من المؤمنين فجعلت كل طائفة كالأخ للأخرى . وقرأ الجمهور { بين ~~أخويكم } بلفظ تثنية الأخ ، أي بين الطائفة والأخرى مراعاة لجريان الحديث ~~على اقتتال طائفتين . وقرأ الجمهور { بين أخويكم } بلفظ تثنية الأخ على ~~تشبيه كل طائفة بأخ . وقرأ يعقوب { فأصلحوا بين إخوتكم } بتاء فوقية بعد ~~الواو على أنه جمع أخ باعتبار كل فرد من الطائفتين كالأخ . # والمخاطب بقوله : { واتقوا الله لعلكم ترحمون } جميع المؤمنين فيشمل ~~الطائفتين الباغية والمبغي عليها ، ويشمل غيرهما ممن أمروا بالإصلاح بينما ~~ومقاتلة الباغية ، فتقوى كل بالوقوف عند ما أمر الله به كلا مما يخصه ، ~~وهذا يشبه التذييل . ومعنى { لعلكم ترحمون } : ترجى لكم الرحمة من الله ~~فتجري أحوالكم على استقامة وصلاح . وإنما اختيرت الرحمة لأن الأمر بالتقوى ~~واقع إثر تقرير حقيقة الأخوة بين المؤمنين وشأن تعامل الإخوة الرحمة فيكون ~~الجزاء عليها من جنسها . PageV26P245 # # لما اقتضت الأخوة أن تحسن المعاملة بين الأخوين كان ما تقرر من إيجاب ~~معاملة الإخوة بين المسلمين يقتضي حسن المعاملة بين آحادهم ، فجاءت هذه ~~الآيات منبهة على أمور من حسن المعاملة قد تقع الغفلة عن مراعاتها لكثرة ~~تفشيها في الجاهلية لهذه المناسبة ، وهذا نداء رابع أريد بما بعده أمر ~~المسلمين بواجب بعض المجاملة بين أفرادهم . # وعن الضحاك : أن المقصود بنو تميم إذ سخروا من بلال وعمار وصهيب ، فيكون ~~لنزول الآية سبب متعلق بالسبب الذي نزلت السورة لأجله وهذا من السخرية ~~المنهي عنها . # وروى الواحدي عن ابن عباس أن سبب نزولها : ( أن ثابت بن قيس بن شماس كان ~~في سمعه وقر وكان ms7865 إذا أتى مجلس النبي صلى الله عليه وسلم يقول : أوسعوا له ~~ليجلس إلى جنبه فيسمع ما يقول فجاء يوما يتخطى رقاب الناس فقال رجل : قد ~~أصبت مجلسا فاجلس . فقال ثابت : من هذا ؟ فقال الرجل : أنا فلان . فقال ~~ثابت : ابن فلانة وذكر أما له كان يعير بها في الجاهلية ، فاستحيا الرجل . ~~فأنزل الله هذه الآية ) ، فهذا من اللمز . وروي عن عكرمة : ( أنها نزلت لما ~~عيرت بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أم سلمة بالقصر ) ، وهذا من ~~السخرية . وقيل : عير بعضهن صفية بأنها يهودية ، وهذا من اللمز في عرفهم . # وافتتحت هذه الآيات بإعادة النداء للاهتمام بالغرض فيكون مستقلا غير تابع ~~حسبما تقدم من كلام الفخر . وقد تعرضت الآيات الواقعة عقب هذا النداء لصنف ~~مهم من معاملة المسلمين بعضهم لبعض مما فشا في الناس من عهد الجاهلية ~~التساهل فيها . وهي من إساءة الأقوال ويقتضي النهي عنها الأمر بأضدادها . ~~وتلك المنهيات هي السخرية واللمز والنبز . PageV26P246 # والسخر ، ويقال السخرية : الاستهزاء ، وتقدم في قوله : { فيسخرون منهم في ~~سورة براءة ، وتقدم وجه تعديته ب ( من ) . # والقوم : اسم جمع : جماعة الرجال خاصة دون النساء ، قال زهير : # وما أدري وسوف أخال أدري # أقوم آل حصن أم نساء ؟ # وتنكير قوم } في الموضعين لإفادة الشياع ، لئلا يتوهم نهي قوم معينين ~~سخروا من قوم معينين . وإنما أسند { يسخر } إلى { قوم } دون أن يقول : لا ~~يسخر بعضكم من بعض كما قال : { ولا يغتب بعضكم بعضا } ( الحجرات : 12 ) ~~للنهي عما كان شائعا بين العرب من سخرية القبائل بعضها من بعض فوجه النهي ~~إلى الأقوام . ولهذا أيضا لم يقل : لا يسخر رجل من رجل ولا امرأة من امرأة ~~. ويفهم منه النهي عن أن يسخر أحد من أحد بطريق لحن الخطاب . وهذا النهي ~~صريح في التحريم . # وخص النساء بالذكر مع أن القوم يشملهم بطريق التغليب العرفي في الكلام ، ~~كما يشمل لفظ { المؤمنين } المؤمنات في اصطلاح القرآن بقرينة مقام التشريع ~~، فإن أصله التساوي في الأحكام إلا ما اقتضى الدليل تخصيص أحد الصنفين به ~~دفعا لتوهم تخصيص ms7866 النهي بسخرية الرجال إذ كان الاستسخار متأصلا في النساء ، ~~فلأجل دفع التوهم الناشىء من هذين السيئين على نحو ما تقدم في قوله من آية ~~القصاص { والأنثى بالأنثى في سورة العقود . # وجملة عسى أن يكونوا خيرا منهم } مستأنفة معترضة بين الجملتين ~~المتعاطفتين تفيد المبالغة في النهي عن السخرية بذكر حالة يكثر وجودها في ~~المسخورية ، فتكون سخرية الساخر أفظع من الساخر ، ولأنه يثير انفعال الحياء ~~في نفس الساخرة بينه وبين نفسه . وليست جملة { عسى أن يكونوا خيرا منهم } ~~صفة لقوم من قومه : { من قوم } وإلا لصار النهي عن السخرية خاصا بما إذا ~~كان المسخور به مظنة أنه خير من الساخر ، وكذلك القول في جملة { عسى أن يكن ~~خيرا منهن } وليست صفة ل { نساء } من قوله : { من نساء } . PageV26P247 # وتشابه الضميرين في قوله : { أن يكونوا خيرا منهم } وفي قوله : { أن يكن ~~خيرا منهن } لا لبس فيه لظهور مرجع كل ضمير ، فهو كالضمائر في قوله تعالى : ~~{ وعمروها أكثر مما عمروها في سورة الروم ، وقول عباس بن مرداس : # عدنا ولولا نحن أحدق جمعهم # بالمسلمين وأحرزوا ما جمعوا # } . # اللمز : ذكر ما يعده الذاكر عيبا لأحد مواجهة فهو المباشرة بالمكروه . ~~فإن كان بحق فهو وقاحة واعتداء ، وإن كان باطلا فهو وقاحة وكذب ، وكان ~~شائعا بين العرب في جاهليتهم قال تعالى : { ويل لكل همزة لمزة } ( الهمزة : ~~1 ) يعني نفرا من المشركين كان دأبهم لمز رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ويكون بحالة بين الإشارة والكلام بتحريك الشفتين بكلام خفي يعرف منه ~~المواجه به أنه يذم أو يتوعد ، أو يتنقص باحتمالات كثيرة ، وهو غير النبز ~~وغير الغيبة . وللمفسرين وكتب اللغة اضطراب في شرح معنى اللمز وهذا الذي ~~ذكرته هو المنخول من ذلك . # ومعنى { لا تلمزوا أنفسكم } لا يلمز بعضكم بعضا فنزل البعض الملموز نفسا ~~للامزه لتقرر معنى الأخوة ، وقد تقدم نظيره عند قوله : { ولا تخرجون أنفسكم ~~من دياركم في سورة البقرة . # والتنابز : نبز بعضهم بعضا ، والنبز بسكون الباء : ذكر النبز بتحريك ~~الباء وهو اللقب السوء ، كقولهم : أنف الناقة ، وقرقور ، وبطة ms7867 . وكان غالب ~~الألقاب في الجاهلية نبزا . قال بعض الفزاريين : # أكنيه حين أناديه لأكرمه # ولا ألقبه والسؤأة اللقب # روي برفع السوأة اللقب فيكون جريا على الأغلب عندهم في اللقب وأنه سوأة . ~~ورواه ديوان الحماسة } بنصب السوأة على أن الواو واو المعية . وروي بالسوأة ~~اللقبا أي لا ألقبه لقبا ملابسا للسوءة فيكون أراد تجنب بعض اللقب ~~PageV26P248 وهو ما يدل على سوء ورواية الرفع أرجح وهي التي يقتضيها ~~استشهاد سيبويه ببيت بعده في باب ظن . ولعل ما وقع في ( ديوان الحماسة ) من ~~تغييرات أبي تمام التي نسب إليه بعضها في بعض أبيات الحماسة لأنه رأى النصب ~~أصح معنى . # فالمراد ب { الألقاب } في الآية الألقاب المكروهة بقرينة { ولا تنابزوا } ~~. واللقب ما أشعر بخسة أو شرف سواء كان ملقبا به صاحبه أم اخترعه له النابز ~~له . # وقد خصص النهي في الآية ب { الألقاب } التي لم يتقادم عهدها حتى صارت ~~كالأسماء لأصحابها وتنوسي منها قصد الذم والسب خص بما وقع في كثير من ~~الأحاديث كقول النبي صلى الله عليه وسلم ( أصدق ذو اليدين ) ، وقوله لأبي ~~هريرة ( يا أبا هر ) ، ولقب شاول ملك إسرائيل في القرآن طالوت ، وقول ~~المحدثين الأعرج لعبد الرحمن بن هرمز ، والأعمش لسليمان من مهران . # وإنما قال { ولا تلمزوا } بصيغة الفعل الواقع من جانب واحد وقال : { ولا ~~تنابزوا } بصيغة الفعل الواقع من جانبين ، لأن اللمز قليل الحصول فهو كثير ~~في الجاهلية في قبائل كثيرة منهم بنو سلمة بالمدينة قاله ابن عطية . # . # تذييل للمنهيات المتقدمة وهو تعريض قوي بأن ما نهوا عنه فسوق وظلم ، إذ ~~لا مناسبة بين مدلول هذه الجملة وبين الجمل التي قبلها لولا معنى التعريض ~~بأن ذلك فسوق وذلك مذموم ومعاقب عليه فدل قوله : { بئس الاسم الفسوق بعد ~~الإيمان } ، على أن ما نهوا عنه مذموم لأنه فسوق يعاقب عليه ولا تزيله إلا ~~التوبة فوقع إيجاز بحذف جملتين في الكلام اكتفاء بما دل عليه التذييل ، ~~وهذا دال على اللمز والتنابز معصيتان لأنهما فسوق . وفي الحديث ( سباب ~~المسلم فسوق ) . # ولفظ { الاسم } هنا مطلق على ms7868 الذكر ، أي التسمية ، كما يقال : طار اسمه ~~PageV26P249 في الناس بالجود أو باللؤم . والمعنى : بئس الذكر أن يذكر أحد ~~بالفسوق بعد أن وصف بالإيمان . وإيثار لفظ الاسم هنا من الرشاقة بمكان لأن ~~السياق تحذير من ذكر الناس بالأسماء الذميمة إذ الألقاب أسماء فكان اختيار ~~لفظ الاسم للفسوق مشاكلة معنوية . # ومعنى البعدية في قوله : { بعد الإيمان } : بعد الاتصاف بالإيمان ، أي أن ~~الإيمان لا يناسبه الفسوق لأن المعاصي من شأن أهل الشرك الذين لا يزعهم عن ~~الفسوق وازع ، وهذا كقول جميلة بنت أبي حين شكت للنبيء صلى الله عليه وسلم ~~أنها تكره زوجها ثابت بن قيس وجاءت تطلب فراقه : ( لا أعيب على ثابت في دين ~~ولا في خلق ولكني أكره الكفر بعد الإسلام تريد التعريض بخشية الزنا وإني لا ~~أطيقه بغضا ) . # وإذ كان كل من السخرية واللمز والتنابز معاصي فقد وجبت التوبة منها فمن ~~لم يتب فهو ظالم : لأنه ظلم الناس بالاعتداء عليهم ، وظلم نفسه بأن رضي لها ~~عقاب الآخرة مع التمكن من الإقلاع عن ذلك فكان ظلمه شديدا جدا . فلذلك جيء ~~له بصيغة قصر الظالمين عليهم كأنه لا ظالم غيرهم لعدم الاعتداد بالظالمين ~~الآخرين في مقابلة هؤلاء على سبيل المبالغة ليزدجروا . والتوبة واجبة من كل ~~ذنب وهذه الذنوب المذكورة مراتب وإدمان الصغائر كبيرة . # وتوسيط اسم الإشارة لزيادة تمييزهم تفظيعا لحالهم وللتنبيه ، بل إنهم ~~استحقوا قصر الظلم عليهم لأجل ما ذكر من الأوصاف قبل اسم الإشارة . # # أعيد النداء خامس مرة لاختلاف الغرض والاهتمام به وذلك أن المنهيات ~~المذكورة بعد هذا النداء من جنس المعاملات السيئة الخفية التي لا يتفطن لها ~~من عومل بها فلا يدفعها فما يزيلها من نفس من عامله بها . PageV26P250 # ففي قوله تعالى : { اجتنبوا كثيرا من الظن } تأديب عظيم يبطل ما كان ~~فاشيا في الجاهلية من الظنون السيئة والتهم الباطلة وأن الظنون السيئة تنشأ ~~عنها الغيرة المفرطة والمكائد والاغتيالات ، والطعن في الأنساب ، والمبادأة ~~بالقتال حذرا من اعتداء مظنون ظنا باطلا ، كما قالوا : خذ اللص قبل أن ~~يأخذك . # وما نجمت العقائد الضالة ms7869 والمذاهب الباطلة إلا من الظنون الكاذبة قال ~~تعالى : { يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية } ( آل عمران : 154 ) وقال : { ~~وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون } ( ~~الزخرف : 20 ) وقال : { سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا ~~آباؤنا ولا حرمنا من شيء } ( الأنعام : 148 ) ثم قال : { قل هل عندكم من ~~علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون } ( الأنعام : 148 ~~) . # وقال النبي صلى الله عليه وسلم ( إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ) . ~~ولما جاء الأمر في هذه الآية باجتناب كثير من الظن علمنا أن الظنون الآثمة ~~غير قليلة ، فوجب التمحيص والفحص لتمييز الظن الباطل من الظن الصادق . # والمراد ب { الظن } هنا : الظن المتعلق بأحوال الناس وحذف المتعلق لتذهب ~~نفس السامع إلى كل ظن ممكن هو إثم . وجملة { إن بعض الظن إثم } استئناف ~~بياني لأن قوله : { اجتنبوا كثيرا من الظن } يستوقف السامع ليتطلب البيان ~~فأعلموا أن بعض الظن جرم ، وهذا كناية عن وجوب التأمل في آثار الظنون ~~ليعرضوا ما تفضي إليه الظنون على ما يعلمونه من أحكام الشريعة ، أو ليسألوا ~~أهل العلم على أن هذا البيان الاستئنافي يقتصر على التخويف من الوقوع في ~~الإثم . وليس هذا البيان توضيحا لأنواع الكثير من الظن المأمور باجتنابه ، ~~لأنها أنواع كثيرة فنبه على عاقبتها وترك التفصيل لأن في إبهامه بعثا على ~~مزيد الاحتياط . # ومعنى كونه إثما أنه : إما أن ينشأ على ذلك الظن عمل أو مجرد اعتقاد ، ~~فإن كان قد ينشأ عليه عمل من قول أو فعل كالاغتياب والتجسس وغير ذلك فليقدر ~~الظان أن ظنه كاذب ثم لينظر بعد في عمله الذي بناه عليه فيجده قد عامل به ~~من لا يستحق تلك المعاملة من اتهامه بالباطل فيأثم مما طوى عليه قلبه لأخيه ~~PageV26P251 المسلم ، وقد قال العلماء : إن الظن القبيح بمن ظاهره الخير لا ~~يجوز . وإن لم ينشأ عليه إلا مجرد اعتقاد دون عمل فليقدر أن ظنه كان مخطئا ~~يجد نفسه قد اعتقد في أحد ms7870 ما ليس به ، فإن كان اعتقادا في صفات الله فقد ~~افترى على الله وإن كان اعتقادا في أحوال الناس فقد خسر الانتفاع بمن ظنه ~~ضارا ، أو الاهتداء بمن ظنه ضالا ، أو تحصيل العلم ممن ظنه جاهلا ونحو ذلك ~~. # ووراء ذلك فالظن الباطل إذا تكررت ملاحظته ومعاودة جولانه في النفس قد ~~يصير علما راسخا في النفس فتترتب عليه الآثار بسهولة فتصادف من هو حقيق ~~بضدها كما تقدم في قوله تعالى : { أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما ~~فعلتم نادمين } ( الحجرات : 6 ) . # والاجتناب : افتعال من جنبه وأجنبه ، إذا أبعده ، أي جعله جانبا آخر ، ~~وفعله يعدى إلى مفعولين ، يقال : جنبه الشر ، قال تعالى : { واجنبني وبني ~~أن نعبد الأصنام } ( إبراهيم : 35 ) . ومطاوعه اجتنب ، أي ابتعد ، ولم يسمع ~~له فعل أمر إلا بصيغة الافتعال . # ومعنى الأمر باجتناب كثير من الظن الأمر بتعاطي وسائل اجتنابه فإن الظن ~~يحصل في خاطر الإنسان اضطرارا عن غير اختيار ، فلا يعقل التكليف باجتنابه ~~وإنما يراد الأمر بالتثبت فيه وتمحيصه والتشكك في صدقه إلى أن يتبين موجبه ~~بدون تردد أو برجحان أو يتبين كذبه فتكذب نفسك فيما حدثتك . وهذا التحذير ~~يراد منه مقاومة الظنون السيئة بما هو معيارها من الأمارات الصحيحة . وفي ~~الحديث ( إذا ظننتم فلا تحققوا ) . على أن الظن الحسن الذي لا مستند له غير ~~محمود لأنه قد يوقع فيما لا يحد ضره من اغترار في محل الحذر ومن اقتداء بمن ~~ليس أهلا للتأسي . وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأم عطية حين مات في ~~بيتها عثمان بن مظعون وقال : ( رحمة الله عليك أبا السايب فشهادتي عليك لقد ~~أكرمك الله وما يدريكك أن الله أكرمه . فقالت : يا رسول الله ومن يكرمه ~~الله ؟ فقال : أما هو فقد جاءه اليقين وإني PageV26P252 أرجو له الخير وإني ~~والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي . فقالت أم عطية : والله لا أزكي ~~بعده أحدا ) . # وقد علم من قوله : { كثيرا من الظن } وتبيينه بأن بعض الظن إثم أن بعضا ~~من الظن ليس إثما وأنا ms7871 لم نؤمر باجتناب الظن الذي ليس بإثم لأن { كثيرا } ~~وصف ، فمفهوم المخالفة منه يدل على أن كثيرا من الظن لم نؤمر باجتنابه وهو ~~الذي يبينه { إن بعض الظن إثم } أي أن بعض الظن ليس إثما ، فعلى المسلم أن ~~يكون معياره في تمييز أحد الظنين من الآخر أن يعرضه على ما بينته الشريعة ~~في تضاعيف أحكامها من الكتاب والسنة وما أجمعت عليه علماء الأمة وما أفاده ~~الاجتهاد الصحيح وتتبع مقاصد الشريعة ، فمنه ظن يجب اتباعه كالحذر من مكائد ~~العدو في الحرب ، وكالظن المستند إلى الدليل الحاصل من دلالة الأدلة ~~الشرعية ، فإن أكثر التفريعات الشرعية حاصلة من الظن المستند إلى الأدلة . ~~وقد فتح مفهوم هذه الآية باب العمل بالظن غير الإثم إلا أنها لا تقوم حجة ~~إلا على الذين يرون العمل بمفهوم المخالفة وهو أرجح الأقوال فإن معظم ~~دلالات اللغة العربية على المفاهيم كما تقرر في أصول الفقه . # وأما الظن الذي هو فهم الإنسان وزكانته فذلك خاطر في نفسه وهو أدرى ~~فمعتاده منه من إصابه أو ضدها قال أوس بن حجر : # الألمعي الذي يظن بك الظ # ن كأن قد رأى وقد سمعا # . # التجسس من آثار الظن لأن الظن يبعث عليه حين تدعو الظان نفسه إلى تحقيق ~~ما ظنه سرا فيسلك طريق التجنيس فحذرهم الله من سلوك هذا الطريق للتحقق ~~ليسلكوا غيره إن كان في تحقيق ما ظن فائدة . # والتجسس : البحث بوسيلة خفية وهو مشتق من الجس ، ومنه سمي الجاسوس . # والتجسس من المعاملة الخفية عن المتجسس عليه . ووجه النهي عنه أنه ضرب ~~PageV26P253 من الكيد والتطلع على العورات . وقد يرى المتجسس من المتجسس ~~عليه ما يسوءه فتنشأ عنه العداوة والحقد . ويدخل صدره الحرج والتخوف بعد أن ~~كانت ضمائره خالصة طيبة وذلك من نكد العيش . # وذلك ثلم للأخوة الإسلامية لأنه يبعث على إظهار التنكر ثم إن اطلع ~~المتجسس عليه على تجسس الآخر ساءه فنشأ في نفسه كره له وانثلمت الأخوة ثلمة ~~أخرى كما وصفنا في حال المتجسس ، ثم يبعث ذلك على انتقام كليهما من أخيه ms7872 . # وإذ قد اعتبر النهي عن التجسس من فروع النهي عن الظن فهو مقيد بالتجسس ~~الذي هو إثم أو يفضي إلى الإثم ، وإذا علم أنه يترتب عليه مفسدة عامة صار ~~التجسس كبيرة . ومنه التجسس على المسلمين لمن يبتغي الضر بهم . # فالمنهي عنه هو التجسس الذي لا ينجر منه نفع للمسلمين أو دفع ضر عنهم فلا ~~يشمل التجسس على الأعداء ولا تجسس الشرط على الجناة واللصوص . # . # الاغتياب : افتعال من غابه المتعدي ، إذا ذكره في غيبه بما يسوءه . # فالاغتياب ذكر أحد غائب بما لا يحب أن يذكر به ، والاسم منه الغيبة بكسر ~~الغين مثل الغيلة . وإنما يكون ذكره بما يكره غيبه إذا لم يكن ما ذكره به ~~مما يثلم العرض وإلا صار قذعا . # وإنما قال : { ولا يغتب بعضكم بعضا } دون أن يقول : اجتنبوا الغيبة . ~~لقصد التوطئة للتمثيل الوارد في قوله : { أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا ~~} لأنه لما كان ذلك التمثيل مشتملا على جانب فاعل الاغتياب ومفعوله مهد له ~~بما يدل على ذاتين لأن ذلك يزيد التمثيل وضوحا . # والاستفهام في { أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا } تقريري لتحقق أن ~~PageV26P254 كل أحد يقر بأنه لا يحب ذلك ، ولذلك أجيب الاستفهام بقوله : { ~~فكرهتموه } . # وإنما لم يرد الاستفهام على نفي محبة ذلك بأن يقال : ألا يحب أحدكم ، كما ~~هو غالب الاستفهام التقريري ، إشارة إلى تحقق الإقرار المقرر عليه بحيث ~~يترك للمقرر مجالا لعدم الإقرار ومع ذلك لا يسعه إلا الإقرار . مثلت الغيبة ~~بأكل لحم الأخ الميت وهو يستلزم تمثيل المولوع بها بمحبة أكل لحم الأخ ~~الميت ، والتمثيل مقصود منه استفظاع الممثل وتشويهه لإفادة الإغلاظ على ~~المغتابين لأن الغيبة متفشية في الناس وخاصة في أيام الجاهلية . # فشبهت حالة اغتياب المسلم من هو أخوه في الإسلام وهو غائب بحالة أكل لحم ~~أخيه وهو ميت لا يدافع عن نفسه ، وهذا التمثيل للهيئة قابل للتفريق بأن ~~يشبه الذي اغتاب بآكل لحم ، ويشبه الذي اغتيب بأخ ، وتشبه غيبته بالموت . # والفاء في قوله : { فكرهتموه } فاء الفصيحة ، وضمير الغائب عائد إلى ms7873 { ~~أحدكم } ، أو يعود إلى { لحم } . # والكراهة هنا : الاشمئزاز والتقذر . والتقدير : إن وقع هذا أو إن عرض لكم ~~هذا فقد كرهتموه . # وفاء الفصيحة تفيد الإلزام بما بعدها كما صرح به الزمخشري في قوله تعالى ~~: { فقد كذبوكم بما تقولون } في سورة الفرقان ، أي تدل على أن لا مناص ~~للمواجه بها من التزام مدلول جواب شرطها المحذوف . # والمعنى : فتعين إقراركم بما سئلتم عنه من الممثل به ( إذ لا يستطاع جحده ~~) تحققت كراهتكم له وتقذركم منه ، فليتحقق أن تكرهوا نظيره الممثل وهو ~~الغيبة فكأنه قيل : فاكرهوا الممثل كما كرهتم الممثل به . # وفي هذا الكلام مبالغات : منها الاستفهام التقريري الذي لا يقع إلا على ~~أمر مسلم عند المخاطب فجعلك للشيء في حيز الاستفهام التقريري يقتضي أنك ~~تدعي أنه لا ينكره المخاطب . # ومنها جعل ما هو شديد الكراهة للنفس مفعولا لفعل المحبة للإشعار بتفظيع ~~PageV26P255 حالة ما شبه به وحالة من ارتضاه لنفسه فلذلك لم يقل : أيتحمل ~~أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا ، بل قال : { أيحب أحدكم } . # ومنها إسناد الفعل إلى { أحد } للإشعار بأن أحدا من الأحدين لا يحب ذلك . # ومنها أنه لم يقتصر على تمثيل الاغتياب بأكل لحم الإنسان حتى جعل الإنسان ~~أخا . # ومنها أنه لم يقتصر على كون المأكول لحم الأخ حتى جعل الأخ ميتا . # وفيه من المحسنات الطباق بين { أيحب } وبين { فكرهتموه } . # والغيبة حرام بدلالة هذه الآية وآثار من السنة بعضها صحيح وبعضها دونه . # وذلك أنها تشتمل على مفسدة ضعف في أخوة الإسلام . وقد تبلغ الذي اغتيب ~~فتقدح في نفسه عداوة لمن اغتابه فينثلم بناء الأخوة ، ولأن فيها الاشتغال ~~بأحوال الناس وذلك يلهي الإنسان عن الاشتغال بالمهم النافع له وترك ما لا ~~يعنيه . # وهي عند المالكية من الكبائر وقل من صرح بذلك ، لكن الشيخ عليا الصعيدي ~~في ( حاشية الكفاية ) صرح بأنها عندنا من الكبائر مطلقا . ووجهه أن الله ~~نهى عنها وشنعها . ومقتضى كلام السجلماسي في كتاب ( العمل الفاسي ) أنها ~~كبيرة . # وجعلها الشافعية من الصغائر لأن الكبيرة في اصطلاحهم فعل يؤذن بقلة ~~اكتراث فاعله بالدين ms7874 ورقة الديانة كذا حدها إمام الحرمين . # فإذا كان ذلك لوجه مصلحة مثل تجريح الشهود ورواة الحديث وما يقال ~~للمستشير في مخالطة أو مصاهرة فإن ذلك ليس بغيبة ، بشرط أن لا يتجاوز الحد ~~الذي يحصل به وصف الحالة المسؤول عنها . # وكذلك لا غيبة في فاسق بذكر فسقه دون مجاهرة له به . وقد قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم لما استؤذن عنده لعيينة بن حصن { بئس أخو العشيرة } ليحذره ~~من سمعه إذ كان عيينة يومئذ منحرفا عن الإسلام . PageV26P256 # وعن الطبري صاحب ( العدة ) في فروع الشافعية أنها صغيرة ، قال المحلي ~~وأقره الرافعي ومن تبعه . قلت : وذكر السجلماسي في نظمه في المسائل التي ~~جرى بها عمل القضاة في فاس فقال : # ولا تجرح شاهدا بالغيبه # لأنها عمت بها المصيبه # وذكر في شرحه : أن القضاة عملوا بكلام الغزالي . # وأما عموم البلوى فلا يوجب اغتفار ما عمت به إلا عند الضرورة والتعذر كما ~~ذكر ذلك عن أبي محمد بن أبي زيد . # وعندي : أن ضابط ذلك أن يكثر في الناس كثرة بحيث يصير غير دال على ~~استخفاف بالوازع الديني فحيئذ يفارقها معنى ضعف الديانة الذي جعله الشافعية ~~جزءا من ماهية الغيبة . # . # عطف على جمل الطلب السابقة ابتداء من قوله : { اجتنبوا كثيرا من الظن } ~~هذا كالتذييل لها إذ أمر بالتقوى وهي جماع الاجتناب والإمتثال فمن كان ~~سالما من التلبس بتلك المنهيات فالأمر بالتقوى يجنبه التلبس بشيء منها في ~~المستقبل ، ومن كان متلبسا بها أو ببعضها فالأمر بالتقوى يجمع الأمر بالكف ~~عما هو متلبس به منها . # وجملة { إن الله تواب رحيم } تذييل للتذييل لأن التقوى تكون بالتوبة بعد ~~التلبس بالإثم فقيل : { إن الله تواب } وتكون التقوى ابتداء فيرحم الله ~~المتقي ، فالرحيم شامل للجميع . PageV26P257 # انتقال من واجبات المعاملات إلى ما يجب أن يراعيه المرء في نفسه ، وأعيد ~~النداء للاهتمام بهذا الغرض ، إذ كان إعجاب كل قبيلة بفضائلها وتفضيل قومها ~~على غيرهم فاشيا في الجاهلية كما ترى بقيته في شعر الفرزدق وجرير ، وكانوا ~~يحقرون بعض القبائل مثل باهلة ، وضبيعة ، وبني عكل . # سئل ms7875 أعرابي : أتحب أن تدخل الجنة وأنت باهلي فأطرق حينا ثم قال : على شرط ~~أن لا يعلم أهل الجنة أني باهلى . فكان ذلك يجر إلى الإحن والتقاتل وتتفرع ~~عليه السخرية واللمز والنبز والظن والتجسس والاغتياب الواردة فيها الآيات ~~السابقة ، فجاءت هذه الآية لتأديب المؤمنين على اجتناب ما كان في الجاهلية ~~لاقتلاع جذوره الباقية في النفوس بسبب اختلاط طبقات المؤمنين بعد سنة ~~الوفود إذ كثر الداخلون في الإسلام . # فعن أبي داود أنه روى في كتابه ( المراسيل ) عن الزهري قال أمر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بني بياضة ( من الأنصار ) أن يزوجوا أبا هند ( مولى بني ~~بياضة قيل اسمه يسار ) امرأة منهم فقالوا : تزوج بناتنا موالينا ، فأنزل ~~الله تعالى : { إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا } الآية . وروي ~~غير ذلك في سبب نزولها . # ونودوا بعنوان { الناس } دون المؤمنين رعيا للمناسبة بين هذا العنوان ~~وبين ما صدر به الغرض من التذكير بأن أصلهم واحد ، أي أنهم في الخلقة سواء ~~ليتوسل بذلك إلى أن التفاضل والتفاخر إنما يكون بالفضائل وإلى أن التفاضل ~~في الإسلام بزيادة التقوى فقيل : { يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ~~} . # فمن أقدم على القول بأن هذه الآية نزلت في مكة دون بقية السورة اغتر بأن ~~غالب الخطاب ب { يا أيها الناس } إنما كان في المكي . # والمراد بالذكر والأنثى : آدم وحواء أبوا البشر ، بقرينة قوله { وجعلناكم ~~شعوبا وقبائل لتعارفوا } . PageV26P258 # ويؤيد هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم ( أنتم بنو آدم وآدم من تراب ) ~~كما سيأتي قريبا . فيكون تنوين ( ذكر وأنثى ) لأنهما وصفان لموصوف فقرر ، ~~أي من أب ذكر ومن أم أنثى . # ويجوز أن يراد ب { ذكر وأنثى } صنف الذكر والأنثى ، أي كل واحد مكون من ~~صنف الذكر والأنثى . # وحرف ( من ) على كلا الاحتمالين للابتداء . # والشعوب : جمع شعب بفتح الشين وهو مجمع القبائل التي ترجع إلى جد واحد من ~~أمة مخصوصة وقد يسمى جذما ، فالأمة العربية تنقسم إلى شعوب كثيرة فمضر شعب ~~، وربيعة شعب ، وأنمار شعب ، وإياد شعب ، وتجمعها الأمة العربية ms7876 المستعربة ~~، وهي عدنان من ولد إسماعيل عليه السلام ، وحمير وسبأ ، والأزد شعوب من أمة ~~قحطان . وكنانة وقيس وتميم قبائل من شعب مضر . ومذحج ، وكندة قبيلتان من ~~شعب سبأ . والأوس والخزرج قبيلتان من شعب الأزد . # وتحت القبيلة العمارة مثل قريش من كنانة ، وتحت العمارة البطن مثل قصي من ~~قريش ، وتحت البطن الفخذ مثل هاشم وأمية من قصي ، وتحت الفخذ الفصيلة مثل ~~أبي طالب والعباس وأبي سفيان . # واقتصر على ذكر الشعوب والقبائل لأن ما تحتها داخل بطريق لحن الخطاب . # وتجاوز القرآن عن ذكر الأمم جريا على المتداول في كلام العرب في تقسيم ~~طبقات الأنساب إذ لا يدركون إلا أنسابهم . # وجعلت علة جعل الله إياه شعوبا وقبائل . وحكمته من هذا الجعل أن يتعارف ~~الناس ، أي يعرف بعضهم بعضا . # والتعارف يحصل طبقة بعد طبقة متدرجا إلى الأعلى ، فالعائلة الواحدة ~~متعارفون ، والعشيرة متعارفون من عائلات إذ لا يخلون عن انتساب ومصاهرة ، ~~وهكذا تتعارف العشائر مع البطون والبطون مع العمائر ، والعمائر مع القبائل ~~، والقبائل مع الشعوب لأن كل درجة تأتلف من مجموع الدرجات التي دونها . ~~PageV26P259 # فكان هذا التقسيم الذي ألهمهم الله إياه نظاما محكما لربط أواصرهم دون ~~مشقة ولا تعذر فإن تسهيل حصول العمل بين عدد واسع الانتشار يكون بتجزئة ~~تحصيله بين العدد القليل ثم ببث عمله بين طوائف من ذلك العدد القليل ثم ~~بينه وبين جماعات أكثر . وهكذا حتى يعم أمة أو يعم الناس كلهم وما انتشرت ~~الحضارات المماثلة بين البشر إلا بهذا الناموس الحكيم . # والمقصود : أنكم حرفتم الفطرة وقلبتم الوضع فجعلتم اختلاف الشعوب ~~والقبائل بسبب تناكر وتطاحن وعدوان . # ألا ترى إلى قول الفضل بن عباس بن عتبة بن أبي لهب : # مهلا بني عمنا مهلا موالينا # لا تنبشوا بيننا ما كان مدفونا # لا تطمعوا أن تهينونا ونكرمكم # وأن نكف الأذى عنكم وتؤذونا # وقول العقيلي وحاربه بنو عمه فقتل منهم : # ونبكي حين نقتلكم عليكم # ونقتلكم كأنا لا نبالي # وقول الشميذر الحارثي : # وقد ساءني ما جرت الحرب بيننا # بني عمنا لو كان أمرا مدانيا # وأقوالهم في هذا ms7877 لا تحصر عدا ما دون ذلك من التفاخر والتطاول والسخرية ~~واللمز والنبز وسوء الظن والغيبة مما سبق ذكره . # وقد جبر الله صدع العرب بالإسلام كما قال تعالى : { واذكروا نعمة الله ~~عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا } فردهم إلى ~~الفطرة التي فطرهم عليها وكذلك تصاريف الدين الإسلامي ترجع بالناس إلى ~~الفطرة السليمة . # ولما أمر الله تعالى المؤمنين بأن يكونوا إخوة وأن يصلحوا بين الطوائف ~~المتقاتلة ونهاهم عما يثلم الأخوة وما يغين على نورها في نفوسهم من السخرية ~~واللمز والتنابز والظن السوء والتجسس والغيبة ، ذكرهم بأصل الأخوة في ~~الأنساب التي أكدتها أخوة الإسلام ووحدة الإعتقاد ليكون ذلك التذكير عونا ~~على تبصرهم في حالهم ، PageV26P260 ولما كانت السخرية واللمز والتنابز مما ~~يحمل عليه التنافس بين الأفراد والقبائل جمع الله ذلك كله في هذه الموعظة ~~الحكيمة التي تدل على النداء عليهم بأنهم عمدوا إلى هذا التشعيب الذي وضعته ~~الحكمة الإلهية فاستعملوه في فاسد لوازمه وأهملوا صالح ما جعل له بقوله : { ~~لتعارفوا } ثم وأتبعه بقوله : { إن أكرمكم عند الله أتقاكم } أي فإن ~~تنافستم فتنافسوا في التقوى كما قال تعالى : { وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ~~} ( المطففين : 26 ) . # والخبر في قوله : { إنا خلقناكم من ذكر وأنثى } مستعمل كناية عن المساواة ~~في أصل النوع الإنساني ليتوصل من ذلك إلى إرادة اكتساب الفضائل والمزايا ~~التي ترفع بعض الناس على بعض كناية بمرتبتين . والمعنى المقصود من ذلك هو ~~مضمون جملة { إن أكرمكم عند الله أتقاكم } فتلك الجملة تتنزل من جملة { إنا ~~خلقناكم من ذكر وأنثى } منزلة المقصد من المقدمة والنتيجة من القياس ولذلك ~~فصلت لأنها بمنزلة البيان . # وأما جملة { وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا } فهي معترضة بين الجملتين ~~الأخريين . # والمقصود من اعتراضها : إدماج تأديب آخر من واجب بث التعارف والتواصل بين ~~القبائل والأمم وأن ذلك مراد الله منهم . # ومن معنى الآية ما خطب به رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع إذ ~~قال : ( يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد وأن أباكم واحد لا فضل لعربي على ms7878 ~~عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأسود على أحمر ولا لأحمر على أسود إلا ~~بالتقوى ) . # ومن نمط نظم الآية وتبيينها ما رواه الترمذي في تفسير هذه الآية قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم ( إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها لا ~~لآباء الناس مؤمن تقي أو فاجر شقي أنتم بنو آدم وآدم من تراب ) . وفي رواية ~~( أن ذلك مما خطب به يوم فتح مكة ( عبية بضم العين المهملة وبكسرها وبتشديد ~~الموحدة المكسورة ثم تشديد المثناة التحتية : الكبر والفخر . ووزنهما على ~~لغة ضم الفاء فعولة وعلى لغة كسر الفاء فعلية ، وهي إما مشتقة من التعبية ~~فتضعيف الباء لمجرد PageV26P261 الإلحاق مثل نض الثوب بمعنى نضى أو مشتقة ~~من عباب الماء فالتضعيف في الباء أصلي ) . # وفي رواية ابن أبي حاتم بسنده إلى ابن عمر ( طاف رسول الله يوم فتح مكة ~~ثم خطبهم في بطن المسيل فذكر الحديث وزاد فيه أن الله يقول : { يا أيها ~~الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى } إلى { إن الله عليم خبير } . # وجملة { إن أكرمكم عند الله أتقاكم } مستأنفة استئنافا ابتدائيا وإنما ~~أخرت في النظم عن جملة إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل ~~لتعارفوا ، لتكون تلك الجملة السابقة كالتوطئة لهذه وتتنزل منها منزلة ~~المقدمة لأنهم لما تساووا في أصل الخلقة من أب واحد وأم واحدة كان الشأن أن ~~لا يفضل بعضهم بعضا إلا بالكمال النفساني وهو الكمال الذي يرضاه الله لهم ~~والذي جعل التقوى وسيلته ولذلك ناط التفاضل في الكرم ب { عند الله } إذ لا ~~اعتداد بكرم لا يعبأ الله به . # والمراد بالأكرم : الأنفس والأشرف ، كما تقدم بيانه في قوله : { إني ألقي ~~إلى كتاب كريم } في سورة النمل . # والأتقى : الأفضل في التقوى وهو اسم تفضيل صيغ من اتقى على غير قياس . # وجملة { إن الله عليم خبير } تعليل لمضمون { إن أكرمكم عند الله أتقاكم } ~~أي إنما كان أكرمكم أتقاكم لأن الله عليم بالكرامة الحق وأنتم جعلتم ~~المكارم فيما دون ذلك من البطش وإفناء الأموال في غير وجه وغير ذلك ms7879 الكرامة ~~التي هي التقوى خبير بمقدار حظوظ الناس من التقوى فهي عنده حظوظ الكرامة ~~فلذلك الأكرم هو الأتقى ، وهذا كقوله : { فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن ~~اتقى } ( النجم : 32 ) أي هو أعلم بمراتبكم في التقوى ، أي التي هي التزكية ~~الحق . ومن هذا الباب قوله : { الله أعمل حيث يجعل رسالاته } ( الأنعام : ~~124 ) . # علم أن قوله : { إن أكرمكم عند الله اتقاكم } لا ينافي أن تكون للناس ~~مكارم أخرى في المرتبة الثانية بعد التقوى مما شأنه أن يكون له أثر تزكية ~~في النفوس مثل حسن التربية ونقاء النسب والعرافة في العلم والحضارة وحسن ~~السمعة في الأمم وفي PageV26P262 الفصائل ، وفي العائلات ، وكذلك بحسب ما ~~خلده التاريخ الصادق للأمم والأفراد فما يترك آثارا لأفرادها وخلالا في ~~سلائلها قال النبي صلى الله عليه وسلم ( الناس معادن كمعادن الذهب والفضة ~~خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا ) . # فإن في خلق الأنباء آثارا من طباع الآباء الأدنين أو الأعلين تكون مهيئة ~~نفوسهم للكمال أو ضده وأن للتهذيب والتربية آثارا جمة في تكميل النفوس أو ~~تقصيرها وللعوائد والتقاليد آثارها في الرفعة والضعة وكل هذه وسائل لإعداد ~~النفوس إلى الكمال والزكاء الحقيقي الذي تخططه التقوى . # وجملة { إن الله عليم خبير } تذييل ، وهو كناية عن الأمر بتزكية نواياهم ~~في معاملاتهم وما يريدون من التقوى بأن الله يعلم ما في نفوسهم ويحاسبهم ~~عليه . # كان من بين الوفود التي وفدت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنة ~~تسع المسماة سنة الوفود ، وفد بني أسد بنن خزيمة وكانوا ينزلون بقرب ~~المدينة ، وكان قدومهم المدينة عقب قدوم وفد بني تميم الذي ذكر في أول ~~السورة ، ووفد بنو أسد في عدد كثير وفيهم ضرار بن الأزور ، وطليحة بن عبد ~~الله ( الذي ادعى النبوءة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم أيام الردة ) ~~، وكانت هذه السنة سنة جدب ببلادهم فأسلموا وكانوا يقولون للنبيء صلى الله ~~عليه وسلم أتتك العرب بأنفسها على ظهور رواحلها وجئناك بالأثقال والعيال ~~والذراري ولم نقاتلك كما قاتلك محارب خصفة وهوازن ms7880 وغطفان . يفدون على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ويروحون بهذه المقالة ويمنون عليه ويريدون أن يصرف ~~إليهم الصدقات ، فأنزل الله فيهم هذه الآيات إلى آخر السورة لوقوع القصتين ~~قصة وفد بني تميم وقصة وفد بني أسد في أيام متقاربة ، والأغراض المسكوة ~~بالجفاء متناسبة . وقال السدي : نزلت في الأعراب المذكورين في سورة الفتح ~~في قوله تعالى : { سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا } ~~الآية . PageV26P263 # قالوا آمنا ليأمنوا على أنفسهم وأموالهم فلما استنفروا إلى الحديبية ~~تخلفوا فنزلت هذه الآية . # والأعراب : سكان البادية من العرب . وأحسب أنه لا يطلق على أهل البادية ~~من غير العرب ، وهو اسم جمع لا مفرد له فيكون الواحد منه بياء النسبة ~~أعرابي . # وتعريف { الأعراب } تعريف العهد لإعراب معينين وهم بنو أسد فليس هذا ~~الحكم الذي في الآية حاقا على جميع سكان البوادي ولا قال هذا القول غير بني ~~أسد . # وهم قالوا آمنا حين كانوا في شك لم يتمكن الإيمان منهم فأنبأهم الله بما ~~في قلوبهم وأعلمهم أن الإيمان هو التصديق بالقلب لا بمجرد اللسان لقصد أن ~~يخلصوا إيمانهم ويتمكنوا منه كما بينه عقب هذه الآية بقوله : { إنما ~~المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله } الآية . # والاستدراك بحرف ( لكن ) لرفع ما يتوهم من قوله : { لم تؤمنوا } أنهم ~~جاؤوا مضمرين الغدر بالنبي صلى الله عليه وسلم وإنما قال : { ولكن قولوا ~~أسلمنا } تعليما لهم بالفرق بين الإيمان والإسلام فإن الإسلام مقره اللسان ~~والأعمال البدنية ، وهي قواعد الإسلام الأربعة : الصلاة والزكاة وصيام ~~رمضان وحج الكعبة الوارد في حديث عمر عن سؤال جبريل النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن الإسلام والإيمان والإحسان والساعة ( الإسلام أن تشهد أن لا إله ~~إلا الله محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتأتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج ~~البيت إن استطعت إليه سبيلا ) فهؤلاء الأعراب لما جاءوا مظهرين الإسلام ~~وكانت قلوبهم غير مطمئنة لعقائد الإيمان لأنهم حديثو عهد به كذبهم الله في ~~قولهم { آمنا } ليعلموا أنهم لم يخف باطنهم على الله ، وأنه لا يتعد ~~بالإسلام إلا إذا قارنه الإيمان ، فلا ms7881 يغني أحدهما بدون الآخر ، فالإيمان ~~بدون إسلام عناد ، والإسلام بدون إيمان نفاق ، ويجمعهما طاعة الله ورسوله ~~صلى الله عليه وسلم # وكان مقتضى ظاهر نظم الكلام أن يقال : قل لم تؤمنوا ولكن أسلمتم ، أو أن ~~يقال : قل لا تقولوا آمنا ولكن قولوا أسلمنا ، ليتوافق المستدرك عنه ~~والاستدراك بحسب النظم المتعارف في المجادلات ، فعدل عن الظاهر إلى هذا ~~النظم لأن فيه PageV26P264 صراحة بنفي الإيمان عنهم فلا يحسبوا أنهم غالطوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # واستغني بقوله : { لم تؤمنوا } عن أن يقال : لا تقولوا آمنا ، لاستهجان ~~أن يخاطبوا بلفظ مؤداه النهي عن الإعلان بالإيمان لأنهم مطالبون بأن يؤمنوا ~~ويقولوا آمنا قولا صادقا لا كاذبا فقيل لهم { لم تؤمنو } تكذيبا لهم مع عدم ~~التصريح بلفظ التكذيب ولكن وقع التعريض لهم بذلك بعد في قوله : { إنما ~~المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا } إلى قوله : { أولئك هم ~~الصادقون } أي لا أنتم ولذلك جيء بالاستدراك محمولا على المعنى . # وعدل عن أن يقال : ولكن أسلمتم إلى { قولوا أسلمنا } تعريضا بوجوب الصدق ~~في القول ليطابق الواقع ، فهم يشعرون بأن كذبهم قد ظهر ، وذلك مما يتعير به ~~، أي الشأن أن تقولوا قولا صادقا . # وقوله : { ولما يدخل الإيمان في قلوبكم } واقع موقع الحال من ضمير { لم ~~تؤمنوا } وهو مبين لمعنى نفي الإيمان عنهم في قوله : { لم تؤمنوا } بأنه ~~ليس انتفاء وجود تصديق باللسان ولكن انتفاء رسوخه وعقد القلب عليه إذ كان ~~فيهم بقية من ارتياب كما أشعر به مقابلته بقوله : { إنما المؤمنون الذين ~~آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا } . # واستعير الدخول في قوله : { ولما يدخل الإيمان في قلوبكم } للتمكن وعدم ~~التزلزل لأن الداخل إلى المكان يتمكن ويستقر والخارج عنه يكون سريع ~~المفارقة له مستوفزا للانصراف عنه . # و ( لما ) هذه أخت ( لم ) وتدل على أن النفي بها متصل بزمان التكلم وذلك ~~الفارق بينها وبين ( لم ) أختها . وهذه الدلالة على استمرار النفي إلى زمن ~~التكلم تؤذن غالبا ، بأن النمفي بها متوقع الوقوع . قال في ( الكشاف ) ( ~~وما في ( لما ) من معنى ms7882 التوقع دال على أن هؤلاء قد آمنوا فيما بعد ) . # وهي دلالة من مستتبعات التراكيب . وهذا من دقائق العربية . وخالف فيه أبو ~~حيان والزمخشري حجة في الذوق لا يدانيه أبو حيان ، ولهذا لم يكن قوله : { ~~ولما يدخل الإيمان في قلوبكم } تكريرا مع قوله : { لم تؤمنوا } . ~~PageV26P265 # وقوله : { وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا } إرشاد إلى ~~دواء مرض الحال في قلوبهم من ضعف الإيمان بأنه إن يطيعوا الله ورسوله حصل ~~إيمانهم فإن مما أمر الله به على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم بيان عقائد ~~الإيمان بأن يقبلوا على التعلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم مدة ~~إقامتهم بالمدينة عوضا عن الاشتغال بالمن والتعريض بطلب الصدقات . # ومعنى { لا يلتكم } لا ينقصكم ، يقال : لاته مثل باعه . وهذا في لغة أهل ~~الحجاز وبني أسد ، ويقال : الته ألتا مثل : أمره ، وهي لغة غطفان قال تعالى ~~: { وما ألتناهم من عملهم من شيء } في سورة الطور . # وقرأ بالأولى جمهور القراء وبالثانية أبو عمرو ويعقوب . ولأبي عمرو في ~~تحقيق الهمزة فيها وتخفيفها ألفا روايتان فالدوري روى عنه تحقيق الهمزة ~~والسوسي روى عنه تخفيفها . # وضمير الرفع في { يلتكم } عائد إلى اسم الله ولم يقل : لا يلتاكم بضمير ~~التثنية لأن الله هو متولي الجزاء دون الرسول صلى الله عليه وسلم # والمعنى : إن أخلصتم الإيمان كما أمركم الله ورسوله تقبل الله أعمالكم ~~التي ذكرتم من أنكم جئتم طائعين للإسلام من غير قتال . # وجملة { إن الله غفور رحيم } استئناف تعليم لهم بأن الله يتجاوز عن كذبهم ~~إذا تابوا ، وترغيب في إخلاص الإيمان لأن الغفور كثير المغفرة شديدها ، ومن ~~فرط مغفرته أنه يجازي على الأعمال الصالحة الواقعة في حالة الكفر غير معتد ~~بها فإذا آمن عاملها جوزي عليها بمجرد إيمانه وذلك من فرط رحمته بعباده . # وترتيب { رحيم } بعد { غفور } لأن الرحمة أصل للمغفرة وشأن العلة أن تورد ~~بعد المعلل بها . PageV26P266 # هذا تعليل لقوله : { لم تؤمنوا } إلى قوله : { في قلوبكم } وهو من جملة ~~ما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن ms7883 يقوله للأعراب ، أي ليس المؤمنون إلا ~~الذين آمنوا ولم يخالط إيمانهم ارتياب أو تشكك . # و ( إنما ) للحصر ، و ( إن ) التي هي جزء منها مفيدة أيضا للتعليل وقائمة ~~مقام فاء التفريع ، أي إنما لم تكونوا مؤمنين لأن الإيمان ينافيه الارتياب ~~. # والقصر إضافي ، أي المؤمنون الذين هذه صفاتهم غير هؤلاء الأعراب . # فأفاد أن هؤلاء الأعراب انتفى عنهم الإيمان لأنهم انتفى عنهم مجموع هذه ~~الصفات . # وإذ قد كان القصر إضافيا لم يكن الغرض منه إلا إثبات الوصف لغير المقصور ~~لإخراج المتحدث عنهم عن أن يكونوا مؤمنين ، وليس بمقتض أن حقيقة الإيمان لا ~~تتقوم إلا بمجموع تلك الصفات لأن عد الجهاد في سبيل الله مع صفتي الإيمان ~~وانتفاء الريب فيه يمنع من ذلك لأن الذي يقعد عن الجهاد لا ينتفي عنه وصف ~~الإيمان إذ لا يكفر المسلم بارتكاب الكبائر عند أهل الحق . وما عداه خطأ ~~واضح ، وإلا لانتقضت جامعة الإسلام بأسرها إلا فئة قليلة في أوقات غير ~~طويلة . # والمقصود من إدماج ذكر الجهاد التنويه بفضل المؤمنين المجاهدين وتحريض ~~الذين دخلوا في الإيمان على الاستعداد إلى الجهاد كما في قوله تعالى : { قل ~~للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون } ~~الآية ( الفتح : 16 ) . # و ( ثم ) من قوله : { ثم لم يرتابوا } للتراخي الرتبي كشأنها في عطف ~~الجمل . ففي ( ثم ) إشارة إلى أن انتفاء الارتياب في إيمانهم أهم رتبة من ~~الإيمان إذ به قوام الإيمان ، PageV26P267 وهذا إيماء إلى بيان قوله : { ~~ولما يدخل الإيمان في قلوبكم } ( الحجرات : 14 ) ، أي من أجل ما يخالجكم ~~ارتياب في بعض ما آمنتم به مما اطلع الله عليه . # وقوله : { أولئك هم الصادقون } قصر ، وهو قصر إضافي أيضا ، أي هم ~~الصادقون لا أنتم في قولكم { آمنا } . # أعيد فعل { قل } ليدل على أن المقول لهم هذا هم الأعراب الذين أمر أن ~~يقول لهم { لم تؤمنوا } إلى آخره ، فأعيد لما طال الفصل بين القولين بالجمل ~~المتتابعة ، فهذا متصل بقوله : { ولما يدخل الإيمان في قلوبكم } اتصال ~~البيان بالمبين ، ولذلك لم تعطف جملة الاستفهام ms7884 . # وجملة { قل } معترضة بين الجملتين المبينة والمبينة . # قيل : إنهم لما سمعوا قوله تعالى : { قل لم تؤمنوا } الآية جاؤوا إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم وحلفوا أنهم مؤمنون فنزل قوله : ( قل أتعلمون ~~الله بدينكم ولم يرو بسند معروف وإنما ذكره البغوي تفسيرا ولو كان كذلك ~~لوبخهم الله على الأيمان الكاذبة كما وبخ المنافقين في سورة براءة بقوله { ~~وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم } الآية . ولم أر ذلك ~~بسند مقبول ، فهذه الآية مما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يقوله ~~لهم . # والتعليم مبالغة في إيصال العلم إلى المعلم لأن صيغة التفعيل تقتضي قوة ~~في حصول الفعل كالتفريق والتفسير ، يقال : أعلمه وعلمه كما يقال : أنباه ~~ونبأه . وهذا يفيد أنهم تكلفوا وتعسفوا في الاستدلال على خلوص إيمانهم ~~ليقنعوا به الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أبلغهم أن الله نفى عنهم رسوخ ~~الإيمان بمحاولة إقناعه تدل إلى محاولة إقناع الله بما يعلم خلافه . # وباء { بدينكم } زائدة لتأكيد لصوق الفعل بمفعوله كقوله تعالى : { ~~وامسحوا برؤوسكم } وقول النابغة : PageV26P268 # لك الخيران وارت بك الأرض واحدا # والاستفهام في { أتعلمون الله بدينكم } مستعمل في التوبيخ وقد أيد ~~التوبيخ بجملة الحال في قوله : { والله يعلم ما في السماوات وما في الأرض } ~~. # وفي هذا تجهيل إذ حاولوا إخفاء باطنهم عن المطلع على كل شيء . # وجملة { والله بكل شيء عليم } تذييل لأن { كل شيء } أعم من { ما في ~~السماوات وما في الأرض } فإن الله يعلم صفاته ويعلم الموجودات التي هي أعلى ~~من السماوات كالعرش . # استئناف ابتدائي أريد به إبطال ما أظهره بنو أسد للنبيء صلى الله عليه ~~وسلم من مزيتهم إذ أسلموا من دون إكراه بغزو . # والمن : ذكر النعمة والإحسان ليراعيه المحسن إليه للذاكر ، وهو يكون ~~صريحا مثل قول سبرة بن عمرو الفقعسي : # أتنسى دفاعي عنك إذ أنت مسلم # وقد سال من ذل عليك قراقر # ويكون بالتعريض بأن يذكر المان من معاملته مع الممنون عليه ما هو نافعه ~~مع قرينة تدل على أنه لم يرد مجرد الإخبار مثل قول ms7885 الراعي مخاطبا عبد الملك ~~بن مروان : # فآزرت آل أبي خبيب وافدا # يوما أريد لبيعتي تبديلا # أبو خبيب : كنية عبد الله بن الزبير . # وكانت مقالة بني أسد مشتملة على النوعين من المن لأنهم قالوا : ولم ~~نقاتلك كما قاتلك محارب وغطفان وهوازن وقالوا : وجئناك بالأثقال والعيال . # و { أن أسلموا } منصوب بنزع الخافض وهو باء التعدية ، يقال : من عليه ~~PageV26P269 بكذا ، وكذلك قوله : { لا تمنوا على إسلامكم } إلا أن الأول ~~مطرد مع { أن } و ( أن ) والثاني سماعي وهو كثير . # وهم قالوا للنبيء صلى الله عليه وسلم آمنا كما حكاه الله آنفا ، وسماه ~~هنا إسلاما لقوله : { ولكن قولوا أسلمنا } ( الحجرات : 14 ) أي أن الذي ~~منوا به عليك إسلام لا إيمان . وأثبت بحرف { بل } أن ما منوا به إن كان ~~إسلاما حقا موافقا للإيمان فالمنة لله لأن هداهم إليه فأسلموا عن طواعية . ~~وسماه الآن إيمانا مجاراة لزعمهم لأن المقام مقام كون المنة لله فمناسبة ~~مسابرة زعمهم أنهم آمنوا ، أي لو فرض أنكم آمنتم كما تزعمون فإن إيمانكم ~~نعمة أنعم الله بها عليكم . ولذلك ذيله بقوله : { إن كنتم صادقين } فنفى ~~أولا أن يكون ما يمنون به حقا ، ثم أفاد ثانيا أن يكون الفضل فيما ادعوه ~~لهم لو كانوا صادقين بل هو فضل الله . # وقد أضيف إسلام إلى ضميرهم لأنهم أتوا بما يسمى إسلاما لقوله : { ولكن ~~قولوا أسلمنا } . وأتي بالإيمان معرفا بلام الجنس لأنه حقيقة في حد ذاته ~~وأنهم ملابسوها . # وجيء بالمضارع في { يمنون } مع أن منهم بذلك حصل فيما مضى لاستحضار حالة ~~منهم كيف يمنون بما لم يفعلوا مثل المضارع في قوله تعالى : { ويسخرون من ~~الذين آمنوا في سورة البقرة . وجيء بالمضارع في قوله : بل الله يمن عليكم } ~~لأنه من مفروض لأن الممنون به لما يقع . وفيه من الإيذان بأنه سيمن عليهم ~~بالإيمان ما في قوله : { ولما يدخل الإيمان في قلوبكم } ( الحجرات : 14 ) ، ~~وهذا من التفنن البديع في الكلام ليضع السامع كل فن منه في قراره ، ومثلهم ~~من يتفطن لهذه الخصائص . # وتقديم المسند إليه على المسند الفعلي ms7886 لإفادة التقوية مثل : هو يعطي ~~الجزيل ، كما مثل به عبد القاهر . PageV26P270 # ذيل تقويمهم على الحق بهذا التذييل ليعلموا أن الله لا يكتم ، وأنه لا ~~يكذب ، لأنه يعلم كل غائبة في السماء والأرض فإنهم كانوا في الجاهلية لا ~~تخطر ببال كثير منهم أصول الصفات الإلهية . وربما علمها بعضهم مثل زهير في ~~قوله : # فلا تكتمن الله ما في نفوسكم # ليخفى فمهما يكتم الله يعلم # ولعل ذلك من آثار تنصره . # وتأكيد الخبر ب { إن } لأنهم بحال من ينكر أن الله يعلم الغيب فكذبوا على ~~النبي صلى الله عليه وسلم مع علمهم أنه مرسل من الله فكان كذبهم عليه مثل ~~الكذب على الله . # وقد أفادت هذه الجملة تأكيد مضمون جملتي { والله يعلم ما في السماوات وما ~~في الأرض ، والله بكل شيء عليم } ( الحجرات : 16 ) ولكن هذه زادت بالتصريح ~~بأنه يعلم الأمور الغائبة لئلا يتوهم متوهم أن العمومين في الجملتين قبلها ~~عمومان عرفيان قياسا على علم البشر . # وجملة { والله بصير بما تعملون } معطوف على جملة { إن الله يعلم غيب ~~السماوات والأرض } عطف الأخص على الأعم لأنه لما ذكر أنه يعلم الغيب وكان ~~شأن الغائب أن لا يرى عطف عليه علمه بالمبصرات احتراسا من أن يتوهموا أن ~~الله يعلم خفايا النفوس وما يجول في الخواطر ولا يعلم المشاهدات نظير قول ~~كثير من الفلاسفة : إن الخالق يعلم الكليات ولا يعلم الجزئيات ، ولهذا أوثر ~~هنا وصف { بصير } . وقرأ الجمهور { بما تعملون } بتاء الخطاب ، وقرأه ابن ~~كثير بياء الغيبة . # PageV26P271 PageV26P272 # | 1 ( سورة ق ) 1 # سميت في عصر الصحابة سورة ق ( ينطق بحروف : قاف ، بقاف ، وألف ، وفاء ) . # فقد روى مسلم عن قطبة بن مالك ( أن النبيء صلى الله عليه وسلم قرأ في ~~صلاة الصبح سورة { ق والقرآن المجيد } ( ق : 1 ) . وربما قال : { ق } يعني ~~في الركعة الأولى . وروى مسلم عن أم هشام بنت حارثة بن النعمان ( ما أخذت { ~~ق والقرآن المجيد } إلا عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها كل ~~يوم على المنبر إذ خطب الناس ) . وروى مسلم عن ms7887 جابر بن سمرة ( أن النبيء ~~صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الفجر ب { قاف والقرآن المجيد } ، هكذا رسم ~~قاف ثلاث أحرف ، وقوله : في الفجر يعني به صلاة الصبح لأنها التي يصليها في ~~المسجد في الجماعة فأما نافلة الفجر فكان يصليها في بيته . وفي ( الموطأ ) ~~ومسلم ( أن عمر بن الخطاب سأل أبا واقد الليثي : ما كان يقرأ به رسول الله ~~صلى الله عليه وسلمفي الأضحى والفطر ؟ فقال : كان يقرأ فيهما ب { قاف } ~~هكذا رسم قاف ثلاثة أحرف مثل ما رسم حديث جابر بن سمرة و { القرآن المجيد } ~~و { اقتربت الساعة وانشق القمر } ( القمر : 1 ) . # وهي من السور التي سميت بأسماء الحروف الواقعة في ابتدائها مثل طه وص وق ~~ويس لانفراد كل سورة منها بعدد الحروف الواقعة في أوائلها بحيث إذا دعيت ~~بها لا تلتبس بسورة أخرى . وفي ( الإتقان ) أنها تسمى سورة الباسقات هكذا ~~بلام التعريف ، ولم يعزه PageV26P273 لقائل والوجه أن تكون تسميتها هذه على ~~اعتبار وصف لموصوف محذوف ، أي سورة النخل الباسقات إشارة إلى قوله : { ~~النخل باسقات لها طلع نضير } ( ق : 10 ) . وهذه السورة مكية كلها قال ابن ~~عطية : بإجماع من المتأولين . # وفي ( تفسير القرطبي ) و ( الإتقان ) عن ابن عباس وقتادة والضحاك : ~~استثناء آية { ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا ~~من لغوب } ( ق : 38 ) أنها نزلت في اليهود ، يعني في الرد عليهم إذ قالوا : ~~إن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استراح في اليوم السابع وهو ~~يوم السبت ، يعني أن مقالة اليهود سمعت بالمدينة ، يعني : وألحقت بهذه ~~السورة لمناسبة موقعها . وهذا المعنى وإن كان معنى دقيقا في الآية فليس ~~بالذي يقتضي أن يكون نزول الآية في المدينة فإن الله علم ذلك فأوحى به إلى ~~رسوله صلى الله عليه وسلمعلى أن بعض آراء اليهود كان مما يتحدث به أهل مكة ~~قبل الإسلام يتلقونه تلقي القصص والأخبار . وكانوا بعد البعثة يسألون ~~اليهود عن أمر النبوءة والأنبياء ، على أن إرادة الله إبطال أوهام اليهود ~~لا تقتضي ms7888 أن يؤخر إبطالها إلى سماعها بل قد يجيء ما يبطلها قبل فشوها في ~~الناس كما في قوله تعالى : { وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته ~~يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه } ( الزمر : 67 ) فإنها نزلت بمكة . ~~وورد أن النبيء صلى الله عليه وسلمأتاه بعض أحبار اليهود فقال : إن الله ~~يضع السماوات على أصبع والأرضين على إصبع والبحار على أصبع والجبال على ~~إصبع ثم يقول ( أنا الملك أين ملوك الأرض ) فتلا النبيء صلى الله عليه ~~وسلمالآية . والمقصود من تلاوتها هو قوله : { وما قدروا الله حق قدره } . ~~والإيماء إلى سوء فهم اليهود صفات الله . # وهي السورة الرابعة والثلاثون في ترتيب نزول السور عند جابر بن زيد نزلت ~~بعد سورة المرسلات وقبل سورة { لا أقسم بهذا البلد } ( البلد : 1 ) . # وقد أجمع العادون على عد آيها خمسا وأربعين . # $ 2 ( { ق & # 1764 والقرءان المجيد * بل عجبو & # 1764 ا أن جآءهم منذر منهم فقال الكافرون هاذا شىء عجيب * أءذا متنا وكنا ~~ترابا ذلك رجع بعيد * قد علمنا ما تنقص الارض منهم وعندنا كتاب حفيظ * بل ~~كذبوا بالحق لما جآءهم فهم فى & # 1764 أمر مريج * أفلم ينظرو & # 1764 ا إلى السمآء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج * والارض ~~مددناها وألقينا فيها رواسى وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج * تبصرة وذكرى لكل ~~عبد منيب * ونزلنا من السمآء مآء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد * ~~والنخل باسقات لها طلع نضيد * رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا كذالك ~~الخروج * كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود * وعاد وفرعون وإخوان لوط * ~~وأصحاب الايكة وقوم تبع كل كذب الرسل فحق وعيد * أفعيينا بالخلق الاول بل ~~هم فى لبس من خلق جديد * ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن ~~أقرب إليه من حبل الوريد * إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد * ~~ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد * وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت ~~منه تحيد * ونفخ فى الصور ذلك يوم الوعيد * وجآءت كل نفس معها ms7889 سآئق وشهيد * ~~لقد كنت فى غفلة من هاذا فكشفنا عنك غطآءك فبصرك اليوم حديد * وقال قرينه ~~هاذا ما لدى عتيد * ألقيا فى جهنم كل كفار عنيد * مناع للخير معتد مريب * ~~الذى جعل مع الله إلاها ءاخر فألقياه فى العذاب الشديد * قال قرينه ربنا مآ ~~أطغيته ولاكن كان فى ضلل بعيد * قال لا تختصموا لدى وقد قدمت إليكم بالوعيد ~~* ما يبدل القول لدى ومآ أنا بظلام للعبيد * يوم نقول لجهنم هل امتلات ~~وتقول هل من مزيد * وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد * هاذا ما توعدون لكل ~~أواب حفيظ * من خشى الرحمان بالغيب وجآء بقلب منيب * ادخلوها بسلام ذلك يوم ~~الخلود * لهم ما يشآءون فيها ولدينا مزيد * وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد ~~منهم بطشا فنقبوا فى البلاد هل من محيص * إن فى ذالك لذكرى لمن كان له قلب ~~أو ألقى السمع وهو شهيد * ولقد خلقنا السماوات والارض وما بينهما فى ستة ~~أيام وما مسنا من لغوب * فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس ~~وقبل الغروب * ومن اليل فسبحه وأدبار السجود * واستمع يوم يناد المناد من ~~مكان قريب * يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج * إنا نحن نحى ونميت ~~وإلينا المصير * يوم تشقق الارض عنهم سراعا ذلك حشر علينا يسير * نحن أعلم ~~بما يقولون ومآ أنت عليهم بجبار فذكر بالقرءان من يخاف وعيد } ) 2 $ ~~PageV26P274 أغراضها السورة # أولها : التنويه بشأن القرآن . # ثانيها : أنهم كذبوا الرسول صلى الله عليه وسلملأنه من البشر ، # وثالثها : الاستدلال على إثبات البعث وأنه ليس بأعظم من ابتداء خلق ~~السماوات وما فيها وخلق الأرض وما عليها ، ونشأة النبات والثمار من ماء ~~السماء وأن ذلك مثل للإحياء بعد الموت . # الرابع : تنظير المشركين في تكذيبهم بالرسالة والبعث ببعض الأمم الخالية ~~المعلومة لديهم ، ووعيد هؤلاء أن يحل بهم ما حل بأولئك . # الخامس : الوعيد بعذاب الآخرة ابتداء من وقت احتضار الواحد ، وذكر هول ~~يوم الحساب . # السادس : وعد المؤمنين بنعيم الآخرة . # السابع : تسلية النبيء صلى الله عليه وسلمعلى تكذيبهم إياه وأمره ~~بالإقبال ms7890 على طاعة ربه وإرجاء أمر المكذبين إلى يوم القيامة وأن الله لو ~~شاء لأخذهم من الآن ولكن حكمة الله قضت بإرجائهم وأن النبيء صلى الله عليه ~~وسلملم يكلف بأن يكرههم على الإسلام وإنما أمر بالتذكير بالقرآن . # الثامن : الثناء على المؤمنين بالبعث بأنهم الذين يتذكرون بالقرآن . # التاسع : إحاطة علم الله تعالى بخفيات الأشياء وخواطر النفوس . # ( 1 3 ) . # . # القول فيه نظير القول في أمثاله من الحروف المقطعة الواقعة في أوائل ~~السور . فهو حرف من حروف التهجي وقد رسموه في المصحف بصورة حرف القاف التي ~~يتهجى بها في المكتب ، وأجمعوا على أن النطق بها باسم الحرف المعروف ، أي ~~ينطقون بقافف بعدها ألف ، بعده فاء . PageV26P275 وقد أجمع من يعتد به من ~~القراء على النطق به ساكن الآخر سكون هجاء في الوصل والوقف . # ووقع في رواية بعض القصاصين المكذوبة عن ابن عباس أن المراد بقوله : { ق ~~} اسم جبل عظيم محيط بالأرض . وفي رواية عنه إنه اسم لكل واحد من جبال سبعة ~~محيطة بالأرضين السبع واحدا وراء واحد كما أن الأرضين السبع أرض وراء أرض . ~~أي فهو اسم جنس انحصرت أفراده في سبعة ، وأطالوا في وصف ذلك بما أملاه ~~عليهم الخيال المشفوع بقلة التثبت فيما يروونه للإغراب ، وذلك من الأوهام ~~المخلوطة ببعض أقوال قدماء المشرقيين وبسوء فهم البعض في علم جغرافية الأرض ~~وتخيلهم إياها رقاعا مسطحة ذات تقاسيم يحيط بكل قسم منها ما يفصله عن القسم ~~الآخر من بحار وجبال ، وهذا مما ينبغي ترفع العلماء عن الاشتغال بذكره لولا ~~أن كثيرا من المفسرين ذكروه . # ومن العجب أن تفرض هذه الأوهام في تفسير هذا الحرف من القرآن { ألم } ( ~~البقرة : 1 ) ، يكفهم أنه مكتوب على صورة حروف التهجي مثل { آلم } ( ~~العنكبوت : 1 ) و { المص } ( الأعراف : 1 ) و { كهيعص } ( مريم : 1 ) ولو ~~أريد الجبل الموهوم لكتب قاف ثلاثة حروف كما تكتب دوال الأشياء مثل عين : ~~اسم الجارحة ، وغينش : مصدر غان عليه ، فلا يصح أن يدل على هذه الأسماء ~~بحروف التهجي كما لا يخفى . # . # قسم بالقرآن ، والقسم به كناية عن ms7891 التنويه بشأنه لأن القسم لا يكون إلا ~~بعظيم عند المقسم فكان التعظيم من لوازم القسم . وأتبع هذا التنويه الكنائي ~~بتنويه صريح بوصف { القرآن } ب { المجيد } فالمجيد المتصف بقوة المجد . ~~والمجد ويقال المجادة : الشرف الكامل وكرم النوع . PageV26P276 # وشرف القرآن من بين أنواع الكلام أنه مشتمل على أعلى المعاني النافعة ~~لصلاح الناس فذلك مجده . وأما كمال مجده الذي دلت عليه صيغة المبالغة بوصف ~~مجيد فذلك بأنه يفوق أفضل ما أبلغه الله للناس من أنواع الكلام الدال على ~~مراد الله تعالى إذ أوجد ألفاظه وتراكيبه وصورة نظمه بقدرته دون واسطة ، ~~فإن أكثر الكلام الدال على مراد الله تعالى أوجده الرسل والأنبياء ~~المتكلمون به يعبرون بكلامهم عما يلقى إليهم من الوحي . # ويدخل في كمال مجده أنه يفوق كل كلام أوجده الله تعالى بقدرته على سبيل ~~خرق العادة مثل الكلام الذي كلم الله به موسى عليه السلام بدون واسطة ~~الملائكة ، ومثل ما أوحي به إلى محمد صلى الله عليه وسلممن أقوال الله ~~تعالى المعبر عنه في اصطلاح علمائنا بالحديث القدسي ، فإن القرآن يفوق ذلك ~~كله لما جعله الله بأفصح اللغات وجعله معجزا لبلغاء أهل تلك اللغة عن ~~الإتيان بمثل أقصر سورة منه . ويفوق كل كلام من ذلك القبيل بوفرة معانيه ~~وعدم انحصارها ، وأيضا بأنه تميز على سائر الكتب الدينية بأنه لا ينسخه ~~كتاب يجيء بعده وما ينسخ منه إلا شيء قليل ينسخه بعضه . # وجواب القسم محذوف لتذهب نفس السامع في تقديره كل طريق ممكن في المقام ~~فيدل عليه ابتداء السورة بحرف { ق } المشعر بالنداء على عجزهم عن معارضة ~~القرآن بعد تحديهم بذلك ، أو يدل عليه الإضراب في قوله : { بل عجبوا أن ~~جاءهم منذر منهم } . # والتقدير : والقرآنن المجيد إنك لرسول الله بالحق ، كما صرح به في قوله : ~~{ يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم } ( يس : 1 4 ) . أو ~~يقدر الجواب : إنه لتنزيل من رب العالمين ، أو نحو ذلك كما صرح به في نحو { ~~حم والكتاب المبين إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون } ( الأحزاب : 1 ms7892 3 ~~) ونحو ذلك . والإضراب الانتقالي يقتضي كلاما منتقلا منه والقسم بدون جواب ~~لا يعتبر كلاما تاما فتعين أن يقدر السامع جوابا تتم به الفائدة يدل عليه ~~الكلام . PageV26P277 # وهذا من إيجاز الحذف وحسنه أن الانتقال مشعر بأهمية المنتقل إليه ، أي عد ~~عما تريد تقديره من جواب وانتقل إلى بيان سبب إنكارهم الذي حدا بنا إلى ~~القسم كقول القائل : دع ذا ، وقول امرىء القيس : # # % فدع ذا وسل الهم عنك بجسرة % % ذمول إذا صام النهار وهجرا % # وقول الأعشى : # # % فدع ذا ولكن رب أرض متيهة % % قطعت بحرجوج إذا الليل أظلما % # وتقدم بيان نظيره عند قوله تعالى : { بل الذين كفروا في عزة وشقاق في ~~سورة ص . # وقوله : وعجبوا } خبر مستعمل في الإنكار إنكارا لعجبهم البالغ حد الإحالة ~~. و { عجبوا } حصل لهم العجب بفتح الجيم وهو الأمر غير المألوف للشخص { ~~قالت يا ويلتا أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب قالوا ~~أتعجبين من أمر الله } ( هود : 72 ، 73 ) فإن الاستفهام في { أتعجبين } ~~إنكار وإنما تنكر إحالة ذلك لا كونه موجب تعجب . فالمعنى هنا : أنهم نفوا ~~جواز أن يرسل الله إليهم بشرا مثلهم ، قال تعالى : { وما منع الناس أن ~~يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا } ( الإسراء : 94 ~~) . # وضمير { عجبوا } عائد إلى غير مذكور ، فمعاده معلوم من السياق أعني ~~افتتاح السورة بحرف التهجي الذي قصد منه تعجيزهم عن الإتيان بمثل القرآن ~~لأن عجزهم عن الإتيان بمثله في حال أنه مركب من حروف لغتهم يدلهم على أنه ~~ليس بكلام بشر بل هو كلام أبدعته قدرة الله وأبلغه الله إلى رسوله صلى الله ~~عليه وسلمعلى لسان الملك فإن المتحدين بالإعجاز مشهورون يعلمهم المسلمون ~~وهم أيضا يعلمون أنهم المعنيون بالتحدي بالإعجاز . على أنه سيأتي ما يفسر ~~الضمير بقوله : { فقال الكافرون } . # وضمير { منهم } عائد إلى ما عاد إليه ضمير { عجبوا } والمراد : أنه من ~~نوعهم أي من بني الإنسان . PageV26P278 و { أن جاءهم } مجرور ب ( من ) ~~المحذوفة مع { أن } ، أي عجبوا من مجيء منذر منهم ، أو ms7893 عجبوا من ادعاء أن ~~جاءهم منذر منهم . # وعبر عن الرسول صلى الله عليه وسلمبوصف { منذر } وهو المخبر بشر سيكون ~~للإيماء إلى أن عجبهم كان ناشئا عن صفتين في الرسول صلى الله عليه ~~وسلمإحداهما أنه مخبر بعذاب يكون بعد الموت ، أي مخبر بما لا يصدقون بوقوعه ~~، وإنما أنذرهم الرسول صلى الله عليه وسلمبعذاب الآخرة بعد البعث كما قال ~~تعالى : { إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد } ( سبأ : 46 ) . والثانية ~~كونه من نوع البشر . # وفرع على التكذيب الحاصل في نفوسهم ذكر مقالتهم التي تفصح عنه وعن شبهتهم ~~الباطلة بقوله : { فقال الكافرون هذا شيء عجيب } الآية . وخص هذا بالعناية ~~بالذكر لأنه أدخل عندهم في الاستبعاد وأحق بالإنكار فهو الذي غرهم فأحالوا ~~أن يرسل الله إليهم أحد من نوعهم ولذلك وصف الرسول صلى الله عليه ~~وسلمابتداء بصفة { منذر } قبل وصفه بأنه { منهم } ليدل على أن ما أنذرهم به ~~هو الباعث الأصلي لتكذيبهم إياه وأن كونه منهم إنما قوى الاستبعاد والتعجب ~~. # ثم إن ذلك يتخلص منه إلى إبطال حجتهم وإثبات البعث وهو المقصود بقوله : { ~~قد علمنا ما تنقص الأرض منهم إلى قوله : كذلك الخروج } ( ق : 4 11 ) . فقد ~~حصل في ضمن هاتين الفاصلتين خصوصيات كثيرة من البلاغة : منها إيجاز الحذف ، ~~ومنها ما أفاده الإضراب من الاهتمام بأمر البعث ، ومنها الإيجاز البديع ~~الحاصل من التعبير ب { منذر } ، ومنها إقحام وصفه بأنه { منهم } لأن لذلك ~~مدخلا في تعجبهم ، ومنها الإظهار في مقام الإضمار على خلاف مقتضى الظاهر ، ~~ومنها الإجمال المعقب بالتفصيل في قوله : { هذا شيء عجيب أئذا متنا } الخ . # وعبر عنهم بالاسم الظاهر في { فقال الكافرون } دون : فقالوا ، لتوسيمهم ~~فإن هذه المقالة من آثار الكفر ، وليكون فيه تفسير للضميرين السابقين . ~~PageV26P279 # والإشارة بقولهم { هذا شيء عجيب } إلى ما هو جار في مقام مقالتهم تلك من ~~دعاء النبيء صلى الله عليه وسلمإياهم للإيمان بالرجع ، أي البعث وهو الذي ~~بينته جملة { أئذا متنا وكنا ترابا } إلخ . # والاستفهام مستعمل في التعجيب والإبطال ، يريدون تعجيب السامعين من ذلك ~~تعجيب إحالة ms7894 لئلا يؤمنوا به . وجعلوا مناط التعجيب الزمان الذي أفادته ( ~~إذا ) وما أضيف إليه ، أي زمن موتنا وكوننا ترابا . # والمستفهم عنه محذوف دل عليه ظرف { أئذا متنا وكنا ترابا } والتقدير : ~~أنرجع إلى الحياة في حين انعدام الحياة منا بالموت وحين تفتت الجسد ~~وصيرورته ترابا ، وذلك عندهم أقصى الاستبعاد . ومتعلق ( إذا ) هو المستفهم ~~عنه المحذوف المقدر ، أي نرجع أو نعود إلى الحياة وهذه الجملة مستقلة ~~بنفسها . # وجملة { ذلك رجع بعيد } مؤكدة لجملة { أئذا متنا وكنا ترابا } بطريق ~~الحقيقة والذكر ، بعد أن أفيد بطريق المجاز والحذف ، لأن شأن التأكيد أن ~~يكون أجلى دلالة . # والرجع : مصدر رجع ، أي الرجوع إلى الحياة . ومعنى { بعيد } أنه بعيد عن ~~تصور العقل ، أي هو أمر مستحيل . # . # رد لقولهم : { ذلك رجع بعيد } ( ق : 3 ) فإن إحالتهم البعث ناشئة عن عدة ~~شبه منها : أن تفرق أجزاء الأجساد في مناحي الأرض ومهاب الرياح لا تبقي ~~أملا في إمكان جمعها إذ لا يحيط بها محيط وأنها لو علمت مواقعها لتعذر ~~التقاطها وجمعها ، ولو جمعت كيف تعود إلى صورها التي كانت مشكلة بها ، ~~وأنها لو عادت كيف تعود إليها ، فاقتصر في إقلاع شبههم على إقلاع أصلها وهو ~~عدم العلم بمواقع تلك الأجزاء وذراتها . PageV26P280 # وفصلت الجملة بدون عطف لأنها ابتداء كلام لرد كلامهم ، وهذا هو الأليق ~~بنظم الكلام . وقيل هي جواب القسم كما علمته آنفا وأيا ما كان فهو رد ~~لقولهم { ذلك رجع بعيد } . # والمعنى : أن جمع أجزاء الأجسام ممكن لا يعزب عن علم الله ، وإذا كان ~~عالما بتلك الأجزاء كما هو مقتضى عموم العلم الإلهي وكان قد أراد إحياء ~~أصحابها كما أخبر به ، فلا يعظم على قدرته جمعها وتركيبها أجساما كأجسام ~~أصحابها حين فارقوا الحياة فقوله : { قد علمنا ما تنقص الأرض منهم } إيماء ~~إلى دليل الإمكان لأن مرجعه إلى عموم العلم كما قلنا . فأساس مبنى الرد هو ~~عموم علم الله تعالى لأن يجمع إبطال الاحتمالات التي تنشأ عن شبهتهم فلو ~~قال ، نحن قادرون على إرجاع ما تنقص الأرض منهم لخطر في وساوس نفوسهم ms7895 شبهة ~~أن الله وإن سلمنا أنه قادر فإن أجزاء الأجساد إذا تفرقت لا يعلمها الله ~~حتى تتسلط على جمعها قدرته فكان البناء على عموم العلم أقطع لاحتمالاتهم . # واعلم أن هذا الكلام بيان للإمكان رعيا لما تضمنه كلامهم من الإحالة لأن ~~ثبوت الإمكان يقلع اعتقاد الاستحالة من نفوسهم وهو كاف لإبطال تكذيبهم ~~ولاستدعائهم للنظر في الدعوة ، ثم يبقى النظر في كيفية الإعادة ، وهي أمر ~~لم نكلف بالبحث عنه وقد اختلف فيها أيمة أهل السنة فقال جمهور أهل السنة ~~والمعتزلة تعاد الأجسام بعد عدمها . ومعنى إعادتها . إعادة أمثالها بأن ~~يخلق الله أجسادا مثل الأولى تودع فيها الأرواح التي كانت في الدنيا حالة ~~في الأجساد المعدومة الآن فيصير ذلك الجسم لصاحب الروح في الدنيا وبذلك يحق ~~أن يقال : إن هذا هو فلان الذي عرفناه في الدنيا إذ الإنسان كان إنسانا ~~بالعقل والنطق ، وهما مظهر الروح . وأما الجسد فإنه يتغير بتغيرات كثيرة ~~ابتداء من وقت كونه جنينا ، ثم من وقت الطفولة ثم ما بعدها من الأطوار ~~فتخلف أجزاؤه المتجددة أجزاءه المتقضية ، وبرهان ذلك مبين في علم الطبيعيات ~~، لكن ذلك التغير لم يمنع من اعتبار الذات ذاتا واحدة لأن هوية الذات حاصلة ~~من الحقيقة PageV26P281 النوعية والمشخصات المشاهدة التي تتجدد بدون شعور ~~من يشاهده فلذا كانت حقيقة الشخص هي الروح وهي التي تكتسى عند البعث جسد ~~صاحبها في الدنيا ، فإن الناس الذين يموتون قبل قيام الساعة بزمن قليل لا ~~تبلى في مثله أجسامهم ترجع أرواحهم إلى أجسادهم الباقية دون تجديد خلقها ، ~~ولذلك فتسمية هذا الإيجاد معادا أو رجعا أو بعثا إنما هي تسمية باعتبار حال ~~الأرواح ، وبهذا الاعتبار أيضا تشهد على الكفار ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم ~~بما كانوا يعملون لأن الشاهد في الحقيقية هو ما به إدراك الأعمال من الروح ~~المبثوثة في الأعضاء . # وأدلة الكتاب أكثرها ظاهر في تأييد هذا الرأي كقوله تعالى : { كما بدأنا ~~أول خلق نعيده } ( الأنبياء : 104 ) ، وفي معناه قوله تعالى : { كلما نضجت ~~جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب } ( النساء : 56 ) . # وقال شذوذ : تعاد ms7896 الأجسام بجمع الأجزاء المتفرقة يجمعها الله العليم بها ~~ويركبها كما كانت يوم الوفاة . وهذا بعيد لأن أجزاء الجسم الإنساني إذا ~~تفرقت دخلت في أجزاء من أجسام أخرى من مختلف الموجودات ومنها أجسام أناس ~~آخرين . وورد في الآثار ( أن كل ابن آدم يفنى إلا عجب الذنب منه خلق ومنه ~~يركب ) رواه مسلم . وعلى هذا تكون نسبة الأجساد المعادة كنسبة النخلة من ~~النواة . وهذا واسطة بين القول بأن الإعادة عن عدم والقول بأنها عن تفرق . ~~ولا قائل من العقلاء بأن المعدوم يعاد بعينه وإنما المراد ما ذكرنا وما ~~عداه مجازفة في التعبير . # وذكر الجلال الدواني في ( شرح العقيدة العضدية ) أن أبي بن خلف لما سمع ~~ما في القرآن من الإعادة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبيده عظم قد رم ~~ففتته بيده وقال : يا محمد أترى يحييني بعد أن أصير كهذا العظم ؟ فقال له ~~النبي صلى الله عليه وسلم ( نعم ويبعثك ويدخلك النار ) . وفيه نزل قوله ~~تعالى : { وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم } ( يس : ~~78 ) . # وعبر ب { تنقص الأرض } دون التعبير بالإعدام لأن للأجساد درجات من ~~PageV26P282 الاضمحلال تدخل تحت حقيقة النقص فقد يفنى بعض أجزاء الجسد ~~ويبقى بعضه ، وقد يأتي الفناء على جميع أجزائه ، على أنه إذا صح أن عجب ~~الذنب لا يفني كان فناء الأجساد نقصا لا انعداما . # وعطف على قوله : { قد علمنا ما تنقص الأرض منهم } قوله : { وعندنا كتاب ~~حفيظ } عطف الأعم على الأخص ، وهو بمعنى تذييل لجملة { قد علمنا ما تنقص ~~الأرض منهم } أي وعندنا علم بكل شيء علما ثابتا فتنكير { كتاب } للتعظيم ، ~~وهو تعظيم التعميم ، أي عندنا كتاب كل شيء . # و { حفيظ } فعيل : إما بمعنى فاعل ، أي حافظ لما جعل لإحصائه من أسماء ~~الذوات ومصائرها . وتعيين جميع الأرواح لذواتها التي كانت مودعة فيها بحيث ~~لا يفوت واحد منها عن الملائكة الموكلين بالبعث وإعادة الأجساد وبث الأرواح ~~فيها . وإما بمعنى مفعول ، أي محفوظ ما فيه مما قد يعتري الكتب المألوفة من ~~المحو والتغيير ms7897 والزيادة والتشطيب ونحو ذلك . # والكتاب : المكتوب ، ويطلق على مجموع الصحائف . ثم يجوز أن يكون الكتاب ~~حقيقة بأن جعل الله كتبا وأودعها إلى ملائكة يسجلون فيها الناس حين وفياتهم ~~ومواضع أجسادهم ومقار أرواحهم وانتساب كل روح إلى جسدها المعين الذي كانت ~~حالة فيه حال الحياة الدنيا صادقا بكتب عديدة لكل إنسان كتابه ، وتكون مثل ~~صحائف الأعمال الذي جاء فيه قوله تعالى : { إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين ~~وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد } ( ق : 17 ، 18 ) ، ~~وقوله : { ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا اقرأ كتابك كفى بنفسك ~~اليوم عليك حسيبا } ( الإسراء : 13 ، 14 ) . ويجوز أن يكون مجموع قوله : { ~~وعندنا كتاب } تمثيلا لعلم الله تعالى بحال علم من عنده كتاب حفيظ يعلم به ~~جميع أعمال الناس . # والعندية في قوله : { وعندنا كتاب } مستعارة للحياطة والحفظ من أن يتطرق ~~إليه ما يغير ما فيه أو من يبطل ما عين له . PageV26P283 # إضراب ثان تابع للإضراب الذي في قوله : { بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم } ~~( ق : 2 ) على طريقة تكرير الجملة في مقام التنديد والإبطال ، أو بدل من ~~جملة { بل عجبوا أن جاءهم منذر } لأن ذلك العجب مشتمل على التكذيب ، وكلا ~~الاعتبارين يقتضيان فصل هذه الجملة بدون عاطف . والمقصد من هذه الجملة : ~~أنهم أتوا بأفظع من إحالتهم البعث وذلك هو التكذيب بالحق . # والمراد بالحق هنا القرآن لأن فعل التكذيب إذا عدي بالباء عدي إلى الخبر ~~وإذا عدي بنفسه كان لتكذيب المخبر . # و { لما } حرف توقيت فهي دالة على ربط حصول جوابها بوقت حصول شرطها فهي ~~مؤذنة بمبادرة حصول الجواب عند حصول الشرط كقوله تعالى : { فلما أضاءت ما ~~حوله ذهب الله بنورهم } ( البقرة : 17 ) ، وقوله { فلما جاءهم ما عرفوا ~~كفروا به } ( البقرة : 89 ) وقد مضيا في سورة البقرة . ومعنى { جاءهم } ~~بلغهم وأعلموا به . # والمعنى : أنهم بادروا بالتكذيب دون تأمل ولا نظر فيما حواه من الحق بل ~~كذبوا به من أول وهلة فكذبوا بتوحيد الله ، وهو أول حق جاء به القرآن ، ~~ولذلك عقب ms7898 بقوله : { أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها إلى قوله : ~~وأحيينا به بلدة ميتا } ( ق : 6 11 ) . فالتكذيب بما جاء به القرآن يعم ~~التكذيب بالبعث وغيره . # وفرع على الخبر المنتقل إليه بالإضراب وصف حالهم الناشئة عن المبادرة ~~بالتكذيب قبل التأمل بأنها أمر مريج أحاط بهم وتجلجلوا فيه كما دل عليه حرف ~~الظرفية . # و { أمر } اسم مبهم مثل شيء ، ولما وقع هنا بعد حرف { في } المستعمل في ~~الظرفية المجازية تعين أن يكون المراد بالأمر الحال المتلبسون هم به تلبس ~~المظروف بظرفه وهو تلبس المحوط بما أحاط به فاستعمال { في } استعارة تبعية ~~. PageV26P284 # والمريج : المضطرب المختلط ، أي لا قرار في أنفسهم في هذا التكذيب ، ~~اضطربت فيه أحوالهم كلها من أقوالهم في وصف القرآن فإنهم ابتدروا فنفوا عنه ~~الصدق فلم يتبينوا بأي أنواع الكلام الباطل يلحقونه فقالوا : { سحر مبين } ~~( المائدة : 110 ) ، وقالوا { أساطير الأولين } ( الأنعام : 25 ) وقالوا { ~~قول شاعر } ( الحاقة : 41 ) ، وقالوا : { قول كاهن } ( الحاقة : 42 ) ~~وقالوا : ( هذيان مجنون ) . وفي سلوكهم في طرق مقاومة دعوة النبي صلى الله ~~عليه وسلم وما يصفونه به إذا سألهم الواردون من قبائل العرب . ومن بهتهم في ~~إعجاز القرآن ودلالة غيره من المعجزات وما دمغهم به من الحجج على إبطال ~~الإشراك وإثبات الوحدانية لله . وهذا تحميق لهم بأنهم طاشت عقولهم فلم ~~يتقنوا التكذيب ولم يرسوا على وصف الكلام الذي كذبوا به . # تفريع على قوله : { بل عجبوا أن جاءهم منذر } ( ق : 2 ) إلى قوله : { ~~مريج } ( ق : 5 ) لأن أهم ما ذكر من تكذيبهم أنهم كذبوا بالبعث ، وخلق ~~السماوات والنجوم والأرض دال على أن إعادة الإنسان بعد العدم في حيز ~~الإمكان فتلك العوالم وجدت عن عدم وهذا أدل عليه قوله تعالى في سورة يس { ~~أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم . # والاستفهام يجوز أن يكون إنكاريا . والنظر نظر الفكر على نحو قوله تعالى ~~: قل انظروا ماذا في السماوات والأرض } ( يونس : 101 ) . ومحل الإنكار هو ~~الحال التي دل عليها { كيف بنيناها } ، أي ألم يتدبروا في شواهد الخليقة ~~فتكون ms7899 الآية في معنى أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض ~~وما بينهما إلا بالحق . # ويجوز أن يكون الاستفهام تقريريا ، والنظر المشاهدة ، ومحل التقرير هو ~~فعل { ينظروا } ، أو يكون { كيف } مراد به الحال المشاهدة . # هذا وأن التقرير على نفي الشيء المراد الإقرار بإثباته طريقة قرآنية ~~ذكرناها غير PageV26P285 مرة ، وبينا أن الغرض منه إفساح المجال للمقرر إن ~~كان يروم إنكار ما قرر عليه ، ثقة من المقرر بكسر الراء بأن المقرر بالفتح ~~لا يقدم على الجحود بما قرر عليه لظهوره ، وتقدم عند قوله تعالى : { ألم ~~يروا أنه لا يكلمهم } ( الأعراف : 148 ) ، وقوله : { ألست بربكم كلاهما في ~~سورة الأعراف . # وهذا الوجه أشد في النعي عليهم لاقتضائه أن دلالة المخلوقات المذكورة على ~~إمكان البعث يكفي فيها مجرد النظر بالعين . # وفوقهم } حال من السماء . والتقييد بالحال تنديد عليهم لإهمالهم التأمل ~~مع المكنة منه إذ السماء قريبة فوقهم لا يكلفهم النظر فيها إلا رفع رؤوسهم ~~. # و { كيف } اسم جامد مبني معناه : حالة ، وأكثر ما يرد في الكلام للسؤال ~~عن الحالة فيكون خبرا قبل ما لا يستغني عنه مثل : كيف أنت ؟ وحالا قبل ما ~~يستغنى عنه نحو : كيف جاء ؟ ومفعولا مطلقا نحو { كيف فعل ربك } ( الفجر : 6 ~~) ، ومفعولا به نحو قوله تعالى : { انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض } ( ~~الإسراء : 21 ) . وهي هنا بدل من { فوقهم } فتكون حالا في المعنى . ~~والتقدير : أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم هيئة بنينا إياها ، وتكون جملة { ~~بنيناها } مبينة ل { كيف } . # وأطلق البناء على خلق العلويات بجامع الارتفاع . والمراد ب { السماء } ~~هنا ما تراه العين من كرة الهواء التي تبدو كالقبة وتسمى الجو . # والتزيين جعل الشيء زينا ، أي حسنا أي تحسين منظرها للرائي بما يبدو فيها ~~من الشمس نهارا والقمر والنجوم ليلا . واقتصر على آية تزيين السماء دون ~~تفصيل ما في الكواكب المزينة بها من الآيات لأن التزيين يشترك في إدراكه ~~جميع الذين يشاهدونه وللجمع بين الاستدلال والامتنان بنعمة التمكين من ~~مشاهدة المرائي الحسنة كما قال تعالى PageV26P286 { ولكم فيها جمال حين ~~تريحون ms7900 وحين تسرحون } ( النحل : 6 ) في شأن خلق الأنعام في سورة النحل . # ثم يتفاوت الناس في إدراك ما في خلق الكواكب والشمس والقمر ونظامها من ~~دلائل على مقدار تفاوت علومهم وعقولهم . والآية صالحة لإفهام جميع الطبقات ~~. # وجملة { وما لها من فروج } عطف على جملتي { كيف بنيناها وزيناها } فهي ~~حال ثالثة في المعنى . # والفروج : جمع فرج ، وهو الخرق ، أي يشاهدونها كأنها كرة متصلة الأجزاء ~~ليس بين أجزائها تفاوت يبدو كالخرق ولا تباعد يفصل بعضها عن بعض فيكون خرقا ~~في قبتها . # وهذا من عجيب الصنع إذ يكون جسم عظيم كجسم كرة الهواء الجوي مصنوعا ~~كالمفروغ في قالب . وهذا مشاهد لجميع طبقات الناس على تفاوت مداركهم ثم هم ~~يتفاوتون في إدراك ما في هذا الصنع من عجائب التئام كرة الجو المحيط بالأرض ~~. # ولو كان في أديم ما يسمى بالسماء تخالف من أجزائه لظهرت فيه فروج وانخفاض ~~وارتفاع . ونظير هذه الآية قوله في سورة الملك { الذي خلق سبع سماوات طباقا ~~إلى قوله هل ترى من فطور } ( الملك : 3 ) . # عطف على جملة { أفلم ينظروا } ( ق : 6 ) عطف الخبر على الاستفهام ~~الإنكاري وهو في معنى الإخبار . والتقدير : ومددنا الأرض . # ولما كانت أحوال الأرض نصب أعين الناس وهي أقرب إليهم من أحوال السماء ~~PageV26P287 لأنها تلوح للأنظار دون تكلف لم يؤت في لفت أنظارهم إلى ~~دلالتها باستفهام إنكاري تنزيلا لهم منزلة من نظر في أحوال الأرض فلم ~~يكونوا بحاجة إلى إعادة الأخبار بأحوال الأرض تذكيرا لهم . وانتصب { الأرض ~~} ب { مددناها } على طريقة الاشتغال . # والمد : البسط ، أي بسطنا الأرض فلم تكن مجموع نتوءات إذ لو كانت كذلك ~~لكان المشي عليها مرهقا . # والمراد : بسط سطح الأرض وليس المراد وصف حجم الأرض لأن ذلك لا تدركه ~~المشاهدة ولم ينظر فيه المخاطبون نظر التأمل فيستدل عليهم بما لا يعلمونه ~~فلا يعتبر في سياق الاستدلال على القدرة على خلق الأمور العظيمة ، ولا في ~~سياق الامتنان بما في ذلك الدليل من نعمة فلا علاقة لهذه الآية بقضية كروية ~~الأرض . # والإبقاء : تمثيل لتكوين أجسام بارزة على ms7901 الأرض متباعد بعضها عن بعض لأن ~~حقيقة الإلقاء : رمي شيء من اليد إلى الأرض ، وهذا استدلال بخلقة الجبال ~~كقوله : { وإلى الجبال كيف نصبت } ( الغاشية : 19 ) و { فيها } ظرف مستقر ~~وصف ل { رواسي } قدم على موصوفه فصار حالا ، ويجوز أن يكون ظرفا لغوا ~~متعلقا ب { ألقينا } . # ورواسي : جمع راسس على غير قياس مثل : فوارس وعواذل . والرسو : الثبات ~~والقرار . # وفائدة هذا الوصف زيادة التنبيه إلى بديع خلق الله إذ جعل الجبال متداخلة ~~مع الأرض ولم تكن موضوعة عليها وضعا كما توضع الخيمة لأنها لو كانت كذلك ~~لتزلزلت وسقطت وأهلكت ما حواليها . وقد قال في سورة الأنبياء { وجعلنا في ~~الأرض رواسي أن تميد بهم } أي دفع أن تميد هي ، أي الجبال بكم ، أي ملصقة ~~بكم في ميدها . وهنالك وجه آخر مضى في سورة الأنبياء . # والزوج : النوع من الحيوان والثمار والنبات ، وتقدم في قوله تعالى : { ~~فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى في سورة طه . PageV26P288 والمعنى : وأنبتنا ~~في الأرض أصناف النبات وأنواعه . # وقوله : من كل زوج } يظهر أن حرف { من } فيه مزيد للتوكيد . وزيادة { من ~~} في غير النفي نادرة ، أي أقل من زيادتها في النفي ، ولكن زيادتها في ~~الإثبات واردة في الكلام الفصيح ، فأجاز القياس عليه نحاة الكوفة والأخفش ~~وأبو علي الفارسي وابن جني ، ومنه قوله تعالى : { وينزل من السماء من جبالل ~~فيها من برد } ( النور : 43 ) إن المعنى : ينزل من السماء جبالا فيها برد ، ~~وقد تقدم ذلك في قوله تعالى : { ومن النخل من طلعها في سورة الأنعام . # فالمقصود من التوكيد بحرف من } تنزيلهم منزلة من ينكر أن الله أنبت ما ~~على الأرض من أنواع حين ادعوا استحاله إخراج الناس من الأرض ، ولذلك جيء ~~بالتوكيد في هذه الآية لأن الكلام فيها على المشركين ولم يؤت بالتوكيد في ~~آية سورة طه . وليست { من } هنا للتبعيض إذ ليس المعنى عليه . # فكلمة { كل } مستعملة في معنى الكثرة كما تقدم في قوله تعالى : { وإن ~~يروا كل آية لا يؤمنوا بها في سورة الأنعام ، وقوله فيها وإن تعدل كل عدل ms7902 ~~لا يؤخذ منها } ( الأنعام : 70 ) ، وهذا كقوله تعالى : { فأخرجنا به أزواجا ~~من نبات شتى في سورة طه . # وفائدة التكثير هنا التعريض بهم لقلة تدبيرهم إذ عموا عن دلائل كثيرة ~~واضحة بين أيديهم . # والبهيج يجوز أن يكون صفة مشبهة ، يقال : بهج بضم الهاء ، إذا حسن في ~~أعين الناظرين ، فالبهيج بمعنى الفاعل كما دل عليه قوله تعالى : فأنبتنا به ~~حدائق ذات بهجة } ( النمل : 60 ) . # ويجوز أن يكون فعيلا بمعنى مفعول ، أي منبهج به على الحذف والإيصال ، أي ~~يسر به الناظر ، يقال : بهجه من باب منع ، إذا سره ، ومنه الابتهاج المسرة ~~. # وهذا الوصف يفيد ذكره تقوية الاستدلال على دقة صنع الله تعالى . وإدماج ~~الامتنان عليهم بذلك ليشكروا النعمة ولا يكفروها بعبادة غيره كقوله تعالى : ~~PageV26P289 { والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون ولكم فيها ~~جمال حين تريحون وحين تسرحون } ( النحل : 5 ، 6 ) . # مفعول لأجله للأفعال السابقة من قوله : { بنيناها وزيناها } ( ق : 6 ) ~~وقوله : { مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها } ( ق : 7 ) الخ ، على ~~أنه علة لها على نحو من طريقة التنازع ، أي ليكون ما ذكر من الأفعال ~~ومعمولاتها تبصرة وذكرى ، أي جعلناه لغرضض أن نبصر به ونذكر كل عبد منيب . # وحذف متعلق { تبصرة وذكرى } ليعم كل ما يصلح أن يتبصر في شأنه بدلائل خلق ~~الأرض وما عليها ، وأهم ذلك فيهم هو التوحيد والبعث كما هو السياق تصريحا ~~وتلويحا . # وإنما كانت التبصرة والذكرى علة للأفعال المذكورة لأن التبصرة والذكرى من ~~جملة الحكم التي أوجد الله تلك المخلوقات لأجلها . وليس ذلك بمقتض انحصار ~~حكمة خلقها في التبصرة والذكرى ، لأن أفعال الله تعالى لها حكم كثيرة علمنا ~~. بعضها وخفي علينا بعض . # والتبصرة : مصدر بصره . وأصل مصدره التبصير ، فحذفوا الياء التحتية من ~~أثناء الكلمة وعوضوا عنها التاء الفوقية في أول الكلمة كما قالوا : جرب ~~تجربة وفسر تفسرة ، وذلك يقل في المضاعف ويكثر في المهموز نحو جزأ تجزئة ، ~~ووطأ توطئة . ويتعين في المعتل نحو : زكى تزكية ، وغطاه تغطية . # والتبصير : جعل المرء مبصرا وهو هنا مجاز في إدراك النفس ms7903 إدراكا ظاهرا ~~للأمر الذي كان خفيا عنها فكأنها لم تبصره ثم أبصرته . # والذكرى اسم مصدر ذكر ، إذا جعله يذكر ما نسيه . وأطلقت هنا على مراجعة ~~النفس ما علمته ثم غفلت عنه . # و { عبد } بمعنى عبد الله ، أي مخلوق ، ولا يطلق إلا على الإنسان . وجمعه ~~: عباد دون عبيد . PageV26P290 # والمنيب : الراجع ، والمراد هنا الراجع إلى الحق بطاعة الله فإذا انحرف ~~أو شغله شاغل ابتدر الرجوع إلى ما كان فيه من الاستقامة والامتثال فلا ~~يفارقه حال الطاعة وإذا فارقه قليلا آب إليه وأناب . وإطلاق المنيب على ~~التائب والإنابة على التوبة من تفاريع هذا المعنى ، وتقدم عند قوله تعالى : ~~{ وخر راكعا وأناب في سورة ص . # وخص العبد المنيب بالتبصرة والذكرى وإن كان فيما ذكر من أحوال الأرض ~~إفادة التبصرة والذكرى لكل أحد لأن العبد المنيب هو الذي ينتفع بذلك فكأنه ~~هو المقصود من حكمة تلك الأفعال . وهذا تشريف للمؤمنين وتعريض بإهمال ~~الكافرين التبصر والتذكر . ويحمل ( كل ) على حقيقة معناه من الإحاطة ~~والشموال . فالمعنى : أن تلك الأفعال قصد منها التبصرة والذكرى لجميع ~~العباد المتبعين للحق إذ لا يخلون من تبصر وتذكر بتلك الأفعال على تفاوت ~~بينهم في ذلك . # ( 9 ، 10 ) } # بعد التنظر والتذكير والتبصير في صنع السماوات وصنع الأرض وما فيهما من ~~وقت نشأتهما نقل الكلام إلى التذكير بإيجاد آثار من آثار تلك المصنوعات ~~تتجدد على مرور الدهر حية ثم تموت ثم تحيا دأبا ، وقد غير أسلوب الكلام ~~لهذا الانتقال من أسلوب الاستفهام في قوله : { أفلم ينظروا إلى السماء } ( ~~ق : 6 ) إلى أسلوب الإخبار بقوله : { ونزلنا من السماء ماء مباركا } إيذانا ~~بتبديل المراد ليكون منه تخلص إلى الدلالة على إمكان البعث في قوله : { ~~كذلك الخروج } ( ق : 11 ) . فجملة { ونزلنا } عطف على جملة { والأرض ~~مددناها } ( الحجر : 19 ) . # وقد ذكرت آثار من آثار السماء وآثار الأرض على طريقة النشر المرتب على ~~وفق اللف . # والمبارك : اسم مفعول للذي جعلت فيه البركة ، أي جعل فيه خير كثير . ~~PageV26P291 وأفعال هذه المادة كثيرة التصرف ومتنوعة التعليق . والبركة : ~~الخير النافع لما يتسبب ms7904 عليه من إنبات الحبوب والأعناب والنخيل . وتقدم ~~معنى المبارك عند قوله تعالى : { إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا في ~~سورة آل عمران . وفي هذا استدلال بتفصيل الإنبات الذي سبق إجماله في قوله : ~~وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج } ( ق : 7 ) لما فيه من سوق العقول إلى التأمل ~~في دقيق الصنع لذلك الإنبات وأن حصوله بهذا السبب وعلى ذلك التطور أعظم ~~دلالة على حكمة الله وسعة علمه مما لو كان إنبات الأزواج بالطفرة ، إذ تكون ~~حينئذ أسباب تكوينها خفية فإذا كان خلق السماوات وما فيها ، ومد الأرض ~~وإلقاء الجبال فيها دلائل على عظيم القدرة الربانية لخفاء كيفيات تكوينها ~~فإن ظهور كيفيات التكوين في إنزال المال وحصول الإنبات والإثمار دلالة على ~~عظيم علم الله تعالى . # والجنات : جمع جنة ، وهي ما شجر بالكرم وأشجار الفواكه والنخيلل . # والحب : هو ما ينبت في الزرع الذي يخرج سنابل تحوي حبوبا مثل البر ~~والشعير والذرة والسلت والقطاني مما تحصد أصوله ليدق فيخرج ما فيه من الحب ~~. # و { حب الحصيد } مفعول { أنبتنا } لأن الحب مما نبت تبعا لنبات سنبله ~~المدلول على إنباته بقوله : { الحصيد } إذ لا يحصد إلا بعد أن ينبت . # والحصيد : الزرع المحصود ، أي المقطوع من جذوره لأكل حبه ، فإضافة { حب } ~~إلى { الحصيد } على أصلها ، وليست من إضافة الموصوف إلى الصفة . وفائدة ذكر ~~هذا الوصف : الإشارة إلى اختلاف أحوال استحصال ما ينفع الناس من أنواع ~~النبات فإن الجنات تستثمر وأصولها باقية والحبوب تستثمر بعد حصد أصولها ، ~~على أن في ذلك الحصيد منافع للأنعام تأكله بعد أخذ حبه كما قال تعالى : { ~~متاعا لكم ولأنعامكم } ( النازعات : 33 ) . 6 # وخص النخل بالذكر مع تناول جنات له لأنه أهم الأشجار عندهم وثمره أكثر ~~أقواتهم ، ولإتباعه بالأوصاف له ولطلعه مما يثير تذكر بديع قوامه ، وأنيق ~~جماله . PageV26P292 # والباسقات : الطويلات في ارتفاع ، أي عاليات فلا يقال : باسق للطويل ~~الممتد على الأرض . وعن ابن شداد : الباسقات الطويلات مع الاستقامة . ولم ~~أره لأحد من أيمة اللغة . ولعل مراده من الاستقامة الامتداد في الارتفاع . ~~وهو ms7905 بالسين المهملة في لغة جميع العرب عدا بني العنبر من تميم يبدلون السين ~~صادا في هذه الكلمة . قال ابن جني : الأصل السين وإنما الصاد بدل منها ~~لاستعلاء القاف . وروى الثعلبي عن قطبة بن مالك أنه سمع النبي صلى الله ~~عليه وسلم في صلاة الصبح قرأها بالصاد . ومثله في ابن عطية وهو حديث غير ~~معروف . والذي في ( صحيح مسلم ) وغيره عن قطبة بن مالك مروية بالسين . ومن ~~العجيب أن الزمخشري قال : وفي قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم باصقات . ~~وانتصب { باسقات } على الحال . والمقصود من ذلك الإيماء إلى بديع خلقته ~~وجمال طلعته استدلالا وامتنانا . # والطلع : أول ما يظهر من ثمر التمر ، وهو في الكفرى ، أي غلاف العنقود . # والنضيد : المنضود ، أي المصفف بعضه فوق بعض ما دام في الكفرى فإذا انشق ~~عنه الكفرى فليس بنضيد . فهو معناه بمعنى مفعول قال تعالى : { وطلح منضود } ~~( الواقعة : 29 ) . # وزيادة هذه الحال للازدياد من الصفات الناشئة عن بديع الصنعة ومن المنة ~~بمحاسن منظر ما أوتوه . # # مفعول لأجله لقوله : { فأنبتنا به جنات } ( ق : 9 ) إلى آخره ، فهو مصدر ~~، أي لنرزق العباد ، أي نقوتهم . والقول في التعليل به كالقول في التعليل ~~بقوله : { تبصرة وذكرى } ( ق : 8 ) . # والعباد : الناس وهو جمع عبد بمعنى عبد الله ، فأما العبد المملوك فجمعه ~~العبيد . وهذا استدلال وامتنان . PageV26P293 # . # عطف على { رزقا للعباد } عطف الفعل على الاسم المشتق من الفعل وهو رزقه ~~المشتق لأنه في معنى : رزقنا العباد وأحيينا به بلدة ميتا ، أي لرعي ~~الأنعام والوحش فهو استدلال وفيه امتنان . والبلدة : القطعة من الأرض . # والميت بالتخفيف : مرادف الميت بالتشديد قال تعالى : { وآية لهم الأرض ~~الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكون } ( يس : 33 ) . # وتذكير الميت وهو وصف للبلدة ، وهي مؤنث على تأويله بالبلد لأنه مرادفه ، ~~وبالمكان لأنه جنسه ، شبه الجدب بالموت في انعدام ظهور الآثار ، ولذلك سمي ~~ضده وهو إنبات الأرض حياة . ويقال لخدمة الأرض اليابسة وسقيها : إحياء موات ~~. # . # بعد ظهور الدلائل بصنع الله على إمكان البعث لأن خلق تلك المخلوقات من ~~عدم يدل ms7906 على أن إعادة بعض الموجودات الضعيفة أمكن وأهون ، جيء بما يفيد ~~تقريب البعث بقوله : { كذلك الخروج } . # فهذه الجملة فذلكة للاستدلال على إمكان البعث الذي تضمنته الجمل السابقة ~~فوجب انفصال هذه الجملة فتكون استئنافا أو اعتراضا في آخر الكلام على رأي ~~من يجيزه وهو الأصح . # والإشارة { بذلك } إلى ما ذكر آنفا من إحياء الأرض بعد موتها ، أي كما ~~أحيينا الأرض بعد موتها كذلك نحيي الناس بعد موتهم وبلاهم ، مع إفادتها ~~تعظيم شأن المشار إليه ، أي مثل البعث العظيم الإبداع . # والتعريف في { الخروج } للعهد ، أي خروج الناس من الأرض كما قال تعالى : ~~PageV26P294 { يوم يخرجون من الأجداث سراعا } ( المعارج : 43 ) . ف { ~~الخروج } صار كالعلم بالغلبة على البعث ، وسيأتي قوله تعالى : { ذلك يوم ~~الخروج } ( ق : 42 ) . وتقديم المجرور على المبتدإ للاهتمام بالخبر لما في ~~الخبر من دفع الاستحالة وإظهار التقريب ، وفيه تشويق لتلقي المسند إليه . # ( 12 14 ) # استئناف ابتدائي ناشىء عن قوله : { بل كذبوا بالحق لما جاءهم } ( ق : 5 ) ~~فعقب بأنهم ليسوا ببدع في الضلال فقد كذبت قبلهم أمم . وذكر منهم أشهرهم في ~~العالم وأشهرهم بين العرب ، فقوم نوح أول قوم كذبوا رسولهم وفرعون كذب موسى ~~وقوم لوط كذبوه وهؤلاء معروفون عند أهل الكتاب ، وأما أصحاب الرس وعاد ~~وثمود وأصحاب الأيكة وقوم تبع فهم من العرب . # وذكروا هنا عقب قوم نوح للجامع الخيالي بين القومين وهو جامع التضاد لأن ~~عذابهم كان ضد عذاب قوم نوح إذ كان عذابهم بالخسف وعذاب قوم نوح بالغرق ، ~~ثم ذكر ثمود لشبه عذابهم بعذاب أصحاب الرس إذ كان عذابهم برجفة الأرض ~~وصواعق السماء ، ولأن أصحاب الرس من بقايا ثمود ، ثم ذكرت عاد لأن عذابها ~~كان بحادث في الجو وهو الريح ، ثم ذكر فرعون وقومه لأنهم كذبوا أشهر الرسل ~~قبل الإسلام ، وأصحاب الأيكة هم قوم شعيب وهم من خلطاء بني إسرائيل . # وعبر عن قوم لوط ب { إخوان لوط } ولم يكونوا من قبيله ، فالمراد ب { ~~إخوان } أنهم ملازمون وهم أهل سدوم وعمورة وقراهما وكان لوط ساكنا في سدوم ~~ولم يكن من ms7907 أهل نسبهم لأن أهل سدوم كنعانيون ولوطا عبراني . وقد تقدم قوله ~~تعالى : { إذ قال لهم أخوهم لوط في سورة الشعراء . وذكر قوم تبع وهم أهل ~~اليمن ولم يكن العرب يعدونهم عربا . PageV26P295 # وهذه الأمم أصابها عذاب شديد في الدنيا عقابا على تكذيبهم الرسل . ~~والمقصود تسلية رسول الله ، والتعريض بالتهديد لقومه المكذبين أن يحل بهم ~~ما حل بأولئك . # والرس : يطلق اسما للبئر غير المطوية ويطلق مصدرا للدفن والدس . واختلف ~~المفسرون في المراد به هنا . وأصحاب الرس } قوم عرفوا بالإضافة إلى الرس ، ~~فيحتمل أن إضافتهم إلى الرس من إضافة الشيء إلى موطنه مثل { أصحاب الأيكة } ~~، و { أصحاب الحجر } ( الحجر : 80 ) و { أصحاب القرية } ( يس : 13 ) . ~~ويجوز أن تكون إضافة إلى حدث حل بهم مثل { أصحاب الأخدود } ( البروج : 4 ) ~~. وفي تعيين { أصحاب الرس } أقوال ثمانية أو تسعة وبعضها متداخل . # وتقدم الكلام عليهم في سورة الفرقان . والأظهر أن إضافة { أصحاب } إلى { ~~الرس } من إضافة اسم إلى حدث حدث فيه فقد قيل : إن أصحاب الرس عوقبوا بخسف ~~في الأرض فوقعوا في مثل البئر . وقيل : هو بئر ألقى أصحابه فيه حنظلة بن ~~صفوان رسول الله إليهم حيا فهو إذن علم بالغلبة وقيل هو فلج من أرض اليمامة ~~. وتقدم الكلام على أصحاب الرس في سورة الفرقان عند قوله تعالى : { وعادا ~~وثمودا وأصحاب الرس } . # وأصحاب الأيكة هم من قوم شعيب وتقدم في سورة الشعراء . وقوم تبع هم حمير ~~من عرب اليمن وتقدم ذكرهم في سورة الدخان . # وجملة { كل كذب الرسل } مؤكدة لجملة { كذبت قبلهم قوم نوح } إلى آخرها ، ~~فلذلك فصلت ولم تعطف ، وليبني عليه قوله : { فحق وعيد } فيكون تهديد بأن ~~يحق عليهم الوعيد كما حق على أولئك مرتبا بالفاء على تكذيبهم الرسل فيكون ~~في ذلك تشريف للنبيء صلى الله عليه وسلم وللرسل السابقين . PageV26P296 ~~وتنوين { كل } تنوين عوض عن المضاف إليه ، أي كل أولئك . و { حق } صدق ~~وتحقق . # والوعيد : الإنذار بالعقوبة واقتضى الإخبار عنه ب { حق } أن الله توعدهم ~~به فلم يعبأوا وكذبوا وقوعه فحق وصدق . وحذفت ياء المتكلم التي ms7908 أضيف إليها ~~{ وعيد } للرعي على الفاصلة وهو كثير . # تشير فاء التفريع إلى أن هذا الكلام مفرع على ما قبله وهو جملة { أفلم ~~ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها } ( ق : 6 ) وقوله : { تبصرة وذكرى } ~~( ق : 8 ) المعرض بأنهم لم يتبصروا به ولم يتذكروا . وقوله : { فأنبتنا به ~~جنات } ( ق : 9 ) وقوله : { وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج } ( ق : 11 ) ~~. # ويجوز أن يجعل تفريعا على قوله : { كذلك الخروج } . # والاستفهام المفرع بالفاء استفهام إنكار وتغليط لأنهم لا يسعهم إلا ~~الاعتراف بأن الله لم يعي بالخلق الأول إذ لا ينكر عاقل كمال قدرة الخالق ~~وعدم عجزه . # و { عيينا } معناه عجزنا ، وفعل ( عي ) إذا لم يتصل به ضمير يقال مدغما ~~وهو الأكثر ويقال : عيي بالفك فإذا اتصل به ضمير تعين الفك . ومعناه : عجز ~~عن إتقان فعل ولم يهتد لحيلته . ويعدى بالباء يقال : عيي بالأمر والباء فيه ~~للمجاوزة . وأما أعيا بالهمزة في أوله قاصرا فهو للتعب بمشي أو حمل ثقل وهو ~~فعل قاصر لا يعدى بالباء . فالمعنى : ما عجزنا عن الخلق الأول للإنسان فكيف ~~تعجز عن إعادة خلقه . # و { بل } في قوله : { بل هم في لبس من خلق جديد } للإضراب الإبطالي عن ~~PageV26P297 المستفهم عنه ، أي بل ما عيينا بالخلق الأول ، أي وهم يعلمون ~~ذلك ويعلمون أن الخلق الأول للأشياء أعظم من إعادة خلق الأموات ولكنهم تمكن ~~منهم اللبس الشديد فأغشى إدراكهم عن دلائل الإمكان فأحالوه ، فالإضراب على ~~أصله من الإبطال . # واللبس : الخلط للأشياء المختلفة الحقائق بحيث يعسر أو يتعذر معه تمييز ~~مختلفاتها بعضها عن بعض . والمراد منه اشتباه المألوف المعتاد الذي لا ~~يعرفون غير بالواجب العقلي الذي لا يجوز انتفاؤه ، فإنهم اشتبه عليهم إحياء ~~الموتى وهو ممكن عقلا بالأمر المستحيل في العقل فجزموا بنفي إمكانه فنفوه ، ~~وتركوا القياس بأن من قدر على إنشاء ما لم يكن موجودا هو على إعادة ما كان ~~موجودا أقدر . # وجيء بالجملة الاسمية من قوله : { هم في لبس من خلق جديد } للدلالة على ~~ثبات هذا الحكم لهم وأنه متمكن من نفوسهم لا يفارقهم ms7909 البتة ، وليتأتى ~~اجتلاب حرف الظرفية في الخبر فيدل على انغماسهم في هذا اللبس وإحاطته بهم ~~إحاطة الظرف بالمظروف . # و { من } في قوله : { من خلق جديد } ابتدائيه وهي صفة ل { لبس } ، أي لبس ~~واصل إليهم ومنجر عن خلق جديد ، أي من لبس من التصديق به . # وتنكير { لبس } للنوعية وتنكير { خلق جديد } كذلك ، أي ما هو إلا خلق من ~~جملة ما يقع من خلق الله الأشياء مما وجه إحالته ولتنكيره أجريت عليه الصفة ~~ب { جديد } . # والجديد : الشيء الذي في أول أزمان وجوده . # وفي هذا الوصف تورك عليهم وتحميق لهم من إحالتهم البعث ، أي اجعلوه خلقا ~~جديدا كالخلق الأول ، وأي فارق بينهما . # وفي تسمية إعادة الناس للبعث باسم الخلق إيماء إلى أنها إعادة بعد عدم ~~الأجزاء لا جمع لمتفرقها ، وقد مضى القول فيه في أول السورة . PageV26P298 # هذا تفصيل لبعض الخلق الأول بذكر خلق الإنسان وهو أهم في هذا المقام ~~للتنبيه على أنه المراد من الخلق الأول وليبنى عليه { ونعلم ما توسوس به ~~نفس } الذي هو تتميم لإحاطة صفة العلم في قوله : { قد علمنا ما تنقص الأرض ~~منهم } ( ق : 4 ) ولينتقل منه الإنذار بإحصاء أعمال الناس عليها وهو ما ~~استرسل في وصفه من قوله : { إذ يتلقى المتلقيان } ( ق : 17 ) الخ . # ووصف البعث وصف الجزاء من قوله : { ونفخ في الصور إلى قوله : ولدينا مزيد ~~} ( ق : 20 35 ) . # وتأكيد هذا الخبر باللام و ( قد ) مراعى فيه المتعاطفات وهي { نعلم ما ~~توسوس به نفسه } لأنهم وإن كانوا يعلمون أن الله خلق الناس فإنهم لا يعلمون ~~أن الله عالم بأحوالهم . # و { الإنسان } يعم جميع الناس ولكن المقصود منهم أولا المشركون لأنهم ~~المسوق إليهم هذا الخبر ، وهو تعريض بالإنذار كما يدل عليه قوله بعده { ذلك ~~ما كنت منه تحيد } ( ق : 19 ) وقوله : { لقد كنت في غفلة من هذا } ( ق : 22 ~~) وقوله : { ذلك يوم الوعيد } ( ق : 20 ) . # والباء في قوله { به } زائدة لتأكيد اللصوق ، والضمير عائد الصلة كأنه ~~قيل : ما تتكلمه نفسه على طريقة { وامسحوا برؤوسكم } ( المائدة : 6 ) . # وفائدة الإخبار ms7910 بأن الله يعلم ما توسوس به نفس كل إنسان التنبيه عل سعة ~~علم الله تعالى بأحوالهم كلها فإذا كان يعلم حديث النفس فلا عجب أن يعلم ما ~~تنقص الأرض منهم . # والإخبار عن فعل الخلق بصيغة المضي ظاهر ، وأما الإخبار عن علم ما توسوس ~~به النفس بصيغة المضارع فللدلالة على أن تعلق علمه تعالى بالوسوسة متجدد ~~غير منقض ولا محدود لإثبات عموم علم الله تعالى ، والكناية عن التحذير من ~~إضمار ما لا يرضي الله . PageV26P299 # وجملة { ونحن أقرب إليه من حبل الوريد } في موضع الحال من ضمير { ونعلم } ~~. # والمقصود منها تأكيد عاملها وتحقيق استمرار العلم بباطن الإنسان ، ومعنى ~~{ توسوس } تتكلم كلاما خفيا همسا . ومصدره الوسواس والوسوسة أطلقت هنا ~~مجازا على ما يجول في النفس من الخواطر والتقديرات والعزائم لأن الوسوسة ~~أقرب شيء تشبه به تلك الخواطر وأحسن ما يستعار لها لأنها تجمع مختلف أحوال ~~ما يجول في العقل من التقادير وما عداها من نحو ألفاظ التوهم والتفكر إنما ~~يدل على بعض أحوال الخواطر دون بعض . # والحبل : هنا واحد حبال الجسم . وهي العروق الغليظة المعروفة في الطب ~~بالشرايين ، واحدها : شريان بفتح الشين المهملة وتكسر وبسكون الراء وتعرف ~~بالعروق الضوارب ومنبتها من التجويف الأيسر من تجويفي القلب . وللشرايين ~~عمل كثير في حياة الجسم لأنها التي توصل الدم من القلب إلى أهم الأعضاء ~~الرئيسية مثل الرئة والدماغ والنخاع والكليتين والمعدة والأمعاء . ~~وللشرايين أسماء باعتبار مصابها من الأعضاء الرئيسية . # والوريد : واحد من الشرايين وهو ثاني شريانين يخرجان من التجويف الأيسر ~~من القلب . واسمه في علم الطلب أورطي ويتشعب إلى ثلاث شعب ثالثتهما تنقسم ~~إلى قسمين قسم أكبر وقسم أصغر . وهذا الأصغير يخرج منه شريانان يسميان ~~السباتي ويصعدان يمينا ويسارا مع الودجين ، وكل هذه الأقسام تسمى الوريد . ~~وفي الجسد وريدان وهما عرقان يكتنفان صفحتي العنق في مقدمهما متصلان ~~بالوتين يردان من الرأس إليه . # وقد تختلف أسماء أجزائه باختلاف مواقعها من الجسد فهو في العنق يسمى ~~الوريد ، وفي القلب يسمى الوتين ، وفي الظهر يسمى الأبهر ، وفي الذراع ~~والفخذ ms7911 يسمونه الأكحل والنسا ، وفي الخنصر يدعى الأسلم . # وإضافة { حبل } إلى { الوريد } بيانية ، أي الحبل الذي هو الوريد ، فإن ~~إضافة الأعم إلى الأخص إذا وقعت في الكلام كانت إضافة بيانية كقولهم : شجر ~~الأراك . PageV26P300 # والقرب هنا كناية عن إحاطة العلم بالحال لأن القرب يستلزم الإطلاع ، وليس ~~هو قربا بالمكان بقرينة المشاهدة فآل الكلام إلى التشبيه البليغ تشبيه ~~معقول بمحسوس ، وهذا من بناء التشبيه على الكناية بمنزلة بناء المجاز على ~~المجاز . # ومن لطائف هذا التمثيل أن حبل الوريد مع قربه لا يشعر الإنسان بقربه ~~لخفائه ، وكذلك قرب الله من الإنسان بعلمه قرب لا يشعر به الإنسان فلذلك ~~اختير تمثيل هذا القرب بقرب حبل الوريد . وبذلك فاق هذا التشبيه لحالة ~~القرب كل تشبيه من نوعه ورد في كلام البلغاء . مثل قولهم : هو منه مقعد ~~القابلة ومعقد الإزار ، وقول زهير : # فهن ووادي الرس كاليد للفم # وقول حنظلة بن سيار وهو حنظلة بن ثعلبة بن سيار العجلي مخضرم : # كل امرىء مصبح في إهله # والموت أدنى من شراك نعله # ( 17 ، 18 ) # يتعلق { إذ } بقوله { أقرب } ( ق : 16 ) لأن اسم التفضيل يعمل في الظرف ~~وإن كان لا يعمل في الفاعل ولا في المفعول به واللغة تتوسع في الظروف ~~والمجرورات ما لا تتوسع في غيرها ، وهذه قاعدة مشهورة ثابتة والكلام تخلص ~~للموعظة والتهديد بالجزاء يوم البعث والجزاء من إحصاء الأعمال خيرها وشرها ~~المعلومة من آيات كثيرة في القرآن . وهذا التخلص بكلمة { إذ } الدالة على ~~الزمان من ألطف التخلص . # وتعريف { المتلقيان } تعريف العهد إذا كانت الآية نزلت بعد آيات ذكر فيها ~~الحفظة ، أو تعريف الجنس ، والتثنية فيها للإشارة إلى أن هذا الجنس مقسم ~~اثنين اثنين . # والتلقي : أخذ الشيء من يد معطيه . استعير لتسجيل الأقوال والأعمال حين ~~صدورها من الناس . PageV26P301 وحذف مفعول { يتلقى } لدلالة قوله : { ما ~~يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد } . والتقدير : إذ تحصى أقوالهم وأعمالهم . ~~فيؤخذ من الآية أن لكل إنسان ملكين يحصيان أعماله وأن أحدهما يكون من جهة ~~يمينه والآخر من جهة شماله . وورد في السنة بأسانيد ms7912 مقبولة : أن الذي يكون ~~عن اليمين يكتب الحسنات والذي عن الشمال يكتب السيئات وورد أنهما يلازمان ~~الإنسان من وقت تكليفه إلى أن يموت . # وقوله : { عن اليمين وعن الشمال قعيد } يجوز أن يكون { قعيد } بدلا من { ~~المتلقيان } بدل بعض ، و { عن اليمين } متعلق ب { قعيد } ، وقدم على متعلقه ~~للاهتمام بما دل عليه من الإحاطة بجانبيه وللرعاية على الفاصلة . ويجوز أن ~~يكون { عن اليمين } خبرا مقدما ، و { قعيد } مبتدأ وتكون الجملة بيانا ~~لجملة { يتلقى المتلقيان } . # وعطف قوله : { وعن الشمال } على جملة { يتلقى } وليس عطفا على قوله : { ~~عن اليمين } لأنه ليس المعنى على أن القعيد قعيد في الجهتين ، بل كل من ~~الجهتين قعيد مستقل بها . والتقدير : عن اليمين قعيد ، وعن الشمال قعيد آخر ~~. والتعريف في { اليمين } و { الشمال } تعريف العهد أو اللام عوض عن المضاف ~~إليه ، أي عن يمين الإنسان وعن شماله . # والقعيد : المقاعد مثل الجليس للمجالس ، والأكيل للمؤاكل ، والشريب ~~للمشارب ، والخليط للمخالط . والغالب في فعيل أن يكون إما بمعنى فاعل ، ~~وإما بمعنى مفعول ، فلما كان في المفاعلة معنى الفاعل والمفعول معا ، جاز ~~مجيء فعيل منه بأحد الاعتبارين تعويلا على القرينة ، ولذلك قالوا لامرأة ~~الرجل قعيدته . والقعيد مستعار للملازم الذي لا ينفك عنه كما أطلقوا القعيد ~~على الحافظ لأنه يلازم الشيء الموكل بحفظه . # وجملة { ما يلفظ من قول } الخ مبينة لجملة { يتلقى المتلقيان } فلذلك ~~فصلت . و { ما } نافية وضمير { يلفظ } عائد للإنسان . PageV26P302 # واللفظ : النطق بكلمة دالة على معنى ولو جزء معنى ، بخلاف القول فهو ~~الكلام المفيد معنى . # و { من } زائدة في مفعول الفعل المنفي للتنصيص على الاستغراق . ~~والاستثناء في قوله : { إلا لديه رقيب عتيد } استثناء من أحوال عامة ، أي ~~ما يقول قولا في حالة إلا في حالة وجود رقيب عتيد لديه . # والأظهر أن هذا العموم مراد به الخصوص بقرينة قوله : { إلا لديه رقيب ~~عتيد } لأن المراقبة هنا تتعلق بما في الأقوال من خير أو شر ليكون عليه ~~الجزاء فلا يكتب الحفظة إلا ما يتعلق به صلاح الإنسان أو فساده إذ لا حكمة ~~في ms7913 كتابة ذلك وإنما يكتب ما يترتب عليه الجزاء وكذلك قال ابن عباس وعكرمة . ~~وقال الحسن : يكتبان كل ما صدر من العبد ، قال مجاهد وأبو الجوزاء : حتى ~~أنينه في مرضه . وروي مثله عن مالك بن أنس . وإنما خص القول بالذكر لأن ~~المقصود ابتداء من هذا التحذير المشركون وإنما كانوا يؤاخذون بأقوالهم ~~الدالة على الشرك أو على تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم أو أذاه ولا ~~يؤاخذون على أعمالهم إذ ليسوا مكلفين بالأعمال في حال إشراكهم . # وأما الأعمال التي هي من أثر الشرك كالتطواف بالصنم ، أو من أثر أذى ~~النبي عليه الصلاة والسلام كإلقاء سلا الجذور عليه في صلاته ، ونحو ذلك ، ~~فهم مؤاخذون به في ضمن أقوالهم على أن تلك الأفعال لا تخلو من مصاحبة أقوال ~~مؤاخذ عليها بمقدار ما صاحبها . # ولأن من الأقوال السيئة ما له أثر شديد في الإضلال كالدعاء إلى عبادة ~~الأصنام ، ونهي الناس عن اتباع الحق ، وترويج الباطل بإلقاء الشبه ، وتغرير ~~الأغرار ، ونحو ذلك ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ( وهل يكب الناس في ~~النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم ) ، على أنه من المعلوم بدلالة ~~الاقتضاء أن المؤاخذة على الأعمال أولى من المؤاخذة على الأقوال وتلك ~~الدلالة كافية في تذكير المؤمنين . # وجملة { إلا لديه رقيب عتيد } في موضع الحال ، وضمير { لديه } عائد إلى { ~~الإنسان } ( ق : 16 ) ، والمعنى : لدى لفظه بقوله . PageV26P303 # و { عتيد } فعيل من عتد بمعنى هيأ ، والتاء مبدلة من الدال الأول إذ أصله ~~عديد ، أي معد كما في قوله تعالى : { وأعتدت لهن متكأ } ( يوسف : 31 ) . ~~وعندي أن { عتيد } هنا صفة مشبهة من قولهم ( عتد ) بضم التاء إذا جسم وضخم ~~كناية عن كونه شديدا وبهذا يحصل اختلاف بينه وبين قوله الآتي { هذا ما لدي ~~عتيد } ( ق : 23 ) ويحصل محسن الجناس التام بين الكلمتين . # وقد تواطأ المفسرون على تفسير التلقي في قوله : { المتلقيان } بأنه تلقي ~~الأعمال لأجل كتبها في الصحائف لإحضارها للحساب وكان تفسيرا حائما حول جعل ~~المفعول المحذوف لفعل { يتلقى } ما دل عليه قوله بعده { ما يلفظ ms7914 من قول إلا ~~لديه رقيب عتيد } بدلالته الظاهرة أو بدلالة الاقتضاء . فالتقدير عندهم : ~~إذ يتلقى المتلقيان عمل الإنسان وقوله ، فتكون هذه الجملة على تقديرهم ~~منفصلة عن جملة { وجاءت سكرة الموت بالحق } ( ق : 19 ) كما سنبينه . # ولفخر الدين معنى دقيق فبعد أن أجمل تفسير الآية بما يساير تفسير الجمهور ~~قال : ( ويحتمل أن يقال التلقي الاستقبال ، يقال : فلان تلقى الركب ، وعلى ~~هذا الوجه يكون معناه : وقت ما يتلقاه المتلقيان يكون عن يمينه وعن شماله ~~قعيد ، فالمتلقيان على هذا الوجه هما الملكان اللذان يأخذان روحه من ملك ~~الموت أحدهما يأخذ أرواح الصالحين وينقلها إلى السرور والآخر يأخذ أرواح ~~الطالحين وينقلها إلى الويل والثبور إلى يوم النشور ، أي وقت تلقيهما ~~وسؤالهما أنه من أي القبيلين يكون عند الرجل قعيد عن اليمين وقعيد عن ~~الشمال ملكان ينزلان ، وعنده ملكان آخران كاتبان لأعماله ، ويؤيد ما ذكرناه ~~قوله تعالى : { سائق وشهيد } ( ق : 21 ) . فالشهيد هو القعيد والسائق هو ~~المتلقي يتلقى روحه من ملك الموت فيسوقه إلى منزله وقت الإعادة ، وهذا أعرف ~~الوجهين وأقربهما إلى الفهم ) اه . # وكأنه ينحو به منحى قوله تعالى : { فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ ~~تنظرون ونحن أقرب إليه منكم } ( الواقعة : 83 85 ) . ولا نوقف في سداد هذا ~~التفسير إلا على ثبوت وجود ملكين يتسلمان روح الميت من يد ملك الموت عند ~~قبضها ويجعلانها في المقر المناسب لحالها . والمظنون بفخر الدين أنه اطلع ~~على ذلك ، وقد يؤيده ما ذكره PageV26P304 القرطبي في ( التذكرة ) عن ( مسند ~~الطيالسي ) عن البراء . وعن كتاب ( النسائي ) عن أبي هريرة أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا حضر الميت المؤمن أتته ملائكة الرحمة ~~بحريرة بيضاء يقولون : اخرجي راضية مرضيا عنك إلى روح وريحان ورب راضض غير ~~غضبان ، فإذا قبضه الملك لم يدعوها في يده طرفة فتخرج كأطيب ريح المسك ~~فتعرج بها الملائكة حتى يأتوا به باب السماء ) . وساق الحديث إلا أن في ~~الحديث ملائكة جمعا وفي الآية { المتلقيان } تثنية . # وعلى هذا الوجه يكون مفعول { يتلقى } ما دل عليه قوله ms7915 بعده { وجاءت سكرة ~~الموت } . والتقدير : إذ يتلقى المتلقيان روح الإنسان . ويكون التعريف في ~~قوله : { عن اليمين وعن الشمال } عوضا عن المضاف إليه أي عن يمينها وعن ~~شمالها قعيد ، وهو على التوزيع ، أي عن يمين أحدهما وعن شمال الآخر . ويكون ~~{ قعيد } مستعملا في معنى : قعيدان فإن فعيلا بمعنى فاعل قد يعامل معاملة ~~فعيل بمعنى مفعول ، كقول الأزرق بن طرفة : # رماني بأمر كنت منه ووالدي # بريئا ومن أجل الطوي رماني # والاقتصار على { ما يلفظ من قول } حينئذ ظاهر لأن الإنسان في تلك الحالة ~~لا تصدر منه أفعال لعجزه فلا يصدر منه في الغالب إلا أقوال من تضجر أو أنين ~~أو شهادة بالتوحيد ، أو ضدها ، ومن ذلك الوصايا والإقرارات . # عطف على جملة { ونحن أقرب إليه من حبل الوريد } ( ق : 16 ) لاشتراكهما في ~~التنبيه على الجزاء على الأعمال . فهذا تنقل في مراحل الأمور العارضة ~~للإنسان التي تسلمه من حال إلى آخر حتى يقع في الجزاء على أعماله التي قد ~~أحصاها الحفيظان . # وإنما خولف التعبير في المعطوف بصيغة الماضي دون صيغة المضارع التي صيغ ~~بها المعطوف عليه لأنه لقربه صار بمنزلة ما حصل قصدا لإدخال الروع في نفوس ~~PageV26P305 المشركين كما استفيد من قوله : { ذلك ما كنت منه تحيد } نظير ~~قوله تعالى : { قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم } ( الجمعة : 8 ) ~~. # ويأتي على ما اختاره الفخر في تفسير { إذ يتلقى المتلقيان } ( ق : 17 ) ~~الآية أن تكون جملة { وجاءت سكرة الموت } الخ في موضع الحال . والتقدير : ~~وقد جاءت سكرة الموت بالحق حينئذ . # والمجيء مجاز في الحصول والاعتراء وفي هذه الاستعارة تهويل لحالة احتضار ~~الإنسان وشعوره بأنه مفارق الحياة التي ألفها وتعلق بها قلبه . # والسكرة : اسم لما يعتري الإنسان من ألم أو اختلال في المزاج يحجب من ~~إدراك العقل فيختل الإدراك ويعتري العقل غيبوبة . وهي مشتق من السكر بفتح ~~فسكون وهو الغلق لأنه يغلق العقل ومنه جاء وصف السكران . # والباء في قوله : { بالحق } للملابسة ، وهي إما حال من { سكرة الموت } أي ~~متصفة بأنها حق ، والحق : الذي حق ms7916 وثبت فلا يتخلف ، أي السكرة التي لا طمع ~~في امتداد الحياة بعدها ، وإما حال من { الموت } ، أي ملتبسا بأنه الحق ، ~~أي المفروض المكتوب على الناس فهم محقوقون به ، أو الذي هو الجد ضد العبث ~~كقوله تعالى : { خلق السماوات والأرض بالحق } ( التغابن : 3 ) مع قوله : { ~~وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما باطلا } ( ص : 27 ) . # وقول { ذلك } إشارة إلى الموت بتنزيل قرب حصوله منزلة الحاصل المشاهد . # و { تحيد } تفر وتهرب ، وهو مستعار للكراهية أو لتجنب أسباب الموت . ~~والخطاب للمقصود من الإنسان وبالمقصود الأول منه وهم المشركون لأنهم أشد ~~كراهية للموت لأن حياتهم مادية محضة فهم يريدون طول الحياة قال تعالى : { ~~ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة } ( البقرة : 96 ) إذ لا أمل ~~لهم في حياة أخرى ولا أمل لهم في تحصيل نعيمها ، فأما المؤمنون فإن كراهتهم ~~للموت المرتكزة في الجبلة بمقدار الإلف لا تبلغ بهم إلى حد الجزع منه . وفي ~~الحديث ( من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ، ومن كره لقاء الله كره الله ~~لقاءه ) ، وتأويله بالمؤمن يحب لقاء الله للطمع في الثواب ، وبالكافر يكره ~~لقاء الله . وقد بينه PageV26P306 النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( إن ~~المؤمن إذا حضرته الوفاة رأى ما أعد الله له من خير فأحب لقاء الله ) أي ~~والكافر بعكسه ، وقد قال الله تعالى خطابا لليهود { قل إن الموت الذي تفرون ~~منه فإنه ملاقيكم } ( الجمعة : 8 ) . # وتقديم { منه } على { تحيد } للاهتمام بما منه الحياد ، وللرعاية على ~~الفاصلة . # ( 20 ، 21 ) { لله } # عطف على { وجاءت سكرة الموت بالحق } ( ق : 19 ) على تفسير الجمهور . فأما ~~على تفسير الفخر فالجملة مستأنفة وصيغة المضي في قوله : { ونفخ } مستعملة ~~في معنى المضارع ، أي ينفخ في الصور فصيغ له المضي لتحقق وقوعه مثل قوله ~~تعالى : { أتى أمر الله فلا تستعجلوه } ( النحل : 1 ) ، والمشار إليه بذلك ~~في قوله : { ذلك يوم الوعيد } إذ أن ذلك الزمان الذي نفخ في الصور عنده هو ~~يوم الوعيد . # والنفخ في الصور تقدم القول فيه عند قوله تعالى : { وله الملك يوم ms7917 ينفخ ~~في الصور في سورة الأنعام . # وجملة ذلك يوم الوعيد } معترضة . والإشارة في قوله : { ذلك يوم الوعيد } ~~راجعة إلى النفع المأخوذ من فعل { ونفخ في الصور } . والإخبار عن النفخ ~~بأنه { يوم الوعيد } بتقدير مضاف ، أي ذلك حلول يوم الوعيد . وإضافة { يوم ~~} إلى { الوعيد } من إضافة الشيء إلى ما يقع فيه ، أي يوم حصول الوعيد الذي ~~كانوا توعدوا به ، والاقتصار على ذكر الوعيد لما علمت من أن المقصود الأول ~~من هذه الآية هم المشركون . وفي الكلام اكتفاء ، تقديره : ويوم الوعد . # وعطفت جملة { جاءت كل نفس } على جملة { نفخ في الصور } . والمراد ب { كل ~~نفس } كل نفس من المتحدث عنهم وهم المشركون ، ويدل عليه أمور : PageV26P307 # أحدهما : السياق . # والثاني : قوله { معها سائق } لأن السائق يناسب إزجاء أهل الجرائم ، وأما ~~المهديون إلى الكرامة فإنما يهديهم قائد يسير أمامهم قال تعالى : { كأنما ~~يساقون إلى الموت } ( الأنفال : 6 ) . # والثالث : قوله بعده { لقد كنت في غفلة من هذا } ( ق : 22 ) . # والرابع : قوله بعده { وقال قرينه هذا ما لدي عتيد } ( ق : 23 ) الآية . # وجملة { معها سائق وشهيد } بدل اشتمال من جملة { جاءت كل نفس } . و { ~~سائق } مرفوع بالظرف الذي هو { معها } على رأي من أجازه ، أو مبتدأ خبره { ~~معها } . ويجوز أن يكون جملة { معها سائق وشهيد } حالا من { كل نفس } . ~~وعطف { وشهيد } على { سائق } يجوز أن يكون من عطف ذات على ذات فيكون المراد ~~ملكان أحدهما يسوق النفس إلى المحشر والآخر يشهد عليها بما حوته صحائف ~~أعمالها . ويجوز أن يكون من عطف الصفات مثل : # إلى الملك القرم وابن الهمام # فهو ملك واحد . # والسائق الذي يجعل غيره أمامه يزجيه في السير ليكون بمرأى منه كيلا ينفلت ~~وذلك من شأن المشي به إلى ما يسوء قال تعالى : { كأنما يساقون إلى الموت } ~~( الأنفال : 6 ) وقال : { وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا } ( الزمر : 71 ) ~~، وأما قوله : { وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا } ( الزمر : 73 ) ~~فمشاكلة . وضد السوق : القود . # مقول قول محذوف دل عليه تعينه من الخطاب ، أي يقال هذا الكلام لكل ms7918 نفس من ~~نفوس المشركين فهو خطاب التهكم التوبيخي للنفس الكافرة لأن المؤمن لم يكن ~~في غفلة عن الحشر والجزاء . PageV26P308 # وجملة القول ومقوله في موضع الحال من { كل نفس } ( ق : 21 ) أو موقع ~~الصفة ، وعلامات الخطاب في كلمات { كنت } و { عنك } و { غطاءك } و { بصرك } ~~مفتوحة لتأويل النفس بالشخص أو بالإنسان ثم غلب فيه التذكير على التأنيث . ~~وهذا الكلام صادر من جانب الله تعالى وهو شروع في ذكر الحساب . # والغفلة : الذهول عما شأنه أن يعلم وأطلقت هنا على الإنكار والجحد على ~~سبيل التهكم ، ورشح ذلك قوله { فكشفنا عنك غطاءك } بمعنى : بينا لك الدليل ~~بالحس فهو أيضا تهكم . وأوثر قوله : { في غفلة } على أن يقال غافلا للدلالة ~~على تمكن الغفلة منه ولذلك استتبع تمثيلها بالغطاء . # وكشف الغطاء تمثيل لحصول اليقين بالشيء بعد إنكار وقوعه ، أي كشفنا عنك ~~الغطاء الذي كان يحجب عنك وقوع هذا اليوم بما فيه ، وأسند الكشف إلى الله ~~تعالى لأنه الذي أظهر لها أسباب حصول اليقين بشواهد عين اليقين . وأضيف ( ~~غطاء ) إلى ضمير الإنسان المخاطب للدلالة على اختصاصه به وأنه مما يعرف به ~~. # وحدة البصر : قوة نفاذه في المرئي ، وحدة كل شيء قوة مفعوله ، ومنه حدة ~~الذهن ، والكلام يتضمن تشبيه حصول اليقين برؤية المرئي ببصر قوي ، وتقييده ~~بقوله : { اليوم } تعريض بالتوبيخ ، أي ليس حالك اليوم كحالك قبل اليوم إذ ~~كنت في الدنيا منكرا للبعث . # والمعنى : فقد شاهدت البعث والحشر والجزاء ، فإنهم كانوا ينكرون ذلك كله ~~، قالوا { أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا المدينون } ( الصافات : 53 ) ~~وقالوا : { وما نحن بمعذبين } ( الصافات : 59 ) فقد رأى العذاب ببصره . # الواو واو الحال والجملة حال من تاء الخطاب في قوله : { لقد كنت في غفلة ~~PageV26P309 من هذا } ( ق : 22 ) أي يوبخ عند مشاهدة العذاب بكلمة { لقد ~~كنت في غفلة من هذا } ، في حال قول قرينه { هذا ما لدي عتيد } . # وهاء الغائب في قوله : { قرينه } عائدة إلى { كل نفس } ( ق : 21 ) أو إلى ~~الإنسان . # وقرين فعيل بمعنى مفعول ، أي مقرون إلى غيره . وكأن فعل قرن مشتق ms7919 من ~~القرن بالتحريك وهو الحبل وكانوا يقرنون البعير بمثله لوضع الهودج ، ~~فاستعير القرين للملازم . وهذا ليس بالتفات إذ ليس هو تغيير ضمير ولكنه ~~تعيين أسلوب الكلام وأعيد عليه ضمير الغائب المفرد باعتبار معنى { نفس أي ~~شخص ، أو غلب التذكير على التأنيث . # واسم الإشارة في قوله : هذا ما لدي } الخ ، يفسره قوله : { ما لدي عتيد } ~~. # و { ما } في قوله : { ما لدي } موصولة بدل من اسم الإشارة . و { لدي } ~~صلة ، و { عتيد } خبر عن اسم الإشارة . # واختلف المفسرون في المراد بالقرين في هذه الآية على ثلاثة أقوال : فقال ~~قتادة والحسن والضحاك وابن زيد ومجاهد في أحد قوليه هو الملك الموكل ~~بالإنسان الذي يسوقه إلى المحشر أي هو السائق الشهيد . وهذا يقتضي أن يكون ~~القرين في قوله الآتي { قال قرينه ربنا ما أطغيته } ( ق : 27 ) بمعنى غير ~~معنى القرين في قوله : { وقال قرينه هذا ما لدي عتيد } . # وعن مجاهد أيضا : أن القرين شيطان الكافر الذي كان يزين له الكفر في ~~الدنيا أي الذي ورد في قوله تعالى : { وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين ~~أيديهم وما خلفهم } ( فصلت : 25 ) . وعن ابن زيد أيضا : أن قرينه صاحبه من ~~الإنس ، أي الذي كان قرينه في الدنيا . # وعلى الاختلاف في المراد بالقرين يختلف تفسير قوله : { هذا ما لدي عتيد } ~~فإن كان القرين الملك كانت الإشارة بقوله { هذا } إلى العذاب الموكل به ذلك ~~الملك ؛ وإن كان القرين شيطانا أو إنسانا كانت الإشارة محتملة لأن تعود إلى ~~العذاب كما في الوجه الأول ، أو أن تعود إلى معاد ضمير الغيبة في قوله : { ~~قرينه } PageV26P310 وهو نفس الكافر ، أي هذا الذي معي ، فيكون { لدي } ~~بمعنى : معي ، إذ لا يخلو أحد من صاحبب يأنس بمحادثته والمراد به قرين ~~الشرك المماثل . # وقد ذكر الله من كان قرينا للمؤمن من المشركين واختلاف حاليهما يوم ~~الجزاء بقوله { قال قائل منهم إني كان لي قرين يقول أئنك لمن المصدقين ~~الآية في سورة الصافات ( 51 ، 52 ) . وقول القرين هذا ما لدي عتيد } مستعمل ~~في التلهف والتحسر والإشفاق ms7920 ، لأنه لما رأى ما به العذاب علم أنه قد هيىء ~~له ، أو لما رأى ما قدم إليه قرينه علم أنه لاحق على أثره كقصة الثورين ~~الأبيض والأحمر اللذين استعان الأسد بالأحمر منهما على أكل الثور الأبيض ثم ~~جاء الأسد بعد يوم ليأكل الثور الأحمر فعلا الأحمر ربوة وصاح ألا إنما أكلت ~~يوم أكل الثور الأبيض . # وتقدم معنى { عتيد } عند قوله تعالى : { إلا لديه رقيب عتيد } ( ق : 18 ) ~~، وهو هنا متعين للمعنى الذي فسر عليه المفسرون ، أي معد ومهيأ . # ( 24 ، 25 ) # انتقال من خطاب النفس إلى خطاب الملكين الموكلين السائق والشهيد . ~~والكلام مقول قول محذوف . والجملة استئناف ابتدائي انتقال من خطاب فريق إلى ~~خطاب فريق آخر ، وصيغة المثنى في قوله : { ألقيا } تجوز أن تكون مستعملة في ~~أصلها فيكون الخطاب للسائق والشهيد . ويجوز أن تكون مستعملة في خطاب الواحد ~~وهو الملك الموكل بجهنم وخوطب بصيغة المثنى جريا على طريقة مستعملة في ~~الخطاب جرت على ألسنتهم لأنهم يكثر فيهم أن يرافق السائر رفيقان ، وهي ~~طريقة مشهورة ، كما قال امرؤ القيس : # قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل # وقولهم : يا خليلي ، ويا صاحبي . والمبرد يرى أن تثنية الفاعل نزلت منزلة ~~تثنية الفعل لاتحادهما كأنه قيل : ألق ألق للتأكيد . PageV26P311 وهذا أمر ~~بأن يعم الإلقاء في جهنم كل كفار عنيد ، فيعلم منه كل حاضر في الحشر من ~~هؤلاء أنه مدفوع به إلى جهنم . # والكفار : القوي الكفر ، أي الشرك . # والعنيد : القوي العناد ، أي المكابرة والمدافعة للحق وهو يعلم أنه مبطل ~~. # والمناع : الكثير المنع ، أي صد الناس عن الخير ، والخير هو الإيمان ، ~~كانوا يمنعون أبناءهم وذويهم من اتباع الإيمان ومن هؤلاء الوليد بن المغيرة ~~كان يقول لبني أخيه ( من دخل منكم في الإسلام لا أنفعه بشيء ما عشت ) . ~~ويحتمل أن يراد به أيضا منع الفقراء من المال لأن الخير يطلق على المال ~~وكان أهل الجاهلية يمنعون الفقراء ويعطون المال لأكابرهم تقربا وتلطفا . # والمعتدي : الظالم الذي يعتدي على المسلمين بالأذى وعلى الرسول صلى الله ~~عليه وسلم بالتكذيب والقول الباطل . # والمريب ms7921 الذي أراب غيره ، أي جعله مرتابا ، أي شاكا ، أي بما يلقونه إلى ~~الناس من صنوف المغالطة ليشككوهم في صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وصحة ~~الإيمان والتوحيد . وبين لفظي { عتيد } ( ق : 18 ) و { عنيد } الجناس ~~المصحف . # يجوز أن يكون اسم الموصول بدلا من { كفار عنيد } فإن المعرفة تبدل من ~~النكرة كقوله تعالى : { وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله } ( الشورى : ~~52 ، 53 ) ، على أن الموصول هنا تعريفه لفظي مجرد لأن معنى الصلة غير مخصوص ~~بمعين ، وأن قوله : { فألقياه } تفريع على { ألقيا في جهنم كل كفار عنيد } ~~( ق : 24 ) ومصب التفريع المتعلق وهو { في العذاب الشديد } ، أي في أشد ~~عذاب جهنم تفريعا على الأمر بإلقائه في جهنم تفريع بيان ، وإعادة فعل { ~~ألقيا } للتأكيد مع تفريع متعلق الفعل المؤكد . وهذا من بديع النظم ، ~~ونظيره قوله تعالى : { كذبت قبلهم قوم PageV26P312 نوح فكذبوا عبدنا وقالوا ~~مجنون وازدجر } ( القمر : 9 ) ففرع على قوله : { كذبت } إلخ قوله : { ~~فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر } . ومنه قوله تعالى : { لا تحسبن الذين ~~يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من ~~العذاب } ( آل عمران : 188 ) ، فالمقصود بالتفريع هو قوله : { بمفازة من ~~العذاب } وإعادة { تحسبنهم } تفيد التأكيد ، وعليه ف { الذي جعل مع الله ~~إلاها آخر } : الكفار المضاف إليه { كل } ( ق : 24 ) فهو صادق على جماعة ~~الكفارين فضمير النصب في { ألقيناه } بمنزلة ضمير جمع ، أي فألقياهم . # ويجوز أن يكون اسم الموصول مبتدأ على استئناف الكلام ويضمن الموصول معنى ~~الشرط فيكون في وجود الفاء في خبره لأجل ما فيه من معنى الشرط وهذا كثير . ~~والمقصود منه هنا تأكيد العموم الذي في قوله : { كل كفار عنيد } . # حكاية قول القرين بالأسلوب المتبع في حكاية المقاولات في القرآن وهو ~~أسلوب الفصل دون عطف فعل القول على شيء ، وهو الأسلوب الذي ذكرناه في قوله ~~تعالى : { قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها الآية في سورة البقرة ، تشعر بأن ~~في المقام كلاما مطويا هو كلام صاحب القرين طوي للإيجاز ، ودليله ما تضمنه ~~قول القرين من ms7922 نفي أن يكون هو أطغى صاحبه إذ قال ربنا ما أطغيته ولكن كان ~~في ضلال بعيد } . وقد حكي ذلك في سورة ص صريحا بقوله : { هذا فوج مقتحم ~~معكم لا مرحبا بهم إنهم صالوا النار قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم ~~قدمتموه لنا فبئس القرار قالوا ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في ~~النار } ( ص : 59 61 ) . وتقدير المطوي هنا : أن الكفار العنيد لما قدم إلى ~~النار أراد التنصل من كفره وعناده وألقى تبعته على قرينه الذي كان يزين له ~~الكفر فقال : هذا القرين أطغاني ، فقال قرينه { ربنا ما أطغيته ولكن كان في ~~ضلال بعيد } . فالقرين هذا هو القرين الذي تقدم ذكره في قوله : { وقال ~~قرينه هذا ما لدي عتيد } ( ق : 23 ) . PageV26P313 # والطغيان : تجاوز الحد في التعاظم والظلم والكفر ، وفعله يائي وواوي ، ~~يقال : طغي يطغى كرضي ، وطغا يطغو كدعا . فمعنى { ما أطغيته } ما جعلته ~~طاغيا ، أي ما أمرته بالطغيان ولا زينته له . والاستدراك ناشىء عن شدة ~~المقارنة بينه وبين قرينه لا سيما إذا كان المراد بالقرين شيطانه المقيض له ~~فإنه قرن به من وقت إدراكه ، فالاستدراك لدفع توهم أن المقارنة بينهما ~~تقتضي أن يكون ما به من الطغيان بتلقين القرين فهو ينفي ذلك عن نفسه ، ~~ولذلك أتبع الاستدراك بجملة { كان في ضلال بعيد } فأخبر القرين بأن صاحبه ~~ضال من قبل فلم يكن اقترانه معه في التقييض أو في الصحبة بزائد إياه إضلالا ~~، وهذا نظير ما حكاه الله عن الفريقين في قوله : { إذ تبرأ الذين اتبعوا من ~~الذين اتبعوا } ( البقرة : 166 ) . وفعل { كان } لإفادة أن الضلال ثابت له ~~بالأصالة ملازم لتكوينه . # والبعيد : مستعار للبالغ في قوة النوع حدا لا يبلغ إليه إدراك العاقل ~~بسهولة كما لا يبلغ سير السائر إلى المكان البعيد إلا بمشقة أو بعيد الزمان ~~، أي قديم أصيل فيكون تأكيدا لمفاد فعل { كان } ، وقد تقدم عند قوله تعالى ~~: { ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا في سورة النساء . # والمعنى : أن تمكن الضلال منه يدل على أنه ليس ms7923 فيه بتابع لما يمليه غيره ~~عليه لأن شأن التابع في شيء أن لا يكون مكينا فيه مثل علم المقلد وعلم ~~النظار . # ( 28 ، 29 ) } # هذا حكاية كلام يصدر يومئذ من جانب الله تعالى للفريقين الذي اتبعوا ~~والذين اتبعوا ، فالضمير عائد على غير مذكور في الكلام يدل عليه قوله : { ~~فكشفنا عنك غطاءك } ( ق : 22 ) . # وعدم عطف فعل { قال } على ما قبله لوقوعه في معرض المقاولة ، والتعبير ~~بصيغة الماضي لتحقق وقوعه فقد صارت المقاولة بين ثلاثة جوانب . PageV26P314 # والاختصام : المخاصمة وهو مصدر بصيغة الافتعال التي الأصل فيها أنها ~~لمطاوعة بعض الأفعال فاستعملت للتفاعل مثل : اجتوروا واعتوروا واختصموا . # والنهي عن المخاصمة بينهم يقتضي أن النفوس الكافرة ادعت أن قرناءها ~~أطغوها ، وأن القرناء تنصلوا من ذلك وأن النفوس أعادت رمي قرنائها بذلك ~~فصار خصاما فلذلك قال الله تعالى : { لا تختصموا لدى } وطوي ذكره لدلالة { ~~لا تختصموا } عليه إيثارا لحق الإيجاز في الكلام . والنهي عن الاختصام بعد ~~وقوعه بتأويل النهي عن الدوام عليه ، أي كفوا عن الخصام . # ومعنى النهي أن الخصام في ذلك لا جدوى له لأن استواء الفريقين في الكفر ~~كافف في مؤاخذة كليهما على السواء كما قال تعالى : { قالت أخراهم لأولاهم ~~ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون } ~~( الأعراف : 38 ) ، وذلك كناية عن أن حكم الله عليهم قد تقرر فلا يفيدهم ~~التخاصم لإلقاء التبعة على أحد الفريقين . # ووجه استوائهما في العذاب أن الداعي إلى إضلاله قائم بما اشتهته نفسه من ~~ترويج الباطل دون نظر في الدلائل الوزاعة عنه وأن متلقي الباطل ممن دعاه ~~إليه قائم بما اشتهته نفسه من الطاعة لأيمة الضلال فاستويا في الداعي وترتب ~~أثره . # والواو في { وقد قدمت } واو الحال . والجملة حال من ضمير { تختصموا } وهي ~~حال معللة للنهي عن الاختصام . # والمعنى : لا تطمعوا في أن تدافعكم في إلقاء التبعة ينجيكم من العقاب بعد ~~حال إنذاركم بالوعيد من وقت حياتكم فما اكترثتم بالوعيد فلا تلوموا إلا ~~أنفسكم لأن من أنذر فقد أعذر . # فقوله : { وقد قدمت ms7924 إليكم بالوعيد } كناية عن عدم الانتفاع بالخصام كون ~~العقاب عدلا من الله . والباء في { بالوعيد } مزيدة للتأكيد كقوله : { ~~وامسحوا برؤوسكم } ( المائدة : 6 ) . والمعنى : وقد قدمت إليكم الوعيد قبل ~~اليوم . PageV26P315 # والتقديم : جعل الشيء قدام غيره . # والمراد به هنا : كونه سابقا على المؤاخذة بالشرك لأن الله توعدهم بواسطة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم فالمعنى الأول المكنى عنه بين بجملة { ما يبدل ~~القول لدى } ، أي لست مبطلا ذلك الوعيد ، وهو القول ، إذ الوعيد من نوع ~~القول ، والتعريف للعهد ، أي فما أوعدتكم واقع لا محالة لأن الله تعهد أن ~~لا يغفر لمن يشرك به ويموت على ذلك . والمعنى الثاني المكنى عنه بين بجملة ~~{ وما أنا بظلام للعبيد } ، أي فلذلك قدمت إليكم الوعيد . # والمبالغة التي في وصف { ظلام } راجعة إلى تأكيد النفي . والمراد : لا ~~أظلم شيئا من الظلم ، وليس المعنى : ما أنا بشديد الظلم كما قد يستفاد من ~~توجه النفي إلى المقيد يفيد أن يتوجه إلى القيد لأن ذلك أغلبي . والأكثر في ~~نفي أمثلة المبالغة أن يقصد بالمبالغة مبالغة النفي ، قال طرفة : # ولست بحلال التلاع مخافة # ولكن متى يسترفد القوم أرفد # فإنه لا يريد نفي كثرة حلوله التلاع وإنما أراد كثرة النفي . # وذكر الشيخ في ( دلائل الإعجاز ) توجه نفي الشيء المقيد إلى خصوص القيد ~~كتوجه الإثبات سواء ، ولكن كلام التفتزاني في كتاب ( المقاصد في أصول الدين ~~) في مبحث رؤية الله تعالى أشار إلى استعمالين في ذلك ، فالأكثر أن النفي ~~يتوجه إلى القيد فيكون المنفي القيد ، وقد يعتبر القيد قيدا للنفي وهذا هو ~~التحقيق . على أني أرى أن عد مثل صيغة المبالغة في عداد القيود محل نظر فإن ~~المعتبر من القيود هو ما كان لفظا زائدا على اللفظ المنفي من صفة أو حال أو ~~نحو ذلك ، ألا ترى أنه لا يحسن أن يقال : لست ظلاما ، ولكن أظلم ، ويحسن أن ~~يقال لا آتيك محاربا ولكن مسالما . # وقد أشار في ( الكشاف ) إلى أن إيثار وصف { ظلام } هنا إيماء إلى أن ~~المنفي PageV26P316 لو كان غير منفي لكان ظلما شديدا ms7925 فيفهم منه أنه لو أخذ ~~الجاني قبل أن يعرف أن عمله جناية لكانت مؤاخذته بها ظلما شديدا . ولعل ~~صاحب ( الكشاف ) يرمي إلى مذهبه من استواء السيئات ، والتعبير بالعبيد دون ~~التعبير بالناس ونحوه لزيادة تقرير معنى الظلم في نفوس الأمة ، أي لا أظلم ~~ولو كان المظلوم عبدي فإذا كان الله الذي خلق العباد قد جعل مؤاخذة من لم ~~يسبق له تشريع ظلما فما بالك بمؤاخذة الناس بعضهم بعضا بالتبعات دون تقدم ~~إليهم بالنهي من قبل ، ولذلك يقال : لا عقوبة إلا على عمل فيه قانون سابق ~~قبل فعله . # ظرف متعلق ب { قال لا تختصموا لدى } ( ق : 28 ) . والتقدير : قال لهم في ~~ذلك القول يوم يقول قولا آخر لجهنم { هل امتلأت } . ومناسبته تعليقه به أن ~~هذا القول لجهنم مقصود به ترويع المدفوعين إلى جهنم أن لا يطمعوا في أن ~~كثرتهم يضيق بها سعة جهنم فيطمع بعضهم أن يكون ممن لا يوجد له مكان فيها ، ~~فحكاه الله في القرآن عبرة لمن يسمعه من المشركين وتعليما لأهل القرآن ~~المؤمنين ولذلك استوت قراءة { يقول } بالياء ، وهي لنافع وأبي بكر عن عاصم ~~جريا على مقتضى ظاهر ما سبقه من قوله : { قال لا تختصموا لدى } . وقراءة ~~الباقين بالنون على الالتفات بل هو التفات تابع لتبديل طريق الإخبار من ~~الحديث عن غائب إلى خطاب حاضر . # والقول الأول حقيقي وهو كلام يصدر من جانب الله بمحض خلقه دون واسطة . ~~فلذلك أسند إلى الله كما يقال القرآن كلام الله . # والاستفهام في { هل امتلأت } مستعمل في تنبيه أهل العذاب إلى هذا السؤال ~~على وجه التعريض . # وأما القول لجهنم فيجوز أن يكون حقيقة بأن يخلق الله في أصوات لهيبها ~~أصواتا ذات حروف يلتئم منها كلام ، ويجوز أن يكون مجازا عن دلالة حالها على ~~أنها PageV26P317 تسع ما يلقى فيها من أهل العذاب بأن يكشف باطنها ~~للمعروضين عليها حتى يروا سعتها كقول الراجز : # امتلا الحوض وقال : قطني # والاستفهام في { هل من مزيد } مستعمل للتشويق والتمني . # وفيه دلالة على أن الموجودات مشوقة إلى الإيفاء بما خلقت ms7926 له كما قال ~~الشيطان { قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم } ( الأعراف : 16 ) ~~. وفيه دلالة على إظهار الامتثال لما خلقها الله لأجله ، ولأنها لا تتلكأ ~~ولا تتعلل في أدائه على أكمل حال في بابه . # والمزيد : مصدر ميمي ، وهو الزيادة مثل المجيد والحميد . ويجوز أن يكون ~~اسم مفعول من زاد ، أي هل من جماعة آخرين يلقون في . # ( 31 35 ) { } # عطف { وأزلفت } على { يقول لجهنم } . فالتقدير : يوم أزلفت الجنة للمتقين ~~وهو رجوع إلى مقابل حالة الضالين يوم ينفخ في الصور ، فهذه الجملة متصلة في ~~المعنى بجملة { وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد } ( ق : 21 ) ولو اعتبرت ~~معطوفة عليها لصح ذلك إلا أن عطفها على جملة { يوم يقول لجهنم هل امتلات } ~~( ق : 30 ) غنية عن ذلك ولا سيما مع طول الكلام . # والإزلاف : التقريب مشتق من الزلف بالتحريك وهو القربة ، وقياس فعله أنه ~~كفرح كما دل عليه المصدر ولم يرو في كلامهم ، أي جعلت الجنة قريبا من ~~المتقين ، أي ادنوا منها . # والجنة موجودة من قبل ورود المتقين إليها فإزلافها قد يكون بحشرهم للحساب ~~PageV26P318 بمقربة منها كرامة لهم عن كلفة المسير إليها ، وقد يكون عبارة ~~عن تيسير وصولهم إليها بوسائل غير معروفة في عادة أهل الدنيا . # وقوله : { غير بعيد } يرجح الاحتمال الأول ، أي غير بعيد منهم وإلا صار ~~تأكيدا لفظيا ل { أزلفت } كما يقال : عاجل غير آجل ، وقوله : { وأضل فرعون ~~قومه وما هدى } ( طه : 79 ) والتأسيس أرجح من احتمال التأكيد . # وانتصب { غير بعيد } على الظرفية باعتبار أنه وصف لظرف مكان محذوف . ~~والتقدير : مكانا غير بعيد ، أي عن المتقين . وهذا الظرف حال من { الجنة } ~~. وتجريد { بعيد } من علامة التأنيث : إما على اعتبار { غير بعيد } وصفا ~~لمكانن ، وإما جري على الاستعمال الغالب في وصف بعيد وقريب إذا أريد البعد ~~والقرب بالجهة دون النسب أن يجردا من علامة التأنيث كما قاله الفراء أو لأن ~~تأنيث اسم الجنة غير حقيقي كما قال الزجاج ، وإما لأنه جاء على زنة المصدر ~~مثل الزئير والصليل ، كما قال الزمخشري ، ومثله قوله تعالى : { إن ms7927 رحمة ~~الله قريب من المحسنين } ( الأعراف : 56 ) . # وجملة { هذا ما توعدون } معترضة ، فلك أن تجعلها وحدها معترضة وما بعدها ~~متصلا بما قبلها فتكون معترضة بين البدل والمبدل منه وهما { للمتقين } و { ~~لكل أواب } ، وتجعل { لكل أواب } بدلا من { للمتقين } ، وتكرير الحرف الذي ~~جر به المبدل منه لقصد التأكيد كقوله تعالى : { قال الذين استكبروا للذين ~~استضعفوا } ( سبأ : 32 ) لمن آمن منهم الآية وقوله : { ولأبويه لكل واحد ~~منهما السدس } ( النساء : 11 ) . واسم الإشارة المذكر مراعى فيه مجموع ما ~~هو مشاهد عندهم من الخيرات . # والأواب : الكثير الأوب ، أي الرجوع إلى الله ، أي إلى امتثال أمره ونهيه ~~. # والحفيظ : الكثير الحفظ لوصايا الله وحدوده . والمعنى : أنه محافظ على ~~الطاعة فإذا صدرت منه فلتة أعقبها بالتوبة . # و { من خشي الرحمن بالغيب } بدل من { كل أواب } . PageV26P319 والخشية : ~~الخوف . وأطلقت الخشية على أثرها وهو الطاعة . # والباء في { بالغيب } بمعنى ( في ) الظرفية لتنزيل الحال منزلة المكان ، ~~أي الحالة الغائبة وهي حالة عدم اطلاع أحد عليه ، فإن الخشية في تلك الحالة ~~تدل على صدق الطاعة لله بحيث لا يرجو ثناء أحد ولا عقاب أحد فيتعلق المجرور ~~بالتاء بفعل { خشي } . ولك أن تبقي الباء على بعض معانيها الغالبة وهي ~~الملابسة ونحوها ويكون { الغيب } مصدرا والمجرور حالا من ضمير { خشي } . # ومعنى { وجاء بقلب منيب } أنه حضر يوم الحشر مصاحبا قلبه المنيب إلى الله ~~، أي مات موصوفا بالإنابة ولم يبطل عمله الصالح في آخر عمره ، وهذا كقوله ~~حكاية عن إبراهيم { يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم } ~~( الشعراء : 88 ، 89 ) . # وإيثار اسمه { الرحمن } في قوله : { من خشي الرحمن } دون اسم الجلالة ~~للإشارة إلى أن هذا المتقي يخشى الله وهو يعلم أنه رحمان ، ولقصد التعريض ~~بالمشركين الذين أنكروا اسمه الرحمن { وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمان قالوا ~~وما الرحمن } ( الفرقان : 60 ) . # والمعنى على الذين خشوا : خشي صاحب هذا الاسم ، فأنتم لا حظ لكم في الجنة ~~لأنكم تنكرون أن الله رحمان بله أن تخشوه . # ووصف قلب ب { منيب } على طريقة المجاز ms7928 العقلي لأن القلب سبب الإنابة لأنه ~~الباعث عليها . # وجملة { ادخلوها بسلام } من تمام مقول القول المحذوف . وهذا الإذن من ~~كمال إكرام الضيف أنه إن دعي إلى الوليمة أو جيء به فإنه إذا بلغ المنزل ~~قيل له : ادخل بسلام . # والباء في { بسلام } للملابسة . والسلام : السلامة من كل أذى من تعب أو ~~نصب ، وهو دعاء . PageV26P320 ويجوز أن يراد به أيضا تسليم الملائكة عليهم ~~حين دخولهم الجنة مثل قوله : { سلام قولا من رب رحيم } ( يس : 58 ) . # ومحل هذه الجملة من التي قبلها الاستئناف البياني لأن ما قبلها يثير ترقب ~~المخاطبين للإذن بإنجاز ما وعدوا به . # وجملة { ذلك يوم الخلود } يجوز أن تكون مما يقال للمتقين على حد قوله : { ~~فادخلوها خالدين } ( الزمر : 73 ) ، والإشارة إلى اليوم الذي هم فيه . وكان ~~اسم الإشارة للبعيد للتعظيم . ويجوز أن تكون الإشارة إلى اليوم المذكور في ~~قوله : { يوم يقول لجهنم هل امتلات } ( ق : 30 ) فإنه بعد أن ذكر ما يلاقيه ~~أهل جهنم وأهل الجنة أعقبه بقوله : { ذلك يوم الخلود } ترهيبا وترغيبا ، ~~وعلى هذا الوجه الثاني تكون هذه الجملة معترضة اعتراضا موجها إلى المتقين ~~يوم القيامة أو إلى السامعين في الدنيا . وعلى كلا الوجهين فإضافة { يوم } ~~إلى { الخلود } باعتبار أن أول أيام الخلود هي أيام ذات مقادير غير معتادة ~~، أو باعتبار استعمال { يوم } بمعنى مطلق الزمان . # وبين كلمة { ادخلوها } وكلمة { الخلود } الجناس المقلوب الناقص ، ثم إن ~~جملة { لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد } يجوز أن تكون من بقية ما يقال ~~للمتقين ابتداء من قوله : { هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ } فيكون ضمير ~~الغيبة التفاتا وأصله : لكم ما تشاؤون . ويجوز أن تكون مما خوطب به ~~الفريقان في الدنيا وعلى الاحتمالين فهي مستأنفة استئنافا بيانيا . # و { لدينا مزيد } ، أي زيادة على ما يشاؤون مما لم يخطر ببالهم ، وذلك ~~زيادة في كرامتهم عند الله ووردت آثار متفاوتة القوة أن من المزيد مفاجأتهم ~~بخيرات ، وفيها دلالة على أن المفاجأة بالإنعام ضرب من التلطف والإكرام ، ~~وأيضا فإن الأنعام يجيئهم في صور معجبة . والقول في ms7929 { مزيد } هنا كالقول في ~~نظيره السابق آنفا . # وجاء ترتيب الآيات في منتهى الدقة فبدأت بذكر إكرامهم بقوله : { وأزلفت ~~الجنة للمتقين } ، ثم بذكر أن الجنة جزاؤهم الذي وعدوا به فهي حق لهم ، ثم ~~أومأت إلى أن ذلك لأجل أعمالهم بقوله : { لكل أواب حفيظ من خشي الرحمن } ~~الخ ، PageV26P321 ثم ذكرت المبالغة في إكرامهم بعد ذلك كله بقوله : { ~~ادخلوها بسلام } ، ثم طمأنهم بأن ذلك نعيم خالد ، وزيد في إكرامهم بأن لهم ~~ما يشاؤون ما لم يروه حين الدخول ، وبأن الله عدهم بالمزيد من لدنه . # ( 36 ، 37 ) # انتقال من الاستدلال إلى التهديد وهو معطوف على ما قبله وهذا العطف ~~انتقال إلى الموعظة بما حل بالأمم المكذبة بعد الاستدلال على إمكان البعث ~~بقوله : { قد علمنا ما تنقص الأرض منهم } ( ق : 4 ) وما فرع عليه من قوله : ~~{ أفعيينا بالخلق الأول } ( ق : 15 ) . وفي هذا العطف الوعيد الذي أجمل في ~~قوله : { كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس إلى قوله : فحق وعيد } ( ق : 12 ، ~~14 ) . فالوعيد الذي حق عليهم هو الاستئصال في الدنيا وهو مضمون قوله : { ~~وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا } . # والخبر الذي أفاده قوله : { وكم أهلكنا قبلهم } تعريض بالتهديد وتسلية ~~للنبيء صلى الله عليه وسلم وضميرا { قبلهم } و { منهم } عائدان إلى معلوم ~~من المقام غير مذكور في الكلام كما تقدم في قوله أول السورة من قوله : { بل ~~عجبوا أن جاءهم منذر منهم ويفسره قوله بعده فقال الكافرون هذا شيء عجيب } ( ~~ق : 2 ) . وجرى على ذلك السنن قوله : { كذبت قبلهم قوم نوح } وقوله : { بل ~~هم في لبس من خلق جديد } ( ق : 15 ) ، ونظائره في القرآن كثيرة . # و { كم } خبرية وجر تمييزها ب { من } على الأصل . # والبطش : القوة على الغير . والتنقيب : مشتق من النقب بسكون القاف بمعنى ~~الثقب ، فيكون بمعنى : PageV26P322 خرقوا ، واستعير لمعنى : ذللوا وأخضعوا ~~، أي تصرفوا في الأرض بالحفر الغرس والبناء وتحت الجبال وإقامة السداد ~~والحصون فيكون في معنى قوله : { وأثاروا الأرض وعمروها في سورة الروم . # وتعريف البلاد } للجنس ، أي في الأرض كقوله تعالى ms7930 : { الذين طغوا في ~~البلاد } ( الفجر : 11 ) . # والفاء في { فنقبوا } لتفريع عن { أشد منهم بطشا } ، أي ببطشهم وقوتهم ~~لقبوا في البلاد . # والجملة معترضة بين جملة { وكم أهلكنا قبلهم } إلى آخره . # وجملة { هل من محيص } كما اعترض بالتفريع في قوله تعالى : { ذلكم فذوقوه ~~وأن للكافرين عذاب النار } ( الأنفال : 14 ) . # وجملة { هل من محيص } بدل اشتمال من جملة { أهلكنا } ، أي إهلاكا لا منجى ~~منه . ويجوز أن تكون الجملة مستأنفة . فالاستفهام إنكاري بمعنى النفي ، ~~ولذلك دخلت { من } على الاسم الذي بعد الاستفهام كما يقال : ما من محيص ، ~~وهذا قريب من قوله في سورة ص { كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات حين ~~مناص } . # والمحيص : مصدر ميمي من حاص إذا عدل وجاد ، أي لم يجدوا محيصا من الإهلاك ~~وهو كقوله تعالى : { وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد في سورة ~~مريم . # وقوله : إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب } إلى آخرها يجوز أن تكون ~~الإشارة بذلك إلى إهلاك القرون الأشد بطشا ، ويجوز أن يكون إلى جميع ما ~~تقدم من استدلال وتهديد وتحذير من يوم الجزاء . # والذكرى : التذكرة العقلية ، أي التفكر في تدبر الأحوال التي قضت عليهم ~~بالإهلاك ليقيسوا عليها أحوالهم فيعلموا أن سينالهم ما نال أولئك ، وهذا ~~قياس عقلي يدركه اللبيب من تلقاء نفسه دون احتياج إلى منبه . PageV26P323 # والقلب : العقل وإدراك الأشياء على ما هي عليه . وإلقاء السمع : مستعار ~~لشدة الإصغاء للقرآن ومواعظ الرسول صلى الله عليه وسلم كأن أسماعهم طرحت في ~~ذلك فلا يشغلها شيء آخر تسمعه . # والشهيد : المشاهد وصيغة المبالغة فيه للدلالة على قوة المشاهدة للمذكر ، ~~أي تحديق العين إليه للحرص على فهم مراده مما يقارن كلامه من إشارة أو سحنة ~~فإن النظر يعين على الفهم . وقد جيء بهذه الجملة الحالية للإشارة إلى ~~اقتران مضمونها بمضمون عاملها بحيث يكون صاحب الحال ملقيا سمعه مشاهدا . ~~وهذه حالة المؤمن ففي الكلام تنويه بشأن المؤمنين وتعريض بالمشركين بأنهم ~~بعداء عن الانتفاع بالذكريات والعبر . وإلقاء السمع مع المشاهدة يوقظ العقل ~~للذكرى والاعتبار ms7931 إن كان للعقل غفلة . # وموقع { أو } للتقسيم لأن المتذكر إما أن يتذكر بما دلت عليه الدلائل ~~العقلية من فهم أدلة القرآن ومن الاعتبار بأدلة الآثار على أصحابها كآثار ~~الأمم مثل ديار ثمود ، قال تعالى : { فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا } ( ~~النمل : 52 ) فقوله : { ألقى السمع } استعارة عزيزة شبه توجيه السمع لتلك ~~الأخبار دون اشتغال بغيرها بإلقاء الشيء لمن أخذه فهو من قسم من له قلب ، ~~وإما أن يتذكر بما يبلغه من الأخبار عن الأمم كأحاديث القرون الخالية . ~~وقيل المراد بمن ألقى السمع وهو شهيد خصوص أهل الكتاب الذين ألقوا سمعهم ~~لهذه الذكرى وشهدوا بصحتها لعلمهم بها من التوراة وسائر كتبهم فيكون { شهيد ~~} من الشهادة لا من المشاهدة . وقال الفخر : تنكير { قلب } للتعظيم والكمال ~~. والمعنى : لمن كان له قلب ذكي واع يستخرج بذكائه ، أو لمن ألقى السمع إلى ~~المنذر فيتذكر ، وإنما قال { أو ألقى السمع } ولم يقل : استمع ، لأن إلقاء ~~السمع ، أي يرسل سمعه ولا يمسكه وإن لم يقصد السماع ، أي تحصل الذكرى لمن ~~له سمع . وهو تعريض بتمثيل المشركين بمن ليس له قلب وبمن لا يلقي سمعه . ~~PageV26P324 # مناسبة اتصال هذه الآية بما قبلها أنه لما نزل قوله تعالى : { أفلم ~~ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها } ( ق : 6 ) إلى قوله : { لها طلع ~~نضيد } ( ق : 10 ) ، وكان ذلك قريبا مما وصف في التوراة من ترتيب المخلوقات ~~إجمالا ثم نزل قوله بعد ذلك { أفعيينا بالخلق الأول } ( ق : 15 ) كان بعض ~~اليهود بمكة يقولون إن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام واستراح في ~~اليوم السابع ، وهذا مكتوب في سفر التكوين من ( التوراة ) . # والاستراحة تؤذن بالنصب والإعياء فلما فرغت الآية من تكذيب المشركين في ~~أقوالهم عطفت إلى تكذيب الذين كانوا يحدثونهم بحديث الاستراحة ، فهذا تأويل ~~موقع هذه الآية في هذا المحل مع ما حكى ابن عطية من الإجماع على أن هذه ~~السورة كلها مكية وقد أشرنا إلى ذلك في الكلام على طليعة السورة فقول من ~~قال نزلت في يهود المدينة تكلف إذ لم يكن اليهود ms7932 مقصورين على المدينة من ~~بلاد العرب وكانوا يترددون إلى مكة . # فقوله : { ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام } تكملة ~~لما وصف من خلق السماوات في قوله : { أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف ~~بنيناها إلى قوله : من كل زوج بهيج } ( ق : 6 ، 7 ) ليتوصل به إلى قوله : { ~~وما مسنا من لغوب } إبطالا لمقالة اليهود ، والجملة معطوفة على الجملة التي ~~قبلها عطف القصة على القصة وقعت معترضة بين الكلام السابق وبين ما فرع عنه ~~من قوله : { فاصبر على ما يقولون } ( طه : 130 ) . # والواو في { وما مسنا من لغوب } واو الحال لأن لمعنى الحال هنا موقعا ~~عظيما من تقييد ذلك الخلق العظيم في تلك المدة القصيرة بأنه لا ينصب خالقه ~~لأن الغرض من معظم هذه السورة بيان إمكان البعث إذ أحاله المشركون بما يرجع ~~إلى ضيق القدرة الإلهية عن إيقاعه ، فكانت هذه الآيات كلها مشتملة على ~~إبراز معنى سعة القدرة الإلهية . ومعنى { وما مسنا من لغوب } : ما أصابنا ~~تعب . وحقيقة المس : اللمس ، أي PageV26P325 وضع اليد على شيء وضعا غير ~~شديد بخلاف الدفع واللطم . فعبر عن نفي أقل الإصابة بنفي المس لنفي أضعف ~~أحوال الإصابة كما في قوله تعالى : { من قبل أن يتماسا } ( المجادلة : 3 ) ~~فنفي قوة الإصابة وتمكنها أحرى . # واللغوب : الإعياء من الجري والعمل الشديد . # ( 39 ، 40 ) # . # تفريع على ما تقدم كله من قوله : { بل عجبوا أن جاءهم منذر } ( ق : 2 ) ~~الآيات ، ومناسبة وقعه هذا الموقع ما تضمنه قوله : { وكم أهلكنا قبلهم من ~~قرن } ( مريم : 74 ) الآية من التعريض بتسلية النبي صلى الله عليه وسلم أي ~~فاصبر على ما يقول المشركون من التكذيب بما أخبرتهم من البعث وبالرسالة وقد ~~جمع ذلك كله الموصول وهو { ما يقولون } . # وضمير { يقولون } عائد إلى المشركين الذين هم المقصود من هذه المواعظ ~~والنذر ابتداء من قوله : { بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم } . # . # عطف على { فاصبر على ما يقولون } فهو من تمام التفريع ، أي اصبر على ~~أقوال أذاهم وسخريتهم . ولعل وجه هذا العطف أن المشركين كانوا يستهزئون ms7933 ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين إذا قاموا إلى الصلاة مثل قصة إلقاء ~~عقبة بن أبي معيط سلا الجزور على ظهر النبي صلى الله عليه وسلم حين سجد في ~~المسجد الحرام في حجر الكعبة فأقبل عقبة بن أبي معيط فوضع ثوبه في عنقه ~~فخنقه خنقا شديدا ، فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبه ودفعه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وقال : { أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله } ( غافر : 28 ) الآية . ~~وقال تعالى : { أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى إلى قوله : كلالا تطعه واسجد ~~واقترب } ( العلق : 9 19 ) . # فالمراد بالتسبيح : الصلاة وهو من أسماء الصلاة . قال ابن عطية : أجمع ~~PageV26P326 المتأولون على أن التسبيح هنا الصلاة . قلت : ولذلك صار فعل ~~التسبيح منزلا منزلة اللازم لأنه في معنى : صل . والباء في { بحمد ربك } ~~يرجح كون المراد بالتسبيح الصلاة لأن الصلاة تقرأ في كل ركعة منها الفاتحة ~~وهي حمد لله تعالى ، فالباء للملابسة . # واختلف المفسرون في المراد بالصلاة من قوله : { وسبح بحمد ربك قبل طلوع ~~الشمس وقبل الغروب ومن الليل فسبحه وأدبار السجود } ففي ( صحيح مسلم ) عن ~~جرير بن عبد الله : ( كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ نظر إلى ~~القمر فقال : إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته فإن ~~استطعتم أن لا تغلبوا عن صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ) يعني بذلك ~~العصر والفجر . ثم قرأ جرير { وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها } ~~كذا . والقراءة { الغروب } . وعن ابن عباس : قبل الغروب : الظهر والعصر . ~~وعن قتادة : العصر . # وقوله : { ومن الليل فسبحه } الجمهور على أن التسبيح فيه هو الصلاة ، وعن ~~أبي الأحوص أنه قول سبحان الله ، فعلى أن التسبيح الصلاة قال ابن زيد : ~~صلاة المغرب وصلاة العشاء . # و { قبل الغروب } ظرف واسع يبتدىء من زوال الشمس عن كبد السماء لأنها حين ~~تزول عن كبد السماء قد مالت إلى الغروب وينتهي بغروبها ، وشمل ذلك وقت صلاة ~~الظهر والعصر ، وذلك معلوم للنبيء صلى الله عليه وسلم وتسبيح الليل بصلاتي ~~المغرب ms7934 والعشاء لأن غروب الشمس مبدأ الليل ، فإنهم كانوا يؤرخون بالليالي ~~ويبتدئون الشهر بالليلة الأولى التي بعد طلوع الهلال الجديد عقب غروب الشمس ~~. # وقيل هذه المذكورات كلها نوافل ، فالذي قبل طلوع الشمس ركعتا الفجر ، ~~والذي قبل الغروب ركعتان قبل غروب الشمس قاله أبو برزة وأنس بن مالك ، ~~والذي من الليل قيام الليل قاله مجاهد . ويأتي على هذا الوجه الاختلاف في ~~محمل الأمر على الندب إن كانا عاما أو PageV26P327 على الوجوب إن كانا خاصا ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم كما سيأتي في سورة المزمل . # وقريب من هذه الآية قوله تعالى : { فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أو ~~كفورا واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا في ~~سورة الإنسان ( 24 26 ) . # وقريب منها أيضا قوله تعالى : واصبر لحكم ربك فإنك بأعييننا وسبح بحمد ~~ربك حين تقوم ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم في سورة الطور ( 48 ، 49 ) . # وأما قوله : وإدبار السجود } فيجوز أن يكون معطوفا على قوله : { قبل طلوع ~~الشمس } ، ويجوز أن يكون معطوفا على قوله : { ومن الليل فسبحه } . # والإدبار : بكسر الهمزة حقيقته : الانصراف لأن المنصرف يستدبر من كان معه ~~، واستعير هنا للانقضاء ، أي انقضاء السجود ، والسجود : الصلاة ، قال تعالى ~~: { واسجد واقترب } . وانتصابه على النيابة عن الظرف لأن المراد : وقت ~~إدبار السجود . وقرأه نافع وابن كثير وأبو جعفر وحمزة وخلف بكسر همزة { ~~إدبار } . وقرأه الباقون بفتح الهمزة على أنه جمع : دبر ، بمعنى العقب ~~والآخر ، وعلى كلتا القراءتين هو وقت انتهاء السجود . # ففسر السجود بالحمل على الجنس ، أي بعد الصلوات قاله ابن زيد ، فهو أمر ~~بالرواتب التي بعد الصلوات . وهو عام خصصته السنة بأوقات النوافل ، ومجمل ~~بينت السنة مقاديره ، وبينت أن الأمر فيه أمر ندب وترغيب لا أمر إيجاب . ~~وعن المهدوي أنه كان فرضا فنسخ بالفرائض . وحمل على العهد فقال جمع من ~~الصحابة والتابعين هو صلاة المغرب ، أي الركعتان بعدها . وعن ابن عباس أنه ~~الوتر . # والفاء في قوله : { فسبحه } للتفريع على قوله : { وسبح بحمد ربك } على أن ~~يكون الوقت ms7935 على قوله : { ومن الليل } تأكيدا للأمر لإفادة الوجوب فيجعل ~~التفريع اعتراضا بين الظروف المتعاطفة وهو كالتفريع الذي في قوله آنفا { ~~فنقبوا في البلاد } ( ق : 36 ) وقوله تعالى : { ذلكم فذوقوه وأن للكافرين ~~عذاب النار } ( الأنفال : 14 ) . PageV26P328 # ( 41 43 ) # لا محالة أن جملة { استمع } عطف على جملة { سبح بحمد ربك } ( ق : 39 ) ، ~~فالأمر بالاستماع مفرع بالفاء التي فرع بها الأمر بالصبر على ما يقولون . ~~فهو لاحق بتسلية النبي صلى الله عليه وسلم فلا يكون المسموع إلا من نوع ما ~~فيه عناية به وعقوبة لمكذبيه . # وابتداء الكلام ب { استمع } يفيد توثيقا إلى ما يرد بعده على كل احتمال . ~~والأمر بالاستماع حقيقته : الأمر بالإنصات والإصغاء . # وللمفسرين ثلاث طرق في محمل { استمع } ، فالذي نحاه الجمهور حمل الاستماع ~~على حقيقته وإذ كان المذكور عقب فعل السمع لا يصلح لأن يكون مسموعا لأن ~~اليوم ليس مما يسمع تعين تقدير مفعول ل { استمع } يدل عليه الكلام الذي ~~بعده فيقدر : استمع نداء المنادي ، أو استمع خبرهم ، أو استمع الصيحة يوم ~~ينادي المنادي . ولك أن تجعل فعل { استمع } منزلا منزلة اللازم ، أي كن ~~سامعا ويتوجه على تفسيره هذا أن يكون معنى الأمر بالاستماع تخييلا لصيحة ~~ذلك اليوم في صورة الحاصل بحيث يؤمر المخاطب بالإصغاء إليها في الحال كقول ~~مالك بن الريب : # دعاني الهوى من أهل ودي وجيرتي # بذي الطبسين فالتفت ورائيا # ونحا ابن عطية حمل { استمع } على المجاز ، أي انتظر . قال : ( لأن محمدا ~~صلى الله عليه وسلم لم يؤمر بأن يستمع في يوم النداء لأن كل من فيه يستمع ~~وإنما الآية في معنى الوعيد للكفار فقيل لمحمد صلى الله عليه وسلم تحسس هذا ~~اليوم وارتقبه فإن فيه تبين صحة ما قلته ) اه . ولم أر من سبقه إلى هذا ~~المعنى ومثله في ( تفسير الفخر ) وفي ( تفسير النسفي ) . ولعلهما اطلعا ~~عليه لأنهما متأخران عن ابن عطية وهما وإن كانا مشرقيين فإن الكتب تنقل بين ~~الأقطار . وللزمخشري طريقة أخرى فقال ( يعني : واستمع لما أخبرك به من حال ~~يوم PageV26P329 القيامة . وفي ذلك تهويل وتعظيم ms7936 لشأن المخبر به كما روي أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ بن جبل ( يا معاذ اسمع ما أقول لك ثم ~~حدثه بعد ذلك ) . ولم أر من سبقه إلى هذا وهو محمل حسن دقيق . # واللائق بالجري على المحامل الثلاثة المتقدمة أن يكون { يوم يناد المنادي ~~} مبتدأ وفتحته فتحة بناء لأنه اسم زمان أضيف إلى جملة فيجوز فيه الإعراب ~~والبناء على الفتح ، ولا يناكده أن فعل الجملة مضارع لأن التحقيق أن ذلك ~~وارد في الكلام الفصيح وهو قول نحاة الكوفة وابنن مالك ولا ريبة في أنه ~~الأصوب . ومنه قوله تعالى : { قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم } ( ~~المائدة : 119 ) في قراءة نافع بفتح { يوم } . # وقوله : { يوم يسمعون الصيحة } بدل مطابق من { يوم يناد المنادي } وقوله ~~: { ذلك يوم الخروج } خبر المبتدأ . # ولك أن تجعل { يوم يناد المنادي } مفعولا فيه ل { استمع } وإعراب ما بعده ~~ظاهر . # ولك أن تجعل { يوم يناد المنادي } ظرفا في موقع الخبر المقدم وتجعل ~~المبتدأ قوله : { ذلك يوم الخروج } ويكون تقدير النظم : واستمع ذلك يوم ~~الخروج يوم ينادي المنادي الخ ، ويكون اسم الإشارة لمجرد التنبيه ، أو ~~راجعا إلى يوم ينادي المنادي ، فإنه متقدم عليه في اللفظ وإن كان خبرا عنه ~~في المعنى واسم الإشارة يكتفي بالتقدم اللفظي بل يكتفي بمجرد الخطور في ~~الذهن . وفي ( تفسير النسفي ) أن يعقوب أي الحضرمي أحد أصحاب القراءات ~~العشر المتواترة وقف على قوله { واستمع } . # وتعريف { المنادي } تعريف الجنس ، أي يوم ينادي مناد ، أي من الملائكة ~~وهو الملك الذي ينفخ النفخة الثانية فتتكون الأجساد وتحل فيها أرواح الناس ~~للحشر قال تعالى : { ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون } ( الزمر : 68 ) ~~. # وتنوين { مكان قريب } للنوعية إذ لا يتعلق الغرض بتعيينه ، ووصفه ب { ~~قريب } للإشارة إلى سرعة حضور المنادين ، وهو الذي فسرته جملة { يوم ~~PageV26P330 يسمعون الصيحة بالحق } لأن المعروف أن النداء من مكان قريب لا ~~يخفى على السامعين بخلاف النداء من كان بعيد . # و { بالحق } بمعنى : بالصدق وهو هنا الحشر ، وصف { بالحق } إبطالا لزعم ~~المشركين ms7937 أنه اختلاق . # والخروج : مغادرة الدار أو البلد ، وأطلق الخروج على التجمع في المحشر ~~لأن الحي إذا نزحوا عن أرضهم قيل : خرجوا ، يقال : خرجوا بقضهم وقضيضهم . # واسم الإشارة جيء به لتهويل المشار إليه وهو { يوم يسمعون الصيحة بالحق } ~~فأريد كمال العناية بتمييزه لاختصاصه بهذا الخبر العظيم . ومقتضى الظاهر أن ~~يقال : هو يوم الخروج . # و { يوم الخروج } علم بالغلبة على يوم البعث ، أي الخروج من الأرض . # وجملة { إنا نحن نحي ونميت وإلينا المصير } تذييل ، أي هذا الإحياء بعد ~~أن أمتناهم هو من شؤوننا بأنا نحييهم ونحيي غيرهم ونميتهم ونميت غيرهم . # والمقصود هو قوله : { ونميت } ، وأما قوله : { نحيي } فإنه لاستيفاء معنى ~~تصرف الله في الخلق . # وتقديم { إلينا } في { إلينا المصير } للاهتمام . والتعريف في { المصير } ~~إما تعريف الجنس ، أي كل شيء صائر إلى ما قدرناه له وأكبر ذلك هو ناموس ~~الفناء المكتوب على جميع الأحياء وإما تعريف العهد ، أي المصير المتحدث عنه ~~، وهو الموت لأن المصير بعد الموت إلى حكم الله . # وعندي أن هذه الآيات من قوله : { واستمع يوم يناد المنادي } إلى قوله { ~~المصير } مكان قريب هي مع ما تفيده من تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم ~~مبشر بطريقة التوجيه البديعي إلى تهديد المشركين بعذاب يحل بهم في الدنيا ~~عقب نداء يفزعهم فيلقون إثره حتفهم ، وهو عذاب يوم بدر فخوطب النبي صلى ~~الله عليه وسلم بترقب يومم يناديهم فيه مناد إلى الخروج وهو نداء الصريخ ~~الذي صرخ بأبي جهل ومن معه بمكة بأن عير قريش وفيها أبو سفيان قد لقيها ~~المسلمون ببدر وكان المنادي PageV26P331 ضمضم بن عمرو الغفاري إذ جاء على ~~بعيره فصرخ ببطن الوادي : يا معشر قريش اللطيمة اللطيمة ، أموالكم مع أبي ~~سفيان قد عرض لها محمد وأصحابه . فتجهز الناس سراعا وخرجوا إلى بدر . ~~فالمكان القريب هو بطن الوادي فإنه قريب من مكة . # والخروج : خروجهم لبدر ، وتعريف اليوم بالإضافة إلى الخروج لتهويل أمر ~~ذلك الخروج الذي كان استئصال سادتهم عقبه . وتكون جملة { إنا نحن نحيي ~~ونميت } وعيدا بأن الله يميت سادتهم وأنه يبقي ms7938 من قدر إسلامه فيما بعد فهو ~~يحييه إلى يوم أجله . # وكتب في المصحف { المناد } بدون ياء . وقرأها نافع وأبو عمرو وأبو جعفر ~~بدون ياء في الوصل وبالياء في الوقف ، وذلك جار على اعتبار أن العرب ~~يعاملون المنقوص المعرف باللام معاملة المنكر وخاصة في الأسجاع والفواصل ~~فاعتبروا عدم رسم الياء في آخر الكلمة مراعاة لحال الوقف كما هو غالب أحوال ~~الرسم لأن الأسجاع مبنية على سكون الأعجاز . وقرأها عاصم وحمزة والكسائي ~~وابن عامر وخلف بحذف الياء وصلا ووقفا لأن العرب قد تعامل المنقوص المعرف ~~معاملة المنكر . وقرأها ابن كثير ويعقوب بالياء وصلا ووقفا اعتبارا بأن رسم ~~المصحف قد يخالف قياس الرسم فلا يخالف قياس اللفظ لأجله . # إن جريت على أقوال المفسرين في تفسير الآية السابقة أفادت هذه الآية ~~بيانا لجملة { ذلك يوم الخروج } ( ق : 42 ) أو بدل اشتمال منها مع ما في ~~المعاد منها من تأكيد لمرادفه . وإن جريت على ما ارتيأته في محمل الآية ~~السابقة أفادت هذه الجملة استئنافا استدلالا على إمكان الحشر ووصف حال من ~~أحواله وهو تشقق الأرض عنهم ، أي عن أجساد مثيلة لأجسادهم وعن الأجساد التي ~~لم يلحقها الفناء . # وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب { تشقق } بفتح التاء ~~PageV26P332 وتشديد الشين . وأصله تتشقق بتاءين فأدغمت التاء الثانية في ~~الشين بعد قلبها شينا لتقارب مخرجيها . وقرأه أبو عمرو وعاصم وحمزة ~~والكسائي { تشقق } بتخفيف الشين على حذف تاء التفعل لاستثقال الجمع بين ~~تاءين . # و { سراعا } حال من ضمير { عنهم } وهو جمع سريع ، أي سراعا في الخروج أو ~~في المشي الذي يعقبه إلى محل الحساب . # والقول في إعراب { تشقق الأرض عنهم سراعا ذلك حشر } كالقول في إعراب قوله ~~: { يوم يناد المناد من مكان قريب } ( ق : 41 ) إلى { ذلك يوم الخروج } ~~وكذلك القول في اختلاف اسم الإشارة مثله . # وتقدم المجرور في { علينا } للاختصاص ، أي هو يسير في جانب قدرتنا لا كما ~~زعمه نفاة الحشر . # استئناف بياني ناشىء عن قوله { فاصبر على ما يقولون } ( ق : 39 ) فهو ~~إيغال في تسلية ms7939 النبي صلى الله عليه وسلم وتعريض بوعيدهم ، فالخبر مستعمل ~~مجازا في وعد الرسول صلى الله عليه وسلم بأن الله سيعاقب أعداءه . # وقوله : { وما أنت عليهم بجبار } تطمين للرسول صلى الله عليه وسلم بأنه ~~غير مسؤول عن عدم اهتدائهم لأنه إنما بعث داعيا وهاديا ، وليس مبعوثا ~~لإرغامهم على الإيمان ، والجبار مشتق من جبره على الأمر بمعنى أكرهه . وفرع ~~عليه أمره بالتذكير لأنه ناشىء عن نفي كونه جبارا عليهم وهذا كقوله تعالى : ~~{ فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر } ( الغاشية : 21 ، 22 ) ، ولكن خص ~~التذكير هنا بالمؤمنين لأنه أراد التذكير الذي ينفع المذكر . فالمعنى : ~~فذكر بالقرآن فيتذكر من يخاف وعيد . وهذا كقوله : { إنما أنت منذر من ~~يخشاها } ( النازعات : 45 ) . # وكتب في المصحف { وعيد } بدون ياء المتكلم فقرأه الجمهور بدون ياء في ~~PageV26P333 الوصل والوقف على أنه من حذف التخفيف . وقرأه ورش عن نافع ~~بإثبات الياء في الوصل . وقرأه يعقوب بإثبات الياء في الوصل والوقف . # PageV26P334 $ 1 ( سورة الذاريات # تسمى هذه السورة ( والذاريات ) بإثبات الواو تسمية لها بحكاية الكلمتين ~~الواقعتين في أولها وبهذا عنونها البخاري في كتاب التفسير من ( صحيحه ) ~~وابن عطية في ( تفسيره ) والكواشي في ( تلخيص التفسير ) والقرطبي . وتسمى ~~أيضا ( سورة الذاريات ) بدون الواو اقتصارا على الكلمة التي لم تقع في ~~غيرها من سور القرآن وكذلك عنونها الترمذي في ( جامعه ) وجمهور المفسرين ~~وكذلك هي في المصاحف التي وقفنا عليها من مشرقية ومغربية قديمة . ووجه ~~التسمية أن هذه الكلمة لم تقع بهذه الصيغة في غيرها من سور القرآن . وهي ~~مكية بالاتفاق . # وقد عدت السورة السادسة والستين في ترتيب نزول السور عند جابر بن زيد . ~~نزلت بعد سورة الأحقاف وقبل سورة الغاشية . # واتفق أهل عد الآيات على أن آيها ستون آية . # $ 2 ( { والذاريات ذروا * فالحاملات وقرا * فالجاريات يسرا * فالمقسمات ~~أمرا * إنما توعدون لصادق * وإن الدين لواقع * والسمآء ذات الحبك * إنكم ~~لفى قول مختلف * يؤفك عنه من أفك * قتل الخراصون * الذين هم فى غمرة ساهون ~~* يسئلون أيان يوم الدين * يوم هم على النار يفتنون * ذوقوا فتنتكم هاذا ms7940 ~~الذى كنتم به تستعجلون * إن المتقين فى جنات وعيون * ءاخذين مآ ءاتاهم ربهم ~~إنهم كانوا قبل ذلك محسنين * كانوا قليلا من اليل ما يهجعون * وبالاسحار هم ~~يستغفرون * وفى & # 1764 أموالهم حق للسآئل والمحروم * وفى الارض ءايات للموقنين * وفى & # 1764 أنفسكم أفلا تبصرون * وفى السمآء رزقكم وما توعدون * فورب السمآء ~~والارض إنه لحق مثل مآ أنكم تنطقون * هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين * ~~إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون * فراغ إلى أهله فجآء بعجل ~~سمين * فقربه إليهم قال ألا تأكلون * فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه ~~بغلام عليم * فأقبلت امرأته فى صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم * قالوا ~~كذلك قال ربك إنه هو الحكيم العليم * قال فما خطبكم أيها المرسلون * قالو & # 1764 ا إنآ أرسلنآ إلى قوم مجرمين * لنرسل عليهم حجارة من طين * مسومة ~~عند ربك للمسرفين * فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين * فما وجدنا فيها غير ~~بيت من المسلمين * وتركنا فيهآ ءاية للذين يخافون العذاب الاليم * وفى موسى ~~إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين * فتولى بركنه وقال ساحر أو مجنون * ~~فأخذناه وجنوده فنبذناهم فى اليم وهو مليم * وفى عاد إذ أرسلنا عليهم الريح ~~العقيم * ما تذر من شىء أتت عليه إلا جعلته كالرميم * وفى ثمود إذ قيل لهم ~~تمتعوا حتى حين * فعتوا عن أمر ربهم فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون * فما ~~استطاعوا من قيام وما كانوا منتصرين * وقوم نوح من قبل إنهم كانوا قوما ~~فاسقين * والسمآء بنيناها بأيد وإنا لموسعون * والارض فرشناها فنعم ~~الماهدون * ومن كل شىء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون * ففرو & # 1764 ا إلى الله إنى لكم منه نذير مبين * ولا تجعلوا مع الله إلاها ءاخر ~~إنء لكم منه نذير مبين * كذلك مآ أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ~~ساحر أو مجنون * أتواصوا به بل هم قوم طاغون * فتول عنهم فمآ أنت بملوم * ~~وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين * وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون * مآ ~~أريد منهم من رزق ومآ أريد أن يطعمون * إن ms7941 الله هو الرزاق ذو القوة المتين ~~* فإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم فلا يستعجلون * فويل للذين كفروا ~~من يومهم الذى يوعدون } ) 2 $ أغراض هذه السورة # احتوت على تحقيق وقوع البعث والجزاء . وإبطال مزاعم المكذبين به وبرسالة ~~محمد صلى الله عليه وسلمورميهم بأنهم يقولون بغير تثبت . ووعيدهم بعذاب ~~يفتنهم . PageV26P335 ووعد المؤمنين بنعيم الخلد وذكر ما استحقوا به تلك ~~الدرجة من الإيمان والإحسان . # ثم الاستدلال على وحدانية الله والاستدلال على إمكان البعث وعلى أنه واقع ~~لا محالة بما في بعض المخلوقات التي يشاهدونها ويحسون بها دالة على سعة ~~قدرة الله تعالى وحكمته على ما هو أعظم من إعادة خلق الإنسان بعد فنائه ~~وعلى أنه لم يخلق إلا لجزائه . والتعريض بالإنذار بما حاق بالأمم التي كذبت ~~رسل الله ، وبيان الشبه التام بينهم وبين أولئك . وتلقين هؤلاء المكذبين ~~الرجوع إلى الله وتصديق النبيء صلى الله عليه وسلم ونبذ الشرك . ومعذرة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم من تبعة إعراضهم والتسجيل عليهم بكفران نعمة ~~الخلق والرزق . ووعيدهم على ذلك بمثل ما حل بأمثالهم . # القسم المفتتح به مراد منه تحقيق المقسم عليه وتأكيد وقوعه وقد أقسم الله ~~بعظيم من مخلوقاته وهو في المعنى قسم بقدرته وحكمته ومتضمن تشريف تلك ~~المخلوقات بما في أحوالها من نعم ودلالة على الهدى والصلاح ، وفي ضمن ذلك ~~تذكير بنعمة الله فيما أوجد فيها . # والمقسم بها الصفات تقتضي موصفاتها ، فآل إلى القسم بالموصوفات لأجل تلك ~~الصفات العظيمة . وفي ذلك إيجاز دقيق ، على أن في طي ذكر الموصوفات توفيرا ~~لما تؤذن به الصفات من موصوفات صالحة بها لتذهب أفهام السامعين في تقديرها ~~كل مذهب ممكن . PageV26P336 # وعطف تلك الصفات بالفاء يقتضي تناسبها وتجانسها ، فيجوز أن تكون صفات ~~لجنس واحد وهو الغالب في عطف الصفات بالفاء ، كقول ابن زيابة : # # % يا لهف زيابة للحارث الص % ابح فالغانم فالآيب % # ويجوز أن تكون مختلفة الموصوفات إلا أن موصوفاتها متقاربة متجانسة كقول ~~امرىء القيس : # # % % بسقط اللوى بين الدخول فحومل % # % فتوضح فالمقراة . . . . . . . % % # وقول لبيد : # # % بمشارق الجبلين أو بمحجر % % فتضمنتها فردة ms7942 فرخامها % # % فصوائق إن أيمنت . . . . . . . . . . % % # . . . . . . . . . . البيت # ويكثر ذلك في عطف البقاع المتجاورة ، وقد تقدم ذلك في سورة الصافات . # واختلف أيمة السلف في محمل هذه الأوصاف وموصوفاتها . وأشهر ما روي عنهم ~~في ذلك ما روي عن علي بن أبي طالب وابن عباس ومجاهد أن { الذاريات } الرياح ~~لأنها تذرو التراب ، و { الحاملات وقرا } : السحاب ، و { الجاريات } : ~~السفن ، و { المقسمات أمرا } الملائكة ، وهو يقتضي اختلاف الأجناس المقسم ~~بها . # وتأويله أن كل معطوفف عليه يسبب ذكر المعطوف لالتقائهما في الجامع ~~الخيالي ، فالرياح تذكر بالسحاب ، وحمل السحاب وقر الماء يذكر بحمل السفن ، ~~والكل يذكر بالملائكة . ومن المفسرين من جعل هذه الصفات الأربع وصفا للرياح ~~قاله في ( الكشاف ) ونقل بعضه عن الحسن واستحسنه الفخر ، وهو الأنسب لعطف ~~الصفات بالفاء . PageV26P337 # فالأحسن أن يحمل الذرو على نشر قطع السحاب نشرا يشبه الذرو . وحقيقة ~~الذرو رمي أشياء مجتمعة ترمى في الهواء لتقع على الأرض مثل الحب عند الزرع ~~ومثل الصوف وأصله ذرو الرياح التراب فشبه به دفع الريح قطع السحاب حتى ~~تجتمع فتصير سحابا كاملا فالذاريات تنشر السحاب ابتداء كما قال تعالى : { ~~الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء } ( الروم : ~~48 ) . والذرو وإن كان من صفة الرياح فإن كون المذرو سحابا يؤول إلى أنه من ~~أحوال السحاب وقيل ذروها التراب وذلك قبل نشرها السحب وهو مقدمة لنشر ~~السحاب . # ونصب { ذروا } على المفعول المطلق لإرادة تفخيمه بالتنوين ، ويجوز أن ~~يكون مصدرا بمعنى المفعول ، أي المذرو ، ويكون نصبه على المفعول به . # و { الحاملات وقرا } هي الرياح حين تجمع السحاب وقد ثقل بالماء ، شبه ~~جمعها إياه بالحمل لأن شأن الشيء الثقيل أن يحمله الحامل ، وهذا في معنى ~~قوله تعالى : { ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله } ( الروم : 48 ) ~~الآية . وقوله : { وينشىء السحاب الثقال } ( الرعد : 12 ) وقوله : { ألم تر ~~أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى الودق يخرج من خلاله ~~} ( النور : 43 ) . # والوقر بكسر الواو : الشيء الثقيل . # ويجوز أن تكون الحاملات الأسحبة التي ملئت ببخار الماء ms7943 الذي يصير مطرا ، ~~عطفت بالفاء على الذاريات بمعنى الرياح لأنها ناشئة عنها فكأنها هي . # و { الجاريات يسرا } : الرياح تجري بالسحاب بعد تراكمه وقد صار ثقيلا ~~بماء المطر ، فالتقدير : فالجاري بذلك الوقر يسرا . # ومعنى اليسر : اللين والهون ، أي الجاريات جريا لينا هينا شأن السير ~~بالثقل ، كما قال الأعشى : # كأن مشيتها من بيت جارتها مشي السحابة لا ريث ولا عجل ف { يسرا } وصف ~~لمصدر محذوف نصب على النيابة عن المفعول المطلق . # و { المقسمات أمرا } الرياح التي تنتهي بالسحاب إلى الموضع الذي يبلغ ~~PageV26P338 عنده نزول ما في السحاب من الماء أو هي السحب التي تنزل ما ~~فيها من المطر على مواضع مختلفة . # وإسناد التقسيم إليها على المعنيين مجاز بالمشابهة . وروي عن الحسن { ~~المقسمات } السحب بقسم الله بها أرزاق العباد ) اه . يريد قوله تعالى : { ~~وأنزلنا من السماء ماء مباركا إلى قوله : رزقا للعباد في سورة ق ( 9 11 ) . # ومن رشاقة هذا التفسير أن فيه مناسبة بين المقسم به والمقسم عليه وهو ~~قوله : إنما توعدون لصادق وإن الدين لواقع } فإن أحوال الرياح المذكورة هنا ~~مبدؤها : نفخ ، فتكوين ، فإحياء ، وكذلك البعث مبدؤه : نفخ في الصور ، ~~فالتئام أجساد الناس التي كانت معدومة أو متفرقة ، فبث الأرواح فيها فإذا ~~هم قيام ينظرون . وقد يكون قوله تعالى : { أمرا } إشارة إلى ما يقابله في ~~المثال من أسباب الحياة وهو الروح لقوله : { قل الروح من أمر ربي } ( ~~الإسراء : 85 ) . # و ( ما ) من قوله : { إنما توعدون } موصولة ، أي إن الذي توعدونه لصادق . ~~والخطاب في { توعدون } للمشركين كما هو مقتضى التأكيد بالقسم وكما يقتضيه ~~تعقيبه بقوله : { إنكم لفي قول مختلف } ( الذاريات : 8 ) . # فيتعين أن يكون { توعدون } مشتقا من الوعيد الذي ماضيه ( أوعد ) ، وهو ~~يبنى للمجهول فأصل { توعدون } تؤوعدون بهمزة مفتوحة بعد تاء المضارعة وواو ~~بعد الهمزة هي عين فعل ( أوعد ) وبفتح العين لأجل البناء المجهول فحذفت ~~الهمزة على ما هو المطرد من حذف همزة أفعل في المضارع مثل تكرمون ، وسكنت ~~الواو سكونا ميتا لأجل وقوع الضمة قبلها بعد أن كان سكونها حيا فصار ms7944 { ~~توعدون } ووزنه تافعلون . # والذي أوعدوه عذاب الآخرة وعذاب الدنيا مثل الجوع في سني القحط السبع ~~الذي هو دعوة النبيء صلى الله عليه وسلمعليهم بقوله : ( اللهم اجعلها عليهم ~~سنينا كسنينن يوسف ) وهو الذي أشار إليه قوله تعالى : { فارتقب يوم تأتي ~~السماء بدخان مبين يغشى الناس هذا عذاب أليم الآية في سورة الدخان ( 10 ، ~~11 ) . ومثل عذاب السيف والأسر يوم بدر الذي توعدهم الله به في قوله : يوم ~~نبطش البطشة الكبرى PageV26P339 إنا منتقمون } ( الدخان : 16 ) . ويجوز أن ~~يكون توعدون من الوعد ، أي الإخبار بشيء يقع في المستقبل مثل قوله : { إن ~~وعد الله حق } ( لقمان : 33 ) فوزنه تفعلون . والمراد بالوعد الوعد بالبعث ~~. # ووصف { لصادق } مجاز عقلي إذ الصادق هو الموعد به على نحو { فهو في عيشة ~~راضية } ( الجاثية : 21 ) . # والدين : الجزاء . والمراد إثبات البعث الذي أنكروه . # ومعنى { لواقع } واقع في المستقبل بقرينة جعله مرتبا في الذكر على ما ~~يوعدون وإنما يكون حصول الموعود به في الزمن المستقبل وفي ذكر الجزاء زيادة ~~على الكناية به عن إثبات البعث تعريض بالوعيد على إنكار البعث . # وكتب في المصاحف { إنما } متصلة وهو على غير قياس الرسم المصطلح عليه من ~~بعد لأنهما كلمتان لم تصيرا كلمة واحدة ، بخلاف { إنما } التي هي للقصر . ~~ولم يكن الرسم في زمن كتابة المصاحف في أيام الخليفة عثمان قد بلغ تمام ~~ضبطه . # ( 7 9 ) . # هذا قسم أيضا لتحقيق اضطراب أقوالهم في الطعن في الدين وهو كالتذييل للذي ~~قبله ، لأن ما قبله خاص بإثبات الجزاء . وهذا يعم إبطال أقوالهم الضالة ~~فالقسم لتأكيد المقسم عليه لأنهم غير شاعرين بحالهم المقسمم على وقوعه ، ~~ومتهالكون على الاستزادة منه ، فهم منكرون لما في أقوالهم من اختلاف ~~واضطراب جاهلون به جهلا مركبا والجهل المركب إنكار للعلم الصحيح . والقول ~~في القسم ب { السماء } كالقول في القسم ب { الذاريات } ( الذاريات : 1 ) . # ومناسبة هذا القسم للمقسم عليه في وصف السماء بأنها ذات حبك ، أي طرائق ~~لأن المقسم عليه : إن قولهم مختلف طرائق قددا ولذلك وصف المقسم به ليكون ~~إيماء إلى نوع جواب ms7945 القسم . PageV26P340 # والحبك : بضمتين جمع حباك ككتاب وكتب ومثال ومثل ، أو جمع حبيكة مثل ~~طريقة وطرق ، وهي مشتقة من الحبك بفتح فسكون وهو إجادة النسج وإتقان الصنع ~~. فيجوز أن يكون المراد بحبك السماء نجومها لأنها تشبه الطرائق الموشاة في ~~الثوب المحبوك المتقن . وروي عن الحسن وسعيد بن جبير وقيل الحبك : طرائق ~~المجرة التي تبدو ليلا في قبة الجو . # وقيل : طرائق السحاب . وفسر الحبك بإتقان الخلق . روي عن ابن عباس وعكرمة ~~وقتادة . وهذا يقتضي أنهم جعلوا الحبك مصدرا أو اسم مصدر ، ولعله من النادر ~~. وإجراء هذا الوصف على السماء إدماج أدمج به الاستدلال على قدرة الله ~~تعالى مع الامتنان بحسن المرأى . # واعلم أن رواية رويت عن الحسن البصري أنه قرأ { الحبك } بكسر الحاء وضم ~~الباء وهي غير جارية على لغة من لغات العرب . وجعل بعض أيمة اللغة الحبك ~~شاذا فالظن أن راويها أخطأ لأن وزن فعل بكسر الفاء وضم العين وزن مهمل في ~~لغة العرب كلهم لشدة ثقل الانتقال من الكسر إلى الضم مما سلمت منه اللغة ~~العربية . ووجهت هذه القراءة بأنها من تداخل اللغات وهو توجيه ضعيف لأن ~~إعمال تداخل اللغتين إنما يقبل إذا لم يفض إلى زنة مهجورة لأنها إذا هجرت ~~بالأصالة فهجرها في التداخل أجدر ووجهها أبو حيان باتباع حركة الحاء لحركة ~~تاء { ذات } وهو أضعف من توجيه تداخل اللغتين فلا جدوى في التكلف . # والقول المختلف : المتناقض الذي يخالف بعضه بعضا فيقتضي بعضه إبطال بعض ~~الذي هم فيه هو جميع أقوالهم والقرآن والرسول صلى الله عليه وسلموكذلك ~~أقوالهم في دين الإشراك فإنها مختلفة مضطربة متناقضة فقالوا القرآن : سحر ~~وشعر ، وقالوا { أساطير الأولين اكتتبها } ( الفرقان : 5 ) ، وقالوا { إن ~~هذا إلا اختلاق } ( ص : 7 ) ، وقالوا { لو نشاء لقلنا مثل هذا } ( الأنفال ~~: 31 ) وقالوا : مرة { في آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب } ( فصلت : 5 ) ~~وغير ذلك ، وقالوا : وحي الشياطين . # وقالوا في الرسول صلى الله عليه وسلمأقوالا : شاعر ، ساحر ، مجنون ، كاهن ~~، يعلمه بشر ، بعد أن كانوا يلقبونه الأمين . PageV26P341 وقالوا في أصول ~~شركهم بتعدد ms7946 الآلهة مع اعترافهم بأن الله خالق كل شيء وقالوا : { ما نعبدهم ~~إلا ليقربونا إلى الله } ( الزمر : 3 ) ، { وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا ~~عليها آباءنا والله أمرنا بها } ( الأعراف : 28 ) . # و ( في ) للظرفية المجازية وهي شدة الملابسة الشبيهة بملابسة الظرف ~~للمظروف مثل { ويمدهم في طغيانهم يعمهون } ( البقرة : 15 ) . # والمقصود بقوله : { إنكم لفي قول مختلف } الكناية عن لازم الاختلاف وهو ~~التردد في الإعتقاد ، ويلزمه بطلان قولهم وذلك مصب التأكيد بالقسم وحرف ( ~~إن ) واللام . # و { يؤفك } : يصرف . والأفك بفتح الهمزة وسكون الفاء : الصرف . وأكثر ما ~~يستعمل في الصرف عن أمر حسن ، قاله مجاهد كما في ( اللسان ) ، وهو ظاهر ~~كلام أيمة اللغة والفراء وشمر وذلك مدلوله في مواقعه من القرآن . # وجملة { يؤفك عنه من أفك } يجوز أن تكون في محل صفة ثانية ل { قولل مختلف ~~} ، ويجوز أن تكون مستأنفة استئنافا بيانيا ناشئا عن قوله : { وإن الدين ~~لواقع } ( الذاريات : 6 ) ، فتكون جملة { والسماء ذاتت الحبك إنكم لفي قول ~~مختلف } معترضة بين الجملة البيانية والجملة المبين عنها . ثم إن لفظ { قول ~~} يقتضي شيئا مقولا في شأنه فإذ لم يذكر بعد { قول } ما يدل على مقول صلح ~~لجميع أقوالهم التي اختلقوها في شأنه للقرآن ودعوة الإسلام كما تقدم . # فلما جاء ضمير غيبة بعد لفظ { قول } احتمل أن يعود الضمير إلى { قول } ~~لأنه مذكور ، وأن يعود إلى أحوال المقول في شأنه فقيل ضمير { عنه } عائد ~~إلى { قول مختلف } وأن معنى { يؤفك عنه } يصرف بسببه ، أي يصرف المصروفون ~~عن الإيمان فتكون ( عن ) للتعليل كقوله تعالى : { وما نحن بتاركي آلهتنا عن ~~قولك } ( هود : 53 ) وقوله تعالى : { وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن ~~موعدة وعدها إياه } ( التوبة : 114 ) ، وقيل ضمير { عنه } عائد إلى { ما ~~توعدون } ( الذاريات : 22 ) أو عائد إلى { الدين } ( الذاريات : 6 ) ، أي ~~الجزاء أن يؤفك عن الإيمان بالبعث والجزاء من أفك . وعن PageV26P342 الحسن ~~وقتادة : أنه عائد إلى القرآن أو إلى الدين ، أي لأنهما مما جرى القول في ~~شأنهما ، وحرف ( عن ) للمجاوزة . # وعلى كل فالمراد بقوله { من أفك } المشركون ms7947 المصروفون عن التصديق . ~~والمراد بالذي فعل الأفك المجهول المشركون الصارفون لقومهم عن الإيمان ، ~~وهما الفريقان اللذان تضمنهما قوله تعالى : { وقال الذين كفروا لا تسمعوا ~~لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون } ( فصلت : 26 ) . # وإنما حذف فاعل { يؤفك } وأبهم مفعوله بالموصولية للاستيعاب مع الإيجاز . # وقد حملهم الله بهاتين الجملتين تبعة أنفسهم وتبعة المغرورين بأقوالهم ~~كما قال تعالى : { وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم } ( العنكبوت : 13 ) ~~. # ( 10 ، 11 ) { لله } . # دعاء بالهلاك على أصحاب ذلك القول المختلف لأن المقصود بقتلهم أن الله ~~يهلكهم ، ولذلك يكثر أن يقال : قاتله الله ، ثم أجري مجرى اللعن والتحقير ~~والتعجيب من سوء أحوال المدعو عليه بمثل هذا . # وجملة الدعاء لا تعطف لأنها شديدة الاتصال بما قبلها مما أوجب ذلك الوصف ~~لدخولهم في هذا الدعاء ، كما كان تعقيب الجمل التي قبلها بها إيماء إلى أن ~~ما قبلها سبب للدعاء عليهم ، وهذا من بديع الإيجاز . # والخرص : الظن الذي لا حجة لصاحبه على ظنه ، فهو معرض للخطأ في ظنه ، ~~وذلك كناية عن الضلال عمدا أو تساهلا ، فالخراصون هم أصحاب القول المختلف ، ~~فأفاد أن قولهم المختلف ناشىء عن خواطر لا دليل عليها . وقد تقدم في ~~الأنعام { إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون فالمراد هنا الخرص بالقول ~~في ذات الله وصفاته . # واعلم أن الخرص في أصول الإعتقاد مذموم لأنها لا تبنى إلا على اليقين ~~لخطر أمرها وهو أصل محل الذم في هذه الآية . PageV26P343 وأما الخرص في ~~المعاملات بين الناس فلا يذم هذا الذم وبعضه مذموم إذا أدى إلى المخاطرة ~~والمقامرة . وقد أذن في بعض الخرص للحاجة . ففي الموطأ } عن زيد بن ثابت ~~وأبي هريرة ( أن النبيء صلى الله عليه وسلمرخص في بيع العرايا بخرصها ) ~~يعني في بيع ثمرة النخلات المعطاة على وجهة العرية وهي هبة مالك النخل ثمر ~~بعض نخله لشخص لسنة معينة فإن الأصل أن يقبض ثمرتها عند جذاذ النخل فإذا ~~بدا لصاحب الحائط شراء تلك الثمرة قبل طيبها رخص أن يبيعها المعرى ( بالفتح ~~) للمعري بالكسر إذا أراد المعري ذلك فيخرص ما ms7948 تحمله النخلات من الثمر على ~~أن يعطيه عند الجذاذ ما يساوي ذلك المخروص إذا لم يكن كثيرا وحدد بخمسة ~~أوسق فأقل ليدفع صاحب النخل عن نفسه تطرق غيره لحائطه ، وذلك لأن أصلها ~~عطية فلم يدخل إضرار على المعري من ذلك . # والغمرة : المرة من الغمر ، وهو الإحاة ويفسرها ما تضاف إليه كقوله تعالى ~~: { ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت } ( الأنعام : 93 ) فإذا لم تقيد ~~بإضافة فإن تعيينها بحسب المقام كقوله تعالى : { فذرهم في غمرتهم حتى حين ~~في سورة المؤمنين . والمراد : في شغل ، أي ما يشغلهم من معاداة الإسلام ~~شغلا لا يستطيعون معه أن يتدبروا في دعوة النبيء . # والسهو : الغفلة . والمراد أنهم معرضون إعراضا كإعراض الغافل وما هم ~~بغافلين فإن دعوة القرآن تقرع أسماعهم كل حين واستعمال مادة السهو في هذا ~~المعنى نظير استعمالها في قوله تعالى : الذين هم عن صلاتهم ساهون } ( ~~الماعون : 5 ) . # ( 12 14 ) . # هذه الجملة يجوز أن تكون حالا من ضمير { الخراصون } ( الذاريات : 10 ) ~~وأن تكون استئنافا بيانيا ناشئا عن جملة { قتل الخراصون } ( الذاريات : 10 ~~) لأن جملة { قتل الخراصون } أفادت تعجيبا من سوء عقولهم وأحوالهم فهو مثار ~~سؤال في نفس السامع يتطلب البيان ، فأجيب بأنهم يسألون عن يوم الدين سؤال ~~متهكمين ، يعنون أنه لا وقوع ليوم الدين كقوله تعالى : { عم يتساءلون عن ~~النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون } ( النبأ : 1 3 ) . PageV26P344 # و { أيان يوم الدين } مقول قول محذوف دل عليه { يسألون } لأن في فعل ~~السؤال معنى القول . فتقدير الكلام : يقولون : أيان يوم الدين . ولك أن ~~تجعل جملة { أيان يوم الدين } بدلا من جملة { يسألون } لتفصيل إجماله وهو ~~من نوع البدل المطابق . و { أيان } اسم استفهام عن زمان فعل وهو في محل نصب ~~مبني على الفتح ، أي متى يوم الدين ، ويوم الدين زمان فالسؤال عن زمانه آيل ~~إلى السؤال باعتبار وقوعه ، فالتقدير : أيان وقوع يوم الدين ، أو حلوله ، ~~كما تقول : متى يوم رمضان أي متى ثبوته لأن أسماء الزمان حقها أن تقع ظروفا ~~للأحداث لا للأزمنة . # وجملة { يوم هم ms7949 على النار يفتنون } جواب لسؤالهم جرى على الأسلوب الحكيم ~~من تلقي السائل بغير ما يتطلب إذ هم حين قالوا : أيان يوم الدين ، أرادوا ~~التهكم والإحالة فتلقي كلامهم بغير مرادهم لأن في الجواب ما يشفي وقع ~~تهكمهم على طريقة قوله تعالى : { يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس ~~والحج } ( البقرة : 189 ) . والمعنى : يوم الدين يقع يوم تصلون النار ويقال ~~لكم : ذوقوا فتنتكم . # وانتصب { يوم هم على النار يفتنون } على الظرفية وهو خبر عن مبتدأ محذوف ~~دل عليه السؤال عنه بقولهم : أيام يوم الدين . والتقدير : يوم الدين يوم هم ~~على النار يفتنون . # والفتن : التعذيب والتحريق ، أي يوم هم يعذبون على نار جهنم وأصل الفتن ~~الاختيار . وشاع إطلاقه على معان منها إذابة الذهب على النار في البوتقة ~~لاختيار ما فيه من معدن غير ذهب ، ولا يذاب إلا بحرارة نار شديدة فهو هنا ~~كناية عن الإحراق الشديد . # وجملة { ذوقوا فتنتكم } مقول قول محذوف دل عليه الخطاب ، أي يقال لهم ~~حينئذ ، أو مقولا لهم ذوقوا فتنتكم ، أي عذابكم . والأمر في قوله : { ذوقوا ~~} مستعمل في التنكيل . PageV26P345 # والذوق : مستعار للإحساس القوي لأن اللسان أشد الأعضاء إحساسا . # وإضافة فتنة إلى ضمير المخاطبين يومئذ من إضافة المصدر إلى مفعوله . وفي ~~الإضافة دلالة على اختصاصها لهم لأنهم استحقوها بكفرهم ، ويجوز أن تكون ~~الإضافة من إضافة المصدر إلى فاعله . والمعنى : ذوقوا جزاء فتنتكم . قال ~~ابن عباس : أي تكذيبكم . ويقوم من هذا الوجه أن يجعل الكلام موجها بتذكير ~~المخاطبين في ذلك اليوم ما كانوا يفتنون به المؤمنين من التعذيب مثل ما ~~فتنوا بلالا وخبابا وعمارا وشميسة وغيرهم ، أي هذا جزاء فتنتكم . وجعل ~~المذوق فتنتهم إظهارا لكونه جزاء عن فتنتهم المؤمنين ليزدادوا ندامة قال ~~تعالى موعدا إياهم { إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم ~~عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق } ( البروج : 10 ) . # وإطلاق اسم العمل على جزائه وارد في القرآن كثيرا كقوله تعالى : { ~~وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون } ( الواقعة : 82 ) أي تجعلون جزاء رزق الله ~~إياكم أنكم تكذبون وحدانيته . # والإشارة في قوله : { هذا ms7950 الذي كنتم به تستعجلون } إلى الشيء الحاضر نصب ~~أعينهم ، وهكذا الشأن في مثله تذكير اسم الإشارة كما تقدم في قوله تعالى : ~~{ إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك في سورة البقرة . # ومعنى كنتم به تستعجلون } كنتم تطلبون تعجيله فالسين والتاء للطلب ، أي ~~كنتم في الدنيا تسألون تعجيله وهو طلب يريدون به أن ذلك محال غير واقع . ~~وأقوالهم في هذا كثيرة حكاها القرآن كقوله : { ويقولون متى هذ الوعد إن ~~كنتم صادقين } ( الملك : 25 ) . # والجملة استئناف في مقام التوبيخ وتعديد المجارم ، كما يقال للمجرم : ~~فعلت كذا ، وهي من مقول القول . PageV26P346 # ( 15 19 ) { } # اعتراض قابل به حال المؤمنين في يوم الدين جرى على عادة القرآن في اتباع ~~النذارة بالبشارة ، والترهيب بالترغيب . # وقوله : { إن المتقين في جنات وعيون } نظير قوله في سورة الدخان ( 51 ، ~~52 ) { إن المتقين في مقام أمين في جنات وعيون . # وجمع جنات } باعتبار جمع المتقين وهي جنات كثيرة مختلفة وفي الحديث : ( ~~إنها لجنان كثيرة ، وإنه لفي الفردوس ) ، وتنكير { جنات } للتعظيم . # ومعنى { آخذين ما آتاهم ربهم } : أنهم قابلون ما أعطاهم ، أي راضون به ~~فالأخذ مستعمل في صريحه وكنايته كناية رمزية عن كون ما يؤتونه أكمل في جنسه ~~لأن مدارك الجماعات تختلف في الاستجادة حتى تبلغ نهاية الجودة فيستوي الناس ~~في استجادته ، وهي كناية تلويحية . وأيضا فالأخذ مستعمل في حقيقته ومجازه ~~لأن ما يؤتيهم الله بعضهم مما يتناول باليد كالفواكه والشراب والرياحين ، ~~وبعضه لا يتناول باليد كالمناظر الجميلة والأصوات الرقيقة والكرامة ~~والرضوان وذلك أكثر من الأول . # فإطلاق الأخذ على ذلك استعارة بتشبيه المعقول بالمحسوس كقوله تعالى : { ~~خذوا ما آتيناكم بقوة في سورة البقرة ، وقوله : وأمر قومك يأخذوا بأحسنها ~~في سورة الأعراف . # فاجتمع في لفظ آخذين } كنايتان ومجاز . روى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ( أن الله تعالى يقول : يا أهل الجنة . فيقولون : لبيك ربنا ~~وسعديك والخير في يديك . فيقول : هل رضيتم ؟ فيقولون : وما لنا لا نرضى يا ~~ربنا وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك فيقول : ألا ms7951 أعطيكم أفضل من ذلك ~~PageV26P347 فيقولون : وأي شيء أفضل من ذلك ؟ فيقول : أحل عليكم رضواني فلا ~~أسخط عليكم بعده أبدا ) . # وفي إيثار التعبير عن الجلالة بوصف ( رب ) مضافف إلى ضمير المتقين معنى ~~من اختصاصهم بالكرامة والإيماء إلى أن سبب ما آتاهم هو إيمانهم بربوبيته ~~المختصة بهم وهي المطابقة لصفات الله تعالى في نفس الأمر . # وجملة { إنهم كانوا قبل ذلك محسنين } تعليل لجملة { إن المتقين في جنات ~~وعيون } ، أي كان ذلك جزاء لهم عن إحسانهم كما قيل للمشركين { ذوقوا فتنتكم ~~} ( الذاريات : 14 ) . والمحسنون : فاعلو الحسنات وهي الطاعات . # وفائدة الظرف في قوله : { قبل ذلك } أن يؤتى بالإشارة إلى ما ذكر من ~~الجنات والعيون وما آتاهم ربهم مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على ~~قلب بشر فيحصل بسبب تلك الإشارة تعظيم شأن المشار إليه ، ثم يفاد بقوله { ~~قبل ذلك } ، أي قبل التنعم به أنهم كانوا محسنين ، أي عاملين الحسنات كما ~~فسره قوله : { كانوا قليلا من الليل ما يهجعون } الآية . فالمعنى : أنهم ~~كانوا في الدنيا مطيعين لله تعالى واثقين بوعده ولم يروه . # وجملة { كانوا قليلا من الليل ما يهجعون } بدل من جملة { كانوا قبل ذلك ~~محسنين } بدل بعض من كل لأن هذه الخصال الثلاث هي بعض من الإحسان في العمل ~~. وهذا كالمثال لأعظم إحسانهم فإن ما ذكر من أعمالهم دال على شدة طاعتهم ~~لله ابتغاء مرضاته ببذل أشد ما يبذل على النفس وهو شيئان . # أولهما : راحة النفس في وقت اشتداد حاجتها إلى الراحة وهو الليل كله ~~وخاصة آخره ، إذ يكون فيه قائم الليل قد تعب واشتد طلبه للراحة . # وثانيهما : المال الذي تشح به النفوس غالبا ، وقد تضمنت هذه الأعمال ~~الأربعة أصلي إصلاح النفس وإصلاح الناس . وذلك جماع ما يرمي إليه التكليف ~~من الأعمال فإن صلاح النفس تزكية الباطن والظاهر ففي قيام الليل إشارة إلى ~~تزكية النفس باستجلاب رضى الله تعالى . وفي الاستغفار تزكية الظاهر ~~بالأقوال الطيبة الجالبة لمرضاة الله عز وجل . PageV26P348 # وفي جعلهم الحق في أموالهم للسائلين نفع ظاهر للمحتاج المظهر لحاجته ms7952 . ~~وفي جعلهم الحق للمحروم نفع المحتاج المتعفف عن إظهار حاجته الصابر على شدة ~~الاحتياج . # وحرف { ما } في قوله : { قليلا من الليل ما يهجعون } مزيد للتأكيد . ~~وشاعت زيادة { ما } بعد اسم ( قليل ) و ( كثير ) وبعد فعل ( قل ) و ( كثر ) ~~و ( طال ) . # والمعنى : كانوا يهجعون قليلا من الليل . وليست { ما } نافية . # والهجوع : النوم الخفيف وهو الغرار . # ودلت الآية على أنهم كانوا يهجعون قليلا من الليل وذلك اقتداء بأمر الله ~~تعالى نبيئه صلى الله عليه وسلم بقوله : { قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص ~~منه قليلا أو زد عليه } ( المزمل : 2 4 ) وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يأمرهم بذلك كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ( أن رسول الله قال له ~~: لم أخبر أنك تقوم الليل وتصوم النهار قال : نعم . قال : لا تفعل إنك إن ~~فعلت ذلك نفهت النفس وهجمت العين . وقال له : قم ونم ، فإن لنفسك عليك حقا ~~ولأهلك عليك حقا ) . # وقد اشتملت هذه الجملة على خصائص من البلاغة : # أولاها : فعل الكون في قوله : { كانوا } الدال على أن خبرها سنة متقررة . # الثاني : العدول عن أن يقال : كانوا يقيمون الليل ، أو كانوا يصلون في ~~جوف الليل ، إلى قوله : { قليلا من الليل ما يهجعون } لأن في ذكر الهجوع ~~تذكيرا بالحالة التي تميل إليها النفوس فتغلبها وتصرفها عن ذكر الله تعالى ~~وهو من قبيل قوله تعالى : { تتجافى جنوبهم عن المضاجع } ( السجدة : 16 ) ، ~~فكان في الآية إطناب اقتضاه تصوير تلك الحالة ، والبليغ قد يورد في كلامه ~~ما لا تتوقف عليه استفادة المعنى إذا كان يرمي بذلك إلى تحصيل صور الألفاظ ~~المزيدة . # الثالث : التصريح بقوله : { من الليل } للتذكير بأنهم تركوا النوم في ~~الوقت الذي من شأنه استدعاء النفوس للنوم فيه زيادة في تصوير جلال قيامهم ~~الليل وإلا فإن قوله : { كانوا قليلا ما يهجعون } يفيد أنه من الليل . ~~PageV26P349 # الرابع : تقييد الهجوع بالقليل للإشارة إلى أنهم لا يستكملون منتهى حقيقة ~~الهجوع بل يأخذون منه قليلا . وهذه الخصوصية فاتت أبا قيس بن الأسلت في ~~قوله : # قد ms7953 حصت البيضة راسي فما # أطعم نوما غير تهجاع # الخامس : المبالغة في تقليل هجوعهم لإفادة أنه أقل ما يهجهه الهاجع . # وانتصب { قليلا } على الظرف لأنه وصف بالزمان بقوله : { من الليل } . ~~والتقدير : زمنا قليلا من الليل ، والعامل في الظرف { يهجعون } . و { من ~~الليل } تبعيض . # ثم أتبع ذلك بأنهم يستغفرون في السحر ، أي فإذا آذن الليل بالانصرام ~~سألوا الله أن يغفر لهم بعد أن قدموا من التهجد ما يرجون أن يزلفهم إلى رضى ~~الله تعالى . وهذا دل على أن هجوعهم الذي يكون في خلال الليل قبل السحر . ~~فأما في السحر فهم يتهجدون ، ولذلك فسر ابن عمر ومجاهد الاستغفار بالصلاة ~~في السحر . وهذا نظير قوله تعالى : { والمستغفرين بالأسحار } ( آل عمران : ~~17 ) ، وليس المقصود طلب الغفران بمجرد اللسان ولو كان المستغفر في مضجعه ~~إذ لا تظهر حينئذ مزية لتقييد الاستغفار بالكون في الأسحار . # والأسحار : جمع سحر وهو آخر الليل . وخص هذا الوقت لكونه يكثر فيه أن ~~يغلب النوم على الإنسان فيه فصلاتهم واستغفارهم فيه أعجب من صلاتهم في ~~أجزاء الليل الأخرى . وجمع الأسحار باعتبار تكرر قيامهم في كل سحر . # وتقديم { بالأسحار } على { يستغفرون } للاهتمام به كما علمت . # وصيغ استغفارهم بأسلوب إظهار اسم المسند إليه دون ضميره لقصد إظهار ~~الاعتناء بهم وليقع الإخبار عن المسند إليه بالمسند الفعلي فيفيد تقوي ~~الخبر لأنه PageV26P350 من الندرة بحيث يقتضي التقوية لأن الاستغفار في ~~السحر يشق على من يقوم الليل لأن ذلك وقت إعيائه . فهذا الإسناد على طريقة ~~قولهم : هو يعطي الجزيل . # وحق السائل والمحروم : هو النصيب الذي يعطونه إياهما ، أطلق عليه لفظ ~~الحق ، إما لأن الله أوجب على المسلمين الصدقة بما تيسر قبل أن يفرض عليهم ~~الزكاة فإن الزكاة فرضت بعد الهجرة فصارت الصدقة حقا للسائل والمحروم ، أو ~~لأنهم ألزموا ذلك أنفسهم حتى صار كالحق للسائل والمحروم . وبذلك يتأول قول ~~من قال : إن هذا الحق هو الزكاة . # والسائل : الفقير المظهر فقره فهو يسأل الناس ، والمحروم : الفقير الذي ~~لا يعطى الصدقة لظن الناس أنه غير محتاج من تعففه عن إظهار ms7954 الفقر ، وهو ~~الصنف الذي قال الله تعالى في شأنهم { يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف } ( ~~البقرة : 273 ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم ( ليس المسكين الذي ترده ~~اللقمة واللقمتان والأكلة والأكلتان ولكن المسكين الذي ليس له غنى ويستحيي ~~ولا يسأل الناس إلحافا ) . # وإطلاق اسم المحروم ليس حقيقة لأنه لم يسأل الناس ويحرموه ولكن لما كان ~~مآل أمره إلى ما يؤول إليه أمر المحروم أطلق عليه لفظ المحروم تشبيها به في ~~أنه لا تصل إليه ممكنات الرزق بعد قربها منه فكأنه ناله حرمان . # والمقصود من هذه الاستعارة ترقيق النفوس عليه وحث الناس على البحث عنه ~~ليضعوا صدقاتهم في موضع يحب الله وضعها فيه ونظيرها في سورة المعارج . قال ~~ابن عطية : واختلف الناس في { المحروم } اختلافا هو عندي تخليط من ~~المتأخرين إذ المعنى واحد عبر علماء السلف في ذلك بعبارات على جهة المثالات ~~فجعلها المتأخرون أقوالا . قلت ذكر القرطبي أحد عشر قولا كلها أمثلة لمعنى ~~الحرمان ، وهي متفاوتة في القرب من سياق الآية فما صلح منها لأن يكون مثالا ~~للغرض قبل وما لم يصلح فهو مردود ، مثل تفسير من فسر المحروم بالكلب . وفي ~~( تفسير ابن عطية ) عن الشعبي : أعياني أن أعلم ما المحروم . وزاد القرطبي ~~في رواية عن الشعبي قال : لي اليوم سبعون سنة منذ احتملت أسأل عن المحروم ~~فما أنا اليوم بأعلم مني فيه يومئذ . PageV26P351 # هذا متصل بالقسم وجوابه من قوله : { والذاريات } ( الذاريات : 1 ) وقوله ~~: { وإن الدين لواقع إلى قوله : والسماء ذات الحبك } ( الذاريات : 6 ، 7 ) ~~فبعد أن حقق وقوع البعث بتأكيده بالقسم انتقل إلى تقريبه بالدليل لإبطال ~~إحالتهم إياه ، فيكون هذا الاستدلال كقوله : { ومن آياته أنك ترى الأرض ~~خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحيي الموتى } ( ~~فصلت : 39 ) . # وما بين هاتين الجملتين اعتراض ، فجملة { وفي الأرض آيات للموقنين } يجوز ~~أن تكون معطوفة على جملة جواب القسم وهي { إن ما توعدون لصادق } ( الذاريات ~~: 5 ) . والمعنى : وفي ما يشاهد من أحوال الأرض آيات للموقنين وهي الأحوال ~~الدالة على إيجاد ms7955 موجودات بعد إعدام أمثالها وأصولها مثل إنبات الزرع ~~الجديد بعد أن باد الذي قبله وصار هشيما . وهذه دلائل واضحة متكررة لا ~~تحتاج إلى غوص الفكر فلذلك لم تقرن هذه الآيات بما يدعو إلى التفكر كما قرن ~~قوله : { وفي أنفسكم أفلا تبصرون } ( الذاريات : 21 ) . # واعلم أن الآيات المرموقة من أحوال الأرض صالحة للدلالة أيضا على تفرده ~~تعالى بالإلهية في كيفية خلقها ودحوها للحيوان والإنسان ، وكيف قسمت إلى ~~سهل وجبال وبحر ، ونظام إنباتها الزرع والشجر ، وما يخرج من ذلك من منافع ~~للناس ، ولهذا حذف تقييد آيات بمتعلق ليعم كل ما تصلح الآيات التي في الأرض ~~أن تدل عليه . وتقديم الخبر في قوله : { وفي الأرض } للاهتمام والتشويق إلى ~~ذكر المبتدأ . # واللام في { للموقنين } معلق ب { آيات } . وخصت الآيات ب { الموقنين } ~~لأنهم الذين انتفعوا بدلالتها فأكسبتهم الإيقان بوقوع البعث . وأوثر وصف ~~الموقنين هنا دون الذين أيقنوا لإفادة أنهم عرفوا بالإيقان . وهذا الوصف ~~يقتضي مدحهم بثقوب الفهم لأن الإيقان لا يكون إلا عن دليل ودلائل هذا الأمر ~~نظرية . ومدحهم أيضا بالإنصاف وترك المكابرة لأن أكثر المنكرين للحق تحملهم ~~المكابرة PageV26P352 أو الحسد على إنكار حق من يتوجسون منه أن يقضي على ~~منافعهم . وتقديم { في الأرض } على المبتدأ للاهتمام بالأرض باعتبارها آيات ~~كثيرة . # عطف على { في الأرض } ( الذاريات : 20 ) . فالتقدير : وفي أنفسكم آيات ~~أفلا تبصرون . تفريعا على هذه الجملة المعطوفة فيقدر الوقف على { أنفسكم } ~~. وليس المجرور متعلقا ب { تبصرون } متقدما عليه لأن وجود الفاء مانع من ~~ذلك إذ يصير الكلام معطوفا بحرفين . والخطاب موجه إلى المشركين . ~~والاستفهام إنكاري ، أنكر عليهم عدم الإبصار للآيات . والإبصار مستعار ~~للتدبر والتفكر ، أي كيف تتركون النظر في آيات كائنة في أنفسكم . # وتقديم { في أنفسكم } على متعلقه للاهتمام بالنظر في خلق أنفسهم وللرعاية ~~على الفاصلة . # والمعنى : ألا تتفكرون في خلق أنفسكم : كيف أنشأكم الله من ماء وكيف ~~خلقكم أطوارا ، أليس كل طور هو إيجاد خلق لم يكن موجودا قبل . فالموجود في ~~الصبي لم يكن موجودا فيه حين كان جنينا . والموجود في الكهل لم ms7956 يكن فيه حين ~~كان غلاما وما هي عند التأمل إلا مخلوقات مستجدة كانت معدومة فكذلك إنهاء ~~الخلق بعد الموت . # وهذا التكوين العجيب كما يدل على إمكان الإيجاد بعد الموت يدل على تفرد ~~مكونة تعالى بالإلاهية إذ لا يقدر على إيجاد مثلل الإنسان غير الله تعالى ~~فإن بواطن أحوال الإنسان وظواهرها عجائب من الانتظام والتناسب وأعجبها خلق ~~العقل وحركاته واستخراج المعاني وخلق النطق والإهام إلى اللغة وخلق الحواس ~~وحركة الدورة الدموية وانتساق الأعضاء الرئيسة وتفاعلها وتسوية المفاصل ~~PageV26P353 والعضلات والأعصاب والشرايين وحالها بين الارتخاء واليبس فإنه ~~إذا غلب عليها التيبس جاء العجز وإذا غلب الارتخاء جاء الموت . والخطاب ~~للذين خوطبوا بقوله أول السورة { إن ما توعدون لصادق } ( الذاريات : 5 ) . # بعد أن ذكر دلائل الأرض ودلائل الأنفس التي هم من علائق الأرض عطف ذكر ~~السماء للمناسبة ، وتمهيدا للقسم الذي بعده بقوله : { فورب السماء والأرض ~~إنه لحق } ( الذاريات : 23 ) . ولما في السماء من آية المطر الذي به تنبت ~~الأرض بعد الجفاف ، فالمعنى : وفي السماء آية المطر ، فعدل عن ذكر المطر ~~إلى الرزق إدماجا للامتنان في الاستدلال فإن الدليل في كونه مطرا يحيي ~~الأرض بعد موتها . وهذا قياس تمثيل للنبت ، أي في السماء المطر الذي ترزقون ~~بسببه . # فالرزق : هو المطر الذي تحمله السحب والسماء هنا : طبقات الجو . وتقديم ~~المجرور على متعلقه للتشويق وللاهتمام بالمكان وللرد على الفاصلة . # وعطف { وما توعدون } إدماج بين أدلة إثبات البعث لقصد الموعظة الشاملة ~~للوعيد على الإشراك والوعد على الإيمان إن آمنوا تعجيلا بالموعظة عند سنوح ~~فرصتها . # وفي إيثار صيغة { توعدون } خصوصية من خصائص إعجاز القرآن ، فإن هذه ~~الصيغة صالحة لأن تكون مصوغة من الوعد فيكون وزن { توعدون } تفعلون مضارع ~~وعد مبنيا للنائب . وأصله قبل البناء للنائب تعدون وأصله توعدون ، فلما بني ~~للنائب ضم حرف المضارعة فصارت الواو الساكنة مدة مجانسة للضمة فصار : ~~توعدون . وصالحة لأن تكون من الإيعاد ووزنه تأفعلون مثل تصريف أكرم يكرم ~~وبذلك صار { توعدون } مثل تكرمون ، فاحتملت للبشارة والإنذار . PageV26P354 # وكون ذلك في السماء يجوز أن يكون معناه ms7957 أنه محقق في علم أهل السماء ، أي ~~الملائكة الموكلين بتصريفه . ويجوز أن يكون المعنى : أن مكان حصوله في ~~السماء ، من جنة أو جهنم بناء على أن الجنة وجهنم موجودتان من قبل يوم ~~القيامة ، وفي ذلك اختلاف لا حاجة إلى ذكره . وفيه إيماء إلى أن ما أوعدوه ~~يأتيهم من قبل السماء كما قال تعالى : { فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين ~~يغشى الناس هذا عذاب أليم } ( الدخان : 10 ، 11 ) . فإن ذلك الدخان كان في ~~طبقات الجو كما تقدم في سورة الدخان . # بعد أن أكد الكلام بالقسم ب { الذاريات } ( الذاريات : 1 ) وما عطف عليها ~~فرع على ذلك زيادة تأكيد بالقسم بخالق السماء والأرض على أن ما يوعدون حق ~~فهو عطف على الكلام السابق ومناسبته قوله : { وما توعدون } ( الذاريات : 22 ~~) . # وإظهار اسم السماء والأرض دون ذكر ضميرهما لإدخال المهابة في نفوس ~~السامعين بعظمة الرب سبحانه . # وضمير { إنه لحق } عائد إلى { ما توعدون } ( الذاريات : 22 ) . وهذا من ~~رد العجز على المصدر لأنه رد على قوله أول السورة { إن ما توعدون لصادق } ( ~~الذاريات : 5 ) وانتهى الغرض . # وقوله : { مثل ما أنكم تنطقون } زيادة تقرير لوقوع ما أوعدوه بأن شبه ~~بشيء معلوم كالضرورة لا امتراء في وقوعه وهو كون المخاطبين ينطقون . وهذا ~~نظير قولهم : كما أن قبل اليوم أمس ، أو كما أن بعد اليوم غدا . وهو من ~~التمثيل بالأمور المحسوسة ، ومنه تمثيل سرعة الوصول لقرب المكان في قول ~~زهير : # فهن ووادي الرس كاليد للفم # وقولهم : مثل ما أنك ها هنا ، وقولهم : كما أنك ترى وتسمع . PageV26P355 # وقرأ الجمهور { مثل } بالنصب على أنه صفة حال محذوف قصد منه التأكيد . ~~والتقدير : إنه لحق حقا مثل ما أنكم تنطقون . وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر ~~عن عاصم وخلف مرفوعا على الصفة { لحق } صفة أريد بها التشبيه . # و { ما } الواقعة بعد { مثل } زائدة للتوكيد . وأردفت ب ( أن ) المفيدة ~~للتأكيد تقوية لتحقيق حقية ما يوعدون . # واجتلب المضارع في { تنطقون } دون أن يقال : نطقكم ، يفيد التشبيه بنطقهم ~~المتجدد وهو أقوى في الوقوع لأنه محسوس . # ( 24 30 ms7958 ) { } # انتقال من الإنذار والموعظة والاستدلال إلى الاعتبار بأحوال الأمم ~~الماضية المماثلة للمخاطبين المشركين في الكفر وتكذيب الرسل . والجملة ~~مستأنفة استئنافا ابتدائيا وغير أسلوب الكلام من خطاب المنذرين مواجهة إلى ~~أسلوب التعريض تفننا بذكر قصة إبراهيم لتكون توطئة للمقصود من ذكر ما حل ~~بقوم لوط حين كذبوا رسولهم ، فالمقصود هو ما بعد قوله { قال فما خطبكم أيها ~~المرسلون } ( الحجر : 57 ) . # وكان في الابتداء بذكر قوم لوط في هذه الآية على خلاف الترتيب الذي جرى ~~عليه اصطلاح القرآن في ترتيب قصص الأمم المكذبة بابتدائها بقوم نوح ثم عاد ~~ثم ثمود ثم قوم لوط أن المناسبة للانتقال من وعيد المشركين إلى العبرة ~~بالأمم الماضية أن PageV26P356 المشركين وصفوا آنفا بأنهم في غمرة ساهون ~~فكانوا في تلك الغمرة أشبه بقوم لوط إذ قال الله فيهم { لعمرك إنهم لفي ~~سكرتهم يعمهون } ( الحجر : 72 ) ، ولأن العذاب الذي عذب به قوم لوط كان ~~حجارة أنزلت عليهم من السماء مشبهة بالمطر . وقد سميت مطرا في قوله تعالى : ~~{ ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء } ( الفرقان : 40 ) وقوله : { ~~وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل } ( هود : 82 ) ولأن في قصة حضور الملائكة عند ~~إبراهيم وزوجه عبرة بإمكان البعث فقد تضمنت بشارتها بمولود يولد لها بعد ~~اليأس من الولادة وذلك مثل البعث بالحياة بعد الممات . # ولما وجه الخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم بقوله : { هل أتاك } عرف أن ~~المقصود الأصلي تسليته على ما لقيه من تكذيب قومه . ويتبع ذلك تعريض ~~بالسامعين حين يقرأ عليهم القرآن أو يبلغهم بأنهم صائرون إلى مثل ذلك ~~العذاب لاتحاد الأسباب . # وتقدم القول في نظير { هل أتاك حديث } عند قوله تعالى : { وهل أتاك نبؤا ~~الخصم في سورة ص ، وأنه يفتتح به الأخبار الفخمة المهمة . # والضيف : اسم يقال للواحد وللجمع لأن أصله مصدر ضاف ، إذا مال فأطلق على ~~الذي يميل إلى بيت أحد لينزل عنده . ثم صار اسما فإذا لوحظ أصله أطلق على ~~الواحد وغيره ولم يؤنثوه ولا يجمعونه وإذا لوحظ الاسم جمعوه للجماعة وأنثوه ~~للأنثى فقالوا أضياف وضيوف ms7959 وامرأة ضيفة وهو هنا اسم جمع ولذلك وصف ~~بالمكرمين } ، وتقدم في سورة الحجر { قال إن هؤلاء ضيفي . # والمعني به الملائكة الذي أظهرهم الله لإبراهيم عليه السلام فأخبروه ~~بأنهم مرسلون من الله لتنفيذ العذاب لقوم لوط وسماهم الله ضيفا نظرا لصورة ~~مجيئهم في هيئة الضيف كما سمى الملكين الذين جاءا داود خصما في قوله تعالى ~~: وهل أتاك نبؤا الخصم } ( ص : 21 ) ، وذلك من الاستعارة الصورية . # وفي سفر التكوين من التوراة : أنهم كانوا ثلاثة . وعن ابن عباس : أنهم ~~جبريل وميكائيل وإسرافيل . وعن عطاء : جبريل وميكائيل ومعهما ملك آخر . # ولعل سبب إرسال ثلاثة ليقع تشكلهم في شكل الرجال لما تعارفه الناس في ~~أسفارهم أن لا يقل ركب المسافرين عن ثلاثة رفاقق . وذلك أصل جريان المخاطبة ~~PageV26P357 بصيغة المثنى في نحو : ( قفا نبك ) . وفي الحديث ( الواحد ~~شيطان والاثنان شيطانان والثلاثة ركب ) . رواه الحاكم في ( المستدرك ) وذكر ~~أن سنده صحيح . وقد يكون سبب إرسالهم ثلاثة أن عذاب قوم لو كان بأصناف ~~مختلفة لكل صنف منها ملكه الموكل به . # ووصفهم بالمكرمين كلام موجه لأنه يوهم أن ذلك لإكرام إبراهيم إياهم كما ~~جرت عادته مع الضيف وهو الذي سن القرى ، والمقصود : أن الله أكرمهم برفع ~~الدرجة لأن الملائكة مقربون عند الله تعالى كما قال : { بل عباد مكرمون } ( ~~الأنبياء : 26 ) وقال : { كراما كاتبين } ( الانفطار : 11 ) . # وظرف { إذ دخلوا عليه } يتعلق ب { حديث } لما فيه من معنى الفعل ، أي ~~خبرهم حين دخلوا عليه . # وقوله : { فقالوا سلاما قال سلام } تقدم نظيره في سورة هود . وقرأ ~~الجمهور : { قال سلام } . وقرأه حمزة والكسائي { قال سلم } بكسر السين ~~وسكون اللام . # وقوله : { قوم منكرون } من كلام إبراهيم . والظاهر أنه قاله خفتا إذ ليس ~~من الإكرام أن يجاهر الزائر بذلك ، فالتقدير : هم قوم منكرون . # والمنكر : الذي ينكره غيره ، أي لا يعرفه . وأطلق هنا على من ينكر حاله ~~ويظن أنه حال غير معتاد ، أي يخشى أنه مضمر سوء ، كما قال في سورة هود { ~~فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة ومنه قول الأعشى : # وأنكرتني ms7960 وما كان الذي نكرت # من الحوادث إلا الشيب والصلعا # أي كرهت ذاتي . # وقصة ضيف إبراهيم تقدمت في سورة هود . # وراغ } مال في المشي إلى جانب ، ومنه : روغان الثعلب . والمعنى : أن ~~إبراهيم حاد عن المكان الذي نزل فيه الضيوف إلى أهله ، أي إلى بيته الذي ~~فيه أهله . PageV26P358 # وفي التوراة : أنه كان جالسا أمام باب خيمته تحت شجرة وأنه أنزل الضيوف ~~تحت الشجرة . وقال أبو عبيد القاسم بن سلام : إن الروغان ميل في المشي عن ~~الاستواء إلى الجانب مع إخفاء إرادته ذلك وتبعه على هذا التقييد الراغب ~~والزمخشري وابن عطية فانتزع منه الزمخشري أن إخفاء إبراهيم ميله إلى أهله ~~من حسن الضيافة كيلا يوهم الضيف أنه يريد أن يحضر لهم شيئا فلعل الضيف أن ~~يكفه عن ذلك ويعذره وهذا منزع لطيف . # وكان منزل إبراهيم الذي جرت عنده هذه القصة بموضع يسمى ( بلوطات ممرا ) ~~من أرض جبرون . # ووصف العجل هنا ب { سمين } ، ووصف في سورة هود بحنيذ ، أي مشوي فهو عجل ~~سمين شواه وقربه إليهم ، وكان الشوا أسرع طبخ أهل البادية وقام امرؤ القيس ~~يذكر الصيد : # فظل طهاة اللحم ما بين منضج # صفيف شواء أو قدير معجل # فقيد ( قدير ) ب ( معجل ) ولم يقيد ( صفيف شواء ) لأنه معلوم . # ومعنى { قربه } وضعه قريبا منهم ، أي لم ينقلهم من مجلسهم إلى موضع آخر ~~بل جعل الطعام بين أيديهم . وهذا من تمام الإكرام للضيف بخلاف ما يطعمه ~~العافي والسائل فإنه يدعى إلى مكان الطعام كما قال الفرزدق : # فقلت إلى الطعام فقال منهم # فريق يحسد الأنس الطعاما # ومجيء الفاء لعطف أفعال { فراغ } { فجاء } { فقربه } للدلالة على أن هذه ~~الأفعال وقعت في سرعة ، والإسراع بالقرى من تمام الكرم ، وقد قيل : خير ~~البر عاجله . # وجملة { قال ألا تأكلون } بدل اشتمال من جملة { قربه إليهم } . # و { ألا } كلمة واحدة ، وهي حرف عرض ، أي رغبة في حصول الفعل الذي تدخل ~~عليه . وهي هنا متعينة للعرض لوقوع فعل القول بدلا من فعل { قربه ~~PageV26P359 إليهم } ، ولا يحسن جعلها كلمتين من همزة استفهام للإنكار مع ms7961 ( ~~لا ) النافية . # والعرض على الضيف عقب وضع الطعام بين يديه زيادة في الإكرام بإظهار الحرص ~~على ما ينفع الضيف وإن كان وضع الطعام بين يديه كافيا في تمكينه منه . وقد ~~اعتبر ذلك إذنا عند الفقهاء في الدعوة إلى الولائم بخلاف مجرد وجود مائدة ~~طعام أو سفرة ، إذ يجوز أن تكون قد أعدت لغير المدعو . # والفاء في { فأوجس منهم خيفة } فصيحة لإفصاحها عن جملة مقدرة يقتضيها ربط ~~المعنى ، أي فلم يأكلوا فأوجس منهم خيفة ، كقوله : { أن اضرب بعصاك البحر ~~فانفلق } ( الشعراء : 63 ) ، وقد صرح بذلك في سورة هود { فلما رأى أيديهم ~~لا تصل إليه ( أي إلى العجل ) نكرهم وأوجس منهم خيفة } ( هود : 70 ) . # و { أوجس } أحس في نفسه ولم يظهر ، وتقدم نظيره في سورة هود . وقولهم له ~~{ لا تخف } لأنهم علموا ما في نفسه مما ظهر على ملامحه من الخوف ، وتقدم ~~نظيره في سورة هود . # والغلام الذي بشروه به هو إسحاق لأنه هو ابن سارة ، وهو الذي وقعت ~~البشارة به في هذه القصة في التوراة ، ووصف هنا ب { عليم } ، وأما الذي ~~ذكرت البشارة به في سورة الصافات فهو إسماعيل ووصف ب { حليم ولذلك فامرأة ~~إبراهيم الحادث عنها هنا هي سارة ، وهي التي ولدت بعد أن أيست ، أما هاجر ~~فقد كانت فتاة ولدت في مقتبل عمرها . وأقبلت امرأته حين سمعت البشارة لها ~~بغلام ، أي أقبلت على مجلس إبراهيم مع ضيفه ، قال تعالى في سورة هود ~~وامرأته قائمة . # وكان النساء يحضرن مجالس الرجال في بيوتهن مع أزواجهن ويواكلنهم . وفي ~~الموطأ } : قال مالك : لا بأس أن تحضر المرأة مع زوجها وضيفه وتأكل معهم . # والصرة : الصياح ، ومنه اشتق الصرير . و { في } للظرفية المجازية وهي ~~الملابسة . # والصك : اللطم ، وصك الوجه عند التعجب عادة النساء أيامئذ ، ونظيره ~~PageV26P360 وضع اليد على الفم في قوله تعالى : { فردوا أيديهم في أفواههم ~~} ( إبراهيم : 9 ) . # وقولها { عجوز عقيم } خبر محذوف ، أي أنا عجوز عقيم . # والعجوز : فعول بمعنى فاعل وهو يستوي في المذكر والمؤنث مشتق من العجز ~~ويطلق على كبر السن لملازمة العجز ms7962 له غالبا . # والعقيم : فعيل بمعنى مفعول ، وهو يستوي فيه المذكر والمؤنث إذا جرى على ~~موصوف مؤنث ، مشتق من عقمها الله ، إذا خلقها لا تحمل بجنين ، وكانت سارة ~~لم تحمل قط . # وقول الملائكة { كذلك قال ربك } الإشارة إلى الحادث وهو التبشير بغلام . ~~والكاف للتشبيه ، أي مثل قولنا : قال ربك فنحن بلغنا ما أمرنا بتبليغه . # وجملة { إنه هو الحكيم العليم } تعليل لجملة { كذلك قال ربك } المتقضية ~~أن الملائكة ما أخبروا إبراهيم إلا تبليغا من الله وأن الله صادق وعده وأنه ~~لا موقع لتعجب امرأة إبراهيم لأن الله حكيم يدبر تكوين ما يريده ، وعليم لا ~~يخفى عليه حالها من العجز والعقم . # وهذه المحاورة بين الملائكة وسارة امرأة إبراهيم وقع مثلها بينهم وبين ~~إبراهيم كما قص في سورة الحجر ، فحكي هنا ما دار بينهم وبين سارة ، وحكي ~~هناك ما دار بينهم وبين إبراهيم والمقام واحد ، والحالة واحدة كما بين في ~~سورة هود { قالت يا ويلتى ءالد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب ~~. PageV26P361 # ( 31 34 ) } # علم إبراهيم من محاورتهم فيما ذكر في هذه الآية وما ورد ذكره في آيات ~~أخرى أنهم ملائكة مرسلون من عند الله فسألهم عن الشأن الذي أرسلوا لأجله . ~~وإنما سألهم بعد أن قراهم جريا على سنة الضيافة أن لا يسأل الضيف عن الغرض ~~الذي أورده ذلك المنزل إلا بعد استعداده للرحيل كيلا يتوهم سآمة مضيفة من ~~نزوله به ، وليعينه على أمره إن كان مستطيعا ، وهم وإن كانوا قد بشروه بأمر ~~عظيم إلا أنه لم يعلم هل ذلك هو قصارى ما جاءوا لأجله ؟ # وحكي فعل القول بدون عاطف لأنه في مقاوله محاورة بينه وبين ضيفه . # والفاء فيما حكي من كلام إبراهيم فصيحة مؤذنة بكلام محذوف ناشىء عن ~~المحاورة الواقعة بينه وبين ضيفه وهو من عطف كلام على كلام متكلم آخر ويقع ~~كثيرا في العطف بالواو نحو قوله تعالى حكاية عن إبراهيم : { قال ومن ذريتي ~~} ( البقرة : 124 ) بعد قوله تعالى : { قال إني جاعلك للناس إماما } ( ~~البقرة : 124 ) وقوله حكاية عن ms7963 نوح : { قال وما علمي بما كانوا يعملون } ( ~~الشعراء : 112 ) . فإبراهيم خاطب الملائكة بلغته ما يؤدي مثله بفصيح الكلام ~~العربي بعبارة { فما خطبكم أيها المرسلون } . وتقدير المحذوف : إذ كنتم ~~مرسلين من جانب الله تعالى فما خطبكم الذي أرسلتم لأجله . PageV27P005 وقد ~~علم إبراهيم أن نزول الملائكة بتلك الصورة لا تكون لمجرد بشارته بابن يولد ~~له ولزوجه إذ كانت البشارة تحصل له بالوحي ، فكان من علم النبوءة أن إرسال ~~الملائكة إلى الأرض بتلك الصورة لا يكون إلا لخطب قال تعالى : { ما تنزل ~~الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذن منظرين } ( الحجر : 8 ) . # والخطب : الحدث العظيم والشأن المهم ، وإضافته إلى ضميرهم لأدنى ملابسة . # والمعنى : ما الخطب الذي أرسلتم لأجله إذ لا تنزل الملائكة إلا بالحق . ~~وخاطبهم بقوله : { أيها المرسلون } لأنه لا يعرف ما يسميهم به إلا وصف أنهم ~~المرسلون ، والمرسلون من صفات الملائكة كما في قوله تعالى : { والمرسلات ~~عرفا } ( المرسلات : 1 ) عن أحد تفسيرين . # والمراد بالقوم المجرمين أهل سدوم وعمورية ، وهم قوم لوط ، وقد تقدمت ~~قصتهم في سورة الأعراف وسورة هود . # والإرسال الذي في قوله : { لنرسل عليهم حجارة من طين } مستعمل في الرمي ~~مجازا كما يقال : أرسل سهمه على الصيد ، وهذا الإرسال يكون بعد أن أصعدوا ~~الحجارة إلى الجو وأرسلتها عليهم ، ولذلك سميت مطرا في بعض الآيات . # وحصل بين { أرسلنا } وبين { لنرسل } جناس لاختلاف معنى اللفظين . # والحجارة : اسم جمع للحجر ، ومعنى كون الحجارة من طين : أن أصلها طين ~~تحجر بصهر النار ، وهي حجارة بركانية من كبريت قذفتها الأرض من الجهة التي ~~صارت بحيرة تدعى اليوم بحيرة لوط ، وأصعدها ناموس إلهي بضغط جعله الله يرفع ~~الخارج من البركان إلى الجو فنزلت على قرى قوم لوط فأهلكتهم ، وذلك بأمر ~~التكوين بواسطة القوى الملكية . # والمسومة : التي عليها السومة أي العلامة ، أي عليها علامات من ألوان تدل ~~على أنها ليست من الحجارة المتعارفة . # ومعنى { عند ربك } أن علاماتها بخلق الله وتكوينه . PageV27P006 # والمسرفون : المفرطون في العصيان ، وذلك بكفرهم وشيوع الفاحشة فيهم ، ~~فالمسرفون : القوم المجرمون ، عدل عن ضميرهم إلى الوصف الظاهر ms7964 ، لتسجيل ~~إفراطهم في الإجرام . # ( 35 37 ) # هذه الجملة ليست من حكاية كلام الملائكة بل هي تذييل لقصة محاورة ~~الملائكة مع إبراهيم ، والفاء في { فأخرجنا } فصيحة لأنها تفصح عن كلام ~~مقدر هو ما ذكر في سورة هود من مجيء الملائكة إلى لوط وما حدث بينه وبين ~~قومه ، فالتقدير : فحلوا بقرية لوط فأمرناهم بإخراج من كان فيها من ~~المؤمنين فأخرجوهم . وضمير ( أخرجنا ) ضمير عظمة الجلالة . # وإسناد الإخراج إلى الله لأنه أمر به الملائكة أن يبلغوه لوطا ، ولأن ~~الله يسر إخراج المؤمنين ونجاتهم إذ أخر نزول الحجارة إلى أن خرج المؤمنون ~~وهم لوط وأهله إلا امرأته . # وعبر عنهم ب { المؤمنين } للإشارة إلى أن إيمانهم هو سبب نجاتهم ، أي ~~إيمانهم بلوط . والتعبير عنه ب { المسلمين } لأنهم آل نبيء وإيمان الأنبياء ~~إسلام قال تعالى : { ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى ~~لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون } ( البقرة : 132 ) . # وضمير { فيها } عائد إلى القرية ولم يتقدم لها ذكر لكونها معلومة من آيات ~~أخرى كقوله : { ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء } ( الفرقان : ~~40 ) . # وتفريع { فما وجدنا } تفريع خبر على خبر ، وفعل { وجدنا } معنى علمنا لأن ~~( وجد ) من أخوات ( ظن ) فمفعوله الأول قوله : { من المسلمين } و ( من ) ~~مزيدة لتأكيد النفي وقوله : { فيها } في محل المفعول الثاني . PageV27P007 # وإنما قال : { فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت ~~من المسلمين } دون أن يقول : فأخرجنا لوطا وأهل بيته قصدا للتنويه بشأن ~~الإيمان والإسلام ، أي أن الله نجاهم من العذاب لأجل إيمانهم بما جاء به ~~رسولهم لا لأجل أنهم أهل لوط ، وأن كونهم أهل بيت لوط لأنهم انحصر فيهم وصف ~~{ المؤمنين } في تلك القرية ، فكان كالكلي الذي انحصر في فرد معين . # والمؤمن : هو المصدق بما يجب التصديق به . والمسلم المنقاد إلى مقتضى ~~الإيمان ولا نجاة إلا بمجموع الأمرين ، فحصل في الكلام مع التفنن في ~~الألفاظ الإشارة إلى التنويه بكليهما وإلى أن النجاة باجتماعهما . # والآية تشير إلى أن امرأة لوط كانت تظهر الانقياد ms7965 لزوجها وتضمر الكفر ~~وممالأة أهل القرية على فسادهم ، قال تعالى : { ضرب الله مثلا للذين كفروا ~~امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما } ( ~~التحريم : 10 ) الآية ، فبيت لوط كان كله من المسلمين ولم يكن كله من ~~المؤمنين فلذلك لم ينج منهم إلا الذين اتصفوا بالإيمان والإسلام معا . # والوجدان في قوله : { فما وجدنا } مراد به تعلق علم الله تعالى بالمعلوم ~~بعد وقوعه وهو تعلق تنجيزي ، ووجدان الشيء إدراكه وتحصيله . # ومعنى { وتركنا فيها آية } : أن القرية بقيت خرابا لم تعمر ، فكان ما ~~فيها من آثار الخراب آية للذين يخافون عذاب الله ، قال تعالى في سورة الحجر ~~{ وإنها لبسبيل مقيم } ، أو يعود الضمير إلى ما يؤخذ من مجموع قوله : { ~~قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين } ( الذاريات : 32 ) على تأويل الكلام ~~بالقصة ، أي تركنا في قصتهم . # والترك حقيقته : مفارقة شخص شيئا حصل معه في مكان ففارق ذلك المكان وأبقى ~~منه ما كان معه ، كقول عنترة : # فتركته جزر السباع ينشنه # ويطلق على التسبب في إيجاد حالة تطول ، كقول النابغة : PageV27P008 # فلا تتركني بالوعيد كأنني # إلى الناس مطلي به القار أجرب # بتشبيه إبقاء تلك الحالة فيه بالشيء المتروك في مكان . ووجه الشبه عدم ~~التغير . # والترك في الآية : كناية عن إبقاء الشيء في موضع دون مفارقة التارك ، أو ~~هو مجاز مرسل في ذلك فيكون نظير ما في بيت النابغة . # و { الذين يخافون العذاب } هم المؤمنون بالبعث والجزاء من أهل الإسلام ~~وأهل الكتاب دون المشركين فإنهم لما لم ينتفعوا بدلالة مواقع الاستئصال على ~~أسباب ذلك الاستئصال نزلت دلالة آيته بالنسبة إليهم منزلة ما ليس بآية كما ~~قال تعالى : { فذكر بالقرآن من يخاف وعيد } ( ق : 45 ) . # والمعنى : أن الذين يخافون اتعظوا بآية قوم لوط فاجتنبوا مثل أسباب ~~إهلاكهم ، وأن الذين أشركوا لا يتعظون فيوشك أن ينزل عليهم عذاب أليم . # ( 38 40 ) # قوله : { وفي موسى } عطف على قوله : { فيها آية } ( الذاريات : 37 ) . # والتقدير : وتركنا في موسى آية ، فهذا العطف من عطف جملة على جملة لتقدير ~~فعل : تركنا ، بعد ms7966 واو العطف ، والكلام على حذف مضاف أي في قصة موسى حين ~~أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين فتولى الخ ، فيكون الترك المقدر في حرف ~~العطف مرادا به جعل الدلالة باقية فكأنها متروكة في الموضع لا تنقل منه كما ~~تقدم آنفا في بيت عنترة . # وأعقب قصة قوم لوط بقصة موسى وفرعون لشهرة أمر موسى وشريعته ، فالترك ~~المقدر مستعمل في مجازيه المرسل والاستعارة . وفي الواو استخدام مثل ~~استخدام الضمير في قول معاوية بن مالك الملقب معود الحكماء ( لقبوه به ~~لقوله في ذكر قصيدته ) : PageV27P009 # أعود مثلها الحكماء بعدي # إذا ما ألحق في الحدثان نابا # إذا نزل السماء بأرض قوم # رعيناه وإن كانوا غضابا # والمعنى : أن قصة موسى آية دائمة . وعقبت قصة قوم لوط بقصة موسى وفرعون ~~لما بينهما من تناسب في أن العذاب الذي عذب به الأمتان عذاب أرضي إذ عذب ~~قوم لوط بالحجارة التي هي من طين ، وعذب قوم فرعون بالغرق في البحر ، ثم ~~ذكر عاد وثمود وكان عذابهما سماويا إذ عذبت عاد بالريح وثمود بالصاعقة . # والسلطان المبين : الحجة الواضحة وهي المعجزات التي أظهرها لفرعون من ~~انقلاب العصا حية ، وما تلاها من الآيات الثمان . # والتولي حقيقته : الانصراف عن المكان . والركن حقيقته : ما يعتمد عليه من ~~بناء ونحوه ، ويسمى الجسد ركنا لأنه عماد عمل الإنسان . # وقوله : { فتولى بركنه } تمثيل لهيئة رفضه دعوة موسى بهيئة المنصرف عن ~~شخص . وبإيراد قوله : { بركنه } تم التمثيل ولولاه لكان قوله : { تولى } ~~مجرد استعارة . # والباء للملابسة ، أي ملابسا ركنه كما في قوله : { أعرض ونأى بجانبه } ( ~~الإسراء : 83 ) . # والمليم : الذي يجعل غيره لائما عليه ، أي وهو مذنب ذنبا يلومه الله عليه ~~، أي يؤاخذه به . والمعنى : أنه مستوجب العقاب كما قال : { فلا تلوموني ~~ولوموا أنفسكم } ( إبراهيم : 22 ) . # والمعنى : أن في قصة موسى وفرعون آية للذين يخافون العذاب الأليم ~~فيجتنبون مثل أسباب ما حل بفرعون وقومه من العذاب وهي الأسباب التي ظهرت في ~~مكابرة فرعون عن تصديق الرسول الذي أرسل إليه ، وأن الذين لا يخافون العذاب ~~لا يؤمنون بالبعث والجزاء لا يتعظون بذلك ms7967 لأنهم لا يصدقون بالنواميس ~~الإلهية ولا يتدبرون في دعوة أهل الحق فهم لا يزالون معرضين ساخرين ~~PageV27P010 عن دعوة رسولهم متكبرين عليه ، مكابرين في دلائل صدقه ، فيوشك ~~أن يحل بهم من مثل ما حل بفرعون وقومه ، لأن ما جاز على المثل يجوز على ~~المماثل ، وقد كان المسلمون يقولون : إن أبا جهل فرعون هذه الأمة . # ( 41 ، 42 ) # نظم هذه الآية مثل نظم قوله : { وفي موسى إذ أرسلناه إلى فرعون } ( ~~الذاريات : 38 ) انتقل إلى العبرة بأمة من الأمم العربية وهم عاد وهم أشهر ~~العرب البائدة . # و { الريح العقيم } هي : الخلية من المنافع التي ترجى لها الرياح من ~~إثارة السحاب وسوقه ، ومن إلقاح الأشجار بنقل غبرة الذكر من ثمار إلى ~~الإناث من أشجارها ، أي الريح التي لا نفع فيها ، أي هي ضارة . وهذا الوصف ~~لما كان مشتقا مما هو من خصائص الإناث كان مستغنيا عن لحاق هاء التأنيث ~~لأنها يؤتى بها للفرق بين الصنفين . والعرب يكرهون العقم في مواشيهم ، أي ~~ريح كالناقة العقيم لا تثمر نسلا ولا درا ، فوصف الريح بالعقيم تشبيه بليغ ~~في الشؤم ، قال تعالى : { أو يأتيهم عذاب يوم عقيم } ( الحج : 55 ) . # وجملة { ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم } صفة ثانية ، أو حال ~~، فهو ارتقاء في مضرة هذا الريح فإنه لا ينفع وأنه يضر أضرارا عظيمة . # وصيغ { تذر } : بصيغة المضارع لاستحضار الحالة العجيبة . و { شيء } في ~~معنى المفعول ل { تذر } فإن ( من ) لتأكيد النفي والنكرة المجرورة ب ( من ) ~~هذه نص في نفي الجنس ولذلك كانت عامة ، إلا أن هذا العموم مخصص بدليل العقل ~~لأن الريح إنما تبلي الأشياء التي تمر عليها إذا كان شأنها أن يتطرق إليها ~~البلى ، فإن الريح لا تبلي الجبال ولا البحار ولا الأودية وهي تمر عليها ~~وإنما تبلي الديار والأشجار والناس والبهائم ، ومثله قوله تعالى : { تدمر ~~كل شيء بأمر ربها } ( الأحقاف : 25 ) . PageV27P011 # وجملة { جعلته كالرميم } في موضع الحال من ضمير { الريح } مستثناة من ~~عموم أحوال { شيء } يبين المعرف ، أي ما تذر من شيء أتت عليه ms7968 في حال من ~~أحوال تدميرها إلا في حال قد جعلته كالرميم . # والرميم : العظم الذي بلي . يقال : رم العظم ، إذ بلى ، أي جعلته مفتتا . # والمعنى : وفي عاد آية للذين يخافون العذاب الأليم إذ أرسل الله عليهم ~~الريح . والمراد : أن الآية كائنة في أسباب إرسال الريح عليهم وهي أسباب ~~تكذيبهم هودا وإشراكهم بالله وقالوا : { من أشد منا قوة } ( فصلت : 15 ) ، ~~فيحذر من مثل ما حل بهم أهل الإيمان . وأما الذين لا يخافون العذاب الأليم ~~من أهل الشرك فهم مصرون على كفرهم كما أصرت عاد فيوشك أن يحل بهم من جنس ما ~~حل بعاد . # ( 43 45 ) # أتبعت قصة عاد بقصة ثمود لتقارنهما غالبا في القرآن من أجل أن ثمود عاصرت ~~عادا وخلفتها في عظمة الأمم ، قال تعالى : { واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد ~~عاد } ( الأعراف : 74 ) ولاشتهارهما بين العرب . # و { في ثمود } عطف على { في عاد } أو على { تركنا فيها آية } . # والمعنى : وتركنا آية للمؤمنين في ثمود في حال قد أخذتهم الصاعقة ، أي في ~~دلالة أخذ الصاعقة إياهم ، على أن سببه هو إشراكهم وتكذيبهم وعتوهم عن أمر ~~ربهم ، فالمؤمنون اعتبروا بتلك فسلكوا مسلك النجاة من عواقبها ، وأما ~~المشركون فإصرارهم على كفرهم سيوقعهم في عذاب من جنس ما وقعت فيه ثمود . # وهذا القول الذي ذكر هنا هو كلام جامع لما أنذرهم به صالح رسولهم وذكرهم ~~به من نحو قوله : { وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال ~~بيوتا } ( الأعراف : 74 ) PageV27P012 وقوله : { أتتركون فيما ها هنا آمنين ~~في جنات وعيون وزروع ونخل طلعها هضيم } ( الشعراء : 146 148 ) وقوله : { هو ~~أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها } ( هود : 61 ) . ونحو ذلك مما يدل على ~~أنهم أعطوا ما هو متاع ، أي نفع في الدنيا فإن منافع الدنيا زائلة ، فكانت ~~الأقوال التي قالها رسولهم تذكيرا بنعمة الله عليهم يجمعها { تمتعوا حتى ~~حين } ، على أنه يجوز أن يكون رسولهم قال لهم هذه الكلمة الجامعة ولم تحك ~~في القرآن إلا في هذا الموضع ، فقد علمت من المقدمة السابعة من مقدمات هذا ms7969 ~~التفسير أن أخبار الأمم تأتي موزعة على قصصهم في القرآن . # فقوله : { تمتعوا } أمر مستعمل في إباحة المتاع . وقد جعل المتاع بمعنى ~~النعمة في مواضع كثيرة كقوله تعالى : { وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا ~~متاع } ( الرعد : 26 ) قوله : { إن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين } ( ~~الأنبياء : 111 ) . # والمراد ب { حين } زمن مبهم ، جعل نهاية لما متعوا به من النعم فإن نعم ~~الدنيا زائلة ، وذلك الأجل : إما أن يراد به أجل كل واحد منهم الذي تنتهي ~~إليه حياته ، وإما أن يراد به أجل الأمة الذي ينتهي إليه بقاؤها . وهذا نحو ~~قوله : { يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى } ( هود : 3 ) فكما قاله الله ~~للناس على لسان محمد صلى الله عليه وسلم لعله قاله لثمود على لسان صالح ~~عليه السلام . # وليس قوله : { إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين } بمشير إلى قوله في الآية ~~الأخرى { فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام } ( هود : 65 ) ونحوه ~~لأن ذلك الأمر مستعمل في الإنذار والتأييس من النجاة بعد ثلاثة أيام فلا ~~يكون لقوله بعده : { فعتوا عن أمر ربهم } مناسبة لتعقيبه به بالفاء لأن ~~الترتيب الذي تفيده الفاء يقتضي أن ما بعدها مرتب في الوجود على ما قبلها . # والعتو : الكبر والشدة . وضمن ( عتوا ) معنى : أعرضوا ، فعدي ب ( عن ) ، ~~أي فأعرضوا عما أمرهم الله على لسان رسوله صالح عليه السلام . # وأخذ الصاعقة إياهم إصابتها إياهم إصابة تشبه أخذ العدو عدوه . # وجملة { وهم ينظرون } حال من ضمير النصب في { أخذتهم } ، أي أخذتهم ~~PageV27P013 في حال نظرهم إلى نزولها ، لأنهم لما رأوا بوارقها الشديدة ~~علموا أنها غير معتادة فاستشرفوا ينظرون إلى السحاب فنزلت عليهم الصاعقة ~~وهم ينظرون ، وذلك هول عظيم زيادة في العذاب فإن النظر إلى النقمة يزيد ~~صاحبها ألما كما أن النظر إلى النعمة يزيد المنعم مسرة ، قال تعالى : { ~~وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون } ( البقرة : 50 ) . # وقرأ الكسائي { الصعقة } بدون ألف . # وقوله : { فما استطاعوا من قيام } تفريع على { وهم ينظرون } ، أي فما ~~استطاعوا أن يدفعوا ذلك حين رؤيتهم بوادره . فالقيام مجاز ms7970 للدفاع كما يقال ~~: هذا أمر لا يقوم له أحد ، أي لا يدفعه أحد . وفي الحديث ( غضب غضبا لا ~~يقوم له أحد ) ، أي فما استطاعوا أي دفاع لذلك . # وقوله : { وما كانوا منتصرين } أي لم ينصرهم ناصر حتى يكونوا منتصرين لأن ~~انتصر مطاوع نصر ، أي ما نصرهم أحد فانتصروا . # قرأ الجمهور { وقوم } بالنصب بتقدير ( اذكر ) ، أو بفعل محذوف يدل عليه ~~ما ذكر من القصص قبله ، تقديره : وأهلكنا قوم نوح ، وهذا من عطف الجمل وليس ~~من عطف المفردات . # وقرأه أبو عمرو وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف بالجر عطفا على { ثمود } ( ~~الذاريات : 43 ) على تقدير : وفي قوم نوح . # ومعنى { من قبل } أنهم أهلكوا قبل أولئك فهم أول الأمم المكذبين رسولهم ~~أهلكوا . # وجملة { إنهم كانوا قوما فاسقين } تعليل لما تضمنه قوله : { وقوم نوح من ~~قبل } . وتقدير كونهم آية للذين يخافون العذاب : من كونهم عوقبوا وأن ~~عقابهم لأنهم كانوا قوما فاسقين . PageV27P014 # وأخر الكلام على قوم نوح لما عرض من تجاذب المناسبات فيما أورد من آيات ~~العذاب للأمم المذكورة آنفا بما علمته سابقا . ولذلك كان قوله : { من قبل } ~~تنبيها على وجه مخالفة عادة القرآن في ترتيب حكاية أحوال الأمم على حسب ~~ترتيبهم في الوجود . وقد أومأ قوله : { من قبل } إلى هذا ومثله قوله تعالى ~~: { وأنه أهلك عادا الأولى وثمودا فما أبقى وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم ~~أظلم وأطغى } ( النجم : 50 52 ) . # لما كانت شبهة نفاة البعث قائمة على توهم استحالة إعادة الأجسام بعد ~~فنائها أعقب تهديدهم بما يقوض توهمهم فوجه إليه الخطاب يذكرهم بأن الله خلق ~~أعظم المخلوقات ولم تكن شيئا فلا تعد إعادة الأشياء الفانية بالنسبة إليها ~~إلا شيئا يسيرا كما قال تعالى : { لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون } ( غافر : 57 ) . # وهذه الجملة والجمل المعطوفة عليها إلى قوله : { إني لكم منه نذير مبين } ~~( الذاريات : 51 ) معترضة بين جملة { وقوم نوح من قبل } ( الذاريات : 46 ) ~~الخ وجملة { كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول } ( الذاريات : 52 ) الآية ~~. # وابتدىء بخلق ms7971 السماء لأن السماء أعظم مخلوق يشاهده الناس ، وعطف عليه خلق ~~الأرض عطف الشيء على مخالفه لاقتران المتخالفين في الجامع الخيالي . وعطف ~~عليها خلق أجناس الحيوان لأنها قريبة للأنظار لا يكلف النظر فيها والتدبر ~~في أحوالها ما يرهق الأذهان . # واستعير لخلق السماء فعل البناء لأنه منظر السماء فيما يبدو للأنظار شبيه ~~بالقبة ونصب القبة يدعى بناء . # وهذا استدلال بأثر الخلق الذي عاينوا أثره ولم يشهدوا كيفيته ، لأن أثره ~~ينبىء عن عظيم كيفيته ، وأنها أعظم مما يتصور في كيفية إعادة الأجسام ~~البالية . PageV27P015 # والأيد : القوة . وأصله جمع يد ، ثم كثر إطلاقه حتى صار اسما للقوة ، ~~وتقدم عند قوله تعالى : { واذكر عبدنا داود ذا الأيد } في سورة ص . # والمعنى : بنيناها بقدرة لا يقدر أحد مثلها . # وتقديم { السماء } على عامله للاهتمام به ، ثم بسلوك طريقة الاشتغال زاده ~~تقوية ليتعلق المفعول بفعله مرتين : مرة بنفسه ، ومرة بضميره ، فإن ~~الاشتغال في قوة تكرر الجملة . وزيد تأكيده بالتذييل بقوله : { وإنا ~~لموسعون } . والواو اعتراضية . # والموسع : اسم فاعل من أوسع ، إذا كان ذا وسع ، أي قدرة . وتصاريفه جائية ~~من السعة ، وهي امتداد مساحة المكان ضد الضيق ، واستعير معناها للوفرة في ~~أشياء مثل الأفراد مثل عمومها في { ورحمتي وسعت كل شيء } ( الأعراف : 156 ) ~~، ووفرة المال مثل { لينفق ذو سعة من سعته } ( الطلاق : 7 ) ، وقوله : { ~~على الموسع قدره } ( البقرة : 236 ) ، وجاء في أسمائه تعالى الواسع { إن ~~الله واسع عليم } . وهو عند إجرائه على الذات يفيد كمال صفاته الذاتية : ~~الوجود ، والحياة ، والعلم ، والقدرة ، والحكمة ، قال تعالى : { إن الله ~~واسع عليم } ( البقرة : 115 ) ومنه قوله هنا : { وإنا لموسعون } . # وأكد الخبر بحرف ( إن ) لتنزيل المخاطبين منزلة من ينكر سعة قدرة الله ~~تعالى ، إذ أحالوا إعادة المخلوقات بعد بلاها . # القول في تقديم { الأرض } على عامله ، وفي مجيء طريقة الاشتغال كالقول في ~~{ والسماء بنيناها } ( الذاريات : 47 ) . وكذلك القول في الاستدلال بذلك ~~على إمكان البعث . # من دقائق فخر الدين : أن ذكر الأمم الأربع للإشارة إلى أن الله عذبهم بما ~~هو من أسباب وجودهم ، وهو التراب والماء والهواء والنار ms7972 ، وهي عناصر الوجود ~~، فأهلك قوم لوط بالحجارة وهي من طين ، وأهلك قوم فرعون بالماء ، وأهلك ~~عادا بالريح وهو هواء ، وأهلك ثمودا بالنار . PageV27P016 # واستغنى هنا عن إعادة { بأييد } ( الذاريات : 47 ) لدلالة ما قبله عليه . # والفرش : بسط الثوب ونحوه للجلوس والاضطجاع ، وفي { فرشناها } استعارة ~~تبعية ، شبه تكوين الله الأرض على حالة البسط بفرش البساط ونحوه . # وفي هذا الفرش دلالة على قدرة الله وحكمته إذ جعل الأرض مبسوطة لما أراد ~~أن يجعل على سطحها أنواع الحيوان يمشي عليها ويتوسدها ويضطجع عليها ولو لم ~~تكن كذلك لكانت محدودبة تؤلم الماشي بله المتوسد والمضطجع . # ولما كان في فرشها إرادة جعلها مهدا لمن عليها من الإنسان أتبع { فرشناها ~~} بتفريع ثناء الله على نفسه على إجادة تمهيدها تذكيرا بعظمته ونعمته ، أي ~~فنعم الماهدون نحن . # وصيغة الجمع في قوله : { الماهدون } للتعظيم مثل ضمير الجمع في ( . . . ) ~~، وروعي في وصف خلق الأرض ما يبدو للناس من سطحها لأنه الذي يهم الناس في ~~الاستدلال على قدرة الله وفي الامتنان عليهم بما فيه لطفهم والرفق بهم ، ~~دون تعرض إلى تكويرها إذ لا يبلغون إلى إدراكه ، كما روعي في ذكر السماء ما ~~يبدو من قبة أجوائها دون بحث عن ترامي أطرافها وتعدد عوالمها لمثل ذلك . ~~ولذلك أتبع الاعتراض بالتذييل بقوله : { فنعم الماهدون } المراد منه تلقين ~~الناس الثناء على الله فيما صنع لهم فيها من منة ليشكروه بذلك الثناء كما ~~في قوله : { الحمد لله رب العالمين } ( الفاتحة : 2 ) . # لما أشعر قوله : { فرشناها فنعم الماهدون } ( الذاريات : 48 ) بأن في ذلك ~~نعمة على الموجودات التي على الأرض ، أتبع ذلك بصفة خلق تلك الموجودات لما ~~فيه من دلالة على تفرد الله تعالى بالخلق المستلزم لتفرده بالإلهية فقال : ~~{ ومن كل شيء خلقنا زوجين } والزوج : الذكر والأنثى . والمراد بالشيء : ~~النوع من جنس الحيوان . وتثنية زوج هنا لأنه أريد به ما يزوج من ذكر وأنثى ~~. PageV27P017 # وهذا الاستدلال عليهم بخلق يشاهدون كيفياته وأطواره كلما لفتوا أبصارهم ، ~~وقدحوا أفكارهم ، وهو خلق الذكر والأنثى ليكون منهما إنشاء خلق جديد يخلف ~~ما سلفه وذلك ms7973 أقرب تمثيل لإنشاء الخلق بعد الفناء . وهو البعث الذي أنكروه ~~لأن الأشياء تقرب بما هو واضح من أحوال أمثالها . # ولذلك أتبعه بقوله : { لعلكم تذكرون } ، أي تتفكرون في الفروق بين ~~الممكنات والمستحيلات ، وتتفكرون في مراتب الإمكان فلا يختلط عليكم ~~الاستبعاد وقلة الاعتياد بالاستحالة فتتوهموا الغريب محالا . # فالتذكر مستعمل في إعادة التفكر في الأشياء ومراجعة أنفسهم فيما أحالوه ~~ليعلموا بعد إعادة النظر أن ما أحالوه ممكن ولكنهم لم يألفوه فاشتبه عليهم ~~الغريب بالمحال فأحالوه فلما كان تجديد التفكر المغفول عنه شبيها بتذكر ~~الشيء المنسي أطلق عليه { لعلكم تذكرون } . وهذا في معنى قوله تعالى : { ~~وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم وننشئكم فيما لا تعلمون ولقد علمتم ~~النشأة الأولى فلولا تذكرون } ( الواقعة : 60 62 ) فقد ذيل هنالك بالحث على ~~التذكر ، كما ذيل هنا برجاء التذكر ، فأفاد أن خلق الذكر والأنثى من نطفة ~~هو النشأة الأولى وأنها الدالة على النشأة الآخرة . # وجملة { لعلكم تذكرون } تعليل لجملة { خلقنا زوجين } أي رجاء أن يكون في ~~الزوجين تذكر لكم ، أي دلالة مغفول عنها . والقول في صدور الرجاء من الله ~~مبين عنه قوله تعالى : { ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون في سورة ~~البقرة . # ( 50 ، 51 ) } # بعد أن بين ضلال هؤلاء في تكذيبهم بالبعث بيانا بالبرهان الساطع ، ومثل ~~حالهم بحال الأمم الذين سلفوهم في التكذيب بالرسل وما جاءوا به جمعا بين ~~الموعظة للضالين وتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وكانت فيما ~~مضى من الاستدلال PageV27P018 دلالة على أن الله متفرد بخلق العالم وفي ذلك ~~إبطال إشراكهم مع الله آلهة أخرى أقبل على تلقين الرسول صلى الله عليه وسلم ~~ما يستخلصه لهم عقب ذلك بأن يدعوهم إلى الرجوع إلى الحق بقوله : { ففروا ~~إلى الله } فالجملة المفرعة بالفاء مقول قول محذوف والتقدير : فقل فروا ، ~~دل عليه قوله : { إني لكم منه نذير مبين } فإنه كلام لا يصدر إلا من قائل ~~ولا يستقيم أن يكون كلام مبلغ . وحذف القول كثير الورود في القرآن وهو من ~~ضروب إيجازه ، فالفاء من الكلام الذي ms7974 يقوله الرسول صلى الله عليه وسلم ~~ومفادها التفريع على ما تقرر مما تقدم . وليست مفرعة فعل الأمر المحذوف لأن ~~المفرع بالفاء هو ما يذكر بعدها . # وقد غير أسلوب الموعظة إلى توجيه الخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم بأن ~~يقول لهم هذه الموعظة لأن لتعدد الواعظين تأثيرا على نفوس المخاطبين ~~بالموعظة . # والأنسب بالسياق أن الفرار إلى الله مستعار للإقلاع عن ما هم فيه من ~~الإشراك وجحود البعث استعارة تمثيلية بتشبيه حال تورطهم في الضلالة بحال من ~~هو في مكان مخوف يدعو حاله أن يفر منه إلى من يجيره ، وتشبيه حال الرسول ~~صلى الله عليه وسلم بحال نذير قوم بأن ديارهم عرضة لغزو العدو فاستعمل ~~المركب وهو { فروا إلى الله } في هذا التمثيل . # فالمواجه ب { فروا إلى الله } المشركون لأن المؤمنين قد فروا إلى الله من ~~الشرك . # والفرار : الهروب ، أي سرعة مفارقة المكان تجنبا لأذى يلحقه فيه فيعدي ب ~~( من ) الابتدائية للمكان الذي به الأذى يقال : فر من بلد الوباء ومن الموت ~~، والشيء الذي يؤذي ، يقال : فر من الأسد وفر من العدو . # وجملة { إني لكم منه نذير مبين } تعليل للأمر ب { فروا إلى الله } ~~باعتبار أن الغاية من الإنذار قصد السلامة من العقاب فصار الإنذار بهذا ~~الاعتبار تعليلا للأمر بالفرار إلى الله ، أي التوجه إليه وحده . ~~PageV27P019 # وقوله : { منه } صفة ل { نذير } قدمت على الموصوف فصارت حالا . # وحرف ( من ) للابتداء المجازي ، أي مأمور له بأن أبلغكم . # وعطف { ولا تجعلوا مع الله إلاها آخر } على { ففروا إلى الله } نهي عن ~~نسبة الإلهية إلى أحد غير الله . فجمع بين الأمر والنهي مبالغة في التأكيد ~~بنفي الضد لإثبات ضده كقوله : { وأضل فرعون قومه وما هدى } ( طه : 79 ) . # ومن لطائف فخر الدين أن قوله تعالى : { إني لكم منه نذير } جمع الرسول ~~والمرسل إليهم والمرسل . # كلمة { كذلك } فصل خطاب تدل على انتهاء حديث والشروع في غيره ، أو الرجوع ~~إلى حديث قبله أتى عليه الحديث الأخير . والتقدير : الأمر كذلك . والإشارة ~~إلى ما مضى من الحديث ، ثم يورد بعده حديث ms7975 آخر والسامع يرد كلا إلى ما ~~يناسبه ، فيكون ما بعد اسم الإشارة متصلا بأخبار الأمم التي تقدم ذكرها من ~~قوم لوط ومن عطف عليهم . # أعقب تهديد المشركين بأن يحل بهم ما حل بالأمم المكذبين لرسل الله من ~~قبلهم بتنظيرهم بهم في مقالهم ، وقد تقدم ورود { كذلك } فصلا للخطاب عند ~~قوله تعالى : { كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا في سورة الكهف ، فقوله : كذلك ~~} فصل وجملة { ما أتى الذين من قبلهم من رسول } الآية مستأنفة استئنافا ~~ابتدائيا . # ولك أن تجعل قوله : { كذلك ما أتى الذين من قبلهم } إلخ مبدأ استئناف ~~عودا إلى الإنحاء على المشركين في قولهم المختلف بأنواع التكذيب في التوحيد ~~والبعث وما يتفرع على ذلك . PageV27P020 # واسم الإشارة راجع إلى قوله : { إنكم لفي قول مختلف } ( الذاريات : 8 ) ~~الآية كما علمت هنالك ، أي مثل قولهم المختلف قال الذين من قبلهم لما ~~جاءتهم الرسل ، فيكون قوله { كذلك } في محل حال وصاحب الحال { الذين من ~~قبلهم } . # وعلى كلا الوجهين فالمعنى : إن حال هؤلاء كحال الذين سبقوهم ممن كانوا ~~مشركين أن يصفوا الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه ساحر ، أو مجنون فكذلك ~~سيجيب هؤلاء عن قولك : ( فروا إلى الله ولا تجعلوا مع الله إلها آخر ) بمثل ~~جواب من قبلهم فلا مطمع في ارعوائهم عن عنادهم . # والمراد ب { الذين من قبلهم } الأمم المذكورة في الآيات السابقة وغيرهم ، ~~وضمير { قبلهم } عائد إلى مشركي العرب الحاضرين . # وزيادة { من } في قوله : { من رسول } للتنصيص على إرادة العموم ، أي أن ~~كل رسول قال فيه فريق من قومه : هو ساحر ، أو مجنون ، أي قال بعضهم : ساحر ~~، وقال بعضهم : مجنون ، مثل قوم نوح دون السحر إذ لم يكن السحر معروفا في ~~زمانهم قالوا : { إن هو إلا رجل به جنة فتربصوا به حتى حين } ( المؤمنون : ~~25 ) . وقد يجمعون القولين مثل قول فرعون في موسى . # وهذا العموم يفيد أنه لم يخل قوم من الأقوام المذكورين إلا قالوا لرسولهم ~~أحد القولين ، وما حكي ذلك عن بعضهم في آيات أخرى بلفظه أو بمرادفه كقول ~~قوم هود ms7976 { إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء } ( هود : 54 ) . # وأول الرسل هو نوح كما هو صريح الحديث الصحيح في الشفاعة . فلا يرد أن ~~آدم لم يكذبه أهله ، وأن أنبياء بني إسرائيل مثل يوشع وأشعيا ، لم يكذبهم ~~قومهم ، لأن الله قال : { من رسول } ، والرسول أخص من النبي . # والاستثناء في { إلا قالوا ساحر } استثناء من أحوال محذوفة . # والمعنى : ما أتى الذين من قبلهم من رسول في حال من أحوال أقوالهم إلا في ~~حال قولهم : ساحر أو مجنون . PageV27P021 # والقصر المستفاد من الاستثناء قصر ادعائي لأن للأمم أقوالا غير ذلك ~~وأحوالا أخرى ، وإنما قصروا على هذا اهتماما بذكر هذه الحالة العجيبة من ~~البهتان ، إذ يرمون أعقل الناس بالجنون وأقومهم بالسحر . # وإسناد القول إلى ضمير الذين من قبل مشركي العرب الحاضرين إسناد باعتبار ~~أنه قول أكثرهم فإن الأمور التي تنسب إلى الأقوام والقبائل تجري على اعتبار ~~الغالب . # الاستفهام مستعمل في التعجيب من تواطئهم على هذا القول على طريقة التشبيه ~~البليغ ، أي كأنهم أوصى بعضهم بعضا بأن يقولوه . فالاستفهام هنا كناية عن ~~لازمه وهو التعجيب لأن شأن الأمر العجيب أن يسأل عنه . # والجملة استئناف بياني لأن تماثل هؤلاء الأمم في مقالة التكذيب يثير سؤال ~~سائل عن منشإ هذا التشابه . # وضمير { تواصوا } عائد إلى ما سبق من الموصول ومن الضمير الذي أضيف إليه ~~قبلهم ، أي أوصى بعضهم بعضا حتى بلغت الوصية إلى القوم الحاضرين . # وضمير { به } عائد على المصدر المأخوذ من فعل { إلا قالوا ساحر أو مجنون ~~} ( الذاريات : 52 ) ، أي أتواصوا بهذا القول . # وفعل الوصية يتعدى إلى الموصى عليه بالباء كقوله تعالى : { وتواصوا بالحق ~~وتواصوا بالصبر } ( العصر : 3 ) . # و { بل } إضراب عن مفاد الاستفهام من التشبيه أو عن التواصي به ، ببيان ~~سبب التواطؤ على هذا القول فإنه إذا ظهر السبب بطل العجب . أي ما هو بتواصص ~~ولكنه تماثل في منشإ ذلك القول ، أي سبب تماثل المقالة تماثل التفكير ~~PageV27P022 والدواعي للمقالة ، إذ جميعهم قوم طاغون ، وأن طغيانهم ~~وكبرياءهم يصدهم عن اتباع رسول يحسبون أنفسهم أعظم منه ، وإذ لا ms7977 يجدون وصمة ~~يصمونه بها اختلقوا لتنقيصه عللا لا تدخل تحت الضبط وهي ادعاء أنه مجنون أو ~~أنه ساحر ، فاستووا في ذلك بعلة استوائهم في أسبابه ومعاذيره . # فضمير { هم قوم طاعون } عائد إلى ما عاد إليه ضمير { أتواصوا } . # وفي إقحام كلمة { قوم } إيذان بأن الطغيان راسخ في نفوسهم بحيث يكون من ~~مقومات قوميتهم كما تقدم في قوله تعالى : { لآيات لقوم يعقلون في سورة ~~البقرة . # ( 54 ، 55 ) } # تفريع على قوله : { كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلى قوله : بل هم ~~قوم طاغون } ( الذاريات : 52 ، 53 ) لمشعر بأنهم بعداء عن أن تقنعهم الآيات ~~والنذر فتول عنهم ، أي أعرض عن الإلحاح في جدالهم ، فقد كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم شديد الحرص على إيمانهم ويغتم من أجل عنادهم في كفرهم فكان الله ~~يعاود تسليته الفينة بعد الفينة كما قال : { لعلك باخع نفسك أن لا يكونوا ~~مؤمنين } ( الشعراء : 3 ) { فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا ~~الحديث أسفا } ( الكهف : 6 ) { ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون } ~~( النحل : 127 ) ، فالتولي مراد به هذا المعنى ، وإلا فإن القرآن جاء بعد ~~أمثال هذه الآية بدعوتهم وجدالهم غير مرة قال تعالى : { فتول عنهم حتى حين ~~وأبصرهم فسوف يبصرون في سورة الصافات ( 174 175 ) . # وفرع على أمره بالتولي عنهم إخباره بأنه لا لوم عليه في إعراضهم عنه وصيغ ~~الكلام في صيغة الجملة الاسمية دون : لا نلومك ، للدلالة على ثبات مضمون ~~الجملة في النفي . # وجيء بضمير المخاطب مسندا إليه فقال : فما أنت بملوم } دون أن يقول : فلا ~~PageV27P023 ملام عليك ، أو نحوه للاهتمام بالتنويه بشأن المخاطب وتعظيمه . # وزيدت الباء في الخبر المنفي لتوكيد نفي أن يكون ملوما . # وعطف { وذكر } على { فتول عنهم } احتراس كي لا يتوهم أحد أن الإعراض ~~إبطال للتذكير بل التذكير باقق فإن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الناس بعد ~~أمثال هذه الآيات فآمن بعض من لم يكن آمن من قبل ، وليكون الاستمرار على ~~التذكير زيادة في إقامة الحجة على المعرضين ، ولئلا ms7978 يزدادوا طغيانا فيقولوا ~~: ها نحن أولاء قد أفحمناه فكف عما يقوله . # والأمر في { وذكر } مراد به الدوام على التذكير وتجديده . # واقتصر في تعليل الأمر بالتذكير على علة واحدة وهي انتفاع المؤمنين ~~بالتذكير لأن فائدة ذلك محققة ، ولإظهار العناية بالمؤمنين في المقام الذي ~~أظهرت فيه قلة الاكتراث بالكافرين قال تعالى : { فذكر إن نفعت الذكرى سيذكر ~~من يخشى ويتجنبها الأشقى } ( الأعلى : 9 11 ) . # ولذلك فوصف المؤمنين يراد به المتصفون بالإيمان في الحال كما هو شأن اسم ~~الفاعل ، وأما من سيؤمن فعلته مطوية كما علمت آنفا . # والنفع الحاصل من الذكرى هو رسوخ العلم بإعادة التذكير لما سمعوه ~~واستفادة علم جديد فيما لم يسمعوه أو غفلوا عنه ، ولظهور حجة المؤمنين على ~~الكافرين يوما فيوما ويتكرر عجز المشركين عن المعارضة ووفرة الكلام المعجز ~~. # ( 56 ، 57 ) # الأظهر أن هذا معطوف على جملة { كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول } ( ~~الذاريات : 52 ) الآية التي هي ناشئة عن قوله : { ففروا إلى الله إلى ولا ~~تجعلوا مع الله إلاها PageV27P024 آخر } ( الذاريات : 50 ، 51 ) عطف الغرض ~~على الغرض لوجود المناسبة . # فبعد أن نظر حالهم بحال الأمم التي صممت على التكذيب من قبلهم أعقبه بذكر ~~شنيع حالهم من الانحراف عما خلقوا لأجله وغرز فيهم . # فقوله : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } خبر مستعمل في التعريض ~~بالمشركين الذين انحرفوا عن الفطرة التي خلقوا عليها فخالفوا سنتها اتباعا ~~لتضليل المضلين . # والجن : جنس من المخلوقات مستتر عن أعين الناس وهو جنس شامل للشياطين قال ~~تعالى عن إبليس : { كان من الجن } ( الكهف : 50 ) . # والإنس : اسم جمعع واحده إنسي بياء النسبة إلى اسم جمعه . # والمقصود من هذا الإخبار هو الإنس وإنما ذكر الجن إدماجا وستعرف وجه ذلك ~~. # والاستثناء مفرغ من علل محذوفة عامة على طريقة الاستثناء المفرغ . # واللام في { ليعبدون } لام العلة ، أي ما خلقتهم لعلة إلا علة عبادتهم ~~إياي . والتقدير : لإرادتي أن يعبدون ، ويدل على هذا التقدير قوله في جملة ~~البيان : { ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون . # وهذا التقدير يلاحظ في ms7979 كل لامم ترد في القرآن تعليلا لفعلل الله تعالى ، ~~أي ما أرضى لوجودهم إلا أن يعترفوا لي بالتفرد بالإلهية . # فمعنى الإرادة هنا : الرضى والمحبة ، وليس معناها الصفة الإلهية التي ~~تخصص الممكن ببعض ما يجوز عليه على وفق العلم ، التي اشتق منها اسمه تعالى ~~: المريد لأن إطلاق الإرادة على ذلك إطلاق آخر ، فليس المراد هنا تعليل ~~تصرفات الخلق الناشئة عن اكتسابهم على اصطلاح الأشاعرة ، أو عن قدرتهم على ~~اصطلاح المعتزلة على تقارب ما بين الاصطلاحين لظهور أن تصرفات الخلق قد ~~تكون مناقضة لإرادة الله منهم بمعنى الإرادة الصفة ، فالله تعالى خلق الناس ~~PageV27P025 على تركيب يقتضي النظر في وجود الإله ويسوق إلى توحيده ولكن ~~كسب الناس يجرف أعمالهم عن المهيع الذي خلقوا لأجله ، وأسباب تمكنهم من ~~الانحراف كثيرة راجعة إلى تشابك الدواعي والتصرفات والآلات والموانع . # وهذا يغني عن احتمالات في تأويل التعليل من قوله : ليعبدون } من جعل عموم ~~الجن والإنس مخصوصا بالمؤمنين منهم ، أو تقدير محذوف في الكلام ، أي إلا ~~لآمرهم بعبادتي ، أو حمل العبادة بمعنى التذلل والتضرع الذي لا يخلو منه ~~الجميع في أحوال الحاجة إلى التذلل والتضرع كالمرض والقحط وقد ذكرها ابن ~~عطية . # ويرد على جميع تلك الاحتمالات أن كثيرا من الإنس غير عابد بدليل المشاهدة ~~، وأن الله حكى عن بعض الجن أنهم غير عابدين . # ونقول : إن الله خلق مخلوقات كثيرة وجعل فيها نظما ونواميس فاندفع كل ~~مخلوق يعمل بما تدفعه إليه نواميس جبلته ، فقد تعود بعض المخلوقات على بعض ~~بنقض ما هيء هو له ويعود بعضها على غيره بنقض ما يسعى إليه ، فتشابكت أحوال ~~المخلوقات ونواميسها ، فربما تعاضدت وتظاهرت وربما تناقضت وتنافرت فحدثت من ~~ذلك أحوال لا تحصى ولا يحاط بها ولا بطرائقها ولا بعواقبها ، فكثيرا ما ~~تسفر عن خلاف ما أعد له المخلوق في أصل الفطرة فلذلك حاطها الله بالشرائع ، ~~أي فحصل تناقض بين الأمر التكويني والأمر التشريعي . # ومعنى العبادة في اللغة العربية قبل حدوثث المصطلحات الشرعية دقيق ~~الدلالة ، وكلمات أئمة اللغة فيه خفية والذي يستخلص منها أنها ms7980 إظهار الخضوع ~~للمعبود واعتقاد أنه يملك نفع العابد وضره ملكا ذاتيا مستمرا ، فالمعبود ~~إله للعابد كما حكى الله قول فرعون { وقومهما لنا عابدون } ( المؤمنون : 47 ~~) . # فالحصر المستفاد من قوله : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } قصر علة ~~خلق الله الإنس والجن على إرادته أن يعبدوه ، والظاهر أنه قصر إضافي وأنه ~~من قبيل قصر الموصوف على الصفة ، وأنه قصر قلب باعتبار مفعول { يعبدون } ، ~~أي إلا ليعبدوني وحدي ، أي لا ليشركوا غيري في العبادة ، فهو رد للإشراك ، ~~وليس هو قصرا حقيقيا فإنا وإن لم نطلع على مقادير حكم الله تعالى ~~PageV27P026 من خلق الخلائق ، لكنا نعلم أن الحكمة من خلقهم ليست مجرد أن ~~يعبدوه ، لأن حكم الله تعالى من أفعاله كثيرة لا نحيط بها ، وذكر بعضها كما ~~هنا لما يقتضي عدم وجود حكمة أخرى ، ألا ترى أن الله ذكر حكما للخلق غير ~~هذه كقوله : { ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم } ( هود : ~~118 ، 119 ) بله ما ذكره من حكمة خلق بعض الإنس والجن كقوله في خلق عيسى { ~~ولنجعله آية للناس ورحمة منا } ( مريم : 21 ) . # ثم إن اعتراف الخلقق بوحدانية الله يقشع تكذيبهم بالرسول صلى الله عليه ~~وسلم لأنهم ما كذبوه إلا لأنه دعاهم إلى نبذ الشرك الذي يزعمون أنه لا يسع ~~أحدا نبذه ، فإذا انقشع تكذيبهم استتبع انقشاعه امتثال الشرائع التي يأتي ~~بها الرسول صلى الله عليه وسلم إذا آمنوا بالله وحده أطاعوا ما بلغهم ~~الرسول صلى الله عليه وسلم عنه ، فهذا معنى تقتضيه عبادة الله بدلالة ~~الالتزام ، وذلك هو ما سمي بالعبادة بالإطلاق المصطلح عليه في السنة في نحو ~~قوله : ( أن تعبد الله كأنك تراه ) ؛ وليس يليق أن يكون مرادا في هذه الآية ~~لأنه لا يطرد أن يكون علة لخلق الإنسان فإن التكاليف الشرعية تظهر في بعض ~~الأمم وفي بعض العصور وتتخلف في عصور الفترات بين الرسل إلى أن جاء الإسلام ~~، وأحسب أن إطلاق العبادة على هذا المعنى اصطلاح شرعي وإن لم يرد به القرآن ~~لكنه ورد في السنة كثيرا ms7981 وأصبح متعارفا بين الأمة من عهد ظهور الإسلام . # وأن تكاليف الله للعباد على ألسنة الرسل ما أراد بها إلا صلاحهم العاجل ~~والآجل وحصول الكمال النفساني بذلك الصلاح ، فلا جرم أن الله أراد من ~~الشرائع كمال الإنسان وضبط نظامه الاجتماعي في مختلف عصوره . وتلك حكمة ~~إنشائه ، فاستتبع قوله : { إلا ليعبدون } أنه ما خلقهم إلا لينتظم أمرهم ~~بوقوفهم عند حدود التكاليف التشريعية من الأوامر والنواهي ، فعبادة الإنسان ~~ربه لا تخرج عن كونها محققة للمقصد من خلقه وعلة لحصوله عادة . # وعن مجاهد وزيد بن أسلم تفسير قوله : { إلا ليعبدون } بمعنى : إلا لآمرهم ~~وأنهاهم . وتبع أبو إسحاق الشاطبي هذا التأويل في النوع الرابع من كتاب ~~المقاصد من كتابه عنوان التعريف ( الموافقات ) وفي محمل الآية عليه نظر قد ~~علمته فحققه . PageV27P027 # وما ذكر الله الجن هنا إلا لتنبيه المشركين بأن الجن غير خارجين عن ~~العبودية لله تعالى . وقد حكى الله عن الجن في سورة الجن قول قائلهم : { ~~وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا } ( الجن : 4 ) . # وتقديم الجن في الذكر في قوله : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } ~~للاهتمام بهذا الخبر الغريب عند المشركين الذين كانوا يعبدون الجن ، ~~ليعلموا أن الجن عباد لله تعالى ، فهو نظير قوله : { وقالوا اتخذ الرحمن ~~ولدا سبحانه بل عباد مكرمون } ( الأنبياء : 26 ) . # وجملة { ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون } تقرير لمعنى { إلا ~~ليعبدون } بإبطال بعض العلل والغايات التي يقصدها الصانعون شيئا يصنعونه أو ~~يتخذونه ، فإن المعروف في العرف أن من يتخذ شيئا إنما يتخذه لنفع نفسه ، ~~وليست الجملة لإفادة الجانب المقصور دونه بصيغة القصر لأن صيغة القصر لا ~~تحتاج إلى ذكر الضد . ولا يحسن ذكر الضد في الكلام البليغ . # فقوله : { ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون } كناية عن عدم ~~الاحتياج إليهم لأن أشد الحاجات في العرف حاجة الناس إلى الطعام واللباس ~~والسكن وإنما تحصل بالرزق وهو المال ، فلذلك ابتدىء به ثم عطف عليه الإطعام ~~، أي إعطاء الطعام لأنه أشد ما يحتاج إليه البشر ، وقد لا ms7982 يجده صاحب المال ~~إذا قحط الناس فيحتاج إلى من يسلفه الطعام أو يطعمه إياه ، وفي هذا تعريض ~~بأهل الشرك إذ يهدون إلى الأصنام الأموال والطعام تتلقاه منهم سدنة الأصنام ~~. # والرزق هنا : المال كقوله تعالى : { فابتغوا عند الله الرزق } ( العنكبوت ~~: 17 ) وقوله : { الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر } ( الرعد : 26 ) وقوله : ~~{ ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله } ( الطلاق : 7 ) ، ويطلق الرزق ~~على الطعام كقوله تعالى : { ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا } ( مريم : 62 ) ~~ويمنع من إرادته هنا عطف { وما أريد أن يطعمون } . PageV27P028 # تعليل لجملتي { ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون } ( الذاريات : ~~57 ) و { الرزق } هنا بمعنى ما يعم المال والإطعام . # والرزاق : الكثير الإرزاق ، والقوة : القدرة . # وذو القوة : صاحب القدرة . ومن خصائص ( ذو ) أن تضاف إلى أمر مهم ، فعلم ~~أن القوة هنا قوة خلية من النقائص . # والمتين : الشديد ، وهو هنا وصف لذي القوة ، أي الشديد القوة ، وقد عد { ~~المتين } في أسمائه تعالى . قال الغزالي : وذلك يرجع إلى معاني القدرة . ~~وفي ( معارج النور ) شرح الأسماء ( المتين : كمال في قوته بحيث لا يعارض ~~ولا يدانى ) . # فالمعنى أنه المستغني غنى مطلقا فلا يحتاج إلى شيء فلا يكون خلقه الخلق ~~لتحصيل نفع له ولكن لعمران الكون وإجراء نظام العمران باتباع الشريعة التي ~~يجمعها معنى العبادة في قوله : { إلا ليعبدون } ( الذاريات : 56 ) . # وإظهار اسم الجلالة في { إن الله هو الرزاق } إخراج للكلام على خلاف ~~مقتضى الظاهر لأن مقتضاه : إني أنا الرزاق ، فعدل عن الإضمار إلى الاسم ~~الظاهر لتكون هذه الجملة مستقلة بالدلالة لأنها سيرت مسير الكلام الجامع ~~والأمثال . # وحذفت ياء المتكلم من { يعبدون } و { يطعمون } للتخفيف ، ونظائره كثيرة ~~في القرآن . # وفي قوله : { إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين } طريق قصر لوجود ضمير ~~الفصل ، أي : لا رزاق ، ولا ذا قوة ، ولا متين إلا الله وهو قصر إضافي ، أي ~~دون الأصنام التي يعبدونها . # فالقصر قصر إفراد بتنزيل المشركين في إشراكهم أصنامهم بالله منزلة من ~~يدعي أن الأصنام شركاء لله في صفاته التي منها : الإرزاق ms7983 ، والقوة ، والشدة ~~، PageV27P029 فأبطل ذلك بهذا القصر ، قال تعالى : { إن الذين تعبدون من ~~دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه } ( العنكبوت ~~: 17 ) ، وقال : { إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا ~~له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب } ( الحج : ~~73 ) . # تفريع على جملة { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } ( الذاريات : 56 ) ~~باعتبار أن المقصود من سياقه إبطال عبادتهم غير الله ، أي فإذا لم يفردني ~~المشركون بالعبادة فإن لهم ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم ، وهو يلمح إلى ما تقدم ~~من ذكر ما عوقبت به الأمم السالفة من قوله : { قالوا إنا أرسلنا إلى قوم ~~مجرمين إلى قوله : إنهم كانوا قوما فاسقين } ( الذاريات : 32 46 ) . # والمعنى : فإذ ماثلهم الذين ظلموا فإن لهم نصيبا عظيما من العذاب مثل ~~نصيب أولئك . # والذين ظلموا : الذين أشركوا من العرب ، والظلم : الشرك بالله . # والذنوب بفتح الذال : الدلو العظيمة يستقي بها السقاة على القليب كما ورد ~~في حديث الرؤيا ( ثم أخذها أبو بكر ففزع ذنوبا أو ذنوبين ) ولا تسمى ذنوبا ~~إلا إذا كانت ملأى . # والكلام تمثيل لهيئة تساوي حظ الذين ظلموا من العرب بحظوظ الذين ظلموا من ~~الأمم السالفة بهيئة الذين يستقون من قليب واحد إذ يتساوون في أنصبائهم من ~~الماء ، وهو من تشبيه المعقول بالمحسوس ، وأطلق على الأمم الماضية اسم وصف ~~أصحاب الذين ظلموا باعتبار الهيئة المشبه بها إذ هي هيئة جماعات الورد ~~يكونون متصاحبين . # وهذا التمثيل قابل للتوزيع بأنه يشبه المشركون بجماعة وردت على الماء ، ~~PageV27P030 وتشبه الأمم الماضية بجماعة سبقتهم للماء ، ويشبه نصيب كل ~~جماعة بالدلو التي يأخذونها من الماء . # قال علقمة بن عبدة يمدح الملك الحارث بن أبي شمر ، ويشفع عنده لأخيه شأس ~~بن عبدة وكان قد وقع في أسره مع بني تميم يوم عين أباغ : # وفي كل حي قد خبطت بنعمة # فحق لشأسس من نداك ذنوب # فلما سمعه الملك قال : ( نعم وأذنبة ) وأطلق له أخاه شأس بن عبدة ومن معه ~~من أسرى تميم ، وهذا تسلية للنبيء ms7984 صلى الله عليه وسلم والمقصود : أن يسمعه ~~المشركون فهو تعريض ، وبهذا الاعتبار أكد الخبر ب ( إن ) لأنهم كانوا ~~مكذبين بالوعيد ، ولذلك فرع على التأكيد قوله : { فلا يستعجلون } لأنهم ~~كانوا يستعجلون بالعذاب استهزاء وإشعارا بأنه وعد مكذوب فهم في الواقع ~~يستعجلون الله تعالى بوعيده . # وعدي الاستعجال إلى ضمير الجلالة وهم إنما استعجلوه النبي صلى الله عليه ~~وسلم لإظهار أن النبي صلى الله عليه وسلم مخبر عن الله تعالى توبيخا لهم ~~وإنذارا بالوعيد . وحذفت ياء المتكلم للتخفيف . # والنهي مستعمل في التهكم إظهارا لغضب الله عليهم . # فرع على وعيدهم إنذار آخر بالويل ، أو إنشاء زجر . # والويل : الشر وسوء الحال ، وتقدم في قوله : { فويل لهم مما كتبت أيديهم ~~في سورة البقرة ، وتنكيره للتعظيم . # والكلام يحتمل الإخبار بحصول ويل ، أي عذاب وسوء حال لهم يوم أوعدوا به ، ~~ويحتمل إنشاء الزجر والتعجيب من سوء حالهم في يوم أوعدوه . # و ( من ) للابتداء المجازي ، أي سوء حال بترقبهم عذابا آتيا من اليوم ~~الذي أوعدوه . PageV27P031 # والذين كفروا : هم الذين ظلموا ، عدل عن ضميرهم إلى الاسم الظاهر لما فيه ~~من تأكيد الاسم السابق تأكيدا بالمرادف ، مع ما في صفة الكفر من الإيماء ~~إلى أنهم لم يشكروا نعمة خالقهم . # واليوم الذي أوعدوه هو زمن حلول العذاب فيحتمل أن يراد يوم القيامة ~~ويحتمل حلول العذاب في الدنيا ، وأيا ما كان فمضمون هذه الجملة مغاير ~~لمضمون التي قبلها . # وإضافة ( يوم ) إلى ضميرهم للدلالة على اختصاصه بهم ، أي هو معين لجزائهم ~~كما أضيف يوم إلى ضمير المؤمنين في قوله تعالى : وتتلقاهم الملائكة هذا ~~يومكم الذي كنتم توعدون } ( الأنبياء : 103 ) . واليوم : يصدق بيوم القيامة ~~، ويصدق بيوم بدر الذي استأصل الله فيه شوكتهم . # ولما كان المضاف إليه ضمير الكفار المعينين وهم كفار مكة ترجح أن يكون ~~المراد من هذا اليوم يوما خاصا بهم وإنما هو يوم بدر لأن يوم القيامة لا ~~يختص بهم بل هو عام لكفار الأمم كلهم بخلاف اليوم الذي في قوله في سورة ~~الأنبياء : { وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون لأن ضمير ms7985 ~~الخطاب فيها عائد إلى الذين سبقت لهم منا الحسنى } ( الأنبياء : 101 ) كلهم ~~. # وفي الآية من اللطائف تمثيل ما سيصيب الذين كفروا بالذنوب ، والذنوب ~~يناسب القليب وقد كان مثواهم يوم بدر قليب بدر الذي رميت فيه أشلاء سادتهم ~~وهو اليوم القائل فيه شداد بن الأسود الليثي المكنى أبا بكر يرثي قتلاهم : # وماذا بالقليبب قليبب بدر # من الشيزى تزين بالسنام # تحيى بالسلامة أم بكر # وهل لي بعد قومي من سلام # ولعل هذا مما يشمل قول النبي صلى الله عليه وسلم حين وقف على القليب يوم ~~بدر { قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا } ( الأعراف : ~~44 ) . PageV27P032 # وفي قوله : { من يومهم الذي يوعدون } مع قوله في أول السورة { إن ما ~~توعدون لصادق } ( الذاريات : 5 ) رد العجز على الصدر ، ففيه إيذان بانتهاء ~~السورة وذلك من براعة المقطع . # # PageV27P033 PageV27P034 # | 1 ( سورة الطور ) 1 # سميت هذه السورة عند السلف ( سورة الطور ) دون واو قبل الطور . ففي جامع ~~الطواف من ( الموطأ ) حديث مالك عن أم سلمة قالت : ( فطفت ورسول الله يصلي ~~إلى جنب البيت يقرأ ب : الطور وكتاب مسطور ) ، أي يقرأ بسورة الطور ولم ترد ~~يقرأ بالآية لأن الآية فيها { والطور } بالواو وهي لم تذكر الواو . # وفي باب القراءة في المغرب من ( الموطأ ) حديث مالك عن جبير بن مطعم قال ~~: ( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ بالطور في المغرب ) . # وفي تفسير سورة الطور من ( صحيح البخاري ) عن جبير بن مطعم قال : ( سمعت ~~النبي يقرأ في المغرب بالطور فلما بلغ هذه الآية : { أم خلقوا من غير شيء ~~أم هم الخالقون أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون أم عندهم خزائن ربك ~~أم هم المسيطرون } ( الطور : 35 37 ) كاد قلبي أن يطير ) . وكان جبير بن ~~مطعم مشركا قدم على النبي صلى الله عليه وسلم في فداء أسرى بدر وأسلم يومئذ ~~. # وكذلك وقعت تسميتها في ترجمتها من ( جامع الترمذي ) وفي المصاحف التي ~~رأيناها ، وكثير من التفاسير . وهذا على التسمية بالإضافة ، أي سورة ذكر ~~الطور كما ms7986 يقال : سورة البقرة ، وسورة الهدهد ، وسورة المؤمنين . # وفي ترجمة هذه السورة من تفسير ( صحيح البخاري ) ( سورة والطور ) بالواو ~~على حكاية اللفظ الواقع في أولها ، كما يقال : ( سورة قل هو الله أحد ) . # وهي مكية جميعها بالاتفاق . وهي السورة الخامسة والسبعون في ترتيب نزول ~~السور . نزلت بعد سورة نوح وقبل سورة المؤمنين . PageV27P035 # وعد أهل المدينة ومكة آيها سبعا وأربعين ، وعدها أهل الشام وأهل الكوفة ~~تسعا وأربعين ، وعدها أهل البصرة ثمانيا وأربعين . # $ 2 ( { والطور * وكتاب مسطور * فى رق منشور * والبيت المعمور * والسقف ~~المرفوع * والبحر المسجور * إن عذاب ربك لواقع * ما له من دافع * يوم تمور ~~السمآء مورا * وتسير الجبال سيرا * فويل يومئذ للمكذبين * الذين هم فى خوض ~~يلعبون * يوم يدعون إلى نار جهنم دعا * هاذه النار التى كنتم بها تكذبون * ~~أفسحر هاذا أم أنتم لا تبصرون * اصلوها فاصبرو & # 1764 ا أو لا تصبروا سوآء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون * إن المتقين ~~فى جنات ونعيم * فاكهين بمآ ءاتاهم ربهم ووقاهم ربهم عذاب الجحيم * كلوا ~~واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون * متكئين على سرر مصفوفة وزوجناهم بحور عين ~~* والذين ءامنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم ومآ ألتناهم من ~~عملهم من شىء كل امرىء بما كسب رهين * وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون * ~~يتنازعون فيها كأسا لا لغو فيها ولا تأثيم * ويطوف عليهم غلمان لهم كأنهم ~~لؤلؤ مكنون * وأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون * قالو & # 1764 ا إنا كنا قبل فى & # 1764 أهلنا مشفقين * فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم * إنا كنا من قبل ~~ندعوه إنه هو البر الرحيم * فذكر فمآ أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون * أم ~~يقولون شاعر نتربص به ريب المنون * قل تربصوا فإنى معكم من المتربصين * أم ~~تأمرهم أحلامهم بهاذآ أم هم قوم طاغون * أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون * ~~فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين * أم خلقوا من غير شىء أم هم الخالقون ~~* أم خلقوا السماوات والارض بل لا يوقنون * أم عندهم خزآئن ربك أم هم ~~المسيطرون * أم لهم سلم يستمعون فيه ms7987 فليأت مستمعهم بسلطان مبين * أم له ~~البنات ولكم البنون * أم تسئلهم أجرا فهم من مغرم مثقلون * أم عندهم الغيب ~~فهم يكتبون * أم يريدون كيدا فالذين كفروا هم المكيدون * أم لهم إلاه غير ~~الله سبحان الله عما يشركون * وإن يروا كسفا من السمآء ساقطا يقولوا سحاب ~~مركوم * فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذى فيه يصعقون * يوم لا يغنى عنهم كيدهم ~~شيئا ولا هم ينصرون * وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك ولاكن أكثرهم لا ~~يعلمون * واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا وسبح بحمد ربك حين تقوم * ومن اليل ~~فسبحه وإدبار النجوم } ) 2 $ أغراض هذه السورة # أول أغراض هذه السورة التهديد بتحقيق وقوع العذاب يوم القيامة للمشركين ~~المكذبين بالنبي صلى الله عليه وسلم فيما جاء به من إثبات البعث وبالقرآن ~~المتضمن ذلك فقالوا : هو سحر . # ومقابلة وعيدهم بوعد المتقين المؤمنين وصفة نعيمهم ووصف تذكرهم خشية ، ~~وثنائهم على الله بما من عليهم فانتقل إلى تسلية النبي صلى الله عليه وسلم ~~وإبطال أقوالهم فيه وانتظارهم موته . # وتحديهم بأنهم عجزوا عن الإتيان بمثل القرآن . # وإبطال خليط من تكاذيبهم بإعادة الخلق وببعثه رسول صلى الله عليه وسلم ~~ليس من كبرائهم وبكون الملائكة بنات الله . # وإبطال تعدد الآلهة وذكر استهزائهم بالوعيد . # وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بتركهم وأن لا يحزن لذلك ، فإن الوعيد حال ~~بهم في الدنيا ثم في الآخرة وأمره بالصبر ، ووعده بالتأييد ، وأمر بشكر ربه ~~في جميع الأوقات . # ( 1 8 ) { } # القسم للتأكيد وتحقيق الوعيد . ومناسبة الأمور المقسم بها للمقسم عليه أن ~~هذه الأشياء المقسم بها من شؤون بعثه موسى عليه السلام إلى فرعون وكان هلاك ~~فرعون ومن معه من جراء تكذيبهم موسى عليه السلام . PageV27P036 # و { الطور } : الجبل باللغة السريانية قاله مجاهد . وأدخل في العربية وهو ~~من الألفاظ المعربة الواقعة في القرآن . # وغلب علما على طور سينا الذي ناجى فيه موسى عليه السلام ، وأنزل عليه فيه ~~الألواح المشتملة على أصول شريعة التوراة . # فالقسم به باعتبار شرفه بنزول كلام الله فيه ونزول الألواح على موسى وفي ~~ذكر الطور إشارة ms7988 إلى تلك الألواح لأنها اشتهرت بذلك الجبل فسميت طور المعرب ~~بتوراة . # وأما الجبل الذي خوطب فيه موسى من جانب الله فهو جبل حوريب واسمه في ~~العربية ( الزبير ) ولعله بجانب الطور كما في قوله تعالى : { آنس من جانب ~~الطور نارا ، وتقدم بيانه في سورة القصص ، وتقدم عند قوله تعالى : ورفعنا ~~فوقكم الطور في سورة البقرة . # والقسم بالطور توطئة للقسم بالتوراة التي أنزل أولها على موسى في جبل ~~الطور . # والمراد بكتاب مسطور في رق منشور } التوراة كلها التي كتبها موسى عليه ~~السلام بعد نزول الألواح ، وضمنها كل ما أوحى الله إليه مما أمر بتبليغه في ~~مدة حياته إلى ساعات قليلة قبل وفاته . وهي الأسفار الأربعة المعروفة عند ~~اليهود : سفر التكوين ، وسفر الخروج ، وسفر العدد ، وسفر التثنية ، وهي ~~التي قال الله تعالى في شأنها : { ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي ~~نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون في سورة الأعراف . # وتنكير كتاب } للتعظيم . وإجراء الوصفين عليه لتمييزه بأنه كتاب مشرف ~~مراد بقاؤه مأمور بقراءته إذ المسطور هو المكتوب . والسطر : الكتابة ~~الطويلة لأنها تجعل سطورا ، أي صفوفا من الكتاب قال تعالى : { وما يسطرون } ~~( القلم : 1 ) ، أي يكتبون . # والرق ( بفتح الراء بعدها قاف مشددة ) الصحيفة تتخذ من جلد مرقق أبيض ~~PageV27P037 ليكتب عليه . وقد جمعها المتلمس في قوله : # فكأنما هي من تقادمم عهدها # رق أتيح كتابها مسطور # والمنشور : المبسوط غير المطوي قال يزيد بن الطثرية : # صحائف عندي للعتاب طويتها # ستنشر يوما ما والعتاب يطول # أي : أقسم بحال نشره لقراءته وهي أشرف أحواله لأنها حالة حصول الاهتداء ~~به للقارىء والسامع . # وكان اليهود يكتبون التوراة في رقوق ملصق بعضها ببعض أو مخيط بعضها ببعض ~~، فتصير قطعة واحدة ويطوونها طيا اسطوانيا لتحفظ فإذا أرادوا قراءتها نشروا ~~مطويها ، ومنه ما في حديث الرجم ( فنشروا التوراة ) . # وليس المراد بكتاب مسطور القرآن لأن القرآن لم يكن يومئذ مكتوبا سطورا ~~ولا هو مكتوبا في رق . # ومناسبة القسم بالتوراة أنها الكتاب الموجود الذي فيه ذكر الجزاء وإبطال ~~الشرك وللإشارة إلى أن القرآن ms7989 الذي أنكروا أنه من عند الله ليس بدعا فقد ~~نزلت قبله التوراة وذلك لأن المقسم عليه وقوع العذاب بهم وإنما هو جزاء على ~~تكذيبهم القرآن ومن جاء به بدليل قوله بعد ذكر العذاب { فويل يومئذ ~~للمكذبين الذين هم في خوض يلعبون } ( الطور : 11 ، 12 ) . # والقسم بالتوراة يقتضي أن التوراة يومئذ لم يكن فيها تبديل لما كتبه موسى ~~: فإما أن يكون تأويل ذلك على قول ابن عباس في تفسير معنى قوله تعالى : { ~~يحرفون الكلم عن مواضعه } ( المائدة : 13 ) أنه تحريف بسوء فهم وليس تبديلا ~~لألفاظ التوراة ، وإما أن يكون تأويله أن التحريف وقع بعد نزول هذه السورة ~~حين ظهرت الدعوة المحمدية وجبهت اليهود دلالة مواضع من التوراة على صفات ~~النبي محمد صلى الله عليه وسلم أو يكون تأويله بأن القسم بما فيه من الوحي ~~الصحيح . # والبيت المعمور : عن الحسن أنه الكعبة وهذا الأنسب بعطفه على الطور ، ~~PageV27P038 ووصفه ب { المعمور } لأنه لا يخلو من طائف به ، وعمران الكعبة ~~هو عمرانها بالطائفين قال تعالى : { إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله ~~واليوم الآخر } ( التوبة : 18 ) الآية . # ومناسبة القسم سبق القسم بكتاب التوراة فعقب ذلك بالقسم بمواطن نزول ~~القرآن فإن ما نزل به من القرآن أنزل بمكة وما حولها مثل جبل حراء . وكان ~~نزوله شريعة ناسخة لشريعة التوراة ، على أن الوحي كان ينزل حول الكعبة . ~~وفي حديث الإسراء ( بينا أنا نائم عند المسجد الحرام إذ جاءني الملكان ) ~~الخ ، فيكون توسيط القسم بالكعبة في أثناء ما أقسم به من شؤون شريعة موسى ~~عليه السلام إدماجا . # وفي ( الطبري ) : أن عليا سئل : ما البيت المعمور ؟ فقال : ( بيت في ~~السماء يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه أبدا ، يقال : له الضراح ~~) ( بضم الضاد المعجمة وتخفيف الراء وحاء مهملة ) ، وأن مجاهدا والضحاك ~~وابن زيد قالوا مثل ذلك . وعن قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ~~هل تدرون ما البيت المعمور ؟ قال : فإنه مسجد في السماء تحته الكعبة ) إلى ~~آخر الخبر . وثمة أخبار كثيرة متفاوتة في أن ms7990 في السماء موضعا يقال له : ~~البيت المعمور ، لكن الروايات في كونه المراد من هذه الآية ليست صريحة . # وأما السقف المرفوع : ففسروه بالسماء لقوله تعالى : { وجعلنا السماء سقفا ~~محفوظا } ( الأنبياء : 32 ) وقوله : { والسماء رفعها } ( الرحمن : 7 ) ~~فالرفع حقيقي ومناسبة القسم بها أنها مصدر الوحي كله التوراة والقرآن . ~~وتسمية السماء على طريقة التشبيه البليغ . # والبحر : يجوز أن يراد به البحر المحيط بالكرة الأرضية . وعندي : أن ~~المراد بحر القلزم ، وهو البحر الأحمر ومناسبة القسم به أنه به أهلك فرعون ~~وقومه حين دخله موسى وبنو إسرائيل فلحق بهم فرعون . # و { المسجور } : قيل المملوء ، مشتقا من السجر ، وهم الملء والإمداد . ~~فهو صفة كاشفة قصد منها التذكير بحال خلق الله إياه مملوءا ماء دون أن ~~تملأه أودية أو سيول ، أو هي للاحتراز عن إرادة الوادي إذ الوادي ينقص فلا ~~يبقى على ملئه وذلك دال على عظم القدرة . والظاهر عندي : أن وصفه بالمسجور ~~للإيماء إلى PageV27P039 الحالة التي كان بها هلاك فرعون بعد أن فرق الله ~~البحر لموسى وبني إسرائيل ثم أسجره ، أي أفاضه على فرعون وملئه . # وعذاب الله المقسم على وقوعه هو عذاب الآخرة لقوله : { يوم تمور السماء ~~مورا إلى قوله : تكذبون } ( الطور : 9 14 ) . وأما عذاب المكذبين في الدنيا ~~فسيجيء في قوله تعالى : { وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك } ( الطور : 47 ) ~~. وتحقيق وقوع عذاب الله يوم القيامة إثبات للبعث بطريق الكناية القريبة ، ~~وتهديد للمشركين بطريق الكناية التعريضية . # والواوات التي في هذه الآية كلها واوات قسم لأن شأن القسم أن يعاد ويكرر ~~، ولذلك كثيرا ما يعيدون المقسم به نحو قول النابغة : # والله والله لنعم الفتى # وإنما يعطفون بالفاء إذا أرادوا صفات المقسم به . # ويجوز صرف الواو الأولى للقسم واللاتي بعدها عاطفات على القسم ، والمعطوف ~~على القسم قسم . # والوقوع : أصله النزول من علو واستعمل مجازا للتحقق وشاع ذلك ، فالمعنى : ~~أن عذاب ربك لمتحقق . # وحذف متعلق { لواقع } ، وتقديره : على المكذبين ، أو بالمكذبين ، كما دل ~~عليه قوله بعد { فويل يومئذ للمكذبين } ( الطور : 11 ) ، أي المكذبين بك ~~بقرينة إضافة رب إلى ms7991 ضمير المخاطب المشعر بأنه معذبهم لأنه ربك وهم كذبوك ~~فقد كذبوا رسالة الرب . وتضمن قوله : { إن عذاب ربك لواقع } إثبات البعث ~~بعد كون الكلام وعيدا لهم على إنكار البعث وإنكارهم أن يكونوا معذبين . # وأتبع قوله : { لواقع } بقوله : { ما له من دافع } ، وهو خبر ثان عن { ~~عذاب } أو حال منه ، أي : ما للعذاب دافع يدفعه عنهم . # والدفع : إبعاد الشيء عن شيء باليد وأطلق هنا على الوقاية مجازا بعلاقة ~~PageV27P040 الإطلاق ألا يقيهم من عذاب الله أحد بشفاعة أو معارضة . # وزيدت { من } في النفي لتحقيق عموم النفي وشموله ، أي نفي جنس الدافع . # روى أحمد بن حنبل عن جبير بن مطعم قال : ( قدمت المدينة على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لأكلمه في أسارى بدر فدفعت إليه وهو يصلي بأصحابه صلاة ~~المغرب فسمعته يقرأ { والطور } إلى { إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع } ~~فكأنما صدع قلبي ) ، وفي رواية ( فأسلمت خوفا من نزول العذاب وما كنت أظن ~~أن أقوم من مقامي حتى يقع بي العذاب ) . # ( 9 12 ) # يجوز أن يتعلق { يوم تمور السماء } بقوله : { لواقع } ( الذاريات : 7 ) ~~على أنه ظرف له فيكون قوله : { فويل يومئذ للمكذبين } تفريعا على الجملة ~~كلها ويكون العذاب عذاب الآخرة . # ويجوز أن يكون الكلام قد تم عند قوله : { إن عذاب ربك لواقع } ( الذاريات ~~: 7 ) ، فيكون { يوم } متعلقا بالكون الذي بين المبتدأ والخبر في قوله : { ~~فويل يومئذ للمكذبين } وقدم الظرف على عامله للاهتمام ، فلما قدم الظرف ~~اكتسب معنى الشرطية وهو استعمال متبع في الظروف والمجرورات التي تقدم على ~~عواملها فلذلك قرنت الجملة بعده بالفاء على تقدير : إن حل ذلك اليوم فويل ~~للمكذبين . # وقوله : { يومئذ } على هذا الوجه أريد به التأكيد للظرف فحصل تحقيق الخبر ~~بطريقين طريق المجازاة ، وطريق التأكيد في قوله : { يوم تمور السماء مورا } ~~الآية ، تصريح بيوم البعث بعد أن أشير إليه تضمنا بقوله : { إن عذاب ربك ~~لواقع } فحصل بذلك تأكيده أيضا . # والمور بفتح الميم وسكون الواو : التحرك باضطراب ، ومور السماء هو ~~PageV27P041 اضطراب أجسامها من الكواكب واختلال نظامها وذلك عند ms7992 انقراض ~~عالم الحياة الدنيا . # وسير الجبال : انتقالها من مواضعها بالزلازل التي تحدث عند انقراض عالم ~~الدنيا ، قال تعالى : { إذا زلزلت الأرض زلزالها إلى قوله : يومئذ يصدر ~~الناس أشتاتا ليروا أعمالهم } ( الزلزلة : 1 6 ) . # وتأكيد فعلي { تمور } و { تسير } بمصدري { مورا } و { سيرا } لرفع احتمال ~~المجاز ، أي هو مور حقيقي وتنقل حقيقي . # والويل : سوء الحال البالغ منتهى السوء ، وتقدم عند قوله تعالى : { فويل ~~للذين يكتبون الكتاب بأيديهم في سورة البقرة وتقدم قريبا في آخر الذاريات . # والمعنى : فويل يومئذ للذين يكذبون الآن . وحذف متعلق للمكذبين لعلمه من ~~المقام ، أي الذين يكذبون بما جاءهم به الرسول من توحيد الله والبعث ~~والجزاء والقرآن فاسم الفاعل في زمن الحال . # والخوض : الاندفاع في الكلام الباطل والكذب . والمراد خوضهم في تكذيبهم ~~بالقرآن مثل ما حكى الله عنهم : وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن ~~والغوا فيه لعلكم تغلبون } ( فصلت : 26 ) وهو المراد بقوله تعالى : { وإذا ~~رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره } ( ~~الأنعام : 68 ) . # و { في } للظرفية المجازية وهي الملابسة الشديدة كملابسة الظرف للمظروف ، ~~أي الذين تمكن منهم الخوض حتى كأنه أحاط بهم . # و { يلعبون } حالية . واللعب : الاستهزاء ، قال تعالى : { ولئن سألتهم ~~ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون } ( ~~التوبة : 65 ) . PageV27P042 # ( 13 16 ) { } # { يوم يدعون } بدل من { يوم تمور السماء مورا } وهو بدل اشتمال . # والدع : الدفع العنيف ، وذلك إهانة لهم وغلظة عليهم ، أي يوم يساقون إلى ~~نار جهنم سوقا بدفع ، وفيه تمثيل حالهم بأنهم خائفون متقهقرون فتدفعهم ~~الملائكة الموكلون بإزجائهم إلى النار . # وتأكيد { يدعون } ب { دعا } لتوصل إلى إفادة تعظيمه بتنكيره . # وجملة { هذه النار } إلى آخرها مقول قول محذوف دل عليه السياق . والقول ~~المحذوف يقدر بما هو حال من ضمير { يدعون } . وتقديره : يقال لهم ، أو ~~مقولا لهم ، والقائل هم الملائكة الموكلون بإيصالهم إلى جهنم . والإشارة ~~بكلمة { هذه } الذي هو للمشار إليه القريب المؤنث تومىء إلى أنهم بلغوها ~~وهم على شفاها ، والمقصود بالإشارة التوطئة لما سيرد بعدها من قوله ms7993 : { ~~التي كنتم بها تكذبون } إلى { لا تبصرون } . # والموصول وصلته في قوله : { التي كنتم بها تكذبون } لتنبيه المخاطبين على ~~فساد رأيهم إذ كذبوا بالحشر والعقاب فرأوا ذلك عيانا . # وفرع على هذا التنبيه تنبيه آخر على ضلالهم في الدنيا بقوله : { أفسحر ~~هذا } إذ كانوا حين يسمعون الإنذار يوم البعث والجزاء يقولون : هذا سحر ، ~~وإذا عرض عليهم القرآن قالوا : قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا ~~وقر ومن بيننا وبينك حجاب ، فللمناسبة بين ما في صلة الموصول من معنى ~~التوقيف على خطئهم وبين التهكم عليهم بما كانوا يقولونه دخلت فاء التفريع ~~وهو من جملة ما يقال لهم المحكي بالقول المقدر . PageV27P043 # و { أم } منقطعة ، والاستفهام الذي تقتضيه { أم } بعدها مستعمل في ~~التوبيخ والتهكم . والتقدير : بل أأنتم لا تبصرون . # ومعنى { لا تبصرون } : لا تبصرون المرئيات كما هي في الواقع فلعلكم ~~تزعمون أنكم لا ترون نارا كما كنتم في الدنيا تقولون : { بيننا وبينك حجاب ~~} ( فصلت : 5 ) أي فلا نراك ، وتقولون : { إنما سكرت أبصارنا } ( الحجر : ~~15 ) . # وجيء بالمسند إليه مخبرا عنه بخبر فعلي منفي لإفادة تقوي الحكم ، فلذلك ~~لم يقل : أم لا تبصرون ، لأنه لا يفيد تقويا ، ولا : أم لا تبصرون أنتم ، ~~لأن مجيء الضمير المنفصل بعد الضمير المتصل يفيد تقرير المسند إليه المحكوم ~~عليه بخلاف تقديم المسند إليه فإنه يفيد تأكيد الحكم وتقويته وهو أشد ~~توكيدا ، وكل ذلك في طريقة التهكم . # وجملة { اصلوها } مستأنفة هي بمنزلة النتيجة المترقبة من التوبيخ ~~والتغليظ السابقين ، أي ادخلوها فاصطلوا بنارها يقال : صلي النار يصلاها ، ~~إذا قاسى حرها . # والأمر في { اصلوها } إما مكنى به عن الدخول لأن الدخول لها يستلزم ~~الاحتراق بنارها ، وإما مستعمل مجازا في التنكيل . وفرع على { اصلوها } أمر ~~للتسوية بين صبرهم على حرها وبين عدم الصبر وهو الجزع لأن كليهما لا يخففان ~~عنهم شيئا من العذاب ، ألا ترى أنهم يقولون : { سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ~~مالنا من محيض } ( إبراهيم : 21 ) لأن جرمهم عظيم لا مطمع في تخفيف جزائه . # و { سواء عليكم } خبر مبتدأ محذوف ، تقديره : ذلك سواء ms7994 عليكم . # وجملة { سواء عليكم } مؤكدة لجملة { فاصبروا أو لا تصبروا } فلذلك فصلت ~~عنها ولم تعطف . # وجملة { إنما تجزون ما كنتم تعملون } تعليل لجملة { اصلوها } إذ كلمة { ~~إنما } مركبة من ( إن ) و ( ما ) الكافة ، فكما يصح التعليل ب ( إن ) وحدها ~~كذلك يصح التعليل بها مع ( ما ) الكافة ، وعليه فجملتا { فاصبروا أو لا ~~PageV27P044 تصبروا سواء عليكم } معترضتان بين جملة { اصلوها } والجملة ~~الواقعة تعليلا لها . # والحصر المستفاد من كلمة { إنما } قصر قلب بتنزيل المخاطبين منزلة من ~~يعتقد أن ما لقوه من العذاب ظلم لم يستوجبوا مثل ذلك من شدة ما ظهر عليهم ~~من الفزع . # وعدي { تجزون } إلى { ما كنتم تعملون } بدون الباء خلافا لقوله بعده { ~~كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون } ( الطور : 19 ) ليشمل القصر مفعول ~~الفعل المقصور ، أي تجزون مثل عملكم لا أكثر منه فينتفي الظلم عن مقدار ~~الجزاء كما انتفى الظلم عن أصله ، ولهذه الخصوصية لم يعلق معمول الفعل ~~بالباء إذ جعل الجزاء بمنزلة نفس الفعل . # ( 17 19 ) # استئناف بياني بعد أن ذكر حال المكذبين وما يقال لهم ، فمن شأن السامع أن ~~يتساءل عن حال أضدادهم وهم الفريق الذين صدقوا الرسول صلى الله عليه وسلم ~~فيما جاء به القرآن وخاصة إذ كان السامعون المؤمنين وعادة القرآن تعقيب ~~الإنذار بالتبشير وعكسه ، والجملة معترضة بين ما قبلها وجملة { أم يقولون ~~شاعر } ( الطور : 30 ) . # وتأكيد الخبر ب ( إن ) للاهتمام به وتنكير { جنات ونعيم } لتعظيم ، أي في ~~أية جنات وأي نعيم . # وجمع { جنات } تقدم في سورة الذاريات . # والفاكه : وصف من فكه كفرح ، إذا طابت نفسه وسر . PageV27P045 # وقرأ الجمهور { فاكهين } بصيغة اسم الفاعل ، وقرأه أبو جعفر { فكهين } ~~بدون ألف . # والباء في { بما آتاهم ربهم } للسببية ، والمعنى : أن ربهم أرضاهم بما ~~يحبون . # واستحضار الجلالة بوصف { ربهم } للإشارة إلى عظيم ما آتاهم إذ العطاء ~~يناسب حال المعطي ، وفي إضافة ( رب ) إلى ضميرهم تقريب لهم وتعظيم وجملة { ~~ووقاهم ربهم عذاب الجحيم } في موضع الحال ، والواو حالية ، أو عاطفة على { ~~فاكهين } الذي هو حال ، والتقدير : وقد وقاهم ربهم عذاب الجحيم ms7995 ، وهو حال ~~من المتقين . والمقصود من ذكر هذه الحالة : إظهار التباين بين حال المتقين ~~وحال المكذبين زيادة في الامتنان فإن النعمة تزداد حسن وقع في النفس عند ~~ملاحظة ضدها . # وفيه أيضا أن وقايتهم عذاب الجحيم عدل ، لأنهم لم يقترفوا ما يوجب العقاب ~~. وأما ما أعطوه من النعيم فذلك فضل من الله وإكرام منه لهم . # وفي قوله : { ربهم } ما تقدم قبيله . # وجملة { كلوا واشربوا } إلى آخرها مقول قول محذوف في موضع الحال أيضا ، ~~تقديره : يقال لهم ، أو مقولا لهم . وهذا القول مقابل ما يقال للمكذبين { ~~اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون } ( ~~الطور : 16 ) . # وحذف مفعول { كلوا واشربوا } لإفادة النعيم ، أي كلوا كل ما يؤكل واشربوا ~~كل ما يشرب ، وهو عموم عرفي ، أي مما تشتهون . # و { هنيئا } اسم على وزن فعيل بمعنى مفعول وقع وصفا لمصدرين لفعلي { كلوا ~~واشربوا } ، أكلا وشربا ، فلذلك لم يؤنث الوصف لأن فعيلا إذا كان بمعنى ~~مفعول يلزم الإفراد والتذكير . وتقدم في سورة النساء لأنه سالم مما يكدر ~~الطعام والشراب . # و ( ما ) موصولة ، والباء سببية ، أي بسبب العمل الذي كنتم تعملونه وهو ~~العمل الصالح الذي يومىء إليه قوله : { المتقين } وفي هذا القول زيادة ~~كرامة لهم PageV27P046 بإظهار أن ما أوتوه من الكرامة عوض عن أعمالهم كما ~~آذنت به باء السببية وهو نحو قول من يسدي نعمة إلى المنعم عليه : لا فضل لي ~~عليك وإنما هو مالك ، أو نحو ذلك . # حال من ضمير { كلوا واشربوا } ( الطور : 19 ) ، أي يقال لهم كلوا واشربوا ~~حال كونهم متكئين ، أي وهم في حال إكلة أهل الترف المعهود في الدنيا ، فقد ~~كان أهل الرفاهية يأكلون متكئين وقد وصف القرآن ذلك في سورة يوسف بقوله : { ~~أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكئا وءاتت كل واحدة منهن سكينا } أي لحز الطعام ~~والثمار . وفي الحديث ( أما أنا فلا آكل متكئا ) وكان الأكاسرة ومرازبة ~~الفرس يأكلون متكئين وكذلك كان أباطرة الرومان وكذلك شأنهم في شرب الخمر ، ~~قال الأعشى : # نازعتهم قضب الريحان متكئا # وخمرة مزة راووقها ms7996 خضل # والسرر : جمع سرير ، وهو ما يضطجع عليه . # والمصفوفة : المتقابلة ، والمعنى : أنهم يأكلون متكئين مجتمعين للتأنس ~~كقوله تعالى : { على سرر متقابلين } ( الصافات : 44 ) . # وجملة { وزوجناهم } عطف على { متكئين } فهي في موضع الحال . # ومعنى { زوجناهم } : جعلنا كل فرد منهم زوجا ، أي غير مفرد ، أي قرناهم ~~بنساء حور عينن . والباء للمصاحبة ، أي جعلنا حورا عينا معهم ، ولم يعد فعل ~~{ زوجناهم } إلى { حور } بنفسه على المفعولية كما في قوله تعالى : { ~~زوجناكها } ( الأحزاب : 37 ) ، لأن ( زوجنا ) في هذه الآية ليس بمعنى : ~~أنكحناهم ، إذ ليس المراد عقد النكاح لنبو المراد عن هذا المعنى ، فالتزويج ~~هنا وارد بمعناه الحقيقي في اللغة وهو جعل الشيء المفرد زوجا وليس واردا ~~بمعناه المنقول عنه في العرف والشرع ، وليس الباء لتعدية فعل { زوجناهم } ~~بتضمينه معنى : قرنا ، ولا هو PageV27P047 على لغة أزد شنوة فإنه لم يسمع ~~في فصيح الكلام : تزوج بامرأة . # وحور : صفة لنساء المؤمنين في الجنة ، وهن النساء اللاتي كن أزواجا لهم ~~في الدنيا إن كن مؤمنات ومن يخلقهن الله في الجنة لنعمة الجنة وحكم نساء ~~المؤمنين اللاتي هن مؤمنات ولم يكن في العمل الصالح مثل أزواجهن في لحاقهن ~~بأزواجهن في الدرجات في الجنة تقدم عند قوله تعالى : { ادخلوا الجنة أنتم ~~وأزواجكم تحبرون في سورة الزخرف وما يقال فيهن يقال في الرجال من أزواج ~~النساء الصالحات . # وعين } صفة ثانية ، وحقها أن تعطف ولكن كثر ترك العطف . # . # اعتراض بين ذكر كرامات المؤمنين ، والواو اعتراضية . # والتعبير بالموصول إظهار في مقام الإضمار لتكون الصلة إيماء إلى أن وجه ~~بناء الخبر الوارد بعدها ، أي أن سبب إلحاق ذرياتهم بهم في نعيم الجنة هو ~~إيمانهم وكون الذريات آمنوا بسبب إيمان آبائهم لأن الآباء المؤمنين يلقنون ~~أبناءهم الإيمان . # والمعنى : والمؤمنون الذين لهم ذريات مؤمنون ألحقنا بهم ذرياتهم . # وقد قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا } ( ~~التحريم : 6 ) ، وهل يستطيع أحد أن يقي النار غيره إلا بالإرشاد . ولعل ما ~~في الآية من إلحاق ذرياتهم من شفاعة المؤمن الصالح لأهله وذريته . # والتنكير في قوله : { بإيمان ms7997 } يحتمل أن يكون للتعظيم ، أي بإيمان عظيم ، ~~وعظمته بكثرة الأعمال الصالحة ، فيكون ذلك شرطا في إلحاقهم بآبائهم وتكون ~~النعمة في جعلهم في مكان واحد . PageV27P048 # ويحتمل أن يكون للنوعية ، أي بما يصدق عليه حقيقة الإيمان . # وقرأ الجمهور { واتبعتهم } بهمزة وصل وبتشديد التاء الأولى وبتاء بعد ~~العين هي تاء تأنيث ضمير الفعل . وقرأه أبو عمرو وحده { وأتبعناهم } بهمزة ~~قطع وسكون التاء . # وقوله : { ذريتهم } الأول قرأه الجمهور بصيغة الإفراد . وقرأه أبو عمرو { ~~ذرياتهم } بصيغة جمع ذرية فهو مفعول { أتبعناهم } . وقرأه ابن عامر ويعقوب ~~بصيغة الجمع أيضا لكن مرفوعا على أنه فاعل { أتبعتهم } ، فيكون الإنعام على ~~آبائهم بإلحاق ذرياتهم بهم وإن لم يعملوا مثل عملهم . # وقد روى جماعة منهم الطبري والبزار وابن عدي وأبو نعيم وابن مردويه حديثا ~~مسندا إلى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله يرفع ذرية ~~المؤمن في درجته وإن كانوا دونه ( أي في العمل كما صرح به في رواية القرطبي ~~) لتقر بهم عينه ثم قرأ : { والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان } إلى ~~قوله : { من شيء } . # وعلى الاحتمالين هو نعمة جمع الله بها للمؤمنين أنواع المسرة بسعادتهم ~~بمزاوجة الحور وبمؤانسة الإخوان المؤمنين وباجتماع أولادهم ونسلهم بهم ، ~~وذلك أن في طبع الإنسان التأنس بأولاده وحبه اتصالهم به . # وقد وصف ذلك محمد بن عبد الرفيع الجعفري المرسي الأندلسي نزيل تونس سنة ~~1013 ثلاث عشرة وألف في كتاب له سماه ( الأنوار النبوية في آباء خير البرية ~~) قال في خاتمة الكتاب ( قد أطلعني الله تعالى على دين الإسلام بواسطة ~~والدي وأنا ابن ستة أعوام مع أني كنت إذاك أروح إلى مكتب النصارى لأقرأ ~~دينهم ثم أرجع إلى بيتي فيعلمني والدي دين الإسلام فكنت أتعلم فيهما ( كذا ~~) معا وسني حين حملت إلى مكتبهم أربعة أعوام فأخذ والدي لوحا من عود الجوز ~~كأني انظر الآن إليه مملسا من غير طفل ( اسم لطين يابس وهو طين لزج وليست ~~بعربية وعربيته طفال كغراب ) ، فكتب لي فيه حروف الهجاء وهو يسألني عن حروف ~~PageV27P049 النصارى حرفا حرفا تدريبا ms7998 وتقريبا فإذا سميت له حرفا أعجميا ~~يكتب لي حرفا عربيا حتى استوفى جميع حروف الهجاء وأوصاني أن أكتم ذلك حتى ~~عن والدتي وعمي وأخي مع أنه رحمه الله قد ألقى نفسه للهلاك لإمكان أن أخبر ~~بذلك عنه فيحرق لا محالة وقد كان يلقنني ما أقوله عند رؤيتي الأصنام ، فلما ~~تحقق والدي أني أكتم أمور دين الإسلام أمرني أن أتكلم بإفشائه لوالدتي وبعض ~~الأصدقاء من أصحابه وسافرت الأسفار من جيان لأجتمع بالمسلمين الأخيار إلى ~~غرناطة وإشبيلية وطليطلة وغيرها من مدن الجزيرة الخضراء ، فتخلص لي من ~~معرفتهم أني ميزت منهم سبعة رجال كانوا يحدثونني بأحوال غرناطة وما كان بها ~~في الإسلام وقد مروا كلهم على شيخ من مشائخ غرناطة يقال له الفقيه الأوطوري ~~. . . ) الخ . # وإيثار فعل { ألحقنا } دون أن يقال : أدخلنا معهم ، أو جعلنا معهم لعله ~~لما في معنى الإلحاق من الصلاحية للفور والتأخير ، فقد يكون ذلك الإلحاق ~~بعد إجراء عقاب على بعض الذرية استحقوه بسيئاتهم على ما في الأعمال من ~~تفاوت في استحقاق العقاب والله أعلم بمراده من عباده . وفعل الإلحاق يقتضي ~~أن الذريات صاروا في درجات آبائهم . وفي المخالفة بين الصيغتين تفنن لدفع ~~إعادة اللفظ . # و { ألتناهم } نقصناهم ، يقال : آلته حقه ، إذا نقصه إياه ، وهو من باب ~~ضرب ومن باب علم . # فقرأه الجمهور بفتح لام { ألتناهم } . وقرأه ابن كثير بكسر لام { ألتناهم ~~} ، وتقدم عند قوله تعالى : { لا يلتكم من أعمالكم شيئا في سورة الحجرات . ~~والواو للحال وضمير الغيبة عائد إلى الذين آمنوا } . # والمعنى : أن الله ألحق بهم ذرياتهم في الدرجة في الجنة فضلا منه على ~~الذين آمنوا دون عوض احتراسا من أن يحسبوا أن إلحاق ذرياتهم بهم بعد عطاء ~~نصيب من حسناتهم لذرياتهم ليدخلوا به الجنة على ما هو متعارف عندهم في فك ~~الأسير ، وحمالة الديات ، وخلاص الغارمين ، وعلى ما هو معروف في ~~PageV27P050 الانتصاف من المظلوم للظالم بالأخذ من حسناته وإعطائها للمظلوم ~~، وهو كناية عن عدم انتقاص حظوظهم من الجزاء على الأعمال الصالحة . # و { من عملهم } متعلق ب { ما ألتناهم ms7999 } و ( من ) للتبعيض ، و ( من ) التي ~~في قوله : { من شيء } لتوكيد النفي وإفادة الإحاطة والشمول للنكرة . # . # جملة معترضة بين جملة { وما ألتناهم من عملهم } وبين جملة { وأمددناهم ~~بفاكهة } ( الطور : 22 ) ، قصد منها تعليل الجملة التي قبلها وهي بما فيها ~~من العموم صالحة للتذييل مع التعليل ، و { كل امرىء } يعم أهل الآخرة كلهم ~~. وليس المراد كل امرىء من المتقين خاصة . # والمعنى : انتفى إنقاصنا إياهم شيئا من عملهم لأن كل أحد مقرون بما كسب ~~ومرتهن عنده والمتقون لما كسبوا العمل الصالح كان لازما لهم مقترنا بهم لا ~~يسلبون منه شيئا ، والمراد بما كسبوا : جزاء ما كسبوا لأنه الذي يقترن ~~بصاحب العمل وأما نفس العمل نفسه فقد انقضى في إبانه . # وفي هذا التعليل كنايتان : إحداهما : أن أهل الكفر مقرونون بجزاء أعمالهم ~~، وثانيتهما : أن ذريات المؤمنين الذين ألحقوا بآبائهم في النعيم ألحقوا ~~بالجنة كرامة لآبائهم ولولا تلك الكرامة لكانت معاملتهم على حسب أعمالهم . ~~وبهذا كان لهذه الجملة هنا وقع أشد حسنا مما سواه مع أنها صارت من حسن ~~التتميم . # والكسب : يطلق على ما يحصله المرء بعمله لإرادة نفع نفسه . # ورهين : فعيل بمعنى مفعول من الرهن وهو الحبس . # ( 22 ، 23 ) # عطف على { في جنات ونعيم } ( الطور : 17 ) الخ . PageV27P051 # والإمداد : إعطاء المدد وهو الزيادة من نوع نافع فيما زيد فيه ، أي ~~زدناهم على ما ذكر من النعيم والأكل والشرب الهنيء فاكهة ولحما مما يشتهون ~~من الفواكه واللحوم التي يشتهونها ، أي ليوتي لهم بشيء لا يرغبون فيه فلكل ~~منهم ما اشتهى . # وخص الفاكهة واللحم تمهيدا لقوله : { يتنازعون فيها كأسا لا لغو فيها ولا ~~تأثيم } منحهم الله في الآخرة لذة نشوة الخمر والمنادمة على شربها لأنها من ~~أحسن اللذات فيما ألفته نفوسهم ، وكان أهل الترف في الدنيا إذا شربوا الخمر ~~كسروا سورة حدتها في البطن بالشواء من اللحم قال النابغة يصف قرن الثور : # سفود شرب نسوه عند مفتأد # ويدفعون لذغ الخمر عن أفواههم بأكل الفواكه ويسمونها النقل بضم النون ~~وفتحها ويكون من ثمار ومقاث . # ولذلك جيء بقوله : { يتنازعون ms8000 } حالا من ضمير الغائب في { أمددناهم ~~بفاكهة } الخ . والتنازع أطلق على التداول والتعاطي . وأصله تفاعل من نزع ~~الدلو من البئر عند الاستقاء فإن الناس كانوا إذا وردوا للاستقاء نزع أحدهم ~~دلوا من الماء ثم ناول الدلو لمن حوله وربما كان الرجل القوي الشديد ينزع ~~من البئر للمستقين كلهم يكفيهم تعب النزع ، ويسمى الماتح بمثناة فوقية . # وقد ذكر الله تعالى نزع موسى عليه السلام لابنتي شعيب لما رأى انقباضهما ~~عن الاندماج في الرعاء . وذكر النبي صلى الله عليه وسلم في رؤياه نزعه على ~~القليب ثم نزع أبي بكر رضي الله عنه ثم نزع عمر رضي الله عنه . ثم استعير ~~أو جعل مجازا عن المداولة والمعاورة في مناولة أكؤس الشراب ، قال الأعشى : # نازعتهم قضب الريحان متكئا # وخمرة مزة راووقها خضل # والمعنى : أن بعضهم يصب لبعضض الخمر ويناوله إيثارا وكرامة . # وقيل : تنازعهم الكأس مجاذبة بعضهم كأس بعض إلى نفسه للمداعبة كما قال ~~امرؤ القيس في المداعبة على الطعام : PageV27P052 # فظل العذارى يرتمين بلحمها # وشحم كهداب الدمقس المفتل # والكأس : إناء تشرب فيه الخمر لا عروة له ولا خرطوم ، وهو مؤنث ، فيجوز ~~أن يكون هنا مرادا به الإناء المعروف ومرادا به الجنس ، وتقدم قوله في سورة ~~الصافات { يطاف عليهم بكأس من معين } ، وليس المراد أنهم يشربون في كأس ~~واحدة بأخذ أحدهم من آخر كأسه . ويجوز أن يراد بالكأس الخمر ، وهو من إطلاق ~~اسم المحل على الحال مثل قولهم : سال الوادي وكما قال الأعشى : # نازعتهم قضب الريحان ( البيت السابق آنفا ) . # وجملة { لا لغو فيها ولا تأثيم } يجوز أن تكون صفة ل ( كأس ) وضمير { لا ~~لغو فيها } عائدا إلى ( كأس ) ووصف الكأس ب { لا لغو فيها ولا تأثيم } . إن ~~فهم الكأس بمعنى الإناء المعروف فهو على تقدير : لا لغو ولا تأثيم يصاحبها ~~، فإن ( في ) للظرفية المجازية التي تؤول بالملابسة ، كقوله تعالى : { ~~وجاهدوا في الله حق جهاده } ( الحج : 78 ) وقول النبي صلى الله عليه وسلم ( ~~ففيهما أي والديك فجاهد ) ، أي جاهد ببرهما ، أو تأول ( في ) بمعنى التعليل ~~كقول النبي ms8001 صلى الله عليه وسلم ( دخلت امرأة النار في هرة حبستها حتى ماتت ~~جوعا ) . # وإن فهم الكأس مرادا به الخمر كانت ( في ) مستعارة للسببية ، أي لا لغو ~~يقع بسبب شربها . والمعنى على كلا الوجهين أنها لا يخالط شاربيها اللغو ~~والإثم بالسباب والضرب ونحوه ، أي أن الخمر التي استعملت الكأس لها ليست ~~كخمور الدنيا ، ويجوز أن تكون جملة { لا لغو فيها ولا تأثيم } مستأنفة ~~ناشئة عن جملة { يتنازعون فيها كأسا } ، ويكون ضمير { فيها } عائدا إلى { ~~جنات } من قوله : { إن المتقين في جنات } ( الطور : 17 ) مثل ضمير { فيها ~~كأسا } ، فتكون في الجملة معنى التذييل لأنه إذا انتفى اللغو والتأثيم عن ~~أن يكونا في الجنة انتفى أن يكونا في كأس شرب أهل الجنة . # ومثل هذين الوجهين يأتي في قوله تعالى : { إن للمتقين مفازا حدائق ~~وأعنابا } PageV27P053 إلى قوله : { لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا } في ~~سورة النبأ ( 31 35 ) . # واللغو : سقط الكلام والهذيان الذي يصدر عن خلل العقل . # والتأثيم : ما يؤثم به فاعله شرعا أو عادة من فعل أو قول مثل الضرب ~~والشتم وتمزيق الثياب وما يشبه أفعال المجانين من آثار العربدة مما لا يخلو ~~عنه الندامى غالبا ، فأهل الجنة منزهون عن ذلك كله لأنهم من عالم الحقائق ~~والكمالات فهم حكماء علماء ، وقد تمدح أصحاب الأحلام من أهل الجاهلية ~~بالتنزه عن مثل ذلك ، ومنهم من اتقى ما يعرض من الفلتات فحرم على نفسه ~~الخمر مثل قيس بن عاصم . # وقرأ الجمهور { لا لغو فيها ولا تأثيم } برفعهما على أن ( لا ) مشبهة ب ( ~~ليس ) . وقرأه ابن كثير وأبو عمرو بفتحهما على أن ( لا ) مشبهة ب ( إن ) ~~وهما وجهان في نفي النكرة إذا كانت إرادة الواحد غير محتملة ومثله قولها في ~~حديث أم زرع : ( زوجي كليلل تهامة لا حر ولا قر ولا مخافة ولا سآمة ) رويت ~~النكرات الأربع بالرفع وبالنصب . # عطف على جملة { يتنازعون فيها كأسا } ( الطور : 23 ) فهو من تمامه وواقع ~~موقع الحال مثله ، وجيء به في صيغة المضارع للدلالة على التجدد والتكرر ، ~~أي ذلك لا ينقطع ms8002 بخلاف لذات الدنيا فإنها لا بد لها من الانقطاع بنهايات ~~تنتهي إليها فتكره لأصحابها الزيادة منها مثلل الغول ، والإطباق ، ووجع ~~الأمعاء في شرب الخمر ومثل الشبع في تناول الطعام وغير ذلك من كل ما يورث ~~العجز عن الازدياد عن اللذة ويجعل الازدياد ألما . # ولم يستثن من ذلك إلا لذات المعارف ولذات المناظر الحسنة والجمال . # ولما أشعر فعل { يطوف } بأن الغلمان يناولونهم ما فيه لذاتهم كان مشعرا ~~بتجدد المناولة وتجدد الطواف وقد صار كل ذلك لذة لا سآمة منها . ~~PageV27P054 # والطواف : مشي متكرر ذهابا ورجوعا وأكثر ما يكون على استدارة ، ومنه طواف ~~الكعبة ، وأهل الجاهلية بالأصنام ولأجله سمي الصنم دوارا لأنهم يدورون به . ~~وسمي مشي الغلماء بينهم طوافا لأن شأن مجالس الأحبة والأصدقاء أن تكون حلقا ~~ودوائر ليستووا في مرآهم كما أشار إليه قوله تعالى في سورة الصافات { على ~~سرر متقابلين } . ومنه جعلت مجالس الدروس حلقا وكانت مجالس النبي صلى الله ~~عليه وسلم حلقا . وقد أطلق على مناولة الخمر إدارة فقيل : أدارت الحارثة ~~الخمر ، وهذا الذي يناول الخمر المدير . # وترك ذكر متعلق { يطوف } لظهوره من قوله : { يتنازعون فيها كأسا } وقوله ~~: { وأمددناهم بفاكهة } ( الطور : 22 ) ودل عليه قوله تعالى : { يطاف عليهم ~~بصحاف من ذهب وأكواب } ( الزخرف : 71 ) وقوله : { يطاف عليهم بكأس من معين ~~بيضاء لذة للشاربين } ( الصافات : 45 ، 46 ) فلما تقدم ذكر ما شأنه أن يطاف ~~به هنا ترك ذكره بعد فعل { يطاف } بخلاف ما في الآيتين الأخريين . # والغلمان : جمع غلام ، وحقيقته من كان في سن يقارب البلوغ أو يبلغه ، ~~ويطلق على الخادم لأنهم كانوا أكثر ما يتخذون خدمهم من الصغار لعدم الكلفة ~~في حركاتهم وعدم استثقال تكليفهم ، وأكثر ما يكونون من العبيد ومثله إطلاق ~~الوليدة على الأمة الفتية كأنها قريبة عهد بولادة أمها . # فمعنى قوله : { غلمان لهم } : خدمة لهم . وعبر عنهم بالتنكير وتعليق لام ~~الملك بضمير { الذين آمنوا } دون الإضافة التي هي على تقدير اللام لما في ~~الإضافة من معنى تعريف المضاف بالانتساب إلى المضاف إليه عند السامع من قبل ~~. وليس هؤلاء ms8003 الغلمان بمملوكين للمؤمنين ولكنهم مخلوقون لخدمتهم خلقهم الله ~~لأجلهم في الجنة قال تعالى : { ويطوف عليهم ولدان مخلدون } ( الإنسان : 19 ~~) وهذا على نحو قوله تعالى : { بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد } ( ~~الإسراء : 5 ) أي صنف من عبادنا غير معروفين للناس . # وشبهوا باللؤلؤ المكنون في حسن المرأى . PageV27P055 واللؤلؤ : الدر . ~~والمكنون : المخزون لنفاسته على أربابه فلا يتحلى به إلا في المحافل ~~والمواكب فلذلك يبقى على لمعانه وبياضه . # ( 25 28 ) { } # عطف على جملة { يتنازعون فيها كأسا } ( الطور : 23 ) . والتقدير : وقد ~~أقبل بعضهم على بعض يتساءلون ، أي هم في تلك الأحوال قد أقبل بعضهم على بعض ~~يتساءلون . # ولما كان إلحاق ذرياتهم بهم مقتضيا مشاركتهم إياهم في النعيم كما تقدم ~~آنفا عند قوله : { ألحقنا بهم ذريتهم } ( الطور : 21 ) كان هذا التساؤل ~~جاريا بين الجميع من الأصول والذريات سائلين ومسؤولين . # وضمير { بعضهم } عائد إلى { المتقين } ( الطور : 17 ) وعلى { ذريتهم } ( ~~الطور : 21 ) . # وجملة { قالوا } بيان لجملة { يتساءلون } على حد قوله تعالى : { فوسوس ~~إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى } ( طه : 120 ~~) ضمير { قالوا } عائد إلى البعضين ، أي يقول كل فريق من المتسائلين للفريق ~~الآخر هذه المقالة . # والإشفاق : توقع المكروه وهو ضد الرجاء ، وهذا التوقع متفاوت عند ~~المتسائلين بحسب تفاوت ما يوجبه من التقصير في أداء حق التكليف ، أو من ~~العصيان . ولذلك فهو أقوى في جانب ذريات المؤمنين الذين ألحقوا بأصولهم ~~بدون استحقاق . ولعله في جانب الذريات أظهر في معنى الشكر لأن أصولهم من ~~أهلهم فهم يعلمون أن ذرياتهم كانوا مشفقين من عقاب الله تعالى أو بمنزلة من ~~يعلم ذلك من مشاهدة سيرهم في الوفاء بحقوق التكليف ، وكذلك أصولهم بالنسبة ~~إلى من يعلم PageV27P056 حالهم من أصحابهم أو يسمع منهم إشفاقهم واستغفارهم ~~. وحذف متعلق { مشفقين } لأنه دل عليه { ووقانا عذاب السموم } . # وعلى هذا الوجه يكون معنى ( في ) الظرفية . ويتعلق { في أهلنا } ب { كنا ~~} ، أي حين كنا في ناسنا في الدنيا . ف { أهلنا } هنا بمعنى آلنا . # ويجوز أن تكون المقالة صادرة من الذين آمنوا ms8004 يخاطبون ذرياتهم الذين ~~ألحقوا بهم ولم يكونوا يحسبون أنهم سيلحقون بهم : فالمعنى : إنا كنا قبل ~~مشفقين عليكم ، فتكون ( في ) للظرفية المجازية المفيدة للتعليل ، أي مشفقين ~~لأجلكم . # ومعنى { فمن الله علينا } من علينا بالعفو عنكم فأذهب عنا الحزن ووقانا ~~أن يعذبكم بالنار . فلما كان عذاب الذريات يحزن آباءهم جعلت وقاية الذريات ~~منه بمنزلة وقاية آبائهم فقالوا : { ووقانا عذاب السموم } إغراقا في الشكر ~~عنهم وعن ذرياتهم ، أي فمن علينا جميعا ووقانا جميعا عذاب السموم . # والسموم بفتح السين ، أصله اسم الريح التي تهب من جهة حارة جدا فتكون ~~جافة شديدة الحرارة وهي معروفة في بلاد العرب تهلك من يتنشقها . وأطلق هنا ~~على ريح جهنم على سبيل التقريب بالأمر المعروف ، كما أطلقت على العنصر ~~الناري في قوله تعالى : { والجان خلقناه من قبل من نار السموم في سورة ~~الحجر وكل ذلك تقريب بالمألوف . # وجملة إنا كنا من قبل ندعوه } تعليل لمنة الله عليهم وثناء على الله بأنه ~~استجاب لهم ، أي كنا من قبل اليوم ندعوه ، أي في الدنيا . # وحذف متعلق { ندعوه } للتعميم ، أي كنا نبتهل إليه في أمورنا ، وسبب ~~العموم داخل ابتداء ، وهو الدعاء لأنفسهم ولذرياتهم بالنجاة من النار ~~وبنوال نعيم الجنة . # ولما كان هذا الكلام في دار الحقيقة لا يصدر إلا عن إلهام ومعرفة كان ~~دليلا على أن دعاء الصالحين لأبنائهم وذرياتهم مرجو الإجابة ، كما دل على ~~إجابة دعاء PageV27P057 الصالحين من الأبناء لآبائهم على ذلك ، قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم ( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث ) فذكر ( ~~وولد صالح يدعو له بخير ) . # وقوله : { إنه هو البر الرحيم } قرأه نافع والكسائي وأبو جعفر بفتح همزة ~~( أنه ) على تقدير حرف الجر محذوفا حذفا مطردا مع ( أن ) وهو هنا اللام ~~تعليلا ل { ندعوه } ، وقرأه الجمهور بكسر همزة ( إن ) وموقع جملتها التعليل ~~. # والبر : المحسن في رفق . # والرحيم : الشديد الرحمة وتقدم في تفسير سورة الفاتحة . # وضمير الفصل لإفادة الحصر وهو لقصر صفتي { البر } و { الرحيم } على الله ~~تعالى وهو قصر ادعائي للمبالغة لعدم الاعتداد ببرور ms8005 غيره ورحمة غيره ~~بالنسبة إلى برور الله ورحمته باعتبار القوة فإن غير الله لا يبلغ بالمبرة ~~والرحمة مبلغ ما لله وباعتبار عموم المتعلق ، وباعتبار الدوام لأن الله بر ~~في الدنيا والآخرة ، وغير الله بر في بعض أوقات الدنيا ولا يملك في الآخرة ~~شيئا . # تفريع على ما تقدم كله من قوله : { إن عذاب ربك لواقع } ( الطور : 7 ) ~~لأنه تضمن تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عن تكذيب المكذبين والافتراء ~~عليه ، وعقب بهذا لأن من الناس مؤمنين به متيقنين أن الله أرسله مع ما أعد ~~لكلا الفريقين فكان ما تضمنه ذلك يقتضي أن في استمرار التذكير حكمة أرادها ~~الله ، وهي ارعواء بعض المكذبين عن تكذيبهم وازدياد المصدقين توغلا في ~~إيمانهم ، ففرع على ذلك أن أمر الله رسول صلى الله عليه وسلم بالدوام على ~~التذكير . # فالأمر مستعمل في طلب الدوام مثل { يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ~~ورسوله } ( النساء : 136 ) . ولما كان أثر التذكير أهم بالنسبة إلى فريق ~~المكذبين ليهتدي من شرح قلبه للإيمان روعي ما يزيد النبي صلى الله عليه ~~وسلم ثباتا على التذكير من تبرئته مما يواجهونه من قولهم له : هو كاهن أو ~~هو مجنون ، فربط الله جأش رسوله صلى الله عليه وسلم وأعلمه بأن براءته ~~PageV27P058 من ذلك نعمة أنعم بها عليه ربه تعالى ففرع هذا الخبر على الأمر ~~بالتذكير بقوله : { فما أنت بنعمت ربك بكاهن ولا مجنون } . والباء في { ~~بنعمت ربك } للملابسة وهي في موضع الحال من ضمير { أنت } . # ونفي هاذين الوصفين عنه في خطاب أمثاله ممن يستحق الوصف بصفات الكمال يدل ~~على أن المراد من النفي غرض آخر وهو هنا إبطال نسبة من نسبه إلى ذلك كما في ~~قوله تعالى : { وما صاحبكم بمجنون } ( التكوير : 22 ) ، ولذلك حسن تعقيبه ~~بقوله : { أم يقولون شاعر } ( الطور : 30 ) مصرحا فيه ببعض أقوالهم ، فعلم ~~أن المنفي عنه فيما قبله مقالة من مقالهم . # وقد اشتملت هاته الكلمة الطيبة على خصائص تناسب تعظيم من وجهت إليه وهي ~~أنها صيغت في نظم الجملة الاسمية فقيل فيها ( ما ms8006 أنت بكاهن ) دون : فلست ~~بكاهن ، لتدل على ثبات مضمون هذا الخبر . # وقدم فيها المسند إليه مع أن مقتضى الظاهر أن يقدم المسند وهو { كاهن } ~~أو { مجنون } لأن المقام يقتضي الاهتمام بالمسند ولكن الاهتمام بالضمير ~~المسند إليه كان أرجح هنا لما فيه من استحضار معاده المشعر بأنه شيء عظيم ~~وأفاد مع ذلك أن المقصود أنه متصف بالخبر لا نفس الإخبار عنه بالخبر كقولنا ~~: الرسول يأكل الطعام ويتزوج النساء . وأفاد أيضا قصرا إضافيا بقرينة ~~المقام لقلب ما يقولونه أو يعتقدونه من قولهم : هو كاهن أو مجنون ، على ~~طريقة قوله تعالى : { وما أنت علينا بعزيز } ( هود : 91 ) . # وقرن الخبر المنفي بالباء الزائدة لتحقيق النفي فحصل في الكلام تقويتان ، ~~وجيء بالحال قبل الخبر ، أو بالجملة المعترضة بين المبتدأ والخبر ، لتعجيل ~~المسرة وإظهار أن الله أنعم عليه بالبراءة من هذين الوصفين . # وعدل عن استحضار الجلالة بالاسم العلم إلى تعريفه بالإضافة وبوصفه الرب ~~لإفادة لطفه تعالى برسوله صلى الله عليه وسلم لأنه ربه فهو يربه ويدبر نفعه ~~، ولتفيد الإضافة تشريف المضاف إليه . PageV27P059 # وقوله تعالى : { فما أنت بنعمت ربك بكاهن ولا مجنون } رد على مقالة شيبة ~~بن ربيعة قال في رسول الله صلى الله عليه وسلم هو كاهن ، وعلى عقبة بن أبي ~~معيط إذ قال : هو مجنون ، ويدل لكونه ردا على مقالة سبقت أنه أتبعه بقوله : ~~{ أم يقولون شاعر } ( الطور : 30 ) ما سيكون وما خفي مما هو كائن . # والكاهن : الذي ينتحل معرفة ما سيحدث من الأمور وما خفي مما هو كائن ~~ويخبر به بكلام ذي أسجاع قصيرة . وكان أصل الكلمة موضوعة لهذا المعنى غير ~~مشتقة ، ونظيرها في العبرية ( الكوهين ) وهو حافظ الشريعة والمفتي بها ، ~~وهو من بني ( لاوي ) ، وتقدم ذكر الكهانة عند قوله تعالى : { وما تنزلت به ~~الشياطين } في سورة الشعراء . # وقد اكتفي في إبطال كونه كاهنا أو مجنونا بمجرد النفي دون استدلال عليه ، ~~لأن مجرد التأمل في حال النبي صلى الله عليه وسلم كافف في تحقق انتفاء ذينك ~~الوصفين عنه فلا يحتاج في إبطال اتصافه بهما ms8007 إلى أكثر من الإخبار بنفيهما ~~لأن دليله المشاهدة . # إن كانت { أم } مجردة عن عمل العطف فالجملة مستأنفة استئنافا ابتدائيا ، ~~وإلا فهي عطف على جملة { فما أنت بنعمت ربك بكاهن ولا مجنون } ( الطور : 29 ~~) . # وعن الخليل كل ما في سورة الطور من ( أم ) فاستفهام وليس بعطف ، يعني أن ~~المعنى على الاستفهام لا على عطف المفردات . وهذا ضابط ظاهر . ومراده : أن ~~الاستفهام مقدر بعد ( أم ) وهي منقطعة وهي للإضراب عن مقالتهم المردودة ~~بقوله : { فما أنت بنعمت ربك بكاهن ولا مجنون } ( الطور : 29 ) للانتقال ~~إلى مقالة أخرى وهي قولهم : ( هو شاعر نتربص به ريب المنون ) . وعدل عن ~~الإتيان بحرف ( بل ) مع أنه أشهر في الإضراب الانتقالي ، لقصد تضمن { أم } ~~للاستفهام . والمعنى : بل أيقولون شاعر الخ . والاستفهام المقرر إنكاري . # ومناسبة هذا الانتقال أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالدوام على ~~التذكير يشير إلى مقالاتهم PageV27P060 التي يردون بها دعوته فلما أشير إلى ~~بعضها بقوله تعالى : { فما أنت بنعمت ربك بكاهن ولا مجنون } ( الطور : 29 ) ~~انتقل إلى إبطال صفة أخرى يثلثون بها الصفتين المذكورتين قبلها وهي صفة ~~شاعر . # روى الطبري عن قتادة قال قائلون من الناس : تربصوا بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم الموت يكفيكموه كما كفاكم شاعر بني فلان وشاعر بني فلان ، ولم يعينوا ~~اسم الشاعر ولا أنه كان يهجو كفار قريش . # وعن الضحاك ومجاهد : أن قريشا اجتمعوا في دار الندوة فكثرت آراؤهم في ~~محمد صلى الله عليه وسلم فقال بنو عبد الدار : هو شاعر تربصوا به ريب ~~المنون ، فسيهلك كما هلك زهير والنابغة والأعشى ، فافترقوا على هذه المقالة ~~، فنزلت هذه الآية فحكت مقالتهم كما قالوها ، أي فليس في الكلام خصوص ~~ارتباط بين دعوى أنه شاعر ، وبين تربص الموت به لأن ريب المنون يصيب الشاعر ~~والكاهن والمجنون . وجاء { يقولون } مضارعا للدلالة على تجدد ذلك القول ~~منهم . والتربص مبالغة في : الربص ، وهو الانتظار . # والريب هنا : الحدثان ، وفسر بصرف الدهر ، وعن ابن عباس : ريب في القرآن ~~شك إلا مكانا واحدا في الطور { ريب المنون } . # والباء في { به ms8008 } يجوز أن تكون للسبب ، أي بسببه ، أي نتربص لأجله فتكون ~~الباء متعلقة ب { نتربص } ويجوز أن تكون للملابسة وتتعلق ب { ريب المنون } ~~حالا منه مقدمة على صاحبها ، أي حلول ريب المنون به . # والمنون : من أسماء الموت ومن أسماء الدهر ، ويذكر . وقد فسر بكلا ~~المعنيين ، فإذا فسر بالموت فإضافة { ريب } إليه بيانية ، أي الحدثان الذي ~~هو الموت وإذا فسر المنون بالدهر فالإضافة على أصلها ، أي أحداث الدهر من ~~مثل موت أو خروج من البلد أو رجوع عن دعوته ، فريب المنون جنس وقد ذكروا في ~~مقالتهم قولهم : فسيهلك ، فاحتملت أن يكونوا أرادوه بيان ريب الموت أو إن ~~أرادوه مثالا لريب الدهر ، وكلا الاحتمالين جار في الآية لأنها حكت مقالتهم ~~. PageV27P061 # وقد ورد { ريب المنون } في كلام العرب بالمعنيين ؛ فمن وروده في معنى ~~الموت قول أبي ذؤيب : # أمن المنون وريبها تتوجع # والدهر ليس بمعتب من يجزع # ومن وروده بمعنى حدثنان الدهر قول الأعشى : # أإن رأت رجلا أعشى أضر به # ريب المنونن ودهر متبل خبل # أراد أضر بذاته حدثان الدهر ، ولم يرد إصابة الموت كما أراد أبو ذؤيب . # ولما كان انتفاء كونه شاعرا أمرا واضحا يكفي فيه مجرد التأمل لم يتصد ~~القرآن للاستدلال على إبطاله وإنما اشتملت مقالتهم على أنهم يتربصون أن يحل ~~به ما حل بالشعراء الذين هم من جملة الناس . # فأمر الله تعالى نبيئه صلى الله عليه وسلم أن يجيبهم عن مقالتهم هذه بأن ~~يقول : { تربصوا فإنى معكم من المتربصين } ( الطور : 31 ) ، وهو جواب منصف ~~لأن تربص حلول حوادث الدهر بأحد الجانيين أو حلول المنية مشترك الإلزام لا ~~يدري أحدنا ماذا يحل بالآخر . # وردت جملة { قل تربصوا } مفصولة بدون عطف لأنها وقعت في مقام المحاورة ~~لسبقها بجملة { يقولون شاعر } ( الطور : 30 ) الخ ، فإن أمر أحد بأن يقول ~~بمنزلة قوله فأمر بقوله ، ومثله قوله تعالى : { فسيقولون من يعيدنا قل الذي ~~فطركم أول مرة } ( الإسراء : 51 ) . # والأمر في { تربصوا } مستعمل في التسوية ، أي سواء عندي تربصكم بي وعدمه ~~. وفرع عليه { فإني معكم من المتربصين } أي ms8009 فإني متربص بكم مثل ما تتربصون ~~بي إذ لا ندري أينا يصيبه ريب المنون قبل . # وتأكيد الخبر ب ( إن ) في قوله : { فإني معكم من المتربصين } لتنزيل ~~المخاطبين منزلة من ينكر أنه يتربص بهم كما يتربصون به لأنهم لغرورهم ~~اقتصروا على أنهم يتربصون به ليروا هلاكه ، فهذا من تنزيل غير المنكر منزلة ~~المنكر . PageV27P062 # والمعية في قوله : { معكم } ظاهرها أنها للمشاركة في وصف التربص . # ولما كان قوله : { من المتربصين } مقدرا معه ( بكم ) لمقابلة قولهم : { ~~نتربص به ريب المنون } ( الطور : 30 ) كان في الكلام توجيه بأنه يبقى معهم ~~يتربص هلاكهم حين تبدو بوادره ، إشارة إلى أن وقعة بدر إذ أصابهم من ~~الحدثان القتل والأسر ، فتكون الآية مشيرة إلى صريح قوله تعالى في سورة ~~براءة { قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله ~~بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون . وإنما قال هنا : من ~~المتربصين } ليشير إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم يتربص بهم ريب المنون ~~في جملة المتربصين من المؤمنين ، وذلك ما في آية سورة براءة على لسان رسوله ~~صلى الله عليه وسلم والمؤمنين . # وقد صيغ نظم الكلام في هذه الآية على ما يناسب الانتقال من غرض إلى غرض ~~وذلك بما نهي به من شبه التذييل بقوله : { قل تربصوا فإنى معكم من ~~المتربصين } إذ تمت به الفاصلة . # . # إضراب انتقال دعا إليه ما في الاستفهام الإنكاري المقدر بعد { أم } من ~~معنى التعجيب من حالهم كيف يقولون مثل ذلك القول السابق ويستقر ذلك في ~~إدراكهم وهم يدعون أنهم أهل عقول لا تلتبس عليهم أحوال الناس فهم لا يجهلون ~~أن محمدا صلى الله عليه وسلم ليس بحال الكهان ولا المجانين ولا الشعراء وقد ~~أبى عليهم الوليد بن المغيرة أن يقول مثل ذلك في قصة معروفة . # قال الزمخشري : وكانت قريش يدعون أهل الأحلام والنهى والمعنى : أم تأمرهم ~~أحلامهم المزعومة بهذا القول . # والإشارة في قوله : { بهذا } إلى المذكور من القول المعرض به في قوله : { ~~فما أنت بنعمت ربك بكاهن ولا ms8010 مجنون } ( الطور : 29 ) ، والمصرح به في قوله ~~: { أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون } ( الطور : 30 ) ، وهذا كما يقول ~~من يلوم عاقلا على فعل فعله ليس من شأنه أن PageV27P063 يجهل ما فيه من ~~فساد : أعاقل أنت ؟ أو هذا لا يفعله عاقل بنفسه ، ومنه ما حكى الله عن قوم ~~شعيب من قولهم له : { إنك لأنت الحليم الرشيد } ( هود : 87 ) . # والحلم : العقل ، قال الراغب : المانع من هيجان الغضب . وفي ( القاموس ) ~~هو الأناة . وفي ( معارج النور ) : والحلم ملكة غريزية تورث لصاحبها ~~المعاملة بلطف ولين لمن أساء أو أزعج اعتدال الطبيعة . # ومعنى إنكار أن تأمرهم أحلامهم بهذا أن الأحلام الراجحة لا تأمر بمثله ، ~~وفيه تعريض بأنهم أضاعوا أحلامهم حين قالوا ذلك لأن الأحلام لا تأمر بمثله ~~فهم كمن لا أحلام لهم وهذا تأويل ما روي أن الكافر لا عقل له . قالوا وإنما ~~للكافر الذهن والذهن يقبل العلم جملة ، والعقل يميز العلم ويقدر المقادير ~~لحدود الأمر والنهي . # والأمر في { تأمرهم } مستعار للباعث ، أي تبعثهم أحلامهم على هذا القول . # . # إضراب انتقالي أيضا متصل بالذي قبله انتقل به إلى استفهام عن اتصافهم ~~بالطغيان . والاستفهام المقدر مستعمل : إما في التشكيك ليكون التشكيك باعثا ~~على التأمل في حالهم فيؤمن بأنهم طاغون ، وإما مستعمل في التقرير لكل سامع ~~إذ يجدهم طاغين . # وإقحام كلمة { قوم } يمهد لكون الطغيان من مقومات حقيقة القومية فيهم ، ~~كما قدمناه في قوله تعالى : { لآيات لقوم يعقلون } في سورة البقرة ، أي ~~تأصل فيهم الطغيان وخالط نفوسهم فدفعهم إلى أمثال تلك الأقوال . ~~PageV27P064 # ( 33 ، 34 ) # انتقال متصل بقوله : { أم يقولون شاعر } ( الطور : 30 ) الخ . وهذا حكاية ~~لإنكارهم أن يكون القرآن وحيا من الله ، فزعموا أنه تقوله النبي صلى الله ~~عليه وسلم على الله ، فالاستفهام إنكار لقولهم ، وهم قد أكثروا من الطعن ~~وتمالؤوا عليه ولذلك جيء في حكايته عنهم بصيغة { يقولون } المفيدة للتجدد . # والتقول : نسبة كلام إلى أحد لم يقله ، ويتعدى إلى الكلام بنفسه ويتعدى ~~إلى من ينسب إليه بحرف ( على ) ، قال تعالى : { ولو تقول علينا بعض ~~الأقاويل لأخذنا منه ms8011 باليمين } ( الحاقة : 44 ، 45 ) الآية . وضمير النصب ~~في { تقوله } عائد إلى القرآن المفهوم من المقام . # وابتدىء الرد عليهم بقوله : { بل لا يؤمنون } لتعجيل تكذيبهم قبل الإدلاء ~~بالحجة عليهم وليكون ورود الاستدلال مفرعا على قوله : { لا يؤمنون } بمنزلة ~~دليل ثان . ومعنى { لا يؤمنون } : أن دلائل تنزيه النبي صلى الله عليه وسلم ~~عن تقول القرآن بينة لديهم ولكن الزاعمين ذلك يأبون الإيمان فهم يبادرون ~~إلى الطعن دون نظر ويلقون المعاذير سترا لمكابرتهم . # ولما كانت مقالتهم هذه طعنا في القرآن وهو المعجزة القائمة على صدق رسالة ~~محمد صلى الله عليه وسلم وكانت دعواهم أنه تقول على الله من تلقاء نفسه قد ~~تروج على الدهماء تصدى القرآن لبيان إبطالها بأن تحداهم بأن يأتوا بمثل هذا ~~القرآن بقوله : { فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين } أي صادقين في أن ~~محمدا صلى الله عليه وسلم تقوله من تلقاء نفسه ، أي فعجزهم عن أن يأتوا ~~بمثله دليل على أنهم كاذبون . # ووجه الملازمة أن محمدا صلى الله عليه وسلم أحد العرب وهو ينطق بلسانهم . ~~فالمساواة بينه وبينهم في المقدرة على نظم الكلام ثابتة ، فلو كان القرآن ~~قد قاله محمد صلى الله عليه وسلم لكان بعض خاصة العرب البلغاء قادرا على ~~تأليف مثله ، فلما تحداهم الله بأن يأتوا بمثل القرآن وفيهم بلغاؤهم ~~وشعراؤهم وكلمتهم وكلهم واحد في الكفر كان عجزهم PageV27P065 عن الإتيان ~~بمثل القرآن دالا على عجز البشر عن الإتيان بالقرآن ولذلك قال تعالى في ~~سورة هود ( 13 ، 14 ) : { أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات ~~وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا ~~أنما أنزل بعلم الله . # كما قال تعالى : فإنهم لا يكذبوك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون } ( ~~الأنعام : 33 ) . # والإتيان بالشيء : إحضاره من مكان آخر . واختير هذا الفعل دون نحو : ~~فليقولوا مثله ونحوه ، لقصد الإعذار لهم بأن يقتنع منهم بجلب كلام مثله ولو ~~من أحد غيرهم ، وقد تقدم عند قوله تعالى في سورة البقرة { فأتوا بسورة من ~~مثله أنه يحتمل ms8012 معنيين ، هما : فأتوا بسورة من مثل القرآن ، أو فأتوا بسورة ~~من مثل الرسول ، أي من أحد من الناس . # والحديث : الإخبار بالحوادث ، وأصل الحوادث أنها الواقعات الحديثة ، ثم ~~توسع فأطلقت على الواقعات ، ولو كانت قديمة كقولهم : حوادث سنة كذا ، وتبع ~~ذلك إطلاق الحديث على الخبر مطلقا ، وتوسع فيه فأطلق على الكلام ولو لم يكن ~~إخبارا ، ومنه إطلاق الحديث على كلام النبي . # فيجوز أن يكون الحديث هنا قد أطلق على الكلام مجازا بعلاقة الإطلاق ، أي ~~فليأتوا بكلام مثله ، أي في غرض من الأغراض التي يشتمل عليها القرآن لا ~~خصوص الأخبار . ويجوز أن يكون الحديث هنا أطلق على الأخبار ، أي فليأتوا ~~بأخبار مثل قصص القرآن فيكون استنزالا لهم فإن التكلم بالأخبار أسهل على ~~المتكلم من ابتكار الأغراض التي يتكلم فيها ، فإنهم كانوا يقولون إن القرآن ~~أساطير الأولين ، أي أخبار عن الأمم الماضين فقيل لهم : فليأتوا بأخبار مثل ~~أخباره لأن الإتيان بمثل ما في القرآن من المعارف والشرائع والدلائل لا قبل ~~لعقولهم به ، وقصاراهم أن يفهموا ذلك إذا سمعوه . # ومعنى المثلية في قوله : مثله } المثلية في فصاحته وبلاغته ، وهي خصوصيات ~~يدركونها إذا سمعوها ولا تحيط قرائحهم بإيداعها في كلامهم . وقد بينا أصول ~~الإعجاز في المقدمة العاشرة من مقدمات هذا التفسير . PageV27P066 # ولام الأمر في { فليأتوا } مستعملة في أمر التعجيز كقوله حكاية عن قول ~~إبراهيم { إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأتت بها من المغرب } ( البقرة : ~~258 ) . # وقوله : { إن كانوا صادقين } أي في زعمهم أنه تقوله ، أي فإن لم يأتوا ~~بكلام مثله فهم كاذبون . وهذا إلهاب لعزيمتهم ليأتوا بكلام مثل القرآن ~~ليكون عدم إتيانهم بمثله حجة على كذبهم وقد أشعر نظم الكلام في قوله : { ~~فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين } الواقعع موقعا شبيها بالتذييل ~~والمختومم بكلمة الفاصلة ، أنه نهاية غرض وأن ما بعده شروع في غرض آخر كما ~~تقدم في نظم قوله : { قل تربصوا فإني معكم من المتربصين } ( الطور : 31 ) . # ( 35 ، 36 ) # . # إضراب انتقالي إلى إبطال ضرب آخر من شبهتهم في إنكارهم البعث ، وقد علمت ~~في ms8013 أول السورة أن من أغراضها إثبات البعث والجزاء على أن ما جاء بعده من ~~وصف يوم الجزاء وحال أهله قد اقتضته مناسبات نشأت عنها تلك التفاصيل ، فإذ ~~وفي حق ما اقتضته تلك المناسبات ثني عنان الكلام إلى الاستدلال على إمكان ~~البعث وإبطال شبهتهم التي تعللوا بها من نحو قولهم : { أإذا كنا عظاما ~~ورفاتا إنا لمبعوثون خلقا جديدا } ( الإسراء : 49 ) . # فكان قوله تعالى : { أم خلقوا من غير شيء } الآيات أدلة على أن ما خلقه ~~الله من بدء الخلق أعظم من إعادة خلق الإنسان . وهذا متصل بقوله آنفا { إن ~~عذاب ربك لواقع } ( الطور : 7 ) لأن شبهتهم المقصود ردها بقوله : { إن عذاب ~~ربك لواقع هي قولهم : أإذا كنا عظاما ورفاتا إنا لمبعوثون } ( الإسراء : 49 ~~) ، ونحو ذلك . # فحرف ( من ) في قوله : { من غير شيء } يجوز أن يكون للابتداء ، فيكون ~~معنى الاستفهام المقدر بعد ( أم ) تقريريا . والمعنى : أيقرون أنهم خلقوا ~~بعد أن كانوا عدما فكلما خلقوا من عدم في نشأتهم الأولى ينشأون من عدم في ~~النشأة الآخرة ، وذلك إثبات لإمكان البعث ، فيكون في معنى قوله تعالى : { ~~فلينظر الإنسان مم خلق خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب إنه على ~~رجعه PageV27P067 لقادر } ( الطارق : 5 8 ) وقوله : { كما بدأنا أول خلق ~~نعيده } ( الأنبياء : 104 ) ونحو ذلك من الآيات . # ومعنى { شيء } على هذا الوجه : الموجود فغير شيء : المعدوم ، والمعنى : ~~اخلقوا من عدم . ويجوز أن تكون ( من ) للتعليل فيكون الاستفهام المقدر بعد ~~( أم ) إنكاريا ، ويكون اسم { شيء } صادقا على ما يصلح لمعنى التعليل ~~المستفاد من حرف ( من ) التعليلية ، والمعنى : إنكار أن يكون خلقهم بغير ~~حكمة ، وهذا إثبات أن البعث واقع لأجل الجزاء على الأعمال ، بأن الجزاء ~~مقتضى الحكمة التي لا يخلو عنها فعل أحكم الحكماء ، فيكون في معنى قوله ~~تعالى : { أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون } ( المؤمنون : ~~115 ) وقوله : { ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة ~~لآتية } ( الحجر : 85 ) . # ولحرف ( من ) في هذا الكلام الوقع البديع إذ كانت على احتمال معنييها ~~دليلا ms8014 على إمكان البعث وعلى وقوعه وعلى وجوب وقوعه وجوبا تقتضيه الحكمة ~~الإلهية العليا . ولعل العدول عن صوغ الكلام بالصيغة الغالبة في الاستفهام ~~التقريري ، أعني صيغة النفي بأن يقال : أما خلقوا من غير شيء ؛ والعدول عن ~~تعيين ما أضيف إليه { غير } إلى الإتيان بلفظ مبهم وهو لفظ شيء ، روعي فيه ~~الصلاحية لاحتمال المعنيين وذلك من منتهى البلاغة . # وإذ كان فرض أنهم خلقوا من غير شيء واضح البطلان لم يحتج إلى استدلال على ~~إبطاله بقوله : # . # وهو إضراب انتقال أيضا ، والاستفهام المقدر بعد { أم } إنكاري ، أي ما هم ~~الخالقون وإذ كانوا لم يدعوا ذلك فالانكار مرتب على تنزيلهم منزلة من ~~يزعمون أنهم خالقون . # وصيغت الجملة في صيغة الحصر الذي طريقه تعريف الجزأين قصرا إضافيا للرد ~~عليهم بتنزيلهم منزلة من يزعم أنهم الخالقون لا الله ، لأنهم عدوا من ~~PageV27P068 المحال ما هو خارج عن قدرتهم ، فجعلوه خارجا عن قدرة الله ، ~~فالتقدير : أم هم الخالقون لا نحن . والمعنى : نحن الخالقون لا هم . # وحذف مفعول { الخالقون } لقصد العموم ، أي الخالقون للمخلوقات وعلى هذا ~~جرى الطبري وقدره المفسرون عدا الطبري : أم هم الخالقون أنفسهم كأنهم جعلوا ~~ضمير { أم خلقوا من غير شيء } دليلا على أن المحذوف اسم معاد ذلك الضمير ~~ولا افتراء في انتفاء أن يكونوا خالقين ، فلذلك لم يتصد إلى الاستدلال على ~~هذا الانتفاء . # وجملة { أم خلقوا السماوات والأرض } يظهر لي أنها بدل من جملة { أم هم ~~الخالقون } بدل مفصل من مجمل إن كان مفعول { الخالقون } المحذوف مرادا به ~~العموم وكان المراد بالسماء والأرضض ذاتيهما مع من فيهما ، أو بدل بعض من ~~كل أن المراد ذاتي السماوات والأرض ، فيكون تخصيص السماوات والأرض بالذكر ~~لعظم خلقهما . # وإعادة حرف { أم } للتأكيد كما يعاد عامل المبدل منه في البدل ، والمعنى ~~: أم هم الخالقون للسماوات والأرض . # والاستفهام إنكاري والكلام كناية عن إثبات أن الله خالق السماوات والأرض ~~. # والمعنى : أن الذي خلق السماوات والأرض لا يعجزه إعادة الأجساد بعد الموت ~~والفناء . وهذا معنى قوله تعالى : { أو لم يروا أن الله الذي خلق ms8015 السماوات ~~والأرض قادر على أن يخلق مثلهم } ( الإسراء : 99 ) أي أن يخلق أمثال ~~أجسادهم بعد انعدامهم . # . # إضراب إبطال على مضمون الجملتين اللتين قبله ، أي لم يخلقوا من غير شيء ~~ولا خلقوا السماوات والأرض ، فإن ذلك بين لهم فما إنكارهم البعث إلا ناشىء ~~عن عدم إيقانهم في مظان الإيقان وهي الدلائل الدالة على إمكان البعث وأنه ~~ليس PageV27P069 أغرب من إيجاد المخلوقات العظيمة ، فما كان إنكارهم إياه ~~إلا عن مكابرة وتصميم على الكفر . # والمعنى : أن الأمر لا هذا ولا ذلك ولكنهم لا يوقنون بالبعث فهم ينكرونه ~~بدون حجة ولا شبهة بل رانت المكابرة على قلوبهم . # . # انتقال بالعود إلى رد جحودهم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ولذلك غير ~~أسلوب الأخبار فيه إلى مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم وكان الأصل الذي ~~ركزوا عليه جحودهم توهم أن الله لو أرسل رسولا من البشر لكان الأحق ~~بالرسالة رجلا عظيما من عظماء قومهم كما حكى الله عنهم : { أأنزل عليه ~~الذكر من بيننا } ( ص : 8 ) وقال تعالى : { وقالوا لولا نزل هذا القرآن على ~~رجل من القريتين عظيم } ( الزخرف : 31 ) يعنون قرية مكة وقرية الطائف . # والمعنى : إبطال أن يكون لهم تصرف في شؤون الربوبية فيجعلوا الأمور على ~~مشيئتهم كالمالك في ملكه والمدبر فيما وكل عليه ، فالاستفهام إنكاري ~~بتنزيلهم في إبطال النبوءة عمن لا يرضونه منزلة من عندهم خزائن الله يخلعون ~~الخلع منها على من يشاؤون ويمنعون من يشاؤون . # والخزائن : جمع خزينة وهي البيت ، أو الصندوق الذي تخزن فيه الأقوات ، أو ~~المال وما هو نفيس عند خازنه ، وتقدم عند قوله تعالى : { قال اجعلني على ~~خزائن الأرض } ( يوسف : 55 ) . وهي هنا مستعارة لما في علم الله وإرادته من ~~إعطاء الغير للمخلوقات ، ومنه اصطفاء من هيأه من الناس لتبليغ الرسالة عنه ~~إلى البشر ، وقد تقدم في سورة الأنعام قوله : { قل لا أقول لكم عندي خزائن ~~الله قال تعالى : وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل ~~الله الله أعلم حيث يجعل رسالاته } ( الأنعام : 124 ) . وقال : { وربك ms8016 يخلق ~~ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون } ( القصص ~~: 68 ) . # وقد سلك معهم هنا مسلك الإيجاز في الاستدلال بإحالتهم على مجمل أجمله ~~قوله : { أم عندهم خزائن ربك } ، لأن المقام مقام غضب عليهم لجرأتهم على ~~PageV27P070 الرسول صلى الله عليه وسلم في نفي الرسالة عنه بوقاحة من قولهم ~~: كاهن ، ومجنون ، وشاعر إلخ بخلاف آية الأنعام فإنها ردت عليهم تعريضهم ~~أنفسهم لنوال الرسالة عن الله . # فقوله تعالى هنا : { أم عندهم خزائن ربك } هو كقوله في سورة ص ( 8 ، 9 ) ~~{ أأنزل عليه الذكر من بيننا بل هم في شك من ذكري بل لما يذوقوا عذاب أم ~~عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب وقوله في سورة الزخرف أهم يقسمون رحمت ~~ربك . # وكلمة عند تستعمل كثيرا في معنى الملك والاختصاص كقوله تعالى : وعنده ~~مفاتح الغيب } ( الأنعام : 59 ) ، فالمعنى : أيملكون خزائن ربك ، أي ~~الخزائن التي يملكها ربك كما اقتضته إضافة { خزائن } إلى { ربك } على نحو { ~~أعنده علم الغيب فهو يرى } ( النجم : 35 ) . وقد عبر عن هذا باللفظ الحقيقي ~~في قوله تعالى : { قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية ~~الإنفاق } ( الإسراء : 100 ) . # . # إنكار لأن يكون لهم تصرف في عطاء الله تعالى ولو دون تصرف المالك مثل ~~تصرف الوكيل والخازن وهو ما عبر عنه بالمصيطرون . # والمصيطر : يقال بالصاد والسين في أوله : اسم فاعل من صيطر بالصاد والسين ~~، إذا حفظ وتسلط ، وهو فعل مشتق من سيطر إذا قطع ، ومنه الساطور ، وهو ~~حديدة يقطع بها اللحم والعظم . وصيغ منه وزن فيعل للإلحاق بالرباعي كقولهم ~~: بيقر ، بمعنى هلك أو تحضر ، وبيطر بمعنى شق ، وهيمن ، ولا خامس لها في ~~الأفعال . وإبدال السين صادا لغة فيه مثل الصراط والسراط . # وقرأ الجمهور { المصيطرون } بصاد . وقرأه قنبل عن ابن كثير وهشام عن ابن ~~عامر ، وحفص في رواية بالسين في أوله . # وفي معنى الآية قوله تعالى : { أهم يقسمون رحمت ربك } ( الزخرف : 32 ) ، ~~وليس في الآية PageV27P071 الاستدلال لهذا النفي في قوله : { أم عندهم ~~خزائن ربك أم هم المصيطرون } لأن وضوحه ms8017 كنار على علم . وقد تقدم في صدر ~~تفسير هذه السورة حديث جبير بن مطعم لما سمع هذه الآية وكانت سبب إسلامه . # لما نفى أن يكون لهم تصرف قوي أو ضعيف في مواهب الله تعالى على عباده ~~أعقبه بنفي أن يكون لهم إطلاع على ما قدره الله لعباده إطلاعا يخولهم إنكار ~~أن يرسل الله بشرا أو يوحي إليه وذلك لإبطال قولهم : { تقوله } ( الطور : ~~33 ) . ومثل ذلك قولهم : { نتربص به ريب المنون } ( الطور : 30 ) المقتضي ~~أنهم واثقون بأنهم يشهدون هلاكه . وحذف مفعول { يستمعون } ليعم كلاما من ~~شأنه أن يسمع من الأخبار المغيبة بالمستقبل وغيره الواقع وغيره . # وسلك في نفي علمهم بالغيب طريق التهكم بهم بإنكار أن يكون لهم سلم يرتقون ~~به إلى السماء ليستمعوا ما يجري في العالم العلوي من أمر تتلقاه الملائكة ~~أو أهل الملأ الأعلى بعضهم مع بعض فيسترقوا بعض العلم مما هو محجوب عن ~~الناس إذ من المعلوم أنه لا سلم يصل أهل الأرض بالسماء وهم يعلمون ذلك ~~ويعلمه كل أحد . # وعلم من اسم السلم أنه آلة الصعود ، وعلم من ذكر السماوات في الآية قبلها ~~أن المراد سلم يصعدون به إلى السماء ، فلذلك وصف ب { يستمعون فيه } أي ~~يرتقون به إلى السماء فيستمعون وهم فيه ، أي في درجاته الكلام الذي يجري في ~~السماء . و { فيه } ظرف مستقر حال من ضمير { يستمعون } ، أي وهم كائنون فيه ~~لا يفارقونه إذ لا يفرض أنهم ينزلون منه إلى ساحات السماء . # وإسناد الاستماع إلى ضمير جماعتهم على اعتبار أن المستمع سفير عنهم على ~~عادة استعمال الكلام العربي من إسناد فعل بعض القبيلة إلى جميعها إذا لم ~~تصده عن عمله في قولهم : قتلت بنو أسد حجرا ، ألا ترى أنه قال بعد هذا { ~~فليأت PageV27P072 مستمعهم } ، أي من استمع منهم لأجلهم ، أي أرسلوه للسمع ~~. ومثل هذا الإسناد شائع في القرآن وتقدم عند قوله تعالى : { وإذ نجيناكم ~~من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب وما بعده من الآيات في سورة البقرة . # و ( في ) للظرفية وهي ظرفية مجازية اشتهرت حتى ms8018 ساوت الحقيقة لأن الراقي ~~في السلم يكون كله عليه ، فالسلم له كالظرف للمظروف ، وإذ كان في الحقيقة ~~استعلاء ثم شاع في الكلام فقالوا : صعد في السلم ، ولم يقولوا : صعد على ~~السلم ولذلك اعتبرت ظرفية حقيقية ، أي حقيقة عرفية بخلاف الظرفية في قوله ~~تعالى : ولأصلبنكم في جذوع النخل } ( طه : 71 ) لأنه لم يشتهر أن يقال : ~~صلبه في جذع ، بل يقال : صلبه على جذع ، فلذلك كانت استعارة ، فلا منافاة ~~بين قول من زعم أن الظرفية مجازية وقول من زعمها حقيقة . # والفاء في { فليأت مستمعهم بسلطان مبين } لتفريع هذا الأمر التعجيزي على ~~النفي المستفاد من استفهام الإنكار . فالمعنى : فما يأتي مستمع منهم بحجة ~~تدل على صدق دعواهم . فلام الأمر مستعمل في إرادة التعجيز بقرينة انتفاء ~~أصل الاستماع بطريق استفهام الإنكار . # والسلطان : الحجة ، أي حجة على صدقهم في نفي رسالة محمد صلى الله عليه ~~وسلم أو في كونه على وشك الهلاك . # والمراد بالسلطان ما يدل على إطلاعهم على الغيب من أمارات كأن يقولوا : ~~آية صدقنا فيما ندعيه وسمعناه من حديث الملأ الأعلى ، أننا سمعنا أنه يقع ~~غدا حادث كذا وكذا مثلا ، مما لا قبل للناس بعلمه ، فيقع كما قالوا ويتوسم ~~منه صدقهم فيما عداه . وهذا معنى وصف السلطان بالمبين ، أي المظهر لصحة ~~الدعوى . # وهذا تحد لهم بكذبهم فلذلك اكتفى بأن يأتي بعضهم بحجة دون تكليف جميعهم ~~بذلك على نحو قوله : { فأتوا بسورة من مثله } ( البقرة : 23 ) أي فليأت من ~~يتعهد منهم بالاستماع بحجة . وهذا بمنزلة التذييل للكلام على نحو ما تقدم ~~في قوله : { قل تربصوا فإنى معكم من المتربصين } ( الطور : 31 ) وقوله : { ~~فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين } ( الطور : 34 ) . PageV27P073 # . # لما جرى نفي أن تكون لهم مطالعة الغيب من الملأ الأعلى إبطالا لمقالاتهم ~~في شؤون الربوبية أعقب ذلك بإبطال نسبتهم لله بنات استقصاء لإبطال أوهامهم ~~في المغيبات من العالم العلوي ، فهذه الجملة معترض بين جملة { أم لهم سلم } ~~( الطور : 38 ) وجملة { أم تسألهم أجرا } ( الطور : 40 ) ، ويقدر الاستفهام ~~إنكارا لأن يكون لله البنات . # ودليل ms8019 الإنكار في نفس الأمر استحالة الولد على الله تعالى ولكن لما كانت ~~عقول أكثر المخاطبين بهذا الرد غير مستعدة لإدراك دليل الاستحالة ، وكان ~~اعتقادهم البنات لله منكرا ، تصدي لدليل الإبطال وسلك في إبطاله دليل ~~إقناعي يتفطنون به إلى خطل رأيهم وهو قوله : { ولكم البنون } . # فجملة { ولكم البنون } في موضع الحال من ضمير الغائب ، أي كيف يكون لله ~~البنات في حال أن لكم بنين وهم يعلمون أن صنف الذكور أشرف من صنف الإناث ~~على الجملة كما أشار إليه قوله تعالى : { ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا ~~قسمة ضيزى } ( النجم : 21 ، 22 ) . فهذا مبالغة في تشنيع قولهم فليس المراد ~~أنهم لو نسبوا لله البنين لكان قولهم مقبولا لأنهم لم يقولوا ذلك فلا طائل ~~تحت إبطاله . # وتغيير أسلوب الغيبة المتبع ابتداء من قوله : { أم يقولون شاعر } ( الطور ~~: 30 ) إلى أسلوب الخطاب التفات مكافحة لهم بالرد بجملة الحال . # وتقديم { لكم } على { البنون } لإفادة الاختصاص ، أي لكم البنون دونه فهم ~~لهم بنون وبنات ، وزعموا أن الله ليس له إلا البنات . # وأما تقديم المجرور على المبتدأ في قوله : { أم له البنات } فللاهتمام ~~باسم الجلالة وقد أنهي الكلام بالفاصلة لأنه غرض مستقل . PageV27P074 # هذا مرتبط بقوله : { أم يقولون تقوله } ( الطور : 33 ) وقوله : { أم ~~عندهم خزائن ربك } ( الطور : 37 ) إذ كل ذلك إبطال للأسباب التي تحملهم على ~~زعم انتفاء النبوءة عن محمد صلى الله عليه وسلم فبعد أن أبطل وسائل اكتساب ~~العلم بما زعموه عاد إلى إبطال الدواعي التي تحملهم على الإعراض عن دعوة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ولأجل ذلك جاء هذا الكلام على أسلوب الكلام الذي ~~اتصل هو به ، وهو أسلوب خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم فقال هنا : { أم ~~تسألهم أجرا } وقال هنالك : { أم عندهم خزائن ربك } ( الطور : 37 ) . # والاستفهام المقدر بعد { أم } مستعمل في التهكم بهم بتنزيلهم منزلة من ~~يتوجس خيفة من أن يسألهم الرسول صلى الله عليه وسلم أجرا على إرشادهم . # والتهكم استعارة مبنية على التشبيه ، والمقصود ، ما في التهكم من معنى أن ~~ما ms8020 نشأ عنه التهكم أمر لا ينبغي أن يخطر بالبال . # وجيء بالمضارع في قوله : { تسألهم } لإفادة التجدد ، أي تسألهم سؤالا ~~متكررا لأن الدعوة متكررة ، وقد شبهت بسؤال سائل . # وتفريع { فهم من مغرم مثقلون } لما فيه من بيان الملازمة بين سؤال الأجر ~~وبين تجهم من يسأل والتحرج منه . وقد فرع قوله : { فهم من مغرم مثقلون } ~~على الفعل المستفهم عنه لا على الاستفهام ، أي ما سألتهم أجرا فيثقل غرمه ~~عليهم ، لأن الاستفهام في معنى النفي ، والإثقال يتفرع على سؤال الأجر ~~المفروضض لأن مجرد السؤال محرج للمسؤول لأنه بين الإعطاء فهو ثقيل وبين ~~الرد وهو صعب . # والمغرم بفتح الميم مصدر ميمي ، وهو الغرم . وهو ما يفرض على أحد من عوض ~~يدفعه . # والمثقل : أصله المحمل بشيء ثقيل ، وهو هنا مستعار لمن يطالب بما يعسر ~~PageV27P075 عليه أداؤه ، شبه طلبه أداء ما يعسر عليه بحمل الشيء الثقيل ~~على من لا يسهل عليه حمله . # و { من } للتعليل ، أي مثقلون من أجل مغرم حمل عليهم . # والمعنى : أنك ما كلفتهم شيئا يعطونه إياك فيكون ذلك سببا لإعراضهم عنك ~~تخلصا من أداء ما يطلب منهم ، أي انتفى عذر إعراضهم عن دعوتك . # هذا نظير الإضراب والاستفهام في قوله : { أن عندهم خزائن ربك } ( الطور : ~~37 ) ، أي بل أعندهم الغيب فهم يكتبون ما يجدونه فيه ويروونه للناس ؟ أي ما ~~عندهم الغيب حتى يكتبوه ، فبعد أن رد عليهم إنكارهم الإسلام بأنهم كالذين ~~سألهم النبي صلى الله عليه وسلم أجرا على تبليغها أعقبه برد آخر بأنهم ~~كالذين أطلعوا على أن عند الله ما يخالف ما ادعى الرسول صلى الله عليه وسلم ~~إبلاغه عن الله فهم يكتبون ما أطلعوا عليه فيجدونه مخالفا لما جاء به ~~الرسول صلى الله عليه وسلم # قال قتادة : لما قالوا : { نتربص به ريب المنون } ( الطور : 30 ) قال ~~الله تعالى : { أم عندهم الغيب } أي حتى علموا متى يموت محمد ، أو إلى ما ~~يؤول إليه أمره فجعله راجعا إلى قوله : { أم يقولون شاعر نتربص به ريب ~~المنون } ( الطور : 30 ) . والوجه ما سمعته آنفا . # والغيب هنا ms8021 مصدر بمعنى الفاعل ، أي ما غاب عن علم الناس . # والتعريف في { الغيب } تعريف الجنس وكلمة ( عند ) تؤذن بمعنى الاختصاص ~~والاستئثار ، أي استأثروا بمعرفة الغيب فعلموا ما لم يعلمه غيرهم . # والكتابة في قوله : { فهم يكتبون } يجوز أنها مستعارة للجزم الذي لا يقبل ~~التخلف كقوله : { كتب ربكم على نفسه الرحمة } ( الأنعام : 54 ) لأن شأن ~~الشيء الذي يراد تحقيقه والدوام عليه أن يكتب ويسجل ، كما قال الحارث بن ~~حلزة : # وهل ينقض ما في المهارق الأهواء PageV27P076 # فيكون الخبر في قوله : { فهم يكتبون } مستعملا في معناه من إفادة النسبة ~~الخبرية . # ويجوز أن تكون الكتابة على حقيقتها ، أي فهم يسجلون ما أطلعوا عليه من ~~الغيب ليبقى معلوما لمن يطلع عليه ويكون الخبر من قوله : { فهم يكتبون } ~~مستعملا في معنى الفرض والتقدير تبعا لفرض قوله : { عندهم الغيب ، ويكون من ~~باب قوله تعالى : أعنده علم الغيب فهو يرى } ( النجم : 35 ) وقوله : { وقال ~~لأوتين مالا وولدا أطلع الغيب } ( مريم : 77 ، 78 ) . # وحاصل المعنى : أنهم لا قبل لهم بإنكار ما جحدوه ولا بإثبات ما أثبتوه . # انتقال من نقض أقوالهم وإبطال مزاعمهم إلى إبطال نواياهم وعزائمهم من ~~التبيت للرسول صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين ولدعوة الإسلام من الإضرار ~~والإخفاق وفي هذا كشف لسرائرهم وتنبيه للمؤمنين للحذر من كيدهم . # وحذف متعلق { كيدا } ليعم كل ما يستطيعون أن يكيدوه فكانت هذه الجملة ~~بمنزلة التتميم لنقض غزلهم والتذييل بما يعم كل عزم يجري في الأغراض التي ~~جرت فيها مقالاتهم . # والكيد والمكر متقاربان وكلاهما إظهار إخفاء الضر بوجوه الإخفاء تغريرا ~~بالمقصود له الضر . # وعدل عن الإضمار إلى الإظهار في قوله : { فالذين كفروا هم المكيدون } ~~وكان مقتضى الظاهر أن يقال فهم المكيدون لما تؤذن به الصلة من وجه حلول ~~الكيد بهم لأنهم كفروا بالله ، فالله يدافع عن رسوله صلى الله عليه وسلم ~~وعن المؤمنين وعن دينه كيدهم ويوقعهم فيما نووا إيقاعهم فيه . # وضمير الفصل أفاد القصر ، أي الذين كفروا المكيدون دون من أرادوا الكيد ~~به . PageV27P077 # وإطلاق اسم الكيد على ما يجازيهم الله به عن كيدهم من ms8022 نقض غزلهم إطلاق ~~على وجه المشاكلة بتشبيه إمهال الله إياهم في نعمة إلى أن يقع بهم العذاب ~~بفعل الكائد لغيره ، وهذا تهديد صريح لهم ، وقد تقدم قوله : { ويمكرون ~~ويمكر الله والله خير الماكرين } في سورة الأنفال . ومن مظاهر هذا التهديد ~~ما حل بهم يوم بدر على غير ترقب منهم . # والقول في تفريع { فالذين كفروا هم المكيدون } كالقول في تفريع قوله : { ~~فهم من مغرم مثقلون } ( الطور : 40 ) . # هذا آخر سهم في كنانة الرد عليهم وأشد رمي لشبح كفرهم ، وهو شبح الإشراك ~~وهو أجمع ضلال تنضوي تحته الضلالات وهو إشراكهم مع الله آلهة أخرى . # فلما كان ما نعي عليهم من أول السورة ناقضا لأقوالهم ونواياهم ، وكان ما ~~هم فيه من الشرك أعظم لم يترك عد ذلك عليهم مع اشتهاره بعد استيفاء الغرض ~~المسوق له الكلام بهذه المناسبة ، ولذلك كان هذا المنتقل إليه بمنزلة ~~التذييل لما قبله لأنه ارتقاء إلى الأهم في نوعه والأهم يشبه الأعم فكان ~~كالتذييل ، ونظيره في الارتقاء في كمال النوع قوله تعالى : { فك رقبة أو ~~إطعام إلى قوله : ثم كان من الذين آمنوا } ( البلد : 13 17 ) الآية . # وقد وقع قوله : { سبحان الله عما يشركون } إتماما للتذييل وتنهية المقصود ~~من فضح حالهم . # وظاهر أن الاستفهام المقدر بعد { أم } استفهام إنكاري . واعلم أن الآلوسي ~~نقل عن ( الكشف على الكشاف ) كلاما في انتظام الآيات من قوله تعالى : { ~~يقولون شاعر } إلى قوله : { أم لهم إلاه غير الله } فيه نكت وتدقيق فانظره ~~. PageV27P078 # ( 44 46 ) # عطف على جملة { أم يقولون شاعر } ( الطور : 30 ) وما بعدها من الجمل ~~الحالية لأقوالهم بمناسبة اشتراك معانيها مع ما في هذه الجملة في تصوير ~~بهتانهم ومكابرتهم الدالة على أنهم أهل البهتان فلو أروا كسفا ساقطا من ~~السماء وقيل لهم : هذا كسف نازل كابروا وقالوا هو سحاب مركوم . # فيجوز أن يكون { كسفا } تلويحا إلى ما حكاه الله عنهم في سورة الإسراء ( ~~90 92 ) { وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا } إلى قوله : { ~~أو تسقط السماء كما زعمت علينا ms8023 كسفا . وظاهر ما حكاه الطبري عن ابن زيد أن ~~هذه الآية نزلت بسبب قولهم ذلك ، وإذ قد كان الكلام على سبيل الغرض فلا ~~توقف على ذلك . # والمعنى : إن يروا كسفا من السماء مما سألوا أن يكون آية على صدقك لا ~~يذعنوا ولا يؤمنوا ولا يتركوا البهتان بل يقولوا : هذا سحاب ، وهذا المعنى ~~مروي عن قتادة . وهو من قبيل قوله تعالى : ولو فتحنا عليهم بابا من السماء ~~فظلوا فيه يعرجون لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون } ( الحجر : ~~14 ، 15 ) . # والكسف بكسر الكاف : القطعة ، ويقال : كسفة . وقد تقدم في سورة الإسراء . # و { من السماء } صفة ل { كسفا } ، و { من } تبعيضية ، أي قطعة من أجزاء ~~السماء مثل القطع التي تسقط من الشهب . # والمركوم : المجموع بعضه فوق بعض يقال : ركمه ركما ، وهو السحاب الممطر ~~قال تعالى : { ثم يجعله ركاما } ( النور : 43 ) : / / PageV27P079 # والمعنى : أن يقع ذلك في المستقبل يقولوا سحاب ، وهذا لا يتقضي أنه يقع ~~لأن أداة الشرط إنما تقتضي تعليق وقوع جوابها على وقوع فعلها لو وقع . ووقع ~~{ سحاب مركوم } خبرا عن مبتدأ محذوف ، وتقديره : هو سحاب وهذا سحاب . # والمقصود : أنهم يقولون ذلك عنادا مع تحققهم أنه ليس سحابا . ولكون ~~المقصود أن العناد شيمتهم فرع عليه أن أمر الله رسول صلى الله عليه وسلم ~~بأن يتركهم ، أي يترك عرض الآيات عليهم ، أي أن لا يسأل الله إظهار ما ~~اقترحوه من الآيات لأنهم لا يقترحون ذلك طلبا للحجة ولكنهم يكابرون ، قال ~~تعالى : { إن الذين حقت عليهم كلمات ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى ~~يروا العذاب الأليم } ( يونس : 96 ، 97 ) . وليس المراد ترك دعوتهم وعرض ~~القرآن عليهم . # ويجوز أن يكون الأمر في قوله : { فذرهم } مستعملا في تهديدهم لأنهم ~~يسمعونه حين يقرأ عليهم القرآن كما يقال للذي لا يرعوي عن غيه : دعه فإنه ~~لا يقلع . # وأفادت الغاية أنه يتركهم إلى الأبد لأنهم بعد أن يصعقوا لا تعاد محاجتهم ~~بالأدلة والآيات . # وقرأ الجمهور { يلاقوا } . وقرأه أبو جعفر { يلقوا } بدون ألف بعد اللام ~~. # و ( اليوم ms8024 الذي فيه يصعقون ) هو يوم البعث الذي يصعق عنده من في السماوات ~~ومن في الأرض . # وإضافة اليوم إلى ضميرهم لأنهم اشتهروا بإنكاره وعرفوا بالذين لا يؤمنون ~~بالآخرة . وهذا نظير النسب في قول أهل أصول الدين : فلان قدري ، يريدون أنه ~~لا يؤمن بالقدر . فالمعنى بنسبته إلى القدر أنه يخوض في شأنه ، أو لأنه ~~اليوم الذي أوعدوه ، فالإضافة لأدنى ملابسة . # ونظيره قوله تعالى : { وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون } ( ~~الأنبياء : 103 ) . PageV27P080 # والصعق : الإغماء من خوف أو هلع قال تعالى : { وخر موسى صعقا } ( الأعراف ~~: 143 ) ، وأصله مشتق من الصاعقة لأن المصاب بها يغمى عليه أو يموت ، يقال ~~: صعق ، بفتح فكسر ، وصعق بضم وكسر . # وقرأه الجمهور { يصعقون } بفتح المثناة التحتية ، وقرأه ابن عامر وعاصم ~~بضم المثناة . # وذلك هو يوم الحشر قال تعالى : { ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن ~~في الأرض إلا من شاء الله } ( الزمر : 68 ) ، وملاقاتهم لليوم مستعارة ~~لوقوعه ، شبه اليوم وهو الزمان بشخص غائب على طريقة المكنية وإثبات ~~الملاقاة إليه تخييل . والملاقاة مستعارة أيضا للحلول فيه ، والإتيان ~~بالموصول للتنبيه على خطئهم في إنكاره . # و { يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا } بدل من { يومهم } ( الطور : 45 ) ~~وفتحته فتحة إعراب لأنه أضيف إلى معرب . # والإغناء : جعل الغير غنيا ، أي غير محتاج إلى ما تقوم به حاجياته ، وإذا ~~قيل : أغنى عنه . كان معناه : أنه قام مقامه في دفع حاجة كان حقه أن يقوم ~~بها ، ويتوسع فيه بحذف مفعوله لظهوره من المقام . # والمراد هنا لا يغني عنهم شيئا عن العذاب المفهوم من إضافة { يوم } إلى ~~ضميرهم ومن الصلة في قوله : { الذي فيه يصعقون } . # و { كيدهم } من إضافة المصدر إلى فاعله ، أي ما يكيدون به وهو المشار ~~إليه بقوله : { أم يريدون كيدا } ( الطور : 42 ) ، أي لا يستطيعون كيدا ~~يومئذ كما كانوا في الدنيا . # فالمعنى : لا كيد لهم فيغني عنهم على طريقة قول امرىء القيس : # على لاحبب لا يهتدى بمناره # أي لا منار له فيهتدي به . # وهذا ينفي عنهم التخلص بوسائل من فعلهم ، وعطف عليه ms8025 { ولا هم PageV27P081 ~~ينصرون } لنفي أن يتخلصوا من العذاب بفعل من يخلصهم وينصرهم فانتفى نوعا ~~الوسائل المنجية . # جملة معترضة والواو اعتراضية ، أي وإن لهم عذابا في الدنيا قبل عذاب ~~الآخرة ، وهو عذاب الجوع في سني القحط ، وعذاب السيف يوم بدر . # وفي قوله : { للذين ظلموا } إظهار في مقام الإضمار لأن مقتضى الظاهر أن ~~يقال : وإن لهم عذابا جريا على أسلوب قوله : { فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي ~~فيه يصعقون } ( الطور : 45 ) فخولف مقتضى الظاهر لإفادة علة استحقاقهم ~~العذاب في الدنيا بأنها الإشراك بالله . # وكلمة { دون } أصلها المكان المنفصل عن شيء انفصالا قريبا ، وكثر إطلاقه ~~على الأقل ، يقال : هو في الشرف دون فلان ، وعلى السابق لأنه أقرب حلولا من ~~المسبوق ، وعلى معنى ( غير ) . و { دون } في هذه الآية صالحة للثلاثة ~~الأخيرة ، إذ المراد عذاب في الدنيا وهو أقل من عذاب الآخرة قال تعالى : { ~~ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر } ( السجدة : 21 ) وهو أسبق ~~من عذاب الآخرة لقوله تعالى : { دون العذاب الأكبر } ، وهو مغاير له كما هو ~~بين . # ولكون هذا العذاب مستبعدا عندهم وهم يرون أنفسهم في نعمة مستمرة كما قال ~~تعالى : { ليقولن هذا لي } ( فصلت : 50 ) أكد الخبر ب { إن } فالتأكيد ~~مراعى فيه شكهم حين يسمعون القرآن ، كما دل عليه تعقيبه بقوله : { ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون } . # والاستدراك الذي أفادته ( لكن ) راجع إلى مفاد التأكيد ، أي هو واقع لا ~~محالة ولكن أكثرهم لا يعلمون وقوعه ، أي لا يخطر ببالهم وقوعه ، وذلك من ~~بطرهم وزهوهم ومفعول { لا يعلمون } محذوف اختصارا للعمل به وأسند عدم ~~PageV27P082 العلم إلى أكثرهم دون جميعهم لأن فيهم أهل رأي ونظر يتوقعون ~~حلول الشر إذا كانوا في خير . # والظلم : الشرك قال تعالى : { إن الشرك لظلم عظيم } ( لقمان : 13 ) وهو ~~الغالب في إطلاقه في القرآن . # ( 48 ، 49 ) # . # عطف على جملة { فذرهم حتى يلاقوا يومهم } ( الطور : 45 ) الخ ، وما ~~بينهما اعتراض وكان مفتتح السورة خطابا للنبيء صلى الله عليه وسلم ابتداء ~~من قوله تعالى : { إن عذاب ربك لواقع } ( الطور : 7 ) المسوق مساق التسلية ~~له ms8026 ، وكان في معظم ما في السورة من الأخبار ما يخالطه في نفسه صلى الله ~~عليه وسلم من الكدر والأسف على ضلال قومه وبعدهم عما جاءهم به من الهدى ~~ختمت السورة بأمره بالصبر تسلية له وبأمره بالتسبيح وحمد الله شكرا له على ~~تفضيله بالرسالة . # والمراد ب { حكم ربك } ما حكم به وقدره من انتفاء إجابة بعضهم ومن إبطاء ~~إجابة أكثرهم . # فاللام في قوله : { لحكم ربك } يجوز أن تكون بمعنى ( على ) فيكون لتعدية ~~فعل { اصبر } كقوله تعالى : { واصبر على ما يقولون } ( المزمل : 10 ) . ~~ويجوز فيها معنى ( إلى ) أي اصبر إلى أن يحكم الله بينك وبينهم فيكون في ~~معنى قوله : { واصبر حتى يحكم الله } ( يونس : 109 ) ويجوز أن تكون للتعليل ~~فيكون { لحكم ربك } هو ما حكم به من إرساله إلى الناس ، أي اصبر لأنك تقوم ~~بما وجب عليك . # فلللام في هذا المكان موقع جامع لا يفيد غير اللام مثله . # والتفريع في قوله : { فإنك بأعيننا } تفريع العلة على المعلول { اصبر } ~~لأنك بأعيننا ، أي بمحل العناية والكلاءة منا ، نحن نعلم ما تلاقيه وما ~~يريدونه بك PageV27P083 فنحن نجازيك على ما تلقاه ونحرسك من شرهم وننتقم لك ~~منهم ، وقد وفى بهذا كله التمثيل في قوله : { فإنك بأعيننا } ، فإن الباء ~~للإلصاق المجازي ، أي لا نغفل عنك ، يقال : هو بمرأى مني ومسمع ، أي لا ~~يخفى علي شأنه . وذكر العين تمثيل لشدة الملاحظة وهذا التمثيل كناية عن ~~لازم الملاحظة من النصر والجزاء والحفظ . # وقد آذن بذلك قوله : { لحكم ربك } دون أن يقول : واصبر لحكمنا ، أو لحكم ~~الله ، فإن المربوبية تؤذن بالعناية بالمربوب . # وجمع الأعين : إما مبالغة في التمثيل كأن الملاحظة بأعين عديدة كقوله : { ~~واصنع الفلك بأعيننا } ( هود : 37 ) وهو من قبيل { والسماء بنيناها بأييد } ~~( الذاريات : 47 ) . # ولك أن تجعل الجمع باعتبار تعدد متعلقات الملاحظة فملاحظة للذب عنه ، ~~وملاحظة لتوجيه الثواب ورفع الدرجة ، وملاحظة لجزاء أعدائه بما يستحقونه ، ~~وملاحظة لنصره عليهم بعموم الإيمان به ، وهذا الجمع على نحو قوله تعالى في ~~قصة نوح : { وحملناه على ذات ألواح ودسر تجري بأعيننا } ( القمر ms8027 : 13 ، 14 ~~) لأن عناية الله بأهل السفينة تتعلق بإجرائها وتجنيب الغرق عنها وسلامة ~~ركابها واختيار الوقت لإرسائها وسلامة الركاب في هبوطهم ، وذلك خلاف قوله ~~في قصة موسى { ولتصنع على عيني } ( طه : 39 ) فإنه تعلق واحد بمشي أخته إلى ~~آل فرعون وقولها : { هل أدلكم على من يكفله } ( طه : 40 ) . # . # التسبيح : التنزيه ، والمراد ما يدل عليه من قول ، وأشهر ذلك هو قول : ( ~~سبحان الله ) وما يرادفه من الألفاظ ، ولذلك كثر إطلاق التسبيح وما يشتق ~~منه على الصلوات في آيات كثيرة وآثار . PageV27P084 # والباء في قوله : { بحمد ربك } للمصاحبة جمعا بين تعظيم الله بالتنزيه عن ~~النقائص وبين الثناء عليه بأوصاف الكمال . # و { حين تقوم } وقت الهبوب من النوم ، وهو وقت استقبال أعمال اليوم وعنده ~~تتجدد الأسباب التي من أجلها أمر بالصبر والتسبيح والحمد . # فالتسبيح مراد به : الصلاة ، والقيام : جعل وقت للصلوات : إما للنوافل ، ~~وإما لصلاة الفريضة وهي الصبح . # وقيل : التسبيح قوله : ( سبحان الله ) ، والقيام : الاستعداد للصلاة أو ~~الهبوب من النوم . وروي ذلك عن عوف بن مالك وابن زيد والضحاك على تقارب بين ~~أقوالهم ، أي يقول القائم : ( سبحان الله وبحمده ) أو يقول : ( سبحانك ~~اللهم ربنا وبحمدك ولا إله غيرك ) . # وعن عوف بن مالك وابن مسعود وجماعة : أن المراد بالقيام القيام من المجلس ~~لما روى الترمذي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من جلس ~~مجلسا فكثر فيه لغظه فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك : سبحانك اللهم وبحمدك ~~أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك ، إلا غفر له ما كان في مجلسه ~~ذلك ) ولم يذكر أنه قرأ هذه الآية . # و { من الليل } أي زمنا هو بعض الليل ، فيشمل وقت النهي للنوم وفيه ~~تتوارد على الإنسان ذكريات مهماته ، ويشمل وقت التهجد في الليل . # وقوله : { فسبحه } اكتفاء ، أي واحمده . # وانتصب { وإدبار النجوم } على الظرفية لأنه على تقدير : ووقت إدبار ~~النجوم . # والإدبار : رجوع الشيء من حيث جاء لأنه ينقلب إلى جهة الدبر ، أي الظهر . # وإدبار النجوم : سقوط طوالعها ، فإطلاق الإدبار هنا مجاز في ms8028 المفارقة ~~PageV27P085 والمزايلة ، أي عند احتجاب النجوم . وفي الحديث : ( إذا أقبل ~~الليل من ههنا ( الإشارة إلى المشرق ) وأدبر النهار من ههنا ( الإشارة إلى ~~جهة المغرب ) فقد أفطر الصائم ) . # وسقوط طوالعها التي تطلع : أنها تسقط في جهة المغرب عند الفجر إذا أضاء ~~عليها ابتداء ظهور شعاع الشمس ، فإدبار النجوم : وقت السحر ، وهو وقت ~~يستوفي فيه الإنسان حظه من النوم ، ويبقى فيه ميل إلى استصحاب الدعة ، فأمر ~~بالتسبيح فيه ليفصل بين النوم المحتاج إليه وبين التناوم الناشىء عن ~~التكاسل ، ثم إن وجد في نفسه بعد التسبيح حاجة إلى غفوة من النوم اضطجع ~~قليلا إلى أن يحين وقت صلاة الصبح ، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يضطجع بعد صلاة الفجر حتى يأتيه المؤذن بصلاة الصبح . # والنجوم : جمع نجم وهو الكوكب الذي يضيء في الليل غير القمر ، وتقدم عند ~~قوله تعالى : { وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم في سورة ~~النحل . # والآية تشير إلى أوقات الرغائب من النوافل وهي صلاة الفجر والأشفاع بعد ~~العشاء وقيام آخر الليل . وقيل : إشارت إلى الصلوات الخمس بوجه الإجمال ~~وبينته السنة . # # PageV27P086 # | 1 ( سورة النجم ) 1 # سميت سورة النجم بغير واو في عهد أصحاب النبي ، ففي الصحيح } عن ابن ~~مسعود ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ سورة النجم فسجد بها فما بقي أحد ~~من القوم إلا سجد فأخذ رجل كفا من حصباء أو تراب فرفعه إلى وجهه . وقال : ~~يكفيني هذا قال عبد الله : فلقد رأيته بعد قتل كافرا . وهذا الرجل أمية بن ~~خلف . وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد بالنجم وسجد معه ~~المسلمون والمشركون . فهذه تسمية لأنها ذكر فيها النجم . # وسموها ( سورة والنجم ) بواو بحكاية لفظ القرآن الواقع في أولها ، وكذلك ~~ترجمها البخاري في التفسير والترمذي في ( جامعه ) . # ووقعت في المصاحف والتفاسير بالوجهين وهو من تسمية السورة بلفظ وقع في ~~أولها وهو لفظ ( النجم ) أو حكاية لفظ ( والنجم ) . # وسموها { والنجم إذا هوى } ( النجم : 1 ) كما في حديث زيد بن ثابت في ( ~~الصحيحين ) ( أن النبي ms8029 صلى الله عليه وسلم قرأ : { والنجم إذا هوى } فلم ~~يسجد ) ، أي في زمن آخر غير الوقت الذي ذكره ابن مسعود وابن عباس . وهذا ~~كله اسم واحد متوسع فيه فلا تعد هذه السورة بين السور ذوات أكثر من اسم . # وهي مكية ، قال ابن عطية : بإجماع المتأولين . وعن ابن عباس وقتادة : ~~استثناء قوله تعالى : { الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم } ( ~~النجم : 32 ) الآية قالا : ( هي آية مدنية ) . وسنده ضعيف . وقيل : السورة ~~كلها مدنية ونسب إلى الحسن البصري : أن السورة كلها مدنية ، وهو شذوذ . # وعن ابن مسعود هي أول سورة أعلنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة . ~~PageV27P087 # وهي السورة الثالثة والعشرون في عد ترتيب السور . نزلت بعد سورة الإخلاص ~~وقبل سورة عبس . # وعد جمهور العادين آيها إحدى وستين ، وعدها أهل الكوفة اثنتين وستين . # قال ابن عطية : سبب نزولها أن المشركين قالوا : إن محمدا يتقول القرآن ~~ويختلق أقواله ، فنزلت السورة في ذلك . # $ 2 ( { والنجم إذا هوى * ما ضل صاحبكم وما غوى * وما ينطق عن الهوى * إن ~~هو إلا وحى يوحى * علمه شديد القوى * ذو مرة فاستوى * وهو بالافق الاعلى * ~~ثم دنا فتدلى * فكان قاب قوسين أو أدنى * فأوحى إلى عبده مآ أوحى * ما كذب ~~الفؤاد ما رأى * أفتمارونه على ما يرى * ولقد رءاه نزلة أخرى * عند سدرة ~~المنتهى * عندها جنة المأوى * إذ يغشى السدرة ما يغشى * ما زاغ البصر وما ~~طغى * لقد رأى من ءايات ربه الكبرى * أفرءيتم اللات والعزى * ومنواة ~~الثالثة الاخرى * ألكم الذكر وله الانثى * تلك إذا قسمة ضيزى * إن هى إلا ~~أسمآء سميتموهآ أنتم وءابآؤكم مآ أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا ~~الظن وما تهوى الانفس ولقد جآءهم من ربهم الهدى * أم للإنسان ما تمنى * ~~فلله الاخرة والاولى * وكم من ملك فى السماوات لا تغنى شفاعتهم شيئا إلا من ~~بعد أن يأذن الله لمن يشآء ويرضى * إن الذين لا يؤمنون بالاخرة ليسمون ~~الملائكة تسمية الانثى * وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا ms8030 ~~يغنى من الحق شيئا * فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحيواة الدنيا ~~* ذلك مبلغهم من العلم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى ~~* ولله ما فى السماوات وما فى الارض ليجزى الذين أساءوا بما عملوا ويجزى ~~الذين أحسنوا بالحسنى * الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ~~ربك واسع المغفرة هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الارض وإذ أنتم أجنة فى بطون ~~أمهاتكم فلا تزكو & # 1764 ا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى * أفرأيت الذى تولى * وأعطى قليلا وأكدى ~~* أعنده علم الغيب فهو يرى * أم لم ينبأ بما فى صحف موسى * وإبراهيم الذى ~~وفى * ألا تزر وازرة وزر أخرى * وأن ليس للإنسان إلا ما سعى * وأن سعيه سوف ~~يرى * ثم يجزاه الجزآء الأوفى * وأن إلى ربك المنتهى * وأنه هو أضحك وأبكى ~~* وأنه هو أمات وأحيا * وأنه خلق الزوجين الذكر والانثى * من نطفة إذا تمنى ~~* وأن عليه النشأة الاخرى * وأنه هو أغنى وأقنى * وأنه هو رب الشعرى * وأنه ~~أهلك عادا الاولى * وثمود فمآ أبقى * وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم ~~وأطغى * والمؤتفكة أهوى * فغشاها ما غشى * فبأى آلا & # 1764 ء ربك تتمارى * هاذا نذير من النذر الاولى * أزفت الازفة * ليس لها ~~من دون الله كاشفة * أفمن هاذا الحديث تعجبون * وتضحكون ولا تبكون * وأنتم ~~سامدون * فاسجدوا لله واعبدوا } ) 2 $ أغراض هذه السورة # أول أغراضها : تحقيق أن الرسول صلى الله عليه وسلم صادق فيما يبلغه عن ~~الله تعالى وأنه منزه عما ادعوه . # وإثبات أن القرآن وحي من عند الله بواسطة جبريل . # وتقريب صفة نزول جبريل بالوحي في حالين زيادة في تقرير أنه وحي من الله ~~واقع لا محالة . # وإبطال إلهية أصنام المشركين . # وإبطال قولهم في اللات والعزى ومناة بنات الله وأنها أوهام لا حقائق لها ~~وتنظير قولهم فيها بقولهم في الملائكة أنهم إناث . # وذكر جزاء المعرضين والمهتدين وتحذيرهم من القول في هذه الأمور بالظن دون ~~حجة . # وإبطال قياسهم عالم الغيب على عالم الشهادة وأن ms8031 ذلك ضلال في الرأي قد ~~جاءهم بضده الهدى من الله . وذكر لذلك مثال من قصة الوليد بن المغيرة ، أو ~~قصة ابن أبي سرح . # وإثبات البعث والجزاء . PageV27P088 # وتذكيرهم بما حل بالأمم ذات الشرك من قبلهم وبمن جاء قبل محمد صلى الله ~~عليه وسلم من الرسل أهل الشرائع . # وإنذارهم بحادثة تحل بهم قريبا . # وما تخلل ذلك من معترضات ومستطردات لمناسبات ذكرهم عن أن يتركوا أنفسهم . # وأن القرآن حوى كتب الأنبياء السابقين . # ( 1 3 ) # كلام موجه من الله تعالى إلى المشركين الطاعنين في رسالة محمد صلى الله ~~عليه وسلم # و { النجم } : الكوكب أي الجرم الذي يبدو للناظرين لامعا في جو السماء ~~ليلا . # أقسم الله تعالى بعظيم من مخلوقاته دال على عظيم صفات الله تعالى . # وتعريف { النجم } باللام ، يجوز أن يكون للجنس كقوله : { وبالنجم هم ~~يهتدون } ( النحل : 16 ) وقوله : { والنجم والشجر يسجدان } ( الرحمن : 6 ) ~~، ويحتمل تعريف العهد . وأشهر النجوم بإطلاق اسم النجم عليه الثريا لأنهم ~~كانوا يوقتون بأزمان طلوعها مواقيت الفصول ونضج الثمار ، ومن أقوالهم : طلع ~~النجم عشاء فابتغى الراعي كمساء طلع النجم غذية وابتغى الراعي شكية ( تصغير ~~شكوة وعاء من جلد يوضع فيه الماء واللبن ) يعنون ابتداء زمن البرد وابتداء ~~زمن الحر . # وقيل { النجم } : الشعرى اليمانية وهي العبور وكانت معظمة عند العرب ~~وعبدتها خزاعة . # ويجوز أن يكون المراد ب { النجم } : الشهاب ، وبهويه : سقوطه من مكانه ~~إلى مكان آخر ، قال تعالى : { إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب وحفظا ~~من كل PageV27P089 شيطان مارد } ( الصافات : 6 ، 7 ) وقال : { ولقد زينا ~~السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين } ( الملك : 5 ) . # والقسم ب { النجم } لما في خلقه من الدلالة على عظيم قدرة الله تعالى ، ~~ألا ترى إلى قول الله حكاية عن إبراهيم { فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال ~~هذا ربي } ( الأنعام : 76 ) . # وتقييد القسم بالنجم بوقت غروبه لإشعار غروب ذلك المخلوق العظيم بعد أوجه ~~في شرف الارتفاع في الأفق على أنه تسخير لقدرة الله تعالى ، ولذلك قال ~~إبراهيم : { لا أحب الآفلين } ( الأنعام : 76 ) . # والوجه أن يكون { إذا هوى ms8032 } بدل اشتمال من النجم ، لأن المراد من النجم ~~أحواله الدالة على قدرة خالقه ومصرفه ومن أعظم أحواله حال هويه ، ويكون { ~~إذا } اسم زمان مجردا عن معنى الظرفية في محل جر بحرف القسم ، وبذلك نتفادى ~~من إشكال طلب متعلق { إذا } وهو إشكال أورده العلامة الجنزي على الزمخشري ، ~~قال الطيبي وفي ( المقتبس ) قال الجنزي : ( فاوضت جار الله في قوله تعالى : ~~{ والنجم إذا هوى } ما العامل في { إذا } ؟ فقال : العامل فيه ما تعلق به ~~الواو ، فقلت : كيف يعمل فعل الحال في المستقبل وهذا لأن معنا أقسم الآن ، ~~وليس معناه أقسم بعد هذا فرجع وقال : العامل فيه مصدر محذوف تقديره : وهوي ~~النجم إذا هوى ، فعرضته على زين المشائخ فلم يستحسن قوله الثاني . والوجه ~~أن { إذا } قد انسلخ عنه معنى الاستقبال وصار للوقت المجرد ، ونحوه : آتيك ~~إذا احمر البسر ، أي وقت احمراره فقد عري عن معنى الاستقبال لأنه وقعت ~~الغنية عنه بقوله : آتيك اه . كلام الطيبي ، فقوله : PageV27P090 فالوجه ~~يحتمل أن يكون من كلام زين المشائخ أو من كلام صاحب ( المقتبس ) أو من كلام ~~الطيبي ، وهو وجيه وهو أصل ما بنينا عليه موقع { إذا } هنا ، وليس تردد ~~الزمخشري في الجواب إلا لأنه يلتزم أن يكون { إذا } ظرفا للمستقبل كما هو ~~مقتضى كلامه في ( المفصل ) مع أن خروجها عن ذلك كثير كما تواطأت عليه أقوال ~~المحققين . # والهوي : السقوط ، أطلق هنا على غروب الكوكب ، استعير الهوي إلى اقتراب ~~اختفائه ويجوز أن يراد بالهوي : سقوط الشهاب حين يلوح للناظر أنه يجري في ~~أديم السماء ، فهو هوي حقيقي فيكون قد استعمل في حقيقته ومجازه . # وفي ذكر { إذا هوى } احتراس من أن يتوهم المشركون أن في القسم بالنجم ~~إقرارا لعبادة نجم الشعرى ، وأن القسم به اعتراف بأنه إله إذ كان بعض قبائل ~~العرب يعبدونها فإن حالة الغروب المعبر عنها بالهوي حالة انخفاض ومغيب في ~~تخيل الرائي لأنهم يعدون طلوع النجم أوجا لشرفه ويعدون غروبه حضيضا ، ولذلك ~~قال الله تعالى : { فلما أفل قال لا أحب الآفلين } ( الأنعام : 76 ) . # ومن مناسبات هذا يجيء ms8033 قوله : { وأنه هو رب الشعرى } في هذه السورة ، وتلك ~~اعتبارات لهم تخيلية شائعة بينهم فمن النافع موعظة الناس بذلك لأنه كاف في ~~إقناعهم وصولا إلى الحق . # فيكون قوله : { إذا هوى } إشعارا بأن النجوم كلها مسخرة لقدرة الله مسيرة ~~في نظام أوجدها عليه ولا اختيار لها فليست أهلا لأن تعبد فحصل المقصود من ~~القسم بما فيها من الدلالة على القدرة الإلهية مع الاحتراس عن اعتقاد ~~عبادتها . # وقال الراغب : قيل أراد بذلك أي ب { النجم } القرآن المنزل المنجم قدرا ~~فقدرا ، ويعني بقوله : { هوى } نزوله اه . # ومناسبة القسم ب { النجم إذا هوى } ، أن الكلام مسوق لإثباتت أن القرآن ~~وحي من الله منزل من السماء فشابه حال نزوله الاعتباري حال النجم في حالة ~~هويه مشابهة تمثيلية حاصلة من نزول شيء منير إنارة معنوية نازل من محل رفعة ~~PageV27P091 معنوية ، شبه بحالة نزول نجم من أعلى الأفق إلى أسفله وهو من ~~تمثيل المعقول بالمحسوس ، أو الإشارة إلى مشابهة حالة نزول جبريل من ~~السماوات بحالة نزول النجم من أعلى مكانه إلى أسفله ، أو بانقضاض الشهاب ~~تشبيه محسوس بمحسوس ، وقد يشبهون سرعة الجري بإنقضاض الشهاب ، قال أوس بن ~~حجر يصف فرسا : # فانقض كالدري يتبعه # نقع يثور تخاله طنبا # والضلال : عدم الاهتداء إلى الطريق الموصل إلى المقصود ، وهو مجاز في ~~سلوك ما ينافي الحق . # والغواية : فساد الرأي وتعلقه بالباطل . # والصاحب : الملازم للذي يضاف إليه وصف صاحب ، والمراد بالصاحب هنا : الذي ~~له ملابسات وأحوال مع المضاف إليه ، والمراد به محمد صلى الله عليه وسلم ~~وهذا كقول أبي معبد الخزاعي الوارد في أثناء قصة الهجرة لما دخل النبي صلى ~~الله عليه وسلم بيته وفيها أم معبد وذكرت له معجزة مسحه على ضرع شاتها : ( ~~هذا صاحب قريش ) ، أي صاحب الحوادث الحادثة بينه وبينهم . # وإيثار التعبير عنه بوصف { صاحبكم } تعريض بأنهم أهل بهتان إذ نسبوا إليه ~~ما ليس منه في شيء مع شدة إطلاعهم على أحواله وشؤونه إذ هو بينهم في بلد لا ~~تتعذر فيه إحاطة علم أهله بحال واحد معين مقصود من ms8034 بينهم . ووقع في خطبة ~~الحجاج بعد دير الجماجم قوله للخوارج ( ألستم أصحابي بالأهواز حين رمتم ~~الغدر واستبطنتم الكفر ) يريد أنه لا تخفى عنه أحوالهم فلا يحاولون التنصل ~~من ذنوبهم بالمغالطة والتشكيك . # وهذا رد من الله على المشركين وإبطال لقولهم في النبي صلى الله عليه وسلم ~~لأنهم قالوا : مجنون ، وقالوا : ساحر ، وقالوا : شاعر ، وقالوا في القرآن : ~~إن هذا إلا اختلاق . # فالجنون من الضلال لأن المجنون لا يهتدي إلى وسائل الصواب ، والكذب ~~PageV27P092 والسحر ضلال وغواية ، والشعر المتعارف بينهم غواية كما قال ~~تعالى : { والشعراء يتبعهم الغاوون } ( الشعراء : 224 ) أي يحبذون أقوالهم ~~لأنها غواية . # وعطف على جواب القسم { ما ينطق عن الهوى } وهذا وصف كمال لذاته . والكلام ~~الذي ينطق به هو القرآن لأنهم قالوا فيه : { إن هذا إلا إفك افتراه } ( ~~الفرقان : 4 ) وقالوا : { أساطير الأولين اكتتبها } ( الفرقان : 5 ) وذلك ~~ونحوه لا يعدو أن يكون اختراعه أو اختياره عن محبة لما يخترع وما يختار ~~بقطع النظر عن كونه حقا أو باطلا ، فإن من الشعر حكمة ، ومنه حكاية واقعات ~~، ومنه تخيلات ومفتريات . وكله ناشىء عن محبة الشاعر أن يقول ذلك ، فأراهم ~~الله أن القرآن داعع إلى الخير . # و ( ما ) نافية نفت أن ينطق عن الهوى . # والهوى : ميل النفس إلى ما تحبه أو تحب أن تفعله دون أن يقتضيه العقل ~~السليم الحكيم ، ولذلك يختلف الناس في الهوى ولا يختلفون في الحق ، وقد يحب ~~المرء الحق والصواب . فالمراد بالهوى إذا أطلق أنه الهوى المجرد عن الدليل ~~. # ونفي النطق عن هوى يقتضي نفي جنس ما ينطق به عن الاتصاف بالصدور عن هوى ~~سواء كان القرآن أو غيره من الإرشاد النبوي بالتعليم والخطابة والموعظة ~~والحكمة ، ولكن القرآن هو المقصود لأنه سبب هذا الرد عليهم . # واعلم أن تنزيهه صلى الله عليه وسلم عن النطق عن هوى يقتضي التنزيه عن أن ~~يفعل أو يحكم عن هوى لأن التنزه عن النطق عن هوى أعظم مراتب الحكمة . ولذلك ~~ورد في صفة النبي صلى الله عليه وسلم ( أنه يمزح ولا يقول إلا حقا ) . وهنا ~~تم ms8035 إبطال قولهم فحسن الوقف على قوله : { وما ينطق عن الهوى } . # وبين { هوى } و { الهوى } جناس شبه التام . PageV27P093 # ( 4 10 ) { } # استئناف بياني لجملة { وما ينطق عن الهوى } ( النجم : 3 ) . # وضمير { هو } عائد إلى المنطوق به المأخوذ من فعل { ينطق } كما في قوله ~~تعالى : { اعدلوا هو أقرب للتقوى } ( المائدة : 8 ) أي العدل المأخوذ من ~~فعل { اعدلوا } . # ويجوز أن يعود الضمير إلى معلوم من سياق الرد عليهم لأنهم زعموا في ~~أقوالهم المردودة بقوله : { ما ضل صاحبكم وما غوى } ( النجم : 2 ) زعموا ~~القرآن سحرا ، أو شعرا ، أو كهانة ، أو أساطير الأولين ، أو إفكا افتراه . # وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم ينطق بغير القرآن عن وحي كما في حديث ~~الحديبية في جوابه للذي سأله : ما يفعل المعتمر ؟ وكقوله : ( إن روح القدس ~~نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستكمل أجلها ) ، ومثل جميع الأحاديث ~~القدسية التي فيها قال الله تعالى ونحوه . # وفي ( سنن أبي داود ) و ( الترمذي ) من حديث المقدام بن معد يكرب قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إني أوتيت الكتاب ومثله معه ، ألا يوشك رجل ~~شبعان على أريكته ، يقول : عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه ~~وما وجدتم فيه من حرام فحرموه ) . # وقد ينطق عن اجتهاد كأمره بكسر القدور التي طبخت فيها الحمر الأهلية فقيل ~~له : أو نهريقها ونغسلها ؟ فقال : ( أو ذاك ) . # فهذه الآية بمعزل عن إيرادها في الاحتجاج لجواز الاجتهاد للنبيء صلى الله ~~عليه وسلم لأنها كان نزولها في أول أمر الإسلام وإن كان الأصح أن يجوز له ~~الاجتهاد وأنه وقع منه وهي من مسائل أصول الفقه . # والوحي تقدم عند قوله تعالى : { إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح } في ~~سورة PageV27P094 النساء . وجملة { يوحى } مؤكدة لجملة { إن هو إلا وحى } ~~مع دلالة المضارع على أن ما ينطق به متجدد وحيه غير منقطع . # ومتعلق { يوحى } محذوف تقديره : إليه ، أي إلى صاحبكم . # وترك فاعل الوحي لضرب من الإجمال الذي يعقبه التفصيل لأنه سيرد بعده ما ~~يبينه من قوله : { فأوحى إلى ms8036 عبده ما أوحى } . # وجملة { علمه شديد القوى } الخ ، مستأنفة استئنافا بيانيا لبيان كيفية ~~الوحي . # وضمير الغائب في { علمه } عائد إلى الوحي ، أو إلى ما عاد إليه ضمير { هو ~~} من قوله : { إن هو إلا وحي } . وضمير { هو } يعود إلى القرآن ، وهو ضمير ~~في محل أحد مفعولي ( علم ) وهو المفعول الأول ، والمفعول الثاني محذوف ، ~~والتقدير : علمه إياه ، يعود إلى { صاحبكم } ( النجم : 2 ) ويجوز جعل هاء { ~~علمه } عائدا إلى { صاحبكم } والمحذوف عائد إلى { وحى } إبطالا لقول ~~المشركين { إنما يعلمه بشر } ( النحل : 103 ) . # و ( علم ) هنا متعد إلى مفعولين لأنه مضاعف ( علم ) المتعدي إلى مفعول ~~واحد . # و { شديد القوى } : صفة لمحذوف يدل عليه ما يذكر بعد مما هو من شؤون ~~الملائكة ، أي ملك شديد القوى . واتفق المفسرون على أن المراد به جبريل ~~عليه السلام . # والمراد ب { القوى } استطاعة تنفيذ ما يأمر الله به من الأعمال العظيمة ~~العقلية والجسمانية ، فهو الملك الذي ينزل على الرسل بالتبليغ . # والمرة ، بكسر الميم وتشديد الراء المفتوحة ، تطلق على قوة الذات وتطلق ~~على متانة العقل وأصالته ، وهو المراد هنا لأنه قد تقدم قبله وصفه بشديد ~~القوى ، وتخصيص جبريل بهذا الوصف يشعر بأنه الملك الذي ينزل بفيوضات الحكمة ~~على PageV27P095 الرسل والأنبياء ، ولذلك لما ناول الملك رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ليلة الإسراء كأس لبن وكأس خمر ، فاختار اللبن قال له جبريل ~~: اخترت الفطرة ولو أخذت الخمر غوت أمتك . # وقوله : { فاستوى } مفرع على ما تقدم من قوله : { علمه شديد القوى } . # والفاء لتفصيل { علمه } ، والمستوي هو جبريل . ومعنى استوائه : قيامه ~~بعزيمة لتلقي رسالة الله ، كما يقال : استقل قائما ، ومثل : بين يدي فلان ، ~~فاستواء جبريل هو مبدأ التهيؤ لقبول الرسالة من عند الله ، ولذلك قيد هذا ~~الاستواء بجملة الحال في قوله : { وهو بالأفق الأعلى } . والضمير لجبريل لا ~~محالة ، أي قبل أن ينزل إلى العالم الأرضي . # والأفق : اسم للجو الذي يبدو للناظر ملتقى بين طرف منتهى النظر من الأرض ~~وبين منتهى ما يلوح كالقبة الزرقاء ، وغلب إطلاقه على ناحية بعيدة عن موطن ~~القوم ومنه ms8037 أفق المشرق وأفق المغرب . # ووصفه ب { الأعلى } في هذه الآية يفيد أنه ناحية من جو السماء . وذكر هذا ~~ليرتب عليه قوله : { ثم دنا فتدلى } . # و { ثم } عاطفة على جملة { فاستوى } ، والتراخي الذي تقيده { ثم } تراخخ ~~رتبي لأن الدنو إلى حيث يبلغ الوحي هو الأهم في هذا المقام . # والدنو : القرب ، وإذ قد كان فعل الدنو قد عطف ب { ثم } على { فاستوى وهو ~~بالأفق الأعلى } علم أنه دنا إلى العالم الأرضي ، أي أخذ في الدنو بعد أن ~~تلقى ما يبلغه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم # وتدلى : انخفض من علو قليلا ، أي ينزل من طبقات إلى ما تحتها كما يتدلى ~~الشيء المعلق في الهواء بحيث لو رآه الرائي يحسبه متدليا ، وهو ينزل من ~~السماء غير منقض . # وقاب ، قيل معناه : قدر . وهو واوي العين ، ويقال : قاب وقيب بكسر ~~PageV27P096 القاف ، وهذا ما درج عليه أكثر المفسرين . وقيل يطلق القاب على ~~ما بين مقبض القوس ( أي وسط عوده المقوس ) وما بين سيتيها ( أي طرفيها ~~المنعطف الذي يشد به الوتر ) فللقوس قابان وسيتان ، ولعل هذا الإطلاق هو ~~الأصل للآخر ، وعلى هذا المعنى حمل الفراء والزمخشري وابن عطية وعن سعيد بن ~~المسيب : القاب صدر القوس العربية حيث يشد عليه السير الذي يتنكبه صاحبه ~~ولكل قوس قاب واحد . # وعلى كلا التفسيرين فقوله : { قاب قوسين } أصله قابي قوس أو قابي قوسين ( ~~بتثنية أحد اللفظين المضافف والمضاف إليه ، أو كليهما ) فوقع إفراد أحد ~~اللفظين أو كليهما تجنبا لثقل المثنى كما في قوله تعالى : { إن تتوبا إلى ~~الله فقد صغت قلوبكما } ( التحريم : 4 ) أي قلباكما . # وقيل يطلق القوس في لغة أهل الحجاز على ذراع يذرع به ( ولعله إذن مصدر ~~قاس فسمي به ما يقاس به ) . # والقوس : آلة من عود نبع ، مقوسة يشد بها وتر من جلد ويرمي عنها السهام ~~والنشاب وهي في مقدار الذراع عند العرب . # وحاصل المعنى أن جبريل كان على مسافة قوسين من النبي صلى الله عليه وسلم ~~الدال عليه التفريع بقوله : { فأوحى إلى عبده ما أوحى } ، ولعل الحكمة ms8038 في ~~هذا البعد أن هذه الصفة حكاية لصورة الوحي الذي كان في أوائل عهد النبي صلى ~~الله عليه وسلم بالنبوءة فكانت قواه البشرية يومئذ غير معتادة لتحمل اتصال ~~القوة الملكية بها مباشرة رفقا بالنبي صلى الله عليه وسلم أن لا يتجشم شيئا ~~يشق عليه ، ألا ترى أنه لما اتصل به في غار حراء ولا اتصال وهو الذي عبر ~~عنه في حديثه بالغط قال النبي صلى الله عليه وسلم ( فغطني حتى بلغ مني ~~الجهد ) ثم كانت تعتريه الحالة الموصوفة في حديث نزول أول الوحي المشار ~~إليها في سورة المدثر وسورة المزمل قال تعالى : { إنا سنلقي عليك قولا ~~ثقيلا } ( المزمل : 5 ) ، ثم اعتاد اتصال جبريل به مباشرة فقد جاء في حديث ~~عمر بن الخطاب في سؤال جبريل عن الإيمان والإسلام والإحسان والساعة أنه ( ~~جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ) إذ كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم أيامئذ بالمدينة وقد اعتاد الوحي وفارقته شدته ، ~~PageV27P097 ولمراعاة هذه الحكمة كان جبريل يتمثل للنبيء صلى الله عليه ~~وسلم في صورة إنسان وقد وصفه عمر في حديث بيانن الإيمان والإسلام بقوله : ( ~~إذ دخل علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ~~ولا يعرفه منا أحد ) الحديث ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم بعد ~~مفارقته ( يا عمر أتدري من السائل ؟ قال عمر : الله ورسوله أعلم ، قال : ( ~~فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم ) . # وقوله : { أو أدنى } { أو } فيه للتخيير في التقدير ، وهو مستعمل في ~~التقريب ، أي إن أراد أحد تقريب هذه المسافة فهو مخير بين أن يجعلها قاب ~~قوسين أو أدنى ، أي لا أزيد إشارة إلى أن التقدير لا مبالغة فيه . # وتفريع { فأوحى إلى عبده ما أوحى } على قوله : { فتدلى فكان قاب قوسين } ~~المفرع على المفرع على قوله : { علمه شديد القوى } ، وهذا التفريع هو ~~المقصود من البيان وما قبله تمهيد له ، وتمثيل لأحوال عجيبة بأقرب ما يفهمه ~~الناس لقصد بيان إمكان تلقي الوحي عن الله تعالى إذ كان ms8039 المشركون يحيلونه ~~فبين لهم إمكان الوحي بوصف طريق الوحي إجمالا ، وهذه كيفية من صور الوحي . # وضمير { أوحى } عائد إلى الله تعالى المعلوم من قوله : { إن هو إلا وحي ~~يوحى } كما تقدم ، والمعنى : فأوحى الله إلى عبده محمد صلى الله عليه وسلم ~~وهذا كافف في هذا المقام لأن المقصود إثبات الإيحاء لإبطال إنكارهم إياه . # وإيثار التعبير عن النبي صلى الله عليه وسلم بعنوان { عبده } إظهار في ~~مقام الإضمار في اختصاص الإضافة إلى ضمير الجلالة من التشريف . # وفي قوله : { ما أوحى } إبهام لتفخيم ما أوحى إليه . # ( 11 ، 12 ) # الأظهر أن هذا رد لتكذيب من المشركين فيما بلغهم من الخبر عن رؤية النبي ~~صلى الله عليه وسلم الملك جبريل وهو الذي يؤذن به قوله بعد : { أفتمارونه ~~على ما يرى } . PageV27P098 # واللام في قوله : { الفؤاد } عوض عن المضاف إليه ، أي فؤاده وعليه فيكون ~~تفريع الاستفهام في قوله : { أفتمارونه على ما يرى } استفهاما إنكاريا ~~لأنهم ماروه . # ويجوز أن يكون قوله : { ما كذب الفؤاد ما رأى } تأكيدا لمضمون قوله : { ~~فكان قاب قوسين } ( النجم : 9 ) فإنه يؤذن بأنه بمرأى من النبي صلى الله ~~عليه وسلم لرفع احتمال المجاز في تشبيه القرب ، أي هو قرب حسي وليس مجرد ~~اتصال روحاني فيكون الاستفهام في قوله : { أفتمارونه على ما يرى } مستعملا ~~في الفرض والتقدير ، أي أفستكذبونه فيما يرى بعينيه كما كذبتموه فيما بلغكم ~~عن الله ، كما يقول قائل : ( أتحسبني غافلا ) وقول عمر بن الخطاب للعباس ~~وعلي في قضيتهما ( أتحاولان مني قضاء غير ذلك ) . # وقرأ الجمهور { ما كذب } بتخفيف الذال ، وقرأه هشام عن ابن عامر وأبو ~~جعفر بتشديد الذال ، والفاعل والمفعول على حالهما كما في قراءة الجمهور . # والفؤاد : العقل في كلام العرب قال تعالى : { وأصبح فؤاد أم موسى فارغا } ~~( القصص : 10 ) . # والكذب : أطلق على التخييل والتلبيس من الحواس كما يقال : كذبته عينه . # و { ما } موصولة ، والرابط محذوف ، وهو ضمير عائد إلى { عبده } في قوله : ~~{ فأوحى إلى عبده } ( النجم : 10 ) أي ما رآه عبده ببصره . # وتفريع { أفتمارونه } على جملة { ما كذب الفؤاد ما ms8040 أرى } . # وقرأ الجمهور { أفتمارونه } من المماراة وهي الملاحاة والمجادلة في ~~الإبطال . وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب وخلف { أفتمرونه } بفتح الفوقية وسكون ~~الميم مضارع مراه إذا جحده ، أي أتجحدونه أيضا فيما رأى ، ومعنى القراءتين ~~متقارب . PageV27P099 # وتعدية الفعل فيهما بحرف الاستعلاء لتضمنه معنى الغلبة ، أي هبكم ~~غالبتموه على عبادتكم الآلهة ، وعلى الإعراض عن سماع القرآن ونحو ذلك ~~أتغلبونه على ما رأى ببصره . # ( 13 18 ) { } # أي إن كنتم تجحدون رؤيته جبريل في الأرض فلقد رآه رؤية أعظم منها إذ رآه ~~في العالم العلوي مصاحبا ، فهذا من الترقي في بيان مراتب الوحي ، والعطف ~~عطف قصة على قصة ابتدىء بالأضعف وعقب بالأقوى . # فتأكيد الكلام بلام القسم وحرف التحقيق لأجل ما في هذا الخبر من الغرابة ~~من حيث هو قد رأى جبريل ومن حيث أنه عرج به إلى السماء ومن الأهمية من حيث ~~هو دال على عظيم منزلة محمد صلى الله عليه وسلم فضمير الرفع في { رءاه } ~~عائد إلى { صاحبكم } ( النجم : 2 ) ، وضمير النصب عائد إلى جبريل . # و { نزلة } فعلة من النزول فهو مصدر دال على المرة : أي في مكان آخر من ~~النزول الذي هو الحلول في المكان ، ووصفها ب { أخرى } بالنسبة لما في قوله ~~: { ثم دنا فتدلى } ( النجم : 8 ) فإن التدلي نزول بالمكان الذي بلغ إليه . # وانتصاب { نزلة } على نزع الخافض ، أو على النيابة عن ظرف المكان ، أو ~~على حذف مضاف بتقدير : وقت نزلة أخرى ، فتكون نائبا عن ظرف الزمان . # وقوله : { عند سدرة المنتهى } متعلق ب { رءاه } . وخصت بالذكر رؤيته عند ~~سدرة المنتهى لعظيم شرف المكان بما حصل عنده من آيات ربه الكبرى ولأنها ~~منتهى العروج في مراتب الكرامة . # و { سدرة المنتهى } : اسم أطلقه القرآن على مكان علوي فوق السماء السابعة ~~، وقد ورد التصريح بها في حديث المعراج من الصحاح عن جمع من الصحابة . ~~PageV27P100 # ولعله شبه ذلك المكان بالسدرة التي هي واحدة شجر السدر إما في صفة تفرعه ~~، وإما في كونه حدا انتهى إليه قرب النبي صلى الله عليه وسلم إلى موضع لم ~~يبلغه قبله ملك ms8041 . ولعله مبني على اصطلاح عندهم بأن يجعلوا في حدود البقاع ~~سدرا . # وإضافة { سدرة } إلى { المنتهى } يجوز أن تكون إضافة بيانية . ويجوز ~~كونها لتعريف السدرة بمكان ينتهي إليه لا يتجاوزه أحد لأن ما وراءه لا ~~تطيقه المخلوقات . # والسدرة : واحدة السدر وهو شجر النبق قالوا : ويختص بثلاثة أوصاف : ظل ~~مديد ، وطعم لذيذ ، ورائحة ذكية ، فجعلت السدرة مثلا لذلك المكان كما جعلت ~~النخلة مثلا للمؤمن . # وفي قوله : { ما يغشى } إبهام للتفخيم الإجمالي وأنه تضيق عنه عبارات ~~الوصف في اللغة . # وجنة المأوى : الجنة المعروفة بأنها مأوى المتقين فإن الجنة منتهى مراتب ~~ارتقاء الأرواح الزكية . وفي حديث الإسراء بعد ذكر سدرة المنتهى ( ثم أدخلت ~~الجنة ) . # وقوله : { إذ يغشى السدرة ما يغشى } ظرف مستقر في موضع الحال من { سدرة ~~المنتهى } أريد به التنويه بما حف بهذا المكان المسمى سدرة المنتهى من ~~الجلال والجمال . وفي حديث الإسراء ( حتى انتهى بي إلى سدرة المنتهى وغشيها ~~ألوان لا أدري ما هي ) وفي رواية ( غشيها نور من الله ما يستطيع أحد أن ~~ينظر إليها ) ، وما حصل فيه للنبيء صلى الله عليه وسلم من التشريف بتلقي ~~الوحي مباشرة من الله دون واسطة الملك ففي حديث الإسراء ( حتى ظهرت بمستوى ~~أسمع فيه صريف الأقلام ففرض الله على أمتي خمسين صلاة ) الحديث . # وجملة { ما زاغ البصر وما طغى } معترضة وهي في معنى جملة { ولقد رءاه ~~نزلة أخرى } إلى آخرها ، أي رأى جبريل رؤية لا خطأ فيها ولا زيادة على ما ~~وصف ، أي لا مبالغة . PageV27P101 # والزيع : الميل عن القصد ، أي ما مال بصره إلى مرئي آخر غير ما ذكر ، ~~والطغيان : تجاوز الحد . # وجملة { لقد رأى من آيات ربه الكبرى } تذييل ، أي رأى آيات غير سدرة ~~المنتهى ، وجنة المأوى ، وما غشى السدرة من البهجة والجلال ، رأى من آيات ~~الله الكبرى . # والآيات : دلائل عظمة الله تعالى التي تزيد الرسول ارتفاعا . # ( 19 23 ) { } # . # لما جرى في صفة الوحي ومشاهدة رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه ~~السلام ما دل على شؤون جليلة من عظمة الله تعالى ms8042 وشرف رسوله صلى الله عليه ~~وسلم وشرف جبريل عليه السلام إذ وصف بصفات الكمال ومنازل العزة كما وصف ~~النبي صلى الله عليه وسلم بالعروج في المنازل العليا ، كان ذلك مما يثير ~~موازنة هذه الأحوال الرفيعة بحال أعظم آلهتهم الثلاث في زعمهم وهي : اللات ~~، والعزى ، ومناة التي هي أحجار مقرها الأرض لا تملك تصرفا ولا يعرج بها ~~إلى رفعة . فكان هذا التضاد جامعا خياليا يقتضي تعقيب ذكر تلك الأحوال بذكر ~~أحوال هاته . # فانتقل الكلام من غرض إثبات أن النبي صلى الله عليه وسلم موحى إليه ~~بالقرآن ، إلى إبطال عبادة الأصنام ، ومناط الإبطال قوله : { إن هي إلا ~~أسماء سميتموها أنتم وآباءكم ما أنزل الله بها من سلطان } . # فالفاء لتفريع الاستفهام وما بعده على جملة { أفتمارونه على ما يرى } ( ~~النجم : 12 ) المفرعة على جملة { ما كذب الفؤاد ما رأى } ( النجم : 11 ) . # والروية في { أفرأيتم } يجوز أن تكون بصرية تتعدى إلى مفعول واحد فلا ~~تطلب مفعولا ثانيا ويكون الاستفهام تقريريا تهكميا ، أي كيف ترون اللات ~~PageV27P102 والعزى ومناة بالنسبة لما وصف في عظمة الله تعالى وشرف ملائكته ~~وشرف رسوله صلى الله عليه وسلم وهذا تهكم بهم وإبطال لإلهية تلك الأصنام ~~بطريق الفحوى ، ودليله العيان . وأكثر استعمال ( أرأيت ) أن تكون للرؤية ~~البصرية على ما اختاره رضي الدين . # وتكون جملة { ألكم الذكر } الخ استئنافا وارتقاء في الرد أو بدل اشتمال ~~من جملة { أفرأيتم اللات والعزى } لأن مضمونها مما تشتمل عليه مزاعمهم ، ~~كانوا يزعمون أن اللات والعزى ومناة بنات الله كما حكى عنهم ابن عطية وصاحب ~~( الكشاف ) وسياق الآيات يقتضيه . # ويجوز أن تكون الرؤية علمية ، أي أزعمتم اللات والعزى ومناة ، فحذف ~~المفعول الثاني اختصارا لدلالة قوله : { ألكم الذكر وله الأنثى } عليه ، ~~والتقدير : أزعمتموهن بنات الله ، أتجعلون له الأنثى وأنتم تبتغون الأبناء ~~الذكور ، وتكون جملة { ألكم الذكر } الخ بيانا للإنكار وارتقاء في إبطال ~~مزاعمهم ، أي أتجعلون لله البنات خاصة وتغتبطون لأنفسكم بالبنين الذكور . # وجعل صاحب ( الكشف ) قوله : { ألكم الذكر وله الأنثى } سادا مسد المفعول ~~الثاني لفعل ( أرأيتم ) . # وأيضا لما ms8043 كان فيما جرى من صفة الوحي ومنازل الزلفى التي حظي بها النبي ~~صلى الله عليه وسلم وعظمة جبريل إشعار بسعة قدرة الله تعالى وعظيم ملكوته ~~مما يسجل على المشركين في زعمهم شركاء لله أصناما مثل اللات والعزى ومناة . ~~فساد زعمهم وسفاهة رأيهم أعقب ذكر دلائل العظمة الإلهية بإبطال إلهية ~~أصنامهم بأنها أقل من مرتبة الإلهية إذ تلك أوهام لا حقائق لها ولكن ~~اخترعتها مخيلات أهل الشرك ووضعوا لها أسماء ما لها حقائق ، ففرع { أفرأيتم ~~اللات والعزى } الخ فيكون الاستفهام تقريريا إنكاريا ، والرؤية علمية ~~والمفعول الثاني هو قوله : { إن هي إلا أسماء سميتموها } . 5 # وتكون جملة { ألكم الذكر وله الأنثى } الخ معترضة بين المفعولين للارتقاء ~~في الإنكار ، أي وزعمتوهن بنات لله أو وزعمتم الملائكة بنات لله . ~~PageV27P103 # وهذه الوجوه غير متنافية فنحملها على أن جميعها مقصود في هذا المقام . # ولك أن تجعل فعل ( أرأيتم ) ( على اعتبار الرؤية علمية ) معلقا عن العمل ~~لوقوع { إن } النافية بعده في قوله : { إن هي إلا أسماء سميتموها } وتجعل ~~جملة { ألكم الذكر وله الأنثى } إلى قوله : { ضيزى } اعتراضا . # واللات : صنم كان لثقيف بالطائف ، وكانت قريش وجمهور العرب يعبدونه ، وله ~~شهرة عند قريش ، وهو صخرة مربعة بنوا عليها بناء . وقال الفخر : ( كان على ~~صورة إنسان ، وكان في موضع منارة مسجد الطائف اليسرى ) كذا قال القرطبي ~~فلعل المسجد كانت له منارتان . # والألف واللام في أول { اللات } زائدتان . و ( ال ) الداخلة عليه زائدة ~~ولعل ذلك لأن أصله : لات ، بمعنى معبود ، فلما أرادوا جعله علما على معبود ~~خاص أدخلوا عليه لام تعريف العهد كما في { الله } فإن أصله إله . ويوقف ~~عليه بسكون تائه في الفصحى . # وقرأ الجمهور : { اللات } بتخفيف المثناة الفوقية . وقرأه رويس عن يعقوب ~~بتشديد التاء وذلك لغة في هذا الاسم لأن كثيرا من العرب يقولون : أصل صخرته ~~موضع كان يجلس عليه رجل في الجاهلية يلت السويق للحاج فلما مات اتخذوا ~~مكانه معبدا . # و { العزى } : فعلي من العز : اسم صنم حجر أبيض عليه بناء وقال الفخر : ( ~~كان على صورة نبات ) ولعله ms8044 يعني : أن الصخرة فيها صورة شجر ، وكان ببطن ~~نخلة فوق ذات عرق وكان جمهور العرب يعبدونها وخاصة قريش وقد قال أبو سفيان ~~يوم أحد يخاطب المسلمين ( لنا العزى ولا عزى لكم ) . # وذكر الزمخشري في تفسير سورة الفاتحة أن العرب كانوا إذا شرعوا في عمل ~~قالوا : بسم اللات باسم العزى . # وأما { مناة } فعلم مرتجل ، وهو مؤنث فحقه أن يكتب بهاء تأنيث في آخره ~~ويوقف عليه بالهاء ، ويكون ممنوعا من الصرف ، وفيه لغة بالتاء الأصلية في ~~آخره PageV27P104 فيوقف عليه بالتاء ويكون مصروفا لأن تاء لات مثل باء باب ~~، وأصله : منواة بالتحريك وقد يمد فيقال : منآة وهو ممنوع من الصرف للعلمية ~~والتأنيث . وقياس الوقف عليه أن يوقف عليه بالهاء ، وبعضهم يقف عليه بالتاء ~~تبعا لخط المصحف ، وكان صخرة وقد عبده جمهور العرب وكان موضعه في المشلل ~~حذو قديد بين مكة والمدينة ، وكان الأوس والخزرج يطوفون حوله في الحج عوضا ~~عن الصفا والمروة فلما حج المسلمون وسعوا بين الصفا والمروة تحرج الأنصار ~~من السعي لأنهم كانوا يسعون بين الصفا والمروة فنزل فيهم قوله تعالى : { إن ~~الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف ~~بهما كما تقدم عن حديث عائشة في الموطأ } في سورة البقرة . # وقرأ الجمهور { ومناة } بتاء بعد الألف . وقرأه ابن كثير بهمزة بعد الألف ~~على إحدى اللغتين . والجمهور يقفون عليه بالتاء تبعا لرسم المصحف فتكون ~~التاء حرفا من الكلمة غير علامة تأنيث فهي مثل تاء { اللات } ويجعلون رسمها ~~في المصحف على غير قياس . # ووصفها بالثالثة لأنها ثالثة في الذكر وهو صفة كاشفة ، ووصفها بالأخرى ~~أيضا صفة كاشفة لأن كونها ثالثة في الذكر غير المذكورتين قبلها معلوم ~~للسامع ، فالحاصل من الصفتين تأكيد ذكرها لأن اللات والعزى عند قريش وعند ~~جمهور العرب أشهر من مناة لبعد مكان مناة عن بلادهم ولأن ترتيب مواقع بيوت ~~هذه الأصنام كذلك ، فاللات في أعلى تهامة بالطائف ، والعزى في وسطها بنخلة ~~بين مكة والطائف ، ومناة بالمشلل بين مكة والمدينة فهي ثالثة البقاع ms8045 . # وقال ابن عطية : كانت مناة أعظم هذه الأوثان قدرا وأكثرها عابدا ولذلك ~~قال تعالى : { الثالثة الأخرى } فأكدها بهاتين الصفتين . # والأحسن أن قوله : { الثالثة الأخرى } جرى على أسلوب العرب إذا أخبروا عن ~~متعدد وكان فيه من يظن أنه غير داخل في الخبر لعظمة أو تباعد عن التلبس ~~بمثل ما تلبس به نظراؤه أن يختموا الخبر فيقولوا : ( وفلان هو الآخر ) ~~ووجهه هنا أن عباد مناة كثيرون في قبائل العرب فنبه على أن كثرة عبدتها لا ~~يزيدها قوة على بقية الأصنام في مقام إبطال إلهيتها وكل ذلك جار مجرى ~~التهكم والتسفيه . PageV27P105 # وجملة { ألكم الذكر وله الأنثى } ارتقاء في الإبطال والتهكم والتسفيه كما ~~تقدم ، وهي مجاراة لاعتقادهم أن تلك الأصنام الثلاثة بنات الله وأن ~~الملائكة بنات الله ، أي أجعلتم لله البنات خاصة وأنتم تعلمون أن لكم ~~أولادا ذكورا وإناثا وأنكم تفضلون الذكور وتكرهون الإناث وقد خصصتم الله ~~بالإناث دون الذكور والله أولى بالفضل والكمالل لو كنتم تعلمون فكان في هذا ~~زيادة تشنيع لكفرهم إذ كان كفرا وسخافة عقل . # وكون العزى ومناة عندهم انثتين ظاهر من صيغة اسميهما ، وأما اللات فبقطع ~~النظر عن اعتبار التاء في الاسم علامة تأثيث أو أصلا من الكلمة فهم كانوا ~~يتوهمون اللات أنثى ، ولذلك قال أبو بكر رضي الله عنه لعروة بن مسعود ~~الثقفي يوم الحديبية ( امصص أو اعضض بظر اللات ) . # وتقديم المجرورين في { ألكم الذكر وله الأنثى } للاهتمام بالاختصاص الذي ~~أفادته اللام اهتماما في مقام التهكم والتسفيه على أن في تقديم { وله ~~الأنثى } ( إفادة الاختصاص ) أي دون الذكر . # وجملة { تلك إذا قسمة ضيزى } تعليل للإنكار والتهكم المفاد من الاستفهام ~~في { ألكم الذكر وله الأنثى } ، أي قد جرتم في القسمة وما عدلتم فأنتم ~~أحقاء بالإنكار . # والإشارة ب { تلك } إلى المذكور باعتبار الإخبار عنه بلفظ { قسمة } فإنه ~~مؤنث اللفظ . # و { إذن } حرف جواب أريد به جواب الاستفهام الإنكاري ، أي ترتب على ما ~~زعمتم أن ذلك قسمة ضيزى ، أي قسمتم قسمة جائرة . # و { ضيزى } : وزنه فعلى بضم الفاء من ضازة حقه ، إذا ms8046 نقصه ، وأصل عين ضاز ~~همزة ، يقال : ضأزه حقه كمنعه ثم كثر في كلامهم تخفيف الهمزة فقالوا : ضازه ~~بالألف . ويجوز في مضارعه أن يكون يائي العين أو واويها قال الكسائي : يجوز ~~ضاز يضيز ، وضاز يضوز . وكأنه يريد أن لك الخيار في المهموز العين إذا خفف ~~PageV27P106 أن تلحقه بالواو أو الياء ، لكن الأكثر في كلامهم اعتبار العين ~~ياء فقالوا : ضازه حقه ضيزا ولم يقولوا ضوزا لأن الضوز لوك التمر في الفم ، ~~فأرادوا التفرقة بين المصدرين ، وهذا من محاسن الاستعمال وعن المؤرج ~~السدوسي كرهوا ضم الضاد في ضوزى فقالوا : ضيزى . كأنه يريد استثقلوا ضم ~~الضاد ، أي في أول الكلمة مع أن لهم مندوحة عنه بالزنة الأخرى . # ووزن { ضيزى } : فعلى اسم تفضيل ( مثل كبرى وطوبى ) أي شديدة الضيز فلما ~~وقعت الياء الساكنة بعد الضمة حركوه بالكسر محافظة على الياء لئلا يقلبوها ~~واوا فتصير ضوزى وهو ما كرهوه كما قال المؤرج . وهذا كما فعلوا في بيض جمع ~~أبيض ولو اعتبروه تفضيلا من ضاز يضوز لقالوا : ضوزى ولكنهم أهملوه . # وقيل : وزن { ضيزى } فعلى بكسر الفاء على أنه اسم مثل دفلى وشعرى ، ويبعد ~~هذا أنه مشتق فهو بالوصفية أجدر . قال سيبويه : لا يوجد فعلى بكسر الفاء في ~~الصفات ، أو على أنه مصدر مثل ذكرى وعلى الوجهين كسرته أصلية . # وقرأ الجمهور { ضيزى } بياء ساكنة بعد الضاد . وقرأه ابن كثير بهمزة ~~ساكنة بعد الضاد مراعاة لأصل الفعل كما تقدم آنفا . وهذا وسم لهم بالجور ~~زيادة على الكفر لأن التفكير في الجور كفعله فإن تخيلات الإنسان ومعتقداته ~~عنوان على أفكاره وتصرفاته . # وجملة { إن هي إلا أسماء سميتموها } استئناف يكر بالإبطال على معتقدهم من ~~أصله بعد إبطاله بما هو من لوازمه على مجاراتهم فيه لإظهار اختلال معتقدهم ~~وفي هذه الجملة احتراس لئلا يتوهم متوهم إنكار نسبتهم البنات لله إنه إنكار ~~لتخصيصهم الله بالبنات وأن له أولادا ذكورا وإناثا أو أن مصب الإنكار على ~~زعمهم أنها بنات وليست ببنات فيكون كالإنكار عليهم في زعمهم الملائكة بنات ~~. والضمير { هي } عائد إلى اللات والعزى ms8047 ومناة . وما صدق الضمير الذات ~~والحقيقة ، أي ليست هذه الأصنام إلا أسماء لا مسمياتت لها ولا حقائق ثابتة ~~وهذا كقوله تعالى : { ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها } ( يوسف : 40 ~~) . # والقصر إضافي ، أي هي أسماء لا حقائق عاقلة متصرفة كما تزعمون ، وليس ~~PageV27P107 القصر حقيقيا لأن لهاته الأصنام مسميات وهي الحجارة أو البيوت ~~التي يقصدونها بالعبادة ويجعلون لها سدنة . # وجملة { ما أنزل الله بها من سلطان } تعليل لمعنى القصر بطريقة الاكتفاء ~~لأن كونها لا حقائق لها في عالم الشهادة أمر محسوس إذ ليست إلا حجارة . # وأما كونها لا حقائق لها من عالم الغيب فلأن عالم الغيب لا طريق إلى ~~إثبات ما يحتويه إلا بإعلام من عالم الغيب سبحانه ، أو بدليل العقل كدلالة ~~العالم على وجود الصانع وبعض صفاته والله لم يخبر أحدا من رسله بأن للأصنام ~~أرواحا أو ملائكة ، مثل ما أخبر عن حقائق الملائكة والجن والشياطين . # والسلطان : الحجة ، وإنزالها من الله : الإخبار بها ، وهذا كناية عن ~~انتفاء أن تكون عليها حجة لأن وجود الحجة يستلزم ظهورها ، فنفي إنزال الحجة ~~بها من باب : # على لاحب لا يهتدي بمناره # أي لا منار له فيهتدى به . # وعبر عن الإخبار الموحى به بفعل ( أنزل ) لأنه إخبار يرد من العالم ~~العلوي فشبه بإدلاء جسم من أعلى إلى أسفل . # وكذلك عبر عن إقامة دلائل الوجود بالإنزال لأن النظر الفكري من خلق الله ~~فشبه بالإنزال كقوله : { هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين } ( الفتح ~~: 4 ) ، فاستعمال { ما أنزل الله بها من سلطان } من استعمال اللفظ في ~~معنييه المجازيين . وفي معنى هذه الآية قوله تعالى : { ويعبدون من دون الله ~~ما لم ينزل به سلطانا وما ليس لهم به علم في سورة الحج ، وتقدم في سورة ~~يوسف قوله : ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل ~~الله بها من سلطان . # وأكد نفي إنزال السلطان بحرف ( من ) الزائدة لتوكيد نفي الجنس . ~~PageV27P108 # } . # هذا تحويل عن خطاب المشركين الذي كان ابتداؤه من أول السورة وهو من ضروب ~~الالتفات ، وهو ms8048 استئناف بياني فضمير { يتبعون } عائد إلى الذين كان الخطاب ~~موجها إليهم . # أعقب نفي أن تكون لهم حجة على الخصائص التي يزعمونها لأصنافهم أو على أن ~~الله سماهم بتلك الأسماء بإثبات أنهم استندوا فيما يزعمونه إلى الأوهام وما ~~تحبه نفوسهم من عبادة الأصنام ومحبة سدنتها ومواكب زيارتها ، وغرورهم بأنها ~~تسعى في الوساطة لهم عند الله تعالى بما يرغبونه في حياتهم فتلك أوهام ~~وأماني محبوبة لهم يعيشون في غرورها . # وجيء بالمضارع في { يتبعون } للدلالة على أنهم سيسمرون على اتباع الظن ~~وما تهواه نفوسهم وذلك يدل على أنهم اتبعوا ذلك من قبل بدلالة لحن الخطاب ~~أو فحواه . # وأصل الظن الإعتقاد غير الجازم ، ويطلق على العلم الجازم إذا كان متعلقا ~~بالمغيبات كما في قوله تعالى : { الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم في سورة ~~البقرة ، وكثر إطلاقه في القرآن على الإعتقاد الباطل كقوله تعالى : إن ~~يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون في سورة الأنعام ، ومنه قول النبي : ~~إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث وهو المراد هنا بقرينة عطف وما تهوى ~~الأنفس } عليه كما عطف { وإن هم إلا يخرصون } على نظيره في سورة الأنعام ، ~~وهو كناية عن الخطأ باعتبار لزومه له غالبا كما قال تعالى : { يأيها الذين ~~آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم } ( الحجرات : 12 ) . # وهذا التفنن في معاني الظن في القرآن يشير إلى وجوب النظر في الأمر ~~المظنون حتى يلحقه المسلم بما يناسبه من حسن أو ذم على حسب الأدلة ، ولذلك ~~استنبط علماؤنا أن الظن لا يغني في إثبات أصول الإعتقاد وأن الظن الصائب ~~تناط به تفاريع الشريعة . PageV27P109 # والمراد ب { ما تهوى الأنفس } : ما لا باعث عليه إلا الميل الشهواني ، ~~دون الأدلة فإن كان الشيء المحبوب قد دلت الأدلة على حقيقته فلا يزيده حبه ~~إلا قبولا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ( ورجلان تحابا في الله اجتمعا ~~عليه وافترقا عليه ، ورجل قلبه معلق بالمساجد ) وقال : ( وجعلت قرة عيني في ~~الصلاة ) . # فمناط الذم في هذه الآية هو قصر اتباعهم على ما تهواه ms8049 أنفسهم . # ثم إن للظن في المعاملات بين الناس والأخلاق النفسانية أحكاما ومراتب غير ~~ما له في الديانات أصولها وفروعها ، فمنه محمود ومنه مذموم ، كما قال تعالى ~~: { إن بعض الظن إثم } وقيل : الحزم سوء الظن بالناس . # والتعريف في { الأنفس } عوض عن المضاف إليه ، أي وما تهواه أنفسهم و { ما ~~} موصولة . # وعطف { وما تهوى الأنفس } على الظن عطف العلة على المعلول ، أي الظن الذي ~~يبعثهم على إتباعه أنه موافق لهداهم وإلفهم . # وجملة { ولقد جاءهم من ربهم الهدى } حالية مقررة للتعجيب من حالهم ، أي ~~يستمرون على اتباع الظن والهوى في حال أن الله أرسل إليهم رسولا بالهدى . # ولام القسم لتأكيد الخبر للمبالغة فيما يتضمنه من التعجيب من حالهم كأن ~~المخاطب يشك في أنه جاءهم ما فيه هدى مقنع لهم من جهة استمرارهم على ضلالهم ~~استمرارا لا يظن مثله بعاقل . # والتعبير عن الجلالة بعنوان { ربهم } لزيادة التعجيب من تصاممهم عن سماع ~~الهدى مع أنه ممن تجب طاعته فكان ضلالهم مخلوطا بالعصيان والتمرد على ~~خالقهم . # والتعريف في { الهدى } للدلالة على معنى الكمال ، أي الهدى الواضح . ~~PageV27P110 # ( 24 ، 25 ) # إضراب انتقالي ناشىء عن قوله : { وما تهوى الأنفس } ( النجم : 23 ) . # والاستفهام المقدر بعد { أم } إنكاري قصد به إبطال نوال الإنسان ما ~~يتمناه وأن يجعل ما يتمناه باعثا عن أعماله ومعتقداته بل عليه أن يتطلب ~~الحق من دلائله وعلاماته وإن خالف ما يتمناه . وهذا متصل بقوله : { إن ~~يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى } ( النجم : 23 ~~) . # وهذا تأديب وترويض للنفوس على تحمل ما يخالف أهواءها إذا كان الحق مخالفا ~~للهوى وليحمل نفسه عليه حتى تتخلق به . # وتعريف { الإنسان } تعريف الجنس ووقوعه في حيز الإنكار المساوي للنفي ~~جعله عاما في كل إنسان . # والموصول في { ما تمنى } بمنزلة المعرف بلام الجنس فوقوعه في حيز ~~الاستفهام الإنكاري الذي بمنزلة النفي يقتضي العموم ، أي ما للإنسان شيء ~~مما تمنى ، أي ليس شيء جاريا على إرادته بل على إرادة الله وقد شمل ذلك كل ~~هوى دعاهم إلى الإعراض عن كلام ms8050 الرسول صلى الله عليه وسلم فشمل تمنيهم ~~شفاعة الأصنام وهو الأهم من أحوال الأصنام عندهم وذلك ما يؤذن به قوله بعد ~~هذا { وكم من ملك في السماوات لا تغنى شفاعتهم شيئا } ( النجم : 26 ) الآية ~~. وتمنيهم أن يكون الرسول ملكا وغير ذلك نحو قولهم : { لولا نزل هذا القرآن ~~على رجل من القريتين عظيم } ( الزخرف : 31 ) ، وقولهم : { ائت بقرآن غير ~~هذا أو بدله } ( يونس : 15 ) . # وفرع على الإنكار أن الله مالك الآخرة والأولى ، أي فهو يتصرف في أحوال ~~أهلهما بحسب إرادته لا بحسب تمني الإنسان . وهذا إبطال لمعتقدات المشركين ~~التي منها يقينهم بشفاعة أصنامهم . # وتقديم المجرور في { للإنسان ما تمنى } ، لأن محط الإنكار هو أمنيتهم أن ~~تجري الأمور على حسب أهوائهم فلذلك كانوا يعرضون عن كل ما يخالف أهواءهم . ~~فتقديم المعمول هنا لإفادة القصر وهو قصر قلب ، أي ليس ذلك PageV27P111 ~~مقصورا عليهم كما هو مقتضى حالهم فنزلوا منزلة من يرون الأمور تجري على ما ~~يتمنون ، أي بل أماني الإنسان بيد الله يعطي بعضها ويمنع بعضها كما دل عليه ~~التفريع عقبه بقوله : { فلله الآخرة والأولى } . # وهذا من معاني الحكمة لأن رغبة الإنسان في أن يكون ما يتمناه حاصلا رغبة ~~لو تبصر فيها صاحبها لوجد تحقيقها متعذرا لأن ما يتمناه أحد يتمناه غيره ~~فتتعارض الأماني فإذا أعطي لأحد ما يتمناه حرم من يتمنى ذلك معه فيفضي ذلك ~~إلى تعطيل الأمنيتين بالأخارة ، والقانون الذي أقام الله عليه نظام هذا ~~الكون أن الحظوظ مقسمة ، ولكل أحد نصيب ، ومن حق العاقل أن يتخلق على الرضى ~~بذلك وإلا كان الناس في عيشة مريرة . وفي الحديث ( لا تسألل المرأة طلاق ~~أختها لتستفرغ صحفتها ولتقعد فإن لها ما كتب لها ) . # وتفريع { فلله الآخرة والأولى } تصريح بمفهوم القصر الإضافي كما علمت ~~آنفا . وتقديم المجرور لإفادة الحصر ، أي لله لا للإنسان . # و { الآخرة } العالم الأخروي ، و { الأولى } العالم الدنيوي . والمراد ~~بهما ما يحتويان عليه من الأمور ، أي أمور الآخرة وأمور الأولى ، والمقصود ~~من ذكرهما تعميم الأشياء مثل قوله : { رب المشرقين ورب المغربين ms8051 } ( الرحمن ~~: 17 ) . # وإنما قدمت الآخرة للاهتمام بها والتثنية إلى أنها التي يجب أن يكون ~~اعتناء المؤمنين بها لأن الخطاب في هذه الآية للنبيء صلى الله عليه وسلم ~~والمسلمين ، مع ما في هذا التقديم من الرعاية للفاصلة . # لما بين الله أن أمور الدارين بيد الله تعالى وأن ليس للإنسان ما تمنى ، ~~ضرب لذلك مثالا من الأماني التي هي أعظم أماني المشركين وهي قولهم في ~~الأصنام { ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى } ( الزمر : 3 ) ، وقولهم ~~: { هؤلاء شفعاؤنا عند الله } ( يونس : 18 ) ، PageV27P112 فبين إبطال ~~قولهم بطريق فحوى الخطاب وهو أن الملائكة الذين لهم شرف المنزلة لأن ~~الملائكة من سكان السماوات ( فهم لا يستطيعون إنكار أنهم أشرف من الأصنام ) ~~لا يملكون الشفاعة إلا إذا أذن الله أن يشفع إذا شاء أن يقبل الشفاعة في ~~المشفوع له ، فكيف يكون للمشركين ما تمنوا من شفاعة الأصنام للمشركين الذين ~~يقولون { هؤلاء شفعاؤنا عند الله } وهي حجارة في الأرض وليست ملائكة في ~~السماوات ، فثبت أن لا شفاعة إلا لمن شاء الله ، وقد نفي الله شفاعة ~~الأصنام فبطل اعتقاد المشركين أنهم شفعاؤهم ، فهذه مناسبة عطف هذه الجملة ~~على جملة { أم للإنسان ما تمنى } ( النجم : 24 ) . وليس هذا الانتقال ~~اقتضابا لبيان عظم أمر الشفاعة . # و { كم } اسم يدل على كثرة العدد وهو مبتدأ والخبر { لا تغني شفاعتهم } . # وقد تقدم الكلام على { كم } في قوله تعالى : { سل بني إسرائيل كم آتيناهم ~~من آية بينة في سورة البقرة ، وقوله : وكم من قرية أهلكناها في الأعراف . # وفي السموات } صفة ل { ملك } . والمقصود منها بيان شرفهم بشرف العالم ~~الذي هم أهله ، وهو عالم الفضائل ومنازل الأسرار . # وجملة { لا تغني شفاعتهم } الخ ، خبر عن { كم } ، أي لا تغني شفاعة أحدهم ~~فهو عام لوقوع الفعل في سياق النفي ، ولإضافة شفاعة إلى ضميرهم ، أي جميع ~~الملائكة على كثرتهم وعلو مقدارهم لا تغني شفاعة واحد منهم . # و { شيئا } مفعول مطلق للتعميم ، أي شيئا من الإغناء لزيادة التنصيص على ~~عموم نفي إغناء شفاعتهم . # ولما كان ظاهر قوله : { لا ms8052 تغني شفاعتهم } يوهم أنهم قد يشفعون فلا تقبل ~~شفاعتهم ، وليس ذلك مرادا لأن المراد أنهم لا يجرأون على الشفاعة عند الله ~~فلذلك عقب بالاستثناء بقوله : { إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى } ~~، وذلك ما اقتضاه قوله : { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى } ( الأنبياء : 28 ) ~~وقوله : { من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه } ( البقرة : 225 ) أي إلا من ~~بعد أن يأذن الله لأحدهم في الشفاعة ويرضى بقبولها في المشفوع له . ~~PageV27P113 # فالمراد ب { لمن يشاء } من يشاؤه الله منهم ، أي فإذا أذن لأحدهم قبلت ~~شفاعته . واللام في قوله : { لمن يشاء } هي اللام التي تدخل بعد مادة ~~الشفاعة على المشفوع له فهي متعلقة بشفاعتهم على حد قوله تعالى : { ولا ~~يشفعون إلا لمن ارتضى } ، وليست اللام متعلقة ب { يأذن الله } . ومفعول { ~~يأذن } محذوف دل عليه قوله : { لا تغني شفاعتهم } ، وتقديره : أن يأذنهم ~~الله . # ويجوز أن تكون اللام لتعدية { يأذن } إذا أريد به معنى يستمع ، أي أن ~~يظهر لمن يشاء منهم أنه يقبل منه . ومعنى ذلك أن الملائكة لا يزالون ~~يتقربون بطلب إلحاق المؤمنين بالمراتب العليا كما دل عليه قوله تعالى : { ~~ويستغفرون للذين آمنوا } ( غافر : 7 ) وقوله : { ويستغفرون لمن في الأرض } ~~( الشورى : 5 ) فإن الاستغفار دعاء والشفاعة توجه أعلى ، فالملائكة يعلمون ~~إذا أراد الله استجابة دعوتهم في بعض المؤمنين أذن لأحدهم أن يشفع له عند ~~الله فيشفع فتقبل شفاعته ، فهذا تقريب كيفية الشفاعة . ونظيره ما ورد في ~~حديث شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم في موقف الحشر . # وعطف { ويرضى } على { لمن يشاء } للإشارة إلى أن إذن الله بالشفاعة يجري ~~على حسب إرادته إذا كان المشفوع له أهلا لأن يشفع له . وفي هذا الإبهام ~~تحريض للؤمنين أن يجتهدوا في التعرض لرضى الله عنهم ليكونوا أهلا للعفو عما ~~فرطوا فيه من الأعمال . # ( 27 ، 28 ) # . # اعتراض واستطراد لمناسبة ذكر الملائكة وتبعا لما ذكر آنفا من جعل ~~المشركين اللات والعزى ومناة بناتت لله بقوله : { أفرأيتم اللات والعزى إلى ~~قوله : ألكم الذكر وله الأنثى } ( النجم : 19 21 ) ثني إليهم ms8053 عنان الرد ~~والإبطال لزعمهم أن الملائكة بنات الله جمعا بين رد باطلين متشابهين ، وكان ~~مقتضى الظاهر أن يعبر عن المردود عليهم بضمير الغيبة تبعا لقوله : { إن ~~يتبعون إلا الظن } ( النجم : 28 ) ، فعدل عن الإضمار إلى الإظهار ~~بالموصولية لما تؤذن به الصلة من التوبيخ لهم والتحقير لعقائدهم إذ كفروا ~~PageV27P114 بالآخرة وقد تواتر إثباتها على ألسنة الرسل وعند أهل الأديان ~~المجاورين لهم من اليهود والنصارى والصابئة ، فالموصولية هنا مستعملة في ~~التحقير والتهكم نظير حكاية الله عنهم : { وقالوا يا أيها الذي نزل عليه ~~الذكر إنك لمجنون } ( الحجر : 6 ) إلا أن التهكم المحكي هنالك تهكم المبطل ~~بالمحق لأنهم لا يعتقدون وقوع الصلة ، وأما التهكم هنا فهو تهكم المحق ~~بالمبطل لأن مضمون الصلة ثابت لهم . # والتسمية مطلقة هنا على التوصيف لأن الاسم قد يطلق على اللفظ الدال على ~~المعنى وقد يطلق على المدلول المسمى ذاتا كان أو معنى كقول لبيد : # إلى الحول ثم اسم السلام عليكما # أي السلام عليكما ، وقوله تعالى : { سبح اسم ربك الأعلى } ( الأعلى : 1 ) ~~وقوله تعالى : { عينا فيها تسمى سلسبيلا } ( الإنسان : 18 ) أي توصف بهذا ~~الوصف في حسن مآبها ، وقوله تعالى : { هل تعلم له سميا } ( مريم : 65 ) ، ~~أي ليس لله مثيل . وقد مر بيانه مستوفى عند تفسير { بسم الله الرحمن الرحيم ~~في أول الفاتحة . # والمعنى : أنهم يزعمون الملائكة إناثا وذلك توصيف قال تعالى : وجعلوا ~~الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا } ( الزخرف : 19 ) ، وكانوا يقولون ~~الملائكة بنات الله من سروات الجن قال تعالى : { وقالوا اتخذ الرحمن ولدا ~~سبحانه بل عباد مكرمون } ( الأنبياء : 26 ) وقال : { وجعلوا بينه وبين ~~الجنة نسبا } ( الصافات : 158 ) . # والتعريف في { الأنثى } تعريف الجنس الذي هو في معنى المتعدد والذي دعا ~~إلى هذا النظم مراعاة الفواصل ليقع لفظ { الأنثى } فاصلة كما وقع لفظ { ~~الأولى } ولفظ { يرضى } ولفظ { شيئا } . # وجملة { وما لهم به من علم } حال من ضمير { يسمون } ، أي يثبتون للملائكة ~~صفات الإناث في حال انتفاء علم منهم بذلك وإنما هو تخيل وتوهم إذ العلم لا ~~يكون إلا عن دليل لهم ms8054 فنفي العلم مراد به نفيه ونفي الدليل على طريقة ~~الكناية . PageV27P115 # . # موقع هذه الجملة ذو شعب : فإن فيها بيانا لجملة { وما لهم به من علم } ~~وعودا إلى جملة { إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس } ، وتأكيدا لمضمونها ~~وتوطئة لتفريع { فأعرض عن من تولى عن ذكرنا } ( النجم : 29 ) . # واستعير الاتباع للأخذ بالشيء واعتقاد مقتضاه أي ما يأخذون في ذلك إلا ~~بدليل الظن المخطىء . # وأطلق الظن على الإعتقاد المخطىء كما هو غالب إطلاقه مع قرينة قوله عقبه ~~{ وإن الظن لا يغني من الحق شيئا } وتقدم نظيره آنفا . # وأظهر لفظ { الظن } دون ضميره لتكون الجملة مستقلة بنفسها فتسير مسير ~~الأمثال . # ونفي الإغناء معناه نفي الإفادة ، أي لا يفيد شيئا من الحق فحرف { من } ~~بيان وهو مقدم على المبين أعني شيئا . # و { شيئا } منصوب على المفعول به ل { يغني } . # والمعنى : أن الحق حقائق الأشياء على ما هي عليه وإدراكها هو العلم ( ~~المعرف بأنه تصور المعلوم على ما هو عليه ) والظن لا يفيد ذلك الإدراك ~~بذاته فلو صادف الحق فذلك على وجه الصدفة والاتفاق ، وخاصة الظن المخطىء ~~كما هنا . # ( 29 ، 30 ) # . # بعد أن وصف مداركهم الباطلة وضلالهم فرع عليه أمر نبيه صلى الله عليه ~~وسلم بالإعراض عنهم ذلك لأن ما تقدم من وصف ضلالهم كان نتيجة إعراضهم عن ~~ذكر الله وهو PageV27P116 التولي عن الذكر فحق أن يكون جزاؤهم عن ذلك ~~الإعراض إعراضا عنهم فإن الإعراض والتولي مترادفان أو متقاربان فالمراد ب { ~~من تولى } الفريق الذين أعرضوا عن القرآن وهم المخاطبون آنفا بقوله : { ما ~~ضل صاحبكم وما غوى } ( النجم : 2 ) وقوله : { أفرأيتم اللات والعزى } ( ~~النجم : 19 ) والمخبر عنهم بقوله : { إن يتبعون إلا الظن } ( النجم : 28 ) ~~الخ وقوله : { إن الذين لا يؤمنون بالآخرة } ( النجم : 27 ) الخ . # والإعراض والتولي كلاهما مستعمل هنا في مجازه ؛ فأما الإعراض فهو مستعار ~~لترك المجادلة أو لترك الاهتمام بسلامتهم من العذاب وغضب الله ، وأما ~~التولي فهو مستعار لعدم الاستماع أو لعدم الامتثال . # وحقيقة الإعراض : لفت الوجه عن الشيء لأنه مشتق من العارض وهو صفحة ms8055 الخد ~~لأن الكاره لشيء يصرف عنه وجهه . # وحقيقة التولي : الإدبار والإنصراف ، وإعراض النبي صلى الله عليه وسلم ~~عنهم المأمور به مراد به عدم الاهتمام بنجاتهم لأنهم لم يقبلوا الإرشاد ~~وإلا فإن النبي صلى الله عليه وسلم مأمور بإدامة دعوتهم للإيمان فكما كان ~~يدعوهم قبل نزول هذه الآية فقد دعاهم غير مرة بعد نزولها ، على أن الدعوة ~~لا تختص بهم فإنها ينتفع بها المؤمنون ، ومن لم يسبق منه إعراض من المشركين ~~فإنهم يسمعون ما أنذر به المعرضون ويتأملون فيما تصفهم به آيات القرآن ، ~~وبهذا تعلم أن لا علاقة لهذه الآية وأمثالها بالمتاركة ولا هي منسوخة بآيات ~~القتال . # وقد تقدم الكلام على ذلك في قوله : { فأعرض عنهم وعظهم } في سورة النساء ~~وقوله : { وأعرض عن المشركين } في سورة الأنعام ، فضم إليه ما هنا . # وما صدق { من تولى } القوم الذين تولوا وإنما جرى الفعل على صيغة المفرد ~~مراعاة للفظ { من } ألا ترى قوله : { ذلك مبلغهم } بضمير الجمع . # وجيء بالاسم الظاهر في مقام الإضمار فقيل { فأعرض عن من تولى عن ذكرنا } ~~دون : فأعرض عنهم لما تؤذن به صلة الموصول من علة الأمر بالإعراض عنهم ومن ~~ترتب توليهم عن ذكر الله على ما سبق وصفه من ضلالهم إذ لم يتقدم وصفهم ~~بالتولي عن الذكر وإنما تقدم وصف أسبابه . PageV27P117 # والذكر المضاف إلى ضمير الجلالة هو القرآن . # ومعنى { ولم يرد إلا الحياة الدنيا } كناية عن عدم الإيمان بالحياة ~~الآخرة كما دل عليه قوله : { ذلك مبلغهم من العلم } لأنهم لو آمنوا بها على ~~حقيقتها لأرادوها ولو ببعض أعمالهم . # وجملة { ذلك مبلغهم من العلم } اعتراض وهو استئناف بياني بين به سبب ~~جهلهم بوجود الحياة الآخرة لأنه لغرابته مما يسأل عنه السائل وفيه تحقير ~~لهم وازدراء بهم بقصور معلوماتهم . # وهذا الاستئناف وقع معترضا بين الجمل وعلتها في قوله : { إن ربك هو أعلم ~~بمن ضل عن سبيله } الآية . # وأعني حاصل قوله : { ولم يرد إلا الحياة الدنيا } . # وقوله : { ذلك } إشارة إلى المذكور في الكلام السابق من قوله : { ولم يرد ~~إلا الحياة الدنيا } استعير ms8056 للشيء الذي لم يعلموه اسم الحد الذي يبلغ إليه ~~السائر فلا يعلم ما بعده من البلاد . # . # تعليل لجملة { فأعرض عن من تولى } وهو تسلية للنبيء صلى الله عليه وسلم ~~والخبر مستعمل في معنى أنه متولي حسابهم وجزائهم على طريقة الكناية ، وفيه ~~وعيد للضالين . والتوكيد المفاد ب { إن } وبضمير الفصل راجع إلى المعنى ~~الكنائي ، وأما كونه تعالى أعلم بذلك فلا مقتضى لتأكيدها لما كان المخاطب ~~به النبي صلى الله عليه وسلم والمعنى : هو أعلم منك بحالهم . # وضمير الفصل مفيد القصر وهو قصر حقيقي . والمعنى : أنت لا تعلم دخائلهم ~~فلا تتحسر عليهم . PageV27P118 # وجملة { وهو أعلم بمن اهتدى } تتميم ، وفيه وعد للمؤمنين وبشارة للنبيء ~~صلى الله عليه وسلم والباء في ب { من ضل } وفي ب { من اهتدى } لتعدية صفتي ~~{ أعلم } وهي للملابسة ، أي هو أشد علما ملابسا لمن ضل عن سبيله ، أي ~~ملابسا لحال ضلاله ، وتقديم ذكر { من ضل } على ذكر { من اهتدى } لأن ~~الضالين أهم في هذا المقام ، وأما ذكر المهتدين فتتميمم . # ( 31 ، 32 ) # . # عطف على قوله : { إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله } الخ فبعد أن ذكر أن ~~لله أمور الدارين بقوله : { فلله الآخرة والأولى } ( النجم : 25 ) انتقل ~~إلى أهم ما يجري في الدارين من أحوال الناس الذين هم أشرف ما على الأرض ~~بمناسبة قوله : { إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله } ( النجم : 30 ) المراد ~~به الإشارة إلى الجزاء وهو إثبات لوقوع البعث والجزاء . # فالمقصود الأصلي من هذا الكلام هو قوله : { وما في الأرض } لأن المهم ما ~~في الأرض إذ هم متعلق الجزاء ، وإنما ذكر معه ما في السماوات على وجه ~~التتميم للإعلام بإحاطة ملك الله لما احتوت عليه العوالم كلها ونكتة ~~الابتداء بالتتميم دون تأخيره الذي هو مقتضى ظاهر في التتميمات هي الاهتمام ~~بالعالم العلوي لأنه أوسع وأشرف وليكون المقصود وهو قوله : { ليجزى الذين ~~أساءوا بما عملوا } الآية مقترنا بما يناسبه من ذكر ما في الأرض لأن ~~المجزيين هم أهل الأرض ، فهذه نكتة مخالفة مقتضى الظاهر . # فيجوز أن ms8057 يتعلق قوله : { ليجزى } بما في الخبر من معنى الكون المقدر في ~~الجار والمجرور المخبر به عن { ما في السماوات وما في الأرض } أي كائن ملكا ~~لله كونا علته أن يجزي الذين أساءوا والذين أحسنوا من أهل الأرض ، وهم ~~الذين PageV27P119 يصدر منهم الإساءة والإحسان فاللام في قوله : { ليجزي } ~~لام التعليل ، جعل الجزاء علة لثبوت ملك الله لما في السماوات والأرض . # ومعنى هذا التعليل أن من الحقائق المرتبطة بثبوت ذلك الملك ارتباطا أوليا ~~في التعقل والاعتبار لا في إيجاد فإن ملك الله لما في السماوات وما في ~~الأرض ناشىء عن إيجاد الله تلك المخلوقات والله حين أوجدها عالم أن لها ~~حياتين وأن لها أفعالا حسنة وسيئة في الحياة الدنيا وعالم أنه مجزيها على ~~أعمالها بما يناسبها جزاء خالدا في الحياة الآخرة فلا جرم كان الجزاء غاية ~~لإيجاد ما في الأرض فاعتبر هو العلة في إيجادهم وهي علة باعثة يحتمل أن ~~يكون معها غيرها لأن العلة الباعثة يمكن تعددها في الحكمة . # ويجوز أن يتعلق بقوله : { أعلم } من قوله : { هو أعلم بمن ضل عن سبيله } ~~( النجم : 30 ) ، أي من خصائص علمه الذي لا يعزب عنه شيء أن يكون علمه ~~مرتبا عليه الجزاء . # والباءانن في قوله : { بما عملوا } وقوله : { بالحسنى } لتعدية فعلي { ~~ليجزي } و { يجزي } فما بعد الباءين في معنى مفعول الفعلين ، فهما داخلتان ~~على الجزاء ، وقوله : { بما عملوا } حينئذ تقديره : بمثل ما عملوا ، أي ~~جزاء عادلا مماثلا لما عملوا ، فلذلك جعل بمنزلة عين ما عملوه على طريقة ~~التشبيه البليغ . # وقوله : { بالحسنى } أي بالمثوبة الحسنى ، أي بأفضل مما عملوا ، وفيه ~~إشارة إلى مضاعفة الحسنات كقوله : { من جاء بالحسنة فله خير منها } ( النمل ~~: 89 ) . والحسنى : صفة لموصوف محذوف يدل عليه { يجزي } وهي المثوبة بمعنى ~~الثواب . # وجاء ترتيب التفصيل لجزاء المسيئين والمحسنين على وفق ترتيب إجماله الذي ~~في قوله : { إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى } ( النجم ~~: 30 ) على طريقة اللف والنشر المرتب . # وقوله : { الذين يجتنبون كبائر الإثم } الخ صفة ل { الذين ms8058 أحسنوا } ، أي ~~الذين أحسنوا واجتنبوا كبائر الإثم والفواحش ، أي فعلوا الحسنات واجتنبوا ~~المنهيات ، PageV27P120 وذلك جامع التقوى . وهذا تنبيه على أن اجتناب ما ~~ذكر يعد من الإحسان لأن فعل السيئات ينافي وصفهم بالذين أحسنوا فإنهم إذا ~~أتوا بالحسنات كلها ولم يتركوا السيئات كان فعلهم السيئات غير إحسان ولو ~~تركوا السيئات وتركوا الحسنات كان تركهم الحسنات سيئات . # وقرأ الجمهور { كبائر الإثم } بصيغة جمع ( كبيرة ) . وقرأ حمزة والكسائي ~~{ كبير الإثم } بصيغة الإفراد والتذكير لأن اسم الجنس يستوي فيه المفرد ~~والجمع . # والمراد بكبائر الإثم : الآثام الكبيرة فيما شرع الله وهي ما شدد الدين ~~التحذير منه أو ذكر له وعيدا بالعذاب أو وصف على فاعله حدا . # قال إمام الحرمين : ( الكبائر كل جريمة تؤذن بقلة اكتراثث مرتكبها بالدين ~~وبرقة ديانته ) . # وعطف الفواحش يقتضي أن المعطوف بها مغاير للكبائر ولكنها مغايرة بالعموم ~~والخصوص الوجهي ، فالفواحش أخص من الكبائر وهي أقوى إثما . # والفواحش : الفعلات التي يعد الذي فعلها متجاوزا الكبائر مثل الزنى ~~والسرقة وقتل الغيلة ، وقد تقدم تفسير ذلك في سورة الأنعام عند قوله تعالى ~~: { قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن } ( الأعراف : 33 ) الآية ~~وفي سورة النساء في قوله : { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه . # واستثناء اللمم استثناء منقطع لأن اللمم ليس من كبائر الإثم ولا من ~~الفواحش . # فالاستثناء بمعنى الاستدراك . ووجهه أن ما سمي باللمم ضرب من المعاصي ~~المحذر منها في الدين ، فقد يظن الناس أن النهي عنها يلحقها بكبائر الإثم ~~فلذلك حق الاستدراك ، وفائدة هذا الاستدراك عامة وخاصة : أما العامة فلكي ~~لا يعامل المسلمون مرتكب شيء منها معاملة من يرتكب الكبائر ، وأما الخاصة ~~فرحمة بالمسلمين الذين قد يرتكبونها فلا يقل ارتكابها من نشاط طاعة المسلم ~~، PageV27P121 ولينصرف اهتمامه إلى تجنب الكبائر . فهذا الاستدراك بشارة ~~لهم ، وليس المعنى أن الله رخص في إتيان اللمم . وقد أخطأ وضاح اليمن في ~~قوله الناشىء عن سوء فهمه في كتاب الله وتطفله في غير صناعته : # فما نولت حتى تضرعت عندها # وأنبأتها ما رخص الله في اللمم # واللمم : الفعل ms8059 الحرام الذي هو دون الكبائر والفواحش في تشديد التحريم ، ~~وهو ما يندر ترك الناس له فيكتفى منهم بعدم الإكثار من ارتكابه . وهذا ~~النوع يسميه علماء الشريعة الصغائر في مقابلة تسمية النوع الآخر بالكبائر . # فمثلوا اللمم في الشهوات المحرمة بالقبلة والغمزة . سمي : اللمم ، وهو ~~اسم مصدر ألم بالمكان إلماما إذا حل به ولم يطل المكث ، ومن أبيات الكتاب : # قريشي منكم وهواي معكم # وإن كانت زيارتكم لماما # وقد قيل إن هذه الآية نزلت في رجل يسمى نبهان التمار كان له دكان يبيع ~~فيه تمرا ( أي بالمدينة ) فجاءته امرأة تشتري تمرا فقال لها : إن داخل ~~الدكان ما هو خير من هذا ، فلما دخلت راودها على نفسها فأبت فندم فأتى ~~النبي وقال : ما من شيء يصنعه الرجل إلا وقد فعلته ( أي غصبا عليها ) إلا ~~الجماع ، فنزلت هذه الآية ، أي فتكون هذه الآية مدنية ألحقت بسورة النجم ~~المكية كما تقدم في أول السورة . # والمعنى : أن الله تجاوز له لأجل توبته . ومن المفسرين من فسر اللمم ~~بالهم بالسيئة ولا يفعل فهو إلمام مجازي . # وقوله : إن ربك واسع المغفرة } تعليل لاستثناء اللمم من اجتنابهم كبائر ~~الإثم والفواحش شرطا في ثبوت وصف { الذين أحسنوا } لهم . # وفي بناء الخبر على جعل المسند إليه { ربك } دون الاسم العلم إشعار بأن ~~سعة المغفرة رفق بعباده الصالحين شأن الرب مع مربوبه الحق . PageV27P122 # وفي إضافة ( رب ) إلى ضمير النبي صلى الله عليه وسلم دون ضمير الجماعة ~~إيماء إلى أن هذه العناية بالمحسنين من أمته قد حصلت لهم ببركته . # والواسع : الكثير المغفرة ، استعيرت السعة لكثرة الشمول لأن المكان ~~الواسع يمكن أن يحتوي على العدد الكثير ممن يحل فيه قال تعالى : { ربنا ~~وسعت كل شيء رحمة وعلما ، وتقدم في سورة غافر . # } . # الخطاب للمؤمنين ، ووقوعه عقب قوله : { ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ~~ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى } ينبىء عن اتصال معناه بمعنى ذلك فهو غير موجه ~~لليهود كما في ( أسباب النزول ) للواحدي وغيره . وأصله لعبد الله بن لهيعة ~~عن ثابت بن حارث الأنصاري . قال : ( كانت اليهود إذا ms8060 هلك لهم صبي صغير ~~يقولون : هو صديق ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال : كذبت يهود ، ~~ما من نسمة يخلقها الله في بطن أمه إلا أنه شقي أو سعيد ) ، فأنزل الله هذه ~~الآية . وعبد الله بن لهيعة ضعفه ابن معين وتركه وكيع ويحيى القطان وابن ~~مهدي . وقال الذهبي : العمل على تضعيفه ، قلت : لعل أحد رواة هذا الحديث لم ~~يضبط فقال : فأنزل الله هذه الآية ، وإنما قرأها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أخذا بعموم قوله : { هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض } الخ ، حجة ~~عليهم ، وإلا فإن السورة مكية والخوض مع اليهود إنما كان بالمدينة . # وقال ابن عطية : حكى الثعلبي عن الكلبي ومقاتل أنها نزلت في قوم من ~~المؤمنين فخروا بأعمالهم . وكأن الباعث على تطلب سبب لنزولها قصد إبداء وجه ~~اتصال قوله : { فلا تزكوا أنفسكم } بما قبله وما بعده وأنه استيفاء لمعنى ~~سعة المغفرة ببيان سعة الرحمة واللطف بعباده إذ سلك بهم مسلك اليسر ~~والتخفيف فعفا عما لو آخذهم به لأحرجهم فقوله : { هو أعلم بكم } نظير قوله ~~: { الآن خفف الله عنكم PageV27P123 وعلم أن فيكم ضعفا } ( الأنفال : 66 ) ~~الآية ثم يجيء الكلام في التفريع بقوله : { فلا تزكوا أنفسكم } . # فينبغي أن تحل جملة { هو أعلم بكم } إلى آخرها استئنافا بيانيا لجملة { ~~إن ربك واسع المغفرة } لما تضمنته جملة { إن ربك واسع المغفرة } من ~~الامتنان ، فكأن السامعين لما سمعوا ذلك الامتنان شكروا الله وهجس في ~~نفوسهم خاطر البحث عن سبب هذه الرحمة بهم فأجيبوا بأن ربهم أعلم بحالهم من ~~أنفسهم فهو يدبر لهم ما لا يخطر ببالهم ، ونظيره ما في الحديث القدسي قال ~~الله تعالى : ( أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر ~~على قلب بشر خيرا من بله ما أطلعتم عليه ) . # وقوله : { إذ أنشأكم } ظرف متعلق ب ( أعلم ) ، أي هو أعلم بالناس من وقت ~~إنشائه إياهم من الأرض وهو وقت خلق أصلهم آدم . # والمعنى : أن إنشاءهم من الأرض يستلزم ضعف قدرهم عن تحمل المشاق مع تفاوت ~~أطوار ms8061 نشأة بني آدم ، فالله علم ذلك وعلم أن آخر الأمم وهي أمة النبي صلى ~~الله عليه وسلم أضعف الأمم . وهذا المعنى هو الذي جاء في حديث الإسراء من ~~قول موسى لمحمد عليهما الصلاة والسلام حين فرض الله على أمته خمسين صلاة ( ~~إن أمتك لا تطيق ذلك وإني جربت بني إسرائيل ) أي وهم أشد من أمتك قوة ، ~~فالمعنى أن الضعف المقتضي لسعة التجاوز بالمغفرة مقرر في علم الله من حين ~~إنشاء آدم من الأرض بالضعف الملازم لجنس البشر على تفاوت فيه قال تعالى : { ~~وخلق الإنسان ضعيفا } ( النساء : 28 ) ، فإن إنشاء أصل الإنسان من الأرض ~~وهي عنصر ضعيف يقتضي ملازمة الضعف لجميع الأفراد المنحدرة من ذلك الأصل . ~~ومنه قوله النبي : ( إن المرأة خلقت من ضلع أعوج ) . # وقوله : { وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم } يختص بسعة المغفرة والرفق ~~بهذه الأمة وهو متقضى قوله تعالى : { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم ~~العسر } ( البقرة : 185 ) . # والأجنة : جمع جنين ، وهو نسل الحيوان ما دام في الرحم ، وهو فعيل بمعنى ~~مفعول لأنه مستور في ظلمات ثلاث . PageV27P124 # وفي { بطون أمهاتكم } صفة كاشفة إذ الجنين لا يقال إلا على ما في بطن أمه ~~. وفائدة هذا الكشف أن فيه تذكيرا باختلاف أطوار الأجنة من وقت العلوق إلى ~~الولادة ، وإشارة إلى إحاطة علم الله تعالى بتلك الأطوار . # وجملة { فلا تزكوا أنفسكم } اعتراض بين جملة { هو أعلم بكم } وجملة { ~~أفرأيت الذي تولى } ( النجم : 33 ) الخ ، والفاء لتفريع الاعتراض ، وهو ~~تحذير للمؤمنين من العجب بأعمالهم الحسنة عجبا يحدثه المرء في نفسه أو ~~يدخله أحد على غيره بالثناء عليه بعمله . # و { تزكوا } مضارع زكى الذي هو من التضعيف المراد منه نسبة المفعول إلى ~~أصل الفعل نحو جهله ، أي لا تنسبوا لأنفسكم الزكاة . # فقوله : { أنفسكم } صادق بتزكية المرء نفسه في سره أو علانيته فرجع الجمع ~~في قوله : { فلا تزكوا } إلى مقابلة الجمع بالجمع التي تقتضي التوزيع على ~~الآحاد مثل : ركب القوم دوابهم . # والمعنى : لا تحسبوا أنفسكم أزكياء وابتغوا زيادة التقرب إلى الله أولا ~~تثقوا ms8062 بأنكم أزكياء فيدخلكم العجب بأعمالكم ويشمل ذلك ذكر المرء أعماله ~~الصالحة للتفاخر بها ، أو إظهارها للناس ، ولا يجوز ذلك إلا إذا كان فيه ~~جلب مصلحة عامة كما قال يوسف : { اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم } ( ~~يوسف : 55 ) . وعن الكلبي ومقاتل : كان ناس يعملون أعمالا حسنة ثم يقولون : ~~صلاتنا وصيامنا وحجنا وجهادنا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية . # ويشمل تزكية المرء غيره فيرجع { أنفسكم } إلى معنى قومكم أو جماعتكم مثل ~~قوله تعالى : { فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم } ( النور : 61 ) أي ~~ليسلم بعضكم على بعض . والمعنى : فلا يثني بعضكم على بعض بالصلاح والطاعة ~~لئلا يغيره ذلك . # وقد ورد النهي في أحاديث عن تزكية الناس بأعمالهم . ومنه حديث أم عطية ~~حين مات عثمان بن مظعون في بيتها ودخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقالت أم عطية : ( رحمة PageV27P125 الله عليك أبا السائب ( كنية عثمان بن ~~مظعون ) فشهادتي عليك لقد أكرمك الله فقال لها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وما يدريك أن الله أكرمه ، فقالت : إذا لم يكرمه الله فمن يكرمه الله ~~، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما هو فقد جاءه اليقين وإني لأرجو له ~~الخير وإني والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي ) . قالت أم عطية : ~~فلا أزكي أحدا بعد ما سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد شاع من ~~آداب عصر النبوة بين الصحابة التحرز من التزكية وكانوا يقولون إذا أثنوا ~~على أحد لا أعلم عليه إلا خيرا ولا أزكي على الله أحدا . # وروى مسلم عن محمد بن عمرو بن عطاء قال : ( سميت ابنتي برة فقالت لي زينب ~~بنت بن سلمة إن رسول الله نهى عن هذا الإسم ، وسميت برة فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لا تزكوا أنفسكم إن الله أعلم بأهل البر منكم ، قالوا : بم ~~نسميها ؟ قال : سموها زينب ) . # وقد ظهر أن النهي متوجه إلى أن يقول أحد ما يفيد زكاء النفس ، أي طهارتها ~~وصلاحها ، تفويضا بذلك إلى الله ms8063 لأن للناس بواطن مختلفة الموافقة لظواهرهم ~~وبين أنواعها بون . وهذا من التأديب على التحرز في الحكم والحيطة في الخبرة ~~واتهام القرائن والبوارق . # فلا يدخل في هذا النهي الإخبار عن أحوال الناس بما يعلم منهم وجربوا فيه ~~من ثقة وعدالة في الشهادة والرواية وقد يعبر عن التعديل بالتزكية وهو لفظ ~~لا يراد به مثل ما أريد من قوله تعالى : { فلا تزكوا أنفسكم } بل هو لفظ ~~اصطلح عليه الناس بعد نزول القرآن ومرادهم منه واضح . # ووقعت جملة { هو أعلم بمن اتقى } موقع البيان لسبب النهي أو لأهم أسبابه ~~، أي فوضوا ذلك إلى الله إذ هو أعلم بمن اتقى ، أي بحال من اتقى من كمال ~~تقوى أو نقصها أو تزييفها . وهذا معنى ما ورد في الحديث أن يقول من يخبر عن ~~أحد بخير : ( لا أزكي على الله أحدا ) أي لا أزكى أحدا معتليا حق الله ، أي ~~متجاوزا قدري . PageV27P126 # ( 33 35 ) # الفاء لتفريع الاستفهام التعجيبي على قوله : { ليجزي الذين أساءوا بما ~~عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى } ( النجم : 31 ) إذ كان حال هذا الذي ~~تولى وأعطى قليلا وأكدى جهلا بأن للإنسان ما سعى ، وقد حصل في وقت نزول ~~الآية المتقدمة أو قبلها حادث أنبأ عن سوء الفهم لمراد الله من عباده مع ~~أنه واضح لمن صرف حق فهمه . ففرع على ذلك كله تعجيب من انحراف أفهامهم . # فالذي تولى وأعطى قليلا هو هنا ليس فريقا مثل الذي عناه قوله : { فأعرض ~~عن من تولى عن ذكرنا } ( النجم : 29 ) بل هو شخص بعينه . واتفق المفسرون ~~والرواة على أن المراد به هنا معين ، ولعل ذلك وجه التعبير عنه بلفظ { الذي ~~} دون كلمة ( من ) لأن { الذي } أظهر في الإطلاق على الواحد المعين دون لفظ ~~( من ) . # واختلفوا في تعيين هذا { الذي تولى وأعطى قليلا } ، فروى الطبري والقرطبي ~~عن مجاهد وابنن زيد أن المراد به الوليد بن المغيرة قالوا : كان يجلس إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم ويستمع إلى قراءته وكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يعظه فقارب أن يسلم فعاتبه ms8064 رجل من المشركين ( لم يسموه ) وقال : لم ~~تركت دين الأشياخ وضللتهم وزعمت أنهم في النار كان ينبغي أن تنصرهم فكيف ~~يفعل بآبائك فقال : ( إني خشيت عذاب الله ) فقال : ( أعطني شيئا وأنا أحمل ~~عنك كل عذاب كان عليك ) فأعطاه ( ولعل ذلك كان عندهم التزاما يلزم ملتزمه ~~وهم لا يؤمنون بجزاء الآخرة فلعله تفادى من غضب الله في الدنيا ورجع إلى ~~الشرك ) ولما سأله الزيادة بخل عنه وتعاسر وأكدى . # وروى القرطبي عن السدي : أنها نزلت في العاصي بن وائل السهمي ، وعن محمد ~~بن كعب : نزلت في أبي جهل ، وعن الضحاك : نزلت في النضر بن الحارث . # ووقع في ( أسباب النزول ) للواحدي و ( الكشاف ) أنها نزلت في عبد الله بن ~~سعد بن أبي سرح حين صد عثمان بن عفان عن نفقة في الخير كان ينفقها ( أي قبل ~~أن PageV27P127 يسلم عبد الله بن سعد ) رواه الثعلبي عن قوم . قال ابن عطية ~~: وذلك باطل وعثمان منزه عن مثله ، أي عن أن يصغي إلى ابن أبي سرح فيما صده ~~. # فأشار قوله تعالى : { الذي تولى } إلى أنه تولى عن النظر في الإسلام بعد ~~أن قاربه . # وأشار قوله : { وأعطى قليلا وأكدى } إلى ما أعطاه للذي يحمله عنه العذاب ~~. # وليس وصفه ب { تولى } داخلا في التعجيب ولكنه سيق مساق الذم ، ووصف عطاؤه ~~بأنه قليل توطئة لذمه بأنه مع قلة ما أعطاه قد شح به فقطعه . وأشار قوله : ~~و { أكدى } إلى بخله وقطعه العطاء يقال : أكدى الذي يحفر ، إذا اعترضته ~~كدية أي حجر لا يستطيع إزالته . وهذه مذمة ثانية بالبخل زيادة على بعد ~~الثبات على الكفر فحصل التعجيب من حال الوليد كله تحقيرا لعقله وأفن رأيه . ~~وقيل المراد بقوله : { وأعطى قليلا } أنه أعطى من قبله وميله للإسلام قليلا ~~وأكدى ، أي انقطع بعد أن اقترب كما يكدى حافر البئر إذا اعترضته كدية . # والاستفهام في { أعنده علم الغيب } إنكاري على توهمه أن استئجار أحد ~~ليتحمل عنه عذاب الله ينجيه من العذاب ، أي ما عنده علم الغيب . وهذا الخبر ~~كناية عن خطئه فيما توهمه ms8065 . # والجملة استئناف بياني للاستفهام التعجيبي من قوله : { أفرأيت الذي تولى ~~} الخ . # وتقديم { عنده } وهو مسند على { علم الغيب } وهو مسند إليه للاهتمام بهذه ~~العندية العجيب ادعاؤها ، والإشارة إلى بعده عن هذه المنزلة . # وعلم الغيب : معرفة العوالم المغيبة ، أي العلم الحاصل من أدلة فكأنه ~~شاهد الغيب بقرينة قوله : { فهو يرى } . # وفرع على هذا التعجيب قوله : { فهو يرى } أي فهو يشاهد أمور الغيب ، بحيث ~~عاقد على التعارض في حقوقها . والرؤية في قوله : { فهو يرى } بصرية ~~ومفعولها محذوف ، والتقدير : فهو يرى الغيب . PageV27P128 # والمعنى : أنه آمن نفسه من تبعه التولي عن الإسلام ببذل شيء لمن تحمل عنه ~~تبعة توليه كأنه يعلم الغيب ويشاهد أن ذلك يدفع عنه العقاب ، فقد كان فعله ~~ضغثا على إبالة لأنه ما افتدى إلا لأنه ظن أن التولي جريمة ، وما بذل المال ~~إلا لأنه توهم أن الجرائم تقبل الحمالة في الآخرة . # وتقديم الضمير المسند إليه على فعله المسند دون أن يقول : فيرى ، لإفادة ~~تقوي الحكم ، نحو : هو يعطي الجزيل . وهذا التقوي بناء على ما أظهر من ~~اليقين بالصفقة التي عاقد عليها وهو أدخل في التعجيب من حاله . # ( 36 38 ) # { أم } لإضراب الانتقال إلى متعجب منه وإنكار عليه آخر وهو جهله بما عليه ~~أن يعلمه الذين يخشون الله تعالى من علم ما جاء على ألسنة الرسل الأولين ~~فإن كان هو لا يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم فهلا تطلب ما أخبرت به رسل من ~~قبل ، طالما ذكر هو وقومه أسماءهم وشرائعهم في الجملة ، وطالما سأل هو ~~وقومه أهل الكتاب عن أخبار موسى ، فهلا سأل عما جاء عنهم في هذا الغرض الذي ~~يسعى إليه وهو طلب النجاة من عذاب الله فينبئه العالمون ، فإن مآثر شريعة ~~إبراهيم مأثور بعضها عند العرب ، وشريعة موسى معلومة عند اليهود . ~~فالاستفهام المقدر بعد { أم } إنكار مثل الاستفهام المذكور قبلها في قوله : ~~{ أعنده علم الغيب } والتقدير : بل ألم ينبأ بما في صحف موسى الخ . # و { صحف موسى } : هي التوراة ، وصحف { إبراهيم } : صحف سجل فيها ما أوحى ~~الله إليه ms8066 ، وهي المذكورة في سورة الأعلى ( 18 ، 19 ) { إن هذا لفي الصحف ~~الأولى صحف إبراهيم وموسى . روى ابن حبان والحاكم عن أبي ذر أنه سأل النبي ~~عن الكتب التي أنزلت على الأنبياء فذكر له منها عشرة صحائف أنزلت على ~~إبراهيم ، أي أنزل عليه ما هو مكتوب فيها . # وإنما خص هذه الصحف بالذكر لأن العرب يعرفون إبراهيم وشريعته PageV27P129 ~~ويسمونها الحنيفية وربما ادعى بعضهم أنه على إثارة منها مثل : زيد بن عمرو ~~بن نفيل . # وأما صحف موسى فهي مشتهرة عند أهل الكتاب ، والعرب يخالطون اليهود في ~~خيبر وقريظة والنضير وتيما ، ويخالطون نصارى نجران ، وقد قال الله تعالى : ~~فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى } ( القصص : 48 ~~) . # وتقديم { صحف موسى } لأنها اشتهرت بسعة ما فيها من الهدى والشريعة ، وأما ~~صحف إبراهيم فكان المأثور منها أشياء قليلة . وقدرت بعشر صحف ، أي مقدار ~~عشر ورقات بالخط القديم ، تسع الورقة قرابة أربع آيات من آي القرآن بحيث ~~يكون مجموع ملفي صحف إبراهيم مقدار أربعين أية . # وإنما قدم في سورة الأعلى صحف إبراهيم على صحف موسى مراعاة لوقوعهما بدلا ~~من الصحف الأولى فقدم في الذكر أقدمهما . # وعندي أن تأخير ذكر صحف إبراهيم ليقع ما بعدها هنا جامعا لما احتوت عليه ~~صحف إبراهيم فتكون صحف إبراهيم هي الكلمات التي ابتلى الله بها إبراهيم ~~المذكورة في قوله في سورة البقرة : { وإذا ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن ~~أي بلغهن إلى قومه ومن آمن به ، ويكون قوله هنا الذي وفى } في معنى قوله : ~~{ فأتمهن في سورة البقرة . # ووصف إبراهيم بذلك تسجيل على المشركين بأن إبراهيم بلغ ما أوحي إليه إلى ~~قومه وذريته ولكن العرب أهملوا ذلك واعتاضوا عن الحنيفية بالإشراك . # وحذف متعلق وفى } ليشمل توفيات كثيرة منها ما في قوله تعالى : { وإذ ~~ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن } وما في قوله تعالى : { قد صدقت الرؤيا } ~~( الصافات : 105 ) . # وقوله : { ألا تزر وازرة وزر أخرى } يجوز أن يكون بدلا من ما في صحف موسى ~~وإبراهيم بدل مفصل من مجمل ، فتكون ms8067 ( أن ) مخففة من الثقيلة . والتقدير : ~~أم لم ينبأ بأنه لا تزر وازرة وزر أخرى . # ويجوز أن تكون ( أن ) تفسيرية فسرت ما في صحف موسى وإبراهيم لأن ما ~~PageV27P130 من الصحف شيء مكتوب والكتابة فيها معنى القول دون حروفه فصلح ( ~~ما في صحف موسى ) لأن تفسره ( أن ) التفسيرية . وقد ذكر القرطبي عند تفسير ~~قوله تعالى : { هذا نذير من النذر الأولى } ( النجم : 56 ) في هذه السورة ~~عن السدي عن أبي صالح قال : هذه الحروف التي ذكر الله تعالى من قوله : { أم ~~لم ينبأ بما في صحف موسى وإبراهيم } إلى قوله : { هذا نذير من النذر الأولى ~~} ( النجم : 56 ) كل هذه في صحف إبراهيم وموسى . و { تزر } مضارع وزر ، إذا ~~فعل وزرا . # وتأنيث { وازرة } بتأويل : نفس ، وكذلك تأنيث { أخرى } ، ووقوع ( نفس ) و ~~{ أخرى } في سياق النفي يفيد العموم فيشمل نفي ما زعمه الوليد بن المغيرة ~~من تحمل الرجل عنه عذاب الله . # وهذا مما كان في صحف إبراهيم ، ومنه ما حكى الله في قوله : { ولا تخزني ~~يوم يبعثون يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم } ( ~~الشعراء : 87 89 ) . # وحكي في التوراة عن إبراهيم أنه قال في شأن قوم لوط : ( أفتهلك البار مع ~~الآثم ) . # وأما نظيره في صحف موسى ففي التوراة ( لا يقتل الآباء عن الأولاد ولا ~~يقتل الأولاد عن الآباء كل إنسان بخطيئته يقتل ) . وحكى الله عن موسى قوله ~~: { أتهلكنا بما فعل السفهاء منا } ( الأعراف : 155 ) . وعموم لفظ { وزر } ~~يقتضي اطراد الحكم في أمور الدنيا وأمور الآخرة . # وأما قوله في التوراة أن الله قال : ( أفتقد الأبناء بذنوب الآباء إلى ~~الجيل الثالث ) فذلك في ترتيب المسببات على الأسباب الدنيوية وهو تحذير . # وليس حمل المتسبب في وزر غيره حملا زائدا على وزره من قبيل تحمل وزر ~~الغير ، ولكنه من قبيل زيادة العقاب لأجل تضليل الغير ، قال تعالى : { ~~ليحملوا PageV27P131 أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم ~~بغير علم } ( النحل : 25 ) . وفي الحديث : ( ما من نفس تقتل ظلما إلا كان ~~على ابن آدم الأولل ms8068 كفل من دمها ، ذلك أنه أول من سن القتل ) . # عطف على جملة { ألا تزر وازرة وزر أخرى } ( النجم : 38 ) ، فيصح أن تكون ~~عطفا على المجرور بالباء فتكون ( أن ) مخففة من الثقيلة ، ويصح أن تكون ~~عطفا على { ألا تزر وازرة وزر أخرى فتكون أن } تفسيرية ، وعلى كلا ~~الاحتمالين تكون { أن } تأكيدا لنظيرتها في المعطوف عليها . # وتعريف { الإنسان } تعريف الجنس ، ووقوعه في سياق النفي يفيد العموم ، ~~والمعنى : لا يختص به إلا ما سعاه . # والسعي : العمل والاكتساب ، وأصل السعي : المشي ، فأطلق على العمل مجازا ~~مرسلا أو كناية . والمراد هنا عمل الخير بقرينة ذكر لام الاختصاص وبأن جعل ~~مقابلا لقوله : { ألا تزر وازرة وزر أخرى } ( النجم : 38 ) . # والمعنى : لا تحصل لأحد فائدة عمل إلا ما عمله بنفسه ، فلا يكون له عمل ~~غيره ، ولام الاختصاص يرجح أن المراد ما سعاه من الأعمال الصالحة ، وبذلك ~~يكون ذكر هذا تتميما لمعنى { ألا تزر وازرة وزر أخرى } ، احتراسا من أن ~~يخطر بالبال أن المدفوع عن غير فاعله هو الوزر ، وإن الخير ينال غير فاعله ~~. # ومعنى الآية محكي في القرآن عن إبراهيم في قوله عنه : { إلا من أتى الله ~~بقلب سليم } ( الشعراء : 89 ) . # وهذه الآية حكاية عن شرعي إبراهيم وموسى ، وإذ قد تقرر أن شرع من قبلنا ~~شرع لنا ما لم يرد ناسخ ، تدل هذه الآية على أن عمل أحد لا يجزىء عن أحد ~~PageV27P132 فرضا أو نفلا على العين ، وأما تحمل أحد حمالة لفعل فعله غيره ~~مثل ديات القتل الخطأ فذلك من المؤاساة المفروضة . # واختلف العلماء في تأويل هذه الآية ومحملها : فعن عكرمة أن قوله تعالى : ~~{ وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } حكاية عن شريعة سابقة فلا تلزم في شريعتنا ~~يريد أن شريعة الإسلام نسخت ذلك فيكون قبول عمل أحد عن غيره من خصائص هذه ~~الأمة . # وعن الربيع بن أنس أنه تأول ( الإنسان ) في قوله تعالى : { وأن ليس ~~للإنسان إلا ما سعى } بالإنسان الكافر ، وأما المؤمن فله سعيه وما يسعى له ~~غيره . # ومن العلماء من تأول الآية على أنها ms8069 نفت أن تكون للإنسان فائدة ما عمله ~~غيره إذا لم يجعل الساعي عمله لغيره . وكأن هذا ينحو إلى أن استعمال { سعى ~~} في الآية من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه العقليين . ونقل ابن الفرس : ~~أن من العلماء من حمل الآية على ظاهرها وأنه لا ينتفع أحد بعمل غيره ، ~~ويؤخذ من كلام ابن الفرس أن ممن قال بذلك الشافعي في أحد قوليه بصحة ~~الإجارة على الحج . # واعلم أن أدلة لحاق ثواب بعض الأعمال إلى غير من عملها ثابتة على الجملة ~~وإنما تتردد الأنظار في التفصيل أو التعميم ، وقد قال الله تعالى : { ~~والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم وما ألتناهم من ~~عملهم من شيء } ( الطور : 21 ) ، وقد بيناه في تفسير سورة الطور . وقال ~~تعالى : { ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون } ( الزخرف : 70 ) ، فجعل ~~أزواج الصالحين المؤمناتت وأزواج الصالحاتت المؤمنين يتمتعون في الجنة مع ~~أن التفاوت بين الأزواج في الأعمال ضروري وقد بيناه في تفسير سورة الزخرف . # وفي حديث مسلم ( إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة إلا من صدقة ~~جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له ) وهو عام في كل ما يعمله ~~الإنسان ، ومعيار عمومه الاستثناء فالاستثناء دليل على أن المستثنيات ~~الثلاثة هي من عمل الإنسان . وقال عياض في ( الإكمال ) هذه الأشياء لما كان ~~هو سببها فهي PageV27P133 من اكتسابه . قلت : وذلك في الصدقة الجارية وفي ~~العلم الذي بثه ظاهر ، وأما في دعاء الولد الصالح لأحد أبويه فقال النووي ~~لأن الولد من كسبه . قال الأبي : الحديث ( ولد الرجل من كسبه ) فاستثناء ~~هذه الثلاثة متصل . # وثبتت أخبار صحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم تدل على أن عمل أحد عن آخر ~~يجزي عن المنوب عنه ، ففي ( الموطأ ) حديث الفضل بن عباس ( أن امرأة من ~~خثعم سألت رسول الله فقالت : إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي ~~شيخا كبيرا لا يثبت على الراحلة أفيجزىء أن أحج عنه ؟ قال : نعم حجي عنه ) ~~. وفي قولها : لا يثبت على الراحلة دلالة على ms8070 أن حجها عنه كان نافلة . # وفي ( كتاب أبي داود ) حديث بريدة ( أن امرأة أتت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقالت : إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفيجزىء أو يقضي عنها أن ~~أصوم عنها ؟ قال : نعم . قالت : وإنها لم تحج أفيجزىء أو يقضي أن أحج عنها ~~؟ قال : نعم ) . # وفيه أيضا حديث ابن عباس ( أن رجلا قال : يا رسول الله إن أمي توفيت ~~أفينفعها إن تصدقت عنها ؟ قال : نعم ) . # وفيه حديث عمرو بن العاص وقد أعتق أخوه هشام عن أبيهم العاص بن وائل ~~عبيدا فسأل عمرو رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أن يفعل مثل فعل أخيه ~~فقال له ( لو كان أبوك مسلما فأعتقتم عنه أو تصدقتم عنه أو حججتم عنه بلغه ~~ذلك ) . # وروي أن عائشة أعتقت عن أخيها عبد الرحمن بعد موته رقابا واعتكفت عنه . # وفي ( صحيح البخاري ) عن ابن عمر وابن عباس ( أنهما أفتيا امرأة جعلت ~~أمها على نفسها صلاة بمسجد قباء ولم تف بنذرها أن تصلي عنها بمسجد قباء ) . # وأمر النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن عبادة أن يقضي نذرا نذرته أمه ، ~~قيل كان عتقا ، وقيل صدقة ، وقيل نذرا مطلقا . PageV27P134 # وقد كانت هذه الآية وما ثبت من الأخبار مجالا لأنظار الفقهاء في الجمع ~~بينهما والأخذ بظاهر الآية وفي الاقتصار على نوع ما ورد فيه الإذن من النبي ~~صلى الله عليه وسلم أو القياس عليه . # ومما يجب تقديمه أن تعلم أن التكاليف الواجبة على العين فرضا أو سنة ~~مرتبة المقصد من مطالبة المكلف بها ما يحصل بسببها من تزكية نفسه ليكون ~~جزءا صالحا فإذا قام بها غيره عنه فات المقصود من مخاطبة أعيان المسلمين ~~بها ، وكذا اجتناب المنهيات لا تتصور فيها النيابة لأن الكف لا يقبل التكرر ~~فهذا النوع ليس للإنسان فيه إلا ما سعى ولا تجزىء فيه نيابة غيره عنه في ~~أدائها ، فأما الإيمان فأمره بين لأن ماهية الإيمان لا يتصور فيها التعدد ~~بحيث يؤمن أحد عن نفسه ويؤمن عن غيره لأنه إذا اعتقد اعتقادا جازما ms8071 فقد صار ~~ذلك إيمانه . قال ابن الفرس في ( أحكام القرآن ) : ( أجمعوا على أنه لا ~~يؤمن أحد عن أحد ) . # وأما ما عدا الإيمان من شرائع الإسلام الواجبة فأما ما هو منها من عمل ~~الأبدان فليس للإنسان إلا ما سعى منه ولا يجزىء عنه سعي غيره لأن المقصود ~~من الأمور المعينة المطالبب بها المرء بنفسه هو ما فيها من تزكية النفس ~~وارتياضها على الخير كما تقدم آنفا . # ومثل ذلك الرواتب من النوافل والقربات حتى يصلح الإنسان ويرتاض على ~~مراقبة ربه بقلبه وعمله والخضوع له تعالى ليصلح بصلاح الأفراد صلاح مجموع ~~الأمة والنيابة تفيت هذا المعنى . # فما كان من أفعال الخير غير معين بالطلب كالقرب النافلة فإن فيه مقصدين ~~مقصد ملحق بالمقصد الذي في الأعمال المعينة بالطلب ، ومقصد تكثير الخير في ~~جماعة المسلمين بالأعمال والأقوال الصالحة وهذا الاعتبار الثاني لا تفيته ~~النيابة . # والتفرقة بين ما كان من عمل الإنسان ببدنه وما كان من عمله بماله لا أراه ~~فرقا مؤثرا في هذا الباب ، فالوجه اطراد القول في كلا النوعين بقبول ~~النيابة أو بعدم قبولها : من صدقات وصيام ونوافل الصلوات وتجهيز الغزاة ~~للجهاد غير المتعين على المسلم المجهز ( بكسر الهاء ) ولا على المجهز ( ~~بفتح الهاء ) ، والكلمات PageV27P135 الصالحة من قراءة القرآن وتسبيح ~~وتحميد ونحوهما وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وبهذا يكون تحرير محل ~~ما ذكره ابن الفرس من الخلاف في نقل عمل أحد إلى غيره . # قال النووي : ( الدعاء يصل ثوابه إلى الميت وكذلك الصدقة وهما مجمع ~~عليهما . وكذلك قضاء الدين ) اه . وحكى ابن الفرس مثل ذلك ، والخلاف بين ~~علماء الإسلام فيما عدا ذلك . # وقال مالك : ( يتطوع عن الميت فيتصدق عنه أو يعتق عنه أو يهدي عنه ، وأما ~~ما كان من القرب الواجبة مركبا من عمل البدن وإنفاق المال مثل الحج والعمرة ~~والجهاد ) فقال الباجي : ( حكى القاضي عبد الوهاب عن المذهب أنها تصح ~~النيابة فيها ) وقال ابن القصار : ( لا تصح النيابة فيها ) . وهو المشتهر ~~من قول مالك ومبنى اختلافهما أن مالكا كره أن يحج أحد ms8072 عن أحد إلا أنه إن ~~أوصى بذلك نفذت وصيته ولا تسقط الفرض . # ورجح الباجي القول بصحة النيابة في ذلك بأن مالكا أمضى الوصية بذلك ، ~~وقال : لا يستأجر له إلا من حج عن نفسه فلا يحج عنه ضرروة ، فلولا أن حج ~~الأجير على وجه النيابة عن الموصي لما اعتبرت صفة المباشر للحج . قال ابن ~~الفرس : ( أجاز مالك الوصية بالحج الفرض ، ورأى أنه إذا أوصى بذلك فهو من ~~سعيه والمحرر من مذهب الحنفية صحة النيابة في الحج لغير القادر بشرط دوام ~~عجزه إلى الموت فإن زال عجزه وجب عليه الحج بنفسه ، وقد ينقل عن أبي حنيفة ~~غير ذلك في كتب المالكية . # وجوز الشافعي الحج عن الميت ووصية الميت بالحج عنه . قال ابن الفرس : ( ~~وللشافعي في أحد قوليه أنه لا يجوز واحتج بقوله تعالى : { وأن ليس للإنسان ~~إلا ما سعى } اه . # ومذهب أحمد بن حنبل جوازه ولا تجب عليه إعادة الحج إن زال عذره . # وأما القرب غير الواجبه وغير الرواتب من جميع أفعال البر والنوافل ؛ فأما ~~الحج عن غير المستطيع فقال الباجي : ( قال ابن الجلاب في ( التفريع ) يكره ~~أن PageV27P136 يستأجر من يحج عنه فإن فعل ذلك لم يفسخ ) وقال ابن القصار : ~~( يجوز ذلك في الميت دون المعضوب ) ( وهو العاجز عن النهوض ) . وقال ابن ~~حبيب : ( قد جاءت الرخصة في ذلك عن الكبير الذي لا ينهض وعن الميت أنه يحج ~~عنه ابنه وإن لم يوص به ) . # وقال الأبي في ( شرح مسلم ) : ( ذكر أن الشيخ ابن عرفة عام حج اشترى حجة ~~للسلطان أبي العباس الحفصي على مذهب المخالف ) ، أي خلافا لمذهب مالك . # وأما الصلاة والصيام ، فسئل مالك عن الحج عن الميت فقال : ( أما الصلاة ~~والصيام والحج عنه فلا نرى ذلك ) . وقال في ( المدونة ) : ( يتطوع عنه بغير ~~هذا أحب إلي : يهدى عنه ، أو يتصدق عنه ، أو يعتق عنه ) . قال الباجي : ( ~~ففصل بينها وبين النفقات ) . # وقال الشافعي في أحد قوله : لا يصله ثواب الصلوات التطوع وسائر التطوعات ~~. قال صاحب ( التوضيح ) من الشافعية : ( وعندنا يجوز الاستنابة في حجة ~~التطوع ms8073 على أصح القولين ) ، وقال أحمد : ( يصله ثواب الصلوات وسائر ~~التطوعات ) . # والمشهور من مذهب الشافعي : أن قراءة القرآن وإهداء ثوابها للميت لا يصله ~~ثوابها ، وقال أحمد بن حنبل وكثير من أصحاب الشافعي : يصله ثوابها . # وحكى ابن الفرس عن مذهب مالك : أن من قرأ ووهب ثواب قراءته لميت جاز ذلك ~~ووصل للميت أجره ونفعه فما ينسب إلى مالك من عدم جواز إهداء ثواب القراءة ~~في كتب المخالفين غير محرر . # وقد ورد في حديث عائشة قالت : ( كان رسول الله يعوذ نفسه بالمعوذات فلما ~~ثقل به المرض كنت أنا أعوذه بهما وأضع يده على جسده رجاء بركتها ) فهل ~~قراءة المعوذتين إلا نيابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كان يفعله ~~بنفسه ، فإذا صحت النيابة في التعوذ والتبرك بالقرآن فلماذا لا تصح في ثواب ~~القراءة . PageV27P137 # واعلم أن هذا كله في تطوع أحد عن أحد بقربة ، وأما الاستئجار على النيابة ~~في القرب : فأما الحج فقد ذكروا فيه جواز الاستئجار بوصية ، أو بغيرها ، ~~لأن الإنفاق من مقومات الحج ، ويظهر أن كل عبادة لا يجوز أخذ فاعلها أجرة ~~على فعلها كالصلاة والصوم لا يصح الاستئجار على الاستنابة فيها ، وأن القرب ~~التي يصح أخذ الأجر عليها يصح الاستئجار على النيابة فيها مثل قراءة القرآن ~~، فقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم فعل الذين أخذوا أجرا على رقية الملدوغ ~~بفاتحة الكتاب . # وإذا علمت هذا كله فقوله تعالى : { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } هو حكم ~~كان في شريعة سالفة ، فالقائلون بأنه لا ينسحب علينا لم يكن فيما ورد من ~~الأخبار بصحة النيابة في الأعمال في ديننا معارض لمقتضى الآية ، والقائلون ~~بأن شرع غيرنا شرع لنا ما لم يرد ناسخ ، منهم من أعمل عموم الآية وتأول ~~الأخبار المعارضة لها بالخصوصية ، ومنهم من جعلها مخصصة للعموم ، أو ناسخة ~~، ومنهم من تأول ظاهر الآية بأن المراد ليس له ذلك حقيقة بحيث يعتمد على ~~عمله ، أو تأول السعي بالنية . وتأول اللام في قوله : { للإنسان } بمعنى ( ~~على ) ، أي ليس عليه سيئات غيره . # وفي ms8074 تفسير سورة الرحمن من ( الكشاف ) : أن عبد الله بن طاهر قال للحسين ~~بن الفضل : أشكلت علي ثلاث آيات . فذكر له منها قوله تعالى : { وأن ليس ~~للإنسان إلا ما سعى } فما بال الأضعاف ، أي قوله تعالى : { فيضاعفه له ~~أضعافا كثيرة } ( البقرة : 245 ) ، فقال الحسين : معناه أنه ليس له إلا ما ~~سعى عدلا ، ولي أن أجزيه بواحدة ألفا فضلا . # ( 40 ، 41 ) { لله } # يجوز أن تكون عطفا على جملة { ألا تزر وازرة وزر أخرى } ( النجم : 38 ) ~~فهي من تمام تفسير { ما في صحف موسى وإبراهيم } ( النجم : 36 ، 37 ) فيكون ~~تغيير الأسلوب إذ جيء في هذه الآية بحرف { أن } المشددة لاقتضاء المقام أن ~~يقع الإخبار عن سعي الإنسان بأنه PageV27P138 يعلن به يوم القيامة ( وذلك ~~من توابع أن ليس به إلا ما سعى ) ، فلما كان لفظ { سعيه } صالحا للوقوع ~~اسما لحرف { أن } زال مقتضي اجتلاب ضمير الشأن فزال مقتضي ( أن ) المخففة . ~~وقد يكون مضمون هذه الجملة في شريعة إبراهيم ما حكاه الله عنه من قوله : { ~~ولا تخزني يوم يبعثون } ( الشعراء : 87 ) . # ويجوز أن لا يكون قوله مضمون قوله : { وأن سعيه } مشمولا لما في صحف موسى ~~وإبراهيم فعطفه على ( ما ) الموصولة من قوله : { بما في صحف موسى وإبراهيم ~~} ( النجم : 36 ، 37 ) ، عطف المفرد على المفرد فيكون معمولا لباء الجر في ~~قوله : الخ ، والتقدير : لم ينبأ بأن سعي الإنسان سوف يرى ، أي لا بد أن ~~يرى ، أي يجازى عليه ، أي لم ينبأ بهذه الحقيقة الدينية وعليه فلا نتطلب ~~ثبوت مضمون هذه الجملة في شريعة إبراهيم عليه السلام . # و { سوف } حرف استقبال والأكثر أن يراد به المستقبل البعيد . # ومعنى { يرى } يشاهد عند الحساب كما في قوله تعالى : { ووجدوا ما عملوا ~~حاضرا } ( الكهف : 49 ) ، فيجوز أن تجسم الأعمال فتصير مشاهدة وأمور الآخرة ~~مخالفة لمعتاد أمور الدنيا . ويجوز أن تجعل علامات على الأعمال يعلن بها ~~عنها كما في قوله تعالى : { نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم } ( التحريم : ~~8 ) . وما في الحديث ( ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة فيقال : هذه غدرة ~~فلان ms8075 ) فيقدر مضاف تقديره : وأن عنوان سعيه سوف يرى . # ويجوز أن يكون ذلك بإشهار العمل والسعي كما في قوله تعالى : { أهؤلاء ~~الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ادخلوا الجنة } ( الأعراف : 49 ) الآية ~~، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم ( من سمع بأخيه فيما يكره سمع الله به ~~سامع خلقه يوم القيامة ) ، فتكون الرؤية مستعارة للعلم لقصد تحقق العلم ~~واشتهاره . # وحكمة ذلك تشريف المحسنين بحسن السمعة وانكسار المسيئين بسوء الأحدوثة . # وقوله : { ثم يجزاه الجزاء الأوفى } هو المقصود من الجملة . PageV27P139 # و { ثم } للتراخي الرتبي لأن حصول الجزاء أهم من إظهاره أو إظهار المجزي ~~عنه . # وضمير النصب في قوله : { يجزاه } عائد إلى السعي ، أي يجزى عليه ، أو ~~يجزى به فحذف حرف الجر ونصب على نزع الخافض فقد كثر أن يقال : جزاه عمله ، ~~وأصله : جزاه على عمله أو جزاه بعمله . # والأوفى : اسم تفضيل من الوفاء وهو التمام والكمال ، والتفضيل مستعمل هنا ~~في القوة ، وليس المراد تفضيله على غيره . والمعنى : أن الجزاء على الفعل ~~من حسن أو سيء موافق للمجزي عليه ، قال تعالى : { فأما الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله } ( النساء : 173 ) وقال : { وإنا ~~لموفوهم نصيبهم غير منقوص } ( هود : 109 ) وقال : { ووجد الله عنده فوفاه ~~حسابه } ( النور : 39 ) وقال : { فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا } ( الإسراء ~~: 63 ) . # وانتصب { الجزاء الأوفى } على المفعول المطلق المبين للنوع . # وقد حكى الله عن إبراهيم { ولا تخزني يوم يبعثون } ( الشعراء : 87 ) . # القول في موقعها كالقول في موقع جملة { وأن سعيه سوف يرى } ( النجم : 40 ~~) سواء ، فيجوز أن تكون هذه الجملة معطوفة على جملة { وأن سعيه سوف يرى } ~~فتكون تتمة لما في صحف موسى وإبراهيم ، ويكون الخطاب في قوله : { إلى ربك } ~~التفاتا من الغيبة إلى الخطاب والمخاطب غير معين فكأنه قيل : وأن إلى ربه ~~المنتهى ، وقد يكون نظيرها من كلام إبراهيم ما حكاه الله عنه بقوله : { ~~وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين } ( الصافات : 99 ) . # ويجوز أنها ليست مما اشتملت عليه صحف موسى وإبراهيم ويكون عطفها عطف مفرد ~~على مفرد ، فيكون ms8076 المصدر المنسبك من { أن } ومعمولها مدخولا للباء ، أي لم ~~ينبأ بأن إلى ربك المنتهى ، والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم PageV27P140 ~~وعليه فلا نتطلب لها نظيرا من كلام إبراهيم عليه السلام . # ومعنى الرجوع إلى الله الرجوع إلى حكمه المحض الذي لا تلابسه أحكام هي في ~~الظاهر من تصرفات المخلوقات مما هو شأن أمور الدنيا ، فالكلام على حذف مضاف ~~دل عليه السياق . # والتعبير عن الله بلفظ { ربك } تشريف للنبيء صلى الله عليه وسلم وتعريض ~~بالتهديد لمكذبيه لأن شأن الرب الدفاع عن مربوبه . # وفي الآية معنى آخر وهو أن يكون المنتهى مجازا عن انتهاء السير ، بمعنى ~~الوقوف ، لأن الوقوف انتهاء سير السائر ، ويكون الوقوف تمثيلا لحال المطيع ~~لأمر الله تشبيها لأمر الله بالحد الذي تحدد به الحوائط على نحو قول أبي ~~الشيص : # وقف الهوى بي حيث أنتت فليس لي # متأخر عنه ولا متقدم # كما عبر عن هذا المعنى بالوقوف عند الحد في قوله تعالى : { تلك حدود الله ~~فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون } ( البقرة : 229 ) . ~~والمعنى : التحذير من المخالفة لما أمر الله ونهى . # وفي الآية معنى ثالث وهو انتهاء دلالة الموجودات على وجود الله ووحدانيته ~~لأن الناظر إلى الكائنات يعلم أن وجودها ممكن غير واجب فلا بد لها من موجود ~~، فإذا خيلت الوسوسة للناظر أن يفرض للكائنات موجدا مما يبدو له من نحو ~~الشمس أو القمر أو النار لما يرى فيها من عظم الفاعلية ، لم يلبث أن يظهر ~~له أن ذلك المفروض لا يخلو عن تغير يدل على حدوثه فلا بد له من محدث أوجده ~~فإذا ذهب الخيال يسلسل مفروضات الإلهية ( كما في قصة إبراهيم { فلما جن ~~عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي } ( الأنعام : 76 ) الآيات ) لم يجد ~~العقل بدا من الانتهاء إلى وجوب وجود صانع لممكنات كلها ، وجوده غير ممكن ~~بل واجب ، وأن يكون متصفا بصفات الكمال وهو الإله الحق ، فالله هو المنتهى ~~الذي ينتهي إليه استدلال العقل ، ثم إذا لاح له دليل وجود الخالق وأفضى به ~~إلى ms8077 إثبات أنه واحد لأنه لو كان متعددا لكان كل من المتعدد غير كامل ~~الإلهية إذ لا يتصرف أحد المتعدد فيما قد تصرف PageV27P141 فيه الآخر ، ~~فكان كل واحد محتاجا إلى الآخر ليرضى بإقراره على إيجاد ما أوجده ، وإلا ~~لقدر على نقض ما فعله ، فيلزم أن يكون كل واحد من المتعدد محتاجا إلى من ~~يسمح له بالتصرف ، قال تعالى : { وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما ~~خلق ولعلا بعضهم على بعض } ( المؤمنون : 91 ) وقال : { قل لو كان معه آلهة ~~كما تقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا } ( الإسراء : 42 ) وقال : { لو ~~كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا } ( الأنبياء : 22 ) فانتهى العقل لا محالة ~~إلى منتهى . # انتقال من الاعتبار بأحوال الآخرة إلى الاعتبار بأحوال الحياة الدنيا ~~وضمير { هو } عائد إلى { ربك } من قوله : { وأن إلى ربك المنتهى } ( النجم ~~: 42 ) . # والضحك : أثر سرور النفس ، والبكاء : أثر الحزن ، وكل من الضحك والبكاء ~~من خواص الإنسان وكلاهما خلق عجيب دال على انفعال عظيم في النفس . # وليس لبقية الحيوان ضحك ولا بكاء وما ورد من إطلاق ذلك على الحيوان فهو ~~كالتخيل أو التشبيه كقول النابغة : # بكاء حماقة تدعو هديلا # مطوقة على فنن تغني # ولا يخلو الإنسان من حالي حزن وسرور لأنه إذا لم يكن حزينا مغموما كان ~~مسرورا لأن الله خلق السرور والانشراح ملازما للإنسان بسبب سلامة مزاجه ~~وإدراكه لأنه إذا كان سالما كان نشيط الأعصاب وذلك النشاط تنشأ عنه المسرة ~~في الجملة وإن كانت متفاوتة في الضعف والقوة ، فذكر الضحك والبكاء يفيد ~~الإحاطة بأحوال الإنسان بإيجاز ويرمز إلى أسباب الفرح والحزن ويذكر بالصانع ~~الحكيم ، ويبشر إلى أن الله هو المتصرف في الإنسان لأنه خلق أسباب فرحه ~~ونكده وألهمه إلى اجتلاب ذلك بما في مقدوره وجعل حدا عظيما من ذلك خارجا عن ~~مقدور الإنسان وذلك لا يمتري فيه أحد إذا تأمل وفيه ما يرشد إلى الإقبال ~~على طاعة الله والتضرع إليه ليقدر للناس أسباب الفرح ، ويدفع عنهم أسباب ~~الحزن PageV27P142 وإنما جرى ذكر هذا في ms8078 هذا المقام لمناسبة أن الجزاء ~~الأوفى لسعي الناس : بعضه سار لفريق وبعضه محزن لفريق آخر . # وأفاد ضمير الفصل قصرا لصفة خلق أسباب الضحك والبكاء على الله تعالى ~~لإبطال الشريك في التصرف فتبطل الشركة في الإلهية ، وهو قصر إفراد لأن ~~المقصود نفي تصرف غير الله تعالى وإن كان هذا القصر بالنظر إلى نفس الأمر ~~قصرا حقيقيا لإبطال اعتقاد أن الدهر متصرف . # وإسناد الإضحاك والإبكاء إلى الله تعالى لأنه خالق قوتي الضحك والبكاء في ~~الإنسان ، وذلك خلق عجيب ولأنه خالق طبائع الموجودات التي تجلب أسباب الضحك ~~والبكاء من سرور وحزن . # ولم يذكر مفعول { أضحك وأبكى لأن القصد إلى الفعلين لا إلى مفعوليهما ~~فالفعلان منزلان منزلة اللازم ، أي أوجد الضحك والبكاء . # ولما كان هذا الغرض من إثبات انفراد الله تعالى بالتصرف في الإنسان بما ~~يجده الناس في أحوال أنفسهم من خروج أسباب الضحك والبكاء عن قدرتهم تعين أن ~~المراد : أضحك وأبكى في الدنيا ، ولا علاقة لهذا بالمسرة والحزن الحاصلين ~~في الآخرة . # وفي الاعتبار بخلق الشيء وضده إشارة إلى دقائق حكمة الله تعالى . # وفي هذه الآية محسن الطباق بين الضحك والبكاء وهما ضدان . # وتقديم الضحك على البكاء لأن فيه امتنانا بزيادة التنبيه على القدرة وحصل ~~بذلك مراعاة الفاصلة . # وموقع هذه الجملة في عطفها مثل موقع جملة وأن سعيه سوف يرى } ( النجم : ~~40 ) في الاحتمالين ، فإن كانت مما شملته صحف إبراهيم كانت حكاية لقوله : { ~~وإذا مرضت فهو يشفين } ( الشعراء : 80 ) . PageV27P143 # انتقل من الاعتبار بانفراد الله بالقدرة على إيجاد أسباب المسرة والحزن ~~وهما حالتان لا تخلو عن إحداهما نفس الإنسان إلى العبرة بانفراده تعالى ~~بالقدرة على الإحياء والإماتة ، وهما حالتان لا يخلو الإنسان عن إحداهما ~~فإن الإنسان أول وجوده نطفة ميتة ثم علقة ثم مضغة ( قطعة ميتة وإن كانت ~~فيها مادة الحياة إلا أنها لم تبرز مظاهر الحياة فيها ) ثم ينفخ فيه الروح ~~فيصير إلى حياة وذلك بتدبير الله تعالى وقدرته . # ولعل المقصود هو العبرة بالإماتة لأنها أوضح عبرة وللرد عليهم قولهم : { ~~وما يهلكنا إلا الدهر ms8079 } ( الجاثية : 24 ) ، وأن عطف { وأحيا تتميم واحتراس ~~كما في قوله : الذي خلق الموت والحياة } ( الملك : 2 ) . ولذلك قدم { أمات ~~على أحيا } مع الرعاية على الفاصلة كما تقدم في { أضحك وأبكى } ( النجم : ~~43 ) . # وموقع الجملة كموقع جملة { وأن سعيه سوف يرى } ( النجم : 40 ) . فإن كان ~~مضمونها مما شملته صحف إبراهيم كان المحكي بها من كلام إبراهيم ما حكاه ~~الله عنه بقوله : { والذي يميتني ثم يحيين } ( الشعراء : 81 ) . # وفعلا { أمات وأحيا } منزلان منزلة اللازم كما تقدم في قوله : { وأنه هو ~~أضحك وأبكى } ( النجم : 43 ) إظهارا لبديع القدرة على هذا الصنع الحكيم مع ~~التعريض بالاستدلال على كيفية البعث وإمكانه حيث أحاله المشركون ، وشاهده ~~في خلق أنفسهم . # وضمير الفصل للقصر على نحو قوله : { وأنه هو أضحك وأبكى } ( النجم : 43 ) ~~ردا على أهل الجاهلية الذين يسندون الإحياء والإماتة إلى الدهر فقالوا { ~~وما يهلكنا إلا الدهر } ( الجاثية : 24 ) . فليس المراد الحياة الآخرة لأن ~~المتحدث عنهم لا يؤمنون بها ، ولأنها مستقبلة والمتحدث عنه ماض . # وفي هذه الآية محسن الطباق أيضا لما بين الحياة والموت من التضاد . ~~PageV27P144 # ( 45 ، 46 ) # هذه الآية وإن كانت مستقلة بإفادة أن الله خالق الأزواج من الإنسان خلقا ~~بديعا من نطفة فيصير إلى خصائص نوعه وحسبك بنوع الإنسان تفكيرا أو مقدرة ~~وعملا ، وذلك ما لا يجهله المخاطبون فما كان ذكره إلا تمهيدا وتوطئة لقوله ~~: { وأن عليه النشاة الأخرى } ( النجم : 47 ) على نحو قوله تعالى : { كما ~~بدأنا أول خلق نعيده } ( الأنبياء : 104 ) وباعتبار استقلالها بالدلالة على ~~عجيب تكوين نسل الإنسان ، عطفت عليها جملة { وأن عليه النشأة الأخرى } ( ~~النجم : 47 ) وإلا لكان مقتضى الظاهر أن يقال : إن عليه النشأة الأخرى بدون ~~عطف وبكسر همزة ( إن ) . # ومناسبة الانتقال إلى هذه الجملة أن فيها كيفية ابتداء الحياة . # والمراد بالزوجين : الذكر والأنثى من خصوص الإنسان لأن سياق الكلام ~~للاعتبار ببديع صنع الله وذلك أشد اتفاقا في خلقة الإنسان ، ولأن اعتبار ~~الناس بما في أحوال أنفسهم أقرب وأمكن ولأن بعض الأزواج من الذكور والإناث ~~لا يتخلق من نطفة بل من ms8080 بيض وغيره . # ولعل وجه ذكر الزوجين والبدل منه { الذكر والأنثى } دون أن يقول : وأنه ~~خلقه ، أي الإنسان من نطفة ، كما قال : { فلينظر الإنسان مم خلق خلق من ماء ~~دافق } ( الطارق : 5 ، 6 ) الآية أمران : # أحدهما : إدماج الامتنان في أثناء ذكر الانفراد بالخلق بنعمة أن خلق لكل ~~إنسان زوجه كما قال تعالى : { ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا ~~لتسكنوا إليها } ( الروم : 21 ) الآية . # الثاني : الإشارة إلى أن لكلا الزوجين حظا من النطفة التي منها يخلق ~~الإنسان فكانت للذكر نطفة وللمرأة نطفة كما ورد في الحديث الصحيح أنه ( إذا ~~سبق ماء الرجل أشبه المولود أباه وإن سبق ماء المرأة أشبه المولود أمه ) ، ~~وبهذا يظهر أن لكل من الذكر والأنثى نطفة وإن كان المتعارف عند الناس قبل ~~القرآن أن النطفة PageV27P145 هي ماء الرجل إلا أن القرآن يخاطب الناس بما ~~يفهمون ويشير إلى ما لا يعلمون إلى أن يفهمه المتدبرون . وحسبك ما وقع ~~بيانه بالحديث المذكور آنفا . # والنطفة : فعلة مشتقة من : نطف الماء ، إذا قطر ، فالنطفة ماء قليل وسمي ~~ما منه النسل نطفة بمعنى منطوف ، أي مصبوب فماء الرجل مصبوب ، وماء المرأة ~~أيضا مصبوب فإن ماء المرأة يخرج مع بويضة دقيقة تتسرب مع دم الحيض وتستقر ~~في كيس دقيق فإذا باشر الذكر الأنثى انحدرت تلك البيضة من الأنثى واختلطت ~~مع ماء الذكر في قرارة الرحم . # و { من } في قوله : { من نطفة } ابتدائية فإن خلق الإنسان آتت وناشىء ~~بواسطة النطفة ، فإذا تكونت النطفة وأمنيت ابتدأ خلق الإنسان . # و { تمنى } تدفق وفسروه بمعنى تقذف أيضا . # وقيل إن { تمنى } بمعنى تراق ، وجعلوا تسمية الوادي الذي بقرب مكة منى ~~لأنه تراق به دماء البدن من الهدايا . ولم يذكر أهل اللغة في معاني مني أو ~~أمنى أن منها الإراقة . وهذا من مشكلات اللغة . # ثم إن { تمنى } يحتمل أنه مضارع أمنى بهمزة التعدية وسقطت في المضارع ~~فوزنه تأفعل ، ويحتمل أنه مضارع منى مثل رمى فوزنه : تفعل . # وبني فعل { تمنى } إلى المجهول لأن النطفة تدفعها قوة طبيعية في الجسم ms8081 ~~خفية فكان فاعل الإمناء مجهولا لعدم ظهوره . # وعن الأخفش { تمنى } تقدر ، يقال : منى الماني ، أي قدر المقدر . والمعنى ~~: إذا قدر لها ، أي قدر لها أن تكون مخلقة كقوله تعالى : { مخلقة وغير ~~مخلقة } ( الحج : 5 ) . # والتقييد ب { إذا تمنى } لما في اسم الزمان من الإيذان بسرعة الخلق عند ~~دفق النطفة في رحم المرأة فإنه عند التقاء النطفتين يبتدىء تخلق النسل فهذا ~~إشارة خفية PageV27P146 إلى أن البويضة التي هي نطفة المرأة حاصلة في الرحم ~~فإذا أمنيت عليها نطفة الذكر أخذت في التخلق إذا لم يعقها عائق . # ثم لما في فعل { تمنى } من الإشارة إلى أن النطفة تقطر وتصب على شيء آخر ~~لأن الصب يقتضي مصبوبا عليه فيشير إلى أن التخلق إنما يحصل من انصباب ~~النطفة على أخرى ، فعند اختلاط الماءين يحصل تخلق النسل فهذا سر التقييد ~~بقوله : { إذا تمنى } . # وفي الجمع بين الذكر والأنثى محسن الطباق لما بين الذكر والأنثى من شبه ~~التضاد . # ولم يؤت في هذه الجملة بضمير الفصل كما في اللتين قبلها لعدم الداعي إلى ~~القصر إذ لا ينازع أحد في أن الله خالق الخلق وموقع جملة { وأنه خلق ~~الزوجين } إلى آخرها كموقع جملة { وأن سعيه سوف يرى } ( النجم : 40 ) . # كان مقتضى الظاهر من التنظير أن يقدم قوله : { وأنه هو أغنى وأقنى } ( ~~النجم : 48 ) على قوله : { وأن عليه النشأة الأخرى } لما في قوله : { وأنه ~~هو أغنى وأقنى } من الامتنان وإظهار الاقتدار المناسبين لقوله : { وأنه هو ~~أضحك وأبكى وأنه هو أمات وأحيا وأنه خلق الزوجين } ( النجم : 43 45 ) الخ . ~~إذ ينتقل من نعمة الخلق إلى نعمة الرزق كما في قوله تعالى حكاية عن إبراهيم ~~{ الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين } ( الشعراء : 78 ، 79 ) ~~وقوله تعالى : { الله الذي خلقكم ثم رزقكم } ( الروم : 40 ) ولكن عدل عن ~~ذلك على طريقة تشبه الاعتراض ليقرن بين البيانين ذكر قدرته على النشأتين . # ومما يشابه هذا ما قاله الواحدي في شرح قول المتنبي في سيف الدولة : # وقفت وما في الموت شك لواقف # كأنك في جن ms8082 الردى وهو نائم # تمر بك الأبطال كلمى هزيمة # ووجهك وضاء وثغرك باسم # أنه لما أنشد هذين البيتين أنكر عليه سيف الدولة تطبيق عجزي البيتين على ~~PageV27P147 صدريهما وقال : ينبغي أن تطبق عجز الأول على الثاني وعجز ~~الثاني على الأول ثم قال له : وأنت في هذا مثل امرىء القيس في قوله : # كأني لم أركب جوادا للذة # ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال # ولم أسبإ الزق الروي ولم أقل # لخيلي كري كرة بعد إجفال # ووجه الكلام في البيتين على ما قاله أهل العلم بالشعر أن يكون عجز الأول ~~على الثاني والثاني على الأول ( أي مع نقل كلمة ( للذة ) من صدر الأول إلى ~~الثاني ، وكلمة ( ولم أقل ) من صدر الثاني إلى الأول ليستقيم الكلام ) ~~فيكون ركوب الخيل مع الأمر للخيل بالكر وسبأ الخمر مع تبطنن الكاعب فقال ~~أبو الطيب : ( أدام الله عز مولانا إن صح أن الذي استدرك هذا على امرىء ~~القيس أعلم منه بالشعر فقد أخطأ أمرؤ القيس وأخطأت أنا ، ومولانا يعرف أن ~~البزاز لا يعرف الثوب معرفة الحائك لأن البزاز يعرف جملته والحائك يعرف ~~جملته وتفصيله ، وإنما قرن امرؤ القيس لذة النساء بلذة الركوب للصيد وقرن ~~السماحة في شراء الخمر للأضياف بالشجاعة في منازلة الأعداء ، وإنما لما ~~ذكرت الموت في أول البيت اتبعته بذكر الردى ليجانسه ، ولما كان وجه المنهزم ~~لا يخلو من أن يكون عبوسا وعينه من أن تكون باكية قلت : ووجهك وضاء ، لأجمع ~~بين الأضداد في المعنى ) اه . # ولو أن أبا الطيب شعر بهذه الآية لذكرها لسيف الدولة فكانت له أقوى حجة ~~من تأويله شعر امرىء القيس . # وفي جملة { وأن عليه النشأة } تحقيق لفعله إياها شبها بالحق الواجب على ~~المحقوق به بحيث لا يتخلف فكأنه حق واجب لأن الله وعد بحصول بما اقتضته ~~الحكمة الإلهية لظهور أن الله لا يكرهه شيء ، فالمعنى : أن الله أراد ~~النشأة الأخرى كقوله تعالى : { كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم إلى يوم ~~القيامة } ( الأنعام : 12 ) . # و { النشأة } : المرة من الإنشاء ، أي الإيجاد والخلق . # و { الأخرى } : مؤنث الأخير ms8083 ، أي النشأة التي لا نشأة بعدها ، وهي مقابل ~~النشأة PageV27P148 الأولى التي يتضمنها قوله تعالى : { وأنه خلق الزوجين ~~الذكر والأنثى } ( النجم : 45 ) . وهذه المقابلة هي مناسبة ذكر هذه النشأة ~~الأخرى . # وقرأ الجمهور { النشأة } بوزن الفعلة وهو اسم مصدر أنشأ ، وليس مصدرا ، ~~إذ ليس نشأ المجرد بمتعد وإنما يقال : أنشأ . # وقرأها ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب { النشاءة } بألف بعد الشين المفتوحة ~~بوزن الفعالة وهو من أوزان المصادر لكنه مقيس في مصدر الفعل المضموم العين ~~في الماضي نحو الجزالة والفصاحة . ولذلك فالنشاءة بالمد مصدر سماعي مثل ~~الكآبة . ولعل مدتها من قبيل الإشباع مثل قول عنترة : # ينباع من ذفرى غضوب جسرة # أي : ينبع . # وتقديم الخبر على اسم { أن } للاهتمام بالتحقيق الذي أفادته ( على ) ~~تنبيها على زيادة تحقيقه بعد أن حقق بما في ( أن ) من التوكيد . # ومعنى { أغنى } جعل غنيا ، أي أعطى ما به الغنى ، والغنى التمكن من ~~الانتفاع بما يحب الانتفاع به . # ويظهر أن معنى { أقنى } ضد معنى { أغنى } رعيا لنظائره التي زاوجت بين ~~الضدين من قوله : { أضحك وأبكى } ( النجم : 43 ) و { أمات وأحيا } ( النجم ~~: 44 ) ، و { الذكر والأنثى } ( النجم : 45 ) ، ولذلك فسره ابن زيد والأخفش ~~وسليمان التميمي بمعنى أرضى . # وعن مجاهد وقتادة والحسن : { أقنى } : أخدم ، فيكون مشتقا من القن وهو ~~العبد أو المولود في الرق فيكون زيادة على الإغناء . وقيل : { أقنى } : ~~أعطى القنية . وهذا زيادة في الغنى . وعن ابن عباس : { أقنى } : أرضى ، أي ~~أرضى الذي أغناه بما أعطاه ، أي أغناه حتى أرضاه فيكون زيادة في الامتنان . ~~PageV27P149 # والإتيان بضمير الفصل لقصر صفة الإغناء والإقناء عليه تعالى دون غيره وهو ~~قصر ادعائي لمقابلة ذهول الناس عن شكر نعمة الله تعالى بإسنادهم الأرزاق ~~لوسائله العادية ، مع عدم التنبه إلى أن الله أوجد مواد الإرزاق وأسبابها ~~وصرف موانعها ، وهذا نظير ما تقدم من القصر في قوله تعالى : { الحمد لله رب ~~العالمين } ( الفاتحة : 2 ) . # وموقع جملة { وأنه هو أغنى وأقنى } كموقع جملة { وأن سعيه سوف يرى } ( ~~النجم : 40 ) . # فهذه الجملة لا يجوز اعتبارها معطوفة على جملة { ألا تزر ms8084 وازرة وزر أخرى ~~} ( النجم : 38 ) إذ لا تصلح لأن تكون مما في صحف موسى وإبراهيم لأن الشعرى ~~لم تعبد في زمن إبراهيم ولا في زمن موسى عليهما السلام فيتعين أن تكون ~~معطوفة على ( ما ) الموصولة من قوله { بما في صحف موسى وإبراهيم } ( النجم ~~: 36 ، 37 ) الخ . # الشعرى : اسم نجم من نجوم برج الجوزاء شديد الضياء ويسمى : كلب الجبار ، ~~لأن برج الجوزاء يسمى الجبار عند العرب أيضا ، وهو من البروج الربيعية ، أي ~~التي تكون مدة حلول الشمس فيها هي فصل الربيع . # وسميت الجوزاء لشدة بياضها في سواد الليل تشبيها له بالشاة الجوزاء وهي ~~الشاة السوداء التي وسطها أبيض . # وبرج الجوزاء ذو كواكب كثيرة ولكثير منها أسماء خاصة والعرب يتخيلون ~~مجموع نجومها في صورة رجل واقف بيده عصا وعلى وسطه سيف ، فلذلك سموه الجبار ~~. وربما تخيلوها صورة امرأة فيطلقون على وسطها اسم المنطقة . # ولم أقف على وجه تسميتها الشعرى ، وسميت كلب الجبار تخيلوا الجبار صائدا ~~والشعرى يتبعه كالكلب وربما سموا الشعرى يد الجوزاء ، وهو أبهر نجم برج ~~الجوزاء ، وتوصف الشعرى باليمانية لأنها إلى جهة اليمن . وتوصف بالعبور ( ~~بفتح العين ) لأنهم يزعمون أنها زوج كوكب سهيل وأنهما كانا متصلين وأن ~~سهيلا انحدر نحو اليمن فتبعته الشعرى وعبرت نهر المجرة ، فلذلك وصفت ~~PageV27P150 بالعبور فعول بمعنى فاعلة ، وهو احتراز عن كوكب آخر ليس من ~~كواكب الجوزاء يسمونه الشعرى الفميصاء ( بالغين المعجمة والصاد المهملة ~~بصيغة تصغير ) وذكروا لتسميته قصة . # والشعرى تسمى المرزم ( كمنبر ) ويقال : مرزم الجوزاء لأن نوءه يأتي بمطر ~~بارد في فصل الشتاء فاشتق له اسم آلة الرزم وهو شدة البرد ( فإنهم كنوا ريح ~~الشمال أم رزم ) . # وكان كوكب الشعرى عبدته خزاعة والذي سن عبادته رجل من سادة خزاعة يكنى ~~أبا كبشة . واختلف في اسمه ففي ( تاج العروس ) عن الكلبي أن اسمه جزء ( ~~بجيم وزاي وهمزة ) . وعن الدارقطني أنه وجز ( بواو وجيم وزاي ) بن غالب بن ~~عامر بن الحارث بن غبشان كذا في ( التاج ) ، والذي في ( جمهرة ابن حزم ) أن ~~الحارث هو غبشان الخزاعي . ومنهم ms8085 من قال : إن اسم أبي كبشة عبد الشعرى . ~~ولا أحسب إلا أن هذا وصف غلب عليه بعد أن اتخذ الشعرى معبودا له ولقومه ، ~~ولم يعرج ابن حزم في ( الجمهرة ) على ذكر أبي كبشة . # والذي عليه الجمهور أن الشعرى لم يعبدها من قبائل العرب إلا خزاعة . وفي ~~( تفسير القرطبي ) عن السدي أن حمير عبدوا الشعرى . # وكانت قريش تدعو رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا كبشة خيل لمخالفته ~~إياهم في عبادة الأصنام ، وكانوا يصفونه بابن أبي كبشة . قيل لأن أبا كبشة ~~كان من أجداد النبي صلى الله عليه وسلم من قبل أمه يعرضون أو يموهون على ~~دهمائهم بأنه يدعو إلى عبادة الشعرى يريدون التغطية على الدعوة إلى توحيد ~~الله تعالى فمن ذلك قولهم لما أراهم انشقاق القمر ( سحركم ابن أبي كبشة ) ~~وقول أبي سفيان للنفر الذين كانوا معه في حضرة هرقل ( لقد أمر أمر ابن أبي ~~كبشة أنه يخافه ملك بني الأصفر ) . # قال ابن أبي الأصبع ( في هذه الآية من البديع محسن التنكيت وهو أن يقصد ~~المتكلم إلى شيء بالذكر دون غيره مما يسده مسد لأجل نكتة في المذكور ترجح ~~مجيئه فقوله تعالى : { وأنه هو رب الشعرى } خص الشعرى بالذكر دون غيرها من ~~النجوم PageV27P151 لأن العرب كان ظهر فيهم رجل يعرف بأبي كبشة عبد الشعرى ~~ودعا خلقا إلى عبادتها ) . # وتخصيص الشعرى بالذكر في هاته السورة أنه تقدم ذكر اللات والعزى ومناة ~~وهي معبودات وهمية لا مسميات لها كما قال تعالى : { إن هي إلا أسماء ~~سميتموها } ( النجم : 23 ) وأعقبها بإبطال إلهية الملائكة وهي من الموجودات ~~المجردات الخفية ، أعقب ذلك بإبطال عبادة الكواكب وخزاعة أجوار لأهل مكة ~~فلما عبدوا الشعرى ظهرت عبادة الكواكب في الحجاز ، وإثبات أنها مخلوقة لله ~~تعالى دليل على إبطال إلهيتها لأن المخلوق لا يكون إلها ، وذلك مثل قوله ~~تعالى : { لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن } ( فصلت : 37 ~~) مع ما في لفظ الشعرى من مناسبة فواصل هذه السورة . # والإتيان بضمير الفصل يفيد قصر مربوبية الشعرى على الله ms8086 تعالى وذلك كناية ~~عن كونه رب ما يعتقدون أنه من تصرفات الشعرى ، أي هو رب تلك الآثار ومقدرها ~~وليست الشعرى ربة تلك الآثار المسندة إليها في مزاعمهم ، وليس لقصر كون رب ~~الشعرى على الله تعالى دون غيره لأنهم لم يعتقدوا أن للشعرى ربا غير الله ~~ضرورة أن منهم من يزعم أن الشعرى ربة معبودة ومنهم من يعتقد أنها تتصرف ~~بقطع النظر عن صفتها . # ( 50 52 ) { لله } # لما استوفي ما يستحقه مقام النداء على باطل أهل الشرك من تكذيبهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم وطعنهم في القرآن ، ومن عبادة الأصنام ، وقولهم في ~~الملائكة ، وفاسد معتقدهم في أمور الآخرة ، وفي المتصرف في الدنيا ، وكان ~~معظم شأنهم في هذه الضلالات شبيها بشأن أمم الشرك البائدة نقل الكلام إلى ~~تهديدهم بخوف أن يحل بهم ما حل بتلك الأمم البائدة فذكر من تلك الأمم ~~أشهرها عند العرب وهم : عاد ، وثمود ، وقوم نوح ، وقوم لوط . PageV27P152 # فموقع هذه الجملة كموقع الجمل التي قبلها في احتمال كونها زائدة على ما ~~في صحف موسى وإبراهيم ويحتمل كونها مما شملته الصحف المذكورة فإن إبراهيم ~~كان بعد عاد وثمود وقوم نوح ، وكان معاصرا للمؤتفكة عالما بهلاكها . # ولكون هلاك هؤلاء معلوما لم تقرن الجملة بضمير الفصل . # ووصف عاد ب { الأولى } على اعتبار عاد اسما للقبيلة كما هو ظاهر . ومعنى ~~كونها أولى لأنها أول العرب ذكرا وهم أول العرب البائدة وهم أول أمة أهلكت ~~بعد قوم نوح . # وأما القول بأن عادا هذه لما هلكت خلفتها أمة أخرى تعرف بعاد إرم أو عاد ~~الثانية كانت في زمن العماليق فليس بصحيح . # ويجوز أن يكون { الأولى } وصفا كاشفا ، أي عادا السابقة . وقيل { الأولى ~~} صفة عظمة ، أي الأولى في مراتب الأمم قوة وسعة ، وتقدم التعريف بعاد في ~~سورة الأعراف . # وتقدم ذكر ثمود في سورة الأعراف أيضا . # وتقدم ذكر نوح وقومه في سورة آل عمران وفي سورة الأعراف . # وإنما قدم في الآية ذكر عاد وثمود على ذكر قوم نوح مع أن هؤلاء أسبق لأن ~~عادا وثمودا أشهر في ms8087 العرب وأكثر ذكرا بينهم وديارهم في بلاد العرب . # وقرأ الجمهور { عادا الأولى } بإظهار تنوين { عادا } وتحقيق همزة { ~~الأولى } . وقرأ ورش عن نافع وأبو عمرو { عاد لولى } بحذف همزة ( الأولى ) ~~بعد نقل حركتها إلى اللام المعرفة وإدغام نون التنوين من { عادا } في لام { ~~لولى } . وقرأه قالون عن نافع بإسكان همزة { الأولى } بعد نقل حركتها إلى ~~اللام المعرفة ( عاد لؤلى ) على لغة من يبدل الواو الناشئة عن إشباع الضمة ~~همزا ، كما قرىء { فاستوى على سؤقه } ( الفتح : 29 ) . PageV27P153 # وقرأ الجمهور { وثمودا } بالتنوين على إطلاق اسم جد القبيلة عليها . ~~وقرأه عاصم وحمزة بدون تنوين على إرادة اسم القبيلة . # وجملة { إنهم كانوا هم أظلم وأطغى } تعليل لجملة { أهلك عادا } إلى آخرها ~~، وضمير الجمع في { إنهم كانوا } يجوز أن يعود إلى قوم نوح ، أي كانوا أظلم ~~وأطغى من عاد وثمود . ويجوز أن يكون عائدا إلى عاد وثمود وقوم نوح والمعنى ~~: إنهم أظلم وأطغى من قومك الذين كذبوك فتكون تسلية للنبيء صلى الله عليه ~~وسلم بأن الرسل من قبله لقوا من أممهم أشد مما لقيه محمد صلى الله عليه ~~وسلم وفيه إيماء إلى أن الله مبق على أمة محمد صلى الله عليه وسلم فلا ~~يهلكها لأنه قدر دخول بقيتها في الإسلام ثم أبنائها . # وضمير الفصل في قوله { كانوا هم أظلم } لتقوية الخبر . # ( 53 ، 54 ) # والمؤتفكة صفة لموصوف محذوف يدل عليه اشتقاق الوصف كما سيأتي ، والتقدير ~~: القرى المؤتفكة ، وهي قرى قوم لوط الأربع وهي ( سدوم ) و ( عمورة ) و ( ~~آدمة ) و ( صبوييم ) . ووصفت في سورة براءة بالمؤتفكات لأن وصف جمع المؤنث ~~يجوز أن يجمع وأن يكون بصيغة المفرد المؤنث . وقد صار هذا الوصف غالبا ~~عليها بالغلبة . # وذكرت القرى باعتبار ما فيها من السكان تفننا ومراعاة للفواصل . # ويجوز أن تكون المؤتفكة هنا وصفا للأمة ، أي لأمة لوط ليكون نظيرا لذكر ~~عاد وثمود وقوم نوح كما في قوله تعالى : { وجاء فرعون ومن قبله والمؤتفكات ~~بالخاطئة في سورة الحاقة . والائتفاك : الانقلاب ، يقال : أفكها فاتفكت . ~~والمعنى : التي خسف بها فجعل عاليها سافلها ، وقد ms8088 تقدم ذكرها في سورة براءة ~~. # وانتصب المؤتفكة } مفعول { أهوى } أي أسقط أي جعلها هاوية . # والإهواء : الإسقاط ، يقال : أهواه فهوى ، ومعنى ذلك : أنه رفعها في الجو ~~PageV27P154 ثم سقطت أو أسقطها في باطن الأرض وذلك من أثر زلازل وانفجارات ~~أرضية بركانية . # ولكون { المؤتفة } علما انتفى أن يكون بين { المؤتفكة } و { أهوى } تكرير ~~. وتقديم المفعول للاهتمام بعبرة انقلابها . # وغشاها : غطاها وأصابها من أعلى . # و { ما غشى } فاعل { غشاها } ، و ( ما ) موصولة ، وجيء بصلتها من مادة ~~وصيغة الفعل الذي أسند إليها ، وذلك لا يفيد خبرا جديدا زائدا على مفاد ~~الفعل . # والمقصود منه التهويل كأن المتكلم أراد أن يبين بالموصول والصلة وصف فاعل ~~الفعل فلم يجد لبيانه أكثر من إعادة الفعل إذ لا يستطاع وصفه . والذي غشاها ~~هو مطر من الحجارة المحماة ، وهي حجارة بركانية قذفت من فوهات كالآبار كانت ~~في بلادهم ولم تكن ملتهبة من قبل قال تعالى : { ولقد أتوا على القرية التي ~~أمطرت مطر السوء } ( الفرقان : 40 ) وقال : { وأمطرنا عليها حجارة من سجيل ~~} ( هود : 82 ) . وفاضت عليها مياه غمرت بلادهم فأصبحت بحرا ميتا . # وأفاد العطف بفاء التعقيب في قوله : { فغشاها } إن ذلك كان بعقب أهوائها ~~. # تفريع فذلكة لما ذكر من أول السورة : مما يختص بالنبي صلى الله عليه وسلم ~~من ذلك كقوله : { ما ضل صاحبكم وما غوى إلى قوله : لقد رأى من آيات ربه ~~الكبرى } ( النجم : 2 18 ) . ومما يشمله ويشمل غيره من قوله : { وأنه هو ~~أضحك وأبكى } إلى قوله : { هو رب الشعرى } ( النجم : 43 49 ) فإن ذلك خليط ~~من نعمم وضدها على نوع الإنسان وفي مجموعها نعمة تعليم الرسول صلى الله ~~عليه وسلم وأمته بمنافع الاعتبار بصنع الله . ثم من قوله : { وأنه أهلك ~~عادا } ( النجم : 50 ) إلى هنا . فتلك نقم من الضالين والظالمين لنصر رسل ~~الله ، وذلك نعمة على جميع الرسل ونعمة خاصة بالرسول صلى الله عليه وسلم ~~وهي بشارته بأن الله سينصره ، PageV27P155 فجميع ما عدد من النعم على أقوام ~~والنقم عن آخرين هو نعم محضة للرسول صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين ms8089 . # و ( أي ) اسم استفهام يطلب به تمييز متشارك في أمر يعم بما يميز البعض عن ~~البقية من حال يختص به مستعمل هنا في التسوية كناية عن تساوي ما عدد من ~~الأمور في أنها نعم على الرسول صلى الله عليه وسلم إذ ليس لواحد من هذه ~~المعدودات نقص عن نظائره في النعمة كقول فاطمة بنت الخرشب ( وقد سئلت : أي ~~بنيكك أفضل ) ( ثكلتهم إن كنت أدرى أيهم أفضل ) ، أي إن كنت أدري جواب هذا ~~السؤال ، وكقول الأعشى : # بأشجع أخاذ على الدهر حكمه # فمن أي ما تأتي الحوادث أفرق # والمقصود من هذا الاستفهام تذكير النبي صلى الله عليه وسلم بهذه النعم . # فالمعنى أنك لا تحصل لك مرية في واحدة من آلاء ربك فإنها سواء في الإنعام ~~، والخطاب بقوله : { ربك } الأظهر أنه للنبيء صلى الله عليه وسلم وهو ~~المناسب لذكر الآلاء والموافق لإضافة ( رب ) إلى ضمير المفرد المخاطب في ~~عرف القرآن . # وجوزوا أن يكون الخطاب في قوله : { فبأي آلاء ربك } لغير معين من الناس ، ~~أي المكذبين أي باعتبار أنه لا يخلو شيء مما عدد سابقا عن نعمة لبعض الناس ~~أو باعتبار عدم تخصيص الآلاء بما سبق ذكره بل المراد جنس الآلاء كما في ~~قوله تعالى : { فبأي آلاء ربكما تكذبان } ( الرحمن : 16 ) . # والآلاء : النعم ، وهو جمع مفرده : إلى ، بكسر الهمزة وبفتحها مع فتح ~~اللام مقصورا ، ويقال : إلى ، وألي ، بسكون اللام فيهما وآخره ياء متحركة ، ~~ويقال : ألو ، بهمز مفتوحة بعدها لام ساكنة وآخره واو متحركة مثل : دلو . # والتماري : التشكك وهو تفاعل من المرية فإن كان الخطاب بقوله : { ربك } ~~للنبيء صلى الله عليه وسلم كان { تتمارى } مطاوع ماراه مثل التدافع مطاوع ~~دفع في قول المنخل : # فدفعتها فتدافعت # مشي القطاة إلى الغدير PageV27P156 # والمعنى : فبأي آلاء ربك يشككونك ، وهذا ينظر إلى قوله تعالى : { ~~أفتمارونه على ما يرى } ( النجم : 12 ) ، أي لا يستطيعون أن يشككوك في حصول ~~آلاء ربك التي هي نعم النبوءة والتي منها رؤيته جبريل عند سدرة المنتهى . ~~فالكلام مسوق لتأييس المشركين من الطمع في الكف عنهم . # وإن ms8090 كان الخطاب لغير معين كان { تتمارى } تفاعلا مستعملا في المبالغة في ~~حصول الفعل ، ولا يعرف فعل مجرد للمراء ، وإنما يقال : امترى ، إذا شك . # استئناف ابتدائي أو فذلكة لما تقدم على اختلاف الاعتبارين في مرجع اسم ~~الإشارة فإن جعلت اسم الإشارة راجعا إلى القرآن فإنه لحضوره في الأذهان ~~ينزل منزلة شيء محسوس حاضر بحيث يشار إليه ، فالكلام انتقال اقتضابي تنهية ~~لما قبله وابتداء لما بعد اسم الإشارة على أسلوب قوله تعالى : { هذا بلاغ ~~للناس } ( إبراهيم : 52 ) . # والكلام موجه إلى المخاطبين بمعظم ما في هذه السورة فلذلك اقتصر على وصف ~~الكلام بأنه نذير ، دون أن يقول : نذير وبشير ، كما قال في الآية الأخرى { ~~إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون } ( الأعراف : 188 ) . # والإنذار بعضه صريح مثل قوله : { ليجزي الذين أساءوا بما عملوا } ( النجم ~~: 31 ) الخ ، وبعضه تعريض كقوله : { وأنه أهلك عادا الأولى } ( النجم : 50 ~~) وقوله : { وأن إلى ربك المنتهى } ( النجم : 42 ) . # وإن جعلت اسم الإشارة عائدا إلى ما تقدم من أول السورة بتأويله بالمذكور ~~، أو إلى ما لم ينبأ به الذي تولى وأعطى قليلا ، ابتداء من قوله : { أم لم ~~ينبأ بما في صحف موسى } ( النجم : 36 ) إلى هنا على كلا التأويلين ~~المتقدمين ، فتكون الإشارة إلى الكلام المتقدم تنزيلا لحضوره في السمع ~~منزلة حضوره في المشاهدة بحيث يشار إليه . # و ( النذر ) حقيقته المخبر عن حدوث حدث مضر بالمخبر ( بالفتح ) ، ~~PageV27P157 وجمعه : نذر ، هذا هو الأشهر فيه . ولذلك جعل ابن جريج وجمع من ~~المفسرين الإشارة إلى محمد صلى الله عليه وسلم وهو بعيد . # ويطلق النذير على الإنذار وهو خبر المخبر على طريقة المجاز العقلي . قال ~~أبو القاسم الزجاجي : يطلق النذير على الإنذار ( يريد أنه اسم مصدر ) ومنه ~~قوله تعالى : { فستعلمون كيف نذير } ( الملك : 17 ) أي إنذاري وجمعه نذر ~~أيضا ، ومنه قوله تعالى : { كذبت ثمود بالنذر } ( القمر : 23 ) ، أي ~~بالمنذرين . وإطلاق نذير على ما هو كلام وهو القرآن أو بعض آياته مجاز عقلي ~~، أو استعارة على رأي جمهور أهل اللغة وهو حقيقة على رأي الزجاجي . # والمراد ms8091 بالنذر الأولى : السالفة ، أي أن معنى هذا الكلام من معاني ~~الشرائع الأولى كقوله النبي : ( إن مما أدرك الناس من كلام النبوءة الأولى ~~إذا لم تستح فاصنع ما شئت ) أي من كلام الأنبياء قبل الإسلام . # ( 57 ، 58 ) # تتنزل هذه الجملة من التي قبلها منزلة البيان للإنذار الذي تضمنه قوله : ~~{ هذا نذير } ( النجم : 56 ) . # فالمعنى : هذا نذير بآزفة قربت ، وفي ذكر فعل القرب فائدة أخرى زائدة على ~~البيان وهي أن هذا المنذر به دنا وقته ، فإن : أزف معناه : قرب وحقيقته ~~القرب المكان ، واستعير لقرب الزمان لكثرة ما يعاملون الزمان معاملة المكان ~~. # والتنبيه على قرب المنذر به من كمال الإنذار للبدار بتجنب الوقوع فيما ~~ينذر به . # وجيء لفعل { أزفت } بفاعل من مادة الفعل للتهويل على السامع لتذهب النفس ~~كل مذهب ممكن في تعيين هذه المحادثة التي أزفت ، ومعلوم أنها من الأمور ~~المكروهة لورود ذكرها عقب ذكر الإنذار . # وتأنيث { الأزفة } بتأويل الوقعة ، أو الحادثة كما يقال : نزلت به نازلة ~~، أو PageV27P158 وقعت الواقعة ، وغشيته غاشية ، والعرب يستعملون التأنيث ~~دلالة على المبالغة في النوع ، ولعلهم راعوا أن الأنثى مصدر كثرة النوع . # والتعريف في { الأزفة } تعريف الجنس ، ومنه زيادة تهويل بتمييز هذا الجنس ~~من بين الأجناس لأن في استحضاره زيادة تهويل لأنه حقيق بالتدبر في المخلص ~~منه نظير التعريف في { الحمد لله } ( الفاتحة : 2 ) ، وقولهم : أرسلها ~~العراك . # والكلام يحتمل آزفة في الدنيا من جنس ما أهلك به عاد وثمود وقوم نوح فهي ~~استئصالهم يوم بدر ، ويحتمل آزفة وهي القيامة . وعلى التقديرين فالقرب مراد ~~به التحقق وعدم الانقلاب منها كقوله تعالى : { اقتربت الساعة } ( القمر : 1 ~~) وقوله : { إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا } ( المعارج : 6 ، 7 ) . # وجملة { ليس لها من دون الله كاشفة } مستأنفة بيانية أو صفة ل { الأزفة } ~~. و { كاشفة } يجوز أن يكون مصدرا بوزن فاعلة كالعافية ، وخائنة الأعين ، ~~وليس لوقعتها كاذبة . والمعنى ليس لها كشف . # ويجوز أن يكون اسم فاعل قرن بهاء التأنيث للمبالغة مثل راوية ، وباقعة ، ~~وداهية ، أي ليس لها كاشف قوي الكشف فضلا عمن دونه . # والكشف ms8092 يجوز أن يكون بمعنى التعرية مراد به الإزالة مثل ويكشف الضر ، ~~وذلك ضد ما يقال : غشية الضر . # فالمعنى : لا يستطيع أحد إزالة وعيدها غير الله ، وقد أخبر بأنها واقعة ~~بقوله : { ليس لها من دون الله كاشفة } كناية عن تحقق وقوعها . # ويجوز أن يكون الكشف بمعنى إزالة الخفاء ، أي لا يبين وقت الآزفة أحد له ~~قدرة على البيان على نحو قوله تعالى : { لا يجليها لوقتها إلا هو } ( ~~الأعراف : 187 ) . فالمعنى : أن الله هو العالم بوقتها لا يعلمه أحد إلا ~~إذا شاء أن يطلع عليه أحدا من رسله أو ملائكته . # و { من دون الله } أي غير الله ، و { من } مزيدة للتوكيد ، وهو متعلق ~~بالكون الذي ينوى في خبر ليس قوله : { لها } . PageV27P159 # ( 59 61 ) # تفريع على { هذا نذير من النذر الأولى } ( النجم : 56 ) وما عطف عليه ~~وبين به من بيان أو صفة ، فرع عليه استفهام إنكار وتوبيخ . # والحديث : الكلام والخبر . # والإشارة إلى ما ذكر من الإنذار بأخبار الذين كذبوا الرسل ، فالمراد ~~بالحديث بعض القرآن بما في قوله : { أفبهذا الحديث أنتم مدهنون } ( الواقعة ~~: 81 ) . # ومعنى العجب هنا الاستبعاد والإحالة كقوله : { أتعجبين من أمر الله } ( ~~هود : 73 ) ، أو كناية عن الإنكار . # والضحك : ضحك الاستهزاء . # والبكاء مستعمل في لازمه من خشية الله كقوله تعالى : { ويخرون للأذقان ~~يبكون ويزيدهم خشوعا } ( الإسراء : 109 ) . # ومن هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين حيث حلوا بحجر ~~ثمود في غزوة تبوك ( لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا إلا أن تكونوا باكين أن ~~يصيبكم مثل ما أصابهم ) ، أي ضارعين الله أن لا يصيبكم مثل ما أصابهم أو ~~خاشين أن يصيبكم مثل ما أصابهم . # والمعنى : ولا تخشون سوء عذاب الإشراك فتقلعوا عنه . # و { سامدون } : من السمود وهو ما في المرء من الإعجاب بالنفس ، يقال : ~~سمد البعير ، إذا رفع رأسه في سيره ، مثل به حال المتكبر المعرض عن النصح ~~المعجب بما هو فيه بحال البعير في نشاطه . # وقيل السمود : الغناء بلغة حمير . والمعنى : فرحون بأنفسكم تتغنون ~~بالأغاني لقلة الاكتراث بما تسمعون من القرآن ms8093 كقوله : { وما كان صلاتهم عند ~~البيت إلا مكاء وتصدية } ( الأنفال : 35 ) على أحد تفسيرين . PageV27P160 # وتقديم المجرور للقصر ، أي هذا الحديث ليس أهلا لأن تقابلوه بالضحك ~~والاستهزاء والتكذيب ولا لأن لا يتوب سامعه ، أي لو قابلتم بفعلكم كلاما ~~غيره لكان لكم شبهة في فعلكم ، فأما مقابلتكم هذا الحديث بما فعلتم فلا عذر ~~لكم فيها . # { } # تفريع على الإنكار والتوبيخ المفرعين على الإنذار بالوعيد ، فرع عليه ~~أمرهم بالسجود لله لأن ذلك التوبيخ من شأنه أن يعمق في قلوبهم فيكفهم عما ~~هم فيه من البطر والاستخفاف بالداعي إلى الله . ومقتضى تناسق الضمائر أن ~~الخطاب في قوله : { فاسجدوا لله واعبدوا } موجه إلى المشركين . # والسجود يجوز أن يراد به الخشية كقوله تعالى : { والنجم والشجر يسجدان } ~~( الرحمن : 6 ) . والمعنى : أمرهم بالخضوع إلى الله والكف عن تكذيب رسوله ~~وعن إعراضهم عن القرآن لأن ذلك كله استخفاف بحق الله وكان عليهم لما دعوا ~~إلى الله أن يتدبروا وينظروا في دلائل صدق الرسول والقرآن . # ويجوز أن يكون المراد سجود الصلاة والأمر به كناية عن الأمر بأن يسلموا ~~فإن الصلاة شعار الإسلام ، ألا ترى إلى قوله تعالى : { ما سلككم في سقر ~~قالوا لم نك من المصلين } ( المدثر : 42 ، 43 ) ، أي من الذين شأنهم الصلاة ~~وقد جاء نظيره الأمر بالركوع في قوله تعالى : { وإذا قيل لهم اركعوا لا ~~يركعون في سورة المرسلات فيجوز فيه المحملان . # وعطف على ذلك أمرهم بعبادة الله لأنهم إذا خضعوا له حق الخضوع عبدوه ~~وتركوا عبادة الأصنام وقد كان المشركون يعبدون الأصنام بالطواف حولها ~~ومعرضين عن عبادة الله ، ألا ترى أنهم عمدوا إلى الكعبة فوضعوا فيها ~~الأصنام ليكون طوافهم بالكعبة طوافا بما فيها من الأصنام . # أو المراد : واعبدوه العبادة الكاملة وهي التي يفرد بها لأن إشراك غيره ~~في PageV27P161 العبادة التي يستحقها إلا هو كعدم العبادة إذ الإشراك إخلال ~~كبير بعبادة الله قال تعالى : واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا } ( النساء ~~: 36 ) . # وقد ثبت في الأخبار الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ النجم فسجد ~~فيها أي عند ms8094 قوله : { فاسجدوا لله واعبدوا } وسجد من كان معه من المسلمين ~~والمشركين إلا شيخا مشركا ( هو أمية بن خلف ) أخذ كفا من تراب أو حصى فرفعه ~~إلى جهته وقال : يكفيني هذا . وروي أن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود ~~كانا يسجدان عند هذه الآية في القراءة في الصلاة . # وفي ( أحكام ) ابن العربي أن ابن عمر سجد فيها ، وفي ( الصحيحين ) و ( ~~السنن ) عن زيد بن ثابت قال : قرأت النجم عند النبي صلى الله عليه وسلم فلم ~~يسجد فيها . وفي ( سنن ابن ماجه ) عن أبي الدرداء ( سجدت مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم إحدى عشرة سجدة ليس فيها من المفصل شيء ) . وعن أبي بن كعب : كان ~~آخر فعل النبي صلى الله عليه وسلم ترك السجود في المفصل . وعن ابن عباس : ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسجد في المفصل منذ تحول إلى المدينة ، ~~وسورة النجم من المفصل . # واختلف العلماء في السجود عند هذه الآية فقال مالك : سجدة النجم ليست من ~~عزائم القرآن ( أي ليست مما يسن السجود عندها . هذا مراده بالعزائم وليس ~~المراد أن من سجود القرآن عزائم ومنه غير عزائم ف ( عزائم ) وصف كاشف ) ولم ~~ير سجود القرآن في شيء من المفصل ، ووافقه أصحابه عدا ابن وهب قرآها من ~~عزائم السجود ، هي وسجدة سورة الانشقاق وسجدة سورة العلق مثل قول أبي حنيفة ~~. وفي ( المنتقى ) : أنه قول ابن وهب وابن نافع . # وقال أبو حنيفة : هي من عزائم السجود . ونسب ابن العربي في ( أحكام ~~القرآن ) مثله إلى الشافعي ، وهو المعروف في كتب الشافعية والحنابلة . # وإنما سجد النبي صلى الله عليه وسلم فيها وإن كان الأمر في قوله : { ~~فاسجدوا } مفرعا على خطاب المشركين بالتوبيخ ، لأن المسلمين أولى بالسجود ~~لله وليعضد الأمر القولي بالفعل ليبادر به المشركون . وقد كان ذلك مذكرا ~~للمشركين بالسجود لله PageV27P162 فسجدوا مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم ~~نسخ السجود فيها بعد ذلك فلم يرو عن النبي صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة ، ~~ولخبر زيد بن ثابت وأبي بن كعب ms8095 وعمل معظم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~من أهل المدينة . # PageV27P163 PageV27P164 # | 1 ( سورة القمر ) 1 # اسمها بين السلف ( سورة اقتربت الساعة ) . ففي حديث أبي واقد الليثي : ( ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بقاف واقتربت الساعة في الفطر ~~والأضحى ) ، وبهذا الاسم عنون لها البخاري في كتاب التفسير . # وتسمى ( سورة القمر ) وبذلك ترجمها الترمذي . وتسمى ( سورة اقتربت ) ~~حكاية لأول كلمة فيها . # وهي مكية كلها عند الجمهور ، وعن مقاتل : أنه استثنى منها قوله تعالى : { ~~أم يقولون نحن جميع منتصر إلى قوله : وأمر } ( القمر : 44 46 ) ، قال : نزل ~~يوم بدر ( ولعل ذلك من أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية يوم بدر ~~) . # وهي السورة السابعة والثلاثون في ترتيب نزول السور عند جابر بن زيد ، ~~نزلت بعد سورة الطارق وقبل سورة ص . # وعدد آيها خمس وخمسون باتفاق أهل العدد . # $ 2 ( { اقتربت الساعة وانشق القمر * وإن يروا ءاية يعرضوا ويقولوا سحر ~~مستمر * وكذبوا واتبعو & # 1764 ا أهوآءهم وكل أمر مستقر * ولقد جآءهم من الانبآء ما فيه مزدجر * ~~حكمة بالغة فما تغنى النذر * فتول عنهم يوم يدعو الداع إلى شىء نكر * خشعا ~~أبصارهم يخرجون من الاجداث كأنهم جراد منتشر * مهطعين إلى الداع يقول ~~الكافرون هاذا يوم عسر * كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون ~~وازدجر * فدعا ربه أنى مغلوب فانتصر * ففتحنآ أبواب السمآء بماء منهمر * ~~وفجرنا الارض عيونا فالتقى المآء على أمر قد قدر * وحملناه على ذات ألواح ~~ودسر * تجرى بأعيننا جزآء لمن كان كفر * ولقد تركناها ءاية فهل من مدكر * ~~فكيف كان عذابى ونذر * ولقد يسرنا القرءان للذكر فهل من مدكر * كذبت عاد ~~فكيف كان عذابى ونذر * إنآ أرسلنا عليهم ريحا صرصرا فى يوم نحس مستمر * ~~تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر * فكيف كان عذابى ونذر * ولقد يسرنا ~~القرءان للذكر فهل من مدكر * كذبت ثمود بالنذر * فقالو & # 1764 ا أبشرا منا واحدا نتبعه إنآ إذا لفى ضلال وسعر * أءلقى الذكر عليه ~~من بيننا بل هو كذاب أشر * سيعلمون غدا من ms8096 الكذاب الاشر * إنا مرسلوا ~~الناقة فتنة لهم فارتقبهم واصطبر * ونبئهم أن المآء قسمة بينهم كل شرب ~~محتضر * فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر * فكيف كان عذابى ونذر * إنآ أرسلنا ~~عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر * ولقد يسرنا القرءان للذكر فهل من ~~مدكر * كذبت قوم لوط بالنذر * إنآ أرسلنا عليهم حاصبا إلا آل لوط نجيناهم ~~بسحر * نعمة من عندنا كذلك نجزى من شكر * ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا ~~بالنذر * ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنآ أعينهم فذوقوا عذابى ونذر * ولقد ~~صبحهم بكرة عذاب مستقر * فذوقوا عذابى ونذر * ولقد يسرنا القرءان للذكر فهل ~~من مدكر * ولقد جآء ءال فرعون النذر * كذبوا بئاياتنا كلها فأخذناهم أخذ ~~عزيز مقتدر * أكفاركم خير من أولائكم أم لكم برآءة فى الزبر * أم يقولون ~~نحن جميع منتصر * سيهزم الجمع ويولون الدبر * بل الساعة موعدهم والساعة ~~أدهى وأمر * إن المجرمين فى ضلال وسعر * يوم يسحبون فى النار على وجوههم ~~ذوقوا مس سقر * إنا كل شىء خلقناه بقدر * ومآ أمرنآ إلا واحدة كلمح بالبصر ~~* ولقد أهلكنآ أشياعكم فهل من مدكر * وكل شىء فعلوه فى الزبر * وكل صغير ~~وكبير مستطر * إن المتقين فى جنات ونهر * فى مقعد صدق عند مليك مقتدر } ) 2 ~~$ وسبب نزولها ما رواه الترمذي عن أنس بن مالك قال : ( سأل أهل مكة النبي ~~صلى الله عليه وسلم آية فانشق القمر بمكة فنزلت { اقتربت الساعة وانشق ~~القمر إلى قوله : سحر مستمر } ( القمر : 1 ، 2 ) . # وفي ( أسباب النزول ) للواحدي بسنده إلى عبد الله بن مسعود قال : انشق ~~القمر على عهد محمد صلى الله عليه وسلم فقالت قريش هذا سحر ابن أبي كبشة ~~سحركم ، فسألوا السفار ، فقالوا : نعم قد رأينا ، فأنزل الله عز وجل : { ~~اقتربت الساعة وانشق القمر } ( القمر : 1 ) الآيات . PageV27P165 # وكان نزولها في حدود سنة خمس قبل الهجرة ففي ( الصحيح ) ( أن عائشة قالت ~~: أنزل على محمد بمكة وإني لجارية ألعب { بل الساعة موعدهم والساعة أدهى ~~وأمر } ( القمر : 46 ) . # وكانت عقد عليها في شوال قبل الهجرة بثلاث سنين ، أي في أواخر سنة أربع ~~قبل الهجرة ms8097 بمكة ، وعائشة يومئذ بنت ست سنين ، وذكر بعض المفسرين أن انشقاق ~~القمر كان سنة خمس قبل الهجرة وعن ابن عباس كان بين نزول آية { سيهزم الجمع ~~ويولون الدبر } ( القمر : 45 ) وبين بدر سبع سنين . # أغراض هذه السورة # تسجيل مكابرة المشركين في الآيات البينة ، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالإعراض عن مكابرتهم . # وإنذارهم باقتراب القيامة وبما يلقونه حين البعث من الشدائد . # وتذكيرهم بما لقيته الأمم أمثالهم من عذاب الدنيا لتكذيبهم رسل الله ~~وأنهم سيلقون مثلما لقي أولئك إذ ليسوا خيرا من كفار الأمم الماضية . # وإنذارهم بقتال يهزمون فيه ، ثم لهم عذاب الآخرة وهو أشد . # وإعلامهم بإحاطة الله علما بأفعالهم وأنه مجازيهم شر الجزاء ومجاز ~~المتقين خير الجزاء . وإثبات البعث ، ووصف بعض أحواله . # وفي خلال ذلك تكرير التنويه بهدي القرآن وحكمته . # من عادة القرآن أن ينتهز الفرصة لإعادة الموعظة والتذكير حين يتضاءل تعلق ~~النفوس بالدنيا ، وتفكر فيما بعد الموت وتعير آذانها لداعي الهدى . فتتهيأ ~~لقبول الحق في مظان ذلك على تفاوت في استعدادها وكم كان مثل هذا الانتهاز ~~سببا في PageV27P166 إيمان قلوب قاسية ، فإذا أظهر الله الآيات على يد ~~رسوله صلى الله عليه وسلم لتأييد صدقه شفع ذلك بإعادة التذكير كما قال ~~تعالى : { وما نرسل بالآيات إلا تخويفا } ( الإسراء : 59 ) . # وجمهور المفسرين على أن هذه الآية نزلت شاهدة على المشركين بظهور آية ~~كبرى ومعجزة من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم وهي معجزة انشقاق القمر . ~~ففي ( صحيح البخاري ) و ( جامع الترمذي ) عن أنس بن مالك قال : ( سأل أهل ~~مكة النبي صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر ) . زاد ~~الترمذي عنه ( فانشق القمر بمكة فرقتين ، فنزلت : { اقتربت الساعة وانشق ~~القمر } إلى قوله : { سحر مستمر } ( القمر : 2 ) . # وفي رواية الترمذي عن ابن مسعود قال : ( بينما نحن مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بمنى فانشق القمر . # وظاهره أن ذلك في موسم الحج . وفي ( سيرة الحلبي ) كان ذلك ليلة أربع ~~عشرة ( أي في آخر ليالي منى ليلة النفر ) . وفيها ( اجتمع المشركون ms8098 بمنى ~~وفيهم الوليد بن المغيرة ، وأبو جهل ، والعاصي بن وائل ، والعاصي بن هشام ، ~~والأسود بن عبد يغوث ، والأسود بن عبد المطلب ، وزمعة بن الأسود ، والنضر ~~بن الحارث فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم إن كنت صادقا فشق لنا القمر ~~فرقتين فانشق القمر ) . # والعمدة في هذا التأويل على حديث عبد الله بن مسعود في ( الصحيح ) قال : ~~( انشق القمر ونحن مع النبي صلى الله عليه وسلم بمنى فانشق فرقتين فرقة فوق ~~الجبل وفرقة دونه فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ( اشهدوا اشهدوا ) ~~. زاد في رواية الترمذي عنه ( يعني { اقتربت الساعة وانشق القمر } . قلت : ~~وعن ابن عباس نصف على أبي قبيس ونصف على قعيقعان . # وروي مثله عن علي بن أبي طالب وابن عباس وابن عمر وحذيفة بن اليمان وأنس ~~بن مالك وجبير بن مطعم ، وهؤلاء لم يشهدوا انشقاق القمر لأن من عدا عليا ~~وابن عباس وابن عمر لم يكونوا بمكة ولم يسلموا إلا بعد الهجرة ولكنهم ما ~~تكلموا إلا عن يقين . # وكثرة رواة هذا الخبر تدل على أنه كان خبرا مستفيضا . وقال في ( شرح ~~PageV27P167 المواقف ) : هو متواتر . وفي عبارته تسامح لعدم توفر شرط ~~التواتر . ومراده : أنه مستفيض . # وظاهر بعض الروايات لحديث ابن مسعود عند الترمذي أن الآية نزلت قبل حصول ~~انشقاق القمر الواقع بمكة لما سأل المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~آية أو سألوه انشقاق القمر فأراهم انشقاق القمر وإنما هو انشقاق يحصل عند ~~حلول الساعة . وروي هذا عن الحسن وعطاء وهو المعبر عنه بالخسوف في سورة ~~القيامة ( 7 ، 8 ) { فإذا برق البصر وخسف القمر الآية . # وهذا لا ينافي وقوع انشقاق القمر الذي سأله المشركون ولكنه غير المراد في ~~هذه الآية لكنه مؤول بما في روايته عند غير الترمذي . # ولحديث أنس بن مالك أن الآية نزلت بعد انشقاق القمر . # وعلى جميع تلك الروايات فانشقاق القمر الذي هو معجزة حصل في الدنيا . وفي ~~البخاري } عن ابن مسعود أنه قال : ( خمس قد مضين اللزام والروم والبطشة ~~والقمر والدخان . وعن الحسن وعطاء ms8099 أن انشقاق القمر يكون عند القيامة ~~واختاره القشيري ، وروي عن البلخي . وقال الماوردي : هو قول الجمهور ، ولا ~~يعرف ذلك للجمهور . # وخبر انشقاق القمر معدود في مباحث المعجزات من كتب ( السيرة ) و ( دلائل ~~النبوة ) . # وليس لفظ هذه الآية صريحا في وقوعه ولكن ظاهر الآية يقتضيه كما في ( ~~الشفاء ) . # فإن كان نزول هذه الآية واقعا بعد حصول الانشقاق كما اقتضاه حديث ابن ~~مسعود في ( جامع الترمذي ) فتصدير السورة ب { اقتربت الساعة } للاهتمام ~~بالموعظة كما قدمناه آنفا إذ قد تقرر المقصود من تصديق المعجزة . # فجعلت تلك المعجزة وسيلة للتذكير باقتراب الساعة على طريقة الإدماج ~~بمناسبة أن القمر كائن من الكائنات السماوية ذات النظام المساير لنظام الجو ~~الأرضي فلما حدث تغير في نظامه لم يكن مألوفا ناسب تنبيه الناس للاعتبار ~~بإمكان PageV27P168 اضمحلال هذا العالم ، وكان فعل الماضي مستعملا في ~~حقيقته . وروي أن حذيفة بن اليمان قرأ { وقد انشق القمر } . # وإن كان نزولها قبل حصول الانشقاق كما اقتضاه حديث أنس بن مالك فهو إنذار ~~باقتراب الساعة وانشقاق القمر الذي هو من أشراط الساعة ومع الإيماء إلى أن ~~الانشقاق سيكون معجزة لما يسأله المشركون . ويرجح هذا المحمل قوله تعالى ~~عقبه : { وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر } ( القمر : 2 ) كما سيأتي ~~هنالك . # وإذ قد حمل معظم السلف من المفسرين ومن خلفهم هذه الآية على أن انشقاق ~~القمر حصل قبل نزولها أو بقرب نزولها فبنا أن نبين إمكان حصول هذا الانشقاق ~~مسايرين للاحتمالات الناشئة عن روايات الخبر عن الانشقاق إبطالا لجحد ~~الملحدين ، وتقريبا لفهم المصدقين . # فيجوز أن يكون قد حدث خسف عظيم في كرة القمر أحدث في وجهه هوة لاحت ~~للناظرين في صورة شقه إلى نصفين بينهما سواد حتى يخيل أنه منشق إلى قمرين ، ~~فالتعبير عنه بالانشقاق مطابق للواقع لأن الهوة انشقاق وموافق لمرأى الناس ~~لأنهم رأوه كأنه مشقوق . # ويجوز أن يكون قد حصل في الأفق بين سمت القمر وسمت الشمس مرور جسم سماوي ~~من نحو بعض المذنبات حجب ضوء الشمس عن وجه القمر بمقدار ظل ذلك ms8100 الجسم على ~~نحو ما يسمى بالخسوف الجزئي ، وليس في لفظ أحاديث أنس بن مالك عند مسلم ~~والترمذي ، وابن مسعود وابن عباس عند البخاري ما يناكد هذا . # ومن الممكن أن يكون هذا الانشقاق حدثا مركبا من خسوف نصفي في القمر على ~~عادة الخسوف فحجب نصف القمر ، والقمر على سمت أحد الجبلين وقد حصل في الجو ~~ساعتئذ سحاب مائي انعكس في بريق مائه صورة القمر مخسوفا بحيث يخاله الناظر ~~نصفا آخر من القمر دون كسوف طالعا على جهة ذلك الجبل ، وهذا من غرائب حوادث ~~الجو . وقد عرفت حوادث من هذا القبيل بالنسبة PageV27P169 لأشعة الشمس ، ~~ويجوز أن يحدث مثلها بالنسبة لضوء القمر على أنه نادر جدا وقد ذكرنا ذلك ~~عند قوله تعالى : { وإذ نتقنا الجبل فوقهم في سورة الأعراف . # ويؤيد هذا ما أخرجه الطبراني وابن مردويه من طريق عكرمة عن ابن عباس قال ~~: كسف القمر على عهد رسول الله فقالوا : سحر القمر فنزلت اقتربت الساعة } ~~الآية فسماه ابن عباس كسوفا تقريبا لنوعه . # وهذا الوجه لا ينافي كون الانشقاق معجزة لأن حصوله في وقت سؤالهم من ~~النبي صلى الله عليه وسلم آية وإلهام الله إياهم أن يسألوا ذلك في حين ~~تقدير الله كاف في كونه آية صدق . أو لأن الوحي إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم بأن يتحداهم به قبل حصوله دليل على أنه مرسل من الله إذ لا قبل للرسول ~~صلى الله عليه وسلم بمعرفة أوقات ظواهر التغيرات للكواكب . وبهذا الوجه ~~يظهر اختصاص ظهور ذلك بمكة دون غيرها من العالم ، وإما على الوجه الأول ~~فإنما لم يشعر به غير أهل مكة من أهل الأرض لأنهم لم يكونوا متأهبين إليه ~~إذ كان ذلك ليلا وهو وقت غفلة أو نوم ولأن القمر ليس ظهوره في حد واحد لأهل ~~الأرض فإن مواقيت طلوعه تختلف باختلاف البلدان في ساعات الليل والنهار وفي ~~مسامتة السماء . # قال ابن كيسان : هو على التقديم والتأخير . وتقديره : انشق القمر واقتربت ~~الساعة ، أي لأن الأصل في ترتيب الأخبار أن يجري على ترتيبها في ms8101 الوقوع وإن ~~كان العطف بالواو لا يقتضي ترتيبا في الوقوع . # { وانشق } مطاوع شقه ، والشق : فرج وتفرق بين أديم جسم ما بحيث لا تنفصل ~~قطعة مجموع ذلك الجسم عن البقية ، ويسمى أيضا تصدعا كما يقع في عود أو جدار ~~. # فإطلاق الانشقاق على حدوث هوة في سطح القمر إطلاق حقيقي وإطلاقه على ~~انطماس بعض ضوئه استعارة ، وإطلاقه على تفرقة نصفين مجاز مرسل . # والاقتراب أصله صيغة مطاوعة ، أي قبول فعل الفاعل ، وهو هنا للمبالغة في ~~القرب فإن حمل على حقيقة القرب فهو قرب اعتباري ، أي قرب حلول الساعة ~~PageV27P170 فيما يأتي من الزمان قربا نسبيا بالنسبة لما مضى من الزمان ~~ابتداء من خلق السماء والأرض على نحو قول النبي صلى الله عليه وسلم ( بعثت ~~أنا والساعة كهاتين ) وأشار بسبابته والوسطى فإن تحديد المدة من وقت خلق ~~العالم أو من وقت خلق الإنسان أمر لا قبل للناس به وما يوجد في كتب اليهود ~~مبنى على الحدس والتوهمات ، قال ابن عطية : ( وكل ما يروى من التحديد في ~~عمر الدنيا فضعيف واهن ) اه . # وفائدة هذا الاعتبار أن يقبل الناس على نبذ الشرك وعلى الاستكثار من ~~الأعمال الصالحات واجتناب الآثام لقرب يوم الجزاء . # والساعة : علم بالغلبة على وقت فناء هذا العالم . ويجوز أن يراد بالساعة ~~ساعة معهودة أنذروا بها في آيات كثيرة وهي ساعة استئصال المشركين بسيوف ~~المسلمين . # وإن حمل القرب على المجاز ، أي الدلالة على الإمكان ، فالمعنى : اتضح ~~للناس ما كانوا يجدونه محالا من فناء العالم فإن لحصول المثل والنظائر ~~إقناعا بإمكان أمثالها التي هي أقوى منها . # وعطف { وانشق القمر } عطف جملة على جملة . # والخبر مستعمل في لازم معناه وهو الموعظة إن كانت الآية نزلت بعد انشقاق ~~القمر كما تقدم لأن علمهم بذلك حاصل فليسوا بحاجة إلى إفادتهم حكم هذا ~~الخبر وإنما هم بحاجة إلى التذكير بأن من أمارات حلول الساعة أن يقع خسف في ~~القمر بما تكررت موعظتهم به كقوله تعالى : { فإذا برق البصر وخسف القمر } ( ~~القيامة : 7 ، 8 ) الآية إذ ما يأمنهم أن يكون ما ms8102 وقع من انشقاق القمر ~~أمارة على اقتراب الساعة فما الانشقاق إلا نوع من الخسف فإن أشراط الساعة ~~وعلاماتها غير محدودة الأزمنة في القرب والبعد من مشروطها . # يجوز أن يكون تذييلا للإخبار بانشقاق القمر فيكون المراد ب { آية } في ~~قوله : { وإن يروا آية } القمر . فقد جاء في بعض الآثار : أن المشركين لما ~~رأوا انشقاق PageV27P171 القمر قالوا : ( هذا سحر محمد بن أبي كبشة ) وفي ~~رواية قالوا : ( قد سحر محمد القمر ) ، ويجوز أن يكون كلاما مستأنفا من ذكر ~~أحوال تكذيبهم ومكابرتهم وعلى كلا الوجهين فإن وقوع { آية } ، وهو نكرة في ~~سياق الشرط يفيد العموم . # وجيء بهذا الخبر في صورة الشرط للدلالة على أن هذا ديدنهم ودأبهم . # وضمير { يروا } عائد إلى غير مذكور في الكلام دال عليه المقام وهم ~~المشركون ، كما جاء في مواضع كثيرة من القرآن ، مع أن قصة انشقاق القمر ~~وطعنهم فيها مشهور يومئذ معروفة أصحابه ، فهم مستمرون عليه كلما رأوا آية ~~على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم # ووصف { مستمر } يجوز أن يكون مشتقا من فعل مر الذي هو مجاز في الزوال ~~والسين والتاء للتقوية في الفعل ، أي لا يبقى القمر منشقا . ويجوز أن يكون ~~مشتقا من المرة بكسر الميم ، أي القوة ، والسين والتاء للطلب ، أي طلب ~~لفعله مرة ، أي قوة ، أي تمكنا . والمعنى : هذا سحر معروف متكرر ، أي معهود ~~منه مثله . # . # هذا إخبار عن حالهم فيما مضى بعد أن أخبر عن حالهم في المستقبل بالشرط ~~الذي في قوله : { وإن يروا آية يعرضوا } ( القمر : 2 ) . ومقابلة ذلك بهذا ~~فيه شبه احتباك كأنه قيل : وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا : سحر ، وقد رأوا ~~الآيات وأعرضوا وقالوا : سحر مستمر ، وكذبوا واتبعوا أهوائهم وسيكذبون ~~ويتبعون أهواءهم . # وعطف { واتبعوا أهواءهم } عطف العلة على المعلول لأن تكذيبهم لا دافع لهم ~~إليه إلا اتباع ما تهواه أنفسهم من بقاء حالهم على ما ألفوه وعهدوه واشتهر ~~دوامه . # وجمع الأهواء دون أن يقول واتبعوا الهوى كما قال : { إن يتبعون إلا الظن ~~} ( الأنعام : 116 ) ، حيث إن الهوى اسم جنس يصدق بالواحد ms8103 والمتعدد ، فعدل ~~عن الإفراد إلى PageV27P172 الجمع لمزاوجة ضمير الجمع المضاف إليه ، ~~وللإشارة إلى أن لهم أصنافا متعددة من الأهواء : من حب الرئاسة ، ومن حسد ~~المؤمنين على ما آتاهم الله ، ومن حب اتباع ملة آبائهم ، ومن محبة أصنامهم ~~، وإلفف لعوائدهم ، وحفاظ على أنفتهم . # . # هذا تذييل للكلام السابق من قوله : { وإن يروا آية يعرضوا } إلى قوله : { ~~أهواءهم } ( القمر : 2 ، 3 ) ، فهو اعتراض بين جملة { وكذبوا } وجملة { ~~ولقد جاءهم من الأنباء } ( القمر : 4 ) ، والواو اعتراضية وهو جار مجرى ~~المثل . # و { كل } من أسماء العموم . وأمر : اسم يدل على جنس عالل ومثله شيء ، ~~وموجود ، وكائن ، ويتخصص بالوصف كقوله تعالى : { وإذا جاءهم أمر من الأمن ~~أو الخوف أذاعوا به } ( النساء : 83 ) وقد يتخصص بالعقل أو العادة كما تخصص ~~شيء في قوله تعالى عن ريح عاد { تدمر كل شيء } ( الأحقاف : 25 ) أي من ~~الأشياء القابلة للتدمير . وهو هنا يعم الأمور ذوات التأثير ، أي تتحقق ~~آثار مواهيها وتظهر خصائصها ولو اعترضتها عوارض تعطل حصول آثارها حينا ~~كعوارض مانعة من ظهور خصائصها ، أو مدافعات يراد منها إزالة نتائجها فإن ~~المؤثرات لا تلبث أن تتغلب على تلك الموانع والمدافعات في فرصص تمكنها من ~~ظهور الآثار والخصائص . # والكلام تمثيل شبهت حالة تردد آثار الماهية بين ظهور وخفاء إلى إبان ~~التمكن من ظهور آثارها بحالة سير السائر إلى المكان المطلوب في مختلف الطرق ~~بين بعد وقرب إلى أن يستقر في المكان المطلوب . وهي تمثيلية مكنية لأن ~~التركيب الذي يدل على الحالة المشبه بها حذف ورمز إليه بذكر شيء من روادف ~~معناه وهو وصف مستقر . # ومن هذا المعنى قوله تعالى : { لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون } ( الأنعام : ~~67 ) وقد أخذه الكميت بن زيد في قوله : # فالآن صرت إلى أمي # ة والأمور إلى مصائر PageV27P173 # فالمراد بالاستقرار الذي في قوله : { مستقر } الاستقرار في الدنيا . # وفي هذا تعريض بالإيماء إيماء إلى أن أمر دعوة محمد صلى الله عليه وسلم ~~سيرسخ ويستقر بعد تقلقله . # ومستقر : بكسر القاف اسم فاعل من استقر ، أي قر ، والسين والتاء للمبالغة ~~مثل ms8104 السين والتاء في استجاب . # وقرأ الجمهور برفع الراء من { مستقر } . وقرأه أبو جعفر بخفض الراء على ~~جعل { كل أمر } عطفا على { الساعة } ( القمر : 1 ) . والتقدير : واقترب كل ~~أمر . وجعل { مستقر } صفة { أمر } . # والمعنى : أن إعراضهم عن الآيات وافتراءهم عليها بأنها سحر ونحوه ~~وتكذيبهم الصادق وتمالؤهم على ذلك لا يوهن وقعها في النفوس ولا يعوق ~~إنتاجها . فأمر النبي صلى الله عليه وسلم صائر إلى مصير أمثاله الحق من ~~الانتصار والتمام واقتناع الناس به وتزايد أتباعه ، وأن اتباعهم أهواءهم ~~واختلاق معاذيرهم صائر إلى مصير أمثاله الباطلة من الانخذال والافتضاح ~~وانتقاص الأتباع . # وقد تضمن هذا التذييل بإجماله تسلية للنبيء صلى الله عليه وسلم وتهديدا ~~للمشركين واستدعاء لنظر المترددين . # ( 4 ، 5 ) # عطف على جملة { وكذبوا واتبعوا أهواءهم } ( القمر : 3 ) أي جاءهم في ~~القرآن من أنباء الأمم ما فيه مزدجر لهؤلاء ، أو أريد بالأنباء الحجج ~~الواردة في القرآن ، أي جاءهم ما هو أشد في الحجة من انشقاق القمر . و { من ~~الأنباء } بيان ما فيه مزدجر قدم على المبين و { من } بيانية . # والمزدجر : مصدر ميمي ، وهو مصاغ بصيغة اسم المفعول الذي فعله زائد على ~~PageV27P174 ثلاثة أحرف . ازدجره بمعنى زجره ، ومادة الافتعال فيه للمبالغة ~~. والدال بدل من تاء الافتعال التي تبدل بعد الزاي إلا مثل ازداد ، أي ما ~~فيه مانع لهم من ارتكاب ما ارتكبوه . والمعنى : ما هو زاجر لهم فجعل ~~الازدجار مظروفا فيه مجازا للمبالغة في ملازمته له على طريقة التجريد كقوله ~~تعالى : { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة } ( الأحزاب : 21 ) أي هو ~~أسوة . # و { حكمة بالغة } بدل من { ما } ، أي جاءهم حكمة بالغة . # والحكمة : إتقان الفهم وإصابة العقل . والمراد هنا الكلام الذي تضمن ~~الحكمة ويفيد سامعه حكمة ، فوصف الكلام بالحكمة مجاز عقلي كثير الاستعمال ، ~~وتقدم في سورة البقرة ، { ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا . # والبالغة : الواصلة ، أي واصلة إلى المقصود مفيدة لصاحبها . # وفرع عليه قوله : فما تغن النذر } ، أي جاءهم ما فيه مزدجر فلم يغن ذلك ، ~~أي لم يحصل فيه الإقلاع عن ms8105 ضلالهم . # و { ما } تحتمل النفي ، أي لا تغني عنهم النذر بعد ذلك . وهذا تمهيد ~~لقوله : { فتول عنهم } ( القمر : 6 ) ، فالمضارع للحال والاستقبال ، أي ما ~~هي مغنية ، ويفيد بالفحوى أن تلك الأنباء لم تغن عنهم فيما مضى بطريق ~~الأحرى ، لأنه إذا كان ما جاءهم من الأنباء لا يغني عنهم من الانزجار شيئا ~~في الحال والاستقبال فهو لم يغن عنهم فيما مضى إذ لو أغنى عنهم لارتفع ~~اللوم عليهم . # ويحتمل أن تكون { ما } استفهامية للإنكار ، أي ماذا تفيد النذر في ~~أمثالهم المكابرين المصرين ، أي لا غناء لهم في تلك الأنباء ، ف { ما } على ~~هذا في محل نصب على المفعول المطلق ل { تغن } ، وحذف ما أضيفت إليه { ما } ~~. والتقدير : فأي غناء تغني النذر وهو المخبر بما يسوء ، فإن الأنباء تتضمن ~~إرسال الرسل من الله منذرين لقومهم فما أغنوهم ولم ينتفعوا بهم ولأن ~~الأنباء فيها الموعظة والتحذير من مثل صنيعهم فيكون PageV27P175 فالمراد ب ~~{ النذر } آيات القرآن ، جعلت كل آية كالنذير : وجمعت على نذر ، ويجوز أن ~~يكون جمع نذير بمعنى الإنذار اسم مصدر ، وتقدم عند قوله تعالى : { هذا نذير ~~من النذر الأولى } في آخر سورة النجم . # ( 6 8 ) # . # تفريع على { فما تغن النذر } ( القمر : 5 ) ، أي أعرض عن مجادلتهم فإنهم ~~لا تفيدهم النذر كقوله : { فأعرض عمن تولى عن ذكرنا } ( النجم : 29 ) ، أي ~~أنك قد بلغت فما أنت بمسؤول عن استجابتهم كما قال تعالى : { فتول عنهم فما ~~أنت بملوم } ( الذاريات : 54 ) . وهذا تسلية للنبيء صلى الله عليه وسلم ~~وتطمين له بأنه ما قصر في أداء الرسالة . ولا تعلق لهذه الآية بأحكام ~~قتالهم إذ لم يكن السياق له ولا حدثت دواعيه يومئذ فلا وجه للقول بأنها ~~منسوخة . # . # استئناف بياني لأن الأمر بالتولي مؤذن بغضب ووعيد فمن شأنه أن يثير في ~~نفس السامع تساؤلا عن مجمل هذا الوعيد . وهذا الاستئناف وقع معترضا بين ~~جملة { ولقد جاءهم من الأنباء } ( القمر : 4 ) وجملة { كذبت قبلهم قوم نوح ~~} ( القمر : 9 ) . # وإذ قد كان المتوعد به شيئا يحصل يوم القيامة قدم الظرف ms8106 على عامله وهو { ~~يقول الكافرون هذا يوم عسر } ليحصل بتقديمه إجمال يفصله بعض التفصيل ما ~~يذكر بعده ، فإذا سمع السامع هذا الظرف علم أنه ظرف لأهوال تذكر بعده هي ~~تفصيل ما أجمله قوله : { فتول عنهم } من الوعيد بحيث لا يحسن وقع شيء مما ~~في هذه الجملة هذا الموقع غير هذا الظرف ، ولولا تقديمه لجاء الكلام غير ~~موثوق العرى ، وانظر كيف جمع فيما بعد قوله : { يوم يدع الداع } كثيرا من ~~الأهوال PageV27P176 آخذ بعضها بحجز بعض بحسن اتصال ينقل كل منها ذهن ~~السامع إلى الذي بعده من غير شعور بأنه يعدد له أشياء . # وقد عد سبعة من مظاهر الأهوال : # أولها : دعاء الداعي فإنه مؤذن بأنهم محضرون إلى الحساب ، لأن مفعول { ~~يدع } محذوف بتقدير : يدعوهم الداعي لدلالة ضمير { عنهم } على تقدير ~~المحذوف . # الثاني : أنه يدعو إلى شيء عظيم لأن ما في لفظ { شيء } من الإبهام يشعر ~~بأنه مهول ، وما في تنكيره من التعظيم يجسم ذلك الهول . # وثالثها : وصف شيء بأنه { نكر } ، أي موصوف بأنه تنكره النفوس وتكرهه . # والنكر بضمتين : صفة ، وهذا الوزن قليل في الصفات ، ومنه قولهم : روضة ~~أنف ، أي جديدة لم ترعها الماشية ، ورجل شلل ، أي خفيف سريع في الحاجات ، ~~ورجل سجح بجيم قبل الحاء ، أي سمح ، وناقة أجد : قوية موثقة فقار الظهر ، ~~ويجوز إسكان عين الكلمة فيها للتخفيف وبه قرأ ابن كثير هنا . # ورابعها : { خشعا أبصارهم } أي ذليلة ينظرون من طرف خفي لا تثبت أحداقهم ~~في وجوه الناس ، وهي نظرة الخائف المفتضح وهو كناية لأن ذلة الذليل وعزة ~~العزيز تظهران في عيونهما . # وخامسها : تشبيههم بالجراد المنتشر في الاكتظاظ واستتار بعضهم ببعض من ~~شدة الخوف زيادة على ما يفيده التشبيه من الكثرة والتحرك . # وسادسها : وصفهم بمهطعين ، والمهطع : الماشي سريعا مادا عنقه ، وهي مشيئة ~~مذعور غير ملتف إلى شيء ، يقال : هطع وأهطع . # وسابعها : قولهم : { هذا يوم عسر } وهو قول من أثر ما في نفوسهم من ~~PageV27P177 خوف . و { عسر } : صفة مشبهة من العسر وهو الشدة والصعوبة . ~~ووصف اليوم ب { عسر } وصف مجازي عقلي باعتبار ms8107 كونه زمانا لأمور عسرة شديدة ~~من شدة الحساب وانتظار العذاب . # وأبهم { شيء نكر } للتهويل ، وذلك هو أهوال الحساب وإهانة الدفع ومشاهدة ~~ما أعد لهم من العذاب . # وانتصب { خشعا أبصارهم } على الحال من الضمير المقدر في { يدع الداع } ~~وإما من ضمير { يخرجون } مقدما على صاحبه . # وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم وأبو جعفر { خشعا } بصيغة جمع خاشع ~~. وقرأه أبو عمرو وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف { خاشعا } بصيغة اسم الفاعل . ~~قال الزجاج : ( لك في أسماء الفاعلين إذا تقدمت على الجماعة التوحيد ~~والتذكير نحو خاشعا أبصارهم . ولك التوحيد والتأنيث نحو قراءة ابن مسعود { ~~خاشعة أبصارهم } ولك الجمع نحو { خشعا أبصارهم } اه . # و { أبصارهم } فاعل { خشعا } ولا ضير في كون الوصف الرافع للفاعل على ~~صيغة الجمع لأن المحظور هو لحاق علامة الجمع والتثنية للفعل إذا كان فاعله ~~الظاهر جمعا أو مثنى ، وليس الوصف كذلك ، كما نبه عليه الرضي على أنه إذا ~~كان الوصف جمعا مكسرا ، وكان جاريا على موصوف هو جمع ، فرفع الاسم الظاهر ~~الوصف المجموع أولى من رفعه بالوصف المجموع المفرد على ما اختاره المبرد ~~وابن مالك كقول امرىء القيس : # وقوفا بها صحبي على مطيهم # وشاهد هذا القراء . # وقوله : { يقول الكافرون } إظهار في مقام الإضمار لوصفهم بهذا الوصف ~~الذميم وفيه تفسير الضمائر السابقة . # والأجداث : جمع جدث وهو القبر ، وقد جعل الله خروج الناس إلى الحشر من ~~مواضع دفنهم في الأرض ، كما قال : { منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها ~~PageV27P178 نخرجكم تارة أخرى } ( طه : 55 ) فيعاد خلق كل ذات من التراب ~~الذي فيه بقية من أجزاء الجسم وهي ذرات يعلمها الله تعالى . # والجراد : اسم جمع واحده جرادة وهي حشرة ذات أجنحة أربعة مطوية على ~~جنبيها وأرجل أربعة ، أصفر اللون . # والمنتشر : المنبث على وجه الأرض . والمراد هنا : الدبى وهو فراخ الجراد ~~قبل أن تظهر له الأجنحة لأنه يخرج من ثقبب في الأرض هي مبيضات أصوله فإذا ~~تم خلقه خرج من الأرض يزحف بعضه فوق بعض قال تعالى : { يوم يكون الناس ~~كالفراش المبثوث } ( القارعة : 4 ) . وهذا التشبيه تمثيلي ms8108 لأنه تشبيه هيئة ~~خروج الناس من القبور متراكمين بهيئة خروج الجراد متعاظلا يسير غير ساكن . # استئناف بياني ناشىء عن قوله : { ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر } ( ~~القمر : 4 ) فإن من أشهرها تكذيب قوم نوح رسولهم ، وسبق الإنباء به في ~~القرآن في السور النازلة قبل هذه السورة . والخبر مستعمل في التذكير وليفرع ~~عليه ما بعده . فالمقصود النعي عليهم عدم ازدجارهم بما جاءهم من الأنباء ~~بتعداد بعض المهم من تلك الأنباء . # وفائدة ذكر الظرف { قبلهم } تقرير تسلية للنبيء صلى الله عليه وسلم أي أن ~~هذه شنشنة أهل الضلال كقوله تعالى : { وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك } ( ~~فاطر : 4 ) ألا ترى أنه ذكر في تلك الآية قوله : { من قبلك } نظير ما هنا ~~مع ما في ذلك من التعريض بأن هؤلاء معرضون . # واعلم أنه يقال : كذب ، إذا قال قولا يدل على التكذيب ، ويقال كذب أيضا ، ~~إذا اعتقد أن غيره كاذب قال تعالى : { فإنهم لا يكذبونك } ( الأنعام : 33 ) ~~في قراءة الجمهور بتشديد الذال ، والمعنيان محتملان هنا ، فإن كان فعل { ~~كذبت } هنا مستعملا PageV27P179 في معنى القول بالتكذيب ، فإن قوم نوح ~~شافهوا نوحا بأنه كاذب ، وإن كان مستعملا في اعتقادهم كذبه ، فقد دل على ~~اعتقادهم إعراضهم عن إنذاره وإهمالهم الانضواء إليه عندما أنذرهم بالطوفان ~~. # وعرف { قوم نوح } بالإضافة إلى اسمه إذ لم تكن للأمة في زمن نوح اسم ~~يعرفون به . # وأسند التكذيب إلى جميع القوم لأن الذين صدقوه عدد قليل فإنه ما آمن به ~~إلا قليل ، كما تقدم في سورة هود . # والفاء في قوله : { فكذبوا عبدنا } لتفريع الإخبار بتفصيل تكذيبهم إياه ~~بأنهم قالوا : { مجنون وازدجر } ، على الإخبار بأنهم كذبوه على الإجمال ، ~~وإنما جيء بهذا الأسلوب لأنه لما كان المقصود من الخبر الأول تسلية الرسول ~~صلى الله عليه وسلم فرع عليه الإخبار بحصول المشابهة بين تكذيب قومم نوح ~~رسولهم وتكذيب المشركين محمدا صلى الله عليه وسلم في أنه تكذيب لمن أرسله ~~الله واصطفاه بالعبودية الخاصة ، وفي أنه تكذيب مشوب ببهتان إذ قال كلا ~~الفريقين لرسوله : مجنون ms8109 ، ومشوب ببذاءة إذ آذى كلا الفريقين رسولهم ~~وازدجروه . فمحل التفريع هو وصف نوح بعبودية الله تكريما له ، والإخبار عن ~~قومه بأنهم افتروا عليه وصفه بالجنون ، واعتدوا عليه بالأذى والازدجار . ~~فأصل تركيب الكلام : كذبت قبلهم قوم نوح فقالوا : مجنون وازدجر . ولما أريد ~~الإيماء إلى تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم ابتداء جعل ما بعد التسلية ~~مفرعا بفاء التفريع ليظهر قصد استقلال ما قبله ولولا ذلك لكان الكلام غنيا ~~عن الفاء إذ كان يقول : كذبت قوم نوح عبدنا . # وأعيد فعل { كذبوا } لإفادة توكيد التكذيب ، أي هو تكذيب قوي كقوله تعالى ~~: { وإذا بطشتم بطشتم جبارين } ( الشعراء : 130 ) وقوله : { ربنا هؤلاء ~~الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا } ( القصص : 63 ) ، وقول الأحوص : # فإذا تزول تزول عن متخمط # تخشى بوادره على الأقران # وقد نبه على ذلك ابن جني في إعراب هذا البيت من ( ديوان الحماسة ) ، وذكر ~~أن أبا علي الفارسي نحا غير هذا الوجه ولم يبينه . PageV27P180 # وحاصل نظم الكلام يرجع إلى معنى : أنه حصل فعل فكان حصوله على صفة خاصة ~~أو طريقة خاصة . # ويجوز أن يكون فعل { كذبت } مستعملا في معنى : إنهم اعتقدوا كذبه ، ~~فتفريع { فكذبوا عبدنا } عليه تفريع تصريحهم بتكذيبه على اعتقادهم كذبه . ~~فيكون فعل { كذبوا } مستعملا في معنى غير الذي استعمل فيه فعل { كذبت } ، ~~والتفريع ظاهر على هذا الوجه . # وهذا الوجه يتأتى في قوله تعالى : { وكذب الذين من قبلهم وما بلغوا معشار ~~ما آتيناهم فكذبوا رسلي في سورة سبأ . # ويجوز أن يكون قوله : كذبت قبلهم قوم نوح } إخبارا عن تكذيبهم بتفرد الله ~~بالإلهية حين تلقوه من الأنبياء الذين كانوا قبل نوح ولم يكن قبله رسول ~~وعلى هذا الوجه يكون التفريع ظاهرا . # و { ازدجر } معطوف على { قالوا } وهو افتعل من الزجر . وصيغة الافتعال ~~هنا للمبالغة مثلها : افتقر واضطر . # ونكتة بناء الفعل للمجهول هنا التوصل إلى حذف ما يسند إليه فعل الازدجار ~~المبني للفاعل وهو ضمير { قوم نوح } ، فعدل على أن يقال : وازدجروه ، إلى ~~قوله : { وازدجر } محاشاة للدال على ذات نوح وهو ضمير من أن يقع مفعولا ms8110 ~~لضميرهم . ومرادهم أنهم ازدجروه ، أي نهوه عن ادعاء الرسالة بغلظة قال ~~تعالى : { قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من ~~الكاذبين } ( الأعراف : 66 ) وقال : { قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من ~~المرجومين } ( الشعراء : 116 ) وقال : { وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا ~~منه } ( هود : 38 ) . PageV27P181 # ( 10 14 ) { لله } # تفريع على { كذبت قبلهم قوم نوح } ( القمر : 9 ) وما تفرع عليه . # والمغلوب مجاز ، شبه يأسه من إجابتهم لدعوته بحال الذي قاتل أو صارع ~~فغلبه مقاتله ، وقد حكى الله تعالى في سورة نوح كيف سلك مع قومه وسائل ~~الإقناع بقبول دعوته فأعيته الحيل . # و { أنى } بفتح الهمزة على تقدير باء الجر محذوفة ، أي دعا بأني مغلوب ، ~~أي بمضمون هذا الكلام في لغته . # وحذف متعلق { فانتصر } للإيجاز وللرعي على الفاصلة والتقدير : فانتصر لي ~~، أي انصرني . # وجملة { ففتحنا أبواب السماء } إلى آخرها مفرعة على جملة { فدعا ربه } ، ~~ففهم من التفريع أن الله استجاب دعوته وأن إرسال هذه المياه عقاب لقوم نوح ~~. وحاصل المعنى : فأرسلنا عليهم الطوفان بهذه الكيفية المحكمة السريعة . # وقرأ الجمهور { ففتحنا } بتخفيف التاء . وقرأه ابن عامر بتشديدها على ~~المبالغة . والفتح بمعنى شدة هطول المطر . # وجملة { ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر } مركب تمثيلي لهيئة اندفاق ~~الأمطار من الجو بهيئة خروج الجماعات من أبواب الدار على طريقة : # وسالت بأعناق المطي الأباطح # والمنهمر : المنصب ، أي المصبوب يقال : عمر الماء إذا صبه ، أي نازل بقوة ~~. PageV27P182 # والتفجير : إسالة الماء ، يقال : تفجر الماء ، إذا سال ، قال تعالى : { ~~حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا } ( الإسراء : 90 ) . # وتعدية { فجرنا } إلى اسم الأرض تعدية مجازية إذ جعلت الأرض من كثرة ~~عيونها كأنها عين تتفجر . وفي هذا إجمال جيء من أجله بالتمييز له بقوله : { ~~عيونا } لبيان هذه النسبة ، وقد جعل هذا ملحقا بتمييز النسبة لأنه محول عن ~~المفعول إذ المعنى : وفجرنا عيون الأرض ، وهو مثل المحول عن الفاعل في قوله ~~تعالى : { واشتعل الرأس شيبا } ( مريم : 4 ) ، أي شيب الرأس إذ لا فرق ~~بينهما ، ونكتة ذلك واحدة . قال ms8111 في ( المفتاح ) : ( إسناد الاشتعال إلى ~~الرأس لإفادة شمول الاشتعالل الرأس إذ وزان اشتعل شيب الرأس ، واشتعل الرأس ~~شيبا وزان اشتعلت النار في بيتي واشتعل بيتي نارا ) اه . # والتقاء الماء : تجمع ماء الأمطار مع ماء عيون الأرض فالإلتقاء مستعار ~~للاجتماع ، شبه الماء النازل من السماء والماء الخارج من الأرض بطائفتين ~~جاءت كل واحدة من مكان فالتقتا في مكان واحد كما يلتقي الجيشان . # والتعريف في { الماء } للجنس . وعلم من إسناد الإلتقاء أنهما نوعان من ~~الماء ماء المطر وماء العيون . # و { على } من قوله : { على أمر } يجوز أن تكون بمعنى ( في ) كقوله تعالى ~~: { ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها } ( القصص : 15 ) ، وقول الفرزدق : # على حالة لو أن في البحر حاتما # على جوده لضن بالماء حاتم # والظرفية مجازية . ويجوز أن تكون { على } للاستعلاء المجازي ، أي ملابسا ~~لأمر قد قدر ومتمكنا منه . # ومعنى التمكن : شدة المطابقة لما قدر ، وأنه لم يحد عنه قيد شعرة . # والأمر : الحال والشأن وتنوينه للتعظيم . # ووصف الأمر بأنه { قد قدر } ، أي أتقن وأحكم بمقدار ، يقال : قدره ~~PageV27P183 بالتخفيف إذا ضبطه وعينه كما قال تعالى : { إنا كل شيء خلقناه ~~بقدر } ( القمر : 49 ) ومحل { على أمر } النصب على الحال من الماء . # واكتفي بهذا الخبر عن بقية المعنى ، وهو طغيان الطوفان عليهم اكتفاء بما ~~أفاده تفريع { ففتحنا أبواب السماء } كما تقدم انتقالا إلى وصف إنجاء نوح ~~من ذلك الكرب العظيم ، فجملة { وحملناه } معطوفة على التفريع عطف احتراس . # والمعنى : فأغرقناهم ونجيناه . # و { ذات ألواح ودسر } صفة السفينة ، أقيمت مقام الموصوف هنا عوضا عن أن ~~يقال : وحملناه على الفلك لأن في هذه الصفة بيان متانة هذه السفينة وإحكام ~~صنعها . وفي ذلك إظهار لعناية الله بنجاة نوح ومن معه فإن الله أمره بصنع ~~السفينة وأوحى إليه كيفية صنعها ولم تكن تعرف سفينة قبلها ، قال تعالى : { ~~وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا ~~يفعلون واصنع الفلك بأعيننا ووحينا } ( هود : 36 ، 37 ) ، وعادة البلغاء ~~إذا احتاجوا لذكر صفة بشيء وكان ms8112 ذكرها دالا على موصوفها أن يستغنوا عن ذكر ~~الموصوف إيجازا كما قال تعالى : { أن اعمل سابغات } ( سبأ : 11 ) ، أي ~~دروعا سابغات . # والحمل : رفع الشيء على الظهر أو الرأس لنقله { وتحمل أثقالكم } ( النحل ~~: 7 ) وله مجازات كثيرة . # والألواح : جمع لوح ، وهو القطعة المسواة من الخشب . # والدسر : جمع دسار ، وهو المسمار . # وعدي فعل ( حملنا ) إلى ضمير نوح دون من معه من قومه لأن هذا الحمل كان ~~إجابة لدعوته ولنصره فهو المقصود الأول من هذا الحمل ، وقد أشار إلى ذلك ~~قوله تعالى : { فأنجيناه والذين معه برحمة منا } ( الأعراف : 72 ) وقوله : ~~{ فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك } ( المؤمنون : 28 ) ونحوه من الآيات ~~الدالة على أنه المقصود بالإنجاء وأن نجاة قومه بمعيته ، وحسبك قوله تعالى ~~في تذييل هذه الآية { جزاء لمن كان كفر } فإن الذي كان كفر هو نوح كفر به ~~قومه . PageV27P184 # و { على } للاستعلاء المجازي وهو التمكن كقوله تعالى : { فإذا استويت أنت ~~ومن معك على الفلك } ، وإلا فإن استقراره في السفينة كائن في جوفها كما قال ~~تعالى : { إنا لما طغا الماء حملناكم في الجارية } ( الحاقة : 11 ) { قلنا ~~احمل فيها من كل زوجين اثنين } ( هود : 40 ) . # والباء في { بأعيننا } للملابسة . # والأعين : جمع عين بإطلاقه المجازي ، وهو الاهتمام والعناية ، كقول ~~النابغة : # علمتك ترعاني بعين بصيرة # وقال تعالى : { فإنك بأعيننا } ( الطور : 48 ) . # وجمع العين لتقوية المعنى لأن الجمع أقوى من المفرد ، أي بحراسات منا ~~وعنايات . ويجوز أن يكون الجمع باعتبار أنواع العنايات بتنوع آثارها . وأصل ~~استعمال لفظ العين في مثله تمثيل بحال الناظر إلى الشيء المحروس مثل ~~الراعين كما يقال للمسافر : ( عين الله عليك ) ، ثم شاع ذلك حتى ساوى ~~الحقيقة فجمع بذلك الاعتبار . وتقدم في سورة هود . # و { جزاء } مفعول لأجله ل { فتحنا } وما عطف عليه ، أي : فعلنا ذلك كله ~~جزاء لنوح . و { من كان كفر } هو نوح فإن قومه كفروا به ، أي لم يؤمنوا ~~بأنه رسول وكان كفرهم به منذ جاءهم بالرسالة فلذلك أقحم هنا فعل { كان } ، ~~أي لمن كفر منذ زمان مضى وذلك ما ms8113 حكي في سورة نوح ( 5 9 ) بقوله : { قال رب ~~إني دعوت قومي ليلا ونهارا إلى قوله : ثم إني دعوتهم جهارا ثم إني أعلنت ~~لهم وأسررت لهم إسرارا . # وحذف متعلق كفر } لدلالة الكلام عليه . وتقديره : كفر به ، أو لأنه نصح ~~لهم ولقي في ذلك أشد العناء فلم يشكروا له بل كفروه فهو مكفور فيكون من باب ~~قوله تعالى : { ولا تكفرون } ( البقرة : 152 ) . PageV27P185 # ضمير المؤنث عائد إلى { ذات ألواح ودسر } ، أي السفينة . والترك كناية عن ~~الإبقاء وعدم الإزالة ، قال تعالى : { وتركنا فيها آية في سورة الذاريات ، ~~وقال : وتركهم في ظلمات لا يبصرون } في سورة البقرة ، أي أبقينا سفينة نوح ~~محفوظة من البلى لتكون آية يشهدها الأمم الذين أرسلت إليهم الرسل متى أراد ~~واحد من الناس رؤيتها ممن هو بجوار مكانها تأييدا للرسل وتخويفا بأول عذاب ~~عذبت به الأمم أمة كذبت رسولها فكانت حجة دائمة مثل ديار ثمود . # ثم أخذت تتناقص حتى بقي منها أخشاب شهدها صدر الأمة الإسلامية فلم تضمحل ~~حتى رآها ناس من جميع الأمم بعد نوح فتواتر خبرها بالمشاهدة تأييدا لتواتر ~~الطوفان بالأخبار المتواترة . وقد ذكر القرآن أنها استقرت على جبل الجودي ~~فمنه نزل نوح ومن معه وبقيت السفينة هنالك لا ينالها أحد ، وذلك من أسباب ~~حفظها عن الاضمحلال . واستفاض الخبر بأن الجودي جبيل قرب قرية تسمى ( ~~باقردى ) بكسر القاف وسكون الراء ودال مفتوحة مقصورا من جزيرة ابن عمر قرب ~~الموصل شرقي دجلة . # وفي ( صحيح البخاري ) قال قتادة : ( لقد شهدها صدر هذه الأمة ) قال تعالى ~~في سورة العنكبوت { وجعلناها آية للعالمين ، وقد تقدم ذلك مفصلا هنالك . # والآية : الحجة . وأصل الآية الأمارة التي يصطلح عليها شخصان فأكثر قال ~~رب اجعل لي آية قال آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام } ( آل عمران : 41 ) ~~. # وإنما قال هنا { ولقد تركناها } وقال في سورة العنكبوت { وجعلناها آية ~~للعالمين } لأن ذكرها في سورة القمر ورد بعد ذكر كيفية صنعها وحدوث الطوفان ~~وحمل نوح في السفينة . فأخبر بأنها أبقيت بعد تلك الأحوال ، فالآية في ~~بقائها ، وفي ms8114 سورة العنكبوت ورد ذكر السفينة ابتداء فأخبر بأن الله جعلها ~~آية إذ أوحى إلى نوح بصنعها ، فالآية في إيجادها وهو المعبر عنه ب { ~~جعلناها . # وفرع على إبقاء السفينة آية استفهام عمن يتذكر بتلك الآية وهو استفهام ~~PageV27P186 مستعمل في معنى التحضيض على التذكر بهذه الآية واستقصاء خبرها ~~مثل الاستفهام في قول طرفة : # إذا القوم قالوا من فتى . . . البيت # والتحضيض موجه إلى جميع من تبلغه هذه الآيات ومن } زائدة للدلالة على ~~عموم الجنس في الإثبات على الأصح من القولين . # و { مدكر } أصله : مذتكر مفتعل من الذكر بضم الذال ، وهو التفكر في ~~الدليل فقلبت تاء الافتعال دالا لتقارب مخرجيهما ، وأدغم الذال في الدال ~~لذلك ، وقراءة هذه الآية مروية بخصوصها عن النبي صلى الله عليه وسلم وتقدم ~~في سورة يوسف { وادكر بعد أمة . # } # تفريع على القصة بما تضمنته من قوله : { ففتحنا أبواب السماء } ( القمر : ~~11 ) إلى آخره . و ( كيف ) للاستفهام عن حالة العذاب . وهو عذاب قوم نوح ~~بالطوفان والاستفهام مستعمل في التعجيب من شدة هذا العذاب الموصوف . ~~والجملة في معنى التذييل وهو تعريض بتهديد المشركين أن يصيبهم عذاب جزاء ~~تكذيبهم الرسول صلى الله عليه وسلم وإعراضهم وأذاهم كما أصاب قوم نوح . # وحذف ياء المتكلم من { نذر } وأصله : نذري . وحذفها في الكلام في الوقف ~~فصيح وكثر في القرآن عند الفواصل . # والنذر : جمع نذير الذي هو اسم مصدر أنذر كالنذارة وتقدم آنفا في هذه ~~السورة وإنما جمعت لتكرر النذارة من الرسول لقومه طلبا للإيمانهم . # لما كانت هذه النذارة بلغت بالقرآن والمشركون معرضون عن استماعه حارمين ~~أنفسهم من فوائده ذيل خبرها بتنويه شأن القرآن بأنه من عند الله وأن الله ~~يسره PageV27P187 وسهله لتذكر الخلق بما يحتاجونه من التذكير مما هو هدى ~~وإرشاد . وهذا التيسير ينبىء بعناية الله به مثل قوله : { إنا نحن نزلنا ~~الذكر وإنا له لحافظون } ( الحجر : 9 ) تبصرة للمسلمين ليزدادوا إقبالا على ~~مدارسته وتعريضا بالمشركين عسى أن يرعووا عن صدودهم عنه كما أنبأ عنه قوله ~~: { فهل من مدكر } . # وتأكيد الخبر باللام وحرف التحقيق مراعى فيه ms8115 حال المشركين الشاكين في أنه ~~من عند الله . # والتيسير : إيجاد اليسر في شيء ، من فعل كقوله : { يريد الله بكم اليسر } ~~( البقرة : 185 ) أو قولل كقوله تعالى : { فإنما يسرناه بلسانك لعلهم ~~يتذكرون } ( الدخان : 58 ) . # واليسر : السهولة ، وعدم الكلفة في تحصيل المطلوب من شيء . وإذ كان ~~القرآن كلاما فمعنى تيسيره يرجع إلى تيسير ما يراد من الكلام وهو فهم ~~السامع المعاني التي عناها المتكلم به بدون كلفة على السامع ولا إغلاق كما ~~يقولون : يدخل للأذن بلا إذن . وهذا اليسر يحصل من جانب الألفاظ وجانب ~~المعاني ؛ فأما من جانب الألفاظ فلذلك بكونها في أعلى درجات فصاحة الكلمات ~~وفصاحة التراكيب ، أي فصاحة الكلام ، وانتظام مجموعها ، بحيث يخف حفظها على ~~الألسنة . # وأما من جانب المعاني ، فبوضوح انتزاعها من التراكيب ووفرة ما تحتوي عليه ~~التراكيب منها من مغازي الغرض المسوقة هي له . وبتولد معانن من معانن أخر ~~كلما كرر المتدبر تدبره في فهمها . # ووسائل ذلك لا يحيط بها الوصف وقد تقدم بسطها في المقدمة العاشرة من ~~مقدمات هذا التفسير ومن أهمها إيجاز اللفظ ليسرع تعلقه بالحفظ ، وإجمال ~~المدلولات لتذهب نفوس السامعين في انتزاع المعاني منها كل مذهب يسمح به ~~اللفظ والغرض والمقام ، ومنها الإطناب بالبيان إذا كان في المعاني بعض ~~الدقة والخفاء . # ويتأتى ذلك بتأليف نظم القرآن بلغة هي أفصح لغات البشر وأسمح ألفاظا ~~PageV27P188 وتراكيب بوفرة المعاني ، وبكون تراكيبه أقصى ما تسمح به تلك ~~اللغة ، فهو خيار من خيار من خيار . قال تعالى : { بلسان عربي مبين } ( ~~الشعراء : 195 ) . # ثم يكون المتلقين له أمة هي أذكى الأمم عقولا وأسرعها أفهاما وأشدها وعيا ~~لما تسمعه ، وأطولها تذكرا له دون نسيان ، وهي على تفاوتهم في هذه الخلال ~~تفاوتا اقتضته سنة الكون لا يناكد حالهم في هذا التفاوت ما أراده الله من ~~تيسيره للذكر ، لأن الذكر جنس من الأجناس المقول عليها بالتشكيك إلا أنه ~~إذا اجتمع أصحاب الأفهام على مدارسته وتدبره بدت لجموعهم معان لا يحصيها ~~الواحد منهم وحده . # وقد فرض الله على علماء القرآن تبيينه تصريحا كقوله : { لتبين للناس ms8116 ما ~~نزل إليهم } ( النحل : 44 ) ، وتعريضا كقوله : { وإذ أخذ الله ميثاق الذين ~~أوتوا الكتاب لتبيننه للناس } ( آل عمران : 187 ) فإن هذه الأمة أجدر بهذا ~~الميثاق . # وفي الحديث : ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ~~ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله فيمن ~~عنده ) . # واللام في قوله : { للذكر } متعلقة ب { يسرنا } وهي ظرف لغو غير مستقر ، ~~وهي لام تدل على أن الفعل الذي تعلقت به فعل لانتفاع مدخول هذه اللام به ~~فمدخولها لا يراد منه مجرد تعليل فعل الفاعل كما هو معنى التعليل المجرد ~~ومعنى المفعول لأجله المنتصبب بإضمار لام التعليل البسيطة ، ولكن يراد أن ~~مدخول هذه اللام علة خاصة مراعاة في تحصيل فعل الفاعل لفائدته ، فلا يصح أن ~~يقع مدخول هذه اللام مفعولا لأن المفعول لأجله علة بالمعنى الأعم ومدخول ~~هذه اللام علة خاصة فالمفعول لأجله بمنزلة سبب الفعل وهو كمدخول باء ~~السببية في نحو { فكلا أخذنا بذنبه } ( العنكبوت : 40 ) ، ومجرور هذه اللام ~~بمنزلة مجرور باء الملابسة في نحو { تنبت بالدهن } ( المؤمنون : 20 ) ، وهو ~~أيضا شديد الشبه بالمفعول الأول في باب كسا وأعطى ، فهذه اللام من القسم ~~الذي سماه ابن هشام في ( مغني اللبيب ) : شبه التمليك . وتبع في ذلك ابن ~~مالك في ( شرح التسهيل ) . PageV27P189 # وأحسن من ذلك تسمية ابن مالك إياه في ( شرح كافيته ) وفي ( الخلاصة ) ~~معنى التعدية . ولقد أجاد في ذلك لأن مدخول هذه اللام قد تعدى إليه الفعل ~~الذي تعلقت به اللام تعدية مثل تعدية الفعل المتعدي إلى المفعول ، وغفل ابن ~~هشام عن هذا التدقيق ، وهو المعنى الخامس من معاني اللام الجارة في ( مغني ~~اللبيب ) وقد مثله بقوله تعالى : { جعل لكم من أنفسكم أزواجا } ( الشورى : ~~11 ) ، ومثل له ابن مالك في ( شرح التسهيل ) بقوله تعالى : { فهب لي من ~~لدنك وليا } ( مريم : 5 ) ، ومن الأمثلة التي تصلح له قوله تعالى : { ~~وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون } ( يس : 72 ) وقوله تعالى : { ~~ونيسرك لليسرى } ( الأعلى : 8 ) وقوله : { فسنيسره لليسرى } ( الليل : 7 ) ~~وقوله : { فسنيسره للعسرى ms8117 } ( الليل : 10 ) ، ألا ترى أن مدخول اللام في ~~هذه الأمثلة دال على المتنفعين بمفاعيل أفعالها فهم مثل أول المفعولين من ~~باب كسا . # وإنما بسطنا القول في هذه اللام لدقة معناها وليتضح معنى قوله تعالى : { ~~ولقد يسرنا القرآن للذكر } . # وأصل معاني لام الجر هو التعليل وتنشأ من استعمال اللام في التعليل ~~المجازي معان شاعت فساوت الحقيقة فجعلها النحويون معاني مستقلة لقصد ~~الإيضاح . # والذكر : مصدر ذكر الذي هو التذكر العقلي لا اللساني ، والذي يرادفه ~~الذكر بضم الذال اسما للمصدر ، فالذكر هو تذكر ما في تذكره نفع ودفع ضر ، ~~وهو الاتعاظ والاعتبار . # فصار معنى { يسرنا القرآن للذكر } أن القرآن سهلت دلالته لأجل انتفاع ~~الذكر بذلك التيسير ، فجعلت سرعة ترتب التذكر على سماع القرآن بمنزلة منفعة ~~للذكر لأنه يشيع ويروج بها كما ينتفع طالب شيء إذا يسرت له وسائل تحصيله ، ~~وقربت له أباعدها . ففي قوله : { يسرنا القرآن للذكر } استعارة مكنية ولفظ ~~{ يسرنا } تخييل . ويؤول المعنى إلى : يسرنا القرآن للمتذكرين . # وفرع على هذا المعنى قوله : { فهل من مدكر } . والقول فيه كالقول في ~~نظيره المتقدم آنفا ، إلا أن بين الادكارين فرقا دقيقا ، فالادكار السالف ~~ادكار اعتبار عن مشاهدة آثار الأمة البائدة ، والادكار المذكور هنا ادكار ~~عن سماع مواعظ القرآن البالغة وفهم معانيه والاهتداء به . PageV27P190 # ( 18 20 ) # موقع هذه الجملة كموقع جملة { كذبت قبلهم قوم نوح } ( القمر : 9 ) فكان ~~مقتضى الظاهر أن تعطف عليها ، وإنما فصلت عنها ليكون في الكلام تكرير ~~التوبيخ والتهديد والنعي عليهم عقب قوله : { ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه ~~مزدجر حكمة بالغة فما تغن النذر } ( القمر : 4 ، 5 ) . ومقام التوبيخ ~~والنعي يقتضي التكرير . # والحكم على عاد بالتكذيب عموم عرفي بناء على أن معظمهم كذبوه وما آمن به ~~إلا نفر قليل قال تعالى : { ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه ~~برحمة منا } ( هود : 58 ) . # وفرع على التذكير بتكذيب عاد قوله : { فكيف كان عذابي ونذر } قبل أن يذكر ~~في الكلام ما يشعر بأن الله عذبهم فضلا عن وصف عذابهم . # فالاستفهام مستعمل في التشويق للخبر ms8118 الوارد بعده وهو مجاز مرسل لأن ~~الاستفهام يستلزم طلب الجواب والجواب يتوقف على صفة العذاب وهي لما تذكر ~~فيحصل الشوق إلى معرفتها وهو أيضا مكنى به عن تهويل ذلك العذاب . # وفي هذا الاستفهام إجمال لحال العذاب وهو إجمال يزيد التشويق إلى ما ~~يبينه بعده من قوله : { إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا } الآية ، ونظيره قوله ~~تعالى : { عم يتساءلون } ( النبأ : 1 ) ثم قوله : { عن النبأ العظيم } ( ~~النبأ : 2 ) الآية . # وعطف { ونذر } على { عذابي } بتقدير مضاف دل عليه المقام ، والتقدير : ~~وعاقبة نذري ، أي إنذاراتي لهم ، أي كيف كان تحقيق الوعيد الذي أنذرهم . # ونذر : جمع نذير بالمعنى المصدري كما تقدم في أوائل السورة وقد علمت بما ~~ذكرنا أن جملة ( فكيف كان عذابي ونذري ) هذه ليست تكريرا لنظيرها السابق في ~~خبر قوم نوح ، ولا اللاحق في آخر قصة عاد للاختلاف الذي علمته بين مفادها ~~ومفاد مماثلتها وإن اتحدت ألفاظهما . PageV27P191 # والبليغ يتفطن للتغاير بينهما فيصرفه عن توهم أن تكون هذه تكريرا فإنه ~~لما لم يسبق وصف عذاب عاد لم يستقم أن يكون قوله : { فكيف كان عذابي } ~~تعجيبا من حالة عذابهم . # وقوله : { ونذر } موعظة من تحقق وعيد الله إياهم ، وقد أشار الفخر إلى ~~هذا وقفينا عليه ببسط وتوجيه . وأصل السؤال عن تكرير هذه الجملة أثناء قصة ~~عاد هنا أورده في كتاب ( درة التنزيل وغرة التأويل ) المنسوب إلى الفخر ~~وإلى الراغب إلا أن كلام الفخر في ( التفسير ) أجدر بالتعويل مما في ( درة ~~التنزيل ) . # وجملة { إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا } الخ بيان للإجمال الذي في قوله : ~~{ فكيف كان عذابي ونذر } . وهو في صورة جواب للاستفهام الصوري . وكلتا ~~الجملتين يفيد تعريضا بتهديد المشركين بعذاب على تكذيبهم . # وجملة البيان إنما اتصف حال العذاب دون حال الإنذار ، أو حال رسولهم وهو ~~اكتفاء لأن التكذيب يتضمن مجيء نذير إليهم وفي مفعول { كذبت } المحذوف ~~إشعار برسولهم الذي كذبوه وبعث الرسول وتكذيبهم إياه بتضمن الإنذار لأنهم ~~لما كذبوه حق عليه إنذارهم . # وتعدية إرسال الريح إلى ضميرهم هي كإسناد التكذيب إليهم بناء على الغالب ~~وقد أنجى ms8119 الله هودا والذين معه كما علمت آنفا أو هو عائد إلى المكذبين ~~بقرينة قوله : { كذبت عاد } . # والصرصر : الشديدة القوية يكون لها صوت ، وتقدم في سورة فصلت . # وأريد ب { يوم نحس } أول أيام الريح التي أرسلت على عاد إذ كانت سبعة ~~أيام إلا يوما كما في قوله تعالى : { فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام ~~نحسات في سورة فصلت وقوله : سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما في ~~سورة الحاقة . # والنحس : سوء الحال . # وإضافة يوم } إلى { نحس } من إضافة الزمان إلى ما يقع فيه كقولهم يوم ~~PageV27P192 تحلاق اللمم ، ويوم فتح مكة . وإنما يضاف اليوم إلى النحس ~~باعتبار المنحوس ، فهو يوم نحس للمعذبين يوم نصر للمؤمنين ومصائب قوم عند ~~قوم فوائد . . وليس في الأيام يوم يوصف بنحس أو بسعد لأن كل يوم تحدث فيه ~~نحوس لقوم وسعود لآخرين ، وما يروى من أخبار في تعيين بعض أيام السنة للنحس ~~هو من أغلاط القصاصين فلا يلقي المسلم الحق إليها سمعه . # واشتهر بين كثير من المسلمين التشاؤم بيوم الأربعاء . وأصل ذلك انجر لهم ~~من عقائد مجوس الفرس ، ويسمون الأربعاء التي في آخر الشهر ( الأربعاء التي ~~لا تدور ) ، أي لا تعود ، أرادوا بهذا الوصف ضبط معنى كونها آخر الشهر لئلا ~~يظن أنه جميع النصف الأخير منه وإلا فأية مناسبة بين عدم الدوران وبين ~~الشؤم ، وما من يوم إلا وهو يقع في الأسبوع الأخير من الشهر ولا يدور في ~~ذلك الشهر . # ومن شعر بعض المولدين من الخراسانيين : # لقاؤك للمبكر فأل سوء # ووجهك أربعاء لا تدور # وانظر ما تقدم في سورة فصلت . # و { مستمر } : صفة { نحس } ، أي نحس دائم عليهم فعلم من الاستمرار أنه ~~أبادهم إذ لو نجوا لما كان النحس مستمرا . وليس { مستمر } صفة ل { يوم } إذ ~~لا معنى لوصفه بالاستمرار . # والكلام في اشتقاق مستمر تقدم آنفا عند قوله تعالى : { ويقولوا سحر مستمر ~~} ( القمر : 2 ) . # ويجوز أن يكون مشتقا من مر الشيء قاصرا ، إذا كان مرا ، والمرارة مستعارة ~~للكراهية والنفرة فهو وصف كاشف لأن النحس مكروه . # والنزع : الإزالة ms8120 بعنف لئلا يبقى اتصال بين المزال وبين ما كان متصلا به ~~، ومنه نزع الثياب . # والأعجاز جمع عجز : وهو أسفل الشيء ، وشاع إطلاق العجز على آخر ~~PageV27P193 الشيء لأنهم يعتبرون الأجسام منتصبة على الأرض فأولاها ما كان ~~إلى السماء وآخرها ما يلي الأرض . # وأطلقت الأعجاز هنا على أصول النخل لأن أصل الشجرة هو في آخرها مما يلي ~~الأرض . # وشبه الناس المطروحون على الأرض بأصول النخيل المقطوعة التي تقلع من ~~منابتها لموتها إذ تزول فروعها ويتحات ورقها فلا تبقى إلا الجذوع الأصلية ~~فلذلك سميت أعجازا . # و { منقعر } : اسم فاعل انقعر مطاوع قعره ، أي بلغ قعره بالحفر يقال : ~~قعر البئر إذا انتهى إلى عمقها ، أي كأنهم أعجاز نخل قعرت دواخله وذلك يحصل ~~لعود النخل إذا طال مكثه مطروحا . # ومنقعر : وصف النخل ، روعي في إفراده وتذكيره صورة لفظ نخل دون عدد ~~مدلوله خلافا لما في قوله تعالى : { كأنهم أعجاز نخل خاوية } ( الحاقة : 7 ~~) وقوله : { والنخل ذات الأكمام } ( الرحمن : 11 ) . # قال القرطبي : ( قال أبو بكر ابن الأنباري سئل المبرد بحضرة إسماعيل ~~القاضي عن ألف مسألة من جملتها ، قيل له : ما الفرق بين قوله تعالى : { ~~ولسليمان الريح عاصفة } ( الأنبياء : 81 ) و { جاءتها ريح عاصف } ( يونس : ~~22 ) وقوله : { أعجاز نخل خاوية } ( الحاقة : 7 ) و { أعجاز نخل منقعر } ؟ ~~فقال كل ما ورد عليك من هذا الباب فإن شئت رددته إلى اللفظ تذكيرا أو إلى ~~المعنى تأنيثا ) اه . # وجملة { كأنهم أعجاز نخل منقعر } في موضع الحال من { الناس } ووجه الوصف ~~ب { منقعر } الإشارة إلى أن الريح صرعتهم صرعا تفلقت منه بطونهم وتطايرت ~~أمعاؤهم وأفئدتهم فصاروا جثثا فرغا . وهذا تفظيع لحالهم ومثلة لهم لتخويف ~~من يراهم . PageV27P194 # تكرير لنظيره السابق عقب قصة قوم نوح لأن مقام التهويل والتهديد يقتضي ~~تكرير ما يفيدهما . و ( كيف ) هنا استفهام على حالة العذاب ، وهي الحالة ~~الموصوفة في قوله : { إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا } إلى { منقعر } ( القمر ~~: 19 ، 20 ) ، والاستفهام مستعمل في التعجيب . # تكرير لنظيره السابق في خبر قوم نوح . # ( 23 25 ) # القول في موقع جملة { كذبت ms8121 ثمود بالنذر } كالقول في موقع جملة { كذبت عاد ~~} ( القمر : 18 ) . وكذلك القول في إسناد حكم التكذيب إلى ثمود وهو اسم ~~القبيلة معتبر فيه الغالب الكثير . فإن صالحا قد آمن به نفر قليل كما حكاه ~~الله عنهم في سورة الأعراف . # وثمود : ممنوع من الصرف باعتبار العلمية والتأنيث المعنوي ، أي على تأويل ~~الاسم بالقبيلة . # والنذر : جمع نذير الذي هو اسم مصدر أنذر ، أي كذبوا بالإنذارات التي ~~أنذرهم الله بها على لسان رسوله . وليس النذر هنا بصالح لحمله على جمع ~~النذير بمعنى المنذر لأن فعل التكذيب إذا تعدى إلى الشخص المنسوب إلى الكذب ~~تعدى إلى اسمه بدون حرف قال تعالى : { فكذبوا رسلي } ( سبأ : 45 ) وقال : { ~~لما كذبوا الرسل } ( الفرقان : 37 ) وقال : { وإن يكذبوك } ( الحج : 42 ) ، ~~وإذا تعدى إلى الكلام المكذب تعدى إليه بالباء قال : { وكذبتم به } ( ~~الأنعام : 57 ) وقال : { وكذب به قومك } ( الأنعام : 66 ) وقال : { إن ~~الذين كذبوا بآياتنا } ( الأعراف : 40 ) وقال : { كذبوا PageV27P195 ~~بآياتنا } ( آل عمران : 11 ) . وهذا بخلاف قوله : { كذبت ثمود المرسلين في ~~سورة الشعراء . # والمعنى : أنهم كذبوا إنذارات رسولهم ، أي جحدوها ثم كذبوا رسولهم ، ~~فلذلك فرع على جملة كذبت ثمود بالنذر } قوله : { فقالوا أبشرا منا واحدا ~~نتبعه } إلى قوله : { بل هو كذاب أشر } ولو كان المراد بالنذر جمع النذير ~~وأطلق على نذيرهم لكان وجه النظم أن تقع جملة { فقالوا أبشرا } إلى آخرها ~~غير معطوفة بالفاء لأنها تكون حينئذ بيانا لجملة { كذبت ثمود بالنذر } . # والمعنى : أن صالحا جاءهم بالإنذارات فجحدوا بها وكانت شبهتهم في التكذيب ~~ما أعرب عنه قولهم : { أبشرا منا واحدا نتبعه } إلى آخره ، فهذا القول ~~يقتضي كونه جوابا عن دعوة وإنذار ، وإنما فصل تكذيب ثمود وأجمل تكذيب عاد ~~لقصد بيان المشابهة بين تكذيبهم ثمود وتكذيب قريش إذ تشابهت أقوالهم . # والقول في انتظام جملة { فقالوا أبشرا } الخ بعد جملة { كذبت ثمود بالنذر ~~} كالقول في جملة { فكذبوا عبدنا } ( القمر : 9 ) بعد جملة { كذبت قبلهم ~~قوم نوح } ( القمر : 9 ) . # وهذا قول قالوه لرسولهم لما أنذرهم بالنذر لأن قوله : { كذبت } يؤذن ~~بمخبر إذ التكذيب ms8122 يقتضي وجود مخبر . وهو كلام شافهوا به صالحا وهو الذي ~~عنوه بقولهم : { أبشرا منا } إلخ . وعدلوا عن الخطاب إلى الغيبة . # وانتصب { أبشرا } على المفعولية ل { نتبعه } على طريقة الاشتغال ، وقدم ~~لاتصاله بهمزة الاستفهام لأن حقها التصدير واتصلت به دون أن تدخل على نتبع ~~لأن محل الاستفهام الإنكاري هو كون البشر متبوعا لا اتباعهم له ومثله { ~~أبشر يهدوننا } ( التغابن : 6 ) وهذا من دقائق مواقع أدوات الاستفهام كما ~~بين في علم المعاني . # والاستفهام هنا إنكاري ، أنكروا أن يرسل الله إلى الناس بشرا مثلهم ، أي ~~لو شاء الله لأرسل ملائكة . # ووصف { بشرا } ب { واحدا } : إما بمعنى أنه منفرد في دعوته لا أتباع له ~~ولا نصراء ، أي ليس ممن يخشى ، أي بعكس قول أهل مدين { ولولا رهطك لرجمناك ~~وما أنت علينا بعزيز } ( هود : 91 ) . PageV27P196 وإما بمعنى أنه من جملة ~~آحاد الناس ، أي ليس من أفضلنا . وإما بمعنى أنه منفرد في ادعاء الرسالة لا ~~سلف له فيها كقول أبي محجن الثقفي : # قد كنت أغنى الناس شخصا واحدا # سكن المدينة من مزارع فوم # يريد : لا يناظرني في ذلك أحد . # وجملة { إنا إذا لفي ضلال وسعر } تعليل لإنكار أن يتبعوا بشرا منهم ~~تقديره : أنتبعك وأنت بشر واحد منا . # و ( إذن ) حرف جواب هي رابطة الجملة بالتي قبلها . والضلال : عدم ~~الاهتداء إلى الطريق ، أرادوا : إنا إذن مخطئون في أمرنا . # و { السعر } : الجنون ، يقال بضم العين وسكونها . # وفسر ابن عباس السعر بالعذاب على أنه جمع سعير . وجملة { ألقى الذكر عليه ~~من بيننا } تعليل للاستفهام الإنكاري . # و { ألقى } حقيقته : رمي من اليد إلى الأرض وهو هنا مستعار لإنزال الذكر ~~من السماء قال تعالى : { إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا } ( المزمل : 5 ) . # و ( في ) للظرفية المجازية ، جعلوا تلبسهم بالضلال والجنون كتلبس المظروف ~~بالظرف . # و { من بيننا } حال من ضمير { عليه } ، أي كيف يلقى عليه الذكر دوننا ، ~~يريدون أن فيهم من هو أحق منه بأن يوحى إليه حسب مدارك عقول الجهلة الذين ~~يقيسون الأمور بمقاييس قصور أفهامهم ويحسبون أن أسباب الأثرة في العادات ms8123 هي ~~أسبابها في الحقائق . # وحرف { من } في قوله : { من بيننا } بمعنى الفصل كما سماه ابن مالك وإن ~~أباه ابن هشام أي مفصولا من بيننا كقوله تعالى : { والله يعلم المفسد من ~~المصلح } ( البقرة : 220 ) . PageV27P197 # و { بل هو كذاب أشر } إضراب عن ما أنكروه بقولهم : { أألقى الذكر عليه من ~~بيننا } أي لم ينزل الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب فيما ادعاه ، بطر متكبر ~~. # و ( الأشر ) بكسر الشين وتخفيف الراء : اسم فاعل أشر ، إذا فرح وبطر ، ~~والمعنى : هو معجب بنفسه مدعع ما ليس فيه . # مقول قول محذوف دل عليه السياق تقديره : قلنا لنذيرهم الذي دل عليه قوله ~~: { كذبت ثمود بالنذر } ( القمر : 23 ) فإن النذر تقتضي نذيرا بها وهو ~~المناسب لقوله بعده { فارتقبهم واصطبر } ( القمر : 27 ) وذلك مبني على أن ~~قوله آنفا : { فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه } ( القمر : 25 ) كلام أجابوا ~~به نذارة صالح إياهم المقدرة من قوله تعالى : { كذبت ثمود بالنذر } ( القمر ~~: 23 ) ، وبذلك انتظم الكلام أتم انتظام . # وقرأ الجمهور { سيعلمون } بياء الغيبة . وقرأ ابن عامر وحمزة { ستعلمون } ~~بتاء الخطاب وهي تحتمل أن يكون هذا حكاية كلام من الله لصالح على تقدير : ~~قلنا له : قل لهم ، ففيه حذف قول . ويحتمل أن يكون خطابا من الله لهم ~~بتقدير : قلنا لهم ستعلمون . ويحتمل أن يكون خطابا للمشركين على جعل الجملة ~~معترضة . # والمراد من قوله : { غدا } الزمن المستقبل القريب كقولهم في المثل : إن ~~مع اليوم غدا ، أي إن مع الزمن الحاضر زمنا مستقبلا . يقال في تسلية النفس ~~من ظلم ظالم ونحوه ، وقال الطرماح : # وقبل غد يا ويح قلبي من غد # إذا راح أصحابي ولست برائح # يريد يوم موته . # والمراد به في الآية يوم نزول عذابهم المستقرب . # وتبيينه في قوله : { إنا مرسلوا الناقة فتنة لهم } ( القمر : 27 ) الخ ، ~~أي حين يرون المعجزة PageV27P198 وتلوح لهم بوارق العذاب يعلمون أنهم ~~الكذابون الأشرون لا صالح . وعلى الوجه الثاني في ضمير { سيعلمون } يكون ~~الغد مرادا به : يوم انتصار المسلمين في بدر ويوم فتح مكة ، أي سيعلمون من ~~الكذاب المماثل للكذاب ms8124 في قصة ثمود . # ( 27 29 ) # هذه الجملة بيان لجملة { سيعلمون غدا من الكذاب الأشر } ( القمر : 26 ) ~~باعتبار ما تضمنته الجملة المبينة بفتح الياء من الوعيد وتقريب زمانه وإن ~~فيه تصديق الرسول الذي كذبوه . # وضمير { لهم } جار على مقتضى الظاهر على قراءة الجمهور { سيعلمون } بياء ~~الغائبة ، وإما على قراءة ابن عامر وحمزة { ستعلمون } بتاء الخطاب فضمير { ~~لهم } التفات . # وإرسال الناقة إشارة إلى قصة معجزة صالح أنه أخرج لهم ناقة من صخرة وكانت ~~تلك المعجزة مقدمة الأسباب التي عجل لهم العذاب لأجلها ، فذكر هذه القصة في ~~جملة البيان توطئة وتمهيد . # والإرسال مستعار لجعلها آية لصالح . وقد عرف خلق خوارق العادات لتأييد ~~الرسل باسم الإرسال في القرآن كما قال تعالى : { وما نرسل بالآيات إلا ~~تخويفا } ( الإسراء : 59 ) فشبهت الناقة بشاهد أرسله الله لتأييد رسوله . ~~وهذا مؤذن بأن في هذه الناقة معجزة وقد سماها الله آية في قوله حكاية عنهم ~~وعن صالح { فأت بآية إن كنت من الصادقين قال هذه ناقة } ( الشعراء : 154 ، ~~155 ) الخ . # و { فتنة لهم } حال مقدر ، أي تفتنهم فتنة هي مكابرتهم في دلالتها على ~~صدق رسولهم ، وتقدير معنى الكلام : إنا مرسلو الناقة آية لك وفتنة لهم . ~~PageV27P199 # وضمير { لهم } عائد إلى المكذبين منهم بقرينة إسناد التكذيب كما تقدم . ~~واسم الفاعل من قوله : { مرسلوا الناقة } مستعمل في الاستقبال مجازا بقرينة ~~قوله : { فارتقبهم واصطبر } ، فعدل عن أن يقال : سنرسل ، إلى صيغة اسم ~~الفاعل الحقيقة في الحال لتقريب زمن الاستقبال من زمن الحال . # والارتقاب : الانتظار ، ارتقب مثل : رقب ، وهو أبلغ دلالة من رقب ، ~~لزيادة المبنى فيه . # وعدي الارتقاب إلى ضميرهم على تقدير مضاف يقتضيه الكلام لأنه لا يرتقب ~~ذواتهم وإنما يرتقب أحوالا تحصل لهم . وهذه طريقة إسناد أو تعليقق المشتقات ~~التي معانيها لا تسند إلى الذوات فتكون على تقدير مضاف اختصارا في الكلام ~~اعتمادا على ظهور المعنى . وذلك مثل إضافة التحريم والتحليل إلى الذوات في ~~قوله تعالى : { حرمت عليكم الميتة } ( المائدة : 3 ) . والمعنى : فارتقب ما ~~يحصل لهم من الفتنة عند ظهور الناقة . # والاصطبار : الصبر ms8125 القوي ، وهو كالارتقاب أيضا أقوى دلالة من الصبر ، أي ~~اصبر صبرا لا يعتريه ملل ولا ضجر ، أي اصبر على تكذيبهم ولا تأيس من النصر ~~عليهم ، وحذف متعلق { اصطبر } ليعم كل حال تستدعي الضجر . والتقدير : ~~واصطبر على أذاهم وعلى ما تجده في نفسك من انتظار النصر . # وجملة { ونبئهم أن الماء قسمة بينهم } معطوفة على جملة { إنا مرسلوا ~~الناقة } باعتبار أن الوعد بخلق آية الناقة يقتضي كلاما محذوفا ، تقديره : ~~فأرسلنا لهم الناقة وقلنا نبئهم أن الماء قسمة بينهم على طريقة العطف ~~والحذف في قوله : { فأوحينا إلى موسى أن أضرب بعصاك البحر فانفلق } ( ~~الشعراء : 63 ) ، وإن كان حرف العطف مختلفا ، ومثل هذا الحذف كثير في إيجاز ~~القرآن . # والتعريف في { الماء } للعهد ، أي ماء القرية الذي يستقون منه ، فإن لكل ~~محلة ينزلها قوم ماء لسقياهم وقال تعالى : { ولما ورد ماء مدين } ( القصص : ~~23 ) . # وأخبر عن الماء بأنه { قسمة } . والمراد مقسوم فهو من الإخبار بالمصدر ~~للتأكيد والمبالغة . PageV27P200 # وضمير { بينهم } عائد إلى معلوم من المقام بعد ذكر الماء إذ من المتعارف ~~أن الماء يستقي منه أهل القرية لأنفسهم وماشيتهم ، ولما ذكرت الناقة علم ~~أنها لا تستغني عن الشرب فغلب ضمير العقلاء على ضمير الناقة الواحدة وإذ لم ~~يكن للناقة مالك خاص أمر الله لها بنوبة في الماء . وقد جاء في آية سورة ~~الشعراء { قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم ، وهذا مبدأ الفتنة ، ~~فقد روي أن الناقة كانت في يوم شربها تشرب ماء البئر كله فشحوا بذلك ~~وأضمروا حلدها عن الماء فأبلغهم صالح إن الله ينهاهم عن أن يمسوها بسوء . # والمحتضر بفتح الضاد اسم مفعول من الحضور وهو ضد الغيبة . والمعنى : ~~محتضر عنده فحذف المتعلقق لظهوره . وهذا من جملة ما أمر رسولهم بأن ينبئهم ~~به ، أي لا يحضر القوم في يوم شرب الناقة ، وهي بإلهامم الله لا تحضر في ~~أيام شرب القوم . والشرب بكسر الشين : نوبة الاستقاء من الماء . فنادوا ~~صاحبهم الذي أغروه بقتلها وهو قدار بضم القاف وتخفيف الدال بن سالف . ويعرف ~~عند ms8126 العرب بأحمر ، قال زهير : # فتنتج لكم غلمان أشأم كلهم # كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم # يريد أحمر ثمود لأن ثمودا إخوة عاد ( ولم أقف على سبب وصفه بأحمر وأحسب ~~أنه لبياض وجهه ) . وفي الحديث بعثت إلى الأحمر والأسود ، وكان قدار من ~~سادتهم وأهل العزة منهم ، وشبهه النبي بأبي زمعة يعني الأسود بن المطلب بن ~~أسد في قوله : فانتدب لها رجل ذو منعة في قومه كأبي زمعة ( أي فأجاب نداءهم ~~فرماها بنبل فقتلها ) . # وعبر عنه بصاحبهم للإشارة إلى أنهم راضون بفعله إذ هم مصاحبون له ~~وممالئون . # ونداؤهم إياه نداء الإغراء بالناقة وإنما نادوه لأنه مشتهر بالإقدام وقلة ~~المبالاة لعزته . # وتعاطى } مطاوع عاطاه وهو مشتق من : عطا يعطو ، إذا تناول . وصيغة تفاعل ~~تقتضي تعدد الفاعل ، شبه تخوف القوم من قتلها لما أنذرهم به رسولهم من ~~PageV27P201 الوعيد وترددهم في الإقدام على قتلها بالمعاطاة فكل واحد حين ~~يحجم عن مباشرة ذلك ويشير بغيره كأنه يعطي ما بيده إلى يد غيره حتى أخذه ~~قدار . # وعطف { فعقر } بالفاء للدلالة على سرعة إتيانه ما دعوه لأجله . # والعقر : أصله ضرب البعير بالسيف على عراقيبه ليسقط إلى الأرض جاثيا ~~فيتمكن الناحر من نحره . قال أبو طالب : # ضروب بنصل السيف سوق سمائها # إذا عدموا زادا فإنك عاقر # وغلب إطلاقه على قتل البعير كما هنا إذ ليس المراد أنه عقرها بل قتلها ~~بنبله . # القول فيه كالقول في نظيره الواقع في قصة قوم نوح فليس هو تكريرا ولكنه ~~خاص بهذه القصة . # جواب قوله : { فكيف كان عذابي ونذر } ( القمر : 30 ) فهو مثل موقع قوله : ~~{ إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا } ( القمر : 19 ) في قصة عاد كما تقدم . # والصيحة : الصاعقة وهي المعبر عنها بالطاغية في سورة الحاقة ، وفي سورة ~~الأعراف بالرجفة ، وهي صاعقة عظيمة خارقة للعادة أهلكتهم ، ولذلك وصفت ب { ~~واحدة } للدلالة على أنها خارقة للعادة إذ أتت على قبيلة كاملة وهم أصحاب ~~الحجر . # و { كانوا } بمعنى : صاروا ، وتجيء ( كان ) بمعنى ( صار ) حين يراد بها ~~كون متجدد لم يكن من قبل . PageV27P202 # والهشيم : ما يبس وجف من ms8127 الكلأ ومن الشجر ، وهو مشتق من الهشم وهو الكسر ~~لأن اليابس من ذلك يصير سريع الانكسار . والمراد هنا شيء خاص منه وهو ما جف ~~من أغصان العضاة والشوك وعظيم الكلأ كانوا يتخذون منه حظائر لحفظ أغنامهم ~~من الريح والعادية ولذلك أضيف الهشيم إلى المحتظر . وهو بكسر الظاء المعجمة ~~: الذي يعمل الحظيرة ويبنيها ، وذلك بأنه يجمع الهشيم ويلقيه على الأرض ~~ليرصفه بعد ذلك سياجا لحظيرته فالمشبه به هو الهشيم المجموع في الأرض قبل ~~أن يسيج ولذلك قال : { كهشيم المحتظر } ولم يقل : كهشيم الحظيرة ، لأن ~~المقصود بالتشبيه حالته قبل أن يرصف ويصفف وقبل أن تتخذ منه الحظيرة . # والمحتظر : مفتعل من الحظيرة ، أي متكلف عمل الحظيرة . # والقول في تعدية { أرسلنا } إلى ضمير { ثمود } ( القمر : 23 ) كالقول في ~~{ أرسلنا عليهم ريحا صرصرا } ( القمر : 19 ) . # تكرير ثان بعد نظيريه السالفين في قصة قوم نوح وقصة عاد تذييلا لهذه ~~القصة كما ذيلت بنظيريه القصتان السالفتان اقتضى التكرير مقام الامتنان ~~والحث على التدبر بالقرآن لأن التدبر فيه يأتي بتجنب الضلال ويرشد إلى ~~مسالك الاهتداء فهذا أهم من تكرير { فكيف كان عذابي ونذر } ( القمر : 30 ) ~~فلذلك أوثر . # ( 33 35 ) # القول في مفرداته كالقول في نظائره ، وقصة قوم لوط تقدمت في سورة الأعراف ~~وغيرها . PageV27P203 # وعرف قوم لوط بالإضافة إليه إذ لم يكن لتلك الأمة اسم يعرفون به عند ~~العرب . # ولم يحك هنا ما تلقى به قوم لوط دعوة لوط كما حكي في القصص الثلاث قبل ~~هذه ، وقد حكي ذلك في سورة الأعراف وفي سورة هود وفي سورة الحجر لأن سورة ~~القمر بنيت على تهديد المشركين عن إعراضهم عن الاتعاظ بآيات الله التي ~~شاهدوها وآثار آياته على الأمم الماضية التي علموا أخبارها وشهدوا آثارها ، ~~فلم يكن ثمة مقتض لتفصيل أقوال تلك الأمم إلا ما كان منها مشابها لأقوال ~~المشركين في تفصيله ولم تكن أقوال قوم لوط بتلك المثابة ، فلذلك اقتصر فيها ~~على حكاية ما هو مشترك بينهم وبين المشركين وهو تكذيب رسولهم وإعراضهم عن ~~نذره . والنذر تقدم . # وجملة { إنا أرسلنا ms8128 عليهم حاصبا } استئناف بياني ناشىء عن الإخبار عن قوم ~~لوط بأنهم كذبوا بالنذر . # وكذلك جملة { نجيناهم بسحر } ، وجملة { كذلك نجزي من شكر } . # والحاصب : الريح التي تحصب ، أي ترمي بالحصباء ترفعها من الأرض لقوتها ، ~~وتقدم في قوله تعالى : { فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا في سورة العنكبوت . # والاستثناء حقيقي لأن آل لوط من جملة قومه . # وآل لوط } : قرابته وهم بناته ، ولوط داخل بدلالة الفحوى . وقد ذكر في ~~آيات أخرى أن زوجة لوط لم ينجها الله ولم يذكر ذلك هنا اكتفاء بمواقع ذكره ~~وتنبيها على أن من لا يؤمن بالرسول لا يعد من آله ، كما قال : { يا نوح إنه ~~ليس من أهلك إنه عمل غير صالح } ( هود : 46 ) . # وذكر { بسحر } ، أي في وقت السحر للإشارة إلى إنجائهم قبيل حلول العذاب ~~بقومهم لقوله بعده : { ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر } . # وانتصب { نعمة } على الحال من ضمير المتكلم ، أي إنعاما منا . ~~PageV27P204 # وجملة { كذلك نجزي من شكر } معترضة ، وهي استئناف بياني عن جملة { ~~نجيناهم بسحر } باعتبار ما معها من الحال ، أي إنعاما لأجل أنه شكر ، ففيه ~~إيماء بأن إهلاك غيرهم لأنهم كفروا ، وهذا تعريض بإنذار المشركين وبشارة ~~للمؤمنين . # وفي قوله : { من عندنا } تنويه بشأن هذه النعمة لأن ظرف ( عند ) يدل على ~~الادخار والاستئثار مثل ( لدن ) في قوله : { من لدنا } . فذلك أبلغ من أن ~~يقال : نعمة منا أو أنعمنا . # عطف على جملة { إنا أرسلنا عليهم حاصبا } ( القمر : 34 ) . # وتأكيد الكلام بلام القسم وحرف التحقيق يقصد منه تأكيد الغرض الذي سيقت ~~القصة لأجله وهو موعظة قريش الذين أنذرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فتماروا بالنذر . # والبطشة : المرة من البطش ، وهو الأخذ بعنف لعقاب ونحوه ، وتقدم في قوله ~~: { أم لهم أيد يبطشون بها في آخر الأعراف ، وهي هنا تمثيل للإهلاك السريع ~~مثل قوله : يوم نبطش البطشة الكبرى في سورة الدخان . # والتماري : تفاعل من المراء وهو الشك . وصيغة المفاعلة للمبالغة . وضمن ~~تماروا } معنى : كذبوا ، فعدي بالباء ، وتقدم عند قوله تعالى : { فبأي آلاء ~~ربك تتمارى في سورة النجم . # } # إجمال لما ذكر ms8129 في غير هذه السورة في قصة قوم لوط أنه نزل به ضيف فرام ~~قومه الفاحشة بهم وعجز لوط عن دفع قومه إذ اقتحموا بيته وأن الله أعمى ~~أعينهم فلم يروا كيف يدخلون . PageV27P205 # والمراودة : محاولة رضى الكاره شيئا بقبول ما كرهه ، وهي مفاعلة من راد ~~يرود رودا ، إذا ذهب ورجع في أمر ، مثلت هيئة من يكرر المراجعة والمحاولة ~~بهيئة المنصرف ثم الراجع . وضمن { راودوه } معنى دفعوه وصرفوه فعدي ب { عن ~~} . # وأسند المراودة إلى ضمير قوم لوط وإن كان المراودون نفرا منهم لأن ما ~~راودوا عليه هو راد جميع القوم بقطع النظر عن تعيين من يفعله . # ويتعلق قوله : { عن ضيفه } بفعل { راودوه } بتقدير مضاف ، أي عن تمكينهم ~~من ضيوفه . # وقوله : { فذوقوا عذابي ونذر } مقول قول محذوف دل عليه سياق الكلام للنفر ~~الذين طمسنا أعينهم { ذوقوا عذابي } وهو العمى ، أي ألقى الله في نفوسهم أن ~~ذلك عقاب لهم . # واستعمل الذوق في الإحساس بالعذاب مجازا مرسلا بعلاقة التقييد في الإحساس ~~. # وعطف النذر على العذاب باعتبار أن العذاب تصديق للنذر ، أي ذوقوا مصداق ~~نذري ، وتعدية فعل { ذوقوا } إلى { نذري } بتقدير مضاف ، أي وآثار نذري . # والقول في تأكيده بلام القسم تقدم ، وحذفت ياء المتكلم من قوله : { ونذر ~~} تخفيفا . # القول في تأكيده بلام القسم تقدم آنفا في نظيره . # والبكرة : أول النهار وهو وقت الصبح ، وقد جاء في الآية الأخرى قوله : { ~~إن PageV27P206 موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب } ( هود : 81 ) ، فذكر { ~~بكرة } للدلالة على تعجيل العذاب لهم . # والتصبيح : الكون في زمن الصباح وهو أول النهار . # والمستقر : الثابت الدائم الذي يجري على قوة واحدة لا يقلع حتى استأصلهم ~~. # والعذاب : هو الخسف ومطر الحجارة وهو مذكور في سورة الأعراف وسورة هود . # تفريع قولل محذوف خوطبوا به مراد به التوبيخ ؛ إما بأن ألقي في روعهم عند ~~حلول العذاب ، بأن ألقى الله في أسماعهم صوتا . # والخطاب لجميع الذين أصابهم العذاب المستقر ، وبذلك لم تكن هذه الجملة ~~تكريرا . وحذفت ياء المتكلم من قوله : { ونذر } تخفيفا . # والقول في استعمال الذوق هنا كالقول في سابقه . # وفائدة ms8130 الإعلام بما قيل لهم من قوله : { فذوقوا عذابي ونذر } في الموضعين ~~أن يتجدد عند استماع كل نبإ من ذلك ادكار لهم واتعاظ وإيقاظ استيفاء لحق ~~التذكير القرآني . # تكرير ثالث تنويها بشأن القرآن للخصوصية التي تقدمت في المواضع التي كرر ~~فيها نظيره وما يقاربه وخاصة في نظيره الموالي هو له . ولم يذكر هنا { فكيف ~~كان عذابي ونذر } ( القمر : 30 ) اكتفاء بحكاية التنكيل لقوم لوط في ~~التعريض بتهديد المشركين . PageV27P207 # ( 41 ، 42 ) # لما كانت عدوة موسى عليه السلام غير موجهة إلى أمة القبط ، وغير مراد ~~منها التشريع لهم . ولكنها موجهة إلى فرعون وأهل دولته الذين بأيديهم تسيير ~~أمور المملكة الفرعونية ، ليسمحوا بإطلاق بني إسرائيل من الاستعباد ، ~~ويمكنوهم من الخروج مع موسى خص بالنذر هنا آل فرعون ، أي فرعون وآله لأنه ~~يصدر عن رأيهم ، ألا ترى أن فرعون لم يستأثر برد دعوة موسى بل قال لمن حوله ~~: { ألا تستمعون } ( الشعراء : 25 ) وقال : { فماذا تأمرون } ( الشعراء : ~~35 ) وقالوا : { أرجه وأخاه } ( الشعراء : 36 ) الآية ، ولذلك لم يكن أسلوب ~~الإخبار عن فرعون ومن معه مماثلا لأسلوب الإخبار عن قوم نوح وعاد وثمود ~~وقوم لوط إذ صدر الإخبار عن أولئك بجملة { كذبت } ( القمر : 18 ) ، وخولف ~~في الإخبار عن فرعون فصدر بجملة { ولقد جاء آل فرعون النذر } وإن كان مآل ~~هذه الأخبار الخمسة متماثلا . # والآل : القرابة ، ويطلق مجازا على من له شدة اتصال بالشخص كما في قوله ~~تعالى : { أدخلوا آل فرعون أشد العذاب } ( غافر : 46 ) . وكان الملوك ~~الأقدمون ينوطون وزارتهم ومشاورتهم بقرابتهم لأنهم يأمنون كيدهم . # والنذر : جمع نذير : اسم مصدر بمعنى الإنذار . ووجه جمعه أن موسى كرر ~~إنذارهم . # والقول في تأكيد الخبر بالقسم كالقول في نظائره المتقدمة . # وإسناد التكذيب إليهم بناء على ظاهر حالهم وإلا فقد آمن منهم رجل واحد ~~كما في سورة غافر . # وجملة { كذبوا بآياتنا كلها } بدل اشتمال من جملة { جاء آل فرعون النذر } ~~لأن مجيء النذر إليهم ملابس للآيات ، وظهور الآيات مقارن لتكذيبهم بها ~~فمجيء النذر مشتمل على التكذيب لأنه مقارن مقارنه . # وقوله : { بآياتنا } إشارة إلى ms8131 آيات موسى المذكورة في قوله تعالى : { ~~فأرسلنا عليهم PageV27P208 الطوفان والجراد } ( الأعراف : 133 ) وهي تسع ~~آيات منها الخمس المذكورة في آية الأعراف والأربع الأخر هي : انقلاب العصا ~~حية ، وظهور يده بيضاء ، وسنو القحط ، وانفلاق البحر بمرأى من فرعون وآله ، ~~ولم ينجع ذلك في تصميمهم على اللحاق ببني إسرائيل . # وتأكيد { آياتنا } ب { كلها } إشارة إلى كثرتها وأنهم لم يؤمنوا بشيء ~~منها ، وتكذيبهم بآية انفلاق البحر تكذيب فعلي لأن موسى لم يتحدهم بتلك ~~الآية وقوم فرعون لما رأوا تلك الآية عدوها سحرا وتوهموا البحر أرضا فلم ~~يهتدوا بتلك الآية . # والأخذ : مستعار للانتقام ، وقد تقدم عند قوله تعالى : { أو يأخذهم في ~~تقلبهم فما هم بمعجزين أو يأخذهم على تخوف في سورة النحل ( 46 ، 47 ) . # وهذا الأخذ : هو إغراق فرعون ورجال دولته وجنده الذين خرجوا لنصرته كما ~~تقدم في الأعراف . # وانتصب أخذ عزيز مقتدر } على المفعولية المطلقة مبينا لنوع الأخذ بأفظع ~~ما هو معروف للمخاطبين من أخذ الملوك والجبابرة . # والعزيز : الذي لا يغلب . والمقتدر : الذي لا يعجز . # وأريد بذلك أنه أخذ لم يبق على العدو أي إبقاء بحيث قطع دابر فرعون وآله ~~. # هذه الجملة كالنتيجة لحاصل القصص عن الأمم التي كذبت الرسل من قوم نوح ~~فمن ذكر بعدهم ولذلك فصلت ولم تعطف . # وقد غير أسلوب الكلام من كونه موجها للرسول صلى الله عليه وسلم إلى ~~توجيهه للمشركين لينتقل عن التعريض إلى التصريح اعتناء بمقام الإنذار ~~والإبلاغ . # والاستفهام في قوله : { أكفاركم خير من أولائكم } يجوز أن يكون على ~~PageV27P209 حقيقته ، ويكون من المحسن البديعي الذي سماه السكاكي ( سوق ~~المعلوم مساق غيره ) . وسماه أهل الأدب من قبله ب ( تجاهل العارف ) . وعدل ~~السكاكي عن تلك التسمية وقال لوقوعه في كلام الله تعالى نحو قوله : { وإنا ~~أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين } ( سبأ : 24 ) وهو هنا للتوبيخ كما في ~~قول ليلى ابنة طريف الخارجية ترثي أخاها الوليد بن طريف الشيباني : # أبا شجر الخابور ما لك مورقا # كأنك لم تجزع على ابنن طريف # الشاهد في قولها : كأنك لم تجزع ms8132 الخ . # والتوبيخ عن تخطئتهم في عدم العذاب الذي حل بأمثالهم حتى كأنهم يحسبون ~~كفارهم خيرا من الكفار الماضين المتحدث عن قصصهم ، أي ليس لهم خاصية تربأ ~~بهم عن أن يلحقهم ما لحق الكفار الماضين . والمعنى : أنكم في عدم اكتراثكم ~~بالموعظة بأحوال المكذبين السابقين لا تخلون عن أن أحد الأمرين الذي طمأنكم ~~من أن يصيبكم مثل ما أصابهم . # و { أم } للإضراب الانتقالي . وما يقدر بعدها من استفهام مستعمل في ~~الإنكار . والتقدير : بل ما لكم براءة في الزبر حتى تكونوا آمنين من العقاب ~~. # وضمير { كفاركم } لأهل مكة وهم أنفسهم الكفار ، فإضافة لفظ ( كفار ) إلى ~~ضميرهم إضافة بيانية لأن المضاف صنف من جنس من أضيف هو إليه فهو على تقدير ~~{ من } البيانية . والمعنى : الكفار منكم خير من الكفار السالفين ، أي ~~أأنتم الكفار خير من أولئك الكفار . # والمراد بالأخيرية انتفاء الكفر ، أي خير عند الله الانتقام الإلهي ~~وادعاء فارق بينهم وبين أولئك . # والبراءة : الخلاص والسلامة مما يضر أو يشق أو يكلف كلفة . والمراد هنا : ~~الخلاص من المؤاخذة والمعاقبة . # و { الزبر } : جمع زبور ، وهو الكتاب ، وزبور بمعنى مزبور ، أي براءة ~~كتبت في كتب الله السالفة . PageV27P210 # والمعنى : ألكم براءة في الزبر أن كفاركم لا ينالهم العقاب الذي نال ~~أمثالهم من الأمم السالفة . # و { في الزبر } صفة { براءة } ، أي كائنة في الزبر ، أي مكتوبة في صحائف ~~الكتب . # وأفاد هذا الكلام ترديد النجاة من العذاب بين الأمرين : إما الاتصاف ~~بالخير الإلهي المشار إليه بقوله تعالى : { إن أكرمكم عند الله أتقاكم } ( ~~الحجرات : 13 ) ، وإما المسامحة والعفو عما يقترفه المرء من السيئات المشار ~~إليه بقول النبي صلى الله عليه وسلم ( لعل الله أطلع على أهل بدر فقال : ~~اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ) . # والمعنى انتفاء كلا الأمرين عن المخاطبين فلا مأمن لهم من حلول العذاب ~~بهم كما حل بأمثالهم . # والآية توذن بارتقاب عذاب ينال المشركين في الدنيا دون العذاب الأكبر ، ~~وذلك عذاب الجوع الذي في قوله تعالى : { فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين ~~} ( الدخان : 10 ) كما تقدم ، وعذاب السيف يوم ms8133 بدر الذي في قوله تعالى : { ~~يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون } ( الدخان : 16 ) . # ( 44 ، 45 ) # { أم } منقطعة لإضراب انتقالي . والاستفهام المقدر بعد ( أم ) مستعمل في ~~التوبيخ ، فإن كانوا قد صرحوا بذلك فظاهر ، وإن كانوا لم يصرحوا به فهو ~~إنباء بأنهم سيقولونه . # وعن ابن عباس : أنهم قالوا ذلك يوم بدر . ومعناه : أن هذا نزل قبل يوم ~~بدر لأن قوله : { سيهزم الجمع } إنذار بهزيمتهم يوم بدر وهو مستقبل بالنسبة ~~لوقت نزول الآية لوجود علامة الاستقبال . PageV27P211 # وغير أسلوب الكلام من الخطاب الموجه إلى المشركين بقوله : { أكفاركم خير ~~} ( القمر : 43 ) الخ إلى أسلوب الغيبة رجوعا إلى الأسلوب الجاري من أول ~~السورة في قوله : { وإن يروا آية يعرضوا } ( القمر : 2 ) بعد أن قضي حق ~~الإنذار بتوجيه الخطاب إلى المشركين في قوله : { أكفاركم خير من أولائكم أم ~~لكم براءة في الزبر } ( القمر : 43 ) . # والكلام بشارة للنبيء صلى الله عليه وسلم وتعريض بالنذارة للمشركين مبني ~~على أنهم تحدثهم نفوسهم بذلك وأنهم لا يحسبون حالهم وحال الأمم التي سيقت ~~إليهم قصصها متساوية ، أي نحن منتصرون على محمد صلى الله عليه وسلم لأنه ~~ليس رسول الله فلا يؤيده الله . # و { جميع } اسم للجماعة الذين أمرهم واحد ، وليس هو بمعنى الإحاطة ، ~~ونظيره ما وقع في خبر عمر مع علي وعباس رضي الله عنهم في قضية ما تركه ~~النبي صلى الله عليه وسلم من أرض فدك ، قال لهما : ( ثم جئتماني وأمركما ~~جميع وكلمتكما واحدة ) ، وقول لبيد : # عريت وكان بها الجميع فأبكروا # منها وغودر نؤيها وثمامها # والمعنى : بل أيدعون أنهم يغالبون محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه ~~وأنهم غالبونهم لأنهم جميع لا يغلبون . # ومنتصر : وصف { جميع } ، جاء بالإفراد مراعاة للفظ { جميع } وإن كان ~~معناه متعددا . # وتغيير أسلوب الكلام من الخطاب إلى الغيبة مشعر بأن هذا هو ظنهم ~~واغترارهم ، وقد روي أن أبا جهل قال يوم بدر : ( نحن ننتصر اليوم من محمد ~~وأصحابه ) . فإذا صح ذلك كانت الآية من الإعجاز المتعلق بالإخبار بالغيب . # ولعل الله تعالى ألقى في نفوس المشركين هذا الغرور بأنفسهم ms8134 وهذا ~~الاستخفاف بالنبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه ليشغلهم عن مقاومته باليد ~~ويقصرهم على تطاولهم عليه بالألسنة حتى تكثر أتباعه وحتى يتمكن من الهجرة ~~والانتصار بأنصار الله . PageV27P212 # فقوله : { سيهزم الجمع ويولون الدبر } جواب عن قولهم : { نحن جميع منتصر ~~} فلذلك لم تعطف الجملة على التي قبلها . وهذا بشارة لرسوله صلى الله عليه ~~وسلم بذلك وهو يعلم أن الله منجز وعده ولا يزيد ذلك الكافرين إلا غرورا فلا ~~يعيروه جانب اهتمامهم وأخذ العدة لمقاومته كما قال تعالى في نحو ذلك : { ~~ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا } ( الأنفال : 44 ) . # والتعريف في { الجمع } للعهد ، أي الجمع المعهود من قوله : { نحن جميع ~~منتصر } والمعنى : سيهزم جمعهم . وهذا معنى قول النحاة : اللام عوض عن ~~المضاف إليه . # والهزم : الغلب ، والسين لتقريب المستقبل ، كقوله : { قل للذين كفروا ~~ستغلبون } ( آل عمران : 12 ) . وبني الفعل للمجهول لظهور أن الهازم ~~المسلمون . # و { يولون } : يجعلون غيرهم يلي ، فهو يتعدى بالتضعيف إلى مفعولين ، وقد ~~حذف مفعوله الأول هنا للاستغناء عنه إذ الغرض الإخبار عنهم بأنهم إذا جاء ~~الوغى يفرون ويولونكم الأدبار . # و { الدبر } : الظهر ، وهو ما أدبر ، أي كان وراء ، وعكسه القبل . # والآية : إخبار بالغيب ، فإن المشركين هزموا يوم بدر ، وولوا الأدبار ~~يومئذ ، وولوا الأدبار في جمع آخر وهو جمع الأحزاب في غزوة الخندق ففروا ~~بليل كما مضى في سورة الأحزاب وقد ثبت في ( الصحيح ) أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لما خرج لصف القتال يوم بدر تلا هذه الآية قبل القتال ، إيماء ~~إلى تحقيق وعد الله بعذابهم في الدنيا . # وأفرد الدبر ، والمراد الجمع لأنه جنس يصدق بالمتعدد ، أي يولي كل أحد ~~منهم دبره ، وذلك لرعاية الفاصلة ومزاوجة القرائن ، على أن انهزام الجمع ~~انهزامة واحدة ولذلك الجيش جهة تول واحدة . وهذا الهزم وقع يوم بدر . # روي عن عكرمة أن عمر بن الخطاب قال : ( لما نزلت { سيهزم الجمع ويولون ~~الدبر } جعلت أقول : أي جمع يهزم ؟ فلما كان يوم بدر رأيت النبي صلى الله ~~عليه وسلم PageV27P213 يثب في الدرع ، ويقول : { سيهزم الجمع ويولون ms8135 الدبر ~~} ) اه ، أي لم يتبين له المراد بالجمع الذي سيهزم ويولي الدبر فإنه لم يكن ~~يومئذ قتال ولا كان يخطر لهم ببال . # { بل } للإضراب الانتقالي ، وهو انتقال من الوعيد بعذاب الدنيا كما حل ~~بالأمم قبلهم ، إلى الوعيد بعذاب الآخرة . قال تعالى : { ولنذيقنهم من ~~العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون } ( السجدة : 21 ) ، وعذاب ~~الآخرة أعظم فلذلك قال : { والساعة أدهى وأمر } وقال في الآية الأخرى { ~~ولعذاب الآخرة أشد وأبقى } ( طه : 127 ) وفي الآية الأخرى { ولعذاب الآخرة ~~أخزى } ( فصلت : 16 ) . # و { الساعة } : علم بالغلبة في القرآن على يوم الجزاء . # والموعد : وقت الوعد ، وهو هنا وعد سوء ، أي وعيد . والإضافة على معنى ~~اللام أي موعد لهم . وهذا إجمال بالوعيد ، ثم عطف عليه ما يفصله وهو { ~~والساعة أدهى وأمر } . ووجه العطف أنه أريد جعله خبرا مستقلا . # و { أدهى } : اسم تفضيل من دهاه إذا أصابه بداهية ، أي الساعة أشد إصابة ~~بداهية الخلود في النار من داهية عذاب الدنيا بالقتل والأسر . # وأمر : أي أشد مرارة . واستعيرت المرارة للإحساس بالمكروه على طريقة ~~تشبيه المعقول الغائب بالمحسوس المعروف . # وأعيد اسم { الساعة } في قوله : { والساعة أدهى } دون أن يؤتي بضميرها ~~لقصد التهويل ، ولتكون الجملة مستقلة بنفسها فتسير مسير المثل . ~~PageV27P214 # ( 47 ، 48 ) # هذا الكلام بيان لقوله : { والساعة أدهى وأمر } ( القمر : 46 ) . واقتران ~~الكلام بحرف { إن } لفائدتين ؛ إحداهما : الاهتمام بصريحه الإخباري ، ~~وثانيهما : تأكيد ما تضمنه من التعريض بالمشركين ، لأن الكلام وإن كان ~~موجها للنبيء صلى الله عليه وسلم وهو لا يشك في ذلك فإن المشركين يبلغهم ~~ويشيع بينهم وهم لا يؤمنون بعذاب الآخرة فكانوا جديرين بتأكيد الخبر في ~~جانب التعريض فتكون { إن } مستعملة في غرضيها من التوكيد والاهتمام . # والتعبير عنهم ب { المجرمين } إظهار في مقام الإضمار لإلصاق وصف الإجرام ~~بهم . # والضلال : يطلق على ضد الهدى ويطلق على الخسران ، وأكثر المفسرين على أن ~~المراد به هنا المعنى الثاني . فعن ابن عباس : المراد الخسران في الآخرة ، ~~لأن الظاهر أن { يوم يسحبون في النار } طرف للكون في ضلال وسعر على نحو ~~قوله تعالى : { يوم ms8136 ترجف الراجفة تتبعها الرادفة قلوب يومئذ واجفة } ( ~~النازعات : 6 8 ) ، وقوله : { ويوم القيامة هم من المقبوحين } ( القصص : 42 ~~) فلا يناسب أن يكون الضلال ضد الهدى . # ويجوز أن يكون { يوم يسحبون } ظرفا للكون الذي في خبر { إن } ، أي كائنون ~~في ضلال وسعر يوم يسحبون في النار . فالمعنى : أنهم في ضلال وسعر يوم ~~القيامة و { سعر } جمع سعير ، وهو النار ، وجمع السعير لأنه قوي شديد . # والسحب : الجر ، وهو في النار أشد من ملازمة المكان لأنه به يتجدد مماسة ~~نار أخرى فهو أشد تعذيبا . # وجعل السحب على الوجوه إهانة لهم . # و { ذوقوا مس سقر } مقول قول محذوف ، والجملة مستأنفة . والذوق مستعار ~~للإحساس . PageV27P215 # وصيغة الأمر مستعملة في الإهانة والمجازاة . # والمس مستعمل في الإصابة على طريقة المجاز المرسل . # وسقر : علم على جهنم ، وهو مشتق من السقر بسكون القاف وهو التهاب في ~~النار ، ف { سقر } وضع علما لجهنم ، ولذلك فهو ممنوع من الصرف للعلمية ~~والتأنيث ، لأن جهنم اسم مؤنث معنى اعتبروا فيه أن مسماه نار والنار مؤنثة ~~. # والآية تتحمل معنى آخر ، وهو أن يراد بالضلال ضد الهدى وأن الإخبار عن ~~المجرمين بأنهم ليسوا على هدى ، وأن ما هم فيه باطل وضلال ، وذلك في الدنيا ~~، وأن يراد بالسعر نيران جهنم وذلك في الآخرة فيكون الكلام على التقسيم . # أو يكون السعر بمعنى الجنون ، يقال : سعر بضمتين وسعر بسكون العين ، أي ~~جنون ، من قول العرب ناقة مسعورة ، أي شديدة السرعة كأن بها جنونا كما تقدم ~~عند قوله تعالى : { إنا إذن لفي ضلال وسعر في هذه السورة . # وروي عن ابن عباس وفسر به أبو علي الفارسي قائلا : لأنهم إن كانوا في ~~السعير لم يكونوا في ضلال لأن الأمر قد كشف لهم وإنما وصف حالهم في الدنيا ~~، وعليه فالضلال والسعر حاصلان لهم في الدنيا . استئناف وقع تذييلا لما ~~قبله من الوعيد والإنذار والاعتبار بما حل بالمكذبين ، وهو أيضا توطئة ~~لقوله : { وما أمرنا إلا واحدة ( القمر : 50 ) إلخ . # والمعنى : إنا خلقنا وفعلنا كل ما ذكر من الأفعال وأسبابها وآلالتها ~~وسلطناه على مستحقيه ms8137 لأنا خلقنا كل شيء بقدر ، أي فإذا علمتم هذا فانتبهوا ~~إلى أن ما أنتم عليه من التكذيب والإصرار مماثل لما كانت عليه الأمم ~~السالفة . # واقتران الخبر بحرف ( إن ) يقال فيه ما قلناه في قوله : إن المجرمين في ~~ضلال وسعر } ( القمر : 47 ) . PageV27P216 # والخلق أصله : إيجاد ذات بشكل مقصود فهو حقيقة في إيجاد الذوات ، ويطلق ~~مجازا على إيجاد المعاني التي تشبه الذوات في التميز والوضوح كقوله تعالى : ~~{ وتخلقون إفكا } ( العنكبوت : 17 ) . # فإطلاقه في قوله : { إنا كل شيء خلقناه بقدر } من استعمال اللفظ في ~~حقيقته ومجازه . # و { شيء } معناه موجود من الجواهر والأعراض ، أي خلقنا كل الموجودات ~~جواهرها وأعراضها بقدر . # والقدر : بتحريك الدال مرادف القدر بسكونها وهو تحديد الأمور وضبطها . # والمراد : أن خلق الله الأشياء مصاحب لقوانين جارية على الحكمة ، وهذا ~~المعنى قد تكرر في القرآن كقوله في سورة الرعد { وكل شيء عنده بمقدار ومما ~~يشمله عموم كل شيء خلق جهنم للعذاب . # وقد أشار إلى أن الجزاء من مقتضى الحكمة قوله تعالى : أفحسبتم أنما ~~خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون } ( المؤمنون : 115 ) وقوله : { وما ~~خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح ~~الجميل إن ربك هو الخلاق العليم } ( الحجر : 85 ، 86 ) وقوله : { وما خلقنا ~~السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين } ( الدخان : 38 40 ) فترى هذه الآيات ~~وأشباهها تعقب ذكر كون الخلق كله لحكمة بذكر الساعة ويوم الجزاء . فهذا وجه ~~تعقيب آيات الإنذار والعقاب المذكورة في هذه السورة بالتذييل بقوله : { إنا ~~كل شيء خلقناه بقدر } بعد قوله : { أكفاركم خير من أولائكم } ( القمر : 43 ~~) وسيقول : { ولقد أهلكنا أشياعكم } ( القمر : 51 ) . # فالباء في { بقدر } للملابسة ، والمجرور ظرف مستقر ، فهو في حكم المفعول ~~الثاني لفعل { خلقناه } لأنه مقصود بذاته ، إذ ليس المقصود الإعلام بأن كل ~~شيء مخلوق لله ، فإن ذلك لا يحتاج إلى الإعلام به بله تأكيده بل المقصود ~~إظهار معنى العلم والحكمة في الجزاء كما في قوله تعالى في سورة ms8138 الرعد { وكل ~~شيء عنده بمقدار . PageV27P217 # ومما يستلزمه معنى القدر أن كل شيء مخلوق هو جار على وفق علم الله ~~وإرادته لأنه خالق أصول الأشياء وجاعل القوى فيها لتنبعث عنها آثارها ~~ومتولداتها ، فهو عالم بذلك ومريد لوقوعه . وهذا قد سمي بالقدر في اصطلاح ~~الشريعة كما جاء في حديث جبريل الصحيح في ذكر ما يقع به الإيمان : وتؤمن ~~بالقدر خيره وشره . # وأخرج مسلم والترمذي عن أبي هريرة : جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله في ~~القدر فنزلت : يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر إنا كل شيء ~~خلقناه بقدر } ( القمر : 48 ، 49 ) . ولم يذكر راوي الحديث تعيين معنى ~~القدر الذي خاصم فيه كفار قريش فبقي مجملا ويظهر أنهم خاصموا جدلا ليدفعوا ~~عن أنفسهم التعنيف بعبادة الأصنام كما قالوا : { لو شاء الرحمن ما عبدناهم ~~} ( الزخرف : 20 ) ، أي جدلا للنبيء صلى الله عليه وسلم بموجب ما يقوله من ~~أن كل كائن بقدر الله جهلا منهم بمعاني القدر . # قال عياض في ( الإكمال ) ( ظاهره أن المراد بالقدر هنا مراد الله ومشيئته ~~وما سيق به قدره من ذلك ، وهو دليل مساق القصة التي نزلت بسببها الآية ) اه ~~. وقال الباجي في ( المنتقى ) : ( يحتمل من جهة اللغة معاني : # أحدها : أن يكون القدر ههنا بمعنى مقدر لا يزاد عليه ولا ينقص كما قال ~~تعالى : { قد جعل الله لكل شيء قدرا } ( الطلاق : 3 ) . # والثاني : أن المراد أنه بقدرته ، كما قال : { بل قادرين على أن نسوي ~~بنانه } ( القيامة : 4 ) . # والثالث : بقدر ، أي نخلقه في وقته ، أي نقدر له وقتا نخلقه فيه ) اه . # قلت : وإذ كان لفظ ( قدر ) جنسا ، ووقع معلقا بفعل متعلق بضمير { كل شيء ~~} الدال على العموم كان ذلك اللفظ عاما للمعاني كلها فكل ما خلقه الله ~~فخلقه بقدر ، وسبب النزول لا يخصص العموم ، ولا يناكد موقع هذا التذييل على ~~أن السلف كانوا يطلقون سبب النزول على كل ما نزلت الآية للدلالة عليه ولو ~~كانت الآية سابقة على ما عدوه من السبب . # واعلم أن الآية صريحة في أن كل ما ms8139 خلقه الله كان بضبط جاريا على حكمة ، ~~PageV27P218 وأما تعيين ما خلقه الله مما ليس مخلوقا له من أفعال العباد ~~مثلا عند القائلين بخلق العباد أفعالهم كالمعتزلة أو القائلين بكسب العبد ~~كالأشعرية ، فلا حجة بالآية عليهم لاحتمال أن يكون مصب الإخبار هو مضمون { ~~خلقناه } أو مضمون { بقدر } ، ولاحتمال عموم { كل شيء } للتخصيص ، ولاحتمال ~~المراد بالشيء ما هو ، وليس نفي حجية هذه الآية على إثبات القدر الذي هو ~~محل النزاع بين الناس بمبطل ثبوت القدر من أدلة أخرى . # وحقيقة القدر الاصطلاحي خفية فإن مقدار تأثر الكائنات بتصرفات الله تعالى ~~وبتسبب أسبابها ونهوض موانعها لم يبلغ علم الإنسان إلى كشف غوامضه ومعرفة ~~ما مكن الله الإنسان من تنفيذ لما قدره الله ، والأدلة الشرعية والعقلية ~~تقتضي أن الأعمال الصالحة والأعمال السيئة سواء في التأثر لإرادة الله ~~تعالى وتعلقق قدرته إذا تعلقت بشيء ، فليست نسبة آثار الخير إلى الله دون ~~نسبة أثر الشر إليه إلا أدبا مع الخالق لقنه الله عبيده ، ولولا أنها ~~منسوبة في التأثر لإرادة الله تعالى لكانت التفرقة بين أفعال الخير وأفعال ~~الشر في النسبة إلى الله ملحقة باعتقاد المجوس بأن للخير إلها وللشر إلها ، ~~وذلك باطل لقول النبي صلى الله عليه وسلم ( وتؤمن بالقدر خيره وشره ) ، ~~وقوله : ( القدرية مجوس هذه الأمة ) رواه أبو داود بسنده إلى ابن عمر ~~مرفوعا . # وانتصب { كل شيء } على المفعولية ل { خلقناه } على طريقة الاشتغال ، ~~وتقديمه على { خلقناه } ليتأكد مدلوله بذكر اسمه الظاهر ابتداء ، وذكر ~~ضميره ثانيا ، وذلك هو الذي يقتضي العدول إلى الاشتغال في فصيح الكلام ~~العربي فيحصل توكيد للمفعول بعد أن حصل تحقيق نسبة الفعل إلى فاعله بحرف { ~~إن } المفيد لتوكيد الخبر وليتصل قوله : { بقدر } بالعامل فيه وهو { خلقناه ~~} ، لئلا يلتبس بالنعت لشيء لو قيل : إنا خلقنا كل شيء بقدر ، فيظن أن ~~المراد : أنا خلقنا كل شيء مقدر فيبقى السامع منتظرا لخبر { إن } . # عطف على قوله : { إنا كل شيء خلقناه بقدر } ( القمر : 49 ) فهو داخل في ~~التذييل ، أي PageV27P219 خلقناه كل شيء بعلم ، فالمقصود منه وما ms8140 يصلح له ~~معلوم لنا فإذا جاء وقته الذي أعددناه حصل دفعة واحدة لا يسبقه اختبار ولا ~~نظر ولا بداء . وسيأتي تحقيقه في آخر تفسير هذه الآية . # والغرض من هذا تحذيرهم من أن يأخذهم العذاب بغتة في الدنيا عند وجود ~~ميقاته وسبق إيجاد أسبابه ومقوماته التي لا يتفطنون لوجودها ، وفي الآخرة ~~بحلول الموت ثم بقيام الساعة . # وعطف هذا عقب { إنا كل شيء خلقناه بقدر } ( القمر : 49 ) مشعر بترتب ~~مضمونه على مضمون المعطوف عليه في التنبيه والاستدلال حسب ما هو جار في ~~كلام البلغاء من مراعاة ترتب معاني الكلام بعضها على بعض حتى قال جماعة من ~~أئمة اللغة : الفراء وثعلب والربعي وقطرب وهشام وأبو عمرو الزاهد : إن ~~العطف بالواو يفيد الترتيب ، وقال ابن مالك : الأكثر إفادته الترتيب . # والأمر في قوله : { وما أمرنا } يجوز أن يكون بمعنى الشأن ، فيكون المراد ~~به الشأن المناسب لسياق الكلام ، وهو شأن الخلق والتكوين ، أي وما شأن ~~خلقنا الأشياء . # ويجوز أن يكون بمعنى الإذن فيراد به أمر التكوين وهو المعبر عنه بكلمة ( ~~كن ) والمآل واحد . # وعلى الاحتمالين فصفة { واحدة } وصف لموصوف محذوف دل عليه الكلام هو خبر ~~عن { أمرنا } . والتقدير : إلا كلمة واحدة ، وهي كلمة ( كن ) كما قال تعالى ~~: { إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون } ( يس : 82 ) . # والمقصود الكناية عن أسرع ما يمكن من السرعة ، أي وما أمرنا إلا كلمة ~~واحدة . وذلك في تكوين العناصر والبسائط وكذلك في تكوين المركبات لأن أمر ~~التكوين يتوجه إليها بعد أن تسبقه أوامر تكوينية بإيجاد أجزائها ، فلكل ~~مكون منها أمر تكوين يخصه هو كلمة واحدة فتبين أن أمر الله التكويني كلمة ~~واحدة ولا ينافي هذا قوله : { ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ~~ستة أيام } ( ق : 38 ) ونحوه ، فخلق ذلك قد انطوى على مخلوقات كثيرة لا ~~يحصر عددها كما قال تعالى : { يخلقكم PageV27P220 في بطون أمهاتكم خلقا من ~~بعد خلق } ( الزمر : 6 ) فكل خلق منها يحصل بكلمة واحدة كلمح البصر على أن ~~بعض المخلوقات تتولد منه أشياء وآثار فيعتبر ms8141 تكوينه عند إيجاد أوله . # وصح الإخبار عن ( أمر ) وهو مذكر ب { واحدة } وهو مؤنث باعتبار أن ما صدق ~~الأمر هنا هو أمر التسخير وهو الكلمة ، أي كلمة ( كن ) . # وقوله : { كلمح بالبصر } في موضع الحال من { أمرنا } باعتبار الإخبار عنه ~~بأنه كلمة واحدة ، أي حصول مرادنا بأمرنا كلمح بالبصر ، وهو تشبيه في سرعة ~~الحصول ، أي ما أمرنا إلا كلمة واحدة سريعة التأثير في المتعلقة هي به ~~كسرعة لمح البصر . # وهذا التشبيه في تقريب الزمان أبلغ ما جاء في الكلام العربي وهو أبلغ من ~~قول زهير : # فهن ووادي الرس كاليد للفم # وقد جاء في سورة النحل { وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب فزيد ~~هنالك أو هو أقرب } لأن المقام للتحذير من مفاجأة الناس بها قبل أن يستعدوا ~~لها فهو حقيق بالمبالغة في التقريب ، بخلاف ما في هذه الآية فإنه لتمثيل ~~أمر الله وذلك يكفي فيه مجرد التنبيه إذ لا يتردد السامع في التصديق به . # وقد أفادت هذه الآية إحاطة علم الله بكل موجود وإيجاد الموجودات بحكمة ، ~~وصدورها عن إرادة وقدرة . # واللمح : النظر السريع وإخلاس النظر ، يقال : لمح البصر ، ويقال : لمح ~~البرق كما يقال : لمع البرق . ولما كان لمح البصر أسرع من لمح البرق قال ~~تعالى : { كلمح بالبصر } كما قال في سورة النحل { إلا كلمح البصر . ~~PageV27P221 # } # التفت من طريق الغيبة إلى الخطاب ومرجع الخطاب هم المشركون لظهور أنهم ~~المقصود بالتهديد ، وهو تصريح بما تضمنه قوله : { أكفاركم خير من أولائكم } ~~( القمر : 43 ) فهو بمنزلة النتيجة لقوله : { إنا كل شيء خلقناه بقدر إلى ~~كلمح بالبصر } ( القمر : 49 ، 50 ) . # وهذا الخبر مستعمل في التهديد بالإهلاك وبأنه يفاجئهم قياسا على إهلاك ~~الأمم السابقة ، وهذا المقصد هو الذي لأجله أكد الخبر بلام القسم وحرفف ( ~~قد ) . أما إهلاك من قبلهم فهو معلوم لا يحتاج إلى تأكيد . # ولك أن تجعل مناط التأكيد إثبات أن إهلاكهم كان لأجل شركهم وتكذيبهم ~~الرسل . وتفريع { فهل من مدكر } قرينة على إرادة المعنيين فإن قوم نوح بقوا ~~أزمانا فما أقلعوا عن إشراكهم ms8142 حتى أخذهم الطوفان بغتة . وكذلك عاد وثمود ~~كانوا غير مصدقين بحلول العذاب بهم فلما حل بهم العذاب حل بهم بغتة ، وقوم ~~فرعون خرجوا مقتفين موسى وبني إسرائيل واثقين بأنهم مدركوهم واقتربوا منهم ~~وظنوا أنهم تمكنوا منهم فما راعهم إلا أن أنجى الله بني إسرائيل وانطبق ~~البحر على الآخرين . # والمعنى : فكما أهلكنا أشياعكم نهلككم ، وكذلك كان ، فإن المشركين لما ~~حلوا ببدر وهم أوفر عددا وعددا كانوا واثقين بأنهم منقذون عيرهم وهازمون ~~المسلمين فقال أبو جهل وقد ضرب فرسه وتقدم إلى الصف ( اليوم ننتصر من محمد ~~وأصحابه ) فلم تجل الخيل جولة حتى شاهدوا صناديدهم صرعى ببدر : أبا جهل ، ~~وشيبة بن ربيعة ، وعتبة بن ربيعة ، وأمية بن خلف وغيرهم في سبعين رجلا ولم ~~تقم لهم بعد ذلك قائمة . # والأشياع : جمع شيعة . والشيعة : الجماعة الذين يؤيدون من يضافون إليه ، ~~وتقدم في قوله تعالى : { إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا في آخر سورة ~~الأنعام PageV27P222 . # وأطلق الأشياع هنا على الأمثال والأشباه في الكفر على طريق الاستعارة ~~بتشبيههم وهم منقرضون بأشياع موجودين . # وفرع على هذا الإنذار قوله : فهل من مدكر } وتقدم نظيره في هذه السورة . # يجوز أن يكون الضمير المرفوع في قوله : { فعلوه } عائدا إلى { أشياعكم } ~~( القمر : 51 ) ، والمعنى : أهلكناهم بعذاب الدنيا وهيأنا لهم عذاب الآخرة ~~فكتب في صحائف الأعمال كل ما فعلوه من الكفر وفروعه ، فالكناية في الزبر ~~وقعت هنا كناية عن لازمها وهو المحاسبة به فيما بعد وعن لازم لازمها وهو ~~العقاب بعد المحاسبة . # وهذا الخبر مستعمل في التعريض بالمخاطبين بأنهم إذا تعرضوا لما يوقع ~~عليهم الهلاك في الدنيا فليس ذلك قصارى عذابهم فإن بعده حسابا عليه في ~~الآخرة يعذبون به وهذا كقوله تعالى : { وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك } ( ~~الطور : 47 ) . # ويجوز عندي أن يكون الضمير عائدا إلى الجمع من قوله : { سيهزم الجمع } ( ~~القمر : 45 ) أو إلى { المجرمين } في قوله : { إن المجرمين في ضلال وسعر } ~~( القمر : 47 ) الخ ، والمعنى كل شيء فعله المشركون من شرك وأذى للنبيء صلى ~~الله عليه وسلم وللمسلمين معدود عليهم ms8143 مهيأ عقابهم عليه لأن الإخبار عن ~~إحصاء أعمال الأمم الماضين قد أغنى عنه الإخبار عن إهلاكهم ، فالأجدر تحذير ~~الحاضرين من سوء أعمالهم . # و { الزبر } : جمع زبور وهو الكتاب مشتق من الزبر ، وهو الكتابة ، وجمعت ~~الزبر لأن لكل واحد كتاب أعماله ، قال تعالى : { وكل إنسان ألزمناه طائره ~~في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا إقرأ كتابك } ( الإسراء : ~~13 ، 14 ) الآية . # وعموم { كل شيء فعلوه } مراد به خصوص ما كان من الأفعال عليه مؤاخذة في ~~الآخرة . PageV27P223 # هذا كالتذييل لقوله : { وكل شيء فعلوه في الزبر } ( القمر : 52 ) فكل ~~صغير وكبير أعم من كل شيء فعلوه ، والمعنى : وكل شيء حقير أو عظيم مستطر ، ~~أي مكتوب مسطور ، أي في علم الله تعالى أي كل ذلك يعلمه الله ويحاسب عليه ، ~~فمستطر : اسم مفعول من سطر إذا كتب سطورا قال تعالى : { وكتاب مسطور } ( ~~الطور : 2 ) . # وهذا كقوله تعالى : { وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات ~~الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين } ( الأنعام : 59 ) وقوله : { لا ~~يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا ~~في كتاب مبين } ( سبأ : 3 ) . # فالصغير : مستعار للشيء الذي لا شأن له ولا يهتم به الناس ولا يؤاخذ عليه ~~فاعله ، أو لا يؤاخذ عليه مؤاخذة عظيمة . والكبير : مستعار لضده ويدخل في ~~ذلك ما له شأن من الصلاح وما له شأن من الفساد وما هو دون ذلك ، وذلك أفضل ~~الأعمال الصالحة وما دونه من الأعمال الصالحة ، وكذلك كبائر الإثم والفواحش ~~وما دونها من اللمم والصغائر . # والمستطر : كناية عن علم الله به وذلك كناية عن الجزاء عليه مكان ذلك ~~جامعا للتبشير والإنذار . # ( 54 ، 55 ) # استئناف بياني لأنه لما ذكر أن كل صغير وكبير مستطر على إرادة أنه معلوم ~~ومجازى عليه وقد علم جزاء المجرمين من قوله : { إن المجرمين في ضلال وسعر } ~~( القمر : 47 ) كانت نفس السامع بحيث تتشوف إلى مقابل ذلك من جزاء المتقين ~~وجريا على عادة القرآن من تعقيب ms8144 النذارة بالبشارة والعكس . # وافتتاح هذا الخبر بحرف { إن } للاهتمام به . PageV27P224 # و { في } من قوله : { في جنات } للظرفية المجازية التي هي بمعنى التلبس ~~القوي كتلبس المظروف بالظرف ، والمراد في نعيم جنات ونهر فإن للجنات ~~والأنهار لذات متعارفة من اللهو والأنس والمحادثة ، واجتناء الفواكه ، ~~ورؤية جريانن الجداول وخرير الماء ، وأصوات الطيور ، وألوان السوابح . # وبهذا الاعتبار عطف { نهر } على { جنات } إذ ليس المراد الإخبار بأنهم ~~ساكنون جناتت فإن ذلك يغني عنه قوله بعد : { في مقعد صدق عند مليك مقتدر } ~~، ولا أنهم منغمسون في أنهار إذ لم يكن ذلك مما يقصده السامعون . # ونهر : بفتحتين لغة في نهر بفتح فسكون . والمراد به اسم الجنس الصادق ~~بالمتعدد لقوله تعالى : { من تحتهم الأنهار } ( الأعراف : 43 ) ، وقوله : { ~~في مقعد صدق } إما في محل الحال من المتقين وإما في محل الخبر الثاني ل { ~~إن } . # والمقعد : مكان القعود . والقعود هنا بمعنى الإقامة المطمئنة كما في قوله ~~تعالى : { اقعدوا مع القاعدين } ( التوبة : 46 ) . # والصدق : أصله مطابقة الخبر للواقع ثم شاعت له استعمالات نشأت عن مجاز أو ~~استعارة ترجع إلى معنى مصادفة أحد الشيء على ما يناسب كمال أحوال جنسه ، ~~فيقال : هو رجل صدق ، أي تمام رجلة ، وقال تأبط شرا : # إني لمهد من ثنائي فقاصد # به لابنن عم الصدق شمس بن مالك # أي ابن العم حقا ، أي موف بحق القرابة . # وقال تعالى : { ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق } ( يونس : 93 ) وقال في ~~دعاء إبراهيم عليه السلام { واجعل لي لسان صدق في الآخرين } ( الشعراء : 84 ~~) ويسمى الحبيب الثابت المحبة صديقا وصديقا . # فمقعد صدق ، أي مقعد كامل في جنسه مرضي للمستقر فيه فلا يكون فيه استفزاز ~~ولا زوال ، وإضافة { مقعد } إلى { صدق } من إضافة الموصوف إلى صفته ~~للمبالغة في تمكن الصفة منه . PageV27P225 # والمعنى : هم في مقعد يشتمل على كل ما يحمده القاعد فيه . # والمليك : فعيل بمعنى المالك مبالغة وهو أبلغ من ملك ، ومقتدر : أبلغ من ~~قادر ، وتنكيره وتنكير مقتدر للتعظيم . # والعندية عندية تشريف وكرامة ، والظرف خبر بعد خبر . # PageV27P226 # | 1 ( سورة الرحمن ) 1 # وردت تسميتها ms8145 ( بسورة الرحمن ) في أحاديث منها ما رواه الترمذي عن جابر ~~بن عبد الله قال : ( خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه فقرأ ~~سورة الرحمن ) الحديث . # وفي ( تفسير القرطبي ) أن قيس بن عاصم المنقري قال للنبيء صلى الله عليه ~~وسلم ( اتل علي ما أنزل عليك ، فقرأ عليه سورة الرحمن ، فقال : أعدها ، ~~فأعادها ثلاثا ، فقال : إن له لحلاوة ) الخ . # وكذلك سميت في كتب السنة وفي المصاحف . # وذكر في ( الإتقان ) : أنها تسمى ( عروس القرآن ) لما رواه البيهقي في ( ~~شعب الإيمان ) عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لكل شيء عروس ~~وعروس القرآن سورة الرحمن ) . وهذا لا يعدو أن يكون ثناء على هذه السورة ~~وليس هو من التسمية في شيء كما روي أن سورة البقرة فسطاط القرآن . # $ 2 ( { الرحمان * علم القرءان * خلق الإنسان * علمه البيان * الشمس ~~والقمر بحسبان * والنجم والشجر يسجدان * والسمآء رفعها ووضع الميزان * ألا ~~تطغوا فى الميزان * وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان * والارض ~~وضعها للانام * فيها فاكهة والنخل ذات الاكمام * والحب ذو العصف والريحان * ~~فبأى ءالا & # 1764 ء ربكما تكذبان * خلق الإنسان من صلصال كالفخار * وخلق الجآن من ~~مارج من نار * فبأى ءالا & # 1764 ء ربكما تكذبان * رب المشرقين ورب المغربين * فبأى ءالا & # 1764 ء ربكما تكذبان * مرج البحرين يلتقيان * بينهما برزخ لا يبغيان * ~~فبأى ءالا & # 1764 ء ربكما تكذبان * يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان * فبأى ءالاء ربكما ~~تكذبان * وله الجوار المنشئات فى البحر كالاعلام * فبأى ءالا & # 1764 ء ربكما تكذبان * كل من عليها فان * ويبقى وجه ربك ذو الجلال ~~والإكرام * فبأى ءالا & # 1764 ء ربكما تكذبان * يسأله من فى السماوات والارض كل يوم هو فى شأن * ~~فبأى ءالا & # 1764 ء ربكما تكذبان * سنفرغ لكم أيها الثقلان * فبأى ءالا & # 1764 ء ربكما تكذبان * يامعشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار ~~السماوات والارض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان * فبأى ءالا & # 1764 ء ربكما تكذبان * يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران * فبأى ~~ءالا & # 1764 ء ربكما ms8146 تكذبان * فإذا انشقت السمآء فكانت وردة كالدهان * فبأى ءالا ~~& # 1764 ء ربكما تكذبان * فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جآن * فبأى ءالا & # 1764 ء ربكما تكذبان * يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصى والاقدام * ~~فبأى ءالا & # 1764 ء ربكما تكذبان * هاذه جهنم التى يكذب بها المجرمون * يطوفون بينها ~~وبين حميم ءان * فبأى ءالا & # 1764 ء ربكما تكذبان * ولمن خاف مقام ربه جنتان * فبأى ءالا & # 1764 ء ربكما تكذبان * ذواتآ أفنان * فبأى ءالا & # 1764 ء ربكما تكذبان * فيهما عينان تجريان * فبأى ءالا & # 1764 ء ربكما تكذبان * فيهما من كل فاكهة زوجان * فبأى ءالا & # 1764 ء ربكما تكذبان * متكئين على فرش بطآئنها من إستبرق وجنى الجنتين ~~دان * فبأى ءالا & # 1764 ء ربكما تكذبان * فيهن قاصرات الطرف لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جآن * ~~فبأى ءالا & # 1764 ء ربكما تكذبان * كأنهن الياقوت والمرجان * فبأى ءالا & # 1764 ء ربكما تكذبان * هل جزآء الإحسان إلا الإحسان * فبأى ءالا & # 1764 ء ربكما تكذبان * ومن دونهما جنتان * فبأى ءالا & # 1764 ء ربكما تكذبان * مدهآمتان * فبأى ءالا & # 1764 ء ربكما تكذبان * فيهما عينان نضاختان * فبأى ءالا & # 1764 ء ربكما تكذبان * فيهما فاكهة ونخل ورمان * فبأى ءالا & # 1764 ء ربكما تكذبان * فيهن خيرات حسان * فبأى ءالا & # 1764 ء ربكما تكذبان * حور مقصورات فى الخيام * فبأى ءالا & # 1764 ء ربكما تكذبان * لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جآن * فبأى ءالا & # 1764 ء ربكما تكذبان * متكئين على رفرف خضر وعبقرى حسان * فبأى ءالا & # 1764 ء ربكما تكذبان * تبارك اسم ربك ذى الجلال والإكرام } ) 2 $ ووجه ~~تسمية هذه السورة بسورة الرحمن أنها ابتدئت باسمه تعالى : { الرحمن } ( ~~الرحمن : 1 ) . # وقد قيل : إن سبب نزولها قول المشركين المحكي في قول تعالى : { وإذا قيل ~~لهم PageV27P227 اسجدوا للرحمان قالوا وما الرحمن في سورة الفرقان ، فتكون ~~تسميتها باعتبار إضافة سورة إلى الرحمن على معنى إثبات وصف الرحمن . # وهي مكية في قول جمهور الصحابة والتابعين ، وروى جماعة عن ابن عباس : ~~أنها مدنية نزلت في صلح القضية عندما أبى سهيل بن عمرو ms8147 أن يكتب في رسم ~~الصلح بسم الله الرحمن الرحيم . # ونسب إلى ابن مسعود أيضا أنها مدنية . وعن ابن عباس : أنها مكية سوى آية ~~منها هي قوله : يسأله من في السموات والأرض كل يوم هو في شأن } ( الرحمن : ~~29 ) . والأصح أنها مكية كلها ، وهي في مصحف ابن مسعود أول المفصل . وإذا ~~صح أن سبب نزولها قول المشركين { وما الرحمن تكون نزلت بعد سورة الفرقان . # وقيل سبب نزولها قول المشركين إنما يعلمه بشر المحكي في سورة النحل . فرد ~~الله عليهم بأن الرحمن هو الذي علم النبي القرآن . # وهي من أول السور نزولا فقد أخرج أحمد في مسنده } بسند جيد عن أسماء بنت ~~أبي بكر قالت : ( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي نحو الركن ~~قبل أن يصدع بما يؤمر والمشركون يسمعون يقرأ : { فبأي ألاء ربكما تكذبان } ~~. وهذا يقتضي أنها نزلت قبل سورة الحجر . وللاختلاف فيها لم تحقق رتبتها في ~~عداد نزول سور القرآن . وعدها الجعبري ثامنة وتسعين بناء على القول بأنها ~~مدنية وجعلها بعد سورة الرعد وقبل سورة الإنسان . # وإذ كان الأصح أنها مكية وأنها نزلت قبل سورة الحجر وقبل سورة النحل وبعد ~~سورة الفرقان ، فالوجه أن تعد ثالثة وأربعين بعد سورة الفرقان وقبل سورة ~~فاطر . # وعد أهل المدينة ومكة آيها سبعا وسبعين ، وأهل الشام والكوفة ثمانيا ~~وسبعين لأنهم عدوا الرحمن آية ، وأهل البصرة ستا وسبعين . PageV27P228 # أغراض هذه السورة # ابتدئت بالتنويه بالقرآن قال في ( الكشاف ) : ( أراد الله أن يقدم في عدد ~~آلائه أول شيء ما هو أسبق قدما من ضروب آلائه وأصناف نعمائه وهي نعمة الدين ~~فقدم من نعمة الدين ما هو أعلى مراتبها وأقصى مراقبها وهو إنعامه بالقرآن ~~وتنزيله وتعليمه ، وأخر ذكر خلق الإنسان عن ذكره ثم أتبعه إياه ثم ذكر ما ~~تميز به من سائر الحيوان من البيان ) اه . # وتبع ذلك من التنويه بالنبي صلى الله عليه وسلم بأن الله هو الذي علمه ~~القرآن ردا على مزاعم المشركين الذين يقولون : { إنما يعلمه بشر } ( النحل ~~: 103 ) ، وردا على مزاعمهم ms8148 أن القرآن أساطير الأولين أو أنه سحر أو كلام ~~كاهن أو شعر . # ثم التذكير بدلائل قدرة الله تعالى فيما أتقن صنعه مدمجا في ذلك التذكير ~~بما في ذلك كله من نعم على الناس . # وخلق الجن وإثبات جزائهم . # والموعظة بالفناء وتخلص من ذلك إلى التذكير بيوم الحشر والجزاء . وختمت ~~بتعظيم الله والثناء عليه . # وتخلل ذلك إدماج التنويه بشأن العدل ، والأمر بتوفية أصحاب الحقوق حقوقهم ~~، وحاجة الناس إلى رحمة الله فيما خلق لهم ، ومن أهمها نعمة العلم ونعمة ~~البيان ، وما أعد من الجزاء للمجرمين ومن الثواب والكرامة للمتقين ووصف ~~نعيم المتقين . # ومن بديع أسلوبها افتتاحها الباهر باسمه { الرحمن } وهي السورة الوحيدة ~~المفتتحة باسم من أسماء الله لم يتقدمه غيره . # ومنه التعداد في مقام الامتنان والتعظيم بقوله : { فبأي ألاء ربكما ~~تكذبان } إذ تكرر فيها إحدى وثلاثين مرة وذلك أسلوب عربي جليل كما سنبينه . ~~PageV27P229 # ( 1 ، 2 ) { } # هذه آية واحدة عند جمهور العادين . ووقع في المصاحف التي برواية حفص عن ~~عاصم علامة آية عقب كلمة { الرحمن } ، إذ عدها قراء الكوفة آية فلذلك عد ~~أهل الكوفة آي هذه السورة ثمانيا وسبعين . فإذا جعل اسم { الرحمن } آية ~~تعين أن يكون اسم ( الرحمن ) : إما خبرا لمبتدأ محذوف تقديره : هو الرحمن ، ~~أو مبتدأ خبره محذوف يقدر بما يناسب المقام . # ويجوز أن يكون واقعا موقع الكلمات التي يراد لفظها للتنبيه على غلط ~~المشركين إذ أنكروا هذا الاسم قال تعالى : { قالوا وما الرحمن كما تقدم في ~~سورة الفرقان ، فيكون موقعه شبيها بموقع الحروف المقطعة التي يتهجى بها في ~~أوائل بعض السور على أظهر الوجوه في تأويلها وهو التعريض بالمخاطبين بأنهم ~~أخطأوا في إنكارهم الحقائق . # وافتتح باسم الرحمن } فكان فيه تشويق جميع السامعين إلى الخبر الذي يخبر ~~به عنه إذ كان المشركون لا يألفون هذا الاسم قال تعالى : { قالوا وما ~~الرحمن } ( الفرقان : 60 ) ، فهم إذا سمعوا هذه الفاتحة ترقبوا ما سيرد من ~~الخبر عنه ، والمؤمنون إذا طرق أسماعهم هذا الاسم استشرفوا لما سيرد من ~~الخبر المناسب لوصفه هذا مما هم متشوقون إليه ms8149 من آثار رحمته . # على أنه قد قيل : إن هذه السورة نزلت بسبب قول المشركين في النبي صلى ~~الله عليه وسلم { إنما يعلمه بشر } ( النحل : 103 ) ، أي يعلمه القرآن فكان ~~الاهتمام بذكر الذي يعلم النبي صلى الله عليه وسلم القرآن أقوى من الاهتمام ~~بالتعليم . # وأوثر استحضار الجلالة باسم { الرحمن } دون غيره من الأسماء لأن المشركين ~~يأبون ذكره فجمع في هذه الجملة بين ردين عليهم مع ما للجملة الاسمية من ~~الدلالة على ثبات الخبر ، PageV27P230 ولأن معظم هذه السورة تعداد للنعم ~~والآلاء فافتتاحها باسم { الرحمن } براعة استهلال . # وقد أخبر عن هذا الاسم بأربعة أخبار متتالية غير متعاطفة رابعها هو جملة ~~{ الشمس والقمر بحسبان } ( الرحمن : 5 ) كما سيأتي لأنها جيء بها على نمط ~~التعديد في مقام الامتنان والتوقيف على الحقائق والتبكيت للخصم في إنكارهم ~~صريح بعضها ، وإعراضهم عن لوازم بعضها كما سيأتي ، ففصل جملتي { خلق ~~الإنسان علمه البيان } ( الرحمن : 3 ، 4 ) عن جملة { علم القرآن } خلاف ~~مقتضى الظاهر لنكتة التعديد للتبكيت . # وعطف عليها أربعة أخر بحرف العطف من قوله : { والنجم والشجر يسجدان إلى ~~قوله : والأرض وضعها للأنام } ( الرحمن : 6 10 ) وكلها دالة على تصرفات ~~الله ليعلمهم أن الاسم الذي استنكروه هو اسم الله وأن المسمى واحد . # وجيء بالمسند فعلا مؤخرا عن المسند إليه لإفادة التخصيص ، أي هو علم ~~القرآن لا بشر علمه وحذف المفعول الأول لفعل { علم القرآن } لظهوره ، ~~والتقدير : علم محمدا صلى الله عليه وسلم لأنهم ادعوا أنه معلم وإنما ~~أنكروا أن يكون معلمه القرآن هو الله تعالى وهذا تبكيت أول . # وانتصب { القرآن } على أنه مفعول ثان لفعل { علم } ، وهذا الفعل هنا معدى ~~إلى مفعولين فقط لأنه ورد على أصل ما يفيده التضعيف من زيادة مفعول آخر مع ~~فاعل فعله المجرد ، وهذا المفعول هنا يصلح أن يتعلق به التعليم إذ هو اسم ~~لشيء متعلق به التعليم وهو القرآن ، فهو كقول معن بن أوس : # أعلمه الرماية كل يوم # وقوله تعالى : { وإذ علمتك الكتاب في سورة العقود وقوله : وما علمناه ~~PageV27P231 الشعر في سورة يس ، ولا ms8150 يقال : علمته زيدا صديقا ، وإنما يقال ~~: أعلمته زيدا صديقا ، ففعل علم إذا ضعف كان بمعنى تحصيل التعليم بخلافه إذ ~~عدي بالهمزة فإنه يكون لتحصيل الإخبار والإنباء . # وقد عدد الله في هذه السورة نعما عظيمة على الناس كلهم في الدنيا ، وعلى ~~المؤمنين خاصة في الآخرة وقدم أعظمها وهو نعمة الدين لأن به صلاح الناس في ~~الدنيا ، وباتباعهم إياه يحصل لهم الفوز في الآخرة . ولما كان دين الإسلام ~~أفضل الأديان ، وكان هو المنزل للناس في هذا الإبان ، وكان متلقى من أفضل ~~الوحي والكتب الإلهية وهو القرآن ، قدمه في الإعلام وجعله مؤذنا بما يتضمنه ~~من الدين ومشيرا إلى النعم الحاصلة بما بين يديه من الأديان كما قال : هذا ~~كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه } ( الأنعام : 92 ) . # ومناسبة اسم { الرحمن } لهذه الاعتبارات منتزعة من قوله : { وما أرسلناك ~~إلا رحمة للعالمين } ( الأنبياء : 107 ) . # و { القرآن } : اسم غلب على الوحي اللفظي الذي أوحي به إلى محمد صلى الله ~~عليه وسلم للإعجاز بسورة منه وتعبد ألفاظه . # خبر ثان ، والمراد بالإنسان جنس الإنسان وهذا تمهيد للخبر الآتي وهو { ~~علمه البيان } ( الرحمن : 4 ) . # وهذه قضية لا ينازعون فيها ولكنهم لما أعرضوا عن موجبها وهو إفراد الله ~~تعالى بالعبادة ، سيق لهم الخبر بها على أسلوب التعديد بدون عطف كالذي يعد ~~للمخاطب مواقع أخطائه وغفلته ، وهذا تبكيت ثان . PageV27P232 # ففي خلق الإنسان دلالتان : أولاهما : الدلالة على تفرد الله تعالى ~~بالإلهية ، وثانيتهما : الدلالة على نعمة الله على الإنسان . # والخلق : نعمة عظيمة لأن فيها تشريفا للمخلوق بإخراجه من غياهب العدم إلى ~~مبرز الوجود في الأعيان ، وقدم خلق الإنسان على خلق السماوات والأرض لما ~~علمت آنفا من مناسبة إردافه بتعليم القرآن . # ومجيء المسند فعلا بعد المسند إليه يفيد تقوي الحكم . ولك أن تجعله ~~للتخصيص بتنزيلهم منزلة من ينكر أن الله خلق الإنسان لأنهم عبدوا غيره . # خبر ثالث تضمن الاعتبار بنعمة الإبانة عن المراد والامتنان بها بعد ~~الامتنان بنعمة الإيجاد ، أي علم جنس الإنسان أن يبين عما في نفسه ليفيده ~~غيره ويستفيد هو . # والبيان : الإعراب ms8151 عما في الضمير من المقاصد والأغراض وهو النطق وبه تميز ~~الإنسان عن بقية أنواع الحيوان فهو من أعظم النعم . # وأما البيان بغير النطق من إشارة وإيماء ولمح النظر فهو أيضا من مميزات ~~الإنسان وإن كان دون بيان النطق . # ومعنى تعليم الله الإنسان البيان : أنه خلق فيه الاستعداد لعلم ذلك ~~وألهمه وضع اللغة للتعارف ، وقد تقدم عند قوله تعالى : { وعلم آدم الأسماء ~~كلها في سورة البقرة . # وفيه الإشارة إلى أن نعمة البيان أجل النعم على الإنسان ، فعد نعمة ~~التكاليف الدينية وفيه تنويه بالعلوم الزائدة في بيان الإنسان وهي خصائص ~~اللغة وآدابها . # ومجيء المسند فعلا بعد المسند إليه لإفادة تقوي الحكم . # وفيه من التبكيت ما علمته آنفا ، ووجهه أنهم لم يشكروه على نعمة البيان ~~إذ PageV27P233 صرفوا جزءا كبيرا من بيانهم فيما يلهيهم عن إفراد الله ~~بالعبادة وفيما ينازعون به من يدعوهم إلى الهدى . # } # جملة هي خبر رابع عن الرحمن وإلا كان ذكره هنا بدون مناسبة فينقلب ~~اعتراضا . ورابط الجملة بالمبتدأ تقديره : بحسبانه ، أي حسبان الرحمن وضبطه ~~. # وهذا استدلال على التفرد بخلق كوكب الشمس وكرة القمر وامتنان بما أودع ~~فيهما من منافع للناس ، ونظام سيرهما الذي به تدقيق نظام معاملات الناس ~~واستعدادهم لما يحتاجون إليه عند تغيرات أجوائهم وأرزاقهم . ويتضمن ~~الامتنان بما في ذلك من منافعهم . وفي كون هذا الخبر جاريا على أسلوب ~~التعديد ما قد علمت آنفا من التبكيت ، ووجهه أنهم غفلوا عما في نظام الشمس ~~والقمر من الحكمة وما يدل عليه ذلك النظام من تفرد الله بتقديره ، فاشتغل ~~بعضهم بعبادة الشمس وبعضهم بعبادة القمر كما قال تعالى : { ومن آياته الليل ~~والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن ~~إن كنتم إياه تعبدون } ( فصلت : 37 ) . # وجيء بهذه الجملة اسمية للتهويل بالابتداء باسم الشمس والقمر ، وللدلالة ~~على أن حسبانهما ثابت لا يتغير منذ بدء الخلق مؤذن بحكمة الخالق . واستغني ~~بجعل اسم الشمس والقمر مسندا إليهما عن تفكيك المسند إلى مسندين : أحدهما : ~~يدل على الاستدلال ، والآخر يدل على الامتنان ، كما ms8152 وقع في قوله : { خلق ~~الإنسان علمه البيان } ( الرحمن : 3 ، 4 ) . # والحسبان : مصدر حسب بمعنى عد مثل الغفران . # والباء للملابسة وهي ظرف مستقر هو خبر عن الشمس والقمر ، والتقدير : ~~كائنان بحسبان ، أي بملابسة حسبان ، أي لحساب الناس مواقع سيرهما . # وإسناد هذه الملابسة إلى الشمس والقمر مجازي عقلي لأن الشمس والقمر ~~PageV27P234 سبب لتلبس الناس بحسابهما كما تقول : أنت بعناية مني ، جعلت ~~عنايتك ملابسة للمخاطب ملابسة اعتبارية ، وقوله تعالى : { فإنك بأعيننا } ( ~~الطور : 48 ) ، وقد تقدم في قوله تعالى : { والشمس والقمر حسبانا في سورة ~~الأنعام . والحسبان كناية عن انتظام سيرهما انتظاما مطردا لا يختل حساب ~~الناس له والتوقيت به . # واقتصر على ذكر الشمس والقمر دون بقية الكواكب وإن كان فيها حسبان ~~الأنواء ، والحر والبرد ، مثلل الجوزاء ، والشعرى ، ومنزلة الأسد ، والثريا ~~، لأن هذين الكوكبين هما الباديان لجميع الناس لا يحتاج تعقل أحوالهما إلى ~~تعليم توقيت مثل الكواكب الأخرى . # ولأن السورة هذه بنيت على ذكر الأمور المزدوجة والشمس والقمر مزدوجان في ~~معارف عموم الناس فالشمس : كوكب سماوي لأنه أعلى من الأرض والأرض تدور حوله ~~وداخلة في النظام الشمسي . والقمر : كوكب أرضي لأنه دون الأرض وتابع لها ~~كبقية أقمار الكواكب فذكر الشمس والقمر كذكر السماء ، والأرض ، والمشرق ، ~~والمغرب ، والبحرين . # } # عطف على جملة { الشمس والقمر بحسبان } ( الرحمن : 5 ) عطف الخبر على ~~الخبر للوجه الذي تقدم لأن سجود الشمس والقمر لله تعالى وهو انتقال من ~~الامتنان بما في السماء من المنافع إلى الامتنان بما في الأرض ، وجعل لفظ { ~~النجم } واسطة الانتقال لصلاحيته لأنه يراد منه نجوم السماء وما يسمى نجما ~~من نبات الأرض كما يأتي . # وعطفت جملة { والنجم والشجر يسجدان } ولم تفصل فخرجت من أسلوب تعداد ~~الأخبار إلى أسلوب عطف بعض الأخبار على بعض لأن الأخبار الواردة بعد حروف ~~العطف لم يقصد بها التعداد إذ ليس فيها تعريض بتوبيخ المشركين ، فالإخبار ~~بسجود النجم والشجر أريد به الإيقاظ إلى ما في هذا من الدلالة على عظيم ~~القدرة دلالة رمزية ، ولأنه لما اقتضى المقام جمع النظائر من المزاوجات بعد ~~PageV27P235 ذكر الشمس ms8153 والقمر ، كان ذلك مقتضيا سلوك طريقة الوصل بالعطف ~~بجامع التضاد . # وجعلت الجملة مفتتحة بالمسند إليه لتكون على صورة فاتحة الجملة التي عطفت ~~هي عليها . وأتي بالمسند فعلا مضارعا للدلالة على تجدد هذا السجود وتكرره ~~على معنى قوله تعالى : { ولله يسجد من في السموات والأرض طوعا وكرها ~~وظلالهم بالغدو والآصال } ( الرعد : 15 ) . # و { النجم } يطلق : اسم جمع على نجوم السماء قال تعالى : { والنجم إذا ~~هوى } ( النجم : 1 ) ، ويطلق مفردا فيجمع على نجوم ، قال تعالى : { وإدبار ~~النجوم } ( الطور : 49 ) . وعن مجاهد تفسيره هنا بنجوم السماء . # ويطلق النجم على النبات والحشيش الذي لا سوق له فهو متصل بالتراب . وعن ~~ابن عباس تفسير النجم في هذه الآية بالنبات الذي لا ساق له . والشجر : ~~النبات الذي له ساق وارتفاع عن وجه الأرض . وهذان ينتفع بهما الإنسان ~~والحيوان . # فحصل من قوله : { والنجم والشجر يسجدان } بعد قوله : { الشمس والقمر ~~بحسبان } ( الرحمن : 5 ) قرينتان متوازيتان في الحركة والسكون وهذا من ~~المحسنات البديعية الكاملة . # والسجود : يطلق على وضع الوجه على الأرض بقصد التعظيم ، ويطلق على الوقوع ~~على الأرض مجازا مرسلا بعلاقة الإطلاق ، أو استعارة ومنه قولهم : ( نخلة ~~ساجدة ) إذا أمالها حملها ، فسجود نجوم السماء نزولها إلى جهات غروبها ، ~~وسجود نجم الأرض التصاقه بالتراب كالساجد ، وسجود الشجر تطأطؤه بهبوب ~~الرياح ودنو أغصانه للجانين لثماره والخابطين لورقه ، ففعل { يسجدان } ~~مستعمل في معنيين مجازيين وهما الدنو للمتناول والدلالة على عظمة الله ~~تعالى بأن شبه ارتسام ظلالهما على الأرض بالسجود كما قال تعالى : { ولله ~~يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال في سورة ~~الرعد ، وكما قال امرؤ القيس : PageV27P236 # يكب على الأذ # قان وح الكنهبل # فقال : على الأذقان ، ليكون الانكباب مشبها بسقوط الإنسان على الأرض ~~بوجهه ففيه استعارة مكنية ، وذكر الأذقان تخييل ، وعليه يكون فعل يسجدان } ~~هنا مستعملا في مجازه ، وذلك يفيد أن الله خلق في الموجودات دلالات عدة على ~~أن الله موجدها ومسخرها ، ففي جميعها دلالات عقلية ، وفي بعضها أو معظمها ~~دلالات أخرى رمزية وخيالية لتفيد منها العقول المتفاوتة في ms8154 الاستدلال . # ( 7 9 ) # اطرد في هذه الآية أسلوب المقابلة بين ما يشبه الضدين بعد مقابلة ذكر ~~الشمس والقمر بذكر النجمم والشجر ، فجيء بذكر خلق السماء وخلق الأرض . # وعاد الكلام إلى طريقة الإخبار عن المسند إليه بالمسند الفعلي كما في ~~قوله : { الرحمن علم القرآن } ( الرحمن : 1 ، 2 ) ، وهذا معطوف على الخبر ~~فهو في معناه . # ورفع السماء يقتضي خلقها . وذكر رفعها لأنه محل العبرة بالخلق العجيب . ~~ومعنى رفعها : خلقها مرفوعة إذ كانت مرفوعة بغير أعمدة كما يقال للخياط : ~~وسع جيب القميص ، أي خطه واسعا على أن في مجرد الرفع إيذانا بسمو المنزلة ~~وشرفها لأن فيها منشأ أحكام الله ومصدر قضائه ، ولأنها مكان الملائكة ، ~~وهذا من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه . # وتقديم السماء على الفعل الناصب له زيادة في الاهتمام بالاعتبار بخلقها . # و { الميزان } : أصله اسم آلة الوزن ، والوزن تقدير تعادلل الأشياء وضبط ~~مقادير ثقلها وهو مفعال من الوزن ، وقد تقدم في قوله تعالى : { والوزن ~~يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه في سورة الأعراف ، وشاع إطلاق الميزان على ~~العدل باستعارة لفظ الميزان للعدل على وجه تشبيه المعقول بالمحسوس . ~~PageV27P237 # والميزان هنا مراد به العدل ، مثل الذي في قوله تعالى : وأنزلنا معهم ~~الكتاب والميزان } ( الحديد : 25 ) لأنه الذي وضعه الله ، أي عينه لإقامة ~~نظام الخلق ، فالوضع هنا مستعار للجعل فهو كالإنزال في قوله : { وأنزلنا ~~معهم الكتاب والميزان } . ومنه قول أبي طلحة الأنصاري ( وإن أحب أموالي إلي ~~بئرحاء وأنها صدقة لله فضعها يا رسول الله حيث أراك الله ) أي اجعلها ~~وعينها لما يدلك الله عليه فإطلاق الوضع في الآية بعد ذكر رفع السماء ~~مشاكلة ضدية وإيهام طباق مع قوله : { رفعها } ففيه محسنان بديعيان . # وقرن ذلك مع رفع السماء تنويها بشأن العدل بأن نسب إلى العالم العلوي وهو ~~عالم الحق والفضائل ، وأنه نزل إلى الأرض من السماء أي هو مما أمر الله به ~~، ولذلك تكرر ذلك العدل مع ذكر خلق السماء كما في قوله تعالى : { هو الذي ~~جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ms8155 ما خلق ~~الله ذلك إلا بالحق في سورة يونس ، وقوله : وما خلقنا السماوات والأرض وما ~~بينهما إلا بالحق في سورة الحجر ، وقوله : وما خلقنا السماوات والأرض وما ~~بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق في سورة الدخان ( 38 ، 39 ) . وهذا ~~يصدق القول المأثور : بالعدل قامت السماوات والأرض . وإذ قد كان الأمر ~~بإقامة العدل من أهم ما أوصى الله به إلى رسوله قرن ذكر جعله بذكر خلق ~~السماء فكأنه قيل ووضع فيها الميزان . # و ( أن ) في قوله : ألا تطغوا } يجوز أن تكون تفسيرية لأن فعل وضع ~~الميزان فيه معنى أمر الناس بالعدل . وفي الأمر معنى القول دون حروفه فهو ~~حقيق بأن يأتي تفسيره بحرف ( أن ) التفسيرية . فكان النهي عن إضاعة العدل ~~في أكثر المعاملات تفسيرا لذلك . فتكون ( لا ) ناهية . # ويجوز أن تكون ( أن ) مصدرية بتقدير لام الجر محذوفة قبلها . والتقدير : ~~لئلا تطغوا في الميزان ، وعلى كلا الاحتمالين يراد بالميزان ما يشمل العدل ~~ويشمل ما به تقدير الأشياء الموزونة ونحوها في البيع والشراء ، أي من فوائد ~~تنزيل الأمر بالعدل أن تجتنبوا الطغيان في إقامة الوزن في المعاملة . وتكون ~~( لا ) نافية ، وفعل { تطغوا } منصوبا ب ( أن ) المصدرية . PageV27P238 # ولفظ { الميزان } يسمح بإرادة المعنيين على طريقة استعمال المشترك في ~~معنييه . وفي لفظ الميزان وما قارنه من فعل { وضع } وفعلي { لا تطغوا } و { ~~أقيموا } وحرف الباء في قوله : { بالقسط } وحرف { في } من قوله : { في ~~الميزان } ولفظ { القسط } ، كل هذه تظاهرت على إفادة هذه المعاني وهذا من ~~إعجاز القرآن . # والطغيان : دحض الحق عمدا واحتقارا لأصحابه ، فمعنى الطغيان في العدل ~~الاستخفاف بإضاعته وضعف الوازع عن الظلم . ومعنى الطغيان في وزن المقدرات ~~تطفيفه . # و { في } من قوله : { في الميزان } ظرفية مجازية تفيد النهي عن أقل طغيان ~~على الميزان ، أي ليس النهي عن إضاعة الميزان كله بل النهي عن كل طغيان ~~يتعلق به على نحو الظرفية في قوله تعالى : { وارزقوهم فيها واكسوهم } ( ~~النساء : 5 ) ، أي ارزقوهم من بعضها وقول سبرة بنن عمرو الفقعسي : # سبرة بنن عمرو الفقعسي # ونشرب في أثمانها ونقامر ms8156 # إذ أراد أنهم يشربون الخمر ببعض أثمان إبلهم ويقامرون ، أي أن لهم فيها ~~منافع أخرى وهي العطاء والأكل منها لقوله في صدر البيت : # نحابي بها أكفاءنا ونهينها # وقوله تعالى : { وأقيموا الوزن بالقسط } عطف على جملة { ألا تطغوا في ~~الميزان } على احتمال كون المعطوف عليها تفسيرية . وعلى جملة { ووضع ~~الميزان } على احتمال كون المعطوف عليها تعليلا . # والإقامة : جعل الشيء قائما ، وهو تمثيل للإتيان به على أكمل ما يراد له ~~وقد تقدم عند قوله : { ويقيمون الصلاة في سورة البقرة . # والوزن حقيقته : تحقيق تعادل الأجسام في الثقل ، وهو هنا مراد به ما يشمل ~~تقدير الكميات وهو الكيل والمقياس . PageV27P239 # والقسط : العدل وهو معرب من الرومية وأصله قسطاس ثم اختصر في العربية ~~فقالوا مرة : قسطاس ، ومرة : قسط ، وتقدم في قوله تعالى : ونضع الموازين ~~القسط ليوم القيامة في سورة الأنبياء . # والباء للمصاحبة . والمعنى : اجعلوا العدل ملازما لما تقومونه من أموركم ~~كما قال تعالى : وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى } ( الأنعام : 152 ) ~~وكما قال : { ولا يجرمنكم شنئان قوم على أن لا تعدلوا } ( المائدة : 8 ) ، ~~فيكون قوله : { بالقسط } ظرفا مستقرا في موضع الحال ، أو الباء للسببية ، ~~أي راعوا في إقامة التمحيص ما يقتضيه العدل ، فيكون قوله : { بالقسط } طرفا ~~لغوا متعلقا ، وقد كان المشركون يعهدون إلى التطفيف في الوزن كما جاء في ~~قوله تعالى : { ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا ~~كالوهم أو وزنوهم يخسرون } ( المطففين : 1 3 ) . فلما كان التطفيف سنة من ~~سنن المشركين تصدت للآية للتنبيه عليه ، ويجيء على الاعتبارين تفسير قوله : ~~{ ولا تخسروا الميزان } فإن حمل الميزان فيه على معنى العدل كان المعنى ~~النهي عن التهاون بالعدل لغفلة أو تسامح بعد أن نهى عن الطغيان فيه ، ويكون ~~إظهار لفظ الميزان في مقام ضميره تنبيها على شدة عناية الله بالعدل ، وإن ~~حمل فيه على آلة الوزن كان المعنى النهي عن غبن الناس في الوزن لهم كما قال ~~تعالى في سورة المطففين { وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون . # والإخسار : جعل الغير خاسرا والخسارة النقص . # فعلى حمل ms8157 الميزان على معنى العدل يكون الإخسار جعل صاحب الحق خاسرا ~~مغبونا ؛ ويكون الميزان } منصوبا على نزع الخافص ، وعلى حمل الميزان على ~~معنى آلة الوزن يكون الإخسار بمعنى النقص ، أي لا تجعلوا الميزان ناقصا كما ~~قال تعالى : { ولا تنقصوا المكيال والميزان } ( هود : 84 ) ، وقد علمت هذا ~~النظم البديع في الآية الصالح لهذه المحامل . PageV27P240 # ( 10 12 ) { لله } # عطف على { والسماء رفعها } ( الرحمن : 7 ) وهو مقابله في المزاوجة والوضع ~~يقابل الرفع ، فحصل محسن الطباق مرتين ، ومعنى { وضعها } خفضها لهم ، أي ~~جعلها تحت أقدامهم وجنوبهم لتمكينهم من الانتفاع بها بجميع ما لهم فيها من ~~منافع ومعالجات . # واللام في { للأنام } للأجل . والأنام : اختلفت أقوال أهلل اللغة ~~والتفسير فيه ، فلم يذكره الجوهري ولا الراغب في ( مفردات القرآن ) ولا ابن ~~الأثير في ( النهاية ) ولا أبو البقاء الكفوي في ( الكليات ) . وفسره ~~الزمخشري بقوله : ( الخلق وهو كل ما ظهر على وجه الأرض من دابة فيها روح ) ~~. وهذا مروي عن ابن عباس وجمعع من التابعين . وعن ابن عباس أيضا : أنه ~~الإنسان فقط . وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه . # وسياق الآية يرجح أن المراد به الإنسان ، لأنه في مقام الامتنان ~~والاعتناء بالبشر كقوله : { هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا } ( البقرة ~~: 29 ) . # والظاهر أنه اسم غير مشتق وفيه لغات : أنام كسحاب ، وآنام كساباط ، وأنيم ~~كأمير . # وجملة { فيها فاكهة } إلى آخرها مبينة لجملة { والأرض وضعها للأنام } ~~وتقديم { فيها } على المبتدأ للاهتمام بما تحتوي عليه الأرض . # ولما كان قوله : { وضعها للأنام } يتضمن وضعا وعلة لذلك الوضع كانت ~~الجملة المبينة له مشتملة على ما فيه العبرة والامتنان . # والفاكهة : اسم لما يؤكل تفكها لا قوتا مشتقة من فكه كفرح ، إذا طابت ~~نفسه بالحديث والضحك ، قال تعالى : { فظلتم تفكهون } ( الواقعة : 65 ) لأن ~~أكل ما يلذ للأكل وليس بضروري له إنما يكون في حال الانبساط . PageV27P241 # والفاكهة : مثل الثمار والنقول من لوز وجوز وفستق . # وعطف على الفاكهة النخل وهو شجر التمر ، وهو أهم شجر الفاكهة عند العرب ~~الذين نزل القرآن فيهم ، وهو يثمر أصنافا من ms8158 الفاكهة من رطب وبسر ومن تمر ~~وهو فاكهة وقوت . # ووصف النخل ب { ذات الأكمام } وصف للتحسين فهو اعتبار بأطوار ثمر النخل ، ~~وامتنان بجماله وحسنه كقوله تعالى : { ولكم فيها جمال حين تريحون وحين ~~تسرحون } ( النحل : 6 ) فامتن بمنافعها وبحسن منظرها . # و { الأكمام } : جمع كم بكسر الكاف وهو وعاء ثمر النخلة ويقال له : ~~الكفرى ، فليست الأكمام مما ينتفع به فتعين أن ذكرها مع النخل للتحسين . # و { والحب ذو العصف } : هو الحب الذي لنباته سنابل ولها ورق وقصب فيصير ~~تبنا ، وذلك الورق والقصب هو العصف ، أي الذي تعصفه الرياح وهذا وصف لحب ~~الشعير والحنطة وبهما قوام حياة معظم الناس وكذلك ما أشبههما من نحو السلت ~~والأرز . # وسمي العصف عصفا لأن الرياح تعصفه ، أي تحركه ووصف الحب بأنه { ذو العصف ~~} للتحسين وللتذكير بمنة جمال الزرع حين ظهوره في سنبله في حقوله نظير وصف ~~النخل بذات الأكمام ولأن في الموصوف ووصفه أقوات البشر وحيوانهم . # وقرأ الجمهور { والحب ذو العصف والريحان } برفع { الحب } ورفع { الريحان ~~} ورفع { ذو } ، وقرأه حمزة والكسائي وخلف برفع { الحب } و { ذو } وبجر { ~~الريحان } عطفا على { العصف } . وقرأه ابن عامر بنصب الأسماء الثلاثة ~~وعلامة نصب { ذا العصف } الألف . وكذلك كتب في مصحف الشام عطفا على { الأرض ~~} أو هو على الاختصاص . # و { الريحان } : ما له رائحة ذكية من الأزهار والحشائش وهو فعلان من ~~الرائحة ، وإنما سمي به ما له رائحة طيبة . وهذا اعتبار وامتنان بالنبات ~~المودعة فيه الأطياب مثل الورد والياسمين وما يسمى بالريحان الأخضر . ~~PageV27P242 # الفاء للتفريع على ما تقدم من المنن المدمجة مع دلائل صدق الرسول صلى ~~الله عليه وسلم وحقية وحي القرآن ، ودلائل عظمة الله تعالى وحكمته باستفهام ~~عن تعيين نعمة من نعم الله يتأتى لهم إنكارها ، وهو تذييل لما قبله . # و ( أي ) استفهام عن تعيين واحد من الجنس الذي تضاف إليه وهي هنا مستعملة ~~في التقرير بذكر ضد ما يقربه مثل قوله : { ألم نشرح لك صدرك } ( الشرح : 1 ~~) . وقد بينته عند قوله تعالى : { يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم ms8159 ~~في سورة الأنعام ، أي لا يستطيع أحد منكم أن يجحد نعم الله . # والآلاء : النعم جمع : إلي بكسر الهمزة وسكون اللام ، وألي بفتح الهمزة ~~وسكون اللام وياء في آخره ويقال ألو بواو عوض الياء وهو النعمة . # وضمير المثنى في ربكما تكذبان } خطاب لفريقين من المخاطبين بالقرآن . ~~والوجه عندي أنه خطاب للمؤمنين والكافرين الذين ينقسم إليهما جنس الإنسان ~~المذكور في قوله : { خلق الإنسان } ( الرحمن : 3 ) وهم المخاطبون بقوله : { ~~ألا تطغوا في الميزان } ( الرحمن : 8 ) الآية والمنقسم إليهما الأنام ~~المتقدم ذكره ، أي أن نعم الله على الناس لا يجحدها كافر بله المؤمن ، وكل ~~فريق يتوجه إليه الاستفهام بالمعنى الذي يناسب حاله . # والمقصود الأصلي : التعريض بالمشركين وتوبيخهم على أن أشركوا في العبادة ~~مع المنعم غير المنعم ، والشهادة عليهم بتوحيد المؤمنين ، والتكذيب مستعمل ~~في الجحود والإنكار . # وقيل التثنية جرت على طريقة في الكلام العربي أن يخاطبوا الواحد بصيغة ~~المثنى كقوله تعالى : { ألقيا في جهنم كل كفار عنيد } ( ق : 24 ) ذكر ذلك ~~الطبري والنسفي . # ويجوز أن تكون التثنية قائمة مقام تكرير اللفظ لتأكيد المعنى مثل : لبيك ~~وسعديك ، ومعنى هذا أن الخطاب لواحد وهو الإنسان . # وقال جمهور المفسرين : هو خطاب للإنس والجن ، وهذا بعيد لأن القرآن ~~PageV27P243 نزل لخطاب الناس ووعظهم ولم يأت لخطاب الجن ، فلا يتعرض القرآن ~~لخطابهم ، وما ورد في القرآن من وقوع اهتداء نفر من الجن بالقرآن في سورة ~~الأحقاف وفي سورة الجن يحمل على أن الله كلف الجن باتباع ما يتبين لهم في ~~إدراكهم ، وقد يكلف الله أصنافا بما هم أهل له دون غيرهم ، كما كلف أهل ~~العلم بالنظر في العقائد وكما كلفهم بالاجتهاد في الفروع ولم يكلف العامة ~~بذلك ، فما جاء في القرآن من ذكر الجن فهو في سياق الحكاية عن تصرفات الله ~~فيهم وليس لتوجيه العمل بالشريعة . # وأما ما رواه الترمذي عن جابر بن عبد الله الأنصاري ( أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم خرج على أصحابه فقرأ عليهم سورة الرحمن وهم ساكتون فقال لهم ( ~~لقد قرأتها على الجن ليلة الجن فكانوا أحسن ms8160 مردودا منكم ، كنت كلما أتيت ~~على قوله : { فبأي ألاء ربكما تكذبان } قالوا : لا بشيء من نعمك ربنا نكذب ~~فلك الحمد ) . قال الترمذي : هو حديث غريب وفي سنده زهير بن محمد وقد ضعفه ~~البخاري وأحمد بن حنبل . # وهذا الحديث لو صح فليس تفسيرا لضمير التثنية لأن الجن سمعوا ذلك بعد ~~نزوله فلا يقتضي أنهم المخاطبون به وإنما كانوا مقتدين بالذين خاطبهم الله ~~، وقيل الخطاب للذكور والإناث وهو بعيد . # والتكذيب مستعمل في معنى الجحد والإنكار مجازا لتشنيع هذا الجحد . # وتكذيب الآلاء كناية عن الإشراك بالله في الإلهية . والمعنى : فبأي نعمة ~~من نعم الله عليكم تنكرون أنها نعمة عليكم فأشركتم فيها غيره بله إنكار ~~جميع نعمه إذ تعبدون غيره دواما . # ( 14 ، 15 ) # هذا انتقال إلى الاعتبار بخلق الله الإنسان وخلقه الجن . # والقول في مجيء المسند فعلا كالقول في قوله : { علم القرآن } ( الرحمن : ~~2 ) . PageV27P244 # والمراد بالإنسان آدم وهو أصل الجنس وقوله : { من صلصال } تقدم نظيره في ~~سورة الحجر . # والصلصال : الطين اليابس . # والفخار : الطين المطبوخ بالنار ويسمى الخزف . وظاهر كلام المفسرين أن ~~قوله : { كالفخار } صفة ل { صلصال } . وصرح بذلك الكواشي في ( تلخيص ~~التبصرة ) ولم يعرجوا على فائدة هذا الوصف . والذي يظهر لي أن يكون كالفخار ~~حالا من { الإنسان } ، أي خلقه من صلصال فصار الإنسان كالفخار في صورة خاصة ~~وصلابة . # والمعنى أنه صلصال يابس يشبه يبس الطين المطبوخ والمشبه غير المشبه به ، ~~وقد عبر عنه بالحمأ المسنون ، والطين اللازب ، والتراب . # و { الجان } : الجن والمراد به إبليس وما خرج عنه من الشياطين ، وقد حكى ~~الله عنه قوله : { خلقتني من نار وخلقته من طين } ( ص : 76 ) . # والمارج : هو المختلط وهو اسم فاعل بمعنى اسم المفعول مثل دافق ، وعيشة ~~راضية ، أي خلق الجان من خليط من النار ، أي مختلط بعناصر أخرى إلا أن ~~الناس أغلب عليه كما كان التراب أغلب على تكوين الإنسان مع ما فيه من عنصر ~~النار وهو الحرارة الغريزية والمقصود هنا هو خلق الإنسان بقرينة تذييله ~~بقوله : { فبأي ألاء ربكما تكذبان } ( الرحمن : 16 ) وإنما قرن بخلق ms8161 الجان ~~إظهارا لكمال النعمة في خلق الإنسان من مادة لينة قابلا للتهذيب والكمال ~~وصدور الرفق بالموجودات التي معه على وجه الأرض . # وهو أيضا تذكير وموعظة بمظهر من مظاهر قدرة الله وحكمته في خلق نوع ~~الإنسان وجنس الجان . # وفيه إيماء إلى ما سبق في القرآن النازل قبل هذه السورة من تفضيل الإنسان ~~على الجان إذ أمر الله الجان بالسجود للإنسان ، وما ينطوي في ذلك من وفرة ~~مصالح الإنسان على مصالح الجان ، ومن تأهله لعمران العالم لكونه مخلوقا من ~~طينته إذ الفضيلة تحصل من مجموع أوصاف لا من خصوصيات مفردة . PageV27P245 # هذا توبيخ على عدم الاعتراف بنعم الله تعالى ، جيء فيه بمثل ما جيء به في ~~نظيره الذي سبقه ليكون التوبيخ بكلام مثلل سابقه ، وذلك تكرير من أسلوب ~~التوبيخ ونحوه أن يكون بمثل الكلام السابق ، فحق هذا أن يسمى بالتعداد لا ~~بالتكرار ، لأنه ليس تكريرا لمجرد التأكيد ، فالفاء من قوله : { فبأي ألاء ~~ربكما } هنا تفريع على قوله : { رب المشرقين ورب المغربين } ( الرحمن : 17 ~~) لأن ربوبيته تقتضي الاعتراف له بنعمة الإيجاد والإمداد وتحصل من تماثل ~~الجمل المكررة فائدة التأكيد والتقرير أيضا فيكون للتكرير غرضان كما قدمناه ~~في الكلام على أول السورة . # وفائدة التكرير توكيد التقرير بما لله تعالى من نعم على المخاطبين وتعريض ~~بتوبيخهم على إشراكهم بالله أصناما لا نعمة لها على أحد ، وكلها دلائل على ~~تفرد الإلهية . وعن ابن قتيبة ( أن الله عدد في هذه السورة نعماء ، وذكر ~~خلقه آلاءه ثم أتبع كل خلة وصفها ، ونعمة وضعها بهذه ، وجعلها فاصلة بين كل ~~نعمتين لينبههم على النعم ويقررهم بها ) اه . وقال الحسين بن الفضل : ~~التكرير طرد للغفلة وتأكيد للحجة . # وقال الشريف المرتضى في مجالسه وأماله المسمى ( الدرر والغرر ) : وهذا ~~كثير في كلام العرب وأشعارهم ، قال مهلهل بن ربيعة يرثي أخاه كليبا : # على أن ليس عدلا من كليب # إذا طرد اليتيم عن الجزور # وذكر المصراع الأول ثماني مرات في أوائل أبيات متتابعة . وقال الحارث بن ~~عياد : # قربا مربط النعامة مني # لقحت حرب وائل عن حبال ms8162 # ثم كرر قوله : قربا مربط النعامة مني ، في أبيات كثيرة من القصيد . ~~PageV27P246 # وهكذا القول في نظائر قوله : { فبأي ألاء ربكما تكذبان } المذكور هنا إلى ~~ما في آخر السورة . # استنئاف ابتدائي فيه بيان لجملة { الشمس والقمر بحسبان } ( الرحمن : 5 ) ~~وعطف { ورب المغربين } لأجل ما ذكرته آنفا من مراعاة المزاوجة . # وحذف المسند إليه على الطريقة التي سماها السكاكي باتباع الاستعمال ~~الوارد على تركه أو ترك نظائره وتقدم غير مرة . # والمشرق : جهة شروق الشمس ، والمغرب : جهة غروبها . وتثنية المشرقين ~~والمغربين باعتبار أن الشمس تطلع في فصلي الشتاء والربيع من سمت وفي فصلي ~~الصيف والخريف من سمت آخر وبمراعاة وقت الطول ووقت القصر وكذلك غروبها وهي ~~فيما بين هذين المشرقين والمغربين ينتقل طلوعها وغروبها في درجات متقاربة ~~فقد يعتبر ذلك فيقال : المشارق والمغارب كما في قوله تعالى : { فلا أقسم ~~برب المشارق والمغارب إنا لقادرون في سورة المعارج . # ومن زعم أن تثنية المشرقين لمراعاة مشرق الشمس والقمر وكذلك تثنية ~~المغربين لم يغص على معنى كبير . # وعلى ما فسر به الجمهور المشرقين } و { المغربين } بمشرقي الشمس ومغربيها ~~فالمراد ب { المشرقين } النصف الشرقي من الأرض ، وب { المغربين } النصف ~~الغربي منها . # وربوبية الله تعالى للمشرقين والمغربين بمعنى الخلق والتصرف . # تكرير كما علمت آنفا . PageV27P247 # ( 19 ، 20 ) # خبر آخر عن { الرحمن } ( الرحمن : 1 ) قصد منه العبرة بخلق البحار ~~والأنهار ، وذلك خلق عجيب دال على عظمة قدرة الله وعلمه وحكمته . # ومناسبة ذكره عقب ما قبله أنه لما ذكر أنه سبحانه رب المشرقين ورب ~~المغربين وكانت الأبحر والأنهار في جهات الأرض ناسب الانتقال إلى الاعتبار ~~بخلقهما والامتنان بما أودعهما من منافع الناس . # والمرج : له معان كثيرة ، وأولاها في هذا الكلام إنه الإرسال من قولهم : ~~( مرج الدابة ) إذا أرسلها ترعى في المرج ، وهو الأرض الواسعة ذات الكلأ ~~الذي لا مالك له ، أي : تركها تذهب حيث تشاء . # والمعنى : أرسل البحرين لا يحبس ماءهما عن الجري حاجز . وهذا تهيئة لقوله ~~بعد { يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان } . # والمراد : أنه خلقهما ومرجهما ، لأنه ما مرجهما إلا عقب ms8163 أن خلقهما . # ويلتقيان : يتصلان بحيث يصب أحدهما في الآخر . # والبحر : الماء الغامر جزءا عظيما من الأرض يطلق على المالح والعذب . # والمراد تثنية نوعي البحر وهما البحر الملح والبحر العذب . كما في قوله ~~تعالى : { وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج } ( ~~فاطر : 12 ) والتعريف تعريف العهد الجنسي . # فالمقصود ما يعرفه العرب من هذين النوعين وهما نهر الفرات وبحر العجم ~~المسمى اليوم بالخليج الفارسي . والتقاؤهما انصباب ماء الفرات في الخليج ~~الفارسي . في شاطىء البصرة ، والبلاد التي على الشاطىء العربي من الخليج ~~الفارسي تعرف عند العرب ببلاد البحرين لذلك . # والمراد بالبرزخ الذي بينهما : الفاصل بين الماءين الحلو والملح بحيث لا ~~يغير أحد البحرين طعم الآخر بجواره . وذلك بما في كل ماء منهما من خصائص ~~تدفع PageV27P248 عنه اختلاط الآخر به . وهذا من مسائل الثقل النوعي . وذكر ~~البرزخ تشبيه بليغ ، أي بينهما مثل البرزخ وهو معنى { لا يبغيان } ، أي لا ~~يبغي أحدهما على الآخر ، أي لا يغلب عليه فيفسد طعمه فاستعير لهذه الغلبة ~~لفظ البغي الذي حقيقته الاعتداء والتظلم . # ويجوز أن تكون التثنية تثنية بحرين ملحين معينين ، والتعريف حينئذ تعريف ~~العهد الحضوري ، فالمراد : بحران معروفان للعرب . فالأظهر أن المراد : ~~البحر الأحمر الذي عليه شطوط تهامة مثل : جدة وينبع النخل ، وبحر عمان وهو ~~بحر العرب الذي عليه حضرموت وعدن من بلاد اليمن . # والبرزخ : الحاجز الفاصل ، والبرزخ الذي بين هذين البحرين هو مضيق باب ~~المندب حيث يقع مرسى عدن ومرسى زيلع . # ولما كان في خلق البحرين نعم على الناس عظيمة منها معروفة عند جميعهم ~~فإنهم يسيرون فيهما كما قال تعالى : { وترى الفلك مواخر فيه } ( النحل : 14 ~~) وقال : { هو الذي يسيركم في البر والبحر } ( يونس : 22 ) واستخراج سمكه ~~والتطهر بمائه . ومنها معروفة عند العلماء وهي ما لأملاحح البحر من تأثير ~~في تنقية هواء الأرض واستجلاب الأمطار وتلقي الأجرام التي تنزل من الشهب ~~وغير ذلك . # وجملة { يلتقيان } وجملة { بينهما برزخ } حالان من { البحرين } . # وجملة { لا يبغيان } مبينة لجملة { بينهما برزخ } . # تكرير كما علمته مما تقدم ms8164 ، ووقع هنا اعتراضا بين أحوال البحرين . # حال ثالثة . ثم إن كان المراد بالبحرين : بحرين معروفين من البحار الملحة ~~تكون ( من ) في قوله : { منهما } ابتدائية لأن اللؤلؤ والمرجان يكونان في ~~البحر الملح . PageV27P249 # وإن كان المراد بالبحرين : البحر الملح ، والبحر العذب كانت ( من ) في ~~قوله : { منهما } للسببية كما في قوله تعالى : { فمن نفسك في سورة النساء ، ~~أي يخرج اللؤلؤ والمرجان بسببهما ، أي بسبب مجموعهما . أما اللؤلؤ فأجوده ~~ما كان في مصب الفرات على خليج فارس ، قال الرماني : لما كان الماء العذب ~~كاللقاح للماء الملح في إخراج اللؤلؤ ، قيل : يخرج منهما كما يقال : يتخلق ~~الولد من الذكر والأنثى ، وقد تقدم بيان تكون اللؤلؤ في البحار في سورة ~~الحج . # وقال الزجاج : قد ذكرهما الله فإذا خرج من أحدهما شيء فقد خرج منهما وهو ~~كقوله تعالى : ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا وجعل القمر فيهن ~~نورا } ( نوح : 15 ، 16 ) ، والقمر في السماء الدنيا . وقال أبو علي ~~الفارسي : هو من باب حذف المضاف ، أي من أحدهما كقوله تعالى : { على رجل من ~~القريتين عظيم } ( الزخرف : 31 ) أي من إحداهما . # و { المرجان } : حيوان بحري ذو أصابع دقيقة ينشأ لينا ثم يتحجر ويتلون ~~بلون الحمرة ويتصلب كلما طال مكثه في البحر فيستخرج منه كالعروق تتخذ منه ~~حلية ويسمى بالفارسية ( بسذ ) . وقد تتفاوت البحار في الجيد من مرجانها . ~~ويوجد ببحر طبرقة على البحر المتوسط في شمال البلاد التونسية . # و { المرجان } : لا يخرج من ملتقى البحرين الملح والعذب بل من البحر ~~الملح . # وقيل : المرجان اسم لصغار الدر ، واللؤلؤ كباره فلا إشكال في قوله منهما ~~. # وقرأ نافع وأبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب { يخرج } بضم الياء وفتح الراء على ~~البناء للمجهول . وقرأ الباقون { يخرج بفتح الياء وضم الراء لأنهما إذا ~~أخرجهما الغواصون فقد خرجا . # وبين قوله : مرج } ( الرحمن : 19 ) وقوله : { والمرجان } الجناس المذيل . # . # تكرير لنظيره المتقدم أولا . PageV27P250 # الجملة عطف على جملة { يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان } ( الرحمن : 22 ) لأن ~~هذا من أحوال البحرين وقد أغنت إعادة لفظ البحر عن ذكر ضمير البحرين ms8165 الرابط ~~لجملة الحال بصاحبها . # واللام للملك وهو ملك تسخير السير فيها ، قال تعالى : { ومن آياته الجوار ~~في البحر كالأعلام إن يشأ يسكن الرياح فيظللن رواكد على ظهره إن في ذلك ~~لآيات لكل صبار شكور أو يوبقهن بما كسبوا } ( الشورى : 32 34 ) . فالمعنى : ~~أن الجواري في البحر في تصرفه تعالى ، قال تعالى : { والفلك تجري في البحر ~~بأمره } ( الحج : 65 ) . # والإخبار عن الجواري بأنها له للتنبيه على أن إنشاء البحر للسفن لا ~~يخرجها عن ملك الله . # والجوار صفة لموصوف محذوف دل عليه متعلقه وهو قوله : { في البحر } . ~~والتقدير : السفن الجواري إذ لا يجري في البحر غير السفن . # وكتب في المصحف الإمام { الجوار } براء في آخره دون ياء وقياس رسمه أن ~~يكون بياء في آخره ، فكتب بدون ياء اعتدادا بحالة النطق به في الوصل إذ لا ~~يقف القارىء عليه ولذلك قرأه جميع العشرة بدون ياء في حالة الوصل والوقف ~~لأن الوقف عليه نادر في حال قراءة القارئين . # وقرأ الجمهور { المنشئات } بفتح الشين ، فهو اسم مفعول ، إذا أوجد وصنع ، ~~أي التي أنشأها الناس بإلهام من الله فحصل من الكلام منتان منة تسخير السفن ~~للسير في البحر ومنة إلهام الناس لإنشائها . # وقرأه حمزة وأبو بكر عن عاصم بكسر الشين فهو اسم فاعل . # فيجوز أن يكون المنشئات مشتقا من أنشأ السير إذا أسرع ، أي التي يسير بها ~~الناس سيرا سريعا . قال مجاهد : المنشئات التي رفعت قلوعها . والآية تحتمل ~~المعنيين على القراءتين باستعمال الاشتقاق في معنيي المشتق منه ويكون في ~~ذلك PageV27P251 تذكيرا بنعمة إلهام الناس إلى اختراع الشراع لإسراع سير ~~السفن وهي مما اخترع بعد صنع سفينة نوح . # ووصفت الجواري بأنها كالأعلام ، أي الجبال وصفا يفيد تعظيم شأنها في ~~صنعها المقتضي بداعة إلهام عقول البشر لصنعها ، والمقتضى عظم المنة بها لأن ~~السفن العظيمة أمكن لحمل العدد الكثير من الناس والمتاع . # تكرير لنظيره السابق . # ( 26 ، 27 ) # لما كان قوله : { وله الجوار المنشئات في البحر كالأعلام } ( الرحمن : 24 ~~) مؤذنا بنعمة إيجاد أسباب النجاة من الهلاك وأسباب السعي لتحصيل ما ms8166 به ~~إقامة العيش إذ يسر للناس السفن عونا للناس على الأسفار وقضاء الأوطار مع ~~السلامة من طغيان ماء البحار ، وكان وصف السفن بأنها كالأعلام توسعة في هذه ~~النعمة أتبعه بالموعظة بأن هذا لا يحول بين الناس وبين ما قدره الله لهم من ~~الفناء ، على عادة القرآن في الفرص للموعظة والتذكير كقوله : { أينما ~~تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة } ( النساء : 78 ) . وفائدة ~~هذا أن لا ينسوا الاستعداد للحياة الباقية بفعل الصالحات ، وأن يتفكروا في ~~عظيم قدرة الله تعالى ويقبلوا على توحيده وطلب مرضاته . # ووقوع هذه الجملة عقب ما عدد من النعم فيه إيماء إلى أن مصير نعم الدنيا ~~إلى الفناء . # والجملة استئناف ابتدائي . # وضمير { عليها } مراد به الأرض بقرينة المقام مثل { حتى توارت بالحجاب } ~~( ص : 32 ) ، أي الشمس ومثله في القرآن وكثير وفي كلام البلغاء . ~~PageV27P252 # ومعنى { فان } : أنه صائر إلى الفناء ، فهذا من استعمال اسم الفاعل لزمان ~~الاستقبال بالقرينة مثل { إنك ميت وإنهم ميتون } ( الزمر : 30 ) . # والمراد ب { من عليها } : الناس لأنهم المقصود بهذه العبر ، ولذلك جيء ب ~~( من ) الموصولة الخاصة بالعقلاء . # والمعنى : أن مصير جميع من على الأرض إلى الفناء ، وهذا تذكير بالموت وما ~~بعده من الجزاء . # و { وجه ربك } : ذاته ، فذكر الوجه هنا جار على عرف كلام العرب . قال في ~~( الكشاف ) : والوجه يعبر به عن الجملة والذات ا ه . # وقد أضيف إلى اسمه تعالى لفظ الوجه بمعان مختلفة منها ما هنا ومنها قوله ~~: { فأينما تولوا فثم وجه الله } ( البقرة : 115 ) وقوله : { إنما نطعمكم ~~لوجه الله } ( الإنسان : 9 ) . # وقد علم السامعون أن الله تعالى يستحيل أن يكون له وجه بالمعنى الحقيقي ~~وهو الجزء الذي في الرأس . # واصطلح علماء العقائد على تسمية مثل هذا بالمتشابه وكان السلف يحجمون عن ~~الخوض في ذلك مع اليقين باستحالة ظاهره على الله تعالى ، ثم تناوله علماء ~~التابعين ومن بعدهم بالتأويل تدريجا إلى أن اتضح وجه التأويل بالجري على ~~قواعد علم المعاني فزال الخفاء ، واندفع الجفاء ، وكلا الفريقين خيرة ~~الحنفاء . # وضمير المخاطب في قوله ms8167 : { وجه ربك } خطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم ~~وفيه تعظيم لقدر النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم غير مرة . # والمقصود تبليغه إلى الذين يتلى عليهم القرآن ليذكروا ويعتبروا . ويجوز ~~أن يكون خطابا لغير معين ليعم كل مخاطب . # ولما كان الوجه هنا بمعنى الذات وصف ب { ذو الجلال } ، أي العظمة و { ~~الإكرام } ، أي المنعم على عباده وإلا فإن الوجه الحقيقي لا يضاف للإكرام ~~في عرف اللغة ، وإنما يضاف للإكرام اليد ، أي فهو لا يفقد عبيده جلاله ~~PageV27P253 وإكرامه ، وقد دخل في الجلال جميع الصفات الراجعة إلى التنزيه ~~عن النقص وفي الإكرام جميع صفات الكمال الوجودية وصفات الجمال كالإحسان . # وتفريع { فبأي آلاء ربكما تكذبان } إنما هو تفريع على جملة { ويبقى وجه ~~ربك ذو الجلال والإكرام } كما علمت من أنه يتضمن معاملة خلقه معاملة العظيم ~~الذي لا تصدر عنه السفاسف ، الكريم الذي لا يقطع إنعامه ، وذلك من الآلاء ~~العظيمة . # تكرير كما تقدم وهذا الموقع ينادي على أن ليست هذه الجملة تذييلا لجملة { ~~كل من عليها فان } ( الرحمن : 26 ) ، ولا أن جملة { كل من عليها فان } ~~تتضمن نعمة إذ ليس في الفناء نعمة . # . # استئناف ، والمعنى أن الناس تنقرض منهم أجيال وتبقى أجيال وكل باقق محتاج ~~إلى أسباب بقائه وصلاح أحواله فهم في حاجة إلى الذي لا يفنى وهو غير محتاج ~~إليهم . ولما أفضى الإخبار إلى حاجة الناس إليه تعالى أتبع بأن الاحتياج ~~عام أهل الأرض وأهل السماء . فالجميع يسألونه ، فسؤال أهل السماوات وهم ~~الملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ويسألون رضى الله تعالى ~~، ومن في الأرض وهم البشر يسألونه نعم الحياة والنجاة في الآخرة ورفع ~~الدرجات في الآخرة . وحذف مفعول { يسئله } لإفادة التعميم ، أي يسألونه ~~حوائجهم ومهامهم من طلوع الشمس إلى غروبها . # . # يجوز أن تكون الجملة حالا من ضمير النصب في { يسئله } أو تذييلا لجملة { ~~يسئله من في السماوات والأرض } ، أي كل يوم هو في شأن من الشؤون ~~PageV27P254 للسائلين وغيرهم فهو تعالى يبرم شؤونا مختلفة من أحوال ~~الموجودات دواما ، ويكون { كل يوم ms8168 } ظرفا متعلقا بالاستقرار في قوله : { هو ~~في شأن } ، وقدم على ما فيه متعلقه للاهتمام بإفادة تكرر ذلك ودوامه . ~~والمعنى : في شأن من شؤون من في السماوات والأرض من استجابة سؤلل ، ومن ~~زيادة ، ومن حرمان ، ومن تأخير الاستجابة ، ومن تعويض عن المسؤول بثواب ، ~~كما ورد في أحاديث الدعاء أن استجابته تكون مختلفة ، وتقدم عند قوله تعالى ~~: { وقال ربكم ادعوني أستجب لكم } ( غافر : 60 ) . # ومعنى { في } على هذا التفسير تقوية ثبوت الشؤون لله تعالى وهي شؤون ~~تصرفه ومظاهر قدرته ، كما قال الحسين بن الفضل النيسابوري : ( شؤون يبديها ~~لا شؤون يبتديها ) . # و { يوم } مستعمل مجازا في الوقت بعلاقة الإطلاق ، إذ المعنى : كل وقت من ~~الأوقات ولو لحظة ، وليس المراد باليوم الوقت الخاص الذي يمتد من الفجر إلى ~~الغروب . # وإطلاق اليوم ونحوه على مطلق الزمان كثير في كلام العرب كقولهم : الدهر ~~يومان يوم نعم ويوم بؤس ، وقال عمرو بن كلثوم : # وإن غدا وإن اليوم رهن # وبعد غد لما لا تعلمين # أراد الزمان المستقبل والحاضر والمستقبل البعيد وإلا فأي فرق بين غد وبعد ~~غد . # والشأن : الشيء العظيم والحدث المهم من مخلوقات وأعمال من السماوات ~~والأرض ، وفي الحديث ( أنه تعالى كل يوم يغفر ذنبا ويفرج كربا ويرفع أقواما ~~ويضع آخرين ) ، وهو تعالى يأمر وينهي ويحيي ويميت ويعطي ويمنع ونحو ذلك ~~وإذا كان في تصرفه كل شأن فما هو أقل من الشأن أولى بكونه من تصرفه . # والظرفية المستعملة فيها حرف { في } ظرفية مجازية مستعارة لشدة التلبس ~~PageV27P255 والتعلق بتصرفات الله تعالى بمنزلة إحاطة الظرف بالمظروف أو ~~بأسئلة المخلوقات الذين في السماء والأرض . # والمعنى : أنه تعالى كل يوم تتعلق قدرته بأمور يبرزها ويتعلق أمره ~~التكويني بأمور من إيجاد وإعدامم . # ومن أحاسن الكلم في تفسير هذه الآية قول الحسين بن الفضل لما سأله عبد ~~الله بن طاهر قائلا : قد أشكل علي قوله هذا : وقد صح أن القلم جف بما هو ~~كائن إلى يوم القيامة . فقال : ( إنها شؤون يبديها لا شؤون يبتديها ) وقد ~~أجمل الحسين بن الفضل الجواب بما يقنع أمثال ms8169 عبد الله بن طاهر ، وإن كان ~~الإشكال غير وارد إذ ليس في الآية أن الشؤون تخالف ما سطره قلم العلم ~~الإلهي ، على أن هذا الجواب لا يجري إلا على أحد الوجوه في تفسير قوله : { ~~كل يوم هو في شأن } كما علمت آنفا . # تكرير لنظائره . # هذا تخلص من الاعتبار بأحوال الحياة العاجلة إلى التذكير بأحوال الآخرة ~~والجزاء فيها انتقل إليه بمناسبة اشتمال ما سبق من دلائل سعة قدرة الله ~~تعالى ، على تعريض بأن فاعل ذلك أهل للتوحيد بالإلهية ، ومستحق الإفراد ~~بالعبادة ، وإذ قد كان المخاطبون بذلك مشركين مع الله في العبادة انتقل إلى ~~تهديدهم بأنهم وأولياءهم من الجن المسولين لهم عبادة الأصنام سيعرضون على ~~حكم الله فيهم . PageV27P256 # وحرف التنفيس مستعمل في مطلق التقريب المكنى به عن التحقيق ، كما تقدم في ~~قوله تعالى : { قال سوف أستغفر لكم ربي في سورة يوسف . # والفراغ للشيء : الخلو عما يشغل عنه ، وهو تمثيل للاعتناء بالشيء ، شبه ~~حال المقبل على عمل دون عملل آخر بحال الوعاء الذي أفرغ مما فيه ليملأ بشيء ~~آخر . # وهذا التمثيل صالح للاستعمال في الاعتناء كما في قول أبي بكر الصديق ~~لابنه عبد الرحمن افرغ إلى أضيافك ( أي تخل عن كل شغل لتشتغل بأضيافك ~~وتتوفر على قراهم ) وصالح للاستعمال في الوعيد ، كقول جرير : # ألان وقد فرغت إلى نمير # فهذا حين كنت لها عذابا # والمناسب لسياق الآية باعتبار السابق واللاحق ، أن تحمل على معنى الإقبال ~~على أمور الثقلين في الآخرة ، لأن بعده يعرف المجرمون بسيماهم } ( الرحمن : ~~41 ) ، وهذا لكفار الثقلين وهم الأكثر في حين نزول هذه الآية . # و { الثقلان } : تثنية ثقل ، وهذا المثنى اسم مفرد لمجموع الإنس والجن . # وأحسب أن الثقل هو الإنسان لأنه محمول على الأرض ، فهو كالثقل على الدابة ~~، وأن إطلاق هذا المثنى على الإنس والجن من باب التغليب ، وقيل غير هذا مما ~~لا يرتضيه المتأمل . وقد عد هذا اللفظ بهذا المعنى مما يستعمل إلا بصيغة ~~التثنية فلا يطلق على نوع الإنسان بانفراده اسم الثقل ولذلك فهو مثنى اللفظ ~~مفرد الإطلاق . وأظن ms8170 أن هذا اللفظ لم يطلق على مجموع النوعين قبل القرآن ~~فهو من أعلام الأجناس بالغلبة ، ثم استعمله أهل الإسلام ، قال ذو الرمة : # ومية أحسن الثقلين وجها # وسالفة وأحسنه قذالا # أراد وأحسن الثقلين ، وجعل الضمير له مفردا . وقد أخطأ في استعماله إذ لا ~~علاقة للجن في شيء من غرضه . # وقرأ الجمهور { سنفرغ } بالنون . وقرأه حمزة والكسائي بالياء المفتوحة ~~على أن الضمير عائد إلى الله تعالى على طريقة الالتفات . PageV27P257 # وكتب { أيه } في المصحف بهاء ليس بعدها ألف وهو رسم مراعى فيه حال النطق ~~بالكلمة في الوصل إذ لا يوقف على مثله ، فقرأها الجمهور بفتحة على الهاء ~~دون ألف في حالتي الوصل والوقف . وقرأها أبو عمرو والكسائي بألف بعد الهاء ~~في الوقف . وقرأه ابن عامر بضم الهاء تبعا لضم الياء التي قبلها وهذا من ~~الإتباع . # تكرير لنظائره وليس هو خطابا للثقلين ولا تذييلا للجملة التي قبله إذ ليس ~~في الجملة التي قبله ذكر نعمة على الثقلين بل هي تهديد لهما . # هذا مقول قول محذوف يدل عليه سياق الكلام السابقق واللاحق ، وليس خطابا ~~للإنس والجن في الحياة الدنيا . والتقدير : فنقول لكم كما في قوله تعالى : ~~{ ويوم نحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس } ( الأنعام : 128 ~~) الآية ، أي فنقول : يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس ، وتقدم في سورة ~~الأنعام . # والمعشر : اسم للجمع الكثير الذي يعد عشرة عشرة دون آحاد . # وهذا إعلان لهم بأنهم في قبضة الله تعالى لا يجدون منجى منها ، وهو ترويع ~~للضالين والمضلين من الجن والإنس بما يترقبهم من الجزاء السيء لأن مثل هذا ~~لا يقال لجمع مختلط إلا والمقصود أهل الجناية منهم فقوله : { يا معشر الجن ~~والإنس } عام مراد به الخصوص بقرينة قوله بعده { يرسل عليكما شواظ } ( ~~الرحمن : 35 ) الخ . # والنفوذ والنفاذ : جواز شيء عن شيء وخروجه منه . والشرط مستعمل في ~~التعجيز ، وكذلك الأمر الذي هو جواب هذا الشرط من قوله : { فانفذوا } ، أي ~~وأنتم لا تستطيعون الهروب . PageV27P258 # والمعنى : إن قدرتم على الانفلات من هذا الموقف فافلتوا . وهذا مؤذن ~~بالتعريض ms8171 بالتخويف مما سيظهر في ذلك الموقف من العقاب لأهل التضليل . # والأقطار : جمع قطر بضم القاف وسكون الطاء وهو الناحية الواسعة من المكان ~~الأوسع ، وتقدم في قوله تعالى : { ولو دخلت عليهم من أقطارها في سورة ~~الأحزاب . # وذكر السماوات والأرض لتحقيق إحاطة الجهات كلها تحقيقا للتعجيز ، أي فهذه ~~السماوات والأرض أمامكم فإن استطعتم فاخرجوا من جهة منها فرارا من موقفكم ~~هذا ، وذلك أن تعدد الأمكنة يسهل الهروب من إحدى جهاتها . # والأرض المذكورة هنا إما أن تكون الأرض التي في الدنيا وذلك حين البعث ، ~~وإما أن تكون أرض الحشر وهي التي سماها القرآن الساهرة في سورة النازعات ، ~~وقال تعالى : يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات } ( إبراهيم : 48 ) ، ~~وإما أن يكون ذلك جاريا مجرى المثل المستعمل للمبالغة في إحاطة الجهات كقول ~~أبي بكر الصديق : ( أي أرض تقلني ، وأي سماء تظلني ) . # وهذه المعاني لا تتنافى ، وهي من حد إعجاز القرآن . # وجملة { لا تنفذون إلا بسلطان } بيان للتعجيز الذي في الجملة قبله فإن ~~السلطان : القدرة ، أي لا تنفذون من هذا المأزق إلا بقدرة عظيمة تفوق قدرة ~~الله الذي حشركم لهذا الموقف ، وأنى لكم هاته القوة . # وهذا على طريق قوله : { وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم وما ~~يستطيعون } ( الشعراء : 210 ، 211 ) ، أي ما صعدوا إلى السماء فيتنزلوا به ~~. # القول فيه كالقول في نظيره المذكور قبله . PageV27P259 # استئناف بياني عن جملة { إن استطعتم أن تنفذوا } ( الرحمن : 33 ) الخ لأن ~~ذلك الإشعار بالتهديد يثير في نفوسهم تساؤلا عما وراءه . # وضمير { عليكما } راجع إلى الجن والإنس فهو عام مراد به الخصوص بالقرينة ~~، وهي قوله بعده : { ولمن خاف مقام ربه جنتان } ( الرحمن : 46 ) الآيات . ~~وهذا تصريح بأنهم معاقبون بعد أن عرض لهم بذلك تعريضا بقوله : { إن استطعتم ~~أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا } ( الرحمن : 33 ) . # ومعنى { يرسل عليكما } أن ذلك يعترضهم قبل أن يلجوا في جهنم ، أي تقذفون ~~بشواظ من نار تعجيلا للسوء . والمضارع للحال ، أي ويرسل عليكما الآن شواظ . # والشواظ بضم الشين وكسرها : اللهب الذي لا يخالطه دخان لأنه ms8172 قد كمل ~~اشتعاله وذلك أشد إحراقا . وقرأه الجمهور بضم الشين . وقرأه ابن كثير ~~بكسرها . # والنحاس : يطلق على الدخان الذي لا لهب معه . وبه فسر ابن عباس وسعيد بن ~~جبير وتبعهما الخليل . # والمعنى عليه : أن الدخان الذي لم تلحقهم مضرته والاختناق به بسبب شدة ~~لهب الشواظ يضاف إلى ذلك الشواظ على حياله فلا يفلتون من الأمرينن . # ويطلق النحاس على الصفر وهو القطر . وبه فسر مجاهد وقتادة ، وروي عن ابن ~~عباس أيضا . فالمعنى : أنه يصب عليهم الصفر المذاب . # وقرأ الجمهور { ونحاس } بالرفع عطفا على { شواظ } . وقرأه ابن كثير وأبو ~~عمرو وروح عن يعقوب مجرورا عطفا على { نار } فيكون الشواظ منه أيضا ، أي ~~شواظ لهب من نار ، ولهب من نحاس ملتهب . وهذه نار خارقة للعادة مثل قوله ~~تعالى : { وقودها الناس والحجارة } ( البقرة : 24 ) . PageV27P260 # ومعنى { فلا تنتصران } : فلا تجدان مخلصا من ذلك ولا تجدان ناصرا . # والناصر : هنا مراد منه حقيقته ومجازه ، أي لا تجدان من يدفع عنكما ذلك ~~ولا ملجأ تتقيان به . # تكرير كالقول في الذي وقع قبله قريبا . # ( 37 40 ) # تفريع إخبار على إخبار فرع على بعض الخبر المجمل في قوله : { سنفرغ لكم ~~أيها الثقلان } ( الرحمن : 31 ) إلى آخره ، تفصيل لذلك الإجمال بتعيين وقته ~~وشيء من أهوال ما يقع فيه للمجرمين وبشائر ما يعطاه المتقون من النعيم ~~والحبور . # وقوله : { فكانت وردة } تشبيه بليغ ، أي كانت كوردة . # والوردة : واحدة الورد ، وهو زهر أحمر من شجرة دقيقة ذات أغصان شائكة ~~تظهر في فصل الربيع وهو مشهور . ووجه الشبه قيل هو شدة الحمرة ، أي يتغير ~~لون السماء المعروف أنه أزرق إلى البياض ، فيصير لونها أحمر قال تعالى : { ~~يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات } ( إبراهيم : 48 ) . ويجوز عندي : أن ~~يكون وجه الشبه كثرة الشقوق كأوراق الوردة . # والدهان ، بكسر الدال : دردي الزيت . وهذا تشبيه ثان للسماء في التموج ~~والاضطراب . # وجملة { فبأي ألاء ربكما تكذبان } معترضة بين جملة الشرط وجملة الجواب ~~وقد مثل بها في ( مغني اللبيب ) للاعتراض بين الشرط وجوابه ، وعين كونها ~~معترضة لا PageV27P261 حالية ، وهذه الجملة معترضة ms8173 تكرير للتقرير والتوبيخ ~~كما هو بين ، وانشقاق السماء من أحوال الحشر ، أي فإذا قامت القيامة وانشقت ~~السماء . كما قال تعالى : { فيومئذ وقعت الواقعة وانشقت السماء } ( الحاقة ~~: 15 ، 16 ) أن قوله : { يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية } ( الحاقة : 18 ~~) . وهذا هو الانشقاق المذكور في قوله : { ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل ~~الملائكة تنزيلا الملك يومئذ الحق للرحمان في سورة الفرقان ( 25 ، 26 ) . # وجملة فيومئذ لا يسأل عن ذنبه } الخ جواب شرط ( إذا ) . واقترن بالفاء ~~لأنها صدرت باسم زمان وهو { يومئذ } وذلك لا يصلح لدخول ( إذا ) عليه . # ومعنى { لا يسئل عن ذنبه } : نفي السؤال الذي يريد به السائل معرفة حصول ~~الأمر المتردد فيه ، وهذا مثل قوله تعالى : { ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون ~~} ( القصص : 78 ) . وليس هو الذي في قوله تعالى : { فوربك لنسألنهم أجمعين ~~عما كانوا يعملون } ( الحجر : 92 ، 93 ) وقوله : { وقفوهم إنهم مسؤولون } ( ~~الصافات : 24 ) ، فإن ذلك للتقرير والتوبيخ فإن يوم القيامة متسع الزمان ، ~~ففيه مواطن لا يسأل أهل الذنوب عن ذنوبهم ، وفيه مواطن يسألون فيها سؤالا ~~تقرير وتوبيخ . # وجملة { فبأي ألاء ربكما تكذبان } تكرير للتقرير والتوبيخ . # هذا استئناف بياني ناشىء عن قوله : { فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان ~~} ( الرحمن : 39 ) ، أي يستغنى عن سؤالهم بظهور علاماتهم للملائكة ~~ويعرفونهم بسيماهم فيؤخذون أخذ عقاب ويساقون إلى الجزاء . # والسيما : العلامة . وتقدمت في قوله تعالى : { تعرفهم بسيماهم في آخر ~~سورة البقرة . # و ( آل ) في بالنواصي والأقدام } عوض عن المضاف إليه ، أي بنواصيهم ~~وأقدامهم وهو استعمال كثير في القرآن . 6 PageV27P262 # والنواصي : جمع ناصية وهي الشعر الذي في مقدم الرأس ، وتقدم في قوله ~~تعالى : { ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها في سورة هود . # والأخذ بالناصية أخذ تمكن لا يفلت منه ، كما قال تعالى : لئن لم ينته ~~لنسفعن بالناصية } ( العلق : 15 ) . # والأقدام : جمع قدم ، وهو ظاهر الساق من حيث تمسك اليد رجل الهارب فلا ~~يستطيع انفلاتا وفيه أيضا يوضع القيد ، قال النابغة : # أو حرة كمهاة الرمل قد كبلت # فوق المعاصم منها والعراقيب # تكرير كما تقدم في ms8174 نظيرها الذي قبلها . # ( 43 ، 44 ) # هذا مما يقال يوم القيامة على رؤوس الملأ . # ووصف { جهنم } ب { التي يكذب بها المجرمون } تسفيه للمجرمين وفضح لهم . ~~وجملة { يطوفون } حال من { المجرمون } ، أي قد تبين سفه تكذيبهم بجهنم ~~اتضاحا بينا بظهورها للناس وبأنهم يترددون خلالها كما ترددوا في إثباتها ~~حين أنذروا بها في الدنيا . # والطواف : ترداد المشي والإكثار منه ، يقال : طاف به ، وطاف عليه ، ومنه ~~الطواف بالكعبة ، والطواف بالصفا والمروة ، قال تعالى : { فلا جناح عليه أن ~~يطوف بهما وتقدم في سورة البقرة . # والحميم : الماء المغلى الشديد الحرارة . PageV27P263 # والمعنى : يمشون بين مكان النار وبين الحميم فإذا أصابهم حر النار طلبوا ~~التبرد فلاح لهم الماء فذهبوا إليه فأصابهم حره فانصرفوا إلى النار دواليك ~~وهذا كقوله : وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل } ( الكهف : 29 ) . # وآن : اسم فاعل من أنى ، إذا اشتدت حرارته . # مثل موقع الذي قبله في التكرير . # ( 46 53 ) { } # انتقال من وصف جزاء المجرمين إلى ثواب المتقين . والجملة عطف على جملة { ~~يعرف المجرمون بسيماهم } ( الرحمن : 41 ) إلى آخرها ، وهو أظهر لأن قوله في ~~آخرها { يطوفون بينها وبين حميم آن يفيد معنى أنهم فيها . # واللام في لمن خاف } لام الملك ، أي يعطي من خاف ربه ويملك جنتين ، ولا ~~شبهة في أن من خاف مقام ربه جنس الخائفين لا خائف معين فهو من صيغ العموم ~~البدلي بمنزلة قولك : وللخائف مقام ربه . وعليه فيجيء النظر في تأويل تثنية ~~{ جنتان } فيجوز أن يكون المراد : جنسين من الجنات . # وقد ذكرت الجنات في القرآن بصيغة الجمع غير مرة وسيجيء بعد هذا قوله : { ~~ومن دونهما جنتان } ( الرحمن : 62 ) فالمراد جنسان من الجنات . # ويجوز أن تكون التثنية مستعملة كناية عن التعدد ، وهو استعمال موجود في ~~الكلام الفصيح وفي القرآن قال الله تعالى : { ثم ارجع البصر كرتين ينقلب ~~إليك PageV27P264 البصر خاسئا وهو حسير } ( الملك : 4 ) ومنه قولهم : لبيك ~~وسعديك ودواليك ، كقول القوال الطائي من شعر الحماسة : # فقولا لهذا المرء ذو جاء ساعيا # هلم فإن المشرفي الفرائض # أي فقولوا : يا قومم ، وتقدم عند قوله تعالى : { سنعذبهم ms8175 مرتين في سورة ~~التوبة . وإيثار صيغة التثنية هنا لمراعاة الفواصل السابقة واللاحقة فقد ~~بنيت قرائن السورة عليها والقرينة ظاهرة وإليه يميل كلام الفراء ، وعلى هذا ~~فجميع ما أجري بصيغة التثنية في شأن الجنتين فمراد به الجمع . # وقيل : أريد جنتان لكل متق تحفان بقصره في الجنة كما قال تعالى في صفة ~~جنات الدنيا جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب } ( الكهف : 32 ) الآية ، وقال : ~~{ لقد كان لسبإ في مساكنهم آية جنتان عن يمين وشمال } ( سبأ : 15 ) فهما ~~جنتان باعتبار يمنة القصر ويسرته والقصر فاصل بينهما . # والمقام : أصله محل القيام ومصدر ميمي للقيام وعلى الوجهين يستعمل مجازا ~~في الحالة والتلبس كقولك لمن تستجيره : هذا مقام العائذ بك ، ويطلق على ~~الشأن والعظمة ، فإضافة { مقام } إلى { ربه } هنا إن كانت على اعتبار ~~المقام للخائف فهو بمعنى الحال ، وإضافته إلى { ربه } تشبه إضافة المصدر ~~إلى المفعول ، أي مقامه من ربه ، أي بين يديه . # وإن كانت على اعتبار المقام لله تعالى فهو بمعنى الشأن والعظمة . وإضافته ~~كالإضافة إلى الفاعل ، ويحتمل الوجهين قوله تعالى : { ذلك لمن خاف مقامي في ~~سورة إبراهيم وقوله : وأما من خاف مقام ربه في سورة النازعات . # وجملة فبأي ألاء ربكما تكذبان } معترضة بين الموصوف والصفة وهي تكرير ~~لنظائرها . # وذواتا : تثنية ذات ، والواو أصلية لأن أصل ذات : ذوة ، والألف التي بعد ~~PageV27P265 الواو إشباع للفتحة لازم للكلمة . وقيل : الألف أصلية وأن أصل ~~( ذات ) : ذوات فخففت في الإفراد وردتها التثنية إلى أصلها وقد تقدم في ~~قوله تعالى : { وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتى أكل خمط في سورة سبأ . وأما ~~الألف التي بعد التاء المثناة الفوقية فهي علامة رفع نائبة عن الضمة . # والأفنان : جمع فنن بفتحتين ، وهو الغصن . والمقصود هنا : أفنان عظيمة ~~كثيرة الإيراق والإثمار بقرينة أن الأفنان لا تخلو عنها الجنات فلا يحتاج ~~إلى ذكر الأفنان لولا قصد ما في التنكير من التعظيم . # وتثنية عينان } جار على نحو ما تقدم في تثنية { جنتان } ، وكذلك تثنية ~~ضميري { فيهما } وضمير { تجريان } تبع لتثنية معادهما في اللفظ . # فإن كان الجنتان اثنتين لكل من ms8176 خاف مقام ربه فلكل جنة منهما عين فهما ~~عينان لكل من خاف مقام ربه ، وإن كان الجنتان جنسين فالتثنية مستعملة في ~~إرادة الجمع ، أي عيون على عدد الجنات ، وكذلك إذا كان المراد من تثنية { ~~جنتان } الكثرة كما تثنيه { عينان } للكثرة . # وفصل بين الأفنان وبين ذكر الفاكهة بذكر العينين مع أن الفاكهة بالأفنان ~~أنسب ، لأنه لما جرى ذكر الأفنان ، وهي من جمال منظر الجنة أعقب بما هو من ~~محاسن الجنات وهو عيون الماء جمعا للنظيرين ، ثم أعقب ذلك بما هو من جمال ~~المنظر ، أعني : الفواكه في أفنانها ومن ملذات الذوق . # وأما تثنية زوجان فإن الزوج هنا النوع ، وأنواع فواكه الجنة كثيرة وليس ~~لكل فاكهة نوعان : فإما أن نجعل التثنية بمعنى الجمع ونجعل إيثار صيغة ~~التثنية لمراعاة الفاصلة ولأجل المزاوجة مع نظائرها من قوله : { ولمن خاف ~~مقام ربه جنتان } إلى هنا . # وإما أن نجعل تثنية { زوجان } لكون الفواكه بعضها يؤكل رطبا وبعضها يؤكل ~~يابسا مثل الرطب والتمر والعنب والزبيب ، وأخص الجوز واللوز وجافهما . ~~PageV27P266 # و { من كل فاكهة } بيان ل { زوجان } مقدم على المبين لرعي الفاصلة . # وتخلل هذه الآيات الثلاث بآيات { فبأي ألاء ربكما تكذبان } جار على وجه ~~الاعتراض وعلى أنه مجرد تكرير كما تقدم أولاها . # حال من { لمن خاف مقام ربه } وجيء بالحال صيغة جمع باعتبار معنى صاحب ~~الحال وصلاحية لفظه للواحد والمتعدد ، لا باعتبار وقوع صلته بصيغة الإفراد ~~فإن ذلك اعتبار بكون ( من ) مفردة اللفظ . # والمعنى : أعطوا الجنان واستقروا بها واتكأوا على فرش . # والاتكاء : افتعال من الوكء مهموز اللام وهو الاعتماد ، فصار الاتكاء ~~اسما لاعتماد الجالس ومرفقه إلى الأرض وجنبه إلى الأرض وهي هيئة بين ~~الاضطجاع على الجنب والقعود ، وتقدم في قوله : { وأعتدت لهن متكئا في سورة ~~يوسف ، وتقدم أيضا في سورة الصافات . # وفرش : جمع فراش ككتاب وكتب . والفراش أصله ما يفرش ، أي يبسط على الأرض ~~للنوم والاضطجاع . # ثم أطلق الفراش على السرير المرتفع على الأرض بسوقق لأنه يوضع عليه ما ~~شأنه أن يفرش على الأرض تسمية باسم ما جعل فيه ms8177 ، ولذلك ورد ذكره في سورة ~~الواقعة ( 15 ، 16 ) في قوله : على سرر موضونة متكئين عليها متقابلين وفي ~~سورة الصافات على سرر متقابلين . # والمعبر عنه في هذه الآيات واحد يدل على أن المراد بالفرش في هذه الآية ~~السرر التي عليها الفرش . PageV27P267 # والاتكاء : جلسة أهل الترف المخدومين لأنها جلسة راحة وعدم احتياج إلى ~~النهوض للتناول نحوه وتقدم في سورة الكهف . # والبطائن : جمع بطانة بكسر الباء وهي مشتقة من البطن ضد الظهر من كل شيء ~~، وهو هنا مجاز عن الأسفل . يقال للجهة السفلى : بطن ، وللجهة العليا ظهر ، ~~فيقال : بطنت ثوبي بآخر إذا جعل تحت ثوبه آخر ، فبطانة الثوب داخله وما لا ~~يبدو منه ، وضد البطانة الظهارة بكسر الظاء ، ومن كلامهم : أفرشني ظهر أمره ~~وبطنه ، أي علانيته وسره ، شبهت العلانية بظهر الفراش والسر ببطن الفراش ~~وهما الظهارة والبطانة ، ولذلك أتبع هذا التشبيه باستعارة فعل : أفرشني . ~~فالبطانة : هي الثوب الذي يجعل على الفراش والظهارة : الثوب الذي يجعل فوق ~~البطانة ليظهر لرؤية الداخل للبيت فتكون الظهارة أحسن من البطانة في الفراش ~~الواحد . # والعرب كانوا يجعلون الفراش حشية ، أي شيئا محشوا بصوف أو قطن أو ليف ~~ليكون أوثر للجنب ، قال عنترة يصف تنعم عبلة : # تمسي وتصبح فوق ظهر حشية # وأبيت فوق سراة أدهم ملجم # فإذا وضعوا على الحشية ثوبا أو خاطوها بثوب فهو البطانة ، وإذا غطوا ذلك ~~بثوب أحسن منه فهو الظهارة . # فالمعنى هنا : أن بطائن فرش الجنة من استبرق فلا تسأل عن ظهائرها فإنها ~~أجود من ذلك ، ولا ثوب في الثياب المعروفة عند الناس في الدنيا أنفس من ~~الاستبرق البطائن بالذكر كناية عن نفاسة وصف ظهائر الفرش . # والاستبرق : صنف رفيع من الديباج الغليظ . والديباج : نسيج غليظ من حرير ~~والاستبرق ينسج بخيوط الذهب . قال الفخر : وهو معرب عن الفارسية عن كلمة ( ~~ستبرك ) بكاف في آخره علامة تصغير ( ستبر ) بمعنى ثخين ، وقد تقدم في سورة ~~الكهف ، فأبدلوا الكاف قافا خشية اشتباه الكاف بكاف الخطاب ، والذي في ~~القاموس } : الإستبرق : الديباج الغليظ معرب ( استروه ) ، وقد PageV27P268 ~~تبين أن الإستبرق : صنف من ms8178 الديباج ، والديباج : ثوب منسوج من الحرير منقوش ~~وهو أجود أنواع الثياب . # ومن { جنى الجنتين } : ما يجنى من ثمارهما ، وهو بفتح الجيم ما يقطف من ~~الثمر . والمعنى : أن ثمر الجنة دانن منهم وهم على فرشهم فمتى شاءوا ~~اقتطفوا منه . # هو مثل نظائره . # ( 56 58 ) # ضمير { فيهن } عائد إلى فرش وهو سبب تأخير نعم أهل الجنة بلذة التأنس ~~بالنساء عن ما في الجنات من الأفنان والعيون والفواكه والفرش ، ليكون ذكر ~~الفرش مناسبا للانتقال إلى الأوانس في تلك الفرش وليجيء هذا الضمير مفيدا ~~معنى كثيرا من لفظ قليل ، وذلك من خصائص الترتيب في هذا التركيب . # ف { قاصرات الطرف } كائنة في الجنة وكائنة على الفرش مع أزواجهن قال ~~تعالى : { وفرش مرفوعة إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارا } ( الواقعة : ~~34 36 ) الآية . # و { قاصرات الطرف } : صفة لموصوف محذوف تقديره نساء ، وشاع المدح بهذا ~~الوصف في الكلام حتى نزل منزلة الاسم ف { قاصرات الطرف } نساء في نظرهن مثل ~~القصور والغض خلقة فيهن ، وهذا نظير ما يقول الشعراء من المولدين مراض ~~العيون ، أي : مثل المراض خلقة . والقصور : مثل الغض من صفات عيون المها ~~والظباء ، قال كعب بن زهير : # وما سعاد غداة البين إذ رحلوا # إلا أغن غضيض الطرف مكحول PageV27P269 # أي : كغضيض الطرف وهو الظبي . # والطمث بفتح الطاء وسكون الميم مسيس الأنثى البكر ، أي من أبكار . وعبر ~~عن البكارة ب { لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان } إطنابا في التحسين ، وقد جاء ~~في الآية الأخرى { فجعلناهن أبكارا } ( الواقعة : 36 ) . وهؤلاء هن نساء ~~الجنة لا أزواج المؤمنين اللآئي كن لهم في الدنيا لأنهن قد يكن طمثهم أزواج ~~فإن الزوجة في الجنة تكون لآخر من تزوجها في الدنيا . # وقرأ الجمهور { يطمثهن } هنا ، وفي نظيره الآتي بكسر الميم . وقرأه ~~الدوري عن الكسائي بضم الميم وهما لغتان في مضارع طمث . ونقل عن الكسائي : ~~التخيير بين الضم والكسر . # وقوله : { إنس قبلهم } أي لم يطمثهن أحد قبل ، وقوله : { ولا جان } تتميم ~~واحتراس وهو إطناب دعا إليه أن الجنة دار ثواب لصالحي الإنس والجن فلما ذكر ~~{ إنس ms8179 } نشأ توهم أن يمسهن جن فدفع ذلك التوهم بهذا الاحتراس . # وجملة { كأنهن الياقوت والمرجان } نعت أو حال من { قاصرات الطرف } . # ووجه الشبه بالياقوت والمرجان في لون الحمرة المحمودة ، أي حمرة الخدود ~~كما يشبه الخد بالورد ، ويطلق الأحمر على الأبيض فمنه حديث ( بعثت إلى ~~الأحمر والأسود ) ، وقال عبد بني الحساس : # فلو كنت وردا لونه لعشقتني # ولكن ربي شانني بسواديا # ويجوز أن يكون التشبيه بهما في الصفاء واللمعان . # كرر { فبأي آلاء ربكما تكذبان } فيما علمت سابقا . PageV27P270 # تذييل للجمل المبدوءة بقوله : { ولمن خاف مقام ربه جنتان } ( الرحمن : 46 ~~) ، أي لأنهم أحسنوا فجازاهم ربهم بالإحسان . # والإحسان الأول : الفعل الحسن ، والإحسان الثاني : إعطاء الحسن ، وهو ~~الخير ، فالأول من قولهم : أحسن في كذا ، والثاني من قولهم : أحسن إلى فلان ~~. # والاستفهام مستعمل في النفي ، ولذلك عقب بالاستثناء فأفاد حصر مجازاة ~~الإحسان في أنها إحسان ، وهذا الحصر إخبار عن كونه الجزاء الحق ومقتضى ~~الحكمة والعدل ، وإلا فقد يتخلف ذلك لدى الظالمين ، قال تعالى : { وتجعلون ~~رزقكم أنكم تكذبون } ( الواقعة : 82 ) وقال : { فلما آتاهما صالحا جعلا له ~~شركاء فيما آتاهما } ( الأعراف : 190 ) . # وعلم منه أن جزاء الإساءة السوء قال تعالى : { جزاء وفاقا } ( النبأ : 26 ~~) . # القول فيه مثل القول في نظائره . # ( 62 69 ) { } # عطف على قوله : { جنتان } ( الرحمن : 46 ) ، أي ومن دون تينك الجنتين ~~جنتان ، أي لمن خاف مقام ربه . # ومعنى { من دونهما } يحتمل أن ( دون ) بمعنى ( غير ) ، أي ولمن خاف مقام ~~PageV27P271 ربه جنتان وجنتان أخريان غيرهما ، كقوله تعالى : { للذين ~~أحسنوا الحسنى وزيادة } ( يونس : 26 ) . ووصف ما في هاتين الجنتين بما ~~يقارب ما وصف به ما في الجنتين الأوليين وصفا سلك فيه مسلك الإطناب أيضا ~~لبيان حسنهما ترغيبا في السعي لنيلهما بتقوى الله تعالى فذلك موجب تكرير ~~بعض الأوصاف أو ما يقرب من التكرير بالمترادفات . # ويكون لكل الجنات الأربع حور مقصورات لا ينتقلن من قصورهن ، ويجوز أن ~~تكون ( دون ) بمعنى أقل ، أي لنزول المرتبة ، أي ولمن خاف مقام ربه جنتان ~~أقل من الأولين فيقتضي ذلك أن هاتين الجنتين لطائفة أخرى ممن ms8180 خافوا مقام ~~ربهم هم أقل من الأولين في درجة مخافة الله تعالى . # ولعل هاتين الجنتين لأصحاب اليمين الذين ورد ذكرهم في سورة الواقعة ~~والجنتين المذكورتين قبلهما في قوله : { جنتان . . . ذواتا أفنان } ( ~~الرحمن : 46 ، 48 ) إلى آخر الوصف جنتا السابقين الوارد ذكرهم قوله في سورة ~~الواقعة { والسابقون السابقون الآيات . # ومدهامتان } وصف مشتق من الدهمة بضم الدال وهي لون السواد . ووصف الجنتين ~~بالسواد مبالغة في شدة خضرة أشجارهما حتى تكونا بالتفاف أشجارها وقوة ~~خضرتها كالسوداوين لأن الشجر إذا كان ريان اشتدت خضرة أوراقه حتى تقرب من ~~السواد ، وقد أخذ هذا المعنى أبو تمام وركب عليه فقال : # يا صاحبي تقصيا نظريكما # تريا وجوه الأرض كيف تصور # تريا نهارا مشمسا قد شابه # زهر الربى فكأنما هو مقمر # و { نضاختان } : فوارتان بالماء ، والنضخ بخاء معجمة في آخره أقوى من ~~النضح بالحاء المهملة الذي هو الرش . # وقد وصف العينان هنا بغير ما وصف به العينان في الجنتين المذكورتين ، ~~فقيل : هما صنفان مختلفان في أوصاف الحسن يشير اختلافهما إلى أن هاتين ~~الجنتين دون الأولين في المحاسن ولذلك جاء هنا { فيهما فاكهة ونخل ورمان } ~~، وجاء فيما تقدم { فيهما من كل فاكهة زوجان } ( الرحمن : 52 ) . وقيل : ~~الوصفان سواء ، وعليه فالمخالفة بين الصنفين من الأوصاف تفنن . PageV27P272 # وعطف { ونخل ورمان } على { فاكهة } من باب عطف الجزئي على الكلي تنويها ~~ببعض أفراد الجنتين كما قال تعالى : { وملائكته ورسله وجبريل وميكال في ~~سورة البقرة . # وجاءت جمل فبأي آلاء ربكما تكذبان } معترضات بين { جنتان } وصفاتها ~~اعتراضا للازدياد من تكرير التقرير والتوبيخ لمن حرموا من تلك الجنات . # ( 70 74 ) { لله } # ضمير { فيهن } عائد إلى الجنات الأربع الجنتين الأوليين والجنتين اللتين ~~من دونهما فيجوز أن يكون لصاحب الجنتين الأولين جنتان أخريان فصارت له أربع ~~جنات . ويجوز أن يكون توزيعا على من خافوا ربهم كما تقدم . # و { وخيرات } صفة لمحذوف يناسب صيغة الوصف ، أي نساء خيرات ، وخيرات مخفف ~~من خيرات بتشديد الياء مؤنث خير وهو المختص بأن صفته الخير ضد الشر . وخفف ~~في الآية طلبا لخفة اللفظ ms8181 مع السلامة من اللبس بما أتبع به من وصف { حسان } ~~الذي هو جمع حسناء كما خفف هين ولين في قول الشاعر : # هينون لينون # ومعنى { خيرات } أنهن فاضلات النفس كرائم الأخلاق . # ومعنى حسان : أنهم حسان الخلق ، أي صفات الذوات . # و { حور } بدل من { خيرات } . والحور : جمع حوراء وهي ذات الحور بفتح ~~الواو ، وهو وصف مركب من مجموع شدة بياض أبيض العين وشدة سواد أسودها وهو ~~من محاسن النساء ، وتقدم عند قوله تعالى : { وزوجناهم بحور عين في سورة ~~الدخان PageV27P273 . # ووصف نساء الجنتين الأوليين بقاصرات الطرف } . ووصف نساء الجنات الأربع ~~بأنهن { حور مقصورات } في الخيام ، فعلم أن الصفات الثابتة لنساء الجنتين ~~واحدة . # والمقصورات : اللاء قصرت على أزواجهن لا يعدون الأنس مع أزواجهن ، وهو من ~~صفات الترف في نساء الدنيا فهن اللاء لا يحتجن إلى مغادرة بيوتهن لخدمة أو ~~ورد أو اقتطاف ثمار ، أي هن مخدومات مكرمات كما قال أبو قيس بن الأسلت : # ويكرمها جاراتها فيزرنها # وتعتل عن إتيانهن فتعذر # والخيام : جمع خيمة وهي البيت ، وأكثر ما تقال على البيت من أدم أو شعر ~~تقام على العمد وقد تطلق على بيت البناء . # واعترض بجملة { فبأي آلاء ربكما تكذبان } بين البدل والمبدل منه وبين ~~الصفتين لقصد التكرير في كل مكان يقتضيه . # وتقدم القول في { لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان آنفا . # } # تكرير في آخر الأوصاف لزيادة التقرير والتوبيخ . # و { متكئين } : حال من { ولمن خاف مقام ربه } كررت بدون عطف لأنها في ~~مقام تعداد النعم وهو مقام يقتضي التكرير استئنافا . # والرفرف : ضرب من البسط ، وهو اسم جمع رفرفة ، وهي ما يبسط على الفراش ~~لينام عليه ، وهي تنسج على شبه الرياض ويغلب عليها اللون الأخضر ، ولذلك ~~شبه ذو الرمة الرياض بالبسط العبقرية في قوله : PageV27P274 # حتى كأن رياض القف ألبسها # من وشي عبقر تجليل وتنجيد # فوصفها في الآية بأنها { خضر } وصف كاشف لاستحضار اللون الأخضر لأنه يسر ~~الناظر . # وكانت الثياب الخضر عزيزة وهي لباس الملوك والكبراء ، قال النابغة : # يصونون أجسادا قديما نعيمها # بخالصة الأردان خضر المناكب # وكانت الثياب ms8182 المصبوغة بالألوان الثابتة التي لا يزيلها الغسل نادرة لقلة ~~الأصباغ الثابتة ولا تكاد تعدو الأخضر والأحمر ويسمى الأرجواني . # وأما المتداول من إصباغ الثياب عند العرب فهو ما صبغ بالورس والزعفران ~~فيكون أصفر ، وما عدا ذلك فإنما لونه لون ما ينسج منه من صوف الغنم أبيض أو ~~أسود أو من وبر أو من كتان أبيض أو كان من شعر المعز الأسود . [ # و { حسان } : جمع حسناء وهو صفة ل { رفرف } إذ هو اسم جمع . # وعبقري : وصف لما كان فائقا في صنفه عزيز الوجود وهو نسبة إلى عبقر بفتح ~~فسكون ففتح اسم بلاد الجن في معتقد العرب فنسبوا إليه كل ما تجاوز العادة ~~في الإتقان والحسن ، حتى كأنه ليس من الأصناف المعروفة في أرض البشر ، قال ~~زهير : # بخيل عليها جنة عبقرية # جديرون يوما أن ينالوا ويستعلوا # فشاع ذلك فصار العبقري وصفا للفائق في صنفه كما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم فيما حكاه من رؤيا القليب الذي استسقى منه ( ثم أخذها ( أي الذنوب ) ~~عمر فاستحالت غربا فلم أر عبقريا يفري فرية ) . # وإلى هذا أشار المعري بقوله : # وقد كان أرباب الفصاحة كلما # رأوا حسنا عدوه من صنعة الجن # فضربه القرآن مثلا لما هو مألوف عند العرب في إطلاقه . PageV27P275 # هذه الجملة آخر الجمل المكررة وبها انتهى الكلام المسوق للاستدلال على ~~تفرد الله بالإنعام والتصرف . # إيذان بانتهاء الكلام وفذلكة لما بنيت عليه السورة من التذكير بعظمة الله ~~تعالى ونعمائه في الدنيا والآخرة . # والكلام : إنشاء ثناء على الله تعالى مبالغ فيه بصيغة التفعل التي إذا ~~كان فعلها غير صادر من اثنين فالمقصود منها المبالغة . # والمعنى : وصفه تعالى بكمال البركة ، والبركة : الخير العظيم والنفع ، ~~وقد تطلق البركة على علو الشأن ، وقد تقدم ذلك في أول سورة الفرقان . # والاسم ما دل على ذات سواء كان علما مثل لفظ ( الله ) أو كان صفة مثل ~~الصفات العلى وهي الأسماء الحسنى ، فأي اسم قدرت من أسماء الله فهو دال على ~~ذات الله تعالى . # وأسند { تبارك } إلى { اسم } وهو ما يعرف به المسمى ms8183 دون أن يقول : تبارك ~~ربك ، كما قال : { تبارك الذي نزل الفرقان } ( الفرقان : 1 ) وكما قال : { ~~فتبارك الله أحسن الخالقين } ( المؤمنون : 14 ) لقصد المبالغة في وصفه ~~تعالى بصفة البركة على طريقة الكناية لأنها أبلغ من التصريح كما هو مقرر في ~~علم المعاني ، وأطبق عليه البلغاء لأنه إذا كان اسمه قد تبارك فإن ذاته ~~تباركت لا محالة لأن الاسم دال على المسمى ، وهذا على طريقة قوله تعالى : { ~~سبح اسم ربك الأعلى } ( الأعلى : 1 ) فإنه إذا كان التنزيه متعلقا باسمه ~~فتعلق التنزيه بذاته أولى ومنه قوله تعالى : { وثيابك فطهر } ( المدثر : 4 ~~) على التأويل الشامل ، وقول عنترة : # فشككت بالرمح الأصم ثيابه # ليس الكريم على القنا بمحرم # أراد : فشككته بالرمح . PageV27P276 # وأما قوله : { فسبح باسم ربك العظيم } ( الواقعة : 96 ) فهو يحتمل أن ~~يكون من قبيل { فسبح بحمد ربك } ( النصر : 3 ) على أن المراد أن يقول كلاما ~~فيه تنزيه الله فيكون من قبيل قوله : { بسم الله الرحمن الرحيم ، } ( ~~الفاتحة : 1 ) ويحتمل زيادة الباء فيكون مساويا لقوله : { سبح اسم ربك ~~الأعلى } ( الأعلى : 1 ) . # وهذه الكناية من دقائق الكلام كقولهم : لا يتعلق الشك بأطرافه وقول . . . ~~: # يبيت بنجاة من اللؤم بيتها # إذا ما بيوت بالملامة حلت # ونظير هذا في التنزيه أن القرآن يقرأ ألفاظه من ليس بمتوضىء ولا يمسك ~~المصحف إلا المتوضىء عند جمهور الفقهاء . # فذكر { اسم } في قوله : { تبارك اسم ربك } مراعى فيه أن ما عدد من شؤون ~~الله تعالى ونعمه وإفضاله لا تحيط به العبارة ، فعبر عنه بهذه المبالغة إذ ~~هي أقصى ما تسمح به اللغة في التعبير ، ليعلم الناس أنهم محقوقون لله تعالى ~~بشكر يوازي عظم نعمه عليهم . # وفي استحضار الجلالة بعنوان ( رب ) مضافا إلى ضمير المخاطب وهو النبي صلى ~~الله عليه وسلم إشارة إلى ما في معنى الرب من السيادة المشوبة بالرأفة ~~والتنمية ، وإلى ما في الإضافة من التنويه بشأن المضاف إليه وإلى كون النبي ~~صلى الله عليه وسلم هو الواسطة في حصول تلك الخيرات للذين خافوا مقام ربهم ~~بما بلغهم النبي صلى الله عليه وسلم ms8184 من الهدى . # وقرأ الجمهور { ذي الجلال } بالياء مجرورا صفة ل { ربك } وهو كذلك مرسوم ~~في غير المصحف الشامي . وقرأه ابن عامر { ذو الجلال } صفة ل { اسم } كما في ~~قوله : { ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام } ( الرحمن : 27 ) . وكذلك هو ~~مرسوم في غير مصحف أهل الشام . والمعنى واحد على الاعتبارين . # ولكن إجماع القراء على رفع { ذو الجلال } الواقع موقع { ويبقى وجه ربك } ~~واختلاف الرواية في جر { ذي الجلال } هنا يشعر بأن لفظ { وجه } أقوى دلالة ~~على الذات من لفظ { اسم } لما علمت من جواز أن يكون المعنى جريان البركة ~~PageV27P277 على التلفظ بأسماء الله بخلاف قوله : { ويبقى وجه ربك } فذلك ~~من حكمة إنزال القرآن على سبعة أحرف . # والجلال : العظمة ، وهو جامع لصفات الكمال اللائقة به تعالى . # والإكرام : إسداء النعمة والخير ، فهو إذن حقيق بالثناء والشكر . # PageV27P278 # | 1 ( سورة الواقعة ) 1 # سميت هذه السورة الواقعة بتسمية النبي صلى الله عليه وسلم # روى الترمذي عن ابن عباس قال : قال أبو بكر : ( يا رسول الله قد شبت ، ~~قال : شيبتني هود ، والواقعة ، والمرسلات ، وعم يتساءلون ، وإذا الشمس كورت ~~) وقال الترمذي : حديث حسن غريب . # وروى ابن وهب والبيهقي عن عبد الله بن مسعود بسند ضعيف أنه سمع رسول الله ~~يقول : ( من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا ) ، وكذلك سميت في ~~عصر الصحابة . روى أحمد عن جابر بن سمرة قال : ( كان رسول الله يقرأ في ~~الفجر الواقعة ونحوها من السور ) . # وهكذا سميت في المصاحف وكتب السنة فلا يعرف لها اسم غير هذا . # وهي مكية قال ابن عطية : ( بإجماع من يعتد به من المفسرين . وقيل فيها ~~آيات مدنية ، أي نزلت في السفر ، وهذا كله غير ثابت ) اه . وقال القرطبي : ~~عن قتادة وابن عباس استثناء قوله تعالى : { وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون } ( ~~الواقعة : 82 ) نزلت بالمدينة . # وقال الكلبي : إلا أربع آيات : اثنتان نزلتا في سفر النبي صلى الله عليه ~~وسلم إلى مكة وهما { أفبهذا الحديث أنتم مدهنون وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ~~} ( الواقعة : 81 ، 82 ) ، واثنتان نزلتا في سفره إلى ms8185 المدينة وهما { ثلة ~~من الأولين وثلة من الآخرين } ( الواقعة : 39 ، 40 ) وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~ابن مسعود أنها نزلت في غزوة تبوك . PageV27P279 # وهي السورة السادسة والأربعون في ترتيب نزول السور عند جابر بن زيد ، ~~نزلت بعد سورة طه وقبل سورة الشعراء . # وقد عد أهل المدينة ومكة والشام آيها تسعا وتسعين وعدها أهل البصرة سبعا ~~وتسعين وأهل الكوفة ستا وتسعين . # وهذه السورة جامعة للتذكير قال مسروق : ( من أراد أن يعلم نبأ الأولين ~~والآخرين ونبأ أهل الجنة ونبأ أهل النار ونبأ أهل الدنيا ونبأ أهل الآخرة ~~فليقرأ سورة الواقعة ) اه . # # | 2 ( { إذا وقعت الواقعة * ليس لوقعتها كاذبة * خافضة رافعة * إذا رجت ~~الارض رجا * وبست الجبال بسا * فكانت هبآء منبثا * وكنتم أزواجا ثلاثة * ~~فأصحاب الميمنة مآ أصحاب الميمنة * وأصحاب المشئمة مآ أصحاب المشئمة * ~~والسابقون السابقون * أولائك المقربون * فى جنات النعيم * ثلة من الاولين * ~~وقليل من الاخرين * على سرر موضونة * متكئين عليها متقابلين * يطوف عليهم ~~ولدان مخلدون * بأكواب وأباريق وكأس من معين * لا يصدعون عنها ولا ينزفون * ~~وفاكهة مما يتخيرون * ولحم طير مما يشتهون * وحور عين * كأمثال اللؤلؤ ~~المكنون * جزآء بما كانوا يعملون * لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما * إلا ~~قيلا سلاما سلاما * وأصحاب اليمين مآ أصحاب اليمين * فى سدر مخضود * وطلح ~~منضود * وظل ممدود * ومآء مسكوب * وفاكهة كثيرة * لا مقطوعة ولا ممنوعة * ~~وفرش مرفوعة * إنآ أنشأناهن إنشآء * فجعلناهن أبكارا * عربا أترابا * ~~لاصحاب اليمين * ثلة من الاولين * وثلة من الاخرين * وأصحاب الشمال مآ ~~أصحاب الشمال * فى سموم وحميم * وظل من يحموم * لا بارد ولا كريم * إنهم ~~كانوا قبل ذلك مترفين * وكانوا يصرون على الحنث العظيم * وكانوا يقولون ~~أءذا متنا وكنا ترابا وعظاما أءنا لمبعوثون * أو ءابآؤنا الاولون * قل إن ~~الاولين والاخرين * لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم * ثم إنكم أيها الضآلون ~~المكذبون * لاكلون من شجر من زقوم * فمالئون منها البطون * فشاربون عليه من ~~الحميم * فشاربون شرب الهيم * هاذا نزلهم يوم الدين * نحن خلقناكم فلولا ~~تصدقون * أفرءيتم ما تمنون * أءنتم تخلقونه أم نحن الخالقون * نحن ms8186 قدرنا ~~بينكم الموت وما نحن بمسبوقين * على أن نبدل أمثالكم وننشئكم فى ما لا ~~تعلمون * ولقد علمتم النشأة الاولى فلولا تذكرون * أفرءيتم ما تحرثون * ~~أءنتم تزرعونه أم نحن الزارعون * لو نشآء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون * إنا ~~لمغرمون * بل نحن محرومون * أفرءيتم المآء الذى تشربون * أءنتم أنزلتموه من ~~المزن أم نحن المنزلون * لو نشآء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون * أفرءيتم ~~النار التى تورون * أءنتم أنشأتم شجرتهآ أم نحن المنشئون * نحن جعلناها ~~تذكرة ومتاعا للمقوين * فسبح باسم ربك العظيم * فلا أقسم بمواقع النجوم * ~~وإنه لقسم لو تعلمون عظيم * إنه لقرءان كريم * فى كتاب مكنون * لا يمسه إلا ~~المطهرون * تنزيل من رب العالمين * أفبهاذا الحديث أنتم مدهنون * وتجعلون ~~رزقكم أنكم تكذبون * فلولا إذا بلغت الحلقوم * وأنتم حينئذ تنظرون * ونحن ~~أقرب إليه منكم ولاكن لا تبصرون * فلولا إن كنتم غير مدينين * ترجعونهآ إن ~~كنتم صادقين * فأمآ إن كان من المقربين * فروح وريحان وجنات نعيم * وأمآ إن ~~كان من أصحاب اليمين * فسلام لك من أصحاب اليمين * وأمآ إن كان من المكذبين ~~الضآلين * فنزل من حميم * وتصلية جحيم * إن هاذا لهو حق اليقين * فسبح باسم ~~ربك العظيم } ) 2 # أغراض هذه السورة # التذكير بيوم القيامة وتحقيق وقوعه . # ووصف ما يعرض وهذا العالم الأرضي عند ساعة القيامة . # ثم صفة أهل الجنة وبعض نعيمهم . # وصفة أهل النار وما هم فيه من العذاب وأن ذلك لتكذيبهم بالبعث . وإثبات ~~الحشر والجزاء والاستدلال على إمكان الخلق الثاني بما أبدعه الله من ~~الموجودات بعد أن لم تكن . # والاستدلال بدلائل قدرة الله تعالى . # والاستدلال بنزع الله الأرواح من الأجساد والناس كارهون لا يستطيع أحد ~~منعها من الخروج ، على أن الذي قدر على نزعها بدون مدافع قادر على إرجاعها ~~متى أراد على أن يميتهم . # وتأكيد أن القرآن منزل من عند الله وأنه نعمة أنعم الله بها عليهم فلم ~~يشكروها PageV27P280 وكذبوا بما فيه . # ( 1 ، 2 ) { } # افتتاح السورة بالظرف المتضمنن الشرط ، افتتاح بديع لأنه يسترعي الألباب ~~لترقب ما بعد هذا الشرط الزماني مع ما في الاسم المسند إليه ms8187 من التهويل ~~بتوقع حدث عظيم يحدث . # و { إذا } ظرف زمان وهو متعلق بالكون المقدر في قوله : { في جنات النعيم ~~} ( الواقعة : 12 ) الخ وقوله : { في سدر مخضود } ( الواقعة : 28 ) الخ ~~وقوله : { في سموم وحميم } ( الواقعة : 42 ) الخ . وضمن { إذا } معنى الشرط ~~. # وجملة { ليس لوقعتها كاذبة } استئناف بياني ناشىء عن قوله : { إذا وقعت ~~الواقعة } إلخ وهو اعتراض بين جملى { إذا وقعت الواقعة } وبين جملة { ~~فأصحاب الميمنة } ( الواقعة : 8 ) الخ . # والجواب قوله : { فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشئمة ما ~~أصحاب المشئمة } ( الواقعة : 8 ، 9 ) ، فيفد جوابا للشرط ويفيد تفصيل جملة ~~{ وكنتم أزواجا ثلاثة } ( الواقعة : 7 ) ، وتكون الفاء مستعملة في معنيين : ~~ربط الجواب ، والتفريع ، وتكون جملة { ليس لوقعتها كاذبة } وما بعده ~~اعتراضا . # والواقعة أصلها : الحادثة التي وقعت ، أي حصلت ، يقال : وقع أمر ، أي حصل ~~كما يقال : صدق الخبر مطابقته للواقع ، أي كون المعنى المفهوم منه موافقا ~~لمسمى ذلك المعنى في الوجود الحاصل أو المتوقع على حسب ذلك المعنى ، ومن ~~ذلك حادثة الحرب يقال : واقعة ذي قار ، وواقعة القادسية . # فراعوا في تأنيثها معنى الحادث أو الكائنة أو الساعة ، وهو تأنيث كثير في ~~اللغة جار على ألسنة العرب لا يكونون راعوا فيه إلا معنى الحادثة أو الساعة ~~أو نحو ذلك ، وقريب منه قولهم : دارت عليه الدائرة ، قال تعالى : { يقولون ~~نخشى أن تصيبنا دائرة } ( المائدة : 52 ) وقال : { عليهم دائرة السوء } ( ~~التوبة : 98 ) . # والمراد بالواقعة هنا القيامة فجعل هذا الوصف علما لها بالغلبة في اصطلاح ~~القرآن قال تعالى : { فيومئذ وقعت الواقعة } ( الحاقة : 15 ) كما سميت ~~الصاخة والطامة والآزفة ، PageV27P281 أي الساعة الواقعة . وبهذا الاعتبار ~~صار في قوله : { إذا وقعت الواقعة } محسن التجنيس . # و { الواقعة } : الموصوفة بالوقوع ، وهو الحدوث . # و { كاذبة } يجوز أن يكون اسم فاعل من كذب المجرد ، جرى على التأنيث ~~للدلالة على أنه وصف لمحذوف مؤنث اللفظ . وتقديره هنا نفس ، أي تنتفي كل ~~نفس كاذبة ، فيجوز أن يكون من كذب اللازم إذا قال خلاف ما في نفس الأمر ~~وذلك أن منكري القيامة يقولون : لا تقع القيامة فيكذبون ms8188 في ذلك فإذا وقعت ~~آمنت النفوس كلها بوقوعها فلم تبق نفس تكذب ، أي في شأنها أو في الإخبار ~~عنها . وذلك التقدير كله مما يدل عليه المقام . # ويجوز أن يكون من كذب المتعدي مثل الذي في قولهم كذبت فلانا نفسه ، أي ~~حدثته نفسه ، أي رأيه بحديث كذب وذلك أن اعتقاد المنكر للبعث اعتقاد سوله ~~له عقله القاصر فكأن نفسه حدثته حديثا كذبته به ، ويقولون : كذبت فلانا ~~نفسه في الخطب العظيم ، إذا أقدم عليه فأخفق كأن نفسه لما شجعته على ~~اقتحامه قد قالت له : إنك تطيقه فتعرض له ولا تبال به فإنك مذلله فإذا تبين ~~له عجزه فكأن نفسه أخبرته بما لا يكون فقد كذبته ، كما يقال : كذبته عينه ~~إذا تخيل مرئيا ولم يكن . # والمعنى : إذا وقعت القيامة تحقق منكروها ذلك فأقلعوا عن اعتقادهم أنها ~~لا تقع وعلموا أنهم ضلوا في استدلالهم وهذا وعيد بتحذير المنكرين للقيامة ~~من خزي الخيبة وسفاهة الرأي بين أهل الحشر . # وإطلاق وصف الكذب في جميع هذا استعارة بتشبيه السبب للفعل غير المثمر ~~بالمخبر بحديث كذب أو تشبيه التسبب بالقول قال أبو علي الفارسي : الكذب ضرب ~~من القول فكما جاز أن يتسع في القول في غير نطق نحو قول أبي النجم : # قد قالت الأنساع للبطن الحق PageV27P282 # جاز في الكذب أن يجعل في غير نطق نحو : # بأن كذب القراطف والقروف # واللام في { لوقعتها } لام التوقيت نحو { أقم الصلاة لدلوك الشمس } ( ~~الإسراء : 78 ) وقوله تعالى : { فطلقوهن لعدتهن } ( الطلاق : 1 ) . وقولهم ~~: كتبته لكذا من شهر كذا ، وهي بمعنى ( عند ) وأصلها لام الاختصاص شاع ~~استعمالها في اختصاص الموقت بوقته كقوله تعالى : { ولما جاء موسى لميقاتنا ~~} ( الأعراف : 143 ) . وهو توسع في معنى الاختصاص بحيث تنوسي أصل المعنى . ~~وفي الحديث سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أي الأعمال أفضل فقال : ~~الصلاة لوقتها ) . وهذا الاستعمال غير الاستعمال الذي في قوله تعالى : { ~~ليس لهم طعام إلا من ضريع } ( الغاشية : 6 ) . # خبرانن لمبتدأ محذوف ضمير { الواقعة } ( الواقعة : 1 ) ، أي هي خافضة ~~رافعة ، أي يحصل عندها خفض ms8189 أقوامم كانوا مرتفعين ورفع أقوام كانوا منخفضين ~~وذلك بخفض الجبابرة والمفسدين الذين كانوا في الدنيا في رفعة وسيادة ، ~~وبرفع الصالحين الذين كانوا في الدنيا لا يعبأون بأكثرهم ، وهي أيضا خافضة ~~جهات كانت مرتفعة كالجبال والصوامع ، رافعة ما كان منخفضا بسبب الانقلاب ~~بالرجات الأرضية . # وإسناد الخفض والرفع إلى الواقعة مجاز عقلي إذ هي وقت ظهور ذلك . وفي ~~قوله : { خافضة رافعة } محسن الطباق مع الإغراب بثبوت الضدين لشيء واحد . ~~PageV27P283 # ( 4 7 ) { } # { إذا رجت الأرض } بدل من جملة { إذ وقعت الواقعة } ( الواقعة : 1 ) وهو ~~بدل اشتمال . # والرج : الاضطراب والتحرك الشديد ، فمعنى : { رجت } رجها راج ، وهو ما ~~يطرأ فيها من الزلازل والخسف ونحو ذلك . # وتأكيده بالمصدر للدلالة على تحققه وليتأتى التنوين المشعر بالتعظيم ~~والتهويل . # والبس يطلق بمعنى التفتت وهو تفرق الأجزاء المجموعة ، ومنه البسيسة من ~~أسماء السويق أي فتتت الجبال ونسفت فيكون كقوله تعالى : { ويسألونك عن ~~الجبال فقل ينسفها ربي نسفا فيذرها قاعا صفصفا } ( طه : 105 ، 106 ) . # ويطلق البس أيضا على السوق للماشية ، يقال : بس الغنم ، إذا ساقها . وفي ~~الحديث : ( فيأتي قوم يبسون بأموالهم وأهليهم والمدينة خير لهم لو كانوا ~~يعلمون ) فهو في معنى قوله تعالى : { ويوم نسير الجبال } ( الكهف : 47 ) ، ~~وقوله : { وسيرت الجبال } ( النبأ : 20 ) وتأكيده بقوله : { بسا } كالتأكيد ~~في قوله : { رجا } لإفادة التعظيم بالتنوين . # وتفريع { فكانت هباء منبثا } على { بست الجبال } لائق بمعنيي البس لأن ~~الجبال إذا سيرت فإنما تسير تسييرا يفتتها ويفرقها ، أي تسيير بعثرة ~~وارتطام . # والهباء : ما يلوح في خيوط شعاع الشمس من دقيق الغبار ، وتقدم عند قوله ~~تعالى : { فجعلناه هباء منثورا في سورة الفرقان . # والمنبث : اسم فاعل انبث ، مطاوع بثه ، إذا فرقه . واختير هذا المطاوع ~~لمناسبته مع قوله : وبست الجبال } في أن المبني للنائب معناه كالمطاوعة ، ~~وقوله : { فكانت هباء منبثا } تشبيه بليغ ، أي فكانت كالهباء المنبث . # والخطاب في : { وكنتم أزواجا ثلاثة للناس كلهم ، وهذا تخلص للمقصود من ~~السورة وهو الموعظة . PageV27P284 # والأزواج : الأصناف . والزوج يطلق على الصنف والنوع كقوله تعالى : فيهما ~~من كل فاكهة زوجان } ( الرحمن : 52 ) ووجه ذلك أن ms8190 الصنف إذا ذكر يذكر معه ~~نظيره غالبا فيكون زوجا . # ( 8 12 ) { } # قد علمت عند تفسير قوله تعالى : { إذا وقعت الواقعة } ( الواقعة : 1 ) ~~الوجه في متعلق { إذا } وإذ قد وقع قوله : { وكنتم أزواجا ثلاثة } ( ~~الواقعة : 7 ) عطفا على الجمل التي أضيف إليها ( إذا ) من قوله : { إذا رجت ~~الأرض رجا } ( الواقعة : 4 ) كان هو محط القصد من التوقيت ب ( إذا ) ~~الثانية الواقعة بدلا من ( إذا ) الأولى وكلتاهما مضمن معنى الشرط ، فكان ~~هذا في معنى الجزاء ، فلك أن تجعل الفاء لربط الجزاء مع التفصيل للإجمال ، ~~وتكون جملة { فأصحاب الميمنة } جوابا ل ( إذا ) الثانية آئلا إلى كونه ~~جوابا ل ( إذا ) الأولى لأن الثانية مبدلة منها ، ولذلك جاز أن يكون هذا هو ~~جواب ( إذا ) الأولى فتكون الفاء مستعملة في معنييها كما تقدم عند قوله ~~تعالى : { ليس لوقعتها كاذبة } ( الواقعة : 2 ) . # وقد أفاد التفصيل أن الأصناف ثلاثة : # صنف منهم أصحاب الميمنة ، وهم الذين يجعلون في الجهة اليمنى في الجنة أو ~~في المحشر . واليمين جهة عناية وكرامة في العرف ، واشتقت من اليمن ، أي ~~البركة . # وصنف أصحاب المشأمة ، وهي اسم جهة مشتقة من الشؤم ، وهو ضد اليمن فهو ~~الضر وعدم النفع وقد سميا في الآية الآتية { أصحاب اليمين } ( الواقعة : 27 ~~) و { أصحاب الشمال } ( الواقعة : 41 ) ، فجعل الشمال ضد اليمين كما جعل ~~المشأمة هنا ضد الميمنة إشعارا بأن حالهم حال شؤم وسوء ، وكل ذلك مستعار ~~لما عرف في كلام العرب من PageV27P285 إطلاق هذين اللفظين على هذا المعنى ~~الكنائي الذي شاع حتى ساوى الصريح ، وأصله جاء من الزجر والعيافة إذ كانوا ~~يتوقعون حصول خير من أغراضهم من مرور الطير أو الوحش من يمين الزاجر إلى ~~يساره ويتوقعون الشر من مروره بعكس ذلك ، وقد تقدم تفصيله عند قوله تعالى : ~~{ قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين في سورة الصافات ، وتقدم شيء منه عند ~~قوله تعالى : يطيروا بموسى ومن معه في سورة الأعراف ، وعند قوله تعالى : ~~قالوا إنا تطيرنا بكم في سورة يس . # ولذلك استغني هنا عن الإخبار عن كلا الفريقين بخبر فيه ms8191 وصف بعض حاليهما ~~بذكر ما هو إجمال لحاليهما مما يشعر به ما أضيف إليه أصحابه من لفظي ~~الميمنة والمشأمة بطريقة الاستفهام المستعمل في التعجيب من حال الفريقين في ~~السعادة والشقاوة ، وهو تعجيب ترك على إبهامه هنا لتذهب نفس السامع كل مذهب ~~ممكن من الخير والشر ، ف ( ما ) في الموضعين اسم استفهام . # و ( أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ) خبرانن عن ( ما ) في الموضعين كقوله ~~تعالى : الحاقة ما الحاقة } ( الحاقة : 1 ، 2 ) وقوله : { القارعة ما ~~القارعة } ( القارعة : 1 ، 2 ) . # وإظهار لفظي { أصحاب الميمنة } و { أصحاب المشئمة } بعد الاستفهامين دون ~~الإتيان بضميريهما . لأن مقام التعجيب والتشهير يقتضي الإظهار بخلاف مقام ~~قوله تعالى : { وما أدراك ماهية } ( القارعة : 10 ) . # وقوله : { والسابقون } هذا الصنف الثالث في العد وهم الصنف الأفضل من ~~الأصناف الثلاثة ، ووصفهم بالسبق يقتضي أنهم سابقون أمثالهم من المحسنين ~~الذين عبر عنهم بأصحاب الميمنة فهم سابقون إلى الخير ، فالناس لا يتسابقون ~~إلا لنوال نفيس مرغوب لكل الناس ، وأما الشر والضر فهم يتكعكون عنه . # وحقيقة السبق : وصول أحد مكانا قبل وصول أحد آخر . وهو هنا مستعمل على ~~سبيل الاستعارة ، وقد جمع المعنيين قول النابغة : # سبقت الرجال الباهشين إلى العلا # كسبق الجواد اصطاد قبل الظوارد # فيجوز أن يكون { السابقون } مستعملا في المبادرة والإسراع إلى الخير في ~~PageV27P286 الدين كما في قوله تعالى : { والسابقون الأولون من المهاجرين ~~والأنصار في سورة براءة . # ويجوز أن يكون مستعملا في المغالبة في تحصيل الخير كقوله تعالى : أولئك ~~يسارعون في الخيران وهم لها سابقون في سورة المؤمنين . # وقوله : السابقون } ثانيا يجوز جعله خبرا عن { السابقون } الأول كما أخبر ~~عن أصحاب الميمنة بأنهم { ما أصحاب الميمنة } لأنه يدل على وصفهم بشيء لا ~~يكتنه كنهه بحيث لا يفي به التعبير بعبارة غير تلك الصفة إذ هي أقصى ما ~~يسعه التعبير ، فإذا أراد السامع أن يتصور صفاتهم فعليه أن يتدبر حالهم ، ~~وهذا على طريقه قوله : { أولئك هم المفلحون } ( الأعراف : 157 ) . ويجوز ~~جعله تأكيدا للأول فمآل جملة { ما أصحاب الميمنة } ونظيرتها وجملة { ~~والسابقون السابقون } هو التعجيب من حالهم ms8192 وطريقه هو الكناية ولكن بين ~~الكنايتين فرقا بأن إحداهما كانت من طريق السؤال عن الوصف ، والأخرى من ~~طريق تعذر التعبير بغير ذلك الوصف . # والمعنى : أن حالهم بلغت منتهى الفضل والرفعة بحيث لا يجد المتكلم خبرا ~~يخبر به عنهم أدل على مرتبتهم من اسم { السابقون } فهذا الخبر أبلغ في ~~الدلالة على شرف قدرهم من الإخبار ب { ما } الاستفهامية التعجيبية في قوله ~~: { ماأصحاب الميمنة } ، وهذا مثل قول أبي الطمحان القفيني : # وإني من القوم الذين همو همو # إذا مات منهم سيد قام صاحبه # مع ما في اشتقاق لقبهم من ( السبق ) من الدلالة على بلوغهم أقصى ما يطلبه ~~الطالبون . # وحذف متعلق { السابقون } في الآية لقصد جعل وصف { السابقون } بمنزلة ~~اللقب لهم ، وليفيد العموم ، أي أنهم سابقون في كل ميدان تتسابق إليه ~~النفوس الزكية كقوله تعالى : { وفي ذلك فليتنافس المتنافسون } ( المطففين : ~~26 ) ، فهؤلاء هم السابقون إلى الإيمان بالرسل وهم الذين صحبوا الرسل ~~والأنبياء وتلقوا منهم شرائعهم ، وهذا الصنف يوجد في جميع العصور من القدم ~~، ومستمر في الأمم إلى الأمة المحمدية PageV27P287 وليس صنفا قد انقضى وسبق ~~الأمة المحمدية . وأخر { السابقون } في الذكر عن أصحاب اليمين لتشويق ~~السامعين إلى معرفة صنفهم بعد أن ذكر الصنفان الآخران من الأصناف الثلاثة ~~ترغيبا في الاقتداء . # وجملة { أولئك المقربون في جنات النعيم } ، مستأنفة استئنافا بيانيا ~~لأنها جواب عما يثيره قوله : { والسابقون السابقون } من تساؤل السامع عن ~~أثر التنويه بهم . # وبذلك كان هذا ابتداء تفصيل لجزاء الأصناف الثلاثة على طريقة النشر بعد ~~اللف ، نشرا مشوشا تشويشا اقتضته مناسبة اتصال المعاني بالنسبة إلى كل صنف ~~أقرب ذكرا ، ثم مراعاة الأهم بالنسبة إلى الصنفين الباقيين فكان بعض الكلام ~~آخذا بحجز بعض . # والمقرب : أبلغ من القريب لدلالة صيغته على الاصطفاء والاجتباء ، وذلك ~~قرب مجازي ، أي شبه بالقرب في ملابسة القريب والاهتمام بشؤونه فإن المطيع ~~بمجاهدته في الطاعة يكون كالمتقرب إلى الله ، أي طالب القرب منه فإذا بلغ ~~مرتبة عالية من ذلك قربه الله ، أي عامله معاملة المقرب المحبوب ، كما جاء ~~: ( ولا يزال عبدي يتقرب إلي ms8193 بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي ~~يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله الذي يمشي بها ولئن ~~سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه ) وكل هذه الأوصاف مجازيه تقريبا ~~لمعنى التقريب . # ولم يذكر متعلق { المقربون } لظهور أنه مقرب من الله ، أي من عنايته ~~وتفضيله ، وكذلك لم يذكر زمان التقريب ولا مكانه لقصد تعميم الأزمان ~~والبقاع الاعتبارية في الدنيا والآخرة . # وفي جعل المسند إليه اسم إشارة تنبيه على أنهم أحرياء بما يخبر عنه من ~~أجل الوصف الوارد قبل اسم الإشارة وهو أنهم السابقون على نحو ما تقدم في ~~قوله تعالى : { أولئك على هدى من ربهم في سورة البقرة PageV27P288 . # وقوله : في جنات النعيم } خبر ثان عن { أولئك المقربون } أو حال منه . # وإيقاعه بعد وصف { المقربون } مشير إلى أن مضمونه من آثار التقريب ~~المذكور . # ( 13 ، 14 ) # اعتراض بين جملة { في جنات النعيم } ( الواقعة : 12 ) وجملة على { سرر ~~موضونة } ( الواقعة : 15 ) . # و { ثلة } خبر عن مبتدأ محذوف ، تقديره : هم ثلة ، ومعاد الضمير المقدر ( ~~السابقون ) ، أي السابقون ثلة من الأولين وقليل من الآخرين . # وهذا الاعتراض يقصد منه التنويه بصنف السابقين وتفضيلهم بطريق الكناية عن ~~ذلك بلفظي { ثلة } و { قليل } المشعرين بأنهم قل من كثر ، فيستلزم ذلك أنهم ~~صنف عزيز نفيس لما عهد في العرف من قلة الأشياء النفيسة وكقول السموأل وقيل ~~غيره : # تعيرنا أنا قليل عديدنا # فقلت لها : إن الكرام قليل # مع بشارة المسلمين بأن حظهم في هذا الصنف كحظ المؤمنين السالفين أصحاب ~~الرسل لأن المسلمين كانوا قد سمعوا في القرآن وفي أحاديث الرسول صلى الله ~~عليه وسلم تنويها بثبات المؤمنين السالفين مع الرسل ومجاهدتهم فربما خامر ~~نفوسهم أن تلك صفة لا تنال بعدهم فبشرهم الله بأن لهم حظا منها مثل قوله ~~تعالى : { وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل ~~انقلبتهم على أعقابكم إلى قوله : وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما ~~وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب ms8194 الصابرين ~~} ( آل عمران : 144 146 ) وغيرها ، تلهيبا للمسلمين وإذكاء لهممهم في الأخذ ~~بما يلحقهم بأمثال السابقين من الأولين فيستكثروا من تلك الأعمال . وفي ~~الحديث : ( لقد كان من قبلكم يوضع المئشار على أحدهم فينشر إلى عظمه لا ~~يصده ذلك عن دينه ) . # والثلة : بضم الثاء لا غير : اسم للجماعة من الناس مطلقا قليلا كانوا أو ~~PageV27P289 كثيرا ، وهذا هو قول الفراء وأهل اللغة والراغب وصاحب ( لسان ~~العرب ) وصاحب ( القاموس ) والزمخشري في ( الأساس ) ، وقال الزمخشري في ( ~~الكشاف ) إن الثلة : الأمة الكثيرة من الناس ومحمله على أنه أراد به تفسير ~~معناها في هذه الآية لا تفسير الكلمة في اللغة . # ولما في هذا الاعتراض من الإشعار بالعزة قدم على ذكر ما لهم من النعيم ~~للإشارة إلى عظيم كيفيته المناسبة لوصفهم ب ( السابقين ) بخلاف ما يأتي في ~~أصحاب اليمين . # ومعنى : { الأولين } قوم متقدمون على غيرهم في الزمان لأن الأول هو الذي ~~تقدم في صفة ما كالوجود أو الأحوال على غير الذي هو الآخر أو الثاني ، ~~فالأولية أمر نسبي يبينه سياق الكلام حيثما وقع . # فالظاهر أن { الأولين } هنا مراد بهم الأمم السابقة قبل الإسلام بناء على ~~ما تقدم من أن الخطاب في قوله : { وكنتم أزواجا ثلاثة } ( الواقعة : 7 ) ~~خطاب لجميع الناس بعنوان أنهم ناس لأن المنقرضين الذين يتقدمون من أمة أو ~~قبيلة أو أهل نحلة يدعون بالأوليين كما قال الفرزدق : # ومهلهل الشعراء ذاك الأول # وقال تعالى : { أو آباؤنا الأولون } ( الواقعة : 48 ) الذين هم يخلفونهم ~~ويكونون موجودين ، أو في تقدير الموجودين يدعون الآخرين . # وقد وصف أهل الإسلام بالآخرين في حديث فضل الجمعة ( نحن الآخرون السابقون ~~يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا ) الحديث . وإذ قد وصف ~~السابقون بما دل على أنهم أهل السبق إلى الخير ووصفت حالهم في القيامة عقب ~~ذلك فقد علم أنهم أفضل الصالحين من أصحاب الأديان الإلهية ابتداء من عصر ~~آدم إلى بعثة محمد صلى الله عليه وسلم وهم الذين جاء فيهم قوله تعالى : { ~~مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين } ( ~~النساء ms8195 : 69 ) . # فلا جرم أن المراد ب { الأولين } الأمم الأولى كلها ، وكان معظم تلك ~~الأمم PageV27P290 أهل عناد وكفر ولم يكن المؤمنون فيهم إلا قليلا كما ~~تنبىء به آيات كثيرة من القرآن . # ووصف المؤمنون من بعض الأمم عند أقوامهم بالمستضعفين ، وبالأرذلين ، ~~وبالأقلين . # ولا جرم أن المراد بالآخرين الأمة الأخيرة وهم المسلمون . # فالسابقون طائفتان طائفة من الأمم الماضين ومجموع عددها في ماضي القرون ~~كثير مثل أصحاب موسى عليه السلام الذين رافقوه في التيه ، ومثل أصحاب ~~أنبياء بني إسرائيل ، ومثل الحواريين ، وطائفة قليلة من الأمة الإسلامية ~~وهم الذين أسرعوا للدخول في الإسلام وصحبوا النبي صلى الله عليه وسلم كما ~~قال تعالى : { والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار } ( التوبة : 100 ) ~~، وإذ قد كانت هذه الآية نزلت قبل الهجرة فهي لا يتحقق مفادها إلا في ~~المسلمين الذين بمكة . # و { من } تبعيضية كما هو بين ، فاقتضى أن السابقين في الأزمنة الماضية ~~وزمان الإسلام حاضره ومستقبله بعض من كل ، والبعضية تقتضي القلة النسبية ~~ولفظ { ثلة } مشعر بذلك ولفظ { قليل } صريح فيه . # وإنما قوبل لفظ { ثلة } بلفظ { قليل } للإشارة إلى أن الثلة أكثر منه . ~~وعن الحسن أنه قال : سابقو من مضى أكثر من سابقينا . # وروي عن أبي هريرة ( أنه لما نزلت : { ثلة من الأولين وقليل من الآخرين } ~~شق ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وحزنوا وقالوا : إذن لا يكون من ~~أمة محمد إلا قليل ، فنزلت نصف النهار { ثلة من الأولين وثلة من الآخرين } ~~( الواقعة : 39 ، 40 ) فنسخت : { وقليل من الآخرين } ) . # وهذا الحديث مشكل ومجمل فإن هنا قسمين مشتبهين ، والآية التي فيها { وثلة ~~من الآخرين } ( الواقعة : 40 ) ليست واردة في شأن السابقين فليس في الحديث ~~دليل على PageV27P291 أن عدد أهل مرتبة السابقين في الأمم الماضية مساو ~~لعدد أهل تلك المرتبة في المسلمين ، وأن قول أبي هريرة : ( فنسخت { وقليل ~~من الآخرين } ) يريد نسخت هذه الكلمة . فمراده أنها أبطلت أن يكون التفوق ~~مطردا في عدد الصالحين فبقي التفوق في العدد خاصا بالسابقين من الفريقين ~~دون الصالحين الذين هم أصحاب اليمين ، والمتقدمون ms8196 يطلقون النسخ على ما يشمل ~~البيان فإنه مورد آية : { ثلة من الأولين وثلة من الآخرين } ( الواقعة : 39 ~~، 40 ) في شأن صنف أصحاب اليمين ومورد الآية التي فيها : { وقليل من ~~الآخرين } هو صنف السابقين فلا يتصور معنى النسخ بالمعنى الاصطلاحي مع ~~تغاير مورد الناسخ والمنسوخ ولكنه أريد به البيان وهو بيان بالمعنى الأعم . # ( 15 26 ) { } # الجار والمجرور خبر ثالث عن { أولئك المقربون } ( الواقعة : 11 ) أو حال ~~ثانية من اسم الإشارة . وهذا تبشير ببعض ما لهم من النعيم مما تشتاق إليه ~~النفوس في هذه الحياة الدنيا لتشويقهم إلى هذا المصير فيسعوا لنواله بصالح ~~الأعمال ، وليس الاقتصار على المذكور هنا بمقتض حصر النعيم فيما ذكر فقد ~~قال الله تعالى : { وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين } ( الزخرف : 71 ) ~~. # والسرر : جمع سرير ، وهو كرسي طويل متسع يجلس عليه المتكىء والمضطجع ، له ~~سوق أربع مرتفع على الأرض بنحو ذراع يتخذ من مختلف الأعواد ويتخذه الملوك ~~من ذهب ومن فضة ومن عاج ومن نفيس العود كالأبنوس ويتخذه PageV27P292 ~~العظماء المترفهون من الحديد الصرف ومن الحديد الملون أو المزين بالذهب . ~~والسرير مجلس العظماء والملوك . وتقدم في قوله تعالى : { على سرر متقابلين ~~في سورة الصافات . # والموضونة : المسبوك بعضها ببعض كما تسبك حلق الدروع وإنما توضن سطوحها ~~وهي ما بين سوقها الأربع حيث تلقى عليها الطنافس أو الزرابي للجلوس ~~والاضطجاعع ليكون ذلك المفرش وثيرا فلا يؤلم المضطجع ولا الجالس . وفسر ~~بعضهم موضونة } بمرمولة ، أي منسوجة بقضبان الذهب . # والاتكاء : اضطجاع مع تباعد أعلى الجنب ، والاعتماد على المرفق ، وتقدم ~~في سورة الرحمن . # والتقابل : من تمام النعيم لما فيه من الأنس بمشاهدة الأصحاب والحديث ~~معهم . # وقوله : { يطوف عليهم ولدان مخلدون } بيان لجملة { في جنات النعيم } ( ~~الواقعة : 12 ) وتقدم قريب منه في سورة الصافات . # والطواف : المشي المكرر حول شيء وهو يقتضي الملازمة للشيء . ووصف الولدان ~~بالمخلدين ، أي دائمين على الطواف عليهم ومناولتهم لا ينقطعون عن ذلك . وإذ ~~قد ألفوا رؤيتهم فمن النعمة دوامهم معهم . وقد فسر { مخلدون } بأنهم مخلدون ~~في صفة الولدان ، أي بالشباب والغضاضة ms8197 ، أي ليسوا كولدان الدنيا يصيرون ~~قريبا فتيانا فكهولا فشيوخا . # وفسره أبو عبيدة بأنهم مقرطون بالأقراط . والقرط يسمى خلدا وخلدا وجمعه ~~خلدة كقردة وهي لغة حميرية استعملها العرب كلهم وكانوا يحسنون غلمانهم ~~بالأقراط في الآذان . # والأكواب : جمع كوب ، وهو إناء الخمر لا عروة له وله خرطوم وفيه استدارة ~~متسع موضع الشرب منه فهو كالقدح . PageV27P293 # والأباريق : جمع إبريق وهو إناء تحمل فيه الخمر للشاربين فتصب في الأكواب ~~، والإبريق له خرطوم وعروة . # والكأس : إناء للخمر كالكوب إلا أنه مستطيل ضيق المشرب وتقدم في سورة ~~الصافات . # والكأس جنس يصدق بالواحد والمتعدد فليس إفراده هنا للوحدة فإن المراد ~~كؤوس كثيرة كما اقتضاه جمع أكواب وأباريق ، فإذا كانت آنية حمل الخمر كثيرة ~~كانت كؤوس الشاربين أكثر ، وإنما أوثرت صيغة المفرد لأن في لفظ كؤوس ثقلا ~~بوجود همزة مضمومة في وسطه مع ثقل صيغة الجمع . # والمعين : الجاري ، والمراد به الخمر التي لكثرتها تجري في المجاري كما ~~يجري الماء وليست قليلة عزيزة كما هي في الدنيا ، قال تعالى : { وأنهار من ~~خمر لذة للشاربين } ( محمد : 15 ) . # وليس المراد بالمعين الماء لأن الكأس ليست من آنية الماء وإنما آنيتهما ~~الأقداح ، وقد تقدم في سورة الصافات ( 45 ، 47 ) { يطاف عليهم بكأس من معين ~~بيضاء لذة للشاربين لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون وتلك صفات الخمر . # والتصديع : الإصابة بالصداع ، وهو وجع الرأس من الخمار الناشىء عن السكر ~~، أي لا تصيبهم الخمر بصداع . # ومعنى ( عنها ) مجاوزين لها ، أي لا يقع لهم صداع ناشىء عنها ، أي فهي ~~منزهة عن ذلك بخلاف خمور الدنيا فاستعملت ( عن ) في معنى السببية . # وعطف ولا ينزفون } على { لا يصدعون عنها } فيقدر له متعلق دل عليه متعلق ~~{ لا يصدعون } فقد قال في سورة الصافات ، { ولا هم عنها ينزفون أي لا ~~يعتريهم نزف بسببها كما يحصل للشاربين في الدنيا . # والنزف : اختلاط العقل ، وفعله مبني للمجهول يقال : نزف عقله مثل : عني ~~فهو منزوف . PageV27P294 # وقرأ الجمهور ينزفون } بفتح الزاي من أنزف الذي همزته للتعدية . وقرأه ~~حمزة والكسائي وخلف بكسر الزاي من أنزف ms8198 المهموز القاصر إذا سكر وذهر عقله . # والفاكهة : الثمار والنقول كاللوز والفستق ، وتقدم في سورة الرحمن . وعطف ~~{ فاكهة } على { أكواب } ، أي ويطوفون عليهم بفاكهة وذلك أدخل في الدعة ~~وألذ من التناول بأيديهم ، على أنهم إن اشتهوا اقتطافها بالأيدي دنت لهم ~~الأغصان فإن المرء قد يشتهي تناول الثمرة من أغصانها . # و { ما يتخيرون } : الجنس الذي يختارونه ويشتهونه ، أي يطوفون عليهم ~~بفاكهة من الأنواع التي يختارونها ، ففعل { يتخيرون } يفيد قوة الاختيار . # و ( لحم الطير ) : هو أرفع اللحوم وأشهاها وأعزها . # وعطف { ولحم طير } على { فاكهة } كعطف { فاكهة } على ( أكواب ) . # والاشتهاء : مصدر اشتهى ، وهو افتعال من الشهوة التي هي محبة نيل شيء ~~مرغوب فيه من محسوسات ومعنويات ، يقال : شهي كرضي ، وشها كدعا . والأكثر أن ~~يقال : اشتهى ، والافتعال فيه للمبالغة . # وتقديم ذكر الفاكهة على ذكر اللحم قد يكون لأن الفواكه أعز . وبهذا يظهر ~~وجه المخالفة بين الفاكهة ولحم طير فجعل التخير للأول . والاشتهاء للثاني ~~ولأن الاشتهاء أعلق بالطعام منه بالفواكه ، فلذة كسر الشاهية بالطعام لذة ~~زائدة على لذة حسن طعمه ، وكثرة التخير للفاكهة هي لذة تلوين الأصناف . # و { حور عين } عطف على { ولدان مخلدون } ، أي ويطوف عليهم حور عين . # والحور العين : النساء ذوات الحور ، وتقدم في سورة الرحمن . وذوات العين ~~وهو سعة العين وتقدم في سورة الصافات . PageV27P295 # وقرأ حمزة والكسائي وأبو جعفر { وحور عين } بالكسر فيهما على أن { حور } ~~عطف على { أكواب } عطف معنى من باب قوله : # وزججن الحواجب والعيونا # بتقدير : وكحلن العيون ، أو يعطف على { جنات } ، أي وفي حور عين ، أي هم ~~في حور عين أو محاطون بهن ومحدقون بهن . # والمراد : أزواج السابقين في الجنة وهن المقصورات في الخيام . # والأمثال : الأشباه . ودخول كاف التشبيه على ( أمثال ) للتأكيد مثل قوله ~~تعالى : { ليس كمثله شيء } ( الشورى : 11 ) . والمعنى : هن أمثال اللؤلؤ ~~المكنون . # و { اللؤلؤ } : الدر ، وتقدم تبيينه عند قوله تعالى : { يحلون فيها من ~~أساور من ذهب ولؤلؤا في سورة الحج . # والمكنون } : المخزون المخبأ لنفاسته ، وتقدم في سورة الصافات . # وانتصب { جزاء } على المفعول لأجله لفعل مقدر دل عليه ms8199 قوله : { المقربون ~~} ( الواقعة : 11 ) ، أي أعطيناهم ذلك جزاء ، ويجوز أن يكون { جزاء } مصدرا ~~جاء بدلا عن فعله ، والتقدير : جازيناهم جزاء . # والجملة على التقديرين اعتراض تفيد إظهار كرامتهم بحيث جعلت أصناف النعيم ~~الذين حظوا به جزاء على عمل قدموه وذلك إتمام لكونهم مقربين . # ثم أكمل وصف النعيم بقوله : { لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما } ، وهي ~~نعمة روحية فإن سلامة النفس من سماع ما لا يحب سماعه ومن سماع ما يكره ~~سماعه من الأذى نعمة براحة البال وشغله بسماع المحبوب . # واللغو : الكلام الذي لا يعتد به كالهذيان ، والكلام الذي لا محصل له . # والتأثيم : اللوم والإنكار ، وهو مصدر أثم ، إذا نسب غيره إلى الإثم . ~~PageV27P296 # وضمير { فيها } عائد إلى { جنات النعيم } ( الواقعة : 12 ) . # وأتبع ذكر هذه النعمة بذكر نعمة أخرى من الأنعام بالمسموع الذي يفيد ~~الكرامة لأن الإكرام لذة روحية يكسب النفس عزة وإدلالا بقوله : { إلا قيلا ~~سلاما سلاما } . وهو استثناء من { لغوا و تأثيما } بطريقة تأكيد الشيء بما ~~يشبه ضده المشتهر في البديع باسم تأكيد المدح لما يشبه الذم ، وله موقع ~~عظيم من البلاغة كقوله النابغة : # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم # بهن فلول من قراع الكتائب # فالاستثناء متصل إدعاء وهو المعبر عنه بالاستثناء المنقطع بحسب حاصل ~~المعنى ، وعليه فإن انتصاب { قيلا } على الاستثناء لا على البدلية من { ~~لغوا } . # و { سلاما } الأول مقول { قيلا } أي هذا اللفظ الذي تقديره : سلمنا سلاما ~~، فهو جملة محكية بالقول . # و { سلاما } الثاني تكرير ل { سلاما } الأول تكريرا ليس للتأكيد بل ~~لإفادة التعاقب ، أي سلاما إثر سلام ، كقوله تعالى : { كلا إذا دكت الأرض ~~دكا دكا } ( الفجر : 21 ) وقولهم : قرأت النحو بابا بابا ، أو مشارا به إلى ~~كثرة المسلمين فهو مؤذن مع الكرامة بأنهم معظمون مبجلون ، والفرق بين ~~الوجهين أن الأول يفيد التكرير بتكرير الأزمنة ، والثاني يفيد التكرار ~~بتكرار المسلمين . # وهذا القيل يتلقونه من الملائكة الموكلين بالجنة ، قال تعالى : { ~~والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم } ( الرعد : 23 ، ~~24 ) ويتلقاه بعضهم من بعض كما قال تعالى ms8200 : { وتحيتهم فيها سلام } ( يونس : ~~10 ) . # وإنما جيء بلفظ : { سلاما } منصوبا دون الرفع مع كون الرفع أدل على ~~المبالغة كما ذكروه في قوله : { قالوا سلاما قال سلام في سورة هود وسورة ~~الذاريات لأنه أريد جعله بدلا من قيلا } . PageV27P297 # ( 27 34 ) { } # عود إلى نشر ما وقع لفه في قوله : { وكنتم أزواجا ثلاثة } ( الواقعة : 7 ~~) كما تقدم عند قوله : { فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة } ( الواقعة : 8 ~~) . # وعبر عنهم هنا ب { أصحاب اليمين } وهنالك ب { أصحاب الميمنة } للتفنن . # فجملة { وأصحاب اليمين } عطف على جملة { أولئك المقربون } ( الواقعة : 8 ~~) عطف القصة على القصة . # وجملة { ما أصحاب اليمين } خبر عن { أصحاب اليمين } بإبهام يفيد التنويه ~~بهم كما تقدم في قوله : { فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة } ( الواقعة : 8 ~~) . وأتبع هذا الإبهام بما يبين بعضه بقوله : { في سدر مخضود } الخ . # والسدر : شجر من شجر العضاه ذو ورق عريض مدور وهو صنفان : عبري بضم العين ~~وسكون الموحدة وياء نسب نسبة إلى العبر بكسر العين وسكون الموحدة على غير ~~قياس وهو عبر النهي ، أي ضفته ، له شوك ضعيف في غصونه لا يضير . # والصنف الثاني الضال ( بضاد ساقطة ولام مخففة ) وهو ذو شوك . وأجود السدر ~~الذي ينبت على الماء وهو يشبه شجر العناب ، وورقه كورق العناب وورقه يجعل ~~غسولا ينظف به ، يخرج مع الماء رغوة كالصابون . # وثمر هذا الصنف هو النبق بفتح النون وكسر الموحدة وقاف يشبه ثمر العناب ~~إلا أنه أصفر مز ( بالزاي ) يفوح الفم ويفوح الثياب ويتفكه به ، وأما الضال ~~وهو السدر البري الذي لا ينبت على الماء فلا يصلح ورقه للغسول وثمره عفص لا ~~يسوغ في الحلق ولا ينتفع به ويخبط الرعاة ورقه للراعية ، وأجود ثمر السدر ~~ثمر سدر هجر أشد نبق حلاوة وأطيبه رائحة . PageV27P298 # ولما كان السدر من شجر البادية وكان محبوبا للعرب ولم يكونوا مستطيعين أن ~~يجعلوا منه في جناتهم وحوائطهم لأنه لا يعيش إلا في البادية فلا ينبت في ~~جناتهم خص بالذكر من بين شجر الجنة إغرابا به وبمحاسنه التي كان محروما ~~منها من لا ms8201 يسكن البوادي وبوفرة ظله وتهدل أغصانه ونكهة ثمره . # ووصف بالمخضود ، أي المزال شوكه فقد كملت محاسنه بانتفاء ما فيه من أذى . # والطلح : شجر من شجر العضاه واحده طلحة ، وهو من شجر الحجاز ينبت في بطون ~~الأودية ، شديد الطول ، غليظ الساق . من أصلب شجر العضاه عودا ، وأغصانه ~~طوال عظام شديدة الارتفاع في الجو ولها شوك كثير قليلة الورق شديدة الخضرة ~~كثيرة الظل من التفاف أغصانها ، وصمغها جيد وشوكها أقل الشوك أذى ، ولها ~~نور طيب الرائحة ، وتسمى هذه الشجرة أم غيلان ، وتسمى في صفاقس غيلان وفي ~~أحواز تونس تسمى مسك صنادق . # والمنضود : المتراص المتراكب بالأغصان ليست له سوق بارزة ، أو المنضد ~~بالحمل ، أي النوار فتكثر رائحته . # وعلى ظاهر هذا اللفظ يكون القول في البشارة لأصحاب اليمين بالطلح على نحو ~~ما قرر في قوله : { في سدر مخضود } ويعتاض عن نعمة نكهة ثمر السدر بنعمة ~~عرف نور الطلح . # وفسر الطلح بشجر الموز روي ذلك عن ابن عباس وابن كثير ، ونسب إلى علي بن ~~أبي طالب . # والامتنان به على هذا التفسير امتنان بثمره لأنه ثمر طيب لذيد ولشجره من ~~حسن المنظر ، ولم يكن شائعا في بلاد العرب لاحتياجه إلى كثرة الماء . # والظل الممدود : الذي لا يتقلص كظل الدنيا ، وهو ظل حاصل من التفاف أشجار ~~الجنة وكثرة أوراقها . PageV27P299 # وسكب الماء : صبه ، وأطلق هنا على جريه بقوة يشبه السكب وهو ماء أنهار ~~الجنة . # والفاكهة : تقدمت آنفا . # ووصفت ب { لا مقطوعة ولا ممنوعة } وصفا بانتفاء ضد المطلوب إذ المطلوب ~~أنها دائمة مبذولة لهم . والنفي هنا أوقع من الإثبات لأنه بمنزلة وصفف ~~وتوكيده ، وهم لا يصفون بالنفي إلا مع التكرير بالعطف كقوله تعالى : { ~~زيتونة لا شرقية ولا غربية } ( النور : 35 ) . وفي حديث أم زرع : ( قالت ~~المرأة الرابعة : زوجي كليل تهامة لا حر ولا قر ولا مخافة ولا سآمة ) . # ثم تارة يقصد به إثبات حالة وسطى بين حالي الوصفين المنفيين كما في قول ~~أم زرع : ( لا حر ولا قر ) ، وفي آية : { لا شرقية ولا غربية } ( النور : ~~35 ) وهذا هو الغالب ms8202 وتارة يقصد به نفي الحالين لإثبات ضديهما كما في قوله ~~: { لا مقطوعة ولا ممنوعة } وقوله الآتي : { لا بارد ولا كريم } ( الواقعة ~~: 44 ) ، وقول المرأة الرابعة في حديث أم زرع : ( ولا مخافة ولا سآمة ) . # وجمع بين الوصفين لأن فاكهة الدنيا لا تخلو من أحد ضدي هذين الوصفين فإن ~~أصحابها يمنعونها فإن لم يمنعوها فإن لها إبانا تنقطع فيه . # والفرش : جمع فراش بكسر الفاء وهو ما يفرش وتقدم في سورة الرحمن . و { ~~مرفوعة } : وصف ل { فرش } ، أي مرفوعة على الأسرة ، أي ليست مفروشة في ~~الأرض . # ويجوز أن يراد بالفرش الأسرة من تسمية الشيء باسم ما يحل فيه . # ( 35 38 ) { } # لما جرى ذكر الفرش وهي مما يعد للاتكاء والاضطجاع وقت الراحة في المنزل ~~يخطر بالبال بادىء ذي بدء مصاحبة الحور العين معهم في تلك الفرش فيتشوف إلى ~~PageV27P300 وصفهن ، فكانت جملة : { إنا أنشأناهن إنشاء } بيانا لأن الخاطر ~~بمنزلة السؤال عن صفات الرفيقات . # فضمير المؤنث من { أنشأناهن } عائد إلى غير مذكور في الكلام ولكنه ملحوظ ~~في الأفهام كقول أبي تمام في طالع قصيدة : # هن عوادي يوسفف وصواحبه # ومنه قوله تعالى : { حتى توارت بالحجاب } ( ص : 32 ) . وهذا أحسن وجه في ~~تفسير الآية ، فيكون لفظ { فرش } ( الواقعة : 34 ) في الآية مستعملا في ~~معنييه ويكون { مرفوعة } ( الواقعة : 34 ) مستعملا في حقيقته ومجازه ، أي ~~في الرفع الحسي والرفع المعنوي . # والإنشاء : الخلق والإيجاد فيشمل إعادة ما كان موجودا وعدم ، فقد سمى ~~الله الإعادة إنشاء في قوله تعالى : { ثم الله ينشىء النشأة الآخرة } ( ~~العنكبوت : 20 ) فيدخل نساء المؤمنين اللاء كن في الدنيا أزواجا لمن صاروا ~~إلى الجنة ويشمل إيجاد نساء أنفا يخلقن في الجنة لنعيم أهلها . # وقوله : { فجعلناهن أبكارا } شامل للصنفين . # والعرب : جمع عروب بفتح العين ، ويقال : عربه بفتح فكسر فيجمع على عربات ~~كذلك ، وهو اسم خاص بالمرأة . وقد اختلفت أقوال أهل اللغة في تفسيره . ~~وأحسن ما يجمعها أن العروب : المرأة المتحببة إلى الرجل ، أو التي لها ~~كيفية المتحببة ، وإن لم تقصد التحبب ، بأن تكثر الضحك بمرأى الرجل أو ~~المزاح أو ms8203 اللهو أو الخضوع في القول أو اللثغ في الكلام بدون علة أو التغزل ~~في الرجل والمساهلة في مجالسته والتدلل وإظهار معاكسة أميال الرجل لعبا لا ~~جدا وإظهار أذاه كذلك كالمغاضبة من غير غصب بل للتورك على الرجل ، قال نبيه ~~بن الحجاج : # تلك عريسي غضبى تريد زيالي # ألبينن أردتت أم لدلال # الشاهد في قوله : أم لدلال ، قال تعالى : { فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي ~~في PageV27P301 قلبه مرض وقلن قولا معروفا } ( الأحزاب : 32 ) ، وقال : { ~~ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن } ( النور : 31 ) . وإنما ~~فسروها بالمتحببة لأنهم لما رأوا هاته الأعمال تجلب محبة الرجل للمرأة ظنوا ~~أن المرأة تفعلها لاكتساب محبة الرجل . ولذلك فسر بعضهم : العروب بأنها ~~المغتلمة ، وإنما تلك حالة من أحوال بعض العروب . وعن عكرمة العروب : ~~الملقة . # والعروب : اسم لهذه المعاني مجتمعة أو مفترقة أجروه مجرى الأسماء الدالة ~~على الأوصاف دون المشتقة من الأفعال فلذلك لم يذكروا له فعلا ولا مصدرا وهو ~~في الأصل مأخوذ من الإعراب والتعريب وهو التكلم بالكلام الفحش . # والعرابة : بكسر العين : اسم من التعريب وفعله : عربت وأعربت ، فهو مما ~~يسند إلى ضمير المرأة غالبا . كأنهم اعتبروه إفصاحا عما شأنه أن لا يفصح ~~عنه ثم تنوسي هذا الأخذ فعومل العروب معاملة الأسماء غير المشتقة ، ويقال : ~~عربة . مثل عروب . وجمع العروب عرب وجمع عربة عربات . # ويقال للعروب بلغة أهل مكة العربة والشكلة . ويقال لها بلغة أهل المدينة ~~: الغنجة . وبلغة العراق : الشكلة ، أي ذات الشكل بفتح الكاف وهو الدلال ~~والتعرب . # والأتراب : جمع ترب بكسر المثناة الفوقية وسكون الراء وهي المرأة التي ~~ساوى سنها سن من تضاف هي إليه من النساء ، وقد قيل : إن الترب خاص بالمرأة ~~، وأما المساوي في السن من الرجال فيقال له : قرن ولدة . # فالمعنى : أنهن جعلن في سن متساوية لا تفاوت بينهن ، أي هن في سن الشباب ~~المستوي فتكون محاسنهن غير متفاوتة في جميع جهات الحسن ، وعلى هذا فنساء ~~الجنة هن الموصوفات بأنهن ( أتراب ) بعضهن لبعض . # وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم وخلف { عربا } بسكون الراء ms8204 سكون تخفيف وهو ~~ملتزم في لغة تميم في هذا اللفظ . # واللام في { لأصحاب اليمين } يتنازعها { أنشأناهن } و { جعلناهن } لإفادة ~~PageV27P302 توكيد الاعتناء بأصحاب اليمين المستفاد من المقام من قوله : { ~~وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين } ( الواقعة : 27 ) الآية . # واعلم أن ما أعطي لأصحاب اليمين ليس مخالفا لأنواع ما أعطي للسابقين ولا ~~أن ما أعطي للسابقين مخالف لما أعطي أصحاب اليمين فإن الظل والماء المسكوب ~~وكون أزواجهم عربا أترابا لم يذكر مثله للسابقين وهو ثابت لهم لا محالة إذ ~~لا يقصرون عن أصحاب اليمين ، وكذلك ما ذكر للسابقين من الولدان وأكوابهم ~~وأباريقهم ولحم الطير وكون أزواجهم حورا عينا وأنهم لا يسمعون إلا قيلا ~~سلاما سلاما ، لم يذكر مثله لأصحاب اليمين مع أن لأهل الجنة ما تشتهيه ~~الأنفس وتلذ الأعين . وقد ذكر في آيات كثيرة أنهم أعطوا أشياء لم يذكر ~~إعطاؤها لهم في هذه الآية مثل قوله : { وتحيتهم فيها سلام } ( يونس : 10 ) ~~، فليس المقصود توزيع النعيم ولا قصره ولكن المقصود تعداده والتشويق إليه ~~مع أنه قد علم أن السابقين أعلى مقاما من أصحاب اليمين بمقتضى السياق . وقد ~~أشار إلى تفاوت المقامين أنه ذكر في نعيم السابقين أنه جزاء بما كانوا ~~يعملون للوجه الذي بيناه فيها ولم يذكر مثله في نعيم أصحاب اليمين وجماع ~~الغرض من ذلك التنويه بكلا الفريقين . # ( 39 ، 40 ) # أي أصحاب اليمين : { ثلة من الأولين وثلة من الآخرين } ، والكلام فيه ~~كالكلام في قوله : { ثلة من الأولين وقليل من الآخرين } ( الواقعة : 13 ، ~~14 ) فاذكره . وفي ( تفسير القرطبي ) عن أبي بكر الصديق : أن كلتا الثلتين ~~من الأمة المحمدية ثلة من صدرها وثلة من بقيتها ولم ينبه على سند هذا النقل ~~. # وإنما أخر هذا عن ذكر ما لهم من النعيم للإشعار بأن عزة هذا الصنف وقلته ~~دون عزة صنف السابقين ، فالسابقون أعز ، وهذه الدلالة من مستتبعات التراكيب ~~المستفادة من ترتيب نظم الكلام . PageV27P303 # ( 41 44 ) { } # إفضاء إلى الصنف الثالث من الأزواج الثلاثة ، وهم أصحاب المشاقة . والقول ~~في جملة : { ما أصحاب الشمال } وموقع جملة { في سموم } بعدها ms8205 كالقول في ~~جملة { وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين في سدر مخضود } ( الواقعة : 27 ، 28 ~~) . # والسموم : الريح الشديد الحرارة الذي لا بلل معه وكأنه مأخوذ من السم ، ~~وهو ما يهلك إذ لاقى البدن . # والحميم : الماء الشديد الحرارة . # واليحموم : الدخان الأسود على وزن يفعول مشتق من الحمم بوزن صرد اسم ~~للفحم . والحممة : الفحمة ، فجاءت زنة يفعول فيه اسما ملحوظا فيه هذا ~~الاشتقاق وليس ينقاس . # وحرف { من } بيانية إذ الظل هنا أريد به نفس اليحموم ، أي الدخان الأسود ~~. # ووصف { ظل } بأنه { من يحموم } للإشعار بأنه ظل دخان لهب جهنم ، والدخان ~~الكثيف له ظل لأنه بكثافته يحجب ضوء الشمس ، وإنما ذكر من الدخان ظله ~~لمقابلته بالظل الممدود المعد لأصحاب اليمين في قوله : { وظل ممدود } ( ~~الواقعة : 30 ) ، أي لا ظل لأصحاب الشمال سوى ظل اليحموم . وهذا من قبيل ~~التهكم . # ولتحقيق معنى التهكم وصف هذا الظل بما يفيد نفي البرد عنه ونفي الكرم ، ~~فبرد الظل ما يحصل في مكانه من دفع حرارة الشمس ، وكرم الظل ما فيه من ~~الصفات الحسنة في الظلال مثل سلامته من هبوب السموم عليه ، وسلامة الموضع ~~الذي يظله من الحشرات والأوساخ ، وسلامة أرضه من الحجارة ونحو ذلك إذ ~~الكريم من كل نوع هو الجامع لأكثر محاسن نوعه ، كما تقدم في قوله تعالى : { ~~إني ألقي إلي كتاب كريم في سورة سليمان ، فوصف ظل اليحموم بوصف PageV27P304 ~~خاص وهو انتفاء البرودة عنه واتبع بوصف عام وهو انتفاء كرامة الظلال عنه ، ~~ففي الصفة بنفي محاسن الظلال تذكير للسامعين بما حرم منه أصحاب الشمال عسى ~~أن يحذروا أسباب الوقوع في الحرمان ، ولإفادة هذا التذكير عدل عن وصف الظل ~~بالحرارة والمضرة إلى وصفه بنفي البرد ونفي الكرم . # ( 45 48 ) } # تعليل لما يلقاه أصحاب الشمال من العذاب ، فيتعين أن ما تضمنه هذا ~~التعليل كان من أحوال كفرهم وأنه مما له أثر في إلحاق العذاب بهم بقرينة ~~عطف { وكانوا يصرون على الحنث . . . وكانوا يقولون } الخ عليه . # فأما إصرارهم على الحنث وإنكارهم البعث فلا يخفى تسببه في العذاب لأن ~~الله توعدهم ms8206 عليه فلم يقلعوا عنه ، وإنما يبقى النظر في قوله : { إنهم ~~كانوا قبل ذلك مترفين } فإن الترف في العيش ليس جريمة في ذاته وكم من مؤمن ~~عاش في ترف ، وليس كل كافر مترفا في عيشه ، فلا يكون الترف سببا مستقلا في ~~تسبب الجزاء الذي عوملوا به . # فتأويل هذا التعليل : إما بأن يكون الإتراف سببا باعتبار ضميمة ما ذكر ~~بعده إليه بأن كان إصرارهم على الحنث وتكذيبهم بالبعث جريمتين عظمتين ~~لأنهما محفوفتان بكفر نعمة الترف التي خولهم الله إياها على نحو قوله تعالى ~~: { وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون } ( الواقعة : 82 ) فيكون الإتراف جزء سبب ~~وليس سببا مستقلا ، وفي هذا من معنى قوله تعالى : { وذرني والمكذبين أولي ~~النعمة ومهلهم قليلا } ( المزمل : 11 ) . # وإما بأن يراد أن الترف في العيش علق قلوبهم بالدنيا واطمأنوا بها فكان ~~ذلك ممليا على خواطرهم إنكار الحياة الآخرة ، فيكون المراد الترف الذي هذا ~~الإنكار عارض له وشديد الملازمة له ، فوزانه وزان قوله تعالى : { والذين ~~كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم } ( محمد : 12 ) . ~~PageV27P305 # وفسر { مترفين } بمعنى متكبرين عن قبول الحق . والمترف : اسم مفعول من ~~أترفه ، أي جعله ذا ترفة بضم التاء وسكون الراء ، أي نعمة واسعة ، وبناؤه ~~للمجهول لعدم الإحاطة بالفاعل الحقيقي للإتراف كشأن الأفعال التي التزم ~~فيها الإسناد المجازي العقلي الذي ليس لمثله حقيقة عقلية ، ولا يقدر بنحو : ~~أترفه الله ، لأن العرب لم يكونوا يقدرون ذلك فهذا من باب : قال قائل ، ~~وسأل سائل . # وإنما جعل أهل الشمال مترفين لأنهم لا يخلو واحد منهم عن ترف ولو في بعض ~~أحواله وأزمانه من نعم الأكل والشرب والنساء والخمر ، وكل ذلك جدير بالشكر ~~لواهبه ، وهم قد لابسوا ذلك بالإشراك في جميع أحوالهم ، أو لأنهم لما قصروا ~~انظارهم على التفكير في العيشة العاجلة صرفهم ذلك عن النظر والاستدلال على ~~صحة ما يدعوهم إليه الرسول صلى الله عليه وسلم فهذا وجه جعل الترف في ~~الدنيا من أسباب جزائهم الجزاء المذكور . # والإشارة في قوله : { قبل ذلك } إلى { سموم وحميم وظل من يحموم } ( ~~الواقعة ms8207 : 42 ، 43 ) بتأويلها بالمذكور ، أي كانوا قبل اليوم وهو ما كانوا ~~عليه في الحياة الدنيا . # والحنث : الذنب والمعصية وما يتخرج منه ، ومنه قولهم : حنث في يمينه ، أي ~~أهمل ما حلف عليه فجر لنفسه حرجا . # ويجوز أن يكون الحنث حنث اليمين فإنهم كانوا يقسمون على أن لا بعث ، قال ~~تعالى : { وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت } ( النحل : 38 ~~) ، فذلك من الحنث العظيم ، وقال تعالى : { وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن ~~جاءتهم آية ليومنن بها } ( الأنعام : 109 ) وقد جاءتهم آية إعجاز القرآن ~~فلم يؤمنوا به . # والعظيم : القوي في نوعه ، أي الذنب الشديد والحنث العظيم هو الإشراك ~~بالله . وفي حديث ابن مسعود أنه قال : ( قلت : يا رسول الله أي الذنب أعظم ~~؟ قال : أن تدعو لله ندا وهو خلقك ) وقال تعالى : { إن الشرك لظلم عظيم } ( ~~لقمان : 13 ) . PageV27P306 # ومعنى { يصرون } : يثبتون عليه لا يقبلون زحزحة عنه ، أي لا يضعون للدعوة ~~إلى النظر في بطلان عقيدة الشرك . # وصيغة المضارع في { يصرون } و { يقولون } تفيد تكرر الإصرار والقول منهم ~~. وذكر فعل { كانوا } لإفادة أن ذلك ديدنهم . # والمراد من قوله : { وكانوا يقولون أئذا متنا وكنا ترابا } الخ أنهم ~~كانوا يعتقدون استحالة البعث بعد تلك الحالة . ويناظرون في ذلك بأن القول ~~ذلك يستلزم أنهم يعتقدون استحالة البعث . # والاستفهام إنكاري كناية عن الإحالة والاستبعاد ، وتقدم نظير : { أإذا ~~متنا وكنا ترابا } الخ في سورة الصافات . # وقرأ الجمهور { أإذا متنا } بإثبات الاستفهام الأول والثاني ، أي إذا ~~متنا أإنا . وقرأه نافع والكسائي وأبو جعفر بالاستفهام في { أإذا متنا } ~~والإخبار في { إنا لمبعوثون } . # وقرأ الجمهور : { أو آباؤنا } ، بفتح الواو على أنها واو عطف عطفت ~~استفهاما على استفهام ، وقدمت همزة الاستفهام على حرف العطف لصدارة ~~الاستفهام ، وأعيد الاستفهام توكيدا للاستبعاد . والمراد بالقول في قوله : ~~{ وكانوا يقولون } الخ انهم يعتقدون استجابة مدلول ذلك الاستفهام . # ( 49 ، 50 ) # لما جرى تعليل ما يلاقيه أصحاب الشمال من العذاب بما كانوا عليه من كفران ~~النعمة ، وكان المقصود من ذلك وعيد المشركين وكان إنكارهم البعث أدخل في ~~استمرارهم على ms8208 الكفر أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يخاطبهم بتحقيق ~~وقوع البعث وشموله لهم ولآبائهم ولجميع الناس ، أي أنبئهم بأن الأولين ~~والآخرين ، أي هم PageV27P307 وآباؤهم يبعثون في اليوم المعين عند الله ، ~~فقد انتهى الخبر عن حالهم يوم ترج الأرض وما يتبعه . # وافتتح الكلام بالأمر بالقول للاهتمام به كما افتتح به نظائره في آيات ~~كثيرة ليكون ذلك تبليغا عن الله تعالى . فيكون قوله : { قل إن الأولين } ~~الخ استئنافا ابتدائيا لمناسبة حكاية قولهم : { أئذا متنا وكنا ترابا } ( ~~الواقعة : 47 ) الآية . # والمراد ب { الأولين } : من يصدق عليه وصف ( أول ) بالنسبة لمن بعدهم ، ~~والمراد ب { الآخرين } : من يصدق عليه وصف آخر بالنسبة لمن قبله . # ومعنى { مجموعون } : أنهم يبعثون ويحشرون جميعا ، وليس البعث على أفواج ~~في أزمان مختلفة كما كان موت الناس بل يبعث الأولون والآخرون في يوم واحد . ~~وهذا إبطال لما اقتضاه عطف { أو آباؤنا الأولون } في كلامهم من استنتاج ~~استبعاد البعث لأنهم عدوا سبق من سبق موتهم أدل على تعذر بعثهم بعد أن مضت ~~عليهم القرون ولم يبعث فريق منهم إلى يوم هذا القيل ، فالمعنى : أنكم . # وتأكيد الخبر ب ( إن ) واللام لرد إنكارهم مضمونه . # والميقات : هنا لمعنى الوقت والأجل ، وأصله اسم آلة للوقت وتوسعوا فيه ~~فأطلقوه على الوقت نفسه بحيث تعتبر الميم والألف غير دالتين على معنى ، ~~وتوسعوا فيه توسعا آخر فأطلقوه على مكان لعملل ما . ولعل ذلك متفرع على ~~اعتبار ما في التوقيت من التحديد والضبط ، ومنه مواقيت الحج ، وهي أماكن ~~يحرم الحاج بالحج عندها لا يتجاوزها حلالا . ومنه قول ابن عباس : ( لم يوقت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر حدا معينا ) . # ويصح حمله في هذه الآية على معنى المكان . # وقد ضمن { مجموعون } معنى مسوقون ، فتعلق به مجروره بحرف { إلى } ~~للانتهاء ، وإلا فإن ظاهر { مجموعون } أن يعدى بحرف ( في ) . PageV27P308 # وأفاد تعليق مجروره به بواسطة ( إلى ) أنه مسير إليه حتى ينتهي إليه ، ~~فدل على مكان . وهذا من الإيجاز . # وإضافة { ميقات } إلى { يوم معلوم } لأن التجمع واقع في ذلك اليوم . وإذ ms8209 ~~كان التجمع الواقع في اليوم واقعا في ذلك الميقات كانت بين الميقات واليوم ~~ملابسة صححت إضافة الميقات إليه لأدنى ملابسة وهذا أدق من جعل الإضافة ~~بيانية . وهذا تعريض بالوعيد بما يلقونه في ذلك اليوم الذي جحدوه . # ( 51 55 ) { } # هذا من جملة ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقوله لهم . # و { ثم } للترتيب الرتبي فإن في التصريح بتفصيل جزائهم في ذلك اليوم ما ~~هو أعظم وقعا في النفوس من التعريض الإجمالي بالوعيد الذي استفيد من قوله : ~~{ إن الأولين والآخرين لمجموعون } ( الواقعة : 49 ، 50 ) . # وهذا التراخي الرتبي مثل الذي في قوله تعالى : { قل بلى وربي لتبعثن ثم ~~لتنبؤن بما عملتم } ( التغابن : 7 ) بمنزلة الاعتراض بين جملة { إن الأولين ~~والآخرين } ( الواقعة : 49 ) وجملة : { خلقناكم فلولا تصدقون } ( الواقعة : ~~57 ) . # والخطاب موجه للمقول إليهم ما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يقوله ~~لهم فليس في هذا الخطاب التفات كما قد يتوهم ، وفي ندائهم بهذين الوصفين ~~إيماء إلى أنهما سبب ما لحقهم من الجزاء السيىء ، ووصفهم بأنهم : ضالون ~~مكذبون ، ناظر إلى قولهم : { أئذا متنا وكنا ترابا } ( الواقعة : 47 ) الخ ~~. # وقدم وصف { الضالون } على وصف { المكذبون } مراعاة لترتيب الحصول لأنهم ~~ضلوا عن الحق فكذبوا بالبعث ليحذروا من الضلال ويتدبروا في دلائل البعث ~~وذلك مقتضى خطابهم بهذا الإنذار بالعذاب المتوقع . PageV27P309 # وشجر الزقوم : من شجر العذاب ، تقدم في سورة الدخان . # والحميم : الماء الشديد الغليان ، وقد تقدم في قوله تعالى : { لهم شراب ~~من حميم في سورة الأنعام وتقدم قريبا في هذه السورة . # والمقصود من قوله : فمالئون منها البطون } تفظيع حالهم في جزائهم على ما ~~كانوا عليه من الترف في الدنيا بملء بطونهم بالطعام والشراب ملئا أنساهم ~~إقبالهم عليه وشربهم من التفكر في مصيرهم . # وقد زيد تفظيعا بالتشبيه في قوله : { فشاربون شرب الهيم } ، كما سيأتي ، ~~وإعادة فعل ( شاربون ) للتأكيد وتكرير استحضار تلك الصورة الفظيعة . ومعنى ~~{ شاربون عليه } يجوز أن يكون ( على ) فيه للاستعلاء ، أي شاربون فوقه ~~الحميم ، ويجوز مع ذلك استفادة معنى ( مع ) من حرف ( على ) تعجيبا من ms8210 فظاعة ~~حالهم ، أي يشربون هذا الماء المحرق مع ما طعموه من شجر الزقوم الموصوفة في ~~آية أخرى بأنها { يغلي في البطون كغلي الحميم } ( الدخان : 45 ، 46 ) فيفيد ~~أنهم يتجرعونه ولا يستطيعون امتناعا . # و { من } الداخلة على { شجر } ابتدائية ، أي آكلون أكلا يؤخذ من شجر ~~الزقوم ، و { من } الثانية الداخلة على { زقوم } بيانية لأن الشجر هو ~~المسمى بالزقوم . # وتأنيث ضمير الشجر في قوله : { فمالئون منها البطون } لأن ضمائر الجمع ~~لغير العاقل تأتي مؤنثة غالبا . # وأما ضمير { عليه } فإنما جاء بصيغة المذكر لأنه عائد على الأكل المستفاد ~~من قوله : { لآكلون } ، أي على ذلك الأكل بتأويل المصدر باسم المفعول مثل ~~الخلق بمعنى المخلوق . # والهيم : جمع أهيم ، وهو البعير الذي أصابه الهيام بضم الهاء ، وهو داء ~~يصيب الإبل يورثها حمى في الأمعاء فلا تزال تشرب ولا تروى ، أي شاربون من ~~الحميم شربا لا ينقطع فهو مستمرة آلامه . PageV27P310 # وقرأ نافع وعاصم وحمزة وأبو جعفر { شرب } بضم الشين اسم مصدر شرب ، وقرأ ~~الباقون بفتح الشين وهو المصدر لشرب . ورويت عن ابن عمر عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بسند صححه الحاكم ، وخبر الواحد لا يزيد المتواتر قوة فكلتا ~~القراءتين متواتر . # والفاء في قوله : { فشاربون عليه من الحميم } عطف على { لآكلون } لإفادة ~~تعقيب أكل الزقوم ب { شرب الهيم } دون فترة ولا استراحة . # وإعادة { فشاربون } توكيد لفظي لنظيره ، وفائدة هذا التوكيد زيادة تقرير ~~ما في هذا الشرب من الأعجوبة وهي أنه مع كراهته يزدادون منه كما ترى الأهيم ~~، فيزيدهم تفظيعا لأمعائهم لإفادة التعجيب من حالهم تعجيبا ثانيا بعد الأول ~~، فإن كونهم شاربين للحميم على ما هو عليه من تناهي الحرارة أمر عجيب ، ~~وشربهم له كما تشرب الإبل الهيم في الإكثار أمر عجيب أيضا ، فكانتا صفتين ~~مختلفتين . # اعتراض بين جمل الخطاب موجه إلى السامعين غيرهم فليس في ضمير الغيبة ~~التفات . # والإشارة بقوله : { هذا } إلى ما ذكر من أكل الزقوم وشرب الهيم . # والنزل بضم النون وضم الزاي وسكونها ما يقدم للضيف من طعام . وهو هنا ~~تشبيه تهكمي كالاستعارة التهكمية ms8211 في قول عمرو بن كلثوم : # نزلتم منزل الأضياف منا # فعجلنا القرى أن تشتمونا # قرينانكم فعجلنا قراكم # قبيل الصبح مرداة طحونا # وقول أبي الشعر الضبي ، واسمه موسى بن سحيم : # وكنا إذا الجبار بالجيش ضافنا # جعلنا القنا والمرهفات له نزلا PageV27P311 # و { يوم الدين } يوم الجزاء ، أي هذا جزاؤهم على أعمالهم نظير قوله آنفا ~~{ جزاء بما كانوا يعملون } ( الواقعة : 24 ) . وجعل يوم الدين وقتا لنزلهم ~~مؤذن بأن ذلك الذي عبر عنه بالنزل جزاء على أعمالهم . وهذا تجريد للتشبيه ~~التهكمي وهو قرينة على التهكم كقول عمرو بن كلثوم : ( مرداة طحونا ) . # أعقب إبطال نفيهم البعث بالاستدلال على إمكانه وتقريب كيفية الإعادة التي ~~أحالوها فاستدل على إمكان إعادة الخلق بأن الله خلقهم أول مرة فلا يبعد أن ~~يعيد خلقهم ، قال تعالى : { كما بدأنا أول خلق نعيده } ( الأنبياء : 104 ) ~~لأنهم لم يكونوا ينكرون ذلك ، وليس المقصود إثبات أن الله خلقهم . # وهذا الكلام يجوز أن يكون من تمام ما أمر بأن يقوله لهم ، ويجوز أن يكون ~~استئنافا مستقلا . والخطاب على كلا الوجهين موجه للسامعين فليس في ضمير { ~~خلقناكم } التفات . # وتقدم المسند إليه على المسند الفعلي لإفادة تقوي الحكم ردا على إحالتهم ~~أن يكون الله قادرا على إعادة خلقهم بعد فناء معظم أجسادهم حين يكونون ~~ترابا وعظاما ، فهذا تذكير لهم بما ذهلوا عنه بأن الله هو خلقهم أول مرة ~~وهو الذي يعيد خلقهم ثاني مرة ، فإنهم وإن كانوا يعلمون أن الله خلقهم لما ~~لم يجروا على موجب ذلك العلم بإحالتهم إعادة الخلق نزلوا منزلة من يشك في ~~أن الله خلقهم ، فالمقصود بتقوي الحكم الإفضاء إلى ما سيفرع عنه من قوله : ~~{ أفرأيتم ما تمنون إلى قوله : وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم } ( ~~الواقعة : 58 61 ) . ونظير هذه الآية في نسج نظمها والترتيب عليها قوله ~~تعالى : { نحن خلقناهم وشددنا أسرهم وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا في ~~سورة الإنسان . # وموقعها استدلال وعلة لمضمون جملة إن الأولين والأخرين لمجموعون } ( ~~الواقعة : 49 ، 50 ) ولذلك لم تعطف . PageV27P312 # وفرع على هذا التذكير تحضيضهم على التصديق ms8212 ، أي بالخلق الثاني وهو البعث ~~فإن ذلك هو الذي لم يصدقوا به . # ( 58 ، 59 ) # تفريع على { نحن خلقناكم } ( الواقعة : 57 ) ، أي خلقناكم الخلق الذي لم ~~تروه ولكنكم توقنون بأنا خلقناكم فتدبروا في خلق النسل لتعلموا أن إعادة ~~الخلق تشبه ابتداء الخلق . وذكرت كائنات خمسة مختلفة الأحوال متحدة المآل ~~إذ في كلها تكوين لموجود مما كان عدما ، وفي جميعها حصول وجود متدرج إلى أن ~~تتقوم بها الحياة وابتدىء بإيجاد النسل من ماء ميت ، ولعله مادة الحياة ~~بنسلكم في الأرحام من النطف تكوينا مسبوقا بالعدم . # والاستفهام للتقرير بتعيين خالق الجنين من النطفة إذ لا يسعهم إلا أن ~~يقروا بأن الله خالق النسل من النطفة وذلك يستلزم قدرته على ما هو من نوع ~~إعادة الخلق . # وإنما ابتدىء الاستدلال بتقديم جملة { أأنتم تخلقونه } زيادة في إبطال ~~شبهتهم إذ قاسوا الأحوال المغيبة على المشاهدة في قلوبهم لا نعاد بعد أن ~~كنا ترابا وعظاما ، وكان حقهم أن يقيسوا على تخلق الجنين من مبدأ ماء ~~النطفة فيقولوا : لا تتخلق من النطفة الميتة أجسام حية كما قالوا : لا تصير ~~العظام البالية ذواتا حية ، وإلا فإنهم لم يدعوا قط أنهم خالقون ، فكان ~~قوله : { أأنتم تخلقونه } تمهيدا للاستدلال على أن الله هو خالق الأجنة ~~بقدرته ، وأن تلك القدرة لا تقصر عن الخلق الثاني عند البعث . # وفعل الرؤية في ( أرأيتم ) من باب ( ظن ) لأنه ليس رؤية عين . وقال الرضي ~~: هو في مثله منقول من رأيت ، بمعنى أبصرت أو عرفت ، كأنه قيل : أأبصرت ~~حاله العجيبة أو أعرفتها ، أخبرني عنها ، فلا يستعمل إلا في الاستخبار عن ~~حالة عجيبة لشيء اه ، أي لأن أصل فعل الرؤية من أفعال الجوارح لا من أفعال ~~العقل . PageV27P313 # و { ما تمنون } مفعول أول لفعل { أفرأيتم } . وفي تعدية فعل ( أرأيتم ) ~~إليه إجمال إذ مورد فعل العلم على حال من أحوال ما تمنون ، ففعل ( رأيتم ) ~~غير وارد على نفس { ما تمنون } . فكانت جملة { أأنتم تخلقونه } بيانا لجملة ~~{ أفرأيتم ما تمنون } ، وأعيد حرف الاستفهام ليطابق البيان مبينه . # وبهذا الاستفهام صار فعل { أرأيتم ms8213 } معلقا عن العمل في مفعول ثان لوجود ~~موجب التعليق وهو الاستفهام . قال الرضي : إذ صدر المفعول الثاني بكلمة ~~الاستفهام فالأولى أن لا يعلق فعل القلب عن المفعول الأول نحو : علمت زيدا ~~أي من هو ) . اه . # وتقديم المسند إليه على المسند الفعلي في { أأنتم تخلقونه } لإفادة ~~التقوي لأنهم لما نزلوا منزلة من يزعم ذلك كما علمت صيغت جملة نفيه بصيغة ~~دالة على زعمهم تمكن التصرف في تكوين النسل . # وقد حصل من نفي الخلق عنهم وإثباته لله تعالى معنى قصر الخلق على الله ~~تعالى . # و { أم } متصلة معادلة الهمزة ، وما بعدها معطوف لأن الغالب أن لا يذكر ~~له خبر اكتفاء بدلالة خبر المعطوف عليه على الخبر المحذوف ، وههنا أعيد ~~الخبر في قوله : { أم نحن الخالقون } زيادة في تقرير إسناد الخلق إلى الله ~~في المعنى وللإيفاء بالفاصلة وامتداد نفس الوقف ، ويجوز أن نجعل { أم } ~~منقطعة بمعنى ( بل ) لأن الاستفهام ليس بحقيقي فليس من غرضه طلب تعيين ~~الفاعل ويكون الكلام قد تم عند قوله : { تخلقونه } . # والمعنى : أتظنون أنفسكم خالقين النسمة مما تمنون . # ( 60 ، 61 ) { لله } # . # استدلال بإماتة الأحياء على أنها مقدورة لله تعالى ضرورة أنهم موقنون بها ~~PageV27P314 ومشاهدونها ووادون دفعها أو تأخيرها ، فإن الذي قدر على خلق ~~الموت بعد الحياة قادر على الإحياء بعد الموت إذ القدرة على حصول شيء تقتضي ~~القدرة على ضده فلا جرم أن القادر على خلق حي مما ليس فيه حياة وعلى إماتته ~~بعد الحياة قدير على التصرف في حالتي إحيائه وإماتته ، وما الإحياء بعد ~~الإماتة إلا حالة من تينك الحقيقتين ، فوضح دليل إمكان البعث ، وهذا مثل ~~قوله تعالى : { وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم إن الإنسان لكفور } ( ~~الحج : 66 ) . # هذا أصل المفاد من قوله : { نحن قدرنا بينكم الموت } ثم هو مع ذلك تنبيه ~~على أن الموت جعله الله طورا من أطوار الإنسان لحكمة الانتقال به إلى ~~الحياة الأبدية بعد إعداده لها بما تهيئه له أسباب الكمال المؤهلة لتلك ~~الحياة لتتم المناسبة بين ذلك العالم وبين عامريه . وقد مضى ms8214 الكلام على ذلك ~~عند تفسير قوله تعالى : { أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون ~~في سورة المؤمنين . # فهذا وجه التعبير بقدرنا بينكم الموت } دون : نحن نميتكم ، أي أن الموت ~~مجعول على تقدير معلوم مراد ، مع ما في مادة { قدرنا } من التذكير بالعلم ~~والقدرة والإرادة لتتوجه أنظار العقول إلى ما في طي ذلك من دقائق وهي كثيرة ~~، وخاصة في تقدير موت الإنسان الذي هو سبيل إلى الحياة الكاملة إن أخذ لها ~~أسبابها . # وفي كلمة { بينكم } معنى آخر ، وهو أن الموت يأتي على آحادهم تداولا ~~وتناوبا ، فلا يفلت واحد منهم ولا يتعين لحلوله صنف ولا عمر فآذن ظرف ( بين ~~) بأن الموت كالشيء الموضوع للتوزيع لا يدري أحد متى يصيبه قسطه منه ، ~~فالناس كمن دعوا إلى قسمة مال أو ثمر أو نعم لا يدري أحد متى ينادى عليه ~~ليأخذ قسمه ، أو متى يطير إليه قطه ولكنه يوقن بأنه نائله لا محاله . # وبهذا كان في قوله : { بينكم الموت } استعارة مكنية إذ شبه الموت بمقسوم ~~ورمز إلى المشبه به بكلمة { بينكم } الشائع استعمالها في القسمة ، قال ~~تعالى : { أن الماء قسمة بينهم } ( القمر : 28 ) . وفي هذه الاستعارة كناية ~~عن كون الموت فائدة ومصلحة للناس إما في الدنيا لئلا تضيق بهم الأرض ~~والأرزاق وإما في الآخرة فللجزاء الوفاق . PageV27P315 # وتقديم المسند إليه على المسند الفعلي لإفادة تقوي الحكم وتحقيقه ، ~~والتحقيق راجع إلى ما اشتمل عليه التركيب من فعل { قدرنا } وظرف { بينكم } ~~في دلالتهما على ما في خلق الموت من الحكمة التي أشرنا إليها . # وقرأ الجمهور { قدرنا } بتشديد الدال . وقرأه ابن كثير بالتخفيف وهما ~~بمعنى واحد ، فالتشديد مصدره التقدير ، والتخفيف مصدره القدر . # . # هذا نتيجة لما سبق من الاستدلال على أن الله قادر على الإحياء بعد الموت ~~فكان مقتضى الظاهر أن يعطف بفاء التفريع ويترك عطفه فعدل عن الأمرين ، وعطف ~~بالواو عطف الجمل فيكون جملة مستقلة مقصودا لذاته لأن مضمونه يفيد النتيجة ~~، ويفيد تعليما اعتقاديا ، فيحصل الإعلام به تصريحا وتعريضا ، فالصريح منه ~~التذكير بتمام قدرة الله تعالى وأنه لا ms8215 يغلبه غالب ولا تضيق قدرته عن شيء ، ~~وأنه يبدلهم خلقا آخر في البعث مماثلا لخلقهم في الدنيا ، ويفيد تعريضا ~~بالتهديد باستئصالهم وتعويضهم بأمة أخرى كقوله تعالى : { إن يشأ يذهبكم ~~ويأتت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز } ( إبراهيم : 19 ، 20 ) ولو جيء ~~بالفاء لضاقت دلالة الكلام عن المعنيين الآخرين . # والسبق : مجاز من الغلبة والتعجيز لأن السبق يستلزم ان السابق غالب ~~للمسبوق ، فالمعنى : وما نحن بمغلوبين ، قال الفقعسي مرة بن عداء : # كأنك لم تسبق من الدهر مرة # إذا أنت أدركت الذي كنت تطلب # ويتعلق { على أن نبدل أمثالكم } ب { مسبوقين } لأنه يقال : غلبه على كذا ~~، إذا حال بينه وبين نواله ، وأصله : غلبه على كذا ، أي تمكن من كذا دونه ~~قال تعالى : { والله غالب على أمره } ( يوسف : 21 ) . ويكون الوقف على قوله ~~: { أمثالكم } . PageV27P316 # ويجوز أن يكون { على أن نبدل أمثالكم } في موضع الحال من ضمير { قدرنا } ~~( الواقعة : 60 ) ، أي قدرنا الموت على أن نحييكم فيما بعد إدماجا لإبطال ~~قولهم : { أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون } ( الواقعة : 47 ) ~~فتكون ( على ) بمعنى ( مع ) وتكون حالا مقدرة ، وهذا كقول الواعظ : ( على ~~شرط النقض رفع البنيان ، وعلى شرط الخروج دخلت الأرواح للأبدان ) ويكون ~~متعلق ( مسبوقين ) محذوفا دالا عليه المقام ، أي ما نحن بمغلوبين فيما ~~قدرناه من خلقكم وإماتتكم ، ويجعل الوقف على ( مسبوقين ) . # ويفيد قوله : { نحن قدرنا بينكم الموت } الخ وراء ذلك عبرة بحال الموت ~~بعد الحياة فإن في تقلب ذينك الحالين عبرة وتدبرا في عظيم قدرة الله وتصرفه ~~فيكون من هذه الجهة وزانه وزان قوله الآتي : { لو نشاء لجعلناه حطاما } ( ~~الواقعة : 65 ) وقوله : { لو نشاء جعلناه أجاجا } ( الواقعة : 70 ) وقوله : ~~{ نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين } ( الواقعة : 73 ) . # ومعنى : { أن نبدل أمثالكم } : نبدل بكم أمثالكم ، أي نجعل أمثالكم بدلا ~~. # وفعل ( بدل ) ينصب مفعولا واحدا ويتعدى إلى ما هو في معنى المفعول الثاني ~~بحرف الباء ، وهو الغالب أو ب ( من ) البدلية فإن مفعول ( بدل ) صالح لأن ~~يكون مبدلا ومبدلا منه ، وقد تقدم في سورة البقرة قوله تعالى ms8216 : { أتستبدلون ~~الذي هو أدنى ، وفي سورة النساء عند قوله : ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ، ~~فالتقدير هنا : على أن نبدل منكم أمثالكم ، فحذف ، متعلق نبدل } وأبقي ~~المفعول لأن المجرور أولى بالحذف . # والأمثال : جمع مثل بكسر الميم وسكون المثلثة وهو النظير ، أي نخلق ذوات ~~مماثلة لذواتكم التي كانت في الدنيا ونودع فيها أرواحكم . وهذا يؤذن بأن ~~الإعادة عن عدم لا عن تفريق . وقد تردد في تعيين ذلك علماء السنة والكلام . # ويجوز أن يفيد معنى التهديد بالاستئصال ، أي لو شئنا استئصالكم لما ~~أعجزتمونا فيكون إدماجا للتهديد في أثناء الاستدلال ويكون من باب قوله ~~تعالى : { إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد } ( إبراهيم : 19 ) . PageV27P317 # { وننشئكم } عطف على { نبدل } ، أي ما نحن بمغلوبين على إنشائكم . # وهذا العطف يحتمل أن يكون عطف مغاير بالذات فيكون إنشاؤهم شيئا آخر غير ~~تبديل أمثالهم ، أي نحن قادرون على الأمرين جميعا ، فتبديل أمثالهم خلق ~~أجساد أخرى تودع فيها الأرواح ، وأما إنشاؤهم فهو نفخ الأرواح في الأجساد ~~الميتة الكاملة وفي الأجساد البالية بعد إعادتها بجمع متفرقها أو بإنشاء ~~أمثالها من ذواتها مثل : عجب الذنب ، وهذا إبطال لاستبعادهم البعث بعد ~~استقرار صور شبهتهم الباعثة على إنكار البعث . # ويحتمل أن يكون عطف مغاير بالوصف بأن يراد من قوله : { وننشئكم في ما لا ~~تعلمون } الإشارة إلى كيفية التبديل إشارة على وجه الإبهام . # وعطف بالواو دون الفاء لأنه بمفرده تصوير لقدرة الله تعالى وحكمته بعدما ~~أفاده قوله : { أن نبدل أمثالكم } من إثبات أن الله قادر على البعث . # و { ما } من قوله : { في ما لا تعلمون } صادقة على الكيفية ، أو الهيئة ~~التي يتكيف بها الإنشاء ، أي في كيفية لا تعلمونها إذ لم تحيطوا علما ~~بخفايا الخلقة . وهذا الإجمال جامع لجميع الصور التي يفرضها الإمكان في بعث ~~الأجساد لإيداع الأرواح . # والظرفية المستفادة من { في } ظرفية مجازية معناها قوة الملابسة الشبيهة ~~بإحاطة الظرف بالمظروف كقوله : { فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك } ( ~~الانفطار : 7 ، 8 ) . # ومعنى { لا تعلمون } : أنهم لا يعلمون تفاصيل تلك الأحوال . # أعقب دليل إمكان البعث المستند للتنبيه ms8217 على صلاحية القدرة الإلهية لذلك ~~ولسد منافذ الشبهة بدليل من قياس التمثيل ، وهو تشبيه النشأة الثانية ~~بالنشأة الأولى المعلومة عندهم بالضرورة ، فنبهوا ليقيسوا عليها النشأة ~~الثانية في أنها إنشاء من أثر قدرة الله وعلمه ، وفي أنهم لا يحيطون علما ~~بدقائق حصولها . PageV27P318 # فالعلم المنفي في قوله : { فيما لا تعلمون } ( الواقعة : 61 ) ، هو العلم ~~التفصيلي ، والعلم المثبت في قوله : { ولقد علمتم النشأة الأولى } هو العلم ~~الإجمالي ، والإجمالي كافف في الدلالة على التفصيلي إذ لا أثر للتفصيل في ~~الإعتقاد . # وفي المقابلة بين قوله : { في ما لا تعلمون } ( الواقعة : 61 ) بقوله : { ~~ولقد علمتم } محسن الطباق . # ولما كان علمهم بالنشأة الأولى كافيا لهم في إبطال إحالتهم النشأة ~~الثانية رتب عليه من التوبيخ ما لم يرتب مثله على قوله : { وما نحن ~~بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون } ( الواقعة : 60 ، ~~61 ) فقال : { فلولا تذكرون } ، أي هلا تذكرتم بذلك فأمسكتم عن الجحد ، ~~وهذا تجهيل لهم في تركهم قياس الأشباه على أشباهها ، ومثله قوله آنفا : { ~~نحن خلقناكم فلولا تصدقون } ( الواقعة : 57 ) . # وجيء بالمضارع في قوله : { تذكرون } للتنبيه على أن باب التذكر مفتوح فإن ~~فاتهم التذكر فيما مضى فليتداركوه الآن . # وقرأ الجمهور { النشأة } بسكون الشين تليها همزة مفتوحة مصدر نشأ على وزن ~~المرة وهي مرة للجنس . وقرأه ابن كثير وأبو عمرو وحده بفتح الشين بعدها ألف ~~تليها همزة ، وهو مصدر على وزن الفعالة على غير قياس ، وقد تقدم في سورة ~~العنكبوت . # ( 63 ، 64 ) # انتقال إلى دليل آخر على إمكان البعث وصلاحية قدرة الله له بضرب آخر من ~~ضروب الإنشاء بعد العدم . # فالفاء لتفريع ما بعدها على جملة : { نحن خلقناكم فلولا تصدقون } ( ~~الواقعة : 57 ) كما فرع عليه قوله : { أفرأيتم ما تمنون } ( الواقعة : 58 ) ~~ليكون الغرض من هذه الجمل متحدا وهو الاستدلال على إمكان البعث ، فقصد ~~تكرير الاستدلال وتعداده بإعادة جملة PageV27P319 { أفرأيتم } وإن كان ~~مفعول فعل الرؤية مختلفا وسيجيء نظيره في قوله بعده { أفرأيتم الماء الذي ~~تشربون } ( الواقعة : 68 ) وقوله : { أفرأيتم النار التي تورون } ( الواقعة ~~: 71 ) . # وإن شئت ms8218 جعلت الفاء لتفريع مجرد استدلال على استدلال لا لتفريع معنى ~~معطوفها على معنى المعطوف عليه ، على أنه لما آل الاستدلال السابق إلى عموم ~~صلاحية القدرة الإلهية جاز أيضا أن تكون هذه الجملة مرادا بها تمثيل بنوع ~~عجيب من أنواع تعلقات القدرة بالإيجاد دون إرادة الاستدلال على خصوص البعث ~~فيصح جعل الفاء تفريعا على جملة { أفرأيتم ما تمنون } من حيث إنها اقتضت ~~سعة القدرة الإلهية . # ومناسبة الانتقال من الاستدلال بخلق النسل إلى الاستدلال بنبات الزرع هي ~~التشابه البين بين تكوين الإنسان وتكوين النبات ، قال تعالى : { والله ~~أنبتكم من الأرض نباتا } ( نوح : 17 ) . # والقول في { أفرأيتم ما تحرثون } نظير قوله : { أفرأيتم ما تمنون } ( ~~الواقعة : 58 ) . # و { ما تحرثون } موصول وصلة والعائد محذوف . # والحرث : شق الأرض ليزرع فيها أو يغرس . # وظاهر قوله : { ما تحرثون } أنه الأرض إلا أن هذا لا يلائم ضمير { ~~تزرعونه } فتعين تأويل { ما تحرثون } بأن يقدر : ما تحرثون له ، أي لأجله ~~على طريقة الحذف والإيصال ، والذي يحرثون لأجله هو النبات ، وقد دل على هذا ~~ضمير النصب في { أأنتم تزرعونه } لأنه استفهام في معنى النفي والذي ينفى هو ~~ما ينبت من الحب لا بذره . # فإن فعل ( زرع ) يطلق بمعنى : أنبت ، قال الراغب : الزرع : الإنبات ، ~~لقوله تعالى : { أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون } فنفى عنهم الزرع ونسبه ~~إلى نفسه اه واقتصر عليه ، ويطلق فعل ( زرع ) بمعنى : بذر الحب في الأرض ~~لقول صاحب ( لسان العرب ) : زرع الحب : بذره ، أي ومنه سمي الحب الذي يبذر ~~في الأرض زريعة لكن لا ينبغي حمل الآية على هذا الإطلاق . فالمعنى : ~~أفرأيتم PageV27P320 الذي تحرثون الأرض لأجله ، وهو النبات ما أنتم تنبتونه ~~بل نحن ننبته . # وجملة { أأنتم تزرعونه } الخ بيان لجملة { أفرأيتم ما تحرثون } كما تقدم ~~في { أأنتم تخلقونه } ( الواقعة : 59 ) والاستفهام في { أأنتم تزرعونه } ~~إنكاري كالذي في قوله : { أأنتم تخلقونه . # والقول في موقع أم } من قوله : { أم نحن الزارعون } كالقول في موقع ~~نظيرتها من قوله : { أم نحن الخالقون } ( الواقعة : 59 ) أي أن ( أم ) ~~منقطعة للإضراب . # وكذلك القول في تقديم ms8219 المسند إليه على الخبر الفعلي في قوله : { أأنتم ~~تزرعونه } مثل ما في قوله : { أأنتم تخلقونه } ( الواقعة : 59 ) . # وكذلك القول في نفي الزرع عنهم وإثباته لله تعالى يفيد معنى قصر الزرع ، ~~أي الإنبات على الله تعالى ، أي دونهم ، وهو قصر مبالغة لعدم الاعتداد بزرع ~~الناس . # ويؤخذ من الآية إيماء لتمثيل خلق الأجسام خلقا ثانيا مع الانتساب بين ~~الأجسام البالية والأجسام المجددة منها بنبات الزرع من الحبة التي هي ~~منتسبة إلى سنبلة زرع أخذت هي منها فتأتي هي بسنبلة مثلها . # ( 65 67 ) # جملة { لو نشاء لجعلناه حطاما } ، موقعها كموقع جملة : { نحن قدرنا بينكم ~~الموت } ( الواقعة : 60 ) في أنها استدلال بإفنائه ما أوجده على انفراده ~~بالتصرف إيجادا وإعداما ، تكلمة لدليل إمكان البعث . # واللام في قوله : { لجعلناه } مفيدة للتأكيد . ويكثر اقتران جواب ( لو ) ~~بهذه اللام إذا كان ماضيا مثبتا كما يكثر تجرده عنها كما سيجيء في الآية ~~الموالية لهذه . # والحطام : الشيء الذي حطمه حاطم ، أي كسره ودقه فهو بمعنى المحطوم ، ~~PageV27P321 كما تدل عليه زنة فعال مثل الفتات والجذاد والدقاق ، وكذلك ~~المقترن منه بهاء التأنيث كالقصاصة والقلامة والكناسة والقمامة . # والمعنى : لو نشاء لجعلنا ما ينبت بعد خروجه من الأرض حطاما بأن نسلط ~~عليه ما يحطمه من برد أو ريح أو حشرات قبل أن تنتفعوا به ، فالمراد جعله ~~حطاما قبل الانتفاع به . وأما أن يؤول إلى الكون حطاما فذلك معلوم فلا يكون ~~مشروطا بحرف ( لو ) الامتناعية . # وقوله : { فظلتم تفكهون إنا لمغرمون بل نحن محرومون } تفريع على جملة { ~~لجعلناه حطاما } أي يتفرع على جعله حطاما أن تصيروا تقولون : إنا لمغرمون ~~بل نحن محرومون ، ففعل ( ظلتم ) هنا بمعنى : صرتم ، وعلى هذا حمله جميع ~~المفسرين . # وأعضل وقع فعل { تفكهون } ، فعن ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد : ~~تفكهون تعجبون ، وعن عكرمة : تتلاومون ، وعن الحسن وقتادة : تندمون ، وقال ~~ابن كيسان : تحزنون ، وقال الكسائي : هو تلهف على ما فات ، وهو أي فعل { ~~تفكهون } من الأضداد تقول العرب : تفكهت ، أي تنعمت ، وتفكهت ، أي حزنت اه ~~. # ذلك أن فعل { تفكهون } من مادة فكه والمشهور ms8220 أن هذه المادة تدل على ~~المسرة والفرح ولكن السياق سياق ضد المسرة ، وبيانه بقوله : { إنا لمغرمون ~~بل نحن محرومون } يؤيد ذلك ، فالفكاهة : المسرة والانبساط ، وادعى الكسائي ~~أنها من أسماء الأضداد واعتمده في ( القاموس ) إذ قال : وتفكه ، أكل ~~الفاكهة وتجنب عن الفاكهة ضده . قال ابن عطية : وهذا كله أي ما روي عن ابن ~~عباس وغيره في تفسير { فظلتم تفكهون } لا يخص اللفظة ( أي هو تفسير بحاصل ~~المعنى دون معاني الألفاظ ) والذي يخص اللفظة هو تطرحون الفاكهة ( كذا ولعل ~~صوابه الفكاهة ) عن أنفسكم وهي المسرة والجذل ، ورجل فكه ، إذا كان منبسط ~~النفس غير مكترث بشيء اه . يعني أن صيغة التفعل فيه مطاوعة فعل الذي تضعيفه ~~للإزالة مثل قشر العود وقرد البعير وأثبت صاحب ( القاموس ) هذا القول ونسبه ~~إلى ابن عطية . PageV27P322 # وجعلوا جملة { إنا لمغرمون } تندما وتحسرا ، أي تعلمون أن حطم زرعكم ~~حرمان من الله جزاء لكفركم ، ومعنى { مغرمون } من الغرام وهو الهلاك كما في ~~قوله تعالى : { إن عذابها كان غراما } ( الفرقان : 65 ) . وهذا شبيه بما في ~~سورة القلم من قوله تعالى : { فلما رأوها قالوا إنا لضالون إلى قوله : إنا ~~كنا طاغين } ( القلم : 26 31 ) . # فتحصل أن معنى الآية يجوز أن يكون جاريا على ظاهر مادة فعل { تفكهون } ~~ويكون ذلك تهكما بهم حملا لهم على معتاد أخلاقهم من الهزل بآيات الله ، ~~وقرينة التهكم ما بعده من قوله عنهم { إنا لمغرمون بل نحن محرومون . # ويجوز أن يكون محمل الآية على جعل تفكهون } بمعنى تندمون وتحزنون ، ولذلك ~~كان لفعل { تفكهون } هنا وقع يعوضه غيره . # وجملة { إنا لمغرمون } مقول قول محذوف هو حال من ضمير { تفكهون } . # وقرأ الجمهور { إنا لمغرمون } بهمزة واحدة وهي همزة ( إن ) ، وقرأه أبو ~~بكر عن عاصم { أإنا } بهمزيتن همزة استفهام وهمزة ( إن ) . # ( 68 ، 69 ) # هذا على طريقة قوله : { أفرأيتم ما تحرثون } ( الواقعة : 63 ) الآية ، ~~تفريعا واستفهاما ، وفعل رؤية . # ومناسبة الانتقال أن الحرث إنما ينبت زرعه وشجره بالماء فانتقل من ~~الاستدلال بتكوين النبات إلى الاستدلال بتكوين الماء الذي به حياة الزرع ~~والشجر . ووصف ms8221 { الماء } ب { الذي تشربون } إدماج للمنة في الاستدلال ، أي ~~الماء العذب الذي تشربونه ، فإن شرب الماء من أعظم النعم على الإنسان ~~ليقابل بقوله بعده : { لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون } ( الواقعة : 70 ~~) . # والمراد ماء المطر ولذلك قال : { أأنتم أنزلتموه من المزن } ، والمراد : ~~أنزلتموه PageV27P323 على بلادكم وحروثكم . وماء المطر هو معظم شراب العرب ~~المخاطبين حينئذ ولذلك يقال للعرب : بنو ماء السماء . # والمزن : اسم جمع مزنة وهي السحابة . # ووجه الاستدلال إنشاء ما به الحياة بعد أن كان معدوما بأن كونه الله في ~~السحاب بحكمة تكوين الماء . فكما استدل بإيجاد الحي من أجزاء ميتة في خلق ~~الإنسان والنبات استدل بإيجاد ما به الحياة عن عدم تقريبا لإعادة الأجسام ~~بحكمة دقيقة خفية ، أي يجوز أن يمطر الله مطرا على ذوات الأجساد الإنسانية ~~يكون سببا في تخلقها أجسادا كاملة كما كانت أصولها ، كما تتكون الشجرة من ~~نواة أصلها ، وقد تم الاستدلال على البعث عند قوله : { أم نحن المنزلون } . # وقوله : { أأنتم أنزلتموه من المزن } جعل استدلالا منوطا بإنزال الماء من ~~المزن ، على طريقة الكناية بإنزاله ، عن تكوينه صالحا للشراب ، لأن إنزاله ~~هو الذي يحصل منه الانتفاع به ولذلك وصف بقوله : { الذي تشربون } . وأعقب ~~بقوله { لو نشاء جعلناه أجاجا } ( الواقعة : 70 ) فحصل بين الجملتين احتباك ~~كأنه قيل : أأنتم خلقتموه عذبا صالحا للشرب وأنزلتموه من المزن لو نشاء ~~جعلناه أجاجا ولأمسكناه في سحاباته أو أنزلناه على البحار أو الخلاء فلم ~~تنتفعوا به . # موقعها كموقع جملة { لو نشاء لجعلناه حطاما } ( الواقعة : 65 ) والمعنى : ~~لو نشاء جعلناه غير نافع لكم . فهذا استدلال بأنه قادر على نقض ما في الماء ~~من الصلاحية للنفع بعد وجود صورة المائية فيه . فوزان هذا وزان قوله : { ~~نحن قدرنا بينكم الموت } ( الواقعة : 60 ) وقوله : { لو نشاء لجعلناه حطاما ~~} ( الواقعة : 65 ) . # وتخلص من هذا التتميم إلى الامتنان بقوله : { فلولا تشكرون } تحضيضا لهم ~~على الشكر ونبذ الكفر والشرك . # وحذفت اللام التي شأنها أن تدخل على جواب { لو } الماضي المثبت لأنها لام ~~زائدة لا تفيد إلا التوكيد فكان حذفها ms8222 إيجازا في الكلام . PageV27P324 # وذكر الشيخ محمد بن سعيد الحجري التونسي في حاشيته على شرح الأشموني ~~للألفية المسماة ( زواهر الكواكب ) عن كتاب ( البرهان في إعجاز القرآن ) ~~هذا الاسم سمي به كتابان أحدهما لكمال الدين محمد المعروف بابن الزملكاني ~~والثاني : لابن أبي الأصبع أنه قال : فإن قيل لم أكد الفعل باللام في الزرع ~~ولم يؤكد ، في الماء ؟ قلت : لأن الزرع ونباته وجفافه بعد النضارة حتى يعود ~~حطاما مما يحتمل أنه من فعل الزارع أو أنه من سقي الماء ، وجفافه من عدم ~~السقي ، فأخبر سبحانه أنه الفاعل لذلك على الحقيقة وأنه قادر على جعله ~~حطاما في حال نموه لو شاء ، وإنزال الماء من السماء مما لا يتوهم أن لأحد ~~قدرة عليه غير الله تعالى اه . # وحذف هذه اللام قليل إلا إذا وقعت { لو } وشرطها صلة لموصول فيكثر حذف ~~هذه اللام للطول وهو الذي جزم به ابن مالك في ( التسهيل ) وتبعه الرضي ~~كقوله تعالى : { وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم } ( ~~النساء : 9 ) وإن قال المرادي والدماميني في ( شرحيهما ) : إن هذا لا يعرف ~~لغير المصنف ، قال الرضي : وكذلك إذا طال الشرط بذيوله كقوله تعالى : { ولو ~~أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات ~~الله } ( لقمان : 27 ) ، أي وأما في غير ذلك فحذف اللام قليل ولكنه تكرر في ~~القرآن في عدة مواضع منها هذه الآية . وللفخر كلام في ضابط حذف هذه اللام ، ~~ليس له تمام . # ( 71 ، 72 ) # هو مثل سابقه في نظم الكلام . # ومناسبة الانتقال من الاستدلال بخلق الماء إلى الاستدلال بخلق النار هي ~~ما تقدم في مناسبة الانتقال إلى خلق الماء من الاستدلال بخلق الزرع والشجر ~~، فإن النار تخرج من الشجر بالاقتداح وتذكى بالشجر في الاشتعال والالتهاب . # وهذا استدلال على تقريب كيفية الإحياء للبعث من حيث إن الاقتداح إخراج ~~والزند الذي به إيقاد النار يخرج من أعواد الاقتداح وهي ميتة . PageV27P325 # وفي قوله : { التي تورون } إدماج للامتنان في الاستدلال بما تقدم في قوله ~~: { أفرأيتم الماء ms8223 الذي تشربون } ( الواقعة : 68 ) . # وهو أيضا وصف للمقصود من الدليل وهو النار التي تقتدح من الزند لا النار ~~الملتهبة . وضمير شجرتها عائد إلى النار . # وشجرة النار : هي جنس الشجر الذي فيه حراق ، أي ما يقتدح منه النار وهو ~~شجر الزند أو الزناد وأشجار النار كثيرة منها المرخ ( بفتح فسكون ) والعفار ~~( بفتح العين ) والعشر ( بضم ففتح ) والكلخ ( بفتح فسكون ) ومن الأمثال ( ~~في كل شجر نار ، واستمجد المرخ والعفار ) أي أكثر من النار . # و { تورون } : مضارع أورى الزند إذا حكه بمثله يستخرج منه النار كانوا ~~يضعون عودا من شجر النار ويحكونه من أعلاه بعود مثله فتخرج النار من العود ~~الأسفل ويسمى العود الأعلى زندا ( بفتح الزاي وسكون النون ) وزنادا ( بكسر ~~الزاي ) ويسمى الأسفل زندة بهاء تأنيث في آخره ، شبهوا العود الأعلى بالفحل ~~وشبهوا العود الأسفل بالطروقة وقد تابع ذو الرمة هذا المعنى في وصفه ~~الاقتداح للنار فقال على شبه الإلغاز : # وسقط كعين الديك عاورت صاحبي # أباها وهيأنا لموقعها وكرا # مشهرة لا تمكن الفحل أمها # إذا نحن لم نمسك بأطرافها قسرا # وحذف العائد على الموصول لأن ضمير النصب يكثر حذفه من الصلة ، وتقديره : ~~التي تورونها . # وتعدية { تورون } إلى ضمير { النار } تعدية على تقدير مضاف ، أي تورون ~~شجرتها كما دل عليه قوله : { أأنتم أنشأتم شجرتها } ، وقد شاع هذا الحذف في ~~الكلام فقالوا : أورى النار كما قالوا : أورى الزناد . # وجملة { أأنتم أنشأتم شجرتها } الخ بيان لجملة { أفرأيتم النار } الخ كما ~~تقدم في قوله : { أأنتم تخلقونه } ( الواقعة : 59 ) . PageV27P326 # الجملة بدل اشتمال من جملة { أم نحن المنشئون } ( الواقعة : 72 ) ، أي أن ~~إنشاء النار كان لفوائد وحكما منها أن تكون تذكرة للناس يذكرون بها نار ~~جهنم ويوازنون بين إحراقها وإحراق جهنم التي يعلمون أنها أشد من نارهم . # والمتاع : ما يتمتع ، أي ينتفع به زمانا ، وتقدم في قوله : { قل متاع ~~الدنيا قليل في سورة النساء . # والمقوي : الداخل في القواء ( بفتح القاف والمد ) وهي القفر ، ويطلق ~~المقوي على الجائع لأن جوفه أقوت ، أي خلقت من الطعام إذ كلا الفعلين مشتق ms8224 ~~من القوى وهو الخلاء . وفراغ البطن : قواء وقوى . فإيثار هذا الوصف في هذه ~~الآية ليجمع المعنيين فإن النار متاع للمسافرين يستضيئون بها في مناخهم ~~ويصطلون بها في البرد ويراها السائر ليلا في القفر فيهتدي إلى مكان النزل ~~فيأوي إليهم ، ومتاع للجائعين يطبخون بها طعامهم في الحضر والسفر ، وهذا ~~إدماج للامتنان في خلال الاستدلال . واختير هذان الوصفان لأن احتياج ~~أصحابهما إلى النار أشد من احتياج غيرهما . # } # رتب على ما مضى من الكلام المشتمل على دلائل عظمة القدرة الإلهية وعلى ~~أمثال لتقريب البعث الذي أنكروا خبره ، وعلى جلائل النعم المدمجة في أثناء ~~ذلك أن أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بأن ينزهه تنزيها خاصا معقبا لما ~~تفيضه عليه تلك الأوصاف الجليلة الماضية من تذكر جديد يكون التنزيه عقبه ~~ضربا من التذكر في جلال ذاته والتشكر لآلائه فإن للعبادات مواقع تكون هي ~~فيها أكمل منها في دونها ، فيكون لها من الفضل ما يجزل ثوابه فالرسول صلى ~~الله عليه وسلم لا يخلو عن تسبيح ربه والتفكر في عظمة شأنه ولكن لاختلاف ~~التسبيح والتفكر من تجدد ملاحظة النفس ما يجعل لكل حال من التفكر مزايا ~~تكسبه خصائص وتزيده ثوابا . PageV27P327 # فالجملة عطف على جملة { قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى قوله : ~~ومتاعا للمقوين } ( الواقعة : 49 73 ) ، وهي تذييل . # والتسبيح : التنزيه ، وقد تقدم عند قوله تعالى : { ونحن نسبح بحمدك في ~~سورة البقرة . # واسم الرب : هو ما يدل على ذاته وجماع صفاته وهو اسم الجلالة ، أي بأن ~~يقول : سبحان الله ، فالتسبيح لفظ يتعلق بالألفاظ . # ولما كان الكلام موضوعا للدلالة على ما في النفس كان تسبيح الاسم مقتضيا ~~تنزيه مسماه وكان أيضا مقتضيا أن يكون التسبيح باللفظ مع الإعتقاد لا مجرد ~~الإعتقاد لأن التسبيح لما علق بلفظ اسم تعين أنه تسبيح لفظي ، أي قل كلاما ~~فيه معنى التنزيه ، وعلقه باسم ربك ، فكل كلام يدل على تنزيه الله مشمول ~~لهذا الأمر ولكن محاكاة لفظ القرآن أولى وأجمع بأن يقول : سبحان الله . ~~ويؤيد هذا ما قالته عائشة رضي الله عنها ms8225 إنه لما نزل قوله تعالى : فسبح ~~بحمد ربك واستغفره } ( النصر : 3 ) كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~في سجوده : سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي يتأول القرآن ) أي ~~يتأوله على إرادة ألفاظه . # والباء الداخلة على { اسم } زائدة لتوكيد اللصوق ، أي اتصالل الفعل ~~بمفعوله وذلك لوقوع الأمر بالتسبيح عقب ذكر عدة أمور تقتضيه حسبما دلت عليه ~~فاء الترتيب فكان حقيقا بالتقوية والحث عليه ، وهذا بخلاف قوله : { سبح اسم ~~ربك الأعلى } ( الأعلى : 1 ) لوقوعه في صدر جملته كقوله : { يأيها الذين ~~آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا } ( الأحزاب : 41 ، 42 ) ~~. # وهذا الأمر شامل للمسلمين بقرينة أن القرآن متلو لهم وأن ما تفرع الأمر ~~عليه لا يختص علمه بالنبي صلى الله عليه وسلم فلما أمر بالتسبيح لأجله ~~فكذلك من علمه من المسلمين . # والمعنى : إذ علمتم ما أنزلنا من الدلائل وتذكرتم ما في ذلك من النعم ~~فنزهوا الله وعظموه بقصارى ما تستطيعون . PageV27P328 # و { العظيم } صالح لأن يجعل وصفا ل { ربك } ، وهو عظيم بمعنى ثبوت جميع ~~الكمال له وهذا مجاز شائع ملحق بالحقيقة ؛ وصالح لأن يكون وصفا ل { اسم } ~~والاسم عظيم عظمة مجازية ليمنه ولعظمة المسمى به . # ( 75 80 ) { } # تفريع على جملة { قل إن الأولين والأخرين لمجموعون } ( الواقعة : 49 ، 50 ~~) يعرب عن خطاب من الله تعالى موجه إلى المكذبين بالبعث القائلين : { أإذا ~~متنا وكنا ترابا وعظاما إنا لمبعوثون } ( الواقعة : 47 ) ، انتقل به إلى ~~التنويه بالقرآن لأنهم لما كذبوا بالبعث وكان إثبات البعث من أهم ما جاء به ~~القرآن وكان مما أغراهم بتكذيب القرآن اشتماله على إثبات البعث الذي عدوه ~~محالا ، زيادة على تكذيبهم به في غير ذلك مما جاء به من إبطال شركهم ~~وأكاذيبهم ، فلما قامت الحجة على خطئهم في تكذيبهم ، فقد تبين صدق ما ~~أنبأهم به القرآن فثبت صدقه ولذلك تهيأ المقام للتنويه بشأنه . # والفاء لتفريع القسم على ما سبق من أدلة وقوع البعث فإن قوله : { قل إن ~~الأولين والأخرين لمجموعون } ( الواقعة : 49 ، 50 ) ، إخبار بيوم البعث ~~وإنذار لهم به ms8226 وهم قد أنكروه ، ولأجل استحالته في نظرهم القاصر كذبوا ~~القرآن وكذبوا من جاء به ، ففرع على تحقيق وقوع البعث والإنذار به تحقيق أن ~~القرآن منزه عن النقائص وأنه تنزيل من الله وأن الذي جاء به مبلغ عن الله . # فتفريع القسم تفريع معنوي باعتبار المقسم عليه ، وهو أيضا تفريع ذكري ~~باعتبار إنشاء القسم إن قالوا لكم : أقسم بمواقع النجوم . # وقد جاء تفريع القسم على ما قبله بالفاء تفريعا في مجرد الذكر في قول ~~زهير : # فأقسمت بالبيت الذي طاف حوله # رجال بنوه من قريش وجرهم # عقب أبيات النسيب من معلقته ، وليس بين النسيب وبين ما تفرع عنه من ~~PageV27P329 القسم مناسبة وإنما أراد أن ما بعد الفاء هو المقصود من القصيد ~~، وإنما قدم له النسيب تنشيطا للسامع وبذلك يظهر البون في النظم بين الآية ~~وبين بيت زهير . # و { لا أقسم } بمعنى : أقسم ، و ( لا ) مزيدة للتوكيد ، وأصلها نافية تدل ~~على أن القائل لا يقدم على القسم بما أقسم به خشية سوء عاقبة الكذب في ~~القسم . # وبمعنى أنه غير محتاج إلى القسم لأن الأمر واضح الثبوت ، ثم كثر هذا ~~الاستعمال فصار مرادا تأكيد الخبر فساوى القسم بدليل قوله عقبه : { وإنه ~~لقسم لو تعلمون عظيم } ، وهذا الوجه الثاني هو الأنسب بما وقع من مثله في ~~القرآن . # وعلى الوجهين فهو إدماج للتنويه بشأن ما لو كان مقسما لأقسم به . وعلى ~~الوجه الثاني يكون قوله : { وإنه لقسم } بمعنى : وإن المذكور لشيء عظيم ~~يقسم به المقسمون ، فإطلاق قسم عليه من إطلاق المصدر وإرادة المفعول كالخلق ~~بمعنى المخلوق . # وعن سعيد بن جبير وبعض المفسرين : أنهم جعلوا ( لا ) حرفا مستقلا عن فعل ~~{ أقسم } واقعا جوابا لكلام مقدر يدل عليه بعده من قوله : { إنه لقرآن كريم ~~} ردا على أقوالهم في القرآن أنه شعر ، أو سحر ، أو أساطير الأولين ، أو ~~قول كاهن ، وجعلوا قوله : { أقسم } استئنافا . وعليه بمعنى الكلام مع فاء ~~التفريع أنه تفرع على ما سطع من أدلة إمكان البعث ما يبطل قولكم في القرآن ~~فهو ليس كما تزعمون بل هو ms8227 قرآن كريم الخ . # و { مواقع النجوم } جمع موقع يجوز أن يكون مكان الوقوع ، أي محال وقوعها ~~من ثوابت وسيارة . والوقوع يطلق على السقوط ، أي الهوى ، فمواقع النجوم ~~مواضع غروبها فيكون في معنى قوله تعالى : { والنجم إذا هوى } ( النجم : 1 ) ~~والقسم بذلك مما شمله قوله تعالى : { فلا أقسم برب المشارق والمغارب } ( ~~المعارج : 40 ) . وجعل { مواقع النجوم } بهذا المعنى مقسما به لأن تلك ~~المساقط في حال سقوط النجوم عندها تذكر بالنظام البديع المجعول لسير ~~الكواكب كل ليلة لا يختل ولا يتخلف ، وتذكر PageV27P330 بعظمة الكواكب ~~وبتداولها خلفة بعد أخرى ، وذلك أمر عظيم يحق القسم به الراجع إلى القسم ~~بمبدعه . # ويطلق الوقوع على الحلول في المكان ، يقال : وقعت الإبل ، إذا بركت ، ~~ووقعت الغنم في مرابضها ، ومنه جاء اسم الواقعة للحادثة كما تقدم ، ~~فالمواقع : محال وقوعها وخطوط سيرها فيكون قريبا من قوله : { والسماء ذات ~~البروج } ( البروج : 1 ) . # والمواقع هي : أفلاك النجوم المضبوطة السير في أفق السماء ، وكذلك بروجها ~~ومنازلها . # وذكر ( مواقع النجوم ) على كلا المعنيين تنويه بها وتعظيم لأمرها لدلالة ~~أحوالها على دقائق حكمة الله تعالى في نظام سيرها وبدائع قدرته على تسخيرها ~~. # ويجوز أن يكون ( مواقع ) جمع موقع المصدر الميمي للوقوع . # ومن المفسرين من تأول النجوم أنها جمع نجم وهو القسط الشيء من مال وغيره ~~كما يقال : نجوم الديات والغرامات وجعلوا النجوم ، أي الطوائف من الآيات ~~التي تنزل من القرآن وهو عن ابن عباس وعكرمة فيؤول إلى القسم بالقرآن على ~~حقيقته على نحو ما تقدم في قوله تعالى : { والكتاب المبين إنا جعلناه قرآنا ~~عربيا } ( الزخرف : 2 ، 3 ) . # وجملة { وإنه لقسم لو تعلمون عظيم } معترضة بين القسم وجوابه . # وضمير { إنه } عائد إلى القسم المذكور في { لا أقسم بمواقع النجوم } ، أو ~~عائدا إلى مواقع النجوم بتأويله بالمذكور فيكون قسم بمعنى مقسم به كما علمت ~~آنفا . # ويجوز أن يعود إلى المقسم عليه وهو ما تضمنه جواب القسم من قوله : { إنه ~~لقرآن كريم } . # وجملة { لو تعلمون } معترضة بين الموصوف وصفته وهي اعتراض في اعتراض . # والعلم الذي اقتضى شرط ms8228 { لو } الامتناعية عدم حصوله لهم إن جعلت ~~PageV27P331 ضمير { إنه } عائدا على القسم هو العلم التفصيلي بأحوال مواقع ~~النجوم ، فإن المشركين لا يخلون من علم إجمالي متفاوت بأن في تلك المواقع ~~عبرة للناظرين ، أو نزل ذلك العلم الإجمالي منزلة العدم لأنهم بكفرهم لم ~~يجروا على موجب ذلك العلم من توحيد الله فلو علموا ما اشتملت عليه أحوال ~~مواقع النجوم من متعلقات صفات الله تعالى لعلموا أنها مواقع قدسية لا يحلف ~~بها إلا بار في يمينه ولكنهم بمعزل عن هذا العلم ، فإن جلالة المقسم به مما ~~يزع الحالف عن الكذب في يمينه . ودليل انتفاء علمهم بعظمته أنهم لم يدركوا ~~دلالة ذلك على توحيد الله بالإلهية فأثبوا له شركاء لم يخلقوا شيئا من ذلك ~~ولا ما يدانيه فتلك آية أنهم لم يدركوا ما في طي ذلك من دلائل حتى استوى ~~عندهم خالق ما في تلك المواقع وغير خالقها . # فأما إن جعلت ضمير { وإنه لقسم } عائدا إلى المقسم عليه فالمعنى : لو ~~تعلمون ذلك لما احتجتم إلى القسم . # وقرأ الجمهور { بمواقع } بصيغة الجمع بفتح الواو وبعدها ألف ، وقرأه حمزة ~~والكسائي وخلق { بموقع } سكون الواو دون ألف بعدها بصيغة المفرد على أنه ~~مصدر ميمي ، أي بوقوعها ، أي غروبها ، أو هو اسم لجهة غروبها كقوله : { رب ~~المشرق والمغرب } ( المزمل : 9 ) . # ومفعول { تعلمون } محذوف دل عليه الكلام ، أي لو تعلمون عظمته ، أي دلائل ~~عظمته ، ولك أن تجعل فعل { تعلمون } منزلا منزلة اللازم ، أي لو كان لكم ~~علم لكنكم لا تتصفون بالعلم . # وضمير { إنه لقرآن كريم } راجع إلى غير مذكور في الكلام لكونه معلوما ~~مستحضرا لهم . # والقرآن : الكلام المقروء ، أي المتلو المكرر ، أي هو كلام متعظ به محل ~~تدبر وتلاوة ، وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى : { وما تكون في شأن وما تتلوا ~~منه من قرآن في سورة يونس . PageV27P332 # والكريم : النفيس الرفيع في نوعه كما تقدم عند قوله تعالى : إني ألقي إلي ~~كتاب كريم في سورة النمل . # وهذا تفضيل للقرآن على أفراد نوعه من الكتب الإلهية مثل التوراة والإنجيل ~~والزبور ms8229 ومجلة لقمان ، وفضله عليها بأنه فاقها في استيفاء أغراض الدين ~~وأحوال المعاش والمعاد وإثبات المعتقدات بدلائل التكوين . والإبلاغ في دحض ~~الباطل دحضا لم يشتمل على مثله كتاب سابق ، وخاصة الإعتقاد ، وفي وضوح ~~معانيه ، وفي كثرة دلالته مع قلة ألفاظه ، وفي فصاحته ، وفي حسن آياته ، ~~وحسن مواقعها في السمع وذلك من آثار ما أراد الله به من عموم الهداية به ، ~~والصلاحية لكل أمة ، ولكل زمان ، فهذا وصف للقرآن بالرفعة على جميع الكتب ~~حقا لا يستطيع المخالف طعنا فيه . # وبعد أن وصف القرآن بكريم } ، وصف وصفا ثانيا بأنه { في كتاب مكنون } ~~وذلك وصف كرامة لا محالة ، فليس لفظ { كتاب } ولا وصف { مكنون } مرادا بهما ~~الحقيقة إذ ليس في حمل ذلك على الحقيقة تكريم ، فحرف ( في ) للظرفية ~~المجازية . # والكتاب المكنون : مستعار لموافقة ألفاظ القرآن ومعانيه ما في علم الله ~~تعالى وإرادته وأمره الملك بتبليغه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وتلك ~~شؤون محجوبة عنا فلذلك وصف الكتاب بالمكنون اشتقاقا من الاكتنان وهو ~~الاستتار ، أي محجوب عن أنظار الناس فهو أمر مغيب لا يعلم كنهه إلا الله . # وحاصل ما يفيده معنى هذه الآية : أن القرآن الذي بلغهم وسمعوه من النبي ~~صلى الله عليه وسلم هو موافق لما أراد الله إعلام الناس به وما تعلقت قدرته ~~بإيجاد نظمه المعجز ، ليكمل له وصف أنه كلام الله تعالى وأنه لم يصنعه بشر ~~. # ونظير هذه الظرفية قوله تعالى : { وما تسقط من ورقة إلا يعلمها إلى قوله ~~: إلا في كتاب مبين في سورة الأنعام ، وقوله : وما يعمر من معمر ولا ينقص ~~من عمره إلا في كتاب } ( فاطر : 11 ) أي إلا جاريا على وفق ما علمه الله ~~وجرى به قدره ، فكذلك قوله هنا : { في كتاب مكنون } ، فاستعير حرف الظرفية ~~لمعنى مطابقة ما هو عند PageV27P333 الله ، تشبيها لتلك المطابقة باتحاد ~~المظروف بالظرف . وقريب منه قوله تعالى : { إن هذا لفي الصحف الأولى صحف ~~إبراهيم وموسى } ( الأعلى : 18 ، 19 ) وهذا أولى من اعتبار المجاز في إسناد ~~الوصف بالكون في كتاب مكنون إلى قرآن ms8230 كريم على طريقة المجاز العقلي باعتبار ~~أن حقيقة هذا المجاز وصف مماثل القرآن ومطابقه لأن المماثل ملابس لمماثله . # واستعير الكتاب للأمر الثابت المحقق الذي لا يقبل التغيير ، فالتأم من ~~استعارة الظرفية لمعنى المطابقة ، ومن استعارة الكتاب للثابت المحقق معنى ~~موافقة معاني هذا القرآن لما عند الله من متعلق علمه ومتعلق إرادته وقدرته ~~وموافقة ألفاظه لما أمر الله بخلقه من الكلام الدال على تلك المعاني على ~~أبلغ وجه ، وقريب من هذه الاستعارة قول بشر بن أبي حازم أو الطرماح : # وجدنا في كتاب بني تميم # أحق الخيل بالركض المعار # وليس لبني تميم كتاب ولكنه أطلق الكتاب على ما تقرر من عوائدهم ومعرفتهم ~~. # وجملة { لا يمسه إلا المطهرون } صفة ثانية ل { كتاب } . # و { المطهرون } : الملائكة ، والمراد الطهارة النفسانية وهي الزكاء . ~~وهذا قول جمهور المفسرين وفي ( الموطأ ) قال مالك : أحسن ما سمعت في هذه ~~الآية { لا يمسه إلا المطهرون } أنها بمنزلة هذه الآية التي في عبس وتولى ( ~~11 16 ) قول الله تبارك وتعالى : { كلا إنها تذكرة فمن شاء ذكره في صحف ~~مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة اه . يريد أن المطهرون } هم ~~السفرة الكرام البررة وليسوا الناس الذين يتطهرون . # ومعنى المس : الأخذ وفي الحديث : ( مس من طيبة ) ، أي أخذ . ويطلق المس ~~على المخالطة والمطالعة قال يزيد بن الحكم الكلابي : # مسسنا من الآباء شيئا فكلنا # إلى حسب في قومه غير واضع # قال المرزوقي في شرح هذا البيت من ( الحماسة ) : ( مسسنا ) يجوز أن يكون ~~PageV27P334 بمعنى أصبنا واختبرنا لأن المس باليد يقصد به الاختبار . ويجوز ~~أن يكون بمعنى طلبنا ا ه . فالمعنى : أن الكتاب لا يباشر نقل ما يحتوي عليه ~~لتبليغه إلا الملائكة . # والمقصود من هذا أن القرآن ليس كما يزعم المشركون قول كاهن فإنهم يزعمون ~~أن الكاهن يتلقى من الجن والشياطين ما يسترقونه من أخبار السماء بزعمهم ، ~~ولا هو قول شاعر إذ كانوا يزعمون أن لكل شاعر شيطانا يملي عليه الشعر ، ولا ~~هو أساطير الأولين ، لأنهم يعنون بها الحكايات المكذوبة التي يتلهى بها أهل ~~الأسمار ms8231 ، فقال الله : إن هذا القرآن مطابق لما عند الله الذي لا يشاهده ~~إلا الملائكة المطهرون . # وجملة { تنزيل من رب العالمين } مبينة لجملة { في كتاب مكنون لا يمسه إلا ~~المطهرون } فهي تابعة لصفة القرآن ، أي فبلوغه إليكم كان بتنزيل من الله ، ~~أي نزل به الملائكة . # وفي معنى نظم هذه الآية قوله تعالى : { وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ~~ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون تنزيل من رب العالمين } ( الحاقة : 41 43 ) ~~. # وإذ قد ثبتت هذه المرتبة الشريفة للقرآن كان حقيقا بأن تعظم تلاوته ~~وكتابته ، ولذلك كان من المأمور به أن لا يمس مكتوب القرآن إلا المتطهر ~~تشبها بحال الملائكة في تناول القرآن بحيث يكون ممسك القرآن على حالة تطهر ~~ديني وهو المعنى الذي تومىء إليه مشروعية الطهارة لمن يريد الصلاة نظير ما ~~في الحديث ( المصلي يناجي ربه ) . # وقد دلت آثار على هذا أوضحها ما رواه مالك في ( الموطأ ) مرسلا ( أن في ~~الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أقيال ذي رعين وقعافر ~~وهمذان وبعثها به مع عمرو بن حزم ( أن لا يمس القرآن إلا طاهر ) . وروى ~~الطبراني عن عبد الله بن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمس ~~القرآن إلا طاهر ) ، قال المناوي : وسنده صحيح وجعله السيوطي في مرتبة ~~الحسن . # وفي كتب السيرة أن عمر بن الخطاب قبل أن يسلم دخل على اخته وهي امرأة ~~PageV27P335 سعيد بن زيد فوجدها تقرأ القرآن من صحيفة مكتوب فيها سورة طه ~~فدعا بالصحيفة ليقرأها فقالت له : لا يمسه إلا المطهرون فقام فاغتسل وقرأ ~~السورة فأسلم ، فهذه الآية ليست دليلا لحكم مس القرآن بأيدي الناس ولكن ذكر ~~الله إياها لا يخلو من إرادة أن يقاس الناس على الملائكة في أنهم لا يمسون ~~القرآن إلا إذا كانوا طاهرين كالملائكة ، أي بقدر الإمكان من طهارة ~~الآدميين . # فثبت بهذا أن الأمر بالتطهر لمن يمسك مكتوبا من القرآن قد تقرر بين ~~المسلمين من صدر الإسلام في مكة . # وإنما اختلف الفقهاء في مقتضى هذا ms8232 الأمر من وجوب أو ندب ، فالجمهور رأوا ~~وجوب أن يكون ممسك مكتوب القرآن على وضوء وهو قول علي وابن مسعود وسعد ~~وسعيد وعطاء والزهري ومالك والشافعي ، وهو رواية عن أبي حنيفة ، وقال فريق ~~: إن هذا أمر ندب وهو قول ابن عباس والشعبي ، وروي عن أبي حنيفة وهو قول ~~أحمد وداود الظاهري . # قال مالك في ( الموطأ ) ( ولا يحمل أحد المصحف لا بعلاقته ولا على وسادة ~~إلا وهو طاهر إكراما للقرآن وتعظيما له ) . وفي سماع ابن القاسم من كتاب ~~الوضوء من ( العتبية ) في المسألة السادسة ( سئل مالك عن اللوح فيه القرآن ~~أيمس على غير وضوء ؟ فقال : أما للصبيان الذين يتعلمون فلا رأى به بأسا ، ~~فقيل له : فالرجل يتعلم فيه ؟ قال : أرجو أن يكون خفيفا ، فقيل لابن القاسم ~~: فالمعلم يشكل ألواح الصبيان وهو على غير وضوء ، قال : أرى ذلك خفيفا ) . ~~قال ابن رشد في ( البيان والتحصيل ) : ( لما يلحقه في ذلك من المشقة فيكون ~~ذلك سببا إلى المنع من تعلمه . وهذه هي العلة في تخفيف ذلك للصبيان . وأشار ~~الباجي في ( المنتقى ) إلى أن إباحة مس القرآن للمتعلم والمعلم هي لأجل ~~ضرورة التعلم . # وقد اعتبروا هذا حكما لما كتب فيه القرآن بقصد كونه مصحفا أو جزءا من ~~مصحف أو لوحا للقرآن ولم يعتبروه لما يكتب من آي القرآن على وجه الاقتباس ~~أو التضمين أو الاحتجاج ومن ذلك ما يكتب على الدنانير والدراهم وفي ~~الخواتيم . # والمراد بالطهارة عند القائلين بوجوبها الطهارة الصغرى ، أي الوضوء ، ~~وقال PageV27P336 ابن عباس والشعبي : يجوز مس القرآن بالطهارة الكبرى وإن ~~لم تكن الصغرى . # ومما يلتحق بهذه المسألة مسألة قراءة غير المتطهر القرآن وليست مما شملته ~~الآية ظاهرا ولكن لما كان النهي عن أن يمس المصحف غير متطهر لعله أن المس ~~ملابسة لمكتوب القرآن فقد يكون النهي عن تلاوة ألفاظ القرآن حاصلا بمفهوم ~~الموافقة المساوي أو الأحرى ، إذ النطق ملابسة كملابسة إمساك المكتوب منه ~~أو أشد وأحسب أن ذلك مثار اختلافهم في تلاوة القرآن لغير المتطهر . وإجماع ~~العلماء على أن غير المتوضىء يقرأ ms8233 القرآن مع اختلافهم في مس المصحف لغير ~~المتوضىء يشعر بأن مس المصحف في نظرهم أشد ملابسة من النطق بآيات القرآن . # قال مالك وأبو حنيفة والشافعي : لا يجوز للجنب قراءة القرآن ويجوز لغير ~~المتوضىء . وقلت : شاع بين المسلمين من عهد الصحابة العمل بأن لا يتلو ~~القرآن من كان جنبا ولم يوثر عنهم إفتاء بذلك . وقال أحمد وداود : تجوز ~~قراءة القرآن للجنب . ورخص مالك في قراءة اليسير منه كالآية والآيتين ، ولم ~~يشترط أحد من أهل العلم الوضوء على قارىء القرآن . # واختلف في قراءته للحائض والنفساء . وعن مالك في ذلك روايتان ، وأحسب أن ~~رواية الجواز مراعى فيها أن انتقاض طهارتهما تطول مدته فكان ذلك سببا في ~~الترخيص . # الفاء تفريع على ما سيق لأجله الكلام الذي قبلها في غرضه من التنويه بشأن ~~القرآن ، وهو الذي بحذو الفاء ، أو من إثبات البعث والجزاء وهو الذي حواه ~~معظم السورة ، وكان التنويه بالقرآن من مسبباته . # وأطبق المفسرون عدا الفخر على أن اسم الإشارة وبيانه بقوله : { فبهذا ~~الحديث } مشير إلى القرآن لمناسبة الانتقال من التنويه بشأنه إلى الإنكار ~~على المكذبين به . فالتفريع على قوله : { إنه لقرآن كريم } ( الواقعة : 77 ~~) الآية . PageV27P337 # والمراد ب { الحديث } إخبار الله تعالى بالقرآن وإرادة القرآن من مثل ~~قوله : { أفبهذا الحديث } واردة في القرآن ، أي في قوله في سورة القلم { ~~فذرني ومن يكذب بهذا الحديث وقوله في سورة النجم أفمن هذا الحديث تعجبون . # ويكون العدول عن الإضمار إلى اسم الإشارة بقوله : أفبهذا الحديث } دون أن ~~يقول : أفبه أنتم مدهنون ، إخراجا للكلام على خلاف مقتضى الظاهر لتحصل باسم ~~الإشارة زيادة التنويه بالقرآن . # وأما الفخر فجعل الإشارة من قوله : { أفبهذا الحديث } إشارة إلى ما ~~تحدثوا به من قبل في قوله تعالى : { وكانوا يقولون أئذا متنا وكنا ترابا ~~وعظاما إنا لمبعوثون أو آباؤنا الأولون } ( الواقعة : 47 ، 48 ) ، فإن الله ~~رد عليهم ذلك بقوله : { قل إن الأولين والآخرين } ( الواقعة : 49 ) الآية . ~~وبين أن ذلك كله إخبار من الله بقوله : { إنه لقرآن كريم } ( الواقعة : 77 ~~) ثم عاد إلى كلامهم فقال ms8234 : أفبهذا الحديث الذي تتحدثون به أنتم مدهنون ~~لأصحابكم اه ، أي على معنى قوله تعالى : { وقال إنما اتخذتم من دون الله ~~أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا } ( العنكبوت : 25 ) . # وإنه لكلام جيد ولو جعل المراد من ( هذا الحديث ) جميع ما تقدم من أول ~~السورة أصلا وتفريعا ، أي من هذا الكلام الذي قرع أسماعكم ، لكان أجود . ~~وإطلاق الحديث على خبر البعث أوضح لأن الحديث يراد به الخبر الذي صار حديثا ~~للقوم . # والتعريف في { الحديث } على كلا التفسيرين تعريف العهد . # والمدهن : الذي يظهر خلاف ما يبطن ، يقال : أدهن ، ويقال : داهن ، وفسر ~~أيضا بالتهاون وعدم الأخذ بالحزم ، وفسر بالتكذيب . # والاستفهام على كل التفاسير مستعمل في التوبيخ ، أي كلامكم لا ينبغي إلا ~~أن يكون مداهنة كما يقال لأحد قال كلاما باطلا : أتهزأ ، أي قد نهض برهان ~~صدق القرآن بحيث لا يكذب به مكذب إلا وهو لا يعتقد أنه كذب لأن حصول العلم ~~بما قام عليه البرهان لا يستطيع صاحبه دفعه عن نفسه ، فليس إصراركم ~~PageV27P338 على التكذيب بعد ذلك إلا مداهنة لقومكم تخشون إن صدقتم بهذا ~~الحديث أن تزول رئاستكم فيكون في معنى قوله تعالى : { فإنهم لا يكذبونك ~~ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون } ( الأنعام : 33 ) . # وعلى تفسير { مدهنون } بمعنى الإلانة ، فالمعنى : لا تتراخوا في هذا ~~الحديث وتدبروه وخذوا بالفور في اتباعه . # وإن فسر { مدهنون } بمعنى : تكذبون ، فالمعنى واضح . # وتقديم المجرور للاهتمام ، وصوغ الجملة الاسمية في { أنتم مدهنون } لأن ~~المقرر عليه إدهان ثابت مستمر . # إذا جرينا على ما فسر به المفسرون تكون هذه الجملة عطفا على جملة { ~~أفبهذا الحديث أنتم مدهنون } ( الواقعة : 81 ) عطف الجملة على الجملة فتكون ~~داخلة في حيز الاستفهام ومستقلة بمعناها . # والمعنى : أفتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ، وهو تفريع على ما تضمنه ~~الاستدلال بتكوين نسل الإنسان وخلق الحب ، والماء في المزن ، والنار من ~~أعواد الاقتداح ، فإن في مجموع ذلك حصول مقومات الأقوات وهي رزق ، والنسل ~~رزق ، يقال : رزق فلان ولدا ، لأن الرزق يطلق على العطاء النافع ، قال لبيد ~~: # رزقت مرابيع النجومم وصابها # ودق الرواعد جودها ms8235 فرهامها # أي أعطيت وقال تعالى : { ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون } ( ~~الذاريات : 57 ) فعطف الإطعام على الرزق والعطف يقتضي المغايرة . # والاستفهام المقدر بعد العاطف إنكاري ، وإذ كان التكذيب لا يصح أن يجعل ~~PageV27P339 رزقا تعين بدلالة الاقتضاء تقدير محذوف يفيده الكلام فقدره ~~المفسرون : شكر رزقكم ، أو نحوه ، أي تجعلون شكر الله على رزقه إياكم أن ~~تكذبوا بقدرته على إعادة الحياة ، لأنهم عدلوا عن شكر الله تعالى فيما أنعم ~~به عليهم فاستنقصوا قدرته على إعادة الأجسام ، ونسبوا الزرع لأنفسهم ، ~~وزعموا أن المطر تمطره النجوم المسماة بالأنواء فلذلك قال ابن عباس : نزلت ~~في قولهم : مطرنا بنوء كذا ، أي لأنهم يقولونه عن اعتقاد تأثير الأنواء في ~~خلق المطر ، فمعنى قول ابن عباس : نزلت في قولهم : مطرنا بنوء كذا ، أنه ~~مراد من معنى الآية . # قال ابن عطية : أجمع المفسرون على أن الآية توبيخ للقائلين في المطر الذي ~~ينزله الله رزقا : هذا بنوء كذا وكذا اه . # أشار هذا إلى ما روي في ( الموطأ ) عن زيد بن خالد الجهني قال : صلى لنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء فلما ~~انصرف النبي صلى الله عليه وسلم أقبل على الناس فقال : هل تدرون ماذا قال ~~ربكم ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم قال : قال أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر ، ~~فأما من قال : مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب ، وأما من ~~قال مطرنا بنوء كذا ونوء كذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب ، وليس فيه زيادة ~~فنزلت هذه الآية ولو كان نزولها يومئذ لقاله الصحابي الحاضر ذلك اليوم . # ووقع في ( صحيح مسلم ) عن ابن عباس أنه قال : ( مطر الناس على عهد النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال النبي أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر ، قالوا : ~~هذه رحمة الله ، وقال بعضهم : لقد صدق نوء كذا وكذا . قال فنزلت : { فلا ~~أقسم بمواقع النجوم } ( الواقعة : 75 ) حتى بلغ { وتجعلون رزقكم أنكم ~~تكذبون } فزاد على ما في حديث زيد بن خالد قوله فنزلت : { فلا ms8236 أقسم } الخ . # وزيادة الراوي مختلف في قبولها بدون شرط أو بشرط عدم اتحاد المجلس ، أو ~~بشرط أن لا يكون ممن لا يغفل مثله عن مثل تلك الزيادة عادة وهي أقوال لأئمة ~~الحديث وأصول الفقه ، وابن عباس لم يكن في سن أهل الرواية في مدة نزول هذه ~~السورة بمكة فعل قوله : فنزلت تأويل منه ، لأنه أراد أن الناس مطروا في مكة ~~PageV27P340 في صدر الإسلام فقال المؤمنون قولا وقال المشركون قولا فنزلت ~~آية { وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون } تنديدا على المشركين منهم بعقيدة من ~~العقائد التي أنكرها الله عليهم وأن ما وقع في الحديبية مطر آخر لأن السورة ~~نزلت قبل الهجرة . ولم يرو أن هذه الآية ألحقت بالسورة بعد نزول السورة . # ولعل الراوي عنه لم يحسن التعبير عن كلامه فأوهم بقوله فنزلت { فلا أقسم ~~بمواقع النجوم } ( الواقعة : 75 ) بأن يكون ابن عباس قال : فتلا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم { فلا أقسم بمواقع النجوم ، أو نحو تلك العبارة . وقد ~~تكرر مثل هذا الإيهام في أخبار أسباب النزول ويتأكد هذا صيغة تكذبون } لأن ~~قولهم : مطرنا بنوء كذا ، ليس فيه تكذيب بشيء ، ولذلك احتاج ابن عطية إلى ~~تأويله بقوله : ( فإن الله تعالى قال : { ونزلنا من السماء ماء مباركا ~~فأنبتنا به جنات وحب الحصيد والنخل باسقات لها طلع نضيد رزقا للعباد } ( ق ~~: 9 11 ) فهذا معنى { أنكم تكذبون } أي تكذبون بهذا الخبر . # والذي نحاه الفخر منحى آخر فجعل معنى { وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون } ~~تكملة للإدهان الذي في قوله تعالى : { أفبهذا الحديث أنتم مدهنون } ( ~~الواقعة : 81 ) فقال : ( أي تخافون أنكم إن صدقتم بالقرآن ومنعتم ضعفاءكم ~~عن الكفر يفوت عليكم من كسبكم ما تربحونه بسببهم فتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ~~الرسول أي فيكون عطفا على { مدهنون } ( الواقعة : 81 ) عطف فعل على اسم ~~شبيه به ، وهو من قبيل عطف المفردات ، أي أنتم مدهنون وجاعلون رزقكم أنكم ~~تكذبون ، فهذا التكذيب من الإدهان ، أي أنهم يعلمون صدق الرسول صلى الله ~~عليه وسلم ولكنهم يظهرون تكذيبه إبقاء على منافعهم فيكون كقوله تعالى : { ~~فإنهم ms8237 لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون } ( الأنعام : 33 ) . ~~وعلى هذا يقدر قوله : { أنكم تكذبون } مجرورا بباء الجر محذوفة ، والتقدير ~~: وتجعلون رزقكم بأنكم تكذبون ، أي تجعلون عوضه بأن تكذبوا بالبعث ) . ~~PageV27P341 # ( 83 87 ) { } . # مقتضى فاء التفريع أن الكلام الواقع بعدها ناشىء عما قبله على حسب ترتيبه ~~وإذ قد كان الكلام السابق إقامة أدلة على أن الله قادر على إعادة الحياة ~~للناس بعد الموت ، وأعقب ذلك بأن تلك الأدلة أيدت ما جاء في القرآن من ~~إثبات البعث ، وأنحى عليهم أنهم وضحت لهم الحجة ولكنهم مكابرون فيها ~~ومظهرون الجحود وهم موقنون بها في الباطن ، وكل ذلك راجع إلى الاستدلال ~~بقوة قدرة الله على إيجاد موجودات لا تصل إليها مدارك الناس ، انتقل الكلام ~~إلى الاستدلال على إثبات البعث بدليل لا محيص لهم عن الاعتراف بدلالته . # فالتفريع على جملة { ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون } ( الواقعة ~~: 62 ) وهو أن عجزهم عن إرجاع الروح عند مفارقتها الجسد ينبههم على أن تلك ~~المفارقة مقدرة في نظام الخلقة وأنها لحكمة . # فمعنى الكلام قد أخبركم الله بأنه يجازي الناس على أفعالهم ولذلك فهو ~~محييهم بعد موتهم لإجراء الجزاء عليهم ، وقد دلكم على ذلك بانتزاع أرواحهم ~~منهم قهرا ، فلو كان ما تزعمون من أنكم غير مجزيين بعد الموت لبقيت الأرواح ~~في أجسادها ، إذ لا فائدة في انتزاعها منها بعد إيداعها فيها لولا حكمة ~~نقلها إلى حياة ثانية ، ليجري جزاؤها على أفعالها في الحياة الأولى . # وهذا نظير الاستدلال على تفرد الله بالإلهية بأن في كينونة الموجودات ~~دلائل خلقية على أنها مخلوقة لله تعالى وذلك قوله تعالى : { ولله يسجد من ~~في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال } ( الرعد : 15 ) . ~~ومرجع هذا المعنى إلى أن هذا استدلال بمقتضى الحكمة الإلهية في حالة خلق ~~الإنسان فإن إيداع الأرواح في الأجساد تصرف من تصرف الله تعالى ، وهو ~~الحكيم ، فما نزع الأرواح من الأجساد بعد أن أودعها فيها مدة إلا لأن ~~انتزاعها مقتضى الحكمة أن تنتزع ، وانحصر ذلك في أن يجري عليها الحساب على ~~ما ms8238 اكتسبته في مدة الحياة الدنيا . PageV27P342 # وهذا كقوله تعالى : { أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون } ~~( المؤمنون : 115 ) ، فالله تعالى جعل الحياة الدنيا والآجال مدد عمل ، ~~وجعل الحياة الآخرة دار جزاء على الأعمال ، ولذلك أقام نظام الدنيا على ~~قاعدة الانتهاء لآجالل حياة الناس . # أما موت من كان قريبا من سن التكليف ومن دونه وموت العجماوات فذلك عارض ~~تابع لإجراء التكوين للأجساد الحية على نظام التكوين المتماثل ، وكذلك ما ~~يعرض لها من عوارض مهلكة اقتضاها تعارض مقتضيات الأنظام وتكوين الأمزجة من ~~صحة ومرض ، ومسالمة وعدوان . # فبقي الإشكال في جعل { ترجعونها } من جملة جواب شرط { إن } إذ لا يلزم من ~~عدم قدرتهم على صد الأرواح عن الخروج ، أن يكون خروجها لإجراء الحساب . ~~ودفع هذا الإشكال وجوب تأويل { ترجعونها } بمعنى تحاولون إرجاعها ، أي عدم ~~محاولتكم إرجاعها منذ العصور الأولى دليل على تسليمكم بعدم إمكان إرجاعها ، ~~وما ذلك إلا لوجوب خروجها من حياة الأعمال إلى حياة الجزاء . وأصل تركيب ~~هذه الجملة : فإذا كنتم صادقين في أنكم غير مدينين فلولا حاولتم عند كل ~~محتضر إذا بلغت الروح الحلقوم أن ترجعوها إلى مواقعها من أجزاء جسده فما ~~صرفكم عن محاولة ذلك إلا العلم الضروري بأن الروح ذاهبة لا محالة . فإذا ~~علمت هذا اتضح لك انتظام الآية التي نظمت نظما بديعا من الإيجاز ، وأدمج في ~~دليلها ما هو تكملة للإعجاز . # و ( لولا ) حرف تحضيض مستعمل هنا في التعجيز لأن المحضوض إذا لم يفعل ما ~~حض على فعله فقد أظهر عجزه والفعل المحضوض عليه هو { ترجعونها } ، أي ~~تحاولون رجوعها . # و { إذا بلغت } ظرف متعلق ب { ترجعونها } مقدم عليه لتهويله والتشويق إلى ~~الفعل المحضوض عليه . # والضمير المستتر في { بلغت } عائد على مفهوم من العبارات لظهور أن التي ~~PageV27P343 تبلغ الحلقوم هي الروح حذف إيجازا نحو قوله تعالى : { حتى ~~توارت بالحجاب } ( ص : 32 ) أي الشمس . و ( ال ) في { الحلقوم } للعهد ~~الجنسي . # وجملة { وأنتم حينئذ تنظرون } حال من ضمير { بلغت } ومفعول { تنظرون } ~~محذوف تقديره : تنظرون صاحبها ، أي صاحب الروح بقرينة قوله بعده ms8239 { ونحن ~~أقرب إليه } ، وفائدة هذه الحال تحقيق أن الله صرفهم عن محاولة إرجاعها مع ~~شدة أسفهم لموت الأعزة . # وجملة { ونحن أقرب إليه منكم } في موضع الحال من مفعول { تنظرون } ~~المحذوف ، أو معترضة والواو اعتراضية . # وأيا ما كانت فهي احتراس لبيان أن ثمة حضورا أقرب من حضورهم عند المحتضر ~~وهو حضور التصريف لأحواله الباطنة . # وقرب الله : قرب علمم وقدرة على حد قوله : { وجاء ربك } ( الفجر : 22 ) ~~أو قرب ملائكته المرسلين لتنفيذ أمره في الحياة والموت على حد قوله : { ~~ولقد جئناهم بكتاب } ( الأعراف : 52 ) ، أي جاءهم جبريل بكتاب ، قال تعالى ~~: { حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم } ( الأعراف : 37 ) . # وجملة { ولكن لا تبصرون } معترضة بين جملة { ونحن أقرب إليه منكم } وجملة ~~{ فلولا إن كنتم غير مدينين } وكلمة { فلولا } الثانية تأكيد لفظي لنظيرها ~~السابق أعيد لتبنى عليه جملة { ترجعونها } لطول الفصل . # وجملة { إن كنتم غير مدينين } معترضة أو حال من الواو في { ترجعونها } . # وجواب شرط { إن } محذوف دل عليه فعل { ترجعونها } . قال ابن عطية : وقوله ~~: { ترجعونها } سد مسد الأجوبة والبيانات التي تقتضيها التحضيضات ، و { إذا ~~} من قوله : { فلولا إذا بلغت } و ( إن ) المتكررة وحمل بعض القول بعضا ~~إيجاز أو اقتضابات ) اه . PageV27P344 # وجملة { إن كنتم صادقين } بيان لجملة { إن كنتم غير مدينين } وعلى ~~التفسير الأول لمعنى { مدينين } يكون وجه إعادة هذا الشرط مع أنه مما ~~استفيد بقوله : { إن كنتم غير مدينين } هو الإيماء إلى فرض الشرط في قوله : ~~{ إن كنتم غير مدينين } بالنسبة لما في نفس الأمر وأن الشرط في قوله : { إن ~~كنتم صادقين } هو فرض وتقدير لا وقوع له نفي البعث ، وعلى الوجه الثاني ~~يرجع قوله : { إن كنتم صادقين } إلى ما أفاده التحضيض ، وموقع فاء التفريع ~~من إرادة أن قبض الأرواح لتأخيرها إلى يوم الجزاء ، أي إن كنتم صادقين في ~~نفي البعث والجزاء . # وضمير التأنيث في قوله : { ترجعونها } عائد إلى الروح الدال عليه التاء ~~في قوله : { إذا بلغت الحلقوم } . # ومعنى الاستدراك في { ولكن لا تبصرون } راجع إلى قوله : { ونحن أقرب إليه ~~منكم } لرفع توهم قائل ms8240 : كيف يكون أقرب إلى المحتضر من العواد الحافين حوله ~~وهم يرون شيئا غيرهم يدفع ذلك بأنهم محجوبون عن رؤية أمر الله تعالى . # وجملة { ولكن لا تبصرون } معترضة ، والواو اعتراضية . ومفعول { تبصرون } ~~محذوف دل عليه قوله : { ونحن أقرب إليه } . # ومعنى { مدينين } مجازين على أعمالكم . وعلى هذا المعنى حمله جمهور ~~المتقدمين من المفسرين ابن عباس ومجاهد وجابر بن زيد والحسن وقتادة ، وعليه ~~جمهور المفسرين من المتأخرين على الإجمال ، وفسره الفراء والزمخشري { ~~مدينين } بمعنى : عبيد لله ، من قولهم : دان السلطان الرعية ، إذا ساسهم ، ~~أي غير مربوبين وهو بعيد عن السياق . # واعلم أن قوله : { إن كنتم غير مدينين } فرض وتقدير ف { إن } فيه بمنزلة ~~( لو ) ، أي لو كنتم غير مدينين ، أي غير مجزيين على الأعمال . # وأسند فعل { إن كنتم غير مدينين } إلى المخاطبين بضمير المخاطبين ، دون ~~أن يقول : إن كان الناس غير مدينين لأن المخاطبين هم الذين لأجل إنكارهم ~~البعث سيق هذا الكلام . والمعنى : لو كنتم أنتم وكان الناس غير مدينين لما ~~أخرجت PageV27P345 الأرواح من الأجساد إذ لا فائدة تحصل من تفريق ذينك ~~الإلفين لولا غرض سامم ، وهو وضع كل روح فيما يليق بها من عالم الخلود جزاء ~~على الأعمال ، ولذلك أوثر لفظ { غير مدينين } دون أن يقال : غير مبعوثين ، ~~أو غير معادين ، وإن كان لا يلزم من نفي الإدانة نفي البعث فإنه يجوز أن ~~يكون بعث بلا جزاء لكن ذلك لا يدعى لأنه عبث . # فقوله : { إن كنتم غير مدينين } إيماء إلى أن الغرض من سوق هذا الدليل ~~إبطال إنكارهم البعث الذي هو لحكمة الجزاء . # ومن مستتبعات هذا الكلام أن يفيد الإيماء إلى حكمة الموت بالنسبة للإنسان ~~لأنه لتخليص الأرواح من هذه الحياة الزائلة المملوءة باطلا إلى الحياة ~~الأبدية الحق التي تجري فيها أحوال الأرواح على ما يناسب سلوكها في الحياة ~~الدنيا ، كما أشار إليه قوله تعالى : { أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم ~~إلينا لا ترجعون } ( المؤمنون : 115 ) فيقتضي أنه لولا أنكم مدينون لما ~~انتزعنا الأرواح من أجسادها بعد أن جعلناها فيها ولأبقيناها لأن الروح ms8241 ~~الإنساني ليس كالروح الحيواني ، فتكون الآية مشتملة على دليلين : أحدهما ~~بحاق التركيب ، والآخر بمستتبعاته التي أومأ إليها قوله : { إن كنتم غير ~~مدينين } . والغرض الأول هو الذي ذيل بقوله : { إن كنتم صادقين } . # هذا تفسير الآية الذي يحيط بأوفر معانيها دلالة واقتضاء ومستتبعات . وجعل ~~في ( الكشاف ) معنى الآية يصب إلى إبطال ما يعتقده الدهريون ، أي الذين ~~يقولون { نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر } ( الجاثية : 24 ) ، لأنهم نفوا ~~أن يكونوا عبادا لله . وجعل معنى { مدينين } مملوكين لله ، وبذلك فسره ~~الفراء وقال ابن عطية : ( إنه أصح ما يقال في معنى اللفظة هنا ، ومن عبر ~~بمجازى أو بمحاسب ، فذلك هنا قلق ) . وقلت : في كلامه نظر ظاهر . # وجعل الزمخشري تفريعه على ما حكي من كلامهم السابق مبنيا على أن ما حكي ~~من كلامهم في الأنواء والتكذيب يفضي إلى مذهب التعطيل ، فاستدل عليهم بدليل ~~يقتضي وجود الخالق وهو كله ناء عن معنى الآية لأن الدهرية لا ينتحلها جميع ~~العرب بل هي نحلة طوائف قليلة منهم وناء عن متعارف ألفاظها وعن ترتيب ~~استدلالها . PageV27P346 # ( 88 94 ) { } # لما اقتضى الكلام بحذافره أن الإنسان صاحب الروح صائر إلى الجزاء فرع ~~عليه إجمال أحوال الجزاء في مراتب الناس إجمالا لما سبق تفصيله بقوله : { ~~وكنتم أزواجا ثلاثة إلى قوله : لا بارد ولا كريم } ( الواقعة : 7 44 ) ~~ليكون هذا فذلكة للسورة وردا لعجزها على صدرها . # فضمير { إن كان } عائد إلى ما عاد إليه ضمير { إليه } من قوله : { ونحن ~~أقرب إليه منكم } ( الواقعة : 85 ) . # والمقربون هم السابقون الذين تقدم ذكرهم في قوله تعالى : { والسابقون ~~السابقون أولئك المقربون } ( الواقعة : 85 ) وأصحاب اليمين قد تقدم ~~والمكذبون الضالون : هم أصحاب الشمال المتقدم ذكرهم . # وقد ذكر لكل صنف من هؤلاء جزاء لم يذكر له فيما تقدم ليضم إلى ما أعد له ~~فيما تقدم على طريقة القرآن في توزيع القصة . # والروح : بفتح الراء في قراءة الجمهور ، وهو الراحة ، أي فروح له ، أي هو ~~في راحة ونعيم ، وتقدم في قوله : { ولا تيأسوا من روح الله في سورة يوسف . ~~وقرأه رويس عن ms8242 يعقوب بضم الراء . ورويت هذه القراءة عن عائشة عن النبي عند ~~أبي داود والترمذي والنسائي ، أي أن رسول الله روي عنه الوجهان ، فالمشهور ~~روي متواترا ، والآخر روي متواترا وبالآحاد ، وكلاهما مراد . # ومعنى الآية على قراءة ضم الراء : أن روحه معها الريحان وهو الطيب وجنة ~~النعيم . وقد ورد في حديث آخر : أن روح المؤمن تخرج طيبة . وقيل : أطلق ~~الروح بضم الراء على الرحمة لأن من كان في رحمة الله فهو الحي حقا ، فهو ~~PageV27P347 ذو روح ، أما من كان في العذاب فحياته أقل من الموت ، قال ~~تعالى : لا يموت فيها ولا يحيى } ( الأعلى : 13 ) ، أي لأنه يتمنى الموت ~~فلا يجده . # والريحان : شجر لورقة وقضبانه رائحة ذكية شديد الخضرة كانت الأمم تزين به ~~مجالس الشراب . قال الحريري ( وطورا يستبزل الدنان ، ومرة يستنثق الريحان ) ~~وكانت ملوك العرب تتخذه ، قال النابغة : # يحيون بالريحان يوم السباسب # وتقدم عند قوله تعالى : { والحب ذو العصف والريحان في سورة الرحمن ، ~~فتخصيصه بالذكر قبل ذكر الجنة التي تحتوي عليه إيماء إلى كرامتهم عند الله ~~، مثل قوله : والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم ~~عقبى الدار } ( الرعد : 23 ، 24 ) . # وجملة { فروح وريحان } جواب ( أما ) التي هي بمعنى : مهما يكن شيء . وفصل ~~بين ( ما ) المتضمنة معنى اسم شرط وبين فعل شرط وبين الجواب بشرط آخر هو { ~~إن كان من المقربين } لأن الاستعمال جرى على لزوم الفصل بين ( أما ) ~~وجوابها بفاصل كراهية اتصال فاء الجواب بأداة الشرط لما التزموا حذف فعل ~~الشرط فأقاموا مقامه فاصلا كيف كان . # وجواب ( إن ) الشرطية محذوف أغنى عنه جواب ( أما ) . # وكذلك قوله : { فسلام لك من أصحاب اليمين } . # والسلام : اسم للسلامة من المكروه ، ويطلق على التحية ، واللام في قوله : ~~{ لك } للاختصاص . والكلام إجمال للتنويه بهم وعلو مرتبتهم وخلاصهم من ~~المكدرات لتذهب نفس السامع كل مذهب . # واختلف المفسرون في قوله : { فسلام لك من أصحاب اليمين } فقيل : كاف ~~الخطاب موجهة لغير معين ، أي لكل من يسمع هذا الخبر . والمعنى : أن السلامة ~~الحاصلة لأصحاب اليمين تسر من يبلغه ms8243 أمرها . وهذا كما يقال : PageV27P348 ~~ناهيك به ، وحسبك به ، و ( من ) ابتدائية ، واللفظ جرى مجرى المثل فطوي منه ~~بعضه ، وأصله : فلهم السلامة سلامة تسر من بلغه حديثها . # وقيل : الخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم وتقرير المعنى كما تقدم لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم يسر بما يناله أهل الإسلام من الكرامة عند الله ~~وهم ممن شملهم لفظ { أصحاب اليمين } . وقيل : الكلام على تقدير القول ، أي ~~فيقال له : سلام لك ، أي تقول له الملائكة . # و { من أصحاب اليمين } خبر مبتدأ محذوف ، أي أنت من أصحاب اليمين ، و { ~~من } على هذا تبعيضية ، فهي بشارة للمخاطب عند البعث على نحو قوله تعالى : ~~{ والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ~~} ( الرعد : 23 ، 24 ) . # وقيل : الكاف خطاب لمن كان من أصحاب اليمين على طريقة الالتفات . ومقتضى ~~الظاهر أن يقال : فسلام له ، فعدل إلى الخطاب لاستحضار تلك الحالة الشريفة ~~، أي فيسلم عليه أصحاب اليمين على نحو قوله تعالى : { وتحيتهم فيها سلام } ~~( يونس : 10 ) أي يبادرونه بالسلام ، وهذا كناية عن كونه من أهل منزلتهم ، ~~و { من } على هذا ابتدائية . # فهذه محامل لهذه الآية يستخلص من مجموعها معنى الرفعة والكرامة . # والمكذبون الضالون : هم أصحاب الشمال في القسم السابق إلى أزواج ثلاثة . # وقدم هنا وصف التكذيب على وصف الضلال عكس ما تقدم في قوله : { ثم إنكم ~~أيها الضالون المكذبون } ( الواقعة : 51 ) ، لمراعاة سبب ما نالهم من ~~العذاب وهو التكذيب ، لأن الكلام هنا على عذاب قد حان حينه وفات وقت الحذر ~~منه فبين سبب عذابهم وذكروا بالذي أوقعهم في سببه ليحصل لهم ألم التندم . # والنزل : ما يقدم للضيف من القرى ، وإطلاقه هنا تهكم ، كما تقدم قريبا في ~~هذه السورة كقوله تعالى : { هذا نزلهم يوم الدين } ( الواقعة : 56 ) . ~~PageV27P349 # والتصلية : مصدر صلاه المشدد ، إذا أحرقه وشواه ، يقال : صلى اللحم تصلية ~~، إذا شواه ، وهو هنا من الكلام الموجه لإيهامه أنه يصلى له الشواء في نزله ~~على طريقة التهكم ، أي يحرق بها . # والجحيم : يطلق على النار المؤججة ، ويطلق علما ms8244 على جهنم دار العذاب ~~الآخرة . # تذييل لجميع ما اشتملت عليه السورة من المعاني المثبتة . # والإشارة إلى ذلك بتأويل المذكور من تحقيق حق وإبطال باطل . # والحق : الثابت . و { اليقين } : المعلوم جزما الذي لا يقبل التشكيك . # وإضافة { حق } إلى { اليقين } من إضافة الصفة إلى الموصوف ، أي لهو ~~اليقين الحق . وذلك أن الشيء إذا كان كاملا في نوعه وصف بأنه حق ذلك الجنس ~~، كما في الحديث : ( لأبعثن معكم أمينا حق أمين ) . فالمعنى : أن الذي ~~قصصنا عليك في هذه السورة هو اليقين حق اليقين ، كما يقال : زيد العالم حق ~~عالم . ومآل هذا الوصف إلى توكيد اليقين ، فهو بمنزلة ذكر مرادف الشيء ~~وإضافة المترادفين تفيد معنى التوكيد ، فلذلك فسروه بمعنى : أن هذا يقين ~~اليقين وصواب الصواب . نريد : أنه نهاية الصواب . قال ابن عطية : وهذا أحسن ~~ما قيل فيه . # ويجوز أن تكون الإضافة بيانية على معنى ( من ) ، وحقيقته على معنى اللام ~~بتقدير : لهو حق الأمر اليقين ، وسيجيء نظير هذا التركيب في سورة الحاقة . ~~وسأبين هنالك ما يزيد على ما ذكرته هنا فانظره هنالك . # وقد اشتمل هذا التذييل على أربعة مؤكدات وهي : ( إن ) ، ولام الابتداء ، ~~وضمير الفصل ، وإضافة شبه المترادفين . PageV27P350 # تفريع على تحقيق أن ما ذكر هو اليقين حقا فإن ما ذكر يشتمل على عظيم صفات ~~الله وبديع صنعه وحكمته وعدله ، ويبشر النبي صلى الله عليه وسلم وأمته ~~بمراتب من الشرف والسلامة على مقادير درجاتهم وبنعمة النجاة مما يصير إليه ~~المشركون من سوء العاقبة ، فلا جرم كان حقيقا بأن يؤمر بتسبيح الله تسبيحا ~~استحقه لعظمته ، والتسبيح ثناء ، فهو يتضمن حمدا لنعمته وما هدى إليه من ~~طرق الخير ، وقد مضى تفصيل القول في نظيره من هذه السورة . # PageV27P351 PageV27P352 # | 1 ( سورة الحديد ) 1 # هذه السورة تسمى من عهد الصحابة ( سورة الحديد ) ، فقد وقع في حديث إسلام ~~عمر بن الخطاب عند الطبراني والبزار أن عمر دخل على أخته قبل أن يسلم فإذا ~~صحيفة فيها أول سورة الحديد فقرأه حتى بلغ { آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا ~~مما جعلكم مستخلفين فيه فأسلم ، وكذلك سميت ms8245 في المصاحف وفي كتب السنة ، ~~لوقوع لفظ الحديد فيها في قوله تعالى : وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد } ( ~~الحديد : 25 ) . # وهذا اللفظ وإن ذكر في سورة الكهف في قوله تعالى : { آتوني زبر الحديد ~~وهي سابقة في النزول على سورة الحديد على المختار ، فلم تسم به لأنها سميت ~~باسم الكهف للاعتناء بقصة أهل الكهف ، ولأن الحديد الذي ذكر هنا مراد به ~~حديد السلاح من سيوف ودروع وخوذ ، تنويها به إذ هو أثر من آثار حكمة الله ~~في خلق مادته وإلهام الناس صنعه لتحصل به منافع لتأييد الدين ودفاع ~~المعتدين كما قال تعالى : فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ~~ورسله بالغيب } ( الحديد : 25 ) . # وفي كون هذه السورة مدنية أو مكية اختلاف قوي لم يختلف مثله في غيرها ، ~~فقال الجمهور : مدنية . وحكى ابن عطية عن النقاش : أن ذلك إجماع المفسرين ، ~~وقد قيل : إن صدرها مكي لما رواه مسلم في ( صحيحه ) والنسائي وابن ماجه عن ~~عبد الله بن مسعود أنه قال : ( ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله ~~بهذه الآية { ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله إلى قوله : ~~وكثير منهم فاسقون } ( الحديد : 16 ) إلا أربع سنين . عبد الله بن مسعود من ~~أول الناس إسلاما ، فتكون هذه الآية مكية . # وهذا يعارضه ما رواه ابن مردويه عن أنس وابنن عباس : أن نزول هذه الآية ~~بعد ثلاث عشرة سنة أو أربع عشرة سنة من ابتداء نزول القرآن ، فيصار إلى ~~PageV27P353 الجمع بين الروايتين أو الترجيح ، ورواية مسلم وغيره عن ابن ~~مسعود أصح سندا ، وكلام ابن مسعود يرجح على ما روي عن أنس وابن عباس لأنه ~~أقدم إسلاما وأعلم بنزول القرآن ، وقد علمت آنفا أن صدر هذه السورة كان ~~مقروءا قبل إسلام عمر بن الخطاب . قال ابن عطية ( يشبه صدرها أن يكون مكيا ~~والله أعلم ، ولا خلاف أن فيها قرآنا مدنيا ) اه . # $ 2 ( { سبح لله ما فى السماوات والارض وهو العزيز الحكيم * له ملك ~~السماوات والارض يحى ويميت وهو على كل شىء قدير ms8246 * هو الاول والاخر والظاهر ~~والباطن وهو بكل شىء عليم * هو الذى خلق السماوات والارض فى ستة أيام ثم ~~استوى على العرش يعلم ما يلج فى الارض وما يخرج منها وما ينزل من السمآء ~~وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير * له ملك ~~السماوات والارض وإلى الله ترجع الامور * يولج اليل فى النهار ويولج النهار ~~فى اليل وهو عليم بذات الصدور * ءامنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم ~~مستخلفين فيه فالذين ءامنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير * وما لكم لا تؤمنون ~~بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم إن كنتم مؤمنين * هو ~~الذى ينزل على عبده ءايات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور وإن الله بكم ~~لرءوف رحيم * وما لكم ألا تنفقوا فى سبيل الله ولله ميراث السماوات والارض ~~لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولائك أعظم درجة من الذين ~~أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير * من ذا ~~الذى يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم * يوم ترى المؤمنين ~~والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجرى من ~~تحتها الانهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم * يوم يقول المنافقون ~~والمنافقات للذين ءامنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا ورآءكم ~~فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله ~~العذاب * ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولاكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم ~~وارتبتم وغرتكم الامانى حتى جآء أمر الله وغركم بالله الغرور * فاليوم لا ~~يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هى مولاكم وبئس المصير * ~~ألم يأن للذين ءامنو & # 1764 ا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين ~~أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الامد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون * ~~اعلمو & # 1764 ا أن الله يحى الارض بعد موتها قد بينا لكم الايات لعلكم تعقلون * ~~إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا يضاعف لهم ولهم ms8247 أجر كريم * ~~والذين ءامنوا بالله ورسله أولائك هم الصديقون والشهدآء عند ربهم لهم أجرهم ~~ونورهم والذين كفروا وكذبوا بئاياتنآ أولائك أصحاب الجحيم * اعلمو & # 1764 ا أنما الحيواة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر فى ~~الاموال والاولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون ~~حطاما وفى الاخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحيواة الدنيآ إلا ~~متاع الغرور * سابقو & # 1764 ا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السمآء والارض أعدت للذين ~~ءامنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء والله ذو الفضل العظيم * مآ ~~أصاب من مصيبة فى الارض ولا فى & # 1764 أنفسكم إلا فى كتاب من قبل أن نبرأهآ إن ذلك على الله يسير * لكيلا ~~تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بمآ ءاتاكم والله لا يحب كل مختال فخور * ~~الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ومن يتول فإن الله هو الغنى الحميد * ~~لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس ~~بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ~~ورسله بالغيب إن الله قوى عزيز * ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا فى ~~ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون * ثم قفينا على ~~ءاثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وءاتيناه الإنجيل وجعلنا فى قلوب ~~الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغآء ~~رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فئاتينا الذين ءامنوا منهم أجرهم وكثير ~~منهم فاسقون * ياأيها الذين ءامنوا اتقوا الله وءامنوا برسوله يؤتكم كفلين ~~من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم * لئلا يعلم ~~أهل الكتاب ألا يقدرون على شىء من فضل الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من ~~يشآء والله ذو الفضل العظيم } ) 2 $ وروي أن نزولها كان يوم ثلاثاء استنادا ~~إلى حديث ضعيف رواه الطبراني عن ابن عمر ورواه الديلمي عن جابر بن عبد الله ~~. # وأقول : الذي يظهر أن صدرها مكي كما توسمه ابن عطية وأن ذلك ينتهي إلى ms8248 ~~قوله : { وإن الله بكم لرؤوف رحيم } ( الحديد : 9 ) وأن ما بعد ذلك بعضه ~~نزل بالمدينة كما تقتضيه معانيه مثل حكاية أقوال المنافقين ، وبعضه نزل ~~بمكة مثل آية { ألم يأن للذين آمنوا } ( الحديد : 16 ) الآية كما في حديث ~~مسلم . ويشبه أن يكون آخر السورة قوله : { إن الله قوي عزيز } ( الحديد : ~~25 ) نزل بالمدينة ألحق بهذه السورة بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم في ~~خلالها أو في آخرها . # قلت : وفيها آية { لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح } ( الحديد : 10 ) ~~الآية ، وسواء كان المراد بالفتح في تلك الآية فتح مكة أو فتح الحديبية . ~~فإنه أطلق عليه اسم الفتح وبه سميت ( سورة الفتح ) ، فهي متعينة لأن تكون ~~مدنية فلا ينبغي الاختلاف في أن معظم السورة مدني . # وروي أن نزولها كان يوم الثلاثاء استنادا إلى حديث ضعيف رواه الطبراني عن ~~ابن عمر ورواه الديلمي عن جابر بن عبد الله . # وقد عدت السورة الخامسة والتسعين في ترتيب نزول السور جريا على قول ~~الجمهور : إنها مدنية فقالوا : نزلت بعد سورة الزلزال وقبل سورة القتال ، ~~وإذا روعي قول ابن مسعود : إنها نزلت بعد البعثة بأربع سنين . وما روي من ~~أن سبب إسلام عمر بن الخطاب أنه قرأ صحيفة لأخته فاطمة فيها صدر سورة ~~الحديد لم يستقم هذا العد لأن العبرة بمكان نزول صدر السورة لا نزول آخرها ~~فيشكل موضعها في عد نزول السورة . PageV27P354 # وعلى قول ابن مسعود يكون ابتداء نزولها آخر سنة أربع من البعثة فتكون من ~~أقدم السور نزولا فتكون نزلت قبل سورة الحجر وطه وبعد غافر ، فالوجه أن ~~معظم آياتها نزل بعد سورة الزلزال . # وعدت آيها في عد أهل المدينة ومكة والشام ثمانا وعشرين ، وفي عد أهل ~~البصرة والكوفة تسعا وعشرين . # وورد في فضلها مع غيرها من السور المفتتحة بالتسبيح ما رواه أبو داود ~~والترمذي والنسائي عن العرباض بن سارية ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~يقرأ بالمسبحات قبل أن يرقد ويقول : إن فيهن آية أفضل من ألف آية . وقال ~~الترمذي : حديث ms8249 حسن غريب . # وظن ابن كثير أن الآية المشار إليها في حديث العرباض هي قوله تعالى : { ~~هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم } ( الحديد : 3 ) لما ~~ورد في الآثار من كثرة ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها . # أغراضها # الأغراض التي اشتملت عليها هذه السورة : # التذكير بجلال الله تعالى ، وصفاته العظيمة ، وسعة قدرته وملكوته ، وعموم ~~تصرفه ، ووجوب وجوده ، وسعة علمه ، والأمر بالإيمان بوجوده ، وبما جاء به ~~رسوله صلى الله عليه وسلم وما أنزل عليه من الآيات البينات . # والتنبيه لما في القرآن من الهدي وسبيل النجاة ، والتذكير برحمة الله ~~ورأفته بخلقه . # والتحريض على الإنفاق في سبيل الله ، وأن المال عرض زائل لا يبقى منه ~~لصاحبه إلا ثواب ما أنفق منه في مرضاة الله . # والتخلص إلى ما أعد الله للمؤمنين والمؤمنات يوم القيامة من خير وضد ذلك ~~للمنافقين والمنافقات . PageV27P355 # وتحذير المسلمين من الوقوع في مهواة قساوة القلوب التي وقع فيها أهل ~~الكتاب من قبلهم من إهمال ما جاءهم من الهدى حتى قست قلوبهم وجر ذلك إلى ~~الفسوق كثيرا منهم . # والتذكير بالبعث . والدعوة إلى قلة الاكتراث بالحياة الفانية . # والأمر بالصبر على النوائب والتنويه بحكمة إرسال الرسل والكتب لإقامة ~~أمور الناس على العدل العام . # والإيماء إلى فضل الجهاد في سبيل الله . # وتنظير رسالة محمد صلى الله عليه وسلم برسالة نوح وإبراهيم عليهما السلام ~~على أن في ذريتهما مهتدين وفاسقين . # وأن الله اتبعهما برسل آخرين ، منهم عيسى عليه السلام الذي كان آخر رسول ~~أرسل بشرع قبل الإسلام ، وأن أتباعه كانوا على سنة من سبقهم ، منهم مؤمن ~~ومنهم كافر . # ثم أهاب بالمسلمين أن يخلصوا الإيمان تعريضا بالمنافقين ووعدهم بحسن ~~العاقبة وأن الله فضلهم على الأمم لأن الفضل بيده يوتيه من يشاء . # افتتاح السورة بذكر تسبيح الله وتنزيهه مؤذن بأن أهم ما اشتملت عليه ~~إثبات وصف الله بالصفات الجليلة المقتضية أنه منزه عما ضل في شأنه أهل ~~الضلال من وصفه بما لا يليق بجلاله ، وأول التنزيه هو نفي الشريك له في ~~الإلهية فإن الوحدانية هي ms8250 أكبر صفة ضل في كنهها المشركون والمانوية ونحوهم ~~من أهل التثنية وأصحاب التثليث والبراهمة ، وهي الصفة التي ينبىء عنها اسمه ~~العلم أعني PageV27P356 ( الله ) لما علمت في تفسير الفاتحة من أن أصله ~~الإله ، أي المنفرد بالإلهية . # وأتبع هذا الاسم بصفات ربانية تدل على كمال الله تعالى وتنزهه عن النقص ~~كما يأتي بيانه فكانت هذه الفاتحة براعة استهلال لهذه السورة ، ولذلك أتبع ~~اسمه العلم بعشر صفات هي جامعة لصفات الكمال وهي : العزيز ، الحكيم ، له ~~ملك السماوات والأرض ، يحيي ، ويميت ، وهو على كل شيء قدير ، هو الأول ، ~~والآخر ، والظاهر ، والباطن ، وهو بكل شيء عليم . # وصيغ فعل التسبيح بصيغة الماضي للدلالة على أن تنزيهه تعالى أمر مقرر أمر ~~الله به عباده من قبل وألهمه الناس وأودع دلائله في أحوال ما لا اختيار له ~~، كما دل عليه قوله تعالى : { ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها ~~وظلالهم بالغدو والآصال } ( الرعد : 15 ) وقوله : { وإن من شيء إلا يسبح ~~بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم } ( الإسراء : 44 ) . # ففي قوله : { سبح } تعريض بالمشركين الذين أهملوا أهم التسبيح وهو تسبيحه ~~عن الشريك والند . # واللام في قوله : { لله } لام التبيين . وفائدتها زيادة بيان ارتباط ~~المعمول بعامله لأن فعل التسبيح متعد بنفسه لا يحتاج إلى التعدية بحرف ، ~~قال تعالى : { فاسجد له وسبحه } ( الإنسان : 26 ) ، فاللام هنا نظيره اللام ~~في قولهم : شكرت لك ، ونصحت لك ، وقوله تعالى : { ونقدس لك } ( البقرة : 30 ~~) ، وقولهم سقيا لك ورعيا لك ، وأصله : سقيك ورعيك . # و { ما في السماوات والأرض } يعم الموجودات كلها فإن { ما } اسم موصول ~~يعم العقلاء وغيرهم ، أو هو خاص بغير العقلاء فجرى هنا على التغليب ، وكلها ~~دال على تنزيه الله تعالى عن الشريك فمنها دلالة بالقول كتسبيح الأنبياء ~~والمؤمنين ، ومنها دلالة بالفعل كتسبيح الملائكة ، ومنها دلالة بشهادة ~~الحال كما تنبىء به أحوال الموجودات من الافتقار إلى الصانع المنفرد ~~بالتدبير ، فإن جعل عموم { ما في السماوات والأرض } مخصوصا بمن يتأتى منهم ~~النطق بالتسبيح وهم العقلاء كان إطلاق التسبيح على تسبيحهم حقيقة . ~~PageV27P357 # وإن حمل العموم على ms8251 ظاهره لزم تأويل فعل { سبح } بما يشمل الحقيقة ~~والمجاز فيكون مستعملا في حقيقته ومجازه . # والعزيز : الذي لا يغلب ، وهذا الوصف ينفي وجود الشريك في الإلهية . # و { الحكيم } الموصوف بالحكمة ، وهي وضع الأفعال حيث يليق بها ، وهي أيضا ~~العلم الذي لا يخطىء ولا يتخلف ولا يحول دون تعلقه بالمعلومات حائل ، ~~وتقدما في سورة البقرة . وهذا الوصف يثبت أن أفعاله تعالى جارية على تهيئة ~~المخلوقات لما به إصابة ما خلقت لأجله ، فلذلك عززها الله بإرشاده بواسطة ~~الشرائع . # استئناف ابتدائي بذكر صفة عظيمة من صفات الله التي متعلقها أحوال ~~الكائنات في السماوات والأرض وخاصة أهل الإدراك منهم . # ومضمون هذه الجملة يؤذن بتعليل تسبيح الله تعالى لأن من له ملك العوالم ~~العليا والعالم الدنيوي حقيق بأن يعرف الناس صفات كماله . # وأفاد تعريف المسند قصر المسند على المسند إليه وهو قصر ادعائي لعدم ~~الاعتداد بملك غيره في الأرض إذ هو ملك ناقص فإن الملوك مفتقرون إلى من ~~يدفع عنهم العوادي بالأحلاف والجند ، وإلى من يدبر لهم نظام المملكة من ~~وزراء وقواد ، وإلى أخذ الجباية والجزية ونحو ذلك ، أو هو قصر حقيقي ، إذا ~~اعتبرت إضافة { ملك } إلى مجموع { السماوات والأرض } فإنه لا ملك لمالك على ~~الأرض كلها بله السماوات معها . # وهذا معنى صفته تعالى ( الملك ) ، وتقدم في آخر سورة آل عمران . # وجملة { يحي ويميت } بدل اشتمال من مضمون { له ملك السماوات PageV27P358 ~~والأرض } فإن الإحياء والإماتة مما يشتمل عليه معنى ملك السماوات والأرض ~~لأنهما من أحوال ما عليهما ، وتخصيص هذين بالذكر للاهتمام بهما لدلالتهما ~~على دقيق الحكمة في التصرف في السماء والأرض ولظهور أن هاذين الفعلين لا ~~يستطيع المخلوق ادعاء أن له عملا فيهما ، وللتذكير بدليل إمكان البعث الذي ~~جحده المشركون ، وللتعريض بإبطال زعمهم إلهية أصنامهم كما قال تعالى : { ~~ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا } ( الفرقان : 3 ) ، ومن هذين الفعلين ~~جاء وصفه تعالى بصفة ( المحيي المميت ) . # وتقدم ذكر الإحياء والإماتة عند قوله تعالى : { وكنتم أمواتا فأحياكم في ~~أول سورة البقرة . # وجملة وهو على كل شيء قدير ms8252 } تفيد مفاد التذييل لجملة { يحي ويميت } ~~لتعميم ما دل عليه قوله : { يحي ويميت } من بيان جملة { له ملك السماوات ~~والأرض } ، وإنما عطفت بالواو وكان حق التذييل أن يكون مفصولا لقصد إيثار ~~الإخبار عن الله تعالى بعموم القدرة على كل موجود ، وذلك لا يفيت قصد ~~التذييل ، لأن التذييل يحصل بالمعنى . # . # استئناف في سياق تبيين أن له ملك السماوات والأرض ، بأن ملكه دائم في ~~عموم الأزمان وتصرف فيهما في كل الأحوال ، إذ هو الأول الأزلي ، وأنه مستمر ~~من قبل وجود كل محدث ومن بعد فنائه إذ الله هو الباقي بعد فناء ما في ~~السماوات والأرض ، وذلك يظهر من دلالة الآثار على المؤثر فإن دلائل تصرفه ~~ظاهرة للمتبصر بالعقل وهو معنى { الظاهر } كما يأتي ، وأن كيفيات تصرفاته ~~محجوبة عن الحس وذلك معنى { الباطن } تعالى كما سيأتي . # فضمير { هو } ليس ضمير فصل ولكنه ضمير يعبر عن اسم الجلالة لاعتبارنا ~~الجملة مستأنفة ، ولو جعلته ضمير فصل لكانت أوصاف { الأول والأخر والظاهر ~~والباطن } أخبارا عن ضمير { هو العزيز الحكيم } ( الحديد : 1 ) . ~~PageV27P359 # وقد اشتملت هذه الجملة على أربعة أخبار هي صفات لله تعالى . # فأما وصف { الأول } فأصل معناه الذي حصل قبل غيره في حالة تبينها إضافة ~~هذا الوصف إلى ما يدل على الحالة من زمان أو مكان ، فقد يقع مع وصف ( أول ) ~~لفظ يدل على الحالة التي كان فيها السبق ، وقد يستدل على تلك الحالة من ~~سياق الكلام ، فوصف { الأول } لا يتبين معناه إلا بما يتصل به من الكلام ~~ولا يتصور إلا بالنسبة إلى موصوف آخر هو متأخر عن الموصوف ب ( أول ) في ~~حالة ما . # فقول امرىء القيس : # ومهلهل الشعراء ذاك الأول # يفيد أنه مهلهل سابق غيره من الشعراء في الشعر ، وقوله تعالى : { قل إني ~~أمرت أن أكون أول من أسلم } ( الأنعام : 14 ) أي أولهم في اتباع الإسلام ، ~~وقوله : { ولا تكونوا أول كافر به } ( البقرة : 41 ) ، أي أولهم كفرا وقوله ~~: { وقالت أولاهم لأخراهم } ( الأعراف : 39 ) ، أي أولاهم في الدخول إلى ~~النار . # وأشهر معاني الأولية هو السبق في ms8253 الوجود ، أي في ضد العدم ، ألا ترى أن ~~جميع الأحوال التي يسبق صاحبها غيره فيها هي وجودات من الكيفيات ، فوصف ~~الله بأنه { الأول } معناه : أنه السابق وجوده على كل موجود وجد أو سيوجد ، ~~دون تخصيص جنس ولا نوع ولا صنف ، ولكنه وصف نسبي غير ذاتي . # ولهذا لم يذكر لهذا الوصف هنا متعلق بكسر اللام ، ولا ما يدل على متعلق ~~لأن المقصود أنه الأول بدون تقييد . # ويرادف هذا الوصف في اصطلاح المتكلمين صفة القدم . # واعلم أن هذا الوصف يستلزم صفة الغنى المطلق ، وهي عدم الاحتياج إلى ~~المخصص ، أي مخصص يخصصه بالوجود بدلا عن العدم ، لأن الأول هنا معناه ~~الموجود لذاته دون سبق عدم ، وعدم الاحتياج إلى محل يقوم به قيام العرض ~~بالجوهر . PageV27P360 # ويستلزم ذلك انفراده تعالى بصفة الوجود لأنه لو كان غير الله واجبا وجوده ~~لما كان الله موصوفا بالأولية ، فالموجودات غير الله ممكنة ، والممكن لا ~~يتصف بالأولية المطلقة ، فلذلك تثبت له الوحدانية ، ثم هذه الأولية في ~~الوجود تقتضي أن تثبت لله جميع صفات الكمال اقتضاء عقليا بطريق الالتزام ~~البين بالمعنى الأعم وهو الذي يلزم من تصور ملزومه وتصوره الجزم بالملازمة ~~بينهما . # وأما وصف { الآخر } فهو ضد الأول ، فأصله : هو المسبوق بموصوف بصفة متحدث ~~عنها في الكلام أو مشار إليها فيه بما يذكر من متعلق به ، أو تمييزه ، على ~~نحو ما تقدم في قوله : { هو الأول } كقوله تعالى : { حتى إذا اداركوا فيها ~~جميعا قالت أخراهم لأولاهم } ( الأعراف : 38 ) أي أخراهم في الإدراك في ~~النار ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم ( آخر أهل الجنة دخولا الجنة . . . ~~) الخ ، وقول الحريري في المقامة الثانية ( وجلس في أخريات الناس ) ، أي ~~الجماعات الأخريات في الجلوس ، وهو وصف نسبي . # ووصف الله تعالى بأنه { الآخر } بعد وصفه بأنه { الأول } مع كون الوصفين ~~متضادين يقتضي انفكاك جهتي الأولية والآخرية ، فلما تقرر أن كونه الأول ~~متعلق بوجود الموجودات اقتضى أن يكون وصفه ب { الآخر } متعلقا بانتقاض ذلك ~~الوجود ، أي هو الآخر بعد جميع موجودات السماء والأرض ، وهو معنى قوله ~~تعالى ms8254 : { نرث الأرض ومن عليها } ( مريم : 40 ) وقوله : { كل شيء هالك إلا ~~وجهه } ( القصص : 88 ) . # فتقدير المعنى : والآخر في ذلك أي في استمرار الوجود الذي تقرر بوصفه ~~بأنه الأول . وليس في هذا إشعار بأنه زائل ينتابه العدم ، إذ لا يشعر وصف ~~الآخر بالزوال لا مطابقة ولا التزاما ، وهذا هو صفة البقاء في اصطلاح ~~المتكلمين . فآل معنى { الآخر } إلى معنى ( الباقي ) ، وإنما أوثر وصف { ~~الآخر } بالذكر لأنه مقتضى البلاغة ليتم الطباق بين الوصفين المتضادين ، ~~وقد علم عند المتكلمين أن البقاء غير مختص بالله تعالى وأنه لا ينافي ~~الحدوث على خلاف في تعيين الحوادث الباقية ، بخلاف وصف القدم فإنه مختص ~~بالله تعالى ومتنافف مع الحدوث . # واعلم أن في قوله : { هو الأول والأخر } دلالة قصر من طريق تعريف جزأي ~~الجملة . PageV27P361 # فأما قصر الأولية على الله تعالى في صفة الوجود فظاهر ، وأما قصر الآخرية ~~عليه في ذلك وهو معنى البقاء ، فإن أريد به البقاء في العالم الدنيوي عرض ~~إشكال المتعارض بما ورد من بقاء الأرواح ، وحديث ( أن عجب الذنب لا يفنى ~~وأن الإنسان منه يعاد ) . ورفع هذا الإشكال أن يجعل القصر ادعائيا لعدم ~~الاعتداد ببقاء غيره تعالى لأنه بقاء غير واجب بل هو بجعل الله تعالى . # والجمع بين وصفي { الأول والأخر } فيه محسن الطباق . # و { الظاهر } الأرجح أنه مشتق من الظهور الذي هو ضد الخفاء فيكون وصفه ~~تعالى به مجازا عقليا ، فإن إسناد الظهور في الحقيقة هو ظهور أدلة صفاته ~~الذاتية لأهل النظر والاستدلال والتدبر في آيات العالم فيكون الوصف جامعا ~~لصفته النفسية ، وهي الوجود ، إذ أدلة وجوده بينة واضحة ولصفاته الأخرى مما ~~دل عليها فعله من قدرة وعلم وحياة وإرادة ، وصفات الأفعال من الخلق والرزق ~~والإحياء والإماتة كما علمت في قوله : { هو الأول } عن النقص أو ما دل ~~عليها تنزيهه عن النقص كصفة الوحدانية والقدم والبقاء والغنى المطلق ~~ومخالفة الحوادث ، وهذا المعنى هو الذي يناسبه المقابلة بالباطن . # ويجوز أن يكون مشتقا من الظهور ، أي الغلبة كالذي في قوله تعالى : { إنهم ~~إن يظهروا عليكم يرجموكم ms8255 } ( الكهف : 20 ) ، فمعنى وصفه تعالى ب { الظاهر } ~~أنه الغالب . # وهذا لا يناسب مقابلته ب { الباطن } إلا على اعتبار محسن الإيهام ، وما ~~وقع في حديث أبي هريرة في ( صحيح مسلم ) من قول رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ( وأنت الظاهر فليس فوقك شيء ) فمعنى فاء التفريع فيه أن ظهوره تعالى ~~سبب في انتفاء أن يكون شيء فوق الله في الظهور ، أي في دلالة الأدلة على ~~وجوده واتصافه بصفات الكمال ، فدلالة الفاء تفريع لا تفسير . # و { الباطن } الخفي يقال : بطن ، إذا خفي ومصدره بطون . # ومعنى وصفه تعالى بباطن وصف ذاته وكنهه لأنه محجوب عن إدراك الحواس ~~الظاهرة قال تعالى : { لا تدركه الأبصار } ( الأنعام : 103 ) . PageV27P362 # والقصر في قوله : { والظاهر والباطن } قصر ادعائي لأن ظهور الله تعالى ~~بالمعنيين ظهور لا يدانيه ظهور غيره ، وبطونه تعالى لا يشبهه بطون الأشياء ~~الخفية إذ لا مطمع لأحد في إدراك ذاته ولا في معرفة تفاصيل تصرفاته . # والجمع بين وصفه ب { الظاهر } بالمعنى الراجح و { الباطن } كالجمع بين ~~وصفه ب { الأول والآخر } كما علمته آنفا . وفي الجمع بينهما محسن المطابقة ~~. # وفائدة إجراء الوصفين المتضادين على اسم الله تعالى هنا التنبيه على عظم ~~شأن الله تعالى ليتدبر العالمون في مواقعها . # واعلم أن الواوات الثلاثة الواقعة بين هذه الصفات الأربع متحدة المعنى ~~تقتضي كل واحدة منها عطف صفة . # وقال الزمخشري : ( الواو الأولى معناها الدلالة على أنه الجامع بين مجموع ~~الصفتين الأولية والآخرية . والثالثة على أنه الجامع بين الظهور والخفاء ، ~~وأما الوسطى فعلى أنه الجامع بين مجموع الصفتين الأوليين ومجموع الصفتين ~~الأخريين ) اه . وهو تشبث لا داعي إليه ولا دليل عليه ولو أريد ذلك لقال : ~~هو الأول الآخر ، والظاهر الباطن ، بحذف واوين . والمعنى الذي حاوله ~~الزمخشري : تقتضيه معاني هاته الصفات بدون اختلاف معاني الواوات . # . # عطف على جملة { هو الأول والآخر } الخ عطفت صفة علمه على صفة ذاته ، ~~وتقدم نظير هذه الجملة في أوائل سورة البقرة . # . # موقع هذه الجملة استنئاف كموقع جملة { هو الأول والآخر } ( الحديد : 3 ) ~~الآية ، فهذا استئناف ثان مفيد الاستدلال ms8256 على انفراده تعالى بالإلهية ~~ليقلعوا عن الإشراك به . PageV27P363 # ويفيد أيضا بيانا لمضمون جملة { له ملك السماوات والأرض } ( الحديد : 5 ) ~~وجملة { وهو على كل شيء قدير } ( الحديد : 2 ) ، فإن الذي خلق السماوات ~~والأرض قادر على عظيم الإبداع . # والاستواء على العرش تمثيل للملك الذي في قوله : { له ملك السماوات ~~والأرض } ( الحديد : 2 ) # وهذا معنى اسمه تعالى : ( الخالق ) ، وتقدم قريب من هذه الآية في أوائل ~~سورة الأعراف . # . # استئناف لتقرير عموم علمه تعالى بكل شيء فكان بيان جملة { وهو على كل شيء ~~قدير } ( الحديد : 2 ) وجملة { وهو بكل شيء عليم } ( الحديد : 3 ) جاريا ~~على طريقة النشر لللف على الترتيب ، وتقدم نظير هذه الآية في سورة سبأ . ~~فانظر ذلك . # . # عطف معنى خاص على معنى شمله وغيره لقصد الاهتمام بالمعطوف . # والمعية تمثيل كنائي عن العلم بجميع أحوالهم . # و { أين ما } ظرف مركب من ( أين ) وهي اسم للمكان ، و ( ما ) الزائدة ~~للدلالة على تعميم الأمكنة . # وجملة { والله بما تعملون بصير } تكملة لمضمون { وهو معكم أين ما كنتم } ~~، وكان حقها أن لا تعطف وإنما عطفت ترجيحا لجانب ما تحتوي عليه من الخبر عن ~~هذه الصفة . PageV27P364 # . # هذا تأكيد لنظيره الذي في أول هذه السورة كرر ليبنى عليه قوله : { وإلى ~~الله ترجع الأمور } ، فكان ذكره في أول السورة مبنيا عليه التصرف في ~~الموجودات القابلة للحياة والموت في الدنيا ، وكان ذكره هنا مبنيا عليه أن ~~أمور الموجودات كلها ترجع إلى تصرفه . # وتقديم المسند لقصر الإلهية عليه تعالى فيفيذ صفة الواحد . # . # عطف على { له ملك السماوات والأرض } عطف الخاص من وجه على العام منه فيما ~~يتعلق بالأمور الجارية في الدنيا ، وعطف المغاير فيما يتعلق بالأمور التي ~~تجري يوم القيامة على ما سيتضح في تفسير معنى { الأمور } . # فالأمور : جمع أمر ، واشتهر في اللغة أن الأمر اسم للشأن والحادث فيعم ~~الأفعال والأقوال . # وقال ابن عطية : { الأمور } هنا : جميع الموجودات لأن الأمر والشيء ~~والموجود أسماء شائعة في جميع الموجودات : أعراضها وجواهرها ) اه . ولم أره ~~لغيره . وفي ( المحصول ) و ( شرحه ) في أصول الفقه ، ومن تبعه من ms8257 كتب أصول ~~الفقه أن كلمة ( أمر ) مشتركة بين الفعل والقول والشأن والشيء ولم أر عزو ~~ذلك إلى معروف ولا أتوا له بمثال سالم عن النظر ولا أحسب أن ذلك من اللغة . # فإن أخذنا بالمشهور في اللغة كان المعنى ترجع أفعال الناس إلى الله ، أي ~~ترجع في الحشر ، والمراد : رجوع أهلها للجزاء على أعمالهم إذ لا يتعلق ~~الرجوع بحقائقها ، فعطف قوله : { وإلى الله ترجع الأمور } تتميم لجملة { له ~~ملك السماوات والأرض } ، أي له ملك العوالم في الدنيا وله التصرف في أعمال ~~العقلاء من أهلها في الآخرة . # وإن أخذنا بشمول اسم الأمور للذوات كان مفيدا لإثبات البعث ، أي ~~PageV27P365 الذوات التي كانت في الدنيا تصير إلى الله يوم القيامة ~~فيجازيها على أعمالها . # وعلى كلا الاحتمالين فمفاده مفاد اسمه ( المهيمن ) . # وتعريف الجمع في { الأمور } من صيغ العموم . # وتقديم المجرور على متعلقه للاهتمام لا للقصر إذ لا مقتضى للقصر الحقيقي ~~ولا داعي للقصر الإضافي إذ لا يوجد من الكفار من يثبت البعث ولا من زعموا ~~أن الناس يصيرون في تصرف غير الله . # والرجوع : مستعار للكونن في مكان غير المكان الذي كان فيه دون سبق مغادرة ~~عن هذا المكان . # وإظهار اسم الجلالة دون أن يقول : وإليه ترجع الأمور ، لتكون الجملة ~~مستقلة بما دلت عليه فتكون كالمثل صالحة للتسيير . # وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم وأبو جعفر { ترجع } بضم ~~التاء وفتح الجيم على معنى يرجعها مرجع وهو الله قسرا . وقرأ ابن عامر ~~وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم ويعقوب وخلف { ترجع } بفتح التاء وكسر ~~الجيم ، أي ترجع من تلقاء أنفسها لأنها مسخرة لذلك في آجالها . # . # مناسبة ذكره هذه الجملة أن تقدير الليل والنهار وتعاقبهما من التصرفات ~~الإلهية المشاهدة في أحوال السماوات والأرض وملابسات أحوال الإنسان ، فهذه ~~الجملة بدل اشتمال من جملة { له ملك السماوات والأرض } ( الحديد : 5 ) # وهو أيضا مناسب لمضمون جملة { وإلى الله ترجع الأمور } ( الحديد : 5 ) ~~تذكير للمشركين بأن المتصرف في سبب الفناء هو الله تعالى فإنهم يعتقدون أن ~~الليل والنهار هما ms8258 اللذان يفنيان الناس ، قال الأعشى : # ألم تروا إرما وعادا # أفناهما الليل والنهار PageV27P366 # وحكى الله عنهم قولهم : { وما يهلكنا إلا الدهر } ( الجاثية : 24 ) فلما ~~قال : { له ملك السماوات والأرض وإلى الله ترجع الأمور } ( الحديد : 5 ) ، ~~أبطل بعده اعتقاد أهل الشرك أن للزمان الذي هو تعاقب الليل والنهار والمعبر ~~عنه بالدهر تصرفا فيهم ، وهذا معنى اسمه تعالى : ( المدبر ) . # . # لما ذكر تصرف الله في الليل وكان الليل وقت إخفاء الأشياء أعقب ذكره بأن ~~الله عليم بأخفى الخفايا وهي النوايا ، فإنها مع كونها معاني غائبة عن ~~الحواس كانت مكنونة في ظلمة باطن الإنسان فلا يطلع عليها عالم إلا الله ~~تعالى ، وهذا كقوله تعالى : { وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ~~ظلمات الأرض } ( الأنعام : 59 ) ، وقوله : { ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ~~ما يسرون وما يعلنون } ( هود : 5 ) . # { ذات الصدور } : ما في خواطر الناس من النوايا ، ف ( ذات ) هنا مؤنث ( ~~ذو ) بمعنى صاحبة . # والصحبة : هنا بمعنى الملازمة . # ولما أريد بالمفرد الجنس أضيف إلى ( جمع ) ، وتقدم { إنه عليم بذات ~~الصدور في سورة الأنفال . وقد اشتمل هذا المقدار من أول السورة إلى هنا على ~~معاني ست عشرة صفة من أسماء الله الحسنى : وهي : الله ، العزيز ، الحكيم ، ~~الملك ، المحيي ، المميت ، القدير ، الأول ، الآخر ، الظاهر ، الباطن ، ~~العليم ، الخالق ، البصير ، الواحد ، المدبر . # وعن ابن عباس أن اسم الله الأعظم هو في ست آيات من أول سورة الحديد فهو ~~يعني مجموع هذه الأسماء . # واعلم أن ما تقدم من أول السورة إلى هنا يرجح أنه مكي . PageV27P367 # } # استئناف وقع موقع النتيجة بعد الاستدلال فإن أول السورة قرر خضوع ~~الكائنات إلى الله تعالى وأنه تعالى المتصرف فيها بالإيجاد والإعدام وغير ~~ذلك فهو القدير عليها ، وأنه عليم بأحوالهم مطلع على ما تضمره ضمائرهم ~~وأنهم صائرون إليه فمحاسبهم ، فلا جرم تهيأ المقام لإبلاغهم التذكير ~~بالإيمان به إيمانا لا يشوبه إشراك والإيمان برسوله صلى الله عليه وسلم إذ ~~قد تبين صدقه بالدلائل الماضية التي دلت على صحة ما أخبرهم به مما كان محل ~~ارتيابهم وتكذيبهم كما ms8259 أشار إليه قوله : { والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم } ~~( الحديد : 8 ) . # فذلك وجه عطف { ورسوله } على متعلق الإيمان مع أن الآيات السابقة ما ذكرت ~~إلا دلائل صفات الله دون الرسول صلى الله عليه وسلم # فالخطاب ب { آمنوا } للمشركين ، والآية مكية حسب ما روي في إسلام عمر وهو ~~الذي يلائم اتصال قوله : { وما لكم لا تؤمنون بالله } ( الحديد : 8 ) الخ ~~بها . # والمراد بالإنفاق المأمور به : الإنفاق الذي يدعو إليه الإيمان بعد حصول ~~الإيمان وهو الإنفاق على الفقير ، وتخصيص الإنفاق بالذكر تنويه بشأنه ، وقد ~~كان أهل الجاهلية لا ينفقون إلا في اللذات ، والمفاخرة والمقامرة ، ومعاقرة ~~الخمر ، وقد وصفهم القرآن بذلك في مواضع كثيرة كقوله : { إنه كان لا يؤمن ~~بالله العظيم ولا يحض على طعام المسكين } ( الحاقة : 34 ) وقوله : { بل لا ~~تكرمون اليتيم ولا تحضون على طعام المسكين وتأكلون التراث أكلا لما وتحبون ~~المال حبا جما } ( الفجر : 17 20 ) وقوله : { ألهاكم التكاثر حتى زرتم ~~المقابر } ( التكاثر : 1 ، 2 ) إلى آخر السورة . # وقيل : نزلت في غزوة تبوك يعني الإنفاق بتجهيز جيش العسرة قاله ابن عطية ~~عن الضحاك ، فتكون الآية مدنية ويكون قوله : { آمنوا } أمرا بالدوام على ~~الإيمان كقوله : { يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله } ( النساء : ~~136 ) . # ويجوز أن يكون أمرا لمن في نفوسهم بقية نفاق أو ارتياب ، وأنهم قبضوا ~~أيديهم PageV27P368 عن تجهيز جيش العسرة كما قال تعالى : { المنافقون ~~والمنافقات بعضهم من بعض إلى قوله : ويقبضون أيديهم } ( التوبة : 67 ) ، ~~فهم إذا سمعوا الخطاب علموا أنهم المقصود على نحو ما في آيات سورة براءة ، ~~ولكن يظهر أن سنة غزوة تبوك لم يبق عندها من المنافقين عدد يعتد به فيوجه ~~إليه خطاب كهذا . # وجيء بالموصول في قوله : { مما جعلكم مستخلفين فيه } دون أن يقول : ~~وأنفقوا من أموالكم أو مما رزقكم الله لما في صلة الموصول من التنبيه على ~~غفلة السامعين عن كون المال لله جعل الناس كالخلائف عنه في التصرف فيه مدة ~~ما ، فلما أمرهم بالإنفاق منها على عباده كان حقا عليهم أن يمتثلوا لذلك ~~كما يمتثل الخازن ms8260 أمر صاحب المال إذا أمره بإنفاذ شيء منه إلى من يعينه . # والسين والتاء في { مستخلفين } للمبالغة في حصول الفعل لا للطلب لاستفادة ~~الطلب من فعل { جعلكم } . ويجوز أن تكون لتأكيد الطلب . # والفاء في قوله : { فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير } تفريع ~~وتسبب على الأمر بالإيمان والإنفاق لإفادة تعليله كأنه قيل لأن الذين آمنوا ~~وأنفقوا أعددنا لهم أجرا كبيرا . # والمعنى على وجه كون الآية مكية : أن الذين آمنوا من بينكم وأنفقوا ، أي ~~سبقوكم بالإيمان والإنفاق لهم أجر كبير ، أي فاغتنموه وتداركوا ما فاتوكم ~~به . # و ( من ) للتبعيض ، أي الذين آمنوا وهم بعض قومكم . # وفي هذا إغراء لهم بأن يماثلوهم . # ويجوز أن يكون فعلا المضي في قوله : { فالذين آمنوا منكم وأنفقوا } ~~مستعملان في معنى المضارع للتنبيه عن إيقاع ذلك . # ظاهر استعمال أمثال قوله : { وما لكم لا تؤمنون } أن يكون استفهاما ~~مستعملا PageV27P369 في التوبيخ والتعجيب ، وهو الذي يناسب كون الأمر في ~~قوله : { آمنوا بالله ورسوله } مستعملا في الطلب لا في الدوام . # وتكون جملة { لا تؤمنون } حالا من الضمير المستتر في الكون المتعلق به ~~الجار والمجرور كما تقول : ما لك قائما ؟ بمعنى ما تصنع في حال القيام . ~~والتقدير : وما لكم كافرين بالله ، أي ما حصل لكم في حالة عدم الإيمان . # وجملة { والرسول يدعوكم } حال ثانية ، والواو واو الحال لا العطف ، فهما ~~حالان متداختان . والمعنى : ماذا يمنعكم من الإيمان وقد بين لكم الرسول من ~~آيات القرآن ما فيه بلاغ وحجة على أن الإيمان بالله حق فلا عذر لكم في عدم ~~الإيمان بالله فقد جاءتكم بينات حقيته فتعين أن إصراركم على عدم الإيمان ~~مكابرة وعناد . # وعلى هذا الوجه فالميثاق المأخوذ عليهم هو ميثاق من الله ، أي ما يماثل ~~الميثاق من إيداع الإيمان بوجود الله وبوحدانيته في الفطرة البشرية فكأنه ~~ميثاق قد أخذ على كل واحد من الناس في الأزل وشرط التكوين فهو ناموس فطري . ~~وهذا إشارة إلى قوله تعالى : { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم ~~وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى ms8261 وقد تقدم في سورة الأعراف . # فضمير أخذ } عائد إلى اسم الجلالة في قوله : { وما لكم لا تؤمنون بالله } ~~والمعنى : أن النفوس لو خلت من العناد وعن التمويه والتضليل كانت منساقة ~~إلى إدراك وجود الصانع ووحدانيته وقد جاءهم من دعوة الرسول صلى الله عليه ~~وسلم ما يكشف عنهم ما غشى على إدراكهم من دعاء أيمة الكفر والضلال . # وجملة { إن كنتم مؤمنين } مستأنفة ، وجواب الشرط محذوف دل عليه قوله : { ~~والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم } . # واسم فاعل في قوله { إن كنتم مؤمنين } مستعمل في المستقبل بقرينة وقوعه ~~في سياق الشرط ، أي فقد حصل ما يقتضي أن تؤمنوا من السبب الظاهر والسبب ~~الخفي المرتكز في الجبلة . PageV27P370 # ويرجح هذا المعنى أن ظاهر الأمر في قوله : { آمنوا بالله ورسوله } ( ~~الحديد : 7 ) أنه لطلب إيجاد الإيمان كما تقدم في تفسيرها وأن الآية مكية . # وقرأ الجمهور { أخذ } بالبناء للفاعل ونصب { ميثاقكم } على أن الضمير ~~عائد إلى اسم الجلالة ، وقرأه أبو عمرو { أخذ } بالبناء للنائب ورفع { ~~ميثاقكم } . # استئناف ثالث انتقل به الخطاب إلى المؤمنين ، فهذه الآية يظهر أنها مبدأ ~~الآيات المدنية في هذه السورة ويزيد ذلك وضوحا عطف قوله : { وما لكم ألا ~~تنفقوا في سبيل الله } ( الحديد : 10 ) الآيات كما سيأتي قريبا . # والخطاب هنا وإن كان صالحا لتقرير ما أفادته جملة { وما لكم لا تؤمنون ~~بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم } ( الحديد : 8 ) ولكن أسلوب النظم وما ~~عطف على هذه الجملة يقتضيان أن تكون استئنافا انتقاليا هو من حسن التخلص ~~إلى خطاب المسلمين ، ولا تفوته الدلالة على تقرير ما قبله لأن التقرير يحصل ~~من انتساب المعنيين : معنى الجملة السابقة ، ومعنى هذه الجملة الموالية . # فهذه الجملة بموقعها ومعناها وعلتها وما عطف عليها أفادت بيانا وتأكيدا ~~وتعليلا وتذييلا وتخلصا لغرض جديد ، وهي أغراض جمعتها جمعا بلغ حد الإعجاز ~~في الإيجاز ، مع أن كل جملة منها مستقلة بمعنى عظيم من الاستدلال والتذكير ~~والإرشاد والامتنان . # والرؤوف : من أمثلة المبالغة في الاتصاف بالرأفة وهي كراهية إصابة الغير ~~بضر . # والرحيم : من الرحمة وهي محبة ms8262 إيصال الخير إلى الغير . # وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر وحفص عن عاصم { لرؤوف } بواو بعد الهمزة ~~PageV27P371 على اللغة المشهورة . وقرأه أبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر ~~عن عاصم بدون واو بعد الهمزة وهي لغة ولعلها تخفيف ، قال جرير : # يرى للمسلمين عليه حقا # كفعل الوالد الرؤف الرحيم # وتأكيد الخبر ب { إن } واللام في قوله : { وإن الله بكم لرؤوف رحيم } لأن ~~المشركين في إعراضهم عن دعوة الإسلام قد حسبوها إساءة لهم ولآبائهم وآلهتهم ~~، فقد قالوا : { أهذا الذي بعث الله رسولا إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن ~~صبرنا عليها } ( الفرقان : 41 ، 42 ) . وهذا يرجح أن قوله تعالى : { آمنوا ~~بالله ورسوله } ( الحديد : 7 ) إلى هنا مكي . فإن كانت الآية مدنية فلأن ~~المنافقين كانوا على تلك الحالة . # . # الإنفاق في سبيل الله بمعناه المشهور وهو الإنفاق في عتاد الجهاد لم يكن ~~إلا بعد الهجرة فإن سبيل الله غلب في القرآن إطلاقه على الجهاد ويؤيده قوله ~~عقبه : { لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح } ، لأن الأصل أن يكون ذلك ~~متصلا نزوله مع هذا ولو حمل الإنفاق على معنى الصدقات لكان مقتضيا أنها ~~مدنية لأن الإنفاق بهذا المعنى لا يطلق إلا على الصدقة على المؤمنين فلا ~~يلام المشركون على تركه . # وعليه فالخطاب موجه للمؤمنين ، فقد أعيد الخطاب بلون غير الذي ابتدىء به ~~. # ومن لطائفه أنه موجه إلى المنافقين الذين ظاهرهم أنهم مسلمون وهم في ~~الباطن مشركون فهم الذين شحوا بالإنفاق . # ووجه إلحاق هذه الآية وهي مدنية بالمكي من السورة مناسبة استيعاب أحوال ~~الممسكين عن الإنفاق من الكفار والمؤمنين تعريضا بالتحذير من خصال أهل ~~الكفر إذ قد سبقها قوله : { وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه } ( الحديد : 7 ~~) . PageV27P372 # و { ما } استفهامية مستعملة في اللوم والتوبيخ على عدم إنفاقهم في سبيل ~~الله . # و ( أن ) مصدرية ، والمصدر المنسبك منها والفعل المنصوب بها في محل جر ~~باللام ، أو ب ( في ) محذوف ، والتقدير : ما حصل لكم في عدم إنفاقكم ، أي ~~ذلك الحاصل أمر منكر . # وعن الأخفش أن ( أن ) زائدة فيكون بمنزلة قوله ms8263 : { وما لكم لا تؤمنون ~~بالله } ( الحديد : 8 ) . وليس نصبها الفعل الذي بعدها بمانع من اعتبارها ~~زائدة لأن الحرف الزائد قد يعمل مثل حرف الجر الزائد ، وقد تقدم ذلك عند ~~قوله تعالى : { قالوا وما لنا أن لا نقاتل في سبيل الله في سورة البقرة . # والواو في ولله ميراث السماوات والأرض } واو الحال وهو حال من ضمير { ~~تنفقوا } باعتبار أن عموم السماوات والأرض يشمل ما فيهما فيشمل المخاطبين ~~فذلك العموم هو الرابط . والتقدير : لله ميراث ما في السماوات والأرض ، ~~ويشمل ميراثه إياكم . # والمعنى : إنكار عدم إنفاق أموالهم فيما دعاهم الله إلى الإنفاق فيه وهم ~~سيهلكون ويتركون أموالهم لمن قدر الله مصيرها إليه فلو أنفقوا بعض أموالهم ~~فيما أمرهم الله لنالوا رضى الله وانتفعوا بمال هو صائر إلى من يرثهم . # وإضافة ميراث إلى السماوات والأرض من إضافة المصدر إلى المفعول وهو على ~~حذف مضاف ، تقديره : أهلها ، وليس المراد ميراث ذات السماوات والأرض لأن ~~ذلك إنما يحصل بعد انقراض الناس فلا يؤثر في المقصود من حثهم على الإنفاق . ~~PageV27P373 # . # استئناف بياني ناشىء عما يجول في خواطر كثير من السامعين من أنهم تأخروا ~~عن الإنفاق غير ناوين تركه ولكنهم سيتداركونه . # وأدمج فيه تفضيل جهاد بعض المجاهدين على بعض لمناسبة كون الإنفاق في سبيل ~~الله يشمل إنفاق المجاهد على نفسه في العدة والزاد وإنفاقه على غيره ممن لم ~~يستكمل عدته ولا زاده ، ولأن من المسلمين من يستطيع الجهاد ولا يستطيع ~~الإنفاق ، فأريد أن لا يغفل ذكره في عداد هذه الفضيلة إذ الإنفاق فيها ~~وسيلة لها . # وظاهر لفظ الفتح أنه فتح مكة فإن هذا الجنس المعرف صار علما بالغلبة على ~~فتح مكة ، وهذا قول جمهور المفسرين . # وإنما كان المنفقون قبل الفتح والمجاهدون قبله أعظم درجة في إنفاقهم ~~وجهادهم لأن الزمان الذي قبل فتح مكة كان زمان ضعف المسلمين لأن أهل الكفر ~~كانوا أكثر العرب فلما فتحت مكة دخلت سائر قريش والعرب في الإسلام فكان ~~الإنفاق والجهاد فيما قبل الفتح أشق على نفوس المسلمين لقلة ذات أيديهم ~~وقلة جمعهم ms8264 قبالة جمع العدو ، ألا ترى أنه كان عليهم أن يثبتوا أمام العدو ~~إذا كان عدد العدو عشرة أضعاف عدد المسلمين في القتال قال تعالى : { إن يكن ~~منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين } ( الأنفال : 65 ) . # وقيل المراد بالفتح : صلح الحديبية ، وهذا قول أبي سعيد الخدري رضي الله ~~عنه والزهري ، والشعبي ، وعامر بن سعد بن أبي وقاص ، واختاره الطبري . ~~ويؤيده ما رواه الطبري عن أبي سعيد الخدري ( أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم تلا هذه الآية عام الحديبية ) وهو الملائم لكون هذه السورة بعضها مكي ~~وبعضها مدني فيقتضي أن مدنيها قريب عهد من مدة إقامتهم بمكة ، وإطلاق الفتح ~~على صلح الحديبية وارد في قوله تعالى : { إنا فتحنا لك فتحا مبينا } ( ~~الفتح : 1 ) . PageV27P374 # و { من أنفق } عام يشمل كل من أنفق . وقيل : أريد به أبو بكر الصديق فإنه ~~أنفق ماله كله من أول ظهور الإسلام . # ونفي التسوية مراد به نفيها في الفضيلة والثواب فإن نفي التسوية في وصف ~~يقتضي ثبوت أصل ذلك الوصف لجميع من نفيت عنهم التسوية ، فنفي التسوية كناية ~~عن تفضيل أحد جانبين وتنقيص الجانب الآخر نقصا متفاوتا . # ويعرف الجانب الفاضل والجانب المفضول بالقرينة أو التصريح في الكلام ، ~~وليس تقديم أحد الجانبين في الذكر بعد نفي التسوية بمقتض أنه هو المفضل فقد ~~قال الله تعالى : { لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر ~~والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم } ( النساء : 95 ) وقدم هذه ~~الآية الجانب المفضل ، وكذا الذي في قول السموأل : # فليس سواء عالم وجهول # وقد أكد هذا الاقتضاء بقوله : { أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد ~~وقاتلوا } ، أي أنفقوا من بعد الفتح وقاتلوا من بعد الفتح ، فإن اسم ~~التفضيل يدل على المشاركة فيما اشتق منه اسم التفضيل وزيادة من أخبر عنه ~~باسم التفضيل في الوصف المشتق منه ، أي فكلا الفريقين له درجة عظيمة . # وحذف قسم من أنفق من قبل الفتح إيجازا لدلالة فعل التسوية عليه لا محالة ~~. والتقدير : لا يستوي من أنفق من قبل الفتح ومن أنفق بعده . # والدرجة ms8265 : مستعارة للفضل لأن الدرجة تستلزم الارتقاء ، فوصف الارتقاء ~~ملاحظ فيها ، ثم يشبه الفضل والشرف بالارتقاء فعبر عنه بالدرجة ، فالدرجة ~~من أسماء الأجناس التي لوحظت فيها صفات أوصاف مثل اسم الأسد بصفة الشجاعة ~~في قول الخارجي : # أسد علي وفي الحروب نعامة # وقوله : { وكلا وعد الله الحسنى } احتراس من أن يتوهم متوهم أن اسم ~~PageV27P375 التفضيل مسلوب المفاضلة للمبالغة مثل ما في قول : { قال رب ~~السجن أحب إلي مما يدعونني إليه } ( يوسف : 33 ) ، أي حبيب إلي دون ما ~~يدعونني إليه من المعصية . # وعبر ب { الحسنى } لبيان أن الدرجة هي درجة الحسنى ليكون للاحتراس معنى ~~زائد على التأكيد وهو ما فيه من البيان . # والحسنى : لقب قرآني إسلامي يدل على خيرات الآخرة ، قال تعالى : { للذين ~~أحسنوا الحسنى وزيادة } ( يونس : 26 ) . # وقوله : { منكم } حال من { من أنفق } أصله نعت قدم للاهتمام تعجيلا بهذا ~~الوصف . # وجيء باسم الإشارة في قوله : { أولئك أعظم درجة } دون الضمير لما تؤذن به ~~الإشارة من التنويه والتعظيم ، وللتنبيه على أن المشار إليهم جديرون بما ~~يذكر بعد اسم الإشارة ، لأجل ما ذكر قبله من الإخبار ومثله قوله : { أولئك ~~على هدى من ربهم } ( البقرة : 4 ) بعد قوله : { هدى للمتقين الذين يؤمنون ~~بالغيب } ( البقرة : 3 ) الخ . # وقرأ الجمهور { وكلا وعد الله الحسنى } بنصب { كلا } على أنه مفعول أول ~~مقدم على فعله على طريقة الاشتغال بالضمير المحذوف اختصارا . وقرأه ابن ~~عامر بالرفع على الابتداء وهما وجهان في الاشتغال متساويان . # وهذه الآية أصل في تفاضل أهل الفضل فيما فضلوا فيه ، وأن الفضل ثابت ~~للذين أسلموا بعد الفتح من أهل مكة وغيرهم . وبئس ما يقوله بعض المؤرخين من ~~عبارات تؤذن بتنقيص من أسلموا بعد الفتح من قريش مثل كلمة ( الطلقاء ) ~~وإنما ذلك من أجل حزازات في النفوس قبلية أو حزبية ، والله يقول : { ولا ~~تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم ~~يتب فأولئك هم الظالمون } ( الحجرات : 11 ) . # وجملة { والله بما تعملون خبير } تذييل ، والواو اعتراضية ، والمعنى : أن ~~الله يعلم أسباب الإنفاق وأوقاته وأعذاره ، ويعلم ms8266 أحوال الجهاد ونوايا ~~المجاهدين فيعطي كل عامل على نية عمله . PageV27P376 # موقع هذه الجملة موقع التعليل والبيان لجملة { وكلا وعد الله الحسنى } ( ~~الحديد : 10 ) . # وما بينهما اعتراض ، والمعنى : أن مثل المنفق في سبيل الله كمثل من يقرض ~~الله ومثل الله تعالى في جزائه كمثل المستسلف مع من أحسن قرضه وأحسن في ~~دفعه إليه . # و { من } استفهامية كما هو شأنها إذا دخلت على اسم الإشارة والموصول ، و ~~{ الذي يقرض } خبرها ، و { ذا } معترضة لاستحضار حال المقترض بمنزلة الشخص ~~الحاضر القريب . # وعن الفراء : ( ذا ) صلة ، أي زائدة لمجرد التأكيد مثل ما قال كثير من ~~النحاة : إن ( ذا ) في ( ماذا ) ملغاة ، قال الفراء : رأيتها في مصحف عبد ~~الله { منذا الذي } والنون موصولة بالذال اه . # والاستفهام مستعمل في معنى التحريض مجازا لأن شأن المحرض على الفعل أن ~~يبحث عمن يفعله ويتطلب تعيينه لينوطه به أو يجازيه عليه . # والقرض الحسن : هو القرض المستكمل محاسن نوعه من كونه عن طيب نفس وبشاشة ~~في وجه المستقرض ، وخلو عن كل ما يعرض بالمنة أو بتضييق أجل القضاء . ~~والمشبه هنا بالقرض الحسن هو الإنفاق في سبيل الله المنهي عن تركه في قوله ~~: { وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله } ( الحديد : 10 ) . # وقرأ الجمهور { فيضاعفه } بألف بعد الضاد . وقرأه ابن كثير وابن عامر ~~ويعقوب { فيضعفه } بدون ألف وبتشديد العين . # والفاء في جملة { فيضاعفه له } فاء السببية لأن المضاعفة مسببة على القرض ~~. وقرأ الجمهور فعل { يضاعفه } مرفوعا على اعتباره معطوفا على { يقرض } . ~~والمعنى : التحريض على الإقراض وتحصيل المضاعفة لأن الإقراض سبب ~~PageV27P377 المضاعفة فالعمل لحصول الإقراض كأنه عمل لحصول المضاعفة . # أو على اعتبار مبتدأ محذوف لتكون الجملة اسمية في التقدير فيقع الخبر ~~الفعلي بعد المبتدأ مفيدا تقوية الخبر وتأكيد حصوله ، واعتبار هذه الجملة ~~جوابا ، ل ( من ) الموصولة بإشراب الموصول معنى الشرط وهو إشراب كثير في ~~القرآن . # وقرأه حفص عن عاصم وابن عامر ويعقوب كل على قراءته بالنصب على جواب ~~الاستفهام . # ومعنى { وله أجر كريم } : أن له أنفس جنس الأجور لأن الكريم في كل ms8267 شيء هو ~~النفيس ، كما تقدم في قوله تعالى : { إني ألقي إلي كتاب كريم في سورة النمل ~~. وجعل الأجر الكريم مقابل القرض الحسن فقوبل بهذا موصوف وصفته بمثلهما . # والمضاعفة : مماثلة المقدار ، فالمعنى : يعطيه مثلي قرضه . # والمراد هنا مضاعفته أضعافا كثيرة كما قال : مثل الذين ينفقون أموالهم في ~~سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل الآية في سورة البقرة . # وقال : من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة } ( ~~البقرة : 245 ) . وضمير النصب في { يضاعفه } عائد إلى القرض الحسن ، ~~والكلام على حذف مضاف تقديره : فيضاعف جزاءه له . لأن القرض هنا تمثيل بحال ~~السلف المتعارف بين الناس فيكون تضعيفه مثل تضعيف مال السلف وذلك قبل تحريم ~~الربا . # والأجر : ما زاد على قضاء القرض من عطية يسديها المستسلف إلى من سلفه ~~عندما يجد سعة ، وهو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ( خيركم ~~أحسنكم قضاء ) ، وقال تعالى : { وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا ~~عظيما } ( النساء : 40 ) . # والظاهر أن هذا الأجر هو المغفرة كما في قوله تعالى : { إن تقرضوا الله ~~قرضا حسنا يضاعفه لكم ويغفر لكم والله شكور حليم في سورة التغابن . وهذا ~~يشمل الإنفاق في الصدقات قال تعالى : إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله ~~PageV27P378 قرضا حسنا يضاعف لهم ولهم أجر كريم } ( الحديد : 18 ) ، وهو ما ~~فسره قول النبي صلى الله عليه وسلم ( والصدقة تطفىء الخطايا كما يطفىء ~~الماء النار ) ، أي زيادة على مضاعفتها مثل الحسنات كلها . # لما كان معلوما أن مضاعفة الثواب وإعطاء الأجر يكون في يوم الجزاء ، ترجح ~~أن يكون قوله : { يوم ترى المؤمنين } منصوبا بفعل محذوف تقديره : اذكر ~~تنويها بما يحصل في ذلك اليوم من ثواب للمؤمنين والمؤمنات ومن حرمان ~~للمنافقين والمنافقات ، ولذلك كرر { يوم } ليختص كل فريق بذكر ما هو من ~~شؤونه في ذلك اليوم . # وعلى هذا فالجملة متصلة بالتي قبلها بسبب هذا التعلق ، على أنه في نظم ~~الكلام يصح جعله ظرفا متعلقا ب { يضاعفه له وله أجر كريم } ( الحديد : 11 ) ~~على طريقة التخلص لذكر ما ms8268 يجري في ذلك اليوم من الخيرات لأهلها ومن الشر ~~لأهله . # وعلى الوجه الأول فالجملة مستأنفة استئنافا ابتدائيا لمناسبة ذكر أجر ~~المنفقين فعقب ببيان بعض مزايا المؤمنين ، وعلى الوجه الثاني فهي متصلة ~~بالتي قبلها بسبب التعلق . # والخطاب في { ترى } لغير معين ليكون على منوال المخاطبات التي قبله ، أي ~~يوم يرى الرائي ، والرؤية بصرية ، و { يوم } مبني على الفتح لأنه أضيف إلى ~~جملة فعلية ، ويجوز كونها فتحة إعراب لأن المضاف إلى المضارع يجوز فيه ~~الوجهان . # ووجه عطف { المؤمنات } على { المؤمنين } هنا ، وفي نظائره من القرآن ~~المدني التنبيه على أن حظوظ النساء في هذا الدين مساوية حظوظ الرجال إلا ~~فيما خصصن PageV27P379 به من أحكام قليلة لها أدلتها الخاصة وذلك لإبطال ما ~~عند اليهود من وضع النساء في حالة ملعونات ومحرومات من معظم الطاعات . # وقد بينا شيئا من ذلك عند قوله تعالى : { والأنثى بالأنثى في سورة البقرة ~~. # والنور المذكور هنا نور حقيقي يجعله الله للمؤمنين في مسيرهم من مكان ~~الحشر إكراما لهم وتنويها بهم في ذلك المحشر . # والمعنى : يسعى نورهم حين يسعون ، فحذف ذلك لأن النور إنما يسعى إذا سعى ~~صاحبه وإلا لا نفصل عنه وتركه . # وإضافة ( نور ) إلى ضميرهم وجعل مكانه من بين أيديهم وبأيمانهم يبين أنه ~~نور لذواتهم أكرموا به . # وانظر معنى هذه الإضافة لضميرهم ، وما في قوله : يسعى } من الاستعارة ، ~~ووجه تخصيص النور بالجهة الأمام وبالأيمان كل ذلك في سورة التحريم . # والباء في { وبأيمانهم } بمعنى ( عن ) واقتصر على ذكر الأيمان تشريفا لها ~~وهو من الاكتفاء ، أي وبجانبيهم . # ويجوز أن تكون الباء للملابسة ، ويكون النور الملابس لليمين نور كتاب ~~الحسنات كما قال تعالى : { فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا ~~يسيرا } ( الانشقاق : 7 ، 8 ) فإن كتاب الحسنات هدى فيكون لفظ ( النور ) قد ~~استعمل في معنييه الحقيقي والمجازي وهو الهدى والبركة . # قال ابن عطية : ( ومن هذه الآية انتزع حمل المعتق للشمعة ) ا ه . ( لعله ~~يشير إلى عادة كانت مألوفة عندهم أن يجعلوا بيد العبد الذي يعتقونه شمعة ~~مشتعلة يحملها ساعة عتقه ولم ms8269 أقف على هذا في كلام غيره ) . # والبشرى : اسم مصدر بشر وهي الإخبار بخبر يسر المخبر ، وأطلق المصدر على ~~المفعول وهو إطلاق كثير مثل الخلق بمعنى المخلوق ، أي الذي تبشرون به ~~PageV27P380 جنات ، والكلام على حذف مضافين تقديرهما : إعلام بدخول جنات ~~كما دل عليه قوله : { خالدين فيها } . # وجملة { بشراكم } إلى آخرها مقول قول محذوف ، والتقدير : يقال لهم ، أي ~~يقال من جانب القدس ، تقوله الملائكة ، أو يسمعون كلاما يخلقه الله يعلمون ~~أنه من جانب القدس . # وجملة { ذلك هو الفوز العظيم } يحتمل أن يكون من بقية الكلام المحكي ~~بالقول المبشر به ، ويحتمل أن يكون من الحكاية التي حكيت في القرآن ، وعلى ~~الاحتمالين فالجملة تذييل تدل على مجموع محاسن ما وقعت به البشرى . واسم ~~الإشارة للتعظيم والتنبيه ، وضمير الفصل لتقوية الخبر . # ( 13 ، 14 ) # { يوم يقول } بدل من { يوم ترى المؤمنين } ( الحديد : 12 ) بدلا مطابقا ~~إذا اليوم هو عين اليوم المعرف في قوله : { يوم ترى المؤمنين والمؤمنات ~~يسعى نورهم } ( الحديد : 12 ) . # والقول في فتحة { يوم } تقدم في نظره قريبا . # وعطف { المنافقات } على { المنافقون } كعطف { المؤمنات على المؤمنين في ~~الآية قبل هذه . # والذين آمنوا تغليب للذكور لأن المخاطبين هم أصحاب النور وهو للمؤمنين ~~والمؤمنات . PageV27P381 # وانظرونا } بهمزة وصل مضموما ، من نظره ، إذا انتظره مثل نظر ، إذا أبصر ~~، إلا أن نظر بمعنى الانتظار يتعدى إلى المفعول ، ونظر بمعنى أبصر يتعدى ~~بحرف ( إلى ) قال تعالى : { وانظر إلى العظام كيف ننشرها } ( البقرة : 259 ~~) . # والانتظار : التريث بفعل ما ، أي تريثوا في سيركم حتى نلحق بكم فنستضيء ~~بالنور الذي بين أيديكم وبجانبكم وذلك يقتضي أن الله يأذن للمؤمنين الأولين ~~بالسير إلى الجنة فوجا ، ويجعل المنافقين الذين كانوا بينهم في المدينة ~~سائرين وراءهم كما ورد في حديث الشفاعة ( وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها ) ~~والمعنى : أنهم يسيرون في ظلمات فيسأل المنافقون المؤمنين أن ينتظروهم . # وقرأ الجمهور { انظرونا } بهمزة وصل وضم الظاء ، وقرأه حمزة وحده بهمزة ~~قطع وكسر الظاء ، من أنظره ، إذا أمهله ، أي أمهلونا حتى نلحق بكم ولا ~~تعجلوا السير فينأى نوركم عنا وهم يحسبون ms8270 أن بعدهم عنهم من جراء السرعة . # والاقتباس حقيقته : أخذ القبس بفتحتين وهو الجذوة من الحمر . قال أبو علي ~~الفارسي : ومجيء فعلت وافتعلت بمعنى واحد كثير كقولهم : شويت واشتويت ، ~~وحقرت واحتقرت . قلت : وكذلك حفرت واحتفرت ، فيجوز أن يكون إطلاق تقتبس هنا ~~حقيقة بأن يكونوا ظنوا أن النور الذي كان مع المؤمنين نور شعلة وحسبوا أنهم ~~يستطيعون أن يأخذوا قبسا منه يلقى ذلك في ظنهم لتكون خيبتهم أشد حسرة عليهم ~~. # ويجوز أن يستعار الاقتباس لانتفاع أحد بضوء آخر لأنه يشبه الاقتباس في ~~الانتفاع بالضوء بدون علاج فمعنى { نقتبس من نوركم } نصب منه ونلتحق به ~~فنستبر به . # ويظهر من إسناد { قيل } بصيغة المجهول أن قائله غير المؤمنين المخاطبين ~~وإنما هو من كلام الملائكة السائقين للمنافقين . # وتكون مقالة الملائكة للمنافقين تهكما إذ لا نور وراءهم وإنما أرادوا ~~إطماعهم PageV27P382 ثم تخييبهم بضرب السور بينهم وبين المؤمنين ، لأن ~~الخيبة بعد الطمع أشد حسرة . وهذا استهزاء كان جزاء على استهزائهم ~~بالمؤمنين واستسخارهم بهم ، فهو من معنى قوله تعالى : { الذين يلمزون ~~المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم ~~سخر الله منهم } ( التوبة : 79 ) . # و { وراءكم } : تأكيد لمعنى { ارجعوا } إذ الرجوع يستلزم الوراء ، وهذا ~~كما يقال : رجع القهقرى . ويجوز أن يكون ظرفا لفعل { التمسوا نورا } ، أي ~~في المكان الذي خلفكم . # وتقديمه على عامله للاهتمام فيكون فيه معنى الإغراء بالتماس النور هناك ~~وهو أشد في الإطماع ، لأنه يوهم أن النور يتناول من ذلك المكان الذي صدر ~~منه المؤمنون ، وبذلك الإيهام لا يكون الكلام كذبا لأنه من المعاريض لاسيما ~~مع احتمال أن يكون { وراءكم } تأكيدا لمعنى { ارجعوا } . # وضمير { بينهم } عائد إلى المؤمنين والمنافقين . # وضرب السور : وضعه ، يقال : ضرب خيمة ، قال عبدة بن الطيب : # إن التي ضربت بيتا مهاجرة # بكوفة الجند غالت ودها غول # وضمن { ضرب } في الآية معنى الحجز فعدي بالباء ، أي ضرب بينهم سور للحجز ~~به بين المنافقين والمؤمنين ، خلقه الله ساعتئذ قطعا لأطماعهم وتركهم في ~~ظلمات لا يبصرون ، فحق بذلك التمثيل الذي مثل الله ms8271 به حالهم في الدنيا ~~بقوله : { مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم ~~وتركهم في ظلمات لا يبصرون في سورة البقرة . وأن الحيرة وعدم رؤية المصير ~~عذاب أليم . # ولعل ضرب السور بينهم وجعل العذابب بظاهره والنعيم بباطنه قصد منه ~~التمثيل لهم بأن الفاصل بين النعيم والعذاب هو الأعمال في الدنيا وأن ~~الأعمال التي يعملها الناس في الدنيا منها ما يفضي بعامله إلى النعيم ومنها ~~ما يفضي بصاحبه إلى العذاب فأحد طرفي السور مثال لأحد العملين وطرفه الآخر ~~مثال PageV27P383 لضده . و الباب واحد وهو الموت ، وهو الذي يسلك بالناس ~~إلى أحد الجانبين . # ولعل جعل الباب في سور واحد فيه مع ذلك ليمر منه أفواج المؤمنين الخالصين ~~من وجود منافقين بينهم بمرأى من المنافقين المحبوسين وراء ذلك السور تنكيلا ~~بهم وحسرة حين يشاهدون أفواج المؤمنين يفتح لهم الباب الذي في السور ~~ليجتازوا منه إلى النعيم الذي بباطن السور . # وركب القصاصون على هذه الآية تأويلات موضوعة في فضائل بلاد القدس بفلسطين ~~عزوها إلى كعبب الأحبار فسموا بعض أبواب مدينة القدس باب الرحمة ، وسموا ~~مكانا منها وادي جهنم ، وهو خارج سور بلاد القدس ، ثم ركبوا تأويل الآية ~~عليها وهي أوهام على أوهام . # واعلم أن هذا السور المذكور في هذه الآية غير الحجاب الذي ذكر في سورة ~~الأعراف . # وضمائر له باب } و { باطنه } و { ظاهره } عائدة إلى السور ، والجملتان ~~صفتان ل { سور } . وإنما عطفت الجملة الثالثة بالواو لأن المقصود من الصفة ~~مجموع الجملتين المتعاطفتين كقوله تعالى : { ثيبات وأبكارا } ( التحريم : 5 ~~) . # والباطن : هو داخل الشيء ، والظاهر : خارجه . # فالباطن : هو داخل السور الحاجز بين المسلمين والمنافقين وهو مكان ~~المسلمين . # والبطون والظهور هنا نسبيان ، أي باعتبار مكان المسلمين ومكان المنافقين ~~، فالظاهر هو الجهة التي نحو المنافقين ، أي ضرب بينهم بسور يشاهد ~~المنافقون العذاب من ظاهره الذي يواجههم ، وأن الرحمة وراء ما يليهم . # و ( قبل ) بكسر ففتح ، الجهة المقابلة ، وقوله : { من قلبه } خبر مقدم ، ~~و { العذاب } مبتدأ والجملة خبر عن { ظاهره } . PageV27P384 # و { من } بمعنى ( في ms8272 ) كالتي في قوله تعالى : { إذا نودي للصلاة من يوم ~~الجمعة } ( الجمعة : 9 ) فتكون نظير قوله : { باطنه فيه الرحمة } . # والعذاب : هو حرق جهنم فإن جهنم دار عذاب ، قال تعالى : { إن عذابها كان ~~غراما } ( الفرقان : 65 ) . # وجملة { ينادونهم } حال من { يقول المنافقون والمنافقات } . # وضمائر { ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى } تعرف مراجعها مما تقدم من ~~قوله : { يوم يقول المنافقون والمنافقات } الآية . # و { ألم نكن معكم } استفهام تقريري ، استعمل كناية عن طلب اللحاق بهم ~~والانضمام إليهم كما كانوا معهم في الدنيا يعملون أعمال الإسلام من ~~المسلمين . # والمعية أطلقت على المشاركة في أعمال الإسلام من نطق بكلمة الإسلام ~~وإقامة عبادات الإسلام ، توهموا أن المعاملة في الآخرة تجري كما تجري ~~المعاملة في الدنيا على حسب صور الأعمال ، وما دروا أن الصور مكملات وأن ~~قوامها إخلاص الإيمان وهذا الجواب إقرار بأن المنافقين كانوا يعملون ~~أعمالهم معهم . # ولما كان هذا الإقرار يوهم أنه قول بموجب الاستفهام التقريري أعقبوا ~~جوابهم الإقراري بالاستدراك الرافع لما توهمه المنافقون من أن الموافقة ~~للمؤمنين في أعمال الإسلام تكفي في التحاقهم بهم في نعيم الجنة فبينوا لهم ~~أسباب التباعد بينهم بأن باطنهم كان مخالفا لظاهرهم . # وذكروا لهم أربعة أصول هي أسباب الخسران ، وهي : فتنة أنفسهم ، والتربص ~~بالمؤمنين ، والارتياب في صدق الرسول صلى الله عليه وسلم والاغترار بما ~~تموه إليهم أنفسهم . # وهذه الأربعة هي أصول الخصال المتفرعة على النفاق . # الأول : فتنتهم أنفسهم ، أي عدم قرار ضمائرهم على الإسلام ، فهم في ريبهم ~~يترددون ، فكأن الاضطراب وعدم الاستقرار خلق لهم فإذا خطرت في PageV27P385 ~~أنفسهم خواطر خير من إيمان ومحبة للمؤمنين نقضوها بخواطر الكفر والبغضاء ، ~~وهذا من صنع أنفسهم فإسناد الفتن إليهم إسناد حقيقي ، وكذلك الحال في ~~أعمالهم من صلاة وصدقة . # وهذا ينشأ عنه الكذب ، والخداع ، والاستهزاء ، والطعن في المسلمين ، قال ~~تعالى : { يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به } ( ~~النساء : 60 ) . # الثاني : التربص ، والتربص : انتظار شيء ، وتقدم في قوله تعالى : { ~~والمطلقات يتربصن بأنفسهن } ( البقرة : 228 ) الآية . # ويتعدى فعله إلى المفعول بنفسه ويتعلق به ما ms8273 زاد على المفعول بالباء . ~~وحذف هنا مفعوله ومتعلقه ليشمل عدة الأمور التي ينتظرها المنافقون في شأن ~~المؤمنين وهي كثيرة مرجعها إلى أذى المسلمين والإضرار بهم فيتربصون هزيمة ~~المسلمين في الغزوات ونحوها من الأحداث ، قال تعالى في بعضهم : { ويتربص ~~بكم الدوائر } ( التوبة : 98 ) ، ويتربصون انقسام المؤمنين فقد قالوا لفريق ~~من الأنصار يندمونهم على من قتل من قومهم في بعض الغزوات { لو أطاعونا ما ~~قتلوا } ( آل عمران : 168 ) . # الثالث : الارتياب في الدين وهو الشك في الاعتماد على أهل الإسلام أو على ~~الكافرين وينشأ عنه القعود عن الجهاد قال تعالى : { فهم في ريبهم يترددون } ~~( التوبة : 45 ) ولذلك كانوا لا يؤمنون بالآجال ، وقالوا لإخوانهم : { لو ~~كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا } ( آل عمران : 156 ) . # الرابع : الغرور بالأماني ، وهي جمع أمنية وهي اسم التمني . والمراد بها ~~ما كانوا يمنون به أنفسهم من أنهم على الحق وأن انتصار المؤمنين عرض زائل ، ~~وأن الحوادث تجري على رغبتهم وهواهم ، ومن ذلك قولهم : { ليخرجن الأعز منها ~~الأذل } ( المنافقون : 8 ) وقولهم : { لو نعلم قتالا لاتبعناكم } ( آل ~~عمران : 167 ) ولذلك يحسبون أن العاقبة لهم { هم الذين يقولون لا تنفقوا ~~على من عند رسول الله حتى ينفضوا } ( المنافقون : 7 ) . وقد بينت الخصال ~~التي تتولد على النفاق في تفسير سورة البقرة فطبق عليه هذه الأصول الأربعة ~~وألحق فروع بعضها ببعض . # والمقصود من الغاية ب { حتى جاء أمر الله } التنديد عليهم بأنهم لم ~~يرعووا عن PageV27P386 غيهم مع طول مدة أعمارهم وتعاقب السنين عليهم وهم لم ~~يتدبروا في العواقب ، كما قال تعالى : { أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر ~~} ( فاطر : 37 ) وإسناد التغرير إلى الأماني مجاز عقلي لأن الأماني والطمع ~~في حصولها سبب غرورهم وملابسه . # ومجيء أمر الله هو الموت ، أي حتى يتم على تلك الحالة السيئة ولم تقلعوا ~~عنها بالإيمان الحق . # والغاية معترضة بين الجملتين المتعاطفتين ، ومن حق المؤمن أن يعتبر بما ~~تضمنه قوله تعالى : { وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله } الآية ، فلا يماطل ~~التوبة ولا يقول : غدا غدا . # وجملة { وغركم بالله الغرور } عطف ms8274 على جملة { وغرتكم الأماني } تحقيرا ~~لغرورهم وأمانيهم بأنها من كيد الشيطان ليزدادوا حسرة حينئذ . # والغرور : بفتح الغين مبالغة في المتصف بالتغرير ، والمراد به الشيطان ، ~~أي بإلقائه خواطر النفاق في نفوسهم بتلوينه في لون الحق وإرضاء دين الكفر ~~الذي يزعمون أنه رضي الله { وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم } ( الزخرف : ~~20 ) . # ويجوز أن يراد جنس الغارين ، أي وغركم بالله أيمة الكفر وقادة النفاق . # والتغرير : إظهار الضار في صورة النافع بتمويه وسفسطة . # والباء في قوله : { بالله } للسببية أو للآلة المجازية ، أي جعل الشيطان ~~شأن الله سببا لغروركم بأن خيل إليكم أن الحفاظ على الكفر مرضي لله تعالى ~~وأن النفاق حافظتم به على دينكم وحفظتم به نفوسكم وكرامة قومكم واطلعتم به ~~على أحوال عدوكم . # وهذا كله معلوم عندهم قد شاهدوا دلائله فمن أجل ذلك فرعوا لهم عليه قولهم ~~: { فاليوم لا يؤخذ منكم فدية } ( الحديد : 15 ) ، قطعا لطمعهم أن يكونوا ~~مع المؤمنين يومئذ كما كانوا معهم في الحياة . PageV27P387 # يجوز أن يكون هذا الكلام من تتمة خطاب المؤمنين للمنافقين استمرارا في ~~التوبيخ والتنديم . وهذا ما جرى عليه المفسرون ، فموقع فاء التفريع بين ~~والعلم للمؤمنين بأن لا تؤخذ فدية من المنافقين والذين كفروا حاصل مما ~~يسمعون في ذلك اليوم من الأقضية الإلهية بين الخلق بحيث صار معلوما لأهل ~~المحشر ، أو هو علم متقرر في نفوسهم مما علموه في الدنيا من أخبار القرآن ~~وكلام النبي صلى الله عليه وسلم وذلك موجب عطف { ولا من الذين كفروا } ~~تعبيرا عما علموه بأسره وهو عطف معترض جرته المناسبة . # ويجوز أن يكون كلاما صادرا من جانب الله تعالى للمنافقين تأييسا لهم من ~~الطمع في نوال حظ من نور المؤمنين ، فيكون الفاء من عطف التلقين عاطفة كلام ~~أحد على كلام غيره لأجل اتحاد مكان المخاطبة على نحو قوله تعالى قال : { ~~ومن ذريتي } ( إبراهيم : 40 ) . # ويكون عطف { ولا من الذين كفروا } جمعا للفريقين في توبيخ وتنديم واحد ~~لاتحادهما في الكفر . # وإقحام كلمة { فاليوم } لتذكيرهم بما كانوا يضمرونه في الدنيا حين ينفقون ~~مع المؤمنين ms8275 رياء وتقية . وهو ما حكاه الله عنهم بقوله : { ومن الأعراب من ~~يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم الدوائر } ( التوبة : 98 ) . # وقرأ الجمهور { لا يؤخذ } بياء الغائب المذكر لأن تأنيث { فدية } غير ~~حقيقي ، وقد فصل بين الفعل وفاعله بالظرف فحصل مسوغان لترك اقتران الفعل ~~بعلامة المؤنث . وقرأه ابن عامر وأبو جعفر ويعقوب بمثناة فوقية جريا على ~~تأنيث الفاعل في اللفظ ، والقراءتان سواء . # وكني بنفي أخذ الفدية عن تحقق جزائهم على الكفر ، وإلا فإنهم لم يبذلوا ~~فدية ، ولا كان النفاق من أنواع الفدية ولكن الكلام جرى على الكناية لما هو ~~PageV27P388 مشهور من أن الأسير والجاني قد يتخلصان من المؤاخذة بفدية تبذل ~~عنهما . # فعطف { ولا من الذين كفروا } قصد منه تعليل أن لا محيص لهم من عذاب الكفر ~~، مثل الذين كفروا ، أي الذين أعلنوا الكفر حتى كان حالة يعرفون بها . وهذا ~~يقتضي أن المنافقين كانوا هم والكافرون في صعيد واحد عند أبوابب جهنم ، ~~ففيه احتراس من أن يتوهم الكافرون الصرحاء من ضمير { لا يؤخذ منكم فدية } ~~أن ذلك حكم خاص بالمنافقين تعلقا بأقل طمع ، فليس ذكر { ولا من الذين كفروا ~~} مجرد استطراد . # والمأوى : المكان الذي يؤوى إليه ، أي يصار إليه ويرجع ، وكني به عن ~~الاستمرار والخلود . # وأكد ذلك بالصريح بجملة { مأواكم النار هي مولاكم } أي ترجعون إليها كما ~~يرجع المستنصر إلى مولاه لينصره أو يفادي عنه ، فاستعير المولى للمقر على ~~طريقة التهكم . # ويجوز مع ذلك أن يجعل المولى اسم مكان الولي ، وهو القرب والدنو ، أي ~~مقركم ، كقول لبيد : # فغدت كلا الفرجين تحسب أنه # مولى المخافة خلفها وأمامها # أي مكان المخافة ومقرها . # و { بئس المصير } تذييل يشمل جميع ما يصيرون إليه من العذاب . وقد يحصل ~~العلم للمؤمنين بما أجابوا به أهل النفاق لأنهم صاروا إلى دار الحقائق . # قد علم من صدر تفسير هذه السورة أن هذه الآية نزلت بمكة سنة أربع أو خمس ~~PageV27P389 من البعثة رواه مسلم وغيره عن عبد الله بن مسعود أنه قال : ما ~~كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه ms8276 الآية { ألم يأن للذين آمنوا أن ~~تخشع قلوبهم لذكر الله } إلى { وكثير منهم فاسقون } إلا أربع سنين . # والمقصود من { الذين آمنوا } : إما بعض منهم ربما كانوا مقصرين عن جمهور ~~المؤمنين يومئذ بمكة فأراد الله إيقاظ قلوبهم بهذا الكلام المجمل على عادة ~~القرآن وأقوال الرسول صلى الله عليه وسلم في التعريض مثل قوله : ( ما بال ~~أقوام يفعلون كذا ) وقوله تعالى : { وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله ~~غير الحق ظن الجاهلية } ( آل عمران : 154 ) . وليس ما قاله ابن مسعود ~~مقتضيا أن مثله من أولئك الذين ذكرهم الله بهذه الآية ولكنه يخشى أن يكون ~~منهم حذرا وحيطة . # فالمراد ب { الذين آمنوا } المؤمنون حقا لا من يظهرون الإيمان من ~~المنافقين إذ لم يكن في المسلمين بمكة منافقون ولا كان داع إلى نفاق بعضهم ~~. وعن ابن مسعود ( لما نزلت جعل بعضنا ينظر إلى بعض ونقول : ما أحدثنا ) . # وإما أن يكون تحريضا للمؤمنين على مراقبة ذلك والحذر من التقصير . # والهمزة في { ألم يأن } للاستفهام وهو استفهام مستعمل في الإنكار ، أي ~~إنكار نفي اقتراب وقت فاعل الفعل . # ويجوز أن يكون الاستفهام للتقرير على النفي ، وفعل { يأن } مشتق من اسم ~~جامد وهو الإنى بفتح الهمزة وكسرها ، أي الوقت قال تعالى : { غير ناظرين ~~إناه } ( الأحزاب : 53 ) . وقريب من قوله : { ألم يأن } قولهم : أما آن لك ~~أن تفعل ، مثل ما ورد في حديث إسلام عمر بن الخطاب من قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم له ( أما آن لك يا ابن الخطاب أن تسلم ) وفي خبر إسلام أبي ذر من ~~أن علي بن أبي طالب وجده في المسجد الحرام وأراد أن يضيفه وقال له : ( أما ~~آن للرجل أن يعرف منزله ) يريد : أن يعرف منزلي الذي هو كمنزله . وهذا تلطف ~~في عرض الاستضافة ، إلا أن فعل { يأن } مشتق من الإنى وهو فعل منقوص آخره ~~ألف . وفعل : آن مشتق من الأين وهو الحين وهو فعل أجوف آخره نون . ~~PageV27P390 # فأصل : أنى أني وأصل آن : آون وآل معنى الكلمتين واحد . # واللام للعلة ، أي ألم يأن ms8277 لأجل الذين آمنوا الخشوع ، أي ألم يحق حضوره ~~لأجلهم . # و { أن تخشع } فاعل { يأن } ، والخشوع : الاستكانة والتذلل . # و { ذكر الله } ما يذكرهم به النبي صلى الله عليه وسلم أو هو الصلاة . و ~~{ ما نزل من الحق } القرآن ، قال تعالى : { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر ~~الله وجلت قلوبهم } ( الأنفال : 2 ) . # ويجوز أن يكون الوصفان للقرآن تشريفا له بأنه ذكر الله وتعريفا لنفعه ~~بأنه نزل من عند الله ، وأنه الحق ، فيكون قوله : { وما نزل من الحق } عطف ~~وصف آخر للقرآن مثل قول الشاعر أنشده في ( الكشاف ) : # إلى الملك القرم وابن الهمام . . . البيت # واللام في { لذكر الله } لام العلة ، أي لأجل ذكر الله . # ومعنى الخشوع لأجله : الخشوع المسبب على سماعه وهو الطاعة والامتثال . # وقرأ نافع وحفص عن عاصم { وما نزل } بتخفيف الزاي . وقرأه الباقون بتشديد ~~الزاي على أن فاعل { نزل } معلوم من المقام ، أي الله . # و { لا يكونوا } قرأه الجمهور بياء الغائب . وقرأه رويس عن يعقوب { ولا ~~تكونوا } بتاء الخطاب . # و { لا } نافية على قراءة الجمهور والفعل معمول ل ( أن ) المصدرية التي ~~ذكرت قبله ، والتقدير : ألم يأن لهم أن لا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب . ~~وعلى قراءة رويس عن يعقوب فتاء الخطاب الالتفات و ( لا ) نافية ، والفعل ~~منصوب بالعطف كقراءة الجمهور ، أو ( لا ) ناهية والفعل مجزوم والعطف من عطف ~~الجمل . # والمقصود التحذير لا أنهم تلبسوا بذلك ولم يأن لهم الاقلاع عنه . ~~والتحذير PageV27P391 منصب إلى ما حدث لأهل الكتاب من قسوة القلوب بعد طول ~~الأمد عليهم في مزاولة دينهم ، أي فليحذر الذين آمنوا من أن يكونوا مثلهم ~~على حدثان عهدهم بالدين . وليس المقصود عذر الذين أوتوا الكتاب بطول الأمد ~~عليهم لأن طول الأمد لا يكون سببا في التفريط فيما طال فيه الأمد بل الأمر ~~بالعكس ولا قصد تهوين حصوله للذين آمنوا بعد أن يطول الأمد لأن ذلك لا ~~يتعلق به الغرض قبل طول الأمد ، وإنما المقصود النهي عن التشبه بالذين ~~أوتوا الكتاب في عدم خشوع قلوبهم ولكنه يفيد تحذير المؤمنين بعد أن يطول ~~الزمان من ms8278 أن يقعوا فيما وقع فيه أهل الكتاب . ويستتبع ذلك الأنباء بأن مدة ~~المسلمين تطول قريبا أو أكثر من مدة أهل الكتاب الذين كانوا قبل البعثة ، ~~فإن القرآن موعظة للعصور والأجيال . # ويجوز أن تجعل ( لا ) حرف نهي وتعلق النهي بالغائب التفاتا أو المراد : ~~أبلغهم أن لا يكونوا . # وفاء { فطال عليهم الأمد } لتفريع طول الأمد على قسوة القلوب من عدم ~~الخشوع ، فهذا التفريع خارج عن التشبيه الذي في قوله : { كالذين أوتوا ~~الكتاب من قبل } ، ولكنه تنبيه على عاقبة ذلك التشبيه تحذيرا من أن يصيبهم ~~مثل ما أصاب الذين أوتوا الكتاب من قبل . # والأمد : الغاية من مكان أو زمان والمراد به هنا : المدة التي أوصوا بأن ~~يحافظوا على اتباع شرائعهم فيها المغياة بمجيء الرسول صلى الله عليه وسلم ~~المبشر في الشرائع { وإذا أخذ الله ميثاق النبييئن لما آتيناكم من كتاب ~~وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه } ( آل عمران : 81 ) ~~. # والمعنى : أنهم نسوا ما أوصوا به فخالفوا أحكام شرائعهم ولم يخافوا عقاب ~~الله يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا ~~به ثمنا ، وصار ديدنا لهم رويدا رويدا حتى ضرئوا بذلك ، فقست قلوبهم ، أي ~~تمردت على الاجتراء على تغيير أحكام الدين . # وجملة { وكثير منهم فاسقون } اعتراض في آخر الكلام . # والمعنى : أن كثيرا منهم تجاوزوا ذلك الحد من قسوة القلوب فنبذوا دينهم ~~PageV27P392 وبدلوا كتابهم وحرفوه وأفسدوا عقائدهم فبلغوا حد الكفر . ~~فالفسق هنا مراد به الكفر كقوله تعالى : { قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا ~~إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثرهم فاسقون } ( ~~المائدة : 59 ) ، أي غير مؤمنين بدليل المقابلة بقوله : { آمنا بالله } إلى ~~آخره . # وبين قوله : { فقست } وقوله : { فاسقون } محسن الجناس . وهذا النوع فيه ~~مركب مما يسمى جناس القلب وما يسمى الجناس الناقص وقد اجتمعا في هذه الآية ~~. # افتتاح الكلام ب { اعلموا } ونحوه يؤذن بأن ما سيلقى جدير بتوجه الذهن ~~بشراشره إليه ، كما تقدم عند قوله تعالى : { واعلموا أن الله يعلم ما ms8279 في ~~أنفسكم فاحذروه في سورة البقرة وقوله : واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله ~~خمسه الآية في سورة الأنفال . # وهو هنا يشير إلى أن الكلام الذي بعده مغزى عظيم غير ظاهر ، وذلك أنه ~~أريد به تمثيل حال احتياج القلوب المؤمنة إلى ذكر الله بحال الأرض الميتة ~~في الحاجة إلى المطر ، وحالل الذكر في تزكية النفوس واستنارتها بحال الغيث ~~في إحياء الأرض الجدبة . ودل على ذلك قوله بعده : قد بينا لكم الآيات لعلكم ~~تعقلون } ، وإلا فإن إحياء الله الأرض بعد موتها بما يصيبها من المطر لا ~~خفاء فيها فلا يقتضي أن يفتتح الإخبار عنه بمثل { اعلموا } إلا لأن فيه ~~دلالة غير مألوفة وهي دلالة التمثيل ، ونظيره قول النبي صلى الله عليه وسلم ~~لأبي مسعود البدري وقد رآه لطم وجه عبد له ( اعلم أبا مسعود ، اعلم أبا ~~مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا ) . # فالجملة بمنزلة التعليل لجملة { ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر ~~الله } إلى قوله : { فقست قلوبهم } ( الحديد : 16 ) لما تتضمنه تلك من ~~التحريض على الخشوع PageV27P393 لذكر الله ، ولكن هذه بمنزلة العلة فصلت ~~ولم تعطف ، وهذا يقتضي أن تكون مما نزل مع قوله تعالى : { ألم يأن للذين ~~آمنوا أن تخشع قلوبهم } الآية . # والخطاب في قوله : { اعلموا } للمؤمنين على طريقة الالتفات إقبالا عليهم ~~للاهتمام . # وقوله : { أن الله يحي الأرض بعد موتها } استعارة تمثيلية مصرحة ويتضمن ~~تمثيلية مكنية بسبب تضمنه تشبيه حال ذكر الله والقرآن في إصلاح القلوب بحال ~~المطر في إصلاحه الأرض بعد جدبها . وطوي ذكر الحالة المشبه بها ورمز إليها ~~بلازمها وهو إسناد إحياء الأرض إلى الله لأن الله يحيي الأرض بعد موتها ~~بسبب المطر كما قال تعالى : { والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد ~~موتها } ( النحل : 65 ) . # والمقصود الإرشاد إلى وسيلة الإنابة إلى الله والحث على تعهد النفس ~~بالموعظة ، والتذكير بالإقبال على القرآن وتدبره وكلامم الرسول صلى الله ~~عليه وسلم وتعليمه وأن في اللجأ إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه ~~وسلم نجاة ms8280 وفي المفزع إليهما عصمة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ( تركت ~~فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا كتاب الله وسنتي ) . وقال : ( مثل ما بعثني ~~الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا فكان منها نقية قبلت ~~الماء فأنبتت الكلأ والعشب ، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها ~~الناس فشربوا وسقوا وزرعوا ، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ~~ماء ولا تنبت كلأ ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به ~~فعلم وعلم ، ومثل من لم يرفع لذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به ) ~~. # وقوله : { قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون } استئناف بياني لجملة { أن ~~الله يحي الأرض بعد موتها } لأن السامع قوله : { اعلموا أن الله يحي الأرض ~~بعد موتها } يتطلب معرفة الغرض من هذا الإعلام فيكون قوله : { قد بينا لكم ~~الآيات } جوابا عن تطلبه ، أي أعلمناكم بهذا تبيينا للآيات . # ويفيد بعمومه مفاد التذييل للآيات السابقة من أول السورة مكيها ومدنيها ~~لأن PageV27P394 الآية وإن كانت مدنية فموقعها بعد الآيات النازلة بمكة ~~مراد لله تعالى ، ويدل عليه الأمر بوضعها في موضعها هذا ، ولأن التعريف في ~~الآيات للاستغراق كما هو شأن الجمع المعرف باللام . # والآيات : الدلائل . والمراد بها : ما يشمل مضمون قوله : { ولا يكونوا ~~كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد } إلى قوله : { بعد موتها } ( ~~الحديد : 16 ) ، وهو محل ضرب المثل لأن التنظير بحال أهل الكتاب ضرب من ~~التمثيل . # وبيان الآيات يحصل من فصاحة الكلام وبلاغته ووفرة معانيه وتوضيحها ، وكل ~~ذلك حاصل في هذه الآيات كما علمت آنفا . ومن أوضح البيان التنظير بأحوال ~~المشابهين في حالة التحذير أو التحضيض . # و { لعلكم تعقلون } : رجاء وتعليل ، أي بينا لكم لأنكم حالكم كحال من ~~يرجى فهمه ، والبيان علة لفهمه . # يشبه أن تكون هذه الآية من المدني وأن تكون متصلة المعنى بقوله تعالى : { ~~من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم } ( الحديد : 11 ) ~~وأن آية { ألم يأن للذين آمنوا ms8281 } ( الحديد : 16 ) وما بعدها معترض . وقد ~~تخلل المكي والمدني كل مع الآخر في هذه السورة ألا ترى أن ألفاظ الآيتين ~~متماثلة إذ أريد أن يعاد ما سبق من التحريض على الإنفاق فيؤتى به في صورة ~~الصلة التي عرف بها الممتثلون لذلك التحريض . # وعطف { والمصدقات } كما تقدم في قوله : { يوم ترى المؤمنين والمؤمنات } ( ~~الحديد : 12 ) ، ولأن الشح يكثر في النساء كما دلت عليه أشعار العرب . # وقرأ الجمهور { والمصدقين } بتشديد الصاد على أن أصله المتصدقين فأدغمت ~~التاء في الصاد بعد قلبها صادا لقرب مخرجيهما تطلبا لخفة الإدغام ، فقوله : ~~PageV27P395 { واقرضوا الله قرضا حسنا } من عطف المرادف في المعنى لما في ~~المعطوف من تشبيه فعلهم بقرض لله تنويها بالصدقات . # وقرأه ابن كثير وأبو بكر عن عاصم بتخفيف الصاد على أنه من التصديق ، أي ~~الذين صدقوا الرسول صلى الله عليه وسلم أي آمنوا وامتثلوا أمره فأقرضوا ~~الله قرضا حسنا . # وقرأ الجمهور { يضاعف لهم } بألف بعد الضاد . وقرأه ابن كثير وابن عامر ~~وأبو جعفر ويعقوب { يضعف } بدون ألف وبتشديد العين . # وعطف { واقرضوا } وهو جملة على { المصدقين } وهو مفرد لأن المفرد في حكم ~~الفعل حيث كانت اللام في معنى الموصول فقوة الكلام : إن الذين اصدقوا ~~واللائي تصدقن وأقرضوا ، على التغليب ولا فصل بأجنبي على أن الفصل لا يمنع ~~إذا لم يفسد المعنى . # ووجه العدول عن تماثل الصلتين فلم يقل : إن المصدقين والمقرضين ، هو ~~تصوير معنى كون التصدق إقراضا لله . # وتقدم معنى { يضاعف لهم ولهم أجر كريم } في قوله : { من ذا الذي يقرض ~~الله قرضا حسنا فيضاعفه له } ( الحديد : 11 ) الآية . # . # لما ذكر فضل المتصدقين وكان من المؤمنين من لا مال له ليتصدق منه أعقب ~~ذكر المتصدقين ببيان فضل المؤمنين مطلقا ، وهو شامل لمن يستطيع أن يتصدق ~~ومن لا يستطيع على نحو التذكير المتقدم آنفا في قوله : { وكلا وعد الله ~~الحسنى } ( النساء : 95 ) . # وفي الحديث : ( إن قوما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا : ~~يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور يصلون كما نصلي ويصومون كما ms8282 نصوم ~~ويتصدقون بفضول أموالهم ولا أموال لنا ، فقال : أوليس قد جعل الله لكم ما ~~تصدقون به ، إن لكم في كل تسبيحة صدقة ، وكل تحميدة صدقة ، وكل تكبيرة صدقة ~~، وأمر بالمعروف صدقة ، ونهي عن المنكر صدقة ) . PageV27P396 # و { الذين آمنوا } يعم كل من ثبت له مضمون هذه الصلة وما عطف عليها . # وفي جمع { ورسله } تعريض بأهل الكتاب الذين قالوا : نؤمن ببعض ونكفر ببعض ~~، فاليهود آمنوا بالله وبموسى ، وكفروا بعيسى وبمحمد عليهما الصلاة والسلام ~~، والنصارى آمنوا بالله وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم والمؤمنون آمنوا ~~برسل الله كلهم ، ولذلك وصفوا بأنهم الصديقون . # والصديق بتشديد الدال مبالغة في المصدق مثل المسيك للشحيح ، أي كثير ~~الإمساك لماله ، والأكثر أن يشتق هذا الوزن من الثلاثي مثل : الضليل ، وقد ~~يشتق من المزيد ، وذلك أن الصيغ القليلة الاستعمال يتوسعون فيها كما توسع ~~في السميع بمعنى المسمع في بيت عمرو بن معد يكرب ، والحكيم بمعنى المحكم في ~~أسماء الله تعالى ، وإنما وصفوا بأنهم صديقون لأنهم صدقوا جميع الرسل الحق ~~ولم تمنعهم عن ذلك عصبية ولا عناد ، وقد تقدم في سورة يوسف وصفه بالصديق ~~ووصفت مريم بالصديقة في سورة العقود . # وضمير الفصل للقصر وهو قصر إضافي ، أي هم الصديقون لا الذين كذبوا بعض ~~الرسل وهذا إبطال لأن يكون أهل الكتاب صديقين لأن تصديقهم رسولهم لا جدوى ~~له إذ لم يصدقوا برسالة محمد صلى الله عليه وسلم # واسم الإشارة للتنويه بشأنهم وللتنبيه على أن المشار إليهم استحقوا ما ~~يرد بعد اسم الإشارة من أجل الصفات التي قبل اسم الإشارة . # . # يجوز أن يكون عطفا على { الصديقون } عطف المفرد على المفرد فهو عطف على ~~الخبر ، أي وهم الشهداء . وحكي هذا التأويل عن ابن مسعود ومجاهد وزيد بن ~~أسلم وجماعة . فقيل : معنى كونهم شهداء : أنهم شهداء على الأمم يوم الجزاء ~~، قال تعالى : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس } ( ~~البقرة : 143 ) ، فالشهادة تكون بمعنى الخبر بما يثبت حقا يجازى عليه بخير ~~أو شر . PageV27P397 # وقيل معناه : أن مؤمني هذه الأمة كشهداء الأمم ، أي كقتلاهم ms8283 في سبيل الله ~~وروي عن البراء بن عازب يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم # فتكون جملة { عند ربهم لهم أجرهم ونورهم } استئنافا بيانيا نشأ عن وصفهم ~~بتينك الصفتين فإن السامع يترقب ما هو نوالهم من هذين الفضلين . # ويجوز أن يكون قوله : { والشهداء } مبتدأ وجملة { عند ربهم لهم أجرهم ~~ونورهم } خبر عن المبتدأ ، ويكون العطف من عطف الجمل فيوقف على قوله : { ~~الصديقون } . وحكي هذا التأويل عن ابن عباس ومسروق والضحاك فيكون انتقالا ~~من وصف مزية الإيمان بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم إلى وصف مزية فريق ~~منهم استأثروا بفضيلة الشهادة في سبيل الله ، وهذا من تتمة قوله : { وما ~~لكم ألا تنفقوا في سبيل الله } إلى قوله : { والله بما تعملون خبير } ( ~~الحديد : 10 ) فإنه لما نوه بوعد المؤمنين المصدقين المعفيين من قوله : { ~~وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم } ( الحديد : 8 ) الخ فأوفاهم حقهم ~~بقوله : { والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون } أقبل على وعد ~~الشهداء في سبيل الله الذين تضمن ذكرهم قوله : { وما لكم ألا تنفقوا في ~~سبيل الله } ( الحديد : 10 ) الآيات ، فالشهداء إذن هم المقتولون في الجهاد ~~في سبيل الله . # والمعنيانن من الشهداء ممكن الجمع بينهما فتحمل الآية على إرادتهما على ~~طريقة استعمال المشترك في معنييه . وقد قررنا في مواضع كثيرة أنه جرى ~~استعمال القرآن عليه . # وضميرا { أجرهم } و { نورهم } يعودان إلى الصديقين والشهداء أو إلى ~~الشهداء فقط على اختلاف الوجهين المتقدمين آنفا في العطف . # و { عند ربهم } متعلق بالاستقرار الذي في المجرور المخبر به عن المبتدأ ، ~~والتقدير : لهم أجرهم مستقر عند ربهم ، والعندية مجازية مستعملة في العناية ~~والحظوة . # والظاهر في عود الضمير إلى أن يكون عائدا إلى مذكور في اللفظ بمعناه ~~المذكور فظاهر معنى { أجرهم ونورهم } أنه أجر أولئك المذكورين ، ومعنى ~~إضافة أجر ونور إلى ضميرهم أنه أجر يعرف بهم ونور يعرف بهم . PageV27P398 # وإذ قد كان مقتضى الإضافة أن تفيد تعريف المضاف بنسبته إلى المضاف إليه ~~وكان الأجر والنور غير معلومين للسامع كان في الكلام إبهام يكنى به ms8284 عن أجر ~~ونور عظيمين ، فهو كناية عن التنويه بذلك الأجر وذلك النور ، أي أجر ونور ~~لا يوصفان إلا أجرهم ونورهم ، أي أجرا ونورا لائقين بمقام ، مع ضميمة ما ~~أفادته العندية التي في قوله : { عند ربهم } من معنى الزلفى والعناية بهم ~~المفيد عظيم الأجر والنور . # ويجوز أن يكون ضميرا { أجرهم ونورهم } عائدين إلى لفظي { الصديقون } و { ~~الشهداء } أو إلى لفظ { الشهداء } خاصة على ما تقدم لكن بمعنى آخر غير ~~المعنى الذي حمل عليه آنفا بل بمعنى الصديقين والشهداء ممن كانوا قبلهم من ~~الأمم ، قاله في ( الكشاف ) . # ومعنى الصديقين والشهداء حينئذ مغاير للمعنى السابق بالعموم والخصوص على ~~طريقة الاستخدام في الضمير . وطريقة التشبيه البليغ في حمل الخبر على ~~المبتدأ في قوله : { لهم أجرهم ونورهم } بتقدير : لهم مثل أجرهم ونورهم ، ~~ولا تأويل في إضافة الأجر والنور إلى الضميرين بهذا المحمل فإن تعريف ~~المضاف بين لأنه قد تقرر في علم الناس ما وعد به الصديقون والشهداء من ~~الأمم الماضية قال تعالى في شأنهم : { وكانوا عليه شهداء } ( المائدة : 44 ~~) وقال : { فأولئك مع الذين أنعم عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء ~~والصالحين وحسن أولئك رفيقا } ( النساء : 69 ) . ) # وفائدة التشبيه على هذا الوجه تصوير قوة المشبه وإن كان أقوى من المشبه ~~به لأن للأحوال السالفة من الشهرة والتحقق ما يقرب صورة المشبه عند المخاطب ~~، ومنه ما في لفظ الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم من التشبيه بقوله : ~~( كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ) . # . # تتميم اقتضاه ذكر أهل مراتب الإيمان والتنويه بهم ، فأتبع ذلك بوصف ~~PageV27P399 أضدادهم لأن ذلك يزيد التنويه بهم بأن إيمانهم أنجاهم من ~~الجحيم . # والمراد بالذين كفروا بالله وكذبوا بالقرآن ما يشمل المشركين واليهود ~~والنصارى على تفاوت بينهم في دركات الجحيم ، فالمشركون استحقوا الجحيم من ~~جميع جهات كفرهم ، واليهود استحقوه من يوم كذبوا عيسى عليه السلام ، ~~والنصارى استحقه بعضهم حين أثبتوا لله ابنا وبعضهم من حين تكذيبهم برسالة ~~محمد صلى الله عليه وسلم # وفي استحضارهم بتعريف اسم الإشارة من التنبيه على أنهم جديرون بذلك لأجل ms8285 ~~الكفر والتكذيب نظير ما تقدم في قوله : { أولئك هم الصديقون } . ولم يؤت في ~~خبرهم بضمير الفصل إذ لا يظن أن غيرهم أصحاب الجحيم . # والتعبير عنهم بأصحاب مضاف إلى الجحيم دلالة على شدة ملازمتهم للجحيم . # . # أعقب التحريض على الصدقات والإنفاقق بالإشارة إلى دحض سبب الشح أنه الحرص ~~على استبقاء المال لإنفاقه في لذائذ الحياة الدنيا ، فضرب لهم مثل الحياة ~~الدنيا بحالل محقرة على أنها زائلة تحقيرا لحاصلها وتزهيدا فيها لأن التعلق ~~بها يعوق عن الفلاح قال تعالى : { ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون } ( ~~الحشر : 9 ) ، وقال : { وأحضرت الأنفس الشح وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان ~~بما تعملون خبيرا } ( النساء : 128 ) . # كل ذلك في سياق الحث على الإنفاق الواجب وغيره ، وأشير إلى أنها ينبغي أن ~~تتخذ الحياة وسيلة للنعيم الدائم في الآخرة ، ووقاية من العذاب الشديد ، ~~وما PageV27P400 عدا ذلك من أحوال الحياة فهو متاع قليل ، ولذلك أعقب مثل ~~الحياة الدنيا بالإخبار عن الآخرة بقوله : ( في الآخرة عذاب ) الخ . # وافتتاح هذا بقوله تعالى : { اعلموا } للوجه الذي بيناه آنفا في قوله : { ~~اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها } ( الحديد : 17 ) . # و { أنما } المفتوحة الهمزة أخت ( إنما ) المكسورة الهمزة في إفادة الحصر ~~، وحصر الحياة الدنيا في الأخبار الجارية عليها هو قصر أحوال الناس في ~~الحياة على هذه الأمور الستة باعتبار غالب الناس ، فهو قصر ادعائي بالنظر ~~إلى ما تنصرف إليه همم غالب الناس من شؤون الحياة الدنيا ، والتي إن سلم ~~بعضهم من بعضها لا يخلو من ملابسة بعض آخر إلا الذين عصمهم الله تعالى فجعل ~~أعمالهم في الحياة كلها لوجه الله ، وإلا فإن الحياة قد يكون فيها أعمال ~~التقى والمنافع والإحسان والتأييد للحق وتعليم الفضائل وتشريع القوانين . # وقد ذكر هنا من شؤون الحياة ما هو الغالب على الناس وما لا يخلو من ~~مقارفة تضييع الغايات الشريفة أو اقتحام مساو ذميمة ، وهي أصول أحوال ~~المجتمع في الحياة ، وهي أيضا أصول أطوار آحاد الناس في تطور كل واحد منهم ~~، فإن اللعب طور سن الطفولة والصبا ، واللهو ms8286 طور الشباب ، والزينة طور ~~الفتوة ، والتفاخر طور الكهولة ، والتكاثر طور الشيخوخة . وذكر هنا خمسة ~~أشياء : # فاللعب : اسم لقول أو فعل يراد به المزح والهزل لتمضية الوقت أو إزالة ~~وحشة الوحدة ، أو السكون ، أو السكوت ، أو لجلب فرح ومسرة للنفس ، أو يجلب ~~مثل ذلك للحبيب ، أو يجلب ضده للبغيض ، كإعمال الأعضاء وتحريكها دفعا لوحشة ~~السكون ، والهذيان المقصود لدفع وحشة السكوت ، ومنه العبث ، وكالمزح مع ~~المرأة لاجتلاب إقبالها ومع الطفل تحببا أو إرضاء له . # واللعب : هو الغالب على أعمال الأطفال والصبيان فطور الطفولة طور اللعب ~~ويتفاوت غيرهم في الإتيان منه فيقل ويكثر بحسب تفاوت الناس في الأطوار ~~الأولى من الإنسان وفي رجاحة العقول وضعفها . والإفراط فيه من غير أصحاب ~~طوره يؤذن بخسة العقل ، ولذلك قال قوم إبراهيم له : { أجئتنا بالحق أم أنت ~~من PageV27P401 اللاعبين } ( الأنبياء : 55 ) . واللعب يكثر في أحوال الناس ~~في الدنيا فهو جزء عظيم من أحوالها وحسبك أنه يعمر معظم أحوال الصبا . # واللهو : اسم لفعل أو قول يقصد منه التذاذ النفس به وصرفها عن ألم حاصل ~~من تعب الجسد أو الحزن أو الكمد ، يقال : لها عن الشيء ، أي تشاغل عنه . ~~قال امرؤ القيس : # وبيضة خدر لا يرام خباؤها # تمتعت من لهو بها غير معجل # وقال النابغة يذكر حجه : # حياكك ربي فإنا لا يحل لنا # لهو النساء وإن الدين قد عزما # ويغلب اللهو على أحوال الشباب فطور الشباب طوره ، ويكثر اللهو في أحوال ~~الدنيا من تطلب اللذات والطرب . # والزينة : تحسين الذات أو المكان بما يجعل وقعه عند ناظره مسرا له ، وفي ~~طباع الناس الرغبة في أن تكون مناظرهم حسنة في عين ناظريهم وذلك في طباع ~~النساء أشد ، وربما كان من أسباب شدته فيهن كثرة إغراء الرجال لهن بذلك . # ويكثر التزين في طور الفتوة لأن الرجل يشعر بابتداء زوال محاسن شبابه ، ~~والمرأة التي كانت غانية تحب أن تكون حالية ، وليس ذلك لأجل تعرضها للرجال ~~كما يتوهمه الرجال فيهن غرورا بأنفسهم بل ذلك لتكون حسنة في الناس من ~~الرجال والنساء . # ويغلب التزين على ms8287 أحوال الحياة فإن معظم المساكن والملابس يراد منه ~~الزينة ، وهي ذاتية ومعنوية ، ومن المعنوية ما يسمى في أصول الفقه ~~بالتحسيني . # والتفاخر : الكلام الذي يفخر به ، والفخر : حديث المرء عن محامده والصفات ~~المحمودة منها فيه بالحق أو الباطل . وصيغ منه زنة التفاعل لأن شأن الفخر ~~أن يقع بين جانبين كما أنبأ به تقييده بظرف { بينكم } . # والناس يتفاخرون بالصفات المحمودة في عصورهم وأجيالهم وعاداتهم ، فمن ~~PageV27P402 الصفات ما الفخر به غير باطل . وهو الصفات التي حقائقها محمودة ~~في العقل أو الشرع . ومنها ما الفخر به باطل من الصفات والأعمال التي اصطلح ~~قوم على التمدح بها وليست حقيقة بالمدح مثل التفاخر بالإغلاء في ثمن الخمور ~~وفي الميسر والزنى والفخر بقتل النفوس والغارة على الأموال في غير حق . # وأغلب التفاخر في طور الكهولة واكتمال الاشد لأنه زمن الإقبال على ~~الأفعال التي يقصد منها الفخر . # والتفاخر كثير في أحوال الناس في الدنيا ، ومنه التباهي والعجب ، وعنه ~~ينشأ الحسد . # والتكاثر : تفاعل من الكثرة ، وصيغة التفاعل هنا للمبالغة في الفعل بحيث ~~ينزل منزلة من يغالب غيره في كثرة شيء ، فإنه يكون أحرص على أن يكون الأكثر ~~منه عنده فكان المرء ينظر في الكثرة من الأمر المحبوب إلى امرىء آخر له ~~الكثرة منه ، ألا ترى إلى قول طرفة : # فلو شاء ربي كنت قيس بن عاصم # ولو شاء ربي كنت عمرو بن مرثد # فأصبحت ذا مال كثير وطاف بي # بنون كرام سادة لمسود # ثم شاع إطلاق صيغة التكاثر فصارت تستعمل في الحرص على تحصيل الكثير من ~~غير مراعاة مغالبة الغير ممن حصل عليه ، قال تعالى : { ألهاكم التكاثر } ( ~~التكاثر : 1 ) . # و { في } من قوله : { في الأموال والأولاد } : إما مستعملة في التعليل ، ~~وإما هي الظرفية المجازية ، فإن جعلت الأموال كالظرف يحصل تكاثر الناس عنده ~~كمن ينزع في بئر . # والمعنى : أن الله أقام نظام أحوال الناس في الحياة الدنيا على حكمة أن ~~تكون الحياة وسيلة لبلوغ النفوس إلى ما هيأها الله له من العروج إلى سمو ~~الملكية كما دل عليه قوله : { إني جاعل ms8288 في الأرض خليفة } ( البقرة : 30 ) ، ~~فكان نظام هذه الحياة على أن تجري أمور الناس فيها على حسب تعاليم الهدى ~~للفوز بالحياة الأبدية في النعيم الحق بعد الممات والبعث ، فإذا الناس قد ~~حرفوها عن مهيعها ، وقد تضمن ذلك قوله PageV27P403 تعالى : { من عمل صالحا ~~من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما ~~كانوا يعملون } ( النحل : 97 ) . # . # يجوز أن يكون في موضع خبر من مبتدأ محذوف ، أي هي كمثلل غيث فتكون الجملة ~~استئنافا ، وحذف المسند إليه من النوع الذي سماه السكاكي ( متابعة ~~الاستعمال ) . # ويجوز أن يكون الكاف في موضع الحال و { كمثل } معناه كحال ، أي حال ~~الحياة الدنيا كحال غيث الخ ، فشبهت هيئة أهل الدنيا في أحوالهم الغالبة ~~عليهم والمشار إلى تنويعها بقوله : { لعب ولهو } إلى آخره بهيئة غيث أنبت ~~زرعا فأينع ثم اصفر ثم اضمحل وتحطم ، أي تشبيه هيئة هذه الأحوال الغالبة ~~على الناس في الحياة في كونها محبوبة للناس مزهية لهم وفي سرعة تقضيها ~~بهيئة نبات جديد أنبته غيث فاستوى واكتمل وأعجب به من رآه فمضت عليه مدة ~~فيبس وتحطم . # والمقصود بالتمثيل هو النبات ، وإنما ابتدىء بغيث تصويرا للهيئة من ~~مبادئها لإظهار مواقع الحسن فيها لأن ذلك يكتسب منه المشبه حسنا كما فعل ~~كعب بن زهير في تحسين أوصاف الماء الذي مزجت به الراح في قوله : # شجت بذي شيم من ماء محنية # صافف بأبطح أضحى وهو مشمول # تنفي الرياح القذى عنه وأفرطه # من صوب سارية بيض يعاليل # وعن ابن مسعود ( أن الكفار : الزراع ، جمع كافر وهو الزارع لأنه يكفر ~~الزريعة بتراب الأرض ، والكفر بفتح الكاف الستر ، أي ستر الزريعة ، وإنما ~~أوثر هذا الاسم هنا وقد قال تعالى في سورة الفتح : { يعجب الزراع ، قصدا ~~هنا للتورية بالكفار الذين هم الكافرون بالله لأنهم أشد إعجابا بمتاع ~~الدنيا إذ لا أمل لهم في شيء بعده . وقال جمع من المفسرين : الكفار جمع ~~الكافر بالله لأنهم PageV27P404 قصروا إعجابهم على الأعمال ذات الغايات ~~الدنيا دون الأعمال الدينية ، فذكر الكفار تلويح إلى أن ms8289 المثل مسوق إلى ~~جانبهم أولا . # والنبات : اسم مصدر نبت قال تعالى : والله أنبتكم من الأرض نباتا } ( نوح ~~: 17 ) ، وهو هنا أطلق على النابت من إطلاق المصدر على الفاعل وهو كثير ، ~~وأصله أن يراد به المبالغة ، وقد يشيع فيزول قصد المبالغة به . # وقوله : { ثم يهيج } تضافرت كلمات المفسرين على تفسير يهيج ب ( ييبس ) أو ~~يجف ، ولم يستظهروا بشاهد من كلام العرب يدل على أن من معاني الهياج الجفاف ~~، وقد قال الراغب : يقال : هاج البقل ، إذا اصفر وطاب ، وفي ( الأساس ) : ~~من المجاز هاج البقل ، إذا أخذ في اليبس . وهذان الإمامان لم يجعلا ( هاج ) ~~بمعنى ( يبس ) وكيف لفظ الآية { ثم يهيج فتراه مصفرا } ، فالوجه أن الهياج ~~: الغلظ ومقاربة اليبس ، لأن مادة الهياج تدل على الاضطراب والثوران وسميت ~~الحرب الهيجاء ، وقال النابغة : # أهاجك من سعداك مغنى المعاهد # والزرع إذا غلظ يكون لحركته صوت فكأنه هائج ، أي ثائر وذلك ابتداء جفافه ~~، وذلك كقوله تعالى : { كزرع أخرج شطأه فئازره فاستغلظ فاستوى على سوقه ~~يعجب الزراع في سورة الفتح . # وعطفت جملة يهيج } ب ( ثم ) لإفادة التراخي الرتبي لأن اصفرار النبات ~~أعظم دلالة على التهيؤ للزوال ، وهذا هو الأهم في مقام التزهيد في متاع ~~الدنيا . # وعطف { فتراه مصفرا } بالفاء لأن اصفرار النبت مقارب ليبسه ، وعطف { ثم ~~يكون حطاما } ب ( ثم ) كعطف { ثم يهيج } . # والحطام : بضم الحاء ما حطم ، أي كسر قطعا . # فضرب مثل الحياة الدنيا لأطوار ما فيها من شباب وكهولة وهرم ففناء ، ومن ~~جدة وتبذل وبلى ، ومن إقبال الأمور في زمن إقبالها ثم إدبارها بعد ذلك ، ~~بأطوار الزرع . وكلها أعراض زائلة وآخرها فناء . PageV27P405 # وتندرج فيها أطوار المرء في الحياة المذكورة في قوله : { لعب ولهو } إلى ~~{ والأولاد } كما يظهر بالتأمل . # وهذا التمثيل مع كونه تشبيه هيئة مركبة بهيئة مثلها هو صالح للتفريق ~~ومقابلة أجزاء الهيئة المشبهة بأجزاء الهيئة المشبه بها ، فيشبه أول أطوار ~~الحياة وإقبالها بالنبات عقب المطر ، ويشبه الناس المنتفعون بإقبال الدنيا ~~بناس زراع ، ويشبه اكتمال أحوال الحياة وقوة الكهولة بهياج الزرع ، ويشبه ~~ابتداء الشخوخة ثم الهرم ms8290 وابتداء ضعف عمل العامل وتجارة التاجر وفلاحة ~~الفلاح باصفرار الزرع وتهيئه للفناء ، ويشبه زوال ما كان للمرء من قوة ومال ~~بتحطم الزرع . # ويفهم من هذا أن ما كان من أحوال الحياة مقصودا لوجه الله فإنه من شؤون ~~الآخرة فلا يدخل تحت هذا التمثيل إلا ظاهرا . فأعمال البر ودراسة العلم ~~ونحو ذلك لا يعتريها نقص ما دام صاحبها مقبلا عليها ، وبعضها يزداد نماء ~~بطول المدة ، وتقدم نظير هذه الآية في سورة الزمر . # . # كان ذكر حال الحياة الدنيا مقتضيا ذكر مقابلة على عادة القرآن ، والخبر ~~مستعمل في التحذير والتحريض بقرينة السياق ، ولذلك لم يبين أصحاب العذاب ~~وأصحاب المغفرة والرضوان لظهور ذلك . # وكني عن النعيم بمغفرة من الله ورضوان لأن النعيم قسمان مادي وروحاني ، ~~فالمغفرة والرضوان أصل النعيم الروحاني كما قال تعالى : { ورضوان من الله ~~أكبر } ( التوبة : 72 ) وهما يقتضيان النعيم الجسماني لأن أهل الجنة لما ~~ركبت ذواتهم من أجسام وأودعت فيها الأرواح كان النعيمان مناسبين لهم تكثيرا ~~للذات ، وما لذة الأجسام إلا صائرة إلى الأرواح لأنها المدركة اللذات ، ~~وكان رضوان الله يقتضي إعطائهم منتهى ما به التذاذهم ، ومغفرته مقتضية ~~الصفح عما قد يعوق عن بعض ذلك . PageV27P406 # وعطف { وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور } على { وفي الآخرة عذاب شديد ~~} للمقابلة بين الحالين زيادة في الترغيب والتنفير . # والكلام على تقدير مضاف ، أي وما أحوال الحياة الدنيا إلا متاع الغرور . # والحصر ادعائي باعتبار غالب أحوال الدنيا بالنسبة إلى غالب طالبيها ، ~~فكونها متاعا أمر مطرد وكون المتاع مضافا إلى الغرور أمر غالب بالنسبة لما ~~عدا الأعمال العائدة على المرء بالفوز في الآخرة . # والغرور : الخديعة ، أي إظهار الأمر الضار الذي من شأنه أن يحترز العاقل ~~منه في صورة النافع الذي يرغب فيه . # وإضافة { متاع } إلى { الغرور } على معنى لام العاقبة ، أي متاع صائر ~~لأجل الغرور به ، أي آيل إلى أنه يغر الناظرين إليه فيسرعون في التعلق به . # فذلكة لما تقدم من قوله تعالى : { يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم ~~} ( الحديد : 12 ) إلى هنا فذلك مسوق مساق الترغيب ms8291 فيما به تحصيل نعيم ~~الآخرة والتحذير من فواته وما يصرف عنه من إيثار زينة الدنيا ، ولذلك فصلت ~~الجملة ولم تعطف ، واقتصر في الفذلكة على الجانب المقصود ترغيبه دون التعرض ~~إلى المحذر منه لأنه المقصود . # وعبر عن العناية والاهتمام بفعل السابقة لإلهاب النفوس بصرف العناية ~~بأقصى ما يمكن من الفضائل كفعل من يسابق غيره إلى غاية فهو يحرص على أن ~~يكون المجلي ، ولأن المسابقة كناية عن المنافسة ، أي واتركوا المقتصرين على ~~متاع الحياة الدنيا في الآخريات والخوالف . PageV27P407 # وتنكير { مغفرة } لقصد تعظيمها ولتكون الجملة مستقلة بنفسها ، وإلا فإن ~~المغفرة سبق ذكرها في قوله : { ومغفرة من الله } ، فكان مقتضى الظاهر أن ~~يقال : سابقوا إلى المغفرة ، أي أكثروا من أسبابها ووسائلها : فالمسابقة ~~إلى المغفرة هي المسابقة في تحصيل أسبابها . # والعرض : مستعمل في السعة وليس مقابل الطور لظهور أنه لا طائل في معنى ما ~~يقابل الطول ، وهذا كقوله تعالى : { وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض } ( فصلت ~~: 51 ) ، وقول العديل لما فر من وعيد الحجاج : # ودون يد الحجاج من أن تنالني # بساط بأيدي الناعجات عريض # وتشبيه عرض الجنة بعرض السماء والأرض ، أي مجموع عرضيهما لقصد تقريب ~~المشبه بأقصى ما يتصوره الناس في الاتساع ، وليس المراد تحديد ذلك العرض ~~ولا أن الجنة في السماء حتى يقال : فماذا بقي لمكان جهنم . # وهذا الأمر شامل لجميع المسابقات إلى أفعال البر الموجبة للمغفرة ونعيم ~~الجنة ، وشامل للمسابقة الحقيقية مع المجازية على طريقة استعمال اللفظ في ~~حقيقته ومجازه ، وهي طريقة شائعة في القرآن إكثارا للمعاني ، ومنه الحديث : ~~( لو يعلم الناس ما في الصف الأول لاستبقوا إليه أو استهموا إليه ) . # وليس في الآية دليل على أن الجنة غير مخلوقة الآن إذ وجه الشبه في قوله : ~~{ كعرض السماء والأرض } هو السعة لا المقدار ولا على أن الجنة في السماء ~~الموجودة اليوم ولا عدمه ، وتقدم من معنى هذه الآية قوله : { سارعوا إلى ~~مغفرة من ربكم الآية في سورة آل عمران . # وظاهر قوله : أعدت } أن الله خلقها وأعدها لأن ظاهر استعماله الفعل في ~~الزمان الماضي ms8292 إن حصل مصدره فيه ، فقد تمسك بهذا الظاهر الذين قالوا : إن ~~الجنة مخلوقة الآن ، وأما الذين نفوا ذلك فاستندوا إلى ظواهر أخرى وتقدم ~~ذلك في سورة آل عمران . PageV27P408 # وعلم من قوله : { أعدت للذين آمنوا بالله ورسله } أن غيرهم لاحظ لهم في ~~الجنة لأن معنى اعداد شيء لشيء قصره عليه . # وجمع الرسل هنا يشمل كل أمة آمنوا بالله وبرسولهم الذي أرسله الله إليهم ~~، وليس يلزمها أن تؤمن برسول أرسل إلى أمة أخرى ولم يدع غيرها إلى الإيمان ~~به . # والإشارة في { ذلك فضل الله } إلى المذكور من المغفرة والجنة . # ( 22 ، 23 ) # لما جرى ذكر الجهاد آنفا بقوله : { لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح ~~وقاتل } ( الحديد : 10 ) وقوله : { والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم } ( ~~الحديد : 19 ) على الوجهين المتقدمين هنالك ، وجرى ذكر الدنيا في قوله : { ~~وما الحياة الدنيا إلا متاع الغروب } ( الحديد : 20 ) وكان ذلك كله مما ~~تحدث فيه المصائب من قتل وقطع وأسر في الجهاد ، ومن كوارث تعرض في الحياة ~~من فقد وألم واحتياج ، وجرى مثل الحياة الدنيا بالنبات ، وكان ذلك ما يعرض ~~له القحط والجوائح ، أتبع ذلك بتسلية المسلمين على ما يصيبهم لأن المسلمين ~~كانوا قد تخلقوا بآداب الدنيا من قبل فربما لحقهم ضر أو رزء خارج عن نطاق ~~قدرتهم وكسبهم فأعلموا أن ذلك مما اقتضاه ارتباط أسباب الحوادث بعضها ببعض ~~على ما سيرها عليه نظام جميع الكائنات في هذا العالم كما أشار إليه قوله ~~تعالى : { إلا في كتاب من قبل أن نبرأها } ( الحديد : 22 ) كما ستعلمه ، ~~فلم يملكهم الغم والحزن ، وانتقلوا عن ذلك إلى الإقبال على ما يهمهم من ~~الأمور ولم يلهمهم التحرق على ما فات على نحو ما وقع في قوله : { ولا ~~تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون ولنبلونكم ~~بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين ~~الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون } ( البقرة : 154 ~~156 ) ، ولعل المسلمين قد أصابتهم PageV27P409 شدة في إحدى المغازي ms8293 أو حبس ~~مطر أو نحو ذلكم مما كان سبب نزول هذه الآية . # و ( ما ) نافية و ( من ) زائدة في النفي للدلالة على نفي الجنس قصدا ~~للعموم . # ومفعول { أصاب } محذوف تقديره : ما أصابكم أو ما أصاب أحدا . # وقوله : { في الأرض } إشارة إلى المصائب العامة كالقحط وفيضان السيول ~~وموتان الأنعام وتلف الأموال . # وقوله : { ولا في أنفسكم } إشارة إلى المصائب اللاحقة لذوات الناس من ~~الأمراض وقطع الأعضاء والأسر في الحرب وموت الأحباب وموت المرء نفسه فقد ~~سماه الله مصيبة في قوله : { فأصابتكم مصيبة الموت } ( المائدة : 106 ) . ~~وتكرير حرف النفي في المعطوف على المنفي في قوله : { ولا في أنفسكم } لقصد ~~الاهتمام بذلك المذكور بخصوصه فإن المصائب الخاصة بالنفس أشد وقعا على ~~المصاب ، فإن المصائب العامة إذا اخطأته فإنما يتأثر لها تأثرا بالتعقل لا ~~بالحس فلا تدوم ملاحظة النفس إياه . # والاستثناء في قوله : { إلا في كتاب } استثناء من أحوال منفية ب ( ما ) ، ~~إذ التقدير : ما أصاب من مصيبة في الأرض كائنة في حال إلا في حال كونها ~~مكتوبة في كتاب ، أي مثبتة فيه . # والكتاب : مجاز عن علم الله تعالى ووجه المشابهة عدم قبوله التبديل ~~والتغيير والتخلف ، قال الحارث بن حلزة : # حذر الجور والتطاخي وهل # ينقض ما في المهارق الأهواء # ومن ذلك علمه وتقديره لأسباب حصولها ووقت خلقها وترتب آثارها والقصر ~~المفاد ب ( إلا ) قصر موصوف على صفة وهو قصر إضافي ، أي إلا في حال كونها ~~في كتاب دون عدم سبق تقديرها في علم الله ردا على اعتقاد المشركين ~~والمنافقين المذكور في قوله تعالى : { وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض ~~أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا } ( آل عمران : 156 ) ~~وقوله : { الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما PageV27P410 قتلوا } ~~( آل عمران : 168 ) . وهذا الكلام يجمع الإشارة إلى ما قدمناه من أن الله ~~تعالى وضع نظام هذا العالم على أن تترتب المسببات على أسبابها ، وقدر ذلك ~~وعلمه ، وهذا مثل قوله : { وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب ~~} ( فاطر : 11 ) ونحو ms8294 ذلك . # والبرء : بفتح الباء : الخلق ومن أسمائه تعالى البارىء ، وضمير النصب في ~~{ نبرأها } عائد إلى الأرض أو إلى الأنفس . # وجملة { إن ذلك على الله يسير } رد على أهل الضلال من المشركين وبعض أهل ~~الكتاب الذين لا يثبتون لله عموم العلم ويجوزون عليه البداء وتمشي الحيل ، ~~ولأجل قصد الرد على المنكرين أكد الخبر ب ( إن ) . # والتعليل بلام العلة و ( كي ) متعلق بمقدر دل عليه هذا الإخبار الحكيم ، ~~أي أعلمناكم بذلك لكي لا تأسوا على ما فاتكم الخ ، أي لفائدة استكمال ~~مدركاتكم وعقولكم فلا تجزعوا للمصائب لأن من أيقن أن ما عنده من نعمة ~~دنيوية مفقود يوما لا محالة لم يتفاقم جزعه عند فقده لأنه قد وطن نفسه على ~~ذلك ، وقد أخذ هذا المعنى كثير في قوله : # فقلت لها يا عز كل مصيبة # إذا وطنت يوما لها النفس ذلت # وقوله : { ولا تفرحوا بما آتاكم } تتميم لقوله : { لكيلا تأسوا على ما ~~فاتكم } فإن المقصود من الكلام أن لا يأسوا عند حلول المصائب لأن المقصود ~~هو قوله : { ما أصاب من مصيبة . . . إلا في كتاب } ثم يعلم أن المسرات كذلك ~~بطريق الاكتفاء فإن من المسرات ما يحصل للمرء عن غير ترقب وهو أوقع في ~~المسرة كمل أدبه بطريق المقابلة . # والفرح المنفي هو الشديد منه البالغ حد البطر ، كما قال تعالى في قصة ~~قارون { إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين } ( القصص : 76 ) . ~~وقد فسره التذييل من قوله : { والله لا يحب كل محتال فخور } . # والمعنى : أخبرتكم بذلك لتكونوا حكماء بصراء فتعلموا أن لجميع ذلك أسبابا ~~وعللا ، وأن للعالم نظاما مرتبطا بعضه ببعض ، وأن الآثار حاصلة عقب ~~مؤثراتها PageV27P411 لا محالة ، وإن إفضاءها إليها بعضه خارجج عن طوق ~~البشر ومتجاوز حد معالجته ومحاولته ، وفعل الفوات مشعر بأن الفائت قد سعى ~~المفوت عليه في تحصيله ثم غلب على نواله بخروجه عن مكنته ، فإذا رسخ ذلك في ~~علم أحد لم يحزن على ما فاته مما لا يستطيع دفعه ولم يغفل عن ترقب زوال ما ~~يسره إذا ms8295 كان مما يسره ، ومن لم يتخلق بخلق الإسلام يتخبط في الجوع إذا ~~أصابه مصاب ويستطار خيلاء وتطاولا إذا ناله أمر محبوب فيخرج عن الحكمة في ~~الحالين . # والمقصود من هذا التنبيه على أن المفرحات صائرة إلى زوال وأن زوالها ~~مصيبة . # واعلم أن هذا مقام المؤمن من الأدب بعد حلول المصيبة وعند نوال الرغيبة . # وصلة الموصول في { بما آتاكم } مشعرة بأنه نعمة نافعة ، وفيه تنبيه على ~~أن مقام المؤمن من الأدب بعد حلول المصيبة وعند انهيال الرغيبة ، هو أن لا ~~يحزن على ما فات ولا يبطر بما ناله من خيرات ، وليس معنى ذلك أن يترك السعي ~~لنوال الخير واتقاء الشر قائلا : إن الله كتب الأمور كلها في الأزل ، لأن ~~هذا إقدام على إفساد ما فطر عليه الناس وأقام عليه نظام العالم . وقد قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم للذين قالوا أفلا نتكل ( اعملوا فكل ميسر لما خلق ~~له ) . # وقوله : { والله لا يحب كل مختال فخور } تحذير من الفرح الواقع في سياق ~~تعليل الأخبار بأن كل ما ينال المرء ثابت في كتاب ، وفيه بيان للمراد من ~~الفرح أنه الفرح المفرط البالغ بصاحبه إلى الاختيال والفخر . # والمعنى : والله لا يحب أحدا مختالا وفخورا ولا تتوهم أن موقع ( كل ) بعد ~~النفي يفيد النفي عن المجموع لا عن كل فرد لأن ذلك ليس مما يقصده أهل ~~اللسان ، ووقع للشيخ عبد القاهر ومتابعيه توعم فيه ، وقد تقدم عند قوله ~~تعالى : { والله لا يحب كل كفار أثيم في سورة البقرة ونبهت عليه في تعليقي ~~على دلائل الإعجاز . # وقرأ الجمهور آتاكم } بمد بعد الهمزة محول عن همزة ثانية هي فاء الكلمة ، ~~أي ما جعله آتيا لكم ، أي حاصلا عندكم ، فالهمزة الأولى للتعدية إلى مفعول ~~ثان ، والتقدير : بما آتاكموه . والإتيان هنا أصله مجاز وغلب استعماله حتى ~~PageV27P412 ساوى الحقيقة ، وعلى هذه القراءة فعائد الموصول محذوف لأنه ~~ضمير متصل منصوب بفعل ، والتقدير : بما آتاكموه ، وفيه إدماج المنة مع ~~الموعظة تذكيرا بأن الخيرات من فضل الله . وقرأه أبو عمرو وحده بهمزة واحدة ~~على ms8296 أنه من ( أتى ) ، إذا حصل ، فعائد الموصول هو الضمير المستتر المرفوع ب ~~( آتى ) ، وفي هذه القراءة مقابلة { آتاكم } ب ( فاتكم ) وهو محسن الطباق ~~ففي كلتا القراءتين محسن . # يجوز أن يكون { الذين يبخلون } ابتداء كلام على الاستئناف لأن الكلام ~~الذي قبله ختم بالتذييل بقوله : { والله لا يحب كل مختال فخور } ( الحديد : ~~23 ) فيكون { الذين يبخلون } مبتدأ وخبره محذوفا يدل عليه جواب الشرط وهو { ~~فإن الله هو الغني الحميد } . والتقدير : فإن الله غني عنهم وحامد للمنفقين ~~. # ويجوز أن يكون متصلا بما قبله على طريقة التخلص فيكون { الذين يبخلون } ~~بدلا من { كل مختال فخور } ، أو خبرا لمبتدأ محذوف هو ضمير { كل مختال فخور ~~} . تقديره : هم الذين يبخلون ، وعلى هذا الاحتمال الأخير فهو من حذف ~~المسند إليه اتباعا للاستعمال كما سماه السكاكي ، وفيه وجوه آخر لا نطول ~~بها . # والمراد ب { الذين يبخلون } : المنافقون ، وقد وصفهم الله بمثل هذه الصلة ~~في سورة النساء ، وأمرهم الناس بالبخل هو الذي حكاه الله عنهم بقوله : { هم ~~الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا } ( المنافقون : 7 ~~) ، أي على المؤمنين . # وجملة { ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد } تذييل لأن { من يتول } يعم ~~{ الذين يبخلون } وغيرهم فإن { الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل } أي في ~~سبيل الله وفي النفقات الواجبه قد تولوا عن أمر الله و ( من ) شرطية عامة . ~~PageV27P413 # وجملة { فإن الله هو الغني الحميد } قائمة مقام جواب الشرط لأن مضمونها ~~علة للجواب ، فالتقدير : ومن يتول فلا يضر الله شيئا ولا يضر الفقير لأن ~~الله غني عن مال المتولين ، ولأن له عبادا يطيعون أمره فيحمدهم . # والغني : الموصوف بالغنى ، أي عدم الاحتياج . ولما لم يذكر له متعلق كان ~~مفيدا الغنى العام . # والحميد : وصف مبالغة ، أي كثير الحمد للمنفقين على نحو قوله تعالى : { ~~يأيها الذين آمنوا من يرتدد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ~~ويحبونه } ( المائدة : 54 ) الآية . # ووصفه ب { الحميد } هنا نظير وصفه ب ( الشكور ) وفي قوله : { إن تقرضوا ~~الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ويغفر لكم ms8297 والله شكور حليم } ( التغابن : 17 ) ، ~~فإن اسمه { الحميد } صالح لمعنى المحمود فيكون فعيلا بمعنى مفعول ، وصالح ~~لمعنى كثير الحمد ، فيكون من أمثلة المبالغة لأن الله يثيب على فعل الخير ~~ثوابا جزيلا ويثني على فاعله ثناء جميلا فكان بذلك كثير الحمد . وقد حمله ~~على كلا المعنيين ابن يرجان الأشبيلي في ( شرحه لأسماء الله الحسنى ) ~~ووافقه كلام ابن العربي في ( أحكام القرآن ) في سورة الأعراف ، وهو الحق . ~~وقصره الغزالي في ( المقصد الأسنى ) على معنى ( المحمود ) . # وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر { فإن الله الغني الحميد } بدون ضمير فصل ~~، وكذلك هو مرسوم في مصحف المدينة ومصحف الشام . وقرأه الباقون { فإن الله ~~هو الغني الحميد } بضمير فصل بعد اسم الجلالة وكذلك هو مرسوم في مصاحف مكة ~~والبصرة والكوفة ، فهما روايتان متواترتان . PageV27P414 # والجملة مفيدة للقصر بدون ضمير فصل لأن تعريف المسند إليه والمسند من طرق ~~القصر ، فالقراءة بضمير الفصل تفيد تأكيد القصر . # استئناف ابتدائي ناشىء عما تقدم من التحريض على الإنفاق في سبيل الله وعن ~~ذكر الفتح وعن تذييل ذلك بقوله : { ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد } ( ~~الحديد : 24 ) ، وهو إعذار للمتولين من المنافقين ليتداركوا صلاحهم باتباع ~~الرسول صلى الله عليه وسلم والتدبر في هدي القرآن وإنذار لهم إن يرعووا ~~وينصاعوا إلى الحجة الساطعة بأنه يكون تقويم عوجهم بالسيوف القاطعة وهو ما ~~صرح لهم به في قوله في سورة الأحزاب ( 60 ، 61 ) { لئن لم ينته المنافقون ~~والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك ~~فيها إلا قليلا ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا وقوله في سورة ~~التحريم يأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم لئلا يحسبوا أن ~~قوله : ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد } ( الحديد : 24 ) مجرد متاركة ~~فيطمئنوا لذلك . # وتأكيد الخبر بلام القسم وحرف التحقيق راجع إلى ما تضمنه الخبر من ذكر ما ~~في إرسال رسل الله وكتبه من إقامة القسط للناس ، ومن التعريض بحمل المعرضين ~~على السيف إن استمروا على غلوائهم . # وجمع ( الرسل ) هنا لإفادة أن ما ms8298 جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ليس ~~بدعا من الرسل ، وأن مكابرة المنافقين عماية عن سنة الله في خلقه فتأكيد ~~ذلك مبني على تنزيل السامعين منزلة من ينكر أن الله أرسل رسلا قبل محمد صلى ~~الله عليه وسلم لأن حالهم في التعجب من دعواه الرسالة كحال من ينكر أن الله ~~أرسل رسلا من قبل . وقد تكرر مثل هذا في مواضع من القرآن كقوله تعالى : { ~~قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات } ( آل عمران : 183 ) . PageV27P415 # والبينات : الحجج الدالة على أن ما يدعون إليه هو مراد الله ، والمعجزات ~~داخلة في البينات . # وتعريف { الكتاب } تعريف الجنس ، أي وأنزلنا معهم كتبا ، أي مثل القرآن . # وإنزال الكتاب : تبليغ بواسطة الملك من السماء ، وإنزال الميزان : تبليغ ~~الأمر بالعدل بين الناس . # والميزان : مستعار للعدل بين الناس في إعطاء حقوقهم لأن مما يقتضيه ~~الميزان وجود طرفين يراد معرفة تكافئهما ، قال تعالى : { وإذا حكمتم بين ~~الناس أن تحكموا بالعدل } ( النساء : 58 ) . وهذا الميزان تبينه كتب الرسل ~~، فذكره بخصوصه للاهتمام بأمره لأنه وسيلة انتظام أمور البشر كقوله تعالى : ~~{ إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله } ( النساء ~~: 105 ) وليس المراد أن الله ألهمهم وضع آلات الوزن لأن هذا ليس من المهم ، ~~وهو مما يشمله معنى العدل فلا حاجة إلى التنبيه عليه بخصوصه . # ويتعلق قوله : { ليقوم الناس بالقسط } بقوله : { وأنزلنا معهم } . # والقيام : مجاز في صلاح الأحوال واستقامتها لأنه سبب لتيسير العمل وقد ~~تقدم ذلك عند قوله تعالى : { ويقيمون الصلاة في أوائل البقرة . # والقسط : العدل في جميع الأمور ، فهو أعم من الميزان المذكور لاختصاصه ~~بالعدل بين متنازعين ، وأما القسط فهو إجراء أمور الناس على ما يقتضيه الحق ~~فهو عدل عام بحيث يقدر صاحب الحق منازعا لمن قد احتوى على حقه . # ولفظ القسط مأخوذ في العربية من لفظ قسطاس اسم العدل بلغة الروم ، فهو من ~~المعرب وروي ذلك عن مجاهد . # والباء للملابسة ، أي يكون أمر الناس ملابسا للعدل ومماشيا للحق ، وإنزال ~~الحديد : مستعار لخلق معدنه كقوله : وأنزل لكم من ms8299 الأنعام ثمانية أزواج } ( ~~الزمر : 6 ) ، أي خلق لأجلكم وذلك بإلهام البشر استعماله في السلاح من سيوف ~~ودروع PageV27P416 ورماح ونبال وخوذ ودرق ومجان . ويجوز أن يراد بالحديد ~~خصوص السلاح المتخذ منه من سيوف وأسنة ونبال ، فيكون إنزاله مستعارا لمجرد ~~إلهام صنعه ، فعلى الوجه الأول يكون ضمير { فيه بأس شديد } عائدا إلى ~~الحديد باعتبار إعداده للبأس فكأن البأس مظروف فيه . # والبأس : الضر . والمراد بأس القتل والجرح بآلات الحديد من سيوف ورماح ~~ونبال ، وبأس جرأة الناس على إيصال الضر بالغير بواسطة الواقيات المتخذة من ~~الحديد . # والمنافع : منافع الغالب بالحديد من غنائم وأسرى وفتح بلاد . # ويتعلق قوله : { للناس } بكل من { بأس } و { منافع } على طريقة التنازع ، ~~أي فيه بأس لناس ومنافع لآخرين فإن مصائب قوم عند قوم فوائد . # والمقصود من هذا لفت بصائر السامعين إلى الاعتبار بحكمة الله تعالى من ~~خلق الحديد وإلهامم صنعه ، والتنبيه على أن ما فيه من نفع وبأس إنما أريد ~~به أن يوضع بأسه حيث يستحق ويوضع نفعه حيث يليق به لا لتجعل منافعه لمن لا ~~يستحقها مثل قطاع الطريق والثوار على أهل العدل ، ولتجهيز الجيوش لحماية ~~الأوطان من أهل العدوان ، وللادخار في البيوت لدفع الضاريات والعاديات على ~~الحرم والأموال . # وكان الحكيم ( انتيثنوس ) اليوناني تلميذ سقراط إذا رأى امرأة حالية ~~متزينة في أثينا يذهب إلى بيت زوجها ويسأله أن يريه فرسه وسلاحه فإذا رآهما ~~كاملين أذن لامرأته أن تتزين لأن زوجها قادر على حمايتها من داعر يغتصبها ، ~~وإلا أمرها بترك الزينة وترك الحلي . # وهذا من باب سد الذريعة ، لا ليجعل بأسه لإخضاد شوكة العدل وإرغام ~~الآمرين بالمعروف على السكوت ، فإن ذلك تحريف لما أراد الله من وضع الأشياء ~~النافعة والقارة ، قال تعالى : { والله لا يحب الفساد } ( البقرة : 205 ) ، ~~وقال على لسان أحد رسله { إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت } ( هود : 88 ) . ~~PageV27P417 # وقد أوما إلى هذا المعنى بالإجمال قوله : { وليعلم الله من ينصره ورسله ~~بالغيب } ، أي ليظهر للناس أثر علم الله بمن ينصره ، فأطلق فعل { ليعلم } ~~على معنى ظهور أثر العلم ms8300 كقول إياس بن قبيصة الطائي : # وأقبلت والخطي يخطر بيننا # لأعلم من جبانها من شجاعها # أي ليظهر للناس الجبان والشجاع ، أي فيعلموا أني شجاعهم . # ونصر الناس الله هو نصرهم دينه ، وأما الله فغني عن النصر ، وعطف { ورسله ~~} ، أي من ينصر القائمين بدينه ، ويدخل فيه نصر شرائع الرسول صلى الله عليه ~~وسلم بعده ونصر ولاة أمور المسلمين القائمين بالحق . وأعظم رجل نصر دين ~~الله بعد وفاة رسوله صلى الله عليه وسلم هو أبو بكر الصديق في قتاله أهل ~~الردة رضي الله عنه . # وقوله : { بالغيب } يتعلق ب { ينصره } ، أي ينصره نصرا يدفعه إليه داعي ~~نفسه دون خشية داع يدعوه إليه ، أو رقيب يرقب صنيعه والمعنى : أنه يجاهد في ~~سبيل الله والدفاع عن الدين بمحض الإخلاص . # وقد تقدم ذكر الحديد ومعدنه وصناعته في تفسير قوله تعالى : { آتوني زبر ~~الحديد في سورة الكهف . # وجملة إن الله قوي عزيز } تعليل لجملة { أرسلنا رسلنا بالبينات } إلى ~~آخرها ، أي لأن الله قوي عزيز في شؤونه القدسية ، فكذلك يجب أن تكون رسله ~~أقوياء أعزة ، وأن تكون كتبه معظمة موقرة ، وإنما يحصل ذلك في هذا العالم ~~المنوطة أحداثه بالأسباب المجعولة بأن ينصره الرسل وأقوام مخلصون لله ~~ويعينوا على نشر دينه وشرائعه . # والقوي العزيز : من أسمائه تعالى . فالقوي : المتصف بالقوة ، قال تعالى : ~~{ ذو القوة المتين } ( الذاريات : 58 ) وتقدم القوي في قوله : { إن الله ~~قوي شديد العقاب } ( الأنفال : 52 ) . # والعزيز : المتصف بالعزة ، وتقدمت في قوله : { إن العزة لله جميعا في ~~سورة يونس وقوله : فاعلموا أن الله عزيز حكيم } ( البقرة : 209 ) . ~~PageV27P418 # معطوف على جملة { لقد أرسلنا رسلنا بالبينات } ( الحديد : 25 ) عطف الخاص ~~على العام لما أريد تفصيل لإجماله تفصيلا يسجل به انحراف المشركين من العرب ~~والضالين من اليهود عن مناهج أبويهما : نوح وإبراهيم ، قال تعالى في شأن ~~بني إسرائيل { ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا } ( الإسراء : 3 ) ~~، والعرب لا ينسون أنهم من ذرية نوح كما قال النابغة يمدح النعمان بن ~~المنذر : # فألفيت الأمانة لم تخنها # كذلك كان نوح لا يخون ms8301 # والنبوءة في ذريتهما كنبوءة هود وصالح وتبع ونبوءة إسماعيل وإسحاق وشعيب ~~ويعقوب . # والمراد ب { الكتاب } ما كان بيد ذرية نوح وذرية إبراهيم من الكتب التي ~~فيها أصول ديانتهم من صحف إبراهيم وما حفظوه من وصاياه ووصايا إسماعيل ~~وإسحاق . # والفسق : الخروج عن الاهتداء ، ومن الفاسقين : المشركون من عاد وثمود ~~وقوم لوط واليمن والأوس والخزرج وهم من ذرية نوح ، ومن مدين والحجاز وتهامة ~~وهم من ذرية إبراهيم . # والمراد : من أشركوا قبل مجيء الإسلام لقوله : { ثم قفينا على آثارهم ~~برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم } ( الحديد : PageV27P419 27 ) . # { ثم } للتراخي الترتبي لأن بعثه رسل الله الذين جاءوا بعد نوح وإبراهيم ~~ومن سبق من ذريتهما أعظم مما كان لدى ذرية إبراهيم قبل إرسال الرسل الذين ~~قفى الله بهم ، إذ أرسلوا إلى أمم كثيرة مثل عاد وثمود وبني إسرائيل وفيهم ~~شريعة عظيمة وهي شريعة التوراة . # والتقفية : إتباع الرسول برسول آخر ، مشتقة من القفا لأنه يأتي بعده ~~فكأنه يمشي عن جهة قفاه ، وقد تقدم في قوله تعالى : { ولقد آتينا موسى ~~الكتاب وقفينا من بعده بالرسل في سورة البقرة . # والآثار : جمع الأثر ، وهو ما يتركه السائر من مواقع رجليه في الأرض ، ~~قال تعالى : فارتدا على آثارهما قصصا } ( الكهف : 64 ) . # وضمير الجمع في قوله : { على آثارهم } عائد إلى نوح وإبراهيم وذريتهما ~~الذين كانت فيهم النبوءة والكتاب ، فأما الذين كانت فيهم النبوءة فكثيرون ، ~~وأما الذين كان فيهم الكتاب فمثل بني إسرائيل . # و ( على ) للاستعلاء . وأصل ( قفى على أثره ) يدل على قرب ما بين ~~الماشيين ، أي حضر الماشي الثاني قبل أن يزول أثر الماشي الأول ، وشاع ذلك ~~حتى صار قولهم : على أثره ، بمعنى بعده بقليل أو متصلا شأنه بشأن سابقه ، ~~وهذا تعريف للأمة بأن الله أرسل رسلا كثيرين على وجه الإجمال وهو تمهيد ~~للمقصود من ذكر الرسول الأخير الذي جاء قبل الإسلام وهو عيسى عليه السلام . # وفي إعادة فعل { قفينا } وعدم إعادة { على آثارهم } إشارة إلى بعد المدة ~~بين PageV27P420 آخر رسل إسرائيل وبين عيسى فإن آخر رسل إسرائيل كان يونس ~~بن متى ms8302 أرسل إلى أهل نينوى أول القرن الثامن قبل المسيح فلذلك لم يكن عيسى ~~مرسلا على آثار من قبله من الرسل . # والإنجيل : هو الوحي الذي أنزله الله على عيسى وكتبه الحواريون في أثناء ~~ذكر سيرته . # والإنجيل : بكسر الهمزة وفتحها معرب تقدم بيانه أول سورة آل عمران . ~~ومعنى جعل الرأفة والرحمة في قلوب الذين اتبعوه أن تعاليم الإنجيل الذي ~~آتاه الله عيسى أمرتهم بالتخلق بالرأفة والرحمة فعملوا بها ، أو إن ~~ارتياضهم بسيرة عيسى عليه السلام أرسخ ذلك في قلوبهم وذلك بجعل الله تعالى ~~لأنه أمرهم به ويسره عليهم . # ذلك أن عيسى بعث لتهذيب نفوس اليهود واقتلاع القسوة من قلوبهم التي ~~تخلقوا بها في أجيال طويلة قال تعالى : { ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي ~~كالحجارة أو أشد قسوة في سورة البقرة . # والرأفة : الرحمة المتعلقة بدفع الأذى والضر فهي رحمة خاصة ، وتقدمت في ~~قوله تعالى : إن الله بالناس لرؤوف رحيم في سورة البقرة وفي قوله : ولا ~~تأخذكم بهما رأفة في دين الله في سورة النور . # والرحمة : العطف والملاينة ، وتقدمت في أول سورة الفاتحة . # فعطف الرحمة على الرأفة من عطف العام على الخاص لاستيعاب أنواعه بعد أن ~~اهتم ببعضها . # والرهبانية : اسم للحالة التي يكون الراهب متصفا بها في غالب شؤون دينه ، ~~والياء فيها ياء النسبة إلى الراهب على غير قياس لأن قياس النسب إلى الراهب ~~الراهبية ، والنون فيها مزيدة للمبالغة في النسبة كما زيدت في قولهم : ~~شعراني ، لكثير الشعر ، ولحياني لعظيم اللحية ، وروحاني ، ونصراني . ~~PageV27P421 # وجعل في الكشاف } النون جائية من وصف رهبان مثل نون خشيان من خشي ~~والمبالغة هي هي ، إلا أنها مبالغة في الوصف لا في شدة النسبة . # والهاء هاء تأنيث بتأويل الاسم بالحالة وجعل في ( الكشاف ) الهاء للمرة . # وأما اسم الراهب الذي نسبت إليه الرهبانية فهو وصف عومل معاملة الاسم ، ~~وهو العابد من النصارى المنقطع للعبادة ، وهو وصف مشتق من الرهب : أي الخوف ~~لأنه شديد الخوف من غضب الله تعالى أو من مخالفة دين النصرانية . ويلزم هذه ~~الحالة في عرف النصارى العزلة ms8303 عن الناس تجنبا لما يشغل عن العبادة وذلك ~~بسكنى الصوامع والأديرة وترك التزوج تجنبا للشواغل ، وربما أوجبت بعض طوائف ~~الرهبان على الراهب ترك التزوج غلوا في الدين . # وجعل في ( الكشاف ) : الرهبانية مشتقة من الرهب ، أي الخوف من الجبابرة ، ~~أي الذين لم يؤمنوا بعيسى عليه السلام من اليهود ، وأن الجبابرة ظهروا على ~~المؤمنين بعيسى فقاتلوهم ثلاث مرات فقتلوا حتى لم يبق منهم إلا القليل ، ~~فخافوا أن يفتنوا في دينهم فاختاروا الرهبانية وهي ترهبهم في الجبال فارين ~~من الفتنة في الدين اه . # وأول ما ظهر اضطهاد أتباع المسيح في بلاد اليهودية ، فلما تفرق أتباع ~~المسيح وأتباعهم في البلدان ناواهم أهل الإشراك والوثنية من الروم حيث حلوا ~~من البلاد التابعة لهم فحدثت فيهم أحوال من التقية هي التي دعاها صاحب ( ~~الكشاف ) بمقاتلة الجبابرة . # فالراهب يمتنع من التزوج خيفة أن تشغله زوجه عن عبادته ، ويمتنع من ~~مخالطة الأصحاب خشية أن يلهوه عن العبادة ، ويترك لذائذ المآكل والملابس ~~خشية أن يقع في اكتساب المال الحرام ، ولأنهم أرادوا التشبه بعيسى عليه ~~السلام في الزهد في الدنيا وترك التزوج ، فلذلك قال الله تعالى : { ~~ابتدعوها } ، أي أحدثوها فإن الابتداع الإتيان بالبدعة والبدعع وهو ما لم ~~يكن معروفا ، أي أحدثوها بعد رسولهم فإن البدعة ما كان محدثا بعد صاحب ~~الشريعة . # ونصب { رهبانية } على طريقة الاشتغال . والتقدير : وابتدعوا رهبانية ~~PageV27P422 وليس معطوفا على { رأفة ورحمة } لأن هذه الرهبانية لم تكن مما ~~شرع الله لهم فلا يستقيم كونها مفعولا ل { جعلنا } ، ولأن الرهبانية عمل لا ~~يتعلق بالقلوب وفعل { جعلنا } مقيد ب { في قلوب الذين اتبعوه } فتكون ~~مفعولاته مقيدة بذلك ، إلا أن يتأول جعلها في القلوب بجعل حبها كقوله تعالى ~~: { وأشربوا في قلوبهم العجل } ( البقرة : 93 ) . # وعلى اختيار هذا الإعراب مضى المحققون مثل أبي علي الفارسي والزجاج ~~والزمخشري والقرطبي . وجوز الزمخشري أن يكون عطفا على { رأفة ورحمة } . ~~واتهم ابن عطية هذا الإعراب بأنه إعراب المعتزلة فقال : ( والمعتزلة تعرب { ~~رهبانية } أنها نصب بإضمار فعل يفسره { ابتدعوها } ويذهبون في ذلك إلى أن ~~الإنسان يخلق أفعاله ms8304 فيعربون الآية على هذا ) اه . وليس في هذا الإعراب حجة ~~لهم ولا في إبطاله نفع لمخالفتهم كما علمت . # وإنما عطفت هذه الجملة على جملة { وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه } لاشتراك ~~مضمون الجملتين في أنه من الفضائل المراد بها رضوان الله . # والمعنى : وابتدعوا لأنفسهم رهبانية ما شرعناها لهم ولكنهم ابتغوا بها ~~رضوان الله فقبلها الله منهم لأن سياق حكاية ذلك عنهم يقتضي الثناء عليهم ~~في أحوالهم . # وضمير الرفع من ابتدعوها عائد إلى الذين اتبعوا عيسى . والمعنى : أنهم ~~ابتدعوا العمل بها فلا يلزم أن يكون جميعهم اخترع أسلوب الرهبانية ولكن قد ~~يكون بعضهم سنها وتابعه بقيتهم . # والذين اتبعوه صادق على من أخذوا بالنصرانية كلهم ، وأعظم مراتبهم هم ~~الذين اهتدوا بسيرته اهتداء كاملا وانقطعوا لها وهم القائمون بالعبادة . # والإتيان بالموصول وصلته إشعار بأن جعل الرأفة والرحمة في قلوبهم متسبب ~~عن اتباعهم سيرته وانقطاعهم إليه . # وجملة { ما كتبناها عليهم } مبينة لجملة { ابتدعوها } ، وقوله : { إلا ~~ابتغاء PageV27P423 رضوان الله } احتراس ، ومجموع الجمل الثلاث استطراد ~~واعتراض . # والاستثناء بقوله : { إلا ابتغاء رضوان الله } معترض بين جملة { ما ~~كتبناها عليهم } وجملة { فما رعوها } . # وهو استثناء منقطع ، والاستثناء المنقطع يشمله حكم العامل في المستثنى ~~منه وإن لم يشمله لفظ المستثنى منه فإن معنى كونه منقطعا أنه منقطع عن ~~مدلول الاسم الذي قبله ، وليس منقطعا عن عامله ، فالاستثناء يقتضي أن يكون ~~ابتغاء رضوان الله معمولا في المعنى لفعل { كتبناها } فالمعنى : لكن كتبنا ~~عليهم ابتغاء رضوان الله ، أي أن يبتغوا رضوان الله بكل عمل لا خصوص ~~الرهبانية التي ابتدعوها ، أي أن الله لم يكلفهم بها بعينها . # وقوله : { إلا ابتغاء رضوان الله } يجوز أن يكون نفيا لتكليف الله بها ~~ولو في عموم ما يشملها ، أي ليست مما يشمله الأمر برضوان الله تعالى وهم ~~ظنوا أنهم يرضون الله بها . ويجوز أن يكون نفيا لبعض أحوال كتابة التكاليف ~~عليهم وهي كتابة الأمر بها بعينها فتكون الرهبانية مما يبتغى به رضوان الله ~~، أي كتبوها على أنفسهم تحقيقا لما فيه رضوان الله ، فيكون كقوله تعالى : { ~~إلا ما ms8305 حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة } ( آل عمران : 93 ) ، ~~وقول النبي صلى الله عليه وسلم ( شددوا فشدد الله عليهم ) في قصة ذبح ~~البقرة . وهذا هو الظاهر من الآية . # وانتصب على المفعول به لفعل ، ولك أن تجعله مفعولا لأجله بتقدير فعل ~~محذوف بعد حرف الاستثناء ، أي لكنهم ابتدعوها لابتغاء رضوان الله . # وفي الآية على أظهر الاحتمالين إشارة إلى مشروعية تحقيق المناط وهو إثبات ~~العلة في آحاد جزئياتها وإثبات القاعدة الشرعية في صورها . # وفيها حجة لانقسام البدعة إلى محمودة ومذمومة بحسب اندراجها تحت نوع من ~~أنواع المشروعية فتعتريها الأحكام الخمسة كما حققه الشهاب القرافي وحذاق ~~العلماء . وأما الذين حاولوا حصرها في الذم فلم يجدوا مصرفا . وقد قال عمر ~~لما جمع الناس على قارىء واحد في قيام رمضان ( نعمت البدعة هذه ) . ~~PageV27P424 # وقد قيل : إنهم ابتدعوا الرهبانية للانقطاع عن جماعات الشرك من اليونان ~~والروم وعن بطش اليهود ، وظاهر أن ذلك طلب لرضوان الله كما حكى الله عن ~~أصحاب الكهف { وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف } ( ~~الكهف : 16 ) . # وفي الحديث : ( يوشك أن يكون خير مال المسلم غنما يتتبع بها شعف الجبال ~~ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن ) ، وعليه فيكون تركهم التزوج عارضا ~~اقتضاه الانقطاع عن المدن والجماعات فظنه الذين جاءوا من بعدهم أصلا من ~~أصول الرهبانية . # وأما ترك المسيح التزوج فلعله لعارض آخر أمره الله به لأجله ، وليس ترك ~~التزوج من شؤون النبوءة فقد كان لجميع الأنبياء أزواج قال تعالى : { وجعلنا ~~لهم أزواجا وذرية } ( الرعد : 38 ) . # وقيل : إن ابتداعهم الرهبانية بأنهم نذروها لله وكان الانقطاع عن اللذائذ ~~وإعنات النفس من وجوه التقرب في بعض الشرائع الماضية بقيت إلى أن أبطلها ~~الإسلام في حديث النذر في ( الموطأ ) ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~رأى رجلا قائما في الشمس صامتا فسأل عنه فقالوا : نذر أن لا يتكلم ولا ~~يستظل وأن يصوم يومه فقال : مروه فليتكلم وليستظل وليتم صومه إن الله عن ~~تعذيب هذا نفسه لغني ) . وقد مضى في سورة مريم ms8306 قوله تعالى : { فقولي إني ~~نذرت للرحمان صوما فلن أكلم اليوم إنسيا ولا تنافي بين القولين لأن أسباب ~~الرهبانية قد تتعدد باختلاف الأديان . # وقد فرع على قوله : ابتدعوها } و { ما كتبناها عليهم } وما بعده قوله : { ~~فما رعوها حق رعايتها } أي فترتب على التزامهم الرهبانية أنهم ، أي ~~الملتزمين للرهبانية ما رعوها حق رعايتها . وظاهر الآية أن جميعهم قصروا ~~تقصيرا متفاوتا ، قصروا في أداء حقها ، وفيه إشعار بأن ما يكتبه الله على ~~العباد من التكاليف لا يشق على الناس العمل به . # والرعي : الحفظ ، أي ما حفظوها حق حفظها ، واستعير الحفظ لاستيفاء ما ~~تقتضيه ماهية الفعل ، فالرهبانية تحوم حول الإعراض عن اللذائذ الزائلة وإلى ~~التعود بالصبر على ترك المحبوبات لئلا يشغله اللهو بها عن العبادة والنظر ~~في آيات PageV27P425 الله ، فإذا وقع التقصير في التزامها في بعض الأزمان ~~أو التفريط في بعض الأنواع فقد انتفى حق حفظها . # و { حق رعايتها } من إضافة الصفة إلى الموصوف ، أي رعايتها الحق . # وحق الشيء : هو وقوعه على أكمل أحوال نوعه ، وهو منصوب على المفعول ~~المطلق المبين للنوع . # والمعنى : ما حفظوا شؤون الرهبانية حفظا كاملا فمصب النفي هو القيد بوصف ~~{ حق رعايتها } . # وهذا الانتفاء له مراتب كثيرة ، والكلام مسوق مساق اللوم على تقصيرهم ~~فيما التزموه أو نذروه ، وذلك تقهقر عن مراتب الكمال وإنما ينبغي للمتقي أن ~~يكون مزدادا من الكمال . # وقال النبي صلى الله عليه وسلم ( أحب الدين إلى الله أدومه ) . # وقوله : { فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم } تفريع على جملة { وجعلنا في ~~قلوب الذين اتبعوه } إلى آخره وما بينهما استطراد . # والمراد ب { الذين آمنوا } المتصفون بالإيمان المصطلح عليه في القرآن ، ~~وهو توحيد الله تعالى والإيمان برسله في كل زمان ، أي فآتينا الذين آمنوا ~~من الذين اتبعوه أجرهم ، أي الذين لم يخلطوا متابعتهم إياه بما يفسدها مثل ~~الذين اعتقدوا إلهية عيسى عليه السلام أو بنوته لله ، ونحوهم من النصارى ~~الذين أدخلوا في الدين ما هو مناقض لقواعده وهم كثير من النصارى كما قال : ~~{ وكثير منهم فاسقون } . # والمراد بالفسق : الكفر وهذا ثناء ms8307 على المؤمنين الصادقين ممن مضوا من ~~النصارى قبل البعثة المحمدية وبلوغ دعوتها إلى النصارى ، وادعاؤهم أنهم ~~أتباع المسيح باطل لأنهم ما اتبعوه إلا في الصورة والذين أفسدوا إيمانهم ~~بنقض حصوله هم المراد بقوله تعالى : { وكثير منهم فاسقون } ، أي وكثير من ~~الذين التزموا دينه PageV27P426 خارجون عن الإيمان ، فالمراد بالفسق ما ~~يشمل الكفر وما دونه مثل الذين بدلوا الكتاب واستخفوا بشرائعه كما قال ~~تعالى : { يأيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال ~~الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله } ( التوبة : 34 ) . # الغالب في القرآن أن الذين آمنوا لقب للمؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~ولكن لما وقع { يا أيها الذين آمنوا } هنا عقب قوله : { فآتينا الذين آمنوا ~~منهم أجرهم } ( الحديد : 27 ) ، أي من الذين اتبعوا عيسى عليه السلام ، ~~احتمل قوله : { يا أيها الذين آمنوا } أن يكون مستعملا استعماله اللقبي ~~أعني : كونه كالعلم بالغلبة على مؤمني ملة الإسلام . واحتمل أن يكون قد ~~استعمل استعماله اللغوي الأعم ، أعني : من حصل منه إيمان ، وهو هنا من آمن ~~بعيسى . والأظهر أن هذين الاحتمالين مقصودانن ليأخذ خلص النصارى من هذا ~~الكلام حظهم وهو دعوتهم إلى الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ليستكملوا ما ~~سبق من اتباعهم عيسى فيكون الخطاب موجها إلى الموجودين ممن آمنوا بعيسى ، ~~أي يا أيها الذين آمنوا إيمانا خالصا بشريعة عيسى اتقوا الله واخشوا عقابه ~~واتركوا العصبية والحسد وسوء النظر وآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم # وأما احتمال أن يراد بالذين آمنوا الإطلاق اللقبي فيأخذ منه المؤمنون من ~~أهل الملة الإسلامية بشارة بأنهم لا يقل أجرهم عن أجر مؤمني أهل الكتاب ~~لأنهم لما آمنوا بالرسل السابقين أعطاهم الله أجر مؤمني أهل مللهم ، ويكون ~~قوله : { وآمنوا } مستعملا في الدوام على الإيمان كقوله : { يا أيها الذين ~~آمنوا آمنوا بالله ورسوله في سورة النساء ، ويكون إقحام الأمر بالتقوى في ~~هذا الاحتمالل قصدا لأن يحصل في الكلام أمر بشيء يتجدد ثم يردف عليه أمر ~~يفهم منه أن المراد به طلب الدوام وهذا من بديع نظم القرآن . # ومعنى ms8308 إيتاء المؤمنين من أهل ملة الإسلام كفلين من الأجر : أن لهم مثل ~~PageV27P427 أجري من آمن من أهل الكتاب . ويشرح هذا حديث أبي موسى الأشعري ~~عن النبي في صحيح البخاري } الذي فيه ( مثل المسلمين واليهود والنصار كمثل ~~رجل استأجر أجراء يعملون له ، فعملت اليهود إلى نصف النهار ، وعملت النصارى ~~من الظهر إلى العصر على قيراط ، ثم عمل المسلمون من العصر إلى الغروب على ~~قيراطين ، قال فيه : واستكملوا أجر الفريقين كليهما ) ، أي استكملوا مثل ~~أجر الفريقين ، أي أخذوا ضعف كل فريق . # وتقوى الله تتعلق بالأعمال وبالاعتقاد ، وبعلم الشريعة ( وقد استدل ~~أصحابنا على وجوب الاجتهاد للمتأهل إليه بقوله تعالى : { فاتقوا الله ما ~~استطعتم } ( التغابن : 16 ) . # وقوله : { اتقوا الله } أمر لهم بما هو وسيلة ومقدمة للمقصود وهو الأمر ~~بقوله : { وآمنوا برسوله } . # ورتب على هذا الأمر ما هو جواب شرط محذوف وهو جملة { يؤتكم كفلين } الخ ~~المجزوم في جواب الأمر ، أي يؤتكم جزاء في الآخرة وجزاء في الدنيا فجزاء ~~الآخرة قوله : { يؤتكم كفلين من رحمته } وقوله : { ويغفر لكم } ، وجزاء ~~الدنيا قوله : { ويجعل لكم نورا تمشون به } . # والكفل : بكسر الكاف وسكون الفاء : النصيب . وأصله : الأجر المضاعف ، وهو ~~معرب من الحبشية كما قاله أبو موسى الأشعري ، أي يؤتكم أجرين عظيمين ، وكل ~~أجر منهما هو ضعف الآخر مماثل له فلذلك ثني كفلين كما يقال : زوج ، لأحد ~~المتقاربين ، وهذا مثل قوله تعالى : { ربنا آتهم ضعفين من العذاب } ( ~~الأحزاب : 68 ) وقوله : { يضاعف لها العذاب ضعفين } ( الأحزاب : 30 ) . وفي ~~الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ثلاثة يوتون أجورهم ~~مرتين : رجل من أهل الكتاب آمن بنبيئه وآمن بي ، واتبعني ، وصدقني فله ~~أجران ) الحديث . # ويتعلق { من رحمته } ب { يؤتكم } ، و ( من ) ابتدائية مجازيا ، أي ذلك من ~~رحمة الله بكم ، وهذا في جانب النصارى معناه لإيمانهم بمحمد وإيمانهم بعيسى ~~، أي من فضل الله وإكرامه وإلا فإن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم واجب ~~عليهم PageV27P428 كإيمانهم بعيسى وهو متمم للإيمان بعيسى وإنما ضوعف أجرهم ~~لما في النفوس من التعلق بما تدين ms8309 به فيعسر عليها تركه ، وأما في جانب ~~المسلمين فهو إكرام لهم لئلا يفوقهم بعض من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~من النصارى . # ويجوز أن يكون { من رحمته } صفة ل { كفلين } وتكون ( من ) بيانية ، ~~والكلام على حذف مضاف ، تقديره : من أثر رحمته ، وهو ثواب الجنة ونعيمها . # وقوله : { ويجعل لكم نورا تمشون به } تمثيل لحالة القوم الطالبين التحصيل ~~على رضى الله تعالى والفوز بالنعيم الخائفين من الوقوع في ضد ذلك بحالة قوم ~~يمشون في طريق بليل يخشون الخطأ فيه فيعطون نورا يتبصرون بالثنايا فيأمنون ~~الضلال فيه . والمعنى : ويجعل لكم حالة كحالة نور تمشون به ، والباء ~~للاستعانة مثل : كتبت بالقلم . # والمعنى : وييسر لكم دلالة تهتدون بها إلى الحق . # وجميع أجزاء هذا التمثيل صالحة لتكون استعارات مفردة ، وهذا أبلغ أحوال ~~التمثيل ، وقد عرف في القرآن تشبيه الهدى بالنور ، والضلال بالظلمة ، ~~والبرهان بالطريق ، وإعمالل النظر بالمشي ، وشاع ذلك بعد القرآن في كلام ~~أدباء العربية . # والمغفرة : جزاء على امتثالهم ما أمروا به ، أي يغفر لكم ما فرط منكم من ~~الكفر والضلال . # اسم { أهل الكتاب } لقب في القرآن لليهود والنصارى الذين لم يتدينوا ~~بالإسلام لأن المراد بالكتاب التوراة والإنجيل إذا أضيف إليه ( أهل ) ، فلا ~~يطلق على المسلمين : أهل الكتاب ، وإن كان لهم كتاب ، فمن صار مسلما من ~~PageV27P429 اليهود والنصارى لا يوصف بأنه من أهل الكتاب في اصطلاح القرآن ~~، ولذلك لما وصف عبد الله بن سلام في القرآن وصف بقوله : { ومن عنده علم ~~الكتاب } ( الرعد : 43 ) وقوله : { وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله } ( ~~الأحقاف : 10 ) ، فلما كان المتحدث عنهم آنفا صاروا مؤمنين بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم فقد انسلخ عنهم وصف أهل الكتاب ، فبقي الوصف بذلك خاصا باليهود ~~والنصارى ، فلما دعا الله الذين اتبعوا المسيح إلى الإيمان برسوله محمد صلى ~~الله عليه وسلم ووعدهم بمضاعفة ثواب ذلك الإيمان ، أعلمهم أن إيمانهم يبطل ~~ما ينتحله أتباع المسيحية بعد ذلك من الفضل والشرف لأنفسهم بدوامهم على ~~متابعة عيسى عليه السلام فيغالطوا الناس بأنهم إن فاتهم فضل الإسلام لم ms8310 ~~يفتهم شيء من الفضل باتباع عيسى مع كونهم لم يغيروا دينهم . # وقد أفاد هذا المعنى قوله تعالى : { لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على ~~شيء من فضل الله } . # قال الفخر : قال الواحدي : هذه آية مشكلة وليس للمفسرين كلام واضح في ~~اتصالها بما قبلها اه أي هل هي متصلة بقوله : { يؤتكم كفلين من رحمته } ( ~~الحديد : 28 ) الآية ، أو متصلة { فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم } إلى ~~قوله : { والله ذو الفضل غفور رحيم } ( الحديد : 27 ، 28 ) . يريد الواحدي ~~أن اتصال الآية بما قبلها ينبني عليه معنى قوله تعالى : { لئلا يعلم أهل ~~الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله } . # فاللام في قوله : { لئلا يعلم أهل الكتاب } يحتمل أن تكون تعليلية فيكون ~~ما بعدها معلولا بما قبلها ، وعليه فحرف ( لا ) يجوز أن يكون زائدا للتأكيد ~~والتقوية . # والمعلل هو ما يرجع إلى فضل الله لا محالة وذلك ما تضمنه قوله : { يؤتكم ~~كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم } أو قوله : { فآتينا ~~الذين آمنوا منهم أجرهم إلى غفور رحيم } ( الحديد : 27 ، 28 ) . # وذهب جمهور المفسرين إلى جعل ( لا ) زائدة . وأن المعنى على الإثبات ، أي ~~لأن يعلم ، وهو قول ابن عباس وقرأ { ليعلم } ، وقرأ أيضا { لكي يعلم } ( ~~وقراءته تفسير ) . وهذا قول الفراء والأخفش ، ودرج عليه الزمخشري في ~~PageV27P430 ( الكشاف ) وابن عطية وابن هشام في ( مغني اللبيب ) ، وهو بناء ~~على أن ( لا ) قد تقع زائدة وهو ما أثبته الأخفش ، ومنه قوله تعالى : { ما ~~منعك إذ رأيتهم ضلوا أن لا تتبعني } ( طه : 92 ، 93 ) وقوله : { ما منعك أن ~~لا تسجد إذ أمرتك } ( الأعراف : 12 ) وقوله : { فلا أقسم بمواقع النجوم } ( ~~الواقعة : 75 ) ونحو ذلك وقوله : { وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون ~~} ( الأنبياء : 95 ) على أحد تأويلات ، وروي أن العرب جعلتها حشوا في قول ~~الشاعر أنشده أبو عمرو بن العلاء : # أبى جوده لا البخل واستعجلت به # ( نعم ) من فتى لا يمنع الجود قائله # في رواية بنصب ( البخل ) ، البخل وأن العرب فسروا البيت بمعنى أبى جوده ~~البخل . # والمعنى : على ms8311 هذا الوجه أن المعلل هو تبليغ هذا الخبر إلى أهل الكتاب ~~ليعلموا أن فضل الله أعطي غيرهم فلا يتبجحوا بأنهم على فضل لا ينقص عن فضل ~~غيرهم إذا كان لغيرهم فضل وهو الموافق لتفسير مجاهد وقتادة . # وعندي : أنه لا يعطي معنى لأن إخبار القرآن بأن للمسلمين أجرين لا يصدق ~~به أهل الكتاب فلا يستقر به علمهم بأنهم لا فضل لهم فكيف يعلل إخبار الله ~~به بأنه يزيل علم أهل الكتاب بفضل أنفسهم فيعلمون أنهم لا فضل لهم . # وذهب أبو مسلم الأصفهاني وتبعه جماعة إلى أن ( لا ) نافية ، وقرره الفخر ~~بأن ضمير { يقدرون } عائد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا ~~به ( أي على طريق الالتفات من الخطاب إلى الغيبة وأصله أن لا تقدروا ) وإذا ~~انتفى علم أهل الكتاب بأن الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين لا يقدرون ~~على شيء من فضل الله ثبت ضد ذلك في علمهم أي كيف أن الرسول صلى الله عليه ~~وسلم والمسلمين يقدرون على فضل الله ، ويكون { يقدرون } مستعارا لمعنى : ~~ينالون ، وأن الفضل بيد الله ، فهو الذي فضلهم ، ويكون ذلك كناية عن انتفاء ~~الفضل عن أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بالرسول صلى الله عليه وسلم ~~PageV27P431 # ويرد على هذا التفسير ما ورد على الذي قبله لأن علم أهل الكتاب لا يحصل ~~بإخبار القرآن لأنهم يكذبون به . # وأنا أرى أن دعوى زيادة ( لا ) لا داعي إليها ، وأن بقاءها على أصل ~~معناها وهو النفي متعين ، وتجعل اللام للعاقبة ، أي أعطيناكم هذا الفضل ~~وحرم منه أهل الكتاب ، فبقي أهل الكتاب في جهلهم وغرورهم بأن لهم الفضل ~~المستمر ولا يحصل لهم علم بانتفاء أن يكونوا يملكون فضل الله ولا أن الله ~~قد أعطى الفضل قوما آخرين وحرمهم إياه فينسون أن الفضل بيد الله ، وليس أحد ~~يستحقه بالذات . # وبهذا الغرور استمروا على التمسك بدينهم القديم ، ومعلوم أن لام العاقبة ~~أصلها التعليل المجازي كما علمته في تفسير قوله تعالى : { فالتقطه آل فرعون ~~ليكون لهم عدوا وحزنا في سورة القصص . # وقوله : أهل ms8312 الكتاب } يجوز أن يكون صادقا على اليهود خاصة إن جعل التعليل ~~تعليلا لمجموع قوله : { فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم } ( الحديد : 27 ) ~~وقوله : { يؤتكم كفلين من رحمته } ( الحديد : 28 ) . # ويجوز أن يكون صادقا على اليهود والنصارى إن جعل لام التعليل علة لقوله : ~~{ يؤتكم كفلين من رحمته } . # و ( أن ) من قوله : { أن لا يقدرون } مخففة من ( أن ) واسمها ضمير شأن ~~محذوف . # والمعنى : لا تكترثوا بعدم علم أهل الكتاب بأنهم لا يقدرون على شيء من ~~فضل الله وبأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ، أي لا تكترثوا بجهلهم المركب ~~في استمرارهم على الاغترار بأن لهم منزلة عند الله تعالى فإن الله عالم ~~بذلك وهو خلقهم فهم لا يقلعون عنه ، وهذا مثل قوله تعالى : { ختم الله على ~~قلوبهم } في سورة البقرة PageV27P432 . # وجملة والله ذو الفضل العظيم } تذييل يعم الفضل الذي آتاه الله أهل ~~الكتاب المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم وغيره من الفضل . # PageV27P433 # | 1 ( سورة المجادلة ) 1 # سميت هذه السورة في كتب التفسير وفي المصاحف وكتب السنة سورة المجادلة ~~بكسر الدال أو بفتحه كما سيأتي . وتسمى سورة قد سمع وهذا الاسم مشتهر في ~~الكتاتيب في تونس ، وسميت في مصحف أبي بن كعب سورة الظهار . # ووجه تسميتها سورة المجادلة لأنها افتتحت بقضية مجادلة امرأة أوس بن ~~الصامت لدى النبي في شأن مظاهرة زوجها . # ولم يذكر المفسرون ولا شارحو كتب السنة ضبطه بكسر الدال أو فتحها . وذكر ~~الخفاجي في حاشية البيضاوي } عن ( الكشف ) أن كسر الدال هو المعروف ( ولم ~~أدر ما أراد الخفاجي بالكشف الذي عزا إليه هذا ) ، فكشف القزويني على ( ~~الكشاف ) لا يوجد فيه ذلك ، ولا في التفسير المسمى ( الكشف والبيان ) ~~للثعلبي . فلعل الخفاجي رأى ذلك في ( الكشف ) الذي ينقل عنه الطيبي في ~~مواضع تقريرات لكلام ( الكشاف ) وهو غير معروف في عداد شروح ( الكشاف ) ، ~~وكسر الدال أظهر لأن السورة افتتحت بذكر التي تجادل في زوجها فحقيقة أن ~~تضاف إلى صاحبة الجدال ، وهي التي ذكرها الله بقوله : { التي تجادلك في ~~زوجها } ( المجادلة : 1 ) . ورأيت في نسخة ms8313 من حاشية محمد الهمداني على ( ~~الكشاف ) المسماة ( توضيح المشكلات ) ، بخط مؤلفها جعل علامة كسرة تحت دال ~~المجادلة . وأما فتح الدال فهو مصدر مأخوذ من فعل { تجادلك } كما عبر عنها ~~بالتحاور في قوله تعالى : { والله يسمع تحاوركما } ( المجادلة : 1 ) . # وهذه السورة مدنية قال ابن عطية : بالإجماع . وفي ( تفسير القرطبي ) عن ~~عطاء : أن العشر الأول منها مدني وباقيها مكي . وفيه عن الكلبي أنها مدنية ~~إلا قوله تعالى : { ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم } ( المجادلة : 7 ~~) الآية نزلت بمكة . PageV28P005 # وهي السورة المائة وثلاث في عداد نزول سور القرآن نزلت بعد سورة ~~المنافقين وقبل سورة التحريم . # $ 2 ( { قد سمع الله قول التى تجادلك فى زوجها وتشتكى & # 1764 إلى الله والله يسمع تحاوركمآ إن الله سميع بصير * الذين يظاهرون ~~منكم من نسآئهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائى ولدنهم وإنهم ليقولون ~~منكرا من القول وزورا وإن الله لعفو غفور * والذين يظاهرون من نسآئهم ثم ~~يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتمآسا ذلكم توعظون به والله بما ~~تعملون خبير * فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتمآسا فمن لم ~~يستطع فإطعام ستين مسكينا ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله وتلك حدود الله ~~وللكافرين عذاب أليم * إن الذين يحآدون الله ورسوله كبتوا كما كبت الذين من ~~قبلهم وقد أنزلنآ ءايات بينات وللكافرين عذاب مهين * يوم يبعثهم الله جميعا ~~فينبئهم بما عملو & # 1764 ا أحصاه الله ونسوه والله على كل شىء شهيد * ألم تر أن الله يعلم ما ~~فى السماوات وما فى الارض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة ~~إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ~~ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شىء عليم * ألم تر إلى الذين ~~نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصيت ~~الرسول وإذا جآءوك حيوك بما لم يحيك به الله ويقولون فى & # 1764 أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول ms8314 حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير * ~~ياأيها الذين ءامنو & # 1764 ا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول وتناجوا ~~بالبر والتقوى واتقوا الله الذى & # 1764 إليه تحشرون * إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين ءامنوا وليس ~~بضآرهم شيئا إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون * ياأيها الذين ~~ءامنوا إذا قيل لكم تفسحوا فى المجالس فافسحوا يفسح الله لكم وإذا قيل ~~انشزوا فانشزوا يرفع الله الذين ءامنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ~~والله بما تعملون خبير * ياأيها الذين ءامنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين ~~يدى نجواكم صدقة ذلك خير لكم وأطهر فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم * ~~أءشفقتم أن تقدموا بين يدى نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم ~~فأقيموا الصلواة وءاتوا الزكواة وأطيعوا الله ورسوله والله خبير بما تعملون ~~* ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ما هم منكم ولا منهم ويحلفون ~~على الكذب وهم يعلمون * أعد الله لهم عذابا شديدا إنهم سآء ما كانوا يعملون ~~* اتخذو & # 1764 ا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله فلهم عذاب مهين * لن تغنى عنهم ~~أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا أولائك أصحاب النار هم فيها خالدون * يوم ~~يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شىء ألا ~~إنهم هم الكاذبون * استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولائك حزب ~~الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون * إن الذين يحآدون الله ورسوله ~~أولائك فى الاذلين * كتب الله لاغلبن أنا ورسلى & # 1764 إن الله قوى عزيز * لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الاخر يوآدون ~~من حآد الله ورسوله ولو كانو & # 1764 ا ءابآءهم أو أبنآءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولائك كتب فى قلوبهم ~~الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجرى من تحتها الانهار خالدين فيها ~~رضى الله عنهم ورضوا عنه أولائك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون } ) ~~2 $ والذي يظهر أن سورة المجادلة نزلت قبل سورة الأحزاب لأن الله تعالى قال ~~في سورة الأحزاب : { وما جعل أزواجكم اللاء ms8315 تظهرون منهن أمهاتكم } ، وذلك ~~يقتضي أن تكون هذه الآية نزلت بعد إبطال حكم الظهار بما في سورة المجادلة ~~لأن قوله : { ما جعل } يقتضي إبطال التحريم بالمظاهرة . وإنما أبطل بآية ~~سورة المجادلة . وقال السخاوي : نزلت سورة المجادلة بعد سورة المنافقين ~~وقبل سورة الحجرات . # وآيها في عد أهل المدينة وأهل مكة إحدى وعشرون ، وفي عد أهل الشام ~~والبصرة والكوفة اثنتان وعشرون . # أغراض هذه السورة # الحكم في قضية مظاهرة أوس بن الصامت من زوجه خولة . # وإبطال ما كان في الجاهلية من تحريم المرأة إذا ظاهر منها زوجها وأن ~~عملهم مخالف لما أراده الله وأنه من أوهامهم وزورهم التي كبتهم الله ~~بإبطالها . وتخلص من ذلك إلى ضلالات المنافقين ومنها مناجاتهم بمرأى ~~المؤمنين ليغيظوهم ويحزنوهم . # ومنها موالاتهم اليهود . وحلفهم على الكذب . وتخلل ذلك التعرض لآداب مجلس ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وشرع التصدق قبل مناجاة الرسول صلى الله عليه ~~وسلم والثناء على المؤمنين في مجافاتهم اليهود والمشركين . وأن الله ورسوله ~~وحزبهما هم الغالبون . # PageV28P006 # افتتحت آيات أحكام الظهار بذكر سبب نزولها تنويها بالمرأة التي وجهت ~~شكواها إلى الله تعالى بأنها لم تقصر في طلب العدل في حقها وحق بنيها . ولم ~~ترض بعنجهية زوجها وابتداره إلى ما ينثر عقد عائلته دون تبصر ولا روية ، ~~وتعليما لنساء الأمة الإسلامية ورجالها واجب الذود عن مصالحها . # تلك هي قضية المرأة خولة أو خويلة مصغرا أو جميلة بنت مالك بن ثعلبة أو ~~بنت دليج ( مصغرا ) العوفية . وربما قالوا : الخزرجية ، وهي من بني عوف بن ~~مالك بن الخزرج ، من بطون الأنصار مع زوجها أوس بن الصامت الخزرجي أخي ~~عبادة بن الصامت . # قيل : إن سبب حدوث هذه القضية أن زوجها رآها وهي تصلي وكانت حسنة الجسم ، ~~فلما سلمت أرادها فأبت فغضب وكان قد ساء خلقه فقال لها : أنتت علي كظهر أمي ~~. # قال ابن عباس : وكان هذا في الجاهلية تحريما للمرأة مؤبدا ( أي وعمل به ~~المسلمون في المدينة بعلم من النبي صلى الله عليه وسلم وإقراره الناس عليه ~~فاستقر مشروعا ) فجاءت خولة رسول الله ms8316 صلى الله عليه وسلم وذكرت له ذلك ، ~~فقال لها : حرمتت عليه ، فقالت للرسول صلى الله عليه وسلم إن لي صبية صغارا ~~إن ضممتهم إليه ضاعوا وإن ضممتهم إلي جاعوا ، فقال : ( ما عندي في أمركك ~~شيء ) ، فقالت : يا رسول الله ما ذكر طلاقا . وإنما هو أبو ولدي وأحب الناس ~~إلي فقال : ( حرمتت عليه ) . فقالت : أشكو إلى الله فاقتي ووجدي . كلما قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ( حرمتت عليه ) هتفت وشكت إلى الله ، فأنزل ~~الله هذه الآيات . # وهذا الحديث رواه داود في كتاب الظهار مجملا بسند صحيح . وأما تفصيل قصته ~~فمن روايات أهل التفسير وأسباب النزول يزيد بعضها على بعض ، وقد استقصاها ~~الطبري بأسانيده عن ابن عباس وقتادة وأبي العالية ومحمد بن كعب القرظي ~~وكلها متفقة على أن المرأة المجادلة خولة أو خويلة أو جميلة ، وعلى أن ~~زوجها أوس بن الصامت . # وروى الترمذي وأبو داود حديثا في الظهار في قصة أخرى منسوبة إلى سلمة بن ~~PageV28P007 صخر البياضي تشبه قصة خولة أنه ظاهر من امرأته ظهارا موقنا ~~برمضان ثم غلبته نفسه فوطئها واستفتى في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى آخر القصة ، إلا أنهما لم يذكرا أن الآية نزلت في ذلك . # وإنما نسب ابن عطية إلى النقاش أن الآية نزلت بسبب قصة سلمة ولا يعرف هذا ~~لغيره . وأحسب أن ذلك اختلاط بين القصتين وكيف يصح ذلك وصريح الآية أن ~~السائلة امرأة والذي في حديث سلمة بن صخر أنه هو السائل . # و { قد } أصله حرف تحقيق للخبر ، فهو من حروف توكيد الخبر ولكن الخطاب ~~هنا للنبيء صلى الله عليه وسلم وهو لا يخامره تردد في أن الله يعلم ما ~~قالته المرأة التي جادلت في زوجها . فتعين أن حرف { قد } هنا مستعمل في ~~التوقع ، أي الإشعار بحصول ما يتوقعه السامع . قال في ( الكشاف ) : لأن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم والمجادلة كانا يتوقعان أن يسمع الله ~~لمجادلتها وشكواها وينزل في ذلك ما يفرج عنها ا ه . # ومعنى التوقع الذي يؤذن به حرف ms8317 { قد } في مثل هذا يؤول إلى تنزيل الذي ~~يتوقع حصول أمر لشدة استشرافه له منزلة المتردد الطالب فتحقيق الخبر من ~~تخريج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر لنكتة كما قالوا في تأكيد الخبر ب ( إن ~~) في قوله تعالى : { ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون } ( المؤمنون ~~: 27 ) إنه جعل غير السائل كالسائل حيث قدم إليه ما يلوح إليه بالخبر ~~فيستشرف له استشراف الطالب المتردد . ولهذا جزم الرضي في ( شرح الكافية ) ~~بأن { قد } لا بد فيها من معنى التحقيق . ثم يضاف إليه في بعض المواضع معان ~~أخرى . # والسماع في قوله : { سمع } معناه الاستجابة للمطلوب وقبوله بقرينة دخول { ~~قد } التوقعية عليه فإن المتوقع هو استجابة شكواها . # وقد استحضرت المرأة بعنوان الصلة تنويها بمجادلتها وشكواها لأنها دلت على ~~توكلها الصادق على رحمة ربها بها وبأبنائها وبزوجها . # والمجادلة : الاحتجاج والاستدلال ، وتقدمت في قوله : { يجادلونك في الحق ~~بعد ما تبين في سورة الأنفال . PageV28P008 # والاشتكاء : مبالغة في الشكوى وهي ذكر ما آذاه ، يقال : شكا وتشكى واشتكى ~~وأكثرها مبالغة . اشتكى ، والأكثر أن تكون الشكاية لقصد طلب إزالة الضر ~~الذي يشتكي منه بحكم أو نصر أو إشارة بحيلة خلاص . # وتعلق فعل التجادل بالكون في زوجها على نية مضاف معلوم من المقام في مثل ~~هذا بكثرة : أي في شأن زوجها وقضيته كقوله تعالى : يجادلنا في قوم لوط } ( ~~هود : 74 ) ، وقوله : { ولا تخاطبني في الذين ظلموا } ( المؤمنون : 27 ) ~~وهو من المسألة الملقبة في ( أصول الفقه ) بإضافة التحليل والتحريم إلى ~~الأعيان في نحو { حرمت عليكم الميتة } ( المائدة : 3 ) . # والتحاور تفاعل من حار إذا أجاب . فالتحاور حصول الجواب من جانبين ، ~~فاقتضت مراجعة بين شخصين . # والسماع في قوله : { والله يسمع تحاوركما } مستعمل في معناه الحقيقي ~~المناسب لصفات الله إذ لا صارف يصرف عن الحقيقة . وكون الله تعالى عالما ~~بما جرى من المحاورة معلوم لا يراد من الإخبار به إفادة الحكم ، فتعين صرف ~~الخبر إلى إرادة الاعتناء بذلك التحاور والتنويه به وبعظيم منزلته لاشتماله ~~على ترقب النبي صلى الله عليه وسلم ما ينزله عليه من ms8318 وحي ، وترقب المرأة ~~الرحمة ، وإلا فإن المسلمين يعلمون أن الله عالم بتحاورهما . # وجملة { والله يسمع تحاوركما } في موضع الحال من ضمير { تجادلك } . وجيء ~~بصيغة المضارع لاستحضار حالة مقارنة علم الله لتحاورهما زيادة في التنويه ~~بشأن ذلك التحاور . # وجملة { الله سميع بصير } تذييل لجملة { والله يسمع تحاوركما } أي : أن ~~الله عالم بكل صوت وبكل مرئي . ومن ذلك محاورة المجادلة ووقوعها عند النبي ~~صلى الله عليه وسلم وتكرير اسم الجلالة في موضع إضماره ثلاث مرات لتربية ~~المهابة وإثارة تعظيم منته تعالى ودواعي شكره . # PageV28P009 # تتنزل جملة { الذين يظهرون منكم من نسائهم } وما يتم أحكامها منزلة ~~البيان لجملة { قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها } ( المجادلة : 1 ) ~~الآية لأن فيها مخرجا مما لحق بالمجادلة من ضر بظهار زوجها ، وإبطالا له ، ~~ولها أيضا موقع الاستئناف البياني لجملة { قد سمع الله } يثير سؤالا في ~~النفس أن تقول : فماذا نشأ عن استجابة الله لشكوى المجادلة فيجاب بما فيه ~~المخرج لها منه . # وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب { يظهرون } بفتح الياء وتشديد ~~الظاء والهاء مفتوحتين بدون ألف بعد الظاء على أن أصله : يتظهرون ، فأدغمت ~~التاء في الظاء لقرب مخرجيهما ، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو جعفر ~~وخلف { يظاهرون } بفتح الياء وتشديد الظاء وألف بعدها على أن أصله : ~~يتظاهرون ، فأدغمت التاء كما تقدم ، وقرأ عاصم { يظاهرون } بضم الياء ~~وتخفيف الظاء وألف وكسر الهاء على أنه مضارع ظاهر . # ولم يأت مصدره إلا على وزن الفعال ووزن المفاعلة . يقال : صدر منه ظهار ~~ومظاهرة ، ولم يقولوا في مصدره بوزن التظهر ، فقراءة نافع قد استغني فيها ~~عن مصدره بمصدر مرادفه . # ومعناه أن يقول الرجل لزوجه : أنتت علي كظهر أمي . وكان هذا قولا يقولونه ~~في الجاهلية يريدون به تأبيد تحريم نكاحها وبت عصمته . وهو مشتق من الظهر ~~ضد البطن لأن الذي يقول لامرأته : أنتت علي كظهر أمي ، يريد بذلك أنه حرمها ~~على نفسه . كما أن أمه حرام عليه ، فإسناد تركيب التشبيه إلى ضمير المرأة ~~على تقدير حالة من حالاتها ، وهي حالة الاستمتاع ms8319 المعروف ، سلكوا في هذا ~~التحريم مسلك الاستعارة المكنية بتشبيه الزوجة حين يقربها زوجها بالراحلة ، ~~وإثبات الظهر لها تخيل للاستعارة ، ثم تشبيه ظهر زوجته بظهر أمه ، أي في ~~حالة من أحواله ، وهي حالة الاستمتاع المعروف . وجعل المشبه ذات الزوجة . ~~والمقصود أخص أحوال الزوجة وهو حال قربانها فآل إلى إضافة الأحكام إلى ~~الأعيان . # فالتقدير : قربانكك كقربان ظهر أمي ، أي اعتلائها الخاص . ففي هذه الصيغة ~~حذف ومجيء حروف لفظ ظهر في صيغة ظهار أو مظاهرة يشير إلى صيغة التحريم التي ~~هي ( أنت علي كظهر أمي ) إيماء إلى تلك الصيغة على نحو PageV28P010 ما ~~يستعمل في النحت وليس هو من التحت لأن النحت يشتمل على حروف من عدة كلمات . # قال المفسرون وأهل اللغة : كان الظهار طلاقا في الجاهلية يقتضي تأبيد ~~التحريم . # وأحسب أنه كان طلاقا عند أهل يثرب وما حولها لكثرة مخالطتهم اليهود ولا ~~أحسب أنه كان معروفا عند العرب في مكة وتهامة ونجد وغيرها ولم أقف على ذلك ~~في كلامهم . وحسبك أن لم يذكر في القرآن إلا في المدني هنا وفي سورة ~~الأحزاب . # والذي يلوح لي أن أهل يثرب ابتدعوا هذه الصيغة للمبالغة في التحريم ، ~~فإنهم كانوا قبل الإسلام ممتزجين باليهود متخلقين بعوائدهم ، وكان اليهود ~~يمنعون أن يأتي الرجل امرأته من جهة خلفها كما تقدم في قوله تعالى : { ~~فأتوا حرثكم أنى شئتم في سورة البقرة . فلذلك جاء في هذه الصيغة لفظ الظهر ~~، فجمعوا في هذه الصيغة تغليظا من التحريم وهي أنها كأمه ، بل كظهر أمه . ~~فجاءت صيغة شنيعة فظيعة . # وأخذوا من صيغة أنت علي كظهر أمي أصرح ألفاظها وأخصها بغرضها وهو لفظ ظهر ~~فاشتقوا منه الفعل بزنات متعددة ، يقولون : ظاهر من امرأته ، وظهر مثل ضاعف ~~وضعف ، ويدخلون عليهما تاء المطاوعة . فيقولون : تظاهر منها وتظهر ، وليس ~~هذا من قبيل النحت نحو : بسمل ، وهلل ، لعدم وجود حرف من الكلمات الموجودة ~~في الجملة كلها . # والخطاب في قوله : منكم } يجوز أن يكون للمسلمين ، فيكون ذكر هذا الوصف ~~للتعميم بيانا لمدلول الصلة من قوله : { الذين يظهرون } لئلا يتوهم إرادة ms8320 ~~معين بالصلة . # و { من } بيانية كشأنها بعد الأسماء المبهمة فعلم أن هذا الحكم تشريع عام ~~لكل مظاهر . وليس خصوصية لخولة ولا لأمثالها من النساء ذوات الخصاصة وكثرة ~~الأولاد . # وأما { من } في قوله : { من نسائهم } فابتدائية متعلقة ب { يظهرون } ~~لتضمنه PageV28P011 معنى البعد إذ هو قد كان طلاقا والطلاق يبعد أحد ~~الزوجين من الآخر ، فاجتلب له حرف الابتداء . كما يقال : خرج من البلد . # وقد تبين أن المتعارف في صيغة الظهار أن تشتمل على ما يدل على الزوجة ~~والظهر والأم دون التفات إلى ما يربط هذه الكلمات الثلاث من أدوات الربط من ~~أفعال وحروف نحو : أنتت علي كظهر أمي ، وأنتت مني مثل ظهر أمي ، أو كوني لي ~~كظهر أمي ، أو نحو ذلك . # فأما إذا فقد بعض الألفاظ الثلاثة أو جميعها . نحو : وجهك علي كظهر أمي . ~~أو كجنب أمي ، أو كظهر جدتي ، أو ابنتي ، من كل كلام يفيد تشبيه الزوجة ، ~~أو إلحاقها بإحدى النساء من محارمه بقصد تحريم قربانها ، فذلك كله من ~~الظهار في أشهر أقوال مالك وأقوالل أصحابه وجمهور الفقهاء ، ولا ينتقل إلى ~~صيغة الطلاق أو التحريم لأن الله أراد التوسعة على الناس وعدم المؤاخذة . # ولم يشر القرآن إلى اسم الظهر ولا إلى اسم الأم إلا مراعاة للصيغة ~~المتعارفة بين الناس يومئذ بحيث لا ينتقل الحكم من الظهار إلى صيغة الطلاق ~~إلا إذا تجرد عن تلك الكلمات الثلاث تجردا واضحا . # والصور عديدة وليست الإحاطة بها مفيدة ، وذلك من مجال الفتوى وليس من ~~مهيع التفسير . # وجملة { ما هن أمهاتهم } خبر عن { الذين } ، أي ليس أزواجهم أمهات لهم ~~بقول أحدهم : أنت علي كظهر أمي ، أي لا تصير الزوج بذلك أما لقائل تلك ~~المقالة . # وهذا تمهيد لإبطال أثر صيغة الظهار في تحريم الزوجة ، بما يشير إلى أن ~~الأمومة حقيقة ثابتة لا تصنع بالقول إذ القول لا يبدل حقائق الأشياء ، كما ~~قال تعالى في سورة الأحزاب : { ذلكم قولكم بأفواهكم ولذلك أعقب هنا بقوله : ~~إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم } أي فليست الزوجات المظاهر منهن بصائرات ~~أمهات بذلك الظهار ms8321 لانعدام حقيقة الأمومة منهن إذ هن لم يلدن القائلين : ~~أنتت علي كظهر أمي ، فلا يحرمن عليهم ، فالقصر في الآية حقيقي ، أي ~~فالتحريم بالظهار أمر باطل لا يقتضيه سبب يؤثر إيجاده . PageV28P012 # وجملة { إن أمهاتهم } الخ واقعة موقع التعليل لجملة { ما هن أمهاتهم } ، ~~وهو تعليل للمقصود من هذا الكلام . أعني إبطال التحريم بلفظ الظهار ، إذ ~~كونهن غير أمهاتهم ضروري لا يحتاج إلى التعليل . # وزيد صنيعهم ذما بقوله : { وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا } توبيخا ~~لهم على صنيعهم ، أي هو مع كونه لا يوجب تحريم المرأة هو قول منكر ، أي ~~قبيح لما فيه من تعريض حرمة الأم لتخيلات شنيعة تخطر بمخيلة السامع عند ما ~~يسمع قول المظاهر : أنتت علي كظهر أمي . وهي حالة يستلزمها ذكر الظهر في ~~قوله : ( كظهر أمي ) . # وأحسب أن الفكر الذي أملى صيغة الظهار على أول من نطق بها كان مليئا ~~بالغضب الذي يبعث على بذيء الكلام مثل قولهم : امصص بظر أمك في المشاتمة ، ~~وهو أيضا قول زور لأنه كذب إذ لم يحرمها الله . وقد قال تعالى في سورة ~~الأحزاب : { وما جعل أزواجكم اللائي تظهرون منهن أمهاتكم . # وتأكيد الخبر بإن } واللامم ، للاهتمام بإيقاظ الناس لشناعته إذ كانوا قد ~~اعتادوه فنزلوا منزلة من يتردد في كونه منكرا أو زورا ، وفي هذا دلالة على ~~أن الظهار لم يكن مشروعا في شرع قديم ولا في شريعة الإسلام ، وأنه شيء وضعه ~~أهل الجاهلية كما نبه عليه عده مع تكاذيب الجاهلية في قوله تعالى : { ما ~~جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم اللائي تظهرون منهن ~~أمهاتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم . وقد تقدم في سورة الأحزاب . # وبعد هذا التوبيخ عطف عليه جملة وإن الله لعفو } كناية عن عدم مواخذتهم ~~بما صدر منهم من الظهار قبل هذه الآية ، إذ كان عذرهم أن ذلك قول تابعوا ~~فيه أسلافهم وجرى على ألسنتهم دون تفكر في مدلولاته . وأما بعد نزول هذه ~~الآية فمذهب المالكية : أن حكم إيقاعه الحرمة كما صرح به ابن راشد القفصي ~~في ( اللباب ) لقوله ms8322 بعده : { وتلك حدود الله } ( المجادلة : 4 ) أن إيقاع ~~الظهار معصية ، ولكونه معصية فسر ابن عطية قوله تعالى : { وإنهم ليقولون ~~منكرا من القول وزورا } . وبذلك أيضا فسر القرطبي قوله تعالى : { وتلك حدود ~~الله } . وقال ابن الفرس : هو حرام لا يحل إيقاعه . ودل على تحريمه ثلاثة ~~أشياء : # أحدها : تكذيب الله تعالى من فعل ذلك . # الثاني : أنه سماه منكرا وزورا ، والزور الكذب وهو محرم بإجماع . ~~PageV28P013 # الثالث : إخباره تعالى عنه بأنه يعفو عنه ويغفر ولا يعفى ويغفر إلا على ~~المذنبين . # وأقوال فقهاء الحنفية تدل على أن الظهار معصية ولم يصفه أحد من المالكية ~~ولا الحنفية بأنه كبيرة . ولا حجة في وصفه في الآية بزور ، لأن الكذب لا ~~يكون كبيرة إلا إذا أفضى إلى مضرة . # وعد السبكي في ( جمع الجوامع ) الظهار من جملة الكبائر وسلمه المحلي . ~~والكاتبون قالوا : لأن الله سماه زورا والزور كبيرة فكون الظهار كبيرة قول ~~الشافعية ، وفيه نظر فإنهم لم يعدوا الكذب على الإطلاق كبيرة . وإنما عدوا ~~شهادة الزور كبيرة . # وأعقب { لعفو } بقوله : { غفور } فقوله : { وإن الله لعفو غفور } في معنى ~~: أن الله عفا عنهم وغفر لهم لأنه عفو غفور ، يغفر هذا وما هو أشد . # والعفو : الكثير العفو ، والعفو عدم المؤاخذة بالفعل أي عفو عن قولهم : ~~الذي هو منكر وزور . # والغفور : الكثير الغفران ، والغفران الصفح عن فاعل فعل من شأنه أن ~~يعاقبه عليه ، فذكر وصف { غفور } بعد وصف ( عفو ) تتميم لتمجيد الله إذ لا ~~ذنب في المظاهرة حيث لم يسبق فيها نهي ، ومع ما فيه من مقابلة شيئين وهما { ~~منكرا } و { زورا } ، بشيئين هما ( عفو غفور ) . # وتأكيد الخبر في قوله تعالى : { وإن الله لعفو غفور } لمشاكلة تأكيد ~~مقابله في قوله : { وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا } . # وقوله : { وإن الله لعفو غفور } يدل على أن المظاهرة بعد نزول هذه الآية ~~منهي عنها وسنذكر ذلك . # وقد أومأ قوله تعالى : { وإن الله لعفو غفور } إلى أن مراد الله من هذا ~~الحكم التوسعة على الناس ، فعلمنا أن مقصد الشريعة الإسلامية أن تدور أحكام ~~الظهار على محور ms8323 التخفيف والتوسعة ، فعلى هذا الاعتبار يجب أن يجري الفقهاء ~~فيما يفتون . ولذلك لا ينبغي أن تلاحظ فيه قاعدة الأخذ بالأحوط ولا قاعدة ~~سد PageV28P014 الذريعة ، بل يجب أن نسير وراء ما أضاء لنا قوله تعالى : { ~~وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا وإن الله لعفو غفور } . # وقد قال مالك في ( المدونة ) : لا يقبل المظاهر ولا يباشر ولا ينظر إلى ~~صدر ولا إلى شعر . قال الباجي في ( المنتقى ) : فمن أصحابنا من حمل ذلك على ~~التحريم ، ومنهم من حمله على الكراهة لئلا يدعوه إلى الجماع . وبه قال ~~الشافعي وعبد الملك . # قلت : وهذا هو الوجه لأن القرآن ذكر المسيس وهو حقيقة شرعية في الجماع . ~~وقال مالك : لو تظاهر من أربع نسوة بلفظ واحد في مجلس واحد لم تجب عليه إلا ~~كفارة واحدة عند مالك قولا واحدا . وعند أبي حنيفة والشافعي في أحد قوليهما ~~. # والمقصود من هذه الآية إبطال تحريم المرآة التي يظاهر منها زوجها . ~~وتحميق أهل الجاهلية الذين جعلوا الظهار محرما على المظاهر زوجه التي ظاهر ~~منها . # وجعل الله الكفارة فدية لذلك وزجرا ليكف الناس عن هذا القول . # ومن هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم ( من قال لصاحبه : تعالى ~~أقامرك فليتصدق ) أي من جرى ذلك على لسانه بعد أن حرم الله الميسر . # عطف على جملة { الذين يظهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم } ( المجادلة ~~: 2 ) أعيد المبتدأ فيها للاهتمام بالحكم والتصريح بأصحابه وكان مقتضى ~~الكلام أن يقال : فإن يعودوا لما قالوا فتحرير رقبة ، فيكون عطفا على جملة ~~الخبر من قوله : { ما هن أمهاتهم } ( المجادلة : 2 ) . # و { ثم } عاطفة جملة { يعودون } على جملة { يظهرون } ، وهي للتراخي ~~الرتبي تعريضا بالتخطئة لهم بأنهم عادوا إلى ما كانوا يفعلونه في الجاهلية ~~بعد أن PageV28P015 انقطع ذلك بالإسلام . ولذلك علق بفعل { يعودون } ما يدل ~~على قولهم لفظ الظهار . # والعود : الرجوع إلى شيء تركه وفارقه صاحبه . وأصله : الرجوع إلى المكان ~~الذي غادره ، وهو هنا عود مجازي . # ومعنى { يعودون لما قالوا } يحتمل أنهم يعودون لما نطقوا به من الظهار . ~~وهذا يقتضي ms8324 أن المظاهر لا يكون مظاهرا إلا إذا صدر منه لفظ الظهار مرة ~~ثانية بعد أولى . وبهذا فسر الفراء . وروي عن علي بن طلحة عن ابن عباس : ~~بحيث يكون ما يصدر منه مرة أولى معفوا عنه . غير أن الحديث الصحيح في قضية ~~المجادلة يدفع هذا الظاهر لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأوس بن الصامت ~~: ( أعتق رقبة ) كما سيأتي من حديث أبي داود فتعين أن التكفير واجب على ~~المظاهر من أول مرة ينطلق فيها بلفظ الظهار . # ويحتمل أن يراد أنهم يريدون العود إلى أزواجهم ، أي لا يحبون الفراق ~~ويرومون العود إلى المعاشرة . وهذا تأويل اتفق عليه الفقهاء عدا داود ~~الظاهري وبكير بن الأشج وأبا العالية . وفي ( الموطأ ) قال مالك في قول ~~الله عز وجل : { والذين يظهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا } قال سمعت : ~~أن تفسير ذلك أن يظاهر الرجل من امرأته ثم يجمع على إصابتها وإمساكها فإن ~~أجمع على ذلك فقد وجبت عليه الكفارة وإن طلقها ولم يجمع بعد تظاهره منها ~~على إمساكها فلا كفارة عليه . # وأقوال أبي حنيفة والشافعي والليثث تحوم حول هذا المعنى على اختلاف في ~~التعبير لا نطيل به . # وعليه فقد استعمل فعل { يعودون } في إرادة العودة كما استعمل فعل مستعمل ~~في معنى إرادة العود والعزم عليه لا على العود بالفعل لأنه لو كان عودا ~~بالفعل لم يكن لاشتراط التفكير قبل المسيس معنى ، فانتظم من هذا معنى : ثم ~~يريدون العود إلى ما حرموه على أنفسهم فعليهم كفارة قبل أن يعودوا إليه على ~~نحو قوله تعالى : { إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم } ( المائدة : 6 ) ~~أي إذا أردتم القيام ، وقوله : { فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان ~~الرجيم } ( النحل : 98 ) ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم ( إذا سألت فاسأل ~~الله وإذا استعنت فاستعن بالله ) . PageV28P016 # وتلك هي قضية سبب النزول لأن المرأة ما جاءت مجادلة إلا لأنها علمت أن ~~زوجها المظاهر منها لم يرد فراقها كما يدل عليه الحديث المروي في ذلك في ~~كتاب أبي داود عن خويلة بنت ms8325 مالك بن ثعلبة قالت : ظاهر مني زوجي أوس بن ~~الصامت فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم أشكو إليه ورسول الله يجادلني ~~ويقول : اتقي الله . فإنه ابن عمك ؟ فما برحت حتى نزل القرآن . فقال : ( ~~يعتق رقبة ) . قالت : لا يجد . قال : ( فيصوم شهرين متتابعين ) . قالت : ~~إنه شيخ كبير ما به من صيام . قال : ( فليطعم ستين مسكينا ) . قالت : ما ~~عنده شيء يتصدق به . فأتي ساعتئذ بعرق من تمر قلت : يا رسول الله فإني ~~أعينه بعرق آخر . قال : ( قد أحسنتت اذهبي فأطعمي بهما عنه ستين مسكينا ~~وارجعي إلى ابنن عمك ) . قال أبو داود في هذا : إنها كفرت عنه من غير أن ~~تستأمره . # والمراد ( بما قالوا ) ما قالوا بلفظ الظهار وهو ما حرموه على أنفسهم من ~~الاستمتاع المفاد من لفظ : أنتت علي كظهر أمي ، لأن : أنت علي . في معنى : ~~قربانك ونحوه علي كمثله من ظهر أمي . ومنه قوله تعالى : { ونرثه ما يقول } ~~( مريم : 80 ) ، أي مالا وولدا في قوله تعالى : { وقال لأوتين مالا وولدا } ~~( مريم : 77 ) ، وقوله : { قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم } ~~( آل عمران : 183 ) أي قولكم حتى يأتينا بقربان تأكله النار . ففعل القول ~~في هذا وأمثاله ناصب لمفرد لوقوعه في خلاف جملة مقولة ، وإيثار التعبير عن ~~المعنى الذي وقع التحريم له . فلفظ الظهار بالموصول وصلته هذه إيجاز وتنزيه ~~للكلام عن التصريح به . فالمعنى : ثم يرومون أن يرجعوا للاستمتاع بأزواجهم ~~بعد أن حرموه على أنفسهم . # وفهم من قوله : { ثم يعودون لما قالوا } أن من لم يرد العود إلى امرأته ~~لا يخلو حاله : فإما أن يريد طلاقها فله أن يوقع عليها طلاقا آخر لأن الله ~~أبطل أن يكون الظهار طلاقا ، وإما أن لا يريد طلاقا ولا عودا . فهذا قد صار ~~ممتنعا من معاشرة زوجه مضرا بها فله حكم الإيلاء الذي في قوله تعالى : { ~~للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر } ( البقرة : 226 ) الآية . وقد ~~كانوا يجعلون الظهار إيلاء كما في قصة سلمة بن صخر البياضي . ثم الزرقي في ~~كتاب أبي داود ms8326 قال : ( كنت امرأ أصيب من النساء ما لا يصيب غيري فلما دخل ~~شهر رمضان خفت أن أصيب من امرأتي شيئا يتايع بي ( بتحتية في أوله مضمومة ثم ~~مثناة فوقية ثم ألف ثم تحتية ، والظاهر PageV28P017 أنها مكسورة . والتتايع ~~الوقوع في الشر فالباء في قوله : ( بي ) زائدة للتأكيد ) حتى أصبح ، فظاهرت ~~منها حتى ينسلخ شهر رمضان ) . الحديث . # واللام في قوله : { لما قالوا } بمعنى ( إلى ) كقوله تعالى : { بأن ربك ~~أوحى لها } ( الزلزلة : 5 ) ونظيره قوله : { ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ~~} ( الأنعام : 28 ) . وأحسب أن أصل اللام هو التعليل ، وهو أنها في مثل هذه ~~المواضع إن كان الفعل الذي تعلقت به ليس فيه معنى المجيء حملت اللام فيه ~~على معنى التعليل وهو الأصل نحو : { بأن ربك أوحى لها } ( الزلزلة : 5 ) ، ~~وما يقع فيه حرف ( إلى ) من ذلك مجاز بتنزيل من يفعل الفعل لأجله منزلة من ~~يجيء الجائي إليه ، وإن كان الفعل الذي تعلقت به اللام فيه معنى المجيء مثل ~~فعل العود فإن تعلق اللام به يشير إلى إرادة معنى في ذلك الفعل بتمجز أو ~~تضمينن يناسبه حرف التعليل نحو قوله تعالى : { كل يجري لأجل مسمى } ( الرعد ~~: 2 ) ، أي جريه المستمر لقصده أجلا يبلغه . ومنه قوله تعالى : { ولو ردوا ~~لعادوا لما نهوا عنه } ( الأنعام : 28 ) أي عاودوا فعله ومنه ما في هذه ~~الآية . # وفي ( الكشاف ) في قوله تعالى : { كل يجري لأجل مسمى في سورة الزمر أنه ~~ليس مثل قوله تعالى : كل يجري إلى أجل مسمى في سورة لقمان أي أنه ليس من ~~تعاقب الحرفين ولا يسلك هذه الطريقة إلا ضيق العطن ، ولكن المعنيين أعني ~~الاستعلاء والتخصيص كلاهما ملائم لصحة الغرض لأن قوله : إلى أجل } معناه ~~يبلغه ، وقوله : { لأجل } يريد لإدراك أجل تجعل الجري مختصا بالإدراك ا ه . # فيكون التقدير على هذا الوجه ثم يريدون العود لأجل ما قالوا ، أي لأجل ~~رغبتهم في أزواجهم ، فيصير متعلق فعل { يعودون } مقدرا يدل عليه الكلام ، ~~أي يعودون لما تركوه من العصمة ، ويصير الفعل في معنى : يندمون على الفراق ms8327 ~~. # وتحصل من هذا أن كفارة الظهار شرعت إذا قصد المظاهر الاستمرار على معاشرة ~~زوجه ، تحلة لما قصده من التحريم ، وتأديبا له على هذا القصد الفاسد والقول ~~الشنيع . # وبهذا يكون محمل قوله : { من قبل أن يتماسا } على أنه من قبل أن يمس زوجه ~~PageV28P018 مس استمتاع قبل أن يكفر وهو كناية عن الجماع في اصطلاح القرآن ~~، كما قال : { وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن } ( البقرة : 237 ) . # ولذلك جعلت الكفارة عتق رقبة لأنه يفتدي بتلك الرقبة رقبة زوجه . # وقد جعلها الله تعالى موعظة بقوله : { ذلكم توعظون به } . واسم الإشارة ~~في قوله : { ذلكم } عائد إلى تحرير رقبة . والوعظ : التذكير بالخير ~~والتحذير من الشر بترغيب أو ترهيب ، أي فرض الكفارة تنبيه لكم لتتفادوا ~~مسيس المرأة التي طلقت أو تستمروا على مفارقتها مع الرغبة في العود إلى ~~معاشرتها لئلا تعودوا إلى الظهار . ولم يسم الله ذلك كفارة هنا وسماها ~~النبي صلى الله عليه وسلم كفارة كما في حديث سلمة بن صخر البياضي في ( جامع ~~الترمذي ) وإنما الكفارة من نوع العقوبة في أحد قولين عن مالك وهو قول ~~الشافعي حكاه عنه ابن العربي في ( الأحكام ) . # فالمظاهر ممنوع من الاستمتاع بزوجته المظاهر منها ، أي ممنوع من علائق ~~الزوجية ، وذلك يقتضي تعطيل العصمة ما لم يكفر لأنه ألزم نفسه ذلك فإن ~~استمتع بها قبل الكفارة كلها فليتب إلى الله وليستغفر وتتعين عليه الكفارة ~~ولا تتعدد الكفارة بسبب الاستمتاع قبل التكفير لأنه سبب واحد فلا يضر تكرر ~~مسببه ، وإنما جعلت الكفارة زجرا ولذلك لم يكن وطء المظاهر امرأته قبل ~~الكفارة زنا . وقد روى أبو داود والترمذي حديث سلمة بن صخر البياضي أنه ~~ظاهر من امرأته ثم وقع عليها قبل أن يكفر فأمره النبي صلى الله عليه وسلم ~~بكفارة واحدة ، وهو قول جمهور العلماء . وعن مجاهد وعبد الرحمن بن مهدي أن ~~عليه كفارتين . # وتفاصيل أحكام الظهار في صيغته وغير ذلك مفصلة في كتب الفقه . # وقوله : { والله بما تعملون خبير } تذييل لجملة { ذلكم توعظون به } ، أي ~~والله عليم بجميع ما تعملونه من ms8328 هذا التكفير وغيره . # . # رخصة لمن لم يجد عتق رقبة أن ينتقل إلى صيام شهرين متتابعين لأنه لما لم ~~يجد PageV28P019 رقبة يعتاض بفكها عن فك عصمة الزوجة نقل إلى كفارة فيها ~~مشقة النفس بالصبر على لذة الطعام والشراب ليدفع ما التزمه بالظهار من مشقة ~~الصبر على ابتعاد حليلته فكان الصوم درجة ثانية قريبة من درجة تحرير الرقبة ~~في المناسبة . # وأعيد قيد { من قبل أن يتماسا } للدلالة على أنه لا يكون المس إلا بعد ~~انقضاء الصيام ، فلا يظن أن مجرد شروعه في الصيام كافف في العود إلى ~~الاستمتاع . # { فمن لم يستطع } ، أي لعجزه أو ضعفه رخص الله له أن ينتقل إلى إطعام ~~ستين مسكينا عوضا عن الصيام فالإطعام درجة ثالثة يدفع عن ستين مسكينا ألم ~~الجوع عوضا عما كان التزمه على نفسه من مشقة الابتعاد عن لذاته ، وإنما ~~حددت بستين مسكينا إلحاقا لهذا بكفارة فطر يوم من رمضان عمدا بجامع أن ~~كليهما كفارة عن صيام فكانت الكفارة متناسبة مع المكفر عنه مرتبة ترتيبا ~~مناسبا . # وقد أجمل مقدار الطعام في الآية اكتفاء بتسميته إطعاما فيحمل على ما ~~يقصده الناس من الطعام وهو الشبع الواحد كما هو المتعارف في فعل طعم . ~~فحمله علماؤنا على ما به شبع الجائع فيقدر في كل قوم بحسب ما به شبع معتاد ~~الجائعين . وعن مالك رحمه الله في ذلك روايتان ، إحداهما : أنه مد واحد لكل ~~مسكين بمد النبي صلى الله عليه وسلم والثانية : أنه مدان أو ما يقرب من ~~المدين وهو مد بمد هشام ( بن إسماعيل المخزومي أمير المدينة ) وقدره مدان ~~إلا ثلث مد قال : قال أشهب : قلت لمالك : أيختلف الشبع عندنا وعندكم ؟ قال ~~: نعم الشبع عندنا مد بمد النبي صلى الله عليه وسلم والشبع عندكم أكثر ( أي ~~لأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا لأهل المدينة بالبركة ) . وقوله هذا ~~يقتضي أن يكون الإطعام في المدينة مدا بمد النبي صلى الله عليه وسلم مثل ~~كفارة الفطر في رمضان فكيف جعله مالك مقدرا بمدين أو بمد وثلثين ، وقال : ~~لو أطعم ms8329 مدا ونصف مد أجزأه . فتعين أن تضعيف المقدار في الإطعام مراعى فيه ~~معنى العقوبة على ما صنع ، وإلا فلا دليل عليه من نص ولا قياس . قال أبو ~~الحسن القابسي : إنما أخذ أهل المدينة بمد هشام في كفارة الظهار تغليظا على ~~المتظاهرين الذين شهد الله عليهم أنهم يقولون منكرا من القول وزورا فهذا ~~مما ثبت بعمل أهل المدينة . PageV28P020 # وقدر أبو حنيفة الشبع بمدين بمد النبي صلى الله عليه وسلم فلعه راعى ~~الشبع في معظم الأقطار غير المدينة ، وقدره الشافعي بمد واحد لكل مسكين ~~قياسا على ما ثبت في السنة في كفارة الإفطار وكفارة اليمين . # ولم يذكر مع الإطعام قيد { من قبل أن يتماسا } اكتفاء بذكره مع تحرير ~~الرقبة وصيام الشهرين ولأنه بدل عن الصيام ومجزأ لمثل أيام الصيام . هذا ~~قول جمهور الفقهاء . # وعن أبي حنيفة أن الإطعام لا يشترط فيه وقوعه من قبل أن يتماسا . # ثم إن وقع المسيس قبل الكفارة أو قبل إتمامها لم يترتب على ذلك إلا أنه ~~آثم إذ لا يمكن أن يترتب عليه أثر آخر ، وهذا ما بينه حديث سلمة بن صخر ~~الذي شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه وقع على امرأته بعد أن ظاهر ~~منها ، فأمره بأن لا يعود إلى مثل ذلك حتى يكفر . وهذا قول جمهور الفقهاء ، ~~وقال مجاهد : عليه كفارتان . # وصريح الآية أن تتابع الصيام شرط في التكفير ، وعليه فلو أفطر في خلاله ~~دون عذر وجب عليه إعادته . # ولا يمس امرأته حتى يتم الشهران متتابعين فإن مسها في خلال الشهرين أثم ~~ووجب عليه إعادة الشهرين . وقال الشافعي : إذا كان الوطء ليلا لم يبطل ~~التتابع لأن الليل ليس محلا للصوم ، وهذا هو الجاري على القياس وعلى مقتضى ~~حديث سلمة بن صخر . # وأما كون آثما بالمسيس قبل تمام الكفارة فمسألة أخرى ، فمن العجب قول أبي ~~بكر ابن العربي في كلام الشافعي أنه كلام من لم يذق طعم الفقه لأن الوطء ~~الواقع في خلال الصوم ليس بالمحل المأذون فيه بالكفارة فإنه وطء تعد فلا بد ms8330 ~~من الامتثال للأمر بصوم لا يكون في أثنائه وطء اه . # والمسكين : الشديد الفقر ، وتقدم في سورة براءة . # والمظاهر إن كان قادرا على بعض خصال الكفارة وأبى أن يكفر انقلب ظهاره ~~إيلاء . فإن لم ترض المرأة بالبقاء على ذلك فله أجل الإيلاء فإن انقضى ~~الأجل PageV28P021 طلقت عليه امرأته إن طلبت الطلاق . وإن كان عاجزا عن ~~خصال الكفارة كلها كان كالعاجز عن الوطء بعد وقوعه منه فتبقى العصمة بين ~~المتظاهر وامرأته ولا يقربها حتى يكفر . # وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بكفارة سلمة بن صخر من أموال بيت المال ~~فحق على ولاة الأمور أن يدفعوا عن العاجز كفارة ظهاره فإن تعذر ذلك فالظاهر ~~أن الكفارة ساقطة عنه ، وأنه يعود إلى مسيس امرأته ، وتبقى الكفارة ذنبا ~~عليه في ذمته لأن الله أبطل طلاق الظهار . # . # الإشارة إلى ما ذكر من الأحكام ، أي ذلك المذكور لتؤمنوا بالله ورسوله ، ~~أي لتؤمنوا إيمانا كاملا بالامتثال لما أمركم الله ورسوله فلا تشوبوا أعمال ~~الإيمان بأعمال أهل الجاهلية ، وهذا زيادة في تشنيع الظهار ، وتحذير ~~للمسلمين من إيقاعه فيما بعد ، أو ذلك النقل من حرج الفراق بسبب قول الظهار ~~إلى الرخصة في عدم الاعتداد به وفي الخلاص منه بالكفارة ، لتيسير الإيمان ~~عليكم فهذا في معنى قوله تعالى : { وما جعل عليكم في الدين من حرج } ( الحج ~~: 78 ) . # و { لتؤمنوا } خبر عن اسم الإشارة ، واللام للتعليل . ولما كان المشار ~~إليه وهو صيام شهرين أو إطعام ستين مسكينا عوضا عن تحرير رقبة كان من علل ~~به تحرير رقبة منسحبا على الصيام والإطعام ، وما علل به الصيام والإطعام ~~منسحبا على تحرير رقبة ، فأفاد أن كلا من تحرير رقبة وصيام شهرين وإطعام ~~ستين مسكينا مشتمل على كلتا العلتين وهما : الموعظة والإيمان بالله ورسوله ~~. # والإشارة في { وتلك حدود الله } إلى ما أشير إليه ب { ذلك } ، وجيء له ~~باسم إشارة التأنيث نظرا للإخبار عنه بلفظ { حدود } إذ هو جمع يجوز تأنيث ~~إشارته كما يجوز تأنيث ضميره ومثله قوله تعالى : { تلك حدود الله فلا ~~تعتدوها في سورة ms8331 البقرة . PageV28P022 # وجملة وللكافرين عذاب أليم } تتميم لجملة { ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله } ، ~~أي : ذلك الحكم وهو إبطال التحريم بالظهار حكم الإسلام . وأما ما كانوا ~~عليه فهو من آثار الجاهلية فهو سنة قوم لهم عذاب أليم على الكفر وما تولد ~~منه من الأباطيل ، فالظهار شرع الجاهلية . وهذا كقوله تعالى : { إنما ~~النسيء زيادة في الكفر } ( التوبة : 37 ) ، لأنه وضعه المشركون ولم يكن من ~~الحنيفية . # . # لما جرى ذكر الكافرين وجرى ذكر حدود الله وكان في المدينة منافقون من ~~المشركين نقل الكلام إلى تهديدهم وإيقاظ المسلمين للاحتراز منهم . # والمحادة : المشاقة والمعاداة ، وقد أوثر هذا الفعل هنا لوقوع الكلام عقب ~~ذكر حدود الله ، فإن المحادة مشتقة من الحد لأن كل واحد من المتعاديين كأنه ~~في حد مخالف لحد الآخر ، مثل ما قيل أن العداوة مشتقة من عدوة الوادي لأن ~~كلا من المتعاديين يشبه من هو من الآخر في عدوة أخرى . # وقيل : اشتقت المشاقة من الشقة لأن كلا من المتخالفين كأنه في شقة غير ~~شقة الآخر . # والمراد بهم الذين يحادون رسول الله صلى الله عليه وسلم المرسل بدين الله ~~فمحادته محادة لله . # والكبت : الخزي والإذلال وفعل { كبتوا } مستعمل في الوعيد أي سيكبتون ، ~~فعبر عنه بالمضي تنبيها على تحقيق وقوعه لصدوره عمن لا خلاف في خبره مثل { ~~أتى أمر الله } ( النحل : 1 ) ولأنه مؤيد بتنظيره بما وقع لأمثالهم . ~~وقرينة ذلك تأكيد الخبر ب { إن } لأن الكلام لو كان إخبارا عن كبت وقع لم ~~يكن ثم مقتضى لتأكيد الخبر إذ لا ينازع أحد فيما وقع ، ويزيد ذلك وضوحا ~~قوله : { كما كبت الذين من قبلهم } يعني الذين حادوا الله في غزوة الخندق . ~~وتقدم ذكرها في سورة الأحزاب . وما كان من المنافقين فيها فالمراد بصلة { ~~من قبلهم } من كان من قبلهم من أهل النفاق وهم يعرفونهم . PageV28P023 # . # معترضة بين جملة { إن الذين يحادون الله ورسوله } وجملة { وللكافرين عذاب ~~مهين } أي لا عذر لهم في محادة الله ورسوله فإن مع الرسول صلى الله عليه ~~وسلم آيات القرآن بينة على صدقه . # . # عطف على جملة ms8332 { كبتوا كما كبت الذين من قبلهم } ، أي لهم بعد الكبت عذاب ~~مهين في الآخرة . # وتعريف ( الكافرين ) تعريف الجنس ليستغرق كل الكافرين . # ووصف عذابهم بالمهين لمناسبة وعيدهم بالكبت الذي هو الذل والإهانة . # يجوز أن يكون { يوم } ظرفا متعلقا بالكون المقدر في خبر المبتدأ من { ~~للكافرين عذاب مهين } ( المجادلة : 5 ) . # ويجوز أن يكون متعلقا ب { مهين ، ويجوز أن يكون منصوبا على المفعول به ~~لفعل تقديره : اذكر تنويها بذلك اليوم وتهويلا عليهم ، وهذا كثير في أسماء ~~الزمان التي وقعت في القرآن . وقد تقدم في قوله تعالى : وإذ قال ربك ~~للملائكة أني جاعل في الأرض خليفة في سورة البقرة . # وضمير الجمع عائد إلى الذين يحادون الله ورسوله } و { الذين من قبلهم } ( ~~المجادلة : 5 ) . ولذلك أتى بلفظ الشمول وهو { جميعا } حالا من الضمير . # وقوله : { فينبئهم بما عملوا } تهديد بفضح نفاقهم يوم البعث . وفيه كناية ~~عن الجزاء على أعمالهم . PageV28P024 # وجملة { أحصاه الله ونسوه } في موضع الحال من ( ما عملوا ) . # والمقصود من الحال هو ما عطف عليها من قوله : { ونسوه } لأن ذلك محل ~~العبرة . وبه تكون الحال مؤسسة لا مؤكدة لعاملها ، وهو ( ينبئهم ) ، أي ~~علمه الله علما مفصلا من الآن ، وهم نسوه ، وذلك تسجيل عليهم بأنهم ~~متهاونون بعظيم الأمر وذلك من الغرور ، أي نسوه في الدنيا بله الآخرة فإذا ~~أنبئوا به عجبوا قال تعالى : { ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ~~ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ~~ووجدوا ما عملوا حاضرا } ( الكهف : 49 ) . . # وجملة { والله على كل شيء شهيد } تذييل . والشهيد : العالم بالأمور ~~المشاهدة . # استئناف ابتدائي هو تخلص من قوله تعالى : { أحصاه الله ونسوه ( المجادلة ~~: 6 ) إلى ذكر علم الله بأحوال المنافقين وأحلافهم اليهود . فكان المنافقون ~~يناجي بعضهم بعضا ليري للمسلمين مودة بعض المنافقين لبعض فإن المنافقين ~~بتناجيهم يظهرون أنهم طائفة أمرها واحد وكلمتها واحدة ، وهم وإن كانوا ~~يظهرون الإسلام يحبون أن تكون لهم خيفة في قلوب المسلمين يتقون بها بأسهم ~~إن اتهموا بعضهم بالنفاق أو بدرت من أحدهم بادرة ms8333 تنم بنفاقه ، فلا يقدم ~~المؤمنون على أذاه لعلمهم بأن له بطانة تدافع عنه . وكانوا إذا مر بهم ~~المسلمون نظروا إليهم فحسب المارون لعل حدثا حدث من مصيبة ، وكان المسلمون ~~يومئذ على توقع حرب مع المشركين في كل حين فيتوهمون أن مناجاة المتناجين ~~حديث عن قرب العدو أو عن هزيمة للمسلمين في السرايا التي يخرجون فيها ، ~~فنزلت هذه الآيات لإشعار المنافقين بعلم الله بماذا يتناجون ، وأنه مطلع ~~رسوله على دخيلتهم ليكفوا عن الكيد للمسلمين . PageV28P025 # فهذه الآية تمهيد لقوله تعالى : ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى } الآية ~~( المجادلة : 8 ) . # و { ألم تر } من الرؤية العلمية لأن علم الله لا يرى وسد المصدر مسد ~~المفعول . والتقدير : ألم تر الله عالما . # و { ما في السماوات وما في الأرض } يعم المبصرات والمسموعات فهو أعم من ~~قوله : { والله على كل شيء شهيد } ( المجادلة : 6 ) لاختصاصه بعلم ~~المشاهدات لأن الغرض المفتتح به هذه الجملة هو علم المسموعات . # وجملة { ما يكون من نجوى ثلاثة } إلى آخرها بدل البعض من الكل فإن معنى ~~قوله : { إلا هو رابعهم } . وقوله : { إلا هو سادسهم } وقوله : { إلا هو ~~معهم } ، أنه مطلع على ما يتناجون فيه فكأنه تعالى نجي معهم . # و { ما } نافية . و { يكون } مضارع ( كان ) التامة ، و { من } زائدة في ~~النفي لقصد العموم ، و { نجوى } في معنى فاعل { يكون } . # وقرأ الجمهور { يكون } بياء الغائب لأن تأنيث { نجوى } غير حقيقي ، فيجوز ~~فيه جري فعله على أصل التذكير ولا سيما وقد فصل بينه وبين فاعله بحرف { من ~~} الزائدة . وقرأه أبو جعفر بتاء المؤنث رعيا لصورة تأنيث لفظه . # والنجوى : اسم مصدر ناجاه ، إذا ساره . و { ثلاثة } مضاف إليه { نجوى } . ~~أي ما يكون تناجي ثلاثة من الناس إلا الله مطلع عليهم كرابع لهم ، ولا خمسة ~~إلا هو كسادس لهم ، ولا أدنى ولا أكثر إلا هو كواحد منهم . وضمائر الغيبة ~~عائدة إلى { ثلاثة } وإلى { خمسة } وإلى { ذلك } و { أكثر } . # والمقصود من هذا الخبر الإنذار والوعيد وتخصيص عددي الثلاثة والخمسة ~~بالذكر لأن بعض المتناجين الذي نزلت الآية ms8334 بسببهم كانوا حلفا بعضها من ~~ثلاثة وبعضها من خمسة . وقال الفراء : المعنى غير مصمود والعدد غير مقصود . # وفي ( الكشاف ) عن ابن عباس : نزلت في ربيعة وحبيب ابني عمرو ( بنن عمير ~~من PageV28P026 ثقيف ) وصفوان بن أمية ( السلمي حليف بني أسد ) كانوا ~~يتحدثون فقال أحدهم : أترى أن الله يعلم ما نقول ؟ فقال الآخر : يعلم بعضا ~~ولا يعلم بعضا . وقال الثالث : إن كان يعلم بعضا فهو يعلم كله . اه . ولم ~~أر هذا في غير ( الكشاف ) ولا مناسبة لهذا بالوعيد في قوله تعالى : { ثم ~~ينبئهم بما عملوا يوم القيامة } فإن أولئك الثلاثة كانوا مسلمين وعدوا في ~~الصحابة وكأن هذا تخليط من الراوي بين سبب نزول آية { وما كنتم تستترون أن ~~يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم في سورة فصلت . كما في صحيح البخاري } وبين ~~هذه الآية . وركبت أسماء ثلاثة آخرين كانوا بالمدينة لأن الآية مدنية فآية ~~النجوى إنما هي في تناجي المنافقين أو فيهم وفي اليهود عن ابن عباس . # والاستثناء في { إلا هو رابعهم } { إلا هو سادسهم } { إلا هو معهم } مفرع ~~من أكوان وأحوال دل عليها قوله تعالى : { ما يكون } والجمل التي بعد حرف ~~الاستثناء في مواضع أحوال . والتقدير : ما يكون من نجوى ثلاثة في حال من ~~علم غيرهم بهم واطلاعه عليهم إلا حالة الله مطلع عليهم . # وتكرير حرف النفي في المعطوفات على المنفي أسلوب عربي وخاصة حيث كان مع ~~كل من المعاطيف استثناء . # وقرأ الجمهور { ولا أكثر } بنصب { أكثر } عطفا على لفظ { نجوى } . وقرأه ~~يعقوب بالرفع عطفا على محل { نجوى } لأنه مجرور بحرف جر زائد . # و ( أينما ) مركب من ( أين ) التي هي ظرف مكان و ( ما ) الزائدة . وأضيف ~~( أين ) إلى جملة { كانوا } ، أي في أي مكان كانوا فيه ، ونظيره قوله : { ~~وهو معكم أينما كنتم في سورة الحديد . # وثم } للتراخي الرتبي لأن إنباءهم بما تكلموا وما عملوه في الدنيا في يوم ~~القيامة أدل على سعة علم الله من علمه بحديثهم في الدنيا لأن معظم علم ~~العالمين يعتريه النسيان في مثل ذلك الزمان من الطول وكثرة ms8335 تدبير الأمور في ~~الدنيا والآخرة . # وفي هذا وعيد لهم بأن نجواهم إثم عظيم فنهي عنه ويشمل هذا تحذير من ~~يشاركهم . PageV28P027 # وجملة { إن الله بكل شيء عليم } تذييل لجملة { ثم ينبئهم بما عملوا } ~~فأغنت { إن } غناء فاء السببية كقول بشار : # إن ذاك النجاح في التبكير # وتأكيد الجملة ب { إن } للاهتمام به وإلا فإن المخاطب لا يتردد في ذلك . ~~وهذا التعريض بالوعيد يدل على أن النهي عن التناجي كان سابقا على نزول هذه ~~الآية والآيات بعدها . # . # إن كانت هذه الآية والآيتان اللتان بعدها نزلت مع الآية التي قبلها حسبما ~~يقتضيه ظاهر ترتيب التلاوة كان قوله تعالى : { نهوا عن النجوى } مؤذنا بأنه ~~سبق نهي عن النجوى قبل نزول هذه الآيات ، وهو ظاهر قول مجاهد وقتادة : نزلت ~~في قوم من اليهود والمنافقين نهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~التناجي بحضرة المؤمنين فلم ينتهوا ، فنزلت ، فتكون الآيات الأربع نزلت ~~لتوبيخهم وهو ما اعتمدناه آنفا . # وإن كانت نزلت بعد الآية التي قبلها بفترة كان المراد النهي الذي أشار ~~إليه قوله تعالى : { ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة } ( المجادلة : 7 ) ~~كما تقدم ، بأن لم ينتهوا عن النجوى بعد أن سمعوا الوعيد عليها بقوله تعالى ~~: { ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة } ، فالمراد ب { الذين نهوا عن النجوى ~~} هم الذين عنوا بقوله : { ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم } ( ~~المجادلة : 7 ) الآية . # و { ثم } في قوله : { ثم يعودون } للتراخي الرتبي لأن عودتهم إلى النجوى ~~بعد أن نهوا عنها أعظم من ابتداء النجوى لأن ابتداءها كان إثما لما اشتملت ~~عليه نجواهم من نوايا سيئة نحو النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين ، فأما ~~عودتهم إلى النجوى بعد أن نهوا عنها فقد زادوا به تمردا على النبي صلى الله ~~عليه وسلم ومشاقة للمسلمين . # فالجملة مستأنفة استئنافا ابتدائيا اقتضاه استمرار المنافقين على نجواهم ~~. PageV28P028 # والاستفهام في قوله : { ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى } تعجيبي مراد ~~به توبيخهم حين يسمعونه . # والرؤية بصرية بقرينة تعديتها بحرف { إلى } . # والتعريف في { النجوى } تعريف العهد ms8336 لأن سياق الكلام في نوع خاص من ~~النجوى . وهي النجوى التي تحزن الذين آمنوا كما ينبىء عنه قوله تعالى : { ~~إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا } ( المجادلة : 10 ) . # ويجوز أن يكون النهي عن جنس النجوى في أول الأمر يعم كل نجوى بمرأى من ~~الناس سدا للذريعة ، قال الباجي في ( المنتقى ) : روي أن النهي عن تناجي ~~اثنين أو أكثر دون واحد أنه كان في بدء الإسلام ، فلما فشا الإسلام وآمن ~~الناس زال هذا الحكم لزوال سببه . # قال ابن العربي في ( أحكام القرآن ) عند قوله تعالى : { لا خير في كثير ~~من نجواهم الآية في سورة النساء : إن الله تعالى أمر عباده بأمرين عظيمين : ~~أحدهما : الإخلاص وهو أن يستوي ظاهر المرء وباطنه ، والثاني : النصيحة ~~لكتاب الله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ، فالنجوى خلاف هذين الأصلين ~~وبعد هذا فلم يكن بد للخلق من أمر يختصون به في أنفسهم ويخص به بعضهم بعضا ~~فرخص في ذلك بصفة الأمر بالمعروف والصدقة وإصلاح ذات البين اه . # وفي الموطأ } حديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا كان ~~ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون واحد ) . زاد في رواية مسلم ( إلا بإذنه فإن ~~ذلك يحزنه ) . # واختلف في محمل هذا النهي على التحريم أو على الكراهة ، وجمهور المالكية ~~على أنه للتحريم ، قال ابن العربي في ( القبس ) : فإن كان قوله مخافة أن ~~يحزنه من قول النبي صلى الله عليه وسلم فقد انحسم التأويل ، وإن كان من قول ~~الراوي فهو أولى من تأويل غيره . وقال ابن القاسم : سمعت مالكا يقول : لا ~~يتناجى أربعة دون واحد . وأما تناجي الجماعة دون جماعة فإنه أيضا مكروه أو ~~محرم اه . وحكى النووي الإجماع على جواز تناجي جماعة دون جماعة واحتج له ~~ابن التين بحديث ابن مسعود قال : فأتيته ( يعني النبي صلى الله عليه وسلم ~~وهو في ملأ فساررته . وحديث عائشة في قصة فاطمة دال على الجواز . ~~PageV28P029 # وقال ابن عبد البر : لا يجوز لأحد أن يدخل على المتناجيين في حال ~~تناجيهما . # وألحق بالتناجي أن يتكلم رجلان بلغة ms8337 لا يعرفها ثالث معهما . # والقول في استعمال { ثم يعودون لما نهوا عنه } في معناه المجازي وتعديته ~~باللام نظير القول في قوله تعالى : { ثم يعودون لما قالوا } ( المجادلة : 3 ~~) . # وكذلك القول في موقع { ثم } عاطفة الجملة . # وصيغة المضارع في { يعودون } دالة على التجدد ، أي يكررون العدد بحيث ~~يريدون بذلك العصيان وقلة الاكتراث بالنهي فإنهم لو عادوا إلى النجوى مرة ~~أو مرتين لاحتمل حالهم أنهم نسوا . # و ( ما نهوا عنه ) هو النجوى ، فعدل عن الإتيان بضمير النجوى إلى الموصول ~~وصلته لما تؤذن به الصلة من التعليل لما بعدها من الوعيد بقوله : { حسبهم ~~جهنم على ما في الصلة من التسجيل على سفههم . # وقرأ الجمهور يتناجون } بصيغة التفاعل من ناجى المزيد . وقرأه حمزة ورويس ~~ويعقوب و { ينتجون } بصيغة الإفتعال من نجا الثلاثي المجرد أي سار غيره ، ~~والافتعال يرد بمعنى المفاعلة مثل اختصموا واقتتلوا . # والإثم : المعصية وهو ما يشتمل عليه تناجيهم من كلام الكفر وذم المسلمين ~~. # و { العدوان } بضم العين : الظلم وهو ما يدبرونه من الكيد للمسلمين . # ومعصية الرسول مخالفة ما يأمرهم به ومن جملة ذلك أنه نهاهم عن النجوى وهم ~~يعودون لها . # والياء للملابسة ، أي يتناجون ملابسين الإثم والعدوان ومعصية الرسول وهذه ~~الملابسة متفاوتة . فملابسة الإثم والعدوان ملابسة المتناجى في شأنه لفعل ~~المناجين . وملابسة معصية الرسول صلى الله عليه وسلم ملابسة المقارنة للفعل ~~، لأن نجواهم بعد أن نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عنها معصية وفي قوله : ~~{ نهوا عن النجوى } وقوله : { ومعصيت الرسول } دلالة على أنهم منافقون لا ~~يهود لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان PageV28P030 ينهى اليهود عن ~~أحوالهم . وهذا يرد قول من تأول الآية على اليهود وهو قول مجاهد وقتادة ، ~~بل الحق ما في ابن عطية عن ابن عباس أنها نزلت في المنافقين . # . # بعد أن ذكر حالهم في اختلاء بعضهم ببعض ذكر حال نياتهم الخبيثة عند ~~الحضور في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم فإنهم يتتبعون سوء نياتهم من ~~كلمات يتبادر منها للسامعين أنها صالحة فكانوا إذا دخلوا على النبي صلى ms8338 ~~الله عليه وسلم يخفتون لفظ ( السلام عليكم ) لأنه شعار الإسلام ولما فيه من ~~جمع معنى السلامة يعدلون عن ذلك ويقولون : أنعم صباحا ، وهي تحية العرب في ~~الجاهلية لأنهم لا يحبون أن يتركوا عوائد الجاهلية . نقله ابن عطية عن ابن ~~عباس . # فمعنى { بما لم يحيك به الله } ، بغير لفظ السلام ، فإن الله حياه بذلك ~~بخصوصه في قوله تعالى : { يأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما } ( ~~الأحزاب : 56 ) . وحياه به في عموم الأنبياء بقوله : { قل الحمد لله وسلام ~~على عباده الذين اصطفى } ( النمل : 59 ) وتحية الله هي التحية الكاملة . # وليس المراد من هذه الآية ما ورد في حديث : أن اليهود كانوا إذا حيوا ~~النبي صلى الله عليه وسلم قالوا : السام عليك ، وأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان يرد عليهم بقوله : ( وعليكم ) . فإن ذلك وارد في قوم معروف أنهم ~~من اليهود . وما ذكر أول هذه الآية لا يليق حمله على أحوال اليهود كما علمت ~~آنفا ولو حمل ضمير { جاءوك } على اليهود لزم عليه تشتيت الضمائر . # أما هذه الآية ففي أحوال المنافقين ، وهذا مثل ما كان بعضهم يقول للنبي ~~صلى الله عليه وسلم { راعنا } ( البقرة : 104 ) تعلموها من اليهود وهم ~~يريدون التوجيه بالرعونة فأنزل الله تعالى : { يأيها الذين آمنوا لا تقولوا ~~راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم } ( البقرة : 104 ) ولم ~~يرد منه نهي اليهود . # ومعنى { يقولون في أنفسهم يقول بعضهم لبعض على نحو قوله تعالى : ~~PageV28P031 فإذا دخلتم بيوتا فسلموا عن أنفسكم } ( النور : 61 ) . وقوله : ~~{ ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا } ( النور : 12 ) ، أي ظن بعضهم ببعض ~~خيرا ، أي يقول بعضهم لبعض . # ويجوز أن يكون المراد ب { أنفسهم } مجامعهم كقوله تعالى : { وقل لهم في ~~أنفسهم قولا بليغا } ، أي قل لهم خاليا بهم سترا عليهم من الافتضاح . وتقدم ~~في سورة النساء و { لولا } للتحضيض ، أي هلا يعذبنا الله بسبب كلامنا الذي ~~نتناجى به من ذم النبي صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك ، أي يقولون ما معناه ~~لو كان محمد نبيئا لعذبنا الله بما نقوله من ms8339 السوء فيه ومن الذم وهو ما ~~لخصه الله من قولهم بكلمه { لولا يعذبنا الله } فإن { لولا } للتحضيض ~~مستعملة كناية عن جحد نبوءة النبي صلى الله عليه وسلم أي لو كان نبيئا لغضب ~~الله علينا فلعذبنا الآن بسبب قولنا له . # وهذا خاطر من خواطر أهل الضلالة المتأصلة فيهم ، وهي توهمهم أن شأن الله ~~تعالى كشأن البشر في إسراع الانتقام والاهتزاز مما لا يرضاه ومن المعاندة . ~~وفي الحديث : ( لا أحد أصبر على أذى يسمعه من الله ، يدعون له ندا وهو ~~يرزقهم على أنهم لجحودهم بالبعث والجزاء يحسبون أن عقاب الله تعالى يظهر في ~~الدنيا ) . وهذا من الغرور قال تعالى : { وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم ~~أرداكم فأصبحتم من الخاسرين } ( فصلت : 23 ) ، ولذلك قال تعالى ردا على ~~كلامهم { حسبهم جهنم } أي كافيهم من العذاب جهنم فإنه عذاب . # وأصل { يصلونها } يصلون بها ، فضمن معنى يذوقونها أو يحسونها وقد تكرر ~~هذا الاستعمال في القرآن . # وقوله : { فبئس المصير } تفريع على الوعيد بشأن ذم جهنم . # خطاب للمنافقين الذين يظهرون الإيمان فعاملهم الله بما أظهروه وناداهم ~~بوصف الذين آمنوا كما قال : { من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن ~~قلوبهم } ( المائدة : 41 ) PageV28P032 ومنه ما حكاه الله عن المشركين { ~~وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون } ( الحجر : 6 ) أي يأيها ~~الذي نزل عليه الذكر بزعمه ، ونبههم إلى تدارك حالهم بالإقلاع عن آثار ~~النفاق على عادة القرآن من تعقيب التخويف بالترغيب . فالجملة استئناف ~~ابتدائي . # ذلك أن المنافقين كانوا يعملون بعمل أهل الإيمان إذا لقوا الذين آمنوا ~~فإذا رجعوا إلى قومهم غلب عليهم الكفر فكانوا في بعض أحوالهم مقاربين ~~الإيمان بسبب مخالطتهم للمؤمنين . ولذلك ضرب الله لهم مثلا بالنور في قوله ~~تعالى : { مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم ~~} ( البقرة : 17 ) ثم قوله : { كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم ~~قاموا } ( البقرة : 20 ) . وهذا هو المناسب لقوله تعالى : { فلا تتناجوا ~~بالإثم والعدوان ومعصيت الرسول } ، ويكون قوله : { وتناجوا بالبر والتقوى } ~~تنبيها على ما يجب عليهم إن ms8340 كانوا متناجين لا محالة . # ويجوز أن تكون خطابا للمؤمنين الخلص بأن وجه الله الخطاب إليهم تعليما ~~لهم بما يحسن من التناجي وما يقبح منه بمناسبة ذم تناجي المنافقين فلذلك ~~ابتدىء بالنهي عن مثل تناجي المنافقين وإن كان لا يصدر مثله من المؤمنين ~~تعريضا بالمنافقين ، مثل قوله تعالى : { يأيها الذين آمنوا لا تكونوا ~~كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا ~~عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم } ( آل عمران : ~~156 ) ، ويكون المقصود من الكلام هو قوله : { وتناجوا بالبر والتقوى } ~~تعليما للمؤمنين . # والتقييد ب { إذا تناجيتم } يشير إلى أنه لا ينبغي التناجي مطلقا ولكنهم ~~لما اعتادوا التناجي حذروا من غوائله ، وإلا فإن التقييد مستغنى عنه بقوله ~~: ( لا تتناجوا بالإثم والعدوان ) . وهذا مثل ما وقع في حديث النهي عن ~~الجلوس في الطرقات من قوله صلى الله عليه وسلم ( فإن كنتم فاعلين لا محالة ~~فاحفظوا حق الطريق ) . # وقرأ الجمهور { فلا تتناجوا } بصيغة التفاعل . وقرأه رويس عن يعقوب وحده ~~{ فلا تنتجوا } بوزن تنتهوا . # والأمر من قوله : { وتناجوا بالبر } مستعمل في الإباحة كما اقتضاه قوله ~~تعالى : { إذا تناجيتم } . PageV28P033 # والإثم والعدوان ومعصية الرسول تقدمت . وأما البر فهو ضد الإثم والعدوان ~~وهو يعم أفعال الخير المأمور بها في الدين . # و { التقوى } : الامتثال ، وتقدمت في قوله تعالى : { هدى للمتقين في سورة ~~البقرة . # وفي قوله : الذي إليه تحشرون } تذكير بيوم الجزاء . فالمعنى : الذي إليه ~~تحشرون فيجازيكم . # تسلية للمؤمنين وتأنيس لنفوسهم يزال به ما يلحقهم من الحزن لمشاهدة نجوى ~~المنافقين لاختلاف مذاهب نفوسهم إذا رأوا المتناجين في عديد الظنون ~~والتخوفات كما تقدم . فالجملة استئناف ابتدائي اقتضته مناسبة النهي عن ~~النجوى ، على أنها قد تكون تعليلا لتأكيد النهي عن النجوى . # والتعريف في { النجوى } تعريف العهد لا محالة . أي نجوى المنافقين الذين ~~يتناجون بالإثم والعدوان ومعصية الرسول صلى الله عليه وسلم . # والحصر المستفاد من { إنما } قصر موصوف على صفة و { من } ابتدائية ، أي ~~قصر النجوى على الكون من الشيطان ، أي جائية لأن الأغراض ms8341 التي يتناجون فيها ~~من أكبر ما يوسوس الشيطان لأهل الضلالة بأن يفعلوه ليحزن الذين آمنوا بما ~~يتطرقهم من خواطر الشر بالنجوى . وهذه العلة ليست قيدا في الحصر فإن ~~للشيطان عللا أخرى مثل إلقاء المتناجين في الضلالة ، والاستعانة بهم على ~~إلقاء الفتنة ، وغير ذلك من الأغراض الشيطانية . # وقد خصت هذه العلة بالذكر لأن المقصود تسلية المؤمنين وتصبرهم على أذى ~~المنافقين ولذلك عقب بقوله : { وليس بضارهم شيئا } ليطمئن المؤمنون بحفظ ~~الله إياهم من ضر الشيطان . وهذا نحو من قوله تعالى : { إن عبادي ليس لك ~~عليهم سلطان } ( الحجر : 42 ) . PageV28P034 # وقرأ نافع وحده { ليحزن } بضم الياء وكسر الزاي فيكون { الذين آمنوا } ~~مفعولا . وقرأه الباقون بفتح الياء وضم الزاي مضارع حزم فيكون { الذين ~~آمنوا } فاعلا وهما لغتان . # وجملة { وليس بضارهم } الخ معترضة . # وضمير الرفع المستتر في قوله : { بضارهم } عائد إلى { الشيطان } . # والمعنى : أن الشيطان لا يضر المؤمنين بالنجوى أكثر من أنه يحزنهم . فهذا ~~كقوله تعالى : { لن يضروكم إلى أذى } ( آل عمران : 111 ) أو عائد إلى ~~النجوى بتأويله بالتناجي ، أي ليس التناجي بضار المؤمنين لأن أكثره ناشىء ~~عن إيهام حصول ما يتقونه في الغزوات . # وعلى كلا التقديرين فالاستثناء بقوله : { إلا بإذن الله } استثناء من ~~أحوال والباء للسببية ، أي إلا في حال أن يكون الله قدر شيئا من المضرة من ~~هزيمة أو قتل . والمراد بالإذن أمر التكوين . # وانتصب { شيئا } على المفعول المطلق ، أي شيئا من الضر . # ووقوع { شيئا } وهو ذكره في سياق النفي يفيد عموم نفي كل ضر من الشيطان ، ~~أي انتفى كل شيء من ضر الشيطان عن المؤمنين ، فيشمل ضر النجوى وضر غيرها ، ~~والاستثناء في قوله تعالى : { إلا بإذن الله } من عموم { شيئا } الواقع في ~~سياق النفي ، أي لا ضرا ملابسا لإذن الله في أن يسلط عليهم الشيطان ضره فيه ~~، أي ضر وسوسته . # واستعير الإذن لما جعله الله في أصل الخلقة من تأثر النفوس بما يسول ~~إليها . وهو معنى قوله تعالى : { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك ~~من الغاوين } ( الحجر : 42 ) فإذا خلى ms8342 الله بين الوسوسة وبين العبد يكون ~~اقتراب العبد من المعاصي الظاهرة والباطنة في كل حالة يبتعد فيها المؤمن عن ~~مراقبة الأمر والنهي الشرعيين . وهذا الضر هو المعبر عنه بالسلطان في قوله ~~تعالى في شأن الشيطان { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من ~~الغاوين } أي فلك عليه سلطان . وهذه التصاريف الإلاهية جارية على وفق حكمة ~~الله تعالى وما يعلمه من أحوال عباده وسرائرهم وهو يعلم السر وأخفى . ~~PageV28P035 # ولهذا ذيل بقوله : { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } لأنهم إذا توكلوا على ~~الله توكلا حقا بأن استفرغوا وسعهم في التحرز من كيد الشيطان واستعانوا ~~بالله على تيسير ذلك لهم فإن الله يحفظهم من كيد الشيطان قال تعالى : { ومن ~~يتوكل على الله فهو حسبه } ( الطلاق : 3 ) . # ويجوز أن يكون عموم { شيئا } مرادا به الخصوص ، أي ليس بضارهم شيئا مما ~~يوهمه تناجي المنافقين من هزيمة أو قتل إلا بتقدير الله حصول هزيمة أو قتل ~~. # والمعنى : أن التناجي يوهم الذين آمنوا ما ليس واقعا فأعلمهم الله أن لا ~~يحزنوا بالنجوى لأن الأمور تجري على ما قدره الله في نفس الآمر حتى تأتيهم ~~الأخبار الصادقة . # وتقديم الجار والمجرور في قوله تعالى : { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } ~~للاهتمام بمدلول هذا المتعلق . # فصل بين آيات الأحكام المتعلقة بالنجوى بهذه الآية مراعاة لاتحاد الموضوع ~~بين مضمون هذه الآية ومضمون التي بعدها في أنهما يجمعهما غرض التأدب مع ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وتلك المراعاة أولى من مراعاة اتحاد سياق ~~الأحكام . # ففي هذه الآية أدب في مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم والآية التي بعدها ~~تتعلق بالأدب في مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم وأخرت تلك عن آيات ~~النجوى العامة إيذانا بفضلها دون النجوى التي تضمنتها الآيات السابقة ، ~~فاتحاد الجنس في النجوى هو مسوغ الانتقال من النوع الأول إلى النوع الثاني ~~، والإيماء إلى تميزها بالفضل هو الذي اقتضى الفصل بين النوعين بآية أدب ~~المجلس النبوي . # وأيضا قد كان للمنافقين نية مكر في قضية المجلس كما كان لهم نية مكر في ~~PageV28P036 النجوى ms8343 ، وهذا مما أنشأ مناسبة الانتقال من الكلام على النجوى ~~إلى ذكر التفسح في المجلس النبوي الشريف . # روي عن مقاتل أنه قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم في الصفة ، وكان في ~~المكان ضيق في يوم الجمعة فجاء ناس من أهل بدر فيهم ثابت بن قيس بن شماس قد ~~سبقوا في المجلس فقاموا على أرجلهم ينتظرون أن يفسح لهم وكان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يكرم أهل بدر فقال لمن حوله : قم يا فلان بعدد الواقفين من ~~أهل بدر فشق ذلك على الذين أقيموا ، وغمز المنافقون وقالوا : ما أنصف هؤلاء ~~، وقد أحبوا القرب من نبيئهم فسبقوا إلى مجلسه فأنزل الله هذه الآية تطييبا ~~لخاطر الذين أقيموا ، وتعليما للأمة بواجب رعي فضيلة أصحاب الفضيلة منها ، ~~وواجبب الاعتراف بمزية أهل المزايا ، قال الله تعالى : { ولا تتمنوا ما فضل ~~الله به بعضكم على بعض } ( النساء : 32 ) ، وقال : { لا يستوي منكم من أنفق ~~من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا ~~وعد الله الحسنى } ( الحديد : 10 ) . # والخطاب ب { يأيها الذين آمنوا } خطاب لجميع المؤمنين يعم من حضروا ~~المجلس الذي وقعت فيه حادثة سبب النزول وغيرهم ممن عسى أن يحضر مجلس الرسول ~~صلى الله عليه وسلم # وابتدئت الآية بالأمر بالتفسح لأن إقامة الذين أقيموا إنما كانت لطلب ~~التفسيح فإناطة الحكم إيماء إلى علة الحكم . # والتفسح : التوسع وهو تفعل من فسح له بفتح السين مخففة إذا أوجد له فسحة ~~في مكان ، وفسح المكان من باب كرم إذا صار فسيحا . ومادة التفعل هنا للتكلف ~~، أي يكلف أن يجعل فسحة في المكان وذلك بمضايقة مع الجلاس . # وتعريف { المجلس } يجوز أن يكون تعريف العهد ، وهو مجلس النبي صلى الله ~~عليه وسلم أي إذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لكم ذلك لأن أمره لا يكون ~~إلا لمراعاة حق راجح على غيره والمجلس مكان الجلوس . وكان مجلس النبي صلى ~~الله عليه وسلم بمسجده والأكثر أن يكون جلوسه المكان المسمى بالروضة وهو ما ~~بين منبر النبي ms8344 صلى الله عليه وسلم وبيته . # ويجوز أن يكون تعريف { المجلس } تعريف الجنس . وقوله : { يفسح الله ~~PageV28P037 لكم } مجزوم في جواب قوله : { فافسحوا } ، وهو وعد بالجزاء على ~~الامتثال لأمر التفسح من جنس الفعل إذ جعلت توسعة الله على الممتثل جزاء ~~على امتثاله الذي هو إفساحه لغيره فضمير { لكم } عائد على { الذين آمنوا } ~~باعتبار أن الذين يفسحون هم من جملة المؤمنين لأن الحكم مشاع بين جميع ~~الأمة وإنما الجزاء للذين تعلق بهم الأمر تعلقا إلزاميا . # وحذف متعلق { يفسح الله لكم } ليعم كل ما يتطلب الناس الإفساح فيه ~~بحقيقته ومجازه في الدنيا والآخرة من مكان ورزق أو جنة عرضها السماوات ~~والأرض على حسب النيات ، وتقديره الجزاء موكول إلى إرادة الله تعالى . # وحذف فاعل القول لظهوره ، أي إذا قال لكم الرسول : تفسحوا فافسحوا ، فإن ~~الله يثيبكم على ذلك . # فالآية لا تدل إلا على الأمر بالتفسح إذا أمر به النبي صلى الله عليه ~~وسلم ولكن يستفاد منها أن تفسح المسلمين بعضهم لبعض في المجالس محمود مأمور ~~به وجوبا أو ندبا لأنه من المكارمة والإرفاق . فهو من مكملات واجب التحاب ~~بين المسلمين وإن كان فيه كلفة على صاحب البقعة يضايقه فيها غيره . فهي ~~كلفة غير معتبرة إذا قوبلت بمصلحة التحاب وفوائده ، وذلك ما لم يفض إلى شدة ~~مضايقة ومضرة أو إلى تفويت مصلحة من سماع أو نحوه مثل مجالس العلم والحديث ~~وصفوفف الصلاة . وذلك قياس على مجلس النبي صلى الله عليه وسلم في أنه مجلس ~~خير . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ( أحبكم إلي ألينكم مناكب في ~~الصلاة ) . قال مالك : ما أرى الحكم إلا يطرد في مجالس العلم ونحوها غابر ~~الدهر . يريد أن هذا الحكم وإن نزل في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم فهو ~~شامل لمجالس المسلمين من مجالس الخير لأن هذا أدب ومؤاساة ، فليس فيه قرينة ~~الخصوصية بالمجالس النبوية ، وأراد مالك ب ( نحوها ) كل مجلس فيه أمر مهم ~~في شؤون الدين فمن حق المسلمين أن يحرصوا على إعانة بعضهم بعضا على حضوره . ~~وهذا قياس ms8345 على مجلس النبي صلى الله عليه وسلم وعلته هي التعاون على المصالح ~~. # وأفهم لفظ التفسح أنه تجنب للمضايقة والمراصة بحيث يفوت المقصود من حضور ~~ذلك المجلس أو يحصل ألم للجالسين . PageV28P038 # وقد أرخص مالك في التخلف عن دعوة الوليمة إذا كثر الزحام فيها . # وقرأ الجمهور { في المجلس } وقرأه عاصم بصيغة الجمع { في المجالس } وعلى ~~كلتا القراءتين يجوز كون اللام للعهد وكونها للجنس وأن يكون المقصود مجالس ~~النبي صلى الله عليه وسلم كلما تكررت أو ما يشمل جميع مجالس المسلمين ، ~~وعلى كلتا القراءتين يصح أن يكون الأمر في قوله تعالى : { فافسحوا } للوجوب ~~أو للندب . # وقوله : { وإذا قيل انشزوا فانشزوا } الآية عطف على { إذا قيل لكم تفسحوا ~~في المجلس } . # و { انشزوا } أمر من نشز إذا نهض من مكانه يقال : نشز ينشز من باب قعد ~~وضرب إذا ارتفع لأن النهوض ارتفاع من المكان الذي استقر فيه ومنه نشوز ~~المرأة من زوجها مجازا عن بعدها عن مضجعها . والنشوز : أخص من التفسيح من ~~وجه فهو من عطف الأخص : من وجه على الأعم منه للاهتمام بالمعطوف لأن القيام ~~من المجلس أقوى من التفسيح من قعود . فذكر النشوز لئلا يتوهم وأن التفسيح ~~المأمور به تفسيح من قعود لا سيما وقد كان سبب النزول بنشوز ، وهو المقصود ~~من نزول الآية على ذلك القول . ومن المفسرين من فسر النشوز بمطلق القيام من ~~مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم سواء كان لأجل التفسيح أو لغير ذلك مما ~~يؤمر بالقيام لأجله . روي عن ابن عباس وقتادة والحسن ( إذا قيل انشزوا إلى ~~الخير وإلى الصلاة فانشزوا ) . # وقال ابن زيد : إذا قيل انشزوا عن بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فارتفعوا فإن للنبيء صلى الله عليه وسلم حوائج ، وكانوا إذا كانوا في بيته ~~أحب كل واحد منهم أن يكون آخر عهده برسول الله صلى الله عليه وسلم وسبب ~~النزول لا يخصص العام ولا يقيد المطلق . # وهذا الحكم إذا عسر التفسيح واشتد الزحام والتراص فإن لأصحاب المقاعد ~~الحق المستقر في أن يستمروا قاعدين لا ms8346 يقام أحد لغيره وذلك إذا كان المقوم ~~لأجله أولى بالمكان من الذي أقيم له بسبب من أسباب الأولية كما فعل النبي ~~صلى الله عليه وسلم في إقامة نفر لإعطاء مقاعدهم للبدريين . ومنه أولوية ~~طلبة العلم بمجالس الدرس ، وأولوية الناس في مقاعد المساجد بالسبق ، ونحو ~~ذلك ، فإن لم يكن أحد أولى من غيره فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أن ~~يقيم الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه . PageV28P039 # وللرجل أن يرسل إلى المسجد ببساطه أو طنفسته أو سجادته لتبسط له في مكان ~~من المسجد حتى يأتي فيجلس عليها فإن ذلك حوز لذلك المكان في ذلك الوقت . ~~وكان ابن سيرين يرسل غلامه إلى المسجد يوم الجمعة فيجلس له فيه فإذا جاء ~~ابن سرين قام الغلام له منه . # وفي ( الموطأ ) عن مالك بن أبي عامر قال : كنت أرى طنفسة لعقيل بن أبي ~~طالب يوم الجمعة تطرح إلى جدار المسجد الغربي فإذا غشي الطنفسة كلها ظل ~~الجدار خرج عمر بن الخطاب فصلى الجمعة . فالطنفسة ونحوها حوز المكان لصاحب ~~البساط . # فيجوز لأحد أن يأمر أحدا يبكر إلى المسجد فيأخذ مكانا يقعد فيه حتى إذا ~~جاء الذي أرسل ترك له البقعة لأن ذلك من قبيل النيابة في حوز الحق . # وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وأبو جعفر { انشزوا فانشزوا } بضم الشين فيهما ~~. وقرأه الباقون بكسر الشين . وهما لغتان في مضارع نشز . # وقوله : { يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات } جواب ~~الأمر في قوله : { فانشزوا } فقد أجمع القراء على جزم فعل { يرفع } فهو ~~جواب الأمر بهذا . وعد بالجزاء على الامتثال للأمر الشرعي فيما فيه أمر أو ~~لما يقتضي الأمر من علة يقاس بها على المأمور به أمثاله مما فيه علة الحكم ~~كما تقدم في قوله تعالى : { فافسحوا } . # ولما كان النشوز ارتفاعا عن المكان الذي كان به كان جزاؤه من جنسه . # وتنكير { درجات } للإشارة إلى أنواعها من درجات الدنيا ودرجات الآخرة . # وضمير { منكم } خطاب للذين نودوا ب { يأيها الذين آمنوا } . # و ( من ) تبعيضية ، أي يرفع الله ms8347 درجات الذين امتثلوا . وقرينة هذا ~~التقدير هي جعل الفعل جزاء للأمر فإن الجزاء مسبب عما رتب عليه بقوله : { ~~منكم } صفة للذين آمنوا . أي الذين آمنوا من المؤمنين والتغاير بين معنى ~~الوصف ومعنى الموصوف بتغاير المقدر وإن كان لفظ الوصف ولفظ الموصوف ~~مترادفين في الظاهر . فآل الكلام إلى تقدير : يرفع الله الذين استجابوا ~~للأمر بالنشوز إذا كانوا PageV28P040 من المؤمنين ، أي دون من يضمه المجلس ~~من المنافقين . فكان مقتضى الظاهر أن يقال : يرفع الله الناشزين منكم ~~فاستحضروا بالموصول بصلة الإيمان لما تؤذن به الصلة من الإيماء إلى علة رفع ~~الدرجات لأجل امتثالهم أمر القائل { انشزوا } وهو الرسول صلى الله عليه ~~وسلم إن كان لإيمانهم وأن ذلك الامتثال من إيمانهم ليس لنفاق أو لصاحبه ~~امتعاض . # وعطف ( الذين أوتوا العلم منهم ) عطف الخاص على العام لأن غشيان مجلس ~~الرسول صلى الله عليه وسلم إنما هو لطلب العلم من مواعظه وتعليمه ، أي ~~والذين أوتوا العلم منكم أيها المؤمنون ، لأن الذين أوتوا العلم قد يكون ~~الأمر لأحد بالقيام من المجلس لأجلهم ، أي لأجل إجلاسهم ، وذلك رفع ~~لدرجاتهم في الدنيا ، ولأنهم إذا تمكنوا من مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم ~~كان تمكنهم أجمع للفهم وأنفى للملل ، وذلك أدعى لإطالتهم الجلوس وازديادهم ~~التلقي وتوفير مستنبطات أفهامهم فيما يلقى إليهم من العلم ، فإقامة ~~الجالسين في المجلس لأجل إجلاس الذين أوتوا العلم من رفع درجاتهم في الدنيا ~~. # ولعل البدريين الذين نزلت الآية بسبب قصتهم كانوا من الصحابة الذين أوتوا ~~العلم . # ويجوز أن بعضا من الذين أمروا بالقيام كان من أهل العلم فأقيم لأجل رجحان ~~فضيلة البدريين عليه ، فيكون في الوعد للذي أقيم من مكانه برفع الدرجات ~~استئناس له بأن الله رافع درجته . # هذا تأويل نظم الآية الذي اقتضاه قوة إيجازه . وقد ذهب المفسرون في ~~الإفصاح عن استفادة المعنى من هذا النظم البديع مذاهب كثيرة وما سلكناه ~~أوضح منها . # وانتصب { درجات } ، على أنه ظرف مكان يتعلق ب { يرفع } أي : يرفع الله ~~الذين آمنوا رفعا كائنا في درجات . # ويجوز أن يكون نائبا ms8348 عن المفعول المطلق ل { يرفع } لأنها درجات من الرفع ~~، أي مرافع . PageV28P041 # والدرجات مستعارة للكرامة فإن الرفع في الآية رفعا مجازيا ، وهو التفضيل ~~والكرامة وجيء للاستعارة بترشيحها بكون الرفع درجات . وهذا الترشيح هو أيضا ~~استعارة مثل الترشيح في قوله تعالى : { ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه } ( ~~الرعد : 25 ) وهذا أحسن الترشيح . وقد تقدم نظيره في قوله تعالى في سورة ~~الأنعام { نرفع درجات من نشاء . # وقال عبد الله بن مسعود وجماعة من أهل التفسير : إن قوله : والذين أوتوا ~~العلم درجات } كلام مستأنف وتم الكلام عند قوله : { منكم } قال ابن عطية : ~~ونصب بفعل مضمر ولعله يعني : نصب { درجات } بفعل هو الخبر عن المبتدأ ، ~~والتقدير : جعلهم . # وجملة { والله بما تعملون خبير } تذييل ، أي الله عليم بأعمالكم ومختلف ~~نياتكم من الامتثال كقول النبي صلى الله عليه وسلم ( لا يكلم أحد في سبيل ~~الله . والله أعلم بمن يكلم في سبيله ) الحديث . # استئناف ابتدائي عاد به إلى ذكر بعض أحوال النجوى وهو من أحوالها ~~المحمودة . والمناسبة هي قوله تعالى : { وتناجوا بالبر والتقوى } ( ~~المجادلة : 9 ) . فهذه الصدقة شرعها الله تعالى وجعل سببها مناجاة الرسول ~~صلى الله عليه وسلم فذكرت عقب آي النجوى لاستيفاء أنواع النجوى من محمود ~~ومذموم . وقد اختلف المتقدمون في سبب نزول هذه الآية ، وحكمة مشروعية صدقة ~~المناجاة . فنقلت عن ابن عباس وقتادة وجابر بن زياد وزيد بن أسلم ومقاتل ~~أقوال في سبب نزولها متخالفة ، ولا أحسبهم يريدون منها إلا حكاية أحوال ~~للنجوى كانت شائعة ، فلما نزل حكم صدقة النجوى أقل الناس من النجوى . وكانت ~~عبارات الأقدمين تجري على التسامح فيطلقون على أمثلة الأحكام وجزئيات ~~الكليات اسم أسباب النزول ، كما ذكرناها في المقدمة الخامسة من مقدمات هذا ~~التفسير ، وأمسك مجاهد فلم يذكر لهذه الآية سببا واقتصر على قوله : نهوا عن ~~مناجاة الرسول حتى يتصدقوا . PageV28P042 # والذي يظهر لي : أن هذه الصدقة شرعها الله وفرضها على من يجد ما يتصدق به ~~قبل مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم وأسقطها عن الذين لا يجدون ما ~~يتصدقون به ، وجعل سببها ms8349 ووقتها هو وقت توجههم إلى مناجاة الرسول صلى الله ~~عليه وسلم وكان المسلمون حريصين على سؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~أمور الدين كل يوم فشرع الله لهم هذه الصدقة كل يوم لنفع الفقراء نفعا ~~يوميا ، وكان الفقراء أيامئذ كثيرين بالمدينة منهم أهل الصفة ومعظم ~~المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم . # والأظهر أن هذه الصدقة شرعت بعد الزكاة فتكون لحكمة إغناء الفقراء يوما ~~فيوما لأن الزكاة تدفع في رؤوس السنين وفي معين الفصول ، فلعل ما يصل إلى ~~الفقراء منها يستنفدونه قبل حلول وقت الزكاة القابلة . # وعن ابن عباس : أن صدقة المناجاة شرعت قبل شرع الزكاة ونسخت بوجوب الزكاة ~~، وظاهر قوله في الآية التي بعدها { فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } ( ~~المجادلة : 13 ) أن الزكاة حينئذ شرع مفرد معلوم ، ولعل ما نقل عن ابن عباس ~~إن صح عنه أراد أنها نسخت بالاكتفاء بالزكاة . # وقد تعددت أخبار مختلفة الأسانيد تتضمن أن هذه الآية لم يدم العمل بها ~~إلا زمنا قليلا ، قيل : إنه عشرة أيام . وعن الكلبي قال : كان ساعة من نهار ~~، أي أنها لم يدم العمل بها طويلا إن كان الأمر مرادا به الوجوب وإلا فإن ~~ندب ذلك لم ينقطع في حياة النبي صلى الله عليه وسلم لتكون نفس المؤمن أزكى ~~عند ملاقاة النبي مثل استحباب تجديد الوضوء لكل صلاة . # وتضافرت كلمات المتقدمين على أن حكم الأمر في قوله : { فقدموا بين يدي ~~نجواكم صدقة } قد نسخه قوله : { فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم } ( ~~المجادلة : 13 ) الآية . وهذا مؤذن بأن الأمر فيها للوجوب . وفي تفسير ~~القرطبي وأحكام ابن الفرس حكاية أقوال في سبب نزول هذه الآية تحوم حول كون ~~هذه الصدقة شرعت لصرف أصناف من الناس عن مناجاة النبي صلى الله عليه وسلم ~~إذ كانوا قد ألحفوا في مناجاته دون داع يدعوهم فلا ينثلج لها صدر العالم ~~لضعفها سندا ومعنى ، ومنافاتها مقصد الشريعة . وأقرب ما روي عن خبر تقرير ~~هذه الصدقة ما في ( جامع الترمذي ) عن علي بن علقمة الأنماري عن علي بن ms8350 أبي ~~طالب قال : لما نزلت { يا أيها الذين PageV28P043 آمنوا إذا ناجيتم الرسول ~~فقدموا بين يدي نجواكم صدقة } قال لي النبي صلى الله عليه وسلم ( ما ترى ~~دينارا ؟ قلت : لا يطيقونه ، قال فنصف دينار ؟ قلت : لا يطيقونه . قال : ~~فكم ؟ قلت : شعيرة ) قال الترمذي : أي وزن شعيرة من ذهب . قال : إنك لزهيد ~~فنزلت : { أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات } ( المجادلة : 13 ) ~~الآية . قال : ( فبي خفف الله عن هذه الأمة ) . قال الترمذي : هذا حديث حسن ~~غريب ، إنما نعرفه من هذا الوجه اه . # قلت : علي بن علقمة الأنماري قال البخاري : في حديثه نظر ، ووثقه ابن ~~حبان . وقال ابن الفرس : صححوا عن علي أنه قال : ( ما عمل بها أحد غيري ) . ~~وساق حديثا . # ومحمل قول علي ( فبي خفف الله عن هذه الأمة ) ، أنه أراد التخفيف في ~~مقدار الصدقة من دينار إلى زنة شعيرة من ذهب وهي جزء من اثنين وسبعين جزءا ~~من أجزاء الدينار . # وفعل { ناجيتم } مستعمل في معنى إرادة الفعل كقوله : { يأيها الذين آمنوا ~~إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم } ( المائدة : 6 ) الآية . وقوله تعالى ~~: { فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم } ( النحل : 98 ) . # والقرينة قوله : { فقدموا بين يدي نجواكم } . # والجمهور على أن الأمر في قوله : { فقدموا } للوجوب ، واختاره الفخر ~~ورجحه بأنه الأصل في صيغة الأمر ، وبقوله : { فإن لم تجدوا فإن الله غفور ~~رحيم } فإن ذلك لا يقال إلا فيما بفقده يزول الوجوب . ويناسب أن يكون هذا ~~هو قول من قال : إن هذه الصدقة نسخت بفرض الزكاة ، وهو عن ابن عباس . وقال ~~فريق : الأمر للندب وهو يناسب قول من قال : إن فرض الزكاة كان سابقا على ~~نزول هذه الآية فإن شرع الزكاة أبطل كل حق كان واجبا في المال . # و { بين يدي نجواكم } معناه : قبل نجواكم بقليل ، وهي استعارة تمثيلية ~~جرت مجرى المثل للقرب من الشيء قبيل الوصول إليه . شبهت هيئة قرب الشيء من ~~آخر بهيئة وصول الشخص بين يدي من يرد هو عليه تشبيه معقول بمحسوس . ~~PageV28P044 # ويستعمل في قرب الزمان بتشبيه الزمان ms8351 بالمكان كما هنا وهو كقوله تعالى : ~~{ يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم . وقد تقدم في سورة البقرة . # والإشارة بذلك خير لكم } إلى التقديم المفهوم من ( قدموا ) على طريقة ~~قوله : { اعدلوا هو أقرب للتقوى } ( المائدة : 8 ) . # وقوله : { ذلك خير لكم وأطهر } تعريف بحكمة الأمر بالصدقة قبل نجوى ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ليرغب فيها الراغبون . # و { خير } يجوز أن يكون اسم تفضيل ، أصله : أخير وهو المزاوج لقوله : { ~~وأطهر } أي ذلك أشد خيرية لكم من أن تناجوا الرسول صلى الله عليه وسلم بدون ~~تقديم صدقة ، وإن كان في كل خير . كقوله : { وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء ~~فهو خير لكم } ( البقرة : 271 ) . # ويجوز أن يكون اسما على وزن فعل وهو مقابل الشر ، أي تقديم الصدقة قبل ~~النجوى فيه خير لكم وهو تحصيل رضى الله تعالى في حين إقبالهم على رسوله صلى ~~الله عليه وسلم فيحصل من الانتفاع بالمناجاة ما لا يحصل مثله بدون تقديم ~~الصدقة . # وأما { أطهر } فهو اسم تفضيل لا محالة ، أي أطهر لكم بمعنى : أشد طهرا ، ~~والطهر هنا معنوي ، وهو طهر النفس وزكاؤها لأن المتصدق تتوجه إليه أنوار ~~ربانية من رضى الله عنه فتكون نفسه زكية كما قال تعالى : { تطهرهم وتزكيهم ~~بها } ( التوبة : 103 ) . ومنه سميت الصدقة زكاة . # وصفة هذه الصدقة أنها كانت تعطى للفقير حين يعمد المسلم إلى الذهاب إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم ليناجيه . # وعذر الله العاجزين عن تقديم الصدقة بقوله : { فإن لم تجدوا فإن الله ~~غفور رحيم } أي فإن لم تجدوا ما تتصدقون به قبل النجوى غفر الله لكم ~~المغفرة التي كانت تحصل لكم لو تصدقتم لأن من نوى أن يفعل الخير لو قدر ~~عليه كان له أجر على نيته . # وأما استفادة أن غير الواجد لا حرج عليه في النجوى بدون صدقة فحاصلة ~~PageV28P045 بدلالة الفحوى لأنه لا يترك مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم ~~فإن إرادة مناجاته الرسول صلى الله عليه وسلم ليست عبثا بل لتحصيل علم من ~~أمور الدين . # وأما قوله : { رحيم } فهو في مقابلة ما فات ms8352 غير الواجد ما يتصدق به من ~~تزكية النفس إشعارا له بأن رحمة الله تنفعه . # واتفق العلماء على أن حكم هذه الآية منسوخ . # نزلت هذه الآية عقب التي قبلها : والمشهور عند جمع من سلف المفسرين أنها ~~نزلت بعد عشرة أيام من التي قبلها . وذلك أن بعض المسلمين القادرين على ~~تقديم الصدقة قبل النجوى شق عليهم ذلك فأمسكوا عن مناجاة النبي صلى الله ~~عليه وسلم فأسقط الله وجوب هذه الصدقة ، وقد قيل : لم يعمل بهذه الآية غير ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه . ولعل غيره لم يحتج إلى نجوى الرسول صلى ~~الله عليه وسلم واقتصد مما كان يناجيه لأدنى موجب . # فالخطاب لطائفة من المؤمنين قادرين على تقديم الصدقة قبل المناجاة وشق ~~عليهم ذلك أو ثقل عليهم . # والإشفاق توقع حصول مالا يبتغيه ومفعول { أأشفقتم } هو { أن تقدموا } أي ~~من أن تقدموا ، أي أأشفقتم عاقبة ذلك وهو الفقر . # قال المفسرون على أن هذه الآية ناسخة للتي قبلها فسقط وجوب تقديم الصدقة ~~لمن يريد مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم وروي ذلك عن ابن عباس واستبعده ~~ابن عطية . # والاستفهام مستعمل في اللوم على تجهم تلك الصدقة مع ما فيها من فوائد ~~لنفع الفقراء . PageV28P046 # ثم تجاوز الله عنهم رحمة بهم بقوله تعالى : { فإذ لم تفعلوا وتاب الله ~~عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } الآية . وقد علم من الاستفهام ~~التوبيخي أي بعضا لم يفعل ذلك . # و ( إذ ) ظرفية مفيدة للتعليل ، أي فحين لم تفعلوا فأقيموا الصلاة . # وفاء { فإذ لم تفعلوا } لتفريع ما بعدها على الاستفهام التوبيخي . # وجملة { وتاب الله عليكم } معترضة ، والواو اعتراضية . وما تتعلق به ( إذ ~~) محذوف دل عليه قوله : { وتاب الله عليكم } تقديره : خففنا عنكم وأعفيناكم ~~من أن تقدموا صدقة قبل مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم وفاء { فأقيموا ~~الصلاة } عاطفة على الكلام المقدر وحافظوا على التكاليف الأخرى وإقامة ~~الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله ورسوله . أي فذلك لا تسامح فيه ، قيل لهم ~~ذلك لئلا يحسبوا أنهم كلما ثقل عليهم فعل مما كلفوا به يعفون منه ms8353 . # وإذ قد كانت الزكاة المفروضة سابقة على الأمر بصدقة النجوى على الأصح كان ~~فعل { آتوا } مستعملا في طلب الدوام مثل فعل { فأقيموا } . # واعلم أنه يكثر وقوع الفاء بعد ( إذ ) ومتعلقها كقوله تعالى : { وإذ لم ~~يهتدوا به فيسقولون هذا إفك قديم في سورة الأحقاف . و إذ اعتزلتموهم وما ~~يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف في سورة الكهف . # وجملة والله خبير بما تعملون } تذييل لجملة { فأقيموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة } وهو كناية عن التحذير من التفريط في طاعة الله ورسوله . # ( 14 ، 15 ) { } # هذه حالة أخرى من أحوال أهل النفاق هي توليهم اليهود مع أنهم ليسوا من ~~أهل ملتهم لأن المنافقين من أهل الشرك . PageV28P047 # والجملة مستأنفة استئنافا ابتدائيا لأنها عود إلى الغرض الذي سبقت فيه ~~آيات { إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا } ( المجادلة : 5 ) بعد أن فصل ~~بمستطردات كثيرة بعده . # والقوم الذين غضب الله عليهم هم اليهود وقد عرفوا بما يرادف هذا الوصف في ~~القرآن في قوله تعالى : { غير المغضوب عليهم } ( الفاتحة : 7 ) . # والاستفهام تعجيبي مثل قوله : { ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى } ( ~~المجادلة : 8 ) . # ووجه التعجيب من حالهم أنهم تولوا قوما من غير جنسهم وليسوا في دينهم ما ~~حملهم على توليهم إلا اشتراك الفريقين في عداوة الإسلام والمسلمين . # وضمير { ما هم } يحتمل أن يعود إلى { الذين تولوا } وهم المنافقون فيكون ~~جملة { ما هم منكم ولا منهم } حالا من { الذين تولوا } ، أي ما هم مسلمون ~~ولا يهود . ويجوز أن يعود الضمير إلى { قوما } وهم اليهود . فتكون جملة { ~~ما هم منكم } صفة { قوما } قوما ليسوا مسلمين ولا مشركين بل هم يهود . # وكذلك ضمير { ولا منهم } يحتمل الأمرين على التعاكس وكلا الاحتمالين واقع ~~. ومراد على طريقة الكلام الموجه تكثيرا للمعاني مع الإيجاز فيفيد التعجيب ~~من حال المنافقين أن يتولوا قوما أجانب عنهم على قوم هم أيضا أجانب عنهم ، ~~على أنهم إن كان يفرق بينهم وبين المسلمين اختلاف الدين فإن الذي يفرق ~~بينهم وبين اليهود اختلاف الدين واختلاف النسب لأن المنافقين من أهل يثرب ~~عرب ويفيد ms8354 بالاحتمال الآخر الإخبار عن المنافقين بأن إسلامهم ليس صادقا ، ~~أي ما هم منكم أيها المسلمون ، وهو المقصود . ويكون قوله : { ولا منهم } ~~على هذا الاحتمال احتراسا وتتميما لحكاية حالهم ، وعلى هذا الاحتمال يكون ~~ذم المنافقين أشد لأنه يدل على حماقتهم إذ جعلوا لهم أولياء من ليسوا على ~~دينهم فهم لا يوثق بولايتهم وأضمروا بغض المسلمين فلم يصادفوا الدين الحق . # { ويحلفون على الكذب } عطف على { تولوا } وجيء به مضارعا للدلالة على ~~تجدده ولاستحضار الحالة العجيبة في حين حلفهم على الكذب للتنصل مما فعلوه . ~~والكذب الخبر المخالف للواقع وهي الأخبار التي يخبرون بها عن أنفسهم في نفي ~~ما يصدر منهم في جانب المسلمين . PageV28P048 # { وهم يعلمون } جملة في موضع الحال ، وذلك أدخل في التعجيب لأنه أشنع من ~~الحلف على الكذب لعدم التثبت في المحلوف عليه . # وأشار هذا إلى ما كان يحلفه المنافقون للنبيء صلى الله عليه وسلم ~~وللمسلمين إذا كشف لهم بعض مكائدهم ، ومن ذلك قول الله تعالى فيهم : { ~~ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم } ( التوبة : 56 ) ، وقوله : { ~~يحلفون بالله لكم ليرضوكم } ( التوبة : 62 ) وقوله : { يحلفون بالله ما ~~قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر } ( التوبة : 74 ) . # قال السدي ومقاتل : نزلت في عبد الله بن أبي وعبد الله بن نبتل ( بنون ~~فباء موحدة فمثناة فوقية ) كان أحدهما وهو عبد الله بن نبتل يجالس النبي ~~صلى الله عليه وسلم ويرفع أخباره إلى اليهود ويسب النبي صلى الله عليه وسلم ~~فإذا بلغ خبره أو أطلعه الله عليه جاء فاعتذر وأقسم إنه ما فعل . # وجملة { إنهم ساء ما كانوا يعملون } تعليل لإعداد العذاب الشديد لهم ، أي ~~أنهم عملوا فيما مضى أعمالا سيئة متطاولة متكررة كما يؤذن به المضارع من ~~قوله : { يعملون } . # وبين { يعملون } ، و { يعلمون } الجناس المقلوب قلب بعض . # جملة مستأنفة استئنافا بيانيا عن جملة { ويحلفون على الكذب وهم يعلمون } ~~( المجادلة : 14 ) ، لأن ذلك يثير سؤال سائل أن يقول : ما ألجأهم إلى الحلف ~~على الكذب ، فأجيب بأن ذلك لقضاء مآربهم وزيادة مكرهم . ويجوز أن تجعل ~~الجملة خبرا ثانيا ms8355 لأن في قوله : { إنهم ساء ما كانوا يعملون } ( المجادلة ~~: 15 ) وتكون داخلة في التعليل . # والجنة : الوقاية والسترة ، من جن ، إذا استتر ، أي وقاية من شعور ~~المسلمين بهم ليتمكنوا من صد كثير ممن يريد الدخول في الإسلام عن الدخول ~~فيه لأنهم PageV28P049 يختلقون أكذوبات ينسبونها إلى الإسلام والمسلمين ~~وذلك معنى التفريع بالفاء في قوله تعالى : { فصدوا عن سبيل الله } . # و ( صدوا ) يجوز أن يكون متعديا ، وحذف مفعوله لظهوره ، أي فصدوا الناس ~~عن سبيل الله ، أي الإسلام بالتثبيط وإلصاق التهم والنقائص بالدين . ويجوز ~~أن يكون الفعل قاصرا ، أي فصدوا هم عن سبيل الله ومجيء فعل ( صدوا عن سبيل ~~الله ) ماضيا مفرعا على { اتخذوا أيمانهم جنة } مع أن أيمانهم حصلت بعد أن ~~صدوا عن سبيل الله على كلا المعنيين مراعى فيه التفريع الثاني وهو { فلهم ~~عذاب مهين } . # وفرع عليه { فلهم عذاب مهين } ليعلم أن ما اتخذوا من أيمانهم جنة سبب من ~~أسباب العذاب يقتضي مضاعفة العذاب . وقد وصف العذاب أول مرة بشديد وهو الذي ~~يجازون به على توليهم قوما غضب الله عليهم وحلفهم على الكذب . # ووصف عذابهم ثانيا ب { مهين } لأنه جزاء على صدهم الناس عن سبيل الله . ~~وهذا معنى شديد العذاب لأجل عظيم الجرم كقوله تعالى : { الذين كفروا وصدوا ~~عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب } ( النمل : 88 ) . # فكان العذاب مناسبا للمقصدين في كفرهم وهو عذاب واحد فيه الوصفان . وكرر ~~ذكره إبلاغا في الإنذار والوعيد فإنه مقام تكرير مع تحسينه باختلاف الوصفين ~~. # مناسب لقوله : { اتخذوا أيمانهم جنة } ( المجادلة : 16 ) فكما لم تقهم ~~أيمانهم العذاب لم تغن عنهم أموالهم ولا أنصارهم شيئا يوم القيامة . # وكان المنافقون من أهل الثراء بالمدينة ، وكان ثراؤهم من أسباب إعراضهم ~~عن قبول الإسلام لأنهم كانوا أهل سيادة فلم يرضوا أن يصيروا في طبقة عموم ~~PageV28P050 الناس . وكان عبد الله بن أبي ابن سلول مهيأ لأن يملكوه على ~~المدينة قبيل إسلام الأنصار ، فكانوا يفخرون على المسلمين بوفرة الأموال ~~وكثرة العشائر وذلك في السنة الأولى من الهجرة ، ومن ذلك قول عبد الله ms8356 بن ~~أبي ابن سلول ( لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ) يريد ~~بالأعز فريقه وبالأذل فريق المسلمين فآذنهم الله بأن أموالهم وأولادهم لا ~~تغني عنهم مما توعدهم الله به من المذلة في الدنيا والعذاب في الآخرة قال ~~تعالى : { لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في ~~المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ملعونين أينما ثقفوا ~~أخذوا وقتلوا تقتيلا } ( الأحزاب : 60 ، 61 ) . وإذا لم تغن عنهم من الله ~~في الدنيا فإنها أجدر بأن لا تغني عنهم من عذاب الآخرة شيئا ، أي شيئا ~~قليلا من الإغناء . # وعن مقاتل : أنهم قالوا : إن محمدا يزعم أنه ينصر يوم القيامة لقد شقينا ~~إذن . فوالله لننصرن يوم القيامة بأنفسنا وأولادنا وأموالنا إن كانت قيامة ~~. فنزلت هذه الآية . # وإقحام حرف النفي في المعطوف على المنفي لتوكيد انتفاء الإغناء . # ومعنى { من الله } من بأس الله أو من عذابه . وحذف مثل هذا كثير في ~~الكلام . وتقديره ظاهر . ويلقب هذا الاستعمال عند علماء أصول الفقه بإضافة ~~الحكم إلى الأعيان على إرادة أشهر أحوالها نحو { حرمت عليكم الميتة } ( ~~المائدة : 3 ) ، أي أكلها . # وجملة { لن تغني عنهم أموالهم } الخ خبر ثالث أو ثان عن ( إن ) في قوله ~~تعالى : { إنهم ساء ما كانوا يعملون } ( المجادلة : 15 ) . # وجملة { أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } في موضع العلة لجملة { لن ~~تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا } ، أي لأنهم أصحاب النار ، أي ~~حق عليهم أنهم أصحاب النار . وصاحب الشيء ملازمه فلا يفارقه . إذ قد تقرر ~~من قوله : { أعد الله لهم عذابا شديدا } ( المجادلة : 15 ) ومن قوله : { ~~فلهم عذاب مهين } ( المجادلة : 16 ) أنهم لا محيص لهم عن النار ، فكيف تغني ~~عنهم أموالهم وأولادهم شيئا من عذاب النار . وهذا كقوله تعالى : { أفمن حق ~~عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار } ( الزمر : 19 ) أي ما أنت تنقذه ~~من النار . فإن اسم الإشارة في مثل هذا الموقع ينبه على PageV28P051 أن ~~المشار إليه صار جديرا بما يرد بعد اسم الإشارة من أجل ms8357 الأخبار التي أخبر ~~بها عنه قبل اسم الإشارة كما تقدم في قوله تعالى : { أولئك على هدى من ربهم ~~في سورة البقرة . # } # هذا متصل بقوله : { ويحلفون على الكذب } إلى قوله : { اتخذوا أيمانهم جنة ~~} ( المجادلة : 14 16 ) وتقدم الكلام على نظير قوله : { يوم يبعثهم الله ~~جميعا فينبئهم بما عملوا } ( المجادلة : 6 ) . كما سبق آنفا في هذه السورة ~~، أي اذكر يوم يبعثهم الله . # وحلفهم لله في الآخرة إشارة إلى ما حكاه الله عنهم في قوله : { ثم لم تكن ~~فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين } ( الأنعام : 23 ) . # والتشبيه في قوله : { كما يحلفون لكم } في صفة الحلف ، وهي قولهم : إنهم ~~غير مشركين ، وفي كونه حلفا على الكذب ، وهم يعلمون ، ولذلك سماه تعالى ~~فتنة في آية الأنعام بقوله تعالى : { ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ~~ربنا ما كنا مشركين . # ومعنى ويحسبون أنهم على شيء } يظنون يومئذ أن حلفهم يفيدهم تصديقهم عند ~~الله فيحسبون أنهم حصلوا شيئا عظيما ، أي نافعا . # و { على } للاستعلاء المجازي وهو شدة التلبس بالوصف ونحوه كقوله : { ~~أولئك على هدى من ربهم في سورة البقرة . # وحذفت صفة شيء } لظهور معناها من المقام ، أي على شيء نافع ، كقوله تعالى ~~: { قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل } ( ~~المائدة : 68 ) . وقول النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الكهان ( ليسوا ~~بشيء ) . # وهذا يقتضي توغلهم في النفاق ومرونتهم عليه وأنه باقق في أرواحهم بعد ~~بعثهم لأن نفوسهم خرجت من عالم الدنيا متخلقة به ، فإن النفوس إنما تكتسب ~~تزكية أو خبثا في عالم التكليف . وحكمة إيجاد النفوس في الدنيا هي تزكيتها ~~وتصفية PageV28P052 أكدارها لتخلص إلى عالم الخلود طاهرة ، فإن هي سلكت ~~مسلك التزكية تخلصت إلى عالم الخلود زكية ويزيدها الله زكاء وارتياضا يوم ~~البعث . وإن انغمست مدة الحياة في حمأة النقائص وصلصال الرذائل جاءت يوم ~~القيامة على ما كانت عليه تشويها لحالها لتكون مهزلة لأهل المحشر . وقد ~~تبقى في النفوس الزكية خلائق لا تنافي الفضيلة ولا تناقض عالم الحقيقة ms8358 مثل ~~الشهوات المباحة ولقاء الأحبة قال تعالى : { الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو ~~إلا المتقين يا عبادي لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون الذين آمنوا بآياتنا ~~وكانوا مسلمين ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون } ( الزخرف : 67 70 ) . ~~وفي الحديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن رجلا من أهل الجنة ~~يستأذن ربه أن يزرع ، فيقول الله : أو لست فيما شئت قال : بلى ولكن أحب أن ~~أزرع ، فأسرع وبذر فيبادر الطرف نباته واستواؤه واستحصاده وتكويره أمثال ~~الجبال . وكان رجل من أهل البادية عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا ~~رسول الله لا نجد هذا إلا قرشيا أو أنصاريا فإنهم أصحاب زرع فأما نحن فلسنا ~~بأصحاب زرع ، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم إقرارا لما فهمه الأعرابي ) . # وفي حديث جابر بن عبد الله عن مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ~~يبعث كل عبد على ما مات عليه ) . قال عياض في ( الإكمال ) : هو عام في كل ~~حالة مات عليها المرء . قال السيوطي : يبعث الزمار بمزماره . وشارب الخمر ~~بقدحه ا ه . قلت : ثم تتجلى لهم الحقائق على ما هي عليه إذ تصير العلوم على ~~الحقيقة . # وختم هذا الكلام بقوله تعالى : { ألا إنهم هم الكاذبون } وهو تذييل جامع ~~لحال كذبهم الذي ذكره الله بقوله : { ويحلفون على الكذب } ( المجادلة : 14 ~~) . فالمراد أن كذبهم عليكم لا يماثله كذب ، حتى قصرت صفة الكاذب عليهم ~~بضمير الفصل في قوله : { إنهم هم الكاذبون } وهو قصر ادعائي للمبالغة لعدم ~~الاعتداد بكذب غيرهم . وأكد ذلك بحرف التوكيد توكيدا لمفاد الحصر الادعائي ~~، وهو أن كذب غيرهم كلا كذب في جانب كذبهم ، وبأداة الاستفتاح المقتضية ~~استمالة السمع لخبرهم لتحقيق تمكن صفة الكذب منهم حتى أنهم يلازمهم يوم ~~البعث . # PageV28P053 # استئناف بياني لأن ما سيق من وصفهم بانحصار صفة الكذب فيهم يثير سؤال ~~السامع أن يطلب السبب الذي بلغ بهم إلى هذا الحال الفظيع فيجاب بأنه ~~استحواذ الشيطان عليهم وامتلاكه زمام أنفسهم يصرفها كيف يريد وهل يرضى ~~الشيطان إلا بأشد الفساد والغواية . # والاستحواذ : الاستيلاء ms8359 والغلب ، وهو استفعال من حاذ حوذا ، إذا حاط شيئا ~~وصرفه كيف يريد . يقال : حاذ العير إذا جمعها وساقها غالبا لها . فاشتقوا ~~منه استفعل للذي يستولي بتدبير ومعالجة ، ولذلك لا يقال : استحوذ إلا في ~~استيلاء العاقل لأنه يتطلب وسائل استيلاء . ومثله استولى . والسين والتاء ~~للمبالغة في الغلب مثلها في : استجاب . # والأحوذي : القاهر للأمور الصعبة . وقالت عائشة : ( كان عمر أحوذيا نسيج ~~وحده ) . # وكان حق استحوذ أن يقلب عينه ألفا لأن أصلها واو متحركة إثر ساكن صحيح ~~وهو غير اسم تعجب ولا مضاعف اللام ولا معتل اللام فحقها أن تنقل حركتها إلى ~~الساكن الصحيح قبلها فرارا من ثقل الحركة على حرف العلة مع إمكان الاحتفاظ ~~بتلك الحركة بنقلها إلى الحرف قبلها الخالي من الحركة فيبقى حرف العلة ~~ساكنا سكونا ميتا إثر حركة فيقلب مدة مجانسة للحركة التي قبلها مثل يقوم ~~ويبين وأقام ، فحق استحوذ أن يقال فيه : استحاذ ولكن الفصيح فيه تصحيحه على ~~خلاف غالب بابه وهو تصحيح سماعي ، وله نظائر قليلة منها : استنوق الجمل ، ~~وأعول ، إذ رفع صوته . وأغيمت السماء واستغيل الصبي ، إذا شرب الغيل وهو ~~لبن الحامل . وقال أبو زيد : التصحيح هو لغة لبعض العرب مطردة في هذا الباب ~~كله . وحكى المفسرون أن عمر بن الخطاب قرأ { استحاذ عليهم الشيطان } . وقال ~~الجوهري : تصحيح هذا الباب كله مطرد . وقال في ( التسهيل ) : يطرد تصحيح ~~هذا الباب في كل فعل أهمل ثلاثيه مثل : استنوق الجمل واستتيست الشاة إذا ~~صارت كالتيس . # وتقدم الكلام على الاستحواذ عند قوله تعالى : { قالوا ألم نستحوذ عليكم ~~ونمنعكم من المؤمنين في سورة النساء ، فضم هذا إلى ذاك . PageV28P054 # والنسيان مراد منه لازمه وهو الإضاعة وترك المنسي ، لقوله تعالى : كذلك ~~أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى } ( طه : 126 ) . # والذكر يطلق على نطق اللسان باسم أو كلام ويطلق على التذكر بالعقل . وقد ~~يخص هذا الثاني بضم الذال وهو هنا مستعمل في صريحه وكنايته ، أي مستعمل في ~~لازمه وهو العبادة والطاعة لأن المعنى أنه أنساهم توحيد الله بكلمة الشهادة ~~والتوجه إليه بالعبادة . والذي لا ms8360 يتذكر شيئا لا يتوجه إلى واجباته . # وجملة { أولئك حزب الشيطان } نتيجة وفذلكة لقول : { استحوذ عليهم الشيطان ~~} فإن الاستحواذ يقتضي أنه صيرهم من أتباعه . # واسم الإشارة لزيادة تمييزهم لئلا يتردد في أنهم حزب الشيطان . # وجملة { ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون } واقعة موقع التفرع والتسبب على ~~جملة { أولئك حزب الشيطان } ، فكان مقتضى الظاهر أن يقال : فإن حزب الشيطان ~~هم الخاسرون ، ولذلك عدل عن ذلك إلى حرف الاستفتاح تنبيها على أهمية ~~مضمونها وأنه مما يحق العناية باستحضاره في الأذهان مبالغة في التحذير من ~~الاندماج فيهم ، والتلبس بمثل أحوالهم المذكورة آنفا . وزيد هذا التحذير ~~اهتماما بتأكيد الخبر بحرف { إن } وبصيغة القصر ، إذ لا يتردد أحد في أن ~~حزب الشيطان خاسرون فإن ذلك من القضايا المسلمة بين البشر ، فلذلك لم تكن ~~هذه المؤكدات لرد الإنكار لتحذير المسلمين أن تغرهم حبائل الشيطان وتروق في ~~أنظارهم بزة المنافقين وتخدعهم أيمانهم الكاذبة . # وإظهار كلمة { حزب الشيطان } دون ضميرهم لزيادة التصريح ولتكون الجملة ~~صالحة للتمثل به مستقلة بدلالتها . # وضمير الفصل أفاد القصر ، وهو قصر ادعائي للمبالغة في مقدار خسرانهم وأنه ~~لا خسران أشد منه فكأن كل خسران غيره عدم فيدعى أن وصف الخاسر مقصور عليهم ~~. # وحزب المرء : أنصاره وجنده ومن يواليه . PageV28P055 # ( 20 ، 21 ) { لله } # موقع هذه الآية بعد ما ذكر من أحوال المنافقين يشبه موقع آية { إن الذين ~~يحادون الله ورسوله كبتوا كما كبت الذين من قبلهم } ( المجادلة : 5 ) . ~~فالذين يحادون الله ورسوله المتقدم ذكرهم المشركون المعلنون بالمحادة . ~~وأما المحادون المذكورون في هذه الآية فهم المسرون للمحادة المتظاهرون ~~بالموالاة ، وهم المنافقون ، فالجملة استئناف بياني بينت شيئا من الخسران ~~الذي قضى به على حزب الشيطان الذي هم في مقدمته . وبهذا تكتسب هذه الجملة ~~معنى بدل البعض من مضمون جملة { ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون } ( ~~المجادلة : 19 ) ، لأن الخسران يكون في الدنيا والآخرة ، وخسران الدنيا ~~أنواع أشدها على الناس المذلة والهزيمة ، والمعنى : أن حزب الشيطان في ~~الأذلين والمغلوبين . # واستحضارهم بصلة { إن الذين يحادون الله ورسوله } إظهار في مقام الإضمار ms8361 ~~فمقتضى الظاهر أن يقال : إنهم في الأذلين فأخرج الكلام على خلاف مقتضى ~~الظاهر إلى الموصولية لإفادة مدلول الصلة أنهم أعداء لله تعالى ورسوله صلى ~~الله عليه وسلم وإفادة الموصول تعليل الحكم الوارد بعده وهو كونهم أذلين ~~لأنهم أعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم أعداء الله القادر على كل ~~شيء فعدوه لا يكون عزيزا . # ومفاد حرف الظرفية أنهم كائنون في زمرة القوم الموصوفين بأنهم أذلون ، أي ~~شديدو المذلة ليتصورهم السامع في كل جماعة يرى أنهم أذلون ، فيكون هذا ~~النظم أبلغ من أن يقال : أولئك هم الأذلون . # واسم الإشارة تنبيه على أن المشار إليهم جديرون بما بعد اسم الإشارة من ~~الحكم بسبب الوصف الذي قبل اسم الإشارة مثل { أولئك على هدى من ربهم } ( ~~البقرة : 5 ) . # وتقدم الكلام على { يحادون الله ورسوله في أوائل هذه السورة . # وجملة كتب الله لأغلبن } علة لجملة { أولئك في الأذلين } أي لأن الله ~~PageV28P056 أراد أن يكون رسوله صلى الله عليه وسلم غالبا لأعدائه وذلك من ~~آثار قدرة الله التي لا يغلبها شيء وقد كتب لجميع رسله الغلبة على أعدائهم ~~، فغلبتهم من غلبة الله إذ قدرة الله تتعلق بالأشياء على وفق إرادته وإرادة ~~الله لا يغيرها شيء ، والإرادة تجري على وفق العلم ومجموع توارد العلم ~~والإرادة والقدرة على الموجود هو المسمى بالقضاء . وهو المعبر عنه هنا ب { ~~كتب الله } لأن الكتابة استعيرت لمعنى : قضى الله ذلك وأراد وقوعه في الوقت ~~الذي علمه وأراده فهو محقق الوقوع لا يتخلف مثل الأمر الذي يراد ضبطه وعدم ~~الإخلال به فإنه يكتب لكي لا ينسى ولا ينقص منه شيء ولا يجحد التراضي عليه ~~. # فثبت لرسوله صلى الله عليه وسلم الغلبة لشمول ما كتبه الله لرسله إياه ~~وهذا إثبات لغلبة رسوله أقواما يحادونه بطريق برهاني . # فجملة { لأغلبن } مصوغة صيغة القول ترشيحا لاستعارة { كتب } إلى معنى قضى ~~وقدر . والمعنى : قضى مدلول هذه الجملة ، أي قضى بالغلبة لله ورسوله صلى ~~الله عليه وسلم فكأن هذه الجملة هي المكتوبة من الله . والمراد : الغلبة ~~بالقوة لأن ms8362 الكلام مسوق مساق التهديد . وأما الغلبة بالحجة فأمر معلوم . # وجملة { إن الله قوي عزيز } تعليل لجملة { لأغلبن } لأن الذي يغالب ~~الغالب مغلوب . قال حسان : # زعمت سخينة أن ستغلب ربها # وليغلبن مغالب الغلاب # . # كان للمنافقين قرابة بكثير من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكان ~~نفاقهم لا يخفى على بعضهم ، فحذر الله المؤمنين الخالصين من موادة من يعادي ~~الله ورسوله صلى الله عليه وسلم # ورويت ثمانية أقوال متفاوتة قوة أسانيد استقصاها القرطبي في نزول هذه ~~الآية PageV28P057 وليس يلزم أن يكون للآية سبب نزول فإن ظاهرها أنها متصلة ~~المعنى بما قبلها وما بعدها من ذم المنافقين وموالاتهم اليهود ، فما ذكر ~~فيها من قصص لسبب نزولها فإنما هو أمثلة لمقتضى حكمها . # وافتتاح الكلام ب { لا تجد قوما } يثير تشويقا إلى معرفة حال هؤلاء القوم ~~وما سيساق في شأنهم من حكم . # والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم والمقصود منه أمره بإبلاغ المسلمين أن ~~موادة من يعلم أنه محاد الله ورسوله هي مما ينافي الإيمان ليكف عنها من عسى ~~أن يكون متلبسا بها . فالكلام من قبل الكناية عن السعي في نفي وجدان قوم ~~هذه صفتهم ، من قبيل قولهم : لا أرينك هاهنا ، أي لا تحضر هنا . # ومنه قوله تعالى : { قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في ~~الأرض } ( يونس : 18 ) أراد بما لا يكون ، لأن ما لا يعلمه الله لا يجوز أن ~~يكون موجودا ، وكانت هذه عادة المؤمنين قبل الهجرة أيام كانوا بمكة . وقد ~~نقلت أخبار من شواهد ذلك متفاوتة القوة ولكن كان الكفر أيامئذ مكشوفا ~~والعداوة بين المؤمنين والمشركين واضحة . فلما انتقل المسلمون إلى المدينة ~~كان الكفر مستورا في المنافقين فكان التحرز من موادتهم أجدر وأحذر . # والموادة أصلها : حصول المودة في جانبين . والنهي هنا إنما هو عن مودة ~~المؤمن الكافرين لا عن مقابلة الكافر المؤمنين بالمودة ، وإنما جيء بصيغة ~~المفاعلة هنا اعتبارا بأن شأن الود أن يجلب ودا من المودود للواد . # وإما أن تكون المفاعلة كناية عن كون الود صادقا لأن الواد الصادق ms8363 يقابله ~~المودود بمثله . ويعرف ذلك بشواهد المعاملة ، وقرينة الكناية توجيه نفي ~~وجدان الموصوف بذلك إلى القوم الذين يؤمنون بالله ورسوله صلى الله عليه ~~وسلم ولذلك لم يقل الله هنا { إلا أن تتقوا منهم تقاة } ( آل عمران : 28 ) ~~، لأن المودة من أحوال القلب فلا تتصور معها التقية ، بخلاف قوله : { لا ~~يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين إلى قوله : إلا أن تتقوا ~~منهم تقاة } ( آل عمران : 28 ) . PageV28P058 # وقوله : { ولو كانوا آباءهم } إلى آخره مبالغة في نهاية الأحوال التي قد ~~يقدم فيها المرء على الترخص فيما نهي عنه بعلة قرب القرابة . # ثم إن الذي يحاد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم إن كان متجاهرا بذلك ~~معلنا به ، أو متجاهرا بسوء معاملة المسلمين لأجل إسلامهم لا لموجب عداوة ~~دنيوية ، فالواجب على المسلمين إظهار عداوته قال تعالى : { إنما ينهاكم ~~الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن ~~تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون } ( الممتحنة : 9 ) ولم يرخص في ~~معاملتهم بالحسنى إلا لاتقاء شرهم إن كان لهم بأس قال تعالى : { لا يتخذ ~~المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في ~~شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة } ( آل عمران : 28 ) . # وأما من عدا هذا الصنف فهو الكافر الممسك شره عن المسلمين ، قال تعالى : ~~{ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن ~~تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين } ( الممتحنة : 8 ) . # ومن هذا الصنف أهل الذمة وقد بين شهاب الدين القرافي في الفرق التاسع عشر ~~بعد المائة مسائل الفرق بين البر والمودة وبهذا تعلم أن هذه الآية ليست ~~منسوخة بآية { لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين } ( الممتحنة ~~: 8 ) وأن لكل منهما حالتها . # ف { لو } وصلية وتقدم بيان معنى { لو } الوصلية عند قوله تعالى : { فلن ~~يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به في سورة آل عمران ورتبت أصناف ~~القرابة في هذه الآية على طريقة التدلي من الأقوى ms8364 إلى من دونه لئلا يتوهم ~~أن النهي خاص بمن تقوى فيه ظنة النصيحة له والائتمار بأمره . # وعشيرة الرجل قبيلته الذين يجتمع معهم في جد غير بعيد وقد أخذ العلماء من ~~هذه الآية أن أهل الإيمان الكامل لا يوادون من فيه معنى من محادة الله ~~ورسوله بخرق سياج شريعته عمدا والاستخفاف بحرمات الإسلام ، وهؤلاء مثل أهل ~~الظلم والعدوان في الأعمال من كل ما يؤذن بقلة اكتراث مرتكبه بالدين وينبىء ~~عن ضعف احترامه للدين مثل المتجاهرين بالكبائر والفواحش الساخرين ~~PageV28P059 من الزواجر والمواعظ ، ومثل أهل الزيغ والضلال في الإعتقاد ممن ~~يؤذن حالهم بالإعراض عن أدلة الإعتقاد الحق ، وإيثار الهوى النفسي والعصبية ~~على أدلة الإعتقاد الإسلامي الحق . فعن الثوري أنه قال : كانوا يرون تنزيل ~~هذه الآية على من يصحب سلاطين الجور . وعن مالك : لا تجالس القدرية وعادهم ~~في الله لقوله تعالى : لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من ~~حاد الله ورسوله } . # وقال فقهاؤنا : يجوز أو يجب هجران ذي البدعة الضالة أو الانغماس في ~~الكبائر إذا لم يقبل الموعظة . # وهذا كله من إعطاء بعض أحكام المعنى الذي فيه حكم شرعي أو وعيد لمعنى آخر ~~فيه وصف من نوع المعنى ذي الحكم الثابت . وهذا يرجع إلى أنواع من الشبه في ~~مسالك العلة للقياس فإن الأشياء متفاوتة في الشبه . # وقد استدل أيمة الأصول على حجية الإجماع بقوله تعالى : { ومن يشاقق ~~الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ~~ونصله جهنم } ( النساء : 115 ) مع أن مهيع الآية المحتج بها إنما هو الخروج ~~عن الإسلام ولكنهم رأوا الخروج مراتب متفاوتة فمخالفة إجماع المسلمين كلهم ~~فيه شبه اتباع غير سبيل المؤمنين . # . # الإشارة إلى القوم الموصوفين بأنهم { يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون ~~من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم } . # والجملة مستأنفة استئنافا بيانيا لأن الأوصاف السابقة ووقوعها عقب ما وصف ~~به المنافقون من محادة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم سابقا وآنفا ، وما ~~توعدهم الله به أنه ms8365 أعد لهم عذابا شديدا ولهم عذاب مهين ، وأنهم حزب ~~الشيطان ، وأنهم PageV28P060 الخاسرون ، مما يستشرف بعده السامع إلى ما ~~سيخبر به عن المتصفين بضد ذلك . وهم المؤمنون الذين لا يوادون من حاد الله ~~ورسوله صلى الله عليه وسلم # وكتابة الإيمان في القلوب نظير قوله : { كتب الله لأغلبن أنا ورسلي } ( ~~المجادلة : 21 ) . وهي التقدير الثابت الذي لا تتخلف آثاره ، أي هم ~~المؤمنون حقا الذين زين الله الإيمان في قلوبهم فاتبعوا كماله وسلكوا شعبه ~~. # والتأييد : التقوية والنصر . وتقدم بيانه عند قوله تعالى : { وأيدناه ~~بروح القدس في سورة البقرة ، أي أن تأييد الله إياهم قد حصل وتقرر بالإتيان ~~بفعل المضي للدلالة على الحصول وعلى التحقق والدوام فهو مستعمل في معنييه . # والروح هنا : ما به كمال نوع الشيء من عمل أو غيره ، وروح من الله : ~~عنايته ولطفه . ومعاني الروح في قوله تعالى : ويسألونك عن الروح في سورة ~~الإسراء ، ووعدهم بأنه يدخلهم في المستقبل الجنات خالدين فيها . # ورضى الله عنهم حاصل من الماضي ومحقق الدوام فهو مثل الماضي في قوله : ~~وأيدهم } ، ورضاهم عن ربهم كذلك حاصل في الدنيا بثباتهم على الدين ومعاداة ~~أعدائه ، وحاصل في المستقبل بنوال رضى الله عنهم ونوال نعيم الخلود . # وأما تحويل التعبير إلى المضارع في قوله : { ويدخلهم جنات } فلأنه الأصل ~~في الاستقبال . وقد استغني عن إفادة التحقيق بما تقدمه من قوله تعالى : { ~~أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه } . # وقوله : { أولئك حزب الله } إلى آخره كالقول في { أولئك حزب الشيطان } ( ~~المجادلة : 19 ) . وحرف التنبيه يحصل منه تنبيه المسلمين إلى فضلهم . ~~وتنبيه من يسمع ذلك من المنافقين إلى ما حبا الله به المسلمين من خير ~~الدنيا والآخرة لعل المنافقين يغبطونهم فيخلصون الإسلام . # وشتان بين الحزبين . فالخسران لحزب الشيطان ، والفلاح لحزب الله تعالى . # PageV28P061 # | 1 ( سورة الحشر ) 1 # اشتهرت تسمية هذه السورة ( سورة الحشر ) . وبهذا الاسم دعاها النبي صلى ~~الله عليه وسلم # روى الترمذي عن معقل بن يسار ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قال ~~حين يصبح ثلاث مرات : أعوذ بالله السميع ms8366 العليم من الشيطان الرجيم وقرأ ~~ثلاث آيات من آخر سورة الحشر ) الحديث ، أي الآيات التي أولها { هو الله ~~الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة } ( الحشر : 22 ) إلى آخر السورة . # وفي ( صحيح البخاري ) عن سعيد بن جبير قال : قلت لابن عباس : سورة الحشر ~~قال : ( قل بني النضير ) ، أي سورة بني النضير فابن جبير سماها باسمها ~~المشهور . وابن عباس يسميها سورة بني النضير . ولعله لم يبلغه تسمية النبي ~~صلى الله عليه وسلم إياها ( سورة الحشر ) لأن ظاهر كلامه أنه يرى تسميتها ( ~~سورة بني النضير ) لقوله لابن جبير ( قل بني النضير ) . # وتأول ابن حجر كلام ابن عباس على أنه كره تسميتها ب ( الحشر ) لئلا يظن ~~أن المراد بالحشر يوم القيامة . وهذا تأول بعيد . وأحسن من هذا أن ابن عباس ~~أراد أن لها اسمين ، وأن الأمر في قوله : قل ، للتخيير . # فأما وجه تسميتها ( الحشر ) فلوقوعع لفظ { الحشر } ( الحشر : 2 ) فيها . ~~ولكونها ذكر PageV28P062 فيها حشر بني النضير من ديارهم أي من قريتهم ~~المسماة الزهرة قريبا من المدينة . فخرجوا إلى بلاد الشام إلى أريحا ~~وأذرعات ، وبعض بيوتهم خرجوا إلى خيبر ، وبعض بيوتهم خرجوا إلى الحيرة . # وأما وجه تسميتها ( سورة بني النضير ) فلأن قصة بني النضير ذكرت فيها . # وهي مدنية بالاتفاق . وهي الثامنة والتسعون في عداد نزول السور عند جابر ~~بن زيد . نزلت بعد سورة البينة وقبل سورة النصر . # وكان نزولها عقب إخراج بني النضير من بلادهم سنة أربع من الهجرة . وعدد ~~آيها أربع وعشرون باتفاق العادين . # أغراض هذه السورة # وقع الاتفاق على أنها نزلت في شأن بني النضير ولم يعينوا ما هو الغرض ~~الذي نزلت فيه . ويظهر أن المقصد منها حكم أموال بني النضير بعد الانتصار ~~عليهم ، كما سنبينه في تفسير الآية الأولى منها . # $ 2 ( { سبح لله ما فى السماوات وما فى الارض وهو العزيز الحكيم * هو ~~الذى & # 1764 أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لاول الحشر ما ظننتم أن ~~يخرجوا وظنو & # 1764 ا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من ms8367 حيث لم يحتسبوا وقذف ~~فى قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدى المؤمنين فاعتبروا ياأولى ~~الابصار * ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم فى الدنيا ولهم فى الاخرة ~~عذاب النار * ذلك بأنهم شآقوا الله ورسوله ومن يشآق الله فإن الله شديد ~~العقاب * ما قطعتم من لينة أو تركتموها قآئمة على أصولها فبإذن الله وليخزى ~~الفاسقين * ومآ أفآء الله على رسوله منهم فمآ أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ~~ولاكن الله يسلط رسله على من يشآء والله على كل شىء قدير * مآ أفآء الله ~~على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذى القربى واليتامى والمساكين وابن ~~السبيل كى لا يكون دولة بين الاغنيآء منكم ومآ ءاتاكم الرسول فخذوه وما ~~نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب * للفقرآء المهاجرين ~~الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ~~ورسوله أولائك هم الصادقون * والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون ~~من هاجر إليهم ولا يجدون فى صدورهم حاجة ممآ أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو ~~كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولائك هم المفلحون * والذين جآءوا من ~~بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل فى ~~قلوبنا غلا للذين ءامنوا ربنآ إنك رءوف رحيم * ألم تر إلى الذين نافقوا ~~يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا ~~نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون * لئن ~~أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الادبار ~~ثم لا ينصرون * لانتم أشد رهبة فى صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون ~~* لا يقاتلونكم جميعا إلا فى قرى محصنة أو من ورآء جدر بأسهم بينهم شديد ~~تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون * كمثل الذين من قبلهم ~~قريبا ذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم * كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر ~~فلما كفر قال إنى برى & # 1764 ء منك إنى & # 1764 أخاف الله رب العالمين * فكان عاقبتهمآ ms8368 أنهما فى النار خالدين فيها ~~وذلك جزآء الظالمين * ياأيها الذين ءامنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت ~~لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون * ولا تكونوا كالذين نسوا الله ~~فأنساهم أنفسهم أولائك هم الفاسقون * لا يستوى & # 1764 أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفآئزون * لو أنزلنا هاذا ~~القرءان على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الامثال نضربها ~~للناس لعلهم يتفكرون * هو الله الذى لا إلاه إلا هو عالم الغيب والشهادة هو ~~الرحمان الرحيم * هو الله الذى لا إلاه إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن ~~المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون * هو الله الخالق ~~البارىء المصور له الاسمآء الحسنى يسبح له ما فى السماوات والارض وهو ~~العزيز الحكيم } ) 2 $ وقد اشتملت على أن ما في السماوات وما في الأرض دال ~~على تنزيه الله ، وكونن ما في السماوات والأرض ملكه ، وأنه الغالب المدبر . # وعلى ذكر نعمة الله على ما يسر من إجلاء بني النضير مع ما كانوا عليه من ~~المنعة والحصون والعدة . وتلك آية من آيات تأييد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وغلبته على أعدائه . # وذكر ما أجراه المسلمون من إتلاف أموال بني النضير وأحكام ذلك في أموالهم ~~وتعيين مستحقيه من المسلمين . # وتعظيم شأن المهاجرين والأنصار والذين يجيئون بعدهم من المؤمنين . # وكشف دخائل المنافقين ومواعيدهم لبني النضير أن ينصروهم وكيف كذبوا وعدهم ~~. PageV28P063 # وأنحى على بني النضير والمنافقين بالجبن وتفرق الكلمة وتنظير حال تغرير ~~المنافقين لليهود بتغرير الشيطان للذين يكفرون بالله ، وتنصله من ذلك يوم ~~القيامة فكان عاقبة الجميع الخلود في النار . # ثم خطاب المؤمنين بالأمر بالتقوى والحذر من أحوال أصحاب النار والتذكير ~~بتفاوت حال الفريقين . # وبيان عظمة القرآن وجلالته واقتضائه خشوع أهله . # وتخلل ذلك إيماء إلى حكمة شرائع انتقال الأموال بين المسلمين بالوجوه ~~التي نظمها الإسلام بحيث لا تشق على أصحاب الأموال . # والآمر باتباع ما يشرعه الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم # وختمت بصفات عظيمة من الصفات الإلاهية وأنه { يسبح له ما في ms8369 السماوات ~~والأرض } ( الحشر : 24 ) تزكية لحال المؤمنين وتعريضا بالكافرين . # افتتاح السورة بالإخبار عن تسبيح ما في السماوات والأرض لله تعالى تذكير ~~للمؤمنين بتسبيحهم لله تسبيح شكر على ما أنالهم من فتح بلاد بني النضير ~~فكأنه قال سبحوا لله كما سبح له ما في السماوات والأرض . # وتعريض بأولئك الذين نزلت السورة فيهم بأنهم أصابهم ما أصابهم لتكبرهم عن ~~تسبيح الله حق تسبيحه بتصديق رسوله صلى الله عليه وسلم إذ أعرضوا عن النظر ~~في دلائل رسالته أو كابروا في معرفتها . # والقول في لفظ هذه الآية كالقول في نظيرها في أول سورة الحديد ، إلا أن ~~التي في أول سورة الحديد فيها : { ما في السماوات والأرض وها هنا قال : ما ~~في السماوات وما في الأرض } لأن فاتحة سورة الحديد تضمنت الاستدلال على ~~PageV28P064 عظمة الله تعالى وصفاته وانفراده بخلق السماوات والأرض فكان ~~دليل ذلك هو مجموع ما احتوت عليه السماوات والأرض من أصناف الموجودات فجمع ~~ذلك كله في اسم واحد هو { ما } الموصولة التي صلتها قوله : { في السماوات ~~والأرض . وأما فاتحة سورة الحشر فقد سيقت للتذكير بمنة الله تعالى على ~~المسلمين في حادثة أرضية وهي خذلان بني النضير فناسب فيها أن يخص أهل الأرض ~~باسم موصول خاص بهم ، وهي ما } الموصولة الثانية التي صلتها { في الأرض } ، ~~وعلى هذا المنوال جاءت فواتح سور الصف والجمعة والتغابن كما سيأتي في ~~مواضعها . وأوثر الأخبار عن { سبح لله ما في السماوات وما في الأرض } بفعل ~~المضي لأن المخبر عنه تسبيح شكر عن نعمة مضت قبل نزول السورة وهي نعمة ~~إخراج أهل النضير . # . # يجوز أن تجعل جملة { هو الذي أخرج الذين كفروا } إلى آخرها استئنافا ~~ابتدائيا لقصد إجراء هذا التمجيد على اسم الجلالة لما يتضمنه من باهر ~~تقديره ، ولما يؤذن به ذلك من التعريض بوجوب شكره على ذلك الإخراج العجيب . # ويجوز أن تجعل علة لما تضمنه الخبر عن تسبيح ما في السماوات وما في الأرض ~~من التذكير للمؤمنين والتعريض بأهل الكتاب والمنافقين الذين هم فريقان مما ~~في الأرض فإن القصة ms8370 التي تضمنتها فاتحة السورة من أهل أحوالهما . # ويجوز أن تجعل مبينة لجملة { وهو العزيز الحكيم } ( الحشر : 1 ) لأن هذا ~~التسخير العظيم من آثار عزه وحكمته . # وعلى كل الوجوه فهو تذكير بنعمة الله على المسلمين وإيماء إلى أن يشكروا ~~الله على ذلك وتمهيد للمقصود من السورة وهو قسمة أموال بني النضير . # وتعريف جزأي الجملة بالضمير والموصول يفيد قصر صفة إخراج الذين كفروا ~~PageV28P065 من ديارهم عليه تعالى وهو قصر ادعائي لعدم الاعتداد بسعي ~~المؤمنين في ذلك الإخراج ومعالجتهم بعض أسبابه كتخريب ديار بني النضير . # ولذلك فجملة { ما ظننتم أن يخرجوا } تتنزل منزلة التعليل لجملة القصر . # وجملة { وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم } عطف على العلة ، أي وهم ظنوا أن ~~المسلمين لا يغلبونهم . وإنما لم يقل : وظنوا أن لا يخرجوا . مع أن الكلام ~~على خروجهم ، من قوله تعالى : { هو الذي أخرج الذين كفروا } فعدل عنه إلى { ~~وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم } أي مانعتهم من إخراجهم استغناء عن ذكر المظنون ~~بذكر علة الظن . والتقدير : وظنوا أن لا يخرجوا لأنهم تمنعهم حصونهم ، أي ~~ظنوا ظنا قويا معتمدين على حصونهم . # والمراد ب { الذين كفروا من أهل الكتاب } بنو النضير ( بوزن أمير ) وهم ~~قبيلة من اليهود استوطنوا بلاد العرب هم وبنو عمهم قريظة ، ويهود خيبر ، ~~وكلهم من ذرية هارون عليه السلام وكان يقال لبني النضير وبني قريظة : ~~الكاهنان لأن كل فريق منهما من ذرية هارون وهو كاهن الملة الإسرائيلية ، ~~والكهانة : حفظ أمور الديانة بيده ويد أعقابه . # وقصة استيطانهم بلاد العرب أن موسى عليه السلام كان أرسل طائفة من ~~أسلافهم لقتال العماليق المجاورين للشام وأرض العرب فقصروا في قتالهم وتوفي ~~موسى قريبا من ذلك . فلما علموا بوفاة موسى رجعوا على أعقابهم إلى ديار ~~إسرائيل في أريحا فقال لهم قومهم : أنتم عصيتم أمر موسى فلا تدخلوا بلادنا ~~، فخرجوا إلى جزيرة العرب وأقاموا لأنفسهم قرى حول يثرب ( المدينة ) وبنوا ~~لأنفسهم حصونا وقرية سموها الزهرة . وكانت حصونهم خمسة سيأتي ذكر أسمائها ~~في آخر تفسير الآية ، وصاروا أهل زرع وأموال . وكان فيهم أهل الثراء مثل ms8371 ~~السموأل بن عاديا ، وكعب بن الأشرف ، وابن أبي الحقيق ، وكان بينهم وبين ~~الأوس والخزرج حلف ومعاملة ، فكان من بطون أولئك اليهود بنو النضير وقريظة ~~وخيبر . # ووسموا ب { الذين كفروا } لأنهم كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم تسجيلا ~~عليهم بهذا الوصف الذميم وقد وصفوا ب { الذين كفروا في قوله تعالى : ولما ~~جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين ~~كفروا PageV28P066 فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين } ~~( البقرة : 89 ) إلى قوله : { عذاب مهين في سورة البقرة . # وعليه فحرف من } في قوله : { من أهل الكتاب } بيانية لأن المراد بأهل ~~الكتاب هنا خصوص اليهود أي الذين كفروا برسالة محمد صلى الله عليه وسلم وهم ~~أهل الكتاب وأراد بهم اليهود ، فوصفوا ب { من أهل الكتاب } لئلا يظن أن ~~المراد ب { الذين كفروا } المشركون بمكة أو بقية المشركين بالمدينة فيظن أن ~~الكلام وعيد . # وتفصيل القصة التي أشارت إليها الآية على ما ذكره جمهور أهل التفسير . أن ~~بني النضير لما هاجر المسلمون إلى المدينة جاؤوا فصالحوا النبي صلى الله ~~عليه وسلم على أن لا يكونوا عليه ولا له ، ويقال : إن مصالحتهم كانت عقب ~~وقعة بدر لما غلب المسلمون المشركين لأنهم توسموا أنه لا تهزم لهم راية ، ~~فلما غلب المسلمون يوم أحد نكثوا عهدهم وراموا مصالحة المشركين بمكة ، إذ ~~كانوا قد قعدوا عن نصرتهم يوم بدر ( كدأب اليهود في موالاة القوي ) فخرج ~~كعب بن الأشرف وهو سيد بني النضير في أربعين راكبا إلى مكة فحالفوا ~~المشركين عند الكعبة على أن يكونوا عونا لهم على مقاتلة المسلمين ، فلما ~~أوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك أمر محمد بن مسلمة أن يقتل كعب ~~بن الأشرف فقتله غيلة في حصنه في قصة مذكورة في كتب السنة والسير . # وذكر ابن إسحاق سببا آخر وهو أنه لما انقضت وقعة بئر معونة في صفر سنة ~~أربع كان عمرو بن أمية الضمري أسيرا عند المشركين فأطلقه عامر بن الطفيل . ~~فلما كان راجعا إلى ms8372 المدينة أقبل رجلان من بني عامر وكان لقومهما عقد مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزلا مع عمرو بن أمية ، فلما ناما عدا ~~عليهما فقتلهما وهو يحسب أنه يثأر بهما من بني عامر الذين قتلوا أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ببئر معونة ، ولما قدم عمرو بن أمية أخبر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بما فعل فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ~~لقد قتلت قتيلين ولآدينهما ) ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني ~~النضير يستعينهم في دية ذينك القتيلين إذ كان بين بني النضير وبين بني عامر ~~حلف ، وأضمر بنو النضير الغدر برسول الله صلى الله عليه وسلم وأطلعه الله ~~عليه فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين بالتهيؤ لحربهم . ~~PageV28P067 # ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين بالسير إليهم في ربيع الأول ~~سنة أربع من الهجرة فسار إليهم هو والمسلمون وأمرهم بأن يخرجوا من قريتهم ~~فامتنعوا وتنادوا إلى الحرب ودس إليهم عبد الله بن أبي ابن سلول أن لا ~~يخرجوا من قريتهم وقال : إن قاتلكم المسلمون فنحن معكم ولننصرنكم وإن ~~أخرجتم لنخرجن معكم فدربوا على الأزقة ( أي سدوا منافذ بعضها لبعض ليكون كل ~~درب منها صالحا للمدافعة ) وحصنوها ، ووعدهم أن معه ألفين من قومه وغيرهم ، ~~وأن معهم قريظة وحلفاءهم من غطفان من العرب فحاصرهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم وانتظروا عبد الله بن أبي ابن سلول وقريظة وغطفان أن يقدموا إليهم ~~ليردوا عنهم جيش المسلمين فلما رأوا أنهم لم ينجدوهم قذف الله في قلوبهم ~~الرعب فطلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم الصلح فأبى إلا الجلاء عن ديارهم ~~وتشارطوا على أن يخرجوا ويحمل كل ثلاثة أبيات منهم حمل بعير مما شاؤوا من ~~متاعهم ، فجعلوا يخربون بيوتهم ليحملوا معهم ما ينتفعون به من الخشب ~~والأبواب . # فخرجوا فمنهم من لحق بخيبر ، وقليل منهم لحقوا ببلاد الشام في مدن ( ~~أريحا ) وأذرعات من أرض الشام وخرج قليل منهم إلى الحيرة . # واللام في قوله : { لأول الحشر ms8373 } لام التوقيت وهي التي تدخل على أول ~~الزمان المجعول ظرفا لعملل مثل قوله تعالى : { يقول يا ليتني قدمت لحياتي } ~~( الفجر : 24 ) أي من وقت حياتي . وقولهم : كتب ليوم كذا . وهي بمعنى ( عند ~~) . فالمعنى أنه أخرجهم عند مبدأ الحشر المقدر لهم ، وهذا إيماء إلى أن ~~الله قدر أن يخرجوا من جميع ديارهم في بلاد العرب . وهذا التقدير أمر به ~~النبي صلى الله عليه وسلم كما سيأتي . فالتعريف في { الحشر } تعريف العهد . # والحشر : جمع ناس في مكان قال تعالى : { وابعث في المدائن حاشرين يأتوك ~~بكل سحار عليم } ( الشعراء : 36 ، 37 ) . # والمراد به هنا : حشر يهود جزيرة العرب إلى أرض غيرها ، أي جمعهم للخروج ~~، وهو بهذا المعنى يرادف الجلاء إذا كان الجلاء لجماعة عظيمة تجمع من متفرق ~~ديار البلاد . PageV28P068 # وليس المراد به : حشر يوم القيامة إذ لا مناسبة له هنا ولا يلائم ذكر لفظ ~~( أول ) لأن أول كل شيء إنما يكون متحد النوع مع ما أضيف هو إليه . # وعن الحسن : أنه حمل الآية على حشر القيامة وركبوا على ذلك أوهاما في أن ~~حشر القيامة يكون بأرض الشام وقد سبق أن ابن عباس احترز من هذا حين سمى هذه ~~السورة ( سورة بني النضير ) وفي جعل هذا الإخراج وقتا لأول الحشر إيذان بأن ~~حشرهم يتعاقب حتى يكمل إخراج جميع اليهود وذلك ما أوصى به النبي صلى الله ~~عليه وسلم قبيل وفاته إذ قال : ( لا يبقى دينان في جزيرة العرب ) . وقد ~~أنفذه عمر بن الخطاب حين أجلى اليهود من جميع بلاد العرب . وقيل : وصف ~~الحشر بالأول لأنه أول جلاء أصاب بني النضير ، فإن اليهود أجلوا من فلسطين ~~مرتين مرة في زمن ( بختنصر ) ومرة في زمن ( طيطس ) سلطان الروم وسلم بنو ~~النضير ومن معهم من الجلاء لأنهم كانوا في بلاد العرب . فكان أول جلاء ~~أصابهم جلاء بني النضير . # . # أي كان ظن المسلمين وظن أهل الكتاب متواردين على تعذر إخراج بني النضير ~~من قريتهم بسبب حصانة حصونهم . # وكان اليهود يتخذون حصونا يأوون إليها عندما يغزوهم العدو مثل حصون ms8374 خيبر ~~. # وكانت لبني النضير ستة حصون أسماؤها : الكتيبة ( بضم الكاف وفتح المثناة ~~الفوقية ) والوطيح ( بفتح الواو وكسر الطاء ) والسلالم ( بضم السين ) ~~والنطاة ( بفتح النون وفتح الطاء بعدها ألف وبهاء تأنيث آخره ) والوخدة ( ~~بفتح الواو وسكون الخاء المعجمة ودال مهملة ) وشق ( بفتح الشين المعجمة ~~وتشديد القاف ) . # ونظم جملة { وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم } على هذا النظم دون أن يقال : ~~وظنوا أن حصونهم مانعتهم ليكون الابتداء بضميرهم لأنه سيعقبه إسناد { ~~مانعتهم } إليه فيكون الابتداء بضميرهم مشيرا إلى اغترارهم بأنفسهم أنهم في ~~عزة ومنعة ، وأن منعة حصونهم هي من شؤون عزتهم . PageV28P069 # وفي تقديم { مانعتهم } وهو وصف على { حصونهم } وهو اسم والاسم بحسب ~~الظاهر أولى بأن يجعل في مرتبة المبتدأ ويجعل الوصف خبرا عنه ، فعدل عن ذلك ~~إشارة إلى أهمية منعة الحصون عند ظنهم فهي بمحل التقديم في استحضار ظنهم ، ~~ولا عبرة بجواز جعل حصونهم فاعلا باسم الفاعل وهو { مانعتهم } بناء على أنه ~~معتمد على مسند إليه لأن محامل الكلام البليغ تجري على وجوه التصرف في ~~دقائق المعاني فيصير الجائز مرجوحا . قال المرزوقي في شرح ( باب النسب ) ~~قول الشاعر وهو منسوب إلى ذي الرمة في غير ديوان الحماسة : # فإن لم يكن إلا معرج ساعة # قليلا فإني نافع لي قليلها # يجوز أن يكون ( قليلها ) مبتدأ و ( نافع ) خبر مقدم عليه أي لقصد ~~الاهتمام . والجملة في موضع خبر ( إن ) والتقدير : إني قليلها نافع لي . # . # تفريع على مجموع جملتي { ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم ~~من الله } اللتين هما تعليل للقصر في قوله تعالى : { هو الذي أخرج الذين ~~كفروا من أهل الكتاب } . # وتركيب ( أتاهم الله من حيث لم يحتسبوا ) تمثيل ، مثل شأن الله حين يسر ~~أسباب استسلامهم بعد أن صمموا على الدفاع وكانوا أهل عدة وعدة ولم يطل ~~حصارهم بحال من أخذ حذره من عدوه وأحكم حراسته من جهاته فأتاه عدوه من جهة ~~لم يكن قد أقام حراسة فيها . وهذا يشبه التمثيل الذي في قوله تعالى : { ~~والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا ms8375 جاءه لم يجده ~~شيئا ووجد الله عنده } ( النور : 39 ) . # والاحتساب : مبالغة في الحسبان ، أي الظن أي من مكان لم يظنوه لأنهم ~~قصروا استعدادهم على التحصن والمنعة ولم يعلموا أن قوة الله فوق قوتهم . ~~PageV28P070 # والقذف : الرمي باليد بقوة . واستعير للحصول العاجل ، أي حصل الرعب في ~~قلوبهم دفعة دون سابق تأمل ولا حصول سبب للرعب ولذلك لم يؤت بفعل القذف في ~~آية آل عمران { سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب . # والمعنى : وجعل الله الرعب في قلوبهم فأسرعوا بالاستسلام . وقذف الرعب في ~~قلوبهم هو من أحوال إتيان الله إياهم من حيث لم يحتسبوا فتخصيصه بالذكر ~~للتعجيب من صنع الله ، وعطفه على أتاهم الله من حيث لم يحتسبوا عطف خاص على ~~عام للاهتمام . # والرعب } : شدة الخوف والفزع . وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم ( ~~نصرت بالرعب ) ، أي برعب أعداء الدين . # وجملة { يخربون بيوتهم } حال من الضمير المضاف إليه { قلوبهم } لأن ~~المضاف جزء من المضاف إليه فلا يمنع مجيء الحال منه . # والمقصود التعجيب من اختلال أمورهم فإنهم وإن خربوا بيوتهم باختيارهم لكن ~~داعي التخريب قهري . # والإخراب والتخريب : إسقاط البناء ونقضه . والخراب : تهدم البناء . # وقرأ الجمهور { يخربون } بسكون الخاء وتخفيف الراء المكسورة مضارع : أخرب ~~. وقرأه أبو عمرو وحده بفتح الخاء وتشديد الراء المكسورة مضارع : خرب . ~~وهما بمعنى واحد . قال سيبويه : إن أفعلت وفعلت يتعاقبان نحو أخربته وخربته ~~، وأفرحته وفرحته . يريد في أصل المعنى . وقد تقدم ما ذكر من الفرق بين : ~~أنزل ونزل في المقدمة الأولى من مقدمات هذا التفسير . # وأشارت الآية إلى ما كان من تخريب بني النضير بيوتهم ليأخذوا منها ما ~~يصلح من أخشاب وأبواب مما يحملونه معهم ليبنوا به منازلهم في مهاجرهم ، وما ~~كان من تخريب المؤمنين بقية تلك البيوت كلما حلوا بقعة تركها بنو النضير . # وقوله : { بأيديهم } هو تخريبهم البيوت بأيديهم ، حقيقة في الفعل وفي ما ~~تعلق PageV28P071 به ، وأما تخريبهم بيوتهم بأيدي المؤمنين فهو مجاز عقلي ~~في إسناد التخريب الذي خربه المؤمنون إلى بني النضير باعتبار أنهم سببوا ~~تخريب المؤمنين لما تركه ms8376 بنو النضير . # فعطف { أيدي المؤمنين } على { بأيديهم } بحيث يصير متعلقا بفعل { يخربون ~~} استعمال دقيق لأن تخريب المؤمنين ديار بني النضير لما وجدوها خاوية تخريب ~~حقيقي يتعلق المجرور به حقيقة . # فالمعنى : ويسببون خراب بيوتهم بأيدي المؤمنين فوقع إسناد فعل { يخربون } ~~على الحقيقة ووقع تعلق وتعليق { وأيدي المؤمنين } به على اعتبار المجاز ~~العقلي ، فالمجاز في التعليق الثاني . # وأما معنى التخريب فهو حقيقي بالنسبة لكلا المتعلقين فإن المعنى الحقيقي ~~فيهما هو العبرة التي نبه عليها قوله تعالى : { فاعتبروا يا أولي الأبصار } ~~، أي اعتبروا بأن كان تخريب بيوتهم بفعلهم وكانت آلات التخريب من آلاتهم ~~وآلات عدوهم . # والاعتبار : النظر في دلالة الأشياء على لوازمها وعواقبها وأسبابها . وهو ~~افتعال من العبرة ، وهي الموعظة . وقول ( القاموس ) : هي العجب قصور . # وتقدم في قوله تعالى : { لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب في سورة ~~يوسف . # والخطاب في قوله : يا أولي الأبصار } موجه إلى غير معين . ونودي أولو ~~الأبصار بهذه الصلة ليشير إلى أن العبرة بحال بني النضير واضحة مكشوفة لكل ~~ذي بصر مما شاهد ذلك ، ولكل ذي بصر يرى مواقع ديارهم بعدهم ، فتكون له عبرة ~~قدرة الله على إخراجهم وتسليط المسلمين عليهم من غير قتال . وفي انتصار ~~الحق على الباطل وانتصار أهل اليقين على المذبذبين . # وقد احتج بهذه الآية بعض علماء الأصول لإثبات حجية القياس بناء على أنه ~~من الاعتبار . PageV28P072 # . # جملة معترضة ناشئة عن جملة { هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب } ( ~~الحشر : 2 ) . فالواو اعتراضية ، أي أخرجهم الله من قريتهم عقابا لهم على ~~كفرهم وتكذيبهم للرسول صلى الله عليه وسلم كما قال : { ذلك بأنهم شاقوا ~~الله ورسوله } ( الحشر : 4 ) ولو لم يعاقبهم الله بالجلاء لعاقبهم بالقتل ~~والأسر لأنهم استحقوا العقاب . فلو لم يقذف في قلوبهم الرعب حتى استسلموا ~~لعاقبهم بجوع الحصار وفتح ديارهم عنوة فعذبوا قتلا وأسرا . # والمراد بالتعذيب : الألم المحسوس بالأبدان بالقتل والجرح والأسر ~~والإهانة وإلا فإن الإخراج من الديار نكبة ومصيبة لكنها لا تدرك بالحس ~~وإنما تدرك بالوجدان . # و { لولا } حرف امتناع لوجود ، تفيد امتناع ms8377 جوابها لأجل وجود شرطها ، أي ~~وجود تقدير الله جلاءهم سبب لانتفاء تعذيب الله إياهم في الدنيا بعذاب آخر ~~. # وإنما قدر الله لهم الجلاء دون التعذيب في الدنيا لمصلحة اقتضتها حكمته ، ~~وهي أن يأخذ المسلمون أرضهم وديارهم وحوائطهم دون إتلاف من نفوس المسلمين ~~مما لا يخلو منه القتال لأن الله أراد استبقاء قوة المسلمين لما يستقبل من ~~الفتوح ، فليس تقدير الجلاء لهم لقصد اللطف بهم وكرامتهم وإن كانوا قد ~~آثروه على الحرب . # ومعنى { كتب الله عليهم } قدر لهم تقديرا كالكتابة في تحقق مضمونه وكان ~~مظهر هذا التقدير الإلهي ما تلاحق بهم من النكبات من جلاء النضير ثم فتح ~~قريظة ثم فتح خيبر . # والجلاء : الخروج من الوطن بنية عدم العود ، قال زهير : # فإن الحق مقطعه ثلاث # يمين أو نفار أو جلاء # وأعلم أن { أن } الواقعة بعد { لولا } هنا مصدرية لأن { أن } الساكنة ~~النون إذا لم PageV28P073 تقع بعد فعل علم يقين أو ظن ولا بعد ما فيه معنى ~~القول ، فهي مصدرية وليست مخففة من الثقيلة . # . # عطف على جملة { ولولا أن كتب الله عليهم } الآية ، أو على جملة { هو الذي ~~أخرج الذين كفروا } ( الحشر : 2 ) ، وليس عطفا على جواب { لولا } فإن عذاب ~~النار حاق عليهم وليس منتفيا . والمقصود الاحتراس من توهم أن الجلاء بدل من ~~عذاب الدنيا ومن عذاب الآخرة . # الإشارة إلى جميع ما ذكر من إخراج الذين كفروا من ديارهم ، وقذف الرعب في ~~قلوبهم ، وتخريب بيوتهم ، وإعداد العذاب لهم في الآخرة . # والباء للسببية وهي جارة للمصدر المنسبك من ( أن ) وجملتها . # والمشاقة : المخاصمة والعداوة قال تعالى : { ويقول أين شركائي الذين كنتم ~~تشاقون فيهم } ( النحل : 27 ) وقد تقدم نظيره في أول الأنفال . # والمشاقة كالمحادة مشتقة من الاسم . وهو الشق ، كما اشتقت المحادة من ~~الحد ، كما تقدم في أول سورة المجادلة . وتقدم في سورة النساء { وإن خفتم ~~شقاق بينهما . # وقد كان بنو النضير ناصبوا المسلمين العداء بعد أن سكنوا المدينة وأضروا ~~المنافقين وعاهدوا مشركي أهل مكة كما علمت آنفا . # وجملة ومن يشاق الله فإن الله شديد ms8378 العقاب } تذييل ، أي شديد العقاب لكل ~~من يشاققه من هؤلاء وغيرهم . PageV28P074 # وعطف اسم الرسول صلى الله عليه وسلم على اسم الجلالة في الجملة الأولى ~~لقصر تعظيم شأن الرسول صلى الله عليه وسلم ليعلموا أن طاعته طاعة لله لأنه ~~إنما يدعو إلى ما أمره الله بتبليغه ولم يعطف اسم الرسول صلى الله عليه ~~وسلم في الجملة الثانية استغناء بما علم من الجملة الأولى . # وأدغم القافان في { يشاق } لأن الإدغام والإظهار في مثله جائزان في ~~العربية . وقرىء بهما في قوله تعالى : { ومن يرتدد منكم عن دينه في سورة ~~البقرة . والفك لغة الحجاز ، والإدغام لغة بقية العرب . # وجملة فإن الله شديد العقاب } دليل جواب { من } الشرطية إذ التقدير : ومن ~~يشاقق الله فالله معاقبهم إنه شديد العقاب . # استئناف ابتدائي أفضى به إلى المقصد من السورة عن أحكام أموال بني النضير ~~وإشارة الآية إلى ما حدث في حصار بني النضير وذلك أنهم قبل أن يستسلموا ~~اعتصموا بحصونهم فحاصرهم المسلمون وكانت حوائطهم خارج قريتهم وكانت الحوائط ~~تسمى البويرة ( بضم الباء الموحدة وفتح الواو وهي تصغير بؤر بهمزة مضمومة ~~بعد الباء فخففت واوا ) عمد بعض المسلمين إلى قطع بعض نخيل النضير قيل بأمر ~~من النبي صلى الله عليه وسلم وقيل بدون أمره ولكنه لم يغيره عليهم . فقيل ~~كان ذلك ليوسعوا مكانا لمعسكرهم ، وقيل لتخويف بني النضير ونكايتهم ، وأمسك ~~بعض الجيش عن قطع النخيل وقالوا : لا تقطعوا مما أفاء الله علينا . وقد ذكر ~~أن النخلات التي قطعت ست نخلات أو نخلتان . فقالت اليهود : يا محمد ألست ~~تزعم أنك نبي تريد الصلاح أفمن الصلاح قطع النخل وحرق الشجر ، وهل وجدت ~~فيما أنزل عليك إباحة الفساد في الأرض فأنزل الله هذه الآية . # والمعنى : أن ما قطعوا من النخل أريد به مصلحة إلجاء العدو إلى الاستسلام ~~وإلقاء الرعب في قلوبهم وإذلالهم بأن يروا أكرم أموالهم عرضة للإتلاف بأيدي ~~PageV28P075 المسلمين ، وأن ما أبقي لم يقطع في بقائه مصلحة لأنه آيل إلى ~~المسلمين فيما أفاء الله عليهم فكان في كلا القطع والإبقاء مصلحة ms8379 فتعارض ~~المصلحتان فكان حكم الله تخيير المسلمين . والتصرف في وجوه المصالح يكون ~~تابعا لاختلاف الأحوال ، فجعل الله القطع والإبقاء كليهما بإذنه ، أي مرضيا ~~عنده ، فأطلق الإذن على الرضى على سبيل الكناية ، أو أطلق إذن الله على إذن ~~رسوله صلى الله عليه وسلم إن ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن بذلك ~~ابتداء ، ثم أمر بالكف عنه . # وكلام الأيمة غير واضح في إذن النبي صلى الله عليه وسلم فيه ابتداء وأظهر ~~أقوالهم قول مجاهد : إن القطع والامتناع منه كان اختلافا بين المسلمين ، ~~وأن الآية نزلت بتصديق من نهي عن قطعه ، وتحليل من قطعه من الإثم . وفي ذلك ~~قال حسان بن ثابت يتورك على المشركين بمكة إذ غلب المسلمون بني النضير ~~أحلافهم ويتورك على بني النضير إذ لم ينصرهم أحلافهم المشركون من قريش : # تفاقد معشر نصروا قريشا # وليس لهم ببلدتهم نصير # وهان على سراة بني لؤي # حريق بالبويرة مستطير # يريد سراة أهل مكة وكلهم من بني لؤي بن غالب بن فهر ، وفهر هو قريش أي لم ~~ينقذوا أحلافهم لهوانهم عليهم . # وأجابه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وهو يومئذ مشرك : # أدام الله ذلك من صنيع # وحرق في نواحيها السعير # ستعلم أينا منها بنزه # وتعلم أي أرضينا تضير # يريد أن التحريق وقع بنواحي مدينتكم فلا يضير إلا أرضكم ولا يضير أرضنا ، ~~فقوله : أدام الله ذلك من صنيع ، تهكم . # ومن هذه الآية أخذ المحققون من الفقهاء أن تحريق دار العدو وتخريبها وقطع ~~ثمارها جائز إذا دعت إليه المصلحة المتعينة وهو قول مالك . وإتلاف بعض ~~المال لإنقاذ باقيه مصلحة وقوله : { من لينة } بيان لما في قوله : { ما ~~قطعتم } . # واللينة : النخلة ذات الثمر الطيب تطلق اسم اللينة على كل نخلة غير ~~PageV28P076 العجوة والبرني في قول جمهور أهل المدينة وأيمة اللغة . وتمر ~~اللينة يسمى اللون . # وإيثار { لينة } على نخلة لأنه أخف ولذلك لم يرد لفظ نخلة مفردا في ~~القرآن ، وإنما ورد النخل اسم جمع . # قال أهل اللغة : ياء لينة أصلها واو انقلبت ياء لوقوعها إثر ms8380 كسرة ولم ~~يذكروا سبب كسر أوله ويقال : لونة وهو ظاهر . # وفي كتب السيرة يذكر أن بعض نخل بني النضير أحرقه المسلمون وقد تضمن ذلك ~~شعر حسان ولم يذكر القرآن الحرق فلعل خبر الحرق مما أرجف به فتناقله بعض ~~الرواة ، وجرى عليه شعر حسان وشعر أبي سفيان بن الحارث ، أو أن النخلات ~~التي قطعت أحرقها الجيش للطبخ أو للدفء . # وجيء بالحال في قوله : { قائمة على أصولها } لتصوير هيئتها وحسنها . وفيه ~~إيماء إلى أن ترك القطع أولى . وضمير { أصولها } عائد إلى { ما } الموصولة ~~في قوله تعالى : { ما قطعتم } لأن مدلول { ما } هنا جمع وليس عائدا إلى { ~~لينة } لأن اللينة ليس لها عدة أصول بل لكل لينة أصل واحد . # وتعلق { على أصولها } ب { قائمة } . والمقصود : زيادة تصوير حسنها . ~~والأصول : القواعد . والمراد هنا : سوق النخل قال تعالى : { أصلها ثابت ~~وفرعها في السماء } ( إبراهيم : 24 ) . ووصفها بأنها { قائمة على أصولها } ~~هو بتقدير : قائمة فروعها على أصولها لظهور أن أصل النخلة بعضها . # والفاء من قوله : { فبإذن الله } مزيدة في خبر المبتدأ لأنه اسم موصول ، ~~واسم الموصول يعامل معاملة الشرط كثيرا إذا ضمن معنى التسبب ، وقد قرىء ~~بالفاء وبدونها قوله تعالى : { وما أصابكم من مصيبة بما كسبت أيديكم في ~~سورة الشورى . # وعطف وليخزي الفاسقين } من عطف العلة على السبب وهو { فبإذن الله } لأن ~~السبب في معنى العلة ، ونظيره قوله تعالى : { وما أصابكم يوم التقى الجمعان ~~فبإذن الله وليعلم المؤمنين الآية في آل عمران . PageV28P077 # والمعنى : فقطع ما قطعتم من النخل وترك ما تركتم لأن الله أذن للمسلمين ~~به لصلاح لهم فيه ، وليخزي الفاسقين } ، أي ليهين بني النضير فيروا كرائم ~~أموالهم بعضها مخضود وبعضها بأيدي أعدائهم . فذلك عزة للمؤمنين وخزي ~~للكافرين والمراد ب { الفاسقين } هنا : يهود النضير . # وعدل عن الإتيان بضميرهم كما أتي بضمائرهم من قبل ومن بعد إلى التعبير ~~عنهم بوصف { الفاسقين } لأن الوصف المشتق يؤذن بسبب ما اشتق منه في ثبوت ~~الحكم ، أي ليجزيهم لأجل الفسق . # والفسق : الكفر . # يجوز أن يكون عطفا على جملة { ما قطعتم من ms8381 لينة } ( الحشر : 5 ) الآية ~~فتكون امتنانا وتكملة لمصارف أموال بني النضير . # ويجوز أن تكون عطفا على مجموع ما تقدم عطف القصة على القصة والغرض على ~~الغرض للانتقال إلى التعريف بمصير أموال بني النضير لئلا يختلف رجال ~~المسلمين في قسمته . ولبيان أن ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم في قسمة ~~أموال بني النضير هو عدل إن كانت الآية نزلت بعد القسمة وما صدق { ما أفاء ~~الله } هو ما تركوه من الأرض والنخل والنقض والحطب . # والفيء معروف في اصطلاح الغزاة ، ففعل أفاء أعطى الفيء ، فالفيء في ~~الحروب والغارات ما يظفر به الجيش من متاع عدوهم وهو أعم من الغنيمة ولم ~~يتحقق أيمة اللغة في أصل اشتقاقه فيكون الفيء بقتال ويكون بدون قتال ، وأما ~~الغنيمة فهي ما أخذ بقتال . # وضمير { منهم } عائد إلى { الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب } ( ~~الحشر : 2 ) الواقع في أول السورة وهم بنو النضير . وقيل : أريد به الكفار ~~، وأنه نزل في فيء فدك فهذا بعيد ومخالف للآثار . PageV28P078 # وقوله : { فما أوجفتم عليه } خبر عن ( ما ) الموصولة قرن بالفاء لأن ~~الموصول كالشرط لتضمنه معنى التسبب كما تقدم آنفا في قوله : { فبإذن الله } ~~( الحشر : 5 ) . # وهو بصريحه امتنان على المسلمين بأن الله ساق لهم أموال بني النضير دون ~~قتال ، مثل قوله تعالى : { وكفى الله المؤمنين القتال } ( الأحزاب : 25 ) ، ~~ويفيد مع ذلك كناية بأن يقصد بالإخبار عنه بأنهم لم يوجفوا عليه لازم الخبر ~~وهو أنه ليس لهم سبب حق فيه . والمعنى : فما هو من حقكم ، أو لا تسألوا ~~قسمته لأنكم لم تنالوه بقتالكم ولكن الله أعطاه رسوله صلى الله عليه وسلم ~~نعمة منه بلا مشقة ولا نصب . # والإيجاف : نوع من سير الخيل . وهو سير سريع بإيقاع وأريد به الركض ~~للإغارة لأنه يكون سريعا . # والركاب : اسم جمع للإبل التي تركب . والمعنى : ما أغرتم عليه بخيل ولا ~~إبل . # وحرف ( على ) في قوله تعالى : { فما أوجفتم عليه } للتعليل ، وليس لتعدية ~~{ أوجفتم } لأن معنى الإيجاف لا يتعدى إلى الفيء بحرف الجر ، أو متعلق ~~بمحذوف هو ms8382 مصدر { أوجفتم } ، أي إيجافا لأجله . # و { من } في قوله : { من خيل } زائدة داخلة على النكرة في سياق النفي ~~ومدخول { من } في معنى المفعول به ل { أوجفتم } أي ما سقتم خيلا ولا ركابا ~~. # وقوله : { ولكن الله يسلط رسله على من يشاء } استدراك على النفي الذي في ~~قوله تعالى : { فما أوجفتم عليه } لرفع توهم أنه لا حق فيه لأحد . والمراد ~~: أن الله سلط عليه رسوله صلى الله عليه وسلم فالرسول أحق به . وهذا ~~التركيب يفيد قصرا معنويا كأنه قيل : فما سلطكم الله عليهم ولكن سلط عليهم ~~رسوله صلى الله عليه وسلم # وفي قوله تعالى : { ولكن الله يسلط رسله على من يشاء } إيجاز حذف لأن ~~التقدير : ولكن الله سلط عليهم رسوله صلى الله عليه وسلم والله يسلط رسله ~~على من يشاء وكان هذا بمنزلة التذييل لعمومه وهو دال على المقدر . ~~PageV28P079 # وعموم { من يشاء } لشمول أنه يسلط رسله على مقاتلين ويسلطهم على غير ~~المقاتلين . # والمعنى : وما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم إنما هو بتسليط ~~الله رسوله صلى الله عليه وسلم عليهم ، وإلقاء الرعب في قلوبهم والله يسلط ~~رسله على من يشاء . فأغنى التذييل عن المحذوف ، أي فلا حق لكم فيه فيكون من ~~مال الله يتصرف فيه رسوله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمور من بعده . # فتكون الآية تبيينا لما وقع في قسمة فيء بني النضير . ذلك أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لم يقسمه على جميع الغزاة ولكن قسمه على المهاجرين سواء ~~كانوا ممن غزوا معه أم لم يغزوا إذ لم يكن للمهاجرين أموال . فأراد أن ~~يكفيهم ويكفي الأنصار ما منحوه المهاجرين من النخيل . ولم يعط منه الأنصار ~~إلا ثلاثة لشدة حاجتهم وهم أبو دجانة ( سماك بن خزينة ) ، وسهل بن حنيف ، ~~والحارث بن الصمة . وأعطى سعد بن معاذ سيف أبي الحقيق ، وكل ذلك تصرف ~~باجتهاد الرسول صلى الله عليه وسلم لأن الله جعل تلك الأموال له . # فإن كانت الآية نزلت بعد أن قسمت أموال النضير كانت بيانا بأن ما فعله ms8383 ~~الرسول صلى الله عليه وسلم حق ، أمره الله به ، أو جعله إليه ، وإن كانت ~~نزلت قبل القسمة ، إذ روي أن سبب نزولها أن الجيش سألوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم تخميس أموال بني النضير مثل غنائم بدر فنزلت هذه الآية ، كانت ~~الآية تشريعا لاستحقاق هذه الأموال . # قال أبو بكر ابن العربي : ( لا خلاف بين العلماء أن الآية الأولى خاصة ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي هذه الآية الأولى من الآيتين المذكورتين ~~في هذه السورة خاصة بأموال بني النضير ، وعلى أنها خاصة لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يضعها حيث يشاء . وبذلك قال عمر بن الخطاب بمحضر عثمان ، ~~وعبد الرحمن بن عوف ، والزبير ، وسعد ، وهو قول مالك فيما روى عنه ابن ~~القاسم وابن وهب . قال : كانت أموال بني النضير صافية لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم واتفقوا على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخمسها . واختلف في ~~القياس عليها كل مال لم يوجف عليه . قال ابن عطية : PageV28P080 قال بعض ~~العلماء وكذلك كل ما فتح الله على الأيمة مما لم يوجف عليه فهو لهم خاصة ا ~~ه . وسيأتي تفسير ذلك في الآية بعدها . # . # جمهور العلماء جعلوا هذه الآية ابتداء كلام ، أي على الاستئناف الابتدائي ~~، وأنها قصد منها حكم غير الحكم الذي تضمنته الآية التي قبلها . ومن هؤلاء ~~مالك وهو قول الحنفية فجعلوا مضمون الآية التي قبلها أموال بني النضير خاصة ~~، وجعلوا الآية الثانية هذه إخبارا عن حكم الأفياء التي حصلت عند فتح قرى ~~أخرى بعد غزوة بني النضير . مثل قريظة سنة خمس ، وفدكك سنة سبع ، ونحوهما ~~فعينته هذه الآية للأصناف المذكورة فيها ، ولا حق في ذلك لأهل الجيش أيضا ~~وهذا الذي يجري على وفاق كلام عمر بن الخطاب في قضائه بين العباس وعلي فيما ~~بأيديهما من أموال بني النضير على احتمال فيه ، وهو الذي يقتضيه تغيير ~~أسلوب التعبير بقوله هنا : { ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى } بعد أن ~~قال في التي قبلها { وما أفاء الله على رسوله ms8384 منهم } ( الحشر : 6 ) فإن ~~ضمير { منهم } راجع ل { الذين كفروا من أهل الكتاب } ( الحشر : 2 ) وهم بنو ~~النضير لا محالة . وعلى هذا القول يجوز أن تكون هذه الآية نزلت عقب الآية ~~الأولى ، ويجوز أن تكون نزلت بعد مدة فإن فتح القرى وقع بعد فتح النضير ~~بنحو سنتين . # ومن العلماء من جعل هذه الآية كلمة وبيانا للآية التي قبلها ، أي بيانا ~~للإجمال الواقع في قوله تعالى : { فما أوجفتم عليه من خيل } الآية ( الحشر ~~: 6 ) ، لأن الآية التي قبلها اقتصرت على الإعلام بأن أهل الجيش لا حق لهم ~~فيه ، ولم تبين مستحقه وأشعر قوله { ولكن الله يسلط رسله على من يشاء } ( ~~الحشر : 6 ) أنه مال لله تعالى يضعه حيث شاء على يد رسوله صلى الله عليه ~~وسلم فقد بين الله له مستحقيه من غير أهل الجيش . فموقع هذه الآية من التي ~~قبلها موقع عطف البيان . ولذلك فصلت . # وممن قال بهذا الشافعي وعليه جرى تفسير صاحب ( الكشاف ) . ومقتضى هذا ~~PageV28P081 أن تكون أموال بني النضير مما يخمس ولم يرو أحد أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم خمسها بل ثبت ضده ، وعلى هذا يكون حكم أموال بني النضير ~~حكما خاصا ، أو تكون هذه الآية ناسخة للآية التي قبلها إن كانت نزلت بعدها ~~بمدة . # قال ابن الفرس : آية { ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى } . وهذه ~~الآية من المشكلات إذا نظرت مع الآية التي قبلها ومع آية الغنيمة من سورة ~~الأنفال . ولا خلاف في أن قوله تعالى : { وما أفاء الله على رسوله منهم ~~الآية } ( الحشر : 6 ) إنما نزلت فيما صار لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من أموال الكفار بغير إيجاف ، وبذلك فسرها عمر ولم يخالفه أحد . # وأما آية الأنفال فلا خلاف أنها نزلت فيما صار من أموال الكفار بإيجاف ، ~~وأما الآية الثانية من الحشر فاختلف أهل العلم فيها فمنهم من أضافها إلى ~~التي قبلها ، ومنهم من أضافها إلى آية الأنفال وأنهما نزلتا بحكمين مختلفين ~~في الغنيمة الموجف عليها ، وأن آية الأنفال نسخت آية ms8385 الحشر . # ومنهم من قال : إنها نزلت في معنى ثالث غير المعنيين المذكورين في ~~الآيتين : واختلف الذاهبون إلى هذا : فقيل نزلت في خراج الأرض والجزية دون ~~بقية الأموال ، وقيل نزلت في حكم الأرض خاصة دون سائر أموال الكفار ( فتكون ~~تخصيصا لآية الأنفال ) وإلى هذا ذهب مالك . والآية عند أهل هذه المقالة غير ~~منسوخة . ومنهم من ذهب إلى تخيير الإمام اه . # والتعريف في قوله تعالى : { من أهل القرى } تعريف العهد وهي قرى معروفة ~~عدت منها : قريظة ، وفدك ، وقرى عرينة ، والينبع ، ووادي القرى ، والصفراء ~~، فتحت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم واختلف الناس في فتحها أكان عنوة ~~أو صلحا أو فيئا . والأكثر على أن فدك كانت مثل النضير . # ولا يختص جعله للرسول بخصوص ذات الرسول صلى الله عليه وسلم بل مثله فيه ~~أيمة المسلمين . # وتقييد الفيء بفيء القرى جرى على الغالب لأن الغالب أن لا تفتح إلا القرى ~~لأن أهلها يحاصرون فيستسلمون ويعطون بأيديهم إذا اشتد عليهم الحصار ، فأما ~~PageV28P082 النازلون بالبوادي فلا يغلبون إلا بعد إيجاف وقتال فليس لقيد { ~~من أهل القرى } مفهوم عندنا ، وقد اختلف الفقهاء في حكم الفيء الذي يحصل ~~للمسلمين بدون إيجاف . فمذهب مالك أنه لا يخمس وإنما تخمس الغنائم وهي ما ~~غنمه المسلمون بإيجاف وقتال . # وذهب أبو حنيفة إلى التفصيل بين الأموال غير الأرضين وبين الأرضين . فأما ~~غير الأرضين فهو مخمس ، وأما الأرضون فالخيار فيها للإمام بما يراه أصلح إن ~~شاء قسمها وخمس أهلها فهم أرقاء ، وإن شاء تركها على ملك أهلها وجعل خراجا ~~عليها وعلى أنفسهم . # وذهب الشافعي إلى أن جميع أموال الحرب مخمسة وحمل حكم هاته الآية على حكم ~~آية سورة الأنفال بالتخصيص أو بالنسخ . # وذهب أبو حنيفة إلى التفصيل بين الأموال غير الأرضين وبين الأرضين . فأما ~~غير الأرضين فهو مخمس ، وأما الأرضون فالتفويض فيها للإمام بما يراه أصلح ~~إن شاء قسمها وخمس أهلها فهم أرقاء ، وإن شاء أقر أهلها بها وجعل خراجا ~~عليها وعلى أنفسهم . # وهذه الآية اقتضت أن صنفا مما أفاء الله على المسلمين ms8386 لم يجعل الله فيه ~~نصيبا للغزاة وبذلك تحصل معارضة بين مقتضاها وبين قصر آية الأنفال التي لم ~~تجعل لمن ذكروا في هذه الآية إلا الخمس ، فقال جمع من العلماء : إن آية ~~الأنفال نسخت حكم هذه الآية . وقال جمع : هذه الآية نسخت آية الأنفال . ~~وقال قتادة : كانت الغنائم في صدر الإسلام لهؤلاء الأصناف الخمسة ثم نسخ ~~ذلك بآية الأنفال ، وبذلك قال زيد بن رومان : قال القرطبي ونحوه عن مالك ا ~~ه . على أن سورة الأنفال سابقة في النزول على سورة الحشر لأن الأنفال نزلت ~~في غنائم بدر وسورة الحشر نزلت بعدها بسنتين . # إلا أن يقول قائل : إن آية الأنفال نزلت بعد آية الحشر تجديدا لما شرعه ~~الله من التخميس في غنائم بدر ، أي فتكون آية الحشر ناسخة لما فعله رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في قسمة مغانم بدر ، ثم نسخت آية الأنفال آية ~~الحشر . فيكون إلحاقها بسورة الأنفال بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم ~~وقال القرطبي : قيل إن سورة الحشر PageV28P083 نزلت بعد الأنفال ، واتفقوا ~~على أن تخميس الغنائم هو الذي استقر عليه العمل ، أي بفعل النبي صلى الله ~~عليه وسلم وبالإجماع . # وليس يبعد عندي أن تكون القرى التي عنتها آية الحشر فتحت بحالة مترددة ~~بين مجرد الفيء وبين الغنيمة ، فشرع لها حكم خاص بها ، وإذ قد كانت حالتها ~~غير منضبطة تعذر أن نقيس عليها ونسخ حكمها واستقر الأمر على انحصار الفتوح ~~في حالتين : حالة الفيء المجرد وما ليس مجرد فيء . وسقط حكم آية الحشر ~~بالنسخ أو بالإجماع . والإجماع على مخالفة حكم النص يعتبر ناسخا لأنه يتضمن ~~ناسخا . وعن معمر أنه قال : بلغني أن هذه الآية أي آية { ما أفاء الله على ~~رسوله من أهل القرى } نزلت في أرض الخراج والجزية . # ومن العلماء من حملها على أرض الكفار إذا أخذت عنوة مثل سواد العراق دون ~~ما كان من أموالهم غير أرض . كل ذلك من الحيرة في الجمع بين هذه الآية وآية ~~سورة الأنفال مع أنها متقدمة على هذه مع ما ms8387 روي عن عمر في قضية حكمه بين ~~العباس وعلي ، ومع ما فعله عمر في سواد العراق ، وقد عرفت موقع كل . وستعرف ~~وجه ما فعله عمر في سواد العراق عند الكلام على قوله تعالى : { والذين ~~جاؤوا من بعدهم } ( الحشر : 10 ) . # ومن العلماء من جعل محمل هذه الآية على الغنائم كلها بناء على تفسيرهم ~~الفيء بما يرادف الغنيمة . وزعموا أنها منسوخة بآية الأنفال . وتقدم ما هو ~~المراد من ذكر اسم الله تعالى في عداد من لهم المغانم والفيء والأصناف ~~المذكورة في هذه الآية تقدم بيانها في سورة الأنفال . # و { كي لا يكون دولة } الخ تعليل لما اقتضاه لام التمليك من جعله ملكا ~~لأصناف كثيرة الأفراد ، أي جعلناه مقسوما على هؤلاء لأجل أن لا يكون الفيء ~~دولة بين الأغنياء من المسلمين ، أي لئلا يتداوله الأغنياء ولا ينال أهل ~~الحاجة نصيب منه . # والمقصود من ذلك . إبطال ما كان معتادا في العرب قبل الإسلام من استئثار ~~قائد الجيش بأمور من المغانم وهي : المرباع ، والصفايا ، وما صالح عليه ~~عدوه دون قتال ، والنشيطة ، والفضول . PageV28P084 # قال عبد الله بن عنمة الضبي يخاطب بسطام بن قيس سيد بني شيبان وقائدهم في ~~أيامهم : # لك المرباع منها والصفايا # وحكمك والنشيطة والفضول # فالمرباع : ربع المغانم كان يستأثر به قائد الجيش . # والصفايا : النفيس من المغانم الذي لا نظير له فتتعذر قسمته ، كان يستأثر ~~به قائد الجيش ، وأما حكمه فهو ما أعطاه العدو من المال إذا نزلوا على حكم ~~أمير الجيش . # والنشيطة : ما يصيبه الجيش في طريقه من مال عدوهم قبل أن يصلوا إلى موضع ~~القتال . # والفضول : ما يبقى بعد قسمة المغانم مما لا يقبل القسمة على رؤوس الغزاة ~~مثل بعير وفرس . # وقد أبطل الإسلام ذلك كله فجعل الفيء مصروفا إلى ستة مصارف راجعة فوائدها ~~إلى عموم المسلمين لسد حاجاتهم العامة والخاصة ، فإن ما هو لله وللرسول صلى ~~الله عليه وسلم إنما يجعله الله لما يأمر به رسوله صلى الله عليه وسلم وجعل ~~الخمس من المغانم كذلك لتلك المصارف . # وقد بدا من هذا التعليل ms8388 أن من مقاصد الشريعة أن يكون المال دولة بين ~~الأمة الإسلامية على نظام محكم في انتقاله من كل مال لم يسبق عليه ملك لأحد ~~مثل الموات ، والفيء ، واللقطات ، والركاز ، أو كان جزءا معينا مثل : ~~الزكاة ، والكفارات ، وتخميس المغانم ، والخراج ، والمواريث ، وعقود ~~المعاملات التي بين جانبي مال وعمل مثل : القراض والمغارسة ، والمساقاة ، ~~وفي الأموال التي يظفر بها الظافر بدون عمل وسعي مثل : الفيء والركاز ، وما ~~ألقاه البحر ، وقد بينت ذلك في الكتاب الذي سميته ( مقاصد الشريعة ~~الإسلامية ) . # والدولة بضم الدال : ما يتداوله المتداولون . والتداول : التعاقب في ~~التصرف في شيء . وخصها الاستعمال بتداول الأموال . PageV28P085 # والدولة بفتح الدال : النوبة في الغلبة والملك . ولذلك أجمع القراء ~~المشهورون على قراءتها في هذه الآية بضم الدال . # وقرأ الجمهور { كي لا يكون دولة } بنصب { دولة } على أنه خبر { يكون } . ~~واسم { يكون } ضمير عائد إلى ما أفاء الله ، وقرأه هشام عن ابن عامر ، وأبو ~~جعفر برفع { دولة } على أن { يكون } تامة و { دولة } فاعله . # وقرأ الجمهور { يكون } بتحتية في أوله . وقرأه أبو جعفر { تكون } بمثناة ~~فوقية جريا على تأنيث فاعله . واختلف الرواة عن هشام فبعضهم روى عنه موافقة ~~( أي جعفر ) في تاء { تكون } وبعضهم روى عنه موافقة الجمهور في الياء . # والخطاب في قوله تعالى : { بين الأغنياء منكم } للمسلمين لأنهم الذين ~~خوطبوا في ابتداء السورة بقوله : { ما ظننتم أن يخرجوا } ( الحشر : 2 ) ثم ~~قوله : { ما قطعتم من لينة } ( الحشر : 5 ) وما بعده . وجعله ابن عطية ~~خطابا للأنصار لأن المهاجرين لم يكن لهم في ذلك الوقت غنى . # والمراد ب { الأغنياء } الذين هم مظنة الغنى ، وهم الغزاة لأنهم أغنياء ~~بالمغانم والأنفال . # . # اعتراض ذيل به حكم فيء بني النضير إذ هو أمر بالأخذ بكل ما جاء به الرسول ~~صلى الله عليه وسلم ومما جاءت به هذه الآيات في شأن فيء النضير ، والواو ~~اعتراضية ، والقصد من هذا التذييل إزالة ما في نفوس بعض الجيش من حزازة ~~حرمانهم مما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم من أرض النضير . # والإيتاء مستعار لتبليغ الأمر ms8389 إليهم ، جعل تشريعه وتبليغه كإيتاء شيء ~~بأيديهم كما قال تعالى : { خذوا ما آتيناكم بقوة } ( البقرة : 63 و 93 ) ~~واستعير الأخذ أيضا لقبول الأمر والرضى به والعمل . PageV28P086 # وقرينة ذلك مقابلته بقوله تعالى : { وما نهاكم عنه فانتهوا } وهو تتميم ~~لنوعي التشريع . وهذه الآية جامعة للأمر باتباع ما يصدر من النبي صلى الله ~~عليه وسلم من قول وفعل فيندرج فيها جميع أدلة السنة . وفي ( الصحيحين ) عن ~~ابن مسعود : أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لعن الله ~~الواشمات والمستوشمات ) . . الحديث . فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها : ~~أم يعقوب فجاءته فقالت : بلغني أنك لعنت كيت وكيت فقال لها : وما لي لا ~~ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في كتاب الله ؟ فقالت : لقد ~~قرأت ما بين اللوحين فما وجدت فيه ما تقول . فقال : لئن كنت قرأتيه لقد ~~وجدتيه ، أما قرأت : { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } . # وعطف على هذا الأمر تحذير من المخالفة فأمرهم بتقوى الله فيما أمر به على ~~لسان رسوله صلى الله عليه وسلم وعطف الأمر بالتقوى على الأمر بالأخذ ~~بالأوامر وترك المنهيات يدل على أن التقوى هي امتثال الأمر واجتناب النهي . # والمعنى : واتقوا عقاب الله لأن الله شديد العقاب ، أي لمن خالف أمره ~~واقتحم نهيه . # بدل مما يصلح أن يكون بدلا منه من أسماء الأصناف المتقدمة التي دخلت ~~عليها اللام مباشرة وعطفا قوله : { ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن ~~السبيل } ( الحشر : 7 ) بدل بعض من كل . # وأول فائدة في هذا البدل التنبيه على أن ما أفاء الله على المسلمين من ~~أهل القرى المعنية في الآية لا يجري قسمه على ما جرى عليه قسم أموال بني ~~النضير التي اقتصر في قسمها على المهاجرين وثلاثة من الأنصار ورابع منهم ، ~~فكأنه قيل : ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل للفقراء منهم لا ~~مطلقا ، يدخل في ذلك المهاجرون والأنصار والذين آمنوا بعدهم . PageV28P087 # وأعيد اللام مع البدل لربطه بالمبدل منه لانفصال ما بينهما بطول الكلام ~~من تعليل وتذييل وتحذير ms8390 . ولإفادة التأكيد . # وكثيرا ما يقترن البدل بمثل العامل في المبدل منه على وجه التأكيد اللفظي ~~، وتقدم في قوله تعالى : { تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا في سورة العقود . ~~فبقي احتمال أن يكون قيدا لذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل } ( ~~الحشر : 7 ) ، فيتعين أن يكون قوله : { للفقراء } إلى آخره مسوقا لتقييد ~~استحقاق هؤلاء الأصناف وشأن القيود الواردة بعد مفردات أن ترجع إلى جميع ما ~~قبلها ، فيقتضي هذا أن يشترط الفقر في كل صنف من هذه الأصناف الأربعة ، لأن ~~مطلقها قد قيد بقيد عقب إطلاق ، والكلام بأواخره فليس يجري هنا الاختلاف في ~~حمل المطلق على المقيد ، ولا تجري الصور الأربع في حمل المطلق على المقيد ~~من اتحاد حكمهما وجنسهما . ولذلك قال مالك وأبو حنيفة : لا يعطى ذوو القربى ~~إلا إذا كانوا فقراء لأنه عوض لهم عما حرموه من الزكاة . وقال الشافعي ~~وكثير من الفقهاء : يشترط الفقر فيما عدا ذوي القربى لأنه حق لهم لأجل ~~القرابة للنبيء صلى الله عليه وسلم قال إمام الحرمين : أغلظ الشافعي الرد ~~على مذهب أبي حنيفة بأن الله علق الاستحقاق بالقرابة ولم يشترط الحاجة ، ~~فاشتراطها وعدم اعتبار القرابة يضاره ويحاده . # قلت : هذا محل النزاع فإن الله ذكر وصف اليتامى ووصف ابن السبيل ولم ~~يشترط الحاجة . # واعتذر إمام الحرمين للحنفية بأن الصدقات لما حرمت على ذوي القربى كانت ~~فائدة ذكرهم في خمس الفيء والمغانم أنه لا يمتنع صرفه إليهم امتناع صرف ~~الصدقات ، ثم قال : لا تغتر بالاعتذار فإن الآية نص على ثبوت الاستحقاق ~~تشريفا لهم فمن علله بالحاجة فوت هذا المعنى اه . # وعند التأمل تجد أن هذا الرد مدخول ، والبحث فيه يطول . ومحله مسائل ~~الفقه والأصول . # ومن العلماء والمفسرين من جعل جملة { للفقراء المهاجرين } ابتدائية على ~~حذف PageV28P088 المبتدأ . والتقدير : ما أفاء الله على رسوله للمهاجرين ~~الفقراء إلى آخر ما عطف عليه فتكون هذه مصارف أخرى للفيء ، ومنهم من جعلها ~~معطوفة بحذف حرف العطف على طريقة التعداد كأنه قيل : فلله وللرسول ، إلى ~~آخره ، ثم قيل : { للفقراء المهاجرين } . فعلى هذين القولين ينتفي ms8391 كونها ~~قيدا للجملة التي قبلها ، وتنفتح طرائق أخرى في حمل المطلق على المقيد ، ~~والاختلاف في شروط الحمل ، وهي طرائق واضحة للمتأمل ، وعلى الوجه الأول ~~يكون المعول . # ووصف المهاجرون بالذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم تنبيها على أن إعطاءهم ~~مراعى جبر ما نكبوا به من ضياع الأموال والديار ، ومراعى فيه إخلاصهم ~~الإيمان وأنهم مكررون نصر دين الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فذيل بقوله : ~~{ أولئك هم الصادقون } . # واسم الإشارة لتعظيم شأنهم وللتنبيه على أن استحقاقهم وصف الصادقين لأجل ~~ما سبق اسم الإشارة من الصفات وهي أنهم أخرجوا من ديارهم وأموالهم ~~وابتغاؤهم فضلا من الله ورضوانا ونصرهم الله ورسوله فإن الأعمال الخالصة ~~فيما عملت لأجله يشهد للإخلاص فيها ما يلحق عاملها من مشاق وأذى وإضرار ، ~~فيستطيع أن يخلص منها لو ترك ما عمله لأجلها أو قصر فيه . # وجملة { هم الصادقون } مفيدة القصر لأجل ضمير الفصل وهو قصر ادعائي ~~للمبالغة في وصفهم بالصدق الكامل كأن صدق غيرهم ليس صدقا في جانب صدقهم . # وموقع قوله : { أولئك هم الصادقون } كموقع قوله : { وأولئك هم المفلحون ~~في سورة البقرة . # } # الأظهر أن { الذين } عطف على { المهاجرين } ( الحشر : 8 ) أي والذين ~~تبوؤا الدار . PageV28P089 والذين تبوؤا الدار هم الأنصار . # والدار تطلق على البلاد ، وأصلها موضع القبيلة من الأرض . وأطلقت على ~~القرية قال تعالى في ذكر ثمود { فأصبحوا في دارهم جاثمين } ( الأعراف : 78 ~~) ، أي في مدينتهم وهي حجر ثمود . # والتعريف هنا للعهد لأن المراد بالدار : يثرب ، والمعنى الذين هم أصحاب ~~الدار . هذا توطئة لقوله : { يحبون من هاجر إليهم } . # والتبوء : اتخاذ المباءة وهي البقعة التي يبوء إليها صاحبها ، أي يرجع ~~إليها بعد انتشاره في أعماله . وفي موقع قوله : { والإيمان } غموض إذ لا ~~يصح أن يكون مفعولا لفعل تبوءوا ، فتأوله المفسرون على وجهين : أحدهما أن ~~يجعل الكلام استعارة مكنية بتشبيه الإيمان بالمنزل وجعل إثبات التبوء ~~تخييلا فيكون فعل تبوأوا مستعملا في حقيقته ومجازه . # وجمهور المفسرين جعلوا المعطوف عاملا مقدرا يدل عليه الكلام ، تقديره : ~~وأخلصوا الإيمان على نحو قول الراجز الذي لا يعرف : # علفتها تبنا ms8392 وماء باردا # وقول عبد الله بن الزبعرى : # يا ليت زوجكك قد غدا # متقلدا سيفا ورمحا # أي وممسكا رمحا وهو الذي درج عليه في ( الكشاف ) . وقيل الواو للمعية . و ~~{ الإيمان } مفعول معه . PageV28P090 # وعندي أن هذا أحسن الوجوه ، وإن قل قائلوه . والجمهور يجعلون النصب على ~~المفعول معه سماعيا فهو عندهم قليل الاستعمال فتجنبوا تخريج آيات القرآن ~~عليه حتى ادعى ابن هشام في ( مغني اللبيب ) أنه غير واقع في القرآن بيقين . ~~وتأول قوله تعالى : { فأجمعوا أمركم وشركاءكم } ( يونس : 71 ) ، ذلك لأن ~~جمهور البصريين يشترطون أن يكون العامل في المفعول معه هو العامل في الاسم ~~الذي صاحبه ولا يرون واو المعية ناصبة المفعول معه خلافا للكوفيين والأخفش ~~فإن الواو عندهم بمعنى ( مع ) . وقال عبد القاهر : منصوب بالواو . # والحق عدم التزام أن يكون المفعول معه معمولا للفعل ، ألا ترى صحة قول ~~القائل : استوى الماء والخشبة . وقولهم : سرت والنيل ، وهو يفيد الثناء ~~عليهم بأن دار الهجرة دارهم آووا إليها المهاجرين لأنها دار مؤمنين لا ~~يماثلها يومئذ غيرها . # وبذلك يتضح أن متعلق { من قبلهم } فعل { تبوؤا } بمفرده ، وأن المجرور ~~المتعلق به قيد فيه دون ما ذكر بعد الواو لأن الواو ليست واو عطف فلذلك لا ~~تكون قائمة مقام الفعل السابق لأن واو المعية في معنى ظرف فلا يعلق بها ~~مجرور . # وفي ذكر الدار ( وهي المدينة ) مع ذكر الإيمان إيماء إلى فضيلة المدينة ~~بحيث جعل تبوءهم المدينة قرين الثناء عليهم بالإيمان ولعل هذا هو الذي عناه ~~مالك رحمه الله فيما رواه عنه ابن وهب قال : سمعت مالكا يذكر فضل المدينة ~~على غيرها من الآفاق . فقال : إن المدينة تبوئت بالإيمان والهجرة وإن غيرها ~~من القرى افتتحت بالسيف ثم قرأ : { والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم ~~يحبون من هاجر إليهم } الآية . # وجملة { يحبون من هاجر إليهم } حال من الذين تبوؤوا الدار ، وهذا ثناء ~~عليهم بما تقرر في نفوسهم من أخوة الإسلام إذ أحبوا المهاجرين ، وشأن ~~القبائل أن يتحرجوا من الذين يهاجرون إلى ديارهم لمضايقتهم . # ومن آثار هذه المحبة ما ثبت ms8393 في ( الصحيح ) من خبر سعد بن الربيع مع عبد ~~الرحمن بن عوف إذ عرض سعد عليه أن يقاسمه ماله وأن ينزل له عن إحدى زوجتيه ~~، وقد أسكنوا المهاجرين معهم في بيوتهم ومنحوهم من نخيلهم ، وحسبك الأخوة ~~التي آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار . PageV28P091 # وقوله : { ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا } أريد بالوجدان الإدراك ~~العقلي ، وكنى بانتفاء وجدان الحاجة عن انتفاء وجودها لأنها لو كانت موجودة ~~لأدركوها في نفوسهم وهذا من باب قول الشاعر : # ولا ترى الضب بها ينجحر # والحاجة في الأصل : اسم مصدر الحوج وهو الاحتياج ، أي الافتقار إلى شيء ، ~~وتطلق على الأمر المحتاج إليه من إطلاق المصدر على اسم المفعول ، وهي هنا ~~مجاز في المأرب والمراد ، وإطلاق الحاجة إلى المأرب مجاز مشهور ساوى ~~الحقيقة كقوله تعالى : { ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم } ( غافر : 80 ) ، ~~أي لتبلغوا في السفر عليها المأرب الذي تسافرون لأجله ، وكقوله تعالى : { ~~إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها } ( يوسف : 68 ) أي مأربا مهما وقول النابغة : # أيام تخبرني نعم وأخبرها # ما أكتم الناس من حاجي وإسراري # وعليه فتكون ( من ) في قوله : { مما أوتوا } ابتدائية ، أي مأربا أو رغبة ~~ناشئة من فيء أعطيه المهاجرون . والصدور مراد بها النفوس جمع الصدر وهو ~~الباطن الذي فيه الحواس الباطنة وذلك كإطلاق القلب على ذلك . # و ( ما أوتوا ) هو فيء بني النضير . # وضمير { صدورهم } عائد إلى { الذين تبوؤا الدار } ، وضمير { أوتوا } عائد ~~إلى { من هاجر إليهم } ، لأن من هاجر جماعة من المهاجرين فروعي في ضمير ~~معنى ( من ) بدون لفظها . وهذان الضميران وإن كانا ضميري غيبة وكانا ~~مقتربين فالسامع يرد كل ضمير إلى معاده بحسب السياق مثل ( ما ) في قوله ~~تعالى : { وعمروها أكثر مما عمروها في سورة الروم . وقول عباس بن مرداس ~~يذكر انتصار المسلمين مع قومه بني سليم على هوازن : # عدنا ولولا نحن أحدق جمعهم # بالمسلمين وأحرزوا ما جمعوا # ( أي أحرز جيش هوازن ما جمعه جيش المسلمين ) . # والمعنى : أنهم لا يخامر نفوسهم تشوف إلى أخذ شيء مما أوتيه المهاجرون ms8394 من ~~فيء بني النضير . PageV28P092 # ويجوز وجه آخر بأن يحمل لفظ حاجة على استعماله الحقيقي اسم مصدر الاحتياج ~~فإن الحاجة بهذا المعنى يصح وقوعها في الصدور لأنها من الوجدانيات ~~والانفعالات . ومعنى نفي وجدان الاحتياج في صدورهم أنهم لفرط حبهم ~~للمهاجرين صاروا لا يخامر نفوسهم أنهم مفتقرون إلى شيء مما يؤتاه المهاجرون ~~، أي فهم أغنياء عما يؤتاه المهاجرون فلا تستشرف نفوسهم إلى شيء مما يؤتاه ~~المهاجرون بله أن يتطلبوه . # وتكون ( من ) في قوله تعالى : مما أوتوا } للتعليل ، أي حاجة لأجل ما ~~أوتيه المهاجرون ، أو ابتدائية ، أي حاجة ناشئة عما أوتيه المهاجرون فيفيد ~~انتفاء وجدان الحاجة في نفوسهم وانتفاء أسباب ذلك الوجدان ومناشئه المعتادة ~~في الناس تبعا للمنافسة والغبطة ، وقد دل انتفاء أسباب الحاجة على متعلق ~~حاجة المحذوف إذ التقدير : ولا يجدون في نفوسهم حاجة لشيء أوتيه المهاجرون ~~. # والإيثار : ترجيح شيء على غيره بمكرمة أو منفعة . # والمعنى : يؤثرون على أنفسهم في ذلك اختيارا منهم وهذا أعلى درجة مما ~~أفاده قوله : { ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا } فلذلك عقب به ولم ~~يذكر مفعول { يؤثرون } لدلالة قوله : { مما أوتوا } عليه . # ومن إيثارهم المهاجرين ما روي في ( الصحيح ) أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~دعا الأنصار ليقطع لهم قطائع بنخل البحرين فقالوا : لا إلا أن تقطع ~~لإخواننا من المهاجرين مثلها . # وإما إيثار الواحد منهم على غيره منهم فما رواه البخاري عن أبي هريرة قال ~~: ( أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله أصابني ~~الجهد . فأرسل في نسائه فلم يجد عندهن شيئا فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~ألا رجل يضيف هذا الليلة رحمه الله ، فقام رجل من الأنصار ( هو أبو طلحة ) ~~فقال : أنا يا رسول الله ، فذهب إلى أهله فقال لامرأته : هذا ضيف رسول الله ~~لا تدخريه شيئا ، فقالت : والله ما عندي إلا قوت الصبية . قال : فإذا أراد ~~الصبية العشاء فنوميهم وتعالي فأطفئي السراج ونطوي بطوننا الليلة . فإذا ~~دخل الضيف فإذا أهوى ليأكل فقومي إلى السراج تري أنكك تصلحينه فأطفئيه ~~وأريه ms8395 أنا نأكل . فقعدوا وأكل الضيف . PageV28P093 # وذكرت قصص من هذا القبيل في التفاسير ، قيل : نزلت هذه الآية في قصة أبي ~~طلحة وقيل غير ذلك . # وجملة { ولو كان بهم خصاصة } في موضع الحال . # و { لو } وصلية وهي التي تدل على مجرد تعليق جوابها بشرط يفيد حالة لا ~~يظن حصول الجواب عند حصولها . والتقدير : لو كان بهم خصاصة لآثروا على ~~أنفسهم فيعلم أن إيثارهم في الأحوال التي دون ذلك بالأحرى دون إفادة ~~الامتناع . وقد بينا ذلك عند قوله تعالى : { فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ~~ذهبا ولو افتدى به في سورة آل عمران . # والخصاصة : شدة الاحتياج . # وتذكير فعل كان } لأجل كون تأنيث الخصاصة ليس حقيقيا ، ولأنه فصل بين { ~~كان } واسمها بالمجرور . والباء للملابسة . # وجملة { ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون } تذييل ، والواو اعتراضية ، ~~فإن التذييل من قبيل الاعتراض في آخر الكلام على الرأي الصحيح . وتذييل ~~الكلام بذكر فضل من يوقون شح أنفسهم بعد قوله : { ويؤثرون على أنفسهم ولو ~~كان بهم خصاصة } يشير إلى أن إيثارهم على أنفسهم حتى في حالة الخصاصة هو ~~سلامة من شح الأنفس فكأنه قيل لسلامتهم من شح الأنفس { ومن يوق شح نفسه ~~فأولئك هم المفلحون } . # والشح بضم الشين وكسرها : غريزة في النفس بمنع ما هو لها ، وهو قريب من ~~معنى البخل . وقال الطيبي : الفرق بين الشح والبخل عسير جدا وقد أشار في ( ~~الكشاف ) إلى الفرق بينهما بما يقتضي أن البخل أثر الشح وهو أن يمنع أحد ما ~~يراد منه بذله وقد قال تعالى : { وأحضرت الأنفس الشح } ( النساء : 128 ) أي ~~جعل الشح حاضرا معها لا يفارقها ، وأضيف في هذه الآية إلى النفس لذلك فهو ~~غريزة لا تسلم منها نفس . # وفي الحديث في بيان أفضل الصدقة ( أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر ~~وتأمل الغنى ) ولكن النفوس تتفاوت في هذا المقدار فإذا غلب PageV28P094 ~~عليها بمنع المعروف والخير فذلك مذموم ويتفاوت ذمه بتفاوت ما يمنعه . قال ~~وقد أحسن وصفه من قال ، لم أقف على قائله : # يمارس نفسا بين جنبيه كزة # إذا ms8396 هم بالمعروف قالت له مهلا # فمن وقي شح نفسه ، أي وقي من أن يكون الشح المذموم خلقا له ، لأنه إذا ~~وقي هذا الخلق سلم من كل مواقع ذمه . فإن وقي من بعضه كان له من الفلاح ~~بمقدار ما وقيه . # واسم الإشارة لتعظيم هذا الصنف من الناس . # وصيغة القصر المؤداة بضمير الفصل للمبالغة لكثرة الفلاح الذي يترتب على ~~وقاية شح النفس حتى كأن جنس المفلح مقصور على ذلك الموقى . # ومن المفسرين من جعل { والذين تبوؤا الدار } ابتداء كلام للثناء على ~~الأنصار بمناسبة الثناء على المهاجرين وهؤلاء لم يجعلوا للأنصار حظا في ما ~~أفاء الله على رسوله من أهل القرى وقصروا قوله : { ما أفاء الله على رسوله ~~من أهل القرى } ( الحشر : 7 ) على قرى خاصة هي : قريظة . وفدك ، وخيبر . ~~والنفع ، وعرينة ، ووادي القرى ، ورووا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لما أفاء الله عليه فيئها قال للأنصار : ( إن شئتم قاسمتم المهاجرين من ~~أموالكم ودياركم وشاركتموهم في هذه الغنيمة ، وإن شئتم أمسكتم أموالكم ~~وتركتم لهم هذا ) ؟ فقالوا : بل نقسم لهم من أموالنا ونترك لهم هذه الغنيمة ~~، فنزلت آية { ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى الآية } ( الحشر : 7 ) ~~. # ومنهم من قصر هذه الآية على فيء بني النضير وكل ذلك خروج عن مهيع انتظام ~~آي هذه السورة بعضها مع بعض وتفكيك لنظم الكلام وتناسبه مع وهن الأخبار ~~التي رووها في ذلك فلا ينبغي التعويل عليه . وعلى هذا التفسير يكون عطف { ~~والذين تبوؤا الدار } عطف جملة على جملة ، واسم الموصول مبتدأ وجملة { ~~يحبون من هاجر إليهم } خبرا عن المبتدأ . # PageV28P095 # عطف على { والذين تبوؤا الدار } ( الحشر : 9 ) على التفسيرين المتقدمين ؛ ~~فأما على رأي من جعلوا { والذين تبوءوا الدار } ( الحشر : 9 ) معطوفا على { ~~للفقراء المهاجرين } ( الحشر : 8 ) جعلوا { الذين جاؤوا من بعدهم } فريقا ~~من أهل القرى ، وهو غير المهاجرين والأنصار بل هو من جاء إلى الإسلام بعد ~~المهاجرين والأنصار ، فضمير { من بعدهم } عائد إلى مجموع الفريقين . # والمجيء مستعمل للطرو والمصير إلى حالة تماثل حالهم ، وهي ms8397 حالة الإسلام ، ~~فكأنهم أتوا إلى مكان لإقامتهم ، وهذا فريق ثالث وهؤلاء هم الذين ذكروا في ~~قوله تعالى بعد ذكر المهاجرين والأنصار { والذين اتبعوهم بإحسان } ( التوبة ~~: 100 ) أي اتبعوهم في الإيمان . # وإنما صيغ { جاءوا } بصيغة الماضي تغليبا لأن من العرب وغيرهم من أسلموا ~~بعد الهجرة مثل غفارة ، ومزينة ، وأسلم ، ومثل عبد الله بن سلام ، وسلمان ~~الفارسي ، فكأنه قيل : الذين جاؤوا ويجيئون ، بدلالة لحن الخطاب . والمقصود ~~من هذا : زيادة دفع إيهام أن يختص المهاجرون بما أفاء الله على رسوله صلى ~~الله عليه وسلم من أهل القرى كما اختصهم النبي صلى الله عليه وسلم بفيء بني ~~النضير . # وقد شملت هذه الآية كل من يوجد من المسلمين أبد الدهر ، وعلى هذا جرى فهم ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه . روى البخاري من طريق مالك عن زيد بن أسلم عن ~~أبيه قال : قال عمر : لولا آخر المسلمين ما فتحت قرية إلا قسمتها بين أهلها ~~( أي الفاتحين ) كما قسم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر . # وذكر القرطبي : أن عمر دعا المهاجرين والأنصار واستشارهم فيما فتح الله ~~عليه وقال لهم : تثبتوا الأمر وتدبروه ثم اغدوا علي فلما غدوا عليه قال : ~~قد مررت بالآيات التي في سورة الحشر وتلا { ما أفاء الله على رسوله من أهل ~~القرى إلى قوله : أولئك هم الصادقون ( 7 ، 8 ) . قال : ما هي لهؤلاء فقط ~~وتلا قوله : والذين جاءوا من بعدهم } إلى قوله : { رؤوف رحيم } ثم قال : ما ~~بقي أحد من أهل الإسلام إلا وقد دخل في ذلك اه . # وهذا ظاهر في الفيء ، وأما ما فتح عنوة فمسألة أخرى ولعمر بن الخطاب في ~~PageV28P096 عدم قسمته سواد العراق بين الجيش الفاتحين له عمل آخر ، وهو ~~ليس من غرضنا . ومحله كتب الفقه والحديث . # والفريق من المفسرين الذين جعلوا قوله تعالى : { والذين تبوءوا الدار ~~والإيمان } ( الحشر : 9 ) كلاما مستأنفا ، وجعل { يحبون من هاجر إليهم } ( ~~الحشر : 9 ) خبرا عن اسم الموصول ، جعلوا قوله : { والذين جاءوا من بعدهم } ~~كذلك مستأنفا . # ومن الذين جعلوا قوله : { والذين تبوءوا } ( الحشر : 9 ) معطوفا ms8398 على { ~~للفقراء المهاجرين } ( الحشر : 8 ) من جعل قوله : { والذين جاءوا من بعدهم ~~} مستأنفا . ونسبه ابن الفرس في ( أحكام القرآن ) إلى الشافعي . ورأى أن ~~الفيء إذا كان أرضا فهو إلى تخيير الإمام وليس يتعين صرفه للأصناف المذكورة ~~في فيء بني النضير . # وجملة { يقولون ربنا اغفر لنا } على التفسير المختار في موضع الحال من { ~~الذين جاؤوا من بعدهم } . # والغل بكسر الغين : الحسد والبغض ، أي سألوا الله أن يطهر نفوسهم من الغل ~~والحسد للمؤمنين السابقين على ما أعطوه من فضيلة صحبة النبي صلى الله عليه ~~وسلم وما فضل به بعضهم من الهجرة وبعضهم من النصرة ، فبين الله للذين جاؤا ~~من بعدهم ما يكسبهم فضيلة ليست للمهاجرين والأنصار ، وهي فضيلة الدعاء لهم ~~بالمغفرة وانطواء ضمائرهم على محبتهم وانتفاء البغض لهم . # والمراد أنهم يضمرون ما يدعون الله به لهم في نفوسهم ويرضوا أنفسهم عليه ~~. # وقد دلت الآية على أن حقا على المسلمين أن يذكروا سلفهم بخير ، وأن حقا ~~عليهم محبة المهاجرين والأنصار وتعظيمهم ، قال مالك : من كان يبغض أحدا من ~~أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أو كان قلبه عليه غل فليس له حق في فيء ~~المسلمين ، ثم قرأ { والذين جاءوا من بعدهم } الآية . # فلعله أخذ بمفهوم الحال من قوله تعالى : { يقولون ربنا اغفر لنا } الآية ~~، فإن المقصد من الثناء عليهم بذلك أن يضمروا مضمونه في نفوسهم فإذا أضمروا ~~خلافه وأعلنوا بما ينافي ذلك فقد تخلف فيهم هذا الوصف ، فإن الفيء عطية ~~PageV28P097 أعطاها الله تلك الأصناف ولم يكتسبوها بحق قتال ، فاشترط الله ~~عليهم في استحقاقها أن يكونوا محبين لسلفهم غير حاسدين لهم . # وهو يعني إلا ما كان من شنآن بين شخصين لأسباب عادية أو شرعية مثل ما كان ~~بين العباس وعلي حين تحاكما إلى عمر ، فقال العباس : اقض بيني وبين هذا ~~الظالم الخائن الغادر . ومثل إقامة عمر حد القذف على أبي بكرة . # وأما ما جرى بين عائشة وعلي من النزاع والقتال وبين علي ومعاوية من ~~القتال فإنما كان انتصارا للحق في كلا رأيي الجانبين وليس ms8399 ذلك لغل أو تنقص ~~، فهو كضرب القاضي أحدا تأديبا له فوجب إمساك غيرهم من التحزب لهم بعدهم ~~فإنه وإن ساغ ذلك لآحادهم لتكافىء درجاتهم أو تقاربها . والظن بهم زوال ~~الحزازات من قلوبهم بانقضاء تلك الحوادث ، لا يسوغ ذلك للأذناب من بعدهم ~~الذين ليسوا منهم في عير ولا نفير ، وإنما هي مسحة من حمية الجاهلية نخرت ~~عضد الأمة المحمدية . # أعقب ذكر ما حل ببني النضير وما اتصل به من بيان أسبابه ، ثم بيانن مصارف ~~فيئهم وفيء ما يفتح من القرى بعد ذلك ، بذكر أحوال المنافقين مع بني النضير ~~وتغريرهم بالوعود الكاذبة ليعلم المسلمون أن النفاق سجية في أولئك لا ~~يتخلون عنه ولو في جانب قوم هم الذين يودون أن يظهروا على المسلمين . # والجملة استئناف ابتدائي والاستفهام مستعمل في التعجيب من حال المنافقين ~~فبني على نفي العلم بحالهم كناية عن التحريض على إيقاع هذا العلم كأنه يقول ~~: تأمل الذين نافقوا في حال مقالتهم لإخوانهم ولا تترك النظر في ذلك فإنه ~~حال عجيب ، وقد تقدم تفصيل معنى : { ألم تر } إلى كذا عند قوله تعالى : { ~~ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم في سورة البقرة . PageV28P098 # وجملة يقولون } في موضع المفعول الثاني . والتقدير : ألم ترهم قائلين . ~~وجيء بالفعل المضارع لقصد تكرر ذلك منهم ، أي يقولون ذلك مؤكدينه ومكررينه ~~لا على سبيل البداء أو الخاطر المعدول عنه . # و { الذين نافقوا } المخبر عنهم هنا هم فريق من بني عوف من الخزرج من ~~المنافقين سمي منهم عبد الله بن أبي ابن سلول ، وعبد الله بن نبتل ، ورفاعة ~~بن زيد ، ورافعة بن تابوت ، وأوس بن قيظي ، ووديعة بن أبي قوتل ، أو ابن ~~قوقل ، وسويد ( لم ينسب ) وداعس ( لم ينسب ) ، بعثوا إلى بني النضير حين ~~حاصر جيش المسلمين بني النضير يقولون لهم : اثبتوا في معاقلكم فإنا معكم . # والمراد بإخوانهم بنو النضير وإنما وصفهم بالإخوة لهم لأنهم كانوا متحدين ~~في الكفر برسالة محمد صلى الله عليه وسلم وليست هذه أخوة النسب فإن بني ~~النضير من اليهود ، والمنافقين الذين بعثوا إليهم من ms8400 بني عوف من عرب ~~المدينة وأصلهم من الأزد . # وفي وصف إخوانهم ب { الذين كفروا } إيماء إلى أن جانب الأخوة بينهم هو ~~الكفر إلا أن كفر المنافقين كفر الشرك وكفر إخوانهم كفر أهل الكتاب وهو ~~الكفر برسالة محمد صلى الله عليه وسلم # ولام { لئن أخرجتم } موطئة للقسم ، أي قالوا لهم كلاما مؤكدا بالقسم . # وإنما وعدوهم بالخروج معهم ليطمئنوا لنصرتهم فهو كناية عن النصر وإلا ~~فإنهم لا يرضون أن يفارقوا بلادهم . # وجملة { ولا نطيع فيكم أحدا } معطوفة على جملة { لئن أخرجتم } فهي من ~~المقول لا من المقسم عليه ، وقد أعريت عن المؤكد لأن بني النضير يعلمون أن ~~المنافقين لا يطيعون الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين فكان المنافقون ~~في غنية عن تحقيق هذا الخبر . # ومعنى { فيكم } في شأنكم ، ويعرف هذا بقرينة المقام ، أي في ضركم إذ لا ~~يخطر بالبال أنهم لا يطيعون من يدعوهم إلى موالاة إخوانهم ، ويقدر المضاف ~~في مثل هذا بما يناسب المقام . ونظيره قوله تعالى : { فترى الذين في قلوبهم ~~مرض PageV28P099 يسارعون فيهم ، } ( المائدة : 52 ) أي في الموالاة لهم . ~~ومعنى { لننصرنكم } لنعيننكم في القتال . والنصر يطلق على الإعانة على ~~المعادي . وقد أعلم الله رسوله صلى الله عليه وسلم بأنهم كاذبون في ذلك بعد ~~ما أعلمه بما أقسموا عليه تطمينا لخاطره لأن الآية نزلت بعد إجلاء بني ~~النضير وقبل غزو قريظة لئلا يتوجس الرسول صلى الله عليه وسلم خيفة من بأس ~~المنافقين ، وسمى الله الخبر شهادة لأنه خبر عن يقين بمنزلة الشهادة التي ~~لا يتجازف المخبر في شأنها . # . # بيان لجملة { والله يشهد إنهم لكاذبون } ( الحشر : 11 ) . # واللام موطئة للقسم وهذا تأكيد من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم ~~أنهم لن يضروه شيئا لكيلا يعبأ بما بلغه من مقالتهم . # وضمير { أخرجوا } و { قوتلوا } عائدان إلى { الذين كفروا من أهل الكتاب } ~~( الحشر : 11 ) ، أي الذين لم يخرجوا ولما يقاتلوا وهم قريظة وخيبر ، أما ~~بنو النضير فقد أخرجوا قبل نزول هذه السورة فهم غير معنيين بهذا الخبر ~~المستقبل . والمعنى : لئن أخرج بقية اليهود ms8401 في المستقبل لا يخرجون معهم ~~ولئن قوتلوا في المستقبل لا ينصرونهم . وقد سلك في هذا البيان طريق الإطناب ~~. فإن قوله : { والله يشهد إنهم لكاذبون } ( الحشر : 11 ) جمع ما في هاتين ~~الجملتين فجاء بيانه بطريقة الإطناب لزيادة تقرير كذبهم . # . # ارتقاء في تكذيبهم على ما وعدوا به إخوانهم ، والواو واو الحال وليست واو ~~العطف . # وفعل نصروهم إرادة وقوع الفعل بقرينة قوله : { ليولن الأدبار ثم لا ~~ينصرون } فيكون إطلاق الفعل على إرادته مثل قوله تعالى : { إذا قمتم إلى ~~الصلاة فاغسلوا PageV28P100 وجوهكم الآية } ( المائدة : 6 ) وقوله : { فإذا ~~قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم } ( النحل : 98 ) . # وقوله تعالى : { للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر } ( البقرة : 226 ~~) ، أي يريدون العود إلى ما امتنعوا منه بالإيلاء . والمعنى : أنه لو فرض ~~أنهم أرادوا نصرهم فإن أمثالهم لا يترقب منهم الثبات في الوغى فلو أرادوا ~~نصرهم وتجهزوا معهم لفروا عند الكريهة وهذا كقوله تعالى : { لو خرجوا فيكم ~~ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم } ( التوبة : 47 ) . # ويجوز أن يكون أطلق النصر على الإعانة بالرجال والعتاد وهو من معاني ~~النصر . # و { ثم } في قوله : { ثم لا ينصرون } للتراخي الرتبي كما هو شأنها في عطف ~~الجمل فإن انتفاء النصر أعظم رتبة في تأييس أهل الكتاب من الانتفاع بإعانة ~~المنافقين فهو أقوى من انهزام المنافقين إذا جاؤوا لإعانة أهل الكتاب في ~~القتال . # والنصر هنا بمعنى : الغلب . # وضمير { لا ينصرون } عائد إلى الذين كفروا من أهل الكتاب إذ الكلام جار ~~على وعد المنافقين بنصر أهل الكتاب . # والمقصود تثبيت رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين وتأمينهم من بأس ~~أعدائهم . # لما كان المقصود من ذكر وهن المنافقين في القتال تشديد نفس النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأنفسس المؤمنين حتى لا يرهبوهم ولا يخشوا مساندتهم لأهل ~~حرب المسلمين أحلاف المنافقين قريظة وخيبر أعقب ذلك بإعلام المؤمنين بأن ~~المنافقين وأحلافهم يخشون المسلمين خشية شديدة وصفت شدتها بأنها أشد من ~~خشيتهم الله PageV28P101 تعالى ، فإن خشية جميع الخلق من الله أعظم خشية ~~فإذا بلغت الخشية في قلب ms8402 أحد أن تكون أعظم من خشية الله فذلك منتهى الخشية ~~. # والمقصود تشديد نفوس المسلمين ليعلموا أن عدوهم مرهب منهم ، وذلك مما ~~يزيد المسلمين إقداما في محاربتهم إذ ليس سياق الكلام للتسجيل على ~~المنافقين واليهود قلة رهبتهم لله بل إعلام المسلمين بأنهم أرهب لهم من كل ~~أعظم الرهبات . # والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين . # والصدور مراد بها : النفوس والضمائر لأن محل أجهزتها في الصدور . # والرهبة : مصدر رهب ، أي خاف . # وقوله : { في صدورهم } ل { رهبة } فهي رهبة أولئك . # وضمير { صدورهم } عائد إلى { الذين نافقوا } ( الحشر : 11 ) و { الذين ~~كفروا من أهل الكتاب } ( الحشر : 11 ) إذ ليس اسم أحد الفريقين أولى بعود ~~الضمير إليه مع صلاحية الضمير لكليهما ، ولأن المقصودين بالقتال هم يهود ~~قريظة وخيبر وأما المنافقون فكانوا أعوانا لهم . # وإسناد { أشد } إلى ضمير المسلمين المخاطبين إسناد سببي كأنه قيل : ~~لرهبتكم في صدورهم أشد من رهبة فيها . فالرهبة في معنى المصدر المضاف إلى ~~مفعوله ، وكل مصدر لفعل متعد يحتمل أن يضاف إلى فاعله أو إلى مفعوله ، ~~ولذلك فسره الزمخشري بأشد مرهوبية . # و { من الله } هو المفضل عليه ، وهو على حذف مضاف ، أي من رهبة الله ، أي ~~من رهبتهم الله كما قال النابغة : # وقد خفت حتى ما تزيد مخافتي # على وعلل في ذي المطارة عاقل # أي على مخافة وعل . # وهذا تركيب غريب النسج بديعه . والمألوف في أداء مثل هذا المعنى أن يقال ~~: لرهبتهم منكم في صدورهم أشد من رهبتهم من الله ، فحول عن هذا النسج إلى ~~PageV28P102 النسج الذي حبك عليه في الآية ، ليتأتى الابتداء بضمير ~~المسلمين اهتماما به وليكون متعلق الرهبة ذوات المسلمين لتوقع بطشهم وليأتي ~~التمييز المحول عن الفاعل لما فيه من خصوصية الإجمال مع التفصيل كما تقرر ~~في خصوصية قوله تعالى : { واشتعل الرأس شيبا } ( مريم : 4 ) دون : واشتعل ~~شيب رأسي . وليتأتى حذف المضاف في تركيب { من الله } ، إذ التقدير : من ~~رهبة الله لأن حذفه لا يحسن إلا إذا كان موقعه متصلا بلفظ { رهبة } ، إذ لا ~~يحسن أن يقال ms8403 : لرهبتهم أشد من الله . وانظر ما تقدم عند تفسير قوله تعالى ~~: { إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية في سورة النساء . # فاليهود والمنافقون من شأنهم أن يخشوا الله . أما اليهود فلأنهم أهل دين ~~فهم يخافون الله ويحذرون عقاب الدنيا وعقاب الآخرة . وأما المنافقون فهم ~~مشركون وهم يعترفون بأن الله تعالى هو الإلاه الأعظم ، وأنه أولى الموجودات ~~بأن يخشى لأنه رب الجميع وهم لا يثبتون البعث والجزاء فخشيتهم الله قاصرة ~~على خشية عذاب الدنيا من خسف وقحط واستئصال ونحو ذلك وليس وراء ذلك خشية . ~~وهذا بشارة للنبيء والمسلمين بأن الله أوقع الرعب منهم في نفوس عدوهم كما ~~قال النبي : نصرت بالرعب مسيرة شهر . # ووجه وصف الرهبة بأنها في صدورهم الإشارة إلى أنها رهبة جد خفية ، أي ~~أنهم يتظاهرون بالاستعداد لحرب المسلمين ويتطاولون بالشجاعة ليرهبهم ~~المسلمون وما هم بتلك المثابة فأطلع الله رسوله على دخيلتهم فليس قوله : في ~~صدورهم } وصفا كاشفا . # وإذ قد حصلت البشارة من الخبر عن الرعب الذي في قلوبهم ثني عنان الكلام ~~إلى مذمة هؤلاء الأعداء من جراء كونهم أخوف للناس منهم لله تعالى بأن ذلك ~~من قلة فقه نفوسهم ، ولو فقهوا لكانوا أخوف لله منهم للناس فنظروا فيما ~~يخلصهم من عقاب التفريط في النظر في دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم فعلموا ~~صدقه فنجوا من عواقب كفرهم به في الدنيا والآخرة فكانت رهبتهم من المسلمين ~~هذه الرهبة مصيبة عليهم وفائدة للمسلمين . # فالجملة معترضة بين البيان ومبينه . PageV28P103 # والإشارة بذلك إلى المذكور من قوله : { لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ~~} واجتلاب اسم الإشارة ليتميز الأمر المحكوم عليه أتم تمييز لغرابته . # والباء للسببية والمجرور خبر عن اسم الإشارة ، أي سبب ذلك المذكور وهو ~~انتفاء فقاهتهم . # وإقحام لفظ { قوم } لما يؤذن به من أن عدم فقه أنفسهم أمر عرفوا به جميعا ~~وصار من مقومات قوميتهم لا يخلو عنه أحد منهم ، وقد تقدم بيان ذلك عند قوله ~~تعالى : { إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار إلى قوله : ~~لآيات ms8404 لقوم يعقلون في سورة البقرة . # والفقه : فهم المعاني الخفية ، وقد تقدم عند قوله تعالى : فما لهؤلاء ~~القوم لا يكادون يفقهون حديثا في سورة النساء ، وقوله : انظر كيف نصرف ~~الآيات لعلهم يفقهون في سورة الأنعام ، ذلك أنهم تبعوا دواعي الخوف المشاهد ~~وذهلوا عن الخوف المغيب عن أبصارهم ، وهو خوف الله فكان ذلك من قلة فهمهم ~~للخفيات . # } # . # هذه الجملة بدل اشتمال من جملة { لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله } ( ~~الحشر : 13 ) ، لأن شدة الرهبة من المسلمين تشتمل على شدة التحصن لقتالهم ~~إياهم ، أي لا يقدرون على قتالكم إلا في هاته الأحوال والضمير المرفوع في { ~~يقاتلونكم } عائد إلى { الذين كفروا من أهل الكتاب } ( الحشر : 11 ) . # وقوله : { جميعا } يجوز أن يكون بمعنى كلهم كقوله تعالى : { إلى الله ~~مرجعكم جميعا } ( المائدة : 48 ) فيكون للشمول ، أي كلهم لا يقاتلونكم ~~اليهود والمنافقون إلا في قرى محصنة الخ . # ويجوز أن يكون بمعنى مجتمعين ، أي لا يقاتلونكم جيوشا كشأن جيوش ~~المتحالفين فإن ذلك قتال من لا يقبعون في قراهم فيكون النفي منصبا إلى هذا ~~PageV28P104 القيد ، أي لا يجتمعون على قتالكم اجتماع الجيوش ، أي لا ~~يهاجمونكم ولكن يقاتلون قتال دفاع في قراهم . # واستثناء { إلا في قرى } على الوجه الأول في { جميعا } استثناء حقيقي من ~~عموم الأحوال ، أي لا يقاتلونكم كلهم في حال من الأحوال إلا في حال الكون ~~في قرى محصنة الخ . وهو على الوجه الثاني في { جميعا } استثناء منقطع لأن ~~القتال في القرى ووراء الجدر ليس من أحوال قتال الجيوش المتساندين . # وعلى كلا الاحتمالين فالكلام يفيد أنهم لا يقاتلون إلا متفرقين كل فريق ~~في قريتهم ، وإلا خائفين متترسين . # والمعنى : لا يهاجمونكم ، وإن هاجمتموهم لا يبرزون إليكم ولكنهم ~~يدافعونكم في قرى محصنة أو يقاتلونكم من وراء جدر ، أي في الحصون والمعاقل ~~ومن وراء الأسوار ، وهذا كناية عن مصيرهم إلى الهزيمة إذ ما حورب قوم في ~~عقر دارهم إلا ذلوا كما قال علي رضي الله عنه : وهذا إطلاع لهم على تطمين ~~للرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ودخائل الأعداء . # و ms8405 ( الجدر ) بضمتين في قراءة الجمهور جمع جدار . وقرأه ابن كثير وأبو ~~عمرو { جدار } على الإفراد ، والمراد الجنس تساوي الجمع . # و { محصنة } ممنوعة ممن يريد أخذها بأسوار أو خنادق . # و { قرى } بالقصر جمع قرية ، ووزنه وقصره على غير قياس لأن ما كان على ~~زنة فعلة معتل اللام مثل قرية يجمع على فعال بكسر الفاء ممدودا مثل : ركوة ~~وركاء ، وشكوة وشكاء . ولم يسمع القصر إلا في كوة بفتح الكاف لغة وكوى ، ~~وقرية وقرى ولذلك قال الفراء : قرى شاذ ، يريد خارج عن القياس . # . # استئناف بياني لأن الإخبار عن أهل الكتاب وأنصارهم بأنهم لا يقاتلون ~~PageV28P105 المسلمين إلا في قرى محصنة المفيد أنهم لا يتفقون على جيش واحد ~~متساندين فيه مما يثير في نفس السامع أن يسأل عن موجب ذلك مع أنهم متفقون ~~على عداوة المسلمين . فيجاب بأن بينهم بأسا شديدا وتدابرا ، فهم لا يتفقون ~~. # وافتتحت الجملة ب { بأسهم } للاهتمام بالإخبار عنه بأنه { بينهم } ، أي ~~متسلط من بعضهم على بعض وليس بأسهم على المسلمين ، وفي تهكم . # ومعنى { بينهم } أن مجال البأس في محيطهم فما في بأسهم من إضرار فهو ~~منعكس إليهم ، وهذا التركيب نظير قوله تعالى : { رحماء بينهم } ( الفتح : ~~29 ) . # وجملة { تحسبهم جميعا } إلى آخرها استئناف عن جملة { بأسهم بينهم شديد } ~~. لأنه قد يسأل السائل : كيف ذلك ونحن نراهم متفقين ؟ فأجيب بأن ظاهر حالهم ~~حال اجتماع واتحاد وهم في بواطنهم مختلفون فآراؤهم غير متفقة إلا إلفة ~~بينهم لأن بينهم إحنا وعداوات فلا يتعاضدون . # والخطاب لغير معين لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يحسب ذلك . وهذا ~~تشجيع للمسلمين على قتالهم والاستخفاف بجماعتهم . وفي الآية تربية للمسلمين ~~ليحذروا من التخالف والتدابر ويعلموا أن الأمة لا تكون ذات بأس على أعدائها ~~إلا إذا كانت متفقة الضمائر يرون رأيا متماثلا في أصول مصالحهما المشتركة ، ~~وإن اختلفت في خصوصياتها التي لا تنقض أصول مصالحها ، ولا تفرق جامعتها ، ~~وأنه لا يكفي في الاتحاد توافق الأقوال ولا التوافق على الأغراض إلا أن ~~تكون الضمائر خالصة من الإحن والعداوات . # والقلوب : العقول والأفكار ms8406 ، وإطلاق القلب على العقل كثير في اللغة . # وشتى : جمع شتيت بمعنى مفارق بوزن فعلى مثل قتيل وقتلى ، شبهت العقول ~~المختلفة مقاصدها بالجماعات المتفرقين في جهات في أنها لا تتلاقى في مكان ~~واحد ، والمعنى : أنهم لا يتفقون على حرب المسلمين . # وقوله : { ذلك } إشارة إلى ما ذكر من أن بأسهم بينهم ومن تشتت قلوبهم أي ~~ذلك مسبب على عدم عقلهم إذ انساقوا إلى إرضاء خواطر الأحقاد والتشفي بين ~~أفرادهم وأهملوا النظر في عواقب الأمور واتباع المصالح فأضاعوا مصالح قومهم ~~. PageV28P106 # ولذلك أقحم لفظ القوم في قوله { بأنهم قوم لا يعقلون } إيماء إلى أن ذلك ~~من آثار ضعف عقولهم حتى صارت عقولهم كالمعدومة فالمراد : أنهم لا يعقلون ~~المعقل الصحيح . # وأوثر هنا { لا يعقلون } . وفي الآية التي قبلها { لا يفقهون } ( الحشر : ~~13 ) لأن معرفة مآل التشتت في الرأي وصرف البأس إلى المشارك في المصلحة من ~~الوهن والفت في ساعد الأمة معرفة ( مشهورة ) بين العقلاء . قال أحد بني ~~نبهان يخاطب قومه إذ أزمعوا على حرب بعضهم : # وأن الحزامة أن تصرفوا # لحي سوانا صدور الأسل # فإهمالهم سلوك ذلك جعلهم سواء مع من لا عقول لهم فكانت هذه الحالة شقوة ~~لهم حصلت منها سعادة للمسلمين . # وقد تقدم غير مرة أن إسناد الحكم إلى عنوان قوم يؤذن بأن ذلك الحكم ~~كالجبلة المقومة للقومية وقد ذكرته آنفا . # خبر مبتدأ محذوف دل عليه هذا الخبر ، فالتقدير : مثلهم كمثل الذين من ~~قبلهم قريبا ، أي حال أهل الكتاب الموعود بنصر المنافقين كحال الذين من ~~قبلهم قريبا . # والمراد : أن حالهم المركبة من التظاهر بالبأس مع إضمار الخوف من ~~المسلمين ، ومن التفرق بينهم وبين إخوانهم من أهل الكتاب ، ومن خذلان ~~المنافقين إياهم عند الحاجة ، ومن أنهم لا يقاتلون المسلمين إلا في قرى ~~محصنة أو من وراء جدر ، كحال الذين كانوا من قبلهم في زمن قريب وهم بنو ~~النضير فإنهم أظهروا الاستعداد للحرب وأبوا الجلاء ، فلم يحاربوا إلا في ~~قريتهم إذ حصنوها وقبعوا فيها حتى أعياهم الحصار فاضطروا إلى الجلاء ولم ~~ينفعهم المنافقون ولا إخوانهم من ms8407 أهل الكتاب . PageV28P107 # وعن مجاهد أن { الذين من قبلهم } المشركون يوم بدر . # و { من } زائدة لتأكيد ارتباط الظرف بعامله . # وانتصب { قريبا } على الظرفية متعلقا بالكون المضمر في قوله : { كمثل } ، ~~أي كحالل كائن قريب ، أو انتصب على الحال من { الذين } أي القوم القريب ~~منهم ، كقوله : { وما قوم لوط منكم ببعيد } ( هود : 89 ) . # والوبال أصله : وخامة المرعى المستلذ به للماشية يقال : كلأ وبيل ، إذا ~~كان مرعى خضرا ( حلوا ) تهش إليه الإبل فيحبطها ويمرضها أو يقتلها ، فشبهوا ~~في إقدامهم على حرب المسلمين مع الجهل بعاقبة تلك الحرب بإبل ترامت على ~~مرعى وبيل فهلكت وأثبت الذوق على طريقة المكنية وتخييلها ، فكان ذكر { ~~ذاقوا } مع { وبال } إشارة إلى هذه الاستعارة . # و { أمرهم } شأنهم وما دبروه وحسبوا له حسابه وذلك أنهم أوقعوا أنفسهم في ~~الجلاء وترك الديار وما فيها ، أي ذاقوا سوء أعمالهم في الدنيا . # وضمير { ولهم عذاب أليم } عائد إلى { الذين من قبلهم } أي زيادة على ما ~~ذاقوه من عذاب الدنيا بالجلاء وما فيه من مشقة على الأنفس والأجساد لهم ~~عذاب أليم في الآخرة على الكفر . # ( 16 ، 17 ) # هذا مثل آخر لممثل آخر ، وليس مثلا منضما إلى المثل الذي قبله لأنه لو ~~كان ذلك لكان معطوفا عليه بالواو ، أو ب ( أو ) كقوله تعالى { أو كصيب من ~~السماء } ( البقرة : 19 ) . # والوجه : أن هذا المثل متصل بقوله : { ولهم عذاب أليم } ( الحشر : 15 ) ~~كما يفصح عنه قوله في آخره : { فكان عاقبتهما أنهما في النار } الآية ، أي ~~مثلهم في تسبيبهم لأنفسهم PageV28P108 عذاب الآخرة كمثل الشيطان إذ يوسوس ~~للإنسان بأن يكفر ثم يتركه ويتبرأ منه فلا ينتفع أحدهما بصاحبه ويقعان معا ~~في النار . # فجملة { كمثل الشيطان } حال من ضمير { ولهم عذاب أليم } ( الحشر : 15 ) ~~أي في الآخرة . # والتعريف في { الشيطان } تعريف الجنس وكذلك تعريف ( الإنسان ) . والمراد ~~به الإنسان الكافر . # ولم ترد في الآخرة حادثة معينة من وسوسة الشيطان لإنسان معين في الدنيا ، ~~وكيف يكون ذلك والله تعالى يقول : { فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف ~~الله رب العالمين } ، وهل يتكلم ms8408 الشيطان مع الناس في الدنيا فإن ظاهرة قوله ~~: { قال إني بريء منك } أنه يقوله للإنسان ، وإما احتمال أن يقوله في نفسه ~~فهو احتمال بعيد . فالحق : أن قول الشيطان هذا هو ما في آية { وقال الشيطان ~~لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم ~~من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا ~~بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل في سورة إبراهيم . # وقد حكى ابن عباس وغيرهما من السلف في هذه الآية قصة راهب بحكاية مختلفة ~~جعلت كأنها المراد من الإنسان في هذه الآية . ذكرها ابن جرير والقرطبي وضعف ~~ابن عطية أسانيدها فلئن كانوا ذكروا القصة فإنما أرادوا أنها تصلح مثالا ~~لما يقع من الشيطان للإنسان كما مال إليه ابن كثير . # فالمعنى : إذ قال للإنسان في الدنيا : اكفر ، فلما كفر ووافى القيامة على ~~الكفر قال الشيطان يوم القيامة : إني بريء منك } ، أي قال كل شيطان لقرينه ~~من الإنس : { إني بريء منك } طمعا في أن يكون ذلك منجيه من العذاب . # ففي الآية إيجاز حذف حذف فيها معطوفات مقدرة بعد شرط ( لما ) هي داخلة في ~~الشرط إذ التقدير : فلما كفر واستمر على الكفر وجاء يوم الحشر واعتذر بأن ~~الشيطان أضله قال الشيطان : { إني بريء منك } الخ . وهذه المقدرات مأخوذة ~~من آيات أخرى مثل آية سورة إبراهيم وآية سورة ق . { قال قرينه ربنا ما ~~PageV28P109 أطغيته الآية . وظاهر أن هذه المحاجة لا تقع إلا في يوم الجزاء ~~وبعد موت الكافر على الكفر دون من أسلموا . # وقول : فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها } من تمام المثل . أي ~~كان عاقبة الممثل بهما خسرانهما معا . وكذلك تكون عاقبة الفريقين الممثلين ~~أنهما خائبان فيما دبرا وكادا للمسلمين . # وجملة { وذلك جزاء الظالمين } تذييل ، والإشارة إلى ما يدل عليه { فكان ~~عاقبتهما أنهما في النار } من معنى ، فكانت عاقبتهما سوأى والعاقبة السوأى ~~جزاء جميع الظالمين المعتدين على الله والمسلمين ، فكما كانت عاقبة الكافر ~~وشيطانه عاقبة سوء كذلك ms8409 تكون عاقبة الممثلين بهما وقد اشتركا في ظلم أهل ~~الخير والهدى . # انتقال من الامتنان على المسلمين بما يسر الله من فتح قرية بني النضير ~~بدون قتال ، وما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم منهم ، ووصف ما ~~جرى من خيبتهم وخيبة أملهم في نصرة المنافقين ، ومن الإيذان بأن عاقبة أهل ~~القرى الباقية كعاقبة أسلافهم . وكذلك موقف أنصارهم معهم ، إلى الأمر بتقوى ~~الله شكرا له على ما منح وما وعد من صادق الوعد فإن الشكر جزاء العبد عن ~~نعمة ربه إذ لا يستطيع جزاء غير ذلك فأقبل على خطاب الذين آمنوا بالأمر ~~بتقوى الله . # ولما كان ما تضمنته السورة من تأييد الله إياهم وفيض نعمه عليهم كان من ~~منافع الدنيا ، أعقبه بتذكيرهم بالإعداد للآخرة بقوله : { ولتنظر نفس ما ~~قدمت لغد } أي لتتأمل كل نفس فيما قدمته للآخرة . # وجملة { ولتنظر نفس ما قدمت لغد } ، عطف أمر على أمر آخر . وهي معترضة ~~بين جملة { اتقوا الله } وجملة { إن الله خبير بما تعملون } . وذكر ~~PageV28P110 { نفس } إظهار في مقام الإضمار لأن مقتضى الظاهر : وانظروا ما ~~قدمتم ، فعدل عن الإظهار لقصد العموم أي لتنظروا وتنظر كل نفس . # وتنكير { نفس } يفيد العموم في سياق الأمر ، أي لتنظر كل نفس ، فإن الأمر ~~والدعاء ونحوهما كالشرط تكون النكرة في سياقها مثل ما هي في سياق النفي ~~كقوله تعالى { وإن أحد من المشركين استجارك فأجره } ( التوبة : 6 ) وكقول ~~الحريري : # يا أهل ذا المغنى وقيتم ضرا # ( أي كل ضر ) . # وإنما لم يعرف بلام التعريف تنصيصا على العموم لئلا يتوهم نفس معهودة . # وأطلق ( غد ) على الزمن المستقبل مجازا لتقريب الزمن المستقبل من البعيد ~~لملازمة اقتراب الزمن لمفهوم الغد ، لأن الغد هو اليوم الموالي لليوم الذي ~~فيه المتكلم فهو أقرب أزمنة المستقبل كما قال قراد بن أجدع : # فإن يك صدر هذا اليوم ولى # فإن غدا لناظره قريب # وهذا المجاز شائع في كلام العرب في لفظ ( غد ) وأخواته قال زهير : # وأعلم علم اليومم والأمسس قبله # ولكنني عن علم ما في غد عم # يريد ms8410 باليوم الزمن الحاضر ، وبالأمس الزمن الماضي ، وبالغد الزمن ~~المستقبل . # وتنكير ( غد ) للتعظيم والتهويل ، أي لغد لا يعرف كنهه . # واللام في قوله : { لغد } لام العلة ، أي ما قدمته لأجل يوم القيامة ، أي ~~لأجل الانتفاع به . # والتقديم : مستعار للعمل الذي يعمل لتحصيل فائدته في زمن آت شبه قصد ~~الانتفاع به في المستقبل بتقديم من يحل في المنزل قبل ورود السائرين إليه ~~من جيش أو سفر ليهيء لهم ما يصلح أمرهم ، ومنه مقدمة الجيش وتقديم الرائد ~~قبل القافلة . قال تعالى : { وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله } ( ~~البقرة : 110 ) ويقال في ضده : أخر ، إذا ترك عمل شيء قال تعالى : { علمت ~~نفس ما قدمت وأخرت } ( الأنفطار : 5 ) . PageV28P111 # وإعادة { واتقوا الله } ليبنى عليه { إن الله خبير بما تعملون } فيحصل ~~الربط بين التعليل والمعلل إذ وقع بينهما فصل { ولتنظر نفس ما قدمت لغد } . ~~وإنما أعيد بطريق العطف لزيادة التأكيد فإن التوكيد اللفظي يؤتى به تارة ~~معطوفا كقوله تعالى : { أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى } ( القيامة : 34 ، ~~35 ) وقوله : { كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون } ( التكاثر : 3 4 ) . ~~وقول عدي بن زيد : ( وألفى قولها كذبا ومينا ) . # وذلك أن في العطف إيهام أن يكون التوكيد يجعل كالتأسيس لزيادة الاهتمام ~~بالمؤكد . # فجملة { إن الله خبير بما تعملون } تعليل للحث على تقوى الله وموقع { إن ~~} فيها موقع التعليل . # ويجوز أن يكون { اتقوا الله } المذكور أولا مرادا به التقوى بمعنى الخوف ~~من الله وهي الباعثة على العمل ولذلك أردف بقوله : { ولتنظر نفس ما قدمت ~~لغد } ويكون { اتقوا الله } المذكور ثانيا مرادا به الدوام على التقوى ~~الأولى ، أي ودوموا على التقوى على حد قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا ~~آمنوا بالله ورسوله } ( النساء : 136 ) ولذلك أردف بقوله : { إن الله خبير ~~بما تعملون } أي بمقدار اجتهادكم في التقوى ، وأردف بقوله : { ولا تكونوا ~~كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم } ( الحشر : 19 ) أي أهملوا التقوى بعد أن ~~تقلدوها كما سيأتي أنهم المنافقون فإنهم تقلدوا الإسلام وأضاعوه قال تعالى ~~: { نسوا الله فنسيهم إن المنافقين ms8411 هم الفاسقون } ( التوبة : 67 ) . وفي ~~قوله : { إن الله خبير بما تعملون } إظهار اسم الجلالة في مقام الإضمار ، ~~فتكون الجملة مستقلة بدلالتها أتم استقلال فتجري مجرى الأمثال ولتربية ~~المهابة في نفس المخاطبين . # بعد أن أمر المؤمنين بتقوى الله وإعداد العدة للآخرة أعقبه بهذا النهي ~~تحذيرا عن الإعراض عن الدين والتغافل عن التقوى ، وذلك يفضي إلى الفسوق . ~~وجيء PageV28P112 في النهي بنهيهم عن حالة قوم تحققت فيهم هذه الصلة ليكون ~~النهي عن إضاعة التقوى مصورا في صورة محسوسة هي صورة قوم تحققت فيهم تلك ~~الصلة وهم الذين أعرضوا عن التقوى . # وهذا الإعراض مراتب قد تنتهي إلى الكفر الذي تلبس به اليهود وإلى النفاق ~~الذي تلبس به فريق ممن أظهروا الإسلام في أول سني الهجرة ، وظاهر الموصول ~~أنه لطائفة معهودة فيحتمل أن يراد ب ( الذين نسوا الله ) المنافقين لأنهم ~~كانوا مشركين ولم يهتدوا للتوحيد بهدي الإسلام فعبر عن النفاق بنسيان الله ~~لأنه جهل بصفات الله من التوحيد والكمال . وعبر عنهم بالفاسقين قوله تعالى ~~: { نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون في سورة براءة ، فتكون هذه ~~الآية ناظرة إلى تلك . # ويحتمل أن يكون المراد بهم اليهود لأنهم أضاعوا دينهم ولم يقبلوا رسالة ~~عيسى عليه السلام وكفروا بحمد . # فالمعنى : نسوا دين الله وميثاقه الذي واثقهم به ، قال تعالى : وأوفوا ~~بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم } ( ~~البقرة : 40 ، 41 ) . # وقد أطلق نسيانهم على الترك والإعراض عن عمد أي فنسوا دلائل توحيد الله ~~ودلائل صفاته ودلائل صدق رسوله صلى الله عليه وسلم وفهم كتابه فالكلام ~~بتقدير حذف مضاف أو مضافين . # ومعنى ( أنساهم أنفسهم ) أن الله لم يخلق في مداركهم التفطن لفهم الهدي ~~الإسلامي فيعملوا بما ينجيهم من عذاب الآخرة ولما فيه صلاحهم في الدنيا ، ~~إذ خذلهم بذبذبة آرائهم فأصبح اليهود في قبضة المسلمين يخرجونهم من ديارهم ~~، وأصبح المنافقون ملموزين بين اليهود بالغدر ونقض العهد وبين المسلمين ~~بالاحتقار واللعن . # وأشعر فاء التسبب بأن إنساء الله إياهم أنفسهم مسبب على نسيانهم دين الله ~~، أي لما ms8412 أعرضوا عن الهدى بكسبهم وإرادتهم عاقبهم الله بأن خلق فيهم نسيان ~~أنفسهم . PageV28P113 # وإظهار اسم الجلالة في قوله تعالى : { كالذين نسوا الله } دون أن يقال : ~~نسوه لاستفظاع هذا النسيان فعلق باسم الله الذي خلقهم وأرشدهم . # والقصر المستفاد من ضمير الفصل في قوله : { أولئك هم الفاسقون } قصر ~~ادعائي للمبالغة في وصفهم بشدة الفسق حتى كأن فسق غيرهم ليس بفسق في جانب ~~فسقهم . # واسم الإشارة للتشهير بهم بهذا الوصف . # والفسق : الخروج من المكان الموضوع للشيء فهو صفة ذم غالبا لأنه مفارقة ~~للمكان اللائق بالشيء ، ومنه قيل : فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها ، ~~فالفاسقون هم الآتون بفواحش السيئات ومساوىء الأعمال وأعظمها الإشراك . # وجملة { أولئك هم الفاسقون } مستأنفة استئنافا بيانيا لبيان الإبهام الذي ~~أفاده قوله : { فأنساهم أنفسهم } كأن السامع سأل : ماذا كان أثر إنساء الله ~~إياهم أنفسهم ؟ فأجيب بأنهم بلغوا بسبب ذلك منتهى الفسق في الأعمال السيئة ~~حتى حق عليهم أن يقال : إنه لا فسق بعد فسقهم . # تذييل لجملة { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد } ~~( الحشر : 18 ) الخ . لأنه جامع لخلاصة عاقبة الحالين : حال التقوى ~~والاستعداد للآخرة ، وحال نسيان ذلك وإهماله ، ولكلا الفريقين عاقبة عمله . ~~ويشمل الفريقين وأمثالهم . # والجملة أيضا فذلكة لما قبلها من حال المتقين والذين نسوا الله ونسوا ~~أنفسهم لأن ذكر مثل هذا الكلام بعد ذكر أحوال المتحدث عنه يكون في الغالب ~~للتعريض بذلك المتحدث عنه كقولك عندما ترى أحدا يؤذي الناس : ( المسلم من ~~سلم المسلمون من لسانه ويده ) ، فمعنى الآية كناية عن كون المؤمنين هم ~~أصحاب الجنة ، وكون الذين نسوا الله هم أهل النار فتضمنت الآية وعدا ~~للمتقين ووعيدا للفاسقين . PageV28P114 # والمراد من نفي الاستواء في مثل هذا الكناية عن البون بين الشيئين . # وتعيين المفضل من الشيئين موكول إلى فهم السامع من قرينة المقام كما في ~~قول السموأل : # فليس سواء عالم وجهول # وقول أبي حزام غالب بن الحارث العكلي : # وأعلم أن تسليما وتركا # للا متشابهان ولا سواء # ومنه قوله تعالى : { ليسوا سواء بعد قوله : ولو آمن أهل الكتاب ms8413 لكان خيرا ~~لهم } ( آل عمران : 110 ) الآية . وقبل قوله : { من أهل الكتاب أمة قائمة } ~~( آل عمران : 113 ) . وقد يردف بما يدل على جهة التفضيل كما في قوله تعالى ~~: { لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين ~~أنفقوا من بعد وقاتلوا } ( الحديد : 10 ) . وقوله هنا { أصحاب الجنة هم ~~الفائزون } ، وتقدم في قوله تعالى : { لا يستوي القاعدون من المؤمنين الآية ~~في سورة النساء . # وأما من ذهب من علماء الأصول إلى تعميم نحو لا يستوون من قوله تعالى : ~~أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون } ( السجدة : 18 ) فاستدلوا به على ~~أن الفاسق لا يلي ولاية النكاح ، وهو استدلال الشافعية فليس ذلك بمرضي ، ~~وقد أباه الحنفية ووافقهم تاج الدين السبكي في غير ( جمع الجوامع ) . # والقصر المستفاد من ضمير الفصل في قوله تعالى : { أصحاب الجنة هم ~~الفائزون } قصر ادعائي لأن فوزهم أبدي فاعتبر فوز غيرهم ببعض أمور الدنيا ~~كالعدم . # لما حذر المسلمين من الوقوع في مهواة نسيان الله التي وقع فيها الفاسقون ~~، وتوعد الدين نسوا الله بالنار ، وبين حالهم بأن الشيطان سول لهم الكفر . ~~وكان القرآن PageV28P115 دالا على مسالك الخير ومحذرا من مسالك الشر ، وما ~~وقع الفاسقون في الهلكة إلا من جراء إهمالهم التدبر فيه ، وذلك من نسيانهم ~~الله تعالى انتقل الكلام إلى التنويه بالقرآن وهديه البين الذي لا يصرف ~~الناس عنه إلا أهواؤهم ومكابرتهم ، وكان إعراضهم عنه أصل استمرار ضلالهم ~~وشركهم ، ضرب لهم هذا المثل تعجيبا من تصلبهم في الضلال . # وفي هذا الانتقال إيذان بانتهاء السورة لأنه انتقال بعد طول الكلام في ~~غرضض فتح قرى اليهود وما ينال المنافقين من جرائه من خسران في الدنيا ~~والآخرة . # و { هذا القرآن } إشارة إلى المقدار الذي نزل منه ، وهو ما عرفوه وتلوه ~~وسمعوا تلاوته . # وفائدة الإتيان باسم إشارة القريب التعريض لهم بأن القرآن غير بعيد عنهم ~~. وأنه في متناولهم ولا كلفة عليهم في تدبره ولكنهم قصدوا الإعراض عنه . # وهذا مثل ساقه الله تعالى كما دل عليه قوله : { وتلك الأمثال } الخ ms8414 . وقد ~~ضرب هذا مثلا لقسوة الذين نسوا الله وانتفاء تأثرهم بقوارع القرآن . # والمراد بالجبل : حقيقته ، لأن الكلام فرض وتقدير كما هو مقتضى { لو } أن ~~تجيء في الشروط المفروضة . # فالجبل : مثال لأشد الأشياء صلابة وقلة تأثر بما يقرعه . وإنزال القرآن ~~مستعار للخطاب به . عبر عنه بالإنزال على طريقة التبعية تشبيها لشرف الشيء ~~بعلو المكان ، ولإبلاغه للغير بإنزال الشيء من علو . # والمعنى : لو كان المخاطب بالقرآن جبلا ، وكان الجبل يفهم الخطاب لتأثر ~~بخطاب القرآن تأثرا ناشئا من خشية لله خشية تؤثرها فيه معاني القرآن . # والمعنى : لو كان الجبل في موضع هؤلاء الذين نسوا الله وأعرضوا عن فهم ~~القرآن ولم يتعظوا بمواعظه لاتعظ الجبل وتصدع صخره وتربه من شدة تأثره ~~بخشية الله . # وضرب التصدع مثلا لشدة الانفعال والتأثر لأن منتهى تأثر الأجسام الصلبة ~~أن تنشق وتتصدع إذ لا يحصل ذلك لها بسهولة . PageV28P116 # والخشوع : التطأطؤ والركوع ، أي لرأيته ينزل أعلاه إلى الأرض . # والتصدع : التشقق ، أي لتزلزل وتشقق من خوفه الله تعالى . # والخطاب في { لرأيته } لغير معين فيعم كل من يسمع هذا الكلام والرؤية ~~بصرية ، وهي منفية لوقوعها جوابا لحرف { لو } الامتناعية . # والمعنى : لو كان كذلك لرأيت الجبل في حالة الخشوع والتصدع . # وجملة { وتلك الأمثال نضربها للناس } تذييل لأن ما قبلها سيق مساق المثل ~~فذيل بأن الأمثال التي يضربها الله في كلامه مثل المثل أراد منها أن ~~يتفكروا فإن لم يتفكروا بها فقد سجل عليهم عنادهم ومكابرتهم ، فالإشارة ~~بتلك إلى مجموع ما مر على أسماعهم من الأمثال الكثيرة ، وتقدير الكلام : ~~ضربنا هذا مثلا ، { وتلك الأمثال نضربها للناس } . # وضرب المثل سوقه ، أطلق عليه الضرب بمعنى الوضع كما يقال : ضرب بيتا ، ~~وقد تقدم بيان ذلك عند قوله تعالى : { إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما في ~~سورة البقرة . # } # لما تكرر في هذه السورة ذكر اسم الله وضمائره وصفاته أربعين مرة منها ~~أربع وعشرون بذكر اسم الجلالة وست عشرة مرة بذكر ضميره الظاهر ، أو صفاته ~~العلية . وكان ما تضمنته السورة دلائل على عظيم قدرة الله وبديع تصرفه ms8415 ~~وحكمته . # وكان مما حوته السورة الاعتبار بعظيم قدرة الله إذ أيد النبي صلى الله ~~عليه وسلم والمسلمين ونصرهم على بني النضير ذلك النصر الخارق للعادة ، وذكر ~~ما حل بالمنافقين أنصارهم وأن ذلك لأنهم شاقوا الله ورسوله وقوبل ذلك ~~بالثناء على المؤمنين بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم الذين نصروا الدين ، ~~ثم الأمر بطاعة الله والاستعداد ليوم الجزاء ، والتحذير من الذين أعرضوا عن ~~كتاب الله ومن سوء عاقبتهم ، وختم ذلك PageV28P117 بالتذكير بالقرآن الدال ~~على الخير ، والمعرف بعظمة الله المقتضية شدة خشيته ، عقب ذلك بذكر طائفة ~~من عظيم صفات الله ذات الآثار العديدة في تصرفاته المناسبة لغرض السورة ~~زيادة في تعريف المؤمنين بعظمته المقتضية للمزيد من خشيته . وبالصفات ~~الحسنى الموجبة لمحبته ، وزيادة في إرهاب المعاندين المعرضين من صفات بطشه ~~وجبروته ، ولذلك ذكر في هذه الآيات الخواتم للسورة من صفاته تعالى ما هو ~~مختلف التعلق والآثار للفريقين حظ ما يليق به منها . # وفي غضون ذلك كله دلائل على بطلان إشراكهم به أصنامهم . وسنذكر مراجع هذه ~~الأسماء إلى ما اشتملت عليه السورة فيما يأتي . # فضمير الغيبة الواقع في أول الجملة عائد إلى اسم الجلالة في قوله تعالى : ~~{ يأيها الذين آمنوا اتقوا الله } ( الحشر : 18 ) ، و { هو } مبتدأ واسم ~~الجلالة خبر عنه و { الذي } صفة لاسم الجلالة . # وكان مقتضى الظاهر الاقتصار على الضمير دون ذكر اسم الجلالة لأن المقصود ~~الإخبار عن الضمير ب { الذي لا إلاه إلا هو } وبما بعد ذلك من الصفات ~~العلية ، فالجمع بين الضمير وما يساوي معادة اعتبار بأن اسم الجلالة يجمع ~~صفات الكمال لأن أصله الإلاه ومدلول الإلاه يقتضي جميع صفات الكمال . # ويجوز أن يجعل الضمير ضمير الشأن ويكون الكلام استئنافا قصد منه تعليم ~~المسلمين هذه الصفات ليتبصروا فيها وللرد على المشركين إشراكهم بصاحب هذه ~~الصفات معه أصنافا ليس لواحد منها شيء من مثل هذه الصفات ، ولذلك ختمت ~~طائفة منها بجملة { سبحان الله عما يشركون } ( الحشر : 23 ) ، لتكون ختاما ~~لهذه السورة الجليلة التي تضمنت منة عظيمة ، وهي منة الفتح الواقع والفتح ms8416 ~~الميسر في المستقبل ، لا جرم أنه حقيق بأن يعرفوا جلائل صفاته التي ~~لتعلقاتها آثار في الأحوال الحاصلة والتي ستحصل من هذه الفتوح وليعلم ~~المشركون والكافرون من اليهود أنهم ما تعاقبت هزائمهم إلا من جراء كفرهم . ~~ولما كان شأن هذه الصفات عظيما ناسب أن تفتتح الجملة بضمير الشأن ، فيكون ~~اسم الجلالة مبتدأ و { الذي لا إلاه إلا هو } خبر . والجملة خبر عن ضمير ~~الشأن فيكون اسم الجلالة مبتدأ و { الذي لا إلاه إلا هو } خبرا والجملة ~~خبرا عن ضمير الشأن . PageV28P118 # وابتدىء في هذه الصفات العلية بصفة الوحدانية وهي مدلول { الذي لا إلاه ~~إلا هو } وهي الأصل فيما يتبعها من الصفات . ولذلك كثر في القرآن ذكرها عقب ~~اسم الجلالة كما في آية الكرسي ، وفاتحة آل عمران . # وثني بصفة { عالم الغيب } لأنها الصفة التي تقتضيها صفة الإلاهية إذ علم ~~الله هو العلم الواجب وهي تقتضي جميع الصفات إذ لا تتقوم حقيقة العلم ~~الواجب إلا بالصفات السلبية ، وإذ هو يقتضي الصفات المعنوية ، وإنما ذكر من ~~متعلقات علمه أمور الغيب لأنه الذي فارق به علم الله تعالى علم غيره ، وذكر ~~معه علم الشهادة للاحتراس توهم أنه يعلم الحقائق العالية الكلية فقط كما ~~ذهب إليه فريق من الفلاسفة الأقدمين ولأن التعريف في { الغيب والشهادة } ~~للاستغراق . أي كل غيب وشهادة ، وذلك مما لا يشاركه فيه غيره . وهو علم ~~الغيب والشهادة ، أي الغائب عن إحساس الناس والمشاهد لهم . فالمقصود فيهما ~~بمعنى اسم الفاعل ، أي عالم ما ظهر للناس وما غاب عنهم من كل غائب يتعلق به ~~العلم على ما هو عليه . # والتعريف في { الغيب والشهادة } للاستغراق الحقيقي . # وفي ذكر الغيب إيماء إلى ضلال الذين قصروا أنفسهم على المشاهدات وكفروا ~~بالمغيبات من البعث والجزاء وإرسال الرسل ، أما ذكر علم الشهادة فتتميم على ~~أن المشركين يتوهمون الله لا يطلع على ما يخفونه . قال تعالى : { وما كنتم ~~تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم إلى قوله : من الخاسرين } ( فصلت ~~: 22 ، 23 ) . # وضمير { هو الرحمن الرحيم } ضمير فصل يفيد قصر الرحمة عليه ms8417 تعالى لعدم ~~الاعتداد برحمة غيره لقصورها قال تعالى : { ورحمتي وسعت كل شيء } ( الأعراف ~~: 156 ) . وقال النبي صلى الله عليه وسلم ( جعل الله الرحمة في مائة جزء ~~فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءا وأنزل في الأرض جزءا واحدا . فمن ذلك الجزء ~~يتراحم الخلق حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه ) . وقد تقدم ~~الكلام على { الرحمن الرحيم في سورة الفاتحة . # ووجه تعقيب صفة عموم العلم بصفة الرحمة أن عموم العلم يقتضي أن لا يغيب ~~عن علمه شيء من أحوال خلقه وحاجتهم إليه ، فهو يرحم المحتاجين إلى ~~PageV28P119 رحمته ويهمل المعاندين إلى عقاب الآخرة ، فهو رحمان بهم في ~~الدنيا ، وقد كثر إتباع اسم الجلالة بصفتي الرحمن الرحيم في القرآن كما في ~~الفاتحة . # } # . # القول في ضمير { هو } كالقول في نظيره في الجملة الأولى . وهذا تكرير ~~للاستئناف لأن المقام مقام تعظيم وهو من مقامات التكرير ، وفيه اهتمام بصفة ~~الوحدانية . # و { الملك } : الحاكم في الناس ، ولا ملك على الإطلاق إلا الله تعالى ~~وأما وصف غيره بالملك فهو بالإضافة إلى طائفة معينة من الناس . وعقب وصفا ~~الرحمة بوصف { الملك } للإشارة إلى أن رحمته فضل وأنه مطلق التصرف كما وقع ~~في سورة الفاتحة . # و { القدوس } بضم القاف في الأفصح ، وقد تفتح القاف قال ابن جني : فعول ~~في الصفة قليل ، وإنما هو في الأسماء مثل تنور وسفود وعبود . وذكر سيبويه ~~السبوح والقدوس بالفتح ، وقال ثعلب : لم يرد فعول بضم أوله إلا القدوس ~~والسبوح . وزاد غيره الذروح ، وهو ذباب أحمر متقطع الحمرة بسواد يشبه ~~الزنبور . ويسمى في اصطلاح الأطباء ذباب الهند . وما عداهما مفتوح مثل سفود ~~وكلوب . وتنور وسمور وشبوط ( صنف من الحوت ) وكأنه يريد أن سبوح وقدوس صارا ~~اسمين . # وعقب ب { القدوس } وصف { الملك } للاحتراس إشارة إلى أنه منزه عن نقائص ~~الملوك المعروفة من الغرور ، والاسترسال في الشهوات ونحو ذلك من نقائص ~~النفوس . # و { السلام } مصدر بمعنى المسالمة وصف الله تعالى به على طريقة الوصف ~~بالمصدر للمبالغة في الوصف ، أي ذو السلام ، أي السلامة ، وهي أنه تعالى ~~سالم الخلق ms8418 من الظلم والجور . وفي الحديث ( إن الله هو السلام ومنه ~~PageV28P120 السلام ) . وبهذا ظهر تعقيب وصف { الملك } بوصف { السلام } ~~فإنه بعد أن عقب ب { القدوس } للدلالة على نزاهة ذاته ، عقب ب { السلام } ~~للدلالة على العدل في معاملته الخلق ، وهذا احتراس أيضا . # و { المؤمن } اسم فاعل من آمن الذي همزته للتعدية ، أي جعل غيره آمنا . # فالله هو الذي جعل الأمان في غالب أحوال الموجودات ، إذ خلق نظام ~~المخلوقات بعيدا عن الأخطار والمصائب ، وإنما تعرض للمخلوقات للمصائب ~~بعوارض تتركب من تقارن أو تضاد أو تعارض مصالح ، فيرجع أقواها ويدحض أدناها ~~، وقد تأتي من جراء أفعال الناس . # وذكر وصف { المؤمن } عقب الأوصاف التي قبله إتمام للاحتراس من توهم وصفه ~~تعالى ب { الملك } أنه كالملوك المعروفين بالنقائص . فأفيد أولا نزاهة ذاته ~~بوصف { القدوس } ، ونزاهة تصرفاته المغيبة عن الغدر والكيد بوصف { المؤمن } ~~، ونزاهة تصرفاته الظاهرة عن الجور والظلم بوصف { السلام } . # و { المهيمن } : الرقيب بلغة قريش ، والحافظ في لغة بقية العرب . # واختلف في اشتقاقه فقيل : مشتق من أمن الداخل عليه همزة التعدية فصار آمن ~~وأن وزن الوصفف مؤيمن قلبت همزته هاء ، ولعل موجب القلب إرادة نقله من ~~الوصف إلى الاسمية بقطع النظر عن معنى الأمن ، بحيث صار كالاسم الجامد . ~~وصار معناه : رقب : ( ألا ترى أنه لم يبق فيه معنى إلا من الذين في المؤمن ~~لما صار اسما للرقيب والشاهد ) ، وهو قلب نادر مثل قلب همزة : أراق إلى ~~الهاء فقالوا : هراق ، وقد وضعه الجوهري في فصل الهمزة من باب النون ووزنه ~~مفعلل اسم فاعل من آمن مثل مدحرج ، فتصريفه مؤأمن بهمزتين بعد الميم الأولى ~~المزيدة ، فأبدلت الهمزة الأولى هاء كما أبدلت همزة آراق فقالوا : هراق . # وقيل : أصله هيمن بمعنى : رقب ، كذا في ( لسان العرب ) وعليه فالهاء ~~أصلية ووزنه مفيعل . وذكره صاحب ( القاموس ) في فصل الهاء من باب النون ولم ~~يذكره في فصل الهمزة منه . وذكره الجوهري في فصل الهمزة وفصل الهاء من باب ~~النون مصرحا بأن هاءه أصلها همزة . وعدل الراغب وصاحب ( الأساس ) عن ذكره . ~~PageV28P121 وذلك يشعر بأنهما ms8419 يريان هاءه مبدلة من الهمزة وأنه مندرج في ~~معاني الأمن . # وفي ( المقصد الأسنى في شرح الأسماء الحسنى ) للغزالي { المهيمن } في حق ~~الله : القائم على خلقه بأعمالهم وأرزاقهم وآجالهم ، وإنما قيامه عليهم ~~باطلاعه واستيلائه وحفظه . والإشراف ، ( أي الذي هو الإطلاع ) يرجع إلى ~~العلم ، والاستيلاء يرجع إلى كمال القدرة ، والحفظ يرجع إلى الفعل . ~~والجامع بين هذه المعاني اسمه { المهيمن } ولن يجتمع على ذلك الكمال ~~والإطلاقق إلا الله تعالى ، ولذلك قيل : إنه من أسماء الله تعالى في الكتب ~~القديمة ا ه . وفي هذا التعريف بهذا التفصيل نظر ولعله جرى من حجة الإسلام ~~مجرى الاعتبار بالصفة لا تفسير مدلولها . # وتعقيب { المؤمن } ب { المهيمن } لدفع توهم أن تأمينه عن ضعف أو عن مخافة ~~غيره ، فأعلموا أن تأمينه لحكمته مع أنه رقيب مطلع على أحوال خلقه فتأمينه ~~إياهم رحمة بهم . # و { العزيز } الذي لا يغلب ولا يذله أحد ، ولذلك فسر بالغالب . # و { الجبار } : القاهر المكره غيره على الانفعال بفعله ، فالله جبار كل ~~مخلوق على الانفعال لما كونه عليه لا يستطيع مخلوق اجتياز ما حده له في ~~خلقته فلا يستطيع الإنسان الطيران ولا يستطيع ذوات الأربع المشي على رجلين ~~فقط ، وكذلك هو جبار للموجودات على قبول ما أراده بها وما تعلقت به قدرته ~~عليها . # وإذا وصف الإنسان بالجبار كان وصف ذم لأنه يشعر بأنه يحمل غيره على هواه ~~ولذلك قال تعالى : { إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون ~~من المصلحين } ( القصص : 19 ) . فالجبار من أمثلة المبالغة لأنه مشتق من ~~أجبره ، وأمثلة المبالغة تشتق من المزيد بقلة مثل الحكيم بمعنى المحكم . ~~قال الفراء : لم أسمع فعالا في أفعل إلا جبارا ودراكا . وكان القياس أن ~~يقال : المجبر والمدرك ، وقيل : الجبار معناه المصلح من جبر الكسر ، إذا ~~أصلحه ، فاشتقاقه لا نذرة فيه . # و { المتكبر } : الشديد الكبرياء ، أي العظمة والجلالة . وأصل صيغة ~~التفعل PageV28P122 أن تدل على التكلف لكنها استعملت هنا في لازم التكلف ~~وهو القوة لأن الفعل الصادر عن تأنق وتكلف يكون أتقن . # ويقال : فلان يتظلم ms8420 على الناس ، أي يكثر ظلمهم . # ووجه ذكر هذه الصفات الثلاث عقب صفة { المهيمن } أن جميع ما ذكره آنفا من ~~الصفات لا يؤذن إلا باطمئنان العباد لعناية ربهم بهم وإصلاح أمورهم وأن صفة ~~{ المهيمن } تؤذن بأمر مشترك فعقبت بصفة { العزيز } ليعلم الناس أن الله ~~غالب لا يعجزه شيء . وأتبعت بصفة { الجبار } الدالة على أنه مسخر المخلوقات ~~لإرادته ثم صفة { المتكبر } الدالة على أنه ذو الكبرياء يصغر كل شيء دون ~~كبريائه فكانت هذه الصفات في جانب التخويف كما كانت الصفات قبلها في جانب ~~الإطماع . # . # ذيلت هذه الصفات بتنزيه الله تعالى عن أن يكون له شركاء بأن أشرك به ~~المشركون . فضمير { يشركون } عائد إلى معلوم من المقام وهم المشركون الذين ~~لم يزل القرآن يقرعهم بالمواعظ . # . # القول في ضمير { هو } المفتتح به وفي تكرير الجملة كالقول في التي سبقتها ~~. فإن كان ضمير الغيبة ضمير شأن فالجملة بعده خبر عنه . # وجملة { الله الخالق } تفيد قصرا بطريق تعريف جزأي الجملة هو الخالق لا ~~شركاؤهم . وهذا إبطال لإلاهية ما لا يخلق . قال تعالى : { والذين تدعون من ~~دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون } ( النحل : 20 ) ، وقال : { أفمن يخلق ~~كمن لا يخلق أفلا تذكرون } ( النحل : 17 ) ، وإن كان عائدا على اسم الجلالة ~~المتقدم فاسم الجلالة بعده خبر عنه و { الخالق } صفة . PageV28P123 # و { الخالق } : اسم فاعل من الخلق ، وأصل الخلق في اللغة إيجاد شيء على ~~صورة مخصوصه . وقد تقدم عند قوله تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام { إني ~~أخلق لكم من الطين كهيئة الطير الآية في سورة آل عمران . ويطلق الخلق على ~~معنى أخص من إيجاد الصور وهو إيجاد ما لم يكن موجودا . كقوله تعالى : ولقد ~~خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام } ( ق : 38 ) . وهذا هو ~~المعنى الغالب من إطلاق اسم الله تعالى { الخالق } . # قال في ( الكشاف ) : ( المقدر لما يوجده ) . ونقل عنه في بيان مراده بذلك ~~أنه قال : ( لما كانت إحداثات الله مقدرة بمقادير الحكمة عبر عن إحداثه ~~بالخلق ) ا ه . يشير إلى أن الخالق في صفة ms8421 الله بمعنى المحدث الأشياء عن ~~عدم ، وبهذا يكون الخلق أعم من التصوير . ويكون ذكر { البارىء } و { المصور ~~} بعد { الخالق } تنبيها على أحوال خاصة في الخلق . قال تعالى : { ولقد ~~خلقناكم ثم صورناكم } ( الأعراف : 11 ) على أحد التأويلين . # وقال الراغب : الخلق التقدير المستقيم واستعمل في إيداع الشيء من غير أصل ~~ولا احتذاء ا ه . # وقال أبو بكر ابن العربي في ( عارضة الأحوذي ) على ( سنن الترمذي ) : { ~~الخالق } : المخرج الأشياء من العدم إلى الوجود المقدر لها على صفاتها ( ~~فخلط بين المعنيين ) ثم قال : فالخالق عام ، والبارىء أخص منه ، والمصور ~~أخص من الأخص وهذا قريب من كلام صاحب ( الكشاف ) . وقال الغزالي في ( ~~المقصد الأسنى ) : الخالق البارىء المصور قد يظن أن هذه الأسماء مترادفة ~~ولا ينبغي أن يكون كذلك بل كل ما يخرج من العدم إلى الوجود يفتقر إلى تقدير ~~أولا ، وإلى الإيجاد على وفق التقدير ثانيا ، وإلى التصوير بعد الإيجاد ~~ثالثا ، والله خالق من حيث أنه مقدر وبارىء من حيث إنه مخترع موجود ، ومصور ~~من حيث إنه مرتب صور المخترعات أحسن ترتيب ا ه . فجعل المعاني متلازمة وجعل ~~الفرق بينها بالاعتبار ، ولا أحسبه ينطبق على مواقع استعمال هذه الأسماء . # و { البارىء } اسم فاعل من برأ مهموزا . قال في ( الكشاف ) المميز لما ~~يوجده بعضه من بعض بالأشكال المختلفة ا ه . وهو مغاير لمعنى الخالق بالخصوص ~~. PageV28P124 وفي الحديث ( من شر ما خلق وذرأ وبرأ ) . ومن كلام علي رضي ~~الله عنه : لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ، فيكون اسم البريئة غير خاص ~~بالناس في قوله تعالى : { أولئك هم شر البريئة أولئك هم خير البريئة } ( ~~البينة : 6 ، 7 ) . وقال الراغب : البريئة : الخلق . # وقال ابن العربي في ( العارضة ) : { البارىء } : خالق الناس من البرى ( ~~مقصورا ) وهو التراب خاصا بخلق جنس الإنسان ، وعليه يكون اسم البريئة خاصا ~~بالبشر في قوله تعالى : { أولئك هم شر البريئة أولئك هم خير البريئة . # وفسره ابن عطية بمعنى الخالق . وكذلك صاحب القاموس } . وفسره الغزالي ~~بأنه الموجود المخترع ، وقد علمت أنه غير منطبق فأحسن تفسير له ما في ms8422 ( ~~الكشاف ) . # و { المصور } : مكون الصور لجميع المخلوقات ذوات الصور المرئية . # وإنما ذكرت هذه الصفات متتابعة لأن من مجموعها يحصل تصور الإبداع الإلاهي ~~للإنسان فابتدىء بالخلق الذي هو الإيجاد الأصلي ثم بالبرء الذي هو تكوين ~~جسم الإنسان ثم بالتصور الذي هو إعطاء الصورة الحسنة ، كما أشار إليه قوله ~~تعالى : { الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة } ( الانفطار : 7 ، 8 ) ، { ~~الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء } ( آل عمران : 6 ) . # ووجه ذكرها عقب الصفات المتقدمة ، أي هذه الصفات الثلاث أريد منها ~~الإشارة إلى تصرفه في البشر بالإيجاد على كيفيته البديعة ليثير داعية شكرهم ~~على ذلك . ولذلك عقب بجملة { يسبح له ما في السماوات والأرض } . # واعلم أن وجه إرجاع هذه الصفات الحسنى إلى ما يناسبها مما اشتملت عليه ~~السورة ينقسم إلى ثلاثة أقسام ولكنها ذكرت في الآية بحسب تناسب مواقع بعضها ~~عقب بعض من تنظير أو احتراس أو تتميم كما علمته آنفا . # القسم الأول : يتعلق بما يناسب أحوال المشركين وأحلافهم اليهود المتألبين ~~على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين بالحرب والكيد والأذى ، ~~وأنصارهم من المنافقين المخادعين للمسلمين . PageV28P125 # وإلى هذا القسم تنضوي صفة { لا إلاه إلا هو } ( الحشر : 23 ) وهذه الصفة ~~هي الأصل في التهيؤ للتدبر والنظر في بقية الصفات ، فإن الإشراك أصل ~~الضلالات ، والمشركون هم الذين يغرون اليهود ، والمنافقون بين يهود ومشركين ~~تستروا بإظهار الإسلام ، فالشرك هو الذي صد الناس عن الوصول إلى مسالك ~~الهدى ، قال تعالى : { وما زادوهم غير تتبيب } ( هود : 101 ) . # وصفة { عالم الغيب } ( الحشر : 22 ) فإن من أصول الشرك إنكار الغيب الذي ~~من آثاره إنكار البعث والجزاء ، وعلى الاسترسال في الغي وإعمال السيئات ~~وإنكار الوحي والرسالة . وهذا ناظر إلى قوله تعالى : { ذلك بأنهم شاقوا ~~الله ورسوله } ( الأنفال : 13 ) الآية . # وكذلك ذكر صفات ( الملك ، والعزيز ، والجبار ، والمتكبر ) ، لأنها تناسب ~~ما أنزله ببني النضير من الرعب والخزي والبطشة . # القسم الثاني : متعلق بما اجتناه المؤمنون من ثمرة النصر في قصة بني ~~النضير ، وتلك صفات : { السلام المؤمن } ( الحشر : 23 ) لقوله : { فما ~~أوجفتم عليه من ms8423 خيل ولا ركاب } ( الحشر : 6 ) ، أي لم يتجشم المسلمون للغنى ~~مشقة ولا أذى ولا قتالا . # وكذلك صفتا { الرحمن الرحيم } ( الحشر : 22 ) لمناسبتهما لإعطاء حظ في ~~الفيء للضعفاء . # القسم الثالث : متعلق بما يشترك فيه الفريقان المذكوران في هذه السورة ~~فيأخذ كل فريق حظه منها ، وهي صفات : ( القدوس ، المهيمن ، الخالق ، ~~البارىء ، المصور ) . # . # تذييل لما عدد من صفات الله تعالى ، أي له جميع الأسماء الحسنى التي ~~بعضها الصفات المذكورة آنفا . # والمراد بالأسماء الصفات ، عبر عنها بالأسماء لأنه متصف بها على ألسنة ~~خلقه ولكونها بالغة منتهى حقائقها بالنسبة لوصفه تعالى بها فصارت كالأعلام ~~على ذاته تعالى . PageV28P126 # والمقصود : أن له مدلولات الأسماء الحسنى كما في قوله تعالى : { ثم عرضهم ~~على الملائكة بعد قوله : وعلم آدم الأسماء كلها } ( البقرة : 31 ) ، أي عرض ~~المسميات على الملائكة . # وقد تقدم قوله تعالى : { ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها في سورة الأعراف ~~. # } . # جملة { يسبح له } الخ في موضع الحال من ضمير { له الأسماء الحسنى } يعني ~~أن اتصافه بالصفات الحسنى يضطر ما في السماوات والأرض من العقلاء على ~~تعظيمه بالتسبيح والتنزيه عن النقائص فكل صنف يبعثه علمه ببعض أسماء الله ~~على أن ينزهه ويسبحه بقصد أو بغير قصد . فالدهري أو الطبائعي إذا نوه بنظام ~~الكائنات وأعجب بانتساقها فإنما يسبح في الواقع للفاعل المختار وإن كان هو ~~يدعوه دهرا أو طبيعة ، هذا إذا حمل التسبيح على معناه الحقيقي وهو التنزيه ~~بالقول ، فأما إن حمل على ما يشمل المعنيين الحقيقي والمجازي من دلالة على ~~التنزيه ولو بلسان الحال . فالمعنى : أن ما ثبت له من صفات الخلق والإمداد ~~والقهر تدل عليه شواهد المخلوقات وانتظام وجودها . # وجملة { وهو العزيز الحكيم } عطف على جملة الحال وأوثر هاتان الصفتان ~~لشدة مناسبتهما لنظام الخلق . # وفي هذه الآية رد العجز على الصدر لأن صدر السورة مماثل لآخرها . # روى الترمذي بسند حسن عن معقل بن يسار عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ~~( من قال حين يصبح ثلاث مرات : أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ~~، ثم قرأ الثلاث آيات من ms8424 آخر سورة الحشر { هو الله الذي لا إلاه إلا هو ~~عالم الغيب } ( الحشر : 22 ) إلى آخر السورة ، وكل الله به سبعين ألف ملك ~~يصلون عليه حتى يمسي ، وإن مات ذلك اليوم مات شهيدا . ومن قالها حين يمسي ~~كان بتلك المنزلة ) . فهذه فضيلة لهذه الآيات أخروية . PageV28P127 # وروى الخطيب البغدادي في ( تاريخه ) بسنده إلى إدريس بن عبد الكريم ~~الحداد قال : قرأت على خلف ( راوي حمزة ) فلما بلغت هذه الآية { لو أنزلنا ~~هذا القرآن على جبل } ( الحشر : 21 ) إلى آخر السورة قال : ضع يدك على رأسك ~~فإني قرأت على الأعمش . فلما بلغت هذه الآية قال : ضع يدك على رأسك فإني ~~قرأت على يحيى بن وثاب ، فلما بلغت هذه الآية قال : ضع يدك على رأسك فإني ~~قرأت على علقمة والأسود فلما بلغت هذه الآية قالا : ضع يدك على رأسك فإنا ~~قرأنا على عبد الله فلما بلغنا هذه الآية قال : ضعا أيديكما على رؤوسكما ، ~~فإني قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم فلما بلغت هذه الآية قال لي : ضع ~~يدك على رأسك فإن جبريل لما نزل بها إلي قال : ضع يدك على رأسك فإنها شفاء ~~من كل داء إلا السام . والسام الموت . قلت : هذا حديث أغر مسلسل إلى جبريل ~~عليه السلام . # وأخرج الديلمي عن علي وابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في ~~قوله تعالى : { لو أنزلنا هذا القرآن } ( الحشر : 21 ) إلى آخر السورة : هي ~~رقية الصداع ، فهذه مزية لهذه الآيات . # PageV28P128 # | 1 ( سورة الممتحنة ) 1 # عرفت هذه السورة في كتب التفسير وكتب السنة وفي المصاحف ب ( سورة ~~الممتحنة ) . قال القرطبي : والمشهور على الألسنة النطق في كلمة ( الممتحنة ~~) بكسر الحاء وهو الذي جزم به السهيلي . # ووجه التسمية أنها جاءت فيها آية امتحان إيمان النساء اللاتي يأتين من ~~مكة مهاجرات إلى المدينة وهي آية { يأيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات ~~مهاجرات فامتحنوهن } إلى قوله : { بعصم الكوافر } ( الممتحنة : 10 ) . فوصف ~~الناس تلك الآية بالممتحنة لأنها شرعت الامتحان . وأضيفت السورة إلى تلك ~~الآية . # وقال السهيلي : أسند ms8425 الامتحان إلى السورة مجازا كما قيل لسورة براءة ~~الفاضحة . يعني أن ذلك الوصف مجاز عقلي . # وروي بفتح الحاء على اسم المفعول قال ابن حجر : وهو المشهور أي المرأة ~~الممتحنة على أن التعريف تعريف العهد والمعهود أول امرأة امتحنت في إيمانها ~~، وهي أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط امرأة عبد الرحمن بن عوف . ( كما سميت ~~سورة قد سمع الله ( سورة المجادلة ) بكسر الدال ) . # ولك أن تجعل التعريف تعريف الجنس ، أي النساء الممتحنة . # قال في ( الإتقان ) : وتسمى ( سورة الامتحان ) ، ( وسورة المودة ) ، وعزا ~~ذلك إلى كتاب ( جمال القراء ) لعلي السخاوي ولم يذكر سنده . PageV28P129 ~~وهذه السورة مدنية بالاتفاق . # واتفق أهل العدد على عد آيها ثلاث عشرة آية . وآياتها طوال . # واتفقوا على أن الآية الأولى نزلت في شأن كتاب حاطب بن أبي بلتعة إلى ~~المشركين من أهل مكة . # $ 2 ( { ياأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا عدوى وعدوكم أوليآء تلقون إليهم ~~بالمودة وقد كفروا بما جآءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ~~ربكم إن كنتم خرجتم جهادا فى سبيلى وابتغآء مرضاتى تسرون إليهم بالمودة ~~وأنا أعلم بمآ أخفيتم ومآ أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سوآء السبيل * إن ~~يثقفوكم يكونوا لكم أعدآء ويبسطو & # 1764 ا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسو & # 1764 ء وودوا لو تكفرون * لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة ~~يفصل بينكم والله بما تعملون بصير * قد كانت لكم أسوة حسنة فى & # 1764 إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءآؤا منكم ومما تعبدون من ~~دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضآء أبدا حتى تؤمنوا ~~بالله وحده إلا قول إبراهيم لابيه لاستغفرن لك ومآ أملك لك من الله من شىء ~~ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير * ربنا لا تجعلنا فتنة للذين ~~كفروا واغفر لنا ربنآ إنك أنت العزيز الحكيم * لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة ~~لمن كان يرجو الله واليوم الاخر ومن يتول فإن الله هو الغنى الحميد * عسى ~~الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير ms8426 والله غفور ~~رحيم * لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين ولم يخرجوكم من ~~دياركم أن تبروهم وتقسطو & # 1764 ا إليهم إن الله يحب المقسطين * إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم ~~فى الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم ~~فأولائك هم الظالمون * ياأيها الذين ءامنوا إذا جآءكم المؤمنات مهاجرات ~~فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار ~~لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن وءاتوهم مآ أنفقوا ولا جناح عليكم أن ~~تنكحوهن إذآ ءاتيتموهن أجورهن ولا تمسكوا بعصم الكوافر واسئلوا مآ أنفقتم ~~وليسئلوا مآ أنفقوا ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم * وإن فاتكم ~~شىء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل مآ أنفقوا ~~واتقوا الله الذى & # 1764 أنتم به مؤمنون * ياأيها النبى إذا جآءك المؤمنات يبايعنك على أن لا ~~يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان ~~يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك فى معروف فبايعهن واستغفر لهن الله ~~إن الله غفور رحيم * ياأيها الذين ءامنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم قد ~~يئسوا من الاخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور } ) 2 $ روى البخاري من ~~طريق سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار يبلغ به إلى علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه قصة كتاب حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة ثم قال : قال عمرو بن ~~دينار : نزلت فيه { يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء } ( ~~الممتحنة : 1 ) قال سفيان : هذا في حديث الناس لا أدري الآية في الحديث أو ~~قول عمرو . حفظته من عمرو وما تركت منه حرفا اه . # وفي ( صحيح مسلم ) وليس في حديث أبي بكر وزهير ( من الخمسة الذين روى ~~عنهم مسلم يروون عن سفيان بن عيينة ) ذكر الآية . وجعلها إسحاق ( أي ابن ~~إبراهيم أحد من روى عنهم مسلم هذا الحديث ) في روايته من تلاوة سفيان ا ه . ~~ولم يتعرض مسلم لرواية عمرو الناقد وابن ms8427 أبي عمر عن سفيان فلعلهما لم يذكرا ~~شيئا في ذلك . # واختلفوا في أن كتابه إليهم أكان عند تجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~للحديبية وهو قول قتادة ودرج عليه ابن عطية وهو مقتضى رواية الحارث عن علي ~~بن أبي طالب عند الطبري ، قال : لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتي ~~مكة أفشى في الناس أنه يريد خيبر وأسر إلى ناس من أصحابه منهم حاطب بن أبي ~~بلتعة أنه يريد مكة . فكتب حاطب إلى أهل مكة . . . إلى آخره ، فإن قوله : ~~أفشى ، أنه يريد خيبر يدل على أن إرادته مكة إنما هي إرادة عمرة الحديبية ~~لا غزو مكة لأن خيبر فتحت قبل فتح مكة . ويؤيد هذا ما رواه الطبري أن ~~المرأة التي أرسل معها حاطب كتابه كان مجيئها المدينة بعد غزوة بدر بسنتين ~~: وقال ابن عطية : نزلت هذه السورة سنة ست . # وقال جماعة : كان كتاب حاطب إلى أهل مكة عند تجهز رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لفتح مكة ، وهو ظاهر صنيع جمهور أهل السير وصنيع البخاري في كتاب ~~المغازي من ( صحيحه ) في ترتيبه للغزوات ، ودرج عليه معظم المفسرين . ~~PageV28P130 # ومعظم الروايات ليس فيها تعيين ما قصده رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~تجهزه إلى مكة أهو لأجل العمرة أم لأجل الفتح فإن كان الأصح الأول وهو الذي ~~نختاره كانت السورة جميعها نازلة في مدة متقاربة فإن امتحان أم كلثوم بنت ~~عقبة كان عقب صلح الحديبية . ويكون نزول السورة مرتبا على ترتيب آياتها وهو ~~الأصل في السور . # وعلى القول الثاني يكون صدور السورة نازلا بعد آيات الامتحان وما بعدها ~~حتى قال بعضهم : إن أول السورة نزل بمكة بعد الفتح ، وهذا قول غريب لا ~~ينبغي التعويل عليه . # وهذه السورة قد عدت الثانية والتسعين في تعداد نزول السور عند جابر بن ~~زيد نزلت بعد سورة العقود وقبل سورة النساء . # أغراض هذه السورة # اشتملت من الأغراض على تحذير المؤمنين من اتخاذ المشركين أولياء مع أنهم ~~كفروا بالدين الحق وأخرجوهم من بلادهم . # وإعلامهم ms8428 بأن اتخاذهم أولياء ضلال وأنهم لو تمكنوا من المؤمنين لأساؤوا ~~إليهم بالفعل والقول ، وأن ما بينهم وبين المشركين من أواصر القرابة لا ~~يعتد به تجاه العداوة في الدين ، وضرب لهم مثلا في ذلك قطيعة إبراهيم لأبيه ~~وقومه . # وأردف ذلك باستئناس المؤمنين برجاء أن تحصل مودة بينهم وبين الذين أمرهم ~~الله بمعاداتهم أي هذه معاداة غير دائمة . # وأردف بالرخصة في حسن معاملة الكفرة الذين لم يقاتلوا المسلمين قتال ~~عداوة في دين ولا أخرجوهم من ديارهم . وهذه الأحكام إلى نهاية الآية ~~التاسعة . # وحكم المؤمنات اللاء يأتين مهاجرات واختبار صدق إيمانهن وأن يحفظن من ~~الرجوع إلى دار الشرك ويعوض أزواجهن المشركون ما أعطوهن من المهور ويقع ~~التراد كذلك مع المشركين . PageV28P131 # ومبايعة المؤمنات المهاجرات ليعرف التزامهن لأحكام الشريعة الإسلامية . ~~وهي الآية الثانية عشرة . # وتحريم تزوج المسلمين المشركات وهذا في الآيتين العاشرة والحادية عشرة . # والنهي عن موالاة اليهود وأنهم أشبهوا المشركين وهي الآية الثالثة عشرة . # . # اتفق المفسرون وثبت في ( صحيح الأحاديث ) أن هذه الآية نزلت في قضية ~~الكتاب الذي كتب به حاطب بن أبي بلتعة حليف بني أسد بن عبد العزى من قريش . ~~وكان حاطب من المهاجرين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أهل بدر . # وحاصل القصة مأخوذة مما في ( صحيح الآثار ) ومشهور السيرة : أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كان قد تجهز قاصدا مكة . قيل لأجل العمرة عام الحديبية ~~، وهو الأصح ، وقيل لأجل فتح مكة وهو لا يستقيم ، فقدمت أيامئذ من مكة إلى ~~المدينة امرأة تسمى سارة مولاة لأبي عمرو بن صيفي بن هاشم بن عبد مناف ~~وكانت على دين الشرك فقالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنتم الأهل ~~والموالي والأصل والعشيرة وقد ذهب الموالي ( تعني من قتل من مواليها يوم ~~بدر ) . وقد اشتدت بي الحاجة فقدمت عليكم لتعطوني وتكسوني فحث رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بني عبد المطلب وبني المطلب على إعطائها ، فكسوها ~~وأعطوها وحملوها ، وجاءها حاطب بن أبي بلتعة فأعطاها كتابا لتبلغه إلى من ~~كتب إليهم من ms8429 أهل مكة يخبرهم بعزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخروج ~~إليهم ، وآجرها على إبلاغه فخرجت ، وأوحى الله إلى رسوله صلى الله عليه ~~وسلم بذلك ، فبعث عليا والزبير والمقداد وأبا مرثد الغنوي ، وكانوا فرسانا ~~. وقال : انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ ، فإن بها ظعينة ومعها كتاب من حاطب ~~إلى المشركين فخذوه منها وخلوا سبيلها . فخرجوا تتعادى بهم خيلهم حتى بلغوا ~~روضة خاخ فإذا هم PageV28P132 بالمرأة . فقالوا : أخرجي الكتاب ، فقالت : ~~ما معي كتاب ، فقالوا : لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب ( يعنون أنهم ~~يجردونها ) فأخرجته من عقاصها ، وفي رواية من حجزتها . # فأتوا به النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا حاطب ما هذا ؟ قال : لا ~~تعجل علي يا رسول الله . فإني كنت امرأ ملصقا في قريش وكان لمن كان معك من ~~المهاجرين قرابات يحمون بها أهليهم فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن ~~أتخذ فيهم يدا يحمون بها قرابتي ( يريد أمه وإخوته ) ، ولم أفعله كفرا ولا ~~ارتدادا عن ديني ولا رضى بالكفر بعد الإسلام . فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم صدق . فقال عمر : دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق ، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم ( إنه قد شهد بدرا وما يدريك لعل الله اطلع على ~~أهل بدر ، فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ) . وقال : لا تقولوا لحاطب ~~إلا خيرا فأنزل الله تعالى : { يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم ~~أولياء } الآيات . # والظاهر أن المرأة جاءت متجسسة إذ ورد في بعض الروايات أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لم يؤمن يوم الفتح أربعة منهم هذه المرأة لكن هذا يعارضه ما جاء ~~في رواية القصة من قول النبي صلى الله عليه وسلم ( خذوا منها الكتاب وخلوا ~~سبيلها ) . # وقد وجه الخطاب بالنهي إلى جميع المؤمنين تحذيرا من إتيان مثل فعل حاطب . # والعدو : ذو العداوة ، وهو فعول بمعنى فاعل من : عدا يعدو ، مثل عفو . ~~وأصله مصدر على وزن فعول مثل قبول ونحوه من مصادر قليلة . ولكونه على زنة ~~المصادر عومل معاملة المصدر فاستوى ms8430 في الوصف به المذكر والمؤنث والواحد ~~والمثنى والجمع . قال تعالى : { فإنهم عدو لي } ( الشعراء : 77 ) ، وتقدم ~~عند قوله تعالى : { فإن كان من قوم عدو لكم في سورة النساء . # والمعنى : لا تتخذوا أعدائي وأعداءكم أولياء . والمراد العداوة في الدين ~~فإن المؤمنين لم يبدأوهم بالعداوة وإنما أبدى المشركون عداوة المؤمنين ~~انتصارا لشركهم فعدوا من خرجوا عن الشرك أعداء لهم . وقد كان مشركو العرب ~~متفاوتين في مناواة المسلمين فإن خزاعة كانوا مشركين وكانوا موالين النبي ~~صلى الله عليه وسلم . PageV28P133 فمعنى إضافة عدو إلى ياء التكلم على ~~تقدير : عدو ديني ، أو رسولي . # والاتخاذ : افتعال من الأخذ صيغ الافتعال للمبالغة في الأخذ المجازي ~~فأطلق على التلبس والملازمة . وقد تقدم في قوله تعالى : يأيها الذين آمنوا ~~خذوا حذركم في سورة النساء . ولذلك لزمه ذكر حال بعد مفعوله لتدل على تعيين ~~جانب المعاملة من خير أو شر . فعومل هذا الفعل معاملة صير . واعتبرت الحال ~~التي بعده بمنزلة المفعول الثاني للزوم ذكرها وهل المفعول الثاني من باب ظن ~~وأخواته إلا حال في المعنى ، وقد تقدم عند قوله تعالى : أتتخذ أصناما إلهة ~~في سورة الأنعام . # وجملة تلقون إليهم بالمودة } في موضع الحال من ضمير { لا تتخذوا } ، أو ~~في موضع الصفة ل { أولياء } أو بيان لمعنى اتخاذهم أولياء . # ويجوز أن تكون جملة في موضع الحال من ضمير { لا تتخذوا } لأن جعلها حالا ~~يتوصل منه إلى التعجيب من إلقائهم إليهم بالمودة . # والإلقاء حقيقته رمي ما في اليد على الأرض . واستعير لإيقاع الشيء بدون ~~تدبر في موقعه ، أي تصرفون إليهم مودتكم بغير تأمل . قال تعالى : { فألقوا ~~إليهم القول إنكم لكاذبون في سورة النحل . # والباء في بالمودة } لتأكيد اتصال الفعل بمفعوله . وأصل الكلام : تلقون ~~إليهم المودة ، كقوله تعالى : { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } ( البقرة ~~: 195 ) وقوله : { وامسحوا برؤوسكم } ( المائدة : 6 ) وذلك تصوير لقوة ~~مودتهم لهم . # وزيد في تصوير هذه الحالة بجملة الحال التي بعدها وهي { وقد كفروا بما ~~جاءكم من الحق } وهي حال من ضمير { إليهم } أو من { عدوي } . # ( وما جاءكم من الحق ms8431 ) هو القرآن والدين فذكر بطريق الموصولية ليشمل كل ~~ما أتاهم به الرسول صلى الله عليه وسلم على وجه الإيجاز مع ما في الصلة من ~~الإيذان بتشنيع كفرهم بأنه كفر بما ليس من شأنه أن يكفر به طلاب الهدي فإن ~~الحق محبوب مرغوب . PageV28P134 # وتعدية جاء إلى ضمير المخاطبين وهم الذين آمنوا لأنهم الذين انتفعوا بذلك ~~الحق وتقبلوه فكأنه جاء إليهم لا إلى غيرهم وإلا فإنه جاء لدعوة الذين ~~آمنوا والمشركين فقبله الذين آمنوا ونبذه المشركون . # وفيه إيماء إلى أن كفر الكافرين به ناشىء عن حسدهم الذين آمنوا قبلهم . # وفي ذلك أيضا إلهاب لقلوب المؤمنين ليحذروا من موالاة المشركين . # وجملة { يخرجون الرسول وإياكم } حال من ضمير { كفروا } ، أي لم يكتفوا ~~بكفرهم بما جاء من الحق فتلبسوا معه بإخراج الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وإخراجكم من بلدكم لأن تؤمنوا بالله ربكم ، أي هو اعتداء حملهم عليه أنكم ~~آمنتم بالله ربكم . وأن ذلك لا عذر لهم فيه لأن إيمانكم لا يضيرهم . ولذلك ~~أجري على اسم الجلالة وصف ربكم على حد قوله تعالى : { قل يا أيها الكافرون ~~لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد } ( الكافرون : 1 3 ) ثم قال : ~~{ لكم دينكم ولي دين } ( الكافرون : 6 ) . # وحكيت هذه الحالة بصيغة المضارع لتصوير الحالة لأن الجملة لما وقعت حالا ~~من ضمير { وقد كفروا } كان إخراج الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين في ~~تلك الحالة عملا فظيعا ، فأريد استحضار صورة ذلك الإخراج العظيم فظاعة ~~اعتلالهم له . # والإخراج أريد به : الحمل على الخروج بإتيان أسباب الخروج من تضييق على ~~المسلمين وأذى لهم . # وأسند الإخراج إلى ضمير العدو كلهم لأن جميعهم كانوا راضين بما يصدر من ~~بعضهم من أذى المسلمين . وربما أغروا به سفهاءهم ، ولذلك فالإخراج مجاز في ~~أسبابه ، وإسناده إلى المشركين إسناد حقيقي . # وهذه الصفات بمجموعها لا تنطبق إلا على المشركين من أهل مكة ومجموعها هو ~~علة النهي عن موادتهم . # وجيء بصيغة المضارع في قوله تعالى : { أن تؤمنوا } ، لإفادة استمرار ~~إيمان المؤمنين وفيه إيماء إلى الثناء على ms8432 المؤمنين بثباتهم على دينهم ، ~~وأنهم لم يصدهم عنه ما سبب لهم الخروج من بلادهم . PageV28P135 # وقوله : { إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي } شرط ذيل به ~~النهي من قوله : { لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء } . وهذا مقام يستعمل في ~~مثله الشرط بمنزلة التتميم لما قبله دون قصد تعليق ما قبله بمضمون فعل ~~الشرط ، أي لا يقصد أنه إذا انتفى فعل الشرط انتفى ما علق عليه كما هو ~~الشأن في الشروط بل يقصد تأكيد الكلام الذي قبله بمضمون فعل الشرط فيكون ~~كالتعليل لما قبله ، وإنما يؤتى به في صورة الشرط مع ثقة المتكلم بحصول ~~مضمون فعل الشرط بحيث لا يتوقع من السامع أن يحصل منه غير مضمون فعل الشرط ~~فتكون صيغة الشرط مرادا بها التحذير بطريق المجاز المرسل في المركب لأن ~~معنى الشرط يلزمه التردد غالبا . ولهذا يؤتى بمثل هذا الشرط إذا كان ~~المتكلم واثقا بحصول مضمونه متحققا صحة ما يقوله قبل الشرط . كما ذكر في ( ~~الكشاف ) في قوله تعالى : { إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا إن كنا أول ~~المؤمنين في سورة الشعراء ، في قراءة من قرأ إن كنا أول المؤمنين بكسر همزة ~~( إن ) وهي قراءة شاذة فتكون ( إن ) شرطية مع أنهم متحققون أنهم أول ~~المؤمنين فطمعوا في مغفرة خطاياهم لتحققهم أنهم أول المؤمنين ، فيكون الشرط ~~في مثله بمنزلة التعليل وتكون أداة الشرط مثل ( إذ ) أو لام التعليل . # وقد يأتي بمثل هذا الشرط من يظهر وجوب العمل على مقتضى ما حصل من فعل ~~الشرط وأن لا يخالف مقتضاه كقوله تعالى : واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن ~~لله خمسه } ( الأنفال : 41 ) إلى قوله : { إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا ~~على عبدنا } ( الأنفال : 41 ) ، أي فإيمانكم ويقينكم مما أنزلنا يوجبان أن ~~ترضوا بصرف الغنيمة للأصناف المعينة من عند الله . ومنه كثير في القرآن إذا ~~تتبعت مواقعه . # ويغلب أن يكون فعل الشرط في مثله فعل كون إيذانا بأن الشرط محقق الحصول . # وما وقع في هذه السورة من هذا القبيل فالمقصود استقرار النهي عن اتخاذ ms8433 ~~عدو الله أولياء وعقب بفرض شرطه موثوق بأن الذين نهوا متلبسون بمضمون فعل ~~الشرط بلا ريب ، فكان ذكر الشرط مما يزيد تأكيد الانكفاف . # ولذلك يجاء بمثل هذا الشرط في آخر الكلام إذ هو يشبه التتميم والتذييل ، ~~وهذا من دقائق الاستعمال في الكلام البليغ . PageV28P136 # قال في ( الكشاف ) في قوله تعالى : { إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن ~~صبرنا عليها في سورة الفرقان و ( لولا ) في مثل هذا الكلام جار من حيث ~~المعنى لا من حيث الصنعة مجرى التقييد للحكم المطلق . وقال هنا إن كنتم ~~خرجتم } متعلق ب { لا تتخذوا } وقول النحويين في مثله على أنه شرط جوابه ~~محذوف لدلالة ما قبله عليه . اه . يعني أن فرقا بين كلام النحويين وبين ما ~~اختاره هو من جعله متعلقا ب { لا تتخذوا } فإنه جعل جواب الشرط غير منوي . ~~قلت : فينبغي أن يعد كلامه من فروق استعمال الشروط مثل فروق الخبر وفروق ~~الحال المبوب لكليهما في كتاب ( دلائل الإعجاز ) . وكلام النحاة جرى على ~~غالب أحوال الشروط التي تتأخر عن جوابها نحو : اقبل شفاعة فلان إن شفع عندك ~~، وينبغي أن يتطلب لتقديم ما يدل على الجواب المحذوف إذا حذف نكتة في غير ~~ما جرى على استعمال الشرط بمنزلة التذييل والتتميم . # وأداة الشرط في مثله تشبه { إن } الوصلية و ( لو ) الوصلية ، ولذلك قال ~~في ( الكشاف ) هنا : إن جملة { إن كنتم خرجتم } متعلقة ب { لا تتخذوا } ~~يعني تعلق الحال بعاملها ، أي والحال حال خروجكم في سبيل الله وابتغائكم ~~مرضاته بناء على أن شرط { إن } . و ( لو ) الوصليتين يعتبر حالا . ولا يعكر ~~عليه أن شرطهما يقترن بواو الحال لأن ابن جني والزمخشري سوغا خلو الحال في ~~مثله عن الواو والاستعمال يشهد لهما . # والمعنى : لا يقع منكم اتخاذ عدوي وعدوكم أولياء ومودتهم ، مع أنهم كفروا ~~بما جاءكم من الحق ، وأخرجوكم لأجل إيمانكم . إن كنتم خرجتم من بلادكم ~~جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي ، فكيف توالون من أخرجوكم وكان إخراجهم ~~إياكم لأجلي وأنا ربكم . # والمراد بالخروج في قوله : { إن كنتم خرجتم } الخروج ms8434 من مكة مهاجرة إلى ~~المدينة . فالخطاب خاص بالمهاجرين على طريقة تخصيص العموم في قوله تعالى : ~~{ يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء } روعي في هذا التخصيص ~~قرينة سبب نزول الآية على حادث حاطب بن أبي بلتعة . # و { جهادا } ، و { ابتغاء مرضاتي } مصدران منصوبان على المفعول لأجله . ~~PageV28P137 # . # يجوز أن تكون الجملة بيانا لجملة { تلقون إليهم بالمودة } ، أو بدل ~~اشتمال منها فإن الإسرار إليهم بالمودة مما اشتمل عليه الإلقاء إليهم ~~بالمودة . والخبر مستعمل في التوبيخ والتعجيب ، فالتوبيخ مستفاد من إيقاع ~~الخبر عقب النهي المتقدم ، والتعجيب مستفاد من تعقيبه بجملة { وأنا أعلم ~~بما أخفيتم وما أعلنتم } ، أي كيف تظنون أن إسراركم إليهم يخفى علينا ولا ~~نطلع عليه رسولنا . # والإسرار : التحدث والإخبار سرا . # ومفعول { تسرون } يجوز أن يكون محذوفا يدل عليه السياق ، أي تخبرونهم ~~أحوال المسلمين سرا . # وجيء بصيغة المضارع لتصوير حالة الإسرار إليه تفظيعا لها . # والباء في { بالمودة } للسببية ، أي تخبرونهم سرا بسبب المودة أي بسبب ~~طلب المودة لهم كما هو في قضية كتاب حاطب . # ويجوز أن يكون { بالمودة } في محل المفعول لفعل { تسرون } والباء زائدة ~~لتأكيد المفعولية كالباء في قوله تعالى : { وامسحوا برؤوسكم } ( المائدة : ~~6 ) . # وجملة { وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم } في موضع الحال من ضمير { ~~تسرون } أو معترضة ، والواو اعتراضية . # وهذا مناط التعجيب من فعل المعرض به وهو حاطب بن أبي بلتعة . وتقديم ~~الإخفاء لأنه المناسب لقوله : { وأنا أعلم } . ولموافقته للقصة . # و { أعلم } اسم تفضيل والمفضل عليه معلوم من قوله : { تسرون إليهم } ~~فالتقدير : أعلم منهم ومنكم بما أخفيتم وما أعلنتم . # والباء متعلقة باسم التفضيل وهي بمعنى المصاحبة . # . PageV28P138 # عطف على جملة النهي في قوله تعالى : { لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء } ، ~~عطف على النهي التوعد على عدم الانتهاء بأن من لم ينته عما نهي عنه هو ضال ~~عن الهدى . # وضمير الغيبة في { يفعله } عائد إلى الاتخاذ المفهوم من فعل { لا تتخذوا ~~عدوي } أي ومن يفعل ذلك بعد هذا النهي والتحذير فهو قد ضل عن سواء السبيل . # و { سواء السبيل } مستعار لأعمال ms8435 الصلاح والهدى لشبهها بالطريق المستوي ~~الذي يبلغ من سلكه إلى بغيته ويقع من انحرف عنه في هلكة . والمراد به هنا ~~ضل عن الإسلام وضل عن الرشد . # و { من } شرطية الفعل بعدها مستقبل وهو وعيد للذين يفعلون مثل ما فعل ~~حاطب بعد أن بلغهم النهي والتحذير والتوبيخ والتفظيع لعمله . # تفيد هذه الجملة معنى التعليل لمفاد قوله تعالى : { فقد ضل سواء السبيل } ~~( الممتحنة : 1 ) باعتبار بعض ما أفادته الجملة ، وهو الضلال عن الرشد ، ~~فإنه قد يخفى ويظن أن في تطلب مودة العدو فائدة ، كما هو حال المنافقين ~~المحكي في قوله تعالى : { الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ~~ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من ~~المؤمنين } ( النساء : 141 ) ، فقد يظن أن موالاتهم من الدهاء والحزم رجاء ~~نفعهم إن دالت لهم الدولة ، فبين الله لهم خطأ هذا الظن ، وأنهم إن ~~استفادوا من مودتهم إياهم إطلاعا على قوتهم فتأهبوا لهم وظفروا بهم لم ~~يكونوا ليرقبوا فيهم إلا ولا ذمة ، وأنهم لو أخذوهم وتمكنوا منهم لكانوا ~~أعداء لهم لأن الذي أضمر العداوة زمنا يعسر أن ينقلب ودودا ، وذلك لشدة ~~الحنق على ما لقوا من المسلمين من إبطال دين الشرك وتحقير أهله وأصنامهم . # وفعل { يكونوا } مشعر بأن عداوتهم قديمة وأنها تستمر . PageV28P139 # والبسط : مستعار للإكثار لما شاع من تشبيه الكثير بالواسع والطويل ، ~~وتشبيه ضده وهو القبض بضد ذلك ، فبسط اليد الإكثار من عملها . # والمراد به هنا : عمل اليد الذي يضر مثل الضرب والتقييد والطعن ، وعمل ~~اللسان الذي يؤذي مثل الشتم والتهكم . ودل على ذلك قوله : { بالسوء } ، فهو ~~متعلق ب { يبسطوا } الذي مفعوله { أيديهم وألسنتهم } . # وجملة { وودوا لو تكفرون } حال من ضمير { يكونوا } ، والواو واو الحال ، ~~أي وهم قد ودوا من الآن أن تكفروا فكيف لو يأسرونكم أليس أهم شيء عندهم ~~حينئذ أن يردوكم كفارا ، فجملة الحال دليل على معطوفف مقدر على جواب الشرط ~~كأنه قيل : إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء إلى آخره ، ويردوكم كفارا ، وليست ~~جملة { وودوا لو ms8436 تكفرون } معطوفة على جملة الجواب ، لأن محبتهم أن يكفر ~~المسلمون محبة غير مقيدة بالشرط ، ولذلك وقع فعل { ودوا } ماضيا ولم يقع ~~مضارعا مثل الأفعال الثلاثة قبله { يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا } ~~ليعلم أنه ليس معطوفا على جواب الشرط . # وهذا الوجه أحسن مما في كتاب ( الإيضاح ) للقزويني في بحث تقييد المسند ~~بالشرط ، إذ استظهر أن يكون { وودوا لو تكفرون } عطفا على جملة { إن ~~يثقفوكم } . # ونظره بجملة { ثم لا ينصرون من قوله تعالى : وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ~~ثم لا ينصرون في آل عمران . فإن المعطوف ب ( ثم ) فيها عطف على مجموع الشرط ~~وفعله وجوابه لا على جملة فعل الشرط . # ولو } هنا مصدرية ففعل { تكفرون } مؤول بمصدر ، أي ودوا كفركم . # تخلص من تبيين سوء عاقبة موالاة أعداء الدين في الحياة الدنيا ، إلى بيان ~~سوء PageV28P140 عاقبة تلك الموالاة في الآخرة ، ومناسبة حسن التخلص قوله : ~~{ وودوا لو تكفرون } ( الممتحنة : 2 ) الدال على معنى : أن ودادتهم كفركم ~~من قبل أن يثقفوكم تنقلب إلى أن يكرهوكم على الكفر حين يثقفونكم ، فلا ~~تنفعكم ذوو أرحامكم مثل الأمهات والإخوة الأشقاء ، وللأم ، ولا أولادكم ، ~~ولا تدفع عنكم عذاب الآخرة إن كانوا قد نفعوكم في الدنيا بصلة ذوي الأرحام ~~ونصرة الأولاد . # فجملة { لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم } إلى آخرها مستأنفة استئنافا ~~بيانيا ناشئا عن سؤال مفروض ممن يسمع جملة { ودوا لو تكفرون } ( الممتحنة : ~~2 ) ، أي من حق ذلك أن يسأل عن آثاره لخطر أمرها . # وإذا كان ناشئا عن كلام جرى مجرى التعليل لجملة { فقد ضل سواء السبيل } ( ~~الممتحنة : 1 ) ، فهو أيضا مفيد تعليلا ثانيا بحسب المعنى ، ولولا إرادة ~~الاستئناف البياني لجاءت هذه الجملة معطوفة بالواو على التي قبلها ، وزاد ~~ذلك حسنا أن ما صدر من حاطب ابن أبي بلتعة مما عد عليه هو موالاة للعدو ، ~~وأنه اعتذر بأنه أراد أن يتخذ عند المشركين يدا يحمون بها قرابته ( أي أمه ~~وإخوته ) . ولذلك ابتدىء في نفي النفع بذكر الأرحام لموافقة قصة حاطب لأن ~~الأم ذات رحم والإخوة أبناؤها هم إخوته من رحمه . # وأما ms8437 عطف { ولا أولادكم } فتتميم لشمول النهي قوما لهم أبناء في مكة . # والمراد بالأرحام : ذوو الأرحام على حذف مضاف لظهور القرينة . # و { يوم القيامة } ظرف يتنازعه كل من فعل { لن تنفعكم } ، وفعل { يفصل ~~بينكم } . إذ لا يلزم تقدم العاملين على المعمول المتنازع فيه إذا كان ظرفا ~~لأن الظروف تتقدم على عواملها وأن أبيت هذا التنازع فقل هو ظرف { تنفعكم } ~~واجعل ل { يفصل بينكم } ظرفا محذوفا دل عليه المذكور . # والفصل هنا : التفريق ، وليس المراد به القضاء . والمعنى : يوم القيامة ~~يفرق بينكم وبين ذوي أرحامكم وأولادكم فريق في الجنة وفريق في السعير ، قال ~~تعالى : { يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرىء منهم ~~يومئذ شأن يغنيه } ( عبس : 34 37 ) . PageV28P141 # والمعنى : أنهم لا ينفعونكم يوم القيامة فما لكم ترفضون حق الله مراعاة ~~لهم وهم يفرون منكم يوم اشتداد الهول ، خطأ رأيهم في موالاة الكفار أولا ~~بما يرجع إلى حال من والوه . ثم خطاه ثانيا بما يرجع إلى حال من استعملوا ~~الموالاة لأجلهم ، وهو تقسيم حاصر إشارة إلى أن ما أقدم عليه حاطب من أي ~~جهة نظر إليه يكون خطأ وباطلا . # وقرأ الجمهور { يفصل بينكم } ببناء { يفصل } للمجهول مخففا . وقرأه عاصم ~~ويعقوب { يفصل } بالبناء الفاعل ، وفاعله ضمير عائد إلى الله لعلمه من ~~المقام ، وقرأه حمزة والكسائي وخلف { يفصل } مشدد الصاد مكسورة مبنيا ~~للفاعل مبالغة في الفصل ، والفاعل ضمير يعود إلى الله المعلوم من المقام . # وقرأه ابن عامر { يفصل } بضم التحتية وتشديد الصاد مفتوحة مبنيا للنائب ~~من فصل المشدد . # وجملة { والله بما تعملون بصير } وعيد ووعد . # . # صدر هذه الآية يفيد تأكيدا لمضمون جملة { إن يثقفوكم } ( الممتحنة : 2 ) ~~وجملة { لن تنفعكم أرحامكم } ( الممتحنة : 3 ) ، لأنها بما تضمنته من أن ~~الموجه إليهم التوبيخ خالفوا الأسوة الحسنة تقوي إثبات الخطأ المستوجب ~~للتوبيخ . # ذلك أنه بعد الفراغ من بيان خطأ من يوالي عدو الله بما يجر إلى أصحابه من ~~مضار في الدنيا وفي الآخرة تحذيرا لهم من ذلك ، انتقل إلى تمثيل الحالة ~~الصالحة بمثال من فعل أهل ms8438 الإيمان الصادق والاستقامة القويمة وناهيك بها ~~أسوة . # وافتتاح الكلام بكلمتي { قد كانت } لتأكيد الخبر ، فإن { قد } مع فعل ~~الكون يراد بهما التعريض بالإنكار على المخاطب ولومه في الإعراض عن العمل ~~بما PageV28P142 تضمنه الخبر كقول عمر لابن عباس يوم طعنه غلام المغيرة : ( ~~قد كنت أنت وأبوك تحبان أن يكثر هؤلاء الأعلاج بالمدينة ) ، ومنه قوله ~~تعالى : { لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك } ( ق : 22 ) توبيخا ~~على ما كان منهم في الدنيا من إنكار للبعث ، وقوله تعالى : { وقد كانوا ~~يدعون إلى السجود وهم سالمون } ( القلم : 43 ) وقوله : { لقد كان لكم في ~~رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر } ( الأحزاب : 21 ) . # ويتعلق { لكم } بفعل ( كان ) ، أو هو ظرف مستقر وقع موقع الحال من { أسوة ~~حسنة } . # وإبراهيم عليه السلام مثل في اليقين بالله والغضب به ، عرف ذلك العرب ~~واليهود والنصارى من الأمم ، وشاع بين الأمم المجاورة من الكنعانيين ~~والأراميين ، ولعله بلغ إلى الهند . وقد قيل : إن اسم ( برهما ) معبود ~~البراهة من الهنود محرف عن ( اسم إبراهيم ) وهو احتمال . # وعطف { والذين معه } ليتم التمثيل لحال المسلمين مع رسولهم صلى الله عليه ~~وسلم بحال إبراهيم عليه السلام والذين معه ، أي أن يكون المسلمون تابعين ~~لرضى رسولهم صلى الله عليه وسلم كما كان الذين مع إبراهيم عليه السلام . # والمراد ب { الذين معه } الذين آمنوا به واتبعوا هديه وهم زوجه سارة وابن ~~أخيه لوط ولم يكن لإبراهيم أبناء ، فضمير { إذ قالوا } عائد إلى إبراهيم ~~والذين معه فهم ثلاثة . # و { إذ } ظرف زمان بمعنى حين ، أي الأسوة فيه وفيهم في ذلك الزمن . # والمراد بالزمن : الأحوال الكائنة فيه ، وهو ما تبينه الجملة المضاف ~~إليها الظرف وهي جملة { قالوا لقومهم إنا برءآء منكم } الخ . # والإسوة بكسر الهمزة وضمها : القدوة التي يقتدى بها في فعل ما . فوصفت في ~~الآية ب { حسنة } وصفا للمدح لأن كونها حسنة قد علم من سياق ما قبله وما ~~بعده . # وقرأ الجمهور { إسوة } بكسر الهمزة ، وقرأه عاصم بضمها . وتقدمت في قوله ~~تعالى : { لقد ms8439 كان لكم في رسول الله أسوة حسنة في سورة الأحزاب . ~~PageV28P143 # وحرف في } مستعار لقوة الملابسة إذ جعل تلبس إبراهيم والذين معه بكونهم ~~أسوة حسنة ، بمنزلة تلبس الظرف بالمظروف في شدة التمكن من الوصف . ولذلك ~~كان المعنى : قد كان لكم إبراهيم والذين معه أسوة في حين قولهم لقومهم . ~~فليس قوله : { إسوة حسنة في إبراهيم } من قبيل التجريد مثل قول أبي خالد ~~العتابي . # وفي الرحمان للضعفاء كاف # لأن الأسوة هنا هي قول إبراهيم والذين معه لا أنفسهم . # و { برءآء } بهمزتين بوزن فعلاء جمع بريء مثل كريم وكرماء . # وبريء فعيل بمعنى فاعل من برىء من شيء إذا خلا منه سواء بعد ملابسته أو ~~بدون ملابسة . # والمراد هنا التبرؤ من مخالطتهم وملابستهم . . وعطف عليه { ومما تعبدون ~~من دون الله } أي من الأصنام التي تعبدونها من دون الله والمراد برءآء من ~~عبادتها . # وجملة { كفرنا بكم } وما عطف عليها بيان لمعنى جملة { إنا برءآء } . # وضمير { بكم } عائد إلى مجموع المخاطبين من قومهم مع ما يعبدونه من دون ~~الله ، ويفسر الكفر بما يناسب المعطوف عليه والمعطوف ، أي كفرنا بجميعكم ~~فكفرهم بالقوم غير كفرهم بما يعبده قومهم . # وعطف عليه { وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا } وبدا معناه : ظهر ~~ونشأ ، أي أحدثنا معكم العداوة ظاهرة لا مواربة فيها ، أي ليست عداوة في ~~القلب خاصة بل هي عداوة واضحة علانية بالقول والقلب . وهو أقصى ما ~~PageV28P144 يستطيعه أمثالهم من درجات تغيير المنكر وهو التغيير باللسان إذ ~~ليسوا بمستطيعين تغيير ما عليه قومهم باليد لقلتهم وضعفهم بين قومهم . # و { العداوة } المعاملة بالسوء والاعتداء . # و { البغضاء } : نفرة النفس ، والكراهية وقد تطلق إحداهما في موضع الأخرى ~~إذا افترقتا ، فذكرهما معا هنا مقصود به حصول الحالتين في أنفسهم : حالة ~~المعاملة بالعدوان ، وحالة النفرة والكراهية ، أي نسيء معاملتكم ونضمر لكم ~~الكراهية حتى تؤمنوا بالله وحده دون إشراك . # والمراد بقولهم هذا لقومهم أنهم قالوه مقال الصادق في قوله ، فالائتساء ~~بهم في ذلك القول والعمل بما يترجم عليه القول مما في النفوس ، فالمؤتسى به ~~أنهم كاشفوا قومهم بالمنافرة ms8440 ، وصرحوا لهم بالبغضاء لأجل كفرهم بالله ولم ~~يصانعوهم ويغضوا عن كفرهم لاكتساب مودتهم كما فعل الموبخ بهذه الآية . # . # الأظهر أن هذه الجملة معترضة بين جمل حكاية مقال إبراهيم والذين معه ~~وجملة { لقد كان لكم فيهم إسوة حسنة } ( الممتحنة : 6 ) ، والاستثناء منقطع ~~إذ ليس هذا القول من جنس قولهم : { إنا برءآء منكم } الخ ، فإن قول إبراهيم ~~لأبيه لأستغفرن لك رفق بأبيه وهو يغاير التبرؤ منه ، فكان الاستثناء في ~~معنى الاستدراك عن قوله : { إذ قالوا لقومهم إنا برءآء منكم } الشامل ~~لمقالة إبراهيم معهم لاختلاف جنسي القولين . # قال في ( الكشاف ) في قوله تعالى : { قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين ~~إلا آل لوط في سورة الحجر ( 58 ، 59 ) . أنه استثناء منقطع من قوم } لأن ~~القوم موصوفون بالإجرام فاختلف لذلك الجنسان ا ه . فجعل اختلاف جنسي ~~المستثنى والمستثنى منه موجبا اعتبار الاستثناء منقطعا . وفائدة الاستدراك ~~هنا التعريض بخطأ حاطب ابن أبي بلتعة ، أي إن كنتم معتذرين فليكن عذركم في ~~مواصلة أعداء الله بأن تودوا لهم مغفرة كفرهم باستدعاء سبب المغفرة وهو أن ~~يهديهم الله إلى PageV28P145 الدين الحق كما قال إبراهيم لأبيه { لأستغفرن ~~لك } ، ولا يكون ذلك بمصانعة لا يفهمون منها أنهم منكم بمحل المودة ~~والعناية فيزدادوا تعنتا في كفرهم . # وحكاية قول إبراهيم لأبيه { وما أملك لك من الله من شيء } إكمال لجملة ما ~~قاله إبراهيم لأبيه وإن كان المقصود من الاستثناء مجرد وعده بالاستغفار له ~~فبني عليه ما هو من بقية كلامه لما فيه من الدلالة على أن الاستغفار له قد ~~لا يقبله الله . # والواو في { وما أملك لك من الله من شيء } يجوز أن تكون للحال أو للعطف . ~~والمعنى متقارب ، ومعنى الحال أوضح وهو تذييل . # ومعنى الملك في قوله : { وما أملك } القدرة ، وتقدم في قوله تعالى : { قل ~~فمن يملك من الله شيئا في سورة العقود . # ومن شيء } عام للمغفرة المسؤولة وغيرها مما يريده الله به . # . # الأظهر أن يكون هذا من كلام إبراهيم وقومه وجملة { إلا قول إبراهيم } إلى ~~آخرها معترضة بين أجزاء القول فهو ms8441 مما أمر المسلمون أن يأتسوا به ، وبه ~~يكون الكلام شديد الاتصال مع قوله : { لقد كان لكم فيهم إسوة حسنة } ( ~~الممتحنة : 6 ) . # ويحتمل أن يكون تعليما للمؤمنين أن يقولوا هذا الكلام ويستحضروا معانيه ~~ليجري عملهم بمقتضاه فهو على تقدير أمر بقول محذوف والمقصود من القول العمل ~~بالقول فإن الكلام يجدد المعنى في نفس المتكلم به ويذكر السامع من غفلته . ~~وهذا تتميم لما أوصاهم به من مقاطعة الكفار بعد التحريض على الائتساء ~~بإبراهيم ومن معه . # فعلى المعنى الأول يكون حكاية لما قاله إبراهيم وقومه بما يفيد حاصل ~~معانيه فقد يكون هو معنى ما حكاه الله عن إبراهيم من قوله : { الذي خلقني ~~فهو يهدين PageV28P146 والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين والذي ~~يميتني ثم يحيين والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين } ( الشعراء : 78 ~~82 ) . # فإن التوكل على الله في أمور الحياة بسؤاله النجاح في ما يصلح أعمال ~~العبد في مساعيه وأعظمه النجاح في دينه وما فيه قوام عيشه ثم ما فيه دفع ~~الضر . وقد جمعها قول إبراهيم هناك { فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين ~~وإذا مرضت فهو يشفين } . وهذا جمعه قوله هنا { عليك توكلنا } { والذي ~~يميتني ثم يحيين } جمعه قوله : { وإليك المصير } فإن المصير مصيرانن مصير ~~بعد الحياة ومصير بعد البعث . # وقوله : { والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي } فإن وسيلة الطمع هي التوبة وقد ~~تضمنها قوله : { وإليك أنبنا } . # وعلى المعنى الثاني هو تعليم للمؤمنين أن يصرفوا توجههم إلى الله بإرضائه ~~ولا يلتفتوا إلى ما لا يرضاه وإن حسبوا أنهم ينتفعون به فإن رضى الله مقدم ~~على ما دونه . # والقول في معنى التوكل تقدم عند قوله تعالى : { فإذا عزمت فتوكل على الله ~~في سورة آل عمران . # والإنابة : التوبة ، وتقدمت عند قوله تعالى : إن إبراهيم لحليم أواه منيب ~~في سورة هود ، وعند قوله : منيبين إليه في سورة الروم . # وتقديم المجرور على هذه الأفعال لإفادة القصر ، وهو قصر بعضه ادعائي ~~وبعضه حقيقي كما تصرف إليه القرينة . # وإعادة النداء بقولهم : ربنا } إظهار للتضرع مع ms8442 كل دعوة من الدعوات ~~الثلاث . # . # الفتنة : اضطراب الحال وفساده ، وهي اسم مصدر فتجيء بمعنى المصدر كقوله ~~تعالى : { والفتنة أشد من القتل ، } ( البقرة : 191 ) وتجيء وصفا للمفتون ~~والفاتن . PageV28P147 # ومعنى جعلهم فتنة للذين كفروا : جعلهم مفتونين يفتنهم الذين كفروا ، ~~فيصدق ذلك بأن يتسلط عليهم الذين كفروا فيفتنون كما قال تعالى : { إن الذين ~~فتنوا المؤمنين } ( البروج : 10 ) الخ . ويصدق أيضا بأن تختل أمور دينهم ~~بسبب الذين كفروا ، أي بمحبتهم والتقرب منهم كقوله تعالى حكاية عن دعاء ~~موسى { إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء } ( الأعراف : 155 ) . # وعلى الوجهين فالفتنة من إطلاق المصدر على اسم المفعول . وتقدم في قوله ~~تعالى : { ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين في سورة يونس . # واللام في للذين كفروا } على الوجهين للملك ، أي مفتونين مسخرين لهم . # ويجوز عندي أن تكون { فتنة } مصدرا بمعنى اسم الفاعل ، أي لا تجعلنا ~~فاتنين ، أي سبب فتنة للذين كفروا ، فيكون كناية عن معنى لا تغلب الذين ~~كفروا علينا واصرف عنا ما يكون به اختلال أمرنا وسوء الأحوال كيلا يكون شيء ~~من ذلك فاتنا الذين كفروا ، أي مقويا فتنتهم فيفتتنوا في دينهم ، أي ~~يزدادوا كفرا وهو فتنة في الدين ، أي فيظنوا أنا على الباطل وأنهم على الحق ~~، وقد تطلق الفتنة على ما يفضي إلى غرور في الدين كما في قوله تعالى : { بل ~~هي فتنة في سورة الزمر وقوله : وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين في ~~سورة الأنبياء . # واللام على هذا الوجه لام التبليغ وهذه معان جمة أفادتها الآية . # } . # أعقبوا دعواتهم التي تعود إلى إصلاح دينهم في الحياة الدنيا بطلب ما يصلح ~~أمورهم في الحياة الآخرة وما يوجب رضى الله عنهم في الدنيا فإن رضاه يفضي ~~إلى عنايته بهم بتسيير أمورهم في الحياتين . وللإشعار بالمغايرة بين ~~الدعوتين عطفت هذه الواو ولم تعطف التي قبلها . # . PageV28P148 # تعليل للدعوات كلها فإن التوكل والإنابة والمصير تناسب صفة { العزيز } إذ ~~مثله يعامل بمثل ذلك ، وطلب أن لا يجعلهم فتنة باختلاف معانيه يناسب صفة { ~~الحكيم } ، وكذلك طلب المغفرة لأنهم لما ms8443 ابتهلوا إليه أن لا يجعلهم فتنة ~~الكافرين وأن يغفر لهم رأوا أن حكمته تناسبها إجابة دعائهم لما فيه من ~~صلاحهم وقد جاؤوا سائلينه . # تكرير قوله آنفا { قد كانت لكم إسوة حسنة في إبراهيم } ( الممتحنة : 4 ) ~~الخ ، أعيد لتأكيد التحريض والحث على عدم إضاعة الائتساء بهم ، وليبنى عليه ~~قوله لمن كان يرجو الله واليوم الآخر الخ . # وقرن هذا التأكيد بلام القسم مبالغة في التأكيد . وإنما لم تتصل بفعل { ~~كان } تاء تأنيث مع أن اسمها مؤنث اللفظ لأن تأنيث أسوة غير حقيقي ، ولوقوع ~~الفصل بين الفعل ومرفوعه بالجار والمجرور . # والإسوة هي التي تقدم ذكرها واختلاف القراء في همزتها في قوله : { قد ~~كانت لكم إسوة حسنة } . # وقوله : { لمن كان يرجو الله واليوم الآخر } بدل من ضمير الخطاب في قوله ~~: { لكم } وهو شامل لجميع المخاطبين ، لأن المخاطبين بضمير { لكم } ~~المؤمنون في قوله تعالى : { يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم ~~أولياء } ( الممتحنة : 1 ) فليس ذكر { لمن كان يرجو الله واليوم الآخر } ~~تخصيصا لبعض المؤمنين ولكنه ذكر للتذكير بأن الإيمان بالله واليوم الآخر ~~يقتضي تأسيهم بالمؤمنين السابقين وهم إبراهيم والذين معه . # وأعيد حرف الجر العامل في المبدل منه لتأكيد أن الإيمان يستلزم ذلك . # والقصد هو زيادة الحث على الائتساء بإبراهيم ومن معه ، وليرتب عليه قوله ~~: { ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد } ، وهذا تحذير من العود لما نهوا ~~عنه . PageV28P149 # ففعل { يتول } مضارع تولى ، فيجوز أن يكون ماضيه بمعنى الإعراض ، أي من ~~لا يرجو الله واليوم الآخر ويعرض عن نهي الله فإن الله غني عن امتثاله . ~~ويجوز عندي أن يكون ماضيه من التولي بمعنى اتخاذ الولي ، أي من يتخذ عدو ~~الله أولياء فإن الله غني عن ولايته كما في قوله تعالى : { ومن يتولهم منكم ~~فإنه منهم في سورة العقود . # وضمير الفصل في قوله : هو الغني } توكيد للحصر الذي أفاده تعريف الجزأين ~~، وهو حصر ادعائي لعدم الاعتداد بغنى غيره ولا بحمده ، أي هو الغني عن ~~المتولين لأن النهي عما نهوا عنه إنما هو لفائدتهم لا يفيد الله ms8444 شيئا فهو ~~الغني عن كل شيء . # وإتباع { الغني } بوصف { الحميد } تتميم ، أي الحميد لمن يمتثل أمره ولا ~~يعرض عنه أو { الحميد } لمن لا يتخذ عدوه وليا على نحو قوله تعالى : { إن ~~تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم } ( ~~الزمر : 7 ) . # اعتراض وهو استئناف متصل بما قبله من أول السورة خوطب به المؤمنون تسلية ~~لهم على ما نهوا عنه من مواصلة أقربائهم ، بأن يرجوا من الله أن يجعل ~~قطيعتهم آيلة إلى مودة بأن يسلم المشركون من قرابة المؤمنين وقد حقق الله ~~ذلك يوم فتح مكة بإسلام أبي سفيان والحارث بن هشام وسهيل بن عمرو وحكيم بن ~~حزام . # قال ابن عباس : كان من هذه المودة تزوج النبي صلى الله عليه وسلم أم ~~حبيبة بنت أبي سفيان ، تزوجها بعد وفاة زوجها عبد الله بن جحش بأرض الحبشة ~~بعد أن تنصر زوجها فلما تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم لانت عريكة أبي ~~سفيان وصرح بفضل النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( ذلك الفحل لا يقدع أنفه ~~) ( روي بدال بعد القاف يقال : قدع أنفه . إذا ضرب أنفه بالرمح ) وهذا ~~تمثيل ، كانوا إذا نزا فحل غير كريم على ناقة PageV28P150 كريمة دفعوه عنها ~~بضرب أنفه بالرمح لئلا يكون نتاجها هجينا . وإذ تقدم أن هذه السورة نزلت ~~عام فتح مكة وكان تزوج النبي صلى الله عليه وسلم أم حبيبة في مدة مهاجرتها ~~بالحبشة وتلك قبل فتح مكة كما صرح به ابن عطية وغيره . يعني فتكون آية { ~~عسى الله أن يجعل بينكم } الخ نزلت قبل نزول أول السورة ثم ألحقت بالسورة . # وإما أن يكون كلام ابن عباس على وجه المثال لحصول المودة مع بعض المشركين ~~، وحصول مثل تلك المودة يهيىء صاحبه إلى الإسلام واستبعد ابن عطية صحة ما ~~روي عن ابن عباس . # و { عسى } فعل مقاربة وهو مستعمل هنا في رجاء المسلمين ذلك من الله أو ~~مستعملة في الوعد مجردة عن الرجاء . قال في ( الكشاف ) : كما يقول الملك في ~~بعض الحوائج عسى أو ms8445 لعل فلا تبقى شبهة للمحتاج في تمام ذلك . # وضمير { منهم } عائد إلى العدو من قوله : { لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ~~} ( الممتحنة : 1 ) . # وجملة { والله قدير } تذييل . والمعنى : أنه شديد القدرة على أن يغير ~~الأحوال فيصير المشركون مؤمنين صادقين وتصيرون أوداء لهم . # وعطف على التذييل جملة { والله غفور رحيم } ، أي يغفر لمن أنابوا إليه ~~ويرحمهم فلا عجب أن يصيروا أوداء لكم كما تصيرون أوداء لهم . # استئناف هو منطوق لمفهوم الأوصاف التي وصف بها العدو في قوله تعالى : { ~~وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم } ( الممتحنة : 1 ) ~~وقوله : { إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم ~~بالسوء } ( الممتحنة : 2 ) ، المسوقة مساق التعليل للنهي عن اتخاذ عدو الله ~~أولياء ، استثنى الله أقواما من المشركين غير مضمرين العداوة للمسلمين وكان ~~دينهم شديد المنافرة مع دين الإسلام . PageV28P151 # فإن نظرنا إلى وصف العدو من قوله : { لا تتخذوا عدوي وعدوكم } وحملناه ~~على حالة معاداة من خالفهم في الدين ونظرنا مع ذلك إلى وصف { يخرجون الرسول ~~وإياكم } ، كان مضمون قوله : { لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في ~~الدين } إلى آخره ، بيانا لمعنى العداوة المجعولة علة للنهي عن الموالاة ~~وكان المعنى أن مناط النهي هو مجموع الصفات المذكورة لا كل صفة على حيالها ~~. # وإن نظرنا إلى أن وصف العدو هو عدو الدين ، أي مخالفة في نفسه مع ضميمة ~~وصف { وقد كفروا بما جاءكم من الحق } ، كان مضمون { لا ينهاكم الله } إلى ~~آخره تخصيصا للنهي بخصوص أعداء الدين الذين لم يقاتلوا المسلمين لأجل الدين ~~ولم يخرجوا المسلمين من ديارهم . # وأيا ما كان فهذه الجملة قد أخرجت من حكم النهي القوم الذين لم يقاتلوا ~~في الدين ولم يخرجوا المسلمين من ديارهم ، واتصال هذه الآية بالآيات التي ~~قبلها يجعل الاعتبارين سواء فدخل في حكم هذه الآية أصناف وهم حلفاء النبي ~~صلى الله عليه وسلم مثل خزاعة ، وبني الحارث بن كعب بن عبد مناة بن كنانة ، ~~ومزينة كان هؤلاء كلهم مظاهرين النبي صلى الله عليه وسلم ويحبون ظهوره على ms8446 ~~قريش ، ومثل النساء والصبيان من المشركين ، وقد جاءت قتيلة ( بالتصغير ~~ويقال لها : قتلة ، مكبرا ) بنت عبد العزى من بني عامر بن لؤي من قريش وهي ~~أم أسماء بنت أبي بكر الصديق إلى المدينة زائرة ابنتها وقتيلة يومئذ مشركة ~~في المدة التي كانت فيها المهادنة بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين ~~كفار قريش بعد صلح الحديبية ( وهي المدة التي نزلت فيها هذه السورة ) فسألت ~~أسماء رسول الله صلى الله عليه وسلم أتصل أمها ؟ قال : ( نعم صلي أمكك ) ، ~~وقد قيل : إن هذه الآية نزلت في شأنها . # وقوله : { أن تبروهم } بدل اشتمال من { الذين لم يقاتلوكم في الدين } الخ ~~، لأن وجود ضمير الموصول في المبدل وهو الضمير المنصوب في { أن تبروهم } ~~يجعل بر المسلمين بهم مما تشتمل عليه أحوالهم . فدخل في الذين لم يقاتلوا ~~المسلمين في الدين نفر من بني هاشم منهم العباس بن عبد المطلب ، والذين ~~شملتهم أحكام هذه الآية كلهم قد قيل إنهم سبب نزولها وإنما هو شمول وما هو ~~بسبب نزول . PageV28P152 # والبر : حسن المعاملة والإكرام . وهو يتعدى بحرف الجر ، يقال : بر به ، ~~فتعديته هنا بنفسه على نزع الخافض . # والقسط : العدل . وضمن { تقسطوا } معنى تفضوا فعدي ب ( إلى ) وكان حقه أن ~~يعدى باللام . على أن اللام و ( إلى ) يتعاقبان كثيرا في الكلام ، أي أن ~~تعاملوهم بمثل ما يعاملونكم به من التقرب ، فإن معاملة أحد بمثل ما عامل به ~~من العدل . # وجملة و { إن الله يحب المقسطين } تذييل ، أي يحب كل مقسط فيدخل الذين ~~يقسطون للذين حالفوهم في الدين إذا كانوا مع المخالفة محسنين معاملتهم . # وعن ابن وهب قال : سألت ابن زيد عن قوله تعالى : { لا ينهاكم الله } ~~الآية قال : نسخها القتال ، قال الطبري : لا معنى لقول من قال : ذلك منسوخ ~~، لأن بر المؤمن بمن بينه وبينه قرابة من أهل الحرب أو بمن لا قرابة بينه ~~وبينه غير محرم إذا لم يكن في ذلك دلالة على عورة لأهل الإسلام . اه . # ويؤخذ من هذه الآية جواز معاملة أهل الذمة بالإحسان وجواز ms8447 الاحتفاء ~~بأعيانهم . # فذلك لما تقدم وحصر لحكم الآية المتقدمة . وهي تؤذن بانتهاء الغرض المسوق ~~له الكلام من أوله . # والقصر المستفاد من جملة { إنما ينهاكم الله } إلى آخرها قصر قلب لرد ~~اعتقاد من ظن أو شك في جواز صلة المشركين على الإطلاق . والذين تحققت فيهم ~~هذه الصفات يوم نزول الآية هم مشركو أهل مكة ، و { أن تولوهم } بدل اشتمال ~~من { الذين قاتلوكم } . PageV28P153 # { ومن يتولهم } شرط ، وجيء في جواب الشرط باسم الإشارة لتمييز المشار ~~إليهم زيادة في إيضاح الحكم . # والمظاهرة : المعاونة . وذلك أن أهل مكة فريقان ، منهم من يأتي بالأسباب ~~التي لا يحتمل المسلمون معها البقاء بمكة ، ومنهم من يعين على ذلك ويغري ~~عليه . # والقصر المستفاد من قوله : { فأولئك هم الظالمون } قصر ادعائي ، أي أن ~~ظلمهم لشدته ووقوعه بعد النهي الشديد والتنبيه على الأخطاء والعصيان ظلم لا ~~يغفر لأنه اعتداء على حقوق الله وحقوق المسلمين وعلى حق الظالم نفسه . # . # لا خلاف في أن هذه الآيات إلى آخر السورة نزلت عقب صلح الحديبية وقد علمت ~~أنا رجحنا أن أول السورة نزلت قبل هذه وأن كتاب حاطب بن أبي بلتعة إلى ~~المشركين كان عند تجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم للحديبية . # ومناسبة ورود هذه الآية بعد ما قبلها ، أي النهي عن موالاة المشركين ~~يتطرق إلى ما بين المسلمين والمشركين من عقود النكاح والمصاهرة فقد يكون ~~المسلم زوجا لمشركة وتكون المسلمة زوجا لمشرك فتحدث في ذلك حوادث لا يستغني ~~المسلمون عن معرفة حكم الشريعة في مثلها . # وقد حدث عقب الصلح الذي انعقد بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين ~~المشركين في الحديبية سنة ست مجيء أبي جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في الحديد ~~وكان مسلما وكان موثقا في القيود عند أبيه بمكة فانفلت وجاء إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وهو في الحديبية وكان من شروط الصلح ( أن من أتى محمدا ~~من قريش بغير إذن وليه رده عليهم ومن جاء قريشا ممن مع محمد لم يردوه عليه ~~) فرده النبي صلى الله عليه ms8448 وسلم إليهم ، ولما رجع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى المدينة هاجرت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط هاربة من زوجها عمرو ~~بن العاص ، وجاءت سبيعة الأسلمية مهاجرة هاربة من PageV28P154 زوجها صيفي ~~بن الراهب أو مسافر المخزومي ، وجاءت أميمة بنت بشر هاربة من زوجها ثابت بن ~~الشمراخ وقيل : حسان بن الدحداحة . وطلبهن أزواجهن فجاء بعضهم إلى المدينة ~~جاء زوج سبيعة الأسلمية يطلب ردها إليه وقال : إن طينة الكتاب الذي بيننا ~~وبينك لم تجف بعد ، فنزلت هذه الآية فأبى النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~يردها إليه ولم يرد واحدة إليهم وبقيت بالمدينة فتزوج أم كلثوم بنت عقبة ~~زيد بن حارثة . وتزوج سبيعة عمر رضي الله عنه وتزوج أميمة سهل بن حنيف . # وجاءت زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم مسلمة ولحق بها زوجها أبو العاص ~~بن الربيع بن عبد العزى بعد سنين مشركا ثم أسلم في المدينة فردها النبي صلى ~~الله عليه وسلم إليه . # وقد اختلف : هل كان النهي في شأن المؤمنات المهاجرات أن يرجعوهن إلى ~~الكفار نسخا لما تضمنته شرط الصلح الذي بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين ~~المشركين أو كان الصلح غير مصرح فيه بإرجاع النساء لأن الصيغة صيغة جمع ~~المذكر فاعتبر مجملا وكان النهي الذي في هذه الآية بيانا لذلك المجمل . وقد ~~قيل : إن الصلح صرح فيه بأن من جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم من غير ~~إذن وليه من رجل أو امرأة يرد إلى وليه . فإذا صح ذلك كان صريحا وكانت ~~الآية ناسخة لما فعله النبي صلى الله عليه وسلم # والذي في سيرة ابن إسحاق من رواية ابن هشام خلي من هذا التصريح ولذلك كان ~~لفظ الصلح محتملا لإرادة الرجال لأن الضمائر التي اشتمل عليها ضمائر تذكير ~~. # وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للذين سألوه إرجاع النساء ~~المؤمنات وطلبوا تنفيذ شروط الصلح : إنما الشرط في الرجال لا في النساء ~~فكانت هذه الآية تشريعا للمسلمين فيما يفعلونه إذا جاءهم المؤمنات ms8449 مهاجرات ~~وإيذانا للمشركين بأن شرطهم غير نص ، وشأن شروط الصلح الصراحة لعظم أمر ~~المصالحات والحقوق المترتبة عليها ، وقد أذهل الله المشركين عن الاحتياط في ~~شرطهم ليكون ذلك رحمة بالنساء المهاجرات إذ جعل لهن مخرجا وتأييدا لرسول ~~صلى الله عليه وسلم كما في الآية التي بعدها لقصد أن يشترك من يمكنه ~~الاطلاع من المؤمنين على صدق إيمان المؤمنات المهاجرات تعاونا على إظهار ~~الحق ، ولأن ما فيها من التكليف يرجع كثير منه إلى أحوال المؤمنين مع ~~نسائهم . PageV28P155 # والامتحان : الاختبار . والمراد اختبار إيمانهن . # وجملة { الله أعلم بإيمانهن } معترضة ، أي أن الله يعلم سرائرهن ولكن ~~عليكم أن تختبروا ذلك بما تستطيعون من الدلائل . # ولذلك فرع على ما قبل الاعتراض قوله : { فإن علمتموهن مؤمنات } الخ ، أي ~~إن حصل لكم العلم بأنهن مؤمنات غير كاذبات في دعواهن . وهذا الالتحاق هو ~~الذي سمي المبايعة في قوله في الآية الآتية : { يأيها النبي إذا جاءك ~~المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله } الآية ( الممتحنة : 12 ) . # وفي ( صحيح البخاري ) عن عائشة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~يمتحن من هاجر من المؤمنات بهذه الآية يقول الله : { يأيها النبي إذا جاءك ~~المؤمنات يبايعنك } إلى قوله : { غفور رحيم } ( الممتحنة : 12 ) وزاد ابن ~~عباس فقال : كانت الممتحنة أن تستحلف أنها ما خرجت بغضا لزوجها ، ولا رغبة ~~من أرض إلى أرض ، ولا التماس دنيا ، ولا عشقا لرجل منا ، ولا بجريرة جرتها ~~بل حبا لله ولرسوله والدار الآخرة ، فإذا حلفت بالله الذي لا إلاه إلا هو ~~على ذلك أعطى النبي صلى الله عليه وسلم زوجها مهرها وما أنفق عليها ولم ~~يردها . وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر عمر بن الخطاب بتولي تحليفهن ~~فإذا تبين إيمان المرأة لم يردها النبي صلى الله عليه وسلم إلى دار الكفر ~~كما هو صريح الآية . { فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون ~~لهن } . # وموقع قوله : { لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن } موقع البيان والتفصيل ~~للنهي في قوله : { فلا ترجعوهن إلى الكفار ms8450 } تحقيقا لوجوب التفرقة بين ~~المرأة المؤمنة وزوجها الكافر . # وإذ قد كان المخاطب بذلك النهي جميع المؤمنين كما هو مقتضى قوله : { ~~يأيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات } إلى آخره ، تعين أن يقوم بتنفيذه ~~من إليه تنفيذ أمور المسلمين العامة في كل مكان وكل زمان وهم ولاة الأمور ~~من أمراء وقضاة إذ لا يمكن أن يقوم المسلمون بما خوطبوا به من مثل هذه ~~الأمور العامة إلا على هذا الوجه ولكن على كل فرد من المسلمين التزام العمل ~~به في خاصة نفسه والتزام الامتثال لما يقرره ولاة الأمور . PageV28P156 # وإذ قد كان محمل لفظ الحل وما تصرف منه في كلام الشارع منصرفا إلى معنى ~~الإباحة الشرعية وهي الجواز وضد التحريم . # ومن الواضح أن الكفار لا تتوجه إليهم خطابات التكليف بأمور الإسلام إذ هم ~~خارجون عنه فمطالبتهم بالتكاليف الإسلامية لا يتعلق به مقصد الشريعة ، ~~ولذلك تعد المسألة الملقبة في علم الأصول بمسألة : خطاب الكفار بالفروع ، ~~مسألة لا طائل تحتها ولا ينبغي الاشتغال بها بله التفريع عليها . # وإذ قد علق حكم نفي حل المرأة الذي هو معنى حرمة دوام عصمتها على ضمير ~~الكفار في قوله تعالى : { لا هن حل لهم } . ولم يكن الكفار صالحين للتكليف ~~بهذا التحريم فقد تعين تأويل هذا التحريم بالنسبة إلى كونه على الكافرين ، ~~وذلك بإرجاع وصف الحل المنفي إلى النساء في كلتا الجملتين وإبداء وجه ~~الإتيان بالجملتين ووجه التعاكس في ترتيب أجزائهما . وذلك أن نقول : إن ~~رجوع المرأة المؤمنة إلى الزوج الكافر يقع على صورتين : # إحداهما : أن ترجع المرأة المؤمنة إلى زوجها في بلاد الكفر ، وذلك هو ما ~~ألح الكفار في طلبه لما جاءت بعض المؤمنات مهاجرات . # والثانية : أن ترجع إلى زوجها في بلاد الإسلام بأن يخلى بينها وبين زوجها ~~الكافر يقيم معها في بلاد الإسلام إذا جاء يطلبها ومنع من تسلمها . وكلتا ~~الصورتين غير حلال للمرأة المسلمة فلا يجيزها ولاة الأمور ، وقد عبر عن ~~الصورة الأولى بجملة { لا هن حل لهم } إذ جعل فيها وصف حل خبرا عن ضمير ~~النساء وأدخلت ms8451 اللام على ضمير الرجال ، وهي لام تعدية الحل وأصلها لام ~~الملك فأفاد أن لا يملك الرجال الكفار عصمة أزواجهم المؤمنات وذلك يستلزم ~~أن بقاء النساء المؤمنات في عصمة أزواجهن الكافرين غير حلال ، أي لم يحللهن ~~الإسلام لهم . # وقدم { لا هن حل لهم } لأنه راجع إلى الصورة الأكثر أهمية عند المشركين ~~إذ كانوا يسألون إرجاع النساء إليهم ويرسلون الوسائط في ذلك بقصد الرد ~~عليهم بهذا . # وجيء في الجملة الأولى بالصفة المشبهة وهي { حل } المفيدة لثبوت الوصف ~~PageV28P157 إذ كان الرجال الكافرون يظنون أن العصمة التي لهم على أزواجهم ~~المؤمنات مثبتة أنهم حل لهم . # وعبر عن الثانية بجملة { ولا هم يحلون لهن } فعكس الإخبار بالحل إذ جعل ~~خبرا عن ضمير الرجال ، وعدي الفعل إلى المحلل باللام داخلة على ضمير النساء ~~فأفاد أنهم لا يحل لهن أزواجهن الكافرون ولو بقي الزوج في بلاد الإسلام . # ولهذا ذكرت الجملة الثانية { ولا هم يحلون لهن } كالتتمة لحكم الجملة ~~الأولى ، وجيء في الجملة الثانية بالمسند فعلا مضارعا لدلالته على التجدد ~~لإفادة نفي الطماعية في التحليل ولو بتجدده في الحال بعقد جديد أو اتفاق ~~جديد على البقاء في دار الإسلام خلافا لأبي حنيفة إذ قال : إن موجب الفرقة ~~هو اختلاف الدارين لا اختلاف الدين . # ويجوز في الآية وجه آخر وهو أن يكون المراد تأكيد نفي الحال فبعد أن قال ~~: { لا هن حل لهم } وهو الأصل كما علمت آنفا أكد بجملة { ولا هم يحلون لهن ~~} أي أن انتفاء الحل حاصل من كل جهة كما يقال : لست منك ولست مني . # ونظيره قوله تعالى : { هن لباس لكم وأنتم لباس لهن في سورة البقرة تأكيدا ~~لشدة التلبس والاتصال من كل جهة . # وفي الكلام محسن العكس من المحسنات البديعية مع تغيير يسير بين حل } و { ~~يحلون } اقتضاه المقام ، وإنما يوفر حظ التحسين بمقدار ما يسمح له به مقتضى ~~حال البلاغة . # . # المراد ب { ما أنفقوا } ما أعطوه من المهور ، والعدول عن إطلاق اسم ~~المهور والأجور على ما دفعه المشركون لنسائهم اللاء أسلمن من لطائف القرآن ms8452 ~~لأن أولئك النساء أصبحن غير زوجات . فألغي إطلاق اسم المهور على ما يدفع ~~لهم . PageV28P158 # وقد سمى الله بعد ذلك ما يعطيه المسلمون لهن أجورا بقوله تعالى : { ولا ~~جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن . # والمكلف بإرجاع مهور الأزواج المشركين إليهم هم ولاة أمور المسلمين مما ~~بين أيديهم من أموال المسلمين العامة . # } . # وإنما قال تعالى : { ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن } ~~للتنبيه على خصوص قوله : { إذا آتيتموهن أجورهن } لئلا يظن أن ما دفع للزوج ~~السابق مسقط استحقاق المرأة المهر ممن يروم تزويجها ومعلوم أن نكاحها بعد ~~استبرائها بثلاثة أقراء . # . # نهى الله المسلمين عن إبقاء النساء الكوافر في عصمتهم وهن النساء اللاء ~~لم يخرجن مع أزواجهن لكفرهن فلما نزلت هذه الآية طلق المسلمون من كان لهم ~~من أزواج بمكة ، فطلق عمر امرأتين له بقيتا بمكة مشركتين ، وهما : قريبة ~~بنت أبي أمية ، وأم كلثوم بنت عمرو الخزاعية . # والمراد بالكوافر : المشركات . وهن موضوع هذه التشريعات لأنها في حالة ~~واقعة فلا تشمل الآية النهي عن بقاء المرأة المسلمة في عصمة زوج مشرك وإنما ~~يؤخذ حكم ذلك بالقياس . # قال ابن عطية : رأيت لأبي علي الفارسي إنه قال : سمعت الفقيه أبا الحسن ~~الكرخي يقول في تفسير قوله تعالى : { ولا تمسكوا بعصم الكوافر } أنه في ~~الرجال والنسوان ، فقلت له : النحويون لا يرونه إلا في النساء لأن كوافر ~~جمع كافرة ، فقال : وآيش يمنع من هذا ، أليس الناس يقولون : طائفة كافرة ، ~~وفرقة كافرة ، فبهت وقلت : هذا تأييد اه . وجواب أبي الحسن الكرخي غير ~~مستقيم لأنه PageV28P159 يمنع منه ضمير الذكور في قوله : { ولا تمسكوا } ~~فهم الرجال المؤمنون والكوافر نساؤهم . ومن العجيب قول أبي علي : فبهت وقلت ~~. . . الخ . وقرأ الجمهور { ولا تمسكوا } بضم التاء وسكون الميم وكسر السين ~~مخففة . وقرأ أبو عمرو بضم التاء وفتح الميم وتشديد السين مكسورة مضارع مسك ~~بمعنى أمسك . # . # عطف على قوله : { وآتوهم ما أنفقوا } وهو تتميم لحكمه ، أي كما تعطونهم ~~مهور أزواجهم اللاء فررن منهم مسلماتت ، فكذلك إذا فرت إليهم امرأة مسلم ~~كافرة ولا قدرة ms8453 لكم على إرجاعها إليكم تسألون المشركين إرجاع مهرها إلى ~~زوجها المسلمم الذي فرت منه وهذا إنصاف بين الفريقين ، والأمر للإباحة . # وقوله : { وليسألوا ما أنفقوا } تكملة لقوله : { واسألوا ما أنفقتم } ~~لإفادة أن معنى واو العطف هنا على المعية بالقرينة لأن قوله : { وليسألوا ~~ما أنفقوا } لو أريد حكمه بمفرده لكان مغنيا عنه قوله : { وآتوهم ما أنفقوا ~~} ، فلما كرر عقب قوله : { واسألوا ما أنفقتم } علمنا أن المراد جمع مضمون ~~الجملتين ، أي إذا أعطوا ما عليهم أعطوهم ما عليكم وإلا فلا . فالواو مفيدة ~~معنى المعية هنا بالقرينة . وينبغي أن يحمل عليه ما قاله بعض الحنفية من أن ~~معنى واو العطف المعية . قال إمام الحرمين في البرهان في معاني الواو : ( ~~اشتهر من مذهب الشافعي أنها للترتيب وعند بعض الحنفية أنها للمعية . وقد زل ~~الفريقان ) اه . وقد أشار إليه في ( مغني اللبيب ) ولم يرده . وقال المازري ~~في ( شرح البرهان ) : ( وأما قولهم : لا تأكل السمك وتشرب اللبن ) ، فإن ~~المراد النهي عن تناول السمك وتناول اللبن فيكون الإعراب مختلفا فإذا قال : ~~وتشرب اللبن بفتح الباء كان نهيا عن الجمع ويكون الانتصاب بمعنى تقدير حرف ~~( أن ) اه . وهو يرمي إلى أن هذا المحمل يحتاج إلى قرينة . # فأفاد قوله : { وليسألوا ما أنفقوا } أنهم إن أبوا من دفع مهور نساء ~~المسلمين يفرون إليهم كان ذلك مخولا للمؤمنين أن لا يعطوهم مهور من فروا من ~~أزواجهم إلى المسلمين ، كما يقال في الفقه : خيرته تنفي ضرره . PageV28P160 # . # أي هذا حكم الله ، وهو عدل بين الفريقين إذ ليس لأحد أن يأخذ بأحد جانبيه ~~ويترك الآخر . قال الزهري : لولا العهد لأمسك النساء ولم يرد إلى أزواجهم ~~صداق . وجملة { يحكم بينكم } يجوز كونها حالا من اسم الجلالة أو حالا من { ~~حكم الله } مع تقدير ضمير يربط الجملة بصاحب الحال تقديره : يحكمه بينكم ، ~~وأن تكون استئنافا . # وقوله : { والله عليم حكيم } تذييل يشير إلى أن هذا حكم يقتضيه علم الله ~~بحاجات عباده وتقتضيه حكمته إذ أعطى كل ذي حق حقه . # وقد كانت هذه الأحكام التي في هذه الآيات من ms8454 التراد في المهور شرعا في ~~أحوال مخصوصة اقتضاها اختلاط الأمر بين أهل الشرك والمؤمنين وما كان من عهد ~~المهادنة بين المسلمين والمشركين في أوائل أمر الإسلام خاصا بذلك الزمان ~~بإجماع أهل العلم ، قاله ابن العربي والقرطبي وأبو بكر الجصاص . # عطف على جملة { واسألوا ما أنفقتم } ( الممتحنة : 10 ) فإنها لما ترتب ~~على نزولها إباء المشركين من أن يردوا إلى أزواج النساء اللاء بقين على ~~الكفر بمكة واللاء فررن من المدينة والتحقن بأهل الكفر بمكة مهورهم التي ~~كانوا أعطوها نساءهم ، عقبت بهذه الآية لتشريع رد تلك المهور من أموال ~~المسلمين فيما بينهم . # روي أن المسلمين كتبوا إلى المشركين يعلمونهم بما تضمنته هذه الآية من ~~التراد بين الفريقين في قوله تعال : { واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما ~~أنفقوا } ( الممتحنة : 10 ) . # فامتنع المشركون من دفع مهور النساء اللاتي ذهبت إليهم فنزل قوله تعالى : ~~{ وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار } الآية . PageV28P161 # وأصل الفوت : المفارقة والمباعدة ، والتفاوت : المتباعد . والفوت هنا ~~مستعار لضياع الحق كقول رويشد بن كثير الطائي أو عمرو بن معد يكرب : # إن تذنبوا ثم تأتيني بقيتكم # فما علي بذنب منكم فوت # أي فلا ضياع علي بما أذنبتم ، أي فإنا كمن لم يضع له حق . # والمعنى : إن فرت بعض أزواجكم ولحقت بالكفار وحصل التعاقب بينكم وبين ~~الكفار فعقبتم على أزواج الكفار وعقب الكفار على أزواجكم وأبى الكفار من ~~دفع مهور بعض النساء اللاء ذهبن إليهم ، فادفعوا أنتم لمن حرمه الكفار مهر ~~امرأته ، أي ما هو حقه ، واحجزوا ذلك عن الكفار . وهذا يقتضي أنه إن أعطي ~~جميع المؤمنين مهور من فاتهم من نسائهم وبقي للمشركين فضل يرده المسلمون ~~إلى الكفار . هذا تفسير الزهري في رواية يونس عنه وهو أظهر ما فسرت به ~~الآية . # وعن ابن عباس والجمهور : الذين فاتهم أزواجهم إلى الكفار يعطون مهور ~~نسائهم من مغانم المسلمين . وهذا يقتضي أن تكون الآية منسوخة بآية سورة ~~براءة { كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله . # والوجه أن لا يصار إلى الإعطاء من الغنائم إلا إذا لم ms8455 يكن في ذمم ~~المسلمين شيء من مهور نساء المشركين اللاء أتين إلى بلاد الإسلام وصرن ~~أزواجا للمسلمين . # والكلام إيجاز حذف شديد دل عليه مجموع الألفاظ وموضع الكلام عقب قوله ~~تعالى : وإن فاتكم شيء من أزواجكم } . # ولفظ { شيء } هنا مراد به : بعض { من أزواجكم } بيان ل { شيء } ، وأريد ب ~~{ شيء } تحقير الزوجات اللاء أبين الإسلام ، فإن المراد قد فاتت ذاتها عن ~~زوجها فلا انتفاع له بها . # وضمن فعل { فاتكم } معنى الفرار فعدي بحرف { إلى } أي فررن إلى الكفار . ~~PageV28P162 # و ( عاقبتم ) صيغة تفاعل من العقبة بضم العين وسكون القاف وهي النوبة ، ~~أي مصير أحد إلى حال كان فيها غيره . وأصلها في ركوب الرواحل والدواب أن ~~يركب أحد عقبة وآخر عقبة شبه ما حكم به على الفريقين من أداء هؤلاء مهور ~~نساء أولئك في بعض الأحوال ومن أداء أولئك مهور نساء هؤلاء في أحوال أخرى ~~مماثلة بمركوب يتعاقبون فيه . # ففعل { ذهبت } مجاز مثل فعل { فاتكم } في معنى عدم القدرة عليهن . # والخطاب في قوله : { وإن فاتكم شيء من أزواجكم } وفي قوله : { فآتوا } ~~خطاب للمؤمنين والذين ذهبت أزواجهم هم أيضا من المؤمنين . # والمعنى : فليعط المؤمنون لإخوانهم الذين ذهبت أزواجهم ما يماثل ما كانوا ~~أعطوه من المهور لزوجاتهم . # والذي يتولى الإعطاء هنا هو كما قررنا في قوله : { آتوهم ما أنفقوا } ( ~~الممتحنة : 10 ) أي يدفع ذلك من أموال المسلمين كالغنائم والأخماس ونحوها ~~كما بينته السنة : أعطى النبي صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب ، وعياض بن ~~أبي شداد الفهري ، وشماس بن عثمان ، وهشام بن العاص ، مهور نسائهم اللاحقات ~~بالمشركين من الغنائم . # وأفاد لفظ { مثل } أن يكون المهر المعطى مساويا لما كان أعطاه زوج المرأة ~~من قبل لا نقص فيه . # وأشارت الآية إلى نسوة من نساء المهاجرين لم يسلمن وهن ثمان نساء : أم ~~الحكم بنت أبي سفيان كانت تحت عياض بن شداد ، وفاطمة بنت أبي أمية ويقال : ~~قريبة وهي أخت أم سلمة كانت تحت عمر بن الخطاب ، وأم كلثوم بنت جرول كانت ~~تحت عمر ، وبروع ( بفتح الباء على ms8456 الأصح والمحدثون يكسرونها ) بنت عقبة ~~كانت تحت شماس بن عثمان وشهبة بنت غيلان وعبدة بنت عبد العزى كانت تحت هشام ~~بن العاص ، وقيل تحت عمرو بن عبد وهند بنت أبي جهل كانت تحت هشام بن العاص ~~، وأروى بنت ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب كانت تحت طلحة بن عبيد الله ، ~~وكان قد هاجر وبقيت زوجه مشركة بمكة فلما نزلت الآية طلقها طلحة بن عبيد ~~الله . PageV28P163 # وقد تقدم أن عمر طلق زوجتيه قريبة وأم جرول ، فلم تكونا ممن لحقن ~~بالمشركين ، وإنما بقيتا بمكة إلى أن طلقهما عمر . وأحسب أن جميعهن إنما ~~طلقهن أزواجهن عند نزول قوله تعالى : { ولا تمسكوا بعصم الكوافر } ( ~~الممتحنة : 10 ) . # والتذييل بقوله : { واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون } تحريض للمسلمين ~~على الوفاء بما أمرهم الله وأن لا يصدهم عن الوفاء ببعضه معاملة المشركين ~~لهم بالجور وقلة النصفة ، فأمر بأن يؤدي المسلمون لإخوانهم مهور النساء ~~اللاء فارقوهن ولم يرض المشركون بإعطائهم مهورهن ولذلك اتبع اسم الجلالة ~~بوصف { الذي أنتم به مؤمنون } لأن الإيمان يبعث على التقوى والمشركون لما ~~لم يؤمنوا بما أمر الله انتفى منهم وازع الإنصاف ، أي فلا تكونوا مثلهم . # والجملة الاسمية في الصلة للدلالة على ثبات إيمانهم . # هذه تكملة لامتحان النساء المتقدم ذكره في قوله تعالى : { يا أيها الذين ~~آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الآية } ( الممتحنة : 10 ) . ~~وبيان لتفصيل آثاره . فكأنه يقول : فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى ~~الكفار وبينوا لهن شرائع الإسلام . وآية الامتحان عقب صلح الحديبية في شأن ~~من هاجرن من مكة إلى المدينة بعد الصلح وهن : أم كلثوم بنت عقبة بن أبي ~~معيط ، وسبيعة الأسلمية ، وأميمة بنت بشر ، وزينب بنت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فلا صحة للأخبار التي تقول : إن الآية نزلت في فتح مكة ومنشؤها ~~التخليط في الحوادث واشتباه المكرر بالآنف . # روى البخاري ومسلم عن عائشة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمتحن ~~من هاجر PageV28P164 من المؤمنات بهذه الآية { يا أيها النبي إذا جاءك ~~المؤمنات يبايعنك } إلى قوله ms8457 : { غفور رحيم } فمن أقر بهذا الشرط من ~~المؤمنات قال لها رسول الله : قد بايعتكك . # والمقتضى لهذه البيعة بعد الإمتحان أنهن دخلن في الإسلام بعد أن استقرت ~~أحكام الدين في مدة سنين لم يشهدن فيها ما شهده الرجال من اتساع التشريع ~~آنا فآنا ، ولهذا ابتدئت هذه البيعة بالنساء المهاجرات كما يؤذن به قوله : ~~{ إذا جاءك المؤمنات } ، أي قدمن عليك من مكة فهي على وزان قوله : { يا ~~أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات } ( الممتحنة : 10 ) . قال ~~ابن عطية : كانت هذه البيعة ثاني يوم الفتح على جبل الصفا . # وأجرى النبي صلى الله عليه وسلم هذه البيعة على نساء الأنصار أيضا . روى ~~البخاري عن أم عطية قالت : بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ علينا ~~{ أن لا يشركن بالله شيئا } الحديث . # وفيه عن ابن عباس قال : شهدت الصلاة يوم الفطر مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قبل الخطبة فنزل نبيء الله فكأني أنظر إليه حين يجلس الرجال بيده ~~ثم أقبل يشقهم حتى أتى النساء مع بلال فقال : { يا أيها النبي إذا جاءك ~~المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن } حتى فرغ من الآية كلها . ثم قال حين ~~فرغ : أنتن على ذلك فقالت امرأة منهن واحدة لم يجبه غيرها : نعم يا رسول ~~الله . قال : ( فتصدقن ) . # وأجرى هذه المبايعة على الرجال أيضا . ففي ( صحيح البخاري ) عن عبادة بن ~~الصامت قال : ( كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أتبايعوني على أن ~~لا تشركوا بالله شيئا ولا تزنوا ولا تسرقوا ، وقرأ آية النساء ( أي النازلة ~~بخطاب النساء في سورة الممتحنة ) فمن وفى منكم فأجره على الله . ومن أصاب ~~من ذلك شيئا فعوقب به فهو كفارة له . ومن أصاب منها شيئا فستره الله فهو ~~إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له ) . # واستمر العمل بهذه المبايعة إلى يوم فتح مكة وقد أسلم أهلها رجالا ونساء ~~فجلس ثاني يوم الفتح على الصفا يأخذ البيعة من الرجال على ما في هذه الآية ~~، PageV28P165 وجلس عمر بن الخطاب يأخذ ms8458 البيعة من النساء على ذلك ، وممن ~~بايعته من النساء يومئذ هند بنت عتبة زوج أبي سفيان وكبشة بنت رافع . # وجملة { يبايعنك } يجوز أن تكون حالا من { المؤمنات } على معنى : يردن ~~المبايعة وهي المذكورة في هذه الآية . وجواب { إذا } { فبايعهن } . # ويجوز أن تكون جملة { يبايعنك } جواب { إذا } . # ومعنى { إذا جاءك المؤمنات } ، أي الداخلات في جماعة المؤمنين على الجملة ~~والإجمال ، لا يعلمن أصول الإسلام وبينه بقوله : { يبايعنك } فهو خبر مراد ~~به الأمر ، أي فليبايعنك وتكون جملة { فبايعهن } تفريعا لجملة { يبايعنك } ~~وليبنى عليها قوله : { واستغفر لهن الله } . # وقد شملت الآية التخلي عن خصال في الجاهلية وكانت السرقة فيهن أكثر منها ~~في الرجال . قال الأعرابي لما ولدت زوجه بنتا : والله ما هي بنعم الولد ~~بزها بكاء ونصرها سرقة . # والمراد بقتل الأولاد أمران : أحدهما الوأد الذي كان يفعله أهل الجاهلية ~~ببناتهم ، وثانيهما إسقاط الأجنة وهو الإجهاض . # وأسند القتل إلى النساء وإن كان بعضه يفعله الرجال لأن النساء كن يرضين ~~به أو يسكتن عليه . # والبهتان : الخبر المكذوب الذي لا شبهة لكاذبه فيه لأنه يبهت من ينقل عنه ~~. # والافتراء : اختلاق الكذب ، أي لا يختلقن أخبارا بأشياء لم تقع . # وقوله : { بين أيديهن وأرجلهن } يتعلق ب { يأتين } ، وهذا من الكلام ~~الجامع لمعان كثيرة باختلاف محامله من حقيقة ومجاز وكناية ، فالبهتان ~~حقيقته : الإخبار بالكذب وهو مصدر . ويطلق المصدر على اسم المفعول كالخلق ~~بمعنى المخلوق . # وحقيقة بين الأيدي والأرجل : أن يكون الكذب حاصلا في مكان يتوسط الأيدي ~~والأرجل فإن كان البهتان على حقيقته وهو الخبر الكاذب كان افتراؤه بين ~~أيديهن وأرجلهن أنه كذب مواجهة في وجه المكذوب عليه كقولها : يا فلانة زنيت ~~PageV28P166 مع فلان ، أو سرقت حلي فلانة . لتبهتها في ملأ من الناس ، أو ~~أنت بنت زنا ، أو نحو ذلك . # وإن كان البهتان بمعنى المكذوب كان معنى افترائه بين أيديهن وأرجلهن ~~كناية عن ادعاء الحمل بأن تشرب ما ينفخ بطنها فتوهم زوجها أنها حامل ثم ~~تظهر الطلق وتأتي بولد تلتقطه وتنسبه إلى زوجها لئلا يطلقها ، أو لئلا يرثه ~~عصبته ، فهي تعظم ms8459 بطنها وهو بين يديها ، ثم إذا وصل إبان إظهار الطلق وضعت ~~الطفل بين رجليها وتحدثت وتحدث الناس بذلك فهو مبهوت عليه . فالافتراء هو ~~ادعاؤها ذلك تأكيدا لمعنى البهتان . # وإن كان البهتان مستعارا للباطل الشبيه بالخبر البهتانن ، كان { بين ~~أيديهن وأرجلهن } محتملا للكناية عن تمكين المرأة نفسها من غير زوجها ~~يقبلها أو يحبسها ، فذلك بين يديها أو يزني بها ، وذلك بين أرجلها . # وفسره أبو مسلم الأصفهاني بالسحر إذ تعالج أموره بيديها ، وهي جالسة تضع ~~أشياء السحر بين رجليها . # ولا يمنع من هذه المحامل أن النبي صلى الله عليه وسلم بايع الرجال بمثلها ~~. وبعض هذه المحامل لا يتصور في الرجال إذ يؤخذ لكل صنف ما يصلح له منها . # وبعد تخصيص هذه المنهيات بالذكر لخطر شأنها عمم النهي بقوله : { ولا ~~يعصينك في معروف } والمعروف هو ما لا تنكره النفوس . والمراد هنا المعروف ~~في الدين ، فالتقييد به إما لمجرد الكشف فإن النبي صلى الله عليه وسلم لا ~~يأمر إلا بالمعروف ، وإما لقصد التوسعة عليهن في أمر لا يتعلق بالدين كما ~~فعلت بريرة إذ لم تقبل شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم في إرجاعها زوجها ~~مغيثا إذ بانت منه بسبب عتقها وهو رقيق . # وقد روي في ( الصحيح ) عن أم عطية أن النبي صلى الله عليه وسلم نهاهن في ~~هذه المبايعة عن النياحة فقبضت امرأة يدها وقالت : أسعدتني فلانة أريد أن ~~أجزيها . فما قال لها النبي صلى الله عليه وسلم شيئا فانطلقت ورجعت فبايعها ~~. وإنما هذا مثال لبعض المعروف الذي يأمرهن به النبي صلى الله عليه وسلم ~~تركه فاش فيهن . # وورد في أخبار أنه نهاهن عن تبرج الجاهلية وعن أن يحدثن الرجال الذين ~~PageV28P167 ليسوا بمحرم فقال عبد الرحمن بن عوف : يا نبيء الله إن لنا ~~أضيافا وإنا نغيب ، قال رسول الله : ليس أولئك عنيت . وعن ابن عباس : نهاهن ~~عن تمزيق الثياب وخدش الوجوه وتقطيع الشعور والدعاء بالويل والثبور ، أي من ~~شؤون النياحة في الجاهلية . # وروى الطبري بسنده إلى ابن عباس لما أخذ رسول الله صلى الله ms8460 عليه وسلم ~~البيعة على النساء كانت هند بنت عتبة زوج أبي سفيان جالسة مع النساء متنكرة ~~خوفا من رسول الله أن يقتص منها على شقها بطن حمزة وإخراجها كبده يوم أحد . ~~فلما قال : { على أن لا يشركن بالله شيئا } ، قالت هند : وكيف نطمع أن يقبل ~~منا شيئا لم يقبله من الرجال . فلما قال : { ولا يسرقن } . قالت هند : ~~والله إني لأصيب من مال أبي سفيان هنات فما أدري أتحل لي أم لا ؟ فقال : ~~أبو سفيان : ما أصبت من شيء فيما مضى وفيما غبر فهو لك حلال . فضحك رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وعرفها فدعاها فأتته فعاذت به ، وقالت : فاعف عما ~~سلف يا نبيء الله عفا الله عنك . فقال : { ولا يزنين } . فقالت : أو تزني ~~الحرة . قال : { ولا يقتلن أولادهن } . فقالت هند : ربيناهم صغارا وقتلتهم ~~كبارا فأنتم وهم أعلم . تريد أن المسلمين قتلوا ابنها حنظلة بن أبي سفيان ~~يوم بدر . فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : { ولا يأتين ببهتان ~~يفترينه } . فقالت : والله إن البهتان لأمر قبيح وما تأمرنا إلا بالرشد ~~ومكارم الأخلاق . فقال : { ولا يعصينك في معروف } . فقالت : والله ما جلسنا ~~مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء . # فقوله : { ولا يعصينك في معروف } جامع لكل ما يخبر به النبي صلى الله ~~عليه وسلم ويأمر به مما يرجع إلى واجبات الإسلام . وفي الحديث عن أم عطية ~~قالت : كان من ذلك : أن لا ننوح . قالت : فقلت يا رسول الله إلا آل فلان ~~فإنهم كانوا أسعدوني في الجاهلية فلا بد أن أسعدهم . فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلا آل فلان ، وهذه رخصة خاصة بأم عطية وبمن سمتهم . وفي ~~يوم معين . # وقوله : { فبايعهن } جواب { إذا } تفريع على { يبايعنك } ، أي فأقبل منهن ~~ما بايعنك عليه لأن البيعة عنده من جانبين ولذلك صيغت لها صيغة المفاعلة . # { واستغفر لهن الله } ، أي فيما فرط منهن في الجاهلية مما خص بالنهي في ~~شروط البيعة وغير ذلك . ولذلك حذف المفعول الثاني لفعل { استغفر } . ~~PageV28P168 # بعد أن استقصت السورة ms8461 إرشاد المسلمين إلى ما يجب في المعاملة مع المشركين ~~، جاء في خاتمتها الإرشاد إلى المعاملة مع قوم ليسوا دون المشركين في وجوب ~~الحذر منهم وهم اليهود ، فالمراد بهم غير المشركين إذ شبه يأسهم من الآخرة ~~بيأس الكفار ، فتعين أن هؤلاء غير المشركين لئلا يكون من تشبيه الشيء بنفسه ~~. # وقد نعتهم الله بأنهم قوم غضب الله عليهم ، وهذه صفة تكرر في القرآن ~~إلحاقها باليهود كما جاء في سورة الفاتحة أنهم المغضوب عليهم . فتكون هذه ~~الآية مثل قوله تعالى : { يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم ~~هزؤا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء في سورة العقود ~~. # ذلك أن يهود خيبر كانوا يومئذ بجوار المسلمين من أهل المدينة . وذكر ~~الواحدي في أسباب النزول } : أنها نزلت في ناس من فقراء المسلمين يعملون ~~عند اليهود ويواصلونهم ليصيبوا بذلك من ثمارهم ، وربما أخبروا اليهود ~~بأحوال المسلمين عن غفلة وقلة حذر فنبههم الله إلى أن لا يتولوهم . # واليأس : عدم توقع الشيء فإذا علق بذاتت كان دالا على عدم توقع وجودها . ~~وإذ قد كان اليهود لا ينكرون الدار الآخرة كان معنى يأسهم من الآخرة محتملا ~~أن يراد به الإعراض عن العمل للآخرة فكأنهم في إهمال الاستعداد لها آيسون ~~منها ، وهذا في معنى قوله تعالى في شأنهم : { أولئك الذين اشتروا الحياة ~~الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون في سورة البقرة . # وتشبيه إعراضهم هذا بيأس الكفار من أصحاب القبور وجهه شدة الإعراض وعدم ~~التفكر في الأمر ، شبه إعراضهم عن العمل لنفع الآخرة بيأس الكفار من حياة ~~الموتى والبعثث وفيه تشنيع المشبه ، ومن أصحاب القبور } على هذا الوجه ~~متعلق ب { يئسوا } . و { الكفار } : المشركون . PageV28P169 # ويجوز أن يكون { من أصحاب القبور } بيانا للكفار ، أي الكفار الذين هلكوا ~~ورأوا أن لا حظ لهم في خير الآخرة فشبه إعراض اليهود عن الآخرة بيأس الكفار ~~من نعيم الآخرة ، ووجه الشبه تحقق عدم الانتفاع بالآخرة . والمعنى كيأس ~~الكفار الأمواتت ، أي يأسا من الآخرة . # والمشبه به معلوم للمسلمين بالاعتقاد فالكلام ms8462 من تشبيه المحسوس بالمعقول ~~. # وفي استعارة اليأس للإعراض ضرب من المشاكلة أيضا . # ويحتمل أن يكون يأسهم من الآخرة أطلق على حرمانهم من نعيم الحياة الآخرة ~~. فالمعنى : قد أيأسناهم من الآخرة على نحو قوله تعالى : { والذين كفروا ~~بآيات الله ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي في سورة العنكبوت . # ومن المفسرين الأولين من حمل هذه الآية على معنى التأكيد لما في أول ~~السورة من قوله : يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء } ( ~~الممتحنة : 1 ) فالقوم الذين غضب الله عليهم هم المشركون فإنهم وصفوا ~~بالعدو لله والعدو مغضوب عليه ونسب هذا إلى ابن عباس . وجعل يأسهم من ~~الآخرة هو إنكارهم البعث . # وجعل تشبيه يأسهم من الآخرة بيأس الكفار من أصحاب القبور أن يأس الكفار ~~الأحياء كيأس الأموات من الكفار ، أي كيأس أسلافهم الذين هم في القبور إذ ~~كانوا في مدة حياتهم آيسين من الآخرة فتكون { من } بيانية صفة للكفار ، ~~وليست متعلقة بفعل { يئس } فليس في لفظ { الكفار } إظهار في مقام الإضمار ~~وإلا لزم أن يشبه الشيء بنفسه كما قد توهم . # PageV28P170 # | 1 ( سورة الصف ) 1 # اشتهرت هذه السورة باسم ( سورة الصف ) وكذلك سميت في عصر الصحابة . # روى ابن أبي حاتم سنده إلى عبد الله بن سلام أن ناسا قالوا : ( لو أرسلنا ~~إلى رسول الله نسأله عن أحب الأعمال ) إلى أن قال : ( فدعا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أولئك النفر حتى جمعهم ونزلت فيهم ( سورة سبح لله الصف ) ~~الحديث ، رواه ابن كثير ، وبذلك عنونت في ( صحيح البخاري ) وفي ( جامع ~~الترمذي ) ، وكذلك كتب اسمها في المصاحف وفي كتب التفسير . # ووجه التسمية وقوع لفظ { صفا } ( الصف : 4 ) فيها وهو صف القتال ، ~~فالتعريف باللام تعريف العهد . # وذكر السيوطي في ( الإتقان ) : أنها تسمى ( سورة الحواريين ) ولم يسنده . ~~وقال الألوسي تسمى ( سورة عيسى ) ولم أقف على نسبته لقائل . وأصله للطبرسي ~~فلعله أخذ من حديث رواه في فضلها عن أبي بن كعب بلفظ ( سورة عيسى ) . وهو ~~حديث موسوم بأنه موضوع . والطبرسي يكثر من تخريج الأحاديث الموضوعة . ~~فتسميتها ( سورة الحواريين ) لذكر ms8463 الحواريين فيها . ولعلها أول سورة نزلت ~~ذكر فيها لفظ الحواريين . # وإذا ثبت تسميتها ( سورة عيسى ) فلما فيها من ذكر { عيسى } ( الصف : 6 و ~~14 ) مرتين PageV28P171 وهي مدنية عند الجمهور كما يشهد لذلك حديث عبد الله ~~بن سلام . وعن ابن عباس ومجاهد وعطاء أنها مكية ودرج عليه في ( الكشاف ) ~~والفخر . وقال ابن عطية : الأصح أنها مدنية ويشبه أن يكون فيها المكي . # واختلف في سبب نزولها وهل نزلت متتابعة أو متفرقة متلاحقة . # $ 2 ( { سبح لله ما فى السماوات وما فى الارض وهو العزيز الحكيم * ياأيها ~~الذين ءامنوا لم تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا ~~تفعلون * إن الله يحب الذين يقاتلون فى سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص * وإذ ~~قال موسى لقومه ياقوم لم تؤذوننى وقد تعلمون أنى رسول الله إليكم فلما زاغو ~~& # 1764 ا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدى القوم الفاسقين * وإذ قال عيسى ~~ابن مريم يابنى إسراءيل إنى رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدى من التوراة ~~ومبشرا برسول يأتى من بعدى اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هاذا سحر ~~مبين * ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام والله لا ~~يهدى القوم الظالمين * يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ~~ولو كره الكافرون * هو الذى & # 1764 أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ~~* ياأيها الذين ءامنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم * تؤمنون ~~بالله ورسوله وتجاهدون فى سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم ~~تعلمون } ) 2 $ وفي ( جامع الترمذي ) ( عن عبد الله بن سلام قال : قعدنا ~~نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فتذاكرنا فقلنا : لو نعلم أي ~~الأعمال أحب إلى الله لعملناه ) فأنزل الله تعالى : { سبح لله ما في ~~السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما ~~لا تفعلون } ( الصف : 1 ، 2 ) قال عبد الله بن سلام : فقرأها علينا رسول ~~الله . وأخرجه الحاكم ms8464 وأحمد في ( مسنده ) وابن أبي حاتم والدارمي بزيادة ~~فقرأها علينا رسول الله حتى ختمها أو فقرأها كلها . # فهذا يقتضي أنهم قيل لهم : { لم تقولون ما لا تفعلون قبل أن يخلفوا ما ~~وعدوا به فيكون الاستفهام مستعملا مجازا في التحذير من عدم الوفاء بما ~~نذروه ووعدوا به . # وعن علي بن طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لم ~~تقولون ما لا تفعلون } قال : كان ناس من المؤمنين قبل أن يفرض الجهاد ~~يقولون : لوددنا أن الله عز وجل دلنا على أحب الأعمال إليه فنعمل به فأخبر ~~الله أن أحب الأعمال : إيمان به وجهاد أهل معصيته الذين خالفوا الإيمان ولم ~~يقروا به . فلما نزل الجهاد كره ذلك ناس من المؤمنين وشق عليهم . فأنزل ~~الله سبحانه وتعالى : { يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون } . # ومثله عن أبي صالح يقتضي أن السورة نزلت بعد أن أمروا بالجهاد بآيات غير ~~هذه السورة . وبعد أن وعدوا بالانتداب للجهاد ثم تقاعدوا عنه وكرهوه . وهذا ~~المروي عن ابن عباس وهو أوضح وأوفق بنظم الآية ، والاستفهام فيه للتوبيخ ~~واللوم وهو المناسب لقوله بعده { كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ~~} ( الصف : 3 ) . # وعن مقاتل بن حيان : قال المؤمنون : لو نعلم أحب الأعمال إلى الله لعملنا ~~به فدلهم الله فقال : { إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا } ( الصف : ~~4 ) ، فابتلوا يوم PageV28P172 أحد بذلك فولوا مدبرين فأنزل الله { يا أيها ~~الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون } . ونسب الواحدي مثل هذا للمفسرين وهو ~~يقتضي أن صدر الآية نزل بعد آخرها . # وعن الكلبي : أنهم قالوا : لو نعلم أحب الأعمال إلى الله لسارعنا إليها ~~فنزلت { هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم } ( الصف : 10 ) الآية . ~~فابتلوا يوم أحد فنزلت { يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون } ~~تعيرهم بترك الوفاء . وهو يقتضي أن معظم السورة قبل نزول الآية التي في ~~أولها . # وهي السورة الثامنة والمائة في ترتيب نزول السور عند جابر بن زيد ms8465 . نزلت ~~بعد سورة التغابن وقبل سورة الفتح . وكان نزولها بعد وقعة أحد . # وعدد آيها أربع عشرة آية باتفاق أهل العدد . # أغراضها # أول أغراضها التحذير من إخلاف الوعد والالتزام بواجبات الدين . # والتحريض على الجهاد في سبيل الله والثباتت فيه ، وصدق الإيمان . # والثبات في نصرة الدين . # والائتساء بالصادقين مثل الحواريين . # والتحذير من أذى الرسول صلى الله عليه وسلم تعريضا باليهود مثل كعب بن ~~الأشرف . # وضرب المثل لذلك بفعل اليهود مع موسى وعيسى عليهما السلام . # والتعريض بالمنافقين . # والوعد على إخلاص الإيمان والجهاد بحسن مثوبة الآخرة والنصر والفتحح . # PageV28P173 # مناسبة هذه الفاتحة لما بعدها من السورة بيان أن الكافرين محقوقون بأن ~~تقاتلوهم لأنهم شذوا عن جميع المخلوقات فلم يسبحوا الله ولم يصفوه بصفات ~~الكمال إذ جعلوا له شركاء في الإلاهية . وفيه تعريض بالذين أخلفوا ما وعدوا ~~بأنهم لم يؤدوا حق تسبيح الله ، لأن الله مستحق لأن يوفى بعهده في الحياة ~~الدنيا وأن الله ناصر الذين آمنوا على عدوهم . # وتقدم الكلام على نظير قوله : { سبح لله } إلى { الحكيم } في أول سورة ~~الحشر وسورة الحديد . # وفي إجراء وصف { العزيز } عليه تعالى هنا إيماء إلى أنه الغالب لعدوه فما ~~كان لكم أن ترهبوا أعداءه فتفروا منهم عند اللقاء . # وإجراء صفة { الحكيم } إن حملت على معنى المتصف بالحكمة أن الموصوف ~~بالحكمة لا يأمركم بجهاد العدو عبثا ولا يخليهم يغلبونكم . وإن حملت على ~~معنى المحكم للأمور فكذلك . # ( 2 ، 3 ) # ناداهم بوصف الإيمان تعريضا بأن الإيمان من شأنه أن يزع المؤمن عن أن ~~يخالف فعله قوله في الوعد بالخير . # واللام لتعليل المستفهم عنه وهو الشيء المبهم الذي هو مدلول { ما } ~~الاستفهامية لأنها تدل على أمر مبهم يطلب تعيينه . # والتقدير : تقولون ما لا تفعلون لأي سبب أو لأية علة . # وتتعلق اللام بفعل { تقولون } المجرور مع حرف الجر لصدارة الاستفهام . # والاستفهام عن العلة مستعمل هنا في إنكار أن يكون سبب ذلك مرضيا لله ~~تعالى ، أي أن ما يدعوهم إلى ذلك هو أمر منكر وذلك كناية عن اللوم والتحذير ~~من ذلك كما في قوله ms8466 تعالى : { قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل في سورة ~~البقرة . PageV28P174 فيجوز أن يكون القول الذي قالوه وعدا وعدوه ولم يفوا ~~به . ويجوز أن يكون خبرا أخبروا به عن أنفسهم لم يطابق الواقع . وقد مضى ~~استيفاء ذلك في الكلام على صدر السورة . # وهذا كناية عن تحذيرهم من الوقوع في مثل ما فعلوه يوم أحد بطريق الرمز ، ~~وكناية عن اللوم على ما فعلوه يوم أحد بطريق التلويح . # وتعقيب الآية بقوله : إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا } ( الصف : ~~4 ) الخ . يؤذن بأن اللوم على وعد يتعلق بالجهاد في سبيل الله . وبذلك ~~يلتئم معنى الآية مع حديث الترمذي في سبب النزول وتندحض روايات أخرى رويت ~~في سبب نزولها ذكرها في ( الكشاف ) . # وفيه تعريض بالمنافقين إذ يظهرون الإيمان بأقوالهم وهم لا يعملون أعمال ~~أهل الإيمان بالقلب ولا بالجسد . قال ابن زيد : هو قول المنافقين للمؤمنين ~~نحن منكم ومعكم ثم يظهر من أفعالهم خلاف ذلك . # وجملة { كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون } بيان لجملة { لم ~~تقولون ما لا تفعلون } تصريحا بالمعنى المكنى عنه بها . # وهو خبر عن كون قولهم : { ما لا تفعلون } أمرا كبيرا في جنس المقت . # والكبر : مستعار للشدة لأن الكبير فيه كثرة وشدة في نوعه . # و { أن تقولوا } فاعل { كبر } . # والمقت : البغض الشديد . وهو هنا بمعنى اسم المفعول . # وانتصب { مقتا } على التمييز لجهة الكبر . وهو تمييز نسبة . # والتقدير : كبر ممقوتا قولكم ما لا تفعلونه . # ونظم هذا الكلام بطريقة الإجمال ثم التفصيل بالتمييز لتهويل هذا الأمر في ~~قلوب السامعين لكون الكثير منهم بمظنة التهاون في الحيطة منه حتى وقعوا ~~فيما وقعوا يوم أحد . ففيه وعيد على تجدد مثله ، وزيد المقصود اهتماما بأن ~~وصف المقت بأنه عند الله ، أي مقت لا تسامح فيه . PageV28P175 # وعدل عن جعل فاعل { كبر } ضمير القول بأن يقتصر على { كبر مقتا عند الله ~~} أو يقال : كبر ذلك مقتا ، لقصد زيادة التهويل بإعادة لفظه ، ولإفادة ~~التأكيد . # و { ما } في قوله : { ما لا تفعلون } في الموضعين موصولة ، وهي ms8467 بمعنى لام ~~العهد ، أي الفعل الذي وعدتم أن تفعلوه وهو أحب الأعمال إلى الله أو الجهاد ~~. فاقتضت الآية أن الوعد في مثل هذا يجب الوفاء به لأن الموعود به طاعة ~~فالوعد به من قبيل النذر المقصود منه القربة فيجب الوفاء به . # هذا جواب على تمنيهم معرفة أحب الأعمال إلى الله كما في حديث عبد الله بن ~~سلام عند الترمذي المتقدم وما قبله توطئة له على أسلوب الخطب ومقدماتها . # والصف : عدد من أشياء متجانبة منتظمة الأماكن ، فيطلق على صف المصلين ، ~~وصف الملائكة ، وصف الجيش في ميدان القتال بالجيش إذا حضر القتال كان صفا ~~من رجالة أو فرسان ثم يقع تقدم بعضهم إلى بعض فرادى أو زرافات . # فالصف هنا : كناية عن الانتظام والمقاتلة عن تدبر . # وأما حركات القتال فتعرض بحسب مصالح الحرب في اجتماع وتفرق وكر وفر . ~~وانتصب { صفا } على الحال بتأويل : صافين ، أو مصفوفين . # والمرصوص : المتلاصق بعضه ببعض . والتشبيه في الثبات وعدم الانفلات وهو ~~الذي اقتضاه التوبيخ السابق في قوله : { لم تقولون ما لا تفعلون } ( الصف : ~~2 ) . # PageV28P176 # موقع هذه الآية هنا خفي المناسبة . فيجوز أن تكون الجملة معترضة استئنافا ~~ابتدائيا انتقل به من النهي عن عدم الوفاء بما وعدوا الله عليه إلى التعريض ~~بقوم آذوا النبي صلى الله عليه وسلم بالقول أو بالعصيان أو نحو ذلك ، فيكون ~~الكلام موجها إلى المنافقين ، فقد وسموا بأذى الرسول صلى الله عليه وسلم ~~قوله تعالى : { إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة } ~~( الأحزاب : 57 ) الآية . وقوله تعالى : { والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب ~~أليم } ( التوبة : 61 ) وقوله : { ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن ~~} ( التوبة : 61 ) . # وعلى هذا الوجه فهو اقتضاب نقل به الكلام من الغرض الذي قبله لتمامه إلى ~~هذا الغرض ، أو تكون مناسبة وقعه في هذا الموقع حدوث سبب اقتضى نزوله من ~~أذى قد حدث لم يطلع عليه المفسرون ورواة الأخبار وأسباب النزول . # والواو على هذا الوجه عطف غرض على غرض . وهو المسمى بعطف قصة على قصة . # ويجوز أن يكون ms8468 من تتمة الكلام الذي قبلها ضرب الله مثلا للمسلمين ~~لتحذيرهم من إتيان ما يؤذي رسوله صلى الله عليه وسلم ويسوؤوه من الخروج عن ~~جادة الكمال الديني مثل عدم الوفاء بوعدهم في الإتيان بأحب الأعمال إلى ~~الله تعالى . وأشفقهم من أن يكون ذلك سببا للزيغ والضلال كما حدث لقوم موسى ~~لما آذوه . # وعلى هذا الوجه فالمراد بأذى قوم موسى إياه : عدم توخي طاعته ورضاه ، ~~فيكون ذلك مشيرا إلى ما حكاه الله عنه من قوله : { يا قوم ادخلوا الأرض ~~المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين } ( ~~المائدة : 21 ) ، إلى قوله : { قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا ~~فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون } ( المائدة : 24 ) . فإن ~~قولهم ذلك استخفاف يدل لذلك قوله عقبه { قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي ~~فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين } ( المائدة : 25 ) . # وقد يكون وصفهم في هذه الآية بقوله : { والله لا يهدي القوم الفاسقين } ~~ناظرا إلى وصفهم بذلك مرتين في آية سورة العقود في قوله : { فافرق بيننا ~~وبين القوم الفاسقين } ( المائدة : 25 ) وقوله : { فلا تأس على القوم ~~الفاسقين } ( المائدة : 26 ) . PageV28P177 # فيكون المقصود الأهم من القصة هو ما تفرع على ذكرها من قوله : { فلما ~~زاغوا أزاغ الله قلوبهم } . ويناسب أن تكون هذه الآية تحذيرا من مخالفة أمر ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وعبرة بما عرض لهم من الهزيمة يوم أحد لما ~~خالفوا أمره من عدم ثبات الرماة في مكانهم . # وقد تشابهت القصتان في أن القوم فروا يوم أحد كما فر قوم موسى يوم أريحا ~~، وفي أن الرماة الذين أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يبرحوا ~~مكانهم ( ولو تخطفنا الطير ) وأن ينضحوا عن الجيش بالنبال خشية أن يأتيه ~~العدو من خلفه لم يفعلوا ما أمرهم به وعصوا أمر أميرهم عبد الله بن جبير ~~وفارقوا موقفهم طلبا للغنيمة فكان ذلك سبب هزيمة المسلمين يوم أحد . # والواو على هذا الوجه عطف تحذير مأخوذ من قوله : { فلما زاغوا أزاغ الله ms8469 ~~قلوبهم } على النهي الذي في قوله : { لم تقولون ما لا تفعلون } ( الصف : 2 ~~) الآية . # ويتبع ذلك تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم على ما حصل من مخالفة الرماة ~~حتى تسببوا في هزيمة الناس . # و { إذ } متعلقة بفعل محذوف تقديره : اذكر ، وله نظائر كثيرة في القرآن ، ~~أي اذكر لهم أيضا وقت قول موسى لقومه أو اذكر لهم مع هذا النهي وقت قول ~~موسى لقومه . # وابتداء كلام موسى عليه السلام ب { يا قوم } تعريض بأن شأن قوم الرسول أن ~~يطيعوه بله أن لا يؤذوه . ففي النداء بوصف { قوم } تمهيد للإنكار في قوله : ~~{ لم تؤذونني } . # والاستفهام للإنكار ، أي إنكار أن يكون للإذاية سبب كما تقدم في قوله ~~تعالى : { لم تقولون ما لا تفعلون . # وقد جاءت جملة الحال من قوله : وقد تعلمون أني رسول الله } مصادفة المحل ~~من الترقي في الإنكار . # و { قد } لتحقيق معنى الحالية ، أي وعلمكم برسالتي عن الله أمر محقق لما ~~PageV28P178 شاهدوه من دلائل رسالته ، وكما أكد علمهم ب { قد } أكد حصول ~~المعلوم ب ( أن ) المفتوحة ، فحصل تأكيدان للرسالة . والمعنى : فكيف لا ~~يجري أمركم على وفق هذا العلم . # والإتيان بعد { قد } بالمضارع هنا للدلالة على أن علمهم بذلك مجدد بتجدد ~~الآيات والوحي ، وذلك أجدى بدوام امتثاله لأنه لو جيء بفعل المضي لما دل ~~على أكثر من حصول ذلك العلم فيما مضى . ولعله قد طرأ عليه ما يبطله ، وهذا ~~كالمضارع في قوله : { قد يعلم الله المعوقين منكم في سورة الأحزاب . # والزيغ : الميل عن الحق ، أي لما خالفوا ما أمرهم رسولهم جعل الله في ~~قلوبهم زيغا ، أي تمكن الزيغ من نفوسهم فلم ينفكوا عن الضلال . # وجملة والله لا يهدي القوم الفاسقين } تذييل ، أي وهذه سنة الله في الناس ~~فكان قوم موسى الذين آذوه من أهل ذلك العموم . # وذكر وصف { الفاسقين } جاريا على لفظ { القوم } للإيماء إلى الفسوق الذي ~~دخل في مقومات قوميتهم . كما تقدم عند قوله تعالى : { إن في خلق السماوات ~~والأرض إلى قوله : لآيات لقوم يعقلون في البقرة . # فالمعنى : الذين كان الفسوق ms8470 عن الحق سجية لهم لا يلطف الله بهم ولا يعتني ~~بهم عناية خاصة تسوقهم إلى الهدى ، وإنما هو طوع الأسباب والمناسبات . # } # عطف على جملة { وإذ قال موسى لقومه } ( الصف : 5 ) فعلى الوجه الأول في ~~موقع التي قبلها فموقع هذه مساو له . # وأما على الوجه الثاني في الآية السابقة فإن هذه مسوقة مساق التتميم لقصة ~~موسى بذكر مثال آخر لقوم حادوا عن طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم ~~من غير إفادة PageV28P179 تحذير للمخاطبين من المسلمين ، وللتخلص إلى ذكر ~~أخبار عيسى بالرسول الذي يجيء بعده . # ونادى عيسى قومه بعنوان { بني إسرائيل } دون { يا قوم } ( الصف : 5 ) لأن ~~بني إسرائيل بعد موسى اشتهروا بعنوان ( بني إسرائيل ) ولم يطلق عليهم عنوان ~~: قوم موسى ، إلا في مدة حياة موسى خاصة فإنهم إنما صاروا أمة وقوما بسببه ~~وشريعته . # فأما عيسى فإنما كان مرسلا بتأييد شريعة موسى ، والتذكير بها وتغيير بعض ~~أحكامها ، ولأن عيسى حين خاطبهم لم يكونوا قد اتبعوه ولا صدقوه فلم يكونوا ~~قوما له خالصين . # وتقدم القول في معنى { مصدقا لما بين يدي من التوراة في أوائل سورة آل ~~عمران وفي أثناء سورة العقود . # والمقصود من تنبيههم على هذا التصديق حين ابتدأهم بالدعوة تقريب إجابتهم ~~واستنزال طائرهم لشدة تمسكهم بالتوراة واعتقادهم أن أحكامها لا تقبل النسخ ~~، وأنها دائمة . ولذلك لما ابتدأهم بهذه الدعوة لم يزد عليها ما حكي عنه في ~~سورة آل عمران من قوله : ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم ، فيحمل ما هنالك ~~على أنه خطاب واقع بعد أول الدعوة فإن الله لم يوح إليه أول مرة بنسخ بعض ~~أحكام التوراة ثم أوحاه إليه بعد ذلك . فحينئذ أخبرهم بما أوحي إليه . # وكذلك شأن التشريع أن يلقى إلى الأمة تدريجا كما في حديث عائشة في صحيح ~~البخاري } أنها قالت : ( إنما أنزل أول ما أنزل منه ( أي القرآن ) سورة من ~~المفصل فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال ~~والحرام ، ولو أنزل أول شيء : لا تشربوا الخمر ، لقالوا : لا نترك ms8471 الخمر ~~أبدا ، ولو نزل : لا تزنوا : لقالوا : لا ندع الزنا أبدا . لقد نزل بمكة ~~على محمد صلى الله عليه وسلم وإني لجارية ألعب { بل الساعة موعدهم والساعة ~~أدهى وأمر } ( القمر : 46 ) ، وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده ~~) اه . # فمعنى قوله : { مصدقا لما بين يدي من التوراة } في كلتا الآيتين هو ~~التصديق بمعنى التقرير والأعمال على وجه الجملة ، أي أعمال مجموعها وجمهرة ~~أحكامها ولا PageV28P180 ينافي ذلك أنه قد تغير بعض أحكامها بوحي من الله ~~في أحوال قليلة . # والتبشير : الإخبار بحادث يسر ، وأطلق هنا على الإخبار بأمر عظيم النفع ~~لهم لأنه يلزمه السرور الحق فإن مجيء الرسول إلى الناس نعمة عظيمة . # ووجه إيثار هذا اللفظ الإشارة إلى ما وقع في الإنجيل من وصف رسالة الرسول ~~الموعود به بأنها بشارة الملكوت . # وإنما أخبرهم بمجيء رسول من بعده لأن بني إسرائيل لم يزالوا ينتظرون مجيء ~~رسول من الله يخلصهم من براثن المتسلطين عليهم وهذا الانتظار ديدنهم ، وهم ~~موعودون لهذا المخلص لهم على لسان أنبيائهم بعد موسى . فكان وعد عيسى به ~~كوعد من سبقه من أنبيائهم ، وفاتحهم به في أول الدعوة اعتناء بهذه الوصية . # وفي الابتداء بها تنبيه على أن ليس عيسى هو المخلص المنتظر وأن المنتظر ~~رسول يأتي من بعده وهو محمد صلى الله عليه وسلم # ولعظم شأن هذا الرسول الموعود به أراد الله أن يقيم للأمم التي يظهر فيها ~~علامات ودلائل ليتبينوا بها شخصه فيكون انطباقها فاتحة لإقبالهم على تلقي ~~دعوته ، وإنما يعرفها حق معرفتها الراسخون في الدين من أهل الكتاب لأنهم ~~الذين يرجع إليهم الدهماء من أهل ملتهم قال تعالى : { الذين آتيناهم الكتاب ~~يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون } ( ~~البقرة : 146 ) . وقال : { قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم ~~الكتاب } ( الرعد : 43 ) . # وقد وصف الله بعض صفات هذا الرسول لموسى عليه السلام في قوله تعالى حكاية ~~عن إجابته دعاء موسى { ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون إلى قوله : ~~الذين يتبعون الرسول النبي ms8472 الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة ~~والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم ~~الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم } ( الأعراف : 157 ) . ~~PageV28P181 # فلما أراد الله تعالى إعداد البشر لقبول رسالة هذا الرسول العظيم الموعود ~~به صلى الله عليه وسلم استودعهم أشراطه وعلاماته على لسان كل رسول أرسله ~~إلى الناس . قال تعالى : { وإذ أخذ الله ميثاق النبيئين لما آتيناكم من ~~كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم ~~وأخذتم على ذلك إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين فمن ~~تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون } ( آل عمران : 81 ، 82 ) أي أأخذتم إصري ~~من أممكم على الإيمان بالرسول الذي يجيء مصدقا للرسل . وقوله : { فاشهدوا } ~~( آل عمران : 81 ) ، أي على أممكم وسيجيء من حكاية كلام عيسى في الإنجيل ما ~~يشرح هذه الشهادة . # وقال تعالى في خصوص ما لقنه إبراهيم عليه السلام { ربنا وابعث فيهم رسولا ~~منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة } ( البقرة : 129 ) الآية . # وأوصى به عيسى عليه السلام في هذه الآية وصية جامعة لما تقدمها من وصايا ~~الأنبياء وأجملها إجمالا على طريق الرمز . وهو أسلوب من أساليب أهل الحكمة ~~والرسالة في غير بيان الشريعة ، قال السهروردي : في تلك حكمة الإشراق ( ~~وكلمات الأولين مرموزة ) فقال قطب الدين الشيرازي في ( شرحه ) : ( كانوا ~~يرمزون في كلامهم إما تشحيذا للخاطر باستكداد الفكر أو تشبها بالباري تعالى ~~وأصحابب النواميس فيما أتوا به من الكتب المنزلة المرموزة لتكون أقرب إلى ~~فهم الجمهور فينتفع الخواص بباطنها والعوام بظاهرها . ا ه ) ، أي ليتوسمها ~~أهل العلم من أهل الكتاب فيتحصل لهم من مجموع تفصيلها شمائل الرسول الموعود ~~به ولا يلتبس عليهم بغيره ممن يدعي ذلك كذبا . أو يدعيه له طائفة من الناس ~~كذبا أو اشتباها . # ولا يحمل قوله : { اسمه أحمد } على ما يتبادر من لفظ اسم من أنه العلم ~~المجهول للدلالة على ذات معينة لتميزه من بين من لا يشاركها في ذلك الاسم ~~لأن هذا الحمل يمنع ms8473 منه وأنه ليس بمطابق للواقع لأن الرسول الموعود به لم ~~يدعه الناس أحمد فلم يكن أحد يدعو النبي محمدا صلى الله عليه وسلم باسم ~~أحمد لا قبل نبوته ولا بعدها ولا يعرف ذلك . # وأما ما وقع في ( الموطأ ) و ( الصحيحين ) عن محمد بن جبير بن مطعم عن ~~أبيه عن PageV28P182 النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لي خمسة أسماء : ~~أنا محمد ، وأنا أحمد ، وأنا الماحي الذي يمحو الله به الكفر ، وأنا الحاشر ~~الذي يحشر الناس على قدمي وأنا العاقب ) فتأويله أنه أطلق الأسماء على ما ~~يشمل الاسم العلم والصفة الخاصة به على طريقة التغليب . وقد رويت له أسماء ~~غيرها استقصاها أبو بكر ابن العربي في ( العارضة ) و ( القبس ) . # فالذي نوقن به أن محمل قوله : { اسمه أحمد } يجري على جميع ما تحمله جزءا ~~هذه الجملة من المعاني . # فأما لفظ ( اسم ) فأشهر استعماله في كلام العرب ثلاثة استعمالات : # أحدها : أن يكون بمعنى المسمى . قال أبو عبيدة : الاسم هو المسمى . ونسب ~~ثعلب إلى سيبويه أن الاسم غير المسمى ( أي إذا أطلق لفظ اسم في الكلام ~~فالمعنى به مسمى ذلك الاسم ) لكن جزم ابن السيد البطليوسي في كتابه الذي ~~جعله في معاني الاسم هل هو عين المسمى ، أنه وقع في بعض مواضع من كتاب ~~سيبويه أن الاسم هو المسمى ، ووقع في بعضها أنه غير المسمى ، فحمله ابن ~~السيد البطليوسي على أنهما إطلاقان ، وليس ذلك باختلاف في كلام سيبويه ، ~~وتوقف أبو العباس ثعلب في ذلك فقال : ليس لي فيه قول . ولما في هذا ~~الاستعمال من الاحتمال بطل الاستدلال به . # الاستعمال الثاني : أن يكون الاسم بمعنى شهرة في الخير وأنشد ثعلب : # لأعظمها قدرا وأكرمها أبا # وأحسنها وجها وأعلنها سمى # سمى لغة في اسم . # الاستعمال الثالث : أن يطلق على لفظ جعل دالا على ذات لتميز من كثير من ~~أمثالها ، وهذا هو العلم . # ونحن نجري على أصلنا في حمل ألفاظ القرآن على جميع المعاني التي يسمح بها ~~PageV28P183 الاستعمال الفصيح كما في المقدمة التاسعة من مقدمات هذا ~~التفسير ، فنحمل ms8474 الاسم في قوله : { اسمه أحمد } على ما يجمع بين هذه ~~الاستعمالات الثلاثة ، أي مسماه أحمد ، وذكره أحمد ، وعلمه أحمد ، ولنحمل ~~لفظ أحمد على ما لا يأباه واحد من استعمالاتت اسم الثلاثة إذا قرن به وهو ~~أن أحمد اسم تفضيل يجوز أن يكون مسلوب المفاضلة معنيا به القوة فيم هو مشتق ~~منه ، أي الحمد وهو الثناء ، فيكون أحمد هنا مستعملا في قوة مفعولية الحمد ~~، أي حمد الناس إياه ، وهذا مثل قولهم . ( العود أحمد ) ، أي محمود كثيرا . ~~فالوصف ب { أحمد } بالنسبة للمعنى الأول في اسم أن مسمى هذا الرسول ونفسه ~~موصوفة بأقوى ما يحمد عليه محمود فيشمل ذلك جميع صفات الكمال النفسانية ~~والخلقية والخلقية والنسبية والقومية وغير ذلك مما هو معدود من الكمالات ~~الذاتية والغرضية . # ويصح اعتبار { أحمد } تفضيلا حقيقيا في كلام عيسى عليه السلام ، أي مسماه ~~أحمد مني ، أي أفضل ، أي في رسالته وشريعته . وعبارات الإنجيل تشعر بهذا ~~التفضيل ، ففي إنجيل يوحنا في الإصحاح الرابع عشر ( وأنا أطلب من الأب ( أي ~~من ربنا ) فيعطيكم ( فارقليط ) آخر ليثبت معكم إلى الأبد روح الحق الذي لا ~~يستطيع العالم أن يقبله لأنه لا يراه ولا يعرفه . ثم قال : وأما الفارقليط ~~الروح القدس الذي سيرسله الأب ( الله ) باسمي فهو يعلمكم كل شيء ويذكركم ~~بكل ما قلته لكم ) ، أي في جملة ما يعلمكم أن يذكركم بكل ما قلته لكم . ~~وهذا يفيد تفضيله على عيسى بفضيلة دوام شريعة المعبر عنها بقول الإنجيل ( ~~ليثبت معكم إلى الأبد ) وبفضيلة عموم شرعه للأحكام المعبر عنه بقوله : ( ~~يعلمكم كل شيء ) . # والوصف ب { أحمد } على المعنى الثاني في الاسم . أن سمعته وذكره في جيله ~~والأجيال بعده موصوف بأنه أشد ذكر محمود وسمعة محمودة . # وهذا معنى قوله في الحديث ( أنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ) وأن الله ~~يبعثه مقاما محمودا . # ووصف { أحمد } بالنسبة إلى المعنى الثالث في الاسم رمز إلى أنه اسمه ~~العلم يكون بمعنى : أحمد ، فإن لفظ محمد اسم مفعول من حمد المضاعف الدال ~~على PageV28P184 كثرة حمد الحامدين إياه كما قالوا : فلان ms8475 ممدح ، إذا تكرر ~~مدحه من مادحين كثيرين . # فاسم ( محمد ) يفيد معنى : المحمود حمدا كثيرا ورمز إليه بأحمد . # وهذه الكلمة الجامعة التي أوحى الله بها إلى عيسى عليه السلام أراد الله ~~بها أن تكون شعارا لجماع صفات الرسول الموعود به صلى الله عليه وسلم صيغت ~~بأقصى صيغة تدل على ذلك إجمالا بحسب ما تسمح اللغة بجمعه من معاني . ووكل ~~تفصيلها إلى ما يظهر من شمائله قبل بعثته وبعدها ليتوسمها المتوسمون ويتدبر ~~مطاويها الراسخون عند المشاهدة والتجربة . # جاء في إنجيل متى في الإصحاح الرابع والعشرين قول عيسى ( ويقوم أنبياء ~~كذبة كثيرون ويضلون كثيرا ولكن الذي يصبر إلى المنتهى فهذا يخلص ويكرز ~~ببشارة الملكوت هذه في كل المسكونة شهادة لجميع الأمم ثم يكون المنتهى ) ، ~~ومعنى يكرز يدعو وينبىء ، ومعنى يصير إلى المنتهى يتأخر إلى قرب الساعة . # وفي إنجيل يوحنا في الإصحاح الرابع عشر ( إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي ~~وأنا أطلب من الأب فيعطيكم فارقليط آخر يثبت معكم إلى الأبد ) . و ( ~~فارقليط ) كلمة رومية ، أي بوانية تطلق بمعنى المدافع أو المسلي ، أي الذي ~~يأتي بما يدفع الأحزان والمصائب ، أي يأتي رحمة ، أي رسول مبشر ، وكلمة آخر ~~صريحة في أنه رسول مثل عيسى . # وفي الإصحاح الرابع عشر ( والكلام الذي تسمعونه ليس لي بل الذي أرسلني . ~~وبهذا كلمتكم وأنا عندكم ( أي مدة وجودي بينكم ) ، وأما ( الفارقليط ) ~~الروح القدسي الذي سيرسله الأب باسمي فهو يعلمكم كل شيء ويذكركم بكل ما ~~PageV28P185 قلته ) ( ومعنى ( باسمي ) أي بصفة الرسالة ) لا أتكلم معكم ~~كثيرا لأن رئيس هذا العالم يأتي وليس له في شيء ولكن ليفهم العالم أني أحب ~~الأب وكما أوصاني الأب أفعل ) . # وفي الإصحاح الخامس عشر منه ( ومتى جاء الفارقليط الذي سأرسله أنا إليكم ~~من الأب روح الحق الذي من عند الأب ينبثق فهو يشهد لي ) . # وفي هذه الأخبار إثبات أن هذا الرسول المبشر به تعم رسالته جميع الأمم في ~~جميع الأرض ، وأنه الخاتم ، وأن لشريعته ملكا لقول إنجيل متى ( هو يكرز ~~ببشارة الملكوت ) والملكوت هو الملك ، وأن تعاليمه تتعلق ms8476 بجميع الأشياء ~~العارضة للناس ، أي شريعته تتعلق أحكامها بجميع الأحوال البشرية ، وجميعها ~~مما تشمله الكلمة التي جاءت على لسان عيسى عليه السلام وهي كلمة { اسمه ~~أحمد } فكانت من الرموز الإلهية ولكونها مرادة لذلك ذكرها الله تعالى في ~~القرآن تذكيرا وإعلانا . # وذكر القرآن تبشير عيسى بمحمد عليهما الصلاة والسلام إدماج في خلال ~~المقصود الذي هو تنظير ما أوذي به موسى من قومه وما أوذي به عيسى من قومه ~~إدماجا يؤيد به النبي صلى الله عليه وسلم ويثبت فؤاده ويزيده تسلية . وفيها ~~تخلص إلى أن ما لقيه من قومه نظير ما لقيه عيسى من بني إسرائيل . # وقوله : { فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين } هو مناط الأذى . # فإن المتبادر أن يعود ضمير الرفع في قوله : { جاءهم } إلى عيسى ، وأن ~~يعود PageV28P186 ضمير النصب إلى الذين خاطبهم عيسى . والتقدير : فكذبوه ، ~~فلما جاءهم بالمعجزات قالوا هذا سحر أو هو ساحر . # ويحتمل أن يكون ضمير الرفع عائدا إلى رسول يأتي من بعدي . وضمير النصب ~~عائدا إلى لفظ بني إسرائيل ، أي بني إسرائيل غير الذين دعاهم عيسى عليه ~~السلام من باب : عندي درهم ونصفه ، أي نصف ما يسمى بدرهم ، أي فلما جاءهم ~~الرسول الذي دعاه عيسى باسم أحمد بالبينات ، أي دلائل انطباق الصفات ~~الموعود بها قالوا هذا سحر أو هذا ساحر مبين فيكون هذا التركيب مبين من ~~قبيل الكلام الموجه . # وحصل أذاهم بهذا القول لكلا الرسولين . # فالجملة على هذا الاحتمال تحمل على أنها اعتراض بين المتعاطفات وممهدة ~~للتخلص إلى مذمة المشركين وغيرهم ممن لم يقبل دعوة محمد صلى الله عليه وسلم # وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم بفتح الياء من قوله : { ~~بعدي } . وقرأه الباقون بسكونها . قال في ( الكشاف ) : واختار الخليل ~~وسيبويه الفتح . # وقرأ الجمهور { هذا سحر } بكسر السين . وقرأه حمزة والكسائي وخلف { هذا ~~ساحر } فعلى الأولى الإشارة للبنات ، وعلى الثانية الإشارة إلى عيسى أو إلى ~~الرسول . # كانت دعوة النبي صلى الله عليه وسلم مماثلة دعوة عيسى عليه السلام وكان ~~جواب الذين دعاهم إلى ms8477 الإسلام من أهل الكتابين والمشركين مماثلا لجواب ~~الذين دعاهم عليه السلام . فلما أدمج في حكاية دعوة عيسى بشارته برسول يأتي ~~من بعده ناسب أن ينقل الكلام إلى ما قابل به قوم الرسول الموعود دعوة ~~رسولهم فلذلك ذكر في دعوة هذا الرسول دين الإسلام فوصفوا بأنهم أظلم الناس ~~تشنيعا لحالهم . PageV28P187 # فالمراد من هذا الاستفهام هم الذين كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم ولذلك ~~عطف هذا الكلام بالواو ودون الفاء لأنه ليس مفرعا على دعوة عيسى عليه ~~السلام . # وقد شمل هذا التشنيع جميع الذين كذبوا دعوة النبي صلى الله عليه وسلم من ~~أهل الكتابين والمشركين . # والمقصود الأول هم أهل الكتاب ، وسيأتي عند قوله تعالى : { يريدون ~~ليطفئوا نور الله } إلى قوله : { ولو كره المشركون } ( الصف : 8 ، 9 ) فهما ~~فريقان . # والاستفهام ب { من أظلم } إنكار ، أي لا أحد أظلم من هؤلاء فالمكذبون من ~~قبلهم ، إما أن يكونوا أظلم منهم وإما أن يساووهم على كل حال ، فالكلام ~~مبالغة . # وإنما كانوا أظلم الناس لأنهم ظلموا الرسول صلى الله عليه وسلم بنسبته ~~إلى ما ليس فيه إذ قالوا : هو ساحر ، وظلموا أنفسهم إذ لم يتوخوا لها ~~النجاة ، فيعرضوا دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم على النظر الصحيح حتى ~~يعلموا صدقه ، وظلموا ربهم إذ نسبوا ما جاءهم من هديه وحجج رسوله صلى الله ~~عليه وسلم إلى ما ليس منه فسموا الآيات والحجج سحرا ، وظلموا الناس بحملهم ~~على التكذيب وظلموهم بإخفاء الأخبار التي جاءت في التوراة والإنجيل مثبتة ~~صدق رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم وكمل لهم هذا الظلم بقوله تعالى : { ~~والله لا يهدي القوم الظالمين } ، فيعلم أنه ظلم مستمر . # وقد كان لجملة الحال { وهو يدعى إلى الإسلام } موقع متين هنا ، أي فعلوا ~~ذلك في حين أن الرسول يدعوهم إلى ما فيه خيرهم فعاضوا الشكر بالكفر . # وإنما جعل افتراؤهم الكذب على الله لأنهم كذبوا رسولا يخبرهم أنه مرسل من ~~الله فكانت حرمة هذه النسبة تقتضي أن يقبلوا على التأمل والتدبر فيما دعاهم ~~إليه ليصلوا إلى التصديق ، فلما بادروها بالإعراض ms8478 وانتحلوا للداعي صفات ~~النقص كانوا قد نسبوا ذلك إلى الله دون توقير . # فأما أهل الكتاب فجحدوا الصفات الموصوفة في كتابهم كما قال تعالى فيهم { ~~ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله في سورة البقرة . وذلك افتراء . # وأما المشركون فإنهم افتروا على الله إذ قالوا : ما أنزل الله على بشر من ~~شيء } ( الأنعام : 91 ) . PageV28P188 # واسم { الإسلام } علم للدين الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وهو ~~جامع لما فيه خير الدنيا والآخرة فكان ذكر هذا الاسم في الجملة الحالية ~~زيادة في تشنيع حال الذين أعرضوا عنه ، أي وهو يدعى إلى ما فيه خيره وبذلك ~~حق عليه وصف { أظلم } . # وجملة { والله لا يهدي القوم الظالمين } تأييس لهم من الإقلاع عن هذا ~~الظلم ، أي أن الذين بلغوا هذا المبلغ من الظلم لا طمع في صلاحهم لتمكن ~~الكفر منهم حتى خالط سجاياهم وتقوم مع قوميتهم ، ولذلك أقحم لفظ { القوم } ~~للدلالة على أن الظلم بلغ حد أن صار من مقومات قوميتهم كما تقدم في قوله ~~تعالى : { لآيات لقوم يعقلون في سورة البقرة . وتقدم غير مرة . # وهذا يعم المخبر عنهم وأمثالهم الذين افتروا على عيسى ، ففيها معنى ~~التذييل . # وأسند نفي هديهم إلى الله تعالى لأن سبب انتفاء هذا الهدي عنهم أثر من ~~آثار تكوين عقولهم ومداركهم على المكابرة بأسباب التكوين التي أودعها الله ~~في نظام تكون الكائنات وتطورها من ارتباط المسببات بأسبابها مع التنبيه على ~~أن الله لا يتدارك أكثرهم بعنايته ، فمغير فيهم بعض القوى المانعة لهم من ~~الهدى غضبا عليهم إذ لم يخلفوا بدعوة تستحق التبصر بسبب نسبتها إلى جانب ~~الله تعالى حتى يتميز لهم الصدق من الكذب والحق من الباطل . # } # استئناف بياني ناشىء عن الإخبار عنهم بأنهم افتروا على الله الكذب في حال ~~أنهم يدعون إلا الإسلام لأنه يثير سؤال سائل عما دعاهم إلى هذا الافتراء . ~~فأجيب بأنهم يريدون أن يخفوا الإسلام عن الناس ويعوقوا انتشاره ومثلت ~~حالتهم بحالة نفر يبتغون الظلام للتلصص أو غيره مما يراد فيه الاختفاء . # فلاحت له ذبالة ms8479 مصباح تضيء للناس ، فكرهوا ذلك وخشوا أن يشع نوره على ~~الناس فتفتضح ترهاتهم ، فعمدوا إلى إطفائه بالنفخ عليه فلم ينطفىء ، ~~PageV28P189 فالكلام تمثيل دال على حالة الممثل لهم . والتقدير : يريدون ~~عوق ظهور الإسلام كمثل قوم يريدون إطفاء النور ، فهذا تشبيه الهيئة بالهيئة ~~تشبيه المعقول بالمحسوس . # ثم إن ما تضمنه من المحاسن أنه قابل لتفرقة التشبيه على أجزاء الهيئة ، ~~فاليهود في حال إرادتهم عوق الإسلام عن الظهور مشبهون بقوم يريدون إطفاء ~~نور الإسلام فشبه بمصباح . والمشركون مثلهم وقد مثل حال أهل الكتاب بنظير ~~هذا التمثيل في قوله تعالى : { وقالت اليهود عزير ابن الله إلى قوله : ~~يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره الآية في ~~سورة براءة ( 30 ، 32 ) ، ووصفهم القرآن بأنه سحر ونحو ذلك من تمويهاتهم ، ~~فشبه بنفخ النافخين على المصباح فكان لذكر بأفواههم } وقع عظيم في هذا ~~التمثيل لأن الإطفاء قد يكون بغير الأفواه مثل المروحة والكير ، وهم أرادوا ~~إبطال آيات القرآن بزعم أنها من أقوال السحر . # وإضافة نور إلى اسم الجلالة إضافة تشريف ، أي نورا أوقده الله ، أي أوجده ~~وقدره فما ظنكم بكماله . # واللام من قوله : { ليطفئوا } تسمى اللام الزائدة ، وتفيد التأكيد . ~~وأصلها لام التعليل ، ذكرت علة فعل الإرادة عوضا عن مفعوله بتنزيل المفعول ~~منزلة العلة . # والتقدير : يريدون إطفاء نور الله ليطفئوا . ويكثر وقوع هذه اللام بعد ~~مادة الإرادة ومادة الأمر . وقد سماها بعض أهل العربية : لام ( أن ) لأن ~~معنى ( أن ) المصدرية ملازم لها . وتقدم الكلام عليها عند قوله تعالى : { ~~يريد الله ليبين لكم في سورة النساء . فلذلك قيل : إن هذه اللام بعد فعل ~~الإرادة مزيدة للتأكيد . # وجملة والله متم نوره } معطوفة على جملة { يريدون } وهي إخبار بأنهم لا ~~يبلغون مرادهم وأن هذا الدين سيتم ، أي يبلغ تمام الانتشار . وفي الحديث ( ~~والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا ~~الله أو الذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون ) . # والجملة الاسمية تفيد ثبوت هذا الإتمام . والتمام : هو حصول جميع ما ~~للشيء PageV28P190 من ms8480 كيفية أو كمية ، فتمام النور : حصول أقوى شعاعه ~~وإتمامه إمداد آلته بما يقوى شعاعه كزيادة الزيت في المصباح وإزالة ما ~~يغشاه . # وجملة { ولو كره الكافرون } حالية و { لو } وصلية ، وهي تدل على أن مضمون ~~شرطها أجدر ما يظن أن لا يحصل عند حصوله مضمون الجواب . ولذلك يقدر ~~المعربون قبله ما يدل على تقدير حصول ضد الشرط . فيقولون هذا إذا لم يكن ~~كذا بل وإن كان كذا ، وهو تقدير معنى لا تقدير حذف لأن مثل ذلك المحذوف لا ~~يطرد في كل موقع فإنه لا يستقيم في مثل قوله تعالى : { وما أنت بمؤمن لنا ~~ولو كنا صادقين } ( يوسف : 17 ) ، إذ لا يقال : هذا إذا كنا كاذبين ، بل ~~ولو كنا صادقين . وكذلك ما في هذه الآية لأن المعنى : والله متم نوره على ~~فرض كراهة الكافرين ، ولما كانت كراهة الكافرين إتمام هذا النور محققة كان ~~سياقها في صورة الأمر المفروض تهكما . وتقدم استعمال ( لو ) هذه عند قوله ~~تعالى : { فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به في سورة آل عمران ~~. # وإنما كانت كراهية الكافرين ظهور نور الله حالة يظن انتفاء تمام النور ~~معها ، لأن تلك الكراهية تبعثهم على أن يتألبوا على إحداث العراقيل وتضليل ~~المتصدين للاهتداء وصرفهم عنه بوجوه المكر والخديعة والكيد والإضرار . # وشمل لفظ الكافرون } جميع الكافرين بالإسلام من المشركين وأهل الكتاب ~~وغيرهم . # ولكن غلب اصطلاح القرآن على تخصيص وصف الكافرين بأهل الكتاب ومقابلتهم ~~بالمشركين أو الظالمين ويتجه على هذا أن يكون الاهتمام بذكر هؤلاء بعد { لو ~~} الوصلية لأن المقام لإبطال مرادهم إطفاء نور الله فإتمام الله نوره إبطال ~~لمرادهم إطفاءه . وسيرد بعد هذا ما يبطل مراد غيرهم من المعاندين وهم ~~المشركون . # وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر عن عاصم { متم نوره } بتنوين { ~~متم } ونصب { نوره } . وقرأه ابن كثير وحمزة والكسائي وحفص وخلف بدون تنوين ~~وجر { نوره } على إضافة اسم الفاعل على مفعوله وكلاهما فصيح . PageV28P191 # هذا زيادة تحد للمشركين وأحلافهم من أهل الكتاب فيه تقوية لمضمون قوله : ~~{ والله متم ms8481 نوره ولو كره الكافرون } ( الصف : 8 ) . وفيه معنى التعليل ~~للجملة التي قبله . فقد أفاد تعريف الجزأين في قوله : { هو الذي أرسل رسوله ~~} قصرا إضافيا لقلبب زعم الكافرين أن محمدا صلى الله عليه وسلم أتى من قبلل ~~نفسه ، أي الله لا غيره أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق . ~~وأن شيئا تولى الله فعله لا يستطيع أحد أن يزيله . # وتعليل ذلك بقوله : { ليظهره على الدين كله } إعلام بأن الله أراد ظهور ~~هذا الدين وانتشاره كيلا يطمعوا أن يناله ما نال دين عيسى عليه السلام من ~~القمع والخفت في أول أمره واستمر زمانا طويلا حتى تنصر قسطنطين سلطان الروم ~~، فلما أخبر الله بأنه أراد إظهار دين الإسلام على جميع الأديان علم أن ~~أمره لا يزال في ازدياد حتى يتم المراد . # والإظهار : النصر ويطلق على التفضيل والإعلاء المعنوي . # والتعريف في قوله : { على الدين } تعريف الجنس المفيد للاستغراق ، أي ~~ليعلي هذا الدين الحق على جميع الأديان وينصر أهله على أهل الأديان الأخرى ~~الذين يتعرضون لأهل الإسلام . # ويظهر أن لفظ { الدين } مستعمل في كلا معنييه : المعنى الحقيقي وهو ~~الشريعة . والمعنى المجازي وهو أهل الدين كما تقول : دخلت قرية كذا ~~وأكرمتني ، فإظهار الدين على الأديان بكونه أعلى منها تشريعا وآدابا ، ~~وأصلح بجميع الناس لا يخص أمة دون أخرى ولا جيلا دون جيل . # وإظهار أهله على أهل الأديان بنصر أهله على الذين يشاقونهم في مدة ظهوره ~~حتى يتم أمره ويستغني عمن ينصره . # وقد تم وعد الله وظهر هذا الدين وملك أهله أمما كثيرة ثم عرضت عوارض ~~PageV28P192 من تفريط المسلمين في إقامة الدين على وجهه فغلبت عليهم أمم ، ~~فأما الدين فلم يزل عاليا مشهودا له من علماء الأمم المنصفين بأنه أفضل دين ~~للبشر . # وخص المشركون بالذكر هنا إتماما للذين يكرهون إتمام هذا النور ، وظهور ~~هذا الدين على جميع الأديان . ويعلم أن غير المشركين يكرهون ظهور هذا الدين ~~لأنهم أرادوا إطفاء نور الدين لأنهم يكرهون ظهور هذا الدين فحصل في الكلام ~~احتباك . # ( 10 12 ) { لله } # هذا تخلص ms8482 إلى الغرض الذي افتتحت به السورة من قوله : { يأيها الذين آمنوا ~~لم تقولون ما لا تفعلون } إلى قوله : { كأنهم بنيان مرصوص } ( الصف : 2 4 ) ~~. فبعد أن ضربت لهم الأمثال ، وانتقل الكلام من مجال إلى مجال ، أعيد ~~خطابهم هنا بمثل ما خوطبوا به بقوله : { يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا ~~تفعلون } ( الصف : 2 ) ، أي هل أدلكم على أحب العمل إلى الله لتعملوا به ~~كما طلبتم إذ قلتم لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله لعملنا به فجاءت السورة ~~في أسلوب الخطابة . # والظاهر أن الضمير المستتر في { أدلكم } عائد إلى الله تعالى لأن ظاهر ~~الخطاب أنه موجه من الله تعالى إلى المؤمنين . ويجوز أن يجعل الضمير إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم على تقدير قول محذوف وعلى اختلاف الاحتمال يختلف ~~موقع قوله الآتي { وبشر المؤمنين } ( الصف : 13 ) . # والاستفهام مستعمل في العرض مجازا لأن العارض قد يسأل المعروض عليه ليعلم ~~رغبته في الأمر المعروض كما يقال : هل لك في كذا ؟ أو هل لك إلى كذا ؟ ~~PageV28P193 # والعرض هنا كناية عن التشويق إلى الأمر المعروض ، وهو دلالته إياهم على ~~تجارة نافعة . وألفاظ الاستفهام تخرج عنه إلى معان كثيرة هي من ملازمات ~~الاستفهام كما نبه عليه السكاكي في ( المفتاح ) ، وهي غير منحصرة فيما ذكره ~~. # وجيء بفعل { أدلكم } لإفادة ما يذكر بعده من الأشياء التي لا يهتدى إليها ~~بسهولة . # وأطلق على العمل الصالح لفظ التجارة على سبيل الاستعارة لمشابهة العمل ~~الصالح التجارة في طلب النفع من ذلك العمل ومزاولته والكد فيه ، وقد تقدم ~~في قوله تعالى : { فما ربحت تجارتهم في سورة البقرة . # ووصف التجارة بأنها تنجي من عذاب أليم ، تجريد للاستعارة لقصد الصراحة ~~بهذه الفائدة لأهميتها وليس الإنجاء من العذاب من شأن التجارة فهو من ~~مناسبات المعنى الحقيقي للعمل الصالح . # وجملة تؤمنون بالله ورسوله } مستأنفة استئنافا بيانيا لأن ذكر الدلالة ~~مجمل والتشويق الذي سبقها مما يثير في أنفس السامعين التساؤل عن هذا الذي ~~تدلنا عليه وعن هذه التجارة . # وإذ قد كان الخطاب لقوم مؤمنين فإن فعل ms8483 { تؤمنون بالله } مع { وتجاهدون } ~~مراد به تجمعون بين الإيمان بالله ورسوله وبين الجهاد في سبيل الله ~~بأموالكم وأنفسكم تنويها بشأن الجهاد . وفي التعبير بالمضارع إفادة الأمر ~~بالدوام على الإيمان وتجديده في كل آن ، وذلك تعريض بالمنافقين وتحذير من ~~التغافل عن ملازمة الإيمان وشؤونه . # وأما { وتجاهدون } فإنه لإرادة تجدد الجهاد إذا استنفروا إليه . # ومجيء { يغفر } مجزوما تنبيه على أن { تؤمنون } { وتجاهدون } وإن جاءا في ~~صيغة الخبر فالمراد الأمر لأن الجزم إنما يكون في جواب الطلب لا في جواب ~~الخبر . قاله المبرد والزمخشري . # وقال الفراء : جزم { يغفر } لأنه جواب { هل أدلكم } ، أي لأن متعلق ~~PageV28P194 { أدلكم } هو التجارة المفسرة بالإيمان والجهاد ، فكأنه قيل : ~~هل تتجرون بالإيمان والجهاد يغفر لكم ذنوبكم . # وإنما جيء بالفعلين الأولين على لفظ الخبر للإيذان بوجوب الامتثال حتى ~~يفرض المأمور كأنه سمع الأمر وامتثله . # وقرأ الجمهور { تنجيكم } بسكون النون وتخفيف الجيم . وقرأه ابن عامر بفتح ~~النون وتشديد الجيم ، يقال : أنجاه ونجاه . # والإشارة ب { ذلكم } إلى الإيمان والجهاد بتأويل المذكور : خير . # و { خير } هذا ليس اسم تفضيل الذي أصله : أخير ووزنه : أفعل ، بل هو اسم ~~لضد الشر ، ووزنه : فعل . # وجمع قوله : { خير } ما هو خير الدنيا وخير الآخرة . # وقوله : { إن كنتم تعلمون } تعريض لهم بالعتاب على توليهم يوم أحد بعد أن ~~قالوا : لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله لعملناه ، فندبوا إلى الجهاد فكان ~~ما كان منهم يوم أحد ، كما تقدم في أول السورة ، فنزلوا منزلة من يشك في ~~عملهم بأنه خير لعدم جريهم على موجب العلم . # والمساكن الطيبة : هي القصور التي في الجنة ، قال تعالى : { ويجعل لك ~~قصورا } ( الفرقان : 10 ) . # وإنما خصت المساكن بالذكر هنا لأن في الجهاد مفارقة مساكنهم ، فوعدوا على ~~تلك المفارقة الموقتة بمساكن أبدية . قال تعالى : { قل إن كان آباؤكم ~~وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم إلى قوله : ومساكن ترضونها أحب إليكم ~~من الله ورسوله وجهاد في سبيله } ( التوبة : 24 ) الآية . # . # عطف على جملة { يغفر لكم ويدخلكم } ( الصف : 12 ) عطف الاسمية على ~~الفعلية . وجيء بالاسمية لإفادة الثبوت والتحقق . ف ms8484 { أخرى } مبتدأ خبره ~~محذوف دل PageV28P195 عليه قوله : { لكم } من قوله : { يغفر لكم } . ~~والتقدير : أخرى لكم ، ولك أن تجعل الخبر قوله : { نصر من الله } . # وجيء به وصفا مؤنثا بتأويل نعمة ، أو فضيلة ، أو خصلة مما يؤذن به قوله : ~~{ يغفر لكم ذنوبكم } ( الصف : 12 ) إلى آخره من معنى النعمة والخصلة كقوله ~~تعالى : { وأخرى لم تقدروا عليها في سورة الفتح . # ووصف أخرى } بجملة { تحبونها } إشارة إلى الامتنان عليهم بإعطائهم ما ~~يحبون في الحياة الدنيا قبل إعطاء نعيم الآخرة . وهذا نظير قوله تعالى : { ~~فلنولينك قبلة ترضاها } ( البقرة : 144 ) . # و { نصر من الله } بدل من { أخرى } ، ويجوز أن يكون خبرا عن { أخرى } . ~~والمراد به النصر العظيم ، وهو نصر فتح مكة فإنه كان نصرا على أشد أعدائهم ~~الذين فتنوهم وآذوهم وأخرجوهم من ديارهم وأموالهم وألبوا عليهم العرب ~~والأحزاب . وراموا تشويه سمعتهم ، وقد انضم إليه نصر الدين بإسلام أولئك ~~الذين كانوا من قبل أيمة الكفر ومساعير الفتنة ، فأصبحوا مؤمنين إخوانا ~~وصدق الله وعده بقوله : { عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم ~~مودة } ( الممتحنة : 7 ) وقوله : { واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء ~~فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا } ( آل عمران : 103 ) . # وذكر اسم الجلالة يجوز أن يكون إظهارا في مقام الإضمار على احتمال أن ~~يكون ضمير التكلم في قوله : { هل أدلكم } ( الصف : 10 ) كلاما من الله ~~تعالى ، ويجوز أن يكون جاريا على مقتضى الظاهر إن كان الخطاب أمر به رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بتقدير ( قل ) . # ووصف الفتح ب { بقريب } تعجيل بالمسرة . # وهذه الآية من معجزات القرآن الراجعة إلى الإخبار بالغيب . # . # يجوز أن تكون عطفا على مجموع الكلام الذي قبلها ابتداء من قوله : { يأيها ~~PageV28P196 الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة } ( الصف : 10 ) على احتمال أن ~~ما قبلها كلام صادر من جانب الله تعالى ، عطف غرض على غرض فيكون الأمر من ~~الله لنبيئه صلى الله عليه وسلم بأن يبشر المؤمنين . ولا يتأتى في هذه ~~الجملة فرض عطف الإنشاء على الإخبار إذ ليس عطف جملة بل ms8485 جملة على جملة على ~~مجموع جمل على نحو ما اختاره الزمخشري عند تفسير قوله تعالى : { وبشر الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات الآية في أوائل سورة البقرة وما بينه من ~~كلام السيد الشريف في حاشية الكشاف } . # وأما على احتمال أن يكون قوله : { يأيها الذين آمنوا هل أدلكم } إلى آخره ~~مسوقا لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يقول : { هل أدلكم على تجارة ~~} بتقدير قول محذوف ، أي قل يأيها الذين آمنوا هل أدلكم ، إلى آخره ، فيكون ~~الأمر في { وبشر } التفاتا من قبيل التجريد . والمعنى : وأبشر المؤمنين . # وقد تقدم القول في عطف الإنشاء على الإخبار عند قوله تعالى : { وبشر ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار في أوائل ~~سورة البقرة . # والذي استقر عليه رأيي الآن أن الاختلاف بين الجملتين بالخبرية ~~والإنشائية اختلاف لفظي لا يؤثر بين الجملتين اتصالا ولا انقطاعا لأن ~~الاتصال والانقطاع أمران معنويان وتابعان للأغراض فالعبرة بالمناسبة ~~المعنوية دون الصيغة اللفظية وفي هذا مقنع حيث فاتني التعرض لهذا الوجه عند ~~تفسير آية سورة البقرة . # } PageV28P197 # هذا خطاب آخر للمؤمنين تكملة لما تضمنه الخطاب بقوله تعالى : { يأيها ~~الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة إلى قوله : وتجاهدون في سبيل الله } ( الصف ~~: 10 ، 11 ) الآية الذي هو المقصود من ذلك الخطاب ، فجاء هذا الخطاب الثاني ~~تذكيرا بأسوة عظيمة من أحوال المخلصين من المؤمنين السابقين وهم أصحاب عيسى ~~عليه السلام مع قلة عددهم وضعفهم . # فأمر الله المؤمنين بنصر الدين وهو نصر غير النصر الذي بالجهاد لأن ذلك ~~تقدم التحريض عليه في قوله : { وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم } ( ~~الصف : 11 ) الآية ووعدهم عليه بأن ينصرهم الله ، فهذا النصر المأمور به ~~هنا نصر دين الله الذي آمنوا به بأن يبثوه ويثبتوا على الأخذ به دون اكتراث ~~بما يلاقونه من أذى من المشركين وأهلل الكتاب ، قال تعالى : { لتبلون في ~~أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا ~~أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور ms8486 } ( آل عمران : 186 ) . ~~وهذا هو الذي شبه بنصر الحواريين دين الله الذي جاء به عيسى عليه السلام ، ~~فإن عيسى لم يجاهد من عاندوه ، ولا كان الحواريون ممن PageV28P198 جاهدوا ~~ولكنه صبر وصبروا حتى أظهر الله دين النصرانية وانتشر في الأرض ثم دب إليه ~~التغيير حتى جاء الإسلام فنسخه من أصله . # والأنصار : جمع نصير ، وهو الناصر الشديد النصر . # وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر { كونوا أنصارا لله } بتنوين { ~~أنصارا } وقرن اسم الجلالة باللام الجارة فيكون { أنصارا } مرادا به دلالة ~~اسم الفاعل المفيد للإحداث ، أي محدثين النصر ، واللام للأجل ، أي لأجل ~~الله ، أي ناصرين له كما قال تعالى : { فلا ناصر لهم } ( محمد : 13 ) . # وقرأه الباقون بإضافة { أنصار } إلى اسم الجلالة بدون لام على اعتبار ~~أنصار كاللقب على نحو قوله : { من أنصاري } . # والتشبيه بدعوة عيسى ابن مريم للحواريين وجواب الحواريين تشبيه تمثيل ، ~~أي كونوا عند ما يدعوكم محمد صلى الله عليه وسلم إلى نصر الله كحالة قول ~~عيسى ابن مريم للحواريين واستجابتهم له . PageV28P199 # والتشبيه لقصد التنظير والتأسي فقد صدق الحواريون وعدهم وثبتوا على الدين ~~ولم تزعزعهم الفتن والتعذيب . # و ( ما ) مصدرية ، أي كقول عيسى وقول الحواريين . وفيه حذف مضاف تقديره : ~~لكونن قولل عيسى وقول الحواريين . فالتشبيه بمجموع الأمرين قول عيسى وجواب ~~الحواريين لأن جواب الحواريين بمنزلة الكلام المفرع على دعوة عيسى وإنما ~~تحذف الفاء في مثله من المقاولات والمحاورات للاختصار ، كما تقدم في قوله ~~تعالى : { قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها في سورة البقرة . # وقول عيسى من أنصاري إلى الله } استفهام لاختبار انتدابهم إلى نصر دين ~~الله معه نظير قول طرفة : # إن القوم قالوا من فتى خلت إنني # عنيت فلم أكسل ولم أتبلد # وإضافة { أنصار } إلى ياء المتكلم وهو عيسى باعتبارهم أنصار دعوته . # و { إلى الله } متعلق ب { أنصاري } . ومعنى { إلى } الانتهاء المجازي ، ~~أي PageV28P200 متوجهين إلى الله ، شبه دعاؤهم إلى الدين وتعليمهم الناس ما ~~يرضاه الله لهم بسعي ساعين إلى الله لينصروه كما يسعى المستنجد بهم إلى ~~مكان مستنجدهم لينصروه على من ms8487 غلبه . # ففي حرف { إلى } استعارة تبعية ، ولذلك كان الجواب المحكي عن الحواريين ~~مطابقا للاستفهام إذ قالوا : نحن أنصار الله ، أي نحن ننصر الله على من ~~حاده وشاقه ، أي ننصر دينه . # و { الحواريون : جمع حواري بفتح الحاء وتخفيف الواو وهي كلمة معربة عن ~~الحبشية ( حواريا ) وهو الصاحب الصفي ، وليست عربية الأصل ولا مشتقة من ~~مادة عربية ، وقد عدها الضحاك في جملة الألفاظ المعربة لكنه قال : إنها ~~نبطية . ومعنى الحواري : الغسال ، كذا في الإتقان } . # و { الحواريون } : اسم أطلقه القرآن على أصحاب عيسى الاثني عشر ، ولا شك ~~أنه كان معروفا عند نصارى العرب أخذوه من نصارى الحبشة . ولا يعرف هذا ~~الاسم PageV28P201 في الأناجيل . # وقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم الزبير بن العوام حواريه على التشبيه ~~بأحد الحواريين فقال : ( لكل نبيء حواري وحواري الزبير ) . وقد تقدم ذكر ~~الحواريين في قوله تعالى : { قال الحواريون نحن أنصار الله في سورة آل ~~عمران . # واعلم أن مقالة عيسى عليه السلام المحكية في هذه الآية غير مقالته ~~المحكية في آية آل عمران فإن تلك موجهة إلى جماعة بني إسرائيل الذين أحس ~~منهم الكفر لما دعاهم إلى الإيمان به . أما مقالته المحكية هنا فهي موجهة ~~للذين آمنوا به طالبا منهم نصرته لقوله تعالى : كما قال عيسى ابن مريم ~~للحواريين } الآية ، فلذلك تعين اختلاف مقتضى الكلامين المتماثلين . # وعلى حسب اختلاف المقامين يجرى اختلاف اعتبار الخصوصيات في الكلامين وإن ~~كانا متشابهين فقد جعلنا هنالك إضافة { أنصار الله } ( آل عمران : 52 ) ~~إضافة لفظية وبذلك لم يكن قولهم : { نحن أنصار الله } مفيدا للقصر لانعدام ~~تعريف المسند . فأما هنا فالأظهر أن كلمة { أنصار الله } اعتبرت لقبا ~~للحواريين عرفوا أنفسهم به وخلعوه على أنفسهم فلذلك أرادوا الاستدلال به ~~على أنهم أحق الناس بتحقيق معناه ، ولذلك تكون إضافة { أنصار } إلى اسم ~~الجلالة هنا إضافة معنوية مفيدة تعريفا فصارت جملة { نحن أنصار الله } هنا ~~مشتملة على صيغة قصر على خلاف نظيرتها التي في سورة آل عمران . # ففي حكاية جواب الحواريين هنا خصوصية صيغة القصر بتعريف المسند إليه ms8488 ~~والمسند . وخصوصية التعريف بالإضافة . فكان إيجازا في حكاية جوابهم بأنهم ~~أجابوا بالانتداب إلى نصر الرسول وبجعل أنفسهم محقوقين بهذا النصر لأنهم ~~محضوا أنفسهم لنصر الدين وعرفوا بذلك وبحصر نصر الدين فيهم حصرا يفيد ~~المبالغة في تمحضهم له حتى كأنه لا ناصر للدين غيرهم مع قلتهم وإفادته ~~التعريض بكفر بقية قومهم من بني إسرائيل . # وفرع على قول الحواريين { نحن أنصار } الإخبار بأن بني إسرائيل افترقوا ~~طائفتين طائفة آمنت بعيسى وما جاء به ، وطائفة كفرت بذلك وهذا التفريع ~~يقتضي كلاما مقدرا وهو فنصروا الله بالدعوة والمصابرة عليها فاستجاب بعض ~~بني PageV28P202 إسرائيل وكفر بعض وإنما استجاب لهم من بني إسرائيل عدد ~~قليل فقد جاء في إنجيل ( لوقا ) أن أتباع عيسى كانوا أكثر من سبعين . # والمقصود من قوله : { فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة } التوطئة ~~لقوله : { فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين } والتأييد النصر ~~والتقوية ، أيد الله أهل النصرانية بكثير ممن اتبع النصرانية بدعوة ~~الحواريين وأتباعهم مثل بولس . # وإنما قال : { فأيدنا الذين آمنوا } ولم يقل : فأيدناهم لأن التأييد كان ~~لمجموع المؤمنين بعيسى لا لكل فرد منهم إذ قد قتل من أتباعه خلق كثير ومثل ~~بهم وألقوا إلى السباع في المشاهد العامة تفترسهم ، وكان ممن قتل من ~~الحواريين الحواري الأكبر الذي سماه عيسى بطرس ، أي الصخرة في ثباته في ~~الله . # ويزعمون أن جثته في الكنيسة العظمى في رومة المعروفة بكنيسة القديس بطرس ~~والحكم على المجموع في مثل هذا شائع كما تقول : نصر الله المسلمين يوم بدر ~~مع أن منهم من قتل . والمقصود نصر الدين . # والمقصود من هذا الخبر وعد المسلمين الذين أمروا أن يكونوا أنصارا لله ~~بأن الله مؤيدهم على عدوهم . # والعدو يطلق على الواحد والجمع ، قال تعالى : { وهم لكم عدو } ( الكهف : ~~50 ) وتقدم عند قوله تعالى : { يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم ~~أولياء في سورة الممتحنة . # والظاهر : هو الغالب ، يقال : ظهر عليه ، أي غلبه ، وظهر به أي غلب بسببه ~~، أي بإعانته وأصل فعله مشتق من الاسم الجامد . وهو الظهر الذي هو ms8489 العمود ~~الوسط من جسد الإنسان والدواب لأن بالظهر قوة الحيوان . وهذا مثل فعل ( عضد ~~) مشتقا من العضد . و ( أيد ) مشتقا من اليد ومن تصاريفه ظاهر عليه واستظهر ~~وظهير له قال تعالى : والملائكة بعد ذلك ظهير } ( التحريم : 4 ) . فمعنى { ~~ظاهرين } أنهم منصورون لأن عاقبة النصر كانت لهم فتمكنوا من الحكم في ~~اليهود الكافرين بعيسى ومزقوهم كل ممزق . # PageV28P203 # | 1 ( سورة الجمعة ) 1 # سميت هذه السورة عند الصحابة وفي كتب السنة والتفاسير ( سورة الجمعة ) ~~ولا يعرف لها اسم غير ذلك . وفي ( صحيح البخاري ) عن أبي هريرة قال : ( كنا ~~جلوسا عند النبي فأنزلت عليه سورة الجمعة ) الحديث . وسيأتي عند تفسير قوله ~~تعالى : { وآخرين منهم لما يلحقوا بهم } ( الجمعة : 3 ) . # ووجه تسميتها وقوع لفظ { الجمعة } ( الجمعة : 9 ) فيها وهو اسم لليوم ~~السابع من أيام الأسبوع في الإسلام . # $ 2 ( { يسبح لله ما فى السماوات وما فى الارض الملك القدوس العزيز ~~الحكيم * هو الذى بعث فى الأميين رسولا منهم يتلو عليهم ءاياته ويزكيهم ~~ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفى ضلل مبين * وءاخرين منهم لما ~~يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم * ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء والله ذو الفضل ~~العظيم * مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا ~~بئس مثل القوم الذين كذبوا بئايات الله والله لا يهدى القوم الظالمين * قل ~~ياأيها الذين هادو & # 1764 ا إن زعمتم أنكم أوليآء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم ~~صادقين * ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين * قل إن ~~الموت الذى تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة ~~فينبئكم بما كنتم تعملون * ياأيها الذين ءامنو & # 1764 ا إذا نودى للصلواة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ~~ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون * فإذا قضيت الصلواة فانتشروا فى الارض ~~وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون * وإذا رأوا تجارة أو ~~لهوا انفضو & # 1764 ا إليها وتركوك قآئما قل ما عند الله خير من اللهو ومن ms8490 التجارة ~~والله خير الرازقين } ) 2 $ وقال ثعلب : إن قريشا كانت تجتمع فيه عند قصي ~~بدار الندوة . ولا يقتضي في ذلك أنهم سموا ذلك اليوم الجمعة . # ولم أر في كلام العرب قبل الإسلام ما يثبت أن اسم الجمعة أطلقوه على هذا ~~اليوم . # وقد أطلق اسم ( الجمعة ) على الصلاة المشروعة فيه على حذف المضاف لكثرة ~~الاستعمال . وفي حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا ~~جاء أحدكم الجمعة فليغتسل ) ، ووقع في كلام عائشة ( كان الناس ينتابون ~~الجمعة من منازلهم والعوالي ) الخ . # وفي كلام أنس ( كنا نقيل بعد الجمعة ) ومن كلام ابن عمر ( كان رسول الله ~~لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف ) ، ( أي من المسجد ) . ومن كلام PageV28P204 ~~سهل بن سعد ( ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة ) . فيحتمل أن يكون لفظ ~~( الجمعة ) الذي في اسم هذه السورة معنيا به صلاة الجمعة لأن في هذه السورة ~~أحكاما لصلاة الجمعة . ويحتمل أن يراد به يوم الجمعة لوقوع لفظ يوم الجمعة ~~في السورة في آية صلاة الجمعة . # وهي مدنية بالاتفاق . # ويظهر أنها نزلت سنة ست وهي سنة خيبر ، فظاهر حديث أبي هريرة الذي أشرنا ~~إليه آنفا ( أن هذه السورة نزلت بعد فتح خيبر لأن أبا هريرة أسلم يوم خيبر ~~) . # وظاهره أنها نزلت دفعة واحدة فتكون قضية ورود العير من الشام هي سبب نزول ~~السورة وسيأتي ذكر ذلك . # وكان فرض صلاة الجمعة متقدما على وقت نزول هذه السورة فإن النبي صلى الله ~~عليه وسلم فرضها في خطبة خطب بها للناس وصلاها في أول يوم جمعة بعد يوم ~~الهجرة في دار لبني سالم بن عوف . وثبت أن أهل المدينة صلوها قبل قدوم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم المدينة كما سيأتي . فكان فرضها ثابتا بالسنة قولا ~~وفعلا . وما ذكر في هذه السورة من قوله : { إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ~~فاسعوا إلى ذكر الله } ( الجمعة : 9 ) ورد مورد التأكيد لحضور صلاة الجمعة ~~وترك البيع ، والتحذير من الانصراف عند الصلاة قبل تمامها كما سيأتي ms8491 . # وقد عدت هذه السورة السادسة بعد المائة في ترتيب نزول السور عند جابر بن ~~زيد ، نزلت بعد سورة التحريم وقبل سورة التغابن . # وظاهر حديث أبي هريرة يقتضي أن هذه السورة أنزلت دفعة واحدة غير منجمة . # وعدت آيها إحدى عشرة آية باتفاق العادين من قراء الأمصار . # أغراضها # أول أغراضها ما نزلت لأجله وهو التحذير من التخلف عن صلاة الجمعة ~~PageV28P205 والأمر بترك ما يشغل عنها في وقت أدائها . وقدم لذلك : التنويه ~~بجلال الله تعالى . # والتنويه بالرسول صلى الله عليه وسلم وأنه رسول إلى العرب ومن سيلحق بهم ~~. # وأن رسالته لهم فضل من الله . # وفي هذا توطئة لذم اليهود لأنهم حسدوا المسلمين على تشريفهم بهذا الدين . # ومن جملة ما حسدوهم عليه ونقموه أن جعل يوم الجمعة اليوم الفاضل في ~~الأسبوع بعد أن كان يوم السبت وهو المعروف في تلك البلاد . # وإبطال زعمهم أنهم أولياء الله . # وتوبيخ قوم انصرفوا عنها لمجيء عير تجارة من الشام . # افتتاح السورة بالإخبار عن تسبيح أهل السماوات والأرض لله تعالى براعة ~~استهلال لأن الغرض الأول من السورة التحريض على شهود الجمعة والنهي عن ~~الأشغال التي تشغل عن شهودها وزجر فريق من المسلمين انصرفوا عن صلاة الجمعة ~~حرصا على الابتياع من عير وردت المدينة في وقت حضورهم لصلاة الجمعة . # وللتنبيه على أن أهل السماوات والأرض يجددون تسبيح الله ولا يفترون عنه ~~أوثر المضارع في قوله : { يسبح } . # ومعاني هذه الآية تقدمت مفرقة في أوائل سورة الحديد وسورة الحشر . # سوى أن هذه السورة جاء فيها فعل التسبيح مضارعا وجيء به في سواها ماضيا ~~لمناسبة فيها وهي : أن الغرض منها التنويه بصلاة الجمعة والتنديد على نفر ~~قطعوا عن صلاتهم وخرجوا لتجارة أو لهو فمناسب أن يحكى تسبيح أهل السماوات ~~والأرض بما فيه دلالة على استمرار تسبيحهم وتجدده تعريضا بالذين لم يتموا ~~صلاة الجمعة . PageV28P206 # ومعاني صفات الله تعالى المذكورة هنا تقدمت في خواتم سورة الحشر . # ومناسبة الجمع بين هذه الصفات هنا أن العظيم لا ينصرف عن مجلس من كان ~~عنده إلا عند انفضاض مجلسه ms8492 أو إيذانه بانصرافهم . # و { القدوس } : المنزه عن النقص وهو يرغب في حضرته . و { العزيز } : يعتز ~~الملتفون حوله . فمفارقتهم حضرته تفريط في العزة . وكذلك { الحكيم } إذا ~~فارق أحد حضرته فاته في كل آن شيء من الحكمة كما فات الذين انفضوا إلى ~~العير ما خطب به النبي صلى الله عليه وسلم إذ تركوه قائما في الخطبة . # استئناف بياني ناشىء عن إجراء الصفات المذكورة آنفا على اسم الجلالة إذ ~~يتساءل السامع عن وجه تخصيص تلك الصفات بالذكر من بين صفات الله تعالى فكأن ~~الحال مقتضيا أن يبين شيء عظيم من تعلق تلك الصفات بأحوال خلقه تعالى إذ ~~بعث فيهم رسولا يطهر نفوسهم ويزكيهم ويعلمهم . فصفة { الملك } ( الجمعة : 1 ~~) تعلقت بأن يدبر أمر عباده ويصلح شؤونهم ، وصفة { القدوس } ( الجمعة : 1 ) ~~تعلقت بأن يزكي نفوسهم ، وصفة { العزيز } ( الجمعة : 1 ) اقتضت أن يلحق ~~الأميين من عباده بمراتب أهل العلم ويخرجهم من ذلة الضلال فينالوا عزة ~~العلم وشرفه ، وصفة { الحكيم } ( الجمعة : 1 ) اقتضت أن يعلمهم الحكمة ~~والشريعة . # وابتداء الجملة بضمير اسم الجلالة لتكون جملة اسمية فتفيد تقوية هذا ~~الحكم وتأكيده ، أي أن النبي صلى الله عليه وسلم مبعوث من الله لا محالة . # و { في } من قوله : { في الأميين } للظرفية ، أي ظرفية الجماعة ولأحد ~~أفرادها . ويفهم من الظرفية معنى الملازمة ، أي رسولا لا يفارقهم فليس مارا ~~بهم كما يمر المرسل بمقالة أو بمالكة يبلغها إلى القوم ويغادرهم . # والمعنى : أن الله أقام رسوله للناس بين العرب يدعوهم وينشر رسالته إلى ~~جميع الناس من بلاد العرب فإن دلائل عموم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ~~معلومة من مواضع PageV28P207 أخرى من القرآن كما في سورة الأعراف { قل ~~يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا وفي سورة سبأ وما أرسلناك إلا كافة ~~للناس بشيرا ونذيرا . # والمراد بالأميين } : العرب لأن وصف الأمية غالب على الأمة العربية يومئذ ~~. ووصف الرسول ب { منهم } ، أي لم يكن غريبا عنهم كما بعث لوطا إلى أهل ~~سدوم ولا كما بعث يونس إلى أهل نينوى ، وبعث إلياس إلى أهل ms8493 صيدا من ~~الكنعانيين الذين يعبدون بعل ، ف ( من ) تبعيضية ، أي رسولا من العرب . # وهذه منة موجهة للعرب ليشكروا نعمة الله على لطفه بهم ، فإن كون رسول ~~القوم منهم نعمة زائدة على نعمة الإرشاد والهدي ، وهذا استجابة لدعوة ~~إبراهيم إذ قال : { ربنا وابعث فيهم رسولا منهم } ( البقرة : 129 ) ~~فتذكيرهم بهذه النعمة استنزال لطائر نفوسهم وعنادهم . # وفيه تورك عليهم إذ أعرضوا عن سماع القرآن فإن كون الرسول منهم وكتابه ~~بلغتهم هو أعون على تلقي الإرشاد منه إذ ينطلق بلسانهم ويحملهم على ما يصلح ~~أخلاقهم ليكونوا حملة هذا الدين إلى غيرهم . # و { الأميين } : صفة لموصوف محذوف دل عليه صيغة جمع العقلاء ، أي في ~~الناس الأميين . وصيغة جمع الذكور في كلام الشارع تشمل النساء بطريقة ~~التغليب الاصطلاحي ، أي في الأميين والأميات فإن أدلة الشريعة قائمة على ~~أنها تعم الرجال والنساء إلا في أحكام معلومة . # والأميون : الذين لا يقرؤون الكتابة ولا يكتبون ، وهو جمع أمي نسبة إلى ~~الأمة ، يعنون بها أمة العرب لأنهم لا يكتبون إلا نادرا ، فغلبت هذا ~~التشبيه في الإطلاق عند العرب حتى صارت تطلق على من لا يكتب ولو من غيرهم ، ~~قال تعالى في ذكر بني إسرائيل { ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني ~~وقد تقدم في سورة البقرة . # وأوثر التعبير به هنا توركا على اليهود لأنهم كانوا يقصدون به الغض من ~~العرب ومن النبي جهلا منهم فيقولون : هو رسول الأميين وليس رسولا إلينا . ~~وقد قال ابن صياد للنبي لما قال له : أتشهد أني رسول الله . أشهد أنك ~~PageV28P208 رسول الأميين . وكان ابن صياد متدينا باليهودية لأن أهله كانوا ~~حلفاء لليهود . # وكان اليهود ينتقصون المسلمين بأنهم أميون قال تعالى : ذلك بأنهم قالوا ~~ليس علينا في الأميين سبيل } ( آل عمران : 75 ) فتحدى الله اليهود بأنه بعث ~~رسولا إلى الأميين وبأن الرسول أمي ، وأعلمهم أن ذلك فضل الله يؤتيه من ~~يشاء كما في آخر الآية وأن فضل الله ليس خاصا باليهود ولا بغيرهم وقد قال ~~تعالى من قبل لموسى { ونريد أن نمن على الذين استضعفوا ms8494 في الأرض ونجعلهم ~~أيمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض } ( القصص : 5 ، 6 ) . # ووصف الرسول بأنه منهم ، أي من الأميين شامل لمماثلته لهم في الأمية وفي ~~القومية . وهذا من إيجاز القرآن البديع . # وفي وصف الرسول الأمي بأنه يتلو على الأميين آيات الله ، أي وحيه ويزكيهم ~~ويعلمهم الكتاب ، أي يلقنهم إياه كما كانت الرسل تلقن الأمم الكتاب ~~بالكتابة ، ويعلمهم الحكمة التي علمتها الرسل السابقون أممهم في كل هذه ~~الأوصاف تحد بمعجزة الأمية في هذا الرسول صلى الله عليه وسلم أي هو مع كونه ~~أميا قد أتى أمته بجميع الفوائد التي أتى بها الرسل غير الأميين أممهم ولم ~~ينقص عنهم شيئا ، فتمحضت الأمية للكون معجزة حصل من صاحبها أفضل مما حصل من ~~الرسل الكاتبين مثل موسى . # وفي وصف الأمي بالتلاوة وتعليم الكتاب والحكمة وتزكية النفوس ضرب من محسن ~~الطباق لأن المتعارف أن هذه مضادة للأمية . # وابتدىء بالتلاوة لأن أول تبليغ الدعوة بإبلاغ الوحي ، وثني بالتزكية لأن ~~ابتداء الدعوة بالتطهير من الرجس المعنوي وهو الشرك ، وما يعلق به من ~~مساوىء الأعمال والطباع . # وعقب بذكر تعليمهم الكتاب لأن الكتاب بعد إبلاغه إليهم تبين لهم مقاصده ~~ومعانيه كما قال تعالى : { فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه } ( ~~القيامة : 18 ، 19 ) ، وقال : { لتبين للناس ما نزل إليهم } ( النحل : 44 ) ~~، وتعليم الحكمة هو غاية ذلك كله لأن من تدبر القرآن وعمل به وفهم خفاياه ~~نال الحكمة قال تعالى : { واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل PageV28P209 ~~عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به } ( البقرة : 231 ) ونظيرها قوله : { لقد ~~من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ~~ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين في سورة آل ~~عمران . # وجملة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين } في موضع الحال من الأميين ، أي ~~ليست نعمة إرسال هذا الرسول إليهم قاصرة على رفع النقائص عنهم وعلى تحليتهم ~~بكمال علم آيات الله وزكاة أنفسهم وتعليمهم الكتاب والحكمة بل هي أجل من ~~ذلك إذ كانت ms8495 منقذة لهم من ضلال مبين كانوا فيه وهو ضلال الإشراك بالله . ~~وإنما كان ضلالا مبينا لأنه أفحش ضلال وقد قامت على شناعته الدلائل القاطعة ~~، أي فأخرجهم من الضلال المبين إلى أفضل الهدى ، فهؤلاء هم المسلمون الذين ~~نفروا إسلامهم في وقت نزول هذه السورة . # و { إن } مخففة من الثقيلة وهي مهملة عن العمل في اسمها وخبرها . وقد سد ~~مسدها فعل ( كان ) كما هو غالب استعمال { إن } المخففة . واللام في قوله : ~~{ لفي ضلال مبين } تسمى اللام الفارقة ، أي التي تفيد الفرق بين ( إن ) ~~النافية و { إن } المخففة من الثقيلة وما هي إلا اللام التي أصلها أن تقترن ~~بخبر ( إن ) إذ الأصل : وإنهم لفي ضلال مبين ، لكن ذكر اللام مع المخففة ~~واجب غالبا لئلا تلتبس بالنافية ، إلا إذا أمن اللبس . # لا يجوز أن يكون { وآخرين } عطفا على { الأميين } ( الجمعة : 2 ) لأن ~~آخرين يقتضي المغايرة لما يقابله فيقتضي أنه صادق على غير الأميين ، أي غير ~~العرب والرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن بين غير العرب فتعين أن لا يعطف { ~~وآخرين } على { الأميين } لئلا يتعلق بفعل { بعث مجرور القي ولا على الضمير ~~في قوله : منهم } كذلك . # فهو إما معطوف على الضمير في { عليهم } من قوله : { يتلوا عليهم } ( ~~الجمعة : 2 ) والتقدير : ويتلو على آخرين وإذا كان يتلو عليهم فقد علم أنه ~~مرسل إليهم لأن تلاوة الرسول صلى الله عليه وسلم لا تكون إلا تلاوة تبليغ ~~لما أوحي به إليه . PageV28P210 # وإما أن يجعل { وآخرين } مفعولا معه . والواو للمعية ويتنازعه الأفعال ~~الثلاثة وهي ( يتلو ، ويزكي ، ويعلم ) . والتقدير : يتلو على الأميين ~~آياتنا ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة مع آخرين . # وجملة { وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين } ( الجمعة : 2 ) معترضة بين ~~المعطوف والمعطوف عليها أو بين الضمائر والمفعول معه و { آخرين } : جمع آخر ~~وهو المغاير في وصف مما دل عليه السياق . وإذ قد جعل { آخرين } هنا مقابلا ~~للأميين كان مرادا به آخرون غير الأميين ، أي من غير العرب المعنيين ~~بالأميين . # فلو حملنا المغايرة على المغايرة بالزمان أو المكان ، أي ms8496 مغايرين للذين ~~بعث فيهم الرسول ، وجعلنا قوله : { منهم } بمعنى أنهم من الأميين ، وقلنا : ~~أريد وآخرين من العرب غير الذين كان النبي صلى الله عليه وسلم فيهم ، أي ~~عربا آخرين غير أهل مكة ، وهم بقية قبائل العرب ناكده ما روى البخاري ومسلم ~~والترمذي يزيد آخرهم على الأولين عن أبي هريرة قال : كنا جلوسا عند النبي ~~صلى الله عليه وسلم فأنزلت عليه سورة الجمعة فتلاها فلما بلغ { وآخرين منهم ~~لما يلحقوا بهم } قال له رجل : من هم يا رسول الله ؟ فلم يراجعه حتى سأل ~~ثلاثا ، وفينا سلمان الفارسي ووضع رسول الله يده على سلمان وقال : لو كان ~~الإيمان عند الثريا لناله رجال من هؤلاء ؟ وهذا وارد مورد التفسير لقوله ~~تعالى : { وآخرين } . # والذي يلوح أنه تفسير بالجزئي على وجه المثال ليفيد أن { آخرين } صادق ~~على أمم كثيرة منها أمة فارس ، وأما شموله لقبائل العرب فهو بالأولى لأنهم ~~مما شملهم لفظ الأميين . # ثم بنا أن ننظر إلى تأويل قوله تعالى : { منهم } . فلنا أن نجعل ( من ) ~~تبعيضية كما هو المتبادر من معانيها فنجعل الضمير المجرور ب ( من ) عائدا ~~إلى ما عاد إليه ضمير { كانوا } من قوله : { وإن كانوا من قبل لفي ضلال ~~مبين } ( الجمعة : 2 ) ، فالمعنى : وآخرين من الضالين يتلو عليهم آيات الله ~~ويزكيهم الكتاب والحكمة ولنا أن نجعل ( من ) اتصالية كالتي في قوله تعالى : ~~{ لست منهم في شيء } ( الأنعام : 159 ) . # والمعنى : وآخرين يتصلون بهم ويصيرون في جملتهم ، ويكون قوله : { منهم } ~~PageV28P211 موضع الحال ، وهذا الوجه يناسب قوله تعالى : { لما يلحقوا بهم ~~} لأن اللحوق هو معنى الاتصال . # وموضع جملة { لما يلحقوا بهم } موضع الحال ، وينشأ عن هذا المعنى إيماء ~~إلى أن الأمم التي تدخل في الإسلام بعد المسلمين الأولين يصيرون مثلهم ، ~~وينشأ منه أيضا رمز إلى أنهم يتعربون لفهم الدين والنطق بالقرآن فكم من ~~معان جليلة حوتها هذه الآية سكت عنها أهل التفسير . # وهذه بشارة غيبية بأن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ستبلغ أمما ليسوا من ~~العرب وهم فارس ، والأرمن ، والأكراد ، والبربر ، والسودان ، والروم ، ~~والترك ms8497 ، والتتار ، والمغول ، والصين ، والهنود ، وغيرهم وهذا من معجزات ~~القرآن من صنف الإخبار بالمغيبات . # وفي الآية دلالة على عموم رسالة النبي صلى الله عليه وسلم لجميع الأمم . # والنفي ب ( لما ) يقتضي أن المنفي بها مستمر الانتفاء إلى زمن التكلم ~~فيشعر بأنه مترقب الثبوت كقوله تعالى : { ولما يدخل الإيمان في قلوبكم } ( ~~الحجرات : 14 ) ، أي وسيدخل كما في ( الكشاف ) ، والمعنى : أن آخرين هم في ~~وقت نزول هذه الآية لم يدخلوا في الإسلام ولم يلتحقوا بمن أسلم من العرب ~~وسيدخلون في أزمان أخرى . # واعلم أن قول النبي صلى الله عليه وسلم ( لو كان الإيمان بالثريا لناله ~~رجال من هؤلاء ) إيماء إلى مثال مما يشمله قوله تعالى : { وآخرين منهم } ~~لأنه لم يصرح في جواب سؤال السائل بلفظ يقتضي انحصار المراد ب { آخرين } في ~~قوم سلمان . وعن عكرمة : هم التابعون . وعن مجاهد : هم الناس كلهم الذين ~~بعث إليهم محمد صلى الله عليه وسلم وقال ابن عمر : هم أهل اليمن . # وقوله : { وهو العزيز الحكيم } تذييل للتعجيب من هذا التقدير الإلاهي ~~لانتشار هذا الدين في جميع الأمم . فإن { العزيز } لا يغلب قدرته شيء . و { ~~الحكيم } تأتي أفعاله عن قدر محكم . # PageV28P212 # الإشارة إلى جميع المذكور من إرسال محمد صلى الله عليه وسلم بالآيات ~~والتزكية وتعليم الكتاب والحكمة والإنقاذ من الضلال ومن إفاضة هذه الكمالات ~~على الأميين الذين لم تكن لهم سابقة علم ولا كتاب ، ومن لحاق أمم آخرين في ~~هذا الخبر فزال اختصاص اليهود بالكتاب والشريعة ، وهذا أجدع لأنفهم إذ ~~حالوا أن يجيء رسول أمي بشريعة إلى أمة أمية فضلا عن أن نلتحق بأمية أمم ~~عظيمة كانوا أمكن في المعارف والسلطان . # وقال : { قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثلما أوتيتم أو يحاجوكم عند ~~ربكم قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم } ( آل عمران : ~~13 ) يختص به . وهذا تمهيد ومقدمة لقوله تعالى : { مثل الذين حملوا التوراة ~~} ( الجمعة : 5 ) الآيات . # بعد أن تبين أنه تعالى آتى فضله قوما أميين أعقبه بأنه قد آتى فضله أهل ms8498 ~~الكتاب فلم ينتفع به هؤلاء الذين قد اقتنعوا من العلم بأن يحملوا التوراة ~~دون فهم وهم يحسبون أن ادخار أسفار التوراة وانتقالها من بيت إلى بيت كافف ~~في التبجح بها وتحقير من لم تكن التوراة بأيديهم ، فالمراد اليهود الذين ~~قاوموا دعوة محمد صلى الله عليه وسلم وظاهروا المشركين . # وقد ضرب الله لهؤلاء مثلا بحال حمار يحمل أسفارا لا حظ له منها إلا الحمل ~~دون علم ولا فهم . # ذلك أن علم اليهود بما في التوراة أدخلوا فيه ما صيره مخلوطا بأخطاء ~~وضلالات ومتبعا فيه هوى نفوسهم وما لا يعدو نفعهم الدنيوي ولم يتخلقوا بما ~~تحتوي عليه من الهدى والدعاء إلى تزكية النفس وقد كتموا ما في كتبهم من ~~العهد باتباع النبي الذي يأتي لتخليصهم من ربقة الضلال فهذا وجه ارتباط هذه ~~الآية بالآيات التي قبلها ، وبذلك كانت هي كالتتمة لما قبلها . وقال في ( ~~الكشاف ) عن PageV28P213 بعضهم : افتخر اليهود بأنهم أهل كتاب . والعرب لا ~~كتاب لهم . فأبطل الله ذلك بشبههم بالحمار يحمل أسفارا . # ومعنى { حملوا } : عهد بها إليهم وكلفوا بما فيها فلم يفوا بما كلفوا ، ~~يقال : حملت فلانا أمر كذا فاحتمله ، قال تعالى : { إنا عرضنا الأمانة على ~~السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه ~~كان ظلوما جهولا سورة الأحزاب . # وإطلاق الحمل وما تصرف منه على هذا المعنى استعارة ، بتشبيه إيكال الأمر ~~بحمل الحمل على ظهر الدابة ، وبذلك كان تمثيل حالهم بحال الحمار يحمل ~~أسفارا تمثيلا للمعنى المجازي بالمعنى الحقيقي . وهو من لطائف القرآن . # وثم } للتراخي الرتبي فإن عدم وفائهم بما عهد إليهم أعجب من تحملهم إياه ~~. وجملة { يحمل أسفارا } في موضع الحال من الحمار أو في موضع الصفة لأن ~~تعريف الحمار هنا تعريف جنس فهو معرفة لفظا نكرة معنى ، فصح في الجملة ~~اعتبار الحالية والوصف . # وهذا التمثيل مقصود منه تشنيع حالهم وهو من تشبيه المعقول بالمحسوس ~~المتعارف ، ولذلك ذيل بذم حالهم { بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله } ~~. # و { بئس } فعل ذم ، أي ساء حال الذين كذبوا بكتاب ms8499 الله فهم قد ضموا إلى ~~جهلهم بمعاني التوراة تكذيبا بآيات الله وهي القرآن . # و { مثل القوم } ، فاعل { بئس } . وأغنى هذا الفاعل عن ذكر المخصوصص ~~بالذم لحصول العلم بأن المذموم هو حال القوم المكذبين فلم يسلك في هذا ~~التركيب طريق الإبهام على شرط التفسير لأنه قد سبقه ما بينه بالمثل المذكور ~~قبله في قوله : { كمثل الحمار يحمل أسفارا } . فصار إعادة لفظ المثل ثقيلا ~~في الكلام أكثر من ثلاث مرات . وهذا من تفننات القرآن . و { الذين كذبوا } ~~صفة { القوم } . # وجملة { والله لا يهدي القوم الظالمين } تذييل إخبارا عنهم بأن سوء حالهم ~~لا يرجى لهم منه انفكاك لأن الله حرمهم اللطف والعناية بإنقاذهم لظلمهم ~~بالاعتداء PageV28P214 على الرسول صلى الله عليه وسلم بالتكذيب دون نظر ، ~~وعلى آيات الله بالجحد دون تدبر . # قال في ( الكشاف ) : ( وعن بعضهم قد أبطل الله قول اليهود في ثلاث ) ، أي ~~آيات من هذه السورة : افتخروا بأنهم أولياء الله وأحباؤه فكذبهم في قوله : ~~{ فتمنوا الموت إن كنتم صادقين } ( الجمعة : 6 ) . وبأنهم أهل الكتاب ~~والعرب لا كتاب لهم ، فشبههم بالحمار يحمل أسفارا ، وبالسبت وأنه ليس ~~للمسلمين مثله فشرع الله لهم الجمعة . # أعقب تمثيل حال جهلهم بالتوراة بذكر زعم من آثار جهلهم بها إبطالا لمفخرة ~~مزعومة عندهم أنهم أولياء الله وبقية الناس ليسوا مثلهم . وذلك أصل كانوا ~~يجعلونه حجة على أن شؤونهم أفضل من شؤون غيرهم . ومن ذلك أنهم كانوا ~~يفتخرون بأن الله جعل لهم السبت أفضل أيام الأسبوع وأنه ليس للأميين مثله ~~فلما جعل الله الجمعة للمسلمين اغتاظوا ، وفي ( الكشاف ) ( افتخر اليهود ~~بالسبت وأنه للمسلمين مثله فشرع الله لهم الجمعة ) . # وافتتح بفعل { قل } للاهتمام . # و { الذين هادوا } : هم الذين كانوا يهودا ، وتقدم وجه تسمية اليهود ~~يهودا عند قوله تعالى : { إن الذين آمنوا والذين هادوا في سورة البقرة . ~~ويجوز أن يكون هادوا } بمعنى تابوا لقول موسى عليه السلام بعد أن أخذتهم ~~الرجفة : { إنا هدنا إليك كما تقدم في سورة الأعراف . وأشهر وصف بني ~~إسرائيل في القرآن بأنهم هود جمع هائد مثل قعود جمع ms8500 قاعد . وأصل هود هوود ~~وقد تنوسي منه هذا المعنى وصار علما بالغلبة على بني إسرائيل فنودوا به هنا ~~بهذا الاعتبار لأن المقام ليس مقام ثناء عليهم أو هو تهكم . # وجيء بإن } الشرطية التي الأصل فيها عدم الجزم بوقوع الشرط مع أن الشرط ~~هنا محقق الوقوع إذ قد اشتهروا بهذا الزعم وحكاه القرآن عنهم في سورة ~~العقود : PageV28P215 { وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه ~~للإشارة إلى أن زعمهم هذا لما كان باطلا بالدلائل كان بمنزلة الشيء الذي ~~يفرض وقوعه كما يفرض المستبعد وكأنه ليس واقعا على طريقة قوله تعالى : ~~أفنضرب عنكم الذكر صفحا إن كنتم قوما مسرفين } ( الزخرف : 5 ) ويفيد ذلك ~~توبيخا بطريق الكناية . # والمعنى : إن كنتم صادقين في زعمكم فتمنوا الموت . وهذا إلجاء لهم حتى ~~يلزمهم ثبوت شكهم فيما زعموه . # والأمر في قوله : { فتمنوا } مستعمل في التعجيز : كناية عن التكذيب مثل ~~قوله تعالى : { قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين } ( آل عمران : ~~93 ) . # ووجه الملازمة بين الشرط وجوابه أن الموت رجوع الإنسان بروحه إلى حياة ~~أبدية تظهر فيها آثار رضى الله عن العبد أو غضبه ليجزيه على حسب فعله . # والنتيجة الحاصلة من هذا الشرط تحصل أنهم مثل جميع الناس في الحياتين ~~الدنيا والآخرة وآثارهما ، واختلافف أحوالل أهلهما ، فيعلم من ذلك أنهم ~~ليسوا أفضل من الناس . وهذا ما دل عليه قوله تعالى : { وقالت اليهود ~~والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن ~~خلق } ( المائدة : 18 ) . # وبهذا يندفع ما قد يعرض للناظر في هذه الآية من المعارضة بينها وبين ما ~~جاء في الأخبار الصحيحة من النهي عن تمني الموت . وما روي أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال : ( من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله ~~كره الله لقاءه ) ، فقالت عائشة : ( إنا نكره الموت فقال لها ليس ذلك ) ~~الحديث . وما روي عنه أنه قال : ( ارسل ملك الموت إلى موسى فلما جاءه صكه ~~فرجع إلى ربه فقال أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت ) إلى قوله ms8501 : ( قال موسى ~~فالآن ) . # ذلك أن شأن المؤمنين أن يكونوا بين الرجاء والخوف من الله ، وليسوا ~~يتوهمون أن الفوز مضمون لهم كما توهم اليهود . # فما تضمنته هذه الآية حكاية عن حال اليهود الموجودين يومئذ ، وهم عامة ~~غلبت عليهم الأوقام والغرور بعد انقراض علمائهم ، فهو حكايه عن مجموع قوم ، ~~وأما الأخبار التي أوردناها فوصف لأحوال معينة وأشخاص معينين فلا ~~PageV28P216 تعارض مع اختلاف الأحوال والأزمان ، فلو حصل لأحد يقين ~~بالتعجيل إلى النعيم لتمنى الموت إلا أن تكون حياته لتأييد الدين كحياة ~~الأنبياء . # فعلى الأول يحمل حال عمير بن الحمام في قوله : # جريا إلى الله بغير زاد # وحال جعفر بن أبي طالب يوم موتة وقد اقتحم صف المشركين : # يا حبذا الجنة واقترابها # وقول عبد الله بن رواحة : # لكنني أسأل الرحمن مغفرة # وضربة ذات فرغغ تقذف الزبدا # المتقدمة في سورة البقرة لأن الشهادة مضمونة الجزاء الأحسن والمغفرة ~~التامة . # وعلى الثاني يحمل قول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة في تأويل قوله : ( ~~من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ) إن المؤمن إذا حضره الموت بشر برضوان ~~الله فليس شيء أحب إليه مما أمامه فأحب لقاء الله . وقول موسى عليه السلام ~~لملك الموت : ( فالآن ) . # اعتراض بين جملتي القولين قصد به تحديهم لإقامة الحجة عليهم أنهم ليسوا ~~أولياء لله . # وليس المقصود من هذا معذرة لهم من عدم تمنيهم الموت وإنما المقصود زيادة ~~الكشف عن بطلان قولهم : { نحن أبناء الله وأحباؤه } ( المائدة : 18 ) ~~وإثبات أنهم في شك من ذلك كما دل عليه استدلال القرآن عليهم بتحققهم أن ~~الله يعذبهم بذنوبهم في قوله تعالى : { وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء ~~الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم . وقد مر ذلك في تفسير سورة العقود . # والباء في بما قدمت أيديهم } سببية متعلقة بفعل { يتمنونه } المنفي فما ~~قدمت أيديهم هو سبب انتفاء تمنيهم الموت ألقى في نفوسهم الخوف مما قدمت ~~أيديهم فكان سبب صرفهم عن تمني الموت لتقدم الحجة عليهم . PageV28P217 # و ( ما ) موصولة وعائدة الصلة محذوف وحذفه أغلبي في أمثاله . # والأيدي مجاز في اكتساب ms8502 الأعمال لأن اليد يلزمها الاكتساب غالبا . ومصدق ~~( ما قدمت أيديهم ) سيئاتهم ومعاصيهم بقرينة المقام . # وتقدم نظير هذه الآية في سورة البقرة وما ذكرته هنا أتم مما هنالك فاجمع ~~بينهما . # والتقديم : أصله جعل الشيء مقدما ، أي سابقا غيره في مكان يقعوه فيه غيره ~~. واستعير هنا لما سلف من العمل تشبيها له بشيء يسبقه المرء إلى مكان قبل ~~وصوله إليه . # وجملة { والله عليم بالظالمين } ، أي عليم بأحوالهم وبأحوال أمثالهم من ~~الظالمين فشمل لفظ الظالمين اليهود فإنهم من الظالمين . وقد تقدم معنى ~~ظلمهم في الآية قبلها . وقد وصف اليهود بالظالمين في آيات كثيرة ، وتقدم ~~عند قوله تعالى : { ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله } ( البقرة : 140 ~~) والمقصود أن إحجامهم عن تمني الموت لما في نفوسهم من خوف العقاب على ما ~~فعلوه في الدنيا ، فكني بعلم الله بأحوالهم عن عدم انفلاتهم من الجزاء ~~عليها ففي هذا وعيد لهم . # تصريح بما اقتضاه التذييل من الوعيد وعدم الانفلات من الجزاء عن أعمالهم ~~ولو بعد زمان وقوعها لأن طول الزمان لا يؤثر في علم الله نسيانا ، إذ هو ~~عالم الغيب والشهادة . وموقع هذه الجملة موقع بدل الاشتمال من جملة { ~~فتمنوا الموت إن كنتم صادقين } ( الجمعة : 6 ) ، وإعادة فعل { قل } من قبيل ~~إعادة العامل في المبدل منه كقوله تعالى : { تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا ~~في سورة العقود . # ووصف الموت } ب { الذي تفرون منه } للتنبيه على أن هلعهم من الموت خطأ ~~كقول علقمة : PageV28P218 # إن الذين ترونهم إخوانكم # يشفي غليل صدورهم أن تصرعوا # وأطلق الفرار على شدة الحذر على وجه الاستعارة . # واقتران خبر ( إن ) بالفاء في قوله : { فإنه ملاقيكم } لأن اسم ( إن ) ~~نعت باسم الموصول والموصول كثيرا ما يعامل معاملة الشرط فعومل اسم ( إن ) ~~المنعوت بالموصول معاملة نعته . # وإعادة { إن } الأولى لزيادة التأكيد كقول جرير : # إن الخليفة إن الله سربله # سربال ملكك به تزجى الخواتيم # وتقدم عند قوله تعالى : { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع ~~أجر من أحسن عملا في سورة الكهف . وفي سورة الحج أيضا . # والإنباء ms8503 بما كانوا يعملون كناية عن الحساب عليه ، وهو تعريض بالوعيد . # ( 9 ، 10 ) } # هذه الآيات هي المقصود من السورة وما قبلها مقدمات وتوطئات لها كما ~~ذكرناه آنفا . وقد تقدم ما حكاه ( الكشاف ) من أن اليهود افتخروا على ~~المسلمين بالسبت فشرع الله للمسلمين الجمعة . فهذا وجه اتصال هذه الآية ~~بالآيات الأربع التي قبلها فكن لهذه الآية تمهيدا وتوطئة . اللام في قوله : ~~{ للصلاة } لام التعليل ، أي نادى مناد لأجل الصلاة من يوم الجمعة ، فعلم ~~أن النداء هنا هو أذان الصلاة . # والجمعة بضم الجيم وضم الميم في لغة جمهور العرب وهو لغة أهل الحجاز . ~~وبنو عقيل بسكون الميم . # والتعريف في { الصلاة } تعريف العهد وهي الصلاة المعروفة الخاصة بيوم ~~PageV28P219 الجمعة . وقد ثبتت شرعا بالتواتر ثم تقررت بهذه الآية فصار ~~دليل وجوبها في الكتاب والسنة المتواترة وإجماع الأمة . # وكانت صلاة الجمعة مشروعة من أول أيام الهجرة . روي عن ابن سيرين أن ~~الأنصار جمعوا الجمعة قبل أن يقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة قالوا ~~: إن لليهود يوما يجتمعون فيه وللنصارى يوم مثل ذلك فتعالوا فلنجتمع حتى ~~نجعل يوما لنا نذكر الله ونصلي فيه . وقالوا : إن لليهود السبت وللنصارى ~~الأحد فاجعلوه يوم العروبة . فاجتمعوا إلى أسعد بن زرارة فصلى بهم يومئذ ~~ركعتين وذكرهم . # وروى البيهقي عن الزهري أن مصعب بن عمير كان أول من جمع الجمعة بالمدينة ~~قبل أن يقدمها رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتعين أن يكون ذلك قد علم به ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولعلهم بلغهم عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث ~~فضل يوم الجمعة وأنه يوم المسلمين . # فمشروعية صلاة الجمعة والتجميع فيه إجابة من الله تعالى رغبة المسلمين ~~مثل إجابته رغبة النبي صلى الله عليه وسلم استقبال الكعبة المذكورة في قوله ~~تعالى : { قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر ~~المسجد الحرام } ( البقرة : 144 ) . # وأما أول جمعة جمعها النبي صلى الله عليه وسلم فقال أهل السير : كانت في ~~اليوم الخامس للهجرة لأن رسول الله قدم المدينة يوم ms8504 الاثنين لاثنتي عشرة ~~ليلة خلت من ربيع الأول فأقام بقباء ثم خرج يوم الجمعة إلى المدينة فأدركه ~~وقت الجمعة في بطن واد لبني سالم بن عوف كان لهم فيه مسجد ، فجمع بهم في ~~ذلك المسجد ، وخطب فيه أول خطبة خطبها بالمدينة وهي طويلة ذكر نصها القرطبي ~~في ( تفسيره ) . # وقولهم : ( فأدركه وقت الجمعة ) ، يدل على أن صلاة الجمعة كانت مشروعة ~~يومئذ وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان عازما أن يصليها بالمدينة فضاق ~~عليه الوقت فأداها في مسجد بني سالم ، ثم صلى الجمعة القابلة في مسجده ~~بالمدينة وكانت جمعة المسجد النبوي بالمدينة الثانية بالأخبار الصحيحة . # وأول جمعة جمعت في مسجد من مساجد بلاد الإسلام بعد المدينة كانت في ~~PageV28P220 مسجد جؤاثاء من بلاد البحرين وهي مدينة الخط قرية لعبد القيس . ~~ولما ارتدت العرب بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ثبت أهل جؤاثاء على ~~الإسلام . # وتقرر أن يوم الجمعة اليوم السابع من أيام الأسبوع في الإسلام وهو الذي ~~كان يسمى في الجاهلية عروبة . قال بعض الأيمة : ولا تدخل عليه اللام . قال ~~السهيلي : معنى العروبة الراحة فيما بلغني عن بعض أهل العلم اه . قلت وذلك ~~مروي عن ثعلب ، وهو قبل يوم السبت وقد كان يوم السبت عيد الأسبوع عند ~~اليهود وهو آخر أيام الأسبوع . وقد فرضت عليهم الراحة فيه عن الشغل بنص ~~التوراة فكانوا يبتدئون عدد أيام الأسبوع من يوم الأحد وهو الموالي للسبت ~~وتبعهم العرب في ذلك لأسباب غير معروفة ولذلك سمى العرب القدماء يوم الأحد ~~أول . # فأيام الأسبوع عند العرب في القديم هي : أول ، أهون جبار ، ( كغراب وكتاب ~~) ، دبار ( كذلك ) ، مؤيس ( مهموزا ) ، عروبة ، شيار ( بشين معجمة مكسورة ~~بعدها تحتية مخففة ) . # ثم أحدثوا أسماء لهذه الأيام هي : الأحد ، الإثنين ، الثلاثاء بفتح ~~المثلثة الأولى وبضمها ، الإربعاء بكسر الهمزة وكسر الموحدة ، الخميس ، ~~عروبة أو الجمعة في قول بعضهم السبت . وأصل السبت : القطع ، سمي سبتا عند ~~الإسرائيليين لأنهم يقطعون فيه العمل ، وشاع ذلك الاسم عند العرب . # وسموا الأيام الأربعة بعده بأسماء مشتقة عن أسماء العدد ms8505 على ترتيبها وليس ~~في التوراة ذكر أسماء للأيام . وفي سفر التكوين منها ( ذكرت أيام بدء الخلق ~~بأعدادها أول وثان ) الخ ، وأن الله لم يخلق شيئا في اليوم الذي بعد اليوم ~~PageV28P221 السادس . وسمته التوراة سبتا ، قال السهيلي : قيل أول من سمى ~~يوم عروبة الجمعة كعب بن لؤي جد أبي قصي . وكان قريش يجتمعون فيه إلى كعب ~~قال : وفي قول بعضهم . لم يسم يوم عروبة يوم الجمعة إلا مذ جاء الإسلام . # جعل الله يوم الجمعة للمسلمين عيد الأسبوع فشرع لهم اجتماع أهل البلد في ~~المسجد وسماع الخطبة ليعلموا ما يهمهم في إقامة شؤون دينهم وإصلاحهم . # قال القفال : ما جعل الله الناس أشرف العالم السفلي لم يخفف عظم المنة ~~وجلالة قدر موهبته لهم فأمرهم بالشكر على هذه الكرامة في يوم من الأيام ~~السبعة ليكون في اجتماعهم في ذلك اليوم تنبيه على عظم ما أنعم الله به ~~عليهم . ولكل أهل ملة معروفة يوم من الأسبوع معظم ، فلليهود يوم السبت ~~وللنصارى الأحد وللمسلمين يوم الجمعة . وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ( ~~نحن الآخرون ) ، أي آخر الدنيا السابقون يوم القيامة ( يوم القيامة يتعلق ب ~~( السابقون ) ) . بيد أنهم ( أي اليهود والنصارى ) أوتوا الكتاب من قبلنا ~~ثم كان هذا اليوم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله إليه ، فالناس لنا فيه تبع ~~اليهود غدا والنصارى بعد غد . # ولما جعل يوم الجمعة يوم شكر وتعظيم نعمة احتيج فيه إلى الاجتماع الذي ~~تقع به شهرته فجمعت الجماعات لذلك ، واحتيج فيه إلى الخطبة تذكيرا بالنعمة ~~وحثا على استدامتها . ولما كان مدار التعظيم إنما هو على الصلاة جعلت ~~الصلاة لهذا اليوم وسط النهار ليتم الاجتماع ولم تجز هذه الصلاة إلا في ~~مسجد واحد ليكون أدعى الاجتماع اه . كلام القفال . وقول النبي صلى الله ~~عليه وسلم ( والنصارى بعد غد ) ، إشارة إلى ما عمله النصارى بعد المسيح ~~وبعد الحواريين من تعويض يوم السبت بيوم الأحد لأنهم زعموا أن يوم الأحد ~~فيه قام عيسى من قبره . فعوضوا الأحد عن يوم السبت بأمر من قسطنطين سلطانن ~~الروم ms8506 في سنة 321 المسيحي . وصار دينا لهم بأمر أحبارهم . # وصلاة الجمعة هي صلاة ظهر يوم الجمعة ، وليست صلاة زائدة على الصلوات ~~الخمس فأسقط من صلاة الظهر ركعتان لأجل الخطبتين . روي عن عمر بن الخطاب ~~أنه قال : وإنما قصرت الجمعة لأجل الخطبة . PageV28P222 # وأحسب أن ذلك تخفيف على الناس إذ وجبت عليهم خطبتان مع الصلاة فكانت كل ~~خطبة بمنزلة ركعة وهذا سبب الجلوس بين الخطبتين للإيماء إلى أنهما قائمتان ~~مقام الركعتين ولذلك كان الجلوس خفيفا . غير أن الخطبتين لم تعطيا أحكام ~~الركعتين فلا يضر فوات إحداهما أو فواتهما معا ولا يجب على المسبوق ~~تعويضهما ولا سجود لنقصهما عند جمهور فقهاء الأمصار ، روي عن عطاء ومجاهد ~~وطاووس : أن من فاتته الخطبة يوم الجمعة صلى أربعا صلاة الظهر . وعن عطاء : ~~أن من أدرك ركعة من صلاة الجمعة أضاف إليها ثلاث ركعات وهو أراد إن فاتته ~~الخطبة وركعة من صلاة الجمعة . # وجعلت القراءة في الصلاة جهرا مع أن شأن صلوات النهار إسرار القراءة ~~لفائدة إسماع الناس سورا من القرآن كما أسمعوا الخطبة فكانت صلاة إرشاد ~~لأهل البلد في يوم من كل أسبوع . # والإجماع على أن صلاة الجمعة قائمة مقام صلاة الظهر في يوم الجمعة فمن ~~صلاها لا يصلي معها ظهرا فأما من لم يصلها لعذر أو لغيره فيجب عليه أن يصلي ~~الظهر . ورأيت في الجامع الأموي في دمشق قام إمام يصلي بجماعة ظهرا بعد ~~الفراغ من صلاة الجمعة وذلك بدعة . # وإنما اختلف الأيمة في أصل الفرض في وقت الظهر يوم الجمعة فقال مالك ~~والشافعي في آخر قوليه وأحمد وزفر من أصحاب أبي حنيفة : صلاة الجمعة ~~المعروفة فرض وقت الزوال في يوم الجمعة وصلاة الظهر في ذلك اليوم لا تكون ~~إلا بدلا عن صلاة الجمعة ، أي لمن لم يصل الجمعة لعذر ونحوه . # وقال أبو حنيفة والشافعي في أول قوليه ( المرجوع عنه ) وأبو يوسف ومحمد ~~في رواية : الفرض بالأصل هو الظهر وصلاة الجمعة بدل عن الظهر ، وهو الذي ~~صححه فقهاء الحنفية . # وقال محمد في رواية عنه : الفرض ms8507 إحدى الصلاتين من غير تعيين والتعيين ~~للمكلف فأشبه الواجب المخير ( لأن الواجب المخير لا يأثم فيه فاعل أحد ~~الأمرين وتارك الجمعة بدون عذر آثم ) . PageV28P223 # قالوا : تظهر فائدة الخلاف في حر مقيم صلى الظهر في أول الوقت ؛ فقال أبو ~~حنيفة وأصحابه : له صلاة الظهر مطلقا حتى لو خرج بعد أن صلى الظهر أو لم ~~يخرج لم يبطل فرضه ، لكن عند أبي حنيفة يبطل ظهره بمجرد السعي مطلقا وعند ~~صاحبيه لا يبطل ظهره إلا إذا أدرك الجمعة . # وقال مالك والشافعي : لا يجوز أن يصلي الظهر يوم الجمعة سواء أدرك الجمعة ~~أم لا ، خرج إليها أم لا ( يعني فإن أدرك الجمعة فالأمر ظاهر وإن لم يدركها ~~وجب عليه أن يصلي ظهرا آخر ) . # والنداء للصلاة : الأذان المعروف وهو أذان الظهر ورد في ( الصحيح ) عن ~~السائب بن يزيد قال : كان النداء يوم الجمعة إذا جلس الإمام على المنبر على ~~عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر . قال السائب بن يزيد : فلما ~~كان عثمان وكثر الناس بالمدينة زاد أذانا على الزوراء ( الزوراء موضع بسوق ~~المدينة ) . وربما وصف في بعض الروايات بالأذان الثاني . ومعنى كونه ثانيا ~~أنه أذان مكرر للأذان الأصلي فهو ثان في المشروعية ولا يريد أنه يؤذن به ~~بعد الفراغ من الأذان الذي يؤذن به وقت جلوس الإمام على المنبر ، أي يؤذن ~~به في باب المسجد ، إذ لم يكن للناس يومئذ صومعة ، وربما وقع في بعض ~~الروايات وصفه بالنداء الثالث وإنما يعنى بذلك أنه ثالث بضميمه الأذان ~~الأول . ولا يراد أن الناس يؤذنون أذانين في المسجد وإنما زاده عثمان ليسمع ~~النداء من في أطراف المدينة ، وربما سموه الأذان الأول . # والذي يظهر من تحقيق الروايات أن هذا الأذان الثاني يؤذن به عقب الأذان ~~الأول ، لأن المقصود حضور الناس للصلاة في وقت واحد ووقع في بعض عبارات ~~الروايات والرواة أنه كان يؤذن بأذان الزوراء أولا ثم يخرج الإمام فيؤذن ~~بالأذان بين يديه . # قال ابن العربي في ( العارضة ) : ( لما كثر الناس في زمن عثمان زاد ~~النداء ms8508 على الزوراء ليشعر الناس بالوقت فيأخذوا بالإقبال إلى الجمعة ثم ~~يخرج عثمان فإذا جلس على المنبر أذن الثاني الذي كان أولا على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ثم يخطب . ثم يؤذن الثالث يعني به الإقامة ) اه . ~~PageV28P224 # وقال في ( الأحكام ) : ( وسماه في الحديث ( أي حديثث السائب بن يزيد ) ~~ثالثا لأنه أضافه إلى الإقامة فجعله ثالث الإقامة ، ( أي لأنه أحدث بعد أن ~~كانت الإقامة مشروعة وسمى الإقامة أذانا مشاكلة أو لأنها إيذان بالدخول في ~~الصلاة ) كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ( بين كل أذانين صلاة لمن شاء ) ~~يعني بين الأذان والإقامة ، فتوهم الناس أنه أذان أصلي فجعلوا الأذانات ~~ثلاثة فكان وهما . ثم جمعوهم في وقت واحد فكان وهما على وهم اه . فتوهم ~~كثير من أهل الأمصار أن الأذان لصلاة الجمعة ثلاث مرات لهذا تراهم يؤذنون ~~في جوامع تونس ثلاثة أذانات وهو بدعة . # قال ابن العربي في ( العارضة ) : فأما بالمغرب ( أي بلاد المغرب ) فيؤذن ~~ثلاثة من المؤذنين لجهل المفتين قال في ( الرسالة ) : ( وهذا الأذان الثاني ~~أحدثه بنو أمية ) فوصفه بالثاني وهو التحقيق ، ولكنه نسبه إلى بني أمية ~~لعدم ثبوت أن الذي زاده عثمان ، ورواه البخاري وأهل السنن عن السائب بن ~~يزيد ولم يروه مسلم ولا مالك في ( الموطأ ) . # والسبب في نسبته إلى بني أمية : أن علي بن أبي طالب لما كان بالكوفة لم ~~يؤذن للجمعة إلا أذانا واحدا كما كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وألغى الأذان الذي جعله عثمان بالمدينة . فلعل الذي أرجع الأذان الثاني بعض ~~خلفاء بني أمية قال مالك في ( المجموعة ) : إن هشام بن عبد الملك أحدث ~~أذانا ثانيا بين يديه في المسجد . # واعلم أن النداء الذي نيط به الأمر بالسعي في هذه الآية هو النداء الأول ~~، وما كان النداء الثاني إلا تبليغا للأذان لمن كان بعيدا فيجب على من سمعه ~~السعي إلى الجمعة للعلم بأنه قد نودي للجمعة . # والسعي : أصله الاشتداد في المشي . وأطلق هنا على المشي بحرص وتوقي ~~التأخر مجازا . # و { ذكر الله ms8509 } فسر بالصلاة وفسر بالخطبة ، بهذا فسره سعيد بن المسيب ~~وسعيد بن جبير . قال أبو بكر بن العربي ( والصحيح أنه الجميع أوله الخطبة ) ~~. # قلت : وإيثار { ذكر الله } هنا دون أن يقول : إلى الصلاة ، كما قال : { ~~فإذا PageV28P225 قضيت الصلاة } لتتأتى إرادة الأمرين الخطبة والصلاة . ~~وفيه دليل على وجوب الخطبة في صلاة الجمعة وشرطيته على الجملة . وتفصيل ~~أحكام التخلف عن الخطبة ليست مساوية للتخلف عن الصلاة إلا في أصل حرمة ~~التخلف عن حضور الخطبة بغير عذر . # وفي حديث ( الموطأ ) ( فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر ) ~~ولا شك أن الإمام إذا خرج ابتدأ بالخطبة فكانت الخطبة من الذكر وفي ذلك ~~تفسير للفظ الذكر في هذه الآية . وإنما نهوا عن البيع لأنه الذي يشغلهم ~~ولأن سبب نزول الآية كان لترك فريق منهم الجمعة إقبالا على عير تجارة وردت ~~كما سيأتي في قوله تعالى : { وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها } ( ~~الجمعة : 11 ) . # ومثل البيع كل ما يشغل عن السعي إلى الجمعة ، وبعد كون البيع وما قيس ~~عليه منهيا عنه فقد اختلف في فسخ العقود التي انعقدت وقت الجمعة . وهو مبني ~~على الخلاف في اقتضاء النهي فساد المنهي عنه ، ومذهب مالك أن النهي يقتضي ~~الفساد إلا لدليل . وقول مالك في ( المدونة ) : إن البيع الواقع في وقت ~~صلاة الجمعة بين من تجب عليهم الجمعة يفسخ . وقال الشافعي : لا يفسخ . ~~وجعله كالصلاة في الأرض المغصوبة وهو قول أبي حنيفة أيضا . # وأما النكاح المعقود في وقت الجمعة : ففي ( العتيبة ) عن ابن القاسم : لا ~~يفسخ . ولعله اقتصر على ما ورد النهي عنه في القرآن ولم ير القياس موجبا ~~لفسخ المقيس . وكذلك قال أيمة المالكية : لا تفسخ الشركة والهبة والصدقة ~~الواقعة في وقت الجمعة وعللوا ذلك بندرة وقوع أمثالها بخلاف البيع . # وخطاب الآية جميع المؤمنين فدل على أن الجمعة واجبة على الأعيان . وشذ ~~قوم قالوا : إنها واجبة على الكفاية قال ابن الفرس : ونسب إلى بعض الشافعية ~~وخطاب القرآن الذين آمنوا عام خصصته السنة بعدم وجوب الجمعة على النساء ~~والعبيد والمسافر ms8510 إذا حل بقرية الجمعة ومن لا يستطيع السعي إليها . # و { من } في قوله : { من يوم الجمعة } تبعيضية فإن يوم الجمعة زمان تقع ~~فيه أعمال منها الصلاة المعهودة فيه ، فنزل ما يقع في الزمان بمنزلة أجزاء ~~الشيء . PageV28P226 # ويجوز كون { من } للظرفية مثل التي في قوله تعالى : { أروني ماذا خلقوا ~~من الأرض } ( فاطر : 40 ) ، أي فيها من المخلوقات الأرضية . # والإشارة ب { ذلكم } إلى المذكور ، أي ما ذكر من أمر بالسعي إليها ، وأمر ~~بترك البيع حينئذ ، أي ذلك خير لكم مما يحصل لكم من البيوعات . فلفظ { خير ~~} اسم تفضيل أصله : أخير ، حذفت همزته لكثرة الاستعمال . والمفضل عليه ~~محذوف لدلالة الكلام عليه . والمفضل : الصلاة ، أي ثوابها . والمفضل عليه : ~~منافع البيع للبائع والمشتري . # وإنما أعقب بقوله تعالى : { فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا ~~من فضل الله } تنبيها على أن لهم سعة من النهار يجعلونها للبيع ونحوه من ~~ابتغاء أسباب المعاش فلا يأخذوا ذلك من وقت الصلاة ، وذكر الله . والأمر في ~~{ فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله } للإباحة . # والمراد ب { فضل الله } : اكتساب المال والرزق . # وأما قوله : { واذكروا الله كثيرا } فهو احتراس من الانصباب في أشغال ~~الدنيا انصبابا ينسي ذكر الله ، أو يشغل عن الصلوات فإن الفلاح في الإقبال ~~على مرضاة الله تعالى . # عطف على جملة { إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله } ( ~~الجمعة : 9 ) الآية . عطف التوبيخ على ترك المأمور به بعد ذكر الأمر وسلكت ~~في المعطوفة طريقة الالتفات لخطاب النبي صلى الله عليه وسلم إيذانا بأنهم ~~أحرياء أن يصرف للخطاب عنهم فحرموا من عز الحضور . وأخبر عنهم بحال ~~الغائبين ، وفيه تعريض بالتوبيخ . # ومقتضى الظاهر أن يقال : وإذا رأيتم تجارة أو لهوا فلا تنفضوا إليها . ~~ومن PageV28P227 مقتضيات تخريج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر هنا أن يكون ~~هذا التوبيخ غير شامل لجميع المؤمنين فإن نفرا منهم بقوا مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم حين خطبته ولم يخرجوا للتجارة ولا للهو . # وفي ( الصحيح ) عن جابر بن عبد الله قال : ( بينما نحن نصلي ms8511 مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم وهو يخطب يوم الجمعة إذ أقبلت عير من الشام تحمل طعاما ~~فانفتل الناس إليها حتى لم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا اثنا عشر ~~رجلا أنا فيهم ) . وفي رواية : وفيهم أبو بكر وعمر ، فأنزل الله فيهم هذه ~~الآية التي في الجمعة { وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما ~~} اه . وقد ذكروا في روايات أخرى أنه بقي مع النبي صلى الله عليه وسلم أبو ~~بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ، وطلحة ، والزبير ، وسعد بن أبي وقاص ، وعبد ~~الرحمن بن عوف ، وأبو عبيدة بن الجراح ، وسعيد بن زيد ، وبلال ، وعبد الله ~~بن مسعود ، وعمار بن ياسر ، وجابر بن عبد الله ، فهؤلاء أربعة عشر . وذكر ~~الدارقطني في حديث جابر : ( أنه قال ليس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلا أربعون رجلا ) . # وعن مجاهد ومقاتل : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقدم دحية بن ~~خليفة الكلبي بتجارة فتلقاه أهله بالدفوف فخرج الناس ) . وفي رواية ( أن ~~أهل المدينة أصابهم جوع وغلاء شديد فقدم دحية بتجارة من زيت الشام ) . وفي ~~رواية ( وطعام وغير ذلك فخرج الناس من المسجد خشية أن يسبقوا إلى ذلك ) . ~~وقال جابر بن عبد الله ( كانت الجواري إذا نكحن يمررن بالمزامير والطبل ~~فانفضوا إليها ) ، فلذلك قال الله تعالى : { وإذا رأوا تجارة أو لهوا ~~انفضوا إليها وتركوك قائما } ، فقد قيل إن ذلك تكرر منهم ثلاث مرات ، فلا ~~شك أن خروجهم كان تارة لأجل مجيء العير وتارة لحضور اللهو . # وروي أن العير نزلت بموضع يقال له : أحجار الزيت فتوهم الراوي فقال : ~~بتجارة الزيت . # وضمير { إليها } عائد إلى التجارة لأنها أهم عندهم من اللهو ولأن الحدث ~~الذي نزلت الآية عنده هو مجيء عير دحية من الشام . واكتفى به عن ضمير اللهو ~~كما في قول قيس بن الخطيم ، أو عمرو بن الحارث بن امرىء القيس : ~~PageV28P228 # نحن بما عندنا وأنت بما # عندك راض والرأي مختلف # ولعل التقسيم الذي أفادته { أو } في قوله : { أو لهوا } تقسيم لأحوال ~~المنفضين إذ ms8512 يكون بعضهم من ذوي العائلات خرجوا ليمتاروا لأهلهم ، وبعضهم من ~~الشباب لا همة لهم في الميرة ولكن أحبوا حضور اللهو . # و { إذا } ظرف للزمان الماضي مجرد عن معنى الشرط لأن هذا الانفضاض مضى . ~~وليس المراد أنهم سيعودون إليه بعد ما نزل هذا التوبيخ وما قبله من الأمر ~~والتحريض . ومثله قوله تعالى : { وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا ~~به } ( النساء : 83 ) وقوله : { ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا ~~أجد ما أحملكم عليه تولوا } ( التوبة : 92 ) الآية . # والانفضاض : مطاوع فضه إذا فرقه ، وغلب إطلاقه على غير معنى المطاوعة ، ~~أي بمعنى مطلق كما تفرق . قال تعالى : { هم الذين يقولون لا تنفقوا على من ~~عند رسول الله حتى ينفضوا } ( المنافقون : 7 ) . # وقوله : { أو لهوا } فيه للتقسيم ، أي منهم من انفض لأجل التجارة ، ومنهم ~~من انفض لأجل اللهو ، وتأنيث الضمير في قوله : { إليها } تغليب للفظ ( ~~تجارة ) لأن التجارة كانت الداعي الأقوى لانفضاضهم . # وجملة { وتركوك قائما } تفظيع لفعلهم إذ فرطوا في سماع وعظ النبي صلى ~~الله عليه وسلم أي تركوك قائما على المنبر . وذلك في خطبة الجمعة ، والظاهر ~~أنها جملة حالية ، أي تركوك في حال الموعظة والإرشاد فأضاعوا علما عظيما ~~بانفضاضهم إلى التجارة واللهو . وهذه الآية تدل على وجوب حضور الخطبة في ~~صلاة الجمعة إذ لم يقل : وتركوا الصلاة . # وأمر الله نبيئه صلى الله عليه وسلم أن يعظهم بأن ما عند الله من الثواب ~~على حضور الجمعة خير من فائدة التجارة ولذة اللهو . وكذلك ما أعد الله من ~~الرزق للذين يؤثرون طاعة الله على ما يشغل عنها من وسائل الارتزاق جزاء لهم ~~على إيثارهم جزاء في الدنيا قبل جزاء الآخرة ، فرب رزق لم ينتفع به الحريص ~~عليه وإن كان كثيرا ، ورب رزق قليل ينتفع به صاحبه ويعود عليه بصلاح ، قال ~~تعالى : { من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ~~ولنجزينهم أجرهم بأحسن PageV28P229 ما كانوا يعملون } ( النحل : 97 ) . ~~وقال حكاية عن خطاب نوع قومه { فقلت استغفروا ربكم إنه ms8513 كان غفارا يرسل ~~السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا ~~} ( نوح : 10 12 ) . # وذيل الكلام بقوله : { والله خير الرازقين } لأن الله يرزق الرزق لمن ~~يرضى عنه سليما من الأكدار والآثام ، ولأنه يرزق خير الدنيا وخير الآخرة ، ~~وليس غير الله قادرا على ذلك ، والناس في هذا المقام درجات لا يعلمها إلا ~~الله وهو العالم بالسرائر . # PageV28P230 # | 1 ( سورة المنافقون ) 1 # سميت هذه السورة في كتب السنة وكتب التفسير ( سورة المنافقين ) اعتبارا ~~بذكر أحوالهم وصفاتهم فيها . # ووقع هذا الاسم في حديث زيد بن أرقم عند الترمذي قوله : ( فلما أصبحنا ~~قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة المنافقين ) . وسيأتي قريبا ، وروى ~~الطبراني في ( الأوسط ) عن أبي هريرة قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة فيحرض بها المؤمنين ، وفي الثانية ~~بسورة المنافقين فيقرع بها المنافقين ) . # ووقع في ( صحيح البخاري ) وبعض كتب التفسير تسميتها ( سورة المنافقون ) ~~على حكاية اللفظ الواقع في أولها وكذلك ثبت في كثير من المصاحف المغربية ~~والمشرقية . # وهي مدنية بالاتفاق . # واتفق العادون على عد آيها إحدى عشرة آية . # وقد عدت الثانية بعد المائة في عداد نزول السور عند جابر بن زيد . نزلت ~~بعد سورة الحج وقبل سورة المجادلة . # والصحيح أنها نزلت في غزوة بني المصطلق ووقع في ( جامع الترمذي ) عن محمد ~~بن كعب القرظي ( أنها نزلت في غزوة تبوك ) . ووقع فيه أيضا عن سفيان : أن ~~PageV28P231 ذلك في غزوة بني المصطلق ) ( وغزوة بني المصطلق سنة خمس ، ~~وغزوة تبوك سنة تسع ) . # ورجح أهل المغازي وابن العربي في ( العارضة ) وابن كثير : أنها نزلت في ~~غزوة بني المصطلق وهو الأظهر . لأن قول عبد الله بن أبي ابن سلول : ( ~~ليخرجن الأعز منها الأذل ) ، يناسب الوقت الذي لم يضعف فيه شأن المنافقين ~~وكان أمرهم كل يوم في ضعف وكانت غزوة تبوك في آخر سني النبوءة وقد ضعف أمر ~~المنافقين . # وسبب نزولها ( ما روي عن زيد بن أرقم أنه قال : كنا في غزاة فكسع رجل من ~~المهاجرين ms8514 رجلا جهنيا حليفا للأنصار فقال الجهني : يا للأنصار ، وقال ~~المهاجري : يا للمهاجرين : فسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ~~ما بال دعوى الجاهلية ، قالوا : كسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار فقال ~~: ( دعوها فإنها منتنة ) ( أي اتركوا دعوة الجاهلية : يآل كذا ) فسمع هذا ~~الخبر عبد الله بن أبي فقال : أقد فعلوها أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ~~ليخرجن الأعز منها الأذل ) . وقال : لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ~~ينفضوا من حوله ، قال زيد بن أرقم : فسمعت ذلك فأخبرت به عمي فذكره للنبيء ~~صلى الله عليه وسلم فدعاني فحدثته فأرسل رسول الله إلى عبد الله بن أبي ~~وأصحابه فحلفوا ما قالوا ، فكذبني رسول الله وصدقه فأصابني هم لم يصبني ~~مثله فقال عمي : ما أردت إلا أن كذبك رسول الله ، وفي رواية : إلى أن كذبك ~~، فلما أصبحنا قرأ رسول الله سورة المنافقين وقال لي : ( إن الله قد صدقك ) ~~. # $ 2 ( { إذا جآءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك ~~لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون * اتخذو & # 1764 ا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله إنهم سآء ما كانوا يعملون * ذلك ~~بأنهم ءامنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون * وإذا رأيتهم تعجبك ~~أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم ~~العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون * وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم ~~رسول الله لووا رءوسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون * سوآء عليهم أستغفرت ~~لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدى القوم الفاسقين * ~~هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ولله خزآئن ~~السماوات والارض ولاكن المنافقين لا يفقهون * يقولون لئن رجعنآ إلى المدينة ~~ليخرجن الاعز منها الاذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولاكن المنافقين لا ~~يعلمون * ياأيها الذين ءامنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ~~ومن يفعل ذلك فأولائك هم الخاسرون * وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتى ~~أحدكم ms8515 الموت فيقول رب لولا & # 1764 أخرتنى & # 1764 إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين * ولن يؤخر الله نفسا إذا جآء ~~أجلهآ والله خبير بما تعملون } ) 2 $ وفي رواية للترمذي في هذا الحديث : ( ~~أن المهاجري أعرابي وأن الأنصاري من أصحاب عبد الله بن أبي ، وأن المهاجري ~~ضرب الأنصاري على رأسه بخشبة فشجه ، وأن عبد الله بن أبي قال : لا تنفقوا ~~على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله ) يعني الأعراب ، وذكر أهل السير ~~أن المهاجري من غفار اسمه جهجاه أجير لعمر بن الخطاب . وأن الأنصاري جهني ~~اسمه سنان حليف لابن PageV28P232 أبي ، ثم يحتمل أن تكون الحادثة واحدة . ~~واضطرب الراوي عن زيد بن أرقم في صفتها ؛ ويجوز أن يكون قد حصل حادثتان في ~~غزاة واحدة . # وذكر الواحدي في ( أسباب النزول ) : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أرسل إلى عبد الله بن أبي وقال له : أنت صاحب هذا الكلام الذي بلغني ، فقال ~~عبد الله بن أبي : والذي أنزل عليك الكتاب ما قلت شيئا من هذا وإن زيدا ~~لكاذب . # والظاهر أن المقالة الأولى قالها ابن أبي في سورة غضب تهييجا لقومه ثم ~~خشي انكشاف نفاقه فأنكرها . # وأما المقالة الثانية فإنما أدرجها زيد بن أرقم في حديثه وإنما قالها ابن ~~أبي في سورة الناصح كما سيأتي في تفسير حكايتها . # وعلى الأصح فهي قد نزلت قبل سورة الأحزاب ، وعلى القول بأنها نزلت في ~~غزوة تبوك تكون نزلت مع سورة براءة أو قبلها بقليل وهو بعيد . # أغراضها # فضح أحوال المنافقين بعد كثير من دخائلهم وتولد بعضها عن بعض من كذب ، ~~وخيس بعهد الله ، واضطراب في العقيدة ، ومن سفالة نفوس في أجسام تغر وتعجب ~~، ومن تصميم على الإعراض عن طلب الحق والهدى ، وعلى صد الناس عنه ، وكان كل ~~قسم من آيات السورة المفتتح ب { إذا } خص بغرض من هذه الأغراض . وقد علمت ~~أن ذلك جرت إليه الإشارة إلى تكذيب عبد الله بن أبي ابن سلول فيما حلف عليه ~~من التنصل مما قاله . # وختمت بموعظة المؤمنين وحثهم ms8516 على الإنفاق والادخار للآخرة قبل حلول الأجل ~~. # PageV28P233 # لما كان نزول هذه السورة عقب خصومة المهاجري والأنصاري ومقالة عبد الله ~~بن أبي في شأن المهاجرين . تعين أن الغرض من هذه الآية التعريض بكذب عبد ~~الله بن أبي وبنفاقه فصيغ الكلام بصيغة تعم المنافقين لتجنب التصريح ~~بالمقصود على طريقة قول النبي صلى الله عليه وسلم ( ما بال أقوام يشترطون ~~شروطا ليست في كتاب الله ) ومراده مولى بريرة لما أراد أن يبيعها لعائشة أم ~~المؤمنين واشترط أن يكون الولاء له ، وابتدىء بتكذيب من أريد تكذيبه في ~~ادعائه الإيمان بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم وإن لم يكن ذلك هو المقصود ~~إشعارا بأن الله أطلع رسول الله صلى الله عليه وسلم على دخائلهم ، وهو ~~تمهيد لما بعده من قوله : { والله يشهد إن المنافقين لكاذبون } ، لأن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يعلم أن المنافقين قالوا : نشهد إنك لرسول الله . # فيجوز أن يكون قولهم : { نشهد إنك لرسول الله } محكيا بالمعنى لأنهم ~~يقولون عبارات كثيرة تفيد معنى أنهم يشهدون بأنه رسول الله مثل نطقهم بكلمة ~~الشهادة . # ويجوز أن يكونوا تواطؤوا على هذه الكلمة كلما أعلن أحدهم الإسلام . وهذا ~~أليق بحكاية كلامهم بكلمة { قالوا } دون نحو : زعموا . # و { إذا } ظرف للزمان الماضي بقرينة جعل جملتيها ماضيتين ، والظرف متعلق ~~بفعل { قالوا } وهو جواب { إذا } . # فالمعنى : إنك تعلم أنهم يقولون نشهد إنك لرسول الله . # و { نشهد } خبر مؤكد لأن الشهادة الإخبار عن أمر مقطوع به إذ هي مشتقة من ~~المشاهدة أي المعاينة ، والمعاينة أقوى طرق العلم ، ولذلك كثر استعمال : ~~أشهد ونحوه من أفعال اليقين في معنى القسم . وكثر أن يجاب بمثل ما يجاب به ~~القسم قاله ابن عطية . ومعنى ذلك : أن قوله : { نشهد } ليس إنشاء . وبعض ~~المفسرين جعله صيغة يمين . وروي عن أبي حنيفة . # والمقصود من قوله : { والله يشهد إن المنافقين لكاذبون } إعلام النبي صلى ~~الله عليه وسلم وإعلام المسلمين بطائفة مبهمة شأنهم النفاق ليتوسموهم ~~ويختبروا أحوالهم وقد يتلقى النبي صلى الله عليه وسلم بطريق الوحي تعيينهم ~~أو تعيين ms8517 بعضهم . PageV28P234 # و { المنافقون } جمع منافق وهو الذي يظهر الإيمان ويسر الكفر وقد مضى ~~القول فيه مفصلا في سورة آل عمران . # وجملة { إنك لرسول الله } بيان لجملة { نشهد } . # وجملة { والله يعلم إنك لرسوله } معترضة بين الجملتين المتعاطفتين وهذا ~~الاعتراض لدفع إيهام من يسمع جملة { والله يشهد إن المنافقين لكاذبون } أنه ~~تكذيب لجملة { إنك لرسول الله } فإن المسلمين كانوا يومئذ محفوفين بفئام من ~~المنافقين مبثوثين بينهم هجيراهم فتنة المسلمين فكان المقام مقتضيا دفع ~~الإيهام وهذا من الاحتراس . # وعلق فعل { يعلم } عن العمل لوجود ( إن ) في أول الجملة وقد عدوا ( إن ) ~~التي في خبرها لام ابتداء من المعلقات لأفعال القلب عن العمل بناء على أن ~~لام الابتداء هي في الحقيقة لام جواب القسم وأن حقها أن تقع قبل ( إن ) ~~ولكنها زحلقت في الكلام كراهية اجتماع مؤكدين متصلين ، وأخذ ذلك من كلام ~~سيبويه . # وجملة { والله يشهد إن المنافقين لكاذبون } عطف على جملة { قالوا نشهد } ~~. # وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي لتقوي الحكم . # وجيء بفعل { يشهد } في الإخبار عن تكذيب الله تعالى إياهم للمشاكلة حتى ~~يكون إبطال خبرهم مساويا لإخبارهم . # والكذب : مخالفة ما يفيده الخبر للواقع في الخارج ، أي الوجود فمعنى كون ~~المنافقين كاذبون هنا أنهم كاذبون في إخبارهم عن أنفسهم بأنهم يشهدون بأن ~~محمدا صلى الله عليه وسلم رسول الله لأن خبرهم ذلك مخالف لما في أنفسهم فهم ~~لا يشهدون به ولا يوافق قولهم ما في نفوسهم . وبهذا بطل احتجاج النظام ~~بظاهر هذه الآية على رأيه أن الكذب مخالفة الخبر لاعتقاد المخبر لأنه غفل ~~عن قوله تعالى : { قالوا نشهد } . وقد أشار إلى هذا الرد القزويني في ( ~~تلخيص المفتاح ) وفي ( الإيضاح ) . # وجملة { إن المنافقين لكاذبون } مبنية لجملة { يشهد } مثل سابقتها . ~~PageV28P235 # استئناف بياني لأن تكذيب الله تعالى إياهم في قولهم للنبيء صلى الله عليه ~~وسلم { نشهد إنك لرسول الله } ( المنافقون : 1 ) يثير في أنفس السامعين ~~سؤالا عن أيمانهم لدى النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم مؤمنون به وأنهم لا ~~يضمرون بغضه فأخبر الله عنهم بأنهم اتخذوا ms8518 أيمانهم تقية يتقون بها وقد ~~وصفهم الله بالحلف بالأيمان الكاذبة في آيات كثيرة من القرآن . # والجنة : ما يستتر به ويتقى ومنه سميت الدرع جنة . # والمعنى : جعلوا أيمانهم كالجنة يتقي بها ما يلحق من أذى . فلما شبهت ~~الأيمان بالجنة على طريقة التشبيه البليغ ، أتبع ذلك بتشبيه الحلف باتخاذ ~~الجنة ، أي استعمالها ، ففي { اتخذوا } استعارة تبعية ، وليس هذا خاصا بحلف ~~عبد الله بن أبي أنه قال : ( لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها ~~الأذل ) ، كما تقدم في ذكر سبب نزولها ، بل هو أعم ، ولذلك فالوجه حمل ~~ضمائر الجمع في قوله : { اتخذوا أيمانهم } الآية على حقيقتها ، أي اتخذ ~~المنافقون كلهم أيمانهم جنة ، أي كانت تلك تقيتهم ، أي تلك شنشنة معروفة ~~فيهم . # { فصدوا عن سبيل الله } تفريع لصدهم عن سبيل الله على الحلف الكاذب لأن ~~اليمين الفاجرة من كبائر الإثم لما فيها من الاستخفاف بجانب الله تعالى ~~ولأنهم لما حلفوا على الكذب ظنوا أنهم قد أمنوا اتهام المسلمين إياهم ~~بالنفاق فاستمروا على الكفر والمكر بالمسلمين وذلك صد عن سبيل الله ، أي ~~إعراض عن الأعمال التي أمر الله بسلوكها . # وفعل ( صدوا ) هنا قاصر الذي قياس مضارعه يصد بكسر الصاد . # وجملة { إنهم ساء ما كانوا يعملون } تذييل لتفظيع حالهم عن السامع . وساء ~~من أفعال الذم تلحق ببئس على تقدير تحويل صيغة فعلها عن فعل المفتوح العين ~~إلى فعل المضمومها لقصد إفادة الذم مع إفادة التعجب بسبب ذلك التحويل كما ~~نبه عليه صاحب ( الكشاف ) وأشار إليه صاحب ( التسهيل ) . PageV28P236 # جملة في موضع العلة لمضمون جملة { اتخذوا أيمانهم جنة } ( المنافقون : 2 ~~) . # والإشارة إلى مضمون قوله : { إنهم ساء ما كانوا يعملون } ( المنافقون : 2 ~~) ، أي سبب إقدامهم على الأعمال السيئة المتعجب من سوئها ، هو استخفافهم ~~بالأيمان ومراجعتهم الكفر مرة بعد أخرى ، فرسخ الكفر في نفوسهم فتجرأت ~~أنفسهم على الجرائم وضريت بها ، حتى صارت قلوبهم كالمطبوع عليها أن لا يخلص ~~إليها الخير . # فقوله : { بأنهم آمنوا } خبر عن اسم الإشارة . ومعنى الباء السببية . و { ~~ثم } للتراخي الرتبي فإن إبطال الكفر مع إظهار الإيمان ms8519 أعظم من الكفر ~~الصريح . وأن كفرهم أرسخ فيهم من إظهار أيمانهم . # ويجوز أن يراد مع ذلك التراخي في الزمن وهو المهلة . # فإسناد فعل { آمنوا } إليهم مع الإخبار عنهم قبل ذلك بأنهم كاذبون في ~~قولهم : { نشهد إنك لرسول الله } ( المنافقون : 1 ) مستعمل في حقيقته ~~ومجازه فإن مراتب المنافقين متفاوتة في النفاق وشدة الكفر فمنهم من آمنوا ~~لما سمعوا آيات القرآن أو لاحت لهم أنوار من النبي صلى الله عليه وسلم لم ~~تثبت في قلوبهم . ثم رجعوا إلى الكفر للوم أصحابهم عليهم أو لإلقائهم الشك ~~في نفوسهم قال ابن عطية : وقد كان هذا موجودا . قلت : ولعل الذين تابوا ~~وحسن إسلامهم من هذا الفريق . فهؤلاء إسناد الإيمان إليهم حقيقة . # ومنهم من خالجهم خاطر الإيمان فترددوا وقاربوا أن يؤمنوا ثم نكصوا على ~~أعقابهم فشابه أول حالهم حال المؤمنين حين خطور الإيمان في قلوبهم . # ومنهم من أظهروا الإيمان كذبا وهذا هو الفريق الأكثر . وليس ما أظهروه في ~~شيء من الإيمان وقد قال الله تعالى في مثلهم : { وكفروا بعد إسلامهم } ( ~~التوبة : 74 ) فسماه إسلاما ولم يسمه إيمانا . ومنهم الذين قال الله تعالى ~~فيهم : { قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا } ( الحجرات : ~~14 ) . وإطلاق اسم الإيمان على مثل هذا الفريق مجاز PageV28P237 بعلاقة ~~الصورة وهو كإسناد فعل { يحذر } في قوله تعالى : { يحذر المنافقون أن تنزل ~~عليهم سورة الآية ، في سورة براءة . # وعلى هذا الاعتبار يجوز أن يكون ثم } مستعملا في معنييه الأصلي والمجازي ~~على ما يناسب محمل فعل { آمنوا } . # ولو حمل المنافقون على واحد معين وهو عبد الله بن أبي جاز أن يكون ابن ~~أبي آمن ثم كفر فيكون إسناد { آمنوا } حقيقة وتكون { ثم } للتراخي في ~~الزمان . # وتفريع { فهم لا يفقهون } على قوله : { آمنوا ثم كفروا } ، فصار كفرهم ~~بعد الإيمان على الوجوه السابقة سببا في سوء أعمالهم بمقتضى باء السببية ، ~~وسببا في انتفاء إدراكهم الحقائق النظرية بمقتضى فاء التفريع . # والفقه : فهم للحقائق الخفية . # والمعنى : أنهم لا يدركون دلائل الإيمان حتى يعلموا حقيته . # . # هذا انتقال إلى وضح ms8520 بعض أحوالهم التي لا يبرزونها إذا جاؤوا إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم ولكنها تبرز من مشاهدتهم ، فكان الوضح الأول مفتتحا ب { ~~إذا جاءك المنافقون } ( المنافقون : 1 ) وهذا الوضح مفتتحا ب { إذا رأيتهم ~~} . # فجملة { وإذا رأيتهم } معطوفة على جملة { فهم لا يفقهون } ( المنافقون : ~~3 ) واقعة موقع الاحتراس والتتميم لدفع إيهام من يغره ظاهر صورهم . # واتبع انتفاء فقه عقولهم بالتنبيه على عدم الاغترار بحسن صورهم فإنها ~~أجسام خالية عن كمال الأنفس كقول حسان ولعله أخذه من هذه الآية : # لابأس بالقوم من طول ومن غلظ # جسم البغال وأحلام العصافير # وتفيد مع الاحتراس تنبيها على دخائلهم بحيث لو حذف حرف العطف من ~~PageV28P238 الجملتين لصح وقوعهما موقع الاستئناف الابتدائي . ولكن أوثر ~~العطف للتنبيه على أن هاتين صفتان تحسبان كمالا وهما نقيصتان لعدم تناسقهما ~~مع ما شأنه أن يكون كمالا . فإن جمال النفس كجمال الخلقة إنما يحصل ~~بالتناسب بين المحاسن وإلا فربما انقلب الحسن موجب نقص . # فالخطاب في هذه الآية لغير معين يشمل كل من يراهم ممن يظن أن تغره صورهم ~~فلا يدخل فيه النبي صلى الله عليه وسلم لأن الله قد أطلعه على أحوالهم ~~وأوقفه على تعيينهم فهو كالخطاب الذي في قوله في سورة الكهف { لو اطلعت ~~عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا . # والظاهر أن المراد بضمير الجمع واحد معين أو عدد محدود إذ يبعد أن يكون ~~جميع المنافقين أحاسن الصور . وعن ابن عباس : كان ابن أبي جسيما صحيحا ~~صبيحا ذلق اللسان . وقال الكلبي : المراد ابن أبي والجد بن قيس ومعتب بن ~~قشير كانت لهم أجسام ومنظر وفصاحة . وقال في الكشاف } : وقوم من المنافقين ~~في مثل صفة ابن أبي رؤساء المدينة . # وأجسام : جمع جسم بكسر الجيم وسكون السين وهو ما يقصد بالإشارة إليه أو ~~ما له طول وعرض وعمق . وتقدم في قوله تعالى : { وزاده بسطة في العلم والجسم ~~في سورة البقرة . وجملة وإن يقولوا تسمع لقولهم } معترضة بين جملة { وإذا ~~رأيتهم } الخ وبين جملة { كأنهم خشب مسندة } . # والمراد بالسماع في قوله : { تسمع لقولهم ms8521 } الإصغاء إليهم لحسن إبانتهم ~~وفصاحة كلامهم مع تغريرهم بحلاوة معانيهم تمويه حالهم على المسلمين . # فاللام في قوله : { لقولهم } لتضمين { تسمع } معنى : تصغ أيها السامع ، ~~إذ ليس في الإخبار بالسماع للقول فائدة لولا أنه ضمن معنى الإصغاء لوعي ~~كلامهم . # وجملة { كأنهم خشب مسندة } مستأنفة استئنافا بيانيا جوابا عن سؤال ينشأ ~~عن وصف حسن أجسامهم وذلاقة كلامهم ، فإنه في صورة مدح فلا يناسب ما قبله من ~~ذمهم فيترقب السامع ما يرد بعد هذا الوصف . PageV28P239 # ويجوز أن تكون الجملة حالا من ضميري الغيبة في قوله : { رأيتهم تعجبك ~~أجسامهم } . # ومعناه أن حسن صورهم لا نفع فيه لأنفسهم ولا للمسلمين . # و { خشب } بضم الخاء وضم الشين جمع خشبة بفتح الخاء وفتح الشين وهو جمع ~~نادر لم يحفظ إلا في ثمرة ، وقيل : ثمر جمع ثمار الذي هو جمع ثمرة فيكون ~~ثمر جمع جمع . فيكون خشب على مثال جمع الجمع وإن لم يسمع مفرده . ويقال : ~~خشب بضم فسكون وهو جمع خشبة لا محالة ، مثل : بدن جمع بدنة . # وقرأه الجمهور بضمتين . وقرأه قنبل عن ابنن كثير وأبو عمرو والكسائي ~~ويعقوب بضمة فسكون . # والمسندة التي سندت إلى حائط أو نحوه ، أي أميلت إليه فهي غليظة طويلة ~~قوية لكنها غير منتفع بها في سقف ولا مشدود بها جدار . شبهوا بالخشب ~~المسندة تشبيه التمثيل في حسن المرأى وعدم الجدوى ، أفيد بها أن أجسامهم ~~المعجب بها ومقالهم المصغى إليه خاليان عن النفع كخلو الخشب المسندة عن ~~الفائدة ، فإذا رأيتموهم حسبتموهم أرباب لب وشجاعة وعلم ودراية . وإذا ~~اختبرتموهم وجدتموهم على خلاف ذلك فلا تحتفلوا بهم . # . # هذه الجملة بمنزلة بدل البعض من مضمون جملة { كأنهم خشب مسندة } ، أي من ~~مخالفة باطنهم المشوه للظاهر المموه ، أي هم أهل جبن في صورة شجعان . # وهذا من جملة ما فضحته هذه السورة من دخائلهم ومطاوي نفوسهم كما تقدم في ~~الآيات السابقة وإن اختلفت مواقعها من تفنن أساليب النظم ، فهي مشتركة في ~~التنبيه على أسرارهم . # والصيحة : المرة من الصياح ، أي هم لسوء ما يضمرونه للمسلمين من العداوة ~~PageV28P240 لا يزالون ms8522 يتوجسون خيفة من أن ينكشف أمرهم عند المسلمين فهم في ~~خوف وهلع إذا سمعوا صيحة في خصومة أو أنشدت ضالة خشوا أن يكون ذلك غارة من ~~المسلمين عليهم للإيقاع بهم . # و { كل } هنا مستعمل في معنى الأكثر لأنهم إنما يتوجسون خوفا من صيحات لا ~~يعلمون أسبابها كما استعمله النابغة في قوله : # بها كل ذيال وخنساء ترعوي # إلى كل رجاف من الرمل فارد # وقوله : { عليهم } ظرف مستقر هو المفعول الثاني لفعل { يحسبون } وليس ~~متعلقا ب { صيحة } . # . # يجوز أن تكون استئنافا بيانيا ناشئا عن جملة { يحسبون كل صيحة عليهم } ~~لأن تلك الجملة لغرابة معناها تثير سؤالا عن سبب هلعهم وتخوفهم من كل ما ~~يتخيل منه بأس المسلمين فيجاب بأن ذلك لأنهم أعداء ألداء للمسلمين ينظرون ~~للمسلمين بمرآة نفوسهم فكما هم يتربصون بالمسلمين الدوائر ويتمنون الوقيعة ~~بهم في حين يظهرون لهم المودة كذلك يظنون بالمسلمين التربص بهم وإضمار ~~البطش بهم على نحو ما قال أبو الطيب : # إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه # وصدق ما يعتاده من توهم # ويجوز أن تكون الجملة بمنزلة العلة لجملة { يحسبون كل صيحة عليهم } على ~~هذا المعنى أيضا . # ويجوز أن تكون استئنافا ابتدائيا لذكر حالة من أحوالهم تهم المسلمين ~~معرفتها ليترتب عليها تفريع { فاحذرهم } وعلى كل التقادير فنظم الكلام واف ~~بالغرض من فضح دخائلهم . # والتعريف في { العدو } تعريف الجنس الدال على معين كمال حقيقة العدو فيهم ~~، لأن أعدى الأعادي العدو المتظاهر بالموالاة وهو مداح وتحت ضلوعه الداء ~~الدوي . وعلى هذا المعنى رتب عليه الأمر بالحذر منهم . PageV28P241 # و { العدو } : اسم يقع على الواحد والجمع . والمراد : الحذر من الاغترار ~~بظواهرهم الخلابة لئلا يخلص المسلمون إليهم بسرهم ولا يتقبلوا نصائحهم خشية ~~المكائد . # والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم ليبلغه المسلمين فيحذروهم . # . # تذييل فإنه جمع على الإجمال ما يغني عن تعداد مذامهم ( كقوله { أولئك ~~الذين يعلم الله ما في قلوبهم } ( النساء : 63 ) ) ، مسوق للتعجيب من حال ~~توغلهم في الضلالة والجهالة بعدولهم عن الحق . # فافتتح التعجيب منهم بجملة أصلها دعاء بالإهلاك والاستئصال ولكنها غلب ms8523 ~~استعمالها في التعجب أو التعجيب من سوء الحال الذي جره صاحبه لنفسه فإن ~~كثيرا من الكلم التي هي دعاء بسوء تستعمل في التعجيب من فعل أو قول مكروه ~~مثل قولهم : ثكلته أمه ، وويل أمه . وتربت يمينه . واستعمال ذلك في التعجب ~~مجاز مرسل للملازمة بين بلوغ الحال في السوء وبين الدعاء على صاحبه بالهلاك ~~، إذ لا نفع له ولا للناس في بقائه ، ثم الملازمة بين الدعاء بالهلاك وبين ~~التعجب من سوء الحال . فهي ملازمة بمرتبتين كناية رمزية . # و { أنى } هنا اسم استفهام عن المكان . وأصل { أنى } ظرف مكان وكثر ~~تضمينه معنى الاستفهام في استعمالاته ، وقد يكون للمكان المجازي فيفسر ~~بمعنى ( كيف ) كقوله تعالى : { قلتم أنى هذا في سورة عمران ، وفي قوله : ~~أنى لهم الذكرى في سورة الدخان . ومنه قوله هنا أنى يؤفكون } ، والاستفهام ~~هنا مستعمل في التعجيب على وجه المجاز المرسل لأن الأمر العجيب من شأنه أن ~~يستفهم عن حال حصوله . فالاستفهام عنه من لوازم أعجوبته . فجملة { أنى ~~يؤفكون } بيان للتعجيب الإجمالي المفاد بجملة { قاتلهم الله } . ~~PageV28P242 # و { يؤفكون } يصرفون يقال : أفكه ، إذا صرفه وأبعده ، والمراد : صرفهم عن ~~الهدى ، أي كيف أمكن لهم أن يصرفوا أنفسهم عن الهدى ، أو كيف أمكن لمضلليهم ~~أن يصرفوهم عن الهدى مع وضوح دلائله . # وتقدم نظير هذه الآية في سورة براءة . # هذا حالهم في العناد ومجافاة الرسول صلى الله عليه وسلم والإعراض عن ~~التفكر في الآخرة ، بله الاستعداد للفوز فيها . # و { تعالوا } طلب من المخاطب بالحضور عند الطالب ، وأصله فعل أمر من ~~التعالي ، وهو تكلف العلو ، أي الصعود ، وتنوسي ذلك وصار لمجرد طلب الحضور ~~، فلزم حالة واحدة فصار اسم فعل ، وتقدم عند قوله تعالى : { قل تعالوا أتل ~~ما حرم ربكم عليكم الآية في سورة الأنعام . # وهذا الطلب يجعل تعالوا } مشعر بأن هذه حالة من أحوال انفرادهم في ~~جماعتهم فهي ثالث الأغراض من بيان مختلف أنواع تلك الأحوال ، وقد ابتدأت ب ~~{ إذا } كما ابتدىء الغرضان السابقان ب { إذا } { إذا جاءك المنافقون } ( ~~المنافقون : 1 ) . و { إذا رأيتهم تعجبك أجسامهم ms8524 } ( المنافقون : 4 ) . # والقائل لهم ذلك يحتمل أن يكون بعض المسلمين وعظوهم ونصحوهم ، ويحتمل أنه ~~بعض منهم اهتدى وأراد الإنابة . # قيل المقول له هو عبد الله بن أبي ابن سلول على نحو ما تقدم من الوجوه في ~~ذكر المنافقين بصيغة الجمع عند قوله : { إذا جاءك المنافقون } ( المنافقون ~~: 1 ) وما بعده . # والمعنى : اذهبوا إلى رسول الله وسلوه الاستغفار لكم . وهذا بدل دلالة ~~اقتضاء على أن المراد توبوا من النفاق وأخلصوا الإيمان وسلوا رسول الله ~~ليستغفر لكم ما فرط منكم ، فكان الذي قال لهم ذلك مطلعا على نفاقهم وهذا ~~كقوله تعالى في PageV28P243 سورة البقرة { وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن ~~الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء . # وليس المراد من الاستغفار الصفح عن قول عبد الله بن أبي ليخرجن الأعز ~~منها الأذل . لأن ابن أبي ذهب إلى رسول الله وتبرأ من أن يكون قال ذلك ~~ولأنه لا يلتئم مع قوله تعالى : لن يغفر الله لهم } ( المنافقون : 6 ) . # ولي الرؤوس : إمالتها إلى جانب غير وجاه المتكلم . إعراضا عن كلامه ، أي ~~أبوا أن يستغفروا لأنهم ثابتون على النفاق ، أو لأنهم غير راجعين فيما ~~قالوه من كلام بذيء في جانب المسلمين ، أو لئلا يلزموا بالاعتراف بما نسب ~~إليهم من النفاق . # وقرأ الجمهور { لووا } بتشديد الواو الأولى مضاعف لوى للدلالة على الكثرة ~~فيقتضي كثرة اللي منهم ، أي لوى جمع كثير منهم رؤوسهم ، وقرأه نافع وروح عن ~~يعقوب بتخفيف الواو الأولى اكتفاء بإسناد الفعل إلى ضمير الجماعة . # والخطاب في { ورأيتهم } لغير معين ، أي ورأيتهم يا من يراهم حينئذ . # وجملة { وهم مستكبرون } في موضع الحال من ضمير يصدون ، أي يصدون صد ~~المتكبر عن طلب الاستغفار . # . # جملة معترضة بين حكاية أحوالهم نشأت لمناسبة قوله : { وإذا قيل لهم ~~تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رؤوسهم } ( المنافقون : 5 ) الخ . # واعلم أن تركيب : سواء عليه أكذا أم كذا ، ونحوه مما جرى مجرى المثل ~~فيلزم هذه الكلمات مع ما يناسبها من ضمائر المخبر عنه . ومدلوله استواء ~~الأمرين لدى المجرور بحرف ( على ) ، ولذلك يعقب بجملة تبين ms8525 جهة الاستواء ~~كجملة { لن يغفر الله لهم } . وجملة { لا يؤمنون في سورة البقرة . وقوله : ~~سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون في سورة يس وأما ما ينسب إلى ~~بثينة في رثاء جميل بن معمر من قولها : PageV28P244 # سواء علينا يا جميل بن معمر # إذا مت بأساء الحياة ولينها # فلا أحسبه صحيح الرواية . # وسواء اسم بمعنى مساو يعامل معاملة الجامد في الغالب فلا يتغير خبره نقول ~~: هما سواء ، وهم سواء . وشذ قولهم : سواءين . # و ( على ) من قوله : عليهم } بمعنى تمكن الوصف . فالمعنى : سواء فيهم . # وهمزة { أستغفرت لهم } أصلها همزة استفهام بمعنى : سواء عندهم سؤال ~~السائل عن وقوع الاستغفار لهم وسؤال السائل عن عدم وقوعه . وهو استفهام ~~مجازي مستعمل كناية عن قلة الاعتناء بكلا الحالين بقرينة لفظ سواء ولذلك ~~يسمي النحاة هذه الهمزة التسوية . وتقدم عند قوله تعالى : { إن الذين كفروا ~~سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم في سورة البقرة ، أي سواء عندهم استغفارك ~~لهم وعدمه . ف ( على ) للاستعلاء المجازي الذي هو التمكن والتلبس فتؤول إلى ~~معنى ( عند ) كما تقول سواء علي أرضيت أم غضبت وقوله تعالى : قالوا سواء ~~علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين في سورة الشعراء . # وجملة لن يغفر الله لهم } معترضة بين جملة { سواء عليهم } وجملة { هم ~~الذين يقولون } ( المنافقون : 7 ) وهي وعيد لهم وجزاء على استخفافهم ~~بالاستغفار من رسول الله صلى الله عليه وسلم # . # جملة مستأنفة استئنافا ابتدائيا عن حال من أحوالهم . # وجملة { إن الله لا يهدي القوم الفاسقين } تعليل لانتفاء مغفرة الله لهم ~~بأن الله غضب عليهم فحرمهم اللطف والعناية . # . PageV28P245 # هذا أيضا من مقالاتهم في مجامعهم وجماعتهم يقولونها لإخوانهم الذين كانوا ~~ينفقون على فقراء المسلمين تظاهرا بالإسلام كأنهم يقول بعضهم لبعض تظاهر ~~الإسلام بغير الإنفاق مثل قولهم لمن يقول لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله ~~، ولذلك عقبت بها . وقد جاء في الأحاديث الصحيحة أن قائل هذه المقالة عبد ~~الله بن أبي ابن سلول كما تقدم في طالعة تفسير هذه السورة فإسناد هذا القول ~~إلى ضمير المنافقين ms8526 لأنهم تقبلوه منه إذ هو رأس المنافقين أو فشا هذا القول ~~بين المنافقين فأخذوا يبثونه في المسلمين . # وموقع الجملة الاستئناف الابتدائي المعربب عن مكرهم وسوء طواياهم انتقالا ~~من وصف إعراضهم عند التقرب من الرسول صلى الله عليه وسلم إلى وصف لون آخر ~~من كفرهم وهو الكيد للدين في صورة النصيحة . # وافتتحت الجملة بضميرهم الظاهر دون الاكتفاء بالمستتر في { يقولون } ~~معاملة لهم بنقيض مقصودهم فإنهم ستروا كيدهم بإظهار قصد النصيحة ففضح الله ~~أمرهم بمزيد التصريح ، أي قد علمت أنكم تقولون هذا . وفي إظهار الضمير أيضا ~~تعريض بالتوبيخ كقوله تعالى : { أنتم قدمتموه لنا فبئس القرار } ( ص : 60 ) ~~. وليكون للجملة الاسمية إفادة ثبات الخبر ، وليكون الإتيان بالموصول مشعرا ~~بأنهم عرفوا بهذه الصلة . وصيغة المضارع في { يقولون } يشعر بأن في هذه ~~المقالة تتكرر منهم لقصد إفشائها . # و { من عند رسول الله } من كانوا في رعايته مثل أهل الصفة ومن كانوا ~~يلحقون بالمدينة من الأعراب العفاة أو فريق من الأعراب كان يمونهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بني المصطلق . روى البخاري عن زيد بن أرقم ~~قال : ( خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر أصاب الناس فيه شدة فقال ~~عبد الله بن أبي : لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله ) ~~وهذا كلام مكر لأن ظاهره قصد الرفق برسول الله صلى الله عليه وسلم من كلفة ~~إنفاق الأعراب الذين ألموا به في غزوة بني المصطلق ، وباطنه إرادة إبعاد ~~الأعراب عن تلقي الهدي النبوي وعن أن يتقوى بهم المسلمون أو تفرق فقراء ~~المهاجرين لتضعف بتفرقهم بعض قوة المسلمين . وروايات حديث زيد مختلطة . # وقوله : { رسول الله } يظهر أنه صدر من عبد الله بن أبي ومن معه من ~~PageV28P246 المنافقين بهذا اللفظ إذا كانوا قالوا ذلك جهرا في ملإ ~~المسلمين إذ هم يتظاهرون ساعتئذ بالإسلام . # و { حتى } مستعملة في التعليل بطريقة المجاز المرسل لأن معنى { حتى } ~~انتهاء الفعل المذكور قبلها وغاية الفعل ينتهي الفاعل عن الفعل إذا بلغها ، ~~فهي سبب للانتهاء وعلة ms8527 له ، وليس المراد فإذا نفضوا فأنفقوا عليهم . # والإنفضاض : التفرق والابتعاد . # . # عطف على جملة { هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله } إبطال ~~لمكر المنافقين فيما قصدوه من قولهم المتظاهرين بأنهم قصدوا به نصح ~~المسلمين ، أي لو تمشت حيلتهم على المسلمين فأمسكوا هم وبعض المسلمين عن ~~إنفاق الأعراب ومن يأوون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من العفاة ، فإن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم لا يقطع عنهم الإنفاق وذلك دأبه كما دل عليه ~~حديث عمر بن الخطاب ( أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله ~~أن يعطيه فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما عندي شيء ولكن ابتع علي فإذا ~~جاءني شيء قضيته . فقال عمر : يا رسول الله ما كلفك الله ما لا تقدر عليه ، ~~فكره النبي صلى الله عليه وسلم قول عمر . فقال رجل من الأنصار : يا رسول ~~الله أنفق ولا تخش من ذي العرشش إقلالا . فتبسم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وعرف في وجهه البشر لقول الأنصاري ثم قال : بهذا أمرت ) . رواه ~~الترمذي في كتاب ( الشمائل ) . # وهذا جواب من باب طريقة النقض لكلامهم في مصطلح آداب البحث . # و { خزائن } جمع خزانة بكسر الخاء . وهي البيت الذي تخزن فيه الطعام قال ~~تعالى : { قال اجعلني على خزائن الأرض تقدم في سورة يوسف . وتطلق على ~~الصندوق الكبير الذي يخزن فيه المال على سبيل التوسع وعلى بيوت الكتب ~~PageV28P247 وصناديقها ، ومن هذا ما جاء في حديث الصرف من الموطأ } ( حتى ~~يحضر خازني من الغابة ) . # و { خزائن السماوات } مقار أسباب حصول الأرزاق من غيوث رسمية وأشعة الشمس ~~والرياح الصالحة فيأتي ذلك بتوفير الثمار والحبوب وخصب المرعى وتزايد ~~النتاج . وأما خزائن الأرض فما فيها من أهرية ومطامير وأندر ، ومن كنوز ~~الأحوال وما يفتح الله لرسوله صلى الله عليه وسلم من البلاد وما يفيء عليه ~~من أهل القرى . # واللام في { لله } الملك أي التصرف في ذلك ملك لله تعالى . ولما كان ~~الإنفاق على فقراء المسلمين مما يعين على ظهور الدين ms8528 الذي أرسل الله به ~~رسوله صلى الله عليه وسلم كان الإخبار بأن الخزائن لله كناية عن تيسير الله ~~تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم حصول ما ينفق منه كما دل عليه قوله صلى ~~الله عليه وسلم لما قال له الأنصاري ( ولا تخش من ذي العرش إقلالا ) ( بهذا ~~أمرت ) . وذلك بما سيره الله لرسوله صلى الله عليه وسلم من زكوات المسلمين ~~وغنائم الغزوات ، وما فتح الله عليه من البلاد بخيراتها ، وما أفاء الله ~~عليه بغير قتال . # وتقديم المجرور من قوله : { ولله خزائن السماوات والأرض } لإفادة قصر ~~القلب وهو قلب للازم قولهم لا لصريحه لأن المنافقين لما قالوا : { لا ~~تنفقوا على من عند رسول الله } حسبوا أنهم إذا قطعوا الإنفاق على من عند ~~رسول الله لا يجد الرسول صلى الله عليه وسلم ما ينفق منه عليهم فأعلم الله ~~رسوله مباشرة وأعلمهم تبعا بأن ما عند الله من الرزق أعظم وأوسع . # واستدراك قوله : { ولكن المنافقين لا يفقهون } لرفع ما يتوهم من أنهم حين ~~قالوا : { لا تنفقوا على من عند رسول الله } كانوا قالوه عن بصيرة ويقين ~~بأن انقطاع إنفاقهم على الذين يلوذون برسول الله صلى الله عليه وسلم يقطع ~~رزقهم فينفضون عنه بناء على أن القدرة على الإنفاق منحصرة فيهم لأنهم أهل ~~الأحوال وقد غفلوا عن تعدد أسباب الغنى وأسباب الفقر . # والمعنى : أنهم لا يدركون دقائق المدركات وخفاياها . # ومفعول { يفقهون } محذوف ، أي لا يفقهون ذلك وهو مضمون { لله خزائن ~~السماوات والأرض } ، أو نزل الفعل منزلة اللازم مبالغة في انتفاء فقه ~~الأشياء عنهم في كل حال . PageV28P248 # استئناف ثان على أسلوب التعداد والتكرير ولذلك لم يعطف . ومثله يكثر في ~~مقام التوبيخ . وهذا وصف لخبث نواياهم إذ أرادوا التهديد وإفساد إخلاص ~~الأنصار وأخوتهم مع المهاجرين بإلقاء هذا الخاطر في نفوس الأنصار بذرا ~~للفتنة والتفرقة وانتهازا لخصومة طفيفة حدثت بين شخصين من موالي الفريقين ، ~~وهذا القول المحكي هنا صدر من عبد الله بن أبي ابن سلول حين كسع حليف ~~المهاجرين حليف الأنصار كما تقدم في ذكر سبب ms8529 نزول هذه السورة ، وعند قوله ~~تعالى : { هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله } ( المنافقون : ~~7 ) فإسناد القول إلى ضمير المنافقين هنا كإسناده هناك . # وصيغة المضارع في حكاية هذه المقالة لاستحضار الحالة العجيبة كقوله تعالى ~~: { يجادلنا في قوم لوط } ( هود : 74 ) . والمدينة هي مدينتهم المعهودة وهي ~~يثرب . # و { الأعز } : القوي العزة وهو الذي لا يقهر ولا يغلب على تفاوت في مقدار ~~العزة إذ هي من الأمور النسبية . والعزة تحصل بوفرة العدد وسعة المال ~~والعدة ، وأراد ب { الأعز } فريق الأنصار فإنهم أهل المدينة وأهل الأموال ~~وهم أكثر عددا من المهاجرين فأراد ليخرجن الأنصار من مدينتهم من جاءها من ~~المهاجرين . # وقد أبطل الله كلامهم بقوله : { ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين } وهو جواب ~~بالطريقة التي تسمي القول بالموجب في علم الجدل وهي مما يسمى بالتسليم ~~الجدلي في علم آداب البحث . # والمعنى : إن كان الأعز يخرج الأذل فإن المؤمنين هم الفريق الأعز . ~~وعزتهم بكون الرسول صلى الله عليه وسلم فيهم وبتأييد الله رسوله صلى الله ~~عليه وسلم وأولياءه لأن عزة الله هي العزة الحق المطلقة ، وعزة غيره ناقصة ~~، فلا جرم أن أولياء الله هم الذين لا يقهرون إذا أراد الله نصرهم ووعدهم ~~به . فإن كان إخراج من المدينة فإنما يخرج منها أنتم يا أهل النفاق . ~~PageV28P249 # وتقديم المسند على المسند إليه في { ولله العزة } لقصد القصر وهو قصر قلب ~~، أي العزة لله ولرسوله وللمؤمنين لا لكم كما تحسبون . # وإعادة اللام في قوله : { ولرسوله } مع أن حرف العطف مغن عنها لتأكيد عزة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وأنها بسبب عزة الله ووعده إياه ، وإعادة اللام ~~أيضا في قوله : { وللمؤمنين } للتأكيد أيضا إذ قد تخفى عزتهم وأكثرهم في ~~حال قلة وحاجة . # والقول في الاستدراك بقوله : { ولكن المنافقين لا يعلمون } نظير القول ~~آنفا في قوله : { ولكن المنافقين لا يفقهون } ( المنافقون : 7 ) . # وعدل عن الإضمار في قوله : { ولكن المنافقين لا يعلمون } . وقد سبق اسمهم ~~في نظيرها قبلها لتكون الجملة مستقلة الدلالة بذاتها فتسير سير المثل . # وإنما نفي عنهم ms8530 هنا العلم تجهيلا بسوء التأمل في أمارات الظهور والانحطاط ~~فلم يفطنوا للإقبال الذي في أحوال المسلمين وازدياد سلطانهم يوما فيوما ~~وتناقص من أعدائهم فإن ذلك أمر مشاهد فكيف يظن المنافقون أن عزتهم أقوى من ~~عزة قبائل العرب الذين يسقطون بأيدي المسلمين كلما غزوهم من يوم بدر فما ~~بعده . # انتقال من كشف أحوال المنافقين المسوق للحذر منهم والتحذير من صفاتهم ، ~~إلى الإقبال على خطاب المؤمنين بنهيهم عما شأنه أن يشغل عن التذكر لما أمر ~~الله ونهى ، ثم الأمر بالإنفاق في سبل الخير في سبيل الله ومصالح المسلمين ~~وجماعتهم وإسعاف آحادهم ، لئلا يستهويهم قول المنافقين { لا تنفقوا على من ~~عند رسول الله } ( المنافقين : 7 ) والمبادرة إلى ذلك قبل إتيان الموت الذي ~~لا يدرى وقت حلوله حين تمنى أن يكون قد تأخر أجله ليزيد من العمل الصالح ~~فلا ينفعه التمني وهو تمهيد لقوله بعده { وأنفقوا من ما رزقناكم } ( ~~المنافقون : 10 ) ، فالمناسبة لهذا الانتقال هو حكاية مقال المنافقين ولذلك ~~قدم ذكر الأموال على ذكر الأولاد لأنها أهم بحسب السياق . PageV28P250 # ونودي المخاطبون بطريق الموصول لما تؤذن به الصلة من التهمم لامتثال ~~النهي . # وخص الأموال والأولاد بتوجه النهي عن الاشتغال بها اشتغالا يلهي عن ذكر ~~الله لأن الأموال مما يكثر إقبال الناس على إنمائها والتفكير في اكتسابها ~~بحيث تكون أوقات الشغل بها أكثر من أوقات الشغل بالأولاد . ولأنها كما تشغل ~~عن ذكر الله بصرف الوقت في كسبها ونمائها ، تشغل عن ذكره أيضا بالتذكير ~~لكنزها بحيث ينسى ذكر ما دعا الله إليه من إنفاقها . # وأما ذكر الأولاد فهو إدماج لأن الاشتغال بالأولاد والشفقة عليهم وتدبير ~~شؤونهم وقضاء الأوقات في التأنس بهم من شأنه أن ينسي عن تذكر أمر الله ~~ونهيه في أوقات كثيرة فالشغل بهذين أكثر من الشغل بغيرهما . # وصيغ الكلام في قالب توجيه النهي عن الإلهاء عن الذكر ، إلى الأموال ~~والأولاد والمراد نهي أصحابها ، وهو استعمال معروف وقرينته هنا قوله : { ~~ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون } . وأصله مجاز عقلي مبالغة في نهي ~~أصحابها عن الاشتغال بسببها ms8531 عن ذكر الله ، فنزل سبب الإلهاء منزلة اللاهي ~~للملابسة بينهما وهو كثير في القرآن وغيره كقوله : { يا بني آدم لا يفتننكم ~~الشيطان } ( الأعراف : 27 ) وقولهم لا أعرفنك تفعل كذا . # و { لا } في قوله : { ولا أولادكم } نافية عاطفة { أولادكم } على { ~~أموالكم } ، والمعطوف عليه مدخول { لا } الناهية لأن النهي يتضمن النفي إذ ~~هو طلب عدم الفعل ف { لا } الناهية أصلها { لا } النافية أشربت معنى النهي ~~عند قصد النهي فجزمت الفعل حملا على مضادة معنى لام الأمر فأكد النهي عن ~~الاشتغال بالأولاد بحرف النفي ليكون للاشتغال بالأولاد حظ مثل حظ الأموال . # و { ذكر الله } مستعمل في معنييه الحقيقي والمجازي . فيشمل الذكر باللسان ~~كالصلاة وتلاوة القرآن ، والتذكر بالعقل كالتدبر في صفاته واستحضار امتثاله ~~قال عمر بن الخطاب : ( أفضل من ذكر الله باللسان ذكر الله عند أمره ونهيه ) ~~. # وفيه أن الاشتغال بالأموال والأولاد الذي لا يلهي عن ذكر الله ليس بمذموم ~~وله مراتب . PageV28P251 # وقوله : { ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون } ، دليل على قول علماء أصول ~~الفقه ( النهي اقتضاء كف عن فعل ) . # والإشارة ب { ذلك } إلى اللهو عن ذكر الله بسبب الأموال والأولاد ، أي ~~ومن يله عن ذكر الله ، أي يترك ذكر الله الذي أوجبه مثل الصلاة في الوقت ~~ويترك تذكر الله ، أي مراعاة أوامره ونواهيه . # ومتى كان اللهو عن ذكر الله بالاشتغال بغير الأموال وغير الأولاد كان ~~أولى بحكم النهي والوعيد عليه . # وأفاد ضمير الفصل في قوله : { فأولئك هم الخاسرون } قصر صفة الخاسر على ~~الذين يفعلون الذي نهوا عنه ، وهو قصر ادعائي للمبالغة في اتصافهم بالخسران ~~كأن خسران غيرهم لا يعد خسرانا بالنسبة إلى خسرانهم . # والإشارة إليهم ب { أولئك } للتنبيه على أنهم استحقوا ما بعد اسم الإشارة ~~بسبب ما ذكر قبل اسم الإشارة ، أعني اللهو عن ذكر الله . # هذا إبطال ونقض لكيد المنافقين حين قالوا : { لا تنفقوا على من عند رسول ~~الله } ( المنافقون : 7 ) ، وهو يعم الإنفاق على الملتفين حول رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم والإنفاق على غيرهم فكانت الجملة كالتذييل . # وفعل { أنفقوا } مستعمل ms8532 في الطلب الشامل للواجب والمستحب فإن مدلول صيغة ~~: افعل ، مطلق الطلب ، وهو القدر المشترك بين الوجوب والندب . # وفي قوله : { من ما رزقناكم } إشارة إلى أن الإنفاق المأمور به شكر لله ~~على ما رزق المنفق فإن الشكر صرف العبد ما أنعم الله به عليه فيما خلق ~~لأجله ، ويعرف ذلك من تلقاء الشريعة . PageV28P252 # و { من } للتبعيض ، أي بعض ما رزقناكم ، وهذه توسعة من الله على عباده ، ~~وهذا البعض منه هو معين المقدار مثل مقادير الزكاة وصدقة الفطر . ومنه ما ~~يتعين بسد الخلة الواجب سدها مع طاقة المنفق كنفقات الحج والجهاد والرباط ~~ونفقات العيال الواجبة ونفقات مصالح المسلمين الضرورية والحاجية ، ومنه ما ~~يتعين بتعين سببه كالكفارات ، ومنه ما وكل للناس تعيينه مما ليس بواجب من ~~الإنفاق فذلك موكول إلى رغبات الناس في نوال الثواب فإن ذلك باب عظيم من ~~القربى من رضى الله تعالى ، وفي الحديث ( الصدقة تطفىء الخطايا كما يطفىء ~~الماء النار ) . # وقد ذكر الله المؤمنين بما في الإنفاق من الخير بأن عليهم أن يكثروا منه ~~ما داموا مقتدرين قبل الفوت ، أي قبل تعذر الإنفاق والإتيان بالأعمال ~~الصالحة ، وذلك حين يحس المرء بحالة تؤذن بقرب الموت ويغلب على قواه فيسأل ~~الله أن يؤخر موته ويشفيه ليأتي بكثير مما فرط فيه من الحسنات طمعا أن ~~يستجاب له فإن كان في أجله تأخير فلعل الله أن يستجيب له ، فإن لم يكن في ~~الأجل تأخير أو لم يقدر الله له الاستجابة فإنه خير كثير . # و { لولا } حرف تحضيض ، والتحضيض الطلب الحثيث المضطر إليه ، ويستعمل { ~~لولا } للعرض أيضا والتوبيخ والتنديم والتمني على المجاز أو الكناية ، ~~وتقدم عند قوله تعالى : { فلولا كانت قرية آمنت في سورة يونس . # وحق الفعل بعدها أن يكون مضارعا وإنما جاء ماضيا هنا لتأكيد إيقاعه في ~~دعاء الداعي حتى كأنه قد تحقق مثل أتى أمر الله } ( النحل : 1 ) وقرينة ذلك ~~ترتيب فعلي { فأصدق وأكن من الصالحين } عليه . # والمعنى : فيسأل المؤمن ربه سؤالا حثيثا أن يحقق تأخير موته إلى أجل ~~يستدرك فيه ما اشتغل ms8533 عنه من إنفاق وعمل صالح . # ووصف الأجلل ب { قريب } تمهيد لتحصيل الاستجابة بناء على متعارف الناس أن ~~الأمر اليسير أرجى لأن يستجيبه المسؤول فيغلب ذلك على شعورهم حين يسألون ~~الله تنساق بذلك نفوسهم إلى ما عرفوا ، ولذلك ورد في الحديث ( لا يقولن ~~أحدكم : اللهم اغفر لي إن شئت وليعزم المسألة فإنه لا مكره له ) . تنبيها ~~على هذا التوهم فالقرآن حكى عن الناس ما هو الغالب على أقوالهم . ~~PageV28P253 # وانتصب فعل { فأصدق } على إضمار ( أن ) المصدرية إضمارا واجبا في جواب ~~الطلب . # وأما قوله : { وأكن } فقد اختلف فيه القراء . # فأما الجمهور فقرأوه مجزوما بسكون آخره على اعتباره جوابا للطلب مباشرة ~~لعدم وجود فاء السببية فيه ، واعتبار الواو عاطفة جملة على جملة وليست ~~عاطفة مفردا على مفرد . وذلك لقصد تضمين الكلام معنى الشرط زيادة على معنى ~~التسبب فيغني الجزم عن فعل شرط . فتقديره : إن تؤخرني إلى أجل قريب أكن من ~~الصالحين ، جمعا بين التسبب المفاد بالفاء ، والتعليق الشرطي المفاد بجزم ~~الفعل . # وإذا قد كان الفعل الأول هو المؤثر في الفعلين الواقع أحدهما بعد فاء ~~السببية والآخر بعد الواو العاطفة عليه . فقد أفاد الكلام التسبب والتعليق ~~في كلا الفعلين وذلك يرجع إلى محسن الاحتباك . فكأنه قيل : لولا أخرتني إلى ~~أجل قريب فأصدق وأكون من الصالحين . إن تؤخرني إلى أجل قريب أصدق وأكن من ~~الصالحين . # ومن لطائف هذا الاستعمال أن هذا السائل بعد أن حث سؤاله أعقبه بأن الأمر ~~ممكن فقال : إن تؤخرني إلى أجل قريب أصدق وأكن من الصالحين . وهو من بدائع ~~الاستعمال القرآني لقصد الإيجاز وتوفير المعاني . # ووجه أبو علي الفارسي والزجاج قراءة الجمهور بجعل { وأكن } معطوفا على ~~محل { فأصدق } . وقرأه أبو عمرو وحده من بين العشرة { وأكون } بالنصب ~~والقراءة رواية متواترة وإن كانت مخالفة لرسم المصاحف المتواترة . وقيل : ~~إنها يوافقها رسم مصحف أبي بن كعب ومصحف ابن مسعود . # وقرأ بذلك الحسن والأعمش وابن محيض من القراءات غير المشهورة . ورويت عن ~~مالك بن دينار وابن جبير وأبي رجاء . وتلك أقل شهرة . # واعتذر أبو عمرو ms8534 عن مخالفة قراءته للمصحف بأن الواو حذفت في الخط اختصارا ~~يريد أنهم حذفوا صورة إشباع الضمة وهو الواو اعتمادا على نطق القارىء ~~PageV28P254 كما تحذف الألف اختصارا بكثرة في المصاحف . وقال القراء العرب ~~: قد تسقط الواو في بعض الهجاء كما أسقطوا الألف من سليمان وأشباهه ، أي ~~كما أسقطوا الواو الثانية من داوود وبكثرة يكتبونه داود . قال الفراء : ~~ورأيت في مصاحف عبد الله ( فقولا ) نقلا بغير واو ، وكل هذا لا حاجة إليه ~~لأن القرآن ملتقى بالتواتر لا بهجاء المصاحف وإنما المصاحف معينة على حفظه ~~. # . # اعتراض في آخر الكلام فالواو اعتراضية تذكيرا للمؤمنين بالأجل لكل روح ~~عند حلولها في جسدها حين يؤمر الملك الذي ينفخ الروح يكتب أجله وعمله ورزقه ~~وشقي أو سعيد . فالأجل هو المدة المعينة لحياته لا يؤخر عن أمده فإذا حضر ~~الموت كان دعاء المؤمن الله بتأخير أجله من الدعاء الذي استجاب لأن الله ~~قدر الآجال . # وهذا سر عظيم لا يعلم حكمة تحديده إلا الله تعالى . # والنفس : الروح ، سميت نفسا أخذا من النفس بفتح الفاء وهو الهواء الذي ~~يخرج من الأنف والفم من كل حيوان ذي رئة ، فسميت النفس نفسا لأن النفس ~~يتولد منها ، كما سمي مرادف النفس روحا لأنه مأخوذ الروح بفتح الراء لأن ~~الروح به . قاله أبو بكر بن الأنباري . # و { أجلها } الوقت المحدد لبقائها في الهيكل الإنساني . # ويجوز أن يراد بالنفس الذات ، أي شخص الإنسان وهو من معاني النفس . كما ~~في قوله تعالى : { أن النفس بالنفس } ( المائدة : 45 ) وأجلها الوقت المعين ~~مقداره لبقاء الحياة . # و { لن } لتأكيد نفي التأخير ، وعموم { نفسا } في سياق النفي يعم نفوس ~~المؤمنين وغيرهم . PageV28P255 # ومجيء الأجل حلول الوقت المحدد للاتصال بين الروح والجسد وهو ما علمه ~~الله من طاقة البدن للبقاء حيا بحسب قواه وسلامته من العوارض المهلكة . # وهذا إرشاد من الله للمؤمنين ليكونوا على استعداد للموت في كل وقت ، فلا ~~يؤخروا ما يهمهم عمله سؤال ثوابه فما من أحد يؤخر العمل الذي يسره أن يعمله ~~وينال ثوابه إلا وهو معرض لأن يأتيه ms8535 الموت عن قريب أو يفاجئه ، فعليه ~~بالتحرز الشديد من هذا التفريط في كل وقت وحال ، فربما تعذر عليه التدارك ~~بفجأة الفوات ، أو وهن المقدرة فإنه إن كان لم تطاوعه نفسه على العمل ~~الصالح قبل الفوات فكيف يتمنى تأخير الأجل المحتوم . # . # عطف على جملة { لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم } ( المنافقون : 9 ) . أو ~~تذييل والواو اعتراضية . # ويفيد بناء الخبر على الجملة الاسمية تحقيق علم الله بما يعمله المؤمنون ~~. ولما كان المؤمنون لا يخامرهم شك في ذلك كان التحقيق والتقوي راجعا إلى ~~لازم الخبر وهو الوعد والوعيد والمقام هنا مقامهما لأن الإنفاق المأمور به ~~منه الواجب المندوب . وفعلهما يستحق الوعد . وترك أولهما يستحق الوعيد . # وإيثار وصف { خبير } دون : عليم ، لما تؤذن به مادة { خبير } من العلم ~~بالأمور الخفية ليفيد أنه تعالى عليم بما ظهر من الأعمال وما بطن مثل أعمال ~~القلب التي هي العزائم والنيات ، وإيقاع هذه الجملة بعد ذكر ما يقطعه الموت ~~من ازدياد الأعمال الصالحة إيماء إلى أن ما عسى أن يقطعه الموت من العزم ~~على العمل إذا كان وقته المعين له شرعا ممتدا كالعمر للحج على المستطيع لمن ~~لم يتوقع طرو مانع . وكالوقت المختار للصلوات ، أن حيلولة الموت دون إتمامه ~~لا يرزىء المؤمن ثوابه لأن المؤمن إذا اعتاد حزبا أو عزم على عمل صالح ثم ~~عرض له ما منعه منه أن الله يعطيه أجره . # ومن هذا القبيل : أن من هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة ~~كما في الحديث الصحيح . PageV28P256 # وقرأ الجمهور { بما تعملون } بالمثناة الفوقية . وقرأه أبو بكر عن عاصم ~~بالمثناة التحتية فيكون ضمير الغيبة عائدا إلى { نفسا } الواقع في سياق ~~النفي لأنه عام فله حكم الجمع في المعنى . # PageV28P257 # | 1 ( سورة التغابن ) 1 # سميت هذه السورة ( سورة التغابن ) ، ولا تعرف بغير هذا الاسم ولم ترد ~~تسميتها بذلك في خبر مأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سوى ما ذكره ~~ابن عطية عن الثعلبي عن ابن عمر من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما ~~من ms8536 مولود إلا وفي تشابيك مكتوب خمس آيات فاتحة سورة التغابن ) . والظاهر أن ~~منتهى هذه الآيات قوله تعالى : { والله عليم بذات الصدور } ( التغابن : 4 ) ~~فتأمله . ورواه القرطبي عن ابن عمر ولم ينسبه إلى التعليق فلعله أخذه من ~~تفسير ابن عطية . # ووجه التسمية وقوع لفظ { التغابن } ( التغابن : 9 ) فيها ولم يقع في ~~غيرها من القرآن . # وهي مدنية في قول الجمهور وعن الضحاك هي مكية . وروى الترمذي عن عكرمة عن ~~ابن عباس ( أن تلك الآيات نزلت في رجال أسلموا من أهل مكة وأرادوا الهجرة ~~فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الحديث . وقال مجاهد : نزلت في شأن عوف الأشجعي كما سيأتي . # وهي معدودة السابعة والمائة في ترتيب نزول السور نزلت بعد سورة الجمعة ~~وقبل سورة الصف بناء على أنها مدنية . # وعدد آيها ثماني عشرة . # $ 2 ( { يسبح لله ما فى السماوات وما فى الارض له الملك وله الحمد وهو ~~على كل شىء قدير * هو الذى خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما تعملون ~~بصير * خلق السماوات والارض بالحق وصوركم فأحسن صوركم وإليه المصير * يعلم ~~ما فى السماوات والارض ويعلم ما تسرون وما تعلنون والله عليم بذات الصدور * ~~ألم يأتكم نبؤا الذين كفروا من قبل فذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم * ~~ذالك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالو & # 1764 ا أبشر يهدوننا فكفروا وتولوا واستغنى الله والله غنى حميد * زعم ~~الذين كفرو & # 1764 ا أن لن يبعثوا قل بلى وربى لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على ~~الله يسير * فئامنوا بالله ورسوله والنور الذى & # 1764 أنزلنا والله بما تعملون خبير * يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم ~~التغابن ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر عنه سيئاته ويدخله جنات تجرى من ~~تحتها الانهار خالدين فيهآ أبدا ذلك الفوز العظيم * والذين كفروا وكذبوا ~~بئاياتنآ أولائك أصحاب النار خالدين فيها وبئس المصير * مآ أصاب من مصيبة ~~إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شىء عليم * وأطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول فإن توليتم ms8537 فإنما على رسولنا البلاغ المبين * الله لا إلاه ~~إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنون * ياأيها الذين ءامنو & # 1764 ا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم وإن تعفوا وتصفحوا ~~وتغفروا فإن الله غفور رحيم * إنمآ أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر ~~عظيم * فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا لانفسكم ومن ~~يوق شح نفسه فأولائك هم المفلحون * إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ~~ويغفر لكم والله شكور حليم * عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم } ) 2 $ ~~PageV28P258 أغراضها # واشتملت هذه السورة على التذكير بأن من في السماء ومن في الأرض يسبحون ~~لله ، أي ينزهونه عن النقائص تسبيحا متجددا . # وأن الملك لله وحده فهو الحقيق بإفراده بالحمد لأنه خالق الناس كلهم فآمن ~~بوحدانيته ناس وكفر ناس ولم يشكروا نعمه إذ خلقهم في أحسن صورة وتحذيرهم من ~~إنكار رسالة محمد صلى الله عليه وسلم # وإنذارهم على ذلك ليعتبروا بما حل بالأمم الذين كذبوا رسلهم وجحدوا ~~بيناتهم تكبرا أن يهتدوا بإرشاد بشر مثلهم . # والإعلام بأن الله عليم بالظاهر والخفي في السماوات والأرض فلا يجري أمر ~~في العالم إلا على ما اقتضته حكمته . # وأنحى عليهم إنكار البعث وبين لهم عدم استحالته وهددهم بأنهم يلقون حين ~~يبعثون جزاء أعمالهم فإن أرادوا النجاة فليؤمنوا بالله وحده وليصدقوا رسوله ~~صلى الله عليه وسلم والكتاب الذي جاء به ويؤمنوا بالبعث فإنهم إن آمنوا ~~كفرت عنهم سيئاتهم وإلا فجزاؤهم النار خالدين فيها . # ثم تثبيت المؤمنين على ما يلاقونه من ضر أهل الكفر بهم فليتوكلوا على ~~الله في أمورهم . # وتحذير المؤمنين من بعض قرابتهم الذين تغلغل الإشراك في نفوسهم تحذيرا من ~~أن يثبطوهم عن الإيمان والهجرة . # وعرض لهم بالصبر على أموالهم التي صادرها المشركون . # وأمرهم بإنفاق المال في وجوه الخير التي يرضون بها ربهم وبتقوى الله ~~والسمع له والطاعة . # PageV28P259 # لما كان جل ما اشتملت عليه هذه السورة إبطال إشراك المشركين وزجرهم عن ~~دين الإشراك بأسره وعن تفاريعه التي أعظمها إنكارهم البعث وتكذيبهم الرسول ~~صلى الله عليه وسلم وتكذيب القرآن وتلك أصول ms8538 ضلالهم ابتدئت السورة بالإعلان ~~بضلالهم وكفرانهم المنعم عليهم ، فإن ما في السماوات والأرض يسبح لله تعالى ~~عن النقائص : إما بلسان المقال مثل الملائكة والمؤمنين أو بلسان الحال مثل ~~عبادة المطيعين من المخلوقات المدركة كالملائكة والمؤمنين ، وإما بلسان ~~الحال مثل دلالة حال الاحتياج إلى الإيجاد والإمداد كحاجة الحيوان إلى ~~الرزق وحاجة الشجرة إلى المطر وما يشهد به حال جميع تلك الكائنات من أنها ~~مربوبة لله تعالى ومسخرة لما أراده منها . وكل تلك المخلوقات لم تنقض دلالة ~~حالها بنقائض كفر مقالها فلم يخرج عن هذا التسبيح إلا أهل الضلال من الإنس ~~والشياطين فإنهم حجبوا بشهادة حالهم لما غشوها به من صرح الكفر . # فالمعنى : يسبح لله ما في السماوات والأرض وأنتم بخلاف ذلك . # وهذا يفيد ابتداء تقرير تنزيه الله تعالى وقوة سلطانه ليزداد الذين آمنوا ~~إيمانا ويكون لهم تعليما وامتنانا ويفيد ثانيا بطريق الكناية تعريضا ~~بالمشركين الذين لم ينزهوه ولا وقروه فنسبوا إليه شركاء . # وجيء بفعل التسبيح مضارعا للدلالة على تجدد ذلك التسبيح ودوامه وقد سبق ~~نظيره في فاتحة سورة الجمعة . # وجيء به في فواتح سور : الحديد ، والحشر ، والصف بصيغة الماضي للدلالة ~~على أن التسبيح قد استقر في قديم الأزمان . فحصل من هذا التفنن في فواتح ~~هذه السورة كلا المعنيين زيادة على ما بيناه من المناسبة الخاصة بسورة ~~الجمعة ، وما في هاته السورة من المناسبة بين تجدد التسبيح والأمر بالعفو ~~عن ذوي القربى والأمر بالتقوى بقدر الاستطاعة والسمع والطاعة لكي لا يكتفي ~~المؤمنون بحصول إيمانهم ليجتهدوا في تعزيزه بالأعمال الصالحة . # وإعادة { ما } الموصولة في قوله : { وما في الأرض } لقصد التوكيد اللفظي ~~. # وجملة { له الملك } استئناف واقع موقع التعليل والتسبب لمضمون يسبح لله ~~ما في السماوات وما في الأرض فإن ملابسة جميع الموجودات لدلائل تنزيه الله ~~تعالى PageV28P260 عن الشركاء وعن النقائص لا مقتضى لها إلا انفراده ~~بتملكها وإيجادها وما فيها من الاحتياج إليه وتصرفه فيها تصرف المالك ~~المتفرد في ملكه . # وفي هذه الجملة تنويه بإقبال أهل السماوات والأرض على تسبيح الله وتجديد ~~ذلك التسبيح ms8539 . # فتقديم المسند على المسند إليه لإفادة تخصيصه بالمسند إليه ، أي قصر تعلق ~~لام الاستحقاق بالملك عليه تعالى فلا ملك لغيره وهو قصر ادعائي مبني على ~~عدم الاعتداد بما لغير الله من ملك لنقصه وعدم خلوه عن الحاجة إلى غيره من ~~هو له بخلاف ملكه تعالى فهو الملك المطلق الداخل في سلطانه كل ذي ملك . # وجملة { وله الحمد } مضمونها سبب لتسبيح الله ما في السماوات وما في ~~الأرض ، إذ التسبيح من الحمد ، فلا جرم أن كان حمد ذوي الإدراك مختصا به ~~تعالى إذ هو الموصوف بالجميل الاختياري المطلق فهو الحقيق بالحمد والتسبيح ~~. # فهذا القصر ادعائي لعدم الاعتداد بحمد غيره لنقصان كمالاتهم وإذا أريد ~~بالحمد ما يشمل الشكر أو يفضي إليه كما في الحديث ( الحمد رأس الشكر لم ~~يشكر الله عبد لم يحمده ) وهو مقتضى المقام من تسفيه أحلام المشركين في ~~عبادتهم غيره فالشكر أيضا مقصور عليه تعالى لأنه المنعم الحق بنعم لا قبل ~~لغيره بإسدائها ، وهو المفيض على المنعمين ما ينعمون به في الظاهر ، قال ~~تعالى : { وما بكم من نعمة فمن الله } ( النحل : 53 ) كما تقدم في تفسير ~~أول سورة الفاتحة . # وجملة { وهو على كل شيء قدير } معطوفة على اللتين قبلها وهي بمنزلة ~~التذييل لهما والتبيين لوجه القصرين فيهما ، فإن التقدير على كل شيء هو ~~صاحب الملك الحق وهو المختص بالحمد الحق . # وفي هذا التذييل وعد للشاكرين ووعيد وترهيب للمشركين . # والاقتصار على ذكر وصف { قدير } هنا لأن المخلوقات التي تسبح الله دالة ~~على صفة القدرة أولا لأن من يشاهد المخلوقات يعلم أن خالقها قادر . # PageV28P261 # هذا تقرير لما أفاده قوله : { يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض } ( ~~التغابن : 1 ) ، وتخلص للمقصود منه على وجه التصريح بأن الذين أشركوا بالله ~~قد كفروا بنعمته وبخلقهم زيادة على جحدهم دلائل تنزهه تعالى عن النقص الذي ~~اعتقدوه له . ولذلك قدم { فمنكم كافر } على { ومنكم مؤمن } لأن الشق الأول ~~هو المقصود بهذا الكلام تعريضا وتصريحا . # وأفاد تعريف الجزأين من جملة { هو الذي خلقكم } قصر صفة الخالقية ms8540 على ~~الله تعالى ، وهو قصر حقيقي قصد به الإشارة بالكناية بالرد على المشركين إذ ~~عمدوا إلى عبادة أصنام يعلمون أنها لم تخلقهم فما كانت مستحقة لأن تعبد ، ~~لأن العبادة شكر . قال تعالى : { أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون } ( ~~النحل : 17 ) . # والخطاب في قوله : { خلقكم } لجميع الناس الذين يدعوهم القرآن بقرينة ~~قوله : { فمنكم كافر ومنكم مؤمن } ، فإن الناس لا يعدون هذين القسمين . # والفاء في { فمنكم كافر } عاطفة على جملة { هو الذي خلقكم } وليست عاطفة ~~على فعل { خلقكم } وهي للتفريع في الوقوع دون تسبب . # ونظيره قوله : { وجعلنا في ذريتهما النبوءة والكتاب فمنهم مهتد وكثير ~~منهم فاسقون } ( الحديد : 26 ) ومثل هذا التفريع يستتبع التعجيب من جري ~~أحوال بعض الناس على غير ما يقتضيه الطبع { وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون } ( ~~الواقعة : 82 ) فجملة { فمنكم كافر } هي المقصود من التفريع ، وهو تفريع في ~~الحصول . وقدم ذكر الكافر لأنه الأهم في هذا المقام كما يشير إليه قوله ~~تعالى في { ألم يأتكم نبؤا الذين كفروا من قبل } ( التغابن : 5 ) . # وجملة { ومنكم مؤمن } تتميم وتنويه بشأن أهل الإيمان ومضادة حالهم لحال ~~أهل الكفر ومقابلة الحال بالحال . # وقوله : { والله بما تعملون بصير } تتميم واحتراس واستطراد ، فهو تتميم ~~لما يكمل المقصود من تقسيمهم إلى فريقين لإبداء الفرق بين الفريقين في ~~الخير والشر وهو عليم بذلك وعليم بأنه يقع وليس الله مغلوبا على وقوعه ولكن ~~حكمته وعلمه اقتضيا ذلك . ودون تفصيل هذا تطويل نخصه بتأليف في معنى القدر ~~وجريان أعمال الناس في الدنيا إن شاء الله . ونقتصر هنا على أن نقول : خلق ~~الله الناس PageV28P262 وأودع فيهم العقول التي تتوصل بالنظر السليم من ~~التقصير وشوائب الهوى وغشاوات العناد إلى معرفة الله على الوصف اللائق به ~~وخلق فيهم القدرة على الأعمال الصالحة وغيرها المسماة عند الأشعري بالكسب ~~وعند المعتزلة بقدرة العبد ( والخلاف في التعبير ) . وأرشدهم إلى الصلاح ~~وحذرهم من الفساد ، والله عالم بما يكتسبه كل أحد ولو شاء لصرف مقترف ~~الفساد عن فعله ولكنه أوجد نظما مرتبطا بعضها ببعض ومنتشرة فقضت حكمته ~~بالحفاظ ms8541 على تلك النظم الكثيرة بأن لا يعوق سيرها في طرائقها ولا يعطل ~~عملها لأجل إصلاح أشخاص هم جزء من كل لأن النظم العامة أعم فالحفاظ على ~~اطرادها أصلح وأرجح ، فلا تتنازل إرادة الله وقدرته إلى التدخل فيما سمي ~~بالكسب على أصولنا أو بالقدرة الحادثة على أصول المعتزلة ، بل جعل بحكمته ~~بين الخلقق والكسب حاجزا هو نظام تكوين الإنسان بما فيه من إرادة وإدراك ~~وقدرة ، وقد أشار إلى هذا قوله : { والله بما تعملون بصير } أي هو بصير به ~~من قبل أن تعملوه ، وبعد أن عملتموه . # فالبصير : أريد به العالم علم انكشاف لا يقبل الخفاء فهو كعلم المشاهدة ~~وهذا إطلاق شائع في القرآن لا سيما إذا أفردت صفة { بصير } بالذكر ولم تذكر ~~معها صفة ( سميع ) . # واصطلح بعض المتكلمين على أن صفة البصيرة : العالم بالمرئيات . وقال ~~بعضهم : هي تعلق العلم الإلاهي بالأمور عند وقوعها . والحق أنها استعمالات ~~مختلفة . وبهذا يتضح وجه الجمع بين ما يبدو من تعارض بين آيات القرآن ~~وإخبار من السنة فاجعلوه مثالا يحتدى ، وقولوا هكذا . هكذا . # وهو احتراس من أن يتوهم من تقسيمهم إلى فريقين أن ذلك رضى بالحالين كما ~~حكي عن المشركين { وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم } ( الزخرف : 20 ) . # وهو استطراد بطريق الكناية به عن الوعد والوعيد . # وشمل قوله : { بما تعملون } أعمال القلوب كالإيمان وهي المقصود ابتداء ~~هنا . # . PageV28P263 # استئناف بياني ناشىء عن قوله : { فمنكم كافر ومنكم مؤمن } ( التغابن : 2 ~~) يبين أن انقسامهم إلى قسمي الكافرين والمؤمنين نشأ عن حياد فريق من الناس ~~عن الحق الذي أقيم عليه خلق السماوات والأرض لأن الحق أن يؤمن الناس بوجود ~~خالقهم ، وبأنه واحد وأن يفردوه بالعبادة فذلك الذي أراده الله من خلقهم ، ~~قال تعالى : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } ( الذاريات : 56 ) . ~~وقال : { فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل ~~لخلق الله } ( الروم : 30 ) فمن حاد عن الإيمان ومال إلى الكفر فقد حاد عن ~~الحق والفطرة . # . # وقوله : { بالحق } معترض بين جملة { خلق السماوات والأرض } وجملة { ~~وصوركم } . # وفي ms8542 قوله : { بالحق } إيماء إلى إثبات البعث والجزاء لأن قوله بالحق ~~متعلق بفعل { خلق } تعلق الملابسة المفاد بالباء ، أي خلقا ملابسا للحق ، ~~والحق ضد الباطل ، ألا ترى إلى قوله تعالى : { إن في خلق السماوات والأرض ~~إلى قوله : ربنا ما خلقت هذا باطلا } ( آل عمران : 190 ، 191 ) . والباطل ~~مصدقه هنالك هو العبث لقوله تعالى : { وما خلقنا السماوات والأرض وما ~~بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق } ( الدخان : 38 ، 39 ) فتعين أن مصدق ~~الحق في قوله : { خلق السماوات والأرض بالحق } أنه ضد العبث والإهمال . # والمراد ب { خلق السماوات والأرض } خلق ذواتهن وخلق ما فيهن من المخلوقات ~~كما أنبأ عنه قوله : { وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما ~~خلقناهما إلا بالحق ، أي ما خلقناهما وما بينهما إلا بالحق ، فكذلك يكون ~~التقدير في الآية من هذه السورة . # وملابسة الحق لخلق السماوات والأرض يلزم أن تكون ملابسة عامة مطردة لأنه ~~لو اختلت ملابسة حال من أحوال مخلوقات السماوات للحق لكان ناقضا لمعنى ~~ملابسة خلقها للحق ، فكان نفي البعث للجزاء على أعمال المخلوقات موجبا ~~PageV28P264 اختلال تلك الملابسة في بعض الأحوال . وتخلف الجزاء عن الأعمال ~~في الدنيا مشاهد إذ كثيرا ما نرى الصالحين في كرب ونرى أهل الفساد في نعمة ~~، فلو كانت هذه الحياة الدنيا قصارى حياة المكلفين لكان كثير من أهل الصلاح ~~غير لاق جزاء على صلاحه . وانقلب أكثر أهل الفساد متمتعا بإرضاء خباثة نفسه ~~ونوال مشتهياته ، فكان خلق كلا هذين الفريقين غير ملابس للحق ، بالمعنى ~~المراد . # ولزيادة الإيقاظ لهذا الإيمان عطف عليه قوله : وإليه المصير } وكل ذلك ~~توطئة إلى ما سبقه من قوله تعالى : { زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا } ( ~~التغابن : 7 ) الآية . # وفي قوله { بالحق } رمز إلى الجزاء وهو وعيد ووعد . # وفي قوله : { خلق السماوات } إلى آخره إظهار أيضا لعظمة الله في ملكوته . # . # إدماج امتنان على الناس بأنهم مع ما خلقوا عليه من ملابسة الحق على وجه ~~الإجمال وذلك من الكمال وهو ما اقتضته الحكمة الإلاهية فقد خلقوا في أحسن ~~تقويم إذ كانت صورة الإنسان ms8543 مستوفية الحسن متماثلة فيه لا يعتورها من فظاعة ~~بعض أجزائها ونقصان الانتفاع بها ما يناكد محاسن سائرها بخلاف محاسن أحاسن ~~الحيوان من الدواب والطير والحيتان من مشي على أربع مع انتكاس الرأس غالبا ~~، أو زحف ، أو نقز في المشي في البعض . # ولا تعتور الإنسان نقائص في صورته إلا من عوارض تعرض في مدة تكوينه من ~~صدمات لبطون الأمهات ، أو علل تحل بهن ، أو بالأجنة أو من عوارض تعرض له في ~~مدة حياته فتشوه بعض محاسن الصور . فلا يعد ذلك من أصل تصوير الإنسان على ~~أن ذلك مع ندرته لا يعد فظاعة ولكنه نقص نسبي في المحاسن فقد جمع بين ~~الإيماء إلى ما اقتضته الحكمة قد نبههم إلى ما اقتضاه الإنعام . وفيه إشارة ~~إلى دليل إمكان البعث كما قال : { أفعيينا بالخلق الأول } ( ق : 15 ) ، ~~وقال : { أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم } ( يس ~~: 81 ) . PageV28P265 # . # عطف على جملة { وصوركم } لأن التصوير يقتضي الإيجاد فأعقب بالتذكير بأن ~~بعد هذا الإيجاد فناء ثم بعثا للجزاء . # والمصير مصدر ميمي لفعل صادر بمعنى رجع وانتهى ، ولذلك يعدى بحرف ~~الانتهاء ، أي ومرجعكم إليه يعني بعد الموت وهو مصير الحشر للجزاء . # وتقديم { إليه } على { المصير } للرعاية على الفاصلة مع إفادة الاهتمام ~~بتعلق ذلك المصير بتصرف الله المحض . وليس مرادا بالتقديم قصر لأن المشركين ~~لا يصدقون بهذا المصير من أصله بله أن يدعوا أنه مصير إلى غيره حتى يرد ~~عليهم بالقصر . # وهذه الجملة أشد ارتباطا بجملة { خلق السماوات والأرض بالحق } منها بجملة ~~{ وصوركم فأحسن صوركم } كما يظهر بالتأمل . # كانوا ينفون الحشر بعلة أنه إذا تفرقت أجزاء الجسد لا يمكن جمعها ولا ~~يحاط بها . { وقالوا أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق جديد } ( السجدة : ~~10 ) ، فكان قوله تعالى : { يعلم ما في السماوات والأرض ويعلم ما تسرون وما ~~تعلنون } دحضا لشبهتهم ، أي أن الذي يعلم ما في السماوات والأرض لا يعجزه ~~تفرق أجزاء البدن إذا أراد جمعها . والذي يعلم السر في نفس الإنسان ، والسر ~~أدق وأخفى من ms8544 ذرات الأجساد المتفرقة ، لا تخفى عليه مواقع تلك الأجزاء ~~الدقيقة ولذلك قال تعالى : { أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه بلى قادرين ~~على أن نسوي بنانه } ( القيامة : 3 ، 4 ) . # فالمقصود هو قوله : { ويعلم ما تسرون } كما يقتضيه الاقتصار عليه في ~~تذييله بقوله : { والله عليم بذات الصدور } ولم يذكر أنه عليم بأعمال ~~الجوارح ، ولأن الخطاب للمشركين في مكة على الراجح . وذلك قبل ظهور ~~المنافقين فلم يكن قوله : { ويعلم ما تسرون وما تعلنون } تهديدا على ما ~~يبطنه الناس من الكفر . PageV28P266 # وأما عطف { وما تعلنون } فتتميم للتذكير بعموم تعلق علمه تعالى بالأعمال ~~. # وقد تضمن قوله : { ويعلم ما تسرون وما تعلنون } وعيدا ووعدا ناظرين إلى ~~قوله : { فمنكم كافر ومنكم مؤمن } ( التغابن : 2 ) فكانت الجملة لذلك شديدة ~~الاتصال بجملة { هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن } ( التغابن : 2 ) . # وإعادة فعل { يعلم } للتنبيه على العناية بهذا التعلق الخاص للعلم الإلهي ~~بعد ذكر تعلقه العام في قوله : { يعلم ما في السماوات والأرض } تنبيها على ~~الوعيد والوعد بوجه خاص . # وجملة { والله عليم بذات الصدور } تذييل لجملة { ويعلم ما تسرون } لأنه ~~يعلم ما يسره جميع الناس من المخاطبين وغيرهم . # و { ذات الصدور } صفة لموصوف محذوف نزلت منزلة موصوفها ، أي صاحبات ~~الصدور ، أي المكتومة فيها . # والتقدير : بالنوايا والخواطر ذات الصدور كقوله : { وحملناه على ذات ~~ألواح } ( القمر : 13 ) وتقدم بيانه عند قوله تعالى : { إنه عليم بذات ~~الصدور في سورة الأنفال . # } # انتقال من التعريض الرمزي بالوعيد الأخروي في قوله : { والله بما تعملون ~~بصير } ( التغابن : 2 ) ، إلى قوله : { وإليه المصير } ( التغابن : 3 ) ، ~~وقوله : { ويعلم ما تسرون وما تعلنون } ( التغابن : 4 ) ، إلى تعريض أوضح ~~منه بطريق الإيماء إلى وعيد لعذاب دنيوي وأخروي معا فإن ما يسمى في باب ~~الكناية بالإيمان أقل لوازم من التعريض والرمز فهو أقرب إلى التصريح . وهذا ~~الإيماء بضرب المثل بحال أمم تلقوا رسلهم بمثل ما تلقى به المشركون محمدا ~~صلى الله عليه وسلم تحذيرا لهم من أن يحل بهم مثل ما حل بأولئك ، فالجملة ~~ابتدائية لأنها عد لصنف ثانن من أصناف ms8545 كفرهم وهو إنكار الرسالة . # فالخطاب لخصوص الفريق الكافر بقرينة قوله : { الذين كفروا من قبل } فهذا ~~PageV28P267 الخطاب موجه للمشركين الذين حالهم كحال من لم يبلغهم نبأ الذين ~~كفروا مثل كفرهم ، مثل عاد وثمود ومدين وقوم إبراهيم . # والاستفهام تقريري ، والتقريري يؤتى معه بالجملة منفية توسعة على المقرر ~~إن كان يريد الإنكار حتى إذا أقر لم يستطع بعد إقراره إنكارا لأنه قد أعذر ~~له من قبل بتلقينه النفي وقد تقدم غير مرة . # وحذف ما أضيف إليه { قبل } ونوي معناه ، والتقدير : من قبلكم ، أي في ~~الكفر بقرينة قوله : { فمنكم كافر } ( التغابن : 2 ) . والكافرون يعلمون ~~أنهم المقصود لأنهم مقدمون على الكفر ومستمرون عليه . # والوبال : السوء وما يكره . # والأمر : الشأن والحال . # والذوق مجاز في مطلق الإحساس والوجدان ، شبه ما حل بهم من العذاب بشيء ذي ~~طعم كريه يذوقه من حل به ويبتلعه لأن الذوق باللسان أشد من اللمس باليد أو ~~بالجلد . # والمعنى : أحسوا العذاب في الدنيا إحساسا مكينا . # وقوله : { ولهم عذاب أليم } مراد به عذاب الآخرة لأن العطف يقتضي ~~المغايرة . # ارتقاء في التعريض إلى ضرب منه قريبب من الصريح . وهو المسمى في الكناية ~~بالإشارة . كانت مقالة الذين من قبل مماثلة لمقالة المخاطبين فإذا كانت هي ~~سبب ما ذاقوه من الوبال فيوشك أن يذوق مماثلوهم في المقالة مثل ذلك الوبال ~~. # فاسم الإشارة عائد إلى المذكور من الوبال والعذاب الأليم . # فهذا عد لكفر آخر من وجوه كفرهم وهو تكذيبهم الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وتكذيبهم بالقرآن فإن القرآن بينة من البينات لأنه معجزة . PageV28P268 # والباء للسببية فالجملة في موقع العلة . والضمير ضمير الشأن لقصد تهويل ~~ما يفسر الضمير ، وهو جملة { كانت تأتيهم رسلهم بالبينات } إلى آخرها . # والاستفهام في { أبشر } استفهام إنكار وإبطال فهم أحالوا أن يكون بشر ~~مثلهم يهدون بشرا أمثالهم ، وهذا من جهلهم بمراتب النفوس البشرية ومن ~~يصطفيه الله منها ، ويخلقه مضطلعا بتبليغ رسالته إلى عباده . كما قال : { ~~وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق } ( الفرقان : 7 ) ~~وجهلوا أنه لا يصلح لإرشاد الناس إلا من هو ms8546 من نوعهم قال تعالى : { قل لو ~~كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا } ( ~~الإسراء : 95 ) ولما أحالوا أن يكون البشر أهلا لهداية بشر مثله جعلوا ذلك ~~كافيا في إعراضهم عن قبول القرآن والتدبر فيه . # والبشر : اسم جنس للإنسان يصدق على الواحد كما في قوله تعالى : { قل إنما ~~أنا بشر مثلكم } ( الكهف : 110 ) ويقال على الجمع كما هنا . وتقدم في قوله ~~: { وقلن حاش لله ما هذا بشرا في سورة يوسف وفي سورة مريم عند قوله : فتمثل ~~لها بشرا سويا . # وتنكير بشر } للنوعية لأن محط الإنكار على كونهم يهدونهم ، هو نوع ~~البشرية . # وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي لقصد تقوي حكم الإنكار ، وما قالوا ~~ذلك حتى اعتقدوه فلذلك أقدموا على الكفر برسلهم إذ قد اعتقدوا استحالة ~~إرسال الله إياهم فجزموا بكذبهم في دعوى الرسالة فلذلك فرع عليه { فكفروا ~~وتولوا } . # والتولي أصله : الانصراف عن المكان الذي أنت فيه ، وهو هنا مستعار ~~للإعراض عن قبول دعوة رسلهم ، وتقدم عند قوله تعالى : { ثم توليتم من بعد ~~ذلك في سورة البقرة . # واستغنى } غني فالسين والتاء للمبالغة كقوله : { أما من استغنى } ( عبس : ~~5 ) . والمعنى : غني الله عن إيمانهم قال تعالى : { إن تكفروا فإن الله غني ~~عنكم } ( الزمر : 7 ) . # والواو واو الحال ، أي والحال أن الله غني عنهم من زمن مضى فإن غنى الله ~~عن إيمانهم مقرر في الأزل . PageV28P269 # ويجوز أن يراد : واستغنى الله عن إعادة دعوتهم لأن فيما أظهر لهم من ~~البينات على أيدي رسلهم ما هو كاف لحصول التصديق بدعوة رسلهم لولا المكابرة ~~فلذلك عجل لهم بالعذاب . # وعلى الوجهين فمتعلق { استغنى } محذوف دل عليه قوله : { فكفروا } وقوله : ~~{ بالبينات } والتقدير : واستغنى الله عن إيمانهم . # وجملة { والله غني حميد } تذييل ، أي غني عن كل شيء فيما طلب منهم ، حميد ~~لمن امتثل وشكر . # هذا ضرب ثالث من ضروب كفر المشركين المخاطبين بقوله : { ألم يأتكم } ( ~~التغابن : 5 ) الخ ، وهو كفرهم بإنكارهم البعث والجزاء . # والجملة ابتدائية . وهذا الكلام موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~بقرينة ms8547 قوله : { قل بلى } . وليس هذا من الإظهار في مقام الإضمار ولا من ~~الالتفات بل هو ابتداء غرض مخاطبب به غير من كان الخطاب جاريا معهم . # وتتضمن الجملة تصريحا بإثبات البعث ذلك الذي أوتي إليه فيما مضى يفيد ~~بالحق في قوله : { خلق السماوات والأرض بالحق } ( التغابن : 3 ) وبقوله : { ~~يعلم ما في السماوات والأرض } ( التغابن : 4 ) كما علمته آنفا . # والزعم : القول الموسوم بمخالفة الواقع خطأ فمنه الكذب الذي لم يتعمد ~~قائله أن يخالف الواقع في ظن سامعه . ويطلق على الخبر المستغرب المشكوك في ~~وقوع ما أخبر به ، وعن شريح : لكل شيء كنية وكنية الكذب زعموا ( أراد ~~بالكنية الكناية ) . فبين الزعم والكذب عموم وخصوص وجهي . # وفي الحديث ( بئس مطية الرجل إلى الكذب زعموا ) ، أي قول الرجل ~~PageV28P270 زعموا كذا . وروى أهل الأدب أن الأعشى لما أنشد قيس بن معد ~~يكرب الكندي قوله في مدحه : # ونبئت قيسا ولم أبله # كما زعموا خير أهل اليمن # غضب قيس وقال له : ( وما هو إلا الزعم ) . # ولأجل ما يصاحب الزعم من توهم قائله صدق ما قاله ألحق فعل زعم بأفعال ~~الظن فنصب مفعولين . وليس كثيرا في كلامهم ، ومنه قول أبي ذؤيب : # فإن تزعميني كنت أجهل فيكم # فإني شريت الحلم بعدكك بالجهل # ومن شواهد النحو قول أبي أمية أوس الحنفي : # زعمتني شيخا ولست بشيخ # إنما الشيخ من يدب دبيبا # والأكثر أن يقع بعد فعل الزعم ( أن ) المفتوحة المشددة أو المخففة مثل ~~التي في هذه الآية فيسد المصدر المنسبك مسد المفعولين . والتقدير : زعم ~~الذين كفروا انتفاء بعثهم . # وتقدم الكلام على فعل الزعم في قوله تعالى : { ألم تر إلى الذين يزعمون ~~أنهم آمنوا بما أنزل إليك الآية في سورة النساء ، وقوله : ثم نقول للذين ~~أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون في سورة الأنعام وما ذكرته هنا أوفى ~~. # والمراد ب الذين كفروا } هنا المشركون من أهل مكة ومن على دينهم . # واجتلاب حرف { لن } لتأكيد النفي فكانوا موقنين بانتفاء البعث . # ولذلك جيء إبطال زعمهم مؤكدا بالقسم لينقض نفيهم بأشد منه ، فأمر النبي ~~صلى الله ms8548 عليه وسلم بأن يبلغهم عن الله أن البعث واقع وخاطبهم بذلك تسجيلا ~~عليهم أن لا يقولوا ما بلغناه ذلك . # وجملة { قل بلى } معترضة بين جملة { زعم الذين كفروا } وجملة { فآمنوا ~~بالله ورسوله } ( التغابن : 8 ) . # وحرف { بلى } حرف جواب للإبطال خاصص بجواب الكلام المنفي لإبطاله . ~~PageV28P271 # وجملة { ثم لتنبؤن بما عملتم } ارتقاء في الإبطال . # و { ثم } للتراخي الرتبي فإن إنباءهم بما عملوا أهم من إثبات البعث إذ هو ~~العلة للبعث . # والإنباء : الإخبار ، وإنباؤهم بما عملوا كناية عن محاسبتهم عليه وجزائهم ~~عما عملوه ، فإن الجزاء يستلزم علم المجازى بعمله الذي جوزي عليه فكان حصول ~~الجزاء بمنزلة إخباره بما عمله كقوله تعالى : { إلينا مرجعهم فننبئهم بما ~~عملوا } ( لقمان : 23 ) . # وهذا وعيد وتهديد بجزاء سيىء لأن المقام دليل على أن عملهم سيىء وهو ~~تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم وإنكار ما دعاهم إليه . # وجملة { وذلك على الله يسير } تذييل ، والواو اعتراضية . # واسم الإشارة : إما عائد إلى البعث المفهوم من { لتبعثن } مثل قوله : { ~~اعدلوا هو أقرب للتقوى } ( المائدة : 8 ) أي العدل أقرب للتقوى ، وإما عائد ~~إلى معنى المذكور من مجموع { لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم } . # وأخبر عنه ب { يسير } دون أن يقال : واقع كما قال : { وإن الدين لواقع } ~~( الذاريات : 6 ) ، لأن الكلام لرد إحالتهم البعث بعلة أن أجزاء الجسد ~~تفرقت فيتعذر جمعها فذكروا بأن العسير في متعارف الناس لا يعسر على الله ~~وقد قال في الآية الأخرى { وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه } ( ~~الروم : 27 ) . # من جملة القول المأمور رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يقوله . # والفاء فصيحة تفصح عن شرط مقدر ، والتقدير : فإذا علمتم هذه الحجج ~~وتذكرتم ما حل بنظرائكم من العقاب وما ستنبؤون به من أعمالكم فآمنوا بالله ~~ورسوله والقرآن ، أي بنصه . PageV28P272 # والمراد بالنور الذي أنزل الله ، القرآن ، وصف بأنه نور على طريقة ~~الاستعارة لأنه أشبه النور في إيضاح المطلوب باستقامة حجته وبلاغة كلامه ~~قال تعالى : { وأنزلنا إليكم نورا مبينا } ( النساء : 174 ) . وأشبه النور ~~في الإرشاد إلى السلوك القويم وفي ms8549 هذا الشبه الثاني تشاركه الكتب السماوية ~~، قال تعالى : { إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور } ( المائدة : 44 ) ، ~~وقرينة الاستعارة قوله : { الذي أنزلنا } ، لأنه من مناسبات المشبه لاشتهار ~~القرآن بين الناس كلهم بالألقاب المشتقة من الإنزال والتنزيل عرف ذلك ~~المسلمون والمعاندون . وهو إنزال مجازي أريد به تبليغ مراد الله إلى الرسول ~~صلى الله عليه وسلم وقد تقدم عند قوله تعالى : { والذين يؤمنون بما أنزل ~~إليك وما أنزل من قبلك في سورة البقرة وفي آيات كثيرة . # وإنما جعل الإيمان بصدق القرآن داخلا في حيز فاء التفريع لأن ما قبل ~~الفاء تضمن أنهم كذبوا بالقرآن من قوله : ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم ~~بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا } ( التغابن : 6 ) كما قال المشركون من أهل ~~مكة ، والإيمان بالقرآن يشمل الإيمان بالبعث فكان قوله تعالى : { والنور ~~الذي أنزلنا } شاملا لما سبق الفاء من قوله : { زعم الذين كفروا أن لن ~~يبعثوا } ( التغابن : 7 ) الخ . # وفي قوله : { الذي أنزلنا } التفات من الغيبة إلى المتكلم لزيادة الترغيب ~~في الإيمان بالقرآن تذكيرا بأنه منزل من الله لأن ضمير التكلم أشد دلالة ~~على معاده من ضمير الغائب ، ولتقوية داعي المأمور . # وجملة { والله بما تعملون خبير } تذييل لجملة { فآمنوا بالله ورسوله } ~~يقتضي وعدا إن آمنوا ، ووعيدا إن لم يؤمنوا . # وفي ذكر اسم الجلالة إظهار في مقام الإضمار لتكون الجملة مستقلة جارية ~~مجرى المثل والكلمم الجوامع ، ولأن الاسم الظاهر أقوى دلالة من الضمير ~~لاستغنائه عن تطلب المعاد . وفيه من تربية المهابة ما في قول الخليفة ( ~~أمير المؤمنين يأمركم بكذا ) . # والخبير : العليم ، وجيء هنا بصفة ( الخبير ) دون : البصير ، لأن ما ~~يعلمونه منه محسوسات ومنه غير محسوسات كالمعتقدات ، ومنها الإيمان بالبعث ، ~~فعلق بالوصف الدال على تعلق العلم الإلاهي بالموجودات كلها ، بخلاف قوله ~~فيما PageV28P273 تقدم { هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما ~~تعملون بصير } ( التغابن : 2 ) فإن لكفر الكافرين وإيمان المؤمنين آثارا ~~ظاهرة محسوسة فعلقت بالوصف الدال على تعلق العلم الإلاهي بالمحسوسات . # ( 9 ، 10 ) # . # متعلق بفعل { لتنبؤن بما عملتم } ( التغابن : 7 ) الذي هو كناية عن ms8550 ( ~~تجازون ) على تكذيبكم بالبعث فيكون من تمام ما أمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم بأن يقوله لهم ابتداء من قوله تعالى : { قل بلى وربي لتبعثن } ( ~~التغابن : 7 ) . # والضمير المستتر في { يجمعكم } عائد إلى اسم الجلالة في قوله : { والله ~~بما تعملون خبير } ( التغابن : 8 ) . # ومعنى { يجمعكم } يجمع المخاطبين والأمم من الناس كلهم ، قال تعالى : { ~~هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين } ( المرسلات : 38 ) . # ويجوز أن يراد الجمع الذي في قوله تعالى : { أيحسب الإنسان أن لن نجمع ~~عظامه } ( القيامة : 3 ) ، وهذا زيادة تحقيق للبعث الذي أنكروه . # واللام في { ليوم الجمع } يجوز أن يكون للتعليل ، أي يجمعكم لأجل اليوم ~~المعروف بالجمع المخصوص . وهو الذي لأجل جمع الناس ، أي يبعثكم لأجل أن ~~يجمع الناس كلهم للحساب ، فمعنى { الجمع } هذا غير معنى الذي في { يجمعكم } ~~. فليس هذا من تعليل الشيء بنفسه بل هو من قبيل التجنيس . # ويجوز أن يكون اللام بمعنى ( في ) على نحو ما قيل في قوله تعالى : { لا ~~يجليها لوقتها إلا هو } ( الأعراف : 187 ) ، وقوله : { يا ليتني قدمت ~~لحياتي } ( الفجر : 24 ) وقول العرب : مضى لسبيله ، أي في طريقه وهو طريق ~~الموت . # والأحسن عندي أن يكون اللام للتوقيت ، وهي التي بمعنى ( عند ) كالتي في ~~قولهم : كتب لكذا مضين مثلا ، وقوله تعالى : { أقم الصلاة لدلوك الشمس } ( ~~الإسراء : 78 ) . PageV28P274 وهو استعمال يدل على شدة الاقتراب ولذلك ~~فسروه بمعنى ( عند ) ، ويفيد هنا : أنهم مجموعون في الأجل المعين دون تأخير ~~ردا على قولهم : { لن يبعثوا } ( التغابن : 7 ) ، فيتعلق قوله : { ليوم ~~الجمع } بفعل { يجمعكم } . # ف ( يوم الجمع ) هو يوم الحشر . وفي الحديث ( يجمع الله الأولين والآخرين ~~) الخ . جعل هذا المركب الإضافي لقبا ليوم الحشر ، قال تعالى : { وتنذر يوم ~~الجمع لا ريب فيه فريق في الجنة وفريق في السعير } ( الشورى : 7 ) . # وقرأ الجمهور { يجمعكم } بياء الغائب . وقرأه يعقوب بنون العظمة . # . # اعتراض بين جملة { ثم لتنبؤن بما عملتم } ( التغابن : 7 ) بمتعلقها وبين ~~جملة { ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا نكفر عنه سيئاته } اعتراضا يفيد تهويل ~~هذا اليوم تعريضا بوعيد المشركين بالخسارة في ذلك اليوم ms8551 : أي بسوء المنقلب ~~. # والإتيان باسم الإشارة في مقام الضمير لقصد الاهتمام بهذا اليوم بتمييزه ~~أكمل تمييز مع ما يفيده اسم إشارة البعيد من علو المرتبة على نحو ما تقدم ~~في قوله : { ذلك الكتاب في سورة البقرة . # والتغابن } : مصدر غابنه من باب المفاعلة الدالة على حصول الفعل من ~~جانبين أو أكثر . # وحقيقة صيغة المفاعلة أن تدل على حصول الفعل الواحد من فاعلين فأكثر على ~~وجه المشاركة في ذلك الفعل . # والغبن أن يعطى البائع ثمنا لمبيعه دون حق قيمته التي يعوض بها مثله . # فالغبن يؤول إلى خسارة البائع في بيعه ، فلذلك يطلق الغبن على مطلق ~~الخسران مجازا مرسلا كما في قول الأعشى : # لا يقبل الرشوة في حكمه # ولا يبالي غبن الخاسر PageV28P275 # فليست مادة التغابن في قوله : { يوم التغابن } مستعملة في حقيقتها إذ لا ~~تعارض حتى يكون فيه غبن بل هو مستعمل في معنى الخسران على وجه المجاز ~~المرسل . # وأما صيغة التفاعل فحملها جمهور المفسرين على حقيقتها من حصول الفعل من ~~جانبين ففسروها بأن أهل الجنة غبنوا أهل النار إذ أهل الجنة أخذوا الجنة ~~وأهل جهنم أخذوا جهنم قاله مجاهد وقتادة والحسن . فحمل القرطبي وغيره كلام ~~هؤلاء الأيمة على أن التغابن تمثيل لحال الفريقين بحال متبايعين أخذ أحدهما ~~الثمن الوافي ، وأخذ الآخر الثمن المغبون ، يعني وقوله عقبه { ومن يؤمن ~~بالله ويعمل صالحا نكفر عنه سيئاته } ، إلى قوله : { وبئس المصير } قرينة ~~على المراد من الجانبين وعلى كلا المعنيين يكون قوله : { ومن يؤمن بالله ~~ويعمل صالحا } إلى قوله : { وبئس المصير } تفصيلا للفريقين ، فيكون في ~~الآية مجاز وتشبيه وتمثيل ، فالمجاز في مادة الغبن ، والتمثيل في صيغة ~~التغابن ، وهو تشبيه مركب بمنزلة التشبيه البليغ إذ التقدير : ذلك يوم مثل ~~التغابن . # وحمل قليل من المفسرين ( وهو ما فسر إليه كلام الراغب في مفرداته ) وصرح ~~ابن عطية صيغة التفاعل على معنى الكثرة وشدة الفعل ( كما في قولنا : عافاك ~~الله وتبارك الله ) فتكون استعارة ، أي خسارة للكافرين إذ هم مناط الإنذار ~~. وهذا في معنى قوله تعالى : { أولئك الذين اشتروا الضلالة ms8552 بالهدى فما ربحت ~~تجارتهم في سورة البقرة ، وقوله : يأيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة ~~تنجيكم من عذاب أليم الآية في سورة الصف . # فصيغة التفاعل مستعملة مجازا في كثرة حصول الغبن تشبيها للكثرة بفعل من ~~يحصل من متعدد . # والكلام تهديد للمشركين بسوء حالتهم في يوم الجمع ، إذ المعنى : ذلك يوم ~~غبنكم الكثير الشديد بقرينة قوله قبله فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي ~~أنزلنا } ( التغابن : 8 ) . والغابن لهم هو الله تعالى . # ولولا قصد ذلك لما اقتصر على أن ذلك يوم تغابن فإن فيه ربحا عظيما ~~للمؤمنين PageV28P276 بالله ورسوله والقرآن ، فوزان هذا القصر وزان قوله : ~~{ فما ربحت تجارتهم } ( البقرة : 16 ) وقول النبي صلى الله عليه وسلم ( ~~إنما المفلس الذي يفلس يوم القيامة ) . # وأفاد تعريف جزأي جملة { ذلك يوم التغابن } قصر المسند على المسند إليه ~~أي قصر جنس يوم التغابن على يوم الجمعة المشار إليه باسم الإشارة ، وهو من ~~قبيل قصر الصفة على الموصوف قصرا ادعائيا ، أي ذلك يوم الغبن لا أيام ~~أسواقكم ولا غيرها ، فإن عدم أهمية غبن الناس في الدنيا جعل غبن الدنيا ~~كالعدم وجعل يوم القيامة منحصرا فيه جنس الغبن . # وأما لام التعريف في قوله : { التغابن } فهي لام الجنس ، ومن هذا المعنى ~~قوله تعالى : { قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة } ( ~~الزمر : 15 ) . وقوله في ضده { يرجون تجارة لن تبور } ( فاطر : 29 ) . هذا ~~هو المتعين في تفسير هذه الآية وأكثر المفسرين مر بها مرا . ولم يحتلب منها ~~درا . وها أنا ذا كددت ثمادي ، فعسى أن يقع للناظر كوقع القراحح من الصادي ~~، والله الهادي . # . # معطوفة على جملة { فآمنوا بالله ورسوله } ( التغابن : 8 ) وهو تفصيل لما ~~أجمل في قوله : { والله بما تعملون خبير } ( التغابن : 8 ) الذي هو تذييل . # و { من } شرطية والفعل بعدها مستقبل ، أي من يؤمن من المشركين بعد هذه ~~الموعظة نكفر عنه ما فرط من سيئاته . # والمراد بالسيئات : الكفر وما سبقه من الأعمال الفاسدة . # وتكفير السيئات : العفو عن المؤاخذة بها وهو مصدر كفر مبالغة في كفر . ~~PageV28P277 وغلب استعماله في ms8553 العفو عما سلف من السيئات وأصله : استعارة ~~الستر للإزالة مثل الغفران أيضا . # وانتصب { صالحا } على الصفة لمصدر وهو مفعول مطلق محذوف تقديره : عملا ~~صالحا . # وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر { نكفر } و { ندخله } بنون العظمة على ~~الالتفات من الغيبة إلى التكلم لأن مقام الوعد مقام إقبال فناسبه ضمير ~~التكلم . # وقرأهما الباقون بياء الغيبة على مقتضى الظاهر لأن ضمير الجلالة يؤذن ~~بعناية الله بهذا الفريق . وجملة { ذلك الفوز العظيم } تذييل . # وقوله : { والذين كفروا وكذبوا } ، أي كفروا وكذبوا من قبل واستمروا على ~~كفرهم وتكذيبهم فلم يستجيبوا لهذه الدعوة ثبت لهم أنهم أصحاب النار . ولذلك ~~جيء في جانب الخبر عنهم بالجملة الاسمية الدالة على الثبات لعراقتهم في ~~الكفر والتكذيب . # وجيء لهم باسم الإشارة لتمييزهم تمييزا لا يلتبس معه غيرهم بهم مثل قوله ~~: { أولئك على هدى من ربهم } ( البقرة : 5 ) مع ما يفيده اسم الإشارة من أن ~~استحقاقهم لملازمة النار ناشىء عن الكفر والتكذيب بآيات الله وهذا وعيد . # وجملة { وبئس المصير } اعتراض تذييلي لزيادة تهويل الوعيد . # استئناف انتقل إليه بعد أن توعد المشركون بما يحصل لهم من التغابن يوم ~~يجمع الله الناس يوم الحساب . ويشبه أن يكون استئنافا بيانيا لأن تهديد ~~المشركين بيوم الحساب يثير في نفوس المؤمنين التساؤل عن الانتصاف من ~~المشركين في الدنيا على ما يلقاه المسلمون من إضرارهم بمكة فإنهم لم يكفوا ~~عن أذى المسلمين وإصابتهم في أبدانهم وأموالهم والفتنة بينهم وبين أزواجهم ~~وأبنائهم . PageV28P278 # فالمراد : المصائب التي أصابت المسلمين من معاملة المشركين فأنبأهم الله ~~بما يسليهم عن ذلك بأن الله عالم بما ينالهم . وقال القرطبي ( قيل سبب ~~نزولها أن الكفار قالوا : لو كان ما عليه المسلمون حقا لصانهم الله عن ~~المصائب ) . # واختصت المصيبة في استعمال اللغة بما يلحق الإنسان من شر وضر وإن كان أصل ~~فعلها يقال كما يصيب الإنسان مطلقا ولكن غلب إطلاق فعل أصاب على لحاق السوء ~~، وقد قيل في قوله تعالى : { ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة ~~فمن نفسك } ( النساء : 79 ) ، أن إسناد الإصابة ms8554 إلى الحسنة من قبيل ~~المشاكلة . # وتأنيث المصيبة لتأويلها بالحادثة وتقدم عند قوله تعالى : { أو لما ~~أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها في سورة آل عمران . # والإذن : أصله إجازة الفعل لمن يفعله وأطلق على إباحة الدخول إلى البيت ~~وإزالة الحجاب لأنه مشتق من أذن له إذا سمع كلامه . وهو هنا مستعار لتكوين ~~أسباب الحوادث . وهي الأسباب التي تفضي في نظام العادة إلى وقوعع واقعات ، ~~وهي من آثار صنع الله في نظام هذا العالم من ربط المسببات بأسبابها مع علمه ~~بما تفضي إليه تلك الأسباب فلما كان هو الذي أوجد الأسباب وأسباب أسبابها ، ~~وكان قد جعل ذلك كله أصولا وفروعا بعلمه وحكمته ، أطلق على ذلك التقدير ~~والتكوين لفظ الإذن ، والمشابهة ظاهرة ، وهذا في معنى قوله : ما أصاب من ~~مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها } ( الحديد : ~~22 ) . # ومقتضى هذه الاستعارة تقريب حقيقة التقلبات الدنيوية إلى عقول المسلمين ~~باختصار العبارة لضيق المقام عن الإطناب في بيان العلل والأسباب ، ولأن ~~أكثر ذلك لا تبلغ إليه عقول عموم الأمة بسهولة . والقصد من هذا تعليم ~~المسلمين الصبر على ما يغلبهم من مصائب الحوادث لكيلا تفل عزائمهم ولا ~~يهنوا ولا يلهيهم الحزن عن مهمات أمورهم وتدبير شؤونهم كما قال في سورة ~~الحديد { لكيلا تأسوا على ما فاتكم . # ولذلك أعقبه هنا بقوله : ومن يؤمن بالله يهد قلبه } ، أي يهد قلبه عندما ~~تصيبه مصيبة ، فحذف هذا المتعلق لظهوره من السياق قال : { ولا تهنوا ولا ~~تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله ~~وتلك الأيام نداولها بين الناس } ( آل عمران : 139 ، 140 ) . PageV28P279 # والمعنى : أن المؤمن مرتاض بالأخلاق الإسلامية متبع لوصايا الله تعالى ~~فهو مجاف لفاسد الأخلاق من الجزع والهلع يتلقى ما يصيبه من مصيبة بالصبر ~~والتفكر في أن الحياة لا تخلو من عوارض مؤلمة أو مكدرة . قال تعالى : { ~~وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون ~~أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون ms8555 } ( البقرة : 155 157 ~~) ، أي أصحاب الهدى الكامل لأنه هدى متلقى من التعاليم الإلاهية الحق ~~المعصومة من الخطل كقوله هنا : { يهد قلبه } . # وهذا الخبر في قوله : { ومن يؤمن بالله يهد قلبه } إيماء إلى الأمر ~~بالثبات والصبر عند حلول المصائب لأنه يلزم من هدي الله قلب المؤمن عند ~~المصيبة ترغيب المؤمنين في الثبات والتصبر عند حلول المصائب فلذلك ذيل ~~بجملة { والله بكل شيء عليم } فهو تذييل للجملة التي قبلها وارد على مراعاة ~~جميع ما تضمنته من أن المصائب بإذن الله ، ومن أن الله يهدي قلوب المؤمنين ~~للثبات عند حلول المصائب ومن الأمر بالثبات والصبر عند المصائب ، أي يعلم ~~جميع ذلك . # وفيه كناية عن مجازاة الصابرين بالثواب لأن فائدة علم الله التي تهم ~~الناس هو التخلق ورجاء الثواب ورفع الدرجات . # عطف على جملة { ومن يؤمن بالله يهد قلبه } ( التغابن : 11 ) لأنها تضمنت ~~أن المؤمنين متهيئون لطاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فيما يدعوانهم ~~إليه من صالح الأعمال كما يدل عليه تذييل الكلام بقوله : { وعلى الله ~~فليتوكل المؤمنون } ( آل عمران : 122 ) ، ولأن طلب الطاعة فرع عن تحقق ~~الإيمان كما في حديث معاذ ( أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعثه إلى ~~اليمن قال له : إنك ستأتي قوما أهل كتاب فأول ما تدعوهم إليه فادعهم إلى أن ~~يشهدوا أن لا إلاه إلا الله وأن محمدا رسول الله فإن هم أطاعوا لك بذلك ~~فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة ) الحديث . PageV28P280 # وتفريع { فإن توليتم } تحذير من عصيان الله ورسوله صلى الله عليه وسلم # والتولي مستعار للعصيان وعدم قبول دعوة الرسول . # وحقيقة التولي الانصراف عن المكان المستقر فيه واستعير التولي للعصيان ~~تشنيعا له مبالغة في التحذير منه ، ومثله قوله تعالى في خطاب المؤمنين { ~~وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم } ( محمد : 38 ) ، وقال : { يأيها الذين ~~آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون } ( الأنفال : 20 ) . # والتعريف في قوله : { رسولنا } بالإضافة لقصد تعظيم شأنه بأنه صلى الله ~~عليه وسلم رسول رب العالمين . وهذا الضمير التفات من الغيبة إلى ms8556 التكلم ~~يفيد تشريف الرسول بعز الإضافة إلى المتكلم . # ومعنى الحصر قوله : { فإنما على رسولنا البلاغ المبين } قصر الرسول صلى ~~الله عليه وسلم على كون واجبه البلاغ ، قصر موصوف على صفة فالرسول صلى الله ~~عليه وسلم مقصور على لزوم البلاغ له لا يعدو ذلك إلى لزوم شيء آخر . وهو ~~قصر قلب تنزيلا لهم في حالة العصيان المفروض منزلة من يعتقد أن الله لو شاء ~~لألجأهم إلى العمل بما أمرهم به إلهابا لنفوسهم بالحث على الطاعة . # ووصف البلاغ ب { المبين } ، أي الواضح عذر للرسول صلى الله عليه وسلم ~~بأنه ادعى ما أمر به على الوجه الأكمل قطعا للمعذر عن عدم امتثال ما أمر به ~~. # وباعتبار مفهوم القصر جملة { فإنما على رسولنا البلاغ المبين } كانت ~~جوابا للشرط دون حاجة إلى تقدير جواب تكون هذه الجملة دليلا عليه أو علة له ~~. # . # جملة معترضة بين جملة { وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول } ( التغابن : 12 ) ~~وجملة : { وعلى الله فليتوكل المؤمنون . # واسم الجلالة مبتدأ وجملة : الله لا إلاه إلا هو } خبر . وهذا تذكير ~~للمؤمنين بما يعلمونه . أي من آمن بأن الله لا إله إلا هو كان حقا عليه أن ~~يطيعه وأن لا يعبأ PageV28P281 بما يصيبه في جانب طاعة الله من مصائب وأذى ~~كما قال حبيب بن عدي : # لست أبالي حين أقتل مسلما # على أي جنب كان لله مصرعي # ويجوز أن تكون جملة { الله لا إلاه إلا هو } في موقع العلة لجملة { ~~وأطيعوا الله } ( التغابن : 12 ) وتفيد أيضا تعليل جملة { وأطيعوا الرسول } ~~( التغابن : 12 ) لأن طاعة الرسول ترجع إلى طاعة الله قال تعالى : { من يطع ~~الرسول فقد أطاع الله } ( النساء : 80 ) . # وافتتاح الجملة باسم الجلالة إظهار في مقام الإضمار إذ لم يقل هو لا إله ~~إلا هو لاستحضار عظمة الله تعالى بما يحويه اسم الجلالة من معاني الكمال ، ~~ولتكون الجملة مستقلة بنفسها فتكون جارية مجرى الأمثال والكلمم الجوامع . # . # عطف على { وأطيعوا الله } فهو في معنى : وتوكلوا على الله ، فإن المؤمنين ~~يتوكلون على الله لا على غيره وأنتم مؤمنون فتوكلوا عليه ms8557 . # وتقدم المجرور لإفادة الاختصاص ، أي أن المؤمنين لا يتوكلون إلا على الله ~~. # وجيء في ذلك بصيغة أمر المؤمنين بالتوكل على الله دون غيره ربطا على ~~قلوبهم وتثبيتا لنفوسهم كيلا يأسفوا من إعراض المشركين وما يصيبهم منهم وأن ~~ذلك لن يضرهم . # فإن المؤمنين لا يعتزون بهم ولا يتقوون بأمثالهم ، لأن الله أمرهم أن لا ~~يتوكلوا إلا عليه ، وفيه إيذان بأنهم يخالفون أمر الله وذلك يغيظ الكافرين ~~. # والإتيان باسم الجلالة في قوله : { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } إظهار ~~في مقام الإضمار لتكون الجملة مستقلة فتسير مسرى المثل ، ولذلك كان إظهار ~~لفظ { المؤمنون } ولم يقل : وعلى الله فليتوكلوا ، ولما في { المؤمنون } من ~~العموم الشامل للمخاطبين وغيرهم ليكون معنى التمثيل . # PageV28P282 # إقبال على خطاب المؤمنين بما يفيدهم كمالا ويجنبهم ما يفتنهم . # أخرج الترمذي ( عن ابن عباس أن رجلا سأله عن هذه الآية فقال : هؤلاء رجال ~~من أهل مكة أسلموا وأرادوا أن يأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأبى أزواجهم ~~وأولادهم أن يدعوهم ، فلما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم أي بعد مدة وجاء ~~معهم أزواجهم وأولادهم ورأوا الناس قد فقهوا في الدين أي سبقوهم بالفقه في ~~الدين لتأخر هؤلاء عن الهجرة فهموا أن يعاقبوهم على ما تسببوا لهم حتى ~~سبقهم الناس إلى الفقه في الدين فأنزل الله هذه الآية : أي حتى قوله : { ~~وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم } . وهو الذي اقتصر عليه ~~الواحدي في ( أسباب النزول ) ومقتضاه أن الآية مدنية ) . # وعن عطاء بن يسار وابن عباس أيضا أن هذه الآية نزلت بالمدينة في شأن عوف ~~بن مالك الأشجعي كان ذا أهل وولد فكان إذا أراد الغزو بكوا إليه ورققوه ~~وقالوا : إلى من تدعنا ، فيرق لهم فيقعد عن الغزو . وشكا ذلك إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية في شأنهم . فهذه الآية مستأنفة استئنافا ~~ابتدائيا ويكون موقعها هذا سبب نزولها صادف أن كان عقب ما نزل قبلها من هذه ~~السورة . # والمناسبة بينها وبين الآية التي قبلها لأن كلتيهما تسلية على ما أصاب ~~المؤمنين ms8558 من غم من معاملة أعدائهم إياهم ومن انحراف بعض أزواجهم وأولادهم ~~عليهم . # وإذا كانت السورة كلها مكية كما هو قول الضحاك كانت الآية ابتداء إقبال ~~على تخصيص المؤمنين بالخطاب بعد قضاء حق الغرض الذي ابتدئت به السورة على ~~عادة القرآن في تعقيب الأغراض بأضدادها من ترغيب أو ترهيب ، وثناء أو ملام ~~، أو نحو ذلك ليوفى الطرفان حقيهما ، وكانت تنبيها للمسلمين لأحوال في ~~عائلاتهم قد تخفى عليهم ليأخذوا حذرهم ، وهذا هو المناسب لما قبل الهجرة ~~كان المسلمون بمكة ممتزجين مع المشركين بوشائج النسب والصهر والولاء فلما ~~ناصبهم المشركون العداء لمفارقتهم دينهم وأضمروا لهم الحقد وأصبحوا فريقين ~~كان كل فريق غير خال من أفراد متفاوتين في المضادة تبعا للتفاوت في صلابة ~~الدين ، وفي أواصر القرابة والصهر ، وقد يبلغ العداء إلى نهاية طرفه فتندحض ~~أمامة جميع الأواصر فيصبح الأشد قربا أشد مضرة على قريبه من مضرة البعيد . ~~PageV28P283 # فأيقظت هذه الآية المؤمنين لئلا يغرهم أهل قرابتهم فيما توهم من جانب ~~غرورهم فيكون ضرهم أشد عليهم وفي هذا الإيقاظ مصلحة للدين وللمسلمين ولذلك ~~قال تعالى : { فاحذروهم } ولم يأمر بأن يضروهم ، وأعقبه بقوله : { وإن ~~تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم } ، جمعا بين الحذر وبين ~~المسالمة وذلك من الحزم . # و { من } تبعيضية . وتقديم خبر { إن } على اسمها للاهتمام بهذا الخبر ~~ولما فيه من تشويق إلى الاسم ليتمكن مضمون هذا الخبر في الذهن أتم تمكن لما ~~فيه من الغرابة والأهمية . وقد تقدم مثله عند قوله تعالى : { ومن الناس من ~~يقول آمنا بالله وباليوم الآخر في سورة البقرة . # وعدو وصف من العداوة بوزن فعول بمعنى فاعل فلذلك لزم حالة الإفراد ~~والتذكير إذا كان وصفا ، وقد مضى ذلك عند قوله تعالى : فإن كان من قوم عدو ~~لكم في سورة النساء . فأما إذا أريد منه معنى الاسمية فيطابق ما أجري عليه ~~، قال تعالى : يكونوا لكم أعداء } ( الممتحنة : 2 ) . # والإخبار عن بعض الأزواج والأولاد بأنهم عدو يجوز أن يحمل على الحقيقة ~~فإن بعضهم قد يضمر عداوة لزوجه وبعضهم لأبويه من جراء ms8559 المعاملة بما لا يروق ~~عنده مع خباثة في النفس وسوء تفكير فيصير عدوا لمن حقه أن يكون له صديقا ، ~~ويكثر أن تأتي هذه العداوة من اختلاف الدين ومن الانتماء إلى الأعداء . # ويجوز أن يكون على معنى التشبيه البليغ ، أي كالعدو في المعاملة بما هو ~~من شأن معاملة الأعداء كما قيل في المثل : يفعل الجاهل بنفسه ما يفعل العدو ~~لعدوه . وهذا من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه . # وعطف على قوله : { فاحذروهم } جملة { وإن تعفوا وتصفحوا } إلى آخرها عطف ~~الاحتراس لأنه إذا كان العفو مطلوبا محبوبا إلى الله تعالى وهو لا يكون إلا ~~بعد حصول الذنب فإن عدم المؤاخذة على مجرد ظن العداوة أجدر بالطلب ففهم ~~النهي عن معاملة الأزواج والأبناء معاملة الأعداء لأجل إيجاس العداوة ، بل ~~المقصود من التحذير التوقي وأخذ الحيطة لابتداء المؤاخذة ، ولذلك قيل : ( ~~الحزم سوء الظن بالناس ) ، أي لكن دون أن يبنى على ذلك الظن معاملة من صدر ~~منه ما ظننت PageV28P284 به قال تعالى : { إن بعض الظن إثم } ( الحجرات : ~~12 ) وقال : { أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين } ( ~~الحجرات : 6 ) . # والعفو : ترك المعاقبة على الذنب بعد الاستعداد لها . ولو مع توبيخ . # والصفح : الإعراض عن المذنب ، أي ترك عقابه على ذنبه دون التوبيخ . # والغفر : ستر الذنب وعدم إشاعته . # والجمع بينها هنا إيماء إلى تراتب آثار هذه العداوة وما تقتضيه آثارها من ~~هذه المعاملات الثلاث . وحذف متعلق الأفعال الثلاثة لظهور أن المراد من ~~أولادكم وأزواجكم فيما يصدر منهم مما يؤذيكم ، ويجوز أن يكون حذف المتعلق ~~لإرادة عموم الترغيب في العفو . # وإنما يعفو المرء ويصفح ويغفر عن المذنب إذا كان ذنبه متعلقا بحق ذلك ~~المرء وبهذه الأفعال المذكورة هنا مطلقة وفي أدلة الشريعة تقييدات لها . # وجملة { فإن الله غفور رحيم } دليل جواب الشرط المحذوف المؤذن بالترغيب ~~في العفو والصفح والغفر فالتقدير وأن تعفوا وتصفحوا وتغفروا يحب الله ذلك ~~منكم لأن الله غفور رحيم ، أي للذين يغفرون ويرحمون ، وجمع وصف رحيم الخصال ~~الثلاث . # تذييل لأن فيه تعميم أحوال الأولاد بعد ms8560 أن ذكر حال خاص ببعضهم . # وأدمج فيه الأموال لأنها لم يشملها طلب الحذر ولا وصف العداوة . وقدم ذكر ~~الأموال على الأولاد لأن الأموال لم يتقدم ذكرها بخلاف الأولاد . # ووجه إدماج الأموال هنا أن المسلمين كانوا قد أصيبوا في أموالهم من ~~المشركين فغلبوهم على أموالهم ولم تذكر الأموال في الآية السابقة لأن الغرض ~~هو التحذير من أشد الأشياء اتصالا بهم وهي أزواجهم وأولادهم . ولأن فتنة ~~هؤلاء مضاعفة لأن الداعي إليها يكون من أنفسهم ومن مساعي الآخرين وتسويلهم ~~. وجرد عن ذكر PageV28P285 الأزواج هنا اكتفاء لدلالة فتنة الأولاد عليهن ~~بدلالة فحوى الخطاب ، فإن فتنتهن أشد من فتنة الأولاد لأن جرأتهن على ~~التسويل لأزواجهن ما يحاولنه منهم أشد من جرأة الأولاد . # والقصر المستفاد من { إنما } قصر موصوف على صفة ، أي ليست أموالكم ~~وأولادكم إلا فتنة . وهو قصر ادعائي للمبالغة في كثرة ملازمة هذه الصفة ~~للموصوف إذ يندر أن تخلو أفراد هذين النوعين ، وهما أموال المسلمين ~~وأولادهم عن الاتصاف بالفتنة لمن يتلبس بهما . # والإخبار ب { فتنة } للمبالغة . والمراد : أنهم سبب فتنة سواء سعوا في ~~فعل الفتن أم لم يسعوا . فإن الشغل بالمال والعناية بالأولاد فيه فتنة . # ففي هذه الآية من خصوصيات علم المعاني التذييل والإدماج ، وكلاهما من ~~الإطناب ، والاكتفاء وهو من الإيجاز ، وفيها الإخبار بالمصدر وهو { فتنة } ~~، والإخبار به من المبالغة فهذه أربعة من المحسنات البديعية ، وفيها القصر ~~، وفيها التعليل ، وهو من خصوصيات الفصل ، وقد يعد من محسنات البديع أيضا ~~فتلك ست خصوصيات . # وفصلت هذه الجملة عن التي قبلها لأنها اشتملت على التذييل والتعليل ~~وكلاهما من مقتضيات الفصل . # والفتنة : اضطراب النفس وحيرتها من جراء أحوال لا تلائم من عرضت له ، ~~وتقدم عند قوله تعالى { والفتنة أشد من القتل في سورة البقرة . # أخرج أبو داود عن بريدة قال : إن رسول الله كان يخطب يوم الجمعة حتى جاء ~~الحسن والحسين يعثران ويقومان فنزل رسول الله عن المنبر فأخذهما وجذبهما ثم ~~قرأ إنما أموالكم وأولادكم فتنة } . وقال : رأيت هذين فلم أصبر ، ثم أخذ في ~~خطبته ) . # وذكر ابن عطية ms8561 : أن عمر قال لحذيفة : كيف أصبحت فقال : أصبحت أحب الفتنة ~~وأكره الحق . فقال عمر : ما هذا ؟ فقال : أحب ولدي وأكره الموت . ~~PageV28P286 # وقوله : { والله عنده أجر عظيم } عطف على جملة { إنما أموالكم وأولادكم ~~فتنة } لأن قوله : { عنده أجر عظيم } كناية عن الجزاء عن تلك الفتنة لمن ~~يصابر نفسه على مراجعة ما تسوله من الانحراف عن مرضاة الله إن كان في ذلك ~~تسويل . والأجر العظيم على إعطاء حق المال والرأفة بالأولاد ، أي والله ~~يؤجركم عليها . لقول النبي صلى الله عليه وسلم ( من ابتلي من هذه البنات ~~بشيء وكن له سترا من النار ) . وفي حديث آخر ( إن الصبر على سوء خلق الزوجة ~~عبادة ) . # والأحاديث كثيرة في هذا المعنى منها ما رواه حذيفة : فتنة الرجل في أهله ~~وماله تكفرها الصلاة والصدقة . # فاء فصيحة وتفريع على ما تقدم ، أي إذا علمتم هذا فاتقوا الله فيما يجب ~~من التقوى في معاملة الأولاد والأزواج ومصارف في الأموال فلا يصدكم حب ذلك ~~والشغل به عن الواجبات ، ولا يخرجكم الغضب ونحوه عن حد العدل المأمور به ، ~~ولا حب المال عن أداء حقوق الأموال وعن طلبها من وجوه الحلال . فالأمر ~~بالتقوى شامل للتحذير المتقدم وللترغيب في العفو كما تقدم ولما عدا ذلك . # والخطاب للمؤمنين . # وحذف متعلق ( اتقوا ) لقصد تعميم ما يتعلق بالتقوى من جميع الأحوال ~~المذكورة وغيرها وبذلك يكون هذا الكلام كالتذييل لأن مضمونه أعم من مضمون ~~ما قبله : / / # ولما كانت التقوى في شأن المذكورات وغيرها قد يعرض لصاحبها التقصير في ~~إقامتها حرصا على إرضاء شهوة النفس في كثير من أحوال تلك الأشياء زيد تأكيد ~~الأمر بالتقوى بقوله : { ما استطعتم } . # و { ما } مصدرية ظرفية ، أي مدة استطاعتكم ليعم الأزمان كلها ويعم ~~الأحوال PageV28P287 تبعا لعموم الأزمان ويعم الاستطاعات ، فلا يتخلوا عن ~~التقوى في شيء من الأزمان . وجعلت الأزمان ظرفا للاستطاعة لئلا يقصروا ~~بالتفريط في شيء يستطيعونه فيما أمروا بالتقوى في شأنه ما لم يخرج عن حد ~~الاستطاعة إلى حد المشقة قال تعالى : { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم ~~العسر } ( البقرة ms8562 : 185 ) . # فليس في قوله : { ما استطعتم } تخفيف ولا تشديد ولكنه عدل وإنصاف . ففيه ~~ما عليهم وفيه ما لهم . # روى البخاري عن جابر بن عبد الله قال : ( بايعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على السمع والطاعة فلقنني : ( فيما استطعت ) ، وعن ابن عمر : كنا إذا ~~بايعنا النبي صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة يقول لنا ( فيما استطعت ~~) . # وعطف { واسمعوا وأطيعوا } على ( اتقوا الله ) من عطف الخاص على العام ~~للاهتمام به ، ولأن التقوى تتبادر في ترك المنهيات فإنها مشتقة من وقى . ~~فتقوى الله أن يقي المرء نفسه مما نهاه الله عنه ، ولما كان ترك المأمورات ~~فيؤول إلى إتيان المنهيات ، لأن ترك الأمر منهي عنه إذ الأمر بالشيء نهي عن ~~ضده . كان التصريح به بخصوصه اهتماما بكلا الأمرين لتحصل حقيقة التقوى ~~الشرعية وهي اجتناب المنهيات وامتثال المأمورات . # والمراد : اسمعوا الله ، أي أطيعوه بالسمع للرسول صلى الله عليه وسلم ~~وطاعته . # والأمر بالسمع أمر يتلقى الشريعة والإقبال على سماع مواعظ النبي صلى الله ~~عليه وسلم وذلك وسيلة التقوى قال تعالى : { فبشر عبادي الذين يستمعون القول ~~فيتبعون أحسنه } ( الزمر : 17 ، 18 ) . # وعطف عليه { وأطيعوا } : أي أطيعوا ما سمعتم من أمر ونهي . # وعطف { وأنفقوا } تخصيص بعد تخصيص فإن الإنفاق مما أمر الله به فهو من ~~المأمورات . # وصيغة الأمر تشتمل واجب الإنفاق والمندوب ففيه التحريض على الإنفاق ~~بمرتبتيه وهذا من الاهتمام بالنزاهة عن فتنة المال التي ذكرت في قوله : { ~~إنما أموالكم وأولادكم فتنة } ( التغابن : 15 ) . PageV28P288 # وانتصب { خيرا } على الصفة لمصدر محذوف دل عليه { أنفقوا } . والتقدير : ~~إنفاقا خيرا لأنفسكم . هذا قول الكسائي والفراء فيكون { خيرا } اسم تفضيل . ~~وأصله : أخير ، وهو محذوف الهمزة لكثرة الاستعمال ، أي الإنفاق خير لكم من ~~الإمساك . وعن سيبويه أنه منصوب على أنه مفعول به لفعل مضمر دل عليه { ~~أنفقوا } . والتقدير : ائتوا خيرا لأنفسكم . وجملة { ومن يوق شح نفسه ~~فأولئك هم المفلحون } تذييل . # و { من } اسم شرط وهي من صيغ العموم : أي كل من يوق شح نفسه والعموم يدل ~~على أن { من } مراد بها جنس ms8563 لا شخص معين ولا طائفة ، وهذا حب اقتضاه حرص ~~أكثر الناس على حفظ المال وادخاره والإقلالل من نفع الغير به وذلك الحرص ~~يسمى الشح . # والمعنى : أن الإنفاق يقي صاحبه من الشح المنهي عنه فإذا يسر على المرء ~~الإنفاق فيما أمر الله به فقد وقي شح نفسه وذلك من الفلاح . # ولما كان ذلك فلاحا عظيما جيء في جانبه بصيغة الحصر بطريقة تعريف المسند ~~، وهو قصر جنس المفلحين على جنس الذين وقوا شح أنفسهم ، وهو قصر ادعائي ~~للمبالغة في تحقق وصف المفلحين الذين وقوا شح أنفسهم نزل الآن فلاح غيرهم ~~بمنزلة العدم . # وإضافة { شح } إلى النفس للإشارة إلى أن الشح من طباع النفس فإن النفوس ~~شحيحة بالأشياء المحببة إليها قال تعالى : { وأحضرت الأنفس الشح } ( النساء ~~: 128 ) . # وفي الحديث لما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أفضل الصدقة قال : ( ~~أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى . وأن لا تدع حتى إذا بلغت ~~الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان ) وتقدم نظيره { ومن يوق ~~شح نفسه فأولئك هم المفلحون في سورة الحشر . # ( 17 ، 18 ) } PageV28P289 # استئناف بياني ناشىء عن قوله : { وأنفقوا خيرا لأنفسكم } ( التغابن : 16 ~~) ، فإن مضاعفة الجزاء على الإنفاق مع المغفرة خير عظيم ، وبهذا الموقع ~~يعلم السامع أن القرض أطلق على الإنفاق المأمور به إطلاقا بالاستعارة ، ~~والمقصود الاعتناء بفضل الإنفاق المأمور به اهتماما مكررا فبعد أن جعل خيرا ~~جعل سبب الفلاح وعرف بأنه قرض من العبد لربه وكفى بهذا ترغيبا وتلطفا في ~~الطلبب إذ جعل المنفق كأنه يعطي الله تعالى مالا وذلك من معنى الإحسان في ~~معاملة العبد ربه وقد بينه النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل إذ قال ~~جبريل للنبيء عليهما الصلاة والسلام : أخبرني عن الإحسان فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم ( الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه ~~يراك ) فمما ينضوي تحت معنى عبادة الله عبادة من يراه أن يستشعر العبد أن ~~امتثال أمر ربه بالإنفاق المأمور به منه كأنه ms8564 معاملة بين مقرض ومستقرض . # وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى : { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه ~~له أضعافا كثيرة في سورة البقرة . # وقرأ الجمهور يضاعفه } بألف بعد الضاد وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب { ~~يضعفه } بتشديد العين مضارع ضعف ، وهما بمعنى واحد وهو لفظي الضعف . # والمضاعفة : إعطاء الضعف بكسر الضاد وهو مثل الشيء في الذات أو الصفة . ~~وتصدق بمثل وبعدة أمثال كما قال تعالى : { أضعافا كثيرة } ( البقرة : 245 ) ~~. # وجعل الإنفاق سبب للغفران كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ( الصدقة ~~تطفىء الخطايا كما يطفىء الماء النار ) . # والشكور : فعول بمعنى فاعل مبالغة ، أي كثير الشكر وأطلق الشكر فيه على ~~الجزاء بالخير على فعل الصالحات تشبيها لفعل المتفضل بالجزاء بشكر المنعم ~~عليه على نعمة ولا نعمة على الله فيما يفعله عباده من الصالحات . فإنما ~~نفعها لأنفسهم ولكن الله تفضل بذلك حثا على صلاحهم فرتب لهم الثواب بالنعيم ~~على تزكية أنفسهم ، وتلطف لهم فسمى ذلك الثواب شكرا وجعل نفسه شاكرا . ~~PageV28P290 # وقد أوما إلى هذا المقصد إتباع صفة { شكور } بصفة { حليم } تنبيها على أن ~~ذلك من حلمه بعباده دون حق لهم عليه سبحانه . # وأما وصف ب { عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم } فتتميم للتذكير بعظمة ~~الله تعالى مع مناسبتها للترغيب والترهيب اللذين اشتملت عليهما الآيات ~~السابقة كلها لأن العالم بالأفعال ظاهرها وخفيها لا يفيت شيئا من الجزاء ~~عليها بما رتب لها ، ولأن العزيز لا يعجزه شيء . # و { الحكيم } : الموصوف بالحكمة لا يدع معاملة الناس بما تقتضيه الحكمة ~~من وضع الأشياء مواضعها ونوط الأمور بما يناسب حقائقها . # والحكيم فعيل بمعنى : المحكم ، أي المتقن في صنعه ومعاملته وهما معا من ~~صفاته تعالى فهو وصف جامع للمعنيين . # PageV28P291 # | 1 ( سورة الطلاق ) 1 # سورة { يا أيها النبي إذا طلقتم النساء } ( الطلاق : 1 ) الخ شاعت ~~تسميتها في المصاحف وفي كتب التفسير وكتب السنة : سورة الطلاق ولم ترد ~~تسميتها بهذا في حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم موسوم بالقبول . # وذكر في ( الإتقان ) أن عبد الله بن مسعود سماها ms8565 سورة النساء القصرى أخذا ~~مما أخرجه البخاري وغيره عن مالك بن عامر قال : كنا عند عبد الله بن مسعود ~~فذكر عنده أن الحامل المتوفى عنها تعتد أقصى الأجلين ( أي أجل وضع الحمل إن ~~كان أكثر من أربعة أشهر وعشر ، وأجلل الأربعة الأشهر وعشر ) فقال : أتجعلون ~~عليها التغليظ ولا تجعلون عليها الرخصة لنزلت سورة النساء القصرى بعد ~~الطولى { وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } ( الطلاق : 4 ) اه . وفي ( ~~الإتقان ) عن الداودي إنكار أن تدعى هذه السورة بالقصرى للتنزه عن وصف ~~القرآن بصفة نقص ، ورده ابن حجر بأن القصر أمر نسبي أي ليس مشعرا بنقص على ~~الإطلاق . وابن مسعود وصفها بالقصرى احترازا عن السورة المشهورة باسم سورة ~~النساء التي هي السورة الرابعة في المصحف التي أولها { يأيها الناس اتقوا ~~ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة } ( النساء : 1 ) . وأما قوله الطولى فهو صفة ~~لموصوف محذوف أي بعد السورة الطولى يعني سورة البقرة لأنها أطول سور القرآن ~~ويتعين أن ذلك مراده لأن سورة البقرة هي التي ذكرت فيها عدة المتوفى عنها . ~~وقد يتوهم أن سورة البقرة تسمى سورة النساء الطولى من مقابلتها بسورة ~~النساء القصرى في كلام ابن مسعود . وليس كذلك كما تقدم في سورة النساء . # وهي مدنية بالاتفاق . PageV28P292 # وعدد آيها اثنتا عشرة آية في عدد الأكثر . وعدها أهل البصرة إحدى عشرة ~~آية . # وهي معدودة السادسة والتسعين في ترتيب نزول السور عند جابر بن زيد نزلت ~~بعد سورة الإنسان وقبل سورة البينة . # وسبب نزولها ما رواه مسلم عن طريق ابن جريج عن أبي الزبير أنه سمع عبد ~~الرحمن بن أيمن يسأل ابن عمر كيف ترى في الرجل طلق امرأته حائضا ؟ فقال : ~~طلق ابن عمر امرأته حائضا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل عمر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له : ليراجعها ، فردها وقال : إذا طهرت ~~فليطلق أو ليمسك . قال ابن عمر وقرأ النبي : { يأيها النبي إذا طلقتم ~~النساء فطلقوهن لعدتهن } ( الطلاق : 1 ) . # وظاهر قوله : وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم ms8566 الخ . إنها نزلت عليه ساعتئذ ~~. ويحتمل أن تكون نزلت قبل هذه الحادثة . وقال الواحدي عن السدي : إنها ~~نزلت في قضية طلاق ابن عمر ، وعن قتادة أنها نزلت بسبب أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم طلق حفصة ولم يصح . وجزم أبو بكر بن العربي بأن شيئا من ذلك لم ~~يصح وأن الأصح أن الآية نزلت بيانا لشرع مبتدإ . # أغراضها # $ 2 ( { ياأيها النبى إذا طلقتم النسآء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة ~~واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة ~~مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدرى لعل الله ~~يحدث بعد ذلك أمرا * فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف ~~وأشهدوا ذوى عدل منكم وأقيموا الشهادة لله ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله ~~واليوم الاخر ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن ~~يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شىء قدرا * ~~واللائى يئسن من المحيض من نسآئكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللاتي لم ~~يحضن وأولات الاحمال أجلهن أن يضعن حملهن ومن يتق الله يجعل له من أمره ~~يسرا * ذلك أمر الله أنزله إليكم ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له ~~أجرا * أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضآروهن لتضيقوا عليهن وإن كن ~~أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن فإن أرضعن لكم فئاتوهن أجورهن ~~وأتمروا بينكم بمعروف وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى * لينفق ذو سعة من سعته ~~ومن قدر عليه رزقه فلينفق ممآ ءاتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا مآ ءاتاها ~~سيجعل الله بعد عسر يسرا * وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها ~~حسابا شديدا وعذبناها عذابا نكرا * فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرا ~~* أعد الله لهم عذابا شديدا فاتقوا الله ياأولى الألباب الذين ءامنوا قد ~~أنزل الله إليكم ذكرا * رسولا يتلو عليكم ءايات الله مبينات ليخرج الذين ~~ءامنوا وعملوا الصالحات من الظلمات ms8567 إلى النور ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا ~~يدخله جنات تجرى من تحتها الانهار خالدين فيهآ أبدا قد أحسن الله له رزقا * ~~الله الذى خلق سبع سماوات ومن الارض مثلهن يتنزل الامر بينهن لتعلمو & # 1764 ا أن الله على كل شىء قدير وأن الله قد أحاط بكل شىء علما } ) 2 $ ~~الغرض من آيات هذه السورة تحديد أحكام الطلاق وما يعقبه من العدة والإرضاع ~~والإنفاق والإسكان . تتميما للأحكام المذكورة في سورة البقرة . # والإيماء إلى حكمة شرع العدة . # والنهي عن الإضرار بالمطلقات والتضييق عليهن . # والإشهاد على التطليق وعلى المراجعة . # وإرضاع المطلقة ابنها بأجر على الله . # والأمر بالائتمار والتشاور بين الأبوين في شأن أولادهما . # وتخلل ذلك الأمر بالمحافظة الوعد بأن الله يؤيد من يتقي الله ويتبع حدوده ~~ويجعل له من أمره يسرا ويكفر عنه سيئاته . PageV28P293 # وأن الله وضع لكل شيء حكمه لا يعجزه تنفيذ أحكامه . # وأعقب ذلك بالموعظة بحال الأمم الذين عتوا عن أمر الله ورسله وهو حث ~~للمسلمين على العمل بما أمرهم به الله ورسوله صلى الله عليه وسلم لئلا يحق ~~عليهم وصف العتو عن الأمر . # وتشريف وحي الله تعالى بأنه منزل من السماوات وصادر عن علم الله وقدرته ~~تعالى . # . # توجيه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم أسلوب من أساليب آيات التشريع ~~المهتم به فلا يقتضي ذلك تخصيص ما يذكر بعده النبي صلى الله عليه وسلم مثل ~~{ يأيها النبي حرض المؤمنين على القتال } ( الأنفال : 65 ) لأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم الذي يتولى تنفيذ الشريعة في أمته وتبيين أحوالها . فإن كان ~~التشريع الوارد يشمله ويشمل الأمة جاء الخطاب مشتملا على ما يفيد ذلك مثل ~~صيغة الجمع في قوله هنا { إذا طلقتم النساء } وإن كان التشريع خاصا بالرسول ~~صلى الله عليه وسلم جاءت بما يقتضي ذلك نحو { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل ~~إليك من ربك } ( المائدة : 67 ) . # قال أبو بكر بن العربي : ( وهذا قولهم أن الخطاب له لفظا . والمعنى له ~~وللمؤمنين ، وإذا أراد الله الخطاب للمؤمنين لاطفه بقوله : { يا أيها النبي ~~} ، وإذا ms8568 كان الخطاب باللفظ والمعنى جميعا له قال : { يا أيها الرسول } ( ~~المائدة : 67 ) اه . ووجه الاهتمام بأحكام الطلاق والمراجعة والعدة سنذكره ~~عند قوله تعالى : { واتقوا الله ربكم } . # فالأحكام المذكورة في هذه السورة عامة للمسلمين فضمير الجمع في قوله : { ~~إذا طلقتم النساء } وما بعده من الضمائر مثله مراد بها هو وأمته . وتوجيه ~~الخطاب إليه لأنه المبلغ للناس وإمام أمته وقدوتهم والمنفذ لأحكام الله ~~فيهم فيما بينهم من المعاملات فالتقدير إذا طلقتم أيها المسلمون . # وظاهر كلمة { إذا } أنها للمستقبل وهذا يؤيد ما قاله أبو بكر بن العربي ~~من أنها PageV28P294 شرع مبتدأ قالوا : إنه يجوز أن يكون المراد إذا طلقتم ~~في المستقبل فلا تعودوا إلى مثل ما فعلتم ولكن طلقوهن لعدتهن ، أي في ~~أطهارهن كما سيأتي . # وتكرير فعل { فطلقوهن } لمزيد الاهتمام به فلم يقل إذا طلقتم النساء ~~فلطهرهن وقد تقدم نظير ذلك عند قوله تعالى : { وإذا بطشتم بطشتم جبارين في ~~سورة الشعراء ، وقوله : وإذا مروا باللغو مروا كراما في سورة الفرقان . # واللام في لعدتهن } لام التوقيت وهي بمعنى عند مثل كتب ليومم كذا من شهر ~~كذا . ومنه قوله تعالى : { أقم الصلاة لدلوك الشمس } ( الإسراء : 78 ) لا ~~تحتمل هذه اللام غير ذلك من المعاني التي تأتي لها اللام . ولما كان مدخول ~~اللام هنا غير زمان علم أن المراد الوقت المضاف إلى عدتهن أي وقت الطهر . # ومعنى التركيب أن عدة النساء جعلت وقتا لإيقاع طلاقهن فكني بالعدة عن ~~الطهر لأن المطلقة تعتد بالأطهار . # وفائدة ذلك أن يكون إيماء إلى حكمة هذا التشريع وهي أن يكون الطلاق عند ~~ابتداء العدة وإنما تبتدأ العدة بأول طهر من أطهار ثلاثة لدفع المضرة عن ~~المطلقة بإطالة انتظار تزويجها لأن ما بين حيضها إذا طلقت فيه وبين طهرها ~~أيام غير محسوبة في عدتها فكان أكثر المطلقين يقصدون بذلك إطالة مدة العدة ~~ليوسعوا على أنفسهم زمن الارتياء للمراجعة قبل أن يبن منهم . # وفعل { طلقتم } مستعمل في معنى أردتم الطلاق وهو استعمال وارد ومنه قوله ~~تعالى : { يأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ms8569 فاغسلوا وجوهكم } ( ~~المائدة : 6 ) الآية والقرينة ظاهرة . # والآية تدل على إباحة التطليق بدلالة الإشارة لأن القرآن لا يقدر حصول ~~فعل محرم من دون أن يبين منعه . # والطلاق مباح لأنه قد يكون حاجيا لبعض الأزواج فإن الزوجين شخصان اعتشرا ~~اعتشارا حديثا في الغالب لم تكن بينهما قبله صلة من نسب ولا جوار ولا تخلق ~~بخلق متقارب أو متماثل فيكثر أن يحدث بينهما بعد التزوج تخالف في بعض نواحي ~~المعاشرة قد يكون شديدا ويعسر تذليله ، فيمل أحدهما ولا يوجد سبيل إلى ~~PageV28P295 إراحتهما من ذلك إلا التفرقة بينهما فأحله الله لأنه حاجي ~~ولكنه ما أحله إلا لدفع الضر فلا ينبغي أن يجعل الإذن فيه ذريعة للنكاية من ~~أحد الزوجين بالآخر . أو من ذوي قرابتهما ، أو لقصد تبديل المذاق . ولذلك ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم ( أبغض الحلال إلى الله الطلاق ) . # وتعليق { طلقتم } بإذا الشرطية مشعر بأن الطلاق خلاف الأصل في علاقة ~~الزوجين التي قال الله فيها : { ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا ~~لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة } ( الروم : 21 ) . # واختلف العلماء في أن النبي صلى الله عليه وسلم طلق وجزم به الخطابي في ( ~~شرح سنن أبي داود ) : ولم يثبت تطليق النبي صلى الله عليه وسلم بحديث صحيح ~~والمروي في ذلك خبرانن ، أولهما ما رواه ابن ماجة عن سويد بن سعيد وعبد ~~الله بن عامر بن زرارة ومسروق بن المرزبان بسندهم إلى ابن عباس عن عمر بن ~~الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلق حفصة ثم راجعها . وفي هذا ~~السند ضعف لأن سويد بن سعيد ضعيف نسبه ابن معين إلى الكذب وضعفه ابن ~~المديني والنسائي وابن عدي . وقبله أحمد بن حنبل وأبو حاتم . وكذلك مسروق ~~بن المرزبان يضعف أيضا . وبقي عبد الله بن عامر بن زرارة لا متكلم فيه ~~فيكون الحديث صحيحا لكنه غريب وهو لا يقبل فيما تتوفر الدواعي على روايته ~~كهذا . وهذا الحديث غريب في مبدئه ومنتهاه لانفراد سعيد بن جبير بروايته عن ~~ابن عباس ، وانفراد ابن ms8570 عباس بروايته عن عمر بن الخطاب مع عدم إخراج أهل ~~الصحيح إياه فالأشبه أنه لم يقع طلاق النبي صلى الله عليه وسلم حفصة ولكن ~~كانت قضية الإيلاء بسبب حفصة . # والمعروف في ( الصحيح ) عن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم آلى من نسائه فقال الناس طلق رسول الله نساءه . قال عمر : ( فقلت يا ~~رسول الله أطلقت نساءك ؟ ، قال : ( لا آليت منهن شهرا ) . فلعل أحد رواة ~~الحديث عن ابن عباس عبر عن الإيلاء بلفظ التطليق وعن الفيئة بلفظ راجع على ~~أن ابن ماجه يضعف عند أهل النقد . # وثانيهما : حديث الجونية أسماء أو أميمة بنت شراحيل الكندية في ( الصحيح ~~) : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها وأنه لما دخل يبني بها قالت له ~~: ( أعوذ بالله منك ، فقال : PageV28P296 قد عذت بمعاذ ألحقي بأهلك ) وأمر ~~أبا أسيد الساعدي أن يكسوها ثوبين وأن يلحقها بأهلها ، ولعلها أرادت إظهار ~~شرفها والتظاهر بأنها لا ترغب في الرجال وهو خلق شائع في النساء . # والأشبه أن هذا طلاق وأنه كان على سبب سؤالها فهو مثل التخيير الذي قال ~~الله تعالى فيه : { يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا ~~في سورة الأحزاب . فلا يعارض ذلك قوله : أبغض الحلال إلى الله الطلاق . إذ ~~يكون قوله ذلك مخصوصا بالطلاق الذي يأتيه الزوج بداع من تلقاء نفسه لأن علة ~~الكراهية هي ما يخلفه الطلاق من بغضاء المطلقة من يطلقها فلا يصدر من النبي ~~ابتداء تجنبا من أن تبغضه المطلقة فيكون ذلك وبالا عليها ، فأما إذا سألته ~~فقد انتفت الذريعة التي يجب سدها . # وعلم من قوله تعالى : لعدتهن } أنهن النساء المدخول بهن لأن غير المدخول ~~بهن لا عدة لهن إجماعا بنص آية الأحزاب . # وهذه الآية حجة لمالك والشافعي والجمهور أن العدة بالأطهار لا بالحيض فإن ~~الآية دلت على أن يكون إيقاع الطلاق عند مبدإ الاعتداد فلو كان مبدأ ~~الاعتداد هو الحيض لكانت الآية أمرا بإيقاع الطلاق في الحيض ولا خلاف في أن ~~ذلك منهي عنه لحديث عمر ms8571 في قضية طلاق ابنه عبد الله بن عمر زوجه وهي حائض . ~~واتفق أهل العلم على الأخذ به فكيف يخالف مخالف في معنى القرء خلافا يفضي ~~إلى إبطال حكم القضية في ابن عمر وقد كانت العدة مشروعة من قبل بآية سورة ~~البقرة وآيات الأحزاب فلذلك كان نوط إيقاع الطلاق بالحال التي تكون بها ~~العدة إحالة على أمر معلوم لهم . # وحكمة العدة تقدم بيانها . # . # الإحصاء : معرفة العد وضبطه . وهو مشتق من الحصى وهي صغار الحجارة لأنهم ~~كانوا إذا كثرت أعداد شيء جعلوا لكل معدود حصاة ثم عدوا ذلك الحصى ، قال ~~تعالى : { وأحصى كل شيء عددا } ( الجن : 28 ) . PageV28P297 # والمعنى : الأمر بضبط أيام العدة والإتيان على جميعها وعدم التساهل فيها ~~لأن التساهل فيها ذريعة إلى أحد أمرين ؛ إما التزويج قبل انتهائها فربما ~~اختلط النسب ، وإما تطويل المدة على المطلقة في أيام منعها من التزوج لأنها ~~في مدة العدة لا تخلو من حاجة إلى من يقوم بها . # وأما فوات أمد المراجعة إذا كان المطلق قد ثاب إلى مراجعة امرأته . # والتعريف في العدة للعهد فإن الاعتداد مشروع من قبل كما علمته آنفا ~~والكلام على تقدير مضاف لأن المحصى أيام العدة . # والمخاطب بضمير { أحصوا } هم المخاطبون بضمير { إذا طلقتم } فيأخذ كل من ~~يتعلق به هذا الحكم حظه من المطلق والمطلقة ومن يطلع على مخالفة ذلك من ~~المسلمين وخاصة ولاة الأمور من الحكام وأهل الحسبة فإنهم الأولى بإقامة ~~شرائع الله في الأمة وبخاصة إذا رأوا تفشي الاستخفاف بما قصدته الشريعة . ~~وقد بينا ذلك في باب مقاصد القضاء من كتابي ( مقاصد الشريعة ) . # ففي العدة مصالح كثيرة وتحتها حقوق مختلفة اقتضتها تلك المصالح الكثيرة ~~وأكثر تلك الحقوق للمطلق والمطلقة وهي تستتبع حقوقا للمسلمين وولاة أمورهم ~~في المحافظة على تلك الحقوق وخاصة عند التحاكم . # . # اعتراض بين جملة { وأحصوا العدة } وجملة { لا تخرجوهن من بيوتهن } والواو ~~اعتراضية . # وحذف متعلق { اتقوا الله } ليعم جميع ما يتقى الله فيه فيكون هذا من قبيل ~~الاعتراض التذييلي وأول ما يقصد بأن يتقى الله فيه ما سيق ms8572 الكلام لأجله . # فقوله : { واتقوا الله ربكم } تحذير من التساهل في أحكام الطلاق والعدة . ~~ذلك أن أهل الجاهلية لم يكونوا يقيمون للنساء وزنا وكان قرابة المطلقات ~~قلما يدافعن عنهن فتناسى الناس تلك الحقوق وغمصوها فلذلك كانت هذه الآيات ~~PageV28P298 شديدة اللهجة في التحدي ، وعبر عن تلك الحقوق بالتقوى وبحدود ~~الله ولزيادة الحرص على التقوى أتبع اسم الجلالة بوصف { ربكم } للتذكير ~~بأنه حقيق بأن يتقى غضبه . # . # استئناف أو حال من ضمير { أحصوا العدة } ، أي حالة كون العدة في بيوتهن ، ~~ويجوز أن تكون بدل اشتمال من مضمون جملة { أحصوا العدة } لأن مكثهن في ~~بيوتهن في مدة العدة يحقق معنى إحصاء العدة . # ولكلا الوجهين جردت الجملة عن الاقتران بالواو جوازا أو وجوبا . # وفي إضافة البيوت إلى ضمير النساء إيماء إلى أنهن مستحقات المكث في ~~البيوت مدة العدة بمنزلة مالك الشيء وهذا ما يسمى في الفقه ملك الانتفاع ~~دون العين ولأن بقاء المطلقات في البيوت اللاتي كن فيها أزواجا استصحاب ~~لحال الزوجية إذ الزوجة هي المتصرفة في بيت زوجها ولذلك يدعوها العرب ( ربة ~~البيت ) وللمطلقة حكم الزوجة ما دامت في العدة إلا في استمتاع المطلق . # وهذا الحكم سببه مركب من قصد المكارمة بين المطلق والمطلقة . وقصد ~~الانضباط في علة الاعتداد تكميلا لتحقق لحاق ما يظهر من حمل بأبيه المطلق ~~حتى يبرأ النسب من كل شك . # وجملة { ولا يخرجن } عطف على جملة { لا تخرجوهن } وهو نهي لهن عن الخروج ~~فإن المطلق قد يخرجها فترغب المطلقة في الخروج لأنها تستثقل البقاء في بيت ~~زالت عنه سيادتها فنهاهن الله عن الخروج . فإذا كان البيت مكترى سكنته ~~المطلقة وكراؤه على المطلق وإذا انتهى أمد كرائه فعلى المطلق تجديده إلى ~~انتهاء عدة المطلقة . # وهذا الترتب بين الجملتين يشعر بالسببية وأن لكل امرأة معتدة حق السكنى ~~في بيت زوجها مدة العدة لأنها معتدة لأجله أي لأجل حفظ نسبه وعرضه فهذا ~~PageV28P299 مقتضى الآية . ولذلك قال مالك وجمهور العلماء بوجوب السكنى ~~للمطلقة المدخول بها سواء كان الطلاق رجعيا أو بائنا وقال ابن أبي ليلى ms8573 : ~~لا سكنى إلا للمطلقة الرجعية ، وعلل وجوب الإسكان للمطلقة المدخول بها بعدة ~~أمور : حفظ النسب ، وجبر خاطر المطلقة وحفظ عرضها . وسيجيء في هذه السورة ~~قوله تعالى : { أسكنوهن من حيث سكنتم } ( الطلاق : 6 ) الآية . وتعلم أن ~~ذلك تأكيدا لما في هذه الآية من وجوب الإسكان في العدة أعيد ليبين عليه ~~قوله : { من وجدكم } ( الطلاق : 6 ) وما عطف عليه . # والاستثناء في قوله : { إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } يحتمل أن يرجع إلى ~~الجملتين اللتين قبله كما هو الشأن فيه إذا ورد بعد جمل على أصح الأقوال ~~لعلماء الأصول . ويحتمل أن يرجع إلى الأخيرة منهما وهو مقتضى كونه موافقا ~~لضميرها إذ كان الضمير في كلتيهما ضمير النسوة . وهو استثناء من عموم ~~الأحوال التي اقتضاها عموم الذوات في قوله : { لا تخرجوهن } { ولا يخرجن } ~~. فالمعنى : إلا أن يأتين بفاحشة فأخرجوهن أو ليخرجن ، أي يباح لكم إخراجهن ~~وليس لهن الامتناع من الخروج وكذلك عكسه . # والفاحشة : الفعلة الشديدة السوء بهذا غلب إطلاقها في عرف اللغة فتشمل ~~الزنا كما في قوله تعالى : { واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم الآية في ~~سورة النساء . # وشمل غيره من الأعمال ذات الفساد كما في قوله : وإذا فعلوا فاحشة قالوا ~~وجدنا عليها آباءنا } ( الأعراف : 28 ) . وقوله تعالى : { قل إنما حرم ربي ~~الفواحش ما ظهر منها وما بطن في سورة الأعراف . قال ابن عطية : قال بعض ~~الناس : الفاحشة متى وردت في القرآن معرفة فهي الزنا ( يريد أو ما يشبهه ) ~~كما في قوله : أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين } ( الأعراف ~~: 80 ) ومتى وردت منكرة فهي المعاصي . # وقرأ الجمهور { مبينة } بكسر الياء التحتية ، أي هي تبين لمن تبلغه أنها ~~فاحشة عظيمة فإسناد التبيين إليها مجاز باستعارة التبيين للوضوح أو تبيين ~~لولاة الأمور صدورها من المرأة فيكون إسناد التبيين إلى الفاحشة مجازا ~~عقليا وإنما المبين PageV28P300 ملابسها وهو الإقرار والشهادة فيحمل في كل ~~حالة على ما يناسب معنى التبيين . # وقرأ ابن كثير وأبو بكر عن عاصم { مبينة } بفتح التحتية ، أي كانت فاحشة ~~بينتها الحجة أو بينها الخارج ms8574 ومحمل القراءتين واحد . # ووصفها ب { مبينة } إما أن يراد به أنها واضحة في جنس الفواحش ، أي هي ~~فاحشة عظيمة وهذا المقام يشعر بأن عظمها هو عظم ما يأتيه النساء من أمثالها ~~عرفا . وإما أن يراد به مبينة الثبوت للمدة التي تخرج . # وقد اختلفوا في المراد من الفاحشة هنا وفي معنى الخروج لأجلها فعن ابن ~~مسعود وابن عباس والشعبي والحسن وزيد بن أسلم والضحاك وعكرمة وحماد والليث ~~بن سعدود أبي يوسف : أن الفاحشة الزنا ، قالوا : ومعاد الاستثناء الإذن في ~~إخراجهن ، أي ليقام عليهن الحد . # وفسرت الفاحشة بالبذاء على الجيران والأحماء أو على الزوج بحيث أن بقاء ~~أمثالهن في جوار أهل البيت يفضي إلى تكرر الخصام فيكون إخراجها من ارتكاب ~~أخف الضررين ونسب هذا إلى أبي بن كعب لأنه قرأ ( إلا أن يفحشن عليكم ) ( ~~بفتح التحتية وضم الحاء المهملة أي الاعتداء بكلام فاحش ) وروي عن ابن عباس ~~أيضا واختاره الشافعي . # وفسرت الفاحشة بالمعصية من سرقة أو سب أو خروج من البيت فإن العدة بله ~~الزنا ونسب إلى ابن عباس أيضا وابن عمر وقاله السدي وأبو حنيفة . # وعن قتادة الفاحشة : النشوز ، أي إذا طلقها لأجلل النشوز فلا سكنى لها . # وعن ابن عمر والسدي إرجاع الاستثناء إلى الجملة التي هو موال لها وهي ~~جملة { ولا يخرجن } أي هن منهيات عن الخروج إلا أن يردن أن يأتين بفاحشة ، ~~ومعنى ذلك إرادة تفظيع خروجهن ، أي إن أردن أن يأتين بفاحشة يخرجن وهذا بما ~~يسمى تأكيد الشيء بما يشبه ضده كذا سماه السكاكي تسمية عند الأقدمين تأكيد ~~المادح بما يشبه الذم ومنه قول النابغة : # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم # بهن فلول من قراع الكتائب PageV28P301 # فجعلت الآية خروجهن ريبة لهن وحذرت النساء منه بأسلوب خطابي ( بفتح الخاء ~~) فيكون هذا الاستثناء منعا لهن من الخروج على طريقة المبالغة في النهي . # ومحمل فعل { يأتين } على هذا الوجه أنه من يردن أن يأتين مثل { إذا قمتم ~~إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم } ( المائدة : 6 ) . # وقد ورد في ( الصحيح ) عن النبي صلى الله ms8575 عليه وسلم أنه أتته فاطمة بنت ~~قيس الفهرية فأخبرته أن زوجها أبا عمرو بن حفص أو أبا حفص بن عمرو ( وكان ~~وجهه النبي صلى الله عليه وسلم مع علي إلى اليمن ) فأرسل إليها من اليمن ~~بتطليقة صادفت آخر الثلاث فبانت منه ، وأنه أرسل إلى بعض ذويه بأن ينفقوا ~~عليها مدة العدة فقالوا لها : ما لك نفقة إلا أن تكوني حاملا ، وأنها رفعت ~~أمرها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : لا نفقة لك فاستأذنته في ~~الانتقال فأذن لها أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم . وفي رواية أنها قالت : ~~أخاف أن يقتحم علي ( بالبناء للمجهول ) ، وفي رواية أنها كانت في مكان وحش ~~مخيف على ناحيتها فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم بالانتقال . # واختلف العلماء في انتقالها فقال جماعة : هو رخصة لفاطمة بنت قيس لا ~~تتجاوزها وكانت عائشة أم المؤمنين ترى ذلك ، روى البخاري أن يحيى بن سعيد ~~بن العاص طلق امرأته عمرة بنت عبد الرحمن بن الحكم وكان عمها مروان بن ~~الحكم أمير المدينة يومئذ فانتقلها أبوها إليه فبلغ ذلك عائشة أم المؤمنين ~~فأرسلت إلى مروان أن اتقق الله وأرددها إلى بيتها فقال مروان : أو ما بلغك ~~شأن فاطمة بنت قيس ؟ قالت عائشة : لا يضرك أن لا تذكر حديث فاطمة ، فقال ~~مروان : إن كان بكك الشر فحسبكك ما بين هذين من الشر ، ( ولعل عائشة اقتنعت ~~بذلك إذ لم يرد أنها ردت عليه ) . # وفي ( الصحيح ) عن عمر بن الخطاب أنه قال : لا ندع كتاب الله وسنة نبينا ~~لقول امرأة لا ندري أحفظت أم نسيت . وقالت عائشة : ليس لفاطمة بنت قيس خبر ~~في ذكر هذا الحديث وعابت عليها أشد العيب . وقالت إن فاطمة كانت في مكان ~~وحش مخيف على ناحيتها فرخص لها النبي صلى الله عليه وسلم بالانتقال . ويظهر ~~من هذا أنه اختلاف في حقيقة العذر المسوغ للانتقال . قال مالك : وليس ~~للمرأة أن تنتقل من موضع عدتها بغير عذر رواه الباجي في ( المنتقى ) . ~~PageV28P302 # وقال ابن العربي : إن الخروج للحدث والبذاء والحاجة إلى ms8576 المعايش وخوفف ~~العودة من المسكن جائز بالسنة . # ومن العلماء من جوز الانتقال للضرورة وجعلوا ذلك محمل حديث فاطمة بنت قيس ~~فإنها خيف عليها في مكان وحش وحدث بينها وبين أهل زوجها شر وبذاء قال سعيد ~~بن المسيب : تلك امرأة استطالت على أحمائها بلسانها أنها كانت لسنة فأمرها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تنتقل وهذا الاختلاف قريب من أن يكون ~~اختلافا لفظيا لاتفاق الجميع عدا عمر بن الخطاب على أن انتقالها كان لعذر ~~قبله النبي صلى الله عليه وسلم فتكون تلك القضية مخصصة للآية ويجري القياس ~~عليها إذا تحققت علة القياس . # أما قول عمر بن الخطاب : لا ندع كتاب الله وسنة نبينا لقول امرأة أحفظت ~~أم نسيت . فهو دحض لرواية فاطمة ابنة قيس بشك له فيه فلا تكون معارضة لآية ~~حتى يصار إلى الجمع بالتخصيص والترخيص . وقال ابن العربي : قيل إن عمر لم ~~يخصص القرآن بخبر الواحد . # وأما تحديد منع خروج المعتدة من بيتها فلا خلاف في أن مبيتها في غير ~~بيتها حرام . وأما خروجها نهارا لقضاء شؤون نفسها فجوزه مالك والليث بن سعد ~~وأحمد للمعتدة مطلقا . # وقال الشافعي : المطلقة الرجعية لا تخرج ليلا ولا نهارا والمبتوتة تخرج ~~نهارا . وقال أبو حنيفة : تخرج المعتدة عدة الوفاة نهارا ولا تخرج غيرها ، ~~لا ليلا ولا نهارا . # وفي ( صحيح مسلم ) أن مروان بن الحكم أرسل إلى فاطمة بنت قيس يسألها عن ~~حديثها فلما أبلغ إليه قال : لم نسمع هذا الحديث إلا من امرأة سنأخذ ~~بالعصمة التي وجدنا عليها الناس . فقالت فاطمة حين بلغها قول مروان : ( ~~فبيني وبينكم القرآن قال الله عز وجل : { لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن ~~إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه ~~لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا } . هذا لمن كان له رجعة فأي أمر يحدث ~~بعد الثلاث فكيف تقولون لا نفقة لها إذا لم تكن حاملا فعلام تحبسونها فظنت ~~أن ملازمة بيتها لاستبقاء الصلة بينها وبين مفارقها وأنها ms8577 ملزمة بذلك لأجل ~~الإنفاق . PageV28P303 # والذي تخلص لي أن حكمة السكنى للمطلقة أنها حفظ الإعراض فإن المطلقة يكثر ~~إلتفات العيون لها وقد يتسرب سوء الظن إليها فيكثر الاختلاف عليها ولا تجد ~~ذا عصمة يذب عنها فلذلك شرعت لها السكنى ولا تخرج إلا لحاجياتها فهذه حكمة ~~من قبيل المظنة فإذا طرأ على الأحوال ما أوقعها في المشقة أو أوقع الناس في ~~مشقة من جرائها أخرجت من ذلك المسكن وجرى على مكثها في المسكن الذي تنتقل ~~إليه ما يجري عليها في مسكن مطلقها لأن المظنة قد عارضتها مئنة . ومن الحكم ~~أيضا في ذلك أن المطلقة قد لا تجد مسكنا لأن غالب النساء لم تكن لهن أموال ~~وإنما هن عيال على الرجال فلما كانت المعتدة ممنوعة من التزوج كان إسكانها ~~حقا على مفارقها استصحابا للحال حتى تحل للتزوج فتصير سكناها على من ~~يتزوجها . ويزاد في المطلقة الرجعية قصد استبقاء الصلة بينها وبين مطلقها ~~لعله أن يثوب إليه رشده فيراجعها فلا يحتاج في مراجعتها إلى إعادة التذاكر ~~بينه وبينها أو بينه وبين أهلها . فهذا مجموع علل فإذا تخلفت واحدة منها لم ~~يتخلف الحكم لأن الحكم المعلل بعلتين فأكثر لا يبطله سقوط بعضها بخلاف ~~العلة المركبة إذا تخلف جزء منها . # . # الواو اعتراضية والجملة معترضة بين جملة { ولا يخرجن } ، وجملة { لا تدري ~~لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا } أريد بهذا الاعتراض المبادرة بالتنبيه إلى ~~إقامة الأحكام المذكورة من أول السورة إقامة لا تقصير فيها ولا خيرة لأحد ~~في التسامح بها ، وخاصة المطلقة والمطلق أن يحسبا أن ذلك من حقهما انفرادا ~~أو اشتراكا . # والإشارة إلى الجمل المتقدمة باعتبار معانيها بتأويل القضايا . # والحدود : جمع حد وهو ما يحد ، أي يمنع من الاجتياز إلى ما ورائه للأماكن ~~التي لا يحبون الاقتحام فيها إما مطلقا مثل حدود الحمى وإما لوجوب تغيير ~~الحالة مثل حدود الحرم لمنع الصيد وحدود المواقيت للإحرام بالحج والعمرة . # والمعنى : أن هذه الأحكام مشابهة الحدود في المحافظة على ما تقتضيه في ~~هذا . PageV28P304 # ووجه الشبه إنما يراعى بما يسمح ms8578 به عرف الكلام مثل قولهم : ( النحو في ~~الكلام كالملح في الطعام ) فإن وجه التشبيه أنه لا يصلح الكلام بدونه وليس ~~ذلك بمقتض أن يكون الكثير من النحو في الكلام مفسدا ككثرة الملح في الطعام ~~. # ووقوع { حدود الله } خبرا عن اسم الإشارة الذي أشير به إلى أشياء معينة ~~يجعل إضافة حدود إلى اسم الجلالة مرادا منها تشريف المضاف وتعظيمه . # والمعنى : وتلك مما حد الله فلا تفيد تعريف الجمع بالإضافة عموما لصرف ~~القرينة عن إفادة ذلك لظهور أن تلك الأشياء المعينة ليست جميع حدود الله . # . # عطف على جملة ، { وتلك حدود الله } . فهو تتميم وهو المقصود من التذييل ~~وإذ قد كان حدود الله جمعا معرفا بالإضافة كان مفيدا للعموم إذ لا صارف عن ~~إرادة العموم بخلاف إضافة حدود الله السابق . # والمعنى : من يتعد شيئا من حدود الله فقد ظلم نفسه ، وبهذا تعلم أن ليس ~~في قوله : { ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه } إظهار في مقام الإضمار ~~لاختلاف هذين المركبين بالعموم والخصوص وجيء بهذا الإطناب لتهويل أمر هذا ~~التعدي . # وأخبر عن متعديها بأنه ظلم نفسه للتخويف تحذيرا من تعدي هذه الحدود فإن ~~ظلم النفس هو الجريرة عليها بما يعود بالإضرار وذلك منه ظلم لها في الدنيا ~~بتعريض النفس لعواقب سيئة تنجر من مخالفة أحكام الدين لأن أحكامه صلاح ~~للناس فمن فرط فيها فاتته المصالح المنطوية هي عليها . # قال : { ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته ~~عليكم لعلكم تشكرون } ( المائدة : 6 ) . # ومنه ظلم للنفس في الآخرة بتعريضها للعقاب المتوعد به على الإخلال بأحكام ~~الدين قال تعالى : { أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله وإن كنت ~~لمن الساخرين أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين أو تقول حين ~~PageV28P305 ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين } ( الزمر : 56 58 ~~) فإن للمؤمنين حظا من هذا الوعيد بمقدار تفاوت ما بين الكفر ومجرد العصيان ~~وجيء في هذا التحذير بمن الشرطية لإفادة عموم كل من تعدى ms8579 حدود الله فيدخل ~~في ذلك الذين يتعدون أحكام الطلاق وأحكام العدة في هذا العموم . # . # هذه الجملة تعليل لجملة { فطلقوهن لعدتهن } وما ألحق بها مما هو إيضاح ~~لها وتفصيل لأحوالها . ولذلك جاءت مفصولة عن الجمل التي قبلها . # ويجوز كونها بدلا من جملة { ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه } بدل ~~اشتمال لأن ظلم النفس بعضه حاصل في الدنيا وهو مشتمل على إضاعة مصالح النفس ~~عنها . وقد سلك في هذه الآية مسلك الترغيب في امتثال الأحكام المتقدمة بعد ~~أن سلك في شأنها مسلك الترهيب من مخالفتها . # فمن مصالح الاعتداد ما في مدة الاعتداد من التوسيع على الزوجين في مهلة ~~النظر في مصير شأنهما بعد الطلاق ، فقد يتضح لهما أو لأحدهما متاعب وأضرار ~~من انفصام عروة المعاشرة بينهما فيعد ما أضجرهما من بعض خلقهما شيئا تافها ~~بالنسبة لما لحقهما من أضرار الطلاق فيندم كلاهما أو أحدهما فيجدا من المدة ~~ما يسع للسعي بينهما في إصلاح ذات بينهما . # والمقصود الإشارة إلى أهم ما في العدة من المصالح وهو ما يحدثه الله من ~~أمر بعد الطلاق وتنكير أمر للتنويع . أي أمرا موصوفا بصفة محذوفة ، أي أمرا ~~نافعا لهما . # وهذا الأمر هو تقليب القلوب من بغض إلى محبة ، ومن غضب إلى رضى ، ومن ~~إيثار تحمل المخالفة في الأخلاق مع المعاشرة على تحمل آلام الفراق وخاصة ~~إذا كان بين المتفارقين أبناء ، أو من ظهور حمل بالمطلقة بعد أن لم يكن لها ~~أولاد فيلز ظهوره أباه إلى مراجعة أمه المطلقة . على أن في الاعتداد ~~والإسكان مصالح أخرى كما علمته آنفا . PageV28P306 # والخطاب في قوله : { لا تدري } لغير معين جار على طريقة القصد بالخطاب ~~إلى كل من يصلح للخطاب ويهمه أمر الشيء المخاطب به من كل من قصر بصره إلى ~~حالة الكراهية التي نشأ عليها الطلاق ولم يتدبر في عواقب الأمور ولا أحاط ~~فكره بصور الأحوال المختلفة المتقلبة كما قال تعالى : { فإن كرهتموهن فعسى ~~أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا } ( النساء : 19 ) . # ولعل كلمة { لا تدري } تجري مجرى ms8580 المثل فلا يراد مما فيها من علامة ~~الخطاب ولا من صيغة الإفراد إلا الجري على الغالب في الخطاب وهو مبني على ~~توجيه الخطاب لغير معين . # و { لعل } ومعمولاها سادة معلقة فعل { تدري } عن العمل . # ( 2 ، 3 ) # . # تفريع على جميع ما تقدم من أحكام العدة معطوف على جملة { وأحصوا العدة } ~~( الطلاق : 1 ) لأن إحصاءها بحفظ مدتها واستيعاب أيامها فإذا انتهت المدة ~~فقد أعذر الله لهما والزيادة عليها إضرار بأحدهما أو بكليهما وفائدة الآجال ~~الوقوف عند انتهائها . # وبلوغ الأجل أصله انتهاء المدة المقدرة له كما يؤذن به معنى البلوغ الذي ~~هو الوصول إلى المطلوب على تشبيه الأجل المعين بالمكان المسير إليه وشاع ~~ذلك في الاستعمال فالمجاز في لفظ الأجل وتبعه المجاز في البلوغ وقد استعمل ~~البلوغ في هذه الآية في مقاربة ذلك الإنتهاء مبالغة في عدم التسامح فيه ~~وهذا الاستعمال مجاز آخر لمشابهة مقاربة الشيء بالحصول فيه والتلبس به . # وقرينة المجاز هنا هو لفظ الأجل لأنه لا تتصور المراجعة بعد بلوغ الأجل ~~لأن في ذلك رفع معنى التأجيل . # ومنه قوله تعالى : { وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو ~~سرحوهن بمعروف في سورة البقرة . PageV28P307 # والإمساك : اعتزام المراجعة عبر عنه بالإمساك للإيماء إلى أن المطلقة ~~الرجعية لها حكم الزوجة فيما عدا الاستمتاع فكأنه لما راجعها قد أمسكها أن ~~لا تفارقه فكأنه لم يفارقها لأن الإمساك هو الضن بالشيء وعدم التفريط فيه ~~ومنه قوله تعالى : أمسك عليك زوجك } ( الأحزاب : 37 ) وأنه إذا لم يراجعها ~~فكأنه قد أعاد فراقها وقسا قلبه . # ومن أجل هذه النكتة جعل عدم الإمساك فراقا جديدا في قوله : { أو فارقوهن ~~بمعروف } . # والأمر في { فأمسكوهن } { أو فارقوهن } للإباحة ، و { أو } فيه للتخيير . # والباء في { بمعروف } للملابسة أي ملابسة كل من الإمساك والفراق للمعروف ~~. # والمعروف : هو ما تعارفه الأزواج من حسن المعاملة في المعاشرة وفي الفراق ~~. # فالمعروف في الإمساك : حسن اللقاء والاعتذار لها عما فرط والعود إلى حسن ~~المعاشرة . # والمعروف في الفراق : كف اللسان عن غيبتها وإظهار الاستراحة منها . # والمعروف في الحالين من ms8581 عمل الرجل لأنه هو المخاطب بالإمساك أو الفراق . # وأما المعروف الذي هو من عمل المرأة فمقرر من أدلة أخرى كقوله تعالى : { ~~ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف } ( البقرة : 228 ) . # وتقديم الإمساك أعني المراجعة على إمضاء المفارقة ، إيماء إلى أنه أرضى ~~لله تعالى وأوفق بمقاصد الشريعة مع ما تقدم من التعبير عن المراجعة ~~بالإمساك ، ففهم أن المراجعة مندوب إليها لأن أبغض الحلال إلى الله الطلاق ~~. # ولما قيد أمر الإباحة من قوله : { فأمسكوهن } { أو فارقوهن } ، بقيد ~~بالمعروف ، فهم منه أنه إن كان إمساك دون المعروف فهو غير مأذون فيه وهو ~~الإمساك الذي كان يفعله أهل الجاهلية أن يطلق الرجل امرأته فإذا قاربت ~~انتهاء عدتها راجعها أياما ثم طلقها يفعل ذلك ثلاثا ليطيل عليها من العدة ~~فلا تتزوج عدة أشهر إضرارا بها . # وقد تقدم هذا عند قوله تعالى : { وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن ، إلى ~~قوله : ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا في سورة البقرة . PageV28P308 # } . # ظاهر وقوع هذا الأمر بعد ذكر الإمساك أو الفراق ، أنه راجع إلى كليهما ~~لأن الإشهاد جعل تتمة للمأمور به في معنى الشرط للإمساك أو الفراق لأن هذا ~~العطف يشبه القيد وإن لم يكن قيدا وشأن الشروط الواردة بعد جمل أن تعود إلى ~~جميعها . # وظاهر صيغة الأمر الدلالة على الوجوب فيتركب من هذين أن يكون الإشهاد على ~~المراجعة وعلى بت الطلاق واجبا على الأزواج لأن الإشهاد يرفع أشكالا من ~~النوازل وهو قول ابن عباس وأخذ به يحيى بن بكير من المالكية والشافعي في ~~أحد قوليه وابن حنبل في أحد قوليه وروي عن عمران بن حصين وطاوس وإبراهيم ~~وأبي قلابة وعطاء . وقال الجمهور : الإشهاد المأمور به الإشهاد على ~~المراجعة دون بت الطلاق . # أما مقتضى صيغة الأمر في قوله تعالى : { وأشهدوا ذوي عدل } فقيل هو مستحب ~~وهو قول أبي حنيفة والمشهور عن مالك فيما حكاه ابن القصار ولعل مستند هذا ~~القول عدم جريان العمل بالتزامه بين المسلمين في عصر الصحابة وعصور أهل ~~العلم ، وقياسه على الإشهاد بالبيع فإنهم اتفقوا على عدم وجوبه وكلا هذين ~~مدخول ms8582 لأن دعوى العمل بترك الإشهاد دونها منع ، ولأن قياس الطلاق والرجعة ~~على البيع قد يقدح فيه بوجود فارق معتبر وهو خطر الطلاق والمراجعة وأهمية ~~ما يترتب عليهما من الخصومات بين الأنساب ، وما في البيوعات مما يغني عن ~~الإشهاد وهو التقايض في الأعواض . وقيل الأمر للوجوب المراجعة دون الفرقة ~~وهو أحد قولي الشافعي وأحمد ونسبه إسماعيل بن حماد من فقهاء المالكية ~~ببغداد إلى مالك وهو ظاهر مذهب ابن بكير . # واتفق الجميع على أن هذا الإشهاد ليس شرطا في صحة المراجعة أو المفارقة ~~لأنه إنما شرع احتياطا لحقهما وتجنبا لنوازل الخصومات خوفا من أن يموت ~~فتدعي أنها زوجة لم تطلق ، أو أن تموت هي فيدعي هو ذلك ، وكأنهم بنوه على ~~أن الأمر لا يقتضي الفور ، على أن جعل الشيء شرطا لغيره يحتاج إلى دليل خاص ~~غير دليل الوجوب لأنه قد يتحقق الإثم بتركه ولا يبطل بتركه ما أمر بإيقاعه ~~معه مثل PageV28P309 الصلاة في الأرض المغصوبة ، وبالثوب المغصوب . قال ~~الموجبون للإشهاد : لو راجع ولم يشهد أو بت الفراق ولم يشهد صحت مراجعته ~~ومفارقته وعليه أن يشهد بعد ذلك . # قال يحيى بن بكير : معنى الإشهاد على المراجعة والمفارقة أن يشهد عند ~~مراجعتها إن راجعها ، وعند انقضاء عدتها إن لم يراجعها أنه قد كان طلقها ~~وأن عدتها قد انقضت . # ولفقهاء الأمصار في صفة ما تقع المراجعة من صيغة بالقول ومن فعل ما هو من ~~أفعال الأزواج ، تفاصيل محلها كتب الفروع ولا يتعلق بالآية إلا ما جعله أهل ~~العلم دليلا على المراجعة عند من جعله كذلك . # . # عطف على { وأشهدوا ذوي عدل منكم } . # والخطاب موجه لكل من تتعلق به الشهادة من المشهود عليهم والشهود كل يأخذ ~~بما هو حظه من هذين الخطابين . وليس هو من قبيل { يوسف أعرض عن هذا ~~واستغفري لذنبك } ( يوسف : 29 ) لظهور التوزيع هناك باللفظ دون ما هنا فإنه ~~بالمعنى فالكل مأمورون بإقامة الشهادة . # فتعريف الشهادة للاستغراق ، أي كل شهادة وهو استغراق عرفي لأن المأمور به ~~الشهادة الشرعية . # ومعنى إقامة الشهادة : إيقاعها مستقيمة لا ms8583 عوج فيها فالإقامة مستعارة ~~لإيقاع الشهادة على مستوفيها ما يجب فيها شرعا مما دلت عليه أدلة الشريعة ~~وهذه استعارة شائعة وتقدم عند قوله تعالى : { وأقوم للشهادة في سورة البقرة ~~. # وقوله : لله } ، أي لأجل الله وامتثال أمره لا لأجل المشهود له ولا لأجل ~~المشهود عليه ولا لأجل منفعة الشاهد والإبقاء على راحته . وتقدم بعض هذا ~~عند قوله تعالى : { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا في سورة البقرة . ~~PageV28P310 # } . # الإشارة إلى جميع ما تقدم من الأحكام التي فيها موعظة للمسلمين من قوله : ~~{ وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم } ( الطلاق : 1 ) ، إلى قوله : { وأقيموا ~~الشهادة لله } . # والوعظ : التحذير مما يضر والتذكير الملين للقلوب وقد تقدم عند قوله ~~تعالى : { ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله في سورة البقرة وعند قوله ~~تعالى : يعظكم الله أن تعودوا لمثله في سورة النور . # } . # اعتراض بين جملة { وأقيموا الشهادة } وجملة { واللائي يئسن من المحيض } ( ~~الطلاق : 4 ) الآية ، فإن تلك الأحكام لما اعتبرت موعظة بقوله : { ذلكم ~~يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر } أعقب ذلك بقضية عامة ، وهي أن ~~تلك من تقوى الله تعالى وبما لتقوى الله من خير في الدنيا والآخرة على عادة ~~القرآن من تعقيب الموعظة والترهيب بالبشارة والترغيب . # ولما كان أمر الطلاق غير خال من حرج وغم يعرض للزوجين وأمر المراجعة لا ~~يخلو في بعض أحواله من تحمل أحدهما لبعض الكره من الأحوال التي سببت الطلاق ~~، أعلمهما الله بأنه وعد المتقين الواقفين عند حدوده بأن يجعل لهم مخرجا من ~~الضائقات ، شبه ما هم فيه من الحرج بالمكان المغلق على الحال فيه وشبه ما ~~يمنحهم الله به من اللطف وإجراء الأمور على ما يلائم أحوالهم بجعلل منفذ في ~~المكان المغلق يتخلص منه المتضائق فيه . # ففي الكلام استعارة أن إحداهما ضمنية مطوية والأخرى صريحة وشمل المخرج ما ~~يحف من اللطف بالمتقين في الآخرة أيضا بتخليصهم من أهوال الحساب والانتظار ~~فالمخرج لهم في الآخرة هو الإسراع بهم إلى النعيم . PageV28P311 # ولما كان من دواعي الفراق والخلاف بين الزوجين ما هو ms8584 من التقتير في ~~الإنفاق لضيق ذات اليد فكان الإحجام عن المراجعة عارضا كثيرا للناس بعد ~~التطليق ، أتبع الوعد بجعل المخرج للمتقين بالوعد بمخرج خاص وهو مخرج ~~التوسعة في الرزق . # وقوله : { من حيث لا يحتسب } احتراس لئلا يتوهم أحد أن طرق الرزق معطلة ~~عليه فيستبعد ذلك فيمسك عن مراجعة المطلقة لأنه لا يستقبل مالا ينفق منه ، ~~فأعلمه الله أن هذا الرزق لطف من الله والله أعلم كيف يهيىء له أسبابا غير ~~مرتقبة . # فمعنى { من حيث لا يحتسب } : من مكان لا يحتسب منه الرزق أي لا يظن أنه ~~يرزق منه . # و { حيث } مستعملة مجازا في الأحوال والوجوه تشبيها للأحوال بالجهات ~~لأنها لما جعلت مقارنة للرزق أشبهت المكان الذي يرد منه الوارد ولذلك كانت ~~{ من } هنا للابتداء المجازي تبعا لاستعارة { حيث } . ففي حرف { من } ~~استعارة تبعية . وذكر الواحدي في ( أسباب النزول ) أنها نزلت في شأن عوف بن ~~مالك الأشجعي إذ أسر المشركون ابنه سالما فأتى عوف النبي صلى الله عليه ~~وسلم وشكا إليه ذلك وأن أمه جزعت فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ~~اتق الله واصبر ) وأمره وزوجه أن يكثرا قولا : لا حول ولا قوة إلا بالله ~~فغفل المشركون عن الابن فساق عنزا كثيرة من عنز المشركين وجاء بها المدينة ~~فنزلت الآية ، فيجوز أن يكون نزولها في أثناء نزول هذه السورة فصادفت ~~الغرضين ، ويكون ذلك من قبيل معجزات القرآن . # . # تكملة للتي قبلها فإن تقوى الله سبب تفريج الكرب والخلاص من المضائق ، ~~وملاحظة المسلم ذلك ويقينه بأن الله يدفع عنه ما يخطر بباله من الخواطر ~~الشيطانية التي تثبطه عن التقوى يحقق وعد الله إياه بأن يجعل له مخرجا ~~ويرزقه من حيث لا يحتسب . # وحسب : وصف بمعنى كافف . وأصله اسم مصدر أو مصدر . PageV28P312 # وجملة { إن الله بالغ أمره } في موضع العلة لجملة { ومن يتوكل على الله ~~فهو حسبه } ، أي لا تستبعدوا وقوع ما وعدكم الله حين ترون أسباب ذلك مفقودة ~~فإن الله إذا وعد وعدا فقد أراده وإذا أراد الله أمرا يسر أسبابه ms8585 . # ولعل قوله : { قد جعل الله لكل شيء قدرا } إشارة إلى هذا المعنى ، أي علم ~~الله أن يكفي من يتوكل عليه مهمة فقدر لذلك أسبابه كما قدر أسباب الأشياء ~~كلها فلا تشكوا في إنجاز وعده فإنه إذا أراد أمرا يسر أسبابه من حيث لا ~~يحتسب الناس وتصاريف الله تعالى خفية عجيبة . # ومعنى { بالغ أمره } : واصل إلى مراده . والبلوغ مجاز مشهور في الحصول ~~على المراد . والأمر هنا بمعنى الشأن . # وعن عبد الله بن رافع لما نزل قوله تعالى : { ومن يتوكل على الله فهو ~~حسبه } قال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ( أي بعضهم ) : فنحن إذا توكلنا ~~نرسل ما كان لنا ولا نحفظه فنزلت { إن الله بالغ أمره } ، أي فيكم وعليكم ~~اه . # وقرأ الجمهور { بالغ } بالتنوين و { أمره } بالنصب . وقرأه حفص عن عاصم { ~~بالغ أمره } بإضافة { بالغ } إلى { أمره } . # . # لهذه الجملة موقع تتجلى فيه صورة من صور إعجاز القرآن في ترتيب مواقع ~~الجمل بعضها بعد بعض كما نبهت عليه في مواقع سلفت . فهذه الجملة لها موقع ~~الاستئناف البياني ناشىء عما اشتملت عليه جمل { ومن يتق الله يجعل له مخرجا ~~} ، إلى قوله : { إن الله بالغ أمره } لأن استعداد السامعين لليقين بما ~~تضمنته تلك الجمل متفاوت فقد يستبعد بعض السامعين تحقق الوعد لأمثاله بما ~~تضمنته تلك الجمل بعرضها على ارتباك أحواله ، أو يتردد يقينه فيقول : أين ~~أنا من تحصيل هذا ، حين يتبع نظره فيرى بونا عن حصول الموعود بسبب انعدام ~~وسائله لديه فيتملكه اليأس . PageV28P313 # فهذا الاستئناف البياني وقع عقب الوعد تذكيرا بأن الله علم مواعيده وهيأ ~~لها مقادير حصولها لأنه جعل لكل شيء قدرا . # ولها موقع التعليل لجملة { وأحصوا العدة } ( الطلاق : 1 ) فإن العدة من ~~الأشياء فلما أمر الله بإحصاء أمرها علل ذلك بأن تقدير مدة العدة جعله الله ~~، فلا يسوغ التهاون فيه . # ولهذا موقع التذييل لجملة { وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم ~~نفسه } ( الطلاق : 1 ) ، أي الذي وضع تلك الحدود قد جعل لكل شيء قدرا لا ~~يعدوه كما جعل الحدود . # ولها ms8586 موقع التعليل لجملة { فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن ~~بمعروف } ، لأن المعنى إذا بلغن القدر الذي جعله الله لمدة العدة فقد حصل ~~المقصد الشرعي الذي أشار إليه قوله تعالى : { لا تدري لعل الله يحدث بعد ~~ذلك أمرا } ( الطلاق : 1 ) فالمعنى : فإن لم يحدث الله أمر المراجعة فقد ~~رفق بكم وحط عنكم امتداد العدة . # ولها موقع التعليل لجملة { وأقيموا الشهادة لله } فإن الله جعل الشهادة ~~قدرا لرفع النزاع . # فهذه الجملة جزء آية وهي تحتوي على حقائق من الحكمة . # ومعنى { لكل شيء } لكل موجود ، أي لكل حادث فالشيء الموجود سواء كان ذاتا ~~أو معنى من المعاني قال تعالى : { وكل شيء فعلوه في الزبر } ( القمر : 52 ) ~~. فعموم قوله : { لكل شيء } صريح في أن ما وعد الله به يجعل له حين تكوينه ~~قدرا . # قال الراغب في ( مفرداته ) : وذلك أن فعل الله ضربان : ضرب أوجده بالفعل ~~، ومعنى إيجاده بالفعل أنه أبدعه كاملا دفعة لا تعتريه الزيادة والنقصان ~~إلى أن يشاء أن يغنيه أو يبدله كالسماوات وما فيها . ومنها ما جعل أصوله ~~موجودة بالفعل وأجزاءه بالصلاحية وقدره على وجه لا يتأتى منه غير ما قدره ~~فيه كتقديره في النواة أن ينبت منها النخل دون أن ينبت منها تفاح أو زيتون ~~. وتقديره نطفة الإنسان لأن يكون منها إنسان دون حيوان آخر . فتقدير الله ~~على وجهين : أحدهما بالحكم PageV28P314 منه أن يكون كذا أو لا يكون ، كذا ~~إما على سبيل الوجوب وإما على سبيل الإمكان . وعلى ذلك قوله : { قد جعل ~~الله لكل شيء قدرا } . والثاني بإعطاء القدرة عليه ، وعلى ذلك قوله : { ~~فقدرنا فنعم القادرون } ( المرسلات : 23 ) أو يكون من قبيل قوله : { قد جعل ~~الله لكل شيء قدرا } اه . # والقدر : مصدر قدره المتعدي إلى مفعول بتخفيف الدال الذي معناه وضع فيه ~~بمقدار كمية ذاتية أو معنوية تجعل على حسب ما يتحمله المفعول . فقدر كل ~~مفعول لفعل قدر ما تتحمله طاقته واستطاعته من أعمال ، أو تتحمله مساحته من ~~أشياء أو يتحمله وعيه لما يكد به ذهنه من مدارك وأفهام . ومن ms8587 فروع هذا ~~المعنى ما في قوله تعالى : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها في سورة البقرة . ~~وقوله هنا : لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها } ( الطلاق : 7 ) . # ومن جزئيات معنى القدر ما يسمى التقدير : مصدر قدر المضاعف إذا جعل شيئا ~~أو أشياء على مقدار معين مناسب لما جعل لأجله كقوله تعالى : { وقدر في ~~السرد في سورة سبأ . # ( 4 ، 5 ) } # . # عطف على قوله : { فطلقوهن لعدتهن } ( الطلاق : 1 ) فإن العدة هنالك أريد ~~بها الأقراء فأشعر ذلك أن تلك المعتدة ممن لها أقراء ، فبقي بيان اعتداد ~~المرأة التي تجاوزت سن المحيض أو التي لم تبلغ سن من تحيض وهي الصغيرة . ~~وكلتاهما يصدق عليها أنها آيسة من المحيض ، أي في ذلك الوقت . # والوقف على قوله : { واللائي لم يحضن } ، أي هن معطوفات على الآيسين . # واليأس : عدم الأمل . والمأيوس منه في الآية يعلم من السياق من قوله : { ~~فطلقوهن لعدتهن } ( الطلاق : 1 ) ، أي يئسن من المحيض سواء كان اليأس منه ~~بعد تعدده أو كان بعدم ظهوره ، أي لم يكن انقطاعه لمرض أو إرضاع . وهذا ~~السن يختلف تحديده باختلاف الذوات والأقطار كما يختلف سن ابتداء الحيض كذلك ~~. وقد PageV28P315 اختلف في تحديد هذا السن بعدد السنين فقيل : ستون سنة ، ~~وقيل : خمس وخمسون ، وترك الضبط بالسنين أولى وإنما هذا تقريب لإبان اليأس ~~. # والمقصود من الآية بين وهي مخصصة لعموم قوله : { والمطلقات يتربصن ~~بأنفسهن ثلاثة قروء من سورة البقرة . وقد نزلت سورة الطلاق بعد سورة البقرة ~~. # وقد خفي مفاد الشرط من قوله : إن ارتبتم } وما هو متصل به . وجمهور أهل ~~التفسير جعلوا هذا الشرط متصلا بالكلام الذي وقع هو في أثنائه ، وإنه ليس ~~متصلا بقوله : { لا تخرجوهن من بيوتهن } ( الطلاق : 1 ) في أول هذه السورة ~~خلافا لشذوذ تأويل بعيد وتشتيت لشمل الكلام ، ثم خفي المراد من هذا الشرط ~~بقوله : { إن ارتبتم } . # وللعلماء فيه طريقتان : # الطريقة الأولى : مشى أصحابها إلى أن مرجع اليأس غير مرجع الارتياب ~~باختلاف المتعلق ، فروى أشهب عن مالك أن الله تعالى لما بين عدة ذوات ~~القروء وذوات الحمل ms8588 ، أي في سورة البقرة ، وبقيت اليائسة والتي لم تحض ~~ارتاب أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في أمرهما فنزلت هذه الآية ، ومثله ~~مروي عن مجاهد ، وروى الطبري خبرا عن أبي بن كعب أنه سأل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن اعتداد هاتين اللتين لم تذكرا في سورة البقرة ، فنزلت ~~هذه الآية . فجعلوا حرف { إن } بمعنى ( إذ ) وأن الارتياب وقع في حكم العدة ~~قبل نزول الآية ، أي إذ ارتبتم في حكم ذلك فبيناه بهذه الآية قال ابن ~~العربي : حديث أبي غير صحيح . وأنا أقول : رواه البيهقي في ( سننه ) ~~والحاكم في ( المستدرك ) وصححه . والطبراني بسنده عن عمرو بن سالم أن أبيا ~~قال : وليس في رواية الطبري ما يدل على إسناد الحديث . # وهو في رواية البيهقي بسنده إلى أبي عثمان عمر بن سالم الأنصاري عن أبي ~~بن كعب وهو منقطع ، لأن أبا عثمان لم يلق أبي بن كعب وأحسب أنه في ~~PageV28P316 ( مستدرك الحاكم ) كذلك لأن البيهقي رواه عن الحاكم فلا وجه ~~لقول ابن العربي : هو غير صحيح . فإن رجال سنده ثقات . # وفي ( أسباب النزول ) للواحدي عن قتادة أن خلاد بن النعمان وأبيا سألا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فنزلت هذه الآية . وقيل : إن السائل ~~معاذ بن جبل سأل عن عدة الآيسة . # فالريبة على هذه الطريقة تكون مرادا بها ما حصل من التردد في حكم هؤلاء ~~المطلقات فتكون جملة الشرط معترضة بين المبتدأ وهو الموصول وبين خبره وهو ~~جملة { فعدتهن ثلاثة أشهر } . # والفاء في { فعدتهن } داخلة على جملة الخبر لما في الموصول من معنى الشرط ~~مثل قوله تعالى : { واللذان يأتيانها منكم فآذوهما } ( النساء : 16 ) ومثله ~~كثير في الكلام . # والارتياب على هذا قد وقع فيما مضى فتكون { إن } مستعملة في معنى اليقين ~~بلا نكتة . # والطريقة الثانية : مشى أصحابها إلى أن مرجع اليأس ومرجع الارتياب واحد ، ~~وهو حالة المطلقة من المحيض ، وهو عن عكرمة وقتادة وابن زيد وبه فسر يحيى ~~بن بكير وإسماعيل بن هاد من المالكية ونسبه ابن لبابة من المالكية ms8589 إلى داود ~~الظاهري . # وهذا التفسير يمحض أن يكون المراد من الارتياب حصول الريب في حال المرأة ~~. # وعلى هذا فجملة الشرط وجوابه خبر عن { اللاء يئسن } ، أي إن ارتبن هن ~~وارتبتم أنتم لأجل ارتيابهن ، فيكون ضمير جمع الذكور المخاطبين تغليبا ~~ويبقى الشرط على شرطيته . والارتياب مستقبل والفاء رابطة للجواب . ~~PageV28P317 # وهذا التفسير يقتضي أن يكون الاعتداد بثلاثة أشهر مشروطا بأن تحصل الريبة ~~في يأسها من المحيض فاصطدم أصحابه بمفهوم الشرط الذي يقتضي أنه إن لم تحصل ~~الريبة في يأسهن أنهن لا يعتددن بذلك أو لا يعتددن أصلا فنسب ابن لبابة ( ~~من فقهاء المالكية ) إلى داود الظاهري أنه ذهب إلى سقوط العدة عن المرأة ~~التي يوقن أنها يائسة . # قلت ولا تعرف نسبة هذا إلى داود . فإن ابن حزم لم يحكه عنه ولا حكاه أحد ~~ممن تعرضوا لاختلاف الفقهاء ، قال ابن لبابة : وهو شذوذ ، وقال ابن لبابة : ~~وأما ابن بكير وإسماعيل بن حماد ، أي من فقهاء المالكية فجعلا المرأة ~~المتيقن يأسها ملحقة بالمرتابة في العدة بطريق القياس يريد أن العدة لها ~~حكمتان براءة الرحم ، وانتظار المراجعة ، وأما الذين لا يعتبرون مفهوم ~~المخالفة فهم في سعة مما لزم الذين يعتبرونه . # وأصحاب هذا الطريق مختلفون في الوجهة وفي محمل الآية بحسبها : فقال عكرمة ~~وابن زيد وقتادة : ليس على المرأة المرتاب في معاودة الحيض إليها عدة أكثر ~~من ثلاثة أشهر تعلقا بظاهر الآية ( ولعل علة ذلك عندهم أن ثلاثة الأشهر ~~يتبين فيها أمر الحمل فإن لم يظهر حمل بعد انقضائها تمت عدة المرأة ) ، لأن ~~الحمل بعد سن اليأس نادر فإذا اعترتها ريبة الحمل انتقل النظر إلى حكم الشك ~~في الحمل وتلك مسألة غير التي نزلت في شأنها الآية . # وقال الأكثرون من أهل العلم : إن المرتاب في يأسها تمكث تسعة أشهر ( أي ~~أمد الحملل المعتاد ) فإن لم يظهر بها حمل ابتدأت الاعتداد بثلاثة أشهر ~~فتكمل لها سنة كاملة . وأصل ذلك ما رواه سعيد بن المسيب من قضاء عمر بن ~~الخطاب ولم يخالفه أحد من الصحابة ، وأخذ به مالك ms8590 . وعن مالك في ( المدونة ~~) : تسعة أشهر للريبة والثلاثة الأشهر هي العدة . ولعلهم رأوا أن العدة بعد ~~مضي التسعة الأشهر تعبد لأن ذلك هو الذي في القرآن وأما التسعة الأشهر ~~فأوجبها عمر بن الخطاب لعله بالاجتهاد ، وهو تقييد للإطلاق الذي في الآية . # وقال النخعي وسفيان الثوري وأبو حنيفة والشافعي : تعتد المرتاب في يأسها ~~بالأقراء ( أي تنتظر الدم إلى أن تبلغ سن من لا يشبه أن تحيض ولو زادت مدة ~~PageV28P318 انتظارها على تسعة أشهر ) . فإذا بلغت سن اليأس دون ريبة اعتدت ~~بثلاثة أشهر من يومئذ . ونحن نتأول له بأن تقدير الكلام : فعدتهن ثلاثة ~~أشهر ، أي بعد زوال الارتياب كما سنذكره ، وهو مع ذلك يقتضي أن هذه الثلاثة ~~الأشهر بعد مضي تسعة أشهر أو بعد مضي مدة تبلغ بها سن من لا يشبه أن تحيض ~~تعبد ، لأن انتفاء الحمل قد اتضح وانتظار المراجعة قد امتد . إلا أن نعتذر ~~لهم بأن مدة الانتظار لا يتحفز في خلالها المطلق للرأي في أمر المراجعة ~~لأنه في سعة الانتظار فيزاد في المدة لأجل ذلك ، وفي ( تفسير القرطبي ) : ( ~~قال عكرمة وقتادة : من الريبة المرأة المستحاضة التي لا يستقيم لها الحيض ~~تحيض في أول الشهر مرارا ، وفي الأشهر مرة ( أي بدون انضباط ) ) اه . ونقل ~~الطبري مثل هذا الكلام عن الزهري وابن زيد ، فيجب أن يصار إلى هذا الوجه في ~~تفسير الآية . والمرأة إذا قاربت وقت اليأس لا ينقطع عنها المحيض دفعة ~~واحدة بل تبقى عدة أشهر ينتابها الحيض غبا بدون انتظام ثم ينقطع تماما . # وقوله تعالى : { واللائي لم يحضن } عطف على { واللائي يئسن } والتقدير : ~~عدتهن ثلاثة أشهر . ويحسن الوقف على قوله : { فعدتهن ثلاثة أشهر } . # . # معطوفة على جملة { واللائي لم يحضن } فهي إتمام لأحوال العدة المجمل في ~~قوله تعالى : { وأحصوا العدة } ( الطلاق : 1 ) وتقدير الكلام : وأولات ~~الأحمال منهن ، أي من المطلقات أجلهن أن يضعن حملهن . # فحصل بهذه الآية مع التي قبلها تفصيل لأحوال المطلقات وحصل أيضا منها ~~بيان لإجمال الآية التي في سورة البقرة . # { وأولات } اسم جمع لذاتت بمعنى : صاحبة ms8591 . وذات : مؤنث ذو ، بمعنى : صاحب ~~. ولا مفرد ل { أولات } من لفظه كما لا مفرد للفظ ( أولو ) و { أولات } مثل ~~ذوات كما أن أولو مثل ذوو . ويكتب { أولات } بواو بعد الهمزة في الرسم تبعا ~~لكتابة لفظ ( أولو ) بواو بعد الهمزة لقصد التفرقة في الرسم بين أولي في ~~حالة PageV28P319 النصب والجر وبين حرف ( إلى ) . وليتهم قصروا كتابته بواو ~~بعد الهمزة على لفظ أولي المذكر المنصوب أو المجرور وتركوا التكلف في ~~غيرهما . [ # وجعلت عدة المطلقة الحامل منهاة بوضع الحمل لأنه لا أدل على براءة الرحم ~~منه ، إذ الغرض الأول من العدة تحقق براءة الرحم من ولد للمطلق أو ظهور ~~اشتغال الرحم بجنين له . وضم إلى ذلك غرض آخر هو ترقب ندم المطلق وتمكينه ~~من تدارك أمره بالمراجعة ، فلما حصل الأهم ألغي ما عداه رعيا لحق المرأة في ~~الانطلاق من حرج الانتظار ، على أن وضع الحمل قد يحصل بالقرب من الطلاق ~~فألغي قصد الانتظار تعليلا بالغالب دون النادر ، خلافا لمن قال في المتوفى ~~عنها : عليها أقصى الأجلين وهو منسوب إلى علي بن أبي طالب وابن عباس . # وبهذا التفسير لا تتعارض هذه الآية مع آية عدة المتوفى عنها التي في سورة ~~البقرة { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر ~~وعشرا لأن تلك في واد وهذه في واد ، تلك في شأن المتوفى عنهن وهذه في شأن ~~المطلقات . # ولكن لما كان أجل أربعة أشهر وعشر للمتوفى عنها منحصرة حكمته في تحقق ~~براءة رحم امرأة المتوفى من ولد له إذ له فائدة فيه غير ذلك ( ولا يتوهم أن ~~الشريعة جعلت ذلك لغرض الحزن على الزوج المتوفى للقطع بأن هذا مقصد جاهلي ) ~~، وقد دلت الشريعة في مواضع على إبطاله والنهي عنه في تصاريف كثيرة كما ~~بيناه في تفسير قوله تعالى : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن ~~بأنفسهن الخ في سورة البقرة . # وقد علمنا أن وضع الحمل غاية لحصول هذا المقصد نجم من جهة المعنى أن ~~المتوفى عنها الحامل إذا وضعت حملها تخرج من عدة وفاة زوجها ولا ms8592 تقضي أربعة ~~أشهر وعشرا كما أنها لو كان أمد حملها أكثر من أربعة أشهر وعشر لا تقتصر ~~على الأربعة الأشهر وعشر إذ لا حكمة في ذلك . # من أجل ذلك كانت الآية دالة على أن عدة الحامل وضع حملها سواء كانت معتدة ~~من طلاق أم كانت معتدة من وفاة . PageV28P320 # ومن أجل ذلك قال جمهور أهل العلم من الصحابة فمن بعدهم : إن عدة الحامل ~~المتوفى عنها كعدتها من الطلاق وضع حملها غير أن أقوالهم تدل على أن بينهم ~~من كانوا يرون في تعارض العمومين أن العام المتأخر منهما ينسخ العام الآخر ~~وهي طريقة المتقدمين . # روى أهل الصحيح أن عبد الله بن مسعود لما بلغه أن علي بن أبي طالب قال في ~~عدة الحامل المتوفي عنها : إن عليها أقصى الأجلين أي أجل وضع الحمل وأجل ~~الأربعة الأشهر والعشر قال ابن مسعود : لنزلت سورة النساء القصرى أي سورة ~~الطلاق بعد الطولى أي بعد طولى السور وهي البقرة ، أي ليست آية سورة البقرة ~~بناسخة لما في آية سورة الطلاق . ويعضدهم خبر سبيعة بنت الحارث الأسلمية ~~توفي زوجها سعد بن خولة في حجة الوداع بمكة وتركها حاملا فوضعت بعد وفاته ~~بخمس عشرة ليلة وقيل بأربعين ليلة . فاستأذنت رسول الله في التزوج فقال لها ~~: قد حللتت فانكحي إن شئت . روته أم سلمة أم المؤمنين وقبله معظم الصحابة ~~الذين بلغهم . وتلقاه الفقهاء بعدهم بالقبول ويشهد له بالمعنى والحكمة كما ~~تقدم آنفا . # واختلف المتأخرون من أهل الأصول في وجه العمل في تعارض عمومين كل واحد ~~منهما عام من وجه مثل هاتين الآيتين فالجمهور درجوا على ترجيح أحدهما بمرجح ~~والحنفية جعلوا المتأخر من العمومين ناسخا للمتقدم . فقوله : وأولات ~~الأحمال } لأن الموصول من صيغ العموم فيعم كل حامل معتدة سواء كانت في عدة ~~طلاق أو في عدة وفاة ، وقوله : { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن ~~بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا } ( البقرة : 234 ) تعم كل امرأة تركها الميت ~~سواء كانت حاملا أو غير حامل ، لأن { أزواجا } نكرة وقعت مفعول الصلة وهي { ~~يذرون } المشتملة ms8593 على ضمير الموصول الذي هو عام فمفعوله تبع له في عمومه ~~فيشمل المتوفى عنهن الحوامل وهن ممن شملهن عموم { أولات الأحمال } فتعارض ~~العمومان كل من وجه ، فآية { وأولات الأحمال } اقتضت أن الحوامل كلهن تنتهي ~~عدتهن بالوضع وقد يكون الوضع قبل الأربعة الأشهر والعشر ، وآية البقرة ~~يقتضي عمومها أن المتوفى عنهن يتربصن أربعة أشهر وعشرا . وقد يتأخر هذا ~~الأجل عن وضع الحمل . PageV28P321 # فذهب الجمهور إلى ترجيح عموم { وأولات الأحمال } على عموم { ويذرون ~~أزواجا } ( البقرة : 234 ) من وجوه . # أحدها : أن عموم { وأولات الأحمال } حاصل بذات اللفظ لأن الموصول مع صلته ~~من صيغ العموم ، وأما قوله : { ويذرون أزواجا } فإن { أزواجا } نكرة في ~~سياق الإثبات فلا عموم لها في لفظها وإنما عرض لها العموم تبعا لعموم ~~الموصول العامل فيها وما كان عمومه بالذات أرجح مما كان عمومه بالعرض . # وثانيها : أن الحكم في عموم { وأولات الأحمال } علق بمدلول صلة الموصول ~~وهي مشتق ، وتعليق الحكم بالمشتق يؤذن بتعليل ما اشتق منه بخلاف العموم ~~الذي في سورة البقرة ، فما كان عمومه معللا بالوصف أرجح في العمل مما عمومه ~~غير معلل . # وثالثها : قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في عدة سبيعة الأسلمية . # وذهب الحنفية إلى أن عموم { وأولات الأحمال } ناسخ لعموم قوله : { ويذرون ~~أزواجا } ( البقرة : 234 ) في مقدار ما تعارضا فيه . # ومآل الرأيين واحد هو أن عدة الحامل وضع حملها سواء كانت معتدة من طلاق ~~أم من وفاة زوجها . # والصحيح أن آية البقرة لم يرتفع حكمها وشذ القائلون بأن المتوفى عنها إن ~~لم تكن حاملا ووضعت حملها يجب عليها عدة أربعة أشهر وعشر . # وقال قليل من أهل العلم بالجمع بين الآيتين بما يحقق العمل بهما معا ~~فأوجبوا على الحامل المتوفى عنها زوجها الاعتداد بالأقصى من الأجلين أجل ~~الأربعة الأشهر والعشر . وأجل وضع الحمل ، وهو قول علي بن أبي طالب وابن ~~عباس . وقصدهم من ذلك الاحتياط لأنه قد تأتى لهم هنا إذ كان التعارض في ~~مقدار زمنين فأمكن العمل بأوسعهما الذي يتحقق فيه الآخر وزيادة فيصير معنى ~~هذه ms8594 الآية { أولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } ما لم تكن عدة وفاة ويكون ~~معنى آية سورة البقرة وأزواج المتوفين يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا ما ~~لم تكن حوامل فيزدن تربصا إلى وضع الحمل . ولا يجوز تخصيص عموم { والذين ~~PageV28P322 يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا } ~~( البقرة : 234 ) بما في آية { وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } من ~~خصوص بالنظر إلى الحوامل المتوفى عنهن ، إذ لا يجوز أن تنتهي عدة الحامل ~~المتوفى عنها التي مضت عليها أربعة أشهر وعشر قبل وضع حملها من عدة زوجها ، ~~وهي في حالة حمل لأن ذلك مقرر بطلانه من عدة أدلة في الشريعة لا خلاف فيها ~~وإلى هذا ذهب ابن أبي ليلى . # وفي ( صحيح البخاري ) ( عن محمد بن سيرين قال : كنت في حلقة فيها عظم من ~~الأنصار ( أي بالكوفة ) وفيهم عبد الرحمن بن أبي ليلى وكان أصحابه يعظمونه ~~فذكر آخر الأجلين ، فحدثت حديث عبد الله بن عتبة في شأن سبيعة بنت الحارث ~~فقال عبد الرحمن لكن عمه ( أي عم عتبة وهو عبد الله بن مسعود ) كان لا يقول ~~ذلك ( أي لم يحدثنا به ) فقلت : إني إذن لجريء إن كذبت على رجل في جانب ~~الكوفة ( وكان عبد الله بن عتبة ساكنا بظاهر الكوفة ) فخرجت فلقيت عامرا أو ~~مالك بن عوف فقلت : كيف كان قول ابن مسعود في المتوفى عنها زوجها وهي حامل ~~، فقال : قال ابن مسعود : أتجعلون عليها التغليظ ولا تجعلون لها الرخصة ~~لنزلت سورة النساء القصرى بعد الطولى ( أي البقرة ) . # وفي ( البخاري ) عن أبي سلمة جاء رجل إلى ابن عباس وأبو هريرة جالس عنده ~~فقال : أفتني في امرأة ولدت بعد زوجها بأربعين ليلة فقال ابن عباس : آخر ~~الأجلين : فقلت أنا { وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } . قال أبو ~~هريرة : أنا مع ابن أخي ( أي مع أبي سلمة ) فأرسل ابن عباس كريبا إلى أم ~~سلمة يسألها فقالت : قتل ( كذا والتحقيق أنه مات في حجة الوداع ) زوج سبيعة ~~الأسلمية وهي حبلى فوضعت بعد موته بأربعين ليلة ms8595 فخطبت فأنكحها رسول الله . ~~وقد قال بعضهم : إن ابن عباس رجع عن قوله . ولم يذكر رجوعه في حديث أبي ~~سلمة . # . PageV28P323 # تكرير للموعظة وهو اعتراض . والقول فيه كالقول في قوله تعالى : { ومن يتق ~~الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب } ( الطلاق : 2 ، 3 ) . ~~والمقصود موعظة الرجال والنساء على الأخذ بما في هذه الأحكام مما عسى أن ~~يكون فيه مشقة على أحد بأن على كل أن يصبر لذلك امتثالا لأمر الله فإن ~~الممتثل وهو مسمى المتقي يجعل الله له يسرا فيما لحقه من عسر . # والأمر : الشأن والحال . والمقصود : يجعل له من أمره العسير في نظره يسرا ~~بقرينة جعل اليسر لأمره . # و { من } للابتداء المجازي المراد به المقارنة والملابسة . # واليسر : انتفاء الصعوبة ، أي انتفاء المشاق والمكروهات . # والمقصود من هذا تحقيق الوعد باليسر فيما شأنه العسر لحث الأزواج على ~~امتثال ما أمر الله به الزوج من الإنفاق في مدة العدة ومن المراجعة وترك ~~منزله لأجل سكناها إذا كان لا يسعهما وما أمر به المرأة من تربص أمد العدة ~~وعدم الخروج ونحو ذلك . # والإشارة بقوله : { ذلك أمر الله } إلى الأحكام المتقدمة من أول السورة . ~~وهذه الجملة معترضة بين المتعاطفتين . # والأمر في قوله : { أمر الله } : حكمه وما شرعه لكم كما قال : { وكذلك ~~أوحينا إليك روحا من أمرنا } ( الشورى : 52 ) . # وإنزاله : إبلاغه إلى الناس بواسطة الرسول صلى الله عليه وسلم أطلق عليه ~~الإنزال تشبيها لشرف معانيه وألفاظه بالشيء الرفيع لأن الشريف يتخيل رفيعا ~~. وهو استعارة كثيرة في القرآن . ففي قوله : { أنزله } استعارة مكنية . # والكلام كناية عن الحث على التهمم برعايته والعمل به وبعث الناس على ~~التنافس في العلم به إذ قد اعتنى الله بالناس حيث أنزل إليهم ما فيه صلاحهم ~~. # وأعيد التحريض على العمل بما أمر الله بالوعد بما هو أعظم من الأرزاق ~~وتفريج الكرب وتيسير الصعوبات في الدنيا . وذلك هو تكفير للسيئات وتوفير ~~للأجور . PageV28P324 # والجملة معطوفة على الجملة المعترضة فلها حكم الاعتراض . # وجيء بالوعد من الشرط لتحقيق تعليق الجواب على شرطه . # . # هذه الجملة وما ms8596 ألحق بها من الجمل إلى قوله : { وكأين من قرية عتت } ( ~~الطلاق : 8 ) الخ تشريع مستأنف فيه بيان لما أجمل في الآيات السابقة من ~~قوله : { لا تخرجوهن من بيوتهن } ( الطلاق : 1 ) وقوله : { أو فارقوهن ~~بمعروف } ( الطلاق : 2 ) ، وقوله : { وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } ~~( الطلاق : 4 ) فتتنزل هذه الجمل من اللاتي قبلها منزلة البيان لبعض ، ويدل ~~الاشتمال لبعض وكل ذلك مقتضى للفصل . وابتدىء ببيان ما في { لا تخرجوهن من ~~بيوتهن } ( الطلاق : 1 ) من إجمال . # والضمير المنصوب في { أسكنوهن } عائد إلى النساء المطلقات في قوله : { ~~إذا طلقتم } ( الطلاق : 1 ) . وليس فيما تقدم من الكلام ما يصلح لأن يعود ~~عليه هذا الضمير إلا لفظ النساء وإلا لفظ { أولات الأحمال } ( الطلاق : 4 ) ~~، ولكن لم يقل أحد بأن الإسكان خاص بالمعتدات الحوامل فإنه ينافي قوله ~~تعالى : { لا تخرجوهن } ( الطلاق : 1 ) فتعين عود الضمير إلى النساء ~~المطلقات كلهن ، وبذلك يشمل المطلقة الرجعية والبائنة والحامل ، لما علمته ~~في أول السورة من إرادة الرجعية والبائنة من لفظ { إذا طلقتم النساء } ( ~~الطلاق : 1 ) . # وجمهور أهل العلم قائلون بوجوب السكنى لهن جميعا . قال أشهب : قال مالك : ~~يخرج عنها إذا طلقها وتبقى هي في المنزل . وروى ابن نافع قال مالك : فأما ~~التي لم تبن فإنها زوجة يتوارثان والسكنى لهن لازمة لأزواجهن اه . يريد ~~أنها مستغنى عن أخذ حكم سكناها من هذه الآية . ولا يريد أنها مستثناة من ~~حكم الآية . وقال قتادة وابن أبي ليلى وإسحاق وأبو ثور وأحمد بن حنبل : لا ~~سكنى للمطلقة طلاقا بائنا . ومتمسكهم في ذلك ما روته فاطمة بنت قيس : أن ~~زوجها طلقها ثلاثا وأن أخا زوجها منعها من السكنى والنفقة ، وأنها رفعت ~~أمرها إلى PageV28P325 رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها : ( إنما ~~السكنى والنفقة على من له عليها الرجعة ) . وهو حديث غريب لم يعرفه أحد إلا ~~من رواية فاطمة بنت قيس . ولم يقبله عمر بن الخطاب فقال : لا نترك كتاب ~~الله وسنة نبيئنا لقول امرأة لا ندري لعلها نسيت أو شبه عليها . وأنكرته ~~عائشة على فاطمة ms8597 بنت قيس فيما ذكرته من أنه أذن لها في الانتقال إلى مكان ~~غير الذي طلقت فيه كما تقدم . # وروي أن عمر ( روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أن للمطلقة البائنة سكنى ~~) . ورووا أن قتادة وابن أبي ليلى أخذا بقوله تعالى : { لا تدري لعل الله ~~يحدث بعد ذلك أمرا } ( الطلاق : 1 ) إذ الأمر هو المراجعة ، فقصرا الطلاق ~~في قوله : { إذا طلقتم النساء } ( الطلاق : 1 ) ، على الطلاق الرجعي لأن ~~البائن لا تترقب بعده مراجعة وسبقها إلى هذا المأخذ فاطمة بنت قيس المذكورة ~~. # روى مسلم أن مروان بن الحكم أرسل إلى فاطمة بنت قيس يسألها عن الحديث ~~فحدثته فقال مروان : لم نسمع هذا الحديث إلا من المرأة سنأخذ بالعصمة التي ~~وجدنا عليها الناس فبلغ قول مروان فاطمة بنت قيس فقالت : ( بيني وبينكم ~~القرآن ، قال الله عز وجل : { لا تخرجوهن من بيوتهن ، إلى قوله : لا تدري ~~لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا } ( الطلاق : 1 ) قالت : هذا لمن كانت له رجعة ~~فأي أمر يحدث بعد الثلاث ) اه . # ويرد على ذلك أن إحداث الأمر ليس قاصرا على المراجعة فإن من الأمر الذي ~~يحدثه الله أن يرقق قلوبهما فيرغبا معا في إعادة المعاشرة بعقد جديد . وعلى ~~تسليم اقتصار ذلك على إحداث أمر المراجعة فذكر هذه الحكمة لا يقتضي تخصيص ~~عموم اللفظ الذي قبلها إذ يكفي أن تكون حكمة لبعض أحوال العام . فالصواب أن ~~حق السكنى للمطلقات كلهن ، وهو قول جمهور العلماء . # وقوله : { من حيث سكنتم } ، أي في البيوت التي تسكنونها ، أي لا يكلف ~~المطلق بمكان للمطلقة غير بيته ولا يمنعها السكنى ببيته . وهذا تأكيد لقوله ~~: { لا تخرجوهن من بيوتهن } ( الطلاق : 1 ) . PageV28P326 # فإذا كان المسكن لا يسع مبيتين متفرقين خرج المطلق منه وبقيت المطلقة ، ~~كما تقدم فيما رواه أشهب عن مالك . # و { من } الواقعة في قوله : { من حيث سكنتم } للتبعيض ، أي في بعض ما ~~سكنتم ويؤخذ منه أن المسكن صالح للتبعيض بحسب عرف السكنى مع تجنب التقارب ~~في المبيت إن كانت غير رجعية ، فيؤخذ منه أنه إن ms8598 لم يسعهما خرج الزوج ~~المطلق . # و { من } في قوله : { من وجدكم } بدل مطابق ، وهو بيان لقوله : { من حيث ~~سكنتم } فإن مسكن المرء هو وجده الذي وجده غالبا لمن لم يكن مقترا على نفسه ~~. # والوجد : مثلث الواو هو الوسع والطاقة . وقرأه الجمهور بضم الواو . وقرأه ~~روح عن يعقوب بكسرها . # . # أتبع الأمر بإسكان المطلقات بنهي عن الإضرار بهن في شيء مدة العدة من ضيق ~~محل أو تقتير في الإنفاق أو مراجعة يعقبها تطليق لتطويل العدة عليهن قصدا ~~للكناية والتشفي كما تقدم عند قوله تعالى : { ولا تتخذوا آيات الله هزؤا في ~~سورة البقرة . أو للإلجاء إلى افتدائها من مراجعته بخلع . # والضارة : الإضرار القوي فكأن المبالغة راجعة إلى النهي لا إلى المنهي ~~عنه ، أي هو نهي شديد كالمبالغة في قوله : وما ربك بظلام للعبيد } ( فصلت : ~~46 ) في أنها مبالغة في النفي ومثله كثير في القرآن . # والمراد بالتضييق : التضييق المجازي وهو الحرج والأذى . # واللام في { لتضيقوا عليهن } لتعليل الإضرار وهو قيد جرى على غالب ما ~~يعرض للمطلقين من مقاصد أهل الجاهلية ، كما تقرر في قوله تعالى : { ولا ~~تمسكوهن ضرارا لتعتدوا } ( البقرة : 231 ) وإلا فإن الإضرار بالمطلقات منهي ~~عنه وإن لم يكن لقصد التضييق عليهن . PageV28P327 # . # ضمير { كن } يعود إلى ما عاد إليه ضمير { أسكنوهن } كما هو شأن ترتيب ~~الضمائر ، وكما هو مقتضى عطف الجمل ، وليس عائدا على خصوص النساء الساكنات ~~لأن الضمير لا يصلح لأن يكون معادا لضمير آخر . # وظاهر نظم الآية يقتضي أن الحوامل مستحقات الإنفاق دون بعض المطلقات أخذا ~~بمفهوم الشرط ، وقد أخذ بذلك الشافعي والأوزاعي وابن أبي ليلى . # ولكن المفهوم معطل في المطلقات الرجعيات لأن إنفاقهن ثابت بأنهن زوجات . ~~ولذلك قال مالك : إن ضمير { أسكنوهن } للمطلقات البوائن كما تقدم . # ومن لم يأخذ بالمفهوم قالوا : الآية تعرضت للحوامل تأكيدا للنفقة عليهن ~~لأن مدة الحمل طويلة فربما سئم المطلق الإنفاق ، فالمقصود من هذه الجملة هو ~~الغاية التي بقوله : { حتى يضعن حملهن } وجعلوا للمطلقة غير ذات الحمل ~~الإنفاق . وبه أخذ أبو حنيفة والثوري . ونسب إلى عمر ms8599 بن الخطاب وعبد الله ~~بن مسعود رضي الله عنهما . # وهذا الذي يرجح هو هذا القول وليس للشرط مفهوم وإنما الشرط مسوق لاستيعاب ~~الإنفاق جميع أمد الحمل . # . # لما كان الحمل ينتهي بالوضع انتقل إلى بيان ما يجب لهن بعد الوضع فإنهن ~~بالوضع يصرن بائنات فتنقطع أحكام الزوجية فكان السامع بحيث لا يدري هل يكون ~~إرضاعها ولدها حقا عليها كما كان في زمن العصمة أو حقا على أبيه فيعطيها ~~أجر إرضاعها كما كان يعطيها النفقة لأجل ذلك الولد حين كان حملا . وهذه ~~PageV28P328 الآية مخصصة لقوله في سورة البقرة { والوالدات يرضعن أولادهن ~~الآية . # وأفهم قوله : لكم } أن إرضاع الولد بعد الفراق حق على الأب وحده لأنه ~~كالإنفاق والأم ترضع ولدها في العصمة تبعا لإنفاق أبيه عليها عند مالك ~~خلافا لأبي حنيفة والشافعي ، إذ قالا : لا يجب الإرضاع على الأم حتى في ~~العصمة فلما انقطع إنفاق الأب عليها بالبينونة تمحضت إقامة غذاء ابنه عليه ~~فإن أرادت أن ترضعه فهي أحق بذلك ، ولها أجل الإرضاع وإن أبت فعليه أن يطلب ~~ظئرا لابنه فإن كان الطفل غير قابل ثدي غير أمه وجب عليها إرضاعه ووجب على ~~أبيه دفع أجرة رضاعه . # وقال أبو ثور : يجب إرضاع الابن على أمه ولو بعد البينونة . نقله عند أبو ~~بكر ابن العربي في ( الأحكام ) وهو عجيب . وهذه الآية أمامه . # والائتمار : التشاور والتداول في النظر . وأصله مطاوع أمره لأن ~~المتشاورين يأمر أحدهما الآخر فيأتمر الآخر بما أمره . ومنه تسمية مجامع ~~أصحاب الدعوة أو النحلة أو القصد الموحد مؤتمرا لأنه يقع الاستئمار فيه ، ~~أي التشاور وتداول الآراء . # وقوله : { وأتمروا بينكم } خطاب للرجال والنساء الواقع بينهم الطلاق ~~ليتشاوروا في أمر إرضاع الأم ولدها . وما يبذله الأب لها من الأجرة على ذلك ~~. # وقيد الائتمار بالمعروف ، أي ائتمارا ملابسا لما هو المعروف في مثل حالهم ~~وقومهم ، أي معتاد مقبول ، فلا يشتط الأب في الشح ولا تشتط الأم في الحرص . # وقوله : { وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى } عتاب وموعظة للأب والأم بأن ينزل ~~كل منهما نفسه منزلة ما ms8600 لو اجتلبت للطفل ظئر ، فلا تسأل الأم أكثر من أجر ~~أمثالها ، ولا يشح الأب عما يبلغ أجر أمثال أم الطفل ، ولا يسقط حق الأم ~~إذا وجد الأب من يرضع له مجانا لأن الله قال : { فسترضع له أخرى } وإنما ~~يقال : أرضعت له ، إذا استؤجرت لذلك ، كما يقال : استرضع أيضا ، إذا آجر من ~~يرضع له ولده . وتقدم في سورة البقرة قوله تعالى : { وإن أردتم أن تسترضعوا ~~أولادكم الآية . PageV28P329 # والتعاسر صدور العسر من الجانبين . وهو تفاعل من قولكم : عسرت فلانا ، ~~إذا أخذته على عسره ، ويقال : تعاسر البيعان إذا لم يتفقا . # فمعنى تعاسرتم } اشتد الخلاف بينكم ولم ترجعوا إلى وفاق ، أي فلا يبقى ~~الولد بدون رضاعة . # وسين الاستقبال مستعمل في معنى التأكيد ، كقوله : { قال سوف أستغفر لكم ~~ربي في سورة يوسف . وهذا المعنى ناشىء عن جعل علامة الاستقبال كناية عن ~~تجدد ذلك الفعل في أزمنة المستقبل تحقيقا لتحصيله . # وهذا الخبر مستعمل كناية أيضا عن أمر الأب باستئجار ظئر للطفل بقرينة ~~تعليق له } بقوله : { فسترضع } . # فاجتمع فيه ثلاث كنايات : كناية عن موعظة الأب ، وكناية عن موعظة الأم ، ~~وكناية عن أمر الأب بالاسترضاع لولده . # تذييل لما سبق من أحكام الإنفاق على المعتدات والمرضعات بما يعم ذلك . ~~ويعم كل إنفاق يطالب به المسلم من مفروض ومندوب ، أي الإنفاق على قدر السعة ~~. # والسعة : هي الجدة من المال أو الرزق . # والإنفاق : كفاية مؤونة الحياة من طعام ولباس وغير ذلك مما يحتاج إليه . # و { من } هنا ابتدائية لأن الإنفاق يصدر عن السعة في الإعتبار ، وليست { ~~من } هذه ك ( من ) التي في قوله تعالى : { ومما رزقناهم ينفقون } ( الأنفال ~~: 3 ) لأن النفقة هنا ليست بعضا من السعة ، وهي هناك بعض الرزق فلذلك تكون ~~( من ) من قوله : { فلينفق مما آتاه الله } تبعيضية . PageV28P330 # ومعنى { قدر عليه رزقه } جعل رزقه مقدورا ، أي محدودا بقدر معين وذلك ~~كناية عن التضييق . وضده { يرزقون فيها بغير حساب } ( غافر : 40 ) ، يقال : ~~قدر عليه رزقه ، إذا قتره ، قال تعالى : { الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ~~وتقدم في سورة الرعد أي ms8601 من كان في ضيق من المال فلينفق بما يسمح به رزقه ~~بالنظر إلى الوفاء بالإنفاق ومراتبه في التقديم . وهذا مجمل هنا تفصيله في ~~أدلة أخرى من الكتاب والسنة والاستنباط ، قال النبي لهند بنت عتبة زوج أبي ~~سفيان : خذي من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف . # والمعروف : هو ما تعارفه الناس في معتاد تصرفاتهم ما لم تبطله الشريعة . # والرزق : اسم لما ينتفع به الإنسان في حاجاته من طعام ولباس ومتاع ومنزل ~~. سواء كان أعيانا أو أثمانا . ويطلق الرزق كثيرا على الطعام كما في قوله ~~تعالى : وجد عندها رزقا } ( آل عمران : 37 ) . # ولم يختلف العلماء في أن النفقات لا تتحدد بمقادير معينة لاختلاف أحوال ~~الناس والأزمان والبلاد . وإنما اختلفوا في التوسع في الإنفاق في مال ~~المؤسر هل يقضى عليه بالتوسعة على من ينفق هو عليه ولا أحسب الخلاف في ذلك ~~إلا اختلافا في أحوال الناس وعوائدهم ولا بد من اعتبار حال المنفق عليه ~~ومعتاده ، كالزوجة العالية القدر . وكل ذلك داخل تحت قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم لهند : ( ما يكفيك وولدك بالمعروف ) . # وجملة { لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها } تعليل لقوله : { ومن قدر عليه ~~رزقه فلينفق مما آتاه الله } . لأن مضمون هذه الجملة قد تقرر بين المسلمين ~~من قبل في قوله تعالى : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها في سورة البقرة ، ~~وهي قبل سورة الطلاق . # والمقصود منه إقناع المنفق عليه بأن لا يطلب من المنفق أكثر من مقدرته . ~~ولهذا قال علماؤنا : لا يطلق على المعسر إذا كان يقدر على إشباع المنفق ~~عليها وإكسائها بالمعروف ولو بشظف ، أي دون ضر . # ومما آتاه الله } يشمل المقدرة على الاكتساب فإذا كان من يجب عليه ~~PageV28P331 الإنفاق قادرا على الاكتساب لينفق من يجب عليه إنفاقه أو ليكمل ~~له ما ضاق عنه ماله ، يجبر على الاكتساب . وأما من لا قدرة له على الاكتساب ~~وليس له ما ينفق منه فنفقته أو نفقة من يجب عليه إنفاقه على مراتبها تكون ~~على بيت مال المسلمين . وقد قال عمر بن الخطاب : ( وأن ms8602 رب الصريمة ورب ~~الغنيمة إن تهلك ماشيتهما يأتيني ببينة يقول يا أمير المؤمنين يا أمير ~~المؤمنين ، أفتاركهم أينا ) ، رواه مالك في ( الموطأ ) . # وفي عجز الزوج عن إنفاق زوجه إذا طلبت الفراق لعدم النفقة خلاف . فمن ~~الفقهاء من رأى ذلك موجبا بينهما بعد أجلل رجاء يسر الزوج وقدر بشهرين ، ~~وهو قول مالك . ومنهم من لم ير التفريق بين الزوجين بذلك وهو قول أبي حنيفة ~~، أي وتنفق من بيت مال المسلمين . # والذي يقتضيه النظر أنه إن كان بيت المال قائما فإن من واجبه نفقة ~~الزوجين المعسرين وإن لم يتوصل إلى الإنفاق من بيت المال كان حقا أن يفرق ~~القاضي بينهما ولا يترك المرأة وزوجها في احتياج . ومحل بسط ذلك في مسائل ~~الفقه . # وجملة { سيجعل الله بعد عسر يسرا } تكملة للتذييل فإن قوله : { لا يكلف ~~الله نفسا إلا ما آتاها } يناسب مضمون جملة { لينفق ذو سعة من سعته } . # وقوله : { سيجعل الله } الخ تناسب مضمون { ومن قدر عليه رزقه } الخ . ~~وهذا الكلام خبر مستعمل في بعث الترجي وطرح اليأس عن المعسر من ذوي العيال ~~. ومعناه : عسى أن يجعل الله بعد عسركم يسرا لكم فإن الله يجعل بعد عسر ~~يسرا . وهذا الخبر لا يقتضي إلا أن من تصرفات الله أن يجعل بعد عسر قوم ~~يسرا لهم ، فمن كان في عسر رجا أن يكون ممن يشمله فضل الله ، فيبدل عسره ~~باليسر . # وليس في هذا الخبر وعد لكل معسر بأن يصير عسره يسرا . وقد يكون في ~~المشاهدة ما يخالف ذلك فلا فائدة في التكلف بأن هذا وعد من الله للمسلمين ~~الموحدين يومئذ بأن الله سيبدل عسرهم باليسر ، أو وعد للمنفقين الذين ~~يمتثلون لأمر الله ولا يشحون بشيء مما يسعه مالهم . وانظر قوله تعالى : { ~~فإن مع العسر يسرا } ( الشرح : 5 ) . PageV28P332 # ومن بلاغة القرآن الإتيان ب ( عسر ويسرا ) نكرتين غير معرفين باللام لئلا ~~يتوهم من التعريف معنى الاستغراق كما في قوله : { فإن مع العسر يسرا . # ( 8 11 ) } # . # لما شرعت للمسلمين أحكام كثيرة من الطلاف ولواحقه ، وكانت كلها تكاليف قد ms8603 ~~تحجم بعض الأنفس عن إيفاء حق الامتثال لها تكاسلا أو تقصيرا رغب في ~~الامتثال لها بقوله : { ومن يتق الله يجعل له مخرجا } ( الطلاق : 2 ) وقوله ~~: { ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا } ( الطلاق : 4 ) ، وقوله : { ومن ~~يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا } ( الطلاق : 5 ) وقوله : { سيجعل ~~الله بعد عسر يسرا } ( الطلاق : 7 ) . # وحذر الله الناس في خلال ذلك من مخالفتها بقوله : { وتلك حدود الله ومن ~~يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه } ( الطلاق : 1 ) ، وقوله : { ذلكم يوعظ به من ~~كان يؤمن بالله واليوم الآخر } ( الطلاق : 2 ) أعقبها بتحذير عظيم من ~~الوقوع في مخالفة أحكام الله ورسله لقلة العناية بمراقبتهم ، لأن الصغير ~~يثير الجليل ، فذكر المسلمين ( وليسوا ممن يعتوا على أمر ربهم ) بما حل ~~بأقوام من عقاب عظيم على قلة اكتراثهم بأمر الله ورسله لئلا يسلكوا سبيل ~~التهاون بإقامة الشريعة ، فيلقي بهم ذلك في مهواة الضلال . # وهذا الكلام مقدمة لما يأتي من قوله : { فاتقوا الله يا أولي الألباب } ~~الآيات . فالجملة معطوفة على مجموع الجمل السابقة عطف غرض على غرض . # و { كأين } اسم لعدد كثير مبهم يفسره ما يميزه بعده من اسم مجرور بمن و { ~~كأين } بمعنى ( كم ) الخبرية . وقد تقدم عند قوله تعالى : { وكأين من نبيء ~~قتل معه ربيون كثير في آل عمران . # والمقصود من إفادة التكثير هنا تحقيق أن العذاب الذي نال أهل تلك القرى ~~شيء ملازم لجزائهم على عتوهم عن أمر ربهم ورسله فلا يتوهم متوهم أن ذلك ~~مصادفة في بعض القرى وأنها غير مطردة في جميعهم . PageV28P333 # وكأين } في موضع رفع على الابتداء ، وهو مبني . # وجملة { عتت عن أمر ربها } في موضع الخبر ل { كأين } . # والمعنى : الإخبار بكثرة ذلك باعتبار ما فرع عليه من قوله : { فحاسبناها ~~} فالمفرع هو المقصود من الخبر . # والمراد بالقرية : أهلها على حد قوله : { واسأل القرية التي كنا فيها } ( ~~يوسف : 82 ) بقرينة قوله عقب ذلك { أعد الله لهم عذابا شديدا } إذ جيء ~~بضمير جمع العقلاء . # وإنما أوثر لفظ القرية هنا دون الأمة ونحوها لأن ms8604 في اجتلاب هذا اللفظ ~~تعريضا بالمشركين من أهل مكة ومشايعة لهم بالنذارة ولذلك كثر في القرآن ذكر ~~أهل القرى في التذكير بعذاب الله في نحو { وكم من قرية أهلكناها } ( ~~الأعراف : 4 ) . # وفيه تذكير للمسلمين بوعد الله بنصرهم ومحق عدوهم . # والعتو ويقال العتي : تجاوز الحد في الاستكبار والعناد . وضمن معنى ~~الإعراض فعدي بحرف { عن } . # والمحاسبة مستعملة في الجزاء على الفعل بما يناسب شدته من شديد العقاب ، ~~تشبيها لتقدير الجزاء بإجراء الحساب بين المتعاملين ، وهو الحساب في الدنيا ~~، ولذلك جاء { فحاسبناها } و { عذبناها } بصيغة الماضي . # والمعنى : فجازيناها على عتوها جزاء يكافىء طغيانها . # والعذاب النكر : هو عذاب الاستئصال بالغرق ، والخسف ، والرجم ، ونحو ذلك ~~. # وعطف العذاب على الحساب مؤذن بأنه غيره ، فالحساب فيما لقوه قبل ~~الاستئصال من المخوفات وأشراط الإنذار مثل القحط والوباء والعذاب هو ما ~~توعدوا به . # ولك أن تجعل الحساب على حقيقته ويراد به حساب الآخرة . وشدته قوة ~~المناقشة فيه والانتهار على كل سيئة يحاسبون عليها . PageV28P334 # والعذاب : عذاب جهنم ، ويكون الفعل الماضي مستعملا في معنى المستقبل ~~تشبيها للمستقبل بالماضي في تحقق وقوعه مثل قوله : { أتى أمر الله } ( ~~النحل : 1 ) ، وقوله : { ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار } ( الأعراف : 44 ) ~~. # والنكر بضمتين ، وبضم فسكون : ما ينكره الرأي من فظاعة كيفيته إنكارا ~~شديدا . # وقرأ نافع وأبو بكر عن عاصم وأبو جعفر ويعقوب { نكرا } بضمتين . وقرأه ~~الباقون بسكون الكاف . وتقدم في سورة الكهف . # والفاء في قوله : { فذاقت وبال أمرها } لتفريع { فحاسبناها } { وعذبناها ~~} . # والذوق : هنا الإحساس مطلقا ، وهو مجاز مرسل . # والوبيل : صفة مشبهة . يقال : وبل ( بالضم ) : المرعى ، إذا كان كلأه ~~وخيما ضارا لما يرعاه . # والأمر : الحال والشأن ، وإضافة الوبال إلى الأمر من إضافة المسبب إلى ~~السبب ، أي ذاقوا الوبال الذي تسبب لهم فيه أمرهم وشأنهم الذي كانوا عليه . # وعاقبة الأمر : آخره وأثره . وهو يشمل العاقبة في الدنيا والآخرة كما دل ~~عليه قوله : { أعد الله لهم عذابا شديدا } . # وشبهت عاقبتهم السوأى بخسارة التاجر في بيعه في أنهم لما عتوا حسبوا أنهم ~~أرضوا أنفسهم بإعراضهم عن الرسل وانتصروا عليهم فلما ms8605 لبثوا أن صاروا بمذلة ~~وكما يخسر التاجر في تجره . # وجيء بفعل { كان } بصيغة المضي لأن الحديث عن عاقبتها في الدنيا تغليبا . ~~وفي كل ذلك تفظيع لما لحقهم مبالغة في التحذير مما وقعوا فيه . # وجملة { أعد الله لهم عذابا شديدا } بدل اشتمال من جملة { وكان عاقبة ~~أمرها خسرا } أو بدل بعض من كل . PageV28P335 # والمراد عذاب الآخرة لأن الإعداد التهيئة وإنما يهيأ الشيء الذي لم يحصل ~~. # وإن جعلت الحساب والعذاب المذكورين آنفا حساب الآخرة وعذابها كما تقدم ~~آنفا فجملة { أعد الله لهم عذابا شديدا } استئنافا لبيان أن ذلك متزايد غير ~~مخفف منه كقوله : { فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا } ( النبأ : 30 ) . # . # هذا التفريع المقصود على التكاليف السابقة وخاصة على قوله : { وتلك حدود ~~الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه } ( الطلاق : 1 ) وهو نتيجة ما مهد ~~له به من قوله : { وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله } . # وفي نداء المؤمنين بوصف { أولي الألباب } إيماء إلى أن العقول الراجحة ~~تدعو إلى تقوى الله لأنها كمال نفساني ، ولأن فوائدها حقيقية دائمة ، ولأن ~~بها اجتناب المضار في الدنيا والآخرة ، قال تعالى : { ألا إن أولياء الله ~~لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون } ( يونس : 62 ، 63 ) ~~، وقوله : { أولي } معناه ذوي ، وتقدم بيانه عند قوله : { واللائي يئسن من ~~المحيض } ( الطلاق : 4 ) آنفا و { الذين آمنوا } بدل من { أولي الألباب } . ~~وهذا الاتباع يومىء إلى أن قبولهم الإيمان عنوان على رجاحة عقولهم . ~~والإتيان بصلة الموصول إشعار بأن الإيمان سبب للتقوى وجامع لمعظمها ولكن ~~للتقوى درجات هي التي أمروا بأن يحيطوا بها . # لله . # في هذه الجملة معنى العلة للأمر بالتقوى لأن إنزال الكتاب نفع عظيم لهم ~~مستحق شكرهم عليه . PageV28P336 # وتأكيد الخبر ب { قد } للاهتمام به وبعث النفوس على تصفح هذا الكتاب ~~ومتابعة إرشاد الرسول صلى الله عليه وسلم # والذكر : القرآن . وقد سمي بالذكر في آيات كثيرة لأنه يتضمن تذكير الناس ~~بما هم في غفلة عنه من دلائل التوحيد وما يتفرع عنها من حسن السلوك ، ثم ~~تذكيرهم بما ms8606 تضمنه من التكاليف وبيناه عند قوله تعالى : { وقالوا يأيها ~~الذي نزل عليه الذكر في سورة الحجر . وإنزال القرآن تبليغه إلى الرسول ~~بواسطة الملك واستعير له الإنزال لأن الذكر مشبه بالشيء المرفوع في ~~السماوات ، كما تقدم في سورة الحجر وفي آيات كثيرة . # وجعل إنزال الذكر إلى المؤمنين لأنهم الذين انتفعوا به وعملوا بما فيه ~~فخصصوا هنا من بين جميع الأمم لأن القرآن أنزل إلى الناس كلهم . # وقوله : رسولا } بدل من { ذكرا } بدل اشتمال لأن بين القرآن والرسول محمد ~~صلى الله عليه وسلم ملازمة وملابسة فإن الرسالة تحققت له عند نزول القرآن ~~عليه ، فقد أعمل فعل { أنزل } في { رسولا } تبعا لإعماله في المبدل منه ~~باعتبار هذه المقارنة واشتمال مفهوم أحد الاسمين على مفهوم الآخر . وهذا ~~كما أبدل { رسول من الله } ( البينة : 2 ) من قوله : { حتى تأتيهم البينة ~~في سورة البينة . # والرسول : هو محمد . # وأما تفسير الذكر بجبريل ، وهو مروي عن الكلبي لتصحيح إبدال رسولا } منه ~~ففيه تكلفات لا داعي إليها فإنه لا محيص عن اعتبار بدل الاشتمال ، ولا ~~يستقيم وصف جبريل بأنه يتلو على الناس الآيات فإن معنى التلاوة بعيد من ذلك ~~، وكذلك تفسير الذكر بجبريل . # ويجوز أن يكون { رسولا } مفعولا لفعل محذوف يدل عليه { أنزل الله } ~~وتقديره : وأرسل إليكم رسولا ، ويكون حذفه إيجازا إلا أن الوجه السابق أبلغ ~~وأوجز . # وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم { مبينات } بفتح الياء . ~~وقرأه الباقون بكسرها ومآل القراءتين واحد . # وجعلت علة إنزال الذكر إخراج المؤمنين الصالحين من الظلمات إلى النور وإن ~~PageV28P337 كانت علة إنزاله إخراج جميع الناس من ظلمات الكفر وفساد ~~الأعمال إلى نور الإيمان والأعمال الصالحات ، نظرا لخصوص الفريق الذي انتفع ~~بهذا الذكر اهتماما بشأنهم . وليس ذلك بدال على أن العلة مقصورة على هذا ~~الفريق ولكنه مجرد تخصيص بالذكر . وقد تقدم نظير هذه الجملة في مواضع كثيرة ~~منها أول سورة الأعراف . # . # عطف على الأمر بالتقوى والتنويه بالمتقين والعناية بهم هذا الوعد على ~~امتثالهم بالنعيم الخالد بصيغة الشرط للدلالة على أن ذلك ms8607 نعيم مقيد حصوله ~~لراغبيه بأن يؤمنوا ويعملوا الصالحات . # و { صالحا } نعت لموصوف محذوف دل عليه { يعمل } أي عملا صالحا ، وهو نكرة ~~في سياق الشرط تفيد العموم كإفادته إياه في سياق النفي . فالمعنى : ويعمل ~~جميع الصالحات ، أي المأمور بها أمرا جازما بقرينة استقراء أدلة الشريعة . # وتقدم نظير هذه الآية في مواضع كثيرة من القرآن . # وجملة { قد أحسن الله له رزقا } حال من الضمير المنصوب في { ندخله } ~~ولذلك فذكر اسم الجلالة إظهار في مقام الإضمار لتكون الجملة مستقلة بنفسها ~~. # والرزق : كل ما ينتفع به وتنكيره هنا للتعظيم ، أي رزقا عظيما . # وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر { ندخله } بنون العظمة . وقرأه الباقون ~~بالتحتية على أنه عائد إلى اسم الجلالة من قوله : { ومن يؤمن بالله } وعلى ~~قراءة نافع وابن عامر يكون فيه سكون الالتفات . # PageV28P338 # اسم الجلالة خبر مبتدأ محذوف تقديره : هو الله . وهذا من حذف المسند إليه ~~لمتابعة الاستعمال كما سماه السكاكي ، فإنه بعد أن جرى ذكر شؤون من عظيم ~~شؤون الله تعالى ابتداء من قوله : { واتقوا الله ربكم } ( الطلاق : 1 ) إلى ~~هنا ، فقد تكرر اسم الجلالة وضميره والإسناد إليه زهاء ثلاثين مرة فاقتضى ~~المقام عقب ذلك أن يزاد تعريف الناس بهذا العظيم ، ولما صار البساط مليئا ~~بذكر اسمه صح حذفه عند الإخبار عنه إيجازا وقد تقدم قوله تعالى : { رب ~~السماوات والأرض وما بينهما في سورة مريم ، وكذلك عند قوله : صم بكم عمي } ~~( البقرة : 18 ) ، وقوله : { مقام إبراهيم في سورة البقرة . # فالجملة على هذا الوجه مستأنفة استئنافا ابتدائيا . # والموصول صفة لاسم الجلالة وقد ذكرت هذه الصلة لما فيها من الدلالة على ~~عظيم قدرته تعالى ، وعلى أن الناس وهم من جملة ما في الأرض عبيده ، فعليهم ~~أن يتقوه ، ولا يتعدوا حدوده ، ويحاسبوا أنفسهم على مدى طاعتهم إياه فإنه ~~لا تخفى عليه خافية ، وأنه قدير على إيصال الخير إليهم إن أطاعوه وعقابهم ~~إن عصوه . # وفيه تنويه بالقرآن لأنه من جملة الأمر الذي يتنزل بين السماء والأرض . # والسبع السماوات تقدم القول فيها غير مرة ، وهي سبع منفصل ms8608 بعضها عن الآخر ~~لقوله تعالى في سورة نوح : ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا . # وقوله : ومن الأرض مثلهن } عطف على { سبع سماوات } وهو يحتمل وجهين : ~~أحدهما أن يكون المعطوف قوله : { من الأرض } على أن يكون المعطوف لفظ الأرض ~~ويكون حرف { من } مزيدا للتوكيد بناء على قول الكوفيين والأخفش أنه لا ~~يشترط لزيادة { من } أن تقع في سياق النفي والنهي والاستفهام والشرط وهو ~~الأحق بالقبول وإن لم يكن كثيرا في الكلام ، وعدم الكثرة لا ينافي الفصاحة ~~، والتقدير : وخلق الأرض ، ويكون قوله : { مثلهن } حالا من { الأرض } . # ومماثلة الأرض للسماوات في دلالة خلقها على عظيم قدرة الله تعالى ، أي أن ~~خلق الأرض ليس أضعف دلالة على القدرة من خلق السماوات لأن لكل منهما خصائص ~~دالة على عظيم القدرة . PageV28P339 # وهذا أظهر ما تؤول به الآية . # وفي إفراد لفظ { الأرض } دون أن يؤتى به جمعا كما أتي بلفظ السماوات ~~إيذان بالاختلاف بين حاليهما . # والوجه الثاني : أن يكون المعطوف { مثلهن } ويكون قوله : { ومن الأرض } ~~بيانا للمثل فمصدق { مثلهن } هو { الأرض } . وتكون { من } بيانية وفيه ~~تقديم البيان على المبين ، وهو وارد غير نادر . # فيجوز أن تكون مماثلة في الكروية ، أي مثل واحدة من السماوات ، أي مثل ~~كوكب من الكواكب السبعة في كونها تسير حول الشمس مثل الكواكب فيكون ما في ~~الآية من الإعجاز العلمي الذي قدمنا ذكره في المقدمة العاشرة . # وجمهور المفسرين جعلوا المماثلة في عدد السبع وقالوا : إن الأرض سبع ~~طبقات فمنهم من قال هي سبع طبقات منبسطة تفرق بينها البحار . وهذا مروي عن ~~ابن عباس من رواية الكلبي عن أبي صالح عنه ، ومنهم من قال هي سبع طباق ~~بعضها فوق بعض وهو قول الجمهور . وهذا يقرب من قول علماء طبقات الأرض ( ~~الجيولوجيا ) ، من إثبات طبقات أرضية لكنها لا تصل إلى سبع طبقات . # وفي ( الكشاف ) ( قيل ما في القرآن آية تدل على أن الأرضين سبع إلا هذه ) ~~اه . وقد علمت أنها لا دلالة فيها على ذلك . # وقال المازري في كتابه ( المعلم ) على ( صحيح مسلم ms8609 ) عند قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم في كتاب الشفعة : ( من اقتطع شبرا من الأرض ظلما طوقه من ~~سبع أرضين يوم القيامة ) . # كان شيخنا أبو محمد عبد الحميد كتب إلي بعد فراقي له : هل وقع في الشرع ~~عما يدل على كون الأرض سبعا ، فكتبت إليه قول الله تعالى : { الله الذي خلق ~~سبع سماوات ومن الأرض مثلهن } وذكرت له هذا الحديث فأعاد كتابه إلي يذكر ~~فيه أن الآية محتملة هل مثلهن في الشكل والهيئة أو مثلهن في العدد . وأن ~~الخبر من أخبار الآحاد ، والقرآن إذا احتمل والخبر إذا لم يتواتر لم يصح ~~القطع بذلك ، والمسألة ليست من العمليات فيتمسك فيها بالظواهر وأخبار ~~الآحاد ، فأعدت PageV28P340 إليه المجاوبة أحتج لبعد الاحتمال عن القرآن ~~وبسطت القول في ذلك وترددت في آخر كتابي في احتمالل ما قال . فقطع المجاوبة ~~اه . # وأنت قد تبينت أن إفراد الأرض مشعر بأنها أرض واحدة وأن المماثلة في قوله ~~: { مثلهن } راجعة إلى المماثلة في الخلق العظيم ، وأما الحديث فإنه في شأن ~~من شؤون الآخرة وهي مخالفة للمتعارف ، فيجوز أن يطوق الغاصب بالمقدار الذي ~~غصبه مضاعفا سبع مرات في الغلظ والثقل ، على أن عدد السبع يجوز أن يراد به ~~المبالغة في المضاعفة . ولو كان المراد طبقات معلومة لقال : طوقه من السبع ~~الأرضين بصيغة التعريف . وكلام عبد الحميد أدخل في التحقيق من كلام المازري ~~. # وعلى مجاراة تفسير الجمهور لقوله : { ومن الأرض مثلهن } من المماثلة في ~~عدد السبع ، فيجوز أن يقال : إن السبع سبع قطع واسعة من سطح الأرض يفصل ~~بينها البحار نسميها القارات ولكن لا نعني بهذه التسمية المعنى الاصطلاحي ~~في كتب الجغرافيا القديمة أو الحديثة بل هي قارات طبيعية كان يتعذر وصول ~~سكان بعضها إلى بعضها الآخر في الأزمان التي لم يكن فيها تنقل بحري وفيما ~~بعدها مما كان ركوب البحر فيها مهولا . ! وهي أن آسيا مع أوروبا قارة ، ~~وإفريقيا قارة ، وأستراليا قارة ، وأميركا الشمالية قارة ، وأميركا ~~الجنوبية قارة ، وجرولندة في الشمال ، والقارة القطبية الجنوبية . ولا ~~التفات إلى الأجزاء المتفرقة من ms8610 الأرض في البحار ، وتكون { من } تبعيضية ~~لأن هذه القارات الاصطلاحية أجزاء من الأرض . # وقرأ غير عاصم { مثلهن } بالنصب . وقرأه عاصم بالرفع على أنه مبتدأ . # ومعنى { يتنزل الأمر بينهن } أمر الله بالتكوين أو بالتكليف يبلغ إلى ~~الذين يأمرهم الله به من الملائكة ليبلغوه ، أو لمن يأمرهم الله من الرسل ~~ليبلغوه عنه ، أو من الناس ليعلموا بما فيه ، كل ذلك يقع فيما بين السماء ~~والأرض . # واللام في قوله : { لتعلموا } لام كي وهي متعلقة ب { خلق } . # والمعنى : أن مما أراده الله من خلقه السماوات والأرض ، أن يعلم الناس ~~قدرة الله على كل شيء وإحاطة علمه بكل شيء . لأن خلق تلك المخلوقات العظيمة ~~PageV28P341 وتسخيرها وتدبير نظامها في طول الدهر يدل أفكار المتأملين على ~~أن مبدعها يقدر على أمثالها فيستدلوا بذلك على أنه قدير على كل شيء لأن ~~دلالتها على إبداع ما هو دونها ظاهرة ، ودلالتها على ما هو أعظم منها وإن ~~كانت غير مشاهدة ، فقياس الغائب على الشاهد يدل على أن خالق أمثالها قادر ~~على ما هو أعظم . وأيضا فإن تدبير تلك المخلوقات بمثل ذلك الإتقان المشاهد ~~في نظامها ، دليل على سعة علم مبدعها وأحاطته بدقائق ما هو دونها ، وأن من ~~كان علمه بتلك المثابة لا يظن بعلمه إلا الإحاطة بجميع الأشياء . # فالعلم المراد من قوله : { لتعلموا } صادق على علمين : علم يقيني مستند ~~إلى أدلة يقينية مركبة من الدلالة الحسية والعقلية ، وعلم ظني مستند إلى ~~الأدلة الظنية والقرائن . وكلا العلمين موصل إلى الاستدلال في الاستدلال ~~الخطابي ( بفتح الخاء ) . # PageV28P342 # | 1 ( سورة التحريم ) 1 # سورة { يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك } ( التحريم : 1 ) الخ سميت ~~( سورة التحريم ) في كتب السنة وكتب التفسير . ووقع في رواية أبي ذر الهروي ~~( لصحيح البخاري ) تسميتها باسم ( سورة اللم تحرم ) بتشديد اللام ، وفي ( ~~الإتقان ) وتسمى ( سورة اللم تحرم ) ، وفي ( تفسير الكواشي ) ( أي بهمزة ~~وصل وتشديد اللام مكسورة ) وبفتح الميم وضم التاء محققة وتشديد الراء ~~مكسورة بعدها ميم على حكاية جملة { لم تحرم } وجعلها بمنزلة الاسم وإدخال ~~لام تعريف ms8611 العهد على ذلك اللفظ وإدغام اللامين . # وتسمى ( سورة النبي ) صلى الله عليه وسلم وقال الآلوسي : إن ابن الزبير ~~سماها ( سورة النساء ) . قلت ولم أقف عليه ولم يذكر صاحب ( الإتقان ) هذين ~~في أسمائها . # واتفق أهل العدد على أن عدة آيها اثنتا عشرة . # وهي مدنية . قال ابن عطية : بإجماع أهل العلم وتبعه القرطبي . وقال في ( ~~الإتقان ) عن قتادة : إن أولها إلى تمام عشر آيات وما بعدها مكي ، كما وقعت ~~حكاية كلامه . ولعله أراد إلى عشر آيات ، أي أن الآية العاشرة من المكي إذ ~~من البعيد أن تكون الآية العاشرة مدنية والحادية عشرة مكية . # وهي معدودة الخامسة بعد المائة في عداد نزول سور القرآن نزلت بعد سورة ~~الحجرات وقبل سورة الجمعة . PageV28P343 # ويدل قوله : { قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم } ( التحريم : 2 ) أنها نزلت ~~بعد سورة المائدة كما سيأتي . # وسبب نزولها حادثتان حدثتا بين أزواج النبي صلى الله عليه وسلم # إحداهما : ما ثبت في ( الصحيح ) عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان شرب عسلا عند إحدى نسائه اختلف في أنها زينب بنت جحش ، أو حفصة ، أو أم ~~سلمة ، أو سودة بنت زمعة . والأصح أنها زينب . فعلمت بذلك عائشة فتواطأت هي ~~وحفصة على أن أيتهما دخل عليها تقول له ( إني أجد منك ريح مغافير أكلت ~~مغافير ) ( والمغافير صمغ شجر العرفط وله رائحة مختمرة ) وكان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يكره أن توجد منه رائحة وإنما تواطأتا على ذلك غيرة منهما ~~أن يحتبس عند زينب زمانا يشرب فيه عسلا . فدخل على حفصة فقالت له ذلك ، ~~فقال : بل شربت عسلا عند فلانة ولن أعود له ، أراد بذلك استرضاء حفصة في ~~هذا الشأن وأوصاها أن لا تخبر بذلك عائشة ( لأنه يكره غضبها ) فأخبرت حفصة ~~عائشة فنزلت الآيات . # هذا أصح ما روي في سبب نزول هذه الآيات . والتحريم هو قوله : ( ولن أعود ~~له ) ( لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يقول إلا صدقا وكانت سودة تقول : ~~لقد حرمناه ) . # والثانية : ما رواه ابن القاسم في ( المدونة ) عن مالك ms8612 عن زيد بن أسلم ~~قال : حرم رسول الله أم إبراهيم جاريته فقال : ( والله لا أطؤك ) ثم قال : ~~( هي علي حرام ) فأنزل الله تعالى : { يأيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ~~تبتغي مرضات أزواجك } ( التحريم : 1 ) . # وتفصيل هذا الخبر ما رواه الدارقطني ( عن ابن عباس عن عمر قال : دخل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بأم ولده مارية في بيت حفصة فوجدته حفصة معها ، ~~وكانت حفصة غابت إلى بيت أبيها . فقالت حفصة : تدخلها بيتي ما صنعت بي هذا ~~من بين نسائك إلا من هواني عليك . فقال لها : لا تذكري هذا لعائشة فهي علي ~~حرام إن قربتها . قيل : فقالت له حفصة : كيف تحرم عليك وهي جاريتك فحلف لها ~~أن لا يقربها فذكرته حفصة لعائشة فآلى أن لا يدخل على نسائه شهرا ~~PageV28P344 فأنزل الله تعالى : { يأيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك } . ~~وهو حديث ضعيف . # $ 2 ( { ياأيها النبى لم تحرم مآ أحل الله لك تبتغى مرضات أزواجك والله ~~غفور رحيم * قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم وهو العليم الحكيم ~~* وإذ أسر النبى إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف ~~بعضه وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هاذا قال نبأنى العليم ~~الخبير * إن تتوبآ إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو ~~مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذالك ظهير * عسى ربه إن طلقكن ~~أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ~~ثيبات وأبكارا * ياأيها الذين ءامنوا قو & # 1764 ا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ ~~شداد لا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما يؤمرون * ياأيها الذين كفروا لا ~~تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون * ياأيها الذين ءامنوا توبو & # 1764 ا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات ~~تجرى من تحتها الانهار يوم لا يخزى الله النبى والذين ءامنوا معه نورهم ~~يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنآ أتمم ms8613 لنا نورنا واغفر لنآ إنك على ~~كل شىء قدير * ياأيها النبى جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم ~~جهنم وبئس المصير * ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح وامرأت لوط كانتا ~~تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنينا عنهما من الله شيئا وقيل ~~ادخلا النار مع الداخلين * وضرب الله مثلا للذين ءامنوا امرأة فرعون إذ ~~قالت رب ابن لى عندك بيتا فى الجنة ونجنى من فرعون وعمله ونجنى من القوم ~~الظالمين * ومريم ابنة عمران التى & # 1764 أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من ~~القانتين } ) 2 $ أغراض هذه السورة # ما تضمنه سبب نزولها أن أحدا لا يحرم على نفسه ما أحل الله له لإرضاء أحد ~~إذ ليس ذلك بمصلحة له ولا للذي يسترضيه فلا ينبغي أن يجعل كالنذر إذ لا ~~قربة فيه وما هو بطلاق لأن التي حرمها جارية ليست بزوجة ، فإنما صلاح كل ~~جانب فيما يعود بنفع على نفسه أو بنفع به غيره نفعا مرضيا عند الله وتنبيه ~~نساء النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن غيرة الله على نبيه أعظم من غيرتهن ~~عليه واسمى مقصدا . # وأن الله يطلعه على ما يخصه من الحادثات . # وأن من حلف على يمين فرأى حنثها خيرا من برها أن يكفر عنها ويفعل الذي هو ~~خير . وقد ورد التصريح بذلك في حديث وفد عبد القيس عن رواية أبي موسى ~~الأشعري ، وتقدم في سورة براءة . # وتعليم الأزواج أن لا يكثرن من مضايقة أزواجهن فإنها ربما أدت إلى الملال ~~فالكراهية فالفراق . # وموعظة الناس بتربية بعض الأهل بعضا ووعظ بعضهم بعضا . # وأتبع ذلك بوصف عذاب الآخرة ونعيمها وما يفضي إلى كليهما من أعمال الناس ~~صالحاتها وسيئاتها . # وذيل ذلك بضرب مثلين من صالحات النساء وضدهن لما في ذلك من العظة لنساء ~~المؤمنين ولأمهاتهم . # PageV28P345 # افتتاح السورة بخطاب النبي صلى الله عليه وسلم بالنداء تنبيه على أن ما ~~سيذكر بعده مما يهتم به النبي صلى الله عليه وسلم والأمة ولأن سبب النزول ~~كان من علائقه . # والاستفهام ms8614 في قوله : { لم تحرم } مستعمل في معنى النفي ، أي لا يوجد ما ~~يدعو إلى أن تحرم على نفسك ما أحل الله لك ذلك أنه لما التزم عدم العود إلى ~~ما صدر منه التزاما بيمين أو بدون يمين أراد الامتناع منه في المستقبل ~~قاصدا بذلك تطمين أزواجه اللاء تمالأن عليه لفرط غيرتهن ، أي ليست غيرتهن ~~مما تجب مراعاته في المعاشرة إن كانت فيما لا هضم فيه لحقوقهن ، ولا هي من ~~إكرام إحداهن لزوجها إن كانت الأخرى لم تتمكن من إكرامه بمثل ذلك الإكرام ~~في بعض الأيام . # وهذا يومىء إلى ضبط ما يراعى من الغيرة وما لا يراعى . # وفعل { تحرم } مستعمل في معنى : تجعل ما أحل لك حراما ، أي تحرمه على ~~نفسك كقوله تعالى : { إلا ما حرم إسرائيل على نفسه } ( آل عمران : 93 ) ~~وقرينته قوله هنا : { ما أحل الله لك } . # وليس معنى التحريم هنا نسبة الفعل إلى كونه حراما كما في قوله تعالى : { ~~قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق } ( الأعراف : 32 ~~) ، وقوله : { يحلونه عاما ويحرمونه عاما } ( التوبة : 37 ) ، فإن التفعيل ~~يأتي بمعنى التصبير كما يقال : وسع هذا الباب ويأتي بمعنى إيجاد الشيء على ~~حالة مثل ما يقال للخياط : وسع طوق الجبة . # ولا يخطر ببال أحد أن يتوهم منه أنك غيرت إباحته حراما على الناس أو عليك ~~. ومن العجيب قول ( الكشاف ) : ليس لأحد أن يحرم ما أحل الله لأن الله إنما ~~أحله لمصلحة عرفها في إحلاله إلخ . # وصيغة المضارع في قوله : { لم تحرم } لأنه أوقع تحريما متجددا . # فجملة { تبتغي } حال من ضمير { تحرم } . فالتعجيب واقع على مضمون ~~الجملتين مثل قوله : { لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة } ( آل عمران : 130 ) ~~. # وفي الإتيان بالموصول في قوله : { ما أحل الله لك } لما في الصلة من ~~الإيماء إلى تعليل الحكم هو أن ما أحله الله لعبده ينبغي له أن يتمتع به ما ~~لم يعرض له ما PageV28P346 يوجب قطعه من ضر أو مرض لأن تناوله شكر لله ~~واعتراف بنعمته والحاجة إليه . # وفي قوله : { تبتغي ms8615 مرضات أزواجك } عذر للنبي صلى الله عليه وسلم فيما ~~فعله من أنه أراد به خيرا وهو جلب رضا الأزواج لأنه أعون على معاشرته مع ~~الإشعار بأن مثل هذه المرضاة لا يعبأ بها لأن الغيرة نشأت عن مجرد معاكسة ~~بعضهن بعضا وذلك مما يختل به حسن المعاشرة بينهن ، فأنبأه الله أن هذا ~~الاجتهاد معارض بأن تحريم ما أحل الله له يفضي إلى قطع كثير من أسباب شكر ~~الله عند تناول نعمه وأن ذلك ينبغي إبطاله في سيرة الأمة . # وذيل بجملة { والله غفور رحيم } استئناسا للنبيء صلى الله عليه وسلم من ~~وحشة هذا الملام ، أي والله غفور رحيم لك مثل قوله : { عفا الله عنك لما ~~أذنت لهم } ( التوبة : 43 ) . # استئناف بياني بين الله به لنبيئه صلى الله عليه وسلم أن له سعة في ~~التحلل مما التزم تحريمه على نفسه ، وذلك فيما شرع الله من كفارة اليمين ~~فأفتاه الله بأن يأخذ برخصته في كفارة اليمين المشروعة للأمة كلها ومن آثار ~~حكم هذه الآية ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم لوفد عبد القيس بعد أن ~~استحملوه وحلف أن لا يحملهم إذ ليس عنده ما يحملهم عليه ، فجاءه ذود من إبل ~~الصدقة فقال لهم : ( وإني والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا ~~كفرت عن يميني وفعلت الذي هو خير ) . # وافتتاح الخبر بحرف التحقيق لتنزيل النبي صلى الله عليه وسلم منزلة من لا ~~يعلم أن الله فرض تحلة الأيمان بآية الكفارة بناء على أنه لم يأخذ بالرخصة ~~تعظيما للقسم . فأعلمه الله أن الأخذ بالكفارة لا تقصير عليه فيه فإن في ~~الكفارة ما يكفي للوفاء بتعظيم اليمين بالله إلى شيء هذا قوله تعالى في قصة ~~أيوب { وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث } ( ص : 44 ) كما ذكرناه في ~~تفسيرها و { فرض } عين ومنه قوله تعالى : { نصيبا مفروضا } ( النساء : 7 ) ~~. وقال : فرض له في العطاء والمعنى : قد بين الله لكن تحلة أيمانكم . # واعلم أنه إن كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يصدر منه ms8616 في تلك الحادثة ~~إلا أنه التزم أن لا PageV28P347 يعود لشرب شيء عند بعض أزواجه في غير يوم ~~نوبتها أو كان وعد أن يحرم مارية على نفسه بدون يمين على الرواية الأخرى . ~~كان ذلك غير يمين فكان أمر الله إياه بأن يكفر عن يمينه إما لأن ذلك يجري ~~مجرى اليمين لأنه إنما وعد لذلك تطمينا لخاطر أزواجه فهو التزام لهن فكان ~~بذلك ملحقا باليمين وبذلك أخذ أبو حنيفة ولم يره مالك يمينا ولا نذرا فقال ~~في ( الموطأ ) : ومعنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من نذر أن يعصي ~~الله فلا يعصه ) أن ينذر الرجل أن يمشي إلى الشام أو إلى مصر مما ليس لله ~~بطاعة إن كلم فلانا ، فليس عليه في ذلك شيء إن هو كلمه لأنه ليس لله في هذه ~~الأشياء طاعة فإن حلف فقال : ( والله لا آكل هذا الطعام ولا ألبس هذا الثوب ~~فإنما عليه كفارة يمين ) اه . # وقد اختلف هل كفر النبي صلى الله عليه وسلم عن يمينه تلك . # فالتحلة على هذا التفسير عند مالك هي : جعل الله ملتزم مثل هذا في حل منن ~~التزامم ما التزمه . أي موجب التحلل من يمينه . # وعند أبي حنيفة : هي ما شرعه الله من الخروج من الأيمان بالكفارات وإن ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم صدر منه يمين عند ذلك على أن لا يعود فتحلة ~~اليمين هي الكفارة عند الجميع . # وجملة { والله مولاكم } تذييل لجملة { قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم } . ~~والمولى : الولي ، وهو الناصر ومتولي تدبير ما أضيف إليه ، وهو هنا كناية ~~عن الرؤوف والميسر ، كقوله تعالى : { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم ~~العسر } ( البقرة : 185 ) . # وعطف عليها جملة { وهو العليم الحكيم } أي العليم بما يصلحكم فيحملكم على ~~الصواب والرشد والسداد وهو الحكيم فيما يشرعه ، أي يجري أحكامه على الحكمة ~~. وهي إعطاء الأفعال ما تقتضيه حقائقها دون الأوهام والتخيلات . # واختلف فقهاء الإسلام فيمن حرم على نفسه شيئا مما أحل الله له على أقوال ~~كثيرة أنهاها القرطبي إلى ثمانية عشر ms8617 قولا وبعضها متداخل في بعض باختلاف ~~الشروط والنيات فتؤول إلى سبعة . # أحدها : لا يلزمه شيء سواء كان المحرم زوجا أو غيرها . وهو قول الشعبي ~~ومسروق وربيعة من التابعين وقاله أصبغ بن الفرج من أصحاب مالك . ~~PageV28P348 # الثاني : تجب كفارة مثل كفارة اليمين . وروي عن أبي بكر وعمر وابن مسعود ~~وابن عباس وعائشة وسعيد بن جبير ، وبه قال الأوزاعي والشافعي في أحد قوليه ~~. وهذا جار على ظاهر الآية من قوله : { قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم } . # الثالث : لا يلزمه في غير الزوجة وأما الزوجة فقيل : إن كان دخل بها كان ~~التحريم ثلاثا ، وإن لم يدخل بها ينو فيما أراد وهو قول الحسن والحكم ومالك ~~في المشهور . وقيل هي ثلاث تطليقات دخل بها أم لم يدخل . ونسب إلى علي بن ~~أبي طالب وزيد بن ثابت وأبي هريرة . وقاله ابن أبي ليلى وهو عند عبد الملك ~~بن الماجشون في ( المبسوط ) . وقيل طلقة بائنة . ونسب إلى زيد بن ثابت ~~وحماد بن سليمان ونسبه ابن خويز منداد إلى مالك وهو غير المشهور عنه . وقيل ~~: طلقة رجعية في الزوجة مطلقا ، ونسب إلى عمر بن الخطاب فيكون قيدا لما روي ~~عنه في القول الثاني . وقاله الزهري وعبد العزيز بن أبي سلمة وابن الماجشون ~~، وقال الشافعي يعني في أحد قوليه : إن نوى الطلاق فعليه ما نوى من أعداده ~~وإلا فهي واحدة رجعية . وقيل : هي ثلاث في المدخول بها وواحدة في التي لم ~~يدخل بها دون تنوية . # الرابع : قال أبو حنيفة وأصحابه إن نوى بالحرام الظهار كان ما نوى فإن ~~نوى الطلاق فواحدة بائنة إلا أن يكون نوى الثلاث . وإن لم ينو شيئا كانت ~~يمينا وعليه كفارة فإن أباها كان موليا . # وتحريم النبي صلى الله عليه وسلم سريته مارية على نفسه هو أيضا من قبيل ~~تحريم أحد شيئا مما أحل الله له غير الزوجة لأن مارية لم تكن زوجة له بل هي ~~مملوكته فحكم قوله : { قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم } جار في قضية تحريم ~~مارية بيمين أو بغير يمين ms8618 بلا فرق . و { تحلة } تفعلة من حلل جعل الفعل ~~حلالا . وأصله تحللة فأدغم اللامان وهو مصدر سماعي لأن الهاء في آخره ليست ~~بقياس إذ لم يحذف منه حرف حتى يعوض عنه الهاء مثل تزكية ولكنه كثير في ~~الكلام مثل تعلة . # PageV28P349 # هذا تذكير وموعظة بما جرى في خلال تينك الحادثتين ثني إليه عنان الكلام ~~بعد أن قضي ما يهم من التشريع للنبيء صلى الله عليه وسلم بما حرم على نفسه ~~من جرائهما . # وهو معطوف على جملة { يأيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك } ( التحريم : ~~1 ) بتقدير واذكر . # وقد أعيد ما دلت عليه الآية السابقة ضمنا بما تضمنته هذه الآية بأسلوب ~~آخر ليبن عليه ما فيه من عبر ومواعظ وأدب ، ومكارم وتنبيه وتحذير . # فاشتملت هذه الآيات على عشرين معنى من معاني ذلك . إحداها ما تضمنه قوله ~~: { إلى بعض أزواجه } . # الثاني : قوله : { فلما نبأت به } . # والثالث : { وأظهره الله عليه } . # الرابع : { عرف بعضه } . # الخامس : { وأعرض عن بعض } . # السادس : { قالت من أنبأك هذا } . # السابع : { قال نبأني العليم الخبير } . # الثامن والتاسع والعاشر : { إن تتوبا إلى الله إلى فإن الله هو مولاه } ( ~~التحريم : 4 ) . # الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر : { وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة ~~} ( التحريم : 4 ) . # الرابع عشر والخامس عشر : { عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا } ( ~~التحريم : 5 ) . # السادس عشر : { خيرا منكن } ( التحريم : 5 ) . # السابع عشر : { مسلمات } ( التحريم : 5 ) إلخ . # الثامن عشر : { سائحات } ( التحريم : 5 ) . # التاسع عشر : { ثيبات وأبكارا } ( التحريم : 5 ) ، وسيأتي بيانها عند ~~تفسير كل آية منها . PageV28P350 # العشرون : ما في ذكر حفصة أو غيرها بعنوان { بعض أزواجه } دون تسميته من ~~الاكتفاء في الملام بذكر ما تستشعر به أنها المقصودة باللوم . # وإنما نبأها النبي صلى الله عليه وسلم بأنه علم إفشاءها الحديث بأمر من ~~الله ليبني عليه الموعظة والتأديب فإن الله ما أطلعه على إفشائها إلا لغرض ~~جليل . # والحديث هو ما حصل من اختلاء النبي صلى الله عليه وسلم بجاريته مارية وما ~~دار بينه وبين حفصة وقوله لحفصة : ( هي علي حرام ولا تخبري عائشة ) وكانتا ms8619 ~~متصافيتين وأطلع الله نبيئه صلى الله عليه وسلم على أن حفصة أخبرت عائشة ~~بما أسر إليها . # والواو عاطفة قصة على قصة لأن قصة إفشاء حفصة السر غير قصة تحريم النبي ~~صلى الله عليه وسلم على نفسه بعض ما أحل له . # ولم يختلف أهل العلم في أن التي أسر إليها النبي صلى الله عليه وسلم ~~الحديث هي حفصة ويأتي أن التي نبأتها حفصة هي عائشة . وفي ( الصحيح ) عن ~~ابن عباس قال : مكثت سنة وأنا أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن آية فما ~~أستطيع أن أسأله هيبة له حتى خرج حاجا فخرجت معه فلما رجع ببعض الطريق قلت ~~: يا أمير المؤمنين من اللتان تظاهرتا على رسول الله من أزواجه ؟ فقال : ~~تلك حفصة وعائشة وساق القصة بطولها . # وأصل إطلاق الحديث على الكلام مجاز لأنه مشتق من الحدثان فالذي حدث هو ~~الفعل ونحوه ثم شاع حتى صار حقيقة في الخبر عنه وصار إطلاقه على الحادثة هو ~~المجاز فانقلب حال وضعه واستعماله . # و { أسر } أخبر بما يراد كتمانه عن غير المخبر أو سأله عدم إفشاء شيء وقع ~~بينهما وإن لم يكن إخبارا وذلك إذا كان الخبر أو الفعل يراد عدم فشوه ~~فيقوله صاحبه سرا والسر ضد الجهر ، قال تعالى : { ويعلم ما تسرون وما ~~تعلنون } ( التغابن : 4 ) فصار { أسر } يطلق بمعنى الوصاية بعدم الإفشاء ، ~~أي عدم الإظهار قال تعالى : { فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم } ( يوسف ~~: 77 ) . # و { أسر } : فعل مشتق من السر فإن الهمزة فيه للجعل ، أي جعله ذا سر ، ~~يقال : أسر في نفسه ، إذا كتم سره . ويقال : أسر إليه ، إذا حدثه بسر فكأنه ~~PageV28P351 أنهاه إليه ، ويقال : أسر له إذا أسر أمرا لأجله ، وذلك في ~~إضمار الشر غالبا وأسر بكذا ، أي أخبر بخبر سر ، وأسر ، إذا وضع شيئا خفيا ~~. وفي المثل ( يسر حسوا في ارتغاء ) . # و { بعض أزواجه } هي حفصة بنت عمر بن الخطاب . وعدل عن ذكر اسمها ترفعا ~~عن أن يكون القصد معرفة الأعيان وإنما المراد العلم بمغزى القصة وما فيها ~~مما ms8620 يجتنب مثله أو يقتدى به . وكذلك طي تعيين المنبأة بالحديث وهي عائشة . # وذكرت حفصة بعنوان بعض أزواجه للإشارة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وضع سره في موضعه لأن أولى الناس بمعرفة سر الرجل زوجه . وفي ذلك تعريض ~~بملامها على إفشاء سره لأن واجب المرأة أن تحفظ سر زوجها إذا أمرها بحفظه ~~أو كان مثله مما يجب حفظه . # وهذا المعنى الأول من المعاني التهذيبية التي ذكرناها آنفا . # ونبأ : بالتضعيف مرادف أنبأ بالهمز ومعناهما : أخبر ، وقد جمعهما قوله : ~~{ فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير } . # وقد قيل : السر أمانة ، أي وإفشاؤه خيانة . # وفي حديث أم زرع من آدابهم العربية القديمة قالت الحادية عشرة : ( جارية ~~أبي زرع فما جارية أبي زرع لا تبث حديثنا تبثيثا ولا تنفث ميرثنا تنفيثا ) ~~. # وكلام الحكماء والشعراء في السر وحفظه أكثر من أن يحصى . وهو المعنى ~~الثاني من المعاني التهذيبية التي ذكرناها . # ومعنى و { وأظهره الله عليه } أطلعه عليه وهو مشتق من الظهور بمعنى ~~التغلب . # استعير الإظهار إلى الإطلاع لأن إطلاع الله نبيئه صلى الله عليه وسلم على ~~السر الذي بين حفصة وعائشة كان غلبة له عليهما فيما دبرتاه فشبهت الحالة ~~الخاصة من تآمر حفصة وعائشة على معرفة سر النبي صلى الله عليه وسلم ومن ~~علمه بذلك بحال من يغالب PageV28P352 غيره فيغلبه الغير ويكشف أمره . ~~فالإظهار هنا من الظهور بمعنى الانتصار . وليس هو من الظهور ضد الخفاء ، ~~لأنه لا يتعدى بحرف ( على ) . # وضمير { عليه } عائد إلى الإنباء المأخوذ من { نبأت به } أو على الحديث ~~بتقدير مضاف يدل عليه قوله : { نبأت به } تقديره : أظهره الله على إفشائه . # وهذا تنبيه إلى عناية الله برسوله صلى الله عليه وسلم وانتصاره له لأن ~~إطلاعه على ما لا علم له به مما يهمه ، عناية ونصح له . # وهذا حاصل المعنى الثالث من المعاني التي اشتملت عليها الآيات وذكرناها ~~آنفا . # ومعفول { عرف } الأول محذوف لدلالة الكلام عليه ، أي عرفها بعضه ، أي بعض ~~ما أطلعه الله عليه ، وأعرض عن تعريفها ms8621 ببعضه . والحديث يحتوي على أشياء : ~~اختلاء النبي بسريته مارية ، وتحريمها على نفسه ، وتناوله العسل في بيت ~~زينب ، وتحريمه العودة إلى مثل ذلك ، وربما قد تخلل ذلك كلام في وصف عثور ~~حفصة على ذلك بغتة ، أو في التطاول بأنها استطاعت أن تريحهن من ميله إلى ~~مارية . وإنما عرفها النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ليوقفها على مخالفتها ~~واجب الأدب من حفظ سر زوجها . # وهذا هو المعنى الرابع من المعاني التي سبقت إشارتي إليها . # وإعراض الرسول صلى الله عليه وسلم عن تعريف زوجه ببعض الحديث الذي أفشته ~~من كرم خلقه صلى الله عليه وسلم في معاتبة المفشية وتأديبها إذ يحصل ~~المقصود بأن يعلم بعض ما أفشته فتوقن أن الله يغار عليه . # قال سفيان : ما زال التغافل من فعل الكرام ، وقال الحسن : ما استقصى كريم ~~قط ، وما زاد على المقصود بقلب العتاب من عتاب إلى تقريع . # وهذا المعنى الخامس من مقاصد ذكر هذا الحديث كما أشرنا إليه آنفا . # وقولها : { من أنبأك هذا } يدل على ثقتها بأن عائشة لا تفشي سرها وعلمت ~~أنه لا قبل للرسول صلى الله عليه وسلم بعلم ذلك إلا من قبل عائشة أو من ~~طريق الوحي فرامت التحقق من أحد الاحتمالين . PageV28P353 # والاستفهام حقيقي ولك أن تجعله للتعجب من علمه بذلك . # وفي هذا كفاية من تيقظها بأن إفشاءها سر زوجها زلة خلقية عظيمة حجبها عن ~~مراعاتها شدة الصفاء لعائشة وفرط إعجابها بتحريم مارية لأجلها ، فلم تتمالك ~~عن أن تبشر به خليلتها ونصيرتها ولو تذكرت لتبين لها أن مقتضى كتم سر زوجها ~~أقوى من مقتضى إعلامها خليلتها فإن أواصر الزوجية أقوى من أواصر الخلة ~~وواجب الإخلاص لرسول الله أعلى من فضيلة الإخلاص للخلائل . # وهذا هو الأدب السادس من معاني الآداب التي اشتملت عليها القصة وأجملنا ~~ذكرها آنفا . # وإيثار وصفي { العليم الخبير } هنا دون الاسم العلم لما فيهما من التذكير ~~بما يجب أن يعلمه الناس من إحاطة الله تعالى علما وخبرا بكل شيء . # و { العليم } : القوي العلم وهو في أسمائه تعالى دال على ms8622 أكمل العلم ، أي ~~العلم المحيط بكل معلوم . # و { الخبير } : أخص من العليم لأنه مشتق من خبر الشيء إذا أحاط بمعانيه ~~ودخائله ولذلك يقال خبرته ، أي بلوته وتطلعت بواطن أمره ، قال ابن برجان ( ~~بضم الموحدة وبجيم مشددة ) في ( شرح الأسماء ) : ( الفرق بين الخبر والعلم ~~وسائر الأشياء الدالة على صفة العلم أن تتعرف حصول الفائدة من وجه وأضف ذلك ~~إلى تلك الصفة وسم الفائدة بذلك الوجه الذي عنه حصلت فمتى حصلت من موضع ~~الحضور سميت مشاهدة والمتصف بها هو الشاهد والشهيد . وكذلك إن حصلت من وجه ~~سمع أو بصر فالمتصف بها سميع وبصير . وكذلك إن حصلت من علم أو علامة فهو ~~العلم والمتصف به العالم والعليم ، وإن حصلت عن استكشاف ظاهر المخبور عن ~~باطنه ببلوى أو امتحان أو تجربة أو تبليغ فهو الخبر . والمسمى به الخبير ) ~~اه . وقال الغزالي في ( المقصد الأسنى ) : ( العلم إذا أضيف إلى الخفايا ~~الباطنة سمي خبرة وسمي صاحبها خبيرا اه ) . # فيتضح أن أتباع وصف { العليم } بوصف { الخبير } إيماء إلى أن الله علم ~~دخيلة المخاطبة وما قصدته من إفشاء السر للأخرى . PageV28P354 # وقد حصل من هذا الجواب تعليمها بأن الله يطلع رسول صلى الله عليه وسلم ~~على ما غاب إن شاء قال تعالى : { عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ~~ارتضى من رسول } ( الجن : 26 ، 27 ) وتنبيها على ما أبطنته من الأمر . # وهو الأدب السابع من آداب هذه الآيات . # واعلم أن نبأ وأنبأ مترادفان وهما بمعنى أخبر وأن حقهما التعدية إلى ~~مفعول واحد لأجل ما فيهما من همزة تعدية أو تضعيف . وإن كان لم يسمع فعل ~~مجرد لهما وهو مما أميت في كلامهم استغناء بفعل علم . والأكثر أن يتعديا ~~إلى ما زاد على المفعول بحرف جر نحو : نبأت به . وقد يحذف حرف الجر فيعديان ~~إلى مفعولين ، كقوله هنا : { من أنبأك هذا } أي بهذا ، وقول الفرزدق : # نبئت عبد الله بالجو أصبحت # كراما مواليها لآما ما صميمها # حمله سيبويه على حذف الحرف . # وقد يضمنان معنى : اعلم ، فيعديان إلى ثلاثة مفاعيل ms8623 كقول النابغة : # نبئت زرعة والسفاهة كاسمها # يهدي إلي غرائب الأشعار # ولكثرة هذا الاستعمال ظن أنه معنى لهما وأغفل التضمين فنسب إلحاقهما ب ( ~~اعلم ) إلى سيبويه والفارسي والجرجاني وألحق الفراء خبر وأخبر ، وألحق ~~الكوفيون حدث . # قال زكريا الأنصاري : لم تسمع تعديتها إلى ثلاثة في كلام العرب إلا إذا ~~كانت مبنية إلى المجهول . # وقرأ الجمهور { عرف } بالتشديد . وقرأه الكسائي { عرف } بتخفيف الراء ، ~~أي علم بعضه وذلك كناية عن المجازاة ، أي جازى عن بعضه التي أفشته باللوم ~~أو بالطلاق على رواية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلق حفصة ولم يصح ~~وقد يكنى عن التوعد بفعل العلم . ونحوه كقوله تعالى : { أولئك الذين يعلم ~~الله ما في قلوبهم } ( النساء : 63 ) . وقول العرب للمسيء : لأعرفن لك هذا ~~. وقولك : لقد عرفت ما صنعت . PageV28P355 # التفات من ذكر القصتين إلى موعظة من تعلقت بهما فهو استئناف خطاب وجهه ~~الله إلى حفصة وعائشة لأن إنباء النبي صلى الله عليه وسلم بعلمه بما أفشته ~~القصد منه الموعظة والتحذير والإرشاد إلى رأب ما انثلم من واجبها نحو زوجها ~~. وإذ قد كان ذلك إثما لأنه إضاعة لحقوق الزوج وخاصة بإفشاء سره ذكرها ~~بواجب التوبة منه . # وخطاب التثنية عائدة إلى المنبئة والمنأبة فأما المنبئة فمعادها مذكور في ~~الكلام بقوله : { إلى بعض أزواجه } ( التحريم : 3 ) . # وأما المنبأة فمعادها ضمني لأن فعل { نبأت } ( التحريم : 3 ) يقتضيه فأما ~~المنبئة فأمرها بالتوبة ظاهر . وأما المذاع إليها فلأنها شريكة لها في تلقي ~~الخبر السر ولأن المذيعة ما أذاعت به إليها إلا لعلمها بأنها ترغب في تطلع ~~مثل ذلك فهاتان موعظتان لمذيع السر ومشاركة المذاع إليه في ذلك وكان عليها ~~أن تنهاها عن ذلك أو أن تخبر زوجها بما أذاعته عنه ضرتها . # و { صغت } : مالت ، أي مالت إلى الخير وحق المعاشرة مع الزوج ، ومنه سمي ~~سماع الكلام إصغاء لأن المستمع يميل سمعه إلى من يكلمه ، وتقدم عند قوله ~~تعالى : { ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة في سورة الأنعام . ~~وفيه إيماء إلى أن فيما فعلتاه انحرافا عن أدب ms8624 المعاشرة الذي أمر الله به ~~وأن عليهما أن تتوبا مما صنعتاه ليقع بذلك صلاح ما فسد من قلوبهما . # وهذان الأدبان الثامن والتاسع من الآداب التي اشتملت عليها هذه الآيات . # والتوبة : الندم على الذنب ، والعزم على عدم العودة إليه وسيأتي الكلام ~~عليها في هذه السورة . # وإذ كان المخاطب مثنى كانت صيغة الجمع في ( قلوب ) مستعملة في الاثنين ~~طلبا لخفة اللفظ عند إضافته إلى ضمير المثنى كراهية اجتماع مثنيين فإن صيغة ~~التثنية ثقيلة لقلة دورانها في الكلام . فلما أمن اللبس ساغ التعبير بصيغة ~~الجمع عن التثنية . PageV28P356 # وهذا استعمال للعرب غير جار على القياس . وذلك في كل اسم مثنى أضيف إلى ~~اسم مثنى فإن المضاف يصير جمعا كما في هذه الآية وقول خطام المجاشعي : # ومهمهين قذفين مرتين # ظهراهما مثل ظهور الترسين # وأكثر استعمال العرب وأفصحه في ذلك أن يعبروا بلفظ الجمع مضافا إلى اسم ~~المثنى لأن صيغة الجمع قد تطلق على الاثنين في الكلام فهما يتعاوران . ويقل ~~أن يؤتى بلفظ المفرد مضافا إلى الاسم المثنى . وقال ابن عصفور : هو مقصور ~~على السماع . # وذكر له أبو حيان شاهدا قول الشاعر : # حمامة بطنن الواديين ترنمي # سقاك من الغر الغوادي مطيرها # وفي التسهيل } : ترجيح التعبير عن المثنى المضافف إلى مثنى باسمم مفرد ، ~~على التعبير عنه بلفظ المثنى . وقال أبو حيان في ( البحر المحيط ) : إن ابن ~~مالك غلط في ذلك . قلت : وزعم الجاحظ في كتاب ( البيان والتبيين ) ، أن قول ~~القائل : اشتر رأس كبشين يريد رأسي كبشين خطأ . قال : لأن ذلك لا يكون اه . ~~وذلك يؤيد قول ابن عصفور بأن التعبير عن المضافف المثنى بلفظ الإفراد مقصور ~~على السماع ، أي فلا يصار إليه . وقيد الزمخشري في ( المفصل ) هذا التعبير ~~بقيد أن لا يكون اللفظان متصلين . فقال : ( ويجعل الاثنان على لفظ جمع إذا ~~كانا متصلين كقوله : { فقد صغت قلوبكما } ولم يقولوا في المنفصلين : ~~أفراسهما ولا غلمانهما . وقد جاء وضعا رحالهما ) . فخالف إطلاق ابن مالك في ~~( التسهيل ) وطريقة صاحب ( المفصل ) أظهر . # وقوله : { وإن تظاهرا عليه } هو ضد { إن تتوبا } أي ms8625 وإن تصرا على العود ~~إلى تألبكما عليه فإن الله مولاه الخ . # والمظاهرة : التعاون ، يقال : ظاهره ، أي أيده وأعانه . قال تعالى : { ~~ولم يظاهروا عليكم أحدا في سورة براءة . ولعل أفعال المظاهر ووصف ظهير كلها ~~مشتقة من الاسم الجامد ، وهو الظهر لأن المعين والمؤيد كأنه يشد ظهر من ~~يعينه ولذلك لم يسمع لهذه الأفعال الفرعية والأوصاف المتفرعة عنها فعل مجرد ~~. وقريب من هذا فعل عضد لأنهم قالوا : شد عضده . PageV28P357 # وأصل تظاهرا } تتظاهرا فقلبت التاء ظاء لقرب مخرجيها وأدغمت في ظاء ~~الكلمة وهي قراءة الجمهور . وقرأه عاصم وحمزة والكسائي { تظاهرا } بتخفيف ~~الظاء على حذف إحدى التاءين للتخفيف . # { وصالح } مفرد أريد به معنى الفريق الصالح أو الجنس الصالح من المؤمنين ~~كقوله تعالى : { فمنهم مهتد } ( الحديد : 26 ) . والمراد ب { صالح المؤمنين ~~} المؤمنون الخالصون من النفاق والتردد . # وجملة { فإن الله هو مولاه } قائمة من مقام جواب الشرط معنى لأنها تفيد ~~معنى يتولى جزاءكما على المظاهرة عليه ، لأن الله مولاه . وفي هذا الحذف ~~مجال تذهب فيه نفس السامع كل مذهب من التهويل . # وضمير الفصل في قوله : { هو مولاه } يفيد القصر على تقدير حصول الشرط ، ~~أي إن تظاهرتما متناصرتين عليه فإن الله هو ناصره لا أنتما ، أي وبطل ~~نصركما الذي هو واجبكما إذ أخللتما به على هذا التقدير . وفي هذا تعريف بأن ~~الله ناصر رسوله صلى الله عليه وسلم لئلا يقع أحد من بعد في محاولة التقصير ~~من نصره . # فهذا المعنى العاشر من معاني الموعظة والتأديب التي في هذه الآيات . # وعطف { وجبريل وصالح المؤمنين } في هذا المعنى تنويه بشأن رسول الوحي من ~~الملائكة وشأن المؤمنين الصالحين . وفيه تعريض بأنهما تكونان ( على تقدير ~~حصول هذا الشرط ) من غير الصالحين . # وهذان التنويهان هما المعنيان الحادي عشر والثاني عشر من المعاني التي ~~سبقت إشارتي إليها . # وقوله : { والملائكة بعد ذلك ظهير } عطف جملة على التي قبلها ، والمقصود ~~منه تعظيم هذا النصر بوفرة الناصرين تنويها بمحبة أهل السماء للنبيء صلى ~~الله عليه وسلم وحسنن ذكره بينهم فإن ذلك مما يزيد نصر الله إياه ms8626 شأنا . # وفي الحديث ( إذا أحب الله عبدا نادى جبريل إني قد أحببت فلانا فأحبه ~~فيحبه جبريل ثم ينادي جبريل في أهل السماء إن الله قد أحب فلانا فأحبوه ~~فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في أهل الأرض ) . PageV28P358 # فالمراد بأهل الأرض فيه المؤمنون الصالحون منهم لأن الذي يحبه الله يحبه ~~لصلاحه والصالح لا يحبه أهل الفساد والضلال . فهذه الآية تفسيرها ذلك ~~الحديث . # وهذا المعنى الثالث عشر من معاني التعليم التي حوتها الآيات . # وقوله : { بعد ذلك } اسم الإشارة فيه للمذكور ، أي بعد نصر الله وجبريل ~~وصالح المؤمنين . # وكلمة { بعد } هنا بمعنى ( مع ) فالبعدية هنا بعدية في الذكر كقوله : { ~~عتل بعد ذلك زنيم } ( القلم : 13 ) . # وفائدة ذكر الملائكة بعد ذكر تأييد الله وجبريل وصالح والمؤمنين أن ~~المذكورين قبلهم ظاهره آثار تأييدهم بوحي الله للنبي صلى الله عليه وسلم ~~بواسطة جبريل ونصره إياه بواسطة المؤمنين فنبه الله المرأتين على تأييد آخر ~~غير ظاهرة آثاره وهو تأييد الملائكة بالنصر في يوم بدر وغير النصر من ~~الاستغفار في السماوات ، فلا يتوهم أحد أن هذا يقتضي تفضيل نصرة الملائكة ~~على نصرة جبريل بله نصرة الله تعالى . # و { ظهير } وصف بمعنى المظاهر ، أي المؤيد وهو مشتق من الظهر ، فهو فعيل ~~بمعنى مفاعل مثل حكيم بمعنى محكم كما تقدم آنفا في قوله : { وإن تظاهرا ~~عليه } ، وفعيل الذي ليس بمعنى مفعول أصله أن يطابق موصوفه في الإيراد ~~وغيره فإن كان هنا خبرا عن الملائكة كما هو الظاهر كان إفراده على تأويل ~~جمع الملائكة بمعنى الفوج المظاهر أو هو من إجراء فعيل الذي بمعنى فاعل ~~مجرى فعيل بمعنى مفعول . كقوله تعالى : { إن رحمة الله قريب من المحسنين } ~~( الأعراف : 56 ) ، وقوله : { وكان الكافر على ربه ظهيرا } ( الفرقان : 55 ~~) وقوله : { وحسن أولئك رفيقا } ( النساء : 69 ) ، وإن كان خبرا عن جبريل ~~كان { صالح المؤمنين والملائكة } عطفا على جبريل وكان قوله { بعد ذلك } ~~حالا من الملائكة . # وفي الجمع بين { أظهره الله عليه } ( التحريم : 3 ) وبين { وإن تظاهرا ~~عليه } وبين { ظهير } تجنيسات . # PageV28P359 # ليس هذا مما ms8627 يتعلق بالشرط في قوله : { وإن تظاهرا عليه } ( التحريم : 4 ) ~~بل هو كلام مستأنف عدل به إلى تذكير جميع أزواجه بالحذر من أن يضيق صدره عن ~~تحمل أمثال هذا الصنيع فيفارقهن لتقلع المتلبسة وتحذر غيرها من مثل فعلها . # فالجملة مستأنفة استئنافا ابتدائيا عقبت بها جملة { إن تتوبا إلى الله ~~فقد صغت قلوبكما } ( التحريم : 4 ) التي أفادت التحذير من عقاب في الآخرة ~~إن لم تتوبا مما جرى منهما في شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفاد هذا ~~الإيماء إلى التحذير من عقوبة دنيوية لهن يأمر الله فيها نبيئه صلى الله ~~عليه وسلم وهي عقوبة الطلاق عليه ما يحصل من المؤاخذة في الآخرة إن لم ~~تتوبا ، ولذلك فصلت عن التي قبلها لاختلاف الغرضين . # وفي قوله : { عسى ربه إن طلقكن } إيجاز بحذف ما يترتب عليه إبدالهن من ~~تقدير إن فارقكن . فالتقدير : عسى أن يطلقكن هو ( وإنما يطلق بإذن ربه ) أن ~~يبدله ربه بأزواج خير منكن . # وفي هذا ما يشير إلى المعنى الرابع عشر والخامس عشر من معاني الموعظة ~~والإرشاد التي ذكرناها آنفا . # و { عسى } هنا مستعملة في التحقيق وإيثارها هنا لأن هذا التبديل مجرد فرض ~~وليس بالواقع لأنهن لا يظن بهن عدم الارعواء عما حذرن منه ، وفي قوله : { ~~خيرا منكن } تذكير لهن بأنهن ما اكتسبن التفضيل على النساء إلا من فضل ~~زوجهن عند الله وإجراء الأوصاف المفصلة بعد الوصف المجمل وهو { خيرا منكن } ~~للتنبيه على أن أصول التفضيل موجودة فيهن فيكمل اللاء يتزوجهن النبي صلى ~~الله عليه وسلم فضل على بقية النساء بأنهن صرن أزواجا للنبيء صلى الله عليه ~~وسلم # وهذه الآية إلى قوله : { خيرا منكن } نزلت موافقة لقول عمر لابنته حفصة ~~رضي الله عنهما مثل هذا اللفظ وهذا من القرآن الذي نزل وفاقا لقول عمر أو ~~رأيه تنويها بفضله . وقد وردت في حديث في ( الصحيحين ) واللفظ للبخاري ( عن ~~عمر قال : وافقت ربي في ثلاث : قلت : يا رسول الله لو اتخذت من مقام ~~إبراهيم مصلى ، فنزلت { واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } ( البقرة : 125 ms8628 ) ، ~~وقلت : ( يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت أمهاتت المؤمنين بالحجاب ) فأنزل ~~الله آية الحجاب . وبلغني معاتبة النبي بعض نسائه فدخلت عليهن فقلت : إن ~~انتهيتن أو ليبدلن الله PageV28P360 رسوله خيرا منكن فأنزل الله { عسى ربه ~~إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات } الآية . # وهي موعظة بأن يأذن الله له بطلاقهن وأنه تصير له أزواج خير منهن . # وهذا إشارة إلى المعنى السادس عشر من مواعظ هذه الآي . . # وقرأ الجمهور { أن يبدله } بتشديد الدال مضارع بدل . وقرأه يعقوب بتخفيف ~~مضارع أبدل . # والمسلمات : المتصفات بالإسلام . والمؤمنات : المصدقات في نفوسهن . ~~والقانتات : القائمات بالطاعة أحسن قيام . وتقدم القنوت في قوله تعالى : { ~~وقوموا لله قانتين في سورة البقرة . وقوله : ومن يقنت منكن لله ورسوله في ~~سورة الأحزاب . # وفي هذا الوصف إشعار بأنهن مطيعات لله ورسوله ففيه تعريض لما وقع من ~~تقصير إحداهن في ذلك فعاتبها الله وأيقظها للتوبة . # والتائبات : المقلعات عن الذنب إذا وقعن فيه . وفيه تعريض بإعادة التحريض ~~على التوبة من ذنبهما التي أمرتا بها بقوله : إن تتوبا إلى الله } ( ~~التحريم : 4 ) . # والعابدات : المقبلات على عبادة الله وهذه الصفات تفيد الإشارة إلى فضل ~~هذه التقوى وهو المعنى السابع عشر من معاني العبرة في هذه الآيات . # والسائحات : المهاجرات وإنما ذكر هذا الوصف لتنبيههن على أنهن إن كن يمتن ~~بالهجرة فإن المهاجرات غيرهن كثير ، والمهاجرات أفضل من غيرهن ، وهذه الصفة ~~تشير إلى المعنى الثامن عشر من معاني الاعتبار في هذه الآي . # وهذه الصفات انتصبت على أنها نعوت ل { أزواجا } ، ولم يعطف بعضها على بعض ~~الواو ، لأجل التنصيص على ثبوت جميع تلك الصفات لكل واحدة منهن ولو عطفت ~~بالواو لاحتمل أن تكون الواو للتقسيم ، أي تقسيم الأزواج إلى من يثبت لهن ~~بعض تلك الصفات دون بعض ، ألا ترى أنه لما أريدت إفادة ثبوت إحدى صفتين دون ~~أخرى من النعتين الواقعين بعد ذلك كيف عطف بالواو قوله : PageV28P361 { ~~وأبكارا } لأن الثيبات لا يوصفن بأبكار . والأبكار لا يوصفن بالثيبات . قلت ~~وفي قوله تعالى : { مسلمات } ، إلى قوله : { سائحات } محسن الكلام المتزن ~~إذ ms8629 يلتئم من ذلك بيت من بحر الرمل التام : # فاعلتن فاعلتن فاعلتن # فاعلاتن فاعلاتن فاعلتن # ووجه هذا التفصيل في الزوجات المقدرات لأن كلتا الصفتين محاسنها عند ~~الرجال ؛ فالثيب أرعى لواجبات الزوج وأميل مع أهوائه وأقوم على بيته وأحسن ~~لعابا وأبهى زينة وأحلى غنجا . # والبكر أشد حياء وأكثر غرارة ودلا وفي ذلك مجلبة للنفس ، والبكر لا تعرف ~~رجلا قبل زوجها ففي نفوس الرجال خلق من التنافس في المرأة التي لم يسبق ~~إليها غيرهم . # فما اعتزت واحدة من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بمزية إلا وقد أنبأها ~~الله بأن سيبدله خيرا منها في تلك المزية أيضا . # وهذا هو المعنى التاسع عشر من معاني الموعظة والتأديب في هذه الآيات . # وتقديم وصف { ثيبات } لأن أكثر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لما ~~تزوجهن كن ثيبات . ولعله إشارة إلى أن الملام الأشد موجه إلى حفصة قبل ~~عائشة وكانت حفصة ممن تزوجهن ثيبات وعائشة هي التي تزوجها بكرا . وهذا ~~التعريض أسلوب من أساليب التأديب كما قيل : ( الحر تكفيه الإشارة ) . # وهذا هو المعنى العشرون من مغزى آداب هذه الآيات . # ومن غرائب المسائل الأدبية المتعلقة بهذه الآية أن الواو في قوله تعالى : ~~{ ثيبات وأبكارا } زعمها ابن خالويه واوا لها استعمال خاص ولقبها بواو ~~الثمانية ( بفتح المثلثة وتخفيف التحتية بعد النون ) وتبعه جماعة ذكروا ~~منهم الحريري والثعلبي PageV28P362 النيسابوري المفسر والقاضي الفاضل . ~~أنهم استخرجوا من القرآن أن ما فيه معنى عدد ثمانية تدخل عليه واو ويظهر من ~~الأمثلة التي مثلوا بها أنهم يعتبرون ما دل على أمر معدود بعدد كما فيه ~~سواء كان وصفا مشتقا من عدد ثمانية أو كان ذاتا ثامنة أو كان يشتمل على ~~ثمانية سواء كان ذلك مفردا أو كان جملة . فقد مثلوا بقوله تعالى في سورة ~~براءة : { التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون ~~بالمعروف والناهون عن المنكر . قالوا لم يعطف الصفات المسرودة بالواو إلا ~~عند البلوغ إلى الصفة الثامنة وهي الناهون عن المنكر } . وجعلوا من هذا ~~القبيل آية سورة التحريم إذ لم يعطف من الصفات ms8630 المبدوءة بقوله : { مسلمات } ~~إلا الثامنة وهي { وأبكارا } ومثلوا لما وصف فيه بوصف ثامن بقوله تعالى : { ~~ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم في سورة الكهف . فلم يعطف رابعهم } ولا { ~~سادسهم } وعطفت الجملة التي وقع فيها وصف الثامن بواو عطف الجمل . ومثلوا ~~لما فيه كلمة ثمانية بقوله تعالى : { سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام ~~حسوما في سورة الحاقة . ومثلوا لما يشتمل على ثمانية أسماء بقوله تعالى في ~~سورة الزمر : وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاءوها وفتحت ~~أبوابها قالوا جاءت جملة وفتحت } هذه بالواو ولم تجىء أختها المذكورة قبلها ~~وهي { وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها ( الزمر ~~: 71 ) . لأن أبواب الجنة ثمانية . # وترددت كلماتهم في أن هذه الواو من صنف الواو العاطفة يمتاز عن الصنف ~~الآخر يلزم ذكره إذا كان في المعطوف معنى الثامن أو من صنف الواو الزائدة . # وذكر الدماميني في الحواشي } الهندية على ( المغني ) أنه رأى في ( تفسير ~~العماد الكندي ) قاضي الإسكندرية ( المتوفى في نحو عشرين وسبعمائة ) نسبة ~~القول بإثبات واو الثمانية إلى عبد الله الكفيف المالقي النحوي الغرناطي من ~~علماء غرناطة في مدة الأمير ابن حبوس ( بموحدة بعد الحاء المهملة ) هو ~~باديس بن حبوس صاحب غرناطة سنة 420 . # وذكر السهيلي في ( الروض الأنف ) عند الكلام على نزول سورة الكهف أنه ~~أفرد الكلام على الواو التي يسميها بعض الناس واو الثمانية بابا طويلا ولم ~~يبد رأيه في إثباتها ولم أقف على الموضع الذي أفرد فيه الكلام عليها . ~~ويظهر أنه غير موافق على PageV28P363 إثبات هذا الاستعمال لها . ومن عجيب ~~الصدف ما اتفق في هذه الآيات الأربع من مثير شبهة للذين أثبتوا هذا المعنى ~~في معاني الواو . ومن غريب الفطنة تنبه الذي أنبأ بهذا . # وذكر ابن المنير في ( الانتصاف ) أن شيخه ابن الحاجب ذكر له أن القاضي ~~الفاضل عبد الرحيم البيساني الكاتب كان يعتقد أن الواو في قوله تعالى : { ~~وأبكارا } هي الواو التي سماها بعض ضعفة النحاة واو الثمانية . وكان الفاضل ~~يتبجح باستخراجها زائدة على المواضع ms8631 الثلاثة المشهورة إلى أن ذكره يوما ~~بحضيرة أبي الجود النحوي المقري ، فبين لهم أنه واهم في عدها من ذلك القبيل ~~وأحال البيان على المعنى الذي ذكره الزمخشري في دعاء اللزوم إلى الإتيان ~~بالواو هنا لامتناع اجتماع هذين الصنفين في موصوف واحد . فأنصفه الفاضل ~~وقال : أرشدتنا يا أبا الجود . # قلت : وأرى أن القاضي الفاضل تعجل التسليم لأبي الجود إذ كان له أن يقول ~~: إنا لم نلتزم أن يكون المعدود الثامن مستقلا أو قسيما لغيره وإنما تتبعنا ~~ما فيه إشعار بعدد ثمانية . # ونقل الطيبي والقزويني في ( حاشيتي الكشاف ) أنه روى عن صاحب ( الكشاف ) ~~أنه قال : الواو تدخل في الثامن كقوله تعالى : { وثامنهم كلبهم } ( الكهف : ~~22 ) ، وقوله : { وفتحت أبوابها } ( الزمر : 73 ) ويسمونه واو الثمانية وهي ~~كذلك ، وليس بشيء . قال الراوي عنه وقد قال لنا عند قراءة هذا الموضع : ~~أنسيتم واو الثمانية عند جوابي هذا ( أي يلومهم على إهمالهم ذلك المعنى في ~~تلك الآية ) أي هو جواب حسن وذلك خطأ محض لا يجوز أن يؤخذ به اه . # قلت : وهذا يخالف صريح كلامه في ( الكشاف ) فلعل الراوي لم يحسن تحرير ~~مراد صاحب ( الكشاف ) ، أو لعل صاحب ( الكشاف ) لم ير منافاة بين لزوم ذكر ~~الواوين اقتضاء المقام ذكرها بأن المعطوف بها ثامن في الذكر فإن النكت لا ~~تتزاحم فتأمل بتدقيق . # وتقدم الكلام على واو الثمانية عند قوله تعالى : { التائبون العابدون ~~الآية في سورة براءة . وعند قوله : ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم في سورة ~~الكهف ، وتقدمت في سورة الزمر وفي سورة الحاقة . PageV28P364 # } # كانت موعظة نساء النبي صلى الله عليه وسلم مناسبة لتنبيه المؤمنين لعدم ~~الغفلة عن موعظة أنفسهم وموعظة أهليهم وأن لا يصدهم استبقاء الود بينهم عن ~~إسداء النصح لهم وإن كان في ذلك بعض الأذى . # وهذا نداء ثان موجه إلى المؤمنين بعد استيفاء المقصود من النداء الأول ~~نداء النبي صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى : { يا أيها النبي لم تحرم ما ~~أحل الله لك } ( التحريم : 1 ) . # وجه الخطاب إلى المؤمنين ليأتنسوا بالنبي صلى الله عليه وسلم في ms8632 موعظة ~~أهليهم . # وعبر عن الموعظة والتحذير بالوقاية من النار على سبيل المجاز لأن الموعظة ~~سبب في تجنب ما يفضي إلى عذاب النار أو على سبيل الاستعارة بتشبيه الموعظة ~~بالوقاية من النار على وجه المبالغة في الموعظة . # وتنكير ( نار ) للتعظيم وأجرى عليها وصف بجملة { وقودها الناس والحجارة } ~~زيادة في التحذير لئلا يكونوا من وقود النار . وتذكيرا بحال المشركين الذي ~~في قوله تعالى : { إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم في سورة الأنبياء ~~. وتفظيعا للنار إذ يكون الحجر عوضا لها عن الحطب . # ووصفت النار بهذه الجملة لأن مضمون هذه الجملة قد تقرر في علم المسلمين ~~من قبل نزول هذه الآية بما تقدم في سورة البقرة من قوله تعالى : فاتقوا ~~النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين وبما تقدمهما معا من قوله ~~: إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم في سورة الأنبياء . # والحجارة } : جمع الحجر على غير قياس فإن قياسه أحجار فجمعوه على حجار ~~بوزن فعال وألحقوا به هاء التأنيث كما قالوا : بكارة جمع بكر ، ومهارة جمع ~~مهر . # وزيد في تهويل النار بأن عليها ملائكة غلاظا شدادا وجملة { عليها ملائكة ~~} إلى آخرها صفة ثانية . PageV28P365 # ومعنى { عليها } أنهم موكلون بها . فالاستعلاء المفاد من حرف ( على ) ~~مستعار للتمكن كما تقدم في قوله تعالى : { أولئك على هدى من ربهم } ( ~~البقرة : 5 ) . وفي الحديث ( فلم يكن على بابه بوابون ) . # و { غلاظ } جمع غليظ وهو المتصف بالغلظة . وهي صفة مشبهة وفعلها مثل كرم ~~. وهي هنا مستعارة لقساوة المعاملة كقوله تعالى : { ولو كنت فظا غليظ القلب ~~لانفضوا من حولك } ( آل عمران : 159 ) أي لو كنت قاسيا لما عاشروك . # و ( شداد ) : جمع شديد . والشدة بكسر الشين حقيقتها قوة العمل المؤذي ~~والموصوف بها شديد . والمعنى : أنهم أقوياء في معاملة أهل النار الذين ~~وكلوا بهم : يقال : اشتد فلان على فلان ، أي أساء معاملته ، ويقال : اشتدت ~~الحرب ، واشتدت البأساء . والشدة من أسماء البؤس والجوع والقحط . # وجملة { لا يعصون الله ما أمرهم } ثناء عليهم أعقب به وصفهم بأنهم غلاظ ~~شداد تعديلا لما ms8633 تقتضيانه من كراهية نفوس الناس إياهم ، وهذا مؤذن بأنهم ~~مأمورون بالغلظة والشدة في تعذيب أهل النار . # وأما قوله : { ويفعلون ما يؤمرون } فهو تصريح بمفهوم { لا يعصون الله ما ~~أمرهم } دعا إليه مقام الإطناب في الثناء عليهم ، مع ما في هذا التصريح من ~~استحضار الصورة البديعة في امتثالهم لما يؤمرون به . وقد عطف هذا التأكيد ~~عطفا يقتضي المغايرة تنويها بهذه الفضيلة لأن فعل المأمور أوضح في الطاعة ~~من عدم العصيان واعتبار لمغايرة المعنيين وإن كان قالهما واحد ولك أن تجعل ~~مرجع { لا يعصون الله ما أمرهم } أنهم لا يعصون فيما يكلفون به من أعمالهم ~~الخاصة بهم ، ومرجع { ويفعلون ما يؤمرون } إلى ما كلفوا بعمله في العصاة في ~~جهنم . # هو من قول الملائكة الذين على النار . وذكر هذه المقالة هنا استطراد يفيد ~~التنفير من جهنم بأنها دار أهل الكفر كما قال تعالى : { فاتقوا النار التي ~~وقودها PageV28P366 الناس والحجارة أعدت للكافرين } ( البقرة : 24 ) ، وإلا ~~فإن سياق الآية تحذير للمؤمنين من الموبقات في النار . # ومعنى { ما كنتم تعملون } مماثل { ما كنتم تعملون } ، وأفادت { إنما } ~~قصر الجزاء على مماثلة العمل المجزى عليه قصر قلب لتنزيلهم منزلة من اعتذر ~~وطلب أن يكون جزاؤه أهون مما شاهده . # والاعتذار : افتعال مشتق من العذر . ومادة الافتعال فيه دالة على تكلف ~~الفعل مثل الاكتساب والاختلاق ، والعذر : الحجة التي تبرىء صاحبها من تبعة ~~عمل ما . وليس لمادة الاعتذار فعل مجرد دال على إيجاد العذر وإنما الموجود ~~عذر بمعنى قبل العذر ، وقد تقدم عند قوله تعالى : { وجاء المعذرون من ~~الأعراب في سورة براءة . # } # . # أعيد خطاب المؤمنين وأعيد نداؤهم وهو نداء ثالث في هذه السورة . والذي ~~قبله نداء للواعظين . وهذا نداء للموعوظين وهذا الأسلوب من أساليب الإعراض ~~المهتم بها . # أمر المؤمنون بالتوبة من الذنوب إذا تلبسوا بها لأن ذلك من إصلاح أنفسهم ~~بعد أن أمروا بأن يجنبوا أنفسهم وأهليهم ما يزج بهم في عذاب النار ، لأن ~~اتقاء النار يتحقق باجتناب ما يرمي بهم فيها ، وقد يذهلون عما فرط من ~~سيئاتهم فهدوا إلى سبيل ms8634 التوبة التي يمحون بها ما فرط من سيئاتهم . # وهذا ناظر إلى ما ذكر من موعظة امرأتي النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : ~~{ إن تتوبا إلى الله } ( التحريم : 4 ) . # والتوبة : العزم على عدم العود إلى العصيان مع الندم على ما فرط منه فيما ~~مضى . وتقدمت عند قوله تعالى : { فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه في ~~PageV28P367 سورة البقرة . وفي مواضع أخرى وخاصة عند قوله تعالى : إنما ~~التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة في سورة النساء . وتعديتها بحرف ~~( إلى ) لأنها في معنى الرجوع لأن ( تاب ) أخو ( ثاب ) . # والنصوح : ذو النصح . # والنصح : الإخلاص في العمل والقول ، أي الصدق في إرادة النفع بذلك . ووصف ~~التوبة بالنصوح مجاز جعلت التوبة التي لا تردد فيها ولا تخالطها نية العودة ~~إلى العمل المتوب منه بمنزلة الناصح لغيره ففي ( نصوح ) استعارة وليس من ~~المجاز العقلي إذ ليس المراد نصوحا صاحبها . # وإنما لم تلحق وصف ( نصوح ) هاء التأنيث المناسبة لتأنيث الموصوف به لأن ~~فعولا بمعنى فاعل يلازم الإفراد والتذكير . # وقرأ الجمهور نصوحا } بفتح النون على معنى الوصف كما علمت . وقرأه أبو ~~بكر عن عاصم بضم النون على أنه مصدر ( نصح ) مثل : القعود من قعد . وزعم ~~الأخفش أن الضم غير معروف والقراءة حجة عليه . # ومن شروط التوبة تدارك ما يمكن تداركه مما وقع التفريط فيه مثل المظالم ~~للقادر على ردها . روي عن علي رضي الله عنه : يجمع التوبة ستة أشياء : ~~الندامة على الماضي من الذنوب ، وإعادة الفرائض . ورد المظالم ، واستحلال ~~الخصوم ، وأن تذيب نفسك في طاعة الله كما ربيتها في المعصية ، وأن تذيقها ~~مرارة الطاعات كما أذقتها حلاوة المعاصي . # وتقوم مقام رد المظالم استحلال المظلوم حتى يعفو عنه . # ومن تمام التوبة تمكين التائب من نفسه أن ينفذ عليها الحدود كالقود ~~والضرب . قال إمام الحرمين : هذا التمكين واجب خارج عن حقيقة التوبة لأن ~~التائب إذا ندم ونوى أن لا يعود صحت توبته عند الله وكان منعه من تمكين ~~نفسه معصية متجددة تستدعي توبة . # وهو كلام وجيه إذ التمكين من تنفيذ ms8635 ذلك يشق على النفوس مشقة عظيمة فلها ~~عذر في الإحجام عن التمكين منه . PageV28P368 # وتصح التوبة من ذنب دون ذنب خلافا لأبي هاشم الجبائي المعتزلي ، وذلك ~~فيما عدا التوبة من الكفر . # وأما التوبة من الكفر بالإيمان فصحيحة في غفران إثم الكفر ولو بقي متلبسا ~~ببعض الكبائر بإجماع علماء الإسلام . # والذنوب التي تجب منها التوبة هي الكبائر ابتداء ، وكذلك الصغائر وتمييز ~~الكبائر من الصغائر مسألة أخرى محلها أصول الدين وأصول الفقه والفقه . # إلا أن الله تفضل على المسلمين فغفر الصغائر لمن اجتنب الكبائر ، أخذ ذلك ~~من قوله تعالى : { الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم وقد مضى ~~القول فيه في تفسير سورة النجم . # ولو عاد التائب إلى بعض الذنوب أو جميعها ما عدا الكفر اختلف فيه علماء ~~الأمة فالذي ذهب إليه أهل السنة أن التوبة تنتقض بالعودة إلى بعض الذنوب في ~~خصوص الذنب المعود إليه ولا تنتقض فيما سواه . وأن العود معصية تجب التوبة ~~منها . وقال المعتزلة : تنتقض بالعودة إلى بعض الذنوب فتعود إليه ذنوبه ~~ووافقهم الباقلاني . # وليس في أدلة الكتاب والسنة ما يشهد لأحد الفريقين . # والرجاء المستفاد من فعل عسى } مستعمل في الوعد الصادر عن المتفضل على ~~طريقة الاستعارة وذلك التائب لا حق له في أن يعفى عنه ما اقترفه لأن ~~العصيان قد حصل وإنما التوبة عزم على عدم العودة إلى الذنب ولكن ما لصاحبها ~~من الندم والخوف الذي بعث على العزم دل على زكاء النفس فجعل الله جزاءه أن ~~يمحو عنه ما سلف من الذنوب تفضلا من الله فذلك معنى الرجاء المستفاد من { ~~عسى } . # وقد أجمع علماء الإسلام على أن التوبة من الكفر بالإيمان مقبولة قطعا ~~لكثرة أدلة الكتاب والسنة ، واختلفوا في تعين قبول توبة العاصي من المؤمنين ~~، فقال جمهور أهل السنة : قبولها مرجو غير مقطوع ، وممن قال به الباقلاني ~~وإمام الحرمين وعن الأشعري أنه مقطوع به سمعا ، والمعتزلة مقطوع به عقلا . # وتكفير السيئات : غفرانها ، وهو مبالغة في كفر المخفف المتعدي الذي هو ~~مشتق من الكفر بفتح الكاف ، أي الستر ms8636 . PageV28P369 # . # { يوم } ظرف متعلق ب { يدخلكم جنات } وهو تعليق تخلص إلى الثناء على ~~الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين معه . وهو يوم القيامة وهذا الثناء ~~عليهم بانتفاء خزي الله عنهم تعريض بأن الذين لم يؤمنوا معه يخزيهم الله ~~يوم القيامة وذكر النبي صلى الله عليه وسلم مع الذين آمنوا لتشريف المؤمنين ~~ولا علاقة له بالتعريض . # والخزي : هو عذاب النار ، وحكى الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام قوله : ~~{ ولا تخزني يوم يبعثون } ( الشعراء : 87 ) على أن انتفاء الخزي يومئذ ~~يستلزم الكرامة إذ لا واسطة بينهما كما أشعر به قوله تعالى : { فمن زحزح عن ~~النار وأدخل الجنة فقد فاز } ( آل عمران : 185 ) . # وفي صلة { الذين آمنوا معه } إيذان بأن سبب انتفاء الخزي عنهم هو إيمانهم ~~. # ومعية المؤمنين مع النبي صلى الله عليه وسلم صحبتهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم # و ( مع ) يجوز تعلقها بمحذوف حال من { الذين آمنوا } أي حال كونهم مع ~~الشيء في انتفاء خزي الله عنهم فيكون عموم { الذين آمنوا } مخصوصا بغير ~~الذين يتحقق فيهم خزي الكفر وهم الذين ارتدوا وماتوا على الكفر . # وفي هذه الآية دليل على المغفرة لجميع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم # ويجوز تعلق ( مع ) بفعل { آمنوا } أي الذين آمنوا به وصحبوه ، فيكون ~~مرادا به أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين آمنوا به ولم يرتدوا بعده ، ~~فتكون الآية مؤذنة بفضيلة للصحابة . # وضمير { نورهم } عائد إلى النبي صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا معه . # وإضافة نور إلى ضمير هم مع أنه لم يسبق إخبار عنهم بنور لهم ليست إضافة ~~تعريف إذ ليس المقصود تعريف النور وتعيينه ولكن الإضافة مستعملة هنا في ~~لازم PageV28P370 معناها وهو اختصاص النور بهم في ذلك اليوم بحيث يميزه ~~الناس من بين الأنوار يومئذ . # وسعي النور : امتداده وانتشاره . شبه ذلك باشتداد مشي الماشي وذلك أنه ~~يحف بهم حيثما انتقلوا تنويها بشأنهم كما تنشر الأعلام بين يدي الأمير ~~والقائد وكما تساق الجياد بين يدي الخليفة . # وإنما خص بالذكر من الجهات الأمام واليمين لأن النور إذا ms8637 كان بين أيديهم ~~تمتعوا بمشاهدته وشعروا بأنه كرامة لهم ولأن الأيدي هي التي تمسك بها ~~الأمور النفيسة وبها بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم على الإيمان والنصر . ~~وهذا النور نور حقيقي يجعله الله للمؤمنين يوم القيامة . والباء للملابسة ، ~~ويجوز أن تكون بمعنى ( عن ) . # وقد تقدم نظير هذا في سورة الحديد وما ذكرناه هنا أوسع . # وجملة { يقولون ربنا أتمم لنا نورنا } إلى آخرها حال من ضمير { نورهم } ، ~~وظاهره أن تكون حالا مقارنة ، أي يقولون ذلك في ذلك اليوم ، ودعاؤهم طلب ~~للزيادة من ذلك النور ، فيكون ضمير { يقولون } عائد إلى جميع الذين آمنوا ~~مع النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ ، أو يقول ذلك من كان نوره أقل من نور ~~غيره ممن هو أفضل منه يومئذ فيكون ضمير { يقولون } على إرادة التوزيع على ~~طوائف الذين آمنوا في ذلك اليوم . # وإتمام النور إدامته أو الزيادة منه على الوجهين المذكورين آنفا وكذلك ~~الدعاء بطلب المغفرة لهم هو لطلب دوام المغفرة ، وذلك كله أدب مع الله ~~وتواضع له مثل ما قيل في استغفار النبي صلى الله عليه وسلم في اليوم سبعين ~~مرة . # ويظهر بذلك وجه التذييل بقولهم : { إنك على كل شيء قدير } المشعر بتعليل ~~الدعاء كناية عن رجاء إجابته لهم . # لما أبلغ الكفار ما سيحل بهم في الآخرة تصريحا بقوله : { يأيها الذين ~~كفروا لا PageV28P371 تعتذروا اليوم } ( التحريم : 7 ) ، وتعريضا بقوله : { ~~يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه } ( التحريم : 8 ) ، أمر رسوله ~~صلى الله عليه وسلم بمسمع منهم بأن يجاهدهم ويجاهد المستترين لكفرهم بظاهر ~~الإيمان نفاقا ، حتى إذا لم تؤثر فيهم الموعظة بعقاب الآخرة يخشون أن يسلط ~~عليهم عذاب السيف في العاجلة فيقلعوا عن الكفر فيصلح نفوسهم وإنما أمر ~~رسوله صلى الله عليه وسلم بذلك لأن الكفار تألبوا مع المنافقين بعد هجرة ~~النبي صلى الله عليه وسلم فاتخذوهم عيونا لهم وأيدي يدسون بها الأذى للنبيء ~~صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين . # فهذا نداء ثان للنبيء صلى الله عليه وسلم يأمره بإقامة صلاح عموم الأمة ~~بتطهيرها من الخبثاء ms8638 بعد أن أمره بإفاقة من عليهما الغفلة عن شيء من واجب ~~حسن المعاشرة مع الزوج . # وجهاد الكفار ظاهر ، وأما عطف { المنافقين } على { الكفار } المفعول ل { ~~جاهد } فيقتضي أن النبي صلى الله عليه وسلم مأمور بجهاد المنافقين وكان حال ~~المنافقين ملتبسا إذ لم يكن أحد من المنافقين معلنا بالكفر ولا شهد على أحد ~~منهم بذلك ولم يعين الله لرسوله صلى الله عليه وسلم منافقا يوقن بنفاقه ~~وكفره أو أطلعه إطلاعا خاصا ولم يأمره بإعلانه بين المسلمين كما يؤخذ ذلك ~~من أخبار كثيرة في الآثار . # فتعين تأويل عطف { المنافقين } على { الكفار } إما بأن يكون فعل { جاهد } ~~مستعملا في حقيقته ومجازه وهما الجهاد بالسيف والجهاد بإقامة الحجة ~~والتعريض للمنافق بنفاقه فإن ذلك يطلق عليه الجهاد مجازا كما في قوله صلى ~~الله عليه وسلم ( رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ) ، وقوله للذي ~~سأله الجهاد فقال له : ( ألك أبوان ؟ قال : نعم ، قال : ففيهما فجاهد ) . # وعندي أن الأقرب في تأويل هذا العطف أن يكون المراد منه إلقاء الرعب في ~~قلوب المنافقين ليشعروا بأن النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالمرصاد ~~بهم فلو بدت من أحدهم بادرة يعلم منها نفاقه عومل معاملة الكافر في الجهاد ~~بالقتل والأسر فيحذروا ويكفوا عن الكيد للمسلمين خشية الافتضاح فتكون هذه ~~الآية من قبيل قوله تعالى : { لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض ~~والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ملعونين ~~أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا } ( الأحزاب : 60 ، 61 ) . PageV28P372 # والغلظة : حقيقتها صلابة الشيء وهي مستعارة هنا للمعاملة بالشدة بدون عفو ~~ولا تسامح ، أي كن غليظا ، أي شديدا في إقامة ما أمر الله به أمثالهم . ~~وتقدم عند قوله تعالى : { وليجدوا فيكم غلظة في سورة براءة ، وقوله : ولو ~~كنت فظا غليظ القلب في سورة آل عمران . # والمأوى : المسكن ، وهو مفعل من أوى إذا رجع لأن الإنسان يرجع إلى مسكنه ~~. # } # أعقبت جملة { يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين } ( التحريم : 9 ) ~~الآية المقصود منها تهديدهم بعذاب السيف في الدنيا وإنذارهم ms8639 بعذاب الآخرة ~~وما قارن ذلك من مقابلة حالهم بحال المؤمنين ، بأن ضرب مثلين للفريقين ~~بنظيرين في حاليهما لتزداد الموعظة وضوحا ويزداد التنويه بالمؤمنين استنارة ~~. وقد تقدمت فائدة ذكر الأمثال في قوله تعالى : { مثلهم كمثل الذي استوقد ~~نارا في سورة البقرة . # وضرب المثل : إلقاؤه وإيضاحه ، وتقدم ذلك عند قوله تعالى : إن الله لا ~~يستحي أن يضرب مثلا ما في سورة البقرة . # فالجملة مستأنفة استئنافا ابتدائيا . وهذا المثل لا يخلو من تعريض بحث ~~زوجي النبي على طاعته وبأن رضى الله تعالى يتبع رضى رسله . فقد كان الحديث ~~عن زوجتي النبي قريبا وكان عملهما ما فيه بارقة من مخالفة ، وكان في ~~المثلين ما فيه إشعار بالحالين . # وتعدية ضرب باللام الدال على العلة تفيد أن إلقاء المثل لأجل مدخول اللام ~~. فمعنى ضرب الله مثلا للذين كروا } أنه ألقى هذا التنظير لأجلهم ، أي ~~اعتبارهم بهم وقياسس حالهم على حال الممثل به ، فإذا قيل : ضرب لفلان مثلا ~~، كان المعنى : أنه قصده به وأعلمه إياه ، كقوله تعالى : { ما ضربوه لك إلا ~~جدلا } ( الزخرف : 58 ) . PageV28P373 { ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من ~~كل مثل } ( الروم : 58 ) . ونحو ذلك وتقديم المجرور باللام على المفعول ~~للاهتمام بإيقاظ الذين كفروا . # فمعنى { ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح وامرأت لوط } ، أن الله جعل ~~حالة هاتين المرأتين عظة وتنبيها للذين كفروا ، أي ليذكرهم بأن الله لا ~~يصرفه عن وعيده صارف فلا يحسبوا أن لهم شفعاء عند الله ، ولا أن مكانهم من ~~جوار بيته وعمارة مسجده وسقاية حجيجه تصرف غضب الله عنهم ، فإن هم أقلعوا ~~عن هذا الحسبان أقبلوا على التدبر في النجاة من وعيده بالنظر في دلائل دعوة ~~القرآن وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم فلو كان صارف يصرف الله عن غضبه ~~لكان أولى الأشياء بذلك مكانة هاتين المرأتين من زوجيهما رسولي رب العالمين ~~. # ومناسبة ضرب المثل بامرأة نوح وامرأة لوط دون غيرهما من قرابة الأنبياء ~~نحو أبي إبراهيم وابن نوح عليهما السلام لأن ذكر هاتين المرأتين لم يتقدم . ~~وقد تقدم ذكر ms8640 أبي إبراهيم وابن نوح ، لتكون في ذكرهما فائدة مستجدة ، ~~وليكون في ذكرهما عقب ما سبق من تمالؤ أمي المؤمنين على زوجهما صلى الله ~~عليه وسلم تعريض لطيف بالتحذير من خاطر الاعتزاز بغناء الصلة الشريفة عنهما ~~في الوفاء بحق ما يجب من الإخلاص للنبيء صلى الله عليه وسلم ليكون الشبه في ~~التمثيل أقوى . فعن مقاتل ( يقول الله سبحانه لعائشة وحفصة : لا تكونا ~~بمنزلة امرأة نوح وامرأة لوط في المعصية وكونا بمنزلة امرأة فرعون ومريم ) ~~. ووضحه في ( الكشاف ) بأنه من قبيل التعريض . ومنعه الفخر ، وقال ابن عطية ~~: ( قال بعض الناس في المثلين عبرة لزوجات النبي صلى الله عليه وسلم حين ~~تقدم عتابهن . وفي هذا بعد لأن النص أنه للكفار يبعد هذا ) اه . # ويدفع استبعاده أن دلالة التعريض لا تنافي اللفظ الصريح ، ومن لطائف ~~التقييد بقوله تعالى : { للذين كفروا } أن المقصد الأصلي هو ضرب المثل ~~للذين كفروا وذلك من الاحتراس من أن تحمل التمثيل على المشابهة من جميع ~~الوجوه والاحتراس بكثرة التشبيهات ومنه تجريد الاستعارة . # وقصة امرأة نوح لم تذكر في القرآن في غير هذه الآية والذي يظهر أنها خانت ~~زوجها بعد الطوفان وأن نوحا لم يعلم بخونها لأن الله سمى عملها خيانة . # وقد ورد في سفر التكوين من التوراة ذكر امرأة نوح مع الذين ركبوا السفينة ~~PageV28P374 وذكر خروجها من السفينة بعد الطوفان ثم طوي ذكرها لما ذكر الله ~~بركته نوحا وبنيه وميثاقه معهم فلم تذكر معهم زوجه . فلعلها كفرت بعد ذلك ~~أو لعل نوحا تزوج امرأة أخرى بعد الطوفان لم تذكر في التوراة . # ووصف الله فعل امرأة نوح بخيانة زوجها ، فقال المفسرون : هي خيانة في ~~الدين ، أي كانت كافرة مسرة الكفر ، فلعل الكفر حدث مرة أخرى في قوم نوح ~~بعد الطوفان ولم يذكر في القرآن . # وأما حديث امرأة لوط فقد ذكر في القرآن مرات . وتقدم في سورة الأعراف ~~ويقال : فلانة كانت تحت فلان ، أي كانت زوجا له . # والتحتية هنا مجاز في معنى الصيانة والعصمة ومنه قول أنس بن مالك في ~~الحديث المروي ms8641 في ( الموطأ ) وفي ( صحيح البخاري ) عن أم حرام بنت ملحان : ~~( وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت ) . # ومن بدائع الأجوبة أن أحد الأمراء من الشيعة سأل أحد علماء السنة : من ~~أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجابه : ( الذي كانت ابنته ~~تحته ) فظن أنه فضل عليا إذ فهم أن الضمير المضاف إليه ( ابنة ) ضمير رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأن الضمير المضاف إليه ( تحت ) ضمير اسم الموصول ~~، وإنما أراد السني العكس بأن يكون ضمير ( ابنته ) ضمير الموصول ( تحته ) ~~ضمير رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك هو أبو بكر . # وقد ظهر أن المراد بالعبدين نوح ولوط وإنما خصا بوصف ( عبدين صالحين ) مع ~~أن وصف النبوة أخص من وصف الصلاح تنويها بوصف الصلاح وإيماء إلى أن النبوة ~~صلاح ليعظم بذلك شأن الصالحين كما في قوله تعالى : { وبشرناه بإسحاق نبيا ~~من الصالحين } ( الصافات : 112 ) . ولتكون الموعظة سارية إلى نساء المسلمين ~~في معاملتهن أزواجهن فإن وصف النبوءة قد انتهى بالنسبة للأمة الإسلامية ، ~~مع ما في ذلك من تهويل الأذى لعباد الله الصالحين وعناية ربهم بهم ومدافعته ~~عنهم . # والخيانة والخون ضد الأمانة وضد الوفاء ، وذلك تفريط المرء ما اؤتمن عليه ~~وما PageV28P375 عهد به إليه . وقد جمعها قوله تعالى : { يأيها الذين آمنوا ~~لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون } ( الأنفال : 27 ) ~~. # وانتصب { شيئا } على المفعولية المطلقة ل { يغنيا } لأن المعنى شيئا من ~~الغنى ، وتنكير { شيئا } للتحقير ، أي أقل غنى وأجحفه بله الغنى المهم ، ~~وتقدم في قوله تعالى : { إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا في سورة الجاثية . # وزيادة مع الداخلين } لإفادة مساواتهما في العذاب لغيرهما من الكفرة ~~الخونة . وذلك تأييس لهما من أن ينتفعا بشيء من حظوة زوجيهما كقوله تعالى : ~~{ ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون } ~~( الأنعام : 22 ) . # لما ضرب المثل { للذين كفروا } ( الممتحنة : 10 ) أعقب بضرب مثل للذين ~~آمنوا لتحصل المقابلة فيتضح مقصود المثلين معا ، وجريا على عادة القرآن في ~~إتباع الترهيب بالترغيب . # وجعل ms8642 المثل للذين آمنوا بحال امرأتين لتحصل المقابلة للمثلين السابقين ، ~~فهذا من مراعاة النظير في المثلين . # وجاء أحد المثلين للذين آمنوا مثلا لإخلاص الإيمان . والمثل الثاني لشدة ~~التقوى . # فكانت امرأة فرعون مثلا لمتانة إيمان المؤمنين ومريم مثلا للقانتين لأن ~~المؤمنين تبرأوا من ذوي قرابتهم الذين بقوا على الكفر بمكة . # وامرأة فرعون هذه هي امرأة فرعون الذي أرسل إليه موسى وهو منفط الثالث ~~وليست امرأة فرعون التي تبنت موسى حين التقطته من اليم ، لأن ذلك وقع في ~~زمن فرعون رعمسيس الثاني وكان بين الزمنين ثمانون سنة . ولم يكن عندهم علم ~~بدين قبل أن يرسل إليهم موسى . PageV28P376 # ولعل امرأة فرعون هذه كانت من بنات إسرائيل تزوجها فرعون فكانت مؤمنة ~~برسالة موسى عليه السلام . وقد حكى بعض المفسرين أنها عمة موسى ، أو تكون ~~هداها الله إلى الإيمان بموسى كما هدى الرجل المؤمن من آل فرعون الذي تقدم ~~ذكره في سورة غافر . وسماها النبي صلى الله عليه وسلم آسية في قوله : ( كمل ~~من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم ابنة عمران وآسية امرأة فرعون ~~) رواه البخاري . # وأرادت بعمل فرعون ظلمه ، أي نجني من تبعة أعماله فيكون معنى { نجني من ~~فرعون } من صحبته طلبت لنفسها فرجا وهو من عطف الخاص على العام . # ومعنى { قالت } أنها أعلنت به ، فقد روي أن فرعون اطلع عليها وأعلن ذلك ~~لقومه وأمر بتعذيبها فماتت في تعذيبه ولم تحس ألما . # والقوم الظالمون : هم قوم فرعون . وظلمهم : إشراكهم بالله . # والظاهر أن قولها : { ابن لي عندك بيتا في الجنة } مؤذن بأن فرعون وقومه ~~صدوها عن الإيمان به وزينوا لها أنا إن آمنت بموسى تضيع ملكا عظيما وقصرا ~~فخيما أو أن فرعون وعظها بأنها إن أصرت على ذلك تقتل ، فلا يكون مدفنها ~~الهرم الذي بناه فرعون لنفسه لدفنه في بادىء الملوك . ويؤيد هذا ما رواه ~~المفسرون أن بيتها في الجنة من درة واحدة فتكون مشابهة الهرم الذي كان معدا ~~لحفظ جثتها بعد موتها وزوجها . فقولها ذلك كقول السحرة الذين آمنوا جوابا ~~عن تهديد ms8643 فرعون { لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما ~~أنت قاض الآية في سورة طه . # } # عطف على { امرأت فرعون } ، أي وضرب الله مثلا للذين آمنوا مريم ابنة ~~عمران ، فضرب مثلين في الشر ومثلين في الخير . # ومريم ابنة عمران تقدم الكلام على نسبها وكرامتها في سورة آل عمران ~~وغيرها ، PageV28P377 وقد ذكر الله باسمها في عدة مواضع من القرآن ، وقال ~~ابن التلمساني في ( شرح الشفاء ) لعياض : لم يذكر الله امرأة في القرآن ~~باسمها إلا مريم للتنبيه على أنها أمة الله إبطالا لعقائد النصارى . # والإحصان : جعل الشيء حصينا ، أي لا يسلك إليه . ومعناه : منعت فرجها عن ~~الرجال . # وتفريع { فنفخنا فيه من روحنا } تفريع العطية على العمل لأجله . أي ~~جزيناها على إحصان فرجها ، أي بأن كون الله فيه نبيئا بصفة خارقة للعادة ~~فخلد بذلك ذكرها في الصالحات . # والنفخ : مستعار لسرعة إبداع الحياة في المكون في رحمها . وإضافة الروح ~~إلى ضمير الجلالة لأن تكوين المخلوق الحي في رحمها كان دون الأسباب ~~المعتادة ، أو أريد بالروح الملك الذي يؤمر بنفخ الأرواح في الأجنة ، فعلى ~~الأول تكون { من } تبعيضية ، وعلى الثاني تكون ابتدائية ، وتقدم قوله تعالى ~~: { فنفخنا فيها من روحنا في سورة الأنبياء . # وتصديقها : يقينها بأن ما أبلغ إليها الملك من إرادة الله حملها . # وكلمات ربها } : هي الكلمات التي ألقاها إليها بطريق الوحي . # و { وكتابه } يجوز أن يكون المراد به ( الإنجيل ) الذي جاء به ابنها عيسى ~~وهو إن لم يكن مكتوبا في زمن عيسى فقد كتبه الحواريون في حياة مريم . # ويجوز أن يراد ب { كتابه } ، أراده الله وقدره أن تحمل من دون مس رجل ~~إياها من باب وكان كتابا مفعولا . # والقانت : المتمحض للطاعة . يجوز أن يكون و { من } للابتداء . # والمراد بالقانتين : المكثرون من العبادة . والمعنى أنها كانت سليلة قوم ~~صالحين ، أي فجاءت على طريقة أصولها في الخير والعفاف . # وهل ينبت الخطي إلا وشيجه PageV28P378 # وهذا إيماء إلى تبرئتها مما رماها به القوم البهت . # وهذا نظير قوله تعالى : { والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك ~~مبرءون مما يقولون ms8644 } ( النور : 26 ) . # ويجوز أن تجعل { من } للتعبيض ، أي هي بعض من قنت لله . وغلبت صيغة جمع ~~الذكور ولم يقل : من القانتات ، جريا على طريقة التغليب وهو من تخريج ~~الكلام على مقتضى الظاهر . وهذه الآية مثال في علم المعاني . # ونكتته هنا الإشارة إلى أنها في عداد أهل الإكثار من العبادة وأن شأن ذلك ~~أن يكون للرجال لأن نساء بني إسرائيل كن معفيات من عبادات كثيرة . # ووصفت مريم بالموصول وصلته لأنها عرفت بتلك الصلة من قصتها المعروفة من ~~تكرر ذكرها فيما نزل من القرآن قبل هذه السورة . # وفي ذكر { القانتين } إيماء إلى ما أوصى الله به أمهات المؤمنين بقوله ~~تعالى : { ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين } ( ~~الأحزاب : 31 ) الآية . # وقرأ الجمهور { وكتابه } . وقرأه حفص وأبو عمرو ويعقوب { وكتبه } بصيغة ~~الجمع ، أي آمنت بالكتب التي أنزلت قبل عيسى وهي ( التوراة ) و ( الزبور ) ~~وكتب الأنبياء من بني إسرائيل ، و ( الإنجيل ) إن كان قد كتبه الحواريون في ~~حياتها . # PageV28P379 # | 1 ( سورة الملك ) 1 # سماها النبي صلى الله عليه وسلم ( سورة تبارك الذي بيده الملك ) في حديث ~~رواه الترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن سورة من القرآن ~~ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له وهي ( سورة تبارك الذي بيده الملك ) قال ~~الترمذي : هذا حديث حسن . # فهذا تسمية للسورة بأول جملة وقعت فيها فتكون تسمية بجملة كما سمي ثابت ~~بن جابر ( تأبط شرا ) ولفظ ( سورة ) مضاف إلى تلك الجملة المحكية . # وسميت أيضا ( تبارك الملك ) بمجموع الكلمتين في عهد النبي صلى الله عليه ~~وسلم ويسمع منه فيما رواه الترمذي عن ابن عباس ( أن رجلا من أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال له : ضربت خبائي على قبر وأنا لا أحسب أنه قبر فإذا ~~فيه إنسان ( أي دفين فيه ) يقرأ سورة ( تبارك الملك ) حتى ختمها فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ( هي المانعة هي المنجية تنجيه من عذاب القبر ) ~~حديث حسن غريب فيكون اسم السورة مجموع هذين اللفظين على طريقة ms8645 عد الكلمات ~~في اللفظ دون إضافة إحداهما إلى PageV29P005 الأخرى مثل تسمية ( لام ألف ) ~~. ونظيره أسماء السور بالأحرف المقطعة التي في أولها على بعض الأقوال في ~~المراد منها وعليه فيحكى لفظ ( تبارك ) بصيغة الماضي ويحكى لفظ ( الملك ) ~~مرفوعا كما هو في الآية ، فيكون لفظ ( سورة ) مضافا من إضافة المسمى إلى ~~الاسم . لأن المقصود تعريف السورة بهاتين الكلمتين على حكاية اللفظين ~~الواقعين في أولها مع اختصار ما بين الكلمتين وذلك قصدا للفرق بينها وبين ( ~~تبارك الفرقان ) ، كما قالوا : عبيد الله الرقياتت ، بإضافة مجموع ( عبيد ~~الله ) إلى ( الرقيات ) تمييزا لعبيد الله بن قيس العامري الشاعر عن غيره ~~ممن يشبه اسمه اسمه مثل عبيد الله ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود أو لمجرد ~~اشتهاره بالتشبيب في نساء كان اسم كل واحدة منهن رقية وهن ثلاث ولذلك يجب ~~أن يكون لفظ ( تبارك ) في هذا المركب مفتوح الآخر . ولفظ ( الملك ) مضموم ~~الكاف ، وكذلك وقع ضبطه في نسخة ( جامع الترمذي ) وكلتاهما حركة حكاية . # والشائع في كتب السنة وكتب التفسير وفي أكثر المصاحف تسمية هذه السورة ( ~~سورة الملك ) وكذلك ترجمها الترمذي : باب ما جاء في فضل سورة الملك . وكذلك ~~عنونها البخاري في كتاب التفسير من ( صحيحه ) . # وأخرج الطبراني عن ابن مسعود قال ( كنا نسميها على عهد رسول الله المانعة ~~) ، أي أخذا من وصف النبي صلى الله عليه وسلم إياها بأنها المانعة المنجية ~~كما في حديث الترمذي المذكور آنفا وليس بالصريح في التسمية . # وفي ( الإتقان ) عن ( تاريخ ابن عساكر ) من حديث ( أنس أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم سماها المنجية ) ولعل ذلك من وصفه إياها بالمنجية في حديث ~~الترمذي وليس أيضا بالصريح في أنه اسم . # وفي ( الإتقان ) عن ( كتاب جمال القراء ) تسمى أيضا ( الواقية ) ، وتسمى ~~( المناعة ) بصيغة المبالغة . PageV29P006 # وذكر الفخر : أن ابن عباس كان يسميها ( المجادلة ) لأنها تجادل عن قارئها ~~عند سؤال الملكين ولم أره لغير الفخر . # فهذه ثمانية أسماء سميت بها هذه السورة . # وهي مكية قال ابن عطية والقرطبي : باتفاق الجميع . # وفي ( الإتقان ) أخرج جويبر في ms8646 ( تفسيره ) ( عن الضحاك عن ابن عباس : ~~نزلت تبارك الملك في أهل مكة إلا ثلاث آيات اه . فيحتمل أن الضحاك عنى ~~استثناء ثلاث آيات نزلت في المدينة . وهذا الاحتمال هو الذي يقتضيه إخراج ~~صاحب ( الإتقان ) هذا النقل في عداد السور المختلف في بعض آياتها ، ويحتمل ~~أن يريد أن ثلاث آيات منها غير مخاطب بها أهل مكة ، وعلى كلا الاحتمالين ~~فهو لم يعين هذه الآيات الثلاث وليس في آيات السورة ثلاث آيات لا تتعلق ~~بالمشركين خاصة بل نجد الخمس الآيات الأوائل يجوز أن يكون القصد منها ~~الفريقين من أول السورة إلى قوله : { عذاب السعير } ( الملك : 5 ) . # وقال في ( الإتقان ) أيضا ( فيها قول غريب ( لم يعزه ) أن جميع السورة ~~مدني ) . وهي السادسة والسبعون في عداد نزول السور نزلت بعد سورة المؤمنين ~~وقبل سورة الحاقة . # وآيها في عد أهل الحجاز إحدى وثلاثون وفي عد غيرهم ثلاثون . # $ 2 ( { تبارك الذى بيده الملك وهو على كل شىء قدير * الذى خلق الموت ~~والحيواة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور * الذى خلق سبع سماوات ~~طباقا ما ترى فى خلق الرحمان من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور * ثم ~~ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير * ولقد زينا السمآء ~~الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين وأعتدنا لهم عذاب السعير * وللذين ~~كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير * إذآ ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهى ~~تفور * تكاد تميز من الغيظ كلما ألقى فيها فوج سألهم خزنتهآ ألم يأتكم نذير ~~* قالوا بلى قد جآءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شىء إن أنتم إلا فى ~~ضلال كبير * وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا فى & # 1764 أصحاب السعير * فاعترفوا بذنبهم فسحقا لاصحاب السعير * إن الذين ~~يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير * وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه ~~عليم بذات الصدور * ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير * هو الذى جعل لكم ~~الارض ذلولا فامشوا فى مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور * أءمنتم من فى ~~السمآء أن ms8647 يخسف بكم الارض فإذا هى تمور * أم أمنتم من فى السمآء أن يرسل ~~عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير * ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير * ~~أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمان إنه بكل شىء ~~بصير * أمن هاذا الذى هو جند لكم ينصركم من دون الرحمان إن الكافرون إلا فى ~~غرور * أمن هاذا الذى يرزقكم إن أمسك رزقه بل لجوا فى عتو ونفور * أفمن ~~يمشى مكبا على وجهه أهدى أمن يمشى سويا على صراط مستقيم * قل هو الذى & # 1764 أنشأكم وجعل لكم السمع والابصار والافئدة قليلا ما تشكرون * قل هو ~~الذى ذرأكم فى الارض وإليه تحشرون * ويقولون متى هاذا الوعد إن كنتم صادقين ~~* قل إنما العلم عند الله وإنمآ أنا نذير مبين * فلما رأوه زلفة سي & # 1764 ئت وجوه الذين كفروا وقيل هاذا الذى كنتم به تدعون * قل أرءيتم إن ~~أهلكنى الله ومن معى أو رحمنا فمن يجير الكافرين من عذاب أليم * قل هو ~~الرحمان ءامنا به وعليه توكلنا فستعلمون من هو فى ضلال مبين * قل أرءيتم إن ~~أصبح مآؤكم غورا فمن يأتيكم بمآء معين } ) 2 $ أغراض السورة # والأغراض التي في هذه السورة جارية على سنن الأغراض في السور المكية . # ابتدئت بتعريف المؤمنين معاني من العلم بعظمة الله تعالى وتفرده بالملك ~~الحق ؛ والنظر في إتقان صنعه الدال على تفرده بالإلهية فبذلك يكون في تلك ~~الآيات حظ لعظة المشركين . PageV29P007 # ومن ذلك التذكير بأنه أقام نظام الموت والحياة لتظهر في الحالين مجاري ~~أعمال العباد في ميادين السبق إلى أحسن الأعمال ونتائج مجاريها . # وأنه الذي يجازي عليها . # وانفراده بخلق العوالم العليا خلقا بالغا غاية الإتقان فيما تراد له . # وأتبعه بالأمر بالنظر في ذلك وبالإرشاد إلى دلائله الإجمالية وتلك دلائل ~~على انفراده بالإلهية . # متخلصا من ذلك إلى تحذير الناس من كيد الشياطين ، والارتباق معهم في ربقة ~~عذاب جهنم وأن في اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم نجاة من ذلك وقي تكذيبه ~~الخسران ، وتنبيه المعاندين للرسول صلى الله عليه وسلم ms8648 إلى علم الله بما ~~يحوكونه للرسول ظاهرا وخفية بأن علم الله محيط بمخلوقاته . # والتذكير بمنة خلق العالم الأرضي ، ودقة نظامه ، وملاءمته لحياة الناس ، ~~وفيها سعيهم ومنها رزقهم . # والموعظة بأن الله قادر على إفساد ذلك النظام فيصبح الناس في كرب وعناء ~~ليتذكروا قيمة النعم بتصور زوالها . # وضرب لهم مثلا في لطفه تعالى بهم بلطفه بالطير في طيرانها . # وآيسهم من التوكل على نصرة الأصنام أو على أن ترزقهم رزقا . # وفظع لهم حالة الضلال التي ورطوا أنفسهم فيها . # ثم وبخ المشركين على كفرهم نعمة الله تعالى وعلى وقاحتهم في الاستخفاف ~~بوعيده وأنه وشيك الوقوع بهم . # ووبخهم على استعجالهم موت النبي صلى الله عليه وسلم ليستريحوا من دعوته . # وأوعدهم بأنهم سيعلمون ضلالهم حين لا ينفعهم العلم ، وأنذرهم بما قد يحل ~~بهم من قحط وغيره . PageV29P008 # . # افتتحت السورة بما يدل على منتهى كمال الله تعالى افتتاحا يؤذن بأن ما ~~حوته يحوم حول تنزيه الله تعالى عن النقص الذي افتراه المشركون لما نسبوا ~~إليه شركاء في الربوبية والتصرف معه والتعطيل لبعض مراده . ففي هذا ~~الافتتاح براعة الاستهلال كما تقدم في طالع سورة الفرقان . # وفعل { تبارك } يدل على المبالغة في وفرة الخير ، وهو في مقام الثناء ~~يقتضي العموم بالقرينة ، أي يفيد أن كل وفرة من الكمال ثابتة لله تعالى ~~بحيث لا يتخلف نوع منها عن أن يكون صفة له تعالى . # وصيغة تفاعل إذا أسندت إلى واحد تدل على تكلف فعل ما اشتقت منه نحو تطاول ~~وتغابن ، وترد كناية عن قوة الفعل وشدته مثل : تواصل الحبل . # وهو مشتق من البركة ، وهي زيادة الخير ووفرته ، وتقدمت البركة عند قوله ~~تعالى : { وبركات عليك في } ( سورة هود : 48 ) . # وتقدم { تبارك } عند قوله تعالى : { تبارك الله رب العالمين في أول } ( ~~الأعراف : 54 ) . # وهذا الكلام يجوز أن يكون مرادا به مجرد الإخبار عن عظمة الله تعالى ~~وكماله ويجوز أن يكون مع ذلك إنشاء ثناء على الله أثناه على نفسه ، وتعليما ~~للناس كيف يثنون على الله ويحمدونه كما في { الحمد لله رب العالمين } ( ~~الفاتحة : 2 ms8649 ) : إما على وجه الكناية بالجملة عن إنشاء الثناء ، وإما ~~باستعمال الصيغة المشتركة بين الإخبار والإنشاء في معنييها ، ولو صيغ بغير ~~هذا الأسلوب لما احتمل هاذين المعنيين ، وقد تقدم في قوله تعالى : { تبارك ~~الذي نزل الفرقان على عبده } ( الفرقان : 1 ) . # وجعل المسند إليه اسم موصول للإيذان بأن معنى الصلة ، مما اشتهر به كما ~~هو غالب أحوال الموصول فصارت الصلة مغنية عن الاسم العلم لاستوائهما في ~~الاختصاص به إذ يعلم كل أحد أن الاختصاص بالملك الكامل المطلق ليس إلا لله ~~. PageV29P009 # وذكر { الذي بيده الملك } هنا نظير ذكر مثله عقب نظيره في قوله تعالى : { ~~تبارك الذي نزل الفرقان على عبده إلى قوله : الذي له ملك السماوات والأرض } ~~( الفرقان : 1 2 ) . # والباء في { بيده } يجوز أن تكون بمعنى ( في ) مثل الباء التي تدخل على ~~أسماء الأمكنة نحو { ولقد نصركم الله ببدر } ( آل عمران : 123 ) وقول امرء ~~القيس : # بسقط اللوى # فالظرفية هنا مجازية مستعملة في معنى إحاطة قدرته بحقيقة الملك ، والملك ~~على هذا اسم للحالة التي يكون صاحبها ملكا . # والتعريف في { الملك } على هذا الوجه تعريف الجنس الذي يشمل جميع أفراد ~~الجنس ، وهو الاستغراق فما يوجد من أفراده فرد إلا وهو مما في قدرة الله ~~فهو يعطيه وهو يمنعه . # واليد على هذا الوجه استعارة للقدرة والتصرف كما في قوله تعالى : { ~~والسماء بنيناها بأيد } ( الذاريات : 47 ) وقول العرب : ما لي بهذا الأمر ~~يدان . # ويجوز أن تكون الباء للسببية ، ويكون { الملك } اسما فيأتي في معناه ما ~~قرر في الوجه المتقدم . # وتقديم المسند وهو { بيده } على المسند إليه لإفادة الاختصاص ، أي الملك ~~بيده لا بيد غيره . # وهو قصر ادعائي مبني على عدم الاعتداد بملك غيره ، ولا بما يتراءى من ~~إعطاء الخلفاء والملوك الأصقاع للأمراء والسلاطين وولاة العهد لأن كل ذلك ~~ملك غير تام لأنه لا يعم المملوكات كلها ، ولأنه معرض للزوال ، وملك الله ~~هو الملك الحقيقي ، قال : { فتعالى الله الملك الحق } ( طه : 114 ) . # فالناس يتوهمون أمثال ذلك ملكا وليس كما يتوهمون . # واليد : تمثيل بأن شبهت الهيئة المعقولة المركبة ms8650 من التصرف المطلق في ~~الممكنات الموجودة والمعدومة بالإمداد والتغيير والإعدام والإيجاد ؛ بهيئة ~~إمساك اليد بالشيء المملوك تشبيه معقول بمحسوس في المركبات . PageV29P010 # وفي معنى هذه الآية قوله تعالى : { قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من ~~تشاء وتنزع الملك ممن تشاء في } ( سورة آل عمران : 26 ) . # و { الملك } بضم الميم : اسم لأكمل أحوال الملك بكسر الميم ، والملك ~~بالكسر جنس للملك بالضم ، وفسر الملك المضموم بضبط الشيء المتصرف فيه ~~بالحكم ، وهو تفسير قاصر ، وأرى أن يفسر بأنه تصرف في طائفة من الناس ~~ووطنهم تصرفا كاملا بتدبير ورعاية ، فكل ملك ( بالضم ) ملك ( بالكسر ) وليس ~~كل ملك ملكا . # وقد تقدم في قوله : { ملك يوم الدين في } ( الفاتحة : 4 ) وعند قوله : { ~~أنى يكون له الملك علينا في } ( سورة البقرة : 247 ) ، وجملة : { وهو على ~~كل شيء قدير } معطوفة على جملة : { بيده الملك } التي هي صلة الموصول وهي ~~تعميم بعد تخصيص لتكميل المقصود من الصلة ، إذ أفادت الصلة عموم تصرفه في ~~الموجودات ، وأفادت هذه عموم تصرفه في الموجودات والمعدومات بالإعدام ~~للموجودات والإيجاد للمعدومات ، فيكون قوله : { وهو على كل شيء قدير } ~~مفيدا معنى آخر غير ما أفاده قوله : { بيده الملك } تفاديا من أن يكون ~~معناه تأكيدا لمعنى { بيده الملك } وتكون هذه الجملة تتميما للصلة . وفي ~~معنى صلة ثانية ثم عطفت ولم يكرر فيها اسم موصول بخلاف قوله : { الذي خلق ~~الموت } ( الملك : 2 ) وقوله : { الذي خلق سبع سموات } ( الملك : 3 ) . # و { شيء } ما يصح أن يعلم ويخبر عنه ، وهذا هو الإطلاق الأصلي في اللغة . ~~وقد يطلق ( الشيء ) على خصوص الموجود بحسب دلالة القرائن والمقامات . وأما ~~التزام الأشاعرة : أن الشيء لا يطلق إلا على الموجود فهو التزام ما لا يلزم ~~دعا إليه سد باب الحجاج مع المعتزلة في أن الوجود عين الموجود أو زائد على ~~الموجود ، فتفرعت عليه مسألة : أن المعدوم شيء عند جمهور المعتزلة وأن ~~الشيء لا يطلق إلا على الموجود عند الأشعري وبعض المعتزلة وهي مسألة لا ~~طائل تحتها ، والخلاف فيها لفظي ، والحق أنها مبنية على الاصطلاح في مسائل ms8651 ~~علم الكلام لا على تحقيق المعنى في اللغة . # وتقديم المجرور في قوله : { على كل شيء قدير } للاهتمام بما فيه من ~~التعميم ، ولإبطال دعوى المشركين نسبتهم الإلاهية لأصنامهم مع اعترافهم ~~بأنها لا تقدر على خلق السموات والأرض ولا على الإحياء والإماتة . ~~PageV29P011 # . # صفة ل { الذي بيده الملك } ( الملك : 1 ) فلما شمل قوله : { وهو على كل ~~شيء قدير } ( الملك : 1 ) تعلق القدرة بالموجود والمعدوم أتبع بوصفه تعالى ~~بالتصرف الذي منه خلق المخلوقات وأعراضها لأن الخلق أعظم تعلق القدرة ~~بالمقدور لدلالته على صفة القدرة وعلى صفة العلم . # وأوثر بالذكر من المخلوقات الموت والحياة لأنهما أعظم العوارض لجنس ~~الحيوان الذي هو أعجب الموجود على الأرض والذي الإنسان نوع منه ، وهو ~~المقصود بالمخاطبة بالشرائع والمواعظ ، فالإماتة تصرف في الموجود بإعداده ~~للفناء ، والإحياء تصرف في المعدوم بإيجاده ثم إعطائه الحياة ليستكمل وجود ~~نوعه . # فليس ذكر خلق الموت والحياة تفصيلا لمعنى الملك بل هو وصف مستقل . # والاقتصار على خلق الموت والحياة لأنهما حالتان هما مظهرا تعلق القدرة ~~بالمقدور في الذاتت والعرض لأن الموت والحياة عرضان والإنسان معروض لهما . # والعرض لا يقوم بنفسه فلما ذكر خلق العرض علم من ذكره خلق معروضه بدلالة ~~الاقتضاء . # وأوثر ذكر الموت والحياة لما يدلان عليه من العبرة بتداول العرضين ~~المتضادين على معروض واحد ، وللدلالة على كمال صنع الصانع ، فالموت والحياة ~~عرضان يعرضان للموجود من الحيوان ، والموت يعد الموجود للفناء والحياة تعد ~~الموجود للعمل للبقاء مدة . وهما عند المتكلمين من الأعراض المختصة بالحي ، ~~وعند الحكماء من مقولة الكيف ومن قسم الكيفيات النفسانية منه . # فالحياة : قوة تتبع اعتدال المزاج النوعي لتفيض منها سائر القوى . # و { الموت } : كيفية عدمية هو عدم الحياة عما شأنه أن يوصف بالحياة أو ~~الموت ، أي زوال الحياة عن الحي ، فبين الحياة والموت تقابل العدم والملكة ~~. # ومعنى خلق الحياة : خلق الحي لأن قوام الحي هو الحياة ، ففي خلقه خلق ما ~~PageV29P012 به قوامه ، وأما معنى { خلق الموت } فإيجاد أسبابه وإلا فإن ~~الموت عدم لا يتعلق به الخلق بالمعنى الحقيقي ، ولكنه لما كان عرضا ms8652 للمخلوق ~~عبر عن حصوله بالخلق تبعا كما في قوله تعالى : { والله خلقكم وما تعملون } ~~( الصافات : 96 ) . # وأيضا لأن الموت تصرف في الموجود القادر الذي من شأنه أن يدفع عن نفسه ما ~~يكرهه . والموت مكروه لكل حي فكانت الإماتة مظهرا عظيما من مظاهر القدرة ~~لأن فيها تجلي وصف القاهر . # فأما الإحياء فهو من مظاهر وصف القادر ولكن مع وصفه المنعم . # فمعنى القدرة في الإماتة أظهر وأقوى لأن القهر ضرب من القدرة . # ومعنى القدرة في الإحياء خفي بسبب أمرين بدقة الصنع وذلك من آثار صفة ~~العلم ، وبنعمة كمال الجنس وذلك من آثار صفة الإنعام . وقد تقدم بيان ذلك ~~عند قوله تعالى : { وكنتم أمواتا فأحياكم في } ( سورة البقرة : 28 ) . # وفي ذكرهما تخلص إلى ما يترتب عليهما من الآثار التي أعظمها العمل في ~~الحياة والجزاء عليه بعد الموت ، وذلك ما تضمنه قوله : { ليبلوكم أيكم أحسن ~~عملا } فإن معنى الابتلاء مشعر بترتب أثر له وهو الجزاء على العمل للتذكير ~~بحكمة جعل هذين الناموسين البديعين في الحيوان لتظهر حكمة خلق الإنسان ~~ويفضيا به إلى الوجود الخالد ، كما أشار إليه قوله تعالى : { أفحسبتم أنما ~~خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون } ( المؤمنون : 115 ) . # وهذا التعليل من قبيل الإدماج . # وفيه استدلال على الوحدانية بدلالة في أنفسهم قال تعالى : { وفي أنفسكم ~~أفلا تبصرون } ( الذاريات : 21 ) . # والمعنى : أنه خلق الموت والحياة ليكون منكم أحياء يعملون الصالحات ~~والسيئات ، ثم أمواتا يخلصون إلى يوم الجزاء فيجزون على أعمالهم بما ~~يناسبها . # فالتعريف في { الموت } و { والحياة } تعريف الجنس . وفي الكلام تقدير : ~~هو الذي خلق الموت والحياة لتحيوا فيبلوكم أيكم أحسن عملا ، وتموتوا فتجزوا ~~على حسب تلك البلوى ، ولكون هذا هو المقصود الأهم من هذا الكلام قدم الموت ~~على الحياة . PageV29P013 # وجملة { ليبلوكم } إلى آخرها معترضة بين الموصولين . # واللام في { ليبلوكم } لام التعليل ، أي في خلق الموت والحياة حكمة أن ~~يبلوكم . الخ . # وتعليل فعل بعلة لا يقتضي انحصار علله في العلة المذكورة فإن الفعل ~~الواحد تكون له علل متعددة فيذكر منها ما يستدعيه المقام ، فقوله تعالى ms8653 : { ~~ليبلوكم أيكم أحسن عملا } تعليل لفعل { خلق } باعتبار المعطوف على مفعوله ، ~~وهو { والحياة } لأن حياة الإنسان حياة خاصة تصحح للموصوف بمن قامت به ~~الإدراك الخاص الذي يندفع به إلى العمل باختياره ، وذلك العمل هو الذي يوصف ~~بالحسن والقبح ، وهو ما دل عليه بالمنطوق والمفهوم قوله تعالى : { أيكم ~~أحسن عملا } أي وأيكم أقبح عملا . # ولذلك فذكر خلق الموت إتمام للاستدلال على دقيق الصنع الإلاهي وهو المسوق ~~له الكلام ، وذكر خلق الحياة إدماج للتذكير ، وهو من أغراض السورة . # ولا أشك في أن بناء هذا العالم على ناموس الموت والحياة له حكمة عظيمة ~~يعسر على الأفهام الاطلاع عليها . # والبلوى : الاختبار وهي هنا مستعارة للعلم ، أي ليعلم علم ظهور أو ~~مستعارة لإظهار الأمر الخفي ، فجعل إظهار الشيء الخفي شبيها بالاختبار . # وجملة { أيكم أحسن عملا } مرتبطة ب { يبلوكم } . # و ( أي ) اسم استفهام ورفعه يعين أنه مبتدأ وأنه غير معمول للفظ قبله ~~فوجب بيان موقع هذه الجملة ، وفيه وجهان : # أحدهما قول الفراء والزجاج والزمخشري في تفسير أول سورة هود أن جملة ~~الاستفهام سادة مسد المفعول الثاني ، وأن فعل { يبلوكم } المضمن معنى ( ~~يعلمكم ) معلق عن العمل في المفعول الثاني ، وليس وجود المفعول الأول مانعا ~~من تعليق الفعل عن العمل في المفعول الثاني وإن لم يكن كثيرا في الكلام . # الوجه الثاني أن تكون الجملة واقعة في محل المفعول الثاني { ليبلوكم } أي ~~تؤول الجملة بمعنى مفرد تقديره : ليعلمكم أهذا الفريق أحسن عملا أم الفريق ~~الآخر . PageV29P014 # وهذا مختار صاحب ( الكشاف ) في تفسير هذه الآية . ومبناه على أن تعليق ~~أفعال العلم عن العمل لا يستقيم إلا إذا لم يذكر للفعل مفعول فإذا ذكر ~~مفعول لم يصح تعليق الفعل عن المفعول الثاني ، وحاصله : أن التقدير ليعلم ~~الذين يقال في حقهم { أيهم أحسن عملا } على نحو قوله تعالى : { ثم لننزعن ~~من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا } ( مريم : 69 ) أي : لننزعن الذين ~~يقال فيهم : أيهم أشد . # وجوز صاحب ( التقريب ) أن يكون التقدير : ليعلم جواب سؤال سائل : أيكم ~~أحسن عملا . # قلت : ولك أن ms8654 تجعل جملة : { أيكم أحسن عملا } مستأنفة وتجعل الوقف على ~~قوله : { ليبلوكم } ويكون الاستفهام مستعملا في التحضيض على حسن العمل كما ~~هو في قول طرفة : # إذا القوم قالوا من فتى خلت أنني # عنيت فلم أكسل ولم أتبلد # فجعل الاستفهام تحضيضا . # و { أحسن } تفضيل ، أي أحسن عملا من غيره ، فالأعمال الحسنة متفاوتة في ~~الحسن إلى أدناها ، فأما الأعمال السيئة فإنها مفهومة بدلالة الفحوى لأن ~~البلوى في أحسن الأعمال تقتضي البلوى في السيئات بالأولى لأن إحصاءها ~~والإحاطة بها أولى في الجزاء لما يترتب عليها من الاجتراء على الشارع ، ومن ~~الفساد في النفس ، وفي نظام العالم ، وذلك أولى بالعقاب عليه ففي قوله : { ~~ليبلوكم أيكم أحسن عملا } إيجاز . # وجملة : { وهو العزيز الغفور } تذييل لجملة : { ليبلوكم أيكم أحسن عملا } ~~إشارة إلى أن صفاته تعالى تقتضي تعلقا بمتعلقاتها لئلا تكون معطلة في بعض ~~الأحوال والأزمان فيفضي ذلك إلى نقائضها ، فأما { العزيز } فهو الغالب الذي ~~لا يعجز عن شيء ، وذكره مناسب للجزاء المستفاد من قوله : { ليبلوكم أيكم ~~أحسن عملا } كما تقدم آنفا ، أي ليجزيكم جزاء العزيز ، فعلم أن المراد ~~الجزاء على المخالفات والنكول عن الطاعة . وهذا حظ المشركين الذين شملهم ~~ضمير الخطاب في قوله { ليبلوكم } . PageV29P015 # وأما { الغفور } فهو الذي يكرم أولياءه ويصفح عن فلتاتهم فهو مناسب ~~للجزاء على الطاعات وكناية عنه ، قال تعالى : { وإني لغفار لمن تاب وآمن ~~وعمل صالحا ثم اهتدى } ( طه : 82 ) فهو إشارة إلى حظ أهل الصلاح من ~~المخاطبين . # ( 3 4 ) . # صفة ثانية للذي بيده الملك ، أعقب التذكير بتصرف الله بخلق الإنسان وأهم ~~أعراضه بذكر خلق أعظم الموجودات غير الإنسان وهي السماوات ، ومفيدة وصفا من ~~عظيم صفات الأفعال الإلاهية ، ولذلك أعيد فيها اسم الموصول لتكون الجمل ~~الثلاث جارية على طريقة واحدة . # والسماوات تكرر ذكرها في القرآن ، والظاهر أن المراد بها الكواكب التي هي ~~مجموع النظام الشمسي ما عدا الأرض ، كما تقدم عند قوله تعالى : { فسواهن ~~سبع سماوات في } ( سورة البقرة : 29 ) فإنها هي المشاهدة بأعين المخاطبين ، ~~فالاستدلال بها استدلال بالمحسوس . # والطباق يجوز أن يكون مصدر ms8655 طابق وصفت به السماوات للمبالغة ، أي شديدة ~~المطابقة ، أي مناسبة بعضها لبعض في النظام . # ويجوز أن تكون { طباقا } جمع طبق ، والطبق المساوي في حالة ما ، ومنه ~~قولهم في المثل : ( وافق شن طبقه ) . # والمعنى : أنها مرتفع بعضها فوق بعض في الفضاء السحيق ، أو المعنى : أنها ~~متماثلة في بعض الصفات مثل التكوير والتحرك المنتظم في أنفسها وفي تحرك كل ~~واحدة منها بالنسبة إلى تحرك بقيتها بحيث لا ترتطم ولا يتداخل سيرها . # وليس في قوله : { طباقا } ما يقتضي أن بعضها مظروف لبعض لأن ذلك ليس من ~~مفاد مادة الطباق ( فلا تكن طباقاء ) . PageV29P016 # وجاءت جملة { ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت } تقريرا لقوله : { خلق سبع ~~سموات طباقا } . # فإن نفي التفاوت يحقق معنى التطابق ، أي التماثل . والمعنى : ما ترى في ~~خلق الله السماوات تفاوتا . وأصل الكلام : ما ترى فيهن ولا في خلق الرحمن ~~من تفاوت فعبر بخلق الرحمن لتكون الجملة تذييلا لمضمون جملة : { خلق سبع ~~سماوات طباقا } ، لأن انتفاء التفاوت عما خلقه الله متحقق في خلق السماوات ~~وغيرها ، أي كانت السماوات طباقا لأنها من خلق الرحمن ، وليس فيما خلق ~~الرحمن من تفاوت ومن ذلك نظام السماوات . # والتفاوت بوزن التفاعل : شدة الفوت ، والفوت : البعد ، وليست صيغة ~~التفاعل فيه لحصول فعل من جانبين ولكنها مفيدة للمبالغة . # ويقال : تفوت الأمر أيضا ، وقيل : إن تفوت ، بمعنى حصل فيه عيب . # وقرأ الجمهور { من تفاوت } . وقرأه حمزة والكسائي وخلف { من تفوت } ~~بتشديد الواو دون ألف بعد الفاء ، وهي مرسومة في المصحف بدون ألف كما هو ~~كثير في رسم الفتحات المشبعة . # وهو هنا مستعار للتخالف وانعدام التناسق لأن عدم المناسبة يشبه البعد بين ~~الشيئين تشبيه معقول بمحسوس . # والخطاب لغير معين ، أي لا ترى أيها الرائي تفاوتا . # والمقصود منه التعريض بأهل الشرك إذ أضاعوا النظر والاستدلال بما يدل على ~~وحدانية الله تعالى بما تشاهده أبصارهم من نظام الكواكب ، وذلك ممكن لكل من ~~يبصر ، قال تعالى : { أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها ~~وما لها من فروج } ( ق : 6 ) فكأنه قال : ما ms8656 ترون في خلق الرحمن من تفاوت ، ~~فيجوز أن يكون { خلق الرحمن } بمعنى المفعول كما في قوله تعالى : { هذا خلق ~~الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه } ( لقمان : 11 ) ، ويراد منه السماوات ~~، والمعنى : ما ترى في السماوات من تفاوت ، فيكون العدول عن الضمير لتتأتى ~~الإضافة إلى اسمه { الرحمن } المشعر بأن تلك المخلوقات فيها رحمة بالناس ~~كما سيأتي . PageV29P017 # ويجوز أن يكون { خلق } مصدرا فيشمل خلق السماوات وخلق غيرها فإن صنع الله ~~رحمة للناس لو استقاموا كما صنع لهم وأوصاهم ، فتفيد هذه الجملة مفاد ~~التذييل في أثناء الكلام على وجه الاعتراض ولا يكون إظهارا في مقام الإضمار ~~. # والتعبير بوصف { الرحمن } دون اسم الجلالة إيماء إلى أن هذا النظام مما ~~اقتضته رحمته بالناس لتجري أمورهم على حالة تلائم نظام عيشهم ، لأنه لو كان ~~فيما خلق الله تفاوت لكان ذلك التفاوت سببا لاختلال النظام فيتعرض الناس ~~بذلك لأهوال ومشاق ، قال تعالى : { وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ~~ظلمات البر والبحر } ( الأنعام : 97 ) وقال : { هو الذي جعل الشمس ضياء ~~والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا ~~بالحق } ( يونس : 5 ) . # وأيضا في ذلك الوصف تورك على المشركين إذ أنكروا اسمه تعالى : { الرحمن } ~~{ وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمان قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم ~~نفورا } ( الفرقان : 60 ) . # وفرع عليه قوله : { فارجع البصر } الخ . والتفريع للتسبب ، أي انتفاء ~~رؤية التفاوت ، جعل سببا للأمر بالنظر ليكون نفي التفاوت معلوما عن يقين ~~دون تقليد للمخبر . # ورجع البصر : تكريره والرجع : العود إلى الموضع الذي يجاء منه ، وفعل : ~~رجع يكون قاصرا ومتعديا إلى مفعول بمعنى : أرجع ، فأرجع هنا فعل أمر من رجع ~~المتعدي . # والرجع يقتضي سبق حلول بالموضع ، فالمعنى : أعد النظر ، وهو النظر الذي ~~دل عليه قوله : { ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت } أي أعد رؤية السماوات ~~وأنها لا تفاوت فيها إعادة تحقيق وتبصر ، كما يقال : أعد نظرا . # والخطاب في قوله : { ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت } وقوله : { فارجع ~~البصر } الخ . خطاب ms8657 لغير معين . # وصيغة الأمر مستعملة في الإرشاد للمشركين مع دلالته على الوجوب للمسلمين ~~فإن النظر في أدلة الصفات واجب لمن عرض له داع إلى الاستدلال . PageV29P018 ~~والبصر مستعمل في حقيقته . والمراد به البصر المصحوب بالتفكر والاعتبار ~~بدلالة الموجودات على موجدها . # وهذا يتصل بمسألة إيمان المقلد وما اختلف فيه من الرواية عن الشيخ أبي ~~الحسن الأشعري . # والاستفهام في { هل ترى من فطور } تقريري ووقع ب { هل } لأن { هل } تفيد ~~تأكيد الاستفهام إذ هي بمعنى ( قد ) في الاستفهام ، وفي ذلك تأكيد وحث على ~~التبصر والتأمل ، أي لا تقتنع بنظرة ونظرتين ، فتقول : لم أجد فطورا ، بل ~~كرر النظر وعاوده باحثا عن مصادفة فطور لعلك تجده . # والفطور : جمع فطر بفتح الفاء وسكون الطاء ، وهو الشق والصدع ، أي لا ~~يسعك إلا أن تعترف بانتفاء الفطور في نظام السماوات فتراها ملتئمة محبوكة ~~لا ترى في خلالها انشقاقا ، ولذلك كان انفطار السماء وانشقاقها علامة على ~~انقراض هذا العالم ونظامه الشمسي ، قال تعالى : { وفتحت السماء فكانت ~~أبوابا } ( النبأ : 19 ) وقال : { إذا السماء انشقت } ( الانشقاق : 1 ) { ~~إذا السماء انفطرت } ( الانفطار : 1 ) . # وعطف { ثم ارجع البصر كرتين } دال على التراخي الرتبي كما هو شأن { ثم } ~~في عطف الجمل ، فإن مضمون الجملة المعطوفة ب { ثم } هنا أهم وأدخل في الغرض ~~من مضمون الجملة المعطوف عليها لأن إعادة النظر تزيد العلم بانتفاء التفاوت ~~في الخلق رسوخا ويقينا . # و { كرتين } تثنية كرة وهي المرة وعبر عنها هنا بالكرة مشتقة من الكر وهو ~~العود لأنها عود إلى شيء بعد الانفصال عنه ككرة المقاتل يحمل على العدو بعد ~~أن يفر فرارا مصنوعا . وإيثار لفظ كرتين في هذه الآية دون مرادفة نحو مرتين ~~وتارتين لأن كلمة كرة لم يغلب إطلاقها على عدد الاثنين ، فكان إيثارها في ~~مقام لا يراد فيه اثنين أظهر في أنها مستعملة في مطلق التكرير دون عدد ~~اثنين أو زوج وهذا من خصائص الإعجاز ، ألا ترى أن مقام إرادة عدد الزوج كان ~~مقتضيا تثنية مرة في قوله تعالى : { الطلاق مرتان } ( البقرة : 229 ) لأنه ~~أظهر ms8658 في إرادة العدد إذ لفظ مرة أكثر تداولا . # وتثنية { كرتين } ليس المراد بها عدد الاثنين الذي هو ضعف الواحد إذ لا ~~يتعلق غرض بخصوص هذا العدد ، وإنما التثنية مستعملة كناية عن مطلق التكرير ~~PageV29P019 فإن من استعمالات صيغة التثنية في الكلام أن يراد بها التكرير ~~وذلك كما في قولهم : ( لبيك وسعديك ) يريدون تلبيات كثيرة وإسعادا كثيرا ، ~~وقولهم : دواليك ، ومنه المثل ( دهدرين ، سعد القين ) ( الدهدر الباطل ، أي ~~باطلا على باطل ، أي أتيت يا سعد القين دهدرين وهو تثنية دهدر الدال ~~المهملة في أوله مضمومة فهاء ساكنة فدال مهملة مضمومة فراء مشددة ) وأصله ~~كلمة فارسية نقلها العرب وجعلوها بمعنى الباطل . وسبب النقل مختلف فيه ~~وتثنيته مكنى بها عن مضاعفة الباطل ، وكانوا يقولون هذا المثل عند تكذيب ~~الرجل صاحبه وأما سعد القين فهو اسم رجل كان قينا وكان يمر على الأحياء ~~لصقل سيوفهم وإصلاحح أسلحتهم فكان يشيع أنه راحل غدا ليسرع أهل الحي بجلب ~~ما يحتاج للإصلاح فإذا أتوه بها أقام ولم يرحل فضرب به المثل في الكذب فكان ~~هذا المثل جامعا لمثلين ؛ وقد ذكره الزمخشري في ( المستقصى ) ، والميداني ~~في ( مجمع الأمثال ) وأطال . # وأصل استعمال التثنية في معنى التكرير أنهم اختصروا بالتثنية تعداد ذكر ~~الاسم تعدادا مشيرا إلى التكثير . # وقريب من هذا القبيل قولهم : وقع كذا غير مرة ، أي مرات عديدة . # فمعنى { ثم ارجع البصر كرتين } عاود التأمل في خلق السماوات وغيرها غير ~~مرة والانقلاب : الرجوع يقال : انقلب إلى أهله ، أي رجع إلى منزله قال ~~تعالى : { وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فاكهين } ( المطففين : 31 ) ~~وإيثار فعل : { ينقلب } هنا دون : يرجع ، لئلا يلتبس بفعل { ارجع } المذكور ~~قبله . وهذا من خصائص الإعجاز نظير إيثار كلمة { كرتين } كما ذكرناه آنفا . # والخاسىء : الخائب ، أي الذي لم يجد ما يطلبه ، وتقدم عند قوله تعالى : { ~~قال اخسأوا فيها في } ( سورة المؤمنين : 108 ) . # والحسير : الكليل . وهو كلل ناشىء عن قوة التأمل والتحديق مع التكرير ، ~~أي يرجع البصر غير واجد ما أغري بالحرص على رؤيته بعد أن أدام التأمل ~~والفحص حتى عيي ms8659 وكل ، أي لا تجد بعد اللأي فطورا في خلق الله . # . PageV29P020 # انتقل من دلائل انتفاء الخلل عن خلقة السماوات ، إلى بيان ما في إحدى ~~السماوات من إتقان الصنع فهو مما شمله عموم الإتقان في خلق السماوات السبع ~~وذكره من ذكر بعض أفراد العام كذكر المثال بعد القاعدة الكلية ، فدقائق ~~السماء الدنيا أوضح دلالة على إتقان الصنع لكونها نصب أعين المخاطبين ، ~~ولأن من بعضها يحصل تخلص إلى التحذير من حيل الشياطين وسوء عواقب أتباعهم . ~~وتأكيد الخبر ب ( قد ) لأنه إلى أنه نتيجة الاستفهام التقريري المؤكد ب ( ~~هل ) أختت ( قد ) في الاستفهام . # والكلام على السماء الدنيا ولماذا وصفت بالدنيا وعن الكواكب تقدم في أول ~~سورة الصافات . # وسميت النجوم هنا مصابيح على التشبيه في حسن المنظر فهو تشبيه بليغ . # وذكر التزيين إدماج للامتنان في أثناء الاستدلال ، أي زيناها لكم مثل ~~الامتنان في قوله : { ولكم فيها جمال في سورة النحل . # والمقصد : التخلص إلى ذكر رجم الشياطين ليتخلص منه إلى وعيدهم ووعيد ~~متبعيهم . # وعدل عن تعريف ( مصابيح ) باللام إلى تنكيره لما يفيده التنكير من ~~التعظيم . # والرجوم : جمع رجم وهو اسم لما يرجم به ، أي ما يرمي به الرامي من حجر ~~ونحوه تسمية للمفعول بالمصدر مثل الخلق بمعنى المخلوق في قوله تعالى : هذا ~~خلق الله } ( لقمان : 11 ) . # والذي جعل رجوما للشياطين هو بعض النجوم التي تبدو مضيئة ثم تلوح منقضة ، ~~وتسمى الشهب ومضى القول عليها في سورة الصافات . # وضمير الغائبة في { جعلناها } المتبادر أنه عائد إلى المصابيح ، أي أن ~~المصابيح رجوم للشياطين . # ومعنى جعل المصابيح رجوما جار على طريقة إسناد عمل بعض الشيء إلى جميعه ~~مثل إسناد الأعمال إلى القبائل لأن العاملين من أفراد القبيلة كقوله تعالى ~~: PageV29P021 { ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم } ( البقرة : 85 ) وقول العرب ~~: قتلت هذيل رضيع بني ليث تمام بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب . # وجعل بعض المفسرين الضمير المنصوب في { جعلناها } عائد إلى { السماء ~~الدنيا } على تقدير : وجعلنا منها رجوما إما على حذف حرف الجر . وإما على ~~تنزيل المكان الذي صدر منه ms8660 الرجوم منزلة نفس الرجوم فهو مجاز عقلي ومنه ~~قوله تعالى : { فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها في سورة البقرة ~~ولكنها على جعل الضمير المنصوب راجعا إلى القرية وإن لم تذكر في تلك الآية ~~ولكنها ذكرت في آية سورة الأعراف واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر ~~وقصتها هي المشار إليها بقوله : ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت } ( ~~البقرة : 65 ) فالتقدير : فجعلنا منها ، أي من القرية نكالا ، وهم القوم ~~الذين قيل لهم { كونوا قردة خاسئين } ( البقرة : 65 ) . # والشياطين هي التي تسترق السمع فتطردها الشهب كما تقدم في سورة الصافات . # وأصل { أعتدنا } أعددنا أي هيأنا ، قلبت الدال الأولى تاء لتقارب ~~مخرجيهما ليتأتى الإدغام طلبا للخفة . # و { السعير } : اسم صيغ على مثال فعيل بمعنى مفعول من : سعر النار ، إذا ~~أوقدها وهو لهب النار ، أي أعددنا للشياطين عذاب طبقة أشد طبقات النار ~~حرارة وتوقدا فإن جهنم طبقات . # وكان السعير عذابا لشياطين الجن مع كونهم من عنصر النار لأن نار جهنم أشد ~~من نار طبعهم ، فإذا أصابتهم صارت لهم عذابا . # وتسمية عذابهم { السعير } دون النار ، أو جهنم مراد لهذا المعنى ومثله ~~قوله تعالى في عذاب الجن { ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير } ( ~~سبأ : 12 ) وقال { إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير } ( فاطر : 6 ) ~~يعني الشيطان . # ومعنى الإعداد يحتمل أنه إعداد تقدير وإيجاد فلا يقتضي أن تكون جهنم ~~مخلوقة قبل يوم القيامة ويحتمل أنه إعداد استعمال ، فتكون جهنم مخلوقة حين ~~نزول PageV29P022 الآية وقد اختلف علماؤنا في أن النار موجودة أو توجد يوم ~~الجزاء إذ لا دليل في الكتاب والسنة على أحد الاحتمالين وإنما دعاهم إلى ~~فرض هذه المسألة تأويل بعض الآيات والأحاديث . # . # هذا تتميم لئلا يتوهم أن العذاب أعد للشياطين خاصة ، والمعنى : ولجميع ~~الذين كفروا بالله عذاب جهنم فالمراد عامة المشركين ولأجل ما في الجملة من ~~زيادة الفائدة غايرت الجملة التي قبلها فلذلك عطفت عليها . # وتقديم المجرور للاهتمام بتعلقه بالمسند إليه والمبادرة به . # وجملة { وبئس المصير } حال أو معترضة لإنشاء ms8661 الذم وحذف المخصوص بالذم ~~لدلالة ما قبل { بئس } عليه . والتقدير : وبئس المصير عذاب جهنم . # والمعنى : بئست جهنم مصيرا للذين كفروا . # ( 7 9 ) . # . # الجملة مستأنفة استئنافا بيانيا لبيان ذم مصيرهم في جهنم ، أي من جملة ~~مذام مصيرهم مذمة ما يسمعونه فيها من أصوات مؤلمة مخيفة . # و { إذا } ظرف متعلق ب { سمعوا } يدل على الاقتران بين زمن الإلقاء وزمن ~~سماع الشهيق . # والشهيق : تردد الأنفاس في الصدر لا تستطيع الصعود لبكاء ونحوه أطلق على ~~صوت التهاب نار جهنم الشهيق تفظيعا له لأن قوله : { سمعوا لها } يقتضي أن ~~الشهيق شهيقها لأن أصل اللام أن تكون لشبه الملك . # وجملة { وهي تفور } حال من ضمير { فيها } وتفور : تغلي وترتفع ألسنة ~~لهيبها . PageV29P023 # و { الغيظ } أشد الغضب . وقوله : { تكاد تميز من الغيظ } خبر ثان عن ضمير ~~{ وهي } ، مثلت حالة فورانها وتصاعد ألسنة لهيبها ورطمها ما فيها والتهام ~~من يلقون إليها ، بحال مغتاظ شديد الغيظ لا يترك شيئا مما غاظه إلا سلط ~~عليه ما يستطيع من الإضرار . # واستعمل المركب الدال على الهيئة المشبه بها مع مرادفاته كقولهم : يكاد ~~فلان يتميز غيظا ويتقصف غضبا ، أي يكاد تتفرق أجزاؤه فيتميز بعضها عن بعض ~~وهذا من التمثيلية المكنية وقد وضحناها في تفسير قوله تعالى : { أولئك على ~~هدى من ربهم في سورة البقرة . # ونظير هذه الاستعارة قوله تعالى : فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض في سورة ~~الكهف إذ مثل الجدار بشخص له إرادة . # وتميز } أصله تتميز ، أي تنفصل ، أي تتجزأ أجزاء تخييلا لشدة الاضطراب ~~بأن أجزاءها قاربت أن تتقطع ، وهذا كقولهم : غضب فلان فطارت منه شقة في ~~الأرض وشقة في السماء . # . # أتبع وصف ما يجده أهل النار عند إلقائهم فيها من فظائع أهوالها بوصف ما ~~يتلقاهم به خزنة النار . # فالجملة استئناف بياني أثاره وصف النار عند إلقاء أهل النار فيها إذ ~~يتساءل السامع عن سبب وقوع أهل النار فيها فجاء بيانه بأنه تكذيبهم رسل ~~الله الذين أرسلوا إليهم ، مع ما انضم إلى ذلك من وصف ندامة أهل النار على ~~ما فرط منهم من ms8662 تكذيب رسل الله وعلى إهمالهم النظر في دعوة الرسل والتدبر ~~فيما جاءوهم به . # و { كلما } مركب من ( كل ) اسم دال على الشمول ومن ( ما ) الظرفية ~~المصدرية وهي حرف يؤول مع الفعل الذي بعده بمصدره . # والتقدير : في كل وقت إلقاء فوج يسألهم خزنتها الفوج . PageV29P024 # وباتصال ( كل ) بحرف ( ما ) المصدرية الظرفية اكتسب التركيب معنى الشرط ~~وشابه أدوات الشرط في الاحتياج إلى جملتين مرتبة إحداهما على الأخرى . # وجيء بفعلى { ألقي } و { سألهم } ماضيين لأن أكثر ما يقع الفعل بعد { ~~كلما } أن يكون بصيغة المضي لأنها لما شابهت الشرط استوى الماضي والمضارع ~~معها لظهور أنه للزمن المستقبل فأوثر فعل المضي لأنه أخف . # والفوج : الجماعة أي جماعة ممن حق عليهم الخلود ، وتقدم عند قوله تعالى : ~~{ ويوم نحشر من كل أمة فوجا في سورة النمل . # وجيء بالضمائر العائدة إلى الفوج ضمائر جمع في قوله : سألهم } الخ . ~~لتأويل الفوج بجماعة أفراده كما في قوله : { وإن طائفتان من المؤمنين ~~اقتتلوا } ( الحجرات : 9 ) . # وخزنة النار : الملائكة الموكل إليهم أمر جهنم وهو جمع خازن للموكل ~~بالحفظ وأصل الخازن : الذي يخزن شيئا ، أي يحفظه في مكان حصين ، فإطلاقه ~~على الموكلين مجاز مرسل . # وجملة { ألم يأتكم نذير } بيان لجملة { سألهم } كقوله : { فوسوس إليه ~~الشيطان قال يا ءادم هل أدلك على شجرة الخلد } ( طه : 120 ) . # والاستفهام في { ألم يأتكم نذير } للتوبيخ والتنديم ليزيدهم حسرة . # والنذير : المنذر ، أي رسول منذر بعقاب الله وهو مصوغ على غير قياس كما ~~صيغ بمعنى المسمع السميع في قول عمرو بن معد يكرب : # أمن رياحنة الداعي السميع # والمراد أفواج أهل النار من جميع الأمم التي أرسلت إليهم الرسل فتكون ~~جملة : { كلما ألقي فيها فوج } الخ بمعنى التذييل . # وجملة : { قالوا بلى قد جاءنا نذير } معترضة بين كلام خزنة جهنم اعتراضا ~~يشير إلى أن الفوج قاطع كلام الخزنة بتعجيل الاعتراف بما وبخوهم عليه وذلك ~~من شدة الخوف . # وفصلت الجملة لوجهين لأنها اعتراض ، ولوقوعها في سياق المحاورة كما تقدم ~~غير مرة كقوله تعالى : { قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها في سورة البقرة ms8663 . ~~PageV29P025 وكان جوابهم جواب المتحسر المتندم ، فابتدأوا الجواب دفعة بحرف ~~بلى } المفيد نقيض النفي في الاستفهام ، فهو مفيد معنى : جاءنا نذير . ~~ولذلك كان قولهم : { قد جاءنا نذير } موكدا لما دلت عليه { بلى } ، وهو من ~~تكرير الكلام عند التحسر ، مع زيادة التحقيق ب { قد } ، وذلك التأكيد هو ~~مناط الندامة والاعتراف بالخطأ . # وجملة : { إن أنتم إلا في ضلال كبير } الأظهر أنها بقية كلام خزنة جهنم ~~فصل بينها وبين ما سبقها من كلامهم اعتراض جواب الفوج الموجه إليهم ~~الاستفهام التوبيخي كما ذكرناه آنفا ، ويؤيد هذا إعادة فعل القول في حكاية ~~بقية كلام الفوج في قوله تعالى : { وقالوا لو كنا نسمع } ( الملك : 10 ) ~~الخ لانقطاعه بالاعتراض الواقع خلال حكايته . # ويجوز أن تكون جملة { إن أنتم إلا في ضلال كبير } من تمام كلام كل فوج ~~لنذيرهم . وأتي بضمير جمع المخاطبين مع أن لكل قوم رسولا واحدا في الغالب ~~باستثناء موسى وهارون وباستثناء رسل أصحاب القرية المذكورة في سورة يس ؛ ~~إما على اعتبار الحكاية بالمعنى بأن جمع كلام جميع الأفواج في عبارة واحدة ~~فجيء بضمير الجمع والمراد التوزيع على الأفواج ، أي قال جميع الأفواج : { ~~بلى قد جاءنا نذير } إلى قوله : { إن أنتم إلا في ضلال كبير } ، على طريقة ~~المثال المشهور : ( ركب القوم دوابهم ) ، وإما على إرادة شمول الضمير ~~للنذير وأتباعه الذين يؤمنون بما جاء به . # وعموم { شيء } في قوله : { ما نزل الله من شيء } المراد منه شيء من ~~التنزيل ، يدل على أنهم كانوا يحيلون أن ينزل الله وحيا على بشر ، وهذه ~~شنشنة أهل الكفر قال تعالى : { وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل ~~الله على بشر من شيء وقد تقدم في آخر } ( الأنعام : 91 ) . # ووصف الضلال ب { كبير } معناه شديد بالغ غاية ما يبلغ إليه جنسه حتى كأنه ~~جسم كبير . # ومعنى القصر المستفاد من النفي والاستثناء في { إن أنتم إلا في ضلال كبير ~~} قصر قلب ، أي ما حالكم التي أنتم متلبسون بها إلا الضلال ، وليس الوحي ~~الإلهي والهدى كما تزعمون . PageV29P026 # والظرفية مجازية لتشبيههم تمحضهم للضلال ms8664 بإحاطة الظرف بالمظروف . # . # أعيد فعل القول للإشارة إلى أن هذا كلام آخر غير الذي وقع جوابا عن سؤال ~~خزنة جهنم وإنما هذا قول قالوه في مجامعهم في النار تحسرا وتندما ، أي وقال ~~بعضهم لبعض في النار فهو من قبيل قوله تعالى : { حتى إذا اداركوا فيها ~~جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا } ( الأعراف : 38 ) الخ . ~~لتأكيد الإخبار على حسب الوجهين المتقدمين في موقع جملة { إن أنتم إلا في ~~ضلال كبير } ( الملك : 9 ) . # وذكروا ما يدل على انتفاء السمع والعقل عنهم في الدنيا ، وهم يريدون سمعا ~~خاصا وعقلا خاصا ، فانتفاء السمع بإعراضهم عن تلقي دعوة الرسل مثل ما حكى ~~الله عن المشركين { وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن } ( فصلت : 26 ~~) وانتفاء العقل بترك التدبر في آيات الرسل ودلائل صدقهم فيما يدعون إليه . # ولا شك في أن أقل الناس عقلا المشركون لأنهم طرحوا ما هو سبب نجاتهم لغير ~~معارض يعارضه في دينهم ، إذ ليس في دين أهل الشرك وعيد على ما يخالف الشرك ~~من معتقدات ، ولا على ما يخالف أعمال أهله من الأعمال ، فكان حكم العقل ~~قاضيا بأن يتلقوا ما يدعوهم إليه الرسل من الإنذار بالامتثال إذ لا معارض ~~له في دينهم لولا الإلف والتكبر بخلاف حال أهل الأديان أتباع الرسل الذين ~~كانوا على دين فهم يخشون إن أهملوه أن لا يغني عنهم الدين الجديد شيئا ~~فكانوا إلى المعذرة أقرب لولا أن الأدلة بعضها أقوى من بعض . # وذكر القرطبي في تفسير قوله تعالى : { أم تأمرهم أحلامهم بهذا من } ( ~~سورة الطور : 32 ) عن كتاب الحكيم الترمذي أنه أخرج حديثا ( أن رجلا قال : ~~يا رسول الله ما أعقل فلانا النصراني ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم مه ، ~~إن الكافر لا عقل له أما سمعت قول الله تعالى : { وقالوا لو كنا نسمع أو ~~نعقل ما كنا في أصحاب السعير } قال وفي حديث ابن عمر فزجره النبي صلى الله ~~عليه وسلم وقال : ( مه إن العاقل من يعمل بطاعة الله ) ولم أقف عليه فيما ~~رأيت من ms8665 كتب التفسير ولم يذكره السيوطي في التفسير بالمأثور في سورة الطور ~~ولا في سورة الملك . PageV29P027 # ويؤخذ من هذه الآية أن قوام الصلاح في حسن التلقي وحسن النظر وأن الأثر ~~والنظر ، أي القياس هما أصلا الهدى ، ومن العجيب ما ذكره صاحب ( الكشاف ) : ~~أن من المفسرين من قال : إن المراد من الآية : لو كنا على مذهب أصحاب ~~الحديث أو على مذهب أصحاب الرأي . ولم أقف على تعيين من فسر الآية بهذا ولا ~~أحسبه إلا من قبيل الاسترواح . # و { أو } للتقسيم وهو تقسيم باعتبار نوعي الأحوال التي تقتضي حسن ~~الاستماع تارة إذا ألقي إليها إرشاد ، وحسن التفهم والنظر تارة إذا دعيت ~~إلى النظر من داع غير أنفسها ، أو من دواعي أنفسها ، قال تعالى : { فبشر ~~عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم ~~أولوا الألباب } ( الزمر : 17 18 ) . # ووجه تقديم السمع على العقل أن العقل بمنزلة الكلي والسمع بمنزلة الجزئي ~~ورعيا للترتيب الطبيعي لأن سمع دعوة النذير هو أول ما يتلقاه المنذرون ، ثم ~~يعملون عقولهم في التدبر فيها . # . # الفاء الأولى فصيحة ، والتقدير : إذ قالوا بذلك فقد تبين أنهم اعترفوا ~~هنالك بذنبهم ، أي فهم محقوقون بما هم فيه من العذاب . # والسحق : اسم مصدر معناه البعد ، وهو هنا نائب عن الإسحاق لأنه دعاء ~~بالإبعاد فهو مفعول مطلق نائب عن فعله ، أي أسحقهم الله إسحاقا ، ويجوز أن ~~يراد من هذا الدعاء التعجيب من حالهم كما يقال : قاتله الله ، وويل له ، في ~~مقام التعجب . # والفاء الثانية للتسبب ، أي فهم جديرون بالدعاء عليهم بالإبعاد أو جديرون ~~بالتعجيب من بعدهم عن الحق ، أو عن رحمة الله تعالى . ويحتمل أيضا أن يقال ~~لهم يوم الحساب عقب اعترافهم ، تنديما يزيدهم ألما في نفوسهم فوق ألم ~~الحريق في جلودهم . # واللام الداخلة على ( سحقا ) لام التقوية إن جعل ( سحقا ) دعاء عليهم ~~بالإبعاد لأن المصدر فرع في العمل في الفعل ، ويجوز أن يكون اللام لام ~~التبيين PageV29P028 لآياته تعلق العامل بمعموله كقولهم : شكرا لك ، فكل من ~~( سحقا ) واللام المتعلقة به مستعمل في ms8666 معنييه . # و { لأصحاب السعير } يعم المخاطبين بالقرآن وغيرهم فكان هذا الدعاء ~~بمنزلة التذييل لما فيه من العموم تبعا للجمل التي قبله . # وقرأ الجمهور { فسحقا } بسكون الحاء . وقرأه الكسائي وأبو جعفر بضم الحاء ~~وهو لغة فيه وذلك لإتباع ضمة السين . # . # اعتراض يفيد استئنافا بيانيا جاء على سنن أساليب القرآن من تعقيب الرهبة ~~بالرغبة ، فلما ذكر ما أعد للكافرين المعرضين عن خشية الله أعقبه بما أعد ~~للذين يخشون ربهم بالغيب من المغفرة والثواب للعلم بأنهم يترقبون ما يميزهم ~~عن أحوال المشركين . # وقدم المغفرة تطمينا لقلوبهم لأنهم يخشون المؤاخذة على ما فرط منهم من ~~الكفر قبل الإسلام ومن اللمم ونحوه ، ثم أعقبت بالبشارة بالأجر العظيم ، ~~فكان الكلام جاريا على قانون تقديم التخلية على التحلية ، أو تقديم دفع ~~الضر على جلب النفع ، والوصف بالكبير بمعنى العظيم نظير ما تقدم آنفا في ~~قوله : { إن أنتم إلا في ضلال كبير } ( الملك : 9 ) . # وتنكير { مغفرة } للتعظيم بقرينة مقارنته ب { أجر كبير } وبقرينة التقديم ~~. # وتقديم المسند على المسند إليه في جملة { لهم مغفرة } ليتأتى تنكير ~~المبتدأ ، ولإفادة الاهتمام ، وللرعاية على الفاصلة وهي نكت كثيرة . # ( 13 14 ) . # عطف على الجمل السابقة عطف غرض على غرض ، وهو انتقال إلى غرض آخر لمناسبة ~~حكاية أقوالهم في الآخرة بذكر أقوالهم في الدنيا وهي الأقوال التي كانت ~~PageV29P029 تصدر منهم بالنيل من رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان الله ~~يطلعه على أقوالهم فيخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنكم قلتم كذا وكذا ، ~~فقال بعضهم لبعض : أسروا قولكم كيلا يسمعه رب محمد فأنزل الله { وأسروا ~~قولكم أو اجهروا به } كذا روي عن ابن عباس . # وصيغة الأمر في { وأسروا } و { اجهروا } مستعملة في التسوية كقوله تعالى ~~: { فاصبروا أو لا تصبروا } ( الطور : 16 ) ، وهذا غالب أحوال صيغة افعل ~~إذا جاءت معها { أو } عاطفة نقيض أحد الفعلين على نقيضه . # فقوله : { إنه عليم بذات الصدور } تعليل للتسوية المستفادة من صيغة الأمر ~~بقرينة المقام وسبب النزول ، أي فسواء في علم الله الإسرار والإجهار لأن ~~علمه محيط بما يختلج في ms8667 صدور الناس بله ما يسرون به من الكلام ، ولذلك جيء ~~بوصف عليم إذ العليم من أمثلة المبالغة وهو القوي علمه . # وضمير { إنه } عائد إلى الله تعالى المعلوم من المقام ، ولا معاد في ~~الكلام يعود إليه الضمير ، لأن الاسم الذي في جملة { إن الذين يخشون ربهم ~~بالغيب } ( الملك : 12 ) لا يكون معادا لكلام آخر . # و ( ذات الصدور ) ما يتردد في النفس من الخواطر والتقادير والنوايا على ~~الأعمال . وهو مركب من ( ذات ) التي هي مؤنث ( ذو ) بمعنى صاحب ، و { ~~الصدور } بمعنى العقول وشأن ( ذو ) أن يضاف إلى ما فيه رفعة . # وجملة { ألا يعلم من خلق } استئناف بياني ناشىء عن قوله : { إنه عليم ~~بذات الصدور } بأن يسأل سائل منهم : كيف يعلم ذات الصدور ، والمعروف أن ما ~~في نفس المرء لا يعلمه غير نفسه ؟ فأجيبوا بإنكار انتفاء علمه تعالى بما في ~~الصدور فإنه خالق أصحاب تلك الصدور ، فكما خلقهم وخلق نفوسهم جعل اتصالا ~~لتعلق علمه بما يختلج فيها وليس ذلك بأعجب من علم أصحاب الصدور بما يدور في ~~خلدها ، فالإتيان ب { من } الموصولة لإفادة التعليل بالصلة . # فيجوز أن يكون { من خلق } مفعول { يعلم } فيكون { يعلم } و { خلق } ~~رافعين ضميرين عائدين إلى ما عاد إليه ضمير { إنه عليم بذات الصدور } ، ~~فيكون { من } الموصولة صادقة على المخلوقين وحذف العائد من الصلة لأنه ضمير ~~نصب يكثر حذفه . والتقدير : من خلقهم . PageV29P030 # ويجوز أن يكون { من خلق } فاعل { يعلم } والمراد الله تعالى ، وحذف مفعول ~~{ يعلم } لدلالة قوله : { وأسروا قولكم أو اجهروا به } . والتقدير : ألا ~~يعلم خالقكم سركم وجهركم وهو الموصوف بلطيف خبير . # والعلم يتعلق بذوات الناس وأحوالهم لأن الخلق إيجاد وإيجاد الذوات على ~~نظام مخصوص دال على إرادة ما أودع فيه من النظام وما ينشأ عن قوى ذلك ~~النظام ، فالآية دليل على عموم علمه تعالى ولا دلالة فيها على أنه تعالى ~~خالق أفعال العباد للانفكاك الظاهر بين تعلق العلم وتعلق القدرة . # وجملة { وهو اللطيف الخبير } الأحسن أن تجعل عطفا على جملة { ألا يعلم من ~~خلق } لتفيد تعليما للناس بأن ms8668 علم الله محيط بذوات الكائنات وأحوالها فبعد ~~أن أنكر ظنهم انتفاء على الله بما يسرون ، أعلمهم أنه يعلم ما هو أعم من ~~ذلك وما هو أخفى من الإسرار من الأحوال . # و { اللطيف } : العالم خبايا الأمور والمدبر لها برفق وحكمة . # و { الخبير } : العليم الذي لا تعزب عنه الحوادث الخفية التي من شأنها أن ~~يخبر الناس بعضهم بعضا بحدوثها فلذلك اشتق هذا الوصف من مادة الخبر ، وتقدم ~~عند قوله تعالى : { وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير في الأنعام وعند ~~قوله : إن الله لطيف خبير في سورة لقمان . # } . # استئناف فيه عود إلى الاستدلال ، وإدماج للامتنان ، فإن خلق الأرض التي ~~تحوي الناس على وجهها أدل على قدرة الله تعالى وعلمه من خلق الإنسان إذ ما ~~الإنسان إلا جزء من الأرض أو كجزء منها قال تعالى : { منها خلقناكم } ( طه ~~: 55 ) ، فلما ضرب لهم بخلق أنفسهم دليلا على علمه الدال على وحدانيته شفعه ~~بدليل خلق الأرض التي هم عليها ، مع المنة بأنه خلقها هينة لهم صالحة للسير ~~فيها مخرجة لأرزاقهم ، وذيل ذلك بأن النشور منها وأن النشور إليه لا إلى ~~غيره . # والذلول من الدواب المنقادة المطاوعة ، مشتق من الذل وهو الهوان ~~والانقياد ، PageV29P031 فعول بمعنى فاعل يستوي فيه المذكر والمؤنث ، وتقدم ~~في قوله تعالى : { إنها بقرة لا ذلول الآية في سورة البقرة ، فاستعير ~~الذلول للأرض في تذليل الانتفاع بها مع صلابة خلقتها تشبيها بالدابة ~~المسوسة المرتاضة بعد الصعوبة على طريقة المصرحة . # والمناكب : تخييل للاستعارة لزيادة بيان تسخير الأرض للناس فإن المنكب هو ~~ملتقى الكتف مع العضد ، جعل المناكب استعارة لأطراف الأرض أو لسعتها . # وفرع على هذه الاستعارة الأمر في فامشوا في مناكبها } فصيغة الأمر ~~مستعملة في معنى الإدامة تذكيرا بما سخر الله لهم من المشي في الأرض ~~امتنانا بذلك . # ومناسبة { وكلوا من رزقه } أن الرزق من الأرض . والأمر مستعمل في الإدامة ~~أيضا للامتنان ، وبذلك تمت استعارة الذلول للأرض لأن فائدة تذليل الذلول ~~ركوبها والأكل منها . فالمشي على الأرض شبيه بركوب الذلول ، والأكل مما ~~تنبته الأرض شبيه بأكل ms8669 الألبان والسمن وأكل العجول والخرفان ونحو ذلك . ~~وجمع المناكب تجريد للاستعارة لأن الذلول لها منكبان والأرض ذات متسعات ~~كثيرة . # وكل هذا تذكير بشواهد الربوبية والإنعام ليتدبروا فيتركوا العناد ، قال ~~تعالى : { كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون } ( النحل : 81 ) . # وأما عطف { وإليه النشور } فهو تتميم وزيادة عبر استطرون لمناسبة ذكر ~~الأرض فإنها مثوى الناس بعد الموت . # والمعنى : إليه النشور منها ، وذلك يقتضي حذفا ، أي وفيها تعودون . # وتعريف { النشور } تعريف الجنس فيعم أي كل نشور ، ومنه نشور المخاطبين ~~فكان قوله : { وإليه النشور } بمنزلة التذييل . # والقصر المستفاد من تعريف جزأي { هو الذي جعل لكم الأرض } قصر قلب بتنزيل ~~المخاطبين منزلة من يعتقد أن الأصنام خلقت الأرض لأن اعتقادهم إلاهيتها ~~يقتضي إلزامهم بهذا الظن الفاسد وإن لم يقولوه . # وتقديم المجرور في جملة { وإليه النشور } للاهتمام . # ومناسبة ذكر النشور هو ذكر خلق الأرض فإن البعث يكون من الأرض . ~~PageV29P032 # . # انتقال من الاستدلال إلى التخويف لأنه لما تقرر أنه خالق الأرض ومذللها ~~للناس وتقرر أنهم ما رعوا خالقها حق رعايته فقد استحقوا غضبه وتسليط عقابه ~~بأن يصير مشيهم في مناكب الأرض إلى تجلجل في طبقات الأرض . فالجملة معترضة ~~والاستفهام إنكار وتوبيخ وتحذير . # و { من } اسم موصول وصلته صادق على موجود ذي إدراك كائن في السماء . ~~وظاهر وقوع هذا الموصول عقب جمل { هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا إلى قوله : ~~وإليه النشور } ( الملك : 15 ) أن الإتيان بالموصول من قبيل الإظهار في ~~مقام الإضمار ، وأن مقتضى الظاهر أن يقال أأمنتموه أن يخسف بكم الأرض ؛ ~~فيتأتى أن الإتيان بالموصول لما تأذن به الصلة من عظيم تصرفه في العالم ~~العلوي الذي هو مصدر القوى والعناصر وعجائب الكائنات فيصير قوله : { من في ~~السماء } في الموضعين من قبيل المتشابه الذي يعطي ظاهره معنى الحلول في ~~مكان وذلك لا يليق بالله ، ويجيء فيه ما في أمثاله من طريقتي التفويض للسلف ~~والتأويل للخلف رحمهم الله أجمعين . # وقد أولوه بمعنى : من في السماء عذابه أو قدرته أو سلطانه على نحو تأويل ~~قوله تعالى : { وجاء ربك } ( الفجر ms8670 : 22 ) وأمثاله ، وخص ذلك بالسماء لأن ~~إثباته لله تعالى ينفيه عن أصنامهم . # ولكن هذا الموصول غير مكين في باب المتشابه لأنه مجمل قابل للتأويل بما ~~يحتمله { من } أن يكون ما صدقه مخلوقات ذات إدراك مقرها السماء وهي ~~الملائكة فيصح أن تصدق { من } على طوائف من الملائكة الموكلين بالأمر ~~التكويني في السماء والأرض قال تعالى : { يتنزل الأمر بينهن } ( الطلاق : ~~12 ) ، ويصح أن يراد باسم الموصل ملك واحد معين وظيفته فعل هذا الخسف ، فقد ~~قيل : إن جبريل هو الملك الموكل بالعذاب . # وإسناد فعل { يخسف } إلى ( الملائكة ) أو إلى واحد منهم حقيقة لأنه ~~PageV29P033 فاعل الخسف قال تعالى حكاية عن الملائكة { قالوا إنا مهلكوا ~~أهل هذه القرية . . . إنا منجوك وأهلك . . . إنا منزلون على أهل هذه القرية ~~رجزا من السماء } ( العنكبوت : 31 34 ) . # وإفراد ضمير { يخسف } مراعاة للفظ { من } إذا أريد طائفة من الملائكة أو ~~مراعاة للفظ والمعنى إذا كان ما صدق { من } ملكا واحدا . # والمعنى : توبيخهم على سوء معاملتهم ربهم كأنهم آمنون من أن يأمر الله ~~ملائكته بأن يخسفوا الأرض بالمشركين . # والخسف : انقلاب ظاهر السطح من بعض الأرض باطنا وباطنه ظاهرا وهو شدة ~~الزلزال . # وفعل خسف يستعمل قاصرا ومتعديا وهو من باب ضرب ، وتقدم عند قوله تعالى : ~~{ أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض سورة النحل . # والباء في قوله : بكم } للمصاحبة ، أي يخسف الأرض مصاحبة لذواتكم . وفي ~~الجمع بين السماء والأرض محسن الطباق . # والمصدر المنسبك من { أن يخسف } يجوز أن يكون بدل اشتمال من اسم الموصول ~~لأن الخسف من شأن من في السماء ، ويجوز أن يكون منصوبا على نزع الخافض وهو ~~مطرد مع { أن } ، والخافض المحذوف حرف ( من ) . # وفرع على الخسف المتوقع المهدد به أن تمور الأرض تفريع الأثر على المؤثر ~~لأن الخسف يحدث المور ، فإذا خسفت الأرض فاجأها المور لا محالة ، لكن نظم ~~الكلام جرى على ما يناسب جعل التهديد بمنزلة حادث وقع فلذلك جيء بعده ~~بالحرف الدال على المفاجأة لأن حق المفاجأة أن تكون حاصلة زمن الحال لا ~~الاستقبال كما ms8671 في ( مغني اللبيب ) فإذا أريد تحقيق حصول الفعل المستقبل نزل ~~منزلة الواقع في الحال كقوله تعالى : { ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا ~~أنتم تخرجون } ( الروم : 25 ) ، وإذا أريد استحضار حالة فعل حصل فيما مضى ~~نزل كذلك منزلة المشاهد في الحال كقوله تعالى : { وإذا أذقنا الناس رحمة من ~~بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر في آياتنا } ( يونس : 21 ) ، فكان قوله : { ~~فإذا هي تمور } مؤذنا بتشبيه حالة الخسف المتوقع المهدد به بحالة خسف حصل ~~بجامع التحقق كما قالوا في التعبير عن المستقبل بلفظ PageV29P034 الماضي ، ~~وحذف المركب الدال على الحالة المشبه بها ورمز إليه بما هو من آثاره ويتفرع ~~عنه فكان في الكلام تمثيلية مكنية . # والمور : الارتجاج والاضطراب وتقدم في قوله تعالى : { يوم تمور السماء ~~مورا في سورة الطور . # } . # { أم } لإضراب الانتقال من غرض إلى غرض ، وهو انتقال من الاستفهام ~~الإنكاري التعجيبي إلى آخر مثله باعتبار اختلاف الأثرين الصادرين عن مفعول ~~الفعل المستفهم عنه اختلافا يوجب تفاوتا بين كنهي الفعلين وإن كانا متحدين ~~في الغاية ، فالاستفهام الأول إنكار على أمنهم الذي في السماء من أن يفعل ~~فعلا أرضيا . # والاستفهام الواقع مع { أم } إنكار عليهم أن يأمنوا من أن يرسل عليهم من ~~السماء حاصب وذلك أمكن لمن في السماء وأشد وقعا على أهل الأرض . والكلام ~~على قوله : { من في السماء } تقدم في الآية قبلها ما يغني عنه . # وتفريع جملة { فستعلمون كيف نذير } على الاستفهام الإنكاري كتفريع ملة { ~~فإذا هي تمور } ( الملك : 16 ) أي فحين يخسف بكم أو يرسل عليهم حاصب تعلمون ~~كيف نذيري ، وحرف التنفيس حقه الدخول على الأخبار التي ستقع في المستقبل ، ~~وإرسال الحاصب غير مخبر بحصوله وإلا لما تخلف لأن خبر الله لا يتخلف ، ~~وإنما هو تهديد وتحذير فإنهم ربما آمنوا وأقلعوا فسلموا من إرسال الحاصب ~~عليهم ولكن لما أريد تحقيق هذا التهديد شبه بالأمر الذي وقع فكان تفريع ~~صيغة الإخبار على هذا مؤذنا بتشبيه المهدد به بالأمر الواقع على طريقة ~~التمثيلية المكنية ، وجملة { فستعلمون } قرينتها لأنها من روادف المشبه به ms8672 ~~كما تقدم . # و { كيف نذير } ، استفهام معلق فعل ( تعلمون ) عن العمل ، وهو استفهام ~~للتهديد والتهويل ، والجملة مستأنفة . PageV29P035 # وحذفت ياء المتكلم من { نذيري } تخفيفا وللرعي على الفاصلة . # والنذير مصدر بمعنى الإنذار مثل النكير بمعنى الإنكار . # وقدم التهديد بالخسف على التهديد بالحاصب لأن الخسف من أحوال الأرض ، ~~والكلام على أحوالها أقرب هنا فسلك شبه طريق النشر المعكوس ، ولأن إرسال ~~الحاصب عليهم جزاء على كفرهم بنعمة الله التي منها رزقهم في الأرض المشار ~~إليه بقوله : { وكلوا من رزقه } ( الملك : 15 ) فإن منشأ الأرزاق الأرضية ~~من غيوث السماء قال تعالى { وفي السماء رزقكم } ( الذاريات : 22 ) . # . # بعد أن وجه الله إليهم الخطاب تذكيرا واستدلالا وامتنانا وتهديدا وتهويلا ~~ابتداء من قوله : { وأسروا قولكم أو اجهروا به } ( الملك : 13 ) التفت عن ~~خطابهم إلى الإخبار عنهم بحالة الغيبة ، تعريضا بالغضب عليهم بما أتوه من ~~كل تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم فكانوا جديرين بإبعادهم عز الحضور ~~للخطاب ، فلذلك لم يقل ( ولقد كذب الذين من قبلكم ) ولم يقطع توجيه التذكير ~~إليهم والوعيد لعلهم يتدبرون في أن الله لم يدخرهم نصحا . # فالجملة عطف على جملة { أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا } ( ~~الملك : 17 ) لمناسبة أن مما عوقب به بعض الأمم المكذبين من خسف أو إرسال ~~حجارة من السماء وهم قوم لوط ، ومنهم من خسف بهم مثل أصحاب الرس . # ولك أن تجعل الواو للحال ، أي كيف تأمنون ذلك عندما تكذبون الرسول في حال ~~أنه قد كذب الذين من قبلكم فهل علمتم ما أصابهم على تكذيبهم الرسل . # ضرب الله لهم مثلا بأمم من قبلهم كذبوا الرسل فأصابهم من الاستئصال ما قد ~~علموا أخباره لعلهم أن يتعظوا بقياس التمثيل إن كانت عقولهم لم تبلغ درجة ~~الانتفاع بأقيسة الاستنتاج ، فإن المشركين من العرب عرفوا آثار عاد وثمود ~~وتناقلوا أخبار قوم نوح وقوم لوط وأصحاب الرس وفرع { فكيف كان نكير } ~~استفهاما تقريريا وتنكيريا وهو كناية عن تحقيق وقوعه وأنه وقع في حال فظاعة ~~. PageV29P036 # وقد أكد الخبر باللام و ( قد ) لتنزيل المعرض بهم ms8673 منزلة من يظن أن الله ~~عاقب الذين من قبلهم لغير جرم أو لجرم غير التكذيب . فهو مفرع على المؤكد ، ~~فالمعنى : لقد كذب الذين من قبلهم ولقد كان نكيري عليهم بتلك الكيفية . # و { نكير } ؛ أصله نكيري بالإضافة إلى ياء المتكلم المحذوفة تخفيفا ، كما ~~في قوله : { فستعلمون كيف نذير } ( الملك : 17 ) ، والمعنى : كيف رأيتم أثر ~~نكيري عليهم فاعلموا أن نكيري عليكم صائر بكم إلى مثل ما صار بهم نكيري ~~عليهم . # والمراد بالنكير المنظر بنكير الله على الذين من قبلهم ، ما أفاده ~~استفهام الإنكار في قوله : { أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض } ( ~~الملك : 16 ) وقوله : { أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا } ( ~~الملك : 17 ) . # . # عطف على جملة : { هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا } ( الملك : 15 ) استرسالا ~~في الدلائل على انفراد الله تعالى بالتصرف في الموجودات ، وقد انتقل من ~~دلالة أحوال البشر وعالمهم ، إلى دلالة أعجب أحوال العجماوات وهي أحوال ~~الطير في نظام حركاتها في حال طيرانها إذ لا تمشي على الأرض كما هو في ~~حركات غيرها على الأرض ، فحالها أقوى دلالة على عجيب صنع الله المنفرد به . # واشتمل التذكير بعجيب خلقة الطير في طيرانها على ضرب من الإطناب لأن ~~الأوصاف الثلاثة المستفادة من قوله : { فوقهم صافات ويقبضن } تصور صورة ~~حركات الطيران للسامعين فتنبههم لدقائق ربما أغفلهم عن تدقيق النظر فيها ~~نشأتهم بينها من وقت ذهول الإدراك في زمن الصبا ، فإن المرء التونسي أو ~~المغربي مثلا إذا سافر إلى بلاد الهند أو إلى بلاد السودان فرأى الفيلة وهو ~~مكتمل العقل دقيق التمييز أدرك من دقائق خلقة الفيل ما لا يدركه الرجل من ~~أهل الهند الناشىء بين الفيلة ، وكم غفل الناس عن دقائق في المخلوقات من ~~الحيوان والجماد ما لو تتبعوه لتجلى لهم منها ما يملأ وصفه الصحف قال تعالى ~~: { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف ~~نصبت وإلى الأرض كيف سطحت } ( الغاشية : 17 20 ) ، وقال : { وفي أنفسكم ~~أفلا تبصرون } ( الذاريات : 21 ) . PageV29P037 # وقد رأيت بعض ms8674 من شاهد البحر وهو كبير ، ولم يكن شاهده من قبل ، كيف ~~امتلكه من العجب ما ليس لأحد ممن ألفوه معشاره . # وهذا الإطناب في هذه السورة مخالف لما في نظير هذه الآية من سورة النحل ~~في قوله : { ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله . ~~وذلك بحسب ما اقتضاه اختلاف المقامين فسورة النحل رابعة قبل سورة الملك ، ~~فلما أوقظت عقولهم فيها للنظر إلى ما في خلقة الطير من الدلائل فلم يتفطنوا ~~وسلك في هذه السورة مسلك الإطناب بزيادة ذكر أوصاف ثلاثة : # فالوصف الأول : ما أفاده قوله : فوقهم } فإن جميع الدواب تمشي على الأرض ~~والطير كذلك فإذا طار الطائر انتقل إلى حالة عجيبة مخالفة لبقية المخلوقات ~~وهي السير في الجو بواسطة تحريك جناحيه وذلك سر قوله تعالى : { يطير ~~بجناحيه } ( الأنعام : 38 ) بعد قوله : { ولا طائر في } ( سورة الأنعام : ~~38 ) لقصد تصوير تلك الحالة . # الوصف الثاني : { صافات } وهو وصف بوزن اسم الفاعل مشتق من الصف ، وهو ~~كون أشياء متعددة متقاربة الأمكنة وباستواء ، وهو قاصر ومتعد ، يقال : صفوا ~~، بمعنى اصطفوا كما حكى الله عن الملائكة : { وإنا لنحن الصافون } ( ~~الصافات : 165 ) وقال تعالى في البدن { فاذكروا اسم الله عليها صواف } ( ~~الحج : 36 ) . ويقال : صفهم إذا جعلهم مستوين في الموقف ، وفي حديث ابن ~~عباس في الجنائز ( مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبر منبوذ ) إلى قوله ~~: ( فصفنا خلفه وكبر ) . # والمراد هنا أن الطير صافة أجنحتها فحذف المفعول لعلمه من الوصف الجاري ~~على الطير إذ لا تجعل الطير أشياء مصفوفة إلا ريش أجنحتها عند الطيران ~~فالطائر إذا طار بسط جناحيه ، أي مدها فصف ريش الجناح فإذا تمدد الجناح ظهر ~~ريشه مصطفا فكان ذلك الاصطفاف من أثر فعل الطير فوصفت به ، وتقدم عند قوله ~~تعالى : { والطير صافات في سورة النور . وبسط الجناحين يمكن الطائر من ~~الطيران فهو كمد اليدين للسابح في الماء . # الوصف الثالث : ويقبضن } وهو عطف على { صافات } من عطف الفعل على الاسم ~~الشبيه بالفعل في الاشتقاق وإفادة الاتصاف بحدوث المصدر في ms8675 فاعله ، فلم يفت ~~بعطفه تماثل المعطوفين في الاسمية والفعلية الذي هو من محسنات الوصل . ~~PageV29P038 # والقبض : ضد البسط . والمراد به هنا ضد الصف المذكور قبله ، إذ كان ذلك ~~الصف صادقا على معنى البسط ومفعوله المحذوف هنا هو عين المحذوف في المعطوف ~~عليه ، أي قابضات أجنحتهن حين يدنينها من جنوبهن للازدياد من تحريك الهواء ~~للاستمرار في الطيران . # وأوثر الفعل المضارع في { يقبضن } لاستحضار تلك الحالة العجيبة وهي حالة ~~عكس بسط الجناحين إذ بذلك العكس يزداد الطيران قوة امتداد زمان . # وجيء في وصف الطير ب { صافات } بصيغة الاسم لأن الصف هو أكثر أحوالها عند ~~الطيران فناسبه الاسم الدال على الثبات ، وجيء في وصفهن بالقبض بصيغة ~~المضارع لدلالة الفعل على التجدد ، أي ويجددن قبض أجنحتهن في خلال الطيران ~~للاستعانة بقبض الأجنحة على زيادة التحرك عندما يحسسن بتغلب جاذبية الأرض ~~على حركات الطيران ، ونظيره قوله تعالى في الجبال والطير { يسبحن بالعشي ~~والإشراق والطير محشورة } ( ص : 18 19 ) لأن التسبيح في وقتين والطير ~~محشورة دوما . # وانتصب { فوقهم } على الحال من { الطير } وكذلك انتصب { صافات } . # وجملة { ويقبضن } في موضع نصب على الحال لعطفها على الوصف الذي هو حال ~~فالرؤية بصرية مضمنة معنى النظر ، ولذلك عديت إلى المرئي ب ( إلى ) . ~~والاستفهام في { أو لم يروا } إنكاري ، ونزلوا منزلة من لم ير هاته الأحوال ~~في الطير لأنهم لم يعتبروا بها ولم يهتدوا إلى دلالتها على انفراد خالقها ~~بالإلهية . # وجملة { ما يمسكهن إلا الرحمن } مبينة لجملة { أو لم يروا إلى الطير } ~~وما فيها من استفهام إنكار ، أي كان حقهم أن يعلموا أنهن ما يمسكهن إلا ~~الرحمن إذ لا ممسك لها ترونه كقوله تعالى : { ويمسك السماء أن تقع على ~~الأرض } ( الحج : 65 ) . # وفي هذا إيماء إلى أن الذي أمسك الطير عن الهوي المفضي إلى الهلاك هو ~~الذي أهلك الأمم الذين من قبلل هؤلاء فلو لم يشركوا به ولو استعصموا بطاعته ~~لأنجاهم من الهلاك كما أنجى الطير من الهوي . # ومعنى إمساك الله إياها : حفظها من السقوط على الأرض بما أودع في خلقتها ms8676 ~~PageV29P039 من الخصائص في خفة عظامها وقوة حركة الجوانح وما جعل لهن من ~~القوادم ، وهي ريشات عشر هي مقاديم ريش الجناح ، ومن الخوافي وهي ما دونها ~~من الجناح إلى منتهى ريشه ، وما خلقه من شكل أجسادها المعين على نفوذها في ~~الهواء فإن ذلك كله بخلق الله إياها مانعا لها من السقوط وليس ذلك بمعاليق ~~يعلقها بها أحد كما يعلق المشعوذ بعض الصور بخيوط دقيقة لا تبدو للناظرين . # وإيثار اسم { الرحمن } هنا دون الاسم العلم بخلاف ما في سورة النحل { ألم ~~يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله لعله للوجه الذي ~~ذكرناه آنفا في خطابهم بطريقة الإطناب من قوله : أو لم يروا إلى الطير ~~فوقهم صافات } الآية . # فمن جملة عنادهم إنكارهم اسم { الرحمن } فلما لم يرعووا عما هم عليه ذكر ~~وصف { الرحمن } في هذه السورة أربع مرات . # وجملة { إنه بكل شيء بصير } تعليل لمضمون { ما يمسكهن إلا الرحمن } أي ~~أمسكهن الرحمن لعموم علمه وحكمته ولا يمسكهن غيره لقصور علمهم أو انتفائه . # والبصير : العليم ، مشتق من البصيرة ، فهو هنا غير الوصف الذي هو من ~~الأسماء الحسنى في نحو : السميع البصير ، وإنما هو هنا من باب قولهم : فلان ~~بصير بالأمور . وقوله تعالى : { إن الله بصير بالعباد } ( غافر : 44 ) ، ~~فهو خبر لا وصف ولا منزل منزلة الاسم . وتقديم { بكل شيء } على متعلقه ~~لإفادة القصر الإضافي وهو قصر قلب ردا على من يزعمون أنه لا يعلم كل شيء ~~كالذين قيل لهم { وأسروا قولكم أو اجهروا به } ( الملك : 13 ) . # . # ( أم ) منقطعة وهي للإضراب الانتقالي من غرض إلى غرض فبعد استيفاء غرض ~~إثبات الإلاهية الحق لله تعالى بالوحدانية وتذكيرهم بأنهم مفتقرون إليه ، ~~انتقل إلى إبطال أن يكون أحد يدفع عنهم العذاب الذي توعدهم الله به فوجه ~~إليهم استفهام PageV29P040 أن يدلوا على أحد من أصنامهم أو غيرها يقال فيه ~~هذا هو الذي ينصر من دون الله ، فإنهم غير مستطيعين تعيين أحد لذلك إلا إذا ~~سلكوا طريق البهتان وما هم بسالكيه في مثل هذا لافتضاح أمره ms8677 . # وهذا الكلام ناشىء عن قوله : { أأمنتم من في السماء } ( الملك : 16 ) ~~الآية فهو مثله معترض بين حجج الاستدلال . # و ( أم ) المنقطعة لا يفارقها معنى الاستفهام ، والأكثر أن يكون مقدرا ~~فإذا صرح به كما هنا فأوضح ولا يتوهم أن الاستفهام يقدر بعدها ولو كان ~~يليها استفهام مصرح به فيشكل اجتماع استفهامين . # والاستفهام مستعمل في التعجيز عن التعيين فيؤول إلى الانتفاء ، والإشارة ~~مشار بها إلى مفهوم { جند } مفروض في الأذهان استحضر للمخاطبين ، فجعل كأنه ~~حاضر في الخارج يشاهده المخاطبون ، فيطلب المتكلم منهم تعيين قبيله بأن ~~يقولوا : بنو فلان . ولما كان الاستفهام مستعملا في التعجيز استلزم ذلك أن ~~هذا الجند المفروض غير كائن . # وقريب من ذلك قوله تعالى : { من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه } ( البقرة ~~: 255 ) ونحوه . # و ( من ) في موضع مبتدأ واسم الإشارة خبر عن المبتدأ . # وكتب في المصحف { أمن } بميم واحدة بعد الهمزة وهما ميم ( أم ) وميم ( من ~~) المدغمتين بجعلهما كالكلمة الواحدة كما كتب { عم يتساءلون } ( النبأ : 1 ~~) بميم واحدة بعد العين ، ولا تقرأ إلا بميم مشددة إذ المعتبر في قراءة ~~القرآن الرواية دون الكتابة وإنما يكتب القرآن للإعانة على مراجعته . # و { الذي هو جند } صفة لاسم الإشارة و { لكم } صفة ل { جند } و { ينصركم ~~} جملة في موضع الحال من { جند } أو صفة ثانية ل { جند } . # ويجوز أن يكون اسم الإشارة مشارا به إلى جماعة الأصنام المعروفة عندهم ~~الموضوعة في الكعبة وحولها الذي اتخذتموه جندا فمن هو حتى ينصركم من دون ~~الله . # فتكون ( من ) استفهامية مستعملة في التحقير مثل قوله : { من فرعون } ( ~~الدخان : 31 ) في PageV29P041 قراءة فتح ميم ( من ) ورفع فرعون ، أي من هذا ~~الجند فإنه أحقر من أن يعرف ، واسم الإشارة صفة لاسم الاستفهام مبينة له ، ~~و { الذي هو جند لكم } صفة لاسم الإشارة وجملة { ينصركم } خبر عن اسم ~~الاستفهام ، أي هو أقل من أن ينصركم من دون الرحمن . وجيء بالجملة الإسمية ~~{ الذي هو جند لكم } لدلالتها على الدوام والثبوت لأن الجند يكون على ~~استعداد للنصر إذا دعي إليه ms8678 سواء قاتل أم لم يقاتل لأن النصر يحتاج إلى ~~استعداد وتهيؤ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ( خير الناس رجل ممسك ~~بعنان فرسه كلما سمع هيعة طار إليها ) أي هيعة جهاد . # فالمعنى : ينصركم عند احتياجكم إلى نصره ، فهذا وجه الجمع بين جملة { هو ~~جند لكم } وجملة { ينصركم } ولم يستغن بالثانية عن الأولى . # و { دون } أصله ظرف للمكان الأسفل ضد ( فوق ) ، ويطلق على المغاير فيكون ~~بمعنى غير على طريقة المجاز المرسل . # فقوله : { من دون الرحمن } يجوز أن يكون ظرفا مستقرا في موضع الحال من ~~الضمير المستتر في { ينصركم } . أي حالة كون الناصر من جانب غير جانب الله ~~، أي من مستطيع غير الله يدفع عنكم السوء على نحو قوله تعالى : { أم لهم ~~ءالهة تمنعهم من دوننا } ( الأنبياء : 43 ) فتكون { من } زائدة مؤكدة للظرف ~~وهي تزاد مع الظروف غير المتصرفة ، ولا تجر تلك الظروف بغير { من } ، قال ~~الحريري في المقامة الرابعة والعشرين : وما منصوب على الظرف لا يخفضه سوى ~~حرف . وفسره بظرف ( عند ) ولا خصوصية ل ( عند ) بل ذلك في جميع الظروف غير ~~المتصرفة . # وتكرير وصف { الرحمن } عقب الآية السابقة للوجه الذي ذكرنا في إيثار هذا ~~الوصف في الآية السابقة . # وذيل هذا بالاعتراض بقوله : { إن الكافرون إلا في غرور } ، أي ذلك شأن ~~الكافرين كلهم وهم أهل الشرك من المخاطبين وغيرهم ، أي في غرور من الغفلة ~~عن توقع بأس الله تعالى ، أو في غرور من اعتمادهم على الأصنام فكما غر ~~الأمم السالفة دينهم بأن الأوثان تنفعهم وتدفع عنهم العذاب فلم يجدوا ذلك ~~منهم وقت الحاجة فكذلك سيقع لأمثالهم قال تعالى : { وللكافرين أمثالها } ( ~~محمد : 10 ) وقال { أكفاركم خير من أولئكم } ( القمر : 43 ) فتعريف { ~~الكافرون } للاستغراق . وليس المراد به كافرون معهودون حتى يكون من وضع ~~المظهر موضع الضمير . PageV29P042 # والغرور : ظن النفس وقوع أمر نافع لها بمخائل تتوهمها ، وهو بخلاف ذلك أو ~~هو غير واقع . وتقدم في قوله تعالى : { لا يغرنك تقلب الذين كفروا في ~~البلاد في آخر آل عمران وقوله : يوحي بعضهم إلى بعض زخرف ms8679 القول غرورا في ~~الأنعام وقوله : فلا تغرنكم الحياة الدنيا في سورة فاطر . # والظرفية مجازية مستعملة في شدة التلبس بالغرور حتى كأن الغرور محيط بهم ~~إحاطة الظرف . # والمعنى : ما الكافرون في حال من الأحوال إلا في حال الغرور ، وهذا قصر ~~إضافي لقلب اعتقادهم أنهم في مأمن من الكوارث بحماية آلهتهم . # } . # انتقال آخر والكلام على أسلوب قوله : { أم من هذا الذين هو جند لكم } ( ~~الملك : 20 ) ، وهذا الكلام ناظر إلى قوله : { وكلوا من رزقه } ( الملك : ~~15 ) على طريقة اللف والنشر المعكوس . # والرزق : ما ينتفع به الناس ، ويطلق على المطر ، وعلى الطعام ، كما تقدم ~~في قوله تعالى : { وجد عندها رزقا } ( آل عمران : 37 ) . # وضمير { أمسك } وضمير { رزقه } عائدان إلى لفظ { الرحمن الواقع في قوله : ~~من دون الرحمن } ( الملك : 20 ) . # وجيء بالصلة فعلا مضارعا لدلالته على التجدد لأن الرزق يقتضي التكرار إذ ~~حاجة البشر إليه مستمرة . وكتب { أمن } في المصحف بصورة كلمة واحدة كما ~~كتبت نظيرتها المتقدمة آنفا . # . # استئناف بياني وقع جوابا عن سؤال ناشىء عن الدلائل والقوارع والزواجر ~~والعظات والعبر المتقدمة ابتداء من قوله : { الذي خلق الموت والحياة } ( ~~الملك : 2 ) إلى هنا ، فيتجه للسائل أن يقول : لعلهم نفعت عندهم الآيات ~~والنذر ، واعتبروا بالآيات والعبر ، فأجيب بإبطال ظنه بأنهم لجوا في عتو ~~ونفور . PageV29P043 # و { بل } للإضراب أو الإبطال عما تضمنه الاستفهامان السابقان أو للانتقال ~~من غرض التعجيز إلى الإخبار عن عنادهم . # يقال : لج في الخصومة من باب سمع ، أي اشتد في النزاع والخصام ، أي ~~استمروا على العناد يكتنفهم العتو والنفور ، أي لا يترك مخلصا للحق إليهم ، ~~فالظرفية مجازية ، والعتو : التكبر والطغيان . # والنفور : هو الاشمئزاز من الشيء والهروب منه . # والمعنى : اشتدوا في الخصام متلبسين بالكبر عن اتباع الرسول حرصا على ~~بقاء سيادتهم وبالنفور عن الحق لكراهية ما يخالف أهواءهم وما ألفوه من ~~الباطل . # . # هذا مثل ضربه الله للكافرين والمؤمنين أو لرجلين : كافر ومؤمن ، لأنه جاء ~~مفرعا على قوله : { إن الكافرون إلا في غرور } ( الملك : 20 ) وقوله : { بل ~~لجوا في عتو ونفور } ( الملك : 21 ) وما اتصل ms8680 ذلك به من الكلام الذي سيق ~~مساق الحجة عليهم بقوله : { أمن هذا الذي هو جند لكم } ( الملك : 20 ) { ~~أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه } ( الملك : 21 ) ، وذلك مما اتفق عليه ~~المفسرون على اختلاف مناحيهم ولكن لم يعرج أحد منهم على بيان كيف يتعين ~~التمثيل الأول للكافرين والثاني للمؤمنين حتى يظهر وجه إلزام الله المشركين ~~بأنهم أهل المثل الأول مثلل السوء ، فإذا لم يتعين ذلك من الهيئة المشبهة ~~لم يتضح إلزام المشركين بأن حالهم حال التمثيل الأول ، فيخال كل من ~~الفريقين أن خصمه هو مضرب المثل السوء . ويتوهم أن الكلام ورد على طريقة ~~الكلام المنصف نحو { وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين } ( سبأ : 24 ~~) بذلك ينبو عنه المقام هنا لأن الكلام هنا وارد في مقام المحاجة ~~والاستدلال وهنالك في مقام المتاركة أو الاستنزال . # والذي انقدح لي : أن التمثيل جرى على تشبيه حال الكافر والمؤمن بحالة مشي ~~إنسان مختلفة وعلى تشبيه الدين بالطريق المسلوكة كما يقتضيه قوله : { على ~~صراط مستقيم } فلا بد من اعتبار مشي المكب على وجهه مشيا على صراط معوج ، ~~وتعين أن يكون في قوله : { مكبا على وجهه } استعارة أخرى بتشبيه حال السالك ~~PageV29P044 صراطا معوجا في تأمله وترسمه آثار السير في الطريق غير ~~المستقيم خشية أن يضل فيه ، بحال المكب على وجهه يتوسم حال الطريق وقرينة ~~ذلك مقابلته بقوله : { سويا } المشعر بأن { مكبا } أطلق على غير السوي وهو ~~المنحني المطاطىء يتوسم الآثار اللائحة من آثار السائرين لعله يعرف الطريق ~~الموصلة إلى المقصود . # فالمشرك يتوجه بعبادته إلى آلهة كثيرة لا يدري لعل بعضها أقوى من بعض ~~وأعطف على بعض القبائل من بعض ، فقد كانت ثقيف يعبدون اللات ، وكان الأوس ~~والخزرج يعبدون مناة ولكل قبيلة إلاه أو آلهة فتقسموا الحاجات عندها ~~واستنصر كل قوم بآلهتهم وطمعوا في غنائها عنهم وهذه حالة يعرفونها فلا ~~يمترون في أنهم مضرب المثل الأول ، وكذلك حال أهل الإشراك في كل زمان ، ألا ~~تسمع ما حكاه الله عن يوسف عليه السلام من قوله : { أأرباب ms8681 متفرقون خير أم ~~الله الواحد القهار } ( يوسف : 39 ) . وينور هذا التفسير أنه يفسره قوله ~~تعالى : { وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن ~~سبيله } ( الأنعام : 153 ) وقوله : { قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة ~~أنا ومن اتبعن وسبحان الله وما أنا من المشركين } ( يوسف : 108 ) ، فقابل ~~في الآية الأولى الصراط المستقيم المشبه به الإسلام بالسبل المتفرقة المشبه ~~بها تعداد الأصنام ، وجعل في الآية الثانية الإسلام مشبها بالسبيل وسالكه ~~يدعو ببصيرة ثم قابل بينه وبين المشركين بقوله : { وما أنا من المشركين } ( ~~يوسف : 108 ) . # فالآية تشتمل على ثلاث استعارات تمثيلية فقوله { يمشي مكبا على وجهه } ~~تشبيه لحال المشرك في تقسم أمره بين الآلهة طلبا للذي ينفعه منها الشاك في ~~انتفاعه بها ، بحال السائر قاصدا أرضا معينة ليست لها طريق جادة فهو يتتبع ~~بنيات الطريق الملتوية وتلتبس عليه ولا يوقن بالطريقة التي تبلغ إلى مقصده ~~فيبقى حائرا متوسما يتعرف آثار أقدام الناس وأخفاف الإبل فيعلم بها أن ~~الطريق مسلوكة أو متروكة . # وفي ضمن هذه التمثيلية تمثيلية أخرى مبنية عليها بقوله : { مكبا على وجهه ~~} بتشبيه حال المتحير المتطلب للآثار في الأرض بحال المكب على وجهه في شدة ~~اقترابه من الأرض . # 0 وقوله : { أمن يمشي سويا } تشبيه لحال الذي آمن برب واحد الواثق بنصر ~~ربه وتأييده وبأنه مصادف للحق ، بحال الماشي في طريق جادة واضحة لا ينظر ~~إلا إلى اتجاه وجهه فهو مستو في سيره . PageV29P045 # وقد حصل في الآية إيجاز حذف إذ استغني عن وصف الطريق بالالتواء في ~~التمثيل الأول لدلالة مقابلته بالاستقامة في التمثيل الثاني . # والفاء التي في صدر الجملة للتفريع على جميع ما تقدم من الدلائل والعبر ~~من أول السورة إلى هنا ، والاستفهام تقريري . # والمكب : اسم فاعل من أكب ، إذا صار ذا كب ، فالهمزة فيه أصلها لإفادة ~~المصير في الشيء مثل همزة : أقشع السحاب ، إذا دخل في حالة القشع ، ومنه ~~قولهم : أنفض القوم إذا هلكت مواشيهم ، وأرملوا إذا فني زادهم ، وهي أفعال ~~قليلة فيما جاء فيه المجرد متعديا والمهموز ms8682 قاصرا . # و { أهدى } مشتق من الهدى ، وهو معرفة الطريق وهو اسم تفضيل مسلوب ~~المفاضلة لأن الذي يمشي مكبا على وجهه لا شيء عنده من الاهتداء فهو من باب ~~قوله تعالى : { قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه } ( يوسف : 33 ) في ~~قول كثير من الأيمة . ومثل هذا لا يخلو من تهكم أو تمليح بحسب المقام . # والسوي : الشديد الاستواء فعيل بمعنى فاعل قال تعالى : { أهدك صراطا سويا ~~} ( مريم : 43 ) . و ( أم ) في قوله : { أمن يمشي سويا } حرف عطف وهي ( أم ~~) المعادلة لهمزة الاستفهام . و ( من ) الأولى والثانية في قوله : { أفمن ~~يمشي مكبا } أو قوله : { أمن يمشي سويا } موصولتان ومحملهما أن المراد ~~منهما فريق المؤمنين وفريق المشركين ، وقيل : أريد شخص معين أريد بالأولى ~~أبو جهل ، وبالثانية النبي صلى الله عليه وسلم أو أبو بكر أو حمزة رضي الله ~~عنهما . # . # هذا انتقال من توجيه الله تعالى الخطاب إلى المشركين للتبصير بالحجج ~~والدلائل وما تخلل ذلك من الوعيد أو التهديد إلى خطابهم على لسان رسوله صلى ~~الله عليه وسلم بأن يقول لهم ما سيذكر تفننا في البيان وتنشيطا للأذهان حتى ~~كأن الكلام صدر من قائلين وترفيعا لقدر نبيئه صلى الله عليه وسلم بإعطائه ~~حظا من التذكير معه كما قال تعالى : { فإنما يسرناه بلسانك } ( الدخان : 58 ~~) . PageV29P046 # والانتقال هنا إلى الاستدلال بفروع المخلوقات بعد الاستدلال بأصولها ، ~~ومن الاستدلال بفروع أعراض الإنسان بعد أصلها ، فمن الاستدلال بخلق ~~السماوات والأرض والموت والحياة ، إلى الاستدلال بخلق الإنسان ومداركه ، ~~وقد أتبع الأمر بالقول بخمسة مثله بطريقة التكرير بدون عاطف اهتماما بما ~~بعد كل أمر من مقالة يبلغها إليهم الرسول صلى الله عليه وسلم قال : { هو ~~الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار } ، الخ . # والضمير { هو } إلى { الرحمن } من قوله : { من دون الرحمن } ( الملك : 20 ~~) . # والإنشاء : الإيجاد . # وإفراد { السمع } لأن أصله مصدر ، أي جعل لكم حاسة السمع ، وأما { ~~الأبصار } فهو جمع البصر بمعنى العين ، وقد تقدم وجه ذلك عند قوله تعالى { ~~ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة في سورة ms8683 البقرة ~~والأفئدة } القلوب ، والمراد بها العقول ، وهو إطلاق شائع في استعمال العرب ~~. # والقصر المستفاد من تعريف المسند إليه والمسند في قوله : { هو الذي ~~أنشأكم } إلى آخره قصر إفراد بتنزيل المخاطبين لشركهم منزلة من يعتقد أن ~~الأصنام شاركت الله في الإنشاء وإعطاء الإحساس والإدراك . # و { قليلا ما تشكرون } حال من ضمير المخاطبين ، أي أنعم عليكم بهذه النعم ~~في حال إهمالكم شكرها . # و { ما } مصدرية والمصدر المنسبك في موضع فاعل { قليلا } لاعتماد { قليلا ~~} على صاحب حال . و { قليلا } صفة مشبهة . # وقد استعمل { قليلا } في معنى النفي والعدم ، وهذا الإطلاق من ضروب ~~الكناية والاقتصاد في الحكم على طريقة التمليح وتقدم عند قوله تعالى : { ~~فقليلا ما يؤمنون في } ( البقرة : 88 ) وقوله تعالى : { فلا يؤمنون إلا ~~قليلا في سورة النساء ، وتقول العرب : هذه أرض قلما تنبت . # } . PageV29P047 # إعادة فعل { قل } من قبيل التكرير المشعر بالاهتمام بالغرض المسوقة فيه ~~تلك الأقوال . # والذرء : الإكثار من الموجود ، فهذا أخص من قوله : { هو الذي أنشأكم } ( ~~الملك : 23 ) أي هو الذي كثركم على الأرض كقوله : { هو أنشأكم من الأرض ~~واستعمركم فيها } ( هود : 61 ) أي أعمركم إياها . # والقول في صيغة القصر في قوله : { هو الذي ذرأكم في الأرض } . مثل القول ~~في قوله : { هو الذي أنشأكم } ( الملك : 23 ) الآية . # وقوله : { وإليه تحشرون } أي بعد أن أكثركم في الأرض فهو يزيلكم بموت ~~الأجيال فكني عن الموت بالحشر لأنهم قد علموا أن الحشر الذي أنذروا به لا ~~يكون إلا بعد البعث والبعث بعد الموت ، فالكناية عن الموت بالحشر بمرتبتين ~~من الملازمة ، وقد أدمج في ذلك تذكيرهم بالموت الذي قد علموا أنه لا بد منه ~~، وإنذارهم بالبعث والحشر . # فتقديم المعمول في { وإليه تحشرون } للاهتمام والرعاية على الفاصلة ، ~~وليس للاختصاص لأنهم لم يكونوا يدعون الحشر أصلا فضلا عن أن يدعوه لغير ~~الله . # ( 25 26 ) . # لما لم تكن لهم معارضة للحجة التي في قوله : { هو الذي أنشأكم } ( الملك ~~: 23 ) إلى { هو الذي ذرأكم في الأرض } ( الملك : 24 ) انحصر عنادهم في ~~مضمون قوله : { وإليه تحشرون } ( الملك : 24 ) فإنهم قد ms8684 جحدوا البعث ~~وأعلنوا بجحده وتعجبوا من إنذار القرآن به ، وقال بعضهم لبعض { هل ندلكم ~~على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد أفترى على الله كذبا ~~أم به جنة } ( سبأ : 7 8 ) وكانوا يقولون : { متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ~~} ( سبأ : 29 ) واستمروا على قوله ، فلذلك حكاه الله عنهم بصيغة المضارع ~~المقتضية للتكرير . # و { الوعد } مصدر بمعنى اسم المفعول ، أي متى هذا الوعد فيجوز أن يراد به ~~الحشر المستفاد من قوله : { وإليه تحشرون } ( الملك : 24 ) فالإشارة إليه ~~بقوله : { هذا } ظاهرة ، ويجوز أن يراد به وعد آخر بنصر المسلمين ، ~~فالإشارة إلى وعيد سمعوه . PageV29P048 # والاستفهام بقولهم : { متى هذا الوعد } مستعمل في التهكم لأن من عادتهم ~~أن يستهزئوا بذلك قال تعالى : { فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة ~~فسينغضون إليك رؤوسهم ويقولون متى هو } ( الإسراء : 51 ) # وأتوا بلفظ { الوعد } استنجازا له لأن شأن الوعد الوفاء . # وضمير الخطاب في : { إن كنتم صادقين } للنبيء صلى الله عليه وسلم ~~والمسلمين لأنهم يلهجون بإنذارهم بيوم الحشر ، وتقدم نظيره في سورة سبأ . # وأمر الله رسوله بأن يجيب سؤالهم بجملة على خلاف مرادهم بل على ظاهر ~~الاستفهام عن وقت الوعد على طريقة الأسلوب الحكيم ، بأن وقت هذا الوعد لا ~~يعلمه إلا الله ، فقوله : { قل } هنا أمر بقول يختص بجواب كلامهم وفصل دون ~~عطف بجريان المقول في سياق المحاورة ، ولم يعطف فعل { قل } بالفاء جريا على ~~سنن أمثاله الواقعة في المجاوبة والمحاورة ، كما تقدم في نظائره الكثيرة ~~وتقدم عند قوله تعالى : { قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها في سورة البقرة . # ولام التعريف في العلم } للعهد ، أي العلم بوقت هذا الوعد . وهذه هي ~~اللام التي تسمى عوضا عن المضاف إليه ، وهذا قصر حقيقي . # { وإنما أنا نذير مبين } قصر إضافي ، أي ما أنا إلا نذير بوقوع هذا الوعد ~~لا أتجاوز ذلك إلى كوني عالما بوقته . # والمبين : اسم فاعل من أبان المتعدي ، أي مبين لما أمرت بتبليغه . # . # ( لما ) حرف توقيت ، أي سيئت وجوههم في وقت رؤيتهم الوعد . # والفاء فصيحة ms8685 لأنها اقتضت جملة محذوفة تقديرها : فحل بهم الوعد فلما رأوه ~~الخ ، أي رأوا الموعود به . # وفعل { رأوه } مستعمل في المستقبل ، وجيء به بصيغة الماضي لشبهه بالماضي ~~في تحقق الوقوع مثل { أتى أمر الله } ( النحل : 1 ) لأنه صادر عمن لا إخلاف ~~في أخباره فإن PageV29P049 هذا الوعد لم يكن قد حصل حين نزول الآية بمكة ~~سواء أريد بالوعد الوعد بالبعث كما هو مقتضى السياق أم أريد به وعد النصر ، ~~بقرينة قوله : { ويقولون متى هذا الوعد } ( الملك : 25 ) فإنه يقتضي أنهم ~~يقولونه في الحال وأن الوعد غير حاصل حين قولهم لأنهم يسألون عنه ب { متى } ~~. # ونظير هذا الاستعمال قوله تعالى : { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا ~~بك على هؤلاء شهيدا في سورة النساء وقوله تعالى : ويوم نبعث في كل أمة ~~شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء في سورة النحل إذ جمع في ~~الآيتين بين فعل نبعث } مضارعا وفعل { جئنا } ماضيا . # وأصل المعنى : فإذا يرونه تساء وجوه الذين كفروا الخ ، فعدل عن ذلك إلى ~~صوغ الوعيد في صورة الإخبار عن أمر وقع فجيء بالأفعال الماضية . # وضمير { رأوه } عائد إلى { الوعد } ( الملك : 25 ) بمعنى : رأوا الموعود ~~به . # والزلفة بضم الزاي : اسم مصدر زلف إذا قرب وهو من باب تعب . وهذا إخبار ~~بالمصدر للمبالغة ، أي رأوه شديد القرب منهم ، أي أخذ ينالهم . # و { سيئت } بني للنائب ، أي ساء وجوههم ذلك الوعد بمعنى الموعود . وأسند ~~حصول السوء إلى الوجوه لتضمينه معنى كلحت ، أي لأنه سوء شديد تظهر آثار ~~الانفعال منه على الوجوه ، كما أسند الخوف إلى الأعين في قول الأعشى : # وأقدم إذا ما أعين الناس تفرق # { وقيل } أي لهم . # و { تدعون } بتشديد الدال مضارع ادعى . وقد حذف مفعوله لظهوره من قوله : ~~{ ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين } ( الملك : 25 ) ، أي تدعون أنه ~~لا يكون . # و { به } متعلق ب { تدعون } لأنه ضمن معنى ( تكذبون ) فإنه إذا ضمن عامل ~~معنى عامل آخر يحذف معمول العامل المذكور ويذكر معمول ضمنه ليدل المذكور ~~على المحذوف ms8686 . وذلك ضرب من الإيجاز . # وتقديم المجرور على العامل للاهتمام بإخطاره وللرعاية على الفاصلة . ~~والقائل لهم PageV29P050 { هذا الذي كنتم به تدعون } ملائكة المحشر أو خزنة ~~جهنم ، فعدل عن تعيين القائل ، إذ المقصود المقول دون القائل فحذف القائل ~~من الإيجاز . # والقصر المستفاد من تعريف جزأي الإسناد تعريض بهم بأنهم من شدة جحودهم ~~بمنزلة من إذا رأوا الوعد حسبوه شيئا آخر على نحو قوله تعالى : { فلما رأوه ~~عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا } ( الأحقاف : 24 ) . # وقرأ الجمهور { سيئت } بكسرة السين خالصة ، وقرأه ابن عامر والكسائي ~~بإشمام الكسرة ضمة ، وهما لغتان في فاء كل ثلاثي معتل العين إذا بني ~~للمجهول . # وقرأ الجمهور { تدعون } بفتح الدال المشددة وقرأه يعقوب بسكون الدال من ~~الدعاء ، أي الذي كنتم تدعون الله أن يصيبكم به تهكما وعنادا كما قالوا { ~~فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم } ( الأنفال : 32 ) . # . # هذا تكرير ثان لفعل { قل هو الذي أنشأكم } ( الملك : 23 ) . # كان من بذاءة المشركين أن يجهروا بتمني هلاك رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهلاك من معه من المسلمين ، وقد حكى القرآن عنهم { أم يقولون شاعر ~~نتربص به ريب المنون } ( الطور : 30 ) وحكى عن بعضهم { ويتربص بكم الدوائر ~~} ( التوبة : 98 ) ، وكانوا يتآمرون على قتله ، قال تعالى : { وإذ يمكر بك ~~الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك } ( الأنفال : 30 ) ، فأمره الله بأن يعرفهم ~~حقيقة تدحض أمانيهم ، وهي أن موت أحد أو حياته لا يغني عن غيره ما جره إليه ~~عمله ، وقد جرت إليهم أعمالهم غضب الله ووعيده فهو نائلهم حيي الرسول صلى ~~الله عليه وسلم أو بادره المنون ، قال تعالى : { فإما نذهبن بك فإنا منهم ~~منتقمون أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون } ( الزخرف : 41 ، 42 ) ~~وقال : { وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون } ( الأنبياء ~~: 34 ) وقال : { إنك ميت وإنهم ميتون } ( الزمر : 30 ) أي المشركين ، وقد ~~تكرر هذا المعنى وما يقاربه في القرآن ، وينسب إلى الشافعي : # تمنى رجال أن أموت فإن أمت # فتلك سبيل لست فيها بأوحد PageV29P051 # فقد ms8687 يكون نزول هذه الآيات السابقة صادف مقالة من مقالاتهم هذه فنزلت ~~الآية في أثنائها وقد يكون نزولها لمناسبة حكاية قولهم : { متى هذا الوعد } ~~( الملك : 25 ) بأن قارنه كلام بذيء مثل أن يقولوا : أبعد هلاكك يأتي الوعد ~~. # والإهلاك : الإماتة ، ومقابلة { أهلكني } ب { رحمنا } يدل على أن المراد ~~: أو رحمنا بالحياة ، فيفيد أن الحياة رحمة ، وأن تأخير الأجل من النعم ، ~~وإنما لم يؤخر الله أجل نبيئه صلى الله عليه وسلم مع أنه أشرف الرسل لحكم ~~أرادها كما دل عليه قوله : ( حياتي خير لكم وموتي خير لكم ) ، ولعل حكمة ~~ذلك أن الله أكمل الدين الذي أراد إبلاغه فكان إكماله يوم الحج الأكبر من ~~سنة ثلاث وعشرين من البعثة ، وكان استمرار نزول الوحي على النبي صلى الله ~~عليه وسلم خصيصية خصه الله بها من بين الأنبياء ، فلما أتم الله دينه ربا ~~برسوله صلى الله عليه وسلم أن يبقى غير متصل بنزول الوحي فنقله الله إلى ~~الاتصال بالرفيق الأعلى مباشرة بلا واسطة ، وقد أشارت إلى هذا سورة { إذا ~~جاء نصر الله من قوله : ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ~~ربك واستغفره } ( النصر : 1 3 ) . ولله در عبد بني الحسحاس في عبرته بقوله ~~: # رأيت لمنايا لم يدعن محمدا # ولا باقيا إلا له الموت مرصدا # وقد عوضه الله تعالى بحياة أعلى وأجل ، إذ قال { ورفعنا لك ذكرك } ( ~~الشرح : 4 ) ، وبالحياة الأبدية العاجلة وهي أنه يرد عليه روحه الزكية كلما ~~سلم عليه أحد فيرد عليه السلام كما ثبت بالحديث الصحيح . # وإنما سمى الحياة رحمة له ولمن معه ، لأن في حياته نعمة له وللناس ما دام ~~الله مقدرا حياته ، وحياة المؤمن رحمة لأنه تكثر له فيها بركة الإيمان ~~والأعمال الصالحة . # والاستفهام في { أرأيتم } إنكاري أنكر اندفاعهم إلى أمنيات ورغائب لا ~~يجتنون منها نفعا ولكنها مما تمليه عليهم النفوس الخبيثة من الحقد والحسد . # والرؤية علمية ، وفعلها معلق عن العمل فلذلك لم يرد بعده مفعولاه ، وهو ~~معلق بالاستفهام الذي في جملة جواب الشرط ، فتقدير الكلام : أرأيتم أنفسكم ~~ناجين ms8688 من عذاب أليم إن هلكت وهلك من معي ، فهلاكنا لا يدفع عنكم العذاب ~~المعد للكافرين . PageV29P052 # وأقحم الشرط بين فعل الرؤية وما سد مسد مفعوليه . # والفاء في قوله : { فمن يأتيكم } ( الملك : 30 ) رابطة لجواب الشرط لأنه ~~لما وقع بعد ما أصله المبتدأ والخبر وهو المفعولان المقدران رجح جانب الشرط ~~. # والمعية في قوله : { ومن معي } معية مجازية ، وهي الموافقة والمشاركة في ~~الإعتقاد والدين ، كما في قوله تعالى : { محمد رسول الله والذين معه أشداء ~~على الكفار } ( الفتح : 29 ) الآية ، أي الذين آمنوا معه ، وقوله : { ~~والذين ءامنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم } ( التحريم : 8 ) كما أطلقت على ~~الموافقة في الرأي والفهم في قول أبي هريرة : ( أنا مع ابن أخي ) ، يعني ~~موافق لأبي سلمة بن عبد الرحمن ، وذلك حين اختلف أبو سلمة وابن عباس في ~~المتوفى عنها الحامل إذا وضعت حملها قبل مضي عدة الوفاة . # والاستفهام بقوله : { فمن يجير الكافرين } الخ إنكاري ، أي لا يجيرهم منه ~~مجير ، أي أظننتم أن تجدوا مجيرا لكم إذا هلكنا فذلك متعذر فماذا ينفعكم ~~هلاكنا . # والعذاب المذكور هنا ما عبر عنه بالوعد في الآية قبلها . # وتنكير { عذاب } للتهويل . # والمراد ب { الكافرين } جميع الكافرين فيشمل المخاطبين . # والكلام بمنزلة التذييل ، وفيه حذف ، تقديره : من يجيركم من عذاب فإنكم ~~كافرون ولا مجير للكافرين . # وذكر وصف { الكافرين } لما فيه من الإيماء إلى علة الحكم لأنه وصف إذا ~~علق به حكم أفاد تعليل ما منه اشتقاق الوصف . # وقرأ الجمهور بفتحة على ياء { أهلكني } ، وقرأها حمزة بإسكان الياء . # وقرأ الجمهور ياء { معي } بفتحة . وقرأها أبو بكر عن عاصم وحمزة والكسائي ~~بسكون الياء . # . PageV29P053 # هذا تكرير ثالث لفعل { قل } من قوله : { قل هو الذي أنشأكم } ( الملك : ~~23 ) الآية . # وجاء هذا الأمر بقول يقوله لهم بمناسبة قوله : { أو رحمنا } ( الملك : 28 ~~) فإنه بعد أن سوى بين فرض إهلاك المسلمين وإحيائهم في أن أي الحالين فرض ~~لا يجيرهم معه أحد من العذاب ، أعقبه بأن المسلمين آمنوا بالرحمان ، فهم ~~مظنة أن تتعلق بهم هذه الصفة فيرحمهم الله في الدنيا والآخرة ، فيعلم ms8689 ~~المشركون علم اليقين أي الفريقين في ضلال حين يرون أثر الرحمة على المسلمين ~~وانتفاءه عن المشركين في الدنيا وخاصة في الآخرة . # وضمير { هو } عائد إلى الله تعالى الواقع في الجملة قبله ، أي الله هو ~~الذي وصفه { الرحمن } فهو يرحمنا ، وأنكم أنكرتم هذا الاسم فأنتم أحرياء ~~بأن تحرموا آثار رحمته . ونحن توكلنا عليه دون غيره وأنتم غركم عزكم وجعلتم ~~الأصنام معتمدكم ووكلاءكم . # وبهذه التوطئة يقع الإيماء إلى الجانب المهتدي والجانب الضال من قوله : { ~~فستعلمون من هو في ضلال مبين } لأنه يظهر بداء تأمل أن الذين في ضلال مبين ~~هم الذين جحدوا وصف { الرحمن } وتوكلوا على الأوثان . # و { من } موصولة ، وما صدق { من } فريق مبهم متردد بين فريقين تضمنهما ~~قوله : { إن أهلكني الله ومن معي } ( الملك : 28 ) وقوله : { فمن يجير ~~الكافرين } ( الملك : 28 ) ، فأحد الفريقين فريق النبي صلى الله عليه وسلم ~~ومن معه ، والآخر فريق الكافرين ، أي فستعلمون اتضاح الفريق الذي هو في ~~ضلال مبين . # وتقديم معمول { توكلنا } عليه لإفادة الاختصاص ، أي توكلنا عليه دون غيره ~~تعريضا بمخالفة حال المشركين إذ توكلوا على أصنامهم وأشركوها في التوكل مع ~~الله ، أو نسوا التوكل على الله باشتغال فكرتهم بالتوجه إلى الاصنام . # وإنما لم يقدم معمول { آمنا } عليه فلم يقل : به آمنا لمجرد الاهتمام إلى ~~الإخبار عن إيمانهم بالله لوقوعه عقب وصف الآخرين بالكفر في قوله : { فمن ~~يجير الكافرين من عذاب أليم } ( الملك : 28 ) فإن هذا جواب آخر عن تمنيهم ~~له الهلاك سلك به طريق التبكيت ، أي هو الرحمن يجيرنا من سوء ترومونه لنا ~~لأننا آمنا به ولم نكفر به PageV29P054 كما كفرتم ، فلم يكن المقصود في ~~إيراده نفي الإشراك وإثبات التوحيد ، إذ الكلام في الإهلاك والإنجاء المعبر ~~عنه ب { رحمنا } ( الملك : 28 ) فجيء بجملة { ءامنا } على أصل مجرد معناها ~~دون قصد الاختصاص ، بخلاف قوله : { وعليه توكلنا } لأن التوكل يقتضي منجيا ~~وناصرا ، والمشركون متوكلون على أصنامهم وقوتهم وأموالهم ، فقيل : نحن لا ~~نتكل على ما أنتم متكلون عليه ، بل على الرحمن وحده توكلنا . # وفعل { فستعلمون } معلق عن ms8690 العمل لمجيء الاستفهام بعده . # وقرأ الجمهور { فستعلمون } بتاء الخطاب على أنه مما أمر بقوله الرسول صلى ~~الله عليه وسلم وقرأه الكسائي بياء الغائب على أن يكون إخبارا من الله ~~لرسوله بأنه سيعاقبهم عقاب الضالين . # . # إيماء إلى أنهم يترقبهم عذاب الجوع بالقحط والجفاف فإن مكة قليلة المياه ~~ولم تكن بها عيون ولا آبار قبل زمزم ، كما دل عليه خبر تعجب القافلة من ( ~~جرهم ) التي مرت بموضع مكة حين أسكنها إبراهيم عليه السلام هاجر بابنه ~~إسماعيل ففجر الله لها زمزم ولمحت القافلة الطير تحوم حول مكانها فقالوا : ~~ما عهدنا بهذه الأرض ماء ، ثم حفر ميمون بن خالد الحضرمي بأعلاها بئرا تسمى ~~بئر ميمون في عهد الجاهلية قبيل البعثة ، وكانت بها بئر أخرى تسمى الجفر ( ~~بالجيم ) لبني تيم بن مرة ، وبئر تسمى الجم ذكرها ابن عطية وأهملها ( ~~القاموس ) و ( تاجه ) ، ولعل هاتين البئرين الأخيرتين لم تكونا في عهد ~~النبي صلى الله عليه وسلم # فماء هذه الآبار هو الماء الذي أنذروا بأنه يصبح غورا ، وهذا الإنذار ~~نظير الواقع في سورة القلم ( 17 33 ) { إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة ~~إلى قوله : لو كانوا يعلمون . ! # والغور : مصدر غارت البئر ، إذا نزح ماؤها فلم تنله الدلاء . # والمراد : ماء البئر كما في قوله : أو يصبح ماؤها غورا في ذكر جنة سورة ~~الكهف . PageV29P055 # وأصل الغور : ذهاب الماء في الأرض ، مصدر غار الماء إذا ذهب في الأرض ، ~~والإخبار به عن الماء من باب الوصف بالمصدر للمبالغة مثل : عدل ورضى . ~~والمعين : الظاهر على وجه الأرض ، والبئر المعينة : القريبة الماء على وجه ~~التشبه . # والاستفهام في قوله : فمن يأتيكم بماء } استفهام إنكاري ، أي لا يأتيكم ~~أحد بماء معين : أي غير الله واكتفي عن ذكره لظهوره من سياق الكلام ومن ~~قوله قبله { أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن } ( الملك : 20 ~~) الآيتين . # وقد أصيبوا بقحط شديد بعد خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وهو ~~المشار إليه في سورة الدخان . ومن المعلوم أن انحباس المطر يتبعه غور مياه ~~الآبار ms8691 لأن استمدادها من الماء النازل على الأرض ، قال تعالى : { ألم تر أن ~~الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض } ( الزمر : 21 ) وقال : { ~~وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء } ~~( البقرة : 74 ) . # ومن النوادر المتعلقة بهذه الآية ما أشار إليه في ( الكشاف ) مع ما نقل ~~عنه في ( بيانه ) ، قال : وعن بعض الشطار ( هو محمد بن زكرياء الطبيب كما ~~بينه المصنف فيما نقل عنه ) أنها ( أي هذه الآية ) تليت عنده فقال : تجيء ~~به ( أي الماء ) الفؤوس والمعاول ، فذهب ماء عينيه . نعوذ بالله من الجرأة ~~على الله وعلى آياته . والله أعلم . # PageV29P056 # | 1 ( سورة القلم ) 1 # سميت هذه السورة في معظم التفاسير وفي ( صحيح البخاري ) { سورة ن والقلم ~~على حكاية اللفظين الواقعين في أولها ، أي سورة هذا اللفظ . # وترجمها الترمذي في جامعه } وبعض المفسرين سورة { ن بالاقتصار على الحرف ~~المفرد الذي افتتحت به مثل ما سميت سورة ص وسورة ق . # وفي بعض المصاحف سميت سورة القلم وكذلك رأيت تسميتها في مصحف مخطوط بالخط ~~الكوفي في القرن الخامس . # وهي مكية قال ابن عطية : لا خلاف في ذلك بين أهل التأويل . # وذكر القرطبي عن الماوردي : أن ابن عباس وقتادة قالا : أولها مكي ، إلى ~~قوله : على الخرطوم } ( القلم : 16 ) ومن قوله : { إنا بلوناهم إلى لو ~~كانوا يعلمون } ( القلم : 17 33 ) مدني ، ومن قوله : { إن للمتقين عند ربهم ~~جنات النعيم إلى قوله : فهم يكتبون } ( القلم : 34 47 ) مكي PageV29P057 ~~ومن قوله : { فاصبر لحكم ربك إلى قوله : من الصالحين } ( القلم : 48 50 ) ~~مدني ، ومن قوله : { وإن يكاد الذين كفروا } ( القلم : 51 ) إلى آخر السورة ~~مكي . # وفي ( الإتقان ) عن السخاوي : أن المدني منها من قوله : { إنا بلوناهم ~~إلى لو كانوا يعلمون } ( القلم : 17 33 ) ومن قوله : { فاصبر لحكم ربك إلى ~~قوله : من الصالحين } ( القلم : 48 50 ) فلم يجعل قوله : { إن للمتقين عند ~~ربهم إلى قوله : فهم يكتبون } ( القلم : 34 47 ) مدنيا خلافا لما نسبه ~~الماوردي إلى ابن عباس . # وهذه السورة عدها جابر ms8692 بن زيد ثانية السور نزولا قال : نزلت بعد سورة { ~~اقرأ باسم ربك وبعدها سورة المزمل ثم سورة المدثر ، والأصح حديث عائشة أن ~~أول ما أنزل سورة اقرأ باسم ربك ثم فتر الوحي ثم نزلت سورة المدثر . # وما في حديث جابر بن عبد الله أن سورة المدثر نزلت بعد فترة الوحي يحمل ~~على أنها نزلت بعد سورة اقرأ باسم ربك جمعا بينه وبين حديث عائشة رضي الله ~~عنها . # وفي تفسير القرطبي } : أن معظم السورة نزل في الوليد بن المغيرة وأبي جهل ~~. # واتفق العادون على عد آيها ثنتين وخمسين . # $ 2 ( { ن & # 1764 والقلم وما يسطرون * مآ أنت بنعمة ربك بمجنون * وإن لك لاجرا غير ~~ممنون * وإنك لعلى خلق عظيم * فستبصر ويبصرون * بأيكم المفتون * إن ربك هو ~~أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين * فلا تطع المكذبين * ودوا لو ~~تدهن فيدهنون * ولا تطع كل حلاف مهين * هماز مشآء بنميم * مناع للخير معتد ~~أثيم * عتل بعد ذلك زنيم * أن كان ذا مال وبنين * إذا تتلى عليه ءاياتنا ~~قال أساطير الاولين * سنسمه على الخرطوم * إنا بلوناهم كما بلونآ أصحاب ~~الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين * ولا يستثنون * فطاف عليها طآئف من ربك ~~وهم نآئمون * فأصبحت كالصريم * فتنادوا مصبحين * أن اغدوا على حرثكم إن ~~كنتم صارمين * فانطلقوا وهم يتخافتون * أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين * ~~وغدوا على حرد قادرين * فلما رأوها قالو & # 1764 ا إنا لضآلون * بل نحن محرومون * قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا ~~تسبحون * قالوا سبحان ربنآ إنا كنا ظالمين * فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون ~~* قالوا ياويلنآ إنا كنا طاغين * عسى ربنآ أن يبدلنا خيرا منهآ إنآ إلى ~~ربنا راغبون * كذلك العذاب ولعذاب الاخرة أكبر لو كانوا يعلمون * إن ~~للمتقين عند ربهم جنات النعيم * أفنجعل المسلمين كالمجرمين * ما لكم كيف ~~تحكمون * أم لكم كتاب فيه تدرسون * إن لكم فيه لما تخيرون * أم لكم أيمان ~~علينا بالغة إلى يوم القيامة إن لكم لما تحكمون * سلهم أيهم بذالك زعيم * ~~أم لهم شركآء فليأتوا بشركآئهم إن كانوا ms8693 صادقين * يوم يكشف عن ساق ويدعون ~~إلى السجود فلا يستطيعون * خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى ~~السجود وهم سالمون * فذرنى ومن يكذب بهاذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا ~~يعلمون * وأملى لهم إن كيدى متين * أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون * أم ~~عندهم الغيب فهم يكتبون * فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو ~~مكظوم * لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعرآء وهو مذموم * فاجتباه ربه ~~فجعله من الصالحين * وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا ~~الذكر ويقولون إنه لمجنون * وما هو إلا ذكر للعالمين } ) 2 $ أغراضها # جاء في هذه السورة الإيماء بالحرف الذي في أولها إلى تحدي المعاندين ~~بالتعجيز عن الإتيان بمثل سور القرآن ، وهذا أول التحدي الواقع في القرآن ~~إذ ليس في سورة العلق ولا في المزمل ولا في المدثر إشارة إلى التحدي ولا ~~تصريح . # وفيها إشارة إلى التحدي بمعجزة الأمية بقوله : { والقلم وما يسطرون } ( ~~القلم : 1 ) . # وابتدئت بخطاب النبي صلى الله عليه وسلم تأنيسا له وتسلية عما لقيه من ~~أذى المشركين . # وإبطال مطاعن المشركين في النبي صلى الله عليه وسلم # وإثبات كمالاته في الدنيا والآخرة وهديه وضلالل معانديه وتثبيته . # وأكد ذلك بالقسم بما هو من مظاهر حكمة الله تعالى في تعليم الإنسان ~~PageV29P058 الكتابة فتضمن تشريف حروف الهجاء والكتابة والعلم لتهيئة الأمة ~~لخلع دثار الأمية عنهم وإقبالهم على الكتابة والعلم لتكون الكتابة والعلم ~~سببا لحفظ القرآن . # ثم أنحى على زعماء المشركين مثل أبي جهل والوليد بن المغيرة بمذمات كثيرة ~~وتوعدهم بعذاب الآخرة وببلايا في الدنيا بأن ضرب لهم مثلا بمن غرهم عزهم ~~وثراؤهم ، فأزال الله ذلك عنهم وأباد نعمتهم . # وقابل ذلك بحال المؤمنين المتقين وأن الله اجتباهم بالإسلام ، وأن آلهتهم ~~لا يغنون عنهم شيئا من العذاب في الدنيا ولا في الآخرة . # ووعظهم بأن ما هم فيه من النعمة استدراج وإملاء جزاء كيدهم . وأنهم لا ~~معذرة لهم فيما قابلوا به دعوة النبي صلى الله عليه وسلم من طغيانهم ولا ~~حرج عليهم في الإنصات ms8694 إليها . # وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم بالصبر في تبليغ الدعوة وتلقي أذى قومه ، ~~وأن لا يضجر في ذلك ضجرا عاتب الله عليه نبيئه يونس عليه السلام . # ( 1 4 ) { } . # افتتاح هذه السورة بأحد حروف الهجاء جار على طريقة أمثالها من فواتح ~~السور ذوات الحروف المقطعة المبينة في سورة البقرة وهذه أول سورة نزلت ~~مفتتحة بحرف مقطع من حروف الهجاء . # ورسموا حرف { ن } بصورته التي يرسم بها في الخط وهي مسمى اسمه الذي هو { ~~نون } ( بنونن بعدها واو ثم نون ) وكان القياس أن تكتب الحروف الثلاثة لأن ~~الكتابة تبع للنطق والمنطوق به هو اسم الحرف لا ذاته ، لأنك إذا أردت كتابة ~~سيف مثلا فإنما ترسم سينا ، وياء ، وفاء ، ولا ترسم صورة سيف . # وإنما يقرأ باسم الحرف لا بهجائه كما تقدم في أول سورة البقرة . # وينطق باسم نون ساكن الآخر سكون الكلمات قبل دخول العوامل عليها ، وكذلك ~~قرىء في القراءات المتواترة . PageV29P059 # ) # يجري القسم هنا على سنن الأقسام الصادرة في كلام الله تعالى أن تكون ~~بأشياء معظمة دالة على آثار صفات الله تعالى . # و { القلم } المقسم به قيل هو ما يكنى عنه بالقلم من تعلق علم الله ~~بالموجودات الكائنة والتي ستكون ، أو هو كائن غيبي لا يعلمه إلا الله . وعن ~~مجاهد وقتادة : أنه القلم الذي في قوله تعالى : { الذي علم بالقلم علم ~~الإنسان ما لم يعلم } ( العلق : 4 5 ) . قلت : وهذا هو المناسب لقوله : { ~~وما يسطرون } في الظاهر وهو الذي يقتضيه حال المشركين المقصودين بالخطاب ~~الذين لا يعرفون إلا القلم الذي هو آلة الكتابة عند أهل الكتاب وعند الذين ~~يعرفون الكتابة من العرب . # ومن فوائد هذا القسم أن هذا القرآن كتاب الإسلام ، وأنه سيكون مكتوبا ~~مقروءا بين المسلمين ، ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر أصحابه ~~بكتابة ما يوحى به إليه وتعريف { القلم } تعريف الجنس . # فالقسم بالقلم لشرفه بأنه يكتب به القرآن وكتبت به الكتب المقدسة وتكتب ~~به كتب التربية ومكارم الأخلاق والعلوم وكل ذلك مما له حظ شرف عند الله ms8695 ~~تعالى . # وهذا يرجحه أن الله نوه بالقلم في أول سورة نزلت من القرآن بقوله : { ~~إقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم } ( العلق : 3 5 ~~) . # و { ما يسطرون } هي السطور المكتوبة بالقلم . # و { ما } يجوز أن تكون موصولة ، أي وما يكتبونه من الصحف ، ويجوز أن تكون ~~مصدرية ، والمعنى : وسطرهم الكتابة سطورا . # ويجوز أن يكون قسما بالأقلام التي يكتب بها كتاب الوحي القرآن ، { وما ~~يسطرون } قسما بكتابتهم ، فيكون قسما بالقرآن على أن القرآن ما هو بكلام ~~مجنون PageV29P060 كما تقدم في قوله تعالى : { والكتاب المبين إنا جعلناه ~~قرءانا عربيا في سورة الزخرف ( 2 3 ) ، وتنظيره بقول أبي تمام : # وثناياكك إنها أغريض . . . البيت # ويسطرون } : مضارع سطر ، يقال : سطر من باب نصر ، إذا كتب كلمات عدة تحصل ~~منها صفوف من الكتابة ، وأصله مشتق من السطر وهو القطع ، لأن صفوف الكتابة ~~تبدو كأنها قطع . # وضمير { يسطرون } راجع إلى غير مذكور في الكلام وهو معلوم للسامعين لأن ~~ذكر القلم ينبىء بكتبة يكتبون به فكان لفظ القسم متعلقا بآلة الكتابة ~~والكتابة ، والمقصود : المكتوب في إطلاق المصدر على المفعول ، فهو بمنزلة ~~الفعل المبني للمجهول لأن الساطرين غير معلومين ، فكأنه قيل : والمسطور ، ~~نظير قوله تعالى : { وكتاب مسطور في رق منشور } ( الطور : 2 3 ) . # ومن فسر { القلم } بمعنى تعلق علم الله تعالى بما سيكون جعل ضمير { ~~يسطرون } راجعا إلى الملائكة فيكون السطر رمزا لتنفيذ الملائكة ما أمر الله ~~بتنفيذه حين تلقي ذلك ، أي يكتبون ذلك للعمل به أو لإبلاغه من بعضهم إلى ~~بعض على وجه لا يقبل الزيادة ولا النقصان ، فشبه ذلك الضبط بضبط الكاتب ما ~~يريد إبلاغه بدون تغيير . # وأوثر القسم بالقلم والكتابة للإيماء إلى أن باعث الطاعنين على الرسول ~~صلى الله عليه وسلم واللامزين له بالجنون ، إنما هو ما أتاهم به من الكتاب ~~. # والمقسم عليه نفي أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم مجنونا والخطاب له ~~بهذا تسلية له لئلا يحزنه قول المشركين لما دعاهم إلى الإسلام : هو مجنون ، ~~وذلك ما شافهوا به النبي صلى ms8696 الله عليه وسلم وحكاه الله عنهم في آخر السورة ~~( القلم : 51 ) { وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ~~ويقولون إنه لمجنون . وهكذا كل ما ورد فيه نفي صفة الجنون عنه فإنما هو رد ~~على أقوال المشركين كقوله : وما صاحبكم بمجنون } ( التكوير : 22 ) . وقد زل ~~فيه صاحب ( الكشاف ) زلة لا تليق بعلمه . # والمقصود من نفي الجنون عنه إثبات ما قصد المشركون نفيه وهو أن يكون ~~PageV29P061 رسولا من الله لأنهم لما نفوا عنه صفة الرسالة وضعوا موضعها ~~صفة الجنون ، فإذا نفي ما زعموه فقد ثبت ما ادعاه . # وقد أجيب قولهم وتأكيدهم ذلك بحرف ( إن ) ولام الابتداء إذ قالوا { إنه ~~لمجنون } ( القلم : 51 ) بمؤكدات أقوى مما في كلامهم إذ أقسم عليه وجيء بعد ~~النفي بالباء التي تزاد بعد النفي لتأكيده ، وبالجملة الإسمية منفية لدلالة ~~الجملة الإسمية على ثبات الخبر ، أي تحققه فهذه ثلاثة مؤكدات . # وقوله : { بنعمة ربك } جعله في ( الكشاف ) حالا من الضمير الذي في مجنون ~~المنفي . والتقدير : انتفى وصف المجنون بنعمة ربك عليك ، والباء للملابسة ~~أو السببية ، أي بسبب إنعام الله إذ برأك من النقائص . والذي أرى أن تكون ~~جملة معترضة وأن الباء متعلقة بمحذوف يدل عليه المقام وتقديره : أن ذلك ~~بنعمة ربك ، على نحو ما قيل في تعلق الباء في قوله : { باسم الله } ( هود : ~~41 ) وهو الذي يقتضيه استعمالهم كقول الحماسي الفضل بن عباس اللهبي : # كل له نية في بغض صاحبه # بنعمة الله نقليكم وتقلونا # وذهب ابن الحاجب في ( أماليه ) أن { بنعمة ربك } متعلق بما يتضمنه حرف { ~~ما } النافية من معنى الفعل وقدره : انتفى أن تكون مجنونا بنعمة ربك . ولا ~~يصح تعلقه بقوله : ( مجنون ) إذ لو علق به لأوهم نفي جنون خاص وهو الجنون ~~الذي يكون من نعمة الله وليس ذلك بمستقيم ، واستحسن هذا ابن هشام في ( مغني ~~اللبيب ) في الباب الثالث لولا أنه مخالف لاتفاق النحاة على عدم صحة تعلق ~~الظرف بالحرف ولم يخالفهم في ذلك إلا أبو علي وأبو الفتح في خصوص تعلق ~~المجرور والظرف بمعنى الحرف ms8697 النائب عن فعل مثل حرف النداء في قولك : يا ~~لزيد ( يريد في الاستغاثة ) ، وتقدم نظيره في قوله : { فما أنت بنعمة ربك ~~بكاهن ولا مجنون في سورة الطور . # ولما ثبت الله رسوله فدفع بهتان أعدائه أعقبه بإكرامه بأجر عظيم على ما ~~لقيه من المشركين من أذى بقوله : وإن لك لأجرا غير ممنون } بقرينة وقوعه ~~عقب قوله : { ما أنت بنعمة ربك بمجنون } ، مؤكدا ذلك بحرف { إن } وبلام ~~الابتداء وبتقديم المجرور وهو في قوله ( لك . PageV29P062 # وهذا الأجر هو ثواب الله في الآخرة وعناية الله به ونصره في الدنيا . # و ( ممنون يجوز أن يكون مشتقا من من المعطي على المعطى إذا عد عليه عطاءه ~~وذكره له ، أو افتخر عليه به فإن ذلك يسوء المعطى ، قال النابغة : # علي لعمرو نعمة بعد نعمة # لوالده ليست بذاتت عقارب # أي ليس فيها أذى ، والمن من الأذى قال تعالى : { يا أيها الذين ءامنوا لا ~~تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى } ( البقرة : 264 ) . # وقد انتزع من هذه الآية عبد الله بن الزبير ( بكسر الموحدة ) أو غيره في ~~قوله : # أيادي لم تمنن وإن هي جلت # قبله : # سأشكر عمرا إن تراخت منيتي # ومراده عمرو بن سعيد المعروف بالأشدق . # ويجوز أن يكون ( ممنون مشتقا من قولهم : من الحبل ، إذا قطعه ، أي أجرا ~~غير مقطوع عنك ، وهو الثواب المتزايد كل يوم ، أو أجرا أبديا في الآخرة ، ~~ولهذا كان لإيثار كلمة ( ممنون هنا من الإيجاز بجمع معنيين بخلاف قوله : { ~~عطاء غير مجذوذ في سورة هود لأن ما هنا تكرمة للرسول . # وبعد أن آنس نفس رسوله بالوعد عاد إلى تسفيه قول الأعداء فحقق أنه متلبس ~~بخلق عظيم وذلك ضد الجنون مؤكدا ذلك بثلاثة مؤكدات مثل ما في الجملة قبله . # والخلق : طباع النفس ، وأكثر إطلاقه على طباع الخير إذا لم يتبع بنعت ، ~~وقد تقدم عند قوله تعالى : إن هذا إلا خلق الأولين في سورة الشعراء . # والعظيم : الرفيع القدر وهو مستعار من ضخامة الجسم ، وشاعت هذه الاستعارة ~~حتى ساوت الحقيقة . # و ( على ) للاستعلاء المجازي المراد به التمكن كقوله : أولئك على ms8698 هدى من ~~ربهم } ( البقرة : 5 ) ومنه قوله تعالى : { إنك على الحق المبين } ( النمل ~~: 79 ) ، { إنك على صراط مستقيم } ( الزخرف : 43 ) ، { إنك لعلى هدى مستقيم ~~} ( الحج : 67 ) . PageV29P063 # وفي حديث عائشة ( أنها سئلت عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : ~~كان خلقه القرآن ) أي ما تضمنه القرآن من إيقاع الفضائل والمكارم والنهي عن ~~أضدادها . # والخلق العظيم : هو الخلق الأكرم في نوع الأخلاق وهو البالغ أشد الكمال ~~المحمود في طبع الإنسان لاجتماع مكارم الأخلاق في النبي صلى الله عليه وسلم ~~فهو حسن معاملته الناس على اختلاف الأحوال المقتضية لحسن المعاملة ، فالخلق ~~العظيم أرفع من مطلق الخلق الحسن . # ولهذا قالت عائشة : ( كان خلقه القرآن ) ، ألست تقرأ : { قد أفلح ~~المؤمنون } ( المؤمنون : 1 ) الآيات العشر ) . وعن علي : الخلق العظيم : هو ~~أدب القرآن ويشمل ذلك كل ما وصف به القرآن محامد الأخلاق وما وصف به النبي ~~صلى الله عليه وسلم من نحو قوله : { فبما رحمة من الله لنت لهم } ( آل ~~عمران : 159 ) وقوله : { خذ العفو وأءمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين } ( ~~الأعراف : 199 ) وغير ذلك من آيات القرآن . وما أخذ به من الأدب بطريق ~~الوحي غير القرآن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إنما بعثت لأتمم ~~مكارم الأخلاق ) ، فجعل أصل شريعته إكمال ما يحتاجه البشر من مكارم الأخلاق ~~في نفوسهم ، ولا شك أن الرسول صلى الله عليه وسلم أكبر مظهر لما في شرعه ~~قال تعالى : { ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها } ( الجاثية : 18 ) ~~وأمره أن يقول : { وأنا أول المسلمين } ( الأنعام : 163 ) . # فكما جعل الله رسوله صلى الله عليه وسلم على خلق عظيم جعل شريعته لحمل ~~الناس على التخلق بالخلق العظيم بمنتهى الاستطاعة . # وبهذا يزداد وضوحا معنى التمكن الذي أفاده حرف الاستعلاء في قوله : { ~~وإنك لعلى خلق عظيم } فهو متمكن منه الخلق العظيم في نفسه ، ومتمكن منه في ~~دعوته الدينية . # واعلم أن جماع الخلق العظيم الذي هو أعلى الخلق الحسن هو التدين ، ومعرفة ~~الحقائق ، وحلم النفس ، والعدل ، والصبر على المتاعب ، والاعتراف للمحسن ، ~~والتواضع ، والزهد ، والعفة ms8699 ، والعفو ، والجمود ، والحياء ، والشجاعة ، ~~وحسن الصمت ، والتؤدة ، والوقار ، والرحمة ، وحسن المعاملة والمعاشرة . # والأخلاق كامنة في النفس ومظاهرها تصرفات صاحبها في كلامه ، وطلاقة ~~PageV29P064 وجهه ، وثباته ، وحكمه ، وحركته وسكونه ، وطعامه وشرابه ، ~~وتأديب أهله ومن لنظره ، وما يترتب على ذلك من حرمته عند الناس ، وحسن ~~الثناء عليه والسمعة . # وأما مظاهرها في رسول الله صلى الله عليه وسلم ففي ذلك كله وفي سياسته ~~أمته ، وفيما خص به من فصاحة كلامه وجوامع كلمه . # ( 5 6 ) . # الفاء للتفريع على قوله : { ما أنت بنعمة ربك بمجنون } ( القلم : 2 ) ~~باعتبار ما اقتضاه قوله { بنعمة ربك } ( القلم : 2 ) من إبطال مقالة قيلت ~~في شأنه قالها أعداؤه في الدين ، ابتدأ بإبطال بهتانهم ، وفرع عليه أنهم ~~إذا نظروا الدلائل وتوسموا الشمائل علموا أي الفريقين المفتون أهم مفتونون ~~بالانصراف عن الحق والرشد ، أم هو باختلال العقل كما اختلقوا . # والمقصود هو ما في قوله : { ويبصرون } ولكن أدمج فيه قوله : { فستبصر } ~~ليتأتى بذكر الجانبين إيقاع كلام منصف ( أي داع إلى الإنصاف ) على طريقة ~~قوله : { وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين } ( سبأ : 24 ) لأن ~~القرآن يبلغ مسامعهم ويتلى عليهم . # وفعلا ( تبصر ويبصرون ) ، بمعنى البصر الحسي . وروي عن ابن عباس ، أن ~~معناه فستعلم ويعلمون ، فجعله مثل استعمال فعل الرؤية في معنى الظن ، فلعله ~~أراد تفسير حاصل المعنى إذ قد قيل إن الفعل المشتق من ( أبصر ) لا يستعمل ~~بمعنى الظن والاعتقاد عند جمهور اللغويين والنحاة خلافا لهشام كذا في ( ~~التسهيل ) فالمعنى : سترى ويرون رأي العين أيكم المفتون فإن كان بمعنى ~~العلم فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد رأى ذلك فالسين في قوله : { فستبصر ~~} للتأكيد ، وأما المشركون فسيرون ذلك ، أي يعلمون آثار فتونهم وذلك فيما ~~يرونه يوم بدر ويوم الفتح . # وإن كان بمعنى البصر الحسي فالسين والتاء في كلا الفعلين للاستقبال . # وضمير { يبصرون } عائد إلى معلوم مقدر عند السامع وهم المشركون القائلون ~~: هو مجنون . PageV29P065 # و ( أي ) اسم مبهم يتعرف بما يضاف هو إليه ، ويظهر أن مدلول ( أي ) فرد ~~أو طائفة متميز عن مشارك في ms8700 طائفته من جنس أو وصف بمميز واقعي أو جعلي ، ~~فهذا مدلول ( أي ) في جميع مواقعه ، وله مواقع كثيرة في الكلام ، فقد يشرب ~~( أي ) معنى الموصول ، ومعنى الشرط ، ومعنى الاستفهام ، ومعنى التنويه ~~بكامل ، ومعنى المعرف ب ( ال ) إذا وصل بندائه . وهو في جميع ذلك يفيد شيئا ~~متميزا عما يشاركه في طائفته المدلولة بما أضيف هو إليه ، فقوله تعالى : { ~~بأيكم المفتون } معناه : أي رجل ، أو أي فريق منكم المفتون ، ف ( أي ) في ~~موقعه هنا اسم في موقع المفعول ل ( تبصر ويبصرون ) أو متعلق به تعلق ~~المجرور . # وقد تقدم استعمال ( أي ) في الاستفهام عند قوله تعالى : { فبأي حديث بعده ~~يؤمنون في سورة الأعراف . # والمفتون } : اسم مفعول وهو الذي أصابته فتنة ، فيجوز أن يراد بها هنا ~~الجنون فإن الجنون يعد في كلام العرب من قبيل الفتنة ( يقولون للمجنون : ~~فتنته الجن ) ويجوز أن يراد ما يصدق على المضطرب في أمره المفتون في عقله ~~حيرة وتقلقلا ، بإيثار هذا اللفظ ، دون لفظ المجنون من الكلام الموجه أو ~~التورية ليصح فرضه للجانبين . # فإن لم يكن بعض المشركين بمنزلة المجانين الذين يندفعون إلى مقاومة النبي ~~صلى الله عليه وسلم بدون تبصر يكن في فتنة اضطراب أقواله وأفعاله كأبي جهل ~~والوليد بن المغيرة وأضرابهما الذين أغروا العامة بالطعن في النبي صلى الله ~~عليه وسلم بأقوال مختلفة . # والباء على هذا الوجه مزيدة لتأكيد تعلق الفعل بمفعوله ، والأصل : أيكم ~~المفتون فهي كالباء في قوله : { وامسحوا برؤوسكم } ( المائدة : 6 ) . ويجوز ~~أن تكون الباء للظرفية والمعنى : في أي الفريقين منكم يوجد المجنون ، أي من ~~يصدق عليه هذا الوصف فيكون تعريضا بأبي جهل والوليد بن المغيرة وغيرهما من ~~مدبري السوء على دهماء قريش بهذه الأقوال الشبيهة بأقوال المجانين ذلك أنهم ~~وصفوا رجلا معروفا بين العقلاء مذكورا برجاحة العقل والأمانة في الجاهلية ~~فوصفوه بأنه مجنون فكانوا كمن زعم أن النهار ليل ومن وصف اليوم الشديد ~~البرد بالحرارة ، فهذا شبه بالمجنون ولذلك يجعل { المفتون } في الآية وصفا ~~ادعائيا على طريقة التشبيه البليغ كما PageV29P066 جعل المتنبي القوم الذين ms8701 ~~تركوا نزيلهم يرحل عنهم مع قدرتهم على إمساكه راحلين عن نزيلهم في قوله : # إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا # أن لا تفارقهم فالراحلون همو # ويجوز أن يكون { المفتون } مصدرا على وزن المفعول مثل المعقول بمعنى ~~العقل والمجلود بمعنى الجلد ؛ والميسور لليسر ، والمعسور لضده ، وفي المثل ~~( خذ من ميسوره ودع معسوره ) . # والباء على هذا للملابسة في محل خبر مقدم على { المفتون } وهو مبتدأ . # يضمن فعل ( تبصر ويبصرون ) معنى : توقن ويوقنون ، على طريق الكناية بفعل ~~الإبصار عن التحقق لأن أقوى طرق الحس البصر ويكون الإتيان بالباء للإشارة ~~إلى هذا التضمين . والمعنى : فستعلم يقينا ويعلمون يقينا بأيكم المفتون ، ~~فالباء على أصلها من التعدية متعلقة ب ( يبصر ويبصرون ) . # . # تعليل لجملة : { فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون } ( القلم : 5 6 ) باعتبار ~~ما تضمنته من التعريض بأن الجانب المفتون هو الجانب القائل له { إنك لمجنون ~~} ( الحجر : 6 ) وأن ضده بضده هو الراجع العقل أي الذي أخبرك بما كنى عنه ~~قوله : { فستبصر ويبصرون } ( القلم : 5 ) من أنهم المجانين هو الأعلم ~~بالفريقين وهو الذي أنبأك بأن سيتضح الحق لأبصارهم فتعين أن المفتون هو ~~الفريق الذين وسموا النبي صلى الله عليه وسلم بأنه مجنون المردود عليهم ~~بقوله تعالى : { ما أنت بنعمة ربك بمجنون } ( القلم : 2 ) إذ هم الضالون عن ~~سبيل رب النبي صلى الله عليه وسلم لا محالة ، وينتظم بالتدرج من أول السورة ~~إلى هنا أقيسة مساواة مندرج بعضها في بعض تقتضي مساواة حقيقة من ضل عن سبل ~~رب النبي صلى الله عليه وسلم بحقيقة المفتون . ومساواة حقيقة المفتون ~~بحقيقة المجنون ، فتنتج أن فريق المشركين هم المتصفون بالجنون بقاعدة قياس ~~المساواة أن مساوي المساوي لشيء مساو لذلك الشيء . PageV29P067 # وهذا الانتقال تضمن وعدا ووعيدا ، بإضافة السبيل إلى الله ومقابلة من ضل ~~عنه بالمهتدين . # وعموم من ضل عن سبيله وعموم المهتدين يجعل هذه الجملة مع كونها كالدليل ~~هي أيضا من التذييل . # وهو بعد هذا كله تمهيد وتوطئة لقوله : { فلا تطع المكذبين } ( القلم : 8 ~~) . # ( 8 9 ) . # تفريع على جملة { إن ربك هو أعلم بمن ms8702 ضل عن سبيله } ( القلم : 7 ) إلى ~~آخرها ، باعتبار ما تضمنته من أنه على الهدى ، وأن الجانب الآخر في ضلال ~~السبيل ، فإن ذلك يقتضي المشادة معهم وأن لا يلين لهم في شيء ، فإن أذاهم ~~إياه آل إلى محاربة الحق والهدى ، وتصلب فيما هم عليه من الضلال عن سبيل ~~الله فلا يستأهلون به لينا ولكن يستأهلون إغلاظا . # روي عن الكلبي وزيد بن أسلم والحسن بألفاظ متقاربة تحوم حول أن المشركين ~~ودوا أن يمسك النبي صلى الله عليه وسلم عن مجاهرتهم بالتضليل والتحقير ~~فيمسكوا عن أذاه ، ويصانع بعضهم بعضا فنهاه الله عن إجابتهم لما ودوا . # ومعنى { ودوا } : أحبوا . # وليس المراد أنهم ودوا ذلك في نفوسهم فأطلع الله عليه رسوله صلى الله ~~عليه وسلم لعدم مناسبته لقوله : { فلا تطع المكذبين } # وورد في كتب السيرة أن المشركين تقدموا للنبيء صلى الله عليه وسلم بمثل ~~هذا العرض ووسطوا في ذلك عمه أبا طالب وعتبة بن ربيعة . # فينتظم من هذا أن قوله { فلا تطع المكذبين } نهي عن إجابتهم إلى شيء ~~عرضوه عليه عندما قرعهم بأول هذه السورة وبخاصة من وقع معنى التعريض البديع ~~الممزوج بالوعيد بسوء المستقبل من قوله : { فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون ~~إلى قوله : بالمهتدين } ( القلم : 5 7 ) فلعلهم تحدثوا أو أوعزوا إلى من ~~يخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أو صارحوه بأنفسهم بأنه إن ساءه قولهم فيه ~~{ إنه لمجنون } ( القلم : 51 ) فقد PageV29P068 ساءهم منه تحقيرهم بصفات ~~الذم وتحقير أصنامهم وآبائهم من جانب الكفر فإن أمسك عن ذلك أمسكوا عن أذاه ~~وكان الحال صلحا بينهم ويترك كل فريق فريقا وما عبده . # والطاعة : قبول ما يبتغى عمله ، ووقوع فعل { تطع } في حيز النهي يقتضي ~~النهي عن جنس الطاعة لهم فيعم كل إجابة لطلب منهم ، فالطاعة مراد بها هنا ~~المصالحة والملاينة كما في قوله تعالى : { فلا تطع الكافرين وجاهدهم به ~~جهادا كبيرا } ( الفرقان : 52 ) ، أي لا تلن لهم . # واختير تعريفهم بوصف المكذبين دون غيره من طرق التعريف لأنه بمنزلة ~~الموصول في الإيماء إلى وجه بناء الحكم وهو حكم ms8703 النهي عن طاعتهم فإن النهي ~~عن طاعتهم لأنهم كذبوا رسالته . # ومن هنا يتضح أن جملة { ودوا لو تدهن فيدهنون } بيان لمتعلق الطاعة ~~المنهي عنها ولذلك فصلت ولم تعطف . # وفعل { تدهن } مشتق من الإدهان وهو الملاينة والمصانعة ، وحقيقة هذا ~~الفعل أن يجعل لشيء دهنا إما لتليينه وإما لتلوينه ، ومن هاذين المعنيين ~~تفرعت معاني الإدهان كما أشار إليه الراغب ، أي ودوا منك أن تدهن لهم ~~فيدهنوا لك ، أي لو تواجههم بحسن المعاملة فيواجهونك بمثلها . # والفاء في { فيدهنون } للعطف ، والتسبب عن جملة { لو تدهن } جوابا لمعنى ~~التمني المدلول عليه بفعل { ودوا } بل قصد بيان سبب ودادتهم ذلك ، فلذلك لم ~~ينصب الفعل بعد الفاء بإضمار ( أن ) لأن فاء المتسبب كافية في إفادة ذلك ، ~~فالكلام بتقدير مبتدأ محذوف تقديره : فهم يدهنون . وسلك هذا الأسلوب ليكون ~~الاسم المقدر مقدما على الخبر الفعلي فيفيد معنى الاختصاص ، أي فالإدهان ~~منهم لا منك ، أي فاترك الإدهان لهم ولا تتخلق أنت به ، وهذه طريقة في ~~الاستعمال إذا أريد بالترتبات أنه ليس تعليق جواب كقوله تعالى : { فمن يؤمن ~~بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا } ( الجن : 13 ) ، أي فهو لا يخاف بخسا ولا ~~رهقا . # وحرف { لو } يحتمل أن يكون شرطيا ويكون فعل { تدهن } شرطا ، وأن يكون ~~جواب الشرط محذوفا ويكون التقدير : لو تدهن لحصل لهم ما يودون . ويحتمل أن ~~PageV29P069 يكون { لو } حرفا مصدريا على رأي طائفة من علماء العربية أن { ~~لو } يأتي حرفا مصدريا مثل ( أن ) فقد قال بذلك الفراء والفارسي والتبريزي ~~وابن مالك فيكون التقدير : ودوا إدهانك . # ومفعول { ودوا } محذوف دل عليه { لو تدهن } ، أو هو المصدر بناء على أن { ~~لو } تقع حرفا مصدريا ، وتقدم في قوله تعالى : { يود أحدهم لو يعمر ألف سنة ~~في سورة البقرة . وقد يفيد موقع الفاء تعليلا لمودتهم منه أن يدهن ، أي ~~ودوا ذلك منك لأنهم مدهنون ، وصاحب النية السيئة يود أن يكون الناس مثله . # } . # إعادة فعل النهي عن الطاعة لمن هذه صفاتهم للاهتمام بهذا الأدب فلم يكتف ~~بدخول أصحاب هذه الأوصاف في عموم المكذبين ، ولا ms8704 بتخصيصهم بالذكر بمجرد عطف ~~الخاص على العام بأن يقال : ولا كل خلاف ، بل جيء في جانبهم بصيغة نهي أخرى ~~مماثلة للأولى . # وليفيد تسليط الوعيد الخاص وهو في مضمون قوله : { سنسمه على الخرطوم } ( ~~القلم : 16 ) على أصحاب هذه الصفات الخاصة زيادة على وعيد المكذبين . # وقريب منه قول الحارث بن همام الشيباني : # أيا ابن زيابة إن تلقني # لا تلقني في النعم العازب # وتلقني يشتد بي أجرد # مستقدم البركة كالراكب # فلم يكتف بعطف : ب ( بل ) أو ( لكن ) بأن يقول : بل تلقني يشتد بي أجرد ، ~~أو لكن تلقني يشتد بي أجرد ، وعدل عن ذلك فأعاد فعل ( تلقني ) . # وكلمة { كل } موضوعة لإفادة الشمول والإحاطة لأفراد الاسم الذي تضاف هي ~~إليه ، فهي هنا تفيد النهي العام عن طاعة كل فرد من أفراد أصحاب هذه الصفات ~~التي أضيف إليها { كل } بالمباشرة وبالنعوت . # وقد وقعت كلمة { كل } معمولة للفعل الداخلة عليه أداة النهي ولا يفهم منه ~~أن النهي منصب إلى طاعة من اجتمعت فيه هذه الصفات بحيث لو أطاع بعض أصحاب ~~هذه الصفات لم يكن مخالفا للنهي إذ لا يخطر ذلك بالبال ولا يجري على ~~PageV29P070 أساليب الاستعمال ، بل المراد النهي عن طاعة كل موصوف بخصلة من ~~هذه الخصال بله من اجتمع له عدة منها . # وفي هذا ما يبطل ما أصله الشيخ عبد القاهر في ( دلائل الإعجاز ) من الفرق ~~بين أن تقع { كل } في حيز النفي ، أي أو النهي فتفيد ثبوت الفعل أو الوصف ~~لبعض مما أضيفت إليه { كل } إن كانت { كل } مسندا إليها ، أو تفيد تعلق ~~الفعل أو الوصف ببعض ما أضيفت إليه { كل } إن كانت معمولة للمنفي أو المنهي ~~عنه ، وبين أن تقع { كل } في غير حيز النفي ، وجعل رفع لفظ ( كله ) في قول ~~أبي النجم : # قد أصبحت أم الخيار تدعي # علي ذنبا كله لم أصنع # متعينا ، لأنه لو نصبه لأفاد تنصله من أن يكون صنع مجموع ما ادعته عليه ~~من الذنوب ، فيصدق بأنه صنع بعض تلك الذنوب وهو لم يقصد ذلك كما صرح ~~بإبطاله العلامة التفتزاني ms8705 في ( المطول ) ، واستشهد للإبطال بقوله تعالى : ~~{ والله لا يحب كل كفار أثيم } ( البقرة : 276 ) وقوله : { ولا تطع كل حلاف ~~مهين } . # وأجريت على المنهي عن الإطاعة بهذه الصفات الذميمة ، لأن أصحابها ليسوا ~~أهلا لأن يطاعوا إذ لا ثقة بهم ولا يأمرون إلا بسوء . # قال جمع من المفسرين المراد بالحلاف المهين : الوليد بن المغيرة ، وقال ~~بعضهم : الأخنس بن شريق ، وقال آخرون : الأسود بن عبد يغوث ، ومن المفسرين ~~من قال المراد : أبو جهل ، وإنما عنوا أن المراد التعريض بواحد من هؤلاء ، ~~وإلا فإن لفظ { كل } المفيد للعموم لا يسمح بأن يراد النهي عن واحد معين ، ~~أما هؤلاء فلعل أربعتهم اشتركوا في معظم هذه الأوصاف فهم ممن أريد بالنهي ~~عن إطاعته ومن كان على شاكلتهم من أمثالهم . # وليس المراد من جمع هذه الخلال بل من كانت له واحدة منها ، والصفة ~~الكبيرة منها هي التكذيب بالقرآن التي ختم بها قوله : { إذا تتلى عليه ~~آياتنا قال أساطير الأولين } ( القلم : 15 ) ، لكن الذي قال في القرآن إنه ~~{ أساطير الأولين } ( القلم : 15 ) هو الوليد بن المغيرة ، فهو الذي اختلق ~~هذا البهتان في قصة معلومة ، فلما تلقف الآخرون منه هذا البهتان وأعجبوا به ~~أخذوا يقولونه فكان جميعهم ممن يقوله ولذلك أسند الله إليهم هذا القول في ~~آية { وقالوا أساطير الأولين } ( الفرقان : 5 ) . PageV29P071 # وذكرت عشر خلال من مذامهم التي تخلقوا بها : # الأولى : { حلاف } ، والحلاف : المكثر من الأيمان على وعوده وأخباره ، ~~وأحسب أنه أريد به الكناية عن عدم المبالاة بالكذب وبالأيمان الفاجرة فجعلت ~~صيغة المبالغة كناية عن تعمد الحنث ، وإلا لم يكن ذمه بهذه المثابة ، ومن ~~المفسرين من جعل { مهين } قيدا ل { حلاف } على جعل النهي عن طاعة صاحب ~~الوصفين مجتمعين . # . # هذه خصلة ثانية وليست قيدا لصفة { حلاف } . # والمهين : بفتح الميم فعيل من مهن بمعنى حقر وذل ، فهو صفة مشبهة ، وفعله ~~مهن بضم الهاء ، وميمه أصلية وياؤه زائدة ، وهو فعيل بمعنى فاعل ، أي لا ~~تطع الفاجر الحقير . وقد يكون { مهين } هنا بمعنى ضعيف الرأي والتمييز ، ~~وكل ذلك من المهانة . # و { مهين ms8706 } : نعت ل { حلاف } ، وكذلك بقية الصفات إلى { زنيم } ( القلم : ~~13 ) فهو نعت مستقل ، وبعضهم جعله قيدا ل { حلاف } وفسر المهين بالكذاب أي ~~في حلفه . # . # . # الهماز كثير الهمزة . وأصل الهمز : الطعن بعود أو يد ، وأطلق على الأذى ~~بالقول في الغيبة على وجه الاستعارة وشاع ذلك حتى صار كالحقيقة وفي التنزيل ~~{ ويل لكل همزة } ( الهمزة : 1 ) . # وصيغة المبالغة راجعة إلى قوة الصفة ، فإذا كان أذى شديدا فصاحبه { هماز ~~} وإذا تكرر الأذى فصاحبه { هماز } . # . # المشاء بالنميم : الذي ينم بين الناس ، ووصفه بالمشاء للمبالغة . والقول ~~في هذه المبالغة مثل القول في { هماز } وهذه رابعة المذام . PageV29P072 # والمشي : استعارة لتشويه حاله بأنه يتجشم المشقة لأجل النميمة مثل ذكر ~~السعي في قوله تعالى : { ويسعون في الأرض فسادا } ( المائدة : 64 ) ، ذلك ~~أن أسماء الأشياء المحسوسة أشد وقعا في تصور السامع من أسماء المعقولات ، ~~فذكر المشي بالنميمة فيه تصوير لحال النمام ، ألا ترى أن قولك : قطع رأسه ~~أوقع في النفس من قولك : قتل ، ويدل لذلك أنه وقع مثله في قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم ( وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة ) . # والنميم : اسم مرادف للنميمة ، وقيل : النميم جمع نميمة ، أي اسم جمع ~~لنميمة إذا أريد بها الواحدة وصيرورتها اسما . # . # . # هذه مذمة خامسة . # { مناع } : شديد المنع . والخير : المال ، أي شحيح ، والخير من أسماء ~~المال قال تعالى : { وإنه لحب الخير لشديد } ( العاديات : 8 ) وقال : { إن ~~ترك خيرا } ( البقرة : 180 ) ، وقد روعي تماثل الصيغة في هذه الصفات الأربع ~~وهي { حلافف ، هماز ، مشاء ، مناع } وهو ضرب من محسن الموازنة . # والمراد بمنع الخير : منعه عمن أسلم من ذويهم وأقاربهم ، يقول الواحد ~~منهم لمن أسلم من أهله أو مواليه : من دخل منكم في دين محمد لا أنفعه بشيء ~~أبدا ، وهذه شنشنة عرفوا بها من بعد ، قال الله تعالى في شأن المنافقين { ~~هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا } ( المنافقون ~~: 7 ) . وأيضا فمن منعع الخير ما كان أهل الجاهلية يعطون العطاء للفخر ~~والسمعة فلا يعطون الضعفاء وإنما يعطون في المجامع والقبائل قال ms8707 تعالى : { ~~ولا يحضون على طعام المسكين } ( الفجر : 18 ) . قيل : كان الوليد بن ~~المغيرة ينفق في الحج في كل حجة عشرين ألفا يطعم أهل منى ، ولا يعطي ~~المسكين درهما واحدا . # . # هما مذمتان سادسة وسابعة قرن بينهما لمناسبة الخصوص والعموم . # والاعتداء : مبالغة في العدوان فالافتعال فيه للدلالة على الشدة . ~~PageV29P073 # والأثيم : كثير الإثم ، وهو فعيل من أمثلة المبالغة قال تعالى : { إن ~~شجرة الزقوم طعام الأثيم } ( الدخان : 43 44 ) . والمراد بالإثم هنا ما يعد ~~خطيئة وفسادا عند أهل العقول والمروءة وفي الأديان المعروفة . # قال أبو حيان : وجاءت هذه الصفات صفات مبالغة ونوسب فيها فجاء { حلاف } ( ~~القلم : 10 ) وبعده { مهين } ( القلم : 10 ) لأن النون فيها تواخخ مع الميم ~~، أي ميم { أثيم } ، ثم جاء { هماز مشاء } ( القلم : 11 ) بصفتي المبالغة ، ~~ثم جاء { مناع للخير معتد أثيم } صفات مبالغة ا ه . يريد أن الافتعال في { ~~معتد } للمبالغة . # . # ثامنة وتاسعة . # والعتل : بضمتين وتشديد اللام اسم وليس بوصف لكنه يتضمن معنى صفة لأنه ~~مشتق من العتل بفتح فسكون ، وهو الدفع بقوة قال تعالى : { خذوه فاعتلوه إلى ~~سواء الجحيم } ( الدخان : 47 ) ولم يسمع ( عاتل ) . ومما يدل على أنه من ~~قبيل الأسماء دون الأوصاف مركب من وصفين في أحوال مختلفة أو من مركب أوصاف ~~في حالين مختلفين . # وفسر العتل بالشديد الخلقة الرحيب الجوف ، وبالأكول الشروب ، وبالغشوم ~~الظلوم ، وبالكثير اللحم المختال ، روى الماوردي عن شهر بن حوشب هذا ~~التفسير عن ابن مسعود وعن شداد بن أوس وعن عبد الرحمن بن غنم ، يزيد بعضهم ~~على بعض عن النبي صلى الله عليه وسلم بسند غير قوي ، وهو على هذا التفسير ~~إتباع لصفة { مناع للخير } ( القلم : 12 ) أي يمنع السائل ويدفعه ويغلظ له ~~على نحو قوله تعالى : { فذلك الذي يدع اليتيم } ( الماعون : 2 ) . # ومعنى { بعد ذلك } علاوة على ما عدد له من الأوصاف هو سيىء الخلقة سيىء ~~المعاملة ، فالبعدية هنا بعدية في الارتقاء في درجات التوصيف المذكور ، ~~فمفادها مفاد التراخي الرتبي كقوله تعالى : { والأرض بعد ذلك دحاها } ( ~~النازعات : 30 ) على أحد الوجهين فيه . # وعلى تفسير ms8708 العتل بالشديد الخلقة والرحيب الجوف يكون وجه ذكره أن قباحة ~~PageV29P074 ذاته مكملة لمعائبه لأن العيب المشاهد أجلب إلى الاشمئزاز ~~وأوغل في النفرة من صاحبه . # وموقع { بعد ذلك } موقع الجملة المعترضة ، والظرف خبر لمحذوف تقديره : هو ~~بعد ذلك . # ويجوز اتصال { بعد ذلك } بقوله : { زنيم } على أنه حال من { زنيم } . # والزنيم : اللصيق وهو من يكون دعيا في قومه ليس من صريح نسبهم : إما ~~بمغمز في نسبه ، وإما بكونه حليفا في قوم أو مولى ، مأخوذ من الزنمة ~~بالتحريك وهي قطعة من أذن البعير لا تنزع بل تبقى معلقة بالأذن علامة على ~~كرم البعير . والزنمتان بضعتان في رقاب المعز . # قيل أريد بالزنيم الوليد بن المغيرة لأنه ادعاه أبوه بعد ثمان عشرة سنة ~~من مولده . وقيل أريد الأخنس بن شريق لأنه كان من ثقيف فحالف قريشا وحل ~~بينهم ، وأيا ما كان المراد به فإن المراد به خاص فدخوله في المعطوف على ما ~~أضيف إليه { كل } ( القلم : 10 ) إنما هو على فرض وجود أمثال هذا الخاص وهو ~~ضرب من الرمز كما يقال : ما بال أقوام يعملون كذا ، ويراد واحد معين . قال ~~الخطيم التميمي جاهلي ، أو حسان بن ثابت : # زنيم تداعاه الرجال زيادة # كما زيد في عرض الأديم الأكارع # ويطلق الزنيم على من في نسبه غضاضة من قبل الأمهات ، ومن ذلك قول حسان في ~~هجاء أبي سفيان بن حرب ، قبل إسلام أبي سفيان ، وكانت أمه مولاة خلافا ~~لسائر بني هاشم إذ كانت أمهاتهم من صريح نسب قومهن : # وأنت زنيم نيط في آل هاشم # كما نيط خلف الراكب القدح الفرد # وإن سنام المجد من آل هاشم # بنو بنت مخزوم ووالدك العبد # يريد جده أبا أمه وهو موهب غلام عبد مناف وكانت أم أبي سفيان سمية بنت ~~موهب هذا . # والقول في هذا الإطلاق والمراد به مماثل للقول في الإطلاق الذي قبله . # ( 14 15 ) . PageV29P075 # يتعلق قوله : { أن كان ذا مال وبنين } بفعل { قال } بتقدير لام التعليل ~~محذوفة قبل { أن } ، وهو حذف مطرد تعلق بذلك الفعل ظرف هو { إذا تتلى } ~~ومجرور ms8709 هو { أن كان ذا مال } ، ولا بدع في ذلك وليست { إذا } بشرطية هنا ~~فلا يهولنك قولهم : إن ( ما ) بعد الشرط لا يعمل فيما قبله ، على أنها لو ~~جعلت شرطية لما امتنع ذلك لأنهم يتوسعون في المجرورات ما لا يتوسعون في ~~غيرها وهذا مجرور باللام المحذوفة . # والمراد : كل من كان ذا مال وبنين من كبراء المشركين كقوله تعالى : { ~~وذرني والمكذبين أولي النعمة } ( المزمل : 11 ) . وقيل : أريد به الوليد بن ~~المغيرة إذ هو الذي اختلق أن يقول في القرآن { أساطير الأولين } وقد علمت ~~ذلك عند تفسير قوله تعالى : { ولا تطع كل حلاف مهين } ( القلم : 10 ) . ~~وكان الوليد بن المغيرة ذا سعة في المال كثير الأبناء وهو المعني بقوله ~~تعالى : { ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا إلى قوله ~~: إن هذا إلا قول البشر } ( المدثر : 11 25 ) . والوجه أن لا يختص هذا ~~الوصف به . وأن يكون تعريضا به . # والأساطير : جمع أسطورة وهي القصة ، والأسطورة كلمة معربة عن الرومية كما ~~تقدم عند قوله تعالى : { يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين في ~~الأنعام وقوله : وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين في سورة ~~النحل . # وختمت الأوصاف المحذر عن إطاعة أصحابها بوصف التكذيب ليرجع إلى صفة ~~التكذيب التي انتقل الأسلوب منها من قوله : فلا تطع المكذبين } ( القلم : 8 ~~) . # وقرأ الجمهور { أن كان ذا مال } بهمزة واحدة على أنه خبر . وقرأه حمزة ~~وأبو بكر عن عاصم وأبو جعفر بهمزتين مخففتين فهو استفهام إنكاري . وقرأه ~~ابن عامر بهمزة ومدة بجعل الهمزة الثانية ألفا للتخفيف . # . # استئناف بياني جوابا لسؤال ينشأ عن الصفات الذميمة التي وصفوا بها أن ~~يسأل السامع : ما جزاء أصحاب هذه الأوصاف من الله على ما أتوه من القبائح ~~والاجتراء على ربهم . # وضمير المفرد الغائب في قوله : { سنسمه } عائد إلى كل حلاف باعتبار ~~PageV29P076 لفظه وإن كان معناه الجماعات فإفراد ضميره كإفراد ما أضيف إليه ~~{ كل } ( القلم : 10 ) من الصفات التي جاءت بحالة الإفراد . # والمعنى : سنسم كل هؤلاء على الخراطيم ، وقد ms8710 علمت آنفا أن ذلك تعريض ~~بمعين بصفة قوله : { أساطير الأولين } ( القلم : 15 ) وبأنه ذو مال وبنين . # و { الخرطوم } : أريد به الأنف . والظاهر أن حقيقة الخرطوم الأنف ~~المستطيل كأنف الفيل والخنزير ونحوهما من كل أنف مستطيل . وقد خلط أصحاب ~~اللغة في ذكر معانيه خلطا لم تتبين منه حقيقته من مجازه . # وذكر الزمخشري في ( الأساس ) معانيه المجازية ولم يذكر معناه الحقيقي ، ~~وانبهم كلامه في ( الكشاف ) إلا أن قوله فيه : وفي لفظ { الخرطوم } استخفاف ~~وإهانة ، يقتضي أن إطلاقه على أنف الإنسان مجاز مرسل ، وجزم ابن عطية : أن ~~حقيقة الخرطوم مخطمم السبع أي أنف مثل الأسد ، فإطلاق الخرطوم على أنف ~~الإنسان هنا استعارة كإطلاق المشفر وهو شفة البعير على شفة الإنسان في قول ~~الفرزدق : # فلو كنت ضبيا عرفت قرابتي # ولكن زنجي غليظ المشافر # وكإطلاق الجحفلة على شفة الإنسان ( وهي للخيل والبغال والحمير ) في قول ~~النابغة يهجو لبيد بن ربيعة : # ألا من مبلغ عني لبيدا # أبا الورداء جحفلة الأتان # والوسم للإبل ونحوها ، جعل سمة لها أنها من مملوكات القبيلة أو المالك ~~المعين . # فالمعنى : سنعامله معاملة يعرف بها أنه عبدنا وأنه لا يغني عنه ماله ~~وولده منا شيئا . # فالوسم : تمثيل تتبعه كناية عن التمكن منه وإظهار عجزه . # وأصل ( نسمه ) نوسمه مثل : يعد ويصل . # وذكر الخرطوم فيه جمع بين التشويه والإهانة فإن الوسم يقتضي التمكن وكونه ~~في الوجه إذلالا وإهانة ، وكونه على الأنف أشد إذلالا ، والتعبير عن الأنف ~~بالخرطوم PageV29P077 تشويه ، والضرب والوسم ونحوهما على الأنف كناية عن ~~قوة التمكن وتمام الغلبة وعجز صاحب الأنف عن المقاومة لأن الأنف أبرز ما في ~~الوجه وهو مجرى النفس ، ولذلك غلب ذكر الأنف في التعبير عن إظهار العزة في ~~قولهم : شمخ بأنفه ، وهو أشم الأنف ، وهم شم العرانين ، وعبر عن ظهور الذلة ~~والاستكانة بكسر الأنف ، وجدعه ، ووقوعه في التراب في قولهم : رغم أنفه ، ~~وعلى رغم أنفه ، قال جرير : # لما وضعت على الفرزدق ميسمي # وعلى البعيث جدعت أنف الأخطل # ومعظم المفسرين على أن المعني بهذا الوعيد هو الوليد بن المغيرة . وقال ~~أبو ms8711 مسلم الأصفهاني في تفسيره قوله : { سنسمه على الخرطوم } هو ما ابتلاه ~~الله به في نفسه وماله وأهله من سوء وذل وصغار . يريد : ما نالهم يوم بدر ~~وما بعده إلى فتح مكة . وعن ابن عباس معنى { سنسمه على الخرطوم } سنخطمه ~~بالسيف قال : وقد خطم الذي نزلت فيه بالسيف يوم بدر فلم يزل مخطوما إلى أن ~~مات ولم يعين ابن عباس من هو . # وقد كانوا إذا ضربوا بالسيوف قصدوا الوجوه والرؤوس . قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم يوم بدر لعمر بن الخطاب لما بلغه قول أبي حذيفة لئن لقيت العباس ~~لألجمنه السيف ، فقال رسول الله : ( يا أبا حفص أيضرب وجه عم رسول الله ~~بالسيف ؟ ) . # وقيل هذا وعيد بتشويه أنفه يوم القيامة مثل قوله : { يوم تبيض وجوه وتسود ~~وجوه } ( آل عمران : 106 ) وجعل تشويهه يومئذ في أنفه لأنه إنما بالغ في ~~عداوة الرسول والطعن في الدين بسبب الأنفة والكبرياء ، وقد كان الأنف مظهر ~~الكبر ولذلك سمي الكبر أنفة اشتقاقا من اسم الأنف فجعلت شوهته في مظهر آثار ~~كبريائه . # ( 17 25 ) { } . PageV29P078 # ضمير الغائيبن في قوله : { بلوناهم } يعود إلى { المكذبين في قوله : فلا ~~تطع المكذبين } ( القلم : 8 ) . والجملة مستأنفة استئنافا ابتدائيا دعت ~~إليه مناسبة قوله : { أن كان ذا مال وبنين إذا تتلى عليه ءاياتنا قال ~~أساطير الأولين } ( القلم : 14 15 ) فإن الازدهاء والغرور بسعة الرزق ~~المفضيين إلى الاستخفاف بدعوة الحق وإهمال النظر في كنهها ودلائلها قد ~~أوقعا من قديم الزمان أصحابهما في بطر النعمة وإهمال الشكر فجر ذلك عليهم ~~شر العواقب ، فضرب الله للمشركين مثلا بحال أصحاب هذه الجنة لعلهم يستفيقون ~~من غفلتهم وغرورهم . كما ضرب المثل بقريب منه في سورة الكهف ، وضرب مثلا ~~بقارون في سورة القصص . # والبلوى حقيقتها : الاختبار وهي هنا تمثيل بحال المبتلى في إرخاء الحبل ~~له بالنعمة ليشكر أو يكفر ، فالبلوى المذكورة هنا بلوى بالخير فإن الله أمد ~~أهل مكة بنعمة الأمن ، ونعمة الرزق ، وجعل الرزق يأتيهم من كل جهة ، ويسر ~~لهم سبل التجارة في الآفاق بنعمة الإيلاف برحلة الشتاء ورحلة ms8712 الصيف ، فلما ~~أكمل لهم النعمة بإرسال رسول منهم ليكمل لهم صلاح أحوالهم ويهديهم إلى ما ~~فيه النعيم الدائم فدعاهم وذكرهم بنعم الله أعرضوا وطغوا ولم يتوجهوا إلى ~~النظر في النعم السالفة ولا في النعمة الكاملة التي أكملت لهم النعم . # ووجه المشابهة بين حالهم وحال أصحاب الجنة المذكورة هنا هو الإعراض عن ~~طلب مرضاة الله وعن شكر نعمته . # وهذا التمثيل تعريض بالتهديد بأن يلحقهم ما لحق أصحاب الجنة من البؤس بعد ~~النعيم والقحط بعد الخصب ، وإن اختلف السبب في نوعه فقد اتحد جنسه . وقد ~~حصل ذلك بعد سنين إذ أخذهم الله بسبع سنين بعد هجرة النبي صلى الله عليه ~~وسلم إلى المدينة . # وهذه القصة المضروب بها المثل قصة معروفة بينهم وهي أنه كانت ببلد يقال ~~له : ضروان ( بضاد معجمة وراء وواو مفتوحات وألف ونون ) من بلاد اليمن بقرب ~~PageV29P079 صنعاء . وقيل : ضروان اسم هذه الجنة ، وكانت جنة عظيمة غرسها ~~رجل من أهل الصلاح والإيمان من أهل الكتاب قاله ابن عباس . ولم يبين من أي ~~أهل الكتاب هو : أمن اليهود أم من النصارى ؟ فقيل : كان يهوديا ، أي لأن ~~أهل اليمن كانوا تدينوا باليهودية من عهد بلقيس كما قيل أو بعدها بهجرة بعض ~~جنود سليمان ، وكانت زكاة الثمار من شريعة التوراة كما في الإصحاح السادس ~~والعشرين من سفر اللاويين . # وقال بعض المفسرين : كان أصحاب هذه الجنة بعد عيسى بقليل ، أي قبل انتشار ~~النصرانية في اليمن لأنها ما دخلت اليمن إلا بعد دخول الأحباش إلى اليمن في ~~قصة القليس وكان ذلك زمان عام الفيل . وعن عكرمة : كانوا من الحبشة كانت ~~لأبيهم جنة وجعل في ثمرها حقا للمساكين وكان يدخل معه المساكين ليأخذوا من ~~ثمارها فكان يعيش منها اليتامى والأرامل والمساكين وكان له ثلاثة بنين ، ~~فلما توفي صاحب الجنة وصارت لأولاده أصبحوا ذوي ثروة وكانوا أشحة أو كان ~~بعضهم شحيحا وبعضهم دونه فتمالؤوا على حرمان اليتامى والمساكين والأرامل ~~وقالوا : لنغدون إلى الجنة في سدفة من الليل قبل انبلاج الصباح مثل وقت ~~خروج الناس إلى جناتهم للجذاذ ms8713 فلنجذنها قبل أن يأتي المساكين . فبيتوا ذلك ~~وأقسموا أيمانا على ذلك ، ولعلهم أقسموا ليلزموا أنفسهم بتنفيذ ما تداعوا ~~إليه . وهذا يقتضي أن بعضهم كان مترددا في موافقتهم على ما عزموا عليه ~~وأنهم ألجموه بالقسم وهذا الذي يلتئم مع قوله تعالى : { قال أوسطهم ألم أقل ~~لكم لولا تسبحون } ( القلم : 28 ) ، قيل كان يقول لهم : اتقوا الله واعدلوا ~~عن خبث نيتكم من منع المساكين ، وذكرهم انتقام الله من المجرمين ، أي ~~فغلبوه ومضوا لما عزموا عليه ، ولعلهم أقسموا على أن يفعلوا وأقسموا عليه ~~أن يفعل معهم ذلك فأقسم معهم أو وافقهم على ما أقسموا عليه ، ولهذا ~~الاعتبار أسند القسم إلى جميع أصحاب الجنة . # فلما جاءوا جنتهم وجدوها مسودة قد أصابها ما يشبه الاحتراق فلما رأوها ~~بتلك الحالة علموا أن ذلك أصابهم دون غيرهم لعزمهم على قطع ما كان ينتفع به ~~الضعفاء من قومهم وأنابوا إلى الله رجاء أن يعطيهم خيرا منها . # قيل : كانت هذه الجنة من أعناب . # والصرم : قطع الثمرة وجذاذها . PageV29P080 # ومعنى { مصبحين } داخلين في الصباح أي في أوائل الفجر . # ومعنى { لا يستثنون } : أنهم لا يستثنون من الثمرة شيئا للمساكين ، أي ~~أقسموا ليصرمن جميع الثمر ولا يتركون منه شيئا . وهذا التعميم مستفاد مما ~~في الصرم من معنى الخزن والانتفاع بالثمرة وإلا فإن الصرم لا ينافي إعطاء ~~شيء من المجذوذ لمن يريدون . وأجمل ذلك اعتمادا على ما هو معلوم للسامعين ~~من تفصيل هذه القصة على عادة القرآن في إيجاز حكاية القصص بالاقتصار على ~~موضع العبرة منها . # وقيل معناه : { لا يستثنون } لإيمانهم بأن يقولوا إن شاء الله كما قال ~~تعالى : { ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله } ( الكهف : ~~23 24 ) . ووجه تسميته استثناء أن أصل صيغته فيها حرف الاستثناء وهو ( إلا ~~) ، فإذا اقتصر أحد على ( إن شاء الله ) دون حرف الاستثناء أطلق على قوله ~~ذلك استثناء لأنه على تقدير : إلا أن يشاء الله . على أنه لما كان الشرط ~~يؤول إلى معنى الاستثناء أطلق عليه استثناء نظرا إلى المعنى وإلى مادة ~~اشتقاق ms8714 الاستثناء . # وعلى هذا التفسير يكون قوله : { ولا يستثنون } من قبيل الإدماج ، أي ~~لمبلغ غرورهم بقوة أنفسهم صاروا إذا عزموا على فعل شيء لا يتوقعون له عائقا ~~، والجملة في موضع الحال ، والتعبير بالفعل المضارع لاستحضار حالتهم ~~العجيبة من بخلهم على الفقراء والأيتام . # وعلى الروايات كلها يعلم أن أهل هذه الجنة لم يكونوا كفارا ، فوجه الشبه ~~بينهم وبين المشركين المضروب لهم هذا المثل هو بطر النعمة والاغترار بالقوة ~~. # وقوله : { فطاف عليها طائف من ربك ، } الطواف : المشي حول شيء من كل ~~جوانبه يقال : طاف بالكعبة ، وأريد به هنا تمثيل حالة الإصابة لشيء كله ~~بحال من يطوف بمكان ، قال تعالى : { إذا مسهم طائف من الشيطان الآية } ( ~~الأعراف : 201 ) . # وعدي ( طاف ) بحرف ( على ) لتضمينه معنى : تسلط أو نزل . # ولم يعين جنس الطائف لظهور أنه من جنس ما يصيب الجنات من الهلاك ، ولا ~~يتعلق غرض بتعيين نوعه لأن العبرة في الحاصل به ، فإسناد فعل ( طاف ) إلى { ~~طائف } بمنزلة إسناد الفعل المبني للمجهول كأنه قيل : فطيف عليها وهم ~~نائمون . PageV29P081 # وعن الفراء : أن الطائف لا يكون إلا بالليل ، يعني ومنه سمي الخيال الذي ~~يراه النائم في نومه طيفا . قيل هو مشتق من الطائفة وهي الجزء من الليل ، ~~وفي هذا نظر . # فقوله : { وهم نائمون } تقييد لوقت الطائف على التفسير الأول ، وهو تأكيد ~~لمعنى { طائف } على تفسير الفراء ، وفائدته تصوير الحالة . # وتنوين { طائف } للتعظيم ، أي أمر عظيم وقد بينه بقوله : { فأصبحت ~~كالصريم } فهو طائف سوء ، قيل : أصابها عنق من نار فاحترقت . # و { من ربك } أي جائيا من قبل ربك ، ف { من } للابتداء يعني : أنه عذاب ~~أرسل إليهم عقابا لهم على عدم شكر النعمة . # وعجل العقاب لهم قبل التلبس بمنع الصدقة لأن عزمهم على المنع وتقاسمهم ~~عليه حقق أنهم مانعون صدقاتهم فكانوا مانعين . ويؤخذ من الآية موعظة للذين ~~لا يواسون بأموالهم . # وإذ كان عقاب أصحاب هذه الجنة دنيويا لم يكن في الآية ما يدل على أن ~~أصحاب الجنة منعوا صدقة واجبة . # والصريم قيل : هو الليل ، والصريم من أسماء الليل ومن أسماء ms8715 النهار لأن ~~كل واحد منهما ينصرم عن الآخر كما سمي كل من الليل والنهار ملوا فيقال : ~~الملوانن ، وعلى هذا ففي الجمع بين ( أصبحت ) و ( الصريم ) محسن الطباق . # وقيل الصريم : الرماد الأسود بلغة جذيمة أو خزيمة . # وقيل الصريم : اسم رملة معروفة باليمن لا تنبت شيئا . # وإيثار كلمة الصريم هنا لكثرة معانيها وصلاحية جميع تلك المعاني لأن تراد ~~في الآية . # وبين ( يصرمنها ) و ( الصريم ) الجناس . # وفاء { فتنادوا } للتفريع على { أقسموا ليصرمنها مصبحين ، } أي فلما ~~أصبحوا تنادوا لإنجاز ما بيتوا عليه أمرهم . PageV29P082 # والتنادي : أي ينادي بعضهم بعضا وهو مشعر بالتحريض على الغدو إلى جنتهم ~~مبكرين . # والغدو : الخروج ومغادرة المكان في غدوة النهار ، أي أوله . # وليس قوله : { إن كنتم صارمين } بشرط تعليق ولكنه مستعمل في الاستبطاء ~~فكأنهم لإبطاء بعضهم في الغدو قد عدل عن الجذاذ ذلك اليوم . ومنه قول عبد ~~الله بن عمر للحجاج عند زوال عرفة يحرضه على التهجير بالرواح إلى الموقف ~~الرواح إن كنت تريد السنة . ونظير ذلك كثير في الكلام . # و { على } من قوله : { على حرثكم } مستعملة في تمكن الوصول إليه كأنه قيل ~~: اغدوا تكونوا على حرثكم ، أي مستقرين عليه . # ويجوز أن يضمن فعل الغدو معنى الإقبال كما يقال : يغدى عليه بالجفنة ~~ويراح . قال الطيبي : ( ومثله قيل في حق المطلب تغدو درته ( التي يضرب بها ~~) على السفهاء ، وجفنته على الحلماء ) . # والحرث : شق الأرض بحديدة ونحوها ليوضع فيها الزريعة أو الشجر وليزال ~~منها العشب . # ويطلق الحرث على الجنة لأنهم يتعاهدونها بالحرث لإصلاح شجرها ، وهو ~~المارد هنا كقوله تعالى : { وحرث حجر في سورة الأنعام ، وتقدم في قوله : ~~والأنعامم والحرث في سورة آل عمران . # والتخافت : تفاعل من خفت إذا أسر الكلام . # وأن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين } تفسير لفعل { يتخافتون } و { أن } ~~تفسيرية لأن التخافت فيه معنى القول دون حروفه . # وتأكيد فعل النهي بنون التوكيد لزيادة تحقيق ما تقاسموا عليه . # وأسند إلى { مسكين } فعل النهي عن الدخول والمراد نهي بعضهم بعضا عن دخول ~~المسكين إلى جنتهم ، أي لا يترك أحد مسكينا يدخلها . وهذا من ms8716 قبيل الكناية ~~وهو كثير في استعمال النهي كقولهم : لا أعرفنك تفعل كذا . PageV29P083 # وجملة { وغدوا على حرد قادرين } في موضع الحال بتقدير ( قد ) ، أي ~~انطلقوا في حال كونهم غادين قادرين على حرد . # وذكر فعل { غدوا } في جملة الحال لقصد التعجيب من ذلك الغدو النحس كقول ~~امرىء القيس : # وبات وباتت له ليلة # كليلة ذي العائر الأرمد # بعد قوله : # تطاول ليلك بالأثمد # وبات الخلي ولم ترقد # يخاطب نفسه على طريقة فيها التفات أو التفاتان . # والحرد : يطلق على المنع وعلى القصد القوي ، أي السرعة وعلى الغضب . # وفي إيثار كلمة { حرد } في الآية نكتة من نكت الإعجاز المتعلق بشرف اللفظ ~~ورشاقته من حيث المعنى ، ومن جهة تعلق المجرور به بما يناسب كل معنى من ~~معانيه ، أي بأن يتعلق { على حرد } ب { قادرين } ، أو بقوله { غدوا ، } ~~فإذا علق ب { قادرين ، } فتقديم المتعلق يفيد تخصيصا ، أي قادرين على المنع ~~، أي منع الخير أو منع ثمر جنتهم غير قادرين على النفع . # والتعبير بقادرين على حرد دون أن يقول : وغدوا حاردين تهكم لأن شأن فعل ~~القدرة أن يذكر في الأفعال التي يشق على الناس إتيانها قال تعالى : { لا ~~يقدرون على شيء مما كسبوا } ( البقرة : 264 ) وقال : { بلى قادرين على أن ~~نسوي بنانه } ( القيامة : 4 ) فقوله : { على حرد قادرين } على هذا الاحتمال ~~من باب قولهم : فلان لا يملك إلا الحرمان أو لا يقدر إلا على الخيبة . # وإذا حمل الحرد على معنى السرعة والقصد كان { على حرد } متعلقا ب { غدوا ~~} مبينا لنوع الغدو ، أي غدوا غدو سرعة واعتناء ، فتكون { على } بمعنى باء ~~المصاحبة ، والمعنى : غدوا بسرعة ونشاط ، ويكون { قادرين } حالا من ضمير { ~~غدوا } حالا مقدرة ، أي مقدرين أنهم قادرون على تحقيق ما أرادوا . # وفي الكلام تعريض بأنهم خابوا ، دل عليه قوله بعده { فلما رأوها قالوا ~~إنا لضالون } ( القلم : 26 ) ، وقوله قبله { فطاف عليها طائف من ربك وهم ~~نائمون } . PageV29P084 # وإذا أريد بالحرد الغضب والحنق فإنه يقال : حرد بالتحريك وحرد بسكون ~~الراء ويتعلق المجرور ب { قادرين } وتقديمه للحصر ، أي غدوا لا قدرة لهم ms8717 ~~إلا على الحنق والغضب على المساكين لأنهم يقتحمون عليهم جنتهم كل يوم ~~فتحيلوا عليهم بالتبكير إلى جذاذها ، أي لم يقدروا إلا على الغضب والحنق ~~ولم يقدروا على ما أرادوه من اجتناء ثمر الجنة . # وعن السدي : أن { حرد } اسم قريتهم ، أي جنتهم . وأحسب أنه تفسير ملفق ~~وكأن صاحبه تصيده من فعلي { اغدوا وغدوا } . # ( 26 32 ) { } . # أي استفاقوا من غفلتهم ورجعوا على أنفسهم باللائمة على بطرهم وإهمال شكر ~~النعمة التي سيقت إليهم ، وعلموا أنهم أخذوا بسبب ذلك ، قال تعالى : { ~~وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون } ( الأعراف : 168 ) . ومن حكم ~~الشيخ ابن عطاء الله الإسكندري ( من لم يشكر النعم فقد تعرض لزوالها ، ومن ~~شكرها فقد قيدها بعقالها ) . # وأفادت ( لما ) اقتران جوابها بشرطها بالفور والبداهة . والمقصود من هذا ~~التعريض للمشركين بأن يكون حالهم في تدارك أمرهم وسرعة إنابتهم كحال أصحاب ~~هذه الجنة إذ بادروا بالندم وسألوا الله عوض خير . # وإسناد هذه المقالة إلى ضمير { أصحاب الجنة } ( القلم : 17 ) يقتضي أنهم ~~قالوه جميعا ، أي اتفقوا على إدراك سبب ما أصابهم . # ومعنى { إنا لضالون } أنهم علموا أنهم كانوا في ضلال أي عن طريق الشكر ، ~~أي كانوا غير مهتدين وهو كناية عن كون ما أصابهم عقابا على إهمال الشكر ، ~~فالضلال مجاز . PageV29P085 # وأكدوا الكلام لتنزيل أنفسهم منزلة من يشك في أنهم ضالون طريق الخير لقرب ~~عهدهم بالغفلة عن ضلالهم ففيه إيذان بالتحسر والتندم . # و { بل نحن محرومون } إضراب للانتقال إلى ما هو أهم بالنظر لحال تبييتهم ~~إذ بيتوا حرمان المساكين من فضول ثمرتهم فكانوا هم المحرومين من جميع ~~الثمار ، فالحرمان الأعظم قد اختص بهم إذ ليس حرمان المساكين بشيء في جانب ~~حرمانهم . # والكلام يفيد ذلك إما بطريق تقديم المسند إليه بأن أتي به ضميرا بارزا مع ~~أن مقتضى الظاهر أن يكون ضميرا مستترا في اسم المفعول مقدرا مؤخرا عنه لأنه ~~لا يتصور إلا بعد سماع متحمله . فلما أبرز الضمير وقدم كان تقديمه مؤذنا ~~بمعنى الاختصاص ، أي القصر ، وهو قصر إضافي ، وهذا من مستتبعات التراكيب ~~والتعويل على القرائن . # ويحتمل أن ms8718 يكون الضلال حقيقيا ، أي ضلال طريق الجنة ، أي قالوا : إنا ~~أخطأنا الطريق في السير إلى جنتنا لأنهم توهموا أنهم شاهدوا جنة أخرى غير ~~جنتهم التي عهدوها ، قالوا ذلك تحيرا في أمرهم . # ويكون الإضراب إبطاليا ، أي أبطلوا أن يكونوا ضلوا طريق جنتهم ، وأثبتوا ~~أنهم محرومون من خير جنتهم فيكون المعنى أنها هي جنتهم ولكنها هلكت فحرموا ~~خيراتها بأن أتلفها الله . # و { أوسطهم } أفضلهم وأقربهم إلى الخير وهو أحد الإخوة الثلاثة . والوسط ~~: يطلق على الأخير الأفضلل ، قال تعالى : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } ( ~~البقرة : 143 ) ، وقال : { حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى } ( البقرة : ~~238 ) ويقال هو من سطة قومه ، وأعطني من سطة مالك . # وحكي هذا القول بدون عاطف لأنه قول في مجرى المحاورة جوابا عن قولهم { بل ~~نحن محرومون } قاله لهم على وجه توقيفهم على تصويب رأيه وخطل رأيهم . # والاستفهام تقريري و { لولا } حرف تحضيض . والمراد ب { تسبحون } تنزيه ~~الله عن أن يعصى أمره في شأن إعطاء زكاة ثمارهم . # وكان جوابهم يتضمن إقرارا بأنه وعظهم فعصوه ودلوا على ذلك بالتسبيح حين ~~PageV29P086 ندمهم على عدم الأخذ بنصيحته فقالوا : { سبحان ربنا إنا كنا ~~ظالمين } أرادوا إجابة تقريره بإقرار بتسبيح الله عن أن يعصى أمره في إعطاء ~~حق المساكين فإن من أصول التوبة تدارك ما يمكن تداركه ، واعترافهم بظلم ~~المساكين من أصول التوبة لأنه خبر مستعمل في التندم ، والتسبيح مقدمة ~~الاستغفار من الذنب قال تعالى : { فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا } ~~( النصر : 3 ) . # وجملة { إنا كنا ظالمين } إقرار بالذنب ، والتأكيد لتحقيق الإقرار ~~والاهتمام به . ويفيد حرف ( إن ) مع ذلك تعليلا للتسبيح الذي قبله . وحذف ~~مفعول { ظالمين } ليعم ظلمهم أنفسهم بما جروه على أنفسهم من سلب النعمة ، ~~وظلم المساكين بمنعهم من حقهم فى المال . # وجرت حكاية جوابهم على طريقة المحاورة فلم تعطف وهي الطريقة التي نبهنا ~~عليها عند قوله تعالى : { قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها في سورة البقرة . # ولما استقر حالهم على المشاركة في منع المساكين حقهم أخذ بعضهم يلوم بعضا ~~على ما فرط من فعلهم ms8719 : كل يلوم غيره بما كان قد تلبس به في هذا الشأن من ~~ابتكار فكرة منع المساكين ما كان حقا لهم من حياة الأب ، ومن الممالاة على ~~ذلك ، ومن الاقتناع بتصميم البقية ، ومن تنفيذ جميعهم ذلك العزم الذميم ، ~~فصور قوله : فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون } هذه الحالة والتقاذف الواقع ~~بينهم بهذا الإجمال البالغ غاية الإيجاز ، ألا ترى أن إقبال بعضهم على بعض ~~يصور حالة تشبه المهاجمة والتقريع ، وأن صيغة التلاوم مع حذف متعلق التلاوم ~~تصور في ذهن السامع صورا من لوم بعضهم على بعض . # وقد تلقى كل واحد منهم لوم غيره عليه بإحقاق نفسه بالملامة وإشراك بقيتهم ~~فيها فقال كل واحد منهم : { يا ويلنا إنا كنا طاغين } إلى آخره ، فأسند هذا ~~القول إلى جميعهم لذلك . # فجملة { قالوا يا ويلنا إنا كنا طاغين } إلى آخرها يجوز أن تكون مبينة ~~لجملة { يتلاومون ، } أي يلوم بعضهم بعضا بهذا الكلام فتكون خبرا مستعملا ~~في التقريع على طريقة التعريض بغيره والإقرار على نفسه ، مع التحسر والتندم ~~بما أفاده { يا ويلنا . } وذلك كلام جامع للملامة كلها ولم تعطف الجملة ~~لأنها مبينة . PageV29P087 # ويجوز أن تكون جواب بعضهم بعضا عن لومه غيره ، فكما أجمعوا على لوم بعضهم ~~بعضا كذلك أجمعوا على إجابة بعضهم بعضا عن ذلك الملام فقال كل ملوم للائمه ~~{ يا ويلنا إنا كنا طاغين } الخ جوابا بتقرير ملامه والاعتراف بالذنب ورجاء ~~العفو من الله وتعويضهم عن جنتهم خيرا منها إذا قبل توبتهم وجعل لهم ثواب ~~الدنيا مع ثواب الآخرة ، فيكون ترك العطف لأن فعل القول جرى في طريقة ~~المحاورة . # والإقبال : حقيقته المجيء إلى الغير من جهة وجهه وهو مشتق من القبل وهو ~~ما يبدو من الإنسان من جهة وجهه ضد الإدبار ، وهو هنا تمثيل لحال العناية ~~باللوم . # واللوم : إنكار متوسط على فعل أو قولل وهو دون التوبيخ وفوق العتاب ، ~~وتقدم عند قوله تعالى : { فإنهم غير ملومين في سورة المؤمنين . # والطغيان : تجاوز الحد المتعارف في الكبر والتعاظم والمعنى : إنا كنا ~~طاغين على حدود الله . # ثم استأنفوا عن ندامتهم ms8720 وتوبتهم رجاءهم من الله أن يتوب عليهم فلا ~~يؤاخذهم بذنبهم في الآخرة ولا في الدنيا فيمحو عقابه في الدنيا محوا كاملا ~~بأن يعوضهم عن جنتهم التي قدر إتلافها بجنة أخرى خيرا منها . # وجملة إنا إلى ربنا راغبون } بدل من جملة الرجاء ، أي هو رجاء مشتمل على ~~رغبة إليه بالقبول والاستجابة . # والتأكيد في { إنا إلى ربنا راغبون } للاهتمام بهذا التوجه . # والمقصود من الإطناب في قولهم بعد حلول العذاب بهم تلقين الذين ضرب لهم ~~هذا المثل بأن في مكنتهم الإنابة إلى الله بنبذ الكفران لنعمته إذ أشركوا ~~به من لا إنعام لهم عليه . # روي عن ابن مسعود أنه قال : بلغني أنهم أخلصوا وعرف الله منهم الصدق ~~فأبدلهم جنة يقال لها : الحيوان ، ذات عنب يحمل العنقود الواحد منه على بغل ~~. PageV29P088 # وعن أبي خالد اليماني أنه قال : دخلت تلك الجنة فرأيت كل عنقود منها ~~كالرجل الأسود القائم . # وقرأ الجمهور { أن يبدلنا } بسكون الموحدة وتخفيف الدال . وقرأه نافع ~~وأبو عمرو وأبو جعفر { يبدلنا } بفتح الموحدة وتشديد الدال وهما بمعنى واحد ~~. # قال ابن الفرس في ( أحكام القرآن ) : استدل بهذه الآية أبو محمد عبد ~~الوهاب على أن من تعمد إلى نقص النصاب قبل الحول قصدا للفرار من الزكاة أو ~~خالط غيره ، أو فارقه بعد الخلطة فإن ذلك لا يسقط الزكاة عنه خلافا للشافعي ~~. # ووجه الاستدلال بالآية أن أصحاب الجنة قصدوا بجذ الثمار إسقاط حق ~~المساكين فعاقبهم الله بإتلاف ثمارهم . # . # رجوع إلى تهديد المشركين المبدوء من قوله : { إنا بلوناهم } ( القلم : 17 ~~) ، فالكلام فذلكة وخلاصة لما قبله وهو استئناف ابتدائي . # والمشار إليه باسم الإشارة هو ما تضمنته القصة من تلف جنتهم وما أحسوا به ~~عند رؤيتها على تلك الحالة ، وتندمهم وحسرتهم ، أي مثل ذلك المذكور يكون ~~العذاب في الدنيا ، فقوله : { كذلك } مسند مقدم و { العذاب } مسند إليه ، ~~وتقديم المسند للاهتمام بإحضار صورته في ذهن السامع . # والتعريف في { العذاب } تعريف الجنس وفيه توجيه بالعهد الذهني ، أي ~~عذابكم الموعد مثل عذاب أولئك والمماثلة في إتلاف الأرزاق والإصابة بقطع ~~الثمرات . # وليس التشبيه ms8721 في قوله : { كذلك العذاب } مثل التشبيه في قوله : { وكذلك ~~جعلناكم أمة وسطا } ( البقرة : 143 ) ، ونحوه ما تقدم في سورة البقرة بل ما ~~هنا من قبيل التشبيه PageV29P089 المتعارف لوجود ما يصلح لأن يكون مشبها به ~~العذاب وهو كون المشبه به غير المشبه ، ونظيره قوله تعالى : { وكذلك أخذ ~~ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة } ( هود : 102 ) بخلاف ما في سورة البقرة فإن ~~المشبه به هو عين المشبه لقصد المبالغة في بلوغ المشبه غاية ما يكون فيه ~~وجه الشبه بحيث إذا أريد تشبيهه لا يلجأ إلا إلى تشبيهه بنفسه فيكون كناية ~~عن بلوغه أقصى مراتب وجه الشبه . # والمماثلة بين المشبه والمشبه به مماثلة في النوع وإلا فإن ما توعدوا به ~~من القحط أشد مما أصاب أصحاب الجنة وأطول . # وقوله { ولعذاب الآخرة أكبر } دال على أن المراد بقوله : { كذلك العذاب } ~~عذاب الدنيا . # وضمير { لو كانوا يعلمون } عائد إلى ما عاد إليه ضمير الغائب في قوله : { ~~بلوناهم } ( القلم : 17 ) ، وهم المشركون فإنهم كانوا ينكرون عذاب الآخرة ~~فهددوا بعذاب الدنيا ، ولا يصح عوده إلى { أصحاب الجنة } ( القلم : 17 ) ~~لأنهم كانوا مؤمنين بعذاب الآخرة وشدته . # . # استئناف بياني لأن من شأن ما ذكر من عذاب الآخرة للمجرمين أن ينشأ عنه ~~سؤال في نفس السامع يقول : فما جزاء المتقين ؟ وهو كلام معترض بين أجزاء ~~الوعيد والتهديد وبين قوله : { سنسمه على الخرطوم } ( القلم : 16 ) وقوله : ~~{ كذلك العذاب } ( القلم : 33 ) . وقد أشعر بتوقع هذا السؤال قوله بعده : { ~~أفنجعل المسلمين كالمجرمين } ( القلم : 35 ) كما سيأتي . # وتقديم المسند على المسند إليه للاهتمام بشأن المتقين ليسبق ذكر صفتهم ~~العظيمة ذكر جزائها . # واللام للاستحقاق . و { عند } ظرف متعلق بمعنى الكون الذي يقتضيه حرف ~~الجر ، ولذلك قدم متعلقه معه على المسند إليه لأجل ذلك الاهتمام . وقد حصل ~~من تقديم المسند بما معه طول يثير تشويق السامع إلى المسند إليه . والعندية ~~هنا عندية كرامة واعتناء . PageV29P090 # وإضافة { جنات } إلى { النعيم } تفيد أنها عرفت به فيشار بذلك إلى ملازمة ~~النعيم لها لأن أصل الإضافة أنها بتقدير لام الاستحقاق ف ms8722 { جنات النعيم } ~~مفيد أنها استحقها النعيم لأنها ليس في أحوالها إلا حال نعيم أهلها ، فلا ~~يكون فيها ما يكون في جنات الدنيا من المتاعب مثل الحر في بعض الأوقات أو ~~شدة البرد أو مثل الحشرات والزنانير ، أو ما يؤذي مثل شوك الأزهار والأشجار ~~وروث الدواب وذرق الطير . # ( 35 36 ) . # فاء التفريع تقتضي أن هذا الكلام متفرع على ما قبله من استحقاق المتقين ~~جنات النعيم ، ومقابلته بتهديد المشركين بعذاب الدنيا والآخرة ، ولكن ذلك ~~غير مصرح فيه بما يناسب أن يتفرع عليه هذا الإنكار والتوبيخ فتعين تقدير ~~إنكار من المعرض بهم ليتوجه إليهم هذا الاستفهام المفرع ، وهو ما أشرنا ~~إليه آنفا من توقع أو وقوع سؤال . # والاستفهام وما بعده من التوبيخ ، والتخطئة ، والتهكم على إدلالهم الكاذب ~~، مؤذن بأن ما أنكر عليهم ووبخوا عليه وسفهوا على اعتقاده كان حديثا قد جرى ~~في نواديهم أو استسخروا به على المسلمين في معرض جحود أن يكون بعث ، وفرضهم ~~أنه على تقدير وقوع البعث والجزاء لا يكون للمسلمين مزية وفضل عند وقوعه . # وعن مقاتل لما نزلت آية { إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم } ( القلم : ~~34 ) قالت قريش : إن كان ثمة جنة نعيم فلنا فيها مثل حظنا وحظهم في الدنيا ~~، وعن ابن عباس أنهم قالوا : إنا نعطى يومئذ خيرا مما تعطون فنزل قوله : { ~~أفنجعل المسلمين كالمجرمين } الآية . # والهمزة للاستفهام الإنكاري ، فرع إنكار التساوي بين المسلمين والكافرين ~~على ما سبق من اختلاف جزاء الفريقين فالإنكار متسلط على ما دار بين ~~المشركين من القول عند نزول الآية السابقة أو عند نزول ما سبقها من آي ~~القرآن التي قابلت بين جزاء المؤمنين وجزاء المشركين كما يقتضيه صريحا قوله ~~: { ما لكم كيف تحكمون } إلى قوله : { إن لكم لما تحكمون } ( القلم : 39 ) ~~. PageV29P091 # وإنكار جعل الفريقين متشابهين كناية عن إعطاء المسلمين جزاء الخير في ~~الآخرة وحرمان المشركين منه ، لأن نفي التساوي وارد في معنى التضاد في ~~الخير والشر في القرآن وكلام العرب قال تعالى : { أفمن كان مؤمنا كمن كان ~~فاسقا لا يستوون } ( السجدة : 18 ms8723 ) ، وقال : { لا يستوي أصحاب النار وأصحاب ~~الجنة } ( الحشر : 20 ) ، وقال : { أم نجعل الذين ءامنوا وعملوا الصالحات ~~كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار } ( ص : 28 ) وقال السموأل أو ~~الحارثي : # سلي إن جهلتت الناس عنا وعنهم # فليس سواء عالم وجهول # وإذا انتفى أن يكون للمشركين حظ في جزاء الخير انتفى ما قالوه من أنهم ~~أفضل حظا في الآخرة من المسلمين كما هو حالهم في الدنيا بطريق فحوى الخطاب ~~. # وقوله : { أفنجعل المسلمين كالمجرمين } كلام موجه إلى المشركين وهم ~~المقصود ب { المجرمين ، } عبر عنهم بطريق الإظهار دون ضمير الخطاب لما في ~~وصف { المجرمين } من المقابلة ليكون في الوصفين إيماء إلى سبب نفي المماثلة ~~بين الفريقين . # فلذلك لم يكن ضمير الخطاب في قوله : { ما لكم كيف تحكمون } التفاتا عن ~~ضمائر الغيبة من قوله : { ودوا لو تدهن فيدهنون } ( القلم : 9 ) وقوله { ~~إنا بلوناهم } ( القلم : 17 ) . # وإنما تغير الضمير إلى ضمير الخطاب تبعا لتغير توجيه الكلام ، لأن شرط ~~الالتفات أن يتغير الضمير في سياق واحد . # و { ما لكم } استفهام إنكاري لحالة حكمهم ، ف { ما لكم } مبتدأ وخبر وقد ~~تقدم في قوله تعالى : { قالوا وما لنا أن لا نقاتل في سبيل الله في سورة ~~البقرة . # وكيف تحكمون } استفهام إنكاري ثان في موضع الحال من ضمير { لكم ، } أي ~~انتفى أن يكون لكم شيء في حال حكمكم ، أي فإن ثبت لهم كان منكرا باعتبار ~~حالة حكمهم . # والمعنى : لا تحكمون أنكم مساوون للمسلمين في جزاء الآخرة أو مفضلون ~~عليهم . PageV29P092 # ( 37 38 ) . # إضراب انتقال من توبيخ إلى احتجاج على كذبهم . # والاستفهام المقدر مع { أم } إنكار لأن يكون لهم كتاب إنكارا مبنيا على ~~الفرض وإن كانوا لم يدعوه . # وحاصل هذا الانتقال والانتقالات الثلاثة بعده وهي { أم لكم أيمان علينا } ~~( القلم : 39 ) الخ ، { سلهم أيهم بذلك زعيم } ( القلم : 40 ) { أم لهم ~~شركاء } ( القلم : 41 ) الخ أن حكمكم هذا لا يخلو من أن يكون سنده كتابا ~~سماويا نزل من لدنا ، وإما أن يكون سنده عهدا منا بأنا نعطيكم ما تقترحون ، ~~وإما أن يكون لكم ms8724 كفيل علينا ، وأما أن يكون تعويلا على نصر شركائكم . # وتقديم { لكم } على المبتدأ وهو { كتاب } لأن المبتدأ نكرة وتنكيره مقصود ~~للنوعية فكان تقديم الخبر لازما . # وضمير { فيه } عائد إلى الحكم المفاد من قوله : { كيف تحكمون } ( القلم : ~~36 ) ، أي كتاب في الحكم . # و ( في ) للتعليل أو الظرفية المجازية كما تقول ورد كتاب في الأمر بكذا ~~أو في النهي عن كذا فيكون { فيه } ظرفا مستقرا صفة ل { كتاب . } ويجوز أن ~~يكون الضمير عائدا إلى { كتاب } ويتعلق المجرور بفعل { تدرسون } جعلت ~~الدراسة العميقة بمزيد التبصر في ما يتضمنه الكتاب بمنزلة الشيء المظروف في ~~الكتاب كما تقول : لنا درس في كتاب سيبويه . # وفي هذا إدماج بالتعريض بأنهم أميون ليسوا أهل كتاب وأنهم لما جاءهم كتاب ~~لهديهم وإلحاقهم بالأمم ذات الكتاب كفروا نعمته وكذبوه قال تعالى : { لقد ~~أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون } ( الأنبياء : 10 ) وقال : { أو ~~تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم ~~وهدى ورحمة } ( الأنعام : 157 ) . # وجملة { إن لكم فيه لما تخيرون } في موضع مفعول { تدرسون } على أنها ~~PageV29P093 محكي لفظها ، أي تدرسون هذه العبارة كما جاء قوله تعالى : { ~~وتركنا عليه في الآخرين سلام على نوح في العالمين } ( الصافات : 78 ، 79 ) ~~أي تدرسون جملة { إن لكم فيه لما تخيرون . # ويكون فيه } توكيدا لفظيا لنظيرها من قوله : { فيه تدرسون ، } قصد من ~~إعادتها مزيد ربط الجملة بالتي قبلها كما أعيدت كلمة ( من ) في قوله تعالى ~~: { ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا } ( النحل : 67 ) وأصله : ~~تتخذون سكرا . # و { تخيرون } أصله تتخيرون بتاءين ، حذفت إحداهما تخفيفا . والتخير : ~~تكلف الخير ، أي تطلب ما هو في أخير . والمعنى : إن في ذلك الكتاب لكم ما ~~تختارون من خير الجزاء . # . # { أم } للانتقال إلى دليل آخر وهو نفي أن يكون مستند زعمهم عهدا أخذوه ~~على الله لأنفسهم أن يعاملهم يوم القيامة بما يحكمون به لأنفسهم ، ~~فالاستفهام اللازم تقديره بعد { أم } إنكاري و { بالغة } مؤكدة . وأصل ~~البالغة : الواصلة إلى ما يطلب بها ، وذلك استعارة لمعنى ms8725 مغلظة ، شبهت ~~بالشيء البالغ إلى نهاية سيره وذلك كقوله تعالى : { قل فلله الحجة البالغة ~~} ( الأنعام : 149 ) . # وقوله : { علينا } صفة ثانية ل { أيمان } أي أقسمناها لكم لإثبات حقكم ~~علينا . # و { إلى يوم القيامة } صفة ثالثة ل { أيمان ، } أي أيمان مؤبدة لا تحلة ~~منها فحصل من الوصفين أنها عهود مؤكدة ومستمرة طول الدهر ، فليس يوم ~~القيامة منتهى الأخذ بتلك الأيمان بل هو تنصيص على التأييد كما في قوله ~~تعالى : { ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة ~~في سورة الأحقاف . # ويتعلق إلى يوم القيامة } بالاستقرار الذي في الخبر في قوله : { لكم ~~أيمان } ولا PageV29P094 يحسن تعلقه ب { بالغة } تعلق الظرف اللغو لأنه ~~يصير { بالغة } مستعملا في معنى مشهور قريب من الحقيقة ، ومحمل { بالغة } ~~على الاستعارة التي ذكرنا أجزل وجملة { إن لكم لما تحكمون } بيان ل { أيمان ~~، } أي أيمان بهذا اللفظ . # ومعنى ( ما تحكمون ) تأمرون به دون مراجعة ، يقال : نزلوا على حكم فلان ، ~~أي لم يعينوا طلبة خاصة ولكنهم وكلوا تعيين حقهم إلى فلان ، قال خطاب أو ~~حطان بن المعلى : # أنزلني الدهر على حكمه # من شامخخ عالل إلى خفض # أي دون اختيار لي ولا عمل عملته فكأنني حكمت الدهر فأنزلني من معاقلي ~~وتصرف في كما شاء . # ومن أقوالهم السائرة مسرى الأمثال ( حكمك مسمطا ) ( بضم الميم وفتح السين ~~وفتح الميم الثانية مشددة ) أي لك حكمك نافذا لا اعتراض عليك فيه . وقال ~~ابن عثمة : # لك المرباع منها والصفايا # وحكمك والنشيطة والفضول # . # استئناف بياني عن جملة { أم لكم أيمان علينا بالغة } ( القلم : 39 ) ، ~~لأن الأيمان وهي العهود تقتضي الكفلاء عادة قال الحارث بن حلزة : # واذكروا حلف ذي المجاز وما قد # م فيه العهود والكفلاء # فلما ذكر إنكار أن يكون لهم عهود ، كمل ذلك بأن يطلب منهم أن يعينوا من ~~هم الزعماء بتلك الأيمان . # فالاستفهام في قوله : { سلهم أيهم بذلك زعيم } مستعمل في التهكم زيادة ~~على الإنكار عليهم . # والزعيم : الكفيل وقد جعل الزعيم أحدا منهم زيادة في التهكم وهو أن جعل ~~الزعيم ms8726 لهم واحدا منهم لعزتهم ومناغاتهم لكبرياء الله تعالى . # . PageV29P095 # { أم } إضراب انتقالي ثالث إلى إبطال مستند آخر مفروض لهم في سند قولهم : ~~إنا نعطى مثل ما يعطى المسلمون أو خيرا مما يعطونه ، وهو أن يفرض أن ~~أصنامهم تنصرهم وتجعل لهم حظا من جزاء الخير في الآخرة . # والمعنى : بل أثبتت لهم ، أي لأجلهم ونفعهم شركاء ، أي شركاء لنا في ~~الإلاهية في زعمهم ، فحذف متعلق { شركاء } لشهرته عندهم فصار شركاء بمنزلة ~~اللقب ، أي أم آلهتهم لهم فليأتوا بهم لينفعوهم يوم القيامة . # واللام في { لهم } لام الأجل ، أي لأجلهم بتقدير مضاف ، أي لأجل نصرهم ، ~~فاللام كاللام في قول أبي سفيان يوم أحد ( لنا العزى ولا عزى لكم ) . # وتنكير { شركاء } في حيز الاستفهام المستعمل في الإنكار يفيد انتفاء أن ~~يكون أحد من الشركاء ، أي الأصنام لهم ، أي لنفعهم فيعم أصنام جميع قبائل ~~العرب المشترك في عبادتها بين القبائل ، والمخصوصة ببعض القبائل . # وقد نقل أسلوب الكلام من الخطاب إلى الغيبة لمناسبة وقوعه بعد { سلهم ~~أيهم بذلك زعيم } ( القلم : 40 ) ، لأن أخص الناس بمعرفة أحقية هذا الإبطال ~~هو النبي صلى الله عليه وسلم وذلك يستتبع توجيه هذا الإبطال إليهم بطريقة ~~التعريض . # والتفريع في قوله : { فليأتوا بشركائهم } تفريع على نفي أن تنفعهم آلهتهم ~~، فتعين أن أمر { فليأتوا } أمر تعجيز . # وإضافة { شركاء } إلى ضميرهم في قوله : { فليأتوا بشركائهم } لإبطال صفة ~~الشركة في الإلاهية عنهم ، أي ليسوا شركاء في الإلاهية إلا عند هؤلاء فإن ~~الإلاهية الحق لا تكون نسبية بالنسبة إلى فريق أو قبيلة . # ومثل هذا الإطلاق كثير في القرآن ومنه قوله : { قل ادعوا شركاءكم ثم ~~كيدون فلا تنظرون } ( الأعراف : 195 ) . # ( 42 43 ) . PageV29P096 # يجوز أن يكون { يوم يكشف } متعلقا بقوله : { فليأتوا بشركائهم } ( القلم ~~: 41 ) ، أي فليأتوا بالمزعومين يوم القيامة ، وهذا من حسن التخلص إلى ذكر ~~أهوال القيامة عليهم . # ويجوز أن يكون استئنافا متعلقا بمحذوف تقديره : اذكر يوم يكشف عن ساق ~~ويدعون إلى السجود الخ للتذكير بأهوال ذلك اليوم . # وعلى كلا الوجهين في تعلق { يوم } فالمراد باليوم يوم القيامة . # والكشف عن ms8727 ساق : مثل لشدة الحال وصعوبة الخطب والهول ، وأصله أن المرء ~~إذا هلع أن يسرع في المشي ويشمر ثيابه فيكشف عن ساقه كما يقال : شمر عن ~~ساعد الجد ، وأيضا كانوا في الروع والهزيمة تشمر الحرائر عن سوقهن في الهرب ~~أو في العمل فتنكشف سوقهن بحيث يشغلهن هول الأمر عن الاحتراز من إبداء ما ~~لا تبدينه عادة ، فيقال : كشفت عن ساقها أو شمرت عن ساقها ، أو أبدت عن ~~ساقها ، قال عبد الله بن قيس الرقيات : # كيف نومي على الفراش ولما # تشمل الشام غارة شعواء # تذهل الشيخ عن بنيه وتبدي # عن خدام العقيلة العذراء # وفي حديث غزوة أحد قال أنس بن مالك : ( انهزم الناس عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم ولقد رأيت عائشة وأم سليم وأنهما لمشمرتان أرى خدم سوقهما تنقلان ~~القرب على متونهما ثم تفرغانها في أفواه القوم ثم ترجعان فتملآنها ) الخ ، ~~فإذا قالوا : كشف المرء عن ساقه فهو كناية عن هول أصابه وإن لم يكن كشف ~~ساقه . وإذا قالوا : كشف الأمر عن ساق ، فقد مثلوه بالمرأة المروعة ، وكذلك ~~كشفت الحرب عن ساقها ، كل ذلك تمثيل إذ ليس ثمة ساق قال حاتم : # فتى الحرب عضت به لحرب الحرب عضها # وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا # وقال جد طرفة من الحماسة : # كشفت لهم عن ساقها # وبدا من الشر البواح # وقرأ ابن عباس { يوم تكشف } بمثناة فوقية وبصيغة البناء للفاعل على تقدير ~~PageV29P097 تكشف الشدة عن ساقها أو تكشف القيامة ، وقريب من هذا قولهم : ~~قامت الحرب على ساق . # والمعنى : يوم تبلغ أحوال الناس منتهى الشدة والروع ، قال ابن عباس : ~~يكشف عن ساق : عن كرب وشدة ، وهي أشد ساعة في يوم القيامة . # وروى عبد بن حميد وغيره عن عكرمة عن ابن عباس أنه سئل عن هذا ، فقال : ( ~~إذا خفي عليكم شيء من القرآن فابتغوه في الشعر فإنه ديوان العرب ) ، أما ~~سمعتم قول الشاعر : # صبرا عناق إنه لشرباق # فقد سن لي قومكك ضرب الأعناق # وقامت الحرب بنا على ساق # وقال مجاهد : { يكشف عن ساق } : شدة الأمر . # وجملة ms8728 { ويدعون } ليس عائدا إلى المشركين مثل ضمير { إنا بلوناهم } ( ~~القلم : 17 ) إذ لا يساعد قوله : { وقد كانوا يدعون إلى السجود } فإن ~~المشركين لم يكونوا في الدنيا يدعون إلى السجود . فالوجه أن يكون عائدا إلى ~~غير مذكور ، أي ويدعى مدعوون فيكون تعريضا بالمنافقين بأنهم يحشرون مع ~~المسلمين ويمتحن الناس بدعائهم إلى السجود ليتميز المؤمنون الخلص عن غيرهم ~~تميز تشريف فلا يستطيع المنافقون السجود فيفتضح كفرهم ، قال القرطبي عن قيس ~~بن السكن عن عبد الله بن مسعود : فمن كان يعبد الله مخلصا يخر ساجدا له ~~ويبقى المنافقون لا يستطيعون كأن في ظهورهم السفافيد اه . فيكون قوله تعالى ~~: { ويدعون إلى السجود } إدماجا لذكر بعض ما يحصل من أحوال ذلك اليوم . # وفي ( صحيح مسلم ) من حديث الرؤية وحديث الشفاعة عن أبي سعيد الخدري أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( فيكشف عن ساق فلا يبقى من كان يسجد لله ~~من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود ، ولا يبقى من كان يسجد رياء إلا ~~جعل الله ظهره طبقة واحدة كلما أراد أن يسجد خر على قفاه ) الحديث ، فيصلح ~~ذلك تفسيرا لهذه الآية . PageV29P098 # وقد اتبع فريق من المفسرين هذه الرواية وقالوا : يكشف الله عن ساقه ، أي ~~عن مثل الرجل ليراها الناس ثم قالوا هذا من المتشابه ، على أنه روي عن أبي ~~موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : { عن ساق } قال ~~يكشف عن نور عظيم يخرون له سجدا . # ورويت أخبار أخرى ضعيفة لا جدوى في ذكرها . # و { السجود } الذي يدعون إليه : سجود الضراعة والخضوع لأجل الخلاص من ~~أهوال الموقف . # وعدم استطاعتهم السجود لسلب الله منهم الاستطاعة على السجود ليعلموا أنهم ~~لا رجاء لهم في النجاة . # والذي يدعوهم إلى السجود الملائكة الموكلون بالمحشر بأمر الله تعالى ~~كقوله تعالى : { يوم يدعو الداعي إلى شيء نكر إلى قوله : مهطعين إلى الداعي ~~} ( القمر : 6 8 ) ، أو يدعو بعضهم بعضا بإلهام من الله تعالى ، وهو نظير ~~الدعوة إلى الشفاعة في الأثر المروي ( فيقول بعضهم لبعض : لو ms8729 استشفعنا إلى ~~ربنا حتى يريحنا من موقفنا هذا ) . # وخشوع الأبصار : هيئة النظر بالعين بذلة وخوف ، استعير له وصف { خاشعة } ~~لأن الخاشع يكون مطأطئا مختفيا . # و { ترهقهم } : تحل بهم وتقترب منهم بحرص على التمكن منهم ، رهق من باب ~~فرح قال تعالى : { ترهقها قترة } ( عبس : 41 ) . # وجملة { ترهقهم ذلة } حال ثانية من ضمير { يستطيعون . # وجملة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون } معترضة بين ما قبلها وما ~~تفرع عنها ، أي كانوا في الدنيا يدعون إلى السجود لله وحده وهم سالمون من ~~مثل الحالة التي هم عليها في يوم الحشر . والواو للحال وللاعتراض . # وجملة { وهم سالمون } حال من ضمير { يدعون } أي وهم قادرون لا علة تعوقهم ~~عنه في أجسادهم . والسلامة : انتفاء العلل والأمراض بخلاف حالهم يوم ~~القيامة فإنهم ملجأون لعدم السجود . PageV29P099 # ( 44 45 ) . # الفاء لتفريع الكلام الذي عطفته على الكلام الذي قبله لكون الكلام الأول ~~سببا في ذكر ما بعده ، فبعد أن استوفي الغرض من موعظتهم ووعيدهم وتزييف ~~أوهامهم أعقب بهذا الاعتراض تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم بأن الله تكفل ~~بالانتصاف من المكذبين ونصره عليهم . # وقوله : { فذرني ومن يكذب } ونحوه يفيد تمثيلا لحال مفعول ( ذر ) في ~~تعهده بأن يكفي مؤونة شيء دون استعانة بصاحبب المؤونة بحال من يرى المخاطب ~~قد شرع في الانتصار لنفسه ورأى أنه لا يبلغ بذلك مبلغ مفعول ( ذر ) لأنه ~~أقدر من المعتدى عليه في الانتصاف من المعتدي فيتفرغ له ولا يطلب من صاحب ~~الحق إعانة له على أخذ حقه ، ولذلك يؤتى بفعل يدل على طلب الترك ويؤتى بعده ~~بمفعولل معه ومنه قوله تعالى : { وذرني والمكذبين } ( المزمل : 11 ) { ذرني ~~ومن خلقت وحيدا } ( المدثر : 11 ) وقال السهيلي في ( الروض الأنف ) في قوله ~~تعالى : { ذرني ومن خلقت وحيدا } ( المدثر : 11 ) فيه تهديد ووعيد ، أي ~~دعني وإياه فسترى ما أصنع وهي كلمة يقولها المغتاظ إذا اشتد غيظه وغضبه ~~وكره أن يشفع لمن اغتاظ عليه فمعنى الكلام لا شفاعة في هذا الكافر . # والواو واو المعية وما بعدها مفعول معه ، ولا يصح أن تكون ms8730 الواو عاطفة ~~لأن المقصود : اتركني معهم . # و { الحديث } يجوز أن يراد به القرآن وتسميته حديثا لما فيه من الإخبار ~~عن الله تعالى ، وما فيه من أخبار الأمم وأخبار المغيبات ، وقد سمي بذلك في ~~قوله تعالى : { فبأي حديث بعده يؤمنون في سورة الأعراف وقوله تعالى : أفمن ~~هذا الحديث تعجبون وتضحكون الآية في } ( سورة النجم : 59 60 ) ، وقوله : { ~~أفبهذا الحديث أنتم مدهنون في سورة الواقعة . # واسم الإشارة على هذا للإشارة إلى مقدر في الذهن مما سبق نزوله من القرآن ~~. # ويجوز أن يكون المراد بالحديث الإخبار عن البعث وهو ما تضمنه قوله تعالى ~~: يوم يكشف عن ساق الآية } ( القلم : 42 ) . PageV29P100 # ويكون اسم الإشارة إشارة إلى ذلك الكلام والمعنى : حسبك إيقاعا بهم أن ~~تكل أمرهم إلي فأنا أعلم كيف أنتصف منهم فلا تشغل نفسك بهم وتوكل علي . # ويتضمن هذا تعريضا بالتهديد للمكذبين لأنهم يسمعون هذا الكلام . # وهذا وعد للنبي صلى الله عليه وسلم بالنصر ووعيد لهم بانتقام في الدنيا ~~لأنه تعجيل لتسلية الرسول . # وجملة { سنستدرجهم من حيث لا يعلمون ، } بيان لمضمون { ذرني ومن يكذب ~~بهذا الحديث } باعتبار أن الاستدراج والإملاء يعقبهما الانتقام فكأنه قال : ~~سنأخذهم بأعمالهم فلا تستبطىء الانتقام فإنه محقق وقوعه ولكن يؤخر لحكمة ~~تقتضي تأخيره . # والاستدراج : استنزال الشيء من درجة إلى أخرى في مثل السلم ، وكان أصل ~~السين والتاء فيه للطلب أي محاولة التدرج ، أي التنقل في الدرج ، والقرينة ~~تدل على إرادة النزول إذ التنقل في الدرج يكون صعودا ونزولا ، ثم شاع ~~إطلاقه على معاملة حسنة لمسيء إلى إبان مقدر عند حلوله عقابه ومعنى { من ~~حيث لا يعلمون } أن استدراجهم المفضي إلى حلول العقاب بهم يأتيهم من أحوال ~~وأسباب لا يتفطنون إلى أنها مفضية بهم إلى الهلاك ، وذلك أجلب لقوة حسرتهم ~~عند حلول المصائب بهم ، ف { من } ابتدائية ، و { حيث } للمكان المجازي ، أي ~~الأسباب والأفعال والأحوال التي يحسبونها تأتيهم بخير فتنكشف لهم عن الضر ، ~~ومفعول { لا يعلمون } ضمير محذوف عائد إلى { حيث . # وأملي } : مضارع أملى ، مقصورا بمعنى أمهل وأخر وهو مشتق من ms8731 الملا مقصورا ~~، وهو الحين والزمن ، ومنه قيل لليلل والنهار : الملوان ، فيكون أملى بمعنى ~~طول في الزمان ، ومصدره إملاء . # ولام { لهم } هي اللام المسماة لام التبيين ، وهي التي تبين اتصال ~~مدخولها بعامله لخفاء فيه فإن اشتقاق فعل أملى من الملو ، وهو الزمان ~~اشتقاق غير بين لخفاء معنى الحدث فيه . # ونون { سنستدرجهم } نون المتكلم المشارك ، والمراد الله وملائكته ~~الموكلون PageV29P101 بتسخير الموجودات وربط أحوال بعضها ببعض على وجه يتم ~~به مراد الله فلذلك جيء بنون المتكلم المشارك فالاستدراج تعلق تنجيزي لقدرة ~~الله فيحصل بواسطة الملائكة الموكلين كما قال تعالى : { إذ يوحي ربك إلى ~~الملائكة أني معكم فثبتوا الذين ءامنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب ~~فاضربوا فوق الأعناق الآية } ( الأنفال : 12 ) . # وأما الإملاء فهو علم الله بتأجيل أخذهم . وتعلق العلم ينفرد به الله ~~فلذلك جيء معه بضمير المفرد . وحصل في هذا الاختلاف تفنن في الضميرين . # ونظير هذه الآية قوله في الأعراف ( 182 183 ) : { والذين كذبوا بآياتنا ~~سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين باعتبار أنهما وعد ~~للنبيء بالنصر وتثبيت له بأن استمرار الكافرين في نعمة إنما هو استدراج ~~وإملاء وضرب يشبه الكيد وأن الله بالغ أمره فيهم ، وهذا كقوله : لا يغرنك ~~تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل } ( آل عمران : 196 197 ) . # وموقع { إن } موقع التسبب والتعليل كما تقدم عند قوله تعالى : { إن أول ~~بيت وضع للناس في سورة آل عمران . # وإطلاق الكيد على إحسان الله لقوم مع إرادة إلحاق السوء بهم إطلاق على ~~وجه الاستعارة لمشابهته فعل الكائد من حيث تعجيل الإحسان وتعقيبه بالإساءة ~~. # } . # إضراب آخر للانتقال إلى إبطال آخر من إبطال معاذيرهم في إعراضهم عن ~~استجابة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم المبتدىء من قوله : { ما لكم كيف ~~تحكمون أم لكم كتاب } ( القلم : 36 37 ) { أم لكم أيمان } ( القلم : 39 ) { ~~أم لهم شركاء } ( القلم : 41 ) فإنه بعد أن نفى أن تكون لهم حجة تؤيد صلاح ~~حالهم ، أو وعد لهم بإعطاء ما يرغبون ، أو أولياء ينصرونهم ، عطف الكلام ~~إلى ms8732 نفي أن يكون عليهم ضر في إجابة دعوة الإسلام ، استقصاء لقطع ما يحتمل ~~من المعاذير بافتراض أن الرسول صلى الله عليه وسلم سألهم أجرا على هديه ~~إياهم ، فصدهم عن إجابته ثقل عزم المال على نفوسهم . # فالاستفهام الذي تؤذن به { أم } استفهام إنكار لفرض أن يكون ذلك مما ~~يخامر نفوسهم فرضا اقتضاه استقراء نواياهم من مواقع الإقبال على دعوة الخير ~~والرشد . PageV29P102 # والمغرم : ما يفرض على المرء أداؤه من ماله لغير عوض ولا جناية . # والمثقل : الذي حمل عليه شيء ثقيل ، وهو هنا مجاز في الإشفاق . # والفاء للتفريع والتسبب ، أي فيتسبب على ذلك أنك شققت عليهم فيكون ذلك ~~اعتذارا منهم عن عدم قبول ما تدعوهم إليه . # و { من مغرم } متعلق ب { مثقلون ، } و { من } ابتدائية ، وهو ابتداء ~~مجازي بمعنى التعليل ، وتقديم المعمول على عامله للاهتمام بموجب المشقة قبل ~~ذكرها مع الرعاية على الفاصلة . # . # إضراب آخر انتقل به من مدارج إبطال معاذير مفروضة لهم أن يتمسكوا ببعضها ~~تعلة لإعراضهم عن قبول دعوة القرآن ، قطعا لما عسى أن ينتحلوه من المعاذير ~~على طريقة الاستقراء ومنع الخلو . # وقد جاءت الإبطالات السالفة متعلقة بما يفرض لهم من المعاذير التي هي من ~~قبيل مستندات من المشاهدات ، وانتقل الآن إلى إبطال من نوع آخر ، وهو إبطال ~~حجة مفروضة يستندون فيها إلى علم شيء من المعلومات المغيبات عن الناس . وهي ~~مما استأثر الله بعلمه وهو المعبر عنه بالغيب ، كما تقدم في قوله تعالى : { ~~الذين يؤمنون بالغيب في سورة البقرة . وقد استقر عند الناس كلهم أن أمور ~~الغيب لا يعلمها إلا الله أو من أطلع من عباده على بعضها . # والكلام هنا على حذف مضاف ، أي أعندهم علم الغيب كما قال تعالى : أعنده ~~علم الغيب فهو يرى في سورة النجم . # فالمراد بقوله عندهم الغيب } أنه حصل في علمهم ومكنتهم ، أي بإطلاع ~~جميعهم عليه أو بإبلاغ كبرائهم إليهم وتلقيهم ذلك منهم . # وتقديم { عندهم } على المبتدأ وهو معرفة لإفادة الاختصاص ، أي صار علم ~~الغيب عندهم لا عند الله . # ومعنى { يكتبون } : يفرضون ويعينون كقوله : { كتب ms8733 عليكم القصاص في ~~PageV29P103 القتلى } ( البقرة : 178 ) وقوله : { كتاب الله عليكم } ( ~~النساء : 24 ) ، أي فهم يفرضون لأنفسهم أن السعادة في النفور من دعوة ~~الإسلام ويفرضون ذلك على الدهماء من أتباعهم . # ومجيء جملة { فهم يكتبون } متفرعة عن جملة { أم عندهم الغيب ، } بناء على ~~أن ما في الغيب مفروض كونه شاهدا على حكمهم لأنفسهم المشار إليه بقوله : { ~~ما لكم كيف تحكمون } ( القلم : 36 ) كما علمته آنفا . # ( 48 50 ) . # تفريع على ما تقدم من إبطال مزاعم المشركين ومطاعنهم في القرآن والرسول ~~صلى الله عليه وسلم وما تبعه من تكفل الله لرسوله صلى الله عليه وسلم ~~بعاقبة النصر ، وذلك أن شدته على نفس النبي صلى الله عليه وسلم من شأنها أن ~~تدخل عليه يأسا من حصول رغبته ونجاح سعيه ، ففرع عليه تثبيته وحثه على ~~المصابرة واستمراره على الهدي ، وتعريفه بأن ذلك التثبيت يرفع درجته في ~~مقام الرسالة ليكون من أولي العزم ، فذكره بمثل يونس عليه السلام إذ استعجل ~~عن أمر ربه ، فأدبه الله ثم اجتباه وتاب عليه وجعله من الصالحين تذكيرا ~~مرادا به التحذير . # والمراد بحكم الرب هنا أمره وهو ما حمله إياه من الإرسال والاضطلاع ~~بأعباء الدعوة . وهذا الحكم هو المستقرأ من آيات الأمر بالدعوة التي أولها ~~{ يا أيها المدثر قم فأنذر إلى قوله : ولربك فاصبر } ( المدثر : 1 7 ) فهذا ~~هو الصبر المأمور به في هذه الآية أيضا . ولا جرم أن الصبر لذلك يستدعي ~~انتظار الوعد بالنصر وعدم الضجر من تأخره إلى أمده المقدر في علم الله . # وصاحب الحوت : هو يونس بن متى ، وقد تقدم ذكره عند قوله تعالى : { ووهبنا ~~له إسحاق إلي قوله : ويونس في سورة الأنعام ( 84 86 ) . # والصاحب : الذي يصحب غيره ، أي يكون معه في بعض الأحوال أو في ~~PageV29P104 معظمها ، وإطلاقه على يونس لأن الحوت التقمه ثم قذفه فصار ( ~~صاحب الحوت ) } لقبا له لأن تلك الحالة معية قوية . # وقد كانت مؤاخذة يونس عليه السلام على ضجره من تكذيب قومه وهم أهل نينوى ~~كما تقدم في سورة الصافات . # و { إذ } طرف زمان ms8734 وهو وجملته متعلق باستقرار منصوب على الحال أي في حالة ~~وقت ندائه ربه ، فإنه ما نادى ربه إلا لإنقاذه من كربه الذي وقع فيه بسبب ~~مغاضبته وضجره من قومه ، أي لا يكن منك ما يلجئك إلى مثل ندائه . # والمكظوم : المحبوس المسدود عليه يقال : كظم الباب أغلقه وكظم النهر إذا ~~سده ، والمعنى : نادى في حال حبسه في بطن الحوت . # وجيء بهذه الحال جملة اسمية لدلالتها على الثبات ، أي هو في حبس لا يرجى ~~لمثله سراح ، وهذا تمهيد للامتنان عليه بالنجاة من مثل ذلك الحبس . # وقوله : { لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء } إلخ استئناف بياني ~~ناشىء عن مضمون النهي من قوله : { ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى } إلخ لأنه ~~يتضمن التحذير من الوقوع في كرب من قبيل كرب يونس ثم لا يدري كيف يكون ~~انفراجه . # و { أن } يجوز أن تكون مخففة من ( أن ) ، واسمها ضمير شأن محذوف ، وجملة ~~{ تداركه نعمة من ربه } خبرها . ويجوز أن تكون مصدرية ، أي لولا تدارك رحمة ~~من ربه . # والتدارك : تفاعل من الدرك بالتحريك وهو اللحاق ، أي أن يلحق بعض ~~السائرين بعضا وهو يقتضي تسابقهم وهو هنا مستعمل في مبالغة إدراك نعمة الله ~~إياه . # والنبذ : الطرح والترك . والعراء ممدودا : الفضاء من الأرض الذي لا نبات ~~فيه ولا بناء . # والمعنى : لنبذه الحوت أو البحر بالفضاء الخالي لأن الحوت الذي ابتلعه من ~~النوع الذي يرضع فراخه فهو يقترب من السواحل الخالية المترامية الأطراف ~~خوفا على نفسه وفراخه . PageV29P105 # والمعنى : أن الله أنعم عليه بأن أنبت عليه شجرة اليقطين كما في سورة ~~الصافات . # وأدمج في ذلك فضل التوبة والضراعة إلى الله ، وأنه لولا توبته وضراعته ~~إلى الله وإنعام الله عليه نعمة بعد نعمة لقذفه الحوت من بطنه ميتا فأخرجه ~~الموج إلى الشاطىء فلكان مثلة للناظرين أو حيا منبوذا بالعراء لا يجد ~~إسعافا ، أو لنجا بعد لأي والله غاضب عليه فهو مذموم عند الله مسخوط عليه . ~~وهي نعم كثيرة عليه إذ أنقذه من هذه الورطات كلها إنقاذا خارقا للعادة . # وهذا المعنى ms8735 طوي طيا بديعا وأشير إليه إشارة بليغة بجملة { لولا أن ~~تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم . # وطريقة المفسرين في نشر هذا المطوي أن جملة وهو مذموم } في موضع الحال ~~وأن تلك الحال قيد في جواب { لولا } ، فتقدير الكلام : لولا أن تداركه نعمة ~~من ربه لنبذ بالعراء نبذا ذميما ، أي ولكن يونس نبذ بالعراء غير مذموم . # والذي حملهم على هذا التأويل أن نبذه بالعراء واقع فلا يستقيم أن يكون ~~جوابا للشرط لأن { لولا } تقتضي امتناعا لوجود ، فلا يكون جوابها واقعا ~~فتعين اعتبار تقييد الجواب بجملة الحال ، أي انتفى ذمه عند نبذه بالعراء . # ويلوح لي في تفصيل النظم وجه آخر وهو أن يكون جواب { لولا } محذوفا دل ~~عليه قوله { وهو مكظوم } مع ما تفيده صيغة الجملة الاسمية من تمكن الكظم ~~كما علمت آنفا ، فتلك الحالة إذا استمرت لم يحصل نبذه بالعراء ، ويكون ~~الشرط ب { لولا } لاحقا لجملة { إذ نادى وهو مكظوم } ، أي لبقي مكظوما ، أي ~~محبوسا في بطن الحوت أبدا ، وهو معنى قوله في سورة الصافات ( 143 144 ) { ~~فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون } ، وتجعل جملة { ~~لنبذ بالعراء وهو مذموم } استئنافا بيانيا ناشئا عن الإجمال الحاصل من موقع ~~{ لولا } . # واللام فيها لام القسم للتحقيق لأنه خارق للعادة فتأكيده لرفع احتمال ~~المجاز . والمعنى : لقد نبذ بالعراء وهو مذموم . والمذموم : إما بمعنى ~~المذنب لأن الذنب يقتضي الذم في العاجل والعقاب في الآجل ، وهو معنى قوله ~~في آية الصافات PageV29P106 { فالتقمه الحوت وهو مليم وإما بمعنى العيب وهو ~~كونه عاريا جائعا فيكون في معنى قوله : فنبذناه بالعراء وهو سقيم } ( ~~الصافات : 145 ) فإن السقم عيب أيضا . # وتنكير { نعمة } للتعظيم لأنها نعمة مضاعفة مكررة . # وفرع على هذا النفي الإخبار بأن الله اجتباه وجعله من الصالحين . # والمراد ب { الصالحين } المفضلون من الأنبياء ، وقد قال إبراهيم عليه ~~السلام { رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين } ( الشعراء : 83 ) وذلك إيماء ~~إلى أن الصلاح هو أصل الخير ورفع الدرجات ، وقد تقدم في قوله : { كانتا تحت ~~عبدين ms8736 من عبادنا صالحين في سورة التحريم . # قال ابن عباس : رد الله إلى يونس الوحي وشفعه في نفسه وفي قومه . # ( 51 52 ) } . # عطف على جملة { فذرني ومن يكذب بهذا الحديث } ( القلم : 44 ) ، عرف الله ~~رسوله صلى الله عليه وسلم بعض ما تنطوي عليه نفوس المشركين نحو النبي صلى ~~الله عليه وسلم من الحقد والغيظ وإضمار الشر عندما يسمعون القرآن . # والزلق : بفتحتين زلل الرجل من ملاسة الأرض من طين عليها أو دهن ، وتقدم ~~في قوله تعالى : { فتصبح صعيدا زلقا في سورة الكهف . # ولما كان الزلق يفضي إلى السقوط غالبا أطلق الزلق وما يشتق منه على ~~السقوط والاندحاض على وجه الكناية ، ومنه قوله هنا ليزلقونك ، } أي يسقطونك ~~ويصرعونك . # وعن مجاهد : أي ينفذونك بنظرهم . وقال القرطبي : يقال زلق السهم وزهق ، ~~إذا نفذ ، ولم أراه لغيره ، قال الراغب قال يونس : لم يسمع الزلق والإزلاق ~~إلا في القرآن اه . PageV29P107 # قلت : وعلى جميع الوجوه فقد جعل الإزلاق بأبصارهم على وجه الاستعارة ~~المكنية ، شبهت الأبصار بالسهام ورمز إلى المشبه به بما هو من روادفه وهو ~~فعل ( يزلقونك ) وهذا مثل قوله تعالى : { إنما استزلهم الشيطان ببعض ما ~~كسبوا } ( آل عمران : 155 ) . # وقرأ نافع وأبو جعفر ( يزلقونك ) بفتح المثناة مضارع زلق بفتح اللام يزلق ~~متعديا ، إذا نحاه عن مكانه . # وجاء { يكاد } بصيغة المضارع للدلالة على استمرار ذلك في المستقبل ، وجاء ~~فعل { سمعوا } ماضيا لوقوعه مع { لما } وللإشارة إلى أنه قد حصل منهم ذلك ~~وليس مجرد فرض . # واللام في { ليزلقونك } لام الابتداء التي تدخل كثيرا في خبر { إن } ~~المكسورة وهي أيضا تفرق بين { إن } المخففة وبين ( إن ) النافية . # وضمير { إنه لمجنون } عائد إلى النبي صلى الله عليه وسلم حكاية لكلامهم ~~بينهم ، فمعاد الضمير كائن في كلام بعضهم ، أو ليس للضمير معاد في كلامهم ~~لأنه منصرف إلى من يتحدثون عنه في غالب مجالسهم . # والمعنى : يقولون ذلك اعتلالا لأنفسهم إذ لم يجدوا في الذكر الذي يسمعونه ~~مدخلا للطعن فيه فانصرفوا إلى الطعن في صاحبه صلى الله عليه وسلم بأنه ~~مجنون لينتقلوا من ذلك ms8737 إلى أن الكلام الجاري على لسانه لا يوثق به ليصرفوا ~~دهماءهم عن سماعه ، فلذلك أبطل الله قولهم : { إنه لمجنون } بقوله : { وما ~~هو إلا ذكر للعالمين ، } أي ما القرآن إلا ذكر للناس كلهم وليس بكلام ~~المجانين ، وينتقل من ذلك إلى أن الناطق به ليس من المجانين في شيء . # والذكر : التذكير بالله والجزاء هو أشرف أنواع الكلام لأن فيه صلاح الناس ~~. # فضمير { هو } عائد إلى غير مذكور بل إلى معلوم من المقام ، وقرينة السياق ~~ترجع كل ضمير من ضميري الغيبة إلى معاده ، كقول عباس بن مرداس : # عدنا ولولا نحن أحدق جمعهم # بالمسلمين وأحرزوا ما جمعوا # أي لأحرز الكفار ما جمعه المسلمون . # وفي قوله : { ويقولون إنه لمجنون } مع قوله في أول السورة { ما أنت بنعمة ~~ربك بمجنون } ( القلم : 2 ) محسن رد العجز على الصدر . PageV29P108 # وقوله : { وما هو إلا ذكر للعالمين } إبطال لقولهم : { إنه لمجنون } ~~لأنهم قالوه في سياق تكذيبهم بالقرآن فإذا ثبت أن القرآن ذكر بطل أن يكون ~~مبلغه مجنونا . وهذا من قبيل الاحتباك إذ التقدير : ويقولون إنه لمجنون وإن ~~القرآن كلام مجنون ، وما القرآن إلا ذكر وما أنت إلا مذكر . # PageV29P109 # | 1 ( سورة الحاقة ) 1 # سميت ( سورة الحاقة ) في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وروى أحمد بن حنبل ~~أن عمر بن الخطاب قال : ( خرجت يوما بمكة أتعرض لرسول الله قبل أن أسلم ، ~~فوجدته قد سبقني إلى المسجد الحرام فوقفت خلفه فاستفتح سورة الحاقة فجعلت ~~أعجب من تأليف القرآن فقلت : هذا والله شاعر ، ( أي قلت في خاطري ) ، فقرأ ~~{ وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون } ( الحاقة : 41 ) قلت : كاهن ، فقرأ { ~~ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون تنزيل من رب العالمين } ( الحاقة : 42 43 ) ~~إلى آخر السورة ، فوقع الإسلام في قلبي كل موقع ) . # وباسم { الحاقة عنونت في المصاحف وكتب السنة وكتب التفسير . وقال ~~الفيروزأبادي في بصائر ذوي التمييز } : إنها تسمى أيضا ( سورة السلسلة ) ~~لقوله : { ثم في سلسلة } ( الحاقة : 32 ) وسماها الجعربي في منظومته في ~~ترتيب نزول السور ( الواعية ) ولعله أخذه من وقوع قوله { وتعيها ms8738 أذن واعية ~~} ( الحاقة : 12 ) ولم أر له سلفا في هذه التسمية . PageV29P110 # ووجه تسميتها ( سورة الحاقة ) وقوع هذه الكلمة في أولها ولم تقع في غيرها ~~من سور القرآن . # وهي مكية بالاتفاق . ومقتضى الخبر المذكور عن عمر بن الخطاب أنها نزلت في ~~السنة الخامسة قبل الهجرة فإن عمر أسلم بعد هجرة المهاجرين إلى الحبشة ~~وكانت الهجرة إلى الحبشة سنة خمس قبل الهجرة إلى المدينة . # وقد عدت هذه السورة السابعة والسبعين في عداد ترتيب النزول . نزلت بعد ~~سورة تبارك وقبل سورة المعارج . # واتفق العادون من أهل الأمصار على عد آيها إحدى وخمسين آية . # # | 2 ( { الحاقة * ما الحآقة * ومآ أدراك ما الحاقة * كذبت ثمود وعاد ~~بالقارعة * فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية * وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية ~~* سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنهم ~~أعجاز نخل خاوية * فهل ترى لهم من باقية * وجآء فرعون ومن قبله والمؤتفكات ~~بالخاطئة * فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية * إنا لما طغا المآء حملناكم ~~فى الجارية * لنجعلها لكم تذكرة وتعيهآ أذن واعية * فإذا نفخ فى الصور نفخة ~~واحدة * وحملت الارض والجبال فدكتا دكة واحدة * فيومئذ وقعت الواقعة * ~~وانشقت السمآء فهى يومئذ واهية * والملك على أرجآئهآ ويحمل عرش ربك فوقهم ~~يومئذ ثمانية * يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية * فأما من أوتى كتابه ~~بيمينه فيقول هآؤم اقرؤا كتابيه * إنى ظننت أنى ملاق حسابيه * فهو فى عيشة ~~راضية * فى جنة عالية * قطوفها دانية * كلوا واشربوا هنيئا بمآ أسلفتم فى ~~الايام الخالية * وأما من أوتى كتابه بشماله فيقول ياليتنى لم أوت كتابيه * ~~ولم أدر ما حسابيه * ياليتها كانت القاضية * مآ أغنى عنى ماليه * هلك عنى ~~سلطانيه * خذوه فغلوه * ثم الجحيم صلوه * ثم فى سلسلة ذرعها سبعون ذراعا ~~فاسلكوه * إنه كان لا يؤمن بالله العظيم * ولا يحض على طعام المسكين * فليس ~~له اليوم هاهنا حميم * ولا طعام إلا من غسلين * لا يأكله إلا الخاطئون * ~~فلا أقسم بما تبصرون * وما لا تبصرون * إنه لقول رسول كريم * وما هو بقول ~~شاعر قليلا ms8739 ما تؤمنون * ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون * تنزيل من رب ~~العالمين * ولو تقول علينا بعض الاقاويل * لأخذنا منه باليمين * ثم لقطعنا ~~منه الوتين * فما منكم من أحد عنه حاجزين * وإنه لتذكرة للمتقين * وإنا ~~لنعلم أن منكم مكذبين * وإنه لحسرة على الكافرين * وإنه لحق اليقين * فسبح ~~باسم ربك العظيم } ) 2 # أغراضها # اشتملت هذه السورة على تهويل يوم القيامة ، وتهديد المكذبين بوقوعه . # وتذكيرهم بما حل بالأمم التي كذبت به من عذاب في الدنيا ثم عذاب الآخرة ~~وتهديد المكذبين لرسل الله تعالى بالأمم التي أشركت وكذبت . # وأدمج في ذلك أن الله نجى المؤمنين من العذاب ، وفي ذلك تذكير بنعمة الله ~~على البشر إذ أبقى نوعهم بالإنجاء من الطوفان . # ووصف أهوال من الجزاء وتفاوت الناس يومئذ فيه . # ووصف فظاعة حال العقاب على الكفر وعلى نبذ شريعة الإسلام ، والتنويه ~~بالقرآن . # وتنزيه الرسول صلى الله عليه وسلم وعن أن يكون غير رسول . # وتنزيه الله تعالى عن أن يقر من يتقول عليه . # وتثبيت الرسول صلى الله عليه وسلم # وإنذار المشركين بتحقيق الوعيد الذي في القرآن . # { الحاقة } صيغة فاعل من : حق الشيء إذا ثبت وقوعه ، والهاء فيها لا تخلو ~~عن PageV29P111 أن تكون هاء تأنيث فتكون { الحاقة } وصفا لموصوف مقدر مؤنث ~~اللفظ ، أو أن تكون هاء مصدر على وزن فاعلة مثل الكاذبة للكذب ، والخاتمة ~~للختم ، والباقية للبقاء والطاغية للطغيان ، والنافلة ، والخاطئة ، وأصلها ~~تاء المرة ، ولكنها لما أريد المصدر قطع النظر عن المرة مثل كثير من ~~المصادر التي على وزن فعلة غير مراد به المرة مثل قولهم ضربة لازب . ~~فالحاقة إذن بمعنى الحق كما يقال ( من حاق كذا ) ، أي من حقه . # وعلى الوجهين فيجوز أن يكون المراد بالحاقة المعنى الوصفي ، أي حادثة تحق ~~أو حق يحق . # ويجوز أن يكون المراد بها لقبا ليوم القيامة ، وروي ذلك عن ابن عباس ~~وأصحابه وهو الذي درج عليه المفسرون فلقب بذلك ( يوم القيامة ) لأنه يوم ~~محقق وقوعه ، كما قال تعالى : { وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه } ( الشورى : 7 ~~) ، أو لأنه تحق فيه الحقوق ms8740 ولا يضاع الجزاء عليها ، قال تعالى { ولا ~~تظلمون فتيلا } ( النساء : 49 ) وقال : { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن ~~يعمل مثقال ذرة شرا يره } ( الزلزلة : 7 8 ) . # وإيثار هذه المادة وهذه الصيغة يسمح باندراج معان صالحة بهذا المقام ~~فيكون ذلك من الإيجاز البديع لتذهب نفوس السامعين كل مذهب ممكن من مذاهب ~~الهول والتخويف بما يحق حلوله بهم . # فيجوز أيضا أن تكون { الحاقة } وصفا لموصوف محذوف تقديره : الساعة الحاقة ~~، أو الواقعة الحاقة ، فيكون تهديدا بيوم أو وقعة يكون فيها عقاب شديد ~~للمعرض بهم مثل يوم بدر أو وقعته وأن ذلك حق لا ريب في وقوعه ؛ أو وصفا ~~للكلمة ، أي كلمة الله التي حقت على المشركين من أهل مكة ، قال تعالى : { ~~كذلك حقت كلمات ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار } ( غافر : 6 ) ، أو ~~التي حقت للنبيء صلى الله عليه وسلم أنه ينصره الله ، قال تعالى : { ولقد ~~سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون ~~فتول عنهم حتى حين } ( الصافات : 171 174 ) . # ويجوز أن تكون مصدرا بمعنى الحق ، فيصح أن يكون وصفا ليوم القيامة بأنه ~~حق كقوله تعالى : { واقترب الوعد الحق } ( الأنبياء : 97 ) ، أو وصفا ~~للقرآن كقوله : { إن هذا لهو القصص الحق } ( آل عمران : 62 ) ، أو أريد به ~~الحق كله مما جاء به القرآن من الحق قال تعالى : PageV29P112 { هذا كتابنا ~~ينطق عليكم بالحق } ( الجاثية : 29 ) وقال : { إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد ~~موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق } ( الأحقاف : 30 ) . # وافتتاح السورة بهذا اللفظ ترويع للمشركين . # و { الحاقة } مبتدأ و { ما } مبتدأ ثان . و { الحاقة } المذكورة ثانيا ~~خبر المبتدأ الثاني والجملة من المبتدأ الثاني وخبره خبر المبتدأ الأول . # و { ما } اسم استفهام مستعمل في التهويل والتعظيم كأنه قيل : أتدري ما ~~الحاقة ؟ أي ما هي الحاقة ، أي شيء عظيم الحاقة . وإعادة اسم المبتدأ في ~~الجملة الواقعة خبرا عنه تقوم مقام ضميره في ربط الجملة المخبر بها . وهو ~~من الإظهار في مقام الإضمار لقصد ما في الاسم من التهويل ms8741 . ونظيره في ذلك ~~قوله تعالى : { وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين } ( الواقعة : 27 ) . # وجملة { وما أدراك ما الحاقة } يجوز أن تكون معترضة بين جملة { ما الحاقة ~~} وجملة { كذبت ثمود وعاد بالقارعة } ( الحاقة : 4 ) ، والواو اعتراضية . # ويجوز أن تكون الجملة معطوفة على جملة { ما الحاقة . # وما } الثانية استفهامية ، والاستفهام بها مكنى به عن تعذر إحاطة علم ~~الناس بكنه الحاقة لأن الشيء الخارج عن الحد المألوف لا يتصور بسهولة فمن ~~شأنه أن يتساءل عن فهمه . # والخطاب في قوله : { وما أدراك } لغير معين . والمعنى : الحاقة أمر عظيم ~~لا تدركون كنهه . # وتركيب ( ما أدراك كذا ) مما جرى مجرى المثل فلا يغير عن هذا اللفظ وهو ~~تركيب مركب من { ما } الاستفهامية وفعل ( أدرى ) الذي يتعدى بهمزة التعدية ~~إلى ثلاثة مفاعيل من باب أعلم وأرى ، فصار فاعل فعله المجرد وهو ( درى ) ~~مفعولا أول بسبب التعدية . وقد علق فعل { أدراك } عن نصب مفعولين ب { ما } ~~الاستفهامية الثانية في قوله : { ما الحاقة . } وأصل الكلام قبل التركيب ~~بالاستفهام أن تقول : أدركت الحاقة أمرا عظيما ، ثم صار أدركني فلان الحاقة ~~أمرا عظيما . # و { ما } الأولى استفهامية مستعملة في التهويل والتعظيم على طريقة المجاز ~~المرسل PageV29P113 في الحرف ، لأن الأمر العظيم من شأنه أن يستفهم عنه ~~فصار التعظيم والاستفهام متلازمين . ولك أن تجعل الاستفهام إنكاريا ، أي لا ~~يدري أحد كنه هذا الأمر . # والمقصود من ذلك على كلا الاعتبارين هو التهويل . # هذا السؤال كما تقول : علمت هل يسافر فلان . # و { ما } الثالثة علقت فعل { أدراك } عن العمل في مفعولين . # وكاف الخطاب فيه خطاب لغير معين فلذلك لا يقترن بضمير تثنية أو جمع أو ~~تأنيث إذا خوطب به غير المفرد المذكر . # واستعمال { ما أدراك } غير استعمال { ما يدريك في قوله تعالى : وما يدريك ~~لعل الساعة تكون قريبا } ( الأحزاب : 63 ) وقوله : { وما يدريك لعل الساعة ~~قريب في سورة الشورى . # روي عن ابن عباس : كل شيء من القرآن من قوله : ما أدراك } فقد أدراه وكل ~~شيء من قوله : { وما يدريك } فقد طوي عنه ) . وقد روي هذا أيضا ms8742 عن سفيان بن ~~عيينة وعن يحيى بين سلام فإن صح هذا المروي فإن مرادهم أن مفعول { ما أدراك ~~} محقق الوقوع لأن الاستفهام فيه للتهويل وأن مفعول { ما يدريك } غير محقق ~~الوقوع لأن الاستفهام فيه للإنكار وهو في معنى نفي الدراية . # وقال الراغب : كل موضع ذكر في القرآن { وما أدراك } فقد عقب ببيانه نحو { ~~وما أدراك ماهيه نار حامية } ( القارعة : 10 11 ) ، { وما أدراك ما ليلة ~~القدر ليلة القدر خير من ألف شهر } ( القدر : 2 3 ) ، { ثم ما أدراك ما يوم ~~الدين يوم لا تملك نفس لنفس شيئا } ( الانفطار : 18 19 ) ، { وما أدراك ما ~~الحاقة كذبت ثمود وعاد بالقارعة } ( الحاقة : 3 4 ) ، وكأنه يريد تفسير ما ~~نقل عن ابن عباس وغيره . # ولم أر من اللغويين من وفى هذا التركيب حقه من البيان وبعضهم لم يذكره ~~أصلا . # . # إن جعلت قوله : { وما أدراك ما الحاقة } ( الحاقة : 3 ) نهاية كلام فموقع ~~قوله : { كذبت PageV29P114 ثمود وعاد بالقارعة } وما اتصل به استئناف ، وهو ~~تذكير بما حل بثمود وعاد لتكذيبهم بالبعث والجزاء تعريضا بالمشركين من أهل ~~مكة بتهديدهم أن يحق عليهم مثل ما حل بثمود وعاد فإنهم سواء في التكذيب ~~بالبعث وعلى هذا يكون قوله { الحاقة } ( الحاقة : 1 ) الخ توطئة له وتمهيدا ~~لهذه الموعظة العظيمة استرهابا لنفوس السامعين . # وإن جعلت الكلام متصلا بجملة { كذبت ثمود وعاد بالقارعة } وعينت لفظ { ~~الحاقة } ( الحاقة : 1 ) ليوم القيامة وكانت هذه الجملة خبرا ثالثا عن { ~~الحاقة } ( الحاقة : 1 ) . # والمعنى : الحاقة كذبت بها ثمود وعاد ، فكان مقتضى الظاهر أن يؤتى بضمير ~~{ الحاقة } ( الحاقة : 1 ) فيقال : كذبت ثمود وعاد بها ، فعدل إلى إظهار ~~اسم ( القارعة ) لأن ( القارعة ) مرادفة { الحاقة في أحد محملي لفظ الحاقة ~~} ( الحاقة : 1 ) ، وهذا كالبيان للتهويل الذي في قوله : { وما أدراك ما ~~الحاقة } ( الحاقة : 3 ) . # و ( القارعة ) مراد منها ما أريد ب { الحاقة } ( الحاقة : 1 ) . # وابتدىء بثمود وعاد في الذكر من بين الأمم المكذبة لأنهما أكثر الأمم ~~المكذبة شهرة عند المشركين من أهل مكة لأنهما من الأمم العربية ولأن ~~ديارهما مجاورة ms8743 شمالا وجنوبا . # والقارعة : اسم فاعل من قرعه ، إذا ضربه ضربا قويا ، يقال : قرع البعير . ~~وقالوا : العبد يقرع بالعصا ، وسميت المواعظ التي تنكسر لها النفس قوارع ~~لما فيها من زجر الناس عن أعمال . وفي المقامة الأولى ( ويقرع الأسماع ~~بزواجر وعظه ) ، ويقال للتوبيخ تقريع ، وفي المثل ( لا تقرع له العصا ولا ~~يقلقل له الحصا ) ، ومورده في عامر بن الظرب العدواني في قصة أشار إليها ~~المتلمس في بيت . # ف ( القارعة ) هنا صفة لموصوف محذوف يقدر لفظه مؤنثا ليوافق وصفه المذكور ~~نحو الساعة أو القيامة . القارعة : أي التي تصيب الناس بالأهوال والأفزاع ، ~~أو التي تصيب الموجودات بالقرع مثل دك الجبال ، وخسف الأرض ، وطمس النجوم ، ~~وكسوف الشمس كسوفا لا انجلاء له ، فشبه ذلك بالقرع . # ووصف { الساعة } ( الأعراف : 187 ) أو { القيامة } ( البقرة : 85 ) بذلك ~~مجاز عقلي من إسناد الوصف إلى غير ما هو له بتأولل لملابسته ما هو له إذ هي ~~زمان القرع قال تعالى : { القارعة ما PageV29P115 القارعة وما أدراك ما ~~القارعة يوم يكون الناس كالفراش المبثوث الآية } ( القارعة : 1 4 ) . وهي ~~ما سيأتي بيانها في قوله : { فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة الآيات } ( ~~الحاقة : 13 ) . # وجيء في الخبر عن هاتين الأمتين بطريقة اللف والنشر لأنهما اجتمعتا في ~~موجب العقوبة ثم فصل ذكر عذابهما . # . # ابتدىء بذكر ثمود لأن العذاب الذي أصابهم من قبيل القرع إذ أصابتهم ~~الصواعق المسماة في بعض الآيات بالصيحة . والطاغية : الصاعقة في قول ابن ~~عباس وقتادة : نزلت عليهم صاعقة أو صواعق فأهلكتهم ، لأن منازل ثمود كانت ~~في طريق أهل مكة إلى الشام في رحلتهم فهم يرونها ، قال تعالى : { فتلك ~~بيوتهم خاوية بما ظلموا } ( النمل : 52 ) ، ولأن الكلام على مهلك عاد أنسب ~~فأخر لذلك أيضا . # وإنما سميت الصاعقة أو الصيحة { بالطاغية } لأنها كانت متجاوزة الحال ~~المتعارف في الشدة فشبه فعلها بفعل الطاغي المتجاوز الحد في العدوان والبطش ~~. # والباء في قول { بالطاغية } للاستعانة . # و { ثمود } : أمة من العرب البائدة العاربة ، وهم أنساب عاد . وثمود : ~~اسم جد تلك الأمة ولكن غلب على الأمة فلذلك منع من ms8744 الصرف للعلمية والتأنيث ~~باعتبار الأمة أو القبيلة . # وتقدم ذكر ثمود عند قوله تعالى : { وإلى ثمود أخاهم صالحا في سورة ~~الأعراف . # ( 6 7 ) } . # الصرصر : الشديدة يكون لها صوت كالصرير وقد تقدم عند قوله تعالى : { ~~فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات في سورة فصلت . والعاتية : الشديدة ~~العصف ، وأصل العتو والعتي : شدة التكبر فاستعير للشيء المتجاوز الحد ~~المعتاد تشبيها بالتكبر الشديد في عدم الطاعة والجري على المعتاد . ~~PageV29P116 # والتسخير : الغصب على عمل واستعير لتكوين الريح الصرصر تكوينا متجاوزا ~~المتعارف في قوة جنسها فكأنها مكرهة عليه . # وعلق به عليهم } لأنه ضمن معنى أرسلها . # و ( حسوم ) يجوز أن يكون جمع حاسم مثل قعود جمع قاعد ، وشهود جمع شاهد ، ~~غلب فيه الأيام على الليالي لأنها أكثر عددا إذ هي ثمانية أيام وهذا له ~~معان : # أحدها أن يكون المعنى : يتابع بعضها بعضا ، أي لا فصل بينها كما يقال : ~~صيام شهرين متتابعين ، وقال عبد العزيز بن زرارة الكلابي : # ففرق بين بينهم زمان # تتابع فيه أعوام حسوم # قيل : والحسوم مشتق من حسم الداء بالمكواة إذ يكوى ويتابع الكي أياما ، ~~فيكون إطلاقه استعارة ، ولعلها من مبتكرات القرآن ، وبيت عبد العزيز ~~الكلابي من الشعر الإسلامي فهو متابع لاستعمال القرآن . # المعنى الثاني : أن يكون من الحسم وهو القطع ، أي حاسمة مستأصلة . ومنه ~~سمي السيف حساما لأنه يقطع ، أي حسمتهم فلم تبقق منهم أحدا ، وعلى هذين ~~المعنيين فهو صفة ل { سبع ليال وثمانية أيام } أو حال منها . # المعنى الثالث : أن يكون حسوم مصدرا كالشكور والدخول فينتصب على المفعول ~~لأجله وعامله { سخرها ، } أي سخرها عليهم لاستئصالهم وقطع دابرهم . # وكل هذه المعاني صالح لأن يذكر مع هذه الأيام ، فإيثار هذا اللفظ من تمام ~~بلاغة القرآن وإعجازه . # وقد سمى أصحاب الميقات من المسلمين أياما ثمانية منصفة بين أواخر فبراير ~~وأوائل مارس معروفة في عادة نظام الجو بأن تشتد فيها الرياح غالبا ، أيام ~~الحسوم على وجه التشبيه ، وزعموا أنها تقابل أمثالها من العام الذي أصيبت ~~فيه عاد بالرياح ، وهو من الأوهام ، ومن ذا الذي رصد تلك الأيام ms8745 . ~~PageV29P117 # ومن أهل اللغة من زعم أن أيام الحسوم هي الأيام التي يقال لها : أيام ~~العجوز أو العجز ، وهي آخر فصل الشتاء ويعدها العرب خمسة أو سبعة لها أسماء ~~معروفة مجموعة في أبيات تذكر في كتب اللغة ، وشتان بينها وبين حسوم عاد في ~~العدة والمدة . # وفرع على { سخرها عليهم } أنهم صاروا صرعى كلهم يراهم الرائي لو كان ~~حاضرا تلك الحالة . # والخطاب في قوله : { فترى } خطاب لغير معين ، أي فيرى الرائي لو كان راء ~~، وهذا أسلوب في حكاية الأمور العظيمة الغائبة تستحضر فيه تلك الحالة كأنها ~~حاضرة ويتخيل في المقام سامع حاضر شاهد مهلكهم أو شاهدهم بعده ، وكلا ~~المشاهدتين منتف في هذه الآية ، فيعتبر خطابا فرضيا فليس هو بالتفات ولا هو ~~من خطاب غير المعين ، وقريب منه قوله تعالى : { وتراهم يعرضون عليها خاشعين ~~من الذل } ( الشورى : 45 ) ، وقوله : { وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا ~~كبيرا } ( الإنسان : 20 ) ، وعلى دقة هذا الاستعمال أهمل المفسرون التعرض ~~له عدا كلمة للبيضاوي . # والتعريف في { القوم } للعهد الذكري ، والقوم : القبيلة وهذا تصوير لهلاك ~~جميع القبيلة . # وضمير { فيها } عائد إلى الليالي والأيام . # و { صرعى } : جمع صريع وهو الملقى على الأرض ميتا . # وشبهوا بأعجاز نخل ، أي أصول النخل ، وعجز النخلة : هو الساق التي تتصل ~~بالأرض من النخلة وهو أغلظ النخلة وأشدها . # ووجه التشبيه بها أن الذين يقطعون النخل إذا قطعوه للانتفاع بأعواده في ~~إقامة البيوت للسقف والعضادات انتقوا منه أصوله لأنها أغلظ وأملأ وتركوها ~~على الأرض حتى تيبس وتزول رطوبتها ثم يجعلوها عمدا وأساطين . # والنخل : اسم جمعع نخلة . # والخاوي : الخالي مما كان مالئا له وحالا فيه . PageV29P118 # وقوله : { خاوية } مجرور باتفاق القراء ، فتعين أن يكون صفة { نخل . # ووصف نخل } بأنها { خاوية } باعتبار إطلاق اسم ( النخل ) على مكانه ~~بتأويل الجنة أو الحديقة ، ففيه استخدام . والمعنى : خالية من الناس ، وهذا ~~الوصف لتشويه المشبه به بتشويه مكانه ، ولا أثر له في المشابهة وأحسنه ما ~~كان فيه مناسبة للغرض من التشبيه كما في الآية ، فإن لهذا الوصف وقعا في ~~التنفير من حالتهم ليناسب الموعظة ms8746 والتحذير من الوقوع في مثل أسبابها ، ~~ومنه قول كعب بن زهير : # لذاك أهيب عندي إذ أكلمه # وقيل إنك منسوب ومسؤول # من خادر من ليوثث الأسد مسكنه # من بطن عثر غيل دونه غيل # الأبيات الأربعة ، وقول عنترة : # فتركته جزر السباعع ينشنه # يقضمن حسن بنانه والمعصم # . # تفريع على مجموع قصتي ثمود وعاد ، فهو فذلكة لما فصل من حال إهلاكهما ، ~~وذلك من قبيل الجمع بعد التفريق ، فيكون في أول الآية جمع ثم تفريق ثم جمع ~~وهو كقوله تعالى : { وأنه أهلك عادا الأولى وثمودا فما أبقى } ( النجم : 50 ~~51 ) أي فما أبقاهما . # والخطاب لغير معين . # والباقية : إما اسم فاعل على بابه ، والهاء : إما للتأنيث بتأويل نفس ، ~~أي فما ترى منهم نفس باقية أو بتأويل فرقة ، أي ما ترى فرقة منهم باقية . # ويجوز أن تكون { باقية } مصدرا على وزن فاعلة مثل ما تقدم في الحاقة ، أي ~~فما ترى لهم بقاء ، أي هلكوا عن بكرة أبيهم . # واللام في قوله : { لهم } يجوز أن تجعل لشبه الملك ، أي باقية لأجل النفع ~~. # ويجوز أن يكون اللام بمعنى ( من ) مثل قولهم : سمعت له صراخا ، وقول ~~الأعشى : PageV29P119 # تسمع للحلي وسواسا إذا انصرفت # كما استعان بريح عشرق زجل # وقول جرير : # ونحن لكم يوم القيامة أفضل # أي ونحن منكم أفضل . # ويجوز أن تكون اللام التي تنوى في الإضافة إذا لم تكن الإضافة على معنى ( ~~من ) . والأصل : فهل ترى باقيتهم ، فلما قصد التنصيص على عموم النفي واقتضى ~~ذلك جلب ( من ) الزائدة لزم تنكير مدخول ( من ) الزائدة فأعطي حق معنى ~~الإضافة بإظهار اللام التي الشأن أن تنوى كما في قوله تعالى : { بعثنا ~~عليكم عبادا لنا } ( الإسراء : 5 ) فإن أصله : عبادنا . # وموقع المجرور باللام في موقع النعت ل { باقية } قدم عليها فصار حالا . # ( 9 10 ) . # عطف على جملة { كذبت ثمود وعاد بالقارعة } ( الحاقة : 4 ) . # وقد جمع في الذكر هنا عدة أمم تقدمت قبل بعثة موسى عليه السلام إجمالا ~~وتصريحا ، وخص منهم بالتصريح قوم فرعون والمؤتفكات لأنهم من أشهر الأمم ~~ذكرا عند أهل الكتاب المختلطين بالعرب والنازلين ms8747 بجوارهم ، فمن العرب من ~~يبلغه بعض الخبر عن قصتهم . # وفي عطف هؤلاء على ثمود وعاد في سياق ذكر التكذيب بالقارعة إيماء إلى ~~أنهم تشابهوا في التكذيب بالقارعة كما تشابهوا في المجيء بالخاطئة وعصيان ~~رسل ربهم ، فحصل في الكلام احتباك . # والمراد بفرعون فرعون الذي أرسل إليه موسى عليه السلام وهو ( منفطاح ~~الثاني ) . وإنما أسند الخطء إليه لأن موسى أرسل إليه ليطلق بني إسرائيل من ~~العبودية قال تعالى : { اذهب إلى فرعون إنه طغى } ( النازعات : 17 ) فهو ~~المؤاخذ بهذا العصيان وتبعه القبط امتثالا لأمره وكذبوا موسى وأعرضوا عن ~~دعوته . PageV29P120 # وشمل قوله : { ومن قبله } أمما كثيرة منها قوم نوح وقوم إبراهيم . # وقرأ الجمهور { ومن قبله } بفتح القاف وسكون الباء . وقرأ أبو عمرو ~~والكسائي ويعقوب بكسر القاف وفتح الباء ، أي ومن كان من جهته ، أي قومه ~~وأتباعه . # و { المؤتفكات } : قرى لوط الثلاث ، وأريد بالمؤتفكات سكانها وهم قوم لوط ~~وخصوا بالذكر لشهرة جريمتهم ولكونهم كانوا مشهورين عند العرب إذ كانت قراهم ~~في طريقهم إلى الشام ، قال تعالى : { وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل ~~أفلا تعقلون } ( الصافات : 137 ، 138 ) وقال : { ولقد أتوا على القرية التي ~~أمطرت مطر السوء أفلم يكونوا يرونها } ( الفرقان : 40 ) . # ووصفت قرى قوم لوط ب { المؤتفكات } جمع مؤتفكة اسم فاعل ائتفك مطاوع أفكه ~~، إذا قلبه ، فهي المنقلبات ، أي قلبها قالب ، أي خسف بها قال تعالى : { ~~جعلنا عاليها سافلها } ( هود : 82 ) . # والخاطئة : إما مصدر بوزن فاعلة وهاؤه هاء المرة الواحدة فلما استعمل ~~مصدرا قطع النظر عن المرة ، كما تقدم في قوله : { الحاقة } ( الحاقة : 1 ) ~~فهو مصدر خطىء ، إذا أذنب . والذنب : الخطء بكسر الخاء ، وإما اسم فاعل ~~خطىء وتأنيثه بتأويل : الفعلة ذات الخطء فهاؤه هاء تأنيث . # والتعريف فيه تعريف الجنس على كلا الوجهين ، فالمعنى : جاء كل منهم ~~بالذنب المستحق للعقاب . وفرع عنه تفصيل ذنبهم المعبر عنه بالخاطئة فقال { ~~فعصوا رسول ربهم } وهذا التفريع للتفصيل نظير التفريع في قوله : { كذبت ~~قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر } ( القمر : 9 ) في أنه ~~تفريع بيان على المبين . # وضمير ( عصوا ms8748 ) يجوز أن يرجع إلى { فرعون } باعتباره رأس قومه ، فالضمير ~~عائد إليه وإلى قومه ، والقرينة ظاهرة على قراءة الجمهور ، وإما على قراءة ~~أبي عمرو والكسائي فالأمر أظهر وعلى هذا الاعتبار في محل ضمير ( عصوا ) ~~يكون المراد ب { رسول ربهم } موسى عليه السلام . وتعريفه بالإضافة لما في ~~لفظ المضاف إليه من الإشارة إلى تخطئتهم في عبادة فرعون وجعلهم إياه إلاها ~~لهم . PageV29P121 # ويجوز أن يرجع ضمير ( عصوا ) إلى { فرعون ومن قبله والمؤتفكات . # ورسول ربهم } هو الرسول المرسل إلى كل قوم من هؤلاء . # فإفراد { رسول } مراد به التوزيع على الجماعات ، أي رسول الله لكل جماعة ~~منهم ، والقرينة ظاهرة ، وهو أجمل نظما من أن يقال : فعصوا رسل ربهم ، لما ~~في إفراد { رسول } من التفنن في صيغ الكلم من جمع وإفراد تفاديا من تتابع ~~ثلاثة جموع لأن صيغ الجمع لا تخلو من ثقل لقلة استعمالها وعكسه قوله في ~~سورة الفرقان { وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم ، وإنما كذبوا رسولا ~~واحدا ، وقوله : كذبت قوم نوح المرسلين وما بعده في سورة الشعراء ، وقد ~~تقدم تأويل ذلك في موضعه . # والأخذ : مستعمل في الإهلاك ، وقد تقدم عند قوله تعالى : أخذناهم بغتة ~~فإذا هم مبلسون في سورة الأنعام وفي مواضع أخرى . # وأخذة : } واحدة من الأخذ ، فيراد بها أخذ فرعون وقومه بالغرق ، كما قال ~~تعالى : { فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر } ( القمر : 42 ) ، وإذا أعيد ضمير ~~الغائب إلى { فرعون ومن قبله والمؤتفكات } كان إفراد الأخذة كإفراد { رسول ~~ربهم ، } أي أخذنا كل أمة منهم أخذة . # والرابية : اسم فاعل من ربا يربو إذا زاد فلما صيغ منه وزن فاعلة ، قلبت ~~الواو ياء لوقوعها متحركة إثر كسرة . # واستعير الربو هنا للشدة كما تستعار الكثرة للشدة في نحو قوله تعالى : { ~~وادعوا ثبورا كثيرا } ( الفرقان : 14 ) . # والمراد بالأخذة الرابية : إهلاك الاستئصال ، أي ليس في إهلاكهم إبقاء ~~قليل منهم . # ( 11 12 ) . # إن قوله تعالى : { ومن قبله } ( الحاقة : 9 ) لما شمل قوم نوح وهم أول ~~الأمم كذبوا الرسل PageV29P122 حسن اقتضاب التذكير بأخذهم لما فيه من إدماج ~~امتنان على جميع الناس الذين ms8749 تناسلوا من الفئة الذين نجاهم الله من الغرق ~~ليتخلص من كونه عظة وعبرة إلى التذكير بأنه نعمة ، وهذا من قبيل الإدماج . # وقد بني على شهرة مهلك قوم نوح اعتباره كالمذكور في الكلام فجعل شرطا ل { ~~لما } في قوله : { إنا لما طغا الماء حملناكم في الجارية } ، أي في ذلك ~~الوقت المعروف بطغيان الطوفان . # والطغيان : مستعار لشدته الخارقة للعادة تشبيها لها بطغيان الطاغي على ~~الناس تشبيه تقريب فإن الطوفان أقوى شدة من طغيان الطاغي . # و { الجارية } : صفة لمحذوف وهو السفينة وقد شاع هذا الوصف حتى صار ~~بمنزلة الاسم قال تعالى : { وله الجواري المنشآت في البحر } ( الرحمن : 24 ~~) . # وأصل الحمل وضع جسم فوق جسم لنقله ، وأطلق هنا على الوضع في ظرف متنقل ~~على وجه الاستعارة . # وإسناد الحمل إلى اسم الجلالة مجاز عقلي بناء على أنه أوحى إلى نوح بصنع ~~الحاملة ووضع المحمول قال تعالى : { فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ~~ووحينا فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين الآية } ( ~~المؤمنون : 27 ) . # وذكر إحدى الحكم والعلل لهذا الحمل وهي حكمة تذكير البشر به على تعاقب ~~الأعصار ليكون لهم باعثا على الشكر ، وعظة لهم من أسواء الكفر ، وليخبر بها ~~من علمها قوما لم يعلموها فتعيها أسماعهم . # والمراد ب { أذن } : آذان واعية . وعموم النكرة في سياق الإثبات لا ~~يستفاد إلا بقرينة التعميم كقوله تعالى : { ولتنظر نفس ما قدمت لغد } ( ~~الحشر : 18 ) . # والوعي : العلم بالمسموعات ، أي ولتعلم خبرها أذن موصوفة بالوعي ، أي من ~~شأنها أن تعي . # وهذا تعريض بالمشركين إذ لم يتعظوا بخبر الطوفان والسفينة التي نجا بها ~~المؤمنون فتلقوه كما يتلقون القصص الفكاهية . PageV29P123 # ( 13 18 ) { } . # الفاء لتفريع ما بعدها على التهويل الذي صدرت به السورة من قوله : { ~~الحاقة ما الحاقة وما أدراك ما الحاقة } ( الحاقة : 1 3 ) فعلم أنه تهويل ~~لأمر العذاب الذي هدد به المشركون من أمثال ما نال أمثالهم في الدنيا . ومن ~~عذاب الآخرة الذي ينتظرهم ، فلما أتم تهديدهم بعذاب الدنيا فرع عليه ~~إنذارهم بعذاب الآخرة الذي يحل عند القارعة ms8750 التي كذبوا بها كما كذبت بها ~~ثمود وعاد ، فحصل من هذا بيان للقارعة بأنها ساعة البعثث وهي الواقعة . # و { الصور } : قرن ثور يقعر ويجعل في داخله سداد يسد بعض فراغه حتى إذا ~~نفخ فيه نافخ انضغط الهواء فصوت صوتا قويا ، وكانت الجنود تتخذه لنداء ~~بعضهم بعضا عند إرادة النفير أو الهجوم ، وتقدم عند قوله تعالى : { وله ~~الملك يوم ينفخ في الصور في سورة الأنعام } . # والنفخ في الصور : عبارة عن أمر التكوين بإحياء الأجساد للبعث مثل ~~الإحياء بنداء طائفة الجند المكلفة بالأبواق لنداء بقية الجيش حيث لا يتأخر ~~جندي عن الحضور إلى موضع المناداة ، وقد يكون للملك الموكل موجود يصوت صوتا ~~مؤثرا . # و { نفخة : } مصدر نفخ مقترن بهاء دالة على المرة ، أي الوحدة فهو في ~~الأصل مفعول مطلق ، أو تقع على النيابة عن الفاعل للعلم بأن فاعل النفخ ~~الملك الموكل بالنفخ في الصور وهو إسرافيل . # ووصفت { نفخة ب واحدة } تأكيد لإفادة الوحدة من صيغة الفعلة تنصيصا على ~~الوحدة المفادة من التاء . # والتنصيص على هذا للتنبيه على التعجيب من تأثر جميع الأجساد البشرية ~~PageV29P124 بنفخة واحدة دون تكرير تعجيبا عن عظيم قدرة الله ونفوذ أمره ~~لأن سياق الكلام من مبدأ السورة تهويل يوم القيامة فتعداد أهواله مقصود ، ~~ولأجل القصد إليه هنا لم يذكر وصف واحد في قوله تعالى : { ومن آياته أن ~~تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون في ~~سورة الروم . # فحصل من ذكر نفحة واحدة } تأكيد معنى النفخ وتأكيد معنى الوحدة ، وهذا ~~يبين ما روي عن صاحب ( الكشاف ) في تقريره بلفظ مجمل نقله الطيبي ، فليس ~~المراد بوصفها ب { واحدة } أنها غير متبعة بثانية فقد جاء في آيات أخرى ~~أنهما نفختان ، بل المراد أنها غير محتاج حصول المراد منها إلى تكررها ~~كناية عن سرعة وقوع الواقعة ، أي يوم الواقعة . # وأما ذكر كلمة { نفخة } فليتأتى إجراء وصف الوحدة عليها فذكر { نفخة } ~~تبع غير مسوق له الكلام فتكون هذه النفخة هي الأولى وهي المؤذنة بانقراض ~~الدنيا ثم تقع النفخة ms8751 الثانية التي تكون عند بعث الأموات . # وجملة { وحملت الأرض والجبال } الخ في موضع الحال لأن دك الأرضض والجبال ~~قد يحصل قبل النفخ في الصور لأن به فناء الدنيا . # ومعنى { حملت : } أنها أزيلت من أماكنها بأن أبعدت الأرض بجبالها عن ~~مدارها المعتاد فارتطمت بأجرام أخرى في الفضاء { فدكتا } ، فشبهت هذه ~~الحالة بحمل الحامل شيئا ليلقيه على الأرض ، مثل حمل الكرة بين اللاعبين ، ~~ويجوز أن يكون تصرف الملائكة الموكلين بنقض نظام العالم في الكرة الأرضية ~~بإبعادها عن مدارها مشبها بالحمل وذلك كله عند اختلال الجاذبية التي جعلها ~~الله لحفظ نظام العالم إلى أمد معلوم لله تعالى . # والدك : دق شديد يكسر الشيء المدقوق ، أي فإذا فرقت أجزاء الأرض وأجزاء ~~جبالها . # وبنيت أفعال { نفخ ، وحملت ، ودكتا } للمجهول لأن الغرض متعلق ببيان ~~المفعول لا الفاعل وفاعل تلك الأفعال إما الملائكة أو ما أودعه الله من ~~أسباب تلك الأفعال ، والكل بإذن الله وقدرته . PageV29P125 # وجملة { فيومئذ وقعت الواقعة } مشتملة على جواب ( إذا ) ، أعني قوله { ~~وقعت الواقعة ، } وأما قوله : { فيومئذ } فهو تأكيد لمعنى { فإذا نفخ في ~~الصور } إلخ لأن تنوين ( يومئذ ) عوض عن جملة تدل عليها جملة { نفخ في ~~الصور } إلى قوله { دكة واحدة ، } أي فيوم إذ نفخ في الصور إلى آخره وقعت ~~الواقعة وهو تأكيد لفظي بمرادف المؤكد ، فإن المراد ب ( يوم ) من قوله { ~~فيومئذ وقعت الواقعة ، } مطلق الزمان كما هو الغالب في وقوعه مضافا إلى ( ~~إذا ) . # ومعنى { وقعت الواقعة } تحقق ما كان متوقعا وقوعه لأنهم كانوا يتوعدون ~~بواقعة عظيمة فيومئذ يتحقق ما كانوا يتوعدون به . # فعبر عنه بفعل المضي تنبيها على تحقيق حصوله . # والمعنى : فحينئذ تقع الواقعة . # و { الواقعة } : مرادفة للحاقة والقارعة ، فذكرها إظهار في مقام الإضمار ~~لزيادة التهويل وإفادة ما تحتوي عليه من الأحوال التي تنبىء عنها موارد ~~اشتقاق أوصاف الحاقة والقارعة والواقعة . # و { الواقعة } صار علما بالغلبة في اصطلاح القرآن يوم البعث قال تعالى : ~~{ إذا وقعت الواقعة ليس لوقعتها كاذبة } ( الواقعة : 1 2 ) . # وفعل { انشقت السماء } يجوز أن يكون معطوفا على جملة { نفخ في ms8752 الصور } ~~فيكون ملحقا بشرط ( إذا ) ، وتأخير عطفه لأجل ما اتصل بهذا الانشقاق من وصف ~~الملائكة المحيطين بها ، ومن ذكر العرش الذي يحيط بالسماوات وذكر حملته . # ويجوز أن يكون جملة في موضع الحال بتقدير : وقد انشقت السماء . # وانشقاق السماء : مطاوعتها لفعل الشق ، والشق : فتح منافذ في محيطها ، ~~قال تعالى : { ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا الملك يومئذ ~~الحق للرحمان وكان يوما على الكافرين عسيرا } ( الفرقان : 25 ، 26 ) . # ثم يحتمل أنه غير الذي في قوله تعالى : { فإذا انشقت السماء فكانت وردة ~~كالدهان } ( الرحمن : 37 ) ويحتمل أنه عينه . PageV29P126 # وحقيقة { واهية } ضعيفة ومتفرقة ، ويستعار الوهي للسهولة وعدم الممانعة ، ~~يقال : وهى عزمه ، إذا تسامح وتساهل ، وفي المثل ( أوهى من بيت العنكبوت ) ~~يضرب لعدم نهوض الحجة . # وتقييده ب { يومئذ } أن الوهي طرا عليها بعد أن كانت صلبة بتماسك أجزائها ~~وهو المعبر عنه في القرآن بالرتق كما عبر عن الشق بالفتق ، أي فهي يومئذ ~~مطروقة مسلوكة . # والوهي : قريب من الوهن ، والأكثر أن الوهي يوصف به الأشياء غير العاقلة ~~، والوهن يوصف به الناس . # والمعنى : أن الملائكة يترددون إليها صعودا ونزولا خلافا لحالها من قبل ~~قال تعالى : { فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان } ( الرحمن : 37 ) . # وجملة { والملك على أرجائها ، } حال من ضمير { فهي } ، أي ويومئذ الملك ~~على أرجائها . # و { الملك } : أصله الواحد من الملائكة ، وتعريفه هنا تعريف الجنس وهو في ~~معنى الجمع ، أي جنس الملك ، أي جماعة من الملائكة أو جميع الملائكة إذا ~~أريد الاستغراق ، واستغراق المفرد أصرح في الدلالة على الشمول ، ولذلك قال ~~ابن عباس : الكتاب أكثر من الكتب ، ومنه { رب إني وهن العظم مني } ( مريم : ~~4 ) . # والأرجاء : النواحي بلغة هذيل ، واحدها رجا مقصورا وألفه منقلبة عن الواو ~~. # وضمير { أرجائها } عائد إلى { السماء . # والمعنى : أن الملائكة يعملون في نواحي السماء ينفذون إنزال أهل الجنة ~~بالجنة وسوق أهل النار إلى النار . # وعرش الرب : اسم لما يحيط بالسماوات وهو أعظم من السماوات . # والمراد بالثمانية الذين يحملون العرش : ثمانية من الملائكة ، فقيل : ~~ثمانية شخوص ، وقيل : ثمانية صفوف ، وقيل ثمانية أعشار ms8753 ، أي نحو ثمانين من ~~مجموع عدد الملائكة ، وقيل غير ذلك ، وهذا من أحوال الغيب التي لا يتعلق ~~الغرض PageV29P127 بتفصيلها ، إذ المقصود من الآية تمثيل عظمة الله تعالى ~~وتقريب ذلك إلى الأفهام كما قال في غير آية . # ولعل المقصود بالإشارة إلى ما زاد على الموعظة ، هو تعليم الله نبيئه ~~شيئا من تلك الأحوال بطريقة رمزية يفتح عليه بفهم تفصيلها ولم يرد تشغيلنا ~~بعلمها . # وكأن الداعي إلى ذكرهم إجمالا هو الانتقال إلى الأخبار عن عرش الله لئلا ~~يكون ذكره اقتضابا بعد ذكر الملائكة . # وروى الترمذي عن العباس بن عبد المطلب عن النبي حديثا ذكر فيه أبعاد ما ~~بين السماوات ، وفي ذكر حملة العرش رموز ساقها الترمذي مساق التفسير لهذه ~~الآية ، وأحد رواته عبد الله بن عميرة عن الأحنف بن قيس قال البخاري : لا ~~نعلم له سماعا عن الأحنف . # وهنالك أخبار غير حديث العباس لا يعبأ بها ، وقال ابن العربي فيها : إنها ~~متلفقات من أهل الكتاب أو من شعر لأمية بن أبي الصلت ، ولم يصح أن النبي ~~أنشد بين يديه فصدقه . اه . # وضمير فوقهم } يعود إلى { الملك } . # ويتعلق { فوقهم } ب { يحمل عرش ربك } وهو تأكيد لما دل عليه يحمل من كون ~~العرش عاليا فهو بمنزلة القيدين في قوله : { وما من دابة في الأرض ولا طائر ~~يطير بجناحيه } ( الأنعام : 38 ) . # والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم وإضافة عرش إلى الله إضافة تشريف مثل ~~إضافة الكعبة إليه في قوله : { وطهر بيتي للطائفين الآية } ( الحج : 26 ) ، ~~والله منزه عن الجلوس على العرش وعن السكنى في بيت . # والخطاب في قوله : { تعرضون } لجميع الناس بقرينة المقام وما بعد ذلك من ~~التفصيل . # والعرض : أصله إمرار الأشياء على من يريد التأمل منها مثل عرض السلعة على ~~المشتري وعرض الجيش على أميره ، وأطلق هنا كناية عن لازمه وهو المحاسبة مع ~~جواز إرادة المعنى الصريح . PageV29P128 # ومعنى { لا تخفى منكم خافية : } لا تخفى على الله ولا على ملائكته . ~~وتأنيث { خافية } لأنه وصف لموصوف مؤنث يقدر بالفعلة من أفعال العباد ، أو ~~يقدر بنفس ، أي ms8754 لا تختبىء من الحساب نفس أي أحد ، ولا يلتبس كافر بمؤمن ، ~~ولا بار بفاجر . # وجملة { يومئذ تعرضون } مستأنفة ، أو هي بيان لجملة { فيومئذ وقعت ~~الواقعة ، } أو بدل اشتمال منها . # و { منكم } صفة ل { خافية } قدمت عليه فتكون حالا . # وتكرير { يومئذ } أربع مرات لتهويل ذلك اليوم الذي مبدؤه النفخ في الصور ~~ثم يعقبه ما بعده مما ذكر في الجمل بعده ، فقد جرى ذكر ذلك اليوم خمس مرات ~~لأن { فيومئذ وقعت الواقعة } تكرير ل ( إذا ) من قوله : { فإذا نفخ في ~~الصور } إذ تقدير المضاف إليه في { يومئذ } هو مدلول جملة { فإذا نفخ في ~~الصور ، } فقد ذكر زمان النفخ أولا وتكرر ذكره بعد ذلك أربع مرات . # وقرأ الجمهور { لا تخفى } بمثناة فوقية . وقرأه حمزة والكسائي وخلف ~~بالتحتية لأن تأنيث { خافية } غير حقيقي ، مع وقوع الفصل بين الفعل وفاعله ~~. # ( 19 24 ) { } . # الفاء تفصيل لما يتضمنه { تعرضون } ( الحاقة : 18 ) إذ العرض عرض للحساب ~~والجزاء فإيتاء الكتاب هو إيقاف كل واحد على صحيفة أعمال . و ( أما ) حرف ~~تفصيل وشرط وهو يفيد مفاد ( مهما يكن من شيء ) ، والمعنى : مهما يكن عرض { ~~من أوتي كتابه بيمينه . . . فهو في عيشة راضية } ، وشأن الفاء الرابطة ~~لجوابها أن يفصل بينها وبين ( أما ) بجزء من جملة الجواب أو بشيء من ~~متعلقات الجواب مهتم به لأنهم لما التزموا حذف فعل الشرط لاندماجه في مدلول ~~( أما ) كرهوا اتصال فاء الجواب بأداة الشرط ففصلوا بينهما بفاصل تحسينا ~~لصورة الكلام ، فقوله : { من أوتي PageV29P129 كتابه بيمينه } أصله صدر ~~جملة الجواب ، وهو مبتدأ خبره { فيقول هاؤم اقرأوا كتابيه } كما سيأتي . # ودل قوله : { فأما من أوتي كتابه بيمينه } على كلام محذوف للإيجاز تقديره ~~فيؤتى كل أحد كتاب أعماله ، فأما من أوتي كتابه إلخ على طريقة قوله تعالى : ~~{ أن اضرب بعصاك البحر فانفلق } ( الشعراء : 63 ) . # والباء في قوله : { بيمينه } للمصاحبة أو بمعنى ( في ) . # وإيتاء الكتاب باليمين علامة على أنه إيتاء كرامة وتبشير ، والعرب يذكرون ~~التناول باليمين كناية عن الاهتمام بالمأخوذ والاعتزاز به ، قال الشماخ : # إذا ما راية رفعت لمجد # تلقاها ms8755 عرابة باليمين # وقال تعالى : { وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين في سدر مخضود الآية } ( ~~الواقعة : 27 28 ) ثم قال : { وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال في سموم وحميم ~~الآية } ( الواقعة : 41 42 ) . # وجملة { فيقول هاؤم اقروا كتابيه } جواب شرط ( أما ) وهو مغن عن خبر ~~المبتدأ ، وهذا القول قول ذي بهجة وحبور يبعثان على إطلاع الناس على ما في ~~كتاب أعماله من جزاء في مقام الاغتباط والفخار ، ففيه كناية عن كونه من ~~حبور ونعيم فإن المعنى الكنائي هو الغرض الأهم من ذكر العرض . # و { هاؤم } مركب من ( هاء ) ممدودا ومقصورا والممدود مبني على فتح الهمزة ~~إذا تجرد عن علامات الخطاب ما عدا الموجه إلى امرأة فهو بكسر الهمزة دون ~~ياء . وإذا خوطب به أكثر من واحد التزم مده ليتأتى إلحاق علامة خطاب ~~كالعلامة التي تلحق ضمير المخاطب وضموا همزته ضمة كضمة ضمير الخطاب إذ ~~لحقته علامة التثنية والجمع ، فيقال : هاؤما ، كما يقال : أنتما ، وهاؤم ~~كما يقال : أنتم ، وهاؤن كما يقال : أنتن ، ومن أهل اللغة من ادعى أن { ~~هاؤم } أصله : ها أموا مركبا من كلمتين ( ها ) وفعلل أمر للجماعة من فعل أم ~~، إذا قصد ، ثم خفف لكثرة الاستعمال ، ولا يصح لأنه لم يسمع هاؤمين في خطاب ~~جماعة النساء ، وفيه لغات أخرى واستعمالات في اتصال كاف الخطاب به تقصاها ~~الرضي في شرح ( الكافية ) وابن مكرم في ( لسان العرب ) . PageV29P130 # و { هاؤم } بتصاريفه معتبر اسم فعل أمر بمعنى : خذ ، كما في ( الكشاف ) ~~وبمعنى تعال ، أيضا كما في ( النهاية ) . # والخطاب في قوله : { هاؤم اقرأوا } للصالحين من أهل المحشر . # و { كتابيه } أصله : كتابي بتحريك ياء المتكلم على أحد وجوه في ياء ~~المتكلم إذا وقعت مضافا إليها وهو تحريك أحسب أنه يقصد به إظهار إضافة ~~المضاف إلى تلك الياء للوقوف ، محافظة على حركة الياء المقصود اجتلابها . # و { اقرأوا } بيان للمقصود من اسم الفعل من قوله { هاؤم . # وقد تنازع كل من هاؤم واقرأوا } قوله : { كتابيه } . والتقدير : هاؤم ~~كتابيه اقرأوا كتابيه . والهاء في كتابيه ونظائرها للسكتت حين الوقف . # وحق هذه الهاء أن ms8756 تثبت في الوقف وتسقط في الوصل . وقد أثبتت في هذه الآية ~~في الحالين عند جمهور القراء وكتبت في المصاحف ، فعلم أنها للتعبير عن ~~الكلام المحكي بلغة ذلك القائل بما يرادفه في الاستعمال العربي لأن ~~الاستعمال أن يأتي القائل بهذه الهاء بالوقف على كلتا الجملتين . # ولأن هذه الكلمات وقعت فواصل والفواصل مثل الأسجاع تعتبر بحالة الوقف مثل ~~القوافي ، فلو قيل : اقرأوا كتابي إني ظننت أني ملاقق حسابي ، سقطت فاصلتان ~~وذلك تفريط في محسنين . # وقرأها يعقوب إذا وصلها بحذف الهاء والقراء يستحبون أن يقف عليها القارىء ~~ليوافق مشهور رسم المصحف ولئلا يذهب حسن السجع . # وأطلق الظن في قوله : { إني ظننت أني ملاقق حسابيه ، } على معنى اليقين ~~وهو أحد معنييه ، وعن الضحاك : كل ظن في القرآن من المؤمن فهو يقين ومن ~~الكافر فهو شك . # وحقيقة الظن : علم لم يتحقق ؛ إما لأن المعلوم به لم يقع بعد ولم يخرج ~~إلى عالم الحس ، وإما لأن علم صاحبه مخلوط بشك . وبهذا يكون إطلاق الظن على ~~المعلوم المتيقن إطلاقا حقيقيا . وعلى هذا جرى الأزهري في ( التهذيب ) وأبو ~~عمرو واقتصر على هذا المعنى ابن عطية . PageV29P131 # وكلام ( الكشاف ) يدل على أن أصل الظن : علم غير متيقن ولكنه قد يجرى ~~مجرى العلم لأن الظن الغالب يقام مقام العلم في العادات والأحكام ، وقال : ~~يقال : أظن ظنا كاليقين أن الأمر كيت وكيت ، فهو عنده إذا أطلق على اليقين ~~كان مجازا . وهذا أيضا رأي الجوهري وابن سيده والفيروزابادي ، وأما قوله ~~تعالى : { إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين } ( الجاثية : 32 ) فلا دلالة ~~فيه لأن تنكير { ظنا أريد به التقليل ، وأكد ، ب ما نحن بمستيقنين فاحتمل ~~الاحتمالين ، وقد تقدم عند قوله تعالى : وإنا لنظنك من الكاذبين في سورة ~~الأعراف وقوله : وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه في سورة براءة . # والمعنى : إني علمت في الدنيا أني ألقى الحساب ، أي آمنت بالبعث . وهذا ~~الخبر مستعمل كناية عن استعداده للحساب بتقديم الإيمان والأعمال الصالحة ~~مما كان سبب سعادته . # وجملة إني ظننت أني ملاق حسابيه } في ms8757 موقع التعليل للفرح والبهجة التي دل ~~عليها قوله : { هاؤم اقرأوا كتابيه } وبذلك يكون حرف ( إن ) لمجرد الاهتمام ~~وإفادة التسبب . # وموقع { فهو في عيشة راضية } موقع التفريع على ما تقدم من إيتائه كتابه ~~بيمينه وما كان لذلك من أثر المسرة والكرامة في المحشر ، فتكون الفاء ~~لتفريع ذكر هذه الجملة على ذكر ما قبلها . ولك أن تجعلها بدل اشتمال من ~~جملة { فيقول هاؤم اقرأوا كتابيه } فإن ذلك القول اشتمل على أن قائله في ~~نعيم كما تقدم وإعادة الفاء مع الجملة من إعادة العامل في المبدل منه مع ~~البدل للتأكيد كقوله تعالى : { تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا } ( المائدة : ~~114 ) . # والعيشة : حالة العيش وهيئته . # ووصف { عيشة ب راضية } مجاز عقلي لملابسة العيشة حالة صاحبها وهو العائش ~~ملابسة الصفة لموصوفها . # والراضي : هو صاحب العيشة لا العيشة ، لأن { راضية } اسم فاعل رضيت إذا ~~حصل لها الرضى وهو الفرح والغبطة . PageV29P132 # والعيشة ليست راضية ولكنها لحسنها رضي صاحبها ، فوصفها ب { راضية } من ~~إسناد الوصف إلى غير ما هو له وهو من المبالغة لأنه يدل على شدة الرضى ~~بسببها حتى سرى إليها ، ولذلك الاعتبار أرجع السكاكي ما يسمى بالمجاز ~~العقلي إلى الاستعارة المكنية كما ذكر في عالم البيان . # و { في } للظرفية المجازية وهي الملابسة . # وجملة { في جنة عالية } بدل اشتمال من جملة { فهو في عيشة راضية . # والعلو : الارتفاع وهو من محاسن الجنات لأن صاحبها يشرف على جهات من متسع ~~النظر ولأنه يبدو له كثير من محاسن جنته حين ينظر إليها من أعلاها أو وسطها ~~مما لا يلوح لنظره لو كانت جنته في أرض منبسطة ، وذلك من زيادة البهجة ~~والمسرة ، لأن جمال المناظر من مسرات النفس ومن النعم ، ووقع في شعر زهير : # كأن عيني في غربي مقتلة # من النواضح تسقي جنة سحقا # فقد قال أهل اللغة : يجوز أن يكون سحقا ، نعتا للجنة بدون تقدير كما ~~قالوا : ناقة علط وامرأة عطل . ولم يعرجوا على معنى السحق فيها وهو ~~الارتفاع لأن المرتفع بعيد ، وقالوا : سحقت النخلة ككرم إذا طالت . وفي ~~القرآن كمثل ms8758 جنة بربوة } ( البقرة : 265 ) . # وجوزوا أن يراد أيضا بالعلو علو القدر مثل فلان ذو درجة رفيعة ، وبذلك ~~كان للفظ { عالية } هنا ما ليس لقوله : { كمثل جنة بربوة } لأن المراد ~~هنالك جنة من الدنيا . # والقطوف : جمع قطف بكسر القاف وسكون الطاء ، وهو الثمر ، سمي بذلك لأنه ~~يقطف وأصله فعل بمعنى مفعول مثل ذبح . # ومعنى دنوها : قربها من أيدي المتناولين لأن ذلك أهنأ إذ لا كلفة فيه ، ~~قال تعالى : { وذللت قطوفها تذليلا } ( الإنسان : 14 ) . # وجملة { كلوا واشربوا } إلى آخرها مقول قول محذوف وهو ومقوله في موضع ~~PageV29P133 صفة ل { جنة } إذ التقدير : يقال للفريق الذين يؤتون كتبهم ~~بأيمانهم حين يستقرون في الجنة : { كلوا واشربوا } الخ . # ويجوز أن تكون الجملة خبرا ثانيا عن الضمير في قوله : { فهو في عيشة ~~راضية . # وإنما أفردت ضمائر الفريق الذي أوتي كتابه بيمينه فيما تقدم ثم جاء ~~الضمير ضمير جمع عند حكاية خطابهم لأن هذه الضمائر السابقة حكيت معها أفعال ~~مما يتلبس بكل فرد من الفريق عند إتمام حسابه . وأما ضمير كلوا واشربوا } ~~فهو خطاب لجميع الفريق بعد حلولهم في الجنة ، كما يدخل الضيوف إلى المأدبة ~~فيحيي كل داخل منهم بكلام يخصه فإذا استقروا أقبل عليهم مضيفهم بعبارات ~~الإكرام . # و { هنيئا } يجوز أن يكون فعيلا بمعنى فاعل إذا ثبت له الهناء فيكون ~~منصوبا على النيابة عن المفعول المطلق لأنه وصفه وإسناد الهناء للأكل ~~والشرب مجاز عقلي لأنهما متلبسان بالهناء للآكلل والشارب . # ويجوز أن يكون اسم فاعل من غير الثلاثي بوزن ما للثلاثي . والتقدير : ~~مهنئا ، أي سبب هناء ، كما قال عمرو بن معد يكرب : # أمن ريحانة الداعي السميع # أي المسمع ، وكما وصف الله تعالى بالحكيم بمعنى الحكم المصنوعات ، ويجوز ~~أن يكون فعيلا بمعنى مفعول ، أي مهنيئا به . # وعلى الاحتمالات كلها فإفراد { هنيئا } في حال أنه وصف لشيئين بناء على ~~أن فعيلا بمعنى فاعل لا يطابق موصوفه أو على أنه إذا كان صفة لمصدر فهو ~~نائب عن موصوفه ، والوصف بالمصدر لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث . # و { بما أسلفتم } في موضع ms8759 الحال من ضمير { كلوا واشربوا . # والباء للسببية . # وما صدق ( ما ) الموصولة هو العمل ، أي الصالح . # والإسلاف : جعل الشيء سلفا ، أي سابقا . PageV29P134 # والمراد أنه مقدم سابق لإبانه لينتفع به عند الحاجة إليه ، ومنه اشتق ~~السلف للقرض ، والإسلاف للإقراض ، والسلفة للسلم . # والأيام الخالية } : الماضية البعيدة مشتق من الخلو وهو الشغور والبعد . # ( 25 29 ) { } . # هذا قسيم { من أوتي كتابه بيمينه } ( الحاقة : 19 ) ، فالقول في إيتائه ~~كتابه بشماله قد عرف وجهه مما تقدم . # وتمني كل من أوتي كتابه بشماله أنه لم يؤت كتابه ، لأنه علم من الإطلاع ~~على كتابه أنه صائر إلى العذاب فيتمنى أن لا يكون علم بذلك إبقاء على نفسه ~~من حزنها زمنا فإن ترقب السوء عذاب . # وجملة { ولم أدر ما حسابيه } في موضع الحال من ضمير { ليتني . # والمعنى : إنه كان مكذبا بالحساب وهو مقابل قول الذي أوتي كتابه بيمينه : ~~إني ظننت أني ملاق حسابيه } ( الحاقة : 20 ) . # وجملة الحال معترضة بين جملتي التمني . # ويجوز أن يكون عطفا على التمني ، أي يا ليتني لم أدر ما حسابيه ، أي لم ~~أعرف كنه حسابي ، أي نتيجته ، وهذا وإن كان في معنى التمني الذي قبله ~~فإعادته تكرير لأجل التحسر والتحزن . # و { ما } استفهامية ، والاستفهام بها هو الذي علق فعل { أدر } عن العمل ، ~~و { يا ليتها كانت القاضية } تمن آخر ولم يعطف على التمني الأول لأن ~~المقصود التحسر والتندم . PageV29P135 # وضمير { ليتها } عائد إلى معلوم من السياق ، أي ليت حالتي ، أو ليت ~~مصيبتي كانت القاضية . # و { القاضية } : الموت وهو معنى قوله تعالى : { ويقول الكافر يا ليتني ~~كنت ترابا } ( النبأ : 40 ) ، أي مقبورا في التراب . # وجملة { يا ليتها كانت القاضية } من الكلام الصالح لأن يكون مثلا لإيجازه ~~ووفرة دلالته ورشاقة معناه عبر بها عما يقوله من أوتي كتابه بشماله من ~~التحسر بالعبارة التي يقولها المتحسر في الدنيا بكلام عربي يؤدي المعنى ~~المقصود . ونظيره ما حكي عنهم في قوله تعالى : { دعوا هنالك ثبورا } ( ~~الفرقان : 13 ) وقوله : { يا ويلتا ليتني لم أتخذ فلانا خليلا } ( الفرقان ~~: 28 ) وقوله : { يا ويلتنا ما لهذا ms8760 الكتاب الآية } ( الكهف : 49 ) . # ثم أخذ يتحسر على ما فرط فيه من الخير في الدنيا بالإقبال على ما لم يجده ~~في العالم الأبدي فقال : { ما أغنى عني ماليه } ، أي يقول ذلك من كان ذا ~~مال وذا سلطان من ذلك الفريق من جميع أهل الإشراك والكفر ، فما ظنك بحسرة ~~من اتبعوهم واقتدوا بهم إذا رأوهم كذلك ، وفي هذا تعريض بسادة مشركي العرب ~~مثل أبي جهل وأمية بن خلف قال تعالى : { وذرني والمكذبين أولي النعمة } ( ~~المزمل : 11 ) . # وفي { أغنى عني } الجناس الخطي ولو مع اختلاف قليل كما في قولهم ( غرك ~~عزك فصار قصارى ذلك ذلك ) . # ومعنى هلاك السلطان : عدم الانتفاع به يومئذ فهو هلاك مجازي . وضمن { هلك ~~} معنى ( غاب ) فعدي ب ( عن ) ، أي لم يحضرني سلطاني الذي عهدته . # والقول في هاءات { كتابيه ، وحسابيه ، وماليه ، وسلطانيه } ، كالقول فيما ~~تقدم إلا أن حمزة وخلفا قرآ هنا { ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه } ~~بدون هاء في حالة الوصل . # ( 30 37 ) { لله } . PageV29P136 # { خذوه } مقول لقول محذوف موقعه في موقع الحال من ضمير { فيقول يا ليتني ~~لم أوت كتابيه } ( الحاقة : 25 ) ، والتقدير : يقال : خذوه . # ومعلوم من المقام أن المأمورين بأن يأخذوه هم الملائكة الموكلون بسوق ~~أهلل الحساب إلى ما أعد لهم . # والأخذ : الإمساك باليد . # وغلوه : أمر من غله إذا وضعه في الغل وهو القيد الذي يجعل في عنق الجاني ~~أو الأسير فهو فعل مشتق من اسم جامد ، ولم يسمع إلا ثلاثيا ولعل قياسه أن ~~يقال : غلله بلامين لأن الغل مضاعف اللام ، فحقه أن يكون مثل عمم ، إذا جعل ~~له عمامة ، وأزر ، إذا ألبسه إزارا ، ودرع الجارية ، إذا ألبسها الدرع ، ~~فلعلهم قالوا : غله تخفيفا . وعطف بفاء التعقيب لإفادة الإسراع بوضعه في ~~الأغلال عقب أخذه . # و { ثم } في قوله : { ثم الجحيم صلوه } للتراخي الرتبي لأن مضمون الجملة ~~المعطوفة بها أشد في العقاب من أخذه ووضعه في الأغلال . # وصلى : مضاعف تضعيف تعدية لأن صلي النار معناه أصابه حرقها أو تدفأ بها ، ~~فإذا عدي قيل : أصلاه نارا ، وصلاه نارا . # و ms8761 { ثم } من قوله : { ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه } للتراخي ~~الرتبي بالنسبة لمضمون الجملتين قبلها لأن مضمون { في سلسلة ذرعها سبعون ~~ذراعا } أعظم من مضمون { فغلوه . # ومضمون فاسلكوه } دل على إدخاله الجحيم فكان إسلاكه في تلك السلسلة أعظم ~~من مطلق إسلاكه الجحيم . # ومعنى { اسلكوه : } اجعلوه سالكا ، أي داخلا في السلسلة وذلك بأن تلف ~~عليه السلسلة فيكون في وسطها ، ويقال : سلكه ، إذا أدخله في شيء ، أي ~~اجعلوه في الجحيم مكبلا في أغلاله . PageV29P137 # وتقديم { الجحيم } على عامله لتعجيل المساءة مع الرعاية على الفاصلة ~~وكذلك تقديم { في سلسلة } على عامله . # واقتران فعل { اسلكوه } بالفاء إما لتأكيد الفاء التي اقترنت بفعل { ~~فغلوه ، } وإما للايذان بأن الفعل منزل منزلة جزاء شرط محذوف ، وهذا الحذف ~~يشعر به تقديم المعمول غالبا كأنه قيل : مهما فعلتم به شيئا فاسلكوه في ~~سلسلة ، أو مهما يكن شيء فاسلكوه . # والمقصود تأكيد وقوع ذلك والحث على عدم التفريط في الفعل وأنه لا يرجى له ~~تخفيف ، ونظيره قوله تعالى : { وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر } ( ~~المدثر : 3 5 ) ، وتقدم عند قوله تعالى : { قل بفضل الله وبرحمته فبذلك ~~فليفرحوا في سورة } ( يونس : 58 ) . # والسلسلة : اسم لمجموع حلقق من حديد داخلل بعض تلك الحلق في بعض تجعل ~~لوثاق شخص كي لا يزول من مكانه ، وتقدم في قوله تعالى : { إذ الأغلال في ~~أعناقهم والسلاسل في سورة غافر . # وجملة ذرعها سبعون ذراعا } صفة { سلسلة } وهذه الصفة وقعت معترضة بين ~~المجرور ومتعلقه للتهويل على المشركين المكذبين بالقارعة ، وليست الجملة ~~مما خوطب الملائكة الموكلون بسوق المجرمين إلى العذاب ، ولذلك فعدد السبعين ~~مستعمل في معنى الكثرة على طريقة الكناية مثل قوله تعالى : { إن تستغفر لهم ~~سبعين مرة فلن يغفر الله لهم } ( التوبة : 80 ) . # والذرع : كيل طولل الجسم بالذراع وهو مقدار من الطول مقدر بذراع الإنسان ~~، وكانوا يقدرون بمقادير الأعضاء مثل الذراع ، والأصبع ، والأنملة ، والقدم ~~، وبالأبعاد التي بين الأعضاء مثل الشبر ، والفتر ، والرتب ( بفتح الراء ~~والتاء ) ، والعتب ، والبصم ، والخطوة . # وجملة { إنه كان لا يؤمن بالله العظيم ولا يحض على طعام ms8762 المسكين } في ~~موضع العلة للأمر بأخذه وإصلائه الجحيم . # ووصف الله بالعظيم هنا إيماء إلى مناسبة عظم العذاب للذنب إذ كان الذنب ~~كفرانا بعظيم فكان جزاء وفاقا . PageV29P138 # والحض على الشيء : أن يطلب من أحد فعل شيء ويلح في ذلك الطلب . # ونفي حضه على طعام المسكين يقتضي بطريق الفحوى أنه لا يطعم المسكين من ~~ماله لأنه إذا كان لا يأمر غيره بإطعام المسكين فهو لا يطعمه من ماله ، ~~فالمعنى لا يطعم المسكين ولا يأمر بإطعامه ، وقد كان أهل الجاهلية يطعمون ~~في الولائم ، والميسر ، والأضياف ، والتحابب ، رياء وسمعة . ولا يطعمون ~~الفقير إلا قليلا منهم ، وقد جعل عدم الحض على طعام المسكين مبالغة في شح ~~هذا الشخص عن المساكين بمال غيره وكناية عن الشح عنهم بماله ، كما جعل ~~الحرص على إطعام الضيف كناية عن الكرم في قول زينب بنت الطثرية ترثي أخاها ~~يزيد : # إذا نزل الأضياف كان عذورا # على الحي حتى تستقل مراجله # تريد أنه يحضر الحي ويستعجلهم على نصف القدور للأضياف حتى توضع قدور الحي ~~على الأثافي ويشرعوا في الطبخ ، والعذور بعين مهملة وذال معجمة كعملس : ~~الشكس الخلق . # إلا أن كناية ما في الآية عن البخل أقوى من كناية ما في البيت عن الكرم ~~لأن الملازمة في الآية حاصلة بطريق الأولوية بخلاف البيت . # وإذ قد جعل عدم حضه على طعام المسكين جزء علة لشدة عذابه ، علمنا من ذلك ~~موعظة للمؤمنين زاجرة عن منع المساكين حقهم في الأموال وهو الحق المعروف في ~~الزكاة والكفارات وغيرها . # وقوله : { فليس له اليوم ههنا حميم } من تمام الكلام الذي ابتدىء بقوله { ~~خذوه ، } وتفريع عليه . # والمقصود منه أن يسمعه من أوتي كتابه بشماله فييأس من أن يجد مدافعا يدفع ~~عنه بشفاعة ، وتنديم له على ما أضاعه في حياته من التزلف إلى الأصنام ~~وسدنتها وتمويههم عليه أنه يجدهم عند الشدائد وإلمام المصائب . وهذا وجه ~~تقييد نفي الحميم ب { اليوم } تعريضا بأن أحماءهم في الدنيا لا ينفعونهم ~~اليوم كما قال تعالى : { ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم ~~تزعمون } ( الأنعام ms8763 : 22 ) وقوله عنهم { فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا } ( ~~الأعراف : 53 ) وغير ذلك مما تفوق في آي القرآن . PageV29P139 # فقوله { له } هو خبر { ليس } لأن المجرور بلام الاختصاص هو محط الأخبار ~~دون ظرف المكان . وقوله : { ههنا } ظرف متعلق بالكون المنوي في الخبر بحرف ~~الجر . وهذا أولى من جعل { ههنا } خبرا عن { ليس } وجعل { له } صفة ل { ~~حميم } إذ لا حاجة لهذا الوصف . # والحميم : القريب ، وهو هنا كناية عن النصير إذ المتعارف عند العرب أن ~~أنصار المرء هم عشيرته وقبيلته . # { ولا طعام } عطف على { حميم . # والغسلين : بكسر الغين ما يدخل في أفواه أهل النار من المواد السائلة من ~~الأجساد وماء النار ونحو ذلك مما يعلمه الله فهو علم على ذلك مثل سجين ، ~~وسرقين ، وعرنين ، فقيل إنه فعلين من الغسل لأنه سال من الأبدان فكأنه غسل ~~عنها . ولا موجب لبيان اشتقاقه . # والخاطئون : } أصحاب الخطايا يقال : خطىء إذا أذنب . # والمعنى : لا يأكله إلا هو وأمثاله من الخاطئين . # وتعريف { الخاطئون } للدلالة على الكمال في الوصف ، أي المرتكبون أشد ~~الخطأ وهو الإشراك . # وقرأ الجمهور { الخاطئون } بإظهار الهمزة ، وقرأ أبو جعفر { الخاطون } ~~بضم الطاء بعدها واو على حذف الهمزة تخفيفا بعد إبدالها ياء تخفيفا . وقال ~~الطيبي : قرأ حمزة عند الوقف الخاطيون بإبدال الهمزة ياء ولم يذكره عنه غير ~~الطيبي . # ( 38 43 ) { } . # الفاء هنا لتفريع إثبات أن القرآن منزل من عند الله ونفي ما نسبه ~~المشركون PageV29P140 إليه ، تفريعا على ما اقتضاه تكذيبهم بالبعث من ~~التعريض بتكذيب القرآن الذي أخبر بوقوعه ، وتكذيبهم الرسول صلى الله عليه ~~وسلم القائل إنه موحى به إليه من الله تعالى . # وابتدىء الكلام بالقسم تحقيقا لمضمونه على طريقة الأقسام الواردة في ~~القرآن ، وقد تقدم الكلام عليها عند قوله تعالى : { والصافات صفا } ( ~~الصافات : 1 ) . # وضمير { أقسم } عائد إلى الله تعالى . * # جمع الله في هذا القسم كل ما الشأن أن يقسم به من الأمور العظيمة من صفات ~~الله تعالى ومن مخلوقاته الدالة على عظيم قدرته إذ يجمع ذلك كله الصلتان { ~~بما تبصرون وما لا تبصرون } ، فمما يبصرون ms8764 : الأرض والجبال والبحار والنفوس ~~البشرية والسماوات والكواكب ، وما لا يبصرون : الأرواح والملائكة وأمور ~~الآخرة . # و { لا أقسم } صيغة تحقيقق قسم ، وأصلها أنها امتناع من القسم امتناع ~~تحرج من أن يحلف بالمقسمم به خشية الحنث ، فشاع استعمال ذلك في كل قسم يراد ~~تحقيقه ، واعتبر حرف ( لا ) كالمزيد كما تقدم عند قوله : { فلا أقسم بمواقع ~~النجوم في سورة الواقعة ، ومن المفسرين من جعل حرف ( لا ) في هذا القسم ~~إبطالا لكلام سابق وأن فعل أقسم } بعدها مستأنف ، ونقض هذا النوع بوقوع ~~مثله في أوائل السور مثل : { لا أقسم بيوم القيامة } ( القيامة : 1 ) و { ~~لا أقسم بهذا البلد } ( البلد : 1 ) . # وضمير { إنه } عائد إلى القرآن المفهوم من ذكر الحشر والبعث ، فإن ذلك ~~مما جاء به القرآن ومجيئه بذلك من أكبر أسباب تكذيبهم به ، على أن إرادة ~~القرآن من ضمائر الغيبة التي لا معاد لها قد تكرر غير مرة فيه . # وتأكيد الخبر بحرف ( إن ) واللامم للرد على الذين كذبوا أن يكون القرآن ~~من كلام الله ونسبوه إلى غير ذلك . # والمراد بالرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم كما يقتضيه عطف قوله : { ~~ولو تقول علينا بعض الأقاويل } ( الحاقة : 44 ) ، وهذا كما وصف موسى ب { ~~رسول كريم في قوله تعالى : ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسول كريم } ( ~~الدخان : 17 ) وإضافة { قول } إلى { رسول } لأنه الذي بلغه فهو قائله ، ~~والإضافة لأدنى ملابسة وإلا فالقرآن جعله الله تعالى وأجراه على لسان النبي ~~صلى الله عليه وسلم كما صدر من جبريل بإيحائه بواسطته قال تعالى : { فإنما ~~يسرناه بلسانك } ( مريم : 97 ) . PageV29P141 # روي مقاتل أن سبب نزولها : أن أبا جهل قال : إن محمدا شاعر ، وأن عقبة بن ~~أبي معيط قال : هو كاهن ، فقال الله تعالى : { إنه لقول رسول كريم } الآية ~~. # ويجوز أن يراد ب { رسول كريم } جبريل عليه السلام كما أريد به في سورة ~~التكوير إذ الظاهر أن المراد به هنالك جبريل كما يأتي . # وفي لفظ { رسول } إيذان بأن القول قول مرسله ، أي الله تعالى ، وقد أكد ~~هذا المعنى بقوله عقبه ms8765 { تنزيل من رب العالمين . # ووصف الرسول ب كريم } لأنه الكريم في صنفه ، أي النفيس الأفضل مثل قوله : ~~{ إني ألقي إلي كتاب كريم في سورة النمل . # وقد أثبت للرسول الفضل على غيره من الرسل بوصف كريم } ، ونفي أن يكون ~~شاعرا أو كاهنا بطريق الكناية عند قصد رد أقوالهم . # وعطف { ولا بقول كاهن } على جملة الخبر في قوله : { بقول شاعر ، } و { لا ~~} النافية تأكيد لنفي { ما } . # وكني بنفي أن يكون قول شاعر ، أو قول كاهن عن تنزيه النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن أن يكون شاعرا أو كاهنا ، رد لقولهم : هو شاعر أو هو كاهن . # وإنما خص هذان بالذكر دون قولهم : افتراه ، أو هو مجنون ، لأن الوصف ~~بكريم كاف في نفي أن يكون مجنونا أو كاذبا إذ ليس المجنون ولا الكاذب بكريم ~~، فأما الشاعر والكاهن فقد كانا معدودين عندهم من أهل الشرف . # والمعنى : ما هو قول شاعر ولا قول كاهن تلقاه من أحدهما ونسبه إلى الله ~~تعالى . # و { قليلا } في قوله : { قليلا ما تؤمنون قليلا ما تذكرون } مراد به ~~انتفاء ذلك من أصله على طريقة التمليح القريب من التهكم كقوله : { فلا ~~يؤمنون إلا قليلا } ( النساء : 46 ) ، وهو أسلوب عربي ، قال ذو الرمة : # أنيحت ألقت بلدة فوق بلدة # قليلل بها الأصوات إلا بغامها # فإن استثناء بغام راحلته دل على أنه أراد من ( قليل ) عدم الأصوات . ~~PageV29P142 # والمعنى : لا تؤمنون ولا تذكرون ، أي عندما تقولون هو شاعر وهو مجنون ، ~~ولا نظر إلى إيمان من آمن منهم من بعد . وقد تقدم في سورة البقرة قوله : { ~~فقليلا ما يؤمنون . # وانتصب قليلا } في الموضعين على الصفة لمصدر محذوف يدل عليه { تؤمنون } و ~~{ تذكرون } أي تؤمنون إيمانا قليلا ، وتذكرون تذكرا قليلا . # و { ما } مزيدة للتأكيد كقول حاتم الطائي : # قليلا به ما يحمدنك وارث # إذا نال مما كنت تجمع مغنما # وجملتا { قليلا ما تؤمنون قليلا ما تذكرون } معترضتان ، أي انتفى أن يكون ~~قول شاعر ، وانتفى أن يكون قول كاهن ، وهذا الانتفاء لا يحصل إيمانكم ولا ~~تذكركم لأنكم أهل عناد . # وقرأ ms8766 الجمهور { ما تؤمنون ، وما تذكرون } كليهما بالمثناة الفوقية ، ~~وقرأهما ابن كثير وهشام عن ابن عامر ( واختلف الرواة عن ابن ذكوان عن ابن ~~عامر ) ويعقوب بالياء التحتية على الالتفات من الخطاب إلى الغيبة ، وحسن ~~ذلك كونهما معترضتين . # وأوثر نفي الإيمان عنهم في جانب انتفاء أن يكون قول شاعر ، ونفي التذكر ~~في جانب انتفاء أن يكون قول كاهن ، لأن نفي كون القرآن قول شاعر بديهي إذ ~~ليس فيه ما يشبه الشعر من اتزان أجزائه في المتحرك والساكن والتقفية ~~المتماثلة في جميع أواخر الأجزاء ، فادعاؤهم أنه قول شاعر بهتان متعمد ~~ينادي على أنهم لا يرجى إيمانهم ، وأما انتفاء كون القرآن قول كاهن فمحتاج ~~إلى أدنى تأمل إذ قد يشبه في بادىء الرأي على السامع من حيث إنه كلام منثور ~~مؤلف على فواصل ويؤلف كلام الكهان على أسجاع مثناة متماثلة زوجين زوجين ، ~~فإذا تأمل السامع فيه بأدنى تفكر في نظمه ومعانيه علم أنه ليس بقول كاهن ، ~~فنظمه مخالف لنظم كلام الكهان إذ ليست فقراته قصيرة ولا فواصله مزدوجة ~~ملتزم فيها السجع ، ومعانيه ليست من معاني الكهانة الرامية إلى الإخبار عما ~~يحدث لبعض الناس من أحداث ، أو ما يلم بقوم من مصائب متوقعة ليحذروها ، ~~فلذلك كان المخاطبون بالآية منتفيا عنهم التذكر والتدبر ، وإذا بطل هذا ~~وذاك بطل مدعاهم فحق أنه تنزيل من رب العالمين كما ادعاه الرسول الكريم ~~عليه الصلاة والتسليم . PageV29P143 # وقوله : { تنزيل من رب العالمين } خبر ثان عن اسم ( إن ) وهو تصريح بعد ~~الكناية . # ولك أن تجعل { تنزيل من رب العالمين } خبر مبتدأ محذوف جرى حذفه على ~~النوع الذي سماه السكاكي بمتابعة الاستعمال في أمثاله وهو كثير في الكلام ~~البليغ ، وتجعل الجملة استئنافا بيانيا لأن القرآن لما وصف بأنه { قول رسول ~~كريم } ونفي عنه أن يكون قول شاعر أو قول كاهن ، ترقب السامع معرفة كنهه ، ~~فبين بأنه منزل من رب العالمين على الرسول الكريم ليقوله للناس ويتلوه ~~عليهم . # و { تنزيل } وصف بالمصدر للمبالغة . # والمعنى : إنه منزل من رب العالمين على الرسول الكريم . # وعبر عن ms8767 الجلالة بوصف { رب العالمين } دون اسمه العلم للتنبيه على أنه رب ~~المخاطبين ورب الشعراء والكهانن الذين كانوا بمحل التعظيم والإعجاب عندهم ~~نظير قول موسى لفرعون { ربكم ورب آبائكم الأولين } ( الشعراء : 26 ) . # ( 44 47 ) { } . # هذه الجملة عطف على جملة { فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون } ( الحاقة ~~: 38 39 ) فهي مشمولة لما أفادته الفاء من التفريع على ما اقتضاه تكذيبهم ~~بالبعث من تكذيبهم القرآن ومن جاء به وقال : إنه وحي من الله تعالى . # فمفاد هذه الجملة استدلال ثان على أن القرآن منزل من عند الله تعالى على ~~طريقة المذهب الكلامي ، بعد الاستدلال الأول المستند إلى القسم والمؤكدات ~~على طريقة الاستدلال الخطابي . # وهو استدلال بما هو مقرر في الأذهان من أن الله واسع القدرة ، وأنه عليم ~~فلا يقرر أحدا على أن يقول عنه كلاما لم يقله ، أي لو لم يكن القرآن منزلا ~~من عندنا ومحمد ادعى أنه منزل منا ، لما أقررناه على ذلك ، ولعجلنا بإهلاكه ~~. فعدم هلاكه PageV29P144 صلى الله عليه وسلم دال على أنه لم يتقوله على ~~الله ، فإن { لو } تقتضي انتفاء مضمون شرطها لانتفاء مضمون جوابها . # فحصل من هذا الكلام غرضان مهمان : # أحدهما : يعود إلى ما تقدم أي زيادة إبطال لمزاعم المشركين أن القرآن شعر ~~أو كهانة إبطالا جامعا لإبطال النوعين ، أي ويوضح مخالفة القرآن لهذين ~~النوعين من الكلام أن الآتي به ينسبه إلى وحي الله وما علمتم شاعرا ولا ~~كاهنا يزعم أن كلامه من عند الله . # وثانيهما : إبطال زعم لهم لم يسبق التصريح بإبطاله وهو قول فريق منهم { ~~افتراه } ( يونس : 38 ) ، أي نسبه إلى الله افتراء وتقوله على الله قال ~~تعالى { أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون } ( الطور : 33 ) فبين لهم أنه لو ~~افترى على الله لما أقره على ذلك . # ثم إن هذا الغرض يستتبع غرضا آخر وهو تأييسهم من أن يأتي بقرآن لا يخالف ~~دينهم ولا يسفه أحلامهم وأصنامهم ، قال تعالى : { قال الذين لا يرجون ~~لقاءنا إيتت بقرآنن غير هذا أو بدله } ( يونس : 15 ) . وهذه الجملة معطوفة ~~عطف اعتراض ms8768 فلك أن تجعل الواو اعتراضية فإنه لا معنى للواو الاعتراضية إلا ~~ذلك . # والتقول : نسبة قول لمن لم يقله ، وهو تفعل من القول صيغت هذه الصيغة ~~الدالة على التكلف لأن الذي ينسب إلى غيره قولا لم يقله يتكلف ويختلق ذلك ~~الكلام ، ولكونه في معنى كذب عدي ب ( على ) . # والمعنى : لو كذب علينا فأخبر أنا قلنا قولا لم نقله إلخ . # و { بعض } اسم يدل على مقدار من نوع ما يضاف هو إليه ، وهو هنا منصوب على ~~المفعول به ل { تقول . # والأقاويل } : جمع أقوال الذي هو جمع قول ، أي بعضا من جنس الأقوال التي ~~هي كثيرة فلكثرتها جيء لها بجمع الجمع الدال على الكثرة ، أي ولو نسب إلينا ~~قليلا من أقوالل كثيرة صادقة يعني لو نسب إلينا شيئا قليلا من القرآن لم ~~ننزله لأخذنا منه باليمين ، إلى آخره . # ومعنى { لأخذنا منه باليمين } لأخذناه بقوة ، أي دون إمهال فالباء ~~للسببية . PageV29P145 # واليمين : اليد اليمنى كني بها عن الاهتمام بالتمكن من المأخوذ ، لأن ~~اليمين أقوى عملا من الشمال لكثرة استخدامها فنسبة التصرف إليها شهيرة . # وتقدم ذلك في مواضع منها قوله تعالى : { ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم ~~في سورة البقرة وقوله : وعن أيمانهم وعن شمائلهم في سورة الأعراف وقوله : ~~ولا تخطه بيمينك في سورة العنكبوت . # وقال أبو الغول الطهوي : # فدت نفسي وما ملكت يميني # فوارس صدقوا فيهم ظنوني # والمعنى : لأخذناه أخذا عاجلا فقطعنا وتينه ، وفي هذا تهويل لصورة الأخذ ~~فلذلك لم يقتصر على نحو : لأهلكناه . # ومنه } متعلق ب ( أخذنا ) تعلق المفعول بعامله . و ( من ) زائدة في ~~الإثبات على رأي الأخفش والكوفيين وهو الراجح . وقد بينته عند قوله تعالى : ~~{ فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا ومن النخل } ( الأنعام : 99 ) ، ~~فإن { النخل معطوف على خضرا بزيادة من } ولولا اعتبار الزيادة لما استقام ~~الإعراب إلا بكلفة ، وفائدة { من } الزائدة في الكلام أن أصلها التبعيض ~~المجازي على وجه التمليح كأنه يقول : نأخذ بعضه . # و { الوتين } : عرق معلق به القلب ويسمى النياط ، وهو الذي يسقي الجسد ~~بالدم ولذلك يقال له : نهر ms8769 الجسد ، وهو إذا قطع مات صاحبه وهو يقطع عند نحر ~~الجزور . # فقطع الوتين من أحوال الجزور ونحرها ، فشبه عقاب من يفرض تقوله على الله ~~بجزور تنحر فيقطع وتينها . # ولم أقف على أن العرب كانوا يكنون عن الإهلاك بقطع الوتين ، فهذا من ~~مبتكرات القرآن . # و { منه } صفة للوتين ، أو متعلق ب ( قطعنا ) ، أي أزلناه منه . # وبين { منه } الأولى و { منه } الثانية محسن الجناس . PageV29P146 # وأما موقع تفريع قوله : { فما منكم من أحد عنه حاجزين } فهو شديد الاتصال ~~بما استتبعه فرض التقول من تأييسهم من أن يتقول على الله كلاما لا يسوءهم ، ~~ففي تلك الحالة من أحوال التقول لو أخذنا منه باليمين فقطعنا منه الوتين ، ~~لا يستطيع أحد منكم أو من غيركم أن يحجز عنه ذلك العقاب ، وبدون هذا ~~الاتصال لا يظهر معنى تعجيزهم عن نصره إذ ليسوا من الولاء له بمظنة نصره ، ~~فمعنى هذه الآية يحوم حول معنى قوله : { وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا ~~إليك لتفتري علينا غيره وإذن لاتخذوك خليلا ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن ~~إليهم شيئا قليلا إذن لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا ~~نصيرا } ( الإسراء : 73 75 ) . # والخطاب في قوله : { منكم } للمشركين . # وإنما أخبر عن { أحد } وهو مفرد ب { حاجزين } جمعا لأن { أحد } هنا وإن ~~كان لفظه مفردا فهو في معنى الجمع لأن { أحد } إذا كان بمعنى ذات أو شخص لا ~~يقع إلا في سياق النفي مثل عريب ، وديار ونحوهما من النكرات التي لا تستعمل ~~إلا منفية فيفيد العموم ، أي كل واحد لا يستطيع الحجز عنه ويستوي في لفظه ~~الواحد والجمع والمذكر والمؤنث قال تعالى : { لا نفرق بين أحد من رسله } ( ~~البقرة : 285 ) وقال : { لستن كأحد من النساء } ( الأحزاب : 32 ) . # والمعنى : ما منكم أناس يستطيعون الحجز عنه . # والحجز : الدفع والحيلولة ، أي لا أحد منكم يحجزنا عنه . والضمير عائد ~~إلى { رسول كريم } ( الحاقة : 40 ) . # و { من } في قوله : { من أحد } مزيدة لتأكيد النفي وللتنصيص على العموم . ~~وذكر { منكم } مع { عنه } تجنيس محرف . # وهذه الآية ms8770 دليل على أن الله تعالى لا يبقي أحدا يدعي أن الله أوحى إليه ~~كلاما يبلغه إلى الناس ، وأنه يعجل بهلاكه . # فأما من يدعي النبوءة دون ادعاء قولل أوحي إليه ، فإن الله قد يهلكه بعد ~~حين كما كان في أمر الأسود العنسي الذي ادعى النبوءة باليمن ، ومسيلمة ~~الحنفي الذي PageV29P147 ادعى النبوءة في اليمامة ، فإنهما لم يأتيا بكلام ~~ينسبانه إلى الله تعالى ، فكان إهلاكهما بعد مدة ، ومثلهما من ادعوا ~~النبوءة في الإسلام مثل ( بابك ومازيار ) . # وقال الفخر : ( قيل : اليمين بمعنى القوة والقدرة ، والمعنى : لأخذنا منه ~~اليمين ، أي سلبنا عنه القوة ، والباء على هذا التقدير صلة زائدة . واعلم ~~أن حاصل هذا أنه لو نسب إلينا قولا لم نقله لمنعناه عن ذلك : إما بواسطة ~~إقامة الحجة فإنا نقيض له من يعارضه فيه وحينئذ يظهر للناس كذبه فيه فيكون ~~ذلك إبطالا لدعواه وهدما لكلامه ، وإما بأن نسلب عنه القدرة على التكلم ~~بذلك القول ، وهذا هو الواجب في حكمة الله تعالى لئلا يشتبه الصادق بالكاذب ~~) اه . فركب من تفسير اليمين بمعنى القوة ، أن المراد قوة المتقول لا قوة ~~الله وانتزع من ذلك تأويل الباء على معنى الزيادة ولم يسبقه بهذا التأويل ~~أحد من المفسرين ولا تبعه فيه من بعده فيما رأينا . وفيه نظر ، وقد تبين ~~بما فسرنا به الآية عدم الاحتجاج إلى تأويل الفخر . # . # عطف على { إنه لقول رسول كريم } ( الحاقة : 40 ) ، والضمير عائد إلى ~~القرآن الذي تقدم ضميره في قوله : { إنه لقول رسول كريم ، فلما أبطل طعنهم ~~في القرآن بأنه قول شاعر ، أو قول كاهن أعقب ببيان شرفه ونفعه ، إمعانا في ~~إبطال كلامهم بإظهار الفرق البين بينه وبين شعر الشعراء وزمزمة الكهان ، إذ ~~هو تذكرة وليس ما ألحقوه به من أقوال أولئك من التذكير في شيء . # والتذكرة : اسم مصدر التذكير وهو التنبيه إلى مغفول عنه . # والإخبار ب وإنه لتذكرة } إخبار بالمصدر للمبالغة في الوصف . والمعنى : ~~أنه مذكر للناس بما يغفلون عنه من العلم بالله وما يليق بجلاله لينتشلهم من ~~هوة التمادي في الغفلة حتى يفوت ms8771 الفوات ، فالقرآن في ذاته تذكرة لمن يريد ~~أن يتذكر سواء تذكر أم لم يتذكر ، وقد تقدم تسمية القرآن بالذكر والتذكير ~~في آيات عديدة منها قوله تعالى في سورة طه { إلا تذكرة لمن يخشى وقوله : ~~وقالوا ياأيها الذي نزل عليه الذكر في سورة } ( الحجر : 6 ) . # والمراد بالمتقين المؤمنون فإنهم المتصفون بتقوى الله لأنهم يؤمنون ~~بالبعث والجزاء دون المشركين . فالقرآن كان هاديا إياهم للإيمان كما قال ~~تعالى : { هدى للمتقين } ( البقرة : 2 ) PageV29P148 وكلما نزل منه شيء أو ~~تلوا منه شيئا ذكرهم بما علموا لئلا تعتريهم غفلة أو نسيان فالقرآن تذكرة ~~للمتقين في الماضي والحال والمستقبل ، فإن الإخبار عنه باسم المصدر يتحمل ~~الأزمنة الثلاثة إذ المصدر لا إشعار له بوقت بخلاف الفعل وما أشبهه . # وإنما علق { للمتقين } بكونه ( تذكرة ) لأن المتقين هم الذين أدركوا ~~مزيته . # ( 49 50 ) . # هاتان جملتان مرتبطتان ، وأولاهما تمهيد وتوطئة للثانية ، وهي معترضة بين ~~التي قبلها والتي بعدها ، والثانية منهما معطوفة على جملة { وإنه لتذكرة ~~للمتقين } ( الحاقة : 48 ) ، فكان تقديم الجملة الأولى على الثانية اهتماما ~~بتنبيه المكذبين إلى حالهم وكانت أيضا بمنزلة التتميم لجملة { وإنه لتذكرة ~~للمتقين } ( الحاقة : 48 ) . # والمعنى : إنا بعثنا إليكم الرسول بهذا القرآن ونحن نعلم أنه سيكون منكم ~~مكذبون له وبه ، وعلمنا بذلك لم يصرفنا عن توجيه التذكير إليكم وإعادته ~~عليكم { ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيى عن بينة } ( الأنفال : 42 ) ، ~~فقوبلت صفة القرآن التي تنفع المتقين بصفته التي تضر بالكافرين على طريقة ~~التضاد ، فبين الجملتين المتعاطفتين محسن الطباق . # والحسرة : الندم الشديد المتكرر على شيء فائت مرغوب فيه ، ويقال لها : ~~التلهف ، اشتقت من الحسر وهو الكشف لأن سببها ينكشف لصاحبها بعد فوات ~~إدراكه ولا يزال يعاوده ، فالقرآن حسرة على الكافرين أي سبب حسرة عليهم في ~~الدنيا والآخرة ، فهو حسرة عليهم في الدنيا لأنه فضح ترهاتهم ونقض عماد ~~دينهم الباطل وكشف حقارة أصنامهم ، وهو حسرة عليهم في الآخرة لأنهم يجدون ~~مخالفته سبب عذابهم ، ويقفون على اليقين بأن ما كان يدعوهم إليه هو سبب ~~النجاح لو اتبعوه لا ms8772 سيما وقد رأوا حسن عاقبة الذين صدقوا به . # والمكذبون : هم الكافرون . وإنما عدل عن الإتيان بضميرهم إلى الاسم ~~الظاهر لأن الحسرة تعم المكذبين يومئذ والذين سيكفرون به من بعد . ~~PageV29P149 # . # عطف على { وإنه لحسرة على الكافرين } ( الحاقة : 50 ) فيحتمل أن يكون ~~الضمير عائدا على القرآن لأن هذه من صفات القرآن ، ويحتمل أن يكون مرادا به ~~المذكور وهو كون القرآن حسرة على الكافرين ، أي إن ذلك حق لا محالة أي هو ~~جالب لحسرتهم في الدنيا والآخرة . # وإضافة حق إلى يقين يجوز أن يكون من إضافة الموصوف إلى الصفة ، أي إنه ~~لليقين الحق الموصوف بأنه يقين لا يشك في كونه حقا إلا من غشي على بصيرته ~~وهذا أولى من جعل الإضافة من إضافة الصفة إلى الموصوف ، أي لليقين الحق ، ~~أي الذي لا تعتريه شبهة . # واعلم أن حق اليقين ، وعين اليقين ، وعلم اليقين ، وقعت في القرآن . # فحق اليقين وقع في هذه السورة وفي آخر سورة الواقعة ، وعلم اليقين وعين ~~اليقين وقعا في سورة التكاثر ، وهذه الثلاثة إضافتها من إضافة الصفة إلى ~~الموصوف أو من إضافة الموصوف إلى الصفة كما ذكرنا . ومعنى كل مركب منها هو ~~محصل ما تدل عليه كلمتاه وإضافة إحداهما إلى الأخرى . # وقد اصطلح العلماء على جعل كلمة ( علم اليقين ) اسما اصطلاحيا لما أعطاه ~~الدليل بتصور الأمور على ما هي عليه حسب كلام السيد الجرجاني في كتاب ( ~~التعريفات ) ، ووقع في كلام أبي البقاء في ( الكليات ) ما يدل على أن بعض ~~هذه المركبات نقلت في بعض الاصطلاحات العلمية فصارت ألقابا لمعان ، وقال : ~~علم اليقين لأصحاب البرهان ، وعين اليقين وحق اليقين أيضا لأصحاب الكشف ~~والعيان كالأنبياء والأولياء على حسب تفاوتهم في المراتب ، قال : وقد حقق ~~المحققون من الحكماء بأن بعد المراتب الأربع للنفس ( يعني مراتب تحصيل ~~العلم للنفس المذكورة في المنطق الأوليات ، والمشاهدات الباطنية ، ~~والتجريبات ، والمتواترات ) مرتبتين : إحداهما مرتبة عين اليقين وهي أن ~~تصير النفس بحيث تشاهد المعقولات في المعارف التي تفيضها النفس كما هي ، ~~والثانية مرتبة حق اليقين وهي أن تصير النفس بحيث ms8773 تتصل بالمعقولات اتصالا ~~عقليا وتلاقي ذاتها تلاقيا روحانيا . واصطلح PageV29P150 علماء التصوف على ~~جعل كل مركب من هذه الثلاثة لقبا لمعنى من الانكشاف العقلي وجرت في كتاب ( ~~الفتوحات المكية ) للشيخ محيي الدين بن عربي . # . # تفريع على جميع ما تقدم من وصف القرآن وتنزيهه على المطاعن وتنزيه النبي ~~صلى الله عليه وسلم عما افتراه عليه المشركون ، وعلى ما أيده الله به من ~~ضرب المثل للمكذبين به بالأمم التي كذبت الرسل ، فأمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم بأن يسبح الله تسبيح ثناء وتعظيم شكرا له على ما أنعم به عليه من نعمة ~~الرسالة وإنزال هذا القرآن عليه . # واسم الله هو العلم الدال على الذات . # والباء للمصاحبة ، أي سبح الله تسبيحا بالقول لأنه يجمع اعتقاد التنزيه ~~والإقرار به وإشاعته . # والتسبيح : التنزيه عن النقائص بالاعتقاد والعبادة والقول ، فتعين أن ~~يجري في التسبيح القولي اسم المنزه فلذلك قال { فسبح باسم ربك } ولم يقل ~~فسبح ربك العظيم . وقد تقدم في الكلام على البسملة وجه إقحام اسم في قوله : ~~{ بسم الله الرحمن الرحيم } ( الفاتحة : 1 ) . # وتسبيح المنعم بالاعتقاد والقول وهما مستطاع شكر الشاكرين إذ لا يبلغ إلى ~~شكره بأقصى من ذلك ، قال ابن عطية : وفي ضمن ذلك استمرار النبي صلى الله ~~عليه وسلم على أداء رسالته وإبلاغها . وروي أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال لما نزلت هذه الآية ( اجعلوها في ركوعكم ) . واستحب التزام ذلك ~~جماعة من العلماء ، وكره مالك التزام ذلك لئلا يعد واجبا فرضا اه . وتقدم ~~نظير هذه الآية في آخر سورة الواقعة . # PageV29P151 # | 1 ( سورة المعارج ) 1 # سميت هذه السورة في كتب السنة وفي ( صحيح البخاري ) و ( جامع الترمذي ) ~~وفي ( تفسير الطبري ) وابن عطية وابن كثير ( سورة سال سائل ) . وكذلك ~~رأيتها في بعض المصاحف المخطوطة بالخط الكوفي بالقيروان في القرن الخامس . # وسميت في معظم المصاحف المشرقية والمغربية وفي معظم التفاسير ( سورة ~~المعارج ) . وذكر في ( الإتقان ) أنها تسمى ( سورة الواقع ) . # وهذه الأسماء الثلاثة مقتبسة من كلمات وقعت في أولها ، وأخصها بها جملة { ~~سال سائل } ( المعارج : 1 ms8774 ) لأنها لم يرد مثلها في غيرها من سور القرآن إلا ~~أنها غلب عليها اسم ( سورة المعارج ) لأنه أخف . # وهي مكية بالاتفاق . وشذ من ذكر أن آية { والذين في أموالهم حق معلوم } ( ~~المعارج : 24 ) مدنية . PageV29P152 # وهي السورة الثامنة والسبعون في عداد نزول سور القرآن عند جابر بن زيد ~~نزلت بعد سورة الحاقة وقبل سورة النبأ . # وعد جمهور الأمصار آيها أربعا وأربعين . وعدها أهل الشام ثلاثا وأربعين . # $ 2 ( { سأل سآئل بعذاب واقع * للكافرين ليس له دافع * من الله ذي ~~المعارج * تعرج الملائكة والروح إليه فى يوم كان مقداره خمسين ألف سنة * ~~فاصبر صبرا جميلا * إنهم يرونه بعيدا * ونراه قريبا * يوم تكون السمآء ~~كالمهل * وتكون الجبال كالعهن * ولا يسئل حميم حميما * يبصرونهم يود المجرم ~~لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه * وصاحبته وأخيه * وفصيلته التى تئويه * ومن ~~فى الارض جميعا ثم ينجيه * كلا إنها لظى * نزاعة للشوى * تدعوا من أدبر ~~وتولى * وجمع فأوعى * إن الإنسان خلق هلوعا * إذا مسه الشر جزوعا * وإذا ~~مسه الخير منوعا * إلا المصلين * الذين هم على صلاتهم دآئمون * والذين فى & # 1764 أموالهم حق معلوم * للسآئل والمحروم * والذين يصدقون بيوم الدين * ~~والذين هم من عذاب ربهم مشفقون * إن عذاب ربهم غير مأمون * والذين هم ~~لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فأنهم غير ملومين * ~~فمن ابتغى ورآء ذالك فأولائك هم العادون * والذين هم لاماناتهم وعهدهم ~~راعون * والذين هم بشهاداتهم قائمون * والذين هم على صلاتهم يحافظون * ~~أولائك فى جنات مكرمون * فمال الذين كفروا قبلك مهطعين * عن اليمين وعن ~~الشمال عزين * أيطمع كل امرىء منهم أن يدخل جنة نعيم * كلا إنا خلقناهم مما ~~يعلمون * فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون * على أن نبدل خيرا ~~منهم وما نحن بمسبوقين * فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذى ~~يوعدون * يوم يخرجون من الاجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون * خاشعة ~~أبصارهم ترهقهم ذلة ذلك اليوم الذى كانوا يوعدون } ) 2 $ أغراضها # حوت من الأغراض تهديد الكافرين بعذاب يوم القيامة ، وإثبات ذلك اليوم ~~ووصف أهواله . # ووصف ms8775 شيء من جلال الله فيه ، وتهويل دار العذاب وهي جهنم . وذكر أسباب ~~استحقاق عذابها . # ومقابلة ذلك بأعمال المؤمنين التي أوجبت لهم دار الكرامة وهي أضداد صفات ~~الكافرين . # وتثبيت النبي صلى الله عليه وسلم وتسليته على ما يلقاه من المشركين . # ووصف كثير من خصال المسلمين التي بثها الإسلام فيهم ، وتحذير المشركين من ~~استئصالهم وتبديلهم بخير منهم . # ( 1 3 ) . # كان كفار قريش يستهزئون فيسألون النبي صلى الله عليه وسلم متى هذا العذاب ~~الذي تتوعدنا به ، ويسألونه تعجيله ، قال تعالى : { ويقولون متى هذا الوعد ~~إن كنتم صادقين } ( يونس : 48 ) { ويستعجلونك بالعذاب } ( الحج : 47 ) ~~وكانوا أيضا يسألون الله أن يوقع عليهم عذابا إن كان القرآن حقا من عنده ~~قال تعالى : { وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا ~~حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم } ( الأنفال : 32 ) . # وقيل : إن السائل شخص معين هو النضر بن الحارث قال : { إن كان هذا ( أي ~~القرآن ) هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ~~} ( الأنفال : 32 ) . # وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل الله أن يعينه على المشركين بالقحط ~~فأشارت الآية إلى ذلك كله ، ولذلك فالمراد ب { سائل } فريق أو شخص . ~~PageV29P153 # والسؤال مستعمل في معنيي الاستفهام عن شيء والدعاء ، على أن استفهامهم ~~مستعمل في التهكم والتعجيز . ويجوز أن يكون { سأل سائل } بمعنى استعجل وألح ~~. # وقرأ الجمهور { سأل } بإظهار الهمزة . وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر { ~~سال } بتخفيف الهمزة ألفا . قال في ( الكشاف ) : وهي لغة قريش وهو يريد أن ~~قريشا قد يخففون المهموز في مقام الثقل وليس ذلك قياسا في لغتهم بل لغتهم ~~تحقيق الهمز ولذلك قال سيبويه : وليس ذا بقياس متلئب ( أي مطرد مستقيم ) ~~وإنما يحفظ عن العرب قال : ويكون قياسا متلئبا ، إذا اضطر الشاعر ، قال ~~الفرزدق : # راحت بمسلمة البغال عشية # فارعي فزازة لا هناكك المرتع # يريد لا هنأكك بالهمز . وقال حسان : # سالت هذيل رسول الله فاحشة # ضلت هذيل بما سالت ولم تصب # يريد سألوا رسول الله صلى الله ms8776 عليه وسلم إباحة الزنا . وقال القرشي زيد ~~بن عمرو بن نفيل ( يذكر زوجيه ) : # سألتاني الطلاق أن رأتاني # قل مالي قد جيتماني بنكر # فهؤلاء ليس لغتهم سال ولا يسال وبلغنا أن سلت تسال لغة ا ه . فجعل إبدال ~~الهمز ألفا للضرورة مطردا ولغير الضرورة يسمع ولا يقاس عليه فتكون قراءة ~~التخفيف سماعا . وذكر الطيبي عن أبي علي في الحجة : أن من قرأ { سال } غير ~~مهموز جعل الألف منقلبة عن الواو التي هي عين الكلمة مثل : قال وخاف . وحكى ~~أبو عثمان عن أبي زيد أنه سمع من يقول : هما متساولان . وقال في ( الكشاف ) ~~: يقولون ( أي أهل الحجاز ) : سلت تسال وهما يتسايلان ، أي فهو أجوف يائي ~~مثل هاب يهاب . وكل هذه تلتقي في أن نطق أهل الحجاز { سال } غير مهموز ~~سماعي ، وليس بقياس عندهم وأنه إما تخفيف للهمزة على غير قياس مطرد وهو رأي ~~سيبويه ، وإما لغة لهم في هذا الفعل وأفعال أخرى جاء هذا الفعل أجوف واويا ~~كما هو رأي أبي علي أو أجوف يائيا كما هو رأي الزمخشري . وبذلك يندحض تردد ~~أبي حيان جعل الزمخشري قراءة { سال } لغة أهل الحجاز إذ قد يكون لبعض ~~القبائل لغتان في فعل واحد . PageV29P154 # وإنما اجتلب هنا لغة المخفف لثقل الهمز المفتوح بتوالي حركات قبله وبعده ~~وهي أربع فتحات ، ولذلك لم يرد في القرآن مخففا في بعض القراءات إلا في هذا ~~الموضع إذ لا نظير له في توالي حركات ، وإلا فإنه لم يقرأ أحد بالتخفيف في ~~قوله : { وإذا سألك عبادي } ( البقرة : 186 ) وهو يساوي { سال سائل بعذاب } ~~بله قوله : سالتهم وتسالهم ولا يسالون . # وقوله : { سال سائل } بمنزلة سئل لأن مجيء فاعل الفعل اسم فاعل من لفظ ~~فعله لا يفيد زيادة علم بفاعل الفعل ما هو ، فالعدول عن أن يقول : سئل ~~بعذاب إلى قوله { سال سائل بعذاب } ، لزيادة تصوير هذا السؤال العجيب ، ~~ومثله قول يزيد بن عمرو بن خويلد يهاجي النابغة : # وإن الغدر قد علمت معد # بناه في بني ذبيان باني # ومن بلاغة القرآن تعدية { سال } بالباء ms8777 ليصلح الفعل لمعنى الاستفهام ~~والدعاء والاستعجال ، لأن الباء تأتي بمعنى ( عن ) وهو من معاني الباء ~~الواقعة بعد فعل السؤال نحو { فاسال به خبيرا } ( الفرقان : 59 ) ، وقول ~~علقمة : # فإن تسألوني بالنساء فإنني # خبير بأدواء النساء طبيب # أي إن تسألوني عن النساء ، وقال الجوهري عن الأخفش : يقال خرجنا نسأل عن ~~فلان وبفلان . وجعل في ( الكشاف ) تعدية فعل سأل بالباء لتضمينه معنى عني ~~واهتم . وقد علمت احتمال أن يكون سال بمعنى استعجل ، فتكون تعديته بالباء ~~كما في قوله تعالى : { ويستعجلونك بالعذاب } ( الحج : 47 ) وقوله : { ~~يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها } ( الشورى : 18 ) . # وقوله : { للكافرين } يجوز أن يكون ظرفا لغوا متعلقا ب { واقع ، } ويجوز ~~أن يكون ظرفا مستقرا خبرا لمبتدأ محذوف ، والتقدير : هو للكافرين . # واللام لشبه الملك ، أي عذاب من خصائصهم كما قال تعالى : { فاتقوا النار ~~التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين } ( البقرة : 24 ) . # ووصف العذاب بأنه واقع ، وما بعده من أوصافه إلى قوله : { إنهم يرونه ~~بعيدا } ( المعارج : 6 ) إدماج معترض ليفيد تعجيل الإجابة عما سأل عنه سائل ~~بكلا معنيي PageV29P155 السؤال لأن السؤال لم يحك فيه عذاب معين وإنما كان ~~مجملا لأن السائل سأل عن عذاب غير موصوف ، أو الداعي دعا بعذاب غير موصوف ، ~~فحكي السؤال مجملا ليرتب عليه وصفه بهذه الأوصاف والتعلقات ، فينتقل إلى ~~ذكر أحوال هذا العذاب وما يحف به من الأهوال . # وقد طويت في مطاوي هذه التعلقات جمل كثيرة كان الكلام بذلك إيجازا إذ حصل ~~خلالها ما يفهم منه جواب السائل ، واستجابة الداعي ، والإنباء بأنه عذاب ~~واقع عليهم من الله لا يدفعه عنهم دافع ، ولا يغرهم تأخره . # وهذه الأوصاف من قبيل الأسلوب الحكيم لأن ما عدد فيه من أوصاف العذاب ~~وهوله ووقته هو الأولى لهم أن يعلموه ليحذروه ، دون أن يخوضوا في تعيين ~~وقته ، فحصل من هذا كله معنى : أنهم سألوا عن العذاب الذي هددوا به عن وقته ~~ووصفه سؤال استهزاء ، ودعوا الله أن يرسل عليهم عذابا إن كان القرآن حقا ، ~~إظهارا لقلة اكتراثهم بالإنذار بالعذاب . فأعلمهم أن العذاب الذي استهزأوا ms8778 ~~به واقع لا يدفعه عنهم تأخر وقته ، فإن أرادوا النجاة فليحذروه . # وقوله : { من الله } يتنازع تعلقه وصفا { واقع ودافع . } و { من } ~~للابتداء المجازي على كلا التعلقين مع اختلاف العلاقة بحسب ما يقتضيه الوصف ~~المتعلق به . # فابتداء الواقع استعارة لإذن الله بتسليط العذاب على الكافرين وهي ~~استعارة شائعة تساوي الحقيقة . وأما ابتداء الدافع فاستعارة لتجاوزه مع ~~المدفوع عنه من مكان مجازي تتناوله قدرة القادر مثل { من } في قوله تعالى : ~~{ وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه } ( التوبة : 118 ) وقوله : { يستخفون ~~من الناس ولا يستخفون من الله } ( النساء : 108 ) . # وبهذا يكون حرف { من } مستعملا في تعيين مجازين متقاربين . # وإجراء وصف { ذي المعارج } على اسم الجلالة لاستحضار عظمة جلالة ولإدماج ~~الإشعار بكثرة مراتب القرب من رضاه وثوابه ، فإن المعارج من خصائص منازل ~~العظماء قال تعالى : { لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون } ( الزخرف ~~: 33 ) . ولكل درجة المعارج قوم عملوا لنوالها قال تعالى : { يرفع الله ~~الذين ءامنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات } ( المجادلة : 11 ) ، وليكون ~~من هذا الوصف تخلص إلى ذكر يوم الجزاء الذي يكون فيه العذاب الحق للكافرين ~~. PageV29P156 # و { المعارج } : جمع معرج بكسر الميم وفتح الراء وهو ما يعرج به ، أي ~~يصعد من سلم ومدرج . # . # اعتراض لبيان أن المعارج منازل من الرفعة الاعتبارية ترتقي فيها الملائكة ~~وليست معارج يعرج إليه فيها ، أي فهي معارج جعلها الله للملائكة فقرب بها ~~من منازل التشريف ، فالله معرج إليه بإذنه لا عارج ، وبذلك الجعل وصف الله ~~بأنه صاحبها ، أي جاعلها ، ونظيره قوله تعالى : { ذو العرش } ( غافر : 15 ) ~~. # و { الروح } : هو جبريل عليه السلام الموكل بإبلاغ إرادة الله تعالى ~~وإذنه وتخصيصه بالذكر لتمييزه بالفضل على الملائكة . ونظير هذا قوله : { ~~تنزل الملائكة والروح فيها } ( القدر : 4 ) أي في ليلة القدر . # و { الروح } : يطلق على ما به حياة الإنسان وتصريف أعماله وهو المذكور في ~~قوله تعالى : { ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي } ( الإسراء : 85 ) ~~. فيجوز أن يكون مما شمله قوله : { تعرج الملائكة والروح إليه } ، أي أرواح ~~أهل ms8779 الجنة على اختلاف درجاتها في المعارج . وهذا العروج كائن يوم القيامة ~~وهو اليوم الذي مقداره خمسون ألف سنة . وهذه تقريبات لنهاية عظمة تلك ~~المنازل وارتقاء أهل العالم الأشرف إليها وعظمة يوم وقوعها . # وضمير { إليه } عائد إلى الله على تأويل مضاف على طريقة تعلق بعض الأفعال ~~بالذوات ، والمراد أحوالها مثل { حرمت عليكم الميتة } ( المائدة : 3 ) أي ~~أكلها . و { في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة } يتنازع تعلقه كل من قوله : ~~{ واقع } ( المعارج : 1 ) وقوله : { تعرج } . # . # اعتراض مفرع : إما على ما يومىء إليه { سأل سائل } ( المعارج : 1 ) من ~~أنه سؤال استهزاء ، فهذا تثبيت للنبيء صلى الله عليه وسلم وإما على { سأل ~~سائل } بمعنى : دعا داع . PageV29P157 # فالفاء لتفريع الأمر بالصبر على جملة { سال سائل إذا كان ذلك السؤال ~~بمعنييه استهزاء وتعريضا بالتكذيب فشأنه أن لا تصبر عليه النفوس في العرف . # والصبر الجميل : الصبر الحسن في نوعه وهو الذي لا يخالطه شيء مما ينافي ~~حقيقة الصبر ، أي اصبر صبرا محضا ، فإن جمال الحقائق الكاملة بخلوصها عما ~~يعكر معناها من بقايا أضدادها ، وقد مضى قوله تعالى عن يعقوب فصبر جميل في ~~سورة يوسف وسيجيء قوله تعالى : واهجرهم هجرا جميلا في المزمل . # ( 6 7 ) } . # تعليل لجملتي { سال سائل بعذاب واقع } ( المعارج : 1 ) ولجملة { فاصبر ~~صبرا جميلا } ( المعارج : 5 ) ، أي سألوا استهزاء لأنهم يرونه محالا وعليك ~~بالصبر لأنا نعلم تحققه ، أي وأنت تثق بأنه قريب ، أي محقق الوقوع ، وأيضا ~~هو تجهيل لهم إذ اغتروا بما هم فيه من الأمن ومسالمة العرب لهم ومن الحياة ~~الناعمة فرأوا العذاب الموعود بعيدا ، إن كان في الدنيا فلأمنهم ، وإن كان ~~في الآخرة فلإنكارهم البعث ، والمعنى : وأنت لا تشبه حالهم وذلك يهون الصبر ~~عليك فهو من باب { ولا تتبع أهواءهم } ( المائدة : 48 ) ، { ولا تطع من ~~أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه } ( الكهف : 28 ) . # و { بعيدا } هنا كناية عن معنى الإحالة لأنهم لا يؤمنون بوقوع العذاب ~~الموعود به ، ولكنهم عبروا عنه ببعيد تشكيكا للمؤمنين فقد حكى الله عنهم ~~أنهم قالوا { أإذا متنا وكنا ms8780 ترابا ذلك رجع بعيد } ( ق : 3 ) . # واستعمل { قريبا } كناية عن تحقق الوقوع على طريق المشاكلة التقديرية ~~والمبالغة في التحقق . وبين { بعيدا } و { قريبا } محسن الطباق . # ( 8 18 ) { } . PageV29P158 # يجوز أن يتعلق { يوم تكون السماء } بفعل { تعرج } ( المعارج : 4 ) ، أو ~~أن يتعلق ب { يود المجرم } قدم عليه للاهتمام بذكر اليوم فيكون قوله : { ~~يوم تكون السماء كالمهل } ابتداء كلام ، والجملة المجعولة مبدأ كلام تجعل ~~بدل اشتمال من جملة { ولا يسأل حميم حميما } لأن عدم المساءلة مسبب عن شدة ~~الهول ، ومما يشتمل عليه ذلك أن يود المول لو يفتدي من ذلك العذاب . # و { المهل } : دردي الزيتت . # والمعنى : تشبيه السماء في انحلال أجزائها بالزيت ، وهذا كقوله في سورة ~~الرحمن { فكانت وردة كالدهان . # والعهن : الصوف المصبوغ ، قيل المصبوغ مطلقا ، وقيل المصبوغ ألوانا ~~مختلفة وهو الذي درج عليه الراغب والزمخشري ، قال زهير : # كان فتات العهن في كل منزل # نزلن به حب الفنا لم يحطم # والفنا بالقصر : حب في البادية ، يقال له : عنب الثعلب ، وله ألوان بعضه ~~أخضر وبعضه أصفر وبعضه أحمر . والعهنة : شجر بالبادية لها ورد أحمر . # ووجه الشبه بالعهن تفرق الأجزاء كما جاءت في آية القارعة وتكون الجبال ~~كالعهن المنفوش فإيثار العهن بالذكر لإكمال المشابهة لأن الجبال ذات ألوان ~~قال تعالى : ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها } ( فاطر : 27 ) . ~~وإنما تكون السماء والجبال بهاته الحالة حين ينحل تماسك أجزائهما عند ~~انقراض هذا العالم والمصير إلى عالم الآخرة . # ومعنى { ولا يسأل حميم حميما } لشدة ما يعتري الناس من الهول فمن شدة ذلك ~~أن يرى الحميم حميمه في كرب وعناء فلا يتفرغ لسؤاله عن حاله لأنه في شاغل ~~عنه ، فحذف متعلق { يسأل } لظهوره من المقام ومن قوله : { يبصرونهم } أي ~~يبصر الأخلاء أحوال أخلائهم من الكرب فلا يسأل حميم حميما ، قال كعب بن ~~زهير : PageV29P159 # وقال كل خليل كنت ءآمله # لا ألهينك إني عنك مشغول # والحميم : الخليل الصديق . # وقرأ الجمهور بفتح ياء { يسأل } على البناء للفاعل . وقرأه أبو جعفر ~~والبزي عن ابن كثير بضم الياء على البناء للمجهول . فالمعنى ms8781 : لا يسأل حميم ~~عن حميم بحذف حرف الجر . # وموقع { يبصرونهم } الاستئناف البياني لدفع احتمال أن يقع في نفس السامع ~~أن الأحماء لا يرى بعضهم بعضا يومئذ لأن كل أحد في شاغل ، فأجيب بأنهم يكشف ~~لهم عنهم ليروا ما هم فيه من العذاب فيزدادوا عذابا فوق العذاب . # ويجوز أن تكون جملة { يبصرونهم } في موضع الحال ، أي لا يسأل حميم حميما ~~في حال أن كل حميم يبصر حميمه يقال له : انظر ماذا يقاسي فلان . و { ~~يبصرونهم } مضارع بصره بالأمر إذا جعله مبصرا له ، أي ناظرا فأصله : يبصرون ~~بهم فوقع فيه حذف الجار وتعدية الفعل . # والضميران راجعان إلى { حميم } المرفوع وإلى { حميما } المنصوب ، أي يبصر ~~كل حميم حميمه فجمع الضميران نظرا إلى عموم { حميم } و { حميما } في سياق ~~النفي . # و { يود } : يحب ، أي يتمنى ، وذلك إما بخاطر يخطر في نفسه عند رؤية ~~العذاب . وإما بكلام يصدر منه نظير قوله : { ويقول الكافر يا ليتني كنت ~~ترابا } ( النبأ : 40 ) ، وهذا هو الظاهر ، أي يصرخ الكافر يومئذ فيقول : ~~أفتدي من العذاب ببني وصاحبتي وفصيلتي فيكون ذلك فضيحة له يومئذ بين أهله . # و { المجرم } : الذي أتى الجرم ، وهو الذنب العظيم ، أي الكفر لأن الناس ~~في صدر البعثة صنفان كافر ومؤمن مطيع . # و { يومئذ } هو { يوم تكون السماء كالمهل } فإن كان قوله : { يوم تكون ~~السماء } متعلقا ب { يود } فقوله : { يومئذ } تأكيد ل { يوم تكون السماء ~~كالمهل ، } وإن كان متعلقا بقوله : { تعرج الملائكة } ( المعارج : 4 ) ~~فقوله : { يومئذ } إفادة لكون ذلك اليوم هو يوم يود المجرم لو يفتدي من ~~العذاب بمن ذكر بعده . PageV29P160 # و { لو } مصدرية فما بعدها في حكم المفعول ل { يود } ، أي يود الافتداء ~~من العذاب ببنيه إلى آخره . # وقرأ الجمهور { يومئذ } بكسر ميم ( يوم ) مجرورا بإضافة ( عذاب الله ) . ~~وقرأه نافع والكسائي بفتح الميم على بنائه لإضافة ( يوم ) إلى ( إذ ) ، وهي ~~اسم غير متمكن والوجهان جائزان . # والافتداء : إعطاء الفداء ، وهو ما يعطى عوضا لإنقاذ من تبعة ، ومنه قوله ~~تعالى : { وإن يأتوكم أسارى تفادوهم في البقرة وقوله : ولو افتدى ms8782 به في آل ~~عمران ، والمعنى : لو يفتدي نفسه ، والباء بعد مادة الفداء تدخل على العوض ~~المبذول فمعنى الباء التعويض . # ومعنى من } الابتداء المجازي لتضمين فعل يفتدي معنى يتخلص و { صاحبته } : ~~زوجه . # والفصيلة : الأقرباء الأدنون من القبيلة ، وهم الأقرباء المفصول منهم ، ~~أي المستخرج منهم ، فشملت الآباء والأمهاتت قال ابن العربي : قال أشهب : ~~سألت مالكا عن قول الله تعالى : { وفصيلته التي تؤويه } فقال هي أمه اه ، ~~أي ويفهم منها الأب بطريق لحن الخطاب فيكون قد استوفى ذكر أقرب القرابة ~~بالصراحة والمفهوم ، وأما على التفسير المشهور فالفصيلة دلت على الآباء ~~باللفظ وتستفاد الأمهات بدلالة لحن الخطاب . # وقد رتبت الأقرباء على حسب شدة الميل الطبيعي إليهم في العرف الغالب لأن ~~الميل الطبيعي ينشأ عن الملازمة وكثرة المخالطة . # ولم يذكر الأبوان لدخولهما في الفصيلة قصدا للإيجاز . # والايواء : الضم والانحياز . قال تعالى : { ءاوى إليه أخاه } ( يوسف : 69 ~~) وقال : { سآوي إلى جبل } ( هود : 43 ) . # و { التي تؤويه : } إن كانت القبيلة ، فالإيواء مجاز في الحماية والنصر ، ~~أي ومع ذلك يفتدي بها لعلمه بأنها لا تغني عنه شيئا يومئذ . # وإن كانت الأم فالإيواء على حقيقته باعتبار الماضي ، وصيغة المضارع ~~PageV29P161 لاستحضار الحالة كقوله : { الله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا ~~} ( الروم : 48 ) أي يود لو يفتدي بأمه ، مع شدة تعلق نفسه بها إذ كانت ~~تؤويه ، فإيثار لفظ فصيلته وفعل تؤويه هنا من إيجاز القرآن وإعجازه ليشمل ~~هذه المعاني . # { ومن في الأرض جميعا } عطف على { بنيه } ، أي ويفتدي بمن في الأرض ، أي ~~ومن له في الأرض مما يعز عليه من أخلاء وقرابة ونفائس الأموال مما شأن ~~الناس الشح ببذله والرغبة في استبقائه على نحو قوله تعالى : { فلن يقبل من ~~أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به } ( آل عمران : 91 ) . # و { من } الموصولة لتغليب العاقل على غيره لأن منهم الأخلاء . # و { ثم } في قوله : { ثم ينجيه } للتراخي الرتبي ، أي يود بذل ذلك وأن ~~ينجيه الفداء من العذاب ، فالإنجاء من العذاب هو الأهم عند المجرم في ~~ودادته والضمير البارز في قوله : { ينجيه } عائد إلى ms8783 الافتداء المفهوم من { ~~يفتدي } على نحو قوله تعالى : { اعدلوا هو أقرب للتقوى } ( المائدة : 8 ) . # والمعطوف ب { ثم } هو المسبب عن الودادة فلذلك كان الظاهر أن يعطف بالفاء ~~وهو الأكثر في مثله كقوله تعالى : { ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء ~~} ( النساء : 89 ) وقوله : { ودوا لو تدهن فيدهنون } ( القلم : 9 ) ، فعدل ~~عن عطفه بالفاء هنا إلى عطفه ب { ثم } للدلالة على شدة اهتمام المجرم ~~بالنجاة بأية وسيلة . # ومتعلق { ينجيه } محذوف يدل عليه قوله : { من عذاب يومئذ . # وكلا } حرف ردع وإبطال لكلام سابق ، ولا يخلو من أن يذكر بعده كلام ، وهو ~~هنا لإبطال ما يخامر نفوس المجرم من الودادة ، نزل منزلة الكلام لأن الله ~~مطلع عليه أو لإبطال ما يتفوه به من تمني ذلك . قال تعالى : { ويقول الكافر ~~يا ليتني كنت ترابا } ( النبأ : 40 ) ، ألا ترى أنه عبر عن قوله ذلك ~~بالودادة ، في قوله تعالى : { يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى ~~بهم الأرض } ( النساء : 42 ) أي يصيرون من ترابها . # فالتقدير : يقال له كلا ، أي لا افتداء ولا إنجاء . # وجملة { إنها لظى } استئناف بياني ناشىء عما أفاده حرف { كلا } من ~~الإبطال . وضمير { إنها } عائد إلى ما يشاهده المجرم قبالته من مرأى جهنم ~~فأخبر PageV29P162 بأن ذلك لظى . ولما كان { لظى } مقترنا بألف التأنيث أنث ~~الضمير باعتبار تأنيث الخبر واتبع اسمها بأوصاف . والمقصود التعريض بأنها ~~أعدت له ، أي أنها تحرقك وتنزع شواك ، وقد صرح بما وقع التعريض به في قوله ~~: { تدعو من أدبر وتولى وجمع فأوعى ، } أي تدعوك يا من أدبر عن دعوة ~~التوحيد وتولى عنها ولم يعبأ إلا بجمع المال . # فحرف ( إن ) للتوكيد للمعنى التعريضي من الخبر ، لا إلى الإخبار بأن ما ~~يشاهده لظى إذ ليس ذلك بمحل التردد . و { لظى } خبر ( إن ) . # ويجوز أن يكون ضمير { إنها } ضمير القصة وهو ضمير الشأن ، أي إن قصتك ~~وشأنك لظى ، فتكون { لظى } مبتدأ . # وقرأ الجمهور { نزاعة } بالرفع فهو خبر ثان عن ( إن ) إن جعل الضمير ~~ضميرا عائدا إلى النار المشاهدة ، أو هو خبر عن ms8784 { لظى } إن جعل الضمير ضمير ~~القصة وجعل { لظى } مبتدأ . # وقرأه حفص بالنصب على الحال فيتعين على قراءة حفص أن الضمير ليس ضمير قصة ~~. والتعريض هو هو ، وحرف ( إن ) إما للتوكيد متوجها إلى المعنى التعريضي ~~كما تقدم ، وإما لمجرد الاهتمام بالجملة التي بعده لأن الجمل المفتتحة ~~بضمير الشأن من الأخبار المهتم بها . # و { لظى } : علم منقول من اسم اللهب ، جعل علما ل ( جهنم ) ، وألفه ألف ~~تأنيث ، وأصله : لظى بوزن فتى منونا اسم جنس للهب النار . فنقل اسم الجنس ~~إلى جعله علما على واحد من جنسه ، فقرن بألف تأنيث تنبيها بذلك التغيير على ~~نقله إلى العلمية . # والعرب قد يدخلون تغييرا على الاسم غير العلم إذا نقلوه إلى العلمية كما ~~سموا شمس بضم الشين منقولا من شمس بفتح الشين . كما قال ابن جني في شرح قول ~~تأبط شرا : # إني لمهد من ثنائي فقاصد # به لابنن عم الصدق شمسس بنن مالك # وليس من العلم بالغلبة إذ ليس معرفا ولا مضافا ، ولاجتماع العلمية ~~والتأنيث فيه PageV29P163 كان ممنوعا من الصرف فلا تقول : لظى بالتنوين إلا ~~إذا أردت جنس اللهب ، ولا تقول : اللظى إلا إذا أردت لهبا معينا ، فأما إذا ~~أردت اسم جهنم فتقول لظى بألف التأنيث دون تنوين ودون تعريف . # والنزاعة : مبالغة في النزع وهو الفصل والقطع . # والشوى : اسم جمع شواة بفتح الشين وتخفيف الواو ، وهي العضو غير الرأس ~~مثل اليد والرجل فالجمع باعتبار ما لكل أحد من شوى ، وقيل الشواة : جلدة ~~الرأس فالجمع باعتبار كثرة الناس . # وجملة { تدعو } إما خبر ثان حسب قراءة { نزاعة } بالرفع وإما حال على ~~القراءتين . والدعاء في قوله : { تدعو } يجوز أن يكون غير حقيقة بأن يعتبر ~~استعارة مكنية ، شبهت لظى في انهيال الناس إليها بضائف لمأدبة ، ورمز إلى ~~ذلك ب { تدعو } وذلك على طريقة التهكم . # ويكون { من أدبر وتولى وجمع فأوعى } قرينة ، أو تجريدا ، أي من أدبر ~~وتولى عن الإيمان بالله . وفيه الطباق لأن الإدبار والتولي يضادانن الدعوة ~~في الجملة إذ الشأن أن المدعو يقبل ولا يدبر ، ويكون ( يدعوا ) مشتقا من ms8785 ~~الدعوة المضمومة الدال ، أو أن يشبه إحضار الكفار عندها بدعوتها إياهم ~~للحضور على طريقة التبعية ، لأن التشبيه بدعوة المنادي ، كقول ذي الرمة يصف ~~الثور الوحشي : # أمسى بوهبينن مختارا لمرتعه # من ذي الفوارس تدعو أنفه الربب # الربب بكسر الراء وبموحدتين : جمع ربة بكسر الراء وتشديد الموحدة : نبات ~~ينبت في الصيف أخضر . # ويجوز أن يكون { تدعو } مستعملا حقيقة ، و ( الذين يدعون ) : هم الملائكة ~~الموكلون بجهنم ، وإسناد الدعاء إلى جهنم إسنادا مجازيا لأنها مكان الداعين ~~أو لأنها سبب الدعاء ، أو جهنم تدعو حقيقة بأن يخلق الله فيها أصواتا تنادي ~~الذين تولوا أن يردوا عليها فتلتهمهم . # و { من أدبر وتولى وجمع فأوعى } جنس الموصوفين بأنهم أدبروا وتولوا ~~وجمعوا وهم المجرمون الذين يودون أن يفتدوا من عذاب يومئذ . وهذه الصفات ~~خصائص المشركين ، وهي من آثار دين الشرك التي هي أقوى باعث لهم على إعراضهم ~~عن دعوة الإسلام . PageV29P164 # وهي ثلاثة : الإدبار والإعراض ، وجمع المال ، أي الخشية على أموالهم . # والإدبار : ترك شيء في جهة الوراء لأن الدبر هو الظهر ، فأدبر : جعل شيئا ~~وراءه بأن لا يعرج عليه أصلا أو بأن يقبل عليه ثم يفارقه . # والتولي : الإدبار عن شيء والبعد عنه ، وأصله مشتق من الولاية وهي ~~الملازمة قال تعالى : { فول وجهك شطر المسجد الحرام } ( البقرة : 144 ) ، ~~ثم قالوا : ولى عنه ، أرادوا اتخذ غيره وليا ، أي ترك ولايته إلى ولاية ~~غيره مثل ما قالوا : رغب فيه ورغب عنه ، فصار ( ولي ) بمعنى : أدبر وأعرض ، ~~قال تعالى : { فأعرض عمن تولى عن ذكرنا } ( النجم : 29 ) أي عامله بالإعراض ~~عنه . # ففي التولي معنى إيثار غير المتولى عنه ، ولذلك يكون بين التولي والإدبار ~~فرق ، وباعتبار ذلك الفرق عطف و { تولى } على { أدبر } أي تدعو من ترك الحق ~~وتولى عنه إلى الباطل . وهذه دقيقة من إعجاز القرآن بأن يكون الإدبار مرادا ~~به إدبار غير تول ، أي إدبارا من أول وهلة ، ويكون التولي مرادا به الإعراض ~~بعد ملابسة ، ولذلك يكون الإدبار مستعارا لعدم قبول القرآن ونفي استماع ~~دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم وهو حال الذين ms8786 قال الله فيهم : { وقال ~~الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن } ( فصلت : 26 ) ، والتولي مستعار ~~للإعراض عن القرآن بعد سماعه وللنفور عن دعوة الرسول كما قال تعالى : { ~~وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا ~~أساطير الأولين } ( الأنفال : 31 ) وكلا الحالين حال كفر ومحقة للعقاب وهما ~~مجتمعتان في جميع المشركين . # والمقصود من ذكرهما معا تفظيع أصحابهما ، وعلى هذا الوجه يجوز أن يكون ~~متعلق { أدبر وتولى } متحدا يتنازعه كلا الفعلين ، ويقدر بنحو : عن الحق ، ~~وفي ( الكشاف ) : أدبر عن الحق وتولى عنه ، إذ العبرة باختلاف معنيي ~~الفعلين وإن كان متعلقهما متحدا . # ويجوز أن يقدر لكل فعل متعلق هو أشد مناسبة لمعناه ، فقدر البيضاوي : ~~أدبر عن الحق وتولى عن الطاعة ، أي لم يقبل الحق وهو الإيمان من أصله ، ~~وأعرض عن طاعة الرسول بعد سماع دعوته . وعن قتادة عكسه : أدبر عن طاعة الله ~~وتولى عن كتاب الله وتبعه الفخر والنيسابوري . PageV29P165 # والجمع والإيعاء في قوله : { وجمع فأوعى } مرتب ثانيهما على أولهما ، ~~فيدل ترتب الثاني على الأول أن مفعول { جمع } المحذوف هو شيء مما يوعى ، أي ~~يجعل في وعاء . # والوعاء : الظرف ، أي جمع المال فكنزه ولم ينفع به المحاويج ، ومنه جاء ~~فعل { أوعى } إذا شح . وفي الحديث : ( ولا توعي فيوعى عليك ) . # وفي قوله : { جمع } إشارة إلى الحرص ، وفي قوله : { فأوعى } إشارة إلى ~~طول الأمل . وعن قتادة { جمع فأوعى } كان جموعا للخبيث ، وهذا تفسير حسن ، ~~أي بأن يقدر ل { جمع } مفعول يدل عليه السياق ، أي وزاد على إدباره وتوليه ~~أنه جمع الخبائث . وعليه يكون { فأوعى } مستعارا لملازمته ما فيه من خصال ~~الخبائث واستمراره عليها فكأنها مختزنة لا يفرط فيها . # ( 19 21 ) { } . # معترضة بين { من أدبر وتولى وجمع فأوعى } ( المعارج : 17 18 ) وبين ~~الاستثناء { إلا المصلين } ( المعارج : 22 ) الخ . # وهي تذييل لجملة { وجمع فأوعى } تنبيها على خصلة تخامر نفوس البشر ~~فتحملهم على الحرص لنيل النافع وعلى الاحتفاظ به خشية نفاده لما فيهم من ~~خلق الهلع . وهذا تذييل لوم وليس في مساقه عذر ms8787 لمن جمع فأوعى ، ولا هو ~~تعليل لفعله . # وموقع حرف التوكيد ما تتضمنه الجملة من التعجيب من هذه الخصلة البشرية ، ~~فالتأكيد لمجرد الاهتمام بالخبر ولفت الأنظار إليه والتعريضض بالحذر منه . # والمقصود من التذييل هو قوله : { وإذا مسه الخير منوعا } وأما قوله : { ~~إذا مسه الشر جزوعا } فتمهيد وتتميم لحالتيه . # فالمراد بالإنسان : جنس الإنسان لا فرد معين كقوله تعالى : { إن الإنسان ~~ليطغى أن رآه استغنى } ( العلق : 6 7 ) وقوله : { خلق الإنسان من عجل } ( ~~الأنبياء : 37 ) ، ونظائر ذلك كثيرة في القرآن . PageV29P166 # وهلوع : فعول مثال مبالغة للاتصاف بالهلع . # والهلع لفظ غامض من غوامض اللغة قد تساءل العلماء عنه ، قال ( الكشاف ) : ~~( وعن أحمد بن يحيى ( هو ثعلب ) قال لي محمد بن عبد الله بن طاهر : ما ~~الهلع ؟ فقلت : قد فسره الله ولا يكون تفسير أبين من تفسيره وهو الذي إذا ~~ناله شر أظهر شدة الجزع ، وإذا ناله خير بخل به ومنعه الناس ) ا ه . فسارت ~~كلمة ثعلب مسيرا أقنع كثيرا من اللغويين عن زيادة الضبط لمعنى الهلع . وهي ~~كلمة لا تخلو عن تسامح وقلة تحديد للمعنى لأنه إذا كان قول الله تعالى : { ~~إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا } تفسيرا لمدلول الجزوع ، تعين أن ~~يكون مدلول الكلمة معنى مركبا من معنيي الجملتين لتكون الجملتان تفسيرا له ~~، وظاهر أن المعنيين ليس بينهما تلازم ، وكثيرا من أيمة اللغة فسر الهلع ~~بالجزع ، أو بشدة الجزع ، أو بأفحش الجزع ، والجزع : أثر من آثار الهلع ~~وليس عينه ، فإن ذلك لا يستقيم في قول عمرو بن معد يكرب : # ما إن جزعت ولا هلعت # ولا يرد بكاي زندا # إذ عطف نفي الهلع على نفي الجزع ، ولو كان الهلع هو الجزع لم يحسن العطف ~~، ولو كان الهلع أشد الجزع كان عطف نفيه على نفي الجزع حشوا . ولذلك تكلف ~~المرزوقي في ( شرح الحماسة ) لمعنى البيت تكلفا لم يغن عنه شيئا قال : ~~فكأنه قال : ما حزنت عليه حزنا هينا قريبا ولا فظيعا شديدا ، وهذا نفي ~~للحزن رأسا كقولك : ما رأيت صغيرهم ولا كبيرهم ا ه ms8788 . # والذي استخلصته من تتبع استعمالات كلمة الهلع أن الهلع قلة إمساك النفس ~~عند اعتراء ما يحزنها أو ما يسرها أو عند توقع ذلك والإشفاقق منه . وأما ~~الجزع فمن آثار الهلع ، وقد فسر بعض أهل اللغة الهلع بالشره ، وبعضهم ~~بالضجر ، وبعضهم بالشح ، وبعضهم بالجوع ، وبعضهم بالجبن عند اللقاء . وما ~~ذكرناه في ضبطه يجمع هذه المعاني ويريك أنها آثار لصفة الهلع . ومعنى { خلق ~~هلوعا : } PageV29P167 أن الهلع طبيعة كامنة فيه مع خلقه تظهر عند ابتداء ~~شعوره بالنافع والمضار فهو من طباعه المخلوقة كغيرها من طباعه البشرية ، إذ ~~ليس في تعلق الحال بعاملها دلالة على قصر العامل عليها ، ولا في اتصاف صاحب ~~الحال بالحال دلالة على أنه لا صفة له غيرها ، وقد تكون للشيء الحالة وضدها ~~باختلاف الأزمان والدواعي ، وبذلك يستقيم تعلق النهي عن حالل مع تحقق تمكن ~~ضدها من المنهي لأن عليه أن يروض نفسه على مقاومة النقائص وإزالتها عنه ، ~~وإذ ذكر الله الهلع هنا عقب مذمة الجمع والإيعاء ، فقد أشعر بأن الإنسان ~~يستطيع أن يكف عن هلعه إذا تدبر في العواقب فيكون في قوله : { خلق هلوعا } ~~كناية بالخلق عن تمكن ذلك الخلق منه وغلبته على نفسه . # والمعنى : أن من مقتضى تركيب الإدراك البشري أن يحدث فيه الهلع . # بيان ذلك أن تركيب المدارك البشرية ركز بحكمة دقيقة تجعلها قادرة على ~~الفعل والكف ، وساعية إلى الملائم ومعرضة عن المنافر . وجعلت فيها قوى ~~متضادة الآثار يتصرف العقل والإدراك في استخدامها كما يجب في حدود المقدرة ~~البدنية التي أعطها النوع والتي أعطيها أفراد النوع ، كل ذلك ليصلح الإنسان ~~لإعمار هذا العالم الأرضي الذي جعله الله خليفة فيه ليصلحه إصلاحا يشمله ~~ويشمل من معه في هذا العالم إعدادا لصلاحيته لإعمار عالم الخلود ، ثم جعل ~~له إدراكا يميز الفرق بين آثار الموجودات وآثار أفعالها بين النافع منها ~~والضار والذي لا نفع فيه ولا ضر . وخلق فيه إلهاما يحب النافع ويكره الضار ~~، غير أن اختلاط الوصفين في بعض الأفعال وبعض الذوات قد يريه الحال النافع ~~منها ولا يريه الحال ms8789 الضار فيبتغي ما يظنه نافعا غير شاعر بما في مطاويه من ~~أضرار في العاجل والآجل ، أو شاعرا بذلك ولكن شغفه بحصول النفع العاجل يرجح ~~عنده تناوله الآن لعدم صبره على تركه مقدرا معاذير أو حيلا يقتحم بها ما ~~فيه من ضر آجل . وإن اختلاط القوى الباطنية مع حركات التفكير قد تستر عنه ~~ضر الضار ونفع النافع فلا يهتدي إلى ما ينبغي سلوكه أو تجنبه ، وقد لا تستر ~~عنه ذلك ولكنها تحدث فيه إيثارا لاتباع الضار لملاءمة فيه ولو في وقت أو ~~عند عارض ، إعراضا عن اتباع النافع لكلفة في فعله أو منافرة لوجدانه ، وذلك ~~من اشتمال تركيب قواه الباعثة والصارفة وآلاتها التي بها تعمل وتدفع على ~~شيء من التعاكس في أعمالها ، فحدثت من هذا التركيب PageV29P168 والبديع ~~صلاحية للوفاء بالتدبير الصالح المنوط بعهدة الإنسان ، وصلاحية لإفساد ذلك ~~أو بعثرته . # غير أن الله جعل للإنسان عقلا وحكمة إن هو أحسن استعمالهما نخلت صفاته ، ~~وثقفت من قناته ، ولم يخله من دعاة إلى الخير يصفون له كيف يريض جامح نفسه ~~، وكيف يوفق بين إدراكه وحسه ، وهؤلاء هم الرسل والأنبياء والحكماء . # فإذا أخبر عن الإنسان بشدة تلبسه ببعض النقائص وجعل ذلك في قالب أنه جبل ~~عليه فالمقصود من ذلك : إلقاء تبعة ذلك عليه لأنه فرط في إراضة نفسه على ما ~~فيها من جبلة الخير ، وأرخى لها العنان إلى غاية الشر ، وفرط في نصائح ~~الشرائع والحكماء . # وإذا أسند ما يأتيه الإنسان من الخير إلى الله تعالى فالمقصود : التنبيه ~~إلى نعمة الله عليه بخلق القوة الجالبة للخير فيه ، ونعمة إرشاده وإيقاظه ~~إلى الحق ، كما أشار إلى ذلك قوله تعالى : { ما أصابك من حسنة فمن الله وما ~~أصابك من سيئة فمن نفسك } ( النساء : 79 ) عقب قوله : { قل كل من عند الله ~~فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا } ( النساء : 78 ) . وفي هذا ~~المجال زلت أفهام المعتزلة ، وحلكت عليهم الأجواء ، ففكروا وقدروا ، وما ~~استطاعوا مخلصا وما قدروا . # واعلم أن كلمة ( خلق الإنسان ) إذا تعلق بها ما ليس من المواد ms8790 مثل { إنا ~~خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج } ( الإنسان : 2 ) بل كان من الأخلاق والغرائز ~~قد يعنى بها التنبيه على جبلة الإنسان وأنها تسرع إلى الاعتلاق بمشاعره عند ~~تصرفاته تعريضا بذلك لوجوب الحذر من غوائلها نحو { خلق الإنسان من عجل } ( ~~الأنبياء : 37 ) { إن الإنسان خلق هلوعا } ، وقد ترد للعذر والرفق نحو قوله ~~: { يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا } ( النساء : 28 ) ، وقد ~~ترد لبيان أصل ما فطر عليه الإنسان وما طرأ عليه من سوء تصرفه في أفعاله ~~كما في قوله تعالى : { لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل ~~سافلين } ( التين : 4 5 ) ففعل الخلق من كذا مستعار لكثرة الملابسة . قال ~~عروة بن أذينة : # إن التي زعمت فؤادك ملها # خلقت هواك كما خلقت هوى لها PageV29P169 # أراد إبطال أن يكون ملها بحجة أنها خلقت حبيبة له كما خلق محبوبها ، أي ~~إن محبته إياها لا تنفك عنه . # والهلع : صفة غير محمودة ، فوصف الإنسان هنا بها لوم عليه في تقصيره عن ~~التخلق بدفع آثارها ، ولذلك ذيل به قوله : { وجمع فأوعى } ( المعارج : 18 ) ~~على كلا معنييه . # وانتصب { جزوعا } على الحال من الضمير المستتر في { هلوعا ، } أو على ~~البدل بدل اشتمال لأن حال الهلع يشتمل على الجزع عند مس الشر . # وقوله : { منوعا } عطف على { جزوعا ، } أي خلق هلوعا في حال كونه جزوعا ~~إذا مسه الشر ، ومنوعا إذا مسه الخير . # و { الشر } : الأذى مثل المرض والفقر . # و { الخير } : ما ينفع الإنسان ويلائم رغباته مثل الصحة والغنى . # والجزوع : الشديد الجزع ، والجزع : ضد الصبر . # والمنوع : الكثير المنع ، أي شديد المنع لبذل شيء مما عنده من الخير . # و { إذا } في الموضعين ظرفان يتعلقان كل واحد بما اتصل به من وصفي { ~~جزوعا ومنوعا . # ( 22 35 ) } . PageV29P170 # استثناء منقطع ناشىء عن الوعيد المبتدأ به من قوله : { يود المجرم لو ~~يفتدي من عذاب يومئذ } ( المعارج : 11 ) الآية . # فالمعنى على الاستدراك . والتقدير : لكن المصلين الموصوفين بكيت وكيتت ~~أولئك في جنات مكرمون . # فجملة { أولئك في جنات مكرمون } حيث وقعت بعد { إلا } المنقطعة وهي بمعنى ms8791 ~~( لكن ) فلها حكم الجملة المخبر بها عن اسم ( لكن ) المشددة أو عن المبتدأ ~~الواقع بعد ( لكن ) المخففة وهو ما حققه الدماميني ، وإن كان ابن هشام رأى ~~عد الجملة بعد الاستثناء المنقطع في عداد الجمل التي لا محل لها من الإعراب ~~. # والكلام استئناف بياني لمقابلة أحوال المؤمنين بأحوال الكافرين ، ووعدهم ~~بوعيدهم على عادة القرآن في أمثال هذه المقابلة . # وهذه صفات ثمان هي من شعار المسلمين ، فعدل عن إحضارهم بوصف المسلمين إلى ~~تعداد خصال من خصالهم إطنابا في الثناء عليهم لأن مقام الثناء مقام إطناب ، ~~وتنبيها على أن كل صلة من هذه الصلات الثمان هي من أسباب الكون في الجنات . # وهذه الصفات لا يشاركهم المشركون في معظمها بالمرة ، وبعضها قد يتصف به ~~المشركون ولكنهم لا يراعونه حق مراعاته باطراد ، وذلك حفظ الأمانات والعهد ~~، فالمشرك يحفظ الأمانة والعهد اتقاء مذمة الخيانة والغدر ، ومع أحلافه دون ~~أعدائه ، والمشرك يشهد بالصدق إذا لم يكن له هوى في الكذب ، وإذا خشي أن ~~يوصم بالكذب . وقد غدر المشركون بالمسلمين في عدة حوادث ، وغدر بعضهم بعضا ~~، فلو علم المشرك أنه لا يطلع على كذبه وكان له هوى لم يؤد الشهادة . # ولما كان وصف { المصلين } غلب على المسلمين كما دل عليه قوله تعالى : { ~~ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين الآية } ( المدثر : 42 ، 43 ) ، ~~أتبع وصف المصلين في الآية هذه بوصف { الذين هم على صلاتهم دائمون } أي ~~مواظبون على صلاتهم لا يتخلفون عن أدائها ولا يتركونها . # والدوام على الشيء : عدم تركه ، وذلك في كل عمل بحسب ما يعتبر دواما فيه ~~، كما تقرر في أصول الفقه في مسألة إفادة الأمر التكرار . PageV29P171 # وفي إضافة ( صلاة ) إلى ضمير { المصلين } تنويه باختصاصها بهم ، وهذا ~~الوصف للمسلمين مقابل وصف الكافرين في قوله : { بعذاب واقع للكافرين } ( ~~المعارج : 1 ، 2 ) . # ومجيء الصلة جملة اسمية دون أن يقال : الذين يدومون ، لقصد إفادتها ~~الثبات تقوية كمفاد الدوام . # وإعادة اسم الموصول مع الصلات المعطوفة على قوله { الذين هم على صلاتهم ~~دائمون } لمزيد العناية بأصحاب تلك الصلات . # وتسمية ms8792 ما يعطونه من أموالهم من الصدقات باسم { حق } للإشارة إلى أنهم ~~جعلوا السائل والمحروم كالشركاء لهم في أموالهم من فرط رغبتهم في مواساة ~~إخوانهم إذ لم تكن الصدقة يومئذ واجبة ولم تكن الزكاة قد فرضت . # ومعنى كون الحق معلوما أنه يعلمه كل واحد منهم ويحسبونه ، ويعلمه السائل ~~والمحروم بما اعتاد منهم . # ومجيء الصلة جملة اسمية لإفادة ثبات هذه الخصلة فيهم وتمكنها منهم دفعا ~~لتوهم الشح في بعض الأحيان لما هو معروف بين غالب الناس من معاودة الشح ~~للنفوس . # والسائل : هو المستعطي ، و { المحروم } : الذي لا يسأل الناس تعففا مع ~~احتياجه فلا يتفطن له كثير من الناس فيبقى كالمحروم . # وأصل المحروم : الممنوع من مرغوبه ، وتقدم في سورة الذاريات في قوله : { ~~وفي أموالهم حق للسائل والمحروم . وهذه الصفة للمؤمنين مضادة صفة الكافرين ~~المتقدمة في قوله : وجمع فأوعى } ( المعارج : 18 ) . # والتصديق بيوم الدين هو الإيمان بوقوع البعث والجزاء ، و { الدين } : ~~الجزاء . وهذا الوصف مقابل وصف الكافرين بقوله : { إنهم يرونه بعيدا } ( ~~المعارج : 6 ) . # ولما كان التصديق من عمل القلب لم يتصور أن يكون فيه تفاوت أتي بالجملة ~~الفعلية على الأصل في صلة الموصول ، وأوثر فيها الفعل المضارع لدلالته على ~~الاستمرار . # ووصفهم بأنهم { من عذاب ربهم مشفقون } مقابل قوله في حق الكافرين { سال ~~سائل بعذاب واقع للكافرين } ( المعارج : 1 ، 2 ) لأن سؤالهم سؤال مستخف ~~بذلك ومحيله . PageV29P172 # والإشفاق : توقع حصول المكروه وأخذ الحذر منه . # وصوغ الصلة بالجملة الاسمية لتحقيق وثبات اتصافهم بهذا الإشفاق لأنه من ~~المغيبات ، فمن شأن كثير من الناس التردد فيه . # وجملة { إن عذاب ربهم غير مأمون } معترضة ، أي غير مأمون لهم ، وهذا ~~تعريض بزعم المشركين الأمن منه إذ قالوا : { وما نحن بمعذبين } ( الشعراء : ~~138 ) . ووصفهم بأنهم { لفروجهم حافظون } مقابل قوله في تهويل حال المشركين ~~يوم الجزاء بقوله : { ولا يسأل حميم حميما } ( المعارج : 10 ) إذ أخص ~~الأحماء بالرجل زوجه ، فقصد التعريض بالمشركين بأن هذا الهول خاص بهم بخلاف ~~المسلمين فإنهم هم وأزواجهم يحبرون لأنهم اتقوا الله في العفة عن غير ~~الأزواج ، قال تعالى : { الأخلاء ms8793 يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين } ( ~~الزخرف : 67 ) . # وتقدم نظير هذا في سورة المؤمنين ، أي ليس في المسلمين سفاح ولا زنا ولا ~~مخالة ولا بغاء ، ولذلك عقب بالتفريع بقوله : { فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك ~~هم العادون . # والعادي : المفسد ، أي هم الذين أفسدوا فاختلطت أنسابهم وتطرقت الشكوك ~~إلى حصانة نسائهم ، ودخلت الفوضى في نظم عائلاتهم ، ونشأت بينهم الإحن من ~~الغيرة . # وذكر رعي الأمانات والعهد لمناسبة وصف ما يود الكافر يوم الجزاء أن ~~يفتديه من العذاب بفصيلته التي تؤويه فيذهب منه رعي العهود التي يجب الوفاء ~~بها للقبيلة . وحسبك من تشويه حاله أنه قد نكث العهود التي كانت عليه لقومه ~~من الدفاع عن حقيقتهم بنفسه وكان يفديهم بنفسه ، والمسلم لما كان يرعى ~~العهد بما يمليه عليه دينه جازاه الله بأن دفع عنه خزي ودادة فدائه نفسه ~~بمواليه وأهل عهده . # والقول في اسمية الصلة كالقول في الذي قبله . # والرعي : الحفظ والحراسة . وأصله رعي الغنم والإبل . # وقرأ الجمهور لأماناتهم } بصيغة الجمع . وقرأه ابن كثير { لأمانتهم } ~~بالإفراد والمراد الجنس . PageV29P173 # وقوله : { والذين هم بشهادتهم قائمون } ذكر لمناسبة ذكر رعي الأمانات إذ ~~الشهادة من جملة الأمانات لأن حق المشهود له وديعة في حفظ الشاهد فإذا أدى ~~شهادته فكأنه أدى أمانة لصاحب الحق المشهود له كانت في حفظ الشاهد . # ولذلك كان أداء الشهادة إذا طولب به الشاهد واجبا عليه ، قال تعالى : { ~~ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } ( البقرة : 282 ) . # والقيام بالشهادة : الاهتمام بها وحفظها إلى أن تؤدى ، وهذا قيام مجازي ~~كما تقدم عند قوله تعالى : { ويقيمون الصلاة في سورة البقرة . # وباء بشهادتهم } للمصاحبة ، أي يقومون مصاحبين للشهادة ويصير معنى الباء ~~في الاستعارة معنى التعدية . # فذكر القيام بالشهادة إتمام لخصال أهل الإسلام فلا يتطلب له مقابل من ~~خصال أهل الشرك المذكورة فيما تقدم . # والقول في اسمية جملة الصلة للغرض الذي تقدم لأن أداء الشهادة يشق على ~~الناس إذ قد يكون المشهود عليه قريبا أو صديقا ، وقد تثير الشهادة على ~~المرء إحنة منه وعداوة . # وقرأ الجمهور { بشهادتهم } بصيغة الإفراد ، وهو ms8794 اسم جنس يعم جميع ~~الشهادات التي تحملوها . وقرأ حفص ويعقوب { بشهاداتهم } بصيغة الجمع . وذلك ~~على اعتبار جمع المضاف إليه . # وقوله : { والذين هم على صلاتهم يحافظون } ثناء عليهم بعنايتهم بالصلاة ~~من أن يعتريها شيء يخل بكمالها ، لأن مادة المفاعلة هنا للمبالغة في الحفظ ~~مثل : عافاه الله ، وقاتله الله ، فالمحافظة راجعة إلى استكمال أركان ~~الصلاة وشروطها وأوقاتها . وإيثار الفعل المضارع لإفادة تجدد ذلك الحفاظ ~~وعدم التهاون به ، وبذلك تعلم أن هذه الجملة ليست مجرد تأكيد لجملة { الذين ~~هم على صلاتهم دائمون } بل فيها زيادة معنى مع حصول الغرض من التأكيد ~~بإعادة ما يفيد عنايتهم بالصلاة في كلتا الجملتين . # وفي الأخبار النبوية أخبار كثيرة عن فضيلة الصلاة ، وأن الصلوات تكفر ~~PageV29P174 الذنوب كحديث ( ما يدريكم ما بلغت به صلاته ) . # وقد حصل بين أخرى هذه الصلات وبين أولاها محسن رد العجز على الصدر . # وتقديم المسند إليه على المسند الفعلي في قوله : { والذين هم على صلاتهم ~~يحافظون } يفيد تقوية الخبر مع إفادة التجدد من الفعل المضارع . # ولما أجريت عليهم هذه الصفات الجليلة أخبر عن جزائهم عليها بأنهم مكرمون ~~في الجنة . # وجيء باسم الإشارة للتنبيه على أنهم استحقوا ما بعد اسم الإشارة من أجل ~~ما سبق قبل اسم الإشارة كما تقدم في قوله تعالى : { أولئك على هدى من ربهم ~~في سورة البقرة . # والإكرام : التعظيم وحسن اللقاء ، أي هم مع جزائهم بنعيم الجنات يكرمون ~~بحسن اللقاء والثناء ، قال تعالى : والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام ~~عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار } ( الرعد : 23 ، 24 ) وقال { ورضوان من ~~الله أكبر } ( التوبة : 72 ) . # وهذا يقتضي أن يكون قوله : { في جنات } خبرا عن اسم الإشارة وقوله { ~~مكرمون } خبرا ثانيا . # ( 36 41 ) { } . # فرع استفهام إنكاري وتعجيبي من تجمع المشركين إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم مستهزئين بما يسمعون من وعد المؤمنين بالجنة ووعيد المشركين بعذاب ~~جهنم . # فرع ذلك على ما أفاده في قوله : { أولئك في جنات مكرمون } ( المعارج : 35 ~~) . # والمعنى : أن الذين كفروا لا مطمع لهم في دخول الجنة فماذا يحاولون ms8795 ~~بتجمعهم حولك بملامح استهزائهم . # وهذا وإن كان خطابا للنبيء صلى الله عليه وسلم فالمقصود به إبلاغه إليهم ~~فيما يتلو عليهم PageV29P175 من القرآن فهو موجه إليهم في المعنى كما يدل ~~عليه تنهيته بحرف الردع فهو لا يناسب أن يكون إعلاما للنبيء صلى الله عليه ~~وسلم لذلك لأنه شيء مقرر في علمه . # ومعنى { فما للذين كفروا } : أي شيء ثبت للذين كفروا في حال كونهم عندك ، ~~أو في حال إهطاعهم إليك . # وقد تقدم عند قوله تعالى : { قالوا وما لنا أن لا نقاتل في سبيل الله وقد ~~أخرجنا من ديارنا في سورة البقرة . وتركيب ما له لا يخلو من حال مفردة ، أو ~~جملة بعد الاستفهام تكون هي مصب الاستفهام . فيجوز أن تكون الحال المتوجه ~~إليها الاستفهام هنا الظرف ، أي قبلك } فيكون ظرفا مستقرا وصاحب الحال هو { ~~للذين كفروا } . ويجوز أن تكون { مهطعين ، } فيكون { قبلك } ظرفا لغوا ~~متعلقا ب { مهطعين . } وعلى كلا الوجهين هما مثار التعجيب من حالهم فأيهما ~~جعل محل التعجيب أجري الآخر المجرى اللائق به في التركيب . وكتب في المصحف ~~اللام الداخلة على { الذين } مفصولة عن مدخولها وهو رسم نادر . # والإهطاع : مد العنق عند السير كما تقدم في قوله تعالى : { مهطعين إلى ~~الداع في سورة القمر . # قال الواحدي والبغوي وابن عطية وصاحب الكشاف } : كان المشركون يجتمعون ~~حول النبي صلى الله عليه وسلم ويستمعون كلامه ويكذبونه ويستهزئون بالمؤمنين ~~، ويقولون : لئن دخل هؤلاء الجنة كما يقول محمد فلندخلنها قبلهم وليكونن ~~لنا فيها أكثر مما لهم . فأنزل الله هذه الآية . # وقبل : اسم بمعنى ( عند ) . # وتقديم الظرف على { مهطعين } للاهتمام به لأن التعجيب من حالهم في حضرة ~~النبي صلى الله عليه وسلم أقوى لما فيهم من الوقاحة . # وموقع قوله : { عن اليمين وعن الشمال } مثل موقع { قبلك } وموقع { مهطعين ~~. } والمقصود : كثرة الجهات ، أي واردين إليك . PageV29P176 # والتعريف في { اليمين } و { الشمال } تعريف الجنس أو الألف واللام عوض عن ~~المضاف إليه . # والمقصود من ذكر اليمين والشمال : الإحاطة بالجهات فاكتفي بذكر اليمين ~~والشمال ، لأنهما الجهتان اللتان يغلب حلولهما ، ومثله قول قطري ms8796 بن الفجاءة ~~: # فلقد أراني للرماح دريئة # من عن يميني مرة وأمامي # يريد : من كل جهة . # و { عزين } حال من { الذين كفروا } . و { عزين } : جمع عزة بتخفيف الزاي ~~، وهي الفرقة من الناس ، اسم بوزن فعلة . وأصله عزوة بوزن كسوة ، وليست ~~بوزن عدة . وجرى جمع عزة على الإلحاق بجمع المذكر السالم على غير قياس وهو ~~من باب سنة من كل اسم ثلاثي حذفت لامه وعوض عنها هاء التأنيث ولم يكسر مثل ~~عضة ( للقطعة ) . # وهذا التركيب في قوله تعالى : { فما للذين كفروا قبلك مهطعين } إلى قوله ~~{ جنة نعيم } يجوز أن يكون استعارة تمثيلية شبه حالهم في إسراعهم إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم بحال من يظن بهم الاجتماع لطلب الهدى والتحصيل على ~~المغفرة ليدخلوا الجنة لأن الشأن أن لا يلتف حول النبي صلى الله عليه وسلم ~~إلا طالبوا الاهتداء بهديه . # والاستفهام على هذا مستعمل في أصل معناه لأن التمثيلية تجري في مجموع ~~الكلام مع بقاء كلماته على حقائقها . # ويجوز أن يكون الكلام استفهاما مستعملا في التعجيب من حال إسراعهم ثم ~~تكذيبهم واستهزائهم . # وجملة { أيطمع كل امرىء منهم أن يدخل جنة نعيم } بدل اشتمال عن جملة { ~~فما للذين كفروا قبلك مهطعين } الآية ، لأن التفافهم حول النبي صلى الله ~~عليه وسلم شأنه أن يكون لطلب الهدى والنجاة فشبه حالهم بحال طالبي النجاة ~~والهدى فأورد استفهام عليه . # وحكى المفسرون أن المشركين قالوا مستهزئين : نحن ندخل الجنة قبل المسلمين ~~، فجاز أن يكون الاستفهام إنكارا لتظاهرهم بالطمع في الجنة بحمل استهزائهم ~~على خلاف مرادهم على طريقة الأسلوب الحكيم ، أو بالتعبير بفعل PageV29P177 ~~{ يطمع } عن التظاهر بالطمع كما في قوله تعالى : { يحذر المنافقون أن تنزل ~~عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم } ( التوبة : 64 ) أي يتظاهرون بأنهم ~~يحذرون . # وأسند الطمع إلى { كل امرىء منهم } دون أن يقال : أيطمعون أن يدخلوا ~~الجنة ، تصويرا لحالهم بأنها حال جماعة يريد كل واحد منهم أن يدخل الجنة ~~لتساويهم ، يرون أنفسهم سواء في ذلك ، ففي قوله : { كل امرىء منهم } تقوية ~~التهكم بهم . # ثم بني على التهكم ms8797 ما يبطل ما فرض لحالهم بما بني عليه التمثيل التهكمي ~~بكلمة الردع وهي { كلا } أي لا يكون ذلك . وذلك انتقال من المجاز إلى ~~الحقيقة ومن التهكم بهم إلى توبيخهم دفعا لتوهم من يتوهم أن الكلام السابق ~~لم يكن تهكما . # وهنا تم الكلام على إثبات الجزاء . # { لله } . # كلام مستأنف استئنافا ابتدائيا للانتقال من إثبات الجزاء إلى الاحتجاج ~~على إمكان البعث إبطالا لشبهتهم الباعثة على إنكاره ، وهو الإنكار الذي ذكر ~~إجمالا بقوله المتقدم آنفا { إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا } ( االمعارج : ~~6 ، 7 ) فاحتج عليهم بالنشأة الأولى ، كما قال تعالى : { ولقد علمتم النشأة ~~الأولى فلولا تذكرون } ( الواقعة : 62 ) فالخبر بقوله : { إنا خلقناهم مما ~~يعلمون } مستعمل في لازم معناه وهو إثبات إعادة خلقهم بعد فنائهم . # فهذا من تمام الخطاب الموجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم والمقصود منه ~~أن يبلغ إلى أسماع المشركين كما تقدم آنفا . # والمعنى : أنا خلقنا الإنسان من نطفة حتى صارت إنسانا عاقلا مناظرا فكذلك ~~نعيد خلقه بكيفية لا يعلمونها . # فما صدق ( ما يعلمون ) هو ما يعلمه كل أحد من أنه كون في بطن أمه من نطفة ~~وعلقة ، ولكنهم علموا هذه النشاة الأولى فألهاهم التعود بها عن التدبر في ~~دلالتها على إمكان إعادة المكون منها بتكوين آخر . PageV29P178 # وعدل عن أن يقال : إنا خلقناهم من نطفة ، كما قال في آيات أخرى { إنا ~~خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج } ( الإنسان : 2 ) وقال : { أو لم ير الإنسان ~~أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي ~~العظام وهي رميم } ( يس : 77 ، 78 ) وغيرها من آيات كثيرة ، عدل عن ذلك إلى ~~الموصول في قوله : { مما يعلمون } توجيها للتهكم بهم إذ جادلوا وعاندوا ، ~~وعلم ما جادلوا فيه قائم بأنفسهم وهم لا يشعرون ، ومنه قوله تعالى : { ولقد ~~علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون } ( الواقعة : 62 ) . وكان في قوله تعالى ~~: { مما يعلمون } إيماء إلى أنهم يخلقون الخلق الثاني { مما لا يعلمون كما ~~قال في الآية الأخرى سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت ms8798 الأرض ومن ~~أنفسهم ومما لا يعلمون } ( يس : 36 ) وقال : { وننشئكم فيما لا تعلمون } ( ~~الواقعة : 61 ) فكان في الخلق الأول سر لا يعلمونه . # ومجيء { إنا خلقناهم } موكدا بحرف التأكيد لتنزيلهم فيما صدر منهم من ~~الشبهة الباطلة منزلة من لا يعلمون أنهم خلقوا من نطفة وكانوا معدومين ، ~~فكيف أحالوا إعادة خلقهم بعد أن عدم بعض أجزائهم وبقي بعضها ثم أتبع هذه ~~الكناية عن إمكان إعادة الخلق بالتصريح بذلك بقوله : { فلا أقسم برب ~~المشارق والمغارب إنا لقادرون على أن نبدل خيرا منهم } مفرعا على قوله : { ~~إنا خلقناهم مما يعلمون } والتقدير : فإنا لقادرون الآية . # وجملة ( لا أقسم برب المشارق ) الخ معترضة بين الفاء وما عطفته . # والقسم بالله بعنوان ربوبيته المشارق والمغارب معناه : ربوبيته العالم ~~كله لأن العالم منحصر في جهات شروق الشمس وغروبها . # وجمع { المشارق والمغارب } باعتبار تعدد مطالع الشمس ومغاربها في فصول ~~السنة فإن ذلك مظهر عجيب من مظاهر القدرة الإلهية والحكمة الربانية لدلالته ~~على عظيم صنع الله من حيث إنه دال على الحركات الحافة بالشمس التي هي من ~~عظيم المخلوقات ، ولذلك لم يذكر في القرآن قسم بجهة غير المشرق والمغرب دون ~~الشمال والجنوب مع أن الشمال والجنوب جهتان مشهورتان عند العرب ، أقسم الله ~~به على سنة أقسام القرآن . # وفي إيثار { المشارق والمغارب } بالقسم بربها رعي لمناسبة طلوع الشمس بعد ~~غروبها لتمثيل الإحياء بعد الموت . PageV29P179 # وتقدم القول في دخول حرف النفي مع ( لا أقسم ) عند قوله : { فلا أقسم بما ~~تبصرون وما لا تبصرون في سورة الحاقة ( 38 ، 39 ) ، وقوله : فلا أقسم ~~بمواقع النجوم في سورة الواقعة . # وقوله : على أن نبدل خيرا منهم } يحتمل معنيين : أولهما وهو المناسب ~~للسياق أن يكون المعنى على أن نبدلهم خيرا منهم ، أي نبدل ذواتهم خلقا خيرا ~~من خلقهم الذي هم عليه اليوم . والخيرية في الإتقان والسرعة ونحوهما وإنما ~~كان خلقا أتقن من النشأة الأولى لأنه خلق مناسب لعالم الخلود ، وكان الخلق ~~الأول مناسبا لعالم التغير والفناء ، وعلى هذا الوجه يكون { نبدل } مضمنا ~~معنى : نعوض ، ويكون المفعول الأول ل ms8799 { نبدل } ضميرا مثل ضمير { منهم } أي ~~نبدلهم والمفعول الثاني { خيرا منهم } . # و ( من ) تفضيلية ، أي خيرا في الخلقة ، والتفضيل باعتبار اختلاف زماني ~~الخلق الأول والخلق الثاني ، أو اختلافف عالميهما . # والمعنى الثاني : أن نبدل هؤلاء بخير منهم ، أي بأمة خير منهم ، والخيرية ~~في الإيمان ، فيكون { نبدل } على أصل معناه ، ويكون مفعوله محذوفا مثل ما ~~في المعنى الأول ، ويكون { خيرا } منصوبا على نزع الخافض وهو باء البدلية ~~كقوله تعالى : { أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير } ( البقرة : 61 ) ، ~~ويكون هذا تهديدا لهم بأن سيستأصلهم ويأتي بقوم آخرين كما قال تعالى : { إن ~~يشا يذهبكم ويأتت بخلق جديد } ( فاطر : 16 ) وقوله : { وإن تتولوا يستبدل ~~قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم } ( محمد : 38 ) . # وفي هذا تثبيت للنبيء صلى الله عليه وسلم وتذكير بأن الله عالم بحالهم . # وذيل بقوله : { وما نحن بمسبوقين ، } والمسبوق مستعار للمغلوب عن أمره ، ~~شبه بالمسبوق في الحلبة ، أو بالمسبوق في السير ، وقد تقدم في قوله تعالى : ~~{ أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون } ( العنكبوت : 4 ~~) ، ومنه قول مرة بن عداء الفقعسي : # كأنك لم تسبق من الدهر مرة # إذا أنت أدركت الذي كنت تطلب # يريد : كأنك لم تغلب إذا تداركت أمرك وأدركت طلبتك . PageV29P180 # و { على أن نبدل خيرا منهم } متعلق ب { مسبوقين ، } أي ما نحن بعاجزين ~~على ذلك التبديل بأمثالكم كما قال في سورة الواقعة إنا لقادرون { على أن ~~نبدل أمثالكم . # ( 42 44 ) } . # تفريع على ما تضمنه قوله : { فما للذين كفروا قبلك مهطعين } ( المعارج : ~~36 ) من إرادتهم بفعلهم ذلك وقولهم : إننا ندخل الجنة ، الاستهزاء بالقرآن ~~والنبي صلى الله عليه وسلم وبعد إبطاله إجمالا وتفصيلا فرع عن ذلك أمر الله ~~رسوله بتركهم للعلم بأنهم لم يجد فيهم الهدي والاستدلال وأنهم مصرون على ~~العناد والمناواة . # ومعنى الأمر بالترك في قوله : { فذرهم } أنه أمر بترك ما أهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم من عنادهم وإصرارهم على الكفر مع وضوح الحجج على إثبات ~~البعث ولما كان أكبر أسباب إعراضهم وإصرارهم على كفرهم هو خوضهم ms8800 ولعبهم كني ~~به عن الإعراض بقوله : { يخوضوا ويلعبوا . # فجملة يخوضوا } وجملة { ويلعبوا } حالان من الضمير الظاهر في قوله : { ~~فذرهم } . وتلك الحال قيد للأمر في قوله : { فذرهم } . والتقدير : فذر ~~خوضهم ولعبهم ولا تحزن لعنادهم وإصرارهم . # وتعدية فعل ( ذر ) إلى ضميرهم من قبيل توجه الفعل إلى الذات . والمراد ~~توجهه إلى بعض أحوالها التي لها اختصاص بذلك الفعل ، مثل قوله تعالى : { ~~حرمت عليكم الميتة } ( المائدة : 3 ) أي حرم عليكم أكلها ، وقوله : { وأن ~~تجمعوا بين الأختين } ( النساء : 23 ) أي أن تجمعوهما معا في عصمة نكاحح ~~والاعتماد في هذا على قرينة السياق كما في الآيتين المذكورتين وقوله تعالى ~~: { فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون في سورة الطور ، أو على ذكر ما ~~يدل على حالة خاصة مثل قوله : يخوضوا ويلعبوا } في هذه الآية ، فقد يكون ~~المقدر مختلفا كما في قوله تعالى : { إنما PageV29P181 الخمر والميسر ~~والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه } ( المائدة : 90 ) إذ ~~التقدير : فاجتنبوا شرب الخمر والتقامر بالميسر وعبادة الأنصاب والاستقسام ~~بالأزلام . } # وهذا الاستعمال هو المعنون في أصول الفقه بإضافة التحليل والتحريم إلى ~~الأعيان ، أو إسناد التحريم والتحليل إلى الأعيان ، ولوضوح دلالة ذلك على ~~المراد لم يعده جمهور علماء الأصول من قبيل المجمل خلافا للكرخي وبعض ~~الشافعية . # وقد يتوسل من الأمر بالترك إلى الكناية عن التحقير وقلة الاكتراث كقول ~~كبشة أختت عمرو بن معديكرب تلهب أخاها عمرا للأخذ بثأر أخيه عبد الله وكان ~~قد قتل : # ودع عنك عمرا ان عمرا مسالم # وهل بطن عمرو غير شبر لمطعم # وما في هذه الآية من ذلك الأسلوب أي لا تكترث بهم فإنهم دون أن تصرف همتك ~~في شأنهم مثل قوله تعالى : { فلا تذهب نفسك عليهم حسرات } ( فاطر : 8 ) . # وبهذا تعلم أن قوله تعالى : { فذرهم } لا علاقة له بحكم القتال ، ولا هو ~~من الموادعة ولا هو منسوخ بآيات السيف كما توهمه بعض المفسرين . # والخوض : الكلام الكثير ، والمراد خوضهم في القرآن وشأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم والمسلمين . # واللعب : الهزل والهزء وهو لعبهم في تلقي الدعوة الإسلامية وخروجهم ms8801 عن ~~حدود التعقل والجد في الأمر لاستطارة رشدهم حسدا وغيظا وحنقا . # وجزم { يخوضوا ويلعبوا } في جواب الأمر للمبالغة في ارتباط خوضهم ولعبهم ~~بقلة الاكتراث بهم إذ مقتضى جزمه في الجواب أن يقدر : أن تذرهم يخوضوا ~~ويلعبوا ، أي يستمروا في خوضهم ولعبهم وذلك لا يضيرك ، ومثل هذا الجزم كثير ~~نحو { قل للذين ءامنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ليجزي قوما بما ~~كانوا يكسبون } ( الجاثية : 14 ) ونحو { وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن } ~~( الإسراء : 53 ) . وبعض المفسرين والنحويين يجعل أمثاله مجزوما بلام الأمر ~~مقدرة على أن ذلك مقول القول وهو يفيت نكتة المبالغة . PageV29P182 # و { حتى } متعلقة ب ( ذرهم ) لما فيه من معنى ، أمهلهم وانتظرهم ، فإن ~~اليوم الذي وعدوه هو يوم النشور حين يجازون على استهزائهم وكفرهم ، فلا ~~يكون غاية ل { يخوضوا ويلعبوا } والغاية هنا كناية عن دوام تركهم . # وإضافة ( يوم ) إلى ضميرهم لأدنى ملابسة . # وقرأ الجمهور { يلاقوا } بألف بعد اللام من الملاقاة . وقرأه أبو جعفر ~~بدون ألف من اللقاء . # واللقاء : مجاز على كل تقدير : فعلى قراءة الجمهور هو مجاز من جهتين لأن ~~اليوم لا يلقى ولا يلقى . وعلى قراءة أبي جعفر هو مجاز من جهة واحدة لأن ~~اللقاء إنما يقع بين الذوات . # و { يوم يخرجون من الأجداث } بدل من { يومهم } ليس ظرفا . # والخروج : بروز أجسادهم من الأرض . # وقرأ الجمهور { يخرجون } بفتح التحتية على البناء للفاعل . وقرأه أبو بكر ~~عن عاصم بضمها على البناء للمفعول . # و { الأجداث } : جمع جدث بفتحتين وهو القبر ، والقبر : حفير يجعل لمواراة ~~الميت . # وضمير { يخرجون } عائد إلى المشركين المخبر عنه بالأخبار السابقة . ~~وجميعهم قد دفنوا في قبور أو وضعوا في قليب بدر . # والنصب بفتح فسكون : الصنم ، ويقال : نصب بضمتين ، ووجه تسميته نصبا أنه ~~ينصب للعبادة ، قال الأعشى : # وذا النصب المنصوب لا تنسكنه # ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا # و { يوفضون } مضارع أوفض ، إذا أسرع وعدا في سيره ، أي كأنهم ذاهبون إلى ~~صنم ، شبه إسراعهم يوم القيامة إلى الحشر بإسراعهم في الدنيا إلى الأصنام ~~لزيارتها لأن لهذا الإسراع اختصاصا بهم ms8802 ، وفي هذا التشبيه إدماج لتفظيع ~~حالهم في عبادة الأصنام وإيماء إلى أن إسراعهم يوم القيامة إسراع دع ، ودفع ~~جزاء على إسراعهم للأصنام . PageV29P183 # وقرأ الجمهور { نصب } بفتح النون وسكون الصاد . وقرأه ابن عامر وحفص عن ~~عاصم بضم النون والصاد . # وخشوع الأبصار استعارة للنظر إلى أسفل من الذل ، كما قال تعالى : { ~~ينظرون من طرف خفي } ( الشورى : 45 ) وقال : { خشعا أبصارهم يخرجون من ~~الأجداث كأنهم جراد منتشر } ( القمر : 7 ) . وأصل الخشوع : ظهور الطاعة أو ~~المخافة على الإنسان . # والرهق : الغشيان ، أي التغطية بساتر ، وهو استعارة هنا لأن الذلة لا ~~تغشى . # وجملة { ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون } فذلكة لما تضمنته السورة في أول ~~أغراضها من قوله : { بعذاب واقع إلى قوله : في يوم كان مقداره الآيات } ( ~~المعارج : 1 4 ) ، وهي مفيدة مع ذلك تأكيد جملة { حتى يلاقوا يومهم الذي ~~يوعدون . } وفيها محسن رد العجز على الصدر . # PageV29P184 # | 1 ( سورة نوح ) 1 # بهذا الاسم سميت هذه السورة في المصاحف وكتب التفسير ، وترجمها البخاري ~~في كتاب التفسير من ( صحيحه ) بترجمة ( سورة إنا أرسلنا نوحا ) . ولعل ذلك ~~كان الشائع في كلام السلف ولم يترجم لها الترمذي في ( جامعه ) . # وهي مكية بالاتفاق . # وقد عدت الثالثة والسبعين في ترتيب نزول السور ، نزلت بعد نزول أربعين ~~آية من سورة النحل وقبل سورة الطور . # وعد العادون بالمدينة ومكة آيها ثلاثين آية ، وعدها أهل البصرة والشام ~~تسعا وعشرين آية ، وعدها أهل الكوفة ثمانا وعشرين آية . # أغراضها # أعظم مقاصد السورة ضرب المثل للمشركين بقوم نوح وهم أول المشركين ~~PageV29P185 الذين سلط عليهم عقاب في الدنيا ، وهو أعظم عقاب أعني الطوفان ~~. وفي ذلك تمثيل لحال النبي صلى الله عليه وسلم مع قومه بحالهم . # $ 2 ( { إنآ أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب ~~أليم * قال ياقوم إنى لكم نذير مبين * أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون * ~~يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى إن أجل الله إذا جآء لا يؤخر لو ~~كنتم تعلمون * قال رب إنى دعوت قومى ليلا ونهارا * فلم يزدهم دعآئى & # 1764 ms8803 إلا فرارا * وإنى كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلو & # 1764 ا أصابعهم فى & # 1764 ءاذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا * ثم إنى دعوتهم ~~جهارا * ثم إنى & # 1764 أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا * فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا * ~~يرسل السمآء عليكم مدرارا * ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم ~~أنهارا * ما لكم لا ترجون لله وقارا * وقد خلقكم أطوارا * ألم تروا كيف خلق ~~الله سبع سماوات طباقا * وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا * والله ~~أنبتكم من الارض نباتا * ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا * والله جعل لكم ~~الارض بساطا * لتسلكوا منها سبلا فجاجا * قال نوح رب إنهم عصونى واتبعوا من ~~لم يزده ماله وولده إلا خسارا * ومكروا مكرا كبارا * وقالوا لا تذرن ~~ءالهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا * وقد أضلوا كثيرا ~~ولا تزد الظالمين إلا ضلالا * مما خطي & # 1764 ئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا * وقال ~~نوح رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا * إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا ~~يلدو & # 1764 ا إلا فاجرا كفارا * رب اغفر لى ولوالدى ولمن دخل بيتى مؤمنا ~~وللمؤمنين والمؤمنات ولا تزد الظالمين إلا تبارا } ) 2 $ وفيها تفصيل كثير ~~من دعوة نوح عليه السلام إلى توحيد الله ونبذ عبادة الأصنام وإنذاره قومه ~~بعذاب أليم واستدلاله لهم ببدائع صنع الله تعالى وتذكيرهم بيوم البعث . # وتصميم قومه على عصيانه وعلى تصلبهم في شركهم . # وتسمية الأصنام التي كانوا يعبدونها . # ودعوة نوح على قومه بالاستئصال . # وأشارت إلى الطوفان . # ودعاء نوح بالمغفرة له وللمؤمنين ، وبالتبار للكافرين كلهم . # وتخلل ذلك إدماج وعد المطيعين بسعة الأرزاق وإكثار النسل ونعيم الجنة . # . # افتتاح الكلام بالتوكيد للاهتمام بالخبر إذ ليس المقام لرد إنكار منكر ، ~~ولا دفع شك عن متردد في هذا الكلام . وكثيرا ما يفتتح بلغاء العرب أول ~~الكلام بحرف التوكيد لهذا الغرض وربما جعلوا ( إن ) داخلة على ضمير الشأن ~~في نحو قوله تعالى : { إنه من سليمان وإنه باسم الله الرحمن الرحيم أن لا ms8804 ~~تعلوا علي الآية } ( النمل : 30 ، 31 ) . # وذكر نوح عليه السلام مضى في سورة آل عمران . وتقدم أن هذا الاسم غير ~~عربي ، وأنه غير مشتق من مادة النوح . # و { أن أنذر قومك } إلى آخره هو مضمون ما أرسل به نوح إلى قومه ، ف { أن ~~} تفسيرية لأنها وقعت بعد { أرسلنا } . وفيه معنى القول دون حروفه . ومعنى ~~{ من قبل أن يأتيهم عذاب أليم } أنه يخوفهم غضب الله تعالى عليهم إذ عبدوا ~~الأصنام ولم يتقوا الله ولم يطيعوا ما جاءهم به رسوله ، فأمره الله أن ~~ينذرهم عذابا يأتيهم من الله ليكون إنذاره مقدما على حلول العذاب . وهذا ~~يقتضي أنه أمر PageV29P186 بأن يعلمهم بهذا العذاب ، وأن الله وقته بمدة ~~بقائهم على الشرك بعد إبلاغ نوح إليهم ما أرسل به في مدة يقع الإبلاغ في ~~مثلها ، فحذف متعلق فعل { أنذر } لدلالة ما يأتي بعده من قوله : { أن ~~اعبدوا الله واتقوه وأطيعون } ( نوح : 3 ) . # وحرف { من } زائد للتوكيد ، أي قبل أن يأتيهم عذاب فهي قبلية مؤكدة ~~وتأكيدها باعتبار تحقيق ما أضيف إليه { قبل } . # و ( قوم نوح ) هم الناس الذين كانوا عامرين الأرض يومئذ ، إذ لا يوجد ~~غيرهم على الأرض كما هو ظاهر حديث الشفاعة وذلك صريح ما في التوراة . # والقوم : الجماعة من الناس الذين يجمعهم موطن واحد أو نسب واحد برجالهم ~~ونسائهم وأطفالهم . # وإضافة ( قوم ) إلى ضمير { نوح } لأنه أرسل إليهم فلهم مزيد اختصاص به ، ~~ولأنه واحد منهم وهم بين أبناء له وأنسباء فإضافتهم إلى ضميره تعريف لهم إذ ~~لم يكن لهم اسم خاص من أسماء الأمم الواقعة من بعد . # وعدل عن أن يقال له : أنذر الناس إلى قوله : { أنذر قومك } إلهابا لنفس ~~نوح ليكون شديد الحرص على ما فيه نجاتهم من العذاب ، فإن فيهم أبناءه ~~وقرابته وأحبته ، وهم عدد تكون بالتوالد في بني آدم في مدة ستمائة سنة من ~~حلول جنس الإنسان على الأرض . ولعل عددهم يوم أرسل إليهم نوح لا يتجاوز ~~بضعة آلاف . # ( 2 4 ) . # . # لم تعطف جملة { قال يا قوم } بالفاء التفريعية على جملة ms8805 { أرسلنا نوحا ~~إلى قومه } ( نوح : 1 ) لأنها في معنى البيان لجملة { أنذر قومك } ( نوح : ~~1 ) لدلالتها على أنه أنذر قومه بما أمره الله أن يقوله لهم ، وإنما أدمج ~~فيه فعل قول نوح للدلالة على أنه أمر أن يقول فقال ، تنبيها على مبادرة نوح ~~لإنذار قومه في حين يلوغ الوحي إليه من الله بأن ينذر قومه . PageV29P187 # ولك أن تجعلها استئنافا بيانيا لجواب سؤال السامع أن يسأل ماذا فعل نوح ~~حين أرسل الله إليه { أن أنذر قومك ، وهما متقاربان . # وافتتاح دعوته قومه بالنداء لطلب إقبال أذهانهم ونداؤهم بعنوان : أنهم ~~قومه ، تمهيد لقبول نصحه إذ لا يريد الرجل لقومه إلا ما يريد لنفسه . ~~وتصدير دعوته بحرف التوكيد لأن المخاطبين يترددون في الخبر . # والنذير : المنذر غير جار على القياس ، وهو مثل بشير ، ومثل حكيم بمعنى ~~محكم ، وأليم بمعنى مؤلم ، وسميع بمعنى مسمع ، في قول عمرو بن معديكرب : # أمن ريحانة الداعي السميع # وقد تقدم في أول سورة البقرة عند قوله : ولهم عذاب أليم . وحذف متعلق ~~نذير } لدلالة قوله : { أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون } عليه . والتقدير : ~~إني لكم نذير بعذاب أليم إن لم تعبدوا الله ولم تتقوه ولم تطيعوني . # والمبين : يجوز أن يكون من أبان المتعدي الذي مجرده بان ، أي موضح أو من ~~أبان القاصر ، الذي هو مرادف بان المجرد ، أي نذير واضح لكم أني نذير ، ~~لأني لا أجتني من دعوتكم فائدة من متاع الدنيا وإنما فائدة ذلك لكم ، وهذا ~~مثل قوله في سورة الشعراء ( 109 ، 110 ) { وما أسألكم عليه من أجر إن أجري ~~إلا على رب العالمين فاتقوا الله وأطيعون . # وتقديم لكم } على عامله وهو { نذير } للاهتمام بتقديم ما دلت عليه اللام ~~من كون النذارة لفائدتهم لا لفائدته . # فجمع في صدر دعوته خمسة مؤكدات ، وهي : النداء وجعل المنادى لفظ { يا قوم ~~} المضاف إلى ضميره ، وافتتاح كلامه بحرف التأكيد ، واجتلاب لام التعليل ، ~~وتقديم مجرورها . # و { أن } في { أن اعبدوا } تفسيرية لأن وصف { نذير } فيه معنى القول دون ~~حروفه ، وأمرهم بعبادة الله لأنهم أعرضوا عنها ونسوها بالتمحض ms8806 لأصنامهم ، ~~وكان قوم نوح مشركين كما دل عليه قوله تعالى في سورة يونس { فأجمعوا أمركم ~~وشركاءكم وبذلك كان تمثيل حال المشركين من العرب بحال قوم نوح تمثيلا تاما ~~. PageV29P188 # واتقاء الله اتقاء غضبه ، فهذا من تعليق الحكم باسم الذات . والمراد : ~~حال من أحوال الذات من باب حرمت عليكم الميتة } ( المائدة : 3 ) أي أكلها ، ~~أي بأن يعلموا أنه لا يرضى لعباده الكفر به . وطاعتهم لنوح هي امتثالهم لما ~~دعاهم إليه من التوحيد وقد قال المفسرون : لم يكن في شريعة نوح إلا الدعوة ~~إلى التوحيد فليس في شريعته أعمال تطلب الطاعة فيها ، لكن لم تخل شريعة ~~إلاهية من تحريم الفواحش مثل قتل الأنفس وسلب الأموال ، فقوله : { يغفر لكم ~~من ذنوبكم } ينصرف بادىء ذي بدء إلى ذنوب الإشراك اعتقادا وسجودا . # وجزم { يغفر لكم من ذنوبكم } في جواب الأوامر الثلاثة { اعبدوا الله ~~واتقوه وأطيعون ، } أي إن تفعلوا ذلك يغفر الله لكم من ذنوبكم . وهذا وعد ~~بخير الآخرة . # وحرف { من } زائد للتوكيد ، وهذا من زيادة { من } في الإيجاب على رأي ~~كثير من أيمة النحو مثل الأخفش وأبي علي الفارسي وابن جني من البصريين وهو ~~قول الكسائي وجميعع نحاة الكوفة . فيفيد أن الإيمان يجب ما قبله في شريعة ~~نوح مثل شريعة الإسلام . # ويجوز أن تكون { من } للتبعيض ، عند من أثبت ذلك وهو اختيار التفتزاني ، ~~أي يغفر لكم بعض ذنوبكم ، أي ذنوب الإشراك وما معه ، فيكون الإيمان في شرع ~~نوح لا يقتضي مغفرة جميع الذنوب السابقة ، وليس يلزم تماثل الشرائع في جميع ~~الأحكام الفرعية ، ومغفرة الذنوب من تفاريع الدين وليست من أصوله . وقال ~~ابن عطية : معنى التبعيض : مغفرة الذنوب السابقة دون ما يذنبون من بعد . ~~وهذا يتم ويحسن إذا قدرنا أن شريعة نوح تشتمل على أوامر ومنهيات عملية ~~فيكون ذكر { من } التبعيضية اقتصادا في الكلام بالقدر المحقق . # وأما قوله : { ويؤخركم إلى أجل مسمى } فهو وعد بخير دنيوي يستوي الناس في ~~رغبته ، وهو طول البقاء فإنه من النعم العظيمة لأن في جبلة الإنسان حب ~~البقاء في الحياة على ما ms8807 في الحياة من عوارض ومكدرات . وهذا ناموس جعله ~~الله تعالى في جبلة الإنسان لتجري أعمال الناس على ما يعين على حفظ النوع . ~~قال المعري : # وكل يريد العيش والعيش حتفه # ويستعذب اللذاتت وهي سمام # والتأخير : ضد التعجيل ، وقد أطلق التأخير على التمديد والتوسيع في أجل ~~الشيء . PageV29P189 # وقد أشعر وعده إياهم بالتأخير أنه تأخير مجموعهم ، أي مجموع قومه لأنه ~~جعل جزاء لكل من عبد الله منهم واتقاه وأطاع الرسول ، فدل على أنه أنذرهم ~~في خلال ذلك باستئصال القوم كلهم ، وأنهم كانوا على علم بذلك كما أشار إليه ~~قوله : { أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم } ( نوح : 1 ) كما تقدم ~~آنفا ، وكما يفسره قوله تعالى في سورة هود { ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ ~~من قومه سخروا منه أي سخروا من الأمر الذي يصنع الفلك للوقاية منه وهو أمر ~~الطوفان ، فتعين أن التأخير المراد هنا هو عدم استئصالهم . والمعنى : ويؤخر ~~القوم كلهم إلى أجل مسمى وهو آجال إشخاصهم وهي متفاوتة . # والأجل المسمى : هو الأجل المعين بتقدير الله عند خلقة كل أحد منهم ، ~~فالتنوين في أجل } للنوعية ، أي الجنس ، وهو صادق على آجال متعددة بعدد ~~أصحابها كما قال تعالى : { ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر } ( ~~الحج : 5 ) . # ومعنى { مسمى } أنه محدد معين وهو ما في قوله تعالى : { وأجل مسمى عنده ~~في سورة الأنعام . # فالأجل المسمى : هو عمر كل واحد ، المعين له في ساعة خلقه المشار إليه في ~~الحديث أن الملك يؤمر بكتب أجل المخلوق عندما ينفخ فيه الروح ، واستعيرت ~~التسمية للتعيين لشبه عدم الاختلاط بين أصحاب الآجال . # والمعنى : ويؤخركم فلا يعجل بإهلاككم جميعا فيؤخر كل أحد إلى أجله المعين ~~له على تفاوت آجالهم . # فمعنى هذه الآية نظير معنى آية سورة هود وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه ~~يمتعكم متاعا حسنا إلى أجلل مسمى وهي على لسان محمد . # } . # يحتمل أن تكون هذه الجملة تعليلا لقوله : { ويؤخركم إلى أجل مسمى ، } أي ~~تعليلا للربط الذي بين الأمر وجزائه من قوله : { أن اعبدوا ms8808 الله } إلى قوله ~~: { ويؤخركم } الخ لأن الربط بين الأمر وجوابه يعطي بمفهومه معنى : إن لا ~~تعبدوا الله ولا تتقوه ولا تطيعوني لا يغفر لكم ولا يؤخركم إلى أجل مسمى ، ~~فعلل هذا PageV29P190 الربط والتلازم بين هذا الشرط المقدر وبين جزائه ~~بجملة { إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر } ، أي أن الوقت الذي عينه الله لحلول ~~العذاب بكم إن لم تعبدوه ولم تطيعون إذا جاء إبانه باستمراركم على الشرك لا ~~ينفعكم الإيمان ساعتئذ ، كما قال تعالى : { فلولا كانت قرية آمنت فنفعها ~~إيمانها إلا قوم يونس لما ءامنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ~~ومتعناهم إلى حين } ( يونس : 98 ) ، فيكون هذا حثا على التعجيل بعبادة الله ~~وتقواه . # فالأجل الذي في قوله : { إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر } غير الأجل الذي ~~في قوله : { ويؤخركم إلى أجلل مسمى } ويناسب ذلك قوله عقبه { لو كنتم ~~تعلمون } المقتضي أنهم لا يعلمون هذه الحقيقة المتعلقة بآجال الأمم المعينة ~~لاستئصالهم ، وأما عدم تأخير آجال الأعمار عند حلولها فمعلوم للناس مشهور ~~في كلام الأولين . وفي إضافة { أجل } إلى اسم الجلالة في قوله : { إن أجل ~~الله إذا جاء لا يؤخر } إيماء إلى أنه ليس الأجل المعتاد بل هو أجل عينه ~~الله للقوم إنذارا لهم ليؤمنوا بالله . ويحتمل أن تكون الجملة استئنافا ~~بيانيا ناشئا عن تحديد غاية تأخيرهم إلى أجل مسمى ، أي دون تأخيرهم تأخيرا ~~مستمرا فيسأل السامع في نفسه عن علة تنهية تأخيرهم بأجل آخر فيكون أجل الله ~~غير الأجل الذي في قوله : { إلى أجل مسمى . # ويحتمل أن تكون الجملة تعليلا لكلا الأجلين : الأجل المفاد من قوله : من ~~قبل أن يأتيهم عذاب أليم } ( نوح : 1 ) فإن لفظ { قبل } يؤذن بأن العذاب ~~موقت بوقت غير بعيد فله أجل مبهم غير بعيد ، والأجل المذكور بقوله : { ~~ويؤخركم إلى أجل مسمى } فيكون أجل الله صادقا على الأجل المسمى وهو أجل كل ~~نفس من القوم . # وإضافته إلى الله إضافة كشف ، أي الأجل الذي عينه الله وقدره لكل أحد . # وبهذا تعلم أنه لا تعارض بين ms8809 قوله : { ويؤخركم إلى أجل مسمى } وبين قوله ~~: { إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر } إما لاختلاف المراد بلفظي ( الأجل ) في ~~قوله : { إلى أجل مسمى } وقوله : { إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر ، } وإما ~~لاختلاف معنيي المجيء ومعنيي التأخير في قوله : { إذا جاء لا يؤخر } فانفكت ~~جهة التعارض . PageV29P191 # أما مسألة تأخير الآجال والزيادة في الأعمار والنقص منها وتوحيد الأجل ~~عندنا واضطراب أقوال المعتزلة في هل للإنسان أجل واحد أو أجلان فتلك قضية ~~أخرى ترتبط بأصلين : أصل العلم الإلاهي بما سيكون ، وأصل تقدير الله ~~للأسباب وترتب مسبباتها عليها . # فأما ما في علم الله فلا يتغير قال تعالى : { وما يعمر من معمر ولا ينقص ~~من عمره إلا في كتاب } ( فاطر : 11 ) أي في علم الله ، والناس لا يطلعون ~~على ما في علم الله . # وأما وجود الأسباب كلها كأسباب الحياة ، وترتب مسبباتها عليها فيتغير ~~بإيجاد الله مغيراتت لم تكن موجودة إكراما لبعض عباده أو إهانة لبعض آخر . ~~وفي الحديث صدقة المرء المسلم تزيد في العمر . وهو حديث حسن مقبول . وعن ~~علي عن النبي صلى الله عليه وسلم من سره أن يمد في عمره فليتق الله وليصل ~~رحمه . وسنده جيد . فآجال الأعمار المحددة بالزمان أو بمقدار قوة الأعضاء ~~وتناسب حركاتها قابلة للزيادة والنقص . وآجال العقوبات الإلاهية المحددة ~~بحصول الأعمال المعاقب عليها بوقت قصير أو فيه مهلة غير قابلة للتأخير وهي ~~ما صدق قوله : { إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر } وقد قال الله تعالى : { ~~يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب } ( الرعد : 39 ) على أظهر ~~التأويلات فيه وما في علم الله من ذلك لا يخالف ما يحصل في الخارج . # فالذي رغب نوح قومه فيه هو سبب تأخير آجالهم عند الله فلو فعلوه تأخرت ~~آجالهم وبتأخيرها يتبين أن قد تقرر في علم الله أنهم يعملون ما يدعوهم إليه ~~نوح وأن آجالهم تطول ، وإذ لم يفعلوه فقد كشف للناس أن الله علم إنهم لا ~~يفعلون ما دعاهم إليه نوح وأن الله قاطع آجالهم ، وقد أشار إلى ms8810 هذا المعنى ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم ( اعملوا فكل ميسر إلى ما خلق له ) ، وقد ~~استعصى فهم هذا على كثير من الناس فخلطوا بين ما هو مقرر في علم الله وما ~~أظهره قدر الله في الخارج الوجودي . # وفي إقحام فعل { كنتم } قبل { تعلمون } إيذان بأن علمهم بذلك المنتفي ~~لوقوعه شرطا لحرف { لو } محقق انتفاؤه كما بيناه في قوله تعالى : { أكان ~~للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم في سورة يونس PageV29P192 . # وجواب لو } محذوف دل عليه قوله : { لا يؤخر . } والتقدير : لأيقنتم أنه ~~لا يؤخر . # ( 5 6 ) . # جرد فعل { قال } هنا ، من العاطف لأنه حكاية جواب نوح عن قول الله له { ~~أنذر قومك } ( نوح : 1 ) عومل معاملة الجواب الذي يتلقى به الأمر على الفور ~~على طريقة المحاورات التي تقدمت في قوله تعالى : { قالوا أتجعل فيها من ~~يفسد فيها في سورة البقرة ، تنبيها على مبادرة نوح بإبلاغ الرسالة إلى قومه ~~وتمام حرصه في ذلك كما أفاده قوله : ليلا ونهارا } وحصول يأسه منهم ، فجعل ~~مراجعته ربه بعد مهلة مستفادة من قوله : { ليلا ونهارا } بمنزلة المراجعة ~~في المقام الواحد بين المتحاورين . ولك أن تجعل جملة { قال رب } الخ ~~مستأنفة استئنافا بيانيا لأن السامع يترقب معرفة ماذا أجاب قوم نوح دعوته ~~فكان في هذه الجملة بيان ما يترقبه السامع مع زيادة مراجعة نوح ربه تعالى . # وهذا الخبر مستعمل في لازم معناه وهو الشكاية والتمهيد لطلب النصر عليهم ~~لأن المخاطب به عالم بمدلول الخبر . وذلك ما سيفضي إليه بقوله : { وقال نوح ~~رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا الآيات } ( نوح : 26 ) . # وفائدة حكاية ما ناجى به نوح ربه إظهار توكله على الله ، وانتصار الله له ~~، والإتيان على مهمات من العبرة بقصته ، بتلوين لحكاية أقواله وأقوال قومه ~~وقول الله له . وتلك ثمان مقالات هي : # 1 { أن أنذر قومك } الخ ( نوح : 1 ) . # 2 { قال يا قوم إني لكم نذير مبين } الخ ( نوح : 2 ) . # 3 { قال رب إني دعوت قومي } الخ ( نوح : 5 ) . # 4 { فقلت استغفروا ربكم } الخ ms8811 ( نوح : 10 ) . # 5 { قال نوح رب إنهم عصوني } الخ ( نوح : 21 ) . PageV29P193 # 6 { ولا تزد الظالمين إلا ضلالا } الخ ( نوح : 24 ) . # 7 { وقال نوح رب لا تذر على الأرض } الخ ( نوح : 26 ) . # 8 { رب اغفر لي } الخ ( نوح : 28 ) . # وجعل دعوته مظروفة في زمني الليل والنهار للدلالة على عدم الهوادة في ~~حرصه على إرشادهم ، وأنه يترصد الوقت الذي يتوسم أنهم فيه أقرب إلى فهم ~~دعوته منهم في غيره من أوقات النشاط وهي أوقات النهار ، ومن أوقات الهدو ~~وراحة البال وهي أوقات الليل . # ومعنى { لم يزدهم دعائي إلا فرارا } أن دعائي لهم بأن يعبدوا الله ~~وبطاعتهم لي لم يزدهم ما دعوتهم إليه إلا بعدا منه ، فالفرار مستعار لقوة ~~الإعراض ، أي فلم يزدهم دعائي إياهم قربا مما أدعوهم إليه . # واستثناء الفرار من عموم الزيادات استثناء منقطع . والتقدير : فلم يزدهم ~~دعائي قربا من الهدى لكن زادهم فرارا كما في قوله تعالى حكاية عن صالح عليه ~~السلام { فما تزيدونني غير تخسير } ( هود : 63 ) . # وإسناد زيادة الفرار إلى الدعاء مجاز لأن دعاءه إياهم كان سببا في تزايد ~~إعراضهم وقوة تمسكهم بشركهم . # وهذا من الأسلوب المسمى في علم البديع تأكيد المدح بما يشبه الذم ، أو ~~تأكيد الشيء بما يشبه ضده ، وهو هنا تأكيد إعراضهم المشبه بالابتعاد بصورة ~~تشبه ضد الإعراض . # ولما كان فرارهم من التوحيد ثابتا لهم من قبل كان قوله : { لم يزدهم ~~دعائي إلا فرارا } من تأكيد الشيء بما يشبه ضده . # وتصدير كلام نوح بالتأكيد لإرادة الاهتمام بالخبر . # . PageV29P194 # { كلما } مركبة من كلمتين كلمة ( كل ) وهي اسم يدل على استغراق أفراد ما ~~تضاف هي إليه ، وكلمة ( ما ) المصدرية وهي حرف يفيد أن الجملة بعده في ~~تأويل مصدر . وقد يراد بذلك المصدر زمان حصوله فيقولون ( ما ) ظرفية مصدرية ~~لأنها نائبة عن اسم الزمان . # والمعنى : أنهم لم يظهروا مخيلة من الإصغاء إلى دعوته ولم يتخلفوا عن ~~الإعراض والصدود عن دعوته طرفة عين ، فلذلك جاء بكلمة { كلما } الدالة على ~~شمول كل دعوة من دعواته مقترنة بدلائل الصد عنها ، وقد تقدم ms8812 عند قوله تعالى ~~: { كلما أضاء لهم مشوا فيه } ( البقرة : 20 ) . # وحذف متعلق { دعوتهم } لدلالة ما تقدم عليه من قوله : { أن اعبدوا الله } ~~( نوح : 3 ) . # والتقدير : كلما دعوتهم إلى عبادتك وتقواك وطاعتي فيما أمرتهم به . # واللام في قوله : { لتغفر } لام التعليل ، أي دعوتهم بدعوة التوحيد فهو ~~سبب المغفرة ، فالدعوة إليه معللة بالغفران . # ويتعلق قوله : { كلما دعوتهم } بفعل { جعلوا أصابعهم } على أنه ظرف زمان ~~. # وجملة { جعلوا أصابعهم } خبر ( إن ) والرابط ضمير { دعوتهم } . # وجعل الأصابع في الآذان يمنع بلوغ أصوات الكلام إلى المسامع . # وأطلق اسم الأصابع على الأنامل على وجه المجاز المرسل بعلاقة البعضية فإن ~~الذي يجعل في الأذن الأنملة لا الأصبع كله فعبر عن الأنامل بالأصابع ~~للمبالغة في إرادة سد المسامع بحيث لو أمكن لأدخلوا الأصابع كلها ، وتقدم ~~في قوله تعالى : { يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق في سورة البقرة . # واستغشاء الثياب : جعلها غشاء ، أي غطاء على أعينهم ، تعضيدا لسد آذانهم ~~بالأصابع لئلا يسمعوا كلامه ولا ينظروا إشاراته . وأكثر ما يطلق الغشاء على ~~غطاء العينين ، قال تعالى : وعلى أبصارهم غشاوة } ( البقرة : 7 ) . والسين ~~والتاء في { استغشوا } للمبالغة . # فيجوز أن يكون جعل الأصابع في الآذان واستغشاء الثياب هنا حقيقة بأن ~~PageV29P195 يكون ذلك من عادات قوم نوح إذا أراد أحد أن يظهر كراهية لكلام ~~من يتكلم معه أن يجعل أصبعيه في أذنيه ويجعل من ثوبه ساترا لعينيه . # ويجوز أن يكون تمثيلا لحالهم في الإعراض عن قبول كلامه ورؤية مقامه بحال ~~من يسك سمعه بأنملتيه ويحجب عينيه بطرف ثوبه . # وجعلت الدعوة معللة بمغفرة الله لهم لأنها دعوة إلى سبب المغفرة وهو ~~الإيمان بالله وحده وطاعة أمره على لسان رسوله . # وفي ذلك تعريض بتحميقهم وتعجب من خلقهم إذ يعرضون عن الدعوة لما فيه ~~نفعهم فكان مقتضى الرشاد أن يسمعوها ويتدبروها . # والإصرار : تحقيق العزم على فعلل ، وهو مشتق من الصر وهو الشد على شيء ~~والعقد عليه ، وتقدم عند قوله تعالى : { ولم يصروا على ما فعلوا في سورة آل ~~عمران . # وحذف متعلق أصروا } لظهوره ، أي أصروا على ما ms8813 هم عليه من الشرك . # { واستكبروا } مبالغة في تكبروا ، أي جعلوا أنفسهم أكبر من أن يأتمروا ~~لواحد منهم { ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا ~~بادىء الرأي وما نرى لكم علينا من فضل } ( هود : 27 ) . # وتأكيد { استكبروا } بمفعوله المطلق للدلالة على تمكن الاستكبار . وتنوين ~~{ استكبارا } للتعظيم ، أي استكبارا شديدا لا يفله حد الدعوة . # ( 8 12 ) { } . # ارتقى في شكواه واعتذاره بأن دعوته كانت مختلفة الحالات في القول من جهر ~~وإسرار ، فعطف الكلام ب { ثم } التي تفيد في عطفها الجمل أن مضمون الجملة ~~PageV29P196 المعطوفة أهم من مضمون المعطوف عليها ، لأن اختلاف كيفية ~~الدعوة ألصق بالدعوة من أوقات إلقائها لأن الحالة أشد ملابسة بصاحبها من ~~ملابسة زمانه . فذكر أنه دعاهم جهارا ، أي علنا . # وجهار : اسم مصدر جهر ، وهو هنا وصف لمصدر { دعوتهم } ، أي دعوة جهارا . # وارتقى فذكر أنه جمع بين الجهر والإسرار لأن الجمع بين الحالتين أقوى في ~~الدعوة وأغلظ من إفراد إحداهما . فقوله : { أعلنت لهم } تأكيد لقوله : { ~~دعوتهم جهارا } ذكر ليبنى عليه عطف { وأسررت لهم إسرارا . # والمعنى : أنه توخى ما يظنه أوغل إلى قلوبهم من صفات الدعوة ، فجهر حين ~~يكون الجهر أجدى مثل مجامع العامة ، وأسر للذين يظنهم متجنبين لوم قومهم ~~عليهم في التصدي لسماع دعوته وبذلك تكون ضمائر الغيبة في قوله دعوتهم } ، ~~وقوله : { أعلنت لهم وأسررت لهم } موزعة على مختلفف الناس . # وانتصب { جهارا } بالنيابة عن المفعول المطلق المبين لنوع الدعوة . # وانتصب { إسرارا } على أنه مفعول مطلق مفيد للتوكيد ، أي إسرارا خفيا . # ووجه توكيد الإسرار أن إسرار الدعوة كان في حال دعوته سادتهم وقادتهم ~~لأنهم يمتعضون من إعلان دعوتهم بمسمع من أتباعهم . # وفصل دعوته بفاء التفريع فقال { فقلت استغفروا ربكم } فهذا القول هو الذي ~~قاله لهم ليلا ونهارا وجهارا وإسرارا . # ومعنى { استغفروا ربكم } ، ءامنوا إيمانا يكون استغفارا لذنبكم فإنكم إن ~~فعلتم غفر الله لكم . # وعلل ذلك لهم بأن الله موصوف بالغفران صفة ثابتة تعهد الله بها لعباده ~~المستغفرين ، فأفاد التعليل بحرف ( إن ) وأفاد ثبوت الصفة لله بذكر فعل ms8814 { ~~كان } وأفاد كمال غفرانه بصيغة المبالغة بقوله { غفارا } . PageV29P197 # وهذا وعد بخير الآخرة ورتب عليه وعدا بخير الدنيا بطريق جواب الأمر ، وهو ~~{ يرسل السماء عليكم } الآية . # وكانوا أهل فلاحة فوعدهم بنزول المطر الذي به السلامة من القحط وبالزيادة ~~في الأموال . # و { السماء } : هنا المطر ، ومن أسماء المطر السماء . وفي حديث ( الموطأ ~~) و ( الصحيحين ) عن زيد بن خالد الجهني : أنه قال : ( صلى لنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل ) ~~الحديث . وقال معاوية بن مالك بن جعفر : # إذا نزل السماء بأرض قوم # رعيناه وإن كانوا غضابا # والمدرار : الكثيرة الدر والدرور ، وهو السيلان ، يقال : درت السماء ~~بالمطر ، وسماء مدرار . # ومعنى ذلك : أن يتبع بعض الأمطار بعضا . # ومدرار ، زنة مبالغة ، وهذا الوزن لا تلحقه علامة التأنيث إلا نادرا كما ~~في قول سهل بن مالك الفزاري : # أصبح يهوى حرة معطارة # فلذلك لم تلحق التاء هنا مع أن اسم السماء مؤنث . # والإرسال : مستعار للإيصال والإعطاء ، وتعديته ب { عليكم } لأنه إيصال من ~~علو كقوله : { وأرسل عليهم طيرا أبابيل } ( الفيل : 3 ) . # و ( أموال ) : جمع مال وهو يشمل كل مكسب يبذله المرء في اقتناء ما يحتاج ~~إليه . # والمراد بالجنات في قوله : { ويجعل لكم جنات } النخيل والأعناب ، لأن ~~الجنات تحتاج إلى السقي . # وإعادة فعل يجعل بعد واو العطف في قوله : { ويجعل لكم أنهارا } للتوكيد ~~اهتماما بشأن المعطوف لأن الأنهار قوام الجنات وتسقي المزارع والأنعام . ~~PageV29P198 # وفي هذا دلالة على أن الله يجازي عباده الصالحين بطيب العيش قال تعالى : ~~{ من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة } ( النحل : 97 ~~) وقال { ولو أن أهل القرى ءامنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركاتت من السماء ~~والأرض } ( الأعراف : 96 ) وقال : { وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ~~ماء غدقا } ( الجن : 16 ) . # ( 13 14 ) . # بدل خطابه مع قومه من طريقة النصح والأمر إلى طريقة التوبيخ بقوله : { ما ~~لكم لا ترجون لله وقارا . # وهو استفهام صورته صورة السؤال عن أمر ثبت لهم في حال انتفاء رجائهم ~~توقير الله ms8815 . # والمقصود أنه لا شيء يثبت لهم صارف عن توقير الله فلا عذر لكم في عدم ~~توقيره . # وجملة لا ترجون } في موضع الحال من ضمير المخاطبين ، وكلمة ( ما لك ) ~~ونحوها تلازمها حال بعدها نحو { فما لهم عن التذكرة معرضين } ( المدثر : 49 ~~) . # وقد اختلف في معنى قوله : { ما لكم لا ترجون لله وقارا } وفي تعلق ~~معمولاته بعوامله على أقوال : بعضها يرجع إلى إبقاء معنى الرجاء على معناه ~~المعروف وهو ترقب الأمر ، وكذلك معنى الوقار على المتعارف وهو العظمة ~~المقتضية للإجلال ، وبعضها يرجع إلى تأويل معنى الرجاء ، وبعضها إلى تأويل ~~معنى الوقار ، ويتركب من الحمل على الظاهر ومن التأويل أن يكون التأويل في ~~كليهما ، أو أن يكون التأويل في أحدهما مع إبقاء الآخر على ظاهر معناه . # فعلى حمل الرجاء على المعنى المتعارف الظاهر وحمل الوقار كذلك قال ابن ~~عباس وسعيد بن جبير وأبو العالية وعطاء ابن أبي رباح وابن كيسان : ما لكم ~~لا ترجون ثوابا من الله ولا تخافون عقابا ، أي فتعبدوه راجين أن يثيبكم على ~~عبادتكم وتوقيركم إياه . وهذا التفسير ينحو إلى أن يكون في الكلام اكتفاء ، ~~أي ولا تخافون PageV29P199 عقابا ، وإن نكتة الاكتفاء بالتعجب من عدم رجاء ~~الثواب : أن ذلك هو الذي ينبغي أن يقصده أهل الرشاد والتقوى . وإلى هذا ~~المعنى قال صاحب ( الكشاف ) : إذ صدر بقوله : ما لكم لا تكونون على حال ~~تأملون فيها تعظيم الله إياكم في دار الثواب . # وهذا يقتضي أن يكون الكلام كناية تلويحية عن حثهم على الإيمان بالله الذي ~~يستلزم رجاء ثوابه وخوف عقابه لأن من رجا تعظيم الله إياه آمن به وعبده ~~وعمل الصالحات . # وعلى تأويل معنى الرجاء قال مجاهد والضحاك : معنى { لا ترجون } لا تبالون ~~لله عظمة ، قال قطرب : هذه لغة حجازية لمضر وهذيل وخزاعة يقولون : لم أرج ~~أي لم أبال ، وقال الوالبي والعوفي عن ابن عباس : معنى { لا ترجون } لا ~~تعلمون ، وقال مجاهد أيضا : لا ترون ، وعن ابن عباس أنه سأله عنها نافع بن ~~الأزرق ، فأجابه أن الرجاء بمعنى الخوف ، وأنشد قول أبي ms8816 ذؤيب : # إذا لسعته النحل لم يرج لسعها # وحالفها في بيت نوب عواسل # أي لم يخف لسعها واستمر على اشتيار العسل . قال الفراء : إنما يوضع ~~الرجاء موضع الخوف لأن مع الرجاء طرفا من الخوف من الناس ومن ثم استعمل ~~الخوف بمعنى العلم كقوله تعالى : { فإن خفتم أن لا يقيما حدود الله الآية } ~~( البقرة : 229 ) ، والمعنى : لا تخافون عظمة الله وقدرته بالعقوبة . # وعلى تأويل الوقار قال قتادة : الوقار : العاقبة ، أي ما لكم لا ترجون ~~لله عاقبة ، أي عاقبة الإيمان ، أي أن الكلام كناية عن التوبيخ على تركهم ~~الإيمان بالله ، وجعل أبو مسلم الأصفهاني : الوقار بمعنى الثبات ، قال : ~~ومنه قوله تعالى : { وقرن في بيوتكن } ( الأحزاب : 33 ) أي اثبتن ، ومعناه ~~ما لكم لا تثبتون وحدانية الله . # وتتركب من هذين التأويلين معان أخرى من كون الوقار مسندا في التقدير إلى ~~فاعله أو إلى مفعوله ، وهي لا تخفى . # وأما قوله { لله } فالأظهر أنه متعلق ب { ترجون ، } ويجوز في بعض ~~التأويلات الماضية أن يكون متعلقا ب { وقارا } : إما تعلق فاعل المصدر ~~بمصدره فتكون اللام PageV29P200 في قوله { لله } لشبه الملك ، أي الوقار ~~الذي هو تصرف الله في خلقه إن شاء أن يوقركم ، أي يكرمكم بالنعيم ، وإما ~~تعلق مفعولل المصدر ، أي أن توقروا الله وتخشوه ولا تتهاونوا بشأنه تهاون ~~من لا يخافه فتكون اللام لام التقوية . # وجملة { وقد خلقكم أطوارا } حال من ضمير { لكم } أو ضمير { ترجون } ، أي ~~في حال تحققكم أنه خلقكم أطوارا . # فأما أنه خلقهم فموجب للاعتراف بعظمته لأنه مكونهم وصانعهم فحق عليهم ~~الاعتراف بجلاله . # وأما كون خلقهم أطوارا فلأن الأطوار التي يعلمونها دالة على رفقه بهم في ~~ذلك التطور ، فهذا تعريض بكفرهم النعمة ، ولأن الأطوار دالة على حكمة ~~الخالق وعلمه وقدرته ، فإن تطور الخلق من طور النطفة إلى طور الجنين إلى ~~طور خروجه طفلا إلى طور الصبا إلى طور بلوغ الأشد إلى طور الشيخوخة وطرو ~~الموت على الحياة وطرو البلى على الأجساد بعد الموت ، كل ذلك والذات واحدة ~~، فهو دليل على تمكن الخالق من كيفيات الخلق ms8817 والتبديل في الأطوار ، وهم ~~يدركون ذلك بأدنى التفات الذهن ، فكانوا محقوقين بأن يتوصلوا به إلى معرفة ~~عظمة الله وتوقع عقابه لأن الدلالة على ذلك قائمة بأنفسهم وهل التصرف فيهم ~~بالعقاب والإثابة إلا دون التصرف فيهم بالكون والفساد . # والأطوار : جمع طور بفتح فسكون ، والطور : التارة ، وهي المرة من الأفعال ~~أو من الزمان ، فأريد من الأطوار هنا ما يحصل في المرات والأزمان من أحوال ~~مختلفة ، لأنه لا يقصد من تعدد المرات والأزمان إلا تعدد ما يحصل فيها ، ~~فهو تعدد بالنوع لا بالتكرار كقول النابغة : # فإن أفاق لقد طالت عمايته # والمرء يخلق طورا بعد أطوار # وانتصب { أطوارا } على الحال من ضمير المخاطبين ، أي تطور خلقهم لأن { ~~أطوارا } صار في تأويل أحوالا في أطوار . PageV29P201 # ( 15 16 ) . # إن كان هذا من حكاية كلام نوح عليه السلام لقومه كما جرى عليه كلام ~~المفسرين ، كان تخلصا من التوبيخ والتعريض إلى الاستدلال عليهم بآثار وجود ~~الله ووحدانيته وقدرته ، مما في أنفسهم من الدلائل ، إلى ما في العالم منها ~~، لما علمت من إيذان قوله : { وقد خلقكم أطوارا } ( نوح : 14 ) من تذكير ~~بالنعمة وإقامة للحجة ، فتخلص منه لذكر حجة أخرى ، فكان قد نبههم على النظر ~~في أنفسهم أولا لأنها أقرب ما يحسونه ويشعرون به ثم على النظر في العالم ~~وما سوي فيه من العجائب الشاهدة على الخالق العليم القدير . # وإن كان من خطاب الله تعالى للأمة وهو ما يسمح به سياق السورة من ~~الاعتبار بأحوال الأمم الماضية المساوية لأحوال المشركين كان هذا الكلام ~~اعتراضا للمناسبة . # والهمزة في { ألم تروا } للاستفهام التقريري مكنى به عن الإنكار عن عدم ~~العلم بدلائل ما يرونه . # والرؤية بصرية . ويجوز أن تكون علمية أي ألم تعلموا فيدخل فيه المرئي من ~~ذلك . وانتصب { كيف } على المفعول به ل { تروا } ، ف { كيف } هنا مجردة عن ~~الاستفهام متمحضة للدلالة على الكيفية ، أي الحالة . # والمعنى : ألستم ترون هيئة وحالة خلقق الله السماوات . # والسماوات : هنا هي مدارات بمعنى الكواكب فإن لكل كوكب مدارا قد يكون هو ~~سماءه . # وقوله : { سبع سموات } يجوز ms8818 أن يكون وصف { سبع } معلوما للمخاطبين من قوم ~~نوح ، أو من أمة الدعوة الإسلامية بأن يكونوا علموا ذلك من قبل ؛ فيكون مما ~~شمله فعل { ألم تروا } . ويجوز أن يكون تعليما للمخاطبين على طريقة الإدماج ~~، ولعلهم كانوا سلفا للكلدانيين في ذلك . # و { طباقا } : بعضها أعلى من بعض ، وذلك يقتضي أنها منفصل بعضها عن بعض ~~وأن بعضها أعلى من بعض سواء كانت متماسة أو كان بينها ما يسمى بالخلاء . ~~PageV29P202 # وقوله : { وجعل القمر فيهن نورا } صالح لاعتبار القمر من السماوات ، أي ~~الكواكب على الاصطلاح القديم المبني على المشاهدة ، لأن ظرفية ( في ) تكون ~~لوقوع المحوي في حاويه مثل الوعاء ، وتكون لوقوع الشيء بين جماعته ، كما في ~~حديث الشفاعة ( وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها ) ، وقول النميري : # تضوع مسكا بطن نعمان أن مشت # به زينب في نسوة خفرات # و { القمر } كائن في السماء المماسة للأرض وهي المسماة بالسماء الدنيا ، ~~والله أعلم بأبعادها . # وقوله : { وجعل الشمس سراجا } هو بتقدير : وجعل الشمس فيهن سراجا ، ~~والشمس من الكواكب . # والإخبار عن القمر بأنه نور مبالغة في وصفه بالإنارة بمنزلة الوصف ~~بالمصدر . والقمر ينير ضوؤه الأرض إنارة مفيدة بخلاف غيره من نجوم الليل ~~فإن إنارتها لا تجدي البشر . # والسراج : المصباح الزاهر نوره الذي يوقد بفتيلة في الزيت يضيء التهابها ~~المعدل بمقدار بقاء مادة الزيت تغمرها . # والإخبار به عن الشمس من التشبيه البليغ وهو تشبيه ، والقصد منه تقريب ~~المشبه من إدراك السامع ، فإن السراج كان أقصى ما يستضاء به في الليل وقل ~~من العرب من يتخذه وإنما كانوا يرونه في أديرة الرهبان أو قصور الملوك ~~وأضرابهم ، قال امرؤ القيس : # يضي سناه أو مصابيح راهب # أمال الذبال بالسليط المفتل # ووصفوا قصر غمدان بالإضاءة على الطريق ليلا . # ولم يخبر عن الشمس بالضياء كما في آية سورة يونس { هو الذي جعل الشمس ~~ضياء ، والمعنى واحد وهو الإضاءة ، فلعل إيثار السراج هنا لمقاربة تعبير ~~نوح في لغته ، مع ما فيه من الرعاية على الفاصلة ، لأن الفواصل التي قبلها ~~جاءت على حروف صحيحة ولو قيل : ضياء لصارت ms8819 الفاصلة همزة والهمزة قريبة من ~~حروف العلة فيثقل الوقف عليها . PageV29P203 # وفي جعل القمر نورا إيماء إلى أن ضوء القمر ليس من ذاته فإن القمر مظلم ~~وإنما يستضيء بانعكاس أشعة الشمس على ما يستقبلها من وجهه بحسب اختلاف ذلك ~~الاستقبال من تبعض وتمام هو أثر ظهوره هلالا ثم اتساع استنارته إلى أن يصير ~~بدرا ، ثم ارتجاع ذلك ، وفي تلك الأحوال يضيء على الأرض إلى أن يكون المحاق ~~. وبعكس ذلك جعلت الشمس سراجا لأنها ملتهبة وأنوارها ذاتية فيها صادرة عنها ~~إلى الأرض وإلى القمر مثل أنوار السراج تملأ البيت وتلمع أواني الفضة ~~ونحوها مما في البيت من الأشياء المقابلة . # وقد اجتمع في قوله : وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا } استدلال ~~وامتنان . # ( 17 18 ) . # أنشأ الاستدلال بخلق السماوات حضور الأرض في الخيال فأعقب نوح به دليله ~~السابق ، استدلالا بأعجب ما يرونه من أحوال ما على الأرض وهو حال الموت ~~والإقبار ، ومهد لذلك ما يتقدمه من إنشاء الناس . # وأدمج في ذلك تعليمهم بأن الإنسان مخلوق من عناصر الأرض مثل النبات ~~وإعلامهم بأن بعد الموت حياة أخرى . # وأطلق على معنى : أنشأكم ، فعل { أنبتكم } للمشابهة بين إنشاء الإنسان ~~وإنبات النبات من حيث إن كليهما تكوين كما قال تعالى : { وأنبتها نباتا ~~حسنا } ( آل عمران : 37 ) ، أي أنشأها وكما يقولون : زرعك الله للخير ، ~~ويزيد وجه الشبه هنا قربا من حيث إن إنشاء الإنسان مركب من عناصر الأرض ، ~~وقيل التقدير : أنبت أصلكم ، أي آدم عليه السلام ، قال تعالى : { كمثل آدم ~~خلقه من تراب } ( آل عمران : 59 ) . # و { نباتا } : اسم من أنبت ، عومل معاملة المصدر فوقع مفعولا مطلقا ل { ~~أنبتكم } للتوكيد ، ولم يجر على قياس فعله فيقال : إنباتا ، لأن نباتا أخف ~~فلما تسنى الإتيان به لأنه مستعمل فصيح لم يعدل عنه إلى الثقيل كمالا في ~~الفصاحة ، بخلاف قوله بعده { إخراجا } فإنه لم يعدل عنه إلى : خروجا ، لعدم ~~ملاءمته لألفاظ PageV29P204 الفواصل قبله المبنية على ألف مثل ألف التأسيس ~~فكما تعد مخالفتها في القافية عيبا كذلك تعد المحافظة عليها في الأسجاع ms8820 ~~والفواصل كمالا . # وقد أدمج الإنذار بالبعث في خلال الاستدلال ، ولكونه أهم رتبة من ~~الاستدلال عليهم بأصل الإنشاء عطفت الجملة ب { ثم } الدالة على التراخي ~~الرتبي في قوله : { ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا } لأن المقصود من الجملة ~~هو فعل { يخرجكم } ، وأما قوله : { ثم يعيدكم } فهو تمهيد له . # وأكد { يخرجكم } بالمفعول المطلق لرد إنكارهم البعث . # ( 19 20 ) . # هذا استدلال وامتنان ، ولذلك علق بفعل { جعل } مجرور بلام التعليل وهو { ~~لكم } أي لأجلكم . # والبساط : ما يفرش للنوم عليه والجلوس من ثوب أو زربية فالإخبار عن الأرض ~~ببساط تشبيه بليغ ، أي كالبساط ، ووجه الشبه تناسب سطح الأرض في تعادل ~~أجزائه بحيث لا يوجع أرجل الماشين ولا يقض جنوب المضطجعين ، وليس المراد أن ~~الله جعل حجم الأرض كالبساط لأن حجم الأرض كروي ، وقد نبه على ذلك بالعلة ~~الباعثة في قوله : { لكم } ، والعلة الغائبة في قوله : { لتسلكوا منها سبلا ~~} وحصل من مجموع العلتين الإشارة إلى جميع النعم التي تحصل للناس من تسوية ~~سطح الأرض مثل الحرث والزرع ، وإلى نعمة خاصة وهي السير في الأرض ، وخصت ~~بالذكر لأنها أهم لاشتراك كل الناس في الاستفادة منها . # والسبل : جمع سبيل وهو الطريق ، أي لتتخذوا لأنفسكم سبلا من الأرض تهتدون ~~بها في أسفاركم . # والفجاج : جمع فج ، والفج : الطريق الواسع ، وأكثر ما يطلق على الطريق ~~بين جبلين لأنه يكون أوسع من الطريق المعتاد . # ( 21 23 ) . PageV29P205 # هذه الجملة بدل من جملة { قال رب إني دعوت قومي } ( نوح : 5 ) بدل اشتمال ~~لأن حكاية عصيان قومه إياه مما اشتملت عليه حكاية أنه دعاهم فيحتمل أن تكون ~~المقالتان في وقت واحد جاء فيه نوح إلى مناجاة ربه بالجواب عن أمره له ~~بقوله : { أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم } ( نوح : 1 ) فتكون إعادة ~~فعل { قال } من قبيل ذكر عامل المبدل منه في البدل كقوله تعالى : { تكون ~~لنا عيدا لأولنا وآخرنا } ( المائدة : 114 ) ، للربط بين كلاميه لطول الفصل ~~بينهما . # ويحتمل أن تكون المقالتان في وقتين جمعها القرآن حكاية لجوابيه لربه ، ~~فتكون إعادة فعل { قال } لما ذكرنا ms8821 مع الإشارة إلى تباعد ما بين القولين . # ويجوز أن تكون الجملة مستأنفة استئنافا بيانيا لأن ما سبقها من قوله : { ~~قال رب إني دعوت قومي إلى هنا مما يثير عجبا من حال قومه المحكي بحيث ~~يتساءل السامع عن آخر أمرهم ، فابتدىء ذكر ذلك بهذه الجملة وما بعدها إلى ~~قوله : أنصارا } ( نوح : 25 ) . وتأخير هذا بعد عن قوله { قال رب إني دعوت ~~قومي ليلا ونهارا } ( نوح : 5 ) ارتقاء في التذمر منهم لأن هذا حكاية حصول ~~عصيانهم بعد تقديم الموعظة إليهم بقوله : { يرسل السماء عليكم مدرارا إلى ~~قوله : سبلا فجاجا } ( نوح : 11 20 ) # وإظهار اسم { نوح } مع القول الثاني دون إضمار لبعد معاد الضمير لو تحمله ~~الفعل ، وهذا الخبر مستعمل في لازم معناه ، كما تقدم في قوله : { قال رب ~~الخ . وتأكيد الخبر ب ( إن ) للاهتمام بما استعمل فيه من التحسر والاستنصار ~~. # ثم ذكر أنهم أخذوا بقول الذين يصدونهم عن قبول دعوة نوح ، أي اتبعوا ~~سادتهم وقادتهم . وعدل عن التعبير عنهم بالكبراء ونحوه إلى الموصول لما ~~تؤذن به الصلة من بطرهم نعمة الله عليهم بالأموال والأولاد ، فقلبوا النعمة ~~عندهم موجب خسار وضلال . # وأدمج في الصلة أنهم أهل أموال وأولاد إيماء إلى أن ذلك سبب نفاذ قولهم ~~في PageV29P206 قومهم وائتمار القوم بأمرهم : فأموالهم إذ أنفقوها لتأليف ~~أتباعهم قال تعالى : إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله } ~~( الأنفال : 36 ) ، وأولادهم أرهبوا بهم من يقاومهم . # والمعنى : واتبعوا أهل الأموال والأولاد التي لم تزدهم تلك الأموال ~~والأولاد إلا خسارا لأنهم استعملوها في تأييد الكفر والفساد فزادتهم خسارا ~~إذ لو لم تكن لهم أموال ولا أولاد لكانوا أقل ارتكابا للفساد قال تعالى : { ~~وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا } ( المزمل : 11 ) . # والخسار : مستعار لحصول الشر من وسائل شأنها أن تكون سبب خير كخسارة ~~التاجر من حيث أراد الربح ، فإذا كان هؤلاء خاسرين فالذين يتبعونهم يكونون ~~مثلهم في الخسارة وهم يحسبون أنهم أرشدوهم إلى النجاح . # وما صدق { من } فريق من القوم أهل مال وأولاد ازدادوا بذلك بطرا دون ~~الشكر ms8822 وهم سادتهم ، ولذلك أعيد عليه ضمير الجمع في قوله : { ومكروا ، } ~~وقوله : { وقالوا ، } وقوله : { وقد أضلوا كثيرا } ( نوح : 24 ) . # وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وأبو جعفر { وولده } بفتح الواو وفتح اللام ، ~~وقرأه ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف { وولده } بضم الواو ~~وسكون اللام ، فأما الولد بفتح الواو وفتح اللام فاسم يطلق على الواحد من ~~الأولاد وعلى الجمع فيكون اسم جنس ، وأما ولد بضم فسكون فقيل : هو لغة في ~~ولد فيستوي فيه الواحد والجمع مثل الفلك . وقيل : هو جمع ولد مثل أسد جمع ~~أسد . # والمكر : إخفاء العمل ، أو الرأي الذي يراد به ضر الغير ، أي مكروا بنوح ~~والذين آمنوا معه بإضمار الكيد لهم حتى يقعوا في الضر . قيل : كانوا يدبرون ~~الحيلة على قتل نوح وتحريش الناس على أذاه وأذى أتباعه . # و { كبارا } : مبالغة ، أي كبيرا جدا وهو وارد بهذه الصيغة في ألفاظ ~~قليلة مثل طوال أي طويل جدا ، وعجاب ، أي عجيب ، وحسان ، وجمال ، أي جميل ، ~~وقراء لكثير القراءة ، ووضاء ، أي وضيء ، قال عيسى بن عمر : هي لغة يمانية ~~. # { وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا } الخ ، أي قال بعضهم ~~PageV29P207 لبعض : ود ، وسواع ، ويغوث ، ويعوق ، ونسر ، هذه أصنام قوم نوح ~~، وبهذا تعلم أن أسماءها غير جارية على اشتقاق الكلمات العربية ، وفي واو ( ~~ود ) لغتان للعرب منهم من يضم الواو ، وبه قرأ نافع وأبو جعفر . ومنهم من ~~يفتح الواو وكذلك قرأ الباقون . # روى البخاري عن ابن عباس : ( ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر : أسماء رجال ~~صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم انصبوا إلى مجالسهم ~~التي كانوا يجلسون أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا ، فلم تعبد حتى إذا هلك ~~أولئك وتنسخ العلم عبدت ) ، وعن محمد بن كعب : هي أسماء أبناء خمسة لآدم ~~عليه السلام وكانوا عبادا . وعن الماوردي أن { ودا } أول صنم معبود . # والآية تقتضي أن هذه الأنصاب عبدت قبل الطوفان وقد قال بعض المفسرين : إن ~~هذه الأصنام أقيمت لبعض الصلحاء من أولاد آدم . وقال بعضهم : كانوا أصناما ~~بين زمن ms8823 آدم وزمن نوح . # ولا يلتئم هذا مع حدوث الطوفان إذ لا بد أن يكون جرفها وخلص البشر من ~~الإشراك بعد الطوفان ، ومع وجود هذه الأسماء في قبائل العرب إلى زمن البعثة ~~المحمدية ، فقد كان في دومة الجندل بلاد كلب صنم اسمه ( ود ) . قيل كان على ~~صورة رجل وكان من صفر ورصاص وكان على صورة امرأة ، وكان لهذيل صنم اسمه ( ~~سواع ) وكان لمراد وغطيفف ( بغين معجمة وطاء مهملة ) بطنن من مراد بالجوف ~~عند سبأ صنم اسمه { يغوث } ، وكان أيضا لغطفان وأخذته ( أنعم وأعلى ) وهما ~~من طيء وأهل جرش من مذحج فذهبوا به إلى مراد فعبدوه ، ثم إن بني ناجية ~~راموا نزعه من أعلى وأنعم ففروا به إلى الحصين أخي بني الحارث من خزاعة . ~~قال أبو عثمان النهدي : رأيت يغوث من رصاص وكانوا يحملونه على جمل أحرد ( ~~بالحاء المهملة ، أي يخبط بيديه إذا مشى ) ويسيرون معه ولا يهيجونه حتى ~~يكون هو الذي يبرك فإذا برك نزلوا وقالوا : قد رضي لكم المنزل فيضربون عليه ~~بناء ينزلون حوله . # وكان يغوث على صورة أسد . # وكان لهمدان صنم اسمه { يعوق } وهو على صورة فرس ، وكان لكهلان من سبأ ثم ~~توارثه بنوه حتى صار إلى همدان . PageV29P208 # وكان لحمير ولذي الكلاع منهم صنم اسمه ( نسر ) على صورة النسر من الطير . ~~وهذا مروي في ( صحيح البخاري ) عن ابن عباس . وقال : صارت الأوثان التي ~~كانت في قوم نوح إلى العرب اه . فيجوز أن تكون انتقلت بأعيانها ويجوز أن ~~يكون العرب سموا عليها ووضعوا لها صورا . # ولقد اضطر هذا بعض المفسرين إلى تأويل نظم الآية بأن معاد ضمير { قالوا } ~~إلى مشركي العرب ، وأن ذكر ذلك في أثناء قصة نوح بقصد التنظير ، أي قال ~~العرب بعضهم لبعض : لا تذرن ءالهتكم ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا كما قال ~~قوم نوح لأتباعهم { لا تذرن ءالهتكم ، } ثم عاد بالذكر بعد ذلك إلى قوم نوح ~~، وهو تكلف بين وتفكيك لأجزاء نظم الكلام . فالأحسن ما رآه بعض المفسرين ~~وما نريده بيانا : أن أصنام قوم نوح قد دثرت ms8824 وغمرها الطوفان وأن أسماءها ~~بقيت محفوظة عند الذين نجوا مع نوح من المؤمنين فكانوا يذكرونها ويعظون ~~ناشئتهم بما حل بأسلافهم من جراء عبادة تلك الأصنام ، فبقيت تلك الأسماء ~~يتحدث بها العرب الأقدمون في أثارات علمهم وأخبارهم ، فجاء عمرو بن لحي ~~الخزاعي الذي أعاد للعرب عبادة الأصنام فسمى لهم الأصنام بتلك الأسماء ~~وغيرها فلا حاجة بالمفسر إلى التطوح إلى صفات الأصنام التي كانت لها هذه ~~الأسماء عند العرب ولا إلى ذكر تعيين القبائل التي عبدت مسميات هذه الأسماء ~~. # ثم يحتمل أن يكون لقوم نوح أصنام كثيرة جمعها قول كبرائهم : { لا تذرن ~~آلهتكم } ، ثم خصوا بالذكر أعظمها وهي هذه الخمسة ، فيكون ذكرها من عطف ~~الخاص على العام للاهتمام به كقوله تعالى : { من كان عدوا لله وملائكته ~~ورسله وجبريل وميكائيل } ( البقرة : 98 ) . ويحتمل أن لا يكون لهم غير تلك ~~الأصنام الخمسة فيكون ذكرها مفصلة بعد الإجمال للاهتمام بها ويكون العطف من ~~قبيل عطف المرادف . # ولقصد التوكيد أعيد فعل النهي { ولا تذرن } ولم يسلك طريق الإبدال ، ~~والتوكيد اللفظي قد يقرن بالعاطف كقوله تعالى : { وما أدراك ما يوم الدين ~~ثم ما أدراك ما يوم الدين } ( الانفطار : 17 ، 18 ) . # ونقل عن الآلوسي في طرة تفسيره لهذه الآية هذه الفقرة : ( قد أخرج ~~الإفرنج في حدود الألف والمائتين والستين أصناما وتماثيل من أرض الموصل ~~كانت منذ نحو من ثلاثة آلاف سنة ) . وتكرير { لا } النافية في قوله : { ولا ~~سواعا ولا يغوث } PageV29P209 لتأكيد النفي الذي في قوله : { لا تذرن ~~آلهتكم } وعدم إعادة { لا } مع قوله { ويعوق ونسرا } لأن الاستعمال جار على ~~أن لا يزاد في التأكيد على ثلاث مرات . # وقرأ نافع وأبو جعفر { ودا } بضم الواو . وقرأها غيرهما بفتح الواو ، وهو ~~اسم عجمي يتصرف فيه لسان العرب كيف شاؤا . # . # . # عطف على { وقالوا لا تذرن ءالهتكم } ( نوح : 23 ) ، أي أضلوا بقولهم هذا ~~وبغيره من تقاليد الشرك كثيرا من الأمة بحيث ما آمن مع نوح إلا قليل . # . # يجوز أن تكون هذه الجملة تتمة كلام نوح متصلة بحكاية كلامه السابق ، ~~فتكون الواو عاطفة ms8825 جزء جملة مقولة لفعل { قال } ( نوح : 21 ) على جزئها ~~الذي قبلها عطف المفاعيل بعضها على بعض كما تقول قال امرؤ القيس قفا نبك . ~~ختم نوح شكواه إلى الله بالدعاء على الضالين المتحدث عنهم بأن يزيدهم الله ~~ضلالا . # ولا يريبك عطف الإنشاء على الخبر لأن منع عطف الإنشاء على الخبر على ~~الإطلاق غير وجيه والقرآن طافح به . # ويجوز أن تكون جملة { ولا تزد الظالمين إلا ضلالا } غير متصلة بحكاية ~~كلامه في قوله : { قال نوح رب إنهم عصوني } ( نوح : 21 ) بل هو حكاية كلام ~~آخر له صدر في موقف آخر ، فتكون الواو عاطفة جملة مقولة قول على جملة مقولة ~~قول آخر ، أي نائبة عن فعل قال كما تقول : قال امرؤ القيس : # قفا نبك # و : # ألا عم صباحا أيها الطلل البالي # وقد نحا هذا المعنى من يأبون عطف الإنشاء على الخبر . # والمراد ب { الظالمين } : قومه الذين عصوه فكان مقتضى الظاهر التعبير ~~عنهم بالضمير عائدا على { قومي } من قوله : { دعوت قومي ليلا ونهارا } ( ~~نوح : 5 ) فعدل عن PageV29P210 الإضمار إلى الإظهار على خلاف مقتضى الظاهر ~~لما يؤذن به وصف { الظالمين } من استحقاقهم الحرمان من عناية الله بهم ~~لظلمهم ، أي إشراكهم بالله ، فالظلم هنا الشرك { إن الشرك لظلم عظيم } ( ~~لقمان : 13 ) . # والضلال ، مستعار لعدم الاهتداء إلى طرائق المكر الذي خشي نوح غائلته في ~~قوله : { ومكروا مكرا كبارا } ( نوح : 22 ) ، أي حل بيننا وبين مكرهم ولا ~~تزدهم إمهالا في طغيانهم علينا إلا أن تضللهم عن وسائله ، فيكون الاستثناء ~~من تأكيد الشيء بما يشبه ضده ، أو أراد إبهام طرق النفع عليهم حتى تنكسر ~~شوكتهم وتلين شكيمتهم نظير قول موسى عليه السلام { ربنا اطمس على أموالهم ~~واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم } ( يونس : 88 ) . # وليس المراد بالضلال الضلال عن طريق الحق والتوحيد لظهور أنه ينافي دعوة ~~نوح قومه إلى الاستغفار والإيمان بالبعث فكيف يسأل الله أن يزيدهم منه . # ويجوز أن يكون الضلال أطلق على العذاب المسبب عن الضلال ، أي في عذاب يوم ~~القيامة وهو عذاب الإهانة ms8826 والآلام . # ويجوز أن تكون جملة معترضة وهي من كلام الله تعالى لنوح فتكون الواو ~~اعتراضية ويقدر قول محذوف : وقلنا لا تزد الظالمين . والمعنى : ولا تزد في ~~دعائهم فإن ذلك لا يزيدهم إلا ضلالا ، فالزيادة منه تزيدهم كفرا وعنادا . ~~وبهذا يبقى الضلال مستعملا في معناه المشهور في اصطلاح القرآن ، فصيغة ~~النهي مستعملة في التأييس من نفع دعوته إياهم . وأعلم الله نوحا أنه مهلكهم ~~بقوله : { أغرقوا فأدخلوا نارا الآية } ( نوح : 25 ) وهذا في معنى قوله : { ~~وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد ءامن فلا تبتئس بما كانوا ~~يفعلون واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون ~~} ( هود : 36 ، 37 ) . # ألا ترى أن ختام كلتا الآيتين متحد المعنى من قوله هنا { أغرقوا وقوله في ~~الآية الأخرى إنهم مغرقون . # } . PageV29P211 # جملة معترضة بين مقالات نوح عليه السلام وليست من حكاية قول نوح فهي ~~إخبار من الله تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم بأنه قدر النصر لنوح ~~والعقاب لمن عصوه من قومه قبل أن يسأله نوح استئصالهم فإغراق قوم نوح معلوم ~~للنبيء صلى الله عليه وسلم وإنما قصد إعلامه بسببه . # والغرض من الاعتراض بها التعجيل بتسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~ما يلاقيه من قومه مما يماثل ما لاقاه نوح من قومه على نحو قوله تعالى : { ~~ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون } ( إبراهيم : 42 ) . # ويجوز أن تكون متصلة بجملة { ولا تزد الظالمين إلا ضلالا } ( نوح : 24 ) ~~على الوجه الثاني المتقدم فيها من أن تكون من كلام الله تعالى الموجه إلى ~~نوح بتقدير : وقلنا لا تزد الظالمين إلا ضلالا ، وتكون صيغة المضي في قوله ~~: { أغرقوا } مستعملة في تحقق الوعد لنوح بإغراقهم ، وكذلك قوله : { ~~فأدخلوا نارا . # وقدم مما خطيئاتهم } على عامله لإفادة القصر ، أي أغرقوا فأدخلوا نارا من ~~أجل مجموع خطيئاتهم لا لمجرد استجابة دعوة نوح التي ستذكر عقب هذا ليعلم أن ~~الله لا يقر عباده على الشرك بعد أن يرسل إليهم رسولا وإنما تأخر عذابهم ~~إلى ms8827 ما بعد دعوة نوح لإظهار كرامته عند ربه بين قومه ومسرة له وللمؤمنين ~~معه وتعجيلا لما يجوز تأخيره . # و ( من ) تعليلية ، و ( ما ) مؤكدة لمعنى التعليل . # وجمع الخطيئات مراد بها الإشراك ، وتكذيب الرسول ، وأذاه ، وأذى المؤمنين ~~معه ، والسخرية منه حين توعدهم بالطوفان ، وما ينطوي عليه ذلك كله من ~~الجرائم والفواحش . # وقرأ الجمهور { خطيئاتهم } بصيغة جمع خطيئة بالهمز . وقرأه أبو عمرو وحده ~~{ خطاياهم } جمع خطية بالياء المشددة مدغمة فيها الياء المنقلبة عن همزة ~~للتخفيف . # وفي قوله : { أغرقوا فأدخلوا نارا } محسن الطباق لأن بين النار والغرق ~~المشعر بالماء تضادا . # وتفريع { فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا } تعريض بالمشركين من العرب ~~PageV29P212 الذين كانوا يزعمون أن الأصنام تشفع لهم وتدفع عنهم الكوارث ~~يعني في الدنيا لأنهم لا يؤمنون بالبعث ، أي كما لم تنصر الأصنام عبدتها من ~~قوم نوح كذلك لا تنصركم أصنامكم . # وضمير { يجدوا } عائد إلى { الظالمين } من قوله : { ولا تزد الظالمين إلا ~~ضلالا } ( نوح : 24 ) وكذلك ضمير { لهم } . # والمعنى : فلم يجدوا لأنفسهم أنصارا دون عذاب الله . # ( 26 27 ) . # عطف على { قال نوح رب إنهم عصوني } ( نوح : 21 ) أعقبه بالدعاء عليهم ~~بالإهلاك والاستئصال بأن لا يبقى منهم أحدا ، أي لا تبق منهم أحدا على ~~الأرض . # وأعيد فعل { قال } لوقوع الفصل بين أقوال نوح بجملة { مما خطيئاتهم } ( ~~نوح : 25 ) الخ ، أو بها وبجملة { ولا تزد الظالمين إلا ضلالا } ( نوح : 24 ~~) . # وقرنت بواو العطف لتكون مستقلة فلا تتبع جملة { إنهم عصوني للإشارة إلى ~~أن دعوة نوح حصلت بعد شكايته بقوله : إنهم عصوني . # وديارا } : اسم مخصوص بالوقوع في النفي يعم كل إنسان ، وهو اسم بوزن ~~فيعال مشتق من اسم الدار فعينه واو لأن عين دار مقدرة واوا ، فأصل ديار : ~~ديوار فلما اجتمعت الواو والياء واتصلتا وسبقت إحداهما بالسكون قلبت الواو ~~ياء ثم أدغمت في الياء الزائدة كما فعل بسيد وميت ، ومعنى ديار : من يحل ~~بدار القوم كناية عن إنسان . # ونظير ( ديار ) في العموم والوقوع في النفي أسماء كثيرة في كلام العرب ~~أبلغها ابن السكيت في ( إصلاح ms8828 المنطق ) إلى خمسة وعشرين ، وزاد كراع النمل ~~سبعة فبلغت اثنين وثلاثين اسما ، وزاد ابن مالك في ( التسهيل ) ستة فصارت ~~ثمانية وثلاثين . # ومن أشهرها : آحد ، وديار ، وعريب ، وكلها بمعنى الإنسان ، ولفظ ( بد ) ~~بضم الموحدة وتشديد الدال المهملة وهو المفارقة . PageV29P213 # وجملة { إنك إن تذرهم يضلوا عبادك } تعليل لسؤاله أن لا يترك الله على ~~الأرض أحدا من الكافرين يريد أنه خشي أن يضلوا بعض المؤمنين وأن يلدوا ~~أبناء ينشأون على كفرهم . # والأرض يجوز أن يراد بها جميع الكرة الدنيوية ، وأن يراد أرض معهودة ~~للمتكلم والمخاطبب كما في قوله تعالى : { قال اجعلني على خزائن الأرض يعني ~~أرض مصر في سورة يوسف . # ويحتمل أن يكون البشر يومئذ منحصرين في قوم نوح ، ويجوز خلافه ، وعلى هذه ~~الاحتمالات ينشأ احتمال أن يكون الطوفان قد غمر جميع الكرة الأرضية ، ~~واحتمال أن يكون طوفانا قاصرا على ناحية كبيرة من عموم الأرض ، والله أعلم ~~. وقد تقدم ذلك عند تفسير قوله تعالى : فأنجيناه والذين معه في الفلك في ~~سورة الأعراف . # وخبر إنك } مجموع الشرط مع جوابه الواقع بعد ( إن ) لأنه إذا اجتمع مبتدأ ~~وشرط رجح الشرط على المبتدأ فأعطي الشرط الجواب ولم يعط المبتدأ خبرا ~~لدلالة جملة الشرط وجوابه عليه . # وعلم نوح أنهم لا يلدون إلا فاجرا كفارا بأن أولادهم ينشأون فيهم ~~فيلقنونهم دينهم ويصدون نوحا عن أن يرشدهم فحصل له علم بهذه القضية بدليل ~~التجربة . # والمعنى : ولا يلدوا إلا من يصير فاجرا كفارا عند بلوغه سن العقل . # والفاجر : المتصف بالفجور ، وهو العمل الشديد الفساد . # والكفار : مبالغة في الموصوف بالكفر ، أي إلا من يجمع بين سوء الفعل وسوء ~~الإعتقاد ، قال تعالى : { أولئك هم الكفرة الفجرة } ( عبس : 42 ) . # وفي كلام نوح دلالة على أن المصلحين يهتمون بإصلاح جيلهم الحاضر ولا ~~يهملون تأسيس أسس إصلاح الأجيال الآتية إذ الأجيال كلها سواء في نظرهم ~~الإصلاحي . وقد انتزع عمر بن الخطاب من قوله تعالى : { والذين جاءوا من ~~بعدهم } ( الحشر : 10 ) دليلا على إبقاء أرض سواد العراق غير مقسومة بين ~~الجيش الذي فتح العراق وجعلها خراجا ms8829 لأهلها قصدا لدوام الرزق منها لمن ~~سيجيء من المسلمين . PageV29P214 # . # جعل الدعاء لنفسه ووالديه خاتمة مناجاته فابتدأ بنفسه ثم بأقرب الناس به ~~وهما والده ، ثم عمم أهله وذويه المؤمنين فدخل أولاده وبنوهم والمؤمنات من ~~أزواجهم وعبر عنهم بمن دخل بيته كناية عن سكناهم معه ، فالمراد بقوله { دخل ~~بيتي } دخول مخصوص وهو الدخول المتكرر الملازم . ومنه سميت بطانة المرء ~~دخيلته ودخلته ، ثم عمم المؤمنين والمؤمنات ، ثم عاد بالدعاء على الكفرة ~~بأن يحرمهم الله النجاح وهو على حد قوله المتقدم { ولا تزد الظالمين إلا ~~ضلالا } ( نوح : 24 ) . # والتبار : الهلاك والخسار ، فهو تخصيص للظالمين من قومه بسؤال استئصالهم ~~بعد أن شملهم وغيرهم بعموم قوله : { لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا } ~~( نوح : 26 ) حرصا على سلامة المجتمع الإنساني من شوائب المفاسد وتطهيره من ~~العناصر الخبيثة . # ووالداه : أبوه وأمه ، وقد ورد اسم أبيه في التوراة ( لمك ) وأما أمه فقد ~~ذكر الثعلبي أن اسمها شمخى بنت آنوش . # وقرأ الجمهور { بيتي } بسكون ياء المتكلم . وقرأه حفص عن عاصم بتحريكها . # واستثناء { إلا تبارا } منقطع لأن التبار ليس من الزيادة المدعو بنفيها ~~فإنه أراد لا تزدهم من الأموال والأولاد لأن في زيادة ذلك لهم قوة لهم على ~~أذى المؤمنين . وهذا كقول موسى عليه السلام : { ربنا إنك ءاتيت فرعون وملأه ~~زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك } ( يونس : 88 ) الآية ~~. وهذا من تأكيد الشيء بما يشبه ضده كقوله : { فلم يزدهم دعائي إلا فرارا } ~~( نوح : 6 ) . # PageV29P215 # | 1 ( سورة الجن ) 1 # سميت في كتب التفسير وفي المصاحف التي رأيناها ومنها الكوفي المكتوب ~~بالقيروان في القرن الخامس ( سورة الجن ) . وكذلك ترجمها الترمذي في كتاب ~~التفسير من ( جامعه ) ، وترجمها البخاري في كتاب التفسير ( سورة قل أوحي ~~إلي ) . # واشتهرت على ألسنة المكتبين والمتعلمين في الكتاتيب القرآنية باسم { قل ~~أوحي } ( الجن : 1 ) . # ولم يذكرها في ( الإتقان ) في عداد السور التي لها أكثر من اسم ووجه ~~التسميتين ظاهر . # وهي مكية بالاتفاق . # ويظهر أنها نزلت في حدود سنة عشر من البعثة . ففي ( الصحيحين ) و ( جامع ~~الترمذي ms8830 ) من حديث ابن عباس أنه قال : انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في طائفة من PageV29P216 أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ بنخلة وهو يصلي ~~بأصحابه صلاة الفجر وأنه استمع فريق من الجن إلى قراءته فرجعوا إلى طائفتهم ~~فقالوا : { إنا سمعنا قرآنا عجبا } ( الجن : 1 ) وأنزل الله على نبيئه { قل ~~أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن } ( الجن : 1 ) . # وذكر ابن إسحاق أن نزول هذه السورة كان بعد سفر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى الطائف يطلب النصرة من ثقيف ، أي وذلك يكون في سنة عشر بعد البعثة ~~وسنة ثلاث قبل الهجرة . # وقد عدت السورة الأربعين في نزول السور نزلت بعد الأعراف وقبل يس . # واتفق أهل العدد على عد آيها ثمانا وعشرين . # $ 2 ( { قل أوحى إلى أنه استمع نفر من الجن فقالو & # 1764 ا إنا سمعنا قرءانا عجبا * يهدى & # 1764 إلى الرشد فئامنا به ولن نشرك بربنآ أحدا * وأنه تعالى جد ربنا ما ~~اتخذ صاحبة ولا ولدا * وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا * وأنا ظننآ أن ~~لن تقول الإنس والجن على الله كذبا * وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال ~~من الجن فزادوهم رهقا * وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا * وأنا ~~لمسنا السمآء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا * وأنا كنا نقعد منها مقاعد ~~للسمع فمن يستمع الان يجد له شهابا رصدا * وأنا لا ندرى & # 1764 أشر أريد بمن فى الارض أم أراد بهم ربهم رشدا * وأنا منا الصالحون ~~ومنا دون ذلك كنا طرآئق قددا * وأنا ظننآ أن لن نعجز الله فى الارض ولن ~~نعجزه هربا * وأنا لما سمعنا الهدى ءامنا به فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ~~ولا رهقا * وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم فأولائك تحروا رشدا * ~~وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا * وألو استقاموا على الطريقة لاسقيناهم ~~مآء غدقا * لنفتنهم فيه ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا * وأن ~~المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا * وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا ms8831 ~~يكونون عليه لبدا * قل إنمآ أدعو ربى ولا أشرك به أحدا * قل إنى لا أملك ~~لكم ضرا ولا رشدا * قل إنى لن يجيرنى من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا * ~~إلا بلاغا من الله ورسالاته ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين ~~فيهآ أبدا * حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا * قل ~~إن أدرى & # 1764 أقريب ما توعدون أم يجعل له ربى & # 1764 أمدا * عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا * إلا من ارتضى من رسول ~~فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا * ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم ~~وأحاط بما لديهم وأحصى كل شىء عددا } ) 2 $ أغراضها # إثبات كرامة للنبيء صلى الله عليه وسلم بأن دعوته بلغت إلى جنس الجن ~~وإفهامهم فهم معان من القرآن الذي استمعوا للنبيء صلى الله عليه وسلم وفهم ~~ما يدعو إليه من التوحيد والهدى ، وعلمهم بعظمة الله وتنزيهه عن الشريك ~~والصاحبة والولد . # وإبطال عبادة ما يعبد من الجن . # وإبطال الكهانة وبلوغغ علم الغيب إلى غير الرسل الذين يطلعهم الله على ما ~~يشاء . # وإثبات أن لله خلقا يدعون الجن وأنهم أصناف منهم الصالحون ومنهم دون ذلك ~~بمراتب ، وتضليل الذين يتقولون على الله ما لم يقله ، والذين يعبدون الجن ، ~~والذين ينكرون البعث ، وأن الجن لا يفلتون من سلطان الله تعالى . # وتعجبهم من الإصابة برجوم الشهب المانعة من استراق السمع ، وفي المراد من ~~هذا المنع والتخلص من ذلك إلى ما أوحى الله إلى رسوله صلى الله عليه وسلم ~~من في شأن القحط الذي أصاب المشركين لشركهم ولمنعهم مساجد الله ، وإنذارهم ~~بأنهم سيندمون على تألبهم على النبي صلى الله عليه وسلم ومحاولتهم منه ~~العدول عن الطعن في دينهم . # ( 1 2 ) { } . PageV29P217 # افتتاح السورة بالأمر بالقول يشير إلى أن ما سيذكر بعده حدث غريب وخاصة ~~بالنسبة للمشركين الذين هم مظنة التكذيب به كما يقتضيه قوله : { كما ظننتم ~~أن لن يبعث الله أحدا } ( الجن : 7 ) حسبما يأتي . # أمر الله رسوله صلى الله عليه ms8832 وسلم بأن يعلم المسلمين وغيرهم بأن الله ~~أوحى إليه وقوع حدث عظيم في دعوته أقامه الله تكريما لنبيئه وتنويها ~~بالقرآن وهو أن سخر بعضا من النوع المسمى جنا لاستماع القرآن وألهمهم أو ~~علمهم فهم ما سمعوه واهتداءهم إلى مقدار إرشاده إلى الحق والتوحيد وتنزيه ~~الله والإيمان بالبعث والجزاء فكانت دعوة الإسلام في أصولها بالغة إلى عالم ~~من العوالم المغيبة لا علاقة لموجوداته بالتكاليف ولا بالعقائد بل هو عالم ~~مجبول أهله على ما جبلوا عليه من خير أو شر لا يعدو أحدهم في مدة الدنيا ~~جبلته فيكون على معيارها مصيره الأبدي في الحياة الآخرة ولذلك لم يبعث ~~إليهم بشرائع . # وقد كشف الله لهذا الفريق منهم حقائق من عقيدة الإسلام وهديه ففهموه . # هذا العالم هو عالم الجن وهو بحسب ما يستخلص من ظواهر القرآن ومن صحاح ~~الأخبار النبوية وحسنها نوع من المجردات أعني الموجودات اللطيفة غير ~~الكثيفة ، الخفية عن حاسة البصر والسمع ، منتشرة في أمكنة مجهولة ليست على ~~سطح الأرض ولا في السماوات بل هي في أجواء غير محصورة وهي من مقولة الجوهر ~~من الجواهر المجردات أي ليست أجساما ولا جسمانيات بل هي موجودات روحانية ~~مخلوقة من عنصر ناري ولها حياة وإرادة وإدراك خاص بها لا يدرى مداه . وهذه ~~المجردات النارية جنس من أجناس الجواهر تحتوي على الجن وعلى الشياطين فهما ~~نوعان لجنس المجردات النارية لها إدراكات خاصة وتصرفات محدودة وهي مغيبة عن ~~الأنظار ملحقة بعالم الغيب لا تراها الأبصار ولا تدركها أسماع الناس إلا ~~إذا أوصل الله الشعور بحركاتها وإراداتها إلى البشر على وجه المعجزة خرقا ~~للعادة لأمر قضاه الله وأراده . # وبتعاضد هذه الدلائل وتناصرها وإن كان كل واحد منها لا يعدو أنه ظني ~~الدلالة وهي ظواهر القرآن ، أو ظني المتن والدلالة وهي الأحاديث الصحيحة ، ~~حصل ما يقتضي الإعتقاد بوجود موجودات خفية تسمى الجن فتفسر بذلك معاني آيات ~~من القرآن وأخبار من السنة . PageV29P218 # وليس ذلك مما يدخل في أصول عقيدة الإسلام ولذلك لم نكفر منكري وجود ~~موجودات معينة من هذا النوع ms8833 إذ لم تثبت حقيقتها بأدلة قطعية ، بخلاف حال من ~~يقول : إن ذكر الجن لم يذكر في القرآن بعد علمه بآيات ذكره . # وأما ما يروى في الكتب من أخبار جزئية في ظهورهم للناس وإتيانهم بأعمال ~~عجيبة فذلك من الروايات الخيالية . # وإنا لم نلق أحدا من أثبات العلماء الذين لقيناهم من يقول : إنه رأى ~~أشكالهم أو آثارهم وما نجد تلك القصص إلا على ألسنة الذين يسرعون إلى ~~التصديق بالأخبار أو تغلب عليهم التخيلات . # وإن كان فيهم من لا يتهم بالكذب ولكنه مما يضرب له مثل قول المعري : # ومثلكك من تخيل ثم خالا # فظهور الجن للنبيء صلى الله عليه وسلم تارات كما في حديث الجني الذي تفلت ~~ليفسد عليه صلاته هو من معجزاته مثل رؤيته الملائكة ورؤيته الجنة والنار في ~~حائط القبلة وظهور الشيطان لأبي هريرة في حديث زكاة الفطر . # وقد مضى ذكر الجن عند قوله : { وجعلوا لله شركاء الجن في سورة الأنعام ، ~~وقوله : ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس في سورة الأعراف . # والذين أمر الرسول بأن يقول لهم أنه أوحي إليه بخبر الجن : هم جميع الناس ~~الذين كان النبي يبلغهم القرآن من المسلمين والمشركين أراد الله إبلاغهم ~~هذا الخبر لما له من دلالة على شرف هذا الدين وشرف كتابه وشرف من جاء به ، ~~وفيه إدخال مسرة على المسلمين وتعريض بالمشركين إذ كان الجن قد أدركوا شرف ~~القرآن وفهموا مقاصده وهم لا يعرفون لغته ولا يدركون بلاغته فأقبلوا عليه ، ~~والذين جاءهم بلسانهم وأدركوا خصائص بلاغته أنكروه وأعرضوا عنه . # وفي الإخبار عن استماع الجن للقرآن بأنه أوحي إليه ذلك إيماء إلى أنه ما ~~علم بذلك إلا بإخبار الله إياه بوقوع هذا الاستماع ، فالآية تقتضي أن ~~الرسول لم يعلم بحضور الجن لاستماع القرآن قبل نزول هذه الآية . # وأما آية الأحقاف وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن ~~PageV29P219 الآيات فتذكير بما في هذه الآية أو هي إشارة إلى قصة أخرى ~~رواها عبد الله بن مسعود وهي في صحيح مسلم } في أحاديث القراءة في الصلوات ms8834 ~~ولا علاقة لها بهذه الآية . # وقوله : { أنه استمع نفر من الجن } في موضع نائب فاعل { أوحي } أي أوحي ~~إلي استماع نفر . وتأكيد الخبر الموحى بحرف ( أن ) للاهتمام به لغرابته . # وضمير { أنه } ضمير الشأن وخبره جملة { استمع نفر من الجن } وفي ذلك ~~زيادة اهتمام بالخبر الموحى به . # ومفعول { استمع } محذوف دل عليه { إنا سمعنا قرآنا } ، أي استمع القرآن ~~نفر من الجن . # والنفر : الجماعة من واحد إلى عشرة وأصله في اللغة لجماعة من البشر فأطلق ~~على جماعة من الجن على وجه التشبيه إذ ليس في اللغة لفظ آخر كما أطلق رجال ~~في قوله : { يعوذون برجال من الجن } ( الجن : 6 ) على شخوص الجن . وقولهم : ~~{ إنا سمعنا قرآنا عجبا } قالوه لبعض منهم لم يحضر لاستماع القرآن ألهمهم ~~الله أن ينذروهم ويرشدوهم إلى الصلاح قال تعالى في سورة الأحقاف ( 29 ، 30 ~~) { وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا ~~فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا الآيات . # ومعنى القول هنا : إبلاغ مرادهم إلى من يريدون أن يبلغوه إليهم من نوعهم ~~بالكيفية التي يتفاهمون بها ، إذ ليس للجن ألفاظ تجري على الألسن فيما يظهر ~~، فالقول هنا مستعار للتعبير عما في النفس مثل قوله تعالى : قالت نملة يا ~~أيها النمل ادخلوا مساكنكم } ( النمل : 18 ) فيكون ذلك تكريما لهذا الدين ~~أن جعل الله له دعاة من الثقلين . # ويجوز أن يكون قولا نفسيا ، أي خواطر جالت في مدركاتهم جولان القول الذي ~~ينبعث عن إرادة صاحب الإدراك به إبلاغ مدركاته لغيره ، فإن مثل ذلك يعبر ~~عنه بالقول كما في بيت النابغة يتحدث عن كلب صيد : # قالت له النفس إني لا أرى طمعا # وإن مولاك لم يسلم ولم يصد PageV29P220 # ومنه قوله تعالى : { ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول } ( ~~المجادلة : 8 ) . # وتأكيد الخبر ب ( أن ) لأنهم أخبروا به فريقا منهم يشكون في وقوعه فأتوا ~~في كلامهم بما يفيد تحقيق ما قالوه وهو الذي يعبر عن مثله في العربية بحرف ~~( إن ) . # ووصف ms8835 القرآن بالعجب وصف بالمصدر للمبالغة في قوة المعنى ، أي يعجب منه ، ~~ومعنى ذلك أنه بديع فائق في مفاده . # وقد حصل لهم العلم بمزايا القرآن بانكشاف وهبهم الله إياه . قال المازري ~~في ( شرح صحيح مسلم ) ( لا بد لمن آمن عند سماع القرآن أن يعلم حقيقة ~~الإعجاز وشروط المعجزة ، وبعد ذلك يقع العلم بصدق الرسول ؛ فإما أن يكون ~~الجن قد علموا ذلك أو علموا من كتب الرسل المتقدمة ما دلهم على أنه هو ~~النبي الأمي الصادق المبشر به ) اه . وأنا أقول : حصل للجن علم جديد بذلك ~~بإلهام من الله لأدلة كانوا لا يشعرون بها إذ لم يكونوا مطالبين بمعرفتها ، ~~وأن فهمهم للقرآن من قبيل الإلهام خلقه الله فيهم على وجه خرق العادة كرامة ~~للرسول صلى الله عليه وسلم وللقرآن . # والإيمان بالقرآن يقتضي الإيمان بمن جاء به وبمن أنزله ولذلك قالوا { ولن ~~نشرك بربنا أحدا . # وقد حصل لهؤلاء النفر من الجن شرف المعرفة بالله وصفاته وصدق رسوله وصدق ~~القرآن وما احتوى عليه ما سمعوه منه فصاروا من خيرة المخلوقات ، وأكرموا ~~بالفوز في الحياة الآخرة فلم يكونوا ممن ذرأ الله لجهنم من الجن والإنس . # ومتعلق استمع } محذوف دل عليه قوله بعده { فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا . # والرشد } : بضم الراء وسكون الشين ( أو يقال بفتح الراء وفتح الشين ) هو ~~الخير والصواب والهدى . واتفقت القراءات العشر على قراءته بضم فسكون . # وقولهم : { ولن نشرك بربنا أحدا ، } أي ينتفي ذلك في المستقبل . وهذا ~~يقتضي أنهم كانوا مشركين ولذلك أكدوا نفي الإشراك بحرف التأبيد فكما أكد ~~خبرهم عن القرآن والثناء عليه ب ( إن ) أكد خبرهم عن إقلاعهم عن الإشراك ب ~~{ لن } . PageV29P221 # . # هذا محكي عن كلام الجن ، قرأه الجمهور بكسر همزة { إنه } على اعتباره ~~معطوفا على قولهم : { إنا سمعنا قرآنا عجبا } ( الجن : 1 ) إذ يجب كسر همزة ~~( إن ) إذا حكيت بالقول . # وقرأه ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص وأبو جعفر وخلف بفتح الهمزة على أنه ~~معطوف على الضمير المجرور بالباء في قوله : { فآمنا به } ( الجن : 2 ) أي ~~وآمنا بأنه تعالى جد ms8836 ربنا . وعدم إعادة الجار مع المعطوف على المجرور ~~بالحرف مستعمل ، وجوزه الكوفيون ، على أن حرف الجر كثير حذفه مع ( أن ) فلا ~~ينبغي أن يختلف في حذفه هنا على هذا التأويل . # قال في ( الكشاف ) : { أنه استمع } ( الجن : 1 ) بالفتح لأنه فاعل أوحي ( ~~أي نائب الفاعل ) { وإنا سمعنا } بالكسر لأنه مبتدأ محكي بعد القول ثم تحمل ~~عليهما البواقي فما كان من الوحي فتح وما كان من قول الجن كسر ، وكلهن من ~~قولهم ، إلا الثنتين الأخريين : { وأن المساجد لله } ( الجن : 18 ) ، { ~~وأنه لما قام عبد الله } ( الجن : 19 ) ومن فتح كلهن فعطفا على محل الجار ~~والمجرور في { ءامنا به } ( الجن : 2 ) كأنه قيل : صدقناه وصدقنا أنه تعالى ~~جد ربنا ، وأنه كان يقول سفيهنا ، وكذلك البواقي اه . # والتعالي : شدة العلو ، جعل شديد العلو كالمتكلف العلو لخروج علوه عن ~~غالب ما تعارفه الناس فأشبه التكلف . # والجد : بفتح الجيم العظمة والجلال ، وهذا تمهيد وتوطئة لقوله : { ما ~~اتخذ صاحبة ولا ولدا ، } لأن اتخاذ الصاحبة للافتقار إليها لأنسها وعونها ~~والالتذاذ بصحبتها ، وكل ذلك من آثار الاحتياج ، والله تعالى الغني المطلق ~~، وتعالي جده بغناه المطلق ، والولد يرغب فيه للاستعانة والأنس به ، مع ما ~~يقتضيه من انفصاله من أجزاء والديه وكل ذلك من الافتقار والانتقاص . # وضمير { إنه } ضمير شأن وخبره جملة { تعالى جد ربنا . # وجملة ما اتخذ صاحبة } إلى آخرها بدل اشتمال من جملة { تعالى جد ربنا . ~~PageV29P222 # وتأكيد الخبر ب ( إن ) سواء كانت مكسورة أو مفتوحة لأنه مسوق إلى فريق ~~يعتقدون خلاف ذلك من الجن . # والاقتصار في بيان تعالي جد الله على انتفاء الصاحبة عنه والولد ينبىء ~~بأنه كان شائعا في علم الجن ما كان يعتقده المشركون أن الملائكة بنات الله ~~من سروات الجن وما اعتقاد المشركين إلا ناشىء عن تلقين الشيطان وهو من الجن ~~، ولأن ذلك مما سمعوه من القرآن مثل قوله تعالى : سبحانه أنى يكون له ولد ~~ولم تكن له صاحبة في سورة الأنعام . # وإعادة لا } النافية مع المعطوف للتأكيد للدلالة على أن المعطوف منفي ~~باستقلاله لدفع توهم ms8837 نفي المجموع . # وضمير الجماعة في قوله : { ربنا } عائد إلى كل متكلم مع تشريك غيره ، ~~فعلى تقدير أنه من كلام الجن فهو قول كل واحد منهم عن نفسه ومن معه من بقية ~~النفر . # . # قرأه الجمهور بكسرة همزة { وإنه } . وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص ~~وأبو جعفر وخلف بفتح الهمزة كما تقدم في قوله : { وأنه تعالى جد ربنا } ( ~~الجن : 3 ) فقد يكون إيمانهم بتعالي الله عن أن يتخذ صاحبة وولدا ناشئا على ~~ما سمعوه من القرآن وقد يكون ناشئا على إدراكهم ذلك بأدلة نظرية . # والسفيه : هنا جنس ، وقيل : أرادوا به إبليس ، أي كان يلقنهم صفات الله ~~بما لا يليق بجلاله ، أي كانوا يقولون على الله شططا قبل نزول القرآن ~~بتسفيههم في ذلك . # والشطط : مجاوزة الحد وما يخرج عن العدل والصواب ، وتقدم في قوله تعالى : ~~{ ولا تشطط في سورة ص . والمراد بالشطط إثبات ما نفاه قوله : ولن نشرك ~~بربنا أحدا } ( الجن : 2 ) وقوله : { ما اتخذ صاحبة ولا ولدا } ( الجن : 3 ~~) وضمير { وإنه } ضمير الشأن . # والقول فيه وفي التأكيد ب ( إن ) مكسورة أو مفتوحة كالقول في قوله : { ~~وإنه تعالى جد ربنا } ( الجن : 3 ) الخ . PageV29P223 # . # قرأ همزة { أن } بالكسر الجمهور وأبو جعفر ، وقرأها بالفتح ابن عامر وحفص ~~وحمزة والكسائي وخلف . # فعلى قراءة كسر ( إن ) هو من المحكي بالقول ، ومعناه الاعتذار عما اقتضاه ~~قولهم : { فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا } ( الجن : 2 ) من كونهم كانوا ~~مشركين لجهلهم وأخذهم قول سفهائهم يحسبونهم لا يكذبون على الله . # والتأكيد ب { إن } لقصد تحقيق عذرهم فيما سلف من الإشراك ، وتأكيد ~~المظنون ب { لن } المفيدة لتأييد النفي يفيد أنهم كانوا متوغلين في حسن ~~ظنهم بمن ضللوهم ويدل على أن الظن هنا بمعنى اليقين وهو يقين مخطىء . # وعلى قراءة الفتح هو عطف على المجرور بالباء في قوله : { فآمنا به } ( ~~الجن : 2 ) فالمعنى : وآمنا فإنما ظننا ذلك فأخطأنا في ظننا . # وفي هذه الآية إشارة إلى خطر التقليد في العقيدة ، وأنها لا يجوز فيها ~~الأخذ بحسن الظن بالمقلد بفتح اللام بل يتعين النظر واتهام ms8838 رأي المقلد حتى ~~ينهض دليله . # وقرأ الجمهور { تقول } بضم القاف وسكون الواو . وقرأه يعقوب بفتح القاف ~~والواو مشددة ، من التقول وهو نسبة كلام إلى من لم يقله وهو في معنى الكذب ~~وأصله تتقول بتاءين فعلى هذه القراءة يكون { كذبا } مصدرا مؤكدا لفعل { ~~تقول } لأنه مرادفه . # . # قرأ الجمهور همزة { وإنه } بالكسر . وقرأها ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص ~~وأبو PageV29P224 جعفر وخلف بفتح الهمزة عطفا على المجرور بالباء ، ~~والمقصود منه هو قوله : { فزادوهم رهقا } وأما قوله : { كان رجال من الإنس ~~} الخ ، فهو تمهيد لما بعده . # وإطلاق الرجال على الجن على طريق التشبيه والمشاكلة لوقوعه مع رجال من ~~الإنس فإن الرجل اسم للذكر البالغ من بني آدم . # والتأكيد ب ( إن ) مكسورة أو مفتوحة راجع إلى ما تفرع على خبرها من قولهم ~~{ فزادوهم رهقا . # والعوذ : الالتجاء إلى ما ينجي من شيء يضر ، قال تعالى : وقل رب أعوذ بك ~~من همزات الشياطين } ( المؤمنون : 97 ) ، فإذا حمل العوذ على حقيقته كان ~~المعنى أنه كان رجال يلتجئون إلى الجن ليدفع الجن عنهم بعض الأضرار فوقع ~~تفسير ذلك بما كان يفعله المشركون في الجاهلية إذا سار أحدهم في مكان قفر ~~ووحش أو تعزب في الرعي كانوا يتوهمون أن الجن تسكن القفر ويخافون تعرض الجن ~~والغيلان لهم وعبثها بهم في الليل فكان الخائف يصيح بأعلى صوته : يا عزيز ~~هذا الوادي إني أعوذ بك من السفهاء الذين في طاعتك ، فيخال أن الجني الذي ~~بالوادي يمنعه ، قالوا : وأول من سن ذلك لهم قوم من أهل اليمن ثم بنو حنيفة ~~ثم فشا ذلك في العرب وهي أوهام وتخيلات . # وزعم أهل هذا التفسير أن معنى { فزادوهم رهقا } أن الجن كانوا يحتقرون ~~الإنس بهذا الخوف فكانوا يكثرون من التعرض لهم والتخيل إليهم فيزدادون بذلك ~~مخافة . # والرهق : الذل . # والذي أختاره في معنى الآية أن العوذ هنا هو الالتجاء إلى الشيء ~~والالتفاف حوله . وأن المراد أنه كان قوم من المشركين يعبدون الجن اتقاء ~~شرها . ومعنى { فزادوهم رهقا } فزادتهم عبادتهم إياهم ضلالا . والرهق : ~~يطلق على الإثم . # . # قرأ الجمهور ms8839 ووافقهم أبو جعفر بكسر همزة { وإنهم } . وقرأ ابن عامر وحمزة ~~والكسائي وحفص وخلف بفتح الهمزة على اعتبار ما تقدم في قوله تعالى : { وإنه ~~PageV29P225 تعالى جد ربنا } ( الجن : 3 ) . # والمعنى : أن رجالا من الإنس ظنوا أن الله لا يبعث أحدا ، أو وأنا آمنا ~~بأنهم ظنوا كما ظننتم الخ ، أي آمنا بأنهم أخطأوا في ظنهم . # والتأكيد ب ( إن ) المكسورة أو المفتوحة للاهتمام بالخبر لغايته . والبعث ~~يحتمل بعث الرسل ويحتمل بعث الأموات للحشر ، أي حصل لهم مثلما حصل لكم من ~~إنكار الحشر ومن إنكار إرسال الرسل . # والإخبار عن هذا فيه تعريض بالمشركين بأن فساد اعتقادهم تجاوز عالم الإنس ~~إلى عالم الجن . # وجملة { كما ظننتم } معترضة بين { ظنوا } ومعموله ، فيجوز أن تكون من ~~القول المحكي يقول الجن بعضهم لبعض يشبهون كفارهم بكفار الإنس . # ويجوز أن تكون من كلام الله تعالى المخاطب به المشركون الذي أمر رسوله ~~بأن يقوله لهم ، وهذا الوجه يتعين إذا جعلنا القول في قوله تعالى : { ~~فقالوا إنا سمعنا } ( الجن : 1 ) عبارة عما جال في نفوسهم على أحد الوجهين ~~السابقين هنالك . # و { أن } من قوله : { أن لن يبعث } مخففة من الثقيلة واسمها ضمير شأن ~~محذوف . # وجملة { لن يبعث الله أحدا } خبره . والتعبير بحرف تأبيد النفي للدلالة ~~على أنهم كانوا غير مترددين في إحالة وقوع البعث . # ( 8 9 ) . # قرأ الجمهور ووافقهم أبو جعفر بكسر الهمزة . وقرأ ابن عامر وحمزة ~~والكسائي وحفص وخلف بفتح الهمزة عطفا على المجرور بالباء فيكون من عطفه على ~~المجرور بالباء هو قوله : { فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا # والتأكيد ب ( إن ) في قولهم : وإنا لمسنا السماء } لغرابة الخبر باعتبار ~~ما يليه من قوله : { وإنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع } الخ . PageV29P226 # واللمس : حقيقته الجس باليد ، ويطلق مجازا على اختبار أمر لأن إحساس اليد ~~أقوى إحساس ، فشبه به الاختيار على طريق الاستعارة كما أطلق مرادفه وهو ~~المس على الاختبار في قول يزيد بن الحكم الكلابي : # مسسنا من الآباء شيئا فكلنا # إلى نسب في قومه غير واضع # أي اختبرنا نسب آبائنا ms8840 وآبائكم فكنا جميعا كرام الآباء . # و { ملئت } : مستعمل في معنى كثر فيها . وحقيقة الملء عمر فراغ المكان أو ~~الإناء بما يحل فيه ، فأطلق هنا على كثرة الشهب والحراس على وجه الاستعارة ~~. # والحرس : اسم جمع للحراس ولا واحد له من لفظه مثل خدم ، وإنما يعرف ~~الواحد منه بالحرسي . ووصف بشديد وهو مفرد نظرا إلى لفظ حرس كما يقال : ~~السلف الصالح ، ولو نظر إلى ما يتضمنه من الآحاد لجاز أن يقال : شداد . ~~والطوائف من الحرس أحراس . # والشهب : جمع شهاب وهو القطعة التي تنفصل عن بعض النجوم فتسقط في الجو أو ~~في الأرض أو البحر وتكون مضاءة عند انفصالها ثم يزول ضوؤها ببعدها عن ~~مقابلة شعاع الشمس وتسمى الواحد منها عند علماء الهيئة نيزكا باسم الرمح ~~القصير ، وقد تقدم الكلام عليها في أول سورة الصافات . # والمعنى : إننا اختبرنا حال السماء لاستراق السمع فوجدناها كثيرة الحراس ~~من الملائكة وكثيرة الشهب للرجم ، فليس في الآية ما يؤخذ منه أن الشهب لم ~~تكن قبل بعث النبي صلى الله عليه وسلم كما ظنه الجاحظ فإن العرب ذكروا ~~تساقط الشهب في بعض شعرهم في الجاهلية . كما قال في ( الكشاف ) وذكر شواهده ~~من الشعر الجاهلي . # نعم يؤخذ منها أن الشهب تكاثرت في مدة الرسالة المحمدية حفظا للقرآن من ~~دسائس الشياطين كما دل عليه قوله عقبه { وإنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع ~~فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا } وسيأتي بيان ذلك . # وهذا الكلام توطئة وتمهيد لقولهم بعده : { وإنا كنا نقعد منها مقاعد ~~للسمع } إلى آخره ، إذ المقصود أن يخبروا من لا خبر عنده من نوعهم بأنهم قد ~~تبينوا سبب شدة حراسة السماء وكثرة الشهب ، وأما نفس الحراسة وكثرة الشهب ~~فإن المخبرين ( بفتح الباء ) يشاهدونه . PageV29P227 # وقوله : { وإنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع } الخ قرأه بكسر الهمزة الذين ~~قرأوا بالكسر قوله : { وإنا لمسنا السماء } وبفتح الهمزة الذين قرأوا ~~بالفتح وهذا من تمام قولهم : { وإنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا ~~وشهبا } . وإنما أعيد معه كلمة { وإنا } للدلالة على أن الخبر الذي ms8841 تضمنه ~~هو المقصود وأن ما قبله كالتوطئة له فإعادة { وإنا } توكيد لفظي . # وحقيقة القعود الجلوس وهو ضد القيام ، أي هو جعل النصف الأسفل مباشرا ~~للارض مستقرا عليها وانتصاب النصف الأعلى . وهو هنا مجاز في ملازمة المكان ~~زمنا طويلا لأن ملازمة المكان من لوازم القعود ومنه قوله تعالى : { واقعدوا ~~لهم كل مرصد } ( التوبة : 5 ) . # والمقاعد : جمع مقعد وهو مفعل للمكان الذي يقع فيه القعود ، وأطلق هنا ~~على مكان الملازمة فإن القعود يطلق على ملازمة الحصول كما في قول امرىء ~~القيس : # فقلت يمين الله أبرح قاعدا # واللام في قوله : { للسمع } لام العلة أي لأجل السمع ، أي لأن نسمع ما ~~يجري في العالم العلوي من تصاريف الملائكة بالتكوين والتصريف ، ولعل الجن ~~منساقون إلى ذلك بالجبلة كما تنساق الشياطين إلى الوسوسة ، وضمير { منها } ~~للسماء . # و ( من ) تبعيضية ، أي من ساحاتها وهو متعلق ب { نقعد } ، وليس المجرور ~~حالا من { مقاعد } مقدما على صاحبه لأن السياق في الكلام على حالهم في ~~السماء فالعناية بمتعلق فعل القعود أولى ، ونظيره قول كعب : # يمشي القراد عليها ثم يزلقه # منها لبان وأقرب زهاليل # فقوله ( منها ) متعلق بفعل ( يزلقه ) وليس حالا من ( لبان ) . # وأعلم أنه قد جرى على قوله تعالى : { مقاعد للسمع } مبحث في مباحث فصاحة ~~الكلمات نسبه ابن الأثير في ( المثل السائر ) إلى ابن سنان الخفاجي فقال : ~~إنه قد يجيء من الكلام ما معه قرينه فأوجب قبحه كقول الرضي في رثاء الصابي ~~: # أعزز علي بأن أراك وقد خلا # عن جانبيك مقاعد العواد # فإن إيراد هذه اللفظة ( أي مقاعد ) في هذا الموضع صحيح إلا أنه يوافق ما ~~PageV29P228 يكره ذكره لا سيما وقد أضافه إلى من يحتمل إضافته ( أي ما يكره ~~) إليه وهم العواد . ولو انفرد لكان الأمر فيه سهلا . قال ابن الأثير : هذه ~~اللفظة المعيبة في شعر الرضي قد جاءت في القرآن فجاءت حسنة مرضية في قوله ~~تعالى : { تبوىء المؤمنين مقاعد للقتال } ( آل عمران : 121 ) وقوله : { ~~وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع } ، ألا ترى أنها في هاتين الآيتين غير ~~مضافة إلى ms8842 من تقبح إضافتها إليه ولو قال الشاعر بدلا من مقاعد العواد مقاعد ~~الزيارة لزالت تلك الهجنة اه . وأقول : إن لمصطلحات الناس في استعمال ~~الكلمات أثرا في وقع الكلمات عند الأفهام . # والفاء التي فرعت { من يستمع الآن يجد له شهابا رصدا } تفريع على محذوف ~~دل عليه فعل { كنا } وترتب الشرط وجزائه عليه وتقديره : كنا نقعد منها ( أي ~~من السماء ) مقاعد للسمع فنستمع أشياء فمن يستمع الآن لا يتمكن من السماع . # وكلمة { الآن } مقابل كلمة { كنا } ، أي كان ذلك ثم انقضى . # وجيء بصيغة الشرط وجوابه في التفريع لأن الغرض تحذير إخوانهم من التعرض ~~للاستماع لأن المستمع يتعرض لأذى الشهب . # والجن لا تنكف عن ذلك لأنهم منساقون إليه بالطبع مع ما ينالهم من أذى ~~الرجم والاحتراق ، شأن انسياق المخلوقات إلى ما خلقت له مثل تهافت الفراش ~~على النار ، لاحتمال ضعف القوة المفكرة في الجن بحيث يغلب عليها الشهوة ، ~~ونحن نرى البشر يقتحمون الأخطار والمهالك تبعا للهوى مثل مغامرات الهواة في ~~البحار والجبال والثلوج . # ووقع { شهابا } في سياق الشرط يفيد العموم لأن سياق الشرط بمنزلة سياق ~~النفي في إفادة عموم النكرة . # والرصد : اسم جمع راصد وهو الحافظ للشيء وهو وصف ل { شهابا } ، أي شهبا ~~راصدة ، ووصفها بالرصد استعارة شبهت بالحراس الراصدين . وهذا إشارة إلى ~~انقراض الكهانة إذ الكاهن يتلقى من الجني أنباء مجملة بما يتلقفه الجني من ~~خبر الغيب تلقف اختطاف ناقصا فيكمله الكاهن بحدسه بما يناسب مجاري أحوال ~~قومه وبلده . وفي الحديث ( فيزيد على تلك الكلمة مائة كذبة ) . PageV29P229 # وأما اتصال نفوس الكهان بالنفوس الشيطانية فيجوز أن يكون من تناسب بين ~~النفوس ، ومعظمه أوهام . وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكهان فقال ~~: ( ليسوا بشيء ) . # أخرج البخاري عن ابن عباس قال ( كان الجن يستمعون الوحي ) ( أي وحي الله ~~إلى الملائكة بتصاريف الأمور ) فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~منعوا ، فقالوا : ما هذا إلا لأمر حدث فضربوا في الأرض يتحسسون السبب فلما ~~وجدوا رسول الله قائما يصلي بمكة قالوا : هذا الذي حدث ms8843 في الأرض فقالوا ~~لقومهم : { إنا سمعنا قرآنا عجبا } ( الجن : 1 ) الآية وأنزل على نبيئه { ~~قل أوحي إليه أنه استمع نفر من الجن } ( الجن : 1 ) وإنما أوحي إليه قول ~~الجن اه . # ولعل كيفية حدوث رجم الجن بالشهب كان بطريقة تصريف الوحي إلى الملائكة في ~~مجار تمر على مواقع انقضاض الشهب حتى إذا اتصلت قوى الوحي بموقع أحد الشهب ~~انفصل الشهاب بقوة ما يغطه من الوحي فسقط مع مجرى الوحي ليحرسه من اقتراب ~~المسترق حتى يبلغ إلى الملك الموحى إليه فلا يجد في طريقه قوة شيطانية أو ~~جنية إلا أحرقها وبخرها فهلكت أو استطيرت وبذلك بطلت الكهانة وكان ذلك من ~~خصائص الرسالة المحمدية . # . # قرأه الجمهور وأبو جعفر بكسر الهمزة وهو ظاهر المعنى ، وقرأ ابن عامر ~~وحمزة والكسائي وحفص وخلف بفتحها عطفا على المجرور بالباء كما تقدم فيكون ~~المعنى : وآمنا بأنا انتفى علمنا بما يراد بالذين في الأرض ، أي الناس ، أي ~~لأنهم كانوا يسترقون علم ذلك فلما حرست السماء انقطع علمهم بذلك . هذا ~~توجيه القراءة بفتح همزة { أنا } ومحاولة غير هذا تكلف . # وهذه نتيجة ناتجة عن قولهم : { وإنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع } ( الجن ~~: 9 ) الخ لأن ذلك السمع كان لمعرفة ما يجري به الأمر من الله للملائكة ~~ومما يخبرهم به مما يريد إعلامهم به فكانوا على علم من بعض ما يتلقفونه ~~فلما منعوا السمع صاروا لا يعلمون شيئا من ذلك فأخبروا إخوانهم بهذا عساهم ~~أن يعتبروا بأسباب هذا التغير PageV29P230 فيؤمنوا بالوحي الذي حرسه الله ~~من أن يطلع عليه أحد قبل الذي يوحى به إليه والذي يحمله إليه . # فحاصل المعنى : إنا الآن لا ندري ماذا أريد بأهل الأرض من شر أو خير بعد ~~أن كنا نتجسس الخبر في السماء . # وهذا تمهيد لما سيقولونه من قوله : { وإنا منا الصالحون } ( الجن : 11 ) ~~ثم قولهم : { وإنا ظننا أن لن نعجز الله في الأرض } ( الجن : 12 ) ثم قولهم ~~: { وإنا لما سمعنا الهدى آمنا به إلى قوله : فكانوا لجهنم حطبا } ( الجن : ~~13 15 ) . # ومفعول { ندري } هو ما دل ms8844 عليه الاستفهام بعده من قوله : { أشر أريد بمن ~~في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا } وهو الذي علق فعل { ندري } عن العمل ، ~~والاستفهام حقيقي وعادة المعربين لمثله أن يقدروا مفعولا يستخلص من ~~الاستفهام تقديره : لا ندري جواب هذا الاستفهام ، وذلك تقدير معنى لا تقدير ~~إعراب . هذا هو تفسير الآية على المعنى الأكمل وهي من قبيل قوله تعالى : { ~~وما أدري ما يفعل بي ولا بكم } ( الأحقاف : 9 ) . # وليس المراد منها فيما نرى أنهم ينفون أن يعلموا ماذا أراد الله بهذه ~~الشهب ، فإن ذلك لا يناسب ما تقدم من أنهم آمنوا بالقرآن إذ قالوا : { إنا ~~سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به } ( الجن : 1 ، 2 ) وقولهم : { ~~فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا } ( الجن : 9 ) فذلك صريح في أنهم يدرون ~~أن الله أراد بمن في الأرض خيرا بهذا الدين وبصرف الجن عن استراق السمع . # وتكرير ( إن ) واسمها للتأكيد لكون هذا الخبر معرضا لشك السامعين من الجن ~~الذين لم يختبروا حراسة السماء . # والرشد : إصابة المقصود النافع وهو وسيلة للخير ، فلهذا الاعتبار جعل ~~مقابلا للشر وأسند فعل إرادة الشر إلى المجهول ولم يسند إلى الله تعالى مع ~~أن مقابله أسند إليه بقوله : { أم أراد بهم ربهم رشدا ، } جريا على واجب ~~الأدب مع الله تعالى في تحاشي إسناد الشر إليه . # . PageV29P231 # قرأ الجمهور وأبو جعفر بكسر الهمزة . وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص ~~وخلف بفتحها وهو من قول الجن . # وقراءة فتح الهمزة عطف على المجرور بالباء ، أي آمنا بأنا منا الصالحون ، ~~أي أيقنا بذلك وكنا في جهالة عن ذلك . # ظهرت عليهم آثار التوفيق فعلموا أنهم أصبحوا فريقين فريق صالحون وفريق ~~ليسوا بصالحين ، وهم يعنون بالصالحين أنفسهم وبمن دون الصلاح بقية نوعهم ، ~~فلما قاموا مقام دعوة إخوانهم إلى اتباع طريق الخير لم يصارحوهم بنسبتهم ~~إلى الإفساد بل ألهموا وقالوا منا الصالحون ، ثم تلطفوا فقالوا : ومنا دون ~~ذلك ، الصادق بمراتب متفاوتة في الشر والفساد ليتطلب المخاطبون دلائل ~~التمييز بين الفريقين ، على أنهم تركوا لهم احتمال أن يعنى ms8845 بالصالحين ~~الكاملون في الصلاح فيكون المعني بمن دون ذلك من هم دون مرتبة الكمال في ~~الصلاح ، وهذا من بليغ العبارات في الدعوة والإرشاد إلى الخير . # و { دون } : اسم بمعنى ( تحت ) ، وهو ضد فوق ولذلك كثر نصبه على الظرفية ~~المكانية ، أي في مكان منحط عن الصالحين . # والتقدير : ومنا فريق في مرتبة دونهم . # وظرفية { دون } مجازية . ووقع الظرف هنا ظرفا مستقرا في محل الصفة لموصوف ~~محذوف تقديره : فريق ، كقوله تعالى : { وما منا إلا له مقام معلوم } ( ~~الصافات : 164 ) ويطرد حذف الموصوف إذا كان بعض اسم مجرور بحرف ( من ) ~~مقدمم عليه وكانت الصفة ظرفا كما هنا ، أو جملة كقول العرب : منا ظعن ومنا ~~أقام . # وقوله : { كنا طرائق قددا } تشبيه بليغ ، شبه تخالف الأحوال والعقائد ~~بالطرائق تفضي كل واحدة منها إلى مكان لا تفضي إليه الأخرى . # و { طرائق } : جمع طريقة ، والطريقة هي الطريق ، ولعلها تختص بالطريق ~~الواسع الواضح لأن التاء للتأكيد مثل دار ودارة ، ومثل مقام ومقامة ، ولذلك ~~شبه بها أفلاك الكواكب في قوله تعالى { ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق } ( ~~المؤمنون : 17 ) ووصفت بالمثلى في قوله : { ويذهبا بطريقتكم المثلى } ( طه ~~: 63 ) . # ووصف { طرائق } ب { قددا ، } وهو اسم جمع قدة بكسر القاف وتشديد ~~PageV29P232 الدال والقدة : القطعة من جلد ونحوه المقطوعة طولا كالسير ، ~~شبهت الطرائق في كثرتها بالقدد المقتطعة من الجلد يقطعها صانع حبال القد ~~كانوا يقيدون بها الأسرى . # والمعنى : أنهم يدعون إخوتهم إلى وحدة الإعتقاد باقتفاء هدى الإسلام ، ~~فالخبر مستعمل في التعريض بذم الاختلاف بين القوم وأن على القوم أن يتحدوا ~~ويتطلبوا الحق ليكون اتحادهم على الحق . # وليس المقصود منه فائدة الخبر لأن المخاطبين يعلمون ذلك ، والتوكيد ب ( ~~إن ) متوجه إلى المعنى التعريضي . # . # قرأ الجمهور وأبو جعفر بكسر همزة { وإنا } . وقرأ ابن عامر وحمزة ~~والكسائي وحفص وخلف بفتحها عطفا على المجرور في قوله : { فآمنا به } ( الجن ~~: 2 ) . والتقدير : وءامنا بأن لن نعجز الله في الأرض . وذكر فعل { ظننا } ~~تأكيد لفظي لفعل ( آمنا ) المقدر بحرف العطف ، لأن الإيمان يقين وأطلق الظن ~~هنا على اليقين وهو إطلاق ms8846 كثير . # لما كان شأن الصلاح أن يكون مرضيا عند الله تعالى وشأن ضده بعكس ذلك كما ~~قال تعالى : { والله لا يحب الفساد } ( البقرة : 205 ) أعقبوا لتعريض ~~الإقلاع عن ضد الصلاح بما يقتضي أن الله قد أعد لغير الصالحين عقابا ~~فأيقنوا أن عقاب الله لا يفلت منه أحد استحقه . وقدموه على الأمر بالإيمان ~~الذي في قوله : { وإنا لما سمعنا الهدى } ( الجن : 13 ) الآية ، لأن درء ~~المفاسد مقدم على جلب المصالح والتخلية مقدمة على التحلية ، وقد استفادوا ~~علم ذلك مما سمعوا من القرآن ولم يكونوا يعلمون ذلك من قبل إذ لم يكونوا ~~مخاطبين بتعليم في أصول العقائد ، فلما ألهمهم الله لاستماع القرآن وعلموا ~~أصول العقائد حذروا إخوانهم اعتقاد الشرك ووصف الله بما لا يليق به لأن ~~الإعتقاد الباطل لا يقره الإدراك المستقيم بعد تنبيهه لبطلانه ، وقد جعل ~~الله هذا النفر من الجن نذيرا لإخوانهم ومرشدا إلى الحق الذي أرشدهم إليه ~~القرآن ، وهذا لا يقتضي أن الجن مكلفون بشرائع الإسلام . PageV29P233 # وأما قوله تعالى : { ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا ~~يفقهون بها } ( الأعراف : 179 ) الآية فقد أشار إلى أن عقابهم على الكفر ~~والإشراك ، أو أريد بالجن الشياطين فإن الشياطين من جنس الجن . # والإعجاز : جعل الغير عاجزا أي غير قادر عن أمر بذكر مع ما يدل على العجز ~~وهو هنا كناية عن الإفلات والنجاة كقول إياس بن قبيصة الطائي : # ألم تر أن الأرض رحب فسيحة # فهل تعجزني بقعة من بقاعها # أي لا تفوتني ولا تخرج عن مكنتي . # وذكر { في الأرض } يؤذن بأن المراد بالهرب في قوله : { ولن نعجزه هربا } ~~الهرب من الرجم بالشهب ، أي لا تطمعوا أن تسترقوا السمع فإن رجم الشهب في ~~السماء لا يخطئكم ، فابتدأوا الإنذار من عذاب الدنيا استنزالا لقومهم . # ويجوز أن يكون { نعجز } الأول بمعنى مغالب كقوله تعالى : { فما هم ~~بمعجزين } ( النحل : 46 ) أي لا يغلبون قدرتنا ، ويكون { في الأرض } مقصودا ~~به تعميم الأمكنة كقوله تعالى : { وما أنتم بمعجزين في الأرض } ( الشورى : ~~31 ) ، أي في مكان كنتم ms8847 . والمراد : أنا لا نغلب الله بالقوة . ويكون { ~~نعجز } الثاني ، بمعنى الإفلات ولذلك بين ب { هربا } ، والهرب مجاز في ~~الانفلات مما أراد الله إلحاقه بهم من الرجم والاحتراق . # والظن هنا مستعمل في اليقين بقرينة تأكيد المظنون بحرف { لن } الدال على ~~تأبيد النفي وتأكيده . # . # قرأ الجمهور وأبو جعفر بكسر الهمزة . وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص ~~وخلف بفتحها عطفا على المجرور في قوله : { فآمنا به } ( الجن : 2 ) . # والمقصود بالعطف قوله : { فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا } ، وأما ~~جملة { لما سمعنا الهدى ءامنا به } فتوطئة لذلك . PageV29P234 # بعد أن ذكروا قومهم بعذاب الله في الدنيا أو اطمأنوا بتذكر ذلك في نفوسهم ~~، عادوا إلى ترغيبهم في الإيمان بالله وحده ، وتحذيرهم من الكفر بطريق ~~المفهوم . وأريد بالهدى القرآن إذ هو المسموع لهم ووصفوه بالهدى للمبالغة ~~في أنه هاد . # ومعنى { يؤمن بربه ، } أي بوجوده وانفراده بالإلهية كما يشعر به إحضار ~~اسمه بعنوان الرب إذ الرب هو الخالق فما لا يخلق لا يعبد . # وجملة { فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا } يجوز أن تكون من القول ~~المحكي عن الجن . ويجوز أن تكون كلاما من الله موجها للمشركين وهي معترضة ~~بين الجملتين المتعاطفتين . # والبخس : الغبن في الأجر ونحوه . # والرهق : الإهانة ، أي لا يخشى أن يبخس في الجزاء على إيمانه ولا أن يهان ~~. وفهم منه أن من لا يؤمن يهان بالعذاب . والخلاف في كسر همزة { إنا } ~~وفتحها كالخلاف في التي قبلها . # وجملة { فلا يخاف بخسا ولا رهقا } جواب لشرط ( من ) جعلت بصورة الجملة ~~الاسمية فقرنت بالفاء مع أن ما بعد الفاء فعل ، وشأن جواب الشرط أن لا ~~يقترن بالفاء إلا إذا كان غير صالح لأن يكون فعل الشرط فكان اقترانه بالفاء ~~وهو فعل مضارع مشيرا إلى إرادة جعله خبر مبتدأ محذوف بحيث تكون الجملة ~~اسمية ، والاسمية تقترن بالفاء إذا وقعت جواب شرط ، فكان التقدير هنا : فهو ~~لا يخاف ليكون دالا على تحقيق سلامته من خوف البخس والرهق ، وليدل عل ~~اختصاصه بذلك دون غيره الذي لا يؤمن بربه ms8848 ، فتقدير المسند إليه قبل الخبر ~~الفعلي يقتضي التخصيص تارة والتقوي أخرى وقد يجتمعان كما تقدم في قوله ~~تعالى : { الله يستهزىء بهم } ( البقرة : 15 ) . واجتمعا هنا كما أشار إليه ~~في ( الكشاف ) بقوله : فكان دالا على تحقيق أن المؤمن ناج لا محالة وأنه هو ~~المختص بذلك دون غيره . وكلام ( الكشاف ) اقتصر على بيان مزية الجملة ~~الاسمية وهو يقتضي توجيه العدول عن جزم الفعل لأجل ذلك . # وقد نقول : إن العدول عن تجريد الفعل من الفاء وعن جزمه لدفع إيهام أن ~~تكون { لا } ناهية ، فهذا العدول صراحة في إرادة الوعد دون احتمال إرادة ~~النهي . # وفي ( شرح الدماميني على التسهيل ) : أن جواب الشرط إذا كان فعلا منفيا ~~PageV29P235 ب ( لا ) يجوز الاقتران بالفاء وتركه . ولم أره لغيره وكلام ( ~~الكشاف ) يقتضي أن الاقتران بالفاء واجب إلا إذا قصدت مزية أخرى . # ( 14 15 ) . # . # قرأ الجمهور وأبو جعفر بكسر الهمزة . وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص ~~وخلف بفتحها وهو من قول الجن وهو عطف على المجرور بالباء . والمقصود بالعطف ~~قوله : { فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا } وما قبله توطئة له ، أي أصبحنا بعد ~~سماع القرآن منا المسلمون ، أي الذين اتبعوا ما جاء به الإسلام مما يليق ~~بحالهم ومنا القاسطون ، أي الكفارون المعرضون وهذا تفصيل لقولهم : { وإنا ~~منا الصالحون ومنا دون ذلك } ( الجن : 11 ) لأن فيه تصريحا بأن دون ذلك هو ~~ضد الصلاح . # والظاهر أن من منتهى ما حكي عن الجن من المدركات التي عبر عنها بالقول ~~وما عطف عليه . # . # الظاهر أن هذا خارج عن الكلام المحكي عن الجن ، وأنه كلام من جانب الله ~~تعالى لموعظة المشركين من الناس فهو في معنى التذييل . وإنما قرن بالفاء ~~لتفريعه على القصة لاستخلاص العبرة منها ، فالتفريع تفريع كلام على كلام ~~وليس تفريع معنى الكلام على معنى الكلام الذي قبله . # والتحري : طلب الحرا بفتحتين مقصورا واويا ، وهو الشيء الذي ينبغي أن ~~يفعل ، يقال : بالحري أن تفعل كذا ، وأحرى أن تفعل . # والرشد : الهدى والصواب ، وتنوينه للتعظيم . # والمعنى : أن من آمن بالله فقد توخى سبب النجاة وما ms8849 يحصل به الثواب لأن ~~الرشد سبب ذلك . # والقاسط : اسم فاعل قسط من باب ضرب قسطا بفتح القاف وقسوطا بضمها ، أي ~~جار فهو كالظلم يراد به ظلم المرء نفسه بالإشراك . وفي ( الكشاف ) : ~~PageV29P236 أن الحجاج قال لسعيد بن جبير حين أراد قتله ما تقول في ؟ قال : ~~قاسط عادل ، فقال القوم : ما أحسن ما قال حسبوا أنه وصفه بالقسط ( بكسر ~~القاف ) والعدل ، فقال الحجاج : يا جهلة إنه سماني ظالما مشركا وتلا لهم ~~قوله تعالى : { وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا } وقوله تعالى : { ثم ~~الذين كفروا بربهم يعدلون } ( الأنعام : 1 ) اه . # وشبه حلول الكافرين في جهنم بحلول الحطب في النار على طريقة التمليح ~~والتحقير ، أي هم لجهلهم كالحطب الذي لا يعقل كقوله تعالى : { فاتقوا النار ~~التي وقودها الناس والحجارة } ( البقرة : 24 ) . # وإقحام فعل ( كانوا ) لتحقيق مصيرهم إلى النار حتى كأنهم كانوا كذلك من ~~زمن مضى . # ( 16 17 ) . # اتفق القراء العشرة على فتح همزة : { أن لو استقاموا } ، فجملة { أن لو ~~استقاموا } معطوفة على جملة { أنه استمع نفر من الجن } ( الجن : 1 ) ، ~~والواو من الحكاية لا من المحكي ، فمضمونها شأن ثانن مما أوحي إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأمره الله أن يقوله للناس . والتقدير : وأوحي إلي أنه ~~لو استقام القاسطون فأسلموا لما أصابهم الله بإمساك الغيث . # و { أن } مخففة من الثقيلة ، وجيء ب { أن } المفتوحة الهمزة لأن ما بعدها ~~معمول لفعل { أوحي } ( الجن : 1 ) فهو في تأويل المصدر ، واسمها محذوف وهو ~~ضمير الشأن وخبره { لو استقاموا } إلى آخر الجملة . وسبك الكلام : أوحي إلي ~~إسقاء الله إياهم ماء في فرض استقامتهم . # وضمير { استقاموا } يجوز أن يعود إلى القاسطين بدون اعتبار القيد بأنهم ~~من الجن وهو من عود الضمير إلى اللفظ مجردا عن ما صدقه كقولك : عندي درهم ~~ونصفه ، أي نصف درهم آخر . PageV29P237 # ويجوز أن يكون عائدا إلى غير مذكور في الكلام ولكنه معروف من المقام إذ ~~السورة مسوقة للتنبيه على عناد المشركين وطعنهم في القرآن ، فضمير { ~~استقاموا } عائد إلى المشركين ، وذلك كثير في ضمائر الغيبة التي في ms8850 القرآن ~~، وكذلك أسماء الإشارة كما تنبهنا إليه ونبهنا عليه ، ولا يناسب أن يعاد ~~على القاسطين من الجن إذ لا علاقة للجن بشرب الماء . # والاستقامة على الطريقة : استقامة السير في الطريق وهي السير على بصير ~~بالطريق دون اعوجاج ولا اغترار ببنيات الطريق . # و { الطريقة } : الطريق : ولعلها خاصة بالطريق الواسع الواضح كما تقدم ~~آنفا في قوله { كنا طرائق قددا } ( الجن : 11 ) . # والاستقامة على الطريقة تمثيل لهيئة المتصف بالسلوك الصالح والاعتقاد ~~الحق بهيئة السائر سيرا مستقيما على طريقة ، ولذلك فالتعريف في { الطريقة } ~~للجنس لا للعهد . # وقوله : { لأسقيناهم ماء غدقا : } وعد بجزاء على الاستقامة في الدين جزاء ~~حسنا في الدنيا يكون عنوانا على رضى الله تعالى وبشارة بثواب الآخرة قال ~~تعالى : { من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ~~ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون } ( النحل : 97 ) . # وفي هذا إنذار بأنه يوشك أن يمسك عنهم المطر فيقعوا في القحط والجوع وهو ~~ما حدث عليهم بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ودعائه عليهم ~~بسنين كسني يوسف فإنه دعا بذلك في المدينة في القنوت كما في حديث ( ~~الصحيحين ) عن أبي هريرة وقد بينا ذلك في سورة الدخان . وقد كانوا يوم نزول ~~هذه الآية في بحبوحة من العيش وفي نخيل وجنات فكان جعل ترتبب الإسقاء على ~~الاستقامة على الطريقة كما اقتضاه الشرط بحرف { لو } مشيرا إلى أن المراد : ~~لأدمنا عليهم الإسقاء بالماء الغذق ، وإلى أنهم ليسوا بسالكين سبيل ~~الاستقامة فيوشك أن يمسك عنهم الري ففي هذا إنذار بأنهم إن استمروا على ~~اعوجاج الطريقة أمسك عنهم الماء . وبذلك يتناسب التعليل بالإفتان في قوله : ~~{ لنفتنهم فيه } مع الجملة السابقة إذ يكون تعليلا لما تضمنه معنى إدامة ~~الإسقاء فإنه تعليل للإسقاء الموجود حين نزول PageV29P238 الآية وليس ~~تعليلا للإسقاء المفروض في جواب { لو } لأن جواب { لو } منتفف فلا يصلح لأن ~~يعلل به ، وإنما هم مفتونون بما هم فيه من النعمة فأراد الله أن يوقظ ~~قلوبهم بأن استمرار النعمة عليهم فتنة لهم فلا تغرنهم . فلام ms8851 التعليل في ~~قوله : { لنفتنهم فيه } ظرف مستقر في موضع الحال من { ماء غدقا } وهو الماء ~~الجاري لهم في العيون ومن السماء تحت جناتهم وفي زروعهم فهي حال مقارنة . # وبهذا التفسير تزول الحيرة في استخلاص معنى الآية وتعليلها . # والغدق : بفتح الغين المعجمة وفتح الدال الماء الغزير الكثير . # وجملة { لنفتنهم فيه } إدماج فهي معترضة بين جملة { وأن لو استقاموا على ~~الطريقة } الخ وبين جملة { ومن يعرض عن ذكر ربه } الخ . # ثم أكدت الكناية عن الإنذار المأخوذة من قوله : { وأن لو استقاموا على ~~الطريقة لأسقيناهم } الآية ، بصريح الإنذار بقوله : { ومن يعرض عن ذكر ربه ~~نسلكه عذابا صعدا ، } أي فإن أعرضوا انقلب حالهم إلى العذاب فسلكنا بهم ~~مسالك العذاب . # والسلك : حقيقته الإدخال ، وفعله قاصر ومتعد ، يقال : سلكه فسلك ، قال ~~الأعشى : # كما سلك السكي في الباب فيتق # أي أدخل المسمار في الباب نجار . # وتقدم عند قوله تعالى : { كذلك نسلكه في قلوب المجرمين في سورة الحجر . # واستعمل السلك هنا في معنى شدة وقوع الفعل على طريق الاستعارة وهي ~~استعارة عزيزة . والمعنى : نعذبه عذابا لا مصرف عنه . # وانتصب عذابا } على نزع الخافض وهو حرف الظرفية ، وهي ظرفية مجازية تدل ~~على أن العذاب إذا حل به يحيط به إحاطة الظرف بالمظروف . # والعدول عن الإضمار إلى الإظهار في قوله : { عن ذكر ربه } دون أن يقول : ~~PageV29P239 عن ذكرنا ، أو عن ذكري ، لاقتضاء الحال الإيماء إلى وجه بناء ~~الخبر فإن المعرض عن ربه الذي خلقه وأنشأه ودبره حقيق بأن يسلك عذابا صعدا ~~. # والصعد : الشاق الغالب ، وكأنه جاء من مصدر صعد ، كفرح إذا علا وارتفع ، ~~أي صعد على مفعوله وغلبه ، كما يقال : علاه بمعنى تمكن منه ، { وأن لا ~~تعلوا على الله } ( الدخان : 19 ) . # وقرأ الجمهور { نسلكه } بنون العظمة ففيه التفات . وقرأه عاصم وحمزة ~~والكسائي ويعقوب وخلف { يسلكه } بياء الغائب فالضمير المستتر يعود إلى ربه ~~. # . # اتفق القراء العشرة على فتح الهمزة في { وأن المساجد لله } فهي معطوفة ~~على مرفوع { أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن } ( الجن : 1 ) ، ومضمونها مما ~~أوحي به إلى ms8852 النبي صلى الله عليه وسلم وأمر بأن يقوله . والمعنى : قل أوحي ~~إلي أن المساجد لله ، فالمصدر المنسبك مع { أن } واسمها وخبرها نائب فاعل { ~~أوحي } ( الجن : 1 ) . # والتقدير : أوحي إلي اختصاص المساجد بالله ، أي بعبادته لأن بناءها إنما ~~كان ليعبد الله فيها ، وهي معالم التوحيد . # وعلى هذا الوجه حمل سيبويه الآية وتبعه أبو علي في ( الحجة ) . # وذهب الخليل أن الكلام على حذف لام جر قبل { أن } ، فالمجرور مقدم على ~~متعلقه للاهتمام . والتقدير : ولأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا . # واللام في قوله { لله } للاستحقاق ، أي الله مستحقها دون الأصنام ~~والأوثان فمن وضع الأصنام في مساجد الله فقد اعتدى على الله . # والمقصود هنا هو المسجد الحرام لأن المشركين كانوا وضعوا فيه الأصنام ~~والأنصاب وجعلوا الصنم ( هبل ) على سطح الكعبة ، قال تعالى : { ومن أظلم ~~ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها } ( البقرة : 114 ) ~~يعني بذلك المشركين من قريش . # وهذا توبيخ للمشركين على اعتدائهم على حق الله وتصرفهم فيما ليس لهم أن ~~PageV29P240 يغيروه قال تعالى : { وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا ~~أولياءه } ( الأنفال : 34 ) ، وإنما عبر في هذه الآية وفي آية { ومن أظلم ~~ممن منع مساجد الله } ( البقرة : 114 ) بلفظ { مساجد } ليدخل الذين يفعلون ~~مثل فعلهم معهم في هذا الوعيد ممن شاكلهم ممن غيروا المساجد ، أو لتعظيم ~~المسجد الحرام ، كما جمع { رسلي } في قوله : { فكذبوا رسلي فكيف كان نكير } ~~( سبأ : 45 ) ، على تقدير أن يكون ضمير { كذبوا عائدا إلى الذين كفروا في ~~قوله : وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم إن هذا إلا سحر مبين } ( سبأ : 43 ~~) أي كذبوا رسولي . # ومنه قوله تعالى : { وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم } ( الفرقان : 37 ~~) يريد نوحا ، وهو أول رسول فهو المقصود بالجمع . # وفرع على اختصاص كون المساجد بالله النهي عن أن يدعوا مع الله أحدا ، ~~وهذا إلزام لهم بالتوحيد بطريق القول بالموجب لأنهم كانوا يزعمون أنهم أهل ~~بيت الله فعبادتهم غير الله منافية لزعمهم ذلك . # ( 19 20 ) . # قرأ نافع وحده وأبو بكر ms8853 عن عاصم بكسر الهمزة . وقرأه بقية العشرة في ~~رواياتهم المشهورة بالفتح . # ومآل القراءتين سواء في كون هذا خارجا عما صدر عن الجن وفي كونه مما أوحى ~~الله به . # فكسر الهمزة على عطف الجملة على جملة { أوحي إلي } ( الجن : 1 ) ، ~~والتقدير : وقل إنه لما قام عبد الله يدعوه لأن همزة ( إن ) إذا وقعت في ~~محكي بالقول تكسر ، ولا يليق أن يجعل من حكاية مقالة الجن لأن ذلك قد انقضى ~~وتباعد ونقل الكلام إلى أغراض أخرى ابتداء من قوله : { وأن المساجد لله } ( ~~الجن : 18 ) . # وأما الفتح فعلى اعتباره معطوفا على جملة { أنه استمع نفر } ( الجن : 1 ) ~~، أي وأوحي إلي أنه لما قام عبد الله ، أي أوحى الله إلي اقتراب المشركين ~~من أن يكونوا لبدا على عبد الله لما قام يدعو ربه . PageV29P241 # وضمير { إنه } ضمير الشأن وجملة { لما قام عبد الله } إلى آخرها خبره . # وضمير { كادوا يكونون } عائدان إلى المشركين المنبىء عنهم المقام غيبة ~~وخطابا ابتداء من قوله : { وأن لو استقاموا على الطريقة } ( الجن : 16 ) ~~إلى قوله : { فلا تدعوا مع الله أحدا } ( الجن : 18 ) . # و { عبد الله } هو محمد صلى الله عليه وسلم وضع الاسم الظاهر موضع المضمر ~~إذ مقتضى الظاهر أن يقال : وأنه لما قمت تدعو الله كادوا يكونون عليك ، أو ~~لما قمت أدعو الله ، كادوا يكونون علي . ولكن عدل إلى الاسم الظاهر لقصد ~~تكريم النبي صلى الله عليه وسلم بوصف { عبد الله } لما في هذه الإضافة من ~~التشريف مع وصف { عبد } كما تقدم غير مرة منها عند قوله : { سبحان الذي ~~أسرى بعبده } ( الإسراء : 1 ) . # { ولبدا } بكسر اللام وفتح الموحدة اسم جمع : لبدة ، وهي ما تلبد بعضه ~~على بعض ، ومنه لبدة الأسد للشعر المتراكم في رقبته . # والكلام على التشبيه ، أي كاد المشركون يكونون مثل اللبد متراصين مقتربين ~~منه يستمعون قراءته ودعوته إلى توحيد الله . وهو التفاف غيظ وغضب وهمم ~~بالأذى كما يقال : تألبوا عليه . # ومعنى { قام } : اجتهد في الدعوة إلى الله ، كقوله تعالى : { إذ قاموا ~~فقالوا ربنا رب السماوات والأرض في سورة ms8854 الكهف ، وقال النابغة : # بأن حصنا وحيا من بني أسد # قاموا فقالوا حمانا غير مقروب # وقد تقدم عند قوله تعالى : ويقيمون الصلاة في أول سورة البقرة . # ومعنى قيام النبي إعلانه بالدعوة وظهور دعوته قال جزء بن كليب الفقعسي : # فلا تبغينها يا بن كوز فإنه # غذا الناس مذ قام النبي الجواريا # أي قام يعبد الله وحده ، كما دل عليه بيانه بقوله بعده : قال إنما أدعو ~~ربي ولا أشرك به أحدا } ، فهم لما لم يعتادوا دعاء غير الأصنام تجمعوا لهذا ~~الحدث العظيم عليهم وهو دعاء محمد صلى الله عليه وسلم لله تعالى . ~~PageV29P242 # وجملة { قل إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحدا } بيان لجملة { يدعوه } . # وقرأ الجمهور { قال } بصيغة الماضي . وقرأه حمزة وعاصم وأبو جعفر { قل } ~~بدون ألف على صيغة الأمر ، فتكون الجملة استئنافا . والتقدير : أوحي إلي ~~أنه لما قام عبد الله إلى آخره قل إنما أدعو ربي ، فهو من تمام ما أوحي به ~~إليه . # و { إنما أدعو ربي } ، يفيد قصرا ، أي لا أدعو غيره ، أي لا أعبد غيره ~~دونه . # وعطف عليه { ولا أشرك به أحدا } تأكيدا لمفهوم القصر ، وأصله أن لا يعطف ~~فعطفه لمجرد التشريك للعناية باستقلاله بالإبلاغ . # ( 21 23 ) . # . # هذا استئناف ابتدائي . وهو انتقال من ذكر ما أوحي به إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلى توجيه خطاب مستأنف إليه ، فبعد أن حكي في هذه السورة ما أوحى ~~الله إلى رسوله صلى الله عليه وسلم مما خفي عليه من الشؤون المتعلقة به من ~~اتباع متابعين وإعراض معرضين ، انتقل إلى تلقينه ما يرد على الذين أظهروا ~~له العناد والتورك . # ويجوز أن يكون { قل إني لا أملك } الخ ، تكريرا لجملة { قل إنما أدعو ربي ~~} ( الجن : 20 ) على قراءة حمزة وعاصم وأبي جعفر . # والضر : إشارة إلى ما يتوركون به من طلب إنجاز ما يتوعدهم به من النصر ~~عليهم . # وقوله : { ولا رشدا } تتميم . # وفي الكلام احتباك لأن الضر يقابله النفع ، والرشد يقابله الضلال ، ~~فالتقدير : لا أملك لكم ضرا ولا نفعا ولا ضلالا ولا رشدا . # والرشد بفتحتين ms8855 : مصدر رشد ، والرشد ، بضم فسكون : الاسم ، وهو معرفة ~~الصواب ، وقد تقدم قريبا في قوله : { يهدي إلى الرشد } ( الجن : 2 ) . ~~PageV29P243 # وتركيب { لا أملك لكم } معناه لا أقدر قدرة لأجلكم على ضر ولا نفع ، وقد ~~تقدم عند قوله تعالى : { وما أملك لك من الله من شيء في سورة الممتحنة ~~وتقدم أيضا في سورة الأعراف . # وجملتا قل إني لن يجيرني } إلى { ملتحدا } معترضتان بين المستثنى منه ~~والمستثنى ، وهو اعتراض رد لما يحاولونه منه أن يترك ما يؤذيهم فلا يذكر ~~القرآن إبطال معتقدهم وتحقير أصنامهم ، قال تعالى : { وإذا تتلى عليهم ~~آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائتت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما ~~يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن اتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ~~ربي عذاب يوم عظيم } ( يونس : 15 ) . # والملتحد : اسم مكان الالتحاد ، والالتحاد : المبالغة في اللحد ، وهو ~~العدول إلى مكان غير الذي هو فيه ، والأكثر أن يطلق ذلك على اللجأ ، أي ~~العياذ بمكان يعصمه . والمعنى : لن أجد مكانا يعصمني . # و { من دونه } حال من { ملتحدا } ، أي ملتحدا كائنا من دون الله أي بعيدا ~~عن الله غير داخل من ملكوته ، فإن الملتحد مكان فلما وصف بأنه من دون الله ~~كان المعنى أنه مكان من غير الأمكنة التي في ملك الله ، وذلك متعذر ، ولهذا ~~جاء لنفي وجدانه حرف { لن } الدال على تأييد النفي . # و { من } في قوله : { من دونه } مزيدة جارة للظرف وهو ( دون ) . # وقوله : { إلا بلاغا من الله ورسالاته } استثناء منقطع من { ضرا } و { ~~رشدا } ، وليس متصلا لأن الضر والرشد المنفيين في قوله : { لا أملك لكم ضرا ~~ولا رشدا } هما الضر والرشد الواقعان في النفس بالإلجاء . # ويجوز أن يكون مع ذلك استثناء من { ملتحدا } ، أي بتأويل { ملتحدا } ~~بمعنى مخلص أو مأمن . # وهذا الاستثناء من أسلوب تأكيد الشيء بما يشبه ضده . # والبلاغ : اسم مصدر بلغ ، أي أوصل الحديث أو الكلام ، ويطلق على الكلام ~~المبلغ من إطلاق المصدر على المفعول مثل { هذا خلق الله } ( لقمان : 11 ) . ~~PageV29P244 # و ms8856 { من } ابتدائية صفة ( بلاغ ) ، أي بلاغا كائنا من جانب الله ، أي إلا ~~كلاما أبلغه من القرآن الموحى من الله . # و { رسالاته } : جمع رسالة ، وهي ما يرسل من كلام أو كتاب فالرسالات بلاغ ~~خاص بألفاظ مخصوصة ، فالمراد منها هنا تبليغ القرآن . # . # لما كان قوله : { قال إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحدا } ( الجن : 20 ) ~~إلى هنا كلاما متضمنا أنهم أشركوا وعاندوا الرسول صلى الله عليه وسلم حين ~~دعاهم إلى التوحيد واقترحوا عليه ما توهموه تعجيزا له من ضروب الاقتراح ، ~~أعقب ذلك بتهديدهم ووعيدهم بأنهم إن داموا على عصيان الله ورسوله سيلقون ~~نار جهنم لأن كل من يعصي الله ورسوله كانت له نار جهنم . # و { من } شرطية وجواب الشرط قوله : { فإن له نار جهنم . # } . # كانوا إذا سمعوا آيات الوعد بنصر الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين في ~~الدنيا والآخرة ، وآيات الوعيد للمشركين بالانهزام وعذاب الآخرة وعذاب ~~الدنيا استسخروا من ذلك وقالوا : { وما نحن بمعذبين } ( سبأ : 35 ) ، ~~ويقولون : { متى هذا الفتح إن كنتم صادقين } ( السجدة : 28 ) ، ويقولون : { ~~متى هذا الوعد إن كنتم صادقين } ( يونس : 48 ) ، وقالوا : { ربنا عجل لنا ~~قطنا قبل يوم الحساب } ( ص : 16 ) ، فهم مغرورون بالاستدراج والإمهال فلذلك ~~عقب وعيدهم بالغاية المفادة من { حتى } ، فالغاية هنا متعلقة بمحذوف يدل ~~عليه الكلام من سخرية الكفار من الوعيد واستضعافهم المسلمين في العدد ~~والعدد فإن ذلك يفهم منه أنهم لا يزالون يحسبون أنهم غالبون فائزون حتى إذا ~~رأوا ما يوعدون تحققوا إخفاق آمالهم . # و { حتى } هنا ابتدائية وكلما دخلت { حتى } في جملة مفتتحة ب { إذا } ف { ~~حتى } PageV29P245 للابتداء وما بعدها جملة ابتدائية . وذهب الأخفش وابن ~~مالك إلى أن { حتى } في مثله جارة وأن { إذا } في محل جر وليس ببعيد . # واعلم أن { حتى } لا يفارقها معنى الغاية كيفما كان عمل { حتى } . # و { إذا } اسم زمان للمستقبل مضمن معنى الشرط وهو في محل نصب بالفعل الذي ~~في جوابه وهو { فسيعلمون } . # وعلى رأي الأخفش وابن مالك { إذا } محل جر ب { حتى } . واقتران جملة { ~~سيعلمون } بالفاء دليل على ms8857 أن { إذا } ضمن معنى الشرط ، واقتران الجواب ~~بسين الاستقبال يصرف الفعل الماضي بعد { إذا } إلى زمن الاستقبال . وجيء ~~بالجملة المضاف إليها { إذا } فعلا ماضيا للتنبيه على تحقيق وقوعه . # وفعل { سيعلمون } معلق عن العمل بوقوع الاستفهام بعده وهو استعمال كثير ~~في التعليق لأن الاستفهام بما فيه من الإبهام يكون كناية عن الغرابة بحيث ~~يسأل الناس عن تعيين الشيء بعد البحث عنه . # وضعف الناصر وهن لهم من جهة وهن أنصارهم ، وقلة العدد وهن لهم من جانب ~~أنفسهم ، وهذا وعيد لهم بخيبة غرورهم بالأمن من غلب المسلمين في الدنيا ~~فإنهم كانوا يقولون : { نحن جميع منتصر } ( القمر : 44 ) . وقالوا : { نحن ~~أكثر أموالا وأولادا } ( سبأ : 35 ) . # ( 25 28 ) { } . # . # كان المشركون يكثرون أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم { متى هذا ~~الوعد } ( النمل : 71 ) ، و { عن الساعة أيان مرساها } ( الأعراف : 187 ) ، ~~وتكررت نسبة ذلك إليهم في القرآن ، فلما قال الله تعالى : { حتى إذا رأوا ~~ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا } ( الجن : 24 ) الآية علم أنهم سيعيدون ~~ما اعتادوا قوله من السؤال عن وقت حلول الوعيد فأمر الله رسوله صلى الله ~~عليه وسلم أن يعيد عليهم ما سبق من جوابه . PageV29P246 # فجملة { قل إن أدري أقريب ما توعدون } مستأنفة استئنافا بيانيا لأن القول ~~المأمور بأن يقوله جواب لسؤالهم المقدر . # والأمد : الغاية وأصله في الأمكنة . ومنه قول ابن عمر في حديث ( الصحيحين ~~) : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سابق بين الخيل التي لم تضمر وجعل ~~أمدها ثنية الوداع ) ( أي غاية المسابقة ) . ويستعار الأمد لمدة من الزمان ~~معينة قال تعالى : { فطال عليهم الأمد } ( الحديد : 16 ) وهو كذلك هنا . ~~ومقابلته ب ( قريب ) يفيد أن المعنى أم يجعل له أمدا بعيدا . # وجملة { عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا } في موضع العلة لجملة { إن ~~أدري أقريب ما توعدون } الآية . # و { عالم الغيب } : خبر مبتدأ محذوف ، أي هو عالم الغيب والضمير المحذوف ~~عائد إلى قوله { ربي } . وهذا الحذف من قبيل حذف المسند إليه حذفا اتبع فيه ~~الاستعمال إذا كان الكلام قد ms8858 اشتمل على ذكر المسند إليه وصفاته كما نبه ~~عليه السكاكي في ( المفتاح ) . # و { الغيب } : مصدر غاب إذا استتر وخفي عن الأنظار وتعريفه تعريف الجنس . # وإضافة صفة { عالم } إلى { الغيب } تفيد العلم بكل الحقائق المغيبة سواء ~~كانت ماهيات أو أفرادا فيشمل المعنى المصدري للغيب مثل علم الله بذاته ~~وصفاته ، ويشمل الأمور الغائبة بذاتها مثل الملائكة والجن . ويشمل الذوات ~~المغيبة عن علم الناس مثل الوقائع المستقبلة التي يخبر عنها أو التي لا ~~يخبر عنها ، فإيثار المصدر هنا لأنه أشمل لإحاطة علم الله بجميع ذلك . # وتقدم ذلك عند قوله تعالى : { الذين يؤمنون بالغيب في سورة البقرة . # وتعريف المسند مع تعريف المسند إليه المقدر يفيد القصر ، أي هو عالم ~~الغيب لا أنا . # وفرع على معنى تخصيص الله تعالى بعلم الغيب جملة فلا يظهر على غيبه أحدا ~~} ، فالفاء لتفريع حكم على حكم والحكم المفرع إتمام للتعليل وتفصيل لأحوال ~~عدم الاطلاع على غيبه . # ومعنى { لا يظهر على غيبه أحدا } : لا يطلع ولا ينبىء به ، وهو أقوى من ~~PageV29P247 يطلع لأن { يظهر } جاء من الظهور وهو المشاهدة ولتضمينه معنى : ~~يطلع ، عدي بحرف { على } . # ووقوع الفعل في حيز النفي يفيد العموم ، وكذلك وقوع مفعوله وهو نكرة في ~~حيزه يفيد العموم . # وحرف { على } مستعمل في التمكن من الاطلاع على الغيب وهو كقوله تعالى { ~~وأظهره الله عليه } ( التحريم : 3 ) فهو استعلاء مجازي . # واستثنى من هذا النفي من ارتضاه ليطلعه على بعض الغيب ، أي على غيب أراد ~~الله إظهاره من الوحي فإنه من غيب الله ، وكذلك ما أراد الله أن يؤيد به ~~رسوله صلى الله عليه وسلم من إخبار بما سيحدث أو إطلاع على ضمائر بعض الناس ~~. # فقوله : { ارتضى } مستثنى من عموم { أحدا } . والتقدير : إلا أحدا ارتضاه ~~، أي اختاره للاطلاع على شيء من الغيب لحكمة أرادها الله تعالى . # والإتيان بالموصول والصلة في قوله : { إلا من ارتضى من رسول } لقصد ما ~~تؤذن به الصلة من الإيماء إلى تعليل الخبر ، أي يطلع الله بعض رسله لأجل ما ~~أراده الله من الرسالة إلى الناس ، فيعلم ms8859 من هذا الإيمان أن الغيب الذي ~~يطلع الله عليه الرسل هو من نوع ما له تعلق بالرسالة ، وهو غيب ما أراد ~~الله إبلاغه إلى الخلق أن يعتقدوه أو أن يفعلوه ، وما له تعلق بذلك من ~~الوعد والوعيد من أمور الآخرة ، أو أمور الدنيا ، وما يؤيد به الرسل عن ~~الإخبار بأمور مغيبة كقوله تعالى : { غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد ~~غلبهم سيغلبون في بضع سنين } ( الروم : 2 4 ) . # والمراد بهذا الإطلاع المحقق المفيد علما كعلم المشاهدة . فلا تشمل الآية ~~ما قد يحصل لبعض الصالحين من شرح صدر بالرؤيا الصادقة ، ففي الحديث : ( ~~الرؤيا الصالحة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوءة ، أو ~~بالإلهام ) . قال النبي صلى الله عليه وسلم ( قد كان يكون في الأمم قبلكم ~~محدثون فإن يكن في أمتي منهم أحد فإن عمر بن الخطاب منهم ) رواه مسلم . قال ~~مسلم : قال ابن وهب : تفسير محدثون : ملهمون . # وقد قال مالك في الرؤيا الحسنة : أنها تسر ولا تغر ، يريد لأنها قد يقع ~~الخطأ في تأويلها . PageV29P248 # و { من رسول } بيان لإبهام { من } الموصولة ، فدل على أن ما صدق { من } ~~جماعة من الرسل ، أي إلا الرسل الذين ارتضاهم ، أي اصطفاهم . # وشمل { رسول } كل مرسل من الله تعالى فيشمل الملائكة المرسلين إلى الرسل ~~بإبلاغ وحي إليهم مثل جبريل عليه السلام . وشمل الرسل من البشر المرسلين ~~إلى الناس بإبلاغ أمر الله تعالى إليهم من شريعة أو غيرها مما به صلاحهم . # وهنا أربعة ضمائر غيبة : # الأول ضمير { فإنه } وهو عائد إلى الله تعالى . # والثاني الضمير المستتر في { يسلك } وهو لا محالة عائد إلى الله تعالى ~~كما عاد إليه ضمير { فإنه } . # والثالث والرابع ضميرا { من بين يديه ومن خلفه } ، وهما عائدان إلى { ~~رسول } أي فإن الله يسلك أي يرسل للرسول رصدا من بين يدي الرسول صلى الله ~~عليه وسلم ومن خلفه رصدا ، أي ملائكة يحفظون الرسول صلى الله عليه وسلم من ~~إلقاء الشياطين إليه ما يخلط عليه ما أطلعه الله عليه من غيبه . # والسلك ms8860 حقيقته : الإدخال كما في قوله تعالى : { كذلك نسلكه في قلوب ~~المجرمين في سورة الحجر . # وأطلق السلك على الإيصال المباشر تشبيها له بالدخول في الشيء بحيث لا ~~مصرف له عنه كما تقدم آنفا في قوله : ومن يعرض عن ذكر ربه نسلكه عذابا صعدا ~~} ( الجن : 17 ) أي يرسل إليه ملائكة متجهين إليه لا يبتعدون عنه حتى يبلغ ~~إليه ما أوحي إليه من الغيب ، كأنهم شبه اتصالهم به وحراستهم إياه بشيء ~~داخل في أجزاء جسم . وهذا من جملة الحفظ الذي حفظ الله به ذكره في قوله : { ~~إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } ( الحجر : 9 ) . # والمراد ب { من بين يديه ومن خلفه } الكناية عن جميع الجهات ، ومن تلك ~~الكناية ينتقل إلى كناية أخرى عن السلامة من التغيير والتحريف . ~~PageV29P249 # والرصد : اسم جمع كما تقدم آنفا في قوله : { يجد له شهابا رصدا } ( الجن ~~: 9 ) . وانتصب { رصدا } على أنه مفعول به لفعل { يسلك . # ويتعلق ليعلم } بقوله : { يسلك ، } أي يفعل الله ذلك ليبلغ الغيب إلى ~~الرسول كما أرسل إليه لا يخالطه شيء مما يلبس عليه الوحي فيعلم الله أن ~~الرسل أبلغوا ما أوحي إليه كما بعثه دون تغيير ، فلما كان علم الله بتبليغ ~~الرسول الوحي مفرعا ومسببا عن تبليغ الوحي كما أنزل الله ، جعل المسبب علة ~~وأقيم مقام السبب إيجازا في الكلام لأن علم الله بذلك لا يكون إلا على وفق ~~ما وقع ، وهذا كقول إياس بن قبيصة : # وأقبلت والخطي يخطر بيننا # لأعلم من جبانها من شجاعها # أي ليظهر من هو شجاع ومن هو جبان فأعلم ذلك . وهذه العلة هي المقصد الأهم ~~من اطلاع من ارتضى من رسول على الغيب ، وذكر هذه العلة لا يقتضي انحصار علل ~~الاطلاع فيها . # وجيء بضمير الإفراد في قوله : { من بين يديه ومن خلفه } مراعاة للفظ { ~~رسول ، } ثم جيء له بضمير الجمع في قوله : { أن قد أبلغوا } مراعاة لمعنى ~~رسول وهو الجنس ، أي الرسل على طريقة قوله تعالى السابق آنفا { فإن له نار ~~جهنم خالدين فيها أبدا } ( الجن : 23 ) . # والمراد : ليعلم الله ms8861 أن قد أبلغوا رسالات الله وأدوا الأمانة علما يترتب ~~عليه جزاؤهم الجزيل . # وفهم من قوله : { أن قد أبلغوا رسالات ربهم } أن الغيب المتحدث عنه في ~~هذه الآية هو الغيب المتعلق بالشريعة وأصولها من البعثث والجزاء ، لأن ~~الكلام المستثنى منه هو نفي علم الرسول صلى الله عليه وسلم بقرب ما يوعدون ~~به أو بعده وذلك من علائق الجزاء والبعث . # ويلحق به ما يوحى به إلى الأنبياء الذين ليسوا رسلا لأن ما يوحى إليهم لا ~~يخلو من أن يكون تأييدا لشرع سابق كأنبياء بني إسرائيل والحواريين أو أن ~~يكون لإصلاح أنفسهم وأهليهم مثل آدم وأيوب . # واعلم أن الاستثناء من النفي ليس بمقتض أن يثبت للمستثنى جميع نقائض ~~PageV29P250 أحوال الحكم الذي للمستثنى منه ، بل قصارى ما يقتضيه أنه ~~كالنقض في المناظرة يحصل بإثبات جزئي من جزئيات ما نفاه الكلام المنقوص ، ~~فليس قوله تعالى : { إلا من ارتضى من رسول } بمقتض أن الرسول يطلع على جميع ~~غيب الله ، وقد بين النوع المطلع عليه بقوله : { ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ~~ربهم . # وقرأ رويس عن يعقوب ليعلم } بضم الياء وفتح اللام مبنيا للمفعول على أن { ~~أن قد أبلغوا } نائب عن الفاعل ، والفاعل المحذوف حذف للعلم به ، أي ليعلم ~~الله أن قد أبلغوا . # . # الواو واو الحال أو اعتراضية لأن مضمونها تذييل لجملة { ليعلم أن قد ~~أبلغوا رسالات ربهم ، } أي أحاط بجميع ما لدى الرسل من تبليغ وغيره ، وأحاط ~~بكل شيء مما عدا ذلك ، فقوله : { وأحاط بما لديهم } تعميم بعد تخصيص ما ~~قبله بعلمه بتبليغهم ما أرسل إليهم ، وقوله : { وأحصى كل شيء عددا } تعميم ~~أشمل بعد تعميمم ما . # وعبر عن العلم بالإحصاء على طريق الاستعارة تشبيها لعلم الأشياء بمعرفة ~~الأعداد لأن معرفة الأعداد أقوى ، وقوله : { عددا } ترشيح للاستعارة . # والعدد : بالفك اسم لمعدود وبالإدغام مصدر عد ، فالمعنى هنا : وأحصى كل ~~شيء معدودا ، وهو نصب على الحال ، بخلاف قوله تعالى : { وعدهم عدا } ( مريم ~~: 94 ) . وفرق العرب بين المصدر والمفعول لأن المفعول أوغل في الاسمية من ~~المصدر فهو أبعد عن الإدغام لأن ms8862 الأصل في الإدغام للأفعال . # PageV29P251 # | 1 ( سورة المزمل ) 1 # ليس لهذه السورة إلا اسم ( سورة المزمل ) عرفت بالإضافة لهذا اللفظ ~~الواقع في أولها ، فيجوز أن يراد به حكاية اللفظ ، ويجوز أن يراد به النبي ~~صلى الله عليه وسلم موصوفا بالحال الذي نودي به في قوله تعالى : { يا أيها ~~المزمل } ( المزمل : 1 ) . # قال ابن عطية : هي في قول الجمهور مكية إلا قوله تعالى : { إن ربك يعلم ~~أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل } ( المزمل : 20 ) إلى نهاية السورة فذلك مدني ~~. وحكى القرطبي مثل هذا عن الثعلبي . # وقال في ( الإتقان ) : إن استثناء قوله : { إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ~~ثلثي الليل إلى آخر السورة يرده ما أخرجه الحاكم عن عائشة نزل بعد نزول صدر ~~السورة بسنة وذلك حين فرض قيام الليل في أول الإسلام قبل فرض الصلوات الخمس ~~ا ه . PageV29P252 # يعني وذلك كله بمكة ، أي فتكون السورة كلها مكية فتعين أن قوله : قم ~~الليل } ( المزمل : 2 ) أمر به في مكة . # والروايات تظاهرت على أن قوله : { إن ربك يعلم أنك تقوم إلى آخر السورة ~~نزل مفصولا عن نزول ما قبله بمدة مختلف في قدرها ، فقالت عائشة : نزل بعد ~~صدر السورة بسنة ، ومثله روى الطبري عن ابن عباس ، وقال الجمهور : نزل صدر ~~السورة بمكة ونزل إن ربك يعلم } إلى آخرها بالمدينة ، أي بعد نزول أولها ~~بسنين . # فالظاهر أن الأصح أن نزول { إن ربك يعلم إلى آخر السورة نزل بالمدينة ~~لقوله تعالى : وءاخرون يقاتلون في سبيل الله } ( المزمل : 20 ) إن لم يكن ~~ذلك إنباء بمغيب على وجه المعجزة . # وروى الطبري عن سعيد بن جبير ( قال : لما أنزل الله على نبيئه صلى الله ~~عليه وسلم { يا أيها المزمل } ( المزمل : 1 ) مكث النبي صلى الله عليه وسلم ~~على هذا الحال عشر سنين يقوم الليل كما أمره الله وكانت طائفة من أصحابه ~~يقومون معه فأنزل الله بعد عشر سنين { إن ربك يعلم أنك تقوم } إلى { ~~وأقيموا الصلاة } ( المزمل : 2 ) ا ه ، أي نزلت الآيات الأخيرة في المدينة ~~بناء على ms8863 أن مقام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة كان عشر سنين وهو قول جم ~~غفير . # والروايات عن عائشة مضطربة فبعضها يقتضي أن السورة كلها مكية وأن صدرها ~~نزل قبل آخرها بسنة قبل فرض الصلاة وهو ما رواه الحاكم في نقل صاحب ( ~~الإتقان ) . وذلك يقتضي أن أول السورة نزل بمكة ، وبعض الروايات يقول فيها ~~: إنها كانت تفرش لرسول الله صلى الله عليه وسلم حصيرا فصلى عليه من الليل ~~فتسامع الناس فاجتمعوا فخرج مغضبا وخشي أن يكتب عليهم قيام الليل ونزل { يا ~~أيها المزمل قم الليل إلا قليلا } ( المزمل : 1 ، 2 ) فكتبت عليهم بمنزلة ~~الفريضة ومكثوا على ذلك ثمانية أشهر ثم وضع الله ذلك عنهم ، فأنزل { إن ربك ~~يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل } إلى { فتاب عليكم } ( المزمل : 20 ) ، ~~فردهم إلى الفريضة ووضع عنهم النافلة . وهذا ما رواه الطبري بسندين إلى أبي ~~سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة ، وهو يقتضي أن السورة كلها مدنية لأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لم يبنن بعائشة إلا في المدينة ، ولأن قولها : ( فخرج ~~مغضبا ) يقتضي أنه خرج من بيته المفضي إلى مسجده ، ويؤيده أخبار تثبت قيام ~~الليل في مسجده . PageV29P253 # ولعل سبب هذا الاضطراب اختلاط في الروايات بين فرض قيام الليل وبين ~~الترغيب فيه . # ونسب القرطبي إلى ( تفسير الثعلبي ) قال : قال النخعي في قوله تعالى : { ~~يا أيها المزمل كان النبي متزملا بقطيفة عائشة ، وهي مرط نصفه عليها وهي ~~نائمة ونصفه على النبي وهو يصلي اه ، وإنما بنى النبي بعائشة في المدينة ، ~~فالذي نعتمد عليه أن أول السورة نزل بمكة لا محالة كما سنبينه عند قوله ~~تعالى : إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا } ( المزمل : 5 ) ، وأن قوله : { إن ربك ~~يعلم أنك تقوم إلى آخر السورة نزل بالمدينة بعد سنين من نزول أول السورة ~~لأن فيه ناسخا لوجوب قيام الليل وأنه ناسخ لوجوب قيام الليل على النبي وأن ~~ما رووه عن عائشة أن أول ما فرض قيام الليل قبل فرض الصلاة غريب . # وحكى القرطبي عن الماوردي : أن ابن عباس ms8864 وقتادة قالا : إن آيتين وهما ~~واصبر على ما يقولون إلى قوله : ومهلهم قليلا } ( المزمل : 10 ، 11 ) نزلتا ~~بالمدينة . # واختلف في عد هذه السورة في ترتيب نزول السور ، والأصح الذي تضافرت عليه ~~الأخبار الصحيحة : أن أول ما نزل سورة العلق واختلف فيما نزل بعد سورة ~~العلق ، فقيل سورة ن والقلم ، وقيل نزل بعد العلق سورة المدثر ، ويظهر أنه ~~الأرجح ثم قيل نزلت سورة المزمل بعد القلم فتكون ثالثة . وهذا قول جابر بن ~~زيد في تعداد نزول السور ، وعلى القول بأن المدثر هي الثانية يحتمل أن تكون ~~القلم ثالثة والمزمل رابعة ، ويحتمل أن تكون المزمل هي الثالثة والقلم ~~رابعة ، والجمهور على أن المدثر نزلت قبل المزمل ، وهو ظاهر حديث عروة بن ~~الزبير عن عائشة في بدء الوحي من ( صحيح البخاري ) وسيأتي عند قوله تعالى : ~~{ يا أيها المزمل . # والأصح أن سبب نزول يا أيها المزمل ما في حديث جابر بن عبد الله الآتي ~~عند قوله تعالى : يا أيها المزمل الآية . # وعدة آيها في عد أهل المدينة ثمان عشرة آية ، وفي عد أهل البصرة تسع عشرة ~~وفي عد من عداهم عشرون . # أغراضها # الإشعار بملاطفة الله تعالى رسوله بندائه بوصفه بصفة تزمله . PageV29P254 # واشتملت على الأمر بقيام النبي غالب الليل والثناء على طائفة من المؤمنين ~~حملوا أنفسهم على قيام الليل . # وعلى تثبيت النبي بتحمل إبلاغ الوحي . # والأمر بإدامة إقامة الصلاة وأداء الزكاة وإعطاء الصدقات . # وأمره بالتمحض للقيام بما أمره الله من التبليغ وبأن يتوكل عليه . # وأمره بالإعراض عن تكذيب المشركين . # وتكفل الله له بالنصر عليهم وأن جزاءهم بيد الله . # والوعيد لهم بعذاب الآخرة . # ووعظهم مما حل بقوم فرعون لما كذبوا رسول الله إليهم . # وذكر يوم القيامة ووصف أهواله . # ونسخ قيام معظم الليل بالاكتفاء بقيام بعضه رعيا للأعذار الملازمة . # والوعد بالجزاء العظيم على أفعال الخيرات . # والمبادرة بالتوبة وأدمج في ذلك أدب قراءة القرآن وتدبره . # وأن أعمال النهار لا يغني عنها قيام الليل . # وفي هذه السورة مواضع عويصة وأساليب غامضة فعليك بتدبرها . # # | 2 ( { ياأيها المزمل * قم اليل إلا ms8865 قليلا * نصفه أو انقص منه قليلا * ~~أو زد عليه ورتل القرءان ترتيلا * إنا سنلقى عليك قولا ثقيلا * إن ناشئة ~~اليل هى أشد وطأ وأقوم قيلا * إن لك فى النهار سبحا طويلا * واذكر اسم ربك ~~وتبتل إليه تبتيلا * رب المشرق والمغرب لا إلاه إلا هو فاتخذه وكيلا * ~~واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا * وذرنى والمكذبين أولى النعمة ~~ومهلهم قليلا * إن لدينآ أنكالا وجحيما * وطعاما ذا غصة وعذابا أليما * يوم ~~ترجف الارض والجبال وكانت الجبال كثيبا مهيلا * إنآ أرسلنآ إليكم رسولا ~~شاهدا عليكم كمآ أرسلنآ إلى فرعون رسولا * فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا ~~وبيلا * فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل الولدان شيبا * السمآء منفطر به كان ~~وعده مفعولا * إن هاذه تذكرة فمن شآء اتخذ إلى ربه سبيلا * إن ربك يعلم أنك ~~تقوم أدنى من ثلثى اليل ونصفه وثلثه وطآئفة من الذين معك والله يقدر اليل ~~والنهار علم ألن تحصوه فتاب عليكم فاقرءوا ما تيسر من القرءان علم أن سيكون ~~منكم مرضى وءاخرون يضربون فى الارض يبتغون من فضل الله وءاخرون يقاتلون فى ~~سبيل الله فاقرءوا ما تيسر منه وأقيموا الصلواة وءاتوا الزكواة وأقرضوا ~~الله قرضا حسنا وما تقدموا لانفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم ~~أجرا واستغفروا الله إن الله غفور رحيم } ) 2 # افتتاح الكلام بالنداء إذا كان المخاطب واحدا ولم يكن بعيدا يدل على ~~الاعتناء بما سيلقى إلى المخاطب من كلام . # والأصل في النداء أن يكون باسم المنادى العلم إذا كان معروفا عند المتكلم ~~فلا يعدل من الاسم العلم إلى غيره من وصف أو إضافة إلا لغرض يقصده البلغاء ~~من تعظيم وتكريم نحو { يا أيها النبي } ( الأنفال : 65 ) ، أو تلطف وتقرب ~~نحو : يا بني ويا أبتت ، أو قصد تهكم نحو : { وقالوا يا أيها الذي نزل عليه ~~الذكر إنك لمجنون } ( الحجر : 6 ) فإذا نودي PageV29P255 المنادى بوصف ~~هيئته من لبسة أو جلسة أو ضجعة كان المقصود في الغالب التلطف به والتحبب ~~إليه ولهيئته ، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم ms8866 لعلي بن أبي طالب وقد ~~وجده مضطجعا في المسجد وقد علق تراب المسجد بجنبه ( قم أبا تراب ) وقوله ~~لحذيفة بن اليمان يوم الخندق ( قم يا نومان ) ، وقوله لعبد الرحمن بن صخر ~~الدوسي وقد رءاه حاملا هرة صغيرة في كمه ( يا أبا هريرة ) . # فنداء النبي ب { يا أيها المزمل } نداء تلطف وارتفاق ومثله قوله تعالى : ~~{ يا أيها المدثر } ( المدثر : 1 ) . # و { المزمل } : اسم فاعل من تزمل ، إذا تلفف بثوبه كالمقرور ، أو مريد ~~النوم وهو مثل التدثر في مآل المعنى وإن كان بينهما اختلاف في أصل الاشتقاق ~~فالتزمل مشتق من معنى التلفف ، والتدثر مشتق من معنى اتخاذ الدثار للتدفؤ . ~~وأصل التزمل مشتق من الزمل بفتح فسكون وهو الإخفاء ولا يعرف ل ( تزمل ) فعل ~~مجرد في معناه فهو من التفعل الذي تنوسي منه معنى التكلف للفعل ، وأريد في ~~إطلاقه معنى شدة التلبس ، وكثر مثل هذا في الاشتمال على اللباس ، فمنه ~~التزمل ومنه التعمم والتأزر والتقمص ، وربما صاغوا له صيغة الافتعال مثل : ~~ارتدى وائتزر . # وأصل { المزمل } : المتزمل ، أدغمت التاء في الزاي بعد قلبها زايا ~~لتقاربهما . # وهذا التزمل الذي أشارت إليه الآية قال الزهري وجمهور المفسرين : إنه ~~التزمل الذي جرى في قول النبي صلى الله عليه وسلم ( زملوني زملوني ) حين ~~نزل من غار حراء بعد أن نزل عليه { اقرأ باسم ربك } ( العلق : 1 ) الآيات ~~كما في حديث عروة عن عائشة في كتاب بدء الوحي من ( صحيح البخاري ) وإن لم ~~يذكر في ذلك الحديث نزول هذه السورة حينئذ ، وعليه فهو حقيقة . # وقيل : هو ما في حديث جابر بن عبد الله قال : ( لما اجتمعت قريش في دار ~~الندوة فقالوا : سموا هذا الرجل اسما تصدر الناس عنه ( أي صفوه وصفا تتفق ~~عليه الناس ) فقالوا : كاهن ، وقالوا : مجنون ، وقالوا : ساحر ، فصدر ~~المشركون على وصفه ب ( ساحر ) فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فحزن ~~وتزمل في ثيابه وتدثر ، فأتاه جبريل فقال : { يا أيها المزمل } { يا أيها ~~المدثر } ( المدثر : 1 ) . # وسيأتي في سورة المدثر أن سبب نزولها رؤيته الملك جالسا ms8867 على كرسي بين ~~PageV29P256 السماء والأرض فرجع إلى خديجة يرجف فؤاده فقال : ( دثروني ) ، ~~فيتعين أن سبب ندائه ب { يا أيها المزمل } كان عند قوله : ( زملوني ) ، ~~فذلك عندما اغتم من وصف المشركين إياه بالجنون وأن ذلك غير سبب ندائه ب { ~~يا أيها المدثر في سورة المدثر . # وقيل : هو تزمل للاستعداد للصلاة فنودي يا أيها المزمل قم الليل إلا ~~قليلا } وهذا مروي عن قتادة . وقريب منه عن الضحاك وهي أقوال متقاربة . # ومحملها على أن التزمل حقيقة ، وقال عكرمة : معناه زملت هذا الأمر فقم به ~~، يريد أمر النبوءة فيكون قوله : { الليل إلا قليلا } مع قوله : { إن لك في ~~النهار سبحا طويلا } ( المزمل : 7 ) تحريضا على استفراغ جهده في القيام ~~بأمر التبليغ في جميع الأزمان من ليل ونهار إلا قليلا من الليل وهو ما يضطر ~~إليه من الهجوع فيه . ومحمل التزمل عنده على المجاز . # فإذا كانت سورة المزمل قد أنزلت قبل سورة المدثر كان ذلك دالا على أن ~~الله تعالى بعد أن ابتدأ رسوله بالوحي بصدر سورة { اقرأ باسم ربك } ( العلق ~~: 1 ) ثم أنزل عليه سورة القلم لدحض مقالة المشركين فيه التي دبرها الوليد ~~بن المغيرة أن يقولوا : إنه مجنون . # أنزل عليه التلطف به على تزمله بثيابه لما اعتراه من الحزن من قول ~~المشركين فأمره الله بأن يدفع ذلك عنه بقيام الليل ، ثم فتر الوحي فلما رأى ~~الملك الذي أرسل إليه بحراء تدثر من شدة وقع تلك الرؤية فأنزل عليه { يا ~~أيها المدثر . # فنداء النبي بوصف المزمل } باعتبار حالته وقت ندائه وليس المزمل معدودا ~~من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم قال السهيلي : ولم يعرف به وذهب بعض ~~الناس إلى عده من أسمائه . # وفعل { قم } منزل منزلة اللازم فلا يحتاج إلى تقدير متعلق لأن القيام ~~مراد به الصلاة ، فهذا قيام مغاير للقيام المأمور به في سورة المدثر بقوله ~~{ قم فأنذر } ( المدثر : 2 ) فإن ذلك بمعنى الشروع كما يأتي هنالك . # و { الليل } : زمن الظلمة من بعد العشاء إلى الفجر . وانتصب { الليل } ~~على PageV29P257 الظرفية فاقتضى الأمر بالصلاة ms8868 في جميع وقت الليل ، ويعلم ~~استثناء أوقات قضاء الضرورات من إغفاء بالنوم ونحوه من ضرورات الإنسان . # وقيام الليل لقب في اصطلاح القرآن والسنة للصلاة فيه ما عدا صلاتي المغرب ~~والعشاء ورواتبهما . # وأمر الرسول بقيام الليل أمر إيجاب وهو خاص به لأن الخطاب موجه إليه وحده ~~مثل السور التي سبقت نزول هذه السورة ، وأما قيام الليل للمسلمين فهم ~~اقتدوا فيه بالرسول صلى الله عليه وسلم كما سيأتي في قوله تعالى : { إن ربك ~~يعلم أنك تقوم إلى قوله : وطائفة من الذين معك } ( المزمل : 20 ) الآيات ~~قال الجمهور وذلك قبل أن تفرض الصلوات الخمس في أوقات النهار والليل ولعل ~~حكمة هذا القيام الذي فرض على الرسول صلى الله عليه وسلم في صدر رسالته هو ~~أن تزداد به سريرته زكاء يقوي استعداده لتلقي الوحي حتى لا يحرجه الوحي كما ~~ضغطه عند نزوله كما ورد في حديث البخاري : ( فغطني حتى بلغ مني الجهد ) ثم ~~قال : { اقرأ باسم ربك } ( العلق : 1 ) الحديث ، ويدل لهذه الحكمة قوله ~~تعالى عقبه : { إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا } ( المزمل : 5 ) . # وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحنث في غار حراء قبيل بعثته بإلهام ~~من الله تعالى ، فالذي ألهمه ذلك قبل أن يوحي إليه يجدر بأن يأمره به بعد ~~أن أوحى إليه فلا يبقى فترة من الزمن غير متعبد لعبادة ، ولهذا نرجح أن ~~قيام الليل فرض عليه قبل فرض الصلوات الخمس عليه وعلى الأمة . # وقد استمر وجوب قيام الليل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد فرض ~~الصلوات الخمس تعظيما لشأنه بكثرة الإقبال على مناجاة ربه في وقت فراغه من ~~تبليغ الوحي وتدبير شؤون المسلمين وهو وقت الليل كما يدل عليه قوله تعالى : ~~{ ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ، أي زيادة ~~قرب لك . وقد تقدم في سورة } ( الإسراء : 79 ) . فكان هذا حكما خاصا بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم وقد ذكره الفقهاء في باب خصائص النبي صلى الله عليه ~~وسلم ولم يكن واجبا على غيره ms8869 ولم تفرض على المسلمين صلاة قبل الصلوات الخمس ~~. وإنما كان المسلمون يقتدون بفعل النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرهم على ~~ذلك فكانوا يرونه لزاما عليهم ، وقد أثنى الله عليهم بذلك في آيات كثيرة ~~كقوله تعالى : { تتجافى جنوبهم عن المضاجع } ( السجدة : 16 ) ، وسيأتي ذلك ~~عند قوله تعالى : { إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل } ( المزمل : ~~20 ) الآية ، قالت عائشة : ( إن الله افترض PageV29P258 قيام الليل في أول ~~هذه السورة فقام النبي وأصحابه ) ، على أنه لا خلاف في رفع فرض القيام عن ~~المسلمين . وتقرر أنه مندوب فيه . واختلف في استمرار وجوبه على النبي صلى ~~الله عليه وسلم ولا طائل وراء الاستدلال على ذلك أو عدمه . # وقوله : { إلا قليلا } استثناء من { الليل } أي إلا قليلا منه ، فلم ~~يتعلق إيجاب القيام عليه بأوقات الليل كلها . # و { نصفه } بدل من { قليلا } بدلا مطابقا وهو تبيين لإجمال { قليلا } ~~فجعل القليل هنا النصف أو أقل منه بقليل . # وفائدة هذا الإجمال الإيماء إلى أن الأولى أن يكون القيام أكثر من مدة ~~نصف الليل وأن جعله نصف الليل رحمة ورخصة للنبيء صلى الله عليه وسلم ويدل ~~لذلك تعقيبه بقوله : { أو انقص منه قليلا } أي انقص من النصف قليلا ، فيكون ~~زمن قيام الليل أقل من نصفه ، وهو حينئذ قليل فهو رخصة في الرخصة . # وقال { أو زد عليه } وهو عود إلى الترغيب في أن تكون مدة القيام أكثر من ~~نصف الليل ولذلك لم يقيد { أو زد عليه } بمثل ما قيد به { أو انقص منه } ~~لتكون الزيادة على النصف متسعة ، وقد ورد في الحديث أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أخذ بالعزيمة فقام حتى تورمت قدماه وقيل له في ذلك : ( إن الله غفر لك ~~ما تقدم من ذنبك وما تأخر ) فقال : ( أفلا أكون عبدا شكورا ) . # والتخيير المستفاد من حرف { أو } منظور فيه إلى تفاوت الليالي بالطول ~~والقصر لأن لذلك ارتباطا بسعة النهار للعمل ولأخذ الحظ الفائت من النوم . # وبعد فذلك توسيع على النبي صلى الله عليه وسلم لرفع حرج تحديده ms8870 لزمن ~~القيام فسلك به مسلك التقريب . # وجعل ابن عطية { الليل } اسم جنس يصدق على جميع الليالي ، وأن المعنى : ~~إلا قليلا من الليالي ، وهي الليالي التي يكون فيها عذر يمنعه من قيامها ، ~~أي هو استثناء من الليالي باعتبار جزئياتها لا باعتبار الأجزاء ، ثم قال : ~~{ نصفه } إلى آخره . # وتخصيص الليل بالصلاة فيه لأنه وقت النوم عادة فأمر الرسول صلى الله عليه ~~وسلم بالقيام فيه زيادة في إشغال أوقاته بالإقبال على مناجاة الله : ولأن ~~الليل وقت سكون PageV29P259 الأصوات واشتغال الناس فتكون نفس القائم فيه ~~أقوى استعدادا لتلقي الفيض الرباني . # . # يجوز أن يكون متعلقا بقيام الليل ، أي رتل قراءتك في القيام . # ويجوز أن يكون أمرا مستقلا بكيفية قراءة القرآن جرى ذكره بمناسبة الأمر ~~بقيام الليل ، وهذا أولى لأن القراءة في الصلاة تدخل في ذلك . وقد كان نزول ~~هذه السورة في أول العهد بنزول القرآن فكان جملة القرآن حين نزول هذه ~~السورة سورتين أو ثلاث سور بناء على أصح الأقوال في أن هذا المقدار من ~~السورة مكي ، وفي أن هذه السورة من أوائل السور ، وهذا مما أشعر به قوله : ~~{ إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا } ( المزمل : 5 ) أي سنوحي إليك قرآنا . # فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقرأ القرآن بمهل وتبيين . # والترتيل : جعل الشيء مرتلا ، أي مفرقا ، وأصله من قولهم : ثغر مرتل ، ~~وهو المفلج الأسنان ، أي المفرق بين أسنانه تفرقا قليلا بحيث لا تكون ~~النواجذ متلاصقة . وأريد بترتيل القرآن ترتيل قراءته ، أي التمهل في النطق ~~بحروف القرآن حتى تخرج من الفم واضحة مع إشباع الحركات التي تستحق الإشباع ~~. ووصفت عائشة الترتيل فقالت : ( لو أراد السامع أن يعد حروفه لعدها لا ~~كسردكم هذا ) . # وفائدة هذا أن يرسخ حفظه ويتلقاه السامعون فيعلق بحوافظهم ، ويتدبر قارئه ~~وسامعه معانيه كي لا يسبق لفظ اللسان عمل الفهم . قال قائل لعبد الله بن ~~مسعود : قرأت المفصل في ليلة فقال عبد الله : ( هذا كهذ الشعر ) لأنهم ~~كانوا إذا أنشدوا القصيدة أسرعوا ليظهر ميزان بحرها ، وتتعاقب قوافيها على ~~الأسماع . والهذ إسراع القطع . # وأكد ms8871 هذا الأمر بالمفعول المطلق لإفادة تحقيق صفة الترتيل . وقرأ الجمهور ~~{ أو انقص } بضم الواو للتخلص من التقاء الساكنين عند سقوط همزة الوصل ، ~~حركوا الواو بضمة لمناسبة ضمة قاف { انقص } بعدها . وقرأه حمزة وعاصم بكسر ~~الواو على الأصل في التخلص من التقاء الساكنين . PageV29P260 # ووقع في قوله تعالى : { أو زد عليه ورتل القرآن } إذا ( شبعت ) فتحة نون ~~القرآن محسن الاتزان بأن يكون مصراعا من بحر الكامل أحذ دخله الإضمار مرتين ~~. # . # تعليل للأمر بقيام الليل وقع اعتراضا بين جملة { قم الليل } ( المزمل : 2 ~~) وجملة { إن ناشئة الليل هي أشد وطأ } ( المزمل : 6 ) ، وهو جملة مستأنفة ~~استئنافا بيانيا لحكمة الأمر بقيام الليل بأنها تهيئة نفس النبي صلى الله ~~عليه وسلم ليحمل شدة الوحي ، وفي هذا إيماء إلى أن الله يسر عليه ذلك كما ~~قال تعالى : { إن علينا جمعه وقرآنه } ( القيامة : 17 ) ، فتلك مناسبة وقوع ~~هذه الجملة عقب جملة { قم الليل إلا قليلا } ( المزمل : 2 ) فهذا إشعار بأن ~~نزول هذه الآية كان في أول عهد النبي صلى الله عليه وسلم بنزول القرآن فلما ~~قال له : { ورتل القرءان ترتيلا } ( المزمل : 4 ) أعقب ببيان علة الأمر ~~بترتيل القرآن . # والقول الثقيل هو القرآن وإلقاؤه عليه : إبلاغه له بطريق الوحي بواسطة ~~الملك . # وحقيقة الإلقاء : رمي الشيء من اليد إلى الأرض وطرحه ، ويقال : شيء لقى ، ~~أي مطروح ، استعير الإلقاء للإبلاغ دفعة على غير ترقب . # والثقل الموصوف به القول ثقل مجازي لا محالة ، مستعار لصعوبة حفظه ~~لاشتماله على معان ليست من معتاد ما يجول في مدارك قومه فيكون حفظ ذلك ~~القول عسيرا على الرسول الأمي تنوء الطاقة عن تلقيه . # وأشعر قوله : { إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا } أن ثقله متعلق ابتداء ~~بالرسول صلى الله عليه وسلم لقوله قبله : { إنا سنلقي عليك } وهو ثقل مجازي ~~في جميع اعتباراته وهو ثقيل صعب تلقيه ممن أنزل عليه . قال ابن عباس : كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إذا نزل عليه الوحي ثقل عليه وتربد له جلده ~~) ( أي تغير بمثل القشعريرة ) وقالت عائشة : ( رأته ينزل عليه ms8872 الوحي في ~~اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليرفض عرقا ) . # ويستعار ثقل القول لاشتماله على معان وافرة يحتاج العلم بها لدقة النظر ~~وذلك بكمال هديه ووفرة معانيه . قال الفراء : ( ثقيلا ليس بالكلام السفساف ~~) . وحسبك أنه حوى من المعارف والعلوم ما لا يفي العقل بالإحاطة به فكم ~~غاصت فيه أفهام PageV29P261 العلماء من فقهاء ومتكلمين وبلغاء ولغويين ~~وحكماء فشابه الشيء الثقيل في أنه لا يقوى الواحد على الاستقلال بمعانيه . # وتأكيد هذا الخبر بحرف التأكيد للاهتمام به وإشعار الرسول صلى الله عليه ~~وسلم بتأكيد قربه واستمراره ، ليكون وروده أسهل عليه من ورود الأمر ~~المفاجىء . # . # تعليل لتخصيص زمن الليل بالقيام فيه فهي مرتبطة بجملة { قم الليل } ( ~~المزمل : 2 ) ، أي قم الليل لأن ناشئته أشد وطأ وأقوم قيلا . # والمعنى : أن في قيام الليل تزكية وتصفية لسرك وارتقاء بك إلى المراقي ~~الملكية . # و { ناشئة } وصف من النشء وهو الحدوث . وقد جرى هذا الوصف هنا على غير ~~موصوف ، وأضيف إلى الليل إضافة على معنى ( في ) مثل ( مكر الليل ) ، وجعل ~~من أقوم القيل ، فعلم أن فيه قولا وقد سبقه الأمر بقيام الليل وترتيل ~~القرآن ، فتعين أن موصوفه المحذوف هو صلاة ، أي الصلاة الناشئة في الليل ، ~~فإن الصلاة تشتمل على أفعال وأقوال وهي قيام . # ووصف الصلاة بالناشئة لأنها أنشأها المصلي فنشأت بعد هدأة الليل فأشبهت ~~السحابة التي تتنشأ من الأفق بعد صحو ، وإذا كانت الصلاة بعد نوم فمعنى ~~النشء فيها أقوى ، ولذلك فسرتها عائشة بالقيام بعد النوم ، وفسر ابن عباس { ~~ناشئة الليل } بصلاة الليل كلها . واختاره مالك . وعن علي بن الحسين : أنها ~~ما بين المغرب والعشاء . وعن ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن جبير : أن أصل ~~هذا معرب عن الحبشة ، وقد عدها السبكي في ( منظومته ) في معربات القرآن . # وإيثار لفظ { ناشئة } في هذه الآية دون غيره من نحو : قيام أو تهجد ، ~~لأجل ما يحتمله من هذه المعاني ليأخذ الناس فيه بالاجتهاد . # وقرأ جمهور العشرة { وطأ } بفتح الواو وسكون الطاء بعدها همزة ، والوطء : ~~أصله وضع الرجل على الأرض ، وهو ms8873 هنا مستعار لمعنى يناسب أن يكون شأنا ~~للظلام بالليل ، فيجوز أن يكون الوطء استعير لفعل من أفعال المصلي على نحو ~~إسناد المصدر إلى فاعله ، أي واطئا أنت ، فهو مستعار لتمكن المصلي من ~~الصلاة PageV29P262 في الليل بتفرغه لها وهدوء باله من الأشغال النهارية ~~تمكن الواطىء على الأرض فهو أمكن للفعل . والمعنى : أشد وقعا ، وبهذا فسره ~~جابر بن زيد والضحاك وقاله الفراء . # ويجوز أن يكون الوطء مستعارا لحالة صلاة الليل وأثرها في المصلي ، أي أشد ~~أثر خير في نفسه وأرسخ خيرا وثوابا ، وبهذا فسره قتادة . # وقرأه ابن عامر وأبو عمرو وحده { وطاء } بكسر الواو وفتح الطاء ومدها ~~مصدر واطأ من مادة الفعال . والوطاء : الوفاق والملاءمة ، قال تعالى : { ~~ليواطئوا عدة ما حرم الله } ( التوبة : 37 ) . والمعنى : أن صلاة الليل ~~أوفق بالمصلي بين اللسان والقلب ، أي بين النطق بالألفاظ وتفهم معانيها ~~للهدوء الذي يحصل في الليل وانقطاع الشواغل وبحاصل هذا فسر مجاهد . # وضمير { هي } ضمير فصل ، وانظر ما سيأتي عند قوله تعالى : { وما تقدموا ~~لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا } ( المزمل : 20 ) في وقوع ضمير ~~الفصل بين معرفة واسم تفضيل . وضمير الفصل هنا لتقوية الحكم لا للحصر . # والأقوم : الأفضل في التقوي الذي هو عدم الاعوجاح والالتواء واستعير { ~~أقوم } للأفضل الأنفع . # و { قيلا } : القول ، وأريد به قراءة القرآن لتقدم قوله : { إنا سنلقي ~~عليك قولا ثقيلا } ( المزمل : 5 ) . فالمعنى : أن صلاة الليل أعون على تذكر ~~القرآن والسلامة من نسيان بعض الآيات ، وأعون على المزيد من التدبر . قال ~~ابن عباس : { وأقوم قيلا } : أدنى من أن يفقهوا القرآن . وقال قتادة : أحفظ ~~للقراءة ، وقال ابن زيد : أقوم قراءة لفراغه من الدنيا . # وانتصب { وطأ } و { قيلا } نسبة تمييزي ل { أشد } ول { أقوم } . # . # فصل هذه الجملة دون عطف على ما قبلها يقتضي أن مضمونها ليس من جنس حكم ما ~~قبلها ، فليس المقصود تعيين صلاة النهار إذ لم تكن الصلوات الخمس قد فرضت ~~يومئذ على المشهور ، ولم يفرض حينئذ إلا قيام الليل . PageV29P263 # فالذي يبدو أن موقع هذه الجملة موقع العلة ms8874 لشيء مما في جملة { إن ناشئة ~~الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلا } ( المزمل : 6 ) وذلك دائر : بين أن يكون ~~تعليلا لاختيار الليل لفرض القيام عليه فيه ، فيفيد تأكيدا للمحافظة على ~~قيام الليل لأن النهار لا يغني غناءه فيتحصل من المعنى : قم الليل لأن ~~قيامه أشد وقعا وأرسخ قولا ، لأن النهار زمن فيه شغل عظيم لا يترك لك خلوة ~~بنفسك . وشغل النبي صلى الله عليه وسلم في النهار بالدعوة إلى الله وإبلاغ ~~القرآن وتعليم الدين ومحاجة المشركين وافتقاد المؤمنين المستضعفين ، فعبر ~~عن جميع ذلك بالسبح الطويل ، وبين أن يكون تلطفا واعتذارا عن تكليفه بقيام ~~الليل ، وفيه إرشاد إلى أن النهار ظرف واسع لإيقاع ما عسى أن يكلفه فيام ~~الليل من فتور بالنهار لينام بعض النهار وليقوم بمهامه فيه . # ويجوز أن يكون تعليلا لما تضمنه { أو انقص منه قليلا } ( المزمل : 3 ) ، ~~أي إن نقصت من نصف الليل شيئا لا يفتك ثواب عمله ، فإن لك في النهار متسعا ~~للقيام والتلاوة مثل قوله تعالى : { وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن ~~أراد أن يذكر أو أراد شكورا } ( الفرقان : 62 ) . # وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في النهار من أول البعثة ~~قبل فرض الصلوات الخمس كما دل عليه قوله تعالى : { أرأيت الذي ينهى عبدا ~~إذا صلى } ( العلق : 9 ، 10 ) . وقد تقدم في سورة الجن أن استماعهم القرآن ~~كان في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه في نخلة في طريقهم إلى عكاظ ~~. ويظهر أن يكون كل هذا مقصودا لأنه مما تسمح به دلالة كلمة { سبحا طويلا } ~~وهي من بليغ الإيجاز . # والسبح : أصله العوم ، أي السلوك بالجسم في ماء كثير ، وهو مستعار هنا ~~للتصرف السهل المتسع الذي يشبه حركة السابح في الماء فإنه لا يعترضه ما ~~يعوق جولانه على وجه الماء ولا إعياء السير في الأرض . # وقريب من هذه الاستعارة استعارة السبح لجري الفرس دون كلفة في وصف امرىء ~~القيس الخيل بالسابحات في قوله في مدح فرسه : # مسح إذا ما السابحات على ms8875 الونى # أثرن الغبار في الكديد المركل # فعبر عن الجاريات بالسابحات . PageV29P264 # وفسر ابن عباس السبح بالفراغ ، أي لينام في النهار ، وقال ابن وهب عن ابن ~~زيد قال : فراغا طويلا لحوائجك فافرغ لدينك بالليل . # والطويل : وصف من الطول ، وهو ازدياد امتداد القامة أو الطريق أو الثوب ~~على مقادير أكثر أمثاله . فالطول من صفات الذوات ، وشاع وصف الزمان به يقال ~~: ليل طويل وفي الحديث ( الشتاء ربيع المؤمن قصر نهاره فصامه وطال ليله ~~فقامه ) . # وأما وصف السبح ب ( طويل ) في هذه الآية فهو مجاز عقلي لأن الطويل هو ~~مكان السبح وهو الماء المسبوح فيه . وبعد هذا ففي قوله { طويلا } ترشيح ~~لاستعارة السبح للعمل في النهار . # ( 8 9 ) . # عطف على { قم الليل } ( المزمل : 2 ) وقصد بإطلاق الأمر عن تعيين زمان ~~إلى إفادة تعميمه ، أي اذكر اسم ربك في الليل وفي النهار كقوله : { واذكر ~~اسم ربك بكرة وأصيلا } ( الإنسان : 25 ) . # وإقحام كلمة { اسم } لأن المأمور به ذكر اللسان وهو جامع للتذكر بالعقل ~~لأن الألفاظ تجري على حسب ما في النفس ، ألا ترى إلى قوله تعالى : { واذكر ~~ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول } ( الأعراف : 205 ) . # والتبتل : شدة البتل ، وهو مصدر تبتل القاصر الذي هو مطاوع بتله ف { تبتل ~~} وهو هنا للمطاوعة المجازية يقصد من صيغتها المبالغة في حصول الفعل حتى ~~كأنه فعله غيره به فطاوعه ، والتبتل : الانقطاع وهو هنا انقطاع مجازي ، أي ~~تفرغ البال والفكر إلى ما يرضي الله ، فكأنه انقطع عن الناس وانحاز إلى ~~جانب الله فعدي ب ( إلى ) الدالة على الانتهاء ، قال امرؤ القيس : # منارة ممسى راهب متبتل # والتبتيل : مصدر بتل المشدد الذي هو فعل متعد مثل التقطيع . PageV29P265 # وجيء بهذا المصدر عوضا عن التبتل للإشارة إلى أن حصول التبتل ، أي ~~الانقطاع يقتضي التبتيل أي القطع . ولما كان التبتيل قائما بالمتبتل تعين ~~أن تبتيله قطعه نفسه عن غير من تبتل هو إليه فالمقطوع عنه هنا هو من عدا ~~الله تعالى فالجمع بين { تبتل } و { تبتيلا } مشير إلى إراضة النفس على ذلك ~~التبتل . وفيه ms8876 مع ذلك وفاء برعي الفواصل التي قبله . # والمراد بالانقطاع المأمور به انقطاع خاص وهو الانقطاع عن الأعمال التي ~~تمنعه من قيام الليل ومهام النهار في نشر الدعوة ومحاجة المشركين ولذلك قيل ~~{ وتبتل إليه } أي إلى الله فكل عمل يقوم به النبي صلى الله عليه وسلم من ~~أعمال الحياة فهو لدين الله فإن طعامه وشرابه ونومه وشؤونه للاستعانة على ~~نشر دين الله . وكذلك منعشات الروح البريئة من الإثم مثل الطيب ، وتزوج ~~النساء ، والأنس إلى أهله وأبنائه وذويه ، وقد قال : ( حبب إلي من دنياكم ~~النساء والطيب ) . # وليس هو التبتل المفضي إلى الرهبانية وهو الإعراض عن النساء وعن تدبير ~~أمور الحياة لأن ذلك لا يلاقي صفة الرسالة . # وفي حديث سعد في ( الصحيح ) ( رد رسول الله على عثمان بن مظعون التبتل ~~ولو أذن له لاختصينا ) يعني رد عليه استشارته في الإعراض عن النساء . # ومن أكبر التبتل إلى الله الانقطاع عن الإشراك ، وهو معنى الحنيفية ، ~~ولذلك عقب قوله : { وتبتل إليه تبتيلا } بقوله : { رب المشرق والمغرب لا ~~إلاه إلا هو } . # وخلاصة المعنى : أن النبي صلى الله عليه وسلم مأمور أن لا تخلو أوقاته عن ~~إقبال على عبادة الله ومراقبته والانقطاع للدعوة لدين الحق ، وإذ قد كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم من قبل غير غافل عن هذا الانقطاع بإرشاد من الله ~~كما ألهمه التحنث في غار حراء ثم بما أفاضه عليه من الوحي والرسالة . ~~فالأمر في قوله : { واذكر اسم ربك وتبتل إليه } مراد به الدوام على ذلك ~~فإنه قد كان يذكر الله فيما قبل فإن في سورة القلم ( وقد نزلت قبل المزمل ) ~~{ وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر } على أن القرآن ~~الذي أنزل أولا أكثره إرشاد للنبي صلى الله عليه وسلم إلى طرائق دعوة ~~الرسالة فلذلك كان غالب ما في هذه السور الأولل منه مقتصرا على سن التكاليف ~~الخاصة بالرسول صلى الله عليه وسلم PageV29P266 # ووصف الله بأنه { رب المشرق والمغرب } لمناسبة الأمر بذكره في الليل ~~وذكره في النهار وهما وقتا ابتداء غياب الشمس ms8877 وطلوعها ، وذلك يشعر بامتداد ~~كل زمان منهما إلى أن يأتي ضده ؛ فيصح أن يكون المشرق والمغرب جهتي الشروق ~~والغروب ، فيكون لاستيعاب جهات الأرض ، أي رب جميع العالم وذلك يشعر بوقتي ~~الشروق والغروب . # ويصح أن يراد بهما وقتا الشروق والغروب ، أي مبدأ ذينك الوقتين ومنتهاهما ~~، كما يقال : سبحوا لله كل مشرق شمس ، وكما يقال : صلاة المغرب . # وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم وأبو جعفر برفع { رب } على ~~أنه خبر لمبتدأ محذوف حذفا جرى على الاستعمال في مثله مما يسبق في الكلام ~~حديث عنه . ثم أريد الإخبار عنه بخبر جامع لصفاته ، وهو من قبيل النعت ~~المقطوع المرفوع بتقدير مبتدأ . وقرأه ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن ~~عاصم ويعقوب وخلف بخفض { رب } على البدل من { ربك } . # وعقب وصف الله ب { رب المشرق والمغرب ، } بالإخبار عنه أو بوصفه بأنه لا ~~إلاه إلا هو لأن تفرده بالإلاهية بمنزلة النتيجة لربوبية المشرق والمغرب ~~فلما كانت ربوبيته للعالم لا ينازع فيها المشركون أعقبت بما يقتضي إبطال ~~دعوى المشركين تعدد الآلهة بقوله : { لا إلاه إلا هو } تعريضا بهم في أثناء ~~الكلام وإن كان الكلام مسوقا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولذلك فرع عليه ~~قوله : { فاتخذه وكيلا ، } وإذ كان الأمر باتخاذ وكيلا مسببا عن كونه لا ~~إلاه إلا هو كان ذلك في قوة النهي عن اتخاذ وكيل غيره ، إذ ليس غيره بأهل ~~لاتخاذه وكيلا . # والوكيل : الذي يوكل إليه الأمور ، أي يفوض إلى تصرفه ، ومن أهم التفويض ~~أمر الانتصار لمن توكل عليه ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغه قول ~~المشركين فيه اغتم لذلك ، وقد روي أن ذلك سبب تزمله من موجدة الحزن فأمره ~~الله بأن لا يعتمد إلا عليه ، وهذا تكفل بالنصر ولذلك عقب بقوله : { واصبر ~~على ما يقولون } ( المزمل : 10 ) . # . PageV29P267 # عطف على قوله : { فاتخذه وكيلا } ( المزمل : 9 ) ، والمناسبة أن الصبر ~~على الأذى يستعان عليه بالتوكل على الله . # وضمير { يقولون } عائد إلى المشركين ، ولم يتقدم له معاد فهو من الضمائر ~~التي استغني عن ms8878 ذكر معادها بأنه معلوم للسامعين كما تقدم غير مرة ، ومن ذلك ~~عند قوله تعالى : { وأن لو استقاموا على الطريقة } ( الجن : 16 ) الآيات من ~~سورة { قل أوحى إلي } ( الجن : 1 ) ، ولأنه سيأتي عقبه قوله { وذرني ~~والمكذبين } ( المزمل : 11 ) فيبين المراد من الضمير . # وقد مضى في السور التي نزلت قبل سورة المزمل مقالات أذى من المشركين ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم ففي سورة العلق ( 9 ، 10 ) { أرأيت الذي ~~ينهى عبدا إذا صلى . قيل هو أبو جهل تهدد رسول الله لئن صلى في المسجد ~~الحرام ليفعلن ويفعلن . وفيها : إن الإنسان ليطغى أن رءاه استغنى } ( العلق ~~: 6 ، 7 ) . قيل هو الأخنس بن شريق ( تنكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بعد أن كان حليفه ) ، وفي سورة القلم ( 2 15 ) { ما أنت بنعمة ربك بمجنون ~~إلى قوله : فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون ، وقوله : ولا تطع كل حلاف مهين ~~إلى قوله : قال أساطير الأولين } ( القلم : 15 ) ردا لمقالاتهم . وفي سورة ~~المدثر ( 11 25 ) إن كانت نزلت قبل سورة المزمل { ذرني ومن خلقت وحيدا إلى ~~قوله : إن هذا إلا قول البشر ، قيل : قائل ذلك الوليد بن المغيرة . فلذلك ~~أمر الله رسوله بالصبر على ما يقولون . # والهجر الجميل : هو الحسن في نوعه ، فإن الأحوال والمعاني منها حسن ومنها ~~قبيح في نوعه وقد يقال : كريم ، وذميم ، وخالص ، وكدر ، ويعرض الوصف للنوع ~~بما من شأنه أن يقترن به من عوارض تناسب حقيقة النوع فإذا جردت الحقيقة عن ~~الأعراض التي قد تعتلق بها كان نوعها خالصا ، وإذا ألصق بالحقيقة ما ليس من ~~خصائصها كان النوع مكدرا قبيحا ، وقد أشار إلى هذا قوله تعالى : لا تبطلوا ~~صدقاتكم بالمن والأذى } ( البقرة : 264 ) ، وتقدم عند قوله تعالى : { إني ~~ألقي إلي كتاب كريم في سورة النمل ، ومن هذا المعنى قوله : فصبر جميل في ~~سورة يوسف ، وقوله فاصبر صبرا جميلا في سورة المعارج . # فالهجر الجميل هو الذي يقتصر صاحبه على حقيقة الهجر ، وهو ترك المخالطة ~~فلا يقرنها بجفاء آخر أو أذى ، ولما كان الهجر ينشأ عن ms8879 بعض المهجور ، أو ~~كراهية PageV29P268 أعماله كان معرضا لأن يعتلق به أذى من سب أو ضرب أو نحو ~~ذلك . فأمر الله رسوله بهجر المشركين هجرا جميلا ، أي أن يهجرهم ولا يزيد ~~على هجرهم سبا أو انتقاما . # وهذا الهجر : هو إمساك النبي عن مكافاتهم بمثل ما يقولونه مما أشار إليه ~~قوله تعالى : واصبر على ما يقولون . # وليس منسحبا على الدعوة للدين فإنها مستمرة ولكنها تبليغ عن الله تعالى ~~فلا ينسب إلى النبي . # وقد انتزع فخر الدين من هذه الآية منزعا خلقيا بأن الله جمع ما يحتاج ~~إليه الإنسان في مخالطة الناس في هاتين الكلمتين لأن المرء إما أن يكون ~~مخالطا فلا بد له من الصبر على أذاهم وإيحاشهم لأنه إن أطمع نفسه بالراحة ~~معهم لم يجدها مستمرة فيقع في الغموم إن لم يرض نفسه بالصبر على أذاهم ، ~~وإن ترك المخالطة فذلك هو الهجر الجميل . # } . # القول فيه كالقول في { فذرني ومن يكذب بهذا الحديث في سورة القلم ، أي ~~دعني وإياهم ، أي لا تهتم بتكذيبهم ولا تشتغل بتكرير الرد عليهم ولا تغضب ~~ولا تسبهم فأنا أكفيكهم . # وانتصب المكذبين } على المفعول معه ، والواو واو المعية . # والمكذبون هم من عناهم بضمير { يقولون } و { اهجرهم } ( المزمل : 10 ) ، ~~وهم المكذبون للنبي صلى الله عليه وسلم من أهل مكة ، فهو إظهار في مقام ~~الإضمار لإفادة أن التكذيب هو سبب هذا التهديد . # ووصفهم ب { أولي النعمة } توبيخا لهم بأنهم كذبوا لغرورهم وبطرهم بسعة ~~حالهم ، وتهديدا لهم بأن الذي قال { ذرني والمكذبين } سيزيل عنهم ذلك ~~التنعم . # وفي هذا الوصف تعريض بالتهكم ، لأنهم كانوا يعدون سعة العيش ووفرة المال ~~PageV29P269 كمالا ، وكانوا يعيرون الذين آمنوا بالخصاصة قال تعالى : { إن ~~الذين أجرموا كانوا من الذين ءامنوا يضحكون وإذا مروا بهم يتغامزون الآيات ~~} ( المطففين : 29 ، 30 ) ، وقال تعالى : { والذين كفروا يتمتعون ويأكلون ~~كما تأكل الأنعام } ( محمد : 12 ) . # و { النعمة } : هنا بفتح النون باتفاق القراء . وهي اسم للترفه ، وجمعها ~~أنعم بفتح الهمزة وضم العين . # وأما النعمة بكسر النون فاسم للحالة الملائمة لرغبة الإنسان من عافية ، ~~وأمن ms8880 ورزق ، ونحو ذلك من الرغائب . وجمعها : نعم بكسر النون وفتح العين ، ~~وتجمع جمع سلامة على نعمات بكسر النون وبفتح العين لجمهور العرب . وتكسر ~~العين في لغة أهل الحجاز كسرة إتباع . # والنعمة بضم النون اسم للمسرة فيجوز أن تجمع على نعم على أنه اسم جمع ، ~~ويجوز أن تجمع على نعم بضم ففتح مثل : غرفة وغرف ، وهو مطرد في الوزن . # وجعلهم ذوي النعمة المفتوحة النون للإشارة إلى أن قصارى حظهم في هذه ~~الحياة هي النعمة ، أي الانطلاق في العيش بلا ضيق ، والاستظلال بالبيوت ~~والجنات ، والإقبال على لذيذ الطعوم ولذائذ الانبساط إلى النساء والخمر ~~والميسر ، وهم معرضون عن كمالات النفس ولذة الاهتداء والمعرفة قال تعالى : ~~{ أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا ~~} ( الفرقان : 44 ) وتعريف { النعمة } للعهد . # والتمهيل : الإمهال الشديد ، والإمهال : التأجيل وتأخير العقوبة ، وهو ~~مترتب في المعنى على قوله : { وذرني والمكذبين } ، أي وانتظر أن ننتصر لك ~~كقوله تعالى : { ولا تستعجل لهم } ( الأحقاف : 35 ) . # و { قليلا } وصف لمصدر محذوف ، أي تمهيلا قليلا . وانتصب على المفعول ~~المطلق . # ( 12 14 ) . PageV29P270 # وهذا تعليل لجملة { وذرني والمكذبين } ( المزمل : 11 ) ، أي لأن لدينا ما ~~هو أشد عليهم من ردك عليهم ، وهذا التعليل أفاد تهديدهم بأن هذه النقم أعدت ~~لهم لأنها لما كانت من خزائن نقمة الله تعالى كانت بحيث يضعها الله في ~~المواضع المستأهلة لها ، وهم الذين بدلوا نعمة الله كفرا ، فأعد الله لهم ~~ما يكون عليهم في الحياة الأبدية ضدا لأصول النعمة التي خولوها ، فبطروا ~~بها وقابلوا المنعم بالكفران . # فالأنكال مقابل كفرانهم بنعمة الصحة والمقدرة لأن الأنكال القيود . ~~والجحيم : وهو نار جهنم مقابل ما كانوا عليه من لذة الاستظلال والتبرد . ~~والطعام : ذو الغصة مقابل ما كانوا منهمكين فيه من أطعمتهم الهنيئة من ~~الثمرات والمطبوخات والصيد . والأنكال : جمع نكل بفتح النون وبكسرها وبسكون ~~الكاف . وهو القيد الثقيل . # والغصة بضم الغين : اسم لأثر الغص في الحلق وهو تردد الطعام والشراب في ~~الحلق بحيث لا يسيغه الحلق من مرض أو حزن وعبرة ms8881 . # وإضافة الطعام إلى الغصة إضافة مجازية وهي من الإضافة لأدنى ملابسة ، فإن ~~الغصة عارض في الحلق سببه الطعام أو الشرب الذي لا يستساغ لبشاعة أو يبوسة ~~. # والعذاب الأليم : مقابل ما في النعمة من ملاذ البشر ، فإن الألم ضد اللذة ~~. وقد عرف الحكماء اللذة بأنها الخلاص من الألم . # وقد جمع الأخير جمع ما يضاد معنى النعمة ( بالفتح ) . # وتنكير هذه الأجناس الأربعة لقصد تعظيمها وتهويلها ، و ( لدى ) يجوز أن ~~يكون على حقيقته ويقدر مضاف بينه وبين نون العظمة . والتقدير : لدى خزائننا ~~، أي خزائن العذاب ، ويجوز أن يكون مجازا في القدرة على إيجاد ذلك متى أراد ~~الله . # ويتعلق { يوم ترجف } بالاستقرار الذي يتضمنه خبر { إن } في قوله { إن ~~لدينا أنكالا . # والرجف : الزلزلة والاضطراب ، والمراد : الرجف المتكرر المستمر ، وهو ~~الذي يكون به انفراط أجزاء الأرض وانحلالها . PageV29P271 # والكثيب : الرمل المجتمع كالربوة ، أي تصير حجارة الجبال دقاقا . # ومهيل : اسم فعول من هال الشيء هيلا ، إذا نثره وصبه ، وأصله مهيول ، ~~استثقلت الضمة على الياء فنقلت إلى الساكن قبلها فالتقى ساكنان فحذفت الواو ~~، لأنها زائدة ويدل عليها الضمة . # وجيء بفعل كانت } في قوله : { وكانت الجبال كثيبا } ، للإشارة إلى تحقيق ~~وقوعه حتى كأنه وقع في الماضي . ووجه مخالفته لأسلوب { ترجف } أن صيرورة ~~الجبال كثبا أمر عجيب غير معتاد ، فلعله يستبعده السامعون وأما رجف الأرض ~~فهو معروف ، إلا أن هذا الرجف الموعود به أعظم ما عرف جنسه . # ( 15 16 ) . # نقل الكلام إلى مخاطبة المشركين بعد أن كان الخطاب موجها إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم # والمناسبة لذلك التخلص إلى وعيدهم بعد أن أمره بالصبر على ما يقولون ~~وهجرهم هجرا جميلا إذ قال له { وذرني والمكذبين إلى قوله : وعذابا أليما } ~~( المزمل : 11 13 ) . # فالكلام استئناف ابتدائي ، ولا يعد هذا الخطاب من الالتفات لأن الكلام ~~نقل إلى غرض غير الغرض الذي كان قبله . # فالخطاب فيه جار على مقتضى الظاهر على كلا المذهبين : مذهب الجمهور ومذهب ~~السكاكي . # والمقصود من هذا الخبر التعريض بالتهديد أن يصيبهم مثل ما أصاب أمثالهم ~~ممن كذبوا الرسل فهو ms8882 مثل مضروب للمشركين . # وهذا أول مثل ضربه الله للمشركين للتهديد بمصير أمثالهم على قول الجمهور ~~في نزول هذه السورة . PageV29P272 # واختير لهم ضرب المثل بفرعون مع موسى عليه السلام ، لأن الجامع بين حال ~~أهل مكة وحال أهل مصر في سبب الإعراض عن دعوة الرسول هو مجموع ما هم عليه ~~من عبادة غير الله ، وما يملأ نفوسهم من التكبر والتعاظم على الرسول ~~المبعوث إليهم بزعمهم أن مثلهم لا يطيع مثله كما حكى الله تعالى عنهم بقوله ~~: { فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون } ( المؤمنون : 47 ) وقد ~~قال أهل مكة { لولا نزل هذا القرءان على رجل من القريتين عظيم } ( الزخرف : ~~31 ) وقد حكى الله عنهم أنهم قالوا { لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا ~~لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا } ( الفرقان : 21 ) . وقد تكرر في ~~القرآن ضرب المثل بفرعون لأبي جهل وهو زعيم المناوين للنبيء صلى الله عليه ~~وسلم والمؤلبين عليه وأشد صناديد قريش كفرا . # وأكد الخبر ب ( إن ) لأن المخاطبين منكرون أن الله أرسل إليهم رسولا . # ونكر { رسولا } لأنهم يعلمون المعني به في هذا الكلام ، ولأن مناط ~~التهديد والتنظير ليس شخص الرسول صلى الله عليه وسلم بل هو صفة الإرسال . # وأدمج في التنظير والتهديد وصف الرسول صلى الله عليه وسلم بكونه شاهدا ~~عليهم . # والمراد بالشهادة هنا : الشهادة بتبليغ ما أراده الله من الناس وبذلك ~~يكون وصف { شاهدا } موافقا لاستعمال الوصف باسم الفاعل في زمن الحال ، أي ~~هو شاهد عليكم الآن بمعاودة الدعوة والإبلاغ . # وأما شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم يوم القيامة فهي شهادة بصدق ~~المسلمين في شهادتهم على الأمم بأن رسلهم أبلغوا إليهم رسالات ربهم ، وذلك ~~قوله تعالى : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون ~~الرسول عليكم شهيدا كما ورد تفصيل تفسيرها في الحديث الصحيح ، وقد تقدم في ~~سورة البقرة . # وتنكير رسولا } المرسل إلى فرعون لأن الاعتبار بالإرسال لا بشخص المرسل ~~إذ التشبيه تعلق بالإرسال في قوله : { كما أرسلنا إلى فرعون } إذ تقديره ~~كإرسالنا إلى فرعون رسولا . # وتفريع ms8883 { فعصى فرعون الرسول } إيماء إلى أن ذلك هو الغرض من هذا الخبر ~~وهو التهديد بأن يحل بالمخاطبين لما عصوا الرسول صلى الله عليه وسلم مثل ما ~~حل بفرعون . PageV29P273 # وفي إظهار اسم فرعون في قوله : { فعصى فرعون } دون أن يؤتى بضميره للنداء ~~عليه بفظاعة عصيانه الرسول . # ولما جرى ذكر الرسول المرسل إلى فرعون أول مرة جيء به في ذكره ثاني مرة ~~معرفا بلام العهد وهو العهد الذكري ، أي الرسول المذكور آنفا فإن النكرة ~~إذا أعيدت معرفة باللام كان مدلولها عين الأولى . # والأخذ مستعمل في الإهلاك مجازا لأنه لما أزالهم من الحياة أشبه فعله أخذ ~~الآخذ شيئا من موضعه وجعله عنده . # والوبيل : فعيل صفة مشبهة من وبل المكان ، إذا وخم هواؤه أو مرعى كلئه ، ~~وقال زهير : # إلى كلإ مستوبلل متوخم # وهو هنا مستعار لسيىء العاقبة شديد السوء ، وأريد به الغرق الذي أصاب ~~فرعون وقومه . # ( 17 18 ) . # الاستفهام ب ( كيف ) مستعمل في التعجيز والتوبيخ وهو متفرع بالفاء على ما ~~تضمنه الخطاب السابق من التهديد على تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم وما ~~أدمج فيه من التسجيل بأن الرسول صلى الله عليه وسلم شاهد عليهم فليس بعد ~~الشهادة إلا المؤاخذة بما شهد به ، وقد انتقل بهم من التهديد بالأخذ في ~~الدنيا المستفاد من تمثيل حالهم بحال فرعون مع موسى إلى الوعيد بعقاب أشد ~~وهو عذاب يوم القيامة وقد نشأ هذا الاستفهام عن اعتبارهم أهل اتعاظ وخوف من ~~الوعيد بما حل بأمثالهم مما شأنه أن يثير فيهم تفكيرا من النجاة من الوقوع ~~فيما هددوا به ، وأنهم إن كانوا أهل جلادة على تحمل عذاب الدنيا فماذا ~~يصنعون في اتقاء عذاب الآخرة ، فدلت فاء التفريع واسم الاستفهام على هذا ~~المعنى . # فالمعنى : هبكم أقدمتم على تحمل عذاب الدنيا فكيف تتقون عذاب الآخرة ، ~~PageV29P274 ففعل الشرط من قوله : { إن كفرتم } مستعمل في معنى الدوام على ~~الكفر لأن ما يقتضيه الشرط من الاستقبال قرينة على إرادة معنى الدوام من ~~فعل { كفرتم } وإلا فإن كفرهم حاصل من قبل نزول هذه الآية . # و ms8884 { يوما } منصوب على المفعول به ل { تتقون } . واتقاء اليوم باتقاء ما ~~يقع فيه من عذاب أي على الكفر . # ووصف اليوم بأنه { يجعل الولدان شيبا } وصف له باعتبار ما يقع فيه من ~~الأهوال والأحزان ، لأنه شاع أن الهم مما يسرع به الشيب فلما أريد وصف هم ~~ذلك اليوم بالشدة البالغة أقواها أسند إليه يشيب الولدان الذين شعرهم في ~~أول سواده . وهذه مبالغة عجيبة وهي من مبتكرات القرآن فيما أحسب ، لأني لم ~~أر هذا المعنى في كلام العرب وأما البيت الذي يذكر في شواهد النحو وهو : # إذن والله نرميهم بحرب # تشيب الطفل من قبل المشيب # فلا ثبوت لنسبته إلى من كانوا قبل نزول القرآن ولا يعرف قائله ، ونسبه ~~بعض المؤلفين إلى حسان بن ثابت . وقال العيني : لم أجده في ديوانه . وقد ~~أخذ المعنى الصمة ابن عبد الله القشيري في قوله : # دعاني من نجد فإن سنينه # لعبن بنا شيبا وشيبننا مردا # وهو من شعراء الدولة الأموية وإسناد { يجعل الولدان شيبا } إلى اليوم ~~مجاز عقلي بمرتبتين لأن ذلك اليوم زمن الأهوال التي تشيب لمثلها الأطفال ، ~~والأهوال سبب للشيب عرفا . # والشيب كناية عن هذا الهول فاجتمع في الآية مجازان عقليان وكناية ومبالغة ~~في قوله : { يجعل الولدان شيبا . # وجملة السماء منفطر به } صفة ثانية . # والباء بمعنى ( في ) وهو ارتقاء في وصف اليوم بحدوث الأهوال فيه فإن ~~انفطار السماء أشد هولا ورعبا مما كني عنه بجملة { يجعل الولدان شيبا . } ~~أي السماء على عظمها وسمكها تنفطر لذلك اليوم فما ظنكم بأنفسكم وأمثالكم من ~~الخلائق فيه . PageV29P275 # والانفطار : التشقق الذي يحدث في السماء لنزول الملائكة وصعودهم كما تقدم ~~في قوله تعالى : { تعرج الملائكة والروح إليه في سورة المعارج . # وذكر انفطار السماء في ذلك اليوم زيادة في تهويل أحواله لأن ذلك يزيد ~~المهددين رعبا وإن لم يكن انفطار السماء من آثار أعمالهم ولا له أثر في ~~زيادة نكالهم . # ويجوز أن تجعل جملة السماء منفطر به } مستأنفة معترضة بين جملة { فكيف ~~تتقون } الخ ، وجملة { كان وعده مفعولا } والباء للسببية ويكون الضمير ~~المجرور ms8885 بالباء عائدا إلى الكفر المأخوذ من فعل { كفرتم . # ويجوز أن يكون الإخبار بانفطار السماء على طريقة التشبيه البليغ ، أي ~~كالمنفطر به فيكون المعنى كقوله تعالى : وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم ~~شيئا إدا يكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا } ( مريم : ~~88 90 ) . # ووصف السماء بمنفطر بصيغة التذكير مع أن السماء في اللغة من الأسماء ~~المعتبرة مؤنثة في الشائع . قال الفراء : السماء تذكر على التأويل بالسقف ~~لأن أصل تسميتها سماء على التشبيه بالسقف ، أي والسقف مذكر والسماء مؤنث . ~~وتبعه الجوهري وابن بري . وأنشد الجوهري على ذلك قول الشاعر : # فلو رفع السماء إليه قوما # لحقنا بالسماء مع السحاب # وأنشد ابن بري أيضا في تذكير السماء بمعنى السقف قول الآخر : # وقالت سماء البيت فوقك مخلق # ولما تيسر اجتلاء الركائب # ولا ندري مقدار صحة هاذين الشاهدين من العربية على أنه قد يكونان من ~~ضرورة الشعر . وقيل : إذا كان الاسم غير حقيقي التأنيث جاز إجراء وصفه على ~~التذكير فلا تلحقه هاء التأنيث قياسا على الفعل المسند للمؤنث غير حقيقي ~~التأنيث في جواز اقترانه بتاء التأنيث وتجريده منها ، إجراء للوصف مجرى ~~الفعل وهو وجيه . # ولعل العدول في الآية عن الاستعمال الشائع في الكلام الفصيح في إجراء ~~السماء على التأنيث ، إلى التذكير إيثارا لتخفيف الوصف لأنه لما جيء به ~~بصيغة PageV29P276 منفعل بحرفي زيادة وهما الميم والنون كانت الكلمة معرضة ~~للثقل إذا ألحق بها حرف زائد آخر ثالث ، وهو هاء التأنيث فيحصل فيها ثقل ~~يجنبه الكلام البالغ غاية الفصاحة ألا ترى أنها لم تجر على التذكير في قوله ~~: { إذا السماء انفطرت } ( الانفطار : 1 ) إذ ليس في الفعل إلا حرف مزيد ~~واحد وهو النون إذ لا اعتداد بهمزة الوصل لأنها ساقطة في حالة الوصل ، ~~فجاءت بعدها تاء التأنيث . # وجملة { كان وعده مفعولا } صفة أخرى ل { يوما ، } وهذا الوصف إدماج ~~للتصريح بتحقيق وقوع ذلك اليوم بعد الإنذار به الذي هو مقتض لوقوعه بطريق ~~الكناية استقصاء في إبلاغ ذلك إلى علمهم وفي قطع معذرتهم . # وضمير { وعده } عائد إلى ms8886 { يوما } الموصوف ، وإضافة ( وعد ) إليه من ~~إضافة المصدر إلى مفعوله على التوسع ، أي الوعد به ، أي بوقوعه . # . # تذييل أي تذكرة لمن يتذكر فإن كان من منكري البعث آمن به وإن كان مؤمنا ~~استفاق من بعض الغفلة التي تعرض للمؤمن فاستدرك ما فاته ، وبهذا العموم ~~الشامل لأحوال المتحدث عنهم وأحوال غيرهم كانت الجملة تذييلا . # والإشارة ب { هذه } إلى الآيات المتقدمة من قوله : { إنا أرسلنا إليكم ~~رسولا شاهدا عليكم } ( المزمل : 15 ) . # وتأكيد الكلام بحرف التأكيد لأن المواجهين به ابتداء هم منكرون كون ~~القرآن تذكرة وهدى فإنهم كذبوا بأنه من عند الله ووسموه بالسحر وبالأساطير ~~، وذلك من أقوالهم التي أرشد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصبر عليها ~~قال تعالى : { واصبر على ما يقولون } ( المزمل : 10 ) . # والتذكرة : اسم لمصدر الذكر بضم الذال ، الذي هو خطور الشيء في البال ، ~~فالتذكرة : الموعظة لأنه تذكر الغافل عن سوء العواقب ، وهذا تنويه بآيات ~~القرآن وتجديد للتحريض على التدبر فيه والتفكر على طريقة التعريض . ~~PageV29P277 # وفرع على هذا التحريض التعريضي تحريض صريح بقوله : { فمن شاء اتخذ إلى ~~ربه سبيلا } أي من كان يريد أن يتخذ إلى ربه سبيلا فقد تهيأ له اتخاذ ~~السبيل إلى الله بهذه التذكرة فلم تبق للمتغافل معذرة . # والإتيان بموصول { من شاء } من قبيل التحريض لأنه يقتضي أن هذا السبيل ~~موصل إلى الخير فلا حائل يحول بين طالب الخير وبين سلوك هذا السبيل إلا ~~مشيئته ، لأن قوله : { إن هذه تذكرة } قرينة على ذلك . ومن هذا القبيل قوله ~~تعالى : { وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر } ( الكهف : 29 ~~) . فليس ذلك إباحة للإيمان والكفر ولكنه تحريض على الإيمان ، وما بعده ~~تحذير من الكفر ، أي تبعة التفريط في ذلك على المفرط . ولذلك قال ابن عطية ~~: ليس معناه إباحة الأمر وضده بل يتضمن معنى الوعد والوعيد . # وفي تفسير ابن عرفة الذي كان بعض شيوخنا يحملها على أنه مخير في تعيين ~~السبيل فمتعلق التخيير عنده أن يبين سبيلا ما من السبل قال : وهو حسن ، ~~فيبقى ظاهر الآية ms8887 على حاله من التخيير اه . # وقد علمت مما قررناه أنه لا حاجة إليه وأن ليس في الآية شيء بمعنى ~~التخيير . وفي قوله : { إلى ربه } تمثيل لحال طالب الفوز والهدى بحال ~~السائر إلى ناصر أو كريم قد أري السبيل الذي يبلغه إلى مقصده فلم يبق له ما ~~يعوقه عن سلوكه . # . # . # من هنا يبتدىء ما نزل من هذه السورة بالمدينة كما تقدم ذكره في أول ~~السورة . # وصريح هذه الآية ينادي على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم من ~~الليل قبل نزول الآية وأن طائفة من أصحابه كانوا يقومون عملا بالأمر الذي ~~في أول السورة من قوله : { قم الليل إلا قليلا الآية } ( المزمل : 2 ) ، ~~فتعين أن هذه الآية نزلت للتخفيف عنهم جميعا لقوله فيها : { فتاب عليكم } ~~فهي ناسخة للأمر الذي في أول السورة . PageV29P278 # واختلف السلف في وقت نزولها ومكانه وفي نسبة مقتضاها من مقتضى الآية التي ~~قبلها . والمشهور الموثوق به أن صدر السورة نزل بمكة . # ولا يغتر بما رواه الطبري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة مما يوهم ~~أن صدر السورة نزل بالمدينة . ومثله ما روي عن النخعي في التزمل بمرط ~~لعائشة . # ولا ينبغي أن يطال القول في أن القيام الذي شرع في صدر السورة كان قياما ~~واجبا على النبي صلى الله عليه وسلم خاصة ، وأن قيام من قام من المسلمين ~~معه بمكة إنما كان تأسيا به وأقرهم النبي صلى الله عليه وسلم عليه ولكن رأت ~~عائشة أن فرض الصلوات الخمس نسخ وجوب قيام الليل ، وهي تريد أن قيام الليل ~~كان فرضا على المسلمين ، وهو تأويل ، كما لا ينبغي أن يختلف في أن أول ما ~~أوجب الله على الأمة هو الصلوات الخمس التي فرضت ليلة المعراج وأنها لم يكن ~~قبلها وجوب صلاة على الأمة ولو كان لجرى ذكر تعويضه بالصلوات الخمس في حديث ~~المعراج ، وأن جوب الخمس على النبي صلى الله عليه وسلم مثل وجوبها على ~~المسلمين . وهذا قول ابن عباس لأنه قال : إن قيام الليل لم ينسخه إلا ms8888 آية : ~~{ إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل } الآية ، ولا أن يختلف في أن ~~فرض الصلوات الخمس لم ينسخ فرض القيام على النبي صلى الله عليه وسلم سوى ~~أنه نسخ استيعاب نصف الليل أو دونه بقليل فنسخه { فاقرءوا ما تيسر من ~~القرآن } . # وقد بين ذلك حديث ابن عباس ليلة بات في بيت خالته ميمونة أم المؤمنين قال ~~فيه : ( نام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهله حتى إذا كان نصف الليل أو ~~قبله بقليل أو بعده بقليل استيقظ رسول الله ) ثم وصف وضوءه وأنه صلى ثلاث ~~عشرة ركعة ثم نام حتى جاءه المنادي لصلاة الصبح . وابن عباس يومئذ غلام ~~فيكون ذلك في حدود سنة سبع أو ثمان من الهجرة . # ولم ينقل أن المسلمين كانوا يقومون معه إلا حين احتجز موضعا من المسجد ~~لقيامه في ليالي رمضان فتسامع أصحابه به فجعلوا ينسلون إلى المسجد ليصلوا ~~بصلاة نبيئهم صلى الله عليه وسلم حتى احتبس عنهم في إحدى الليالي وقال لهم ~~: ( لقد خشيت أن تفرض عليكم ) وذلك بالمدينة وعائشة عنده كما تقدم في أول ~~السورة . PageV29P279 # وهو صريح في أن القيام الذي قاموه مع الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن ~~فرضا عليهم وأنهم لم يدوموا عليه وفي أنه ليس شيء من قيام الليل بواجب على ~~عموم المسلمين وإلا لما كان لخشية أن يفرض عليهم موقع لأنه لو قدر أن بعض ~~قيام الليل كان مفروضا لكان قيامهم مع النبي صلى الله عليه وسلم أداء لذلك ~~المفروض ، وقد عضد ذلك حديث ابن عمر ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~لحفصة وقد قصت عليه رؤيا رآها عبد الله بن عمر أن عبد الله رجل صالح لو كان ~~يقوم في الليل ) . # وافتتاح الكلام ب { إن ربك يعلم أنك تقوم } يشعر بالثناء عليه لوفائه بحق ~~القيام الذي أمر به وأنه كان يبسط إليه ويهتم به ثم يقتصر على القدر المعين ~~فيه النصفف أو أنقص منه قليلا أو زائد عليه بل أخذ بالأقصى وذلك ما ms8889 يقرب من ~~ثلثي الليل كما هو شأن أولي العزم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في ~~قوله تعالى : { فلما قضى موسى الأجل } ( القصص : 29 ) أنه قضى أقصى الأجلين ~~وهو العشر السنون . # وقد جاء في الحديث : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم من الليل ~~حتى تورمت قدماه ) . # وتأكيد الخبر ب { إن } للاهتمام به ، وهو كناية عن أنه أرضى ربه بذلك ~~وتوطئة للتخفيف الذي سيذكر في قوله : { فتاب عليكم } ليعلم أنه تخفيف رحمة ~~وكرامة ولإفراغ بعض الوقت من النهار للعمل والجهاد . # ولم تزل تكثر بعد الهجرة أشغال النبي صلى الله عليه وسلم بتدبير مصالح ~~المسلمين وحماية المدينة وتجهيز الجيوش ونحو ذلك ، فلم تبق في نهاره من ~~السعة ما كان له فيه أيام مقامه بمكة ، فظهرت حكمة الله في التخفيف عن ~~رسوله صلى الله عليه وسلم من قيام الليل الواجب منه والرغيبة . # وفي حديث علي بن أبي طالب ( أنه سئل عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا أوى ~~إلى منزله فقال : كان إذا أوى إلى منزله جزأ دخوله ثلاثة أجزاء : جزءا لله ~~، وجزءا لأهله ، وجزءا لنفسه ، ثم جزأ جزأه بينه وبين الناس فيرد ذلك ~~بالخاصة على العامة ولا يدخر عنهم شيئا فمنهم ذو الحاجة ومنهم ذو الحاجتين ~~ومنهم ذو الحوائج فيتشاغل بهم ويشغلهم فيما يصلحهم والأمة من مسألته عنهم ~~وإخبارهم بالذي ينبغي لهم ) . PageV29P280 # وإيثار المضارع في قوله : { يعلم } للدلالة على استمرار ذلك العلم وتجدده ~~وذلك إيذان بأنه بمحل الرضى منه . # وفي ضده قوله : { قد يعلم الله المعوقين منكم } ( الأحزاب : 18 ) لأنه في ~~معرض التوبيخ ، أي لم يزل عالما بذلك حينا فحينا لا يخفى عليه منه حصة . # و { أدنى } أصله أقرب ، من الدنو ، استعير للأقل لأن المسافة التي بين ~~الشيء والأدنى منه قليلة ، وكذلك يستعار الأبعد للأكثر . # وهو منصوب على الظرفية لفعل { تقوم } ، أي تقوم في زمان يقدر أقل من ثلثي ~~الليل وذلك ما يزيد على نصف الليل وهو ما اقتضاه قوله تعالى : { أو زد عليه ~~} ( المزمل : 4 ) . # وقرأ الجمهور : { ثلثي ms8890 } بضم اللام على الأصل . وقرأه هشام عن ابن عامر ~~بسكون اللام على التخفيف لأنه عرض له بعض الثقل بسبب التثنية . # وقرأ نافع وابن عامر وأبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب { ونصفه وثلثه } بخفضهما ~~عطفا على { ثلثي الليل } ، أي أدنى من نصفه وأدنى من ثلثه . # وقرأ ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي وخلف بنصب { ونصفه وثلثه } على أنهما ~~منصوبان على المفعول ل { تقوم } ، أي تقوم ثلثي الليل ، وتقوم نصف الليل ، ~~وتقوم ثلث الليل ، بحيث لا ينقص عن النصف وعن الثلث . وهذه أحوال مختلفة في ~~قيام النبي صلى الله عليه وسلم بالليل تابعة لاختلاف أحوال الليالي والأيام ~~في طول بعضها وقصر بعض وكلها داخلة تحت التخيير الذي خيره الله في قوله { ~~قم الليل إلا قليلا } ( المزمل : 2 ) إلى قوله : { أو زد عليه } ( المزمل : ~~4 ) . # وبه تظهر مناسبة تعقيب هذه الجملة بالجملة المعترضة ، وهي جملة { والله ~~يقدر الليل والنهار } أي قد علمها الله كلها وأنبأه بها . فلا يختلف ~~المقصود باختلاف القراءات . فمن العجاب قول الفراء أن النصب أشبه بالصواب . # و { طائفة } عطف على اسم { إن } بالرفع وهو وجه جائز إذا كان بعد ذكر خبر ~~{ إن } لأنه يقدر رفعه حينئذ على الاستئناف كما في قوله تعالى : { أن الله ~~بريء من المشركين ورسوله } ( التوبة : 3 ) . وهو من اللطائف إذا كان اتصاف ~~الاسم والمعطوف PageV29P281 بالخبر مختلفا فإن بين قيام النبي صلى الله ~~عليه وسلم وقيام الطائفة التي معه تفاوتا في الحكم والمقدار ، وكذلك براءة ~~الله من المشركين وبراءة رسوله . فإن الرسول صلى الله عليه وسلم يدعوهم ~~ويقرأ عليهم القرآن ويعاملهم ، وأما الله فغاضب عليهم ولاعنهم . وهذا وجه ~~العدول عن أن يقول : إن الله يعلم أنكم تقومون . إلى قوله : { أنك تقوم } ~~ثم قوله : { وطائفة } الخ . # ووصف { طائفة } بأنهم ( من الذين معه ) ، فإن كان المراد بالمعية المعية ~~الحقيقية ، أي المصاحبة في عمل مما سيق له الكلام . أي المصاحبين لك في ~~قيام الليل ، لم يكن في تفسيره تعيين لناس بأعيانهم ، ففي حديث عائشة في ( ~~صحيح البخاري ) ( أن رسول الله صلى الله ms8891 عليه وسلم صلى ذات ليلة في المسجد ~~فصلى بصلاته ناس ثم صلى من القابلة فكثر الناس ثم اجتمعوا من الليلة ~~الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أصبح ~~قال : قد رأيت الذي صنعتم ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض ~~عليكم ، وذلك في رمضان ) . # وإن كانت المعية معية مجازية وهي الانتساب والصحبة والموافقة فقد عددنا ~~منهم : عبد الله بن مسعود ، وعبد الله بن عمرو ، وسلمان الفارسي وأبا ~~الدرداء ، وزينب بنت جحش ، وعبد الله بن عمر ، والحولاء بنت تويت الأسدية ، ~~فهؤلاء ورد ذكرهم مفرقا في أحاديث التهجد من ( صحيح البخاري ) . # واعلم أن صدر هذه الآية إيماء إلى الثناء على النبي صلى الله عليه وسلم ~~في وفائه بقيام الليل حق الوفاء وعلى الطائفة الذين تابعوه في ذلك . # فالخبر بأن الله يعلم أنك تقوم مراد به الكناية عن الرضى عنهم فيما فعلوا ~~. # والمقصود : التمهيد لقوله : { علم أن لن تحصوه } إلى آخر الآية . # ولأجل هذا الاعتبار أعيد فعل { علم } في جملة { علم أن سيكون منكم مرضى } ~~الخ ولم يقل : وأن سيكون منكم مرضى بالعطف . # وجملة { والله يقدر الليل والنهار } معترضة بين جملتي { إن ربك يعلم أنك ~~تقوم } وجملة { علم أن لن تحصوه } وقد علمت مناسبة اعتراضها آنفا . ~~PageV29P282 # وجملة { علم أن لن تحصوه } يجوز أن تكون خبرا ثانيا عن { إن } بعد الخبر ~~في قوله : { يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل } الخ . # ويجوز أن تكون استئنافا بيانيا لما ينشأ عن جملة { إن ربك يعلم أنك تقوم ~~} من ترقب السامع لمعرفة ما مهد له بتلك الجملة ، فبعد أن شكرهم على عملهم ~~خفف عنهم منه . # والضمير المنصوب في { تحصوه } عائد إلى القيام المستفاد من { أنك تقوم . # والإحصاء حقيقته : معرفة عدد شيء معدود مشتق من اسم الحصى جمع حصاة لأنهم ~~كانوا إذا عدوا شيئا كثيرا جعلوا لكل واحد حصاة وهو هنا مستعار للإطاقة . ~~شبهت الأفعال الكثيرة من ركوع وسجود وقراءة في قيام الليل ، بالأشياء ~~المعدودة ، وبهذا فسر الحسن وسفيان ms8892 ، ومنه قوله في الحديث استقيموا ولن ~~تحصوا أي ولن تطيقوا تمام الاستقامة ، أي فخذوا منها بقدر الطاقة . # وأن } مخففة من الثقيلة ، واسمها ضمير شأن محذوف وخبره الجملة ، وقد وقع ~~الفصل بين { أن } وخبرها بحرف النفي لكون الخبر فعلا غير دعاء ولا جامد حسب ~~المتبع في الاستعمال الفصيح . # و { أن } وجملتها سادة مسد مفعولي { علم } إذ تقديره علم عدم إحصائكموه ~~واقعا . # وفرع على ذلك { فتاب عليكم } وفعل { تاب } مستعار لعدم المؤاخذة قبل حصول ~~التقصير لأن التقصير متوقع فشابه الحاصل فعبر عن عدم التكليف بما يتوقع ~~التقصير فيه ، بفعل { تاب } المفيد رفع المؤاخذة بالذنب بعد حصوله . # والوجه أن يكون الخطاب في قوله : { تحصوه } وما بعده موجها إلى المسلمين ~~الذين كانوا يقومون الليل : إما على طريقة الالتفات من الغيبة إلى الخطاب ~~بعد قوله : { وطائفة من الذين معك ، } وإما على طريقة العام المراد به ~~الخصوص بقرينة أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يظن تعذر الإحصاء عليه ، ~~وبقرينة قوله : { أن سيكون منكم مرضى } الخ . # ومعنى { فاقرأوا ما تيسر من القرآن } فصلوا ما تيسر لكم ، ولما كانت ~~الصلاة لا تخلو عن قراءة القرآن أتبع ذلك بقوله هنا : { فاقرأوا ما تيسر من ~~القرآن } ، أي PageV29P283 صلوا كقوله تعالى : { وقرآن الفجر } ( الإسراء : ~~78 ) أي صلاة الفجر وفي الكناية عن الصلاة بالقرآن جمع بين الترغيب في ~~القيام والترغيب في تلاوة القرآن فيه بطريقة الإيجاز . # والمراد القرآن الذي كان نزل قبل هذه الآية المدنية وهو شيء كثير من ~~القرآن المكي كله وشيء من المدني ، وليس مثل قوله في صدر السورة { ورتل ~~القرءان ترتيلا } ( المزمل : 4 ) كما علمت هنالك . # وقوله : { ما تيسر من القرءان } أي ما تيسر لكم من صلاة الليل فلا دلالة ~~في هذه الآية على مقدار ما يجزىء من القراءة في الصلاة إذ ليس سياقها في ~~هذا المهيع ، ولئن سلمنا ، فإن ما تيسر مجمل وقد بينه قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم ( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ) ، وأما السورة مع الفاتحة ~~فإنه لم يرو عنه أنه قرأ ms8893 في الصلاة أقل من سورة ، وهو الواجب عند جمهور ~~الفقهاء ، فيكره أن يقرأ المصلي بعض سورة في الفريضة . ويجوز في القيام ~~بالقرآن في الليل وفي قيام رمضان ، وعند الضرورة ، ففي ( الصحيح ) ( أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ فأخذته بحة فركع ) ، أي في أثناء السورة ~~. # وقال أبو حنيفة وأحمد في رواية عنه : تجزىء قراءة آية من القرآن ولو كانت ~~قصيرة ومثله الحنفية بقوله تعالى : { مدهامتان } ( الرحمن : 64 ) ولا تتعين ~~فاتحة الكتاب وخالفه صاحباه في الأمرين . # وتعيين من تجب عليه القراءة من منفرد وإمام ومأموم مبين في كتب الفقه . # وفعل ( تاب ) إذا أريد به قبول توبة التائب عدي بحرف ( على ) لتضمينه ~~معنى من وإذا كان بمعنى الرجوع عن الذنب والندم منه عدي بما يناسب . # وقد نسخت هذه الآية تحديد مدة قيام الليل بنصفه أو أزيد أو أقل من ثلثه ، ~~وأصحاب التحديد بالمقدار المتيسر من غير ضبط ، أما حكم ذلك القيام فهو على ~~ما تقدم شرحه . PageV29P284 # . # هذه الجملة بدل اشتمال من جملة { علم أن لن تحصوه ، } وهذا تخفيف آخر ~~لأجل أحوال أخرى اقتضت التخفيف . # وهذه حكمة أخرى لنسخ تحديد الوقت في قيام الليل وهي مراعاة أحوال طرأت ~~على المسلمين من ضروب ما تدعو إليه حالة الجماعة الإسلامية . وذكر من ذلك ~~ثلاثة أضرب هي أصول الأعذار : # الضرب الأول : أعذار اختلال الصحة وقد شملها قوله : { أن سيكون منكم مرضى ~~. # الضرب الثاني } : الأشغال التي تدعو إليها ضرورة العيش من تجارة وصناعة ~~وحراثة وغير ذلك ، وقد أشار إليها قوله : { وآخرون يضربون في الأرض يبتغون ~~من فضل الله } وفضل الله هو الرزق . # الضرب الثالث : أعمال لمصالح الأمة وأشار إليها قوله : { وآخرون يقاتلون ~~في سبيل الله } ودخل في ذلك حراسة الثغور والرباط بها ، وتدبير الجيوش ، ~~وما يرجع إلى نشر دعوة الإسلام من إيفاد الوفود وبعث السفراء . وهذا كله من ~~شؤون الأمة على الإجمال فيدخل في بعضها النبي صلى الله عليه وسلم كما في ~~القتال في سبيل الله ، والمرض ففي الحديث : اشتكى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ms8894 فلم يقم ليلة أو ليلتين . # وإذا كانت هذه الآية مما نزل بمكة ففيها بشارة بأن أمر المسلمين صائر إلى ~~استقلال وقترة على أعدائهم فيقاتلون في سبيل الله وإن كانت مدنية فهو عذر ~~لهم بما ابتدأوا فيه من السرايا والغزوات . # وقد كان بعض الصحابة يتأول من هذه الآية فضيلة التجارة والسفر للتجر حيث ~~سوى الله بين المجاهدين والمكتسبين المال الحلال ، يعني أن الله ما ذكر ~~PageV29P285 هذين السببين لنسخ تحديد القيام إلا تنويها بهما لأن في غيرهما ~~من الأعذار ما هو أشبه بالمرض ، ودقائق القرآن ولطائفه لا تنحصر . # روي عن ابن مسعود أنه قال ( أيما رجل جلب شيئا إلى مدينة من مدائن ~~المسلمين محتسبا فباعه بسعر يومه كان له عند الله منزلة الشهداء ، وقرأ { ~~وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله } ~~. # وعن ابن عمر : ( ما خلق الله موتة بعد الموت في سبيل الله أحب إلي من أن ~~أموت بين شعبتي رحلي أبتغي من فضل الله ضاربا في الأرض ) . # فإذا كانت هذه الآية مما نزل بمكة ففيها بشارة بأن أمر المسلمين صائر إلى ~~قترة على عدوهم وإن كانت مدنية فهي عذر لهم بما عرض لهم . # ومعنى { يضربون في الأرض } يسيرون في الأرض . # وحقيقة الضرب : قرع جسم بجسم آخر ، وسمي السير في الأرض ضربا في الأرض ~~لتضمين فعل { يضربون } معنى يسيرون فإن السير ضرب للأرض بالرجلين لكنه ~~تنوسي منه معنى الضرب وأريد المشي فلذلك عدي بحرف { في } لأن الأرض ظرف ~~للسير كما قال تعالى : { فسيروا في الأرض } ( آل عمران : 137 ) وقد تقدم ~~عند قوله تعالى : { وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من ~~الصلاة في سورة النساء . # والابتغاء من فضل الله طلب الرزق قال تعالى : ليس عليكم جناح أن تبتغوا ~~فضلا من ربكم } ( البقرة : 198 ) أي التجارة في مدة الحج ، فقوله تعالى : { ~~يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله } مراد بالضرب في الأرض فيه السفر ~~للتجارة لأن السير في الأسفار يكون في الليل كثيرا ويكون في ms8895 النهار فيحتاج ~~المسافر للنوم في النهار . # وفرع عليه مثل ما فرع على الذي قبله فقال : { فاقرأوا ما تيسر منه } أي ~~من القرآن . # وقد نيط مقدار القيام بالتيسير على جميع المسلمين وإن اختلفت الأعذار . # وهذه الآية اقتضت رفع وجوب قيام الليل عن المسلمين إن كان قد وجب عليهم ~~من قبل على أحد الاحتمالين ، أو بيان لم يوجب عليهم وكانوا قد التزموه فبين ~~PageV29P286 لهم أن ما التزموه من التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم في ذلك ~~غير لازم لهم . وعلل عدم وجوبه عليهم بأن الأمة يكثر فيها أصحاب الأعذار ~~التي يشق معها قيام الليل فلم يجعله الله واجبا عليهم أو رفع وجوبه . ولولا ~~اعتبار المظنة العامة لأبقي حكم القيام ورخص لأصحاب العذر في مدة العذر فقط ~~فتبين أن هذا تعليل الحكم الشرعي بالمظنة والحكم هنا عدمي ، أي عدم الإيجاب ~~فهو نظير قصر الصلاة في السفر على قول عائشة أم المؤمنين : ( إن الصلاة ~~فرضت ركعتين ثم زيد في ثلاث من الصلوات في الحضر وأبقيت صلاة السفر ) ، ~~وعلة بقاء الركعتين هو مظنة المشقة في السفر . # وأوجب الترخص في قيام الليل أنه لم يكن ركنا من أركان الإسلام فلم تكن ~~المصلحة الدينية قوية فيه . # وأما حكم القيام فهو ما دل عليه قوله : { قم الليل إلا قليلا } ( المزمل ~~: 2 ) وما دلت عليه أدلة التحريض عليه من السنة . وقد مضى ذلك كله . فهذه ~~الآية صالحة لأن تكون أصلا للتعليل بالمظنة وصالحة لأن تكون أصلا تقاس عليه ~~الرخص العامة التي تراعى فيها مشقة غالب الأمة مثل رخصة بيع السلم دون ~~الأحوال الفردية والجزئية . # وقوله : { وأقيموا الصلاة } تذكير بأن الصلوات الواجبة هي التي تحرصون ~~على إقامتها وعدم التفريط فيها كما قال تعالى : { إن الصلاة كانت على ~~المؤمنين كتابا موقوتا } ( النساء : 103 ) . # وفي هذا التعقيب بعطف الأمر بإقامة الصلاة إيماء إلى أن في الصلوات الخمس ~~ما يرفع التبعة عن المؤمنين وأن قيام الليل نافلة لهم وفيه خير كثير وقد ~~تضافرت الآثار على هذا ما هو في كتب السنة . # وعطف { وءاتوا ms8896 الزكاة } تتميم لأن الغالب أنه لم يخل ذكر الصلاة من قرن ~~الزكاة معها حتى استنبط أبو بكر رضي الله عنه من ذلك أن مانع الزكاة يقاتل ~~عليها ، فقال لعمر رضي الله عنه ( لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة ) . # وإقراض الله هو الصدقات غير الواجبة ، شبه إعطاء الصدقة للفقير بقرض ~~يقرضه الله لأن الله وعد على الصدقة بالثواب الجزيل فشابه حال معطي الصدقة ~~مستجيبا رغبة الله فيه بحال من أقرض مستقرضا في أنه حقيق بأن يرجع إليه ما ~~أقرضه ، وذلك في الثواب الذي يعطاه يوم الجزاء . PageV29P287 # ووصف القرض بالحسن يفيد الصدقة المراد بها وجه الله تعالى والسالمة من ~~المن والأذى ، والحسن متفاوت . # والحسن في كل نوع هو ما فيه الصفات المحمودة في ذلك النوع في بابه ، ~~ويعرف المحمود من الصدقة من طريق الشرع بما وصفه القرآن في حسن الصدقات وما ~~ورد في كلام النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك . # وقد تقدم في سورة البقرة قوله : { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا ~~فيضاعفه له ضعافا كثيرة وفي سورة التغابن إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه ~~لكم . # } . # تذييل لما سبق من الأمر في قوله : { فاقرأوا ما تيسر منه وأقيموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة وأقرضوا الله قرضا حسنا } ، فإن قوله : { من خير } يعم جميع ~~فعل الخير . # وفي الكلام إيجاز حذف . تقدير المحذوف : وافعلوا الخير وما تقدموا ~~لأنفسكم منه تجدوه عند الله ، فاستغني عن المحذوف بذكر الجزاء على الخير . # و { ما } شرطية . ومعنى تقديم الخير : فعله في الحياة ، شبه فعل الخير في ~~مدة الحياة لرجاء الانتفاع بثوابه في الحياة الآخرة بتقديم العازم على ~~السفر ثقله وأدواته وبعض أهله إلى المحل الذي يروم الانتهاء إليه ليجد ما ~~ينتفع به وقت وصوله . # و { من خير } بيان لإبهام { ما } الشرطية . # والخير : هو ما وصفه الدين بالحسن ووعد على فعله بالثواب . # ومعنى { تجدوه } تجدوا جزاءه وثوابه ، وهو الذي قصده فاعله ، فكأنه وجد ~~نفس الذي قدمه ، وهذا استعمال كثير في القرآن والسنة أن يعبر عن عوض الشيء ~~وجزائه باسم ms8897 المعوض عنه والمجازى به ، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم ~~في الذي يكنز المال ولا يؤدي حقه ( مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع يأخذ ~~بلهزمتيه يقول : أنا مالك أنا كنزك ) . # وضمير الغائب في { تجدوه } هو المفعول الأول ل ( تجدوا ) ومفعوله الثاني ~~{ خيرا } . PageV29P288 # والضمير المنفصل الذي بينهما ضمير فعل ، وجاز وقوعه بين معرفة ونكرة ~~خلافا للمعروف في حقيقة ضمير الفصل من وجوب وقوعه بين معرفتين لأن أفعل من ~~كذا ، أشبه المعرفة في أنه لا يجوز دخول حرف التعريف عليه . # و { خيرا } : اسم تفضيل ، أي خيرا مما تقدمونه إذ ليس المراد أنكم تجدونه ~~من جنس الخير ، بل المراد مضاعفة الجزاء ، لما دل عليه قوله تعالى : { إن ~~تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم } ( التغابن : 17 ) وغير ذلك من كثير من ~~الآيات . # وأفاد ضمير الفصل هنا مجرد التأكيد لتحقيقه . # وعطف { وأعظم أجرا } على { خيرا } أو هو منسحب عليه تأكيد ضمير الفصل . # وانتصب { أجرا } على أنه تمييز نسبة ل { أعظم } لأنه في معنى الفعل . ~~فالتقدير : وأعظم أجره ، كما تقول : وجدته منبسطا كفا ، والمعنى : أن أجره ~~خير وأعظم مما قدمتوه . # . # يجوز أن تكون الواو للعطف فيكون معطوفا على جملة { وما تقدموا لأنفسكم } ~~الخ ، فيكون لها حكم التذييل إرشادا لتدارك ما عسى أن يعرض من التفريط في ~~بعض ما أمره الله بتقديمه من خير فإن ذلك يشمل الفرائض التي يقتضي التفريط ~~في بعضها توبة منه . # ويجوز أن تكون الواو للاستئناف وتكون الجملة استئنافا بيانيا ناشئا عن ~~الترخيص في ترك بعض القيام إرشادا من الله لما يسد مسد قيام الليل الذي ~~يعرض تركه بأن يستغفر المسلم ربه إذا انتبه من أجزاء الليل ، وهو مشمول ~~لقوله تعالى : PageV29P289 { وبالأسحار هم يستغفرون } ( الذاريات : 18 ) ، ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم ( ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين ~~يبقى ثلث الليل الآخر فيقول : من يدعوني فأستجيب له ، من يسألني فأعطيه ، ~~من يستغفرني فأغفر له ) . وقال : ( من تعار من الليل فقال : لا إلاه إلا ~~الله وحده لا شريك له له الملك ms8898 وله الحمد وهو على كل شيء قدير ، الحمد لله ~~وسبحان الله ولا إلاه إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله ثم ~~قال اللهم اغفر لي أو دعا استجيب له ) . # وجملة { إن الله غفور رحيم } تعليل للأمر بالاستغفار ، أي لأن الله كثير ~~المغفرة شديد الرحمة . والمقصود من هذا التعليل الترغيب والتحريض على ~~الاستغفار بأنه مرجو الإجابة . وفي الإتيان بالوصفين الدالين على المبالغة ~~في الصفة إيماء إلى الوعد بالإجابة . # PageV29P290 # | 1 ( سورة المدثر ) 1 # تسمى في كتب التفسير ( سورة المدثر ) وكذلك سميت في المصاحف التي رأيناها ~~ومنها كتب في القيروان في القرن الخامس . # وأريد المدثر النبي صلى الله عليه وسلم موصوفا بالحالة التي نودي بها ، ~~كما سميت بعض السور بأسماء الأنبياء الذين ذكروا فيها . # وإما تسمية باللفظ الذي وقع فيها ، ونظيره ما تقدم في تسمية ( سورة ~~المزمل ) ، ومثله ما تقدم في سورة المجادلة من احتمال فتح الدال أو كسرها . # وهي مكية حكى الاتفاق على ذلك ابن عطية والقرطبي ولم يذكرها في ( الإتقان ~~) في السور التي بعضها مدني . وذكر الآلوسي أن صاحب ( التحرير ) ( محمد بن ~~النقيب المقدسي المتوفى سنة 698 له تفسير ) ذكر قول مقاتل أو قوله تعالى : ~~{ وما جعلنا عدتهم إلا فتنة } ( المدثر : 31 ) الخ نزل بالمدينة اه . ولم ~~نقف على سنده في ذلك ولا رأينا ذلك لغيره وسيأتي . PageV29P291 # قيل : إنها ثانية السور نزولا وإنها لم ينزل قبلها إلا سورة { اقرأ باسم ~~ربك } ( العلق : 1 ) وهو الذي جاء في حديث عائشة في ( الصحيحين ) في صفة ~~بدء الوحي ( أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه الحق وهو في غار حراء فجاءه ~~الملك فقال { اقرأ باسم ربك الذي خلق } إلى { ما لم يعلم } ( العلق : 1 5 ) ~~ثم قالت : ثم فتر الوحي ) . فلم تذكر نزول وحي بعد آيات { اقرأ باسم ربك . # وكذلك حديث جابر بن عبد الله من رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن من طرق ~~كثيرة وبألفاظ يزيد بعضها على بعض . وحاصل ما يجتمع من طرقه : قال جابر بن ~~عبد الله وهو ms8899 يحدث عن فترة الوحي فقال في حديثه إن النبي قال : فبينا أنا ~~أمشي سمعت صوتا من السماء فنوديت فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وعن شمالي ~~فلم أر شيئا فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين ~~السماء والأرض فجئت منه رعبا فأتيت خديجة فقلت : دثروني فدثروني زاد غير ~~ابن شهاب من روايته وصبوا علي ماء باردا فدثروني وصبوا علي ماء باردا } . ~~قال النووي : صب الماء لتسكين الفزع . فأنزل الله { يا أيها المدثر إلى ~~والرجز فاهجر } ( المدثر : 1 5 ) ثم حمي الوحي وتتابع اه . # ووقع في ( صحيح مسلم ) عن جابر : أنها أول القرآن ، سورة المدثر وهو الذي ~~يقول في حديثه أن رسول الله يحدث عن فترة الوحي وإنما تقع الفترة بين شيئين ~~فتقتضي وحيا نزل قبل سورة المدثر وهو ما بين في حديث عائشة . # وقد تقدم في صدر سورة المزمل قول جابر بن زيد : أن سورة القلم نزلت بعد ~~سورة العلق وأن سورة المزمل ثالثة وأن سورة المدثر أربعة . # وقال جابر بن زيد : نزلت بعد المدثر سورة الفاتحة . ولا شك أن سورة ~~المدثر نزلت قبل المزمل وأن عناد المشركين كان قد تزايد بعد نزول سورة ~~المدثر فكان التعرض لهم في سورة المزمل أوسع . # وقد وقع في حديث جابر بن عبد الله في ( صحيح البخاري ) و ( جامع الترمذي ~~) من طريق ابن شهاب أن نزول هذه السورة كان قبل أن تفرض الصلاة . # والصلاة فرضت بعد فترة الوحي سواء كانت خمسا أو أقل وسواء كانت واجبة كما ~~هو ظاهر قولهم : فرضت ، أم كانت مفروضة بمعنى مشروعة وفترة الوحي ~~PageV29P292 مختلف في مدتها اختلافا كثيرا فقيل : كانت سنتين ونصفا ، وقيل ~~: أربعين يوما ، وقيل : خمسة عشر يوما ، والأصح أنها كانت أربعين يوما . ~~فيظهر أن المدثر نزلت في السنة الأولى من البعثة وأن الصلاة فرضت عقب ذلك ~~كما يشعر به ترتيب ابن إسحاق في سوق حوادث سيرته . # وعد أهل المدينة في عدهم الأخير الذي أرسوا عليه وأهل الشام آيها خمسا ~~وخمسين وعدها أهل البصرة والكوفة ms8900 وأهل المدينة في عدهم الأول الذي رجعوا ~~عنه ستا وخمسين . # أغراضها # جاء فيها من الأغراض تكريم النبي صلى الله عليه وسلم والأمر بإبلاغ دعوة ~~الرسالة . # وإعلان وحدانية الله بالإلاهية . # والأمر بالتطهر الحسي والمعنوي . # ونبذ الأصنام . # والإكثار من الصدقات . # والأمر بالصبر . # وإنذار المشركين بهول البعث . # وتهديد من تصدى للطعن في القرآن وزعم أنه قول البشر وكفر الطاعن نعمة ~~الله عليه فأقدم على الطعن في آياته مع علمه بأنها حق . # ووصف أهوال جهنم . # والرد على المشركين الذين استخفوا بها وزعموا قلة عدد حفظتها . # وتحدي أهل الكتاب بأنهم جهلوا عدد حفظتها . # وتأييسهم من التخلص من العذاب . # وتمثيل ضلالهم في الدنيا . # ومقابلة حالهم بحال المؤمنين أهل الصلاة والزكاة والتصديق بيوم الجزاء . # PageV29P293 $ 2 ( { ياأيها المدثر * قم فأنذر * وربك فكبر * وثيابك فطهر ~~* والرجز فاهجر * ولا تمنن تستكثر * ولربك فاصبر * فإذا نقر فى الناقور * ~~فذلك يومئذ يوم عسير * على الكافرين غير يسير * ذرنى ومن خلقت وحيدا * ~~وجعلت له مالا ممدودا * وبنين شهودا * ومهدت له تمهيدا * ثم يطمع أن أزيد * ~~كلا إنه كان لاياتنا عنيدا * سأرهقه صعودا * إنه فكر وقدر * فقتل كيف قدر * ~~ثم قتل كيف قدر * ثم نظر * ثم عبس وبسر * ثم أدبر واستكبر * فقال إن هاذآ ~~إلا سحر يؤثر * إن هاذآ إلا قول البشر * سأصليه سقر * ومآ أدراك ما سقر * ~~لا تبقى ولا تذر * لواحة للبشر * عليها تسعة عشر * وما جعلنآ أصحاب النار ~~إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا ~~الكتاب ويزداد الذين ءامنو & # 1764 ا إيمانا ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين فى ~~قلوبهم مرض والكافرون ماذآ أراد الله بهاذا مثلا كذلك يضل الله من يشآء ~~ويهدى من يشآء وما يعلم جنود ربك إلا هو وما هى إلا ذكرى للبشر * كلا ~~والقمر * واليل إذ أدبر * والصبح إذآ أسفر * إنها لإحدى الكبر * نذيرا ~~للبشر * لمن شآء منكم أن يتقدم أو يتأخر * كل نفس بما كسبت رهينة * إلا ~~أصحاب اليمين * فى جنات يتسآءلون * عن المجرمين * ما سلككم فى سقر * قالوا ms8901 ~~لم نك من المصلين * ولم نك نطعم المسكين * وكنا نخوض مع الخآئضين * وكنا ~~نكذب بيوم الدين * حتى أتانا اليقين * فما تنفعهم شفاعة الشافعين * فما لهم ~~عن التذكرة معرضين * كأنهم حمر مستنفرة * فرت من قسورة * بل يريد كل امرىء ~~منهم أن يؤتى صحفا منشرة * كلا بل لا يخافون الاخرة * كلا إنه تذكرة * فمن ~~شآء ذكره * وما يذكرون إلا أن يشآء الله هو أهل التقوى وأهل المغفرة } ) 2 ~~$ نودي النبي صلى الله عليه وسلم بوصفه في حالة خاصة تلبس بها حين نزول ~~السورة . وهي أنه لما رأى الملك بين السماء والأرض فرق من رؤيته فرجع إلى ~~خديجة فقال : دثروني دثروني ، أو قال : زملوني ، أو قال : زملوني فدثروني ، ~~على اختلاف الروايات ، والجمع بينها ظاهر فدثرته فنزلت : { يا أيها المدثر ~~. # وقد مضى عند قوله تعالى : يا أيها المزمل } ( المزمل : 1 ) ما في هذا ~~النداء من التكرمة والتلطف . # و { المدثر } : اسم فاعل من تدثر ، إذا لبس الدثار ، فأصله المتدثر أدغمت ~~التاء في الدال لتقاربهما في النطق كما وقع في فعل ادعى . # والدثار : بكسر الدال : الثوب الذي يلبس فوق الثوب الذي يلبس مباشرا ~~للجسد الذي يسمى شعارا . وفي الحديث ( الأنصار شعار والناس دثار ) . # فالوصف ب { المدثر } حقيقة ، وقيل هو مجاز على معنى : المدثر بالنبوءة ، ~~كما يقال : ارتدى بالمجد وتأزر به على نحو ما قيل في قوله تعالى : { يا ~~أيها المزمل ، أي يا أيها اللابس خلعة النبوءة ودثارها . # والقيام المأمور به ليس مستعملا في حقيقته لأن النبي لم يكن حين أوحي ~~إليه بهذا نائما ولا مضطجعا ولا هو مأمور بأن ينهض على قدميه وإنما هو ~~مستعمل في الأمر بالمبادرة والإقبال والتهمم بالإنذار مجازا أو كناية . # وشاع هذا الاستعمال في فعل القيام حتى صار معنى الشروع في العمل من معاني ~~مادة القيام مساويا للحقيقة وجاء بهذا المعنى في كثير من كلامهم ، وعد ابن ~~مالك في التسهيل } فعل قام من أفعال الشروع ، فاستعمال فعل القيام في معنى ~~الشروع قد يكون كناية عن لازم القيام من العزم والتهمم كما في ms8902 الآية ، قال ~~في ( الكشاف ) : قم قيام عزم وتصميم . # وقد يراد المعنى الصريح مع المعنى الكنائي نحو قول مرة بن محكان التميمي ~~من شعراء الحماسة : PageV29P294 # يا ربة البيت قومي غير صاغرة # ضمي إليكك رجال الحي والغربا # فإذا اتصلت بفعل القيام الذي هو بهذا المعنى الاستعمال جملة حصل من ~~مجموعهما معنى الشروع في الفعل بجد وأنشدوا قول حسان بن المنذر : # على ما قام يشتمني لئيم # كخنزير تمرغ في رماد # وقول الشاعر ، وهو من شواهد النحو ولم يعرف قائله : # فقام يذود الناس عنها بسيفه # وقال ألا لا من سبيلل إلى هند # وأفادت فاء { فأنذر } تعقيب إفادة التحفز والشروع بالأمر بإيقاع الإنذار ~~. # ففعل { قم } منزل منزلة اللازم ، وتفريع { فأنذر } عليه يبين المراد من ~~الأمر بالقيام . # والمعنى : يا أيها المدثر من الرعب لرؤية ملك الوحي لا تخف وأقبل على ~~الإنذار . # والظاهر : أن هذه الآية أول ما نزل في الأمر بالدعوة لأن سورة العلق لم ~~تتضمن أمرا بالدعوة ، وصدر سورة المزمل تضمن أنه مسبوق بالدعوة لقوله فيه { ~~إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم } ( المزمل : 15 ) ، وقوله : { وذرني ~~والمكذبين } ( المزمل : 11 ) . وإنما كان تكذيبهم بعد أن أبلغهم أنه رسول ~~من الله إليهم وابتدىء بالأمر بالإنذار لأن الإنذار يجمع معاني التحذير من ~~فعل شيء لا يليق وعواقبه فالإنذار حقيق بالتقديم قبل الأمر بمحامد الفعال ~~لأن التخلية مقدمة على التحلية ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح ، ولأن ~~غالب أحوال الناس يومئذ محتاجة إلى الإنذار والتحذير . # ومفعول { أنذر } محذوف لإفادة العموم ، أي أنذر الناس كلهم وهم يومئذ ~~جميع الناس ما عدا خديجة رضي الله عنها فإنها آمنت فهي جديرة بالبشارة . # . # انتصب { ربك } على المفعولية لفعل ( كبر ) قذم على عامله لإفادة الاختصاص ~~، أي لا تكبر غيره ، وهو قصر إفراد ، أي دون الأصنام . PageV29P295 # والواو عطفت جملة { ربك فكبر } على جملة { قم فأنذر } ( المدثر : 2 ) . # ودخلت الفاء على ( كبر ) إيذانا بشرط محذوف يكون ( كبر ) جوابه ، وهو شرط ~~عام إذ لا دليل على شرط مخصوص وهيىء لتقدير الشرط بتقديم المفعول . لأن ~~تقديم المعمول قد ms8903 ينزل منزلة الشرط كقول النبي صلى الله عليه وسلم ( ففيهما ~~فجاهد ) ( يعني الأبوين ) . # فالتقدير : مهما يكن شيء فكبر ربك . # والمعنى : أن لا يفتر عن الإعلان بتعظيم الله وتوحيده في كل زمان وكل حال ~~وهذا من الإيجاز . وجوز ابن جني أن تكون الفاء زائدة قال : هو كقولك زيدا ~~فاضرب ، تريد : زيدا اضرب . # وتكبير الرب تعظيمه ففعل ( كبر ) يفيد معنى نسبة مفعوله إلى أصل مادة ~~اشتقاقه وذلك من معاني صيغة فعل ، أي أخبر عنه بخبر التعظيم ، وهو تكبير ~~مجازي بتشبيه الشيء المعظم بشيء كبير في نوعه بجامع الفضل على غيره في صفات ~~مثله . # فمعنى { وربك فكبر : } صف ربك بصفات التعظيم ، وهذا يشمل تنزيهه عن ~~النقائص فيشمل توحيده بالإلاهية وتنزيهه عن الولد ، ويشمل وصفه بصفات ~~الكمال كلها . # ومعنى ( كبر ) : كبره في اعتقادك : وكبره بقولك تسبيحا وتعليما . ويشمل ~~هذا المعنى أن يقول : ( الله أكبر ) لأنه إذا قال هذه الكلمة أفاد وصف الله ~~بأنه أكبر من كل كبير ، أي أجل وأنزه من كل جليل ، ولذلك جعلت هذه الكلمة ~~افتتاحا للصلاة . # وأحسب أن في ذكر التكبير إيماء إلى شرع الصلاة التي أولها التكبير وخاصة ~~اقترانه بقوله : { وثيابك فطهر } ( المدثر : 4 ) فإنه إيماء إلى شرع ~~الطهارة ، فلعل ذلك إعداد لشرع الصلاة . ووقع في رواية معمر عن الزهري عند ~~مسلم أن قال : وذلك قبل أن تفرض الصلاة . فالظاهر أن الله فرض عليه الصلاة ~~عقب هذه السورة وهي غير الصلوات الخمس فقد ثبت أنه صلى في المسجد الحرام . ~~PageV29P296 # . # هو في النظم مثل نظم { وربك فكبر } ( المدثر : 3 ) أي لا تترك تطهير ~~ثيابك . # وللثياب إطلاق صريح وهو ما يلبسه اللابس ، وإطلاق كنائي فيكنى بالثياب عن ~~ذات صاحبها ، كقول عنترة : # فشككت بالرمح الأصم ثيابه # كناية عن طعنه بالرمح . # وللتطهير إطلاق حقيقي وهو التنظيف وإزالة النجاسات وإطلاق مجازي وهو ~~التزكية قال تعالى : { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم ~~تطهيرا } ( الأحزاب : 33 ) . # والمعنيان صالحان في الآية فتحمل عليهما معا فتحصل أربعة معان لأنه مأمور ~~بالطهارة الحقيقية لثيابه إبطالا لما كان ms8904 عليه أهل الجاهلية من عدم ~~الاكتراث بذلك . وقد وردت أحاديث في ذلك يقوي بعضها بعضا وأقواها ما رواه ~~الترمذي ( إن الله نظيف يحب النظافة ) . وقال : هو غريب . # والطهارة لجسده بالأولى . # ومناسبة التطهير بهذا المعنى لأن يعطف على { وربك فكبر } لأنه لما أمر ~~بالصلاة أمر بالتطهر لها لأن الطهارة مشروعة للصلاة . # وليس في القرآن ذكر طهارة الثوب إلا في هذه الآية في أحد محاملها وهو ~~مأمور بتزكية نفسه . # والمعنى المركب من الكنائي والمجازي هو الأعلق بإضافة النبوءة عليه . وفي ~~كلام العرب : فلان نقي الثياب . وقال غيلان بن سلمة الثقفي : # وإني بحمد الله لا ثوب فاجر # لبست ولا من غدرة أتقنع # وأنشدوا قول أبي كبشة وينسب إلى امرىء القيس : # ثياب عوف طهارى نقية # وأوجههم بيض المسافر غران PageV29P297 # ودخول الفاء على فعل { فطهر } كما تقدم عند قوله : { وربك فكبر } ( ~~المدثر : 3 ) . # وتقديم { ثيابك } على فعل ( طهر ) للاهتمام به في الأمر بالتطهير . # . # { الرجز } : يقال بكسر الراء وضمها وهما لغتان فيه والمعنى واحد عند ~~جمهور أهل اللغة . وقال أبو العالية والربيع والكسائي : الرجز بالكسر ~~العذاب والنجاسة والمعصية ، وبالضم الوثن . ويحمل الرجز هنا على ما يشمل ~~الأوثان وغيرها من أكل الميتة والدم . # وتقديم { الرجز } على فعل ( اهجر ) للاهتمام في مهيع الأمر بتركه . # والقول في { والرجز فاهجر } كالقول في { وربك فكبر . # والهجر : ترك المخالطة وعدم الاقتراب من الشيء . والهجر هنا كناية عن ترك ~~التلبس بالأحوال الخاصة بأنواع الرجز لكل نوع بما يناسبه في عرف الناس . # والأمر بهجر الرجز يستلزم أن لا يعبد الأصنام وأن ينفي عنها الإلاهية . # } . # مناسبة عطف { ولا تمنن تستكثر } على الأمر بهجر الرجز أن المن في العطية ~~كثير من خلق أهل الشرك فلما أمره الله بهجر الرجز نهاه عن أخلاق أهل الرجز ~~نهيا يقتضي الأمر بالصدقة والإكثار منها بطريق الكناية فكأنه قال : وتصدق ~~وأكثر من الصدقة ولا تمنن ، أي لا تعد ما أعطيته كثيرا فتمسك عن الازدياد ~~فيه ، أو تتطرق إليك ندامة على ما أعطيت . # والسين والتاء في قوله : { تستكثر } للعد ، أي بعد ما ms8905 أعطيته كثيرا . # وهذا من بديع التأكيد لحصول المأمور به جعلت الصدقة كالحاصلة ، أي لأنها ~~من خلقه صلى الله عليه وسلم إذ كان أجود الناس وقد عرف بذلك من قبل رسالته ~~لأن الله هيأه PageV29P298 لمكارم الأخلاق فقد قالت له خديجة في حديث بدء ~~الوحي ( إنك تحمل الكل وتكسب المعدوم ) . ففي هذه الآية إيماء إلى التصدق ، ~~كما كان فيها إيماء إلى الصلاة ، ومن عادة القرآن الجمع بين الصلاة والزكاة ~~. # والمن : تذكير المنعم المنعم عليه بإنعامه . # والاستكثار : عد الشيء كثيرا ، أي لا تستعظم ما تعطيه . # وهذا النهي يفيد تعميم كل استكثار كيفما كان ما يعطيه من الكثرة . ~~وللأسبقين من المفسرين تفسيرات لمعنى { ولا تمنن تستكثر } ليس شيء منها ~~بمناسب ، وقد أنهاها القرطبي إلى أحد عشر . # و { تستكثر } جملة في موضع الحال من ضمير { تمنن } وهي حال مقدرة . # . # تثبيت للنبيء صلى الله عليه وسلم على تحمل ما يلقاه من أذى المشركين وعلى ~~مشاق الدعوة . # والصبر : ثبات النفس وتحملها المشاق والآلام ونحوها . # ومصدر الصبر وما يشتق منه يتضمن معنى التحمل للشيء الشاق . # ويعدى فعل الصبر إلى اسم الذي يتحمله الصابر بحرف ( على ) ، يقال : صبر ~~على الأذى . ويتضمن معنى الخضوع للشيء الشاق فيعدى إلى اسم ما يتحمله ~~الصابر باللام . ومناسبة المقام ترجح إحدى التعديتين ، فلا يقال : اصبر على ~~الله ، ويقال : اصبر على حكم الله ، أو لحكم الله . فيجوز أن تكون اللام في ~~قوله { لربك } لتعدية فعل الصبر على تقدير مضاف ، أي اصبر لأمره وتكاليف ~~وحيه كما قال : { واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا في سورة الطور وقوله : فاصبر ~~لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أو كفورا في سورة الإنسان فيناسب نداءه ب يا ~~أيها المدثر } ( المدثر : 1 ) لأنه تدثر من شدة وقع رؤية الملك ، وترك ذكر ~~المضاف لتذهب النفس إلى كل ما هو من شأن المضاف إليه مما يتعلق بالمخاطب . ~~PageV29P299 # ويجوز أن تكون اللام للتعليل ، وحذف متعلق فعل الصبر ، أي اصبر لأجل ربك ~~على كل ما يشق عليك . # وتقديم { لربك } على ( ( اصبر ) للاهتمام بالأمور التي يصبر لأجلها ms8906 مع ~~الرعاية على الفاصلة ، وجعل بعضهم اللام في { لربك } لام التعليل ، أي اصبر ~~على أذاهم لأجله ، فيكون في معنى : إنه يصبر توكلا على أن الله يتولى ~~جزاءهم ، وهذا مبني على أن سبب نزول السورة ما لحق النبي صلى الله عليه ~~وسلم من أذى المشركين . # والصبر تقدم عند قوله تعالى : { واستعينوا بالصبر والصلاة في } ( البقرة ~~: 45 ) . # وفي التعبير عن الله بوصف ( ربك ) إيماء إلى أن هذا الصبر بر بالمولى ~~وطاعة له . # فهذه ست وصايا أوصى الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم في مبدإ رسالته ~~وهي من جوامع القرآن أراد الله بها تزكية رسوله وجعلها قدوة لأمته . # ( 8 10 ) . # الفاء لتسبب هذا الوعيد عن الأمر بالإنذار في قوله { فأنذر } ( المدثر : ~~2 ) ، أي فأنذر المنذرين وأنذرهم وقت النقر في الناقور وما يقع يومئذ ~~بالذين أنذروا فأعرضوا عن التذكرة ، إذ الفاء يجب أن تكون مرتبطة بالكلام ~~الذي قبلها . # ويجوز أن يكون معطوفا على { فاصبر } ( المدثر : 7 ) بناء على أنه أمر ~~بالصبر على أذى المشركين . # و { الناقور } : البوق الذي ينادى به الجيش ويسمى الصور وهو قرن كبير ، ~~أو شبهه ينفخ فيه النافخ لنداء ناس يجتمعون إليه من جيش ونحوه ، قال خفاف ~~بن ندبة : # إذا ناقورهم يوما تبدى # أجاب الناس من غرب وشرق # ووزنه فاعول وهو زنة لما يقع به الفعل من النقر وهو صوت اللسان مثل ~~PageV29P300 الصفير فقوله نقر ، أي صوت ، أي صوت مصوت . وتقدم ذكر الصور في ~~سورة الحاقة . # و ( إذا ) اسم زمان أضيف إلى جملة { نقر في الناقور } وهو ظرف وعامله ما ~~دل عليه قوله : { فذلك يومئذ يوم عسير } لأنه في قوة فعل ، أي عسر الأمر ~~على الكافرين . # وفاء { فذلك } لجزاء ( إذا ) لأن ( إذا ) يتضمن معنى شرط . # والإشارة إلى مدلول ( إذا نقر ) ، أي فذلك الوقت يوم عسير . # و { يومئذ } بدل من اسم الإشارة وقع لبيان اسم الإشارة على نحو ما يبين ~~بالاسم المعرف ب ( أل ) في نحو { ذلك الكتاب لا ريب فيه } ( البقرة : 2 ) . # ووصف اليوم بالعسير باعتبار ما يحصل فيه من ms8907 العسر على الحاضرين فيه ، فهو ~~وصف مجازي عقلي . وإنما العسير ما يقع فيه من الأحداث . # و { على الكافرين } متعلق ب { عسير } . # ووصف اليوم ونحوه من أسماء الزمان بصفات أحداثه مشهور في كلامهم ، قال ~~السموأل ، أو الحارثي : # وأيامنا مشهورة في عدونا # لها غرر معلومة وحجول # وإنما الغرر والحجول مستعارة لصفات لقائهم العدو في أيامهم ، وفي المقامة ~~الثلاثين ( لا عقد هذا العقد المبجل ، في هذا اليوم الأغر المحجل ، إلا ~~الذي جال وجاب ، وشب في الكدية وشاب ) وقال تعالى : { فأرسلنا عليهم ريحا ~~صرصرا في أيام نحسات في سورة فصلت . # وغير يسير } تأكيد لمعنى { عسير } بمرادفه . وهذا من غرائب الاستعمال كما ~~يقال : عاجلا غير آجل ، قال طالب بن أبي طالب : # فليكن المغلوب غير الغالب # وليكن المسلوب غير السالب # وعليه من غير التأكيد قوله تعالى : { قد ضلوا وما كانوا مهتدين } ( ~~الأنعام : 140 ) { قد ضللت إذن وما أنا من المهتدين } ( الأنعام : 56 ) . ~~وأشار الزمخشري إلى أن فائدة هذا التأكيد ما PageV29P301 يشعر به لفظ { غير ~~} من المغايرة فيكون تعريضا بأن له حالة أخرى ، وهي اليسر ، أي على ~~المؤمنين ، ليجمع بين وعيد الكافرين وإغاظتهم ، وبشارة المؤمنين . # ( 11 16 ) { } . # { } . # لما جرى ذكر الكافرين في قوله : { فذلك يومئذ يوم عسير على الكافرين } ( ~~المدثر : 9 ، 10 ) ، وأشير إلى ما يلقاه الرسول صلى الله عليه وسلم من ~~الكافرين بقوله : { ولربك فاصبر } ( المدثر : 7 ) انتقل الكلام إلى ذكر ~~زعيم من زعماء الكافرين ومدبر مطاعنهم في القرآن ودعوة الرسول صلى الله ~~عليه وسلم # وقوله : { ذرني ومن خلقت وحيدا } الخ . استئناف يؤذن بأن حدثا كان سببا ~~لنزول هذه الآية عقب الآيات التي قبلها ، وذلك حين فشا في مكة أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عاوده الوحي بعد فترة وأنه أمر بالإنذار ويدل على هذا ~~ما رواه ابن إسحاق أنه اجتمع نفر من قريش فيهم أبو لهب ، وأبو سفيان ، ~~والوليد بن المغيرة ، والنضر بن الحارث ، وأمية بن خلف ، والعاصي بن وائل ، ~~والمطعم بن عدي . فقالوا : إن وفود العرب ستقدم عليكم في الموسم وهم ~~يتساءلون عن ms8908 أمر محمد وقد اختلفتم في الأخبار عنه . فمن قائل يقول : مجنون ~~وآخر يقول : كاهن ، وآخر يقول : شاعر ، وتعلم العرب أن هذا كله لا يجتمع في ~~رجل واحد ، فسموا محمد باسم واحد تجتمعون عليه وتسميه العرب به ، فقام رجل ~~منهم فقال : شاعر ، فقال الوليد بن المغيرة : سمعت كلام ابنن الأبرص ( يعني ~~عبيد بن الأبرص ) وأمية بن أبي الصلت ، وعرفت الشعر كله ، وما يشبه كلام ~~محمد كلام شاعر ، فقالوا : كاهن ، فقال الوليد : ما هو بزمزمة الكاهن ولا ~~بسجعه . والكاهن يصدق ويكذب وما كذب محمد قط ، فقام آخر فقال : مجنون ، ~~فقال الوليد : لقد عرفنا الجنون فإن المجنون يخنق فما هو بخنقه ولا تخالجه ~~ولا وسوسته ، فقالوا : ساحر ، قال الوليد : لقد رأينا السحار وسحرهم فما هو ~~بنفثه ولا عقده ، وانصرف الوليد إلى بيته فدخل عليه أبو جهل فقال : ما لك ~~يا با عبد شمس أصبأت ؟ فقال الوليد : فكرت في PageV29P302 أمر محمد وإن ~~أقرب القول فيه أن تقولوا : ساحر جاء بقول هو سحر ، يفرق به بين المرء ~~وأبيه ، وبين المرء وأخيه ، وبين المرء وزوجته ، وبين المرء وعشيرته ، فقال ~~ابن إسحاق : فأنزل الله في الوليد بن المغيرة قوله : { ذرني ومن خلقت وحيدا ~~} الآيات . # وعن أبي نصر القشيري أنه قال : قيل بلغ النبي صلى الله عليه وسلم قول ~~كفار مكة : أنت ساحر فوجد من ذلك غما وحم فتدثر بثيابه فقال الله تعالى : { ~~قم فأنذر } ( المدثر : 2 ) . # وأياما كان فقد وقع الاتفاق على أن هذا القول صدر عن الوليد بن المغيرة ~~وأنه المعني بقوله تعالى : { ومن خلقت وحيدا } فإن كان قول الوليد صدر منه ~~بعد نزول صدر هذه السورة فجملة { ذرني ومن خلقت وحيدا } مستأنفة استئنافا ~~ابتدائيا والمناسبة ظاهرة ، وإن كان قول الوليد هو سبب نزول السورة ، كان ~~متصلا بقوله : { ولربك فاصبر } ( المدثر : 7 ) على أنه تعليل للأمر بالصبر ~~بأن الله يتولى جزاء هذا القائل ، وما بينهما اعتراض ، ويؤيد هذا أن ابتداء ~~الوحي كان في رمضان وأن فترة الوحي دامت أربعين يوما على الأصح سواء نزل ~~وحي بين ms8909 بدء الوحي وفترته مدة أيام ، أو لم ينزل بعد بدئه شيء ووقعت فترته ~~، فيكون قد أشرف شهر ذي القعدة على الانصرام فتلك مدة اقتراب الموسم فأخذ ~~المشركون في الاستعداد لما يقولونه للوفود إذا استخبروهم خبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم # وتصدير الجملة بفعل { ذرني } إيماء إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان ~~مهتما ومغتما مما اختلقه الوليد بن المغيرة ، فاتصاله بقوله : { ولربك ~~فاصبر يزداد وضوحا . # وتقدم ما في نحو ذرني } وكذا ، من التهديد والوعيد للمذكور بعد واو ~~المعية ، في تفسير قوله تعالى : { فذرني ومن يكذب بهذا الحديث في سورة ~~القلم . # وجيء بالموصول وصلته في قوله : ومن خلقت وحيدا } لإدماج تسجيل كفران ~~الوليد النعمة في الوعيد والتهديد . # وانتصب { وحيدا } على الحال من { من } الموصولة . # والوحيد : المنفرد عن غيره في مكان أو حال مما يدل عليه سياق الكلام ، أو ~~شهرة أو قصة ، وهو فعيل من وحد من باب كرم وعلم ، إذا انفرد . PageV29P303 # وكان الوليد بن المغيرة يلقب في قريش بالوحيد لتوحده وتفرده باجتماع ~~مزايا له لم تجتمع لغيره من طبقته وهي كثرة الولد وسعة المال ، ومجده ومجد ~~أبيه من قبله ، وكان مرجع قريش في أمورهم لأنه كان أسن من أبي جهل وأبي ~~سفيان ، فلما اشتهر بلقب الوحيد كان هذا الكلام إيماء إلى الوليد بن ~~المغيرة المشتهر به . وجاء هذا الوصف بعد فعل { خلقت ، } ليصرف هذا الوصف ~~عما كان مرادا به فينصرف إلى ما يصلح لأن يقارن فعل { خلقت } أي أوجدته ~~وحيدا عن المال والبنين والبسطة ، فيغير عن غرض المدح والثناء الذي كانوا ~~يخصونه به ، إلى غرض الافتقار إلى الله الذي هو حال كل مخلوق فتكون من قبيل ~~قوله : { والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا } ( النحل : 78 ) ~~الآية . # وعطف على ذلك { وجعلت له مالا } عطف الخاص على العام . # والممدود : اسم مفعول من مد الذي بمعنى : أطال ، بأن شبهت كثرة المال ~~بسعة مساحة الجسم ، أو من مد الذي بمعنى : زاد في الشيء من مثله ، كما يقال ~~: مد الوادي النهر ، أي مالا ms8910 مزيدا في مقداره ما يكتسبه صاحبه من المكاسب . ~~وكان الوليد من أوسع قريش ثراء . وعن ابن عباس : كان مال الوليد بين مكة ~~والطائف من الإبل والغنم والعبيد والجواري والجنان وكانت غلة ماله ألف ~~دينار ( أي في السنة ) . # وامتن الله عليه بنعمة البنين ووصفهم بشهود جمع شاهد ، أي حاضر ، أي لا ~~يفارقونه فهو مستأنس بهم لا يشتغل باله بمغيبهم وخوفف معاطب السفر عليهم ~~فكانوا بغنى عن طلب الرزق بتجارة أو غارة ، وكانوا يشهدون معه المحافل ~~فكانوا فخرا له ، قيل : كان له عشرة بنين وقيل ثلاثة عشر ابنا ، والمذكور ~~منهم سبعة ، وهم : الوليد بن الوليد ، وخالد ، وعمارة ، وهشام ، والعاصي ، ~~وقيس أو أبو قيس ، وعبد شمس ( وبه يكنى ) . ولم يذكر ابن حزم في ( جمهرة ~~الأنساب ) : العاصي . واقتصر على ستة . # والتمهيد : مصدر مهد بتشديد الهاء الدال على قوة المهد . والمهد : تسوية ~~الأرض وإزالة ما يقض جنب المضطجع عليها ، ومهد الصبي تسمية بالمصدر . # والتمهيد هنا مستعار لتيسير أموره ونفاذ كلمته في قومه بحيث لا يعسر عليه ~~مطلب ولا يستعصي عليه أمر . PageV29P304 # وأكد { مهدت } بمصدره على المفعولية المطلقة ليتوسل بتنكيره لإفادة تعظيم ~~ذلك التمهيد وليس يطرد أن يكون التأكيد لرفع احتمال المجاز . # ووصف في هذه الآية بما له من النعمة والسعة لأن الآية في سياق الامتنان ~~عليه توطئة لتوبيخه وتهديده بسوء في الدنيا وبعذاب النار في الآخرة ، فأما ~~في آية سورة القلم فقد وصفه بما فيه من النقائص في قوله تعالى : { ولا تطع ~~كل حلاف مهين } ( القلم : 10 ) الخ بناء على قول من قال : إن المراد به ~~الوليد بن المغيرة ( وقد علمت أنه احتمال ) لأن تلك الآية في مقام التحذير ~~من شره وغدره . # و { ثم } في قوله : { ثم يطمع } للتراخي الرتبي ، أي وأعظم من ذلك أنه ~~يطمع في الزيادة من تلك النعم وذلك بما يعرف من يسر أموره . وهذا مشعر ~~باستبعاد حصول المطموع فيه وقد صرح به في قوله : { كلا . # والطمع : طلب الشيء العظيم وجعل متعلق طمعه زيادة مما جعل الله له لأنهم ~~لم يكونوا يسندون ms8911 الرزق إلى الأصنام ، أو لأنه طمع في زيادة النعمة غير ~~متذكر أنها من عند الله فيكون إسناد الزيادة إلى ضمير الجلالة إدماجا ~~بتذكيره بأن ما طمع فيه هو من عند الذي كفر هو بنعمته فأشرك به غيره في ~~العبادة . # ولهذه النكتة عدل عن أن يقال : يطمع في الزيادة ، أو يطمع أن يزاد . # وكلا } ردع وإبطال لطمعه في الزيادة من النعم وقطع لرجائه . # والمقصود إبلاغ هذا إليه مع تطمين النبي صلى الله عليه وسلم بأن الوليد ~~سيقطع عنه مدد الرزق لئلا تكون نعمته فتنة لغيره من المعاندين فيغريهم حاله ~~بأن عنادهم لا يضرهم لأنهم لا يحسبون حياة بعد هذه كما حكى الله من قول ~~موسى عليه السلام : { ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة ~~الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا ~~يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم } ( يونس : 88 ) . # وفي هذا الإبطال والردع إيذان بأن كفران النعمة سبب لقطعها قال تعالى : { ~~لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد } ( إبراهيم : 7 ) ، ولهذا ~~قال الشيخ ابن عطاء الله : ( من لم يشكر النعم فقد تعرض لزوالها ، ومن ~~شكرها فقد قيدها بعقالها ) . PageV29P305 # . # يجوز أن تكون هذه الجملة تعليلا للردع والإبطال ، أي لأن شدة معاندته ~~لآياتنا كانت كفرانا للنعمة فكانت سببا لقطعها عنه إذ قد تجاوز حد الكفر ~~إلى المناواة والمعاندة فإن الكافر يكون منعما عليه على المختار وهو قول ~~الماتريدي والمعتزلة خلافا للأشعري ، واختار المحققون أنه خلاف لفظي . # ويجوز أن تكون مستأنفة ويكون الوقف عند قوله تعالى : { كلا } . # والعنيد : الشديد العناد وهو المخالفة للصواب وهو فعيل من : عند يعند ~~كضرب ، إذا نازع وجادل الحق البين . # وعناده : هو محاولته الطعن في القرآن وتحيله للتمويه بأنه سحر ، أو شعر ، ~~أو كلام كهانة ، مع تحققه بأنه ليس في شيء من ذلك كما أعلن به لقريش ، قبل ~~أن يلومه أبو جهل ثم أخذه بأحد تلك الثلاثة ، وهو أن يقول : هو سحر ، تشبثا ~~بأن فيه خصائص السحر من التفريق بين المرء ومن ms8912 هو شديد الصلة . # ( 17 25 ) { } . # جملة { سأرهقه صعودا } معترضة بين { إنه كان لآياتنا عنيدا } ( المدثر : ~~16 ) وبين { إنه فكر وقدر } ، قصد بهذا الاعتراض تعجيل الوعيد له مساءة له ~~وتعجيل المسرة للنبيء صلى الله عليه وسلم # وجملة { إنه فكر وقدر } مبينة لجملة { إنه كان لآياتنا عنيدا فهي تكملة ~~وتبيين لها . # والإرهاق : الإتعاب وتحميل ما لا يطاق ، وفعله رهق كفرح ، قال تعالى : ~~ولا ترهقني من أمري عسرا في سورة الكهف . PageV29P306 # والصعود : العقبة الشديدة التصعد الشاقة على الماشي وهي فعول مبالغة من ~~صعد ، فإن العقبة صعدة ، فإذا كانت عقبة أشد تصعدا من العقبات المعتادة قيل ~~لها : صعود . # وكأن أصل هذا الوصف أن العقبة وصفت بأنها صاعدة على طريقة المجاز العقلي ~~ثم جعل ذلك الوصف اسم جنس لها . # وقوله : سأرهقه صعودا } تمثيل لضد الحالة المجملة في قوله : { ومهدت له ~~تمهيدا } ( المدثر : 14 ) ، أي سينقلب حاله من حال راحة وتنعم إلى حالة ~~سوأى في الدنيا ثم إلى العذاب الأليم في الآخرة ، وكل ذلك إرهاق له . # قيل : إنه طال به النزع فكانت تتصاعد نفسه ثم لا يموت وقد جعل له من عذاب ~~النار ما أسفر عنه عذاب الدنيا . # وقد وزع وعيده على ما تقتضيه أعماله فإنه لما ذكر عناده وهو من مقاصده ~~السيئة الناشئة عن محافظته على رئاسته وعن حسده النبي صلى الله عليه وسلم ~~وذلك من الأغراض الدنيوية عقب بوعيده بما يشمل عذاب الدنيا ابتداء . ولما ~~ذكر طعنه في القرآن بقوله : { إن هذا إلا سحر يؤثر } وأنكر أنه وحي من الله ~~بقوله : { إن هذا إلا قول البشر } أردف بذكر عذاب الآخرة بقوله : { سأصليه ~~سقر } ( المدثر : 26 ) . # وعن النبي صلى الله عليه وسلم رأن صعودا جبل في جهنم يتصعد فيه سبعين ~~خريفا ثم يهوي فيه كذلك أبدا ) ، رواه الترمذي وأحمد عن أبي سعيد الخدري . ~~وقال الترمذي : هو حديث غريب . فجعل الله صفة صعود علما على ذلك الجبل في ~~جهنم . وهذا تفسير بأعظم ما دل عليه قوله تعالى : { سأرهقه صعودا . # وجملة إنه فكر وقدر } إلى آخرها بدل ms8913 من جملة { إنه كان لآياتنا عنيدا } ( ~~المدثر : 16 ) بدل اشتمال . # وقد وصف حاله في تردده وتأمله بأبلغ وصف . فابتدىء بذكر تفكيره في الرأي ~~الذي سيصدر عنه وتقديره . # ومعنى { فكر } أعمل فكره وكرر نظر رأيه ليبتكر عذرا يموهه ويروجه على ~~الدهماء في وصف القرآن بوصف كلام الناس ليزيل منهم اعتقاد أنه وحي أوحي به ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم PageV29P307 # و { قدر } جعل قدرا لما يخطر بخاطره أن يصف به القرآن ليعرضه على ما ~~يناسب ما ينحله القرآن من أنواع كلام البشر أو ما يسم به النبي صلى الله ~~عليه وسلم من الناس المخالفة أحوالهم للأحوال المعتادة في الناس مثال ذلك ~~أن يقول في نفسه ، نقول : محمد مجنون ، ثم يقول : المجنون يخنق ويتخالج ~~ويوسوس وليس محمد كذلك ، ، ثم يقول في نفسه : هو شاعر ، فيقول في نفسه : ~~لقد عرفت الشعر وسمعت كلام الشعراء فما يشبه كلام محمد كلام الشاعر ، ثم ~~يقول في نفسه : كاهن ، فيقول في نفسه : ما كلامه بزمزمة كاهن ولا بسجعه ، ~~ثم يقول في نفسه : نقول هو ساحر فإن السحر يفرق بين المرء وذويه ومحمد يفرق ~~بين الرجل وأهله وولده ومواليه ، فقال للناس : نقول إنه ساحر . فهذا معنى { ~~قدر } . # وقوله : { فقتل كيف قدر } كلام معترض بين { فكر وقدر } وبين { ثم نظر } ~~وهو إنشاء شتم مفرع على الإخبار عنه بأنه فكر وقدر لأن الذي ذكر يوجب الغضب ~~عليه . # فالفاء لتفريع ذمه عن سيىء فعله ومثله في الاعتراض قوله تعالى : { وما ~~أرسلنا من قبلك إلا رجالا يوحى إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ~~بالبينات والزبر } ( النحل : 43 ، 44 ) . # والتفريع لا ينافي الاعتراض لأن الاعتراض وضع الكلام بين كلامين متصلين ~~مع قطع النظر عما تألف منه الكلام المعترض فإن ذلك يجري على ما يتطلبه ~~معناه . والداعي إلى الاعتراض هو التعجيل بفائدة الكلام للاهتمام بها . ومن ~~زعموا أن الاعتراض لا يكون بالفاء فقد توهموا . # و { قتل } : دعاء عليه بأن يقتله قاتل ، أي دعاء عليه بتعجيل موته لأن ~~حياته حياة سيئة . وهذا الدعاء ms8914 مستعمل في التعجيب من ماله والرثاء له كقوله ~~: { قاتلهم الله } ( التوبة : 30 ) وقولهم : عدمتك ، وثكلته أمه ، وقد ~~يستعمل مثله في التعجيب من حسن الحال يقال : قاتله الله ما أشجعه . وجعله ~~الزمخشري كناية عن كونه بلغ مبلغا يحسده عليه المتكلم حتى يتمنى له الموت . ~~وأنا أحسب أن معنى الحسد غير ملحوظ وإنما ذلك مجرد اقتصار على ما في تلك ~~الكلمة من التعجب أو التعجيب لأنها صارت في ذلك كالأمثال . والمقام هنا ~~متعين للكناية عن سوء حاله لأن ما PageV29P308 قدره ليس مما يغتبط ذوو ~~الألباب على إصابته إذ هو قد ناقض قوله ابتداء إذ قال : ما هو بعقد السحرة ~~ولا نفثهم وبعد أن فكر قال : { إن هذا إلا سحر يؤثر } فناقض نفسه . # وقوله : { ثم قتل كيف قدر } تأكيد لنظيره المفرع بالفاء . والعطف ب { ثم ~~} يفيد أن جملتها أرقى رتبة من التي قبلها في الغرض المسوق له الكلام . ~~فإذا كان المعطوف بها عين المعطوف عليه أفادت أن معنى المعطوف عليه ذو ~~درجات متفاوتة مع أن التأكيد يكسب الكلام قوة . وهذا كقوله : { كلا سيعلمون ~~ثم كلا سيعلمون } ( النبأ : 4 ، 5 ) . # و { كيف قدر } في الموضعين متحد المعنى وهو اسم استفهام دال على الحالة ~~التي يبينها متعلق { كيف } . # والاستفهام موجه إلى سامع غير معين يستفهم المتكلم سامعه استفهاما عن ~~حالة تقديره ، وهو استفهام مستعمل في التعجيب المشوب بالإنكار على وجه ~~المجاز المرسل . # و { كيف } في محل نصب على الحال مقدمة على صاحبها لأن لها الصدر وعاملها ~~{ قدر } . # وقوله : { ثم نظر ثم عبس وبسر ثم أدبر واستكبر } عطف على { وقدر } وهي ~~ارتقاء متوالل فيما اقتضى التعجيب من حاله والإنكار عليه . فالتراخي تراخي ~~رتبة لا تراخي زمنن لأن نظره وعبوسه وبسره وإدباره واستكباره مقارنة ~~لتفكيره وتقديره . # والنظر هنا : نظر العين ليكون زائدا على ما أفاده { فكر وقدر } . والمعنى ~~: نظر في وجوه الحاضرين يستخرج آراءهم في انتحال ما يصفون به القرآن . # و { عبس } : قطب وجهه لما استعصى عليه ما يصف به القرآن ولم يجد مغمزا ~~مقبولا . # و { بسر ms8915 } : معناه كلح وجهه وتغير لونه خوفا وكمدا حين لم يجد ما يشفي ~~غليله من مطعن في القرآن لا ترده العقول ، قال تعالى : { ووجوه يومئذ باسرة ~~تظن أن يفعل بها فاقرة في سورة } ( القيامة : 24 ، 25 ) . # والإدبار : هنا يجوز أن يكون مستعارا لتغيير التفكير الذي كان يفكره ~~ويقدره PageV29P309 يأسا من أن يجد ما فكر في انتحاله فانصرف إلى الاستكبار ~~والأنفة من أن يشهد للقرآن بما فيه من كمال اللفظ والمعنى . # ويجوز أن يكون مستعارا لزيادة إعراضه عن تصديق النبي صلى الله عليه وسلم ~~كقوله تعالى : { ثم أدبر يسعى حكاية عن فرعون في سورة النازعات . # وصفت أشكاله التي تشكل بها لما أجهد نفسه لاستنباط ما يصف به القرآن ، ~~وذلك تهكم بالوليد . # وصيغة الحصر في قوله : إن هذا إلا سحر يؤثر } مشعرة بأن استقراء أحوال ~~القرآن بعد السبر والتقسيم أنتج له أنه من قبيل السحر ، فهو قصر تعيين لأحد ~~الأقوال التي جالت في نفسه لأنه قال : ما هو بكلام شاعر ولا بكلام كاهن ولا ~~بكلام مجنون ، كما تقدم في خبره . # ووصف هذا السحر بأنه مأثور ، أي مروي عن الأقدمين ، يقول هذا ليدفع به ~~اعتراضا يرد عليه أن أقوال السحرة وأعمالهم ليست مماثلة للقرآن ولا لأحوال ~~الرسول فزعم أنه أقوال سحرية غير مألوفة . # وجملة { إن هذا إلا قول البشر } بدل اشتمال من جملة { إن هذا إلا سحر ~~يؤثر } بأن السحر يكون أقوالا وأفعالا فهذا من السحر القولي . وهذه الجملة ~~بمنزلة النتيجة لما تقدم ، لأن مقصوده من ذلك كله أن القرآن ليس وحيا من ~~الله . # وعطف قوله : { فقال } بالفاء لأن هذه المقالة لما خطرت بباله بعد اكتداد ~~فكره لم يتمالك أن نطق بها فكان نطقه بها حقيقا بأن يعطف بحرف التعقيب . # ( 26 30 ) { } . # جملة { سأصليه سقر } مستأنفة استئنافا بيانيا ناشئا عن قوله : { إنه فكر ~~وقدر } ( المدثر : 18 ) إلى آخر الآيات فذكر وعيده بعذاب الآخرة . ~~PageV29P310 # ويجوز أن تكون بدلا من جملة { سأرهق صعورا } . والإصلاء : جعل الشيء ~~صاليا ، أي مباشرا حر النار . وفعل صلي يطلق على إحساس ms8916 حرارة النار ، فيكون ~~لأجل التدفىء كقول الحارث بن حلزة : # فتنورت نارها من بعيد # بخزازى أيان منك الصلاء # أي أنت بعيد من التدفىء بها وكما قال حميد بن ثور : # لا تصطلي النار إلا مجمرا أرجا # قد كسرت من يلنجوج له وقصا # ويطلق على الاحتراق بالنار قال تعالى : { سيصلى نارا ذات لهب في سورة أبي ~~لهب وقال : فأنذرتكم نارا تلظى لا يصلاها إلا الأشقى في سورة الليل ( 14 ، ~~15 ) ، وقال : وسيصلون سعيرا في سورة النساء ، والأكثر إذا ذكر لفعل هذه ~~المادة مفعول ثان من أسماء النار أن يكون الفعل بمعنى الإحراق كقوله تعالى ~~: فسوف نصليه نارا في سورة النساء . ومنه قوله هنا سأصليه سقر . # وسقر : علم لطبقة من جهنم ، عن ابن عباس : أنه الطبق السادس من جهنم . ~~قال ابن عطية : سقر هو الدرك السادس من جهنم على ما روي ا ه . واقتصر عليه ~~ابن عطية . وجرى كلام جمهور المفسرين بما يقتضي أنهم يفسرون سقر بما يرادف ~~جهنم . # وسقر ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث لأنه اسم بقعة من جهنم أو اسم جهنم ~~وقد جرى ضمير سقر على التأنيث في قوله تعالى : لا تبقي } إلى قوله : { ~~عليها تسعة عشر . } وقيل سقر معرب نقله في ( الإتقان ) عن الجواليقي ولم ~~يذكر الكلمة المعربة ولا من أية لغة هو . # و { ما أدراك ما سقر } جملة حالية من { سقر } ، أي سقر التي حالها لا ~~ينبئك به منبىء وهذا تهويل لحالها . # و { ما سقر } في محل مبتدإ وأصله سقر ما ، أي ما هي ، فقدم { ما } لأنه ~~اسم استفهام وله الصدارة . # فإن { ما } الأولى استفهامية . والمعنى : أي شيء يدريك ، أي يعلمك . ~~PageV29P311 # و { ما } الثانية استفهامية في محل رفع خبر عن { سقر } . # وجملة { لا تبقي } بدل اشتمال من التهويل الذي أفادته جملة { وما أدراك ~~ما سقر ، } فإن من أهوالها أنها تهلك كل من يصلاها . والجملة خبر ثان عن ~~سقر . # وحذف مفعول { تبقي } لقصد العموم ، أي لا تبقي منهم أحدا أو لا تبقي من ~~أجزائهم شيئا . # وجملة { ولا تذر } عطف على { لا ms8917 تبقي } فهي في معنى الحال ، ومعنى { لا ~~تذر ، } أي لا تترك من يلقى فيها ، أي لا تتركه غير مصلي بعذابها . وهذه ~~كناية عن إعادة حياته بعد إهلاكه كما قال تعالى : { كلما نضجت جلودهم ~~بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب } ( النساء : 56 ) . # و { لواحة } : خبر ثالث عن { سقر } . و { لواحة } فعالة ، من اللوح وهو ~~تغيير الذات من ألمم ونحوه ، وقال الشاعر ، وهو من شواهد ( الكشاف ) ولم ~~أقف على قائله : # تقول ما لاحك يا مسافر # يا ابنة عمي لاحني الهواجر # والبشر : يكون جمع بشرة ، وهي جلد الإنسان ، أي تغير ألوان الجلود ~~فتجعلها سودا ، ويكون اسم جمع للناس لا واحد له من لفظه . # وقوله : { عليها تسعة عشر } خبر رابع عن { سقر } من قوله : { وما أدراك ~~ما سقر . # ومعنى عليها } على حراستها ، ف ( على ) للاستعلاء المجازي بتشبيه التصرف ~~والولاية بالاستعلاء كما يقال : فلان على الشرطة ، أو على بيت المال ، أي ~~يلي ذلك والمعنى : أن خزنة سقر تسعة عشر ملكا . # وقال جمع : إن عدد تسعة عشر : هم نقباء الملائكة الموكلين بجهنم . # وقيل : تسعة عشر صنفا من الملائكة وقيل تسعة عشر صفا . وفي ( تفسير الفخر ~~) : ذكر أرباب المعاني في تقدير هذا العدد وجوها : أحدها قول أهل الحكمة : ~~إن سبب فساد النفس هو القوى الحيوانية والطبيعية أما الحيوانية فهي الخمس ~~الظاهرة والخمس الباطنة ، والشهوة والغضب ، فمجموعها اثنتا عشرة . وأما ~~القوى الطبيعية فهي : الجاذبة ، والماسكة ، والهاضمة ، والدافعة ، والغاذية ~~، والنامية ، PageV29P312 والمولدة ، فهذه سبعة ، فتلك تسع عشرة . فلما كان ~~منشأ الآفات هو هذه التسع عشرة كان عدد الزبانية كذلك اه . # والذي أراه أن الملائكة التسعة عشر موزعون على دركات سقر أو جهنم لكل درك ~~ملك فلعل هذه الدركات معين كل درك منها لأهل شعبة من شعب الكفر ، ومنها ~~الدرك الأسفل الذي ذكره الله تعالى : { إن المنافقين في الدرك الأسفل من ~~النار في سورة النساء فإن الكفر أصناف منها إنكار وجود الله ، ومنها ~~الوثنية ، ومنها الشرك بتعدد الإلاه ، ومنها عبادة الكواكب ، ومنها عبادة ~~الشيطان والجن ، ومنها عبادة الحيوان ، ومنها إنكار رسالة الرسل ms8918 ، ومنها ~~المجوسية المانوية والمزدكية والزندقة ، وعبادة البشر مثل الملوك ، ~~والإباحية ولو مع إثبات الإلاه الواحد . # وفي ذكر هذا العدد تحد لأهل الكتابين يبعثهم على تصديق القرآن إذ كان ذلك ~~مما استأثر به علماؤهم كما سيأتي قوله : ليستيقن الذين أوتوا الكتاب } ( ~~المدثر : 31 ) . # وقرأ الجمهور { تسعة عشر } بفتح العين من { عشر . } وقرأ أبو جعفر { تسعة ~~عشر } بسكون العين من { عشر } تخفيفا لتوالي الحركات فيما هو كالاسم الواحد ~~، ولا التفات إلى إنكار أبي حاتم هذه القراءة فإنها متواترة . # . # . # روى الطبري عن ابن عباس وجابر بن زيد : ( أن أبا جهل لما سمع قوله تعالى ~~: { عليها تسعة عشر } ( المدثر : 30 ) قال لقريش : ثكلتكم أمهاتكم إن ابن ~~أبي كبشة يخبركم أن خزنة النار تسعة عشر وأنتم الدهم أفيعجز كل عشرة منكم ~~أن يبطشوا برجل من خزنة جهنم ؟ فقال الله تعالى : { وما جعلنا أصحاب النار ~~إلا ملائكة } ، أي ما جعلناهم رجالا فيأخذ كل رجل رجلا ، فمن ذا يغلب ~~الملائكة اه . PageV29P313 # وفي ( تفسير القرطبي ) عن السدي : أن أبا الأشد بن كلدة الجمحي قال ~~مستهزئا : لا يهولنكم التسعة عشر ، أنا أدفع بمنكبي الأيمنن عشرة وبمنكبي ~~الأيسر تسعة ثم تمرون إلى الجنة ، وقيل : قال الحارث بن كلدة : أنا أكفيكم ~~سبعة عشر واكفوني أنتم اثنين ، يريد التهكم مع إظهار فرط قوته بين قومه . # فالمراد من { أصحاب النار } خزنتها ، وهم المتقدم ذكرهم بقوله : { عليها ~~تسعة عشر } ( المدثر : 30 ) . # والاستثناء من عموم الأنواع ، أي ما جعلنا خزنة النار من نوع إلا من نوع ~~الملائكة . # وصيغة القصر تفيد قلب اعتقاد أبي جهل وغيره ما توهموه أو تظاهروا بتوهمه ~~أن المراد تسعة عشر رجلا فطمع أن يخلص منهم هو وأصحابه بالقوة فقد قال أبو ~~الأشد بن أسيد الجمحي : لا يبلغون ثوبي حتى أجهضهم عن جهنم ، أي أنحيهم . # وقوله تعالى : { وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا } تتميم في إبطال ~~توهم المشركين حقارة عدد خزنة النار ، وهو كلام جار على تقدير الأسلوب ~~الحكيم إذ الكلام قد أثار في النفوس تساؤلا عن فائدة جعل خزنة جهنم ms8919 تسعة ~~عشر وهلا كانوا آلافا ليكون مرآهم أشد هولا على أهل النار ، أو هلا كانوا ~~ملكا واحدا فإن قوى الملائكة تأتي كل عمل يسخرها الله له ، فكان جواب هذا ~~السؤال : أن هذا العدد قد أظهر لأصناف الناس مبلغ فهم الكفار للقرآن . ~~وإنما حصلت الفتنة من ذكر عددهم في الآية السابقة . فقوله : { وما جعلنا ~~عدتهم } تقديره : وما جعلنا ذكر عدتهم إلا فتنة ، ولاستيقان الذين أوتوا ~~الكتاب ، وازدياد الذين آمنوا إيمانا ، واضطراب الذين في قلوبهم مرض فيظهر ~~ضلال الضالين واهتداء المهتدين . فالله جعل عدة خزنة النار تسعة عشر لحكمة ~~أخرى غير ما ذكر هنا اقتضت ذلك الجعل يعلمها الله . # والاستثناء مفرغ لمفعول ثان لفعل { جعلنا } تقديره جعلنا عدتهم فتنة لا ~~غير ، ولما كانت الفتنة حالا من أحوال الذين كفروا لم تكن مرادا منها ذاتها ~~بل عروضها للذين كفروا فكانت حالا لهم . PageV29P314 # والتقدير : ما جعلنا ذكر عدتهم لعلة وغرض إلا لغرض فتنة الذين كفروا ؛ ~~فانتصب { فتنة } على أنه مفعول ثان لفعل { جعلنا } على الاستثناء المفرغ ، ~~وهو قصر قلب للرد على الذين كفروا إذ اعتقدوا أن عدتهم أمر هين . # وقوله : { ليستيقن الذين أوتوا الكتاب } الخ . علة ثانية لفعل { وما ~~جعلنا عدتهم إلا فتنة } . ولولا أن كلمة { فتنة } منصوبة على المفعول به ~~لفعل { جعلنا } . لكان حق { ليستيقن } أن يعطف على { فتنة } ولكنه جاء في ~~نظم الكلام متعلقا بفعل : { وما جعلنا عدتهم إلا فتنة . # ويجوز أن يكون للذين كفروا } متعلقا بفعل { جعلنا وب فتنة } ، على وجه ~~التنازع فيه ، أي ما جعلنا عدتهم للذين كفروا إلا فتنة لهم إذ لم يحصل لهم ~~من ذكرها إلا فساد التأويل ، وتلك العدة مجعولة لفوائد أخرى لغير الذين ~~كفروا الذين يفوضون معرفة ذلك إلى علم الله وإلى تدبر مفيد . # والاستيقان : قوة اليقين ، فالسين والتاء فيه للمبالغة . والمعنى : ~~ليستيقنوا صدق القرآن حيث يجدون هذا العدد مصدقا لما في كتبهم . # والمراد ب { الذين أوتوا الكتاب } اليهود حين يبلغهم ما في القرآن من مثل ~~ما في كتبهم أو أخبارهم . وكان اليهود يترددون على مكة ms8920 في التجارة ويتردد ~~عليهم أهل مكة للميرة في خيبر وقريظة ويثرب فيسأل بعضهم بعضا عما يقوله ~~محمد صلى الله عليه وسلم ويود المشركون لو يجدون عند اليهود ما يكذبون به ~~أخبار القرآن ولكن ذلك لم يجدوه ولو وجدوه لكان أيسر ما يطعنون به في ~~القرآن . # والاستيقان من شأنه أن يعقبه الإيمان إذا صادف عقلا بريئا من عوارض الكفر ~~كما وقع لعبد الله بن سلام وقد لا يعقبه الإيمان لمكابرة أو حسد أو إشفاق ~~من فوات جاه أو مال كما كان شأن كثير من اليهود الذي قال الله فيهم { ~~يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن كثيرا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون } ( ~~البقرة : 146 ) ولذلك اقتصرت الآية على حصول الاستيقان لهم . # روى الترمذي بسنده إلى جابر بن عبد الله قال : قال ناس من اليهود لأناس ~~من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هل يعلم نبيئكم عدد خزنة النار ؟ ، ~~قالوا : لا ندري حتى نسأل نبيئنا . فجاء رجل إلى النبي فقال : يا محمد غلب ~~أصحابكم اليوم ، PageV29P315 قال : وبم غلبوا قال : سألهم يهود : هل يعلم ~~نبيئكم عدد خزنة النار ، قال : فما قالوا ؟ قال : قالوا لا ندري حتى نسأل ~~نبيئنا ، قال : أفغلب قوم سئلوا عما لا يعلمون ؟ فقالوا : لا نعلم حتى نسأل ~~نبيئنا إلى أن قال جابر : فلما جاءوا قالوا : يا أبا القاسم كم عدد خزنة ~~جهنم ؟ قال . هكذا وهكذا في مرة عشرة وفي مرة عشرة وفي مرة تسع ( بإشارة ~~الأصابع ) قالوا : نعم الخ . وليس في هذا ما يلجىء إلى اعتبار هذه الآية ~~نازلة بالمدينة كما روي عن قتادة لأن المراجعة بين المشركين واليهود في ~~أخبار القرآن مألوفة من وقت كون النبي صلى الله عليه وسلم في مكة . # قال أبوبكر ابن العربي في ( العارضة ) : حديث جابر صحيح والآية التي فيها ~~{ عليها تسعة عشر } ( المدثر : 30 ) مكية بإجماع ، فكيف تقول اليهود هذا ~~ويدعوهم النبي للجواب وذلك كان بالمدينة ، فيحتمل أن الصحابة قالوا : لا ~~نعلم ، لأنهم لم يكونوا قرأوا الآية ولا كانت انتشرت عندهم ( أي لأنهم ~~كانوا من الأنصار ms8921 الذين لم يتلقوا هذه الآية من سورة المدثر لبعد عهد ~~نزولها بمكة وكان الذين يجتمعون باليهود ويسألهم اليهود هم الأنصار . قال : ~~ويحتمل أن الصحابة لم يمكنهم أن يعينوا أن التسعة عشر هم الخزنة دون أن ~~يعينهم الله حتى صرح به النبي صلى الله عليه وسلم اه . فقد ظهر مصداق قوله ~~تعالى : { ليستيقن الذين أوتوا الكتاب } بعد سنين من وقت نزوله . # ومعنى { ويزداد الذين ءامنوا إيمانا } أنهم يؤمنون به في جملة ما يؤمنون ~~به من الغيب فيزداد في عقولهم جزئي في جزئيات حقيقة إيمانهم بالغيب ، فهي ~~زيادة كمية لا كيفية لأن حقيقة الإيمان التصديق والجزم وذلك لا يقبل ~~الزيادة ، وبمثل هذا يكون تأويل كل ما ورد في زيادة الإيمان من أقوال ~~الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة . # وقوله : { ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون } عطف على { ليستيقن ~~الذين أوتوا الكتاب ، } أي لينتفي عنهم الريب فلا تعتورهم شبهة من بعد علمه ~~لأنه إيقان عن دليل . وإن كان الفريقان في العمل بعلمهم متفاوتين ، ~~فالمؤمنون علموا وعملوا ، والذين أوتوا الكتاب علموا وعاندوا فكان علمهم ~~حجة عليهم وحسرة في نفوسهم . # والمقصود من ذكره التمهيد لذكر مكابرة الذين في قلوبهم مرض والكافرين في ~~PageV29P316 سوء فهمهم لهذه العدة تمهيدا بالتعريض قبل التصريح ، لأنه إذا ~~قيل { ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون } شعر الذين في قلوبهم مرض ~~والكافرون بأنهم لما ارتابوا في ذلك فقد كانوا دون مرتبة الذين أوتوا ~~الكتاب لأنهم لا ينازعون في أن الذين أوتوا الكتاب أرجح منهم عقولا وأسد ~~قولا ، ولذلك عطف عليه { وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد ~~الله بهذا مثلا } ، أي ليقولوا هذا القول إعرابا عما في نفوسهم من الطعن في ~~القرآن غير عالمين بتصديق الذين أوتوا الكتاب . # واللام لام العاقبة مثل التي في قوله تعالى : { فالتقطه آل فرعون ليكون ~~لهم عدوا وحزنا } ( القصص : 8 ) . # والمرض في القلوب : هو سوء النية في القرآن والرسول صلى الله عليه وسلم ~~وهؤلاء هم الذين لم يزالوا في تردد بين أن يسلموا وأن يبقوا على الشرك ms8922 مثل ~~الأخنس بن شريق والوليد بن المغيرة ، وليس المراد بالذين في قلوبهم مرض ~~المنافقون لأن المنافقين ما ظهروا إلا في المدينة بعد الهجرة والآية مكية . # و { ماذا أراد الله } استفهام إنكاري فإن ( ما ) استفهامية ، و ( ذا ) ~~أصله اسم إشارة فإذا وقع بعد ( ما ) أو ( من ) الاستفهاميتين أفاد معنى ~~الذي ، فيكون تقديره : ما الأمر الذي أراده الله بهذا الكلام في حال أنه ~~مثل ، والمعنى : لم يرد الله هذا العدد الممثل به ، وقد كني بنفي إرادة ~~الله العدد عن إنكار أن يكون الله قال ذلك ، والمعنى : لم يرد الله العدد ~~الممثل به فكنوا بنفي إرادة الله وصف هذا العدد عن تكذيبهم أن يكون هذا ~~العدد موافقا للواقع لأنهم ينفون فائدته ، وإنما أرادوا تكذيب أن يكون هذا ~~وحيا من عند الله . # والإشارة بهذا إلى قوله : { عليها تسعة عشر } ( المدثر : 30 ) . # و { مثلا } منصوب على الحال من هذا ، والمثل : الوصف ، أي بهذا العدد وهو ~~تسعة عشر ، أي ما الفائدة في هذا العدد دون غيره مثل عشرين . # والمثل : وصف الحالة العجيبة ، أي ما وصفه من عدد خزنة النار كقوله تعالى ~~: { مثل الجنة التي وعد المتقون } ( محمد : 15 ) الآية . PageV29P317 # وتقدم نظير هذا عند قوله تعالى : { وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد ~~الله بهذا مثلا في سورة البقرة . # } . # اسم الإشارة عائد إلى ما تضمنه الكلام المتقدم من قوله : { ليستيقن الذين ~~أوتوا الكتاب } إلى قوله : { مثلا } بتأويل ما تضمنه الكلام ، بالمذكور ، ~~أي مثل ذلك الضلال الحاصل للذين في قلوبهم مرض وللكافرين ، والحاصل للذين ~~أوتوا الكتاب بعد أن استيقنوا فلم يؤمنوا يضل الله من يشاء أن يضله من ~~عباده ، ومثل ذلك الهدى الذي اهتداه المؤمنون فزادهم إيمانا مع إيمانهم ~~يهدي الله من يشاء . # والغرض من هذا التشبيه تقريب المعنى المعقول وهو تصرف الله تعالى بخلق ~~أسباب الأحوال العارضة للبشر ، إلى المعنى المحسوس المعروف في واقعة الحال ~~، تعليما للمسلمين وتنبيها للنظر في تحصيل ما ينفع نفوسهم . # ووجه الشبه هو السببية في اهتداء من يهتدي وضلال من يضل ، في أن كلا ms8923 من ~~المشبه والمشبه به جعله الله سببا وإرادة لحكمة اقتضاها علمه تعالى فتفاوت ~~الناس في مدى إفهامهم فيه بين مهتد ومرتابب مختلف المرتبة في ريبه ، ومكابر ~~كافر وسيىء فهمم كافر . # وهذه كلمة عظيمة في اختلاف تلقي العقول للحقائق وانتفاعهم بها أو ضده ~~بحسب اختلاف قرائحهم وفهومهم وتراكيب جبلاتهم المتسلسلة من صواب إلى مثله ، ~~أو من تردد واضطراب إلى مثله ، أو من حنق وعناد إلى مثله ، فانطوى التشبيه ~~من قوله : { كذلك } على أحوال وصور كثيرة تظهر في الخارج . # وإسناد الإضلال إلى الله تعالى باعتبار أنه موجد الأسباب الأصلية في ~~الجبلات ، واقتباس الأهواء وارتباط أحوال العالم بعضها ببعض ، ودعوة ~~الأنبياء والصلحاء إلى الخير ، ومقاومة أيمة الضلال لتلك الدعوات . تلك ~~الأسباب التي أدت بالضالين إلى ضلالهم وبالمهتدين إلى هداهم . وكل من خلق ~~الله . فما على الأنفس المريدة الخير والنجاة إلا التعرض لأحد المهيعين بعد ~~التجرد والتدبر { لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } ( البقرة : 286 ) . ~~PageV29P318 # ومشيئة الله ذلك تعلق علمه بسلوك المهتدين والضالين . # ومحل { كذلك } نصب بالنيابة عن المفعول المطلق لأن الجار والمجرور هنا ~~صفة لمصدر محذوف دلت عليه الصفة ، والتقدير : يضل الله من يشاء ويهدي من ~~يشاء إضلالا وهديا كذلك الإضلال والهدي . وليس هذا من قبيل قوله تعالى : { ~~وكذلك جعلناكم أمة وسطا } ( البقرة : 143 ) . # وقدم وصف المفعول المطلق للاهتمام بهذا التشبيه لما يرشد إليه من تفصيل ~~عند التدبر فيه ، وحصل من تقديمه محسن الجمع ثم التقسيم إذ جاء تقسيمه ~~بقوله { يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء . # } . # كلمة جامعة لإبطال التخرصات التي يتخرصها الضالون ومرضى القلوب عند سماع ~~الأخبار عن عالم الغيب وأمور الآخرة من نحو : ما هذا به أبو جهل في أمر ~~خزنة جهنم يشمل ذلك وغيره ، فلذلك كان لهذه الجملة حكم التذييل . # والجنود : جمع جند وهو اسم لجماعة الجيش واستعير هنا للمخلوقات التي ~~جعلها الله لتنفيذ أمره لمشابهتها الجنود في تنفيذ المراد . # وإضافة رب إلى ضمير النبي صلى الله عليه وسلم إضافة تشريف ، وتعريض بأن ~~من شأن تلك الجنود أن بعضها ms8924 يكون به نصر النبي صلى الله عليه وسلم ونفي ~~العلم هنا نفي للعلم التفصيلي بأعدادها وصفاتها وخصائصها بقرينة المقام ، ~~فإن العلم بعدد خزنة جهنم قد حصل للناس بإعلام من الله لكنهم لا يعلمون ما ~~وراء ذلك . # . # فيه معان كثيرة أعلاها أن يكون هذا تتمة لقوله : { وما جعلنا عدتهم إلا ~~فتنة للذين كفروا } على أن يكون جاريا على طريقة الأسلوب الحكيم ، أي أن ~~النافع لكم أن تعلموا أن الخبر عن خزنة النار بأنهم تسعة عشر فائدته أن ~~يكون ذكرى PageV29P319 للبشر ليتذكروا دار العقاب بتوصيف بعض صفاتها لأن في ~~ذكر الصفة عونا على زيادة استحضار الموصوف ، فغرض القرآن الذكرى ، وقد ~~اتخذه الضالون ومرضى القلوب لهوا وسخرية ومراء بالسؤال عن جعلهم تسعة عشر ~~ولم لم يكونوا عشرين أو مئات أو آلافا . # وضمير { هي } على هذا الوجه إلى { عدتهم . # ويجوز أن يرجع الضمير إلى الكلام السابق وتأنيث ضميره لتأويله بالقصة أو ~~الصفة أو الآيات القرآنية . # والمعنى : نظير المعنى على الاحتمال الأول . # ويحتمل أن يرجع إلى سقر } ( المدثر : 26 ) وإنما تكون { ذكرى } باعتبار ~~الوعيد بها وذكر أهوالها . # والقصر متوجه إلى مضاف محذوف يدل عليه السياق تقديره : وما ذكرها أو ~~وصفها أو نحو ذلك . # ويحتمل أن يرجع ضمير { هي } إلى { جنود ربك } والمعنى المعنى ، والتقدير ~~التقدير ، أي وما ذكرها أو عدة بعضها . # وجوز الزجاج أن يكون الضمير راجعا إلى نار الدنيا ، أي أنها تذكر للناس ~~بنار الآخرة ، يريد أنه من قبيل قوله تعالى : { أفرأيتم النار التي تورون ~~أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون نحن جعلناها تذكرة } ( الواقعة : 71 ~~73 ) . وفيه محسن الاستخدام . # وقيل : المعنى : وما عدتهم إلا ذكرى للناس ليعلموا غنى الله عن الأعوان ~~والجند فلا يظلوا في استقلال تسعة عشر تجاه كثرة أهل النار . # وإنما حملت الآية هذه المعاني بحسن موقعها في هذا الموضع وهذا من بلاغة ~~نظم القرآن . ولو وقعت إثر قوله : { لواحة للبشر } ( المدثر : 29 ) لتمحض ~~ضمير { وما هي إلا ذكرى } للعود إلى سقر ، وهذا من الإعجاز بمواقع جمل ~~القرآن كما في المقدمة ms8925 العاشرة من مقدمات هذا التفسير . # وبين لفظ البشر المذكور هنا ولفظ البشر المتقدم في قوله : { لواحة للبشر ~~} التجنيس التام . PageV29P320 # ( 32 37 ) { } . # . # { كلا } حرف ردع وإبطال . والغالب أن يقع بعد كلام من متكلم واحد أو من ~~متكلم وسامعع مثل قوله تعالى : { قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا إن ~~معي ربي سيهدين } ( الشعراء : 61 ، 62 ) فيفيد الردع عما تضمنه الكلام ~~المحكي قبله . ومنه قوله تعالى : { كلا سنكتب ما يقول في سورة مريم ، ويجوز ~~تقديمه على الكلام إذا أريد التعجيل بالردع والتشويق إلى سماع ما بعده ، ~~وهو هنا محتمل لأن يكون إبطالا لما قبله من قولهم : فإذا أراد الله بهذا ~~مثلا ، فيكون ما بينهما اعتراضا ويكون قوله والقمر } ابتداء كلام فيحسن ~~الوقف على { كلا } . ويحتمل أن يكون حرف إبطال مقدما على الكلام الذي بعده ~~من قوله : { إنها لإحدى الكبر نذيرا للبشر } تقديم اهتمام لإبطال ما يجيء ~~بعده من مضمون قوله : { نذيرا للبشر ، } أي من حقهم أن ينتذروا بها فلم ~~ينتذر أكثرهم على نحو معنى قوله : { وأنى له الذكرى } ( الفجر : 23 ) فيحسن ~~أن توصل في القراءة بما بعدها . # { } . # الواو المفتتح بها هذه الجملة واو القسم ، وهذا القسم يجوز أن يكون ~~تذييلا لما قبله مؤكدا لما أفادته { كلا } من الإنكار والإبطال لمقالتهم في ~~شأن عدة خزنة النار ، فتكون جملة { إنها لإحدى الكبر } تعليلا للإنكار الذي ~~أفادته { كلا } ويكون ضمير { إنها } عائدا إلى { سقر } ( المدثر : 26 ) ، ~~أي هي جديرة بأن يتذكر بها فلذلك كان من لم يتذكر بها حقيقا بالإنكار عليه ~~وردعه . # وجملة القسم على هذا الوجه معترضة بين الجملة وتعليلها ، ويحتمل أن يكون ~~القسم صدرا للكلام الذي بعده وجملة { إنها لإحدى الكبر } جواب القسم ~~والضمير راجع إلى { سقر ، أي أن سقر لأعظم الأهوال ، فلا تجزي في معاد ضمير ~~إنها } جميع الاحتمالات التي جرت في ضمير { وما هي إلا ذكرى } ( المدثر : ~~31 ) . PageV29P321 # وهذه ثلاثة أيمان لزيادة التأكيد فإن التأكيد اللفظي إذا أكد بالتكرار ~~يكرر ثلاث مرات غالبا ، أقسم بمخلوق عظيم ، وبحالين عظيمين من آثار قدرة ms8926 ~~الله تعالى . # ومناسبة القسم ب { القمر والليل إذ أدبر والصبح إذا أسفر } أن هذه ~~الثلاثة تظهر بها أنوار في خلال الظلام فناسبت حالي الهدى والضلال من قوله ~~: { كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء } ( المدثر : 31 ) ومن قوله : { ~~وما هي إلا ذكرى للبشر } ( المدثر : 31 ) ففي هذا القسم تلويح إلى تمثيل ~~حال الفريقين من الناس عند نزول القرآن بحال اختراق النور في الظلمة . # وإدبار الليل : اقتراب تقضيه عند الفجر ، وإسفار الصبح : ابتداء ظهور ضوء ~~الفجر . # وكل من { إذ } و { إذا } واقعان اسمي زمان منتصبان على الحال من الليل ~~ومن الصبح ، أي أقسم به في هذه الحالة العجيبة الدالة على النظام المحكم ~~المتشابه لمحو الله ظلمات الكفر بنور الإسلام قال تعالى : { كتاب أنزلناه ~~إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور } ( إبراهيم : 1 ) . # وقد أجريت جملة { إنها لإحدى الكبر } مجرى المثل . # ومعنى { إحدى } أنها المتوحدة المتميزة من بين الكبر في العظم لا نظيرة ~~لها كما يقال : هو أحد الرجال لا يراد : أنه واحد منهم ، بل يراد : أنه ~~متوحد فيهم بارز ظاهر ، كما تقدم في قوله : { ذرني ومن خلقت وحيدا } ( ~~المدثر : 11 ) ، وفي المثل ( هذه إحدى حظيات لقمان ) . # وقرأ نافع وحمزة وحفص ويعقوب وخلف { إذ أدبر } بسكون ذال { إذ } وبفتح ~~همزة { أدبر } وإسكان داله ، أقسم بالليل في حالة إدباره التي مضت وهي حالة ~~متجددة تمضي وتحضر وتستقبل ، فأي زمن اعتبر معها فهي حقيقة بأن يقسم بكونها ~~فيه ، ولذلك أقسم بالصبح إذا أسفر مع اسم الزمن المستقبل . وقرأه ابن كثير ~~وابن عامر وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم والكسائي وأبو جعفر { إذا دبر } بفتح ~~الذال المعجمة من { إذا } بعدها ألف ، وبفتح الدال المهملة من دبر على أنه ~~فعل مضي مجرد ، يقال : دبر ، بمعنى : أدبر ، ومنه وصفه بالدابر في قولهم : ~~أمسس الدابر ، كما يقال : قبل بمعنى أقبل ، فيكون القسم بالحالة ~~PageV29P322 المستقبلة من إدبار الليل بعد نزول الآية ، على وزان { إذا ~~أسفر } في قراءة الجميع ، وكل ذلك مستقيم فقد حصل في قراءة نافع وموافقيه ~~تفنن ms8927 في القسم . # و { الكبر } : جمع الكبرى في نوعها ، جمعوه هذا الجمع على غير قياسس بابه ~~لأن فعلى حقها أن تجمع جمع سلامة على كبريات ، وأما بنية فعل فإنها جمع ~~تكسير لفعلة كغرفة وغرف ، لكنهم حملوا المؤنث بالألف على المؤنث بالهاء ~~لأنهم تأولوه بمنزلة اسم للمصيبة العظيمة ولم يعتبروه الخصلة الموصوفة ~~بالكبر ، أي أنثى الأكبر فلذلك جعلوا ألف التأنيث التي فيه بمنزلة هاء ~~التأنيث فجمعوه كجمع المؤنث بالهاء من وزن فعلة ولم يفعلوا ذلك في إخواته ~~مثل عظمى . # وانتصب { نذيرا } على الحال من ضمير { إنها } ، أي إنها لعظمى العظائم في ~~حال إنذارها للبشر وكفى بها نذيرا . # والنذير : المنذر ، وأصله وصف بالمصدر لأن { نذيرا } جاء في المصادر كما ~~جاء النكير ، والمصدر إذا وصف به أو أخبر به يلزم الإفراد والتذكير ، وقد ~~كثر الوصف ب ( النذير ) حتى صار بمنزلة الاسم للمنذر . # وقوله : { لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر } بدل مفصل من مجمل من قوله { ~~للبشر } ، وأعيد حرف الجر مع البدل للتأكيد كقوله تعالى : { قال الملأ ~~الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم } ( الأعراف : 75 ) ، ~~وقوله : { إن هو إلا ذكر للعالمين لمن شاء منكم أن يستقيم } ( التكوير : 27 ~~، 28 ) وقوله تعالى : { تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا } ( المائدة : 114 ) . ~~والمعنى : إنها نذير لمن شاء أن يتقدم إلى الإيمان والخير لينتذر بها ، ~~ولمن شاء أن يتأخر عن الإيمان والخير فلا يرعوي بنذارتها لأن التقدم مشي ~~إلى جهة الإمام فكأن المخاطب يمشي إلى جهة الداعي إلى الإيمان وهو كناية عن ~~قبول ما يدعو إليه ، وبعكسه التأخر ، فحذف متعلق { يتقدم ويتأخر } لظهوره ~~من السياق . # ويجوز أن يقدر : لمن شاء أن يتقدم إليها ، أي إلى سقر بالإقدام على ~~الأعمال التي تقدمه إليها ، أو يتأخر عنها بتجنب ما من شأنه أن يقربه منها ~~. # وتعليق { نذيرا } بفعل المشيئة إنذار لمن لا يتذكر بأن عدم تذكره ناشىء ~~عن عدم مشيئته فتبعته عليه لتفريطه على نحو قول المثل ( يداك أوكتا وفوك ~~نفخ ) ، وقد تقدم في سورة المزمل قوله : { إن هذه ms8928 تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ~~ربه سبيلا PageV29P323 وفي ضمير منكم } التفات من الغيبة إلى الخطاب لأن ~~مقتضى الظاهر أن يقال : لمن شاء منهم ، أي من البشر . # ( 38 48 ) { } . # استئناف بياني يبين للسامع عقبى الاختيار الذي في قوله : { لمن شاء منكم ~~أن يتقدم أو يتأخر } ( المدثر : 37 ) أي كل إنسان رهن بما كسب من التقدم أو ~~التأخر أو غير ذلك فهو على نفسه بصيرة ليكسب ما يفضي به إلى النعيم أو إلى ~~الجحيم . # و { رهينة } : خبر عن { كل نفس } وهو بمعنى مرهونة . # والرهن : الوثاق والحبس ومنه الرهن في الدين ، وقد يطلق على الملازمة ~~والمقارنة ، ومنه : فرسا رهانن ، وكلا المعنيين يصح الحمل عليه هنا على ~~اختلاف الحال ، وإنما يكون الرهن لتحقيق المطالبة بحق يخشى أن يتفلت منه ~~المحقوق به ، فالرهن مشعر بالأخذ بالشدة ومنه رهائن الحرب الذين يأخذهم ~~الغالب من القوم المغلوبين ضمانا لئلا يخيس القوم بشروط الصلح وحتى يعطوا ~~ديات القتلى فيكون الانتقام من الرهائن . # وبهذا يكون قوله : { كل نفس } مرادا به خصوص أنفس المنذرين من البشر فهو ~~من العام المراد به الخصوص بالقرينة ، أي قرينة ما تعطيه مادة رهينة من ~~معنى الحبس والأسر . # والباء للمصاحبة لا للسببية . # وظاهر هذا أنه كلام منصف وليس بخصوص تهديد أهل الشر . PageV29P324 # و { رهينة } : مصدر بوزن فعيلة كالشتيمة فهو من المصادر المقترنة بهاء ~~كهاء التأنيث مثل الفعولة والفعالة ، وليس هو من باب فعيل الذي هو وصف ~~بمعنى المفعول مثيل قتيلة ، إذ لو قصد الوصف لقيل رعين لأن فعيلا بمعنى ~~مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث إذا جرى على موصوفه كما هنا ، والإخبار ~~بالمصدر للمبالغة على حد قول مسور بن زيادة الحارثي : # أبعد الذي بالنعفف نعفف كويكب # رهينة رمس ذي تراب وجندل # ألا تراه أثبت الهاء في صفة المذكر وإلا لما كان موجب للتأنيث . # والاستثناء في قوله : { إلا أصحاب اليمين } استثناء منقطع . # و { أصحاب اليمين } : هم أهل الخير جعلت علاماتهم في الحشر بجهات اليمين ~~في مناولة الصحف وفي موقف الحساب وغير ذلك . فاليمين هو جهة أهل الكرامة ms8929 في ~~الاعتبار كجهة يمين العرش أو يمين مكان القدس يوم الحشر لا يحيط بها وصفنا ~~وجعلت علامة أهل الشر الشمال في تناول صحف أعمالهم وفي مواقفهم وغير ذلك . # وقوله : { في جنات } يجوز أن يكون متعلقا بقوله : { يتساءلون } قدم ~~للاهتمام ، و { يتساءلون } حال من { أصحاب اليمين } وهو مناط التفصيل الذي ~~جيء لأجله بالاستثناء المنقطع . # ويجوز أن يكون { في جنات } خبر مبتدأ محذوف تقديره : هم في جنات . ~~والجملة استئناف بياني لمضمون جملة الاستثناء ويكون { يتساءلون } حالا من ~~الضمير المحذوف . # ومعنى { يتساءلون } يجوز أن يكون على ظاهر صيغة التفاعل للدلالة على صدور ~~الفعل من جانبين ، أي يسأل أصحاب اليمين بعضهم بعضا عن شأن المجرمين ، ~~وتكون جملة { ما سلككم في سقر } بيانا لجملة { يتساءلون . } وضمير الخطاب ~~في قوله : { سلككم } يؤذن بمحذوف والتقدير : فيسألون المجرمين ما سلككم في ~~سقر ، وليس التفاتا ، أو يقول بعض المسؤولين لأصحابهم جوابا لسائليهم قلنا ~~لهم : ما سلككم في سقر . PageV29P325 # ويجوز أن يكون صيغة التفاعل مستعملة في معنى تكرير الفعل أي يكثر سؤال كل ~~أحد منهم سؤالا متكررا أو هو من تعدد السؤال لأجل تعدد السائلين . # قال الزمخشري في تفسير قوله تعالى : { واتقوا الله الذي تساءلون به في ~~أول سورة النساء هو كقولك تداعينا . ونقل عنه أيضا أنه قال هنا : إذا كان ~~المتكلم مفردا يقال : دعوت ، وإذا كان المتكلم متعددا يقال : تداعينا ، ~~ونظيره ، رميته وتراميناه ورأيت الهلال وتراءيناه ولا يكون هذا تفاعلا من ~~الجانبين اه . ذكره صاحب الكشاف } في سورة النساء ، أي هو فعل من جانب واحد ~~ذي عدد كثير ، وعلى هذا يكون مفعول { يتساءلون } محذوفا يدل عليه قوله { عن ~~المجومين } . # والتقدير : يتساءلون المجرمين عنهم ، أي عن سبب حصولهم في سقر ، ويدل ~~عليه بيان جملة { يتساءلون } بجملة { ما سلككم في سقر ، } فإن { ما سلككم } ~~في بيان للتساؤل . # وأصل معنى سلكه أدخله بين أجزاء شيء حقيقة ومنه جاء سلك العقد ، واستعير ~~هنا للزج بهم ، وتقدم في سورة الحجر قوله تعالى : { كذلك نسلكه في قلوب ~~المجرمين وفي قوله : نسلكه عذابا صعدا في سورة ms8930 الجن . والمعنى : ما زج بكم ~~في سقر . # فإن كان السؤال على حقيقته والاستفهام مستعملا في أصل معناه كان الباعث ~~على السؤال : # إما نسيان الذي كانوا علموه في الدنيا من أسباب الثواب والعقاب فيبقى ~~عموم يتساءلون } الراجع إلى أصحاب اليمين وعموم المجرمين على ظاهره ، فكل ~~من أصحاب اليمين يشرف على المجرمين من أعالي الجنة فيسألهم عن سبب ولوجهم ~~النار فيحصل جوابهم وذلك إلهام من الله ليحمده أهل الجنة على ما أخذوا به ~~من أسباب نجاتهم مما أصاب المجرمين ويفرحوا بذلك . # وإما أن يكون سؤالا موجها من بعض أصحاب اليمين إلى ناس كانوا يظنونهم من ~~أهل الجنة فرأوهم في النار من المنافقين أو المرتدين بعد موت أصحابهم ، ~~فيكون المراد بأصحابه اليمين بعضهم وبالمجرمين بعضهم وهذا مثل ما في قوله ~~تعالى : { وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين ~~الآيات PageV29P326 في سورة الصافات ( 27 ، 28 ) وقوله فيها : قال قائل ~~منهم إني كان لي قرين يقول أئنك لمن المصدقين إلى قوله في سواء الجحيم } ( ~~الصافات : 51 55 ) . # وإن كان السؤال ليس على حقيقته وكان الاستفهام مستعملا في التنديم ، أو ~~التوبيخ فعموم أصحاب اليمين وعموم المجرمين على حقيقته . # وأجاب المجرمون بذكر أسباب الزج بهم في النار لأنهم ما ظنوا إلا ظاهر ~~الاستفهام ، فذكروا أربعة أسباب هي أصول الخطايا وهي : أنهم لم يكونوا من ~~أهل الصلاة فحرموا أنفسهم من التقرب إلى الله . # وأنهم لم يكونوا من المطعمين المساكين وذلك اعتداء على ضعفاء الناس ~~بمنعهم حقهم في المال . # وأنهم كانوا يخوضون خوضهم المعهود الذي لا يعدو عن تأييد الشرك وأذى ~~الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين . # وأنهم كذبوا بالجزاء فلم يتطلبوا ما ينجيهم . وهذا كناية عن عدم إيمانهم ~~، سلكوا بها طريق الإطناب المناسب لمقام التحسر والتلهف على ما فات ، ~~فكأنهم قالوا : لأنا لم نكن من المؤمنين لأن أهل الإيمان اشتهروا بأنهم أهل ~~الصلاة ، وبأنهم في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم ، وبأنهم يؤمنون ~~بالآخرة وبيوم الدين ويصدقون الرسل وقد جمعها قوله تعالى في سورة البقرة ms8931 ( ~~2 4 ) { هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ~~ينفقون والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون . # وأصل الخوض الدخول في الماء ، ويستعار كثيرا للمحادثة المتكررة ، وقد ~~اشتهر إطلاقه في القرآن على الجدال واللجاج غير المحمود قال تعالى : ثم ~~ذرهم في خوضهم يلعبون } ( الأنعام : 91 ) وغير ذلك ، وقد جمع الإطلاقين ~~قوله تعالى : { وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في ~~حديث غيره } ( الأنعام : 68 ) . # وباعتبار مجموع الأسباب الأربعة في جوابهم فضلا عن معنى الكناية ، لم يكن ~~في الآية ما يدل للقائلين بأن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة . # ويوم الدين : يوم الجزاء والجزاء . PageV29P327 # و { اليقين } : اسم مصدر يقن كفرح ، إذا علم علما لا شك معه ولا تردد . # وإتيانه مستعار لحصوله بعد أن لم يكن حاصلا ، شبه الحصول بعد الانتفاء ~~بالمجيء بعد المغيب . # والمعنى : حتى حصل لنا العلم بأن ما كنا نكذب به ثابت ، فقوله : { حتى ~~أتانا اليقين } على هذا الوجه غاية لجملة { نكذب بيوم الدين . # ويطلق اليقين أيضا على الموت لأنه معلوم حصوله لكل حي فيجوز أن يكون ~~مرادا هنا كما في قوله تعالى : واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } ( الحجر : 99 ~~) . فتكون جملة { حتى أتانا اليقين } غاية للجمل الأربع التي قبلها من قوله ~~: { لم نك من المصلين } إلى { بيوم الدين . # والمعنى : كنا نفعل ذلك مدة حياتنا كلها . # وفي الأفعال المضارعة في قوله : لم نك ، ونخوض ، ونكذب } إيذان بأن ذلك ~~ديدنهم ومتجدد منهم طول حياتهم . # وفي الآية إشارة إلى أن المسلم الذي أضاع إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ~~مستحق حظا من سقر على مقدار إضاعته وعلى ما أراد الله من معادلة حسناته ~~وسيئاته ، وظواهره وسرائره ، وقبل الشفاعة وبعدها . # وقد حرم الله هؤلاء المجرمين الكافرين أن تنفعهم الشفاعة فعسى أن تنفع ~~الشفاعة المؤمنين على أقدارهم . # وفي قوله : { فما تنفعهم شفاعة الشافعين } إيماء إلى ثبوت الشفاعة لغيرهم ~~يوم القيامة على الجملة وتفصيلها في صحاح الأخبار . # وفاء { فما تنفعهم شفاعة الشافعين } تفريع على قوله : { كل نفس بما ms8932 كسبت ~~رهينة ، } أي فهم دائمون في الارتهان في سقر . PageV29P328 # ( 49 51 ) . # تفريع للتعجيب من إصرارهم على الإعراض عن ما فيه تذكرة على قوله : { وما ~~هي إلا ذكرى للبشر } ( المدثر : 31 ) . # وجيء باسم التذكرة الظاهر دون أن يؤتى بضمير نحو : أن يقال : عنها معرضين ~~، لئلا يختص الإنكار والتعجيب بإعراضهم عن تذكرة الإنذار بسقر ، بل المقصود ~~التعميم لإعراضهم عن كل تذكرة وأعظمها تذكرة القرآن كما هو المناسب للإعراض ~~قال تعالى : { إن هو إلا ذكر للعالمين } ( التكوير : 27 ) . # و { ما لهم } استفهام مستعمل في التعجيب من غرابة حالهم بحيث تجدر أن ~~يستفهم عنها المستفهمون وهو مجاز مرسل بعلاقة الملازمة ، و { لهم } خبر عن ~~( ما ) الاستفهامية . والتقدير : ما ثبت لهم ، و { معرضين } حال من ضمير { ~~لهم } ، أي يستفهم عنهم في هذه الحالة العجيبة . # وتركيب : ما لك ونحوه ، لا يخلو من حال تلحق بضميره مفردة أو جملة نحو { ~~ما لك لا تأمنا على يوسف في سورة يوسف . وقوله تعالى : فما لهم لا يؤمنون ~~في سورة الانشقاق . وقوله : ما لكم كيف تحكمون في سورة الصافات وسورة القلم ~~. وعن التذكرة } متعلق ب { معرضين . # وشبهت حالة إعراضهم المتخيلة بحالة فرار حمر نافرة مما ينفرها . # والحمر : جمع حمار ، وهو الحمار الوحشي ، وهو شديد النفار إذا أحس بصوت ~~القانص وهذا من تشبيه المعقول بالمحسوس . # وقد كثر وصف النفرة وسرعة السير والهرب بالوحش من حمر أو بقر وحش إذا ~~أحسسن بما يرهبنه كما قال لبيد في تشبيه راحلته في سرعة سيرها بوحشية لحقها ~~الصياد : # فتوجست رز الأنيس فراعها # عن ظهر غيبب والأنيس سقامها # وقد كثر ذلك في شعر العرب في الجاهلية والإسلام كما في معلقة طرفة ، ~~ومعلقة لبيد ، ومعلقة الحارث ، وفي أراجيز الحجاج ورؤية ابنه وفي شعر ذي ~~الرمة . PageV29P329 # والسين والتاء في مستنفرة } للمبالغة في الوصف مثل : استكمل واستجاب ~~واستعجب واستسخر واستخرج واستنبط ، أي نافرة نفارا قويا فهي تعدو بأقصى ~~سرعة العدو . # وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر { مستنفرة } بفتح الفاء ، أي استنفرها ~~مستنفر ، أي أنفرها ، فهو من استنفره المتعدي بمعنى ms8933 أنفره . وبناء الفعل ~~للنائب يفيد الإجمال ثم التفصيل بقوله : { فرت من قسورة . # وقرأها الجمهور بكسر الفاء ، أي استنفرت هي مثل : استجاب ، فيكون جملة ~~فرت من قسورة } بيانا لسبب نفورها . # وفي ( تفسير الفخر ) عن أبي علي الفارسي قال محمد بن سلام : سألت أبا ~~سوار الغنوي وكان أعرابيا فصيحا فقلت : كأنهم حمر ماذا فقال : مستنفرة : ~~بفتح الفاء فقلت له : إنما هو فرت من قسورة . فقال : أفرت ؟ قلت : نعم ، ~~قال : فمستنفرة إذن فكسر الفاء . # و { قسورة } قيل هو اسم جمع قسور وهو الرامي ، أو هو جمع على خلاف القياس ~~إذ ليس قياس فعلل أن يجمع على فعللة . وهذا تأويل جمهور المفسرين عن ابن ~~عباس وعكرمة ومجاهد وغيرهما فيكون التشبيه جاريا على مراعاة الحالة ~~المشهورة في كلام العرب . # وقيل : القسورة مفرد ، وهو الأسد ، وهذا مروي عن أبي هريرة وزيد بن أسلم ~~وقال ابن عباس : إنه الأسد بالحبشية ، فيكون اختلاف قول ابن عباس اختلافا ~~لفظيا ، وعنه : أنه أنكر أن يكون قسور اسم الأسد ، فلعله أراد أنه ليس في ~~أصل العربية . وقد عده ابن السبكي في الألفاظ الواردة في القرآن بغير لغة ~~العرب في أبيات ذكر فيها ذلك ، قال ابن سيده : القسور الأسد والقسورة كذلك ~~، أنثوه كما قالوا : أسامة ، وعلى هذا فهو تشبيه مبتكر لحالة إعراض مخلوط ~~برعب مما تضمنته قوارع القرآن فاجتمع في هذه الجملة تمثيلان . # وإيثار لفظ { قسورة } هنا لصلاحيته للتشبيهين مع الرعاية على الفاصلة . ~~PageV29P330 # . # إضراب انتقالي لذكر حالة أخرى من أحوال عنادهم إذ قال أبو جهل وعبد الله ~~بن أبي أمية وغيرهما من كفار قريش للنبيء صلى الله عليه وسلم لا نؤمن لك ~~حتى يأتي إلى كل رجل منا كتاب فيه من الله إلى فلانن بن فلان ، وهذا من ~~أفانين تكذيبهم بالقرآن أنه منزل من الله . # وجمع ( صحف ) إما لأنهم سألوا أن يكون كل أمر أو نهي تأتي الواحد منهم في ~~شأنه صحيفة ، وإما لأنهم لما سألوا أن تأتي كل واحد منهم صحيفة باسمه ~~وكانوا جماعة متفقين جمع لذلك فكأن الصحف جميعها جاءت ms8934 لكل امرىء منهم . # والمنشرة : المفتوحة المقرؤة ، أي لا نكتفي بصحيفة مطوية لا نعلم ما كتب ~~فيها و { منشرة } مبالغة في منشورة . والمبالغة واردة على ما يقتضيه فعل ( ~~نشر ) المجرد من كون الكتاب مفتوحا واضحا من الصحف المتعارفة . وفي حديث ~~الرجم فنشروا التوراة . # . # { كلا } إبطال لظاهر كلامهم ومرادهم منه وردع عن ذلك ، أي لا يكون لهم ~~ذلك . # ثم أضرب على كلامهم بإبطال آخر بحرف الإضراب فقال : { بل لا يخافون ~~الآخرة } أي ليس ما قالوه إلا تنصلا فلو أنزل عليهم كتاب ما آمنوا وهم لا ~~يخافون الآخرة ، أي لا يؤمنون بها فكني عن عدم الإيمان بالآخرة بعدم الخوف ~~منها ، لأنهم لو آمنوا بها لخافوها إذ الشأن أن يخاف عذابها إذ كانت ~~إحالتهم الحياة الآخرة أصلا لتكذيبهم بالقرآن . # ( 54 56 ) . # . PageV29P331 # { كلا } ردع ثان مؤكد للردع الذي قبله ، أي لا يؤتون صحفا منشورة ولا ~~يوزعون إلا بالقرآن . # وجملة { إنه تذكرة } تعليل للردع عن سؤالهم أن تنزل عليهم صحف منشرة ، ~~بأن هذا القرآن تذكرة عظيمة ، وهذا كقوله تعالى : { وقالوا لولا أنزل عليه ~~ءايات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين أو لم يكفهم أنا ~~أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون } ( ~~العنكبوت : 50 ، 51 ) . فضمير { إنه } للقرآن ، وهو معلوم من المقام ، ~~ونظائر ذلك كثيرة في القرآن . وتنكير { تذكرة } للتعظيم . # وقوله : { فمن شاء ذكره } تفريع على أنه تذكرة ونظيره قوله تعالى : { إن ~~هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا في سورة المزمل . # وهذا تعريض بالترغيب في التذكر ، أي التذكر طوع مشيئتكم فإن شئتم فتذكروا ~~. # والضمير الظاهر في ذكره } يجوز أن يعود إلى ما عاد إليه ضمير { إنه } وهو ~~القرآن فيكون على الحذف والإيصال وأصله : ذكر به . # ويجوز أن يعود إلى الله تعالى وإن لم يتقدم لاسمه ذكر في هذه الآيات لأنه ~~مستحضر من المقام على نحو قوله : { إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه ~~سبيلا } ( المزمل : 19 ) . # وضمير { شاء } راجع إلى ( من ) ، أي من أراد ms8935 أن يتذكر ذكر بالقرآن وهو ~~مثل قوله آنفا { لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر } ( المدثر : 37 ) وقوله ~~في سورة المزمل { فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا } . # وهو إنذار للناس بأن التذكر بالقرآن يحصل إذا شاؤوا التذكر به . والمشيئة ~~تستدعي التأمل فيما يخلصهم من المؤاخذة على التقصير وهم لا عذر لهم في ~~إهمال ذلك ، وقد تقدم في سورة المزمل . # وجملة { وما تذكرون إلا أن يشاء الله } معترضة في آخر الكلام لإفادة ~~تعلمهم بهذه الحقيقة ، والواو اعتراضية . # والمعنى : أن تذكر من شاءوا أن يتذكروا لا يقع إلا مشروطا بمشيئة الله أن ~~PageV29P332 يتذكروا ، وقد تكرر هذا في القرآن تكررا ينبه على أنه حقيقة ~~واقعة كقوله : { وما تشاءون إلا أن يشاء الله } ( التكوير : 29 ) وقال هنا ~~{ كلا إنه تذكرة فمن شاء ذكره } فعلمنا أن للناس مشيئة هي مناط التكاليف ~~الشرعية والجزاء في الدنيا والآخرة وهي المعبر عنها عند أهل التحقيق من ~~المتكلمين بالكسب كما حققه الأشعري ، وعند المعتزلة بالقدرة الحادثة ، وهما ~~عبارتان متقاربتان ، وأن لله تعالى المشيئة العظمى التي لا يمانعها مانع ~~ولا يقسرها قاسر ، فإذا لم يتوجه تعلقها إلى إرادة أحد عباده لم يحصل له ~~مراد . # وهذه المشيئة هي المعبر عنها بالتوفيق إذا تعلقت بإقدار العبد على ~~الداعية إلى الطاعة وامتثال الوصايا الربانية ، وبالخذلان إذا تعلقت بتركه ~~في ضلاله الذي أوبقته فيه آراؤه الضالة وشهواته الخبيثة الموبقة له في ~~الإعراض عن شرائع الله ودعوة رسله ، وإذا تعلقت بانتشال العبد من أوحال ~~الضلال وبإنارة سبيل الخير لبصيرته سميت لطفا مثل تعلقها بإيمان عمر بن ~~الخطاب وصلاحه بعد أن كان في عناد ، وهذا تأويل قوله تعالى : { فمن يرد ~~الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا ~~كأنما يصعد في السماء } ( الأنعام : 125 ) . # هذا حاصل ما يتمخض من الجمع بين أدلة الشريعة المقتضية أن الأمر لله ، ~~والأدلة التي اقتضت المؤاخذة على الضلال ، وتأويلها الأكبر في قوله تعالى : ~~{ وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا ms8936 هذه من ~~عندك قل كل من عند الله فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ما أصابك ~~من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك } ( النساء : 78 ، 79 ) ولله ~~في خلقه سر جعل بينهم وبين كنهه حجابا ، ورمز إليه بالوعد والوعيد ثوابا ~~وعقابا . # وقرأ نافع ويعقوب { وما تذكرون } بمثناة فوقية على الالتفات ، وقرأه ~~الجمهور بتحتية على الغيبة ، فالمعنى أنهم يغلب عليهم الاستمرار على عدم ~~الذكرى بهذه التذكرة إلا أن يشاء الله التوفيق لهم ويلطف بهم فيخلق انقلابا ~~في سجية من يشاء توفيقه واللطف به . وقد شاء الله ذلك فيمن آمنوا قبل نزول ~~هذه الآية ومن آمنوا بعد نزولها . PageV29P333 # . # جملة واقعة موقع التعليل لمضمون جملة { فمن شاء ذكره } تقوية للتعريض ~~بالترغيب في التذكر والتذكر يفضي إلى التقوى . # فالمعنى : فعليكم بالتذكر واتقوا الله تعالى لأن الله هو أهل للتقوى . # وتعريف جزأي الجملة في قوله : { هو أهل التقوى } يفيد قصر مستحق اتقاء ~~العباد إياه على الله تعالى وأن غيره لا يستحق أن يتقى . ويتجنب غضبه كما ~~قال : { والله أحق أن تخشاه } ( الأحزاب : 37 ) . # فإما أن يكون القصر قصرا إضافيا للرد على المشركين الذين يخشون غضب ~~الأصنام ويطلبون رضاها أو يكون قصرا ادعائيا لتخصيصه تعالى بالتقوى الكاملة ~~الحق وإلا فإن بعض التقوى مأمور بها كتقوى حقوق ذوي الأرحام في قوله تعالى ~~: { واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام } ( النساء : 1 ) وقد يقال : إن ~~ما ورد الأمر به من التقوى في الشريعة راجع إلى تقوى الله ، وهذا من متممات ~~القصر الادعائي . # وأهل الشيء : مستحقه . # وأصله : أنه ملازم الشيء وخاصته وقرابته وزوجه ومنه { فأسر بأهلك } ( هود ~~: 81 ) . # ومعنى { أهل المغفرة } : أن المغفرة من خصائصه وأنه حقيق بأن يغفر لفرط ~~رحمته وسعة كرمه وإحسامه ومنه بيت ( الكشاف ) في سورة المؤمنين : # ألا يا ارحموني يا إلاه محمد # فإن لم أكن أهلا فأنت له أهل # وهذا تعريض بالتحريض للمشركين أن يقلعوا عن كفرهم بأن الله يغفر لهم ما ~~أسلفوه قال تعالى : { قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ms8937 ما قد سلف } ( ~~الأنفال : 38 ) ، وبالتحريض للعصاة أن يقلعوا عن الذنوب قال تعالى { قل يا ~~عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب ~~جميعا إنه هو الغفور الرحيم } ( الزمر : 53 ) . # روى الترمذي عن سهيل عن ثابت عن أنس بن مالك ( أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال في هذه الآية : قال الله تعالى : ( أنا أهل أن أتقى فمن ~~اتقاني فلم يجعل معي PageV29P334 إلاها فأنا أهل أن أغفر له ) قال الترمذي ~~: حسن غريب ، وسهيل ليس بالقوي ، وقد انفرد بهذا الحديث عن ثابت . # وأعيدت كلمة { أهل } في الجملة المعطوفة دون أن يقال : والمغفرة ، ~~للإشارة إلى اختلاف المعنى بين أهل الأول وأهل الثاني على طريقة إعادة فعل ~~وأطيعوا في قوله تعالى : { يا أيها الذين ءامنوا أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول } ( النساء : 59 ) . # PageV29P335 # | 1 ( سورة القيامة ) 1 # عنونت هذه السورة في المصاحف وكتب التفسير وكتب السنة ب ( سورة القيامة ) ~~لوقوع القسم بيوم القيامة في أولها ولم يقسم به فيما نزل قبلها من السور . # وقال الآلوسي : يقال لها ( سورة لا أقسم ) ، ولم يذكرها صاحب ( الإتقان ) ~~في عداد السور ذات أكثر من اسم . # وهي مكية بالاتفاق . # وعدت الحادية والثلاثين في عداد نزول سور القرآن . نزلت بعد سورة القارعة ~~وقبل سورة الهمزة . # وعدد آيها عند أهل العدد من معظم الأمصار تسعا وثلاثين آية ، وعدها أهل ~~الكوفة أربعين . PageV29P336 # أغراضها # اشتملت على إثباتت البعث . # والتذكير بيوم القيامة وذكر أشراطه . # وإثبات الجزاء على الأعمال التي عملها الناس في الدنيا . # واختلاف أحوال أهل السعادة وأهل الشقاء وتكريم أهل السعادة . # والتذكير بالموت وأنه أول مراحل الآخرة . # والزجر عن إيثار منافع الحياة العاجلة على ما أعد لأهل الخير من نعيم ~~الآخرة . # وفي ( تفسير ابن عطية ) عن عمر بن الخطاب ولم يسنده : أنه قال ( من سأل ~~عن القيامة أو أراد أن يعرف حقيقة وقوعها فليقرأ هذه السورة ) . # وأدمج فيها آيات { لا تحرك به لسانك إلى وقرءانه } ( القيامة : 16 ، 17 ) ~~لأنها نزلت في أثناء نزول هذه السورة كما سيأتي ms8938 . # # | 2 ( { لا أقسم بيوم القيامة * ولا أقسم بالنفس اللوامة * أيحسب الإنسان ~~ألن نجمع عظامه * بلى قادرين على أن نسوى بنانه * بل يريد الإنسان ليفجر ~~أمامه * يسئل أيان يوم القيامة * فإذا برق البصر * وخسف القمر * وجمع الشمس ~~والقمر * يقول الإنسان يومئذ أين المفر * كلا لا وزر * إلى ربك يومئذ ~~المستقر * ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر * بل الإنسان على نفسه بصيرة * ~~ولو ألقى معاذيره * لا تحرك به لسانك لتعجل به * إن علينا جمعه وقرءانه * ~~فإذا قرأناه فاتبع قرءانه * ثم إن علينا بيانه * كلا بل تحبون العاجلة * ~~وتذرون الاخرة * وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة * ووجوه يومئذ باسرة * ~~تظن أن يفعل بها فاقرة * كلا إذا بلغت التراقى * وقيل من راق * وظن أنه ~~الفراق * والتفت الساق بالساق * إلى ربك يومئذ المساق * فلا صدق ولا صلى * ~~ولاكن كذب وتولى * ثم ذهب إلى أهله يتمطى * أولى لك فأولى * ثم أولى لك ~~فأولى * أيحسب الإنسان أن يترك سدى * ألم يك نطفة من منى يمنى * ثم كان ~~علقة فخلق فسوى * فجعل منه الزوجين الذكر والانثى * أليس ذلك بقادر على أن ~~يحيى الموتى } ) 2 # افتتاح السورة بالقسم مؤذن بأن ما سيذكر بعده أمر مهم لتستشرف به نفس ~~السامع كما تقدم في عدة مواضع من أقسام القرآن . # وكون القسم بيوم القيامة براعة استهلال لأن غرض السورة وصف بيوم القيامة ~~. # وفيه أيضا كون المقسم به هو المقسم على أحواله تنبيها على زيادة مكانته ~~عند المقسم كقول أبي تمام : # وثناياك إنها اغريض # ولآلل تؤم وبرق وميض PageV29P337 # كما تقدم عند قوله تعالى : { حم والكتاب المبين إنا جعلناه قرآنا عربيا ~~في سورة الزخرف ( 1 3 ) . # وصيغة لا أقسم } صيغة قسم ، أدخل حرف النفي على فعل { أقسم } لقصد ~~المبالغة في تحقيق حرمة المقسم به بحيث يوهم للسامع أن المتكلم يهم أن يقسم ~~به ثم يترك القسم مخافة الحنث بالمقسم به فيقول : لا أقسم به ، أي ولا أقسم ~~بأعز منه عندي ، وذلك كناية عن تأكيد القسم وتقدم عند قوله تعالى : { فلا ~~أقسم بمواقع النجوم في ms8939 سورة الواقعة . # وفيه محسن بديعي من قبيل ما يسمى تأكيد المدح بما يشبه الذم . وهذا لم ~~نذكره فيما مضى ولم يذكره أحد . # والقسم بيوم القيامة } باعتباره ظرفا لما يجري فيه من عدل الله وإفاضة ~~فضله وما يحضره من الملائكة والنفوس المباركة . # وتقدم الكلام على { يوم القيامة } غير مرة منها قوله تعالى : { ويوم ~~القيامة يردون إلى أشد العذاب } في سورة البقرة . # وجواب القسم يؤخذ من قوله : { أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه } لأنه ~~دليل الجواب إذ التقدير : لنجمعن عظام الإنسان أيحسب الإنسان أن لن نجمع ~~عظامه . # وفي ( الكشاف ) ( قالوا إنه ( أي لا أقسم ) في الإمام بغير ألف ) وتبرأ ~~منه بلفظ ( قالوا ) لأنه مخالف للموجود في المصاحف . وقد نسب إلى البزي عن ~~ابن كثير أنه قرأ { لأقسم } الأول دون ألف وهي رواية عنه ذكرها الشيخ علي ~~النوري في ( غيث النفع ) ولم يذكرها الشاطبي . واقتصر ابن عطية على نسبتها ~~إلى ابن كثير دون تقييد ، فتكون اللام لام قسم . والمشهور عن ابن كثير خلاف ~~ذلك ، وعطف قوله : { ولا أقسم } تأكيدا للجملة المعطوف عليها ، وتعريف { ~~النفس } تعريف الجنس ، أي الأنفس اللوامة . والمراد نفوس المؤمنين . ووصف { ~~اللوامة } مبالغة لأنها تكثر لوم صاحبها على التقصير في التقوى والطاعة . ~~وهذا اللوم هو المعبر عنه في الاصطلاح بالمحاسبة ، ولومها يكون بتفكيرها ~~وحديثها النفسي . قال الحسن ( ما يرى المؤمن إلا يلوم نفسه على ما فات ~~ويندم ، يلوم نفسه على الشر لم فعله وعلى الخير لم لا PageV29P338 يستكثر ~~منه ) فهذه نفوس خيرة حقيقة أن تشرف بالقسم بها وما كان يوم القيامة إلا ~~لكرامتها . # والمراد اللوامة في الدنيا لوما تنشأ عنه التوبة والتقوى وليس المراد لوم ~~الآخرة إذ { يقول يا ليتني قدمت لحياتي } ( الفجر : 24 ) . # ومناسبة القسم بها مع يوم القيامة أنها النفوس ذات الفوز في ذلك اليوم . ~~وعن بعض المفسرين أن { لا أقسم } مراد منه عدم القسم ففسر النفس اللوامة ~~بالتي تلوم على فعل الخير . # وقوله : { أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه } الخ دليل على جواب القسم إذ ~~تقدير الجواب لنجمعن ms8940 عظامكم ونبعثكم للحساب . # وتعريف { الإنسان } تعريف الجنس ، ووقوعه في سياق الإنكار الذي هو في ~~معنى النفي يقتضي العموم ، وهو عموم عرفي منظور فيه إلى غالب الناس يومئذ ~~إذ كان المؤمنون قليلا . فالمعنى : أيحسب الإنسان الكافر . # وجملة { أن لن نجمع عظامه } مركبة من حرف { أن } المفتوحة الهمزة المخففة ~~النون التي هي أخت ( إن ) المكسورة . # واسم { أن } ضمير شأن محذوف . # والجملة الواقعة بعد { أن } خبر عن ضمير الشأن ، فسيبويه يجعل { أن } مع ~~اسمها وخبرها سادة مسد مفعولي فعل الظن . والأخفش يجعل { أن } مع جزئيها في ~~مقام المفعول الأول ( أي لأنه مصدر ) ويقدر مفعولا ثانيا . وذلك أن من خواص ~~أفعال القلوب جواز دخول ( أن ) المفتوحة الهمزة بعدها فيستغني الفعل ب ( أن ~~) واسمها وخبرها عن مفعوليه . # وجيء بحرف { لن } الدال على تأكيد النفي لحكاية اعتقاد المشركين استحالة ~~جمع العظام بعد رمامها وتشتتها . # قال القرطبي : نزلت في عدي بن ربيعة ( الصواب ابن أبي ربيعة ) قال للنبيء ~~صلى الله عليه وسلم يا محمد حدثني عن يوم القيامة فأخبره رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال عدي : لو عاينت ذلك اليوم لم أصدقك أو يجمع الله ~~العظام . فنزلت هذه الآية ، ألا قلت : إن سبب النزول لا يخصص الإنسان بهذا ~~السائل . PageV29P339 # والعظام : كناية عن الجسد كله ، وإنما خصت بالذكر لحكاية أقوالهم { من ~~يحيي العظام وهي رميم } ( يس : 78 ) { أإذا كنا عظاما ورفاتا إنا لمبعوثون ~~} ( الإسراء : 49 ) { أإذا كنا عظاما نخرة } ( النازعات : 11 ) فهم احتجوا ~~باستحالة قبول العظام للإعادة بعد البلى ، على أن استحالة إعادة اللحم ~~والعصب والفؤاد بالأولى . فإثبات إعادة العظام اقتضى أن إعادة بقية الجسم ~~مساو لإعادة العظم وفي ذلك كفاية من الاستدلال مع الإيجاز . # ثم إن كانت إعادة الخلق بجمع أجزاء أجسامهم المتفرقة من ذراتت الله أعلم ~~بها ، وهو أحد قولين لعلمائنا ، ففعل { نجمع } محمول على حقيقته . وإن كان ~~البعث بخلق أجسام أخرى على صور الأجسام الفانية سواء كان خلقا مستأنفا أو ~~مبتدأ من أعجاب الأذناب على ما ورد في بعض الأخبار وهما قولان لعلمائنا . ~~ففعل ms8941 { نجمع } مستعار للخلق الذي هو على صورة الجسم الذي بلي . ومناسبة ~~استعارته مشاكلة أقوال المشركين التي أريد إبطالها لتجنب الدخول معهم في ~~تصوير كيفية البعث ، ولذلك لا ترى في آيات القرآن إلا إجمالها ومن ثم اختلف ~~علماء الإسلام في كيفية إعادة الأجسام عند البعث . واختار إمام الحرمين ~~التوقف ، وآيات القرآن ورد فيها ما يصلح للأمرين . # و { بلى } حرف إبطال للنفي الذي دل عليه { لن نجمع عظامه } فمعناه بل ~~تجمع عظامه على اختلاف المحملين في معنى الجمع . # و { قادرين } حال من الضمير في الفعل المحذوف بعد { بلى } الذي يدل عليه ~~قوله : { أن لن نجمع ، } أي بل نجمعها في حال قدرتنا على أن نسوي بنانه . # ويجوز أن يكون { بلى } إبطالا للنفيين : النفي الذي أفاده الاستفهام ~~الإنكاري من قوله { أيحسب الإنسان } والنفي الذي في مفعول { يحسب } ، وهو ~~إبطال بزجر ، أي بل ليحسبنا قادرين ، لأن مفاد { أن لن نجمع عظامه } أن لا ~~نقدر على جمع عظامه فيكون { قادرين } مفعولا ثانيا ليحسبنا المقدر ، وعدل ~~في متعلق { قادرين } عن أن يقال : قادرين على جمع عظامه إلى قادرين على أن ~~نسوي بنانه لأنه أوفر معنى وأوفق بإرادة إجمال كيفية البعث والإعادة . # ولمراعاة هذه المعاني عدل عن رفع : قادرون ، بتقدير : نحن قادرون ، فلم ~~يقرأ بالرفع . PageV29P340 # والتسوية : تقويم الشيء وإتقان الخلق قال تعالى : { ونفسس وما سواها } ( ~~الشمس : 7 ) وقال في هذه السورة : { فخلق فسوى } ( القيامة : 38 ) . وأريد ~~بالتسوية إعادة خلق البنان مقومة متقنة ، فالتسوية كناية عن الخلق لأنها ~~تستلزمه فإنه ما سوي إلا وقد أعيد خلقه قال تعالى : { الذي خلق فسوى } ( ~~الأعلى : 2 ) . # والبنان : أصابع اليدين والرجلين أو أطراف تلك الأصابع . وهو اسم جمع ~~بنانة . # وإذ كانت هي أصغر الأعضاء الواقعة في نهاية الجسد كانت تسويتها كناية عن ~~تسوية جميع الجسد لظهور أن تسوية أطراف الجسد تقتضي تسوية ما قبلها كما ~~تقول : قلعت الريح أوتاد الخيمة كناية عن قلعها الخيمة كلها فإنه قد يكنى ~~بأطراف الشيء عن جميعه . # ومنه قولهم : لك هذا الشيء بأسره ، أي مع الحبل الذي يشد ms8942 به ، كناية عن ~~جميع الشيء . وكذلك قولهم : هو لك برمته ، أي بحبله الذي يشد به . # . # { بل } إضراب انتقالي إلى ذكر حال آخر من أحوال فجورهم ، فموقع الجملة ~~بعد { بل } بمنزلة الاستئناف الابتدائي للمناسبة بين معنى الجملتين ، أي ~~لما دعوا إلى الإقلاع عن الإشراك وما يستدعيه من الآثام وأنذروا بالعقاب ~~عليه يوم القيامة كانوا مصممين على الاسترسال في الكفر . # والفجور : فعل السوء الشديد ويطلق على الكذب ، ومنه وصفت اليمين الكاذبة ~~بالفاجرة ، فيكون فجر بمعنى كذب وزنا ومعنى ، فيكون قاصرا ومتعديا مثل فعل ~~كذب مخفف الذال . روي عن ابن عباس أنه قال : يعني الكافر يكذب بما أمامه . ~~وعن ابن قتيبة : أن أعرابيا سأل عمر بن الخطاب أن يحمله على راحلة وشكا دبر ~~راحلته فاتهمه عمر فقال الأعرابي : # ما مسها من نقبب ولا دبر # أقسم بالله أبو حفص عمر # فاغفر له اللهم إن كان فجر PageV29P341 # قال : يعني إن كان نسبني إلى الكذب . # وقوله : { يريد الإنسان } يجوز أن يكون إخبارا عما في نفوس أهل الشرك من ~~محبة الاسترسال فيما هم عليه من الفسق والفجور . # ويجوز أن يكون استفهاما إنكاريا موافقا لسياق ما قبله من قوله : { أيحسب ~~الإنسان أن لن نجمع عظامه } ( القيامة : 3 ) . # وأعيد لفظ { الإنسان } إظهارا في مقام الإضمار لأن المقام لتقريعه ~~والتعجيب من ضلاله . # وكرر لفظ { الإنسان } في هذه السورة خمس مرات لذلك ، مع زيادة ما في ~~تكرره في المرة الثانية والمرتين الرابعة والخامسة من خصوصية لتكون تلك ~~الجمل الثلاث التي ورد ذكره فيها مستقلة بمفادها . # واللام في قوله : { ليفجر } هي اللام التي يكثر وقوعها بعد مادتي الأمر ~~والإرادة نحو { وأمرت لأعدل بينكم } ( الشورى : 15 ) { يريد الله ليبين لكم ~~} ( النساء : 26 ) وقول كثير : # أريد لأنسى حبها فكأنما # تمثل لي ليلى بكل مكان # وينتصب الفعل بعدها ب ( أن ) مضمرة ، لأنه أصل هذه اللام لام التعليل ~~ولذلك قيل : هي لام التعليل وقيل : زائدة . وعن سيبويه أن الفعل الذي قبل ~~هذه اللام مقدر بمصدر مرفوع على الابتداء وأن اللام وما بعدها خبره ، أي ~~إرادتهم للفجور ms8943 . واتفقوا على أن لا مفعول للفعل الواقع بعدها ، ولهذا ~~الاستعمال الخاص بها . قال النحاس سماها بعض القراء ( لام أن ) . وتقدم ~~الكلام عليها في مواضع منها عند قوله تعالى : { يريد الله ليبين لكم في ~~سورة النساء . # وأمام : أصله اسم للمكان الذي هو قبالة من أضيف هو إليه وهو ضد خلف ، ~~ويطلق مجازا على الزمان المستقبل ، قال ابن عباس : يكذب بيوم الحساب ، وقال ~~عبد الرحمن ابن زيد : يكذب بما أمامه سفط . # وضمير أمامه } يجوز أن يعود إلى الإنسان ، أي في مستقبله ، أي من عمره ~~فيمضي قدما راكبا رأسه لا يقلع عما هو فيه من الفجور فينكر البعث فلا يزع ~~نفسه عما لا يريد أن يزعها من الفجور . وإلى هذا المعنى نحا ابن عباس ~~وأصحابه . PageV29P342 # ويجوز أن يكون { أمامه } أطلق على اليوم المستقبل مجازا وإلى هذا نحا ابن ~~عباس في رواية عنه وعبد الرحمن بن زيد ، ويكون { يفجر } بمعنى يكذب ، أي ~~يكذب باليوم المستقبل . # . # يجوز أن تكون هذه الجملة متصلة بالتي قبلها على أنها بدل اشتمال منها لأن ~~إرادته الاسترسال على الفجور يشتمل على التهكم بيوم البعث أو على أنها بدل ~~مطابق على تفسير { ليفجر أمامه } ( القيامة : 5 ) بالتكذيب بيوم البعث . # ويجوز أن تكون مستأنفة للتعجيب من حال سؤالهم عن وقت يوم القيامة وهو ~~سؤال استهزاء لاعتقادهم استحالة وقوعه . # و { أيان } اسم استفهام عن الزمان البعيد لأن أصلها : أن آن كذا ، ولذلك ~~جاء في بعض لغات العرب مضموم النون وإنما فتحوا النون في اللغة الفصحى ~~لأنهم جعلوا الكلمة كلها ظرفا فصارت { أيان } بمعنى ( متى ) . وتقدم عند ~~قوله تعالى : { يسألونك عن الساعة أيان مرساها في الأعراف . فالمعنى أنهم ~~يسألون تعيين وقت معروف مضبوط بعد السنين ونحوها ، أو بما يتعين به عند ~~السائلين من حدث يحل معه هذا اليوم . فهو طلب تعيين أمد لحلول يوم يقوم فيه ~~الناس . # ( 7 13 ) } . # عدل عن أن يجابوا بتعيين وقت ليوم القيامة إلى أن يهددوا بأهواله ، لأنهم ~~لم يكونوا جادين في سؤالهم فكان من مقتضى حالهم أن ينذروا بما ms8944 يقع من ~~الأهوال PageV29P343 عند حلول هذا اليوم مع تضمين تحقيق وقوعه فإن كلام ~~القرآن إرشاد وهدي ما يترك فرصة للهدي والإرشاد إلا انتهزها ، وهذا تهديد ~~في ابتدائه جاء في صورة التعيين لوقت يوم القيامة إيهاما بالجواب عن سؤالهم ~~كأنه حمل لكلامهم على خلاف الاستهزاء على طريقة الأسلوب الحكيم . وفيه ~~تعريض بالتوبيخ على أن فرطوا في التوقي من ذلك اليوم واشتغلوا بالسؤال عن ~~وقته . وقريب منه ما روي أن رجلا من المسلمين سأل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ( متى الساعة ؟ فقال له : ماذا أعددت لها ) . # فإن هذه الأحوال المذكورة في الآية مما يقع عند حلول الساعة وقيام ~~القيامة فكان ذلك شيئا من تعيين وقته بتعيين أشراطه . # والفاء لتفريع الجواب عن السؤال . # و { برق } قرأه الجمهور بكسر الراء ، ومعناه : دهش وبهت ، يقال : برق ~~يبرق فهو برق من باب فرح فهو من أحوال الإنسان . # وإنما أسند في الآية إلى البصر على سبيل المجاز العقلي تنزيلا له منزلة ~~مكان البرق لأنه إذا بهت شخص بصره . كما أسند الأعشى البرق إلى الأعين في ~~قوله : # كذلك فافعل ما حييت إذا شتوا # وأقدم إذا ما أعين الناس تفرق # وقرأه نافع وأبو جعفر بفتح الراء من البريق بمعنى اللمعان ، أي لمع البصر ~~من شدة شخوصه ، ومضارعه يبرق بضم الراء . وإسناده إلى البصر حقيقة . # ومآل معنى القراءتين واحد وهو الكناية عن الفزع والرعب كقوله تعالى : { ~~واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا } ( الأنبياء : 97 ) ، ~~فلا وجه لترجيح الطبري قراءة الجمهور على قراءة نافع وأبي جعفر ، لا من جهة ~~اللفظ ولا من جهة المعنى ولا من مقتضى التفسير . # والتعريف في { البصر } للجنس المراد به الاستغراق ، أي أبصار الناس كلهم ~~من الشدة الحاصلة في ذلك الوقت على أنهم متفاوتون في الرعب الحاصل لهم على ~~تفاوتهم فيما يعرضون عليه من طرائقق منازلهم . PageV29P344 # وخسوف القمر أريد به انطماس نوره انطماسا مستمرا بسبب تزلزله من مداره ~~حول الأرض الدائرة حول الشمس بحيث لا ينعكس عليه نورها ولا يلوح للناس نيرا ~~، وهو ms8945 ما دل عليه قوله : { وجمع الشمس والقمر ، } فهذا خسوف ليس هو خسوفه ~~المعتاد عندما تحول الأرض بين القمر وبين مسامتته الشمس . # ومعنى جمع الشمس والقمر : التصاق القمر بالشمس فتلتهمه الشمس لأن القمر ~~منفصل من الأرض التي هي من الأجرام الدائرة حول الشمس كالكواكب ويكون ذلك ~~بسبب اختلال الجاذبية التي وضع الله عليها النظام الشمسي . # و { إذا برق البصر } ظرف متعلق ب { يقول الإنسان } ، وإنما قدم على عامله ~~للاهتمام بالظرف لأنه المقصود من سياق مجاوبة قوله : { يسأل أيان يوم ~~القيامة } ( القيامة : 6 ) . # وطوي التصريح بأن ذلك حلول يوم القيامة اكتفاء بذكر ما يدل عليه وهو ~~قولهم { أين المفر } فكأنه قيل : حل يوم القيامة وحضرت أهواله يقول الإنسان ~~يومئذ ثم تأكد بقوله { إلى ربك يومئذ المستقر } . # و { يومئذ } ظرف متعلق ب { يقول } أيضا ، أي يوم إذ يبرق البصر ويخسف ~~القمر ويجمع الشمس والقمر ، فتنوين ( إذ ) تنوين عوض عن الجملة المحذوفة ~~التي دلت عليها الجملة التي أضيف إليها ( إذ ) . # وذكر { يومئذ } مع أن قوله : { إذا برق البصر } الخ مغن عنه للاهتمام ~~بذكر ذلك اليوم الذي كانوا ينكرون وقوعه ويستهزئون فيسألون عن وقته ، ~~وللتصريح بأن حصول هذه الأحوال الثلاثة في وقت واحد . # و { الإنسان } : هو المتحدث عنه من قوله : { أيحسب الإنسان أن لن نجمع ~~عظامه } ( القيامة : 3 ) ، أي يقول الإنسان الكافر يومئذ : أي المفر . # و { المفر } : بفتح الميم وفتح الفاء مصدر ، والاستفهام مستعمل في التمني ~~، أي ليت لي فرارا في مكان نجاة ، ولكنه لا يستطيعه . # و { أين } ظرف مكان . # و { كلا } ردع وإبطال لما تضمنه { أين المفر } من الطمع في أن يجد للفرار ~~سبيلا . PageV29P345 # و { الوزر } : المكان الذي يلجأ إليه للتوقي من إصابة مكروه مثل الجبال ~~والحصون . # فيجوز أن يكون { كلا لا وزر } كلاما مستأنفا من جانب الله تعالى جوابا ~~لمقالة الإنسان ، أي لا وزر لك ، فينبغي الوقف على { المفر } . ويجوز أن ~~يكون من تمام مقالة الإنسان ، أي يقول : أين المفر ؟ ويجيب نفسه بإبطال ~~طعمه فيقول { كلا لا وزر } أي لا وزر لي ، وذلك ms8946 بأن نظر في جهاته فلم يجد ~~إلا النار كما ورد في الحديث ، فيحسن أن يوصل { أين المفر } بجملة { كلا لا ~~وزر } . # وأما قوله : { إلى ربك يومئذ المستقر } فهو كلام من جانب الله تعالى خاطب ~~به النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا بقرينة قوله : { يومئذ } ، فهو ~~اعتراض وإدماج للتذكير بملك ذلك اليوم . # وفي إضافة ( رب ) إلى ضمير النبي صلى الله عليه وسلم إيماء إلى أنه ناصره ~~يومئذ بالانتقام من الذين لم يقبلوا دعوته . # و { المستقر } : مصدر ميمي من استقر ، إذا قر في المكان ولم ينتقل ، ~~والسين والتاء للمبالغة في الوصف . # وتقديم المجرور لإفادة الحصر ، أي إلى ربك لا إلى ملجأ آخر . والمعنى : ~~لا ملجأ يومئذ للإنسان إلا منتهيا إلى ربك ، وهذا كقوله تعالى : { وإلى ~~الله المصير } ( آل عمران : 28 ) . # وجملة { ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر } مستأنفة استئنافا بيانيا ~~أثاره قوله : { إلى ربك يومئذ المستقر } ، أو بدل اشتمال من مضمون تلك ~~الجملة ، أي إلى الله مصيرهم وفي مصيرهم ينبأون بما قدموا وما أخروا . # وينبغي أن يكون المراد ب { الإنسان } الكافر جريا على سياق الآيات ~~السابقة لأنه المقصود بالكلام وإن كان كل إنسان ينبأ يومئذ بما قدم وأخر من ~~أهل الخير ومن أهل الشر قال تعالى : { يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا ~~وما عملت من سوء الآية } ( آل عمران : 30 ) . واختلاف مقامات الكلام يمنع ~~من حمل ما يقع فيها من الألفاظ على محمل واحد ، فإن في القرآن فنونا من ~~التذكير لا تلزم طريقة واحدة . وهذا مما يغفل عن مراعاته بعض المفسرين في ~~حملهم معاني الآيات المتقاربة المغزى على محامل متماثلة . PageV29P346 # وتنبئة الإنسان بما قدم وأخر كناية عن مجازاته على ما فعله : إن خيرا ~~فخير وإن سوءا فسوء ، إذ يقال له : هذا جزاء الفعلة الفلانية فيعلم من ذلك ~~فعلته ويلقى جزاءها ، فكان الإنباء من لوازم الجزاء قال تعالى : { قل بلى ~~وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم } ( التغابن : 7 ) ويحصل في ذلك الإنباء ~~تقريع وفضح لحاله . # والمراد ب { ما قدم ms8947 } : ما فعله وب { ما أخر } : ما تركه مما أمر بفعله ~~أو نهي عن فعله في الحالين فخالف ما كلف به ومما علمه النبي صلى الله عليه ~~وسلم من الدعاء : ( فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت ) . # ( 14 15 ) . # إضراب انتقالي ، وهو للترقي من مضمون { ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر ~~} ( القيامة : 13 ) إلى الإخبار بأن الكافر يعلم ما فعله لأنهم تشهد عليهم ~~ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون ، إذ هو قرأ كتاب أعماله فقال : ~~{ يا ليتني لم أوت كتابيه ولم أدر ما حسابيه } ( الحاقة : 25 ، 26 ) ، { ~~ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ~~ووجدوا ما عملوا حاضرا } ( الكهف : 49 ) . وقال تعالى : { اقرأ كتابك كفى ~~بنفسك اليوم عليك حسيبا } ( الإسراء : 14 ) . # ونظم قوله : { بل الإنسان على نفسه بصيرة } صالح لإفادة معنيين : # أولهما أن يكون { بصيرة } بمعنى مبصر شديد المراقبة فيكون { بصيرة } خبرا ~~عن { الإنسان } . و { على نفسه } متعلقا ب { بصيرة } ، أي الإنسان بصير ~~بنفسه . وعدي بحرف { على } لتضمينه معنى المراقبة وهو معنى قوله في الآية ~~الأخرى : { كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا } . وهاء { بصيرة } تكون للمبالغة ~~مثل هاء علامة ونسابة ، أي الإنسان عليم بصير قوي العلم بنفسه يومئذ . # والمعنى الثاني : أن يكون { بصيرة } مبتدأ ثانيا ، والمراد به قرين ~~الإنسان من الحفظة وعلى نفسه خبر المبتدأ الثاني مقدما عليه ، ومجموع ~~الجملة خبرا عن { الإنسان } ، و { بصيرة } حينئذ يحتمل أن يكون بمعنى بصير ~~، أي مبصر PageV29P347 والهاء للمبالغة ، كما تقدم في المعنى الأول ، وتكون ~~تعدية { بصيرة } ب { على } لتضمينه معنى الرقيب كما في المعنى الأول . # ويحتمل أن تكون { بصيرة } صفة لموصوف محذوف ، تقديرة : حجة بصيرة ، وتكون ~~{ بصيرة } مجازا في كونها بينة كقوله تعالى : { قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء ~~إلا رب السماوات والأرض بصائر } ( الإسراء : 102 ) ومنه قوله تعالى : { ~~وآتينا ثمود الناقة مبصرة } ( الإسراء : 59 ) والتأنيث لتأنيث الموصوف . # وقد جرت هذه الجملة مجرى المثل لإيجازها ووفرة معانيها . # وجملة { ولو ألقى معاذيره } في موضع الحال من المبتدأ ms8948 وهو الإنسان ، وهي ~~حالة أجدر بثبوت معنى عاملها عند حصولها . # { لو } هذه وصلية كما تقدم عند قوله تعالى : { فلن يقبل من أحدهم ملء ~~الأرض ذهبا ولو افتدى به في آل عمران . والمعنى : هو بصيرة على نفسه حتى في ~~حال إلقائه معاذيره . # والإلقاء : مراد به الإخبار الصريح على وجه الاستعارة ، وقد تقدم عند ~~قوله تعالى : فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون في سورة النحل . # والمعاذير : اسم جمع معذرة ، وليس جمعا لأن معذرة حقه أن يجمع على معاذر ~~، ومثل المعاذير قولهم : المناكير ، اسم جمع منكر . وعن الضحاك : أن معاذير ~~هنا جمع معذار بكسر الميم وهو الستر بلغة اليمن يكون الإلقاء مستعملا في ~~المعنى الحقيقي ، أي الإرخاء ، وتكون الاستعارة في المعاذير بتشبيه جحد ~~الذنوب كذبا بإلقاء الستر على الأمر المراد حجبه . # والمعنى : أن الكافر يعلم يومئذ أعماله التي استحق العقاب عليها ويحاول ~~أن يعتذر وهو يعلم أن لا عذر له ولو أفصح عن جميع معاذيره . # ومعاذيره } : جمع معرف بالإضافة يدل على العموم . فمن هذه المعاذير قولهم ~~: { رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت } ( المؤمنون : 99 ، 100 ) ومنها ~~قولهم : { ما جاءنا من بشير } ( المائدة : 19 ) وقولهم : { هؤلاء أضلونا } ~~( الأعراف : 38 ) ونحو ذلك من المعاذير الكاذبة . PageV29P348 # ( 16 19 ) { } . # هذه الآية وقعت هنا معترضة . وسبب نزولها ما رواه البخاري ومسلم عن ابن ~~عباس أنه قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه القرآن ~~يحرك به لسانه يريد أن يحفظه مخافة أن يتفلت منه ، أو من شدة رغبته في حفظه ~~فكان يلاقي من ذلك شدة فأنزل الله تعالى : { لا تحرك به لسانك لتعجل به إن ~~علينا جمعه وقرآنه } . قال : جمعه في صدرك ثم تقرأه فإذا قرأناه فاتبع ~~قرآنه قال فاستمع له وأنصت ، ثم إن علينا أن نبينه بلسانك ، أي أن تقرأه ) ~~اه . فلما نزل هذا الوحي في أثناء نزول السورة للغرض الذي نزل فيه ولم يكن ~~سورة مستقلة كان ملحقا بالسورة وواقعا بين الآي التي نزل بينها . # فضمير { به } عائد على القرآن كما هو المعروف ms8949 في آيات كثيرة . # وقوله : { فإذا قرأناه } ، أي إذا قرأه جبريل عنا ، فأسندت القراءة إلى ~~ضمير الجلالة على طريقة المجاز العقلي ، والقرينة واضحة . # ومعنى { فاتبع قرآنه } ، أي أنصت إلى قراءتنا . # فضمير { قرأناه } راجع إلى ما رجع إليه ضمير الغائب في { لا تحرك به } ~~وهو القرآن بالمعنى الأسمي ، فيكون وقوع هذه الآية في هذه السورة مثل وقوع ~~{ وما نتنزل إلا بأمر ربك } في سورة مريم ، ووقوع { حافظوا على الصلوات ~~والصلاة الوسطى في أثناء أحكام الزوجات في سورة البقرة . قالوا : نزلت هذه ~~الآية في أثناء سورة القيامة : هذا ما لا خلاف فيه بين أهل الحديث وأيمة ~~التفسير . وذكر الفخر عن القفال أنه قال : إن قوله : لا تحرك به لسانك } ~~ليس خطابا مع الرسول صلى الله عليه وسلم بل هو خطاب مع الإنسان المذكور في ~~قوله : { ينبأ الإنسان } ( القيامة : 13 ) فكان ذلك للإنسان حا لما ينبأ ~~بقبائح أفعاله فيقال له : اقرأ كتابك ، فإذا أخذ في القراءة تلجلج لسانه ~~فيقال له : لا تحرك به لسانك لتعجل به فإنه يجب علينا بحكم الوعد أو بحكم ~~الحكمة أن نجمع أعمالك وأن نقرأها عليك فإذا PageV29P349 قرأناه عليك فاتبع ~~قرآنه بالإقرار ، ثم إن علينا بيان مراتب عقوبته ، قال القفال : فهذا وجه ~~حسن ليس في العقل ما يدفعه وإن كانت الآثار غير واردة به اه . # وأقول : إن كان العقل لا يدفعه فإن الأسلوب العربي ومعاني الألفاظ تنبو ~~عنه . # والذي يلوح لي في موقع هذه الآية هنا دون أن تقع فيما سبق نزوله من السور ~~قبل هذه السورة : أن سور القرآن حين كانت قليلة كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم لا يخشى تفلت بعض الآيات عنه فلما كثرت السور فبلغت زهاء ثلاثين حسب ~~ما عده سعيد بن جبير في ترتيب نزول السور ، صار النبي صلى الله عليه وسلم ~~يخشى أن ينسى بعض آياتها ، فلعله صلى الله عليه وسلم أخذ يحرك لسانه بألفاظ ~~القرآن عند نزوله احتياطا لحفظه وذلك من حرصه على تبليغ ما أنزل إليه بنصه ~~، فلما تكفل الله بحفظه أمره ms8950 أن لا يكلف نفسه تحريك لسانه ، فالنهي عن ~~تحريك لسانه نهي رحمة وشفقة لما كان يلاقيه في ذلك من الشدة . # و ( قرآن ) في الموضعين مصدر بمعنى القراءة مثل الغفران والفرقان ، قال ~~حسان في رثاء عثمان بن عفان : # يقطع الليل تسبيحا وقرآنا # ولفظ { علينا } في الموضعين للتكفل والتعهد . # و { ثم } في { ثم إن علينا بيانه } للتراخي في الرتبة ، أي التفاوتت بين ~~رتبة الجملة المعطوف عليها وهي قوله { إن علينا جمعه وقرآنه } ، وبين رتبة ~~الجملة المعطوفة وهي { إن علينا بيانه } . ومعنى الجملتين : أن علينا جمع ~~الوحي وأن تقرأه وفوق ذلك أن تبينه للناس بلسانك ، أي نتكفل لك بأن يكون ~~جمعه وقرآنه بلسانك ، أي عن ظهر قلبك لا بكتابة تقرأها بل أن يكون محفوظا ~~في الصدور بينا لكل سامع لا يتوقف على مراجعة ولا على إحضار مصحف من قرب أو ~~بعد . # فالبيان هنا بيان ألفاظه وليس بيان معانيه لأن بيان معانيه ملازم لورود ~~ألفاظه . # وقد احتج بهذه الآية بعض علمائنا الذين يرون جواز تأخير البيان عن المبين ~~متمسكين بأن { ثم } للتراخي وهو متمسك ضعيف لأن التراخي الذي أفادته { ثم } ~~إنما هو تراخ في الرتبة لا في الزمن ، ولأن { ثم } قد عطفت مجموع الجملة ~~ولم تعطف PageV29P350 لفظ { بيانه } خاصة ، فلو أريد الاحتجاج بالآية للزم ~~أن يكون تأخير البيان حقا لا يخلو عنه البيان وذلك غير صحيح . # ( 20 21 ) { لله } . # رجوع إلى مهيع الكلام الذي بنيت عليه السورة كما يرجع المتكلم إلى وصل ~~كلامه بعد أن قطعه عارض أو سائل ، فكلمة { كلا } ردع وإبطال . يجوز أن يكون ~~إبطالا لما سبق من قوله : { أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه إلى قوله : ولو ~~ألقى معاذيره } ( القيامة : 3 15 ) ، فأعيد { كلا } تأكيدا لنظيره ووصلا ~~للكلام بإعادة آخر كلمة منه . # والمعنى : أن مزاعمهم باطلة . # وقوله : { بل تحبون العاجلة } إضراب إبطالي يفصل ما أجمله الردع ب { كلا ~~} من إبطال ما قبلها وتكذيبه ، أي لا معاذير لهم في نفس الأمر ولكنهم أحبوا ~~العاجلة ، أي شهوات الدنيا وتركوا الآخرة ، والكلام مشعر بالتوبيخ ms8951 ومناط ~~التوبيخ هو حب العاجلة مع نبذ الآخرة ( فأما لو أحب أحد العاجلة وراعى ~~الآخرة ، أي جرى على الأمر والنهي الشرعيين لم يكن مذموما . قال تعالى فيما ~~حكاه عن الذين أوتوا العلم من قوم قارون { وابتغ فيما ءاتاك الله الدار ~~الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا } ( القصص : 77 ) . # ويجوز أن يكون إبطالا لما تضمنه قوله : { ولو ألقى معاذيره } ( القيامة : ~~15 ) فهو استئناف ابتدائي . والمعنى : أن معاذيرهم باطلة ولكنهم يحبون ~~العاجلة ويذرون الآخرة ، أي آثروا شهواتهم العاجلة ولم يحسبوا للآخرة حسابا ~~. # وقرأ الجمهور { تحبون } و { تذرون } بتاء فوقية على الالتفات من الغيبة ~~إلى الخطاب في موعظة المشركين مواجهة بالتفريع لأن ذلك أبلغ فيه . وقرأه ~~ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو ويعقوب بياء تحتية على نسق ضمائر الغيبة ~~السابقة ، والضمير عائد إلى { الإنسان } في قوله : { بل الإنسان على نفسه ~~بصيرة } ( القيامة : 14 ) جاء ضمير جمع لأن الإنسان مراد به الناس المشركون ~~، وفي قوله : { بل تحبون } ما يرشد إلى PageV29P351 تحقيق معنى الكسب الذي ~~وفق إلى بيانه الشيخ أبو الحسن الأشعري وهو الميل والمحبة للفعل أو الترك . # ( 22 25 ) { } . # المراد ب { يومئذ } يوم القيامة الذي تكرر ذكره بمثل هذا ابتداء من قوله ~~: { يقول الإنسان يومئذ أين المفر } ( القيامة : 10 ) ، وأعيد مرتين . # والجملة المقدرة المضاف إليها ( إذ ) ، والمعوض عنها التنوين تقديرها : ~~يوم إذ برق البصر . # وقد حصل من هذا تخلص إلى إجمال حال الناس يوم القيامة بين أهل سعادة وأهل ~~شقاوة . # فالوجوه الناضرة وجوه أهل السعادة والوجوه الباسرة وجوه أهل الشقاء ، ~~وذلك بين من كلتا الجملتين . # وقد علم الناس المعني بالفريقين مما سبق نزوله من القرآن كقوله في سورة ~~عبس ( 40 42 ) : { ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة أولئك هم الكفرة ~~الفجرة فعلم أن أصل أسباب السعادة الإيمان بالله وحده وتصديق رسوله ~~والإيمان بما جاء به الرسول ، وأن أصل أسباب الشقاء الإشراك بالله وتكذيب ~~الرسول ونبذ ما جاء به . وقد تضمن صدر هذه السورة ما ينبىء بذلك كقوله : ~~أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه } ( القيامة ms8952 : 3 ) وقوله : { بل يريد ~~الإنسان ليفجر أمامه } ( القيامة : 5 ) . # وتنكير { وجوه } للتنويع والتقسيم كقوله تعالى : { فريق في الجنة وفريق ~~في السعير } ( الشورى : 7 ) وقول الشاعر وهو من أبيات ( كتاب الآداب ) ولم ~~يعزه ولا عزاه صاحب ( العباب ) في شرحه : # فيوم علينا ويوم لنا # ويوم نساء ويوم نسر # وقول أبي الطيب : PageV29P352 # فيوما بخيل تطرد الروم عنهم # ويوم بجود تطرد الفقر والجدبا # فالوجوه الناضرة الموصوفة بالنضرة ( بفتح النون وسكون الضاد ) وهي حسن ~~الوجه من أثر النعمة والفرح ، وفعله كنصر وكرم وفرح ، ولذلك يقال : ناضر ~~ونضير ونضر ، وكني بنضرة الوجوه عن فرح أصحابها ونعيمهم ، قال تعالى في أهل ~~السعادة { تعرف في وجوههم نضرة النعيم } ( المطففين : 24 ) لأن ما يحصل في ~~النفس من الانفعالات يظهر أثره . # وأخبر عنها خبرا ثانيا بقوله : { إلى ربها ناظرة } وظاهر لفظ { ناظرة } ~~أنه من نظر بمعنى : عاين ببصره إعلانا بتشريف تلك الوجوه أنها تنظر إلى ~~جانب الله تعالى نظرا خاصا لا يشاركها فيه من يكون دون رتبهم ، فهذا معنى ~~الآية بإجماله ثابت بظاهر القرآن وقد أيدتها الأخبار الصحيحة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم # فقد روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ( أن أناسا قالوا ~~يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ قال : هل تضارون في رؤية الشمس ~~والقمر إذا كانت صحوا ؟ قلنا : لا ، قال : فإنكم لا تضارون في رؤية ربكم ~~يومئذ إلا كما تضارون في رؤيتهما ) . # وفي رواية ( فإنكم ترونه كذلك ) وساق الحديث في الشفاعة . # وروى البخاري عن جرير بن عبد الله قال : ( كنا جلوسا عند النبي صلى الله ~~عليه وسلم إذ نظر إلى القمر ليلة البدر قال : إنكم سترون ربكم كما ترون هذا ~~القمر لا تضامون في رؤيته ) وربما قال : ( سترون ربكم عيانا ) . # وروى مسلم عن صهيب بن سنان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا دخل ~~أهل الجنة الجنة يقول الله تعالى : تريدون شيئا أزيدكم ؟ فيقولون : ألم ~~تبيض وجوهنا ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار ، قال : فيكشف الحجاب فما ~~يعطون شيئا أحب إليهم ms8953 من النظر إلى ربهم ) . # فدلالة الآية على أن المؤمنين يرون بأبصارهم رؤية متعلقة بذات الله على ~~الإجمال دلالة ظنية لاحتمالها تأويلات تأولها المعتزلة بأن المقصود رؤية ~~جلاله وبهجة قدسه التي لا تخول رؤيتها لغير أهل السعادة . PageV29P353 # ويلحق هذا بمتشابه الصفات وإن كان مقتضاه ليس إثبات صفة ، ولكنه يؤول إلى ~~الصفة ويستلزمها لأنه آيل إلى اقتضاء جهة للذات ، ومقدار يحاط بجميعه أو ~~ببعضه ، إذا كانت الرؤية بصرية ، فلا جرم أن يعد الوعد برؤية أهل الجنة ~~ربهم تعالى من قبيل المتشابه . # ولعلماء الإسلام في ذلك أفهام مختلفة ، فأما صدر الأمة وسلفها فإنهم جروا ~~على طريقتهم التي تخلقوا بها من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم من الإيمان ~~بما ورد من هذا القبيل على إجماله ، وصرف أنظارهم عن التعمق في تشخيص ~~حقيقته وإدراجه تحت أحد أقسام الحكم العقلي ، فقد سمعوا هذا ونظائره كلها ~~أو بعضها أو قليلا منها ، فيما شغلوا أنفسهم به ولا طلبوا تفصيله ، ولكنهم ~~انصرفوا إلى ما هو أحق بالعناية وهو التهمم بإقامة الشريعة وبثها وتقرير ~~سلطانها ، مع الجزم بتنزيه الله تعالى عن اللوازم العارضة لظواهر تلك ~~الصفات ، جاعلين إمامهم المرجوع إليه في كل هذا قوله تعالى : { ليس كمثله ~~شيء } ( الشوى : 11 ) ، أو ما يقارب هذا من دلائل التنزيه الخاصة بالتنزيه ~~عن بعض ما ورد الوصف به مثل قوله : { لا تدركه الأبصار } ( الأنعام : 103 ) ~~بالنسبة إلى مقامنا هذا ، مع اتفاقهم على أن عدم العلم بتفصيل ذلك لا يقدح ~~في عقيدة الإيمان ، فلما نبع في علماء الإسلام تطلب معرفة حقائق الأشياء ~~وألجأهم البحث العلمي إلى التعمق في معاني القرآن ودقائق عباراته وخصوصيات ~~بلاغته ، لم يروا طريقة السلف مقنعة لأفهام أهل العلم من الخلف لأن طريقتهم ~~في العلم طريقة تمحيص وهي اللائقة بعصرهم ، وقارن ذلك ما حدث في فرق الأمة ~~الإسلامية من النحل الاعتقادية ، وإلقاء شبه الملاحدة من المنتمين إلى ~~الإسلام وغيرهم ، وحدا بهم ذلك إلى الغوص والتعمق لإقامة المعارف على أعمدة ~~لا تقبل التزلزل ، ولدفع شبه المتشككين ورد مطاعن الملحدين ، فسلكوا مسالك ms8954 ~~الجمع بين المتعارضات من أقوال ومعان وإقرار كل حقيقة في نصابها ، وذلك ~~بالتأويل الذي يقتضيه المقتضي ويعضده الدليل . # فسلكت جماعات مسالك التأويل الإجمالي بأن يعتقدوا تلك المتشابهات على ~~إجمالها ويوقنوا التنزيه عن ظواهرها ولكنهم لا يفصلون صرفها عن ظواهرها بل ~~يجملون التأويل ، وهذه الطائفة تدعى السلفية لقرب طريقتها من طريقة السلف ~~في المتشابهات ، وهذه الجماعات متفاوتة في مقدار تأصيل أصولها تفاوتا جعلها ~~فرقا : فمنهم الحنابلة ، والظاهرية ، الخوارج الأقدمون غير الذين التزموا ~~طريقة المعتزلة . PageV29P354 # ومنهم أهل السنة الذين كانوا قبل الأشعري مثل المالكية وأهل الحديث الذين ~~تمسكوا بظواهر ما جاءت به الأخبار الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم مع ~~التقييد بأنها مؤولة عن ظواهرها بوجه الإجمال . وقد غلا قوم من الآخذين ~~بالظاهر مثل الكرامية والمشبهة فألحقوا بالصنف الأول . # ومنهم فرق النظارين في التوفيق بين قواعد العلوم العقلية وبين ما جاءت به ~~أقوال الكتاب والسنة وهؤلاء هم المعتزلة ، والأشاعرة ، والماتريدية . # فأقوالهم في رؤية أهل الجنة ربهم ناسجة على هذا المنوال : # فالسلف أثبتوها دون بحث ، والمعتزلة نفوها وتأولوا الأدلة بنحو المجاز ~~والاشتراك ، وتقدير محذوف لمعارضتها الأصول القطعية عندهم فرجحوا ما رأوه ~~قطعيا وألغوها . # والأشاعرة أثبتوها وراموا الاستدلال لها بأدلة تفيد القطع وتبطل قول ~~المعتزلة ولكنهم لم يبلغوا من ذلك المبلغ المطلوب . # وما جاء به كل فريق من حجاج لم يكن سالما من اتجاه نقوض ومنوع ومعارضات ، ~~وكذلك ما أثاره كل فريق على مخالفيه من معارضات لم يكن خالصا من اتجاه منوع ~~مجردة أو مع المستندات ، فطال الأخذ والرد . ولم يحصل طائل ولا انتهى إلى ~~حد . # ويحسن أن نفوض كيفيتها إلى علم الله تعالى كغيرها من المتشابه الراجع إلى ~~شؤون الخالق تعالى . # وهذا معنى قول سلفنا : إنها رؤية بلا كيف وهي كلمة حق جامعة ، وإن اشمأز ~~منها المعتزلة . # هذا ما يتعلق بدلالة الآية على رؤية أهل الجنة ربهم ، وأما ما يتعلق بأصل ~~جواز رؤية الله تعالى فقد مضى القول فيها عند قوله تعالى : { قال لن تراني ~~في سورة الأعراف . # وتقديم المجرور من قوله ms8955 : إلى ربها } على عامله للاهتمام بهذا العطاء ~~العجيب وليس للاختصاص لأنهم ليرون بهجات كثيرة في الجنة . PageV29P355 # وبين { ناضرة } و { ناظرة } جناس محرف قريب من التام . # وسوغ الابتداء بالنكرة في قوله : { وجوه يومئذ ناضرة } أنها أريد بها ~~التفصيل والتقسيم لمقابلته بقوله : { ووجوه يومئذ باسرة } ، على حد قول ~~الشاعر : # فيوم علينا ويوم لنا # ويوم نساء ويوم نسر # وأما الوجوه الباسرة فنوع ثان من وجوه الناس يومئذ هي وجوه أهل الشقاء . ~~وأعيد لفظ { يومئذ } تأكيدا للاهتمام بالتذكير بذلك اليوم . # و { باسرة } : كالحة من تيقن العذاب ، وتقدم عند قوله تعالى : { ثم عبس ~~وبسر في سورة المدثر . # فجملة تظن أن يفعل بها فاقرة } استئناف بياني لبيان سبب بسورها . # و { فاقرة } : داهية عظيمة ، وهو نائب فاعل { يفعل بها } ولم يقترن الفعل ~~بعلامة التأنيث لأن مرفوعه ليس مؤنثا حقيقيا ، مع وقوع الفصل بين الفعل ~~ومرفوعه ، وكلا الأمرين يسوغ ترك علامة التأنيث . وإفراد { فاقرة } إفراد ~~الجنس ، أي نوعا عظيما من الداهية . # والمعنى : أنهم أيقنوا بأن سيلاقوا دواهي لا يكتنه كنهها . # ( 26 30 ) { } . # ردع ثان على قول الإنسان { أيان يوم القيامة } ( القيامة : 6 ) ، مؤكد ~~للردع الذي قبله في قوله : { كلا بل تحبون العاجلة } ( القيامة : 20 ) . ~~ومعناه زجر عن إحالة البعث فإنه واقع غير بعيد فكل أحد يشاهده حين الاحتضار ~~للموت كما يؤذن به قوله : { إلى ربك يومئذ المساق } أتبع توصيف أشراط ~~القيامة المباشرة لحلوله بتوصيف أشراط حلول التهيؤ الأول للقائه من مفارقة ~~الحياة الأولى . PageV29P356 # وعن المغيرة بن شعبة يقولون : القيامة القيامة ، وإنما قيامة أحدهم موته ~~، وعن علقمة أنه حضر جنازة فلما دفن قال : ( أما هذا فقد قامت قيامته ) ، ~~فحالة الاحتضار هي آخر أحوال الحياة الدنيا يعقبها مصير الروح إلى تصرف ~~الله تعالى مباشرة . # وهو ردع عن إيثار الدنيا على الآخرة كأنه قيل : ارتدعوا وتنبهوا على ما ~~بين أيديكم من الموت الذي عنده تنقطع العاجلة وتنتقلون إلى الآجلة ، فيكون ~~ردعا على محبة العاجلة وترك العناية في الآخرة ، فليس مؤكدا للردع الذي في ~~قوله : { كلا بل تحبون العاجلة } ( القيامة : 20 ) بل ms8956 هو ردع على ما تضمنه ~~ذلك الردع من إيثار العاجلة على الآخرة . # و { إذا بلغت التراقي } متعلق بالكون الذي يقدر في الخبر وهو قوله : { ~~إلى ربك } . والمعنى : المساق يكون إلى ربك إذا بلغت التراقي . # وجملة { إلى ربك يومئذ المساق } بيان للردع وتقريب لإبطال الاستبعاد ~~المحكي عن منكري البعث بقوله : { يسأل أيان يوم القيامة } ( القيامة : 6 ) ~~. # و { إذا } ظرف مضمن معنى الشرط ، وهو منتصب بجوابه أعني قوله : { إلى ربك ~~يومئذ المساق } . # وتقديم { إلى ربك } على متعلقه وهو { المساق } للاهتمام به لأنه مناط ~~الإنكار منهم . # وضمير { بلغت } راجع إلى غير مذكور في الكلام ولكنه معلوم من فعل { بلغت ~~} ومن ذكر { التراقي } فإن فعل { بلغت التراقي } يدل أنها روح الإنسان . ~~والتقدير : إذا بلغت الروح أو النفس . وهذا التقدير يدل عليه الفعل الذي ~~أسند إلى الضمير بحسب عرف أهل اللسان ، ومثله قول حاتم الطائي : # أماوي ما يغني الثراء عن الفتى # إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر # أي إذا حشرجت النفس . ومن هذا الباب قول العرب ( أرسلت ) يريدون : أرسلت ~~السماء المطر ، ويجوز أن يقدر في الآية ما يدل عليه الواقع . PageV29P357 # والأنفاس : جمع نفس ، بفتح الفاء ، وهو أنسب بالحقائق . # و { التراقي } : جمع ترقوة ( بفتح الفوقية وسكون الراء وضم القاف وفتح ~~الواو مخففة وهاء تأنيث ) وهي ثغرة النحر ، ولكل إنسان ترقوتان عن يمينه ~~وعن شماله . # فالجمع هنا مستعمل في التثنية لقصد تخفيف اللفظ وقد أمن اللبس ، لأن في ~~تثنية ترقوة شيئا من الثقل لا يناسب أفصح كلام ، وهذا مثل ما جاء في قوله ~~تعالى : { فقد صغت قلوبكما في سورة التحريم . # ومعنى بلغت التراقي } : أن الروح بلغت الحنجرة حيث تخرج الأنفاس الأخيرة ~~فلا يسمع صوتها إلا في جهة الترقوة وهي آخر حالات الاحتضار ، ومثله قوله ~~تعالى : { فلولا إذا بلغت الحلقوم الآية } ( الواقعة : 83 ) . # واللام في { التراقي } مثل اللام في المساق فيقال : هي عوض عن المضاف ~~إليه ، أي بلغت روحه تراقيه ، أي الإنسانن . # ومعنى { وقيل من راق } وقال قائل : من يرقي هذا رقيات لشفائه ؟ أي سأل ~~أهل المريض عن ms8957 وجدانن أحد يرقي ، وذلك عند توقع اشتداد المرض به والبحث عن ~~عارف برقية المريض عادة عربية ورد ذكرها في حديث السرية الذين أتوا على حي ~~من أحياء العرب إذ لدغ سيد ذلك الحي فعرض لهم رجل من أهل الحي ، فقال : هل ~~فيكم من راق ؟ إن في الماء رجلا لديغا أو سليما . رواه البخاري عن أبي سعيد ~~الخدري وعبد الله بن عباس في الرقيا بفاتحة الكتاب . # والرقيا بالقصر ، ويقال بهاء تأنيث : هي كلام خاص معتقد نفعه يقوله قائل ~~عند المريض واضعا يده في وقت القراءة على موضع الوجع من المريض أو على رأس ~~المريض ، أو يكتبه الكاتب في خرقة ، أو ورقة وتعلق على المريض ، وكانت من ~~خصائص التطبب يزعمون أنها تشفي من صرع الجنون ومن ضر السموم ومن الحمى . # ويختص بمعرفتها ناس يزعمون أنهم يتلقونها من عارفين فلذلك سموا الراقي ~~ونحوه عرافا ، قال رؤبة بن العجاج : # بذلت لعراف اليمامة حكمه # وعرافف نجد إن هما شفياني # فما تركا من عوذة يعرفانها # ولا رقية بها رقياني PageV29P358 # وقال النابغة يذكر حالة من لدغته أفعى : # تناذرها الراقون من سوء سمعها # تطلقه طورا وطورا تراجع # وكان الراقي ينفث على المرقي ويتفل ، وأشار إليه الحريري في المقامة ~~التاسعة والثلاثين بقوله : ( ثم إنه طمس المكتوب على غفلة ، وتفل عليه مائة ~~تفلة ) . # وأصل الرقية : ما ورثه العرب من طلب البركة بأهل الصلاح والدعاء إلى الله ~~، فأصلها وارد من الأديان السماوية ، ثم طرأ عليها سوء الوضع عند أهل ~~الضلالة فألحقوها بالسحر أو بالطب ، ولذلك يخلطونها من أقوالل ربما كانت ~~غير مفهومة ، ومن أشياء كأحجار أو أجزاء من عظم الحيوان أو شعره ، فاختلط ~~أمرها في الأمم الجاهلة ، وقد جاء في الإسلام الاستشفاء بالقرآن والدعوات ~~المأثورة المتقبلة من أربابها وذلك من قبيل الدعاء . # والضمير المستتر في { ظن } عائد إلى الإنسان في قوله : { بل يريد الإنسان ~~} ( القيامة : 5 ) أي الإنسان الفاجر . # والظن : العلم المقارب لليقين ، وضمير { أنه } ضمير شأن ، أي وأيقن أنه ، ~~أي الأمر العظيم الفراق ، أي فراق الحياة . # وقوله : { والتفت الساق بالساق ms8958 } إن حمل على ظاهره ، فالمعنى التفاف ساقي ~~المحتضر بعد موته إذ تلف الأكفان على ساقيه ويقرن بينهما في ثوب الكفن فكل ~~ساق منهما ملتفة صحبة الساق الأخرى ، فالتعريف عوض عن المضاف إليه ، وهذا ~~نهاية وصف الحالة التي تهيأ بها لمصيره إلى القبر الذي هو أول مراحل الآخرة ~~. # ويجوز أن يكون ذلك تمثيلا فإن العرب يستعملون الساق مثلا في الشدة وجد ~~الأمر تمثيلا بساق الساعي أو الناهض لعمل عظيم ، يقولون : قامت الحرب على ~~ساق . # وأنشد ابن عباس قول الراجز : # صبرا عناق إنه لشرباق # قد سن لي قومك ضرب الأعناق # وقامت الحرب بنا على ساق PageV29P359 # وتقدم في قوله تعالى : { يوم يكشف عن ساق في سورة القلم . # فمعنى والتفت الساق بالساق } طرأت مصيبة على مصيبة . # والخطاب في قوله : { إلى ربك } التفات عن طريق خطاب الجماعة في قوله : { ~~بل تحبون العاجلة } ( القيامة : 20 ) لأنه لما كان خطابا لغير معين حسن ~~التفنن فيه . # والتعريف في { المساق } تعريف الجنس الذي يعم الناس كلهم بما فيهم ~~الإنسان الكافر المردود عليه . ولك أن تعبر عن اللام بأنها عوض عن المضاف ~~إليه ، أي مساق الإنسان الذي يسأل : { أيان يوم القيامة } ( القيامة : 6 ) ~~. # و { المساق } : مصدر ميمي ل ( ساق ) ، وهو تسيير ماشش أمام مسيره إلى حيث ~~يريد مسيره ، وضده القود ، وهو هنا مجاز مستعمل في معنى الإحضار والإيصال ~~إلى حيث يلقى جزاء ربه . # وسلك في الجمل التي بعد { إذا } مسلك الإطناب لتهويل حالة الاحتضار على ~~الكافر وفي ذلك إيماء إلى أن الكافر يتراءى له مصيره في حالة احتضاره وقد ~~دل عليه حديث عبادة بن الصامت في ( الصحيح ) عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال : ( من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه ~~، قالت عائشة أو بعض أزواجه : إنا نكره الموت . قال : ليس ذاكك ولكن المؤمن ~~إذا حضره الموت بشر برضوان الله وكرامته فليس شيء أحب إليه مما أمامه فأحب ~~لقاء الله وأحب الله لقاءه ، وإن الكافر إذا حضر بشر بعذاب الله وعقوبته ~~فليس شيء ms8959 أكره إليه مما أمامه فكره لقاء الله وكره الله لقاءه ) . # ( 31 35 ) { } . # تفريع على قوله : { يسأل أيان يوم القيامة } ( القيامة : 6 ) . # فالضمير عائد إلى الإنسان في قوله : { أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه } ~~( القيامة : 3 ) أي لجهله البعث لم يستعد له . PageV29P360 # وحذف مفعول { كذب } ليشمل كل ما كذب به المشركون ، والتقدير : كذب الرسول ~~والقرآن وبالبعث ، وتولى عن الاستجابة لشرائع الإسلام . # ويجوز أن يكون الفاء تفريعا وعطفا على قوله : { إلى ربك يومئذ المساق } ( ~~القيامة : 30 ) ، أي فقد فارق الحياة وسيق إلى لقاء الله خاليا من العدة ~~لذلك اللقاء . # وفي الكلام على كلا الوجهين حذف يدل عليه السياق تقديره : فقد علم أنه قد ~~خسر وتندم على ما أضاعه من الاستعداد لذلك اليوم . # وقد ورد ذلك في قوله تعالى : { إذا دكت الأرض دكا دكا وجاء ربك والملك ~~صفا صفا وجيء يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى يقول يا ~~ليتني قدمت لحياتي } ( الفجر : 21 24 ) . # وفعل { صدق } مشتق من التصديق ، أي تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم ~~والقرآن وهو المناسب لقوله : { ولكن كذب } . # والمعنى : فلا ءامن بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وبعض المفسرين ~~فسر { صدق } بمعنى أعطى الصدقة ، وهو غير جار على قياس التصريف إذ حقه أن ~~يقال : تصدق ، على أنه لا يساعد الاستدراك في قوله : { ولكن كذب } . # وعطف { ولا صلى } على نفس التصديق تشويها له بأن حاله مبائن لأحوال أهل ~~الإسلام . والمعنى : فلم يؤمن ولم يسلم . # و { لا } نافية دخلت على الفعل الماضي والأكثر في دخولها على الماضي أن ~~يعطف عليها نفي آخر وذلك حين يقصد المتكلم أمرين مثل ما هنا وقول زهير : # فلا هو أخفاها ولم يتقدم # وهذا معنى قول الكسائي ( ( لا ) بمعنى ( لم ) ولكنه يقرن بغيره يقول ~~العرب : لا عبد الله خارج ولا فلان ، ولا يقولون : مررت برجل لا محسن حتى ~~يقال : ولا مجمل ) اه فإذا لم يعطف عليه نفي آخر فلا يؤتى بعدها بفعل مضي ~~إلا في إرادة الدعاء نحو : ( لا فض فوك ) وشذ ما ms8960 خالف ذلك . وأما قوله ~~تعالى : { فلا اقتحم العقبة } ( البلد : 11 ) فإنه على تأويل تكرير النفي ~~لأن مفعول الفعل المنفي بحرف { لا } وهو العقبة يتضمن عدة أشياء منفية ~~بينها قوله : { وما أدراك ما العقبة فك رقبة PageV29P361 أو إطعام إلى قوله ~~: من الذين ءامنوا } ( البلد : 12 17 ) . فلما كان ذلك متعلق الفعل المنفي ~~كان الفعل في تأويل تكرير النفي كأنه قيل : فك رقبة ولا أطعم يتيما ولا ~~أطعم مسكينا ولا آمن . # وجملة { ولكن كذب } معطوفة على جملة { فلا صدق } . # وحرف { لكن } المخفف النون بالأصالة أي الذي لم يكن مخفف النون المشددة ~~أخت ( إن ) هو حرف استدراك ، أي نقض لبعض ما تضمنته الجملة التي قبله إما ~~لمجرد توكيد المعنى بذكر نقيضه مثل قوله تعالى : { وليس عليكم جناح فيما ~~أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم } ( الأحزاب : 5 ) ، وإما لبيان إجمال في ~~النفي الذي قبله نحو { ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله } ( ~~الأحزاب : 40 ) . # وحرف { لكن } المخفف لا يعمل إعرابا فهو حرف ابتداء ولذلك أكثر وقوعه بعد ~~واو العطف وجملة { ولكن كذب وتولى } أفادت معنيين : أحدهما توكيد قوله { ~~فلا صدق } بقوله : { كذب } ، وثانيهما زيادة بيان معنى { فلا صدق } بأنه ~~تولى عمدا لأن عدم التصديق له أحوال ، ونظيره في غير الاستدراك قوله تعالى ~~: { إلا إبليس أبى واستكبر } ( البقرة : 34 ) . # والتكذيب : تكذيبه بالبعث وبالقرآن وبرسالة محمد صلى الله عليه وسلم # والتولي : الإعراض عن دعوته إلى النظر والتدبر في القرآن . # وفاعل { صدق } والأفعال المذكورة بعده ضمائر عائدة على الإنسان المتقدم ~~ذكره . # و { يتمطى } : يمشي المطيطاء ( بضم الميم وفتح الطاء بعدها ياء ثم طاء ~~مقصورة وممدودة ) وهي التبختر . # وأصل { يتمطى } : يتمطط ، أي يتمدد لأن المتبختر يمد خطاه وهي مشية ~~المعجب بنفسه . وهنا انتهى وصف الإنسان المكذب . # والمعنى : أنه أهمل الاستعداد للآخرة ولم يعبأ بدعوة الرسول صلى الله ~~عليه وسلم وذهب إلى أهله مزدهيا بنفسه غير مفكر في مصيره . # قال ابن عطية : قال جمهور المتأولين : هذه الآية كلها من قوله : { فلا ~~صدق ولا PageV29P362 صلى } نزلت في ms8961 أبي جهل بن هشام ، قال : ثم كادت هذه ~~الآية تصرح به في قوله تعالى : { يتمطى } فإنها كانت مشية بني مخزوم وكان ~~أبو جهل يكثر منها اه . وفيه نظر سيأتي قريبا . # فقوله : { أولى لك } وعيد ، وهي كلمة توعد تجري مجرى المثل في لزوم هذا ~~اللفظ لكن تلحقه علامات الخطاب والغيبة والتكلم ، والمراد به ما يراد ~~بقولهم : ويل لك ، من دعاء على المجرور باللام بعدها ، أي دعاء بأن يكون ~~المكروه أدنى شيء منه . # { فأولى } : اسم تفضيل من ولي ، وفاعله ضمير محذوف عائد على مقدر معلوم ~~في العرف ، فيقدره كل سامع بما يدل على المكروه ، قال الأصمعي : معناه : ~~قاربك ما تكره ، قالت الخنساء : # هممت بنفسي كل الهموم # فأولى لنفسي أولى لها # وكان القانص إذا أفلته الصيد يخاطب الصيد بقوله : { أولى لك } وقد قيل : ~~إن منه قوله تعالى : { فأولى لهم من قوله : فأولى لهم طاعة وقول معروف في ~~سورة القتال ( 20 ، 21 ) على أحد تأويلين يجعل طاعة وقول معروف } مستأنفا ~~وليس فاعلا لاسم التفضيل ، وذهب أبو علي الفارسي إلى أن { أولى } علم لمعنى ~~الويل وأن وزنه أفعل من الويل وهو الهلاك ، فأصل تصريفه أويل لك ، أي أشد ~~هلاكا لك فوقع فيه القلب ( لطلب التخفيف ) بأن أخرت الياء إلى آخر الكلمة ~~وصار أولى بوزن أفلح ، فلما تحرك حرف العلة وانفتح ما قبله قلب ألفا فقالوا ~~: أولى في صورة وزن فعلى . # والكاف خطاب للإنسان المصرح به غير مرة في الآيات السابقة بطريق الغيبة ~~إظهارا وإضمارا ، وعدل هنا عن طريق الغيبة إلى الخطاب على طريقة الالتفات ~~لمواجهة الإنسان بالدعاء لأن المواجهة أوقع في التوبيخ ، وكان مقتضى الظاهر ~~أن يقال : أولى له . # وقوله : { فأولى } تأكيد ل { أولى لك } جيء فيه بفاء التعقيب للدلالة على ~~أنه يدعي عليه بأن يعقبه المكروه ويعقب بدعاء آخر . PageV29P363 # قال قتادة : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من المسجد فاستقبله أبو ~~جهل على باب بني مخزوم فأخذ رسول الله فلبب أبا جهل بثيابه وقال له { أولى ~~لك فأولى ثم أولى لك فأولى ms8962 } قال أبو جهل : يتهددني محمد ( أي يستعمل كلمة ~~الدعاء في إرادة التهديد ) فوالله إني لأعز أهل الوادي . وأنزل الله تعالى ~~{ أولى لك فأولى } كما قال لأبي جهل . # وقوله : { ثم أولى لك فأولى } تأكيد للدعاء عليه ولتأكيده السابق . # وجيء بحرف { ثم } لعطف الجملة دلالة على أن هذا التأكيد ارتقاء في الوعيد ~~، وتهديد بأشد مما أفاده التهديد الأول وتأكيده كقوله تعالى : { كلا سوف ~~تعلمون ثم كلا سوف تعلمون } ( التكاثر : 3 ، 4 ) . # وأحسب أن المراد : كل إنسان كافر كما يقتضيه أول الكلام من قوله { أيحسب ~~الإنسان أن لن نجمع عظامه إلى قوله : بل الإنسان على نفسه بصيرة } ( ~~القيامة : 3 14 ) ، وما أبو جهل إلا من أولهم ، وأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم توعده باللفظ الذي أنزله الله تهديدا لأمثاله . # وكلمات المتقدمين في كون الشيء سبب نزول شيء من القرآن كلمات فيها تسامح ~~. # . # استئناف ابتدائي عاد به الكلام إلى الاستدلال على إمكان البعث وهو ما ~~ابتدىء به فارتبط بقوله : { أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه } ( القيامة : ~~3 ) فكأنه قيل : أيحسب أن لن نجمع عظامه ويحسب أن نتركه في حالة العدم . # وزيد هنا أن مقتضى الحكمة الإلاهية إيقاعه بقوله : { أن يترك سدى } كما ~~ستعلمه . # والاستفهام إنكاري مثل الذي سبقه في قوله تعالى : { أيحسب الإنسان أن لن ~~نجمع عظامه } ( القيامة : 3 ) . # وأصل معنى الترك : مفارقة شيء شيئا اختيارا من التارك ، ويطلق مجازا على ~~PageV29P364 إهمال أحد شيئا وعدم عنايته بأحواله وبتعهده ، وهو هنا مستعمل ~~في المعنى المجازي . # والمراد بما يترك عليه الإنسان هنا ما يدل عليه السياق ، أي حال العدم ~~دون إحياء مما دل عليه قوله تعالى : { أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه } ( ~~القيامة : 3 ) وقوله : { ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر } ( القيامة : 13 ~~) . # وعدل عن بناء فعل يترك للفاعل فبني للنائب إيجازا لأجل العلم بالفاعل من ~~قوله السابق : { أن لن نجمع عظامه فكأنه قال : أيحسب الإنسان أن نتركه دون ~~بعث وأن نهمل أعماله سدى . # فجاء ذكر سدى } هنا على طريقة الإدماج فيما سيق له الكلام ، إيماء ms8963 إلى أن ~~مقتضى حكمة خلق الإنسان أن لا يتركه خالقه بعد الموت فلا يحييه ليجازيه على ~~ما عمله في حياته الأولى . # وفي إعادة { أيحسب الإنسان } تهيئة لما سيعقب من دليل إمكان البعث من ~~جانب المادة بقوله : { ألم يك نطفة } ( القيامة : 37 ) إلى آخر السورة . # فقوله : { أيحسب الإنسان أن يترك سدى } تكرير وتعداد للإنكار على ~~الكافرين تكذيبهم بالعبث ، ألا ترى أنه وقع بعد وصف يوم القيامة وما فيه من ~~الحساب على ما قدم الإنسان وأخر . # ومعنى هذا مثل قوله تعالى : { أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ~~ترجعون } ( المؤمنون : 115 ) . # و { سدى } بضم السين وبالقصر : اسم بمعنى المهمل ويقال : سدى بفتح السين ~~والضم أكثر وهو اسم يستوي فيه المفرد والجمع يقال : إبل سدى ، وجمل سدى ~~ويشتق منه فعل فيقال : أسدى إبله وأسديت إبلي ، وألفه منقلبة عن الواو . # ولم يفسر صاحب ( الكشاف ) هذه الكلمة وكذلك الراغب في المفردات ووقع { ~~سدى } في موضع الحال من ضمير { يترك } . # فإن الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم وأبدع تركيبه ووهبه القوى العقلية ~~التي لم يعطها غيره من أنواع الحيوان ليستعملها في منافع لا تنحصر أو في ضد ~~PageV29P365 ذلك من مفاسد جسيمة ، لا يليق بحكمته أن يهمله مثل الحيوان ~~فيجعل الصالحين كالمفسدين والطائعين لربهم كالمجرمين ، وهو العليم القدير ~~المتمكن بحكمته وقدرته أن يجعل إليه المصير ، فلو أهمله لفاز أهل الفساد في ~~عالم الكساد ، ولم يلاق الصالحون من صلاحهم إلا الأنكاد ، ولا يناسب حكمة ~~الحكيم إهمال الناس يهيمون في كل وادي ، وتركهم مضربا لقولل المثل ( فإن ~~الريح للعادي ) . # ولذلك قال في جانب الاستدلال على وقوع البعث { أيحسب الإنسان أن لن نجمع ~~عظامه } ( القيامة : 3 ) ، أي لا نعيد خلقه ونبعثه للجزاء كما أبلغناهم ، ~~وجاء في جانب حكمته بما يشابه الأسلوب السابق فقال : { أيحسب الإنسان أن ~~يترك سدى } مع زيادة فائدة بما دلت عليه جملة { أن يترك سدى } ، أي لا يحسب ~~أنه يترك غير مرعي بالتكليف كما تترك الإبل ، وذلك يقتضي المجازاة . وعن ~~الشافعي : لم يختلف أهل العلم بالقرآن فيما ms8964 علمت أن السدى الذي لا يؤمر ولا ~~ينهى اه . وقد تبين من هذا أن قوله : { أن يترك سدى } كناية عن الجزاء لأن ~~التكليف في الحياة الدنيا مقصود منه الجزاء في الآخرة . # ( 37 40 ) . # استئناف هو علة وبيان للإنكار المسوق للاستدلال بقوله : { أيحسب الإنسان ~~أن يترك } ( القيامة : 36 ) الذي جعل تكريرا وتأييدا لمضمون قوله : { أيحسب ~~الإنسان أن لن نجمع عظامه الآية ، أي أن خلق الإنسان من مادة ضعيفة وتدرجه ~~في أطوار كيانه دليل على إثبات القدرة على إنشائه إنشاء ثانيا بعد تفرق ~~أجزائه واضمحلالها ، فيتصل معنى الكلام هكذا : أيحسب الإنسان أن لن نجمع ~~عظامه ويعد ذلك متعذرا . ألم نبدأ خلقه إذ كوناه نطفة ثم تطور خلقه أطوارا ~~فماذا يعجزنا أن نعيد خلقه ثانيا كذلك ، قال تعالى : كما بدأنا أول خلق ~~نعيده } ( الأنبياء : 104 ) . # وهذه الجمل تمهيد لقوله : { أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى } . # وهذا البيان خاص بأحد معنيي الترك في الآية وهو تركه دون إحياء وأكتفي ~~PageV29P366 ببيان هذا عن بيان المعنى الآخر الذي قيده قوله : { سدى ، } ( ~~القيامة : 36 ) أي تركه بدون جزاء على أعماله لأن فائدة الإحياء أن يجازى ~~على عمله . والمعنى : أيحسب أن يترك فانيا ولا تجدد حياته . # ووقع وصف { سدى } في خلال ذلك موقع الاستدلال على لزوم بعث الناس من جانب ~~الحكمة ، وانتقل بعده إلى بيان إمكان البعث من جانب المادة ، فكان وقوعه ~~إدماجا . # فالإنسان خلق من ماء وطور أطوارا حتى صار جسدا حيا تام الخلقة والإحساسس ~~فكان بعضه من صنف الذكور وبعضه من صنف الإناث ، فالذي قدر على هذا الخلق ~~البديع لا يعجزه إعادة خلق كل واحد كما خلقه أول مرة بحكمة دقيقة وطريقة ~~أخرى لا يعلمها إلا هو . # والنطفة : القليل من الماء سمي بها ماء التناسل ، وتقدم في سورة فاطر . # واختلف في تفسير معنى { تمنى } فقال كثير من المفسرين معناه : تراق . ولم ~~يذكر في كتب اللغة أن فعل : منى أو أمنى يطلق بمعنى أراق سوى أن بعض أهل ~~اللغة قال في تسمية ( منى ) التي بمكة إنها ms8965 سميت كذلك لأنها تراق بها دماء ~~الهدي ، ولم يبينوا هل هو فعل مجرد أو بهمزة التعدية . # وأحسب هذا من التلفيقات المعروفة من أهل اللغة من طلبهم إيجاد أصل ~~لاشتقاق الأعلام وهو تكلف صراح ، فاسم ( منى ) علم مرتجل ، وقال ثعلب : ~~سميت بذلك من قولهم : منى الله عليه الموت ، أي قدره لأنها تنحر فيها ~~الهدايا ومثله عن ابن شميل وعن ابن عيينة . وفسر بعضهم { تمنى } بمعنى تخلق ~~من قولهم منى الله الخلق ، أي خلقهم . والأظهر قول بعض المفسرين أنه مضارع ~~أمنى الرجل فيكون كقوله : { أفرأيتم ما تمنون في سورة الواقعة . # والعلقة : القطعة الصغيرة من الدم المتعقد . # وعطف فعل كان علقة } بحرف { ثم } للدلالة على التراخي الرتبي فإن كونه ~~علقة أعجب من كونه نطفة لأنه صار علقة بعد أن كان ماء فاختلط بما تفرزه رحم ~~الأنثى من البويضات فكان من مجموعهما علقة كما تقدم في فائدة التقييد بقوله ~~في سورة النجم { من نطفة إذا تمنى . PageV29P367 # ولما كان تكوينه علقة هو مبدأ خلق الجسم عطف عليه قوله : فخلق } بالفاء ، ~~لأن العلقة يعقبها أن تصير مضغة إلى أن يتم خلق الجسد وتنفخ فيه الروح . # وضمير { خلق } عائد إلى { ربك } ( القيامة : 30 ) . وكذلك عطف { فسوى } ~~بالفاء . # والتسوية : جعل الشيء سواء ، أي معدلا مقوما قال تعالى : { فسواهن سبع ~~سماوات } ( البقرة : 29 ) وقال : { الذي خلق فسوى } ( الأعلى : 2 ) ، أي ~~فجعله جسدا من عظم ولحم . ومفعول ( خلق ) ومفعول ( سوى ) محذوفان لدلالة ~~الكلام عليهما ، أي فخلقه فسواه . وعقب ذلك بخلقه ذكرا أو أنثى زوجين ~~ومنهما يكون التناسل أيضا . # وقرأ الجمهور { تمنى } بالفوقية على أنه وصف ل { نطفة } . وقرأه حفص ~~ويعقوب بالتحتية على أنه وصف { مني } . # وجملة { أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى } واقعة موقع النتيجة من ~~الدليل لأن خلق جسم الإنسان من عدم وهو أمر ثابت بضرورة المشاهدة ، أحق ~~بالاستبعاد من إعادة الحياة إلى الجسم بعد الموت سواء بقي الجسم غير ناقص ~~أو نقص بعضه أو معظمه فهو إلى بثث الحياة فيه وإعادة ما فني من أجزائه أقرب ~~من ms8966 إيجاد الجسم من عدم . # والاستفهام إنكار للمنفي إنكار تقرير بالإثبات وهذا غالب استعمال ~~الاستفهام التقريري أن يقع على نفي ما يراد إثباته ليكون ذلك كالتوسعة على ~~المقرر إن أراد إنكارا كناية عن ثقة المتكلم بأن المخاطب لا يستطيع الإنكار ~~. # وقد جاء في هذا الختام بمحسن رد العجز على الصدر ، فإن السورة افتتحت ~~بإنكار أن يحسب المشركون استحالة البعث ، وتسلسل الكلام في ذلك بأفانين من ~~الإثبات والتهديد والتشريط والاستدلال ، إلى أن أفضى إلى استنتاج أن الله ~~قادر على أن يحيي الموتى وهو المطلوب الذي قدم في قوله : { أيحسب الإنسان ~~أن لن نجمع عظامه بلى قادرين على أن نسوي بنانه } ( القيامة : 3 ، 4 ) . # وتعميم الموتى في قوله : { أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى } بعد ~~جريان أسلوبب الكلام على خصوص الإنسان الكافر أو خصوص كافر معين ، يجعل ~~جملة { أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى } تذييلا . # PageV29P368 # | 1 ( سورة الإنسان ) 1 # سميت في زمن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ( سورة هل أتى على ~~الإنسان ) . روى البخاري في باب القراءة في الفجر من ( صحيحه ) عن أبي ~~هريرة قال : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الفجر ب { ألم السجدة ~~وهل أتى على الإنسان } ( الإنسان : 1 ) . # واقتصر صاحب ( الإتقان ) على تسمية هذه السورة ( سورة الإنسان ) عند ذكر ~~السور المكية والمدنية ، ولم يذكرها في عداد السور التي لها أكثر من اسم . # وتسمى ( سورة الدهر ) في كثير من المصاحف . # وقال الخفاجي تسمى ( سورة الأمشاج ) ، لوقوع لفظ الأمشاج فيها ولم يقع في ~~غيرها من القرآن . # وذكر الطبرسي : أنها تسمى ( سورة الأبرار ) ، لأن فيها ذكر نعيم الأبرار ~~وذكرهم بهذا اللفظ ولم أره لغيره . PageV29P369 # فهذه خمسة أسماء لهذه السورة . # واختلف فيها فقيل هي مكية ، وقيل مدنية ، وقيل بعضها مكي وبعضها مدني ، ~~فعن ابن عباس وابن أبي طلحة وقتادة ومقاتل : هي مكية ، وهو قول ابن مسعود ~~لأنه كذلك رتبها في مصحفه فيما رواه أبو داود كما سيأتي قريبا . وعلى هذا ~~اقتصر معظم التفاسير ونسبه الخفاجي إلى الجمهور . # وروى ms8967 مجاهد عن ابن عباس : أنها مدنية ، وهو قول جابر بن زيد وحكي عن ~~قتادة أيضا . وقال الحسن وعكرمة والكلبي : هي مدنية إلا قوله : { ولا تطع ~~منهم آثما أو كفورا } ( الإنسان : 24 ) إلى آخرها ، أو قوله : { فاصبر لحكم ~~ربك ولا تطع منهم } ( الإنسان : 24 ) الخ . ولم يذكر هؤلاء أن تلك الآيات ~~من أية سورة كانت تعد في مكة إلى أن نزلت سورة الإنسان بالمدينة وهذا غريب ~~. ولم يعينوا أنه في أية سورة كان مقروءا . # والأصح أنها مكية فإن أسلوبها ومعانيها جارية على سنن السور المكية ولا ~~أحسب الباعث على عدها في المدني إلا ما روي من أن آية { يطعمون الطعام على ~~حبه } ( الإنسان : 8 ) نزلت في إطعام علي بن أبي طالب بالمدينة مسكينا ليلة ~~، ويتيما أخرى ، وأسيرا أخرى ، ولم يكن للمسلمين أسرى بمكة حملا للفظ أسير ~~على معنى أسير الحرب ، أو ما روي أنه نزل في أبي الدحداح وهو أنصاري ، ~~وكثيرا ما حملوا نزول الآية على مثل تنطبق عليها معانيها فعبروا عنها ~~بأسباب نزول كما بيناه في المقدمة الخامسة . # وعدها جابر بن زيد الثامنة والتسعين في ترتيب نزول السور . وقال : نزلت ~~بعد سورة الرحمن وقبل سورة الطلاق . وهذا جري على ما رآه أنها مدنية . # فإذا كان الأصح أنها مكية أخذا بترتيب مصحف ابن مسعود فتكون الثلاثين أو ~~الحادية والثلاثين وجديرة بأن تعد قبل سورة القيامة أو نحو ذلك حسبما ورد ~~في ترتيب ابن مسعود . # روي أبو داود في باب تحزيب القرآن من ( سننه ) عن علقمة والأسود عن ابن ~~مسعود قال : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ النظائر السورتين وعد ~~سورا فقال : و { هل أتى ولا أقسم بيوم القيامة في ركعة . قال أبو داود : ~~هذا تأليف ابن مسعود ( أي تأليف مصحفه ) : # واتفق العادون على عد آيها إحدى وثلاثين . # $ 2 ( { هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا * إنا خلقنا ~~الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا * إنا هديناه السبيل إما ~~شاكرا وإما كفورا * إنآ أعتدنا للكافرين سلاسل ms8968 وأغلالا وسعيرا * إن الابرار ~~يشربون من كأس كان مزاجها كافورا * عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها ~~تفجيرا * يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا * ويطعمون الطعام على ~~حبه مسكينا ويتيما وأسيرا * إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزآء ولا ~~شكورا * إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا * فوقاهم الله شر ذلك اليوم ~~ولقاهم نضرة وسرورا * وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا * متكئين فيها على ~~الارائك لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا * ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها ~~تذليلا * ويطاف عليهم بئانية من فضة وأكواب كانت قواريرا * قواريرا من فضة ~~قدروها تقديرا * ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا * عينا فيها تسمى ~~سلسبيلا * ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا * وإذا ~~رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا * عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلو & # 1764 ا أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورا * إن هاذا كان لكم جزآء ~~وكان سعيكم مشكورا * إنا نحن نزلنا عليك القرءان تنزيلا * فاصبر لحكم ربك ~~ولا تطع منهم ءاثما أو كفورا * واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا * ومن اليل فاسجد ~~له وسبحه ليلا طويلا * إن هاؤلاء يحبون العاجلة ويذرون ورآءهم يوما ثقيلا * ~~نحن خلقناهم وشددنآ أسرهم وإذا شئنا بدلنآ أمثالهم تبديلا * إن هاذه تذكرة ~~فمن شآء اتخذ إلى ربه سبيلا * وما تشآءون إلا أن يشآء الله إن الله كان ~~عليما حكيما * يدخل من يشآء فى رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما } ) 2 ~~$ PageV29P370 أغراضها # التذكير بأن كل إنسان كون بعد أن لم يكن فكيف يقضي باستحالة إعادة تكوينه ~~بعد عدمه . # وإثبات أن الإنسان محقوق بإفراد الله بالعبادة شكرا لخالقه ومحذر من ~~الإشراك به . # وإثبات الجزاء على الحالين مع شيء من وصف ذلك الجزاء بحالتيه والإطناب في ~~وصف جزاء الشاكرين . # وأدمج في خلال ذلك الامتنان على الناس بنعمة الإيجاد ونعمة الإدراك ~~والامتنانن بما أعطيه الإنسان من التمييز بين الخير والشر وإرشاده إلى ~~الخير بواسطة الرسل فمن الناس من شكر نعمة الله ومنهم من كفرها فعبد غيره . # وتثبيت النبي على القيام ms8969 بأعباء الرسالة والصبر على ما يلحقه في ذلك ، ~~والتحذير من أن يلين للكافرين ، والإشارة إلى أن الاصطفاء للرسالة نعمة ~~عظيمة يستحق الله الشكر عليها بالاضطلاع بها اصطفاه له وبالإقبال على ~~عبادته . # والأمر بالإقبال على ذكر الله والصلاة في أوقات من النهار . # استفهام تقريري والاستفهام من أقسام الخطاب وهو هنا موجه إلى غير معين ~~ومستعمل في تحقيق الأمر المقرر به على طريق الكناية لأن الاستفهام طلب ~~الفهم ، والتقرير يقتضي حصول العلم بما قرر به وذلك إيماء إلى استحقاق الله ~~أن يعترف الإنسان له بالوحدانية في الربوبية إبطالا لإشراك المشركين . # وتقديم هذا الاستفهام لما فيه من تشويق إلى معرفة ما يأتي بعده من الكلام ~~. # فجملة { هل أتى على الإنسان } تمهيد وتوطئة للجملة التي بعدها وهي { إنا ~~خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج } ( الإنسان : 2 ) الخ . PageV29P371 # و { هل } حرف يفيد الاستفهام ومعنى التحقيق ، وقال جمع أصل { هل } إنها ~~في الاستفهام مثل ( قد ) في الخبر ، وبملازمة { هل } الاستفهام كثير في ~~الكلام حذف حرف الاستفهام معها فكانت فيه بمعنى ( قد ) ، وخصت بالاستفهام ~~فلا تقع في الخبر ، ويتطرق إلى الاستفهام بها ما يتطرق إلى الاستفهام من ~~الاستعمالات . وقد تقدم بيان ذلك عند قوله تعالى : { هل ينظرون إلا أن ~~يأتيهم الله في ظلل من الغمام في سورة البقرة . # وقد علمت أن حمل الاستفهام على معنى التقرير يحصل هذا المعنى . # والمعنى : هل يقر كل إنسان موجود أنه كان معدوما زمانا طويلا ، فلم يكن ~~شيئا يذكر ، أي لم يكن يسمى ولا يتحدث عنه بذاته ( وإن كان قد يذكر بوجه ~~العموم في نحو قول الناس : المعدوم متوقف وجوده على فاعل . وقول الواقف : ~~حبست على ذريتي ، ونحوه فإن ذلك ليس ذكرا لمعين ولكنه حكم على الأمر المقدر ~~وجوده ) . وهم لا يسعهم إلا الإقرار بذلك ، فلذلك اكتفي بتوجيه هذا التقرير ~~إلى كل سامع . # وتعريف الإنسان } للاستغراق مثل قوله : { إن الإنسان لفي خسر إلا الذين ~~ءامنوا الآية } ( العصر : 2 ، 3 ) ، أي هل أتى على كل إنسان حين كان فيه ~~معدوما . # و { الدهر } : الزمان الطويل ms8970 أو الزمان المقارن لوجود العالم الدنيوي . # والحين : مقدار مجمل من الزمان يطلق على ساعة وعلى أكثر ، وقد قيل إن ~~أقصى ما يطلق عليه الحين أربعون سنة ولا أحسبه . # وجملة { لم يكن شيئا مذكورا } يجوز أن تكون نعتا ل { حين } بتقدير ضمير ~~رابط بمحذوف لدلالة لفظ { حين } على أن العائد مجرور بحرف الظرفية حذف مع ~~جاره كقوله تعالى : { واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا } ( البقرة : 48 ~~) إذ التقدير : لا تجزي فيه نفس عن نفس شيئا ، فالتقدير هنا : لم يكن فيه ~~الإنسان شيئا مذكورا ، أي كان معدوما في زمن سبق . # ويجوز أن تكون الجملة حالا من { الإنسان } ، وحذف العائد كحذفه في تقدير ~~النعت . PageV29P372 # والشيء : اسم للموجود . # والمذكور : المعين الذي هو بحيث يذكر ، أي يعبر عنه بخصوصه ويخبر عنه ~~بالأخبار والأحوال . ويعلق لفظه الدال عليه بالأفعال . # فأما المعدوم فلا يذكر لأنه لا تعين له فلا يذكر إلا بعنوانه العام كما ~~تقدم آنفا ، وليس هذا هو المراد بالذكر هنا . # ولهذا نجعل { مذكورا } وصفا ل { شيئا } ، أريد به تقييد { شيئا } ، أي ~~شيئا خاصا وهو الموجود المعبر عنه باسمه المعين له . # . # استئناف بياني مترتب على التقرير الذي دل عليه { هل أتى على الإنسان حين ~~من الدهر لم يكن شيئا مذكورا } ( الإنسان : 1 ) لما فيه من التشويق . # والتقرير يقتضي الإقرار بذلك لا محالة لأنه معلوم بالضرورة ، فالسامع ~~يتشوف لما يرد بعد هذا التقرير فقيل له : إن الله خلقه بعد أن كان معدوما ~~فأوجد نطفة كانت معدومة ثم استخرج منها إنسانا ، فثبت تعلق الخلق بالإنسان ~~بعد عدمه . # وتأكيد الكلام بحرف ( إن ) لتنزيل المشركين منزلة من ينكر أن الله خلق ~~الإنسان لعدم جريهم على موجب العلم حيث عبدوا أصناما لم يخلقوهم . # والمراد ب { الإنسان } مثل ما أريد به في قوله : { هل أتى على الإنسان } ~~( الإنسان : 1 ) أي كل نوع الإنسان . # وأدمج في ذلك كيفية خلق الإنسان من نطفة التناسل لما في تلك الكيفية من ~~دقائق العلم الإلاهي والقدرة والحكمة . # وقد تقدم معنى النطفة في سورة القيامة . # و ms8971 { أمشاج } : مشتق من المشج وهو الخلط ، أي نطفة مخلوطة قال تعالى : { ~~سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون } ( ~~يس : 36 ) وذلك يفسر معنى الخلط الذي أشير إليه هنا . PageV29P373 # وصيغة { أمشاج } ظاهرها صيغة جمع وعلى ذلك حملها الفراء وابن السكيت ~~والمبرد ، فهي إما جمع مشج بكسر فسكون بوزن عدل ، أي ممشوج ، أي مخلوط مثل ~~ذبح ، وهذا ما اقتصر عليه في ( اللسان ) و ( القاموس ) ، أو جمع مشج ~~بفتحتين مثل سبب وأسباب ، أو جمع مشج بفتح فكسر مثل كتف وأكتاف . # والوجه ما ذهب إليه صاحب ( الكشاف ) : أن { أمشاج } مفرد كقولهم : برمة ~~أعشار وبرد أكياش ( بهمزة وكاف وتحتية وألف وشين معجمة الذي أعيد غزله ~~مرتين ) . قال : ( ولا يصح أن يكون أمشاج جمع مشج بل هما ( أي مشج وأمشاج ) ~~مثلان في الإفراد اه . وقال بعض الكاتبين : إنه خالف كلام سيبويه . وأشار ~~البيضاوي إلى ذلك ، وأحسب أنه لم ير كلام سيبويه صريحا في منع أن يكون { ~~أمشاج } مفردا لأن أثبت الإفراد في كلمة أنعام والزمخشري معروف بشدة متابعة ~~سيبويه . # فإذا كان { أمشاج } في هذه الآية مفردا كان على صورة الجمع كما في ( ~~الكشاف ) . فوصف { نطفة } به غير محتاج إلى تأويل ، وإذا كان جمعا كما جرى ~~عليه كلام الفراء وابن السكيت والمبرد ، كان وصف النطفة به باعتبار ما ~~تشتمل عليه النطفة من أجزاء مختلفة الخواص ، ( فلذلك يصير كل جزء من النطفة ~~عضوا ) فوصف النطفة يجمع الاسم للمبالغة ، أي شديدة الاختلاط . # وهذه الأمشاج منها ما هو أجزاء كيمائية نباتية أو ترابية ومنها ما هو ~~عناصر قوى الحياة . # وجملة { نبتليه } في موضع الحال من الإنسان وهي حال مقدرة ، أي مريدين ~~ابتلاءه في المستقبل ، أي بعد بلوغه طور العقل والتكليف ، وهذه الحال ~~كقولهم : مررت برجل معه صقر صائدا به غدا . # وقد وقعت هذه الحال معترضة بين جملة { خلقنا } وبين { فجعلناه سميعا ~~بصيرا } لأن الابتلاء ، أي التكليف الذي يظهر به امتثاله أو عصيانه إنما ~~يكون بعد هدايته إلى سبيل الخير ، فكان مقتضى الظاهر أن يقع ms8972 { نبتليه } بعد ~~جملة { إنا هديناه السبيل } ( الإنسان : 3 ) ، ولكنه قدم للاهتمام بهذا ~~الابتلاء الذي هو سبب السعادة والشقاوة . PageV29P374 # وجيء بجملة { إنا هديناه السبيل بيانا لجملة نبتليه } تفننا في نظم ~~الكلام . # وحقيقة الابتلاء : الاختبار لتعرف حال الشيء وهو هنا كناية عن التكليف ~~بأمر عظيم لأن الأمر العظيم يظهر تفاوت المكلفين به في الوفاء بإقامته . # وفرع على خلقه { من نطفة } أنه جعله { سميعا بصيرا } ، وذلك إشارة إلى ما ~~خلقه الله له من الحواس التي كانت أصل تفكيره وتدبيره ، ولذلك جاء وصفه ~~بالسميع البصير بصيغة المبالغة ولم يقل فجعلناه : سامعا مبصرا ، لأن سمع ~~الإنسان وبصره أكثر تحصيلا وتمييزا في المسموعات والمبصرات من سمع وبصر ~~الحيوان ، فبالسمع يتلقى الشرائع ودعوة الرسل وبالبصر ينظر في أدلة وجود ~~الله وبديع صنعه . # وهذا تخلص إلى ما ميز الله به الإنسان من جعله تجاه التكليف واتباع ~~الشرائع وتلك خصيصية الإنسان التي بها ارتكزت مدنيته وانتظمت جامعاته ، ~~ولذلك أعقبت هذه الجملة بقوله : { إنا هديناه السبيل الآيات . # } . # استئناف بياني لبيان ما نشأ عن جملة { نبتليه } ( الإنسان : 2 ) ولتفصيل ~~جملة { فجعلناه سميعا بصيرا } ( الإنسان : 2 ) ، وتخلص إلى الوعيد على ~~الكفر والوعد على الشكر . # وهداية السبيل : تمثيل لحال المرشد . و { السبيل } : الطريق الجادة إلى ~~ما فيه النفع بواسطة الرسل إلى العقائد الصحيحة والأعمال الصالحة التي هي ~~سبب فوزه بالنعيم الأبدي ، بحال من يدل السائر على الطريق المؤدية إلى ~~مقصده من سيره . # وهذا التمثيل ينحل إلى تشبيهاتت أجزاء الحالة المركبة المشبهة بأجزاء ~~الحالة المشبه بها ، فالله تعالى كالهادي ، والإنسان يشبه السائر المتحير ~~في الطريق ، وأعمال الدين تشبه الطريق ، وفوز المتتبع لهدي الله يشبه ~~البلوغ إلى المكان المطلوب . # وفي هذا نداء على أن الله أرشد الإنسان إلى الحق وأن بعض الناس أدخلوا ~~على أنفسهم ضلال الإعتقاد ومفاسد الأعمال ، فمن برأ نفسه من ذلك فهو الشاكر ~~PageV29P375 وغيره الكفور ، وذلك تقسيم بحسب حال الناس في أول البعثة ، ثم ~~ظهر من خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا . # وتأكيد الخبر ب ( إن ) للرد على المشركين الذين يزعمون أن ما ms8973 يدعوهم إليه ~~القرآن باطل . # و { إما شاكرا وإما كفورا } حالان من ضمير الغيبة في { هديناه } ، وهو ~~ضمير { الإنسان } ( الإنسان : 2 ) . # و { إما } حرف تفصيل ، وهو حرف بسيط عند الجمهور . وقال سيبويه : هو مركب ~~من حرف ( إن ) الشرطية و ( ما ) النافية . وقد تجردت ( إن ) بالتركيب على ~~الشرطية كما تجردت ( ما ) عن النفي ، فصار مجموع { إما } حرف تفصيل ، ولا ~~عمل لها في الاسم بعدها ولا تمنع العامل الذي قبلها عن العمل في معموله ~~الذي بعدها فهي في ذلك مثل ( ال ) حرفف التعريف . وقدر بعض النحاة { إما } ~~الثانية حرف عطف وهو تحكم إذ جعلوا الثانية عاطفة وهي أخت الأولى ، وإنما ~~العاطف الواو و { إما } مقحمة بين الاسم ومعموله كما في قول تأبط شرا : # هما خطتا إما إسار ومنة # وإما دمم والموت بالحر أجدر # فإن الاسمين بعد ( إما ) في الموضعين من البيت مجروران بالإضافة ولذلك ~~حذفت النون من قوله : هما خطتا ، وذلك أفصح كما جاء في هذه الآية . # قال ابن جني : ( أما من جر ( إسار ) فإنه حذف النون للإضافة ولم يعتد ( ~~إما ) فاصلا بين المضاف والمضاف إليه ، وعلى هذا تقول : هما إما غلاما زيد ~~وإما عمرو ، وأجود من هذا أن تقول : هما خطتا إسار ومنة وإما خطتا دم ثم ~~قال : وأما الرفع فطريق المذهب ، وظاهر أمره أنه على لغة من حذف النون لغير ~~الإضافة فقد حكي ذلك ) الخ . # ومقتضى كلامه أن البيت روي بالوجهين : الجر والرفع وقريب منه كلام ~~المرزوقي وزاد فقال ( وحذف النون إذا رفعت ( إسار ) استطالة للاسم كأنه ~~استطال خطتا ببدله وهو قوله : إما إسار ) الخ . # والمعنى : إنا هديناه السبيل في حال أنه متردد أمره بين أحد هذين الوصفين ~~PageV29P376 وصف شاكر ووصفف كفور ، فأحد الوصفين على الترديد مقارن لحال ~~إرشاده إلى السبيل ، وهي مقارنة عرفية ، أي عقب التبليغ والتأمل ، فإن أخذ ~~بالهدى كان شاكرا وإن أعرض كان كفورا كمن لم يأخذ بإرشاد من يهديه الطريق ~~فيأخذ في طريق يلقى به السباع أو اللصوص ، وبذلك تم التمثيل الذي في قوله : ~~{ إنا هديناه السبيل ms8974 } . # . # أريد التخلص إلى جزاء الفريقين الشاكر والكفور . # والجملة مستأنفة استئنافا بيانيا لأن قوله : { إما شاكرا وإما كفورا } ( ~~الإنسان : 3 ) يثير تطلع السامعين إلى معرفة آثار هذين الحالين المتردد ~~حاله بينهما ، فابتدىء بجزاء الكافر لأن ذكره أقرب . # وأكد الخبر عن الوعيد بحرف التأكيد لإدخال الروع عليهم لأن المتوعد إذا ~~أكد كلامه بمؤكد فقد آذن بأنه لا هوادة له في وعيده . # وأصل { أعتدنا } أعددنا ، بدالين ، أي هيأنا للكافرين ، يقال : اعتد كما ~~يقال : أعد ، قال تعالى : { وأعتدت لهن متكأ } ( يوسف : 31 ) . # وقد تردد أيمة اللغة في أن أصل الفعل بدالين أو بتاء ودال فلم يجزموا ~~بأيهما الأصل لكثرة ورود فعل : أعد ، وفعل اعتد في الكلام والأظهر أنهما ~~فعلان نشآ من لغتين غير أن الاستعمال خص الفعل ذا التاء بعدة الحرب فقالوا ~~: عتاد الحرب ولم يقولوا عداد . # وأما العدة بضم العين فتقع على كل ما يعد ويهيأ ، يقال : أعد لكل حال عدة ~~. ويطلق العتاد على ما يعد من الأمور . # والأكثر أنه إذا أريد الإدغام جيء بالفعل الذي عينه دال وإذا وجد مقتضى ~~فك الإدغام لموجب مثل ضمير المتكلم جيء بالفعل الذي عينه تاء . # والسلاسل : القيود المصنوعة من حلق الحديد يقيد بها الجناة والأسرى . # والأغلال : جمع غل بضم الغين ، وهو حلقة كبيرة من حديد توضع في رقبة ~~PageV29P377 المقيد ، وتناط بها السلسلة قال تعالى : { إذ الأغلال في ~~أعناقهم والسلاسل } ( غافر : 71 ) فالأغلال والسلاسل توضع لهم عند سوقهم ~~إلى جهنم . # والسعير : النار المسعرة ، أي التي سعرها الموقدون بزيادة الوقود ليشتد ~~التهابها فهو في الأصل وصف بمعنى اسم المفعول جعل علما على جهنم . وقد تقدم ~~عند قوله : { كلما خبت زدناهم سعيرا في سورة الإسراء . # وكتب سلاسلا } في المصحف الإمامم في جميع النسخ التي أرسلت إلى الأمصار ~~بألف بعد اللام الثانية ولكن القراء اختلفوا في قراءته ، فنافع والكسائي ~~وهشام عن ابن عامر وأبو بكر عن عاصم وأبو جعفر قرأوا { سلاسلا } منونا في ~~الوصل ووقفوا عليه كما يوقف على المنون المنصوب ، وإذ كان حقه أن يمنع من ~~الصرف لأنه على ms8975 صيغة منتهى الجمع تعين أن قراءته بالتنوين لمراعاة مزاوجته ~~مع الاسمين اللذين بعده وهما { أغلالا } و { سعيرا } ، والمزاوجة طريقة في ~~فصيح الكلام ، ومنها قول النبي صلى الله عليه وسلم لنساء ( ارجعن مأزورات ~~غير مأجورات ) فجعل ( مأزورات ) مهموزا وحقه أن يكون بالواو لكنه همز ~~لمزاوجة مأجورات ، وكذلك قوله في حديث سؤال الملكين الكافر ( فيقال له : لا ~~دريت ولا تليت ) ، وكان الأصل أن يقال : ولا تلوت . ومنه قول ابن مقبل أو ~~القلاح : # هتاك أخبية ولاج أبوبة # يخالط البر منه الجد واللينا # فقوله ( أبوبة ) جمع باب وحقه أن يقول أبواب . # وهذه القراءة متينة يعضدها رسم المصحف وهي جارية على طريقة عربية فصيحة . ~~وقرأه الباقون بدون تنوين في الوصل . # واختلفوا في قراءته إذا وقفوا عليه فأكثرهم قرأه في الوقف بدون ألف فيقول ~~{ سلاسل } في الوقف . وقرأه أبو عمرو ورويس عن يعقوب بالألف على اعتباره ~~منونا في الوصل . # قرأه البزي عن ابن كثير وابن ذكوان عن ابن عامر وحفص عن عاصم في الوقف ~~بجواز الوجهين بالألف وبتركها . # فأما الذين لم ينونوا { سلاسلا } في الوصل ووقفوا عليه بألف بعد لامه ~~الثانية . PageV29P378 وهما أبو عمرو ورويس عن يعقوب فمخالفة روايتهم لرسم ~~المصحف محمولة على أن الرسم جرى على اعتبار حالة الوقف وذلك كثير فكتابة ~~الألف بعد اللام لقصد التنبيه على إشباع الفتحة عند الوقف لمزاوجة الفواصل ~~في الوقف لأن الفواصل كثيرا ما تعطى أحكام القوافي والأسجاع . # وبعد فالقراءات روايات مسموعة ورسم المصحف سنة مخصوصة به وذكر الطيبي : ~~أن بعض العلماء اعتذر عن اختلاف القراء في قوله : { سلاسلا } بأنه من ~~الاختلاف في كيفية الأداء كالمد والإمالة وتخفيف الهمزة وأن الاختلاف في ~~ذلك لا ينافي التواتر . # ( 5 6 ) . # هذا استئناف بياني ناشىء عن الاستئناف الذي قبله من قوله : { إنا أعتدنا ~~للكافرين سلاسلا } ( الإنسان : 4 ) الخ . فإن من عرف ما أعد للكفور من ~~الجزاء يتطلع إلى معرفة ما أعد للشاكر من الثواب . # وأخر تفصيله عن تفصيل جزاء الكفور مع أن { شاكرا } ( الإنسان : 3 ) مذكور ~~قبل { كفورا } ( الإنسان : 3 ) ، على طريقة ms8976 اللف والنشر المعكوس ليتسع ~~المجال لإطناب الكلام على صفة جزاء الشاكرين وما فيه من الخير والكرامة ، ~~تقريبا للموصوف من المشاهدة المحسوسة . # وتأكيد الخبر عن جزاء الشاكرين لدفع إنكار المشركين أن يكون المؤمنون ~~خيرا منهم في عالم الخلود ، ولإفادة الاهتمام بهذه البشارة بالنسبة إلى ~~المؤمنين . # و { الأبرار } : هم الشاكرون ، عبر عنهم بالأبرار زيادة في الثناء عليهم ~~. # و { الأبرار } : جمع بر بفتح الباء ، وجمع بار أيضا مثل شاهد وأشهاد ، ~~والبار أو البر المكثر من البر بكسر الباء وهو فعل الخير ، ولذلك كان البر ~~من أوصاف الله تعالى قال تعالى : { إنا كنا من قبل ندعوه أنه هو البر ~~الرحيم } ( الطور : 28 ) . PageV29P379 # ووصف بر أقوى من بار في الاتصاف بالبر ، ولذلك يقال : الله بر ، ولم يقل ~~: الله بار . # ويجمع بر على بررة . ووقع في ( مفردات الراغب ) : أن بررة أبلغ من أبرار ~~. # وابتدىء في وصف نعيمهم بنعيم لذة الشرب من خمر الجنة لما للذة الخمر من ~~الاشتهار بين الناس ، وكانوا يتنافسون في تحصيلها . # والكأس : بالهمزة الإناء المجعول للخمر فلا يسمى كأسا إلا إذا كان فيه ~~خمر ، وقد تسمى الخمر كأسا على وجه المجاز المرسل بهذا الاعتبار كما سيجيء ~~قريبا قوله تعالى : { ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا } ( الإنسان : ~~17 ) فيجوز أن يراد هنا آنية الخمر فتكون { من } للابتداء وإفراد { كأس } ~~للنوعية ، ويجوز أن تراد الخمر فتكون { من } للتبعيض . # وعلى التقديرين فكأس مراد به الجنس وتنوينه لتعظيمه في نوعه . # والمزاج : بكسر الميم ما يمزج به غيره ، أي يخلط وكانوا يمزجون الخمر ~~بالماء إذا كانت الخمر معتقة شديدة ليخففوا من حدتها وقد ورد ذكر مزج الخمر ~~في أشعار العرب كثيرا . # وضمير { مزاجها } عائد إلى { كأس } . # فإذا أريد بالكأس إناء الخمر فالإضافة لأدنى ملابسة ، أي مزاج ما فيها ، ~~وإذا أريدت الخمر فالإضافة من إضافة المصدر إلى مفعوله . # والكافور : ( زيت يستخرج من شجرة تشبه الدفلى تنبت في بلاد الصين وجاوة ~~يتكون فيها إذا طالت مدتها نحوا من مائتي سنة فيغلى حطبها ويستخرج منه زيت ~~يسمى الكافور . وهو ثخن قد ms8977 يتصلب فيصير كالزبد وإذا يقع حطب شجرة الكافور ~~في الماء صار نبيذا يتخمر فيصير مسكرا . # والكافور أبيض اللون ذكي الرائحة منعش . # فقيل إن المزاج هنا مراد به الماء والإخبار عنه بأنه كافور من قبيل ~~التشبيه البليغ ، أي في اللون أو ذكاء الرائحة ، ولعل الذي دعا بعض ~~المفسرين إلى هذا أن PageV29P380 المتعارف بين الناس في طيب الخمر أن يوضع ~~المسك في جوانب الباطية قال النابغة : # وتسقى إذا ما شئت غير مصرد # بزوراء في حافاتها المسك كارع # ويختم على آنية الخمر بخاتم من مسك كما في قوله تعالى في صفة أهل الجنة : ~~{ يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك } ( المطففين : 25 ، 26 ) . وكانوا يجعلون ~~الفلفل في الخمر لحسن رائحته ولذعة حرارته لذعة لذيذة في اللسان ، كما قال ~~امرؤ القيس : # صبحن سلافا من رحيق مفلفل # ويحتمل أن يكونوا يمزجون الخمر بماء فيه الكافور أو بزيته فيكون المزاج ~~في الآية على حقيقته مما تمزج به الخمر ولعل ذلك كان من شأن أهل الترف لأن ~~الكافور ثمين وهو معدود في العطور . # ومن المفسرين من قال : إن كافور اسم عين في الجنة لأجل قوله عقبه { عينا ~~يشرب بها عباد الله } وستعلم حق المراد منه . # وإقحام فعل { كان } في جملة الصفة بقوله : { كان مزاجها كافورا } لإفادة ~~أن ذلك مزاجها لا يفارقها إذ كان معتاد الناس في الدنيا ندرة ذلك المزاج ~~لغلاء ثمنه وقلة وجدانه . # وانتصب { عينا } على البدل من { كافورا } أي ذلك الكافور تجري به عين في ~~الجنة من ماء محلول فيه أو من زيته مثل قوله : { وأنهار من لبن لم يتغير ~~طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى } ( محمد : 15 ) . ~~وعدي فعل { يشرب } بالباء وهي باء الإلصاق لأن الكافور يمزج به شرابهم . ~~فالتقدير : عينا يشرب عباد الله خمرهم بها ، أي مصحوبا بمائها ، وذهب ~~الأصمعي إلى أن الباء في قوله تعالى : { يشرب بها عباد الله } بمعنى ( من ) ~~التبعيضية ووافقه الفارسي وابن قتيبة وابن مالك ، وعد في كتبه ذلك من معاني ~~الباء ونسب إلى الكوفيين . # و ms8978 { عباد الله } مراد بهم : الأبرار . وهو إظهار في مقام الإضمار للتنويه ~~بهم بإضافة عبوديتهم إلى الله تعالى إضافة تشريف . PageV29P381 # والتفجير : فتح الأرض عن الماء أي استنباط الماء الغزير وأطلق هنا على ~~الاستقاء منها بلا حد ولا نضوب فكان كل واحد يفجر لنفسه ينبوعا وهذا من ~~الاستعارة . # وأكد فعل { يفجرونها تفجيرا } ترشيحا للاستعارة . # . # اعتراض بين جملة { يشربون من كأس } ( الإنسان : 5 ) الخ وبين جملة { ~~ويطاف عليهم بآنية من فضة } ( الإنسان : 15 ) الخ . وهذا الاعتراض استئناف ~~بياني هو جواب عن سؤال من شأن الكلام السابق أن يثيره في نفسه السامع ~~المغتبط بأن ينال مثل ما نالوا من النعيم والكرامة في الآخرة . فيهتم بأن ~~يفعل مثل ما فعلوا ، فذكر بعض أعمالهم الصالحة التي هي من آثار الإيمان مع ~~التعريض لهم بالاستزادة منها في الدنيا . # والكلام إخبار عنهم صادر في وقت نزول هذه الآيات ، بعضه وصف لحالهم في ~~الآخرة وبعضه وصف لبعض حالهم في الدنيا الموجب لنوال ما نالوه في الآخرة ، ~~فلا حاجة إلى قول الفراء : إن في الكلام إضمارا وتقديره : كانوا يوفون ~~بالنذر . # وليست الجملة حالا من { الأبرار } ( الإنسان : 5 ) وضميرهم لأن الحال قيد ~~لعاملها فلو جعلت حالا لكانت قيدا ل { يشربون } ( الإنسان : 5 ) ، وليس ~~وفاؤهم بالنذر بحاصل في وقت شربهم من خمر الجنة بل هو بما أسلفوه في الحياة ~~الدنيا . # والوفاء : أداء ما وجب على المؤدي وافيا دون نقص ولا تقصير فيه . # والنذر : ما يعتزمه المرء ويعقد عليه نيته ، قال عنترة : # والناذرينن إذا لم ألقهما دمي # والمراد به هنا ما عقدوا عليه عزمهم من الإيمان والامتثال وهو ما استحقوا ~~به صفة { الأبرار } ( الإنسان : 5 ) . # ويجوز أن يراد { بالنذر } ما ينذرونه من فعل الخير المتقرب به إلى الله ، ~~أي ينشئون النذور بها ليوجبوها على أنفسهم . # وجيء بصيغة المضارع للدلالة على تجدد وفائهم بما عقدوا عليه ضمائرهم من ~~PageV29P382 الإيمان والعمل الصالح ، وذلك مشعر بأنهم يكثرون نذر الطاعات ~~وفعل القربات ولولا ذلك لما كان الوفاء بالنذر موجبا الثناء عليهم . # والتعريف في ( النذر ) تعريف الجنس فهو ms8979 يعم كل نذر . # وعطف على { يوفون بالنذر } قوله : { ويخافون يوما كان شره مستطيرا } ~~لأنهم لما وصفوا بالعمل بما ينذرونه أتبع ذلك بذكر حسن نيتهم وتحقق إخلاصهم ~~في أعمالهم لأن الأعمال بالنيات فجمع لهم بهذا صحة الإعتقاد وحسن الأعمال . # وخوفهم اليوم مجاز عقلي جرى في تعلق اليوم بالخوف لأنهم إنما يخافون ما ~~يجري في ذلك اليوم من الحساب والجزاء على الأعمال السيئة بالعقاب فعلق فعل ~~الخوف بزمان الأشياء المخوفة . # وانتصب { يوما } على المفعول به ل { يخافون } ولا يصح نصبه على الظرفية ~~لأن المراد بالخوف خوفهم في الدنيا من ذنوب تجر إليهم العقاب في ذلك اليوم ~~، وليس المراد أنهم يخافون في ذلك اليوم فإنهم في ذلك اليوم آمنون . # ووصف اليوم بأن له شرا مستطيرا وصفا مشعرا بعلة خوفهم إياه . فالمعنى : ~~أنهم يخافون شر ذلك اليوم فيتجنبون ما يفضي بهم إلى شره من الأعمال المتوعد ~~عليها بالعقاب . # والشر : العذاب والجزاء بالسوء . # والمستطير : هو اسم فاعل من استطار القاصر ، والسين والتاء في استطار ~~للمبالغة وأصله طار مثل استكبر . والطيران مجازي مستعار لانتشار الشيء ~~وامتداده تشبيها له بانتشار الطير في الجو ، ومنه قولهم : الفجر المستطير ، ~~وهو الفجر الصادق الذي ينتشر ضوؤه في الأفق ويقال : استطار الحريق إذا ~~انتشر وتلاحق . # وذكر فعل { كان } للدلالة على تمكن الخبر من المخبر عنه وإلا فإن شر ذلك ~~اليوم ليس واقعا في الماضي وإنما يقع بعد مستقبل بعيد ، ويجوز أن يجعل ذلك ~~من التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي تنبيها على تحقق وقوعه . # وصيغة { يخافون } دالة على تجدد خوفهم شر ذلك اليوم على نحو قوله : { ~~يوفون بالنذر } . PageV29P383 # ( 8 10 ) . # خصص الإطعام بالذكر لما في إطعام المحتاج من إيثاره على النفس كما أفاد ~~قوله { على حبه } . # والتصريح بلفظ الطعام مع أنه معلوم من فعل { يطعمون } توطئة ليبنى عليه ~~الحال وهو { على حبه } فإنه لو قيل : ويطعمون مسكينا ويتيما وأسيرا لفات ما ~~في قوله { على حبه } من معنى إيثار المحاويج على النفس ، على أن ذكر الطعام ~~بعد { يطعمون } يفيد تأكيدا مع استحضار هيئة ms8980 الإطعام حتى كأن السامع يشاهد ~~الهيئة . # و { على حبه } في موضع الحال من ضمير { يطعمون } . # و { على } بمعنى ( مع ) ، وضمير { حبه } راجع للطعام ، أي يطعمون الطعام ~~مصحوبا بحبه ، أي مصاحبا لحبهم إياه وحب الطعام هو اشتهاؤه . # فالمعنى : أنهم يطعمون طعاما هم محتاجون إليه . # ومجيء { على } بمعنى ( مع ) ناشىء عن تمجز في الاستعلاء ، وصورته أن ~~مجرور حرف { على } في مثله أفضل من معمول متعلقها فنزل منزلة المعتلي عليه ~~. # والمسكين : المحتاج . واليتيم : فاقد الأب وهو مظنة الحاجة لأن أحوال ~~العرب كانت قائمة على اكتساب الأب للعائلة بكدحه فإذا فقد الأب تعرضت ~~العائلة للخصاصة . # وأما الأسير فإذ قد كانت السورة كلها مكية قبل عزة المسلمين ، فالمراد ~~بالأسير العبد من المسلمين إذ كان المشركون قد أجاعوا عبيدهم الذين أسلموا ~~مثل بلال وعمار وأمه وربما سيبوا بعضهم إذا أضجرهم تعذيبهم وتركوهم بلا ~~نفقة . # والعبودية تنشأ من الأسر فالعبد أسير ولذلك يقال له العاني أيضا قال ~~النبي PageV29P384 صلى الله عليه وسلم ( فكوا العاني ) وقال عن النساء ( ~~إنهن عوانن عندكم ) على طريقة التشبيه وقال سحيم عبد بني الحسحاس : # رأت قتبا رثا وسحق عمامة # وأسود هما ينكر الناس عانيا # يريد عبدا . وذكر القرطبي عن الثعلبي : قال أبو سعيد الخدري ( قرأ رسول ~~الله : { ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا } فقال : المسكين ~~الفقير ، واليتيم : الذي لا أب له ، والأسير : المملوك والمسجون ) . ولم ~~أقف على سند هذا الحديث . # وبهذا تعلم أن لا شاهد في هذه الآية لجعل السورة نزلت بالمدينة وفي ~~الأسارى الذين كانوا في أسر المسلمين في غزوة بدر . # وجملة { إنما نطعمكم لوجه الله } إلى آخرها مقول قول محذوف تقديره : ~~يقولون لهم ، أي للذين يطعمونهم فهو في موضع الحال من ضمير { يطعمون } ، ~~وجملة : { لا نريد منكم جزاء ولا شكورا } مبينة لمضمون جملة { إنما نطعمكم ~~لوجه الله } . # وجملة { إنا نخاف من ربنا } إلى آخرها واقعة موقع التعليل لمضمون جملة { ~~لا نريد منكم جزاء ولا شكورا } . # والمعنى : إنهم يقولون ذلك لهم تأنيسا لهم ودفعا لانكسار النفس الحاصل ~~عند الإطعام ، أي ما ms8981 نطعمكم إلا استجابة لما أمر الله ، فالمطعم لهم هو ~~الله . # فالقول قول باللسان ، وهم ما يقولونه إلا وهو مضمر في نفوسهم . وعن مجاهد ~~أنه قال : ما تكلموا به ولكن علمه الله فأثنى به عليهم . # فالقصر المستفاد من { إنما } قصر قلب مبني على تنزيل المطعمين منزلة من ~~يظن أن من أطعمهم يمن عليهم ويريد منهم الجزاء والشكر بناء على المتعارف ~~عندهم في الجاهلية . والمراد بالجزاء : ما هو عوض عن العطية من خدمة وإعانة ~~، وبالشكور : ذكرهم بالمزية . # والشكور : مصدر بوزن الفعول كالقعود والجلوس ، وإنما اعتبر بوزن الفعول ~~PageV29P385 الذي هو مصدر فعل اللازم لأن فعل الشكر لا يتعدى للمشكور بنفسه ~~غالبا بل باللام يقال : شكرت لك قال تعالى : { واشكروا لي } ( البقرة : 152 ~~) . # وأما قوله : { إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا } فهو مقول لقول ~~يقولونه في نفوسهم أو ينطق به بعضهم مع بعض وهو حال من ضمير { يخافون } ( ~~الإنسان : 7 ) أي يخافون ذلك اليوم في نفوسهم قائلين : { إنا نخاف من ربنا ~~يوما عبوسا قمطريرا } ، فحكي وقولهم : { إنما نطعمكم لوجه الله } وقولهم : ~~{ إنا نخاف } الخ . على طريقة اللف والنشر المعكوس والداعي إلى عكس النشر ~~مراعاة حسن تنسيق النظم ليكون الانتقال من ذكر الإطعام إلى ما يقولونه ~~للمطعمين ، والانتقال من ذكر خوف يوم الحساب إلى بشارتهم بوقاية الله إياهم ~~من شر ذلك اليوم وما يلقونه فيه من النضرة والسرور والنعيم . # فيجوز أن يكون { من ربنا } ظرفا مستقرا وحرف { من } ابتدائية وهو حال من ~~{ يوما } قدم عليه ، أي نخاف يوما عبوسا قمطريرا حال كونه من أيام ربنا ، ~~أي من أيام تصاريفه . # ويجوز أن تكون { من } تجريدية كقولك : لي من فلان صديق حميم . ويكون { ~~يوما } منصوبا على الظرفية وتنوينه للتعظيم ، أي نخافه في يوم شديد . # و { عبوسا } : منصوبا على المفعول لفعل { نخاف } ، أي نخاف غضبان شديد ~~الغضب هو ربنا ، فيكون في التجريد تقوية للخوف إذ هو كخوف من شيئينن ( وتلك ~~نكتة التجريد ) ، أو يكون { عبوسا } حالا { من ربنا } . # ويجوز أن تجعل { من } لتعدية فعل { نخاف } كما عدي ms8982 في قوله تعالى : { فمن ~~خاف من موصص جنفا } ( البقرة : 182 ) . وينتصب { يوما } على المفعول به ~~لفعل { نخاف } فصار لفعل { نخاف } معمولانن . و { عبوسا } صفة ل { يوما } ، ~~والمعنى : نخاف عذاب يوم هذه صفته ، ففيه تأكيد الخوف بتكرير متعلقه ومرجع ~~التكرير إلى كونه خوف الله لأن اليوم يوم عدل الله وحكمه . # والعبوس : صفة مشبهة لمن هو شديد العبس ، أي كلوح الوجه وعدم انطلاقه ، ~~ووصف اليوم بالعبوس على معنى الاستعارة . شبه اليوم الذي تحدث فيه حوادث ~~تسوءهم برجل يخالطهم يكون شرس الأخلاق عبوسا في معاملته . # والقمطرير : الشديد الصعب من كل شيء . وعن ابن عباس : القمطرير المقبض ~~PageV29P386 بين عينيه مشتق من قمطر القاصر إذا اجتمع ، أو قمطر المتعدي ~~إذا شد القربة بوكاء ونحوه ، ومنه سمي السفط الذي توضع فيه الكتب قمطرا وهو ~~كالمحفظة . وميم قمطرير أصلية فوزنه فعلليل مثل خندريس وزنجبيل ، يقال : ~~قمطر للشر ، إذا تهيأ له وجمع نفسه . # والجمهور جعلوا { قمطريرا } وصف { يوما } ومنهم من جعلوه وصف { عبوسا } ~~أي شديد العبوس . # وهذه الآية تعم جميع الأبرار وعلى ذلك التحم نسجها ، وقد تلقفها القصاصون ~~والدعاة فوضعوا لها قصصا مختلفة وجاؤوا بأخبار موضوعة وأبيات مصنوعة فمنهم ~~من زعم أن هذه الآية نزلت في علي بن أبي طالب وفاطمة رضي الله عنهما في قصة ~~طويلة ذكرها الثعلبي والنقاش وساقها القرطبي بطولها ثم زيفها . وذكر عن ~~الحكيم الترمذي أنه قال في ( نوادر الأصول ) : هذا حديث مروق مزيف وأنه ~~يشبه أن يكون من أحاديث أهل السجون . # وقيل نزلت في مطعم بن ورقاء الأنصاري ، وقيل في رجل غيره من الأنصار ، ~~وقد استوفى ذلك كله القرطبي في تفسيره فلا طائل تحت اجتلابه ، وأصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وآله أهل لأن ينزل القرآن فيهم إلا أن هذه الأخبار ~~ضعيفة أو موضوعة . # ( 11 14 ) { } . # تفريع على قوله : { يوفون بالنذر إلى قمطريرا } ( الإنسان : 7 10 ) . # وفي هذا التفريع تلوين للحديث عن جزاء الأبرار وأهل الشكور ، وهذا برزخ ~~للتخلص إلى عود الكلام على حسن جزائهم أن الله وقاهم شر ذلك اليوم وهو ms8983 ~~PageV29P387 الشر المستطير المذكور آنفا ، وقاهم إياه جزاء على خوفهم إياه ~~وأنه لقاهم نضرة وسرورا جزاء على ما فعلوا من خير . # وأدمج في ذلك قوله : { بما صبروا } الجامع لأحوال التقوى والعمل الصالح ~~كله لأن جميعه لا يخلو عن تحمل النفس لترك محبوب أو فعل ما فيه كلفة ، ومن ~~ذلك إطعام الطعام على حبه . # و { لقاهم } معناه : جعلهم يلقون نضرة وسرورا ، أي جعل لهم نضرة وهي حسن ~~البشرة ، وذلك يحصل من فرح النفس ورفاهية العيش قال تعالى : { وجوه يومئذ ~~ناضرة } ( القيامة : 22 ) فمثل إلقاء النضرة على وجوههم بزج أحد إلى لقاء ~~أحد على طريقة التمثيل . # وضمير الغائبة و { نضرة } مفعولا ( لقى ) من باب كسا . # وبين ( وقاهم ) و { لقاهم } الجناس المحرف . # وجملة { وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا } ، عطف على جملة { فوقاهم } وجملة ~~{ ولقاهم } لتماثل الجمل الثلاث في الفعلية والمضي وهما محسنان من محسنات ~~الوصل . # والحرير : اسم لخيوط من مفرزات دودة مخصوصة ، وتقدم الكلام عليه في سورة ~~فاطر . # وكان الجزاء برفاهية العيش إذ جعلهم في أحسن المساكن وهو الجنة ، وكساهم ~~أحسن الملابس وهو الحرير الذي لا يلبسه إلا أهل فرط اليسار ، فجمع لهم حسن ~~الظرف الخارج وحسن الظرف المباشر وهو اللباس . # والمراد بالحرير هنا : ما ينسج منه . # و { متكئين } : حال من ضمير الجمع في { جزاهم } ، أي هم في الجنة متكئون ~~على الأرائك . # والاتكاء : جلسة بين الجلوس والاضطجاع يستند فيها الجالس على مرفقه وجنبه ~~ويمد رجليه وهي جلسة ارتياح ، وكانت من شعار الملوك وأهل البذخ ، ولهذا قال ~~PageV29P388 النبي صلى الله عليه وسلم ( أما أنا فلا آكل متكئا ) وتقدم ذلك ~~في سورة يوسف عند قوله تعالى : { وأعتدت لهن متكئا . # والأرائك } : جمع أريكة بوزن سفينة . والأريكة : سرير عليه وسادة معها ~~ستر وهو حجلته ، والحجلة بفتحتين وبتقديم الحاء المهملة على الجيم : كلة ~~تنصب فوق السرير لتقي الحر والشمس ، ولا يسمى السرير أريكة إلا إذا كان معه ~~حجلة . # وقيل : كل ما يتوسد ويفترش مما له حشو يسمى أريكة وإن لم تكن له حجلة ، ~~وفي ( الإتقان ) عن ابن الجوزي : أن ms8984 الأريكة السرير بالحبشية فزاده السيوطي ~~على أبيات ابن السبكي وابن حجر في ( جمع المعرب في القرآن ) . # وجملة : { لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا } حال ثانية من ضمير الغائب في ~~{ جزاهم } أو صفة { جنة } . # والمراد بالشمس : حر أشعتها ، فنفي رؤية الشمس في قوله : { لا يرون فيها ~~شمسا } فيكون نفي رؤية الشمس كناية عن نفي وجود الشمس الذي يلزمه انتفاء حر ~~شعاعها فهو من الكناية التلويحية كقوله : # ولا ترى الضب بها ينجحر # أي لا ضب بها فتراه ولا يكون انجحاره . # والزمهرير : اسم للبرد القوي في لغة الحجاز ، والزمهرير : اسم البرد . # والمعنى : أن هواء الجنة معتدل لا ألم فيه بحال . وفي كلام الرابعة من ~~نساء حديث أم زرع ( زوجي كليلل تهامه ، لا حر ولا قر ولا مخافة ولا سآمه ) ~~. # وقال ثعلب : الزمهرير اسم القمر في لغة طيء ، وأنشد : # وليلة ظلامها قد اعتكر # قطعتها والزمهرير ما زهر # والمعنى على هذا : أنهم لا يرون في الجنة ضوء الشمس ولا ضوء القمر ، أي ~~ضوء النهار وضوء الليل لأن ضياء الجنة من نور واحد خاص بها . وهذا معنى آخر ~~غير نفي الحر والبرد . # ومن الناس من يقول : المراد بالشمس حقيقتها وبالزمهرير البرد وإن في ~~الكلام PageV29P389 احتباكا ، والتقدير : لا يرون فيها شمسا ولا قمرا ولا ~~حرا ولا زمهريرا وجعلوه مثالا للاحتباك في المحسنات البديعية ، ولعل مراده ~~: أن المعنى أن نورها معتدل وهواءها معتدل . # { ودانية عليهم ظلالها } انتصب { دانية } عطفا على { متكئين } لأن هذا ~~حال سببي من أحوال المتكئين ، أي ظلال شجر الجنة قريبة منهم . و { ظلالها } ~~فاعل { دانية } وضمير { ظلالها } عائد إلى { جنة } . # ودنو الظلال : قربها منهم وإذ لم يعهد وصف الظل بالقرب يظهر أن دنو ~~الظلال كناية عن تدلي الأدواح التي من شأنها أن تظلل الجنات في معتاد ~~الدنيا ولكن الجنة لا شمس فيها فيستظل من حرها ، فتعين أن تركيب { دانية ~~عليهم ظلالها } مثل يطلق على تدلي أفنان الجنة لأن الظل المظلل للشخص لا ~~يتفاوت بدنو ولا بعد ، وقد يكون { ظلالها } مجازا مرسلا عن الأفنان بعلاقة ~~اللزوم ms8985 . # والمعنى : أن أدواح الجنة قريبة من مجالسهم وذلك مما يزيدها بهجة وحسنا ~~وهو في معنى قوله تعالى : { قطوفها دانية } ( الحاقة : 23 ) . # ولذلك عطف عليه جملة { وذللت قطوفها تذليلا } . أي سخرت لهم قطوف تلك ~~الأدواح وسهلت لهم بحيث لا التواء فيها ولا صلابة تتعب قاطفها ولا يتمطون ~~إليها بل يجتنونها بأسهلل تناول . # فاستعير التذليل للتيسير كما يقال : فرس ذلول : أي مطواع لراكبه ، وبقرة ~~ذلول ، أي ممرنة على العمل ، وتقدم في سورة البقرة . # والقطوف : جمع قطف بكسر القاف وسكون الطاء ، وهو العنقود من التمر أو ~~العنب ، سمي قطفا بصيغة من صيغ المفعول مثل ذبح ، لأنه يقصد قطفه فإطلاق ~~القطف عليه مجاز باعتبار المآل شاع في الكلام . وضمير { قطوفها } عائد إلى ~~{ جنة } أو إلى { ظلالها } باعتبار الظلال كناية عن الأشجار . # و { تذليلا } مصدر مؤكد لذلك ، أي تذليلا شديدا منتهيا . PageV29P390 # ( 15 ، 16 ) . # عطف على جملة { يشربون من كأس } ( الإنسان : 5 ) الخ كما اقتضاه التناسب ~~بين جملة { يشربون } وجملة { يطاف عليهم } في الفعلية والمضارعية ، وذلك من ~~أحسن أحوال الوصل ، عاد الكلام إلى صفة مجالس شرابهم . # وهذه الجملة بيان لما أجمل في جملة { إن الأبرار يشربون من كأس } ( ~~الإنسان : 5 ) ، وإنما عطفت عليها لما فيها من مغايرة مع الجملة المعطوف ~~عليها من صفة آنية الشراب ، فلهذه المناسبة أعقب ذكر مجالس أهل الجنة ~~ومتكآتهم ، بذكر ما يستتبعه مما تعارفه أهل الدنيا من أحوال أهل البذخ ~~والترف واللذات بشرب الخمر إذ يدير عليهم آنية الخمر سقاة . وإذ قد كان ذلك ~~معروفا لم تكن حاجة إلى ذكر فاعل الطواف فبني للنائب . # وهذا وعد لهم بإعطاء متمناهم في الدنيا مع مزيد عليه من نعيم الجنة ( ما ~~لا عين رأت ولا خطر على قلب بشر ) . # والطواف : مشي مكرر حول شيء أو بين أشياء ، فلما كان أهل المتكأ جماعة ~~كان دوران السقاء بهم طوافا . وقد سموا سقي الخمر : إدارة الخمر ، أو إدارة ~~الكأس . والساقي : مدير الكأس ، أو مدير الجام أو نحو ذلك . # والآنية : جمع إناء ممدودا بوزن أفعلة مثل كساء وأكسية ووعاء ms8986 وأوعية ~~اجتمع في أول الجمع همزتان مزيدة وأصلية فخففت ثانيتهما ألفا . # والإناء : اسم لكل وعاء يرتفق له ، وقال الراغب : ما يوضع فيه الشيء اه ~~فيظهر أنه يطلق على كل وعاء يقصد للاستعمال والمداولة للأطعمة والأشربة ~~ونحوهما سواء كان من خشب أو معدن أو فخار أو أديم أو زجاج ، يوضع فيه ما ~~يشرب أو ما يؤكل ، أو يطبخ فيه ، والظاهر أنه لا يطلق على ما يجعل للخزن ~~فليست القربة بإناء ولا الباطية بإناء ، والكأس إناء والكوز إناء والإبريق ~~إناء والصحفة إناء . # والمراد هنا : آنية مجالس شرابهم كما يدل عليه ذكر الأكواب وذلك في عموم ~~PageV29P391 الآنية وما يوضع معه من نقل أو شواء أو نحو ذلك كما قال تعالى ~~في آية الزخرف { يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب . # وتشمل الآنية الكؤوس . وذكر الآنية بعد كأس } ( الإنسان : 5 ) من قوله : ~~{ إن الأبرار يشربون من كأس } ( الإنسان : 5 ) من ذكر العام بعد الخاص إلا ~~إذا أريد بالكأس الخمر . # والأكواب : جمع كوب بضم الكاف بعده واو ساكنة . والكوب : كوز لا عروة له ~~ولا خرطوم له ، وتقدم في سورة الزخرف . # وعطف { أكواب } على ( آنية ) من عطف الخاص على العام لأن الأكواب تحمل ~~فيها الخمر لإعادة ملء الكؤوس . ووصفت هنا بأنها من فضة ، أي تأتيهم آنيتهم ~~من فضة في بعض الأوقات ومن ذهب في أوقات أخرى كما دل عليه قوله في سورة ~~الزخرف { يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب لأن للذهب حسنا وللفضة حسنا فجعلت ~~آنيتهم من المعدنين النفيسين لئلا يفوتهم ما في كل من الحسن والجمال ، أو ~~يطاف عليهم بآنية من فضة وآنية من ذهب متنوعة متزاوجة لأن ذلك أبهج منظرا ~~مثل ما قال مرة وحلوا أساور من فضة } ( الإنسان : 21 ) ، ومرة { يحلون فيها ~~من أساور من ذهب } ( الكهف : 31 ) ، وذلك لإدخال المسرة على أنفسهم بحسن ~~المناظر فإنهم كانوا يتمنونها في الدنيا لعزة وجودها أو وجود الكثير منها ، ~~وأوثر ذكر آنية الفضة هنا لمناسبة تشبيهها بالقوارير في البياض . # والقوارير : جمع قارورة ، وأصل القارورة إناء شبه كوز ms8987 ، قيل : لا تسمى ~~قارورة إلا إذا كانت من زجاج ، وقيل مطلقا وهو الذي ابتدأ به صاحب ( ~~القاموس ) . # وسميت قارورة اشتقاقا من القرار وهو المكث في المكان وهذا وزن غريب . # والغالب أن اسم القارورة للإناء من الزجاج ، وقد يطلق على ما كان من زجاج ~~وإن لم يكن إناء كما في قوله تعالى : { قال إنه صرح ممرد من قوارير } ( ~~النمل : 44 ) وقد فسر قوله : { قواريرا } في هذه الآية بأنها شبيهة ~~بالقوارير في صفاء اللون والرقة حتى كأنها تشف عما فيها . # والتنافس في رقة آنية الخمر معروف عند شاربيها قال الأعشى : # تريك القذى من دونها وهي دونه # إذا ذاقها من ذاقها يتمطق PageV29P392 # وفعل { كانت } هنا تشبيه بليغ ، والمعنى : إنها مثل القوارير في شفيفها ، ~~وقرينة ذلك قوله : { من فضة } ، أي هي من جنس الفضة في لون القوارير لأن ~~قوله { من فضة } حقيقة فإنه قال قبله { بآنية من فضة } . # ولفظ { قواريرا } الثاني ، يجوز أن يكون تأكيدا لفظيا لنظيره لزيادة ~~تحقيق أن لها رقة الزجاح فيكون الوقف على { قواريرا } الأول . # ويجوز أن يكون تكريرا لإفادة التصنيف فإن حسن التنسيق في آنية الشراب من ~~مكملات رونق مجلسه ، فيكون التكرير مثل ما في قوله تعالى : { والملك صفا ~~صفا } ( الفجر : 22 ) وقول الناس : قرأت الكتاب بابا بابا فيكون الوقف على ~~{ قواريرا } الثاني . # وكتب في المصحف { قواريرا قواريرا } بألف في آخر كلتا الكلمتين التي هي ~~علامة تنوين . # وقرأ نافع والكسائي وأبو بكر عن عاصم وأبو جعفر { قواريرا } الأول ~~والثاني منونين وتنوين الأول لمراعاة الكلمات الواقعة في الفواصل السابقة ~~واللاحقة من قوله { كافورا } ( الإنسان : 5 ) إلى قوله { تقديرا } وتنوين ~~الثاني للمزاوجة مع نظيره وهؤلاء وقفوا عليهما بالألف مثل أخواتهما وقد ~~تقدم نظيره في قوله تعالى : { سلاسلا وأغلالا } ( الإنسان : 4 ) . # وقرأ ابن كثير وخلف ورويس عن يعقوب { قوايرا } الأول بالتنوين ووقفوا ~~عليه بالألف وهو جار على التوجيه الذي وجهنا به قراءة نافع والكسائي . وقرآ ~~{ قواريرا } الثاني بغير تنوين على الأصل ولم تراع المزاوجة ووقفا عليه ~~بالسكون . # وقرأ ابن عامر وأبو عمرو وحمزة ms8988 وحفص عن عاصم بترك التنوين فيهما لمنع ~~الصرف وعدم مراعاة الفواصل ولا المزاوجة . # والقراءات رواية متواترة لا يناكدها رسم المصحف فلعل الذين كتبوا المصاحف ~~لم تبلغهم إلا قراءة أهل المدينة . # وحدث خلف عن يحيى بن آدم عن ابن إدريس قال : في المصاحف الأول ثبت { ~~قواريرا } الأول بالألف والثاني بغير ألف ، يعني المصاحف التي في الكوفة ~~فإن عبد الله ابن إدريس كوفي . وقال أبو عبيد : لرأيت في مصحف عثمان { ~~قواريرا } الأول بالألف وكان الثاني مكتوبا بالألف فحكت فرأيت أثرها هناك ~~PageV29P393 بينا اه . وهذا كلام لا يفيد إذ لو صح لما كان يعرف من الذي ~~كتبه بالألف ، ولا من الذي محا الألف ولا متى كان ذلك فيما بين زمن كتابة ~~المصاحف وزمن أبي عبيد ، ولا يدرى ماذا عنى بمصحف عثمان أهو مصحفه الذي ~~اختص به أم هو مصحف من المصاحف التي نسخت في خلافته ووزعها على الأمصار ؟ . # وقرأ يعقوب بغير تنوين فيهما في الوصل . # وأما في الوقف فحمزة وقف عليهما بدون ألف . وهشام عن ابن عامر وقفا ~~عليهما بالألف على أنه صلة للفتحة ، أي إشباع للفتحة ووقف أبو عمرو وحفص ~~وابن ذكوان عن ابن عامر ورويس عن يعقوب على الأول بالألف وعلى الثاني بدون ~~ألف ووجهه ما وجهت به قراءة ابن كثير وخلف . # وقوله : { قدروها تقديرا } يجوز أن يكون ضمير الجمع عائدا إلى { الأبرار ~~} ( الإنسان : 5 ) أو { عباد الله } ( الإنسان : 6 ) الذي عادت إليه ~~الضمائر المتقدمة من قوله { يفجرونها } ( الإنسان : 6 ) و { يوفون } ( ~~الإنسان : 7 ) إلى آخر الضمائر فيكون معنى التقدير رغبتهم أن تجيء على وفق ~~ما يشتهون . # ويجوز أن يكون الضمير عائدا إلى نائب الفاعل المحذوف المفهوم من بناء { ~~يطاف } للنائب ، أي الطائفون عليهم بها قدروا الآنية والأكواب ، أي قدروا ~~ما فيها من الشراب على حسب ما يطلبه كل شارب منهم ومآله إلى معنى الاحتمال ~~الأول . وكان مما يعد في العادة من حذق الساقي أن يعطي كل أحد من الشرب ما ~~يناسب رغبته . # و { تقديرا } مفعول مطلق مؤكد لعامله للدلالة على ms8989 وفاء التقدير وعدم ~~تجاوزه المطلوب ولا تقصيره عنه . # ( 17 18 ) . # أتبع وصف الآنية ومحاسنها بوصف الشراب الذي يحويه وطيبه ، فالكأس كأس ~~الخمر وهي من جملة عموم الآنية المذكورة فيما تقدم ولا تسمى آنية الخمر ~~PageV29P394 كأسا إلا إذا كان فيها خمر فكون الخمر فيها هو مصحح تسميتها ~~كأسا ، ولذلك حسن تعدية فعل السقي إلى الكأس لأن مفهوم الكأس يتقوم بما في ~~الإناء من الخمر ، ومثل هذا قول الأعشى : # وكأسس شربت على لذة # وأخرى تداويت منها بها # يريد : وخمر شربت . # والقول في إطلاق الكأس على الإناء أو على ما فيه كالقول في نظيره المتقدم ~~في قوله : { إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا } ( الإنسان : 5 ) ~~. # ومعنى الآية أن هذه سقية أخرى ، أي مرة يشربون من كأس مزاجها الكافور ~~ومرة يسقون كأسا مزاجها الزنجبيل . # وضمير { فيها } للجنة من قوله : { جنة وحريرا } ( الإنسان : 12 ) . # وزنجبيل : كلمة معربة وأصلها بالكاف الأعجمية عوض الجيم . قال الجواليقي ~~والثعالبي : هي فارسية ، وهو اسم لجذور مثل جذور السعد بضم السين وسكون ~~العين تكون في الأرض كالجزر الدقيق واللفت الدقيق لونها إلى البياض لها ~~نبات له زهر ، وهي ذات رائحة عطرية طيبة وطعمها شبيه بطعم الفلفل ، وهو ~~ينبت ببلاد الصين والسند وعمان والشحر ، وهو أصناف أحسنها ما ينبت ببلاد ~~الصين ، ويدخل في الأدوية والطبخ كالأفاويه ورائحته بهارية وطعمه حريف . ~~وهو منبه ويستعمل منقوعا في الماء ومربى بالسكر . # وقد عرفه العرب وذكره شعراء العرب في طيب الرائحة . # أي يمزجون الخمر بالماء المنقوع فيه الزنجبيل لطيب رائحته وحسن طعمه . # وانتصب { عينا } على البدل من { زنجبيلا } كما تقدم في قوله : { كان ~~مزاجها كافورا عينا يشرب بها عباد الله } ( الإنسان : 5 ، 6 ) . # ومعنى كون الزنجبيل عينا : أن منقوعه أو الشراب المستخرج منه كثير كالعين ~~على نحو قوله تعالى : { وأنهار من لبن لم يتغير طعمه } ( محمد : 15 ) ، أي ~~هو كثير جدا وكان يعرف في الدنيا بالعزة . PageV29P395 # و ( سلسبيل ) : وصف قيل مشتق من السلاسة وهي السهولة واللين فيقال : ماء ~~سلسل ، أي عذب بارد . قيل : زيدت ms8990 فيه الباء والياء ( أي زيدتا في أصل الوضع ~~على غير قياس ) . # قال التبريزي في ( شرح الحماسة ) في قول البعيث بن حريث : # خيال لأم السلسبيل ودونها # مسيرة شهر للبريد المذبذب # قال أبو العلاء : السلسبيل الماء السهل المساغ . وعندي أن هذا الوصف ركب ~~من مادتي السلاسة والسبالة ، يقال : سبلت السماء ، إذا أمطرت ، فسبيل فعيل ~~بمعنى مفعول ، ركب من كلمتي السلاسة والسبيل لإرادة سهولة شربه ووفرة جريه ~~. وهذا من الاشتقاق الأكبر وليس باشتقاق تصريفي . # فهذا وصف من لغة العرب عند محققي أهل اللغة . وقال ابن الأعرابي : لم ~~أسمع هذه اللفظة إلا في القرآن ، فهو عنده من مبتكرات القرآن الجارية على ~~أساليب الكلام العربي ، وفي ( حاشية الهمذاني على الكشاف ) نسبة بيت البعث ~~المذكور آنفا مع بيتين بعده إلى أمية بن أبي الصلت وهو عزو غريب لم يقله ~~غيره . # ومعنى { تسمى } على هذا الوجه ، أنها توصف بهذا الوصف حتى صار كالعلم لها ~~كما قال تعالى : { ليسمون الملائكة تسمية الأنثى } ( النجم : 27 ) أي ~~يصفونهم بأنهم إناث ، ومنه قوله تعالى : { هل تعلم له سميا } ( مريم : 65 ) ~~أي لا مثيل له . فليس المراد أنه علم . # ومن المفسرين من جعل التسمية على ظاهرها وجعل { سلسبيلا } علما على هذه ~~العين ، وهو أنسب بقوله تعالى : { تسمى . } وعلى قول ابن الأعرابي والجمهور ~~: لا إشكال في تنوين { سلسبيلا } . وأما الجواليقي : إنه أعجمي سمي به ، ~~يكون تنوينه للمزاوجة مثل تنوين { سلاسلا } ( الإنسان : 4 ) . # وهذا الوصف ينحل في السمع إلى كلمتين : سل ، سبيلا ، أي اطلب طريقا . وقد ~~فسره بذلك بعض المفسرين وذكر أنه جعل علما لهذه العين من قبيل العلم ~~المنقول عن جملة مثل : تأبط شرا ، وذرى حبا . وفي ( الكشاف ) أن هذا تكلف ~~وابتداع . PageV29P396 # . # هذا طواف آخر غير طواف السقاة المذكور آنفا بقوله : { ويطاف عليهم بآنية ~~من فضة } ( الإنسان : 15 ) الخ فهذا طواف لأداء الخدمة فيشمل طواف السقاة ~~وغيرهم . # و { ولدان } : جمع وليد وأصل وليد فعيل بمعنى مفعول ويطلق الوليد على ~~الصبي مجازا مشهورا بعلاقة ما كان ، لقصد تقريب عهده بالولادة ، وأحسن من ~~يتخذ للخدمة ms8991 الولدان لأنهم أخف حركة وأسرع مشيا ولأن المخدوم لا يتحرج إذا ~~أمرهم أو نهاهم . # ووصفوا بأنهم { مخلدون } للاحتراس مما قد يوهمه اشتقاق { ولدان } من أنهم ~~يشبون ويكتهلون ، أي لا تتغير صفاتهم فهم ولدان دوما وإلا فإن خلود الذوات ~~في الجنة معلوم فما كان ذكره إلا لأنه تخليد خاص . # وقال أبو عبيدة { مخلدون } : محلون بالخلدة بوزن قردة . واحدها خلد كقفل ~~وهو اسم للقرط في لغة حمير . # وشبهوا باللؤلؤ المنثور تشبيها مقيدا فيه المشبه بحال خاص لأنهم شبهوا به ~~في حسن المنظر مع التفرق . # وتركيب { إذا رأيتهم حسبتهم } مفيد للتشبيه المراد به التشابه والخطاب في ~~{ رأيت } ( الإنسان : 20 ) خطاب لغير معين ، أي إذا رآه الرائي . # والقول في معنى الطواف تقدم عند قوله تعالى : { ويطاف عليهم بآنية من فضة ~~الآية } ( الإنسان : 15 ) . # . # الخطاب لغير معين . و { ثم } إشارة إلى المكان ولا يكون إلا ظرفا والمشار ~~إليه هنا ما جرى ذكره أعني الجنة المذكورة في قوله : { وجزاهم بما صبروا ~~جنة } ( الإنسان : 12 ) . PageV29P397 # وفعل { رأيت } الأول منزل منزلة اللازم يدل على حصول الرؤية فقط لا ~~تعلقها بمرئي ، أي إذا وجهت نظرك ، و { رأيت } الثاني جواب { إذا } ، أي ~~إذا فتحت عينك ترى نعيما . # والتقييد ب { إذا } أفاد معنى الشرطية فدل على أن رؤية النعيم لا تتخلف ~~عن بصر المبصر هنالك فأفاد معنى : لا ترى إلا نعيما ، أي بخلاف ما يرى في ~~جهات الدنيا . # وفي قوله : { وملكا كبيرا } تشبيه بليغ ، أي مثل أحوال الملك الكبير ~~المتنعم ربه . # وفائدة هذا التشبيه تقريب المشبه لمدارك العقول . # والكبير مستعار للعظيم وهو زائد على النعيم بما فيه من رفعة وتذليل ~~للمصاعب . # . # . # هذه الأشياء من شعار الملوك في عرف الناس زمانئذ ، فهذا مرتبط بقوله { ~~وملكا كبيرا } ( الإنسان : 20 ) . # وقرأ نافع وحمزة وأبو جعفر { عاليهم } بسكون الياء على أن الكلام جملة ~~مستأنفة استئنافا بيانيا لجملة { رأيت نعيما وملكا كبيرا } ( الإنسان : 20 ~~) ، ف { عاليهم } مبتدأ و { ثياب سندس } فاعله ساد مسد الخبر وقد عمل في ~~فاعله وإن لم يكن معتمدا على نفي أو استفهام ms8992 أو وصف ، وهي لغة خبير بنو لهب ~~وتكون الجملة في موضع البيان لجملة : { رأيت نعيما } ( الإنسان : 20 ) . # وقرأ بقية العشرة { عاليهم } بفتح التحتية على أنه حال مفرد ل { الأبرار ~~} ( الإنسان : 5 ) ، أي تلك حالة أهل الملك الكبير . # وإضافة { ثياب } إلى { سندس } بيانية مثل : خاتم ذهبب ، وثوبب خز ، أي ~~منه . # والسندس : الديباج الرقيق . PageV29P398 # والإستبرق : الديباج الغليظ وتقدما عند قوله تعالى : { ويلبسون ثيابا ~~خضرا من سندس وإستبرق في سورة الكهف وهما معربان . # فأما السندس فمعرب عن اللغة الهندية وأصله ( سندون ) بنون في آخره ، قيل ~~: إن سبب هذه التسمية أنه جلب إلى الإسكندر ، وقيل له : إن اسمه ( سندون ) ~~فصيره للغة اليونان سندوس ( لأنهم يكثرون تنهية الأسماء بحرف السين ) وصيره ~~العرب سندسا . وفي اللسان } : أن السندس يتخذ من المرعزى ( كذا ضبطه مصححه ~~) والمعروف المرعز كما في ( التذكرة ) و ( شفاء الغليل ) . وفي ( التذكرة ) ~~المرعز : ما نعم وطال من الصوف اه . فلعله صوف حيوان خاص فيه طول أو هو من ~~نوع الشعر ، والظاهر أنه لا يكون إلا أخضر اللون لقول يزيد بن حذاق العبدي ~~يصف مرعى فرسه : # وداويتها حتى شتت حبشية # كأن عليها سندسا وسدوسا # أي في أرض شديدة الخضرة كلون الحبشي . وفي ( اللسان ) : السدوس الطيلسان ~~الأخضر . ولقول أبي تمام يرثي محمد بن حميد النبهاني الطوسي : # تردى ثياب الموتت حمرا فما أتى # لها الليل إلا وهي من سندس خضر # وأما الإستبرق فنسج من نسج الفرس واسمه فارسي ، وأصله في الفارسية : ~~استقره . # والمعنى : أن فوقهم ثيابا من الصنفين يلبسون هذا وذاك جمعا بين محاسن ~~كليهما ، وهي أفخر لباس الملوك وأهل الثروة . # ولون الأخضر أمتع للعين وكان من شعار الملوك ، قال النابغة يمدح ملوك ~~غسان : # يصونون أجسادا قديما نعيمها # بخالصة الأردان خضر المناكب # والظاهر أن السندس كان لا يصبغ إلا أخضر اللون . # وقرأ نافع وحفص { خضر } بالرفع على الصفة ل { ثياب } . و { إستبرق بالرفع ~~أيضا على أنه معطوف على ثياب } بقيد كونها من سندس فمعنى عاليهم إستبرق : ~~أن الإستبرق لباسهم . PageV29P399 # وقرأ ابن كثير وأبو بكر عن عاصم { خضر ms8993 } بالجر نعتا ل { سندس ، } و { ~~إستبرق } بالرفع عطفا على { ثياب . # وقرأ ابن عامر وأبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب خضر } بالرفع و { إستبرق } ~~بالجر عطفا على { سندس } بتقدير : وثياب إستبرق . # وقرأ حمزة والكسائي { خضر } بالجر نعتا ل { سندس } باعتبار أنه بيان ~~للثياب فهو في معنى الجمع . وقرأ و { إستبرق } بالجر عطفا على { سندس . # والأساور : جمع سوار وهو حلي شكله اسطواني فارغ الوسط يلبسه النساء في ~~معاصمهن ولا يلبسه الرجال إلا الملوك ، وقد ورد في الحديث ذكر سواري كسرى . # والمعنى : أن حال رجال أهل الجنة حال الملوك ومعلوم أن النساء يتحلين ~~بأصناف الحلي . # ووصفت الأساور هنا بأنها من فضة . } وفي سورة الكهف بأنها { من ذهب في ~~قوله : يحلون فيها من أساور من ذهب ، أي مرة يحلون هذه ومرة الأخرى ، أو ~~يحلونهما جميعا بأن تجعل متزاوجة لأن ذلك أبهج منظرا كما ذكرناه في تفسير ~~قوله : كانت قواريرا قواريرا من فضة } ( الإنسان : 15 ، 16 ) . # . # هذا احتراس مما يوهمه شربهم من الكأس الممزوجة بالكافور والزنجبيل من أن ~~يكون فيها ما في أمثالها المعروفة في الدنيا ومن الغول وسوء القول والهذيان ~~، فعبر عن ذلك بكون شرابهم طهورا بصيغة المبالغة في الطهارة وهي النزاهة من ~~الخبائث ، أي منزها عما في غيره من الخباثة والفساد . # وأسند سقيه إلى ربهم إظهارا لكرامتهم ، أي أمر هو بسقيهم كما يقال : ~~أطعمهم رب الدار وسقاهم . PageV29P400 # . # هذا الكلام مقول قول محذوف قرينته الخطاب إذ ليس يصلح لهذا الخطاب مما ~~تقدم من الكلام إلا أن يكون المخاطبون هم الأبرار الموصوف نعيمهم . # والقول المحذوف يقدر فعلا في موضع الحال من ضمير الغائب في { سقاهم } ( ~~الإنسان : 21 ) ، نحو : يقال لهم ، أو يقول لهم ربهم ، أو يقدر اسما هو حال ~~من ذلك الضمير نحو : مقولا لهم هذا اللفظ ، أو قائلا لهم هذا اللفظ . # والإشارة إلى ما يكون حاضرا لديهم من ألوان النعيم الموصوف فيما مضى من ~~الآيات . # والمقصود من ذلك الثناء عليهم بما أسلفوا من تقوى الله وتكرمتهم بذلك ~~وتنشيط أنفسهم بأن ما أنعم به عليهم هو ms8994 حق لهم جزاء على عملهم . # وإقحام فعل { كان } للدلالة على تحقيق كونه جزاء لا منا عليهم بما لم ~~يستحقوا ، فإن من تمام الإكرام عند الكرام أن يتبعوا كرامتهم بقول ينشط له ~~المكرم ويزيل عنه ما يعرض من خجل ونحوه ، أي هو جزاء حقا لا مبالغة في ذلك ~~. # وعطف على ذلك قوله : { وكان سعيكم مشكورا } علاوة على إيناسهم بأن ما ~~أغدق عليهم كان جزاء لهم على ما فعلوا بأن سعيهم الذي كان النعيم جزاء عليه ~~، هو سعي مشكور ، أي مشكور ساعيه ، فأسند المشكور إلى السعي على طريقة ~~المجاز العقلي مثل قولهم : سيل مفعم . # ولك أن تجعل { مشكورا } مفعولا حقيقة عقلية لكن على طريقة الحذف والإيصال ~~، أي مشكورا عليه . # وإقحام فعل { كان } كإقحام نظيره آنفا . PageV29P401 # ( 23 24 ) . # من هنا يبتدىء ما لا خلاف في أنه مكي من هذه السورة . # وعلى كلا القولين فهذا استئناف ابتدائي ، ويجيء على قول الجمهور أن ~~السورة كلها مكية وهو الأرجح ، أنه استئناف للانتقال من الاستدلال على ثبوت ~~البعث بالحجة والترهيب والوعيد للكافرين به والترغيب والوعد للمؤمنين به ~~بمرهبات ومرغبات هي من الأحوال التي تكون بعد البعث ، فلما استوفى ذلك ثني ~~عنان الكلام إلى تثبيت الرسول صلى الله عليه وسلم والربط على قلبه لدفاع أن ~~تلحقه آثار الغم على تصلب قومه في كفرهم وتكذيبهم بما أنزل عليه مما شأنه ~~أن يوهن العزيمة البشرية ، فذكره الله بأنه نزل عليه الكتاب لئلا يعبأ ~~بتكذيبهم . # وفي إيراد هذا بعد طول الكلام في أحوال الآخرة ، قضاء لحق الاعتناء ~~بأحوال الناس في الدنيا فابتدىء بحال أشرف الناس وهو الرسول صلى الله عليه ~~وسلم ثم بحال الذين دعاهم الرسول صلى الله عليه وسلم بين من { يحبون ~~العاجلة } ( الإنسان : 27 ) ومن { اتخذ إلى ربه سبيلا } ( الإنسان : 29 ) ~~فأدخلهم في رحمته . # وتأكيد الخبر ب ( إن ) للاهتمام به . # وتأكيد الضمير المتصل بضمير منفصل في قوله : { إنا نحن } لتقرير مدلول ~~الضمير تأكيدا لفظيا للتنبيه على عظمة ذلك الضمير ليفضي به إلى زيادة ~~الاهتمام بالخبر إذ يتقرر أنه فعل ms8995 من ذلك الضميرانن له لأنه لا يفعل إلا ~~فعلا منوطا بحكمة وأقصى الصواب . # وهذا من الكناية الرمزية ، وبعد فالخبر بمجموعه مستعمل في لازم معناه وهو ~~التثبيت والتأييد فمجموعه كناية ومزية . # وإيثار فعل { نزلنا } الدال على تنزيله منجما آياتت وسورا تنزيلا مفرقا ~~إدماج للإيماء إلى أن ذلك كان من حكمة الله تعالى التي أومأ إليها تأكيد ~~الخبر ب ( إن ) وتأكيد الضمير المتصل بالضمير المنفصل ، فاجتمع فيه تأكيد ~~على تأكيد وذلك PageV29P402 يفيد مفاد القصر إذ ليس الحصر والتخصيص إلا ~~تأكيدا على تأكيد كما قال السكاكي ، فالمعنى : ما نزل عليك القرآن إلا أنا ~~. # وفيه تعريض بالمشركين الذين قالوا : { لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة } ~~( الفرقان : 32 ) فجعلوا تنزيله مفرقا شبهة في أنه ليس من عند الله . # والمعنى : ما أنزله منجما إلا أنا واقتضت حكمتي أن أنزله عليك منجما . # وفرع على هذا التمهيد أمره بالصبر على أعباء الرسالة وما يلقاه فيها من ~~أذى المشركين ، وشد عزيمته أن لا تخور . # وسمى ذلك حكما لأن الرسالة عن الله لا خيرة للمرسل في قبولها والاضطلاعع ~~بأمورها ، ولأن ما يحف بها من مصاعب إصلاح الأمة وحملها على ما فيه خيرها ~~في العاجل والآجل ، وتلقي أصناف الأذى في خلال ذلك حتى يتم ما أمر الله به ~~، كالحكم على الرسول بقبولل ما يبلغ منتهى الطاقة إلى أجلل معين عند الله . # وعدي فعل ( اصبر ) باللام لتضمن الصبر معنى الخضوع والطاعة للأمر الشاق ، ~~وقد يعدى بحرف ( على ) كما قال تعالى : { واصبر على ما يقولون } ( المزمل : ~~10 ) . ومناسبة مقام الكلام ترجح إحدى التعديتين كما تقدم بيان ذلك عند ~~قوله تعالى : { ولربك فاصبر في سورة المدثر . # ولما كان من ضروب إعراضهم عن قبول دعوته ضرب فيه رغبات منهم مثل أن يترك ~~قرعهم بقوارع التنزيل من تأفين رأيهم وتحقير دينهم وأصنامهم ، وربما عرضوا ~~عليه الصهر معهم ، أو بذل المال منهم ، أعقب أمره بالصبر على ما هو من ضروب ~~الإعراض في صلابة وشدة ، بأن نهاه عن أن يطيعهم في الضرب الآخر من ضروب ~~الإعراض الواقع في ms8996 قالب اللين والرغبة . # وفي هذا النهي تأكيد للأمر بالصبر لأن النهي عنه يشمل كل ما يرفع موجبات ~~الصبر المراد هنا . # والمقصود من هذا النهي تأييسهم من استجابته لهم حين يقرأ عليهم هذه الآية ~~لأنهم يحسبون أن ما عرضوه عليه سيكون صارفا له عما هو قائم به من الدعوة إذ ~~هم بعداء عن إدراك ماهية الرسالة ونزاهة الرسول صلى الله عليه وسلم . ~~PageV29P403 # والطاعة : امتثال الطلب بفعل المطلوب وبالكف عن المنهي عنه فقد كان ~~المشركون يعمدون إلى الطلب من النبي أن يفعل ما يرغبون ، مثل طرد ضعفاء ~~المؤمنين من المجلس ، والإتيان بقرآن غير هذا أو تبديله بما يشايع أحوالهم ~~، وأن يكف عما لا يريدون وقوعه من تحقير آلهتهم ، والجهر بصلاته ، فحذره ~~الله من الاستماع لقولهم وإياسهم من حصول مرغوبهم . # ومقتضى الظاهر أن يقول : ولا تطعهم ، أو ولا تطع منهم أحدا ، فعدل عنه ~~إلى آثما أو كفورا } للإشارة بالوصفين إلى أن طاعتهم تفضي إلى ارتكاب إثم ~~أو كفر ، لأنهم في ذلك يأمرونه وينهونه غالبا فهم لا يأمرون إلا بما يلائم ~~صفاتهم . # فالمراد بالآثم والكفور : الصنفان من الموصوفين وتعليق الطاعة المنهي ~~عنها بهذين النوعين مشعر بأن الوصفين علة في النهى . # والآثم والكفور متلازمانن فكان ذكر أحد الوصفين مغنيا عن الآخر ولكن جمع ~~بينهما لتشويه حال المتصف بهما قال تعالى : { والله لا يحب كل كفار أثيم } ~~( البقرة : 276 ) . # وفي ذكر هذين الوصفين إشارة أيضا إلى زعيمين من زعماء الكفر والعناد وهما ~~عتبة ابن ربيعة ، والوليد بن المغيرة ، لأن عتبة اشتهر بارتكاب المآثم ~~والفسوق ، والوليد اشتهر بشدة الشكيمة في الكفر والعتو . وقد كانا كافرين ~~فأشير إلى كل واحد منهما بما هو علم فيه بين بقية المشركين من كثرة المآثم ~~لأولهما . والمبالغة في الكفر لثانيهما ، فلذلك صيغت له صيغة المبالغة ( ~~كفور ) . # قيل عرض عتبة على النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع عن دعوة الناس إلى ~~الإسلام ويزوجه ابنته وكانت من أجمل نساء قريش . وعرض الوليد عليه أن يعطيه ~~من المال ما يرضيه ويرجع عن الدعوة ، وكان ms8997 الوليد من أكثر قريش مالا وهو ~~الذي قال الله في شأنه : { وجعلت له مالا ممدودا } ( المدثر : 12 ) . فيكون ~~في إيثار هذين الوصفين بالذكر إدماج لذمهما وتلميح لقصتهما . # وأياما كان فحرف { أو } لم يعد أصل معناه من عطف تشريك أحد شيئين أو ~~أشياء في خبر أو طلب ، وهذا التشريك يفيد تخييرا ، أو إباحة ، أو تقسيما ، ~~أو شكا ، أو تشكيكا بحسب المواقع وبحسب عوامل الإعراب ، لتدخل { أو } التي ~~PageV29P404 تضمر بعدها ( أن ) فتنصب المضارع . وكون المشرك بها واحدا من ~~متعدد ملازم لمواقعها كلها . # فمعنى الآية نهي عن طاعة أحد هذين الموصوفين ويعلم أن طاعة كليهما منهي ~~عنها بدلالة الفحوى لأنه إذا أطاعهما معا فقد تحقق منه طاعة أحدهما وزيادة ~~. # وموقع { منهم } موقع الحال من { آثما } فإنه صفة { آثما } فلما قدمت ~~الصفة على الموصوف صارت حالا . # و ( من ) للتبعيض . والضمير المجرور بها عائد للمشركين ، ولم يتقدم لهم ~~ذكر لأنهم معلومون من سياق الدعوة أو لأنهم المفهوم من قوله : { إنا نحن ~~نزلنا عليك القرآن تنزيلا } أي لا كما يزعم المشركون أنك جئت به من تلقاء ~~نفسك ، ومن قوله : { فاصبر لحكم ربك ، } أي على أذى المشركين . # ويؤول المعنى : ولا تطع أحدا من المشركين . # ( 25 26 ) . # أي أقبل على شأنك من الدعوة إلى الله وذكر الله بأنواع الذكر . وهذا ~~إرشاد إلى ما فيه عون له على الصبر على ما يقولون . # والمراد بالبكرة والأصيل استغراق أوقات النهار ، أي لا يصدك إعراضهم عن ~~معاودة الدعوة وتكريرها طرفي النهار . ويدخل في ذكر الله الصلوات مثل قوله ~~{ وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ~~ذكرى للذاكرين واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } ( هود : 114 ، 115 ) ~~. وكذلك النوافل التي هي من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم بين مفروض منها ~~وغير مفروض . فالأمر في قوله : { واذكر } مستعمل في مطلق الطلب من وجوب ~~ونفل . # وذكر اسم الرب يشمل تبليغ الدعوة ويشمل عبادة الله في الصلوات المفروضة ~~والنوافل ويشمل الموعظة بتخويف عقابه ورجاء ثوابه . PageV29P405 # وقوله : { بكرة وأصيلا } يشمل ms8998 أوقات النهار كلها المحدود منها كأوقات ~~الصلوات وغير المحدود كأوقات النوافل ، والدعاء والاستغفار . # و { بكرة هي أول النهار ، وأصيلا عشيا . # وقوله : ومن الليل فاسجد له } إشارة إلى أن الليل وقت تفرغ من بث الدعوة ~~كما تقدم في قوله : { قم الليل إلا قليلا إلي قوله : علم أن لن تحصوه فتاب ~~عليكم الآية } ( المزمل : 2 20 ) وهذا خاص بصلاة الليل فرضا ونفلا . # وقوله : { وسبحه } جملة معطوفة على جملة { من الليل فاسجد له } فتعين أن ~~التسبيح التنفل . # والتسبيح : التنزيه بالقول وبالاعتقاد ، ويشمل الصلوات والأقوال الطيبة ~~والتدبر في دلائل صفات الله وكمالاته ، وغلب إطلاق مادة التسبيح على الصلاة ~~النافلة ، وقال تعالى : { وسبح بحمد ربك حين تقوم } ( الطور : 48 ) ، أي من ~~الليل . وعن عبد الملك بن حبيب : و { سبحه } هنا صلاة التطوع في الليل ، ~~وقوله { طويلا } صفة { ليلا } وحيث وصف الليل بالطول بعد الأمر بالتسبيح ~~فيه ، علم أن { ليلا } أريد به أزمان الليل لأنه مجموع الوقت المقابل ~~للنهار ، لأنه لو أريد ذلك المقدار كله لم يكن في وصفه بالطول جدوى ، فتعين ~~أن وصف الطول تقييد للأمر بالتسبيح ، أي سبحه أكثر الليل ، فهو في معنى ~~قوله تعالى : { قم الليل إلا قليلا إلى أو زد عليه } ( الإنسان : 2 ، 4 ) ~~أو يتنازعه كل من ( اسجد ) و { سبحه } . # وانتصب { ليلا } على الظرفية ل { سبحه } . # وعن ابن عباس وابن زيد : أن هاتين الآيتين إشارة إلى الصلوات الخمس ~~وأوقاتها بناء على أن الأصيل يطلق على وقت الظهر فيكون قوله : { وسبحه } ~~إشارة إلى قيام الليل . # وهذه الآية جاءت على وفق قوله تعالى : { ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما ~~يقولون فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين } ( الحجر : 97 ، 98 ) وقوله تعالى : ~~{ واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا رب المشرق والمغرب لا إلاه إلا هو ~~فاتخذه وكيلا واصبر على ما يقولون } ( المزمل : 8 10 ) . PageV29P406 # . # تعليل للنهي عن إطاعتهم في قوله : { ولا تطع منهم آثما أو كفورا } ( ~~الإنسان : 24 ) ، أي لأن خلقهم الانصباب على الدنيا مع الإعراض عن الآخرة ~~إذ هم لا يؤمنون بالبعث فلو ms8999 أعطاهم لتخلق بخلقهم قال تعالى : { ودوا لو ~~تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء الآية } ( النساء : ~~89 ) . فموقع { إن } موقع التعليل وهي بمنزلة فاء السببية كما نبه عليه ~~الشيخ عبد القاهر . # و { هؤلاء } إشارة إلى حاضرين في ذهن المخاطب لكثرة الحديث عنهم ، وقد ~~استقريت من القرآن أنه إذا أطلق { هؤلاء } دون سبقق ما يكون مشارا إليه ~~فالمقصود به المشركون ، وقد ذكرت ذلك في تفسير قوله تعالى : { فإن يكفر بها ~~هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين في سورة الأنعام وقوله تعالى : ~~فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء في سورة هود . # وقد تنزه رسول الله عن محبة الدنيا فقال : ما لي وللدنيا فليس له محبة ~~لأمورها عدا النساء والطيب كما قال : حبب إلي من دنياكم النساء والطيب . # فأما النساء فالميل إليهن مركوز في طبع الذكور ، وما بالطبع لا يتخلف ، ~~وفي الأنس بهن انتعاش للروح فتناوله محمود إذا وقع على الوجه المبرأ من ~~الإيقاع في فساد وما هو الأمثل تناول الطعام وشرب الماء قال تعالى : ولقد ~~أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية } ( الرعد : 38 ) . # وأما الطيب فلأنه مناسب للتزكية النفسية . # وصيغة المضارع في { يحبون } تدل على تكرر ذلك ، أي أن ذلك دأبهم وديدنهم ~~لا يشاركون مع حب العاجلة حب الآخرة . # و { العاجلة } : صفة لموصوف محذوف معلوم من المقام تقديره : الحياة ~~العاجلة ، أو الدار العاجلة . والمراد بها مدة الحياة الدنيا . # وكثر في القرآن إطلاق العاجلة على الدنيا كقوله : { كلا بل تحبون العاجلة ~~وتذرون الآخرة } ( القيامة : 20 ، 21 ) فشاع بين المسلمين تسمية الدنيا ~~بالعاجلة . PageV29P407 # ومتعلق { يحبون } مضاف محذوف ، تقديره : نعيم أو منافع لأن الحب لا يتعلق ~~بذات الدنيا . # وفي إيثار ذكر الدنيا بوصف العاجلة توطئة للمقصود من الذم لأن وصف ~~العاجلة يؤذن بأنهم آثروها لأنها عاجلة . وفي ذلك تعريض بتحميقهم إذ رضوا ~~بالدون لأنه عاجل وليس ذلك من شيم أهل التبصر ، فقوله : { ويذرون ورآءهم ~~يوما ثقيلا } واقع موقع التكميل لمناط ذمهم وتحميقهم لأنهم لو أحبوا الدنيا ~~مع الاستعداد ms9000 للآخرة لما كانوا مذمومين قال تعالى حكاية لقول الناصحين ~~لقارون : { وابتغ فيما ءاتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا } ~~( القصص : 77 ) . وهذا نظير قوله تعالى : { يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا ~~وهم عن الآخرة هم غافلون } ( الروم : 7 ) إذ كان مناط الذم فيه هو أن قصروا ~~أنفسهم على علم أمور الدنيا مع الإعراض عن العلم بالآخرة . # ومثلوا بحال من يترك شيئا وراءه فهو لا يسعى إليه وإنما يسعى إلى ما بين ~~يديه . # وإنما أعرضوا عنه لأنهم لا يؤمنون بحلوله فكيف يسعون إليه . # وصيغة المضارع في { يذرون } تقتضي أنهم مستمرون على ذلك وأن ذلك متجدد ~~فيهم ومتكرر لا يتخلفون عن ذلك الترك لأنهم لا يؤمنون بحلول ذلك اليوم ، ~~فالمسلمون لا يذرون وراءهم هذا اليوم لأنهم لا يخلون من عمل له على تفاوت ~~بينهم في التقوى . # واليوم الثقيل : هو يوم القيامة ، وصف بالثقيل على وجه الاستعارة لشدة ما ~~يحصل فيه من المتاعب والكروب فهو كالشيء الثقيل الذي لا يستطاع حمله . # والثقل : يستعار للشدة والعسر قال تعالى : { ثقلت في السماوات والأرض } ( ~~الأعراف : 187 ) وقال : { إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا } ( المزمل : 5 ) . ~~PageV29P408 # . # لما كان الإخبار عنهم بأنهم { يذرون ورآءهم يوما ثقيلا } ( الإنسان : 27 ~~) يتضمن أنهم ينكرون وقوع ذلك اليوم كما قدمناه وكان الباعث لهم على إنكاره ~~شبهة استحالة إعادة الأجساد بعد بلاها وفنائها ، وكان الكلام السابق مسوقا ~~مساق الذم لهم والإنكار عليهم جيء هنا بما هو دليل للإنكار عليهم وإبطال ~~لشبهتهم ببيان إمكان إعادة خلقهم يعيده الذي خلقهم أول مرة كما قال تعالى : ~~{ فسيقولون من يعيدنا قلل الذي فطركم أول مرة } ( الإسراء : 51 ) وغير ذلك ~~من الآيات الحائمة حول هذا المعنى . # وافتتاح الجملة بالمبتدإ المخبر عنه بالخبر الفعلي دون أن تفتتح ب { ~~خلقناهم } أو نحن خالقون ، لإفادة تقوي الخبر وتحقيقه بالنظر إلى المعنيين ~~بهذا الكلام وإن لم يكن خطابا لهم ولكنهم هم المقصود منه . # وتقوية الحكم بناء على تنزيل أولئك المخلوقين منزلة من يشك في أن الله ~~خلقهم حيث لم يجرؤوا على موجب ms9001 العلم فأنكروا أن الله يعيد الخلق بعد البلى ~~، فكأنهم يسندون الخلق الأول لغيره . وتقوي الحكم يترتب عليه أنه إذا شاء ~~بدل أمثالهم بإعادة أجسادهم فلذلك لم يحتج إلى تأكيد جملة : { وإذا شئنا ~~بدلنا أمثالهم } ، استغناء بتولد معناها عن معنى التي قبلها وإن كان هو ~~أولى بالتقوية على مقتضى الظاهر . وهذا التقوي هنا مشعر بأن كلاما يعقبه هو ~~مصب التقوي ، ونظيره في التقوي والتفريع قوله تعالى : { نحن خلقناكم فلولا ~~تصدقون أفرأيتم ما تمنون إلى قوله : وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم ~~فإن المفرع هو أفرأيتم ما تمنون وما اتصل به . وجملة فلولا تصدقون معترضة ~~وقد مضى في سورة الواقعة ( 57 61 ) . # فأمثالهم } : هي الأجساد الثانية إذ هي أمثال لأجسادهم الموجودة حين ~~التنزيل . # والشد : الإحكام وإتقان ارتباط أجزاء الجسد بعضها ببعض بواسطة العظام ~~والأعصاب والعروق إذ بذلك يستقل الجسم . # والأسر : الربط ، وأطلق هنا على الإحكام والإتقان على وجه الاستعارة . ~~PageV29P409 # والمعنى : أحكمنا ربط أجزاء أجسامهم فكانت مشدودا بعضها إلى بعض . # وقوله : { وإذا شئنا بدلنا أمثالهم } إخبار بأن الله قادر على أن يبدلهم ~~بناس آخرين . # فحذف مفعول { شئنا } لدلالة وجواب { إذا } عليه كما هو الشأن في فعل ~~المشيئة غالبا . # واجتلاب { إذا } في هذا التعليق لأن شأن { إذا } أن تفيد اليقين بوقوع ما ~~قيد بها بخلاف حرف ( إن ) فهو إيماء إلى أن حصول هذه المشيئة مستقرب الوقوع ~~. # فيجوز أن يكون هذا بمنزلة النتيجة لقوله : { نحن خلقناهم } الخ ، ويحمل ~~الشرط على التحقق قال تعالى : { وإن الدين لواقع } ( الذاريات : 6 ) . # ويجوز أن يكون قوله : { وإذا شئنا بدلنا أمثالهم } تهديدا لهم على ~~إعراضهم وجحودهم للبعث ، أي لو شئنا لأهلكناهم وخلقنا خلقا آخر مثلهم كقوله ~~تعالى : { إن يشأ يذهبكم ويأتت بخلق جديد } ( إبراهيم : 19 ) . # ويكون { إذا } مرادا به تحقق التلازم بين شرط { إذا } وجوابها ، أي ~~الجملة المضافف إليها ، والجملة المتعلق بها . # وفعل التبديل يقتضي مبدلا ومبدلا به وأيهما اعتبرته في موضع الآخر صح لأن ~~كل مبدل بشيء هو أيضا مبدل به ذلك الشيء ، ولا سيما إذا لم يكن ms9002 في المقام ~~غرض ببيان المرغوب في اقتنائه والمسموح ببذله من الشيئين المستبدلين ، فحذف ~~من الكلام هنا متعلق { بدلنا } وهو المجرور بالباء لأنه أولى بالحذف ، ~~وأبقي المفعول . # وقد تقدم نظيره في سورة الواقعة في قوله : { على أن نبدل أمثالكم ، ومنه ~~قوله تعالى : إنا لقادرون على أن نبدل خيرا منهم في سورة المعارج ( 40 ، 41 ~~) فالتقدير : بدلنا منهم . # والأمثال : جمع مثل وهو المماثل في ذاتت أو صفة ، فيجوز أن يراد أمثالهم ~~في أشكال أجسادهم وهو التبديل الذي سيكون في المعاد . PageV29P410 # ويجوز أن يراد أمثالهم في أنهم أمم ، وعلى الوجه الأول فهو يدل على أن ~~البعث يحصل بخلق أجسام على مثال الأجساد التي كانت في الحياة الدنيا ~~للأرواح التي كانت فيها . # وانتصب تبديلا } على المفعول المطلق المؤكد لعامله للدلالة على أنه تبديل ~~حقيقي ، وللتوصل بالتنوين إلى تعظيمه وعجوبته . # . # استئناف ابتدائي للانتقال من بسط التذكير والاستدلال إلى فذلكة الغرض ~~وحوصلته ، إشعارا بانتهاء المقصود وتنبيها إلى فائدته ، ووجه الانتفاع به ، ~~والحث على التدبر فيه ، واستثمار ثمرته ، وباعتبار ما تفرع عن هذه الجملة ~~من قوله : { فمن شاء اتخذ } الخ يقوى موقع الفذلكة للجملة وتأكيد الكلام ~~بحرف { إن } لأن حال المخاطبين عدم اهتمامهم بها فهم ينكرون أنها تذكرة . # والإشارة إلى الآيات المتقدمة أو إلى السورة ولذلك أتي باسم الإشارة ~~المؤنث . # والتذكرة : مصدر ذكره ( مثل التزكية ) ، أي أكلمه كلاما يذكره به ما عسى ~~أن يكون نسيه أطلقت هنا على الموعظة بالإقلاع عن عمل سيىء والإقبال على عمل ~~صالح وعلى وضوح الخير والشر لمن تذكر ، أي تبصر بتشبيه حالة المعرض عن ~~الخير المشغول عنه بحالة الناسي له لأن شأنه ألا يفرط فيه إلا من كان ناسيا ~~لما فيه من نفع له . # وفرع عليه الحث على سلوك سبيل مرضاة الله بقوله : { فمن شاء اتخذ إلى ربه ~~سبيلا } ، أي ليس بعد هذه التذكرة إلا العمل بها إذا شاء المتذكر أن يعمل ~~بها . # ففي قوله : { من شاء } حث على المبادرة بذلك لأن مشيئة المرء في مكنته ~~فلا يمنعه منها إلا سوء تدبيره ms9003 . # وهذا حث وتحريض فيه تعريض بالمشركين بأنهم أبوا أن يتذكروا عنادا وحسدا . # واتخاذ السبيل : سلوكه ، عبر عن السلوك بالاتخاذ على وجه الاستعارة ~~بتشبيه PageV29P411 ففي قوله : { اتخذ إلى ربه سبيلا } استعارتان لأن ~~السبيل مستعار لسبب الفوز بالنعيم والزلفى . # ويتعلق قوله : { إلى ربه } ب { سبيلا } ، أي سبيلا مبلغة إلى الله ، ولا ~~يختلف العقلاء في شرف ما يوصل إلى الرب ، أي إلى إكرامه لأن ذلك قرارة ~~الخيرات ولذلك عبر برب مضافا إلى ضمير { من شاء } إذ سعادة العبد في الحظوة ~~عند ربه . # وهذه السبيل هي التوبة فالتائب مثل الذي كان ضالا ، أو آبقا فاهتدى إلى ~~الطريق التي يرجع منها إلى مقصده ، أو سلك الطريق إلى مولاه . # وقد تقدم نظير هذه الآية في سورة المزمل . # . # لما ناط اختيارهم سبيل مرضاة الله بمشيئتهم أعقبه بالتنبيه إلى الإقبال ~~على طلب مرضاة الله للتوسل برضاه إلى تيسير سلوك سبل الخير لهم لأنهم إذا ~~كانوا منه بمحل الرضى والعناية لطف بهم ويسر لهم ما يعسر على النفوس من ~~المصابرة على ترك الشهوات المهلكة ، قال تعالى : { فسنيسره لليسرى } ( ~~الليل : 7 ) فإذا لم يسعوا إلى مرضاة ربهم وكلهم إلى أحوالهم التي تعودوها ~~فاقتحمت بهم مهامه العماية إذ هم محفوفون بأسباب الضلال بما استقرت عليه ~~جبلاتهم من إيثار الشهوات والاندفاع مع عصائب الضلالات ، وهو الذي أفاده ~~قوله تعالى : { فسنيسره للعسرى } ( الليل : 10 ) ، أي نتركه وشأنه فتتيسر ~~عليه العسرى ، أي تلحق به بلا تكلف ومجاهدة . # فجملة { وما تشاءون إلا أن يشاء الله } يجوز أن تكون عطفا على جملة { فمن ~~شاء اتخذ إلى ربه سبيلا } ( الإنسان : 29 ) أو حالا من { من يشاء } ( ~~الإنسان : 31 ) وهي على كلا الوجهين تتميم واحتراس . # وحذف مفعول { تشاءون } لإفادة العموم ، والتقدير : وما تشاءون شيئا أو ~~PageV29P412 مشيئا وعموم الأشخاص يستلزم عموم الأحوال والأزمنة ، أي ما ~~تشاءون شيئا في وقت من الأوقات أو في حال من الأحوال . # وقد علل ارتباط حصول مشيئتهم بمشيئة الله ، بأن الله عليم حكيم ، أي عليم ~~بوسائل إيجاد مشيئتهم الخير ، حكيم بدقائق ذلك مما لا تبلغ ms9004 إلى معرفة ~~دقائقه بالكنه عقول الناس ، لأن هنالك تصرفات علوية لا يبلغ الناس مبلغ ~~الاطلاع على تفصيلها ولكن حسبهم الاهتداء بآثارها وتزكية أنفسهم للصد عن ~~الإعراض عن التدبر فيها . # و { ما } نافية ، والاستثناء من عموم الأشياء المشيئة وأحوالها وأزمانها ~~، ولما كان ما بعد أداة الاستثناء حرف مصدر تعين أن المستثنى يقدر مصدرا ، ~~أي إلا شيء الله ( بمعنى مشيئته ) ، وهو صالح لاعتبار المعنى المصدري ~~ولاعتبار الحالة ، ولاعتبار الزمان ، لأن المصدر صالح لإرادة الثلاثة ~~باختلاف التأويل فإن قدر مضاف كان المعنى : إلا حال مشيئة الله ، أو إلا ~~زمن مشيئته ، وإن لم يقدر مضاف كان المعنى : لا مشيئة لكم في الحقيقة إلا ~~تبعا لمشيئة الله . # وإيثار اجتلاب { أن } المصدرية من إعجاز القرآن . # ويجوز أن يكون فعلا { تشاءون } و { يشاء الله } منزلين منزلة اللازم فلا ~~يقدر لهما مفعولان على طريقة قول البحتري : # أن يرى مبصر ويسمع واع # ويكون الاستثناء من أحوال ، أي وما تحصل مشيئتكم في حال من الأحوال إلا ~~في حال حصول مشيئة الله . وفي هذا كله إشارة إلى دقة كنه مشيئة العبد تجاه ~~مشيئة الله وهو المعنى الذي جمع الأشعري التعبير عنه بالكسب ، فقيل فيه ( ~~أدق من كسب الأشعري ) . ففي الآية تنبيه الناس إلى هذا المعنى الخفي ~~ليرقبوه في أنفسهم فيجدوا آثاره الدالة عليه قائمة متوافرة ، ولهذا أطنب ~~وصف هذه المشيئة بالتذييل بقوله : { إن الله كان عليما حكيما } فهو تذييل ~~أو تعليل لجملة { يدخل من يشاء في رحمته } ( الإنسان : 31 ) ، أي لأنه واجب ~~له العلم والحكمة فهو أعلم فمن شاء أن يدخله في رحمته ومن شاء أبعده عنها . ~~PageV29P413 # وهذا إطناب لم يقع مثله في قوله تعالى في سورة عبس ( 11 ، 12 ) : { كلا ~~إن هذه تذكرة فمن شاء ذكره لأن حصول التذكر من التذكرة أقرب وأمكن ، من ~~العمل بها المعبر عنه بالسبيل الموصلة إلى الله تعالى فلذلك صرفت العناية ~~والاهتمام إلى ما يلوح بوسيلة اتخاذ تلك السبيل . # وفعل كان } يدل على أن وصفه تعالى بالعلم والحكمة وصف ذاتي لأنهما واجبان ~~له . # وقد حصل ms9005 من صدر هذه الآية ونهايتها ثبوت مشيئتين : إحداهما مشيئة العباد ~~، والأخرى مشيئة الله ، وقد جمعتهما هذه الآية فكانت أصلا للجمع بين متعارض ~~الآيات القرآنية المقتضي بعضها بانفراده نوط التكاليف بمشيئة العباد ~~وثوابهم وعقابهم على الأفعال التي شاءوها لأنفسهم ، والمقتضي بعضها الآخر ~~مشيئة لله في أفعال عباده . # فأما مشيئة العباد فهي إذا حصلت تحصل مباشرة بانفعال النفوس لفاعلية ~~الترغيب والترهيب ، وأما مشيئة الله انفعال النفوس فالمراد بها آثار ~~المشيئة الإلاهية التي إن حصلت فحصلت مشيئة العبد علمنا أن الله شاء لعبده ~~ذلك وتلك الآثار هي مجموع أمور تتظاهر وتتجمع فتحصل منها مشيئة العبد . # وتلك الآثار هي ما في نظام العالم والبشر من آثار قدرة الله تعالى وخلقه ~~من تأثير الزمان والمكان وتكوين الخلقة وتركيب الجسم والعقل ، ومدى قابلية ~~التفهم والفهم وتسلط المجتمع والبيئة والدعاية والتلقين على جميع ذلك ، مما ~~في ذلك كله من إصابة أو خطأ ، فإذا استتبت أسباب قبول الهدى من مجموع تلك ~~الآثار وتلاءم بعضها مع بعض أو رجح خيرها على شرها عرفنا مشيئة الله لأن ~~تلك آثار مشيئته من مجموع نظام العالم ولأنه تعالى عالم بأنها تستتب لفلان ~~، فعلمه بتوفرها مع كونها آثار نظامه في الخلق وهو معنى مشيئته ، وإذا ~~تعاكست وتنافر بعضها مع بعض ولم يرجح خيرها على شرها بل رجح شرها على خيرها ~~بالنسبة للفرد من الناس تعطل وصول الخير إلى نفسه فلم يشأه ، عرفنا أن الله ~~لم يشأ له قبول الخير وعرفنا أن الله عالم بما حف بذلك الفرد ، فذلك معنى ~~أن الله لم يشأ له الخير ، أو بعبارة أخرى أنه شاء له أن يشاء الشر ، ولا ~~مخلص للعبد من هذه الربقة إلا إذا توجهت إليه عناية من الله ولطف فكون ~~كائنات إذا دخلت تلك الكائنات فيما PageV29P414 هو حاف بالعبد من الأسباب ~~والأحوال غيرت أحوالها وقلبت آثارهما رأسا على عقب ، فصار العبد إلى صلاح ~~بعد أن كان مغمورا بالفساد فتتهيأ للعبد حالة جديدة مخالفة لما كان حافا به ~~، مثل ما حصل لعمر بن الخطاب من ms9006 قبول عظيم الهدى وتوغله فيه في حين كان ~~متلبسا بسابغ الضلالة والعناد . # فمثل هذا يكون تكرمة من الله للعبد وعناية به ، وإنما تحصل هذه العناية ~~بإرادة من الله خاصة : إما لأن حكمته اقتضت ذلك للخروج بالناس من شر إلى ~~خير كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( اللهم أعز الإسلام بأحد ~~العمرين ) وإما بإجابة دعوة داع استجيب له فقد أسلم عمر بن الخطاب عقب دعوة ~~النبي صلى الله عليه وسلم المذكورة ودخل في الإسلام عقب قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم له : ( أما آن لك يا ابن الخطاب أن تسلم ) ألا ترى أن الهداية ~~العظمى التي أوتيها محمد صلى الله عليه وسلم كانت أثرا من دعوة إبراهيم ~~عليه السلام بقوله : { ربنا وابعث فيهم رسولا منهم } ( البقرة : 129 ) ~~الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم ( أنا دعوة إبراهيم ) . # فهذا ما أمكن من بيان هاتين المشيئتين بحسب المستطاع ولعل في ذلك ما يفسر ~~قول الشيخ أبي الحسن الأشعري في معنى الكسب والاستطاعة ( إنها سلامة ~~الأسباب والآلات ) . # وبهذا بطل مذهب الجبرية لأن الآية أثبتت مشيئة للناس وجعلت مشيئة الله ~~شرطا فيها لأن الاستثناء في قوة الشرط ، فللإنسان مشيئته لا محالة . # وأما مذهب المعتزلة فغير بعيد من قول الأشعري إلا في العبارة بالخلق أو ~~بالكسب ، وعبارة الأشعري أرشق وأعلق بالأدب مع الله الخالق ، وإلا في تحقيق ~~معنى مشيئة الله ، والفرق بينها وبين الأمر أو عدم الفرق وتفصيله في علم ~~الكلام . # وقرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي ويعقوب { وما تشاءون } بتاء الخطاب على ~~الالتفات من الغيبة إلى الخطاب ، وقرأه ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وخلف ~~بياء الغائب عائدا إلى { فمن شاء } ( الإنسان : 29 ) . PageV29P415 # . # يجوز أن تكون الجملة مستأنفة استئنافا بيانيا ناشئا عن جملة { وما تشاءون ~~إلا أن يشاء الله } ( الإنسان : 30 ) إذ يتساءل السامع على أثر مشيئة الله ~~في حال من اتخذ إلى ربه سبيلا ومن لم يتخذ إليه سبيلا ، فيجاب بأنه يدخل في ~~رحمته من شاء أن يتخذ إليه سبيلا وأنه أعد لمن ms9007 لم يتخذ إليه سبيلا عذابا ~~أليما وأولئك هم الظالمون . # ويجوز أن تكون الجملة خبر { إن } في قوله : { إن الله } ( الإنسان : 30 ) ~~وتكون جملة { كان عليما حكيما } ( الإنسان : 30 ) معترضة بين اسم { إن } ~~وخبرها أو حالا ، وهي على التقديرين منبئة بأن إجراء وصفي العليم الحكيم ~~على اسم الجلالة مراد به التنبيه على أن فعله كله من جزاء برحمة أو بعذاب ~~جار على حسب علمه وحكمته . # وانتصب { الظالمين } على أنه مفعول لفعل محذوف يدل عليه المذكور على ~~طريقة الاشتغال والتقدير : أوعد الظالمين ، أو كافأ ، أو نحو ذلك مما يقدره ~~السامع مناسبا للفعل المذكور بعده . # PageV29P416 # | 1 ( سورة المرسلات ) 1 # لم ترد لها تسمية صريحة عن النبي صلى الله عليه وسلم بأن يضاف لفظ سورة ~~إلى جملتها الأولى . # وسميت في عهد الصحابة ( سورة والمرسلات عرفا ) ففي حديث عبد الله بن ~~مسعود في ( الصحيحين ) قال : ( بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في غار بمنى إذ نزلت عليه سورة والمرسلات عرفا فإنه ليتلوها وإني لأتلقاها ~~من فيه وإن فاه لرطب بها إذ خرجت علينا حية ) الحديث . # وفي ( الصحيح ) عن ابن عباس قال : ( قرأت سورة والمرسلات عرفا ) فسمعتني ~~أم الفضل ( امرأة العباس ) فبكت وقالت : بني أذكرتني بقراءتك هذه السورة ~~إنها لآخر ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها في صلاة المغرب ) ~~. # وسميت ( سورة المرسلات ) ، روى أبو داود عن ابن مسعود ( كان النبي ~~PageV29P417 صلى الله عليه وسلم يقرأ النظائر السورتين في ركعة الرحمن ~~والنجم في ركعة ، واقتربت والحاقة في ركعة ) ثم قال : ( وعم يتساءلون ~~والمرسلات في ركعة ) فجعل هذه الألفاظ بدلا من قوله السورتين وسماها ~~المرسلات بدون واو القسم لأن الواو التي في كلامه واو العطف مثل أخواتها في ~~كلامه . # واشتهرت في المصاحف باسم ( المرسلات ) وكذلك في التفاسير وفي ( صحيح ~~البخاري ) . # وذكر الخفاجي وسعد الله الشهير بسعدي في ( حاشيتيهما ) على البيضاوي أنها ~~تسمى ( سورة العرف ) ولم يسنداه ، ولم يذكرها صاحب ( الإتقان ) في عداد ~~السور ذات أكثر من اسم . # وفي ( الإتقان ) عن ( كتاب ms9008 ابن الضريس ) عن ابن عباس في عد السور التي ~~نزلت بمكة فذكرها باسم المرسلات . وفيه عن ( دلائل النبوة ) للبيهقي عن ~~عكرمة والحسن في عد السور التي نزلت بمكة فذكرها باسم المرسلات . # وهي مكية عند جمهور المفسرين من السلف ، وذلك ظاهر حديث ابن مسعود ~~المذكور آنفا ، وهو يقتضي أنها من أوائل سور القرآن نزولا لأنها نزلت ~~والنبي صلى الله عليه وسلم مختفف في غار بمنى مع بعض أصحابه . # وعن ابن عباس وقتادة : أن آية { وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون } ( ~~المرسلات : 48 ) مدنية نزلت في المنافقين ، ومحمل ذلك أنه تأويل ممن رواه ~~عنه نظرا إلى أن الكفار الصرحاء لا يؤمرون بالصلاة ، وليس في ذلك حجة لكون ~~الآية مدنية فإن الضمير في قوله : { وإذا قيل لهم } ( المرسلات : 48 ) وارد ~~على طريقة الضمائر قبله وكلها عائدة إلى الكفار وهم المشركون . ومعنى { قيل ~~لهم اركعوا } : كناية عن أن يقال لهم : أسلموا . ونظيره قوله تعالى : { وقد ~~كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون } ( القلم : 43 ) فهي في المشركين وقوله ~~: { قالوا لم نك من المصلين إلى قوله : وكنا نكذب بيوم الدين } ( المدثر : ~~43 46 ) . # وعن مقاتل نزلت { وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون في شأن وفد ثقيفف حين ~~أسلموا بعد غزوة هوازن وأتوا المدينة فأمرهم النبي بالصلاة فقالوا : لا ~~نجبي فإنها مسبة علينا . فقال لهم : لا خير في دين ليس فيه ركوع وسجود . ~~PageV29P418 # وهذا أيضا أضعف ، وإذا صح ذلك فإنما أراد مقاتل أن النبي قرأ عليهم الآية ~~. # وهي السورة الثالثة والثلاثون في عداد ترتيب نزول السور عند جابر بن زيد ~~. واتفق العادون على عد آيها خمسين . # أغراضها # اشتملت على الاستدلال على وقوع البعث عقب فناء الدنيا ووصف بعض أشراط ذلك ~~. # والاستدلال على إمكان إعادة الخلق بما سبق من خلق الإنسان وخلق الأرض . # ووعيد منكريه بعذاب الآخرة ووصف أهواله . # والتعريض بعذاب لهم في الدنيا كما استؤصلت أمم مكذبة من قبل . ومقابلة ~~ذلك بجزاء الكرامة للمؤمنين . # وإعادة الدعوة إلى الإسلام والتصديق بالقرآن لظهور دلائله . # $ 2 ( { والمرسلات عرفا * فالعاصفات عصفا ms9009 * والناشرات نشرا * فالفارقات ~~فرقا * فالملقيات ذكرا * عذرا أو نذرا * إنما توعدون لواقع * فإذا النجوم ~~طمست * وإذا السمآء فرجت * وإذا الجبال نسفت * وإذا الرسل أقتت * لأي يوم ~~أجلت * ليوم الفصل * ومآ أدراك ما يوم الفصل * ويل يومئذ للمكذبين * ألم ~~نهلك الاولين * ثم نتبعهم الاخرين * كذلك نفعل بالمجرمين * ويل يومئذ ~~للمكذبين * ألم نخلقكم من مآء مهين * فجعلناه فى قرار مكين * إلى قدر معلوم ~~* فقدرنا فنعم القادرون * ويل يومئذ للمكذبين * ألم نجعل الارض كفاتا * ~~أحيآء وأمواتا * وجعلنا فيها رواسى شامخات وأسقيناكم مآء فراتا * ويل يومئذ ~~للمكذبين * انطلقو & # 1764 ا إلى ما كنتم به تكذبون * انطلقو & # 1764 ا إلى ظل ذى ثلاث شعب * لا ظليل ولا يغنى من اللهب * إنها ترمى بشرر ~~كالقصر * كأنه جمالة صفر * ويل يومئذ للمكذبين * هاذا يوم لا ينطقون * ولا ~~يؤذن لهم فيعتذرون * ويل يومئذ للمكذبين * هاذا يوم الفصل جمعناكم والاولين ~~* فإن كان لكم كيد فكيدون * ويل يومئذ للمكذبين * إن المتقين فى ظلال وعيون ~~* وفواكه مما يشتهون * كلوا واشربوا هني & # 1764 ئا بما كنتم تعملون * إنا كذلك نجزى المحسنين * ويل يومئذ للمكذبين ~~* كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون * ويل يومئذ للمكذبين * وإذا قيل لهم ~~اركعوا لا يركعون * ويل يومئذ للمكذبين * فبأى حديث بعده يؤمنون } ) 2 $ ~~قسم بمخلوقات عظيمة دالة على عظيم علم الله تعالى وقدرته . # والمقصود من هذا القسم تأكيد الخبر ، وفي تطويل القسم تشويق السامع لتلقي ~~المقسم عليه . # فيجوز أن يكون المراد بموصوفات هذه الصفات نوعا واحدا ، ويجوز أن يكون ~~نوعين أو أكثر من المخلوقات العظيمة . ومشى صاحب ( الكشاف ) على أن المقسم ~~بها كلهم ملائكة . # ولم يختلف أهل التأويل أن { الملقيات ذكرا } للملائكة . PageV29P419 # وقال الجمهور : العاصفات : الرياح ولم يحك الطبري فيه مخالفا . وقال ~~القرطبي : قيل العاصفات : الملائكة . # و { الفارقات } لم يحك الطبري إلا أنهم الملائكة أو الرسل . وحكى القرطبي ~~عن مجاهد : أنها الرياح . # وفيما عدا هذه من الصفات اختلف المتأولون فمنهم من حملوها على أنها ~~الملائكة ومنهم من حمل على أنها الرياح . # ف { المرسلات } قال ابن مسعود وأبو هريرة ومقاتل ms9010 وأبو صالح والكلبي ~~ومسروق : هي الملائكة . وقال ابن عباس وقتادة : هي الرياح ، ونقل هذا عن ~~ابن مسعود أيضا ولعله يجيز التأويلين وهو الأوفق بعطفها بالفاء . # و { الناشرات } قال ابن عباس والضحاك وأبو صالح : الملائكة . وقال ابن ~~مسعود ومجاهد : الرياح وهو عن أبي صالح أيضا . # ويتحصل من هذا أن الله أقسم بجنسين من مخلوقاته العظيمة مثل قوله : { ~~والسماء ذات البروج واليوم الموعود } ( البروج : 1 ، 2 ) ، ومثله تكرر في ~~القرآن . # ويتجه في توزيعها أن الصفات التي عطفت بالفاء تابعة لجنس ما عطفت هي عليه ~~، والتي عطفت بالواو يترجح أنها صفات جنس آخر . # فالأرجح أن المرسلات والعاصفات صفتان للرياح ، وأن ما بعدها صفات ~~للملائكة ، والواو الثانية للعطف وليست حرف قسم . ومناسبة الجمع بين هذين ~~الجنسين في القسم أن كليهما من الموجودات العلوية لأن الأصل في العطف ~~بالواو أن يكون المعطوف بها ذاتا غير المعطوف عليه . وما جاء بخلاف ذلك فهو ~~خلاف الأصل مثل قول الشاعر أنشده الفراء . # إلى الملك القرم وابنن الهمام # وليثث الكتيبة في المزدحم # أراد صفات ممدوح واحد . # ولنتكلم على هذه الصفات : # فأما { المرسلات } فإذا جعل وصفا للملائكة كان المعني بهم المرسلين إلى ~~الرسل PageV29P420 والأنبياء مثل جبريل في إرساله بالوحي ، وغيره من ~~الملائكة الذين يبعثهم الله إلى بعض أنبيائه بتعليم أو خبر أو نصر كما في ~~قوله تعالى عن زكرياء : { فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب الآية ~~} ( آل عمران : 39 ) ، أو { المرسلات } بتنفيذ أمر الله في العذاب مثل ~~المرسلين إلى قوم لوط ، و { عرفا } حال مفيدة معنى التشبيه البليغ ، أي مثل ~~عرف الفرس في تتابع الشعر بعضه ببعض ، يقال : هم كعرف الضبع ، إذا تألبوا ، ~~ويقال : جاءوا عرفا واحدا . وهو صالح لوصف الملائكة ولوصف الريح . # وفسر { عرفا } بأنه اسم ، أي الشعر الذي على رقبة الفرس ونصبه على الحال ~~على طريقة التشبيه البليغ ، أي كالعرف في تتابع البعض لبعض ، وفسر بأنه ~~مصدر بمعنى المفعول ، أي معروف ( ضد المنكر ) ، وأن نصبه على المفعول لأجله ~~، أي لأجل الإرشاد والصلاح . # { فالعاصفات } تفريع على { المرسلات } ، أي ms9011 ترسل فتعصف ، والعصف يطلق على ~~قوة هبوب الريح فإن أريد بالمرسلات وصف الرياح فالعصف حقيقة ، وإن أريد ~~بالمرسلات وصف الملائكة فالعصف تشبيه لنزولهم في السرعة بشدة الريح وذلك في ~~المبادرة في سرعة الوصول بتنفيذ ما أمروا به . # و { عصفا } مؤكد للوصف تأكيدا لتحقيق الوصف ، إذ لا داعي لإرادة رفع ~~احتمال المجاز . # والنشر : حقيقته ضد الطي ويكثر استعماله مجازا في الإظهار والإيضاح وفي ~~الإخراج . # ف { الناشرات } إذا جعل وصفا للملائكة جاز أن يكون نشرهم الوحي ، أي ~~تكرير نزولهم لذلك ، وأن يكون النشر كناية عن الوضوح ، أي بالشرائع البينة ~~. # وإذا جعل وصفا للرياح فهو نشر السحاب في الأجواء فيكون عطفه بالواو دون ~~الفاء لتنبيه على أنه معطوف على { المرسلات } لا على { العاصفات } لأن ~~العصف حالة مضرة والنشر حالة نفع . # والقول في تأكيد { نشرا } وتنوينه كالقولل في { عصفا } . # والفرق : التمييز بين الأشياء ، فإذا كان وصفا للملائكة فهو صالح للفرق ~~PageV29P421 الحقيقي مثل تمييز أهلل الجنة عن أهل النار يوم الحساب ، ~~وتمييز الأمم المعذبة في الدنيا عن الذين نجاهم الله من العذاب ، مثل قوم ~~نوح عن نوح ، وعاد عن هود ، وقومم لوط عن لوط وأهله عدا امرأته ، وصالح ~~للفرق المجازي ، وهو أنهم يأتون بالوحي الذي يفرق بين الحق والباطل ، وبين ~~الإيمان والكفر . # وإن جعل وصفا للرياح فهو من آثار النشر ، أي فرقها جماعات السحب على ~~البلاد . # ولتفرع الفرق بمعنييه عن النشر بمعانيه عطف { الفارقات } على { الناشرات ~~} بالفاء . # وأكد بالمفعول المطلق كما أكد ما قبله بقوله : { عصفا } و { نشرا } ، ~~وتنوينه كذلك . # والملقيات : الملائكة الذين يبلغون الوحي وهو الذكر . # والإلقاء مستعار لتبليغ الذكر من العالم العلوي إلى أهل الأرض بتشبيهه ~~بإلقاء شيء من اليد إلى الأرض . # وإلقاء الذكر تبليغ المواعظ إلى الرسل ليبلغوها إلى الناس وهذا الإلقاء ~~متفرع على الفرق لأنهم يخصون كل ذكر بمن هو محتاج إليه ، فذكر الكفار ~~بالتهديد والوعيد بالعذاب ، وذكر المؤمنين بالثناء والوعد بالنعيم . # وهذا معنى { عذرا أو نذرا } . فالعذر : الإعلام بقبول إيمان المؤمنين بعد ~~الكفر ، وتوبة التائبين بعد الذنب . # والنذر : اسم مصدر ms9012 أنذر ، إذا حذر . # و { عذرا } قرأه الجمهور بسكون الذال ، وقرأه روح عن يعقوب بضمها على ~~الإتباع لحركة العين . # وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر وأبو بكر عن عاصم وأبو جعفر ويعقوب { نذرا ~~} بضم الذال وهو الغالب فيه . # وقرأه أبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم وخلف بإسكان الذال على ~~PageV29P422 الوجهين المذكورين في { عذرا } ، وعلى كلتا القراءتين فهو اسم ~~مصدر بمعنى الإنذار . # وانتصب { عذرا أو نذرا } على بدل الاشتمال من { ذكرا } و { أو } في قوله ~~: { أو نذرا } للتقسيم . # وجملة { إن ما توعدون لواقع } جواب القسم وزيدت تأكيدا ب { أن } لتقوية ~~تحقيق وقوع الجواب . # و { إنما } كلمتان هما ( إن ) التي هي حرف تأكيد و ( ما ) الموصولة وليست ~~هي ( إنما ) التي هي أداة حصر ، والتي ( ما ) فيها زائدة . وقد كتبت هذه ~~متصلة ( إن ) ب ( ما ) لأنهم لم يكونوا يفرقون في الرسم بين الحالتين ، ~~والرسم اصطلاح ، ورسم المصحف سنة في المصاحف ونحن نكتبها مفصولة في التفسير ~~وغيره . # و { ما توعدون } : هو البعث للجزاء وهم يعلمون الصلة فلذلك جيء في ~~التعبير عنه بالموصولية . # والخطاب للمشركين ، أي ما توعدكم الله به من العقاب بعد البعث واقع لا ~~محالة وإن شككتم فيه أو نفيتموه . # والواقع : الثابت . وأصل الواقع الساقط على الأرض فاستعير للشيء المحقق ~~تشبيها بالمستقر . # ( 8 14 ) { } . # الفاء للتفريع على قوله : { إن ما توعدون لواقع } ( المرسلات : 7 ) لأنه ~~لما أفاد وقوع البعث وكان الخاطبون ينكرونه ويتعللون بعدم التعجيل بوقوعه ، ~~بين لهم ما يحصل قبله زيادة في تهويله عليهم . والإنذار بأنه مؤخر إلى أن ~~تحصل تلك الأحداث العظيمة ، وفيه PageV29P423 كناية رمزية على تحقيق وقوعه ~~لأن الأخبار عن أمارات حلول ما يوعدون يستلزم التحذير من التهاون به ، ~~ولذلك ختمت هذه الأخبار بقوله : { ويل يومئذ للمكذبين } ( المرسلات : 19 ) ~~. # وكررت كلمة { إذا } في أوائل الجمل المعطوفة على هذه الجملة بعد حروف ~~العطف مع إغناء حرف العطف عن إعادة { إذا } كما في قوله : { فإذا برق البصر ~~وخسف القمر وجمع الشمس والقمر يقول الإنسان الآية } ( القيامة : 7 10 ) ، ~~لإفادة الاهتمام بمضمون كل ms9013 جملة من هذه الجمل ليكون مضمونها مستقلا في جعله ~~علامة على وقوع ما يوعدون . # وطمس النجوم : زوال نورها ، وأن نور معظم ما يلوح للناس من النجوم سببه ~~انعكاس أشعة الشمس عليها حين احتجاب ضوء الشمس على الجانب المظلم من الأرض ~~، فطمس النجوم يقتضي طمس نور الشمس ، أي زوال التهابها بأن تبرد حرارتها ، ~~أو بأن تعلو سطحها طبقة رمادية بسبب انفجارات من داخلها ، أو بأن تتصادم مع ~~أجرام سماوية أخرى لاختلال نظام الجاذبية فتندك وتتكسر قطعا فيزول التهابها ~~. # ومعنى { فرجت } تفرق ما كان ملتحما من هيكلها ، يقال : فرج الباب إذا ~~فتحه . والفرجة : الفتحة في الجدار ونحوه . فإذا أريد بالسماء الجنس الصادق ~~بجميع السماوات على طريقة العموم الحقيقي ، أو الصادق بسماوات مشهورة على ~~طريقة العموم العرفي وهي السماوات السبع التي يعبر أهل الهيئة عنها ~~بالكواكب السيارة جاز أن يكون فرج السماوات حدوث أخاديد عظيمة في الكواكب ~~زيادة على طمس نورها . # وإذا أريد بالسماء فرد معين معهود وهي ما نشاهده كالقبة الزرقاء في ~~النهار وهي كرة الهواء ، فمعنى { فرجت } : فساد عناصر الجو بحيث تصير فيه ~~طرائق مختلفة الألوان تبدو كأنها شقوق في كرة الهواء كما في قوله تعالى : { ~~إذا السماء انشقت } ( الانشقاق : 1 ) وكل ذلك مفض إلى انقراض العالم ~~الدنيوي بجميع نظامه ومجموع أجسامه . # والنسف : قلع أجزاء الشيء بعضها عن بعض وتفريقها مثل الهدم . # ونسف الجبال : دكها ومصيرها ترابا مفرقا ، كما قال تعالى : { وكانت ~~الجبال كثيبا مهيلا } ( المزمل : 14 ) . PageV29P424 # وبناء هذه الأفعال الثلاثة بصيغة المبني للمجهول لأن المقصود الاعتبار ~~بحصول الفعل لا بتعيين فاعله على أنه من المعلوم أن فاعلها هو الله تعالى ~~إذ لا يقدر عليه غيره . # وجملة { وإذا الرسل أقتت } عطف على الجمل المتقدمة فهي تقييد لوقت حادث ~~يحصل وهي مما جعل مضمونها علامة على وقوع ما يوعدون به فيلزم أن يكون ~~مضمونها مستقبل الحصول وفي نظم هذه الجملة غموض ودقة . فأما { أقتت } فأصله ~~وقتت بالواو في أوله ، يقال : وقت وقتا ، إذا عين وقتا لعمل ما ، مشتقا من ~~الوقت وهو الزمان ms9014 ، فلما بني للمجهول ضمت الواو وهو ضم لازم احترازا من ضمة ~~{ ولا تنسوا الفضل بينكم } ( البقرة : 237 ) لأن ضمة الواو ضمة عارضة ، ~~فجاز إبدالها همزة لأن الضم على الواو ثقيل فعدل عن الواو إلى الهمزة . ~~وقرأه الجمهور { أقتت } بهمزة وتشديد القاف . وقرأه أبو عمرو وحده بالواو ~~وتشديد القاف ، وقرأه أبو جعفر بالواو وتخفيف القاف . # وشأن { إذا } أن تكون لمستقبل الزمان فهذا التأقيت للرسل توقيت سيكون في ~~المستقبل ، وهو علامة على أن ما يوعدون يحصل مع العلامات الأخرى . # ولا خلاف في أن { أقتت } مشتق من الوقت كما علمت آنفا ، وأصل اشتقاق هذا ~~الفعل المبني للمجهول أن يكون معناه : جعلت وقتا ، وهو أصل إسناد الفعل إلى ~~مرفوعه ، وقد يكون بمعنى : وقت لها وقت على طريقة الحذف والإيصال . # وإذ كان { إذا } ظرفا للمستقبل وكان تأجيل الرسل قد حصل قبل نزول هذه ~~الآية ، تعين تأويل { أقتت } على معنى : حان وقتها ، أي الوقت المعين للرسل ~~وهو الوقت الذي أخبرهم الله بأن ينذروا أممهم بأنه يحل في المستقبل غير ~~المعين ، وذلك عليه قوله : { لأي يوم أجلت ليوم الفصل } فإن التأجيل يفسر ~~التوقيت . # وقد اختلفت أقوال المفسرين الأولين في محمل معنى هذه الآية فعن ابن عباس ~~{ أقتت } : جمعت أي ليوم القيامة قال تعالى : { يوم يجمع الله الرسل } ( ~~المائدة : 109 ) ، وعن مجاهد والنخعي { أقتت } أجلت . قال أبو علي الفارسي ~~: أي جعل يوم الدين والفصل لها وقتا . # قال في ( الكشاف ) : ( والوجه أن يكون معنى ( وقتت ) بلغت ميقاتها الذي ~~PageV29P425 كانت تنتظره وهو يوم القيامة ) اه . وهذا صريح في أنه يقال : ~~وقت بمعنى أحضر في الوقت المعين ، وسلمه شراح ( الكشاف ) وهو معنى مغفول ~~عنه في بعض كتب اللغة أو مطوي بخفاء في بعضها . # ويجيء على القولين أن يكون قوله : { لأي يوم أجلت } استئنافا ، وتجعل ( ~~أي ) اسم استفهام مستعمل للتهويل كما درج عليه جمهور المفسرين الذين صرحوا ~~ولم يجملوا ، والذي يظهر لي أن تكون ( أي ) موصولة دالة على التعظيم ~~والتهويل وهو ما يعبر عنه بالدال على معنى الكمال وتكون صفة لموصوف محذوف ms9015 ~~يدل عليه ما أضيفت إليه ( أي ) وتقديره : ليومم أي يومم ، أي ليومم عظيم . ~~ويكون معنى { أقتت } حضر ميقاتها الذي وقت لها ، وهو قول ابن عباس جمعت ، ~~وفي ( اللسان ) على الفراء : { أقتت } جمعت لوقتها ، وذلك قول الله تعالى : ~~{ يوم يجمع الله الرسل } ( المائدة : 109 ) وقوله : { فكيف إذا جئنا من كل ~~أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا } ( النساء : 41 ) . # ويكون اللام في قوله : { لأي يوم أجلت } لام التعليل ، أي جمعت لأجل ~~اليوم الذي أجلت إليه . وجملة { أجلت } صفة ليوم ، وحذف العائد لظهوره ، أي ~~أجلت إليه . # وقوله : { ليوم الفصل } بدل من { لأي يوم أجلت } بإعادة الحرف الذي جر به ~~المبدل منه كقوله تعالى : { تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا } ( المائدة : 114 ~~) أي أحضرت الرسل ليوم عظيم هو يوم الفصل . # والظاهر أن المبدل منه والبدل دليلان على جواب ( إذا ) من قوله { فإذا ~~النجوم طمست } الخ ، إذ يعلم أن المعنى إذا حصل جميع ما ذكر فذلك وقوع ما ~~توعدون . # وجملة { لأي يوم أجلت ليوم الفصل } قد علمت آنفا الوجه الوجيه في معناها ~~. ومن المفسرين من جعلها مقول قول محذوف : يقال يوم القيامة ، ولا داعي ~~إليه . # و { الفصل } : تمييز الحق من الباطل بالقضاء والجزاء إذ بذلك يزول ~~الالتباس والاشتباه والتمويه الذي كان لأهل الضلال في الدنيا فتتضح الحقائق ~~على ما هي عليه في الواقع . PageV29P426 # وجملة { وما أدراك ما يوم الفصل } في موضع الحال من يوم الفصل ، والواو ~~واو الحال والرابط لجملة الحال إعادة اسم صاحب الحال عوضا عن ضميره ، مثل { ~~القارعة ما القارعة } ( القارعة : 1 ، 2 ) . والأصل : وما أدراك ما هو ، ~~وإنما أظهر في مقام الإضمار لتقوية استحضار يوم الفصل قصدا لتهويله . # و { ما } استفهامية مبتدأ و { أدراك } خبر ، أي أعلمك . و { ما يوم الفصل ~~} استفهام علق به فعل { أدراك } عن العمل في مفعولين ، و { ما } ~~الاستفهامية مبتدأ أيضا و { يوم الفصل } خبر عنها والاستفهامان مستعملان في ~~معنى التهويل والتعجيب . # . # حمل هذه الجملة عن نظائرها الآتية في هذه السورة يقتضي أن تجعل استئنافا ~~لقصد تهديد المشركين ms9016 الذين يسمعون القرآن ، وتهويل يوم الفصل في نفوسهم ~~ليحذروه ، وهو متصل في المعنى بجملة { إن ما توعدون لواقع } ( المرسلات : 7 ~~) اتصال أجزاء النظم ، فموقع جملة { ويل يومئذ للمكذبين } ابتداء الكلام ، ~~وموقع جملة { إذا النجوم طمست } ( المرسلات : 8 ) التأخر ، وإنما قدمت ~~لتؤذن بمعنى الشرط . وقد حصل من تغيير النظم على هذا الوجه أن صارت جملة { ~~ويل يومئذ للمكذبين } بمنزلة التذييل ، فحصل في هذا النظم أسلوب رائع ، ~~ومعان بدائع . وبعض المفسرين جعل هذه الجملة جواب ( إذا ) أي يتعلق ( إذا ) ~~بالاستقرار الذي في الخبر وهو { للمكذبين } . والتقدير : إذا حصل كذا وكذا ~~حل الويل للمكذبين وهو كالبيان لقوله : { إن ما توعدون لواقع ، فيحصل تأكيد ~~الوعيد ، ولا يرد على هذا عرو الجواب عن الفاء الرابطة للجواب لأن جواب ( ~~إذا ) جواب صوري ، وإنما هو متعلق ( إذا ) عومل معاملة الجواب في المعنى . # ثم إن هذه الجملة صالحة لمعنى الخبرية ولمعنى الإنشاء لأن تركيب ( ويل له ~~) يستعمل إنشاء بكثرة . # والويل : أشد السوء والشر . PageV29P427 # وعلى الوجه الأول يكون المراد بالمكذبين كذبوا بالقرآن ، وعلى الوجه ~~الثاني في معنى الجملة جميع الذين كذبوا الرسل وما جاءوهم به ، وبذلك ~~العموم أفادت الجملة مفاد التذييل ، ويشمل ذلك المشركين الذين كذبوا ~~بالقرآن والبعثث إذ هم المقصود من هذه المواعظ وهم الموجه إليهم هذا الكلام ~~، فخوطبوا بقوله : إنما توعدون لواقع . # } . # استئناف بخطاب موجه إلى المشركين الموجودين الذين أنكروا البعث معترض بين ~~أجزاء الكلام المخاطبب به أهل الشرك في المحشر . # ويتضمن استدلالا على المشركين الذين في الدنيا ، بأن الله انتقم من الذين ~~كفروا بيوم البعث من الأمم سابقهم ولاحقهم ليحذروا أن يحل بهم ما حل بأولئك ~~الأولين والآخرين . # والاستفهام للتقرير استدلالا على إمكان البعث بطريقة قياس التمثيل . # والمراد بالأولين الموصوفون بالأولية أي السبق في الزمان ، وهذا يقر به ~~كل جيل منهم مسبوق بجيل كفروا . # فالتعريف في { الأولين } تعريف العهد ، والمراد بالأولين جميع أمم الشرك ~~الذين كانوا قبل مشركي عصر النبوة . # والإهلاك : الإعدام والإماتة . وإهلاك الأولين له حالتان : حالة غير ~~اعتيادية تنشأ عن غضب الله تعالى ، وهو ms9017 إهلاك الاستئصال مثل إهلاك عاد ~~وثمود ، وحالة اعتيادية وهي ما سن الله عليه نظام هذا العالم من حياة وموت ~~. # وكلتا الحالتين يصح أن تكون مرادا هنا ، فأما الحالة غير الاعتيادية فهي ~~تذكير بالنظر الدال على أن الله لا يرضى عن الذين كذبوا بالبعث . # وأما الحالة الاعتيادية فدليل على أن الذي أحيا الناس يميتهم فلا يتعذر ~~أن يعيد إحياءهم . PageV29P428 # ( 17 18 ) . # حرف ( ثم ) للتراخي الرتبي لأن التهديد أهم من الإخبار عن أهل المحشر ، ~~لأنه الغرض من سوق هذا كله ، ولأن إهلاك الآخرين أشد من إهلاك الأولين لأنه ~~مسبوق بإهلاك آخر . # ووقعت جملة { كذلك نفعل بالمجرمين } موقع البيان لجملة { ألم نهلك ~~الأولين ثم نتبعهم الآخرين } ( المرسلات : 16 ، 17 ) ، وهو كالتذييل يبين ~~سبب وقوع إهلاك الأولين وأنه سبب لإيقاع الإهلاك بكل مجرم ، أي تلك سنة ~~الله في معاملة المجرمين فلا محيص لكم عنها . # وذكر وصف { المجرمين } إيماء إلى أن سبب عقابهم بالإهلاك هو إجرامهم . # والإشارة في قوله : { كذلك } إلى الفعل المأخوذ من { نفعل ، } أي مثل ذلك ~~الفعل نفعل . # و ( المجرمون ) من ألقاب المشركين في اصطلاح القرآن قال تعالى : { إن ~~الذين أجرموا كانوا من الذي ءامنوا يضحكون } ( المطففين : 29 ) وسيأتي في ~~هذه السورة { كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون } ( المرسلات : 46 ) . # . # تقرير لنظيره المتقدم تأكيدا للتهديد وإعادة لمعناه . # التهديد : من مقامات التكرير كقول الحارث بن عياد : # قربا مربط النعامة مني # الذي كرره مرارا متوالية في قصيدته اللامية التي أثارت حرب البسوس . ~~PageV29P429 # فعلى الوجه الأول في موقع جملة { ويل يومئذ للمكذبين } يقدر الكلام ~~المعوض عنه تنوين { يومئذ } يوم إذ يقال لهم { ألم نهلك الأولين } ( ~~المرسلات : 16 ) . # والمراد بالمكذبين : المخاطبون فهو إظهار في مقام الإضمار لتسجيل أنهم ~~مكذبون ، والمعنى : ويل يومئذ لكم . # وعلى الوجه الثاني في موقع الجملة يقدر المحذوف المعرض عنه التنوين : يوم ~~إذ { النجوم طمست } ( المرسلات : 8 ) الخ ، فتكون الجملة تأكيدا لفظيا ~~لنظيرتها التي تقدمت . والمراد بالمكذبين جميع المكذبين الشامل للسامعين . # وعلى الاعتبارين فتقرير معنى الجملتين حاصل لأن اليوم يوم واحد ولأن ~~المكذبين يصدق بالأحياء ms9018 وبأهل المحشر . # ( 20 23 ) { لله } . # تقرير أيضا يجري فيه ما تقدم في قوله : { ألم نهلك الأولين ، جيء به على ~~طريقة تعداد الخطاب في مقام التوبيخ والتقريع . # وكل من التقرير والتقريع من مقتضيات ترك العطف لشبهه بالتكرير في أنه ~~تكرير معنى وإن لم يكن تكرير لفظ ، والتكرير شبيه بالأعداد المسرودة فكان ~~حقه ترك العطف فيه . # وقد جاء هنا التقرير على ثبوت الإيجاد بعد العدم إيجادا متقنا دالا على ~~كمال الحكمة والقدرة ليفضى بذلك التقرير إلى التوبيخ على إنكار البعث ~~والإعادة وإلى إثبات البعث بإمكانه بإعادة الخلق كما بدىء أول مرة وكفى ~~بذلك مرجحا لوقوع هذا الممكن لأن القدرة تجري على وفق الإرادة بترجيح جانب ~~إيجاد الممكن على عدمه . # والماء : هو ماء الرجل . والمهين : الضعيف فعيل من مهن ، إذا ضعف ، وميمه ~~أصلية وليس هو من مادة هان . PageV29P430 # وهذا الوصف كناية رمزية عن عظيم قدرة الله تعالى إذ خلق من هذا الماء ~~الضعيف إنسانا شديد القوة عقلا وجسما . # وحرف من } للابتداء لأن تكوين الإنسان نشأ من ذلك الماء ، كما تقول : هذه ~~النخلة من نواة توزرية . # وجعل خلق الإنسان من ماء الرجل لأنه لا يتم تخلقه إلا بذلك الماء إذا ~~لاقى بويضات الدم في الرحم ، فاقتصرت الآية على ما هو مشهور بين الناس ~~لأنهم لا يعلمون أكثر من ذلك ، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم تكوين ~~الجنين من ماء المرأة وماء الرجل . # وقوله : { فجعلناه في قرار مكين } تفصيل لكيفية الخلق على سبيل الإدماج ~~مع مناسبته لأن له دخلا في تبيين إمكان الإعادة إذ شديد القدرة لا يعجزه ~~شيء ، ولذلك ذيله بقوله { فنعم القادرون } على التفسيرين الآتيين . # والقرار : محل القرور والمكث . # و { مكين } : صفة ل { قرار } ، أي مكان متمكن في ذلك فهو فعيل من مكن ~~مكانة ، إذا ثبت ورسخ . # ووصف القرار بالمكين على طريقة المجاز العقلي ، أي مكين الحال والمستقر ~~فيه . فالتقدير : مكين فيه . والمراد بالقرار المكين : الرحم . # والقدر : بفتح الدال المقدار المعين المضبوط ، والمراد مقدار من الزمان ~~وهو مدة الحمل . # وقرأ نافع والكسائي ms9019 وأبو جعفر { فقدرنا } بتشديد الدال . وقرأه الباقون ~~بتخفيف الدال من قدر المتعدي وهما بمعنى واحد ، يقال : قدر بالتشديد تقديرا ~~فهو مقدر ، وقدر بالتخفيف قدرا فهو قادر ، إذا جعل الشيء على مقدار مناسب ~~لما جعل له . # والمعنى : فقدرنا الخلق كقوله تعالى : { من نطفة خلقه فقدره } ( عبس : 19 ~~) وقوله : { وخلق كل شيء فقدره تقديرا } ( الفرقان : 2 ) . PageV29P431 # والفاء في قوله : { فقدرنا } للتفريع على قوله : { فجعلناه في قرار مكين ~~إلى قدر معلوم } ، أي جعلناه في الرحم إلى انتهاء أمد الحمل فقدرنا أطوار ~~خلقكم حتى أخرجناكم أطفالا . # والفاء في { فنعم القادرون } للتفريع على ( قدرنا ) أي تفريع إنشاء ثناء ~~، أي فدل تقديرنا على أننا نعم القادرون ، أي كان تقديرنا تقدير أفضل قادر ~~، وهذا تنويه بذلك الخلق العجيب بالقدرة . # و { القادرون } : اسم فاعل من قدر اللازم إذا كان ذا قدرة وبذلك يكون ~~الكلام تأسيسا لا تأكيدا ، أي فنعم القادرون على الأشياء . # وعلامة الجمع للتعظيم مثل نون ( قدرنا ) فإن القدرة لما أتت بما هو مقتضى ~~الحكمة كانت قدرة جديرة بالمدح . # . # هو نحو ما تقدم في نظيره الموالي هو له . # ( 25 27 ) . # جاء هذا التقرير على سنن سابقيه في عدم العطف لأنه على طريقة التكرير ~~للتوبيخ ، وهو تقرير لهم بما أنعم الله به عليهم من خلق الأرض لهم بما فيها ~~مما فيه منافعهم كما قال تعالى : { متاعا لكم ولأنعامكم } ( النازعات : 33 ~~) . # ومحل الامتنان هو قوله : { أحياء } وأما قوله : { وأمواتا } فتتميم ~~وإدماج . # وكفات : اسم للشيء الذي يكفت فيه ، أي يجمع ويضم فيه ، فهو اسم جاء على ~~صيغة الفعال من كفت ، إذا جمع ، ومنه سمي الوعاء : كفاتا ، كما سمي ما يعي ~~الشيء وعاء ، وما يضم الشيء : الضمام . # و { أحياء } مفعول { كفاتا } لأن { كفاتا } فيه معنى الفعل كأنه قيل ~~كافتة أحياء . وقد يقولون منصوب بفعل مقدر دل عليه { كفاتا } وكل ذلك ~~متقارب . PageV29P432 # و { أمواتا } عطف عليه وهو إدماج وتتميم لأن فيه مشاهدة الملازمة بين ~~الأحياء والأموات تدل على أن الحياة هي المقصود من الخلقة . # وهذا تقرير لهم بالاعتراف بالأحوال المشاهدة في الأرض ms9020 الدالة على تفرد ~~الله تعالى بالإلهية . # وتنوين { أحياء وأمواتا } للتعظيم مرادا به التكثير ولذلك لم يؤت بهما ~~معرفين باللام ، وفائدة ذكر هذين الجمعين ما في معنييهما من التذكير ~~بالحياة والموت . # وقد تصدى الكلام لإثبات البعث بشواهد ثلاثة : # أحدها : بحال الأمم البائدة في انقراضها . # الثاني : بحال تكوين الإنسان . # الثالث : مصير الكل إلى الأرض وفي كل ذلك إبطال لإحالتهم وقوع البعث ~~لأنهم زعموا استحالته فأبطلت دعواهم بإثبات إمكان البعث فإنه إذ ثبت ~~الإمكان بطلت الاستحالة فلم يبق إلا النظر في أدلة ترجيح وقوع ذلك الممكن . # وفي الآية امتنان يجعل الأرض صالحة لدفن الأموات ، وقد ألهم الله لذلك ~~ابن آدم حين قتل أخاه كما تقدم ذكره في سورة المائدة ، فيؤخذ من الآية وجوب ~~الدفن في الأرض إلا إذا تعذر ذلك كالذي يموت في سفينة بعيدة عن مراسي الأرض ~~أو لا تستطيع الإرساء ، أو كان الإرساء يضر بالراكبين أو يخاف تعفن الجثة ~~فإنها يرمى بها في البحر وتثقل بشيء لترسب إلى غريق الماء . وعليه فلا يجوز ~~إحراق الميت كما يفعل مجوس الهند ، وكان يفعله بعض الرومان ، ولا وضعه ~~لكواسر الطير كما كان يفعل مجوس الفرس ، وكان أهل الجاهلية يتمدحون بالميت ~~الذي تأكله السباع أو الضباع وهو الذي يموت قتيلا في فلاة ، قال تأبط : # لا تدفنوني إن دفني محرم # عليكم ولكن خامري أم عامر # وهذا من جهالة الجاهلية وكفران النعمة . # واحتج ابن القاسم من أصحاب مالك بهذه الآية لكون القبر حرزا فأوجب ~~PageV29P433 القطع على من سرق من القبر كفنا أو ما يبلغ ربع دينار ، وقال ~~مالك : القبر حوز للميت كما أن البيت حوز الحي . # وفي ( مفاتيح الغيب ) عن تفسير القفال : أن ربيعة استدل بها على ذلك . # والرواسي : جمع راس ، أي جبالا رواسي ، أي ثوابت فى الأرض قال السموأل : # رسا أصله تحت الثرى وسما به # إلى النجم فرع لا ينال طويل # وجمع على فواعل لوقوعه صفة لمذكر غير عاقل وهذا امتنان بخلق الجبال لأنهم ~~كانوا يأوون إليها وينتفعون بما فيها من كلأ وشجر قال تعالى : { والجبال ms9021 ~~أرساها متاعا لكم ولأنعامكم } ( النازعات : 32 ، 33 ) . # والشامخات : المرتفعات . # وعطف { وأسقيناكم ماء فراتا } لمناسبة ذكر الجبال لأنها تنحدر منها ~~المياه تجري في أسافلها وهي الأدوية وتقر في قرارات وحياض وبحيرات . # والفرات : العذب وهو ماء المطر . # وتنوين { شامخات } و { ماء فراتا } للتعظيم لدلالة ذلك على عظيم القدرة . # . # تكرير للتوبيخ والتقريع مثل نظيره الواقع ثانيا في هذه السورة . # ( 29 31 ) . # هذا خطاب للمكذبين في يوم الحشر فهو مقول قول محذوف دل عليه صيغة الخطاب ~~بالانطلاق دون وجود مخاطب يؤمر به الآن . PageV29P434 # والضمير المقدر مع القول المحذوف عائد إلى المكذبين ، أي يقال للمكذبين . # والأمر بانطلاقهم مستعمل في التسخير لأنهم تنطلق بهم ملائكة العذاب قسرا ~~. # وما كانوا به يكذبون هو جهنم . وعبر عنه بالموصول وصلته لما تتضمنه الصلة ~~من النداء على خطئهم وضلالهم على طريقة قول عبدة بن الطبيب : # إن الذين ترونهم إخوانكم # يشفي غليل صدورهم أن تصرعوا # وجملة { انطلقوا إلى ظل } إلى آخرها ، بدل اشتمال أو مطابق من جملة { ~~انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون } . # وأعيد فعل { انطلقوا } على طريقة التكرير لقصد التوبيخ أو الإهانة والدفع ~~، ولأجله أعيد فعل { انطلقوا } وحرف { إلى } . # ومقتضى الظاهر أن يقال : انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون ظلل ذي ثلاث شعب ~~، فإعادة العامل في البدل للتأكيد في مقام التقريع . # وأريد بالظل دخان جهنم لكثافته ، فعبر عنه بالظل تهكما بهم لأنهم يتشوقون ~~ظلا يأوون إلى برده . # وأفرد { ظل } هنا لأنه جعل لهم ذلك الدخان في مكان واحد ليكونوا متراصين ~~تحته لأن ذلك التراص يزيدهم ألما . # وقرأ الجمهور { انطلقوا } الثاني بكسر اللام مثل { انطلقوا } الأول ، ~~وقرأه رويس عن يعقوب بفتح اللام على صيغة الفعل الماضي على معنى أنهم أمروا ~~بالانطلاق إلى النار فانطلقوا إلى دخانها ، وإنما لم يعطف بالفاء لقصد ~~الاستئناف ليكون خبرا آخر عن حالهم . # والشعب : اسم جمع شعبة وهي الفريق من الشيء والطائفة منه ، أي ذي ثلاث ~~طوائف وأريد بها طوائف من الدخان فإن النار إذا عظم اشتعالها تصاعد دخانها ~~من طرفيها ووسطها لشدة انضغاطه في خروجه منها ms9022 . PageV29P435 # فوصف الدخان بأنه ذو ثلاث شعب لأنه يكون كذلك يوم القيامة . وقد قيل في ~~سبب ذلك : إن شعبة منه عن اليمين وشعبة عن اليسار وشعبة من فوق ، قال الفخر ~~: ( وأقول هذا غير مستبعد لأن الغضب عن يمينه والشهوة عن شماله والقوة ~~الشيطانية في دماغه ، ومنبع جميع الآفات الصادرة عن الإنسان في عقائده وفي ~~أعماله ليس إلا هذه الثلاثة ، ويمكن أن يقال ها هنا ثلاث درجات وهي : الحس ~~، والخيال ، والوهم . وهي مانعة للروح من الاستنارة بأنوار عالم القدس ) اه ~~. # والظليل : القوي في ظلاله ، اشتق له وصف من اسمه لإفادة كماله فيما يراد ~~منه مثل : ليل أليل ، وشعر شاعر ، أي ليس هو مثل ظل المؤمنين قال تعالى : { ~~وندخلهم ظلا ظليلا } ( النساء : 57 ) . وفي هذا تحسير لهم وهو في معنى قوله ~~تعالى : { وظل من يحموم لا بارد ولا كريم } ( الواقعة : 43 ، 44 ) . # وجر { ظليل } على النعت ل { ظل } ، وأقحمت { لا } فصارت من جملة الوصف ~~ولا يظهر فيها إعراب كما تقدم في قوله تعالى : { إنها بقرة لا فارض ولا بكر ~~} ( البقرة : 68 ) وشأن { لا } إذا أدخلت في الوصف أن تكرر فلذلك أعيدت في ~~قوله : { ولا يغني من اللهب } . # والإغناء : جعل الغير غنيا ، أي غير محتاج في ذلك الغرض ، وتعديته ب ( من ~~) على معنى البدلية أو لتضمينه معنى : يبعد ، ومثله قوله تعالى : { وما ~~أغني عنكم من الله من شيء } ( يوسف : 67 ) . وبذلك سلب عن هذا الظل خصائص ~~الظلال لأن شأن الظل أن ينفس عن الذي يأوي إليه ألم الحر . # ( 32 33 ) . # يجوز أن يكون هذا من تمام ما يقال للمكذبين الذين قيل لهم : { انطلقوا ~~إلى ما كنتم به تكذبون } ( المرسلات : 29 ) ، فإنهم بعد أن حصل لهم اليأس ~~مما ينفس عنهم ما يلقون من العذاب ، وقيل لهم : انطلقوا إلى دخان جهنم ربما ~~شاهدوا ساعتئذ جهنم تقذف PageV29P436 بشررها فيروعهم المنظر ، أو يشاهدونها ~~عن بعد لا تتضح منه الأشياء وتظهر عليهم مخائل توقعهم أنهم بالغون إليه ~~فيزدادون روعا وتهويلا ، فيقال لهم : إن جهنم { ترمي بشرر كالقصر كأنه ~~جمالات ms9023 صفر } . # ويجوز أن يكون اعتراضا في أثناء حكاية حالهم ، أو في ختام حكاية حالهم . # فضمير { إنها } عائد إلى جهنم التي دل عليها قوله : { ما كنتم به تكذبون ~~كما يقال للذي يساق إلى القتل وقد رأى رجلا بيده سيف فاضطرب لرؤيته فيقال ~~له : إنه الجلاد . # وإجراء تلك الأوصاف في الإخبار عنها لزيادة الترويع والتهويل ، فإن كانوا ~~يرون ذلك الشرر لقربهم منه فوصفه لهم لتأكيد الترويع والتهويل بتظاهر السمع ~~مع الرؤية . وإن كانوا على بعد منه فالوصف للكشف عن حاله الفظيعة . # وتأكيد الخبر ب ( إن ) للاهتمام به لأنهم حينئذ لا يشكون في ذلك سواء ~~رأوه أو أخبروا به . # والشرر : اسم جمع شررة : وهي القطعة المشتعلة من دقيق الحطب يدفعها لهب ~~النار في الهواء من شدة التهاب النار . # والقصر : البناء العالي . والتعريف فيه للجنس ، أي كالقصور لأنه شبه به ~~جمع ، وهذا التعريف مثل تعريف الكتاب في قوله تعالى : وأنزلنا معهم الكتاب ~~} ( الحديد : 25 ) ، أي الكتب . وعن ابن عباس : الكتاب أكثر من الكتب ، أي ~~كل شررة كقصر ، وهذا تشبيه في عظم حجمه . # وقوله : { كأنه جمالات صفر } تشبيه له في حجمه ولونه وحركته في تطايره ~~بجمالات صفر . وضمير { كأنه } عائد إلى شرر . # والجمالات : بكسر الجيم جمع جمالة ، وهي اسم جمع طائفة من الجمال ، أي ~~تشبه طوائف من الجمال متوزعة فرقا ، وهذا تشبيه مركب لأنه تشبيه في هيئة ~~الحجم مع لونه مع حركته . والصفرة : لون الشرر إذا ابتعد عن لهيب ناره . ~~PageV29P437 # وقرأ الجمهور { جمالات } بكسر الجيم وألف بعد اللام فهو جمع جمالة . ~~وقرأه حمزة والكسائي وحفص عن عاصم وخلف { جمالة } بكسر الجيم بدون ألف بعد ~~اللام وهو جمع جمل مثل حجر وحجارة . # وقرأه رويس عن يعقوب { جمالات } بضم الجيم وألف بعد اللام جمع جمالة ~~بالضم وهي حبل تشد به السفينة ، ويسمى القلس ( بقاف مفتوحة ولام ساكنة ) ~~والتقدير : كأن الواحدة منها جمالة ، و { صفر } على هذه القراءة نعت ل { ~~جمالات } أو ل ( شرر ) . # قال صاحب ( الكشاف ) : وقال أبو العلاء ( يعني المعري ) في صفة نار قوم ~~مدحهم بالكرم ms9024 : # حمراء ساطعة الذوائب في الدجى # ترمي بكل شرارة كطراف # شبه الشرارة بالطراف وهو بيت الأدم في العظم والحمرة وكأنه قصد بخبثه أن ~~يزيد على تشبيه القرآن ولتبجحه بما سول له من توهم الزيادة جاء في صدر بيته ~~بقوله : ( حمراء ) توطئة لها ومناداة عليها وتنبيها للسامعين على مكانها ، ~~ولقد عمي جمع الله له عمى الدارين عن قوله عز وعلا : { كأنه جمالات صفر } ~~فإنه بمنزلة قوله كبيتت أحمر وعلى أن في التشبيه بالقصر وهو الحصن تشبيها ~~من جهتين من جهة العظم ومن جهة الطول في الهواء فأبعد الله إغرابه في طرافه ~~وما نفخ شدقيه من استطرافه اه . # وأقول : هذا الكلام ظن سوء بالمعري لم يشم من كلامه ، ولا نسبه إليه أحد ~~من أهل نبزه وملامه ، زاد به الزمخشري في طنبور أصحاب النقمة ، لنبز المعري ~~ولمزه نغمة . # قال الفخر : كان الأولى لصاحب ( الكشاف ) أن لا يذكر ذلك ( أي لأنه ظن ~~سوءا بلا دليل ) . # وقال الطيبي : وليس كذلك لأنه لا يخفى على مثل المعري : أن الكلام بآخره ~~لأن الله شبه الشرارة : أولا حين تنفصل عن النار بالقصر في العظم ، وثانيا ~~حين تأخذ في الارتفاع والانبساط فتنشق عن أعداد لا نهاية لها بالجمالات في ~~التفرق PageV29P438 واللون والعظم والثقل ، ونظر في ذلك إلى الحيوان وأن ~~تلك الحركات اختيارية وكل ذلك مفقود في بيته . # . # تكرير لقصد تهديد المشركين الأحياء والقول فيه كالقول في نظيره الواقع ~~ثانيا في هذه السورة . # ( 35 36 ) . # إن كانت الإشارة على ظاهرها كان المشار إليه هو اليوم الحاضر وهو يوم ~~الفصل فتكون الجملة من تمام ما يقال لهم في ذلك اليوم بعد قوله : { انطلقوا ~~إلى ما كنتم به تكذبون } ( المرسلات : 29 ) فيكون في الانتقال من خطابهم ~~بقوله : { انطلقوا إلى إجراء ضمائر الغيبة عليهم ، التفات يزيده حسنا أنهم ~~قد استحقوا الإعراض عنهم بعد إهانتهم بخطاب انطلقوا } . # وهذا الوجه أنسب بقوله تعالى بعده : { هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين } ~~( المرسلات : 38 ) ، وموقع الجملة على هذا التأويل موقع تكرير التوبيخ الذي ~~أفاده قوله : { انطلقوا إلى ما كنتم ms9025 به تكذبون وهو من جملة ما يقال لهم في ~~ذلك اليوم ، واسم الإشارة مستعمل في حقيقته للقريب . # وإن كانت الإشارة إلى المذكور في اللفظ وهو يوم الفصل المتحدث عنه بأن ~~فيه الويل للمكذبين ، كان هذا الكلام موجها إلى الذين خوطبوا بالقرآن كلهم ~~إنذارا للمشركين منهم وإنعاما على المؤمنين ، فكانت ضمائر الغيبة جارية على ~~أصلها وكانت عائدة على المكذبين من قوله : ويل يومئذ للمكذبين } ( المرسلات ~~: 34 ) وتكون الجملة معترضة بين جملة { انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون ، ~~وجملة هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين } ( المرسلات : 38 ) . واسم الإشارة ~~الذي هو إشارة إلى القريب مستعمل في مشار إليه بعيد باعتبار قرب الحديث عنه ~~على ضرب من المجاز أو التسامح . PageV29P439 # واسم الإشارة مبتدأ { ويوم لا ينطقون } خبر عنه . # وجملة { لا ينطقون } مضاف إليها { يوم } ، أي هو يوم يعرف بمدلول هذه ~~الجملة ، وعدم تنوين { يوم } لأجل إضافته إلى الجملة كما يضاف ( حين ) ~~والأفصح في هذه الأزمان ونحوه إذا أضيف إلى جملة مفتتحة ب { لا } النافية ~~أن يكون معربا ، وهو لغة مضر العليا ، وأما مضر السفلى فهم يبنونه على ~~الفتح دائما . # وعطف { ولا يؤذن لهم فيعتذرون } على جملة { لا ينطقون } ، أي لا يؤذن ~~إذنا يتفرع عليه اعتذارهم ، أي لا يؤذن لهم في الاعتذار . فالاعتذار هو ~~المقصود بالنفي ، وجعل نفي الإذن لهم توطئة لنفي اعتذارهم ، ولذلك جاء { ~~فيعتذرون } مرفوعا ولم يجىء منصوبا على جواب النفي إذ ليس المقصود نفي ~~الإذن وترتب نفي اعتذارهم على نفي الإذن لهم إذ لا محصول لذلك ، فلذلك لم ~~يكن نصب { فيعتذرون } مساويا للرفع بل ولا جائزا بخلاف نحو { لا يقضى عليهم ~~فيموتوا } ( فاطر : 36 ) فإن نفي القضاء عليهم وهم في العذاب مقصود لذاته ~~لأنه استمرار في عذابهم ثم أجيب بأنه لو قضي عليهم لماتوا ، أي فقدوا ~~الإحساس ، فمعنى الجوابية هنالك مما يقصد . ولذا فلا حاجة هنا إلى ما ادعاه ~~أبو البقاء أن { فيعتذرون } استئناف تقديره : فهم يعتذرون ، ولا إلى ما ~~قاله ابن عطية تبعا للطبري : إنه ينصب لأجل تشابه رؤوس الآيات ، وبعد ms9026 فإن ~~مناط النصب في جواب النفي قصد المتكلم جعل الفعل جوابا للنفي لا مجرد وجود ~~فعل مضارع بعد فعل منفي . # واعلم أنه لا تعارض بين هذه الآية وبين الآيات التي جاء فيها ما يقضي ~~أنهم يعتذرون نحو قوله تعالى : { قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين ~~فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل } ( غافر : 11 ) لأن وقت انتفاء ~~نطقهم يوم الفصل . # وأما نطقهم المحكي في قوله : { ربنا أمتنا اثنتين فذلك صراخهم في جهنم ~~بعد انقضاء يوم الفصل ، وبنحو هذا أجاب ابن عباس نافع بن الأزرق حين قال ~~نافع : إني أجد في القرآن أشياء تختلف علي قال الله : ولا يتساءلون } ( ~~المؤمنون : 101 ) ، وقال : { وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون } ( الصافات : ~~27 ) فقال ابن عباس : لا يتساءلون في النفخة الأولى حين نفخ في الصور فصعق ~~من في السماوات ومن في الأرض فلا يتساءلون حينئذ ، ثم في النفخة الثانية ~~أقبل بعضهم على بعض يتساءلون . والذي يجمع الجواب عن PageV29P440 تلك ~~الآيات وعن أمثالها هو أنه يجب التنبه إلى مسألة الوحدات في تحقق التناقض . # . # تكرير لتهديد المشركين متصل بقوله : { هذا يوم لا ينطقون } ( المرسلات : ~~35 ) الآية على أول الوجهين في موقع ذلك ، أو هو وارد لمناسبة قوله : { هذا ~~يوم لا ينطقون على ثاني الوجهين المذكورين فيه فيكون تكريرا لنظيره الواقع ~~بعد قوله : انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون } ( المرسلات : 29 ) إلى قوله : ~~{ صفر } ( المرسلات : 33 ) اقتضى تكريره عقبه أن جملة { هذا يوم لا ينطقون ~~الخ تتضمن حالة من أحوالهم يوم الحشر لم يسبق ذكرها فكان تكرير ويل يومئذ ~~للمكذبين } بعدها لوجود مقتضي تكرير الوعيد للسامعين . # ( 38 39 ) . # تكرير لتوبيخهم بعد جملة { انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون } ( المرسلات : ~~29 ) شيع به القول الصادر بطردهم وتحقيرهم ، فإن المطرود يشيع بالتوبيخ ، ~~فهو مما يقال لهم يومئذ ، ولم تعطف بالواو لأنها وقعت موقع التذييل للطرد ، ~~وذلك من مقتضيات الفصل سواء كان التكرير بإعادة اللفظ والمعنى ، أم كان ~~بإعادة المعنى والغرض . # والإشارة إلى المشهد الذي يشاهدونه من حضور الناس ومعدات العرض ms9027 والحساب ~~لفصل القضاء بالجزاء . # والإخبار عن اسم الإشارة بأنه { يوم الفصل } باعتبار أنهم يتصورون ما ~~كانوا يسمعون في الدنيا من محاجة عليهم لإثبات يوم يكون فيه الفصل وكانوا ~~ينكرون ذلك اليوم وما يتعذرون بما يقع فيه ، فصارت صورة ذلك اليوم حاضرة في ~~تصورهم دون إيمانهم به ، فكانوا الآن متهيئين لأن يوقنوا بأن هذا هو اليوم ~~الذي كانوا يوعدون بحلوله ، وقد عرف ذلك اليوم من قبل بأنه يوم الفصل ( ~~المرسلات : 13 ) ، أي القضاء وقد رأوا أهبة القضاء . PageV29P441 # وجملة { جمعناكم والأولين } بيان للفصل بأنه الفصل في الناس كلهم لجزاء ~~المحسنين والمسيئين كلهم ، فلا جرم جمع في ذلك اليوم الأولون والآخرون قال ~~تعالى : { قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم } ( ~~الواقعة : 49 ، 50 ) . # والمخاطبون بضمير { جمعناكم } : المشركون الذين سبق الكلام لتهديدهم وهم ~~المكذبون بالقرآن ، لأن عطف { والأولين } على الضمير يمنع من أن يكون ~~الضمير لجميع المكذبين مثل الضمائر التي قبله ، لأن الأولين من جملة ~~المكذبين فلا يقال لهم : { جمعناكم والأولين } ، فتعين أن يختص بالمكذبين ~~بالقرآن . # والمعنى : جمعناكم والسابقين قبلكم من المكذبين . # وقد أنذروا بما حل بالأولين أمثالهم من عذاب الدنيا في قوله : { ألم نهلك ~~الأولين } ( المرسلات : 16 ) . فأريد توقيفهم يومئذ على صدق ما كانوا ~~ينذرون به في الحياة الدنيا من مصيرهم إلى ما صار إليه أمثالهم ، فلذلك لم ~~يتعلق الغرض يومئذ بذكر الأمم التي جاءت من بعدهم . # وباعتبار هذا الضمير فرع عليه قوله : { فإن كان لكم كيد فكيدون } فكان ~~تخلصا إلى توبيخ الحاضرين على ما يكيدون به للرسول صلى الله عليه وسلم ~~وللمسلمين قال تعالى : { إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا فمهل الكافرين أمهلهم ~~رويدا } ( الطارق : 15 17 ) وأن كيدهم زائل وأن سوء العقبى عليهم . # وفرع على ذلك { فإن كان لكم كيد فكيدون } ، أي فإن كان لكم كيد اليوم كما ~~كان لكم في الدنيا ، أي كيد بديني ورسولي فافعلوه . # والأمر للتعجيز ، والشرط للتوبيخ والتذكير بسوء صنيعهم في الدنيا ، ~~والتسجيل عليهم بالعجز عن الكيد يومئذ حيث مكنوا من البحث عما عسى أن يكون ms9028 ~~لهم من الكيد فإذا لم يستطيعوه بعد ذلك فقد سجل عليهم العجز . وهذا من ~~العذاب الذي يعذبونه إذ هو من نوع العذاب النفساني وهو أوقع على العاقل من ~~العذاب الجسماني . # . # تكرير للوعيد والتهديد وهو متصل بما قبله كاتصال نظيره المذكور آنفا . ~~PageV29P442 # ( 41 44 ) { } . # يجوز أن يكون هذا ختام الكلام الذي هو تقريع للمشركين حكي لهم فيه نعيم ~~المؤمنين الذي لا يشاهده المشركون لبعدهم عن مكانه فيحكى لهم يومئذ فيما ~~يقال لهم ليكون ذلك أشد حسرة عليهم وتنديما لهم على ما فرطوا فيه مما بادر ~~إليه المتقون المؤمنون ففازوا ، فيكون هذا من جملة القول الذي حذف فعله عند ~~قوله : { انطلقوا } ( المرسلات : 29 ) الخ . # ويجوز أن يكون هذا ابتداء كلام مستأنف انتقل به إلى ذكر نعيم المؤمنين ~~المتقين تنويها بشأنهم وتعريضا بترغيب من المشركين الموجودين في الإقلاع ~~عنه لينالوا كرامة المتقين . # و { ظلال } : جمع ظل ، وهي ظلال كثيرة لكثرة شجر الجنة وكثرة المستظلين ~~بظلها ، ولأن لكل واحد منهم ظلا يتمتع فيه هو ومن إليه ، وذلك أوقع في ~~النعيم . # والتعريف في { المتقين } للاستغراق فلكل واحد من المتقين كون في ظلال . # و { في } للظرفية وهي ظرفية حقيقية بالنسبة للظلال لأن المستظل يكون ~~مظروفا في الظل ، وظرفية مجازية بالنسبة للعيون والفواكه تشبيها لكثرة ما ~~حولهم من العيون والفواكه بإحاطة الظروف ، وقوله : { مما يشتهون } صفة { ~~فواكه } . وجمع { فواكه } الفواكه وغيرها ، فالتبعيض الذي دل عليه حرف ( من ~~) تبعيض من أصناف الشهوات لا من أصناف الفواكه فأفاد أن تلك الفواكه مضمومة ~~إلى ملاذ أخرى مما اشتهوه . # وجملة { كلوا واشربوا } مقول قول محذوف ، وذلك المحذوف في موقع الحال من ~~{ المتقين } ، والتقدير : مقولا لهم كلوا واشربوا . # والمقصود من ذلك القول كرامتهم بعرض تناول النعيم عليهم كما يفعله المضيف ~~لضيوفه فالأمر في { كلوا واشربوا } مستعمل في العرض . PageV29P443 # و { هنيئا } دعاء تكريم كما يقال للشارب أو الطعام في الدنيا : هنيئا ~~مريئا ، كقوله تعالى : { فكلوه هنيئا مريئا في سورة النساء . # وهنيئا } وصف لموصوف غير مذكور دل عليه فعل { كلوا واشربوا } وذلك ~~الموصوف مفعول ms9029 مطلق من { كلوا واشربوا } مبين للنوع لقصد الدعاء مثل : سقيا ~~ورعيا ، في الدعاء بالخير ، وتبا وسحقا في ضده . # والباء في { بما كنتم تعملون } للسببية ، أي لإفادة تسبب ما بعدها في ~~وقوع متعلقه ، أي كلوا واشربوا بسبب ما كنتم تعملون في الدنيا من الأعمال ~~الصالحة وذلك من إكرامهم بأن جعل ذلك الإنعام حقا لهم . # وجملة { إنا كذلك نجزي المحسنين } يجوز أن تكون مما يقال للمتقين بعد أن ~~قيل لهم { كلوا واشربوا } الخ مسوقة إليهم مساق زيادة الكرامة بالثناء ~~عليهم ، أي هذا النعيم الذي أنعمت به عليكم هو سنتنا في جزاء المحسنين فإذ ~~قد كنتم من المحسنين فذلك جزاء لكم نلتموه بأنكم من أصحاب الحق في مثله ، ~~ففي هذا هز من أعطاف المنعم عليهم . # والمعنى عليه : أن هذه الجملة تقال لكل متق منهم ، أو لكل جماعة منهم ~~مجتمعة على نعيم الجنة ، وليعلموا أيضا أن أمثالهم في الجنات الأخرى لهم من ~~الجزاء مثل ما هم ينعمون به . # ويجوز أن تكون الجملة موجهة إلى المكذبين الموجودين بعد أن وصف لهم ما ~~ينعم به المتقون إثر قوله { إن المتقين في ظلال وعيون } الخ ، قصد منها ~~التعريض بأن حرمانهم من مثل ذلك النعيم هم الذين قضوا به على أنفسهم إذ ~~أبوا أن يكونوا من المحسنين تكملة لتنديمهم وتحسيرهم الذي بودئوا به من ~~قوله : { إن المتقين في ظلال وعيون } إلى آخره ، أي إنا كذلك نجزي المحسنين ~~دون أمثالكم المسيئين . # وموقع الجملة على كلا الاعتبارين موقع التعليل لما قبلها على كلا ~~التقديرين فيما قبلها ، ومن أجل الإشعار بهذا التعليل افتتحت ب { إن } مع ~~خلو المقام عن التردد في الخبر إذ الموقف يومئذ موقف الصدق والحقيقة ، ~~فلذلك كانت { إن } متمحضة لإفادة الاهتمام بالخبر وحينئذ تصير مغنية غناء ~~فاء التسبب وتفيد مفاد التعليل PageV29P444 والربط كما تقدمت الإشارة إليه ~~عند قوله تعالى : { إن البقر تشابه علينا } ( البقرة : 70 ) وتفصيله عند ~~قوله : { إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة في سورة آل عمران . # والإشارة بقوله : كذلك } إلى النعيم المشاهد إن كانت الجملة ms9030 التي فيها ~~إشارة موجهة إلى { المتقين } ، أو الإشارة إلى النعيم الموصوف في قوله : { ~~في ظلال وعيون } إن كانت الجملة المشتملة على اسم الإشارة موجهة إلى ~~المكذبين . # والجملة على كل تقدير تفيد معنى التذييل بما اشتملت عليه من شبه عموم ~~كذلك ، ومن عموم المحسنين ، فاجتمع فيها التعليل والتذييل . # . # هي على الوجه الأول في جملة { إن المتقين في ظلال وعيون } ( المرسلات : ~~41 ) تكرير لنظائرها واليوم المضاف إلى ( إذ ) ذاتت تنوين العوض هو يوم ~~صدور تلك المقالة . # وأما على الوجه الثاني في جملة { إن المتقين في ظلال وعيون } ( المرسلات ~~: 41 ) الخ فهي متصلة بتلك الجملة لمقابلة ذكر نعيم المؤمنين المطنب في ~~وصفه بذكر ضده للمشركين بإيجاز حاصل من كلمة { ويل } لتحصل مقابلة الشيء ~~بضده ولتكون هذه الجملة تأكيدا لنظائرها ، واليوم المضاف إلى ( إذ ) يوم ~~غير مذكور ولكنه مما يقتضيه كون المتقين في ظلال وعيون وفواكه ليعلم بأن ~~ذلك يكون لهم في يوم القيامة . # . # خطاب للمشركين الموجودين الذين خوطبوا بقوله تعالى : { إن ما توعدون ~~لواقع } ( المرسلات : 7 ) ، وهو استئناف ناشىء عن قوله : { إنا كذلك نجزي ~~المحسنين } ( المرسلات : 44 ) إذ يثير في نفوس المكذبين المخاطبين بهذه ~~القوارع ما يكثر خطوره في نفوسهم من أنهم في هذه الدنيا في نعمة محققة وأن ~~ما يوعدون به غير واقع فقيل لهم : { كلوا وتمتعوا قليلا } . # فالأمر في قوله : { كلوا وتمتعوا } مستعمل في الإمهال والإنذار ، أي ليس ~~أكلكم وتمتعكم بلذات الدنيا بشيء لأنه تمتع قليل ثم مأواكم العذاب الأبدي ~~قال PageV29P445 تعالى : { لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ~~ثم مأواهم جهنم وبيس المهاد } ( آل عمران : 196 ، 197 ) . # وجملة { إنكم مجرمون } خبر مستعمل في التهديد والوعيد بالسوء ، أي إن ~~إجرامكم مهو بكم إلى العذاب ، وذلك مستفاد من مقابلة وصفهم بالإجرام بوصف { ~~المتقين } ( المرسلات : 41 ) بالإحسان إذ الجزاء من جنس العمل ، فالجملة ~~واقعة موقع التعليل . # وتأكيد الخبر ب ( إن ) لرد إنكارهم كونهم مجرمين . # . # هو مثل نظيره المذكور ثانيا في هذه السورة . # ويزيد على ذلك بأن له ارتباطا خاصا بجملة { كلوا ms9031 وتمتعوا قليلا } ( ~~المرسلات : 46 ) لما في { تمتعوا قليلا من الكناية عن ترقب سوء عاقبة لهم ~~فيقع قوله : ويل يومئذ للمكذبين } موقع البيان لتلك الكناية ، أي كلوا ~~وتمتعوا قليلا الآن وويل لكم يوم القيامة . # . # يجوز أن يكون عطفا على قوله : { للمكذبين } ( المرسلات : 47 ) ، والتقدير ~~: والذين إذا قيل لهم اركعوا لا يركعون ، فإن ( آل ) الداخلة على الأوصاف ~~المشتقة بمنزلة اسم الموصول غالبا ، ولذلك جعلها النحاة في عداد أسماء ~~الموصول وجعلوا الوصف الداخلة عليه صلة لها . # ويجوز أن يكون عطفا على جملة { كلوا وتمتعوا قليلا } ( المرسلات : 46 ) ~~والانتقال من الخطاب إلى الغيبة التفات . # وعلى كلا الوجهين فهو من الإدماج لينعى عليهم مخالفتهم المسلمين في ~~الأعمال الدالة على الإيمان الباطنن فهو كناية عن عدم إيمانهم لأن الصلاة ~~عماد الدين ولذلك عبر عن المشركين ب { الذين هم عن صلاتهم ساهون } ( ~~الماعون : 5 ) . PageV29P446 # والمعنى : إذا قيل لهم آمنوا واركعوا لا يؤمنون ولا يركعون كما كني عن ~~عدم الإيمان لما حكي عنهم في الآخرة { ما سلككم في سقر قالوا لم نك من ~~المصلين ولم نك نطعم المسكين } ( المدثر : 42 44 ) إلى آخره . # ويجوز أن يكون عطفا على قوله : { إنكم مجرمون } ( المرسلات : 46 ) . # وعلى الوجوه كلها يفيد تهديدهم لأنه معطوف على التكذيب أو على الإجرام ، ~~وكلاهما سبب للتهديد بجزاء السوء في يوم الفصل . # وليس في الآية دليل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة لعدم تعين معنى ~~المصلين للذين يقيمون الصلاة . # . # هذه الجملة مثل نظيرها الموالية هي له ، إذ يجوز أن تكون متصلة بقوله : { ~~وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون } ( المرسلات : 48 ) ويكون التعبير ب ( ~~المكذبين ) إظهارا في مقام الإضمار لقصد وصفهم بالتكذيب . والتقدير : ويل ~~يومئذ لهم أو لكم فهي تهديد ناشىء عن جملة { وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون ~~، ويكون اليوم المشار إليه بيومئذ } الزمان الذي يفيده { إذا } من قوله : { ~~وإذا قيل لهم اركعوا الذي يجازى فيه بالويل للمجرمين الذين إذا قيل لهم ~~اركعوا لا يركعون ، أي لا يؤمنون ، وتفيد مع ذلك تقريرا وتأكيدا لنظيرها ~~المذكور ثانيا في ms9032 هذه السورة . # } . # الفاء فصيحة تنبىء عن شرط مقدر تقديره : إن لم يؤمنوا بهذا القرآن فبأي ~~حديث بعده يؤمنون ، وقد دل على تعيين هذا المقدر ما تكرر في آيات { ويل ~~يومئذ للمكذبين } ( المرسلات : 49 ) فإن تكذيبهم بالقرآن وما جاء فيه من ~~وقوع البعث . # والاستفهام مستعمل في الإنكار التعجيبي من حالهم ، أي إذا لم يصدقوا ~~بالقرآن مع وضوح حجته فلا يؤمنون بحديث غيره . PageV29P447 # والمقصود أن القرآن بالغ الغاية في وضوح الدلالة ونهوض الحجة فالذين لا ~~يؤمنون به لا يؤمنون بكلام يسمعونه عقب ذلك . # وقوله : { بعده يجوز أن يجعل صفة حديث فهو ظرف مستقر ، والمراد بالبعدية ~~: تأخر الزمان ، ويقدر معنى بالغ أو مسموع بعد بلوغ القرآن أو سماعه سواء ~~كان حديثا موجودا قبل نزول القرآن ، أو حديثا يوجد بعد القرآن ، فليس ~~المعنى إنهم يؤمنون بحديث جاء قبل القرآن مثل التوراة والإنجيل وغيرهما من ~~المواعظ والأخبار ، بل المراد أنهم لا يؤمنون بحديث غيره بعد أن لم يؤمنوا ~~بالقرآن لأنه لا يقع إليهم كلام أوضح دلالة وحجة من القرآن . # ويجوز أن يكون بعده } متعلقا ب { يؤمنون } فهو ظرف لغو ويبقى لفظ { حديث ~~} منفيا بلا قيد وصفف أنه بعد القرآن ، والمعنى : لا يؤمنون بعد القرآن بكل ~~حديث . # وضمير { بعده } عائد إلى القرآن ولم يتقدم ما يدل عليه في هذه السورة ~~ليكون معادا للضمير ولكنه اعتبر كالمذكور لأنه ملحوظ لأذهانهم كل يوم من ~~أيام دعوة النبي صلى الله عليه وسلم إياهم به . # وتقدم نظير هذه الآية في أواخر سورة الأعراف فضمه إلى ما هنا . # ويجوز أن يكون ضمير { بعده } عائدا إلى القول المأخوذ من { وإذا قيل لهم ~~اركعوا لا يركعون } ( المرسلات : 48 ) فإن أمرهم بالركوع الذي هو كناية عن ~~الإيمان كان بأقوال القرآن . # PageV29P448 # | 1 ( سورة النبأ ) 1 # سميت هذه السورة في أكثر المصاحف وكتب التفسير وكتب السنة ( سورة النبإ ) ~~لوقوع كلمة ( النبإ ) في أولها . # وسميت في بعض المصاحف وفي ( صحيح البخاري ) وفي ( تفسير ابن عطية ) و ( ~~الكشاف ) ( سورة عم يتساءلون ) . وفي ( تفسير القرطبي ) سماها ( سورة عم ) ~~أي ms9033 بدون زيادة ( يتساءلون ) تسمية لها بأول جملة فيها . # وتسمى ( سورة التساؤل ) لوقوع ( يتساءلون ) في أولها . وتسمى ( سورة ~~المعصرات ) لقوله تعالى فيها : { وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا } ( النبأ ~~: 14 ) . فهذه خمسة أسماء . واقتصر في ( الإتقان ) على أربعة أسماء : عم ، ~~والنبأ ، والتساؤل ، والمعصرات ، وهي مكية بالاتفاق . # وعدت السورة الثمانين في ترتيب نزول السور عند جابر بن زيد ، نزلت بعد ~~سورة المعارج وقبل سورة النازعات . # وفيما روي عن ابن عباس والحسن ما يقتضي أن هذه السورة نزلت في أول البعث ~~، روي عن ابن عباس : ( كانت قريش تجلس لما نزل القرآن فتتحدث فيما بينها ~~فمنهم المصدق ومنهم المكذب به ) فنزلت : { عم يتساءلون } . # وعن الحسن لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم جعلوا يتساءلون بينهم فأنزل ~~الله : { عم يتساءلون عن النبإ العظيم } ( النبأ : 1 ، 2 ) يعني الخبر ~~العظيم . # وعد آيها أصحاب العدد من أهل المدينة والشام والبصرة أربعين . وعدها أهل ~~مكة وأهل الكوفة إحدى وأربعين آية . PageV30P005 # أغراضها # اشتملت هذه السورة على وصف خوض المشركين في شأن القرآن وما جاء به مما ~~يخالف معتقداتهم ، ومن ذلك إثبات البعث ، وسؤال بعضهم بعضا عن الرأي في ~~وقوعه مستهزئين بالإخبار عن وقوعه . # وتهديدهم على استهزائهم . # وفيها إقامة الحجة على إمكان البعث بخلق المخلوقات التي هي أعظم من خلق ~~الإنسان بعد موته وبالخلق الأول للإنسان وأحواله . # ووصف الأهوال الحاصلة عند البعث من عذاب الطاغين مع مقابلة ذلك بوصف نعيم ~~المؤمنين . # وصفة يوم الحشر إنذارا للذين جحدوا به والإيماء إلى أنهم يعاقبون بعذاب ~~قريب قبل عذاب يوم البعث . # وأدمج في ذلك أن علم الله تعالى محيط بكل شيء ومن جملة الأشياء أعمال ~~الناس . # # | 2 ( { عم يتسآءلون * عن النبإ العظيم * الذى هم فيه مختلفون * كلا ~~سيعلمون * ثم كلا سيعلمون * ألم نجعل الارض مهادا * والجبال أوتادا * ~~وخلقناكم أزواجا * وجعلنا نومكم سباتا * وجعلنا اليل لباسا * وجعلنا النهار ~~معاشا * وبنينا فوقكم سبعا شدادا * وجعلنا سراجا وهاجا * وأنزلنا من ~~المعصرات مآء ثجاجا * لنخرج به حبا ونباتا * وجنات ألفافا * إن يوم الفصل ~~كان ميقاتا * يوم ينفخ فى ms9034 الصور فتأتون أفواجا * وفتحت السمآء فكانت أبوابا ~~* وسيرت الجبال فكانت سرابا * إن جهنم كانت مرصادا * للطاغين مئابا * ~~لابثين فيهآ أحقابا * لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا * إلا حميما وغساقا * ~~جزآء وفاقا * إنهم كانوا لا يرجون حسابا * وكذبوا بئاياتنا كذابا * وكل شىء ~~أحصيناه كتابا * فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا * إن للمتقين مفازا * حدآئق ~~وأعنابا * وكواعب أترابا * وكأسا دهاقا * لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا * ~~جزآء من ربك عطآء حسابا * رب السماوات والارض وما بينهما الرحمان لا يملكون ~~منه خطابا * يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له ~~الرحمان وقال صوابا * ذلك اليوم الحق فمن شآء اتخذ إلى ربه مئابا * إنآ ~~أنذرناكم عذابا قريبا يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر ياليتنى ~~كنت ترابا } ) 2 # افتتاح الكلام بالاستفهام عن تساؤل جماعة عن نبأ عظيم ، افتتاح تشويقق ثم ~~تهويل لما سيذكر بعده ، فهو من الفواتح البديعة لما فيها من أسلوب عزيز غير ~~مألوف ومن تشويق بطريقة الإجمال ثم التفصيل المحصلة لتمكن الخبر الآتي بعده ~~في نفس السامع أكمل تمكن . # وإذ كان هذا الافتتاح مؤذنا بعظيم أمر كان مؤذنا بالتصدي لقول فصلل فيه ، ~~ولما كان في ذلك إشعار بأهم ما فيه خوضهم يومئذ يجعل افتتاح الكلام به من ~~براعة الاستهلال . PageV30P006 # ولفظ { عم } مركب من كلمتين هما حرف ( عن ) الجار و ( ما ) التي هي اسم ~~استفهام بمعنى : أي شيء ، ويتعلق { عم } بفعل { يتساءلون } فهذا مركب . ~~وأصل ترتيبه : يتسآءلون عن ما ، فقدم اسم الاستفهام لأنه لا يقع إلا في صدر ~~الكلام المستفهم به ، وإذ قد كان اسم الاستفهام مقترنا بحرف الجر الذي تعدى ~~به الفعل إلى اسم الاستفهام وكان الحرف لا ينفصل عن مجروره قدما معا فصار { ~~عما يتساءلون } . # وقد جرى الاستعمال الفصيح على أن ( ما ) الاستفهامية إذا دخل عليها حرف ~~الجر يحذف الألف المختومة هي به تفرقة بينها وبين ( ما ) الموصولة . # وعلى ذلك جرى استعمال نطقهم ، فلما كتبوا المصاحف جروا على تلك التفرقة ~~في النطق فكتبوا ( ما ) الاستفهامية بدون ألف حيثما ms9035 وقعت مثل قوله تعالى : ~~{ فيم أنت من ذكراها } ( النازعات : 43 ) { فبم تبشرون } ( الحجر : 54 ) { ~~لم أذنت لهم } ( التوبة : 43 ) { عم يتساءلون } { مم خلق } ( الطارق : 5 ) ~~فلذلك لم يقرأها أحد بإثبات الألف إلا في الشاذ . # ولما بقيت كلمة ( ما ) بعد حذف ألفها على حرف واحد جروا في رسم المصحف ~~على أن ميمها الباقية تكتب متصلة بحرف ( عن ) لأن ( ما ) لما حذف ألفها ~~بقيت على حرف واحد فأشبه حروف التهجي ، فلما كان حرف الجر الذي قبل ( ما ) ~~مختوما بنون والتقتت النون مع ميم ( ما ) ، والعرب ينطقون بالنون الساكنة ~~التي بعدها ميم ميما ويدغمونها فيها ، فلما حذفت النون في النطق جرى رسمهم ~~على كتابة الكلمة محذوفة النون تبعا للنطق ، ونظيره قوله تعالى : { مم خلق ~~} وهو اصطلاح حسن . # والتساؤل : تفاعل وحقيقة صيغة التفاعل تفيد صدور معنى المادة المشتقة ~~منها من الفاعل إلى المفعول وصدور مثله من المفعول إلى الفاعل ، وترد كثيرا ~~لإفادة تكرر وقوع ما اشتقت منه نحو قولهم : ساءل ، بمعنى : سأل ، قال ~~النابغة : # أسائل عن سعدى وقد مر بعدنا # على عرصات الدار سبع كوامل # وقال رويشد بن كثير الطائي : # يا أيها الراكب المزجي مطيته # سائل بني أسد ما هذه الصوت PageV30P007 # وتجيء لإفادة قوة صدور الفعل من الفاعل نحو قولهم : عافاك الله ، وذلك ~~إما كناية أو مجاز ومحمله في الآية على جواز الاحتمالات الثلاثة وذلك من ~~إرادة المعنى الكنائي مع المعنى الصريح ، أو من استعمال اللفظ في حقيقته ~~ومجازه ، وكلا الاعتبارين صحيح في الكلام البليغ فلا وجه لمنعه . # فيجوز أن تكون مستعملة في حقيقتها بأن يسأل بعضهم بعضا سؤال متطلع للعلم ~~لأنهم حينئذ لم يزالوا في شك من صحة ما أنبئوا به ثم استقر أمرهم على ~~الإنكار . # ويجوز أن تكون مستعملة في المجاز الصوري يتظاهرون بالسؤال وهم موقنون ~~بانتفاء وقوع ما يتساءلون عنه على طريقة استعمال فعل ( يحذر ) في قوله ~~تعالى : { يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة } ( التوبة : 64 ) فيكونون ~~قصدوا بالسؤال الاستهزاء . # وذهب المفسرون فريقين في كلتا الطريقتين يرجح كل فريق ما ذهب ms9036 إليه . ~~والوجه حمل الآية على كلتيهما لأن المشركين كانوا متفاوتين في التكذيب ، ~~فعن ابن عباس : ( لما نزل القرآن كانت قريش يتحدثون فيما بينهم فمنهم مصدق ~~ومنهم مكذب ) . # وعن الحسن وقتادة مثل قول ابن عباس ، وقيل : هو سؤال استهزاء أو تعجب ~~وإنما هم موقنون بالتكذيب . # فأما التساؤل الحقيقي فأن يسأل أحد منهم غيره عن بعض أحوال هذا النبأ ~~فيسأل المسؤول سائله سؤالا عن حال آخر من أحوال النبأ ، إذ يخطر لكل واحد ~~في ذلك خاطر غير الذي خطر للآخر فيسأل سؤال مستثبت ، أو سؤال كشف عن معتقده ~~، أو ما يوصف به المخبر بهذا النبأ كما قال بعضهم لبعض : { أفترى على الله ~~كذبا أم به جنة } ( سبأ : 8 ) وقال بعض آخر : { أئذا كنا ترابا وآباؤنا ~~أئنا لمخرجون } إلى قوله : { إن هذا إلا أساطير الأولين } ( النمل : 67 ، ~~68 ) . # وأما التساؤل الصوري فأن يسأل بعضهم بعضا عن هذا الخبر سؤال تهكم ~~واستهزاء فيقول أحدهم : هل بلغك خبر البعث ؟ ويقول له الآخر : هل سمعت ما ~~PageV30P008 قال ؟ فإطلاق لفظ التساؤل حقيقي لأنه موضوع لمثل تلك المساءلة ~~وقصدهم منه غير حقيقي بل تهكمي . # والاستفهام بما في قوله : { عم يتساءلون } ليس استفهاما حقيقيا بل هو ~~مستعمل في التشويق إلى تلقي الخبر نحو قوله تعالى : { هل أنبئكم على من ~~تنزل الشياطين } ( الشعراء : 221 ) . # والموجه إليه الاستفهام من قبيل خطاب غير المعين . # وضمير { يتساءلون } يجوز أن يكون ضمير جماعة الغائبين مرادا به المشركون ~~ولم يسبق لهم ذكر في هذا الكلام ولكن ذكرهم متكرر في القرآن فصاروا معروفين ~~بالقصد من بعض ضمائره ، وإشاراته المبهمة ، كالضمير في قوله تعالى : { حتى ~~توارت بالحجاب } ( ص : 32 ) ( يعني الشمس ) { كلا إذا بلغت التراقي } ( ~~القيامة : 26 ) ( يعني الروح ) ، فإن جعلت الكلام من باب الالتفات فالضمير ~~ضمير جماعة المخاطبين . # ولما كان الاستفهام مستعملا في غير طلب الفهم حسن تعقيبه بالجواب عنه ~~بقوله : { عن النبإ العظيم } فجوابه مستعملة بيانا لما أريد بالاستفهام من ~~الإجمال لقصد التفخيم فبين جانب التفخيم ونظيره قوله تعالى : { هل أنبئكم ~~على من تنزل الشياطين ms9037 تنزل على كل أفاك أثيم } ( الشعراء : 221 ، 222 ) ، ~~فكأنه قيل : هم يتساءلون عن النبأ العظيم ومنه قول حسان بن ثابت : # لمن الدار أقفرت بمعان # بين أعلى اليرموك والصمان # ذاك مغنى لآل جفنة في الده # ر وحق تقلب الأزمان # والنبأ : الخبر ، قيل : مطلقا فيكون مرادفا للفظ الخبر ، وهو الذي جرى ~~عليه إطلاق ( القاموس ) و ( الصحاح ) و ( اللسان ) . # وقال الراغب : ( النبأ الخبر ذو الفائدة العظيمة يحصل به علم أو غلبة ظن ~~ولا يقال للخبر نبأ حتى يتضمن هذه الأشياء الثلاثة ويكون صادقا ) ا ه . ~~وهذا فرق حسن ولا أحسب البلغاء جروا إلا على نحو ما قال الراغب فلا يقال ~~للخبر عن الأمور المعتادة : نبأ وذلك ما تدل عليه موارد استعمال لفظ النبأ ~~في كلام البلغاء ، وأحسب أن الذين أطلقوا مرادفة النبأ للخبر راعوا ما يقع ~~في بعض كلام الناس من PageV30P009 تسامح بإطلاق النبأ بمعنى مطلق الخبر ~~لضرب من التأويل أو المجاز المرسل بالإطلاق والتقييد ، فكثر ذلك في الكلام ~~كثرة عسر معها تحديد مواقع الكلمتين ولكن أبلغ الكلام لا يليق تخريجه إلا ~~على أدق مواقع الاستعمال . وتقدم عند قوله تعالى : { ولقد جاءك من نبإى ~~المرسلين في سورة الأنعام وقوله : قل هو نبأ عظيم أنتم عنه معرضون } ( ص : ~~67 ، 68 ) . # والعظيم حقيقته : كبير الجسم ويستعار للأمر المهم لأن أهمية المعنى تتخيل ~~بكبر الجسم في أنها تقع عند مدركها كمرأى الجسم الكبير في مرأى العين وشاعت ~~هذه الاستعارة حتى ساوت الحقيقة . # ووصف { النبأ } ب { العظيم } هنا زيادة في التنويه به لأن كونه واردا من ~~عالم الغيب زاده عظم أوصاف وأهوال ، فوصف النبأ بالعظيم باعتبار ما وصف فيه ~~من أحوال البعث في ما نزل من آيات القرآن قبل هذا . ونظيره قوله تعالى : { ~~قل هو نبأ عظيم أنتم عنه معرضون في سورة ص ( 67 ، 68 ) . # والتعريف في النبأ } تعريف الجنس فيشمل كل نبأ عظيم أنبأهم الرسول صلى ~~الله عليه وسلم به ، وأول ذلك إنباؤه بأن القرآن كلام الله ، وما تضمنه ~~القرآن من إبطال الشرك ، ومن إثبات بعث ms9038 الناس يوم القيامة ، فما يروى عن ~~بعض السلف من تعيين نبأ خاص يحمل على التمثيل . فعن ابن عباس : هو القرآن ، ~~وعن مجاهد وقتادة : هو البعث يوم القيامة . # وسوق الاستدلال بقوله : { ألم نجعل الأرض مهادا } إلى قوله : { وجنات ~~ألفافا } ( النبأ : 16 ) يدل دلالة بينة على أن المراد من { النبأ العظيم } ~~الإنباء بأن الله واحد لا شريك له . # وضمير { هم فيه مختلفون } يجري فيه الوجهان المتقدمان في قوله : { ~~يتساءلون } . واختلافهم في النبأ اختلافهم فيما يصفونه به ، كقول بعضهم : { ~~إن هذا إلا أساطير الأولين } ( الأنعام : 25 ) وقول بعضهم : هذا كلام مجنون ~~، وقول بعضهم : هذا كذب ، وبعضهم : هذا سحر ، وهم أيضا مختلفون في مراتب ~~إنكاره . فمنهم من يقطع بإنكار البعث مثل الذين حكى الله عنهم بقوله : { ~~وقال الذين كفروا هل PageV30P010 ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق ~~إنكم لفي خلق جديد أفترى على الله كذبا أم به جنة } ( سبأ : 7 8 ) ، ومنهم ~~من يشكون فيه كالذين حكى الله عنهم بقوله : { قلتم ما ندري ما الساعة إن ~~نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين } ( الجاثية : 32 ) على أحد التفسيرين . # وجيء بالجملة الإسمية في صلة الموصول دون أن يقول : الذي يختلفون فيه أو ~~نحو ذلك ، لتفيد الجملة الإسمية أن الاختلاف في أمر هذا النبأ متمكن منهم ~~ودائم فيهم لدلالة الجملة الإسمية على الدوام والثبات . # وتقديم { عنه } على { معرضون } ( ص : 68 ) للاهتمام بالمجرور وللإشعار ~~بأن الاختلاف ما كان من حقه أن يتعلق به ، مع ما في التقديم من الرعاية على ~~الفاصلة . # { كلا } حرف ردع وإبطال لشيء يسبقه غالبا في الكلام يقتضي ردع المنسوب ~~إليه وإبطال ما نسب إليه ، وهو هنا ردع للذين يتساءلون عن النبأ العظيم ~~الذي هم فيه مختلفون على ما يحتمله التساؤل من المعاني المتقدمة ، وإبطال ~~لما تضمنته جملة { يتساءلون } ( النبأ : 1 ) من تساؤل معلوم للسامعين . # فموقع الجملة موقع الجواب عن السؤال ولذلك فصلت ولم تعطف لأن ذلك طريقة ~~السؤال والجواب . # والكلام وإن كان إخبارا عنهم فإنهم المقصودون به فالردع موجه إليهم بهذا ~~الاعتبار . # والمعنى ms9039 : إبطال الاختلاف في ذلك النبأ وإنكار التساؤل عنه ذلك التساؤل ~~الذي أرادوا به الاستهزاء وإنكار الوقوع ، وذلك يثبت وقوع ما جاء به النبأ ~~وأنه حق لأن إبطال إنكار وقوعه يفضي إلى إثبات وقوعه . # والغالب في استعمال { كلا } أن تعقب بكلام يبين ما أجملته من الردع ~~والإبطال فلذلك عقبت هنا بقوله : { سيعلمون } وهو زيادة في إبطال كلامهم ~~بتحقيق أنهم سيوقنون بوقوعه ويعاقبون على إنكاره ، فهما علمان يحصلان لهم ~~بعد الموت : علم بحق وقوعع البعث ، وعلم في العقاب عليه . PageV30P011 # ولذلك حذف مفعول { سيعلمون } ليعم المعلومين فإنهم عند الموت يرون ما ~~سيصيرون إليه فقد جاء في الحديث الصحيح ( إن الكافر يرى مقعده فيقال له هذا ~~مقعدك حتى تبعث ) ، وفي الحديث : ( القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من ~~حفر النار ) وذلك من مشاهد روح المقبور وهي من المكاشفات الروحية وفسر بها ~~قوله تعالى : { لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين } ( التكاثر : 6 ، 7 ) ~~. # فتضمن هذا الإبطال وما بعده إعلاما بأن يوم البعث واقع ، وتضمن وعيدا وقد ~~وقع تأكيده بحرف الاستقبال الذي شأنه إفادة تقريب المستقبل . # ومن محاسن هذا الأسلوب في الوعيد أن فيه إيهاما بأنهم سيعلمون جواب ~~سؤالهم الذي أرادوا به الإحالة والتهكم ، وصوروه في صورة طلب الجواب فهذا ~~الجواب من باب قول الناس : الجواب ما ترى لا ما تسمع . # ارتقاء في الوعيد والتهديد فإن { ثم } لما عطفت الجملة فهي للترتيب ~~الرتبي ، وهو أن مدلول الجملة التي بعدها أرقى رتبة في الغرض من مضمون ~~الجملة التي قبلها ، ولما كانت الجملة التي بعد { ثم } مثل الجملة التي قبل ~~{ ثم } تعين أن يكون مضمون الجملة التي بعد { ثم } أرقى درجة من مضمون ~~نظيرها . ومعنى ارتقاء الرتبة أن مضمون ما بعد { ثم } أقوى من مضمون الجملة ~~التي قبل { ثم } ، وهذا المضمون هو الوعيد ، فلما استفيد تحقيق وقوع ~~المتوعد به بما أفاده التوكيد اللفظي إذ الجملة التي بعد { ثم } أكدت ~~الجملة التي قبلها تعين انصراف معنى ارتقاء رتبة معنى الجملة الثانية هو أن ~~المتوعد به الثاني أعظم مما ms9040 يحسبون . # وضمير { سيعلمون } في الموضعين يجري على نحو ما تقدم في ضمير { يتساءلون ~~} ( النبأ : 1 ) وضمير { فيه مختلفون } ( النبأ : 3 ) . # لما كان أعظم نبأ جاءهم به القرآن إبطال إلاهية أصنامهم وإثبات إعادة خلق ~~أجسامهم ، وهما الأصلان اللذان أثارا تكذيبهم بأنه من عند الله وتألبهم على ~~PageV30P012 رسول الله صلى الله عليه وسلم وترويجهم تكذيبه ، جاء هذا ~~الاستئناف بيانا لإجمال قوله : { عن النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون } ( ~~النبأ : 2 ، 3 ) . # وسيجيء بعده تكملته بقوله : { إن يوم الفصل كان ميقاتا } ( النبأ : 17 ) ~~. # وجمع الله لهم في هذه الآيات للاستدلال على الوحدانية بالانفراد بالخلق ، ~~وعلى إمكان إعادة الأجساد للبعث بعد البلى بأنها لا تبلغ مبلغ إيجاد ~~المخلوقات العظيمة ولكون الجملة في موقع الدليل لم تعطف على ما قبلها . # والكلام موجه إلى منكري البعث وهم الموجه إليهم الاستفهام فهو من قبيل ~~الالتفات لأن توجيه الكلام في قوة ضمير الخطاب بدليل عطف { وخلقناكم أزواجا ~~} ( النبأ : 8 ) عليه . # والاستفهام في { ألم نجعل } تقريري وهو تقرير على النفي كما هو غالب صيغ ~~الاستفهام التقريري أن يكون بعده نفي والأكثر كونه بحرف ( لم ) ، وذلك ~~النفي كالإعذار للمقرر إن كان يريد أن ينكر وإنما المقصود التقرير بوقوع ~~جعل الأرض مهادا لا بنفيه فحرف النفي لمجرد تأكيد معنى التقرير . # فالمعنى : أجعلنا الأرض مهادا ولذلك سيعطف عليه { وخلقناكم أزواجا } ~~وتقدم عند قوله تعالى : { ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض } في ~~سورة البقرة . ولا يسعهم إلا الإقرار به قال تعالى : { ولئن سألتهم من خلق ~~السماوات والأرض ليقولن الله } ( لقمان : 25 ) ، وحاصل الاستدلال بالخلق ~~الأول لمخلوقات عظيمة أنه يدل على إمكان الخلق الثاني لمخلوقات هي دون ~~المخلوقات الأولى قال تعالى : { لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ( ~~أي الثاني ) ولكن أكثر الناس لا يعلمون } ( غافر : 57 ) . # وجعل الأرض : خلقها على تلك الحالة لأن كونها مهادا أمر حاصل فيها من ~~ابتداء خلقها ومن أزمان حصول ذلك لها من قبل خلق الإنسان لا يعلمه إلا الله ~~. # والمعنى : أنه خلقها في حال أنها كالمهاد ms9041 فالكلام تشبيه بليغ . ~~PageV30P013 # والتعبير ب { نجعل } دون : نخلق ، لأن كونها مهادا حالة من أحوالها عند ~~خلقها أو بعده بخلاف فعل الخلق فإنه يتعدى إلى الذات غالبا أو إلى الوصف ~~المقوم للذات نحو : { الذي خلق الموت والحياة } ( الملك : 2 ) . # والمهاد : بكسر الميم الفراش الممهد الموطأ ؛ وزنة الفعال فيه تدل على أن ~~أصله مصدر سمي به للمبالغة . وفي ( القاموس ) : أن المهاد يرادف المهد الذي ~~يجعل للصبي . وعلى كل فهو تشبيه للأرض به إذ جعل سطحها ميسرا للجلوس عليها ~~والاضطجاع وبالأحرى المشي ، وذلك دليل على إبداع الخلق والتيسير على الناس ~~، فهو استدلال يتضمن امتنانا وفي ذلك الامتنان إشعار بحكمة الله تعالى إذ ~~جعل الأرض ملائمة للمخلوقات التي عليها فإن الذي صنع هذا الصنع لا يعجزه أن ~~يخلق الأجسام مرة ثانية بعد بلاها . # والغرض من الامتنان هنا تذكيرهم بفضل الله لعلهم أن يرعووا عن المكابرة ~~ويقبلوا على النظر فيما يدعوهم إليه الرسول صلى الله عليه وسلم تبليغا عن ~~الله تعالى . # ومناسبة ابتداء الاستدلال على إمكان البعث بخلق الأرض أن البعث هو إخراج ~~أهل الحشر من الأرض فكانت الأرض أسبق شيء إلى ذهن السامع عند الخوض في أمر ~~البعث ، أي بعث أهل القبور . # وجعل الأرض مهادا يتضمن الاستدلال بأصل خلق الأرض على طريقة الإيجاز ~~ولذلك لم يتعرض إليه بعد عند التعرض لخلق السماوات . # عطف على { الأرض مهادا } ( النبأ : 6 ) فالواو عاطفة { الجبال } على { ~~الأرض } ، وعاطفة { أوتادا } على { مهادا } ، وهذا من العطف على معمولي ~~عامل واحد وهو وارد في الكلام الفصيح وجائز باتفاق النحويين لأن حرف العطف ~~قائم مقام العامل . # والأوتاد : جمع وتد بفتح الواو وكسر المثناة الفوقية . والوتد : عود غليظ ~~شيئا ، أسفله أدق من أعلاه يدق في الأرض لتشد به أطناب الخيمة وللخيمة ، ~~أوتاد كثيرة PageV30P014 على قدر اتساع دائرتها . والإخبار عن الجبال بأنها ~~أوتاد على طريقة التشبيه البليغ أي كالأوتاد . # ومناسبة ذكر الجبال دعا إليها ذكر الأرض وتشبيهها بالمهاد الذي يكون داخل ~~البيت فلما كان البيت من شأنه أن يخطر ببال السامع من ذكر المهاد ms9042 كانت ~~الأرض مشبهة بالبيت على طريقة المكنية فشبهت جبال الأرض بأوتاد البيت ~~تخييلا للأرض مع جبالها بالبيت ومهاده وأوتاده . # وأيضا فإن كثرة الجبال الناتئة على وجه الأرض قد يخطر في الأذهان أنها لا ~~تناسب جعل الأرض مهادا فكان تشبيه الجبال بالأوتاد مستملحا بمنزلة حسن ~~الاعتذار ، فيجوز أن تكون الجبال مشبهة بالأوتاد في مجرد الصورة مع هذا ~~التخييل كقولهم : رأيت أسودا غابها الرماح . ويجوز أن تكون الجبال مشبهة ~~بأوتاد الخيمة في أنها تشد الخيمة من أن تقلعها الرياح أو تزلزلها بأن يكون ~~في خلق الجبال للأرض حكمة لتعديل سبح الأرض في الكرة الهوائية إذ نتو ~~الجبال على الكرة الأرضية يجعلها تكسر تيار الكرة الهوائية المحيطة بالأرض ~~فيعتدل تياره حتى تكون حركة الأرض في كرة الهواء غير سريعة . # على أن غالب سكان الأرض وخاصة العرب لهم منافع جمة في الجبال فمنها مسايل ~~الأودية ، وقرارات المياه في سفوحها ، ومراعي أنعامهم ، ومستعصمهم في الخوف ~~، ومراقب الطرق المؤدية إلى ديارهم إذا طرقها العدو . ولذلك كثر ذكر الجبال ~~مع ذكر الأرض . # فكانت جملة { والجبال أوتادا } إدماجا معترضا بين جملة { ألم نجعل الأرض ~~مهادا } ( النبأ : 6 ) وجملة { وخلقناكم أزواجا } ( النبأ : 8 ) . # معطوف على التقرير الذي في قوله : { ألم نجعل الأرض مهادا } ( النبأ : 6 ~~) . والتقدير : وأخلقناكم أزواجا ، فكان التقرير هنا على أصله إذ المقرر ~~عليه هو وقوع الخلق فلذلك لم يقل : ألم نخلقكم أزواجا . PageV30P015 # وعبر هنا بفعل الخلق دون الجعل لأنه تكوين ذواتهم فهو أدق من الجعل . # وضمير الخطاب للمشركين الذين وجه إليهم التقرير بقوله : { ألم نجعل الأرض ~~مهادا } ( النبأ : 6 ) ، وهو التفات من طريق الغيبة إلى طريق الخطاب . # والمعطوف عليه وإن كان فعلا مضارعا فدخول ( لم ) عليه صيره في معنى ~~الماضي لما هو مقرر من أن ( لم ) تقلب معنى المضارع إلى المضي فلذلك حسن ~~عطف { خلقناكم } على { ألم نجعل الأرض مهادا والجبال أوتادا } ( النبأ : 6 ~~، 7 ) والكل تقرير على شيء مضى . # وإنما عدل عن أن يكون الفعل فعلا مضارعا مثل المعطوف هو عليه لأن صيغة ~~المضارع تستعمل ms9043 لقصد استحضار الصورة للفعل كما في قوله تعالى : { فتثير ~~سحابا } ( الروم : 48 ) ، فالإتيان بالمضارع في { ألم نجعل الأرض مهادا } ( ~~النبأ : 6 ) يفيد استدعاء إعمال النظر في خلق الأرض والجبال إذ هي مرئيات ~~لهم . والأكثر أن يغفل الناظرون عن التأمل في دقائقها لتعودهم بمشاهدتها من ~~قبل سن التفكر ، فإن الأرض تحت أقدامهم لا يكادون ينظرون فيها بله أن ~~يتفكروا في صنعها ، والجبال يشغلهم عن التفكر في صنعها شغلهم بتجشم صعودها ~~والسير في وعرها وحراسة سوائمهم من أن تضل شعابها وصرف النظر إلى مسالك ~~العدو عند الاعتلاء إلى مراقبها ، فأوثر الفعل المضارع مع ذكر المصنوعات ~~الحرية بدقة التأمل واستخلاص الاستدلال ليكون إقرارهم مما قرروا به على ~~بصيرة فلا يجدوا إلى الإنكار سبيلا . # وجيء بفعل المضي في قوله : { خلقناكم أزواجا } وما بعده لأن مفاعيل فعل ( ~~خلقنا ) وما عطف عليه ليست مشاهدة لهم . # وذكر لهم من المصنوعات ما هو شديد الإتصال بالناس من الأشياء التي تتوارد ~~أحوالها على مدركاتهم دواما ، فإقرارهم بها أيسر لأن دلالتها قريبة من ~~البديهي . # وقد أعقب الاستدلال بخلق الأرض وجبالها بالاستدلال بخلق الناس للجمع بين ~~إثبات التفرد بالخلق وبين الدلالة على إمكان إعادتهم ، والدليل في خلق ~~الناس على الإبداع العظيم الذي الخلق الثاني من نوعه أمكن في نفوس المستدل ~~عليهم قال تعالى : { وفي أنفسكم أفلا تبصرون } ( الذاريات : 21 ) . ~~وللمناسبة التي قدمنا ذكرها في توجيه PageV30P016 الابتداء بخلق الأرض في ~~الاستدلال فهي أن من الأرض يخرج الناس للبعث فكذلك ثني باستدلال بخلق الناس ~~الأول لأنهم الذين سيعاد خلقهم يوم البعث وهم الذين يخرجون من الأرض ، وفي ~~هذا المعنى جاء قوله تعالى : { ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيا أو ~~لا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا } ( مريم : 66 ، 67 ) . # وانتصب { أزواجا } على الحال من ضمير الخطاب في { خلقناكم } لأن المقصود ~~الاستدلال بخلق الناس وبكون الناس أزواجا ، فلما كان المناسب لفعل خلقنا أن ~~يتعدى إلى الذوات جيء بمفعوله ضمير ذوات الناس ، ولما كان المناسب لكونهم ~~أزواجا أن يساق مساق ms9044 إيجاد الأحوال جيء به حالا من ضمير الخطاب في { ~~خلقناكم } ، ولو صرح له بفعل لقيل : وخلقناكم وجعلناكم أزواجا ، على نحو ما ~~تقدم في قوله : { ألم نجعل الأرض مهادا } ( النبأ : 6 ) وما يأتي من قوله : ~~{ وجعلنا نومكم سباتا } ( النبأ : 9 ) . # والأزواج : جمع زوج وهو اسم للعدد الذي يكرر الواحد تكريرة واحدة وقد وصف ~~به كما يوصف بأسماء العدد في نحو قول لبيد : # حتى إذا سلخا جمادى ستة # ثم غلب الزواج على كل من الذكر وأنثاه من الإنسان والحيوان ، فقوله : { ~~أزواجا } أفاد أن يكون الذكر زوجا للأنثى والعكس ، فالذكر زوج لأنثاه ~~والأنثى زوج لذكرها ، وتقدم ذلك عند قوله تعالى : { وقلنا يا آدم اسكن أنت ~~وزوجك الجنة في سورة البقرة . # وفي قوله : وخلقناكم أزواجا } إيماء إلى ما في ذلك الخلقق من حكمة إيجاد ~~قوة التناسل من اقتران الذكر بالأنثى وهو مناط الإيماء إلى الاستدلال على ~~إمكان إعادة الأجساد فإن القادر على إيجاد هذا التكوين العجيب ابتداء بقوة ~~التناسل قادر على إيجاد مثله بمثل تلك الدقة أو أدق . # وفيه استدلال على عظيم قدرة الله وحكمته ، وامتنان على الناس بأنه خلقهم ~~، وأنه خلقهم بحالة تجعل لكل واحد من الصنفين ما يصلح لأن يكون له زوجا ~~PageV30P017 ليحصل التعاون والتشارك في الأنس والتنعم ، قال تعالى : { وجعل ~~منها زوجها ليسكن إليها } ( الأعراف : 189 ) ولذلك صيغ هذا التقرير بتعليق ~~فعل ( خلقنا ) بضمير الناس وجعل { أزواجا } حالا منه ليحصل بذلك الاعتبار ~~بكلا الأمرين دون أن يقال : وخلقنا لكم أزواجا . # وفي ذلك حمل لهم على الشكر بالإقبال على النظر فيما بلغ إليهم عن الله ~~الذي أسعفهم بهذه النعم على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعريض بأن ~~إعراضهم عن قبول الدعوة الإسلامية ومكابرتهم فيما بلغهم من ذلك كفران لنعمة ~~واهب النعم . # انتقل من الاستدلال بخلق الناس إلى الاستدلال بأحوالهم وخص منها الحالة ~~التي هي أقوى أحوالهم المعروفة شبها بالموت الذي يعقبه البعث وهي حالة ~~متكررة لا يخلون من الشعور بما فيها من العبرة لأن تدبير نظام النوم وما ~~يطرأ عليه ms9045 من اليقظة أشبه حالل بحال الموت وما يعقبه من البعث . # وأوثر فعل { جعلنا } لأن النوم كيفية يناسبها فعل الجعل لا فعل الخلق ~~المناسب للذوات كما تقدم في قوله : { ألم نجعل الأرض مهادا } ( النبأ : 6 ) ~~وكذلك قوله : { وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار معاشا } ( النبأ : 10 ، ~~11 ) . # فإضافة نوم إلى ضمير المخاطبين ليست للتقييد لإخراج نوم غير الإنسان فإن ~~نوم الحيوان كله سبات ، ولكن الإضافة لزيادة التنبيه للاستدلال ، أي أن ~~دليل البعث قائم بين في النوم الذي هو من أحوالكم ، وأيضا لأن في وصفه ~~بسبات امتنانا ، والامتنان خاص بهم قال تعالى : { هو الذي جعل لكم الليل ~~لتسكنوا فيه } ( يونس : 67 ) . # والسبات : بضم السين وتخفيف الباء اسم مصدر بمعنى السبتت ، أي القطع ، أي ~~جعلناه لكم قطعا لعمل الجسد بحيث لا بد للبدن منه ، وإلى هذا أشار ابن ~~الأعرابي وابن قتيبة إذ جعلا المعنى : وجعلنا نومكن راحة ، فهو تفسير معنى ~~. PageV30P018 # وإنما أوثر لفظ ( سبات ) لما فيه من الإشعار بالقطع عن العمل ليقابله ~~قوله بعده { وجعلنا النهار معاشا } ( النبأ : 11 ) كما سيأتي . # ويطلق السبات على النوم الخفيف ، وليس مرادا في هذه الآية إذ لا يستقيم ~~أن يكون المعنى : وجعلنا نومكم نوما ، ولا نوما خفيفا . # وفي ( تفسير الفخر ) : طعن بعض الملاحدة في هذه الآية فقالوا : السبات هو ~~النوم فالمعنى : وجعلنا نومكم نوما . وأخذ في تأويلها وجوها ثلاثة من أقوال ~~المفسرين لا يستقيم منها إلا ما قاله ابن الأعرابي أن السبات القطع كما قال ~~تعالى : { من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه } ( القصص : 72 ) وهو ~~المعنى الأصلي لتصاريف مادة سبت . # وأنكر ابن الأنباري وابن سيدة أن يكون فعل سبت بمعنى استراح ، أي ليس ~~معنى اللفظ ، فمن فسر السبات بالراحة أراد تفسير حاصل المعنى . # وفي هذا امتنان على الناس بخلق نظام النوم فيهم لتحصل لهم راحة من أتعاب ~~العمل الذي يكدحون له في نهارهم فالله تعالى جعل النوم حاصلا للإنسان بدون ~~اختياره ، فالنوم يلجىء الإنسان إلى قطع العمل لتحصل راحة لمجموعه العصبي ~~الذي ركنه في الدماغ ، فبتلك ms9046 الراحة يستجد العصب قواه التي أوهنها عمل ~~الحواس وحركات الأعضاء وأعمالها ، بحيث لو تعلقت رغبة أحد بالسهر لا بد له ~~من أن يغلبه النوم وذلك لطف بالإنسان بحيث يحصل له ما به منفعة مداركه قسرا ~~عليه لئلا يتهاون به ، ولذلك قيل : إن أقل الناس نوما أقصرهم عمرا وكذلك ~~الحيوان . # من إتمام الاستدلال الذي قبله وما فيه من المنة لأن كون الليل لباسا حالة ~~مهيئة لتكيف النوم ومعينة على هنائه والانتفاع به لأن الليل ظلمة عارضة في ~~الجو من مزايلة ضوء الشمس عن جزء من كرة الأرض وبتلك الظلمة تحتجب المرئيات ~~عن الأبصار فيعسر المشي والعمل والشغل وينحط النشاط فتتهيأ الأعصاب للخمول ~~ثم يغشاها النوم فيحصل السبات بهذه المقدمات العجيبة ، فلا جرم كان ~~PageV30P019 نظام الليل آية على انفراد الله تعالى بالخلق وبديع تقديره . # وكان دليلا على أن إعادة الأجسام بعد الفناء غير متعذرة عليه تعالى فلو ~~تأمل المنكرون فيها لعلموا أن الله قادر على البعث فلما كذبوا خبر الرسول ~~صلى الله عليه وسلم به ، وفي ذلك امتنان عليهم بهذا النظام الذي فيه اللطف ~~بهم وراحة حياتهم لو قدروه حق قدره لشكروا وما أشركوا ، فكان تذكر حالة ~~الليل سريع الخطور بالأذهان عند ذكر حالة النوم فكان ذكر النوم مناسبة ~~للانتقال إلى الاستدلال بحالة الليل على حسب أفهام السامعين . # والمعني من جعل الليل لباسا يحوم حول وصف حالة خاصة بالليل عبر عنها ~~باللباس . # فيجوز أن يكون اللباس محمولا على معنى الاسم وهو المشهور في إطلاقه ، أي ~~ما يلبسه الإنسان من الثياب فيكون وصف الليل به على تقدير كاف التشبيه على ~~طريقة التشبيه البليغ ، أي جعلنا الليل للإنسان كاللباس له ، فيجوز أن يكون ~~وجه الشبه هو التغشية . وتحته ثلاثة معان : # أحدها : أن الليل ساتر للإنسان كما يستره اللباس ، فالإنسان في الليل ~~يختلي بشؤونه التي لا يرتكبها في النهار لأنه لا يحب أن تراها الأبصار ، ~~وفي ذلك تعريض بإبطال أصل من أصول الدهريين أن الليل رب الظلمة وهو معتقد ~~المجوس وهم الذين يعتقدون أن المخلوقات ms9047 كلها مصنوعة من أصلين ، أي إلاهين : ~~إلاه النور وهو صانع الخير ، وإلاه الظلمة وهو صانع الشر . ويقال لهم : ~~الثنوية لأنهم أثبتوا إلاهين إثنين ، وهم فرق مختلفة المذاهب في تقرير ~~كيفية حدوث العالم عن ذينك الأصلين ، وأشهر هذه الفرق فرقة تسمى المانوية ~~نسبة إلى رجل يقال له : ( ماني ) فارسي قبل الإسلام ، وفرقة تسمى مزدكية ~~نسبة إلى رجل يقال له : ( مزدك ) فارسي قبل الإسلام . وقد أخذ أبو الطيب ~~معنى هذا التعريض في قوله : # وكم لظلام الليل عندك من يد # تخبر أن المانوية تكذب # المعنى الثاني : من معنيي وجه الشبه باللباس : أنه المشابهة في الرفق ~~باللابس والملاءمة لراحته ، فلما كان الليل راحة للإنسان وكان محيطا بجميع ~~حواسه وأعصابه PageV30P020 شبه باللباس في ذلك . ونسب مجمل هذا المعنى إلى ~~سعيد بن جبير والسدي وقتادة إذ فسروا { سباتا } ( النبأ : 9 ) سكنا . # المعنى الثالث : أن وجه شبه باللباس هو الوقاية ، فالليل يقي الإنسان من ~~الأخطار والاعتداء عليه ، فكان العرب لا يغير بعضهم على بعض في الليل وإنما ~~تقع الغارة صباحا ولذلك إذا غير عليهم يصرخ الرجل بقومه بقوله : يا صباحاه ~~. ويقال : صبحهم العدو . وكانوا إذا أقاموا حرسا على الربى ناظورة على ما ~~عسى أن يطرقهم من الأعداء يقيمونه نهارا فإذا أظلم الليل نزل الحرس ، كما ~~قال لبيد يذكر ذلك ويذكر فرسه : # حتى إذا ألقت يدا في كافر # وأجن عوراتت الثغور ظلامها # أسهلت وانتصبت كجذع منيفة # جرداء يحصر دونها جرامها # لما ذكر خلق نظام الليل قوبل بذكر خلق نظام النهار ، فالنهار : الزمان ~~الذي يكون فيه ضوء الشمس منتشرا على جزء كبير من الكرة الأرضية . وفيه عبرة ~~بدقة الصنع وإحكامه إذ جعل نظامان مختلفان منشؤهما سطوع نور الشمس واحتجابه ~~فوق الأرض ، وهما نعمتان للبشر مختلفتان في الأسباب والآثار ؛ فنعمة الليل ~~راجعة إلى الراحة والهدوء ، ونعمة النهار راجعة إلى العمل والسعي ، لأن ~~النهار يعقب الليل فيكون الإنسان قد استجد راحته واستعاد نشاطه ويتمكن من ~~مختلف الأعمال بسبب إبصار الشخوص والطرق . # ولما كان معظم العمل في النهار لأجل المعاش أخبر عن ms9048 النهار بأنه معاش وقد ~~أشعر ذكر النهار بعد ذكر كل من النوم والليل بملاحظة أن النهار ابتداء وقت ~~اليقظة التي هي ضد النوم فصارت مقابلتهما بالنهار في تقدير : وجعلنا النهار ~~واليقظة فيه معاشا ، ففي الكلام اكتفاء دلت عليه المقابلة ، وبذلك حصل بين ~~الجمل الثلاث مطابقتان من المحسنات البديعية لفظا وضمنا . PageV30P021 # والمعاش : يطلق مصدر عاش إذا حيي ، فالمعاش : الحياة ويطلق اسما لما به ~~عيش الإنسان من طعام وشراب على غير قياس . # والمعنيان صالحان للآية إذ يكون المعنى : وجعلنا النهار حياة لكم ، شبهت ~~اليقظة فيه الحياة ، أو يكون المعنى وجعلنا النهار معيشة لكم ، والإخبار ~~عنه بأنه معيشة مجاز أيضا بعلاقة السببية لأن النهار سبب للعمل الذي هو سبب ~~لحصول المعيشة وذلك يقابل جعل الليل سباتا بمعنى الانقطاع عن العمل ، قال ~~تعالى : { ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله } ~~( القصص : 73 ) . # ففي مقابلة السبات بالمعاش على هذين الاعتبارين مطابقتان من المحسنات . # ناسب بعد ذكر الليل والنهار وهما من مظاهر الأفق المسمى سماء أن يتبع ذلك ~~وما سبقه من خلق العالم السفلي بذكر خلق العوالم العلوية . # والبناء : جعل الجاعل أو صنع الصانع بيتا أو قصرا من حجارة وطين أو من ~~أثواب ، أو من أدمم على وجه الأرض ، وهو مصدر بنى ، فبيت المدر مبني ، ~~والخيمة مبنية ، والطراف والقبة من الأدم مبنيان . والبناء يستلزم الإعلاء ~~على الأرض فليس الحفر بناء ولا نقر الصخور في الجبال بناء . قال الفرزدق : # إن الذي سمك السماء بنى لنا # بيتا دعائمه أعز وأطول # فذكر الدعائم وهي من أجزاء الخيمة . # واستعير فعل { بنينا } في هذه الآية لمعنى : خلقنا ما هو عال فوق الناس ، ~~لأن تكوينه عاليا يشبه البناء . # ولذلك كان قوله : { فوقكم } إيماء إلى وجه الشبه في إطلاق فعل { بنينا } ~~وليس ذلك تجريدا للاستعارة لأن الفوقية لا تختص بالمبنيات ، مع ما فيه من ~~تنبيه النفوس للاعتبار والنظر في تلك السبع الشداد . # والمراد بالسبع الشداد : السماوات ، فهو من ذكر الصفة وحذف الموصوف ~~PageV30P022 للعلم به كقوله تعالى : { حملناكم في الجارية ms9049 } ( الحاقة : 11 ~~) ، ولذلك جاء الوصف باسم العدد المؤنث إذ التقدير : سبع سماوات . # فيجوز أن يراد بالسبع الكواكب السبعة المشهورة بين الناس يومئذ وهي : زحل ~~، والمشتري ، والمريخ ، والشمس ، والزهرة ، وعطارد ، والقمر . وهذا ترتيبها ~~بحسب ارتفاع بعضها فوق بعض بما دل عليه خسوف بعضها ببعض حين يحول بينه وبين ~~ضوء الشمس التي تكتسب بقية الكواكب النور من شعاع الشمس . # وهذا المحمل هو الأظهر لأن العبرة بها أظهر لأن المخاطبين لا يرون ~~السماوات السبع ويرون هذه السيارات ويعهدونها دون غيرها من السيارات التي ~~اكتشفها علماء الفلك من بعد . وهي ( ستورن ) و ( نبتون ) و ( أورانوس ) وهي ~~في علم الله تعالى لا محالة لقوله : { ألا يعلم من خلق } ( الملك : 14 ) ~~وأن الله لا يقول إلا حقا وصدقا ويقرب للناس المعاني بقدر أفهامهم رحمة بهم ~~. # فأما الأرض فقد عدت أخيرا في الكواكب السيارة وحذف القمر من الكواكب ~~لتبين أن حركته تابعة لحركة الأرض إلا أن هذا لا دخل له في الاستدلال لأن ~~الاستدلال وقع بما هو معلوم مسلم يومئذ والكل من صنع الله . # ويجوز أن يراد بالسماوات السبع طبقات علوية يعلمها الله تعالى وقد اقتنع ~~الناس منذ القدم بأنها سبع سماوات . # وشداد : جمع شديدة ، وهي الموصوفة بالشدة ، والشدة : القوة . # والمعنى : أنها متينة الخلقق قوية الأجرام لا يختل أمرها ولا تنقص على مر ~~الأزمان . # ذكر السماوات يناسبه ذكر أعظم ما يشاهده الناس في فضائها وذلك الشمس ، ~~ففي ذلك مع العبرة بخلقها عبرة في كونها على تلك الصفة ومنة على الناس ~~باستفادتهم من نورها فوائد جمة . PageV30P023 # والسراج : حقيقته المصباح الذي يستضاء به وهو إناء يجعل فيه زيت وفي ~~الزيت خرقة مفتولة تسمى الذبالة تشعل بنار فتضيء ما دام فيها بلل الزيت . # والكلام على التشبيه البليغ والغرض من التشبيه تقريب صفة المشبه إلى ~~الأذهان كما تقدم في سورة نوح . # وزيد ذلك التقريب بوصف السراج بالوهاج ، أي الشديد السنا . # والوهاج : أصله الشديد الوهج ( بفتح الواو وفتح الهاء ، ويقال : بفتح ~~الواو وسكون الهاء ) وهو الاتقاد يقال : وهجت النار إذا اضطرمت اضطراما ms9050 ~~شديدا . # ويطلق الوهاج على المتلألىء المضيء وهو المراد هنا لأن وصف وهاج أجري على ~~سراج ، أي سراجا شديد الإضاءة ، ولا يقال : سراج ملتهب . # قال الراغب : الوهج حصول الضوء والحر من النار . وفي ( الأساس ) عد قولهم ~~: سراج وهاج في قسم الحقيقة . وعليه جرى قوله في ( الكشاف ) : ( متلألئا ~~وقادا . وتوهجت النار ، إذ تلمظت فتوهجت بضوئها وحرها ) فإذن يكون التعبير ~~عن الشمس بالسراج في هذه الآية هو موقع التشبيه . # ولذلك أوثر فعل : { جعلنا } دون : خلقنا ، لأن كونها سراجا وهاجا حالة من ~~أحوالها وإنما يعلق فعل الخلق بالذوات . # فالمعنى : وجعلنا لكم سراجا وهاجا أو وجعلنا في السبع الشداد سراجا وهاجا ~~على نحو قوله تعالى : { ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا وجعل القمر ~~فيهن نورا وجعل الشمس سراجا } ( نوح : 15 ، 16 ) وقوله : { تبارك الذي جعل ~~في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا } ( الفرقان : 61 ) سواء قدرت ~~ضمير { فيها } عائدا إلى { السماء } أو إلى ( البروج ) لأن البروج هي بروج ~~السماء . # وقوله : { سراجا } اسم جنس فقد يراد به الواحد من ذلك الجنس فيحتمل أن ~~يراد الشمس أو القمر . PageV30P024 # ( 14 16 ) # استدلال بحالة أخرى من الأحوال التي أودعها الله تعالى في نظام الموجودات ~~وجعلها منشأ شبيها بحياة بعد شبيه بموت أو اقتراب منه ومنشأ تخلق موجودات ~~من ذرات دقيقة . وتلك حالة إنزال ماء المطر من الأسحبة على الأرض فتنبت ~~الأرض به سنابل حب وشجرا ، وكلأ ، وتلك كلها فيها حياة قريبة من حياة ~~الإنسان والحيوان وهي حياة النماء فيكون ذلك دليلا للناس على تصور حالة ~~البعث بعد الموت بدليل من التقريب الدال على إمكانه حتى تضمحل من نفوس ~~المكابرين شبه إحالة البعث . # وهذا الذي أشير إليه هنا قد صرح به في مواضع من القرآن كقوله تعالى : { ~~ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد والنخل باسقات لها ~~طلع نضيد رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج } ( ق : 9 11 ) ففي ~~الآية استدلالان : استدلال بإنزال الماء من السحاب ، واستدلال بالإنبات ، ~~وفي هذا أيضا منة ms9051 على المعرضين عن النظر في دلائل صنع الله التي هي دواع ~~لشكر المنعم بها لما فيها من منافع للناس من رزقهم ورزق أنعامهم ، ومن ~~تنعمهم وجمال مرائيهم فإنهم لو شكروا المنعم بها لكانوا عندما يبلغهم عنه ~~أنه يدعوهم إلى النظر في الأدلة مستعدين للنظر ، بتوقع أن تكون الدعوة ~~البالغة إليهم صادقة العزو إلى الله فما خفيت عنهم الدلالة . # ومناسبة الانتقال من ذكر السماوات إلى ذكر السحاب والمطر قوية . # والمعصرات : بضم الميم وكسر الصاد السحابات التي تحمل ماء المطر واحدتها ~~معصرة اسم فاعل من : أعصرت السحابة ، إذا آن لها أن تعصر ، أي تنزل إنزالا ~~شبيها بالعصر . فهمزة ( أعصر ) تفيد معنى الحينونة وهو استعمال موجود وتسمى ~~همزة التهيئة كما في قولهم : أجز الزرع ، إذا حان له أن يجز ( بزاي في آخره ~~) وأحصد إذا حان وقت حصاده . ويظهر من كلام صاحب ( الكشاف ) أن همزة ~~الحينونة تفيد معنى التهيؤ لقبول الفعل وتفيد معنى التهيؤ لإصدار الفعل ~~فإنه PageV30P025 ذكر : أعصرت الجارية ، أي حان وقت أن تصير تحيض ، وذكر ~~ابن قتيبة في ( أدب الكاتب ) : أركب المهر ، إذا حان أن يركب ، وأقطف الكرم ~~، إذا حان أن يقطف . ثم ذكر : أقطف القوم : حان أن يقطفوا كرومهم ، وأنتجت ~~الخيل : حان وقت نتاجها . # وفي تفسير ابن عطية عند قوله تعالى : { ألم تر أن الله يزجي سحابا الآية ~~من سورة النور ، والعرب تقول : إن الله تعالى إذا جعل السحاب ركاما جاء ~~بالريح عصر بعضه بعضا فيخرج الودق منه ، ومن ذلك قوله : وأنزلنا من ~~المعصرات ماء ثجاجا } ومن ذلك قول حسان : # كلتاهما حلب العصير فعاطني # بزجاجة أرخاهما للمفصل # أراد حسان الخمر والماء الذي مزجت به ، أي هذه من عصير العنب وهذه من ~~عصير السحاب ، فسر هذا التفسير قاضي البصرة عبيد الله بن الحسن العنبري ~~للقوم الذين حلف صاحبهم بالطلاق أن يسأل القاضي عن تفسير بيت حسان ا ه . # والثجاج : المنصب بقوة وهو فعال من ثج القاصر إذا انصب ، يقال : ثج الماء ~~، إذا انصب بقوة ، فهو فعل قاصر . وقد يسند الثج إلى السحاب ms9052 ، يقال : ثج ~~السحاب يثج بضم الثاء ، إذا صب الماء ، فهو حينئذ فعل متعد . # ووصف الماء هنا بالثجاج للامتنان . # وقد بينت حكمة إنزال المطر من السحاب بأن الله جعله لإنبات النبات من ~~الأرض جمعا بين الامتنان والإيماء إلى دليل تقريب البعث ليحصل إقرارهم ~~بالبعث وشكر الصانع . # وجيء بفعل { لنخرج } دون نحو : لننبت ، لأن المقصود الإيماء إلى تصوير ~~كيفية بعث الناس من الأرض إذ ذلك المقصد الأول من هذا الكلام ألا ترى أنه ~~لما كان المقصد الأول من آية سورة ( ق ) هو الامتنان جيء بفعل ( أنبتنا ) ~~في قوله : PageV30P026 { ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات } ( ~~ق : 9 ) الآية . ثم أتبع ثانيا بالاستدلال به على البعث بقوله : { كذلك ~~الخروج } ( ق : 11 ) . والبعث خروج من الأرض قال تعالى : { ومنها نخرجكم ~~تارة أخرى في سورة طه . # والحب : اسم جمع حبة وهي البرزة . والمراد بالحب هنا : الحب المقتات ~~للناس مثل : الحنطة ، والشعير ، والسلت ، والذرة ، والأرز ، والقطنية ، وهي ~~الحبوب التي هي ثمرة السنابل ونحوها . # والنبات أصله اسم مصدر نبت الزرع ، قال تعالى : والله أنبتكم من الأرض ~~نباتا } ( نوح : 17 ) وأطلق النبات على النابت من إطلاق المصدر على الفاعل ~~وأصله المبالغة ثم شاع استعماله فنسيت المبالغة . # والمراد به هنا : النبات الذي لا يؤكل حبه بل الذي ينتفع بذاته وهو ما ~~تأكله الأنعام والدواب مثل التبن والقرط والفصفصة والحشيش وغير ذلك . # وجعلت الجنات مفعولا ل ( تخرج ) على تقدير مضاف ، أي نخل جنات أو شجر ~~جنات ، لأن الجنات جمع جنة وهي القطعة من الأرض المغروسة نخلا ، أو نخلا ~~وكرما ، أو بجميع الشجر المثمر مثل التين والرمان كما جاء في مواضع من ~~القرآن ، وهي استعمالات مختلفة باختلاف المنابت . # ووجه إيثار لفظ { جنات } أن فيه إيماء إلى إتمام المنة لأنهم كانوا يحبون ~~الجنات والحدائق لما فيها من التنعم بالظلال والثمار والمياه وجمال المنظر ~~، ولذلك أتبعت بوصف { ألفافا } لأنه يزيدها حسنا ، وإن كان الفلاحون عندنا ~~يفضلون التباعد بين الأشجار لأن ذلك أوفر لكمية الثمار لأن تباعدها أسعد ~~لها بتخلل الهواء وشعاع الشمس ms9053 ، لكن مساق الآية هنا الامتنان بما فيه نعيم ~~الناس . # وألفاف : اسم جمع لا واحد له من لفظه وهو مثل أوزاع وأخياف ، أي كل جنة ~~ملتفة ، أي ملتفة الشجر بعضه ببعض . # فوصف الجنات بألفاف مبني على المجاز العقلي لأن الالتفاف في أشجارها ولكن ~~لما كانت الأشجار لا يلتف بعضها على بعض في الغالب إلا إذا جمعتها جنة ~~PageV30P027 أسند ألفاف إلى جنات بطريق الوصف . ولعله من مبتكرات القرآن إذ ~~لم أر شاهدا عليه من كلام العرب قبل القرآن . # وقيل : ألفاف جمع لف بكسر اللام بوزن جذع ، أي كل جنة منها لف بكسر اللام ~~ولم يأتوا بشاهد عليه . وذكر في ( الكشاف ) أن صاحب ( الإقليد ) ذكر بيتا ~~أنشده الحسن بن علي الطوسي ولم يعزه إلى قائل . وفي ( الكشاف ) زعم ابن ~~قتيبة : أنه لفاء ولف ثم ألفاف ( أي أن ألفافا جمع الجمع ) قال : ( وما ~~أظنه واجدا له نظيرا ) أي لا يجمع فعل جمعا على أفعال ، أي لا نظير له إذ ~~لا يقال خضر وأخضار وحمر وأحمار . يريد أنه لا يخرج الكلام الفصيح على ~~استعمال لم يثبت ورود نظيره في كلام العرب مع وجود تأويل له على وجه وارد . # فكان أظهر الوجوه أن { ألفافا } اسم جمع لا واحد له من لفظه . # وبهذا الاستدلال والامتنان ختمت الأدلة التي أقيمت لهم على انفراد الله ~~تعالى بالإلاهية وتضمنت الإيماء إلى إمكان البعث وما أدمج فيها من المنن ~~عليهم عساهم أن يذكروا النعمة فيشعروا بواجب شكر المنعم ولا يستفظعوا إبطال ~~الشركاء في الإلاهية وينظروا فيما بلغهم عنه من الإخبار بالبعث والجزاء ~~فيصرفوا عقولهم للنظر في دلائل تصديق ذلك . # وقد ابتدئت هذه الدلائل بدلائل خلق الأرض وحالتها وجالت بهم الذكرى على ~~أهم ما على الأرض من الجماد والحيوان ، ثم ما في الأفق من أعراض الليل ~~والنهار . ثم تصاعد بهم التجوال بالنظر في خلق السماوات وبخاصة الشمس ثم ~~نزل بهم إلى دلائل السحاب والمطر فنزلوا معه إلى ما يخرج من الأرض من بدائع ~~الصنائع ومنتهى المنافع فإذا هم ينظرون من حيث صدروا ms9054 وذلك من رد العجز على ~~الصدر . PageV30P028 # ( 17 18 ) # هذا بيان لما أجمله قوله : { عن النبإ العظيم الذي هم فيه مختلفون } ( ~~النبأ : 2 3 ) وهو المقصود من سياق الفاتحة التي افتتحت بها السورة وهيأت ~~للانتقال مناسبة ذكر الإخراج من قوله : { لنخرج به حبا ونباتا } ( النبأ : ~~15 ) الخ ، لأن ذلك شبه بإخراج أجساد الناس للبعث كما قال تعالى : { ~~فأنبتنا به جنات وحب الحصيد إلى قوله : كذلك الخروج في سورة ق ( 9 11 ) . # وهو استئناف بياني أعقب به قوله : لنخرج به حبا ونباتا } ( النبأ : 15 ) ~~الآية فيما قصد به من الإيماء إلى دليل البعث . # وأكد الكلام بحرف التأكيد لأن فيه إبطالا لإنكار المشركين وتكذيبهم بيوم ~~الفصل . # ويوم الفصل : يوم البعث للجزاء . # والفصل : التمييز بين الأشياء المختلطة ، وشاع إطلاقه على التمييز بين ~~المعاني المتشابهة والملتبسة فلذلك أطلق على الحكم ، وقد يضاف إليه فيقال : ~~فصل القضاء ، أي نوع من الفصل لأن القضاء يميز الحق من الظلم . # فالجزاء على الأعمال فصل بين الناس بعضهم من بعض . # وأوثر التعبير عنه بيوم الفصل لإثبات شيئين : # أحدهما : أنه بين ثبوت ما جحدوه من البعث والجزاء وذلك فصل بين الصدق ~~وكذبهم . # وثانيهما : القضاء بين الناس فيما اختلفوا فيه ، وما اعتدى به بعضهم على ~~بعض . # وإقحام فعل { كان } لإفادة أن توقيته متأصل في علم الله لما اقتضته حكمته ~~تعالى التي هو أعلم بها وأن استعجالهم به لا يقدمه على ميقاته . ~~PageV30P029 # وتقدم { يوم الفصل غير مرة أخراها في سورة المرسلات . # ووصف القرآن بالفصل يأتي في قوله تعالى : إنه لقول فصل في سورة الطارق . # والميقات : مفعال مشتق من الوقت ، والوقت : الزمان المحدد في عمل ما ، ~~ولذلك لا يستعمل لفظ وقت إلا مقيدا بإضافة أو نحوها نحو وقت الصلاة . # فالميقات جاء على زنة اسم الآله وأريد به نفس الوقت المحدد به شيء مثل ~~ميعاد وميلاد ، في الخروج عن كونه اسم آلة إلى جعله اسما لنفس ما اشتق منه ~~. والسياق دل على متعلق ميقات ، أي كان ميقاتا للبعث والجزاء . # فكونه ميقاتا } كناية تلويحية عن تحقيق ms9055 وقوعه إذ التوقيت لا يكون إلا ~~بزمن محقق الوقوع ولو تأخر وأبطأ . # وهذا رد لسؤالهم تعجيله وعن سبب تأخيره ، سؤالا يريدون منه الاستهزاء ~~بخبره . # والمعنى : أن ليس تأخر وقوعه دالا على انتفاء حصوله . # والمعنى : ليس تكذيبكم به مما يحملنا على تغيير إبانة المحدد له ولكن ~~الله مستدرجكم مدة . # وفي هذا إنذار لهم بأنه لا يدرى لعله يحصل قريبا قال تعالى : { لا تأتيكم ~~إلا بغتة } ( الأعراف : 187 ) وقال : { قل عسى أن يكون قريبا } ( الإسراء : ~~51 ) . # و { يوم ينفخ في الصور } بدل من { يوم الفصل } . # وأضيف { يوم } إلى جملة { ينفخ في الصور } فانتصب { يوم } على الظرفية ~~وفتحته فتحة إعراب لأنه أضيف إلى جملة أولها معرب وهو المضارع . # وفائدة هذا البدل حصول التفصيل لبعض أحوال الفصل وبعض أهوال يوم الفصل . # والصور : البوق ، وهو قرن ثور فارغ الوسط مضيق بعض فراغه ويتخذ من ~~PageV30P030 الخشب أو من النحاس ، ينفخ فيه النافخ فيخرج منه الصوت قويا ~~لنداء الناس إلى الاجتماع ، وأكثر ما ينادى به الجيش والجموع المنتشرة ~~لتجتمع إلى عمل يريده الآمر بالنفخ . # وبني { ينفخ } إلى النائب لعدم تعلق الغرض بمعرفة النافخ وإنما الغرض ~~معرفة هذا الحادث العظيم وصورة حصوله . # والنفخ في الصور يجوز أن يكون تمثيلا لهيئة دعاء الناس وبعثهم إلى الحشر ~~بهيئة جمع الجيش المتفرق لراحة أو تتبع عدو فلا يلبثون أن يتجمعوا عند مقر ~~أميرهم . # ويجوز أن يكون نفخ يحصل به الإحياء لا تعلم صفته فإن أحوال الآخرة ليست ~~على أحوال الدنيا ، فيكون النفخ هذا معبرا به عن أمر التكوين الخاص وهو ~~تكوين الأجساد بعد بلاها وبث أرواحها في بقاياها . وقد ورد في الآثار أن ~~الملك الموكل بهذا النفخ هو إسرافيل ، وقد تقدم ذكر ذلك غير مرة . # وعطف { تأتون } بالفاء لإفادة تعقيب النفخ بمجيئهم إلى الحساب . # والإتيان : الحضور بالمكان الذي يمشي إليه الماشي فالإتيان هو الحصول . # وحذف ما يحصل بين النفخ في الصور وبين حضورهم لزيادة الإيذان بسرعة حصور ~~الإتيان حتى كأنه يحصل عند النفخ في الصور وإن كان المعنى : ينفخ في الصور ms9056 ~~فتحيون فتسيرون فتأتون . # و { أفواجا } حال من ضمير { تأتون } ، والأفواج : جمع فوج بفتح الفاء ~~وسكون الواو ، والفوج : الجماعة المتصاحبة من أناس مقسمين باختلاف الأغراض ~~، فتكون الأمم أفواجا ، ويكون الصالحون وغيرهم أفواجا قال تعالى : { كلما ~~ألقي فيها فوج سألهم خزنتها } ( الملك : 8 ) الآية . # والمعنى : فتأتون مقسمين طوائف وجماعات ، وهذا التقسيم بحسب الأحوال ~~كالمؤمنين والكافرين وكل أولئك أقسام ومراتب . PageV30P031 # جملة هي حال من ضمير { تأتون } ( النبأ : 18 ) . # والتقدير : وقد فتحت السماء ، أي قد حصل النفخ قبل ذلك أو معه . # ويجوز أن تكون معطوفة على جملة { ينفخ في الصور } ( النبأ : 18 ) فيعتبر ~~{ يوم } ( النبأ : 18 ) مضافا إلى هذه الجملة على حد قوله : { ويوم تشقق ~~السماء بالغمام } ( الفرقان : 25 ) . والتعبير بالفعل الماضي على هذا الوجه ~~لتحقيق وقوع هذا التفتيح حتى كأنه قد مضى وقوعه . # وفتح السماء : انشقاقها بنزول الملائكة من بعض السماوات التي هي مقرهم ~~نزولا يحضرون به لتنفيذ أمر الجزاء كما قال تعالى : { ويوم تشقق السماء ~~بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا الملك يومئذ الحق للرحمان } ( الفرقان : 25 ، ~~26 ) . # وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب { وفتحت } ~~بتشديد الفوقية ، وهو مبالغة في فعل الفتح بكثرة الفتح أو شدته إشارة إلى ~~أنه فتح عظيم لأن شق السماء لا يقدر عليه إلا الله . # وقرأه عاصم وحمزة والكسائي وخلف بتخفيف الفوقية على أصل الفعل ومجرد تعلق ~~الفتح بالسماء مشعر بأنه فتح شديد . # وفي الفتح عبرة لأن السماوات كانت ملتئمة فإذا فسد التئامها وتخللتها ~~مفاتح كان معه انخرام نظام العالم الفاني قال تعالى : { إذا السماء انشقت } ~~إلى قوله : { يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه } ( الانشقاق ~~: 1 6 ) . # فالتفتح والفتح سواء في المعنى المقصود ، وهو تهويل { يوم الفصل } ( ~~النبأ : 17 ) . # وفرع على انفتاح السماء بفاء التعقيب { فكانت أبوابا } أي ذات أبواب . # فقوله { أبوابا } تشبيه بليغ ، أي كالأبواب ، وحينئذ لا يبقى حاجز بين ~~سكان السماوات وبين الناس كما تقدم في قوله تعالى : { تعرج الملائكة والروح ~~إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة } ( المعارج ms9057 : 4 ) . PageV30P032 # والإخبار عن السماء بأنها أبواب جرى على طريق المبالغة في الوصف بذات ~~أبواب للدلالة على كثرة المفاتح فيها حتى كأنها هي أبواب وقريب منه قوله ~~تعالى : { وفجرنا الأرض عيونا } ( القمر : 12 ) حيث أسند التفجير إلى لفظ ~~الأرض ، وجيء باسم العيون تمييزا ، وهذا يناسب معنى قراءة التشديد ويؤكده ، ~~ويقيد معنى قراءة التخفيف ويبينه . # و { كانت } بمعنى : صارت . ومعنى الصيرورة من معاني ( كان ) وأخواتها ~~الأربع وهي : ظل ، وبات ، وأمسى وأصبح ، وقرينة ذلك أنه مفرع على { فتحت } ~~ونظيره قوله تعالى : { فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان } ( الرحمن : ~~37 ) . # والأبواب : جمع باب ، وهو الفرجة التي يدخل منها في حائل من سور أو جدار ~~أو حجاب أو خيمة ، وتقدم في قوله تعالى : { وغلقت الأبواب في سورة يوسف ~~وقوله : ادخلوا عليهم الباب في سورة العقود . # } # التسيير : جعل الشيء سائرا ، أي ماشيا . وأطلق هنا على النقل من المكان ~~أي نقلت الجبال وقلعت من مقارها بسرعة بزلازل أو نحوها كما دل عليه قوله ~~تعالى : { يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال كثيبا مهيلا } ( المزمل : ~~14 ) ، حتى كأنها تسير من مكان إلى آخر وهو نقل يصحبه تفتيت كما دل عليه ~~تعقيبه بقوله : { فكانت سرابا } لأن ظاهر التعقيب أن لا تكون معه مهلة ، أي ~~فكانت كالسراب في أنها لا شيء . # والقول في بناء { سيرت } للمجهول كالقول في { وفتحت السماء } ( النبأ : ~~19 ) . # وكذلك قوله : { فكانت سرابا } هو كقوله : { فكانت أبوابا } ( النبأ : 19 ~~) . # والسراب : ما يلوح في الصحاري مما يشبه الماء وليس بماء ولكنه حالة في ~~الجو القريب تنشأ من تراكمم أبخرة على سطح الأرض . وقد تقدم عند قوله تعالى ~~: PageV30P033 { والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى ~~إذا جاءه لم يجده شيئا في سورة النور . # ( 21 23 ) } # يجوز أن تكون جملة { إن جهنم كانت مرصادا } في موضع خبر ثان ل { إن } من ~~قوله : { إن يوم الفصل كان ميقاتا } ( النبأ : 17 ) والتقدير : إن يوم ~~الفصل إن جهنم كانت مرصادا فيه للطاغين ، والعائد محذوف دل عليه قوله : { ~~مرصادا } أي مرصادا فيه ، أي ms9058 في ذلك اليوم لأن معنى المرصاد مقترب من معنى ~~الميقات إذ كلاهما محدد لجزاء الطاغين . # ودخول حرف ( إن ) في خبر ( إن ) يفيد تأكيدا على التأكيد الذي أفاده حرف ~~التأكيد الداخل على قوله : { يوم الفصل } على حد قول جرير : # إن الخليفة إن الله سربله # سربال ملك به تزجى الخواتيم # ومنه قوله تعالى : { إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى ~~والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة كما تقدم في سورة ~~الحج ، وتكون الجملة من تمام ما خوطبوا به بقوله : يوم ينفخ في الصور ~~فتأتون أفواجا } ( النبأ : 18 ) . # والتعبير ب ( الطاغين ) إظهار في مقام الإضمار للتسجيل عليهم بوصف ~~الطغيان لأن مقتضى الظاهر أن يقول : ( لكم مئابا ) . # ويجوز أن تكون مستأنفة استئنافا بيانيا عن جملة { إن يوم الفصل كان ~~ميقاتا } ( النبأ : 17 ) وما لحق بها لأن ذلك مما يثير في نفوس السامعين ~~تطلب ماذا سيكون بعد تلك الأهوال فأجيب بمضمون { إن جهنم كانت مرصادا } ~~الآية . وعليه فليس في قوله : { للطاغين } تخريج على خلاف مقتضى الظاهر . # وابتدىء بذكر جهنم لأن المقام مقام تهديد إذ ابتدئت السورة بذكر تكذيب ~~المشركين بالبعث ولما سنذكره من ترتيب نظم هذه الجمل . PageV30P034 # وجهنم : اسم لدار العذاب في الآخرة . قيل : وهو اسم معرب فلعله معرب عن ~~العبرانية أو عن لغة أخرى سامية ، وقد تقدم عند قوله تعالى : { فحسبه جهنم ~~ولبئس المهاد في سورة البقرة . # والمرصاد : مكان الرصد ، أي الرقابة ، وهو بوزن مفعال الذي غلب في اسم ~~آلة الفعل مثل مضمار للموضع الذي تضمر فيه الخيل ، ومنهاج للموضع الذي ينهج ~~منه . # والمعنى : أن جهنم موضع يرصد منه الموكلون بها ، ويترقبون من يزجى إليها ~~من أهل الطغيان كما يترقب أهل المرصاد من يأتيه من عدو . # ويجوز أن يكون مرصاد مصدرا على وزن المفعال ، أي رصدا . والإخبار به عن ~~جهنم للمبالغة حتى كأنها أصل الرصد ، أي لا تفلت أحدا ممن حق عليهم دخولها ~~. # ويجوز أن يكون مرصاد زنة مبالغة للراصد الشديد الرصد مثل صفة مغيار ~~ومعطار ، وصفت به جهنم على طريقة ms9059 الاستعارة ولم تلحقه ( ها ) التأنيث لأن ~~جهنم شبهت بالواحد من الرصد بتحريك الصاد ، وهو الواحد من الحرس الذي يقف ~~بالمرصد إذ لا يكون الحارس إلا رجلا . # ومتعلق : مرصادا } محذوف دل عليه قوله : { للطاغين مئابا } . # والتقدير : مرصادا للطاغين ، وهذا أحسن لأن قرائن السورة قصار فيحسن ~~الوقف عند { مرصادا } لتكون قرينة . # ولك أن تجعل { للطاغين } متعلقا ب { مرصادا } وتجعل متعلق { مئابا } ~~مقدرا دل عليه { للطاغين } فيكون كالتضمين في الشعر إذ كانت بقية لما في ~~القرينة الأولى في القرينة الموالية فتكون القرينة طويلة . # ولو شئت أن تجعل { للطاغين } متنازعا فيه بين { مرصادا } أو { مئابا } ~~فلا مانع من ذلك معنى . # وأقحم { كانت } دون أن يقال : إن جهنم مرصاد للدلالة على أن جعلها ~~PageV30P035 مرصادا أمر مقدر لها كما تقدم في قوله : { إن يوم الفصل كان ~~ميقاتا } ( النبأ : 17 ) . وفيه إيماء إلى سعة علم الله تعالى حيث أعد في ~~أزله عقابا للطاغين . # و { مئابا } : مكان الأوب وهو الرجوع ، أطلق على المقر والمسكن إطلاقا ~~أصله كناية ثم شاع استعماله فصار اسما للموضع الذي يستقر به المرء . # ونصب { مئابا } على الحال من { جهنم } أو على أنه خبر ثان لفعل { كانت } ~~أو على أنه بدل اشتمال من { مرصادا } لأن الرصد يشتمل على أشياء مقصودة ~~منها أن يكونوا صائرين إلى جهنم . # و { للطاغين } متعلق ب { مئابا } قدم عليه لإدخال الروع على المشركين ~~الذين بشركهم طغوا على الله ، وهذا أحسن كما علمت آنفا . ولك أن تجعله ~~متعلقا ب { مرصادا } أو متنازعا فيه بين { مرصادا } و { مئابا } كما علمت ~~آنفا . # والطغيان : تجاوز الحد في عدم الاكتراث بحق الغير والكبر ، والتعريف فيه ~~للعهد فالمراد به المشركون المخاطبون بقوله : { فتأتون أفواجا } ( النبأ : ~~18 ) فهو إظهار في مقام الإضمار لقصد الإيماء إلى سبب جعل جهنم لهم لأن ~~الشرك أقصى الطغيان إذ المشركون بالله أعرضوا عن عبادته ومتكبرون على رسوله ~~صلى الله عليه وسلم حيث أنفوا من قبول دعوته وهم المقصود من معظم ما في هذه ~~السورة كما يصرح به قوله : { إنهم كانوا لا يرجون حسابا ms9060 وكذبوا بآياتنا ~~كذابا } ( النبأ : 27 ، 28 ) . هذا وأن المسلمين المستخفين بحقوق الله ، أو ~~المعتدين على الناس بغير حق ، واحتقارا لا لمجرد غلبة الشهوة لهم حظ من هذا ~~الوعيد بمقدار اقترابهم من حال أهل الكفر . # واللابث : المقيم بالمكان . وانتصب { لابثين } على الحال من الطاغين . # وقرأه الجمهور { لابثين } على صيغة جمع لابث . وقرأه حمزة وروح عن يعقوب ~~{ لبثين على صيغة جمع ( لبث ) من أمثلة المبالغة مثل حذر على خلاف فيه ، أو ~~من الصفة المشبهة فتقتضي أن اللبث شأنه كالذي يجثم في مكان لا ينفك عنه . # وأحقاب : جمع حقب بضمتين ، وهو زمن طويل نحو الثمانين سنة ، وتقدم في ~~قوله : أو أمضي حقبا } في سورة الكهف PageV30P036 . # وجمعه هنا مراد به الطول العظيم لأن أكثر استعمال الحقب والأحقاب أن يكون ~~في حيث يراد توالي الأزمان ويبين هذا الآيات الأخرى الدالة على خلود ~~المشركين ، فجاءت هذه الآية على المعروف الشائع في الكلام كناية به عن ~~الدوام دون انتهاء . # وليس فيه دلالة على أن لهذا اللبث نهاية حتى يحتاج إلى دعوى نسخ ذلك ~~بآيات الخلود وهو وهم لأن الأخبار لا تنسخ ، أو يحتاج إلى جعل الآية لعصاة ~~المؤمنين ، فإن ذلك ليس من شأن القرآن المكي الأول إذ قد كان المؤمنون ~~أيامئذ صالحين مخلصين مجدين في أعمالهم . # ( 24 26 ) # هذه الجملة يجوز أن تكون حالا ثانية من { الطاغين } ( النبأ : 22 ) أو ~~حالا أولى من الضمير في { لابثين } ( النبأ : 23 ) وأن تكون خبرا ثالثا : ل ~~{ كانت مرصادا } ( النبأ : 21 ) . # وضمير { فيها } على هذه الوجوه عائد إلى { جهنم } ( النبأ : 21 ) . # ويجوز أن تكون صفة ل { أحقابا } ( النبأ : 23 ) ، أي لا يذوقون في تلك ~~الأحقاب بردا ولا شرابا إلا حميما وغساقا . فضمير { فيها } على هذا الوجه ~~عائد إلى الأحقاب . # وحقيقة الذوق : إدراك طعم الطعام والشراب . ويطلق على الإحساس بغير ~~الطعوم إطلاقا مجازيا . وشاع في كلامهم ، يقال : ذاق الألم ، وعلى وجدان ~~النفس كقوله تعالى : { ليذوق وبال أمره } ( المائدة : 95 ) . وقد استعمل ~~هنا في معنييه حيث نصب { بردا } و { شرابا } . # والبرد : ضد الحر ms9061 ، وهو تنفيس للذين عذابهم الحر ، أي لا يغاثون بنسيم ~~بارد ، والبرد ألذ ما يطلبه المحرور . وعن مجاهد والسدي وأبي عبيدة ونفر ~~قليل تفسير البرد بالنوم وأنشدوا شاهدين غير واضحين ، وأيا ما كان فحمل ~~الآية عليه تكلف لا داعي إليه ، وعطف { ولا شرابا } يناكده . والشراب : ما ~~يشرب والمراد به الماء الذي يزيل العطش . والحميم : الماء الشديد الحرارة . ~~PageV30P037 # والغساق : قرأه الجمهور بتخفيف السين : وقرأه حمزة والكسائي وحفص بتشديد ~~السين وهما لغتان فيه . ومعناه الصديد الذي يسيل من جروح الحرق وهو المهل ، ~~وتقدما في سورة ( ص ) . # واستثناء { حميما وغساقا } من { بردا } أو { شرابا } على طريقة اللف ~~والنشر المرتب ، وهو استثناء منقطع لأن الحميم ليس من جنس البرد في شيء إذ ~~هو شديد الحر ، ولأن الغساق ليس من جنس الشراب ، إذ ليس المهل من جنس ~~الشراب . # والمعنى : يذوقون الحميم إذ يراق على أجسادهم ، والغساق إذ يسيل على ~~مواضع الحرق فيزيد ألمهم . # وصورة الاستثناء هنا من تأكيد الشيء بما يشبه ضده في الصورة . # و { جزاء } منصوب على الحال من ضمير { يذوقون } ، أي حالة كون ذلك جزاء ، ~~أي مجازى به ، فالحال هنا مصدر مؤول بمعنى الوصف وهو أبلغ من الوصف . # والوفاق : مصدر وافق وهو مؤول بالوصف ، أي موافقا للعمل الذي جوزوا عليه ~~، وهو التكذيب بالبعث وتكذيب القرآن كما دل عليه التعليل بعده بقوله : { ~~إنهم كانوا لا يرجون حسابا وكذبوا بآياتنا كذابا } ( النبأ : 27 ، 28 ) . # فإن ذلك أصل إصرارهم على الكفر ، وهما أصلان : أحدهما عدمي وهو إنكار ~~البعث ، والآخر وجودي وهو نسبتهم الرسول صلى الله عليه وسلم والقرآن للكذب ~~، فعوقبوا على الأصل العدمي بعقاب عدمي وهو حرمانهم من البرد والشراب ، ~~وعلى الأصل الوجودي بجزاء وجودي وهو الحميم يراق على أجسادهم والغساق يمر ~~على جراحهم . PageV30P038 # ( 27 ، 28 ) # موقع هذه الجملة موقع التعليل لجملة { إن جهنم كانت مرصادا إلى قوله جزاء ~~وفاقا } ( النبأ : 21 26 ) ، ولذلك فصلت . # وضمير { إنهم } عائد إلى { الطاغين } ( النبأ : 22 ) . # وحرف ( إن ) للاهتمام بالخبر وليست لرد الإنكار إذ لا ينكر أحد أنهم لا ~~يرجون حسابا ms9062 وأنهم مكذبون بالقرآن وشأن ( إن ) إذا قصد بها مجرد الاهتمام ~~أن تكون قائمة مقام فاء التفريع مفيدة للتعليل ، وتقدم ذلك عند قوله تعالى ~~: { إنك أنت العليم الحكيم } ( البقرة : 32 ) وقوله : { إن البقر تشابه ~~علينا في سورة البقرة فالجملة معترضة بين ما قبلها وبين جملة فذوقوا } ( ~~النبأ : 30 ) . # وقد علمت مناسبة جزائهم لجرمهم عند قوله آنفا : { جزاء وفاقا } ( النبأ : ~~26 ) مما يزيد وجه التعليل وضوحا . # وقوله : { لا يرجون حسابا } نفي لرجائهم وقوع الجزاء . # والرجاء اشتهر في ترقب الأمر المحبوب ، والحساب ليس خيرا لهم حتى يجعل ~~نفي ترقبه من قبيل نفي الرجاء فكان الظاهر أن يعبر عن ترقبه بمادة التوقع ~~الذي هو ترقب الأمر المكروه ، فيظهر أن وجه العدول عن التعبير بمادة التوقع ~~إلى التعبير بمادة الرجاء أن الله لما أخبر عن جزاء الطاغين وعذابهم تلقى ~~المسلمون ذلك بالمسرة وعلموا أنهم ناجون مما سيلقاه الطاغون فكانوا مترقبين ~~يوم الحساب ترقب رجاء ، فنفي رجاء يوم الحساب عن المشركين جامع بصريحه معنى ~~عدم إيمانهم بوقوعه ، وبكنايته رجاء المؤمنين وقوعه بطريقة الكناية ~~التعريضية تعريضا بالمسلمين وهي أيضا تلويحية لما في لازم مدلول الكلام من ~~الخفاء . # ومن المفسرين من فسر { يرجون } بمعنى : يخافون ، وهو تفسير بحاصل المعنى ~~، وليس تفسيرا للفظ . # وفعل { كانوا } دال على أن انتفاء رجائهم الحساب وصف متمكن من ~~PageV30P039 نفوسهم وهم كائنون عليه ، وليس المراد بفعل { كانوا } أنهم ~~كانوا كذلك فانقضى لأن هذه الجملة إخبار عنهم في حين نزول الآية وهم في ~~الدنيا وليست مما يقال لهم أو عنهم يوم القيامة . # وجيء بفعل { يرجون } مضارعا للدلالة على استمرار انتفاء ما عبر عنه ~~بالرجاء ، وذلك لأنهم كلما أعيد لهم ذكر يوم الحساب جددوا إنكاره وكرروا ~~شبهاتهم على نفي إمكانه لأنهم قالوا : { إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين ~~} ( الجاثية : 32 ) . # والحساب : العد ، أي عد الأعمال والتوقيف على جزائها ، أي لا يرجون وقوع ~~حساب على أعمال العباد يوم الحشر . # و { كذبوا } عطف على { لا يرجون } ، أي وإنهم كذبوا بآياتنا ، أي بآيات ~~القرآن . # والمعنى : كذبوا ما اشتملت ms9063 عليه الآيات من إثبات الوحدانية ، ورسالة محمد ~~صلى الله عليه وسلم # ولكون تكذيبهم بذلك قد استقر في نفوسهم ولم يترددوا فيه جيء في جانبه ~~بالفعل الماضي لأنهم قالوا : { قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا ~~وقر ومن بيننا وبينك حجاب } ( فصلت : 5 ) . # وكذاب : بكسر الكاف وتشديد الذال مصدر كذب . والفعال بكسر أوله وتشديد ~~عينه مصدر فعل مثل التفعيل ، ونظائره : القصار مصدر قصر ، والقضاء مصدر قضى ~~، والخراق مصدر خرق المضاعف ، والفسار مصدر فسر . وعن الفراء أن أصل هذا ~~المصدر من اللغة اليمنية ، يريد : وتكلم به العرب ، فقد أنشدوا لبعض بني ~~كلاب : # لقد طال ما ثبطتني عن صحابتي # وعن حوج قضاؤها من شفائيا # وأوثر هذا المصدر هنا دون تكذيب لمراعاة التماثل في فواصل هذه السورة ، ~~فإنها على نحو ألف التأسيس في القوافي ، والفواصل كالأسجاع ويحسن في ~~الأسجاع ما يحسن في القوافي . PageV30P040 # وفي ( الكشاف ) : وفعال فعل كله فاش في كلام فصحاء من العرب لا يقولون ~~غيره . # وانتصب { كذابا } على أنه مفعول مطلق مؤكد لعامله لإفادة شدة تكذيبهم ~~بالآيات . # اعتراض بين الجمل التي سيقت مساق التعليل وبين جملة { فذوقوا } ( النبأ : ~~30 ) وفائدة هذا الاعتراض المبادرة بإعلامهم أن الله لا يخفى عليه شيء من ~~أعمالهم فلا يدع شيئا من سيئاتهم إلا يحاسبهم عليه ما ذكر هنا وما لم يذكر ~~؛ كأنه قيل : إنهم كانوا لا يرجون حسابا وكذبوا بآياتنا ، وفعلوا مما عدا ~~ذلك وكل ذلك محصي عندنا . # ونصب { كل } على المفعولية ل { أحصيناه } على طريقة الاشتغال بضميره . # والإحصاء : حساب الأشياء لضبط عددها ، فالإحصاء كناية عن الضبط والتحصيل ~~. # وانتصب { كتابا } على المفعولية المطلقة ل { أحصيناه } . والتقدير : ~~إحصاء كتابة ، فهو مصدر بمعنى الكتابة ، وهو كناية عن شدة الضبط لأن الأمور ~~المكتوبة مصونة عن النسيان والإغفال ، فباعتبار كونه كناية عن الضبط جاء ~~مفعولا مطلقا ل ( أحصينا ) . # الفاء للتفريع والتسبب على جملة { إن جهنم كانت مرصادا } ( النبأ : 21 ) ~~وما اتصل بها ، ولما غير أسلوب الخبر إلى الخطاب بعد أن كان جاريا بطريق ~~الغيبة ، ولم يكن مضمون الخبر مما يجري ms9064 في الدنيا فيظن أنه خطاب تهديد ~~للمشركين تعين أن يكون المفرع قولا محذوفا دل عليه { ذوقوا } الذي لا يقال ~~إلا يوم الجزاء ، PageV30P041 فالتقدير : فيقال لهم ذوقوا إلى آخره ، ولهذا ~~فليس في ضمير الخطاب التفات فالمفرع بالفاء هو فعل القول المحذوف . # والأمر في ( ذوقوا ) مستعمل في التوبيخ والتقريع . # وفرع على { فذوقوا } ما يزيد تنكيدهم وتحسيرهم بإعلامهم بأن الله سيزيدهم ~~عذابا فوق ما هم فيه . # والزيادة : ضم شيء إلى غيره من جنس واحد أو غرض واحد ، قال تعالى : { ~~فزادتهم رجسا إلى رجسهم } ( التوبة : 125 ) وقال : { ولا تزد الظالمين إلا ~~تبارا } ( نوح : 28 ) ، أي لا تزدهم على ما هم فيه من المساوي إلا الإهلاك ~~. # فالزيادة المنفية في قوله : { فلن نزيدكم إلا عذابا } يجوز أن تكون زيادة ~~نوع آخر من عذاب يكون حاصلا لهم كما في قوله تعالى : { زدناهم عذابا فوق ~~العذاب } ( النحل : 88 ) . # ويجوز أن تكون زيادة من نوع ما هم فيه من العذاب بتكريره في المستقبل . # والمعنى : فسنزيدكم عذابا زيادة مستمرة في أزمنة المستقبل ، فصيغ التعبير ~~عن هذا المعنى بهذا التركيب الدقيق ، إذ ابتدىء بنفي الزيادة بحرف تأبيد ~~النفي وأردف الاستثناء المقتضي ثبوت نقيض حكم المستثنى منه للمستثنى فصارت ~~دلالة الاستثناء على معنى : سنزيدكم عذابا مؤبدا . وهذا من تأكيد الشيء بما ~~يشبه ضده وهو أسلوب طريف من التأكيد إذ ليس فيه إعادة لفظ فإن زيادة العذاب ~~تأكيد للعذاب الحاصل . # ولما كان المقصود الوعيد بزيادة العذاب في المستقبل جيء في أسلوب نفيه ~~بحرف نفي المستقبل ، وهو ( لن ) المفيد تأكيد النسبة المنفية وهي ما دل ~~عليه مجموع النفي والاستثناء ، فإن قيد تأبيد نفي الزيادة الذي يفيده حرف ( ~~لن ) في جانب المستثنى منه يسري إلى إثبات زيادة العذاب في جانب المستثنى ، ~~فيكون معنى جملة الاستثناء : سنزيدكم عذابا أبدا ، وهو معنى الخلود في ~~العذاب . وفي هذا الأسلوب ابتداء مطمع بانتهاء مؤيسس وذلك أشد حزنا وغما ~~بما يوهمهم أن ما ألقوا فيه هو منتهى التعذيب حتى إذا ولج ذلك أسماعهم ~~فحزنوا له ، أتبع بأنهم PageV30P042 ينتظرهم عذاب آخر ms9065 أشد ، فكان ذلك حزنا ~~فوق حزن ، فهذا منوال هذا النظم وهو مؤذن بشدة الغضب . # وعن عبد الله بن عمرو بن العاص وأبي برزة الأسلمي وأبي هريرة : أن هذه ~~الآية أشد ما نزل في أهل النار ، وقد أسند هذا إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم من حديث عن أبي برزة الأسلمي . قال : ( سألت النبي صلى الله عليه وسلم ~~عن أشد آية في كتاب الله على أهل النار ؟ فقال : قول الله تعالى : { فذوقوا ~~فلن نزيدكم إلا عذابا } . وفي سنده جسر بن فرقد وهو ضعيف جدا . # وفي ( ابن عطية ) : أن أبا هريرة رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم ~~يذكر ابن عطية سنده ، وتعدد طرقه يكسبه قوة . # ( 31 36 ) { } # جرى هذا الانتقال على عادة القرآن في تعقيب الإنذار للمنذرين بتبشير من ~~هم أهل للتبشير . # فانتقل من ترهيب الكافرين بما سيلاقونه إلى ترغيب المتقين فيما أعد لهم ~~في الآخرة من كرامة ومن سلامة مما وقع فيه أهل الشرك . # فالجملة متصلة بجملة { إن جهنم كانت مرصادا للطاغين مئابا } ( النبأ : 21 ~~22 ) وهي مستأنفة استئنافا ابتدائيا بمناسبة مقتضي الانتقال . # وافتتاحها بحرف { إن } للدلالة على الاهتمام بالخبر لئلا يشك فيه أحد . # والمقصود من المتقين المؤمنون الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ~~واتبعوا ما أمرهم به واجتنبوا ما نهاهم عنه لأنهم المقصود من مقابلتهم ~~بالطاغين المشركين . # والمفاز : مكان الفوز وهو الظفر بالخير ونيل المطلوب . ويجوز أن يكون ~~مصدرا ميميا بمعنى الفوز ، وتنوينه للتعظيم . PageV30P043 # وتقديم خبر { إن } على اسمها للاهتمام به تنويها بالمتقين . # والمراد بالمفاز : الجنة ونعيمها . وأوثرت كلمة { مفازا } على كلمة : ~~الجنة ، لأن في اشتقاقه إثارة الندامة في نفوس المخاطبين بقوله : { فتأتون ~~أفواجا } ( النبأ : 18 ) وبقوله : { فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا } ( النبأ ~~: 30 ) . # وأبدل { حدائق } من { مفازا } بدل بعض من كل باعتبار أنه بعض من مكان ~~الفوز ، أو بدل اشتمال باعتبار معنى الفوز . # والحدائق : جمع حديقة وهي الجنة من النخيل والأشجار ذواتت الساق المحوطة ~~بحائط أو جدار أو حضائر . # والأعناب : جمع عنب وهو اسم يطلق على ms9066 شجرة الكرم ويطلق على ثمرها . # والكواعب : جمع كاعب ، وهي الجارية التي بلغت سن خمس عشرة سنة ونحوها . ~~ووصفت بكاعب لأنها تكعب ثديها ، أي صار كالكعب ، أي استدار ونتأ ، يقال : ~~كعبت من باب قعد ، ويقال : كعبت بتشديد العين ، ولما كان كاعب وصفا خاصا ~~بالمرأة لم تلحقه هاء التأنيث وجمع على فواعل . # والأتراب : جمع ترب بكسر فسكون : هو المساوي غيره في السن ، وأكثر ما ~~يطلق على الإناث . قيل : هو مشتق من التراب فقيل لأنه حين يولد يقع على ~~التراب مثل الآخر ، أو لأن الترب ينشأ مع لدته في سن الصبا يلعب بالتراب . # وقيل : مشتق من الترائب تشبيها في التساوي بالترائب وهي ضلوع الصدر فإنها ~~متساوية . # وتقدم الأتراب في قوله تعالى : { عربا أترابا في الواقعة ، فيجوز أن يكون ~~وصفهن بالأتراب بالنسبة بينهن في تساوي السن لزيادة الحسن ، أي لا تفوت ~~واحدة منهن غيرها ، أي فلا تكون النفس إلى إحداهن أميل منها إلى الأخرى ~~فتكون بعضهن أقل مسرة في نفس الرجل . # ويجوز أن يكون هذا الوصف بالنسبة بينهن وبين أزواجهن لأن ذلك أحب إلى ~~PageV30P044 الرجال في معتاد أهل الدنيا لأنه أوفق بطرح التكلف بين الزوجين ~~وذلك أحلى المعاشرة . # والكأس : إناء معد لشرب الخمر وهو اسم مؤنث تكون من زجاج ومن فضة ومن ذهب ~~، وربما ذكر في كتب اللغة أن الكأس الزجاجة فيها الشراب ، ولم أقف على أن ~~لها شكلا معينا يميزها عن القدح وعن الكوب وعن الكوز ، ولم أجد في قواميس ~~اللغة التعريف بالكأس بأنها : إناء الخمر وأنها الإناء ما دام فيه الشراب . ~~وهذا يقتضي أنها لا تختص بصنف من الآنية . # وقد يطلقون على الخمر اسم الكأس وأريد بالكأس الجنس إذا المعنى : وأكؤسا ~~. وعدل عن صيغة الجمع لأن كأسا بالإفراد أخف من أكؤس وكؤوس ولأن هذا المركب ~~جرى مجرى المثل كما سيأتي . # ودهاق : اسم مصدر دهق من باب جعل أو اسم مصدر أدهق ، ولكونه في الأصل ~~مصدرا لم يقترن بعلامة تأنيث . # والدهق والإدهاق ملء الإناء من كثرة ما صب فيه . # ووصف الكأس بالدهق من ms9067 إطلاق المصدر على المفعول كالخلق بمعنى المخلوق فإن ~~الكأس مدهقة لا داهقة . # ومركب ( كأس دهاق ) يجري مجرى المثل قال عكرمة : قال ابن عباس : سمعت أبي ~~في الجاهلية يقول : اسقنا كأسا دهاقا ، ولذلك أفرد كأسا ، ومعناه مملوءة ~~خمرا ، أي دون تقتير لأن الخمر كانت عزيزة فلا يكيل الحانوي للشارب إلا ~~بمقدار فإذا كانت الكأس ملأى كان ذلك أسر للشارب . # وقوله : لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا } يجوز أن يكون الضمير المجرور ~~عائدا إلى الكأس ، فتكون ( في ) للظرفية المجازية بتشبيه تناول الندامى ~~للشراب من الكأس بحلولهم في الكأس على طريق المكنية ، وحرف ( في ) تخييل أو ~~تكون ( في ) للتعليل كما في الحديث : ( دخلت امرأة النار في هرة ) الحديث ، ~~أي من أجل هرة . والمعنى : لا يسمعون لغوا ولا كذابا منها أو عندها ، فتكون ~~الجملة صفة ثانية ل ( كأسا ) . والمقصود منها أن خمر الجنة سليمة مما تسببه ~~خمر الدنيا من آثار PageV30P045 العربدة من هذيان ، وكذب وسباب ، واللغو ~~والكذب من العيوب التي تعرض لمن تدب الخمر في رؤوسهم ، أي فأهل الجنة ~~ينعمون بلذة السكر المعروفة في الدنيا قبل تحريم الخمر ولا تأتي الخمر على ~~كمالاتهم النفسية كما تأتي عليها خمر الدنيا . # وكان العرب يمدحون من يمسك نفسه عن اللغو ونحوه في شرب الخمر ، قال عمارة ~~بن الوليد : # ولسنا بشرب أم عمرو إذا انتشوا # ثياب الندامى بينهم كالغنائم # ولكننا يا أم عمرو نديمنا # بمنزلة الريان ليس بعائم # وكان قيس بن عاصم المنقري ممن حرم الخمر على نفسه في الجاهلية وقال : # فإن الخمر تفضح شاربيها # وتجنيهم بها الأمر العظيما # ويجوز أن يعود ضمير { فيها } إلى { مفازا } باعتبار تأويله بالجنة لوقوعه ~~في مقابلة { جهنم } من قوله : { إن جهنم كانت مرصادا } ( النبأ : 21 ) أو ~~لأنه أبدل { حدائق } من { مفازا } . وهذا المعنى نشأ عن أسلوب نظم الكلام ~~حيث قدم { حدائق وأعنابا } الخ ، وأخر { وكأسا دهاقا } حتى إذا جاء ضمير ( ~~فيها ) بعد ذلك جاز إرجاعه إلى الكأس وإلى المفاز كما علمت . وهذا من بديع ~~الإيجاز مع وفرة المعاني مما عددناه من وجوه ms9068 الإعجاز من جانب الأسلوب في ~~المقدمة العاشرة من هذا التفسير ، أي لا يسمعون في الجنة الكلام السافل ولا ~~الكذب ، فلما أحاط بأهل جهنم أشد الأذى بجميع حواسهم من جراء حرق النار ~~وسقيهم الحميم والغساق لينال العذاب بواطنهم كما نال ظاهر أجسادهم ، كذلك ~~نفى عن أهل الجنة أقل الأذى وهو أذى سماع ما يكرهه الناس فإن ذلك أقل الأذى ~~. # وكني عن انتفاء اللغو والكذاب عن شاربي خمر الجنة بأنهم لا يسمعون اللغو ~~والكذاب فيها لأنه لو كان فيها لغو وكذب لسمعوه وهذا من باب قول امرىء ~~القيس : # على لاحبب لا يهتدى بمناره # أي لا منار به فيهتدى به ، وهو نوع من لطيف الكناية ، والذي في الآية ~~أحسن مما وقع في بيت امرىء القيس ونحوه لأن فيه إيماء إلى أن أهل الجنة ~~منزهة أسماعهم PageV30P046 عن سقط القول وسفل الكلام كما في قوله في سورة ~~الواقعة { لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما . # واللغو : الكلام الباطل والهذيان وسقط القول الذي لا يورد عن روية ولا ~~تفكير . # والكذاب : تقدم معناه آنفا . # وقرأ الجمهور : كذابا } هنا مشددا ، وقرأه الكسائي هنا بتخفيف الذال . ~~وانتصب { جزاء } على الحال من { مفازا } . # وأصل الجزاء مصدر جزى ، ويطلق على المجازى به من إطلاق المصدر على ~~المفعول ، فالجزاء هنا المجازى به وهو الحدائق والجنات والكواعب والكأس . # والجزاء : إعطاء شيء عوضا على عمل . ويجوز أن يجعل الجزاء على أصل معناه ~~المصدري وينتصب على المفعول المطلق الآتي بدلا من فعلل مقدر . والتقدير : ~~جزينا المتقين . # وإضافة رب إلى ضمير المخاطب مرادا به النبي صلى الله عليه وسلم للإيماء ~~إلى أن جزاء المتقين بذلك يشتمل على إكرام النبي صلى الله عليه وسلم لأن ~~إسداء هذه النعم إلى المتقين كان لأجل إيمانهم به وعملهم بما هداهم إليه . # و { من } ابتدائية ، أي صادرا من لدن الله ، وذلك تنويه بكرم هذا الجزاء ~~وعظم شأنه . # ووصف الجزاء بعطاء وهو اسم لم يعطى ، أي يتفضل به بدون عوض للإشارة إلى ~~أن ما جوزوا به أوفر مما عملوه ، فكان ما ذكر للمتقين ms9069 من المفاز وما فيه ~~جزاء شكرا لهم وعطاء كرما من الله تعالى وكرامة لهذه الأمة إذ جعل ثوابها ~~أضعافا . # و { حسابا } : اسم مصدر حسب بفتح السين يحسب بضمها ، إذا عد أشياء وجميع ~~ما تصرف من مادة حسب متفرع عن معنى العد وتقدير المقدار ، فوقع { حسابا } ~~صفة { جزاء } ، أي هو جزاء كثير مقدر على أعمالهم . # والتنوين فيه للتكثير ، والوصف باسم المصدر للمبالغة وهو بمعنى المفعول ، ~~PageV30P047 أي محسوبا مقدرا بحسب أعمالهم ، وهذا مقابل ما وقع في جزاء ~~الطاغين من قوله { جزاء وفاقا } ( النبأ : 26 ) . # وهذا الحساب مجمل هنا يبينه قوله تعالى : { من جاء بالحسنة فله عشر ~~أمثالها } ( الأنعام : 160 ) وقوله : { مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل ~~الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة البقرة . # وليس هذا الحساب للاحتراز عن تجاوز الحد المعين ، فذلك استعمال آخر كما ~~في قوله تعالى : إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب } ( الزمر : 10 ) ولكل ~~آية مقامها الذي يجري عليه استعمال كلماتها فلا تعارض بين الآيتين . # ويجوز أن يكون { حسابا } اسم مصدر أحسبه ، إذا أعطاه ما كفاه ، فهو بمعنى ~~إحسابا ، فإن الكفاية يطلق عليها حسب بسكون السين فإنه إذا أعطاه ما كفاه ~~قال : حسبي . # . # قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر برفع { رب } ورفع { الرحمن } ، ~~وقرأ ابن عامر وعاصم ويعقوب بخفضهما ، وقرأه حمزة والكسائي وخلف بخفض { رب ~~} ورفع { الرحمن } ، فأما قراءة رفع الاسمين ف { رب } خبر مبتدأ محذوف هو ~~ضمير يعود على قوله : { من ربك } ( النبأ : 36 ) على طريقة حذف المسند إليه ~~حذفا سماه السكاكي حذفا لاتباع الاستعمال الوارد على تركه ، أي في المقام ~~الذي يجري استعمال البلغاء فيه على حذف المسند إليه ، وذلك إذا جرى في ~~الكلام وصف ونحوه لموصوف ثم ورد ما يصلح أن يكون خبرا عنه أو أن يكون نعتا ~~له فيختار المتكلم أن يجعله خبرا لا نعتا ، فيقدر ضمير المنعوت ويأتي بخبر ~~عنه وهو ما يسمى بالنعت المقطوع . # والمعنى : إن ربك هو ربهم لأنه رب السماوات والأرض وما بينهما ولكن ms9070 ~~المشركين عبدوا غيره جهلا وكفرا لنعمته . و { الرحمن } خبر ثان . # وأما قراءة جر الاسمين فهي جارية على أن { رب السماوات } نعت PageV30P048 ~~ل { ربك } من قوله : { جزاء من ربك } ( النبأ : 36 ) و { الرحمن } نعت ثان ~~. # والرب : المالك المتصرف بالتدبير ورعي الرفق والرحمة ، والمراد بالسماوات ~~والأرض وما بينهما مسماها مع ما فيها من الموجودات لأن اسم المكان قد يراد ~~به ساكنه كما في قوله تعالى : { فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي ~~خاوية على عروشها } في سورة الحج ، فإن الظلم من صفات سكان القرية لا صفة ~~لذاتها ، والخواء على عروشها من أحوال ذات القرية لا من أحوال سكانها ، ~~فكان إطلاق القرية مرادا به كلا المعنيين . # والمراد بما بين السماوات والأرض : ما على الأرض من كائنات وما في ~~السماوات من الملائكة وما لا يعلمه بالتفصيل إلا الله وما في الجو من ~~المكونات حية وغيرها من أسحبة وأمطار وموجودات سابحة في الهواء . # و { ما } موصولة وهي من صيغ العموم ، وقد استفيد من ذلك تعميم ربوبيته ~~على جميع المصنوعات . # وأتبع وصف { رب السماوات } بذكر اسم من أسمائه الحسنى ، وهو اسم { الرحمن ~~} وخص بالذكر دون غيره من الأسماء الحسنى لأن في معناه إيماء إلى أن ما ~~يفيضه من خير على المتقين في الجنة هو عطاء رحمان بهم . # وفي ذكر هذه الصفة الجليلة تعريض بالمشركين إذ أنكروا اسم الرحمن الوارد ~~في القرآن كما حكى الله عنهم بقوله : { وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا ~~وما الرحمن } ( الفرقان : 60 ) . # . # يجوز أن تكون هذه الجملة حالا من { ما بينهما } لأن ما بين السماوات ~~والأرض يشمل ما في ذلك من المخلوقات العاقلة ، أو المزعوم لها العقل مثل ~~الأصنام ، فيتوهم أن من تلك المخلوقات من يستطيع خطاب الله ومراجعته . # ويجوز أن تكون استئنافا ابتدائيا لإبطال مزاعم المشركين أو للاحتراس لدفع ~~توهم أن ما تشعر به صلة رب من الرفق بالمربوبين في تدبير شؤونهم يسيغ ~~إقدامهم على خطاب الرب . PageV30P049 # والملك في قوله : { لا يملكون منه خطابا } معناه القدرة والاستطاعة لأن ~~المالك يتصرف فيما ms9071 يملكه حسب رغبته لا رغبة غيره فلا يحتاج إلى إذن غيره . # فنفي الملك نفي للاستطاعة . # وقوله : { منه } حال من { خطابا } . وأصله صفة لخطاب فلما تقدم على ~~موصوفه صار حالا . # وحرف ( من ) اتصالية وهي ضرب من الابتدائية فهي ابتدائية مجازية كقوله ~~تعالى : { إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء } ~~( الممتحنة : 4 ) ف ( من ) الأولى اتصالية والثانية لتوكيد النص ، ومنه ~~قولهم : لست منك ولست مني وقوله تعالى : { ومن يفعل ذلك فليس من الله في ~~شيء } ( آل عمران : 28 ) ، أي لا يستطيعون خطابا يبلغونه إلى الله . # وضمير { لا يملكون } عائد إلى ( ما ) الموصولة في قوله : { وما بينهما } ~~لأنها صادقة على جميعهم . # والخطاب : الكلام الموجه لحاضر لدى المتكلم أو كالحاضر المتضمن إخبارا أو ~~طلبا أو إنشاء مدح أو ذم . # وفعل { يملكون } يعم لوقوعه في سياق النفي كما تعم النكرة المنفية . و { ~~خطابا } عام أيضا وكلاهما من العام المخصوص بمخصص منفصل كقوله عقب هذه ~~الآية { لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا } ( النبأ : 38 ) ~~وقوله : { يوم يأتي لا تكلم نفس إلا بإذنه } ( هود : 105 ) وقوله : { من ذا ~~الذي يشفع عنده إلا بإذنه } ( البقرة : 255 ) وقوله : { ولا يشفعون إلا لمن ~~ارتضى } ( الأنبياء : 28 ) . # والغرض من ذكر هذا إبطال اعتذار المشركين حين استشعروا شناعة عبادتهم ~~الأصنام التي شهر القرآن بها فقالوا : { هؤلاء شفعاؤنا عند الله } ( يونس : ~~18 ) ، وقالوا : { ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى } ( الزمر : 3 ) . ~~PageV30P050 # { يوم } متعلق بقوله : { لا يملكون منه خطابا } ( النبأ : 37 ) ، أي لا ~~يتكلم أحد يومئذ إلا من أذن له الله . # وجملة { لا يتكلمون } مؤكدة لجملة { لا يملكون منه خطابا } أعيدت بمعناها ~~لتقرير المعنى إذ كان المقام حقيقا ، فالتقرير لقصد التوصل به إلى الدلالة ~~على إبطال زعم المشركين شفاعة أصنامهم لهم عند الله ، وهي دلالة بطريق ~~الفحوى فإنه إذا نفي تكلمهم بدون إذن نفيت شفاعتهم إذ الشفاعة كلام من له ~~وجاهة وقبول عند سامعه . # وليبنى عليها الاستثناء لبعد ما بين المستثنى والمستثنى منه بمتعلقات ms9072 { ~~يملكون } ( النبأ : 37 ) من مجرور ومفعول به ، وظرفف ، وجملة أضيف لها . # وضمير { يتكلمون } عائد إلى ما عاد إليه ضمير { يملكون } . # والقول في تخصيص { لا يتكلمون } مثل القول في تخصيص { لا يملكون منه ~~خطابا } ( النبأ : 37 ) وقوله : { إلا من أذن له الرحمن } ( طه : 109 ) ~~استثناء من ضمير { لا يتكلمون } وإذ قد كان مؤكدا لضمير { لا يملكون } ~~فالاستثناء منه يفهم الاستثناء من المؤكد به . # والقيام : الوقوف وهو حالة الاستعداد للعمل الجد وهو من أحوال العبودية ~~الحق التي لا تستحق إلا لله تعالى . وفي الحديث : ( من أحب أن يتمثل له ~~الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار ) ، أي لأن ذلك من الكبرياء المختصة ~~بالله تعالى . # والروح : اختلف في المراد منه اختلافا أثاره عطف الملائكة عليه فقيل هو ~~جبريل . # وتخصيصه بالذكر قبل ذكر الملائكة المعطوف عليه لتشريف قدره بإبلاغ ~~الشريعة ، وقيل المراد : أرواح بني آدم . # واللام لتعريف الجنس : فالمفرد معها والجمع سواء . والمعنى : يوم تحضر ~~الأرواح PageV30P051 لتودع في أجسادها ، وعليه يكون فعل { يقوم } مستعملا ~~في حقيقته ومجازه . # و { الملائكة } عطف على { الروح } ، أي ويقوم الملائكة صفا . # والصف اسم للأشياء الكائنة في مكان يجانب بعضها بعضا كالخط . وقد تقدم في ~~قوله تعالى : { ثم ائتوا صفا } في سورة طه ، وفي قوله : { فاذكروا اسم الله ~~عليها صواف في سورة الحج ، وهو تسمية بالمصدر من إطلاق المصدر على اسم ~~الفاعل ، وأصله للمبالغة ثم صار اسما ، وإنما يصطف الناس في المقامات التي ~~يكون فيها أمر عظيم فصف الملائكة تعظيم لله وخضوع له . # والإذن : اسم للكلام الذي يفيد إباحة فعل للمأذون ، وهو مشتق من : أذن له ~~، إذا استمع إليه قال تعالى : وأذنت لربها وحقت } ( الأنشقاق : 2 ) ، أي ~~استمعت وأطاعت لإرادة الله . وأذن : فعل مشتق من اسم الأذن وهي جارحة السمع ~~، فأصل معنى أذن له : أمال أذنه ، أي سمعه إليه يقال : أذن يأذن أذنا كفرح ~~، ثم استعمل في لازم السمع وهو الرضى بالمسموع فصار أذن بمعنى رضي بما يطلب ~~منه أو ما شأنه أن يطلب منه ، وأباح فعله ، ومصدره إذن بكسر الهمزة ms9073 وسكون ~~الذال فكأن اختلاف صيغة المصدرين لقصد التفرقة بين المعنيين . # ومتعلق { أذن } محذوف دل عليه { لا يتكلمون } ، أي من أذن له في الكلام . # ومعنى أذن الرحمن : أن من يريد التكلم لا يستطيعه أو تعتريه رهبة فلا ~~يقدم على الكلام حتى يستأذن الله فأذن له ، وإنما يستأذنه إذا ألهمه الله ~~للاستئذان فإن الإلهام إذن عند أهل المكاشفات في العامل الأخروي فإذا ألقى ~~الله في النفس أن يستأذن استأذن الله فأذن له كما ورد في حديث الشفاعة من ~~إحجام الأنبياء عن الاستشفاع للناس حتى يأتوا محمدا صلى الله عليه وسلم قال ~~في الحديث : ( فأنطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجدا لربي عز وجل ثم يفتح الله ~~علي من محامد وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه على أحد قبلي ثم يقول : ارفع ~~رأسك واشفع تشفع ) . # وقد أشار إلى هذا قوله تعالى : { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى } ( الأنبياء ~~: 28 ) ، أي لمن علموا PageV30P052 أن الله ارتضى قبول الشفاعة فيه وهم ~~يعلمون ذلك بإلهام هو من قبيل الوحي لأن الإلهام في ذلك العالم لا يعتريه ~~الخطأ . # وجملة { وقال صوابا } يجوز أن تكون في موضع الحال من اسم الموصول ، أي ~~وقد قال المأذون له في الكلام { صوابا } ، أي بإذن الله له في الكلام إذا ~~علم أنه سيتكلم بما يرضي الله . # ويجوز أن تكون عطفا على جملة { أذن له الرحمن } ، أي وإلا من قال صوابا ~~فعلم أن من لا يقول الصواب لا يؤذن له . # وفعل { وقال صوابا } مستعمل في معنى المضارع ، أي ويقول صوابا ، فعبر عنه ~~بالماضي لإفادة تحقق ذلك ، أي في علم الله . # وإطلاق صفة { الرحمن } على مقام الجلالة إيماء إلى أن إذن الله لمن يتكلم ~~في الكلام أثر من آثار رحمته لأنه أذن فيما يحصل به نفع لأهل المحشر من ~~شفاعة أو استغفار . # استئناف ابتدائي كالفذلكة لما تقدم من وعيد ووعد ، إنذار وتبشير ، سيق ~~مساق التنويه ب { يوم الفصل } ( النبأ : 17 ) الذي ابتدىء الكلام عليه من ~~قوله : { إن يوم الفصل كان ميقاتا } ( النبأ : 17 ) . والمقصود التنويه ~~بعظيم ms9074 ما يقع فيه من الجزاء بالثواب والعقاب وهو نتيجة أعمال الناس من يوم ~~وجود الإنسان في الأرض . # فوصف اليوم بالحق يجوز أن يراد به الثابت الواقع كما في قوله تعالى : { ~~وإن الدين لواقع } ( الذاريات : 6 ) قوله آنفا : { إن يوم الفصل كان ميقاتا ~~} ، فيكون { الحق } بمعنى الثابت مثل ما في قوله تعالى : { واقترب الوعد ~~الحق } ( الأنبياء : 97 ) . # ويجوز أن يراد بالحق ما قابل الباطل ، أي العدل وفصل القضاء فيكون وصف ~~اليوم به على وجه المجاز العقلي إذ الحق يقع فيه واليوم ظرف له قال تعالى : ~~{ يوم القيامة يفصل بينكم } ( الممتحنة : 3 ) . PageV30P053 # ويجوز أن يكون الحق بمعنى الحقيق بمسمى اليوم لأنه شاع إطلاق اسم اليوم ~~على اليوم الذي يكون فيه نصر قبيلة على أخرى مثل : يومم حليمة ، ويوم بعاث ~~. والمعنى : ذلك اليوم الذي يحق له أن يقال : يوم ، وليس كأيام انتصار ~~الناس بعضهم على بعض في الدنيا فيكون كقوله تعالى : { ذلك يوم التغابن } ( ~~التغابن : 9 ) ، فهو يوم انتقام الله من أعدائه الذين كفروا نعمته وأشركوا ~~به عبيده في الإلاهية ويكون وصف الحق بمثل المعنى الذي في قوله تعالى : { ~~الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به } ( البقرة : 121 ) ~~، أي التلاوة الحقيقة باسم التلاوة وهي التلاوة بفهم معاني المتلو وأغراضه ~~. # والإشارة بقوله : { ذلك } إلى اليوم المتقدم في قوله : { إن يوم الفصل ~~كان ميقاتا } ( النبأ : 17 ) . ومفاد اسم الإشارة في مثل هذا المقام ~~التنبيه على أن المشار إليه حقيق بما سيوصف به بسبب ما سبق من حكاية شؤونه ~~كما في قوله تعالى : { أولئك على هدى من ربهم } ( البقرة : 5 ) بعد قوله : ~~{ هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب إلى قوله : وبالآخرة هم يوقنون } ( ~~البقرة : 2 4 ) ، فلأجل جميع ما وصف به { يوم الفصل } كان حقيقا بأن يوصف ~~بأنه { اليوم الحق } وما تفرع عن ذلك من قوله : { فمن شاء اتخذ إلى ربه ~~مئابا } . # وتعريف { اليوم } باللام للدلالة على معنى الكمال ، أي هو الأعظم من بين ~~ما يعده الناس من أيام النصر للمنتصرين لأنه يوم يجمع فيه ms9075 الناس كلهم ويعطى ~~كل واحد منهم ما هو أهله من خير أو شر فكأن ما عداه من الأيام المشهورة في ~~تاريخ البشر غير ثابت الوقوع . # وفرع عليه { فمن شاء اتخذ إلى ربه مئابا } بفاء الفصيحة لإفصاحها عن شرط ~~مقدر ناشىء عن الكلام السابق . والتقدير : فإذا علمتم ذلك كله فمن شاء ~~اتخاذ مآب عند ربه فليتخذه ، أي فقد بان لكم ما في ذلك اليوم من خير وشر ~~فليختر صاحب المشيئة ما يليق به للمصير في ذلك اليوم . والتقدير : مآبا فيه ~~، أي في اليوم . # وهذا التفريع من أبدع الموعظة بالترغيب والترهيب عند ما تسنح الفرصة ~~للواعظ من تهيؤ النفوس لقبول الموعظة . PageV30P054 # والاتخاذ : مبالغة في الأخذ ، أي أخذ أخذا يشبه المطاوعة في التمكن ، ~~فالتاء فيه ليست للمطاوعة الحقيقية بل هي مجاز وصارت بمنزلة الأصلية . # والاتخاذ : الاكتساب والجعل ، أي ليقتن مكانا بأن يؤمن ويعمل صالحا لينال ~~مكانا عند الله لأن المآب عنده لا يكون إلا خيرا . # فقوله : { إلى ربه } دل على أنه مآب خير لأن الله لا يرضى إلا بالخير . # والمآب يكون اسم مكان من آب ، إذا رجع فيطلق على المسكن لأن المرء يؤوب ~~إلى مسكنه ، ويكون مصدرا ميميا وهو الأوب ، أي الرجوع كقوله تعالى : { إليه ~~أدعو وإليه مآب } ( الرعد : 36 ) ، أي رجوعي ، أي فليجعل أوبا مناسبا للقاء ~~ربه ، أي أوبا حسنا . # . # اعتراض بين { مئابا } ( النبأ : 39 ) وبين { يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ~~} كيفما كان موقع ذلك الظرف حسبما يأتي . # والمقصود من هذه الجملة الإعذار للمخاطبين بقوارع هذه السورة بحيث لم يبق ~~بينهم وبين العلم بأسباب النجاة وضدها شبهة ولا خفاء . # فالخبر وهو { إنا أنذرناكم عذابا قريبا } مستعمل في قطع العذر وليس ~~مستعملا في إفادة الحكم لأن كون ما سبق إنذارا أمر معلوم للمخاطبين . ~~وافتتح الخبر بحرف التأكيد للمبالغة في الإعذار بتنزيلهم منزلة من يتردد في ~~ذلك . # وجعل المسند فعلا مسندا إلى الضمير المنفصل لإفادة تقوي الحكم ، مع تمثيل ~~المتكلم في مثل المتبرىء من تبعه ما عسى أن يلحق المخاطبين من ضر إن ms9076 لم ~~يأخذوا حذرهم مما أنذرهم به كما يقول النذير عند العرب بعد الإنذار بالعدو ~~( أنا النذير العريان ) . # والإنذار : الإخبار بحصول ما يسوء في مستقبل قريب . # وعبر عنه بالمضي لأن أعظم الإنذار قد حصل بما تقدم من قوله : { إن جهنم ~~PageV30P055 كانت مرصادا للطاغين مئابا } إلى قوله : { فلن نزيدكم إلا ~~عذابا } ( النبأ : 21 30 ) . # وقرب العذاب مستعمل مجازا في تحققه وإلا فإنه بحسب العرف بعيد ، قال ~~تعالى : { إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا } ( المعارج : 6 ، 7 ) ، أي لتحققه ~~فهو كالقريب على أن العذاب يصدق بعذاب الآخرة وهو ما تقدم الإنذار به ، ~~ويصدق بعذاب الدنيا من القتل والأسر في غزوات المسلمين لأهل الشرك . وعن ~~مقاتل : هو قتل قريش ببدر . ويشمل عذاب يوم الفتح ويوم حنين كما ورد لفظ ~~العذاب لذلك في قوله تعالى : { يعذبهم الله بأيديكم } ( التوبة : 14 ) ~~وقوله : { وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك } ( الطور : 47 ) . # . # يجوز أن يتعلق بفعل : { اتخذ إلى ربه مئابا } ( النبأ : 39 ) فيكون { يوم ~~ينظر } ظرفا لغوا متعلقا ب { أنذرناكم } . # ويجوز أن يكون بدلا من { يوم يقوم الروح والملائكة صفا } ( النبأ : 38 ) ~~لأن قيام الملائكة صفا حضور لمحاسبة الناس وتنفيذ فصل القضاء عليهم وذلك ~~حين ينظر المرء ما قدمت يداه ، أي ما عمله سالفا فهو بدل من الظرف تابع له ~~في موقعه . # وعلى كلا الوجهين فجملة { إنا أنذرناكم عذابا قريبا } معترضة بين الظرف ~~ومتعلقه أو بينه وبين ما أبدل منه . # والمرء : اسم للرجل إذ هو اسم مؤنثه امرأة . # والاقتصار على المرء جري على غالب استعمال العرب في كلامهم ، فالكلام خرج ~~مخرج الغالب في التخاطب لأن المرأة كانت بمعزل عن المشاركة في شؤون ما كان ~~خارج البيت . # والمراد : ينظر الإنسان من ذكر أو أنثى ، ما قدمت يداه ، وهذا يعلم من ~~استقراء الشريعة الدال على عموم التكاليف للرجال والنساء إلا ما خص منها ~~بأحد الصنفين لأن الرجل هو المستحضر في أذهان المتخاطبين عند التخاطب . ~~PageV30P056 # وتعريف { المرء } للاستغراق مثل { إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات } ( العصر : 2 3 ) . # وفعل ms9077 { ينظر } يجوز أن يكون من نظر العين أي البصر ، والمعنى : يوم يرى ~~المرء ما قدمته يداه . ومعنى نظر المرء ما قدمت يداه : حصول جزاء عمله له ، ~~فعبر عنه بالنظر لأن الجزاء لا يخلو من أن يكون مرئيا لصاحبه من خير أو شر ~~، فإطلاق النظر هنا على الوجدان على وجه المجاز المرسل بعلاقة الإطلاق ~~ونظيره قوله تعالى : { ليروا أعمالهم } ( الزلزلة : 6 ) ، وقد جاءت الحقيقة ~~في قوله تعالى : { يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا } ( آل عمران : 30 ~~) الآية ، و ( ما ) موصولة صلتها جملة { قدمت يداه } . # ويجوز أن يكون من نظر الفكر ، وأصله مجاز شاع حتى لحق بالمعاني الحقيقية ~~كما يقال : هو بخير النظرين . ومنه التنظر : توقع الشيء ، أي يوم يترقب ~~ويتأمل ما قدمت يداه ، وتكون ( ما ) على هذا الوجه استفهامية وفعل { ينظر } ~~معلقا عن العمل بسبب الاستفهام ، والمعنى : ينظر المرء جواب من يسأل : ما ~~قدمت يداه ؟ # ويجوز أن يكون من الانتظار كقوله تعالى : { هل ينظرون إلا تأويله } ( ~~الأعراف : 53 ) . # وتعريف { المرء } تعريف الجنس المفيد للاستغراق . # والتقديم : تسبيق الشيء والابتداء به . # و { ما قدمت يداه } هو ما أسلفه من الأعمال في الدنيا من خير أو شر فلا ~~يختص بما عمله من السيئات فقد قال تعالى : { يوم تجد كل نفس ما عملت من خير ~~محضرا وما عملت من سوء } ( آل عمران : 30 ) الآية . # وقوله : { ما قدمت يداه } إما مجاز مرسل بإطلاق اليدين على جميع آلات ~~الأعمال وإما أن يكون بطريقة التمثيل بتشبيه هيئة العامل لأعماله المختلفة ~~بهيئة الصانع للمصنوعات بيديه كما قالوا في المثل : ( يداك أوكتا ) ولو كان ~~ذلك على قول بلسانه أو مشي برجليه . PageV30P057 # ولا يحسن أن يجعل ذكر اليدين من التغليب لأن خصوصية التغليب دون خصوصية ~~التمثيل . # وشمل { ما قدمت يداه } الخير والشر . # وخص بالذكر من عموم المرء الإنسان الكافر الذي يقول : { يا ليتني كنت ~~ترابا } لأن السورة أقيمت على إنذار منكري البعث فكان ذلك وجه تخصيصه ~~بالذكر ، أي يوم يتمنى الكافر أنه لم يخلق من الأحياء فضلا عن ms9078 أصحاب العقول ~~المكلفين بالشرائع ، أي يتمنى أن يكون غير مدرك ولا حساس بأن يكون أقل شيء ~~مما لا إدراك له وهو التراب ، وذلك تلهف وتندم على ما قدمت يداه من الكفر . # وقد كانوا يقولون : { أئذا كنا عظاما ورفاتا إنا لمبعوثون } ( الإسراء : ~~98 ) فجعل الله عقابهم بالتحسر وتمني أن يكونوا من جنس التراب . # وذكر وصف الكافر يفهم منه أن المؤمن ليس كذلك لأن المؤمن وإن عمل بعض ~~السيئات وتوقع العقاب على سيئاته فهو يرجو أن تكون عاقبته إلى النعيم وقد ~~قال الله تعالى : { يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا } ( آل عمران : 30 ~~) وقال : { ليروا أعمالهم فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة ~~شرا يره } ( الزلزلة : 6 8 ) ، فالمؤمنون يرون ثواب الإيمان وهو أعظم ثواب ~~، وثواب حسناتهم على تفاوتهم فيها ويرجون المصير إلى ذلك الثواب وما يرونه ~~من سيئاتهم لا يطغى على ثواب حسناتهم ، فهم كلهم يرجون المصير إلى النعيم ، ~~وقد ضرب الله لهم أو لمن يقاربهم مثلا بقوله : { وعلى الأعراف رجال يعرفون ~~كلا بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون } ( ~~الأعراف : 46 ) على ما في تفسيرها من وجوه . # وهذه الآية جامعة لما جاء في السورة من أحوال الفريقين وفي آخرها رد ~~العجز على الصدر من ذكر أحوال الكافرين الذين عرفوا بالطاغين وبذلك كان ~~ختام السورة بها براعة مقطع . # PageV30P058 # | 1 ( سورة النازعات ) 1 # سميت في المصاحف وأكثر التفاسير ( سورة النازعات ) بإضافة سورة إلى ~~النازعات بدون واو ، وجعل لفظ ( النازعات ) علما عليها لأنه لم يذكر في ~~غيرها . وعنونت في كتاب التفسير في ( صحيح البخاري ) وفي كثير من كتب ~~المفسرين بسورة ( والنازعات ) بإثبات الواو على حكاية أول ألفاظها . # وقال سعد الله الشهير بسعدي والخفاجي : إنها تسمى ( سورة الساهرة ) لوقوع ~~لفظ ( الساهرة ) في أثنائها ولم يقع في غيرها من السور . # وقالا : تسمى سورة الطامة ( أي لوقوع لفظ الطامة فيها ولم يقع في غيرها ) ~~. ولم يذكرها في ( الإتقان ) في عداد السور التي لها أكثر من اسم ms9079 . # ورأيت في مصحف مكتوب بخط تونسي عنون اسمها ( سورة فالمدبرات ) وهو غريب ، ~~لوقوع لفظ المدبرات فيها ولم يقع في غيرها . # وهي مكية بالاتفاق . # وهي معدودة الحادية والثمانين في ترتيب النزول ، نزلت بعد سورة النبأ ~~وقبل سورة الانفطار . # وعدد آيها خمس وأربعون عند الجمهور ، وعدها أهل الكوفة ستا وأربعين آية . # أغراضها # اشتملت على إثبات البعث والجزاء ، وإبطال إحالة المشركين وقوعه . # وتهويل يومه وما يعتري الناس حينئذ من الوهل . PageV30P059 # وإبطال قول المشركين يتعذر الإحياء بعد انعدام الأجساد . # وعرض بأن نكرانهم إياه منبعث عن طغيانهم فكان الطغيان صادا لهم عن ~~الإصغاء إلى الإنذار بالجزاء فأصبحوا آمنين في أنفسهم غير مترقبين حياة بعد ~~هذه الحياة الدنيا بأن جعل مثل طغيانهم كطغيان فرعون وإعراضه عن دعوة موسى ~~عليه السلام وإن لهم في ذلك عبرة ، وتسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم # وانعطف الكلام إلى الاستدلال على إمكان البعث بأن خلق العوالم وتدبير ~~نظامه أعظم من إعادة الخلق . # وأدمج في ذلك إلفات إلى ما في خلق السماوات والأرض من دلائل على عظيم ~~قدرة الله تعالى . # وأدمج فيه امتنان في خلق هذا العالم من فوائد يجتنونها وأنه إذا حل عالم ~~الآخرة وانقرض عالم الدنيا جاء الجزاء على الأعمال بالعقاب والثواب . # وكشف عن شبهتهم في إحالة البعث باستبطائهم إياه وجعلهم ذلك أمارة على ~~أنتفائه فلذلك يسألون الرسول صلى الله عليه وسلم عن تعيين وقت الساعة سؤال ~~تعنت ، وأن شأن الرسول أن يذكرهم بها وليس شأنه تعيين إبانها ، وأنها يوشك ~~أن تحل فيعلمونها عيانا وكأنهم مع طول الزمن لم يلبثوا إلا جزءا من النهار ~~. # $ 2 ( { والنازعات غرقا * والناشطات نشطا * والسابحات سبحا * فالسابقات ~~سبقا * فالمدبرات أمرا * يوم ترجف الراجفة * تتبعها الرادفة * قلوب يومئذ ~~واجفة * أبصارها خاشعة * يقولون أءنا لمردودون فى الحافرة * أءذا كنا عظاما ~~نخرة * قالوا تلك إذا كرة خاسرة * فإنما هى زجرة واحدة * فإذا هم بالساهرة ~~* هل أتاك حديث موسى * إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى * اذهب إلى فرعون ~~إنه طغى * فقل هل لك إلى أن تزكى * وأهديك إلى ms9080 ربك فتخشى * فأراه الاية ~~الكبرى * فكذب وعصى * ثم أدبر يسعى * فحشر فنادى * فقال أنا ربكم الاعلى * ~~فأخذه الله نكال الاخرة والاولى * إن فى ذلك لعبرة لمن يخشى * أءنتم أشد ~~خلقا أم السمآء بناها * رفع سمكها فسواها * وأغطش ليلها وأخرج ضحاها * ~~والارض بعد ذلك دحاها * أخرج منها مآءها ومرعاها * والجبال أرساها * متاعا ~~لكم ولانعامكم * فإذا جآءت الطآمة الكبرى * يوم يتذكر الإنسان ما سعى * ~~وبرزت الجحيم لمن يرى * فأما من طغى * وءاثر الحيواة الدنيا * فإن الجحيم ~~هى المأوى * وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى * فإن الجنة هى ~~المأوى * يسألونك عن الساعة أيان مرساها * فيم أنت من ذكراها * إلى ربك ~~منتهاهآ * إنمآ أنت منذر من يخشاها * كأنهم يوم يرونها لم يلبثو & # 1764 ا إلا عشية أو ضحاها } ) 2 $ ابتدئت بالقسم بمخلوقات ذات صفات عظيمة ~~قسما مرادا منه تحقيق ما بعده من الخبر وفي هذا القسم تهويل المقسم به . # وهذه الأمور الخمسة المقسم بها جموع جرى لفظها على صيغة الجمع بألف وتاء ~~لأنها في تأويل جماعات تتحقق فيها الصفات المجموعة ، فهي جماعات ، ~~PageV30P060 نازعات ، ناشطات ، سابحات ، سابقات ، مدبرات ، فتلك صفات ~~لموصوفات محذوفة تدل عليها الأوصاف الصالحة لها . # فيجوز أن تكون صفات لموصوفات من نوع واحد له أصناف تميزها تلك الصفات . # ويجوز أن تكون صفات لموصوفات مختلفة الأنواع بأن تكون كل صفة خاصية من ~~خواص نوع من الموجودات العظيمة قوامه بتلك الصفة . # والذي يقتضيه غالب الاستعمال أن المتعاطفات بالواو صفات مستقلة لموصوفات ~~مختلفة أنواع أو أصناف ، أو لموصوف واحد له أحوال متعددة ، وأن المعطوفاتت ~~بالفاء صفات متفرعة عن الوصف الذي عطفت عليه بالفاء ، فهي صفات متعددة ~~متفرع بعضها عن بعض لموصوف واحد فيكون قسما بتلك الأحوال العظيمة باعتبار ~~موصوفاتها . # وللسلف من المفسرين أقوال في تعيين موصوفات هذه الأوصاف وفي تفسير معاني ~~الأوصاف . وأحسن الوجوه على الجملة أن كل صفة مما عطف بالواو مرادا بها ~~موصوف غير المراد بموصوف الصفة الأخرى ، وأن كل صفة عطفت بالفاء أن تكون ~~حالة أخرى للموصوف المعطوف بالواو كما ms9081 تقدم . وسنتعمد في ذلك أظهر الوجوه ~~وأنظمها ونذكر ما في ذلك من الاختلاف ليكون الناظر على سعة بصيرة . # وهذا الإجمال مقصود لتذهب أفهام السامعين كل مذهب ممكن ، فتكثر خطور ~~المعاني في الأذهان ، وتتكرر الموعظة والعبرة باعتبار وقع كل معنى في نفس ~~له فيها أشد وقعع وذلك من وفرة المعاني مع إيجاز الألفاظ . # فالنازعات : وصف مشتق من النزع ومعاني النزع كثيرة كلها ترجع إلى الإخراج ~~والجذب فمنه حقيقة ومنه مجاز . # فيحتمل أن يكون { النازعات } جماعات من الملائكة وهم الموكلون بقبض ~~الأرواح ، فالنزع هو إخراج الروح من الجسد شبه بنزع الدلو من البئر أو ~~الركية ، ومنهم قولهم في المحتضر هو في النزع . وأجريت صفتهم على صيغة ~~التأنيث بتأويل الجماعة أو الطوائف كقوله تعالى : { قالت الأعراب آمنا } ( ~~الحجرات : 14 ) . PageV30P061 # وروي هذا عن علي وابن مسعود وابن عباس ومجاهد ومسروق وابن جبير والسدي ~~فأقسم الله بالملائكة لأنها من أشرف المخلوقات ، وخصها بهذا الوصف الذي هو ~~من تصرفاتها تذكيرا للمشركين إذ هم في غفلة عن الآخرة وما بعد الموت ، ~~ولأنهم شديد تعلقهم بالحياة كما قال تعالى لما ذكر اليهود : { ولتجدنهم ~~أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا } ( البقرة : 96 ) فالمشركين مثل في ~~حب الحياة ففي القسم بملائكة قبض الأرواح عظة لهم وعبرة . # والقسم على هذا الوجه مناسب للغرض الأهم من السورة وهو إثبات البعث لأن ~~الموت أول منازل الآخرة فهذا من براعة الاستهلال . # وغرقا : اسم مصدر أغرق ، وأصله إغراقا ، جيء به مجردا عن الهمزة فعومل ~~معاملة مصدر الثلاثي المتعدي مع أنه لا يوجد غرق متعديا ولا أن مصدره مفتوح ~~عين الكلمة لكنه لما جعل عوضا عن مصدر أغرق وحذفت منه الزوائد قدر فعله بعد ~~حذف الزوائد متعديا . # ولو قلنا : إنه سكنت عينه تخفيفا ورعيا للمزاوجة مع { نشطا } ، و { سبحا ~~} ، و { سبقا } ، و { أمرا } لكان أرقب لأن متحرك الوسط يخفف بالسكون ، ~~وهذا مصدر وصف به مصدر محذوف هو مفعول مطلق للنازعات ، أي نزعا غرقا ، أي ~~مغرقا ، أي تنزع الأرواح من أقاصي الأجساد . # ويجوز أن تكون { النازعات ms9082 } صفة للنجوم ، أي تنزع من أفق إلى أفق ، أي ~~تسير ، يقال : ينزع إلى الأمر الفلاني ، أي يميل ويشتاق . # وغرقا : تشبيه لغروب النجوم بالغرق في الماء وقاله الحسن وقتادة وأبو ~~عبيدة وابن كيسان والأخفش ، وهو على هذا متعين لأن يكون مصدر غرق وأن تسكين ~~عينه تخفيف . # والقسم بالنجوم في هذه الحالة لأنها مظهر من مظاهر القدرة الربانية كقوله ~~تعالى : { والنجم إذا هوى } ( النجم : 1 ) . # ويحتمل أن تكون { النازعات } جماعات الرماة بالسهام في الغزو يقال : نزع ~~في القوس ، إذا مدها عند وضع السهم فيها . وروي هذا عن عكرمة وعطاء . ~~PageV30P062 # والغرف : الإغراق ، أي استيفاء مد القوس بإغراق السهم فيها فيكون قسما ~~بالرماة من المسلمين الغزاة لشرفهم بأن غزوهم لتأييد دين الله ، ولم تكن ~~للمسلمين وهم بمكة يومئذ غزوات ولا كانوا يرجونها ، فالقسم بها إنذار ~~للمشركين بغزوة بدر التي كان فيها خضد شوكتهم ، فيكون من دلائل النبوءة ~~ووعد وعده الله رسوله صلى الله عليه وسلم # و { الناشطات } : يجوز أن تكون الموصوفات بالنشاط ، وهو قوة الانطلاق ~~للعمل كالسير السريع ، وينطلق النشاط على سير الثور الوحشي وسير البعير ~~لقوة ذلك ، فيكون الموصوف إما الكواكب السيارة على وجه التشبيه لدوام ~~تنقلها في دوائرها وإما إبل الغزو ، وإما الملائكة التي تسرع إلى تنفيذ ما ~~أمر الله به من أمر التكوين وكلاهما على وجه الحقيقة ، وأيا ما كان فعطفها ~~على { النازعات } عطف نوع على نوع أو عطف صنف على صنف . # و { نشطا } مصدر جاء على مصدر فعل المتعدي من باب نصر فتعين أن { ~~الناشطات } فاعلات النشط فهو متعد . # وقد يكون مفضيا لإرادة النشاط الحقيقي لا المجازي . ويجوز أن يكون ~~التأكيد لتحقيق الوصف لا لرفع احتمال المجاز . # وعن ابن عباس : { الناشطات } الملائكة تنشيط نفوس المؤمنين ، وعنه هي ~~نفوس المؤمنين تنشط للخروج . # و { السابحات } صفة من السبح المجازي ، وأصل السبح العوم وهو تنقل الجسم ~~على وجه الماء مباشرة وهو هنا مستعار لسرعة الانتقال ، فيجوز أن يكون ~~المراد الملائكة السائرين في أجواء السماوات وآفاق الأرض ، وروي عن علي بن ~~أبي طالب . # ويجوز ms9083 أن يراد خيل الغزاة حين هجومها على العدو سريعة كسرعة السابح في ~~الماء كالسابحات في قول امرىء القيس يصف فرسا : # مسح إذا ما السابحات على الونى # أثرن الغبار بالكديد المركل PageV30P063 # وقيل : { السابحات } النجوم ، وهو جار على قول من فسر النازعات بالنجوم ، ~~{ وسبحا } مصدر مؤكد لإفادة التحقيق مع التوسل إلى تنوينه للتعظيم ، وعطف { ~~فالسابقات } بالفاء يؤذن بأن هذه الصفة متفرعة عن التي قبلها لأنهم يعطفون ~~بالفاء الصفات التي شأنها أن يتفرع بعضها عن بعض كما تقدم في قوله تعالى : ~~{ والصافات صفا فالزاجرات زجرا فالتاليات ذكرا } ( الصافات : 1 3 ) قول ابن ~~زيابة : # يا لهف زيابة للحارث الص # ابح فالغائم فالآيب # فلذلك { فالسابقات } هي السابقات من السابحات . # والسبق : تجاوز السائر من يسير معه ووصوله إلى المكان المسير إليه قبله . ~~ويطلق السبق على سرعة الوصول من دون وجود سائر مع السابق قال تعالى : { ~~فاستبقوا الخيرات } ( البقرة : 148 ) وقال : { أولئك يسارعون في الخيرات ~~وهم لها سابقون } ( المؤمنون : 61 ) . # ويطلق السبق على الغلب والقهر ، ومنه قوله تعالى : { أم حسب الذين يعملون ~~السيئات أن يسبقونا } ( العنكبوت : 4 ) وقول مرة بن عداء الفقعسي : # كأنك لم تسبق من الدهر ليلة # إذا أنت أدركت الذي كنت تطلب # فقوله تعالى : { فالسابقات سبقا } يصلح للحمل على هذه المعاني على اختلاف ~~محامل وصف السابحات بما يناسب كل احتمال على حياله بأن يراد السائرات سيرا ~~سريعا فيما تعلمه ، أو المبادرات . وإذا كان { السابحات } بمعنى الخيل كان ~~{ السابقات } إن حمل على معنى المسرعات كناية عن عدم مبالاة الفرسان بعدوهم ~~وحرصهم على الوصول إلى أرض العدو ، أو على معنى غلبهم أعداءهم . # وأكد بالمصدر المرادف لمعناه وهو { سبقا } للتأكيد ولدلالة التنكير على ~~عظم ذلك السبق . # و { المدبرات } : الموصوفة بالتدبير . PageV30P064 # والتدبير : جولان الفكر في عواقب الأشياء وبإجراء الأعمال على ما يليق ~~بما توجد له فإن كانت السابحات جماعات الملائكة ، فمعنى تدبيرها تنفيذ ما ~~نيط بعهدتها على أكمل ما أذنت به فعبر عن ذلك بالتدبير للأمور لأنه يشبه ~~فعل المدبر المتثبت . # وإن كانت السابحات خيل الغزاة فالمراد بالتدبير : تدبير ms9084 مكائد الحرب من ~~كر ، وفر ، وغارة ، وقتل ، وأسر ، ولحاق للفارين ، أو ثبات بالمكان . ~~وإسناد التدبير إلى السابحات على هذا الوجه مجاز عقلي لأن التدبير للفرسان ~~وإنما الخيل وسائل لتنفيذ التدبير ، كما قال تعالى : { وأذن في الناس بالحج ~~يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق } ( الحج : 27 ) ، فأسند ~~الإتيان إلى ضمير { كل ضامر } من الإبل لأن إتيان الحجيج من الفجاج العميقة ~~يكون بسير الإبل . # وفي هذا المجاز إيماء إلى حذق الخيل وسرعة فهمها مقاصد فرسانها حتى كأنها ~~هي المدبرة لما دبره فرسانها . # والأمر : الشأن والغرض المهم وتنوينه للتعظيم ، وإفراده لإرادة الجنس ، ~~أي أمورا . # وينتظم من مجموع صفات { النازعات } ، و { الناشطات } ، و { السابحات } ، ~~إذا فهم منها جماعات الرماة والجمالة والفرسانن أن يكون إشارة إلى أصناف ~~المقاتلين من مشاة وهم الرماة بالقسي ، وفرسان على الخيل وكانت الرماة تمشي ~~قدام الفرسان تنضح عنهم بالنبال حتى يبلغوا إلى مكان الملحمة . قال أنيف بن ~~زبان الطائي : # وتحت نحور الخيل خرشف رجلة # تتاح لغراتت القلوب نبالها # ولتحمل الآية لهذه الاحتمالات كانت تعريضا بتهديد المشركين بحرب تشن ~~عليهم وهي غزوة فتح مكة أو غزوة بدر مثل سورة ( والعاديات ) وأضرابها ، وهي ~~من دلائل نبوءة محمد صلى الله عليه وسلم إذ كانت هذه التهديدات صريحها ~~وتعريضها في مدة مقامة صلى الله عليه وسلم بمكة والمسلمون في ضعف فحصل من ~~هذا القسم تعريض بعذاب في الدنيا . # وجملة { يوم ترجف الراجفة } إلى { خاشعة } جواب القسم وصريح الكلام ~~PageV30P065 موعظة . والمقصود منه لازمه وهو وقوع البعث لأن القلوب لا تكون ~~إلا في أجسام . وقد علم أن المراد ب { يوم ترجف الراجفة } هو يوم القيامة ~~لأنه قد عرف بمثل هذه الأحوال في آيات كثيرة مما سبق نزوله مثل قوله : { ~~إذا رجت الأرض } فكان في هذا الجواب تهويل ليوم البعث وفي طيه تحقيق وقوعه ~~فحصل إيجاز في الكلام جامع بين الإنذار بوقوعه والتحذير مما يجري فيه . # و { يوم ترجف الراجفة } ظرف متعلق ب { واجفة } فآل إلى أن المقسم عليه ~~المراد تحقيقه هو وقوع ms9085 البعث بأسلوب أوقع في نفوس السامعين المنكرين من ~~أسلوب التصريح بجواب القسم ، إذ دل على المقسم عليه بعض أحواله التي هي من ~~أهواله فكان في جواب القسم إنذار . # ولم تقرن جملة الجواب بلام جواب القسم لبعد ما بين الجواب وبين القسم ~~بطول جملة القسم ، فيظهر لي من استعمال البلغاء أنه إذا بعد ما بين القسم ~~وبين الجواب لا يأتون بلام القسم في الجواب ، ومن ذلك قوله تعالى : { ~~والسماء ذات البروج } إلى { قتل أصحاب الأخدود } ( البروج : 1 4 ) . ومثله ~~كثير في القرآن فلا يؤتى بلام القسم في جوابه إلا إذا كان الجواب مواليا ~~لجملة القسم نحو { وتالله لأكيدن أصنامكم } ( الأنبياء : 57 ) { فوربك ~~لنسألنهم أجمعين } ( الحجر : 92 ) ، ولأن جواب القسم إذا كان جملة اسمية لم ~~يكثر اقترانه بلام الجواب ولم أر التصريح بجوازه ولا بمنعه ، وإن كان صاحب ~~( المغني ) استظهر في مبحث لام الجواب في قوله تعالى : { ولو أنهم آمنوا ~~واتقوا لمثوبة من عند الله خير } ( البقرة : 103 ) أن اللام لام جواب قسم ~~محذوف وليست لام جواب ( لو ) بدليل كون الجملة اسمية ، والاسمية قليلة من ~~جواب ( لو ) فلم ير جملة الجواب إذا كانت اسمية أن تقترن باللام . وجعل ~~صاحب ( الكشاف ) تبعا للفراء وغيره جواب القسم محذوفا تقديره : لتبعثن . # وقدم الظرف على متعلقة لأن ذلك الظرف هو الأهم في جواب القسم لأنه ~~المقصود إثبات وقوعه ، فتقديم الظرف للاهتمام به والعناية به فإنه لما أكد ~~الكلام بالقسم شمل التأكيد متعلقات الخبر التي منها ذلك الظرف ، والتأكيد ~~اهتمام ، ثم أكد ذلك الظرف في الأثناء بقوله : { يومئذ } الذي هو يوم ترجف ~~الراجفة فحصلت عناية عظيمة بهذا الخبر . PageV30P066 # والرجف : الاضطراب والاهتزاز وفعله من باب نصر . وظاهر كلام أهل اللغة ~~أنه فعل قاصر ولم أر من قال : إنه يستعمل متعديا ، فلذلك يجوز أن يكون ~~إسناد { ترجف } إلى { الراجفة } حقيقيا ، فالمراد ب { الراجفة } : الأرض ~~لأنها تضطرب وتهتز بالزلازل التي تحصل عند فناء العالم الدنيوي والمصير إلى ~~العالم الأخروي قال تعالى : { يوم ترجف الأرض والجبال } ( المزمل : 14 ) ~~وقال : { إذا رجت ms9086 الأرض رجا } ( الواقعة : 4 ) وتأنيث { الراجفة } لأنها ~~الأرض ، وحينئذ فمعنى { تتبعها الرادفة } أن رجفة أخرى تتبع الرجفة السابقة ~~لأن صفة { الراجفة } تقتضي وقوع رجفة ، فالرادفة رجفة ثانية تتبع الرجفة ~~الأولى . # ويجوز أن يكون إسناد { ترجف } إلى { الراجفة } مجازا عقليا ، أطلق { ~~الراجفة } على سبب الرجف . # فالمراد ب { الراجفة } الصيحة والزلزلة التي ترجف الأرض بسببها جعلت هي ~~الراجفة مبالغة كقولهم : عيشة راضية ، وهذا هو المناسب لقوله : { تتبعها ~~الرادفة } أي تتبع تلك الراجفة ، أي مسببة الرجف رادفة ، أي واقعة بعدها . # ويجوز أن يكون الرجف مستعارا لشدة الصوت فشبه الصوت الشديد بالرجف وهو ~~التزلزل . # وتأنيث { الراجفة } على هذا لتأويلها بالواقعة أو الحادثة . # و { تتبعها الرادفة } : التالية ، يقال : ردف بمعنى تبع ، والرديف : ~~التابع لغيره ، قال تعالى : { أني معدكم بألف من الملائكة مردفين } ( ~~الأنفال : 9 ) ، أي تتبع الرجفة الأولى ، ثانية ، فالمراد : رادفة من جنسها ~~وهما النفختان اللتان في قوله تعالى : { ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ~~ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون } ( ~~الزمر : 68 ) . # وجملة { تتبعها الرادفة } حال من { الراجفة } . # وتنكير { قلوب } للتكثير ، أي قلوب كثيرة ولذلك وقع مبتدأ وهو نكرة ~~لإرادة النوعية . PageV30P067 # والمراد : قلوب المشركين الذين كانوا يجحدون البعث فإنهم إذا قاموا ~~فعلموا أن ما وعدهم الرسول صلى الله عليه وسلم به حق توقعوا ما كان يحذرهم ~~منه من عقاب إنكار البعث والشرك وغير ذلك من أحوالهم . # فأما قلوب المؤمنين فإن فيها اطمئنانا متفاوتا بحسب تفاوتهم في التقوى . # والخوف يومئذ وإن كان لا يخلو منه أحد إلا أن أشده خوف الذين يوقنون بسوء ~~المصير ، ويعلمون أنهم كانوا ضالين في الحياة الدنيا . # والواجفة : المضطربة من الخوف ، يقال : وجف كضرف وجفا ووجيفا ووجوفا ، ~~إذا اضطرب . # و { واجفة } خبر { قلوب } . # وجملة { أبصارها خاشعة } خبر ثان عن { قلوب } وقد زاد المراد من الوجيف ~~بيانا قوله { أبصارها خاشعة } ، أي أبصار أصحاب القلوب . # والخشوع حقيقته : الخضوع والتذلل ، وهو هيئة للإنسان ، ووصف الأبصار به ~~مجاز في الانخفاض والنظر من طرف خفي من ms9087 شدة الهلع والخوف من فظيع ما تشاهده ~~من سوء المعاملة قال تعالى : { خشعا أبصارهم في سورة اقتربت الساعة . ومثله ~~قوله تعالى : ووجوه يومئذ باسرة } ( القيامة : 24 ) . # وإضافة ( أبصار ) إلى ضمير القلوب لأدنى ملابسة لأن الأبصار لأصحاب ~~القلوب وكلاهما من جوارح الأجساد مثل قوله : { إلا عشية أو ضحاها } ( ~~النازعات : 46 ) . # ( 10 ، 11 ) { لله } # استئناف إما ابتدائي بعد جملة القسم وجوابه ، لإفادة أن هؤلاء هم الذين ~~سيكونون أصحاب القلوب الواجفة والأبصار الخاشعة يوم ترجف الراجفة . # وإما استئناف بياني لأن القسم وما بعده من الوعيد يثير سؤالا في نفس ~~PageV30P068 السامع عن الداعي لهذا القسم فأجيب ب { يقولون أئنا لمرددون في ~~الحافرة } ، أي منكرون البعث ، ولذلك سلك في حكاية هذا القول أسلوب الغيبة ~~شأن المتحدث عن غير حاضر . # وضمير { يقولون } عائد إلى معلوم من السياق وهم الذين شهروا بهذه المقالة ~~ولا يخفون على المطلع على أحوالهم ومخاطباتهم وهم المشركون في تكذيبهم ~~بالبعث . # والمساق إليه الكلام كل من يتأتى منه سماعه من المسلمين وغيرهم . # ويجوز أن يكون الكلام مسوقا إلى منكري البعث على طريقة الالتفاف . # وحكي مقالهم بصيغة المضارع لإفادة أنهم مستمرون عليه وأنه متجدد فيهم لا ~~يرعوون عنه . # وللإشعار بما في المضارع من استحضار حالتهم بتكرير هذا القول ليكون ذلك ~~كناية عن التعجيب من قولهم هذا كقوله تعالى : { فلما ذهب عن إبراهيم الروع ~~وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط } ( هود : 74 ) . # وقد علم السامع أنهم ما كرروا هذا القول إلا وقد قالوه فيما مضى . # وهذه المقالة صادرة منهم وهم في الدنيا فليس ضمير { يقولون } بعائد إلى { ~~قلوب } من قوله تعالى : { قلوب يومئذ واجفة } ( النازعات : 8 ) . # وكانت عادتهم أن يلقوا الكلام الذي ينكرون فيه البعث بأسلوب الاستفهام ~~إظهارا لأنفسهم في مظهر المتردد السائل لقصد التهكم والتعجب من الأمر ~~المستفهم عنه . والمقصود : التكذيب لزعمهم أن حجة استحالة البعث ناهضة . # وجعل الاستفهام التعجيبي داخلا على جملة اسمية مؤكدة ب ( إن ) وبلام ~~الابتداء وتلك ثلاثة مؤكدات مقوية للخبر لإفادة أنهم أتوا بما يفيد التعجب ~~من الخبر ومن شدة ms9088 يقين المسلمين به ، فهم يتعجبون من تصديق هذا الخبر فضلا ~~عن تحقيقه والإيقان به . # والمردود : الشيء المرجع إلى صاحبه بعد الانتفاع به مثل العارية ورد ثمن ~~المبيع عند التفاسخ أو التقابل ، أي لمرجعون إلى الحياة ، أي إنا لمبعوثون ~~من قبورنا . PageV30P069 # والمراد ب { الحافرة } : الحالة القديمة ، يعني الحياة . # وإطلاقات { الحافرة } كثيرة في كلام العرب لا تتميز الحقيقة منها عن ~~المجاز ، والأظهر ما في ( الكشاف ) : يقال رجع فلان إلى حافرته ، أي في ~~طريقه التي جاء فيها فحفرها ، أي أثر فيها بمشيه فيها جعل أثر قدميه حفرا ~~أي لأن قدميه جعلتا فيها أثرا مثل الحفر ، وأشار إلى أن وصف الطريق بأنها ~~حافرة على معنى ذات حفر ، وجوز أن يكون على المجاز العقلي كقولهم : عيشة ~~راضية ، أي راض عائشها ، ويقولون : رجع إلى الحافرة ، تمثيلا لمن كان في ~~حالة ففارقها ، ثم رجع إليها فصار : رجع في الحافرة ، ورد إلى الحافرة ، ~~جاريا مجرى المثل . # ومنه قول الشاعر وهو عمران بن حطان حسبما ظن ابن السيد البطليوسي في شرح ~~( أدب الكتاب ) : # أحافرة على صلع وشيب # معاذ الله من سفه وعار # ومن الأمثال قولهم : ( النقد عند الحافرة ) ، أي إعطاء سبق الرهان للسابق ~~عند وصوله إلى الأمد المعين للرهان . يريد : أرجوعا إلى الحافرة . # وظرف ( إذا ) في قوله : { إذا كنا عظاما نخرة } هو مناط التعجب وادعاء ~~الاستحالة ، أي إذا صرنا عظاما بالية فكيف نرجع أحياء . # و { إذا } متعلق ب { مردودون } . # و { نخرة } صفة مشتقة من قولهم : نخر العظم ، إذا بلي فصار فارغ الوسط ~~كالقصبة . وتأنيث { نخرة } لأن موصوفه جمع تكسير ، فوصفه يجري على التأنيث ~~في الاستعمال . # هي همزة ( إذا ) . وقرأ بقية العشرة { أإذا بهمزتين إحداهما مفتوحة همزة ~~الاستفهام والثانية مكسورة هي همزة ( إذا ) . # وهذا الاستفهام إنكاري مؤكد للاستفهام الأول للدلالة على أن هذه الحالة ~~PageV30P070 جديرة بزيادة إنكار الإرجاع إلى الحياة بعد الموت ، فهما ~~إنكاران لإظهار شدة إحالته . # وقرأ الجمهور نخرة } بدون ألف بعد النون . وقرأه حمزة والكسائي وأبو بكر ~~عن عاصم ورويس عن يعقوب وخلف { ناخرة بالألف . # } # { قالوا } بدل اشتمال ms9089 من جملة { يقولون أئنا لمردودون في الحافرة } ( ~~النازعات : 10 ) . # وأعيد فعل القول لمقاصد منها الدلالة على أن قولهم هذا في غرض آخر غير ~~القول الأول فالقول الأول قصدهم منه الإنكار والإبطال ، والقول الثاني ~~قصدوا منه الاستهزاء والتورك لأنهم لا يؤمنون بتلك الكرة فوصفهم إياها ب { ~~خاسرة } من باب الفرض و التقدير ، أي لو حصلت كرة لكانت خاسرة ومنها دفع ~~توهم أن تكون جملة { تلك إذن كرة خاسرة } استئنافا من جانب الله تعالى . # وعبر عن قولهم هذا بصيغة الماضي دون المضارع على عكس { يقولون أئنا ~~لمرددون في الحافرة } ( النازعات : 10 ) لأن هذه المقالة قالوها استهزاء ~~فليست مما يتكرر منهم بخلاف قولهم : { أئنا لمردودون في الحافرة فإنه حجة ~~ناهضة في زعمهم ، فهذا مما يتكرر منهم في كل مقام . وبذلك لم يكن المقصود ~~التعجيب من قولهم هذا لأن التعجيب يقتضي الإنكار وكون كرتهم ، أي عودتهم ~~إلى الحياة عودة خاسرة أمر محقق لا ينكر لأنهم يعودون إلى الحياة خاسرين لا ~~محالة . # وتلك } إشارة إلى الردة المستفادة من { مردودون } والإشارة إليه باسم ~~الإشارة للمؤنث للإخبار عنه ب { كرة } . # و ( إذن ) جواب للكلام المتقدم ، والتقدير : إذن تلك كرة خاسرة ، فقدم { ~~تلك } على حرف الجواب للعناية بالإشارة . # والكرة : الواحدة من الكر ، وهو الرجوع بعد الذهاب ، أي رجعة . ~~PageV30P071 # والخسران : أصله نقص مال التجارة التي هي لطلب الربح ، أي زيادة المال ~~فاستعير هنا لمصادفة المكروه غير المتوقع . # ووصف الكرة بالخاسرة مجاز عقلي للمبالغة لأن الخاسر أصحابها . والمعنى : ~~إنا إذن خاسرون لتكذيبنا وتبين صدق الذي أنذرنا بتلك الرجعة . # ( 13 ، 14 ) # الفاء فصيحة للتفريع على ما يفيده قولهم { أإنا لمردودون في الحافرة أإذا ~~كنا عظاما نخرة } ( النازعات : 9 ، 10 ) من إحالتهم الحياة بعد البلى ~~والفناء . # فتقدير الكلام : لا عجب في ذلك فما هي إلا زجرة واحدة فإذا أنتم حاضرون ~~في الحشر . # وضمير ( هي ) ضمير القصة وهو ضمير الشأن . واختير الضمير المؤنث ليحسن ~~عوده إلى زجرة . وهذا من أحسن استعمالات ضمير الشأن . والقصر حقيقي مراد ~~منه تأكيد الخبر بتنزيل السامع منزلة من ms9090 يعتقد أن زجرة واحدة غير كافية في ~~إحيائهم . # وفاء { فإذا هم بالساهرة } للتفريع على جملة { إنما هي زجرة واحدة } . و ~~( إذا ) للمفاجأة ، أي الحصول دون تأخير فحصل تأكيد معنى التفريع الذي ~~أفادته الفاء وذلك يفيد عدم الترتب بين الزجرة والحصول في الساهرة . # والزجرة : المرة من الزجر ، وهو الكلام الذي فيه أمر أو نهي في حالة غضب ~~، يقال : زجر البعير ، إذا صاح له لينهض أو يسير ، وعبر بها هنا عن أمر ~~الله بتكوين أجساد الناس الأموات تصويرا لما فيه من معنى التسخير لتعجيل ~~التكون . وفيه مناسبة لإحياء ما كان هامدا كما يبعث البعير البارك بزجرة ~~ينهض بها سريعا خوفا من زاجره . وقد عبر عن ذلك بالصيحة في قوله تعالى : { ~~يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج } ( ق : 42 ) وهو الذي عبر عنه ~~بالنفخ في الصور . # ووصفت الزجرة بواحدة تأكيدا لما في صيغة المرة من معنى الوحدة لئلا يتوهم ~~أن إفراده للنوعية ، وهذه الزجرة هي النفخة الثانية التي في قوله تعالى : { ~~ونفخ في PageV30P072 الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء ~~الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون } ( الزمر : 68 ) فهي ثانية للتي ~~قبلها ، وهي { الرادفة التي تقدم ذكرها آنفا وإنما أريد بكونها واحدة أنها ~~لا تتبع بثانية لها ، وقد وصفت بواحدة في صورة الحاقة بهذا الاعتبار . # والساهرة : الأرض المستوية البيضاء التي لا نبات فيها يختار مثلها ~~لاجتماع الجموع ووضعع المغانم . وأريد بها أرض يجعلها الله لجمع الناس ~~للحشر . # والإتيان ب ( إذا ) الفجائية للدلالة على سرعة حضورهم بهذا المكان عقب ~~البعث . # وعطفها بالفاء لتحقيق ذلك المعنى الذي أفادته ( إذا ) لأن الجمع بين ~~المفاجأة والتفريع أشد ما يعبر به عن السرعة مع إيجاز اللفظ . # والمعنى : أن الله يأمر بأمر التكوين بخلق أجساد تحل فيها الأرواح التي ~~كانت في الدنيا فتحضر في موقف الحشر للحساب بسرعة . # ( 15 19 ) } # هذه الآية اعتراض بين جملة { فإنما هي زجرة واحدة } ( النازعات : 13 ) ~~وبين جملة { أأنتم أشد خلقا } ( النازعات : 27 ) الذي هو الحجة ms9091 على إثبات ~~البعث ثم الإنذار بما بعده دعت إلى استطراده مناسبة التهديد لمنكري ما ~~أخبرهم به الرسول صلى الله عليه وسلم من البعث لتماثل حال المشركين في ~~طغيانهم على الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بحال فرعون وقومه وتماثل حال ~~الرسول صلى الله عليه وسلم مع قومه بحال موسى عليه السلام مع فرعون ليحصل ~~من ذكر قصة موسى تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وموعظة للمشركين وأيمتهم ~~مثل أبي جهل وأمية بنن خلف وأضرابهما لقوله في آخرها { إن في ذلك لعبرة لمن ~~يخشى } ( النازعات : 26 ) . # و { هل أتاك } استفهام صوري يقصد من أمثاله تشويق السامع إلى الخير من ~~غير قصد إلى استعلام المخاطبب عن سابقق علمه بذلك الخبر ، فسواء في ذلك ~~PageV30P073 علمه من قبل أو لم يعلمه ، ولذلك لا ينتظر المتكلم بهذا ~~الاستفهام جوابا عنه من المسؤول بل يعقب الاستفهام بتفصيل ما أوهم ~~الاستفهام عنه بهذا الاستفهام كناية عن أهمية الخبر بحيث إنه مما يتساءل ~~الناس عن علمه . # ولذلك لا تستعمل العرب في مثله من حروف الاستفهام غير { هل لأنها تدل على ~~طلب تحقيق المستفهم عنه ، فهي في الاستفهام مثل ( قد ) في الإخبار ، ~~والاستفهام معها حاصل بتقدير همزة استفهام ، فالمستفهم بها يستفهم عن تحقيق ~~الأمر ، ومن قبيله قولهم في الاستفهام : أليس قد علمت كذا فيأتون ب ( قد ) ~~مع فعل النفي المقترن باستفهام إنكار من غير أن يكون علم المخاطب محققا عند ~~المتكلم . # والخطاب لغير معين فالكلام موعظة ويتبعه تسلية الرسول . # وأتاك } معناه : بلغك ، استعير الإتيان لحصول العلم تشبيها للمعقول ~~بالمحسوس كأن الحصول مجيء إنسان على وجه التصريحية ، أو كأن الخبر الحاصل ~~إنسان أثبت له الإتيان على طريقة الاستعارة المكنية ، قال النابغة : # أتاني أبيت اللعن أنك لمتني # والحديث : الخبر ، وأصله فعيل بمعنى فاعل من حدث الأمر إذا طرأ وكان ، أي ~~الحادث من أحوال الناس وإنما يطلق على الخبر بتقدير مضاف لا يذكر لكثرة ~~الاستعمال تقديره خبر الحديث ، أي خبر الحادث . # و { إذ } اسم زمان ، واستعمل هنا في الماضي وهو بدل من ms9092 { حديث موسى } بدل ~~اشتمال لأن حديثه يشتمل على كلام الله إياه وغير ذلك . # وكما جاز أن تكون ( إذ ) بدلا من المفعول به في قوله تعالى : { واذكروا ~~نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء } ( آل عمران : 103 ) يجوز أن تكون بدلا من ~~الفاعل وغيره . واقتصار ابن هشام وغيره على أنها تكون مفعولا به أو بدلا من ~~المفعول به اقتصار على أكثر موارد استعمالها إذا خرجت عن الظرفية ، فقد جوز ~~في ( الكشاف ) وقوع ( إذ ) مبتدأ في قراءة من قرأ : { لقد من الله على ~~المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا في سورة آل عمران . PageV30P074 # وأضيف إذ } إلى جملة { ناداه ربه } . والمعنى : هل أتاك خبر زمانن نادى ~~فيه موسى ربه . # والواد : المكان المنخفض بين الجبال . # والمقدس : المطهر . والمراد به التطهير المعنوي وهو التشريف والتبريك ~~لأجل ما نزل فيه من كلام الله دون توسط ملك يبلغ الكلام إلى موسى عليه ~~السلام ، وذلك تقديس خاص ، ولذلك قال الله له في الآية الأخرى { فاخلع ~~نعليك إنك بالواد المقدس } ( طه : 12 ) . # وطوى : اسم مكان ولعله هو نوع من الأودية يشبه البئر المطوية ، وقد سمي ~~مكان بظاهر مكة ذا طوى بضم الطاء وبفتحها وكسرها . وتقدم في سورة طه . وهذا ~~واد في جانب جبل الطور في برية سينا في جانبه الغربي . # وقرأ الجمهور { طوى } بلا تنوين على أنه ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث ~~بتأويل البقعة ، أو للعدل عن طاو ، أو للعجمة . وقرأه ابن عامر وعاصم وحمزة ~~والكسائي وخلف منونا باعتباره اسم واد مذكر اللفظ . # وجملة { اذهب إلى فرعون } بيان لجملة { ناداه ربه } . # وجملة { إنه طغى } تعليل للأمر في قوله : { اذهب } ، ولذلك افتتحت بحرف ( ~~إن ) الذي هو للاهتمام ويفيد مفاد التعليل . # والطغيان إفراط التكبر وتقدم عند قوله { للطاغين مئابا في سورة النبأ . # وفرعون : لقب ملك القبط بمصر في القديم ، وهو اسم معرب عن اللغة ~~العبرانية ولا يعلم هل هو اسم للملك في لغة القبط ولم يطلقه القرآن إلا على ~~ملك مصر الذي أرسل إليه موسى ، وأطلق على الذي في زمن يوسف اسم الملك ms9093 ، وقد ~~تقدم الكلام عليه عند قوله تعالى : ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى ~~فرعون وملئه } في سورة الأعراف . # و { هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك } عرض وترغيب قال تعالى : { فقولا ~~له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى } ( طه : 44 ) . PageV30P075 # وقوله : { هل لك } تركيب جرى مجرى المثل فلا يغير عن هذا التركيب لأنه ~~قصد به الإيجاز يقال : هل لك إلى كذا ؟ وهل لك في كذا ؟ وهو كلام يقصد منه ~~العرض بقول الرجل لضيفه : هل لك أن تنزل ؟ ومنه قول كعب : # ألا بلغا عني بجيرا رسالة # فهل لك فيما قلت ويحك هل لكا # بضم تاء ( قلت ) . وقول بجير أخيه في جوابه عن أبياته : # من مبلغ كعبا فهل لك في التي # تلوم عليها باطلا وهي أحزم # و { لك } خبر مبتدأ محذوف تقديره : هل لك رغبة في كذا ؟ فحذف ( رغبة ) ~~واكتفي بدلالة حرف ( في ) عليه ، وقالوا : هل لك إلى كذا ؟ على تقدير : هل ~~لك ميل ؟ فحذف ( ميل ) لدلالة ( إلى ) عليه . # قال الطيبي : ( قال ابن جني : متى كان فعل من الأفعال في معنى فعل آخر ~~فكثيرا ما يجرى أحدهما مجرى صاحبه فيعول به في الاستعمال إليه ( كذا ) ~~ويحتذى به في تصرفه حذو صاحبه وإن كان طريق الاستعمال والعرف ضده مأخذه ، ~~ألا ترى إلى قوله تعالى : { هل لك إلى أن تزكى } وأنت إنما تقول : هل لك في ~~كذا ؟ لكنه لما دخله معنى : آخذ بك إلى كذا أو أدعوك إليه ، قال : { هل لك ~~إلى أن تزكى } . وقوله تعالى : { أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم } ( ~~البقرة : 187 ) لا يقال : رفثت إلى المرأة ، إنما يقال : رفثتت بها ، ومعها ~~، لكن لما كان الرفث في معنى الإفضاء عدي ب ( إلى ) وهذا من أسد مذاهب ~~العربية ، لأنه موضع يملك فيه المعنى عنان الكلام فيأخذه إليه ) ا ه . قيل ~~: ليس هذا من باب التضمين بل من باب المجاز والقرينة الجارة . # و { تزكى } قرأه نافع وابن كثير وأبو جعفر ويعقوب بتشديد الزاي على ~~اعتبار أن أصله : تتزكى ، بتاءين ، فقلبت التاء ms9094 المجاورة للزاي زايا لتقارب ~~مخرجيهما وأدغمت في الزاي . وقرأه الباقون بتخفيف الزاي على أنه حدفت إحدى ~~التاءين اقتصارا للتخفيف . # وفعل { تزكى } على القراءتين أصله : تتزكى بتاءين مضارع تزكى مطاوع زكاه ~~، أي جعله زكيا . PageV30P076 # والزكاة : الزيادة ، وتطلق على الزيادة في الخير النفساني قال تعالى : { ~~قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها } ( الشمس : 9 ، 10 ) وهو مجاز شائع ~~ساوى الحقيقة ولذلك لا يحتاج إلى قرينة . # والمعنى : حثه على أن يستعد لتخليص نفسه من العقيدة الضالة التي هي خبث ~~مجازي في النفس فيقبل إرشاد من يرشده إلى ما به زيادة الخير فإن فعل ~~المطاوعة يؤذن بفعل فاعل يعالج نفسه ويروضها إذ كان لم يهتد أن يزكي نفسه ~~بنفسه . # ولذلك أعقبه بعطف { وأهديك إلى ربك فتخشى } أي إن كان فيك إعداد نفسك ~~للتزكية يكن إرشادي إياك فتخشى ، فكان ترتيب الجمل في الذكر مراعى فيه ~~ترتبها في الحصول فلذلك لم يحتج إلى عطفه بفاء التفريع ، إذ كثيرا ما ~~يستغنى بالعطف بالواو مع إرادة الترتيب عن العطف بحرف الترتيب لأن الواو ~~تفيد الترتيب بالقرينة ، ويستغنى بالعطف عن ذكر حرف التفسير في العطف ~~التفسيري الذي يكون الواو فيه بمعنى ( أي ) التفسيرية فإن { أن تزكى وأهديك ~~} في قوة المفرد . والتقدير : هل لك في التزكية وهدايتي إياك فخشيتك الله ~~تعالى . # والهداية الدلالة علء الطريق الموصل إلى المطلوب إذا قبلها المهدي . # وتفريع { فتخشى } على { أهديك } إشارة إلى أن خشية الله لا تكون إلا ~~بالمعرفة قال تعالى : { إنما يخشى الله من عبادة العلماء } ( فاطر : 28 ) ، ~~أي العلماء به ، أي يخشاه خشية كاملة لا خطأ فيها ولا تقصير . # قال الطيبي : وعن الواسطي : أوائل العلم الخشية ، ثم الإجلال ، ثم ~~التعظيم ، ثم الهيبة ، ثم الفناء . # وفي الاقتصار على ذكر الخشية إيجاز بليغ لأن الخشية ملاك كل خير . وفي ( ~~جامع الترمذي ) عن أبي هريرة قال : ( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل ) . PageV30P077 # وذكر له الإلاه الحق بوصف { ربك } دون أن يذكر له اسم الله العلم أو ms9095 غيره ~~من طرق التعريف إلطافا في الدعوة إلى التوحيد وتجنبا لاستطارة نفسه نفورا ، ~~لأنه لا يعرف في لغة فرعون اسم لله تعالى ، ولو عرفه له باسمه في لغة ~~إسرائيل لنفر لأن فرعون كان يعبد آلهة باطلة ، فكان في قوله : { إلى ربك } ~~وفرعون يعلم أن له ربا إطماع له أن يرشده موسى إلى ما لا ينافي عقائده ~~فيصغي إليه سمعه حتى إذا سمع قوله وحجته داخله الإيمان الحق مدرجا ، ففي ~~هذا الأسلوب استنزال لطائره . # والخشية : الخوف فإذا أطلقت في لسان الشرع يراد بها خشية الله تعالى ، ~~ولهذا نزل فعلها هنا منزلة اللازم فلم يذكر له مفعول لأن المخشي معلوم مثل ~~فعل الإيمان في لسان الشرع يقال : آمن فلان ، وفلان مؤمن ، أي مؤمن بالله ~~ووحدانيته . # ( 20 24 ) { لله } # الفاء في قوله : { فأراه الآية الكبرى } فصيحة وتفريع على محذوف يقتضيه ~~قوله { اذهب إلى فرعون } ( النازعات : 17 ) . والتقدير : فذهب فدعاه فكذبه ~~فأراه الآية الكبرى ، وذلك لأن قوله : { إنه طغى } ( النازعات : 17 ) يؤذن ~~بأنه سيلاقي دعوة موسى بالاحتقار والإنكار ، لأن الطغيان مظنة ذينك ، فعرض ~~موسى عليه إظهار آية تدل على صدق دعوته لعله يوقن كما قال تعالى : { قال أو ~~لو جئتك بشيء مبين قال فأت به إن كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ثعبان ~~مبين } ( الشعراء : 30 32 ) ، فتلك هي الآية الكبرى المرادة هنا . # والآية : حقيقتها العلامة والأمارة ، وتطلق على الحجة المثبتة لأنها ~~علامة على ثبوت الحق ، وتطلق على معجزة الرسول لأنها دليل على صدق الرسول ~~وهو المراد هنا . # وأعقب فعل { فأراه الآية الكبرى } بفعل { فكذب } للدلالة على شدة عناده ~~ومكابرته حتى أنه رأى الآية فلم يتردد ولم يتمهل حتى ينظر في الدلالة ، بل ~~بادر إلى التكذيب والعصيان . PageV30P078 # والمراد بعصيانه عصيان أمر الله أن يوحده أو أن يطلق بني إسرائيل من ~~استعبادهم وتسخيرهم للخدمة في بلاده . # وعطف { ثم أدبر يسعى } ب { ثم } للدلالة على التراخي الرتبي كما هو شأنها ~~في عطف الجمل ، فأفادت { ثم } أن مضمون الجملة المعطوفة بها أعلى رتبة في ~~الغرض الذي ms9096 تضمنته الجملة قبلها ، أي أنه ارتقى من التكذيب والعصيان إلى ما ~~هو أشد وهو الإدبار والسعي وادعاء الإلاهية لنفسه ، أي بعد أن فكر مليا لم ~~يقتنع بالتكذيب والعصيان فخشي أنه إن سكت ربما تروج دعوة موسى بين الناس ~~فأراد الحيطة لدفعها وتحذير الناس منها . # والإدبار والسعي مستعملان في معنييهما المجازيين فإن حقيقة الإدبار هو ~~المشي إلى الجهة التي هي خلف الماشي بأن يكون متوجها إلى جهة ثم يتوجه إلى ~~جهة تعاكسها . وهو هنا مستعار للإعراض عن دعوة الداعي مثل قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم لمسيلمة لما أبى الإيمان : ( ولئن أدبرت ليعقرنك الله ) . # وأما السعي فحقيقته : شدة المشي ، وهو هنا مستعار للحرص والاجتهاد في ~~أمره الناس بعدم الإصغاء لكلام موسى ، وجمع السحرة لمعارضة معجزته إذ حسبها ~~سحرا كما قال تعالى : { فتولى فرعون فجمع كيده } ( طه : 60 ) . # والعمل الذي يسعى إليه يبينه قوله تعالى : { فحشر فنادى فقال أنا ربكم ~~الأعلى } فثلاثتها مرتبة على { يسعى } . # فجملة { فحشر } عطف على جملة { يسعى } لأن فرعون بذل حرصه ليقنع رعيته ~~بأنه الرب الأعلى خشية شيوع دعوة موسى لعبادة الرب الحق . # ويجوز أن يكون { أدبر } على حقيقته ، أي ترك ذلك المجمع بأن قام معرضا ~~إعلانا بغضبه على موسى ويكون { يسعى } مستعملا في حقيقته أيضا ، أي قام ~~يشتد في مشيه وهي مشية الغاضب المعرض . # والحشر : جمع الناس ، وهذا الحشر هو المبين في قوله تعالى : { قالوا أرجه ~~وأخاه وابعث في المدائن حاشرين يأتوك بكل سحار عليم } ( الشعراء : 36 ، 37 ~~) . PageV30P079 # وحذف مفعول ( حشر ) لظهوره لأن الذين يحشرون هم أهل مدينته من كل صنف . # وعطف { فنادى } بالفاء لإفادة أنه أعلن هذا القول لهم بفور حضورهم لفرط ~~حرصه على إبلاغ ذلك إليهم . # والنداء : حقيقته جهر الصوت بدعوة أحد ليحضر ولذلك كانت حروف النداء ~~نائبة مناب ( أدعو ) فنصبت الاسم الواقع بعدها . ويطلق النداء على رفع ~~الصوت دون طلب حضور مجازا مرسلا بعلاقة اللزوم كقول الحريري في ( المقامة ~~الثلاثين ) ( فحين جلس كأنه ابن ماء السماء ، نادى مناد من قبل الأحماء ) ~~الخ . # وحذف مفعول ms9097 ( نادى ) كما حذف مفعول ( حشر ) . # وإسناد الحشر والنداء إلى فرعون مجاز عقلي لأنه لا يباشر بنفسه حشر الناس ~~ولا نداءهم ولكن يأمر أتباعه وجنده ، وإنما أسند إليه لأنه الذي أمر به ~~كقولهم : بنى المنصور بغداد . # والقول الذي نادى به هو تذكير قومه بمعتقدهم فيه فإنهم كانوا يعتبرون ملك ~~مصر إلاها لأن الكهنة يخبرونهم بأنه ابن ( آمون رع ) الذي يجعلونه إلاها ~~ومظهره الشمس . # وصيغة الحصر في { أنا ربكم } لرد دعوة موسى . # وقوله : { فقال أنا ربكم الأعلى } بدل من جملة { فنادى } بدلا مطابقا ~~بإعادة حرف العطف ، وهو الفاء لأن البدل قد يقترن بمثل العامل في المبدل ~~منه لقصد التأكيد كما في قوله تعالى : { ومن النخل من طلعها قنوان دانية ~~وتقدم في سورة الأنعام . # ويجوز أن تكون جملة : فقال أنا ربكم } عطفا على جملة { يسعى } على أن ~~يكون فرعون أمر بهذا القول في أنحاء مملكته ، وليس قاصرا على إعلانه في ~~الحشر الذين حشرهم حول قصره . # فوصف نفسه بالرب الأعلى لأنه ابن ( أمون رع ) وهوالرب الأعلى ، فابنه هو ~~PageV30P080 القائم بوصفه ، أو لأنه كان في عصر اعتقاده : أن فرعون رب ~~الأرباب المتعددة عندهم فصفة { الأعلى } صفة كاشفة . # ( 25 ، 26 ) # جملة { فأخذه الله نكال الآخرة والأولى } مفرعة عن الجمل التي قبلها ، أي ~~كان ما ذكر من تكذيبه وعصيانه وكيده سببا لأن أخذه الله ، وهذا هو المقصود ~~من سوق القصة وهو مناط موعظة المشركين وإنذارهم ، مع تسلية النبي صلى الله ~~عليه وسلم وتثبيته . # وحقيقة الأخذ : التناول باليد ، ويستعار كثيرا للمقدرة والغلبة كما قال ~~تعالى : { فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر } ( القمر : 42 ) وقال : { فأخذهم أخذة ~~رابية } ( الحاقة : 10 ) . والمعنى : فلم يفلت من عقاب الله . # والنكال : اسم مصدر نكل به تنكيلا وهو مثل : السلام ، بمعنى التسليم . # ومعنى النكال : إيقاع أذى شديد على الغير من التشهير بذلك بحيث ينكل ، أي ~~يرد ويصرف من يشاهده عن أن يأتي بمثل ما عومل به المنكل به ، فهو مشتق من ~~النكول وهو النكوص والهروب ، قال تعالى : { فجعلناها نكالا لما بين يديها ~~وما خلفها في سورة ms9098 البقرة . # وانتصب نكال } على المفعولية المطلقة لفعل ( أخذه ) مبين لنوع الأخذ ~~بنوعين منه لأن الأخذ يقع بأحوال كثيرة . # وإضافة { نكال } إلى { الآخرة والأولى } على معنى ( في ) . # فالنكال في الأولى هو الغرق ، والنكال في الآخرة هو عذاب جهنم . # وقد استعمل النكال في حقيقته ومجازه لأن ما حصل لفرعون في الدنيا هو نكال ~~حقيقي وما يصيبه في الآخرة أطلق عليه النكال لأنه يشبه النكال في شدة ~~التعذيب ولا يحصل به نكال يوم القيامة . PageV30P081 # وورود فعل ( أخذه ) بصيغة المضي مع أن عذاب الآخرة مستقبل ليوم الجزاء ~~مراعى فيه أنه لما مات ابتدأ يذوق العذاب حين يرى منزلته التي سيؤول إليها ~~يوم الجزاء كما ورد في الحديث . # وتقديم { الآخرة } على { الأولى } في الذكر لأن أمر الآخرة أعظم . # وجاء في آخر القصة بحوصلة وفذلكة لما تقدم فقال : { إن في ذلك لعبرة لمن ~~يخشى } فهو في معنى البيان لمضمون جملة { هل أتاك حديث موسى } ( النازعات : ~~15 ) الآيات . # والإشارة بقوله : { في ذلك } إلى { حديث موسى } ( النازعات : 15 ) . # والعبرة : الحالة التي ينتقل الذهن من معرفتها إلى معرفة عاقبتها وعاقبة ~~أمثالها ، وهي مشتقة من العبر ، وهو الانتقال من ضفة واد أو نهر إلى ضفته ~~الأخرى . # والمراد بالعبرة هنا الموعظة . # وتنوين ( عبرة ) للتعظيم لأن في هذه القصة مواعظ كثيرة من جهات هي مثلات ~~للأعمال وعواقبها ، ومراقبة الله وخشيته ، وما يترتب على ذلك وعلى ضده من ~~خير وشر في الدنيا والآخرة . # وجعل ذلك عبرة لمن يخشى ، أي من تخالط نفسه خشية الله لأن الذين يخشون ~~الله هم أهل المعرفة الذين يفهمون دلالة الأشياء على لوازمها وخفاياها ، ~~قال تعالى : { إنما يخشى الله من عباده العلماء } ( فاطر : 28 ) وقال : { ~~وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون } ( العنكبوت : 43 ) . ~~والخشية تقدمت قريبا في قوله : { وأهديك إلى ربك فتخشى } ( النازعات : 19 ) ~~. # وفي هذا تعريض بالمشركين بأنهم ليسوا بأهل للانتفاع بمثل هذا كما لم ~~ينتفع بمثله فرعون وقومه . # وفي القصة كلها تعريض بسادة قريش من أهل الكفر مثل أبي جهل بتنظيرهم ~~بفرعون وتنظير الدهماء بالقوم ms9099 الذين حشرهم فرعون ونادى فيهم بالكفر ، وقد ~~علم المسلمون مضرب هذا المثل فكان أبو جهل يوصف عند المسلمين بفرعون هذه ~~الأمة . PageV30P082 # وتأكيد الخبر ب { إن } ولام الابتداء لتنزيل السامعين الذين سيقت لهم ~~القصة منزلة من ينكر ما فيها من المواعظ لعدم جريهم على الاعتبار والاتعاظ ~~بما فيها من المواعظ . # ( 27 29 ) # انتقال من الاعتبار بأمثالهم من الأمم الذي هو تخويف وتهديد على تكذيبهم ~~الرسول صلى الله عليه وسلم إلى إبطال شبهتهم على نفي البعث وهي قوله : { ~~أينا لمردودون في الحافرة } ( النازعات : 10 ) وما أعقبوه به من التهكم ~~المبني على توهم إحالة البعث . وإذ قد فرضوا استحالة عود الحياة إلى ~~الأجسام البالية إذ مثلوها بأجساد أنفسهم إذ قالوا : { أينا لمردودون } ( ~~النازعات : 10 ) جاء إبطال شبهتهم بقياس خلق أجسادهم على خلق السماوات ~~والأرض فقيل لهم : { أأنتم أشد خلقا أم السماء } ، فلذلك قيل لهم هنا أأنتم ~~بضميرهم ولم يقل : آالإنسان أشد خلقا ، وما هم إلا من الإنسان ، فالخطاب ~~موجه إلى المشركين الذين عبر عنهم آنفا بضمائر الغيبة من قوله : { يقولون } ~~إلى قوله : { فإذا هم بالساهرة } ( النازعات : 10 14 ) ، وهو التفات من ~~الغيبة إلى الخطاب . # فالجملة مستأنفة لقصد الجواب عن شبهتهم لأن حكاية شبهتهم ب { يقولون أينا ~~} إلى آخره ، تقتضي ترقب جواب عن ذلك القول كما تقدم الإيماء إليه عند قوله ~~: { يقولون أينا لمردودون } ( النازعات : 10 ) . # والاستفهام تقريري ، والمقصود من التقرير إلجاؤهم إلى الإقرار بأن خلق ~~السماء أعظم من خلقهم ، أي من خلق نوعهم وهو نوع الإنسان وهم يعلمون أن ~~الله هو خالق السماء فلا جرم أن الذي قدر على خلق السماء قادر على خلق ~~الإنسان مرة ثانية ، فينتج ذلك أن إعادة خلق الأجساد بعد فنائها مقدورة لله ~~تعالى لأنه قدر على ما هو أعظم من ذلك قال تعالى : { لخلق السماوات والأرض ~~أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون } ( غافر : 57 ) ، ذلك أن ~~نظرهم العقلي غيمت عليه العادة فجعلوا ما لم يألفوه محالا ، ولم يلتفتوا ~~إلى إمكان ما هو أعظم مما أحالوه ms9100 بالضرورة . PageV30P083 # و { أشد } : اسم تفضيل ، والمفضل عليه محذوف يدل عليه قوله { أم السماء } ~~. # ومعنى { أشد } أصعب ، و { خلقا } مصدر منتصب على التمييز لنسبة الأشدية ~~إليهم ، أي أشد من جهة خلق الله إياكم أشد أم خلقه السماء ، فالتمييز محول ~~عن المبتدأ . # و { السماء } يجوز أن يراد به الجنس وتعريفه تعريف الجنس ، أي السماوات ~~وهي محجوبة عن مشاهدة الناس فيكون الاستفهام التقريري مبنيا على ما هو ~~مشتهر بين الناس من عظمة السماوات تنزيلا للمعقول منزل المحسوس . # ويجوز أن يراد به سماء معينة وهي المسماة بالسماء الدنيا التي تلوح فيها ~~أضواء النجوم فتعريفه تعريف العهد ، وهي الكرة الفضائية المحيطة بالأرض ~~ويبدو فيها ضوء النهار وظلمة الليل ، فيكون الاستفهام التقريري مبنيا على ~~ما هو مشاهد لهم . وهذا أنسب بقوله : { وأغطش ليلها وأخرج ضحاها } لعدم ~~احتياجه إلى التأويل . # وجملة { بناها } يجوز أن تكون مستأنفة استئنافا بيانيا لبيان شدة خلق ~~السماء ، ويجوز أن تكون بدل اشتمال في قوله : { أم السماء } ، لأنه في ~~تقدير : أم السماء أشد خلقا . وقد جعلت كلمة { بناها } فاصلة فيكون الوقف ~~عندها ولا ضير في ذلك إذ لا لبس في المعنى لأن { بناها } جملة و { أم } ~~المعادلة لا يقع بعدها إلا اسم مفرد . # والبناء : جعل بيت أو دار من حجارة ، أو آجر أو أدم ، أو أثواب من نسيج ~~الشعر ، مشدودة شققه بعضها إلى بعض بغرز أو خياطة ومقامة على دعائم ، فما ~~كان من ذلك بأدم يسمى قبة وما كان بأثواب يسمى خيمة وخباء . # وبناء السماء : خلقها ، استعير له فعل البناء لمشابهتها البيوت في ~~الارتفاع . # وجملة { رفع سمكها فسواها } مبنية لجملة { بناها } أو بدل اشتمال منها ~~وسلك طريق الإجمال ثم التفصيل لزيادة التصوير . # والسمك : بفتح السين وسكون الميم : الرفع في الفضاء كما اقتصر عليه ~~PageV30P084 الراغب سواء اتصل المرفوع بالأرض أو لم يتصل بها وهو مصدر سمك ~~. # والرفع : جعل جسم معتليا وهو مرادف للسمك فتعدية فعل { رفع } إلى ( السمك ~~) للمبالغة في الرفع ، أي رفع رفعها أي جعله رفيعا ، وهو من قبيل قولهم : ~~ليل أليل ، وشعر ms9101 شاعر ، وظل ظليل . # والتسوية : التعديل وعدم التفاوت ، وهي جعل الأشياء سواء ، أي متماثلة ~~وأصلها أن تتعلق بأشياء وقد تتعلق باسم شيء واحد على معنى تعديل جهاته ~~ونواحيه ومنه قوله هنا : { فسواها } ، أي عدل أجزاءها وذلك بأن أتقن صنعها ~~فلا ترى فيها تفاوتا . # والفاء في { فسواها } للتعقيب . # وتسوية السماء حصلت مع حصول سمكها ، فالتعقيب فيه مثل التعقيب في قوله : ~~{ فنادى فقال أنا ربكم الأعلى } ( النازعات : 23 ، 24 ) . # وجملة { وأغطش ليلها } معطوفة على جملة { بناها } وليست معطوفة على { رفع ~~سمكها } لأن إغطاش وإخراج الضحى ليس مما يبين به البناء . # والإغطاش : جعله غاطشا ، أي ظلاما يقال : غطش الليل من باب ضرب ، أي أظلم ~~. # والمعنى : أنه خص الليل بالظلمة وجعله ظلاما ، أي جعل ليلها ظلاما ، وهو ~~قريب من قوله : { رفع سمكها } من باب قولهم : ليل أليل . # وإخراج الضحى : إبراز نور الضحى ، وأصل الإخراج النقل من مكان حاو ~~واستعير للإظهار استعارة شائعة . # والضحى : بروز ضوء الشمس بعد طلوعها وبعد احمرار شعاعها ، فالضحى هو نور ~~الشمس الخالص وسمي به وقته على تقدير مضاف كما في قوله تعالى : { وأن يحشر ~~الناس ضحى } ( طه : 59 ) يدل لذلك قوله تعالى : { والشمس وضحاها } ( الشمس ~~: 1 ) ، أي نورها الواضح . PageV30P085 # وإنما جعل إظهار النور إخراجا لأن النور طارىء بعد الظلمة ، إذ الظلمة ~~عدم وهو أسبق ، والنور محتاج إلى السبب الذي ينيره . # وإضافة ( ليل ) و ( ضحى ) إلى ضمير { السماء } إن كان السماء الدنيا ~~فلأنهما يلوحان للناس في جو السماء فيلوح الضحى أشعة منتشرة من السماء ~~صادرة من جهة مطلع الشمس فتقع الأشعة على وجه الأرض ثم إذا انحجبت الشمس ~~بدورة الأرض في اليوم والليلة أخذ الظلام يحل محل ما يتقلص من شعاع الشمس ~~في الأفق إلى أن يصير ليلا حالكا محيطا بقسم من الكرة الأرضية . # وإن كان السماء جنسا للسماوات فإضافة ليل وضحى إلى السماوات لأنهما ~~يلوحان في جهاتها . # ( 30 32 ) { لله } # وانتقل الكلام من الاستدلال بخلق السماء إلى الاستدلال بخلق الأرض لأن ~~الأرض أقرب إلى مشاهدتهم وما يوجد على الأرض أقرب إلى ms9102 علمهم بالتفصيل أو ~~الإجمال القريب من التفصيل . # ولأجل الاهتمام بدلالة خلق الأرض وما تحتوي عليه قدم اسم { الأرض } على ~~فعله وفاعله فانتصب على طريقة الاشتغال ، والاشتغال يتضمن تأكيدا باعتبار ~~الفعل المقدر العامل في المشتغل عنه الدال عليه الفعل الظاهر المشتغل بضمير ~~الاسم المقدم . # والدحو والدحي يقال : دحوت ودحيت . واقتصر الجوهري على الواوي وهو الجاري ~~في كلام المفسرين هو : البسط والمد بتسوية . # والمعنى : خلقها مدحوة ، أي مبسوطة مسواة . # والإشارة من قوله : { بعد ذلك } إلى ما يفهم من { بناها رفع سمكها فسواها ~~} ( النازعات : 27 ، 28 ) ، أي بعد خلق السماء خلق الأرض مدحوة . ~~PageV30P086 # والبعدية ظاهرها : تأخر زمان حصول الفعل ، وهذه الآية أظهر في الدلالة ~~على أن الأرض خلقت بعد السماوات وهو قول قتادة ومقاتل والسدي ، وهو الذي ~~تؤيده أدلة علم الهيئة . وقد تقدم بيان ذلك عند قوله تعالى : { هو الذي خلق ~~لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات في سورة ~~البقرة ، وما ورد من الآيات مما ظاهره كظاهر آية سورة البقرة تأويله واضح . # ويجوز أن تكون البعدية مجازا في نزول رتبة ما أضيف إليه بعد } عن رتبة ما ~~ذكر قبله كقوله تعالى : { عتل بعد ذلك زنيم } ( القلم : 13 ) . # وجملة { أخرج منها ماءها ومرعاها } بدل اشتمال من جملة { دحاها } لأن ~~المقصد من دحوها بمقتضى ما يكمل تيسير الانتفاع بها . # ولا يصح جعل جملة { أخرج منها ماءها } إلى آخرها بيانا لجملة { دحاها } ~~لاختلاف معنى الفعلين . # والمرعى : مفعل من رعى يرعى ، وهو هنا مصدر ميمي أطلق على المفعول كالخلق ~~بمعنى المخلوق ، أي أخرج منها ما يرعى . # والرعي : حقيقته تناول الماشية الكلأ والحشيش والقصيل . # فالاقتصار على المرعى اكتفاء عن ذكر ما تخرجه الأرض من الثمار والحبوب ~~لأن ذكر المرعى يدل على لطف الله بالعجماوات فيعرف منه أن اللطف بالإنسان ~~أحرى بدلالة فحوى الخطاب ، والقرينة على الاكتفاء قوله بعده { متاعا لكم ~~ولأنعامكم } ( النازعات : 33 ) . # وقد دل بذكر الماء والمرعى على جميع ما تخرجه الأرض قوتا للناس وللحيوان ~~حتى ما تعالج به الأطعمة من ms9103 حطب للطبخ فإنه مما تنبت الأرض ، وحتى الملح ~~فإنه من الماء الذي على الأرض . # ونصب { والجبال } يجوز أن يكون على طريقة نصب { والأرض بعد ذلك دحاها } ~~ويجوز أن يكون عطفا على { ماءها ومرعاها } ويكون المعنى : وأخرج منها ~~جبالها ، فتكون ( ال ) عوضا عن المضاف إليه مثل { فإن الجنة هي المأوى } ( ~~النازعات : 41 ) أي مأوى من خاف مقام ربه فإن الجبال قطع من الأرض ناتئة ~~على وجه الأرض . PageV30P087 # وإرساء الجبال : إثباتها في الأرض ، ويقال : رست السفينة ، إذا شدت إلى ~~الشاطىء فوقفت على الأنجر ، ويوصف الجبل بالرسو حقيقة كما في ( الأساس ) ، ~~قال السموأل أو عبد الملك بن عبد الرحيم يذكر جبلهم : # رسا أصله فوق الثرى وسما به # إلى النجم فرع لا ينال طويل # وإثبات الجبال : هو رسوخها بتغلغل صخورها وعروق أشجارها لأنها خلقت ذات ~~صخور سائخة إلى باطن الأرض ولولا ذلك لزعزعتها الرياح ، وخلقت تتخللها ~~الصخور والأشجار ولولا ذلك لتهيلت أتربتها وزادها في ذلك أنها جعلت أحجامها ~~متناسبة بأن خلقت متسعة القواعد ثم تتصاعد متضائقة . # ومن معنى إرسائها : أنها جعلت منحدرة ليتمكن الناس من الصعود فيها بسهولة ~~كما يتمكن الراكب من ركوب السفينة الراسية ولو كانت في داخل البحر ما تمكن ~~الراكب من ركوبها إلا بمشقة . # ( المتاع ) يطلق على ما ينتفع به مدة ، ففيه معنى التأجيل ، وتقدم عند ~~قوله { وأمتعتكم } في سورة النساء ، وهو هنا اسم مصدر متع ، أي إعطاء ~~للانتفاع زمانا ، وتقدم بيانه عند قوله تعالى : { ولكم في الأرض مستقر ~~ومتاع إلى حين } في سورة الأعراف . # وانتصب { متاعا } على النيابة عن الفعل . والتقدير : متعناكم متاعا . # ولام { لكم ولأنعامكم } لام التقوية لأن المصدر فرع في العمل عن الفعل ، ~~وهو راجع إلى خلق الأرض والجبال ، وذلك في الأرض ظاهر ، وأما الجبال فلأنها ~~معتصمهم من عدوهم ، وفيها مراعي أنعامهم تكون في الجبال مأمونة من الغارة ~~عليها على غرة . وهذا إدماج الامتنان في الاستدلال لإثارة شكرهم حق النعمة ~~بأن يعبدوا المنعم وحده ولا يشركوا بعبادته غيره . # وفي قوله : { والأرض بعد ذلك دحاها } ( النازعات : 30 ) إلى { ولأنعامكم ms9104 ~~} محسن الجمع ثم التقسيم . PageV30P088 # ( 34 41 ) { } # يجوز أن يكون التفريع على الاستدلال الذي تضمنه قوله : { أأنتم أشد خلقا ~~أم السماء } ( النازعات : 27 ) الآيات ، فإن إثبات البعث يقتضي الجزاء إذ ~~هو حكمته . وإذا اقتضى الجزاء كان على العاقل أن يعمل لجزاء الحسنى ويجتنب ~~ما يوقع في الشقاء وأن يهتم بالحياة الدائمة فيؤثرها ولا يكترث بنعيم زائل ~~فيتورط في اتباعه ، فلذلك فرع على دليل إثبات البعث تذكير بالجزاءين ، ~~وإرشاد إلى النجدين . # وإذ قد قدم قبل الاستدلال تحذير إجمالي بقوله : { يوم ترجف الراجفة } ( ~~النازعات : 6 ) الآية كما يذكر المطلوب قبل القياس في الجدل ، جيء عقب ~~الاستدلال بتفصيل ذلك التحذير مع قرنه بالتبشير لمن تحلى بضده فلذلك عبر عن ~~البعث ابتداء بالراجفة لأنها مبدؤه ، ثم بالزجرة ، وأخيرا بالطامة الكبرى ~~لما في هذين الوصفين من معنى يشمل الراجفة وما بعدها من الأهوال إلى أن ~~يستقر كل فريق في مقره . # ومن تمام المناسبة للتذكير بيوم الجزاء وقوعه عقب التذكير بخلق الأرض ، ~~والامتنان بما هيأ منها للإنسان متاعا به ، للإشارة إلى أن ذلك ينتهي عندما ~~يحين يوم البعث والجزاء . # ويجوز أن يجعل قوله : { فإذا جاءت الطامة الكبرى } مفرعا على قوله : { ~~فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة } ( النازعات : 13 ، 14 ) فإن الطامة ~~هي الزجرة . # ومناط التفريع هو ما عقبه من التفصيل بقوله : { فأما من طغى } الخ إذ لا ~~يلتئم تفريع الشيء على نفسه . # ( وإذا ) ظرف للمستقبل فلذلك إذا وقع بعد الفعل الماضي صرف إلى ~~PageV30P089 الاستقبال ، وإنما يؤتى بعد ( إذا ) بفعل الماضي لزيادة تحقيق ~~ما يفيده ( إذا ) من تحقق الوقوع . # والمجيء : هنا مجاز في الحصول والوقوع لأن الشيء الموقت المؤجل بأجل يشبه ~~شخصا سائرا إلى غاية ، فإذا حصل ذلك المؤجل عند أجله فكأنه السائر إلى ، ~~إذا بلغ المكان المقصود . # والطامة : الحادثة ، أو الوقعة التي تطم ، أي تعلو وتغلب بمعنى تفوق ~~أمثالها من نوعها بحيث يقل مثلها في نوعها ، مأخوذ من طم الماء ، إذا غمر ~~الأشياء وهذا الوصف يؤذن بالشدة والهول إذ لا يقال مثله إلا في الأمور ~~المهولة ms9105 ثم بولغ في تشخيص هولها بأن وصفت ب { الكبرى } فكان هذا أصرح ~~الكلمات لتصوير ما يقارن هذه الحادثة من الأهوال . # والمراد بالطامة الكبرى : القيامة وقد وصفت بأوصاف عديدة في القرآن مثل ~~الصاخة والقارعة والراجفة ووصفت بالكبرى . # و { يوم يتذكر الإنسان ما سعى } بدل من جملة { إذا جاءت الطامة الكبرى } ~~بدل اشتمال لأن ما أضيف إليه يوم هو من الأحوال التي يشتمل عليها زمن مجيء ~~الطامة وهو يوم القيامة ويوم الحساب . # وتذكر الإنسان ما سعاه : أن يوقف على أعماله في كتابه لأن التذكر مطاوع ~~ذكره . # والتذكر يقتضي سبق النسيان وهو انمحاء المعلوم من الحافظة . # والمعنى : يوم يذكر الإنسان فيتذكر ، أي يعرض عليه عمله فيعترف به إذ ليس ~~المقصود من التذكر إلا أثره ، وهو الجزاء فكني بالتذكر عن الجزاء قال تعالى ~~: { اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا } ( الإسراء : 14 ) . # وتبريز الجحيم : إظهارها لأهلها . وجيء بالفعل المضاعف لإفادة إظهار ~~الجحيم لأنه إظهار لأجل الإرهاب . # والجحيم : جهنم . ولذلك قرن فعله بتاء التأنيث لأن جهنم مؤنثة في ~~PageV30P090 الاستعمال ، أو هو بتأويل النار ، والجحيم كل نار عظيمة في ~~حفرة عميقة . # وبنى فعل { برزت } للمجهول لعدم الغرض ببيان مبرزها إذ الموعظة في ~~الإعلام بوقوع إبرازها يومئذ . # و { لمن يرى } ، أي لكل راء ، ففعل { يرى } منزل منزلة اللازم لأن ~~المقصود لمن له بصر ، كقول البحتري : # أن يرى مبصر ويسمع واع # والفاء في قوله : { فأما من طغى } رابطة لجواب ( إذا ) لأن جملة { من طغى ~~} إلى آخرها جملة اسمية ليس فيها فعل يتعلق به ( إذا ) فلم يكن بين ( إذا ) ~~وبين جوابها ارتباط لفظي فلذلك تجلب الفاء لربط الجواب في ظاهر اللفظ ، ~~وأما في المعنى فيعلم أن ( إذا ) ظرف يتعلق بمعنى الاستقرار الذي بين ~~المبتدأ والخبر . # و ( أما ) حرف تفصيل وشرط لأنها في معنى : مهما يكن شيء . # والطغيان تقدم معناه آنفا . والمراد هنا : طغى على أمر الله ، كما دل ~~عليه قوله : { وأما من خاف مقام ربه } . # وقدم ذكر الطغيان على إيثار الحياة الدنيا لأن الطغيان من أكبر أسباب ~~إيثار الحياة ms9106 الدنيا فلما كان مسببا عنه ذكر عقبه مراعاة للترتب الطبيعي . # والإيثار : تفضيل شيء على شيء في حال لا يتيسر فيها الجمع بين أحوال كل ~~منهما . # ويعدى فعل الإيثار إلى اسم المأثور بتعدية الفعل إلى مفعوله ، ويعدى إلى ~~المأثور عليه بحرف ( على ) قال تعالى حكاية { لقد آثرك الله علينا } ( يوسف ~~: 91 ) ، وقد يترك ذكر المأثور عليه إذا كان ذكر المأثور يشير إليه كما إذا ~~كان المأثور والمأثور عليه ضدين كما هنا لما هو شائع من المقابلة بين ~~الحياة الدنيا والآخرة . # وقد يترك ذكر المأثور اكتفاء بذكر المأثور عليه إذا كان هو الأهم كقوله ~~تعالى : { ويؤثرون على أنفسهم } ( الحشر : 9 ) لظهور أن المراد يؤثرون ~~الفقراء . PageV30P091 # والمراد بالحياة الدنيا حظوظها ومنافعها الخاصة بها ، أي التي لا تشاركها ~~فيها حظوظ الآخرة ، فالكلام على حذف مضاف ، تقديره : نعيم الحياة . # ويفهم من فعل الإيثار أن معه نبذا لنعيم الآخرة . ويرجع إيثار الحياة ~~الدنيا إلى إرضاء هوى النفس ، وإنما يعرف كلا الحظين بالتوقيف الإلاهي كما ~~عرف الشرك وتكذيب الرسل والاعتداء على الناس والبطر والصلف وما يستتبعه ذلك ~~من الأحوال الذميمة . # وملاك هذا الإيثار هو الطغيان على أمر الله ، فإن سادتهم ومسيريهم يعلمون ~~أن ما يدعوهم إليه الرسول هو الحق ولكنهم يكرهون متابعته استكبارا عن أن ~~يكونوا تبعا للغير فتضيع سيادتهم . # وقد زاد هذا المفاد بيانا قوله بعده : { وأما من خاف مقام ربه } الآية . ~~وبه يظهر أن مناط الذم في إيثار الحياة الدنيا هو إيثارها على الآخرة ، ~~فأما الأخذ بحظوظ الحياة الدنيا التي لا يفيت الأخذ بها حظوظ الآخرة فذلك ~~غير مذموم ، وهو مقام كثير من عباد الله الصالحين حكاه الله تعالى عن صالحي ~~بني إسرائيل من قولهم لقارون : { وابتع فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا ~~تنس نصيبك من الدنيا } ( القصص : 77 ) . # وقوله : { من خاف مقام ربه } مقابل قوله : { من طغى } لأن الخوف ضد ~~الطغيان وقوله : { نهى النفس عن الهوى } مقابل قوله : { وآثر الحياة الدنيا ~~} . # ونهى الخائف نفسه مستعار للانكفاف عن تناول ما تحبه النفس من المعاصي ~~والهوى ms9107 ، فجعلت نفس الإنسان بمنزلة شخص آخر يدعوه إلى السيئات وهو ينهاه عن ~~هذه الدعوة ، وهذا يشبه ما يسمى بالتجريد ، يقولون : قالت له نفسه كذا ~~فعصاها ، ويقال : نهى قلبه ، ومن أحسن ما قيل في ذلك قول عروة بن أذينة : # وإذا وجدت لها وساوس سلوة # شفع الفؤاد إلى الضمير فسلها # والمراد ب { الهوى } ما تهواه النفس فهو مصدر بمعنى المفعول مثل الخلق ~~بمعنى المخلوق ، فهو ما ترغب فيه قوى النفس الشهوية والغضبية مما يخالف ~~الحق والنفع الكامل . وشاع الهوى في المرغوب الذميم ولذلك قيل في قوله ~~تعالى : { ومن أضل PageV30P092 ممن اتبع هواه بغير هدى من الله } ( القصص : ~~50 ) أن { بغير هدى } حال فمؤكدة ليست تقييدا إذ لا يكون الهوى إلا بغير ~~هدى . # وتعريف { الهوى } تعريف الجنس . # والتعريف في { المأوى } الأول والثاني تعريف العهد ، أي مأوى من طغى ، ~~ومأوى من خاف مقام ربه ، وهو تعريف مغنن عن ذكر ما يضاف إليه { مأوى } ~~ومثله شائع في الكلام كما في قوله : غض الطرف ، أي الطرف المعهود من الأمر ~~، أي غض طرفك . وقوله : واملأ السمع ، أي سمعك وقوله تعالى : { وبينهما ~~حجاب وعلى الأعراف رجال } ( الأعراف : 46 ) ، أي على أعراف الحجاب ، ولذلك ~~فتقدير الكلام عند نحاة البصرة المأوى له أو مأواه عند نحاة الكوفة ، ويسمي ~~نحاة الكوفة الألف واللام هذه عوضا عن المضاف إليه وهي تسمية حسنة لوضوحها ~~واختصارها ، ويأبى ذلك البصريون ، وهو خلاف ضئيل ، إذ المعنى متفق عليه . # والمأوى : اسم مكان من أوى ، إذا رجع ، فالمراد به : المقر والمسكن لأن ~~المرء يذهب إلى قضاء شؤونه ثم يرجع إلى مسكنه . # و { مقام ربه } مجاز عن الجلال والمهابة وأصل المقام مكان القيام فكان ~~أصله مكان ما يضاف هو إليه ، ثم شاع إطلاقه على نفس ما يضاف إليه على طريقة ~~الكناية بتعظيم المكان عن تعظيم صاحبه ، مثل ألفاظ : جناب ، وكنف ، وذرى ، ~~قال تعالى : { ولمن خاف مقام ربه جنتان } ( الرحمن : 46 ) وقال : { ذلك لمن ~~خاف مقامي } ( إبراهيم : 14 ) وذلك من قبيل الكناية المطلوب بها نسبة إلى ~~المكنى عنه فإن خوف ms9108 مقام الله مراد به خوف الله والمراد بالنسبة ما يشمل ~~التعلق بالمفعول . # وفي قوله : { يوم يتذكر الإنسان ما سعى } إلى قوله : { فإن الجنة هي ~~المأوى } محسن الجمع مع التقسيم . PageV30P093 # وتعريف { النفس } في قوله : { ونهى النفس } هو مثل التعريف في { المأوى } ~~. # وفي تعريف ( أصحاب الجحيم ) و ( أصحاب الجنة ) بطريق الموصول إيماء إلى ~~أن الصلتين علتان في استحقاق ذلك المأوى . # ( 42 45 ) { } # استئناف بياني منشؤه أن المشركين كانوا يسألون عن وقت حلول الساعة التي ~~يتوعدهم بها النبي صلى الله عليه وسلم كما حكاه الله عنهم غير مرة في ~~القرآن كقوله : { ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين } ( يونس : 48 ) . # وكان سؤالهم استهزاء واستخفافا لأنهم عقدوا قلوبهم على استحالة وقوع ~~الساعة وربما طلبوا التعجيل بوقوعها وأوهموا أنفسهم وأشياعهم أن تأخر ~~وقوعها دليل على اليأس منها لأنهم يتوهمون أنهم إذا فعلوا ذلك مع الرسول ~~صلى الله عليه وسلم لو كان صادقا لحمي غضب الله مرسله سبحانه فبادر ~~بإراءتهم العذاب وهم يتوهمون شؤون الخالق كشؤون الناس إذا غضب أحدهم عجل ~~بالانتقام طيشا وحنقا قال تعالى : { لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب ~~بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا } ( الكهف : 58 ) . # فلا جرم لما قضي حق الاستدلال على إمكان البعث بإقامة الدليل وضرب ~~الأمثال ، وعرض بعقاب الذين استحقوا بها في قوله : { فإذا جاءت الطامة ~~الكبرى } ( النازعات : 34 ) ، كان ذلك مثارا لسؤالهم أن يقولوا : هل لمجيء ~~هذه الطامة الكبرى وقت معلوم ؟ فكان الحال مقتضيا هذا الاستئناف البياني ~~قضاء لحق المقام وجوابا عن سابق الكلام . # فضمير ( يسألون ) عائد إلى المشركين أصحاب القلوب الواجفة والذين قالوا : ~~{ أينا لمردودون في الحافرة } ( النازعات : 10 ) . PageV30P094 # وحكي فعل السؤال بصيغة المضارع للدلالة على تجدد هذا السؤال وتكرره . # والساعة : هي الطامة فذكر الساعة إظهار في مقام الإضمار لقصد استقلال ~~الجملة بمدلولها مع تفنن في التعبير عنها بهذين الاسمين { الطامة } ( ~~النازعات : 34 ) و { الساعة } . # و { أيان مرساها } جملة مبينة للسؤال . # و { أيان } اسم يستفهم به عن تعيين الوقت . # والاستفهام مستعمل في الاستبعاد كناية ms9109 وهو أيضا كناية عن الاستحالة و { ~~مرساها } مصدر ميمي لفعل أرسى ، والإرساء : جعل السفينة عند الشاطىء لقصد ~~النزول منها . واستعير الإرساء للوقوع والحصول تشبيها للأمر المغيب حصوله ~~بسفينة ماخرة البحر لا يعرف وصولها إلا إذا رست ، وعليه ف { أيان } ترشيح ~~للاستعارة ، وتقدم نظير هذه في سورة الأعراف . # وقوله : { فيم أنت من ذكراها } واقع موقع الجواب عن سؤالهم عن الساعة ~~باعتبار ما يظهر من حال سؤالهم عن الساعة من إرادة تعيين وقتها وصرف النظر ~~عن إرادتهم به الاستهزاء ، فهذا الجواب من تخريج الكلام على خلاف مقتضى ~~الظاهر ، وهو من تلقي السائل بغير ما يتطلب تنبيها له على أن الأولى به أن ~~يهتم بغير ذلك ، وهو مضمون قوله : { إنما أنت منذر من يخشاها } . وهذا ما ~~يسمى بالأسلوب الحكيم ، ونظيره ما روي في الصحيح أن رجلا سأل النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن الساعة فقال له : ( ماذا أعددت لها ؟ ) ، أي كان الأولى ~~لك أن تصرف عنايتك إلى الاستكثار من الحسنات إعدادا ليوم الساعة . # والخطاب وإن كان موجها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فالمقصود بلوغه إلى ~~مسامع المشركين فلذلك اعتبر اعتبار جواب عن كلامهم وذلك مقتضى فصل الجملة ~~عن التي قبلها شأن الجواب والسؤال . # و ( ما ) في قوله : { فيم } اسم استفهام بمعنى : أي شيء ؟ مستعملة في ~~التعجيب من سؤال السائلين عنها ثم توبيخهم . و ( في ) للظرفية المجازية ~~بجعل المشركين في إحفائهم بالسؤال عن وقت الساعة كأنهم جعلوا النبي صلى ~~الله عليه وسلم محوطا PageV30P095 بذكر وقت الساعة ، أي متلبسا به تلبس ~~العالم بالمعلوم فدل على ذلك بحرف الظرفية على طريقة الاستعارة في الحرف . # وحذف ألف ( ما ) لوقوعها بعد حرف الجر مثل { عم يتساءلون } ( النبأ : 1 ) ~~. و { فيم } خبر مقدم و { أنت } مبتدأ ، و { من ذكراها } إما متعلق ~~بالاستقرار الذي في الخبر أو هو حال من المبتدأ . # و { من } : إما مبينة للإبهام الذي في ( ما ) الاستفهامية ، أي في شيء هو ~~ذكراها ، أي في شيء هو أن تذكرها ، أي لست متصديا لشيء هو ذكرى الساعة ، ~~وإما ms9110 صفة للمبتدأ فهي اتصالية وهي ضرب من الابتدائية ابتداؤها مجازي ، أي ~~لست في شيء يتصل بذكرى الساعة ويحوم حوله ، أي ما أنت في شيء هو ذكر وقت ~~الساعة ، وعلى الثاني : ما أنت في صلة مع ذكر الساعة ، أي لا ملابسة بينك ~~وبين تعيين وقتها . # وتقديم { فيم } على المبتدأ للاهتمام به ليفيد أن مضمون الخبر هو مناط ~~الإنكار بخلاف ما لو قيل : أأنت في شيء من ذكراها ؟ # والذكرى : اسم مصدر الذكر ، والمراد به هنا الذكر اللساني . # وجملة { إلى ربك منتهاها } في موقع العلة للإنكار الذي اقتضاه قوله : { ~~فيم أنت من ذكراها } ولذلك فصلت ، وفي الكلام تقدير مضاف ، والمعنى : إلى ~~ربك علم منتهاها . # وتقديم المجرور على المبتدأ في قوله : { إلى ربك منتهاها } لإفادة القصر ~~، أي لا إليك ، وهذا قصر صفة على موصوف . # والمنتهى : أصله مكان انتهاء السير ، ثم أطلق على المصير لأن المصير لازم ~~للانتهاء قال تعالى : { وأن إلى ربك المنتهى } ( النجم : 42 ) ثم توسع فيه ~~فأطلق على العلم ، أي لا يعلمها إلا الله ، فقوله : { منتهاها } هو في ~~المعنى على حذف مضاف ، أي علم وقت حصولها كما دل عليه قوله : { أيان مرساها ~~} . # ويجوز أن يكون { منتهاها } بمعنى بلوغ خبرها كما يقال : أنهيت إلى فلان ~~حادثة كذا ، وانتهى إلي نبأ كذا . PageV30P096 # وقوله : { إنما أنت منذر من يخشاها } استئناف بياني ناشىء عن جملة { فيم ~~أنت من ذكراها إلى ربك منتهاها } وهو أن يسأل السامع عن وجه إكثار النبي ~~صلى الله عليه وسلم ذكرها وأنها قريبة ، فأجيب بأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم حظه التحذير من بغتتها ، وليس حظه الإعلام بتعيين وقتها ، على أن ~~المشركين قد اتخذوا إعراض القرآن عن تعيين وقتها حجة لهم على إحالتها لأنهم ~~لجهلهم بالحقائق يحسبون أن من شأن النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلم الغيب ~~ولذلك تكرر في القرآن تبرئة النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك كما في قوله ~~تعالى : { قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب } ( الأنعام : 50 ~~) . # وأفادت { إنما } قصر المخاطب على صفة ms9111 الإنذار ، أي تخصيصه بحال الإنذار ~~وهو قصر موصوف على صفة فهو قصر إضافي ، أي بالنسبة إلى ما اعتقدوه فيه بما ~~دل عليه إلحافهم في السؤال من كونه مطلعا على الغيب . # وقوله : { منذر من يخشاها } قرأه الجمهور بإضافة { منذر } إلى { من ~~يخشاها } . وقرأه أبو جعفر بتنوين { منذر } على أن { من يخشاها } مفعوله . # وفي إضافة { منذر } إلى { من يخشاها } أو نصبه به إيجاز حذف تقديره : ~~منذرها فينتذر من يخشاها ، وقرينة ذلك حالية للعلم المتواتر من القرآن بأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان ينذر جميع الناس لا يخص قوما دون آخرين فإن ~~آيات الدعوة من القرآن ومقامات دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن إلا ~~عامة . ولا يعرف من يخشى الساعة إلا بعد أن يؤمن المؤمن ولو عرف أحد بعينه ~~أنه لا يؤمن أبدا لما وجهت إليه الدعوة ، فتعين أن المراد : أنه لا ينتفع ~~بالإنذار إلا من يخشى الساعة ومن عداه تمر الدعوة بسمعه فلا يأبه بها ، ~~فكان ذكر { من يخشاها } تنويها بشأن المؤمنين وإعلانا لمزيتهم وتحقيرا ~~للذين بقوا على الكفر قال تعالى : { وما أنت بمسمع من في القبور إن أنت إلا ~~نذير } ( فاطر : 22 ، 23 ) . # وعلى هذا القانون يفهم لماذا وجه الخطاب بالإيمان إلى ناس قد علم الله ~~أنهم لا يؤمنون ، وكشف الواقع على أنهم هلكوا ولم يؤمنوا مثل صناديد قريش ~~أصحاب القليب قليبب بدر مثل أبي جهل والوليد بن المغيرة ، ولماذا وجه ~~الخطاب بطلب التقوى ممن علم الله أنه لا يتقي مثل دعار العرب الذين أسلموا ~~ولم يتركوا العدوان والفواحش ، ومثل أهل الردة الذين لم يكفروا منهم ولكنهم ~~أصروا على منع الزكاة PageV30P097 وقاتلهم أبو بكر رضي الله عنه ، فمن مات ~~منهم في ذلك فهو ممن لم يتق الله لأن ما في علم الله لا يبلغ الناس إلى ~~علمه ولا تظهر نهايته إلا بعد الموت وهي المسألة المعروفة عند المتكلمين من ~~أصحابنا بمسألة الموافاة . # جواب عما تضمنه قوله : { يسئلونك على الساعة أيان مرساها } ( النازعات : ~~42 ) باعتبار ظاهر حال السؤال من ms9112 طلب المعرفة بوقت حلول الساعة واستبطاء ~~وقوعها الذي يرمون به إلى تكذيب وقوعها ، فأجيبوا على طريقة الأسلوب الحكيم ~~، أي إن طال تأخر حصولها فإنها واقعة وأنهم يوم وقوعها كأنه ما لبثوا في ~~انتظار إلا بعض يوم . # والعشية : معبر بها عن مدة يسيرة من زمان طويل على طريقة التشبيه ، وهو ~~مستفاد من { كأنهم } ، فهو تشبيه حالهم بحالة من لم يلبث إلا عشية ، وهذا ~~التشبيه مقصود منه تقريب معنى المشبه من المتعارف . # وقوله : { أو ضحاها } تخيير في التشبيه على نحو قوله تعالى : { أو كصيب ~~من السماء } في سورة البقرة . وفي هذا العطف زيادة في تقليل المدة لأن حصة ~~الضحى أقصر من حصة العشية . # وإضافة ( ضحى ) إلى ضمير ( العشية ) جرى على استعمال عربي شائع في كلامهم ~~. قال الفراء : أضيف الضحى إلى العشية ، وهو اليوم الذي يكون فيه على عادة ~~العرب يقولون : آتيك الغداة أو عشيتها ، وآتيك العشية أو غداتها ، وأنشدني ~~بعض بني عقيل : # نحن صبحنا عامرا في دارها # جردا تعادى طرفي نهارها # عشية الهلال أو سرارها # أراد عشية الهلال أو عشية سرار العشية : فهو أشد من : آتيك الغداة أو ~~عشيتها ا ه . # ومسوغ الإضافة أن الضحى أسبق من العشية إذ لا تقع عشية إلا بعد مرور ضحى ~~، فصار ضحى ذلك اليوم يعرف بالإضافة إلى عشية اليوم لأن العشية PageV30P098 ~~أقرب إلى علم الناس لأنهم يكونون في العشية بعد أن كانوا في الضحى ، ~~فالعشية أقرب والضحى أسبق . # وفي هذه الإضافة أيضا رعاية على الفواصل التي هي على حرف الهاء المفتوحة ~~من { أيان مرساها } . # وبانتهاء هاته السورة انتهت سور طوال المفصل التي مبدؤها سورة الحجرات . # PageV30P099 PageV30P100 # | 1 ( سورة عبس ) 1 # سميت هذه الصورة في المصاحف وكتب التفسير وكتب السنة ( سورة عبس ) . # وفي أ ( حكام ابن العربي ) عنونها ( سورة ابنن أم مكتوم ) . ولم أر هذا ~~لغيره . وقال الخفاجي : تسمى ( سورة الصاخة ) . وقال العيني في ( شرح صحيح ~~البخاري ) تسمى ( سورة السفرة ) ، وتسمى سورة ( الأعمى ) ، وكل ذلك تسمية ~~بألفاظ وقعت فيها لم تقع في غيرها من السور أو بصاحب القصة ms9113 التي كانت سبب ~~نزولها . # ولم يذكرها صاحب ( الإتقان ) في السور التي لها أكثر من اسم وهو عبس . # وهي مكية بالاتفاق . # وقال في ( العارضة ) : لم يحقق العلماء تعيين النازل بمكة من النازل ~~بالمدينة في الجملة ولا يحقق وقت إسلام ابن أم مكتوم ا ه . وهو مخالف ~~لاتفاق أهل التفسير على أنها مكية فلا محصل لكلام ابن العربي . # وعدت الرابعة والعشرين في ترتيب نزول السور . نزلت بعد سورة ( والنجم ) ~~وقبل سورة ( القدر ) . # وعدد آيها عند العادين من أهل المدينة وأهل مكة وأهل الكوفة اثنتان ~~وأربعون ، وعند أهل البصرة إحدى وأربعون وعند أهل الشام أربعون . # وهي أولى السور من أواسط المفصل . # وسبب نزولها يأتي ذكره عند قوله تعالى : { عبس وتولى } ( عبس : 1 ) . ~~PageV30P101 # أغراضها # تعليم الله رسوله صلى الله عليه وسلم الموازنة بين مراتب المصالح ووجوب ~~الاستقراء لخفياتها كيلا يفيت الاهتمام بالمهم منها في بادىء الرأي مهما ~~آخر مساويا في الأهمية أو أرجح . ولذلك يقول علماء أصول الفقه : إن على ~~المجتهد أن يبحث عن معارض الدليل الذي لاح له . # والإشارة إلى اختلاف الحال بين المشركين المعرضين عن هدي الإسلام وبين ~~المسلمين المقبلين على تتبع مواقعه . # وقرن ذلك بالتذكير بإكرام المؤمنين وسمو درجتهم عند الله تعالى . # والثناء على القرآن وتعليمه لمن رغب في علمه . # وانتقل من ذلك إلى وصف شدة الكفر من صناديد قريش بمكابرة الدعوة التي ~~شغلت النبي صلى الله عليه وسلم عن الالتفات إلى رغبة ابن أم مكتوم . # والاستدلال على إثبات البعث وهو مما كان يدعوهم إليه حين حضور ابن أم ~~مكتوم وذلك كان من أعظم ما عني به القرآن من حيث إن إنكار البعث هو الأصل ~~الأصيل في تصميم المشركين على وجوب الإعراض عن دعوة القرآن توهما منهم بأنه ~~يدعو إلى المحال ، فاستدل عليهم بالخلق الذي خلقه الإنسان ، واستدل بعده ~~بإخراج النبات والأشجار من أرض ميتة . # وأعقب الاستدلال بالإنذار بحلول الساعة والتحذير من أهوالها وبما يعقبها ~~من ثواب المتقين وعقاب الجاحدين . # والتذكير بنعمة الله على المنكرين عسى أن يشكروه . # والتنويه بضعفاء المؤمنين ms9114 وعلو قدرهم ووقوع الخير من نفوسهم والخشية ، ~~وأنهم أعظم عند الله من أصحاب الغنى الذين فقدوا طهارة النفس ، وأنهم ~~أحرياء بالتحقير والذم ، وأنهم أصحاب الكفر والفجور . # PageV30P102 # | 2 ( { عبس وتولى * أن جآءه الاعمى * وما يدريك لعله يزكى * أو يذكر ~~فتنفعه الذكرى * أما من استغنى * فأنت له تصدى * وما عليك ألا يزكى * وأما ~~من جآءك يسعى * وهو يخشى * فأنت عنه تلهى * كلا إنها تذكرة * فمن شآء ذكره ~~* فى صحف مكرمة * مرفوعة مطهرة * بأيدى سفرة * كرام بررة * قتل الإنسان مآ ~~أكفره * من أى شىء خلقه * من نطفة خلقه فقدره * ثم السبيل يسره * ثم أماته ~~فأقبره * ثم إذا شآء أنشره * كلا لما يقض مآ أمره * فلينظر الإنسان إلى ~~طعامه * ط { أنا صببنا المآء صبا * ثم شققنا الارض شقا * فأنبتنا فيها حبا ~~* وعنبا وقضبا * وزيتونا ونخلا * وحدآئق غلبا * وفاكهة وأبا * متاعا لكم ~~ولانعامكم * فإذا جآءت الصآخة * يوم يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه * ~~وصاحبته وبنيه * لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه * وجوه يومئذ مسفرة * ~~ضاحكة مستبشرة * ووجوه يومئذ عليها غبرة * ترهقها قترة * أولائك هم الكفرة ~~الفجرة } ) 2 # افتتاح هذه السورة بفعلين متحملين لضمير لا معاد له في الكلام تشويق لما ~~سيورد بعدهما ، والفعلان يشعران بأن المحكي حادث عظيم ، فأما الضمائر فيبين ~~إبهامها قوله : { فأنت له تصدى } ( عبس : 6 ) وأما الحادث فيتبين من ذكر ~~الأعمى ومن استغنى . # وهذا الحادث سبب نزول هذه الآيات من أولها إلى قوله : { بررة } ( عبس : ~~16 ) . وهو ما رواه مالك في ( الموطأ ) مرسلا عن هشام بن عروة عن أبيه أنه ~~قال : أنزلت { عبس وتولى } في ابن أم مكتوم جاء إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فجعل يقول : يا محمد استدنني ، وعند النبي صلى الله عليه وسلم ~~رجل من عظماء المشركين فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يعرض عنه ( أي عن ابن ~~أم مكتوم ) ويقبل على الآخر ، ويقول : يا أبا فلان هل ترى بما أقول بأسا ~~فيقول : ( لا والدماء ما أرى بما تقول يأسا ) ، فأنزلت : { عبس وتولى } . # ورواه الترمذي مسندا عن عروة ms9115 عن عائشة بقريب من هذا ، وقال الترمذي : هذا ~~حديث حسن غريب . # وروى الطبري عن ابن عباس : ( أن ابن أم مكتوم جاء يستقرىء النبي صلى الله ~~عليه وسلم آية من القرآن ومثله عن قتادة . # وقال الواحدي وغيره : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ يناجي عتبة ~~بن ربيعة وأبا جهل ، والعباس بن عبد المطلب ، وأبي بن خلف ، وشيبة بن ربيعة ~~، والوليد بن المغيرة ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقبل على الوليد بن ~~المغيرة يعرض عليهم الإسلام . # ولا خلاف في أن المراد ب { الأعمى } هو ابن أم مكتوم . قيل : اسمه عبد ~~الله وقيل : اسمه عمرو ، وهو الذي اعتمده في ( الإصابة ) ، وهو ابن قيس بن ~~زائدة من بني عامر بن لؤي من قريش . # وأمه عاتكة ، وكنيت أم مكتوم لأن ابنها عبد الله ولد أعمى والأعمى يكنى ~~PageV30P103 عنه بمكتوم . ونسب إلى أمه لأنها أشرف بيتا من بيت أبيه لأن ~~بني مخزوم من أهل بيوتات قريش فوق بني عامر بن لؤي . وهذا كما نسب عمرو بن ~~المنذر ملك الحيرة إلى أمه هند بنت الحارث بن عمرو بن حجر آكل المرار زيادة ~~في تشريفه بوراثة الملك من قبل أبيه وأمه . # ووقع في ( الكشاف ) : أن أم مكتوم هي أم أبيه . وقال الطيبي : إنه وهم ، ~~وأسلم قديما وهاجر إلى المدينة قبل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم إليها ، ~~وتوفي بالقادسية في خلافة عمر بعد سنة أربع عشرة أو خمس عشرة . # وفيه نزلت هذه السورة وآية { غير أولي الضرر من سورة النساء . # وكان النبي يحبه ويكرمه وقد استخلفه على المدينة في خروجه إلى الغزوات ~~ثلاث عشرة مرة ، وكان مؤذن النبي هو وبلال بن رباح . # والعبوس بضم العين : تقطيب الوجه وإظهار الغضب . ويقال : رجل عبوس بفتح ~~العين ، أي متقطب ، قال تعالى : إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا } ( ~~الإنسان : 10 ) . وعبس من باب ضرب . # والتولي : أصله تحول الذات عن مكانها ، ويستعار لعدم اشتغال المرء بكلام ~~يلقى إليه أو جليس يحل عنده ، وهو هنا مستعار لعدم الاشتغال بسؤال سائل ~~ولعدم الإقبال ms9116 على الزائر . # وحذف متعلق { تولى } لظهور أنه تول عن الذي مجيئه كان سبب التولي . # وعبر عن ابن أم مكتوم ب { الأعمى } ترقيقا للنبيء صلى الله عليه وسلم ~~ليكون العتاب ملحوظا فيه أنه لما كان صاحب ضرارة فهو أجدر بالعناية به ، ~~لأن مثله يكون سريعا إلى انكسار خاطره . # و { أن جاءه الأعمى } مجرور بلام الجر محذوفف مع { أن } وهو حذف مطرد وهو ~~متعلق بفعلي { عبس وتولى } على طريقة التنازع . # والعلم بالحادثة يدل على أن المراد مجيء خاص وأعمى معهود . # وصيغة الخبر مستعملة في العتاب على الغفلة عن المقصود الذي تضمنه الخبر ~~PageV30P104 وهو اقتصار النبي صلى الله عليه وسلم على الاعتناء بالحرص على ~~تبليغ الدعوة إلى من يرجو منه قبولها مع الذهول عن التأمل فيما يقارن ذلك ~~من تعليم من يرغب في علم الدين ممن آمن ، ولما كان صدور ذلك من الله لنبيه ~~صلى الله عليه وسلم لم يشأ الله أن يفاتحه بما يتبادر منه أنه المقصود ~~بالكلام ، فوجهه إليه على أسلوب الغيبة ليكون أول ما يقرع سمعه باعثا على ~~أن يترقب المعني من ضمير الغائب فلا يفاجئه العتاب ، وهذا تلطف من الله ~~برسوله صلى الله عليه وسلم ليقع العتاب في نفسه مدرجا وذلك أهون وقعا ، ~~ونظير هذا قوله : { عفا الله عنك لم أذنت لهم } ( التوبة : 43 ) . # قال عياض : قال عون بن عبد الله والسمرقندي : أخبره الله بالعفو قبل أن ~~يخبره بالذنب حتى سكن قلبه ا ه . فكذلك توجيه العتاب إليه مسندا إلى ضمير ~~الغائب ثم جيء بضمائر الغيبة فذكر الأعمى تظهر المراد من القصة واتضح ~~المراد من ضمير الغيبة . # ثم جيء بضمائر الخطاب على طريقة الالتفات . # ويظهر أن النبي صلى الله عليه وسلم رجا من ذلك المجلس أن يسلموا فيسلم ~~بإسلامهم جمهور قريش أو جميعهم فكان دخول ابن أم مكتوم قطعا لسلك الحديث ~~وجعل يقول للنبيء صلى الله عليه وسلم يا رسول الله استدنني ، علمني ، ~~أرشدني ، ويناديه ويكثر والإلحاح فظهرت الكراهية في وجه الرسول صلى الله ~~عليه وسلم لعله لقطعه عليه ms9117 كلامه وخشيته أن يفترق النفر المجتمعون ، وفي ~~رواية الطبري أنه استقرأ النبي صلى الله عليه وسلم آية من القرآن . # وجملة { وما يدريك } الخ في موضع الحال . # ( وما يدريك ) مركبة من ( ما ) الاستفهامية وفعل الدراية المقترن بهمزة ~~التعدية ، أي ما يجعلك داريا أي عالما . ومثله : { ما أدراك } كقوله : { ~~وما أدراك ما الحاقة } ( الحاقة : 3 ) . ومنه { وما يشعركم أنها إذا جاءت ~~لا يؤمنون في سورة الأنعام . # والاستفهام في هذه التراكيب مراد منه التنبيه على مغفول عنه ثم تقع بعده ~~جملة نحو ما أدراك ما القارعة } ( القارعة : 3 ) ونحو قوله هنا : { وما ~~يدريك لعله يزكى } . PageV30P105 # والمعنى أي شيء يجعلك داريا . وإنما يستعمل مثله لقصد الإجمال ثم التفصيل ~~. # قال الراغب : ما ذكر ما أدراك في القرآن إلا وذكر بيانه بعده ا ه . قلت : ~~فقد يبينه تفصيل مثل قوله هنا : { وما يدريك لعله يزكى } وقوله : { وما ~~أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر } ( القدر : 2 3 ) وقد يقع ~~بعده ما فيه تهويل نحو : { وما أدراك ماهيه } ( القارعة : 10 ) أي ما يعلمك ~~حقيقتها وقوله : { وما أدراك ما الحاقة } ( الحاقة : 3 ) أي أي شيء أعلمك ~~جواب : { ما الحاقة } . # وفعل : { يدريك } معلق عن العمل في مفعوليه لورود حرف ( لعل ) بعده فإن ( ~~لعل ) من موجبات تعليق أفعال القلوب على ما أثبته أبو علي الفارسي في ( ~~التذكرة ) إلحاقا للترجي بالاستفهام في أنه طلب . فلما علق فعل { يدريك } ~~عن العمل صار غير متعد إلى ثلاثة مفاعيل وبقي متعديا إلى مفعول واحد بهمزة ~~التعدية التي فيه فصار ما بعده جملة مستأنفة . # والتذكر : حصول أثر التذكير ، فهو خطور أمر معلوم في الذهن بعد نسيانه إذ ~~هو مشتق من الذكر بضم الذال . # والمعنى : انظر فقد يكون تزكيه مرجوا ، أي إذا أقبلت عليه بالإرشاد زاد ~~الإيمان رسوخا في نفسه وفعل خيرات كثيرة مما ترشده إليه فزاد تزكية ، ~~فالمراد ب ( يتزكى ) تزكية زائدة على تزكية الإيمان بالتملي بفضائل شرائعه ~~ومكارم أخلاقه مما يفيضه هديك عليه ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ( ~~لو ms9118 أنكم تكونون إذا خرجتم من عندي كما تكونون عندي لصافحتكم الملائكة ) إذ ~~الهدى الذي يزداد به المؤمن رفعة وكمالا في درجات الإيمان هو كاهتداء ~~الكافر إلى الإيمان لا سيما إذ الغاية من الاهتداءين واحدة . # و { يزكى } أصله : يتزكى ، قلبت التاء زايا لتقارب مخرجيهما قصدا ليتأتى ~~الإدغام وكذلك فعل في { يذكر } من الإدغام . # والتزكي : مطاوع زكاه ، أي يحصل أثر التزكية في نفسه . وتقدم في سورة ~~النازعات . PageV30P106 # وجملة { أو يذكر } عطف على { يزكى } ، أي ما يدريك أن يحصل أحد الأمرين ~~وكلاهما مهم ، أي تحصل الذكرى في نفسه بالإرشاد لما لم يكن يعلمه أو تذكر ~~لما كان في غفلة عنه . # والذكرى : اسم مصدر التذكير . # وفي قوله تعالى : { فتنفعه الذكرى } اكتفاء عن أن يقول : فينفعه التزكي ~~وتنفعه الذكرى لظهور أن كليهما نفع له . # والذكرى : هو القرآن لأنه يذكر الناس بما يغفلون عنه قال تعالى : { وما ~~هو إلا ذكر للعالمين } ( القلم : 52 ) فقد كان فيما سأل عنه ابن أم مكتوم ~~آيات من القرآن . # وقرأ الجمهور : { فتنفعه } بالرفع عطفا على ( يذكر ) . وقرأه عاصم بالنصب ~~في جواب : { لعله يزكى } . # ( 5 ، 6 ) # تقدم الكلام على { أما } في سورة النازعات أنها بمعنى : مهما يكن شيء ، ~~فقوله : { أما من استغنى } تفسيره مهما يكن الذي استغنى فأنت له تصدى ، أي ~~مهما يكن شيء فالذي استغنى تتصدى له ، والمقصود : أنت تحرص على التصدي له ، ~~فجعل مضمون الجواب وهو التصدي له معلقا على وجود من استغنى وملازما له ~~ملازمة التعليقق الشرطي على طريقة المبالغة . # والاستغناء : عد الشخص نفسه غنيا في أمر يدل عليه السياق قول ، أو فعل أو ~~علم ، فالسين والتاء للحسبان ، أي حسب نفسه غنيا ، وأكثر ما يستعمل ~~الاستغناء في التكبر والاعتزاز بالقوة . # فالمراد ب { من استغنى } هنا : من عد نفسه غنيا عن هديك بأن أعرض عن ~~قبوله لأنه أجاب قول النبي صلى الله عليه وسلم له : ( هل ترى بما أقول بأسا ~~، بقوله : لا والدماء . . . ) كناية عن أنه لا بأس به يريد ولكني غير محتاج ~~إليه . # وليس المراد ب { من استغنى } من ms9119 استغنى بالمال إذ ليس المقام في إيثار ~~صاحب مال على فقير . PageV30P107 # وهذا الذي تصدى النبي صلى الله عليه وسلم لدعوته وعرض القرآن عليه هو على ~~أشهر الأقوال المروية عن سلف المفسرين الوليد بن المغيرة المخزومي كما تقدم ~~. # والإتيان بضمير المخاطب مظهرا قبل المسند الفعلي دون استتاره في الفعل ~~يجوز أن يكون للتقوي كأنه قيل : تتصدى له تصديا ، فمناط العتاب هو التصدي ~~القوي . # ويجوز أن يكون مفيدا للاختصاص ، أي فأنت لا غيرك تتصدى له ، أي ذلك ~~التصدي لا يليق بك . وهذا قريب من قولهم : مثلك لا يبخل ، أي لو تصدى له ~~غيرك لكان هونا ، فأما أنت فلا يتصدى مثلك لمثله فمناط العتاب هو أنه وقع ~~من النبي صلى الله عليه وسلم في جليل قدره . # وقرأ نافع وابن كثير وأبو جعفر بفتح التاء وتشديد الصاد على إدغام إحدى ~~التاءين في الصاد . والباقون بالفتح وتخفيف الصاد على حذف إحدى التاءين . # والتصدي : التعرض ، أطلق هنا على الإقبال الشديد مجازا . # جملة معترضة بين جملة { أما من استغنى } ( عبس : 5 ) وجملة : { وأما من ~~جاءك يسعى } ( عبس : 8 ) ، والواو اعتراضية . # و { ما } نافية و { عليك } خبر مقدم . والمبتدأ { ألا يزكى } ، والمعنى : ~~عدم تزكيه ليس محمولا عليك ، أي لست مؤاخذا بعدم اهتدائه حتى تزيد من الحرص ~~على ترغيبه في الإيمان ما لم يكلفك الله به . وهذا رفق من الله برسوله صلى ~~الله عليه وسلم # ( 8 10 ) # عطف على جملة { أما من استغنى } ( عبس : 5 ) اقتضى ذكره قصد المقابلة مع ~~المعطوف عليها مقابلة الضدين إتماما للتقسيم . والمراد : بمن جاء يسعى : هو ~~ابن أم PageV30P108 مكتوم ، فحصل بمضمون هذه الجملة تأكيد لمضمون { عبس ~~وتولى أن جاءه الأعمى } ( عبس : 1 2 ) . # والسعي : شدة المشي ، كني به عن الحرص على اللقاء فهو مقابل لحال من ~~استغنى لأن استغناءه استغناء الممتعض من التصدي له . # وجملة { وهو يخشى } في موضع الحال ، وحذف مفعول { يخشى } لظهوره لأن ~~الخشية في لسان الشرع تنصرف إلى خشية الله تعالى . # والمعنى : أنه جاء طلبا للتزكية لأن يخشى الله من التقصير ms9120 في الاسترشاد . ~~واختير الفعل المضارع لإفادته التجدد . # والقول في { فأنت عنه تلهى } كالقول في : { فأنت له تصدى } ( عبس : 6 ) . # والعبرة من هذه الآيات أن الله تعالى زاد نبيئه صلى الله عليه وسلم علما ~~عظيما من الحكمة النبوية ، ورفع درجة علمه إلى أسمى ما تبلغ إليه عقول ~~الحكماء رعاة الأمم ، فنبهه إلى أن في معظم الأحوال أو جميعها نواحي صلاح ~~ونفع قد تخفى لقلة اطرادها ، ولا ينبغي ترك استقرائها عند الاشتغال بغيرها ~~ولو ظنه الأهم ، وأن ليس الإصلاح بسلوك طريقة واحدة للتدبير بأخذ قواعد ~~كلية منضبطة تشبه قواعد العلوم يطبقها في الحوادث ويغضي عما يعارضها بأن ~~يسرع إلى ترجيح القوي على الضعيف مما فيه صفة الصلاح ، بل شأن مقوم الأخلاق ~~أن يكون بمثابة الطبيب بالنسبة إلى الطبائع والأمزجة فلا يجعل لجميع ~~الأمزجة علاجا واحدا بل الأمر يختلف باختلاف الناس . وهذا غور عميق يخاض ~~إليه من ساحل القاعدة الأصولية في باب الاجتهاد القائلة : إن المجتهد إذا ~~لاح له دليل : ( يبحث عن المعارض ) والقاعدة القائلة : ( إن لله تعالى حكما ~~قبل الاجتهاد نصب عليه أمارة وكلف المجتهد بإصابته فإن أصابه فله أجران وإن ~~أخطأه فله أجر واحد ) . # فإذا كان ذلك مقام المجتهدين من أهل العلم لأنه مستطاعهم فإن غوره هو ~~اللائق بمرتبة أفضل الرسل صلى الله عليه وسلم فيما لم يرد له فيه وحي ، ~~فبحثه عن الحكم أوسع مدى من مدى أبحاث عموم المجتهدين ، وتنقيبه على ~~المعارض أعمق غورا من تناوشهم ، لئلا يفوت سيد المجتهدين ما فيه من صلاح ~~ولو ضعيفا ، ما لم يكن PageV30P109 إعماله يبطل ما في غيره من صلاح أقوى ~~لأن اجتهاد الرسول صلى الله عليه وسلم في مواضع اجتهاده قائم مقام الوحي ~~فيما لم يوح إليه فيه . # فالتزكية الحق هي المحور الذي يدور عليه حال ابن أم مكتوم وحال المشرك من ~~حيث إنها مرغوبة للأول ومزهود فيها من الثاني ، وهي مرمى اجتهاد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لتحصيلها للثاني والأمن على قرارها للأول بإقباله على ~~الذي يتجافى عن دعوته ، وإعراضه ms9121 عن الذي يعلم من حاله أنه متزك بالإيمان . # وفي حاليهما حالان آخران سرهما من أسرار الحكمة التي لقنها الله نبيئه ~~صلى الله عليه وسلم وهو يخفى في معتاد نظر النظار فأنبأه الله به ليزيل عنه ~~ستار ظاهر حاليهما ، فإن ظاهر حاليهما قاض بصرف الاهتمام إلى أحدهما وهو ~~المشرك لدعوته إلى الإيمان حين لاح من لين نفسه لسماع القرآن ما أطمع النبي ~~صلى الله عليه وسلم بأنه قد اقترب من الإيمان فمحض توجيه كلامه إليه لأن ~~هدي الناس إلى الإيمان أعظم غرض بعث النبي صلى الله عليه وسلم لأجله ، ~~فالاشتغال به يبدو أهم وأرجح من الاشتغال بمن هو مؤمن خالص ، وذلك ما فعله ~~النبي صلى الله عليه وسلم # غير أن وراء ذلك الظاهر حالا آخر كامنا علمه الله تعالى العالم بالخفيات ~~ولم يوحح لرسوله صلى الله عليه وسلم التنقيب عليه وهو حال مؤمن هو مظنة ~~الازدياد من الخير ، وحال كافر مصمم على الكفر تؤذن سوابقه بعناده وأنه لا ~~يفيد فيه البرهان شيئا . وإن عميق التوسم في كلا الحالين قد يكشف للنبيء ~~صلى الله عليه وسلم بإعانة الله رجحان حال المؤمن المزداد من الرشد والهدي ~~على حال الكافر الذي لا يغر ما أظهره من اللين مصانعة أو حياء من المكابرة ~~، فإن كان في إيمان الكافر نفع عظيم عام للأمة بزيادة عددها ونفع خاص لذاته ~~. وفي ازدياد المؤمن من وسائل الخير وتزكية النفس نفع خاص له والرسول راع ~~لآحاد الأمة ولمجموعها ، فهو مخاطب بالحفاظ على مصالح المجموع ومصالح ~~الآحاد بحيث لا يدحض مصالح الآحاد لأجل مصالح المجموع إلا إذا تعذر الجمع ~~بين الصالح العام والصالح الخاص ، بيد أن الكافر صاحب هذه القضية تنبىء ~~دخيلته بضعف الرجاء في إيمانه لو أطيل التوسم في حاله ، وبذلك تعطل ~~الانتفاع بها عموما وخصوصا وتمخض أن لتزكية المؤمن PageV30P110 صاحب القضية ~~نفعا لخاصة نفسه ولا يخلو من عود تزكية بفائدة على الأمة بازدياد الكاملين ~~من أفرادها . # وقد حصل من هذا إشعار من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم بأن ms9122 الاهتداء ~~صنوف عديدة وله مراتب سامية ، وليس الاهتداء مقتصرا على حصول الإيمان مراتب ~~وميادين لسبق همم النفوس لا يغفل عن تعهدها بالتثبيت والرعي والإثمار ، ~~وذلك التعهد إعانة على تحصيل زيادة الإيمان . # وتلك سرائر لا يعلم حقها وفروقها إلا الله تعالى . فعلى الرسول صلى الله ~~عليه وسلم وهو خليفة الله في خلقه أن يتوخاها بقدر المستطاع ، فما أوحى ~~الله إليه في شأنه اتبع ما يوحى إليه وما لم ينزل عليه وحي في شأنه فعليه ~~أن يصرف اجتهاده كما أشار إليه قوله تعالى : { ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم ~~بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول } ( محمد : 30 ) . # فكان ذلك موقع هذه الوصية المفرغة في قالب المعاتبة للتنبيه إلى الاكتراث ~~بتتبع تلك المراتب وغرس الإرشاد فيها على ما يرجى من طيب تربتها ليخرج منها ~~نبات نافع للخاص وللعامة . # والحاصل أن الله تعالى أعلم رسوله صلى الله عليه وسلم أن ذلك المشرك الذي ~~محضه نصحه لا يرجى منه صلاح ، وأن ذلك المؤمن الذي استبقى العناية به إلى ~~وقت آخر يزداد صلاحا تفيد المبادرة به ، لأنه في حالة تلهفه على التلقي من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد استعدادا منه في حين آخر . # فهذه الحادثة منوال ينسج عليه الاجتهاد النبوي إذا لم يرد له الوحي ليعلم ~~أن من وراء الظواهر خبايا ، وأن القرائن قد تستر الحقائق . # وفي ما قررنا ما يعرف به أن مرجع هذه الآية وقضيتها إلى تصرف النبي صلى ~~الله عليه وسلم بالاجتهاد فيما لم يوح إليه فيه ، وأنه ما حاد عن رعاية ~~أصول الاجتهاد قيد أنملة . وهي دليل لما تقرر في أصول الفقه من جواز ~~الاجتهاد للنبيء صلى الله عليه وسلم ووقوعه ، وأنه جرى على قاعدة إعمال ~~أرجح المصلحتين بحسب الظاهر ، لأن السرائر موكولة إلى الله تعالى ، وأن ~~اجتهاده صلى الله عليه وسلم لا يخطىء بحسب ما نصبه الله من الأدلة ، ولكنه ~~PageV30P111 قد يخالف ما في علم الله ، وأن الله لا يقر رسوله صلى الله ~~عليه وسلم على ما فيه مخالفة لما أراده الله ms9123 في نفس الأمر . # ونظير هذه القضية قضية أسرى بدر التي حدثت بعد سنين من نزول هذه الآية ~~والموقف فيهما متماثل . # وفي قوله تعالى : { وما يدريك لعله يزكى } ( عبس : 3 ) إيماء إلى عذر ~~النبي صلى الله عليه وسلم في تأخيره إرشاد ابن أم مكتوم لما علمت من أنه ~~يستعمل في التنبيه على أمر مغفول عنه ، والمعنى : لعله يزكى تزكية عظيمة ~~كانت نفسه متهيئة لها ساعتئذ إذ جاء مسترشدا حريصا ، وهذه حالة خفية . # وكذلك عذره في الحرص على إرشاد المشرك بقوله : { وما عليك ألا يزكى } ( ~~عبس : 7 ) إذ كان النبي صلى الله عليه وسلم يخشى تبعة من فوات إيمان المشرك ~~بسبب قطع المحاورة معه والإقبال على استجابة المؤمن المسترشد . # فإن قال قائل : فلماذا لم يعلم الله رسوله صلى الله عليه وسلم من وقت ~~حضور ابن أم مكتوم بما تضمنه هذا التعليم الذي ذكرتم . # قلنا : لأن العلم الذي يحصل عن تبين غفلة ، أو إشعار بخفاء يكون أرسخ في ~~النفس من العلم المسوق عن غير تعطش ولأن وقوع ذلك بعد حصول سببه أشهر بين ~~المسلمين وليحصل للنبيء صلى الله عليه وسلم مزية كلا المقامين : مقام ~~الاجتهاد ، ومقام الإفادة . # وحكمة ذلك كله أن يعلم الله رسوله صلى الله عليه وسلم بهذا المهيع من علي ~~الاجتهاد لتكون نفسه غير غافلة عن مثله وليتأسى به علماء أمته وحكامها ~~وولاة أمورها . # ونظير هذا ما ضربه الله لموسى عليه السلام من المثل في ملاقاة الخضر ، ~~وما جرى من المحاورة بينهما ، وقول الخضر لموسى : { وكيف تصبر على ما لم ~~تحط به خبرا } ( الكهف : 68 ) ثم قوله له : { ذلك تأويل ما لم تسطع عليه ~~صبرا } ( الكهف : 82 ) . وقد سبق مثله في الشرائع السابقة كقوله في قصة نوح ~~: { يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح } ( هود : 46 ) وقوله ~~لإبراهيم : { لا ينال عهدي الظالمين } ( البقرة : 124 ) . # هذا ما لاح لي في تفسير هذه الآيات تأصيلا وتفصيلا ، وهو بناء على أساس ~~PageV30P112 ما سبق إليه المفسرون من جعلهم مناط العتاب مجموع ما ms9124 في القصة ~~من الإعراض عن إرشاد ابن أم مكتوم ، ومن العبوس له ، والتولي عنه ، ومن ~~التصدي القوي لدعوة المشرك والإقبال عليه . # والأظهر عندي أن مناط العتاب الذي تؤتيه لهجة الآية والذي روي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم ثبوته من كثرة ما يقول لابن أم مكتوم : ( مرحبا بمن ~~عاتبني ربي لأجله ) إنما هو عتاب على العبوس والتولي ، لا على ما حف بذلك ~~من المبادرة بدعوة ، وتأخير إرشاد ، لأن ما سلكه النبي صلى الله عليه وسلم ~~في هذه الحادثة من سبيل الإرشاد لا يستدعي عتابا إذ ما سلك إلا سبيل ~~الاجتهاد القويم لأن المقام الذي أقيمت فيه هذه الحادثة تقاضاه إرشادانن لا ~~محيص من تقديم أحدهما على الآخر ، هما : إرشاد كافر إلى الإسلام عساه أن ~~يسلم ، وإرشاد مؤمن إلى شعب الإسلام عساه أن يزداد تزكية . # وليس في حال المؤمن ما يفيت إيمانا وليس في تأخير إرشاده على نية التفرغ ~~إليه بعد حين ما يناكد زيادة صلاحه فإن زيادة صلاحه مستمرة على ممر الأيام ~~. # ومن القواعد المستقراة من تصاريف الشريعة والشاهدة بها العقول السليمة ~~تقديم درء المفاسد على جلب المصالح ، ونفي الضر الأكبر قبل نفي الضر الأصغر ~~، فلم يسلك النبي صلى الله عليه وسلم إلا مسلك الاجتهاد المأمور به فيما لم ~~يوح إليه فيه . وهو داخل تحت قوله تعالى لعموم الأمة : { فاتقوا الله ما ~~استطعتم } ( التغابن : 16 ) وهو القائل : ( إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ~~ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع . فمن قضيت ~~له بحق أخيه فلا يأخذه فإنما اقتطع له قطعة من نار ) ، وهو القائل : ( أمرت ~~أن أحكم بالظاهر والله يتولى السرائر ) وهو حديث صحيح المعنى وإن كان في ~~إسناده تردد . فلا قبل له بعلم المغيبات إلا أن يطلعه الله على شيء منها ، ~~فلا يعلم أن هذا المشرك مضمر الكفر والعناد وأن الله يعلم أنه لا يؤمن ولا ~~أن لذلك المؤمن في ذلك صفاء نفس وإشراق قلب لا يتهيآن له في كل وقت ms9125 . ~~PageV30P113 # وبذلك يستبين أن ما أوحى الله به إلى نبيئه صلى الله عليه وسلم في هذه ~~السورة هو وحي له بأمر كان مغيبا عنه حين أقبل على دعوة المشرك وأرجأ إرشاد ~~المؤمن . وليس في ظاهر حالهما ما يؤذن بباطنه وما أظهر الله فيها غيب علمه ~~إلا لإظهار مزية مؤمن راسخ الإيمان وتسجيل كفر مشرك لا يرجى منه الإيمان ، ~~مع ما في ذلك من تذكير النبي صلى الله عليه وسلم بما علمه الله من حسن أدبه ~~مع المؤمنين ورفع شأنهم أمام المشركين . فمناط المعاتبة هو العبوس للمؤمن ~~بحضرة المشرك الذي يستصغر أمثال ابن أم مكتوم ، فما وقع في خلال هذا العتاب ~~من ذكر حال المؤمن والكافر إنما هو إدماج لأن في الحادثة فرصة من التنويه ~~بسمو منزلة المؤمن لانطواء قلبه على أشعة تؤهله لأن يستنير بها ويفيضها على ~~غيره جمعا بين المعاتبة والتعليم ، على سنن هدي القرآن في المناسبات . # ( 11 16 ) { } # . # إبطال وقد تقدم ذكر ( كلا ) في سورة مريم ( 79 82 ) ، وتقدم قريبا في ~~سورة النبأ ( 4 ، 5 ) ، وهو هنا إبطال لما جرى في الكلام السابق ولو ~~بالمفهوم كما في قوله : { وما يدريك لعله يزكى } ( عبس : 3 ) . ولو ~~بالتعريض أيضا كما في قوله : { عبس وتولى } ( عبس : 1 ) . # وعلى التفسير الثاني المتقدم ينصرف الإبطال إلى { عبس وتولى } خاصة . # ويجوز أن يكون تأكيدا لقوله : { وما عليك ألا يزكى } ( عبس : 7 ) على ~~التفسيرين ، أي لا تظن أنك مسؤول عن مكابرته وعناده فقد بلغت ما أمرت ~~بتبليغه . # . # استئناف بعد حرف الإبطال ، وهو استئناف بياني لأن ما تقدم من العتاب ثم ~~ما عقبه من الإبطال يثير في خاطر الرسول صلى الله عليه وسلم الحيرة في كيف ~~يكون العمل في دعوة صناديد قريش إذا لم يتفرغ لهم لئلا ينفروا عن التدبر في ~~القرآن ، أو يثير PageV30P114 في نفسه مخافة أن يكون قصر في شيء من واجب ~~التبليغ . # وضمير { إنها } عائد إلى الدعوة التي تضمنها قوله : { فأنت له تصدى } ( ~~عبس : 6 ) . # ويجوز أن يكون المعنى : أن هذه الموعظة تذكرة لك ms9126 وتنبيه لما غفلت عنه ~~وليست ملاما وإنما يعاتب الحبيب حبيبه . # ويجوز عندي أن يكون { كلا إنها تذكرة } استئنافا ابتدائيا موجها إلى من ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعوه قبيل نزول السورة فإنه كان يعرض القرآن ~~على الوليد بن المغيرة ومن معه ، وكانوا لا يستجيبون إلى ما دعاهم ولا ~~يصدقون بالبعث ، فتكون ( كلا ) إبطالا لما نعتوا به القرآن من أنه أساطير ~~الأولين أو نحو ذلك . # فيكون ضمير { إنها تذكرة } عائدا إلى الآيات التي قرأها النبي صلى الله ~~عليه وسلم عليهم في ذلك المجلس ثم أعيد عليها الضمير بالتذكير للتنبيه على ~~أن المراد آيات القرآن . # ويؤيد هذا الوجه قوله تعالى عقبه : { قتل الإنسان ما أكفره } ( عبس : 17 ~~) الآيات حيث ساق لهم أدلة إثبات البعث . # فكان تأنيث الضمير نكتة خصوصية لتحميل الكلام هذه المعاني . # والضمير الظاهر في قوله : { ذكره } يجوز أن يعود إلى { تذكرة } لأن ما ~~صدقها القرآن الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرضه على صناديد قريش ~~قبيل نزول هذه السورة ، أي فمن شاء ذكر القرآن وعمل به . # ويجوز أن يكون الضمير عائدا إلى الله تعالى فإن إعادة ضمير الغيبة على ~~الله تعالى دون ذكر معاده في الكلام كثير في القرآن لأن شؤونه تعالى ~~وأحكامه نزل القرآن لأجلها فهو ملحوظ لكل سامع للقرآن ، أي فمن شاء ذكر ~~الله وتوخى مرضاته . # والذكر على كلا الوجهين : الذكر بالقلب ، وهو توخي الوقوف عند الأمر ~~والنهي . وتعدية فعل ( ذكر ) إلى ذلك الضمير على الوجهين على حذف مضاف ~~يناسب المقام . PageV30P115 # والذي اقتضى الإتيان بالضمير وكونه ضمير مذكر مراعاة الفواصل وهي : { ~~تذكره ، مطهره ، سفره ، برره } . # وجملة : { فمن شاء ذكره } معترضة بين قوله : { تذكرة } وقوله : { في صحف ~~} . # والفاء لتفريع مضمون الجملة على جملة { إنها تذكرة } فإن الجملة المعترضة ~~تقترن بالفاء إذا كان معنى الفاء قائما ، فالفاء من جملة الاعتراض ، أي هي ~~تذكرة لك بالأصالة وينتفع بها من شاء أن يتذكر على حسب استعداده ، أي يتذكر ~~بها كل مسلم كقوله تعالى : { وإنه لذكر لك ولقومك } ( الزخرف : 44 ) . # وفي ms9127 قوله : { فمن شاء ذكره } تعريض بأن موعظة القرآن نافعة لكل أحد تجرد ~~عن العناد والمكابرة ، فمن لم يتعظ بها فلأنه لم يشأ أن يتعظ . وهذا كقوله ~~تعالى : { إنما أنت منذر من يخشاها } ( النازعات : 45 ) وقوله : { لمن شاء ~~منكم أن يستقيم } ( التكوير : 28 ) وقوله : { وإنه لتذكرة للمتقين } ( ~~الحاقة : 48 ) ونحوه كثير ، وقد تقدم قريب منه في قوله تعالى : { فمن شاء ~~اتخذ إلى ربه سبيلا في سورة الإنسان . # والتذكرة : اسم لما يتذكر به الشيء إذا نسي . قال الراغب : وهي أعم من ~~الدلالة والأمارة قال تعالى : فما لهم عن التذكرة معرضين . وتقدم نظيره في ~~سورة المدثر . # وكل من تذكرة } و { ذكره } هو من الذكر القلبي الذي مصدره بضم الدال في ~~الغالب ، أي فمن شاء عمل به ولا ينسه . # والصحف : جمع صحيفة ، وهي قطعة من أديم أو ورق أو خرقة يكتب فيها الكتاب ~~، وقياس جمعها صحائف ، وأما جمعها على صحف فمخالف للقياس ، وهو الأفصح ولم ~~يرد في القرآن إلا صحف ، وسيأتي في سورة الأعلى ، وتطلق الصحيفة على ما ~~يكتب فيه . # و { مطهرة } اسم مفعول من طهره إذا نظفه . والمراد هنا : الطهارة ~~المجازية وهي الشرف ، فيجوز أن يحمل الصحف على حقيقته فتكون أوصافها ب { ~~مكرمة ، مرفوعة ، مطهرة } محمولة على المعاني المجازية وهي معاني الاعتناء ~~بها PageV30P116 كما قال تعالى : { قالت يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب ~~كريم } ( النمل : 29 ) . وتشريفها كما قال تعالى : { إن كتاب الأبرار لفي ~~عليين } ( المطففين : 18 ) وقدسية معانيها كما قال تعالى : { ويعلمهم ~~الكتاب والحكمة ويزكيهم } ( البقرة : 129 ) ، وكان المراد بالصحف الأشياء ~~التي كتب فيها القرآن من رقوق وقراطيس ، وأكتاف ، ولخاف ، وجريد . # فقد روي أن كتاب الوحي كانوا يكتبون فيها كما جاء في خبر جمع أبي بكر ~~للمصحف حين أمر بكتابته في رقوق أو قراطيس ، ويكون إطلاق الصحف عليها ~~تغليبا ويكون حرف ( في ) للظرفية الحقيقية ويكون المراد بالسفرة جمع سافر ، ~~أي كاتب ، وروي عن ابن عباس . قال الزجاج : وإنما قيل للكتاب سفر ( بكسر ~~السين ) وللكاتب سافر ؛ لأن معناه أنه يبين الشيء ويوضحه ms9128 يقال : أسفر الصبح ~~، إذا أضاء وقاله الفراء . # ويجوز أن يراد بالصحف كتب الرسل الذين قبل محمد صلى الله عليه وسلم مثل ~~التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم عليه السلام . فتكون هذه الأوصاف ~~تأييدا للقرآن بأن الكتب الإلاهية السابقة جاءت بما جاء به . ومعنى كون هذه ~~التذكرة في كتب الرسل السابقين : أن أمثال معانيها وأصولها في كتبهم ، كما ~~قال تعالى : { إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى } ( الأعلى : 18 ~~19 ) وكما قال : { وإنه لفي زبر الأولين } ( الشعراء : 196 ) وكما قال : { ~~شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم ~~وموسى وعيسى } ( الشورى : 13 ) . # ويجوز أن يراد بالصحف صحف مجازية ، أي ذوات موجودة قدسية يتلقى جبريل ~~عليه السلام منها القرآن الذي يؤمر بتبليغه للنبيء صلى الله عليه وسلم ~~ويكون إطلاق الصحف عليها لشبهها بالصحف التي يكتب الناس فيها . ومعنى { ~~مكرمة } عناية الله بها ، ومعنى { مرفوعة } أنها من العالم العلوي ، ومعنى ~~{ مطهرة } مقدسة مباركة ، أي هذه التذكرة مما تضمنه علم الله وما كتبه ~~للملائكة في صحف قدسية . # وعلى الوجهين المذكورين في المراد بالصحف ( فسفرة ) يجوز أن يكون جمع ~~سافر ، مثل كاتب وكتبة ، ويجوز أن يكون اسم جمع سفير ، وهو المرسل في أمر ~~PageV30P117 مهم ، فهو فعيل بمعنى فاعل ، وقياس جمعه سفراء وتكون ( في ) ~~للظرفية المجازية ، أي المماثلة في المعاني . # وتأتي وجوه مناسبة في معنى { سفرة } ، فالمناسب للوجه الأول : أن يكون ~~السفرة كتاب القرآن من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أن يكون ~~المراد قراء القرآن ، وبه فسر قتادة وقال : هم بالنبطية القراء ، وقال ~~غيرهم : الوراقون باللغة العبرانية . # وقد عدت هذه الكلمة في عداد ما ورد في القرآن من المعرب كما في ( الإتقان ~~) عن ابن أبي حاتم ، وقد أغفلها السيوطي فيما استدركه على ابن السبكي وابن ~~حجر في نظميهما في المعرب في القرآن أو قصد عدم ذكرها لوقوع الاختلاف في ~~تعريبها . # والمناسب للوجه الثاني : أن يكون محمله الرسل . # والمناسب للوجه الثالث : أن يكون محمله الملائكة لأنهم سفراء ms9129 بين الله ~~ورسله . # والمراد بأيديهم : حفظهم إياه إلى تبليغه ، فمثل حال الملائكة بحال ~~السفراء الذين يحملون بأيديهم الألوك والعهود . # وإما أن يراد : الرسل الذين كانت بأيديهم كتبهم مثل موسى وعيسى عليهما ~~السلام . # وإما أن يراد كتاب الوحي مثل عبد الله بن سعد بن أبي سرح ، وعبد الله بن ~~عمرو بن العاص ، وعمر وعثمان وعلي وعامر بن فهيرة . # وكان بعض المسلمين يكتب ما يتلقاه من القرآن ليدرسه مثل ما ورد في حديث ~~إسلام عمر بن الخطاب من عثوره على سورة طه مكتوبة عند أخته أم جميل فاطمة ~~زوج سعيد بن زيد . # وفي وصفهم بالسفرة ثناء عليهم لأنهم يبلغون القرآن للناس وهم حفاظه ~~ووعاته قال تعالى : { بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم } ( ~~العنكبوت : 49 ) فهذا معنى PageV30P118 السفرة . وفيه بشارة بأنهم سينشرون ~~الإسلام في الأمم وقد ظهر مما ذكرنا ما لكلمة { سفرة } من الوقع العظيم ~~المعجز في هذا المقام . # ووصف { كرام } مما وصف به الملائكة في آيات أخرى كقوله تعالى { كراما ~~كاتبين } ( الانفطار : 11 ) . # ووصف البررة ورد صفة للملائكة في الحديث الصحيح قوله : ( الذي يقرأ ~~القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة ) . # والبررة : جمع بر ، وهو الموصوف بكثرة البرور . وأصل بر مصدر بر يبر من ~~باب فرح ، ومصدره كالفرح ، فهذا من باب الوصف بالمصدر مثل عدل وقد اختص ~~البررة بجمع بر ولا يكون جمع بار . # والغالب في اصطلاح القرآن أن البررة الملائكة والأبرار الآدميون . قال ~~الراغب : ( لأن بررة أبلغ من أبرار إذ هو جمع بر ، وأبرار جمع بار ، وبر ~~أبلغ من بار كما أن عدلا أبلغ من عادل ) . # وهذا تنويه بشأن القرآن لأن التنويه بالآيات الواردة في أول هذه السورة ~~من حيث إنها بعض القرآن فأثني على القرآن بفضيلة أثره في التذكير والإرشاد ~~، وبرفعة مكانته ، وقدس مصدره ، وكرم قراره ، وطهارته ، وفضائل حملته ~~ومبلغيه ، فإن تلك المدائح عائدة إلى القرآن بطريق الكناية . # ( 17 22 ) { } # استئناف ابتدائي نشأ عن ذكر من استغنى فإنه أريد به معين واحد أو أكثر ، ~~وذلك يبينه ms9130 ما وقع من الكلام الذي دار بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين ~~صناديد المشركين في المجلس الذي دخل فيه ابن أم مكتوم . # والمناسبة وصف القرآن بأنه تذكرة لمن شاء أن يتذكر ، وإذ قد كان أكبر ~~PageV30P119 دواعيهم على التكذيب بالقرآن أنه أخبر عن البعث وطالبهم ~~بالإيمان به كان الاستدلال على وقوع البعث أهم ما يعتنى به في هذا التذكير ~~وذلك من أفنان قوله : { فمن شاء ذكره } ( عبس : 12 ) . # والذي عرف بقوله : { من استغنى } ( عبس : 5 ) يشمله العموم الذي أفاده ~~تعريف { الإنسان } من قوله تعالى : { قتل الإنسان ما أكفره } . # وفعل قتل فلان أصله دعاء عليه بالقتل . والمفسرون الأولون جعلوا : { قتل ~~الإنسان } أنه لعن ، رواه الضحاك عن ابن عباس وقاله مجاهد وقتادة وأبو مالك ~~. قال في ( الكشاف ) : ( دعاء عليه وهذا من أشنع دعواتهم ) ، أي فمورده غير ~~مورد قوله تعالى : { قاتلهم الله } ( التوبة : 30 ) وقولهم : قاتل الله ~~فلانا يريدون التعجب من حاله ، وهذا أمر مرجعه للاستعمال ولا داعي إلى حمله ~~على التعجيب لأن قوله : { ما أكفره } يغني عن ذلك . # والدعاء بالسوء من الله تعالى مستعمل في التحقير والتهديد لظهور أن حقيقة ~~الدعاء لا تناسب الإلاهية لأن الله هو الذي يتوجه إليه الناس بالدعاء . # وبناء { قتل } للمجهول متفرع على استعماله في الدعاء ، إذ لا غرض في قاتل ~~يقتله ، وكثر في القرآن مبنيا للمجهول نحو { فقتل كيف قدر } ( المدثر : 19 ~~) . # وتعريف { الإنسان } يجوز أن يكون التعريف المسمى تعريف الجنس فيفيد ~~استغراق جميع أفراد الجنس ، وهو استغراق حقيقي ، وقد يراد به استغراق معظم ~~الأفراد بحسب القرائن فتولد بصيغة الاستغراق ادعاء لعدم الاعتداد بالقليل ~~من الأفراد ، ويسمى الاستغراق العرفي في اصطلاح علماء المعاني ، ويسمى ~~العام المراد به الخصوص في اصطلاح علماء الأصول والقرينة هنا ما بين به كفر ~~الإنسان من قوله : { من أي شيء خلقه } إلى قوله : { ثم إذا شاء أنشره } ~~فيكون المراد من قوله : { الإنسان } المشركين المنكرين البعث ، وعلى ذلك ~~جملة المفسرين ، فإن معظم العرب يومئذ كافرون بالبعث . # قال مجاهد : ما كان في القرآن { قتل الإنسان ms9131 } فإنما عني به الكافر . # والأحكام التي يحكم بها على الأجناس يراد أنها غالبة على الجنس ، ~~فالاستغراق PageV30P120 الذي يقتضيه تعريف لفظ الجنس المحكوم عليه استغراق ~~عرفي معناه ثبوت الحكم للجنس على الجملة ، فلا يقتضي اتصاف جميع الأفراد به ~~، بل قد يخلو عنه بعض الأفراد وقد يخلو عنه المتصف به في بعض الأحيان ، ~~فقوله : { ما أكفره } تعجيب من كفر جنس الإنسان أو شدة كفره وإن كان القليل ~~منه غير كافر . # فآل معنى الإنسان إلى الكفار من هذا الجنس وهم الغالب على نوع الإنسان . # فغالب الناس كفروا بالله من أقدم عصور التاريخ وتفشى الكفر بين أفراد ~~الإنسان وانتصروا له وناضلوا عنه . ولا أعجب من كفر من ألهوا أعجز ~~الموجودات من حجارة وخشب ، أو نفوا أن يكون لهم رب خلقهم . # ويجوز أن يكون تعريف { الإنسان } تعريف العهد لشخص معين من الإنسان يعينه ~~خبر سبب النزول ، فقيل : أريد به أمية بن خلف ، وكان ممن حواه المجلس الذي ~~غشيه ابن أم مكتوم ، وعندي أن الأولى أن يكون أراد به الوليد بن المغيرة . # وعن ابن عباس أن المراد عتبة بن أبي لهب ، وذكر في ذلك قصة لا علاقة لها ~~بخبر المجلس الذي غشيه ابن أم مكتوم ، فتكون الجملة مستأنفة استئنافا ~~ابتدائيا ، والمناسبة ظاهرة . # وجملة { ما أكفره } تعليل لإنشاء الدعاء عليه دعاء التحقير والتهديد . ~~وهذا تعجيب من شدة كفر هذا الإنسان . # ومعنى شدة الكفر أن كفره شديد كما وكيفا ، ومتى ، لأنه كفر بوحدانية الله ~~، وبقدرته على إعادة خلق الأجسام بعد الفناء ، وبإرساله الرسول ، وبالوحي ~~إليه صلى الله عليه وسلم وأنه كفر قوي لأنه اعتقاد قوي لا يقبل التزحزح ، ~~وأنه مستمر لا يقلع عنه مع تكرر التذكير والإنذار والتهديد . # وهذه الجملة بلغت نهاية الإيجاز وأرفع الجزالة بأسلوب غليظ دال على السخط ~~بالغ حد المذمة ، جامع للملامة ، ولم يسمع مثلها قبلها ، فهي من جوامع ~~الكلم القرآنية . PageV30P121 # وحذف المتعلق بلفظ { أكفره } لظهوره من لفظ ( أكفر ) وتقديره : ما أكفره ~~بالله . # وفي قوله : { قتل الإنسان ما أكفره } محسن الاتزان فإنه من بحر الرمل ms9132 من ~~عروضه الأولى المحذوفة . # وجملة { من أي شيء خلقه } بيان لجملة { قتل الإنسان ما أكفره } ، لأن ~~مفاد هذه الجملة الاستدلال على إبطال إحالتهم البعث وذلك الإنكار من أكبر ~~أصول كفرهم . # وجيء في هذا الاستدلال بصورة سؤال وجواب للتشويق إلى مضمونه ، ولذلك قرن ~~الاستفهام بالجواب عنه على الطريقة المتقدمة في قوله تعالى : { عم يتساءلون ~~عن النبأ العظيم } ( النبأ : 1 2 ) . # والاستفهام صوري ، وجعل المستفهم عنه تعيين الأمر الذي به خلق الإنسان ~~لأن المقام هنا ليس لإثبات أن الله خلق الإنسان ، بل المقام لإثبات إمكان ~~إعادة الخلق بتنظيره بالخلق الأول على طريقة قوله تعالى : { أفعيينا بالخلق ~~الأول } ( ق : 15 ) أي كما كان خلق الإنسان أول مرة من نطفة يكون خلقه ثاني ~~مرة من كائن ما ، ونظيره قوله تعالى : { فلينظر الإنسان مم خلق خلق من ماء ~~دافق يخرج من بين الصلب والترائب إنه على رجعه لقادر في سورة الطارق ( 5 8 ~~) . # والضمير المستتر في قوله : خلقه } عائد إلى لله تعالى المعلوم من فعل ~~الخلق لأن المشركين لم يكونوا ينكرون أن الله خالق الإنسان . # وقدم الجار والمجرور في قوله : { من نطفة خلقه } محاكاة لتقديم المبين في ~~السؤال الذي اقتضى تقديمه كونه استفهاما يستحق صدر الكلام ، مع الاهتمام ~~بتقديم ما منه الخلق ، لما في تقديمه من التنبيه للاستدلال على عظيم حكمة ~~الله تعالى إذ كون أبدع مخلوقق معروف من أهون شيء وهو النطفة . # وإنما لم يستغن عن إعادة فعل خلقه في جملة الجواب مع العلم به بتقدم ذكر ~~حاصله في السؤال لزيادة التنبيه على دقة ذلك الخلق البديع . PageV30P122 # فذكر فعل { خلقه } الثاني من أسلوب المساواة ليس بإيجاز ، وليس بإطناب . # والنطفة : الماء القليل ، وهي فعلة بمعنى مفعولة كقولهم : قبضة حب ، ~~وغرفة ماء . وغلب إطلاق النطفة على الماء الذي منه التناسل ، فذكرت النطفة ~~لتعين ذكرها لأنها مادة خلق الحيوان للدلالة على أن صنع الله بديع فإمكان ~~البعث حاصل ، وليس في ذكر النطفة هنا إيماء إلى تحقير أصل نشأة الإنسان لأن ~~قصد ذلك محل نظر ، على أن المقام ms9133 هنا للدلالة على خلقق عظيم وليس مقام زجر ~~المتكبر . # وفرع على فعل { خلقه } فعل { فقدره } بفاء التفريع لأن التقدير هنا إيجاد ~~الشيء على مقدار مضبوط منظم كقوله تعالى : { وخلق كل شيء فقدره تقديرا } ( ~~الفرقان : 2 ) أي جعل التقدير من آثار الخلق لأنه خلقه متهيئا للنماء وما ~~يلابسه من العقل والتصرف وتمكينه من النظر بعقله ، والأعمال التي يريد ~~إتيانها وذلك حاصل مع خلقه مدرجا مفرعا . # وهذا التفريع وما عطف عليه إدماج للامتنان في خلال الاستدلال . # وحرف { ثم } من قوله : { ثم السبيل يسره } للتراخي الرتبي لأن تيسير سبيل ~~العمل الإنساني أعجب في الدلالة على بديع صنع الله لأنه أثر العقل وهو أعظم ~~ما في خلق الإنسان وهو أقوى في المنة . # و { السبيل } : الطريق ، وهو هنا مستعار لما يفعله الإنسان من أعماله ~~وتصرفاته تشبيها للأعمال بطريق يمشي فيه الماشي تشبيه المحسوس بالمعقول . # ويجوز أن يكون مستعارا لمسقط المولود من بطن أمه فقد أطلق على ذلك الممر ~~اسم السبيل في قولهم : ( السبيلان ) فيكون هذا من استعمال اللفظ في مجازيه ~~. وفيه مناسبة لقوله بعده : { ثم أماته فأقبره } ، ف { أماته } مقابل { ~~خلقه } و { أقبره } مقابل { ثم السبيل يسره } لأن الإقبار إدخال في الأرض ~~وهو ضد خروج المولود إلى الأرض . # والتيسير : التسهيل ، و { السبيل } منصوب بفعل مضمر على طريق PageV30P123 ~~الاشتغال ، والضمير عائد إلى { السبيل } . والتقدير : يسر السبيل له ، ~~كقوله : { ولقد يسرنا القرآن للذكر } ( القمر : 17 ) أي لذكر الناس . # وتقديم { السبيل } على فعله للاهتمام بالعبرة بتيسير السبيل بمعنييه ~~المجازيين ، وفيه رعاية للفواصل . # وكذلك عطف { ثم أماته } على { يسره } بحرف التراخي هو لتراخي الرتبة فإن ~~انقراض تلك القوى العقلية والحسية بالموت ، بعد أن كانت راسخة زمنا ما ، ~~انقراض عجيب دون تدريج ولا انتظار زمانن يساوي مدة بقائها ، وهذا إدماج ~~للدلالة على عظيم القدرة . # ومن المعلوم بالضرورة أن الكثير الذي لا يحصى من أفراد النوع الإنساني قد ~~صار أمره إلى الموت وأن من هو حي آيل إلى الموت لا محالة ، فالمعنى : ثم ~~أماته ويميته . # فصيغة المضي في قوله : { أماته } مستعملة ms9134 في حقيقته وهو موت من مات ، ~~ومجازه وهو موت من سيموتون ، لأن موتهم في المستقبل محقق . وذكر جملة : { ~~ثم أماته } توطئة وتمهيد لجملة { فأقبره } . # وإسناد الإماتة إلى الله تعالى حقيقة عقلية بحسب عرف الاستعمال . وهذا ~~إدماج للامتنان في خلال الاستدلال كما أدمج : { فقدره ثم السبيل يسره } ~~فيما سبق . # و { أقبره } جعله ذا قبر ، وهو أخص من معنى قبره ، أي أن الله سبب له أن ~~يقبر . قال الفراء : ( أي جعله مقبورا ، ولم يجعله ممن يلقى للطير والسباع ~~ولا ممن يلقى في النواويس ) ( جمع ناووس صندوق من حجر أو خشب يوضع فيه ~~الميت ويجعل في بيت أو نحوه ) . # والإقبار : تهيئة القبر ، ويقال : أقبره أيضا ، إذا أمر بأن يقبر ، ويقال ~~: قبر الميت ، إذا دفنه ، فالمعنى : أن الله جعل الناس ذوي قبور . # وإسناد الإقبار إلى الله تعالى مجاز عقلي لأن الله ألهم الناس الدفن كما ~~في قصة دفن أحد ابني آدم أخاه بإلهام تقليده لفعل غراب حفر لغراب آخر ميت ~~حفرة PageV30P124 فواراه فيها ، وهي في سورة العقود ، فأسند الإقبار إلى ~~الله لأنه ألهم الناس إياه . وأكد ذلك بما أمر في شرائعه من وجوب دفن الميت ~~. # والقول في أن صيغة المضي مستعملة في حقيقتها ومجازها نظير القول في صيغة ~~{ أماته } . # وهذه كلها دلائل على عظيم قدرة الله تعالى وهم عدوها قاصرة على الخلق ~~الثاني ، وهي تتضمن مننا على الناس في خلقهم وتسويتهم وإكمال قواهم أحياء ، ~~وإكرامهم أمواتا بالدفن لئلا يكون الإنسان كالشيء اللقي يجتنب بنو جنسه ~~القرب منه ويهينه التقام السباع وتمزيق مخالب الطير والكلاب ، فمحل المنة ~~في قوله : { ثم أماته } هو فيما فرع عليه بالفاء بقوله : { فأقبره } وليست ~~الإماتة وحدها منة . # وفي الآية دليل على أن وجوب دفن أموات الناس بالإقبار دون الحرق بالنار ~~كما يفعل مجوس الهند ، ودون الإلقاء لسباع الطير في ساحات في الجبال محوطة ~~بجدران دون سقف كما كان يفعله مجوس الفرس وكما كان يفعله أهل الجاهلية ~~بموتى الحروب والغارات في الفيافي إذ لا يوارونهم بالتراب وكانوا يفتخرون ~~بذلك ويتمنونه قال ms9135 الشنفرى : # لا تقبروني إن قبري محرم # عليكم ولكن أبشري أم عامر # يريد أن تأكله الضبع ، وأبطل الإسلام ذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم ~~دفن شهداء المسلمين يوم أحد في قبور مشتركة ، ووارى قتلى المشركين ببدر في ~~قليب ، قال عمرو بن معديكرب قبل الإسلام : # آليت لا أدفن قتلاكم # فدخنوا المرء وسرباله # وجملة : { ثم إذا شاء أنشره } رجوع إلى إثبات البعث وهي كالنتيجة عقب ~~الاستدلال . ووقع قوله : { إذا شاء } معترضا بين جملة { أماته } وجملة : { ~~أنشره } لرد توهم المشركين أن عدم التعجيل بالبعث دليل على انتفاء وقوعه في ~~المستقبل و ( إذا ) ظرف للمستقبل ففعل المضي بعدها مؤول بالمستقبل . ~~والمعنى : ثم حين يشاء ينشره ، أي ينشره حين تتعلق مشيئته بإنشاره . ~~PageV30P125 # و { أنشره } بعثه من الأرض وأصل النشر إخراج الشيء المخبأ يقال : نشر ~~الثوب ، إذ أزال طيه ، ونشر الصحيفة ، إذا فتحها ليقرأها . ومنه الحديث : ( ~~فنشروا التوراة ) . # وأما الإنشار بالهمز فهو خاص بإخراج الميت من الأرض حيا وهو البعث ، ~~فيجوز أن يقال : نشر الميت ، والعرب لم يكونوا يعتقدون إحياء الأموات إلا ~~أن يكونوا قد قالوه في تخيلاتهم التوهمية . فيكون منه قول الأعشى : # حتى يقول الناس مما رأوا # يا عجبا للميتت الناشر # ولذلك قال الله تعالى : { ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن ~~الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين } ( هود : 7 ) . # وفي قوله : { إذا شاء } رد لشبهتهم إذ كانوا يطلبون تعجيل البعث تحديا ~~وتهكما ليجعلوا عدم الاستجابة بتعجيله دليلا على أنه لا يكون ، فأعلمهم ~~الله أنه يقع عندما يشاء الله وقوعه لا في الوقت الذي يسألونه لأنه موكول ~~إلى حكمة الله ، واستفادة إبطال قولهم من طريق الكناية . # تفسير هذه الآية معضل وكلمات المفسرين والمتأولين فيها بعضها جاف المنال ~~، وبعضها جافف عن الاستعمال . ذلك أن المعروف في { كلا } أنه حرف ردع وزجر ~~عن كلام سابق أو لاحق ، وليس فيما تضمنه ما سبقها ولا فيما بعدها ما ظاهره ~~أن يزجر عنه ولا أن يبطل ، فتعين المصير إلى تأويل مورد { كلا } . # فأما الذين التزموا أن يكون حرف ms9136 { كلا } للردع والزجر وهم الخليل وسيبويه ~~وجمهور نحاة البصرة ويجيزون الوقف عليها كما يجيزون الابتداء بها ، فقد ~~تأولوا هذه الآية وما أشبهها بتوجيه الإنكار إلى ما يومىء إليه الكلام ~~السابق أو اللاحق دون صريحه ولا مضمونه . # فمنهم من يجعل الردع متوجها إلى ما قبل { كلا } مما يومىء إليه قوله ~~تعالى : { ثم إذا شاء أنشره } ( عبس : 22 ) ، أي إذا شاء الله ، إذ يومىء ~~إلى أن الكافر ينكر أن ينشره الله PageV30P126 ويعتل بأنه لم ينشر أحدا منذ ~~القدم إلى الآن . وهذا الوجه هو الجاري على قول البصريين كما تقدم . # وموقع { كلا } على هذا التأويل موقع الجواب بالإبطال ، وموقع جملة : { ~~لما يقض ما أمره } موقع العلة للإبطال ، أي لو قضى ما أمره الله به لعلم ~~بطلان زعمه أنه لا ينشر . # وتأوله في ( الكشاف ) بأنه : ( ردع للإنسان عما هو عليه ) أي مما ذكر ~~قبله من شدة كفره واسترساله عليه دون إقلاع ، يريد أنه زجر عن مضمون : { ما ~~أكفره } ( عبس : 17 ) . # ومنهم من يجعل الردع متوجها إلى ما بعد { كلا } مما يومىء إليه قوله ~~تعالى : { لما يقض ما أمره } أي ليس الأمر كما يقول هذا الإنسان الكافر من ~~أنه قد أدى حق الله الذي نبهه إليه بدعوة الرسل وبإيداع قوة التفكير فيه ، ~~ويتسروح هذا من كلام روي عن مجاهد ، وهو أقرب لأن ما بعد { كلا } لما كان ~~نفيا ناسب أن يجعل { كلا } تمهيدا للنفي . # وموقع { كلا } على هذا الوجه أنها جزء من استئناف . # وموقع جملة : { لما يقض ما أمره } استئناف بياني نشأ عن مضمون جملة : { ~~من أي شيء خلقه إلى قوله : أنشره } ( عبس : 18 22 ) ، أي إنما لم يهتد ~~الكافر إلى دلالة الخلق الأول على إمكانن الخلق الثاني ، لأنه لم يقض حق ~~النظر الذي أمره الله . # وأما الذين لم يلتزموا معنى الزجر في { كلا } وهم الكسائي القائل : تكون ~~{ كلا } بمعنى حقا ، ووافقه ثعلب وأبو حاتم السجستاني القائل : تكون { كلا ~~} بمعنى ( ألا ) الاستفتاحية . # والنضر بن شميل والفراء القائلان : تكون { كلا } حرف جواب بمعنى نعم . ~~فهؤلاء تأويل ms9137 الكلام على رأيهم ظاهر . # وعن الفراء { كلا } تكون صلة ( أي حرفا زائدا للتأكيد ) كقولك : كلا ورب ~~الكعبة ا ه . وهذا وجه إليه ولا يتأتى في هذه الآية . # فالوجه في موقع { كلا } هنا أنه يجوز أن تكون زجرا عما يفهم من قوله : { ~~ثم إذا PageV30P127 شاء أنشره } ( عبس : 22 ) المكنى به عن فساد استدلالهم ~~بتأخيره على أنه لا يقع فيكون الكلام على هذا تأكيدا للإبطال الذي في قوله ~~: { كلا إنها تذكرة } ( عبس : 11 ) باعتبار معناه الكنائي إن كان صريح ~~معناه غير باطل فقوله : { إذا شاء } مؤذن بأنه الآن لم يشأ وذلك مؤذن ~~بإبطال أن يقع البعث عندما يسألون وقوعه ، أي أنا لا نشاء إنشارهم الآن ~~وإنما ننشرهم عندما نشاء مما قدرنا أجله عند خلق العالم الأرضي . # وتكون جملة : { لما يقض ما أمره } تعليلا للردع ، أي الإنسان لم يستتم ما ~~أجل الله لبقاء نوعه في هذا العالم من يوم تكوينه فلذلك لا ينشر الآن ، ~~ويكون المراد بالأمر في قوله : { ما أمره } أمر التكوين ، أي لم يستتم ما ~~صدر به أمر تكوينه حين قيل لآدم : { ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين } ( ~~البقرة : 36 ) . # ويجوز أن يكون زجرا عما أفاده قوله : { لما يقض ما أمره } وقدمت { كلا } ~~في صدر الكلام الواردة لإبطاله للاهتمام بمبادرة الزجر . # وتقدم الكلام في { كلا } في سورة مريم وأحلت هنالك على ما هنا . # و { لما } حرف نفي يدل على نفي الفعل في الماضي مثل ( لم ) ويزيد ~~بالدلالة على استمرار النفي إلى وقت التكلم كقوله تعالى : { ولما يدخل ~~الإيمان في قلوبكم } ( الحجرات : 14 ) . # والمقصود أنه مستمر على عدم قضاء ما أمره الله مما دعاه إليه . # والقضاء : فعل ما يجب على الإنسان كاملا لأن أصل القضاء مشتق من الإتمام ~~فتضمن فعلا تاما ، أي لم يزل الإنسان الكافر معرضا عن الإيمان الذي أمره ~~الله به ، وعن النظر في خلقه من نطفة ثم تطوره أطوارا إلى الموت قال تعالى ~~: { فلينظر الإنسان مما خلق } ( الطارق : 5 ) ، وما أمره من التدبر في ~~القرآن ودلائله ومن إعمال ms9138 عقله في الاستدلال على وحدانية الله تعالى ونفي ~~الشريك عنه . ومن الدلائل نظره في كيفية خلقه فإنها دلائل قائمة بذاته ~~فاستحق الردع والزجر . # والضمير المستتر في { أمره } عائد إلى ما عادت إليه الضمائر المستترة في ~~( خلقه ، وقدره ، ويسره ، وأماته ، وأقبره ، وأنشره ) . PageV30P128 # ( 24 32 ) { } # إما مفرع على قوله : { لما يقض ما أمره } ( عبس : 23 ) فيكون مما أمره ~~الله به من النظر ، وإما على قوله : { ما أكفره } ( عبس : 17 ) فيكون هذا ~~النظر مما يبطل ويزيل شدة كفر الإنسان . والفاء مع كونها للتفريع تفيد معنى ~~الفصيحة ، إذ التقدير : إن أراد أن يقضي ما أمره فلينظر إلى طعامه أو إن ~~أراد نقض كفره فلينظر إلى طعامه . وهذا نظير الفاء في قوله تعالى : { إن كل ~~نفس لما عليها حافظ فلينظر الإنسان مم خلق } ( الطارق : 4 ، 5 ) ، أي إن ~~أراد الإنسان الخلاص من تبعات ما يكتبه عليه الحافظ فلينظر مم خلق ليهتدي ~~بالنظر فيؤمن فينجو . # وهذا استدلال آخر على تقريب كيفية البعث انتقل إليه في معرض الإرشاد إلى ~~تدارك الإنسان ما أهمله وكان الانتقال من الاستدلال بما في خلق الإنسان من ~~بديع الصنع من دلائل قائمة بنفسه في آية : { من أي شيء خلقه } ( عبس : 18 ) ~~إلى الاستدلال بأحوال موجودة في بعض الكائنات شديدة الملازمة لحياة الإنسان ~~ترسيخا للاستدلال ، وتفننا فيه ، وتعريضا بالمنة على الإنسان في هذه ~~الدلائل ، من نعمة النبات الذي به بقاء حياة الإنسان وحياة ما ينفعه من ~~الأنعام . # وتعدية فعل النظر هنا بحرف { إلى } تدل على أنه من نظر العين إشارة إلى ~~أن العبرة تحصل بمجرد النظر في أطواره . والمقصود التدبر فيما يشاهده ~~الإنسان من أحوال طعامه بالاستدلال بها على إيجاد الموجودات من الأرض . ~~وجعل المنظور إليه ذات الطعام مع أن المراد النظر إلى أسباب تكونه وأحوال ~~تطوره إلى حالة انتفاع الإنسان به وانتفاع أنعام الناس به . # وذلك من أسلوب إناطة الأحكام بأسماء الذوات ، والمراد أحوالها مثل قوله ~~تعالى : { حرمت عليكم الميتة } ( المائدة : 3 ) أي أكلها ، فأمر الله ~~الإنسان بالتفكير في أطوار تكون الحبوب ms9139 والثمار التي بها طعامه ، وقد وصف ~~له تطور ذلك ليتأمل ما أودع إليه في PageV30P129 ذلك من بديع التكوين سواء ~~رأى ذلك ببصره أم لم يره ، ولا يخلو أحد عن علمم إجمالي بذلك ، فيزيده هذا ~~الوصف علما تفصيليا ، وفي جميع تلك الأطوار تمثيل لإحياء الأجساد المستقرة ~~في الأرض ، فقد يكون هذا التمثيل في مجرد الهيئة الحاصلة بإحياء الأجساد ، ~~وقد يكون تمثيلا في جميع تلك الأطوار بأن تخرج الأجساد من الأرض كخروج ~~النبات بأن يكون بذرها في الأرض ويرسل الله لها قوى لا نعلمها تشابه قوة ~~الماء الذي به تحيا بذور النبات ، قال تعالى : { والله أنبتكم من الأرض ~~نباتا ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا } ( نوح : 17 ، 18 ) . # وفي ( تفسير ابن كثير ) عند قوله تعالى : { وإذا النفوس زوجت } ( التكوير ~~: 7 ) عن ابن ( أبي ) حاتم بسنده إلى ابن عباس : ( يسيل واد من أصل العرش ~~فيما بين الصيحتين فينبت منه كل خلق بلي إنسانن أو دابة ولو مر عليهم مار ~~قد عرفهم قبل ذلك لعرفهم قد نبتوا على وجه الأرض ، ثم ترسل الأرواح فتزوج ~~الأجساد ) ا ه . وأمور الآخرة لا تتصورها الأفهام بالكنه وإنما يجزم العقل ~~بأنها من الممكنات وهي مطيعة لتعلق القدرة التنجيزي . # والإنسان المذكور هنا هو الإنسان المذكور في قوله : { قتل الإنسان ما ~~أكفره } ( عبس : 17 ) وإنما جيء باسمه الظاهر دون الضمير كما في قوله : { ~~من أي شيء خلقه } ( عبس : 18 ) ، لأن ذلك قريب من معاده وما هنا ابتداء ~~كلام فعبر فيه بالاسم الظاهر للإيضاح . # وأدمج في ذلك منة عليه بالإمداد بالغذاء الذي به إخلاف ما يضمحل من قوته ~~بسبب جهود العقل والتفكير الطبيعية التي لا يشعر بحصولها في داخل المزاج ، ~~وبسبب كد الأعمال البدنية والإفرازات ، وتلك أسباب لتبخر القوى البدنية ~~فيحتاج المزاج إلى تعويضها وإخلافها وذلك بالطعام والشراب . # وإنما تعلق النظر بالطعام مع أن الاستدلال هو بأحوال تكوين الطعام ، ~~إجراء للكلام على الإيجاز ويبينه ما في الجمل بعده من قوله : { إنا صببنا ~~الماء صبا } إلى آخرها . # فالتقدير : فلينظر الإنسان إلى خلق طعامه ms9140 وتهيئة الماء لإنمائه وشق الأرض ~~وإنباته وإلى انتفاعه به وانتفاع مواشيه في بقاء حياتهم . PageV30P130 # وقرأ الجمهور : { إنا صببنا } بكسر همزة ( إنا ) على أن الجملة بيان ~~لجملة : { فلينظر الإنسان إلى طعامه } لتفصيل ما أجمل هنالك على وجه ~~الإيجاز . وقرأه عاصم وحمزة والكسائي وخلف ورويس عن يعقوب بفتح الهمزة على ~~أنه اسم بدل اشتمال من { طعامه } أو البدل الذي يسميه بعض النحويين بدل ~~مفصل من مجمل . # والصب : إلقاء صبرة متجمعة من أجزاء مائعة أو كالمائعة في الدقة في وعاء ~~غير الذي كانت فيه ، يقال : صب الماء في الجرة ، وصب القمح في الهري ، وصب ~~الدراهم في الكيس . وأصله : صب الماء ، مثل نزول المطر وإفراغ الدلو . # والشق : الإبعاد بين ما كان متصلا . والمراد هنا شق سطح الأرض بخرق الماء ~~فيه أو بآلة كالمحراث والمسحاة ، أو بقوة حر الشمس في زمن الصيف لتتهيأ ~~لقبول الأمطار في فصل الخريف والشتاء . # وإسناد الصب والشق والإنبات إلى ضمير الجلالة لأن الله مقدر نظام الأسباب ~~المؤثرة في ذلك ، ومحكم نواميسها وملهم الناس استعمالها . # فالإسناد مجاز عقلي في الأفعال الثلاثة . وقد شاع في { صببنا } و { ~~أنبتنا } حتى ساوى الحقيقة العقلية . # وانتصب { صبا } و { شقا } على المفعول المطلق ل { صببنا } و { شققنا } ~~مؤكدا لعامله ليتأتى تنوينه لما في التنكير من الدلالة على التعظيم وتعظيم ~~كل شيء بما يناسبه وهو تعظيم تعجيب . # والفاء في قوله : { فأنبتنا } للتفريع والتعقيب وهو في كل شيء بحسبه . # والحب أريد منه المقتات منه للإنسان ، وقد تقدم في قوله تعالى : { كمثل ~~حبة أنبتت سبع سنابل } في سورة البقرة . # والعنب : ثمر الكرم ، ويتخذ منه الخمر والخل ، ويؤكل رطبا ، ويتخذ منه ~~الزبيب . # والقضب : الفصفصة الرطبة ، سميت قضبا لأنها تعلف للدواب رطبة فتقضب ، ~~PageV30P131 أي تقطع مرة بعد أخرى ولا تزال تخلف ما دام الماء ينزل عليها ، ~~وتسمى القت . # والزيتون : الثمر الذي يعصر منه الزيت المعروف . # والنخل : الشجر الذي ثمرته التمر وأطواره . # والحدائق : جمع حديقة وهي الجنة من نخل وكرم وشجر فواكه ، وعطفها على ~~النخل من عطف الأعم على الأخص ، ولأن في ms9141 ذكر الحدائق إدماجا للامتنان بها ~~لأنها مواضع تنزههم واخترافهم . # وإنما ذكر النخل دون ثمرته ، وهو التمر ، خلافا لما قرن به من الثمار ~~والفواكه والكلأ ، لأن منافع شجر النخيل كثيرة لا تقتصر على ثمره ، فهم ~~يقتاتون ثمرته من تمر ورطب وبسر ، ويأكلون جماره ، ويشربون ماء عود النخلة ~~إذا شق عنه ، ويتخذون من نوى التمر علفا لإبلهم ، وكل ذلك من الطعام ، فضلا ~~عن اتخاذهم البيوت والأواني من خشبه ، والحصر من سعفه ، والحبال من ليفه . ~~فذكر اسم الشجرة الجامعة لهذه المنافع أجمع في الاستدلال بمختلف الأحوال ~~وإدماج الامتنان بوفرة النعم ، وقد تقدم قريبا في سورة النبأ . # والغلب : جمع غلباء ، وهي مؤنث الأغلب ، وهو غليظ الرقبة ، يقال : غلب ~~كفرح ، يوصف به الإنسان والبعير ، وهو هنا مستعار لغلظ أصول الشجر فوصف ~~الحدائق به ؛ إما على تشبيه الحديقة في تكاثف أوراق شجرها والتفافها بشخص ~~غليظ الأوداج والأعصاب فتكون استعارة ، وإما على تقدير محذوف ، أي غلبب ~~شجرها ، فيكون نعتا سببيا وتكون الاستعارة في تشبيه كل شجرة بامرأة غليظة ~~الرقبة ، وذلك من محاسن الحدائق لأنها تكون قد استكملت قوة الأشجار كما في ~~قوله : { وجنات ألفافا } ( النبأ : 16 ) . # وخصت الحدائق بالذكر لأنها مواضع التنزه والاختراف ، ولأنها تجمع أصنافا ~~من الأشجار . # والفاكهة : الثمار التي تؤكل للتفكه لا للإقتيات ، مثل الرطب والعنب ~~الرطب والرمان واللوز . PageV30P132 # والأب : بفتح الهمزة وتشديد الباء : الكلأ الذي ترعاه الأنعام ، روي أن ~~أبا بكر الصديق سئل عن الأب : ما هو ؟ فقال : ( أي سماء تظلني ، وأي أرض ~~تقلني إذا قلت في كتاب الله ما لا علم لي به ) وروي أن عمر بن الخطاب قرأ ~~يوما على المنبر : { فأنبتنا فيها حبا } إلى { وأبا } فقال : كل هذا قد ~~عرفناه فما الأب ؟ ثم رفع عصا كانت في يده ، وقال : هذا لعمر الله هو ~~التكلف فما عليك يا ابن أم عمر أن لا تدري ما الأب ابتغوا ما بين لكم من ~~هذا الكتاب فاعملوا به ، وما لم تعرفوه فكلوه إلى ربه ) . وفي ( صحيح ~~البخاري ) عن عمر بعض هذا مختصرا . # والذي يظهر لي ms9142 في انتفاء علم الصديق والفاروق بمدلول الأب وهما من خلص ~~العربب لأحد سببين : # إما لأن هذا اللفظ كان قد تنوسي من استعمالهم فأحياه القرآن لرعاية ~~الفاصلة فإن الكلمة قد تشتهر في بعض القبائل أو في بعض الأزمان وتنسى في ~~بعضها مثل اسم السكين عند الأوس والخزرج ، فقد قال أنس بن مالك : ( ما كنا ~~نقول إلا المدية حتى سمعت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر أن سليمان ~~عليه السلام قال : ( ائيتوني بالسكين أقسم الطفل بينهما نصفين ) . # وإما لأن كلمة الأب تطلق على أشياء كثيرة منها النبت الذي ترعاه الأنعام ~~، ومنها التبن ، ومنها يابس الفاكهة ، فكان إمساك أبي بكر وعمر عن بيان ~~معناه لعدم الجزم بما أراد الله منه على التعيين ، وهل الأب مما يرجع إلى ~~قوله : { متاعا لكم } أو إلى قوله : { ولأنعامكم } في جمع ما قسم قبله . # وذكر في ( الكشاف ) وجها آخر خاصا بكلام عمر فقال : ( إن القوم كانت أكبر ~~همتهم عاكفة على العمل ، وكان التشاغل بشيء من العلم لا يعمل به تكلفا ~~عندهم ، فأراد عمر أن الآية مسوقة في الامتنان على الإنسان . وقد علم من ~~فحوى الآية أن الأب بعض ما أنبته الله للإنسان متاعا له ولأنعامه فعليك بما ~~هو أهم من النهوض بالشكر لله على ما تبين لك مما عدد من نعمه ولا تتشاغل ~~عنه بطلب معنى الأب ومعرفة النبات الخاص الذي هو اسم له واكتف بالمعرفة ~~الجملية إلى أن يتبين لك في غير هذا الوقت ، ثم وصى الناس بأن يجروا على ~~هذا PageV30P133 السنن فيما أشبه ذلك من مشكلات القرآن ا ه ) . ولم يأت ~~كلام ( الكشاف ) بأزيد من تقرير الإشكال . # وقوله : { متاعا لكم } حال من المذكورات يعود إلى جميعها على قاعدة ورود ~~الحال بعد مفردات متعاطفة ، وهذا نوع من التنازع . # وقوله : { ولأنعامكم } عطف قوله : { لكم } . # والمتاع : ما ينتفع به زمنا ثم ينقطع ، وفيه لف ونشر مشوش ، والسامع يرجع ~~كل شيء من المذكورات إلى ما يصلح له لظهوره . وهذه الحال واقعة موقع ~~الإدماج أدمجت الموعظة والمنة في خلال ms9143 الاستدلال . # ( 33 42 ) { } # الفاء للتفريع على اللوم والتوبيخ في قوله : { قتل الإنسان ما أكفره } ( ~~عبس : 17 ) وما تبعه من الاستدلال على المشركين من قوله : { من أي شيء خلقه ~~} إلى قوله { أنا صببنا الماء صبا } ( عبس : 18 25 ) ، ففرع على ذلك إنذار ~~بيوم الجزاء ، مع مناسبة وقوع هذا الإنذار عقب التعريض والتصريح بالامتنان ~~في قوله : { إلى طعامه } ( عبس : 24 ) وقوله : { متاعا لكم ولأنعامكم } ( ~~عبس : 32 ) على نحو ما تقدم في قوله : { فإذا جاءت الطامة الكبرى من سورة ~~النازعات . # والصاخة } : صيحة شديدة من صيحات الإنسان تصخ الأسماع ، أي تصمها . يقال ~~: صخ يصخ قاصرا ومتعديا ، ومضارعه يصخ بضم عينه في الحالين . وقد اختلف أهل ~~اللغة في اشتقاقها اختلافا لا جدوى له ، وما ذكرناه هو خلاصة قول الخليل ~~والراغب وهو أحسن وأجرى على قياس اسم الفاعل من الثلاثي ، فالصاخة صارت في ~~القرآن علما بالغلبة على حادثة يوم القيامة وانتهاء PageV30P134 هذا العالم ~~، وتحصل صيحات منها أصوات تزلزل الأرض واصطدام بعض الكواكب بالأرض مثلا ، ~~ونفخة الصور التي تبعث عندها الناس . و ( إذا ) ظرف وهو متعلق ب { جاءت ~~الصاخة } وجوابه قوله : { وجوه يومئذ مسفرة } الآيات . # والمجيء مستعمل في الحصول مجازا ، شبه حصول يوم الجزاء بشخص جاء من مكان ~~آخر . # و { يوم يفر المرء من أخيه } بدل من { إذا جاءت الصاخة } بدلا مطابقا . # والفرار : الهروب للتخلص من مخيف . # وحرف ( من ) هنا يجوز أن يكون بمعنى التعليل الذي يعدى به فعل الفرار إلى ~~سبب الفرار حين يقال : فر من الأسد ، وفر من العدو ، وفر من الموت ، ويجوز ~~أن يكون بمعنى المجاوزة مثل ( عن ) . # وكون أقرب الناس للإنسان يفر منهم يقتضي هول ذلك اليوم بحيث إذا رأى ما ~~يحل من العذاب بأقرب الناس إليه توهم أن الفرار منه ينجيه من الوقوع في ~~مثله ، إذ قد علم أنه كان مماثلا لهم فيما ارتكبوه من الأعمال فذكرت هنا ~~أصناف من القرابة ، فإن القرابة آصرة تكون لها في النفس معزة وحرص على ~~سلامة صاحبها وكرامته . والألف يحدث في النفس حرصا على الملازمة والمقارنة ms9144 ~~. وكلا هذين الوجدانين يصد صاحبه عن المفارقة فما ظنك بهول يغشى على هذين ~~الوجدانين فلا يترك لهما مجالا في النفس . # ورتبت أصناف القرابة في الآية حسب الصعود من الصنف إلى من هو أقوى منه ~~تدرجا في تهويل ذلك اليوم . # فابتدىء بالأخ لشدة اتصاله بأخيه من زمن الصبا فينشأ بذلك إلف بينهما ~~يستمر طول الحياة ، ثم ارتقي من الأخ إلى الأبوين وهما أشد قربا لابنيهما ، ~~وقدمت الأم في الذكر لأن إلف ابنها بها أقوى منه بأبيه وللرعي على الفاصلة ~~، وانتقل إلى الزوجة والبنين وهما مجتمع عائلة الإنسان وأشد الناس قربا به ~~وملازمة . PageV30P135 # وأطنب بتعداد هؤلاء الأقرباء دون أن يقال : يوم يفر المرء من أقرب قرابته ~~مثلا لإحضار صورة الهول في نفس السامع . # وكل من هؤلاء القرابة إذا قدرته هو الفار كان من ذكر معه مفرورا منه إلا ~~قوله : { وصاحبته } لظهور أن معناه : والمرأة من صاحبها ، ففيه اكتفاء ، ~~وإنما ذكرت بوصف الصاحبة الدال على القرب والملازمة دون وصف الزوج لأن ~~المرأة قد تكون غير حسنة العشرة لزوجها فلا يكون فراره منها كناية عن شدة ~~الهول فذكر بوصف الصاحبة . # والأقرب أن هذا فرار المؤمن من قرابته المشركين خشية أن يؤاخذ بتبعتهم إذ ~~بقوا على الكفر . # وتعليق جار الأقرباء بفعل : { يفر المرء } يقتضي أنهم قد وقعوا في عذاب ~~يخشون تعديه إلى من يتصل بهم . # وقد اجتمع في قوله : { يوم يفر المرء من أخيه } إلى آخره أبلغ ما يفيد ~~هول ذلك اليوم بحيث لا يترك هوله للمرء بقية من رشده فإن نفس الفرار للخائف ~~مسبة فيما تعارفوه لدلالته على جبن صاحبه وهم يتعيرون بالجبن وكونه يترك ~~أعز الأعزة عليه مسبة عظمى . # وجملة : { لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه } مستأنفة استئنافا ابتدائيا ~~لزيادة تهويل اليوم ، وتنوين { شأن } للتعظيم . # وحيث كان فرار المرء من الأقرباء الخمسة يقتضي فرار كل قريب من أولئك من ~~مثله كان الاستئناف جامعا للجميع تصريحا بذلك المقتضى ، فقال : { لكل امرىء ~~منهم يومئذ شأن يغنيه } أي عن الاشتغال بغيره من المذكورات بله الاشتغال ~~عمن ms9145 هو دون أولئك في القرابة والصحبة . # والشأن : الحال المهم . # وتقديم الخبر في قوله : { لكل امرىء } على المبتدأ ليتأتى تنكير { شأن } ~~الدال على التعظيم لأن العرب لا يبتدئون بالنكرة في جملتها إلا بمسوغ من ~~مسوغاتت عدها النحاة بضعة عشر مسوغا ، ومنها تقديم الخبر على المبتدإ . ~~PageV30P136 # والإغناء : جعل الغير غنيا ، أي غير محتاج لشيء في غرضه . وأصل الإغناء ~~والغنى : حصول النافع المحتاج إليه ، قال تعالى : { وما أغنى عنكم من الله ~~من شيء } ( يوسف : 67 ) وقال : { ما أغنى عني ماليه } ( الحاقة : 28 ) . ~~وقد استعمل هنا في معنى الإشغال والإشغال أعم . # فاستعمل الإغناء الذي هو نفع في معنى الإشغال الأعم على وجه المجاز ~~المرسل أو الاستعارة إيماء إلى أن المؤمنين يشغلهم عن قرابتهم المشركين فرط ~~النعيم ورفع الدرجات كما دل عليه قوله عقبه : { وجوه يومئذ مسفرة } إلى آخر ~~السورة . # وجملة : { وجوه يومئذ مسفرة } جواب ( إذا ) ، أي إذا جاءت الصاخة كان ~~الناس صنفين صنف وجوههم مسفرة وصنف وجوههم مغبرة . # وقدم هنا ذكر وجوه أهل النعيم على وجوه أهل الجحيم خلاف قوله في سورة ~~النازعات { فأما من طغى ثم قوله : وأما من خاف مقام ربه } ( النازعات : 40 ~~) إلى آخره لأن هذه السورة أقيمت على عماد التنويه بشأن رجل من أفاضل ~~المؤمنين والتحقير لشأن عظيم من صناديد المشركين فكان حظ الفريقين مقصودا ~~مسوقا إليه الكلام وكان حظ المؤمنين هو الملتفت إليه ابتداء ، وذلك من قوله ~~: { وما يدريك لعله يزكى } ( عبس : 3 ) إلى آخره ، ثم قوله : { أما من ~~استغنى فأنت له تصدى } ( عبس : 5 ، 6 ) . # وأما سورة النازعات فقد بنيت على تهديد المنكرين للبعث ابتداء من قوله : ~~{ يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة قلوب يومئذ واجفة } ( النازعات : 6 8 ) ~~فكان السياق للتهديد والوعيد وتهويل ما يلقونه يوم الحشر ، وأما ذكر حظ ~~المؤمنين يومئذ فقد دعا إلى ذكره الاستطراد على عادة القرآن من تعقيب ~~الترهيب بالترغيب . # وتنكير { وجوه } الأول والثاني للتنويع ، وذلك مسوغ وقوعهما مبتدأ . # وإعادة { يومئذ } لتأكيد الربط بين الشرط وجوابه ولطول الفصل بينهما ~~والتقدير : وجوه مسفرة يوم يفر ms9146 المرء من أخيه إلى آخره . # وقد أغنت إعادة { يومئذ } عن ربط الجواب بالفاء . # والمسفرة ذات الإسفار ، والإسفار النور والضياء ، يقال : أسفر الصبح ، ~~إذا ظهر ضوء الشمس في أفق الفجر ، أي وجوه متهللة فرحا وعليها أثر النعيم . ~~PageV30P137 # و { ضاحكة } أي كناية عن السرور . # و { مستبشرة } معناه فرحة ، والسين والتاء فيه للمبالغة مثل : استجاب ، ~~ويقال : بشر ، أي فرح وسر ، قال تعالى : { قال يا بشراي هذا غلام } ( يوسف ~~: 19 ) أي يا فرحتي . # وإسناد الضحك والاستبشار إلى الوجوه مجاز عقلي لأن الوجوه محل ظهور الضحك ~~والاستبشار ، فهو من إسناد الفعل إلى مكانه ، ولك أن تجعل الوجوه كناية عن ~~الذوات كقوله تعالى : { ويبقى وجه ربك } ( الرحمن : 27 ) . # وهذه وجوه أهل الجنة المطمئنين بالا المكرمين عرضا وحضورا . # والغبرة بفتحتين الغبار كله ، والمراد هنا أنها معفرة بالغبار إهانة ومن ~~أثر الكبوات . # و { ترهقها } تغلب عليها وتعلوها . # والقترة : بفتحتين شبه دخان يغشى الوجه من الكرب والغم ، كذا قال الراغب ~~، وهو غير الغبرة كما تقتضيه الآية لئلا يكون من الإعادة ، وهي خلاف الأصل ~~ولا داعي إليها . وسوى بينهما الجوهري وتبعه ابن منظور وصاحب ( القاموس ) . # وهذه وجوه أهل الكفر ، يعلم ذلك من سياق هذا التنويع ، وقد صرح بذلك ~~بقوله : { أولئك هم الكفرة الفجرة } زيادة في تشهير حالهم الفظيع للسامعين ~~. # وجيء باسم الإشارة لزيادة الإيضاح تشهيرا بالحالة التي سببت لهم ذلك . # وضمير الفصل هنا لإفادة التقوي . # وأتبع وصف { الكفرة } بوصف { الفجرة } مع أن وصف الكفر أعظم من وصف ~~الفجور لما في معنى الفجور من خساسة العمل فذكر وصفاهم الدالان على مجموع ~~فساد الإعتقاد وفساد العمل . # وذكر وصف { الفجرة } بدون عاطف يفيد أنهم جمعوا بين الكفر والفجور . # ( ملاحظة : هذه السورة تم إدخالها من قبل أي أنها مكررة ) # | 2 ( { عبس وتولى * أن جآءه الاعمى * وما يدريك لعله يزكى * أو يذكر ~~فتنفعه الذكرى * أما من استغنى * فأنت له تصدى * وما عليك ألا يزكى * وأما ~~من جآءك يسعى * وهو يخشى * فأنت عنه تلهى * كلا إنها تذكرة * فمن شآء ذكره ~~* فى صحف مكرمة * مرفوعة مطهرة * بأيدى ms9147 سفرة * كرام بررة * قتل الإنسان مآ ~~أكفره * من أى شىء خلقه * من نطفة خلقه فقدره * ثم السبيل يسره * ثم أماته ~~فأقبره * ثم إذا شآء أنشره * كلا لما يقض مآ أمره * فلينظر الإنسان إلى ~~طعامه * ط { أنا صببنا المآء صبا * ثم شققنا الارض شقا * فأنبتنا فيها حبا ~~* وعنبا وقضبا * وزيتونا ونخلا * وحدآئق غلبا * وفاكهة وأبا * متاعا لكم ~~ولانعامكم * فإذا جآءت الصآخة * يوم يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه * ~~وصاحبته وبنيه * لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه * وجوه يومئذ مسفرة * ~~ضاحكة مستبشرة * ووجوه يومئذ عليها غبرة * ترهقها قترة * أولائك هم الكفرة ~~الفجرة } ) 2 # افتتاح هذه السورة بفعلين متحملين لضمير لا معاد له في الكلام تشويق لما ~~سيورد بعدهما ، والفعلان يشعران بأن المحكي حادث عظيم ، فأما الضمائر فيبين ~~إبهامها قوله : { فأنت له تصدى } ( عبس : 6 ) وأما الحادث فيتبين من ذكر ~~الأعمى ومن استغنى . # وهذا الحادث سبب نزول هذه الآيات من أولها إلى قوله : { بررة } ( عبس : ~~16 ) . وهو ما رواه مالك في ( الموطأ ) مرسلا عن هشام بن عروة عن أبيه أنه ~~قال : أنزلت { عبس وتولى } في ابن أم مكتوم جاء إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فجعل يقول : يا محمد استدنني ، وعند النبي صلى الله عليه وسلم ~~رجل من عظماء المشركين فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يعرض عنه ( أي عن ابن ~~أم مكتوم ) ويقبل على الآخر ، ويقول : يا أبا فلان هل ترى بما أقول بأسا ~~فيقول : ( لا والدماء ما أرى بما تقول يأسا ) ، فأنزلت : { عبس وتولى } . # ورواه الترمذي مسندا عن عروة عن عائشة بقريب من هذا ، وقال الترمذي : هذا ~~حديث حسن غريب . # وروى الطبري عن ابن عباس : ( أن ابن أم مكتوم جاء يستقرىء النبي صلى الله ~~عليه وسلم آية من القرآن ومثله عن قتادة . # وقال الواحدي وغيره : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ يناجي عتبة ~~بن ربيعة وأبا جهل ، والعباس بن عبد المطلب ، وأبي بن خلف ، وشيبة بن ربيعة ~~، والوليد بن المغيرة ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقبل على الوليد بن ms9148 ~~المغيرة يعرض عليهم الإسلام . # ولا خلاف في أن المراد ب { الأعمى } هو ابن أم مكتوم . قيل : اسمه عبد ~~الله وقيل : اسمه عمرو ، وهو الذي اعتمده في ( الإصابة ) ، وهو ابن قيس بن ~~زائدة من بني عامر بن لؤي من قريش . # وأمه عاتكة ، وكنيت أم مكتوم لأن ابنها عبد الله ولد أعمى والأعمى يكنى ~~عنه بمكتوم . ونسب إلى أمه لأنها أشرف بيتا من بيت أبيه لأن بني مخزوم من ~~أهل بيوتات قريش فوق بني عامر بن لؤي . وهذا كما نسب عمرو بن المنذر ملك ~~الحيرة إلى أمه هند بنت الحارث بن عمرو بن حجر آكل المرار زيادة في تشريفه ~~بوراثة الملك من قبل أبيه وأمه . # ووقع في ( الكشاف ) : أن أم مكتوم هي أم أبيه . وقال الطيبي : إنه وهم ، ~~وأسلم قديما وهاجر إلى المدينة قبل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم إليها ، ~~وتوفي بالقادسية في خلافة عمر بعد سنة أربع عشرة أو خمس عشرة . # وفيه نزلت هذه السورة وآية { غير أولي الضرر من سورة النساء . # وكان النبي يحبه ويكرمه وقد استخلفه على المدينة في خروجه إلى الغزوات ~~ثلاث عشرة مرة ، وكان مؤذن النبي هو وبلال بن رباح . # والعبوس بضم العين : تقطيب الوجه وإظهار الغضب . ويقال : رجل عبوس بفتح ~~العين ، أي متقطب ، قال تعالى : إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا } ( ~~الإنسان : 10 ) . وعبس من باب ضرب . # والتولي : أصله تحول الذات عن مكانها ، ويستعار لعدم اشتغال المرء بكلام ~~يلقى إليه أو جليس يحل عنده ، وهو هنا مستعار لعدم الاشتغال بسؤال سائل ~~ولعدم الإقبال على الزائر . # وحذف متعلق { تولى } لظهور أنه تول عن الذي مجيئه كان سبب التولي . # وعبر عن ابن أم مكتوم ب { الأعمى } ترقيقا للنبيء صلى الله عليه وسلم ~~ليكون العتاب ملحوظا فيه أنه لما كان صاحب ضرارة فهو أجدر بالعناية به ، ~~لأن مثله يكون سريعا إلى انكسار خاطره . # و { أن جاءه الأعمى } مجرور بلام الجر محذوفف مع { أن } وهو حذف مطرد وهو ~~متعلق بفعلي { عبس وتولى } على طريقة التنازع . # والعلم بالحادثة يدل ms9149 على أن المراد مجيء خاص وأعمى معهود . # وصيغة الخبر مستعملة في العتاب على الغفلة عن المقصود الذي تضمنه الخبر ~~وهو اقتصار النبي صلى الله عليه وسلم على الاعتناء بالحرص على تبليغ الدعوة ~~إلى من يرجو منه قبولها مع الذهول عن التأمل فيما يقارن ذلك من تعليم من ~~يرغب في علم الدين ممن آمن ، ولما كان صدور ذلك من الله لنبيه صلى الله ~~عليه وسلم لم يشأ الله أن يفاتحه بما يتبادر منه أنه المقصود بالكلام ، ~~فوجهه إليه على أسلوب الغيبة ليكون أول ما يقرع سمعه باعثا على أن يترقب ~~المعني من ضمير الغائب فلا يفاجئه العتاب ، وهذا تلطف من الله برسوله صلى ~~الله عليه وسلم ليقع العتاب في نفسه مدرجا وذلك أهون وقعا ، ونظير هذا قوله ~~: { عفا الله عنك لم أذنت لهم } ( التوبة : 43 ) . # قال عياض : قال عون بن عبد الله والسمرقندي : أخبره الله بالعفو قبل أن ~~يخبره بالذنب حتى سكن قلبه ا ه . فكذلك توجيه العتاب إليه مسندا إلى ضمير ~~الغائب ثم جيء بضمائر الغيبة فذكر الأعمى تظهر المراد من القصة واتضح ~~المراد من ضمير الغيبة . # ثم جيء بضمائر الخطاب على طريقة الالتفات . # ويظهر أن النبي صلى الله عليه وسلم رجا من ذلك المجلس أن يسلموا فيسلم ~~بإسلامهم جمهور قريش أو جميعهم فكان دخول ابن أم مكتوم قطعا لسلك الحديث ~~وجعل يقول للنبيء صلى الله عليه وسلم يا رسول الله استدنني ، علمني ، ~~أرشدني ، ويناديه ويكثر النداء والإلحاح فظهرت الكراهية في وجه الرسول صلى ~~الله عليه وسلم لعله لقطعه عليه كلامه وخشيته أن يفترق النفر المجتمعون ، ~~وفي رواية الطبري أنه استقرأ النبي صلى الله عليه وسلم آية من القرآن . # وجملة { وما يدريك } الخ في موضع الحال . # ( وما يدريك ) مركبة من ( ما ) الاستفهامية وفعل الدراية المقترن بهمزة ~~التعدية ، أي ما يجعلك داريا أي عالما . ومثله : { ما أدراك } كقوله : { ~~وما أدراك ما الحاقة } ( الحاقة : 3 ) . ومنه { وما يشعركم أنها إذا جاءت ~~لا يؤمنون في سورة الأنعام . # والاستفهام في هذه التراكيب مراد منه ms9150 التنبيه على مغفول عنه ثم تقع بعده ~~جملة نحو ما أدراك ما القارعة } ( القارعة : 3 ) ونحو قوله هنا : { وما ~~يدريك لعله يزكى } . # والمعنى أي شيء يجعلك داريا . وإنما يستعمل مثله لقصد الإجمال ثم التفصيل ~~. # قال الراغب : ما ذكر ما أدراك في القرآن إلا وذكر بيانه بعده ا ه . قلت : ~~فقد يبينه تفصيل مثل قوله هنا : { وما يدريك لعله يزكى } وقوله : { وما ~~أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر } ( القدر : 2 3 ) وقد يقع ~~بعده ما فيه تهويل نحو : { وما أدراك ماهيه } ( القارعة : 10 ) أي ما يعلمك ~~حقيقتها وقوله : { وما أدراك ما الحاقة } ( الحاقة : 3 ) أي أي شيء أعلمك ~~جواب : { ما الحاقة } . # وفعل : { يدريك } معلق عن العمل في مفعوليه لورود حرف ( لعل ) بعده فإن ( ~~لعل ) من موجبات تعليق أفعال القلوب على ما أثبته أبو علي الفارسي في ( ~~التذكرة ) إلحاقا للترجي بالاستفهام في أنه طلب . فلما علق فعل { يدريك } ~~عن العمل صار غير متعد إلى ثلاثة مفاعيل وبقي متعديا إلى مفعول واحد بهمزة ~~التعدية التي فيه فصار ما بعده جملة مستأنفة . # والتذكر : حصول أثر التذكير ، فهو خطور أمر معلوم في الذهن بعد نسيانه إذ ~~هو مشتق من الذكر بضم الذال . # والمعنى : انظر فقد يكون تزكيه مرجوا ، أي إذا أقبلت عليه بالإرشاد زاد ~~الإيمان رسوخا في نفسه وفعل خيرات كثيرة مما ترشده إليه فزاد تزكية ، ~~فالمراد ب ( يتزكى ) تزكية زائدة على تزكية الإيمان بالتملي بفضائل شرائعه ~~ومكارم أخلاقه مما يفيضه هديك عليه ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ( ~~لو أنكم تكونون إذا خرجتم من عندي كما تكونون عندي لصافحتكم الملائكة ) إذ ~~الهدى الذي يزداد به المؤمن رفعة وكمالا في درجات الإيمان هو كاهتداء ~~الكافر إلى الإيمان لا سيما إذ الغاية من الاهتداءين واحدة . # و { يزكى } أصله : يتزكى ، قلبت التاء زايا لتقارب مخرجيهما قصدا ليتأتى ~~الإدغام وكذلك فعل في { يذكر } من الإدغام . # والتزكي : مطاوع زكاه ، أي يحصل أثر التزكية في نفسه . وتقدم في سورة ~~النازعات . # وجملة { أو يذكر } عطف على ms9151 { يزكى } ، أي ما يدريك أن يحصل أحد الأمرين ~~وكلاهما مهم ، أي تحصل الذكرى في نفسه بالإرشاد لما لم يكن يعلمه أو تذكر ~~لما كان في غفلة عنه . # والذكرى : اسم مصدر التذكير . # وفي قوله تعالى : { فتنفعه الذكرى } اكتفاء عن أن يقول : فينفعه التزكي ~~وتنفعه الذكرى لظهور أن كليهما نفع له . # والذكرى : هو القرآن لأنه يذكر الناس بما يغفلون عنه قال تعالى : { وما ~~هو إلا ذكر للعالمين } ( القلم : 52 ) فقد كان فيما سأل عنه ابن أم مكتوم ~~آيات من القرآن . # وقرأ الجمهور : { فتنفعه } بالرفع عطفا على ( يذكر ) . وقرأه عاصم بالنصب ~~في جواب : { لعله يزكى } . # ( 5 ، 6 ) # تقدم الكلام على { أما } في سورة النازعات أنها بمعنى : مهما يكن شيء ، ~~فقوله : { أما من استغنى } تفسيره مهما يكن الذي استغنى فأنت له تصدى ، أي ~~مهما يكن شيء فالذي استغنى تتصدى له ، والمقصود : أنت تحرص على التصدي له ، ~~فجعل مضمون الجواب وهو التصدي له معلقا على وجود من استغنى وملازما له ~~ملازمة التعليقق الشرطي على طريقة المبالغة . # والاستغناء : عد الشخص نفسه غنيا في أمر يدل عليه السياق قول ، أو فعل أو ~~علم ، فالسين والتاء للحسبان ، أي حسب نفسه غنيا ، وأكثر ما يستعمل ~~الاستغناء في التكبر والاعتزاز بالقوة . # فالمراد ب { من استغنى } هنا : من عد نفسه غنيا عن هديك بأن أعرض عن ~~قبوله لأنه أجاب قول النبي صلى الله عليه وسلم له : ( هل ترى بما أقول بأسا ~~، بقوله : لا والدماء . . . ) كناية عن أنه لا بأس به يريد ولكني غير محتاج ~~إليه . # وليس المراد ب { من استغنى } من استغنى بالمال إذ ليس المقام في إيثار ~~صاحب مال على فقير . # وهذا الذي تصدى النبي صلى الله عليه وسلم لدعوته وعرض القرآن عليه هو على ~~أشهر الأقوال المروية عن سلف المفسرين الوليد بن المغيرة المخزومي كما تقدم ~~. # والإتيان بضمير المخاطب مظهرا قبل المسند الفعلي دون استتاره في الفعل ~~يجوز أن يكون للتقوي كأنه قيل : تتصدى له تصديا ، فمناط العتاب هو التصدي ~~القوي . # ويجوز أن يكون مفيدا للاختصاص ، أي فأنت لا ms9152 غيرك تتصدى له ، أي ذلك ~~التصدي لا يليق بك . وهذا قريب من قولهم : مثلك لا يبخل ، أي لو تصدى له ~~غيرك لكان هونا ، فأما أنت فلا يتصدى مثلك لمثله فمناط العتاب هو أنه وقع ~~من النبي صلى الله عليه وسلم في جليل قدره . # وقرأ نافع وابن كثير وأبو جعفر بفتح التاء وتشديد الصاد على إدغام إحدى ~~التاءين في الصاد . والباقون بالفتح وتخفيف الصاد على حذف إحدى التاءين . # والتصدي : التعرض ، أطلق هنا على الإقبال الشديد مجازا . # جملة معترضة بين جملة { أما من استغنى } ( عبس : 5 ) وجملة : { وأما من ~~جاءك يسعى } ( عبس : 8 ) ، والواو اعتراضية . # و { ما } نافية و { عليك } خبر مقدم . والمبتدأ { ألا يزكى } ، والمعنى : ~~عدم تزكيه ليس محمولا عليك ، أي لست مؤاخذا بعدم اهتدائه حتى تزيد من الحرص ~~على ترغيبه في الإيمان ما لم يكلفك الله به . وهذا رفق من الله برسوله صلى ~~الله عليه وسلم # ( 8 10 ) # عطف على جملة { أما من استغنى } ( عبس : 5 ) اقتضى ذكره قصد المقابلة مع ~~المعطوف عليها مقابلة الضدين إتماما للتقسيم . والمراد : بمن جاء يسعى : هو ~~ابن أم مكتوم ، فحصل بمضمون هذه الجملة تأكيد لمضمون { عبس وتولى أن جاءه ~~الأعمى } ( عبس : 1 2 ) . # والسعي : شدة المشي ، كني به عن الحرص على اللقاء فهو مقابل لحال من ~~استغنى لأن استغناءه استغناء الممتعض من التصدي له . # وجملة { وهو يخشى } في موضع الحال ، وحذف مفعول { يخشى } لظهوره لأن ~~الخشية في لسان الشرع تنصرف إلى خشية الله تعالى . # والمعنى : أنه جاء طلبا للتزكية لأن يخشى الله من التقصير في الاسترشاد . ~~واختير الفعل المضارع لإفادته التجدد . # والقول في { فأنت عنه تلهى } كالقول في : { فأنت له تصدى } ( عبس : 6 ) . # والعبرة من هذه الآيات أن الله تعالى زاد نبيئه صلى الله عليه وسلم علما ~~عظيما من الحكمة النبوية ، ورفع درجة علمه إلى أسمى ما تبلغ إليه عقول ~~الحكماء رعاة الأمم ، فنبهه إلى أن في معظم الأحوال أو جميعها نواحي صلاح ~~ونفع قد تخفى لقلة اطرادها ، ولا ينبغي ترك استقرائها عند الاشتغال ms9153 بغيرها ~~ولو ظنه الأهم ، وأن ليس الإصلاح بسلوك طريقة واحدة للتدبير بأخذ قواعد ~~كلية منضبطة تشبه قواعد العلوم يطبقها في الحوادث ويغضي عما يعارضها بأن ~~يسرع إلى ترجيح القوي على الضعيف مما فيه صفة الصلاح ، بل شأن مقوم الأخلاق ~~أن يكون بمثابة الطبيب بالنسبة إلى الطبائع والأمزجة فلا يجعل لجميع ~~الأمزجة علاجا واحدا بل الأمر يختلف باختلاف الناس . وهذا غور عميق يخاض ~~إليه من ساحل القاعدة الأصولية في باب الاجتهاد القائلة : إن المجتهد إذا ~~لاح له دليل : ( يبحث عن المعارض ) والقاعدة القائلة : ( إن لله تعالى حكما ~~قبل الاجتهاد نصب عليه أمارة وكلف المجتهد بإصابته فإن أصابه فله أجران وإن ~~أخطأه فله أجر واحد ) . # فإذا كان ذلك مقام المجتهدين من أهل العلم لأنه مستطاعهم فإن غوره هو ~~اللائق بمرتبة أفضل الرسل صلى الله عليه وسلم فيما لم يرد له فيه وحي ، ~~فبحثه عن الحكم أوسع مدى من مدى أبحاث عموم المجتهدين ، وتنقيبه على ~~المعارض أعمق غورا من تناوشهم ، لئلا يفوت سيد المجتهدين ما فيه من صلاح ~~ولو ضعيفا ، ما لم يكن إعماله يبطل ما في غيره من صلاح أقوى لأن اجتهاد ~~الرسول صلى الله عليه وسلم في مواضع اجتهاده قائم مقام الوحي فيما لم يوح ~~إليه فيه . # فالتزكية الحق هي المحور الذي يدور عليه حال ابن أم مكتوم وحال المشرك من ~~حيث إنها مرغوبة للأول ومزهود فيها من الثاني ، وهي مرمى اجتهاد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لتحصيلها للثاني والأمن على قرارها للأول بإقباله على ~~الذي يتجافى عن دعوته ، وإعراضه عن الذي يعلم من حاله أنه متزك بالإيمان . # وفي حاليهما حالان آخران سرهما من أسرار الحكمة التي لقنها الله نبيئه ~~صلى الله عليه وسلم وهو يخفى في معتاد نظر النظار فأنبأه الله به ليزيل عنه ~~ستار ظاهر حاليهما ، فإن ظاهر حاليهما قاض بصرف الاهتمام إلى أحدهما وهو ~~المشرك لدعوته إلى الإيمان حين لاح من لين نفسه لسماع القرآن ما أطمع النبي ~~صلى الله عليه وسلم بأنه قد اقترب من الإيمان ms9154 فمحض توجيه كلامه إليه لأن ~~هدي الناس إلى الإيمان أعظم غرض بعث النبي صلى الله عليه وسلم لأجله ، ~~فالاشتغال به يبدو أهم وأرجح من الاشتغال بمن هو مؤمن خالص ، وذلك ما فعله ~~النبي صلى الله عليه وسلم # غير أن وراء ذلك الظاهر حالا آخر كامنا علمه الله تعالى العالم بالخفيات ~~ولم يوحح لرسوله صلى الله عليه وسلم التنقيب عليه وهو حال مؤمن هو مظنة ~~الازدياد من الخير ، وحال كافر مصمم على الكفر تؤذن سوابقه بعناده وأنه لا ~~يفيد فيه البرهان شيئا . وإن عميق التوسم في كلا الحالين قد يكشف للنبيء ~~صلى الله عليه وسلم بإعانة الله رجحان حال المؤمن المزداد من الرشد والهدي ~~على حال الكافر الذي لا يغر ما أظهره من اللين مصانعة أو حياء من المكابرة ~~، فإن كان في إيمان الكافر نفع عظيم عام للأمة بزيادة عددها ونفع خاص لذاته ~~. وفي ازدياد المؤمن من وسائل الخير وتزكية النفس نفع خاص له والرسول راع ~~لآحاد الأمة ولمجموعها ، فهو مخاطب بالحفاظ على مصالح المجموع ومصالح ~~الآحاد بحيث لا يدحض مصالح الآحاد لأجل مصالح المجموع إلا إذا تعذر الجمع ~~بين الصالح العام والصالح الخاص ، بيد أن الكافر صاحب هذه القضية تنبىء ~~دخيلته بضعف الرجاء في إيمانه لو أطيل التوسم في حاله ، وبذلك تعطل ~~الانتفاع بها عموما وخصوصا وتمخض أن لتزكية المؤمن صاحب القضية نفعا لخاصة ~~نفسه ولا يخلو من عود تزكية بفائدة على الأمة بازدياد الكاملين من أفرادها ~~. # وقد حصل من هذا إشعار من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم بأن الاهتداء ~~صنوف عديدة وله مراتب سامية ، وليس الاهتداء مقتصرا على حصول الإيمان مراتب ~~وميادين لسبق همم النفوس لا يغفل عن تعهدها بالتثبيت والرعي والإثمار ، ~~وذلك التعهد إعانة على تحصيل زيادة الإيمان . # وتلك سرائر لا يعلم حقها وفروقها إلا الله تعالى . فعلى الرسول صلى الله ~~عليه وسلم وهو خليفة الله في خلقه أن يتوخاها بقدر المستطاع ، فما أوحى ~~الله إليه في شأنه اتبع ما يوحى إليه وما لم ينزل عليه وحي ms9155 في شأنه فعليه ~~أن يصرف اجتهاده كما أشار إليه قوله تعالى : { ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم ~~بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول } ( محمد : 30 ) . # فكان ذلك موقع هذه الوصية المفرغة في قالب المعاتبة للتنبيه إلى الاكتراث ~~بتتبع تلك المراتب وغرس الإرشاد فيها على ما يرجى من طيب تربتها ليخرج منها ~~نبات نافع للخاص وللعامة . # والحاصل أن الله تعالى أعلم رسوله صلى الله عليه وسلم أن ذلك المشرك الذي ~~محضه نصحه لا يرجى منه صلاح ، وأن ذلك المؤمن الذي استبقى العناية به إلى ~~وقت آخر يزداد صلاحا تفيد المبادرة به ، لأنه في حالة تلهفه على التلقي من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد استعدادا منه في حين آخر . # فهذه الحادثة منوال ينسج عليه الاجتهاد النبوي إذا لم يرد له الوحي ليعلم ~~أن من وراء الظواهر خبايا ، وأن القرائن قد تستر الحقائق . # وفي ما قررنا ما يعرف به أن مرجع هذه الآية وقضيتها إلى تصرف النبي صلى ~~الله عليه وسلم بالاجتهاد فيما لم يوح إليه فيه ، وأنه ما حاد عن رعاية ~~أصول الاجتهاد قيد أنملة . وهي دليل لما تقرر في أصول الفقه من جواز ~~الاجتهاد للنبيء صلى الله عليه وسلم ووقوعه ، وأنه جرى على قاعدة إعمال ~~أرجح المصلحتين بحسب الظاهر ، لأن السرائر موكولة إلى الله تعالى ، وأن ~~اجتهاده صلى الله عليه وسلم لا يخطىء بحسب ما نصبه الله من الأدلة ، ولكنه ~~قد يخالف ما في علم الله ، وأن الله لا يقر رسوله صلى الله عليه وسلم على ~~ما فيه مخالفة لما أراده الله في نفس الأمر . # ونظير هذه القضية قضية أسرى بدر التي حدثت بعد سنين من نزول هذه الآية ~~والموقف فيهما متماثل . # وفي قوله تعالى : { وما يدريك لعله يزكى } ( عبس : 3 ) إيماء إلى عذر ~~النبي صلى الله عليه وسلم في تأخيره إرشاد ابن أم مكتوم لما علمت من أنه ~~يستعمل في التنبيه على أمر مغفول عنه ، والمعنى : لعله يزكى تزكية عظيمة ~~كانت نفسه متهيئة لها ساعتئذ إذ جاء مسترشدا حريصا ، وهذه حالة ms9156 خفية . # وكذلك عذره في الحرص على إرشاد المشرك بقوله : { وما عليك ألا يزكى } ( ~~عبس : 7 ) إذ كان النبي صلى الله عليه وسلم يخشى تبعة من فوات إيمان المشرك ~~بسبب قطع المحاورة معه والإقبال على استجابة المؤمن المسترشد . # فإن قال قائل : فلماذا لم يعلم الله رسوله صلى الله عليه وسلم من وقت ~~حضور ابن أم مكتوم بما تضمنه هذا التعليم الذي ذكرتم . # قلنا : لأن العلم الذي يحصل عن تبين غفلة ، أو إشعار بخفاء يكون أرسخ في ~~النفس من العلم المسوق عن غير تعطش ولأن وقوع ذلك بعد حصول سببه أشهر بين ~~المسلمين وليحصل للنبيء صلى الله عليه وسلم مزية كلا المقامين : مقام ~~الاجتهاد ، ومقام الإفادة . # وحكمة ذلك كله أن يعلم الله رسوله صلى الله عليه وسلم بهذا المهيع من علي ~~الاجتهاد لتكون نفسه غير غافلة عن مثله وليتأسى به علماء أمته وحكامها ~~وولاة أمورها . # ونظير هذا ما ضربه الله لموسى عليه السلام من المثل في ملاقاة الخضر ، ~~وما جرى من المحاورة بينهما ، وقول الخضر لموسى : { وكيف تصبر على ما لم ~~تحط به خبرا } ( الكهف : 68 ) ثم قوله له : { ذلك تأويل ما لم تسطع عليه ~~صبرا } ( الكهف : 82 ) . وقد سبق مثله في الشرائع السابقة كقوله في قصة نوح ~~: { يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح } ( هود : 46 ) وقوله ~~لإبراهيم : { لا ينال عهدي الظالمين } ( البقرة : 124 ) . # هذا ما لاح لي في تفسير هذه الآيات تأصيلا وتفصيلا ، وهو بناء على أساس ~~ما سبق إليه المفسرون من جعلهم مناط العتاب مجموع ما في القصة من الإعراض ~~عن إرشاد ابن أم مكتوم ، ومن العبوس له ، والتولي عنه ، ومن التصدي القوي ~~لدعوة المشرك والإقبال عليه . # والأظهر عندي أن مناط العتاب الذي تؤتيه لهجة الآية والذي روي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم ثبوته من كثرة ما يقول لابن أم مكتوم : ( مرحبا بمن ~~عاتبني ربي لأجله ) إنما هو عتاب على العبوس والتولي ، لا على ما حف بذلك ~~من المبادرة بدعوة ، وتأخير إرشاد ، لأن ما سلكه ms9157 النبي صلى الله عليه وسلم ~~في هذه الحادثة من سبيل الإرشاد لا يستدعي عتابا إذ ما سلك إلا سبيل ~~الاجتهاد القويم لأن المقام الذي أقيمت فيه هذه الحادثة تقاضاه إرشادانن لا ~~محيص من تقديم أحدهما على الآخر ، هما : إرشاد كافر إلى الإسلام عساه أن ~~يسلم ، وإرشاد مؤمن إلى شعب الإسلام عساه أن يزداد تزكية . # وليس في حال المؤمن ما يفيت إيمانا وليس في تأخير إرشاده على نية التفرغ ~~إليه بعد حين ما يناكد زيادة صلاحه فإن زيادة صلاحه مستمرة على ممر الأيام ~~. # ومن القواعد المستقراة من تصاريف الشريعة والشاهدة بها العقول السليمة ~~تقديم درء المفاسد على جلب المصالح ، ونفي الضر الأكبر قبل نفي الضر الأصغر ~~، فلم يسلك النبي صلى الله عليه وسلم إلا مسلك الاجتهاد المأمور به فيما لم ~~يوح إليه فيه . وهو داخل تحت قوله تعالى لعموم الأمة : { فاتقوا الله ما ~~استطعتم } ( التغابن : 16 ) وهو القائل : ( إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ~~ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع . فمن قضيت ~~له بحق أخيه فلا يأخذه فإنما اقتطع له قطعة من نار ) ، وهو القائل : ( أمرت ~~أن أحكم بالظاهر والله يتولى السرائر ) وهو حديث صحيح المعنى وإن كان في ~~إسناده تردد . فلا قبل له بعلم المغيبات إلا أن يطلعه الله على شيء منها ، ~~فلا يعلم أن هذا المشرك مضمر الكفر والعناد وأن الله يعلم أنه لا يؤمن ولا ~~أن لذلك المؤمن في ذلك صفاء نفس وإشراق قلب لا يتهيآن له في كل وقت . # وبذلك يستبين أن ما أوحى الله به إلى نبيئه صلى الله عليه وسلم في هذه ~~السورة هو وحي له بأمر كان مغيبا عنه حين أقبل على دعوة المشرك وأرجأ إرشاد ~~المؤمن . وليس في ظاهر حالهما ما يؤذن بباطنه وما أظهر الله فيها غيب علمه ~~إلا لإظهار مزية مؤمن راسخ الإيمان وتسجيل كفر مشرك لا يرجى منه الإيمان ، ~~مع ما في ذلك من تذكير النبي صلى الله عليه وسلم بما علمه ms9158 الله من حسن أدبه ~~مع المؤمنين ورفع شأنهم أمام المشركين . فمناط المعاتبة هو العبوس للمؤمن ~~بحضرة المشرك الذي يستصغر أمثال ابن أم مكتوم ، فما وقع في خلال هذا العتاب ~~من ذكر حال المؤمن والكافر إنما هو إدماج لأن في الحادثة فرصة من التنويه ~~بسمو منزلة المؤمن لانطواء قلبه على أشعة تؤهله لأن يستنير بها ويفيضها على ~~غيره جمعا بين المعاتبة والتعليم ، على سنن هدي القرآن في المناسبات . # ( 11 16 ) { } # . # إبطال وقد تقدم ذكر ( كلا ) في سورة مريم ( 79 82 ) ، وتقدم قريبا في ~~سورة النبأ ( 4 ، 5 ) ، وهو هنا إبطال لما جرى في الكلام السابق ولو ~~بالمفهوم كما في قوله : { وما يدريك لعله يزكى } ( عبس : 3 ) . ولو ~~بالتعريض أيضا كما في قوله : { عبس وتولى } ( عبس : 1 ) . # وعلى التفسير الثاني المتقدم ينصرف الإبطال إلى { عبس وتولى } خاصة . # ويجوز أن يكون تأكيدا لقوله : { وما عليك ألا يزكى } ( عبس : 7 ) على ~~التفسيرين ، أي لا تظن أنك مسؤول عن مكابرته وعناده فقد بلغت ما أمرت ~~بتبليغه . # . # استئناف بعد حرف الإبطال ، وهو استئناف بياني لأن ما تقدم من العتاب ثم ~~ما عقبه من الإبطال يثير في خاطر الرسول صلى الله عليه وسلم الحيرة في كيف ~~يكون العمل في دعوة صناديد قريش إذا لم يتفرغ لهم لئلا ينفروا عن التدبر في ~~القرآن ، أو يثير في نفسه مخافة أن يكون قصر في شيء من واجب التبليغ . # وضمير { إنها } عائد إلى الدعوة التي تضمنها قوله : { فأنت له تصدى } ( ~~عبس : 6 ) . # ويجوز أن يكون المعنى : أن هذه الموعظة تذكرة لك وتنبيه لما غفلت عنه ~~وليست ملاما وإنما يعاتب الحبيب حبيبه . # ويجوز عندي أن يكون { كلا إنها تذكرة } استئنافا ابتدائيا موجها إلى من ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعوه قبيل نزول السورة فإنه كان يعرض القرآن ~~على الوليد بن المغيرة ومن معه ، وكانوا لا يستجيبون إلى ما دعاهم ولا ~~يصدقون بالبعث ، فتكون ( كلا ) إبطالا لما نعتوا به القرآن من أنه أساطير ~~الأولين أو نحو ذلك . # فيكون ضمير { إنها تذكرة } عائدا ms9159 إلى الآيات التي قرأها النبي صلى الله ~~عليه وسلم عليهم في ذلك المجلس ثم أعيد عليها الضمير بالتذكير للتنبيه على ~~أن المراد آيات القرآن . # ويؤيد هذا الوجه قوله تعالى عقبه : { قتل الإنسان ما أكفره } ( عبس : 17 ~~) الآيات حيث ساق لهم أدلة إثبات البعث . # فكان تأنيث الضمير نكتة خصوصية لتحميل الكلام هذه المعاني . # والضمير الظاهر في قوله : { ذكره } يجوز أن يعود إلى { تذكرة } لأن ما ~~صدقها القرآن الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرضه على صناديد قريش ~~قبيل نزول هذه السورة ، أي فمن شاء ذكر القرآن وعمل به . # ويجوز أن يكون الضمير عائدا إلى الله تعالى فإن إعادة ضمير الغيبة على ~~الله تعالى دون ذكر معاده في الكلام كثير في القرآن لأن شؤونه تعالى ~~وأحكامه نزل القرآن لأجلها فهو ملحوظ لكل سامع للقرآن ، أي فمن شاء ذكر ~~الله وتوخى مرضاته . # والذكر على كلا الوجهين : الذكر بالقلب ، وهو توخي الوقوف عند الأمر ~~والنهي . وتعدية فعل ( ذكر ) إلى ذلك الضمير على الوجهين على حذف مضاف ~~يناسب المقام . # والذي اقتضى الإتيان بالضمير وكونه ضمير مذكر مراعاة الفواصل وهي : { ~~تذكره ، مطهره ، سفره ، برره } . # وجملة : { فمن شاء ذكره } معترضة بين قوله : { تذكرة } وقوله : { في صحف ~~} . # والفاء لتفريع مضمون الجملة على جملة { إنها تذكرة } فإن الجملة المعترضة ~~تقترن بالفاء إذا كان معنى الفاء قائما ، فالفاء من جملة الاعتراض ، أي هي ~~تذكرة لك بالأصالة وينتفع بها من شاء أن يتذكر على حسب استعداده ، أي يتذكر ~~بها كل مسلم كقوله تعالى : { وإنه لذكر لك ولقومك } ( الزخرف : 44 ) . # وفي قوله : { فمن شاء ذكره } تعريض بأن موعظة القرآن نافعة لكل أحد تجرد ~~عن العناد والمكابرة ، فمن لم يتعظ بها فلأنه لم يشأ أن يتعظ . وهذا كقوله ~~تعالى : { إنما أنت منذر من يخشاها } ( النازعات : 45 ) وقوله : { لمن شاء ~~منكم أن يستقيم } ( التكوير : 28 ) وقوله : { وإنه لتذكرة للمتقين } ( ~~الحاقة : 48 ) ونحوه كثير ، وقد تقدم قريب منه في قوله تعالى : { فمن شاء ~~اتخذ إلى ربه سبيلا في سورة الإنسان . # والتذكرة : اسم لما يتذكر ms9160 به الشيء إذا نسي . قال الراغب : وهي أعم من ~~الدلالة والأمارة قال تعالى : فما لهم عن التذكرة معرضين . وتقدم نظيره في ~~سورة المدثر . # وكل من تذكرة } و { ذكره } هو من الذكر القلبي الذي مصدره بضم الدال في ~~الغالب ، أي فمن شاء عمل به ولا ينسه . # والصحف : جمع صحيفة ، وهي قطعة من أديم أو ورق أو خرقة يكتب فيها الكتاب ~~، وقياس جمعها صحائف ، وأما جمعها على صحف فمخالف للقياس ، وهو الأفصح ولم ~~يرد في القرآن إلا صحف ، وسيأتي في سورة الأعلى ، وتطلق الصحيفة على ما ~~يكتب فيه . # و { مطهرة } اسم مفعول من طهره إذا نظفه . والمراد هنا : الطهارة ~~المجازية وهي الشرف ، فيجوز أن يحمل الصحف على حقيقته فتكون أوصافها ب { ~~مكرمة ، مرفوعة ، مطهرة } محمولة على المعاني المجازية وهي معاني الاعتناء ~~بها كما قال تعالى : { قالت يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم } ( ~~النمل : 29 ) . وتشريفها كما قال تعالى : { إن كتاب الأبرار لفي عليين } ( ~~المطففين : 18 ) وقدسية معانيها كما قال تعالى : { ويعلمهم الكتاب والحكمة ~~ويزكيهم } ( البقرة : 129 ) ، وكان المراد بالصحف الأشياء التي كتب فيها ~~القرآن من رقوق وقراطيس ، وأكتاف ، ولخاف ، وجريد . # فقد روي أن كتاب الوحي كانوا يكتبون فيها كما جاء في خبر جمع أبي بكر ~~للمصحف حين أمر بكتابته في رقوق أو قراطيس ، ويكون إطلاق الصحف عليها ~~تغليبا ويكون حرف ( في ) للظرفية الحقيقية ويكون المراد بالسفرة جمع سافر ، ~~أي كاتب ، وروي عن ابن عباس . قال الزجاج : وإنما قيل للكتاب سفر ( بكسر ~~السين ) وللكاتب سافر ؛ لأن معناه أنه يبين الشيء ويوضحه يقال : أسفر الصبح ~~، إذا أضاء وقاله الفراء . # ويجوز أن يراد بالصحف كتب الرسل الذين قبل محمد صلى الله عليه وسلم مثل ~~التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم عليه السلام . فتكون هذه الأوصاف ~~تأييدا للقرآن بأن الكتب الإلاهية السابقة جاءت بما جاء به . ومعنى كون هذه ~~التذكرة في كتب الرسل السابقين : أن أمثال معانيها وأصولها في كتبهم ، كما ~~قال تعالى : { إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى } ( الأعلى : 18 ~~19 ) وكما ms9161 قال : { وإنه لفي زبر الأولين } ( الشعراء : 196 ) وكما قال : { ~~شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم ~~وموسى وعيسى } ( الشورى : 13 ) . # ويجوز أن يراد بالصحف صحف مجازية ، أي ذوات موجودة قدسية يتلقى جبريل ~~عليه السلام منها القرآن الذي يؤمر بتبليغه للنبيء صلى الله عليه وسلم ~~ويكون إطلاق الصحف عليها لشبهها بالصحف التي يكتب الناس فيها . ومعنى { ~~مكرمة } عناية الله بها ، ومعنى { مرفوعة } أنها من العالم العلوي ، ومعنى ~~{ مطهرة } مقدسة مباركة ، أي هذه التذكرة مما تضمنه علم الله وما كتبه ~~للملائكة في صحف قدسية . # وعلى الوجهين المذكورين في المراد بالصحف ( فسفرة ) يجوز أن يكون جمع ~~سافر ، مثل كاتب وكتبة ، ويجوز أن يكون اسم جمع سفير ، وهو المرسل في أمر ~~مهم ، فهو فعيل بمعنى فاعل ، وقياس جمعه سفراء وتكون ( في ) للظرفية ~~المجازية ، أي المماثلة في المعاني . # وتأتي وجوه مناسبة في معنى { سفرة } ، فالمناسب للوجه الأول : أن يكون ~~السفرة كتاب القرآن من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أن يكون ~~المراد قراء القرآن ، وبه فسر قتادة وقال : هم بالنبطية القراء ، وقال ~~غيرهم : الوراقون باللغة العبرانية . # وقد عدت هذه الكلمة في عداد ما ورد في القرآن من المعرب كما في ( الإتقان ~~) عن ابن أبي حاتم ، وقد أغفلها السيوطي فيما استدركه على ابن السبكي وابن ~~حجر في نظميهما في المعرب في القرآن أو قصد عدم ذكرها لوقوع الاختلاف في ~~تعريبها . # والمناسب للوجه الثاني : أن يكون محمله الرسل . # والمناسب للوجه الثالث : أن يكون محمله الملائكة لأنهم سفراء بين الله ~~ورسله . # والمراد بأيديهم : حفظهم إياه إلى تبليغه ، فمثل حال الملائكة بحال ~~السفراء الذين يحملون بأيديهم الألوك والعهود . # وإما أن يراد : الرسل الذين كانت بأيديهم كتبهم مثل موسى وعيسى عليهما ~~السلام . # وإما أن يراد كتاب الوحي مثل عبد الله بن سعد بن أبي سرح ، وعبد الله بن ~~عمرو بن العاص ، وعمر وعثمان وعلي وعامر بن فهيرة . # وكان بعض المسلمين يكتب ما يتلقاه من القرآن ليدرسه مثل ما ورد في ms9162 حديث ~~إسلام عمر بن الخطاب من عثوره على سورة طه مكتوبة عند أخته أم جميل فاطمة ~~زوج سعيد بن زيد . # وفي وصفهم بالسفرة ثناء عليهم لأنهم يبلغون القرآن للناس وهم حفاظه ~~ووعاته قال تعالى : { بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم } ( ~~العنكبوت : 49 ) فهذا معنى السفرة . وفيه بشارة بأنهم سينشرون الإسلام في ~~الأمم وقد ظهر مما ذكرنا ما لكلمة { سفرة } من الوقع العظيم المعجز في هذا ~~المقام . # ووصف { كرام } مما وصف به الملائكة في آيات أخرى كقوله تعالى { كراما ~~كاتبين } ( الانفطار : 11 ) . # ووصف البررة ورد صفة للملائكة في الحديث الصحيح قوله : ( الذي يقرأ ~~القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة ) . # والبررة : جمع بر ، وهو الموصوف بكثرة البرور . وأصل بر مصدر بر يبر من ~~باب فرح ، ومصدره كالفرح ، فهذا من باب الوصف بالمصدر مثل عدل وقد اختص ~~البررة بجمع بر ولا يكون جمع بار . # والغالب في اصطلاح القرآن أن البررة الملائكة والأبرار الآدميون . قال ~~الراغب : ( لأن بررة أبلغ من أبرار إذ هو جمع بر ، وأبرار جمع بار ، وبر ~~أبلغ من بار كما أن عدلا أبلغ من عادل ) . # وهذا تنويه بشأن القرآن لأن التنويه بالآيات الواردة في أول هذه السورة ~~من حيث إنها بعض القرآن فأثني على القرآن بفضيلة أثره في التذكير والإرشاد ~~، وبرفعة مكانته ، وقدس مصدره ، وكرم قراره ، وطهارته ، وفضائل حملته ~~ومبلغيه ، فإن تلك المدائح عائدة إلى القرآن بطريق الكناية . # ( 17 22 ) { } # استئناف ابتدائي نشأ عن ذكر من استغنى فإنه أريد به معين واحد أو أكثر ، ~~وذلك يبينه ما وقع من الكلام الذي دار بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين ~~صناديد المشركين في المجلس الذي دخل فيه ابن أم مكتوم . # والمناسبة وصف القرآن بأنه تذكرة لمن شاء أن يتذكر ، وإذ قد كان أكبر ~~دواعيهم على التكذيب بالقرآن أنه أخبر عن البعث وطالبهم بالإيمان به كان ~~الاستدلال على وقوع البعث أهم ما يعتنى به في هذا التذكير وذلك من أفنان ~~قوله : { فمن شاء ذكره } ( عبس : 12 ) . # والذي عرف ms9163 بقوله : { من استغنى } ( عبس : 5 ) يشمله العموم الذي أفاده ~~تعريف { الإنسان } من قوله تعالى : { قتل الإنسان ما أكفره } . # وفعل قتل فلان أصله دعاء عليه بالقتل . والمفسرون الأولون جعلوا : { قتل ~~الإنسان } أنه لعن ، رواه الضحاك عن ابن عباس وقاله مجاهد وقتادة وأبو مالك ~~. قال في ( الكشاف ) : ( دعاء عليه وهذا من أشنع دعواتهم ) ، أي فمورده غير ~~مورد قوله تعالى : { قاتلهم الله } ( التوبة : 30 ) وقولهم : قاتل الله ~~فلانا يريدون التعجب من حاله ، وهذا أمر مرجعه للاستعمال ولا داعي إلى حمله ~~على التعجيب لأن قوله : { ما أكفره } يغني عن ذلك . # والدعاء بالسوء من الله تعالى مستعمل في التحقير والتهديد لظهور أن حقيقة ~~الدعاء لا تناسب الإلاهية لأن الله هو الذي يتوجه إليه الناس بالدعاء . # وبناء { قتل } للمجهول متفرع على استعماله في الدعاء ، إذ لا غرض في قاتل ~~يقتله ، وكثر في القرآن مبنيا للمجهول نحو { فقتل كيف قدر } ( المدثر : 19 ~~) . # وتعريف { الإنسان } يجوز أن يكون التعريف المسمى تعريف الجنس فيفيد ~~استغراق جميع أفراد الجنس ، وهو استغراق حقيقي ، وقد يراد به استغراق معظم ~~الأفراد بحسب القرائن فتولد بصيغة الاستغراق ادعاء لعدم الاعتداد بالقليل ~~من الأفراد ، ويسمى الاستغراق العرفي في اصطلاح علماء المعاني ، ويسمى ~~العام المراد به الخصوص في اصطلاح علماء الأصول والقرينة هنا ما بين به كفر ~~الإنسان من قوله : { من أي شيء خلقه } إلى قوله : { ثم إذا شاء أنشره } ~~فيكون المراد من قوله : { الإنسان } المشركين المنكرين البعث ، وعلى ذلك ~~جملة المفسرين ، فإن معظم العرب يومئذ كافرون بالبعث . # قال مجاهد : ما كان في القرآن { قتل الإنسان } فإنما عني به الكافر . # والأحكام التي يحكم بها على الأجناس يراد أنها غالبة على الجنس ، ~~فالاستغراق الذي يقتضيه تعريف لفظ الجنس المحكوم عليه استغراق عرفي معناه ~~ثبوت الحكم للجنس على الجملة ، فلا يقتضي اتصاف جميع الأفراد به ، بل قد ~~يخلو عنه بعض الأفراد وقد يخلو عنه المتصف به في بعض الأحيان ، فقوله : { ~~ما أكفره } تعجيب من كفر جنس الإنسان أو شدة كفره وإن كان القليل منه غير ~~كافر . # فآل معنى ms9164 الإنسان إلى الكفار من هذا الجنس وهم الغالب على نوع الإنسان . # فغالب الناس كفروا بالله من أقدم عصور التاريخ وتفشى الكفر بين أفراد ~~الإنسان وانتصروا له وناضلوا عنه . ولا أعجب من كفر من ألهوا أعجز ~~الموجودات من حجارة وخشب ، أو نفوا أن يكون لهم رب خلقهم . # ويجوز أن يكون تعريف { الإنسان } تعريف العهد لشخص معين من الإنسان يعينه ~~خبر سبب النزول ، فقيل : أريد به أمية بن خلف ، وكان ممن حواه المجلس الذي ~~غشيه ابن أم مكتوم ، وعندي أن الأولى أن يكون أراد به الوليد بن المغيرة . # وعن ابن عباس أن المراد عتبة بن أبي لهب ، وذكر في ذلك قصة لا علاقة لها ~~بخبر المجلس الذي غشيه ابن أم مكتوم ، فتكون الجملة مستأنفة استئنافا ~~ابتدائيا ، والمناسبة ظاهرة . # وجملة { ما أكفره } تعليل لإنشاء الدعاء عليه دعاء التحقير والتهديد . ~~وهذا تعجيب من شدة كفر هذا الإنسان . # ومعنى شدة الكفر أن كفره شديد كما وكيفا ، ومتى ، لأنه كفر بوحدانية الله ~~، وبقدرته على إعادة خلق الأجسام بعد الفناء ، وبإرساله الرسول ، وبالوحي ~~إليه صلى الله عليه وسلم وأنه كفر قوي لأنه اعتقاد قوي لا يقبل التزحزح ، ~~وأنه مستمر لا يقلع عنه مع تكرر التذكير والإنذار والتهديد . # وهذه الجملة بلغت نهاية الإيجاز وأرفع الجزالة بأسلوب غليظ دال على السخط ~~بالغ حد المذمة ، جامع للملامة ، ولم يسمع مثلها قبلها ، فهي من جوامع ~~الكلم القرآنية . # وحذف المتعلق بلفظ { أكفره } لظهوره من لفظ ( أكفر ) وتقديره : ما أكفره ~~بالله . # وفي قوله : { قتل الإنسان ما أكفره } محسن الاتزان فإنه من بحر الرمل من ~~عروضه الأولى المحذوفة . # وجملة { من أي شيء خلقه } بيان لجملة { قتل الإنسان ما أكفره } ، لأن ~~مفاد هذه الجملة الاستدلال على إبطال إحالتهم البعث وذلك الإنكار من أكبر ~~أصول كفرهم . # وجيء في هذا الاستدلال بصورة سؤال وجواب للتشويق إلى مضمونه ، ولذلك قرن ~~الاستفهام بالجواب عنه على الطريقة المتقدمة في قوله تعالى : { عم يتساءلون ~~عن النبأ العظيم } ( النبأ : 1 2 ) . # والاستفهام صوري ، وجعل المستفهم عنه تعيين الأمر الذي به خلق الإنسان ms9165 ~~لأن المقام هنا ليس لإثبات أن الله خلق الإنسان ، بل المقام لإثبات إمكان ~~إعادة الخلق بتنظيره بالخلق الأول على طريقة قوله تعالى : { أفعيينا بالخلق ~~الأول } ( ق : 15 ) أي كما كان خلق الإنسان أول مرة من نطفة يكون خلقه ثاني ~~مرة من كائن ما ، ونظيره قوله تعالى : { فلينظر الإنسان مم خلق خلق من ماء ~~دافق يخرج من بين الصلب والترائب إنه على رجعه لقادر في سورة الطارق ( 5 8 ~~) . # والضمير المستتر في قوله : خلقه } عائد إلى لله تعالى المعلوم من فعل ~~الخلق لأن المشركين لم يكونوا ينكرون أن الله خالق الإنسان . # وقدم الجار والمجرور في قوله : { من نطفة خلقه } محاكاة لتقديم المبين في ~~السؤال الذي اقتضى تقديمه كونه استفهاما يستحق صدر الكلام ، مع الاهتمام ~~بتقديم ما منه الخلق ، لما في تقديمه من التنبيه للاستدلال على عظيم حكمة ~~الله تعالى إذ كون أبدع مخلوقق معروف من أهون شيء وهو النطفة . # وإنما لم يستغن عن إعادة فعل خلقه في جملة الجواب مع العلم به بتقدم ذكر ~~حاصله في السؤال لزيادة التنبيه على دقة ذلك الخلق البديع . # فذكر فعل { خلقه } الثاني من أسلوب المساواة ليس بإيجاز ، وليس بإطناب . # والنطفة : الماء القليل ، وهي فعلة بمعنى مفعولة كقولهم : قبضة حب ، ~~وغرفة ماء . وغلب إطلاق النطفة على الماء الذي منه التناسل ، فذكرت النطفة ~~لتعين ذكرها لأنها مادة خلق الحيوان للدلالة على أن صنع الله بديع فإمكان ~~البعث حاصل ، وليس في ذكر النطفة هنا إيماء إلى تحقير أصل نشأة الإنسان لأن ~~قصد ذلك محل نظر ، على أن المقام هنا للدلالة على خلقق عظيم وليس مقام زجر ~~المتكبر . # وفرع على فعل { خلقه } فعل { فقدره } بفاء التفريع لأن التقدير هنا إيجاد ~~الشيء على مقدار مضبوط منظم كقوله تعالى : { وخلق كل شيء فقدره تقديرا } ( ~~الفرقان : 2 ) أي جعل التقدير من آثار الخلق لأنه خلقه متهيئا للنماء وما ~~يلابسه من العقل والتصرف وتمكينه من النظر بعقله ، والأعمال التي يريد ~~إتيانها وذلك حاصل مع خلقه مدرجا مفرعا . # وهذا التفريع وما عطف عليه إدماج ms9166 للامتنان في خلال الاستدلال . # وحرف { ثم } من قوله : { ثم السبيل يسره } للتراخي الرتبي لأن تيسير سبيل ~~العمل الإنساني أعجب في الدلالة على بديع صنع الله لأنه أثر العقل وهو أعظم ~~ما في خلق الإنسان وهو أقوى في المنة . # و { السبيل } : الطريق ، وهو هنا مستعار لما يفعله الإنسان من أعماله ~~وتصرفاته تشبيها للأعمال بطريق يمشي فيه الماشي تشبيه المحسوس بالمعقول . # ويجوز أن يكون مستعارا لمسقط المولود من بطن أمه فقد أطلق على ذلك الممر ~~اسم السبيل في قولهم : ( السبيلان ) فيكون هذا من استعمال اللفظ في مجازيه ~~. وفيه مناسبة لقوله بعده : { ثم أماته فأقبره } ، ف { أماته } مقابل { ~~خلقه } و { أقبره } مقابل { ثم السبيل يسره } لأن الإقبار إدخال في الأرض ~~وهو ضد خروج المولود إلى الأرض . # والتيسير : التسهيل ، و { السبيل } منصوب بفعل مضمر على طريق الاشتغال ، ~~والضمير عائد إلى { السبيل } . والتقدير : يسر السبيل له ، كقوله : { ولقد ~~يسرنا القرآن للذكر } ( القمر : 17 ) أي لذكر الناس . # وتقديم { السبيل } على فعله للاهتمام بالعبرة بتيسير السبيل بمعنييه ~~المجازيين ، وفيه رعاية للفواصل . # وكذلك عطف { ثم أماته } على { يسره } بحرف التراخي هو لتراخي الرتبة فإن ~~انقراض تلك القوى العقلية والحسية بالموت ، بعد أن كانت راسخة زمنا ما ، ~~انقراض عجيب دون تدريج ولا انتظار زمانن يساوي مدة بقائها ، وهذا إدماج ~~للدلالة على عظيم القدرة . # ومن المعلوم بالضرورة أن الكثير الذي لا يحصى من أفراد النوع الإنساني قد ~~صار أمره إلى الموت وأن من هو حي آيل إلى الموت لا محالة ، فالمعنى : ثم ~~أماته ويميته . # فصيغة المضي في قوله : { أماته } مستعملة في حقيقته وهو موت من مات ، ~~ومجازه وهو موت من سيموتون ، لأن موتهم في المستقبل محقق . وذكر جملة : { ~~ثم أماته } توطئة وتمهيد لجملة { فأقبره } . # وإسناد الإماتة إلى الله تعالى حقيقة عقلية بحسب عرف الاستعمال . وهذا ~~إدماج للامتنان في خلال الاستدلال كما أدمج : { فقدره ثم السبيل يسره } ~~فيما سبق . # و { أقبره } جعله ذا قبر ، وهو أخص من معنى قبره ، أي أن الله سبب له أن ~~يقبر . قال الفراء : ( أي جعله مقبورا ms9167 ، ولم يجعله ممن يلقى للطير والسباع ~~ولا ممن يلقى في النواويس ) ( جمع ناووس صندوق من حجر أو خشب يوضع فيه ~~الميت ويجعل في بيت أو نحوه ) . # والإقبار : تهيئة القبر ، ويقال : أقبره أيضا ، إذا أمر بأن يقبر ، ويقال ~~: قبر الميت ، إذا دفنه ، فالمعنى : أن الله جعل الناس ذوي قبور . # وإسناد الإقبار إلى الله تعالى مجاز عقلي لأن الله ألهم الناس الدفن كما ~~في قصة دفن أحد ابني آدم أخاه بإلهام تقليده لفعل غراب حفر لغراب آخر ميتت ~~حفرة فواراه فيها ، وهي في سورة العقود ، فأسند الإقبار إلى الله لأنه ألهم ~~الناس إياه . وأكد ذلك بما أمر في شرائعه من وجوب دفن الميت . # والقول في أن صيغة المضي مستعملة في حقيقتها ومجازها نظير القول في صيغة ~~{ أماته } . # وهذه كلها دلائل على عظيم قدرة الله تعالى وهم عدوها قاصرة على الخلق ~~الثاني ، وهي تتضمن مننا على الناس في خلقهم وتسويتهم وإكمال قواهم أحياء ، ~~وإكرامهم أمواتا بالدفن لئلا يكون الإنسان كالشيء اللقي يجتنب بنو جنسه ~~القرب منه ويهينه التقام السباع وتمزيق مخالب الطير والكلاب ، فمحل المنة ~~في قوله : { ثم أماته } هو فيما فرع عليه بالفاء بقوله : { فأقبره } وليست ~~الإماتة وحدها منة . # وفي الآية دليل على أن وجوب دفن أموات الناس بالإقبار دون الحرق بالنار ~~كما يفعل مجوس الهند ، ودون الإلقاء لسباع الطير في ساحات في الجبال محوطة ~~بجدران دون سقف كما كان يفعله مجوس الفرس وكما كان يفعله أهل الجاهلية ~~بموتى الحروب والغارات في الفيافي إذ لا يوارونهم بالتراب وكانوا يفتخرون ~~بذلك ويتمنونه قال الشنفرى : # لا تقبروني إن قبري محرم # عليكم ولكن أبشري أم عامر # يريد أن تأكله الضبع ، وأبطل الإسلام ذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم ~~دفن شهداء المسلمين يوم أحد في قبور مشتركة ، ووارى قتلى المشركين ببدر في ~~قليب ، قال عمرو بن معديكرب قبل الإسلام : # آليت لا أدفن قتلاكم # فدخنوا المرء وسرباله # وجملة : { ثم إذا شاء أنشره } رجوع إلى إثبات البعث وهي كالنتيجة عقب ~~الاستدلال . ووقع قوله : { إذا شاء } معترضا بين ms9168 جملة { أماته } وجملة : { ~~أنشره } لرد توهم المشركين أن عدم التعجيل بالبعث دليل على انتفاء وقوعه في ~~المستقبل و ( إذا ) ظرف للمستقبل ففعل المضي بعدها مؤول بالمستقبل . ~~والمعنى : ثم حين يشاء ينشره ، أي ينشره حين تتعلق مشيئته بإنشاره . # و { أنشره } بعثه من الأرض وأصل النشر إخراج الشيء المخبأ يقال : نشر ~~الثوب ، إذ أزال طيه ، ونشر الصحيفة ، إذا فتحها ليقرأها . ومنه الحديث : ( ~~فنشروا التوراة ) . # وأما الإنشار بالهمز فهو خاص بإخراج الميت من الأرض حيا وهو البعث ، ~~فيجوز أن يقال : نشر الميت ، والعرب لم يكونوا يعتقدون إحياء الأموات إلا ~~أن يكونوا قد قالوه في تخيلاتهم التوهمية . فيكون منه قول الأعشى : # حتى يقول الناس مما رأوا # يا عجبا للميتت الناشر # ولذلك قال الله تعالى : { ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن ~~الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين } ( هود : 7 ) . # وفي قوله : { إذا شاء } رد لشبهتهم إذ كانوا يطلبون تعجيل البعث تحديا ~~وتهكما ليجعلوا عدم الاستجابة بتعجيله دليلا على أنه لا يكون ، فأعلمهم ~~الله أنه يقع عندما يشاء الله وقوعه لا في الوقت الذي يسألونه لأنه موكول ~~إلى حكمة الله ، واستفادة إبطال قولهم من طريق الكناية . # تفسير هذه الآية معضل وكلمات المفسرين والمتأولين فيها بعضها جاف المنال ~~، وبعضها جافف عن الاستعمال . ذلك أن المعروف في { كلا } أنه حرف ردع وزجر ~~عن كلام سابق أو لاحق ، وليس فيما تضمنه ما سبقها ولا فيما بعدها ما ظاهره ~~أن يزجر عنه ولا أن يبطل ، فتعين المصير إلى تأويل مورد { كلا } . # فأما الذين التزموا أن يكون حرف { كلا } للردع والزجر وهم الخليل وسيبويه ~~وجمهور نحاة البصرة ويجيزون الوقف عليها كما يجيزون الابتداء بها ، فقد ~~تأولوا هذه الآية وما أشبهها بتوجيه الإنكار إلى ما يومىء إليه الكلام ~~السابق أو اللاحق دون صريحه ولا مضمونه . # فمنهم من يجعل الردع متوجها إلى ما قبل { كلا } مما يومىء إليه قوله ~~تعالى : { ثم إذا شاء أنشره } ( عبس : 22 ) ، أي إذا شاء الله ، إذ يومىء ~~إلى أن الكافر ينكر أن ينشره الله ويعتل ms9169 بأنه لم ينشر أحدا منذ القدم إلى ~~الآن . وهذا الوجه هو الجاري على قول البصريين كما تقدم . # وموقع { كلا } على هذا التأويل موقع الجواب بالإبطال ، وموقع جملة : { ~~لما يقض ما أمره } موقع العلة للإبطال ، أي لو قضى ما أمره الله به لعلم ~~بطلان زعمه أنه لا ينشر . # وتأوله في ( الكشاف ) بأنه : ( ردع للإنسان عما هو عليه ) أي مما ذكر ~~قبله من شدة كفره واسترساله عليه دون إقلاع ، يريد أنه زجر عن مضمون : { ما ~~أكفره } ( عبس : 17 ) . # ومنهم من يجعل الردع متوجها إلى ما بعد { كلا } مما يومىء إليه قوله ~~تعالى : { لما يقض ما أمره } أي ليس الأمر كما يقول هذا الإنسان الكافر من ~~أنه قد أدى حق الله الذي نبهه إليه بدعوة الرسل وبإيداع قوة التفكير فيه ، ~~ويتسروح هذا من كلام روي عن مجاهد ، وهو أقرب لأن ما بعد { كلا } لما كان ~~نفيا ناسب أن يجعل { كلا } تمهيدا للنفي . # وموقع { كلا } على هذا الوجه أنها جزء من استئناف . # وموقع جملة : { لما يقض ما أمره } استئناف بياني نشأ عن مضمون جملة : { ~~من أي شيء خلقه إلى قوله : أنشره } ( عبس : 18 22 ) ، أي إنما لم يهتد ~~الكافر إلى دلالة الخلق الأول على إمكانن الخلق الثاني ، لأنه لم يقض حق ~~النظر الذي أمره الله . # وأما الذين لم يلتزموا معنى الزجر في { كلا } وهم الكسائي القائل : تكون ~~{ كلا } بمعنى حقا ، ووافقه ثعلب وأبو حاتم السجستاني القائل : تكون { كلا ~~} بمعنى ( ألا ) الاستفتاحية . # والنضر بن شميل والفراء القائلان : تكون { كلا } حرف جواب بمعنى نعم . ~~فهؤلاء تأويل الكلام على رأيهم ظاهر . # وعن الفراء { كلا } تكون صلة ( أي حرفا زائدا للتأكيد ) كقولك : كلا ورب ~~الكعبة ا ه . وهذا وجه إليه ولا يتأتى في هذه الآية . # فالوجه في موقع { كلا } هنا أنه يجوز أن تكون زجرا عما يفهم من قوله : { ~~ثم إذا شاء أنشره } ( عبس : 22 ) المكنى به عن فساد استدلالهم بتأخيره على ~~أنه لا يقع فيكون الكلام على هذا تأكيدا للإبطال الذي في قوله : { كلا إنها ~~تذكرة } ( عبس ms9170 : 11 ) باعتبار معناه الكنائي إن كان صريح معناه غير باطل ~~فقوله : { إذا شاء } مؤذن بأنه الآن لم يشأ وذلك مؤذن بإبطال أن يقع البعث ~~عندما يسألون وقوعه ، أي أنا لا نشاء إنشارهم الآن وإنما ننشرهم عندما نشاء ~~مما قدرنا أجله عند خلق العالم الأرضي . # وتكون جملة : { لما يقض ما أمره } تعليلا للردع ، أي الإنسان لم يستتم ما ~~أجل الله لبقاء نوعه في هذا العالم من يوم تكوينه فلذلك لا ينشر الآن ، ~~ويكون المراد بالأمر في قوله : { ما أمره } أمر التكوين ، أي لم يستتم ما ~~صدر به أمر تكوينه حين قيل لآدم : { ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين } ( ~~البقرة : 36 ) . # ويجوز أن يكون زجرا عما أفاده قوله : { لما يقض ما أمره } وقدمت { كلا } ~~في صدر الكلام الواردة لإبطاله للاهتمام بمبادرة الزجر . # وتقدم الكلام في { كلا } في سورة مريم وأحلت هنالك على ما هنا . # و { لما } حرف نفي يدل على نفي الفعل في الماضي مثل ( لم ) ويزيد ~~بالدلالة على استمرار النفي إلى وقت التكلم كقوله تعالى : { ولما يدخل ~~الإيمان في قلوبكم } ( الحجرات : 14 ) . # والمقصود أنه مستمر على عدم قضاء ما أمره الله مما دعاه إليه . # والقضاء : فعل ما يجب على الإنسان كاملا لأن أصل القضاء مشتق من الإتمام ~~فتضمن فعلا تاما ، أي لم يزل الإنسان الكافر معرضا عن الإيمان الذي أمره ~~الله به ، وعن النظر في خلقه من نطفة ثم تطوره أطوارا إلى الموت قال تعالى ~~: { فلينظر الإنسان مما خلق } ( الطارق : 5 ) ، وما أمره من التدبر في ~~القرآن ودلائله ومن إعمال عقله في الاستدلال على وحدانية الله تعالى ونفي ~~الشريك عنه . ومن الدلائل نظره في كيفية خلقه فإنها دلائل قائمة بذاته ~~فاستحق الردع والزجر . # والضمير المستتر في { أمره } عائد إلى ما عادت إليه الضمائر المستترة في ~~( خلقه ، وقدره ، ويسره ، وأماته ، وأقبره ، وأنشره ) . # ( 24 32 ) { } # إما مفرع على قوله : { لما يقض ما أمره } ( عبس : 23 ) فيكون مما أمره ~~الله به من النظر ، وإما على قوله : { ما أكفره } ( عبس : 17 ) فيكون هذا ~~النظر ms9171 مما يبطل ويزيل شدة كفر الإنسان . والفاء مع كونها للتفريع تفيد معنى ~~الفصيحة ، إذ التقدير : إن أراد أن يقضي ما أمره فلينظر إلى طعامه أو إن ~~أراد نقض كفره فلينظر إلى طعامه . وهذا نظير الفاء في قوله تعالى : { إن كل ~~نفس لما عليها حافظ فلينظر الإنسان مم خلق } ( الطارق : 4 ، 5 ) ، أي إن ~~أراد الإنسان الخلاص من تبعات ما يكتبه عليه الحافظ فلينظر مم خلق ليهتدي ~~بالنظر فيؤمن فينجو . # وهذا استدلال آخر على تقريب كيفية البعث انتقل إليه في معرض الإرشاد إلى ~~تدارك الإنسان ما أهمله وكان الانتقال من الاستدلال بما في خلق الإنسان من ~~بديع الصنع من دلائل قائمة بنفسه في آية : { من أي شيء خلقه } ( عبس : 18 ) ~~إلى الاستدلال بأحوال موجودة في بعض الكائنات شديدة الملازمة لحياة الإنسان ~~ترسيخا للاستدلال ، وتفننا فيه ، وتعريضا بالمنة على الإنسان في هذه ~~الدلائل ، من نعمة النبات الذي به بقاء حياة الإنسان وحياة ما ينفعه من ~~الأنعام . # وتعدية فعل النظر هنا بحرف { إلى } تدل على أنه من نظر العين إشارة إلى ~~أن العبرة تحصل بمجرد النظر في أطواره . والمقصود التدبر فيما يشاهده ~~الإنسان من أحوال طعامه بالاستدلال بها على إيجاد الموجودات من الأرض . ~~وجعل المنظور إليه ذات الطعام مع أن المراد النظر إلى أسباب تكونه وأحوال ~~تطوره إلى حالة انتفاع الإنسان به وانتفاع أنعام الناس به . # وذلك من أسلوب إناطة الأحكام بأسماء الذوات ، والمراد أحوالها مثل قوله ~~تعالى : { حرمت عليكم الميتة } ( المائدة : 3 ) أي أكلها ، فأمر الله ~~الإنسان بالتفكير في أطوار تكون الحبوب والثمار التي بها طعامه ، وقد وصف ~~له تطور ذلك ليتأمل ما أودع إليه في ذلك من بديع التكوين سواء رأى ذلك ~~ببصره أم لم يره ، ولا يخلو أحد عن علمم إجمالي بذلك ، فيزيده هذا الوصف ~~علما تفصيليا ، وفي جميع تلك الأطوار تمثيل لإحياء الأجساد المستقرة في ~~الأرض ، فقد يكون هذا التمثيل في مجرد الهيئة الحاصلة بإحياء الأجساد ، وقد ~~يكون تمثيلا في جميع تلك الأطوار بأن تخرج الأجساد من الأرض كخروج ms9172 النبات ~~بأن يكون بذرها في الأرض ويرسل الله لها قوى لا نعلمها تشابه قوة الماء ~~الذي به تحيا بذور النبات ، قال تعالى : { والله أنبتكم من الأرض نباتا ثم ~~يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا } ( نوح : 17 ، 18 ) . # وفي ( تفسير ابن كثير ) عند قوله تعالى : { وإذا النفوس زوجت } ( التكوير ~~: 7 ) عن ابن ( أبي ) حاتم بسنده إلى ابن عباس : ( يسيل واد من أصل العرش ~~فيما بين الصيحتين فينبت منه كل خلق بلي إنسانن أو دابة ولو مر عليهم مار ~~قد عرفهم قبل ذلك لعرفهم قد نبتوا على وجه الأرض ، ثم ترسل الأرواح فتزوج ~~الأجساد ) ا ه . وأمور الآخرة لا تتصورها الأفهام بالكنه وإنما يجزم العقل ~~بأنها من الممكنات وهي مطيعة لتعلق القدرة التنجيزي . # والإنسان المذكور هنا هو الإنسان المذكور في قوله : { قتل الإنسان ما ~~أكفره } ( عبس : 17 ) وإنما جيء باسمه الظاهر دون الضمير كما في قوله : { ~~من أي شيء خلقه } ( عبس : 18 ) ، لأن ذلك قريب من معاده وما هنا ابتداء ~~كلام فعبر فيه بالاسم الظاهر للإيضاح . # وأدمج في ذلك منة عليه بالإمداد بالغذاء الذي به إخلاف ما يضمحل من قوته ~~بسبب جهود العقل والتفكير الطبيعية التي لا يشعر بحصولها في داخل المزاج ، ~~وبسبب كد الأعمال البدنية والإفرازات ، وتلك أسباب لتبخر القوى البدنية ~~فيحتاج المزاج إلى تعويضها وإخلافها وذلك بالطعام والشراب . # وإنما تعلق النظر بالطعام مع أن الاستدلال هو بأحوال تكوين الطعام ، ~~إجراء للكلام على الإيجاز ويبينه ما في الجمل بعده من قوله : { إنا صببنا ~~الماء صبا } إلى آخرها . # فالتقدير : فلينظر الإنسان إلى خلق طعامه وتهيئة الماء لإنمائه وشق الأرض ~~وإنباته وإلى انتفاعه به وانتفاع مواشيه في بقاء حياتهم . # وقرأ الجمهور : { إنا صببنا } بكسر همزة ( إنا ) على أن الجملة بيان ~~لجملة : { فلينظر الإنسان إلى طعامه } لتفصيل ما أجمل هنالك على وجه ~~الإيجاز . وقرأه عاصم وحمزة والكسائي وخلف ورويس عن يعقوب بفتح الهمزة على ~~أنه اسم بدل اشتمال من { طعامه } أو البدل الذي يسميه بعض النحويين بدل ~~مفصل من مجمل . # والصب : إلقاء صبرة متجمعة من أجزاء ms9173 مائعة أو كالمائعة في الدقة في وعاء ~~غير الذي كانت فيه ، يقال : صب الماء في الجرة ، وصب القمح في الهري ، وصب ~~الدراهم في الكيس . وأصله : صب الماء ، مثل نزول المطر وإفراغ الدلو . # والشق : الإبعاد بين ما كان متصلا . والمراد هنا شق سطح الأرض بخرق الماء ~~فيه أو بآلة كالمحراث والمسحاة ، أو بقوة حر الشمس في زمن الصيف لتتهيأ ~~لقبول الأمطار في فصل الخريف والشتاء . # وإسناد الصب والشق والإنبات إلى ضمير الجلالة لأن الله مقدر نظام الأسباب ~~المؤثرة في ذلك ، ومحكم نواميسها وملهم الناس استعمالها . # فالإسناد مجاز عقلي في الأفعال الثلاثة . وقد شاع في { صببنا } و { ~~أنبتنا } حتى ساوى الحقيقة العقلية . # وانتصب { صبا } و { شقا } على المفعول المطلق ل { صببنا } و { شققنا } ~~مؤكدا لعامله ليتأتى تنوينه لما في التنكير من الدلالة على التعظيم وتعظيم ~~كل شيء بما يناسبه وهو تعظيم تعجيب . # والفاء في قوله : { فأنبتنا } للتفريع والتعقيب وهو في كل شيء بحسبه . # والحب أريد منه المقتات منه للإنسان ، وقد تقدم في قوله تعالى : { كمثل ~~حبة أنبتت سبع سنابل } في سورة البقرة . # والعنب : ثمر الكرم ، ويتخذ منه الخمر والخل ، ويؤكل رطبا ، ويتخذ منه ~~الزبيب . # والقضب : الفصفصة الرطبة ، سميت قضبا لأنها تعلف للدواب رطبة فتقضب ، أي ~~تقطع مرة بعد أخرى ولا تزال تخلف ما دام الماء ينزل عليها ، وتسمى القت . # والزيتون : الثمر الذي يعصر منه الزيت المعروف . # والنخل : الشجر الذي ثمرته التمر وأطواره . # والحدائق : جمع حديقة وهي الجنة من نخل وكرم وشجر فواكه ، وعطفها على ~~النخل من عطف الأعم على الأخص ، ولأن في ذكر الحدائق إدماجا للامتنان بها ~~لأنها مواضع تنزههم واخترافهم . # وإنما ذكر النخل دون ثمرته ، وهو التمر ، خلافا لما قرن به من الثمار ~~والفواكه والكلأ ، لأن منافع شجر النخيل كثيرة لا تقتصر على ثمره ، فهم ~~يقتاتون ثمرته من تمر ورطب وبسر ، ويأكلون جماره ، ويشربون ماء عود النخلة ~~إذا شق عنه ، ويتخذون من نوى التمر علفا لإبلهم ، وكل ذلك من الطعام ، فضلا ~~عن اتخاذهم البيوت والأواني من خشبه ، والحصر من سعفه ، والحبال ms9174 من ليفه . ~~فذكر اسم الشجرة الجامعة لهذه المنافع أجمع في الاستدلال بمختلف الأحوال ~~وإدماج الامتنان بوفرة النعم ، وقد تقدم قريبا في سورة النبأ . # والغلب : جمع غلباء ، وهي مؤنث الأغلب ، وهو غليظ الرقبة ، يقال : غلب ~~كفرح ، يوصف به الإنسان والبعير ، وهو هنا مستعار لغلظ أصول الشجر فوصف ~~الحدائق به ؛ إما على تشبيه الحديقة في تكاثف أوراق شجرها والتفافها بشخص ~~غليظ الأوداج والأعصاب فتكون استعارة ، وإما على تقدير محذوف ، أي غلبب ~~شجرها ، فيكون نعتا سببيا وتكون الاستعارة في تشبيه كل شجرة بامرأة غليظة ~~الرقبة ، وذلك من محاسن الحدائق لأنها تكون قد استكملت قوة الأشجار كما في ~~قوله : { وجنات ألفافا } ( النبأ : 16 ) . # وخصت الحدائق بالذكر لأنها مواضع التنزه والاختراف ، ولأنها تجمع أصنافا ~~من الأشجار . # والفاكهة : الثمار التي تؤكل للتفكه لا للإقتيات ، مثل الرطب والعنب ~~الرطب والرمان واللوز . # والأب : بفتح الهمزة وتشديد الباء : الكلأ الذي ترعاه الأنعام ، روي أن ~~أبا بكر الصديق سئل عن الأب : ما هو ؟ فقال : ( أي سماء تظلني ، وأي أرض ~~تقلني إذا قلت في كتاب الله ما لا علم لي به ) وروي أن عمر بن الخطاب قرأ ~~يوما على المنبر : { فأنبتنا فيها حبا } إلى { وأبا } فقال : كل هذا قد ~~عرفناه فما الأب ؟ ثم رفع عصا كانت في يده ، وقال : هذا لعمر الله هو ~~التكلف فما عليك يا ابن أم عمر أن لا تدري ما الأب ابتغوا ما بين لكم من ~~هذا الكتاب فاعملوا به ، وما لم تعرفوه فكلوه إلى ربه ) . وفي ( صحيح ~~البخاري ) عن عمر بعض هذا مختصرا . # والذي يظهر لي في انتفاء علم الصديق والفاروق بمدلول الأب وهما من خلص ~~العربب لأحد سببين : # إما لأن هذا اللفظ كان قد تنوسي من استعمالهم فأحياه القرآن لرعاية ~~الفاصلة فإن الكلمة قد تشتهر في بعض القبائل أو في بعض الأزمان وتنسى في ~~بعضها مثل اسم السكين عند الأوس والخزرج ، فقد قال أنس بن مالك : ( ما كنا ~~نقول إلا المدية حتى سمعت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر أن سليمان ~~عليه السلام ms9175 قال : ( ائيتوني بالسكين أقسم الطفل بينهما نصفين ) . # وإما لأن كلمة الأب تطلق على أشياء كثيرة منها النبت الذي ترعاه الأنعام ~~، ومنها التبن ، ومنها يابس الفاكهة ، فكان إمساك أبي بكر وعمر عن بيان ~~معناه لعدم الجزم بما أراد الله منه على التعيين ، وهل الأب مما يرجع إلى ~~قوله : { متاعا لكم } أو إلى قوله : { ولأنعامكم } في جمع ما قسم قبله . # وذكر في ( الكشاف ) وجها آخر خاصا بكلام عمر فقال : ( إن القوم كانت أكبر ~~همتهم عاكفة على العمل ، وكان التشاغل بشيء من العلم لا يعمل به تكلفا ~~عندهم ، فأراد عمر أن الآية مسوقة في الامتنان على الإنسان . وقد علم من ~~فحوى الآية أن الأب بعض ما أنبته الله للإنسان متاعا له ولأنعامه فعليك بما ~~هو أهم من النهوض بالشكر لله على ما تبين لك مما عدد من نعمه ولا تتشاغل ~~عنه بطلب معنى الأب ومعرفة النبات الخاص الذي هو اسم له واكتف بالمعرفة ~~الجملية إلى أن يتبين لك في غير هذا الوقت ، ثم وصى الناس بأن يجروا على ~~هذا السنن فيما أشبه ذلك من مشكلات القرآن ا ه ) . ولم يأت كلام ( الكشاف ) ~~بأزيد من تقرير الإشكال . # وقوله : { متاعا لكم } حال من المذكورات يعود إلى جميعها على قاعدة ورود ~~الحال بعد مفردات متعاطفة ، وهذا نوع من التنازع . # وقوله : { ولأنعامكم } عطف قوله : { لكم } . # والمتاع : ما ينتفع به زمنا ثم ينقطع ، وفيه لف ونشر مشوش ، والسامع يرجع ~~كل شيء من المذكورات إلى ما يصلح له لظهوره . وهذه الحال واقعة موقع ~~الإدماج أدمجت الموعظة والمنة في خلال الاستدلال . # ( 33 42 ) { } # الفاء للتفريع على اللوم والتوبيخ في قوله : { قتل الإنسان ما أكفره } ( ~~عبس : 17 ) وما تبعه من الاستدلال على المشركين من قوله : { من أي شيء خلقه ~~} إلى قوله { أنا صببنا الماء صبا } ( عبس : 18 25 ) ، ففرع على ذلك إنذار ~~بيوم الجزاء ، مع مناسبة وقوع هذا الإنذار عقب التعريض والتصريح بالامتنان ~~في قوله : { إلى طعامه } ( عبس : 24 ) وقوله : { متاعا لكم ولأنعامكم } ( ~~عبس : 32 ) على نحو ما تقدم في قوله ms9176 : { فإذا جاءت الطامة الكبرى من سورة ~~النازعات . # والصاخة } : صيحة شديدة من صيحات الإنسان تصخ الأسماع ، أي تصمها . يقال ~~: صخ يصخ قاصرا ومتعديا ، ومضارعه يصخ بضم عينه في الحالين . وقد اختلف أهل ~~اللغة في اشتقاقها اختلافا لا جدوى له ، وما ذكرناه هو خلاصة قول الخليل ~~والراغب وهو أحسن وأجرى على قياس اسم الفاعل من الثلاثي ، فالصاخة صارت في ~~القرآن علما بالغلبة على حادثة يوم القيامة وانتهاء هذا العالم ، وتحصل ~~صيحات منها أصوات تزلزل الأرض واصطدام بعض الكواكب بالأرض مثلا ، ونفخة ~~الصور التي تبعث عندها الناس . و ( إذا ) ظرف وهو متعلق ب { جاءت الصاخة } ~~وجوابه قوله : { وجوه يومئذ مسفرة } الآيات . # والمجيء مستعمل في الحصول مجازا ، شبه حصول يوم الجزاء بشخص جاء من مكان ~~آخر . # و { يوم يفر المرء من أخيه } بدل من { إذا جاءت الصاخة } بدلا مطابقا . # والفرار : الهروب للتخلص من مخيف . # وحرف ( من ) هنا يجوز أن يكون بمعنى التعليل الذي يعدى به فعل الفرار إلى ~~سبب الفرار حين يقال : فر من الأسد ، وفر من العدو ، وفر من الموت ، ويجوز ~~أن يكون بمعنى المجاوزة مثل ( عن ) . # وكون أقرب الناس للإنسان يفر منهم يقتضي هول ذلك اليوم بحيث إذا رأى ما ~~يحل من العذاب بأقرب الناس إليه توهم أن الفرار منه ينجيه من الوقوع في ~~مثله ، إذ قد علم أنه كان مماثلا لهم فيما ارتكبوه من الأعمال فذكرت هنا ~~أصناف من القرابة ، فإن القرابة آصرة تكون لها في النفس معزة وحرص على ~~سلامة صاحبها وكرامته . والألف يحدث في النفس حرصا على الملازمة والمقارنة ~~. وكلا هذين الوجدانين يصد صاحبه عن المفارقة فما ظنك بهول يغشى على هذين ~~الوجدانين فلا يترك لهما مجالا في النفس . # ورتبت أصناف القرابة في الآية حسب الصعود من الصنف إلى من هو أقوى منه ~~تدرجا في تهويل ذلك اليوم . # فابتدىء بالأخ لشدة اتصاله بأخيه من زمن الصبا فينشأ بذلك إلف بينهما ~~يستمر طول الحياة ، ثم ارتقي من الأخ إلى الأبوين وهما أشد قربا لابنيهما ، ~~وقدمت الأم في الذكر لأن إلف ms9177 ابنها بها أقوى منه بأبيه وللرعي على الفاصلة ~~، وانتقل إلى الزوجة والبنين وهما مجتمع عائلة الإنسان وأشد الناس قربا به ~~وملازمة . # وأطنب بتعداد هؤلاء الأقرباء دون أن يقال : يوم يفر المرء من أقرب قرابته ~~مثلا لإحضار صورة الهول في نفس السامع . # وكل من هؤلاء القرابة إذا قدرته هو الفار كان من ذكر معه مفرورا منه إلا ~~قوله : { وصاحبته } لظهور أن معناه : والمرأة من صاحبها ، ففيه اكتفاء ، ~~وإنما ذكرت بوصف الصاحبة الدال على القرب والملازمة دون وصف الزوج لأن ~~المرأة قد تكون غير حسنة العشرة لزوجها فلا يكون فراره منها كناية عن شدة ~~الهول فذكر بوصف الصاحبة . # والأقرب أن هذا فرار المؤمن من قرابته المشركين خشية أن يؤاخذ بتبعتهم إذ ~~بقوا على الكفر . # وتعليق جار الأقرباء بفعل : { يفر المرء } يقتضي أنهم قد وقعوا في عذاب ~~يخشون تعديه إلى من يتصل بهم . # وقد اجتمع في قوله : { يوم يفر المرء من أخيه } إلى آخره أبلغ ما يفيد ~~هول ذلك اليوم بحيث لا يترك هوله للمرء بقية من رشده فإن نفس الفرار للخائف ~~مسبة فيما تعارفوه لدلالته على جبن صاحبه وهم يتعيرون بالجبن وكونه يترك ~~أعز الأعزة عليه مسبة عظمى . # وجملة : { لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه } مستأنفة استئنافا ابتدائيا ~~لزيادة تهويل اليوم ، وتنوين { شأن } للتعظيم . # وحيث كان فرار المرء من الأقرباء الخمسة يقتضي فرار كل قريب من أولئك من ~~مثله كان الاستئناف جامعا للجميع تصريحا بذلك المقتضى ، فقال : { لكل امرىء ~~منهم يومئذ شأن يغنيه } أي عن الاشتغال بغيره من المذكورات بله الاشتغال ~~عمن هو دون أولئك في القرابة والصحبة . # والشأن : الحال المهم . # وتقديم الخبر في قوله : { لكل امرىء } على المبتدأ ليتأتى تنكير { شأن } ~~الدال على التعظيم لأن العرب لا يبتدئون بالنكرة في جملتها إلا بمسوغ من ~~مسوغاتت عدها النحاة بضعة عشر مسوغا ، ومنها تقديم الخبر على المبتدإ . # والإغناء : جعل الغير غنيا ، أي غير محتاج لشيء في غرضه . وأصل الإغناء ~~والغنى : حصول النافع المحتاج إليه ، قال تعالى : { وما أغنى عنكم من الله ~~من شيء ms9178 } ( يوسف : 67 ) وقال : { ما أغنى عني ماليه } ( الحاقة : 28 ) . ~~وقد استعمل هنا في معنى الإشغال والإشغال أعم . # فاستعمل الإغناء الذي هو نفع في معنى الإشغال الأعم على وجه المجاز ~~المرسل أو الاستعارة إيماء إلى أن المؤمنين يشغلهم عن قرابتهم المشركين فرط ~~النعيم ورفع الدرجات كما دل عليه قوله عقبه : { وجوه يومئذ مسفرة } إلى آخر ~~السورة . # وجملة : { وجوه يومئذ مسفرة } جواب ( إذا ) ، أي إذا جاءت الصاخة كان ~~الناس صنفين صنف وجوههم مسفرة وصنف وجوههم مغبرة . # وقدم هنا ذكر وجوه أهل النعيم على وجوه أهل الجحيم خلاف قوله في سورة ~~النازعات { فأما من طغى ثم قوله : وأما من خاف مقام ربه } ( النازعات : 40 ~~) إلى آخره لأن هذه السورة أقيمت على عماد التنويه بشأن رجل من أفاضل ~~المؤمنين والتحقير لشأن عظيم من صناديد المشركين فكان حظ الفريقين مقصودا ~~مسوقا إليه الكلام وكان حظ المؤمنين هو الملتفت إليه ابتداء ، وذلك من قوله ~~: { وما يدريك لعله يزكى } ( عبس : 3 ) إلى آخره ، ثم قوله : { أما من ~~استغنى فأنت له تصدى } ( عبس : 5 ، 6 ) . # وأما سورة النازعات فقد بنيت على تهديد المنكرين للبعث ابتداء من قوله : ~~{ يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة قلوب يومئذ واجفة } ( النازعات : 6 8 ) ~~فكان السياق للتهديد والوعيد وتهويل ما يلقونه يوم الحشر ، وأما ذكر حظ ~~المؤمنين يومئذ فقد دعا إلى ذكره الاستطراد على عادة القرآن من تعقيب ~~الترهيب بالترغيب . # وتنكير { وجوه } الأول والثاني للتنويع ، وذلك مسوغ وقوعهما مبتدأ . # وإعادة { يومئذ } لتأكيد الربط بين الشرط وجوابه ولطول الفصل بينهما ~~والتقدير : وجوه مسفرة يوم يفر المرء من أخيه إلى آخره . # وقد أغنت إعادة { يومئذ } عن ربط الجواب بالفاء . # والمسفرة ذات الإسفار ، والإسفار النور والضياء ، يقال : أسفر الصبح ، ~~إذا ظهر ضوء الشمس في أفق الفجر ، أي وجوه متهللة فرحا وعليها أثر النعيم . # و { ضاحكة } أي كناية عن السرور . # و { مستبشرة } معناه فرحة ، والسين والتاء فيه للمبالغة مثل : استجاب ، ~~ويقال : بشر ، أي فرح وسر ، قال تعالى : { قال يا بشراي هذا غلام } ( يوسف ~~: 19 ) أي يا فرحتي . # وإسناد ms9179 الضحك والاستبشار إلى الوجوه مجاز عقلي لأن الوجوه محل ظهور الضحك ~~والاستبشار ، فهو من إسناد الفعل إلى مكانه ، ولك أن تجعل الوجوه كناية عن ~~الذوات كقوله تعالى : { ويبقى وجه ربك } ( الرحمن : 27 ) . # وهذه وجوه أهل الجنة المطمئنين بالا المكرمين عرضا وحضورا . # والغبرة بفتحتين الغبار كله ، والمراد هنا أنها معفرة بالغبار إهانة ومن ~~أثر الكبوات . # و { ترهقها } تغلب عليها وتعلوها . # والقترة : بفتحتين شبه دخان يغشى الوجه من الكرب والغم ، كذا قال الراغب ~~، وهو غير الغبرة كما تقتضيه الآية لئلا يكون من الإعادة ، وهي خلاف الأصل ~~ولا داعي إليها . وسوى بينهما الجوهري وتبعه ابن منظور وصاحب ( القاموس ) . # وهذه وجوه أهل الكفر ، يعلم ذلك من سياق هذا التنويع ، وقد صرح بذلك ~~بقوله : { أولئك هم الكفرة الفجرة } زيادة في تشهير حالهم الفظيع للسامعين ~~. # وجيء باسم الإشارة لزيادة الإيضاح تشهيرا بالحالة التي سببت لهم ذلك . # وضمير الفصل هنا لإفادة التقوي . # وأتبع وصف { الكفرة } بوصف { الفجرة } مع أن وصف الكفر أعظم من وصف ~~الفجور لما في معنى الفجور من خساسة العمل فذكر وصفاهم الدالان على مجموع ~~فساد الإعتقاد وفساد العمل . # وذكر وصف { الفجرة } بدون عاطف يفيد أنهم جمعوا بين الكفر والفجور . # PageV30P138 # | 1 ( سورة التكوير ) 1 # لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سماها تسمية صريحة ، وفي حديث ~~الترمذي عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من سره أن ~~ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأي عين فليقرأ إذا الشمس كورت ، وإذا السماء ~~انفطرت ، وإذا السماء انشقت ) وليس هذا صريحا في التسمية لأن صفة يوم ~~القيامة ليست في جميع هذه السورة بل هو في الآيات الأول منها ، فتعين أن ~~المعنى : فليقرأ هذه الآيات ، وعنونت في ( صحيح البخاري ) وفي ( جامع ~~الترمذي ) ( سورة إذا الشمس كورت ) ، وكذلك عنونها الطبري . # وأكثر التفاسير يسمونها ( سورة التكوير ) وكذلك تسميتها في المصاحف وهو ~~اختصار لمدلول ( كورت ) . # وتسمى ( سورة كورت ) تسمية بحكاية لفظ وقع فيها . ولم يعدها في ( الإتقان ~~) مع السور التي لها أكثر من اسم . # وهي مكية بالاتفاق ms9180 . # وهي معدودة السابعة في عداد نزول سور القرآن ، نزلت بعد سورة الفاتحة ~~وقبل سورة الأعلى . # وعدد آيها تسع وعشرون . # أغراضها # اشتملت على تحقيق الجزاء صريحا . PageV30P139 # وعلى إثبات البعث وابتدىء بوصف الأهوال التي تتقدمه وانتقل إلى وصف أهوال ~~تقع عقبه . # وعلى التنويه بشأن القرآن الذي كذبوا به لأنه أوعدهم بالبعث زيادة لتحقيق ~~وقوع البحث إذا رموا النبي صلى الله عليه وسلم بالجنون والقرآن بأنه يأتيه ~~به شيطان . # # | 2 ( { إذا الشمس كورت * وإذا النجوم انكدرت * وإذا الجبال سيرت * وإذا ~~العشار عطلت * وإذا الوحوش حشرت * وإذا البحار سجرت * وإذا النفوس زوجت * ~~وإذا الموءودة سئلت * بأى ذنب قتلت * وإذا الصحف نشرت * وإذا السمآء كشطت * ~~وإذا الجحيم سعرت * وإذا الجنة أزلفت * علمت نفس مآ أحضرت * فلا أقسم ~~بالخنس * الجوار الكنس * واليل إذا عسعس * والصبح إذا تنفس * إنه لقول رسول ~~كريم * ذى قوة عند ذى العرش مكين * مطاع ثم أمين * وما صاحبكم بمجنون * ~~ولقد رءاه بالافق المبين * وما هو على الغيب بضنين * وما هو بقول شيطان ~~رجيم * فأين تذهبون * إن هو إلا ذكر للعالمين * لمن شآء منكم أن يستقيم * ~~وما تشآءون إلا أن يشآء الله رب العالمين } ) 2 # الافتتاح ب { ذا } افتتاح مشوق لأن { إذا } ظرف يستدعي متعلقا ، ولأنه ~~أيضا شرط يؤذن بذكر جواب بعده ، فإذا سمعه السامع ترقب ما سيأتي بعده فعند ~~ما يسمعه يتمكن من نفسه كمال تمكن ، وخاصة بالإطناب بتكرير كلمة { إذا } . # وتعدد الجمل التي أضيف إليها اثنتي عشرة مرة ، فإعادة كلمة { إذا } بعد ~~واو العطف في هذه الجمل المتعاطفة إطناب ، وهذا الإطناب اقتضاه قصد التهويل ~~، والتهويل من مقتضيات الإطناب والتكرير ، كما في قصيدة الحارث بن عباد ~~البكري : # قربا مربط النعامة مني الخ # وفي إعادة { إذا } إشارة إلى أن مضمون كل جملة من هذه الجمل الثنتي عشرة ~~مستقل بحصول مضمون جملة الجواب عند حصوله بقطع النظر عن تفاوت زمان حصول ~~الشروط فإن زمن سؤال الموءودة ونشر الصحف أقرب لعلم النفوس بما أحضرت أقرب ~~من زمان تكوير الشمس وما عطف عليه مما يحصل قبل ms9181 البعث . PageV30P140 # وقد ذكر في هذه الآيات اثنا عشر حدثا فستة منها تحصل في آخر الحياة ~~الدنيوية ، وستة منها تحصل في الآخرة . # وكانت الجمل التي جعلت شروطا ل { إذا } في هذه الآية مفتتحة بالمسند إليه ~~المخبر عنه بمسند فعلي دون كونها جملا فعلية ودون تقدير أفعال محذوفة ~~تفسرها الأفعال المذكورة وذلك يؤيد قول نحاة الكوفة بجواز وقوع شرط { إذا } ~~جملة غير فعلية وهو الراجع لأن { إذا } غير عريقة في الشرط . وهذا الأسلوب ~~لقصد الاهتمام بذكر ما أسندت إليه الأفعال التي يغلب أن تكون شروطا ل { إذا ~~} لأن الابتداء بها أدخل في التهويل والتشويق وليفيد ذلك التقديم على ~~المسند الفعلي تقوي الحكم وتأكيده في جميع تلك الجمل ردا على إنكار منكريه ~~فلذلك قيل : { إذا الشمس كورت } ولم يقل : إذا كورت الشمس ، وهكذا نظائره . # وجواب الشروط الاثني عشر هو قوله : { علمت نفس ما أحضرت } وتتعلق به ~~الظروف المشربة معنى الشرط . # وصيغة الماضي في الجمل الثنتي عشرة الواردة شروطا ل { إذا } مستعملة في ~~معنى الاستقبال تنبيها على تحقق وقوع الشرط . # وتكوير الشمس : فساد جرمها لتداخل ظاهرها في باطنها بحيث يختل تركيبها ~~فيختل لاختلاله نظام سيرها ، من قولهم : كور العمامة ، إذا أدخل بعضها في ~~بعض ولفها ، وقريب من هذا الإطلاق إطلاق الطي في قوله تعالى : { يوم نطوي ~~السماء كطي السجل للكتاب } ( الأنبياء : 104 ) . # وفسر { كورت } بمعنى غورت . رواه الطبري عن ابن جبير وقال : هي كلمة ~~معربة عن الفارسية وأن أصلها بالفارسية كور بكر ( بضم الكاف الأولى وسكون ~~الراء الأخيرة ) وعلى ذلك عدت هذه الكلمة مما وقع في القرآن من المعرب . ~~وقد عدها ابن السبكي في نظمه الكلمات المعربة في القرآن . # وإذا زال ضوء الشمس انكدرت النجوم لأن معظمها يستنير من انعكاس نور الشمس ~~عليها . # والانكدار : مطاوع كدره المضاعف على غير قياس ، أي حصل للنجوم ~~PageV30P141 انكدار من تكدير الشمس لها حين زال عنها انعكاس نورها ، فلذلك ~~ذكر مطاوع كدر دون ذكر فاعل التكدير . # والكدرة : ضد الصفاء كتغير لون الماء ونحوه . # وفسر الانكدار بالتساقط والانقضاض ، وأنشدوا قول ms9182 العجاج يصف بازيا : # أبصر خربان فضاء فانكدر # ومعنى تساقطها تساقط بعضها على بعض واصطدامها بسبب اختلال نظام الجاذبية ~~الذي جعله الله لإمساكها إلى أمد معلوم . # وتسيير الجبال انتقالها من أماكنها بارتجاج الأرض وزلزالها . وتقدم في ~~سورة النبأ . # و { العشار } جمع عشراء وهي الناقة الحامل إذا بلغت عشرة أشهر لحملها ~~فقاربت أن تضع حملها لأن النوق تحمل عاما كاملا ، و { العشار } أنفس مكاسب ~~العرب ومعنى { عطلت } تركت لا ينتفع بها . # والكلام كناية عن ترك الناس أعمالهم لشدة الهول . # وعلى هذا الوجه يكون ذلك من أشراط الساعة في الأرض فيناسب { وإذا الوحوش ~~حشرت } . # ويجوز أن تكون { العشار } مستعارة للأسحبة المحملة بالمطر ، شبهت بالناقة ~~العشراء . وهذا غير بعيد من الاستعمال ، فهم يطلقون مثل هذه الاستعارة ~~للسحاب ، كما أطلقوا على السحابة اسم بكر في قول عنترة : # جادت عليه كل بكر حرة # فتركن كل قرارة كالدرهم # فأطلق على السحابة الكثيرة الماء اسم البكر الحرة ، أي الأصيلة من النوق ~~وهي في حملها الأول . # ومعنى تعطيل الأسحبة أن يعرض لها ما يحبس مطرها عن النزول ، أو معناه أن ~~الأسحبة الثقال لا تتجمع ولا تحمل ماء ، فمعنى تعطيلها تكونها ، فيتوالى ~~القحط PageV30P142 على الأرض فيهلك الناس والأنعام . وعلى هذا الوجه فذلك ~~من أشراط الساعة العلوية فيناسب تكوير الشمس وانكدار النجوم . # و { الوحوش } : جمع وحش وهو الحيوان البري غير المتأنس بالناس . # وحشرها : جمعها في مكان واحد ، أي مكان من الأرض عند اقتراب فناء العالم ~~فقد يكون سبب حشرها طوفانا يغمر الأرض من فيضان البحار فكلما غمر جزءا من ~~الأرض فرت وحوشه حتى تجتمع في مكان واحد طالبة النجاة من الهلاك ، ويشعر ~~بهذا عطف { وإذا البحار سجرت } عليه . # وذكر هذا بالنسبة إلى الوحوش إيماء إلى شدة الهول فالوحوش التي من طبعها ~~نفرة بعضها عن بعض تتجمع في مكان واحد لا يعدو شيء منها على الآخر من شدة ~~الرعب ، فهي ذاهلة عما في طبعها من الاعتداء والافتراس ، وليس هذا الحشر ~~الذي يحشر الناس به للحساب بل هذا حشر في الدنيا وهو المناسب ms9183 لما عد معه من ~~الأشراط ، وروي معناه عن أبي بن كعب . # وتسجير البحار : فيضانها قال تعالى : { والبحر المسجور } في سورة الطور . ~~والمراد تجاوز مياهها معدل سطوحها واختلاط بعضها ببعض وذلك من آثار اختلال ~~قوة كرة الهواء التي كانت ضاغطة عليها ، وقد وقع في آية سورة الانفطار : { ~~وإذا البحار فجرت } وإذا حدث ذلك اختلط ماؤها برملها فتغير لونه . # يقال : سجر مضاعفا وسجر مخففا . وقرىء بهما فقرأه الجمهور مشددا . وقرأه ~~ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب مخففا . # وقوله تعالى : { وإذا النفوس زوجت } شروع في ذكر الأحوال الحاصلة في ~~الآخرة يوم القيامة وقد انتقل إلى ذكرها لأنها تحصل عقب الستة التي قبلها ~~وابتدىء بأولها وهو تزويج النفوس ، والتزويج : جعل الشيء زوجا لغيره بعد أن ~~كان كلاهما فردا ، والتزويج أيضا : جعل الأشياء أنواعا متماثلة قال تعالى : ~~{ ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين } ( الرعد : 3 ) لأن الزوج يطلق على ~~النوع والصنف من الأشياء والنفوس : جمع نفس ، والنفس يطلق على الروح ، قال ~~تعالى : { يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك } ( الفجر : 27 ، 28 ) ~~وقال : { أخرجوا أنفسكم } ( الأنعام : 93 ) . PageV30P143 # وتطلق النفس على ذات الإنسان قال تعالى : { ولا تقتلوا النفس التي حرم ~~الله إلا بالحق } ( الأنعام : 151 ) وقال : { هو الذي بعث في الأميين رسولا ~~منهم } ( الجمعة : 2 ) وقال : { فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم } ( ~~النور : 61 ) أي فليسلم الداخل على أمثاله من الناس . # فيجوز أن يكون معنى النفوس هنا الأرواح ، أي تزوج الأرواح بالأجساد ~~المخصصة لها فيصير الروح زوجا مع الجسد بعد أن كان فردا لا جسم له في برزخ ~~الأرواح ، وكانت الأجساد بدون أرواح حين يعاد خلقها ، أي وإذا أعطيت ~~الأرواح للأجساد . وهذا هو البعث وهوالمعنى المتبادر أولا ، وروي عن عكرمة ~~. # ويجوز أن يكون المعنى وإذا الأشخاص نوعت وصنفت فجعلت أصنافا : المؤمنون ، ~~والصالحون ، والكفار ، والفجار ، قال تعالى : { وكنتم أزواجا ثلاثة فأصحاب ~~الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة والسابقون } ( ~~الواقعة : 7 10 ) الآية . # ولعل قصد إفادة هذا التركيب لهاذين المعنيين هو مقتضي العدول عن ذكر ms9184 ما ~~زوجت النفوس به . وأول منازل البعث اقتران الأرواح بأجسادها ، ثم تقسيم ~~الناس إلى مراتبهم للحشر ، كما قال تعالى : { ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ~~ينظرون } ( الزمر : 68 ) ثم قال : { وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا } ( ~~الزمر : 71 ) ثم قال : { وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا } ( الزمر : ~~73 ) الآية . # وقد ذكروا معاني أخرى لتزويج النفوس في هذه الآية غير مناسبة للسياق . # وبمناسبة ذكر تزويج النفوس بالأجساد خص سؤال الموءودة بالذكر دون غيره ~~مما يسأل عنه المجرمون يوم الحساب . ذلك لأن إعادة الأرواح إلى الأجساد كان ~~بعد مفارقتها بالموت ، والموت إما بعارض جسدي من انحلال أو مرض وإما ~~باعتداء عدواني من قتل أو قتال ، وكان من أفظع الاعتداء على إزهاق الأرواح ~~من أجسادها اعتداء الآباء على نفوس أطفالهم بالوأد ، فإن الله جعل في ~~الفطرة حرص الآباء على استحياء أبنائهم وجعل الأبوين سبب إيجاد الأبناء ، ~~فالوأد أفظع أعمال أهل الشرك وسؤال الموءودة سؤال تعريضي مراد منه تهديد ~~وائدها ورعبه بالعذاب . # وظاهر الآية أن سؤال الموءودة وعقوبة من وأدها أول ما يقضى فيه يوم ~~القيامة PageV30P144 كما يقتضي ذلك جعل هذا السؤال وقتا تعلم عنده كل نفس ~~ما أحضرت فهو من أول ما يعلم به حين الجزاء . # والوأد : دفن الطفلة وهي حية : قيل هو مقلوب آداه ، إذا أثقله لأنه إثقال ~~الدفينة بالتراب . قال في ( الكشاف ) : ( كان الرجل إذا ولدت له بنت فأراد ~~أن يستحييها ألبسها جبة من صوف أو شعر ترعى له الإبل والغنم في البادية ، ~~وإن أراد قتلها تركها حتى إذا كانت سداسية يقول لأمها طيبيها وزينيها حتى ~~أذهب بها إلى أحمائها وقد حفر لها بئرا في الصحراء فيبلغ بها البئر فيقول ~~لها : انظري فيها ثم يدفعها من خلفها ويهيل عليها التراب حتى تستوي البئر ~~بالأرض . وقيل : كانت الحامل إذا أقربت حفرت حفرة فتمخضت على رأس الحفرة ~~فإذا ولدت بنتا رمت بها في الحفرة وإن ولدت ابنا حبسته ا ه . # وكانوا يفعلون ذلك خشية من إغارة العدو عليهم فيسبي نساءهم ولخشية ms9185 ~~الإملاق في سني الجدب لأن الذكر يحتال للكسب بالغارة وغيرها والأنثى عالة ~~على أهلها ، قال تعالى : { ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق } ( الإسراء : 31 ~~) وقال : { وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم ~~من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون } ( ~~النحل : 58 ، 59 ) . # وإذ قد فشا فيهم كراهية ولادة الأنثى فقد نما في نفوسهم بغضها فتحركت ~~فيها الخواطر الإجرامية فالرجل يكره أن تولد له أنثى لذلك ، وامرأته تكره ~~أن تولد لها أنثى خشية من فراق زوجها إياها وقد يهجر الرجل امرأته إذا ولدت ~~أنثى . # وقد توارثت هذا الجهل أكثر الأمم على تفاوت بينهم فيه ، ومن كلام بعضهم ~~وقد ماتت ابنته : ( نعم الصهر القبر ) . # ومن آثار هذا الشعور حرمان البنات من أموال آبائهن بأنواع من الحيل مثل ~~وقف أموالهم على الذكور دون الإناث وقد قال مالك : إن ذلك من سنة الجاهلية ~~، ورأى ذلك الحبس باطلا ، وكان كثير من أقرباء الميت يلجئون بناته إلى ~~إسقاط حقهن في ميراث أيهن لأخوتهن في فور الأسف على موت أبيهن فلا ~~PageV30P145 يمتنعن من ذلك ويرين الامتناع من ذلك عارا عليهن فإن لم يفعلن ~~قطعهن أقرباؤهن . # وتعرف هذه المسألة في الفقه بهبة بنات القبائل . وبعضهم يعدها من الإكراه ~~. # ولم يكن الوأد معمولا به عند جميع القبائل ، قيل : أول من وأد البنات من ~~القبائل ربيعة ، وكانت كندة تئد البنات ، وكان بنو تميم يفعلون ذلك ، ووأد ~~قيس بن عاصم المنقري من بني تميم ثمان بنات له قبل إسلامه . # ولم يكن الوأد في قريش البتة . وكان صعصعة بن ناجية جد الفرزدق من بني ~~تميم يفتدي من يعلم أنه يريد وأد ابنته من قومه بناقتين عشراوين وجمل ، ~~فقيل : إنه افتدى ثلاثمائة وستين موءودة ، وقيل : وسبعين وفي ( الأغاني ) : ~~وقيل : أربعمائة . # وفي ( تفسير القرطبي ) : فجاء الإسلام وقد أحيا سبعين موءودة ومثل هذا في ~~( كتاب الشعراء ) لابن قتيبة وبين العددين بون بعيد فلعل في أحدهما تحريفا ~~. # وفي توجيه السؤال إلى الموءودة : { بأي ms9186 ذنب قتلت } في ذلك الحشر إدخال ~~الروع على من وأدها ، وجعل سؤالها عن تعيين ذنب أوجب قتلها للتعريض ~~بالتوبيخ والتخطئة للذي وأدها وليكون جوابها شهادة على من وأدها فيكون ~~استحقاقه العقاب أشد وأظهر . # وجملة : { بأي ذنب قتلت } بيان لجملة { سئلت } . # و ( أي ) اسم استفهام يطلب به تميز شيء من بين أشياء تشترك معه في حال . # والاستفهام في { بأي ذنب } تقريري ، وإنما سئلت عن تعيين الذنب الموجب ~~قتلها دون أن تسأل عن قاتلها لزيادة التهديد لأن السؤال عن تعيين الذنب مع ~~تحقق الوائد الذي يسمع ذلك السؤال أن لا ذنب لها إشعار للوائد بأنه غير ~~معذور فيما صنع بها . # وينتزع من قوله تعالى : { سئلت بأي ذنب قتلت } الوارد في سياق نفي ذنب عن ~~الموءودة يوجب قتلها استدلال على أن من ماتوا من أطفال المشركين لا يعتبرون ~~مشركين مثل آبائهم ، وأول من رأيته تعرض لهذا الاستدلال الزمخشري في ~~PageV30P146 ( الكشاف ) . وذكر أن ابن عباس استدل على هذا المعنى قال في ( ~~الكشاف ) : ( وفيه دليل على أن أطفال المشركين لا يعذبون وإذأ بكت الله ~~الكافر ببراءة الموءودة من الذنب فما أقبح به وهو الذي لا يظلم مثقال ذرة ~~أن يكر على هذا التبكيت فيفعل بها ما تنسى عنده فعل المبكت من العذاب ~~السرمدي . وعن ابن عباس أنه سئل عن ذلك فاحتج بهذه الآية ا ه . فأشار إلى ~~ثلاثة أدلة : # أحدها : دلالة الإشارة ، أي لأن قوله تعالى : { بأي ذنب قتلت } يشير إلى ~~أنها لا ذنب لها ، وهذا استدلال ضعيف لأن الذنب المنفي وجوده بطريقة ~~الاستفهام المشوب بإنكار إنما هو الذنب الذي يخول لأبيها وأدها لا إثبات ~~حرمتها وعصمة دمها فتلك قضية أخرى على تفصيل فيها . # الثاني : قاعدة إحالة فعل القبيح على الله تعالى على قاعدة التحسين ، ~~والتقبيح عند المعتزلة وإحالتهم الظلم على الله إذا عذب أحدا بدون فعله ، ~~وهو أصل مختلف فيه بين الأشاعرة والمعتزلة . فعندنا أن تصرف الله في عبيده ~~لا يوصف بالظلم خلافا لهم على أن هذا الدليل مبني على أساس الدليل الأول ~~وقد ms9187 علمت أنه غير سالم من النقض . # الثالث : ما نسبه إلى ابن عباس وهو يشير إلى ما أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ~~إلى عكرمة أنه قال : قال ابن عباس : أطفال المشركين في الجنة ، فمن زعم ~~أنهم في النار فقد كذب بقول الله تعالى : { وإذا الموؤدة سئلت بأي ذنب قتلت ~~} . وقد أجيب عن القول المروي عن ابن عباس بأنه لم يبلغ مبلغ الصحة . وهذه ~~مسألة من أصول الدين لا يكتفى فيها إلا بالدليل القاطع . # واعلم أن الأحاديث الصحيحة في حكم أطفال المشركين متعارضة ، فروى البخاري ~~ومسلم عن أبي هريرة وابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن ~~أولاد أو ذراري المشركين . فقال : ( الله أعلم بما كانوا عاملين ) ، وهذا ~~الجواب يحتمل الوقف عن الجواب ، أي الله أعلم بحالهم كقول موسى عليه السلام ~~: { علمها عند ربي في كتاب } ( طه : 52 ) جوابا لقول فرعون : { فما بال ~~القرون الأولى } ( طه : 51 ) . ويحتمل أن المعنى الله أعلم بحال كل واحد ~~منهم لو كبر ماذا يكون عاملا من كفر أو إيمان ، أي فيعامله بما علم من حاله ~~. PageV30P147 # وأخرج البخاري ومسلم ( ببعض اختلاف في اللفظ ) عن أبي هريرة أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال : ( كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه ، أو ~~ينصرانه أو يمجسانه ) الحديث . زاد في رواية مسلم : ثم يقول ( أي أبو هريرة ~~) اقرأوا : { فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين ~~القيم } ( الروم : 30 ) فيقتضي أنهم يولدون على فطرة الإسلام حتى يدخل عليه ~~من أبويه أو قريبه أو قرينه ما يغيره عن ذلك وهذا أظهر ما يستدل به في هذه ~~المسألة . # وقال المازري في ( المعلم ) : فاضطرب العلماء فيهم . والأحاديث وردت ~~ظواهرها مختلفة واختلاف هذه الظواهر سبب اضطراب العلماء في ذلك والقطع ههنا ~~يبعد ا ه . # وقول أبي هريرة : واقرأوا : { فطرت الله التي فطر الناس عليها } الخ ~~مصباح ينير وجه الجمع بين هذه الأخبار : وقد ورد في حديث الرؤيا عن سمرة بن ~~جندب ما هو صريح في ذلك ms9188 إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( وأما الرجل ~~الذي في الروضة فإنه إبراهيم عليه السلام وأما الولدان الذين حوله فكل ~~مولود مات على الفطرة ) . قال سمرة فقال بعض المسلمين : يا رسول الله ( ~~وأولاد المشركين ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولاد المشركين ) . ~~واختلفت أقوال العلماء في أولاد المشركين فقال ابن المبارك وحماد بن سلمة ~~وحماد بن زيد وإسحاق بن راهويه والشافعي هم في مشيئة الله . والصحيح الذي ~~عليه المحققون والجمهور أنهم في الجنة وهو ظاهر قول أبي هريرة . وذهب ~~الأزارقة إلى أن أولاد المشركين تبع لآبائهم ، وقال أبو عبيد : سألت محمد ~~بن الحسن عن حديث : ( كل مولود يولد على الفطرة ) فقال : كان ذلك أول ~~الإسلام قبل أن تنزل الفرائض وقبل أن يفرض الجهاد . قال أبو عبيد : كأنه ~~يعني أنه لو ولد على الفطرة لم يرثاه لأنه مسلم وهما كافران فلما فرضت ~~الفرائض على خلاف ذلك جاز أن يسمى كافرا وعلم أنه يولد على دينهما . # وهنالك أقوال أخرى كثيرة غير معزوة إلى معين ولا مستندة لأثر صحيح . # وذكر المازري : أن أطفال الأنبياء في الجنة بإجماع وأن جمهور العلماء على ~~أن أطفال بقية المؤمنين في الجنة وبعض العلماء وقف فيهم ، وقال النووي : ~~أجمع من يعتد به من علماء المسلمين على أن من مات من أطفال المسلمين فهو من ~~أهل الجنة . PageV30P148 # وقرأ الجمهور : ( قتلت ) بتخفيف المثناة الأولى ، وقرأه أبو جعفر ~~بتشديدها وهي تفيد معنى أنه قتل شديد فظيع . # ونشر الصحف حقيقته : فتح طيات الصحيفة ، أو إطلاق التفافها لتقرأ كتابتها ~~، وتقدم في قوله : { أن يؤتى صحفا منشرة } في سورة المدثر ، وعند قوله : { ~~كتابا يلقاه منشورا } في سورة الإسراء . # والمراد : صحف الأعمال ، وهي إما صحف حقيقية مخالفة للصحف المألوفة ، ~~وإما مجازية أطلقت على أشياء فيها إحصاء أعمال الناس ، وقد تقدم غير مرة . # وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب : { نشرت } بتخفيف الشين . ~~وقرأه الجمهور بتشديد الشين للتكثير لكثرة الصحف المنشورة . # والكشط : إزالة الإهاب عن الحيوان الميت وهو أعم من السلخ لأن ms9189 السلخ لا ~~يقال إلا في إزالة إهاب البقر والغنم دون إزالة إهاب الإبل فإنه كشط ولا ~~يقال : سلخ ، والظاهر أن المراد إزالة تقع في يوم القيامة لأنها ذكرت في ~~أثناء أحداث يوم القيامة بعد قوله : { وإذا النفوس زوجت وإذا الموؤدة سئلت ~~} وقوله : { وإذا الصحف نشرت } . # فالظاهر أن السماء تبقى منشقة منفطرة تعرج الملائكة بينهما وبين أرض ~~المحشر حتى يتم الحساب فإذا قضي الحساب أزيلت السماء من مكانها فالسماء ~~مكشوطة والمكشوط عنه هو عالم الخلود ، ويكون { كشطت } إستعارة للإزالة . # ويجوز أن يكون هذا من الأحداث التي جعلت أشراطا للساعة وأخر ذكره لمناسبة ~~ذكر نشر الصحف لأن الصحف تنشرها الملائكة وهم من أهل السماء فيكون هذا ~~الكشط من قبيل الانشقاق في قوله تعالى : { إذا السماء انشقت } ( الانشقاق : ~~1 ) والانفطار في قوله تعالى : { إذا السماء انفطرت } إلى قوله : { علمت ~~نفس ما قدمت وأخرت } ( الانفطار : 1 5 ) فيكون الكشط لبعض أجزاء السماء ~~والمكشوط عنه بعض آخر ، فيكون من قبيل قوله تعالى : { لا تفتح لهم أبواب ~~السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط } ( الأعراف : 40 ) ~~ومن قبيل الطي في قوله تعالى : { يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب كما ~~بدأنا أول خلق نعيده } ( الأنبياء : 104 ) لأن ظاهره اتصال طي PageV30P149 ~~السماء بإعادة الخلق ، وتصير الأشراط التي تحصل قبل البعث سبعة والأحداث ~~التي تقع بعد البعث خمسة . # والجحيم أصله : النار ذات الطبقات من الوقود من حطب ونحوه بعضها فوق بعض ~~، وصار علما بالغلبة على جهنم دار العذاب في الآخرة في اصطلاح القرآن ، ~~وتسعيرها أو إسعارها : إيقادها ، أي هيئت لعذاب من حق عليهم العذاب . # وقرأ نافع وابن ذكوان عن ابن عامر وحفص عن عاصم وأبو جعفر ورويس عن يعقوب ~~: { سعرت } بتشديد العين مبالغة في الإسعار . وقرأه الباقون بالتخفيف . # وقوبلت بالجنة دار النعيم واسم الجنة علم بالغلبة على دار النعيم ، و { ~~أزلفت } قربت ، والزلفى : القرب ، أي قربت الجنة من أهلها ، أي جعلت بقرب ~~من محشرهم بحيث لا تعب عليهم في الوصول إليها وذلك كرامة لهم . # واعلم أن ms9190 تقديم المسند إليه في الجمل الثنتي عشرة المفتتحات بكلمة { إذا ~~} من قوله : { إذا الشمس كورت } إلى هنا ، والإخبار عنه بالمسند الفعلي مع ~~إمكان أن يقال : إذا كورت الشمس وإذا انكدرت النجوم ، وهكذا كما قال : { ~~فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان } ( الرحمن : 37 ) أن ذلك التقديم ~~لإفادة الاهتمام بتلك الأخبار المجعولة علامات ليوم البعث توسلا بالاهتمام ~~بأشراطه إلى الاهتمام به وتحقيق وقوعه . # وإن إطالة ذكر تلك الجمل تشويق للجواب الواقع بعدها بقوله : { علمت نفس ~~ما أحضرت } . # وجملة : { علمت نفس ما أحضرت } يتنازع التعلق به كلمات { إذا } المتكررة ~~. # وعن عمر بن الخطاب : ( أنه قرأ أول هذه السورة فلما بلغ { علمت نفس ما ~~أحضرت } قال : لهذا أجريت القصة ) أي هو جواب القسم ومعنى { علمت } أنها ~~تعلم بما أحضرت فتعلمه . # وقوله { نفس } نكرة في سياق الشرط مراد بها العموم ، أي علمت كل نفس ما ~~أحضرت ، واستفادة العموم من النكرة في سياق الإثبات تحصل من القرينة الدالة ~~على عدم القصد إلى واحد من الجنس ، والقرينة هنا وقوع لفظ نفس في جواب هذه ~~الشروط التي لا يخطر بالبال أن تكون شروطا لشخص واحد ، وقد PageV30P150 قال ~~تعالى : { يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء } ( آل ~~عمران : 30 ) . # والإحضار : جعل الشيء حاضرا . # ومعنى : { علمت نفس ما أحضرت } حصول اليقين بما لم يكن لها به علم من ~~حقائق الأعمال التي كان علمها بها أشتاتا : بعضه معلوم على غير وجهه ، ~~وبعضه معلوم صورته مجهولة عواقبه ، وبعضه مغفول عنه . فنزل العلم الذي كان ~~حاصلا للناس في الحياة الدنيا منزلة عدم العلم ، وأثبت العلم لهم في ذلك ~~اليوم علم أعمالهم من خير أو شر فيعلم ما لم يكن له به علم مما يحقره من ~~أعماله ويتذكر ما كان قد علمه من قبل ، وتذكر المنسي والمغفول عنه نوع من ~~العلم . # وما أحضرته هو ما أسلفته من الأعمال . ولما كانت الأعمال تظهر آثارها من ~~ثواب وعقاب يومئذ عبر عن ظهور آثارها بالإحضار لشببه به كما يحضر الزاد ~~للمسافر ms9191 ففي فعل : { أحضرت } استعارة . ويطلق على ذلك الإعداد كقول النبي ~~صلى الله عليه وسلم للذي سأله متى الساعة : ( ماذا أعددت لها ) . # وأسند الإحضار إلى النفوس لأنها الفاعلة للأعمال التي يظهر جزاؤها يومئذ ~~فهذا الإسناد من إسناد فعل الشيء إلى سبب فعله ، فحصل هنا مجازان : مجاز ~~لغوي ، ومجاز عقلي ، وحقيقتهما في قوله تعالى : { يوم تجد كل نفس ما عملت ~~من خير محضرا وما عملت من سوء } . # وجعلت معرفة النفوس لجزاء أعمالها حاصلة عند حصول مجموع الشروط التي ذكرت ~~في الجمل الثنتي عشرة لأن بعض الأحوال التي تضمنتها الشروط مقارن لحصول علم ~~النفوس بأعمالها وهي الأحوال الستة المذكورة أخيرا ، وبعض الأحوال حاصل من ~~قبل بقليل وهي الأحوال الستة المذكورة أولا . فنزل القريب منزلة المقارن ، ~~فلذلك جعل الجميع شروطا ل { إذا } . PageV30P151 # ( 15 21 ) { } # الفاء لتفريع القسم وجوابه على الكلام السابق للإشارة إلى ما تقدم من ~~الكلام هو بمنزلة التمهيد لما بعد الفاء فإن الكلام السابق أفاد تحقيق وقوع ~~البعث والجزاء وهم قد أنكروه وكذبوا القرآن الذي أنذرهم به ، فلما قضي حق ~~الإنذار به وذكر أشراطه فرع عنه تصديق القرآن الذي أنذرهم به وأنه موحى به ~~من عند الله . # فالتفريع هنا تفريع معنى وتفريع ذكر معا ، وقد جاء تفريع القسم لمجرد ~~تفريع ذكر كلام على كلام آخر كقول زهير : # فأقسمت بالبيت الذي طاف حوله # رجال بنوه من قريش وجرهم # عقب نسيب معلقته الذي لا يتفرع عن معانيه ما بعد القسم وإنما قصد به أن ~~ما تقدم من الكلام إنما هو للإقبال على ما بعد الفاء ، وبذلك يظهر تفوق ~~التفريع الذي في هذه الآية على تفريع بيت زهير . # ومعنى : ( لا أقسم ) : إيقاع القسم ، وقد عدت ( لا ) زائدة ، وتقدم عند ~~قوله تعالى : { فلا أقسم بمواقع النجوم } في سورة الواقعة . # والقسم مراد به تأكيد الخبر وتحقيقه ، وأدمج فيه أوصاف الأشياء المقسم ~~بها للدلالة على تمام قدرة الله تعالى . # و ( الخنس ) : جمع خانسة ، وهي التي تخنس ، أي تختفي ، يقال : خنست ~~البقرة والظبية ، إذا اختفت في الكناس . # و ( الجواري ms9192 ) : جمع جارية ، وهي التي تجري ، أي تسير سيرا حثيثا . # و { الكنس } : جمع كانسة ، يقال : كنس الظبي ، إذا دخل كناسه ( بكسر ~~الكاف ) وهو البيت الذي يتخذه للمبيت . # وهذه الصفات أريد بها صفات مجازية لأن الجمهور على أن المراد بموصوفاتها ~~PageV30P152 الكواكب ، وصفن بذلك لأنها تكون في النهار مختفية عن الأنظار ~~فشبهت بالوحشية المختفية في شجر ونحوه ، فقيل : الخنس وهو من بديع التشبيه ~~، لأن الخنوس اختفاء الوحش عن أنظار الصيادين ونحوهم دون سكون في كناس ، ~~وكذلك الكواكب لأنها لا ترى في النهار لغلبة شعاع الشمس على أفقها وهي مع ~~ذلك موجودة في مطالعها . # وشبه ما يبدو للأنظار من تنقلها في سمت الناظرين للأفق باعتبار اختلاف ما ~~يسامتها من جزء من الكرة الأرضية بخروج الوحش ، فشبهت حالة بدوها بعد ~~احتجابها مع كونها كالمتحركة بحالة الوحش تجري بعد خنوسها تشبيه التمثيل . ~~وهو يقتضي أنها صارت مرئية فلذلك عقب بعد ذلك بوصفها بالكنس ، أي عند ~~غروبها تشبيها لغروبها بدخول الظبي أو البقرة الوحشية كناسها بعد الانتشار ~~والجري . # فشبه طلوع الكوكب بخروج الوحشية من كناسها ، وشبه تنقل مرآها للناظر بجري ~~الوحشية عند خروجها من كناسها صباحا ، قال لبيد : # حتى إذا انحسر الظلام وأسفرت # بكرت تزل عن الثرى أزلامها # وشبه غروبها بعد سيرها بكنوس الوحشية في كناسها وهو تشبيه بديع فكان قوله ~~: { بالخنس } استعارة وكان { الجوار الكنس } ترشيحين للاستعارة . # وقد حصل من مجموع الأوصاف الثلاث ما يشبه اللغز يحسب به أن الموصوفات ~~ظباء أو وحوش لأن تلك الصفات حقائقها من أحوال الوحوش ، والإلغاز طريقة ~~مستملحة عند بلغاء العرب وهي عزيزة في كلامهم ، قال بعض شعرائهم وهو من ~~شواهد العربية : # فقلت أعيراني القدوم لعلني # أخط بها قبرا لأبيض ماجد # أراد أنه يصنع بها غمدا لسيف صقيل مهند . # وعن ابن مسعود وجابر بن عبد الله وابن عباس : حمل هذه الأوصاف على ~~حقائقها المشهورة ، وأن الله أقسم بالظباء وبقر الوحش . PageV30P153 # والمعروف في إقسام القرآن أن تكون بالأشياء العظيمة الدالة على قدرة الله ~~تعالى أو الأشياء المباركة . # ثم عطف القسم ب { الليل ms9193 } على القسم ب ( الكواكب ) لمناسبة جريان الكواكب ~~في الليل ، ولأن تعاقب الليل والنهار من أجل مظاهر الحكمة الإلاهية في هذا ~~العالم . # وعسعس الليل عسعاسا وعسعسة ، قال مجاهد عن ابن عباس : أقبل بظلامه ، وقال ~~مجاهد أيضا عن ابن عباس معناه : أدبر ظلامه ، وقاله زيد بن أسلم وجزم به ~~الفراء وحكى عليه الإجماع . وقال المبرد والخليل : هو من الأضداد يقال : ~~عسعس ، إذا أقبل ظلامه ، وعسعس ، إذا أدبر ظلامه . قال ابن عطية : قال ~~المبرد : أقسم الله بإقبال الليل وإدباره معا ا ه . # وبذلك يكون إيثار هذا الفعل لإفادته كلا حالين صالحين للقسم به فيهما ~~لأنهما من مظاهر القدرة إذ يعقب الظلام الضياء ثم يعقب الضياء الظلام ، ~~وهذا إيجاز . # وعطف عليه القسم بالصبح حين تنفسه ، أي انشقاق ضوئه لمناسبة ذكر الليل ، ~~ولأن تنفس الصبح من مظاهر بديع النظام الذي جعله الله في هذا العالم . # والتنفس : حقيقته خروج النفس من الحيوان ، استعير لظهور الضياء مع بقايا ~~الظلام على تشبيه خروج الضياء بخروج النفس على طريقة الاستعارة المصرحة ، ~~أو لأنه إذا بدا الصباح أقبل معه نسيم فجعل ذلك كالتنفس له على طريقة ~~المكنية بتشبيه الصبح بذي نفس مع تشبيه النسيم بالأنفاس . # وضمير { إنه } عائد إلى القرآن ولم يسبق له ذكر ولكنه معلوم من المقام في ~~سياق الإخبار بوقوع البعث فإنه مما أخبرهم به القرآن وكذبوا بالقرآن لأجل ~~ذلك . # والرسول الكريم يجوز أن يراد به جبريل عليه السلام ، وصف جبريل برسول ~~لأنه مرسل من الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن . PageV30P154 # وإضافة ( قول ) إلى { رسول } إما لأدنى ملابسة لأن جبريل يبلغ ألفاظ ~~القرآن إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيحكيها كما أمره الله تعالى فهو ~~قائلها ، أي صادرة منه ألفاظها . # وفي التعبير عن جبريل بوصف { رسول } إيماء إلى أن القول الذي يبلغه هو ~~رسالة من الله مأمور بإبلاغها كما هي . # قال ابن عطية : وقال آخرون الرسول هو محمد صلى الله عليه وسلم في الآية ~~كلها اه . ولم يعين اسم أحد ممن قالوا هذا من المفسرين . # واستطرد ms9194 في خلال الثناء على القرآن الثناء على الملك المرسل به تنويها ~~بالقرآن فإجراء أوصاف الثناء على { رسول } للتنويه به أيضا ، وللكناية على ~~أن ما نزل به صدق لأن كمال القائل يدل على صدق القول . # ووصف { رسول } بخمسة أوصاف : # الأول : { كريم } وهو النفيس في نوعه . # والوصفان الثاني والثالث : { ذي قوة عند ذي العرش مكين } . فالقوة ~~حقيقتها مقدرة الذات على الأعمال العظيمة التي لا يقدر عليها غالبا . ومن ~~أوصافه تعالى : ( القوي ) ، ومنها مقدرة الذات من إنسان أو حيوان على كثير ~~من الأعمال التي لا يقدر عليها أبناء نوعه . # وضدها الضعف قال تعالى : { الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ~~ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة } ( الروم : 54 ) . # وتطلق القوة مجازا على ثبات النفس على مرادها والإقدام ورباطة الجأش ، ~~قال تعالى : { يا يحيى خذ الكتاب بقوة } ( مريم : 12 ) وقال : { خذوا ما ~~آتيناكم بقوة } ( البقرة : 63 ) ، فوصف جبريل ب { ذي قوة } يجوز أن يكون ~~شدة المقدرة كما وصف بذلك في قوله تعالى : { ذو مرة } ( النجم : 6 ) ، ~~ويجوز أن يكون في القوة المجازية وهي الثبات في أداء ما أرسل به كقوله ~~تعالى : { علمه شديد القوى } ( النجم : 5 ) لأن المناسب للتعليم هو قوة ~~النفس ، وأما إذا كان المراد محمد صلى الله عليه وسلم فوصفه ب { ذي قوة عند ~~ذي العرش } يراد بها المعنى المجازي وهو الكرامة والاستجابة له . ~~PageV30P155 # والمكين : فعيل ، صفة مشبهة من مكن بضم الكاف مكانة ، إذا علت رتبته عند ~~غيره ، قال تعالى في قصة يوسف مع الملك : { فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا ~~مكين أمين } ( يوسف : 54 ) . # وتوسيط قوله : { عند ذي العرش } بين { ذي قوة } و { مكين } ليتنازعه كلا ~~الوصفين على وجه الإيجاز ، أي هو ذو قوة عند الله ، أي جعل الله مقدرة ~~جبريل تخوله أن يقوم بعظيم ما يوكله الله به مما يحتاج إلى قوة القدرة وقوة ~~التدبير ، وهو ذو مكانة عند الله وزلفى . # ووصف النبي صلى الله عليه وسلم بذلك على نحو ما تقدم . # والعندية عندية تعظيم ms9195 ، وعناية ، ف ( عند ) للمكان المجازي الذي هو بمعنى ~~الاختصاص والزلفى . 4 # وعدل عن اسم الجلالة إلى { ذي العرش } بالنسبة إلى جبريل لتمثيل حال ~~جبريل ومكانته عند الله بحالة الأمير الماضي في تنفيذ أمر الملك وهو بمحل ~~الكرامة لديه . # وأما بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فللإشارة إلى عظيم شأنه إذ ~~كان ذا قوة عند أعظم موجود شأنا . # الوصف الرابع : { مطاع } أن يطيعه من معه من الملائكة كما يطيع الجيش ~~قائدهم ، أو النبي صلى الله عليه وسلم مطاع : أي مأمور الناس بطاعة ما ~~يأمرهم به . # و { ثم } بفتح الثاء اسم إشارة إلى المكان ، والمشار إليه هو المكان ~~المجازي الذي دل عليه قوله : { عند ذي العرش } فيجوز تعلق الظرف ب { مطاع } ~~وهو أنسب لإجراء الوصف على جبريل ، أي مطاع في الملأ الأعلى فيما يأمر به ~~الملائكة والنبي صلى الله عليه وسلم مطاع في العالم العلوي ، أي مقرر عند ~~الله أن يطاع فيما يأمر به . # ويجوز أن يتعلق ب { أمين } ، وتقديمه على متعلقه للاهتمام بذلك المكان ، ~~فوصف جبريل به ظاهر أيضا ، ووصف النبي صلى الله عليه وسلم به لأنه مقررة ~~أمانته في الملأ الأعلى . PageV30P156 # والأمين : الذي يحفظ ما عهد له به حتى يؤديه دون نقص ولا تغيير ، وهو ~~فعيل إما بمعنى مفعول ، أي مأمون من أمنه على كذا . وعلى هذا يقال : امرأة ~~أمين ، ولا يقال : أمينة ، وإما صفة مشبهة من أمن بضم الميم إذا صارت ~~الأمانة سجيته ، وعلى هذا الوجه يقال : امرأة أمينة ، ومنه قول الفقهاء في ~~المرأة المشتكية أضرار زوجها : يجعلان عند أمينة وأمين . # عطف على جملة : { إنه لقول رسول كريم } ( التكوير : 19 ) فهو داخل في خبر ~~القسم جوابا ثانيا عن القسم ، والمعنى : وما هو ( أي القرآن ) بقول مجنون ~~كما تزعمون ، فبعد أن أثنى الله على القرآن بأنه قول رسول مرسلل من الله ~~وكان قد تضمن ذلك ثناء على النبي صلى الله عليه وسلم بأنه صادق فيما بلغه ~~عن الله تعالى ، أعقبه بإبطال بهتان المشركين فيما اختلقوه عن النبي صلى ~~الله ms9196 عليه وسلم من قولهم : { معلم مجنون } ( الدخان : 14 ) وقولهم : { ~~افترى على الله كذبا أم به جنة } ( سبأ : 8 ) ، فأبطل قولهم إبطالا مؤكدا ~~ومؤيدا ، فتأكيده بالقسم وبزيادة الباء بعد النفي ، وتأييده بما أومأ إليه ~~وصفه بأن الذي بلغه صاحبهم ، فإن وصف صاحب كناية عن كونهم يعلمون خلقه ~~وعقله ويعلمون أنه ليس بمجنون ، إذ شأن الصاحب أن لا تخفى دقائق أحواله على ~~أصحابه . # والمعنى : نفي أن يكون القرآن من وساوس المجانين ، فسلامة مبلغه من ~~الجنون تقتضي سلامة قوله عن أن يكون وسوسة . # ويجري على ما تقدم من القول بأن المراد ب { رسول كريم } ( التكوير : 19 ) ~~النبي محمد صلى الله عليه وسلم أن يكون قوله : { صاحبكم } هنا إظهارا في ~~مقام الإضمار للتعريض بأنه معروف عندهم بصحة العقل وأصالة الرأي . # والصاحب حقيقته : ذو الصحبة ، وهي الملازمة في أحوال التجمع والانفراد ~~للمؤانسة والموافقة ، ومنه قيل للزوج : صاحبة وللمسافر مع غيره صاحب ، قال ~~امرؤ القيس : # بكى صاحبي لما رأي الدرب دونه PageV30P157 # وقال تعالى حكاية عن يوسف : { يا صاحبي السجن } ( يوسف : 39 ) ، وقال ~~الحريري في ( المقامة الحادية والعشرين ) : ( ولا لكم مني إلا صحبة السفينة ~~) . # وقد يتوسعون في إطلاقه على المخالط في أحوال كثيرة ولو في الشر ، كقول ~~الحجاج يخاطب الخوارج : ( ألستم أصحابي بالأهواز حين رمتم الغدر ، ~~واستبطنتم الكفر ) . وقول الفضل اللهبي : # كل له نية في بغضض صاحبه # بنعمة الله نقليكم وتقلونا # والمعنى : أن الذي تخاصمونه وتكذبونه وتصفونه بالجنون ليس بمجنون وأنكم ~~مخالطوه وملازموه وتعلمون حقيقته فما قولكم عليه : ( إنه مجنون ) إلا لقصد ~~البهتان وإساءة السمعة . # فهذا موقع هذه الجملة مع ما قبلها وما بعدها ، والقصد من ذلك إثبات صدق ~~محمد صلى الله عليه وسلم ولا يخطر بالبال أنها مسوقة في معرض الموازنة ~~والمفاضلة بين جبريل ومحمد عليهما السلام والشهادة لهما بمزاياهما حتى يشم ~~من وفرة الصفات المجراة على جبريل أنه أفضل من محمد صلى الله عليه وسلم # ولا أن المبالغة في أوصاف جبريل مع الاقتصاد في أوصاف محمد صلى الله عليه ~~وسلم تؤذن بتفضيل أولهما على الثاني ms9197 . # ومن أسمج الكلام وأضعف الاستدلال قول صاحب ( الكشاف ) : ( وناهيك بهذا ~~دليلا على جلالة مكانة جبريل عليه السلام ومباينة منزلته لمنزلة أفضل الإنس ~~محمد صلى الله عليه وسلم إذا وازنت بين الذكرين وقايست بين قوله : { إنه ~~لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين } ( التكوير : 19 ، 20 ) ، وبين ~~قوله : { وما صاحبكم بمجنون } اه . # وكيف انصرف نظره عن سياق الآية في الرد على أقوال المشركين في النبي صلى ~~الله عليه وسلم ولم يقولوا في جبريل شيئا لأن الزمخشري رام أن ينتزع من ~~الآية دليلا لمذهب أصحاب الاعتزال من تفضيل الملائكة على الأنبياء ، وهي ~~مسألة لها مجال آخر ، على أنك قد علمت أن الصفات التي أجريت على { رسول في ~~قوله تعالى : إنه لقول رسول كريم إلى قوله : أمين } ( التكوير : 19 21 ) ، ~~غير متعين انصرافها إلى جبريل PageV30P158 فإنها محتملة الانصراف إلى محمد ~~صلى الله عليه وسلم وقد يطغى عليه حب الاستدلال لعقائد أهل الاعتزال طغيانا ~~يرمي بفهمه في مهاوي الضآلة ، وهل يسمح بال ذي مسكة من علم بمجاري كلام ~~العقلاء أن يتصدى متصد لبيان فضل أحد بأن ينفي عنه أنه مجنون ، وهذا كله ~~مبني على تفسير : { رسول كريم } بجبريل فأما إن أريد به محمد صلى الله عليه ~~وسلم أو هو وجبريل عليهما السلام فهذا مقتلع من جذره . # ولا يخفى أن العدول عن اسم النبي العلم إلى { صاحبكم } لما يؤذن به { ~~صاحبكم } من كونهم على علم بأحواله ، وأما العدول عن ضميره إن كان المراد ب ~~{ رسول } خصوص النبي صلى الله عليه وسلم فمن الإظهار في مقام الإضمار للوجه ~~المذكور وإذا أريد ب { رسول } كلاهما فذكر { صاحبكم } لتخصيص الكلام به . # عطف على جملة : { وما صاحبكم بمجنون } ( التكوير : 22 ) . # والمناسبة بين الجملتين أن المشركين كانوا إذا بلغهم أن الرسول صلى الله ~~عليه وسلم يخبر أنه نزل عليه جبريل بالوحي من وقت غار حراء فما بعده ~~استهزأوا وقالوا : إن ذلك الذي يتراءى له هو جني ، فكذبهم الله بنفي الجنون ~~عنه ثم بتحقيق أنه إنما رأى جبريل القوي ms9198 الأمين . فضمير الرفع عائد إلى ~~صاحب من قوله : { وما صاحبكم } وضمير النصب عائد إلى { رسول كريم } ( ~~التكوير : 19 ) ، وسياق الكرم يبين معاد الرائي والمرئي . # و ( الأفق ) : الفضاء الذي يبدو للعين من الكرة الهوائية بين طرفي مطلع ~~الشمس ومغربها من حيث يلوح ضوء الفجر ويبدو شفق الغروب وهو يلوح كأنه قبة ~~زرقاء والمعنى رآه ما بين السماء والأرض . # و { المبين } : وصف الأفق ، أي للأفق الواضح البين . # والمقصود من هذا الوصف نعت الأفق الذي تراءى منه جبريل للنبيء عليهما ~~الصلاة والسلام بأنه أفق واضح بين لا تشتبه فيه المرئيات ولا يتخيل فيه ~~الخيال ، PageV30P159 وجعلت تلك الصفة علامة على أن المرئي ملك وليس بخيال ~~لأن الأخيلة التي يتخيلها المجانين إنما يتخيلونها على الأرض تابعة لهم على ~~ما تعودوه من وقت الصحة ، وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم الملك الذي رآه ~~عند نزول سورة المدثر بأنه على كرسي جالس بين السماء والأرض ، ولهذا تكرر ~~ذكر ظهور الملك بالأفق في سورة النجم ( 5 9 ) في قوله تعالى : { علمه شديد ~~القوى ذو مرة فاستوى وهو بالأفق الأعلى ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو ~~أدنى إلى أن قال : أفتمارونه على ما يرى ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة ~~المنتهى عندها جنة المأوى } ( النجم : 12 15 ) الآيات ، قيل : رأى النبي ~~جبريل عليهما السلام بمكة من جهة جبل أجياد من شرقيه . # الضمير عائد إلى { صاحبكم } ( التكوير : 22 ) كما يقتضيه السياق فإن ~~المشركين لم يدعوا أن جبريل ضنين على الغيب ، وإنما ادعوا ذلك للنبيء صلى ~~الله عليه وسلم ظلما وزورا ، ولقرب المعاد . # و { الغيب } : ما غاب عن عيان الناس ، أو عن علمهم وهو تسمية بالمصدر . ~~والمراد ما استأثر الله بعلمه إلا أن يطلع عليه بعض أنبيائه ، ومنه وحي ~~الشرائع ، والعلم بصفات الله تعالى وشؤونه ، ومشاهدة ملك الوحي ، وتقدم في ~~قوله تعالى : { الذين يؤمنون بالغيب في سورة البقرة . # وكتبت كلمة بضنين } في مصاحف الأمصار بضاد ساقطة كما اتفق عليه القراء . # وحكي عن أبي عبيد ، قال الطبري : هو ما عليه ms9199 مصاحف المسلمين متفقة وإن ~~اختلفت قراءتهم به . # وفي ( الكشاف ) : ( هو في مصحف أبي بالضاد وفي مصحف ابن مسعود بالظاء ) ~~وقد اقتصر الشاطبي في منظومته في الرسم على رسمه بالضاد إذ قال : # والضاد في { بضنين } تجمع البشرا # وقد اختلف القراء في قراءته فقرأه نافع وابن عامر وعاصم وحمزة وأبو جعفر ~~PageV30P160 وخلف وروح عن يعقوب بالضاد الساقطة التي تخرج من حافة اللسان ~~مما يلي الأضراس وهي القراءة الموافقة لرسم المصحف الإمام . # وقرأه الباقون بالظاء المشالة التي تخرج من طرف اللسان وأصول الثنايا ~~العليا ، وذكر في ( الكشاف ) أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ بهما ، وذلك ~~مما لا يحتاج إلى التنبيه ، لأن القراءتين ما كانتا متواترتين إلا وقد ~~رويتا عن النبي صلى الله عليه وسلم # والضاد والظاء حرفان مختلفان والكلمات المؤلفة من أحدهما مختلفة المعاني ~~غالبا إلا نحو حضضض بضادين ساقطتين وحظظ بظاءين مشالين وحضظ بضاد ساقطة ~~بعدها ظاء مشالة وثلاثتها بضم الحاء وفتح ما بعد الحاء . فقد قالوا : إنها ~~لغات في كلمة ذات معنى واحد وهو اسم صمغ يقال له : خولان . # ولا شك أن الذين قرأوه بالظاء المشالة من أهل القراءات المتواترة وهم ابن ~~كثير وأبو عمرو والكسائي ورويس عن يعقوب قد رووه متواترا عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم ولذلك فلا يقدح في قراءتهم كونها مخالفة لجميع نسخ مصاحف الأمصار ~~لأن تواتر القراءة أقوى من تواتر الخط إن اعتبر للخط تواتر . # وما ذكر من شرط موافقة القراءة لما في مصحف عثمان لتكون قراءة صحيحة تجوز ~~القراءة بها ، إنما هو بالنسبة للقراءات التي لم ترو متواترة كما بيناه في ~~المقدمة السادسة من مقدمات هذا التفسير . # وقد اعتذر أبو عبيدة عن اتفاق مصاحف الإمام على كتابتها بالضاد مع وجود ~~الاختلاف فيها بين الضاد والظاء في القراءات المتواترة ، بأن قال : ( ليس ~~هذا بخلاف الكتاب لأن الضاد والظاء لا يختلف خطهما في المصاحف إلا بزيادة ~~رأس إحداهما على رأس الأخرى فهذا قد يتشابه ويتدانى ) اه . # يريد بهذا الكلام أن ما رسم في المصحف الإمام ليس ms9200 مخالفة من كتاب المصاحف ~~للقراءات المتواترة ، أي أنهم يراعون اختلاف القراءات المتواترة فيكتبون ~~بعض نسخ المصاحف على اعتبار اختلاف القراءات وهو الغالب . وههنا اشتبه ~~الرسم فجاءت الظاء دقيقة الرأس . # ولا أرى للاعتذار عن ذلك حاجة لأنه لما كانت القراءتان متواترتين عن ~~PageV30P161 النبي صلى الله عليه وسلم اعتمد كتاب المصاحف على إحداهما وهي ~~التي قرأ بها جمهور الصحابة وخاصة عثمان بن عفان ، وأوكلوا القراءة الأخرى ~~إلى حفظ القارئين . # وإذ تواترت قراءة { بضنين } بالضاد الساقطة ، و { بظنين بالظاء المشالة ~~علمنا أن الله أنزله بالوجهين وأنه أراد كلا المعنيين . # فأما معنى ضنين بالضاد الساقطة فهو البخيل الذي لا يعطي ما عنده مشتق من ~~الضن بالضاد مصدر ضن ، إذا بخل ، ومضارعه بالفتح والكسر . # فيجوز أن يكون على معناه الحقيقي ، أي وما صاحبكم ببخيل أي بما يوحى إليه ~~وما يخبر به عن الأمور الغيبية طلبا للانتفاع بما يخبر به بحيث لا ينبئكم ~~عنه إلا بعوض تعطونه ، وذلك كناية عن نفي أن يكون كاهنا أو عرافا يتلقى ~~الأخبار عن الجنن إذ كان المشركون يترددون على الكهان ويزعمون أنهم يخبرون ~~بالمغيبات ، قال تعالى : وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول كاهن ~~قليلا ما تذكرون } ( الحاقة : 41 42 ) فأقام لهم الفرق بين حال الكهان وحال ~~النبي صلى الله عليه وسلم بالإشارة إلى أن النبي لا يسألهم عوضا عما يخبرهم ~~به وأن الكاهن يأخذ على ما يخبر به ما يسمونه حلوانا ، فيكون هذا المعنى من ~~قبيل قوله تعالى : { قل ما أسألكم عليه من أجر } ( الفرقان : 57 ) { قل لا ~~أسألكم عليه أجرا } ( الأنعام : 90 ) ونحو ذلك . # ويجوز أن يكون ( ضنين ) مجازا مرسلا في الكتمان بعلاقة اللزوم لأن ~~الكتمان بخل بالأمر المعلوم للكاتم ، أي ما هو بكاتم الغيب ، أي ما يوحى ~~إليه ، وذلك أنهم كانوا يقولون : { ايتت بقرآن غير هذا أو بدله } ( يونس : ~~15 ) وقالوا : { ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه } ( الإسراء : ~~93 ) . # ويتعلق { على الغيب } بقوله : { بضنين } . # وحرف ( على ) على هذا الوجه بمعنى الباء مثل قوله ms9201 تعالى : { حقيق على أن ~~لا أقول على الله إلا الحق } ( الأعراف : 105 ) أي حقيق بي ، أو لتضمين ( ~~ضنين ) معنى حريص ، والحرص : شدة البخل وما محمد بكاتم شيئا من الغيب فما ~~أخبركم به فهو عين ما أوحيناه إليه . وقد يكون البخيل على هذه كناية عن ~~كاتم وهو كناية بمرتبة أخرى PageV30P162 عن عدم التغيير . والمعنى : وما ~~صاحبكم بكاتم شيئا من الغيب ، أي ما أخبركم به فهو الحق . # وأما معنى ( ظنين ) بالظاء المشالة فهو فعيل بمعنى مفعول مشتق من الظن ~~بمعنى التهمة ، أي مظنون . ويراد أنه مظنون به سوء ، أي أن يكون كاذبا فيما ~~يخبر به عن الغيب ، وكثر حذف مفعول ظنين بهذا المعنى في الكلام حتى صار ~~الظن يطلق بمعنى التهمة فعدي إلى مفعول واحد . وأصل ذلك أنهم يقولون : ظن ~~به سوءا ، فيتعدى إلى متعلقه الأول بحرف باء الجر فلما كثر استعماله حذفوا ~~الباء ووصلوا الفعل بالمجرور فصار مفعولا فقالوا ظنه : بمعنى اتهمه ، يقال ~~: سرق لي كذا وظننت فلانا . # وحرف { على } في هذا الوجه للاستعلاء المجازي الذي هو بمعنى الظرفية نحو ~~{ أو أجد على النار هدى } ( طه : 10 ) ، أي ما هو بمتهم في أمر الغيب وهو ~~الوحي أن لا يكون كما بلغه ، أي أن ما بلغه هو الغيب لا ريب فيه ، وعكسه ~~قولهم : ائتمنه على كذا . # عطف على : { إنه لقول رسول كريم } ( التكوير : 19 ) ، وهذا رجوع إلى ما ~~أقسم عليه من أن القرآن قول رسول كريم ، بعد أن استطرد بينهما بتلك ~~المستطردات الدالة على زيادة كمال هذا القول بقدسية مصدره ومكانة حامله عند ~~الله وصدقق متلقيه منه عن رؤية محققة لا تخيل فيها ، فكان التخلص إلى العود ~~لتنزيه القرآن بمناسبة ذكر الغيب في قوله تعالى : { وما هو على الغيب بضنين ~~} ( التكوير : 24 ) . # فإن القرآن من أمر الغيب الذي أوحي به إلى محمد صلى الله عليه وسلم وفيه ~~كثير من الأخبار عن أمور الغيب الجنة والنار ونحو ذلك . # وقد علم أن الضمير عائد إلى القرآن لأنه أخبر عن الضمير بالقول الذي هو ~~من ms9202 جنس الكلام إذ قال : { وما هو بقول شيطان رجيم } ( التكوير : 25 ) فكان ~~المخبر عنه من قبيل الأقوال لا محالة ، فلا يتوهم أن الضمير عائد إلى ما ~~عاد إليه ضمير : { وما هو على الغيب بضنين } . PageV30P163 # وهذا إبطال لقول المشركين فيه أنه كاهن ، فإنهم كانوا يزعمون أن الكهان ~~تأتيهم الشياطين بأخبار الغيب ، قال تعالى : { وما هو بقول شاعر قليلا ما ~~تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون } ( الحاقة : 41 42 ) وقال : { وما ~~تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم وما يستطيعون } ( الشعراء : 210 ، 211 ) ~~وقال : { هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم } ( ~~الشعراء : 221 ، 222 ) وهم كانوا يزعمون أن الكاهن يتلقى عن شيطانه ويسمون ~~شيطانه رئيا . # وفي حديث فترة الوحي ونزول سورة والضحى : أن حمالة الحطب امرأة أبي لهب ~~وهي أم جميل بنت حرب قالت للنبيء صلى الله عليه وسلم ( أرى شيطانك قد قلاك ~~) . # و { رجيم } فعيل بمعنى مفعول ، أي مرجوم ، والمرجوم : المبعد الذي يتباعد ~~الناس من شره فإذا أقبل عليهم رجموه فهو وصف كاشف للشيطان لأنه لا يكون إلا ~~متبرأ منه . # جملة : { فأين تذهبون } معترضة بين جملة : { وما هو بقول شيطان رجيم } ( ~~التكوير : 25 ) وقوله : { إن هو إلا ذكر للعالمين } ( التكوير : 27 ) . # والفاء لتفريع التوبيخ والتعجيز على الحجج المتقدمة المثبتة أن القرآن لا ~~يجوز أن يكون كلام كاهن وأنه وحي من الله بواسطة الملك . # وهذا من اقتران الجملة المعترضة بالفاء كما تقدم في قوله تعالى : { فمن ~~شاء ذكره في سورة عبس . # و ( أين ) اسم استفهام عن المكان . وهو استفهام إنكاري عن مكان ذهابهم ، ~~أي طريق ضلالهم ، تمثيلا لحالهم في سلوك طرق الباطل بحال من ضل الطريق ~~الجادة فيسأله السائل منكرا عليه سلوكه ، أي اعدل عن هذا الطريق فإنه مضلة ~~. # ويجوز أن يكون الاستفهام مستعملا في التعجيز عن طلب طريق يسلكونه إلى ~~مقصدهم من الطعن في القرآن . # والمعنى : أنه قد سدت عليكم طرق بهتانكم إذ اتضح بالحجة الدامغة بطلان ~~PageV30P164 ادعائكم أن القرآن كلام مجنون أو كلام كاهن ، فماذا تدعون ms9203 بعد ~~ذلك . # واعلم أن جملة أين تذهبون قد أرسلت مثلا ، ولعله من مبتكرات القرآن وكنت ~~رأيت في كلام بعضهم : أين يذهب بك ، لمن كان في خطأ وعماية . # ( 27 ، 28 ) } # بعد أن أفاقهم من ضلالتهم أرشدهم إلى حقيقة القرآن بقوله : { إن هو إلا ~~ذكر للعالمين } ، وهذه الجملة تتنزل منزلة المؤكدة لجملة : { وما هو بقول ~~شيطان رجيم } ( التكوير : 25 ) ولذلك جردت عن العاطف ، ذلك أن القصر ~~المستفاد من النفي والاستثناء في قوله : { إن هو إلا ذكر للعالمين } يفيد ~~قصر القرآن على صفة الذكر ، أي لا غير ذلك وهو قصر إضافي قصد منه إبطال أن ~~يكون قول شاعر ، أو قول كاهن ، أو قول مجنون ، فمن جملة ما أفاده القصر نفي ~~أن يكون قول شيطان رجيم ، وبذلك كان فيه تأكيد لجملة : { وما هو بقول شيطان ~~رجيم } . # والذكر اسم يجمع معاني الدعاء والوعظ بحسن الأعمال والزجر عن الباطل وعن ~~الضلال ، أي ما القرآن إلا تذكير لجميع الناس ينتفعون به في صلاح اعتقادهم ~~، وطاعة الله ربهم ، وتهذيب أخلاقهم ، وآداب بعضهم مع بعض ، والمحافظة على ~~حقوقهم ، ودوام انتظام جماعتهم ، وكيف يعاملون غيرهم من الأمم الذين لم ~~يتبعوه . # ف ( العالمين ) يعم كل البشر لأنهم مدعوون للاهتداء به ومستفيدون مما جاء ~~فيه . # فإن قلت : القرآن يشتمل على أحاديث الأنبياء والأمم وهو أيضا معجزة لمحمد ~~صلى الله عليه وسلم فكيف قصر على كونه ذكرا . # قلت : القصر الإضافي لا يقصد منه إلا تخصيص الصفة بالموصوف بالنسبة إلى ~~صفة أخرى خاصة ، على أنك لك أن تجعل القصر حقيقيا مفيدا قصر القرآن ~~PageV30P165 على الذكر دون غير ذلك من الصفات ، فإن ما اشتمل عليه من القصص ~~والأخبار مقصود به الموعظة والعبرة كما بينت ذلك في المقدمة السابعة . # وأما إعجازه فله مدخل عظيم في التذكير لأن إعجازه دليل على أنه ليس بكلام ~~من صنع البشر ، وإذا علم ذلك وقع اليقين بأنه حق . # وأبدل من { للعالمين } قوله : { لمن شاء منكم أن يستقيم } بدل بعض من كل ~~، وأعيد مع البدل حرف الجر العامل مثله في المبدل منه ms9204 لتأكيد العامل كقوله ~~تعالى : { ومن النخل من طلعها قنوان } ( الأنعام : 99 ) وقوله : { قال ~~الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم ، وتقدم في سورة ~~الأعراف . و الخطاب في قوله : منكم } للذين خوطبوا بقوله : { فأين تذهبون } ~~( التكوير : 26 ) وإذا كان القرآن ذكرا لهم وهم من جملة العالمين كان ذكر : ~~{ لمن شاء أن يستقيم } من بقية العالمين أيضا بحكم قياس المساواة ، ففي ~~الكلام كناية عن ذلك . # وفائدة هذا الإبدال التنبيه على أن الذين تذكروا بالقرآن وهم المسلمون قد ~~شاؤوا الاستقامة لأنفسهم فنصحوا أنفسهم ، وهو ثناء عليهم . # وفي مفهوم الصلة تعريض بأن الذين لم يتذكروا بالقرآن ما حال بينهم وبين ~~التذكر به إلا أنهم لم يشاؤوا أن يستقيموا ، بل رضوا لأنفسهم بالاعوجاج ، ~~أي سوء العمل والاعتقاد ، ليعلم السامعون أن دوام أولئك على الضلال ليس ~~لقصور القرآن عن هديهم بل لأنهم أبوا أن يهتدوا به ، إما للمكابرة فقد ~~كانوا يقولون : { قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا ~~وبينك حجاب } ( فصلت : 5 ) وإما للإعراض عن تلقيه : { وقال الذين كفروا لا ~~تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون } ( فصلت : 26 ) . # والاستقامة مستعارة لصلاح العمل الباطني ، وهو الإعتقاد ، والظاهري وهو ~~الأفعال والأقوال تشبيها للعمل بخط مستقيم تشبيه معقول بمحسوس . ثم إن ~~الذين لم يشاءوا أن يستقيموا هم الكافرون بالقرآن وهم المسوق لهم الكلام ، ~~ويلحق بهم على مقادير متفاوتة كل من فرط في الاهتداء بشيء من القرآن من ~~المسلمين فإنه ما شاء أن يستقيم لما فرط منه في أحوال أو أزمان أو أمكنة . ~~PageV30P166 # وفي هذه الآية إشارة بينة على أن من الخطأ أن يوزن حال الدين الإسلامي ~~بميزان أحوال بعض المسلمين أو معظمهم كما يفعله بعض أهل الأنظار القاصرة من ~~الغربيين وغيرهم إذ يجعلون وجهة نظرهم التأمل في حالة الأمم الإسلامية ~~ويستخلصون من استقرائها أحكاما كلية يجعلونها قضايا لفلسفتهم في كنه ~~الديانة الإسلامية . # وهذه الآية صريحة في إثبات المشيئة للإنسان العاقل فيما يأتي ويدع ، وأنه ~~لا عذر له إذا قال : هذا أمر ms9205 قدر ، وهذا مكتوب عند الله ، فإن تلك كلمات ~~يضعونها في غير محالها ، وبذلك يبطل قول الجبرية ، ويثبت للعبد كسب أو قدرة ~~على اختلاف التعبير . # يجوز أن تكون تذييلا أو اعتراضا في آخر الكلام . # ويجوز أن تكون حالا . والمقصود التكميل والاحتراس في معنى لمن شاء منكم ~~أن يستقيم ، أي ولمن شاء له ذلك من العالمين ، وتقدم في آخر سورة الإنسان ~~قوله تعالى : { إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا وما تشاءون إلا أن ~~يشاء الله إن الله كان عليما حكيما } ( الإنسان : 29 ، 30 ) . # والفرق بينهما أن في هذه الآية وصف الله تعالى ب { رب العالمين } وهو ~~مفيد التعليل لارتباط مشيئة من شاء الاستقامة من العالمين لمشيئة الله ذلك ~~لأنه رب العالمين فهو الخالق فيهم دواعي المشيئة وأسباب حصولها المتسلسلة ~~وهو الذي أرشدهم للاستقامة على الحق ، وبهذا الوصف ظهر مزيد الاتصال بين ~~مشيئة الناس الاستقامة بالقرآن وبين كون القرآن ذكرا للعالمين . # وأما آية سورة الإنسان فقد ذيلت : { إن الله كان عليما حكيما } ( الإنسان ~~: 30 ) أي فهو بعلمه وحكمته ينوط مشيئته لهم الاستقامة بمواضع صلاحيتهم لها ~~فيفيد أن من لم يشأ أن يتخذ إلى ربه سبيلا قد حرمه الله تعالى من مشيئته ~~الخير بعلمه وحكمته كناية عن شقائهم . PageV30P167 # و { ما } نافية ، والاستثناء من مصادر محذوفة دل عليها قوله : { إلا أن ~~يشاء الله } وتقدم بيان ذلك في سورة الإنسان . # وفي هذه الآية وآية سورة الإنسان إفصاح عن شرف أهل الاستقامة بكونهم بمحل ~~العناية من ربهم إذا شاء لهم الاستقامة وهيأهم لها ، وهذه العناية معنى ~~عظيم تحير أهل العلم في الكشف عنه ، فمنهم من تطوح به إلى الجبر ومنهم من ~~ارتمى في وهدة القدر ، ومنهم من اعتدل فجزم بقوة للعباد حادثة يكون بها ~~اختيارهم لسلوك الخير أو الشر فسماها بعض هؤلاء قدرة حادثة وبعضهم سماها ~~كسبا . وحملوا ما خالف ذلك من ظواهر الآيات والأخبار على مقام تعليم الله ~~عباده التأدب مع جلاله . # وهذا أقصى ما بلغت إليه الأفهام القويمة في مجامل متعارض الآيات ms9206 القرآنية ~~والأحاديث النبوية . ومن ورائه سلك دقيق يشده قد تقصر عنه الأفهام . # PageV30P168 # | 1 ( سورة الانفطار ) 1 # سميت هذه السورة ( سورة الانفطار ) في المصاحف ومعظم التفاسير . # وفي حديث رواه الترمذي عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ( من سره أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأي عين فليقرأ إذا الشمس كورت ~~، وإذا السماء انفطرت ، وإذا السماء انشقت ) . قال الترمذي : حديث حسن غريب ~~. وقد عرفت ما فيه من الاحتمال في أول سورة التكوير . # وسميت في بعض التفاسير : ( سورة إذا السماء انفطرت ) وبهذا الاسم عنونها ~~البخاري في كتاب التفسير من ( صحيحه ) . ولم يعدها صاحب ( الإتقان ) مع ~~السور ذات أكثر من اسم وهو ( الانفطار ) . # ووجه التسمية وقوع جملة : { إذا السماء انفطرت } ( الانفطار : 1 ) في ~~أولها فعرفت بها . # وسميت في قليل من التفاسير ( سورة انفطرت ) ، وقيل : تسمى ( سورة ~~المنفطرة ) أي السماء المنفطرة . # وهي مكية بالاتفاق . # وهي معدودة الثانية والثمانين في عداد نزول السور ، نزلت بعد سورة ~~النازعات وقبل سورة الانشقاق . # وعدد آيها تسع عشرة آية . # أغراضها # واشتملت هذه السورة على : إثبات البعث ، وذكر أهوال تتقدمه . PageV30P169 # وإيقاظ المشركين للنظر في الأمور التي صرفتهم عن الاعتراف بتوحيد الله ~~تعالى وعن النظر في دلائل وقوع البعث والجزاء . # والإعلام بأن الأعمال محصاة . وبيان جزاء الأعمال خيرها وشرها . # وإنذار الناس بأن لا يحسبوا شيئا ينجيهم من جزاء الله إياهم على سيىء ~~أعمالهم . # $ 2 ( { إذا السمآء انفطرت * وإذا الكواكب انتثرت * وإذا البحار فجرت * ~~وإذا القبور بعثرت * علمت نفس ما قدمت وأخرت * ياأيها الإنسان ما غرك بربك ~~الكريم * الذى خلقك فسواك فعدلك * فى & # 1764 أى صورة ما شآء ركبك * كلا بل تكذبون بالدين * وإن عليكم لحافظين * ~~كراما كاتبين * يعلمون ما تفعلون * إن الابرار لفى نعيم * وإن الفجار لفى ~~جحيم * يصلونها يوم الدين * وما هم عنها بغآئبين * ومآ أدراك ما يوم الدين ~~* ثم مآ أدراك ما يوم الدين * يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والامر يومئذ لله ~~} ) 2 $ الافتتاح ب { إذا } افتتاح مشوق لما يرد بعدها من متعلقها الذي ms9207 هو ~~جواب ما في ( إذا ) من معنى الشرط كما تقدم في أول سورة إذا الشمس كورت ، ~~سوى أن الجمل المتعاطفة المضاف إليها هي هنا أقل من اللاتي في سورة التكوير ~~لأن المقام لم يقتض تطويل الإطناب كما اقتضاه المقام في سورة التكوير وإن ~~كان في كلتيهما مقتض للإطناب لكنه متفاوت لأن سورة التكوير من أول السور ~~نزولا كما علمت آنفا . # وأما سورة الانفطار فبينها وبين سورة التكوير أربع وسبعون سورة تكرر في ~~بعضها إثبات البعث والجزاء والإنذار وتقرر عند المخاطبين فأغنى عن تطويل ~~الإطناب والتهويل . # و { إذا } ظرف للمستقبل متضمن معنى الشرط . # والمعربون يقولون : خافض لشرطه منصوب بجوابه ، وهي عبارة حسنة جامعة . # والقول في الجمل التي أضيف إليها { إذا } من كونها جملا مفتتحة بمسند ~~إليه مخبر عنه بمسند فعلي دون أن يؤتى بالجملة الفعلية ودون تقدير أفعال ~~محذوفة قبل الأسماء ، لقصد الاهتمام بالمسند إليه وتقوية الخبر . ~~PageV30P170 # وكذلك القول في تكرير كلمة ( إذا ) بعد حروف العطف كالقول في جمل { إذا ~~الشمس كورت } ( التكوير : 1 ) . # و { انفطرت } : مطاوع فطر ، إذا جعل الشيء مفطورا ، أي مشقوقا ذا فطور ، ~~وتقدم في سورة الملك . # وهذا الانفطار : انفراج يقع فيما يسمى بالسماء وهو ما يشبه القبة في نظر ~~الرائي يراه تسير فيه الكواكب في أسمات مضبوطة تسمى بالأفلاك تشاهد بالليل ~~، ويعرف سمتها في النهار ، ومشاهدتها في صورة متماثلة مع تعاقب القرون تدل ~~على تجانس ما هي مصورة منه فإذا اختل ذلك وتخللته أجسام أو عناصر غريبة عن ~~أصل نظامه تفككت تلك الطباق ولاح فيها تشقق فكان علامة على انحلال النظام ~~المتعلق بها كله . # والظاهر أن هذا الانفطار هو المعبر عنه بالانشقاق أيضا في سورة الانشقاق ~~وهو حدث يكون قبل يوم البعث وأنه من أشراط الساعة لأنه يحصل عند إفساد ~~النظام الذي أقام الله عليه حركات الكواكب وحركة الأرض وذلك يقتضيه قرنه ~~بانتثار الكواكب وتفجر البحار وتبعثر القبور . # وأما الكشط الذي تقدم في سورة التكوير في قوله : { وإذا السماء كشطت } ~~فذلك عرض آخر يعرض للسماوات يوم الحشر ms9208 فهو من قبيل قوله تعالى : { ويوم ~~تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا } ( الفرقان : 25 ) . # والانتثار : مطاوع النثر ضد الجمع وضد الضم ، فالنثر هو رمي أشياء على ~~الأرض بتفرق . # وأما التفرق في الهواء فإطلاق النثر عليه مجاز كما في قوله تعالى : { ~~فجعلناه هباء منثورا } ( الفرقان : 23 ) . فانتثار الكواكب مستعار لتفرق ~~هيئات اجتماعها المعروفة في مواقعها ، أو مستعار لخروجها من دوائر أفلاكها ~~وسموتها فتبدو مضطربة في الفضاء بعد أن كانت تلوح كأنها قارة ، فانتثارها ~~تبددها وتفرق مجتمعها ، وذلك من آثار اختلال قوة الجاذبية التي أقيم عليها ~~نظام العالم الشمسي . # وتفجير البحار انطلاق مائها من مستواه وفيضانه على ما حولها من الأرضين ~~PageV30P171 كما يتفجر ماء العين حين حفرها لفساد كرة الهواء التي هي ضاغطة ~~على مياه البحار وبذلك التفجير يعم الماء على الأرض فيهلك ما عليها ويختل ~~سطحها . # ومعنى : { بعثرت } : انقلب باطنها ظاهرها ، والبعثرة : الانقلاب ، يقال : ~~بعثر المتاع إذا قلب بعضه على بعض . قال في ( الكشاف ) : ( بعثر مركب من ~~البعث مع راء ضمت إليه ) . وقال البيضاوي قيل : إن بعثر مركب من بعث وراء ~~الإثارة كبسمل اه ، ونقل مثله عن السهيلي . وأن بعثر منحوت من بعث وإثارة ~~مثل : بسمل ، وحوقل ، فيكون في بعثر معنى فعلين بعث وأثار ، أي أخرج وقلب ، ~~فكأنه قلب لأجل إخراج ما في المقلوب . # والذي اقتصر عليه أيمة اللغة أن معنى بعثر : قلب بعض شيء على بعضه . # وبعثرة القبور : حالة من حالات الانقلاب الأرضي والخسف خصت بالذكر من بين ~~حالات الأرض لما فيها من الهول باستحضار حالة الأرض وقد ألقت على ظاهرها ما ~~كان في باطن المقابر من جثث كاملة ورفات ، فإن كان البعث عن عدم كما مال ~~إليه بعض العلماء أو عن تفريق كما رآه بعض آخر ، فإن بعث الأجساد الكاملة ~~يجوز أن يختص بالبعث عن تفريق ويختص بعث الأجساد البالية والرمم بالكون عن ~~عدم . # وجملة : { علمت نفس ما قدمت وأخرت } جواب لما في { إذا } من معنى الشرط ، ~~ويتنازع التعلق به جميع ما ذكر من كلمات { إذا } الأربع . وهذا العلم ms9209 كناية ~~عن الحساب على ما قدمت النفوس وأخرت . # وعلم النفوس بما قدمت وأخرت يحصل بعد حصول ما تضمنته جمل الشرط ب { إذا } ~~إذ لا يلزم في ربط المشروط بشرطه أن يكون حصوله مقارنا لحصول شرطه لأن ~~الشروط اللغوية أسباب وأمارات وليست عللا ، وقد تقدم بيان ذلك في سورة ~~التكوير . # صيغة الماضي في قوله : { انفطرت } وما عطف عليه مستعملة في المستقبل ~~تشبيها لتحقيق وقوع المستقبل بحصول الشيء في الماضي . # وإثبات العلم للناس بما قدموا وأخروا عند حصول تلك الشروط لعدم الاعتداد ~~PageV30P172 بعلمهم بذلك الذي كان في الحياة الدنيا ، فنزل منزلة عدم العلم ~~كما تقدم بيانه في قوله : { علمت نفس ما أحضرت في سورة التكوير . # ونفس } مراد به العموم على نحو ما تقدم في : { علمت نفس ما أحضرت في سورة ~~التكوير . # وما قدمت وأخرت } : هو العمل الذي قدمته النفس ، أي عملته مقدما وهو ما ~~عملته في أول العمر ، والعمل الذي أخرته ، أي عملته مؤخرا أي في آخر مدة ~~الحياة ، أو المراد بالتقديم المبادرة بالعمل ، والمراد بالتأخير مقابله ~~وهو ترك العمل . # والمقصود من هذين تعميم التوقيف على جميع ما عملته ومثله قوله تعالى : { ~~ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر في سورة لا أقسم بيوم القيامة . # والعلم يتحقق بإدراك ما لم يكن معلوما من قبل وبتذكر ما نسي لطول المدة ~~عليه كما تقدم في نظيره في سورة التكوير . وهذا وعيد بالحساب على جميع ~~أعمال المشركين ، وهم المقصود بالسورة كما يشير إليه قوله بعد هذا : بل ~~تكذبون بالدين } ( الانفطار : 9 ) ، ووعد للمتقين ، ومختلط لمن عملوا عملا ~~صالحا وآخر سيئا . # ( 6 8 ) # استئناف ابتدائي لأن ما قبله بمنزلة المقدمة له لتهيئة السامع لتلقي هذه ~~الموعظة لأن ما سبقه من التهويل والإنذار يهيىء النفس لقبول الموعظة إذ ~~الموعظة تكون أشد تغلغلا في القلب حينئذ لما يشعر به السامع من انكسار نفسه ~~ورقة قلبه فيزول عنه طغيان المكابرة والعناد فخطر في النفوس ترقب شيء بعد ~~ذلك . # النداء للتنبيه تنبيها يشعر بالاهتمام بالكلام والاستدعاء لسماعه فليس ~~النداء مستعملا في ms9210 حقيقته إذ ليس مرادا به طلب إقبال ولا هو موجه لشخص معين ~~أو جماعة معينة بل مثله يجعله المتكلم موجها لكل من يسمعه بقصد أو بغير قصد ~~. # فالتعريف في { الإنسان } تعريف الجنس ، وعلى ذلك حمله جمهور PageV30P173 ~~المفسرين ، أي ليس المراد إنسانا معينا ، وقرينة ذلك سياق الكلام مع قوله ~~عقبه { بل تكذبون بالدين وإن عليكم لحافظين } ( الانفطار : 9 ، 10 ) الآية ~~. # وهذا العموم مراد به الذين أنكروا البعث بدلالة وقوعه عقب الإنذار بحصول ~~البعث ويدل على ذلك قوله بعده : { بل تكذبون بالدين } ( الانفطار : 9 ) ~~فالمعنى : يا أيها الإنسان الذي أنكر البعث ولا يكون منكر البعث إلا مشركا ~~لأن إنكار البعث والشرك متلازمان يومئذ فهو من العام المراد به الخصوص ~~بالقرينة أو من الاستغراق العرفي لأن جمهور المخاطبين في ابتداء الدعوة ~~الإسلامية هم المشركون . # و { ما } في قوله : { ما غرك بربك } استفهامية عن الشيء الذي غر المشرك ~~فحمله على الإشراك بربه وعلى إنكار البعث . # وعن ابن عباس وعطاء : الإنسان هنا الوليد بن المغيرة ، وعن عكرمة المراد ~~أبي بن خلف ، وعن ابن عباس أيضا : المراد أبو الأشد بن كلدة الجمحي ، وعن ~~الكلبي ومقاتل : نزلت في الأسود بن شريق . # والاستفهام مجاز في الإنكار والتعجيب من الإشراك بالله ، أي لا موجب ~~للشرك وإنكار البعث إلا أن يكون ذلك غرورا غره عنا كناية عن كون الشرك لا ~~يخطر ببال العاقل إلا أن يغره به غار ، فيحتمل أن يكون الغرور موجودا ~~ويحتمل أن لا يكون غرورا . # والغرور : الإطماع بما يتوهمه المغرور نفعا وهو ضر ، وفعله قد يسند إلى ~~اسم ذات المطمع حقيقة مثل : { ولا يغرنكم بالله الغرور } ( لقمان : 33 ) أو ~~مجازا نحو : { وغرتكم الحياة الدنيا } ( الجاثية : 35 ) فإن الحياة زمان ~~الغرور ، وقد يسند إلى اسم معنى من المعاني حقيقة نحو : { لا يغرنك تقلب ~~الذين كفروا في البلاد } ( آل عمران : 196 ) . وقول امرىء القيس : # أغرك مني أن حبك قاتلي # أو مجازا نحو قوله تعالى : { زخرف القول غرورا } ( الأنعام : 112 ) . # ويتعدى فعله إلى مفعول واحد ، وقد يذكر مع مفعوله اسم ms9211 ما يتعلق الغرور ~~بشؤونه فيعدى إليه بالباء ، ومعنى الباء فيه الملابسة كما في قوله : { ولا ~~يغرنكم بالله PageV30P174 الغرور } ( لقمان : 33 ) ، أي لا يغرنكم غرورا ~~متلبسا بشأن الله ، أي مصاحبا لشؤون الله مصاحبة مجازية وليست هي باء ~~السببية كما يقال : غره ببذل المال ، أو غره بالقول . وإذ كانت الملابسة لا ~~تتصور ماهيتها مع الذوات فقد تعين في باء الملابسة إذا دخلت على اسم ذات أن ~~يكون معها تقدير شأن من شؤون الذات يفهم من المقام ، فالمعنى هنا : ما غرك ~~بالإشراك بربك كما يدل عليه قوله : { الذي خلقك فسواك فعدلك } الآية فإن ~~منكر البعث يومئذ لا يكون إلا مشركا . # وإيثار تعريف الله بوصف ( ربك ) دون ذكر اسم الجلالة لما في معنى الرب من ~~الملك والإنشاء والرفق ، ففيه تذكير للإنسان بموجبات استحقاق الرب طاعة ~~مربوبه فهو تعريض بالتوبيخ . # وكذلك إجراء وصف الكريم دون غيره من صفات الله للتذكير بنعمته على الناس ~~ولطفه بهم فإن الكريم حقيق بالشكر والطاعة . # والوصف الثالث الذي تضمنته الصلة : { فعدلك في أي صورة } جامع لكثير مما ~~يؤذن به الوصفان الأولان فإن الخلق والتسوية والتعديل وتحسين الصورة من ~~الرفق بالمخلوق ، وهي نعم عليه وجميع ذلك تعريض بالتوبيخ على كفران نعمته ~~بعبادة غيره . # وذكر عن صالح بن مسمار قال : بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا هذه ~~الآية فقال : ( غره جهله ) ، ولم يذكر سندا . # وتعداد الصلات وإن كان بعضها قد يغني عن ذكر البعض فإن التسوية حالة من ~~حالات الخلق ، وقد يغني ذكرها عن ذكر الخلق كقوله : { فسواهن سبع سماوات } ~~( البقرة : 29 ) ولكن قصد إظهار مراتب النعمة . وهذا من الإطناب المقصود به ~~التذكير بكل صلة والتوقيف عليها بخصوصها ، ومن مقتضيات الإطناب مقام ~~التوبيخ . # والخلق : الإيجاد على مقدار مقصود . # والتسوية : جعل الشيء سويا ، أي قويما سليما ، ومن التسوية جعل قواه ~~ومنافعه الذاتية متعادلة غير متفاوتة في آثار قيامها بوظائفها بحيث إذا ~~اختل بعضها PageV30P175 تطرق الخلل إلى البقية فنشأ نقص في الإدراك أو ~~الإحساس أو نشأ انحراف المزاج أو ألم فيه ، فالتسوية ms9212 جامعة لهذا المعنى ~~العظيم . # والتعديل : التناسب بين أجزاء البدن مثل تناسب اليدين ، والرجلين ، ~~والعينين ، وصورة الوجه ، فلا تفاوت بين متزاوجها ، ولا بشاعة في مجموعها . ~~وجعله مستقيم القامة ، فلو كانت إحدى اليدين في الجنب ، والأخرى في الظهر ~~لاختل عملهما ، ولو جعل العينان في الخلف لانعدمت الاستفادة من النظر حال ~~المشي ، وكذلك مواضع الأعضاء الباطنة من الحلق والمعدة والكبد والطحال ~~والكليتين . وموضع الرئتين والقلب وموضع الدماغ والنخاع . # وخلق الله جسد الإنسان مقسمة أعضاؤه وجوارحه على جهتين لا تفاوت بين جهة ~~وأخرى منهما وجعل في كل جهة مثل ما في الأخرى من الأوردة والأعصاب ~~والشرايين . # وفرع فعل ( سواك ) على { خلقك } وفعل ( عدلك ) على ( سواك ) تفريعا في ~~الذكر نظرا إلى كون معانيها مترتبة في اعتبار المعتبر وإن كان جميعا حاصلا ~~في وقت واحد إذ هي أطوار التكوين من حين كونه مضغة إلى تمام خلقه فكان ~~للفاء في عطفها أحسن وقع كما في قوله تعالى : { الذي خلق فسوى والذي قدر ~~فهدى } ( الأعلى : 2 ، 3 ) . # وقرأ الجمهور : { فعدلك } بتشديد الدال . وقرأه عاصم وحمزة والكسائي وخلف ~~بتخفيف الدال ، وهما متقاربان إلا أن التشديد يدل على المبالغة في العدل ، ~~أي التسوية فيفيد إتقان الصنع . # وقوله : { في أي صورة } اعلم أن أصل { أي } أنها للاستفهام عن تمييز شيء ~~عن مشاركيه في حاله كما تقدم في قوله تعالى : { من أي شيء خلقه في سورة عبس ~~وقوله تعالى : فبأي حديث بعده يؤمنون } ( الأعراف : 185 ) . # والاستفهام بها كثيرا ما يراد به الكناية عن التعجب أو التعجيب من شأن ما ~~أضيفت إليه { أي } لأن الشيء إذا بلغ من الكمال والعظمة مبلغا قويا يتساءل ~~عنه ويستفهم عن شأنه ، ومن هنا نشأ معنى دلالة { أي } على الكمال ، وإنما ~~PageV30P176 تحقيقه أنه معنى كنائي كثر استعماله في كلامهم ، وإنما هي ~~الاستفهامية ، و { أي } هذه تقع في المعنى وصفا لنكرة إما نعتا نحو : هو ~~رجل أي رجل ، وإما مضافة إلى نكرة كما في هذه الآية ، فيجوز أن يتعلق قوله ~~: { في أي صورة } بأفعال خلقك ، فسواك ، فعدلك ) فيكون الوقف ms9213 على { في أي ~~صورة } . # ويجوز أن يتعلق بقوله { ركبك } فيكون الوقف على قوله { فعدلك } ويكون ~~قوله { ما شاء } معترضا بين { في أي صورة } وبين { ركبك } . # والمعنى على الوجهين : في صورة أي صورة ، أي في صورة كاملة بديعة . # وجملة { ما شاء ركبك } بيان لجملة { عدلك } باعتبار كون جملة { عدلك } ~~مفرعة عن جملة { فسواك } المفرغة عن جملة { خلقك } فبيانها بيان لهما . # و { في } للظرفية المجازية التي هي بمعنى الملابسة ، أي خلقك فسواك فعدلك ~~ملابسا صورة عجيبة فمحل { في أي صورة } محل الحال من كاف الخطاب وعامل ~~الحال { عدلك } ، أو { ركبك } ، فجعلت الصورة العجيبة كالظرف للمصور بها ~~للدلالة على تمكنها من موصوفها . # و { ما } يجوز أن تكون موصولة ما صدقها تركيب ، وهي في موضع نصب على ~~المفعولية المطلقة و { شاء } صلة { ما } والعائد محذوف تقديره : شاءه . ~~والمعنى : ركبك التركيب الذي شاءه قال تعالى : { هو الذي يصوركم في الأرحام ~~كيف يشاء } ( آل عمران : 6 ) . # وعدل عن التصريح بمصدر { ركبك } إلى إبهامه ب { ما } الموصولة للدلالة ~~على تقحيم الموصول بما في صلته من المشيئة المسندة إلى ضمير الرب الخالق ~~المبدع الحكيم وناهيك بها . # ويجوز أن تكون جملة { شاء } صفة ل { صورة } ، والرابط محذوف و { ما } ~~مزيدة للتأكيد ، والتقدير : في صورة عظيمة شاءها مشيئة معينة ، أي عن تدبير ~~وتقدير . PageV30P177 # { كلا } ردع عما هو غرور بالله أو بالغرور مما تضمنه قوله : { ما غرك ~~بربك } ( الانفطار : 6 ) من حصور ما يغر الإنسان بالشرك ومن إغراضه عن نعم ~~الله تعالى بالكفر ، أو من كون حالة المشرك كحالة المغرور كما تقدم من ~~الوجهين في الإنكار المستفاد من قوله : { ما غرك بربك الكريم } . # والمعنى : إشراكك بخالقك باطل وهو غرور ، أو كالغرور . # ويكون قوله بعده : { بل تكذبون بالدين } إضرابا انتقاليا من غرض التوبيخ ~~والزجر على الكفر إلى ذكر جرم فظيع آخر ، وهو التكذيب بالبعث والجزاء ~~ويشمله التوبيخ بالزجر بسبب أنه معطوف على توبيخ وجزر لأن { بل } لا تخرج ~~عن معنى العطف أي العطف في الغرض لا في نسبة الحكم . ولذلك يتبع المعطوف ms9214 ~~بها المفرد في إعراب المعطوف عليه فيقول النحويون : إنها تتبع في اللفظ لا ~~في الحكم ، أي هو اتباع مناسبة في الغرض لا اتباع في النسبة . # ويجوز أن يكون { كلا } إبطالا لوجود ما يغر الإنسان أن يشرك بالله ، أي ~~لا عذر للإنسان في الإشراك بالله إذ لا يوجد ما يغره به . # ويكون قوله : { بل تكذبون } إضرابا إبطاليا ، وما بعد { بل } بيانا لما ~~جرأهم على الإشراك وأنه ليس غرورا إذ لا شبهة لهم في الإشراك حتى تكون ~~الشبهة كالغرور ، ولكنهم أصروا على الإشراك لأنهم حسبوا أنفسهم في مأمن من ~~تبعته فاختاروا الاستمرار عليه لأنه هوى أنفسهم ، ولم يعبأوا بأنه باطل ~~صراح فهم يكذبون بالجزاء فذلك سبب تصميم جميعهم على الشرك مع تفاوت مداركهم ~~التي لا يخفى على بعضها بطلان كون الحجارة آلهة ، ألا ترى أنهم ما كانوا ~~يرون العذاب إلا عذاب الدنيا . # وعلى هذا الوجه يكون فيه إشارة إلى أن إنكار البعث هو جماع الإجرام ، ~~ونظير هذا الوجه وقع في قوله تعالى : { فمالهم لا يؤمنون وإذا قرىء عليهم ~~القرآن لا يسجدون بل الذين كفروا يكذبون في سورة الانشقاق ( 20 ، 22 ) . ~~PageV30P178 # وقرأ الجمهور : تكذبون } بتاء الخطاب . وقرأه أبو جعفر بياء الغيبة على ~~الالتفات . # وفي صيغة المضارع من قوله : { تكذبون بالدين } إفادة أن تكذيبهم بالجزاء ~~متجدد لا يقلعون عنه ، وهو سبب استمرار كفرهم . # وفي المضارع أيضا استحضار حالة هذا التكذيب استحضارا يقتضي التعجيب من ~~تكذيبهم لأن معهم من الدلائل ما لحقه أن يقلع تكذيبهم بالجزاء . # والدين : الجزاء . # ( 10 12 ) { لله } # عطف على جملة { تكذبون بالدين } ( الانفطار : 9 ) تأكيدا لثبوت الجزاء ~~على الأعمال . # وأكد الكلام بحرف { إن } ولام الابتداء ، لأنهم ينكرون ذلك إنكارا قويا . # و { لحافظين } صفة لمحذوف تقديره : لملائكة حافظين ، أي محصين غير مضيعين ~~لشيء من أعمالكم . # وجمع الملائكة باعتبار التوزيع على الناس : وإنما لكل أحد ملكان قال ~~تعالى : { إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول ~~إلا لديه رقيب عتيد } ( ق : 17 ، 18 ) ، وقد روي عن النبي صلى الله ms9215 عليه ~~وسلم ( أن لكل أحد ملكين يحفظان أعماله ) وهذا بصريح معناه يفيد أيضا كفاية ~~عن وقوع الجزاء إذ لولا الجزاء على الأعمال لكان الاعتناء بإحصائها عبثا . # وأجري على الملائكة الموكلين بإحصاء أعمالهم أربعة أوصاف هي : الحفظ ، ~~والكرم ، والكتابة ، والعلم بما يعلمه الناس . # وابتدىء منها بوصف الحفظ لأنه الغرض الذي سبق لأجله الكلام الذي هو إثبات ~~الجزاء على جميع الأعمال ، ثم ذكرت بعده صفات ثلاث بها كمال الحفظ والإحصاء ~~وفيها تنويه بشأن الملائكة الحافظين . PageV30P179 # فأما الحفظ : فهو هنا بمعنى الرعاية والمراقبة ، وهو بهذا المعنى يتعدى ~~إلى المعمول بحرف الجر ، وهو ( على ) لتضمنه معنى المراقبة . والحفيظ : ~~الرقيب ، قال تعالى : { الله حفيظ عليهم } ( الشورى : 6 ) . # وهذا الاستعمال هو غير استعمال الحفظ المعدى إلى المفعول بنفسه فإنه ~~بمعنى الحراسة نحو قوله : { يحفظونه من أمر الله } ( الرعد : 11 ) . فالحفظ ~~بهذا الإطلاق يجمع معنى الرعاية والقيام على ما يوكل إلى الحفيظ ، والأمانة ~~على ما يوكل إليه . # وحرف ( على ) فيه للاستعلاء لتضمنه معنى الرقابة والسلطة . # وأما وصف الكرم فهو النفاسة في النوع كما تقدم في قوله تعالى : { قالت يا ~~أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم في سورة النمل . # فالكرم صفتهم النفسية الجامعة للكمال في المعاملة وما يصدر عنهم من ~~الأعمال ، وأما صفة الكتابة فمراد بها ضبط ما وكلوا على حفظه ضبطا لا يتعرض ~~للنسيان ولا للإجحاف ولا للزيادة ، فالكتابة مستعارة لهذا المعنى ، على أن ~~حقيقة الكتابة بمعنى الخط غير ممكنة بكيفية مناسبة لأمور الغيب . # وأما صفة العلم بما يفعله الناس فهو الإحاطة بما يصدر عن الناس من أعمال ~~وما يخطر ببالهم من تفكير مما يراد به عمل خير أو شر وهو الهم . # وما تفعلون } يعم كل شيء يفعله الناس وطريق علم الملائكة بأعمال الناس ~~مما فطر الله عليه الملائكة الموكلين بذلك . # ودخل في { ما تفعلون } : الخواطر القلبية لأنها من عمل القلب أي العقل ~~فإن الإنسان يعمل عقله ويعزم ويتردد ، وإن لم يشع في عرف اللغة إطلاق مادة ~~الفعل على الأعمال القلبية . # واعلم أنه ينتزع من هذه ms9216 الآية أن هذه الصفات الأربع هي عماد الصفات ~~المشروطة في كل من يقوم بعمل للأمة في الإسلام من الولاة وغيرهم فإنهم ~~حافظون لمصالح ما استحفظوا عليه وأول الحفظ الأمانة وعدم التفريط . # فلا بد فيهم من الكرم وهو زكاء الفطرة ، أي طهارة النفس . PageV30P180 # ومن الضبط فيما يجري على يديه بحيث لا تضيع المصالح العامة ولا الخاصة ~~بأن يكون ما يصدره مكتوبا ، أو كالمكتوب مضبوطا لا يستطاع تغييره ، ويمكن ~~لكل من يقوم بذلك العمل بعد القائم به ، أو في مغيبه أن يعرف ماذا أجري فيه ~~من الأعمال ، وهذا أصل عظيم في وضع الملفات للنوازل والتراتيب ، ومنه نشأت ~~دواوين القضاة ، ودفاتر الشهود ، والخطاب على الرسوم ، وإخراج نسخ الأحكام ~~والأحباس وعقود النكاح . # ومن إحاطة العلم بما يتعلق بالأحوال التي تسند إلى المؤتمن عليها بحيث لا ~~يستطيع أحد من المخالطين لوظيفه أن يموه عليه شيئا ، أو أن يلبس عليه حقيقة ~~بحيث ينتفي عنه الغلط والخطأ في تمييز الأمور بأقصى ما يمكن ، ويختلف العلم ~~المطلوب باختلاف الأعمال فيقدم في كل ولاية من هو أعلم بما تقتضيه ولايته ~~من الأعمال وما تتوقف عليه من المواهب والدراية ، فليس ما يشترط في القاضي ~~يشترط في أمير الجيش مثلا ، وبمقدار التفاوت في الخصال التي تقتضيها إحدى ~~الولايات يكون ترجيح من تسند إليه الولاية على غيره حرصا على حفظ مصالح ~~الأمة ، فيقدم في كل ولاية من هو أقوى كفاءة لإتقان أعمالها وأشد اضطلاعا ~~بممارستها . # ( 13 16 ) { } # فصلت هذه الجملة عن التي قبلها لأنها استئناف بياني جواب عن سؤال يخطر في ~~نفس السامع يثيره قوله : { بل تكذبون بالدين وإن عليكم لحافظين } ( ~~الانفطار : 9 ، 10 ) الآية لتشوف النفس إلى معرفة هذا الجزاء ما هو ، وإلى ~~معرفة غاية إقامة الملائكة لإحصاء الأعمال ما هي ، فبين ذلك بقوله : { إن ~~الأبرار لفي نعيم } الآية . # وأيضا تتضمن هذه الجملة تقسيم أصحاب الأعمال فهي تفصيل لجملة { يعلمون ما ~~تفعلون } ( الانفطار : 12 ) وذلك من مقتضيات فصل الجملة عن التي قبلها . # وجيء بالكلام مؤكدا ب { إن } ولا الابتداء ليساوي البيان ms9217 مبينه في ~~التحقيق ودفع الإنكار . PageV30P181 # وكرر التأكيد مع الجملة المعطوفة للاهتمام بتحقيق كونهم في جحيم لا ~~يطمعوا في مفارقته . # و { الأبرار } : جمع بر بفتح الباء وهو التقي ، وهو فعل بمعنى فاعل مشتق ~~من بر يبر ، ولفعل بر اسم مصدر هو بر بكسر الباء ولا يعرف له مصدر قياسي ~~بفتح الباء كأنهم أماتوه لئلا يلتبس بالبر وهو التقي . وإنما سمي التقي برا ~~لأنه بر ربه ، أي صدقه ووفى له بما عهد له من الأمر بالتقوى . # و { الفجار } : جمع فاجر ، وصيغة فعال تطرد في تكسير فاعل المذكر الصحيح ~~اللام . # والفاجر : المتصف بالفجور وهو ضد البرور . # والمراد ب { الفجار } هنا : المشركون ، لأنهم الذين لا يغيبون عن النار ~~طرفة عين وذلك هو الخلود ، ونحن أهل السنة لا نعتقد الخلود في النار لغير ~~الكافر . فأما عصاة المؤمنين فلا يخلدون في النار وإلا لبطلت فائدة الإيمان ~~. # والنعيم : اسم ما ينعم به الإنسان . # والظرفية من قوله : ( في نعيم ) مجازية لأن النعيم أمر اعتباري لا يكون ~~ظرفا حقيقة ، شبه دوام التنعم لهم بإحاطة الظرف بالمظروف بحيث لا يفارقه . # وأما ظرفية قوله : { لفي جحيم } فهي حقيقية . # والجحيم صار علما بالغلبة على جهنم ، وقد تقدم في سورة التكوير وفي سورة ~~النازعات . # وجملة { يصلونها } صفة ل { جحيم } ، أو حال من { الفجار } ، أو حال من ~~الجحيم ، وصلي النار : مس حرها للجسم ، يقال : صلي النار ، إذا أحس بحرها ، ~~وحقيقته : الإحساس بحر النار المؤلم ، فإذا أريد التدفي قيل : اصطلى . # و { يوم الدين } ظرف ل { يصلونها } وذكر لبيان : أنهم يصلونها جزاء عن ~~فجورهم لأن الدين الجزاء ويوم الدين يوم الجزاء وهو من أسماء يوم القيامة . ~~PageV30P182 # وجملة { وما هم عنها بغائبين } عطف على جملة { يصلونها } ، أي يصلون حرها ~~ولا يفارقونها ، أي وهم خالدون فيها . # وجيء بقوله { وما هم عنها بغائبين } جملة اسمية دون أن يقال : وما يغيبون ~~عنها ، أو وما يفارقونها ، لإفادة الاسمية الثبات سواء في الإثبات أو النفي ~~، فالثبات حالة للنسبة الخبرية سواء كانت نسبة إثبات أو نسبة نفي كما في ~~قوله تعالى { وما هم ms9218 بخارجين من النار في سورة البقرة . # وزيادة الباء لتأكيد النفي . # وتقديم عنها } على متعلقه للاهتمام بالمجرور ، وللرعاية على الفاصلة . # يجوز أن تكون حالية ، والواو واو الحال ، ويجوز أن تكون معترضة إذا جعل { ~~يوم لا تملك نفس لنفس شيئا } ( الانفطار : 19 ) بدلا من { يوم الدين } ~~المنصوب على الظرفية كما سيأتي . # و { ما أدراك ما يوم الدين } : تركيب مركب من { ما } الاستفهامية وفعل ~~الدراية المعدى بالهمزة فصار فاعله مفعولا زائدا على مفعولي درى ، وهو من ~~قبيل : أعلم وأرى ، فالكاف مفعوله الأول ، وقد علق على المفعولين الآخرين ب ~~{ ما } الاستفهامية الثانية . # والاستفهام الأول مستعمل كناية عن تعظيم أمر اليوم وتهويله بحيث يسأل ~~المتكلم من يسمعه عن الشيء الذي يحصل له الدراية بكنه ذلك اليوم ، والمقصود ~~أنه لا تصل إلى كنهه دراية دار . # والاستفهام الثاني حقيقي ، أي سئال سائل عن حقيقة يوم الدين كما تقول : ~~علمت هل زيد قائم ، أي علمت جواب هذا السؤال . # ومثل هذا التركيب مما جرى مجرى المثل فلا يغير لفظه ، وقد تقدم بيانه ~~مستوفى عند قوله تعالى : { وما أدراك ما الحاقة } ( الحاقة : 3 ) . ~~PageV30P183 # تكرير للتهويل تكريرا يؤذن بزيادته ، أي تجاوزه حد الوصف والتعبير فهو من ~~التوكيد اللفظي ، وقرن هذا بحرف { ثم } الذي شأنه إذا عطف جملة على أخرى أن ~~يفيد التراخي الرتبي ، أي تباعد الرتبة في الغرض المسوق له الكلام ، وهي في ~~هذا المقام رتبة العظمة والتهويل ، فالتراخي فيها هو الزيادة . # . # في هذا بيان للتهويل العظيم المجمل الذي أفاده قوله : { وما أدراك ما يوم ~~الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين } ( الانفطار : 17 ، 18 ) إذ التهويل مشعر ~~بحصول ما يخافه المهول لهم فاتبع ذلك بزيادة التهويل مع التأييس من وجدان ~~نصير أو معين . # وقرأه الجمهور بفتح { يوم } فيجوز أن يجعل بدلا مطابقا ، أو عطف بيان من ~~{ يوم الدين } المرفوع ب { ما أدراك } وتجعل فتحته فتحة بناء لأن اسم ~~الزمان إذا أضيف إلى جملة فعلية وكان فعلها معربا جاز في اسم الزمان أن ~~يبنى على الفتح وأن يعرب بحسب العوامل . # ويجوز ms9219 أيضا أن يكون بدلا مطابقا من { يوم الدين } المنصوب على الظرفية في ~~قوله : { يصلونها يوم الدين } ( الانفطار : 15 ) ، ولا يفوت بيان الإبهام ~~الذي في قوله : { وما أدراك ما يوم الدين } ( الانفطار : 17 ) لأن { يوم ~~الدين } المرفوع المذكور ثانيا هو عين { يوم الدين } المنصوب أولا ، فإذا ~~وقع بيان للمذكور أولا حصل بيان المذكور ثانيا إذ مدلولهما يوم متحد . # وقرأه ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب مرفوعا ، فيتعين أن يكون بدلا أو بيانا ~~من { يوم الدين } الذي في قوله : { وما أدراك ما يوم الدين } . # ومعنى { لا تملك نفس لنفس شيئا } : لا تقدر نفس على شيء لأجل نفس أخرى ، ~~أي لنفعها ، لأن شأن لام التعليل أن تدخل على المنتفع بالفعل عكس ( على ) ، ~~فإنها تدخل على المتضرر كما في قوله تعالى : { لها ما كسبت وعليها ما ~~PageV30P184 اكتسبت } ( البقرة : 286 ) ، وقد تقدم عند قوله تعالى : { وما ~~أملك لك من الله من شيء في سورة الممتحنة . # وعموم نفس } الأولى والثانية في سياق النفي يقتضي عموم الحكم في كل نفس . # و { شيئا } اسم يدل على جنس الموجود ، وهو متوغل في الإبهام يفسره ما ~~يقترن به في الكلام من تمييز أو صفة أو نحوهما ، أو من السياق ، ويبينه هنا ~~ما دل عليه فعل { لا تملك } ولام العلة ، أي شيئا يغني عنها وينفعها كما في ~~قوله تعالى : { وما أغني عنكم من الله من شيء في سورة يوسف ، فانتصب شيئا } ~~على المفعول به لفعل { لا تملك } ، أي ليس في قدرتها شيء ينفع نفسا أخرى . # وهذا يفيد تأييس المشركين من أن تنفعهم أصنامهم يومئذ كما قال تعالى : { ~~وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء } ( الأنعام : 94 ) . # . # وجملة { والأمر يومئذ لله } تذييل ، والتعريف في { الأمر } للاستغراق . ~~والأمر هنا بمعنى : التصرف والإذن وهو واحد الأوامر ، أي لا يأمر إلا الله ~~ويجوز أن يكون الأمر مرادفا للشيء فتغيير التعبير للتفنن . # والتعريف على كلا الوجهين تعريف الجنس المستعمل لإرادة الاستغراق ، فيعم ~~كل الأمور وبذلك العموم كانت الجملة تذييلا . # وأفادت لام الاختصاص مع عموم الأمر ms9220 أنه لا أمر يومئذ إلا لله وحده لا ~~يصدر من غيره فعل ، وليس في هذا التركيب صيغة حصر ولكنه آيل إلى معنى الحصر ~~على نحو ما تقدم في قوله تعالى : { الحمد لله } ( الفاتحة : 2 ) . # وفي هذا الختام رد العجز على الصدر لأن أول السورة ابتدىء بالخبر عن بعض ~~أحوال يوم الجزاء وختمت السورة ببعض أحواله . # PageV30P185 PageV30P186 # | 1 ( سورة المطففين ) 1 # سميت هذه السورة في كتب السنة وفي بعض التفاسير ( سورة ويل للمطففين ) ، ~~وكذلك ترجمها البخاري في كتاب التفسير من ( صحيحه ) ، والترمذي في ( جامعه ~~) . # وسميت في كثير من كتب التفسير والمصاحف ( سورة المطففين ) اختصارا . # ولم يذكرها في ( الإتقان ) في عداد السور ذوات أكثر من اسم وسماها ( سورة ~~المطففين ) وفيه نظر . # وقد اختلف في كونها مكية أو مدنية أو بعضها مكي وبعضها مدني . فعن ابن ~~مسعود والضحاك ومقاتل في رواية عنه : أنها مكية ، وعن ابن عباس في الأصح ~~عنه وعكرمة والحسن والسدي ومقاتل في رواية أخرى عنه : أنها مدنية ، قال : ~~وهي أول سورة نزلت بالمدينة ، وعن ابن عباس في رواية عنه وقتادة : هي مدنية ~~إلا ثمان آيات من آخرها من قوله : { إن الذين أجرموا } ( المطففين : 29 ) ~~إلى آخرها . # وقال الكلبي وجابر بن زيد : نزلت بين مكة والمدينة فهي لذلك مكية ، لأن ~~العبرة في المدني بما نزل بعد الهجرة على المختار من الأقوال لأهل علم ~~القرآن . # قال ابن عطية : احتج جماعة من المفسرين على أنها مكية بذكر الأساطير فيها ~~أي قوله : { إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين } ( القلم : 15 ) . ~~والذي نختاره : أنها نزلت قبل الهجرة لأن معظم ما اشتملت عليه التعريض ~~بمنكري البعث . # ومن اللطائف أن تكون نزلت بين مكة والمدينة لأن التطفيف كان فاشيا في ~~البلدين . وقد حصل من اختلافهم أنها : إما آخر ما أنزل بمكة ، وإما أول ما ~~أنزل بالمدينة ، والقول بأنها نزلت بين مكة والمدينة قول حسن . PageV30P187 # فقد ذكر الواحدي في ( أسباب النزول ) عن ابن عباس : قال لما قدم النبي ~~صلى الله عليه وسلم المدينة كانوا من أخبث الناس كيلا ms9221 ، فأنزل الله تعالى : ~~{ ويل للمطففين } فأحسنوا الكيل بعد ذلك . # وعن القرظي ( كان بالمدينة تجار يطففون الكيل وكانت بياعاتهم كسبة القمار ~~والملامسة والمنابذة والمخاصرة ، فأنزل الله تعالى هذه الآية فخرج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى السوق وقرأها ، وكانت عادة فشت فيهم من زمن ~~الشرك فلم يتفطن بعض الذين أسلموا من أهل المدينة لما فيه من أكل مال الناس ~~، فرأى إيقاظهم لذلك ، فكانت مقدمة لإصلاح أحوال المسلمين في المدينة مع ~~تشنيع أحوال المشركين بمكة ويثرب بأنهم الذين سنوا التطفيف . # وما أنسب هذا المقصد بأن تكون نزلت بين مكة والمدينة لتطهير المدينة من ~~فساد المعاملات التجارية قبل أن يدخل إليها النبي صلى الله عليه وسلم لئلا ~~يشهد فيها منكرا عاما فإن الكيل والوزن لا يخلو وقت عن التعامل بهما في ~~الأسواق وفي المبادلات . # وهي معدودة السادسة والثمانين في عداد نزول السور ، نزلت بعد سورة ~~العنكبوت وقبل سورة البقرة . # وعدد آيها ست وثلاثون . # أغراضها # اشتملت على التحذير من التطفيف في الكيل والوزن وتفظيعه بأنه تحيل على ~~أكل مال الناس في حال المعاملة أخذا وإعطاء . # وأن ذلك مما سيحاسبون عليه يوم القيامة . # وتهويل ذلك اليوم بأنه وقوف عند ربهم ليفصل بينهم وليجازيهم على أعمالهم ~~وأن الأعمال محصاة عند الله . # ووعيد الذين يكذبون بيوم الجزاء والذين يكذبون بأن القرآن منزل من عند ~~الله . PageV30P188 # وقوبل حالهم بضده من حال الأبرار أهل الإيمان ورفع درجاتهم وإعلان ~~كرامتهم بين الملائكة والمقربين وذكر صور من نعيمهم . # وانتقل من ذلك إلى وصف حال الفريقين في هذا العالم الزائل إذ كان ~~المشركون يسخرون من المؤمنين ويلمزونهم ويستضعفونهم وكيف انقلب الحال في ~~العالم الأبدي . # $ 2 ( { ويل للمطففين * الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون * وإذا ~~كالوهم أو وزنوهم يخسرون * ألا يظن أولائك أنهم مبعوثون * ليوم عظيم * يوم ~~يقوم الناس لرب العالمين * كلا إن كتاب الفجار لفى سجين * ومآ أدراك ما ~~سجين * كتاب مرقوم * ويل يومئذ للمكذبين * الذين يكذبون بيوم الدين * وما ~~يكذب به إلا كل معتد أثيم * إذا تتلى عليه ءاياتنا قال ms9222 أساطير الاولين * ~~كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون * كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ~~* ثم إنهم لصالوا الجحيم * ثم يقال هاذا الذى كنتم به تكذبون * كلا إن كتاب ~~الابرار لفى عليين * ومآ أدراك ما عليون * كتاب مرقوم * يشهده المقربون * ~~إن الابرار لفى نعيم * على الارآئك ينظرون * تعرف فى وجوههم نضرة النعيم * ~~يسقون من رحيق مختوم * ختامه مسك وفى ذلك فليتنافس المتنافسون * ومزاجه من ~~تسنيم * عينا يشرب بها المقربون * إن الذين أجرموا كانوا من الذين ءامنوا ~~يضحكون * وإذا مروا بهم يتغامزون * وإذا انقلبو & # 1764 ا إلى أهلهم انقلبوا فكهين * وإذا رأوهم قالو & # 1764 ا إن هاؤلاء لضآلون * ومآ أرسلوا عليهم حافظين * فاليوم الذين ~~ءامنوا من الكفار يضحكون * على الارآئك ينظرون * هل ثوب الكفار ما كانوا ~~يفعلون } ) 2 $ افتتاح السورة باسم الويل مؤذن بأنها تشتمل على وعيد فلفظ { ~~ويل } من براعة الاستهلال ، ومثله قوله تعالى : { تبت يدا أبي لهب } ( ~~المسد : 1 ) . وقد أخذ أبو بكر بن الخازن من عكسه قوله في طالع قصيدة ~~بتهنئته بمولود : # بشرى فقد أنجز الإقبال ما وعدا # والتطفيف : النقص عن حق المقدار في الموزون أو المكيل ، وهو مصدر طفف إذ ~~بلغ الطفافة . والطفاف ( بضم الطاء وتخفيف الفاء ) ما قصر عن ملء الإناء من ~~شراب أو طعام ، ويقال : الطف بفتح الطاء دون هاء تأنيث ، وتطلق هذه الثلاثة ~~على ما تجاوز حرف المكيال مما يملأ به وإنما يكون شيئا قليلا زائدا على ما ~~ملأ الإناء ، فمن ثم سميت طفافة ، أي قليل زيادة . # ولا نعرف له فعلا مجردا إذ لم ينقل إلا بصيغة التفعيل ، وفعله : طفف ، ~~كأنهم راعوا في صيغة التفعيل معنى التكلف والمحاولة لأن المطفف يحاول أن ~~ينقص الكيل دون أن يشعر به المكتال ، ويقابله الوفاء . # و { ويل } كلمة دعاء بسوء الحال ، وهو في القرآن وعيد بالعقاب وتقريع ، ~~والويل : اسم وليس بمصدر لعدم وجود فعل له ، وتقدم عند قوله تعالى : { فويل ~~للذين يكتبون الكتاب بأيديهم في سورة البقرة . # وهو من عمل المتصدين للتجر يغتنمون حاجة الناس إلى الابتياع ms9223 منهم وإلى ~~البيع لهم لأن التجار هم أصحاب رؤوس الأموال وبيدهم المكاييل والموازين ، ~~وكان PageV30P189 أهل مكة تجارا ، وكان في يثرب تجار أيضا وفيهم اليهود مثل ~~أبي رافع ، وكعب بن الأشرف تاجري أهل الحجاز وكانت تجارتهم في التمر ~~والحبوب . وكان أهل مكة يتعاملون بالوزن لأنهم يتجرون في أصناف السلع ~~ويزنون الذهب والفضة وأهل يثرب يتعاملون بالكيل . # والآية تؤذن بأن التطفيف كان متفشيا في المدينة في أول مدة الهجرة ~~واختلاط المسلمين بالمنافقين يسبب ذلك . # واجتمعت كلمة المفسرين على أن أهل يثرب كانوا من أخبث الناس كيلا فقال ~~جماعة من المفسرين : إن هذه الآية نزلت فيهم فأحسنوا الكيل بعد ذلك . رواه ~~ابن ماجه عن ابن عباس . # وكان ممن اشتهر بالتطفيف في المدينة رجل يكنى أبا جهينة واسمه عمرو كان ~~له صاعان يأخذ بأحدهما ويعطي بالآخر . # فجملة الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون } إدماج ، مسوقة لكشف عادة ~~ذميمة فيهم هي الحرص على توفير مقدار ما يبتاعونه بدون حق لهم فيه ، ~~والمقصود الجملة المعطوفة عليها وهي جملة : { وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ~~} فهم مذمومون بمجموع ضمن الجملتين . # والاكتيال : افتعال من الكيل ، وهو يستعمل في تسلم ما يكال على طريقة ~~استعمال أفعال : ابتاع ، وارتهن ، واشترى ، في معنى أخذ المبيع وأخذ الشيء ~~المرهون وأخذ السلعة المشتراة ، فهو مطاوع كال ، كما أن ابتاع مطاوع باع ، ~~وارتهن مطاوع رهن ، واشترى مطاوع شرى ، قال تعالى : { فأرسل معنا أخانا ~~نكتل } ( يوسف : 63 ) أي نأخذ طعاما مكيلا ، ثم تنوسي منه معنى المطاوعة . # وحق فعل اكتال أن يتعدى إلى مفعول واحد هو المكيل ، فيقال : اكتال فلان ~~طعاما مثل ابتاع ، ويعدى إلى ما زاد على المفعول بحرف الجر مثل ( من ) ~~الابتدائية فيقال : اكتال طعاما من فلان ، وإنما عدي في الآية بحرف { على } ~~لتضمين { اكتالوا } معنى التحامل ، أي إلقاء المشقة على الغير وظلمه ، ذلك ~~أن شأن التاجر وخلقه أن يتطلب توفير الربح وأنه مظنة السعة ووجود المال ~~بيده فهو PageV30P190 يستعمل حاجة من يأتيه بالسلعة ، وعن الفراء ( من ) و ~~( على ) يتعاقبان في هذا الموضع لأنه حق ms9224 عليه فإذا قال : اكتلت عليك ، ~~فكأنه قال : أخذت ما عليك ، وإذا قال : اكتلت منك فكقوله : استوفيت منك . # فمعنى : { اكتالوا على الناس } اشتروا من الناس ما يباع بالكيل ، فحذف ~~المفعول لأنه معلوم في فعل { اكتالوا } أي اكتالوا مكيلا ، ومعنى كالوهم ~~باعوا للناس مكيلا فحذف المفعول لأنه معلوم . # فالواوان من { كالوهم أو وزنوهم } عائدان إلى اسم الموصول والضميران ~~المنفصلان عائدان إلى الناس . # وتعدية ( كالوا ) ، و ( وزنوا ) إلى الضميرين على حذف لام الجر . وأصله ~~كالوا لهم ووزنوا لهم ، كما حذفت اللام في قوله تعالى في سورة البقرة { وإن ~~أردتم أن تسترضعوا أولادكم أي تسترضعوا لأولادكم ، وقولهم في المثل الحريص ~~يصيدك لا الجواد أي الحريص يصيد لك . وهو حذف كثير مثل قولهم : نصحتك ~~وشكرتك ، أصلهما نصحت لك وشكرت لك ، لأن فعل كال وفعل وزن لا يتعديان ~~بأنفسهما إلا إلى الشيء المكيل أو الموزون يقال : كال له طعاما ووزن له فضة ~~، ولكثرة دورانه على اللسان خففوه فقالوا : كاله ووزنه طعاما على الحذف ~~والإيصال . # قال الفراء : هو من كلام أهل الحجاز ومن جاورهم من قيس يقولون : يكيلنا ، ~~يعني ويقولون أيضا : كال له ووزن له . وهو يريد أن غير أهل الحجاز وقيس لا ~~يقولون : كال له ووزن له ، ولا يقولون إلا : كاله ووزنه ، فيكون فعل كال ~~عندهم مثل باع . # والاقتصار على قوله : إذا اكتالوا } دون أن يقول : وإذا اتزنوا كما قال : ~~{ وإذا كالوهم أو وزنوهم } اكتفاء بذكر الوزن في الثاني تجنبا لفعل : ( ~~اتزنوا ) لقلة دورانه في الكلام فكان فيه شيء من الثقل . ولنكتة أخرى وهي ~~أن المطففين هم أهل التجر وهم يأخذون السلع من الجالبين في الغالب بالكيل ~~لأن الجالبين يجلبون التمر والحنطة ونحوهما مما يكال ويدفعون لهم الأثمان ~~عينا بما يوزن من ذهب أو فضة مسكوكين أو غير مسكوكين ، فلذلك اقتصر في ~~ابتياعهم من الجالبين على PageV30P191 الاكتيال نظرا إلى الغالب ، وذكر في ~~بيعهم للمبتاعين الكيل والوزن لأنهم يبيعون الأشياء كيلا ويقبضون الأثمان ~~وزنا . وفي هذا إشارة إلى أن التطفيف من عمل تجارهم . # و { يستوفون } جواب { إذا ms9225 } والاستيفاء أخذ الشيء وافيا ، فالسين والتاء ~~فيه للمبالغة في الفعل مثل : استجاب . # ومعنى { يخسرون } يوقعون الذين كالوا لهم أو وزنوا لهم في الخسارة ، ~~والخسارة النقص من المال من التبايع . # وهذه الآية تحذير للمسلمين من التساهل في التطفيف إذ وجوده فاشيا في ~~المدينة في أول هجرتهم وذم للمشركين من أهل المدينة وأهل مكة . # وحسبهم أن التطفيف يجمع ظلما واختلاسا ولؤما ، والعرب كانوا يتعيرون بكل ~~واحد من هذه الخلال متفرقة ويتبرؤون منها ، ثم يأتونها مجتمعة ، وناهيك ~~بذلك أفنا . # ( 4 6 ) # استئناف ناشىء عن الوعيد والتقريع لهم بالويل على التطفيف وما وصفوا به ~~من الاعتداء على حقوق المبتاعين . # والهمزة للاستفهام التعجيبي بحيث يسأل السائل عن علمهم بالبعث ، وهذا ~~يرجح أن الخطاب في قوله : { ويل للمطففين } ( المطففين : 1 ) موجه إلى ~~المسلمين . ويرجع الإنكار والتعجيب من ذلك إلى إنكار ما سيق هذا لأجله وهو ~~فعل التطفيف . فأما المسلمون الخلص فلا شك أنهم انتهوا عن التطفيف بخلاف ~~المنافقين . # والظن : مستعمل في معناه الحقيقي المشهور وهو اعتقاد وقوع الشيء اعتقادا ~~راجحا على طريقة قوله تعالى : { إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين } ( ~~الجاثية : 32 ) . # وفي العدول عن الإضمار إلى اسم الإشارة في قوله : { ألا يظن أولئك } لقصد ~~PageV30P192 تمييزهم وتشهير ذكرهم في مقام الذم ، ولأن الإشارة إليهم بعد ~~وصفهم ب ( المطففين ) تؤذن بأن الوصف ملحوظ في الإشارة فيؤذن ذلك بتعليل ~~الإنكار . # واللام في قوله : { ليوم عظيم } لام التوقيت مثل { أقم الصلاة لدلوك ~~الشمس } ( الإسراء : 78 ) . # وفائدة لام التوقيت إدماج الرد على شبهتهم الحاملة لهم على إنكار البعث ~~باعتقادهم أنه لو كان بعث لبعثت أموات القرون الغابرة ، فأومأ قوله { ليوم ~~} أن للبعث وقتا معينا يقع عنده لا قبله . # ووصف يوم ب { عظيم } باعتبار عظمة ما يقع فيه من الأهوال ، فهو وصف مجازي ~~عقلي . # و { يوم يقوم الناس لرب العالمين } بدل من ( يوم عظيم ) بدلا مطابقا ~~وفتحته فتحة بناء مثل ما تقدم في قوله تعالى : { يوم لا تملك نفس لنفس شيئا ~~في سورة الانفطار على قراءة الجمهور ذلك بالفتح . # ومعنى ms9226 يقوم الناس } أنهم يكونون قياما ، فالتعبير بالمضارع لاستحضار ~~الحالة . # واللام في { لرب العالمين } للأجل ، أي لأجل ربوبيته وتلقي حكمه . # والتعبير عن الله تعالى بوصف ( رب العالمين ) لاستحضار عظمته بأنه مالك ~~أصناف المخلوقات . # واللام في { العالمين } للاستغراق كما تقدم في سورة الفاتحة . # قال في ( الكشاف ) ( وفي هذا الإنكار ، والتعجيب ، وكلمة الظن ، ووصف ~~اليوم بالعظيم ، وقيام الناس فيه لله خاضعين ، ووصف ذاته ب ( رب العالمين ) ~~بيان بليغ لعظيم الذنب وتفاقم الإثم في التطفيف وفيما كان مثل حاله من ~~الحيف وترك القيام بالقسط والعمل على السوية ) اه . # ولما كان الحامل لهم على التطفيف احتقارهم أهل الجلب من أهل البوادي فلا ~~PageV30P193 يقيمون لهم ما هو شعار العدل والمساواة ، كان التطفيف لذلك ~~منبئا عن إثم احتقار الحقوق ، وذلك قد صار خلقا لهم حتى تخلقوا بمكابرة ~~دعاة الحق ، وقد أشار إلى هذا التنويه به قوله تعالى : { والسماء رفعها ~~ووضع الميزان أن لا تطغوا في الميزان وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا ~~الميزان } ( الرحمن : 7 9 ) وقوله حكاية عن شعيب : { وزنوا بالقسطاس ~~المستقيم ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين } ( الشعراء ~~: 182 ، 183 ) . # ( 7 9 ) # . # إبطال وردع لما تضمنته جملة : { ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون } ( المطففين ~~: 4 ) من التعجيب من فعلهم التطفيف ، والمعنى : كلا بل هم مبعوثون لذلك ~~اليوم العظيم ولتلقي قضاء رب العالمين فهي جواب عما تقدم . # . # استئناف ابتدائي بمناسبة ذكر يوم القيامة . وهو تعريض بالتهديد للمطففين ~~بأن يكون عملهم موجبا كتبه في كتاب الفجار . # و { الفجار } غلب على المشركين ومن عسى أن يكون متلبسا بالتطفيف بعد سماع ~~النهي عنه من المسلمين الذي ربما كان بعضهم يفعله في الجاهلية . # والتعريف في { الفجار } للجنس مراد به الاستغراق ، أي جميع المشركين فيعم ~~المطففين وغير المطففين ، فوصف الفجار هنا نظير ما في قوله : { أولئك هم ~~الكفرة الفجرة } ( عبس : 42 ) . # وشمول عموم الفجار لجميع المشركين المطففين منهم وغير المطففين يعنى به ~~أن المطففين منهم المقصود الأول من هذا العموم ، لأن ذكر هذا الوصف والوعيد ~~عليه عقب كلمة الردع عن ms9227 أعمال المطففين قرينة على أن الوعيد موجه إليهم . # و ( الكتاب ) المكتوب ، أي الصحيفة وهو هنا يحتمل شيئا تحصى فيه ~~PageV30P194 الأعمال ، ويحتمل أن يكون كناية عن إحصاء أعمالهم وتوقيفهم ~~عليها ، وكذلك يجري على الوجهين قوله : { كتاب مرقوم } وتقدمت نظائره غير ~~مرة . # و { سجين } حروف مادته من حروف العربية ، وصيغته من الصيغ العربية ، فهو ~~لفظ عربي ، ومن زعم أنه معرب فقد أغرب . روي عن الأصمعي : أن العرب ~~استعملوا سجين عوضا عن سلتين ، وسلتين كلمة غير عربية . # ونون { سجين } أصلية وليست مبدلة عن اللام ، وقد اختلف في معناه على ~~أقوال أشهرها وأولاها أنه علم لواد في جهنم ، صيغ بزنة فعيل من مادة السجن ~~للمبالغة مثل : الملك الضليل ، ورجل سكير ، وطعام حريف ( شديد الحرافة وهي ~~لذع اللسان ) سمي ذلك المكان سجينا لأنه أشد الحبس لمن فيه فلا يفارقه وهذا ~~الاسم من مصطلحات القرآن لا يعرف في كلام العرب من قبل ولكن مادته وصيغته ~~موضوعتان في العربية وضعا نوعيا . وقد سمع العرب هذا الاسم ولم يطعنوا في ~~عربيته . # ومحمل قوله : { لفي سجين } إن كان على ظاهر الظرفية كان المعنى أن كتب ~~أعمال الفجار مودعة في مكان اسمه { سجين } أو وصفه { سجين } وذلك يؤذن ~~بتحقيره ، أي تحقير ما احتوى عليه من أعمالهم المكتوبة فيه ، وعلى هذا حمله ~~كثير من المتقدمين ، وروى الطبري بسنده حديثا مرفوعا يؤيد ذلك لكنه حديث ~~منكر لاشتمال سنده على مجاهيل . # وإن حملت الظرفية في قوله : { لفي سجين } على غير ظاهرها ، فجعل كتاب ~~الفجار مظروفا في { سجين } مجاز عن جعل الأعمال المحصاة فيه في سجين ، وذلك ~~كناية رمزية عن كون الفجار في سجين . # وجملة { وما أدراك ما سجين } معترضة بين جملة : { إن كتاب الفجار لفي ~~سجين } وجملة { كتاب مرقوم } وهو تهويل لأمر السجين تهويل تفظيع لحال ~~الواقعين فيه وتقدم { ما أدراك في سورة الانفطار . # وقوله : كتاب مرقوم } خبر عن ضمير محذوف يعود إلى { كتاب الفجار } ~~والتقدير هو أي كتاب الفجار كتاب مرقوم ، وهذا من حذف المسند إليه الذي ~~PageV30P195 اتبع في حذفه استعمال العرب ms9228 إذا تحدثوا عن شيء ثم أرادوا ~~الإخبار عنه بخبر جديد . # والمرقوم : المكتوب كتابة بينة تشبه الرقم في الثوب المنسوج . # وهذا الوصف يفيد تأكيد ما يفيده لفظ { كتاب } سواء كان اللفظ حقيقة أو ~~مجازا . # ( 10 13 ) { لله } # جملة : { ويل يومئذ للمكذبين } يجوز أن تكون مبينة لمضموم جملة : { ألا ~~يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم } ( المطففين : 4 ، 5 ) فإن قوله : { ~~يومئذ } يفيد تنوينه جملة محذوفة جعل التنوين عوضا عنها تقديرها : يوم إذ ~~يقوم الناس لرب العالمين ويل فيه للمكذبين . # ويجوز أن تكون ابتدائية وبين المكذبين بيوم الدين والمطففين عموم وخصوص ~~وجهي فمن المكذبين من هم مطففون ومن المطففين مسلمون وأهل كتاب لا يكذبون ~~بيوم الدين ، فتكون هذه الجملة إدماجا لتهديد المشركين المكذبين بيوم الدين ~~وإن لم يكونوا من المطففين . # وقد ذكر المكذبون مجملا في قوله : { للمكذبين } ثم أعيد مفصلا ببيان ~~متعلق التكذيب ، وهو { بيوم الدين } لزيادة تقرير تكذيبهم أذهان السامعين ~~منهم ومن غيرهم من المسلمين وأهل الكتاب ، فالصفة هنا للتهديد وتحذير ~~المطففين المسلمين من أن يستخفوا بالتطفيف فيكونوا بمنزلة المكذبين بالجزاء ~~عليه . # ومعنى التكذيب ب ( يوم الدين ) التكذيب بوقوعه . # فالتكذيب بيوم الجزاء هو منشأ الإقدام على السيئات والجرائم ، ولذلك ~~أعقبه بقوله : { وما يكذب به إلا كل معتد أثيم إذا تتلى عليه آياتنا قال ~~أساطير الأولين } PageV30P196 أي أن تكذيبهم به جهل بحكمة الله تعالى في ~~خلق الناس وتكليفهم إذ الحكمة من خلق الناس تقتضي تحسين أعمالهم وحفظ ~~نظامهم . فلذلك جاءتهم الشرائع آمرة بالصلاح وناهية عن الفساد . ورتب لهم ~~الجزاء على أعمالهم الصالحة بالثواب والكرامة ، وعلى أعمالهم السيئة ~~بالعذاب والإهانة . كل على حسب عمله : فلو أهمل الخالق تقويم مخلوقاته ~~وأهمل جزاء الصالحين والمفسدين ، لم يكن ذلك من حكمة الخلق قال تعالى : { ~~أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق } ~~( المؤمنون : 115 ، 116 ) . # وقد ذكر للمكذبين بيوم الدين ثلاثة أوصاف وهي : معتد ، أثيم ، يقول إن ~~الآيات أساطير الأولين . # والاعتداء : الظلم ، والمعتدي : المشرك والكافر بما جاءه من الشرائع ~~لأنهم اعتدوا على الله ms9229 بالإشراك ، وعلى رسله بالتكذيب ، واعتدوا على دلائل ~~الحق فلم ينظروا فيها أو لم يعملوا بها . # والأثيم : مبالغة في الآثم ، أي كثير الإثم . # وصيغة القصر من النفي والاستثناء تفيد قصر صفة التكذيب بيوم الدين على ~~المعتدين الآثمين الزاعمين القرآن أساطير الأولين . # فهو قصر صفة على موصوف وهو قصر حقيقي لأن يوم الدين لا يكذب به إلا غير ~~المتدينين المشركون والوثنيون وأضرابهم ممن جمع الأوصاف الثلاثة ، وأعظمها ~~التكذيب بالقرآن فإن أهل الكتاب والصابئة لا يكذبون بيوم الدين ، وكثير من ~~أهل الشرك لا يكذبون بيوم الدين مثل أصحاب ديانة القبط . # فالذين يكذبون بيوم الدين هم مشركو العرب ومن شابههم مثل الدهريين فإنهم ~~تحققت فيهم الصفتان الأولى والثانية وهي الاعتداء والإثم وهو ظاهر ، وأما ~~زعم القرآن أساطير الأولين فهو مقالة المشركين من العرب وهم المقصود ابتداء ~~وأما غيرهم ممن لم يؤثر عنهم هذا القول فهم متهيئون لأن يقولوه ، أو يقولوا ~~ما يساويه أو يؤول إليه ، لأن من لم يعرض عليهم القرآن منهم لو عرض عليه ~~القرآن لكذب به PageV30P197 تكذيبا يساوي اعتقاد أنه من وضع البشر ، فهؤلاء ~~وإن لم يقولوا القرآن أساطير الأولين فظنهم في القرآن يساوي ظن المشركين ~~فنزلوا منزلة من يقوله . # ولك أن تجعل القصر ادعائيا ولا تلتفت إلى تنزيل من لم يقل ذلك في القرآن ~~. ومعنى الادعاء أن من لم يؤثر عنهم القول في القرآن بأنه أساطير الأولين ~~قد جعل تكذيبهم بيوم الدين كلا تكذيبب مبالغة في إبطال تكذيب المشركين بيوم ~~الدين . # وجملة : { إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين } صفة لمعتد أو حال ~~منه . # والآيات هنا القرآن وأجزاؤه لأنها التي تتلى وتقرأ . # والأساطير : جمع أسطورة وهي القصة ، والأكثر أن يراد القصة المخترعة التي ~~لم تقع وكان المشركون ينظرون قصص القرآن بقصة رستم ، وإسفنديار ، عند الفرس ~~، ولعل الكلمة معربة عن الرومية ، وتقدم الكلام عليه عند قوله تعالى : { ~~يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين في سورة الأنعام . # والمراد بالأولين الأمم السابقة لأن الأول يطلق على السابق على وجه ~~التشبيه بأنه أول ms9230 بالنسبة إلى ثان بعده وإن كان هو قد سبقته أجيال ، وقد ~~كان المشركون يصفون القرآن بذلك لما سمعوا فيه من القصص التي سيقت إليهم ~~مساق الموعظة والاعتبار ، فحسبوها من قصص الأسمار . واقتصروا على ذلك دون ~~ما في أكثر القرآن من الحقائق العالية والحكمة ، بهتانا منهم . # وممن كانوا يقولون ذلك النضر بن الحارث وكان قد كتب قصة رستم وقصة ~~إسفنديار وجدها في الحيرة فكان يحدث بها في مكة ويقول : أنا أحسن حديثا من ~~محمد فإنما يحدثكم بأساطير الأولين . # وليس المراد في الآية خصوصه لأن كلمة كل معتد } ظاهر في عدم التخصيص . # ( 14 17 ) { } # . # اعتراض بالردع وبيان له ، لأن { كلا } ردع لقولهم أساطير الأولين ، أي أن ~~قولهم PageV30P198 باطل . وحرف { بل } للإبطال تأكيدا لمضمون { كلا } ~~وبيانا وكشفا لما حملهم على أن يقولوا في القرآن ما قالوا وأنه ما أعمى ~~بصائرهم من الرين . # والرين : الصدأ الذي يعلو حديد السيف والمرآة ، ويقال في مصدر الرين ~~الران مثل العيب والعاب ، والذيم والذام . # وأصل فعله أن يسند إلى الشيء الذي أصابه الرين ، فيقال : ران السيف وران ~~الثوب ، إذا أصابه الرين ، أي صار ذا رين ، ولما فيه من معنى التغطئة أطلق ~~على التغطية فجاء منه فعل ران بمعنى غشي ، فقالوا : ران النعاس على فلان ، ~~ورانت الخمر ، وكذلك قوله تعالى : { ران على قلوبهم } هو من باب ران الرين ~~على السيف ، وليس من باب ران السيف ، ومن استعمال القرآن هذا الفعل صار ~~الناس يقولون : رين على قلب فلان وفلان مرين على قلبه . # والمعنى : غطت على قلوبهم أعمالهم أن يدخلها فهم القرآن والبونن الشاسع ~~بينه وبين أساطير الأولين . # وقرأ الجمهور بإدغام اللام في الراء بعد قلبها راء لتقارب مخرجيها . # وقرأه عاصم بالوقف على لام ( بل ) والابتداء بكلمة ران تجنبا للإدغام . # وقرأه حفص بسكتة خفيفة على لام { بل } ليبين أنها لام . قال في ( اللسان ~~) : إظهار اللام لغة لأهل الحجاز . قال سيبويه : هما حسنان ، وقال الزجاج : ~~الإدغام أرجح . # والقلوب : العقول ومحال الإدراك . وهذا كقوله تعالى : { ختم الله على ~~قلوبهم في سورة البقرة . # ومن ms9231 كلام رعاة الأعراب يخاطبون إبلهم في زمن شدة البرد إذا أوردوها الماء ~~فاشمأزت منه لبرده برديه تجديه سخينا أي بل رديه وذلك من الملح الشبيهة ~~بالمعاياة إذ في ظاهره طلب تبريده وأنه بالتبريد يوجد سخينا . # وما كانوا يكسبون } ما عملوه سالفا من سيئات أعمالهم وجماحهم عن ~~PageV30P199 التدبر في الآيات حتى صار الإعراض والعناد خلقا متأصلا فيهم ~~فلا تفهم عقولهم دلالة الأدلة على مدلولاتها . # روى الترمذي عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ~~إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء فإذا هو نزع واستغفر الله ~~وتاب صقل قلبه فإن عاد زيد فيها حتى تعلو على قلبه وهو الران الذي ذكر الله ~~في كتابه : { كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون } ) قال الترمذي هذا ~~حديث حسن صحيح . # ومجيء { يكسبون } بصيغة المضارع دون الماضي لإفادة تكرر ذلك الكسب وتعدده ~~في الماضي . # وفي ذكر فعل { كانوا } دون أن يقال : ما يكسبون ، إشارة إلى أن المراد : ~~ما كسبوه في أعمارهم من الإشراك قبل مجيء الإسلام فإنهم وإن لم يكونوا مناط ~~تكليف أيامئذ . فهم مخالفون لما جاءت به الشرائع السالفة وتواتر وشاع في ~~الأمم من الدعوة إلى توحيد الله بالإلاهية على قول الأشعري وأهل السنة في ~~توجيه مؤاخذة أهل الفترة بذنب الإشراك بالله حسبما اقتضته الأدلة من الكتاب ~~والسنة أو مخالفون لمقتضى دلالة العقل الواضحة على قول الماتريدي والمعتزلة ~~ولحق بذلك ما اكتسبوه من وقت مجيء الإسلام إلى أن نزلت هذه السورة فهي مدة ~~ليست بالقصيرة . # و { كلا } الثانية تأكيد ل { كلا } الأولى زيادة في الردع ليصير توبيخا . # . # جملة : { إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } وما عطف عليها ابتدائية وقد ~~اشتملت الجملة ومعطوفاها على أنواع ثلاثة من الويل وهي الإهانة ، والعذاب ، ~~والتقريع مع التأييس من الخلاص من العذاب . # فأما الإهانة فحجبهم عن ربهم ، والحجب هو الستر ، ويستعمل في المنع من ~~PageV30P200 الحضور لدى الملك ولدى سيد القوم ، قال الشاعر الذي لم يسم وهو ~~من شواهد ( الكشاف ) : # إذا اعتروا باب ms9232 ذي عبيه رجبوا # والناس من بين مرجوب ومحجوب # وكلا المعنيين مراد هنا لأن المكذبين بيوم الدين لا يرون الله يوم ~~القيامة حين يراه أهل الإيمان . # ويوضح هذا المعنى قوله في حكاية أحوال الأبرار : { على الأرائك ينظرون } ~~( المطففين : 23 ) وكذلك أيضا لا يدخلون حضرة القدس قال تعالى : { إن الذين ~~كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء } ( الأعراف : 40 ) ~~، وليكون الكلام مفيدا للمعنيين قيل : ( عن ربهم لمحجوبون ) دون أن يقال : ~~عن رؤية ربهم ، أو عن وجه ربهم كما قال في آية آل عمران : { ولا ينظر إليهم ~~يوم القيامة . # وأما العذاب فهو ما في قوله : ثم إنهم لصالوا الجحيم } . # وقد عطفت جملته بحرف { ثم } الدالة في عطفها الجمل على التراخي الرتبي ~~وهو ارتقاء في الوعيد لأنه وعيد بأنهم من أهل النار وذلك أشد من خزي ~~الإهانة . # و ( صالوا ) جمع صال وهو الذي مسه حر النار ، وتقدم في آخر سورة الانفطار ~~. والمعنى : أنهم سيصلون عذاب جهنم . # وأما التقريع مع التأييس من التخفيف فهو مضمون جملة : { ثم يقال هذا الذي ~~كنتم به تكذبون } فعطف الجملة بحرف { ثم } اقتضى تراخي مضمون الجملة على ~~مضمون التي قبلها ، أي بعد درجته في الغرض المسوق له الكلام . # واقتضى اسم الإشارة أنهم صاروا إلى العذاب ، والإخبار عن العذاب بأنه ~~الذي كانوا به يكذبون يفيد أنه العذاب الذي تكرر وعيدهم به وهم يكذبونه ، ~~وذلك هو الخلود وهو درجة أشد في الوعيد ، وبذلك كان مضمون الجملة أرقى رتبة ~~في الغرض من مضمون الجملة المعطوفة هي عليها . # أو يكون قوله : { ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون } إشارة إلى جواب مالك ~~PageV30P201 خازن جهنم المذكور في قوله تعالى : { ونادوا يا مالك ليقض ~~علينا ربك قال إنكم ماكثون لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون } ( ~~الزخرف : 77 ، 78 ) فطوي سؤالهم واقتصر على جواب مالك خازن جهنم اعتمادا ~~على قرينة عطف جملة هذا المقال ب { ثم } الدالة على التراخي . # وبني فعل { يقال } للمجهول لعدم تعلق الغرض بمعرفة القائل والمقصد هو ~~القول . # وجيء باسم الموصول ms9233 ليذكروا تكذيبهم به في الدنيا تنديما لهم وتحزينا . # وتقديم { به } على { تكذبون } للاهتمام بمعاد الضمير مع الرعاية على ~~الفاصلة والباء لتعدية فعل { تكذبون } إلى تفرقة بين تعديته إلى الشخص ~~الكاذب فيعدى بنفسه وبين تعديته إلى الخبر المكذب فيعدى بالباء . ولعل ~~أصلها باء السببية والمفعول محذوف ، أي كذب بسببه من أخبره به ، ولذلك قدره ~~بعض المفسرين : هذا الذي كنتم به تكذبون رسل الله في الدنيا . # ( 18 21 ) # . # ردع وإبطال لما تضمنه ما يقال لهم : { هذا الذي كنتم به تكذبون } ( ~~المطففين : 17 ) فيجوز أن تكون كلمة { كلا } مما قيل لهم مع جملة { هذا ~~الذي كنتم به تكذبون } ردعا لهم فهي من المحكى بالقول . # ويجوز أن تكون معترضة من كلام الله في القرآن إبطالا لتكذيبهم المذكور . # . # يظهر أن هذه الآيات المنتهية بقوله : { يشهده المقربون } من الحكاية ~~وليست من الكلام المحكي بقوله : { ثم يقال } الخ ، فإن هذه الجملة بحذافرها ~~تشبه جملة : { إن كتاب الفجار لفي سجين } ( المطففين : 7 ) الخ أسلوبا ~~ومقابلة . فالوجه أن يكون PageV30P202 مضمونها قسيما لمضمون شبيهها فتحصل ~~مقابلة وعيد الفجار بوعد الأبرار ومن عادة القرآن تعقيب الإنذار بالتبشير ~~والعكس لأن الناس راهب وراغب فالتعرض لنعيم الأبرار إدماج اقتضته المناسبة ~~وإن كان المقام من أول السورة مقام إنذار . # ويكون المتكلم بالوعد والوعيد واحدا وجه كلامه للفجار الذين لا يظنون ~~أنهم مبعوثون ، وأعقبه بتوجيه كلام للأبرار الذين هم بضد ذلك ، فتكون هذه ~~الآيات معترضة متصلة بحرف الردع على أوضح الوجهين المتقدمين فيه . # ويجوز أن تكون من المحكي بالقول في : { ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون ~~} ( المطففين : 17 ) فتكون محكية بالقول المذكور متصلة بالجملة التي قبلها ~~وبحرف الإبطال على أن يكون القائلون لهم : { هذا الذي كنتم به تكذبون } على ~~وجه التوبيخ ، أعقبوا توبيخهم بوصف نعيم المؤمنين بالبعث تنديما للذين ~~أنكروه وتحسيرا لهم على ما أفاتوه من الخير . # و { الأبرار } : جمع بر بفتح الباء ، وهو الذي يعمل البر ، وتقدم في ~~السورة التي قبل هذه . # والقول في الكتاب ومظروفيته في عليين ، كالقول في { إن كتاب الفجار ms9234 لفي ~~سجين } ( المطففين : 7 ) . # وعليون : جمع علي ، وعلي على وزن فعيل من العلو ، وهو زنة مبالغة في ~~الوصف جاء على صورة جمع المذكر السالم وهو من الأسماء التي ألحقت بجمع ~~المذكر السالم على غير قياس . # وعن الفراء أن { عليين } لا واحد له . يريد : أن عليين ليس جمع ( علي ) ~~ولكنه علم على مكان الأبرار في الجنة إذ لم يسمع عن العرب ( علي ) وإنما ~~قالوا : علية للغرفة ، وعليون علم بالغلبة لمحلة الأبرار . # واشتق هذا الاسم من العلو ، وهو علو اعتباري ، أي رفعة في مراتب الشرف ~~والفضل ، وصيغ على صيغة جمع المذكر لأن أصل تلك الصيغة أن تجمع بها أسماء ~~العقلاء وصفاتهم ، فاستكمل له صيغة جمع العقلاء الذكور إتماما لشرف المعنى ~~باستعارة العلو وشرف النوع بإعطائه صيغة التذكير . PageV30P203 # والقول في { وما أدراك ما عليون } كالقول في { وما أدراك ما سجين كتاب ~~مرقوم } ( المطففين : 8 ، 9 ) المتقدم . # و { يشهده } يطلعون عليه ، أي يعلن به عند المقربين ، وهم الملائكة وهو ~~إعلان تنويه بصاحبه كما يعلن بأسماء النابغين في التعليم ، وأسماء الأبطال ~~في الكتائب . # ( 22 28 ) { } # مضمون هذه الجملة قسيم لمضمون جملة : { إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } ( ~~المطففين : 15 ) إلى آخرها . ولذلك جاءت على نسيج نظم قسيمتها افتتاحا ~~وتوصيفا وفصلا ، وهي مبينة لجملة : { إن كتاب الأبرار لفي عليين } ( ~~المطففين : 18 ) فموقعها موقع البيان أو موقع بدل الاشتمال على كلا الوجهين ~~في موقع التي قبلها على أنه يجوز أن تكون من الكلام الذي يقال لهم ، وهو ~~المحكي بقوله : { ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون } ( المطففين : 17 ) ~~فيكون قول ذلك لهم ، تحسيرا وتنديما على تفريطهم في الإيمان . # وأحد الوجهين لا يناكد الوجه الآخر فيما قرر للجملة من الخصوصيات . # وذكر الأبرار بالاسم الظاهر دون ضميرهم . خلافا لما جاء في جملة : { إنهم ~~عن ربهم يومئذ لمحجوبون } ( المطففين : 15 ) تنويها بوصف الأبرار . # وقوله : { على الأرائك } خبر ثان عن الأبرار ، أي هم على الأرائك ، أي ~~متكئون عليها . # والأرائك : جمع أريكة بوزن سفينة ، والأريكة : اسم لمجموع سرير ووسادته ~~وحجلة منصوبة عليهما ، فلا ms9235 يقال : أريكة إلا لمجموع هذه الثلاثة ، وقيل : ~~إنها حبشية وتقدم عند قوله تعالى : { متكئين فيها على الأرائك } في سورة ~~الإنسان . PageV30P204 # و { ينظرون } في موضع الحال من الأبرار . وحذف مفعول { ينظرون } إما ~~لدلالة ما تقدم عليه من قوله في ضدهم : { إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } ( ~~المطففين : 15 ) والتقدير : ينظرون إلى ربهم ، وإما لقصد التعميم ، أي ~~ينظرون كل ما يبهج نفوسهم ويسرهم بقرينة مقام الوعد والتكريم . # وقرأ الجمهور : { تعرف } بصيغة الخطاب ونصب { نضرة } وهو خطاب لغير معين ~~. أي تعرف يا من يراهم . وقرأه أبو جعفر ويعقوب ( تعرف ) بصيغة البناء ~~للمجهول ورفع ( نضرة ) . # ومآل المعنيين واحد إلا أن قراءة الجمهور جرت على الطريقة الخاصة في ~~استعماله . وجرت قراءة أبي جعفر ويعقوب على الطريقة التي لا تختص به . # والخطاب بمثله في مقام وصف الأمور العظيمة طريقة عربية مشهورة ، وهذه ~~الجملة خبر ثالث عن { الأبرار } أو حال ثانية له . # والنضرة : البهجة والحسن ، وإضافة { نضرة } إلى { النعيم } من إضافة ~~المسبب إلى السبب ، أي النضرة والبهجة التي تكون لوجه المسرور الراضي إذ ~~تبدو على وجهه ملامح السرور . # وجملة { يسقون من رحيق } خبر رابع عن الأبرار أو حال ثالثة منه . وعبر ب ~~{ يسقون } دون : يشربون ، للدلالة على أنهم مخدومون يخدمهم مخلوقات لأجل ~~ذلك في الجنة . وذلك من تمام الترفه ولذة الراحة . # والرحيق : اسم للخمر الصافية الطيبة . # والمختوم : المسدود إناؤه ، أي باطيته ، وهو اسم مفعول من ختمه إذا شد ~~بصنف من الطين معروف بالصلابة إذا يبس فيعسر قلعه وإذا قلع ظهر أنه مقلوع ~~كانوا يجعلونه للختم على الرسائل لئلا يقرأ حاملها ما فيها ولذلك يقولون من ~~كرم الكتاب ختمه ويجعلون علامة عليه ، تطبع فيه وهو رطب فإذا يبس تعذر ~~فسخها ، ويسمى ما تطبع به خاتما بفتح الفوقية ، وكان الملوك والأمراء ~~والسادة يجعلون لأنفسهم خواتيم يضعونها في أحد الخنصرين ليجدوها عند إصدار ~~الرسائل عنهم ، قال جرير : PageV30P205 # إن الخليفة أن الله سربله # سربال ملك به تزجى الخواتيم # والختام بوزن كتاب : اسم للطين الذي يختم به كانوا يجعلون طين الختام على ~~محل ms9236 السداد من القارورة أو الباطية أو الدن للخمر لمنع تخلل الهواء إليها ~~وذلك أصلح لاختمارها وزيادة صفائها وحفظ رائحتها . وجعل ختام خمر الجنة ~~بعجين المسك عوضا عن طين الختم . # والمسك مادة حيوانية ذات عرف طيب مشهور طيبه وقوة رائحته منذ العصور ~~القديمة ، وهذه المادة تتكون في غدة مملوءة دما تخرج في عنق صنف من الغزال ~~في بلاد التيبيت من أرض الصين فتبقى متصلة بعنقه إلى أن تيبس فتسقط ~~فيلتقطها طلابها ويتجرون فيها . وهي جلدة في شكل فأر صغير ولذلك يقولون : ~~فأرة المسك . # وفسر { ختامه مسك } بأن المعنى ختام شربه ، أي آخر شربه مسك ، أي طعم ~~المسك بمعنى نكهته ، وأنشد ابن عطية قول ابن مقبل : # مما يعتق في الحانوت قاطفها # بالفلفل الجون والرمانن مختوم # أي ينتهي بلذع الفلفل وطعم الرمان . # وجملة : { ختامه مسك } نعت ل { رحيق } . أو بدل مفصل من مجمل ، أو ~~استئناف بياني ناشىء عن وصف الرحيق بأنه { مختوم } أن يسأل سائل عن ختامها ~~أي شيء هو من أصناف الختام لأن غالب الختام أن يكون بطين أو سداد . # وجملة : { وفي ذلك فليتنافس المتنافسون } معترضة بين جملة { ختامه مسك } ~~وجملة { ومزاجه من تسنيم } . # واعلم أن نظم التركيب في هذه الجملة دقيق يحتاج إلى بيان وذلك أن نجعل ~~الواو اعتراضية فقوله : { وفي ذلك } هو مبدأ الجملة . وتقديم المجرور ~~لإفادة الحصر أي وفي ذلك الرحيقق فليتنافس الناس لا في رحيق الدنيا الذي ~~يتنافس فيه أهل PageV30P206 البذخ ويجلبونه من أقاصي البلاد وينفقون فيه ~~الأموال . ولما كانت الواو اعتراضية لم يكن إشكال في وقوع فاء الجواب بعدها ~~. والفاء إما أن تكون فصيحة ، والتقدير : إذا علمتم الأوصاف لهذا الرحيق ~~فليتنافس فيه المتنافسون ، أو التقدير : وفي ذلك فلتتنافسوا فليتنافس فيه ~~المتنافسون فتكون الجملة في قوة التذييل لأن المقدر هو تنافس المخاطبين ، ~~والمصرح به تنافس جميع المتنافسين فهو تعميم بعد تخصيص ، وإما أن تكون ~~الفاء فاء جواب لشرط مقدر في الكلام يؤذن به تقديم المجرور لأن تقديم ~~المجرور كثيرا ما يعامل معاملة الشرط ، كما روي قول النبي صلى ms9237 الله عليه ~~وسلم ( كما تكونوا يول عليكم ) بجزم ( تكونوا ) و ( يول ) ، فالتقدير : إن ~~علمتم ذلك فليتنافس فيه المتنافسون . وإما أن تكون الفاء تفريعا على محذوف ~~على طريقة الحذف على شريطة التفسير ، والتقدير : وتنافسوا صيغة أمر في ذلك ~~، فليتنافس المتنافسون فيه ، ويكون الكلام مؤذنا بتوكيد فعل التنافس لأنه ~~بمنزلة المذكور مرتين ، مع إفادة التخصص بتقديم المجرور . # وجملة : { وفي ذلك فليتنافس المتنافسون } معترضة بين جملة : { يسقون من ~~رحيق } الخ وجملة : { ومزاجه من تسنيم } . # والتنافس : تفاعل من نفس عليه بكذا إذا شح به عليه ولم يره أهلا له وهو ~~من قبيل الاشتقاق من الشيء النفيس ، وهو الرفيع في نوعه المرغوب في تحصيله ~~. وقد قيل : إن الأصل في هذه المادة هو النفس . فالتنافس حصول النفاسة بين ~~متعدد . # ولام الأمر في { فليتنافس } مستعملة في التحريض والحث . # و { مزاجه } : ما يمزج به . وأصله مصدر مازج بمعنى مزج ، وأطلق على ~~الممزوج به فهو من إطلاق المصدر على المفعول ، وكانوا يمزجون الخمر لئلا ~~تغلبهم سورتها فيسرع إليهم مغيب العقول لأنهم يقصدون تطويل حصة النشوة ~~للالتذاذ بدبيب السكر في العقل دون أن يغته غتا فلذلك أكثر ما تشرب الخمر ~~المعتقة الخالصة تشرب ممزوجة بالماء . قال كعب بن زهير : # شجت بذي شبم من ماء محقبة # صاف بأبطح أضحى وهو مشمول PageV30P207 # وقال حسان : # يسقون من ورد البريض عليهم # بردى يصفق بالرحيق السلسل # وتنافسهم في الخمر مشهور من عوائدهم وطفحت به أشعارهم . كقول لبيد : # أغلي السباء بكل أدكن عاتق # أو جونة قدحت وفض ختامها # و { تسنيم } علم لعين في الجنة منقول من مصدر سنم الشيء إذا جعله كهيئة ~~السنام . ووجهوا هذه التسمية بأن هذه العين تصب على جنانهم من علو فكأنها ~~سنام . وهذا العلم عربي المادة والصيغة ولكنه لم يكن معروفا عند العرب فهو ~~مما أخبر به القرآن ، ولذا قال ابن عباس لما سئل عنه : ( هذا مما قال الله ~~تعالى : { فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين } ( السجدة : 17 ) ، يريد ~~لا يعلمون الأشياء ولا أسماءها إلا ما أخبر الله به ms9238 . ولغرابة ذلك احتيج ~~إلى تبيينه بقوله : { عينا يشرب بها المقربون } ، أي حال كون التسنيم عينا ~~يشرب منها المقربون . # و { المقربون } : هم الأبرار ، أي فالشاربون من هذا الماء مقربون . # وباء { يشرب بها } إما سببية ، وعدي فعل { يشرب } إلى ضمير العين بتضمين ~~{ يشرب } معنى : يمزج ، لقوله : { ومزاجه من تسنيم } أي يمزجون الرحيق ~~بالتسنيم . وإما باء الملابسة وفعل { يشرب } معدى إلى مفعول محذوف وهو ~~الرحيق ، أي يشربون الرحيق ملابسين للعين ، أي محيطين بها وجالسين حولها . ~~أو الباء بمعنى ( من ) التبعيضية وقد عده الأصمعي والفارسي وابن قتيبة وابن ~~مالك في معاني الباء ، وينسب إلى الكوفيين . واستشهدوا له بهذه الآية وليس ~~ذلك ببين فإن الاستعمال العربي يكثر فيه تعدية فعل الشرب بالباء دون ( من ) ~~، ولعلهم أرادوا به معنى الملابسة ، أو كانت الباء زائدة كقول أبي ذؤيب يصف ~~السحاب : # شربن بماء البحر ثم ترفعت # متى لجج خضر لهن نئيج PageV30P208 # ( 29 35 ) { } # هذه من جملة القول الذي يقال يوم القيامة للفجار المحكي بقوله تعالى : { ~~ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون } ( المطففين : 17 ) لأنه مرتبط بقوله في ~~آخره : { فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون } إذ يتعين أن يكون قوله : { ~~فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون } حكاية كلام يصدر في يوم القيامة ، ~~إذ تعريف ( اليوم ) باللام ونصبه على الظرفية يقتضيان أنه يوم حاضر موقت به ~~الفعل المتعلق هو به ، ومعلوم أن اليوم الذي يضحك فيه المؤمنون من الكفار ~~وهم على الأرائك هو يوم حاضر حين نزول هذه الآيات وسيأتي مزيد إيضاح لهذا ~~ولأن قوله : { كانوا من الذين آمنوا يضحكون } ظاهر في أنه حكاية كونن مضى ، ~~وكذلك معطوفاته من قوله : ( وإذا مروا ، وإذا انقلبوا ، وإذا رأوهم ) فدل ~~السياق على أن هذا الكلام حكاية قول ينادي به يوم القيامة من حضرة القدس ~~على رؤوس الأشهاد . # فإذا جريت على ثاني الوجهين المتقدمين في موقع جمل { كلا إن كتاب الأبرار ~~لفي عليين } ( المطففين : 18 ) الآيات ، من أنها محكية بالقول الواقع في ~~قوله تعالى : { ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون } ( المطففين : 17 ms9239 ) إلى ~~هنا فهذه متصلة بها . والتعبير عنهم بالذين أجرموا إظهار في مقام الإضمار ~~على طريقة الالتفات إذ مقتضى الظاهر أن يقال لهم : إنكم كنتم من الذين ~~آمنوا تضحكون ، وهكذا على طريق الخطاب وإن جريت على الوجه الأول بجعل تلك ~~الجمل اعتراضا ، فهذه الجملة مبدأ كلام متصل بقوله : { ثم إنهم لصالوا ~~الجحيم } ( المطففين : 16 ) واقع موقع بدل الاشتمال لمضمون جملة : { إنهم ~~لصالوا الجحيم } ( المطففين : 16 ) باعتبار ما جاء في آخر هذا من قوله : { ~~فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون } فالتعبير بالذين أجرموا إذن جار على ~~مقتضى الظاهر وليس بالتفات . # وقد اتضح بما قررناه تناسب نظم هذه الآيات من قوله : { كلا إن كتاب ~~PageV30P209 الأبرار لفي عليين } ( المطففين : 18 ) إلى هنا مزيد اتضاح ، ~~وذلك مما أغفل المفسرون العناية بتوضيحه ، سوى أن ابن عطية أورد كلمة مجملة ~~فقال : ( ولما كانت الآيات المتقدمة قد نيطت بيوم القيامة وأن الويل يومئذ ~~للمكذبين ساغ أن يقول : { فاليوم } على حكاية ما يقال اه . # و { إذا } في المواضع الثلاثة مستعمل للزمان الماضي كقوله تعالى : { ولا ~~على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم ~~تفيض من الدمع حزنا } ( التوبة : 92 ) وقوله : { وإذا جاءهم أمر من الأمن ~~أو الخوف أذاعوا به } ( النساء : 83 ) . # والمقصود من ذكره أنه بعد أن ذكر حال المشركين على حدة ، وذكر حال ~~المسلمين على حدة ، أعقب بما فيه صفة لعاقبة المشركين في معاملتهم للمؤمنين ~~في الدنيا ليعلموا جزاء الفريقين معا . # وإصدار ذلك المقال يوم القيامة مستعمل في التنديم والتشميت كما اقتضته ~~خلاصته من قوله : { فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون } إلى آخر السورة ~~. # والافتتاح ب { إن الذين أجرموا } بصورة الكلام المؤكد لإفادة الاهتمام ~~بالكلام وذلك كثير في افتتاح الكلام المراد إعلانه ليتوجه بذلك الافتتاح ~~جميع السامعين إلى استماعه للإشعار بأنه خبر مهم . والمراد ب { الذين ~~أجرموا } المشركون من أهل مكة وخاصة صناديدهم . # وهم أبو جهل ، والوليد بن المغيرة ، وعقبة بن أبي معيط ، والعاص بن وائل ~~، والأسود بن عبد يغوث ، والعاص بن ms9240 هشام ، والنضر بن الحارث ، كانوا يضحكون ~~من عمار بن ياسر ، وخباب بن الأرت ، وبلال ، وصهيب ، ويستهزئون بهم . # وعبر بالموصول وهذه الصلة : { الذين أجرموا } للتنبيه على أن ما أخبر به ~~عنهم هو إجرام ، وليظهر موقع قوله : { هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون } ( ~~المطففين : 36 ) . # والإجرام : ارتكاب الجرم وهو الإثم العظيم ، وأعظم بالإجرام الكفر ويؤذن ~~تركيب ( كانوا يضحكون ) بأن ذلك صفة ملازمة لهم في الماضي ، وصوغ { يضحكون ~~} بصيغة المضارع للدلالة على تكرر ذلك منهم وأنه ديدن لهم . PageV30P210 # وتعدية فعل { يضحكون } إلى الباعث على الضحك بحرف { من } هو الغالب في ~~تعدية أفعال هذه المادة على أن ( من ) ابتدائية تشبه الحالة التي تبعث على ~~الضحك بمكان يصدر عنه الضحك ، ومثله أفعال : سخر منه ، وعجب منه . # ومعنى يضحكون منهم : يضحكون من حالهم فكان المشركون لبطرهم يهزأوون ~~بالمؤمنين ومعظمهم ضعاف أهل مكة فيضحكون منهم ، والظاهر أن هذا يحصل في ~~نواديهم حين يتحدثون بحالهم بخلاف قوله : { وإذا مروا بهم يتغامزون } . # واعلم أنه إذا كان سبب الضحك حالة خاصة من أحوال كان المجرور اسم تلك ~~الحالة نحو : { فتبسم ضاحكا من قولها } ( النمل : 19 ) وإذا كان مجموع هيئة ~~الشيء كان المجرور اسم الذات صاحبة الأحوال لأن اسم الذات أجمع للمعروف من ~~أحوالها نحو : { وكنتم منهم تضحكون } ( المؤمنون : 110 ) . وقول عبد يغوث ~~الحارث : # وتضحك مني شيخة عبشمية # كأن لم ترى قبلي أسيرا يمانيا # والتغامز : تفاعل من الغمز ويطلق على جس الشيء باليد جسا مكينا ، ومنه ~~غمز القناة لتقويمها وإزالة كعوبها . وفي حديث عائشة : ( لقد رأيتني ورسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يصلي وأنا مضطجعة بينه وبين القبلة فإذا أراد أن ~~يسجد غمز رجلي فقبضتهما ) . # ويطلق الغمز على تحريك الطرف لقصد تنبيه الناظر لما عسى أن يفوته النظر ~~إليه من أحوال في المقام وكلا الإطلاقين يصح حمل المعنى في الآية عليه . # وضمير { مروا } يجوز أن يعود إلى { الذين أجرموا } فيكون ضمير { بهم } ~~عائدا إلى { الذين آمنوا } ، ويجوز العكس ، وأما ضمير { يتغامزون } فمتمحض ~~للعود إلى { الذين أجرموا } . # والمعنى : وإذا مر المؤمنون بالذين ms9241 أجرموا وهم في مجالسهم يتغامز ~~المجرمون حين مرور المؤمنين أو وإذا مر الذين أجرموا بالذين آمنوا وهم في ~~عملهم وفي عسر حالهم يتغامز المجرمون حين مرورهم ، وإنما يتغامزون من دون ~~إعلان السخرية بهم اتقاء لتطاول المؤمنين عليهم بالسب لأن المؤمنين قد ~~كانوا كثيرا بمكة حين نزول PageV30P211 هذه السورة ، فكان هذا دأب المشركين ~~في معاملتهم وهو الذي يقرعون به يوم القيامة . # والإنقلاب : الرجوع إلى الموضع الذي جيء منه . يقال : انقلب المسافر إلى ~~أهله وفي دعاء السفر : ( أعوذ بك من كآبة المنقلب ) . وأصله مستعار من قلب ~~الثوب ، إذا صرفه من وجه إلى وجه آخر ، يقال : قلب الشيء ، إذا أرجعه . # وأهل الرجل : زوجه وأبناؤه ، وذكر الأهل هنا لأنهم ينبسط إليهم بالحديث ~~فلذلك قيل : { إلى أهلهم } دون : إلى بيوتهم . # والمعنى : وإذا رجع الذين أجرموا إلى بيوتهم وخلصوا مع أهلهم تحدثوا ~~أحاديث الفكاهة معهم بذكر المؤمنين وذمهم . # وتكرير فعل : { انقلبوا } بقوله : { انقلبوا فاكهين } من النسج الجزل في ~~الكلام كان يكفي أن يقول : وإذا انقلبوا إلى أهلهم فكهوا ، أو إذا انقلبوا ~~إلى أهلهم كانوا فاكهين . وذلك لما في إعادة الفعل من زيادة تقرير معناه في ~~ذهن السامع لأنه مما ينبغي الاعتناء به ، ولزيادة تقرير ما في الفعل من ~~إفادة التجدد حتى يكون فيه استحضار الحالة . قال ابن جني في كتاب ( التنبيه ~~على إعراب الحماسة ) عند قول الأحوص : # فإذا تزول تزول عن متخمط # تخشى بوادره على الأقران # محال أن تقول إذا قمت قمت وإذا أقعد أقعد لأنه ليس في الثاني غير ما في ~~الأول ، أي فلا يستقيم جعل الثاني جوابا للأول . وإنما جاز أن يقول فإذا ~~تزول تزول لما اتصل بالفعل الثاني من حرف الجر المفادة منه الفائدة ومثله ~~قول الله تعالى : { هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا } ( القصص : 63 ~~) ولو قال : هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم لم يفد القول شيئا لأنه كقولك ~~الذي ضربته ضربته والتي أكرمتها أكرمتها ولكن لما اتصل ب { أغويناهم } ~~الثانية قوله : { كما غوينا } أفاد الكلام كقولك الذي ضربته ضربته لأنه ~~جاهل . وقد كان ms9242 أبو علي امتنع في هذه الآية مما أخذناه غير أن الأمر فيها ~~عندي على ما عرفتك اه . # وقد مضى ذلك في سورة القصص وفي سورة الفرقان . PageV30P212 # و { فاكهين } اسم فاعل فاكه ، وهو من فكه من باب فرح إذا مزح وتحدث فأضحك ~~، والمعنى : فاكهين بالتحدث عن المؤمنين ، فحذف متعلق { فاكهين } للعلم ~~بأنه من قبيل متعلقات الأفعال المذكورة معه . # وقرأ الجمهور : { فاكهين } بصيغة الفاعل . وقرأه حفص عن عاصم وأبو جعفر ( ~~فكهين ) بدون ألف بعد الفاء على أنه جمع فكه ، وهو صفة مشبهة وهما بمعنى ~~واحد مثل فارح وفرح . وقال الفراء : هما لغتان . # وجملة : { وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون } حكت ما يقوله الذين أجرموا ~~في المؤمنين إذا شاهدوهم أي يجمعون بين الأذى بالإشارات وبالهيئة وبسوء ~~القول في غيبتهم وسوء القول إعلانا به على مسامع المؤمنين لعلهم يرجعون عن ~~الإسلام إلى الكفر ، أم كان قولا يقوله بعضهم لبعض إذا رأوا المؤمنين كما ~~يفكهون بالحديث عن المؤمنين في خلواتهم ، وبذلك أيضا فارق مضمون هذه الجملة ~~مضمون الجمل التي قبلها مع ما في هذه الجملة من عموم أحوال رؤيتهم سواء ~~كانت في حال المرور بهم أو مشاهدة في مقرهم . # ومرادهم بالضلال : فساد الرأي . لأن المشركين لا يعرفون الضلال الشرعي ، ~~أي هؤلاء سيئوا الرأي إذ اتبعوا الإسلام وانسلخوا عن قومهم ، وفرطوا في ~~نعيم الحياة طمعا في نعيم بعد الموت وأقبلوا على الصلاة والتخلق بالأخلاق ~~التي يراها المشركون أوهاما وعنتا لأنهم بمعزل عن مقدرة قدر الكمال ~~النفساني وما همهم إلا التلذذ الجثماني . # وكلمة { إذا } في كل جملة من الجمل الثلاث ظرف متعلق بالفعل الموالي له ~~في كل جملة . # ولم يعرج أحد من المفسرين على بيان مفاد جملة : { وإذا رأوهم قالوا إن ~~هؤلاء لضالون } مع ما قبلها . وقال المهايمي في ( تبصرة الرحمن ) : ( وإذا ~~رأوهم يؤثرون الكمالاتت الحقيقية على الحسية ) فقدر مفعولا محذوفا لفعل { ~~رأوهم } لإبداء المغايرة بين مضمون هذه الجملة ومضمون الجمل التي قبلها وقد ~~علمت عدم الاحتياج إليه ولقد أحسن في التنبيه عليه . PageV30P213 # وتأكيد الخبر بحرف التأكيد ms9243 ولام الابتداء لقصد تحقيق الخبر . # وجملة : { وما أرسلوا عليهم حافظين } في موضع الحال أي يلمزوهم بالضلال ~~في حال أنهم لم يرسلهم مرسل ليكونوا موكلين بأعمالهم فدل على أن حالهم كحال ~~المرسل ولذلك نفي أن يكونوا أرسلوا حافظين عليهم فإن شدة الحرص على أن ~~يقولوا : إن هؤلاء لضالون ، كلما رأوهم يشبه حال المرسل ليتتبع أحوال أحد ~~ومن شأن الرسول الحرص على التبليغ . # والخبر مستعمل في التهكم بالمشركين ، أي لم يكونوا مقيضين للرقابة عليهم ~~والاعتناء بصلاحهم . # فمعنى الحفظ هنا الرقابة ولذلك عدي بحرف ( على ) ليتسلط النفي على ~~الإرسال والحفظ ومعنى الاستعلاء المجازي الذي أفاده حرف ( على ) فينتفي ~~حالهم الممثل . # وتقديم المجرور على متعلقه للاهتمام بمفاد حرف الاستعلاء وبمجروره مع ~~الرعاية على الفاصلة . # وأفادت فاء السببية في قوله : { فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون } ، ~~أن استهزاءهم بالمؤمنين في الدنيا كان سببا في جزائهم بما هو من نوعه في ~~الآخرة إذ جعل الله الذين آمنوا يضحكون من المشركين فكان جزاء وفاقا . # وتقديم ( اليوم ) على { يضحكون } للاهتمام به لأنه يوم الجزاء العظيم ~~الأبدي وقوله : { فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون } في اتصال نظمه بما ~~قبله غموض . وسكت عنه جميع المفسرين عدا ابن عطية . ذلك أن تعريف اليوم ~~باللام مع كونه ظرفا منصوبا يقتضي أن اليوم مراد به يوم حاضر في وقت نزول ~~الآية نظير وقتت كلام المتكلم إذا قال : اليوم يكون كذا ، يتعين أنه يخبر ~~عن يومه الحاضر ، فليس ضحك الذين آمنوا على الكفار بحاصل في وقت نزول الآية ~~وإنما يحصل يوم الجزاء ، ولا يستقيم تفسير قوله : { فاليوم } بمعنى : فيوم ~~القيامة الذين آمنوا يضحكون من الكفار ، لأنه لو كان كذلك لكان مقتضى النظم ~~أن يقال فيومئذ الذين آمنوا من الكفار يضحكون . وابن عطية استشعر إشكالها ~~فقال : PageV30P214 ( ولما كانت الآيات المتقدمة قد نيطت بيوم القيامة وأن ~~الويل يومئذ للمكذبين ساغ أن يقول : { فاليوم } على حكاية ما يقال يومئذ ~~وما يكون اه . # وهو انقداح زناد يحتاج في تنوره إلى أعواد . # فإما أن نجعل ما قبله متصلا بالكلام ms9244 الذي يقال لهم يوم القيامة ابتداء من ~~قوله : { ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون } ( المطففين : 17 ) إلى هنا كما ~~تقدم . # وإما أن يجعل قوله : { فاليوم الذين آمنوا } الخ مقول قول محذوف دل عليه ~~قوله في الآية قبله : { ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون } . والتقدير : ~~يقال لهم اليوم الذين آمنوا يضحكون منكم . # وقدم المسند إليه على المسند الفعلي في قوله : { الذين آمنوا من الكفار ~~يضحكون } دون أن يقال : فاليوم يضحك الذين آمنوا ، لإفادة الحصر وهو قصر ~~إضافي في مقابلة قوله : { كانوا من الذين آمنوا يضحكون } أي زال استهزاء ~~المشركين بالمؤمنين فاليوم المؤمنون يضحكون من الكفار دون العكس . # وتقديم { من الكفار } على متعلقه وهو { يضحكون } للاهتمام بالمضحوك منهم ~~تعجيلا لإساءتهم عند سماع هذا التقريع . # وقوله : { من الكفار } إظهار في مقام الإضمار ، عدل عن أن يقال : منهم ~~يضحكون ، لما في الوصف المظهر من الذم للكفار . # ومفعول { ينظرون } محذوف دل عليه قوله : { من الكفار يضحكون } تقديره : ~~ينظرونهم ، أي يشاهدون المشركين في العذاب والإهانة . # فذلكة لما حكي من اعتداء المشركين على المؤمنين وما ترتب عليه من الجزاء ~~يوم القيامة ، فالمعنى فقد جوزي الكفار بما كانوا يفعلون وهذا من تمام ~~النداء الذي يعلق به يوم القيامة . # والاستفهام ب { هل } تقريري وتعجيب من عدم إفلاتهم منه بعد دهور . ~~PageV30P215 # والاستفهام من قبيل الطلب فهو من أنواع الخطاب . # والخطاب بهذا الاستفهام موجه إلى غير معين بل إلى كل من يسمع ذلك النداء ~~يوم القيامة . وهذا من مقول القول المحذوف . # و { ثوب } أعطي الثواب ، يقال : ثوبه كما يقال : أثابه ، إذا أعطاه ثوابا ~~. # والثواب : هو ما يجازى به من الخير على فعل محمود وهو حقيقته كما في ( ~~الصحاح ) ، وهو ظاهر ( الأساس ) ولذلك فاستعماله في جزاء الشر هنا استعارة ~~تهكمية . وهذا هو التحقيق وهو الذي صرح به الراغب في آخر كلامه إذ قال : ~~إنه يستعمل في جزاء الخير والشر . أراد أنه يستعار لجزاء الشر بكثرة فلا بد ~~من علاقة وقرينة وهي هنا قوله : { الكفار } ما كانوا يفعلون كقول عمرو بن ms9245 ~~كلثوم : # نزلتم منزل الأضياف منا # فعجلنا القرى أن تشتمونا # قريناكم فعجلنا قراكم # قبيل الصبح مرداة طحونا # ومن قبيل قوله تعالى : { فبشرهم بعذاب أليم } ( الانشقاق : 24 ) . # و { ما كانوا يفعلون } موصول وهو مفعول ثان لفعل { ثوب } إذ هو من باب ~~أعطى . وليس الجزاء هو ما كانوا يفعلونه بل عبر عنه بهذه الصلة لمعادلته ~~شدة جرمهم على طريقة التشبيه البليغ ، أو على حذف مضاف تقديره : مثل ، ~~ويجوز أن يكون على نزع الخافض وهو باء السببية ، أي بما كانوا يفعلون . # وفي هذه الجملة محسن براعة المقطع لأنها جامع لما اشتملت عليه السورة . # PageV30P216 # | 1 ( سورة الانشقاق ) 1 # سميت في زمن الصحابة : ( سورة إذا السماء انشقت ) . ففي ( الموطأ ) عن ~~أبي سلمة : ( أن أبا هريرة قرأ بهم إذا السماء انشقت فسجد فيها فلما انصرف ~~أخبرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد فيها ) . فضمير ( فيها ) عائد ~~إلى { إذا السماء انشقت } ( الانشقاق : 1 ) بتأويل السورة ، وبذلك عنونها ~~البخاري والترمذي وكذلك سماها في ( الإتقان ) . # وسماها المفسرون وكتاب المصاحف ( سورة الانشقاق ) باعتبار المعنى كما ~~سميت السورة السابقة ( سورة التطفيف ) و ( سورة انشقت ) اختصارا . # وذكرها الجعبري في ( نظمه ) في تعداد المكي والمدني بلفظ ( كدح ) فيحتمل ~~أنه عنى أنه اسم للسورة ولم أقف على ذلك لغيره . # ولم يذكرها في ( الإتقان ) مع السور ذوات أكثر من اسم . # وهي مكية بالاتفاق . # وقد عدت الثالثة والثمانين في تعداد نزول السور نزلت بعد سورة الانفطار ~~وقبل سورة الروم . # وعد آيها خمسا وعشرين أهل العدد بالمدينة ومكة والكوفة وعدها أهل البصرة ~~والشام ثلاثا وعشرين . # أغراضها # ابتدئت بوصف أشراط الساعة وحلول يوم البعث واختلاف أحوال الخلق يومئذ بين ~~أهل نعيم وأهل شقاء . # PageV30P217 $ 2 ( { إذا السمآء انشقت * وأذنت لربها وحقت * وإذا الارض ~~مدت * وألقت ما فيها وتخلت * وأذنت لربها وحقت * ياأيها الإنسان إنك كادح ~~إلى ربك كدحا فملاقيه * فأما من أوتى كتابه بيمينه * فسوف يحاسب حسابا ~~يسيرا * وينقلب إلى أهله مسرورا * وأما من أوتى كتابه ورآء ظهره * فسوف ~~يدعو ثبورا * ويصلى سعيرا * إنه كان فى & # 1764 أهله ms9246 مسرورا * إنه ظن أن لن يحور * بلى إن ربه كان به بصيرا * فلا ~~أقسم بالشفق * واليل وما وسق * والقمر إذا اتسق * لتركبن طبقا عن طبق * فما ~~لهم لا يؤمنون * وإذا قرىء عليهم القرءان لا يسجدون * بل الذين كفروا ~~يكذبون * والله أعلم بما يوعون * فبشرهم بعذاب أليم * إلا الذين ءامنوا ~~وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون } ) 2 $ قدم الظرف { إذا السماء انشقت } ~~على عامله وهو { كادح } للتهويل والتشويق إلى الخبر وأول الكلام في ~~الاعتبار : يا أيها الإنسان إنك كادح إذا السماء انشقت الخ . # ولكن لما تعلق { إذا } بجزء من جملة { إنك كادح } وكانت { إذا } ظرفا ~~متضمنا معنى الشرط صار : يا أيها الإنسان إنك كادح جوابا لشرط { إذا } ~~ولذلك يقولون { إذا } ظرف خافض لشرطه منصوب بجوابه ، أي خافض لجملة شرطه ~~بإضافته إليها منصوبا بجوابه لتعلقه به فكلاهما عامل ومعمول باختلاف ~~الاعتبار . # و { إذا } ظرف للزمان المستقبل ، والفعل الذي في الجملة المضافة إليه { ~~إذا } مؤول بالمستقبل وصيغ بالمضي للتنبيه على تحقق وقوعه لأن أصل { إذا } ~~القطع بوقوع الشرط . # وانشقت مطاوع شقها ، أي حين يشق السماء شاق فتنشق ، أي يريد الله شقها ~~فانشقت كما دل عليه قوله بعده : { وأذنت لربها } . # والانشقاق هذا هو الانفطار الذي تقدم في قوله : { إذا السماء انفطرت } ( ~~الانفطار : 1 ) وهو انشقاق يلوح للناس في جو السماء من جراء اختلال تركيب ~~الكرة الهوائية أو من ظهور أجرام كوكبية تخرج عن دوائرها المعتادة في الجو ~~الأعلى فتنشق القبة الهوائية فهو انشقاق يقع عند اختلال نظام هذا العالم . # وقدم المسند إليه على المسند الفعلي في قوله : { إذا السماء انشقت } دون ~~أن يقال : إذا انشقت السماء لإفادة تقوي الحكم وهو التعليق الشرطي ، أي إن ~~هذا الشرط محقق الوقوع ، زيادة على ما يقتضيه { إذا } في الشرطية من قصد ~~الجزم بحصول الشرط بخلاف ( إن ) . # { وأذنت } ، أي استمعت ، وفعل أذن مشتق من اسم جامد وهو اسم PageV30P218 ~~الأذن بضم الهمزة آلة السمع في الإنسان يقال أذن له كما يقال : استمع له ، ~~أي أصغى إليه أذنه . # وهو هنا مجاز ms9247 مرسل في التأثر لأمر الله التكويني بأن تنشق . وليس هو ~~باستعارة تبعية ولا تمثيلية . # والتعبير ب ( ربها ) دون غير ذلك من أسماء الله وطرق تعريفه ، لما يؤذن ~~به وصف الرب من الملك والتدبير . # وجملة : { وحقت } معترضة بين المعطوفة والمعطوف عليه . # والمعنى : وهي محقوقة بأن تأذن لربها لأنها لا تخرج عن سلطان قدرته وإن ~~عظم سمكها واشتد خلقها وطال زمان رتقها فما ذلك كله إلا من تقدير الله لها ~~، فهو الذي إذا شاء أزالها . # فمتعلق { حقت } محذوف دل عليه فعل : { وأذنت لربها } ، أي وحقت بذلك ~~الانقياد والتأثر يقال : حق فلان بكذا ، أي توجه عليه حق . ولما كان فاعل ~~توجيه الحق غير واضح تعيينه غالبا ، كان فهل حق بكذا ، مبنيا للمجهول في ~~الاستعمال ، ومرفوعه بمعنى اسم المفعول ، فيقال : حقيق عليه كذا ، كقوله ~~تعالى : { حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق } ( الأعراف : 105 ) وهو ~~محقوق بكذا ، قال الأعشى : # لمحقوقه أن تستجيبي لصوته # وأن تعلمي أن المعان موفق # والقول في جملة : { وإذا الأرض مدت } مثل القول في جملة { إذا السماء ~~انشقت } في تقديم المسند إليه على المسند الفعلي . # ومد الأرض : بسطها ، وظاهر هذا أنها يزال ما عليها من جبال كما يمد ~~الأديم فتزول انثناءاته كما قال تعالى : { ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ~~ربي نسفا فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا } ( طه : 105 107 ) ~~. PageV30P219 # ومن معاني المد أن يكون ناشئا عن اتساع مساحة ظاهرها بتشققها بالزلازل ~~وبروز أجزاء من باطنها إلى سطحها . # ومن معاني المد أن يزال تكويرها بتمدد جسمها حتى تصير إلى الاستطالة بعد ~~التكوير . وذلك كله مما يؤذن باختلال نظام سير الأرض وتغير أحوال الجاذبية ~~وما يحيط بالأرض من كرة الهواء فيعقب ذلك زوال هذا العالم . # وقوله : { وألقت ما فيها } صالح للحمل على ما يناسب هذه الاحتمالات في مد ~~الأرض ومحتمل لأن تنقذف من باطن الأرض أجزاء أخرى يكون لانقذافها أثر في ~~إتلاف الموجودات مثل البراكين واندفاع الصخور العظيمة وانفجار العيون إلى ~~ظاهر الأرض فيكون طوفان . # { وتخلت } أي ms9248 أخرجت ما في باطنها فلما يبق منه شيء لأن فعل تخلى يدل على ~~قوة الخلو عن شيء لما في مادة التفعل من الدلالة على تكلف الفعل كما يقال ~~تكرم فلان إذا بالغ في الإكرام . # والمعنى : إنه لم يبق مما في باطن الأرض شيء كما قال تعالى : { وأخرجت ~~الأرض أثقالها } ( الزلزلة : 2 ) . # وتقدم الكلام على نظير قوله : { وأذنت لربها وحقت } آنفا . # وجملة : { يا أيها الإنسان إنك كادح } إلى آخره جواب { إذا } باعتبار ما ~~فرع عليه من قوله : { فملاقيه } ونسب هذا إلى المبرد ، أي لأن المعطوف ~~الأخير بالفاء في الأخبار هو المقصود مما ذكر معه . # فالمعنى : إذا السماء انشقت وإذا الأرض مدت لاقيت ربك أيها الإنسان بعد ~~كدحك لملاقاته فكان قوله : { إنك كادح إدماجا بمنزلة الاعتراض أمام المقصود ~~. # وجوز المبرد أن يكون جواب إذا } محذوفا دل عليه قوله : { فملاقيه } ~~والتقدير : إذا السماء انشقت إلى آخره لاقيت أيها الإنسان ربك . # وجوز الفراء أن يكون جواب { إذا } قوله { وأذنت لربها } وإن الواو زائدة ~~في PageV30P220 الجواب . ورده ابن الأنباري بأن العرب لا تقحم الواو إلا ~~إذا كانت { إذا } بعد ( حتى ) كقوله تعالى : { حتى إذا جاءوها وفتحت ~~أبوابها } ( الزمر : 73 ) أو بعد ( لما ) كقوله تعالى : { فلما أسلما وتله ~~للجبين وناديناه أن يا إبراهيم } ( الصافات : 103 ، 104 ) الآية . # وقيل : الجواب : { فأما من أوتي كتابه بيمينه } ( الانشقاق : 7 ) ، ونسب ~~إلى الكسائي واستحسنه أبو جعفر النحاس . # والخطاب لجميع الناس فاللام في قوله : { الإنسان } لتعريف الجنس وهو ~~للاستغراق كما دل عليه التفصيل في قوله : { فأما من أوتي كتابه بيمينه إلى ~~قوله : كان به بصيرا } ( الانشقاق : 15 ) . # والمقصود الأول من هذا وعيد المشركين لأنهم الذين كذبوا بالبعث . فالخطاب ~~بالنسبة إليهم زيادة للإنذار ، وهو بالنسبة إلى المؤمنين تذكير وتبشير . ~~وقيل : أريد إنسان معين فقيل : هو الأسود بن عبد الأسد ( بالسين المهملة في ~~( الاستيعاب ) و ( الإصابة ) ووقع في ( الكشاف ) بالشين المعجمة كما ضبطه ~~الطيبي وقال هو في ( جامع الأصول ) بالمهملة ) ، وقيل : أبي بن خلف ، وقد ~~يكون أحدهما سبب النزول أو هو ملحوظ ابتداء ms9249 . # والكدح : يطلق على معان كثيرة لا نتحقق أيها الحقيقة ، وقد أهمل هذه ~~المادة في ( الأساس ) فلعله لأنه لم يتحقق المعنى الحقيقي . وظاهر كلام ~~الراغب أن حقيقته : إتعاب النفس في العمل والكد . وتعليق مجروره في هذه ~~الآية بحرف ( إلى ) تؤذن بأن المراد به عمل ينتهي إلى لقاء الله ، فيجوز أن ~~يضمن { كادح } معنى ساعع لأن كدح الناس في الحياة يتطلبون بعمل اليوم عملا ~~لغد وهكذا ، وذلك يتقضى به زمن العمر الذي هو أجل حياة كل إنسان ويعقبه ~~الموت الذي هو رجوع نفس الإنسان إلى محض تصرف الله ، فلما آل سعيه وكدحه ~~إلى الموت جعل كدحه إلى ربه . فكأنه قيل : إنك كادح تسعى إلى الموت وهو ~~لقاء ربك ، وعليه فالمجرور ظرف مستقر هو خبر ثان عن حرف ( إن ) ، ويجوز أن ~~يضمن { كادح } معنى ماش فيكون المجرور ظرفا لغوا . # و { كدحا } منصوب على المفعولية المطلقة لتأكيد { كادح } المضمن معنى ساع ~~إلى ربك ، أي ساع إليه لا محالة ولا مفر . PageV30P221 # وضمير النصب في ( ملاقيه ) عائد إلى الرب ، أي فملاق ربك ، أي لا مفر لك ~~من لقاء الله ولذلك أكد الخبر بإن . # ( 7 15 ) { } # هذا تفصيل الإجمال الذي في قوله : { إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه } ( ~~الانشقاق : 6 ) أي رجوع جميع الناس أولئك إلى الله ، فمن أوتي كتابه بيمينه ~~فريق من الناس هم المؤمنون ومن أوتي كتابه وراء ظهره فريق آخر وهم المشركون ~~كما دل عليه قوله : { إنه ظن أن لن يحور } ، وبين منتهاهما مراتب . وإنما ~~جاءت هذه الآية على اعتبار تقسيم الناس يومئذ بين أتقياء ومشركين . # والكتاب : صحيفة الأعمال ، وجعل إيتاؤه إياه بيمينه شعارا للسعادة لما هو ~~متعارف من أن اليد اليمنى تتناول الأشياء الزكية وهذا في غريزة البشر نشأ ~~عن كون الجانب الأيمن من الجسد أقدر وأبدر للفعل الذي يتعلق العزم بعمله ~~فارتكز في النفوس أن البركة في الجانب الأيمن حتى سموا البركة والسعادة ~~يمنا ، ووسموا ضدها بالشؤم فكانت بركة اليمين مما وضعه الله تعالى في أصل ~~فطرة الإنسان ، وتقدم عند قوله تعالى ms9250 : { قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن ~~اليمين في سورة الصافات ، وقوله : وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين } ( ~~الواقعة : 27 ) . وقوله : { وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال في سورة الواقعة ~~، وقوله : فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب ~~المشأمة في سورة الواقعة ( 8 ، 9 ) . # والباء في قوله : بيمينه } للملابسة أو المصاحبة ، أو هي بمعنى ( في ) ، ~~وهي متعلقة ب { أوتي } . # وحرف ( سوف ) أصله لحصول الفعل في المستقبل ، والأكثر أن يراد به ~~PageV30P222 المستقبل البعيد وذلك هو الشائع ، ويقصد به في الاستعمال ~~البليغ تحقق حصول الفعل واستمراره ومنه قوله تعالى : { قال سوف أستغفر لكم ~~ربي } في سورة يوسف ، وهو هنا مفيد للتحقق والاستمرار بالنسبة إلى الفعل ~~القابل للاستمرار وهو ينقلب إلى أهله مسرورا وهو المقصود من هذا الوعد . ~~وقد تقدم عند قوله تعالى : { فسوف نصليه نارا في سورة النساء . # والحساب اليسير : هو عرض أعماله عليه دون مناقشة فلا يطول زمنه فيعجل به ~~إلى الجنة ، وذلك إذا كانت أعماله صالحة ، فالحساب اليسير كناية عن عدم ~~المؤاخذة . # ومن أوتي كتابه وراء ظهره } هو الكافر . والمعنى : إنه يؤتى كتابه بشماله ~~كما تقتضيه المقابلة ب { من أوتي كتابه بيمينه } وذلك أيضا في سورة الحاقة ~~قوله : { وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه } ، أي ~~يعطى كتابه من خلفه فيأخذه بشماله تحقيرا له ويناول له من وراء ظهره إظهارا ~~للغضب عليه بحيث لا ينظر مناوله كتابه إلى وجهه . # وظرف { وراء ظهره } في موضع الحال من { كتابه } . # و { ينقلب إلى أهله } أي يرجع . والانقلاب : الرجوع إلى المكان الذي جيء ~~منه ، وقد تقدم قريبا في سورة المطففين . # والأهل : العشيرة من زوجة وأبناء وقرابة . # وهذا التركيب تمثيل لحال المحاسب حسابا يسيرا في المسرة والفوز والنجاة ~~بعد العمل الصالح في الدنيا ، بحال المسافر لتجارة حين يرجع إلى أهله سالما ~~رابحا لما في الهيئة المشبه بها من وفرة المسرة بالفوز والربح والسلامة ~~ولقاء الأهل وكلهم في مسرة ، فذلك وجه الشبه بين الهيأتين وهو السرور ~~المألوف للمخاطبين فالكلام استعارة تمثيلية . # وليس المراد رجوعه ms9251 إلى منزله في الجنة لأنه لم يكن فيه من قبل حتى يقال ~~لمصيره إليه انقلاب ، ولأنه قد لا يكون له أهل . وهو أيضا كناية عن طول ~~الراحة لأن المسافر إذا رجع إلى أهله فارق المتاعب زمان . PageV30P223 # والمراد بالدعاء في قوله : { يدعو ثبورا } النداء ، أي ينادي الثبور بأن ~~يقول : يا ثبوري ، أو يا ثبورا ، كما يقال : يا ويلي ويا ويلتنا . # والثبور : الهلاك وسوء الحال وهي كلمة يقولها من وقع في شقاء وتعس . # والنداء في مثل هذه الكلمات مستعمل في التحسر والتوجع من معنى الاسم ~~الواقع بعد حرف النداء . # { ويصلى } قرأه نافع وابن كثير وابن عامر والكسائي بتشديد اللام مضاعف ~~صلاه إذا أحرقه . وقرأه أبو عمرو وعاصم وحمزة وأبو جعفر ويعقوب وخلف { ~~ويصلى } بفتح التحتية وتخفيف اللام مضارع صلي اللازم إذا مسته النار كقوله ~~: { يصلونها يوم الدين } ( الانفطار : 15 ) . # وانتصب { سعيرا } على نزع الخافض بتقدير يصلى بسعير ، وهذا الوجه هو الذي ~~يطرد في جميع المواضع التي جاء فيها لفظ النار ونحوه منصوبا بعد الأفعال ~~المشتقة من الصلي والتصلية ، وقد قدمنا وجهه في تفسير قوله تعالى : { ~~وسيصلون سعيرا } في سورة النساء فانظره . # وقوله : { إنه كان في أهله مسرورا } مستعمل في التعجيب من حالهم كيف ~~انقلبت من ذلك السرور الذي كان لهم في الحياة الدنيا المعروف من أحوالهم ~~بما حكي في آيات كثيرة مثل قوله : { أولي النعمة } ( المزمل : 11 ) وقوله : ~~{ وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فاكهين } ( المطففين : 31 ) فآلوا إلى ~~ألم النار في الآخرة حتى دعوا بالثبور . # وتأكيد الخبر من شأن الأخبار المستعملة في التعجيب كقول عمر لحذيفة بن ~~اليمان : ( إنك عليه لجريء ) ( أي على النبي صلى الله عليه وسلم . وهذه ~~الجملة معترضة . # وموقع جملة : { إنه ظن أن لن يحور } موقع التعليل لمضمون جملة : { وأما ~~من أوتي كتابه وراء ظهره } إلى آخرها . # وحرف ( إن ) فيها مغنن عن فاء التعليل ، فالمعنى : يصلى سعيرا لأنه ظن أن ~~لن يحور ، أي لن يرجع إلى الحياة بعد الموت ، أي لأنه يكذب بالبعث ، يقال : ~~حار PageV30P224 يحور ، إذا رجع إلى ms9252 المكان الذي كان فيه ، ثم أطلق على ~~الرجوع إلى حالة كان فيها بعد أن فارقها ، وهو المراد هنا وهو من المجاز ~~الشائع مثل إطلاق الرجوع عليه في قوله : { ثم إلينا مرجعكم } ( يونس : 23 ) ~~وقوله : { إنه على رجعه لقادر } ( الطارق : 8 ) وسمي يوم البعث يوم المعاد ~~. # وجيء بحرف { لن } الدال على تأكيد النفي وتأييده لحكاية جزمهم وقطعهم ~~بنفيه . # وحرف { بلى } يجاب به الكلام المنفي لإبطال نفيه وأكثر وقوعه بعد ~~الاستفهام عن النفي نحو : { ألست بربكم قالوا بلى } ( الأعراف : 172 ) ويقع ~~بعد غير الاستفهام أيضا نحو قوله تعالى : { زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا ~~قل بلى وربي لتبعثن } ( التغابن : 7 ) . # وموقع { بلى } الاستئناف كأحرف الجواب . # وجملة : { إن ربه كان به بصيرا } مبينة للإبطال الذي أفاده حرف { بلى } ~~على وجه الإجمال يعني أن ظنه باطل لأن ربه أنبأه بأنه يبعث . # والمعنى : إن ربه عليم بمآله . وتأكيد ذلك بحرف { إن } لرده إنكاره البعث ~~الذي أخبر الله به على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم فآل المعنى الحاصل من ~~حرف الإبطال ومن حرف التأكيد إلى معنى : أن ربه بصير به وأما هو فغير بصير ~~بحاله كقوله : { والله يعلم وأنتم لا تعلمون } ( البقرة : 216 ) . # وتعدية { بصيرا } بالباء لأنه من بصر القاصر بضم الصاد به إذا رآه رؤية ~~محققة ، فالباء فيه معناها الملابسة أو الإلصاق . # وفيه إشارة إلى حكمة البعث للجزاء لأن رب الناس عليم بأحوالهم فمنهم ~~المصلح ومنهم المفسد والكل متفاوتون في ذلك فليس من الحكمة أن يذهب المفسد ~~بفساده وما ألحقه بالموجودات من مضار وأن يهمل صلاح المصلح ، فجعل الله ~~الحياة الأبدية وجعلها للجزاء على ما قدم صاحبها في حياته الأولى . # وأطلق البصر هنا على العلم التام بالشيء . PageV30P225 # وعلق وصف ( بصير ) بضمير الإنسان الذي ظن أن لن يحور ، والمراد : العلم ~~بأحواله لا بذاته . # وتقديم المجرور على متعلقه للاهتمام بهذا المجرور ، أي بصير به لا محالة ~~مع مراعاة الفواصل . # ( 16 19 ) { } # الفاء لتفريع القسم وجوابه ، على التفصيل الذي في قوله : { فأما من أوتى ~~كتابه بيمينه } ( الانشقاق ms9253 : 7 ) إلى هنا : فإنه اقتضى أن ثمة حسابا وجزاء ~~بخير وشر فكان هذا التفريع فذلكة وحوصلة لما فصل من الأحوال وكان أيضا جمعا ~~إجماليا لما يعترض في ذلك من الأهوال . # وتقدم أن : ( لا أقسم ) يراد منه أقسم ، وتقدم وجه القسم بهذه الأحوال ~~والمخلوقات عند قوله : { فلا أقسم بالخنس } في سورة التكوير . # ومناسبة الأمور المقسم بها هنا للمقسم عليه لأن الشفق والليل والقمر ~~تخالط أحوالا بين الظلمة وظهور النور معها ، أو في خلالها ، وذلك مناسب لما ~~في قوله : { لتركبن طبقا عن طبق } من تفاوت الأحوال التي يختبط فيها الناس ~~يوم القيامة أو في حياتهم الدنيا ، أو من ظهور أحوال خير من خلال أحوال شر ~~أو انتظار تغير الأحوال إلى ما يرضيهم إن كان الخطاب للمسلمين خاصة كما ~~سيأتي . # ولعل ذكر الشفق إيماء إلى أنه يشبه حالة انتهاء الدنيا لأن غروب الشمس ~~مثل حالة الموت ، وأن ذكر الليل إيماء إلى شدة الهول يوم الحساب وذكر القمر ~~إيماء إلى حصول الرحمة للمؤمنين . # والشفق : اسم للحمرة التي تظهر في أفق مغرب الشمس أثر غروبها وهو ضياء من ~~شعاع الشمس إذا حجبها عن عيون الناس بعض جرم الأرض ، واختلف في تسمية ~~البياض الذي يكون عقب الاحمرار شفقا . PageV30P226 # و { ما وسق } ( ما ) فيه مصدرية ، ويجوز أن يكون موصولة على طريقة حذف ~~العائد المنصوب . # والوسق : جمع الأشياء بعضها إلى بعض فيجوز أن يكون المعنى وما جمع مما ~~كان منتشرا في النهار من ناس وحيوان فإنها تأوي في الليل إلى مآويها وذلك ~~مما جعل الله في الجبلة من طلب الأحياء السكون في الليل قال تعالى : { ومن ~~رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله } ( القصص : 73 ~~) ، وذلك من بديع التكوين فلذلك أقسم به قسما أدمجت فيه منة . وقيل : ما ~~وسقه الليل : النجوم ، لأنها تظهر في الليل ، فشبه ظهورها فيه بوسق الواسق ~~أشياء متفرقة . وهذا أنسب بعطف القمر عليه . # واتساق القمر : اجتماع ضيائه وهو افتعال من الوسق بمعنى الجمع كما تقدم ~~آنفا وذلك في ليلة البدر ، وتقييد ms9254 القسم به بتلك الحالة لأنها مظهر نعمة ~~الله على الناس بضيائه . # وأصل فعل اتسق : اوتسق قلبت الواو تاء فوقية طلبا لإدغامها في تاء ~~الافتعال وهو قلب مطرد . # وجملة : { لتركبن طبقا عن طبق } نسج نظمها نسجا مجملا لتوفير المعاني ~~التي تذهب إليها أفهام السامعين ، فجاءت على أبدع ما ينسج عليه الكلام الذي ~~يرسل إرسال الأمثال من الكلام الجامع البديع النسج الوافر المعنى ولذلك ~~كثرت تأويلات المفسرين لها . # فلمعاني الركوب المجازية ، ولمعاني الطبق من حقيقي ومجازي ، متسع لما ~~تفيده الآية من المعاني ، وذلك ما جعل لإيثار هذين اللفظين في هذه الآية ~~خصوصية من أفنان الإعجاز القرآني . # فأما فعل { لتركبن } فحقيقته متعذرة هنا وله من المعاني المجازية ~~المستعملة في الكلام أو التي يصح أن تراد في الآية عدة ، منها الغلب ~~والمتابعة ، والسلوك ، والاقتحام ، والملازمة ، والرفعة . PageV30P227 # وأصل تلك المعاني إما استعارة وإما تمثيل يقال : ركب أمرا صعبا وارتكب ~~خطأ . # وأما كلمة { طبق } فحقيقتها أنها اسم مفرد للشيء المساوي شيئا آخر في ~~حجمه وقدره ، وظاهر كلام ( الأساس ) و ( الصحاح ) أن المساواة بقيد كون ~~الطبق أعلى من الشيء لمساويه فهو حقيقة في الغطاء فيكون من الألفاظ ~~الموضوعة لمعنى مقيد كالخوان والكأس ، وظاهر ( الكشاف ) أن حقيقته مطلق ~~المساواة فيكون قيد الاعتلاء عارضا بغلبة الاستعمال ، يقال : طابق النعل ~~النعل . # وأياما كان فهو اسم على وزن فعل إما مشتق من المطابقة كاشتقاق الصفة ~~المشبهة ثم عومل معاملة الأسماء وتنوسي منه الاشتقاق . وإما أن يكون أصله ~~اسم الطبق وهو الغطاء لوحظ فيه التشبيه ثم تنوسي ذلك فجاءت منه مادة ~~المطابقة بمعنى المساواة فيكون من المشتقات من الأسماء الجامدة . # ويطلق اسما مفردا للغطاء الذي يغطى به ، ومنه قولهم في المثل : ( وافق شن ~~طبقه ) أي غطآءه وهذا من الحقيقة لأن الغطاء مساو لما يغطيه . ويطلق الطبق ~~على الحالة لأنها ملابسة لصاحبها كملابسة الطبق لما طبق عليه . # ويطلق اسما مفردا أيضا على شيء متخذ من أدم أو عود ويؤكل عليه وتوضع فيه ~~الفواكه ونحوها ، وكأنه سمي طبقا لأن أصله أن يستعمل غطاء الآنية ms9255 فتوضع فيه ~~أشياء . # ويطلق اسم جمعع لطبقة : وهي مكان فوق مكان آخر معتبر مثله في المقدار إلا ~~أنه مرتفع عليه . وهذا من المجاز يقال : أتانا طبق من الناس ، أي جماعة . # ويقارن اختلاف معاني اللفظين اختلاف معنى { عن } من مجاوزة وهي معنى ~~حقيقي ، أو من مرادفة كلمة ( بعد ) وهو معنى مجازي . # وكذلك اختلاف وجه النصب للفظ طبقا بين المفعول به والحال ، وتزداد هذه ~~المحامل إذا لم تقصر الجمل على ما له مناسبة بسياق الكلام من موقع الجملة ~~عقب آية : { يا أيها الإنسان إنك كادح } ( الانشقاق : 6 ) الآيات . ومن ~~وقوعها بعد القسم المشعر PageV30P228 بالتأكيد ، ومن اقتضاء فعل المضارعة ~~بعد القسم أنه للمستقبل . فتتركب من هذه المحامل معانن كثيرة صالحة لتأويل ~~الآية . # فقيل المعنى : لتركبن حالا بعد حال ، رواه البخاري عن ابن عباس عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم والأظهر أنه تهديد بأهوال القيامة فتنوين ( طبق ) في ~~الموضعين للتعظيم والتهويل و { عن } بمعنى ( بعد ) والبعدية اعتبارية ، وهي ~~بعدية ارتقاء ، أي لتلاقن هولا أعظم من هول ، كقوله تعالى : { زدناهم عذابا ~~فوق العذاب } ( النحل : 88 ) . وإطلاق الطبق على الحالة على هذا التأويل ~~لأن الحالة مطابقة لعمل صاحبها . # وروى أبو نعيم عن جابر بن عبد الله تفسير الأحوال بأنها أحوال موت وإحياء ~~، وحشر ، وسعادة أو شقاوة ، ونعيم أو جحيم ، كما كتب الله لكل أحد عند ~~تكوينه رواه جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال ابن كثير هو حديث منكر ~~وفي إسناده ضعفاء ، أو حالا بعد حال من شدائد القيامة وروي هذا عن ابن عباس ~~وعكرمة والحسن مع اختلاف في تعيين الحال . # وقيل : { لتركبن } منزلة بعد منزلة على أن طبقا اسم للمنزلة ، وروي عن ~~ابن زيد وسعيد بن جبير أي لتصيرن من طبق الدنيا إلى طبق الآخرة ، أو إن ~~قوما كانوا في الدنيا متضعين فارتفعوا في الآخرة ، فالتنوين فيهما للتنويع ~~. # وقيل : من كان على صلاح دعاه إلى صلاح آخر ومن كان على فساد دعاه إلى ~~فساد فوقه ، لأن كل شيء يجر إلى شكله ، أي فتكون الجملة ms9256 اعتراضا بالموعظة ~~وتكون { عن } على هذا على حقيقتها للمجاوزة ، والتنوين للتعظيم . # ويحتمل أن يكون الركوب مجازا في السير بعلاقة الإطلاق ، أي لتحضرن للحساب ~~جماعات بعد جماعات على معنى قوله تعالى : { إلى ربك يومئذ المساق } ( ~~القيامة : 30 ) وهذا تهديد لمنكريه ، وأن يكون الركوب مستعملا في المتابعة ~~، أي لتتبعن . وحذف مفعول : ( تركبن ) بتقدير : ليتبعن بعضكم بعضا ، أي في ~~تصميمكم على إنكار البعث . ودليل المحذوف هو قوله : { طبقا عن طبق } ويكون ~~{ طبقا } مفعولا به وانتصاب { طبقا } إما على الحال من ضمير { تركبن } . ~~وإما على المفعولية به على حسب ما يليق بمعاني ألفاظ الآية . PageV30P229 # وموقع { عن طبق } موقع النعت ل { طبقا } . # ومعنى { عن } إما المجاوزة ، وإما مرادفة معنى ( بعد ) وهو مجاز ناشىء عن ~~معنى المجاوزة ، ولذلك لما ضمن النابغة معنى قولهم : ( ورثوا المجد كابرا ~~عن كابر ) غير حرف ( عن ) إلى كلمة ( بعد ) فقال : # لآلل الجلاحح كابرا بعد كابر # وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وأبو جعفر { لتركبن } بضم الموحدة على خطاب ~~الناس . وقرأه الباقون بفتح الموحدة على أنه خطاب للإنسان من قوله تعالى : ~~{ يا أيها الإنسان إنك كادح } ( الانشقاق : 6 ) . وحمل أيضا على أن التاء ~~الفوقية تاء المؤنثة الغائبة وأن الضمير عائد إلى السماء ، أي تعتريها ~~أحوال متعاقبة من الانشقاق والطي وكونها مرة كالدهان ومرة كالمهل . وقيل : ~~خطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم قال ابن عطية : قيل : هي عدة بالنصر ، أي ~~لتركبن أمر العرب قبيلا بعد قبيل وفتحا بعد فتح كما وجد بعد ذلك ( أي بعد ~~نزول الآية حين قوي جانب المسلمين ) فيكون بشارة للمسلمين ، وتكون الجملة ~~معترضة بالفاء بين جملة : { إنه ظن أن لن يحور } ( الانشقاق : 14 ) وجملة : ~~{ فما لهم لا يؤمنون } ( الانشقاق : 20 ) . وهذا الوجه يجري على كلتا ~~القراءتين . # ( 20 ، 21 ) { لله } # يجوز أن يكون التفريع على ما ذكر من أحوال من أوتي كتابه وراء ظهره ، ~~وأعيد عليه ضمير الجماعة لأن المراد ب ( من ) الموصولة كل من تحق فيه الصلة ~~فجرى الضمير على مدلول ( من ) وهو الجماعة . والمعنى : فما لهم لا يخافون ~~أهوال ms9257 يوم لقاء الله فيؤمنوا . # ويجوز أن يكون مفرعا على قوله : { يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا ~~فملاقيه } ( الانشقاق : 6 ) ، أي إذا تحققت ذلك فكيف لا يؤمن بالبعث الذين ~~أنكروه . وجيء بضمير الغيبة لأن المقصود من الإنكار والتعجيب خصوص المشركين ~~من الذين PageV30P230 شملهم لفظ الإنسان في قوله : { يا أيها الإنسان إنك ~~كادح } لأن العناية بموعظتهم أهم فالضمير التفات . # ويجوز أن يكون تفريعا على قوله : { لتركبن طبقا عن طبق } ( الانشقاق : 19 ~~) فيكون مخصوصا بالمشركين باعتبار أنهم أهم في هذه المواعظ . والضمير أيضا ~~التفات . # ويجوز تفريعه على ما تضمنه القسم من الأحوال المقسم بها باعتبار تضمن ~~القسم بها أنها دلائل على عظيم قدرة الله تعالى وتفرده بالإلاهية ففي ذكرها ~~تذكرة بدلالتها على الوحدانية . والالتفات هو هو . # وتركيب ( ما لهم لا يؤمنون ) يشتمل على ( ما ) الاستفهامية مخبر عنها ~~بالجار والمجرور . والجملة بعد { لهم } حال من ( ما ) الاستفهامية . # وهذا الاستفهام مستعمل في التعجيب من عدم إيمانهم وفي إنكار انتفاء ~~إيمانهم لأن شأن الشيء العجيب المنكر أن يسأل عنه فاستعمال الاستفهام في ~~معنى التعجيب والإنكار مجاز بعلاقة اللزوم ، واللام للاختصاص . # وجملة : { لا يؤمنون } في موضع الحال فإنها لو وقع في مكانها اسم لكان ~~منصوبا كما في قوله تعالى : { فما لكم في المنافقين فئتين } ( النساء : 88 ~~) والحال هي مناط التعجيب ، وقد تقدم تفصيل القول في تركيبه وفي الصيغ التي ~~ورد عليها أمثال هذا التركيب عند قوله تعالى : { قالوا وما لنا ألا نقاتل ~~في سبيل الله في سورة البقرة . # ومتعلق يؤمنون } محذوف يدل عليه السياق ، أي بالبعث والجزاء . # ويجوز تنزيل فعل { يؤمنون } منزلة اللازم ، أي لا يتصفون بالإيمان ، أي ~~ما سبب أن لا يكونوا مؤمنين ، لظهور الدلائل على انفراد الله تعالى ~~بالإلاهية فكيف يستمرون على الإشراك به . # والمعنى : التعجيب والإنكار من عدم إيمانهم مع ظهور دلائل صدق ما دعوا ~~إليه وأنذروا به . PageV30P231 # و { لا يسجدون } عطف على { لا يؤمنون } { وإذا قرىء عليهم القرآن } ظرف ~~قدم على عامله للاهتمام به وتنويه شأن القرآن . # وقراءة القرآن عليهم قراءته ms9258 قراءة تبليغ ودعوة . وقد كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم يعرض عليهم القرآن جماعات وأفرادا وقد قال له عبد الله بن أبي بن ~~سلول : ( لا تغشنا به في مجالسنا ) وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم القرآن ~~على الوليد بن المغيرة كما ذكرناه في سورة عبس . # والسجود مستعمل بمعنى الخضوع والخشوع كقوله تعالى : { والنجم والشجر ~~يسجدان } ( الرحمن : 6 ) وقوله : { يتفيؤا ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا ~~لله } ( النحل : 48 ) ، أي إذا قرىء عليهم القرآن لا يخضعون لله ولمعاني ~~القرآن وحجته ، ولا يؤمنون بحقيته ودليل هذا المعنى مقابلته بقوله : { بل ~~الذين كفروا يكذبون } ( الانشقاق : 22 ) . # وليس في هذه الآية ما يقتضي أن عند هذه الآية سجدة من سجود القرآن والأصح ~~من قول مالك وأصحابه أنها ليست من سجود القرآن خلافا لابن وهب من أصحاب ~~مالك فإنه جعل سجودات القرآن أربع عشرة . وقال الشافعي : هي سنة . وقال أبو ~~حنيفة : واجبة . والأرجح أن عزائم السجود المسنونة إحدى عشرة سجدة وهي التي ~~رويت بالأسانيد الصحيحة عن الصحابة . وإن ثلاث آيات غير الإحدى عشرة آية ~~رويت فيها أخبار أنها سجد النبي صلى الله عليه وسلم عند قراءتها منها هذه ~~وعارضتها روايات أخرى فهي : إما قد ترك سجودها ، وإما لم يؤكد ومنها قوله ~~تعالى هنا : { وإذا قرىء عليهم القرآن لا يسجدون } . وقال ابن العربي ~~السجود في سورة الانشقاق قول المدنيين من أصحاب مالك ا ه . # قلت : وهو قول ابن وهب ولا خصوصية لهذه الآية بل ذلك في السجدات الثلاث ~~الزائدة على الإحدى عشرة وقد قال مالك في ( الموطأ ) بعد أن روى حديث أبي ~~هريرة : ( الأمر عندنا أن عزائم السجود إحدى عشرة سجدة ليس في المفصل منها ~~شيء ) وقال أبو حنيفة والشافعي : سجدات التلاوة أربع عشرة بزيادة سجدة سورة ~~النجم وسجدة سورة الانشقاق وسجدة سورة العلق . وقال أحمد : هن خمس عشرة ~~سجدة بزيادة السجدة في آخر الآية من سورة الحج ففيها سجدتان عنده . ~~PageV30P232 # يجوز إنه إضراب انتقالي من التعجيب من عدم إيمانهم وإنكاره عليهم إلى ~~الإخبار عنهم بأنهم مستمرون ms9259 على الكفر والطعن في القرآن ، فالكلام ارتقاء ~~في التعجيب والإنكار . # فالإخبار عنهم بأنهم يكذبون مستعمل في التعجيب والإنكار فلذلك عبر عنه ~~بالفعل المضارع الذي يستروح منه استحضار الحالة مثل قوله : { يجادلنا في ~~قوم لوط } ( هود : 74 ) . # ويجوز أن يكون { بل } إضرابا إبطاليا ، أي لا يوجد ما لأجله لا يؤمنون ~~ولا يصدقون بالقرآن بل الواقع بضد ذلك فإن بواعث الإيمان من الدلائل متوفرة ~~ودواعي الاعتراف بصدق القرآن والخضوع لدعوته متظاهرة ولكنهم يكذبون ، أي ~~يستمرون على التكذيب عنادا وكبرياء ويومىء إلى ذلك قوله : { والله أعلم بما ~~يوعون } ( الانشقاق : 23 ) . # وهذان المعنيان نظير الوجهين في قوله تعالى في سورة الانفطار ( 9 10 ) { ~~بل تكذبون بالدين وإن عليكم لحافظين . # وفي اجتلاب الفعل المضارع دلالة على حدوث التكذيب منهم وتجدده ، أي بل هم ~~مستمرون على التكذيب عنادا وليس ذلك اعتقادا فكما نفي عنهم تجدد الإيمان ~~وتجدد الخضوع عند قراءة القرآن أثبت لهم تجدد التكذيب . # وقوله : الذين كفروا } إظهار في مقام الإضمار لأن مقتضى الظاهر أن يقال : ~~بل هم يكذبون ، فعدل إلى الموصول والصلة لما تؤذن به الصلة من ذمهم بالكفر ~~للإيماء إلى علة الخبر ، أي أنهم استمروا على التكذيب لتأصل الكفر فيهم ~~وكونهم ينعتون به . # اعتراض بين جملة { بل الذين كفروا يكذبون } ( الانشقاق : 22 ) ، وجملة : ~~{ فبشرهم بعذاب أليم } ( الانشقاق : 24 ) وهو كناية عن الإنذار والتهديد ~~بأن الله يجازيهم بسوء طويتهم . PageV30P233 # ومعنى { بما يوعون } بما يضمرون في قلوبهم من العناد مع علمهم بأن ما جاء ~~به القرآن حق ولكنهم يظهرون التكذيب به ليكون صدودهم عنه مقبولا عند ~~أتباعهم وبين مجاوريهم . # وأصل معنى الإيعاء : جعل الشيء وعاء والوعاء بكسر الواو الظرف لأنه يجمع ~~فيه ، ثم شاع إطلاقه على جمع الأشياء لئلا تفوت فصار مشعرا بالتقتير ، ومنه ~~قوله تعالى : { وجمع فأوعى } ( المعارج : 18 ) وفي الحديث : ( لا توعي ~~فيوعي الله عليك ) واستعمل في هذه الآية في الإخفاء لأن الإيعاء يستلزم ~~الإخفاء فهو هنا مجاز مرسل . # تفريع على جملة { بل الذين كفروا يكذبون } ( الانشقاق : 22 ) . # وفعل ( بشرهم ) مستعار للإنذار والوعيد ms9260 على طريقة التهكم لأن حقيقة ~~التبشير : الإخبار بما يسر وينفع . فلما علق بالفعل عذاب أليم كانت قرينة ~~التهكم كنار على علم . وهو من قبيل قول عمرو بن كلثوم : # قريناكم فعجلنا قراكم # قبيل الصبح مرداة طحونا # يجوز أن يكون الاستثناء متصلا : إما على أنه استثناء من الضمير في قوله : ~~{ لتركبن طبقا عن طبق } ( الانشقاق : 19 ) جريا على تأويله بركوب طباق ~~الشدائد والأهوال يوم القيامة وما هو في معنى ذلك من التهديد . # وإما على أنه استثناء من ضمير الجمع في { فبشرهم } ( الانشقاق : 24 ) ~~والمعنى إلا الذين يؤمنون من الذين هم مشركون الآن كقوله تعالى : { إلا ~~الذين تابوا وأصلحوا وبينوا } ( البقرة : 160 ) وقوله في سورة البروج : { ~~إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا PageV30P234 الآية وفعل ~~آمنوا } على هذا الوجه مراد به المستقبل ، وعبر عنه بالماضي للتنبيه على ~~معنى : من تحقق إيمانهم ، وما بينهما من قوله : { فما لهم لا يؤمنون } ( ~~الانشقاق : 20 ) إلى هنا تفريع معترض بين المستثنى والمستثنى منه خص به ~~الأهم ممن شملهم عموم { لتركبن طبقا عن طبق } ( الانشقاق : 19 ) . # وقيل : هو استثناء منقطع من ضمير { فبشرهم } فهو داخل في التبشير ~~المستعمل في التهكم زيادة في إدخال الحزن عليهم . فحرف { إلا } بمنزلة ( ~~لكن ) والاستدراك فيه لمجرد المضادة لا لدفع توهم إرادة ضد ذلك ومثل ذلك ~~كثير في الاستدراك ، وأما تعريف بعضهم الاستدراك بأنه تعقيب الكلام برفع ما ~~يتوهم ثبوته أو نفيه ، فهو تعريف تقريبي . # وجملة { لهم أجر غير ممنون } استئناف بياني كأن سائلا سأل : كيف حالهم ~~يوم يكون أولئك في عذاب أليم ؟ # والأجر غير الممنون هو الذي يعطاه صاحبه مع كرامة بحيث لا يعرض له بمنة ~~كما أشار إليه قوله تعالى : { جزاء بما كانوا يعملون } ( الأحقاف : 14 ) ~~ونحوه مما ذكر فيه مع الجزاء سببه ، والمعنى : أن أجرهم سرور لهم لا تشوبه ~~شائبة كدر فإن المن ينغص الإنعام قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا ~~تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى } ( البقرة : 264 ) وقال النابغة : # علي لعمرو نعمة بعد نعمة # لوالده ليست بذات عقارب ms9261 # ومن نوابغ الكلم للعلامة الزمخشري : طعم الآلاء أحلى من المن . وهو أمر ~~من الآلاء مع المن . # ويجوز أن يكون { غير ممنون } بمعنى غير مقطوع يقال : مننت الحبل ، إذا ~~قطعته ، قال تعالى : { وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة } ( الواقعة : 32 ~~، 33 ) . # سأل نافع بن الأزرق الخارجي عبد الله بن عباس عن قوله : { غير ممنون } ~~فقال : غير مقطوع ، فقال : هل تعرف العرب ذلك ؟ قال : نعم قد عرفه أخو يشكر ~~( يعني الحارث بن حلزة ) حيث يقول : # فترى خلفهن من سرعة الرج # ع منينا كأنه أهباء # المنين : الغبار لأنها تقطعه وراءها . # PageV30P235 # | 1 ( سورة البروج ) 1 # روى أحمد عن أبي هريرة : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في ~~العشاء الآخرة بالسماء ذات البروج ) . وهذا ظاهر في أنها تسمى سورة ( ~~السماء ذات البروج ) لأنه لم يحك لفظ القرآن ، إذ لم يذكر الواو . # وأخرج أحمد أيضا عن أبي هريرة : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر ~~أن يقرأ في العشاء بالسماوات ) ، أي السماء ذات البروج والسماء والطارق ~~فمجمعها جمع سماء وهذا يدل على أن اسم السورتين : سورة السماء ذات البروج ، ~~سورة السماء والطارق . # وسميت في المصاحف وكتب السنة وكتب التفسير ( سورة البروج ) . # وهي مكية باتفاق . # ومعدودة السابعة والعشرين في تعداد نزول السور ، نزلت بعد سورة ( والشمس ~~وضحاها ) وقبل سورة ( التين ) . # وآيها اثنتان وعشرون آية . # من أغراض هذه السورة # ابتدئت أغراض هذه السورة بضرب المثل للذين فتنوا المسلمين بمكة بأنهم مثل ~~قوم فتنوا فريقا ممن آمن بالله فجعلوا أخدودا من نار لتعذيبهم ليكون المثل ~~تثبيتا للمسلمين وتصبيرا لهم على أذى المشركين وتذكيرهم بما جرى على سلفهم ~~في الإيمان من شدة التعذيب الذي لم ينلهم مثله ولم يصدهم ذلك عن دينهم . ~~PageV30P236 # وإشعار المسلمين بأن قوة الله عظيمة فسيلقى المشركون جزاء صنيعهم ويلقى ~~المسلمون النعيم الأبدي والنصر . # والتعريض للمسلمين بكرامتهم عند الله تعالى . # وضرب المثل بقوم فرعون وبثمود وكيف كانت عاقبة أمرهم ما كذبوا الرسل ، ~~فحصلت العبرة للمشركين في فتنهم المسلمين ، وفي تكذيبهم الرسول صلى الله ms9262 ~~عليه وسلم والتنويه بشأن القرآن . # # | 2 ( { والسمآء ذات البروج * واليوم الموعود * وشاهد ومشهود * قتل أصحاب ~~الاخدود * النار ذات الوقود * إذ هم عليها قعود * وهم على ما يفعلون ~~بالمؤمنين شهود * وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد * الذى ~~له ملك السماوات والارض والله على كل شىء شهيد * إن الذين فتنوا المؤمنين ~~والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق * إن الذين ءامنوا ~~وعملوا الصالحات لهم جنات تجرى من تحتها الانهار ذلك الفوز الكبير * إن بطش ~~ربك لشديد * إنه هو يبدىء ويعيد * وهو الغفور الودود * ذو العرش المجيد * ~~فعال لما يريد * هل أتاك حديث الجنود * فرعون وثمود * بل الذين كفروا فى ~~تكذيب * والله من ورآئهم محيط * بل هو قرءان مجيد * فى لوح محفوظ } ) 2 # في افتتاح السورة بهذا القسم تشويق إلى ما يرد بعده وإشعار بأهمية المقسم ~~عليه ، وهو مع ذلك يلفت ألباب السامعين إلى الأمور المقسم بها ، لأن بعضها ~~من دلائل عظيم القدرة الإلاهية المقتضية تفرد الله تعالى بالإلاهية وإبطال ~~الشريك ، وبعضها مذكر بيوم البعث الموعود ، ورمز إلى تحقيق وقوعه ، إذ ~~القسم لا يكون إلا بشيء ثابت الوقوع وبعضها بما فيه من الإبهام يوجه أنفس ~~السامعين إلى تطلب بيانه . # ومناسبة القسم لما أقسم عليه أن المقسم عليه تضمن العبرة بقصة أصحاب ~~الأخدود ولما كانت الأخاديد خطوطا مجعولة في الأرض مستعرة بالنار أقسم على ~~ما تضمنها بالسماء بقيد صفة من صفاتها التي يلوح فيها للناظرين في نجومها ~~ما سماه العرب بروجا وهي تشبه دارات متلألئة بأنوار النجوم اللامعة الشبيهة ~~بتلهب النار . # والقسم بالسماء بوصف ذات البروج يتضمن قسما بالأمرين معا لتلتفت أفكار ~~المتدبرين إلى ما في هذه المخلوقات وهذه الأحوال من دلالة على عظيم القدرة ~~وسعة العلم الإلاهي إذ خلقها على تلك المقادير المضبوطة لينتفع بها الناس ~~في PageV30P237 مواقيت الأشهر والفصل . كما قال تعالى في نحو هذا : { ذلك ~~لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم } ~~( المائدة : 97 ) . # وأما مناسبة القسم ms9263 باليوم الموعود فلأنه يوم القيامة باتفاق أهل التأويل ~~لأن الله وعد بوقوعه قال تعالى : { ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون } ( ~~المعارج : 44 ) مع ما في القسم به من إدماج الإيماء إلى وعيد أصحاب القصة ~~المقسم على مضمونها ، ووعيد أمثالهم المعرض بهم . # ومناسبة القسم ب { شاهد ومشهود } على اختلاف تأويلاته ، ستذكر عند ذكر ~~التأويلات وهي قريبة من مناسبة القسم باليوم الموعود ، ويقابله في المقسم ~~عليه قوله : { وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود } . # والبروج : تطلق على علامات من قبة الجو يتراءى للناظر أن الشمس تكون في ~~سمتها مدة شهر من أشهر السنة الشمسية ، فالبرج : اسم منقول من اسم البرج ~~بمعنى القصر لأن الشمس تنزله أو منقول من البرج بمعنى الحصن . # والبرج السماوي يتألف من مجموعة نجوم قريب بعضها من بعض لا تختلف أبعادها ~~أبدا ، وإنما سمي برجا لأن المصطلحين تخيلوا أن الشمس تحل فيه مدة فهو ~~كالبرج ، أي القصر ، أو الحصن ، ولما وجدوا كل مجموعة منها يخال منها شكل ~~لو أحيط بإطار لخط مفروض لأشبه محيطها محيط صورة تخيلية لبعض الذوات من ~~حيوان أو نبات أو آلات ، ميزوا بعض تلك البروج من بعض بإضافته إلى اسم ما ~~تشبهه تلك الصورة تقريبا فقالوا : برج الثور ، برج الدلو ، برج السنبلة ~~مثلا . # وهذه البروج هي في التحقيق : سموت تقابلها الشمس في فلكها مدة شهر كامل ~~من أشهر السنة الشمسية يوقتون بها الأشهر والفصول بموقع الشمس نهارا في ~~المكان الذي تطلع فيه نجوم تلك البروج ليلا ، وقد تقدم عند قوله تعالى : { ~~تبارك الذي جعل في السماء بروجا في سورة الفرقان . # وشاهد ومشهود } مراد بهما النوع . فالشاهد : الرائي ، أو المخبر بحق ~~لإلزام منكره . والمشهود : المرئي أو المشهود عليه بحق . وحذف متعلق ~~الوصفين لدلالة PageV30P238 الكلام عليه فيجوز أن يكون الشاهد حاضر ذلك ~~اليوم الموعود من الملائكة قال تعالى : { وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد } ( ~~ق : 21 ) . # ويجوز أن يكون الشاهد الله تعالى ويؤيده قوله : { والله على كل شيء شهيد ~~} أو الرسل والملائكة . # والمشهود : الناس المحشورون للحساب وهم أصحاب الأعمال ms9264 المعرضون للحساب ~~لأن العرف في المجامع أن الشاهد فيها : هو السالم من مشقتها وهم النظارة ~~الذين يطلعون على ما يجري في المجمع ، وأن المشهود : هو الذي يطلع الناس ~~على ما يجري عليه . # ويجوز أن يكون الشاهد : الشاهدين من الملائكة ، وهم الحفظة الشاهدون على ~~الأعمال . والمشهود : أصحاب الأعمال . وأن يكون الشاهد الرسل المبلغين ~~للأمم حين يقول الكفار : ما جاءنا من بشير ولا نذير ومحمد صلى الله عليه ~~وسلم يشهد على جميعهم وهو ما في قوله تعالى : { فكيف إذا جئنا من كل أمة ~~بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا } ( النساء : 41 ) . # وعلى مختلف الوجوه فالمناسبة ظاهرة بين { شاهد ومشهود } وبين ما في ~~المقسم عليه من قوله : { وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود } ، وقوله : { ~~إذ هم عليها قعود } أي حضور . # وروى الترمذي من طريق موسى بن عبيدة إلى أبي هريرة قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ( اليوم الموعود يوم القيامة واليوم المشهود يوم عرفة ~~والشاهد يوم الجمعة ) . أي فالتقدير : ويومم شاهد ويومم مشهود . قال ~~الترمذي : هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث موسى بن عبيدة وموسى بن عبيدة ~~يضعف في الحديث ضعفه يحيى بن سعيد وغيره من قبل حفظه اه . # ووصف ( يوم ) بأنه ( شاهد ) مجاز عقلي ، ومحمل هذا الحديث على أن هذا مما ~~يراد في الآية من وصف { شاهد } ووصف { مشهود } فهو من حمل الآية على ما ~~يحتمله اللفظ في حقيقة ومجاز كما تقدم في المقدمة التاسعة . # وجواب القسم قيل محذوف لدلالة قوله : { قتل أصحاب الأخدود } عليه ~~PageV30P239 والتقدير أنهم ملعونون كما لعن أصحاب الأخدود . وقيل : تقديره ~~: أن الأمر لحق في الجزاء على الأعمال : أو لتبعثن . # وقيل : الجواب مذكور فيما يلي فقال الزجاج : هو { إن بطش ربك لشديد } ( ~~البروج : 12 ) ( أي والكلام الذي بينهما اعتراض قصد به التوطئة للمقسم عليه ~~وتوكيد التحقيق الذي أفاده القسم بتحقيق ذكر النظير ) . وقال الفراء : ~~الجواب : { قتل أصحاب الأخدود } ( أي فيكون قتل خبرا لادعاء ولا شتما ولا ~~يلزم ذكر ( قد ) في الجواب مع كون الجواب ماضيا لأن ms9265 ( قد ) تحذف بناء على ~~أن حذفها ليس مشروطا بالضرورة ) . # ويتعين على قول الفراء أن يكون الخبر مستعملا في لازم معناه من الإنذار ~~للذين يفتنون المؤمنين بأن يحل بهم ما حل بفاتني أصحاب الأخدود ، وإلا فإن ~~الخبر عن أصحاب الأخدود لا يحتاج إلى التوكيد بالقسم إذ لا ينكره أحد فهو ~~قصة معلومة للعرب . # وانتساق ضمائر جمع الغائب المرفوعة من قوله : { إذ هم عليها قعود } إلى ~~قوله : { وما نقموا } يقتضي أن يكون أصحاب الأخدود واضعيه لتعذيب المؤمنين ~~. # وقيل : الجواب هو جملة : { إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات } ( البروج ~~: 10 ) فيكون الكلام الذي بينهما اعتراضا وتوطئة على نحو ما قررناه في كلام ~~الزجاج . # وقوله : { قتل أصحاب الأخدود } صيغته تشعر بأنه إنشاء شتم لهم شتم خزي ~~وغضب وهؤلاء لم يقتلوا ففعل قتل ليس بخبر بل شتم نحو قوله تعالى : { قتل ~~الخراصون } ( الذاريات : 10 ) . وقولهم قاتله الله ، وصدوره من الله يفيد ~~معنى اللعن ويدل على الوعيد لأن الغضب واللعن يستلزمان العقاب على الفعل ~~الملعون لأجله . # وقيل : هو دعاء على أصحاب الأخدود بالقتل كقوله تعالى : { قتل الإنسان ما ~~أكفره } ( عبس : 17 ) والقتل مستعار لأشد العذاب كما يقال : أهلكه الله ، ~~أي أوقعه في أشد العناء ، وأيا ما كان فجملة { قتل أصحاب الأخدود } على هذا ~~معترضة بين القسم وما بعده . # ومن جعل { قتل أصحاب الأخدود } جواب القسم جعل الكلام خبرا وقدره ~~PageV30P240 لقد قتل أصحاب الأخدود ، فيكون المراد من أصحاب الأخدود الذين ~~ألقوا فيه وعذبوا به ويكون لفظ أصحاب مستعملا في معنى مجرد المقارنة ~~والملازمة كقوله تعالى : { يا صاحبي السجن } ( يوسف : 39 ) وقد علمت آنفا ~~تعين تأويل هذا القول بأن الخبر مستعمل في لازم معناه . # ولفظ { أصحاب } يعم الآمرين بجعل الأخدود والمباشرين لحفره وتسعيره ، ~~والقائمين على إلقاء المؤمنين فيه . # وهذه قصة اختلف الرواة في تعيينها وفي تعيين المراد منها في هذه الآية . # والروايات كلها تقتضي أن المفتونين بالأخدود قوم اتبعوا النصرانية في ~~بلاد اليمن على أكثر الروايات ، أو في بلاد الحبشة على بعض الروايات ، ~~وذكرت فيها روايات متقاربة تختلف بالإجمال ms9266 والتفصيل ، والترتيب ، والزيادة ~~، والتعيين وأصحها ما رواه مسلم والترمذي عن صهيب أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قص هذه القصة على أصحابه . وليس فيما روي تصريح بأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم ساقها تفسيرا لهذه الآية والترمذي ساق حديثها في تفسير سورة ~~البروج . # وعن مقاتل كان الذين اتخذوا الأخاديد في ثلاث من البلاد بنجران ، وبالشام ~~، وبفارس ، أما الذي بالشام ف ( انطانيوس ) الرومي وأما الذي بفارس فهو ( ~~بختنصر ) والذي بنجران فيوسف ذو نواس ولنذكر القصة التي أشار إليها القرآن ~~تؤخذ من ( سيرة ابن إسحاق ) على أنها جرت في نجران من بلاد اليمن ، وأنه ~~كان ملك وهو ذو نواس له كاهن أو ساحر . وكان للساحر تلميذ اسمه عبد الله بن ~~الثامر وكان يجد في طريقه إذا مشى إلى الكاهن صومعة فيها راهب كان يعبد ~~الله على دين عيسى عليه السلام ويقرأ الإنجيل اسمه ( فيميون ) بفاء ، ~~فتحتية ، فميم ، فتحتية ( وضبط في الطبعة الأوروبية من ( سيرة ابن إسحاق ) ~~التي يلوح أن أصلها المطبوعة عليه أصل صحيح ، بفتح فسكون فكسر فضم ) قال ~~السهيلي : ووقع للطبري بقاف عوض الفاء . وقد يحرف فيقال ميمون بميم في أوله ~~وبتحتية واحدة ، أصله من غسان من الشام ثم ساح فاستقر بنجران ، وكان منعزلا ~~عن الناس مختفيا في صومعته وظهرت لعبد الله في قومه كرامات . وكان كلما ~~ظهرت له كرامة دعا من ظهرت لهم إلى أن يتبعوا النصرانية ، فكثر المتنصرون ~~في نجران وبلغ ذلك الملك ذا PageV30P241 نواس وكان يهوديا وكان أهل نجران ~~مشركين يعبدون نخلة طويلة ، فقتل الملك الغلام وقتل الراهب وأمر بأخاديد ~~وجمع فيها حطب وأشعلت ، وعرض أهل نجران عليها فمن رجع عن التوحيد تركه ومن ~~ثبت على الدين الحق قذفه في النار . # فكان أصحاب الأخدود ممن عذب من أهلل دين المسيحية في بلاد العرب . وقصص ~~الأخاديد كثيرة في التاريخ ، والتعذيب بالحرق طريقة قديمة ، ومنها : نار ~~إبراهيم عليه السلام . وأما تحريق عمرو بن هند مائة من بني تميم وتلقيبه ~~بالمحرق فلا أعرف أن ذلك كان باتخاذ أخدود . وقال ابن عطية ms9267 : رأيت في بعض ~~الكتب أن أصحاب الأخدود هو محرق وآله الذي حرق من بني تميم مائة . # و { الأخدود } : بوزن أفعول وهو صيغة قليلة الدوران غير مقيسة ، ومنها ~~قولهم : أفحوص مشتق من فحصت القطاة والدجاجة إذا بحثت في التراب موضعا تبيض ~~فيه ، وقولهم أسلوب اسم لطريقة ، ولسطر النخل ، وأقنوم اسم لأصل الشيء . ~~وقد يكون هذا الوزن مع هاء تأنيث مثل أكرومة ، وأعجوبة ، وأطروحة وأضحوكة . # وقوله : { النار } بدل من الأخدود بدل اشتمال أو بعضض من كل لأن المراد ~~بالأخدود الحفير بما فيه . # و { الوقود } : بفتح الواو اسم ما توقد به النار من حطب ونفط ونحوه . # ومعنى { ذات الوقود } : أنها لا يخمد لهبها لأن لها وقودا يلقى فيها كلما ~~خبت . # ويتعلق : { إذ هم عليها قعود } بفعل قتل ، أي لعنوا وغضب الله عليهم حين ~~قعدوا على الأخدود . # وضمير { هم } عائد إلى أصحاب الأخدود فإن الملك يحضر تنفيذ أمره ومعه ~~ملأه ، أو أريد بهم المأمورون من الملك . فعلى احتمال أنهم أعوان الملك ~~فالقعود الجلوس كني به عن الملازمة للأخدود لئلا يتهاون الذين يحشون النار ~~بتسعيرها ، و ( على ) للاستعلاء المجازي لأنهم لا يقعدون فوق النار ولكن ~~حولها . وإنما عبر عن القرب والمراقبة بالاستعلاء كقول الأعشى : # وبات على النار الندى والمحلق PageV30P242 # ومثله قوله تعالى : { وجد عليه أمة من الناس يسقون } ( القصص : 23 ) ، أي ~~عنده . # وعلى احتمال أن يكون المراد ب { أصحاب الأخدود } المؤمنين المعذبين فيه ، ~~فالقعود حقيقة و ( على ) للاستعلاء الحقيقي ، أي قاعدون على النار بأن ~~كانوا يحرقونهم مربوطين بهيئة القعود لأن ذلك أشد تعذيبا وتمثيلا ، أي بعد ~~أن يقعدوهم في الأخاديد يوقدون النار فيها وذلك أروع وأطول تعذيبا . # وأعيد ضمير { هم } في قوله : { وهم على ما يفعلون } ليتعين أن يكون عائدا ~~إلى بعض أصحاب الأخدود . # وضمير { يفعلون } يجوز أن يعود إلى { أصحاب الأخدود } ، فمعنى كونهم ~~شهودا على ما يفعلونه : أن بعضهم يشهد لبعض عند الملك بأن أحدا لم يفرط ~~فيما وكل به من تحريق المؤمنين ، فضمائر الجمع وصيغته موزعة . # ويجوز أن يعود الضمير إلى ما تقتضيه ms9268 دلالة الاقتضاء من تقسيم أصحاب ~~الأخدود إلى أمراء ومأمورين شأن الأعمال العظيمة ، فلما أخبر عن أصحاب ~~الأخدود بأنهم قعود على النار علم أنهم الموكلون بمراقبة العمال . فعلم أن ~~لهم أتباعا من سعارين ووزعة فهم معاد ضمير يفعلون . # وعلى هذا الوجه يجوز أن يكون شهود جمع شاهد بمعنى مخبر بحق ، وأن يكون ~~بمعنى حاضر ومراقب لظهور أن أحدا لا يشهد على فعل نفسه . # وجملة { وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود } في موضع الحال من ضمير { إذ ~~هم عليها قعود } كأنه قيل : قعود شاهدين على فعلهم بالمؤمنين على الوجهين ~~المتقدمين في معاد ضمير { يفعلون } ، وفائدة هذه الحال تفظيع ذلك القعود ~~وتعظيم جرمه إذ كانوا يشاهدون تعذيب المؤمنين لا يرأفون في ذلك ولا يشمئزون ~~، وبذلك فارق مضمون هذه الجملة مضمون جملة : { إذ هم عليها قعود } باعتبار ~~تعلق قوله : { بالمؤمنين شهود } . # وفي الإتيان بالموصول في قوله : { ما يفعلون بالمؤمنين } من الإبهام ما ~~يفيد أن لموقدي النار من الوزعة والعملة ومن يباشرون إلقاء المؤمنين فيها ~~غلظة وقسوة في تعذيب المؤمنين وإهانتهم والتمثيل بهم ، وذلك زائد على ~~الإحراق . PageV30P243 # وجملة { وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله } في موضع الحال والواو واو ~~الحال أو عاطفة على الحال التي قبلها . # والمقصود التعجيب من ظلم أهل الأخدود أنهم يأتون بمثل هذه الفظاعة لا ~~لجرم من شأنه أن ينقم من فاعله فإن كان الذين خددوا الأخدود يهودا كما كان ~~غالب أهل اليمن يومئذ فالكلام من تأكيد الشيء بما يشبه ضده أي ما نقموا ~~منهم شيئا ينقم بل لأنهم آمنوا بالله وحده كما آمن به الذين عذبوهم . ومحل ~~التعجيب أن الملك ذا نواس وأهل اليمن كانوا متهودين فهم يؤمنون بالله وحده ~~ولا يشركون به فكيف يعذبون قوما آمنوا بالله وحده مثلهم وهذا مثل قوله ~~تعالى : { قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل ~~إلينا وما أنزل من قبل } ( المائدة : 59 ) وإن كان الذين خددوا الأخدود ~~مشركين ( فإن عرب اليمن بقي فيهم من يعبد الشمس ) فليس الاستثناء ms9269 من تأكيد ~~الشيء بما يشبه ضده لأن شأن تأكيد الشيء بما يشبه ضده أن يكون ما يشبه ضد ~~المقصود هو في الواقع من نوع المقصود فلذلك يؤكد به المقصود وما هنا ليس ~~كذلك لأن الملك وجنده نقموا منهم الإيمان بالله حقيقة إن كان الملك مشركا . # وإجراء الصفات الثلاث على اسم الجلالة وهي : { العزيز . الحميد . الذي له ~~ملك السماوات والأرض } لزيادة تقرير أن ما نقموه منهم ليس من شأنه أن ينقم ~~بل هو حقيق بأن يمدحوا به لأنهم آمنوا برب حقيق بأن يؤمن به لأجل صفاته ~~التي تقتضي عبادته ونبذ ما عداه لأنه ينصر مواليه ويثيبهم ولأنه يملكهم ، ~~وما عداه ضعيف العزة لا يضر ولا ينفع ولا يملك منهم شيئا فيقوى التعجيب ~~منهم بهذا . # وجملة : { والله على كل شيء شهيد } تذييل بوعيد للذين اتخذوا الأخدود ~~وبوعد الذين عذبوا في جنب الله ، ووعيد لأمثال أولئك من كفار قريش وغيرهم ~~من كل من تصدوا لأذى المؤمنين ووعد المسلمين الذين عذبهم المشركون مثل ~~بلالل وعمار وصهيب وسمية . PageV30P244 # إن كان هذا جوابا للقسم على قول بعض المفسرين كما تقدم كان ما بين القسم ~~وما بين هذا كلاما معترضا يقصد منه التوطئة لوعيدهم بالعذاب والهلاك بذكر ~~ما توعد به نظيرهم ، وإن كان الجواب في قوله : { قتل أصحاب الأخدود } ( ~~البروج : 4 ) كان قوله : { إن الذين فتنوا المؤمنين } بمنزلة الفذلكة لما ~~أقسم عليه إذ المقصود بالقسم وما أقسم عليه هو تهديد الذين فتنوا المؤمنين ~~والمؤمنات من مشركي قريش . # وتأكيد الخبر ب { إن } للرد على المشركين الذين ينكرون أن تكون عليهم ~~تبعة من فتن المؤمنين . # والذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات : هم مشركو قريش وليس المراد أصحاب ~~الأخدود لأنه لا يلاقي قوله : { ثم لم يتوبوا } إذ هو تعريض بالترغيب في ~~التوبة ، ولا يلاقي دخول الفاء في خبر { إن } من قوله : { فلهم عذاب جهنم } ~~كما سيأتي . # وقد عد من الذين فتنوا المؤمنين أبو جهل رأس الفتنة ومسعرها ، وأمية بن ~~خلف وصفوان بن أمية ، والأسود بن عبد يغوث ، والوليد بن المغيرة ، وأم ~~أنمار ms9270 ، ورجل من بني تيم . # والمفتونون : عد منهم بلال بن رباح كان عبدا لأمية بن خلف فكان يعذبه ، ~~وأبو فكيهة كان عبدا لصفوان بن أمية ، وخباب بن الأرت كان عبدا لأم أنمار ، ~~وعمار بن ياسر ، وأبوه ياسر ، وأخوه عبد الله كانوا عبيدا لأبي حذيفة بن ~~المغيرة فوكل بهم أبا جهل ، وعامر بن فهيرة كان عبدا لرجل من بني تيم . # والمؤمنات المفتونات منهن : حمامة أم بلال أمة أمية بن خلف . وزنيرة ، ~~وأم عنيس كانت أمة للأسود بن عبد يغوث والنهدية . وابنتها كانتا للوليد بن ~~المغيرة ، ولطيفة ، ولبينة بنت فهيرة كانت لعمر بن الخطاب قبل أن يسلم كان ~~عمر يضربها ، وسمية أم عمار بن ياسر كانت لعم أبي جهل . PageV30P245 # وفتن ورجع إلى الشرك الحارث بن ربيعة بن الأسود ، وأبو قيس بن الوليد بن ~~المغيرة ، وعلي بن أمية بن خلف ، والعاصي بن المنبه بن الحجاج . # وعطف { المؤمنات } للتنويه بشأنهن لئلا يظن أن هذه المزية خاصة بالرجال ، ~~ولزيادة تفظيع فعل الفاتنين بأنهم اعتدوا على النساء والشأن أن لا يتعرض ~~لهن بالغلظة . # وجملة : { ثم لم يتوبوا } معترضة . و { ثم } فيها للتراخي الرتبي لأن ~~الاستمرار على الكفر أعظم من فتنة المؤمنين . # وفيه تعريض للمشركين بأنهم إن تابوا وآمنوا سلموا من عذاب جهنم . # والفتن : المعاملة بالشدة والإيقاع في العناء الذي لا يجد منه مخلصا إلا ~~بعناء أو ضر أخف أو حيلة ، وتقدم عند قوله تعالى : { والفتنة أشد من القتل ~~في سورة البقرة . # ودخول الفاء في خبر ( إن ) من قوله : فلهم عذاب جهنم } لأن اسم ( إن ) ~~وقع موصولا والموصول يضمن معنى الشرط في الاستعمال كثيرا : فتقدير : إن ~~الذين فتنوا المؤمنين ثم إن لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ، لأن عطف قوله : { ~~ثم لم يتوبوا } مقصود به معنى التقييد فهو كالشرط . # وجملة : { ولهم عذاب الحريق } عطف في معنى التوكيد اللفظي لجملة : { لهم ~~عذاب جهنم } . واقترانها بواو العطف للمبالغة في التأكيد بإيهام أن من يريد ~~زيادة تهديدهم بوعيد آخر فلا يوجد أعظم من الوعيد الأول . مع ما بين عذاب ~~جهنم وعذاب الحريق ms9271 من اختلاف في المدلول وإن كان مآل المدلولين واحدا . ~~وهذا ضرب من المغايرة يحسن عطف التأكيد . # على أن الزج بهم في عذاب جهنم قبل أن يذوقوا حريقها لما فيه من الخزي ~~والدفع بهم في طريقهم قال تعالى : { يوم يدعون إلى نار جهنم دعا } ( الطور ~~: 13 ) فحصل بذلك اختلاف ما بين الجملتين . # ويجوز أن يراد بالثاني مضاعفة العذاب لهم كقوله تعالى : { الذين كفروا ~~وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب } ( النحل : 88 ) . ~~PageV30P246 # ويجوز أن يراد بعذاب الحريق حريق بغير جهنم وهو ما يضرم عليهم من نار ~~تعذيب قبل يوم الحساب كما جاء في الحديث : ( القبر حفرة من حفر جهنم أو ~~روضة من رياض الجنة ) رواه البيهقي في ( سننه ) عن ابن عمر . # يجوز أن يكون استئنافا بيانيا ناشئا عن قوله : { ثم لم يتوبوا } المقتضي ~~أنهم إن تابوا لم يكن لهم عذاب جهنم فيتشوف السامع إلى معرفة حالهم أمقصورة ~~على السلامة من عذاب جهنم أو هي فوق ذلك ، فأخبر بأن لهم جنات فإن التوبة ~~الإيمان ، فلذلك جيء بصلة { آمنوا } دون : تابوا : ليدل على أن الإيمان ~~والعمل الصالح هو التوبة من الشرك الباعث على فتن المؤمنين ، وهذا ~~الاستئناف وقع معترضا . # ويجوز أن يكون اعتراضا بين جملة { إن الذين فتنوا المؤمنين } ( البروج : ~~10 ) وجملة : { إن بطش ربك لشديد } ( البروج : 12 ) اعتراضا بالبشارة في ~~خلال الإنذار لترغيب المنذرين في الإيمان ، ولتثبيت المؤمنين على ما ~~يلاقونه من أذى المشركين على عادة القرآن في إرداف الإرهاب بالترغيب . # والتأكيد ب { إن } للاهتمام بالخبر . # والإشارة في { ذلك } إلى المذكور من اختصاصهم بالجنات والأنهار . # و { الكبير } : مستعار للشديد في بابه ، والفوز : مصدر . # جملة : { إن بطش ربك لشديد } علة لمضمون قوله : { إن الذين فتنوا ~~المؤمنين إلى قوله : ولهم عذاب الحريق } ( البروج : 10 ) ، أي لأن بطش الله ~~شديد على الذين فتنوا الذين آمنوا به . فموقع { إن } في التعليل يغني عن ~~فاء التسبب . PageV30P247 # وبطش الله يشمل تعذيبه إياهم في جهنم ويشمل ما قبله مما يقع في الآخرة ~~وما يقع في الدنيا قال تعالى ms9272 : { يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون } ( ~~الدخان : 16 ) ووجه الخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم لأن بطش الله بالذين ~~فتنوا المؤمنين فيه نصر للنبيء صلى الله عليه وسلم وتثبيت له . # تصلح لأن تكون استئنافا ابتدائيا انتقل به من وعيدهم بعذاب الآخرة إلى ~~توعدهم بعذاب في الدنيا يكون من بطش الله ، أردف به وعيد عذاب الآخرة لأنه ~~أوقع في قلوب المشركين إذ هم يحسبون أنهم في أمن من العقاب إذ هم لا يصدقون ~~بالبعث فحسبوا أنهم فازوا بطيب الحياة الدنيا . # والمعنى : أن الله يبطش بهم في البدء والعود ، أي في الدنيا والآخرة . # وتصلح لأن تكون تعليلا لجملة : { إن بطش ربك لشديد } ( البروج : 12 ) لأن ~~الذي يبدىء ويعيد قادر على إيقاع البطش الشديد في الدنيا وهو الإبداء ، وفي ~~الآخرة وهو إعادة البطش . # وتصلح لأن تكون إدماجا للاستدلال على إمكان البعث أي أن الله يبدىء الخلق ~~ثم يعيده فيكون كقوله تعالى : { وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون ~~عليه } ( الروم : 27 ) . # والبطش : الأخذ بعنف وشدة ويستعار للعقاب المؤلم الشديد كما هنا . # و { يبدىء } : مرادف يبدأ ، يقال : بدأ وأبدأ . فليست همزة أبدأ للتعدية ~~. # وحذف مفعولا الفعلين لقصد عموم تعلق الفعلين بكل ما يقع ابتداء ، ويعاد ~~بعد ذلك فشمل بدأ الخلق وإعادته وهو البعث ، وشمل البطش الأول في الدنيا ~~والبطش في الآخرة ، وشمل إيجاد الأجيال وأخلافها بعد هلاك أوائلها . وفي ~~هذه الاعتبارات من التهديد للمشركين محامل كثيرة . # وضمير الفصل في قوله : { هو يبدىء } للتقوي ، أي لتحقيق الخبر ولا موقع ~~للقصر هنا . إذ ليس في المقام رد على من يدعي أن غير الله يبدىء ويعيد . ~~وقد PageV30P248 تقدم عند قوله تعالى : { أولئك هم المفلحون في سورة البقرة ~~أن ضمير الفصل يليه الفعل المضارع على قول المازني ، وهو التحقيق . ودليله ~~قوله : ومكر أولئك هو يبور وقد تقدم في سورة فاطر . # ( 14 16 ) } # جملة معطوفة على جملة : { إن بطش ربك لشديد } ( البروج : 12 ) . ومضمونها ~~قسيم لمضمون { إن بطش ربك لشديد } لأنه لما أفيد تعليل مضمون جملة : { إن ~~الذين ms9273 فتنوا المؤمنين } ( البروج : 10 ) إلى آخره ، ناسب أن يقابل بتعليل ~~مضمون جملة { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات } ( البروج : 11 ) ~~إلى آخره ، فعلل بقوله : { وهو الغفور الودود } ، فهو يغفر للذين تابوا ~~وآمنوا وعملوا الصالحات ما فرط منهم وهو يحب التوابين ويودهم . # و { الودود } : فعول بمعنى فاعل مشتق من الود وهو المحبة فمعنى الودود : ~~المحب وهو من أسمائه تعالى ، أي إنه يحب مخلوقاته ما لم يحيدوا عن وصايته . ~~والمحبة التي يوصف الله بها مستعملة في لازم المحبة في اللغة تقريبا للمعنى ~~المتعالي عن الكيف وهو من معنى الرحمة ، وقد تقدم عند قوله تعالى : { إن ~~ربي رحيم ودود في آخر سورة هود . # ولما ذكر الله من صفاته ما تعلقه بمخلوقاته بحسب ما يستأهلونه من جزاء ~~أعقب ذلك بصفاته الذاتية على وجه الاستطراد والتكملة بقوله : ذو العرش ~~المجيد } تنبيها للعباد إلى وجوب عبادته لاستحقاقه العبادة لجلاله كما ~~يعبدونه لاتقاء عقابه ورجاء نواله . # و { العرش } : اسم لعالم يحيط بجميع السماوات ، سمي عرشا لأنه دال على ~~عظمة الله تعالى كما يدل العرش على أن صاحبه من الملوك . # و { المجيد } : العظيم القوي في نوعه ، ومن أمثالهم : ( في كل شجر نار ، ~~واستمجد المرخ والعفار ) وهما شجران يكثر قدح النار من زندهما . ~~PageV30P249 # وقرأه الجمهور بالرفع على أنه خبر رابع عن ضمير الجلالة . وقرأه حمزة ~~والكسائي وخلف بالجر نعتا للعرش فوصف العرش بالمجد كناية عن مجد صاحب العرش ~~. # ثم ذيل ذلك بصفة جامعة لعظمته الذاتية وعظمة نعمه بقوله : { فعال لما ~~يريد } أي إذا تعلقت إرادته بفعل ، فعله على أكمل ما تعلقت به إرادته لا ~~ينقصه شيء ولا يبطىء به ما أراد تعجيله . فصيغة المبالغة في قوله : { فعال ~~} للدلالة على الكثرة في الكمية والكيفية . # والإرادة هنا هي المعرفة عندنا بأنها صفة تخصص الممكن ببعض ما يجوز عليه ~~وهي غير الإرادة بمعنى المحبة مثل { يريد الله بكم اليسر } ( البقرة : 185 ~~) . # ( 17 ، 18 ) # متصل بقوله : { إن بطش ربك لشديد } ( البروج : 12 ) فالخطاب للنبيء صلى ~~الله عليه وسلم للاستدلال على كون بطشه ms9274 تعالى شديدا ببطشينن بطشهما بفرعون ~~وثمود بعد أن علل ذلك بقوله : { إنه هو يبدىء ويعيد } ( البروج : 13 ) فذلك ~~تعليل ، وهذا تمثيل ودليل . # والاستفهام مستعمل في إرادة لتهويل حديث الجنود بأنه يسأل عن علمه ، وفيه ~~تعريض للمشركين بأنهم قد يحل بهم ما حل بأولئك : { وأنه أهلك عادا الأولى ~~وثمودا فما أبقى } إلى قوله : { فبأي ءآلاء ربك تتمارى } ( النجم : 50 55 ) ~~. # والخطاب لغير معين ممن يراد موعظته من المشركين كناية عن التذكير بخبرهم ~~لأن حال المتلبسين بمثل صنيعهم الراكبين رؤوسهم في العناد ، كحال من لا ~~يعلم خبرهم فيسأل هل بلغه خبرهم أو لا ، أو خطابا لغير معين تعجيبا من حال ~~المشركين في إعراضهم عن الاتعاظ بذلك فيكون الاستفهام مستعملا في التعجيب . # والإتيان : مستعار لبلوغ الخبر ، والحديث : الخبر . وتقدم في سورة ~~النازعات . # و { الجنود } : جمع جند وهو العسكر المتجمع للقتال . وأطلق على الأمم ~~التي PageV30P250 تجمعت لمقاومة الرسل كقوله تعالى : { جند ما هنالك مهزوم ~~من الأحزاب } ( ص : 11 ) واستعير الجند للملأ لقوله : { وانطلق الملأ منهم ~~} ( ص : 6 ) ثم رشحت الاستعارة باستعارة مهزوم وهو المغلوب في الحرب ~~فاستعير للمهلك المستأصل من دون حرب . # وأبدل فرعون وثمود من الجنود بدلا مطابقا لأنه أريد العبرة بهؤلاء . # و { فرعون } : اسم لملك مصر من القبط وقد تقدم عند قوله تعالى : { ثم ~~بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه في سورة الأعراف . # والكلام على حذف مضاف لأن فرعون ليس بجند ولكنه مضاف إليه الجند الذين ~~كذبوا موسى عليه السلام وآذوه . فحذف المضاف لنكتة المزاوجة بين اسمين ~~علمين مفردين في الإبدال من الجنود . # وضرب المثل بفرعون لأبي جهل وقد كان يلقب عند المسلمين بفرعون هذه الأمة ~~، وضرب المثل للمشركين بقوم فرعون لأنهم أكبر أمة تألبت على رسول من رسل ~~الله بعثه الله لإعتاق بني إسرائيل من ذل العبودية لفرعون ، وناووه لأنه ~~دعا إلى عبادة الرب الحق فغاظ ذلك فرعون الزاعم أنه إلاه القبط وابن آلهتهم ~~. # وتخصيص ثمود بالذكر من بقية الأمم التي كذبت الرسل من العرب مثل عاد وقوم ~~تبع ms9275 ، ومن غيرهم مثل قوم نوح وقوم شعيب . لما اقتضته الفاصلة السابعة ~~الجارية على حرف الدال من قوله : إن بطش ربك لشديد } ( البروج : 12 ) فإن ~~ذلك لما استقامت به الفاصلة ولم يكن في ذكره تكلف كان من محاسن نظم الكلام ~~إيثاره . # وتقدم ذكر ثمود عند قوله تعالى : { وإلى ثمود أخاهم صالحا في سورة ~~الأعراف . وهو اسم عربي ولكن يطلق على القبيلة التي ينتهي نسبها إليه فيمنع ~~من الصرف بتأويل القبيلة كما هنا . PageV30P251 # ( 19 ، 20 ) } # إضراب انتقالي إلى إعراضهم عن الاعتبار بحال الأمم الذين كذبوا الرسل وهو ~~أنهم مستمرون على التكذيب منغمسون فيه انغماس المظروف في الظرف فجعل تمكن ~~التكذيب من نفوسهم كتمكن الظرف بالمظروف . # وفيه إشارة إلى أن إحاطة التكذيب بهم إحاطة الظرف بالمظروف لا يترك لتذكر ~~ما حل بأمثالهم من الأمم مسلكا لعقولهم ولهذا لم يقل بل الذين كفروا يكذبون ~~كما قال في سورة الانشقاق . # وحذف متعلق التكذيب لظهوره من المقام إذ التقدير : أنهم في تكذيب بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم وبالوحي المنزل إليه وبالبعث . # وجملة : { والله من ورائهم محيط } عطف على جملة : { الذين كفروا في تكذيب ~~} ، أي هم متمكنون من التكذيب والله يسلط عليهم عقابا لا يفلتون منه . ~~فقوله : { والله من ورائهم محيط } تمثيل لحال انتظار العذاب إياهم وهم في ~~غفلة عنه بحال من أحاط به العدو من ورائه وهو لا يعلم حتى إذا رام الفرار ~~والإفلات وجد العدو محيطا به ، وليس المراد هنا إحاطة علمه تعالى بتكذيبهم ~~إذ ليس له كبير جدوى . # وقد قوبل جزاء إحاطة التكذيب بهم بإحاطة العذاب بهم جزاء وفاقا فقوله : { ~~والله من ورائهم محيط } خبر مستعمل في الوعيد والتهديد . # ( 21 ، 22 ) # إضراب إبطالل لتكذيبهم لأن القرآن جاءهم بدلائل بينة فاستمرارهم على ~~التكذيب ناشىء عن سوء اعتقادهم صدق القرآن إذ وصفوه بصفات النقص من قولهم : ~~أساطير الأولين ، إفك مفترى ، قول كاهن ، قول شاعر ، فكان التنويه به جامعا ~~لإبطال جميع ترهاتهم على طريقة الإيجاز . PageV30P252 # و { قرآن } : مصدر قرأ على وزن فعلان الدال على كثرة المعنى مثل ms9276 الشكران ~~والقربان . وهو من القراءة وهي تلاوة كلام صدر في زمن سابق لوقت تلاوة ~~تاليه بمثل ما تكلم به متكلمه سواء كان مكتوبا في صحيفة أم كان ملقنا ~~لتاليه بحيث لا يخالف أصله ولو كان أصله كلام تاليه ولذلك لا يقال لنقل ~~كلام أنه قراءة إلا إذا كان كلاما مكتوبا أو محفوظا . # وكلما جاء { قرآن } منكرا فهو مصدر وأما اسم كتاب الإسلام فهو بالتعريف ~~باللام لأنه علم بالغلبة . # فالإخبار عن الوحي المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم باسم قرآن إشارة ~~عرفية إلى أنه موحى به تعريض بإبطال ما اختلقه المكذبون : أنه أساطير ~~الأولين أو قول كاهن أو نحو ذلك . # ووصف { قرآن } صفة أخرى بأنه مودع في لوح . # واللوح : قطعة من خشب مستوية تتخذ ليكتب فيها . # وسوق وصف { في لوح } مساق التنويه بالقرآن وباللوح ، يعين أن اللوح كائن ~~قدسي من كائنات العالم العلوي المغيبات ، وليس في الآية أكثر من أن اللوح ~~أودع فيه القرآن ، فجعل الله القرآن مكتوبا في لوح علوي كما جعل التوراة ~~مكتوبة في ألواح وأعطاها موسى عليه السلام فقال : { وكتبنا له في الألواح ~~من كل شيء } ( الأعراف : 145 ) وقال : { وألقى الألواح } ( الأعراف : 150 ) ~~وقال : { ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح } ( الأعراف : 154 ) ، وأما ~~لوح القرآن فجعله محفوظا في العالم العلوي . # وبعض علماء الكلام فسروا اللوح بموجود سجلت فيه جميع المخلوقات مجتمعة ~~ومجملة ، وسموا ذلك بالكتاب المبين ، وسموا تسجيل المخلوقات فيه بالقضاء ، ~~وسموا ظهورها في الوجود بالقدر ، وعلى ذلك درج الأصفهاني في ( شرحه على ~~الطوالع ) حسبما نقله المنجور في ( شرح نظم ابن زكري ) مسوقا في قسم ~~العقائد السمعية وفيه نظر . وورد في آثار مختلفة القوة أنه موكل به إسرافيل ~~وأنه كائن عن يمين العرش . واقتضت هذه الآية أن القرآن كله مسجل فيه . ~~PageV30P253 # وجاء في آية سورة الواقعة : { إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون } ( الواقعة ~~: 77 ، 78 ) وهو ظاهر في أن اللوح المحفوظ ، والكتاب المكنون شيء واحد . # وأما المحفوظ والمكنون فبينهما تغاير في المفهوم وعموم وخصوص وجهي في ms9277 ~~الوقوع ، فالمحفوظ : المصون عن كل ما يثلمه وينقصه ولا يليق به وذلك كمال ~~له . والمكنون : الذي لا يباح تناوله لكل أحد وذلك للخشية عليه لنفاسته ولم ~~يثبت حديث صحيح في ذكر اللوح ولا في خصائصه وكل ما هنالك أقوال معزوة لبعض ~~السلف لا تعرف أسانيد عزوها . # وورد أن القلم أول ما خلق الله فقال له : أكتب ، فجرى بما هو كائن إلى ~~الأبد ، رواه الترمذي من حديث عبادة بن الصامت وقال الترمذي : حسن غريب ، ~~وفيه عن ابن عباس اه . # وخلق القلم لا يدل على خلق اللوح لأن القلم يكتب في اللوح وفي غيره . # والمجيد : العظيم في نوعه كما تقدم في قوله : { ذو العرش المجيد } ( ~~البروج : 15 ) ومجد القرآن لأنه أعظم الكتب السماوية وأكثرها معاني وهديا ~~ووعظا ، ويزيد عليها ببلاغته وفصاحته وإعجازه البشر عن معارضته . # ووقع في ( التعريفات ) للسيد الجرجاني : أن الألواح أربعة : # أولها : لوح القضاء السابق على المحو والإثبات وهو لوح العقل الأول . # الثاني : لوح القدر أي النفس الناطقة الكلية وهو المسمى اللوح المحفوظ . # الثالث : لوح النفس الجزئية السماوية التي ينتقش فيها كل ما في هذا ~~العالم بشكله وهيئته ومقداره وهو المسمى بالسماء الدنيا . # الرابع : لوح الهيولى القابل للصورة في عالم الشهادة اه . # وهذا اصطلاح مخلوط بين التصوف والفلسفة . ولعله مما استقراه السيد من ~~كلام عدة علماء . # وقرأ الجمهور : { محفوظ } بالجر على أنه صفة { لوح } . وحفظ اللوح الذي ~~فيه القرآن كناية عن حفظ القرآن . PageV30P254 # وقرأه نافع وحده برفع { محفوظ } على أنه صفة ثانية لقرآن ويتعلق قوله : { ~~في لوح } ب { محفوظ } . وحفظ القرآن يستلزم أن اللوح المودع هو فيه محفوظ ~~أيضا ، فلا جرم حصل من القراءتين ثبوت الحفظ للقرآن وللوح . فأما حفظ ~~القرآن فهو حفظه من التغيير ومن تلقف الشياطين قال تعالى : { إنا نحن نزلنا ~~الذكر وإنا له لحافظون } ( الحجر : 9 ) . # وأما حفظ اللوح فهو حفظه عن تناول غير الملائكة إياه . أو حفظه كناية عن ~~تقديسه كقوله تعالى : { في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون } ( الواقعة : ~~78 ، 79 ) . # PageV30P255 PageV30P256 # | 1 ( سورة الطارق ) 1 ms9278 # روى أحمد بن حنبل عن أبي هريرة : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~يقرأ في العشاء الآخرة بالسماء ذات البروج والسماء والطارق ) اه . فسماها ~~أبو هريرة : ( السماء والطارق ) لأن الأظهر أن الواو من قوله : { والسماء ~~والطارق } واو العطف ، ولذلك لم يذكر لفظ الآية الأولى منها بل أخذ لها ~~اسما من لفظ الآية كما قال في { السماء ذات البروج } ( البروج : 1 ) . # وسميت في كتب التفسير وكتب السنة وفي المصاحف ( سورة الطارق ) لوقوع هذا ~~اللفظ في أولها . وفي ( تفسير الطبري ) ( وأحكام ابن العربي ) ترجمت ( سورة ~~والسماء والطارق ) . # وهي سبع عشرة آية . # وهي مكية بالاتفاق نزلت قبل سنة عشر من البعثة . أخرج أحمد بن حنبل عن ~~خالد بن أبي جبل العدواني : ( أنه أبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~مشرق ثقيف وهو قائم على قوس أو عصا حين أتاهم يبتغي عندهم النصر فسمعته ~~يقول : { والسماء والطارق } ( الطارق : 1 ) حتى ختمها قال : ( فوعيتها في ~~الجاهلية ثم قرأتها في الإسلام ) الحديث . # وعددها في ترتيب نزول السور السادسة والثلاثين . نزلت بعد سورة ( لا أقسم ~~بهذا البلد ) وقبل سورة : ( اقتربت الساعة ) . # أغراضها # إثبات إحصاء الأعمال والجزاء على الأعمال . PageV30P257 # وإثبات إمكان البعث بنقض ما أحاله المشركون ببيان إمكان إعادة الأجسام . # وأدمج في ذلك التذكير بدقيق صنع الله وحكمته في خلق الإنسان . # والتنويه بشأن القرآن . # وصدق ما ذكر فيه من البعث لأن إخبار القرآن به لما استبعدوه وموهوا على ~~الناس بأن ما فيه غير صدق . وتهديد المشركين الذين ناوؤا المسلمين . # وتثبيت النبي صلى الله عليه وسلم ووعده بأن الله منتصر له غير بعيد . # # | 2 ( { والسمآء والطارق * ومآ أدراك ما الطارق * النجم الثاقب * إن كل ~~نفس لما عليها حافظ * فلينظر الإنسان مم خلق * خلق من مآء دافق * يخرج من ~~بين الصلب والترآئب * إنه على رجعه لقادر * يوم تبلى السرآئر * فما له من ~~قوة ولا ناصر * والسمآء ذات الرجع * والارض ذات الصدع * إنه لقول فصل * وما ~~هو بالهزل * إنهم يكيدون كيدا * وأكيد كيدا * فمهل الكافرين أمهلهم رويدا } ~~) 2 ms9279 # افتتاح السورة بالقسم تحقيق لما يقسم عليه وتشويق إليه كما تقدم في ~~سوابقها . ووقع القسم بمخلوقين عظيمين فيهما دلالة على عظيم قدرة خالقهما ~~هما : السماء ، والنجوم ، أو نجم منها عظيم منها معروف ، أو ما يبدو ~~انقضاضه من الشهب كما سيأتي . # و { الطارق } : وصف مشتق من الطروق ، وهو المجيء ليلا لأن عادة العرب أن ~~النازل بالحي ليلا يطرق شيئا من حجر أو وتد إشعارا لرب البيت أن نزيلا نزل ~~به لأن نزوله يقضي بأن يضيفوه ، فأطلق الطروق على النزول ليلا مجازا مرسلا ~~فغلب الطروق على القدوم ليلا . # وأبهم الموصوف بالطارق ابتداء ، ثم زيد إبهاما مشوبا بتعظيم أمره بقوله : ~~{ وما أدراك ما الطارق } ثم بين بأنه : { النجم الثاقب } ليحصل من ذلك مزيد ~~تقرر للمراد بالمقسم به وهو أنه من جنس النجوم ، شبه طلوع النجم ليلا بطروق ~~المسافر الطارق بيتا بجامع كونه ظهورا في الليل . # و { ما أدراك } استفهام مستعمل في تعظيم الأمر ، وقد تقدم عند قوله تعالى ~~: PageV30P258 { وما يدريك لعل الساعة قريب في سورة الشورى ، وعند قوله : ~~وما أدراك ما الحاقة } ( الحاقة : 3 ) وتقدم الفرق بين : ما يدريك ، وما ~~أدراك . # وقوله : { النجم } خبر عن ضمير محذوف تقديره : هو ، أي الطارق النجم ~~الثاقب . # والثقب : خرق شيء ملتئم ، وهو هنا مستعار لظهور النور في خلال ظلمة الليل ~~. شبه النجم بمسمار أو نحوه ، وظهور ضوئه بظهور ما يبدو من المسمار من خلال ~~الجسم الذي يثقبه مثل لوح أو ثوب . # وأحسب أن استعارة الثقب لبروز شعاع النجم في ظلمة الليل من مبتكرات ~~القرآن ولم يرد في كلام العرب قبل القرآن . وقد سبق قوله تعالى : { فأتبعه ~~شهاب ثاقب في سورة الصافات ، ووقع في تفسير القرطبي } : والعرب تقول اثقب ~~نارك ، أي أضئها ، وساق بيتا شاهدا على ذلك ولم يعزه إلى قائل . # والتعريف في { النجم } يجوز أن يكون تعريف الجنس كقول النابغة : # أقول والنجم قد مالت أواخره . . . البيت # فيستغرق جميع النجوم استغراقا حقيقيا وكلها ثاقب فكأنه قيل ، والنجوم ، ~~إلا أن صيغة الإفراد في قوله : { الثاقب } ظاهر في إرادة فرد ms9280 معين من ~~النجوم ، ويجوز أن يكون التعريف للعهد إشارة إلى نجم معروف يطلق عليه اسم ~~النجم غالبا ، أي والنجم الذي هو طارق . # ويناسب أن يكون نجما يطلع في أوائل ظلمة الليل وهي الوقت المعهود لطروق ~~الطارقين من السائرين . ولعل الطارق هو النجم الذي يسمى الشاهد ، وهو نجم ~~يظهر عقب غروب الشمس ، وبه سميت صلاة المغرب ( صلاة الشاهد ) . # روى النسائي : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن هذه الصلاة ( أي ~~العصر ) فرضت على من كان قبلكم فضيعوها ) إلى قوله : ( ولا صلاة بعدها حتى ~~يطلع الشاهد ) . # وقيل : أريد ب { الطارق } نوع الشهب ، روي عن جابر بن زيد : أن النجم ~~الطارق هو كوكب زحل ( لأنه مبرز على الكواكب بقوة شعاعه ) . وعنه : أنه ~~الثريا PageV30P259 ( لأن العرب تطلق عليها النجم علما بالغلبة ) ، وعن ابن ~~عباس : أنه نجوم برج الجدي ، ولعل ذلك النجم كان معهودا عند العرب واشتهر ~~في ذلك في نجم الثريا . # وقيل : أريد بالطارق نوع الشهب ( أي لأن الشهاب ينقض فيلوح كأنه يجري في ~~السماء كما يسير السائر إذا أدركه الليل ) . فالتعريف في لفظ { النجم } ~~للاستغراق ، وخص عمومه بوقوعه خبرا عن ضمير { الطارق } أي أن الشهاب عند ~~انقضاضه يرى سائرا بسرعة ثم يغيب عن النظر فيلوح كأنه استقر فأشبه إسراع ~~السائر ليلا ليبلغ إلى الأحياء المعمورة فإذا بلغها وقف سيره . # وجواب القسم هو قوله : { إن كل نفس لما عليها حافظ } جعل كناية تلويحية ~~رمزية عن المقصود . وهو إثبات البعث فهو كالدليل على إثباته ، فإن إقامة ~~الحافظ تستلزم شيئا يحفظه وهو الأعمال خيرها وشرها ، وذلك يستلزم إرادة ~~المحاسبة عليها والجزاء بما تقتضيه جزاء مؤخرا بعد الحياة الدنيا لئلا تذهب ~~أعمال العاملين سدى وذلك يستلزم أن الجزاء مؤخر إلى ما بعد هذه الحياة إذ ~~المشاهد تخلف الجزاء في هذه الحياة بكثرة ، فلو أهمل الجزاء لكان إهماله ~~منافيا لحكمة الإلاه الحكيم مبدع هذا الكون كما قال : { أفحسبتم إنما ~~خلقناكم عبثا } ( المؤمنون : 115 ) وهذا الجزاء المؤخر يستلزم إعادة حياة ~~للذوات الصادرة منها الأعمال . # فهذه لوازم أربعة بها ms9281 كانت الكناية تلويحية رمزية . # وقد حصل مع هذا الاستدلال إفادة أن على الأنفس حفظة فهو إدماج . # والحافظ : هو الذي يحفظ أمرا ولا يهمله ليترتب عليه غرض مقصود . # وقرأ الجمهور : { لما } بتخفيف الميم ، وقرأه ابن عامر وحمزة وأبو جعفر ~~وخلف بتشديد الميم . # فعلى قراءة تخفيف الميم تكون ( إن ) مخففة من الثقيلة و { لما } مركبة من ~~اللام الفارقة بين ( إن ) النافية و ( إن ) المخففة من الثقيلة ومعها ( ما ~~) الزائدة بعد اللام للتأكيد وأصل الكلام : إن كل نفس لعليها حافظ . ~~PageV30P260 # وعلى قراءة تشديد الميم تكون ( إن ) نافية و { لما } حرف بمعنى ( إلا ) ~~فإن ( لما ) ترد بمعنى ( إلا ) في النفي وفي القسم ، تقول : سألتك لما فعلت ~~كذا أي إلا فعلت ، على تقدير : ما أسألك إلا فعل كذا فآلت إلى النفي وكل من ~~( إن ) المخففة و ( إن ) النافية يتلقى بها القسم . # وقد تضمن هذا الجواب زيادة على إفادته تحقيق الجزاء إنذارا للمشركين بأن ~~الله يعلم اعتقادهم وأفعالهم وأنه سيجازيهم على ذلك . # ( 5 7 ) # الفاء لتفريع الأمر بالنظر في الخلقة الأولى ، على ما أريد من قوله : { ~~إن كل نفس لما عليها حافظ } ( الطارق : 4 ) من لوازم معناه ، وهو إثبات ~~البعث الذي أنكروه على طريقة الكناية التلويحية الرمزية كما تقدم آنفا ، ~~فالتقدير : فإن رأيتم البعث محالا فلينظر الإنسان مم خلق ليعلم أن الخلق ~~الثاني ليس بأبعد من الخلق الأول . # فهذه الفاء مفيدة مفاد فاء الفصيحة . # والنظر : نظر العقل ، وهو التفكر المؤدي إلى علم شيء بالاستدلال فالمأمور ~~به نظر المنكر للبعث في أدلة إثباته كما يقتضيه التفريع على : { إن كل نفس ~~لما عليها حافظ } ( الطارق : 4 ) . # و ( من ) من قوله : { مم خلق } ابتدائية متعلقة ب { خلق } . والمعنى : ~~فليتفكر الإنسان في جواب : ما شيء خلق منه ؟ فقدم المتعلق على عامله تبعا ~~لتقديم ما اتصلت به من ( من ) اسم الاستفهام . # و ( ما ) استفهامية علقت فعل النظر العقلي عن العمل . # والاستفهام مستعمل في الإيقاظ والتنبيه إلى ما يجب علمه كقوله تعالى : { ~~من أي شيء خلقه } ( عبس : 18 ) فالاستفهام هنا مجاز مرسل ms9282 مركب . # وحذف ألف ( ما ) الاستفهامية على طريقة وقوعها مجرورة . PageV30P261 # ولكون الاستفهام غير حقيقي أجاب عنه المتكلم بالاستفهام على طريقة قوله : ~~{ عم يتساءلون عن النبأ العظيم } ( النبأ : 1 ، 2 ) . # و { الإنسان } مراد به خصوص منكر البعث كما علمت آنفا من مقتضى التفريع ~~في قوله : { فلينظر } إلخ . # ومعنى { دافق } خارج بقوة وسرعة والأشهر أنه يقال على نطفة الرجل . # وصيغة { دافق } اسم فاعل من دفق القاصر ، وهو قول فريق من اللغويين . ~~وقال الجمهور : لا يستعمل دفق قاصرا . وجعلوا دافقا بمعنى اسم المفعول ~~وجعلوا ذلك من النادر . # وعن الفراء : أهل الحجاز يجعلون المفعول فاعلا ، إذا كان في طريقة النعت ~~. وسيبويه جعله من صيغ النسب كقولهم : لابن وتامر ، ففسر دافق : بذي دفق . # والأحسن أن يكون اسم فاعل ويكون دفق مطاوع دفقه كما جعل العجاج جبر بمعنى ~~انجبر في قوله : # قد جبر الدين الإلاه فجبر # وأنه سماعي . # وأطنب في وصف هذا الماء الدافق لإدماج التعليم والعبرة بدقائق التكوين ~~ليستيقظ الجاهل الكافر ويزداد المؤمن علما ويقينا . # ووصف أنه يخرج من { بين الصلب والترائب } لأن الناس لا يتفطنون لذلك . # والخروج مستعمل في ابتداء التنقل من مكان إلى مكان ولو بدون بروز فإن ~~بروز هذا الماء لا يكون من بين الصلب والترائب . # و { الصلب } : العمود العظمي الكائن في وسط الظهر ، وهو ذو الفقرات . # و { الترائب } : جمع تريبة ، ويقال : تريب . ومحرر أقوال اللغويين فيها ~~أنها عظام الصدر التي بين الترقوتين والثديين ووسموه بأنه موضع القلادة من ~~المرأة . PageV30P262 # والترائب تضاف إلى الرجل وإلى المرأة ، ولكن أكثر وقوعها في كلامهم في ~~أوصاف النساء لعدم احتياجهم إلى وصفها في الرجال . # وقوله : { يخرج من بين الصلب والترائب } الضمير عائد إلى { ماء دافق } ~~وهو المتبادر فتكون جملة { يخرج } حالا من { ماء دافق } أي يمر ذلك الماء ~~بعد أن يفرز من بين صلب الرجل وترائبه . وبهذا قال سفيان والحسن ، أي أن ~~أصل تكون ذلك الماء وتنقله من بين الصلب والترائب ، وليس المعنى أنه يمر ~~بين الصلب والترائب إذ لا يتصور ممر بين الصلب والترائب لأن الذي ms9283 بينهما هو ~~ما يحويه باطن الصدر والضلوع من قلب ورئتين . # فجعل الإنسان مخلوقا من ماء الرجل لأنه لا يتكون جسم الإنسان في رحم ~~المرأة إلا بعد أن يخالطها ماء الرجل فإذا اختلط ماء الرجل بما يسمى ماء ~~المرأة وهو شيء رطب كالماء يحتوي على بويضات دقيقة يثبت منها ما يتكون منه ~~الجنين ويطرح ما عداه . # وهذا مخاطبة للناس بما يعرفون يومئذ بكلام مجمل مع التنبيه على أن خلق ~~الإنسان من ماء الرجل وماء المرأة بذكر الترائب لأن الأشهر أنها لا تطلق ~~إلا على ما بين ثديي المرأة . # ولا شك أن النسل يتكون من الرجل والمرأة فيتكون من ماء الرجل وهو سائل ~~فيه أجسام صغيرة تسمى في الطب الحيوانات المنوية ، وهي خيوط مستطيلة مؤلفة ~~من طرف مسطح بيضوي الشكل وذنب دقيق كخيط ، وهذه الخيوط يكون منها تلقيح ~~النسل في رحم المرأة ، ومقرها الأنثيان وهما الخصيتان فيندفع إلى رحم ~~المرأة . # ومن ماء هو للمرأة كالمني للرجل ويسمى ماء المرأة ، وهو بويضات دقيقة ~~كروية الشكل تكون في سائل مقره حويصلة من حويصلات يشتمل عليها مبيضان ~~للمرأة وهما بمنزلة الأنثيين للرجل فهما غدتان تكونان في جانبي رحم المرأة ~~، وكل مبيض يشتمل على عدد من الحويصلات يتراوح من عشر إلى عشرين . وخروج ~~البيضة من الحويصلة يكون عند انتهاء نمو الحويصلة فإذا انتهى PageV30P263 ~~نموها انفجرت فخرجت البيضة في قناة تبلغ بها إلى تجويف الرحم ، وإنما يتم ~~بلوغ البيضة النمو وخروجها من الحويصلة في وقت حيض المرأة فلذلك يكثر ~~العلوق إذا باشر الرجل المرأة بقرب انتهاء حيضها . # وأصل مادة كلا الماءين مادة دموية تنفصل عن الدماغ وتنزل في عرقين خلف ~~الأذنين ، فأما في الرجل فيتصل العرقان بالنخاع ، وهو الصلب ثم ينتهي إلى ~~عرق يسمى الحبل المنوي مؤلف من شرايين وأوردة وأعصابب وينتهي إلى الأنثيين ~~وهما الغدتان اللتان تفرزانن المني فيتكون هنالك بكيفية دهنية وتبقى منتشرة ~~في الأنثيين إلى أن تفرزها الأنثيان مادة دهنية شحمية وذلك عند دغدغة ولذع ~~القضيب المتصل بالأنثيين فيندفق في رحم المرأة . # وأما بالنسبة ms9284 إلى المرأة فالعرقان اللذان خلف الأذنين يمران بأعلى صدر ~~المرأة وهو الترائب لأن فيه موضع الثديين وهما من الأعضاء المتصلة بالعروق ~~التي يسير فيها دم الحيض الحامل للبويضات التي منها النسل ، والحيض يسيل من ~~فوهات عروق في الرحم ، وهي عروق تنفتح عند حلول إبان المحيض وتنقبض عقب ~~الطهر . والرحم يأتيها عصب من الدماغ . # وهذا من الإعجاز العلمي في القرآن الذي لم يكن علم به للذين نزل بينهم ، ~~وهو إشارة مجملة وقد بينها حديث مسلم عن أم سلمة وعائشة : ( أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم سئل عن احتلام المرأة ، فقال : تغتسل إذا أبصرت الماء ~~فقيل له : أترى المرأة ذلك فقال : ( وهل يكون الشبه إلا من قبل ذلك إذا علا ~~ماء المرأة ماء الرجل أشبه الولد أخواله وإذا علا ماء الرجل ماءها أشبه ~~أعمامه ) . # ( 8 10 ) # استئناف بياني ناشىء عن قوله : { فلينظر الإنسان مم خلق } ( الطارق : 5 ) ~~لأن السامع يتساءل عن المقصد من هذا الأمر بالنظر في أصل الخلقة ، وإذ قد ~~كان ذلك النظر نظر استدلال فهذا الاستئناف البياني له يتنزل منزلة نتيجة ~~الدليل ، فصار PageV30P264 المعنى : أن الذي خلق الإنسان من ماء دافق قادر ~~على إعادة خلقه بأسباب أخرى وبذلك يتقرر إمكان إعادة الخلق ويزول ما زعمه ~~المشركون من استحالة تلك الإعادة . # وضمير { إنه } عائد إلى الله تعالى وإن لم يسبق ذكر لمعاد ولكن بناء ~~الفعل للمجهول في قوله : { خلق من ماء دافق } ( الطارق : 6 ) يؤذن بأن ~~الخالق معروف لا يحتاج إلى ذكر اسمه ، وأسند الرجع إلى ضميره دون سلوك ~~طريقة البناء للمجهول كما في قوله : { خلق } لأن المقام مقام إيضاح وتصريح ~~بأن الله هو فاعل ذلك . # وضمير { رجعه } عائد إلى { الإنسان } ( الطارق : 5 ) . # والرجع : مصدر رجعه المتعدي . ولا يقال في مصدر رجع القاصر إلا الرجوع . # و { يوم تبلى السرائر } متعلق ب { رجعه } أي يرجعه يوم القيامة . # و { السرائر } : جمع سريرة وهي ما يسره الإنسان ويخفيه من نواياه وعقائده ~~. # وبلو السرائر ، اختبارها وتمييز الصالح منها عن الفاسد ، وهو كناية عن ~~الحساب ms9285 عليها والجزاء ، وبلو الأعمال الظاهرة والأقوال مستفاد بدلالة ~~الفحوى من بلو السرائر . # ولما كان بلو السرائر مؤذنا بأن الله عليم بما يستره الناس من الجرائم ~~وكان قوله : { يوم تبلى السرائر } مشعرا بالمؤاخذة على العقائد الباطلة ~~والأعمال الشنيعة فرع عليه قوله : { فما له من قوة ولا ناصر } ، فالضمير ~~عائد إلى { الإنسان } ( الطارق : 5 ) . والمقصود ، المشركون من الناس لأنهم ~~المسوق لأجلهم هذا التهديد ، أي فما للإنسان المشرك من قوة يدفع بها عن ~~نفسه وما له من ناصر يدافع عنه . PageV30P265 # ( 11 14 ) { } # بعد أن تبين الدليل على إمكان البعث أعقب بتحقيق أن القرآن حق وأن ما فيه ~~قول فصل إبطالا لما موه عليهم من أن أخباره غير صادقة إذ قد أخبرهم بإحياء ~~الرمم البالية . # فالجملة استئناف ابتدائي لغرض من أغراض السورة . # وافتتح الكلام بالقسم تحقيقا لصدق القرآن في الإخبار بالبعث وفي غير ذلك ~~مما اشتمل عليه من الهدى . ولذلك أعيد القسم ب { السماء } كما أقسم بها في ~~أول السورة ، وذكر من أحوال السماء ما له مناسبة بالمقسم عليه ، وهو الغيث ~~الذي به صلاح الناس ، فإن إصلاح القرآن للناس كإصلاح المطر . وفي الحديث : ~~( مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا ) . ~~الحديث . # وفي اسم الرجع مناسبة لمعنى البعث في قوله : { إنه على رجعه لقادر } ( ~~الطارق : 8 ) وفيه محسن الجناس التام وفي مسمى الرجع وهو المطر المعاقب ~~لمطر آخر مناسبة لمعنى الرجع البعث فإن البعث حياة معاقبة بحياة سابقة . # وعطف { الأرض } في القسم لأن بذكر الأرض إتمام المناسبة بين المقسم ~~والمقسم عليه كما علمت من المثل الذي في الحديث . # و { الصدع } : الشق ، وهو مصدر بمعنى المفعول ، أي المصدوع عنه ، وهو ~~النبات الذي يخرج من شقوق الأرض قال تعالى : { أنا صببنا الماء صبا ثم ~~شققنا الأرض شقا فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا } ( عبس : 25 ~~29 ) . # ولأن في هذين الحالين إيماء إلى دليل آخر من دلائل إحياء الناس للبعث ~~فكان في هذا القسم دليلان . # والضمير الواقع اسما ل ( إن ) عائد ms9286 إلى القرآن وهو معلوم من المقام . ~~PageV30P266 # والفصل مصدر بمعنى التفرقة ، والمراد أنه يفصل بين الحق والباطل ، أي ~~يبين الحق ويبطل الباطل ، والإخبار بالمصدر للمبالغة ، أي إنه لقول فاصل . # وعطف { وما هو بالهزل } بعد الثناء على القرآن بأنه ( قول فصل ) يتعين ~~على المفسر أن يتبين وجه هذا العطف ومناسبته ، والذي أراه في ذلك أنه أعقب ~~به الثناء على القرآن ردا على المشركين إذ كانوا يزعمون أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم جاء يهزل إذ يخبر بأن الموتى سيحيون ، يريدون تضليل عامتهم حين ~~يسمعون قوارع القرآن وإرشاده وجزالة معانيه يختلقون لهم تلك المعاذير ~~ليصرفوهم عن أن يتدبروا القرآن وهو ما حكاه الله عنهم في قوله : { وقال ~~الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه } ( فصلت : 26 ) فالهزل على ~~هذا الوجه هو ضد الجد أعني المزح واللعب ، ومثل هذه الصفة إذا وردت في ~~الكلام البليغ لا محمل لها إلا إرادة التعريض وإلا كانت تقصيرا في المدح لا ~~سيما إذا سبقتها محمدة من المحامد العظيمة . # ويجوز أن يطلق الهزل على الهذيان قال تعالى : { وما هو بالهزل } أي ~~بالهذيان . # ( 15 16 ) # استئناف بياني ينبىء عن سؤال سائل يعجب من إعراضهم عن القرآن مع أنه قول ~~فصل ويعجب من معاذيرهم الباطلة مثل قولهم : هو هزل أو هذيان أو سحر ، فبين ~~للسامع أن عملهم ذلك كيد مقصود . فهم يتظاهرون بأنهم ما يصرفهم عن التصديق ~~بالقرآن إلا ما تحققوه من عدم صدقه ، وهم إنما يصرفهم عن الإيمان به الحفاظ ~~على سيادتهم فيضللون عامتهم بتلك التعلات الملفقة . # والتأكيد ب ( إن ) لتحقيق هذا الخبر لغرابته ، وعليه فقوله : { وأكيد ~~كيدا } تتميم وإدماج وإنذار لهم حين يسمعونه . # ويجوز أن يكون قوله : { إنهم يكيدون كيدا } موجها إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم تسلية له على أقوالهم في القرآن الراجعة إلى تكذيب من جاء ~~بالقرآن . أي إنما يدعون أنه هزل لقصد الكيد وليس لأنهم يحسبونك كاذبا على ~~نحو قوله تعالى : { فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون } ( ~~الأنعام : 33 ) . PageV30P267 # والضمير الواقع اسما ms9287 ل ( إن ) عائد إلى ما فهم من قوله تعالى : { إنه ~~لقول فصل وما هو بالهزل } ( الطارق : 13 ، 14 ) من الرد على الذين يزعمون ~~القرآن بعكس ذلك ، أي أن المشركين المكذبين يكيدون . # وجملة : { وأكيد كيدا } تثبيت للرسول صلى الله عليه وسلم ووعد بالنصر . # و { كيدا } في الموضعين مفعول مطلق مؤكد لعامله وقصد منه مع التوكيد ~~تنوين تنكيره الدال على التعظيم . # والكيد : إخفاء قصد الضر وإظهار خلافه ، فكيدهم مستعمل في حقيقته ، وأما ~~الكيد المسند إلى ضمير الجلالة فهو مستعمل في الإمهال مع إرادة الانتقام ~~عند وجود ما تقتضيه الحكمة من إنزاله بهم وهو استعارة تمثيلية ، شبهت هيئة ~~إمهالهم وتركهم مع تقدير إنزال العقاب بهم بهيئة الكائد يخفي إنزال ضره ~~ويظهر أنه لا يريده وحسنها محسن المشاكلة . # الفاء لتفريع الأمر بالإمهال على مجموع الكلام السابق من قوله : { إنه ~~لقول فصل } ( الطارق : 13 ) بما فيه من تصريح وتعريض وتبيين ووعد بالنصر ، ~~أي فلا تستعجل لهم بطلب إنزال العقاب فإنه واقع بهم لا محالة . # والتمهيل : مصدر مهل بمعنى أمهل ، وهو الإنظار إلى وقت معين أو غير معين ~~، فالجمع بين ( مهل ) و { أمهلهم } تكرير للتأكيد لقصد زيادة التسكين ، ~~وخولف بين الفعلين في التعدية مرة بالتضعيف وأخرى بالهمز لتحسين التكرير . # والمراد ب { الكافرين } ما عاد عليه ضمير { إنهم يكيدون } ( الطارق : 15 ~~) فهو إظهار في مقام الإضمار للنداء عليهم بمذمة الكفر ، فليس المراد جميع ~~الكافرين بل أريد الكافرون المعهودون . # و { رويدا } تصغير رود بضم الراء بعدها واو ، ولعله اسم مصدر ، وأما ~~PageV30P268 قياس مصدره فهو رود بفتح الراء وسكون الواو ، وهو المهل وعدم ~~العجلة وهو مصدر مؤكد لفعل { أمهلهم } فقد أكد قوله : { فمهل الكافرين } ~~مرتين . # والمعنى : انتظر ما سيحل بهم ولا تستعجل لهم انتظار تربص واتياد فيكون { ~~رويدا } كناية عن تحقق ما يحل بهم من العقاب لأن المطمئن لحصول شيء لا ~~يستعجل به . # وتصغيره للدلالة على التقليل ، أي مهلة غير طويلة . # ويجوز أن يكون { رويدا } هنا اسم فعل للأمر ، كما في قولهم : رويدك ، لأن ~~اقترانه بكاف الخطاب إذا أريد ms9288 به اسم الفعل ليس شرطا ، ويكون الوقف على ~~قوله : { الكافرين } و { رويدا } كلاما مستقلا ، فليس وجود فعل من معناه ~~قبله بدليل على أنه مراد به المصدر ، أي تصبر ولا تستعجل نزول العذاب بهم ~~فيكون كناية عن الوعد بأنه واقع لا محالة . # PageV30P269 PageV30P270 # | 1 ( سورة الأعلى ) 1 # هذه السورة وردت تسميتها في السنة سورة : { سبح اسم ربك الأعلى } ففي ( ~~الصحيحين ) عن جابر بن عبد الله قال : ( قام معاذ فصلى العشاء الآخرة فطول ~~فشكاه بعض من صلى خلفه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم ( أفتان أنت يا معاذ أين كنت عن سبح اسم ربك الأعلى والضحى ) اه ~~. # وفي ( صحيح البخاري ) عن البراء بن عازب قال : ( ما جاء رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم المدينة حتى قرأت سبح اسم ربك الأعلى ) في سور مثلها . # وروى الترمذي عن النعمان بن بشير : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كان يقرأ في العيد ويوم الجمعة سبح اسم ربك الأعلى وهل أتاك حديث الغاشية ) ~~. # وسمتها عائشة ( سبح ) . روى أبو داود والترمذي عنها : ( كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقرأ في الوتر في الركعة الأولى سبح ) الحديث . فهذا ظاهر ~~في أنها أرادت التسمية لأنها لم تأتي بالجملة القرآنية كاملة ، وكذلك سماها ~~البيضاوي وابن كثير . لأنها اختصت بالافتتاح بكلمة ( سبح ) بصيغة الأمر . # وسماها أكثر المفسرين وكتاب المصاحف ( سورة الأعلى ) لوقوع صفة الأعلى ~~فيها دون غيرها . # وهي مكية في قول الجمهور وحديث البراء بن عازب الذي ذكرناه آنفا يدل عليه ~~، وعن ابن عمر وابن عباس أن قوله تعالى : { قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه ~~فصلى } ( الأعلى : 14 15 ) نزل في صلاة العيد وصدقة الفطر ، أي فهما ~~مدنيتان فتكون السورة بعضها مكي وبعضها مدني . # وعن الضحاك أن السورة كلها مدنية . PageV30P271 # وما اشتملت عليه من المعاني يشهد لكونها مكية وحسبك بقوله تعالى : { ~~سنقرئك فلا تنسى } ( الأعلى : 6 ) . # وهي معدودة ثامنة في ترتيب نزول السور عند جابر بن زيد نزلت بعد سورة ~~التكوير وقبل سورة الليل ms9289 . وروي عن ابن عباس وعكرمة والحسن أنها سابعة ~~قالوا : أول ما نزل من القرآن : اقرأ باسم ربك ، ثم ن ، ثم المزمل ، ثم ~~المدثر ، ثم تبت ، ثم إذا الشمس كورت ، ثم سبح اسم ربك . وأما جابر بن زيد ~~فعد الفاتحة بعد المدثر ثم عد البقية فهي عنده ثامنة ، فهي من أوائل السور ~~وقوله تعالى : { سنقرئك فلا تنسى ينادي على ذلك . # وعدد آيها تسع عشرة آية باتفاق أهل العدد . # أغراضها # اشتملت على تنزيه الله تعالى والإشارة إلى وحدانيته لانفراده بخلق ~~الإنسان وخلق ما في الأرض مما فيه بقاؤه . # وعلى تأييد النبي وتثبيته على تلقي الوحي . # وأن الله معطيه شريعة سمحة وكتابا يتذكر به أهل النفوس الزكية الذين ~~يخشون ربهم ، ويعرض عنهم أهل الشقاوة الذين يؤثرون الحياة الدنيا ولا ~~يعبأون بالحياة الأبدية . # وأن ما أوحي إليه يصدقه ما في كتب الرسل من قبله وذلك كله تهوين لما ~~يلقاه من إعراض المشركين . # $ 2 ( { سبح اسم ربك الاعلى * الذى خلق فسوى * والذى قدر فهدى * والذى & # 1764 أخرج المرعى * فجعله غثآء أحوى * سنقرئك فلا تنسى * إلا ما شآء الله ~~إنه يعلم الجهر وما يخفى * ونيسرك لليسرى * فذكر إن نفعت الذكرى * سيذكر من ~~يخشى * ويتجنبها الاشقى * الذى يصلى النار الكبرى * ثم لا يموت فيها ولا ~~يحيا * قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى * بل تؤثرون الحيواة الدنيا * ~~والاخرة خير وأبقى * إن هاذا لفى الصحف الاولى * صحف إبراهيم وموسى } ) 2 $ ~~الافتتاح بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يسبح اسم ربه بالقول ، يؤذن ~~بأنه سيلقي إليه عقبه بشارة وخيرا له وذلك قوله : { سنقرئك فلا تنسى } ( ~~الأعلى : 6 ) الآيات كما سيأتي ففيه براعة استهلال . PageV30P272 # والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم # والتسبيح : التنزيه عن النقائص وهو من الأسماء التي لا تضاف لغير اسم ~~الله تعالى وكذلك الأفعال المشتقة منه لا ترفع ولا تنصب على المفعولية إلا ~~ما هو اسم لله ، وكذلك أسماء المصدر منه نحو : سبحان الله ، وهو من المعاني ~~الدينية ، فالأشبه أنه منقول إلى العربية من العبرانية وقد ms9290 تقدم عند قوله ~~تعالى : { ونحن نسبح بحمدك في سورة البقرة . # وإذ عدي فعل الأمر بالتسبيح هنا إلى اسم فقد تعين أن المأمور به قول دال ~~على تنزيه الله بطريقة إجراء الأخبار الطيبة أو التوصيف بالأوصاف المقدسة ~~لإثباتها إلى ما يدل على ذاته تعالى من الأسماء والمعاني ، ولما كان أقوالا ~~كانت متعلقة باسم الله باعتبار دلالته على الذات ، فالمأمور به إجراء ~~الأخبار الشريفة والصفات الرفيعة على الأسماء الدالة على الله تعالى من ~~أعلام وصفات ونحوها ، وذلك آيل إلى تنزيه المسمى بتلك الأسماء . ولهذا يكثر ~~في القرآن إناطة التسبيح بلفظ اسم الله نحو قوله : فسبح باسم ربك العظيم } ~~( الواقعة : 74 ) وقد تقدم ذلك في مبحث الكلام على البسملة في أول هذا ~~التفسير . # فتسبيح اسم الله النطق بتنزيهه في الخويصة وبين الناس بذكر يليق بجلاله ~~من العقائد والأعمال كالسجود والحمد . ويشمل ذلك استحضار الناطق بألفاظ ~~التسبيح معاني تلك الألفاظ إذ المقصود من الكلام معناه . وبتظاهر النطق مع ~~استحضار المعنى يتكرر المعنى على ذهن المتكلم ويتجدد ما في نفسه من تعظيم ~~لله تعالى . # وأما تفكر العبد في عظمة الله تعالى وترديد تنزيهه في ذهنه فهو تسبيح ~~لذات الله ومسمى اسمه ولا يسمى تسبيح اسمم الله ، لأن ذلك لا يجري على لفظ ~~من أسماء الله تعالى ، فهذا تسبيح ذات الله وليس تسبيحا لاسمه . # وهذا ملاك التفرقة بين تعلق لفظ التسبيح بلفظ اسم الله نحو { سبح اسم ربك ~~} ، وبين تعلقه بدون اسم نحو { ومن الليل فاسجد له وسبحه } ( الإنسان : 26 ~~) ونحو { ويسبحونه وله يسجدون } ( الأعراف : 206 ) فإذا قلنا : { الله أحد ~~} ( الإخلاص : 1 ) أو قلنا : { هو الله الذي لا إلاه إلا هو الملك القدوس ~~السلام } ( الحشر : 23 ) إلى آخر السورة كان ذلك تسبيحا لاسمه PageV30P273 ~~تعالى ، وإذا نفينا الإلاهية عن الأصنام لأنها لا تخلق كما في قوله تعالى : ~~{ إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له } ( الحج : ~~73 ) كان ذلك تسبيحا لذات الله لا لاسمه لأن اسمه لم يجر عليه في هذا ~~الكلام إخبار ms9291 ولا توصيف . # فهذا مناط الفرق بين استعمال { سبح اسم ربك } واستعمال { وسبحه } ومآل ~~الإطلاقين في المعنى واحد لأن كلا الإطلاقين مراد به الإرشاد إلى معرفة أن ~~الله منزه عن النقائص . # واعلم أن مما يدل على إرادة التسبيح بالقول وجود قرينة في الكلام تقتضيه ~~مثلل التوقيت بالوقت في قوله تعالى : { وسبحوه بكرة وأصيلا } ( الأحزاب : ~~42 ) فإن الذي يكلف بتوقيته هو الأقوال والأفعال دون العقائد ، ومثل تعدية ~~الفعل بالباء مثل قوله تعالى : { وسبحوا بحمد ربهم } ( السجدة : 15 ) فإن ~~الحمد قول فلا يصاحب إلا قولا مثله . # وتعريف : { اسم } بطريق الإضافة إلى { ربك } دون تعريفه بالإضافة إلى علم ~~الجلالة نحو : سبح اسم الله ، لما يشعر به وصف رب من أنه الخالق المدبر . ~~وأما إضافة ( رب ) إلى ضمير الرسول صلى الله عليه وسلم فلتشريفه بهذه ~~الإضافة وأن يكون له حظ زائد على التكليف بالتسبيح . # ثم أجري على لفظ { ربك } صفة { الأعلى } وما بعدها من الصلات الدالة على ~~تصرفات قدرته ، فهو مستحق للتنزيه لصفات ذاته ولصفات إنعامه على الناس ~~بخلقهم في أحسن تقويم ، وهدايتهم ، ورزقهم ، ورزق أنعامهم ، للإيماء إلى ~~موجب الأمر بتسبيح اسمه بأنه حقيق بالتنزيه استحقاقا لذاته ولوصفه بصفة أنه ~~خالق المخلوقات خلقا يدل على العلم والحكمة وإتقان الصنع ، وبأنه أنعم ~~بالهدى والرزق الذين بهما استقامة حال البشر في النفس والجسد وأوثرت الصفات ~~الثلاث الأول لما لها من المناسبة لغرض السورة كما سنبينه . # فلفظ { الأعلى } اسم يفيد الزيادة في صفة العلو ، أي الارتفاع . ~~والارتفاع معدود في عرف الناس من الكمال فلا ينسب العلو بدون تقييد إلا إلى ~~شيء غير مذموم في العرف ، ولذلك إذا لم يذكر مع وصف الأعلى مفضل عليه أفاد ~~التفضيل المطلق كما في وصفه تعالى هنا . ولهذا حكى عن فرعون أنه قال : { ~~أنا ربكم الأعلى } ( النازعات : 24 ) . PageV30P274 # والعلو المشتق منه وصفه تعالى : { الأعلى } علو مجازي ، وهو الكمال التام ~~الدائم . # ولم يعد وصفه تعالى : { الأعلى } في عداد الأسماء الحسنى استغناء عن اسمه ~~{ العلي } لأن أسماء الله توقيفية فلا يعد من صفات الله تعالى ms9292 بمنزلة الاسم ~~إلا ما كثر إطلاقه إطلاق الأسماء ، وهو أوغل من الصفات ، قال الغزالي : ~~والعلو في الرتبة العقلية مثل العلو في التدريجات الحسية ، ومثال الدرجة ~~العقلية ، كالتفاوت بين السبب والمسبب والعلة والمعلول والفاعل والقابل ~~والكامل والناقص اه . # وإيثار هذا الوصف في هذه السورة لأنها تضمنت التنويه بالقرآن والتثبيت ~~على تلقيه وما تضمنه من التذكير وذلك لعلو شأنه فهو من متعلقات وصف العلو ~~الإلاهي إذ هو كلامه . # وهذا الوصف هو ملاك القانون في تفسير صفات الله تعالى ومحاملها على ما ~~يليق بوصف الأعلى فلذلك وجب تأويل المتشابهات من الصفات . # وقد جعل من قوله تعالى : { سبح اسم ربك الأعلى } دعاء السجود في الصلاة ~~إذ ورد أن يقول الساجد : سبحان ربي الأعلى ، ليقرن أثر التنزيه الفعلي بأثر ~~التنزيه القولي . # وجملة : { الذي خلق فسوى } اشتملت على وصفين : وصف الخلق ووصف تسويه ~~الخلق ، وحذف مفعول { خلق } فيجوز أن يقدر عاما ، وهو ما قدره جمهور ~~المفسرين ، وروي عن عطاء ، وهو شأن حذف المفعول إذا لم يدل عليه دليل ، أي ~~خلق كل مخلوق فيكون كقوله تعالى حكاية عن قول موسى : { ربنا الذي أعطى كل ~~شيء خلقه ثم هدى } ( طه : 50 ) . # ويجوز أن يقدر خاصا ، أي خلق الإنسان كما قدره الزجاج ، أو خلق آدم كما ~~روي عن الضحاك ، أي بقرينة قرن فعل { خلق } بفعل ( سوى ) قال تعالى : { ~~فإذا سويته ونفخت فيه من روحي } ( الحجر : 29 ) الآية . # وعطف جملة : { فسوى } بالفاء دون الواو للإشارة إلى أن مضمونها هو ~~المقصود من الصلة وأن ما قبله توطئة له كما في قول ابن زيابة : PageV30P275 # يا لهف زيابة للحارث الص # ابحح فالغانم فالآيب # لأن التلهف يحق إذا صبحهم فغنم أموالهم وآب بها ولم يستطيعوا دفاعه ولا ~~استرجاعه . # فالفاء من قوله : { فسوى } للتفريع في الذكر باعتبار أن الخلق مقدم في ~~اعتبار المعتبر على التسويه ، وإن كان حصول التسويه مقارنا لحصول الخلق . # والتسويه : تسوية ما خلقه فإن حمل على العموم فالتسوية أن جعل كل جنس ~~ونوع من الموجودات معادلا ، أي مناسبا للأعمال التي في جبلته ms9293 فاعوجاج زبانى ~~العقربب من تسويه خلقها لتدفع عن نفسها بها بسهولة . # ولكونه مقارنا للخلقة عطف على فعل { خلق } بالفاء المفيدة للتسبب ، أي ~~ترتب على الخلق تسويته . # والتقدير : وضع المقدار وإيجاده في الأشياء في ذواتها وقواها ، يقال : ~~قدر بالتضعيف وقدر بالتخفيف بمعنى . # وقرأ الجمهور بالتشديد وقرأها الكسائي وحده بالتخفيف . # والمقدار : أصله كمية الشيء التي تضبط بالذرع أو الكيل أو الوزن أو العد ~~، وأطلق هنا على تكوين المخلوقات على كيفيات منظمة مطردة من تركيب الأجزاء ~~الجسدية الظاهرة مثل اليدين ، والباطنة مثل القلب ، ومن إيداع القوى ~~العقلية كالحس والاستطاعة وحيل الصناعة . # وإعادة اسم الموصول في قوله : { والذي قدر } وقوله : { والذي أخرج المرعى ~~} مع إغناء حرف العطف عن تكريره ، للاهتمام بكل صلة من هذه الصلات وإثباتها ~~لمدلول الموصول وهذا من مقتضيات الإطناب . # وعطف قوله : { فهدى } بالفاء مثل عطف { فسوى } ، فإن حمل { خلق } و { قدر ~~} على عموم المفعول كانت الهداية عامة . والقول في وجه عطف { فهدى } بالفاء ~~مثل القول في عطف { فسوى } . # وعطف { فهدى } على { قدر } عطف المسبب على السبب أي فهدى كل PageV30P276 ~~مقدر إلى ما قدر له فهداية الإنسان وأنواع جنسه من الحيوان الذي له الإدراك ~~والإرادة هي هداية الإلهام إلى كيفية استعمال ما قدر فيه من المقادير ~~والقوى فيما يناسب استعماله فيه فكلما حصل شيء من آثار ذلك التقدير حصل ~~بأثره الاهتداء إلى تنفيذه . # والمعنى : قدر الأشياء كلها فهداها إلى أداء وظائفها كما قدرها لها ، ~~فالله لما قدر للإنسان أن يكون قابلا للنطق والعلم والصناعة بما وهبه من ~~العقل وآلات الجسد هداه لاستعمال فكره لما يحصل له ما خلق له ، ولما قدر ~~البقرة للدر ألهمها الرعي ورثمان ولدها لتدر بذلك للحالب ، ولما قدر النحل ~~لإنتاج العسل ألهمها أن ترعى النور والثمار وألهمها بناء الجبح وخلاياه ~~المسدسة التي تضع فيها العسل . # ومن أجل مظاهر التقدير والهداية تقدير قوى التناسل للحيوان لبقاء النوع . ~~فمفعول ( هدى ) محذوف لإفادة العموم وهو عام مخصوص بما فيه قابلية الهدي ~~فهو مخصوص بذوات الإدراك والإرادة وهي أنواع الحيوان فإن الأنواع ms9294 التي ~~خلقها الله وقدر نظامها ولم يقدر لها الإدراك مثل تقدير الإثمار للشجر ، ~~وإنتاج الزريعة لتجدد الإنبات ، فذلك غير مراد من قوله : { فهدى } لأنها ~~مخلوقة ومقدرة ولكنها غير مهدية لعدم صلاحها للاهتداء ، وإن جعل مفعول { ~~خلق } خاصا ، وهو الإنسان كان مفعول { قدر } على وزانه ، أي تقدير كمال قوى ~~الإنسان ، وكانت الهداية هداية خاصة وهي دلالة الإدراك والعقل . # وأوثر وصفا التسوية والهداية من بين صفات الأفعال التي هي نعم على الناس ~~ودالة على استحقاق الله تعالى للتنزيه لأن هذين الوصفين مناسبة بما اشتملت ~~عليه من السورة فإن الذي يسوي خلق النبي صلى الله عليه وسلم تسوية تلائم ما ~~خلقه لأجله من تحمل أعباء الرسالة لا يفوته أن يهيئه لحفظ ما يوحيه إليه ~~وتيسيره عليه وإعطائه شريعة مناسبة لذلك التيسير قال تعالى : { سنقرئك فلا ~~تنسى } ( الأعلى : 6 ) وقال : { ونيسرك لليسرى } ( الأعلى : 8 ) . # وقوله : { والذي أخرج المرعى } تذكير لخلق جنس النبات من شجر وغيره . ~~واقتصر على بعض أنواعه وهو الكلأ لأنه معاش السوائم التي ينتفع الناس بها . ~~PageV30P277 # والمراد : إخراجه من الأرض وهو إنباته . # والمرعى : النبت الذي ترعاه السوائم ، وأصله : إما مصدر ميمي أطلق على ~~الشيء المرعي من إطلاق المصدر على المفعول مثل الخلق بمعنى المخلوق وإما ~~اسم مكان الرعي أطلق على ما ينبت فيه ويرعى إطلاقا مجازيا بعلاقة الحلول ~~كما أطلق اسم الوادي على الماء الجاري فيه . # والقرينة جعله مفعولا ل { أخرج } ، وإيثار كلمة { المرعى } دون لفظ ~~النبات ، لما يشعر به مادة الرعي من نفع الأنعام به ونفعها للناس الذين ~~يتخذونها مع رعاية الفاصلة . . . # والغثاء : بضم الغين المعجمة وتخفيف المثلثة ، ويقال بتشديد المثلثة هو ~~اليابس من النبت . # والأحوى : الموصوف بالحوة بضم الحاء وتشديد الواو ، وهي من الألوان : ~~سمرة تقرب من السواد . وهو صفة { غثاء } لأن الغثاء يابس فتصير خضرته حوة . # وهذا الوصف أحوى لاستحضار تغير لونه بعد أن كان أخضر يانعا وذلك دليل على ~~تصرفه تعالى بالإنشاء وبالإنهاء . وفي وصف إخراج الله تعالى المرعى وجعله ~~غثاء أحوى مع ما سبقه من الأوصاف في ms9295 سياق المناسبة بينها وبين الغرض المسوق ~~له الكلام إيماء إلى تمثيل حال القرآن وهدايته وما اشتمل عليه من الشريعة ~~التي تنفع الناس بحال الغيث الذي ينبت به المرعى فتنتفع به الدواب والأنعام ~~، وإلى أن هذه الشريعة تكمل ويبلغ ما أراد الله فيها كما يكمل المرعى ويبلغ ~~نضجه حين يصير غثاء أحوى ، على طريقة تمثيلية مكنية رمز إليها بذكر لازم ~~الغيث وهو المرعى . وقد جاء بيان هذا الإيماء وتفصيله بقول النبي صلى الله ~~عليه وسلم ( مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب ~~أرضا فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير ، وكانت منها ~~أجادب أمسكت الماء ، فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا ) الحديث . ~~PageV30P278 # ويجوز أن يكون المقصود من جملة : { فجعله غثاء أحوى } إدماج العبرة ~~بتصاريف ما أودع الله في المخلوقات من مختلف الأطوار من الشيء إلى ضده ~~للتذكير بالفناء بعد الحياة كما قال تعالى : { الله الذي خلقكم من ضعف ثم ~~جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم ~~القدير } ( الروم : 54 ) للإشارة إلى أن مدة نضارة الحياة للأشياء تشبه ~~المدة القصيرة ، فاستعير لعطف { جعله غثاء } الحرف الموضوع لعطف ما يحصل ~~فيه حكم المعطوف بعد زمن قريب من زمن حصول المعطوف عليه ، ويكون ذلك من ~~قبيل قوله تعالى : { إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط ~~به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام إلى قوله : فجعلناها حصيدا كأن لم ~~تغن بالأمس } ( يونس : 24 ) . # ( 6 ، 7 ) # قد عرفت أن الأمر بالتسبيح في قوله : { سبح اسم ربك الأعلى } ( الأعلى : ~~1 ) بشارة إجمالية للنبيء صلى الله عليه وسلم بخير يحصل له ، فهذا موقع ~~البيان الصريح بوعده بأنه سيعصمه من نسيان ما يقرئه فيبلغه كما أوحي إليه ~~ويحفظه من التفلت عليه ، ولهذا تكون هذه الجملة استئنافا بيانيا لأن ~~البشارة تنشىء في نفس النبي صلى الله عليه وسلم ترقبا لوعد بخير يأتيه ~~فبشره بأنه سيزيده من الوحي ، مع ما فرع ms9296 على قوله : { سنقرئك } من قوله : { ~~فلا تنسى } . # وإذ قد كانت هذه السورة من أوائل السور نزولا . وقد ثبت في الصحيح عن ابن ~~عباس : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعالج من التنزيل شدة إذا نزل ~~جبريل ، وكان مما يحرك شفتيه ولسانه ، يريد أن يحفظه ويخشى أن يتفلت عليه ~~فقيل له : { لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه } ( القيامة : ~~16 ، 17 ) ، إن علينا أن نجمعه في صدرك وقرآنه أن تقرأه : { فإذا قرأناه ~~فاتبع قرآنه } ( القيامة : 18 ) . يقول : إذا أنزل عليك فاستمع ، قال : ~~فكان إذا أتاه جبريل أطرق فإذا ذهب قرأه كما قرأ جبريل كما وعده الله ) ~~وسورة القيامة التي منها { لا تحرك به لسانك نزلت بعد سورة الأعلى فقد تعين ~~أن قوله : سنقرئك فلا تنسى } وعد من الله بعونه على حفظ جميع ما يوحى إليه ~~. PageV30P279 # وإنما ابتدىء بقوله : { سنقرئك } تمهيدا للمقصود الذي هو : { فلا تنسى } ~~وإدماجا للإعلام بأن القرآن في تزايد مستمر ، فإذا كان قد خاف من نسيان بعض ~~ما أوحي إليه على حين قلته فإنه سيتتابع ويتكاثر فلا يخش نسيانه فقد تكفل ~~له عدم نسيانه مع تزايده . # والسين علامة على استقبال مدخولها ، وهي تفيد تأكيد حصول الفعل وخاصة إذا ~~اقترنت بفعل حاصل في وقت التكلم فإنها تقتضي أنه يستمر ويتجدد وذلك تأكيد ~~لحصوله وإذ قد كان قوله : { سنقرئك فلا تنسى } إقراء ، فالسين دالة على أن ~~الإقراء يستمر ويتجدد . # والالتفات بضمير المتكلم المعظم لأن التكلم أنسب بالإقبال على المبشر . # وإسناد الإقراء إلى الله مجاز عقلي لأنه جاعل الكلام المقروء وآمر ~~بإقرائه . # فقوله : { فلا تنسى } خبر مراد به الوعد والتكفل له بذلك . # والنسيان : عدم خطور المعلوم السابق في حافظة الإنسان برهة أو زمانا ~~طويلا . # والاستثناء في قوله : { إلا ما شاء الله } مفرع من فعل { تنسى } ، و ( ما ~~) موصولة هي المستثنى . والتقدير : إلا الذي شاء الله أن تنساه ، فحذف ~~مفعول فعل المشيئة جريا على غالب استعماله في كلام العرب ، وانظر ما تقدم ~~في قوله : { ولو شاء الله لذهب بسمعهم ms9297 وأبصارهم في سورة البقرة . # والمقصود بهذا أن بعض القرآن ينساه النبي إذا شاء الله أن ينساه . وذلك ~~نوعان : # أحدهما } : وهو أظهرهما أن الله إذا شاء نسخ تلاوة بعض ما أنزل على النبي ~~صلى الله عليه وسلم أمره بأن يترك قراءته فأمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~المسلمين بأن لا يقرأوه حتى ينساه النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون . ~~وهذا مثل ما روي عن عمر أنه قال : ( كان فيما أنزل الشيخ والشيخه إذا زنيا ~~فارجموهما ) قال عمر : لقد قرأناها ، وأنه كان فيما أنزل : ( لا ترغبوا عن ~~ءابائكم فإن كفرا بكم أن ترغبوا عن ءابائكم ) . وهذا ما أشير إليه بقوله ~~تعالى : { أو ننسها } في قراءة من قرأ : { ننسها في سورة البقرة . ~~PageV30P280 # النوع الثاني } : ما يعرض نسيانه للنبيء صلى الله عليه وسلم نسيانا موقتا ~~كشأن عوارض الحافظة البشرية ثم يقيض الله له ما يذكره به . ففي ( صحيح ~~البخاري ) عن عائشة قالت : ( سمع النبيء صلى الله عليه وسلم رجلا يقرأ من ~~الليل بالمسجد فقال : يرحمه الله لقد أذكرني كذا وكذا آية أسقطتهن أو كنت ~~أنسيتها من سورة كذا وكذا ، وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسقط آية ~~في قراءته في الصلاة فسأله أبي بن كعب أنسخت ؟ فقال : ( نسيتها ) . # وليس قوله : { فلا تنسى } من الخبر المستعمل في النهي عن النسيان لأن ~~النسيان لا يدخل تحت التكليف ، أما إنه ليست ( لا ) فيه ناهية فظاهر ومن ~~زعمه تعسف لتعليل كتابة الألف في آخره . # وجملة : { إنه يعلم الجهر وما يخفى } معترضة وهي تعليل لجملة : { فلا ~~تنسى } { إلا ما شاء الله } فإن مضمون تلك الجملة ضمان الله لرسوله صلى ~~الله عليه وسلم حفظ القرآن من النقص العارض . # ومناسبة الجهر وما يخفى أن ما يقرؤه الرسول صلى الله عليه وسلم من القرآن ~~هو من قبيل الجهر فالله يعلمه ، وما ينساه فيسقطه من القرآن هو من قبيل ~~الخفي فيعلم الله أنه اختفى في حافظته حين القراءة فلم يبرز إلى النطق به . # عطف على { سنقرئك فلا تنسى } ( الأعلى : 6 ) . وجملة ms9298 { إنه يعلم الجهر ~~وما يخفى } ( الأعلى : 7 ) معترضة كما علمت . وهذا العطف من عطف الأعم على ~~الأخص في المآل وإن كان مفهوم الجملة السابقة مغايرا لمفهوم التيسير لأن ~~مفهومها الحفظ والصيانة ومفهوم المعطوفة تيسير الخير له . # والتيسير : جعل العمل يسيرا على عامله . # ومفعول فعل التيسير هو الشيء الذي يجعل يسيرا ، أي غير صعب ويذكر مع ~~المفعول الشيء المجعول الفعل يسيرا لأجله مجرورا باللام كقوله تعالى : { ~~ويسر لي أمري } ( طه : 26 ) . PageV30P281 # واليسرى : مؤنث الأيسر ، وصيغة فعلى تدل على قوة الوصف لأنها مؤنث أفعل . # والموصوف محذوف ، وتأنيث الوصف مشعر بأن الموصوف المحذوف مما يجري في ~~الكلام على اعتبار اسمه مؤنثا بأن يكون مفردا فيه علامة تأنيث أو يكون جمعا ~~إذ المجموع تعامل معاملة المؤنث . فكان الوصف المؤنث مناديا على تقدير ~~موصوف مناسب للتأنيث في لفظه ، وسياق الكلام الذي قبله يهدي إلى أن يكون ~~الموصوف المقدر معنى الشريعة فإن خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم في القرآن ~~مراعى فيه وصفه العنواني وهو أنه رسول فلا جرم أن يكون أول شؤونه هو ما ~~أرسل به وهو الشريعة . # وقوله : { ونيسرك لليسرى } إن حمل على ظاهر نظم الكلام وهو ما جرى عليه ~~المفسرون . فالتيسير مستعار للتهيئة والتسخير ، أي قوة تمكينه صلى الله ~~عليه وسلم من اليسرى وتصرفه فيها بما يأمر الله به ، أي نهيئك للأمور ~~اليسرى في أمر الدين وعواقبه من تيسير حفظ القرآن لك وتيسير الشريعة التي ~~أرسلت بها وتيسير الخير لك في الدنيا والآخرة . وهذه الاستعارة تحسنها ~~المشاكلة . # ومعنى اللام في قوله : { لليسرى } العلة ، أي لأجل اليسرى ، أي لقبولها ، ~~ونحوه قول النبي صلى الله عليه وسلم ( كل ميسر لما خلق له ) وتكون هذه ~~الآية على مهيع قوله تعالى : { فسنيسره لليسرى } وقوله : { فسنيسره للعسرى ~~} في سورة الليل ( 7 10 ) . # ويجوز أن يجعل الكلام جاريا على خلاف مقتضى الظاهر بسلوك أسلوب القلب وأن ~~الأصل : ونيسر لك اليسرى ، أي نجعلها سهلة لك فلا تشق عليك فيبقى فعل : ( ~~نيسرك ) على حقيقته ، وإنما خولف عمله في مفعوله والمجرور المتعلق ms9299 به على ~~عكس الشائع في مفعوله والمجرور المتعلق به . # وفي وصفها ب { اليسرى } إيماء إلى استتباب تيسره لها بما أنها جعلت يسرى ~~، فلم يبق إلا حفظه من الموانع التي يشق معها تلقي اليسرى . # فاشتمل الكلام على تيسيرين : تيسير ما كلف به النبي صلى الله عليه وسلم ~~أي جعله يسيرا مع وفائه بالمقصود منه ، وتيسير النبي صلى الله عليه وسلم ~~للقيام بما كلف به . PageV30P282 # ويوجه العدول عن مقتضى ظاهر النظم إلى ما جاء النظم عليه ، بأن فيه تنزيل ~~الشيء الميسر منزلة الشيء الميسر له والعكس للمبالغة في ثبوت الفعل للمفعول ~~على طريقة القلب المقبولل كقول العرب : ( عرضت الناقة على الحوض ) ، وقول ~~العجاج : # ومهمه مغبرة أرجاؤه # كأن لون أرضه سماؤه # وقد ورد القلب في آيات من القرآن ومنها قوله تعالى : { ما إن مفاتحه ~~لتنوء بالعصبة أولي القوة } ( القصص : 76 ) ومنه القلب التشبيه المقلوب . # والمعنى : وعد الله إياه بأنه يسره لتلقي أعباء الرسالة فلا تشق عليه ولا ~~تحرجه تطمينا له إذ كان في أول أمر إرساله مشفقا أن لا يفي بواجباتها . أي ~~أن الله جعله قابلا لتلقي الكمالات وعظائم تدبير الأمة التي من شأنها أن ~~تشق على القائمين بأمثالها . # ومن آثار هذا التيسير ما ورد في الحديث : ( أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ) ، وقوله صلى الله عليه وسلم ~~لأصحابه : ( إنما بعثتم ميسرين لا معسرين ) . # ( 9 13 ) # بعد أن ثبت الله رسوله صلى الله عليه وسلم تكفل له ما أزال فرقه من أعباء ~~الرسالة وما اطمأنت به نفسه من دفع ما خافه من ضعف عن أدائه الرسالة على ~~وجهها وتكفل له دفع نسيان ما يوحى إليه إلا ما كان إنساؤه مرادا لله تعالى ~~. ووعده بأنه وفقه وهيأه لذلك ويسره عليه ، إذ كان الرسول صلى الله عليه ~~وسلم وهو في مبدأ عهده بالرسالة ( إذ كانت هذه السورة ثامنة السور ) لا ~~يعلم ما سيتعهد الله به فيخشى أن يقصر عن مراد الله فيلحقه غضب منه أو ملام ~~. أعقب ms9300 ذلك بأن أمره بالتذكير ، أي التبليغ ، أي بالاستمرار عليه ، إرهافا ~~لعزمه ، وشحذا لنشاطه ليكون إقباله على PageV30P283 التذكير بشراشره فإن ~~امتثال الأمر إذا عاضده إقبال النفس على فعل المأمور به كان فيه مسرة ~~للمأمور ، فجمع بين أداء الواجب وإرضاء الخاطر . # فالفاء للتفريع على ما تقدم تفريع النتيجة على المقدمات . # والأمر : مستعمل في طلب الدوام . # والتذكير : تبليغ الذكر وهو القرآن . # والذكرى : اسم مصدر التذكير وقد تقدم في سورة عبس . # ومفعول { فذكر } محذوف لقصد التعميم ، أي فذكر الناس ودل عليه قوله : { ~~سيذكر من يخشى } الآيتين . # وجملة : { إن نفعت الذكرى } معترضة بين الجملتين المعللة وعلتها ، وهذا ~~الاعتراض منظور فيه إلى العموم الذي اقتضاه حذف مفعول { فذكر } ، أي فدم ~~على تذكير الناس كلهم إن نفعت الذكرى جميعهم ، أي وهي لا تنفع إلا البعض ~~وهو الذي يؤخذ من قوله : { سيذكر من يخشى } الآية . # فالشرط في قوله : { إن نفعت الذكرى } جملة معترضة وليس متعلقا بالجملة ~~ولا تقييدا لمضمونها إذ ليس المعنى : فذكر إذا كان للذكرى نفع حتى يفهم منه ~~بطريق مفهوم المخالفة أن لا تذكر إذا لم تنفع الذكرى ، إذ لا وجه لتقييد ~~التذكير بما إذا كانت الذكرى نافعة إذ لا سبيل إلى تعرف مواقع نفع الذكرى ، ~~ولذلك كان قوله تعالى : { فذكر بالقرآن من يخاف وعيد } ( ق : 45 ) مؤولا ~~بأن المعنى فذكر بالقرآن فيتذكر من يخاف وعيد ، بل المراد فذكر الناس كافة ~~إن كانت الذكرى تنفع جميعهم ، فالشرط مستعمل في التشكيك لأن أصل الشرط ب ( ~~إن ) أن يكون غير مقطوع بوقوعه ، فالدعوة عامة وما يعلمه الله من أحوال ~~الناس في قبول الهدى وعدمه أمر استأثر الله بعلمه ، فأبو جهل مدعو للإيمان ~~والله يعلم أنه لا يؤمن لكن الله لم يخص بالدعوة من يرجى منهم الإيمان دون ~~غيرهم ، والواقع يكشف المقدور . # وهذا تعريض بأن في القوم من لا تنفعه الذكرى وذلك يفهم من اجتلاب حرف ( ~~إن ) المقتضي عدم احتمال وقوع الشرط أو ندرة وقوعه ، ولذلك جاء بعده بقوله ~~: PageV30P284 { سيذكر من يخشى } فهو استئناف بياني ناشىء عن قوله : { فذكر ms9301 ~~} وما لحقه من الاعتراض بقوله : { إن نفعت الذكرى } المشعر بأن التذكير لا ~~ينتفع به جميع المذكرين . # وهذا معنى قول ابن عباس : تنفع أوليائي ولا تنفع أعدائي ، وفي هذا ما ~~يريك معنى الآية واضحا لا غبار عليه ويدفع حيرة كثير من المفسرين في تأويل ~~معنى ( إن ) ، ولا حاجة إلى تقدير الفراء والنحاس : إن نفعت الذكرى وإن لم ~~تنفع وأنه اقتصر على القسم الواحد لدلالته على الثاني . # ويذكر : مطاوع ذكره . وأصله : يتذكر ، فقلبت التاء ذالا لقرب مخرجيهما ~~ليتأتى إدغامها في الذال الأخرى . # و { من يخشى } : جنس لا فرد معين أي سيتذكر الذين يخشون . والضمير ~~المستتر في { يخشى } مراعى فيه لفظ ( من ) فإنه لفظ مفرد . # وقد نزل فعل { يخشى } منزلة اللازم فلم يقدر له مفعول ، أي يتذكر من ~~الخشية فكرته وجبلته ، أي من يتوقع حصول الضر والنفع فينظر في مظان كلل ~~ويتدبر في الدلائل لأنه يخشى أن يحق عليه ما أنذر به . # والخشية : الخوف ، وتقدم في قوله تعالى : { لعله يتذكر أو يخشى } في سورة ~~طه . والخشية ذات مراتب وفي درجاتها يتفاضل المؤمنون . # والتجنب : التباعد ، وأصله تفعل لتكلف الكينونة بجانبب من شيء . # والجانب : المكان الذي هو طرف لغيره ، وتكلف الكينونة به كناية عن طلب ~~البعد أي بمكان بعيد منه ، أي يتباعد عن الذكرى الأشقى . # والتعريف في { الأشقى } تعريف الجنس ، أي الأشقون . # و { الأشقى } : هو الشديد الشقوة ، والشقوة والشقاء في لسان الشرع الحالة ~~الناشئة في الآخرة عن الكفر من حالة الإهانة والتعذيب ، وعندنا أن من علم ~~إلى موته مؤمنا فليس بشقي . # فالأشقى : هو الكافر لأنه أشد الناس شقاء في الآخرة لخلوده في النار . ~~PageV30P285 # وتعريف { الأشقى } تعريف الجنس ، فيشمل جميع المشركين . ومن المفسرين من ~~حمله على العهد فقال : أريد به الوليد بن المغيرة ، أو عتبة بن ربيعة . # ووصف { الأشقى } ب { الذي يصلى النار الكبرى } لأن إطلاق { الأشقى } في ~~هذه الآية في صدر مدة البعثة المحمدية فكان فيه من الإبهام ما يحتاج إلى ~~البيان فأتبع بوصف يبينه في الجملة ما نزل من القرآن من قبل هذه الآية ms9302 . # ومقابلة { من يخشى } ب { الأشقى } تؤذن بأن { الأشقى } من شأنه أن لا ~~يخشى فهو سادر في غروره منغمس في لهوه فلا يتطلب لنفسه تخلصا من شقائه . # ووصف النار ب { الكبرى } للتهويل والإنذار والمراد بها جهنم . # وجملة { ثم لا يموت فيها ولا يحيى } عطف على جملة { يصلى النار الكبرى } ~~فهي صلة ثانية . # و ( ثم ) للتراخي الرتبي تدل على أن معطوفها متراخي الرتبة في الغرض ~~المسوق له الكلام وهو شدة العذاب فإن تردد حاله بين الحياة والموت وهو في ~~عذاب الاحتراق عذاب أشد مما أفاده أنه في عذاب الاحتراق ، ضرورة أن ~~الاحتراق واقع وقد زيد فيه درجة أنه لا راحة منه بموت ولا مخلص منه بحياة . # فمعنى { لا يموت } : لا يزول عنه الإحساس ، فإن الموت فقدان الإحساس مع ~~ما في هذه الحالة من الأعجوبة وهي مما يؤكد اعتبار تراخي الرتبة في هذا ~~التنكيل . # وتعقيبه بقوله : { ولا يحيى } احتراس لدفع توهم أن يراد بنفي الموت عنهم ~~أنهم استراحوا من العذاب لما هو متعارف من أن الاحتراق يهلك المحرق ، فإذا ~~قيل : { لا يموت } توهم المنذرون أن ذلك الاحتراق لا يبلغ مبلغ الإهلاك ~~فيبقى المحرق حيا فيظن أنه إحراق هين فيكون مسلاة للمهددين فلدفع ذلك عطف ~~عليه { ولا يحيى } ، أي حياة خالصة من الآلام والقرينة على الوصف المذكور ~~مقابلة ولا يحيى بقوله : { يصلى النار الكبرى ثم لا يموت فيها } . ~~PageV30P286 # وليس هذا من قبيل نفي وصفين لإثبات حالة وسط بين حالتيهما مثل : { لا ~~شرقية ولا غربية } ( النور : 35 ) وقول إحدى نساء أم زرع : ( لا حر ولا قر ~~) لأن ذلك لا طائل تحته . # ويجوز أن نجعل نفي الحياة كناية عن نفي الخلاص بناء على أن لازم الإحراق ~~الهلاك ولازم الحياة عدم الهلاك . # وفي الآية محسن الطباق لأجل التضاد الظاهر بين { لا يموت } و { لا يحيى } ~~. # ( 14 ، 15 ) # استئناف بياني لأن ذكر { من يخشى } ( الأعلى : 10 ) وذكر { الأشقى } ( ~~الأعلى : 11 ) يثير استشراف السامع لمعرفة أثر ذلك فابتدىء بوصف أثر ~~الشقاوة فوصف { الأشقى } بأنه { يصلى النار الكبرى } ( الأعلى : 12 ms9303 ) وأخر ~~ذكر ثواب الأتقى تقديما للأهم في الغرض وهو بيان جزاء الأشقى الذي يتجنب ~~الذكرى وبقي السامع ينتظر أن يعلم جزاء من يخشى ويتذكر . فلما وفي حق ~~الموعظة والترهيبة استؤنف الكلام لبيان المثوبة والترغيب . فالمراد ب { من ~~تزكى } هنا عين المراد ب ( من يخشى ويذكر ) فقد عرف هنا بأنه الذي ذكر اسم ~~ربه ، فلا جرم أن ذكر اسم ربه هو التذكر بالذكرى ، فالتذكر هو غاية الذكرى ~~المأمور بها الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : { فذكر } ( الأعلى ~~: 9 ) . # وقد جمعت أنواع الخير في قوله : { قد أفلح } فإن الفلاح نجاح المرء فيما ~~يطمح إليه فهو يجمع معنيي الفوز والنفع وذلك هو الظفر بالمبتغى من الخير ، ~~وتقدم في قوله تعالى : { وأولئك هم المفلحون في البقرة . # والإتيان بفعل المضي في قوله أفلح } للتنبيه على المحقق وقوعه من الآخرة ~~، واقترانه بحرف { قد } لتحقيقه وتثنيته كما في قوله تعالى : { قد أفلح ~~المؤمنون } ( المؤمنون : 1 ) وقوله : { قد أفلح من زكاها } ( الشمس : 9 ) ~~لأن الكلام موجه إلى الأشقين الذين تجنبوا الذكرى إثارة لهمتهم في الإلتحاق ~~بالذين خشوا فأفلحوا . # ومعنى { تزكى } : عالج أن يكون زكيا ، أي بذل استطاعته في تطهير نفسه ~~وتزكيتها كما قال تعالى : { قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها } ( الشمس : ~~9 10 ) . PageV30P287 # فمادة التفعل للتكلف وبذل الجهد ، وأصل ذلك هو التوحيد والاستعداد ~~للأعمال الصالحة التي جاء بها الإسلام ويجيء بها ، فيشمل زكاة الأموال . # أخرج البزار عن جابر بن عبدالله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { قد ~~أفلح من تزكى } قال : من شهد أن لا إلاه إلا الله ، وخلع الأنداد ، وشهد ~~أني رسول الله ، { وذكر اسم ربه فصلى } قال : هي الصلوات الخمس والمحافظة ~~عليها والاهتمام بها ، وهو قول ابن عباس وعطاء وعكرمة وقتادة . # وقدم التزكي على ذكر الله والصلاة لأنه أصل العمل بذلك كله فإنه إذا ~~تطهرت النفس أشرقت فيها أنوار الهداية فعلمت منافعها وأكثرت من الإقبال ~~عليها فالتزكية : الارتياض على قبول الخير والمراد تزكى بالإيمان . # وفعل { ذكر اسم ربه } يجوز أن يكون ms9304 من الذكر اللساني الذي هو بكسر الذال ~~فيكون كلمة { اسم ربه } مرادا بها ذكر أسماء الله بالتعظم مثل قول لا إلاه ~~إلا الله ، وقول الله أكبر ، وسبحان الله ، ونحو ذلك على ما تقدم في قوله : ~~{ سبح اسم ربك الأعلى } ( الأعلى : 1 ) . # ويجوز أن يكون من الذكر بضم الذال وهو حضور الشيء في النفس الذاكرة ~~والمفكرة فتكون كلمة { اسم } مقحمة لتدل على شأن الله وصفات عظمته فإن ~~أسماء الله أوصاف كمال . # وتفريع { فصلى } على { ذكر اسم ربه } على كلا الوجهين لأن الذكر بمعنييه ~~يبعث الذاكر على تعظيم الله تعالى والتقرب إليه بالصلاة التي هي خضوع وثناء ~~. # وقد رتبت هذه الخصال الثلاث على الآية على ترتيب تولدها . فأصلها : إزالة ~~الخباثة النفسية من عقائد باطلة وحديث النفس بالمضمرات الفاسدة وهو المشار ~~إليه بقوله : { تزكى } ، ثم استحضار معرفة الله بصفات كماله وحكمته ليخافه ~~ويرجوه وهو المشار بقوله : { وذكر اسم ربه } ثم الإقبال على طاعته وعبادته ~~وهو المشار إليه بقوله : { فصلى } والصلاة تشير إلى العبادة وهي في ذاتها ~~طاعة وامتثال يأتي بعده ما يشرع من الأعمال قال تعالى : { إن الصلاة تنهى ~~عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر } ( العنكبوت : 45 ) . PageV30P288 # ( 16 ، 17 ) # قرأ الجمهور { تؤثرون } بمثناة فوقية بصيغة الخطاب ، والخطاب موجه ~~للمشركين بقرينة السياق وهو التفات ، وقرأه أبو عمرو وحده بالمثناة التحتية ~~على طريقة الغيبة عائدا إلى { الأشقى الذي يصلى النار الكبرى } ( الأعلى : ~~11 ، 12 ) . # وحرف { بل } معناه الجامع هو الإضراب ، أي انصراف القول أو الحكم إلى ما ~~يأتي بعد { بل } ؛ فهو إذا عطف المفردات كان الإضراب إبطالا للمعطوف عليه : ~~لغلط في ذكر المعطوف أو للاحتراز عنه فذلك انصراف عن الحكم . وإذا عطف ~~الجمل فعطفه عطف كلام على كلام وهو عطف لفظي مجرد عن التشريك في الحكم ويقع ~~على وجهين ، فتارة يقصد إبطال معنى الكلام نحو قوله تعالى : { أم يقولون به ~~جنة بل جاءهم بالحق } ( المؤمنون : 70 ) فهو انصراف في الحكم ، وتارة يقصد ~~مجرد التنقل من خبر إلى آخر مع عدم إبطال الأول نحو قوله تعالى ms9305 : { ولدينا ~~كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون بل قلوبهم في غمرة من هذا } ( المؤمنون : 62 ~~، 63 ) . فتكون { بل } بمنزلة قولهم ( دع هذا ) فهذا انصراف قولي . ويعرف ~~أحد الإضرابين بالقرائن والسياق . # و { بل } هنا عاطفة جملة عطفا صوريا فيجوز أن تكون لمجرد الانتقال من ذكر ~~المنتفعين بالذكرى والمتجنبين لها ، إلى ذكر سبب إعراض المتجنبين وهم ~~الأشقون بأن السبب إيثارهم الحياة الدنيا ، وذلك على قراءة أبي عمرو ظاهر ، ~~وأما على قراءة الجمهور فهو إضراب عن حكاية أحوال الفريقين بالانتقال إلى ~~توبيخ أحد الفريقين وهو الفريق الأشقى فالخطاب موجه إليهم على طريقة ~~الالتفات لتجديد نشاط السامع لكي لا تنقضي السورة كلها في الإخبار عنهم ~~بطريق الغيبة . # ويجوز أن يكون الإضراب إبطالا لما تضمنه قوله : { قد أفلح من تزكى } ( ~~الأعلى : 14 ) من التعريض للذين شقوا بتحريضهم على طلب الفلاح لأنفسهم ~~ليلتحقوا بالذين يخشون ويتزكون ليبطل أن يكونوا مظنة تحصيل الفلاح . # والمعنى : أنهم بعداء عن أن يظن بهم التنافس في طلب الفلاح لأنهم يؤثرون ~~الحياة الدنيا ، فالمعنى : بل أنتم تؤثرون منافع الدنيا على حظوظ الآخرة ، ~~وهذا كما يقول الناصح شخصا يظن أنه لا ينتصح ( لقد نصحتك وما أظنك تفعل ) . ~~PageV30P289 # ويجيء فيه الوجهان المتقدمان من الخطاب والغيبة على القراءتين . # والإيثار : اختيار شيء من بين متعدد . # والمعنى : تؤثرون الحياة الدنيا بعنايتكم واهتمامكم . # ولم يذكر المؤثر عليه لأن الحياة الدنيا تدل عليه ، أي لا تتأملون فيما ~~عدا حياتكم هذه ولا تتأملون في حياة ثانية ، فالمشركون لا يؤمنون بالآخرة ~~وإذا ذكروا بالحياة الآخرة وأخبروا بها لم يعيروا سمعهم ذلك وجعلوا ذلك من ~~الكلام الباطل وهذا مورد التوبيخ . # واعلم أن للمؤمنين حظا من هذه الموعظة على طول الدهر ، وذلك حظ مناسب ~~لمقدار ما يفرط فيه أحدهم مما ينجيه في الآخرة إيثارا لما يجتنيه من منافع ~~الدنيا التي تجر إليه تبعة في الآخرة على حسب ما جاءت به الشريعة ، فأما ~~الاستكثار من منافع الدنيا مع عدم إهمال أسباب النجاة في الآخرة فذلك ميدان ~~للهمم وليس ذلك بمحل ذم قال تعالى : { وابتغ ms9306 فيما آتاك الله الدار الآخرة ~~ولا تنس نصيبك من الدنيا } ( القصص : 77 ) . # وجملة : { والآخرة خير وأبقى } عطف على جملة التوبيخ عطف الخبر على ~~الإنشاء لأن هذا الخبر يزيد إنشاء التوبيخ توجيها وتأييدا بأنهم في إعراضهم ~~عن النظر في دلائل حياة آخرة قد أعرضوا عما هو خير وأبقى . # و { أبقى } : اسم تفضيل ، أي أطول بقاء ، وفي حديث النهي عن جر الإزار ( ~~وليكن إلى الكعبين فإنه أتقى وأبقى ) . # ( 18 ، 19 ) # تذييل للكلام وتنويه به بأنه من الكلام النافع الثابت في كتب إبراهيم ~~وموسى عليهما السلام ، قصد به الإبلاغ للمشركين الذين كانوا يعرفون رسالة ~~إبراهيم ورسالة موسى ، ولذلك أكد هذا الخبر ب { إن } ولام الابتداء لأنه ~~مسوق إلى المنكرين . 6 PageV30P290 # والإشارة بكلمة { هذا } إلى مجموع قوله { قد أفلح من تزكى إلى قوله وأبقى ~~} ( الأعلى : 14 17 ) فإن ما قبل ذلك من أول السورة إلى قوله : { قد أفلح ~~من تزكى } ( الأعلى : 14 ) ، ليس مما ثبت معناه في صحف إبراهيم وموسى ~~عليهما السلام . # روى ابن مردويه والآجري عن أبي ذر قال : ( قلت يا رسول الله هل أنزل عليك ~~شيء مما كان في صحف إبراهيم وموسى ؟ قال : نعم { قد أفلح من تزكى وذكر اسم ~~ربه فصلى بل تؤثرون الحياة الدنيا والأخرة خير وأبقى } ( الأعلى : 14 17 ) ~~. ولم أقف على مرتبة هذا الحديث . # ومعنى الظرفية من قوله : { لفي الصحف } أن مماثله في المعنى مكتوب في ~~الصحف الأولى ، فأطلقت الصحف على ما هو مكتوب فيها على وجه المجاز المرسل ~~كما في قوله تعالى : { وقالوا ربنا عجل لنا قطنا } ( ص : 16 ) ، أي ما في ~~قطنا وهو صك الأعمال . # و { الصحف } : جمع صحيفة على غير قياس لأن قياس جمعه صحائف ، ولكنه مع ~~كونه غير مقيس هو الأفصح كما قالوا : سفن في جمع سفينة ، ووجه جمع الصحف أن ~~إبراهيم كانت له صحف وأن موسى كانت له صحف كثيرة وهي مجموع صحف أسفار ~~التوراة . # وجاء نظم الكلام على أسلوب الإجمال والتفصيل ليكون لهذا الخبر مزيد تقرير ~~في أذهان الناس فقوله : { صحف إبراهيم ms9307 وموسى } بدل من { الصحف الأولى } . # و { الأولى } : وصف لصحف الذي هو جمع تكسير فله حكم التأنيث . و { الأولى ~~} صيغة تفضيل . واختلف في الحروف الأصلية للفظ أول فقيل : حروفه الأصول ~~همزة فواو ( مكررة ) فلام ذكره في ( اللسان ) فيكون وزن أول : أأول ، فقلبت ~~الهمزة الثانية واوا وأدغمت في الواو . وقيل : أصوله : واوان ولام وأن ~~الهمزة التي في أوله مزيدة فوزن أول : أفعل وإدغام إحدى الواوين ظاهر . # وقيل : حروفه الأصلية واو وهمزة ولام فأصل أول أو أل بوزن أفعل قلبت ~~الهمزة التي بعد الواو واوا وأدغما . # و { الأولى } : مؤنث أفعل من هذه المادة فإما أن نقول : أصلها أولى ~~PageV30P291 سكنت الواو سكونا ميتا لوقوعها إثر ضمة ، أو أصلها : وولى بواو ~~مضمومة في أوله وسكنت الواو الثانية أيضا ، أو أصلها : وألى بواو مضمومة ثم ~~همزة ساكنة فوقع فيه قلب ، فقيل : أولى فوزنها على هذا عفلى . # والمراد بالأولية في وصف الصحف سبق الزمان بالنسبة إلى القرآن لا التي لم ~~يسبقها غيرها لأنه قد روي أن بعض الرسل قبل إبراهيم أنزلت عليه صحف فهو ~~كوصف { عاد بالأولى } في قوله : { وأنه أهلك عادا الأولى } ( النجم : 50 ) ~~وقوله تعالى : { هذا نذير من النذر الأولى } ( النجم : 56 ) وفي حديث ~~البخاري : ( إن مما أدرك الناس من كلام النبوءة الأولى إذا لم تستح فاصنع ~~ما شئت ) . # وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه وابن عساكر وأبو بكر الآجري عن أبي ذر عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن صحف إبراهيم كانت عشر صحائف . # PageV30P292 # | 1 ( سورة الغاشية ) 1 # سميت في المصاحف والتفاسير ( سورة الغاشية ) . وكذلك عنونها الترمذي في ~~كتاب التفسير من ( جامعه ) لوقوع لفظ ( الغاشية ) في أولها . # وثبتت في السنة تسميتها ( هل أتاك حديث الغاشية ) ، ففي ( الموطأ ) أن ~~الضحاك بن قيس سأل النعمان بن بشير ( بم كان رسول الله يقرأ في الجمعة مع ~~سورة الجمعة ؟ قال : { هل أتاك حديث الغاشية } ( الغاشية : 1 ) . وهذا ظاهر ~~في التسمية لأن السائل سأل عما يقرأ مع سورة الجمعة فالمسؤول عنه السورة ~~الثانية ، وبذلك عنونها البخاري في كتاب ms9308 التفسير من ( صحيحه ) . # وربما سميت ( سورة هل أتاك ) بدون كلمة { حديث الغاشية } ، وبذلك عنونها ~~ابن عطية في ( تفسيره ) وهو اختصار . # وهي مكية بالاتفاق . # وهي معدودة السابعة والستين في عداد نزول السور نزلت بعد سورة الذاريات ~~وقبل سورة الكهف . # وآياتها ست وعشرون . # أغراضها # اشتملت هذه السورة على تهويل يوم القيامة وما فيه من عقاب قوم مشوهة ~~حالتهم ، ومن ثواب قوم ناعمة حالتهم وعلى وجه الإجمال المرهب أو المرغب . # والإيماء إلى ما يبين ذلك الإجمال كله بالإنكار على قوم لم يهتدوا بدلالة ~~PageV30P293 مخلوقات من خلق الله وهي نصب أعينهم ، على تفرده بالإلاهية ~~فيعلم السامعون أن الفريق المهدد هم المشركون . # وعلى إمكان إعادته بعض مخلوقاته خلقا جديدا بعد الموت يوم البعث . # وتثبيتت النبي صلى الله عليه وسلم على الدعوة إلى الإسلام وأن لا يعبأ ~~بإعراضهم . # وأن وراءهم البعث فهم راجعون إلى الله فهو مجازيهم على كفرهم وإعراضهم . # الافتتاح بالاستفهام عن بلوغ خبر الغاشية مستعمل في التشويق إلى معرفة ~~هذا الخبر لما يترتب عليه من الموعظة . # وكون الاستفهام ب { هل } المفيدة معنى ( قد ) ، فيه مزيد تشويق فهو ~~استفهام صوري يكنى به عن أهمية الخبر بحيث شأنه أن يكون بلغ السامع ، وقد ~~تقدم نظيره في قوله تعالى : { وهل أتاك نبؤا الخصم } في سورة ص . وقوله : { ~~هل أتاك حديث موسى في سورة النازعات . # وتقدم هنالك إطلاق فعل الإتيان على فشو الحديث . # وتعريف ما أضيف إليه حديث } بوصفه { الغاشية } الذي يقتضي موصوفا لم يذكر ~~هو إبهام لزيادة التشويق إلى بيانه الآتي ليتمكن الخبر في الذهن كمال تمكن ~~. # والحديث : الخبر المتحدث به وهو فعيل بمعنى مفعول ، أو الخبر الحاصل ~~بحدثان أي ما حدث من أحوال . وتقدم في سورة النازعات . # # | 2 ( { هل أتاك حديث الغاشية * وجوه يومئذ خاشعة * عاملة ناصبة * تصلى ~~نارا حامية * تسقى من عين ءانية * ليس لهم طعام إلا من ضريع * لا يسمن ولا ~~يغنى من جوع * وجوه يومئذ ناعمة * لسعيها راضية * في جنة عالية * لا تسمع ~~فيها لاغية * فيها عين جارية * فيها سرر مرفوعة * وأكواب موضوعة ms9309 * ونمارق ~~مصفوفة * وزرابي مبثوثة * أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت * وإلى السمآء ~~كيف رفعت * وإلى الجبال كيف نصبت * وإلى الارض كيف سطحت * فذكر إنمآ أنت ~~مذكر * لست عليهم بمسيطر * إلا من تولى وكفر * فيعذبه الله العذاب الاكبر * ~~إن إلينآ إيابهم * ثم إن علينا حسابهم } ) 2 # و { الغاشية } : مشتقة من الغشيان وهو تغطية متمكنة وهي صفة أريد بها ~~حادثة القيامة سميت غاشية على وجه الاستعارة لأنها إذا حصلت لم يجد الناس ~~مفرا من أهوالها فكأنها غاشش يغشى على عقولهم . ويطلق الغشيان على غيبوبة ~~العقل فيجوز أن يكون وصف الغاشية مشتقا منه . ففهم من هذا أن الغاشية صفة ~~لمحذوف يدل عليه السياق وتأنيث الغاشية لتأويلها بالحادثة ولم يستعملوها ~~إلا مؤنثة اللفظ PageV30P294 والتأنيث كثير في نقل الأوصاف إلى الإسمية مثل ~~الداهية والطامة والصاخة والقارعة والآزفة . # و { الغاشية } هنا : علم بالغلبة على ساعة القيامة كما يؤذن بذلك قوله ~~عقبه { وجوه يومئذ } ( الغاشية : 2 ) أي يوم الغاشية . # { وجوه } مبتدأ و { خاشعة } خبر والجملة بيان لحديث الغاشية كما يفيده ~~الظرف من قوله : { يومئذ } فإن ما صدقه هو يوم الغاشية . ويكون تنكير { ~~وجوه } وهو مبتدأ قصد منه النوع . # و { خاشعة ، عاملة ، ناصبة } أخبار ثلاثة عن { وجوه } ، والمعنى : أناس ~~خاشعون الخ . # فالوجوه كناية عن أصحابها ، إذ يكنى بالوجه عن الذات كقوله تعالى : { ~~ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام } ( الرحمن : 27 ) . وقرينة ذلك هنا قوله ~~بعده : { ليس لهم طعام إلا من ضريع } إذ جعل ضمير الوجوه جماعة العقلاء . # وأوثرت الوجوه بالكناية عن أصحابها هنا وفي مثل هذا المقام لأن حالة ~~الوجوه تنبىء عن حالة أصحابها إذ الوجه عنوان عما يجده صاحبه من نعيم أو ~~شقوة كما يقال : خرج بوجه غير الوجه الذي دخل به . # وتقدم في قوله تعالى : { وجوه يومئذ مسفرة الآية في سورة عبس . # ويجوز أن يجعل إسناد الخشوع والعمل والنصب إلى وجوه } من قبيل المجاز ~~العقلي ، أي أصحاب وجوه . # ويتعلق { يومئذ } ب { خاشعة } قدم على متعلقه للاهتمام بذلك اليوم ولما ~~كانت ( إذ ) من الأسماء التي تلزم الإضافة ms9310 إلى جملة فالجملة المضاف إليها ( ~~إذ ) PageV30P295 محذوفة عوض عنها التنوين ، ويدل عليها ما في اسم { ~~الغاشية } من لمح أصل الوصفية لأنها بمعنى التي تغشى الناس فتقدير الجملة ~~المحذوفة يوم إذ تغشى الغاشية . # أو يدل على الجملة سياق الكلام فتقدر الجملة : يوم إذ تحدث أو تقع . # و { خاشعة } : ذليلة يطلق الخشوع على المذلة قال تعالى : { وتراهم يعرضون ~~عليها خاشعين من الذل } ( الشورى : 45 ) وقال : { خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ~~} ( المعارج : 44 ) . # والعاملة : المكلفة العمل من المشاق يومئذ . و { ناصبة } : من النصب وهو ~~التعب . # وأوثر وصف { خاشعة } و { عاملة } و { ناصبة } تعريضا بأهل الشقاء ~~بتذكيرهم بأنهم تركوا الخشوع لله والعمل بما أمر به والنصب في القيام ~~بطاعته ، فجزاؤهم خشوع مذلة ، وعمل مشقة ، ونصب إرهاق . # وجملة : { تصلى نارا حامية } خبر رابع عن { وجوه } . ويجوز أن تكون حالا ~~، يقال : صلي يصلى ، إذا أصابه حر النار ، وعليه فذكر : { نارا } بعد { ~~تصلى } لزيادة التهويل والإرهاب وليجرى على { نارا } وصف { حامية } . # وقرأ الجمهور { تصلى } بفتح التاء أي يصيبها صلي النار . وقرأه أبو عمرو ~~وأبو بكر عن عاصم ويعقوب ( تصلى ) بضم التاء من أصلاه النار بهمزة التعدية ~~إذا أناله حرها . # ووصف النار ب { حامية } لإفادة تجاوز حرها المقدار المعروف لأن الحمي من ~~لوازم ماهية النار فلما وصفت ب { حامية } كان دالا على شدة الحمى قال تعالى ~~: { نار الله الموقدة } ( الهمزة : 6 ) . # وأخبر عن { وجوه } خبرا خامسا بجملة { تسقى من عين آنية } أو هو حال من ~~ضمير { تصلى } لأن ذكر الاحتراق بالنار يحضر في الذهن تطلب إطفاء حرارتها ~~بالشراب فجعل شرابهم من عين آنية . PageV30P296 # يقال : أنى إذا بلغ شدة الحرارة ، ومنه قوله تعالى : { يطوفون بينها وبين ~~حميم آن في سورة الرحمن . # وذكر السقي يخطر في الذهن تطلب معرفة ما يطعمونه فجيء به خبرا سادسا أو ~~حالا من ضمير تسقى } بجملة { ليس لهم طعام إلا من ضريع } ، أي يطعمون طعام ~~إيلام وتعذيب لا نفع فيه لهم ولا يدفع عنهم ألما . # وجملة : { ليس لهم طعام } الخ خبر سادس عن { وجوه } . # وضمير { لهم ms9311 } عائد إلى { وجوه } باعتبار تأويله بأصحاب الوجوه ولذلك جىء ~~به ضمير جماعة المذكر . والتذكير تغليب للذكور على الإناث . # والضريع : يابس الشبرق ( بكسر الشين المعجمة وسكون الموحدة وكسر الراء ) ~~وهو نبت ذو شوك إذا كان رطبا فإذا يبس سمي ضريعا وحينئذ يصير مسموما وهو ~~مرعى للإبل ولحمر الوحش إذا كان رطبا ، فما يعذب بأهل النار بأكله شبه ~~بالضريع في سوء طعمه وسوء مغبته . # وقيل : الضريع اسم سمى القرآن به شجرا في جهنم وأن هذا الشجر هو الذي ~~يسيل منه الغسلين الوارد في قوله تعالى : { فليس له اليوم ههنا حميم ولا ~~طعام إلا من غسلين } ( الحاقة : 35 ، 36 ) وعليه فحرف { من للابتداء ، أي ~~ليس لهم طعام إلا ما يخرج من الضريع والخارج هو الغسلين وقد حصل الجمع بين ~~الآيتين . # ووصف ضريع بأنه لا يسمن ولا يغني من جوع لتشويهه وأنه تمحض للضر فلا يعود ~~على آكليه بسمن يصلح بعض ما التفح من أجسادهم ، ولا يغني عنهم دفع ألم ~~الجوع ، ولعل الجوع من ضروب تعذيبهم فيسألون الطعام فيطعمون الضريع فلا ~~يدفع عنهم ألم الجوع . # والسمن ، بكسر السين وفتح الميم : وفرة اللحم والشحم للحيوان يقال : ~~أسمنه الطعام ، إذا عاد عليه بالسمن . # والإغناء : الإكفاء ودفع الحاجة . ومن جوع } متعلق ب { يغني } وحرف { من ~~} لمعنى البدلية ، أي غناء بدلا عن الجوع . PageV30P297 # والقصر المستفاد من قوله : { ليس لهم طعام إلا من ضريع } مع قوله تعالى : ~~{ ولا طعام إلا من غسلين } ( الحاقة : 36 ) يؤيد أن الضريع اسم شجر جهنم ~~يسيل منه الغسلين . # ( 8 10 ) # يتبادر في بادىء الرأي أن حق هذه الجملة أن تعطف على جملة { وجوه يومئذ ~~خاشعة } ( الغاشية : 2 ) بالواو لأنها مشاركة لها في حكم البيان لحديث ~~الغاشية كما عطفت جملة : { ووجوه يومئذ عليها غبرة } ( عبس : 40 ) على جملة ~~: { وجوه يومئذ مسفرة } في سورة عبس . فيتجه أن يسأل عن وجه فصلها عن التي ~~قبلها ، ووجه الفصل التنبيه على أن المقصود من الاستفهام في { هل أتاك حديث ~~الغاشية } ( الغاشية : 1 ) الإعلام بحال المعرض بتهديدهم وهم أصحاب الوجوه ms9312 ~~الخاشعة فلما حصل ذلك الإعلام بجملة : { وجوه يومئذ خاشعة } ( الغاشية : 2 ~~) إلى آخرها تم المقصود ، فجاءت الجملة بعدها مفصولة لأنها جعلت استئنافا ~~بيانيا جوابا عن سؤال مقدر تثيره الجملة السابقة فيتساءل السامع : هل من ~~حديث الغاشية ما هو مغاير لهذا الهول ؟ أي ما هو أنس ونعيم لقوم آخرين . # ولهذا النظم صارت هذه الجملة بمنزلة الاستطراد والتتميم ، لإظهار الفرق ~~بين حالي الفريقين ولتعقيب النذارة بالبشارة فموقع هذه الجملة المستأنفة ~~موقع الاعتراض ولا تنافي بين الاستئناف والاعتراض وذلك موجب لفصلها عما ~~قبلها . وفيه جري القرآن على سننه من تعقيب الترهيب والترغيب . # فأما الجملتان اللتان في سورة عبس فلم يتقدمهما إبهام لأنهما متصلتان معا ~~بالظرف وهو { فإذا جاءت الصاخة } ( عبس : 33 ) . # وقد علم من سياق توجيه الخطاب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أن الوجوه ~~الأولى وجوه المكذبين بالرسول ، والوجوه المذكورة بعدها وجوه المؤمنين ~~المصدقين بما جاء به . PageV30P298 # والقول في تنكير { وجوه } ، والمراد بها ، والإخبار عنها بما بعدها ، ~~كالقول في الآيات التي سبقتها . # و { ناعمة } : خبر عن { وجوه } . يجوز أن يكون مشتقا من نعم بضم العين ~~ينعم بضمها الذي مصدره نعومة وهي اللين وبهجة المرأى وحسن المنظر . # ويجوز أن يكون مشتقا من نعم بكسر العين ينعم مثل حذر ، إذا كان ذا نعمة ، ~~أي حسن العيش والترف . # ويتعلق { لسعيها } بقوله : { راضية } ، و { راضية } خبر ثانن عن { وجوه } ~~. # والمراد بالسعي : العمل الذي يسعاه المرء ليستفيد منه . وعبر به هنا ~~مقابل قوله في ضده { عاملة } ( الغاشية : 3 ) . # والرضى : ضد السخط ، أي هي حامدة ما سعته في الدنيا من العمل الذي هو ~~امتثال ما أمر الله به على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم # والمجرور في قوله : { في جنة عالية } خبر ثالث عن { وجوه } . # والجنة أريد به مجموع دار الثواب الصادق بجنات كثيرة أو أريد به الجنس ~~مثل { علمت نفس } ( التكوير : 14 ) . # ووصف { جنة } ب { عالية } لزيادة الحسن لأن أحسن الجنات ما كان في ~~المرتفعات ، قال تعالى : { كمثل جنة بربوة } ( البقرة : 265 ) فذلك يزيد ~~حسن باطنها بحسن ms9313 ما يشاهده الكائن فيها من مناظر ، وهذا وصف شامل لحسن موقع ~~الجنة . # اللاغية : مصدر بمعنى اللغو مثل الكاذبة للكذب . والخائنة والعافية ، أي ~~لا يسمع فيها لغو ، أو هو وصف لموصوف مقدر التأنيث ، أي كلمة لاغية لما دل ~~عليه { لاغية } من أنها كلمات ، ووصف الكلمة بذلك مجاز عقلي لأن اللاغي ~~صاحبها . PageV30P299 # ونفي سماع { لاغية } مكنى به عن انتفاء اللغو في الجنة من باب : # ولا ترى الضب بها ينجحر # أي لا ضب بها إذ الضب لا يخلو من الإنجحار . # واللغو : الكلام الذي لا فائدة له ، وهذا تنبيه على أن الجنة دار جد ~~وحقيقة فلا كلام فيها إلا لفائدة لأن النفوس فيها تخلصت من النقائص كلها ~~فلا يلذ لها إلا الحقائق والسمو العقلي والخلقي ، ولا ينطقون إلا ما يزيد ~~النفوس تزكية . # وجملة : { لا تسمع فيها لاغية } صفة ثانية ل { جنة } ( الغاشية : 10 ) ~~ترك عطفها على الصفة التي قبلها لأن النعوت المتعددة يجوز أن تعطف ويجوز أن ~~تفصل دون عطف قال في ( التسهيل ) : ( ويجوز عطف بعض النعوت على بعض وقال ~~المرادي في ( شرحه ) نحو قوله تعالى : { الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى ~~والذي أخرج المرعى } ( الأعلى : 2 4 ) . وقال : ولا يعطف إلا بالواو ما لم ~~يكن ترتيب : فبالفاء كقوله : # يا لهف زيابة للحارب ال # صابح فالغانم فالآيب # قال السهيلي : والعطف ب ( ثم ) جوازه بعيد . اه . قال الدماميني : وكذا ~~في الجمل نحو مررت برجل يحفظ القرآن ويعرف الفقه ويتقي إلى الله ، قال : ~~ونص الواحدي في قوله تعالى : { لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ~~ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم } ( آل عمران : 118 ) . أن لا ~~يألونكم وما بعده من الجمل ( أي الثلاث ) لا يكون صفات ، لعدم العاطف لكن ~~ظاهر سكوت الجمهور عن وجوب العطف يشعر بجوازه فيها ( أي الجمل ) كالمفردات ~~اه . # ابتدىء في تعداد صفات الجنة بصفتها الذاتية وهو كونها عالية ، وثني بصفة ~~تنزيهها عما يعد من نقائص مجامع الناس ومساكن الجماعات وهو الغوغاء واللغو ~~، وقد جردت هذه الجملة من أن تعطف ms9314 على { عالية } ( الغاشية : 10 ) مراعاة ~~لعدم التناسب بين المفردات والجمل وذلك حقيق بعدم العطف لأنه أشد من كمال ~~الانقطاع في عطف الجمل . # وهذا وصف للجنة بحسن سكانها . PageV30P300 # وقرأ نافع { لا تسمع } بمثناة فوقية مضمومة و { لاغية } نائب فاعل ، ~~وقرأه ابن كثير وأبو عمرو ورويس عن يعقوب بمثناة تحتية مضمومة وبرفع { ~~لاغية } أيضا فأجري الفعل على التذكير لأن { لاغية } ليس حقيقي التأنيث ~~وحسنه وقوع الفصل بين الفعل وبين المسند إليه ، وقرأه ابن عامر وعاصم وحمزة ~~والكسائي وأبو جعفر وروح عن يعقوب بفتح المثناة الفوقية وبنصب { لاغية } ، ~~والتاء لخطاب غير المعين . # صفة ثالثة ل { جنة } ( الغاشية : 10 ) . فالمراد جنس العيون كقوله تعالى ~~: { علمت نفس ما أحضرت } ( التكوير : 14 ) ، أي علمت النفوس ، وهذا وصف ~~للجنة باستكمالها محاسن الجنات قال تعالى : { أو تكون لك جنة من نخيل وعنب ~~فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا } ( الإسراء : 91 ) . # وإنما لم تعطف على الجملة التي قبلهما لاختلافهما بالفعلية في الأولى ~~والإسمية في الثانية ، وذلك الاختلاف من محسنات الفصل ولأن جملة : { لا ~~تسمع فيها لاغية } مقصود منها التنزه عن النقائص وجملة : { فيها عين جارية ~~} مقصود منها إثبات بعض محاسنها . # ( 13 16 ) { } # صفة رابعة لجنة . # وأعيد قوله : { فيها } دون أن يعطف { سرر } على { عين } ( الغاشية : 12 ) ~~عطف المفردات لأن عطف السرر على { عين } يبدو نابيا عن الذوق لعدم الجامع ~~بين عين الماء والسرر في الذهن لولا أن جمعها الكون في الجنة فلذلك كرر ظرف ~~{ فيها } تصريحا بأن تلك الظرفية هي الجامع ، ولأن بين ظرفية العين الجارية ~~في الجنة وبين ظرفية السرر وما عطف عليه من متاع القصور والأثاث تفاوتا ~~ولذلك عطف { وأكواب } ، { ونمارق } ، { وزرابي } ، لأنها متماثلة في أنها ~~من متاع المساكن الفائقة . PageV30P301 # وهذا وصف لمحاسن الجنة بمحاسن أثاث قصورها فضمير فيها عائد للجنة باعتبار ~~أن ما في قصورها هو مظروف فيها بواسطة . # و { سرر } : جمع سرير ، وهو ما يجلس عليه ويضطجع عليه فيسع الإنسان ~~المضطجع ، يتخذ من خشب أو حديد له قوائم ليكون مرتفعا عن الأرض . ولما كان ~~الارتفاع عن الأرض ms9315 مأخوذا في مفهوم السرر كان وصفها ب { مرفوعة } لتصوير ~~حسنها . # و { الأكواب } : جمع كوب بضم الكاف ، وهو إناء للخمر له ساق ولا عروة له ~~. # و { موضوعة } : أي لا ترفع من بين أيديهم كما ترفع آنية الشراب في الدنيا ~~إذا بلغ الشاربون حد الاستطاعة من تناول الخمر ، وكني ب { موضوعة } عن عدم ~~انقطاع لذة الشراب طعما ونشوة ، أي موضوعة بما فيها من أشربة . # وبين { مرفوعة } و { موضوعة } ، إيهام الطباق لأن حقيقة معنى الرفع ضد ~~حقيقة معنى الوضع ، ولا تضاد بين مجاز الأول وحقيقة الثاني ولكنه إيهام ~~التضاد . # والنمارق : جمع نمرقة بضم النون وسكون ميم بعدها راء مضمومة وهي الوسادة ~~التي يتكىء عليها الجالس والمضطجع . # و { مصفوفة } : أي جعل بعضها قريبا من بعض صفا ، أي أينما أراد الجالس أن ~~يجلس وجدها . # و { زرابي } : جمع زربية بفتح الزاي وسكون الراء وكسر الموحدة وتشديد ~~الياء ، وهي البساط أو الطنفسة ( بضم الطاء ) المنسوج من الصوف الملون ~~الناعم يفرش في الأرض للزينة والجلوس عليه لأهل الترف واليسار . # والزربية نسبة إلى ( أذربيجان ) بلد من بلاد فارس وبخارى ، فأصل زربية ~~أذربية ، حذفت همزتها للتخفيف لثقل الاسم لعجمته واتصال ياء النسب به ، ~~وذالها مبدلة عن الزاي في كلام العرب لأن اسم البلد في لسان الفرس أزربيجان ~~بالزاي المعجمة بعدها راء مهملة وليس في الكلام الفارسي حرف الذال ، وبلد ( ~~أذربيجان ) مشهور بنعومة صوف أغنامه . واشتهر أيضا بدقة صنع البسط والطنافس ~~ورقة خملها . PageV30P302 # والمبثوثة : المنتشرة على الأرض بكثرة وذلك يفيد كناية عن الكثرة . # وقد قوبلت صفات وجوه أهل النار بصفات وجوه أهل الجنة فقوبلت صفات { خاشعة ~~} ( الغاشية : 2 ) ، { عاملة } ، { ناصبة } ( الغاشية : 3 ) بصفات { ناعمة ~~لسعيها راضية } ( الغاشية : 8 ، 9 ) ، وقوبل قوله : { تصلى نارا حامية } ( ~~الغاشية : 4 ) بقوله : في { جنة عالية } ( الغاشية : 10 ) . وقوبل : { تسقى ~~من عين آنية } ( الغاشية : 5 ) بقوله : { فيها عين جارية } ( الغاشية : 12 ~~) ، وقوبل شقاء عيش أهل النار الذي أفاده قوله : { ليس لهم طعام إلا من ~~ضريع لا يسمن ولا يغني من جوع } ( الغاشية : 6 ، 7 ) ، بمقاعد أهل الجنة ms9316 ~~المشعرة بترف العيش من شراب ومتاع . # وهذا وعد للمؤمنين بأن لهم في الجنة ما يعرفون من النعيم في الدنيا وقد ~~علموا أن ترف الجنة لا يبلغه الوصف بالكلام وجمع ذلك بوجه الإجمال في قوله ~~تعالى : { وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين } ( الزخرف : 71 ) ، ولكن ~~الأرواح ترتاح بمألوفاتها فتعطاها فيكون نعيم أرواح الناس في كل عصر ومن كل ~~مصر في الدرجة القصوى مما ألفوه ولا سيما ما هو مألوف لجميع أهل الحضارة ~~والترف وكانوا يتمنونه في الدنيا ثم يزادون من النعيم ( ما لا عين رأت ولا ~~أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ) . # ( 17 20 ) # لما تقدم التذكير بيوم القيامة ووصف حال أهل الشقاء بما وصفوا به ، وكان ~~قد تقرر فيما نزل من القرآن أن أهل الشقاء هم أهل الإشراك بالله ، فرع على ~~ذلك إنكار عليهم إعراضهم عن النظر في دلائل الوحدانية ، فالفاء في قوله : { ~~أفلا ينظرون } تفريع التعليل على المعلل لأن فظاعة ذلك الوعيد تجعل المقام ~~مقام استدلال على أنهم محقوقون بوجوب النظر في دلائل الوحدانية التي هي أصل ~~الاهتداء إلى تصديق ما أخبرهم به القرآن من البعث والجزاء ، وإلى الاهتداء ~~إلى أن منشىء النشأة الأولى عن عدم بما فيها من عظيم الموجودات كالجبال ~~والسماء ، لا يستبعد في جانب قدرته إعادة إنشاء الإنسان بعد فنائه عن عدم ، ~~وهو دون PageV30P303 تلك الموجودات العظيمة الأحجام ، فكان إعراضهم عن ~~النظر مجلبة لما يجشمهم من الشقاوة وما وقع بين هذا التفريع ، وبين المفرع ~~عنه من جملة : { وجوه يومئذ ناعمة } ( الغاشية : 8 ) كان في موقع الاعتراض ~~كما علمت . # فضمير { ينظرون } عائد إلى معلوم من سياق الكلام . # والهمزة للاستفهام الإنكاري إنكارا عليهم إهمال النظر في الحال إلى دقائق ~~صنع الله في بعض مخلوقاته . # والنظر : نظر العين المفيد الاعتبار بدقائق المنظور ، وتعديته بحرف ( إلى ~~) تنبيه على إمعان النظر ليشعر الناظر مما في المنظور من الدقائق ، فإن ~~قولهم نظر إلى كذا أشد في توجيه النظر من نظر كذا ، لما في ( إلى ) من معنى ~~الانتهاء حتى كأن النظر انتهى ms9317 عند المجرور ب ( إلى ) انتهاء تمكن واستقرار ~~كما قال تعالى : { فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك } ( الأحزاب : 19 ) ~~وقوله : { إلى ربها ناظرة } ( القيامة : 23 ) . # ولزيادة التنبيه على إنكار هذا الإهمال قيد فعل { ينظرون } بالكيفيات ~~المعدودة في قوله : { كيف خلقت } ، { كيف رفعت } ، { كيف نصبت } ، { كيف ~~سطحت } أي لم ينظروا إلى دقائق هيئات خلقها . # وجملة : { كيف خلقت } بدل اشتمال من الإبل والعامل فيه هو العامل في ~~المبدل منه وهو فعل { ينظرون } لا حرف الجر ، فإن حرف الجر آلة لتعدية ~~الفعل إلى مفعوله فالفعل إن احتاج إلى حرف الجر في التعدية إلى المفعول لا ~~يحتاج إليه في العمل في البدل ، وشتان بين ما يقتضيه إعمال المتبوع وما ~~يقتضيه إعمال التابع فكل على ما يقتضيه معناه وموقعه ، فكيف منصوب على ~~الحال بالفعل الذي يليه . # والمعنى والتقدير : أفلا ينظرون إلى الإبلل هيئة خلقها . # وقد عدت أشياء أربعة هي من الناظرين عن كثب لا تغيب عن أنظارهم ، وعطف ~~بعضها على بعض ، فكان اشتراكها في مرآهم جهة جامعة بينها بالنسبة إليهم ، ~~فإنهم المقصودون بهذا الإنكار والتوبيخ ، فالذي حسن اقتران الإبل مع ~~PageV30P304 السماء والجبال والأرض في الذكر هنا ، هو أنها تنتظم في نظر ~~جمهور العرب من أهل تهامة والحجاز ونجد وأمثالها من بلاد أهل الوبر ~~والانتجاع . # فالإبل أموالهم ورواحلهم ، ومنها عيشهم ولباسهم ونسج بيوتهم وهي حمالة ~~أثقالهم ، وقد خلقها الله خلقا عجيبا بقوة قوائمها ويسر بروكها لتيسير حمل ~~الأمتعة عليها ، وجعل أعناقها طويلة قوية ليمكنها النهوض بما عليها من ~~الأثقال بعد تحميلها أو بعد استراحتها في المنازل والمبارك ، وجعل في ~~بطونها أمعاء تختزن الطعام والماء بحيث تصبر على العطش إلى عشرة أيام في ~~السير في المفاوز مما يهلك فيما دونه غيرها من الحيوان . # وكم قد جرى ذكر الرواحل وصفاتها وحمدها في شعر العرب ولا تكاد تخلو قصيدة ~~من طوالهم عن وصف الرواحل ومزاياها . وناهيك بما في المعلقات وما في قصيدة ~~كعب بن زهير . # و { الإبل } : اسم جمع للبعران لا واحد له من لفظه ، وقد تقدم في قوله ~~تعالى ms9318 : { ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما في سورة الأنعام . # وعن المبرد أنه فسر الإبل في هذه الآية بالأسحبة وتأوله الزمخشري بأنه لم ~~يرد أن الإبل من أسماء السحاب ولكنه أراد أنه من قبيل التشبيه ، أي هو على ~~نحو قول عنترة : # جادت عليه كل بكر حرة # فتركن كل قرارة كالدرهم # ونقل بهم إلى التدبر في عظيم خلق السماء إذ هم ينظرونها نهارهم وليلهم في ~~إقامتهم وظعنهم ، يرقبون أنواء المطر ويشيمون لمع البروق ، فقد عرف العرب ~~بأنهم بنو ماء السماء ، قال زيادة الحارثي ( على تردد لشراح الحماسة في ~~تأويل قوله ، بنو ماء السماء ) : # ونحن بنو ماء السماء فلا نرى # لأنفسنا من دون مملكة قصر # وفي كلام أبي هريرة وقد ذكر قصة هاجر فقال أبو هريرة في آخرها : إنها ~~لأمكم يا بني ماء السماء ويتعرفون من النجوم ومنازل الشمس أوقات الليل ~~والنهار ووجهة السير . PageV30P305 # وأتبع ذكر السماء بذكر الجبال وكانت الجبال منازل لكثير منهم مثل جبلي ~~أجإ وسلمى لطي . وينزلون سفوحها ليكونوا أقرب إلى الاعتصام بها عند الخوف ~~ويتخذون فيها مراقب للحراسة . # والنصب : الرفع أي كيف رفعت وهي مع ارتفاعها ثابتة راسخة لا تميل . # وثم نزل بأنظارهم إلى الأرض وهي تحت أقدامهم وهي مرعاهم ومفترشهم ، وقد ~~سطحها الله ، أي خلقها ممهدة للمشي والجلوس والاضطجاع . ومعنى سطحت } : ~~سويت يقال : سطح الشيء إذا سواه ومنه سطح الدار . # والمراد بالأرض أرض كل قوم لا مجموع الكرة الأرضية . # وبنيت الأفعال الأربعة إلى المجهول للعلم بفاعل ذلك . # ( 21 24 ) { } # الفاء فصيحة تفريع على محصل ما سبق من أول السورة الذي هو التذكير ~~بالغاشية وما اتصل به من ذكر إعراضهم وإنذارهم ، رتب على ذلك أمر الله ~~رسوله صلى الله عليه وسلم بالدوام على تذكيرهم وأنه لا يؤيسه إصرارهم على ~~الإعراض وعدم ادكارهم بما ألقى إليهم من المواعظ ، وتثبيته بأنه لا تبعة ~~عليه من عدم إصغائهم إذ لم يبعث ملجئا لهم على الإيمان . # فالأمر مستعمل في طلب الاستمرار والدوام . # ومفعول ( ذكر ) محذوف هو ضمير يدل عليه قوله بعده { لست عليهم ms9319 بمصيطر } . # وجملة { إنما أنت مذكر } تعليل للأمر بالدوام على التذكير مع عدم إصغائهم ~~لأن { إنما } مركبة من ( أن ) و ( ما ) وشأن ( إن ) إذا وردت بعد جملة أن ~~تفيد التعليل وتغني غناء فاء التسبب ، واتصال ( ما ) الكافة بها لا يخرجها ~~عن مهيعها . # والقصر المستفاد ب { إنما } قصر إضافي ، أي أنت مذكر لست وكيلا على ~~PageV30P306 تحصيل تذكرهم فلا تتحرج من عدم تذكرهم فأنت غير مقصر في ~~تذكيرهم وهذا تطمين لنفسه الزكية . # وجملة { لست عليهم بمصيطر } بدل اشتمال من جملة القصر باعتبار جانب النفي ~~الذي يفيده القصر . # والمصيطر : المجبر المكره . # يقال : صيطر بصاد في أوله ، ويقال : سيطر بسين في أوله والأشهر بالصاد . ~~وتقدم في سورة الطور : { أم هم المصيطرون } وقرأ بها الجمهور وقرأ هشام عن ~~ابن عامر بالسين وقرأه حمزة بإشمام الصاد صوت الزاي . # ونفي كونه مصيطرا عليهم خبر مستعمل في غير الإخبار لأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم يعلم أنه لم يكلف بإكراههم على الإيمان ، فالخبر بهذا النفي ~~مستعمل كناية عن التطمين برفع التبعة عنه من جراء استمرار أكثرهم على الكفر ~~، فلا نسخ لحكم هذه الآية بآيات الأمر بقتالهم . # ثم جاء وجوب القتال بتسلسل حوادث كان المشركون هم البادئين فيها بالعدوان ~~على المسلمين إذ أخرجوهم من ديارهم ، فشرع قتال المشركين لخضد شوكتهم ~~وتأمين المسلمين من طغيانهم . # ومن الجهلة من يضع قوله : { لست عليهم بمصيطر } في غير موضعه ويحيد به عن ~~مهيعه فيريد أن يتخذه حجة على حرية التدين بين جماعات المسلمين . وشتان بين ~~أحوال أهل الشرك وأحوال جامعة المسلمين . فمن يلحد في الإسلام بعد الدخول ~~فيه يستتاب ثلاثا فإن لم يتب قتل ، وإن لم يقدر عليه فعلى المسلمين أن ~~ينبذوه من جامعتهم ويعاملوه معاملة المحارب . وكذلك من جاء بقول أو عمل ~~يقتضي نبذ الإسلام أو إنكار ما هو من أصول الدين بالضرورة بعد أن يوقف على ~~مآل قوله أو عمله فيلتزمه ولا يتأوله بتأويل مقبول ويأبى الانكفاف . # وتقديم { عليهم } على متعلقه وهو ( مسيطر ) للرعاية على الفاصلة . # وقوله : { إلا من تولى وكفر فيعذبه ms9320 الله العذاب الأكبر } معترض بين جملة ~~PageV30P307 { لست عليهم بمصيطر } وجملة : { إن إلينا إيابهم } ( الغاشية : ~~25 ) والمقصود من هذا الاعتراض الاحتراس من توهمهم أنهم أصبحوا آمنين من ~~المؤاخذة على عدم التذكر . # فحرف { إلا } للاستثناء المنقطع وهو بمعنى الاستدراك . # والمعنى : لكن من تولى عن التذكر ودام على كفره يعذبه الله العذاب الشديد ~~. # ودخلت الفاء في الخبر وهو { فيعذبه الله } إذ كان الكلام استدراكا وكان ~~المبتدأ موصولا فأشبه بموقعه وبعمومه الشروط فأدخلت الفاء في جوابه ومثله ~~كثير كقوله تعالى : { والذين قاتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم } ( محمد ~~: 4 ) . و { الأكبر } : مستعار للقوى المتجاوز حد أنواعه . # ( 25 ، 26 ) # تعليل لجملة : { لست عليهم بمصيطر } ( الغاشية : 22 ) ، أي لست مكلفا ~~بجبرهم على التذكر والإيمان لأنا نحاسبهم حين رجوعهم إلينا في دار البقاء . ~~وقد جاء حرف { إن } على استعماله المشهور ، إذا جيء به لمجرد الاهتمام دون ~~رد إنكار ، فإنه يفيد مع ذلك تعليلا وتسببا كما تقدم غير مرة ، وتقدم عند ~~قوله : { إنك أنت العليم الحكيم في سورة البقرة . # والإياب : بتخفيف الياء الأوب ، أي الرجوع إلى المكان الذي صدر عنه . ~~أطلق على الحضور في حضرة القدس يوم الحشر تشبيها له بالرجوع إلى المكان ~~الذي خرج منه بملاحظة أن الله خالق الناس خلقهم الأول ، فشبهت إعادة خلقهم ~~وإحضارهم لديه برجوع المسافر إلى مقره كما قال تعالى : يا أيتها النفس ~~المطمئنة ارجعي إلى ربك } ( الفجر : 27 ، 28 ) . # وتقديم خبر { إن } على اسمها يظهر أنه لمجرد الاهتمام تحقيقا لهذا الرجوع ~~لأنهم ينكرونه ، وتنبيها على إمكانه بأنه رجوع إلى الذي أنشأهم أول مرة . # ونقل الكلام من أسلوب الغيبة في قوله : { فيعذبه الله } ( الغاشية : 24 ) ~~إلى أسلوب التكلم بقوله : { إلينا } على طريقة الالتفات . PageV30P308 # وقرأ أبو جعفر { إيابهم } بتشديد الياء . فعن ابن جني هو مصدر على وزن ~~فيعال مصدر : ايب بوزن فيعل من الأوب مثل حوقل . فلما اجتمعت الواو والياء ~~وسبقت إحداهما بالسكون قلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء فقيل : إياب . # وعطفت جملة : { إن علينا حسابهم } بحرف { ثم } لإفادة التراخي الرتبي فإن ms9321 ~~حسابهم هو الغرض من إيابهم وهو أوقع في تهديدهم على التولي . # ومعنى ( على ) من قوله : { علينا حسابهم } أن حسابهم لتأكده في حكمة الله ~~يشبه الحق الذي فرضه الله على نفسه . # وهذه الجملة هي المقصود من التعليل التي قبلها بمعنى التمهيد لها ~~والإدماج لإثبات البعث . وفي ذلك إيذان بأن تأخير عقابهم إمهال فلا يحسبوه ~~انفلاتا من العقاب . # PageV30P309 PageV30P310 # | 1 ( سورة الفجر ) 1 # لم يختلف في تسمية هذه السورة ( سورة الفجر ) بدون الواو في المصاحف ~~والتفاسير وكتب السنة . # وهي مكية باتفاق سوى ما حكى ابن عطية عن أبي عمرو الداني أنه حكى عن بعض ~~العلماء أنها مدنية . # وقد عدت العاشرة في عداد نزول السور . نزلت بعد سورة الليل وقبل سورة ~~الضحى . # وعدد آيها اثنتان وثلاثون عند أهل العدد بالمدينة ومكة عدوا قوله : { ~~ونعمه } ( الفجر : 15 ) منتهى آية ، وقوله : { رزقه } ( الفجر : 16 ) منتهى ~~آية . ولم يعدها غيرهم منتهى آية ، وهي ثلاثون عند أهل العدد بالكوفة ~~والشام وعند أهل البصرة تسع وعشرون . # فأهل الشام عدوا { بجهنم } ( الفجر : 23 ) منتهى آية . وأهل الكوفة عدوا ~~{ في عبادي } ( الفجر : 29 ) منتهى آية . # أغراضها # حوت من الأغراض ضرب المثل لمشركي أهل مكة في إعراضهم عن قبول رسالة ربهم ~~بمثل عاد وثمود وقوم فرعون . # وإنذارهم بعذاب الآخرة . # وتثبيت النبي صلى الله عليه وسلم مع وعده باضمحلال أعدائه . # وإبطال غرور المشركين من أهل مكة إذ يحسبون أن ما هم فيه من النعيم ~~PageV30P311 علامة على أن الله أكرمهم وأن ما فيه المؤمنون من الخصاصة ~~علامة على أن الله أهانهم . # وأنهم أضاعوا شكر الله على النعمة فلما يواسوا ببعضها الضعفاء وما زادتهم ~~إلا حرصا على التكثر منها . # وأنهم يندمون يوم القيامة على أن لم يقدموا لأنفسهم من الأعمال ما ~~ينتفعون به يوم لا ينفع نفسا مالها ولا ينفعها إلا إيمانها وتصديقها بوعد ~~ربها . وذلك ينفع المؤمنين بمصيرهم إلى الجنة . # $ 2 ( { والفجر * وليال عشر * والشفع والوتر * واليل إذا يسر * هل فى ذلك ~~قسم لذى حجر * ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد ms9322 * التى لم يخلق ~~مثلها فى البلاد * وثمود الذين جابوا الصخر بالواد * وفرعون ذى الاوتاد * ~~الذين طغوا فى البلاد * فأكثروا فيها الفساد * فصب عليهم ربك سوط عذاب * إن ~~ربك لبالمرصاد * فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربى & # 1764 أكرمن * وأمآ إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربى & # 1764 أهانن * كلا بل لا تكرمون اليتيم * ولا تحاضون على طعام المسكين * ~~وتأكلون التراث أكلا لما * وتحبون المال حبا جما * كلا إذا دكت الارض دكا ~~دكا * وجآء ربك والملك صفا صفا * وجى & # 1764 ء يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى * يقول ياليتنى ~~قدمت لحياتى * فيومئذ لا يعذب عذابه أحد * ولا يوثق وثاقه أحد * ياأيتها ~~النفس المطمئنة * ارجعى إلى ربك راضية مرضية * فادخلى فى عبادى * وادخلى ~~جنتى } ) 2 $ القسم بهذه الأزمان من حيث إن بعضها دلائل بديع صنع الله وسعة ~~قدرته فيما أوجد من نظام يظاهر بعضه بعضا من ذلك وقت الفجر الجامع بين ~~انتهاء ظلمة الليل وابتداء نور النهار ، ووقت الليل الذي تمحضت فيه الظلمة ~~. وهي مع ذلك أوقات لأفعال من البر وعبادة الله وحده ، مثل الليالي العشر ، ~~والليالي الشفع ، والليالي الوتر . # والمقصود من هذا القسم تحقيق المقسم عليه لأن القسم في الكلام من طرق ~~تأكيد الخبر إذ القسم إشهاد المقسم ربه على ما تضمنه كلامه . # وقسم الله تعالى متمحض لقصد التأكيد . # والكلام موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما دل عليه قوله : { ألم تر ~~كيف فعل ربك بعاد } ( الفجر : 6 ) وقوله : { إن ربك لبالمرصاد } ( الفجر : ~~14 ) . # ولذلك فالقسم تعريض بتحقيق حصول المقسم عليه بالنسبة للمنكرين . # والمقصد من تطويل القسم بأشياء ، التشويق إلى المقسم عليه . # و { الفجر } : اسم لوقتت ابتداء الضياء في أقصى المشرق من أوائل شعاع ~~الشمس حين يتزحزح الإظلام عن أول خط يلوح للناظر من الخطوط الفرضية ~~المعروفة في PageV30P312 تخطيط الكرة الأرضية في الجغرافيا ثم يمتد فيضيء ~~الأفق ثم تظهر الشمس عند الشروق وهو مظهر عظيم من مظاهر القدرة الإلاهية ~~وبديع الصنع . # فالفجر ابتداء ظهور ms9323 النور بعد ما تأخذ ظلمة الليل في الإنصرام وهو وقت ~~مبارك للناس إذ عنده تنتهي الحالة الداعية إلى النوم الذي هو شبيه الموت ؛ ~~ويأخذ الناس في ارتجاع شعورهم وإقبالهم على ما يألفونه من أعمالهم النافعة ~~لهم . # فالتعريف في { الفجر } تعريف الجنس وهو الأظهر لمناسبة عطف { والليل إذا ~~يسر } . # ويجوز أن يراد فجر معين : فقيل أريد وقت صلاة الصبح من كل يوم وهو عن ~~قتادة . وقيل : فجر يوم النحر وهو الفجر الذي يكون فيه الحجيج بالمزدلفة ~~وهذا عن ابن عباس وعطاء وعكرمة ، فيكون تعريف { الفجر } تعريف العهد . # وقوله : { وليال عشر } : هي ليال معلومة للسامعين موصوفة بأنها عشر ~~واستغني عن تعريفها بتوصيفها بعشر وإذ قد وصفت بها العدد تعين أنها عشر ~~متتابعة وعدل عن تعريفها مع أنها معروفة ليتوصل بترك التعريف إلى تنوينها ~~المفيد للتعظيم وليس في ليالي السنة عشر ليال متتابعة عظيمة مثل عشر ذي ~~الحجة التي هي وقت مناسك الحج ، ففيها يكون الإحرام ودخول مكة وأعمال ~~الطواف ، وفي ثامنتها ليلة التروية ، وتاسعتها ليلة عرفة وعاشرتها ليلة ~~النحر . فتعين أنها الليالي المرادة بليال عشر . وهو قول ابن عباس وابن ~~الزبير ، وروى أحمد والنسائي عن أبي الزبير ( المكي ) عن جابر بن عبد الله ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن العشر عشر الأضحى ) قال ابن العربي ~~: ولم يصح وقال ابن عساكر : رجاله لا بأس بهم وعندي أن المتن في رفعه نكارة ~~اه . # ومناسبة عطف { ليال عشر } على { الفجر } أن الفجر وقت انتهاء الليل ، ~~فبينه وبين الليل جامع المضادة ، والليل مظهر من مظاهر القدرة الإلاهية ~~فلما أريد عطفه على الفجر بقوله : { والليل إذا يسر } خصت قبل ذكره بالذكر ~~ليال مباركة إذ هي من أفراد الليل . # وكانت الليالي العشر معينة من الله تعالى في شرع إبراهيم عليه السلام ثم ~~غيرت PageV30P313 مواقيتها بما أدخله أهل الجاهلية على السنة القمرية من ~~النسيء فاضطربت السنين المقدسة التي أمر الله بها إبراهيم عليه السلام . ~~ولا يعرف متى بدأ ذلك الاضطراب ، ولا مقادير ما أدخل عليها من النسيء ms9324 ، ولا ~~ما يضبط أيام النسيء في كل عام لاختلاف اصطلاحهم في ذلك وعدم ضبطه فبذلك ~~يتعذر تعيين الليالي العشر المأمور بها من جانب الله تعالى ، ولكننا نوقن ~~بوجودها في خلال السنة إلى أن أوحى الله إلى نبيئه محمد صلى الله عليه وسلم ~~في سنة عشر من الهجرة عام حجة الوداع ، بأن أشهر الحج في تلك السنة وافقت ~~ما كانت عليه السنة في عهد إبراهيم عليه السلام فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم في خطبته في حجة الوداع : ( إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله ~~السماوات والأرض ) . # وهذا التغيير لا يرفع بركة الأيام الجارية فيها المناسك قبل حجة الوداع ~~لأن الله عظمها لأجل ما يقع فيها من مناسك الحج إذ هو عبادة لله خاصة . # فأوقات العبادات تعيين لإيقاع العبادة فلا شك أن للوقت المعين لإيقاعها ~~حكمة علمها الله تعالى ولذلك غلب في عبارات الفقهاء وأهل الأصول إطلاق اسم ~~السبب على الوقت لأنهم يريدون بالسبب المعرف بالحكم ولا يريدون به نفس ~~الحكمة . # وتعيين الأوقات للعبادات مما انفرد الله به ، فلأوقات العبادات حرمات ~~بالجعل الرباني ، ولكن إذا اختلت أو اختلطت لم يكن اختلالها أو اختلاطها ~~بقاض بسقوط العبادات المعينة لها . # فقسم الله تعالى بالليالي العشر في هذه مما نزل بمكة قسم بما في علمه من ~~تعيينها في علمه . # و { الشفع } : ما يكون ثانيا لغيره ، و { الوتر } : الشيء المفرد ، وهما ~~صفتان لمحذوف ، فعن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الشفع ~~يوم النحر ذلك لأنه عاشر ذي الحجة ومناسبة الابتداء بالشفع أنه اليوم ~~العاشر فناسب قوله : { وليال عشر } ، وأن الوتر يوم عرفة رواه أحمد بن حنبل ~~والنسائي وقد تقدم آنفا ، وعلى هذا التفسير فذكر الشفع والوتر تخصيص لهذين ~~اليومين بالذكر للاهتمام ، بعد شمول الليالي العشر لهما . PageV30P314 # وفي ( جامع الترمذي ) عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~: ( الشفع والوتر والصلاة منها شفع ومنها وتر ) . قال الترمذي : وهو حديث ~~غريب وفي ( العارضة أن في سنده مجهولا ، قال ms9325 ابن كثير : ( وعندي أن وقفه ~~على عمران بن حصين أشبه ) . # وينبغي حمل الآية على كلا التفسيرين . # وقيل : الشفع يومان بعد يوم منى ، والوتر اليوم الثالث وهي الأيام ~~المعدودات فتكون غير الليالي العشر . # وتنكير { ليال } وتعريف { الشفع والوتر } مشير إلى أن الليالي العشر ليال ~~معينة وهي عشر ليال في كل عام ، وتعريف { الشفع والوتر } يؤذن بأنهما ~~معروفان وبأنهما الشفع والوتر من الليالي العشر . # وفي تفسير { الشفع والوتر } أقوال ثمانية عشر وبعضها متداخل استقصاها ~~القرطبي ، وأكثرها لا يحسن حمل الآية عليه إذ ليست فيها مناسبة للعطف على ~~ليال عشر . # وقرأ الجمهور : { والوتر } بفتح الواو وهي لغة قريش وأهل الحجاز . وقرأه ~~حمزة والكسائي وخلف بكسر الواو وهي لغة تميم وبكر بن سعد بن بكر وهم بنو ~~سعد أظآر النبي صلى الله عليه وسلم وهم أهل العالية ، فهما لغتان في الوتر ~~. بمعنى الفرد . # و { الليل } عطف على { ليالي عشر } عطف الأعم على الأخص أو عطف على { ~~الفجر } بجامع التضاد . وأقسم به لما أنه مظهر من مظاهر قدرة الله وبديع ~~حكمته . # ومعنى يسري : يمضي سائرا في الظلام ، أي إذا انقضى منه جزء كثير ، شبه ~~تقضي الليل في ظلامه بسير السائر في الظلام وهو السرى كما شبه في قوله : { ~~والليل إذ أدبر } ( المدثر : 33 ) وقال : { والليل إذا سجى } ( الضحى : 2 ) ~~، أي تمكن ظلامه واشتد . # وتقييد { الليل } بظرف { إذا يسر } لأنه وقت تمكن ظلمة الليل فحينئذ يكون ~~الناس أخذوا حظهم من النوم فاستطاعوا التهجد قال تعالى : { إن ناشئة الليل ~~هي أشد وطأ وأقوم قيلا } ( المزمل : 6 ) وقال : { ومن الليل فاسجد له وسبحه ~~} ( الإنسان : 26 ) . PageV30P315 # وقرأ نافع وأبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب : { إذا يسري } بياء بعد الراء في ~~الوصل على الأصل وبحذفها في الوقف لرعي بقية الفواصل : ( الفجر ، عشر ، ~~والوتر ، حجر ) ففواصل القرآن كالأسجاع في النثر والأسجاع تعامل معاملة ~~القوافي ، قال أبو علي : وليس إثبات الياء في الوقف بأحسن من الحذف ، وجميع ~~ما لا يحذف وما يختار فيه أن لا يحذف ( نحو القاض بالألف واللام ) يحذف إذا ~~كان ms9326 في قافية أو فاصلة فإن لم تكن فاصلة فالأحسن إثبات الياء . وقرأ ابن ~~كثير ويعقوب بثبوت الياء بعد الراء في الوصل وفي الوقف على الأصل . # وقرأ الباقون بدون ياء وصلا ووقفا ، وهذه الرواية يوافقها رسم المصحف ~~إياها بدون ياء ، والذين أثبتوا الياء في الوصل والوقف اعتمدوا الرواية ~~واعتبروا رسم المصحف سنة أو اعتدادا بأن الرسم يكون باعتبار حالة الوقف . # وأما نافع وأبو عمرو وأبو جعفر فلا يوهن رسم المصحف روايتهم لأن رسم ~~المصحف جاء على مراعاة حال الوقف ومراعاة الوقف تكثر في كيفيات الرسم . # جملة معترضة بين القسم وما بعده من جوابه أو دليل جوابه ، كما في قوله ~~تعالى : { وإنه لقسم لو تعلمون عظيم } ( الواقعة : 76 ) . # والاستفهام تقريري ، وكونه بحرف { هل } لأن أصل { هل } أن تدل على ~~التحقيق إذ هي بمعنى ( قد ) . # واسم الإشارة عائد إلى المذكور مما أقسم به ، أي هل في القسم بذلك قسم . # وتنكير { قسم } للتعظيم أي قسم كافف ومقنع للمقسم له . إذا كان عاقلا أن ~~يتدبر بعقله . # فالمعنى : هل في ذلك تحقيق لما أقسم عليه للسامع الموصوف بأنه صاحب حجر . # والحجر : العقل لأنه يحجر صاحبه عن ارتكاب ما لا ينبغي ، كما سمي عقلا ~~لأنه يعقل صاحبه عن التهافت كما يعقل العقال البعير عن الضلال . ~~PageV30P316 # واللام في قوله : { لذي حجر } لام التعليل ، أي قسم لأجل ذي عقل يمنعه من ~~المكابرة فيعلم أن المقسم بهذا القسم صادق فيما أقسم عليه . # ( 6 14 ) { } # لا يصلح هذا أن يكون جوابا للقسم ولكنه : إما دليل الجواب إذ يدل على أن ~~المقسم عليه من جنس ما فعل بهذه الأمم الثلاث وهو الاستئصال الدال عليه ~~قوله : { فصب عليهم ربك سوط عذاب } ، فتقدير الجواب ليصبن ربك على مكذبيك ~~سوط عذاب كما صب على عاد وثمود وفرعون . # وإما تمهيد للجواب ومقدمة له إن جعلت الجواب قوله : { إن ربك لبالمرصاد } ~~وما بينه وبين الآيات السابقة اعتراض جعل كمقدمة لجواب القسم . # والمعنى : إن ربك لبالمرصاد للمكذبين لا يخفى عليه أمرهم ، فيكون تثبيتا ~~للنبيء صلى الله عليه وسلم ms9327 كقوله : { ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل ~~الظالمون } ( إبراهيم : 42 ) . # فالاستفهام في قوله : { ألم تر } تقريري ، والمخاطب به النبي صلى الله ~~عليه وسلم تثبيتا له ووعدا بالنصر ، وتعريضا للمعاندين بالإنذار بمثله فإن ~~ما فعل بهذه الأمم الثلاث موعظة وإنذار للقوم الذين فعلوا مثل فعلهم من ~~تكذيب رسل الله قصد منه تقريب وقوع ذلك وتوقع حلوله . لأن التذكير بالنظائر ~~واستحضار الأمثال يقرب إلى الأذهانن الأمر الغريب الوقوع ، لأن بعد العهد ~~بحدوث أمثاله ينسيه الناس ، وإذا نسي استبعد الناس وقوعه ، فالتذكير يزيل ~~الاستبعاد . # فهذه العبر جزئيات من مضمون جواب القسم ، فإن كان محذوفا فذكرها دليله ، ~~وإن كان الجواب قوله : { إن ربك لبالمرصاد } كان تقديمها على الجواب ~~PageV30P317 زيادة في التشويق إلى تلقيه ، وإيذانا بجنس الجواب من قبل ذكره ~~ليحصل بعد ذكره مزيد تقرره في الأذهان . # والرؤية في { ألم تر } يجوز أن تكون رؤية علمية تشبيها للعلم اليقيني ~~بالرؤية في الوضوح والانكشاف لأن أخبار هذه الأمم شائعة مضروبة بها المثل ~~فكأنها مشاهدة . فتكون { كيف } استفهاما معلقا فعل الرؤية عن العمل في ~~مفعولين . # ويجوز أن تكون الرؤية بصرية والمعنى : ألم تر آثار ما فعل ربك بعاد ، ~~وتكون { كيف } إسما مجردا عن الاستفهام في محل نصب على المفعولية لفعل ~~الرؤية البصرية . # وعدل عن اسم الجلالة إلى التعريف بإضافة رب إلى ضمير المخاطب في قوله : { ~~فعل ربك } لما في وصف رب من الإشعار بالولاية والتأييد ولما تؤذن به إضافته ~~إلى ضمير المخاطب من إعزازه وتشريفه . # وقد ابتدئت الموعظة بذكر عاد وثمود لشهرتهما بين المخاطبين وذكر بعدهما ~~قوم فرعون لشهرة رسالة موسى عليه السلام إلى فرعون بين أهل الكتاب ببلاد ~~العرب وهم يحدثون العرب عنها . # وأريد ب ( عاد ) الأمة لا محالة قال تعالى : { وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم ~~} ( هود : 59 ) فوجه صرفه أنه اسم ثلاثي ساكن الوسط مثلل هند ونوح وإرم ~~بكسر الهمزة وفتح الراء اسم إرم بن سام بن نوح وهو جد عاد لأن عادا هو ابن ~~عوص بن إرم ، وهو ممنوع من الصرف للعجمة لأن العرب ms9328 البائدة يعتبرون خارجين ~~عن أسماء اللغة العربية المستعملة ، فهو عطف بيان ل ( عاد ) للإشارة إلى أن ~~المراد ب ( عاد ) القبيلة التي جدها الأدنى هو عاد بن عوص بن إرم ، وهم عاد ~~الموصوفة ب { الأولى } في قوله تعالى : { وأنه أهلك عادا الأولى } ( النجم ~~: 50 ) لئلا يتوهم أن المتحدث عنهم قبيلة أخرى تسمى عادا أيضا . كانت تنزل ~~مكة مع العماليق يقال : إنهم بقية من عاد الأولى فعاد وإرم اسمان لقبيلة ~~عاد الأولى . # ووصفت عاد ب { ذات العماد } ، و { ذات } وصف مؤنث لأن المراد بعاد ~~القبيلة . PageV30P318 # والعماد : عود غليظ طويل يقام عليه البيت يركز في الأرض تقام عليه أثواب ~~الخيمة أو القبة ويسمى دعامة ، وهو هنا مستعار للقوة تشبيها للقبيلة القوية ~~بالبيت ذات العماد . # وإطلاق العماد على القوة جاء في قول عمرو بن كلثوم : # ونحن إذا عماد الحي خرت # على الأحفاض نمنع من يلينا # ويجوز أن يكون المراد ب { العماد } الأعلام التي بنوها في طرقهم ليهتدي ~~بها المسافرون المذكورة في قوله تعالى : { أتبنون بكل ريع آية تعبثون } ( ~~الشعراء : 128 ) . # ووصفت عاد ب { ذات العماد } لقوتها وشدتها ، أي قد أهلك الله قوما هم أشد ~~من القوم الذين كذبوك قال تعالى : { وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك ~~التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم } ( محمد : 13 ) وقال : { أو لم يسيروا ~~في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم ~~قوة } ( غافر : 21 ) . # و { التي } : صادق على ( عاد ) بتأويل القبيلة كما وصفت ب { ذات العماد } ~~والعرب يقولون : تغلب ابنة وائل ، بتأويل تغلب بالقبيلة . # و { البلاد } : جمع بلد وبلدة وهي مساحة واسعة من الأرض معينة بحدود أو ~~سكان . # والتعريف في { البلاد } للجنس والمعنى : التي لم يخلق مثل تلك الأمة في ~~الأرض . وأريد بالخلق خلق أجسادهم فقد روي أنهم كانوا طوالا شدادا أقوياء ، ~~وكانوا أهل عقل وتدبير ، والعرب تضرب المثل بأحلام عاد ، ثم فسدت طباعهم ~~بالترف فبطروا النعمة . # والظاهر أن لام التعريف هنا للاستغراق العرفي ، أي في بلدان العرب ~~وقبائلهم . # وقد وضع ms9329 القصاصون حول قوله تعالى : { إرم ذات العماد } قصة مكذوبة فزعموا ~~أن { إرم ذات العماد } مركب جعل اسما لمدينة باليمن أو بالشام أو بمصر ، ~~ووصفوا قصورها وبساتينها بأوصاف غير معتادة ، وتقولوا أن أعرابيا يقال له : ~~عبد الله بن قلابة كان في زمن الخليفة معاوية بن أبي سفيان تاه في ابتغاء ~~إبل PageV30P319 له فاطلع على هذه المدينة وأنه لما رجع أخبر الناس فذهبوا ~~إلى المكان الذي زعم أنه وجد فيه المدينة فلم يجدوا شيئا . وهذه أكاذيب ~~مخلوطة بجهالة إذ كيف يصح أن يكون اسمها أرم ويتبع بذاتت العماد بفتح { إرم ~~} وكسر { ذات } فلو كان الاسم مركبا مزجيا لكان بناء جزأيه على الفتح ، وإن ~~كان الاسم مفردا و { ذات } صفة له فلا وجه لكسر { ذات } ، على أن موقع هذا ~~الاسم عقب قوله تعالى : { بعاد } يناكد ذلك كله . # ومنع { ثمود } من الصرف لأن المراد به الأمة المعروفة ، ووصف باسم ~~الموصول لجمع المذكر في قوله : { الذين جابوا } دون أن يقول التي جابت ~~الصخر بتأويل القوم فلما وصف عدل عن تأنيثه تفننا في الأسلوب . # ومعنى { جابوا } : قطعوا ، أي نحتوا الصخر واتخذوا فيه بيوتا كما قال ~~تعالى : { وتنحتون من الجبال بيوتا } ( الشعراء : 149 ) وقد قيل : إن ثمود ~~أول أمم البشر نحتوا الصخر والرخام . # و { الصخر } : الحجارة العظيمة . # والواد : اسم لأرض كائنة بين جبلين منخفضة ، ومنه سمي مجرى الماء الكثير ~~وادا وفيه لغتان : أن يكون آخره دالا ، وأن يكون آخره ياء ساكنة بعد الدال ~~. # وقرأ الجمهور بدون ياء . وقرأه ابن كثير ويعقوب بياء في آخره وصلا ووقفا ~~، وقرأه ورش عن نافع بياء في الوصل وبدونها في الوقف وهي قراءة مبنية على ~~مراعاة الفواصل مثل ما تقدم في قوله تعالى : { والليل إذا يسر } ( الفجر : ~~4 ) وهو مرسوم في المصحف بدون ياء والقراءات تعتمد الرواية بالسمع لا رسم ~~المصحف إذ المقصود من كتابة المصاحف أن يتذكر بها الحفاظ ما عسى أن ينسوه . # والواد : علم بالغلبة على منازل ثمود ، ويقال له : وادي القرى ، بإضافته ~~إلى ( القرى ) التي بنتها ثمود فيه ويسمى ms9330 أيضا ( الحجر ) بكسر الحاء وسكون ~~الجيم ، ويقال لها : ( حجر ثمود ) وهو واد بين خيبر وتيماء في طريق الماشي ~~من المدينة إلى الشام ، ونزله اليهود بعد ثمود لما نزلوا بلاد العرب ، ~~ونزله من قبائل العرب قضاعة وجهينة ، وعذرة وبلي . PageV30P320 # وكان غزاه النبي صلى الله عليه وسلم وفتحه سنة سبع فأسلم من فيه من العرب ~~وصولحت اليهود على جزية . # والباء في قوله : { بالواد } للظرفية . # والمراد ب { فرعون } هو وقومه . # ووصف { ذي الأوتاد } لأن مملكته كانت تحتوي على الأهرام التي بناها ~~أسلافه لأن صورة الهرم على الأرض تشبه الوتد المدقوق ، ويجوز أن يكون ~~الأوتاد مستعارا للتمكن والثبات ، أي ذي القوة على نحو قوله : { ذات العماد ~~} ، وقد تقدم عند قوله تعالى : { كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو ~~الأوتاد في ص . # وقوله : الذين طغوا في البلاد } يجوز أن يكون شاملا لجميع المذكورين عاد ~~وثمود وفرعون . ويجوز أن يكون نعتا لفرعون لأن المراد هو وقومه . # والطغيان شدة العصيان والظلم ومعنى طغيانهم في البلاد أن كل أمة من هؤلاء ~~طغوا في بلدهم ؛ ولما كان بلدهم من جملة البلاد أي أرضي الأقوام كان ~~طغيانهم في بلدهم قد أوقع الطغيان في البلاد لأن فساد البعض آئل إلى فساد ~~الجميع بسن سنن السوء ، ولذلك تسبب عليه ما فرع عنه من قوله : { فأكثروا ~~فيها الفساد } لأن الطغيان يجرىء صاحبه على دحض حقوق الناس فهو من جهة يكون ~~قدوة سوء لأمثاله وملئه ، فكل واحد منهم يطغى على من هو دونه ، وذلك فساد ~~عظيم ، لأن به اختلال الشرائع الإلاهية والقوانين الوضعية الصالحة وهو من ~~جهة أخرى يثير الحفائظ والضغائن في المطغي عليه من الرعية فيضمرون السوء ~~للطاغين وتنطوي نفوسهم على كراهية ولاة الأمور وتربص الدوائر بها فيكونون ~~لها أعداء غير مخلصي الضمائر ويكون رجال الدولة متوجسين منهم خيفة فيظنون ~~بهم السوء في كل حال ويحذرونهم فتتوزع قوة الأمة على أفرادها عوض أن تتحد ~~على أعدائها فتصبح للأمة أعداء في الخارج وأعداء في الداخل وذلك يفضي إلى ~~فساد عظيم ، فلا جرم كان الطغيان ms9331 سببا لكثرة الفساد . # ويجوز أن يكون التعريف في { البلاد } تعريف العهد ، أي في بلادهم والجمع ~~على اعتبار التوزيع ، أي طغت كل أمة في بلادها . PageV30P321 # و { الفساد } : سوء حال الشيء ولحاق الضر به قال تعالى : { وإذا تولى سعى ~~في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل } ( البقرة : 205 ) . وضد الفساد ~~الصلاح قال تعالى : { ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها } ( الأعراف : 56 ) ~~وكان ما أكثروه من الفساد سببا في غضب الله عليهم ، والله لا يحب الفساد ~~فصب عليهم العذاب . # والصب حقيقته : إفراغ ما في الظرف ، وهو هنا مستعار لحلول العذاب دفعة ~~وإحاطته بهم كما يصب الماء على المغتسل أو يصب المطر على الأرض ، فوجه ~~الشبه مركب من السرعة والكثرة ونظيره استعارة الإفراغ في قوله تعالى : { ~~ربنا أفرغ علينا صبرا } ( البقرة : 250 ) ونظير الصب قولهم : شن عليهم ~~الغارة . # وكان العذاب الذي أصاب هؤلاء عذابا مفاجئا قاضيا . # فأما عاد فرأوا عارض الريح فحسبوه عارض مطر فما لبثوا حتى أطارتهم الريح ~~كل مطير . # وأما ثمود فقد أخذتهم الصيحة . # وأما فرعون فحسبوا البحر منحسرا فما راعهم إلا وقد أحاط بهم . # والسوط : آلة ضرب تتخذ من جلود مضفورة تضرب بها الخيل للتأديب ولتحملها ~~على المزيد في الجري . # وعن الفراء أن كلمة { سوط عذاب } يقولها العرب لكل عذاب يدخل فيه السوط ( ~~أي يقع بالسوط ) ، يريد أن حقيقتها كذلك ولا يريد أنها في هذه الآية كذلك . # وإضافة { سوط } إلى { عذاب } من إضافة الصفة إلى الموصوف ، أي صب عليهم ~~عذابا سوطا ، أي كالسوط في سرعة الإصابة فهو تشبيه بليغ . # وجملة : { إن ربك لبالمرصاد } تذييل وتعليل لإصابتهم بسوط عذاب إذا قدر ~~جواب القسم محذوفا . ويجوز أن تكون جواب القسم كما تقدم آنفا . # فعلى كون الجملة تذييلا تكون تعليلا لجملة { فصب عليهم ربك سوط عذاب } ~~تثبيتا للنبيء صلى الله عليه وسلم بأن الله ينصر رسله وتصريحا للمعاندين ~~بما عرض لهم به PageV30P322 من توقع معاملته إياهم بمثل ما عامل به ~~المكذبين الأولين . أي أن الله بالمرصاد لكل طاغ مفسد . # وعلى كونها جواب القسم تكون ms9332 كناية عن تسليط العذاب على المشركين إذ لا ~~يراد من الرصد إلا دفع المعتدي من عدو ونحوه ، وهو المقسم عليه وما قبله ~~اعتراضا تفننا في نظم الكلام إذ قدم على المقصود بالقسم ما هو استدلال عليه ~~وتنظير بما سبق من عقاب أمثالهم من الأمم من قوله : { ألم تر كيف فعل ربك ~~بعاد } الخ ، وهو أسلوب من أساليب الخطابة إذ يجعل البيان والتنظير بمنزلة ~~المقدمة ويجعل الغرض المقصود بمنزلة النتيجة والعلة إذا كان الكلام صالحا ~~للاعتبارين مع قصد الاهتمام بالمقدم والمبادرة به . # والعدول عن ضمير المتكلم أو اسم الجلالة إلى { ربك } في قوله : { فصب ~~عليهم ربك سوط عذاب } وقوله : { إن ربك لبالمرصاد } إيماء إلى أن فاعل ذلك ~~ربه الذي شأنه أن ينتصر له ، فهو مؤمل بأن يعذب الذين كذبوه انتصارا له ~~انتصار المولى لوليه . # والمرصاد : المكان الذي يترقب فيه الرصد ، أي الجماعة المراقبون شيئا ، ~~وصيغة مفعال تأتي للمكان وللزمان كما تأتي للآلة ، فمعنى الآلة هنا غير ~~محتمل ، فهو هنا إما للزمان أو المكان إذ الرصد الترقب . # وتعريف ( المرصاد ) تعريف الجنس وهو يفيد عموم المتعلق ، أي بالمرصاد لكل ~~فاعل ، فهو تمثيل لعمومم علم الله تعالى بما يكون من أعمال العباد وحركاتهم ~~، بحال اطلاع الرصد على تحركات العدو والمغيرين ، وهذا المثل كناية عن ~~مجازاة كل عامل بما عمله وما يعمله إذ لا يقصد الرصد إلا للجزاء على ~~العدوان ، وفي ما يفيده من التعليل إيماء إلى أن الله لم يظلمهم فيما ~~أصابهم به . # والباء في قوله { بالمرصاد } للظرفية . PageV30P323 # ( 15 20 ) { } # . # دلت الفاء على أن الكلام الواقع بعدها متصل بما قبلها ومتفرع عليه لا ~~محالة . # ودلت ( أما ) على معنى : مهما يكن من شيء ، وذلك أصل معناها ومقتضى ~~استعمالها ، فقوي بها ارتباط جوابها بما قبلها وقبل الفاء المتصلة بها ، ~~فلاح ذلك برقا وامضا ، وانجلى بلمعة ما كان غامضا ، إذ كان تفريع ما بعد ~~هذه الفاء على ما قبلها خفيا ، فلنبينه بيانا جليا ، ذلك أن الكلام السابق ~~اشتمل على وصف ما كانت تتمتع به الأمم الممثل بها ms9333 مما أنعم الله عليها به ~~من النعم ، وهم لاهون عن دعوة رسل الله ، ومعرضون عن طلب مرضاة ربهم ، ~~مقتحمون المناكر التي نهوا عنها ، بطرون بالنعمة ، معجبون بعظمتهم فعقب ذكر ~~ما كانوا عليه وما جازاهم الله به عليه من عذاب في الدنيا ، باستخلاص ~~العبرة وهو تذكير المشركين بأن حالهم مماثل لحال أولئك ترفا وطغيانا وبطرا ~~، وتنبيههم على خطاهم إذ كانت لهم من حال الترف والنعمة شبهة توهموا بها أن ~~الله جعلهم محل كرامة ، فحسبوا أن إنذار الرسول صلى الله عليه وسلم إياهم ~~بالعذاب ليس بصدق لأنه يخالف ما هو واقع لهم من النعمة ، فتوهموا أن فعل ~~الله بهم أدل على كرامتهم عنده مما يخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم أن ~~الله أمرهم بخلاف ما هم عليه ، ونفوا أن يكون بعد هذا العالم عالم آخر ~~يضاده ، وقصروا عطاء الله على ما عليه عباده في هذه الحياة الدنيا ، فكان ~~هذا الوهم مسولا لهم التذكيب بما أنذروا به من وعيد ، وبما يسر المؤمنون من ~~ثواب في الآخرة ، فحصروا جزاء الخير في الثروة والنعمة وقصروا جزاء السوء ~~على الخصاصة وقتر الرزق . وقد تكرر في القرآن التعرض لإبطال ذلك كقوله : { ~~أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون } ( ~~المؤمنون : 55 ، 56 ) . # وقد تضمن هذا الوهم أصولا انبنى عليها ، وهي : إنكار الجزاء في الآخرة ، ~~وإنكار الحياة الثانية ، وتوهم دوام الأحوال . PageV30P324 # ففاء التفريع مرتبطة بجملة : { إن ربك لبالمرصاد } ( الفجر : 14 ) بما ~~فيها من العموم الذي اقتضاه كونها تذييلا . # والمعنى : هذا شأن ربك الجاري على وفق علمه وحكمته . # فأما الإنسان الكافر فيتوهم خلاف ذلك إذ يحسب أن ما يناله من نعمة وسعة ~~في الدنيا تكريما من الله له ، وما يناله من ضيق عيش إهانة أهانه الله بها ~~. # وهذا التوهم يستلزم ظنهم أفعال الله تعالى جارية على غير حكمة قال تعالى ~~: { ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي وما أظن الساعة ~~قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده ms9334 للحسنى فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ~~ولنذيقنهم من عذاب غليظ } ( فصلت : 50 ) . # فأعلم الله رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالحقيقة الحق ونبههم ~~لتجنب تخليط الدلائل الدقيقة السامية ، وتجنب تحكيم الواهمة والشاهية ، ~~وذكرهم بأن الأحوال الدنيوية أعراض زائلة ومتفاوتة الطول والقصر ، وفي ذلك ~~كله إبطال لمعتقد أهل الشرك وضلالهم الذي كان غالبا على أهل الجاهلية ولذلك ~~قال النابغة في آل غسان الذين لم يكونوا مشركين وكانوا متدينين بالنصرانية ~~: # ) مجلتهم ذات الإلاه ودينهم # قويم فما يرجون غير العواقب # ولا يحسبون الخير لا شر بعده # ولا يحسبون الشر ضربة لازب # وقد أعقب الله ذلك بالردع والإبطال بقوله : { كلا } . فمناط الردع ~~والإبطال كلا القولين لأنهما صادران عن تأويل باطل وشبهة ضالة كما ستعرفه ~~عند قوله تعالى : { فأكرمه ونعمه } . # واقتصار الآية على تقتير الرزق في مقابلة النعمة دون غير ذلك من العللل ~~والآفات لأن غالب أحوال المشركين المتحدث عنهم صحة المزاج وقوة الأبدان فلا ~~يهلكون إلا بقتل أو هرم فيهم وفي ذويهم ، قال النابغة : # تغشى متالف لا ينظرنك الهرما PageV30P325 # ولم يعرج أكثر المفسرين على بيان نظم الآية واتصالها بما قبلها عدا ~~الزمخشري وابن عطية . # وقد عرف هذا الإعتقاد الضال من كلام أهل الجاهلية ، قال طرفة : # فلو شاء ربي كنت قيس بن عاصم # ولو شاء ربي كنت عمرو بن مرثد # فأصبحت ذا مال كثير وطاف بي # بنون كرام سادة لمسود # وجعلوا هذا الغرور مقياسا لمراتب الناس فجعلوا أصحاب الكمال أهل المظاهر ~~الفاخرة ، ووصموا بالنقص أهل الخصاصة وضعفاء الناس ، لذلك لما أتى الملأ من ~~قريش ومن بني تميم وفزارة للنبيء صلى الله عليه وسلم وعنده عمار ، وبلال ، ~~وخباب ، وسالم ، مولى أبي حذيفة ، وصبيح مولى أسيد ، وصهيب ، في أناس آخرين ~~من ضعفاء المؤمنين قالوا للنبيء أطردهم عنك فلعلك إن طردتهم أن نتبعك . ~~وقالوا لأبي طالب : لو أن ابن أخيك طرد هؤلاء الأعبد والحلفاء كان أعظم له ~~في صدورنا وأدلى لاتباعنا إياه . وفي ذلك نزل قوله تعالى : { ولا تطرد ~~الذين يدعون ربهم الآية كما تقدم في سورة الأنعام ms9335 . # فنبه الله على خطإ اعتقادهم بمناسبة ذكر مماثله مما اعتقده الأمم قبلهم ~~الذي كان موجبا صب العذاب عليهم ، وأعلمهم أن أحوال الدنيا لا تتخذ أصلا في ~~اعتبار الجزاء على العمل ، وأن الجزاء المطرد هو جزاء يوم القيامة . # والمراد بالإنسان الجنس وتعريفه تعريف الجنس فيستغرق أفراد الجنس ولكنه ~~استغراق عرفي مراد به الناس المشركون لأنهم الغالب على الناس المتحدث عنهم ~~وذلك الغالب في إطلاق لفظ الإنسان في القرآن النازل بمكة كقوله : إن ~~الإنسان ليطغى أن رآه استغنى } ( العلق : 6 ، 7 ) { أيحسب الإنسان ألن نجمع ~~عظامه } ( القيامة : 3 ) { لقد خلقنا الإنسان في كبد أيحسب أن لن يقدر عليه ~~أحد } ( البلد : 4 ، 5 ) ونحو ذلك ويدل لذلك قوله تعالى : { يومئذ يتذكر ~~الإنسان وأنى له الذكرى } ( الفجر : 23 ) الآية . # وقيل : إريد إنسان معين ، فقيل عتبة بن ربيعة أو أبو حذيفة بن الغيرة عن ~~ابن عباس ، وقيل : أمية بن خلف عن مقاتل والكلبي ، وقيل : أبي بن خلف عن ~~الكلبي أيضا ، وإنما هؤلاء المسمون أعلام التضليل . قال ابن عطية : ومن ~~PageV30P326 حيث كان هذا غالبا على الكفار جاء التوبيخ في هذه الآية باسم ~~الجنس إذ يقع ( كذا ) بعض المؤمنين في شيء من هذا المنزع اه . # واعلم أن من ضلال أهل الشرك ومن فتنة الشيطان لبعض جهلة المؤمنين أن يخيل ~~إليهم ما يحصل لأحد بجعل الله من ارتباط المسببات بأسبابها والمعلولات ~~بعللها فيضعوا ما يصادف نفع أحدهم من الحوادث موضع كرامة من الله للذي ~~صادفته منافع ذلك ، تحكيما للشاهية ومحبة النفس ورجما بالغيب وافتياتا على ~~الله ، وإذا صادف أحدهم من الحوادث ما جلب له ضرا تخيله بأوهامه انتقاما من ~~الله قصده به ، تشاؤما منهم . # فهؤلاء الذين زعموا ما نالهم من نعمة الله إكراما من الله لهم ليسوا أهلا ~~لكرامة الله . # وهؤلاء الذين توهموا ما صادفهم من فتور الزرق إهانة من الله لهم ليسوا ~~بأحط عند الله من الذين زعموا أن الله أكرمهم بما هم فيه من نعمة . # فذلك الإعتقاد أوجب تغلغل أهل الشرك في إشراكهم وصرف أنظارهم عن ms9336 التدبر ~~فيما يخالف ذلك ، وربما جرت الوساوس الشيطانية فتنة من ذلك لبعض ضعفاء ~~الإيمان وقصار الأنظار والجهال بالعقيدة الحق كما أفصح أحمد بن الراوندي . ~~عن تزلزل فهمهم وقلة علمهم بقوله : # كم عاقلل عاقلل أعيت مذاهبه # وجاهلل جاهلل تلقاه مرزوقا # هذا الذي ترك الأفهام حائرة # وصير العالم النحرير زنديقا # وذلك ما صرف الضالين عن تطلب الحقائق من دلائلها ، وصرفهم عن التدبر فيما ~~ينيل صاحبه رضى الله وما يوقع في غضبه ، وعلم الله واسع وتصرفاته شتى وكلها ~~صادرة عن حكمة { ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء } ( البقرة : 255 ) . ~~فقد يأتي الضر للعبد من عدة أسباب وقد يأتي النفع من أخرى . وبعض ذلك جار ~~في PageV30P327 الظاهر على المعتاد ، ومنه ما فيه سمة خرق العادة . فربما ~~أتت الرزايا من وجوه الفوائد ، والموفق يتيقظ للأماراتت قال تعالى : { فلما ~~نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا ~~أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون } ( الأنعام : 44 ) وقال : { وما أرسلنا في ~~قرية من نبيء إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون ثم بدلنا مكان ~~السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء فأخذناهم بغتة ~~وهم لا يشعرون } ( الأعراف : 94 ، 95 ) وقال : { أولا يرون أنهم يفتنون في ~~كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون } ( التوبة : 126 ) . # وتصرفات الله متشابهة بعضها يدل على مراده من الناس وبعضها جار على ما ~~قدره من نظام العالم وكل قد قضاه وقدره وسبق علمه به وربط مسبباته بأسبابه ~~مباشرة أو بواسطة أو وسائط والمتبصر يأخذ بالحيطة لنفسه وقومه ولا يقول على ~~الله ما يمليه عليه وهمه ولم تنهض دلائله ، ويفوض ما أشكل عليه إلى علم ~~الله . وليس مثل هذا المحكي عنهم من شأن المسلمين المهتدين بهدي النبي صلى ~~الله عليه وسلم والمتبصرين في مجاري التصرفات الربانية . وقد نجد في بعض ~~العوام ومن يشبههم من الغافلين بقايا مت اعتقاد أهل الجاهلية لإيجاد ~~التخيلات التي تمليها على عقولهم فالواجب عليهم أن يتعظوا بموعظة ms9337 الله في ~~هذه الآية . # لا جرم أن الله قد يعجل جزاء الخير لبعض الصالحين من عباده كما قال : { ~~من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة } ( النحل : 97 ) ~~. وقد يعجل العقاب لمن يغضب عليه من عباده . وقد حكى عن نوح قوله لقومه : { ~~فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال ~~وبنين } ( نوح : 10 12 ) وقال تعالى : { وألو استقاموا على الطريقة ~~لأسقيناهم ماء غدقا } ( الجن : 16 ) . ولهذه المعاملة علامات أظهرها أن ~~تجري على خلاف المألوف كما نرى في نصر النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء ~~على الأمم العظيمة القاهرة . وتلك مواعيد من الله يحققها أو وعيد منه يحيق ~~بمستحقيه . # وحرف ( أما ) يفيد تفصيلا في الغالب ، أي يدل على تقابل بين شيئين من ~~ذواتت وأحوال . ولذلك قد تكرر في الكلام ، فليس التفصيل المستفاد منها ~~بمعنى تبيينن مجملل قبلها ، بل هو تفصيل وتقابل وتوازن ، وهو ضرب من ضروب ~~PageV30P328 التفصيل الذي تأتي له ( أما ) ، فارتباط التفصيل بالكلام ~~السابق مستفاد من الفاء الداخلة على ( أما ) ، وإنما تعلقه بما قبله تعلق ~~المفرع بمنشئه لا تفصيل بيان على مجمل . # فالمفصل هنا أحوال الإنسان الجاهل فصلت إلى حاله في الخفض والدعة وحاله ~~في الضنك والشدة فالتوازن بين الحالين المعبر عنهما بالظرفين في قوله : { ~~إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه } الخ وفي قوله : { وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه ~~رزقه } الخ . وهذا التفصيل ليس من قبيل تبيين المجمل ولكنه تمييز وفصل بين ~~شيئين أو أشياء تشتبه أو تختلط . # وقد تقدم ذكر ( أما ) عند قوله تعالى : { فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه ~~الحق من ربهم الآية في سورة البقرة . # والابتلاء : الاختبار ويكون بالخير وبالضر لأن في كليهما اختبارا لثبات ~~النفس وخلق الأناة والصبر قال تعالى : ونبلوكم بالشر والخير فتنة } ( ~~الأنبياء : 35 ) وبذكر الابتلاء ظهر أن إكرام الله إياه إكرام ابتلاء فيقع ~~على حالين ، حال مرضية وحال غير مرضية وكذلك تقتير الرزق تقتير ابتلاء ~~يقتضي حالين أيضا . قال تعالى : { ليبلوني أأشكر أم أكفر } ( النمل : 40 ms9338 ) ~~وقال : { ونبلوكم بالشر والخير فتنة } ( الأنبياء : 35 ) والأشهر أنه ~~الإختبار بالضر وقد استعمل في هذه الآية في المعنيين . # والمعنى : إذا جعل ربه ما يناله من النعمة أو من التقتير مظهرا لحاله في ~~الشكر والكفر ، وفي الصبر والجزع ، توهم أن الله أكرمه بذلك أو أهانه بهذا ~~. # والإكرام : قال الراغب : أن يوصل إلى الإنسان كرامة ، وهي نفع لا تلحق ~~فيه غضاضة ولا مذلة ، وأن يجعل ما يوصل إليه شيئا كريما ، أي شريفا قال ~~تعالى : { بل عباد مكرمون } ( الأنبياء : 26 ) ، أي جعلهم كراما اه يريد أن ~~الإكرام يطلق على إعطاء المكرمة ويطلق على جعل الشيء كريما في صنفه فيصدق ~~قوله تعالى : { فأكرمه } بأن يصيب الإنسان ما هو نفع لا غضاضة فيه ، أو بأن ~~جعل كريما سيدا شريفا . وقوله : { فأكرمه } من المعنى الأول للإكرام وقوله ~~: { فيقول ربي أكرمني } من المعنى الثاني له في كلام الراغب واعلم أن قوله ~~: { ونعمه } صريح في أن الله ينعم على الكافرين إيقاظا لهم ومعاملة بالرحمة ~~، والذي عليه المحققون من PageV30P329 المتكلمين أن الكافر منعم عليه في ~~الدنيا ، وهو قول الماتريدي والباقلاني . وهذا مما اختلف فيه الأشعري ~~والماتريدي والخلف لفظي . # ومعنى { نعمه } جعله في نعمة ، أي في طيب عيش . # ومعنى : { فقدر عليه رزقه } أعطاه بقدر محدود ، ومنه التقتير بالتاء ~~الفوقية عوضا عن الدال ، وكل ذلك كناية عن القلة ويقابله بسط الرزق قال ~~تعالى : { ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما ~~يشاء } ( الشورى : 27 ) . # والهاء في { رزقه } يجوز أن تعود إلى { الإنسان } من إضافة المصدر إلى ~~المفعول ، ويجوز أن تعود إلى { ربه } من إضافة المصدر إلى فاعله . # والإهانة : المعاملة بالهون وهو الذل . # وإسناد { فأكرمه ونعمه . . . فقدر عليه رزقه } إلى الرب تعالى لأن ~~الكرامة والنعمة انساقت للإنسان أو انساق له قدر الرزق بأسباب من جعل الله ~~وسننه في هذه الحياة الدنيا بما يصادف بعض الحوادث بعضا ، وأسباب المقارنة ~~بين حصول هذه المعاني وبين من تقع به من الناس في فرصها ومناسباتها . # والقول مستعمل في حقيقته وهو التكلم ، وإنما ms9339 يتكلم الانسان عن اعتقاد . ~~فالمعنى : فيقول ربي أكرمني ، معتقدا ذلك ، ويقول : ربي أهانني ، معتقدا ~~ذلك لأنهم لا يخلون عن أن يفتخروا بالنعمة ، أو يتذمروا من الضيق والحاجة ، ~~ونظير استعمال القول هذا الاستعمال ما وقع في قوله تعالى : { ذلك بأنهم ~~قالوا ليس علينا في الأميين سبيل } ( آل عمران : 75 ) ، أي اعتقدوا ذلك ~~فقالوه واعتذروا به لأنفسهم بين أهل ملتهم . # وتقديم { ربي } على فعل { أكرمني } وفعلل { أهانني } ، دون أن يقول : ~~أكرمني ربي أو أهانني ربي ، لقصد تقوي الحكم ، أي يقول ذلك جازما به غير ~~متردد . # وجملتا : { فيقول } في الموضعين جوابان ل ( إما ) الأولى والثانية ، أي ~~يطرد قول الإنسان هذه المقالة كلما حصلت له نعمة وكلما حصل له تقتير رزق . ~~PageV30P330 # وأوثر الفعل المضارع في الجوابين لإفادة تكرر ذلك القول وتجدده كلما حصل ~~مضمون الشرطين . # وحرف { كلا } زجر عن قول الإنسان { ربي أكرمن } عند حصول النعمة . وقوله ~~: { ربي أهانني } عندما يناله تقتير ، فهو ردع عن اعتقاد ذلك فمناط الردع ~~كلا القولين لأن كل قول منهما صادر عن تأول باطل ، أي ليست حالة الإنسان في ~~هذه الحياة الدنيا دليلا على منزلته عند الله تعالى . وإنما يعرف مراد الله ~~بالطرق التي أرشد الله إليها بواسطة رسله وشرائعه ، قال تعالى : { قل هل ~~ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم ~~يحسنون صنعا إلى قوله : فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا } في سورة الكهف ( ~~103 105 ) . فرب رجل في نعمة في الدنيا هو مسخوط عليه ورب أشعث أغبر مطرود ~~بالأبواب لو أقسم على الله لأبره . # فمناط الردع جعل الإنعام علامة على إرادة الله إكرام المنعم عليه وجعل ~~التقتير علامة على إرادة الإهانة ، وليس مناطه وقوع الكرامة ووقوع الإهانة ~~لأن الله أهان الكافر بعذاب الآخرة ولو شاء إهانته في الدنيا لأجل الكفر ~~لأهان جميع الكفرة بتقتير الرزق . # وبهذا ظهر أن لا تنافي بين إثبات إكرام الله تعالى الإنسان بقوله : { ~~فأكرمه } وبين إبطال ذلك بقوله : { كلا } لأن الإبطال وارد على ما قصده ~~الإنسان بقوله : { ربي أكرمن ms9340 } أن ما ناله من النعمة علامة على رضى الله ~~عنه . # فالمعنى : أن لشأن الله في معاملته الناس في هذا العالم أسرارا وعللا لا ~~يحاط بها ، وأن أهل الجهالة بمعزل عن إدراك سرها بأقيسة وهمية ، والاستناد ~~لمألوفات عادية ، وأن الأولى لهم أن يتطلبوا الحقائق من دلائلها العقلية ، ~~وأن يعرفوا مراد الله من وحيه إلى رسله . وأن يحذروا من أن يحيدوا بالأدلة ~~عن مدلولها . وأن يستنتجوا الفروع من غير أصولها . # وأما أهل العلم فهم يضعون الأشياء مواضعها ، ويتوسمون التوسم المستند إلى ~~الهدي ولا يخلطون ولا يخبطون . PageV30P331 # وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو { ربي } في الموضعين بفتح الياء . وقرأ ~~الباقون بسكونها . # وقرأ الجمهور { فقدر عليه } بتخفيف الدال . وقرأه ابن عامر وأبو جعفر ~~بتشديد الدال . # وقرأ نافع : { أكرمن ، وأهانن } بياء بعد النون في الوصل وبحذفها في ~~الوقف . وقرأهما ابن كثير بالياء في الوصل والوقف ، وقرأهما ابن عامر وعاصم ~~وحمزة والكسائي ويعقوب بدون ياء في الوصل والوقف . وهو مرسوم في المصحف ~~بدون نون بعد الياءين ولا منافاة بين الرواية واسم المصحف . و { كلا } ردع ~~عن هذا القول أي ليس ابتلاء الله الإنسان بالنعيم وبتقتير الرزق مسببا على ~~إرادة الله تكريم الإنسان ولا على إرادته إهانته . وهذا ردع مجمل لم يتعرض ~~القرآن لتبيينه اكتفاء بتذييل أحوال الأمم الثلاث في نعمتهم بقوله : { إن ~~ربك لبالمرصاد } ( الفجر : 14 ) بعد قوله : { فصب عليهم ربك سوط عذاب } ( ~~الفجر : 13 ) . # . # { بل } إضراب انتقالي . والمناسبة بين الغرضين المنتقل منه والمنتقلل ~~إليه مناسبة المقابلة لمضمون { فأكرمه ونعمه } من جهة ما توهموه أن نعمة ~~مالهم وسعة عيشهم تكريم من الله لهم ، فنبههم الله على أنهم إن أكرمهم الله ~~فإنهم لم يكرموا عبيده شحا بالنعمة إذ حرموا أهل الحاجة من فضول أموالهم ~~وإذ يستزيدون من المال ما لا يحتاجون إليه وذلك دحض لتفخرهم بالكرم والبذل ~~. # فجملة : { لا تكرمون اليتيم } استئناف كما يقتضيه الإضراب ، فهو إما ~~استئناف ابتداء كلام ، وإما اعتراض بين { كلا } وأختها كما سيأتي وإكرام ~~اليتيم : سد خلته ، وحسن معاملته ، لأنه مظنة الحاجة لفقد ms9341 عائله ، ~~ولاستيلائهم على الأموال التي يتركها الآباء لأبنائهم الصغار . وقد كانت ~~الأموال في الجاهلية يتداولها رؤساء العائلات . PageV30P332 # والبر ، لأنه مظنة انكسار الخاطر لشعوره بفقد من يدل هو عليه . # و { اليتيم } : الصبي الذي مات أبوه وتقدم في سورة النساء ، وتعريفه ~~للجنس ، أي لا تكرمون اليتامى . وكذلك تعريف { المسكين } . # ونفي الحض على طعام المسكين نفي لإطعامه بطريق الأولى ، وهي دلالة فحوى ~~الخطاب ، أي لقلة الاكتراث بالمساكين لا ينفعونهم ولو نفع وساطة ، بله أن ~~ينفعوهم بالبذل من أموالهم . # و { طعام } يجوز أن يكون اسما بمعنى المطعوم ، فالتقدير : ولا تحضون على ~~إعطاء طعام المسكين فإضافته إلى المسكين على معنى لام الاستحقاق ويجوز أن ~~يكون اسم مصدر أطعم . والمعنى : ولا تحضون على إطعام الأغنياء المساكين ~~فإضافته إلى المسكين من إضافة المصدر إلى مفعوله . # و { المسكين } : الفقير وتقدم في سورة براءة . # وقد حصل في الآية احتباك لأنهم لما نفي إكرامهم اليتيم وقوبل بنفي أن ~~يحضوا على طعام المسكين ، علم أنهم لا يحضون على إكرام أيتامهم ، أي لا ~~يحضون أولياء الأيتام على ذلك ، وعلم أنهم لا يطعمون المساكين من أموالهم . # ويجوز أن يكون الحض على الطعام كناية عن الإطعام لأن من يحض على فعل شيء ~~يكون راغبا في التلبس به فإذا تمكن أن يفعله فعله ، ومنه قوله تعالى : { ~~وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر } ( العصر : 3 ) أي عملوا بالحق وصبروا ~~وتواصوا بهما . # وقرأ الجمهور : ( لا تكرمون ، ولا تحضون ، وتأكلون ، وتحبون ) بالمثناة ~~الفوقية على الخطاب بطريقة الالتفات من الغيبة في قوله : { فأما الإنسان ~~إذا ما ابتلاه ربه } الآيات لقصد مواجهتهم بالتوبيخ ، وهو بالمواجهة أوقع ~~منه بالغيبة . وقرأها أبو عمرو ويعقوب بالمثناة التحتية على الغيبة لتعريف ~~النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين بذلك فضحا لدخائلهم على نحو قوله تعالى ~~: { يقول أهلكت مالا لبدا أيحسب أن لم يره أحد } ( البلد : 6 ، 7 ) . # وقرأ الجمهور : { ولا تحضون } بضم الحاء مضارع حض ، وقرأه عاصم وحمزة ~~PageV30P333 والكسائي وأبو جعفر وخلف { تحاضون } بفتح الحاء وألف بعدها ~~مضارع حاض بعضهم بعضا ، وأصله تتحاضون فحذفت إحدى التاءين اختصارا ms9342 للتخفيف ~~أي تتمالؤون على ترك الحض على الإطعام . # و { التراث } : المال الموروث ، أي الذي يخلفه الرجل بعد موته لوارثه ~~وأصله : وراث بواو في أوله بوزن فعال من مادة ورث بمعنى مفعول مثل الدقاق ، ~~والحطام ، أبدلت واوه تاء على غير قياس كما فعلوا في تجاه ، وتخمة ، وتهمة ~~، وتقاة وأشباهها . # والأكل : مستعار للانتفاع بالشيء انتفاعا لا يبقي منه شيئا . وأحسب أن ~~هذه الاستعارة من مبتكرات القرآن إذ لم أقف على مثلها في كلام العرب . # وتعريف التراث عوض عن المضاف إليه ، أي تراث اليتامى وكذلك كان أهل ~~الجاهلية يمنعون النساء والصبيان من أموال مورثيهم . # وأشعر قوله : { تأكلون } بأن المراد التراث الذي لا حق لهم فيه ، ومنه ~~يظهر وجه إيثار لفظ التراث دون أن يقال : وتأكلون المال لأن التراث مال مات ~~صاحبه وأكله يقتضي أن يستحق ذلك المال عاجز عن الذب عن ماله لصغر أو أنوثة ~~. # واللم : الجمع ، ووصف الأكل به وصف بالمصدر للمبالغة ، أي أكلا جامعا مال ~~الوارثين إلى مال الآكلل كقوله تعالى : { ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم } ~~( النساء : 2 ) . # والجم : الكثير ، يقال : جم الماء في الحوض ، إذا كثر ، وبئر جموم بفتح ~~الجيم : كثيرة الماء ، أي حبا كثيرا ، ووصف الحب بالكثرة مراد به الشدة لأن ~~الحب معنى من المعاني النفسية لا يوصف بالكثرة التي هي وفرة عدد أفراد ~~الجنس . # فالجم مستعار لمعنى القوي الشديد ، أي حبا مفرطا ، وذلك محل ذم حب المال ~~، لأن إفراد حبه يوقع في الحرص على اكتسابه بالوسائل غير الحق كالغصب ~~والاختلاس والسرقة وأكل الأمانات . PageV30P334 # ( 21 26 ) { } # . # زجر وردع عن الأعمال المعدودة قبله ، وهي عدم إكرامهم اليتيم وعدم حضهم ~~على طعام المسكين ، وأكلهم التراث الذي هو مال غير آكله ، وعن حب المال حبا ~~جما . # { } . # استئناف ابتدائي انتقل به من تهديدهم بعذاب الدنيا الذي في قوله : { ألم ~~تر كيف فعل ربك بعاد } ( الفجر : 6 ) الآيات إلى الوعيد بعذاب الآخرة . فإن ~~استخفوا بما حل بالأمم قبلهم أو أمهلوا فأخر عنهم العذاب في الدنيا فإن ~~عذابا لا محيص لهم عنه ينتظرهم يوم القيامة ms9343 حين يتذكرون قسرا فلا ينفعهم ~~التذكر ، ويندمون ولات ساعة مندم . # فحاصل الكلام السابق أن الإنسان الكافر مغرور ينوط الحوادث بغير أسبابها ~~، ويتوهمها على غير ما بها ولا يصغي إلى دعوة الرسل فيستمر طول حياته في ~~عماية ، وقد زجروا عن ذلك زجرا مؤكدا . # وأتبع زجرهم إنذارا بأنهم يحين لهم يوم يفيقون فيه من غفلتهم حين لا تنفع ~~الإفاقة . # والمقصود من هذا الكلام هو قوله : { فيومئذ لا يعذب عذابه أحد } ، وقوله ~~{ يا أيتها النفس المطمئنة } ( الفجر : 27 ) ، وأما ما سبق من قوله { إذا ~~دكت الأرض } إلى قوله { وجيء يومئذ بجهنم } فهو توطئة وتشويق لسماع ما يجيء ~~بعده وتهويل لشأن ذلك اليوم وهو الوقت الذي عرف بإضافة جملة { دكت الأرض } ~~وما بعدها من الجمل وقد عرف بأشراط حلوله وبما يقع فيه من هول العقاب . ~~PageV30P335 # والدك : الحطم والكسر . # والمراد بالأرض الكرة التي عليها الناس ، ودكها حطمها وتفرق أجزائها ~~الناشىء عن فساد الكون الكائنة عليه الآن ، وذلك بما يحدثه الله فيها من ~~زلازل كما في قوله : { إذا زلزلت الأرض زلزالها } ( الزلزلة : 1 ) الآية . # و { دكا دكا } يجوز أن يكون أولهما منصوبا على المفعول المطلق المؤكد ~~لفعله . ولعل تأكيده هنا لأن هذه الآية أول آية ذكر فيها دك الجبال ، وإذ ~~قد كان أمرا خارقا للعادة كان المقام مقتضيا تحقيق وقوعه حقيقة دون مجاز ~~ولا مبالغة ، فأكد مرتين هنا ولم يؤكد نظيره في قوله : { فدكتا دكة واحدة } ~~في سورة الحاقة ف { دكا } الأول مقصود به رفع احتمال المجاز عن ( دكتا ) ~~الدك أي هو دك حقيقي ، و { دكا } الثاني منصوبا على التوكيد اللفظي لدكا ~~الأول لزيادة تحقيق إرادة مدلول الدك الحقيقي لأن دك الأرض العظيمة أمر ~~عجيب فلغرابته اقتضى إثباته زيادة تحقيق لمعناه الحقيقي . # وعلى هذا درج الرضي قال : ويستثنى من منع تأكيد النكرات ( أي تأكيدا ~~لفظيا ) شيء واحد وهو جواز تأكيدها إذا كانت النكرة حكما لا محكوما عليه ~~كقوله صلى الله عليه وسلم ( فنكاحها باطل باطل باطل ) . ومثله قوله تعالى : ~~{ دكت الأرض دكا دكا } فهو مثل : ضرب ms9344 ضرب زيد ا ه . # وهذا يلائم ما في وصف دك الأرض في سورة الحاقة بقوله تعالى : { وحملت ~~الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة } ( الحاقة : 14 ) ودفع المنافاة بين هذا ~~وبين ما في سورة الحاقة . # ويجوز أن يكون مجموع المصدرين في تأويل مفرد منصوب على المفعول المطلق ~~المبين للنوع . وتأويله . أنه دك يعقب بعضه بعضا كما تقول : قرأت الكتاب ~~بابا بابا وبهذا المعنى فسر صاحب ( الكشاف ) وجمهور المفسرين من بعده . ~~وبعض المفسرين سكت عن بيانه قال الطيبي : ( قال ابن الحاجب : لعله قاله في ~~( أماليه على المقدمة الكافية ) وفي نسختي منها نقص ولا أعرف غيرها بتونس ~~ولا يوجد هذا الكلام في ( إيضاح المفصل ) بينت له حسابه بابا بابا ، أي ~~مفصلا . والعرب تكرر PageV30P336 الشيء مرتين ) فتستوعب تفصيل جنسه باعتبار ~~المعنى الذي دل عليه لفظ المكرر ، فإذا قلت : بينت له الكتاب بابا بابا ~~فمعناه بينته له مفصلا باعتبار أبوابه اه . # قلت : هذا الوجه أوفى بحق البلاغة فإنه معنى زائد على التوكيد والتوكيد ~~حاصل بالمصدر الأول . # وفي ( تفسير الفخر ) : وقيل : فبسطتا بسطة واحدة فصارتا أرضا لا ترى فيها ~~أمتا وتبعه البيضاوي يعني : أن الدك كناية عن التسوية لأن التسوية من لوازم ~~الدك ، أي صارت الجبال مع الأرض مستويات لم يبق فيها نتوء . # ولك أن تجعل صفة واحدة مجازا في تفرد الدكة بالشدة التي لا ثاني مثلها ، ~~أي دكة لا نظير لها بين الدكات في الشدة من باب قولهم : هو وحيد قومه ، ~~ووحيد دهره ، فلا يعارض قوله : { دكا دكا } بهذا التفسير . وفيه تكلف إذ لم ~~يسمع بصيغة فاعل فلم يسمع : هو واحد قومه . # وأما قوله تعالى : { والملك صفا صفا } ف { صفا } الأول حال من { الملك } ~~. # و { صفا } الثاني لم يختلف المفسرون في أنه من التكرير المراد به الترتيب ~~والتصنيف ، أي صفا بعد صف ، أو خلف صف ، أو صنفا من الملائكة دون صنف ، قيل ~~: ملائكة كل سماء يكونون صفا حول الأرض على حدة . # قال الرضي وأما تكرير المنكر في قولك ، قرأت الكتاب سورة سورة ، وقوله ~~تعالى : { وجاء ربك ms9345 والملك صفا صفا } فليس في الحقيقة تأكيدا إذ ليس الثاني ~~لتقرير ما سبق بل هو لتكرير المعنى لأن الثاني غير الأول معنى . والمعنى : ~~جميع السور وصفوفا مختلفة ا ه . وشذ من المفسرين من سكت عنه . ولا يحتمل ~~حمله على أنه مفعول مطلق مؤكد لعامله إذ لا معنى للتأكيد . # وإسناد المجيء إلى الله إما مجاز عقلي ، أي جاء قضاؤه ، وإما استعارة ~~بتشبيه ابتداء حسابه بالمجيء . PageV30P337 # وأما إسناده إلى الملك فإما حقيقة ، أو على معنى الحضور وأيا ما كان ~~فاستعمال ( جاء ) من استعمال اللفظ في مجازه وحقيقته ، أو في مجازيه . # و { الملك } : اسم جنس وتعريفه تعريف الجنس فيرادفه الاستغراق ، أي ~~والملائكة . # والصف : مصدر صف الأشياء إذا جعل الواحد حذو الآخر ، ويطلق على الأشياء ~~المصفوفة ومنه قوله تعالى : { إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا } ( ~~الصف : 4 ) وقوله : { فأجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفا } في سورة طه . # واستعمال { وجيء يومئذ بجهنم } كاستعمال مجيء الملك ، أي أحضرت جهنم ~~وفتحت أبوابها فكأنها ( جاء ) بها جاء والمعنى : أظهرت لهم جهنم قال تعالى ~~: { حتى إذا جاؤوها فتحت أبوابها } ( الزمر : 71 ) وقال : { وبرزت الجحيم ~~لمن يرى } ( النازعات : 36 ) وورد في حديث مسلم عن ابن مسعود يرفعه : ( أن ~~لجهنم سبعين ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها ) وهو تفسير لمعنى ~~{ وجيء يومئذ بجهنم } . وأمور الآخرة من خوارق العادات . # وإنما اقتصر على ذكر جهنم لأن المقصود في هذه السورة وعيد الذين لم ~~يتذكروا وإلا فإن الجنة أيضا محضرة يومئذ قال تعالى : { وأزلفت الجنة ~~للمتقين وبرزت الجحيم للغاوين } ( الشعراء : 90 91 ) . # و { يومئذ } الأول متعلق بفعل { جيء } . والتقدير : وجيء يوم تدك الأرض ~~دكا دكا إلى آخره . # و { يومئذ } الثاني بدل من { إذا دكت الأرض } والمعنى : يوم تدك الأرض ~~دكا إلى آخره يتذكر الإنسان . والعامل في البدل والمبدل منه معا فعل { ~~يتذكر } . وتقديمه للاهتمام مع ما في الإطناب من التشويق ليحصل الإجمال ثم ~~التفصيل مع حسن إعادة ما هو بمعنى { إذا } لزيادة الربط لطول الفصل بالجمل ~~التي أضيف إليها { إذا ms9346 } . # و { الإنسان } : هو الإنسان الكافر ، وهو الذي تقدم ذكره في قوله تعالى : ~~{ فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه } ( الفجر : 15 ) الآية فهو إظهار في ~~مقام الإضمار لبعد معاد الضمير . PageV30P338 # وجملة : { وأنى له الذكرى } معترضة بين جملة { يتذكر الإنسان } وجملة : { ~~يقول } الخ . # و { أنى } اسم استفهام بمعنى : أين له الذكرى ، وهو استفهام مستعمل في ~~الإنكار والنفي ، والكلام على حذف مضاف ، والتقدير : وأين له نفع الذكرى . # وجملة : { يقول يا ليتني } الخ يجوز أن يكون قولا باللسان تحسرا وتندما ~~فتكون الجملة حالا من { الإنسان } أو بدل اشتمال من جملة { يتذكر } فإن ~~تذكره مشتمل على تحسر وندامة . ويجوز أن يكون قوله في نفسه فتكون الجملة ~~بيانا لجملة { يتذكر } . # ومفعول { قدمت } محذوف للإيجاز . # واللام في قوله : { لحياتي } تحتمل معنى التوقيت ، أي قدمت عند أزمان ~~حياتي فيكون المراد الحياة الأولى التي قبل الموت . وتحتمل أن يكون اللام ~~للعلة ، أي قدمت الأعمال الصالحة لأجل أن أحيا في هذه الدار . والمراد : ~~الحياة الكاملة السالمة من العذاب لأن حياتهم في العذاب حياة غشاوة وغياب ~~قال تعالى : { ثم لا يموت فيها ولا يحيى } ( الأعلى : 13 ) . # وحرف النداء في قوله : { يا ليتني } للتنبيه اهتماما بهذا التمني في يوم ~~وقوع . # والفاء في قوله : { فيومئذ لا يعذب عذابه أحد } رابطة لجملة { لا يعذب } ~~الخ بجملة { دكت الأرض } لما في { إذا } من معنى الشرط . # والعذاب : اسم مصدر عذب . # والوثاق : اسم مصدر أوثق . # وقرأ الجمهور { يعذب } بكسر الذال { ويوثق } بكسر الثاء على أن { أحد } ~~في الموضعين فاعل { يعذب ، ويوثق } . وأن عذابه من إضافة المصدر إلى مفعوله ~~فضمير { عذابه } عائد إلى الإنسان في قوله : { يتذكر الإنسان } وهو مفعول ~~مطلق مبين للنوع على معنى التشبيه البليغ ، أي عذابا مثل عذابه ، وانتفاء ~~المماثلة في الشدة ، أي يعذب عذابا هو أشد عذاب يعذبه العصاة ، أي ~~PageV30P339 عذابا لا نظير له في أصناف عذاب المعذبين على معنى قوله تعالى ~~: { فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين } ( المائدة : 115 ) ~~والمراد في شدته . # وهذا بالنسبة لبني الإنسان ، وأما عذاب الشياطين فهو أشد ms9347 لأنهم أشد كفرا ~~و { أحد } يستعمل في النفي لاستغراق جنس الإنسان فأحد في سياق النفي يعم كل ~~أحد قال تعالى : { يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله } ( ~~الانفطار : 19 ) فانحصر الأحد المعذب ( بكسر الذال ) في فرد وهو الله تعالى ~~. # وقرأه الكسائي ويعقوب بفتح ذال { يعذب } وفتح ثاء { يوثق } مبنيين للنائب ~~. وعن أبي قلابة قال : ( حدثني من أقرأه النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ ~~{ يعذب } و { يوثق } بفتح الذال وفتح الثاء ) . قال الطبري : وإسناده واه ~~وأقول أغنى عن تصحيح إسناده تواتر القراءة به في بعض الروايات العشر وكلها ~~متواتر . # والمعنى : لا يعذب أحد مثل عذاب ما يعذب به ذلك الإنسان المتحسر يومئذ ، ~~ولا يوثق أحد مثل وثاقه ، ف { أحد } هنا بمنزلة ( أحدا ) في قوله تعالى : { ~~فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين } ( المائدة : 115 ) . # والوثاق بفتح الواو اسم مصدر أوثق وهو الربط ويجعل للأسير والمقود إلى ~~القتل . فيجعل لأهل النار وثاق يساقون به إلى النار قال تعالى : { إذ ~~الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون في الحميم } ( غافر : 71 ، 72 ) الآية ~~. # وانتصاب { وثاقه } كانتصاب { عذابه } على المفعولية المطلقة لمعنى ~~التشبيه . # ( 27 30 ) # لما استوعب ما اقتضاه المقام من الوعيد والتهديد والإنذار ختم الكلام ~~بالبشارة للمؤمنين الذين تذكروا بالقرآن واتبعوا هديه على عادة القرآن في ~~تعقيب النذارة بالبشارة والعكس فإن ذلك مما يزيد رغبة الناس في فعل الخير ~~ورهبتهم من أفعال الشر . PageV30P340 # واتصال هذه الآية بالآيات التي قبلها في التلاوة وكتابة المصحف الأصل فيه ~~أن تكون نزلت مع الآيات التي قبلها في نسق واحد . وذلك يقتضي أن هذا الكلام ~~يقال في الآخرة . فيجوز أن يقال يوم الجزاء فهو مقول قولل محذوف هو جواب ( ~~إذا ) { إذا دكت الأرض } ( الفجر : 21 ) الآية وما بينهما مستطرد واعتراض . # فهذا قول يصدر يوم القيامة من جانب القدس من كلام الله تعالى أو من كلام ~~الملائكة : فإن كان من كلام الله تعالى كان قوله : { إلى ربك } إظهارا في ~~مقام الإضمار بقرينة تفريع { فادخلي في عبادي } عليه ms9348 . ونكتة هذا الإظهار ~~ما في وصف { رب } من الولاء والاختصاص . وما في إضافته إلى ضمير النفس ~~المخاطبة من التشريف لها . # وإن كان من قول الملائكة فلفظ { ربك } جرى على مقتضى الظاهر وعطف { ~~فادخلي في عبادي } عطف تلقين يصدر من كلام الله تعالى تحقيقا لقول الملائكة ~~{ ارجعي إلى ربك } . # والرجوع إلى الله مستعار للكون في نعيم الجنة التي هي دار الكرامة عند ~~الله بمنزلة دار المضيف قال تعالى : { في مقعد صدق عند مليك مقتدر } ( ~~القمر : 55 ) بحيث شبهت الجنة بمنزل للنفس المخاطبة لأنها استحقته بوعد ~~الله على أعمالها الصالحة فكأنها كانت مغتربة عنه في الدنيا فقيل لها : ~~ارجعي إليه ، وهذا الرجوع خاص غير مطلق الحلول في الآخرة . # ويجوز أن تكون الآية استئنافا ابتدائيا جرى على مناسبة ذكر عذاب الإنسان ~~المشرك فتكون خطابا من الله تعالى لنفوس المؤمنين المطمئنة . # والأمر في { ارجعي إلى ربك } مراد منه تقييده بالحالين بعده وهما { راضية ~~مرضية } وهو من استعمال الأمر في الوعد والرجوع مجاز أيضا ، والإضمار في ~~قوله : { في عبادي } وقوله : { جنتي } التفات من الغيبة إلى التكلم . # وقال بعض أهل التأويل : نزلت في معين . فعن الضحاك : أنها نزلت في عثمان ~~بن عفان لما تصدق ببئر رومة . وعن بريدة : أنها نزلت في حمزة حين قتل . ~~وقيل : نزلت في خبيب بن عدي لما صلبه أهل مكة . وهذه الأقوال تقتضي أن هذه ~~الآية PageV30P341 مدنية ، والاتفاق على أن السورة مكية إلا ما رواه الداني ~~عن بعض العلماء أنها مدنية ، وهي على هذا منفصلة عما قبلها كتبت هنا بتوقيف ~~خاص أو نزلت عقب ما قبلها للمناسبة . # وعن ابن عباس وزيد بن حارثة وأبي بن كعب وابنن مسعود : أن هذا يقال عند ~~البعث لترجع الأرواح في الأجساد ، وعلى هذا فهي متصلة بقوله : { إذا دكت ~~الأرض } ( الفجر : 21 ) الخ كالوجه الذي قبل هذا ، والرجوع على هذا حقيقة ~~والرب مراد به صاحب النفس وهو الجسد . # وعن زيد بن حارثة وأبي صالح : يقال هذا للنفس عند الموت . وقد روى الطبري ~~عن سعيد بن جبير قال ms9349 : قرأ رجل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم { يأيتها ~~النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية } فقال أبو بكر : ما أحسن هذا ؟ ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( أما إن الملك سيقولها لك عند الموت ) . ~~وعن زيد بن حارثة أن هذا يقال لنفس المؤمن عند الموت تبشر بالجنة . # والنفس : تطلق على الذات كلها كما في قوله تعالى : { أن تقول نفس يا ~~حسرتى على ما فرطت في جنب الله } ( الزمر : 56 ) وقوله : { ولا تقتلوا ~~النفس التي حرم الله إلا بالحق } ( الأنعام : 151 ) وتطلق على الروح التي ~~بها حياة الجسد كما في قوله : { إن النفس لأمارة بالسوء } ( يوسف : 53 ) . # وعلى الإطلاقين توزع المعاني المتقدمة كما لا يخفى . # و { المطمئنة } : اسم فاعل من اطمأن إذا كان هادئا غير مضطرب ولا منزعج ، ~~فيجوز أن يكون من سكون النفس بالتصديق لما جاء به القرآن دون تردد ولا ~~اضطراب بالل فيكون ثناء على هذه النفس ويجوز أن يكون من هدوء النفس بدون ~~خوف ولا فتنة في الآخرة . # وفعله من الرباعي المزيد وهو بوزن أفعلل . والأصح أنه مهموز اللام الأولى ~~وأن الميم عين الكلمة كما ينطق به وهذا قول أبي عمرو . وقال سيبويه : أصل ~~الفعل : طأمن فوقع فيه قلب مكاني فقدمت الميم على الهمزة فيكون أصل مطمئنة ~~عنده مطأمنة ومصدره اطئمنان وقد تقدم عند قوله تعالى : { ولكن ليطمئن قلبي ~~في سورة البقرة وقوله : فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة في سورة النساء ~~PageV30P342 . # ووصف النفس } ب { المطمئنة } ليس وصفا للتعريف ولا للتخصيص ، أي لتمييز ~~المخاطبين بالوصف الذي يميزهم عمن عداهم فيعرفون أنهم المخاطبون المأذونون ~~بدخول الجنة لأنهم لا يعرفون أنهم مطمئنون إلا بعد الإذن لهم بدخول الجنة ، ~~فالوصف مراد به الثناء والإيماء إلى وجه بناء الخبر . وتبشير من وجه الخطاب ~~إليهم بأنهم مطمئنون آمنون . ويجوز أن يكون للتعريف أو التخصيص بأن يجعل ~~الله إلهاما في قلوبهم يعرفون به أنهم مطمئنون . # والاطمئنان : مجاز في طيب النفس وعدم ترددها في مصيرها بالاعتقاد الصحيح ~~فيهم حين أيقنوا في الدنيا بأن ما جاءت ms9350 به الرسل حق فذلك اطمئنان في الدنيا ~~ومن أثره اطمئنانهم يوم القيامة حين يرون مخائل الرضى والسعادة نحوهم ويرون ~~ضد ذلك نحو أهل الشقاء . # وقد فسر الاطمئنان : بيقين وجود الله ووحدانيته ، وفسر باليقين بوعد الله ~~، وبالإخلاص في العمل ، ولا جرم أن ذلك كله من مقومات الاطمئنان المقصود ~~فمجموعه مراد وأجزاؤه مقصودة ، وفسر بتبشيرهم بالجنة ، أي قبل ندائهم ثم ~~نودوا بأن يدخلوا الجنة . # والرجوع يحتمل الحقيقة والمجاز كما علمت من الوجوه المتقدمة في معنى ~~الآية . # والراضية : التي رضت بما أعطيته من كرامة وهو كناية عن إعطائها كل ما ~~تطمح إليه . # والمرضية : اسم مفعول وأصله : مرضيا عنها ، فوقع فيه الحذف والإيصال فصار ~~نائب فاعل بدون حرف الجر ، والمقصود من هذا الوصف زيادة الثناء مع الكناية ~~عن الزيادة في إفاضة الإنعام لأن المرضي عنه يزيده الراضي عنه من الهبات ~~والعطايا فوق ما رضي به هو . # وفرع على هذه البشرى الإجمالية تفصيل ذلك بقوله : { فادخلي في عبادي ~~وادخلي جنتي } فهو تفصيل بعد الإجمال لتكرير إدخال السرور على أهلها . # والمعنى : ادخلي في زمرة عبادي . والمراد العباد الصالحون بقرينة مقام ~~الإضافة مع قرنه بقوله : { جنتي } . ومعنى هذا كقوله تعالى : { لندخلنهم في ~~الصالحين } ( العنكبوت : 9 ) . PageV30P343 # فالظرفية حقيقية وتؤول إلى معنى المعية كقوله تعالى : { فأولئك مع الذين ~~أنعم الله عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك ~~رفيقا } ( النساء : 69 ) . # وإضافة ( جنة ) إلى ضمير الجلالة إضافة تشريف كقوله : { في مقعد صدق عند ~~مليك مقتدر } ( القمر : 55 ) . # وهذه الإضافة هي مما يزيد الالتفات إلى ضمير التكلم حسنا بعد طريقة ~~الغيبة بقوله : { ارجعي إلى ربك } . # وتكرير فعل { وادخلي } فلم يقل : فادخلي جنتي في عبادي للاهتمام بالدخول ~~بخصوصه تحقيقا للمسرة لهم . # PageV30P344 # | 1 ( سورة البلد ) 1 # سميت هذه السورة في ترجمتها عن ( صحيح البخاري ) : ( سورة لا أقسم ) ~~وسميت في المصاحف وكتب التفسير ( سورة البلد ) . وهو إما على حكاية اللفظ ~~الواقع في أولها ، وإما لإرادة البلد المعروف وهو مكة . # وهي مكية وحكى الزمخشري والقرطبي الاتفاق عليه واقتصر عليه معظم المفسرين ~~وحكى ابن عطية ms9351 عن قوم : أنها مدنية . ولعل هذا قول من فسر قوله : { وأنت حل ~~بهذا البلد } ( البلد : 2 ) أن الحل الإذن له في القتال يوم الفتح وحمل { ~~وأنت حل } على معنى : وأنت الآن حل ، وهو يرجع إلى ما روى القرطبي عن السدي ~~وأبي صالح وعزي لابن عباس . وقد أشار في ( الكشاف ) إلى إبطاله بأن السورة ~~نزلت بمكة بالاتفاق ، وفي رده بذلك مصادرة ، فالوجه أن يرد بأن في قوله : { ~~أيحسب أن لن يقدر عليه أحد إلى قوله : فلا اقتحم العقبة } ( البلد : 5 11 ) ~~ضمائر غيبة يتعين عودها إلى الإنسان في قوله : { لقد خلقنا الإنسان في كبد ~~} ( البلد : 4 ) وإلا لخلت الضمائر عن معاد . وحكى في ( الإتقان ) قولا ~~أنها مدنية إلا الآيات الأربع من أولها . # وقد عدت الخامسة والثلاثين في عدد نزول السور ، نزلت بعد سورة ق وقبل ~~سورة الطارق . # وعدد آيها عشرون آية . # أغراضها # حوت من الأغراض التنويه بمكة . وبمقام النبي صلى الله عليه وسلم بها . ~~وبركته فيها وعلى أهلها . PageV30P345 # والتنويه بأسلاف النبي صلى الله عليه وسلم من سكانها الذين كانوا من ~~الأنبياء مثل إبراهيم وإسماعيل أو من أتباع الحنيفية مثل عدنان ومضر كما ~~سيأتي . # والتخلص إلى ذم سيرة أهل الشرك . وإنكارهم البعث . وما كانوا عليه من ~~التفاخر المبالغ فيه ، وما أهملوه من شكر النعمة على الحواس ، ونعمة النطق ~~، ونعمة الفكر ، ونعمة الإرشاد فلم يشكروا ذلك بالبذل في سبل الخير وما ~~فرطوا فيه من خصال الإيمان وأخلاقه . # ووعيد الكافرين وبشارة الموقنين . # # | 2 ( { لا أقسم بهاذا البلد * وأنت حل بهاذا البلد * ووالد وما ولد * ~~لقد خلقنا الإنسان فى كبد * أيحسب أن لن يقدر عليه أحد * يقول أهلكت مالا ~~لبدا * أيحسب أن لم يره أحد * ألم نجعل له عينين * ولسانا وشفتين * وهديناه ~~النجدين * فلا اقتحم العقبة * ومآ أدراك ما العقبة * فك رقبة * أو إطعام فى ~~يوم ذى مسغبة * يتيما ذا مقربة * أو مسكينا ذا متربة * ثم كان من الذين ~~ءامنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة * أولائك أصحاب الميمنة * والذين ~~كفروا بئاياتنا هم أصحاب المشئمة * عليهم نار ms9352 مؤصدة } ) 2 # ابتدئت بالقسم تشويقا لما يرد بعده وأطيلت جملة القسم زيادة في التشويق . # و { لا أقسم } معناه : أقسم . وقد تقدم ذلك غير مرة منها ما في سورة ~~الحاقة . # وتقدم القول في : هل حرف النفي مزيد أو هو مستعمل في معناه كناية عن ~~تعظيم أمر المقسم به . # والإشارة ب ( هذا ) مع بيانه بالبلد ، إشارة إلى حاضر في أذهان السامعين ~~كأنهم يرونه لأن رؤيته متكررة لهم وهو بلد مكة ، ومثله ما في قوله : { إنما ~~أمرت أن أعبد رب هذه البلدة } ( النمل : 91 ) . وفائدة الإتيان باسم ~~الإشارة تمييز المقسم به أكمل تمييز لقصد التنويه به . # والبلد : جانب من متسع من أرض عامرة كانت كما هو الشائع أم غامرة كقول ~~رؤبة بن العجاج : # بل بلد ملء الفجاج قتمه # وأطلق هنا على جانب من الأرض مجعولة فيه بيوت من بناء وهو بلدة مكة ~~PageV30P346 والقسم بالبلدة مع أنها لا تدل على صفة من صفات الذات الإلاهية ~~ولا من صفات أفعاله كناية عن تعظيم الله تعالى إياه وتفضيله . # وجملة : { وأنت حل بهذا البلد } معترضة بين المتعاطفات المقسم بها والواو ~~اعتراضية . والمقصود من الاعتراض يختلف باختلاف محمل معنى { وأنت حل } ~~فيجوز أن يكون { حل } اسم مصدر أحل ، أي أباح ، فالمعنى وقد جعلك أهل مكة ~~حلالا بهذا البلد الذي يحرم أذى صيده وعضد شجره ، وهم مع ذلك يحلون قتلك ~~وإخراجك ، قال هذا شرحبيل بن سعد فيكون المقصود من هذا الاعتراض التعجيب من ~~مضمون الجملة وعليه فالإخبار عن ذات الرسول صلى الله عليه وسلم بوصف { حل } ~~يقدر فيه مضاف يعينه ما يصلح للمقام ، أي وأنت حلال منك ما حرم من حق ساكن ~~هذا البلد من الحرمة والأمن . والمعنى التعريض بالمشركين في عدوانهم وظلمهم ~~الرسول صلى الله عليه وسلم في بلد لا يظلمون فيه أحدا . والمناسبة ابتداء ~~القسم بمكة الذي هو إشعار بحرمتها المقتضية حرمة من يحل بها ، أي فهم ~~يحرمون أن يتعرضوا بأذى للدواب ، ويعتدون على رسول جاءهم برسالة من الله . # ويجوز أن يكون { حل } اسما مشتقا من الحل ms9353 وهو ضد المنع ، أي الذي لا تبعة ~~عليه فيما يفعله . قال مجاهد والسدي ، أي ما صنعت فيه من شيء فأنت في حل أو ~~أنت في حل ممن قاتلك أن تقاتله . وقريب منه عن ابن عباس ، أي مهما تمكنت من ~~ذلك . فيصدق بالحال والاستقبال . وقال في ( الكشاف ) : ( يعني وأنت حل به ~~في المستقبل ونظيره في الاستقبال قوله عز وجل : { إنك ميت وإنهم ميتون } ( ~~الزمر : 30 ) ، تقول لمن تعده بالإكرام والحباء أنت مكرم محبوا اه . # فهذا الاعتراض تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم قدمت له قبل ذكر إعراض ~~المشركين عن الإسلام ، ووعد بأنه سيمكنه منهم . # وعلى كلا الوجهين في محمل صفة { حل } هو خصوصية للنبيء صلى الله عليه ~~وسلم وقد خصصه النبي صلى الله عليه وسلم بيوم الفتح فقال : ( وإنما أحلت لي ~~ساعة من نهار ) PageV30P347 الحديث ، وفي ( الموطإ ) : ( قال مالك : ولم ~~يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ ( أي يوم الفتح ) محرما ) . # ويثار من هذه الآية على اختلاف المحامل النظر في جواز دخول مكة بغير ~~إحرام لغير مريد الحج أو العمرة . قال الباجي في ( المنتقى ) وابن العربي ~~في ( الأحكام ) : الداخل مكة غير مريد النسك ، لحاجة تتكرر كالحطابين ~~وأصحاب الفواكه والمعاش هؤلاء يجوز دخولهم غير محرمين لأنهم لو كلفوا ~~الإحرام لحقتهم مشقة . وإن كان دخولها لحاجة لا تتكرر فالمشهور عن مالك : ~~أنه لا بد من الإحرام ، وروي عنه تركه والصحيح وجوبه ، فإن تركه قال الباجي ~~: فالظاهر من المذهب أنه لا شيء عليه وقد أساء ولم يفصل أهل المذهب بين من ~~كان من أهل داخل الميقاتت أو من خارجه . # والخلاف في ذلك أيضا بين فقهاء الأمصار فذهب أبو حنيفة أن من كان من أهل ~~داخل المواقيت يجوز له دخول مكة بغير إحرام إن لم يرد نسكا من حج أو عمرة ، ~~وأما من كان من أهل خارج المواقيت فالواجب عليه الإحرام لدخول مكة دون ~~تفصيل بين الاحتياج إلى تكرر الدخول أو عدم الاحتياج . وذهب الشافعي إلى ~~سقوط الإحرام عن غير قاصد النسك ، ومذهب أحمد ms9354 موافق مذهب مالك . # وحكى ابن عطية عن بعض المتأولين : أن معنى { وأنت حل بهذا البلد } أنه ~~حال ، أي ساكن بهذا البلد اه . وجعله ابن العربي قولا ولم يعزه إلى قائل ، ~~وحكاه القرطبي والبيضاوي كذلك وهو يقتضي أن تكون جملة { وأنت حل } في موضع ~~الحال من ضمير { أقسم } فيكون القسم بالبلد مقيدا باعتبار كونه بلد محمد ~~صلى الله عليه وسلم وهو تأويل جميل لو ساعد عليه ثبوت استعمال { حل } بمعنى ~~: حال ، أي مقيم في مكانن فإن هذا لم يرد في كتب اللغة : ( الصحاح ) و ( ~~اللسان ) و ( القاموس ) و ( مفرداتت الراغب ) . ولم يعرج عليه صاحب ( ~~الكشاف ) ، ولا أحسب إعراضه عنه إلا لعدم ثقته بصحة استعماله ، وقال ~~الخفاجي : والحل : صفة أو مصدر بمعنى الحال هنا على هذا الوجه ولا عبرة بمن ~~أنكره لعدم ثبوته في كتب اللغة ) اه وكيف يقال : لا عبرة بعدم ثبوته في كتب ~~اللغة ، وهل المرجع في إثبات اللغة إلا كتب أيمتها . PageV30P348 # وتكرير لفظ { بهذا البلد } إظهار في مقام الإضمار لقصد تجديد التعجيب . ~~ولقصد تأكيد فتح ذلك البلد العزيز عليه والشديد على المشركين أن يخرج عن ~~حوزتهم . # و { والد } وقع منكرا فهو تنكير تعظيم إذ لا يحتمل غير ذلك في سياق القسم ~~. فتعين أن يكون المراد والدا عظيما ، والراجح عمل والد على المعنى الحقيقي ~~بقرينة قوله { وما ولد } . # والذي يناسب القسم بهذا البلد أن يكون المراد ب { والد } إبراهيم عليه ~~السلام فإنه الذي اتخذ ذلك البلد لإقامة ولده إسماعيل وزوجه هاجر قال تعالى ~~: { وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام ~~} ( إبراهيم : 35 ) ثم قال : { ربنا أني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع ~~عند بيتك المحرم } ( إبراهيم : 37 ) . وإبراهيم والد سكان ذلك البلد ~~الأصليين قال تعالى : { ملة أبيكم إبراهيم } ( الحج : 78 ) ، ولأنه والد ~~محمد صلى الله عليه وسلم # و { ما ولد } موصول وصلة والضمير المستتر في { ولد } عائد إلى { والد } . ~~والمقصود : وما ولده إبراهيم من الأبناء والذرية . وذلك مخصوص بالذين ~~اقتفوا هديه فيشمل محمدا ms9355 صلى الله عليه وسلم # وفي هذا تعريض بالتنبيه للمشركين من ذرية إبراهيم بأنهم حادوا عن طريقة ~~أبيهم من التوحيد والصلاح والدعوة إلى الحق وعمارة المسجد الحرام قال تعالى ~~: { إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا } ( آل ~~عمران : 68 ) . # وجيء باسم الموصول { ما } في قوله : { وما ولد } دون ( من ) مع أن ( من ) ~~أكثر استعمالا في إرادة العاقل وهو مراد هنا ، فعدل عن ( من ) لأن { ما } ~~أشد إبهاما ، فأريد تفخيم أصحاب هذه الصلة فجيء لهم بالموصول الشديد ~~الإبهام لإرادة التفخيم ، ونظيره قوله تعالى : { والله أعلم بما وضعت } ( ~~آل عمران : 36 ) يعني مولودا عجيب الشأن . ويوضح هذا أن { ما } تستعمل نكرة ~~تامة باتفاق ، و ( من ) لا تستعمل نكرة تامة إلا عند الفارسي . PageV30P349 # ولان قوة الإبهام في { ما } أنسب بإرادة الجماعة دون واحد معين ، ألا ترى ~~إلى قول الحكم الأصم الفزاري : # اللؤم أكرم من وبر ووالده # واللؤم أكرم من وبر وما ولدا # يريد ومن أولاده لا ولدا معينا . # وجملة : { لقد خلقنا الإنسان في كبد } جواب القسم وهو الغرض من السورة . # والإنسان يجوز أن يراد به الجنس وهو الأظهر وقول جمهور المفسرين ، ~~فالتعريف فيه تعريف الجنس ، ويكون المراد به خصوص أهل الشرك لأن قوله : { ~~أيحسب أن لن يقدر عليه أحد } ( البلد : 5 ) إلى آخر الآيات لا يليق إلا ~~بأحوال غير المؤمنين ، فالعموم عموم عرفي ، أي الإنسان في عرف الناس يومئذ ~~، ولم يكن المسلمون إلا نفرا قليلا ولذلك كثر في القرآن إطلاق الإنسان ~~مرادا به الكافرون من الناس . # ويجوز أن يراد به إنسان معين ، فالتعريف تعريف العهد ، فعن الكلبي أنه ~~أبو الأشد ويقال : أبو الأشدين واسمه أسيد بن كلدة الجمحي كان معروفا ~~بالقوة والشدة يجعل الأديم العكاظي تحت قدميه فيقول : من أزالني فله كذا . ~~فيجذبه عشرة رجال حتى يمزق الأديم ولا تزول قدماه ، وكان شديد الكفر ~~والعداوة للنبيء صلى الله عليه وسلم فنزل فيه : { أيحسب أن لن يقدر عليه ~~أحد } ( البلد : 5 ) وقيل : هو الوليد بن المغيرة ، وقيل : هو أبو جهل . ~~وعن مقاتل ms9356 : نزلت في الحارث بن عامر بن نوفل ، زعم أنه أنفق مالا على إفساد ~~أمر النبي صلى الله عليه وسلم وقيل : هو عمرو بن عبد ود الذي اقتحم الخندق ~~في يوم الأحزاب ليدخل المدينة فقتله علي بن أبي طالب خلف الخندق . # وليس لهذه الأقوال شاهد من النقل الصحيح ولا يلائمها القسم ولا السياق . # والخلق : إيجاد ما لم يكن موجودا ، ويطلق على إيجاد حالة لها أثر قوي في ~~الذات كقوله تعالى : { يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق } ( الزمر : ~~6 ) وقوله : { وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير } ( المائدة : 110 ) . فهو ~~جعل يغير ذات الشيء . PageV30P350 # والكبد بفتحتين : التعب والشدة ، وقد تعددت أقوال المفسرين في تقرير ~~المراد بالكبد ، ولم يعرج واحد منهم على ربط المناسبة بين ما يفسر به الكبد ~~وبين السياق المسوق له الكلام وافتتاحه بالقسم المشعر بالتأكيد وتوقع ~~الإنكار ، حتى كأنهم بصدد تفسير كلمة مفردة ليست واقعة في كلام يجب التئامه ~~، ويحق وءامه . # وقد غضوا النظر عن موقع فعل { خلقنا } على تفسيرهم الكبد إذ يكون فعل { ~~خلقنا } كمعذرة للإنسان الكافر في ملازمة الكبد له إذ هو مخلوق فيه . وذلك ~~يحط من شدة التوبيخ والذم ، فالذي يلتئم مع السياق ويناسب القسم أن الكبد ~~التعب الذي يلازم أصحاب الشرك من اعتقادهم تعدد الآلهة . واضطراب رأيهم في ~~الجمع بين ادعاء الشركاء لله تعالى وبين توجههم إلى الله بطلب الرزق وبطلب ~~النجاة إذا أصابهم ضر . ومن إحالتهم البعث بعد الموت مع اعترافهم بالخلق ~~الأول فقوله : { لقد خلقنا الإنسان في كبد } دليل مقصودا وحده بل هو توطئة ~~لقوله : { أيحسب أن لن يقدر عليه أحد } ( البلد : 5 ) . والمقصود إثبات ~~إعادة خلق الإنسان بعد الموت للبعثث والجزاء الذي أنكروه وابتدأهم القرآن ~~بإثباته في سور كثيرة من السور الأولى . # فوزان هذا التمهيد وزان التمهيد بقوله : { لقد خلقنا الإنسان في أحسن ~~تقويم ثم رددناه أسفل سافلين } ( التين : 4 ، 5 ) بعد القسم بقوله : { ~~التين والزيتون } ( التين : 1 ) الخ . # فمعنى : { أيحسب أن لن يقدر عليه } ( البلد : 5 ) : أيحسب أن لن نقدر ~~عليه ms9357 بعد اضمحلال جسده فنعيده خلقا آخر ، فهو في طريقة القسم والمقسم عليه ~~بقوله تعالى : { لا أقسم بيوم القيامة إلى قوله : أيحسب الإنسان ألن نجمع ~~عظامه بلى قادرين على أن نسوي بنانه } ( القيامة : 1 4 ) . أي كما خلقناه ~~أول مرة في نصب من أطوار الحياة كذلك نخلقه خلقا ثانيا في كبد من العذاب في ~~الآخرة لكفره . # وبذلك يظهر موقع إدماج قوله { في كبد } لأن المقصود التنظير بين الخلقين ~~الأول والثاني في أنهما من مقدور الله تعالى . # والظرفية من قوله : { في كبد } مستعملة مجازا في الملازمة فكأنه مظروف في ~~الكبد ، ونظيره قوله : { بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال ~~البعيد PageV30P351 أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم } ( سبأ : 8 ، 9 ~~) الآية . فالمراد : عذاب الدنيا ، وهو مشقة اضطراب البال في التكذيب ~~واختلاقق المعاذير والحيرة من الأمر على أحد التفسيرين لتلك الآية . # فالمعنى : أن الكبد ملازم للمشرك من حين اتصافه بالإشراك وهو حين تقوم ~~العقل وكمالل الإدراك . # ومن الجائز أن يجعل قوله : { لقد خلقنا الإنسان في كبد } من قبيل القلب ~~المقبول لتضمنه اعتبارا لطيفا وهو شدة تلبس الكبد بالإنسان المشرك حتى كأنه ~~خلق في الكبد . # والمعنى : لقد خلقنا الكبد في الإنسان الكافر . # وللمفسرين تأويلات أخرى في معنى الآية لا يساعد عليها السياق . # هذه الجملة بدل اشتمال من جملة : { لقد خلقنا الإنسان في كبد } ( البلد : ~~4 ) . # والاستفهام مستعمل في التوبيخ والتخطئة . # وضمير { أيحسب } راجع إلى الإنسان لا محالة ، ومن آثار الحيرة في معنى { ~~لقد خلقنا الإنسان في كبد } ( البلد : 4 ) أن بعض المفسرين جعل ضمير { ~~أيحسب } راجعا إلى بعض مما يعمه لفظ الإنسان مثل أبي الأشد الجمحي ، وهو ~~ضغث على إبالة . # ( 6 ، 7 ) # أعقبت مساوي نفسه بمذام أقواله ، وهو التفخر الكاذب والتمدح بإتلاف المال ~~في غير صلاح . وقد كان أهل الجاهلية يتبجحون بإتلاف المال ويعدونه منقبة ~~لإيذانه بقلة اكتراث صاحبه به ، قال عنترة : PageV30P352 # وإذا سكرت فإنني مستهلك # مالي وعرضي وافر لم يكلم # وإذا صحوت فما أقصر عن ندى # وكما علمت شمائلي وتكرمي # وجملة ms9358 : { يقول أهلكت مالا } في موضع الحال من { الإنسان } ( البلد : 4 ) ~~. وذلك من الكبد . # وجملة : { أيحسب أن لم يره أحد } بدل اشتمال من جملة { يقول أهلكت مالا } ~~لأن قوله { أهلكت مالا لبدا } يصدر منه وهو يحسب أنه راج كذبه ، على جميع ~~الناس وهو لا يخلو من ناس يطلعون على كذبه قال زهير : # ومهما تكن عند امرىء من خليقة # وإن خالها تخفى على الناسس تعلم # والاستفهام إنكار وتوبيخ وهو كناية عن علم الله تعالى بدخيلته وأن ~~افتخاره بالكرم باطل . # و { لبدا } بضم اللام وفتح الموحدة في قراءة الجمهور وهو جمع لبدة بضم ~~اللام وهي ما تلبد من صوف أو شعر ، أي تجمع والتصق بعضه ببعض وقرأه أبو ~~جعفر { لبدا } بضم اللام وتشديد الباء على أنه جمع لابد بمعنى مجتمع بعضه ~~إلى بعض مثل : صيم وقوم ، أو على أنه اسم على زنة فعل مثل زمل للجبان وجبإ ~~للضعيف . # ( 8 10 ) # تعليل للإنكار والتوبيخ في قوله : { أيحسب أن لن يقدر عليه أحد } ( البلد ~~: 5 ) أو قوله : { أيحسب أن لم يره أحد } ( البلد : 7 ) أي هو غافل عن قدرة ~~الله تعالى وعن علمه المحيط بجميع الكائنات الدال عليهما أنه خلق مشاعر ~~الإدراك التي منها العينان ، وخلق آلات الإبانة وهي اللسان والشفتان ، فكيف ~~يكون مفيض العلم على الناس غير قادر وغير عالم بأحوالهم قال تعالى : { ألا ~~يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير } ( الملك : 14 ) . # والاستفهام يجوز أن يكون تقريريا وأن يكون إنكاريا . PageV30P353 # والاقتصار على العينين لأنهما أنفع المشاعر ولأن المعلل إنكار ظنه إن لم ~~يره أحد . وذكر الشفتين مع اللسان لأن الإبانة تحصل بهما معا فلا ينطق ~~اللسان بدون الشفتين ولا تنطق الشفتان بدون اللسان . # ومن دقائق القرآن أنه لم يقتصر على اللسان ولا على الشفتين خلاف عادة ~~كلام العرب أن يقتصروا عليه يقولون : ينطق بلسانن فصيح ، ويقولون : لم ينطق ~~ببنت شفة ، أو لم ينبس ببنت شفة ، لأن المقام مقام استدلال فجيء فيه بما له ~~مزيد تصوير لخلق آلة النطق . # وأعقب ما به اكتساب العلم وما ms9359 به الإبانة عن المعلومات ، بما يرشد الفكر ~~إلى النظر والبحث وذلك قوله : { وهديناه النجدين } . # فاستكمل الكلام أصول التعلم والتعليم فإن الإنسان خلق محبا للمعرفة محبا ~~للتعريف فبمشاعر الإدراك يكتسب المشاهدات وهي أصول المعلومات اليقينية ، ~~وبالنطق يفيد ما يعلمه لغيره ، وبالهدي إلى الخير والشر يميز بين معلوماته ~~ويمحصها . # والشفتان هما الجلدتان اللتان تستران الفم وأسنانه وبهما يمتص الماء ، ~~ومن انفتاحهما وانغلاقهما تتكيف أصوات الحروف التي بها النطق وهو المقصود ~~هنا . # وأصل شفة شفو نقص منه الواو وعوض عنه هاء فيجمع على شفوات ، وقيل : أصله ~~شفه بهاء هي لام الكلمة فعوض عنها هاء التأنيث فيجمع على شفهات وشفاه . ~~والذي يظهر أن الأصل شفه بهاء أصلية ثم عوملت الهاء معاملة هاء التأنيث ~~تخفيفا في حالة الوصل فقالوا : شفة ، وتنوسي بكثرة الاستعمال فعومل معاملة ~~هاء التأنيث في التثنية كما في الآية وهو الذي تقضيه تثنيته على شفتين دون ~~أن يقولوا : شفوين ، فإنهم اتفقوا على أن التثنية ترد الاسم إلى أصله . # والهداية : الدلالة على الطريق المبلغة إلى المكان المقصود السير إليه . # والنجد : الأرض المرتفعة ارتفاعا دون الجبل . فالمراد هنا طريقان نجدان ~~مرتفعان ، والطريق قد يكون منجدا مصعدا ، وقد يكون غورا منخفضا . ~~PageV30P354 # وقد استعيرت الهداية هنا للإلهام الذي جعله الله في الإنسان يدرك به ~~الضار والنافع وهو أصل التمدن الإنساني وأصل العلوم والهداية بدين الإسلام ~~إلى ما فيه الفوز . # واستعير النجدان للخير والشر ، وجعلا نجدين لصعوبة اتباع أحدهما وهو ~~الخير فغلب على الطريقين ، أو لأن كل واحد صعب باعتبار ، فطريق الخير ~~صعوبته في سلوكه ، وطريق الشر صعوبته في عواقبه ، ولذلك عبر عنه بعد هذا ب ~~{ العقبة } ( البلد : 11 ) . # ويتضمن ذلك تشبيه إعمال الفكر لنوال المطلوب بالسير في الطريق الموصل إلى ~~المكان المرغوب كما قال تعالى : { إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا ~~} ( الإنسان : 3 ) وتشبيه الإقبال على تلقي دعوة الإسلام إذ شقت على نفوسهم ~~كذلك . # وأدمج في هذا الاستدلال امتنان على الإنسان بما وهبه من وسائل العيش ~~المستقيم . # ويجوز أن تكون الهداية هداية العقل للتفكير في ms9360 دلائل وجود الله ووحدانيته ~~بحيث لو تأمل لعرف وحدانية الله تعالى فيكون هذا دليلا على سبب مؤاخذة أهل ~~الشرك والتعطيل بكفرهم في أزمان الخلو عن إرسال الرسل على أحد القولين في ~~ذلك بين الأشاعرة من جهة ، وبين الماتريدية والمعتزلة من جهة أخرى . # ( 11 17 ) { } # يجوز أن يكون { فلا اقتحم العقبة } تفريع إدماج بمناسبة قوله : { وهديناه ~~النجدين } ( البلد : 10 ) أي هديناه الطريقين فلم يسلك النجد الموصل إلى ~~الخير . # ويجوز أن يكون تفريعا على جملة { يقول أهلكت مالا لبدا } ( البلد : 6 ) ~~وما بينهما اعتراضا ، وتكون ( لا اقتحم العقبة ) استفهاما حذف منه أداته . ~~وهو استفهام إنكار ، والمعنى : أنه يدعي إهلاك مال كثير في الفساد من ميسر ~~وخمر ونحو ذلك PageV30P355 أفلا أهلكه في القرب والفضائل بفك الرقاب وإطعام ~~المساكين في زمن المجاعة فإن الإنفاق في ذلك لا يخفى على الناس خلافا لما ~~يدعيه من إنفاقق . # وعلى هذا الوجه لا يعرض الإشكال بعدم تكرر ( لا ) فإن شأن ( لا ) النافية ~~إذا دخلت على فعل المضي ولم تتكرر أن تكون للدعاء إلا إذا تكررت معها مثلها ~~معطوفة عليها نحو قوله : { فلا صدق ولا صلى } ( القيامة : 31 ) أو كانت ( ~~لا ) معطوفة على نفي نحو : ما خرجت ولا ركبت . فهو في حكم تكرير ( لا ) . ~~وقد جاءت هنا نافية في غير دعاء ، ولم تتكرر استغناء عن تكريرها بكون ما ~~بعدها وهو { اقتحم العقبة } يتضمن شيئين جاء بيانهما في قوله : { فك رقبة ~~أو إطعام } فكأنه قال : فلا فك رقبة ولا أطعم يتيما أو مسكينا . ويجوز أن ~~يكون عدم تكرير ( لا ) هنا استغناء بقوله : { ثم كان من الذين آمنوا } ~~فكأنه قيل : فلا اقتحم العقبة ولا آمن . ويظهر أن كل ما يصرف عن التباس ~~الكلام كافف عن تكرير ( لا ) كالاستثناء في قول الحريري في ( المقامة ~~الثلاثين ) : ( لا عقد هذا العقد المبجل في هذا اليوم الأغر المحجل إلا ~~الذي جال وجاب ) الخ وأطلق { العقبة } على العمل الموصل للخير لأن عقبة ~~النجد أعلى موضع فيه . ولكل نجد عقبة ينتهي بها . وفي العقبات تظهر مقدرة ~~السابرة ms9361 . # والاقتحام : الدخول العسير في مكان أو جماعة كثيرين يقال : اقتحم الصف ، ~~وهو افتعال للدلالة على التكلف مثل اكتسب ، فشبه تكلف الأعمال الصالحة ~~باقتحام العقبة في شدته على النفس ومشقته قال تعالى : { وما يلقاها إلا ~~الذين صبروا } ( فصلت : 35 ) . # والاقتحام : ترشيح لاستعارة العقبة لطريق الخير ، وهو مع ذلك استعارة لأن ~~تزاحم الناس إنما يكون في طلب المنافع كما قال : # والمورد العذب كثير الزحام # وأفاد نفي الاقتحام أنه عدل على الاهتداء إيثارا للعاجل على الآجل ولو ~~عزم وصبر لاقتحم العقبة . وقد تتابعت الاستعارات الثلاث : النجدين ، ~~والعقبة ، والاقتحام ، وبني بعضها على بعض وذلك من أحسن الاستعارة وهي ~~مبنية على تشبيه المعقول بالمحسوس . PageV30P356 # والكلام مسوق مساق التوبيخ على عدم اهتداء هؤلاء للأعمال الصالحة مع قيام ~~أسباب الاهتداء من الإدراك والنطق . # وقوله : { وما أدراك ما العقبة } حال من العقبة في قوله : { فلا اقتحم ~~العقبة } للتنويه بها وأنها لأهميتها يسأل عنها المخاطب هل أعلمه معلم ما ~~هي ، أي لم يقتحم العقبة في حال جدارتها بأن تقتحم . وهذا التنويه يفيد ~~التشويق إلى معرفة المراد من العقبة . # و { ما } الأولى استفهام . و { ما } الثانية مثلها . والتقدير : أي شيء ~~أعلمك ما هي العقبة ، أي أعلمك جواب هذا الاستفهام ، كناية عن كونه أمرا ~~عزيزا يحتاج إلى من يعلمك به . # والخطاب في { ما أدراك } لغير معين لأن هذا بمنزلة المثل . # وفعل { أدراك } معلق عن العمل في المفعولين لوقوع الاستفهام بعده وقد ~~تقدم نظيره في سورة الحاقة . # وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة وأبو جعفر ويعقوب وخلف ، { فك رقبة } ~~برفع { فك } وإضافته إلى { رقبة } ورفعع { إطعام } عطفا على { فك } . # وجملة : { فك رقبة } بيان للعقبة والتقدير : هي فك رقبة ، فحذف المسند ~~إليه حذفا لمتابعة الاستعمال . وتبيين العقبة بأنها : { فك رقبة أو إطعام } ~~مبني على استعارة العقبة للأعمال الصالحة الشاقة على النفس . وقد علمت أن ~~ذلك من تشبيه المعقول بالمحسوس ، فلا وجه لتقدير من قدر مضافا فقال : أي ~~وما أدراك ما اقتحام العقبة . # وقرأه ابن كثير وأبو عمرو والكسائي { فك } بفتح الكاف على صيغة ms9362 فعل المضي ~~، وبنصب { رقبة } على المفعول ل { فك } أو ( أطعم ) بدون ألف بعد عين { ~~إطعام } على أنه فعل مضي عطفا على { فك } ، فتكون جملة : { فك رقبة } بيانا ~~لجملة { فلا اقتحم العقبة } وما بينهما اعتراضا ، أو تكون بدلا من جملة { ~~اقتحم العقبة } أي فلا اقتحم العقبة ولا فك رقبة أو أطعم . وما بينهما ~~اعتراض كما تقرر آنفا . PageV30P357 # والفك : أخذ الشيء من يد من احتاز به . # والرقبة مراد بها الإنسان ، من إطلاق اسم الجزء على كله مثل إطلاق رأس ~~وعينن ووجه ، وإيثار لفظ الرقبة هنا لأن المراد ذات الأسير أو العبد وأول ~~ما يخطر بذهن الناظر لواحد من هؤلاء . هو رقبته لأنه في الغالب يوثق من ~~رقبته . # وأطلق الفك على تخليص المأخوذ في أسر أو ملك ، لمشابهة تخليص الأمر ~~العسير بالنزع من يد القابض الممتنع . # وهذه الآية أصل من أصول التشريع الإسلامي وهو تشوف الشارع إلى الحرية وقد ~~بسطنا القول في ذلك في كتاب ( أصول النظام الاجتماعي في الإسلام ) . # والمسغبة : الجوع وهي مصدر على وزن المفعلة مثل المحمدة والمرحمة من سغب ~~كفرح سغبا إذا جاع . # والمراد ب { يوم ذي مسغبة } زمان لا النهار المعروف . # وإضافة { ذي } إلى { مسغبة } تفيد اختصاص ذلك اليوم بالمسغبة ، أي يوم ~~مجاعة ، وذلك زمن البرد وزمن القحط . # ووجه تخصيص اليوم ذي المسغبة بالإطعام فيه أن الناس في زمن المجاعة يشتد ~~شحهم بالمال خشية امتداد زمن المجاعة والاحتياج إلى الأقوات . فالإطعام في ~~ذلك الزمن أفضل ، وهو العقبة ودون العقبة مصاعد متفاوتة . # وانتصب { يتيما } على المفعول به ل { إطعام } الذي هو مصدر عامل عمل فعله ~~وإعمال المصدر غير المضاف ولا المعرفف باللام أقيس وإن كان إعمال المضاف ~~أكثر ، ومنع الكوفيون إعمال المصدر غير المضاف . وما ورد بعده مرفوع أو ~~منصوب حملوه على إضمار فعل من لفظ المصدر ، فيقدر في مثل هذه الآية عندهم ( ~~يطعم يتيما ) . # واليتيم : الشخص الذي ليس له أب ، وهو دون البلوغ . ووجه تخصيصه بالإطعام ~~أنه مظنة قلة الشبع لصغر سنه وضعف عمله وفقد من يعوله ولحيائه من ms9363 التعرض ~~لطلب ما يحتاجه . فلذلك رغب في إطعامه وإن لم يصل حد المسكنة PageV30P358 ~~والفقر ووصف بكونه { ذا مقربة } أي مقربة من المطعم لأن هذا الوصف يؤكد ~~إطعامه لأن في كونه يتيما إغاثة له بالإطعام ، وفي كونه ذا مقربة صلة للرحم ~~. # والمقربة : قرابة النسب وهو مصدر بوزن مفعلة مثل ما تقدم في { مسغبة } . # والمسكين : الفقير ، وتقدم في سورة البقرة عند قوله تعالى : { وعلى الذين ~~يطيقونه فدية طعام مساكين وذا متربة } صفة لمسكين جعلت المتربة علامة على ~~الاحتياج بحسب العرف . # والمتربة مصدر بوزن مفعلة أيضا وفعله ترب يقال : ترب ، إذا نام على ~~التراب أي لم يكن له ما يفترشه على الأرض ، وهو في الأصل كناية عن العرو من ~~الثياب التي تحول بين الجسد والأرض عند الجلوس والاضطجاع وقريب منه قولهم ~~في الدعاء : تربت يمينك : وتربت يداك . # و { أو } للتقسيم وهو معنى من معاني ( أو ) جاء من إفادة التخيير . # واعلم أنه إن كان المراد بالإنسان الجنس المخصوص ، أي المشركين كان نفي ~~فك الرقاب والإطعام كناية عن انتفاء تحليهم بشرائع الإسلام لأن فك الرقاب ~~وإطعام الجياع من القربات التي جاء بها الإسلام من إطعام الجياع والمحاويج ~~وفيه تعريض بتعيير المشركين بأنهم إنما يحبون التفاخر والسمعة وإرضاء ~~أنفسهم بذلك ، أو لمؤانسة الأخلاء وذلك غالب أحوالهم ، أي لم يطعموا يتيما ~~ولا مسكينا في يوم مسغبة ، أي هو الطعام الذي يرضاه الله لأن فيه نفع ~~المحتاجين من عباده . وليس مثل إطعامكم في المآدب والولائم والمنادمة التي ~~لا تعود بالنفع على المطعمين لأن تلك المطاعم كانوا يدعون لها أمثالهم من ~~أهل الجدة دون حاجة إلى الطعام وإنما يريدون المؤانسة أو المفاخرة . # وفي حديث مسلم ( شر الطعام طعام الوليمة يمنعها من يأتيها ويدعى إليها من ~~يأباها ) وروى الطبراني : ( شر الطعام طعام الوليمة يدعى إليه الشبعان ~~ويحبس عنه الجائع ) . # وإن كان المراد من الإنسان واحدا معينا جاز أن يكون المعنى على نحو ما ~~تقدم ، وجاز أن يكون ذما له باللؤم والتفاخر الكاذب ، وفضحا له بأنه لم ~~يسبق PageV30P359 منه عمل نافع ms9364 لقومه قبل الإسلام فلم يغرم غرامة في فكاك ~~أسير أو مأخوذ بدم أو من بحرية على عبد . # وأيا ما كان فليس في الآية دلالة على أن الله كلف المشركين بهذه القرب ~~ولا أنه عاقبهم على تركهم هذه القربات ، حتى تفرض فيه مسألة خطاب الكفار ~~بفروع الشريعة وهي مسألة قليلة الجدوى وفرضها هنا أقل إجداء . # وجملة : { ثم كان من الذين آمنوا } عطف على جملة { فلا اقتحم العقبة } . # و { ثم } للتراخي الرتبي فتدل على أن مضمون الجملة المعطوفة بها أرقى ~~رتبة في الغرض المسوق له الكلام من مضمون الكلام المعطوفة عليه ، فيصير ~~تقدير الكلام : فلا اقتحم العقبة بفك رقبة أو إطعامم بعد كونه مؤمنا . وفي ~~فعل { كان } إشعار بأن إيمانه سابق على اقتحام العقبة المطلوبة فيه بطريقة ~~التوبيخ على انتفائها عنه . # فعطف { ثم كان من الذين آمنوا } على الجمل المسوقة للتوبيخ والذم يفيد أن ~~هذا الصنف من الناس أو هذا الإنسان المعين لم يكن من المؤمنين ، وأنه ملوم ~~على ما فرط فيه لانتفاء إيمانه ، وأنه لو فعل شيئا من هذه الأعمال الحسنة ~~ولم يكن من الذين آمنوا ما نفعه عمله شيئا لأنه قد انتفى عنه الحظ الأعظم ~~من الصالحات كما دلت عليه { ثم } من التراخي الرتبي فهو مؤذن بأنه شرط في ~~الاعتداد بالأعمال . # وعن عائشة : أنها قالت : ( يا رسول الله إن ابن جدعان كان في الجاهلية ~~يصل الرحم ويطعم الطعام ويفك العاني ويعتق الرقاب ويحمل على إبله لله ( أي ~~يريد التقرب ) فهل ينفعه ذلك شيئا قال : ( لا إنه لم يقل يوما رب اغفر لي ~~خطيئتي يوم الدين ) . ويفهم من الآية بمفهوم صفة الذين آمنوا أنه لو عمل ~~هذه القرب في الجاهلية وآمن بالله حين جاء الإسلام لكان عمله ذلك محمودا . # ومن يجعل { ثم } مفيدة للتراخي في الزمان يجعل المعنى : لا اقتحم العقبة ~~واتبعها بالإيمان . أي اقتحم العقبة في الجاهلية وأسلم لما جاء الاسلام . # وقد جاء ذلك صريحا في حديث حكيم بن حزام في الصحيح : ( قال : قلت : يا ~~رسول الله أرأيت أشياء كنت ms9365 أتحنث بها في الجاهلية من صدقة أو عتاقة وصلة ~~PageV30P360 رحم فهل فيها من أجر فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم ( أسلمت ~~على ما سلف من خير ) والتحنث : التعبد يعني أن دخوله في الإسلام أفاده ~~إعطاء ثواب على أعماله كأنه عملها في الإسلام . # وقال : { من الذين آمنوا } دون أن يقول : ثم كان مؤمنا ، لأن كونه من ~~الذين آمنوا أدل على ثبوت الإيمان من الوصف بمؤمن لأن صفة الجماعة أقوى من ~~أجل كثرة الموصوفين بها فإن كثرة الخير خير ، كما تقدم في قوله تعالى : { ~~قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين في سورة البقرة ، ثم في هذه الآية ~~تقوية أخرى للوصف ، وهو جعله بالموصول المشعر بأنهم عرفوا بالإيمان بين ~~الفرق . # وحذف متعلق آمنوا } للعلم به أي آمنوا بالله وحده وبرسوله محمد صلى الله ~~عليه وسلم ودين الإسلام . فجعل الفعل كالمستغني عن المتعلق . # وأيضا ليتأتى من ذكر الذين آمنوا تخلص إلى الثناء عليهم بقوله : { ~~وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة } ولبشارتهم بأنهم أصحاب الميمنة . # وخص بالذكر من أوصاف المؤمنين تواصيهم بالصبر وتواصيهم بالمرحمة لأن ذلك ~~أشرف صفاتهم بعد الإيمان ، فإن الصبر ملاك الأعمال الصالحة كلها لأنها لا ~~تخلو من كبح الشهوة النفسانية وذلك من الصبر . # والمرحمة ملاك صلاح الجامعة الإسلامية قال تعالى : { رحماء بينهم } ( ~~الفتح : 29 ) . # والتواصي بالرحمة فضيلة عظيمة ، وهو أيضا كناية عن اتصافهم بالمرحمة لأن ~~من يوصي بالمرحمة هو الذي عرف قدرها وفضلها ، فهو يفعلها قبل أن يوصي بها ، ~~كما تقدم في قوله تعالى : { ولا تحضون على طعام المسكين } ( الفجر : 18 ) . # وفيه تعريض بأن أهل الشرك ليسوا من أهل الصبر ولا من أهل المرحمة ، وقد ~~صرح بذلك في قوله تعالى : { ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا ~~وقال إنني من المسلمين إلى قوله : وما يلقاها إلا الذين صبروا } ( فصلت : ~~33 35 ) وقوله : { بل لا تكرمون اليتيم ولا تحضون على طعام المسكين } ( ~~الفجر : 17 ، 18 ) . PageV30P361 # ( 18 20 ) # لما نوه بالذين آمنوا أعقب التنويه بالثناء عليهم وبشارتهم مفتتحا باسم ~~الإشارة لتمييزهم أكمل ms9366 تمييز لإحضارهم بصفاتهم في ذهن السامع ، مع ما في ~~اسم الإشارة من إرادة التنويه والتعظيم . # و { الميمنة } جهة اليمين ، فهي مفعلة للمكان مأخوذة من فعل يمنه ( فعلا ~~ماضيا ) إذا كان على يمينه ، أي على جهة يده اليمنى ، أو مأخوذة من يمنه ~~الله يمنا ، إذا باركه ، وإحدى المادتين مأخوذة من الأخرى ، قيل : سميت ~~اليد اليمنى يمينا ويمنى لأنها أعود نفعا على صاحبها في يسر أعماله ، ولذلك ~~سمي بلاد اليمن يمنا لأنها عن جهة يمين الواقف مستقبلا الكعبة من بابها لأن ~~باب الكعبة شرقي ، فالجهة التي على يمين الداخل إلى الكعبة هي الجنوب وهي ~~جهة بلاد اليمن . وكانت بلاد اليمن مشهورة بالخيرات فهي ميمونة . وكان ~~جغرافيو اليونان يصفونها بالعربية السعيدة ، وتفرع على ذلك اعتبارهم ما جاء ~~عن اليمين من الوحش والطير مبشرا بالخير في عقيدة أهل الزجر والعيافة ~~فالأيامن الميمونة قال المرقش يفند ذلك : # فإذا الأشائم كالأيا # منن والأيامن كالأشائم # ونشأ على اعتبار عكس ذلك تسمية بلاد الشام شأما بالهمز مشتقة من الشؤم ~~لأن بلاد الشام من جهة شمال الداخل إلى الكعبة وقد أبطل الإسلام ذلك بقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم ( اللهم بارك لنا في شأمنا وفي يمننا ) وما ~~تسميتهم ضد اليد اليمنى يسارا إلا لإبطال ما يتوهم من الشؤم فيها . # ولما كانت جهة اليمين جهة مكرمة تعارفوا الجلوس على اليمين في المجامع ~~كرامة للجالس ، وجعلوا ضدهم بعكس ذلك . وقد أبطله الاسلام فكان الناس ~~يجلسون حين انتهى بهم المجلس . # وسمي أهل الجنة { أصحاب الميمنة } و { أصحاب اليمين } ( الواقعة : 27 ) ~~وسمي أهل النار { أصحاب المشأمة } و { أصحاب الشمال في سورة الواقعة ، ~~فقوله : أولئك أصحاب الميمنة } أي أصحاب الكرامة عند الله . PageV30P362 # وقوله : { هم أصحاب المشأمة } أي هم محقرون . وذلك كناية مبنية على عرف ~~العرب يومئذ في مجالسهم . ولا ميمنة ولا مشأمة على الحقيقة لأن حقيقة ~~الميمنة والمشأمة تقتضيان حيزا لمن تنسب إليه الجهة . # وجملة : { والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشأمة } تتميم لما سيق من ذم ~~الإنسان المذكور آنفا إذ لم يعقب ذمه هنالك ms9367 بوعيده عناية بالأهم وهو ذكر ~~حالة أضداده ووعدهم ، فلما قضي حق ذلك ثني العنان إلى ذلك الإنسان فحصل من ~~هذا النظم البديع محسن رد العجز على الصدر ، ومحسن الطباق بين الميمنة ~~والمشأمة . # وقد عرف آنفا أن المشأمة منزلة الإهانة والغضب ، ولذلك أتبع بقوله : { ~~عليهم نار مؤصدة } . # وضمير الفصل في قوله : { هم أصحاب المشأمة } لتقوية الحكم وليس للقصر ، ~~إذ قد استفيد القصر من ذكر الجملة المضادة للتي قبلها وهي { أولئك أصحاب ~~الميمنة } . # و { مؤصدة } اسم مفعول من أوصد الباب بالواو . ويقال : أأصد بالهمز وهما ~~لغتان ، قيل : الهمز لغة قريش وقيل : معناه جعله وصيدة . والوصيدة : بيت ~~يتخذ من الحجارة في الجبال لحفظ الإبل . فقرأ الجمهور : { موصدة } بواو ~~ساكنة بعد الميم من أوصد بالواو ، وقرأه أبو عمرو وحمزة وحفص عن عاصم ~~ويعقوب وخلف بهمزة ساكنة بعد الميم من ءاصد الباب ، بهمزتين بمعنى وصده . # وجملة : { عليهم نار موصدة } بدل اشتمال من جملة { هم أصحاب المشأمة } أو ~~استئناف بياني ناشىء عن الإخبار عنهم بأنهم أصحاب المشأمة . # و { عليهم } متعلق ب { مؤصدة } ، وقدم على عامله للاهتمام بتعلق الغلق ~~عليهم تعجيلا للترهيب . # وقد استتب بهذا التقديم رعاية الفواصل بالهاء ابتداء من قوله : { فلا ~~اقتحم العقبة } ( البلد : 11 ) . PageV30P363 # وإسناد الموصدية إلى النار مجاز عقلي ، والموصد هو موضع النار ، أي جهنم ~~. # PageV30P364 # | 1 ( سورة الشمس ) 1 # سميت هذه السورة في المصاحف وفي معظم كتب التفسير ( سورة الشمس ) بدون ~~واو وكذلك عنونها الترمذي في جامعه بدون واو في نسخ صحيحه من ( جامع ~~الترمذي ) ومن ( عارضة الأحوذي ) لابن العربي . # وعنونها البخاري سورة ( والشمس وضحاها ) بحكاية لفظ الآية ، وكذلك سميت ~~في بعض التفاسير وهو أولى أسمائها لئلا تلتبس على القارىء بسورة إذا الشمس ~~كورت المسماة سورة التكوير . # ولم يذكرها في ( الإتقان ) مع السور التي لها أكثر من اسم . # وهي مكية بالاتفاق . # وعدت السادسة والعشرين في عدد نزول السور نزلت بعد سورة القدر ، وقبل ~~سورة البروج . # وآياتها خمس عشرة آية في عدد جمهور الأمصار ، وعدها أهل مكة ست عشرة آية ~~. # أغراضها # تهديد المشركين بأنهم ms9368 يوشك أن يصيبهم عذاب بإشراكهم وتكذيبهم برسالة محمد ~~صلى الله عليه وسلم كما أصاب ثمودا بإشراكهم وعتوهم على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الذي دعاهم إلى التوحيد . # وقدم لذلك تأكيد الخبر بالقسم بأشياء معظمة وذكر من أحوالها ما هو دليل ~~PageV30P365 على بديع صنع الله تعالى الذي لا يشاركه فيه غيره فهو دليل على ~~أنه المنفرد بالإلاهية والذي لا يستحق غيره الإلاهية وخاصة أحوال النفوس ~~ومراتبها في مسالك الهدى والضلال والسعادة والشقاء . # # | 2 ( { والشمس وضحاها * والقمر إذا تلاها * والنهار إذا جلاها * واليل ~~إذا يغشاها * والسمآء وما بناها * والارض وما طحاها * ونفس وما سواها * ~~فألهمها فجورها وتقواها * قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها * كذبت ثمود ~~بطغواهآ * إذ انبعث أشقاها * فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها * ~~فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها * ولا يخاف عقباها } ) 2 # القسم لتأكيد الخبر ، والمقصود بالتأكيد هو ما في سوق الخبر من التعريض ~~بالتهديد والوعيد بالاستئصال . # والواوات الواقعة بعد الفواصل واوات قسم . # وكل من الشمس ، والقمر والسماء والأرض ، ونفس الإنسان ، من أعظم مخلوقات ~~الله ذاتا ومعنى الدالة على بديع حكمته وقوي قدرته . # وكذلك كل من الضحى ، وتلو القمر الشمس والنهار ، والليل من أدق النظام ~~الذي جعله الله تعالى . # والضحى : وقت ارتفاع الشمس عن أفق مشرقها ، وظهور شعاعها ، وهو الوقت ~~الذي ترتفع فيه الشمس متجاوزة مشرقها بمقدار ما يخيل للناظر أنه طول رمح . # ومهد لذلك بالتنبيه على أن تزكية النفس سبب الفلاح ، وأن التقصير في ~~إصلاحها سبب الفجور والخسران . # والتلو : التبع وأريد به خلف ضوئه في الليل ضوء الشمس ، أي إذا ظهر بعد ~~مغيبها فكأنه يتبعها في مكانها ، وهذا تلو مجازي . والقمر يتبع الشمس في ~~أحوال كثيرة منها استهلاله ، فالهلال يظهر للناظرين عقب غروب الشمس ثم يبقى ~~كذلك ثلاث ليال ، وهو أيضا يتلو الشمس حين يقارب الابتدار وحين يصير ~~PageV30P366 بدرا فإذا صار بدرا صار تلوه الشمس حقيقة لأنه يظهر عندما تغرب ~~الشمس ، وقريبا من غروبها قبله أو بعده ، وهو أيضا يضيء في أكثر ليالي ms9369 ~~الشهر جعله الله عوضا عن الشمس في عدة ليال في الإنارة ، ولذلك قيد القسم ~~بحين تلوه لأن تلوه للشمس حينئذ تظهر منه مظاهر التلو للناظرين ، فهذا ~~الزمان مثل زمان الضحى في القسم به ، فكان بمنزلة قسم بوقت تلوه الشمس ، ~~فحصل القسم بذات القمر وبتلوه الشمس . # وفي الآية إشارة إلى أن نور القمر مستفاد من نور الشمس ، أي من توجه أشعة ~~الشمس إلى ما يقابل الأرض من القمر ، وليس نيرا بذاته ، وهذا إعجاز علمي من ~~إعجاز القرآن وهو مما أشرت إليه في المقدمة العاشرة . # وابتدىء بالشمس لمناسبة المقام إيماء للتنويه بالإسلام لأن هديه كنور ~~الشمس لا يترك للضلال مسلكا ، وفيه إشارة إلى الوعد بانتشاره في العالم ~~كانتشار نور الشمس في الأفق ، واتبع بالقمر لأنه ينير في الظلام كما أنار ~~الإسلام في ابتداء ظهوره في ظلمة الشرك ، ثم ذكر النهار والليل معه لأنهما ~~مثل لوضوح الإسلام بعد ضلالة الشرك وذلك عكس ما في سورة الليل لما يأتي . # ومناسبة استحضار السماء عقب ذكر الشمس والقمر ، واستحضار الأرض عقب ذكر ~~النهار والليل ، واضحة ، ثم ذكرت النفس الإنسانية لأنها مظهر الهدى والضلال ~~وهو المقصود . # والضمير المؤنث في قوله : { جلاها } ظاهره أنه عائد إلى الشمس فمعنى ~~تجلية النهار بالشمس وقت ظهور الشمس . # فإسناد التجلية إلى النهار مجاز عقلي والقسم إنما هو بالنهار لأنه حالة ~~دالة على دقيق نظام العالم الأرضي . وقيل : الضمير عائد إلى الأرض ، أي ~~أضاء الأرض فتجلت للناظرين لظهور المقصود كما يقال عند نزول المطر ( أرسلت ~~) يعنون أرسلت السماء ماءها . # وقيد القسم بالنهار بقيد وقت التجلية إدماجا للمنة في القسم . # وابتدىء القسم بالشمس وأضوائها الثلاثة الأصلية والمنعكسة لأن الشمس ~~PageV30P367 أعظم النيرات التي يصل نور شديد منها للأرض ، ولما في حالها ~~وحال أضوائها من الإيماء إلى أنها مثل لظهور الإيمان بعد الكفر وبث التقوى ~~بعد الفجور فإن الكفر والمعاصي تمثل بالظلمة والإيمان والطاعاتت تمثل ~~بالضياء قال تعالى : { ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه } ( المائدة : ~~16 ) . # وأعقب القسم بالنهار بالقسم بالليل لأن الليل مقابل وقت النهار ms9370 فهو وقت ~~الإظلام . # والغشي : التغطية وليس الليل بمغط للشمس على الحقيقة ولكنه مسبب عن غشي ~~نصف الكرة الأرضية لقرص الشمس ابتداء من وقت الغروب وهو زمن لذلك الغشي . ~~فإسناد الغشي إلى الليل مجاز عقلي من إسناد الفعل إلى زمنه أو إلى مسببه ( ~~بفتح الباء ) . # والغاشي في الحقيقة هو تكوير الأرض ودورانها تجاه مظهر الشمس وهي الدورة ~~اليومية ، وقيل : ضمير المؤنث في { يغشاها } عائد إلى الأرض على نحو ما قيل ~~في { والنهار إذا جلاها } . # و { إذا } في قوله : { إذا تلاها } وقوله : { إذا جلاها } وقوله : { إذا ~~يغشاها } في محل نصب على الظرفية متعلقة بكون هو حال من القمر ومن النهار ~~ومن الليل فهو ظرف مستقر ، أي مقسما بكل واحد من هذه الثلاثة في الحالة ~~الدالة على أعظم أحواله وأشدها دلالة على عظيم صنع الله تعالى . # وبناء السماء تشبيه لرفعها فوق الأرض بالبناء . والسماء آفاق الكواكب قال ~~تعالى : { لقد خلقنا فوقكم سبع طرائق } ( المؤمنون : 17 ) وتقييد القسم ~~بالليل بوقت تغشيته تذكيرا بالعبرة بحدوث حالة الظلمة بعد حالة النور . # وطحو الأرض : بسطها وتوطئتها للسير والجلوس والاضطجاع ، يقال : طحا يطحو ~~ويطحي طحوا وطحيا وهو مرادف ( دحا ) في سورة النازعات . # و ( النفس ) : ذات الإنسان كما تقدم عند قوله تعالى : { يا أيتها النفس ~~المطمئنة } ( الفجر : 27 ) وتنكير ( نفس ) للنوعية أي جنس النفس فيعم كل ~~نفس عموما بالقرينة على نحو قوله تعالى : { علمت نفس ما قدمت وأخرت } ( ~~الانفطار : 5 ) . PageV30P368 # وتسوية النفس : خلقها سواء ، أي غير متفاوتة الخلق ، وتقدم في سورة ~~الانفطار عند قوله تعالى : { الذي خلقك فسواك . # وما } في المواضع الثلاثة من قوله : { وما بناها } ، أو { ما طحاها } ، { ~~وما سواها } ، إما مصدرية يؤول الفعل بعدها بمصدر فالقسم بأمور من آثار ~~قدرة الله تعالى وهي صفات الفعل الإلاهية وهي رفعة السماء وطحوه الأرض ~~وتسويته الإنسان . # وعطف { فألهمها فجورها وتقواها } على { سواها } ، فهو مقسم به ، وفعل ( ~~ألهمها ) في تأويل مصدر لأنه معطوف على صلة { ما } المصدرية ، وعطف بالفاء ~~لأن الإلهام ناشىء عن التسوية ، فضمير الرفع في ( ألهمها ) عائد إلى ~~التسوية ms9371 وهي المصدر المأخوذ من { سواها } ويجوز أن تكون { ما } موصولة ~~صادقة على فعل الله تعالى ، وجملة { بناها } صلة الموصول ، أي والبناء الذي ~~بنى السماء ، والطحو الذي طحا الأرض والتسوية التي سوت النفس . # فالتسوية حاصلة من وقت تمام خلقة الجنين من أول أطوار الصبا إذ التسوية ~~تعديل الخلقة وإيجاد القوى الجسدية والعقلية ثم تزداد كيفية القوى فيحصل ~~الإلهام . # والإلهام : مصدر ألهم ، وهو فعل متعد بالهمزة ولكن المجرد منه ممات ~~والإلهام اسم قليل الورود في كلام العرب ولم يذكر أهل اللغة شاهدا له من ~~كلام العرب . # ويطلق الإلهام إطلاقا خاصا على حدوث علم في النفس بدون تعليم ولا تجربة ~~ولا تفكير فهو علم يحصل من غير دليل سواء ما كان منه وجدانيا كالانسياق إلى ~~المعلومات الضرورية والوجدانية ، وما كان منه عن دليل كالتجريبيات والأمور ~~الفكرية والنظرية . # وإيثار هذا الفعل هنا ليشمل جميع علوم الإنسان ، قال الراغب : الإلهام : ~~إيقاع الشيء في الروع ويختص ذلك بما كان من جهة الله تعالى وجهة الملأ ~~الأعلى ا ه . ولذلك فهذا اللفظ إن لم يكن من مبتكرات القرآن يكن مما أحياه ~~القرآن لأنه اسم دقيق الدلالة على المعاني النفسية وقليل رواج أمثال ذلك في ~~اللغة PageV30P369 قبل الإسلام لقلة خطور مثل تلك المعاني في مخاطبات عامة ~~العرب ، وهو مشتق من اللهم وهو البلع دفعة ، يقال : لهم كفرح ، وأما إطلاق ~~الإلهام على علم يحصل للنفس بدون مستند فهو إطلاق اصطلاحي للصوفية . # والمعنى هنا : أن من آثار تسوية النفس إدراك العلوم الأولية والإدراك ~~الضروري المدرج ابتداء من الانسياق الجبلي نحو الأمور النافعة كطلب الرضيع ~~الثدي أول مرة ، ومنه اتقاء الضار كالفرار مما يكره ، إلى أن يبلغ ذلك إلى ~~أول مراتب الاكتساب بالنظر العقلي ، وكل ذلك إلهام . # وتعدية الإلهام إلى الفجور والتقوى في هذه الآية مع أن الله أعلم الناس ~~بما هو فجور وما هو تقوى بواسطة الرسل باعتبار أنه لولا ما أودع الله في ~~النفوس من إدراك المعلومات على اختلاف مراتبها لما فهموا ما تدعوهم إليه ~~الشرائع الإلاهية ، فلولا العقول ms9372 لما تيسر إفهام الإنسان الفجور والتقوى ، ~~والعقاب والثواب . # وتقديم الفجور على التقوى مراعى فيه أحوال المخاطبين بهذه السورة وهم ~~المشركون ، وأكثر أعمالهم فجور ولا تقوى لهم ، والتقوى صفة أعمال المسلمين ~~وهم قليل يومئذ . # ومجيء فعل : ( ألهمها ) بصيغة الإسناد إلى ضمير مذكر باعتبار أن تأنيث ~~مصدر التسوية تأنيث غير حقيقي أو لمراعاة لفظ { ما } إن جعلتها موصولة . # ( 9 ، 10 ) # يجوز أن تكون الجملة جواب القسم ، وإن المعنى تحقيق فلاح المؤمنين وخيبة ~~المشركين كما جعل في سورة الليل ( 4 ، 5 ) جواب القسم قوله : { إن سعيكم ~~لشتى فأما من أعطى الخ . # ويجوز أن تكون جملة معترضة بين القسم والجواب لمناسبة ذكر إلهام الفجور ~~والتقوى ، أي أفلح من زكى نفسه واتبع ما ألهمه الله من التقوى ، وخاب من ~~اختار الفجور بعد أن ألهم التمييز بين الأمرين بالإدراك والإرشاد الإلاهي . ~~PageV30P370 # وهذه الجملة توطئة لجملة : كذبت ثمود بطغواها } ( الشمس : 11 ) فإن ما ~~أصاب ثمودا كان من خيبتهم لأنهم دسوا أنفسهم بالطغوى . # وقدم الفلاح على الخيبة لمناسبته للتقوى ، وأردف بخيبة من دسى نفسه ~~لتهيئة الانتقال إلى الموعظة بما حصل لثمود من عقاب على ما هو أثر التدسية ~~. # و { من } صادقة على الإنسان ، أي الذي زكى نفسه بأن اختار لها ما به ~~كمالها ودفع الرذائل عنها ، فالإنسان والنفس شيء واحد ، ونزلا منزلة شيئين ~~باختلاف الإرادة والاكتساب . # والتزكية : الزيادة من الخير . # ومعنى : { دساها } حال بينها وبين فعل الخير . وأصل فعل دسى : دس ، إذا ~~أدخل شيئا تحت شيء فأخفاه ، فأبدلوا الحرف المضاعف ياء طلبا للتخفيف كما ~~قالوا : تقضى البازي أو تقضض ، وقالوا : تظنيت ، أي من الظن . # وإن كانت جملة { قد أفلح من زكاها } جواب القسم فجملة { كذبت ثمود ~~بطغواها } ( الشمس : 11 ) في موقع الدليل لمضمون جملة { وقد خاب من دساها } ~~أي خاب كخيبة ثمود . # والفلاح : النجاح بحصول المطلوب ، والخيبة ضده ، أي أن يحرم الطالب مما ~~طلبه . # فالإنسان يرغب في الملائم النافع ، فمن الناس من يطلب ما به النفع ~~والكمال الدائمان ، ومن الناس من يطلب ما فيه عاجل النفع والكمال الزائف ms9373 ، ~~فالأول قد نجح فيما طلبه فهو مفلح ، والثاني يحصل نفعا عارضا زائلا وكمالا ~~موقتا ينقلب انحطاطا فذلك لم ينجح فيما طلبه فهو خائب ، وقد عبر عن ذلك هنا ~~بالفلاح والخيبة كما عبر عنه في مواضع أخر بالربح والخسارة . # والمقصود هنا الفلاح في الآخرة والخيبة فيها . # وفي هذه الآيات محسن الطباق غير مرة فقد ذكرت أشياء متقابلة متضادة مثل ~~الشمس والقمر لاختلاف وقت ظهورهما ، ومثل النهار والليل ، والتجلية ~~PageV30P371 والغشي ، والسماء والأرض ، والبناء والطحو ، والفجور والتقوى ، ~~والفلاح والخيبة ، والتزكية والتدسية . # ( 11 15 ) { } # . # إن كانت جملة { قد أفلح من زكاها } ( الشمس : 9 ) الخ معترضة كانت هذه ~~جوابا للقسم باعتبار ما فرع عليها بقوله : { فدمدم عليهم ربهم بذنبهم } أي ~~حقا لقد كان ذلك لذلك ، ولام الجواب محذوف تخفيفا لاستطالة القسم ، وقد ~~مثلوا لحذف اللام بهذه الآية وهو نظير قوله تعالى : { والسماء ذات البروج } ~~إلى قوله : { قتل أصحاب الأخدود } ( البروج : 1 4 ) . # والمقصود : التعريض بتهديد المشركين الذين كذبوا الرسول طغيانا هم ~~يعلمونه من أنفسهم كما كذبت ثمود رسولهم طغيانا ، وذلك هو المحتاج إلى ~~التأكيد بالقسم لأن المشركين لم يهتدوا إلى أن ما حل بثمود من الاستئصال ~~كان لأجل تكذيبهم رسول الله إليهم ، فنبههم الله بهذا ليتدبروا أو لتنزيل ~~علم من علم ذلك منهم منزلة الإنكار لعدم جري أمرهم على موجب العلم ، فكأنه ~~قيل : أقسم ليصيبكم عذاب كما أصاب ثمود ، ولقد أصاب المشركين عذاب السيف ~~بأيدي الذين عادوهم وآذوهم وأخرجوهم ، وذلك أقسى عليهم وأنكى . # فمفعول { كذبت } محذوف لدلالة قوله بعده : { فقال لهم رسول الله } ~~والتقدير : كذبوا رسول الله . # وتقدم ذكر ثمود ورسولهم صالح عليه السلام في سورة الأعراف . # وباء { بطغواها } للسببية ، أي كانت طغواها سبب تكذيبهم رسول الله إليهم ~~. # والطغوى : اسم مصدر يقال : طغا طغوا وطغيانا ، والطغيان : فرط الكبر ، ~~وقد تقدم عند قوله تعالى : { ويمدهم في طغيانهم يعمهون } في سورة البقرة ، ~~وفيه تعريض بتنظير مشركي قريش في تكذيبهم بثمود في أن سبب تكذيبهم هو ~~PageV30P372 الطغيان والتكبر عن اتباع من لا يرون له فضلا عليهم : { وقالوا ~~لولا ms9374 نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم } ( الزخرف : 31 ) . # و { إذ } ظرف للزمن الماضي يتعلق ب { طغواها } لأن وقت انبعاث أشقاها ~~لعقر الناقة هو الوقت الذي بدت فيه شدة طغواها فبعثوا أشقاهم لعقر الناقة ~~التي جعلت لهم آية وذلك منتهى الجرأة . # و { انبعث } : مطاوع بعث ، فالمعنى : إذ بعثوا أشقاهم فانبعث وانتدب لذلك ~~. و { إذ } مضاف إلى جملة : { انبعث أشقاها } . # وقدم ذكر هذا الظرف عن موقعه بعد قوله : { فقال لهم رسول الله ناقة الله ~~} لأن انبعاث أشقاها لعقر الناقة جزئي من جزئيات طغواهم فهو أشد تعلقا ~~بالتكذيب المسبب عن الطغوى ففي تقديمه قضاء لحق هذا الاتصال ، ولإفادة أن ~~انبعاث أشقاهم لعقر الناقة كان عن إغراء منهم إياه ، ولا يفوت مع ذلك أنه ~~وقع بعد أن قال لهم رسول الله ناقة الله ، ويستفاد أيضا من قوله : { ~~فعقروها } . # و { أشقاها } : أشدها شقوة ، وعني به رجل منهم سماه المفسرون قدار ( بضم ~~القاف وتخفيف الدال المهملة ) بن سالف ، وزيادته عليهم في الشقاوة بأنه ~~الذي باشر الجريمة وإن كان عن ملإ منهم وإغراء . # والفاء من قوله : { فقال لهم رسول الله } عاطفة على { كذبت } فتفيد ~~الترتيب والتعقيب كما هو الغالب فيها ، ويكون معنى الكلام : كذبوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فتحداهم بآية الناقة وحذرهم من التعرض لها بسوء ~~ومن منعهم شربها في نوبتها من السقيا ، وعطف على { فكذبوه } ، أي فيما ~~أنذرهم به فعقروها بالتكذيب المذكور أول مرة غير التكذيب المذكور ثانيا . ~~وهذا يقتضي أن آية الناقة أرسلت لهم بعد أن كذبوا وهو الشأن في آيات الرسل ~~، وهو ظاهر ما جاء في سورة هود . # ويجوز أن تكون الفاء للترتيب الذكري المجرد وهي تفيد عطف مفصل على مجمل ~~مثل قوله تعالى : { فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه } ( البقرة ~~: 36 ) فإن إزلالهما إبعادهما وهو يحصل بعد الإخراج لا قبله . وقوله : { ~~وكم من قرية أهلكناها PageV30P373 فجاءها بأسنا } ( الأعراف : 4 ) ، فيكون ~~المعنى : كذبت ثمود بطغواها إذ انبعث أشقاها . ثم فصل ذلك بقوله : { فقال ~~لهم رسول الله } إلى قوله : { فعقروها ms9375 } ، والعقر عند انبعاث أشقاها ، ~~وعليه فلا ضرورة إلى اعتبار الظرف وهو : { إذ انبعث أشقاها } مقدما من ~~تأخير . # وأعيدت عليهم ضمائر الجمع باعتبار أنهم جمع وإن كانت الضمائر قبله مراعى ~~فيها أن ثمود اسم قبيلة . # وانتصب { ناقة الله } على التحذير ، والتقدير : احذروا ناقة الله . ~~والمراد : التحذير من أن يؤذوها ، فالكلام من تعليق الحكم بالذوات ، ~~والمراد : أحوالها . # وإضافة { ناقة } إلى اسم الجلالة لأنها آية جعلها الله على صدق رسالة ~~صالح عليه السلام ولأن خروجها لهم كان خارقا للعادة . # والسقيا : اسم مصدر سقى ، وهو معطوف على التحذير ، أي احذروا سقيها ، أي ~~احذروا غصب سقيها ، فالكلام على حذف مضاف ، أو أطلق السقيا على الماء الذي ~~تسقى منه إطلاقا للمصدر على المفعول فيرجع إلى إضافة الحكم إلى الذات . ~~والمراد : حالة تعرف من المقام ، فإن مادة سقيا تؤذن بأن المراد التحذير من ~~أن يسقوا إبلهم من الماء الذي في يوم نوبتها . # والتكذيب المعقب به تحذيره إياهم بقوله : { ناقة الله } ، تكذيب ثانن وهو ~~تكذيبهم بما اقتضاه التحذير من الوعيد . والإنذار بالعذاب إن لم يحذروا ~~الاعتداء على تلك الناقة ، وهو المصرح به في آية سورة الأعراف في قوله : { ~~ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم . # وبهذا الاعتبار استقام التعبير عن مقابلة التحذير بالتكذيب مع أن التحذير ~~إنشاء ، فالتكذيب إنما يتوجه إلى ما في التحذير من الإنذار بالعذاب . # والعقر : جرح البعير في يديه ليبرك على الأرض من الألم فينحر في لبته ، ~~فالعقر كناية مشهورة عن النحر لتلازمهما . PageV30P374 # } . # أي صاح عليهم ربهم صيحة غضب . والمراد بهذه الدمدمة صوت الصاعقة والرجفة ~~التي أهلكوا بها قال تعالى : { فأخذتهم الصيحة } ( الحجر : 73 ) ، وإسناد ~~ذلك إلى الله مجاز عقلي لأن الله هو خالق الصيحة وكيفياتها . فوزن دمدم ~~فعلل ، وقال أكثر المفسرين : دمدم عليهم أطبق عليهم الأرض ، يقال : دمم ~~عليه القبر ، إذا أطبقه ودمدم مكرر دمم للمبالغة مثل كبكب ، وعليه فوزن ~~دمدم فعلل . # وفرع على ( دمدم عليهم ) { فسواها } أي فاستووا في إصابتها لهم ، فضمير ~~النصب عائد إلى الدمدمة المأخوذة من ( دمدم عليهم ) . # ومن فسروا ( دمدم ) بمعنى ms9376 : أطبق عليهم الأرض قالوا معنى ( سواها ) : جعل ~~الأرض مستوية عليهم لا تظهر فيها أجسادهم ولا بلادهم ، وجعلوا ضمير المؤنث ~~عائدا إلى الأرض المفهومة من فعل ( دمدم ) فيكون كقوله تعالى : { لو تسوى ~~بهم الأرض } ( النساء : 42 ) . # وبين { فسواها } هنا وقوله : { وما سواها } ( الشمس : 7 ) قبله محسن ~~الجناس التام . # والعقبى : ما يحصل عقب فعل من الأفعال من تبعة لفاعله أو مثوبة ، ولما ~~كان المذكور عقابا وغلبة وكان العرف أن المغلوب يكنى في نفسه الأخذ بالثأر ~~من غالبه فلا يهدأ له بال حتى يثأر لنفسه ، ولذلك يقولون : الثأر المنيم ، ~~أي الذي يزيل النوم عن صاحبه ، فكان الذي يغلب غيره يتقي حذرا من أن يتمكن ~~مغلوبه من الثأر ، أخبر الله أنه الغالب الذي لا يقدر مغلوبه على أخذ الثأر ~~منه ، وهذا كناية عن تمكن الله من عقاب المشركين ، وأن تأخير العذاب عنهم ~~إمهال لهم وليس عن عجز فجملة { فلا يخاف عقباها } تذييل للكلام وإيذان ~~بالختام . # ويجوز أن يكون قوله : { فلا يخاف عقباها } تمثيلا لحالهم في الاستئصال ~~بحال من لم يترك من يثأر له فيكون المثل كناية عن هلاكهم عن بكرة أبيهم لم ~~يبق منهم أحد . PageV30P375 # وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر { فلا يخاف عقباها } بفاء العطف تفريعا ~~على { فدمدم عليهم ربهم } وهو مكتوب بالفاء في مصاحف المدينة ومصحف الشام . ~~. . ومعنى التفريع بالفاء على هذه القراءة تفريع العلم بانتفاء خوف الله ~~منهم مع قوتهم ليرتدع بهذا العلم أمثالهم من المشركين . # وقرأ الباقون من العشرة : { ولا يخاف عقباها } بواو العطف أو الحال ، وهي ~~كذلك في مصاحف أهل مكة وأهل البصرة والكوفة ، وهي رواية قرائها . وقال ابن ~~القاسم وابن وهب : أخرج لنا مالك مصحفا لجده وزعم أنه كتبه في أيام عثمان ~~بن عفان حين كتب المصاحف وفيه { ولا يخاف } بالواو ، وهذا يقتضي أن بعض ~~مصاحف المدينة بالواو ولكنهم لم يقرأوا بذلك لمخالفته روايتهم . # PageV30P376 # | 1 ( سورة الليل ) 1 # سميت هذه السورة في معظم المصاحف وبعض كتب التفسير ( سورة الليل ) بدون ~~واو ، وسميت في معظم كتب التفسير ( سورة والليل ms9377 ) بإثبات الواو ، وعنونها ~~البخاري والترمذي ( سورة والليل إذا يغشى ) . # وهي مكية في قول الجمهور ، واقتصر عليه كثير من المفسرين . وحكى ابن عطية ~~عن المهدوي أنه قيل : إنها مدنية ، وقيل : بعضها مدني ، وكذلك ذكر الأقوال ~~في ( الإتقان ) ، وأشار إلى أن ذلك لما روي من سبب نزول قوله تعالى : { ~~فأما من أعطى واتقى } ( الليل : 5 ) إذ روي : ( أنها نزلت في أبي الدحداح ~~الأنصاري في نخلة كان يأكل أيتام من ثمرها وكانت لرجل من المنافقين فمنعهم ~~من ثمرها فاشتراها أبو الدحداح بنخيل وجعلها لهم ) وسيأتي . # وعدت التاسعة في عداد نزول السور ، نزلت بعد سورة الأعلى وقبل سورة الفجر ~~. # وعدد آيها عشرون . # أغراضها # احتوت على بيان شرف المؤمنين وفضائل أعمالهم ومذمة المشركين ومساويهم ~~وجزاء كل . # وأن الله يهدي الناس إلى الخير فهو يجزي المهتدين بخير الحياتين والضالين ~~بعكس ذلك . # وأنه أرسل رسوله صلى الله عليه وسلم للتذكير بالله وما عنده فينتفع من ~~يخشى فيفلح PageV30P377 ويصدف عن الذكرى من كان شقيا فيكون جزاؤه النار ~~الكبرى وأولئك هم الذين صدهم عن التذكر إيثار حب ما هم فيه في هذه الحياة . # وأدمج في ذلك الإشارة إلى دلائل قدرة الله تعالى وبديع صنعه . # # | 2 ( { واليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى * وما خلق الذكر والانثى * إن ~~سعيكم لشتى * فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى * وأما ~~من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسره للعسرى * وما يغنى عنه ماله إذا ~~تردى * إن علينا للهدى * وإن لنا للاخرة والاولى * فأنذرتكم نارا تلظى * لا ~~يصلاهآ إلا الاشقى * الذى كذب وتولى * وسيجنبها الاتقى * الذى يؤتى ماله ~~يتزكى * وما لاحد عنده من نعمة تجزى * إلا ابتغآء وجه ربه الاعلى * ولسوف ~~يرضى } ) 2 # افتتاح الكلام بالقسم جار على أسلوب السورتين قبل هذه ، وغرض ذلك ما تقدم ~~آنفا . # ومناسبة المقسمم به للمقسمم عليه أن سعي الناس منه خير ومنه شر وهما ~~يماثلان النور والظلمة وأن سعي الناس ينبثق عن نتائج منها النافع ومنها ~~الضار كما ينتج الذكر والأنثى ذرية صالحة وغير صالحة . # وفي القسم بالليل وبالنهار ms9378 التنبيه على الاعتبار بهما في الاستدلال على ~~حكمة نظام الله في هذا الكون وبديع قدرته ، وخص بالذكر ما في الليل من ~~الدلالة من حالة غشيانه الجانب الذي يغشاه من الأرض . ويغشى فيه من ~~الموجودات فتعمها ظلمته فلا تبدو للناظرين ، لأن ذلك أقوى أحواله ، وخص ~~بالذكر من أحوال النهار حالة تجليته عن الموجودات وظهوره على الأرض كذلك . # وقد تقدم بيان الغشيان والتجلي في تفسير قوله : { والنهار إذا جلاها ~~والليل إذا يغشاها في سورة الشمس ( 3 ، 4 ) . # واختير القسم بالليل والنهار لمناسبته للمقام لأن غرض السورة بيان البون ~~بين حال المؤمنين والكافرين في الدنيا والآخرة . # وابتدىء في هذه السورة بذكر الليل ثم ذكر النهار عكس ما في سورة الشمس ~~لأن هذه السورة نزلت قبل سورة الشمس بمدة وهي سادسة السور وأيامئذ كان ~~الكفر مخيما على الناس إلا نفرا قليلا ، وكان الإسلام قد أخذ في التجلي ~~فناسب تلك الحالة بالإشارة إلى تمثيلها بحالة الليل حين يعقبه ظهور النهار ~~، ويتضح هذا في جواب القسم بقوله : إن سعيكم لشتى إلى قوله : إذا تردى } ( ~~الليل : 4 11 ) . PageV30P378 # وفي قوله : { إن سعيكم لشتى } إجمال يفيد التشويق إلى تفصيله بقوله : { ~~فأما من أعطى } ( الليل : 5 ) الآية ليتمكن تفصيله في الذهن . # وحذف مفعول { يغشى } لتنزيل الفعل منزلة اللازم لأن العبرة بغشيانه كل ما ~~تغشاه ظلمته . # وأسند إلى النهار التجلي مدحا له بالاستنارة التي يراها كل أحد ويحس بها ~~حتى البصراء . # والتجلي : الوضوح ، وتجلي النهار : وضوح ضيائه ، فهو بمعنى قوله : { ~~والشمس وضحاها } ( الشمس : 1 ) وقوله : { والضحى } ( الضحى : 1 ) . # وأشير إلى أن ظلمة الليل كانت غالبة لضوء النهار وأن النهار يعقبها ~~والظلمة هي أصل أحوال أهل الأرض وجميع العوالم المرتبطة بالنظام الشمسي ~~وإنما أضاءت بعد أن خلق الله الشمس ولذلك اعتبر التاريخ في البدء بالليالي ~~ثم طرأ عليه التاريخ بالأيام . # والقول في تقييد الليل بالظرف وتقييد النهار بمثله كالقول في قوله : { ~~والنهار إذا جلاها والليل إذا يغشاها في السورة السابقة } ( الشمس : 3 ، 4 ~~) . # و { ما } في قوله : { وما خلق الذكر والأنثى ms9379 } مصدرية أقسم الله بأثر من ~~آثار قدرته وهو خلق الزوجين وما يقتضيه من التناسل . # والذكر والأنثى : صنفا أنواع الحيوان . والمراد : خصوص خلق الإنسان ~~وتكونه من ذكر وأنثى كما قال تعالى : { يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر ~~وأنثى } ( الحجرات : 13 ) لأنه هو المخلوق الأرفع في عالم الماديات وهو ~~الذي يدرك المخاطبون أكثر دقائقه لتكرره على أنفسهم ذكورهم وإناثهم بخلاف ~~تكون نسل الحيوان فإن الإنسان يدرك بعض أحواله ولا يحصي كثيرا منها . # والمعنى : وذلك الخلقق العجيب من اختلاف حالي الذكورة والأنوثة مع ~~خروجهما من أصل واحد ، وتوقف التناسل على تزاوجهما ، فالقسم بتعلقق من ~~تعلقق صفات الأفعال الإلاهية وهي قسم من الصفات لا يختلف في ثبوته وإنما ~~PageV30P379 اختلف علماء أصول الدين في عد صفات الأفعال من الصفات فهي ~~موصوفة بالقدم عند الماتريدي ، أو جعلها من تعلق صفة القدرة فهي حادثة عند ~~الأشعري ، وهو آيل إلى الخلاف اللفظي . # وقد كان القسم في سورة الشمس بتسوية النفس ، أي خلق العقل والمعرفة في ~~الإنسان ، وأما القسم هنا فبخلق جسد الإنسان واختلاف صنفيه ، وجملة : { إن ~~سعيكم لشتى } جواب القسم . والمقصود من التأكيد بالقسم قوله : { وما يغني ~~عنه ماله إذا تردى } ( الليل : 11 ) . # والسعي حقيقته : المشي القوي الحثيث ، وهو مستعار هنا للعمل والكد . # وشتى : جمع شتيت على وزن فعلى مثل قتيل وقتلى ، مشتق من الشت وهو التفرق ~~الشديد يقال : شت جمعهم ، إذا تفرقوا ، وأريد به هنا التنوع والاختلاف في ~~الأحوال كما في قول تأبط شرا : # قليل التشكي للملم يصيبه # كثير الهوى شتى النوى والمسالك # وهو استعارة أو كناية عن الأعمال المتخالفة لأن التفرق يلزمه الاختلاف . # والخطاب في قوله : { إن سعيكم } لجميع الناس من مؤمن وكافر . # واعلم أنه قد روي في ( الصحيحين ) عن علقمة قال : ( دخلت في نفر من أصحاب ~~عبد الله ( يعني ابن مسعود ) الشام فسمع بنا أبو الدرداء فأتانا فقال : ~~أيكم يقرأ على قراءة عبد الله ؟ فقلت : أنا . قال : كيف سمعته يقرأ ؟ { ~~والليل إذا يغشى } قال سمعته يقرأ : ( والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى ~~والذكر والأنثى ms9380 ) قال : أشهد أني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ هكذا ~~) . وسماها في ( الكشاف ) : قراءة النبي صلى الله عليه وسلم أي ثبت أنه قرأ ~~بها ، وتأويل ذلك : أنه أقرأها أبا الدرداء أيام كان القرآن مرخصا فيه أن ~~يقرأ على بعض اختلاف ، ثم نسخ ذلك الترخيص بما قرأ به النبي صلى الله عليه ~~وسلم في آخر حياته وهو الذي اتفق عليه قراء القرآن . وكتب في المصحف في زمن ~~أبي بكر رضي الله عنه ، وقد بينت في المقدمة السادسة من مقدمات هذا التفسير ~~معنى قولهم : قراءة النبي صلى الله عليه وسلم PageV30P380 { فأما } تفريع ~~وتفصيل للإجمال في قوله : { إن سعيكم لشتى } ( الليل : 4 ) فحرف ( أما ) ~~يفيد الشرط والتفصيل وهو يتضمن أداة شرط وفعل شرط لأنه بمعنى : مهما يكن من ~~شيء ، والتفصيل : التفكيك بين متعدد اشتركت آحاده في حالة وانفرد بعضها عن ~~بعض بحالة هي التي يعتنى بتمييزها . وقد تقدم تحقيقه عند قوله تعالى : { ~~فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه في سورة الفجر . # والمحتاج للتفصيل هنا هو السعي المذكور ، ولكن جعل التفصيل ببيان الساعين ~~بقوله : فأما من أعطى } لأن المهم هو اختلاف أحوال الساعين ويلازمهم السعي ~~فإيقاعهم في التفصيل بحسب مساعيهم يساوي إيقاع المساعي في التفصيل ، وهذا ~~تفنن من أفانين الكلام الفصيح يحصل منه معنيان كقول النابغة : # وقد خفت حتى ما تزيد مخافتي # على وعلل في ذي المطارة عاقل # أي على مخافة وعل . # ومنه قوله تعالى : { ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر إلخ في سورة ~~البقرة . # وقوله تعالى : أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله ~~واليوم الآخر } ( التوبة : 19 ) الآية ، أي كإيمان من آمن بالله . # وانحصر تفصيل ( شتى ) في فريقين : فريق ميسر لليسرى وفريق ميسر للعسرى ، ~~لأن الحالين هما المهم في مقام الحث على الخير ، والتحذير من الشر ، ويندرج ~~فيهما مختلف الأعمال كقوله تعالى : { يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا ~~أعمالهم فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره في سورة ~~الزلزلة ( 6 8 ) . ويجوز أن يجعل تفصيل ms9381 شتى هم من أعطى واتقى وصدق بالحسنى ~~، ومن بخل واستغنى وكذب بالحسنى وذلك عدد يصح أن يكون بيانا لشتى . ~~PageV30P381 # ومن } في قوله : { من أعطى } الخ وقوله : { من بخل } الخ يعم كل من يفعل ~~الإعطاء ويتقي ويصدق بالحسنى . وروي أن هذا نزل بسبب أن أبا بكر اشترى ~~بلالا من أمية بن خلف وأعتقه لينجيه من تعذيب أمية بن خلف ، ومن المفسرين ~~من يذكر أبا سفيان بن حرب عوض أمية بن خلف ، وهم وهم . # وقيل : نزلت في قضية أبي الدحداح مع رجل منافق ستأتي . وهذا الأخير متقض ~~أن السورة مدنية وسبب النزول لا يخصص العموم . # وحذف مفعول { أعطى } لأن فعل الإعطاء إذا أريد به إعطاء المال بدون عوض ، ~~ينزل منزلة اللازم لاشتهار استعماله في إعطاء المال ( ولذلك يسمى المال ~~الموهوب عطاء ) ، والمقصود إعطاء الزكاة . # وكذلك حذف مفعول { اتقى } لأنه يعلم أن المقدر اتقى الله . # وهذه الخلال الثلاث من خلال الإيمان ، فالمعنى : فأما من كان من المؤمنين ~~كما في قوله تعالى : { قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين } ( ~~المدثر : 43 44 ) ، أي لم نك من أهل الإيمان . # وكذلك فعل { بخل } لم يذكر متعلقه لأنه أريد به البخل بالمال . # و { استغنى } جعل مقابلا ل { اتقى } فالمراد به الاستغناء عن امتثال أمر ~~الله ودعوته لأن المصر على الكفر المعرض عن الدعوة يعد نفسه غنيا عن الله ~~مكتفيا بولاية الأصنام وقومه ، فالسين والتاء للمبالغة في الفعل مثل سين ~~استحباب بمعنى أجاب . وقد يراد به زيادة طلب الغنى بالبخل بالمال ، فتكون ~~السين والتاء للطلب ، وهذه الخلال كناية عن كونه من المشركين . # والحسنى : تأنيث الأحسن فهي بالأصالة صفة لموصوف مقدر ، وتأنيثها مشعر ~~بأن موصوفها المقدر يعتبر مؤنث اللفظ ويحتمل أمورا كثيرة مثل المثوبة أو ~~النصر أو العدة أو العاقبة . # وقد يصير هذا الوصف علما بالغلبة فقيل : الحسنى الجنة ، وقيل : كلمة ~~PageV30P382 الشهادة ، وقيل : الصلاة ، وقيل : الزكاة . وعلى الوجوه كلها ~~فالتصديق بها الاعتراف بوقوعها ويكنى به عن الرغبة في تحصيلها . # وحاصل الاحتمالات يحوم حول التصديق بوعد الله بما ms9382 هو حسن من مثوبة أو نصر ~~أو إخلاف ما تلف فيرجع هذا التصديق إلى الإيمان . # ويتضمن أنه يعمل الأعمال التي يحصل بها الفوز بالحسنى . # ولذلك قوبل في الشق الآخر بقوله : { وكذب بالحسنى } . # والتيسير : جعل شيء يسير الحصول ، ومفعول فعل التيسير هو الشيء الذي يجعل ~~يسيرا ، أي غير شديد ، والمجرور باللام بعده هو الذي يسهل الشيء الصعب ~~لأجله وهو الذي ينتفع بسهولة الأمر ، كما في قوله تعالى : { ويسر لي أمري } ~~( طه : 26 ) وقوله : { ولقد يسرنا القرآن للذكر } ( القمر : 17 ) . # واليسرى في قوله : { لليسرى } هي ما لا مشقة فيه ، وتأنيثها : إما بتأويل ~~الحالة ، أي الحالة التي لا تشق عليه في الآخرة ، وهي حالة النعيم ، أو على ~~تأويلها بالمكانة . وقد فسرت اليسرى بالجنة عن زيد بن أسلم ومجاهد . ويحتمل ~~اللفظ معاني كثيرة تندرج في معاني النافع الذي لا يشق على صاحبه ، أي ~~الملائم . # والعسرى : إما الحالة وهي حالة العسر والشدة ، أي العذاب ، وإما مكانته ~~وهي جهنم ، لأنها مكان العسر والشدائد على أهلها قال تعالى : { فذلك يومئذ ~~يوم عسير على الكافرين غير يسير } ( المدثر : 9 ، 10 ) ، فمعنى : ( نيسره ) ~~ندرجه في عملي السعادة والشقاوة وبه فسر ابن عطية ، فالأعمال اليسرى هي ~~الصالحة ، وصفت باليسرى باعتبار عاقبتها لصاحبها ، وتكون العسرى الأعمال ~~السيئة باعتبار عاقبتها على صاحبها فتأنيثهما باعتبار أن كلتيهما صفة طائفة ~~من الأعمال . # وحرف التنفيس على هذا التفسير يكون مرادا منه الاستمرار من الآن إلى آخر ~~الحياة كقوله تعالى : { قال سوف أستغفر لكم ربي } ( يوسف : 98 ) . # وحرف ( ال ) في ( اليسرى ) وفي ( العسرى ) لتعريف الجنس أو للعهد على ~~اختلاف المعاني . PageV30P383 # وإذ قد جاء ترتيب النظم في هذه الآية على عكس المتبادر إذ جعل ضمير ~~الغيبة في ( نيسره لليسرى ) العائد إلى { من أعطى واتقى } هو الميسر ، وجعل ~~ضمير الغيبة في ( نيسره للعسرى ) العائد إلى { من بخل واستغنى } هو الميسر ~~، أي الذي صار الفعل صعب الحصول حاصلا له ، وإذ وقع المجروران باللام ( ~~اليسرى ) و ( العسرى ) ، وهما لا ينتفعان بسهولة من أعلى أو من بخل ، تعين ~~تأويل نظم الآية ms9383 بإحدى طريقتين : # الأولى : إيفاء فعل ( نيسر ) على حقيقته وجعل الكلام جاريا على خلاف ~~مقتضى الظاهر بطريق القلب بأن يكون أصل الكلام : فسنيسر اليسرى له وسنيسر ~~العسرى له ولا بد من مقتض للقلب ، فيصار إلى أن المتقضي إفادة المبالغة في ~~هذا التيسير حتى جعل الميسر ميسرا له والميسر له ميسرا على نحو ما وجهوا به ~~قول العرب : عرضت الناقة على الحوض . # والثانية : أن يكون التيسير مستعملا مجازا مرسلا في التهيئة والإعداد ~~بعلاقة اللزوم بين إعداد الشيء للشيء وتيسره له ، وتكون اللام من قوله : { ~~لليسرى } و { للعسرى } لام التعليل ، أي نيسره لأجل اليسرى أو لأجل العسرى ~~، فالمراد باليسرى الجنة وبالعسرى جهنم ، على أن يكون الوصفان صارا علما ~~بالغلبة على الجنة وعلى النار ، والتهيئة لا تكون لذات الجنة وذاتت النار ~~فتعين تقدير مضاف بعد اللام يناسب التيسير فيقدر لدخول اليسرى ولدخول ~~العسرى ، أي سنعجل به ذلك . # والمعنى : سنجعل دخول هذه الجنة سريعا ودخول الآخر النار سريعا ، بشبه ~~الميسر من صعوبة لأن شأن الصعب الإبطاء وشأن السهل السرعة ، ومنه قوله ~~تعالى : { ذلك حشر علينا يسير } ( ق : 44 ) ، أي سريع عاجل . ويكون على هذا ~~الوجه قوله : { فسنيسره للعسرى } مشاكلة بنيت على استعارة تهكمية قرينتها ~~قوله : ( العسرى ) . والذي يدعو إلى هذا أن فعل ( نيسر ) نصب ضمير { من ~~أعطى واتقى وصدق } ، وضمير { من بخل واستغنى وكذب ، فهو تيسير ناشىء عن ~~حصول الأعمال التي يجمعها معنى اتقى } أو معنى { استغنى } ، فالأعمال سابقة ~~لا محالة . والتيسير مستقبل بعد حصولها فهو PageV30P384 تيسير ما زاد على ~~حصولها ، أي تيسير الدوام عليها والاستزادة منها . # ويجوز أن يكون معنى الآية : أن يجعل التيسير على حقيقته ويجعل اليسرى ~~وصفا أي الحالة اليسرى ، والعسرى أي الحالة غير اليسرى . # وليس في التركيب قلب ، والتيسير بمعنى الدوام على العمل ، ففي ( صحيح ~~البخاري ) عن علي قال : ( كنا مع رسول الله في بقيع الغرقد في جنازة فقال : ~~ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار ، فقالوا : يا ~~رسول الله أفلا نتكل ؟ فقال : اعملوا فكل ms9384 ميسر لما خلق له . أما أهل ~~السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة ، وأما أهل الشقاء فييسرون لعمل أهل ~~الشقاء ، ثم قرأ : { فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما ~~من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى } اه . # فصدر الحديث لا علاقة له بما تضمنته هذه الآية لأن قوله : ( ما من أحد ~~إلا وقد كتب مقعده ) الخ معناه قد علم الله أن أحدا سيعمل بعمل أهل الجنة ~~حتى يوافي عليه ، أو سيعمل بعمل أهل النار حتى يوافي عليه ، فقوله : ( وقد ~~كتب مقعده ) جعلت الكتابة تمثيلا لعلم الله بالمعلومات علما موافقا لما ~~سيكون لا زيادة فيه ولا نقص ، كالشيء المكتوب إذ لا يقبل زيادة ولا نقصا ~~دون المقول الذي لا يكتب فهو لا ينضبط . # فنشأ سؤال من سأل عن فائدة العمل الذي يعمله الناس ، ومعنى جوابه : أن ~~فائدة العمل الصالح أنه عنوان على العاقبة الحسنة . وذكر مقابله وهو العمل ~~السيىء إتماما للفائدة ولا علاقة له بالجواب . # وليس مجازه مماثلا لما استعمل في هذه الآية لأنه في الحديث علق به عمل ~~أهل السعادة فتعين أن يكون تيسيرا للعمل ، أي إعدادا وتهيئة للأعمال صالحها ~~أو سيئها . # فالذي يرتبط بالآية من اللفظ النبوي هو أن النبي صلى الله عليه وسلم أعقب ~~كلامه بأن قرأ : { فأما من أعطى واتقى } الآية لأنه قرأها تبيينا واستدلالا ~~لكلامه فكان للآية تعلق بالكلام النبوي ومحل الاستدلال هو قوله تعالى : { ~~فسنيسره } . PageV30P385 # فالمقصود منه إثبات أن من شؤون الله تعالى تيسرا للعبد أن يعمل بعمل ~~السعادة أو عمل الشقاء سواء كان عمله أصلا للسعادة كالإيمان أو للشقاوة ~~كالكفر ، أم كان للعمل مما يزيد السعادة وينقص من الشقاوة وذلك بمقدار ~~الأعمال الصالحة لمن كان مؤمنا لأن ثبوت أحد معنيي التيسير يدل على ثبوت ~~جنسه فيصلح دليلا لثبوت التيسير من أصله . # أو يكون المقصود من سوق الآية الاستدلال على قوله : ( اعملوا ) لأن الآية ~~ذكرت عملا وذكرت تيسيرا لليسرى وتيسيرا للعسرى ، فيكون الحديث إشارة إلى أن ~~العمل هو علامة التيسير وتكون اليسرى معنيا بها السعادة ms9385 والعسرى معنيا بها ~~الشقاوة ، وما صدق السعادة الفوز بالجنة ، وما صدق الشقاوة الهوي في النار ~~. # وإذ كان الوعد بتيسير اليسرى لصاحب تلك الصلات الدالة على أعمال الإعطاء ~~والتقوى والتصديق بالحسنى كان سلوك طريق الموصولية للإيماء إلى وجه بناء ~~الخبر وهو التيسير فتعين أن التيسير مسبب عن تلك الصلات ، أي جزاء عن فعلها ~~: فالمتيسر : تيسير الدوام عليها ، وتكون اليسرى صفة للأعمال ، وذلك من ~~الإظهار في مقام الإضمار . والأصل : مستيسر له أعماله ، وعدل عن الإضمار ~~إلى وصف اليسرى للثناء على تلك الأعمال بأنها ميسرة من الله كقوله تعالى : ~~{ ونيسرك لليسرى } في سورة الأعلى . # وخلاصة الحديث أنه بيان للفرق بين تعلق علم الله بأعمال عباده قبل أن ~~يعملوها ، وبين تعلق خطابه إياهم بشرائعه ، وأن ما يصدر عن الناس من أعمال ~~ظاهرة وباطنة إلى خاتمة كل أحد وموافاته هو عنوان للناس على ما كان قد علمه ~~الله ، ويلتقي المهيعان في أن العمل هو وسيلة الحصول على الجنة أو الوقوع ~~في جهنم . # وإنما خص الإعطاء بالذكر في قوله : { فأما من أعطى واتقى } مع شمول { ~~اتقى } لمفاده ، وخص البخل بالذكر في قوله : { وأما من بخل واستغنى } مع ~~شمول { استغنى } له ، لتحريض المسلمين على الإعطاء ، فالإعطاء والتقوى شعار ~~المسلمين مع التصديق بالحسنى وضد الثلاثة من شعار المشركين . PageV30P386 # وفي الآية محسن الجمع مع التقسيم ، ومحسن الطباق ، أربع مرات بين { أعطى ~~} و { بخل } ، وبين { اتقى } ، و { استغنى } ، وبين و { صدق } و { كذب } ~~وبين ( اليسرى ) و ( العسرى ) . # وجملة : { وما يغني عنه ماله إذا تردى } عطف على جملة { فسنيسره للعسرى } ~~أي سنعجل به إلى جهنم . فالتقدير : إذا تردى فيها . # والتردي : السقوط من علو إلى سفل ، يعني : لا يغني عنه ماله الذي بخل به ~~شيئا من عذاب النار . # و { ما } يجوز أن تكون نافية . والتقدير : وسوف لا يغني عنه ماله إذا سقط ~~في جهنم ، وتحتمل أن تكون استفهامية وهو استفهام إنكار وتوبيخ . ويجوز على ~~هذا الوجه أن تكون الواو للاستئناف . والمعنى : وما يغني عنه ماله الذي بخل ~~به . # روى ابن أبي حاتم ms9386 عن عكرمة عن ابن عباس : ( أنه كانت لرجل من المنافقين ~~نخلة مائلة في دار رجل مسلم ذي عيال فإذا سقط منها ثمر أكله صبية لذلك ~~المسلم فكان صاحب النخلة ينزع من أيديهم الثمرة ، فشكا المسلم ذلك إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فكلم النبي صلى الله عليه وسلم صاحب النخلة أن ~~يتركها لهم وله بها نخلة في الجنة فلم يفعل ، وسمع ذلك أبو الدحداح ~~الأنصاري فاشترى تلك النخلة من صاحبها بحائط فيه أربعون نخلة وجاء إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( يا رسول الله اشترها مني بنخلة في الجنة ~~فقال : نعم والذي نفسي بيده ، فأعطاها الرجل صاحب الصبية ، قال عكرمة قال ~~ابن عباس : فأنزل الله تعالى : { والليل إذا يغشى } ( الليل : 1 ) إلى قوله ~~: { للعسرى } وهو حديث غريب ، ومن أجل قول ابن عباس : فأنزل الله تعالى : { ~~والليل إذا يغشى } قال جماعة : السورة مدنية وقد بينا في المقدمة الخامسة ~~أنه كثيرا ما يقع في كلام المتقدمين قولهم : فأنزل الله في كذا قوله كذا ، ~~أنهم يريدون PageV30P387 به أن القصة مما تشمله الآية . وروي أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال : ( كم من عذق رداح في الجنة لأبي الدحداح ) ولمح إليها ~~بشار بن برد في قوله : # إن النحيلة إذ يميل بها الهوى # كالعذق مال على أبي الدحداح # ( 12 ، 13 ) # استئناف مقرر لمضمون الكلام السابق من قوله : { فأما من أعطى } إلى قوله ~~: { للعسرى } ( الليل : 5 10 ) ، وذلك لإلقاء التبعة على من صار إلى العسرى ~~بأن الله أعذر إليه إذ هداه بدعوة الإسلام إلى الخير فأعرض عن الاهتداء ~~باختياره اكتساب السيئات ، فإن التيسير لليسرى يحصل عند ميل العبد إلى عمل ~~الحسنات ، والتيسير للعسرى يحصل عند ميله إلى عمل السيئات . وذلك الميل هو ~~المعبر عنه بالكسب عند الأشعري ، وسماه المعتزلة : قدرة العبد ، وهو أيضا ~~الذي اشتبه على الجبرية فسموه الجبر . # وتأكيد الخبر ب { إن } ولام الابتداء يومىء إلى أن هذا كالجواب عما يجيش ~~في نفوس أهل الضلال عند سماع الإنذار السابق من تكذيبه بأن الله لو ms9387 شاء ~~منهم ما دعاهم إليه لألجأهم إلى الإيمان . فقد حكي عنهم في الآية الأخرى : ~~{ وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم } ( الزخرف : 20 ) . # وحرف ( على ) إذا وقع بين اسم وما يدل على فعل يفيد معنى اللزوم ، أي ~~لازم لنا هدى الناس ، وهذا التزام من الله اقتضاه فضله وحكمته فتولى إرشاد ~~الناس إلى الخير قبل أن يؤاخذهم بسوء أعمالهم التي هي فساد فيما صنع الله ~~من الأعيان والأنظمة التي أقام عليها فطرة نظام العالم ، فهدى الله الإنسان ~~بأن خلقه قابلا للتمييز بين الصلاح والفساد ثم عزز ذلك بأن أرسل إليه رسلا ~~مبينين لما قد يخفى أمره من الأفعال أو يشتبه على الناس فساده بصلاحه ~~ومنبهين الناس لما قد يغفلون عنه من سابق ما علموه . # وعطف { وإن لنا للآخرة والأولى } على جملة : { إن علينا للهدى } تتميم ~~وتنبيه على أن تعهد الله لعباده بالهدى فضل منه وإلا فإن الدار الآخرة ملكه ~~PageV30P388 والدار الأولى ملكه بما فيهما قال تعالى : { ولله ملك السماوات ~~والأرض وما بينهما } ( المائدة : 17 ) فله التصرف فيهما كيف يشاء فلا ~~يحسبوا أن عليهم حقا على الله تعالى إلا ما تفضل به . # وفي الآية إشارة عظيمة إلى أن أمور الجزاء في الأخرى تجري على ما رتبه ~~الله وأعلم به عباده . وأن نظام أمور الدنيا وترتب مسبباته على أسبابه أمر ~~قد وضعه الله تعالى وأمر بالحفاظ عليه وأرشد وهدى ، فمن فرط في شيء من ذلك ~~فقد استحق ما تسبب فيه . # ( 14 21 ) { } # يجوز أن تكون الفاء لمجرد التفريع الذكري إذا كان فعل : ( أنذرتكم ) ~~مستعملا في ماضيه حقيقة وكان المراد الإنذار الذي اشتمل عليه قوله : { وأما ~~من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى إلى قوله : تردى } ( الليل : 8 ~~11 ) . وهذه الفاء يشبه معناها معنى فاء الفصيحة لأنها تدل على مراعاة ~~مضمون الكلام الذي قبلها وهو تفريع إنذار مفصلل على إنذار مجمل . # ويجوز أن تكون الفاء للتفريع المعنوي فيكون فعل ( أنذرتكم ) مرادا به ~~الحال وإنما صيغ في صيغة المضي لتقريب زمان الماضي من الحال كما في ms9388 : قد ~~قامت الصلاة ، وقولهم : عزمت عليك إلا ما فعلت كذا ، أي أعزم عليك ، ومثل ~~ما في صيغ العقود : كبعت ، وهو تفريع على جملة : { إن علينا للهدى } ( ~~الليل : 12 ) والمعنى : هديكم فأنذرتكم إبلاغا في الهدى . # وتنكير { نارا } للتهويل ، وجملة { تلظى } نعت . وتلظى : تلتهب من شدة ~~الاشتعال . وهو مشتق من اللظى مصدر : لظيت النار كرضيت إذا التهبت ، وأصل { ~~تلظى } تتلظى بتاءين حذفت إحداهما للاختصار . PageV30P389 # وجملة { لا يصلاها إلا الأشقى } صفة ثانية أو حال من { نارا } بعد أن ~~وصفت . وهذه نار خاصة أعدت للكافرين فهي التي في قوله : { فاتقوا النار ~~التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين } ( البقرة : 24 ) والقرينة على ~~ذلك قوله : { وسيجنبها الأتقى } الآية . # وذكر القرطبي أن أبا إسحاق الزجاج قال : هذه الآية التي من أجلها قال أهل ~~الإرجاء بالإرجاء فزعموا : أن لا يدخل النار إلا كافر ، وليس الأمر كما ~~ظنوا : هذه نار موصوفة بعينها لا يصلى هذه النار إلا الذي كذب وتولى ، ~~ولأهل النار منازل فمنها أن المنافقين في الدرك الأسفل من النار اه . # والمعنى : لا يصلاها إلا أنتم . # وقد أتبع { الأشقى } بصفة { الذي كذب وتولى } لزيادة التنصيص على أنهم ~~المقصود بذلك فإنهم يعلمون أنهم كذبوا الرسول صلى الله عليه وسلم وتولوا ، ~~أي أعرضوا عن القرآن ، وقد انحصر ذلك الوصف فيهم يومئذ فقد كان الناس في ~~زمن ظهور الإسلام أحد فريقين : إما كافر وإما مؤمن تقي ، ولم يكن الذين ~~أسلموا يغشون الكبائر لأنهم أقبلوا على الإسلام بشراشرهم ، ولذلك عطف { ~~وسيجنبها الأتقى } الخ تصريحا بمفهوم القصر وتكميلا للمقابلة . # و { الأشقى } و { الأتقى } مراد بهما : الشديد الشقاء والشديد التقوى ~~ومثله كثير في الكلام . # وذكر القرطبي : أن مالكا قال : صلى بنا عمر بن عبد العزيز المغرب فقرأ { ~~والليل إذا يغشى } فلما بلغ : { فأنذرتكم نارا تلظى } وقع عليه البكاء فلم ~~يقدر يتعداها من البكاء فتركها وقرأ سورة أخرى ) . # ووصف { الأشقى } بصلة { الذي كذب وتولى } ، ووصف { الأتقى } بصلة { الذي ~~يؤتى ماله يتزكى } للإيذان بأن للصلة تسببا في الحكم . # وبين { الأشقى } و { الأتقى } محسن الجناس المضارع . PageV30P390 # وجملة ms9389 { يتزكى } حال في ضمير { يؤتي } ، وفائدة الحال التنبيه على أنه ~~يؤتي ماله لقصد النفع والزيادة من الثواب تعريضا بالمشركين الذي يؤتون ~~المال للفخر والرياء والمفاسد والفجور . # والتزكي : تكلف الزكاء ، وهو النماء من الخير . # والمال : اسم جنس لما يختص به أحد الناس من أشياء ينتفع بذاتها أو ~~بخراجها وغلتها مثل الأنعام والأرضين والآبار الخاصة والأشجار المختص به ~~أربابها . # ويطلق عند بعض العرب مثل أهل يثرب على النخيل . # وليس في إضافة اسم الجنس ما يفيد العموم ، فلا تدل الآية على أنه آتى ~~جميع ماله . # وقوله : { وما لأحد عنده من نعمة تجزى } الآية اتفق أهل التأويل على أن ~~أول مقصود بهذه الصلة أبو بكر الصديق رضي الله عنه لما أعتق بلالا قال ~~المشركون : ما فعل ذلك أبو بكر إلا ليد كانت لبلال عنده . وهو قول من ~~بهتانهم ( يعللون به أنفسهم كراهية لأن يكون أبو بكر فعل ذلك محبة للمسلمين ~~) ، فأنزل الله تكذيبهم بقوله : { وما لأحد عنده من نعمة تجزى } مرادا به ~~بعض من شمله عموم { الذي يؤتي ماله يتزكى } ، وهذا شبيه بذكر بعض أفراد ~~العام وهو لا يخصص للعموم ولكن هذه لما كانت حالة غير كثيرة في أسباب إيتاء ~~المال تعين أن المراد بها حالة خاصة معروفة بخلاف نحو قوله : { وآتى المال ~~على حبه ذوي القربى } ( البقرة : 177 ) ، وقوله : { إنما نطعمكم لوجه الله ~~لا نريد منكم جزاء ولا شكورا } ( الإنسان : 9 ) . # و { عنده } ظرف مكان وهو مستعمل هنا مجازا في تمكن المعنى من المضاف إليه ~~عنه كتمكن الكائن في المكان القريب ، قال الحارث بن حلزة : # من لنا عنده من الخير آيا # ت ثلاث في كلهن القضاء # و { من نعمة } اسم { ما } النافية جر ب { من } الزائدة التي تزاد في ~~النفي لتأكيد النفي ، والاستثناء في { إلا ابتغاء وجه ربه } منقطع ، أي لكن ~~ابتغاء لوجه الله . PageV30P391 # والابتغاء : الطلب بجد لأنه أبلغ من البغي . # والوجه مستعمل مرادا به الذات كقوله تعالى : { ويبقى وجه ربك } ( الرحمن ~~: 27 ) . ومعنى ابتغاء الذات ابتغاء رضا الله . # وقوله : { ولسوف يرضى } وعد ms9390 بالثواب الجزيل الذي يرضى صاحبه . وهذا تتميم ~~لقوله : { وسيجنبها الأتقى } لأن ذلك ما أفاد إلا أنه ناج من عذاب النار ~~لاقتضاء المقام الاقتصار على ذلك لقصد المقابلة مع قوله : { لا يصلاها إلا ~~الأشقى } فتمم هنا بذكر ما أعد له من الخيرات . # وحرف ( سوف ) لتحقيق الوعد في المستقبل كقوله : { قال سوف أستغفر لكم ربي ~~} ( يوسف : 98 ) أي يتغلغل رضاه في أزمنة المستقبل المديد . # واللام لام الابتداء لتأكيد الخبر . # وهذه من جوامع الكلم لأنها يندرج تحتها كل ما يرغب فيه الراغبون . وبهذه ~~السورة انتهت سورة وسط المفصل . # PageV30P392 # | 1 ( سورة الضحى ) 1 # سميت هذه السورة في أكثر المصاحف وفي كثير من كتب التفسير وفي ( جامع ~~الترمذي ) ( سورة الضحى ) بدون واو . # وسميت في كثير من التفاسير وفي ( صحيح البخاري ) ( سورة والضحى ) بإثبات ~~الواو . # ولما يبلغنا عن الصحابة خبر صحيح في تسميتها . # وهي مكية بالاتفاق . # وسبب نزولها ما ثبت في ( الصحيحين ) يزيد أحدهما على الآخر عن الأسود بن ~~قيس عن جندب بن سفيان البجلي قال : ( دميت إصبع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فاشتكى فلم يقم ليلتين أو ثلاثا فجاءت امرأة ( وهي أم جميل بنت حرب ~~زوج أبي لهب كما في رواية عن ابن عباس ذكرها ابن عطية ) فقالت : يا محمد ~~إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاثث . فأنزل ~~الله : { والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى } ( الضحى : 1 3 ) . # وروى الترمذي عن ابن عيينة عن الأسود عن جندب البجلي قال : ( كنت مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم في غار فدميت إصبعه فقال : ( هل أنتت إلا إصبع ~~دميتت . وفي سبيل الله ما لقيتت ) . قال فأبطأ عليه جبريل ، فقال المشركون ~~: قد ودع محمد فأنزل الله تعالى : . وقال : حديث حسن صحيح . # ويظهر أن قول أم جميل لم يسمعه جندب لأن جندبا كان من صغار الصحابة وكان ~~يروي عن أبي بن كعب وعن حذيفة كما قال ابن عبد البر . ولعله أسلم بعد ~~الهجرة فلم يكون قوله : ( كنت مع النبي ms9391 صلى الله عليه وسلم في غار ) مقارنا ~~لقول المشركين PageV30P393 ( وقد ودع محمد ) . ولعل جندبا روى حديثين ~~جمعهما ابن عيينة . وقيل : إن كلمة ( في غار ) تصحيف ، وأن أصلها : كنت ~~غازيا . ويتعين حينئذ أن يكون حديثه جمع حديثين . # وعدت هذه السورة حادية عشرة في ترتيب نزول السور ، نزلت بعد سورة الفجر ~~وقبل سورة الانشراح . # وعدد آيها إحدى عشرة آية . # وهي أول سورة في قصار المفصل . # أغراضها # إبطال قول المشركين إذ زعموا أن ما يأتي من الوحي للنبيء صلى الله عليه ~~وسلم قد انقطع عنه . # وزاده بشارة بأن الآخرة خير له من الأولى على معنيين في الآخرة والأولى . ~~وأنه سيعطيه ربه ما فيه رضاه . وذلك يغيظ المشركين . # ثم ذكره الله بما حفه به من ألطافه وعنايته في صباه وفي فتوته وفي وقت ~~اكتهاله وأمره بالشكر على تلك النعم بما يناسبها من نفع لعبيده وثناء على ~~الله بما هو أهله . # # | 2 ( { والضحى * واليل إذا سجى * ما ودعك ربك وما قلى * وللاخرة خير لك ~~من الاولى * ولسوف يعطيك ربك فترضى * ألم يجدك يتيما فآوى * ووجدك ضآلا ~~فهدى * ووجدك عآئلا فأغنى * فأما اليتيم فلا تقهر * وأما السآئل فلا تنهر * ~~وأما بنعمة ربك فحدث } ) 2 # القسم لتأكيد الخبر ردا على زعم المشركين أن الوحي انقطع عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم حين رأوه لم يقم الليل بالقرآن بضع ليال . فالتأكيد منصب ~~على التعريض المعرض به لإبطال دعوى المشركين . فالتأكيد تعريض بالمشركين ~~وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يتردد في وقوع ما يخبره الله بوقوعه ~~. # ومناسبة القسم ب { الضحى والليل } أن الضحى وقت انبثاق نور الشمس فهو ~~إيماء إلى تمثيل نزول الوحي وحصول الاهتداء به ، وأن الليل وقت قيام ~~PageV30P394 النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن ، وهو الوقت الذي كان يسمع ~~فيه المشركون قراءته من بيوتهم القريبة من بيته أو من المسجد الحرام . # ولذلك قيد { الليل } بظرف { إذا سجى } . فلعل ذلك وقت قيام النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال تعالى : { قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص ms9392 منه قليلا } ~~( المزمل : 2 ، 3 ) . # والضحى تقدم بيانه عند قوله تعالى : { والشمس وضحاها } ( الشمس : 1 ) . # وكتب في المصحف { والضحى } بألف في صورة الياء مع أن أصل ألفه الواو ~~لأنهم راعوا المناسبة مع أكثر الكلمات المختومة بألف في هذه السورة فإن ~~أكثرها منقلبة الألف عن الياء ، ولأن الألف تجري فيها الإمالة في اللغات ~~التي تميل الألف التي من شأنها أن لا تمال إذا وقعت مع ألفف تمال للمناسبة ~~كما قال ابن مالك في ( شرح كافيته ) . # ويقال : سجا الليل سجوا بفتح فسكون ، وسجوا بضمتين وتشديد الواو ، إذا ~~امتد وطال مدة ظلامه مثل سجو المرء بالغطاء ، إذا غطي به جميع جسده وهو ~~واوي ورسم في المصحف بألف في صورة الياء للوجه المتقدم في كتابة { الضحى } ~~. # وجملة : { ما ودعك ربك } الخ جواب القسم ، وجواب القسم إذا كان جملة ~~منفية لم تقترن باللام . # والتوديع : تحية من يريد السفر . # واستعير في الآية للمفارقة بعد الاتصال تشبيها بفراق المسافر في انقطاع ~~الصلة حيث شبه انقطاع صلة الكلام بانقطاع صلة الإقامة ، والقرينة إسناد ذلك ~~إلى الله الذي لا يتصل بالناس اتصالا معهودا . # وهذا نفي لأن يكون الله قطع عنه الوحي . # وقد عطف عليه : { وما قلى } للإتيان على إبطال مقالتي المشركين إذ قال ~~بعضهم : ودعه ربه ، وقال بعضهم : قلاه ربه ، يريدون التهكم . # وجملة : { وما قلى } عطف على جملة جواب القسم ولها حكمها . PageV30P395 # والقلي ( بفتح القاف مع سكون اللام ) والقلى ( بكسر القاف مع فتح اللام ) ~~: البغض الشديد ، وسبب مقالة المشركين تقدم في صدر السورة . # والظاهر أن هذه السورة نزلت عقب فترة ثانية فتر فيها الوحي بعد الفترة ~~التي نزلت إثرها سورة المدثر ، فعن ابن عباس وابن جريج : ( احتبس الوحي عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة عشر يوما أو نحوها . فقال المشركون : إن ~~محمدا ودعه ربه وقلاه ، فنزلت الآية ) . # واحتباس الوحي عن النبي صلى الله عليه وسلم وقع مرتين : # أولاهما : قبل نزول سورة المدثر أو المزمل ، أي بعد نزول سورتين من ~~القرآن أو ثلاث على الخلاف في الأسبق من ms9393 سورتي المزمل والمدثر ، وتلك ~~الفترة هي التي خشي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون قد انقطع عنه ~~الوحي ، وهي التي رأى عقبها جبريل على كرسي بين السماء والأرض كما تقدم في ~~تفسير سورة المدثر ، وقد قيل : إن مدة انقطاع الوحي في الفترة الأولى كانت ~~أربعين يوما ولم يشعر بها المشركون لأنها كانت في مبدإ نزول الوحي قبل أن ~~يشيع الحديث بينهم فيه وقبل أن يقوم النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن ليلا ~~. # وثانيتهما : فترة بعد نزول نحو من ثمانن سور ، أي السور التي نزلت بعد ~~الفترة الأولى فتكون بعد تجمع عشر سور ، وبذلك تكون هذه السورة حادية عشرة ~~فيتوافق ذلك مع عددها في ترتيب نزول السور . # والاختلاف في سبب نزول هذه السورة يدل على عدم وضوحه للرواة ، فالذي نظنه ~~أن احتباس الوحي في هذه المرة كان لمدة نحو من اثني عشر يوما وأنه ما كان ~~إلا للرفق بالنبي صلى الله عليه وسلم كي تستجم نفسه وتعتاد قوته تحمل أعباء ~~الوحي إذ كانت الفترة الأولى أربعين يوما ثم كانت الثانية اثني عشر يوما أو ~~نحوها ، فيكون نزول سورة الضحى هو النزول الثالث ، وفي المرة الثالثة يحصل ~~الارتياض في الأمور الشاقة ولذلك يكثر الأمر بتكرر بعض الأعمال ثلاثا ، ~~وبهذا الوجه يجمع بين مختلف الأخبار في سبب نزول هذه السورة وسبب نزول سورة ~~المدثر . # وحذف مفعول { قلى } لدلالة { ودعك } عليه كقوله تعالى : { والذاكرين ~~PageV30P396 الله كثيرا والذاكرات } ( الأحزاب : 35 ) وهو إيجاز لفظي لظهور ~~المحذوف ومثله قوله : { فآوى } ( الضحى : 6 ) ، ف { هدى } ( الضحى : 7 ) { ~~فأغنى } ( الضحى : 8 ) . # عطف على جملة : { والضحى } ( الضحى : 1 ) فهو كلام مبتدأ به ، والجملة ~~معطوفة على الجمل الابتدائية وليست معطوفة على جملة جواب القسم بل هي ~~ابتدائية فلما نفي القلى بشر بأن آخرته خير من أولاه ، وأن عاقبته أحسن من ~~بدأته ، وأن الله خاتم له بأفضل مما قد أعطاه في الدنيا وفي الآخرة . # وما في تعريف ( الآخرة ) و { الأولى } من التعميم يجعل معنى هذه الجملة ~~في معنى التذييل الشامل ms9394 لاستمرار الوحي وغير ذلك من الخير . # والآخرة : مؤنث الآخر ، و { الأولى } : مؤنث الأول ، وغلب لفظ الآخرة في ~~اصطلاح القرآن على الحياة الآخرة وعلى الدار الآخرة كما غلب لفظ الأولى على ~~حياة الناس التي قبل انخرام هذا العالم ، فيجوز أن يكون المراد هنا من كلا ~~اللفظين كلا معنييه فيفيد أن الحياة الآخرة خير له من هذه الحياة العاجلة ~~تبشيرا له بالخيرات الأبدية ، ويفيد أن حالاته تجري على الانتقال من حالة ~~إلى أحسن منها ، فيكون تأنيث الوصفين جاريا على حالتي التغليب وحالتي ~~التوصيف ، ويكون التأنيث في هذا المعنى الثاني لمراعاة معنى الحالة . # ويومىء ذلك إلى أن عودة نزول الوحي عليه هذه المرة خير من العودة التي ~~سبقت ، أي تكفل الله بأن لا ينقطع عنه نزول الوحي من بعد . # فاللام في ( الآخرة ) و { الأولى } لام الجنس ، أي كل آجل أمره هو خير من ~~عاجله في هذه الدنيا وفي الأخرى . # واللام في قوله : { لك } لام الاختصاص ، أي خير مختص بك وهو شامل لكل ما ~~له تعلق بنفس النبي صلى الله عليه وسلم في ذاته وفي دينه وفي أمته ، فهذا ~~وعد من الله بأن ينشر دين الإسلام وأن يمكن أمته من الخيرات التي يأملها ~~النبي صلى الله عليه وسلم لهم . وقد PageV30P397 روى الطبراني والبيهقي في ~~( دلائل النبوءة ) عن ابن عباس قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عرض علي ما هو مفتوح لأمتي بعدي فسرني فأنزل الله تعالى : { وللآخرة خير لك ~~من الأولى } . # هو كذلك عطف على جملة القسم كلها وحرف الاستقبال لإفادة أن هذا العطاء ~~الموعود به مستمر لا ينقطع كما تقدم في قوله تعالى : { قال سوف أستغفر لكم ~~ربي في سورة يوسف وقوله : ولسوف يرضى في سورة الليل . # وحذف المفعول الثاني ليعطيك } ليعم كل ما يرجوه صلى الله عليه وسلم من ~~خير لنفسه ولأمته فكان مفاد هذه الجملة تعميم العطاء كما أفادت الجملة ~~قبلها تعميم الأزمنة . # وجيء بفاء التعقيب في { فترضى } لإفادة كون العطاء عاجل النفع بحيث يحصل ~~به رضى المعطى عند ms9395 العطاء فلا يترقب أن يحصل نفعه بعد تربص . # وتعريف { ربك } بالإضافة دون اسم الله العلم لما يؤذن به لفظ ( رب ) من ~~الرأفة واللطف ، وللتوسل إلى إضافته إلى ضمير المخاطب لما في ذلك من ~~الإشعار بعنايته برسوله وتشريفه بإضافة رب إلى ضميره . # وهو وعد واسع الشمول لما أعطيه النبي صلى الله عليه وسلم من النصر والظفر ~~بأعدائه يوم بدر ويوم فتح مكة ، ودخول الناس في الدين أفواجا وما فتح على ~~الخلفاء الراشدين ومن بعدهم من أقطار الأرض شرقا وغربا . # واعلم أن اللام في { وللآخرة خير } ( الضحى : 4 ) وفي { ولسوف يعطيك } ~~جزم صاحب ( الكشاف ) بأنه لام الابتداء وقدر مبتدأ محذوفا . والتقدير : ~~ولأنت سوف يعطيك ربك . وقال : إن لام القسم لا تدخل على المضارع إلا مع نون ~~التوكيد وحيث تعين أن اللام لام الابتداء ولام الابتداء لا تدخل إلا على ~~جملة من مبتدأ وخبر تعين تقدير المبتدأ . واختار ابن الحاجب أن اللام في { ~~ولسوف يعطيك ربك } لام التوكيد ( يعني لام جواب القسم ) . ووافقه ابن هشام ~~في ( مغني اللبيب ) وأشعر كلامه PageV30P398 أن وجود حرف التنفيس مانع من ~~لحاق نون التوكيد ولذلك تجب اللام في الجملة . وأقول في كون وجود حرف ~~التنفيس يوجب كون اللام لام جواب قسم محل نظر . # ( 6 8 ) # استئناف مسوق مساق الدليل على تحقق الوعد ، أي هو وعد جار على سنن ما سبق ~~من عناية الله بك من مبدإ نشأتك ولطفه في الشدائد باطراد بحيث لا يحتمل أن ~~يكون ذلك من قبيل الصدف لأن شأن الصدف أن لا تتكرر فقد علم أن اطراد ذلك ~~مراد لله تعالى . # والمقصود من هذا إيقاع اليقين في قلوب المشركين بأن ما وعده الله به محقق ~~الوقوع قياسا على ما ذكره به من ملازمة لطفه به فيما مضى وهم لا يجهلون ذلك ~~عسى أن يقلعوا عن العناد ويسرعوا إلى الإيمان وإلا فإن ذلك مساءة تبقى في ~~نفوسهم وأشباح رعب تخالج خواطرهم . ويحصل مع هذا المقصود امتنان على النبي ~~صلى الله عليه وسلم وتقوية لاطمئنان نفسه بوعد ms9396 الله تعالى إياه . # والاستفهام تقريري ، وفعل { يجدك } مضارع وجد بمعنى ألفى وصادف ، وهوالذي ~~يتعدى إلى مفعول واحد ومفعوله ضمير المخاطب . و { يتيما } حال ، وكذلك { ~~ضالا } و { عائلا } . والكلام تمثيل لحالة تيسير المنافع للذي تعسرت عليه ~~بحالة من وجد شخصا في شدة يتطلع إلى من يعينه أو يغيثه . # واليتيم : الصبي الذي مات أبوه وقد كان أبو النبي صلى الله عليه وسلم ~~توفي وهو جنين أو في أول المدة من ولادته . # والإيواء : مصدر أوى إلى البيت ، إذا رجع إليه ، فالإيواء : الإرجاع إلى ~~المسكن ، فهمزته الأولى همزة التعدية ، أي جعله آويا ، وقد أطلق الإيواء ~~على الكفالة وكفاية الحاجة مجازا أو استعارة ، فالمعنى أنشأك على كمال ~~الإدراك والاستقامة وكنت على تربية كاملة مع أن شأن الأيتام أن ينشأوا على ~~نقائص لأنهم لا يجدون من يعنى بتهذيبهم وتعهد أحوالهم الخلقية . وفي الحديث ~~( أدبني ربي فأحسن تأديبي ) فكان تكوين نفسه الزكية على الكمال خيرا من ~~تربية الأبوين . PageV30P399 # والضلال : عدم الاهتداء إلى الطريق الموصل إلى مكان مقصود سواء سلك ~~السائر طريقا آخر يبلغ إلى غير المقصود أم وقف حائرا لا يعرف أي طريق يسلك ~~، وهو المقصود هنا لأن المعنى : أنك كنت في حيرة من حال أهل الشرك من قومك ~~فأراكه الله غير محمود وكرهه إليك ولا تدري ماذا تتبع من الحق ، فإن الله ~~لما أنشأ رسوله صلى الله عليه وسلم على ما أراد من إعداده لتلقي الرسالة في ~~الإبان ، ألهمه أن ما عليه قومه من الشرك خطأ وألقى في نفسه طلب الوصول إلى ~~الحق ليتهيأ بذلك لقبول الرسالة عن الله تعالى . # وليس المراد بالضلال هنا اتباع الباطل ، فإن الأنبياء معصومون من الإشراك ~~قبل النبوءة باتفاق علمائنا ، وإنما اختلفوا في عصمتهم من نوع الذنوب ~~الفواحش التي لا تختلف الشرائع في كونها فواحش وبقطع النظر عن التنافي بين ~~اعتبار الفعل فاحشة وبين الخلو عن وجود شريعة قبل النبوءة ، فإن المحققين ~~من أصحابنا نزهوهم عن ذلك والمعتزلة منعوا ذلك بناء على اعتبار دليل العقل ~~كافيا في قبح الفواحش على إرسال ms9397 كلامهم في ضابط دلالة العقل . ولم يختلف ~~أصحابنا أن نبينا صلى الله عليه وسلم لم يصدر منه ما ينافي أصول الدين قبل ~~رسالته ولم يزل علماؤنا يجعلون ما تواتر من حال استقامته ونزاهته عن ~~الرذائل قبل نبوءته دليلا من جملة الأدلة على رسالته ، بل قد شافه القرآن ~~به المشركين بقوله : { فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون } ( يونس : ~~16 ) وقوله : { أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون } ( المؤمنون : 69 ) ، ~~ولأنه لم يؤثر أن المشركين أفحموا النبي صلى الله عليه وسلم فيما أنكر ~~عليهم من مساوي أعمالهم بأن يقولوا فقد كنت تفعل ذلك معنا . # والعائل : الذي لا مال له ، والفقر يسمى عيلة ، قال تعالى : { وإن خفتم ~~عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء } ( التوبة : 28 ) وقد أغناه الله ~~غناءين : أعظمهما غنى القلب إذ ألقى في قلبه قلة الاهتمام بالدنيا ، وغنى ~~المال حين ألهم خديجة مقارضته في تجارتها . # وحذفت مفاعيل { فآوى } ، { فهدى } ، { فأغنى } للعلم بها من ضمائر الخطاب ~~قبلها ، وحدفها إيجاز ، وفيه رعاية على الفواصل . PageV30P400 # ( 9 11 ) # الفاء الأولى فصيحة . # و ( أما ) تفيد شرطا مقدرا تقديره : مهما يكن من شيء ، فكان مفادها مشعرا ~~بشرط آخر مقدر هوالذي اجتلبت لأجله فاء الفصيحة ، وتقدير نظم الكلام إذ كنت ~~تعلم ذلك وأقررت به فعليك بشكر ربك ، وبين له الشكر بقوله : { أما اليتيم ~~فلا تقهر } الخ . # وقد جعل الشكر هنا مناسبا للنعمة المشكور عليها وإنما اعتبر تقدير : إذا ~~أردت الشكر ، لأن شكر النعمة تنساق إليه النفوس بدافع المروءة في عرف الناس ~~، وصدر الكلام ب ( أما ) التفصيلية لأنه تفصيل لمجمل الشكر على النعمة . # ولما كانت ( أما ) بمعنى : ومهما يكن شيء ، قرن جوابها بالفاء . # واليتيم مفعول لفعل { فلا تقهر } . وقدم للاهتمام بشأنه ولهذا القصد لم ~~يؤت به مرفوعا وقد حصل مع ذلك الوفاء باستعمال جواب ( أما ) أن يكون مفصولا ~~عن ( أما ) بشيء كراهية موالاة فاء الجواب لحرف الشرط . ويظهر أنهم ما ~~التزموا الفصل بين ( أما ) وجوابها بتقديم شيء من علائق الجواب إلا لإرادة ~~الاهتمام بالمقدم لأن ms9398 موقع ( أما ) لا يخلو عن اهتمام بالكلام اهتماما ~~يرتكز في بعض أجزاء الكلام ، فاجتلاب ( أما ) في الكلام أثر للاهتمام وهو ~~يقتضي أن مثار الاهتمام بعض متعلقات الجملة ، فذلك هو الذي يعتنون بتقديمه ~~وكذلك القول في تقديم { السائل } وتقديم { بنعمة ربك } على فعليهما . # وقد قوبلت النعم الثلاث المتفرع عليها هذا التفصيل بثلاثة أعمال تقابلها ~~. فيجوز أن يكون هذا التفصيل على طريقة اللف والنشر المرتب . وذلك ما درج ~~عليه الطيبي ، ويجري على تفسير سفيان بن عيينة { السائل } بالسائل عن الدين ~~والهدى ، فقوله : { فأما اليتيم فلا تقهر } مقابل لقوله : { ألم يجدك يتيما ~~فآوى } ( الضحى : 6 ) لا محالة ، أي فكما آواك ربك وحفظك من عوارض النقص ~~المعتاد لليتم ، فكن أنت مكرما للأيتام رفيقا بهم ، فجمع ذلك في النهي عن ~~قهره ، لأن أهل الجاهلية PageV30P401 كانوا يقهرون الأيتام ولأنه إذا نهى ~~عن قهر اليتيم مع كثرة الأسباب لقهره لأن القهر قد يصدر من جراء القلق من ~~مطالب حاجاته فإن فلتات اللسان سريعة الحصول كما قال تعالى : { فلا تقل ~~لهما أف } ( الإسراء : 23 ) وقال : { وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ~~ترجوها فقل لهم قولا ميسورا } ( الإسراء : 28 ) . # والقهر : الغلبة والإذلال وهو المناسب هنا ، وتكون هذه المعاني بالفعل ~~كالدع والتحقير بالفعل وتكون بالقول قال تعالى : { وقولوا لهم قولا معروفا ~~} ( النساء : 5 ) ، وتكون بالإشارة مثل عبوس الوجه ، فالقهر المنهي عنه هو ~~القهر الذي لا يعامل به غير اليتيم في مثل ذلك فأما القهر لأجل الاستصلاح ~~كضرب التأديب فهو من حقوق التربية قال تعالى : { وإن تخالطوهم فإخوانكم } ( ~~البقرة : 220 ) . # وقوله : { وأما السائل فلا تنهر } مقابل قوله : { ووجدك ضالا فهدى } ( ~~الضحى : 7 ) لأن الضلال يستعدي السؤال عن الطريق ، فالضال معتبر من نصف ~~السائلين . والسائل عن الطريق قد يتعرض لحماقة المسؤول كما قال كعب : # وقال كل خليل كنت آمله : # لا ألهينك أني عنك مشغول # فجعل الله الشكر عن هدايته إلى طريق الخير أن يوسع باله للسائلين . # فلا يختص السائل بسائل العطاء بل يشمل كل سائل وأعظم تصرفات الرسول صلى ~~الله عليه ms9399 وسلم بإرشاد المسترشدين ، وروي هذا التفسير عن سفيان بن عيينة . ~~روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ~~إن الناس لكم تبع وإن رجالا يأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون فإذا أتوكم ~~فاستوصوا بهم خيرا ) قال هارون العبدي : كنا إذا أتينا أبا سعيد يقول : ~~مرحبا بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم # والتعريف في { السائل } تعريف الجنس فيعم كل سائل ، أي عما يسال النبي ~~صلى الله عليه وسلم عن مثله . # ويكون النشر على ترتيب اللف . # فإن فسر { السائل } بسائل معروف كان مقابل قوله : { ووجدك عائلا فأغنى } ~~( الضحى : 8 ) وكان من النشر المشوش ، أي المخالف لترتيب اللف ، وهو ما درج ~~عليه ( الكشاف ) . PageV30P402 # والنهر : الزجر بالقول مثل أن يقول : إليك عني . ويستفاد من النهي عن ~~القهر والنهر النهي عما هو أشد منهما في الأذى كالشتم والضرب والاستيلاء ~~على المال وتركه محتاجا وليس من النهر نهي السائل عن مخالفة آداب السؤال في ~~الإسلام . # وقوله : { وأما بنعمة ربك فحدث } مقابل قوله : { ووجدك عائلا فأغنى } ( ~~الصحى : 8 ) . # فإن الإغناء نعمة فأمره الله أن يظهر نعمة الله عليه بالحديث عنها وإعلان ~~شكرها . # وليس المراد بنعمة ربك نعمة خاصة وإنما أريد الجنس فيفيد عموما في المقام ~~الخطابي ، أي حدث ما أنعم الله به عليك من النعم ، فحصل في ذلك الأمر شكر ~~نعمة الإغناء ، وحصل الأمر بشكر جميع النعم لتكون الجملة تذييلا جامعا . # فإن جعل قوله : { وأما السائل فلا تنهر } مقابل قوله { ووجدك عائلا فأغنى ~~} على طريقة اللف والنشر المشوش كان قوله : { وأما بنعمة ربك فحدث } مقابل ~~قوله : { ووجدك ضالا فهدى } ( الضحى : 7 ) على طريقة اللف والنشر المشوش ~~أيضا . # وكان المراد بنعمة ربه نعمة الهداية إلى الدين الحق . # والتحديث : الإخبار ، أي أخبر بما أنعم الله عليك اعترافا بفضله ، وذلك ~~من الشكر ، والقول في تقديم المجرور وهو { بنعمة ربك } على متعلقه كالقول ~~في تقديم { فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر } . # والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم فمقتضى الأمر في المواضع الثلاثة أن ms9400 ~~تكون خاصة به ، وأصل الأمر الوجوب ، فيعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~واجب عليه ما أمر به ، وأما مخاطبة أمته بذلك فتجري على أصل مساواة الأمة ~~لنبيها فيما فرض عليه ما لم يدل دليل على الخصوصية ، فأما مساواة الأمة له ~~في منع قهر اليتيم ونهر السائل فدلائله كثيرة مع ما يقتضيه أصل المساواة . # وأما مساواة الأمة له في الأمر بالتحدث بنعمة الله فإن نعم الله على نبيه ~~صلى الله عليه وسلم شتى منها ما لا مطمع لغيره من الأمة فيه مثل نعمة ~~الرسالة ونعمة القرآن ونحو ذلك من مقتضيات الاصطفاء الأكبر ، ونعمة الرب في ~~الآية مجملة . PageV30P403 # فنعم الله التي أنعم بها على نبيه صلى الله عليه وسلم كثيرة منها ما يجب ~~تحديثه به وهو تبليغه الناس أنه رسول من الله وأن الله أوحى إليه وذلك داخل ~~في تبليغ الرسالة وقد كان يعلم الناس الإسلام فيقول لمن يخاطبه أن تشهد أن ~~لا إلاه إلا الله وأني رسول الله . # ومنها تعريفه الناس ما يجب له من البر والطاعة كقوله لمن قال له : ( اعدل ~~يا رسول الله فقال : أيأمنني الله على وحيه ولا تأمنوني ) ، ومنها ما يدخل ~~التحديث به في واجب الشكر على النعمة فهذا وجوبه على النبي صلى الله عليه ~~وسلم خالص من عروض المعارض لأن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم من عروض ~~الرياء ولا يظن الناس به ذلك فوجوبه عليه ثابت . # وأما الأمة فقد يكون التحديث بالنعمة منهم محفوفا برياء أو تفاخر . وقد ~~ينكسر له خاطر من هو غير واجد مثل النعمة المتحدث بها . وهذا مجال للنظر في ~~المعارضة بين المقتضي والمانع ، وطريقة الجمع بينهما إن أمكن أو الترجيح ~~لأحدهما . وفي ( تفسير الفخر ) : سئل أمير المؤمنين علي رضي الله عنه عن ~~الصحابة فأثنى عليهم فقالوا له : فحدثنا عن نفسك فقال : مهلا فقد نهى الله ~~عن التزكية ، فقيل له : أليس الله تعالى يقول : { وأما بنعمة ربك فحدث } ~~فقال : فإني أحدث كنت إذا سئلت أعطيت . وإذا سكت ابتديت ، وبين الجوانح علم ms9401 ~~جم فاسألوني . فمن العلماء من خص النعمة في قوله : { بنعمة ربك } بنعمة ~~القرآن ونعمة النبوءة وقاله مجاهد . ومن العلماء من رأى وجوب التحدث ~~بالنعمة . رواه الطبري عن أبي نضرة . # وقال القرطبي : الخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم والحكم عام له ولغيره . ~~قال عياض في ( الشفاء ) : ( وهذا خاص له عام لأمته ) . # وعن عمرو بن ميمون : إذا لقي الرجل من إخوانه من يثق به يقول له رزق الله ~~من الصلاة البارحة كذا وكذا ، وعن عبد الله بن غالب : أنه كان إذا ~~PageV30P404 أصبح يقول : لقد رزقني الله البارحة كذا ، قرأت كذا ، صليت كذا ~~، ذكرت الله كذا ، فقلنا له : يا أبا فراس إن مثلك لا يقول هذا ، قال : ~~يقول الله تعالى : { وأما بنعمة ربك فحدث } وتقولون أنتم : لا تحدث بنعمة ~~الله . وذكر ابن العربي عن أيوب قال : دخلت على أبي رجاء العطاردي فقال : ~~لقد رزق الله البارحة : صليت كذا ، وسبحت كذا ، قال أيوب : فاحتملت ذلك ~~لأبي رجاء . وعن بعض السلف أن التحدث بالنعمة تكون للثقة من الإخوان ممن ~~يثق به قال ابن العربي : إن التحدث بالعمل يكون بإخلاص من النية عند أهل ~~الثقة فإنه ربما خرج إلى الرياء وإساءة الظن بصاحبه . وذكر الفخر والقرطبي ~~عن الحسن بن علي : إذا أصبت خيرا أوعملت خيرا فحدث به الثقة من إخوانك . ~~قال الفخر : إلا أن هذا إنما يحسن إذا لم يتضمن رياء وظن أن غيره يقتدي به ~~. # PageV30P405 PageV30P406 # | 1 ( سورة الشرح ) 1 # سميت في معظم التفاسير وفي ( صحيح البخاري ) و ( جامع الترمذي ) ( سورة ~~ألم نشرح ) ، وسميت في بعض التفاسير ( سورة الشرح ) ومثله في بعض المصاحف ~~المشرقية تسمية بمصدر الفعل الواقع فيها من قوله تعالى : { ألم نشرح لك ~~صدرك } ( الشرح : 1 ) وفي بعض التفاسير تسميتها ( سورة الانشراح ) . # وهي مكية بالاتفاق . # وقد عدت الثانية عشرة في عداد نزول السور ، نزلت بعد سورة الضحى بالاتفاق ~~وقبل سورة العصر . # وعن طاوس وعمر بن عبد العزيز أنهما كانا يقولان : ( ألم نشرح من سورة ~~الضحى ) . وكانا يقرءانهما بالركعة الواحدة لا يفصلان بينهما يعني في ms9402 ~~الصلاة المفروضة وهذا شذوذ مخالف لما اتفقت عليه الأمة من تسوير المصحف ~~الإمام . # وعدد آيها ثمان . # أغراضها # احتوت على ذكر عناية الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم بلطف الله له ~~وإزالة الغم والحرج عنه ، وتفسير ما عسر عليه ، وتشريف قدره لينفس عنه ، ~~فمضمونها شبيه بأنه حجة على مضمون سورة الضحى تثبيتا له بتذكيره سالف ~~عنايته به وإنارة سبيل الحق وترفيع الدرجة ليعلم أن الذي ابتدأه بنعمته ما ~~كان ليقطع عنه فضله ، وكان ذلك بطريقة التقرير بماض يعمله النبي صلى الله ~~عليه وسلم PageV30P407 # واتبع ذلك بوعده بأنه كلما عرض له عسر فسيجد من أمره يسرا كدأب الله ~~تعالى في معاملته فليتحمل متاعب الرسالة ويرغب إلى الله عونه . # $ 2 ( { ألم نشرح لك صدرك * ووضعنا عنك وزرك * الذى & # 1764 أنقض ظهرك * ورفعنا لك ذكرك * فإن مع العسر يسرا * إن مع العسر يسرا ~~* فإذا فرغت فانصب * وإلى ربك فارغب } ) 2 $ استفهام تقريري على النفي . ~~والمقصود التقرير على إثبات المنفي كما تقدم غير مرة . وهذا التقرير مقصود ~~به التذكير لأجل أن يراعي هذه المنة عندما يخالجه ضيق صدر مما يلقاه من أذى ~~قوم يريد صلاحهم وإنقاذهم من النار ورفع شأنهم بين الأمم ، ليدوم على دعوته ~~العظيمة نشيطا غير ذي أسف ولا كمد . # والشرح حقيقته : فصل أجزاء اللحم بعضها عن بعض ، ومنه الشريحة للقطعة من ~~اللحم ، والتشريح في الطب ، ويطلق على انفعال النفس بالرضى بالحال المتلبس ~~بها . وظاهر كلام ( الأساس ) أن هذا إطلاق حقيقي . ولعله راعى كثرة ~~الاستعمال ، أي هو من المجاز الذي يساوي الحقيقة لأن الظاهر أن الشرح ~~الحقيقي خاص بشرح اللحم ، وأن إطلاق الشرح على رضى النفس بالحال أصله ~~استعارة ناشئة عن إطلاق لفظ الضيق وما تصرف منه على الإحساس بالحزن والكمد ~~قال تعالى : { وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز } ( هود : 12 ) ~~الآية . فجعل إزالة ما في النفس من حزن مثل شرح اللحم وهذا الأنسب بقوله : ~~{ فإن مع العسر يسرا } ( الشرح : 5 ) . # وتقدم قوله : { قال رب اشرح لي صدري } في ms9403 سورة طه . # فالصدر مراد به الإحساس الباطني الجامع لمعنى العقل والإدراك . وشرح صدره ~~كناية عن الإنعام عليه بكل ما تطمح إليه نفسه الزكية من الكمالات وإعلامه ~~برضى الله عنه وبشارته بما سيحصل للدين الذي جاء به من النصر . # هذا تفسير الآية بما يفيده نظمها واستقلالها عن المرويات الخارجية ، ~~ففسرها ابن عباس بأن الله شرح قلبه بالإسلام ، وعن الحسن قال : شرح صدره أن ~~ملىء علما وحكما ، وقال سهل بن عبد الله التستري : شرح صدره بنور الرسالة ، ~~PageV30P408 وعلى هذا الوجه حمله كثير من المفسرين ونسبه ابن عطية إلى ~~الجمهور . # ويجوز أن يجعل الشرح شرحا بدنيا . وروي عن ابن عباس أنه فسر به وهو ظاهر ~~صنيع الترمذي إذ أخرج حديث شق الصدر الشريف في تفسير هذه السورة فتكون ~~الآية إشارة إلى مرويات في شق صدره صلى الله عليه وسلم شقا قدسيا ، وهو ~~المروي بعض خبره في ( الصحيحين ) ، والمروي مطولا في السيرة والمسانيد ، ~~فوقع بعض الروايات في ( الصحيحين ) أنه كان في رؤيا النوم ورؤيا الأنبياء ~~وحي ، وفي بعضها أنه كان يقظة وهو ظاهر ما في ( البخاري ) ، وفي ( صحيح ~~مسلم ) أنه يقظة وبمرأى من غلمان أترابه ، وفي حديث مسلم عن أنس بن مالك ~~أنه قال : رأيت أثر الشق في جلد صدر النبي صلى الله عليه وسلم وفي بعض ~~الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم كان بين النائم واليقظان ، والروايات ~~مختلفة في زمانه ومكانه مع اتفاقها على أنه كان بمكة . واختلاف الروايات ~~حمل بعض أهل العلم على القول بأن شق صدره الشريف تكرر مرتين إلى أربع ، ~~منها حين كان عند حليمة . وفي حديث عبد الله بن أحمد بن حنبل أن الشق كان ~~وعمر النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين . # والذي في ( الصحيح ) عن أبي ذر أنه كان عند المعراج به إلى السماء ، ولعل ~~بعضها كان رؤيا وبعضها حسا . وليس في شيء من هذه الأخبار على اختلاف ~~مراتبها ما يدل على أنه الشرح المراد في الآية ، وإذ قد كان ذاك الشق معجزة ~~خارقة للعادة يجوز ms9404 أن يكون مرادا وهو ما نحاه أبو بكر بن العربي في ( ~~الأحكام ) ، وعليه يكون الصدر قد أطلق على حقيقته وهو الباطن الحاوي للقلب ~~. ومن العلماء فسر الصدر بالقلب حكاه عياض في ( الشفا ) ، يشير إلى ما جاء ~~في خبر شق الصدر من إخراج قلبه وإزالة مقر الوسوسة منه ، وكلا المعنيين ~~للشرح يفيد أنه إيقاع معنى عظيم لنفس النبي صلى الله عليه وسلم إما مباشرة ~~وإما باعتبار مغزاه كما لا يخفى . # واللام في قوله : { لك } لام التعليل ، وهو يفيد تكريما للنبيء صلى الله ~~عليه وسلم بأن الله فعل ذلك لأجله . # وفي ذكر الجار والمجرور قبل ذكر المشروح سلوك طريقة الإبهام للتشويق فإنه ~~لما ذكر فعل { نشرح } علم السامع أن ثم مشروحا ، فلما وقع قوله : { لك } ~~قوي الإبهام فازداد التشويق ، لأن { لك } يفيد معنى شيئا لأجلك فلما وقع ~~بعده قوله : PageV30P409 ( صدره ) تعين المشروح المترقب فتمكن في الذهن ~~كمال تمكن ، وهذا ما أشار إليه في ( الكشاف ) وقفي عليه صاحب ( المفتاح ) ~~في مبحث الإطناب . # والوزر : الحرج ، ووضعه : حطه عن حامله ، والكلام تمثيل لحال إزالة ~~الشدائد والكروب بحال من يحط ثقلا عن حامله ليريحه من عناء الثقل . # والمعنى : أن الله أزال عنه كل ما كان يتحرج منه من عادات أهل الجاهلية ~~التي لا تلائم ما فطر الله عليه نفسه من الزكاة والسمو ولا يجد بدا من ~~مسايرتهم عليه فوضع عنه ذلك حين أوحى إليه بالرسالة ، وكذلك ما كان يجده في ~~أول بعثته من ثقل الوحي فيسره الله عليه بقوله : { سنقرئك فلا تنسى } إلى ~~قوله : { ونيسرك لليسرى } ( الأعلى : 6 8 ) . # و { أنقض } جعل الشيء ذا نقيض ، والنقيض صوت صرير المحمل والرحل وصوت ~~عظام المفاصل ، وفرقعة الأصابع ، وفعله القاصر من باب نصر ويعدى بالهمزة . # وإسناد { أنقض } إلى الوزر مجاز عقلي ، وتعديته إلى الظهر تبع لتشبيه ~~المشقة بالحمل ، فالتركيب تمثيل لمتجشم المشاقق الشديدة ، بالحمولة المثقلة ~~بالإجمال تثقيلا شديدا حتى يسمع لعظام ظهرها فرقعة وصرير . وهو تمثيل بديع ~~لأنه تشبيه مركب قابل لتفريق التشبيه على أجزائه . # ووصف الوزر بهذا الوصف ms9405 تكميل للتمثيل بأنه وزر عظيم . # واعلم أن في قوله : { أنقض ظهرك } اتصال حرفي الضاد والظاء وهما متقاربا ~~المخرج فربما يحصل من النطق بهما شيء من الثقل على اللسان ولكنه لا ينافي ~~الفصاحة إذ لا يبلغ مبلغ ما يسمى بتنافر الكلماتت بل مثله مغتفر في كلام ~~الفصحاء . والعرب فصحاء الألسن فإذا اقتضى نظم الكلام ورود مثل هذين ~~الحرفين المتقاربين لم يعبأ البليغ بما يعرض عند اجتماعهما من بعض الثقل ، ~~ومثل ذلك قوله تعالى : { وسبحه } ( الإنسان : 26 ) في اجتماع الحاء مع ~~الهاء ، وذلك حيث لا يصح الإدغام . وقد أوصى علماء التجويد بإظهار الضاد مع ~~الظاء إذا تلاقيا كما في هذه الآية وقوله : { ويوم يعض الظالم } ( الفرقان ~~: 27 ) ولها نظائر في القرآن . PageV30P410 # وهذه الآية هي المشتهرة ولم يزل الأيمة في المساجد يتوخون الحذر من إبدال ~~أحد هذين الحرفين بالآخر للخلاف الواقع بين الفقهاء في بطلان صلاة اللحان ~~ومن لا يحسن القراءة مطلقا أو إذا كان عامدا إذا كان فذا وفي بطلان صلاة من ~~خلفه أيضا إذا كان اللاحن إماما . # ورفع الذكر : جعل ذكره بين الناس بصفات الكمال ، وذلك بما نزل من القرآن ~~ثناء عليه وكرامة . وبإلهام الناس التحدث بما جبله الله عليه من المحامد ~~منذ نشأته . # وعطف { ووضعنا } و { رفعنا } بصيغة المضي على فعل { نشرح } بصيغة المضارع ~~لأن ( لم ) قلبت زمن الحال إلى المضي فعطف عليه الفعلان بصيغة المضي لأنهما ~~داخلان في حيز التقرير فلما لم يقترن بهما حرف ( لم ) صير بهما إلى ما ~~تفيده ( لم ) من معنى المضي . # والآية تشير إلى أحوال كان النبي صلى الله عليه وسلم في حرج منها أو من ~~شأنه أن يكون في حرج ، وأن الله كشف عنه ما به من حرج منها أو هيأ نفسه ~~لعدم النوء بها . # وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمها كما أشعر به إجمالها في الاستفهام ~~التقريري المقتضي علم المقرر بما قرر عليه ، ولعل تفصيلها فيما سبق في سورة ~~الضحى فلعلها كانت من أحوال كراهيته ما عليه أهل الجاهلية من نبذ توحيد ms9406 ~~الله ومن مساوي الأعمال . # وكان في حرج من كونه بينهم ولا يستطيع صرفهم عما هم فيه ولم يكن يترقب ~~طريقها لأن يهديهم أو لم يصل إلى معرفة كنه الحق الذي يجب أن يكون قومه ~~عليه ولم يطمع إلا في خويصة نفسه يود أن يجد لنفسه قبس نور يضيء له سبيل ~~الحق مما كان باعثا له على التفكر والخلوة والالتجاء إلى الله ، فكان يتحنث ~~في غار حراء فلما انتشله الله من تلك الوحلة بما أكرمه به من الوحي كان ذلك ~~شرحا مما كان يضيق به صدره يومئذ ، فانجلى له النور ، وأمر بإنقاذ قومه وقد ~~يظنهم طلاب حق وأزكياء نفوس فلما قابلوا إرشاده بالإعراض وملاطفته لهم ~~بالامتعاض ، حدث في صدره ضيق آخر أشار إلى مثل قوله تعالى : { لعلك باخع ~~نفسك ألا يكونوا مؤمنين } ( الشعراء : 3 ) وذلك الذي لم يزل ينزل عليه في ~~شأنه ربط جأشه بنحو قوله تعالى : { ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء ~~} ( البقرة : 272 ) فكلما نزل PageV30P411 عليه وحي من هذا أكسبه شرحا ~~لصدره ، وكان لحماية أبي طالب إياه وصده قريشا عن أذاه منفس عنه ، وأقوى ~~مؤيد له لدعوته ينشرح له صدره . وكلما آمن أحد من الناس تزحزح بعض الضيق عن ~~صدره ، وكانت شدة قريش على المؤمنين يضيق لها صدره فكلما خلص بعض المؤمنين ~~من أذى قريش بنحو عتق الصديق بلالا وغيره ، وبما بشره الله من عاقبة النصر ~~له وللمؤمنين تصريحا وتعريضا نحو قوله في السورة قبلها : { ولسوف يعطيك ربك ~~فترضى } ( الضحى : 5 ) فذلك من الشرح المراد هنا . وجماع القول في ذلك أن ~~تجليات هذا الشرح عديدة وأنها سر بين الله تعالى وبين رسوله صلى الله عليه ~~وسلم المخاطب بهذه الآية . # وأما وضع الوزر عنه فحاصل بأمرين : بهدايته إلى الحق التي أزالت حيرته ~~بالتفكر في حال قومه وهو ما أشار إليه قوله تعالى : { ووجدك ضالا فهدى } ( ~~الضحى : 7 ) وبكفايته مؤنة كلف عيشه التي قد تشغله عما هو فيه من الأنس ~~بالفكرة في صلاح نفسه ، وهو ما أشار إليه قوله ms9407 : { ووجدك عائلا فأغنى } ( ~~الضحى : 8 ) . # ورفع الذكر مجاز في إلهام الناس لأن يذكروه بخير ، وذلك بإيجاد أسباب تلك ~~السمعة حتى يتحدث بها الناس ، استعير الرفع لحسن الذكر لأن الرفع جعل الشيء ~~عاليا لا تناله جميع الأيدي ولا تدوسه الأرجل . فقد فطر الله رسوله صلى ~~الله عليه وسلم على مكارم يعز وجود نوعها ولم يبلغ أحد شأو ما بلغه منها ~~حتى لقب في قومه بالأمين . وقد قيل إن قوله تعالى : { إنه لقول رسول كريم ~~ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين } ( التكوير : 19 21 ) مراد به ~~النبي صلى الله عليه وسلم # ومن عظيم رفع ذكره أن اسمه مقترن باسم الله تعالى في كلمة الإسلام وهي ~~كلمة الشهادة . # وروي هذا التفسير عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد الخدري ~~عند ابن حبان وأبي يعلى قال السيوطي : وإسناده حسن ، وأخرجه عياض في ( ~~الشفاء ) بدون سند . والقول في ذكر كلمة { لك } مع { ورفعنا } كالقول في ~~ذكر نظيرها مع قوله : { ألم نشرح } . # وإنما لم يذكر مع { ووضعنا عنك وزرك } بأن يقال : ووضعنا لك وزرك ~~للاستغناء بقوله : { عنك } فإنه في إفادة الإبهام ثم التفصيل مساو لكلمة { ~~لك } ، PageV30P412 وهي في إفادة العناية به تساوي كلمة { لك } ، لأن فعل ~~الوضع المعدى إلى الوزر يدل على أن الوضع عنه فكانت زيادة { عنك } إطنابا ~~يشيرإلى أن ذلك عناية به نظير قوله : { لك } الذي قبله ، فحصل بذكر { عنك } ~~إيفاء إلى تعدية فعل { وضعنا } مع الإيفاء بحق الإبهام ثم البيان . # ( 5 6 ) # الفاء فصيحة تفصح عن كلام مقدر يدل عليه الاستفهام التقريري هنا ، أي إذا ~~علمت هذا وتقرر ، تعلم أن اليسر مصاحب للعسر ، وإذ كان اليسر نقيض العسر ~~كانت مصاحبة اليسر للعسر مقتضية نقض تأثير العسر ومبطلة لعمله ، فهو كناية ~~رمزية عن إدراك العناية الإلاهية به فيما سبق ، وتعريض بالوعد باستمرار ذلك ~~في كل أحواله . # وسياق الكلام وعد للنبيء صلى الله عليه وسلم بأن ييسر الله له المصاعب ~~كلما عرضت له ، فاليسر لا يتخلف عن اللحاق بتلك ms9408 المصاعب ، وذلك من خصائص ~~كلمة { مع } الدالة على المصاحبة . # وكلمة { مع } هنا مستعملة في غير حقيقة معناها لأن العسر واليسر نقيضان ~~فمقارنتهما معا مستحيلة ، فتعين أن المعية مستعارة لقرب حصول اليسر عقب ~~حلول العسر أو ظهور بوادره ، بقرينة استحالة المعنى الحقيقي للمعية . وبذلك ~~يندفع التعارض بين هذه الآية وبين قوله تعالى : { سيجعل الله بعد عسر يسرا ~~في سورة الطلاق . # فهذه الآية في عسر خاص يعرض للنبيء ، وآية سورة الطلاق عامة ، وللبعدية ~~فيها مراتب متفاوتة . # فالتعريف في العسر } تعريف العهد ، أي العسر الذي عهدته وعلمته وهو من ~~قبيل ما يسميه نحاة الكوفة بأن ( ال ) فيه عوض عن المضاف إليه نحو قوله ~~تعالى : { فإن الجنة هي المأوى } ( النازعات : 41 ) أي فإن مع عسرك يسرا ، ~~فتكون السورة كلها مقصورة على بيان كرامة النبي صلى الله عليه وسلم عند ربه ~~تعالى . PageV30P413 # وعد الله تعالى نبيئه صلى الله عليه وسلم بأن الله جعل الأمور العسرة ~~عليه يسرة له وهو ما سبق وعده له بقوله : { ونيسرك لليسرى } ( الأعلى : 8 ) ~~. # وحرف { إن } للاهتمام بالخبر . # وإنما لم يستغن بها عن الفاء كما يقول الشيخ عبد القاهر : ( إن ) تغني ~~غناء فاء التسبب ، لأن الفاء هنا أريد بها الفصيحة مع التسبب فلو اقتصر على ~~حرف ( إن ) لفات معنى الفصيحة . # وتنكير { يسرا } للتعظيم ، أي مع العسر العارض لك تيسيرا عظيما يغلب ~~العسر ويجوز أن يكون هذا وعدا للنبيء صلى الله عليه وسلم ولأمته لأن ما ~~يعرض له من عسر إنما يعرض له في شؤون دعوته للدين ولصالح المسلمين . # وروى ابن جرير عن يونس ومعمر عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~لما نزلت هذه الآية : { فإن مع العسر يسرا } قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ( أبشروا أتاكم اليسر لن يغلب عسر يسرين ) فاقتضى أن الآية غير خاصة ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم بل تعمه وأمته . وفي ( الموطإ ) ( أن أبا عبيدة ~~بن الجراح كتب إلى عمر بن الخطاب يذكر له جموعا من الروم وما يتخوف منهم ~~فكتب إليه عمر ms9409 : ( أما بعد فإنه مهما ينزل بعبد مؤمن من منزل شدة يجعل الله ~~بعده فرجا وإنه لن يغلب عسر يسرين ) . # وروى ابن أبي حاتم والبزار في ( مسنده ) عن عائذ بن شريح قال : سمعت أنس ~~بن مالك يقول : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا وحياله حجر ، فقال : ~~لو جاء العسر فدخل هذا الحجر لجاء اليسر حتى يدخل عليه فيخرجه فأنزل الله ~~عز وجل : { فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا } . قال البزار : لا نعلم ~~رواه عن أنس إلا عائذ بن شريح قال ابن كثير : وقد قال أبو حاتم الرازي : في ~~حديث عائذ بن شريح ضعف . # وروى ابن جرير مثله عن ابن مسعود موقوفا ، ويجوز أن تكون جملة : { فإن مع ~~العسر يسرا } معترضة بين جملة { ورفعنا لك ذكرك } ( الشرح : 4 ) وجملة : { ~~فإذا فرغت فانصب } ( الشرح : 7 ) تنبيها على أن الله لطيف بعباده فقدر أن ~~لا يخلو عسر من مخالطة يسر وأنه لولا ذلك لهلك الناس قال تعالى { ولو يؤاخذ ~~الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة } ( النحل : 61 ) . PageV30P414 # وروي عن ابن عباس : يقول الله تعالى خلقت عسرا واحدا وخلقت يسرين ولن ~~يغلب عسر يسرين ا ه . # والعسر : المشقة في تحصيل المرغوب والعملل المقصود . # واليسر ضده وهو : سهولة تحصيل المرغوب وعدم التعب فيه . # وجملة : { إن مع العسر يسرا } مؤكدة لجملة : { فإن مع العسر يسرا } ~~وفائدة هذا التأكيد تحقيق اطراد هذا الوعد وتعميمه لأنه خبر عجيب . # ومن المفسرين من جعل اليسر في الجملة الأولى يسر الدنيا وفي الجملة ~~الثانية يسر الآخرة وأسلوب الكلام العربي لا يساعد عليه لأنه متمحض لكون ~~الثانية تأكيدا . # هذا وقول النبي صلى الله عليه وسلم ( لن يغلب عسر يسرين ) قد ارتبط لفظه ~~ومعناه بهذه الآية . وصرح في بعض رواياته بأنه قرأ هذه الآية حينئذ وتضافر ~~المفسرون على انتزاع ذلك منها فوجب التعرض لذلك ، وشاع بين أهل العلم أن ~~ذلك مستفاد من تعريف كلمة العسر وإعادتها معرفة ومن تنكير كملة ( يسر ) ~~وإعادتها منكرة ، وقالوا : إن اللفظ النكرة إذا أعيد ms9410 نكرة فالثاني غير ~~الأول وإذا أعيد اللفظ معرفة فالثاني عين الأول كقوله تعالى : { كما أرسلنا ~~إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول } ( المزمل : 15 ، 16 ) . # وبناء كلامهم على قاعدة إعادة النكرة معرفة خطأ لأن تلك القاعدة في إعادة ~~النكرة معرفة لا في إعادة المعرفة معرفة وهي خاصة بالتعريف بلام العهد دون ~~لام الجنس ، وهي أيضا في إعادة اللفظ في جملة أخرى والذي في الآية ليس ~~بإعادة لفظ في كلام ثان بل هي تكرير للجملة الأولى ، فلا ينبغي الالتفات ~~إلى هذا المأخذ ، وقد أبطله من قبل أبو علي الحسين الجرجاني في كتاب ( ~~النظم ) كما في PageV30P415 ( معالم التنزيل ) . وأبطله صاحب ( الكشاف ) ~~أيضا ، وجعل ابن هشام في ( مغني اللبيب ) تلك القاعدة خطأ . # والذي يظهر في تقرير معنى قوله : ( لن يغلب عسر يسرين ) أن جملة : { إن ~~مع العسر يسرا } تأكيد لجملة { فإن مع العسر يسرا } . ومن المقرر أن ~~المقصود من تأكيد الجملة في مثله هو تأكيد الحكم الذي تضمنه الخبر . ولا شك ~~أن الحكم المستفاد من هذه الجملة هو ثبوت التحاق اليسر بالعسر عند حصوله ، ~~فكان التأكيد مفيدا ترجيح أثر اليسر على أثر العسر ، وذلك الترجيح عبر عنه ~~بصيغة التثنية في قوله : ( يسرين ) ، فالتثنية هنا كناية رمزية عن التغلب ~~والرجحان فإن التثنية قد يكنى بها عن التكرير المراد منه التكثير كما في ~~قوله تعالى : { ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير } ( ~~الملك : 4 ) أي ارجع البصر كثيرا لأن البصر لا ينقلب حسيرا من رجعتين . ومن ~~ذلك قول العرب : لبيك ، وسعديك ، ودواليك ) والتكرير يستلزم قوة الشيء ~~المكرر فكانت القوة لازم لازمم التثنية وإذا تعددت اللوازم كانت الكناية ~~رمزية . # وليس ذلك مستفادا من تعريف { العسر } باللام ولا من تنكير ( اليسر ) ~~وإعادته منكرا . # تفريع على ما تقرر من التذكير باللطف والعناية ووعده وبتيسير ما هو عسير ~~عليه في طاعته التي أعظمها تبليغ الرسالة دون ملل ولا ضجر . # والفراغ : خلو باطن الظرف أو الإناء لأن شأنه أن يظرف فيه . # وفعل فرغ يفيد أن فاعله كان مملوءا ms9411 بشيء ، وفراغ الإنسان . مجاز في ~~إتمامه ما شأنه أن يعمله . # ولم يذكر هنا متعلق { فرغت } وسياق الكلام يقتضي أنه لازم أعمال يعلمها ~~الرسول صلى الله عليه وسلم كما أن مساق السورة في تيسير مصاعب الدعوة وما ~~يحف بها . فالمعنى إذا أتممت عملا من مهام الأعمال فأقبل على عمل آخر بحيث ~~يعمر أوقاته PageV30P416 كلها بالأعمال العظيمة . ومن هنا قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عند قفوله من إحدى غزواته : ( رجعنا من الجهاد الأصغر ~~إلى الجهاد الأكبر ) ، فالمقصود بالأمر هو { فانصب } . وأما قوله : { فإذا ~~فرغت } فتمهيد وإفادة لإيلاء العمل بعملل آخر في تقرير الدين ونفع الأمة . ~~وهذا من صيغ الدلالة على تعاقب الأعمال . ومثله قول القائل : ما تأتيني من ~~فلان صلة إلا أعقبتها أخرى . # واختلفت أقوال المفسرين من السلف في تعيين المفروغ منه ، وإنما هو اختلاف ~~في الأمثلة فحذف المتعلق هنا لقصد العموم وهو عموم عرفي لنوع من الأعمال ~~التي دل عليها السياق ليشمل كل متعلق عمله مما هو مهم كما علمت وهو أعلم ~~بتقديم بعض الأعمال على بعض إذا لم يمكن اجتماع كثير منها بقدر الإمكان كما ~~أقر الله بأداء الصلاة مع الشغل بالجهاد بقوله : { وإذا كنت فيهم فأقمت لهم ~~الصلاة فلتقم طائفة منهم معك إلى قوله : كتابا موقوتا في سورة النساء ( 102 ~~، 103 ) . # وهذا الحكم ينسحب على كل عمل ممكن من أعماله الخاصة به مثل قيام الليل ~~والجهاد عند تقوي المسلمين وتدبير أمور الأمة . # وتقديم فإذا فرغت } على { فانصب } للاهتمام بتعليق العمل بوقت الفراغ من ~~غيره لتتعاقب الأعمال . وهذه الآية من جوامع الكلم القرآنية لما احتوت عليه ~~من كثرة المعاني . # عطف على تفريع الأمر بالشكر على النعم أمر بطلب استمرار نعم الله تعالى ~~عليه كما قال تعالى : { لئن شكرتم لأزيدنكم } ( إبراهيم : 7 ) . # والرغبة : طلب حصول ما هو محبوب وأصله أن يعدى إلى المطلوب منه بنفسه ~~ويعدى إلى الشيء المطلوب ب ( في ) . ويقال : رغب عن كذا بمعنى صرف رغبته ~~عنه بأن رغب في غيره وجعل منه قوله تعالى : { وترغبون أن ms9412 تنكحوهن } ( ~~النساء : 127 ) بتقدير حرف PageV30P417 الجر المحذوف قبل حرف ( أن ) هو حرف ~~( عن ) . وذلك تأويل عائشة أم المؤمنين كما تقدم في سورة النساء . # وأما تعدية فعل { فارغب } هنا بحرف { إلى } فلتضمينه معنى الإقبال ~~والتوجه تشبيها بسير السائر إلى من عنده حاجته كما قال تعالى عن إبراهيم : ~~{ وقال إني ذاهب إلى ربي } ( الصافات : 99 ) . # وتقديم إلى { ربك } على { فارغب } لإفادة الاختصاص ، أي إليه لا إلى غيره ~~تكون رغبتك فإن صفة الرسالة أعظم صفات الخلق فلا يليق بصاحبها أن يرغب غير ~~الله تعالى . # وحذف مفعول ( ارغب ) ليعم كل ما يرغبه النبي صلى الله عليه وسلم وهل يرغب ~~النبي إلا في الكمال النفساني وانتشار الدين ونصر المسلمين . # واعلم أن الفاء في قوله : { فانصب } ( الشرح : 7 ) وقوله : { فارغب } ~~رابطة للفعل لأن تقديم المعمول يتضمن معنى الاشتراط والتقييد فإن تقديم ~~المعمول لما أفاد الاختصاص نشأ منه معنى الاشتراط ، وهو كثير في الكلام قال ~~تعالى : { بل الله فاعبد } ( الزمر : 66 ) وقال : { وربك فكبر وثيابك فطهر ~~والرجز فاهجر } ( المدثر : 3 5 ) ، وفي تقديم المجرور قال تعالى : { وفي ~~ذلك فليتنافس المتنافسون } ( المطففين : 26 ) وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم لمن سأل منه أن يخرج للجهاد : ( ألك أبوان ؟ قال : نعم : فقال ففيهما ~~فجاهد ) . بل قد يعامل معاملة الشرط في الإعراب كما روي قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم ( كما تكونوا يول عليكم ) بجزم الفعلين ، وقد تقدم ذلك عند قوله ~~تعالى : { فبذلك فليفرحوا } في سورة يونس . # وذكر الطيبي عن ( أمالي السيد ) ( يعني ابن الشجري ) أن اجتماع الفاء ~~والواو هنا من أعجب كلامهم لأن الفاء تعطف أو تدخل في الجواب وما أشبه ~~الجواب بالاسم الناقص ، أو في صلة الموصول الفعلية ( لشبهها بالجواب ) ، ~~وهي هنا خارجة عما وضعت له ا ه . ولا يبقى تعجب بعد ما قررناه . # PageV30P418 # | 1 ( سورة التين ) 1 # سميت في معظم كتب التفسير ومعظم المصاحف ( سورة والتين ) بإثبات الواو ~~تسمية بأول كلمة فيها . وسماها بعض المفسرين ( سورة التين ) بدون واو لأن ~~فيها لفظ ( التين ) كما قالوا : ( سورة البقرة ) وبذلك ms9413 عنونها الترمذي وبعض ~~المصاحف . # وهي مكية عند أكثر العلماء ، قال ابن عطية : لا أعرف في ذلك خلافا بين ~~المفسرين ، ولم يذكرها في ( الإتقان ) في عداد السور المختلف فيها . وذكر ~~القرطبي عن قتادة أنها مدنية ، ونسب أيضا إلى ابن عباس ، والصحيح عن ابن ~~عباس أنه قال : هي مكية . # وعدت الثامنة والعشرين في ترتيب نزول السور ، نزلت بعد سورة البروج وقبل ~~سورة الإيلاف . # وعدد آياتها ثمان . # أغراضها # احتوت هذه السورة على التنبيه بأن الله خلق الإنسان على الفطرة المستقيمة ~~ليعلموا أن الإسلام هو الفطرة كما قال في الآية الأخرى : { فأقم وجهك للدين ~~حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها } ( الروم : 30 ) وأن ما يخالف أصوله ~~بالأصالة أو بالتحريف فساد وضلال ، ومتبعي ما يخالف الإسلام أهل ضلالة . # والتعريض بالوعيد للمكذبين بالإسلام . PageV30P419 # والإشارة بالأمور المقسم بها إلى أطوار الشرائع الأربعة إيماء إلى أن ~~الإسلام جاء مصدقا لها وأنها مشاركة أصولها لأصول دين الإسلام . # والتنويه بحسن جزاء الذين اتبعوا الإسلام في أصوله وفروعه . # وشملت الامتنان على الإنسان بخلقه على أحسن نظام في جثمانه ونفسه . # $ 2 ( { والتين والزيتون * وطور سينين * وهاذا البلد الامين * لقد خلقنا ~~الإنسان فى & # 1764 أحسن تقويم * ثم رددناه أسفل سافلين * إلا الذين ءامنوا وعملوا ~~الصالحات فلهم أجر غير ممنون * فما يكذبك بعد بالدين * أليس الله بأحكم ~~الحاكمين } ) 2 $ ابتداء الكلام بالقسم المؤكد يؤذن بأهمية الغرض المسوق له ~~الكلام ، وإطالة القسم تشويق إلى المقسم عليه . # والتين ظاهرة الثمرة المشهورة بهذا الاسم ، وهي ثمرة يشبه شكلها شكل ~~الكمثرى ذات قشر لونه أزرق إلى السواد ، تتفاوت أصنافه في قتومة قشره ، ~~سهلة التقشير تحتوي على مثل وعاء أبيض في وسطه عسل طيب الرائحة مخلوط ببزور ~~دقيقة مثل السمسم الصغير ، وهي من أحسن الثمار صورة وطعما وسهولة مضغ ~~فحالتها دالة على دقة صنع الله ومؤذنة بعلمه وقدرته ، فالقسم بها لأجل ~~دلالتها على صفات إلاهية كما يقسم بالاسم لدلالته على الذات ، مع الإيذان ~~بالمنة على الناس إذ خلق لهم هذه الفاكهة التي تنبت في كل البلاد والتي هي ms9414 ~~سهلة النبات لا تحتاج إلى كثرة عمل وعلاج . # والزيتون أيضا ظاهرة الثمرة المشهورة ذات الزيت الذي يعتصر منها فيطعمه ~~الناس ويستصبحون به . والقسم بها كالقسم بالتين من حيث إنها دالة على صفات ~~الله ، مع الإشارة إلى نعمة خلق هذه الثمرة النافعة الصالحة التي تكفي ~~الناس حوائج طعامهم وإضاءتهم . # وعلى ظاهر الاسمين للتين والزيتون حملهما جمع من المفسرين الأولين ابن ~~عباس ومجاهد والحسن وعكرمة والنخعي وعطاء وجابر بن زيد ومقاتل والكلبي وذلك ~~لما في هاتين الثمرتين من المنافع للناس المقتضية الامتنان عليهم بأن خلقها ~~الله لهم ، PageV30P420 ولكن مناسبة ذكر هذين مع { طور سنين } ومع { البلد ~~الأمين } تقتضي أن يكون لهما محمل أوفق بالمناسبة فروي عن ابن عباس أيضا ~~تفسير التين بأنه مسجد نوح الذي بني على الجودي بعد الطوفان . ولعل تسمية ~~هذا الجبل التين لكثرته فيه إذ قد تسمى الأرض باسم ما يكثر فيها من الشجر ~~كقول امرىء القيس : # أمرخ ديارهم أم عشر # وسمي بالتين موضع جاء في شعر النابغة يصف سحابات بقوله : # صهب الظلال أتين التين في عرض # يزجين غيما قليلا ماؤه شبما # والزيتون يطلق على الجبل الذي بني عليه المسجد الأقصى لأنه ينبت الزيتون ~~. وروي هذا عن ابن عباس والضحاك وعبد الرحمن بن زيد وقتادة وعكرمة ومحمد بن ~~كعب القرظي . ويجوز عندي أن يكون القسم ب { التين والزيتون } معنيا بهما ~~شجر هاتين الثمرتين ، أي اكتسب نوعاهما شرفا من بين الأشجار يكون كثير منه ~~نابتا في هذين المكانين المقدسين كما قال جرير : # أتذكر حين تصقل عارضيها # بفرع بشامة سقي البشام # فدعا لنوع البشام بالسقي لأجل عود بشامة الحبيبة . # وأما { طور سينين } فهو الجبل المعروف ب ( طور سينا ) . والطور : الجبل ~~بلغة النبط وهم الكنعانيون ، وعرف هذا الجبل ب { طور سينين } لوقوعه في ~~صحراء ( سينين ) ، و ( سينين ) لغة في سين وهي صحراء بين مصر وبلاد فلسطين ~~. وقيل : سينين اسم الأشجار بالنبطية أو بالحبشية ، وقيل : معناه الحسن ~~بلغة الحبشة . # وقد جاء تعريبه في العربية على صيغة تشبه صيغة جمع المذكر السالم وليس ~~بجمع ms9415 ، مجاز في إعرابه أن يعرب مثل إعراب جمع المذكر بالواو نيابة عن الضمة ~~، أو الياء نيابة عن الفتحة أو الكسرة ، وأن يحكى على الياء مع تحريك نونه ~~بحركات الإعراب مثل : صفين ويبرين وقد تقدم عند قوله تعالى : { والطور ~~وكتاب مسطور } ( الطور : 1 ، 2 ) . PageV30P421 # و { البلد الأمين } : مكة ، سمي الأمين لأن من دخله كان آمنا ، فالأمين ~~فعيل بمعنى مفعل مثل : ( الداعي السميع ) في بيت عمرو بن معديكرب ، ويجوز ~~أن يكون بمعنى مفعول على وجه الإسناد المجازي ، أي المأمون ساكنوه قال ~~تعالى : { وآمنهم من خوف } ( قريش : 4 ) . # والإشارة إليه للتعظيم ولأن نزول السورة في ذلك البلد فهو حاضر بمرأى ~~ومسمع من المخاطبين نظير قوله : { لا أقسم بهذا البلد } ( البلد : 1 ) . # وعلى ما تقدم ذكره من المحملين الثانيين للتين والزيتون تتم المناسبة بين ~~الأيمان وتكون إشارة إلى موارد أعظم الشرائع الواردة للبشر ، فالتين إيماء ~~إلى رسالة نوح وهي أول شريعة لرسولل ، والزيتون إيماء إلى شريعة إبراهيم ~~فإنه بنى المسجد الأقصى كما ورد في الحديث وقد تقدم في أول الإسراء ، و { ~~طور سينين } إيماء إلى شريعة التوراة ، و { البلد الأمين } إيماء إلى مهبط ~~شريعة الإسلام ، ولم يقع إيماء إلى شريعة عيسى لأنها تكملة لشريعة التوراة ~~. # وقد يكون الزيتون على تأويله بالمكان وبأنه المسجد الأقصى إيماء إلى مكان ~~ظهور شريعة عيسى عليه السلام لأن المسجد الأقصى بناه سليمان عليه السلام ~~فلم تنزل فيه شريعة قبل شريعة عيسى ويكون قوله : { وهذا البلد الأمين } ~~إيماء إلى شريعة إبراهيم وشريعة الإسلام فإن الإسلام جاء على أصول الحنيفية ~~وبذلك يكون إيماء هذه الآية ما صرح به في قوله تعالى : { شرع لكم من الدين ~~ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى } ( ~~الشورى : 13 ) ، وبذلك يكون ترتيب الإيماء إلى شرائع نوح وموسى وعيسى ومحمد ~~عليهم الصلاة والسلام غير جار على ترتيب ظهورها فتوجيه مخالفة الترتيب ~~الذكري للترتيب الخارجي أنه لمراعاة اقتران الاسمين المنقولين عن اسمي ~~الثمرتين ، ومقارنة الاسمين الدالين على نوعين من أماكن الأرض ، ليتأتى ms9416 ~~محسن مراعاة النظير ومحسن التورية ، وليناسب { سينين } فواصل السورة . # وفي ابتداء السورة بالقسم بما يشمل إرادة مهابط أشهر الأديان الإلاهية ~~براعة استهلال لغرض السورة وهو أن الله خلق الإنسان في أحسن تقويم ، أي ~~خلقه على الفطرة السليمة مدركا لأدلة وجود الخالق ووحدانيته . وفيه إيماء ~~إلى أن ما خالف PageV30P422 ذلك من النحل والملل قد حاد عن أصول شرائع الله ~~كلها بقطع النظر عن اختلافها في الفروع ، ويكفي في تقوم معنى براعة ~~الاستهلال ما يلوح في المعنى من احتمال . # وجملة : { لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم } مع ما عطف عليه هو جواب ~~القسم . # والقسم عليه يدل على أن التقويم تقويم خفي وأن الرد رد خفي يجب التدبر ~~لإدراكه كما سنبينه في قوله : { في أحسن تقويم } . فلذلك ناسب أن يحقق ~~بالتوكيد بالقسم ، لأن تصرفات معظم الناس في عقائدهم جارية على حالة تشبه ~~حالة من ينكرون أنهم خلقوا على الفطرة . # والخلق : تكوين وإيجاد لشيء ، وخلق الله جميع الناس هو أنه خلق أصول ~~الإيجاد وأوجد الأصول الأولى في بدء الخليقة كما قال تعالى : { لما خلقت ~~بيدي } ( ص : 75 ) وخلق أسباب تولد الفروع من الأصول فتناسلت منها ذرياتهم ~~كما قال : { ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم } ( ~~الأعراف : 11 ) . # وتعريف { الإنسان } يجوز أن يكون تعريف الجنس ، وهو التعريف الملحوظ فيه ~~مجموع الماهية مع وجودها في الخارج في ضمن بعض أفرادها أو جميع أفرادها . # ويحمل على معنى : خلقنا جميع الناس في أحسن تقويم . # ويجوز أن يكون تعريف { الإنسان } تعريف الحقيقة نحو قولهم : الرجل خير من ~~المرأة ، وقول امرىء القيس : # الحرب أول ما تكون فتية # فلا يلاحظ فيه أفراد الجنس بل الملحوظ حالة الماهية في أصلها دون ما يعرض ~~لأفرادها مما يغير بعض خصائصها . ومنه التعريف الواقع في قوله تعالى : { إن ~~الإنسان خلق هلوعا } ، وقد تقدم في سورة المعارج . # والتقويم : جعل الشيء في قوام ( بفتح القاف ) ، أي عدل وتسوية ، وحسن ~~PageV30P423 التقويم أكمله وأليقه بنوع الإنسان ، أي أحسن تقويم له ، وهذا ~~يقتضي أنه تقويم خاص بالإنسان لا ms9417 يشاركه فيه غيره من المخلوقات ، ويتضح ذلك ~~في تعديل القوى الظاهرة والباطنة بحيث لا تكون إحدى قواه موقعة له فيما ~~يفسده ، ولا يعوق بعض قواه البعض الآخر عن أداء وظيفته فإن غيره من جنسه ~~كان دونه في التقويم . # وحرف { في } يفيد الظرفية المجازية المستعارة لمعنى التمكن والملك فهي ~~مستعملة في معنى باء الملابسة أو لام الملك ، وإنما عدل عن أحد الحرفين ~~الحقيقيين لهذا المعنى إلى حرف الظرفية لإفادة قوة الملابسة أو قوة الملك ~~مع الإيجاز ولولا الإيجاز لكانت مساواة الكلام أن يقال : لقد خلقنا الإنسان ~~بتقويم مكين هو أحسن تقويم . # فأفادت الآية أن الله كون الإنسان تكوينا ذاتيا متناسبا ما خلق له نوعه ~~من الإعداد لنظامه وحضارته ، وليس تقويم صورة الإنسان الظاهرة هو المعتبر ~~عند الله تعالى ولا جديرا بأن يقسم عليه إذ لا أثر له في إصلاح النفس ، ~~وإصلاح الغير ، والإصلاح في الأرض ، ولأنه لو كان هو المراد لذهبت المناسبة ~~التي في القسم بالتين والزيتون وطور سينين والبلد الأمين . وإنما هو متمم ~~لتقويم النفس قال النبي صلى الله عليه وسلم ( إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ~~ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم ) فإن العقل أشرف ما خص به نوع الإنسان ~~من بين الأنواع . # فالمرضي عند الله هو تقويم إدراك الإنسان ونظره العقلي الصحيح لأن ذلك هو ~~الذي تصدر عنه أعمال الجسد إذ الجسم آلة خادمة للعقل فلذلك كان هو المقصود ~~من قوله تعالى : { لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم } . # وأما خلق جسد الإنسان في أحسن تقويم فلا ارتباط له بمقصد السورة ويظهر ~~هذا كمال الظهور في قوله : { ثم رددناه أسفل سافلين } فإنه لو حمل الرد ~~أسفل سافلين على مصير الإنسان في أرذل العمر إلى نقائص قوته كما فسر به ~~كثير من المفسرين لكان نبوه عن غرض السورة أشد ، وليس ذلك مما يقع فيه تردد ~~PageV30P424 السامعين حتى يحتاج إلى تأكيده بالقسم ويدل لذلك قوله بعده : { ~~إلا الذين آمنوا } ( التين : 6 ) لأن الإيمان أثر التقويم لعقل الإنسان ~~الذي يلهمه السير ms9418 في أعماله على الطريق الأقوم ، ومعاملة بني نوعه السالمين ~~من عدائه معاملة الخير معهم على حسب توافقهم معه في الحق فذلك هو الأصل في ~~تكوين الإنسان إذا سلم من عوارض عائقة من بعض ذلك مما يعرض له وهو جنين ؛ ~~إما من عاهة تلحقه لمرض أحد الأبوين ، أو لفساد هيكله من سقطة أو صدمة في ~~حمله ، وما يعرض له بعد الولادة من داء معضل يعرض له يترك فيه اختلال مزاجه ~~فيحرف شيئا من فطرته كحماقة السوداويين والسكريين أو خبال المختبلين ، ومما ~~يدخله على نفسه من مساوي العادات كشرب المسكرات وتناول المخدرات مما يورثه ~~على طولل انثلام تعقله أو خور عزيمته . # والذي نأخذه من هذه الآية أن الإنسان مخلوق على حالة الفطرة الإنسانية ~~التي فطر الله النوع ليتصف بآثارها ، وهي الفطرة الإنسانية الكاملة في ~~إدراكه إدراكا مستقيما مما يتأدى من المحسوسات الصادقة ، أي الموافقة ~~لحقائق الأشياء الثابتة في نفس الأمر ، بسبب سلامة ما تؤديه الحواس السليمة ~~، وما يتلقاه العقل السليم من ذلك ويتصرف فيه بالتحليل والتركيب المنتظمين ~~، بحيث لو جانبته التلقينات الضالة والعوائد الذميمة والطبائع المنحرفة ~~والتفكير الضار ، أو لو تسلطت عليه تسلطا ما فاستطاع دفاعها عنه بدلائل ~~الحق والصواب ، لجرى في جميع شؤونه على الاستقامة ، ولما صدرت منه إلا ~~الأفعال الصالحة ولكنه قد يتعثر في ذيول اغتراره ويرخي العنان لهواه وشهوته ~~، فترمي به في الضلالات ، أو يتغلب عليه دعاة الضلال بعامل التخويف أو ~~الإطماع فيتابعهم طوعا أو كرها ، ثم لا يلبث أن يستحكم فيه ما تقلده ~~فيعتاده وينسى الصواب والرشد . # ويفسر هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم ( ما من مولود إلا يولد ~~على الفطرة ثم يكون أبواه هما اللذان يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ) ~~الحديث ؛ ذلك أن أبويه هما أول من يتولى تأديبه وتثقيفه وهما أكثر الناس ~~ملازمة له في صباه ، فهما اللذان يلقيان في نفسه الأفكار الأولى ، فإذا سلم ~~من تضليل أبويه فقد سار بفطرته شوطا ثم هو بعد ذلك عرضة لعديد من المؤثرات ~~فيه ، إن خيرا فخير ms9419 وإن شرا فشر ، PageV30P425 واقتصر النبي صلى الله عليه ~~وسلم على الأبوين لأنهما أقوى أسباب الزج في ضلالتهما ، وأشد إلحاحا على ~~ولدهما . # ولم يعرج المفسرون قديما وحديثا على تفسير التقويم بهذا المعنى العظيم ~~فقصروا التقويم على حسن الصورة . وروي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والكلبي ~~وإبراهيم وأبي العالية ، أو على استقامة القامة . وروي عن ابن عباس ، أو ~~على الشباب والجلادة ، وروي عن عكرمة وابن عباس . # ولا يلائم مقصد السورة إلا أن يتأول بأن ذلك ذكر نعمة على الإنسان عكس ~~الإنسان شكرها فكفر بالمنعم فرد أسفل سافلين ، سوى ما حكاه ابن عطية عن ~~الثعلبي عن أبي بكر بن طاهر أنه قال : ( تقويم الإنسان عقله وإدراكه اللذان ~~زيناه بالتمييز ) ولفظه عند القرطبي قريب من هذا مع زيادة يتناول مأكوله ~~بيده وما حكاه الفخر عن الأصم أن { أحسن تقويم } أكمل عقل وفهم وأدب وعلم ~~وبيان ) . # وتفيد الآية أن الإنسان مفطور على الخير وأن في جبلته جلب النفع والصلاح ~~لنفسه وكراهة ما يظنه باطلا أو هلاكا ، ومحبة الخير والحسن من الأفعال لذلك ~~تراه يسر بالعدل والإنصاف ، وينصح بما يراه مجلبة لخير غيره ، ويغيث ~~الملهوف ويعامل بالحسنى ، ويغار على المستضعفين ، ويشمئز من الظلم ما دام ~~مجردا عن روم نفع يجلبه لنفسه أو إرضاء شهوة يريد قضاءها أو إشفاء غضب يجيش ~~بصدره ، تلك العوارض التي تحول بينه وبين فطرته زمنا ، ويهش إلى كلام ~~الوعاظ والحكماء والصالحين ويكرمهم ويعظمهم ويود طول بقائهم . # فإذا ساورته الشهوة السيئة فزينت له ارتكاب المفاسد ولم يستطع ردها عن ~~نفسه انصرف إلى سوء الأعمال ، وثقل عليه نصح الناصحين ، ووعظ الواعظين على ~~مراتب في كراهية ذلك بمقدار تحكم الهوى في عقله . PageV30P426 # ولهذا كان الأصل في الناس الخير والعدالة والرشد وحسن النية عند جمهور من ~~الفقهاء والمحدثين . # وجملة : { ثم رددناه أسفل سافلين } معطوفة على جملة : { خلقنا الإنسان في ~~أحسن تقويم } فهي في حيز القسم . # وضمير الغائب في قوله : { رددناه } عائد إلى الإنسان فيجري فيه الوجهان ~~المتقدمان من التعريف . # و { ثم } لإفادة التراخي الرتبي كما هو ms9420 شأنها في عطف الجمل ، لأن الرد ~~أسفل سافلين بعد خلقه محوطا بأحسن تقويم عجيب لما فيه من انقلاب ما جبل ~~عليه ، وتغيير الحالة الموجودة أعجب من إيجاد حالة لم تكن ، ولأن هذه ~~الجملة هي المقصود من الكلام لتحقيق أن الذين حادوا عن الفطرة صاروا أسفل ~~سافلين . # والمعنى : ولقد صيرناه أسفل سافلين ، أو جعلناه في أسفل سافلين . # والرد حقيقته إرجاع ما أخذ من شخص أو نقل من موضع إلى ما كان عنده ، ~~ويطلق الرد مجازا على تصيير الشيء بحالة غير الحالة التي كانت له مجازا ~~مرسلا بعلاقة الإطلاق عن التقييد كما هنا . # و { أسفل } : اسم تفضيل ، أي أشد سفالة ، وأضيف إلى { سافلين } ، أي ~~الموصوفين بالسفالة . فالمراد : أسفل سافلين في الإعتقاد بخالقه بقرينة ~~قوله : { إلا الذين آمنوا } ( التين : 6 ) . # وحقيقة السفالة : انخفاض المكان ، وتطلق مجازا شائعا على الخسة والحقارة ~~في النفس ، فالأسفل الأشد سفالة من غيره في نوعه . # والسافلون : هم سفلة الإعتقاد ، والإشراك أسفل الإعتقاد فيكون { أسفل ~~سافلين } مفعولا ثانيا ل { رددناه } لأنه أجري مجرى أخوات صار . # والمعنى : أن الإنسان أخذ يغير ما فطر عليه من التقويم وهو الإيمان بإلاه ~~واحد وما يقتضيه ذلك من تقواه ومراقبته فصار أسفل سافلين ، وهل أسفل ممن ~~يعتقد إلاهية الحجارة والحيوانن الأبكم من بقر أو تماسيح أو ثعابين أو من ~~شجر السمر ، PageV30P427 أو من يحسب الزمان إلاها ويسميه الدهر ، أو من ~~يجحد وجود الصانع وهو يشاهد مصنوعاته ويحس بوجود نفسه قال تعالى : { وفي ~~أنفسكم أفلا تبصرون } ( الذاريات : 21 ) . # فإن ملت إلى جانب الأخلاق رأيت الإنسان يبلغ به انحطاطه إلى حضيض التسفل ~~، فمن ملق إذا طمع ، ومن شح إذا شجع ، ومن جزع إذا خاف ، ومن هلع ، فكم من ~~نفوس جعلت قرابين للآلهة ، ومن أطفال موءودة ، ومن أزواج مقذوفة في النار ~~مع الأموات من أزواجهن ، فهل بعد مثل هذا من تسفل في الأخلاق وأفن الرأي . # وإسناد الرد إلى الله تعالى إسناد مجازي لأنه يكون الأسباب العالية ونظام ~~تفاعلها وتقابلها في الأسباب الفرعية ، حتى تصل إلى الأسباب المباشرة على ms9421 ~~نحو إسناد مد وقبض الظل إليه تعالى في قوله : { ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ~~إلى قوله : ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا } ( الفرقان : 45 ، 46 ) وعلى نحو ~~الإسناد في قول الناس : بنى الأمير مدينة كذا . # ويجوز أن يكون { أسفل سافلين } ظرفا ، أي مكانا أسفل ما يسكنه السافلون ، ~~فإضافة { أسفل } إلى { سافلين } من إضافة الظرف إلى الحال فيه ، وينتصب { ~~أسفل } ب { رددناه } انتصاب الظرف أو على نزع الخافض ، أي إلى أسفل سافلين ~~، وذلك هو دار العذاب كقوله : { إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار } ( ~~النساء : 145 ) فالرد مستعار لمعنى الجعل في مكان يستحقه ، وإسناد الرد إلى ~~الله تعالى على هذا الوجه حقيقي . # وأحسب أن قوله تعالى : { ثم رددناه أسفل سافلين } انتزع منه مالك رحمه ~~الله ما ذكره عياض في ( المدارك ) قال : قال ابن أبي أويس : قال مالك : ~~أقبل علي يوما ربيعة فقال لي : من السفلة يا مالك ؟ قلت : الذي يأكل بدينه ~~، قال لي : فمن سفلة السفلة ؟ قلت : الذي يأكل غيره بدينه . فقال : ( زه ) ~~وصدرني ( أي PageV30P428 ضرب على صدري يعني استحسانا ) . وأن المشركين ~~كانوا أسفل سافلين لأنهم ضللهم كبراؤهم وأيمتهم فسولوا لهم عبادة الأصنام ~~لينالوا قيادتهم . # استثناء متصل من عموم الإنسان فلما أخبر عن الإنسان بأنه رد أسفل سافلين ~~ثم استثني من عمومه الذين آمنوا بقي غير المؤمنين في أسفل سافلين . # والمعنى : أن الذين آمنوابعد أن ردوا أسفل سافلين أيام الإشراك صاروا ~~بالإيمان إلى الفطرة التي فطر الله الإنسان عليها فراجعوا أصلهم إلى أحسن ~~تقويم . # وعطف { وعملوا الصالحات } لأن عمل الصالحات من أحسن التقويم بعد مجيء ~~الشريعة لأنها تزيد الفطرة رسوخا وينسحب الإيمان على الأخلاق فيردها إلى ~~فضلها ثم يهديها إلى زيادة الفضائل من أحاسنها ، وفي الحديث : ( إنما بعثت ~~لأتمم مكارم الأخلاق ) . # فكان عطف { وعملوا الصالحات } للثناء على المؤمنين بأن إيمانهم باعث لهم ~~على العمل الصالح وذلك حال المؤمنين حين نزول السورة فهذا العطف عطف صفة ~~كاشفة . # وليس لانقطاع الاستثناء هنا احتمال لأن وجود الفاء في قوله : { فلهم أجر ~~غير ممنون ms9422 } يأباه كل الإباية . # وفرع على معنى الاستثناء وهو أنهم ليسوا ممن يرد أسفل سافلين الإخبار بأن ~~لهم أجرا عظيما لأن الاستثناء أفاد أنهم ليسوا بأسفل سافلين فأريد زيادة ~~البيان لفضلهم وما أعد لهم . # وتنوين { أجر } للتعظيم . # والممنون : الذي يمن على المأجور به ، أي لهم أجر لا يشوبه كدر ، ولا كدر ~~أن يمن على الذي يعطاه بقول : هذا أجرك ، أو هذا عطاؤك ، فالممنون مفعول ~~PageV30P429 من عليه ، ويجوز أن يكون مفعولا من من الحبل ، إذا قطعه فهو ~~منين ، أي مقطوع أو موشك على التقطع . # ( 7 ، 8 ) # تفريع على جميع ما ذكر من تقويم خلق الإنسان ثم رده أسفل سافلين ، لأن ما ~~بعد الفاء من الكلام مسبب عن البيان الذي قبل الفاء ، أي فقد بان لك أن غير ~~الذين آمنوا هم الذين ردوا إلى أسفل سافلين ، فمن يكذب منهم بالدين الحق ~~بعد هذا البيان . # و ( ما ) يجوز أن تكون استفهامية ، والاستفهام توبيخي ، والخطاب للإنسان ~~المذكور في قوله : { لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم } ( التين : 4 ) فإنه ~~بعد أن استثني منه الذين آمنوا بقي الإنسان المكذب . # وضمير الخطاب التفات ، ومقتضى الظاهر أن يقال : فما يكذبه . ونكتة ~~الالتفات هنا أنه أصرح في مواجهة الإنسان المكذب بالتوبيخ . # ومعنى { يكذبك } يجعلك مكذبا ، أي لا عذر لك في تكذيبك بالدين . # ومتعلق التكذيب : إما محذوف لظهوره ، أي يجعلك مكذبا بالرسول صلى الله ~~عليه وسلم وأما المجرور بالباء ، أي يجعلك مكذبا بدين الإسلام ، أو مكذبا ~~بالجزاء إن حمل الدين على معنى الجزاء وجملة : { أليس الله بأحكم الحاكمين ~~} مستأنفة للتهديد والوعيد . # و { الدين } يجوز أن يكون بمعنى الملة والشريعة ، كقوله تعالى : { إن ~~الدين عند الله الإسلام } ( آل عمران : 19 ) وقوله : { ومن يبتغ غير ~~الإسلام دينا } ( آل عمران : 85 ) . # وعليه تكون الباء للسببية ، أي فمن يكذبك بعد هذا بسبب ما جئت به من ~~الدين فالله يحكم فيه . ومعنى { يكذبك } : ينسبك للكذب بسبب ما جئت به من ~~الدين أو ما أنذرت به من الجزاء ، وأسلوب هذا التركيب مؤذن بأنهم لم يكونوا ~~ينسبون النبي ms9423 صلى الله عليه وسلم إلى الكذب قبل أن يجيئهم بهذا الدين . ~~PageV30P430 # ويجوز أن يكون ( الدين ) بمعنى الجزاء في الآخرة كقوله : { مالك يوم ~~الدين } ( الفاتحة : 4 ) وقوله : { يصلونها يوم الدين } ( الانفطار : 15 ) ~~وتكون الباء صلة ( يكذب ) كقوله : { وكذب به قومك وهو الحق } ( الأنعام : ~~66 ) وقوله : { قل إني على بينة من ربي وكذبتم به } ( الأنعام : 57 ) . # ويجوز أن تكون ( ما ) موصولة وما صدقها المكذب ، فهي بمعنى ( من ) ، وهي ~~في محل مبتدإ ، والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم والضمير المستتر في { ~~يكذبك } عائد إلى ( ما ) وهو الرابط للصلة بالموصول ، والباء للسببية ، أي ~~ينسبك إلى الكذب بسبب ما جئت به من الإسلام أو من إثبات البعث والجزاء . # وحذف ما أضيف إليه { بعد } فبنيت بعد على الضم والتقدير : بعد تبين الحق ~~أو بعد تبين ما ارتضاه لنفسه من أسفل سافلين . # وجملة : { أليس الله بأحكم الحاكمين } يجوز أن تكون خبرا عن ( ما ) ~~والرابط محذوف تقديره : بأحكم الحاكمين فيه . # ويجوز أن تكون الجملة دليلا على الخبر المخبر به عن ( ما ) الموصولة وحذف ~~إيجازا اكتفاء بذكر ما هو كالعلة له فالتقدير فالذي يكذبك بالدين يتولى ~~الله الانتصاف منه أليس الله بأحكم الحاكمين . # والاستفهام تقريري . # و ( أحكم ) يجوز أن يكون مأخودا من الحكم ، أي أقضى القضاة ، ومعنى ~~التفضيل أن حكمه أسد وأنفذ . # ويجوز أن يكون مشتقا من الحكمة . والمعنى : أنه أقوى الحاكمين حكمة في ~~قضائه بحيث لا يخالط حكمه تفريط في شيء من المصلحة ونوط الخبر بذي وصف يؤذن ~~بمراعاة خصائص المعنى المشتق منه الوصف فلما أخبر عن الله بأنه أفضل الذين ~~يحكمون ، علم أن الله يفوق قضاؤه كل قضاء في خصائص القضاء وكمالاته ، وهي : ~~إصابة الحق ، وقطع دابر الباطل ، وإلزام كل من يقضي عليه بالامتثال لقضائه ~~والدخول تحت حكمه . PageV30P431 # روى الترمذي وأبو داود عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ( من قرأ منكم { والتين والزيتون } ( التين : 1 ) فانتهى إلى قوله : { ~~أليس الله بأحكم الحاكمين } فليقل : بلى وأنا على ذلك من الشاهدين ) . # PageV30P432 # | 1 ( سورة العلق ms9424 ) 1 # اشتهرت تسمية هذه السورة في عهد الصحابة والتابعين باسم ( سورة اقرأ باسم ~~ربك ) . روي في ( المستدرك ) عن عائشة : ( أول سورة نزلت من القرآن اقرأ ~~باسم ربك ) فأخبرت عن السورة ب { اقرأ باسم ربك } ( العلق : 1 ) . وروي ذلك ~~عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وأبي رجاء العطاردي ومجاهد والزهري ، وبذلك ~~عنونها الترمذي . # وسميت في المصاحف ومعظم التفاسير ( سورة العلق ) لوقوع لفظ ( العلق ) في ~~أوائلها ، وكذلك سميت في بعض كتب التفسير . # وعنونها البخاري : ( سورة اقرأ باسم ربك الذي خلق ) . # وتسمى : ( سورة اقرأ ) ، وسماها الكواشي في ( التخليص ) ( سورة اقرأ ~~والعلق ) . # وعنونها ابن عطية وأبو بكر بن العربي : ( سورة القلم ) وهذا اسم سميت به ~~: ( سورة ن والقلم ) ولكن الذين جعلوا اسم هذه السورة ( سورة القلم ) يسمون ~~الأخرى ( سورة ن ) . ولم يذكرها في ( الإتقان ) في عداد السور ذات أكثر من ~~اسم . # وهي مكية باتفاق . # وهي أول سورة نزلت في القرآن كما ثبت في الأحاديث الصحيحة الواضحة ، ونزل ~~أولها بغار حراء على النبي صلى الله عليه وسلم وهو مجاور فيه في رمضان ليلة ~~سبع عشرة منه من سنة أربعين بعد الفيل إلى قوله : { علم الإنسان ما لم يعلم ~~} ( العلق : 5 ) . ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة عن عائشة . وفيه حديث عن ~~أبي موسى الأشعري وهو الذي قاله أكثر المفسرين من السلف والخلف . ~~PageV30P433 # وعن جابر أول سورة المدثر ، وتؤول بأن كلامه نص أن سورة المدثر أول سورة ~~نزلت بعد فترة الوحي كما في ( الإتقان ) كما أن سورة الضحى نزلت بعد فترة ~~الوحي الثانية . # وعدد آيها في عد أهل المدينة ومكة عشرون ، وفي عد أهل الشام ثمان عشرة ، ~~وفي عد أهل الكوفة والبصرة تسع عشرة . # أغراضها # تلقين محمد صلى الله عليه وسلم الكلام القرآني وتلاوته إذ كان لا يعرف ~~التلاوة من قبل . # والإيماء إلى أن علمه بذلك ميسر لأن الله الذي ألهم البشر العلم بالكتابة ~~قادر على تعليم من يشاء ابتداء . # وإيماء إلى أن أمته ستصير إلى معرفة القراءة والكتابة والعلم . # وتوجيهه إلى النظر في خلق الله الموجودات ms9425 وخاصة خلقه الإنسان خلقا عجيبا ~~مستخرجا من علقة فذلك مبدأ النظر . # وتهديد من كذب النبي صلى الله عليه وسلم وتعرض ليصده عن الصلاة والدعوة ~~إلى الهدى والتقوى . # وإعلام النبي صلى الله عليه وسلم أن الله عالم بأمر من يناوؤنه وأنه ~~قامعهم وناصر رسوله . # وتثبيت الرسول على ما جاءه من الحق والصلاة والتقرب إلى الله . # وأن لا يعبأ بقوة أعدائه لأن قوة الله تقهرهم . # # | 2 ( { اقرأ باسم ربك الذى خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الاكرم ~~* الذى علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم * كلا إن الإنسان ليطغى * أن ~~رءاه استغنى * إن إلى ربك الرجعى * أرأيت الذى ينهى * عبدا إذا صلى * أرءيت ~~إن كان على الهدى * أو أمر بالتقوى * أرءيت إن كذب وتولى * ألم يعلم بأن ~~الله يرى * كلا لئن لم ينته لنسفعا بالناصية * ناصية كاذبة خاطئة * فليدع ~~ناديه * سندع الزبانية * كلا لا تطعه واسجد واقترب } ) 2 # هذا أول ما أوحي به من القرآن إلى محمد صلى الله عليه وسلم لما ثبت عن ~~عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم مما سيأتي قريبا . PageV30P434 # وافتتاح السورة بكلمة { اقرأ } إيذان بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~سيكون قارئا ، أي تاليا كتابا بعد أن لم يكن قد تلا كتابا قال تعالى : { ~~وما كنت تتلوا من قبله من كتاب } ( العنكبوت : 48 ) ، أي من قبل نزول ~~القرآن ، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل حين قال له اقرأ : ( ~~ما أنا بقارىء ) . # وفي هذا الافتتاح براعة استهلال للقرآن . # وقوله تعالى : { اقرأ } أمر بالقراءة ، والقراءة نطق بكلام معين مكتوبب ~~أو محفوظ على ظهر قلب . # وتقدم في قوله تعالى : { فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان ~~الرجيم } في سورة النحل . # والأمر بالقراءة مستعمل في حقيقته من الطلب لتحصيل فعل في الحال أو ~~الاستقبال ، فالمطلوب بقوله : { اقرأ } أن يفعل القراءة في الحال أو ~~المستقبل القريب من الحال ، أي أن يقول ما سيملى عليه ، والقرينة على أنه ~~أمر بقراءة في المستقبل القريب أنه لم يتقدم إملاء كلام عليه ms9426 محفوظ فتطلب ~~منه قراءته ، ولا سلمت إليه صحيفة فتطلب منه قراءتها ، فهو كما يقول المعلم ~~للتلميذ : اكتب ، فيتأهب لكتابة ما سيمليه عليه . # وفي حديث ( الصحيحين ) عن عائشة رضي الله عنها قولها فيه : ( حتى جاءه ~~الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال : اقرأ . قال : فقلت : ما أنا ~~بقارىء فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال : اقرأ . فقلت : ما ~~أنا بقارىء فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال : اقرأ ~~فقلت : ما أنا بقارىء فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ، ثم أرسلني ~~فقال : { اقرأ باسم ربك الذي خلق } إلى { ما لم يعلم } . # فهذا الحديث روته عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقولها قال : ( ~~فقلت : ما أنا بقارىء ) . وجميع ما ذكرته فيه مما روته عنه لا محالة وقد ~~قالت فيه : ( فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده ) أي فرجع ~~بالآيات التي أمليت عليه ، أي رجع متلبسا بها ، أي بوعيها . PageV30P435 # وهو يدل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلقى ما أوحي إليه . وقرأه ~~حينئذ ويزيد ذلك إيضاحا قولها في الحديث : ( فانطلقت به خديجة إلى ورقة بن ~~نوفل فقالت له خديجة : يا ابن عم اسمع من ابن أخيك ) ، أي اسمع القول الذي ~~أوحي إليه وهذا ينبىء بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قيل له بعد ~~الفطة الثالثة : { اقرأ باسم ربك } الآيات الخمس قد قرأها ساعتئذ كما أمره ~~الله ورجع من غار حراء إلى بيته يقرؤها وعلى هذا الوجه يكون قول الملك له ~~في المرات الثلاث { اقرأ } إعادة للفظ المنزل من الله إعادة تكرير ~~للاستئناس بالقراءة التي لم يتعلمها من قبل . # ولم يذكر لفعل { اقرأ } مفعول ، إما لأنه نزل منزلة اللازم وأن المقصود ~~أوجد القراءة ، وإما لظهور المقروء من المقام ، وتقديره : اقرأ ما سنلقيه ~~إليك من القرآن . # وقوله { باسم ربك } فيه وجوه : # أولها : أن يكون افتتاح كلام بعد جملة { اقرأ } وهو أول المقروء ، أي قل ~~: باسم الله ، فتكون الباء للاستعانة فيجوز ms9427 تعلقه بمحذوف تقديره : ابتدىء ~~ويجوز أن يتعلق ب { اقرأ } الثاني فيكون تقديمه على معموله للاهتمام بشأن ~~اسم الله . ومعنى الاستعانة باسم الله ذكر اسمه عند هذه القراءة ، وإقحام ~~كلمة ( اسم ) لأن الاستعانة بذكر اسمه تعالى لا بذاته كما تقدم في الكلام ~~على البسملة ، وهذا الوجه يقتضي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { باسم ~~الله } حين تلقى هذه الجملة . # الثاني : أن تكون الباء للمصاحبة ويكون المجرور في موضع الحال من ضمير { ~~اقرأ } الثاني مقدما على عامله للاختصاص ، أي اقرأ ما سيوحى إليك مصاحبا ~~قراءتك ( اسم ربك ) . فالمصاحبة مصاحبة الفهم والملاحظة لجلاله ، ويكون هذا ~~إثباتا لوحدانية الله بالإلاهية وإبطالا للنداء باسم الأصنام الذي كان ~~يفعله المشركون يقولون : باسم اللاتت ، باسم العزى ، كما تقدم في البسملة . ~~فهذا أول ما جاء من قواعد الإسلام قد افتتح به أول الوحي . # الثالث : أن تكون الباء بمعنى ( على ) كقوله تعالى : { من إن تأمنه ~~بقنطار } ( آل عمران : 75 ) ، أي على قنطار . والمعنى : اقرأ على اسم ربك ، ~~أي على إذنه ، أي أن الملك جاءك على اسم ربك ، أي مرسلا من ربك ، فذكر ( ~~اسم ) على هذا متعين . PageV30P436 # وعدل عن اسم الله العلم إلى صفة { ربك } لما يؤذن وصف الرب من الرأفة ~~بالمربوب والعناية به ، مع ما يتأتى بذكره من إضافته إلى ضمير النبي صلى ~~الله عليه وسلم إضافة مؤذنة بأنه المنفرد بربوبيته عنده ردا على الذين ~~جعلوا لأنفسهم أربابا من دون الله فكانت هذه الآية أصلا للتوحيد في الإسلام ~~. # وجيء في وصف الرب بطريق الموصول { الذي خلق } ولأن في ذلك استدلالا على ~~انفراد الله بالإلاهية لأن هذا القرآن سيتلى على المشركين لما تفيده ~~الموصولية من الإيماء إى علة الخبر ، وإذا كانت علة الإقبال على ذكر اسم ~~الرب هي أنه خالق دل ذلك على بطلان الإقبال على ذكر غيره الذي ليس بخالق ، ~~فالمشركون كانوا يقبلون على اسم اللات واسم العزى ، وكون الله هو الخالق ~~يعترفون به قال تعالى : { ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله ~~} ( لقمان : 25 ) فلما كان ms9428 المقام مقام ابتداء كتاب الإسلام دين التوحيد ~~كان مقتضيا لذكر أدل الأوصاف على وحدانيته . # وجملة { خلق الإنسان من علق } يجوز أن تكون بدلا من جملة { الذي خلق } ~~بدل مفصل من مجمل إن لم يقدر له مفعول ، أو بدل بعض إن قدر له مفعول عام ، ~~وسلك طريق الإبدال لما فيه من الإجمال ابتداء لإقامة الاستدلال على افتقار ~~المخلوقات كلها إليه تعالى لأن المقام مقام الشروع في تأسيس ملة الإسلام . ~~ففي الإجمال إحضار للدليل مع الاختصار مع ما فيه من إفادة التعميم ثم يكون ~~التفصيل بعد ذلك لزيادة تقرير الدليل . # ويجوز أن تكون بيانا من { الذي خلق } إذا قدر لفعل { خلق } الأول مفعول ~~دل عليه بيانه فيكون تقدير الكلام : اقرأ باسم ربك الذي خلق الإنسان من علق ~~. # وعدم ذكر مفعول لفعل { خلق } يجوز أن يكون لتنزيل الفعل منزلة اللازم ، ~~أي الذي هو الخالق وأن يكون حذف المفعول لإرادة العموم ، أي خلق كل ~~المخلوقات ، وأن يكون تقديره : الذي خلق الإنسان اعتمادا على ما يرد بعده ~~من قوله { خلق الإنسان } ، فهذه معان في الآية . PageV30P437 # وخص خلق الإنسان بالذكر من بين بقية المخلوقات لأنه المطرد في مقام ~~الاستدلال إذ لا يغفل أحد من الناس عن نفسه ولا يخلو من أن يخطر له خاطر ~~البحث عن الذي خلقه وأوجده ولذلك قال تعالى : { وفي أنفسكم أفلا تبصرون } ( ~~الذاريات : 21 ) . # وفيه تعريض بتحميق المشركين الذين ضلوا عن توحيد الله تعالى مع أن دليل ~~الوحدانية قائم في أنفسهم . # وفي قوله : { من علق } إشارة إلى ما ينطوي في أصل خلق الإنسان من بديع ~~الأطوار والصفات التي جعلته سلطان هذا العالم الأرضي . # والعلق : اسم جمع علقة وهي قطعة قدر الأنملة من الدم الغليظ الجامد ~~الباقي رطبا لم يجف ، سمي بذلك تشبيها لها بدودة صغيرة تسمى علقة ، وهي ~~حمراء داكنة تكون في المياه الحلوة ، تمتص الدم من الحيوان إذا علق خرطومها ~~بجلده وقد تدخل إلى فم الدابة وخاصة الخيل والبغال فتعلق بلهاته ولا يتفطن ~~لها . # ومعنى : { خلق الإنسان من علق } أن نطفة ms9429 الذكر ونطفة المرأة بعد الاختلاط ~~ومضي مدة كافية تصيران علقة فإذا صارت علقة فقد أخذت في أطوار التكون ، ~~فجعلت العلقة مبدأ الخلق ولم تجعل النطفة مبدأ الخلق لأن النطفة اشتهرت في ~~ماء الرجل فلو لم تخالطه نطفة المرأة لم تصر العلقة فلا يتخلق الجنين وفيه ~~إشارة إلى أن خلق الإنسان من علق ثم مصيره إلى كمال أشده هو خلق ينطوي على ~~قوى كامنة وقابليات عظيمة أقصاها قابلية العلم والكتابة . # ومن إعجاز القرآن العلمي ذكر العلقة لأن الثابت في العلم الآن أن الإنسان ~~يتخلق من بويضة دقيقة جدا لا ترى إلا بالمرآة المكبرة أضعافا تكون في مبدإ ~~ظهورها كروية الشكل سابحة في دم حيض المرأة فلا تقبل التخلق حتى تخالطها ~~نطفة الرجل فتمتزج معها فتأخذ في التخلق إذا لم يعقها عائق كما قال تعالى : ~~{ مخلقة وغير مخلقة } ( الحج : 5 ) ، فإذا أخذت في التخلق والنمو امتد ~~تكورها قليلا فشابهت العلقة التي في الماء مشابهة تامة في دقة الجسم ~~وتلونها بلون الدم الذي هي سابحة فيه وفي كونها سابحة في سائل كما تسبح ~~العلقة ، وقد تقدم هذا في سورة غافر وأشرت إليه في المقدمة العاشرة . ~~PageV30P438 # ومعنى حرف { من } الابتداء . # وفعل { اقرأ } الثاني تأكيد ل { اقرأ } الأول للاهتمام بهذا الأمر . # . # جملة معطوفة على جملة : { اقرأ باسم ربك } فلها حكم الاستئناف ، و { ربك ~~} مبتدأ وخبره إما { الذي علم بالقلم } وإما جملة : { علم الإنسان ما لم ~~يعلم } . وهذا الاستئناف بياني . # فإذا نظرت إلى الآية مستقلة عما تضمنه حديث عائشة في وصف سبب نزولها كان ~~الاستئناف ناشئا عن سؤال يجيش في خاطر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقول : ~~كيف أقرأ وأنا لا أحسن القراءة والكتابة ، فأجيب بأن الذي علم القراءة ~~بواسطة القلم ، أي بواسطة الكتابة يعلمك ما لم تعلم . # وإذا قرنت بين الآية وبين الحديث المذكور كان الاستئناف جوابا عن قوله ~~لجبريل : ( ما أنا بقارىء ) فالمعنى : لا عجب في أن تقرأ وإن لم تكن من قبل ~~عالما بالقراءة إذ العلم بالقراءة يحصل بوسائل أخرى مثل الإملاء ms9430 والتلقين ~~والإلهام وقد علم الله آدم الأسماء ولم يكن آدم قارئا . # ومقتضى الظاهر : وعلم بالقلم . فعدل عن الإضمار لتأكيد ما يشعر به { ربك ~~} من العناية المستفادة من قوله : { اقرأ باسم ربك } وأن هذه القراءة شأن ~~من شؤون الرب اختص بها عبده إتماما لنعمة الربوبية عليه . # وليجري على لفظ الرب وصف الأكرم . # ووصف { الأكرم } مصوغ للدلالة على قوة الاتصاف بالكرم وليس مصوغا ~~للمفاضلة فهو مسلوب المفاضلة . PageV30P439 # والكرم : التفضل بعطاء ما ينفع المعطى ، ونعم الله عظيمة لا تحصى ابتداء ~~من نعمة الإيجاد ، وكيفية الخلق ، والإمداد . # وقد جمعت هذه الآيات الخمس من أول السورة أصول الصفات الإلاهية فوصف الرب ~~يتضمن الوجود والوحدانية ، ووصف { الذي خلق } ووصف { الذي علم بالقلم } ~~يقتضيان صفات الأفعال ، مع ما فيه من الاستدلال القريب على ثبوت ما أشير ~~إليه من الصفات بما تقتضيه الموصولية من الإيماء إلى وجه بناء الخبر الذي ~~يذكر معها . ووصف { الأكرم } يتضمن صفات الكمال والتنزيه عن النقائص . # ومفعولا { علم بالقلم } محذوفان دل عليهما قوله : { بالقلم } وتقديره : ~~علم الكاتبين أو علم ناسا الكتابة ، وكان العرب يعظمون علم الكتابة ~~ويعدونها من خصائص أهل الكتاب كما قال أبو حية النميري : # كما خط الكتاب بكف يوما # يهودي يقارب أو يزيل # ويتفاخر من يعرف الكتابة بعلمه وقال الشاعر : # تعلمت باجاد وآل # مرامر وسودت أثوابي ولست بكاتب # وذكر أن ظهور الخط في العرب أول ما كان عند أهل الأنبار ، وأدخل الكتابة ~~إلى الحجاز حرب بن أمية تعلمه من أسلم بن سدرة وتعلمه أسلم من مرامر بن مرة ~~وكان الخط سابقا عند حمير باليمن ويسمى المسند . # وتخصيص هذه الصلة بالذكر وجعلها معترضة بين المبتدإ والخبر للإيماء إلى ~~إزالة ما خطر ببال النبي صلى الله عليه وسلم من تعذر القراءة عليه لأنه لا ~~يعلم الكتابة فكيف القراءة إذ قال للملك : ( ما أنا بقارىء ) ثلاث مرات ، ~~لأن قوله : ( ما أنا بقارىء ) اعتذار عن تعذر امتثال أمره بقوله : { اقرأ } ~~؛ فالمعنى أن الذي علم الناس الكتابة بالقلم والقراءة قادر على أن يعلمك ~~القراءة وأنت لا تعلم ms9431 الكتابة . # والقلم : شظية من قصب ترقق وتثقف وتبرى بالسكينن لتكون ملساء بين الأصابع ~~ويجعل طرفها مشقوقا شقا في طول نصف الأنملة ، فإذا بل ذلك الطرف ~~PageV30P440 بسائل المداد يخط به على الورق وشبهه ، وقد تقدم عند قوله ~~تعالى : { إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم في سورة آل عمران . # وجملة : علم الإنسان ما لم يعلم } خبر عن قوله : { وربك الأكرم } وما ~~بينهما اعتراض . # وتعريف { الإنسان } يجوز أن يكون تعريف الجنس فيكون ارتقاء في الإعلام ~~بما قدره الله تعالى من تعليم الإنسان بتعميم التعليم بعد تخصيص التعليم ~~بالقلم . # وقد حصلت من ذكر التعليم بالقلم والتعليم الأعم إشارة إلى ما يتلقاه ~~الإنسان من التعاليم سواء كان بالدرس أم بمطالعة الكتب وأن تحصيل العلوم ~~يعتمد أمورا ثلاثة : # أحدها : الأخذ عن الغير بالمراجعة ، والمطالعة ، وطريقهما الكتابة وقراءة ~~الكتب فإن بالكتابة أمكن للأمم تدوين آراء علماء البشر ونقلها إلى الأقطار ~~النائية وفي الأجيال الجائية . # والثاني : التلقي من الأفواه بالدرس والإملاء . # والثالث : ما تنقدح به العقول من المستنبطات والمخترعات . وهذان داخلان ~~تحت قوله تعالى : { علم الإنسان ما لم يعلم } . # وفي ذلك اطمئنان لنفس النبي صلى الله عليه وسلم بأن عدم معرفته الكتابة ~~لا يحول دون قراءته لأن الله علم الإنسان ما لم يعلم ، فالذي علم القراءة ~~لأصحاب المعرفة بالكتابة قادر على أن يعلمك القراءة دون سبق معرفة بالكتابة ~~. # وأشعر قوله : { ما لم يعلم } أن العلم مسبوق بالجهل فكل علم يحصل فهو علم ~~ما لم يكن يعلم من قبل ، أي فلا يؤيسنك من أن تصير عالما بالقرآن والشريعة ~~أنك لا تعرف قراءة ما يكتب بالقلم . وفي الآية إشارة إلى الاهتمام بعلم ~~الكتابة وبأن الله يريد أن يكتب للنبيء صلى الله عليه وسلم ما ينزل عليه من ~~القرآن فمن أجل ذلك اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم كتابا للوحي من مبدإ ~~بعثته . # وفي الاقتصار على أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالقراءة ثم إخباره بأن ~~الله علم الإنسان PageV30P441 بالقلم إيماء إلى استمرار صفة الأمية للنبيء ~~صلى الله عليه وسلم لأنها ms9432 وصف مكمل لإعجاز القرآن قال تعالى : { وما كنت ~~تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون } ( العنكبوت : ~~48 ) . # وهذه آخر الخمس الآيات التي هي أول ما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم ~~في غار حراء . # ( 6 10 ) { } # استئناف ابتدائي لظهور أنه في غرض لا اتصال له بالكلام الذي قبله . # وحرف { كلا } ردع وإبطال ، وليس في الجملة التي قبله ما يحتمل الإبطال ~~والردع ، فوجود { كلا } في أول الجملة دليل على أن المقصود بالردع هو ما ~~تضمنه قوله : { أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى } الآية . # وحق { كلا } أن تقع بعد كلام لإبطاله والزجر عن مضمونه ، فوقوعها هنا في ~~أول الكلام يقتضي أن معنى الكلام الآتي بعدها حقيق بالإبطال وبردع قائله ، ~~فابتدىء الكلام بحرف الردع للإبطال ، ومن هذا القبيل أن يفتتح الكلام بحرف ~~نفي ليس بعده ما يصلح لأن يلي الحرف كما في قول امرىء القيس : # فلا وأبيكك ابنة العامر # ي لا يدعي القوم أني أفر # روى مسلم عن أبي حازم عن أبي هريرة قال : ( قال أبو جهل : هل يعفر محمد ~~وجهه ( أي يسجد في الصلاة ) بين أظهركم ؟ فقيل : نعم ، فقال : واللاتت ~~والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته فأتى رسول الله وهو يصلي زعم ~~ليطأ على رقبته فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيده . فقيل له ~~: ما لك يا أبا الحكم ؟ قال : إن بيني وبينه لخندقا من نار وهولا وأجنحة ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا ~~قال : فأنزل الله ، لا ندري في حديث أبي هريرة أو شيء بلغه : { إن الإنسان ~~ليطغى } الآيات اه . PageV30P442 # وقال الطبري : ذكر أن آية { أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى } وما بعدها ~~نزلت في أبي جهل بن هشام وذلك أنه قال فيما بلغنا : لئن رأيت محمدا يصلي ~~لأطأن رقبته . فجعل الطبري ما أنزل في أبي جهل مبدوءا بقوله : { أرأيت الذي ~~ينهى عبدا إذا صلى } . # ووجه الجمع بين الروايتين : أن النازل في أبي ms9433 جهل بعضه مقصود وهو ما أوله ~~{ أرأيت الذي ينهى } الخ ، وبعضه تمهيد وتوطئة وهو : { إن الإنسان ليطغى } ~~إلى { الرجعى } . # واختلفوا في أن هذه الآيات إلى آخر السورة نزلت عقب الخمس الآيات الماضية ~~وجعلوا مما يناكده ذكر الصلاة فيها . وفيما روي في سبب نزولها من قول أبي ~~جهل بناء على أن الصلاة فرضت ليلة الإسراء وكان الإسراء بعد البعثة بسنين ، ~~فقال بعضهم : إنها نزلت بعد الآيات الخمس الأولى من هذه السورة ، ونزل ~~بينهن قرآن آخر ثم نزلت هذه الآيات ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بإلحاقها ، وقال بعض آخر : ليست هذه السورة أول ما أنزل من القرآن . # وأنا لا أرى مناكدة تفضي إلى هذه الحيرة والذي يستخلص من مختلف الروايات ~~في بدء الوحي وما عقبه من الحوادث أن الوحي فتر بعد نزول الآيات الخمس ~~الأوائل من هذه السورة وتلك الفترة الأولى التي ذكرناها في أول سورة الضحى ~~، وهناك فترة للوحي هذه ذكرها ابن إسحاق بعد أن ذكر ابتداء نزول القرآن ~~وذلك يؤذن بأنها حصلت عقب نزول الآيات الخمس الأول ولكن أقوالهم اختلفت في ~~مدة الفترة . وقال السهيلي : كانت المدة سنتين ، وفيه بعد . وليس تحديد ~~مدتها بالأمر المهم ولكن الذي يهم هو أنا نوقن بأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان في مدة فترة الوحي يرى جبريل ويتلقى منه وحيا ليس من القرآن . ~~وقال السهيلي في ( الروض الأنف ) : ذكر الحربي أن الصلاة قبل الإسراء كانت ~~صلاة قبل غروب الشمس ( أي العصر ) وصلاة قبل طلوعها ( أي الصبح ) ، وقال ~~يحيى بن سلام مثله ، وقال : كان الإسراء وفرض الصلوات الخمس قبل الهجرة ~~بعام اه . فالوجه أن تكون الصلاة التي كان يصليها النبي صلى الله عليه وسلم ~~صلاة غير الصلوات الخمس بل كانت هيئة غير مضبوطة بكيفية وفيها سجود لقول ~~الله تعالى : { واسجد واقترب } ( العلق : 19 ) PageV30P443 يؤديها في ~~المسجد الحرام أو غيره بمرأى من المشركين فعظم ذلك على أبي جهل ونهاه عنها ~~. # فالوجه أن تكون هذه الآيات إلى بقية السورة قد نزلت بعد فترة قصيرة ms9434 من ~~نزول أول السورة حدثت فيها صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفشا فيها ~~خبر بدء الوحي ونزول القرآن ، جريا على أن الأصل في الآيات المتعاقبة في ~~القراءة أن تكون قد تعاقبت في النزول إلا ما ثبت تأخره بدليل بين ، وجريا ~~على الصحيح الذي لا ينبغي الالتفات إلى خلافه من أن هذه السورة هي أول سورة ~~نزلت . # فموقع قوله : { إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى } موقع المقدمة لما يرد ~~بعده من قوله : { أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى } إلى قوله : { لا تطعه } ( ~~العلق : 19 ) لأن مضمونه كلمة شاملة لمضمون : { أرأيت الذي ينهى عبدا إذا ~~صلى } إلى قوله : { فليدع ناديه } ( العلق : 17 ) . # والمعنى : أن ما قاله أبو جهل ناشىء عن طغيانه بسبب غناه كشأن الإنسان . # والتعريف في { الإنسان } للجنس ، أي من طبع الإنسان أن يطغى إذا أحس من ~~نفسه الاستغناء ، واللام مفيدة الاستغراق العرفي ، أي أغلب الناس في ذلك ~~الزمان إلا من عصمه خلقه أو دينه . # وتأكيد الخبر بحرف التأكيد ولام الابتداء لقصد زيادة تحقيقه لغرابته حتى ~~كأنه مما يتوقع أن يشك السامع فيه . # والطغيان : التعاظم والكبر . # والاستغناء : شدة الغنى ، فالسين والتاء فيه للمبالغة في حصول الفعل مثل ~~استجاب واستقر . # و { وأن رآه } متعلق ب ( يطغى ) بحذف لام التعليل لأن حذف الجار مع ( أن ~~) كثير شائع ، والتقدير : إن الإنسان ليطغى لرؤيته نفسه مستغنيا . # وعلة هذا الخلق أن الاستغناء تحدث صاحبه نفسه بأنه غير محتاج إلى غيره ~~PageV30P444 وأن غيره محتاج فيرى نفسه أعظم من أهل الحاجة ولا يزال ذلك ~~التوهم يربو في نفسه حتى يصير خلقا حيث لا وازع يزعه من دين أو تفكير صحيح ~~فيطغى على الناس لشعوره بأنه لا يخاف بأسهم لأن له ما يدفع به الاعتداء من ~~لأمة سلاحح وخدمم وأعوان وعفاة ومنتفعين بماله من شركاء وعمال وأجراء فهو ~~في عزة عند نفسه . # فقد بينت هذه الآية حقيقة نفسية عظيمة من الأخلاق وعلم النفس . ونبهت على ~~الحذر من تغلغلها في النفس . # وضمير { رآه } المستتر المرفوع على الفاعلية وضميره ms9435 البارز المنصوب على ~~المفعولية كلاهما عائد إلى الإنسان ، أي أن رأى نفسه استغنى . # ولا يجتمع ضميران متحدا المعاد : أحدهما فاعل ، والآخر مفعول في كلام ~~العرب ، إلا إذا كان العامل من باب ظن وأخواتها كما في هذه الآية ، ومنه ~~قوله تعالى : { قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي في سورة الإسراء . قال الفراء ~~: والعرب تطرح النفس من هذا الجنس ( أي جنس أفعال الظن والحسبان ) تقول : ~~رأيتني وحسبتني ، ومتى تراك خارجا ، ومتى تظنك خارجا ، وألحقت ( رأى ) ~~البصرية ب ( رأى ) القلبية عند كثير من النحاة كما في قول قطري بن الفجاءة ~~: # فلقد أراني للرماح دريئة # من عن يميني مرة وأمامي # ومن النادر قول النمر بن تولب : # قد بت أحرسني وحدي ويمنعني # صوت السباع به يضبحن والهام # وقرأ الجميع أن رآه } بألف بعد الهمزة ، وروى ابن مجاهد عن قنبل أنه قرأه ~~عن ابن كثير ( رأه ) بدون ألف بعد الهمزة ، قال ابن مجاهد : هذا غلط ولا ~~يعبأ بكلام ابن مجاهد بعد أن جزم بأنه رواه عن قنبل ، لكن هذا لم يروه غير ~~ابن مجاهد عن قنبل فيكون وجها غريبا عن قنبل . # وألحق بهذه الأفعال : فعل فقد وفعل عدم إذا استعملا في الدعاء نحو قول ~~القائل : فقدتني وعدمتني . PageV30P445 # وجملة : { إن إلى ربك الرجعى } معترضة بين المقدمة والمقصد والخطاب ~~للنبيء صلى الله عليه وسلم أي مرجع الطاغي إلى الله ، وهذا موعظة وتهديد ~~على سبيل التعريض لمن يسمعه من الطغاة ، وتعليم للنبيء صلى الله عليه وسلم ~~وتثبيت له ، أي لا يحزنك طغيان الطاغي فإن مرجعه إلي ، ومرجع الطاغي إلى ~~العذاب قال تعالى : { إن جهنم كانت مرصادا للطاغين مئابا } ( النبأ : 21 ، ~~22 ) وهي موعظة للطاغي بأن غناه لا يدفع عنه الموت ، والموت : رجوع إلى ~~الله كقوله : { يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه } ( ~~الانشقاق : 6 ) . # وفيه معنى آخر وهو أن استغناءه غير حقيقي لأنه مفتقر إلى الله في أهم ~~أموره ولا يدري ماذا يصيره إليه ربه من العواقب فلا يزده بغنى زائف في هذه ~~الحياة فيكون : { الرجعى } مستعملا ms9436 في مجازه ، وهو الاحتياج إلى المرجوع ~~إليه ، وتأكيد الخبر ب ( إن ) مراعى فيه المعنى التعريضي لأن معظم الطغاة ~~ينسون هذه الحقيقة بحيث ينزلون منزلة من ينكرها . # و { الرجعى } : بضم الراء مصدر رجع على زنة فعلى مثل البشرى . # وتقديم { إلى ربك } على { الرجعى } للاهتمام بذلك . # وجملة : { أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى } إلى آخرها هي المقصود من الردع ~~الذي أفاده حرف { كلا } ، فهذه الجملة مستأنفة استئنافا ابتدائيا متصلا ~~باستئناف جملة : { إن الإنسان ليطغى } . # و { الذي ينهى } اتفقوا على أنه أريد به أبو جهل إذ قال قولا يريد به نهي ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي في المسجد الحرام فقال في ناديه : لئن ~~رأيت محمدا يصلي في الكعبة لأطأن على عنقه . فإنه أراد بقوله ذلك أن يبلغ ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم فهو تهديد يتضمن النهي عن أن يصلي في المسجد ~~الحرام ولم يرو أنه نهاه مشافهة . # و { أرأيت } كلمة تعجيب من حالل ، تقال للذي يعلم أنه رأى حالا عجيبة . ~~والرؤية علمية ، أي أعلمت الذي ينهى عبدا والمستفهم عنه هو ذلك العلم ، ~~والمفعول الثاني ل ( رأيت ) محذوف دل عليه قوله في آخر الجمل { ألم يعلم ~~بأن الله يرى } ( العلق : 14 ) . PageV30P446 # والاستفهام مستعمل في التعجيب لأن الحالة العجيبة من شأنها أن يستفهم عن ~~وقوعها استفهام تحقيق وتثبيت لنبئها إذ لا يكاد يصدق به ، فاستعمال ~~الاستفهام في التعجيب مجاز مرسل في التركيب . ومجيء الاستفهام في التعجيب ~~كثير نحو { هل أتاك حديث الغاشية } ( الغاشية : 1 ) . # والرؤية علمية ، والمعنى : أعجب ما حصل لك من العلم قال الذي ينهى عبدا ~~إذا صلى . ويجوز أن تكون الرؤية بصرية لأنها حكاية أمر وقع في الخارج ~~والخطاب في { أرأيت } لغير معين . # والمراد بالعبد النبي صلى الله عليه وسلم وإطلاق العبد هنا على معنى ~~الواحد من عباد الله أي شخصص كما في قوله تعالى : { بعثنا عليكم عبادا لنا ~~أولي بأس شديد } ( الإسراء : 5 ) ، أي رجالا . وعدل عن التعبير عنه بضمير ~~الخطاب لأن التعجيب من نفس النهي عن الصلاة بقطع ms9437 النظر عن خصوصية المصلي . ~~فشموله لنهيه عن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم أوقع ، وصيغة المضارع في ~~قوله : { ينهى } لاستحضار الحالة العجيبة وإلا فإن نهيه قد مضى . # والمنهي عنه محذوف يغني عنه تعليق الظرف بفعل { ينهى } أي نهاه عن صلاته ~~. # ( 11 12 ) # تعجيب آخر من حالل مفروض وقوعه ، أي أتظنه ينهى أيضا عبدا متمكنا من ~~الهدى فتعجب من نهيه . والتقدير : أرأيته إن كان العبد على الهدى أينهاه عن ~~الهدى ، أو إن كان العبد آمرا بالتقوى أينهاه عن ذلك . # والمعنى : أن ذلك هو الظن به فيعجب المخاطب من ذلك لأن من ينهى عن الصلاة ~~وهي قربة إلى الله فقد نهى عن الهدى ، ويوشك أن ينهى عن أن يأمر أحد ~~بالتقوى . # وجواب الشرط محذوف وأتى بحرف الشرط الذي الغالب فيه عدم الجزم بوقوع فعل ~~الشرط مجاراة لحال الذي ينهى عبدا . PageV30P447 # والرؤية هنا علمية ، وحذف مفعولا فعل الرؤية اختصارا لدلالة { الذي ينهى ~~} ( العلق : 9 ) على المفعول الأول ودلالة { ينهى } على المفعول الثاني في ~~الجملة قبلها . # و { على } للاستعلاء المجازي وهو شدة التمكن من الهدى بحيث يشبه تمكن ~~المستعلي على المكان كما تقدم في قوله تعالى : { أولئك على هدى من ربهم } ( ~~لقمان : 5 ) . # فالضميرانن المستتران في فعلي { كان على الهدى أو أمر بالتقوى } عائدان ~~إلى { عبدا } وإن كانت الضمائر الحافة به عائدة إلى { الذي ينهى عبدا إذا ~~صلى } ( العلق : 9 ، 10 ) فإن السياق يرد كل ضمير إلى معاده كما في قول ~~عباس بن مرداس : # عدنا ولولا نحن أحدق جمعهم # بالمسلمين وأحرزوا ما جمعوا # والمفعول الثاني لفعل ( رأيت ) محذوف دل عليه قوله : { ألم يعلم بأن الله ~~يرى } ( العلق : 14 ) أو دل عليه قوله : { ينهى } المتقدم . والتقدير : ~~أرأيته . # وجواب : { إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى } محذوف تقديره : أينهاه أيضا ~~. # وفصلت جملة : { أرأيت إن كان على الهدى } لوقوعها موقع التكرير لأن فيها ~~تكرير التعجيب من أحوال عديدة لشخص واحد . # ( 13 ، 14 ) # جملة مستأنفة للتهديد والوعيد على التكذيب والتولي ، أي إذا كذب بما يدعى ~~إليه وتولى أتظنه ms9438 غير عالم بأن الله مطلع عليه . # فالمفعول الأول ل ( رأيت ) محذوف وهو ضمير عائد إلى { الذي ينهى } ( ~~العلق : 9 ) والتقدير : أرأيته إن كذب . . . إلى آخره . # وجواب { إن كذب وتولى } هو { ألم يعلم بأن الله يرى } كذا قدر صاحب ( ~~الكشاف ) ، ولم يعتبر وجوب اقتران جملة جواب الشرط بالفاء إذا كانت الجملة ~~استفهامية . وصرح الرضي باختيار عدم اشتراط الاقتران بالفاء ونظره بقوله ~~تعالى : { قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم ~~الظالمون } ( الأنعام : 47 ) فأما قول جمهور النحاة والزمخشري في ( المفصل ~~) فهو وجوب الاقتران بالفاء ، وعلى قولهم PageV30P448 يتعين تقدير جواب ~~الشرط بما يدل عليه : { ألم يعلم بأن الله يرى } والتقدير : إن كذب وتولى ~~فالله عالم به ، كناية عن توعده ، وتكون جملة : { ألم يعلم بأن الله يرى } ~~مستأنفة لإنكار جهل المكذب بأن الله سيعاقبه ، والشرط وجوابه سادان مسد ~~المفعول الثاني . # وكني بأن الله يرى عن الوعيد بالعقاب . # وضمن فعل { يعلم } معنى يوقن فلذلك عدي بالباء . # وعلق فعل { أرأيت } هنا عن العمل لوجود الاستفهام في قوله : { ألم يعلم } ~~. # والاستفهام إنكاري ، أي كان حقه أن يعلم ذلك ويقي نفسه العقاب . # وفي قوله : { إن كذب وتولى } إيذان للنبيء صلى الله عليه وسلم بأن أبا ~~جهل سيكذبه حين يدعوه إلى الإسلام وسيتولى ، ووعد بأن الله ينتصف له منه . # وضمير { كذب وتولى } عائد إلى { الذي ينهى عبدا إذا صلى } ( العلق : 9 ، ~~10 ) ، وقرينة المقام ترجع الضمائر إلى مراجعها المختلفة . # وحذف مفعول { كذب } لدلالة ما قبله عليه . والتقدير : إن كذبه ، أي العبد ~~الذي صلى ، وبذلك انتظمت الجمل الثلاث في نسبة معانيها إلى الذي ينهى عبدا ~~إذا صلى وإلى العبد الذي صلى ، واندفعت عنك ترددات عرضت في التفاسير . # وحذف مفعول { يرى } ليعم كل موجود ، والمراد بالرؤية المسندة إلى الله ~~تعالى تعلق علمه بالمحسوسات . # ( 15 ، 16 ) # . # أكد الردع الأول بحرف الردع الثاني في آخر الجملة وهو الموقع الحقيق لحرف ~~الردع إذ كان تقديم نظيره في أول الجملة ، لما دعا إليه لمقام من التشويق . ~~PageV30P449 # . # أعقب الردع بالوعيد ms9439 على فعله إذا لم يرتدع وينته عنه . # واللام موطئة للقسم ، وجملة ( لنسفعن ) جواب القسم ، وأما جواب الشرط ~~فمحذوف دل عليه جواب القسم . # والسفع : القبض الشديد بجذب . # والناصية مقدم شعر الرأس ، والأخذ من الناصية أخذ من لا يترك له تمكن من ~~الانفلات فهو كناية عن أخذه إلى العذاب ، وفيه إذلال لأنهم كانوا لا يقبضون ~~على شعر رأس أحد إلا لضربه أو جره . وأكد ذلك السفع بالباء المزيدة الداخلة ~~على المفعول لتأكيد اللصوق . # والنون نون التوكيد الخفيفة التي يكثر دخولها في القسم المثبت ، وكتبت في ~~المصحف ألفا رعيا للنطق لها في الوقف لأن أواخر الكلم أكثر ما ترسم على ~~مراعاة النطق في الوقف . # والتعريف في ( الناصية ) للعهد التقديري ، أي بناصيته ، أي ناصية الذي ~~ينهى عبدا إذا صلى وهذه اللام هي التي يسميها نحاة الكوفة عوضا عن المضاف ~~إليه . وهي تسمية حسنة وإن أباها البصريون فقدروا في مثله متعلقا لمدخول ~~اللام . # و { ناصية } بدل من الناصية وتنكيرها لاعتبار الجنس ، أي هي من جنس ناصية ~~كاذبة خاطئة . # و { خاطئة } اسم فاعل من خطىء من باب علم ، إذا فعل خطيئة ، أي ذنبا ، ~~ووصف الناصية بالكاذبة والخاطئة مجاز عقلي . والمراد : كاذب صاحبها خاطىء ~~صاحبها ، أي آثم . ومحسن هذا المجاز أن فيه تخييلا بأن الكذب والخطء باديان ~~من ناصيته فكانت الناصية جديرة بالسفع . PageV30P450 # ( 17 19 ) { } # . # تفريع على الوعد . ومناسبة ذلك ما رواه الترمذي والنسائي عن ابن عباس قال ~~: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي عند المقام فمر به أبو جهل فقال ~~: يا محمد ألم أنهك عن هذا ، وتوعده ، فأغلظ له رسول الله ، فقال أبو جهل : ~~يا محمد بأي شيء تهددني ؟ أما والله إني لأكثر أهل هذا الوادي ناديا ، ~~فأنزل الله تعالى : { فليدع ناديه سندع الزبانية } يعني أن أبا جهل أراد ~~بقوله ذلك تهديد النبي صلى الله عليه وسلم بأنه يغري عليه أهل ناديه . # والنادي : اسم للمكان الذي يجتمع فيه القوم . يقال : ندا القوم ندوا ، إذ ~~اجتمعوا . والندوة ( بفتح النون ) الجماعة ، ويقال : ناد وندي ، ولا يطلق ms9440 ~~هذا الاسم على المكان إلا إذا كان القوم مجتمعين فيه فإذا تفرقوا عنه فليس ~~بناد ، ويقال النادي لمجلس القوم نهارا ، فأما مجلسهم في الليل فيسمى ~~المسامر قال تعالى : { سامرا تهجرون } ( المؤمنون : 67 ) . # واتخذ قصي لندوة قريش دارا تسمى دار الندوة حول المسجد الحرام وجعلها ~~لتشاورهم ومهماتهم وفيها يعقد على الأزواج ، وفيها تدرع الجواري ، أي ~~يلبسونهن الدروع ، أي الأقمصة إعلانا بأنهن قاربن سن البلوغ ، وهذه الدار ~~كانت اشترتها الخيزران زوجة المنصور أبي جعفر وأدخلتها في ساحة المسجد ~~الحرام ، وأدخل بعضها في المسجد الحرام في زيادة عبد الملك بن مروان وبعضها ~~في زيادة أبي جعفر المنصور ، فبقيت بقيتها بيتا مستقلا ونزل به المهدي سنة ~~160 في مدة خلافة المعتضد بالله العباسي لما زاد في المسجد الحرام جعل مكان ~~دار الندوة مسجدا متصلا بالمسجد الحرام فاستمر كذلك ثم هدم وأدخلت مساحته ~~في مساحة المسجد الحرام في الزيادة التي زادها الملك سعود بن عبد العزيز ~~ملك الحجاز ونجد سنة 1379 . # ويطلق النادي على الذين ينتدون فيه وهو معنى قول أبي جهل : إني لأكثر أهل ~~هذا الوادي ناديا ، أي ناسا يجلسون إلي يريد أنه رئيس يصمد إليه ، وهو ~~المعني هنا . PageV30P451 # وإطلاق النادي على أهله نظير إطلاق القرية على أهلها في قوله تعالى : { ~~واسأل القرية } ( يوسف : 82 ) ونظير إطلاق المجلس على أهله في قول ذي الرمة ~~: # لهم مجلس صهب السبال أذلة # سواسة أحرارها وعبيدها # وإطلاق المقامة على أهلها في قول زهير : # وفيهم مقامات حسان وجوههم # وأندية ينتابها القول والفعل # أي أصحاب مقامات حسان وجوههم . # وإطلاق المجمع على أهله في قول لبيد : # إنا إذا ألتقت المجامع لم يزل # منا لزاز عظيمة جسامها # الأبيات الأربعة . # ولام الأمر في { فليدع ناديه } للتعجيز لأن أبا جهل هدد النبي صلى الله ~~عليه وسلم بكثرة أنصاره وهم أهل ناديه فرد الله عليه بأن أمره بدعوة ناديه ~~فإنه إن دعاهم ليسطوا على النبي صلى الله عليه وسلم دعا الله ملائكة ~~فأهلكوه . وهذه الآية معجزة خاصة من معجزات القرآن فإنه تحدى أبا جهل بهذا ms9441 ~~وقد سمع أبو جهل القرآن وسمعه أنصاره فلم يقدم أحد منهم على السطو على ~~الرسول صلى الله عليه وسلم مع أن الكلام يلهب حميته . # وإضافة النادي إلى ضميره لأنه رئيسهم ويجتمعون إليه قالت أعرابية : ( سيد ~~ناديه ، وثمال عافيه ) . # وقوله : { سندع الزبانية } جواب الأمر التعجيزي ، أي فإن دعا ناديه دعونا ~~لهم الزبانية ففعل { سندع } مجزوم في جواب الأمر ، ولذلك كتب في المصحف ~~بدون واو وحرف الاستقبال لتأكيد الفعل . # والزبانية : بفتح الزاي وتخفيف التحتية جمع زباني بفتح الزاي وبتحتية ~~مشددة ، أو جمع زبنية بكسر الزاي فموحدة ساكنة فنون مكسورة فتحتية مخففة ، ~~أو جمع زبني بكسر فسكون فتحتية مشددة . وقيل : هو اسم جمع لا واحد له من ~~لفظه مثل أبابيل وعباديد . وهذا الاسم مشتق من الزبن وهو الدفع بشدة يقال : ~~ناقة زبون إذا كانت تركل من يحلبها ، وحرب زبون يدفع بعضها بعضا بتكرر ~~القتال . PageV30P452 # فالزبانية الذين يزبنون الناس ، أي يدفعونهم بشدة . والمراد بهم ملائكة ~~العذاب ويطلق الزبانية على أعوان الشرطة . # و { كلا } ردع لإبطال ما تضمنه قوله : { فليدع ناديه } ، أي وليس بفاعل ، ~~وهذا تأكيد للتحدي والتعجيز . # وكتب { سندع } في المصحف بدون واو بعد العين مراعاة لحالة الوصل ، لأنها ~~ليست محل وقف ولا فاصلة . # . # هذا فذلكة للكلام المتقدم من قوله : { أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى } ( ~~العلق : 9 ، 10 ) ، أي لا تترك صلاتك في المسجد الحرام ولا تخش منه . # وأطلقت الطاعة على الحذر الباعث على الطاعة على طريق المجاز المرسل ، ~~والمعنى : لا تخفه ولا تحذره فإنه لا يضرك . # وأكد قوله : { لا تطعه } بجملة { واسجد } اهتماما بالصلاة . # وعطف عليه { واقترب } للتنويه بما في الصلاة من مرضاة الله تعالى بحيث ~~جعل المصلي مقتربا من الله تعالى . # والاقتراب : افتعال من القرب ، عبر بصيغة الافتعال لما فيها من معنى ~~التكلف والتطلب ، أي اجتهد في القرب إلى الله بالصلاة . # PageV30P453 PageV30P454 # | 1 ( سورة القدر ) 1 # سميت هذه السورة في المصاحف وكتب التفسير وكتب السنة ( سورة القدر ) ~~وسماها ابن عطية في ( تفسيره ) وأبو بكر الجصاص في ( أحكام القرآن ) ( سورة ~~ليلة القدر ) . # وهي ms9442 مكية في قول الجمهور وهو قول جابر بن زيد ويروى عن ابن عباس . وعن ~~ابن عباس أيضا والضحاك أنها مدنية ونسبه القرطبي إلى الأكثر . وقال الواقدي ~~: هي أول سورة نزلت بالمدينة ويرجحه أن المتبادر أنها تتضمن الترغيب في ~~إحياء ليلة القدر وإنما كان ذلك بعد فرض رمضان بعد الهجرة . # وقد عدها جابر بن زيد الخامسة والعشرين في ترتيب نزول السور ، نزلت بعد ~~سورة عبس وقبل سورة الشمس ، فأما قول من قالوا إنها مدنية فيقتضي أن تكون ~~نزلت بعد المطففين وقبل البقرة . # وآياتها خمس في العدد المدني والبصري والكوفي ، وست في العد المكي ~~والشامي . # أغراضها # التنويه بفضل القرآن وعظمته بإسناد إنزاله إلى الله تعالى . . . # والرد على الذين جحدوا أن يكون القرآن منزلا من الله تعالى . # ورفع شأن الوقت الذي أنزل فيه ونزول الملائكة في ليلة إنزاله . ~~PageV30P455 # وتفضيل الليلة التي توافق ليلة إنزاله من كل عام . # ويستتبع ذلك تحريض المسلمين على تحين ليلة القدر بالقيام والتصدق . # # | 2 ( { إنا أنزلناه فى ليلة القدر * ومآ أدراك ما ليلة القدر * ليلة ~~القدر خير من ألف شهر * تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر * ~~سلام هى حتى مطلع الفجر } ) 2 # اشتملت هذه الآية على تنويه عظيم بالقرآن فافتتحت بحرف ( إن ) وبالإخبار ~~عنها بالجملة الفعلية ، وكلاهما من طرق التأكيد والتقوي . # ويفيد هذا التقديم قصرا وهو قصر قلب للرد على المشركين الذي نفوا أن يكون ~~القرآن منزلا من الله تعالى . # وفي ضمير العظمة وإسناد الإنزال إليه تشريف عظيم للقرآن . # وفي الإتيان بضمير القرآن دون الاسم الظاهر إيماء إلى أنه حاضر في أذهان ~~المسلمين لشدة إقبالهم عليه فكون الضمير دون سبق معاد إيماء إلى شهرته ~~بينهم . # فيجوز أن يراد به القرآن كله فيكون فعل : ( أنزلنا ) مستعملا في ابتداء ~~الإنزال لأن الذي أنزل في تلك الليلة خمس الآيات الأول من سورة العلق ثم ~~فتر الوحي ثم عاد إنزاله منجما ولم يكمل إنزال القرآن إلا بعد نيف وعشرين ~~سنة ، ولكن لما كان جميع القرآن مقررا في علم الله تعالى ms9443 مقداره وأنه ينزل ~~على النبي صلى الله عليه وسلم منجما حتى يتم ، كان إنزاله بإنزال الآيات ~~الأول منه لأن ما ألحق بالشيء يعد بمنزلة أوله فقد قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم ( صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه ) الحديث فاتفق ~~العلماء على أن الصلاة فيما ألحق بالمسجد النبوي لها ذلك الفضل ، وأن ~~الطواف في زيادات المسجد الحرام يصح كلما اتسع المسجد . # ومن تسديد ترتيب المصحف أن وضعت سورة القدر عقب سورة العلق مع أنها أقل ~~عدد آياتت من سورة البينة وسور بعدها ، كأنه إماء إلى أن الضمير في { ~~أنزلناه } يعود إلى القرآن الذي ابتدىء نزوله بسورة العلق . # ويجوز أن يكون الضمير عائدا على المقدار الذي أنزل في تلك الليلة وهو ~~PageV30P456 الآيات الخمس من سورة العلق فإن كل جزء من القرآن يسمى قرآنا ، ~~وعلى كلا الوجهين فالتعبير بالمضي في فعل { أنزلناه } لا مجاز فيه . وقيل : ~~أطلق ضمير القرآن على بعضه مجازا بعلاقة البعضية . # والآية صريحة في أن الآيات الأول من القرآن نزلت ليلا وهو الذي يقتضيه ~~حديث بدء الوحي في ( الصحيحين ) لقول عائشة فيه : ( فكان يتحنث في غار حراء ~~الليالي ذواتت العدد ) فكان تعبده ليلا ، ويظهر أن يكون الملك قد نزل عليه ~~أثر فراغه من تعبده ، وأما قول عائشة : ( فرجع بها رسول الله يرجف فؤاده ) ~~فمعناه أنه خرج من غار حراء إثر الفجر بعد انقضاء تلقينه الآيات الخمس إذ ~~يكون نزولها عليه في آخر تلك الليلة وذلك أفضل أوقات الليل كما قال تعالى : ~~{ والمستغفرين بالأسحار } ( آل عمران : 17 ) . # وليلة القدر : اسم جعله الله لليلة التي ابتدىء فيها نزول القرآن . ويظهر ~~أن أول تسميتها بهذا الاسم كان في هذه الآية ولم تكن معروفة عند المسلمين ~~وبذلك يكون ذكرها بهذا الاسم تشويقا لمعرفتها ولذلك عقب بقوله : { وما ~~أدراك ما ليلة القدر } ( القدر : 2 ) . # والقدر الذي عرفت الليلة بالإضافة إليه هو بمعنى الشرفف والفضل كما قال ~~تعالى في سورة الدخان : { إنا أنزلناه في ليلة مباركة ، أي ليلة القدر ~~والشرف عند ms9444 الله تعالى مما أعطاها من البركة فتلك ليلة جعل الله لها شرفا ~~فجعلها مظهرا لما سبق به علمه فجعلها مبدأ الوحي إلى النبي . # والتعريف في القدر } تعريف الجنس . ولم يقل : في ليلة قدر ، بالتنكير ~~لأنه قصد جعل هذا المركب بمنزلة العلم لتلك الليلة كالعلم بالغلبة ، لأن ~~تعريف المضاف إليه باللام مع تعريف المضاف بالإضافة أوغل في جعل ذلك المركب ~~لقبا لاجتماع تعريفين فيه . # وقد ثبت أن ابتداء نزول القرآن كان في شهر رمضان قال تعالى : { شهر رمضان ~~الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان } ( البقرة : 185 ~~) . ولا شك أن المسلمين كانوا يعلمون ذلك إذ كان نزول هذه السورة قبل نزول ~~سورة PageV30P457 البقرة بسنين إن كانت السورة مكية أو بمدة أقل من ذلك إن ~~كانت السورة مدنية ، فليلة القدر المرادة هنا كانت في رمضان وتأيد ذلك ~~بالأخبار الصحيحة من كونها من ليالي رمضان في كل سنة . # وأكثر الروايات أن الليلة التي أنزل فيها القرآن على النبي صلى الله عليه ~~وسلم كانت ليلة سبع عشرة من رمضان . وسيأتي في تفسير الآيات عقب هذه الكلام ~~في هل ليلة ذات عدد متماثل في جميع الأعوام أو تختلف في السنين ؟ وفي هل ~~تقع في واحدة من جميع ليالي رمضان أو لا تخرج عن العشر الأواخر منه ؟ وهل ~~هي مخصوصة بليلة وتر كما كانت أول مرة أو لا تختص بذلك ؟ # والمقصود من تشريف الليلة التي كان ابتداء إنزال القرآن فيها تشريف آخر ~~للقرآن بتشريف زمان ظهوره ، تنبيها على أنه تعالى اختار لابتداء إنزاله ~~وقتا شريفا مباركا لأن عظم قدر الفعل يقتضي أن يختار لإيقاعه فضل الأوقات ~~والأمكنة ، فاختيار فضلل الأوقات لابتداء إنزاله ينبىء عن علو قدره عند ~~الله تعالى كقوله : { لا يمسه إلا المطهرون } ( الواقعة : 79 ) على الوجهين ~~في المراد من المطهرين . # تنويه بطريق الإبهام المراد به أن إدراك كنهها ليس بالسهل لما ينطوي عليه ~~من الفضائل الجمة . # وكلمة ( ما أدراك ما كذا ) كلمة تقال في تفخيم الشيء وتعظيمه ، والمعنى : ~~أي شيء يعرفك ms9445 ما هي ليلة القدر ، أي يعسر على شيء أن يعرفك مقدارها ، وقد ~~تقدمت غير مرة منها ، قوله : { وما أدراك ما يوم الدين في سورة الانفطار ~~قريبا . والواو واو الحال . # وأعيد اسم ليلة القدر } الذي سبق قريبا في قوله : { في ليلة القدر } ( ~~القدر : 1 ) على خلافف مقتضى الظاهر لأن مقتضى الظاهر الإضمار ، فقصد ~~الاهتمام بتعيينها ، فحصل تعظيم ليلة القدر صريحا ، وحصلت كناية عن تعظيم ~~ما أنزل فيها وأن الله اختار إنزاله فيها ليتطابق الشرفان . PageV30P458 # بيان أول لشيء من الإبهام الذي في قوله : { وما أدراك ما ليلة القدر } ( ~~القدر : 2 ) مثل البيان في قوله : { وما أدراك ما العقبة فك رقبة أو إطعام ~~} ( البلد : 12 ، 14 ) الآية . فلذلك فصلت الجملة لأنها استئناف بياني ، أو ~~لأنها كعطف البيان . # وتفضيلها بالخير على ألف شهر . إنما هو بتضعيف فضل ما يحصل فيها من ~~الأعمال الصالحة واستجابة الدعاء ووفرة ثواب الصدقات والبركة للأمة فيها ، ~~لأن تفاضل الأيام لا يكون بمقادير أزمنتها ولا بما يحدث فيها من حر أو برد ~~، أو مطر ، ولا بطولها أو بقصرها ، فإن تلك الأحوال غير معتد بها عند الله ~~تعالى ولكن الله يعبأ بما يحصل من الصلاح للناس أفرادا وجماعات وما يعين ~~على الحق والخير ونشر الدين . وقد قال في فضل الناس : { إن أكرمكم عند الله ~~أتقاكم } ( الحجرات : 13 ) فكذلك فضل الأزمان إنما يقاس بما يحصل فيها ~~لأنها ظروف للأعمال وليست لها صفات ذاتية يمكن أن تتفاضل بها كتفاضل الناس ~~ففضلها بما أعده الله لها من التفضيل كتفضيل ثلث الليل الأخير للقربات وعدد ~~الألف يظهر أنه مستعمل في وفرة التكثير كقوله : ( واحد كألف ) وعليه جاء ~~قوله تعالى : { يود أحدهم لو يعمر ألف سنة } ( البقرة : 96 ) وإنما جعل ~~تمييز عدد الكثرة هنا بالشهر للرعي على الفاصلة التي هي بحرف الراء . وفي ( ~~الموطإ ) : ( قال مالك إنه سمع من يثق به من أهل العلم يقول : إن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أري أعمار الناس قبله أو ما شاء الله من ذلك فكأنه ~~تقاصر أعمار أمته ms9446 أن لا يبلغوا من العمل مثل ما بلغ غيرهم في طول العمر ~~فأعطاه الله { ليلة القدر خير من ألف شهر } اه . # وإظهار لفظ { ليلة القدر } في مقام الإضمار للاهتمام ، وقد تكرر هذا ~~اللفظ ثلاث مرات والمرات الثلاث ينتهي عندها التكرير غالبا كقوله تعالى : { ~~وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ~~} ( آل عمران : 78 ) . # وقول عدي : # لا أرى الموت يسبق الموت شيء # نغص الموت ذا الغنى والفقيرا # ومما ينبغي التنبه له ما وقع في ( جامع الترمذي ) بسنده إلى القاسم بن ~~الفضل PageV30P459 الحداني عن يوسف بن سعد قال : ( قام رجل إلى الحسن بن ~~علي بعدما بايع معاوية فقال : سودت وجوه المؤمنين ، أو يا مسود وجوه ~~المؤمنين فقال : لا تؤنبني رحمك الله فإن النبي صلى الله عليه وسلم أري بني ~~أمية على منبره فساءه ذلك فنزلت : { إنا أعطيناك الكوثر } ( الكوثر : 1 ) ~~يا محمد يعني نهرا في الجنة ، ونزلت : { إنا أنزلناه في ليلة القدر وما ~~أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر } ( القدر : 1 3 ) يملكها ~~بنو أمية يا محمد قال القاسم : فعددناها فإذا هي ألف شهر لا يزيد يوم ولا ~~ينقص ) . قال أبو عيسى الترمذي ، هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ~~. وقد قيل عن القاسم بن الفضل عن يوسف بن مازن نعرفه والقاسم بن الفضل ثقة ~~ويوسف بن سعد رجل مجهول اه . # قال ابن كثير في ( تفسيره ) ورواه ابن جرير من طريق القاسم بن الفضل عن ~~عيسى بن مازن كذا قال ، وعيسى بن مازن غير معروف ، وهذا يقتضي اضطرابا في ~~هذا الحديث ، أي لاضطرابهم في الذي يروي عنه القاسم بن الفضل ، وعلى كل ~~احتمال فهو مجهول . # وأقول : وأيضا ليس في سنده ما يفيد أن يوسف بن سعد سمع ذلك من الحسن رضي ~~الله عنه . وفي ( تفسير الطبري ) عن عيسى بن مازن أنه قال : قلت للحسن : يا ~~مسود وجوه المؤمنين إلى آخر الحديث . وعيسى بن مازن غير معروف أصلا فإذا ~~فرضنا توثيق ms9447 يوسف بن سعد فليس في روايته ما يقتضي أنه سمعه بل يجوز أن يكون ~~أراد ذكر قصة تروى عن الحسن . # واتفق حذاق العلماء على أنه حديث منكر صرح بذلك ابن كثير وذكره عن شيخه ~~المزي ، وأقول : هو مختل المعنى وسمات الوضع لائحة عليه وهو من وضع أهل ~~النحل المخالفة للجماعة فالاحتجاج به لا يليق أن يصدر مثله عن الحسن مع فرط ~~علمه وفطنته ، وأية ملازمة بين ما زعموه من رؤيا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وبين دفع الحسن التأنيب عن نفسه ، ولا شك أن هذا الخبر من وضع دعاة ~~العباسيين على أنه مخالف للواقع لأن المدة التي بين تسليم الحسن الخلافة ~~إلى معاوية وبين بيعة السفاح وهو أول خلفاء العباسية ألف شهر واثنان وتسعون ~~شهرا أو أكثر بشهر أو بشهرين فما نسب إلى القاسم الحداني من قوله : ~~فعددناها فوجدناها الخ كذب PageV30P460 لا محالة . والحاصل أن هذا الخبر ~~الذي أخرجه الترمذي منكر كما قاله المزي . # قال ابن عرفة وفي قوله : { ليلة القدر خير من ألف شهر } المحسن المسمى ~~تشابه الأطراف وهو إعادة لفظ القافية في الجملة التي تليها كقوله تعالى : { ~~كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري } ( النور : 35 ~~) اه . يريد بالقافية ما يشمل القرينة في الأسجاع والفواصل في الآي ، ~~ومثاله في الشعر قول ليلى الأخيلية : # إذا نزل الحجاج أرضا مريضة # تتبع أقصى دائها فشفاها # شفاها من الداء العضال الذي بها # غلام إذا هز القناة سقاها الخ # ( 4 ، 5 ) # إذا ضم هذا البيان الثاني لما في قوله : { وما أدراك ما ليلة القدر } ( ~~القدر : 2 ) من الإبهام التفخيمي حصل منهما ما يدل دلالة بينة على أن الله ~~جعل مثل هذه الفضيلة لكل ليلة من ليالي الأعوام تقع في مثل الليلة من شهر ~~نزول القرآن كرامة للقرآن ، ولمن أنزل عليه ، وللدين الذي نزل فيه ، وللأمة ~~التي تتبعه ، ألا ترى أن معظم السورة كان لذكر فضائل ليلة القدر فما هو إلا ~~للتحريض على تطلب العمل الصالح فيها ، فإن كونها خيرا ms9448 من ألف شهر أومأ إلى ~~ذلك وبينته الأخبار الصحيحة . والتعبير بالفعل المضارع في قوله : { تنزل ~~الملائكة } مؤذن بأن هذا التنزل متكرر في المستقبل بعد نزول هذه السورة . # وذكر نهايتها بطلوع الفجر لا أثر له في بيان فضلها فتعين أنه إدماج ~~للتعريف بمنتهاها ليحرص الناس على كثرة العمل فيها قبل انتهائها . # لا جرم أن ليلة القدر التي ابتدىء فيها نزول القرآن قد انقضت قبل أن يشعر ~~بها أحد عدا محمد صلى الله عليه وسلم إذ كان قد تحنث فيها ، وأنزل عليه أول ~~القرآن آخرها ، وانقلب إلى أهله في صبيحتها ، فلولا إرادة التعريف بفضل ~~الليالي الموافقة لها في كل PageV30P461 السنوات لاقتصر على بيان فضل تلك ~~الليلة الأولى ولما كانت حاجة إلى تنزل الملائكة فيها ، ولا إلى تعيين ~~منتهاها . # وهذا تعليم للمسلمين أن يعظموا أيام فضلهم الديني وأيام نعم الله عليهم ، ~~وهو مماثل لما شرع الله لموسى من تفضيل بعض أيام السنين التي توافق أياما ~~حصلت فيها نعم عظمى من الله على موسى قال تعالى : { وذكرهم بأيام الله } ( ~~إبراهيم : 5 ) فينبغي أن تعد ليلة القدر عيد نزول القرآن . # وحكمة إخفاء تعيينها إرادة أن يكرر المسلمون حسناتهم في ليال كثيرة توخيا ~~لمصادفة ليلة القدر كما أخفيت ساعة الإجابة يوم الجمعة . # هذا محصل ما أفاده القرآن في فضل ليلة القدر من كل عام ولم يبين أنها أية ~~ليلة ، ولا من أي شهر ، وقد قال تعالى : { شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ~~} ( البقرة : 185 ) فتبين أن ليلة القدر الأولى هي من ليالي شهر رمضان لا ~~محالة ، فبنا أن نتطلب تعيين ليلة القدر الأولى التي ابتدىء إنزال القرآن ~~فيها لنطلب تعيين ما يماثلها من ليالي رمضان في جميع السنين ، وتعيين صفة ~~المماثلة ، والمماثلة تكون في صفات مختلفة فلا جائز أن تماثلها في اسم ~~يومها نحو الثلاثاء أو الأربعاء ، ولا في الفصل من شتاء أو صيف أو نحو ذلك ~~مما ليس من الأحوال المعتبرة في الدين ، فعلينا أن نتطلب جهة من جهات ~~المماثلة لها في اعتبار الدين وما ms9449 يرضي الله . وقد اختلف في تعيين المماثلة ~~اختلافا كثيرا وأصح ما يعتمد في ذلك : أنها من ليالي شهر رمضان من كل سنة ~~وأنها من ليالي الوتر كما دل عليه الحديث الصحيح : ( تحروا ليلة القدر في ~~الوتر في العشر الأواخر من رمضان ) . # والوتر : أفضل الأعداد عند الله كما دل عليه حديث : ( إن الله وتر يحب ~~الوتر ) . # وأنها ليست ليلة معينة مطردة في كل السنين بل هي متنقلة في الأعوام ، ~~وأنها في رمضان وإلى هذا ذهب مالك والشافعي وأحمد وأكثر أهل العلم قال ابن ~~رشيد : وهو أصح الأقاويل وأولاها بالصواب . وعلى أنها متنقلة في الأعوام ~~فأكثر أهل العلم على أنها لا تخرج عن شهر رمضان . والجمهور على أنها لا ~~تخرج عن العشر الأواخر منه ، وقال جماعة : لا تخرج عن العشر الأواسط ، ~~والعشر الأواخر . PageV30P462 # وتأولوا ما ورد من الآثار ضبطها على إرادة الغالب أو إرادة عام بعينه . # ولم يرد في تعيينها شيء صريح يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم لأن ما ~~ورد في ذلك من الأخبار محتمل لأن يكون أراد به تعيينها في خصوص السنة التي ~~أخبر عنها وذلك مبسوط في كتب السنة فلا نطيل به ، وقد أتى ابن كثير منه ~~بكثير . # وحفظت عن الشيخ محي الدين بن العربي أنه ضبط تعيينها باختلاف السنين ~~بأبيات ذكر في البيت الأخير منها قوله : # وضابطها بالقول ليلة جمعة # توافيك بعد النصف في ليلة وتر # حفظناها عن بعض معلمينا ولم أقف عليها . وجربنا علامة ضوء الشمس في ~~صبيحتها فلم تتخلف . # وأصل { تنزل } تتنزل فحذفت إحدى التاءين اختصارا . وظاهر أن تنزل ~~الملائكة إلى الأرض . # ونزول الملائكة إلى الأرض لأجل البركات التي تحفهم . # و { الروح } : هو جبريل ، أي ينزل جبريل في الملائكة . # ومعنى { بإذن ربهم } أن هذا التنزل كرامة أكرم الله بها المسلمين بأن ~~أنزل لهم في تلك الليلة جماعات من ملائكته وفيهم أشرفهم وكان نزول جبريل في ~~تلك الليلة ليعود عليها من الفضل مثل الذي حصل في مماثلتها الأولى ليلة ~~نزوله بالوحي في غار حراء . # وفي هذا ms9450 أصل لإقامة المواكب لإحياء ذكرى أيام مجد الإسلام وفضله وأن من ~~كان له عمل في أصل تلك الذكرى ينبغي أن لا يخلو عنه موكب البهجة بتذكارها . # وقوله : { بإذن ربهم } متعلق ب { تنزل } إما بمعنى السببية ، أي يتنزلون ~~بسبب إذن ربهم لهم في النزول فالإذن بمعنى المصدر ، وإما بمعنى المصاحبة ، ~~أي مصاحبين لما أذن به ربهم ، فالإذن بمعنى المأذون به من إطلاق المصدر على ~~المفعول نحو : { هذا خلق الله } ( لقمان : 11 ) . PageV30P463 # و { من } في قوله { من كل أمر } يجوز أن تكون بيانية تبين الإذن من قوله ~~: { بإذن ربهم } ، أي بإذن ربهم الذي هو في كل أمر . # ويجوز أن تكون بمعنى الباء ، أي تتنزل بكل أمر مثل ما في قوله تعالى : { ~~يحفظونه من أمر الله } ( الرعد : 11 ) أي بأمر الله ، وهذا إذا جعلت باء { ~~بإذن ربهم } سببية ، ويجوز أن تكون للتعليل ، أي من أجل كل أمر أراد الله ~~قضاءه بتسخيرهم . # و { كل } مستعملة في معنى الكثرة للأهمية ، أي في أمور كثيرة عظيمة كقوله ~~تعالى : { ولو جاءتهم كل آية } ( يونس : 97 ) وقوله : { يأتوك رجالا وعلى ~~كل ضامر } ( الحج : 27 ) وقوله : { واضربوا منهم كل بنان } ( الأنفال : 12 ~~) . وقول النابغة : # بها كل ذيال وخنساء ترعوي # إلى كل رجاف من الرمل فارد # وقد بينا ذلك عند قوله تعالى : { وعلى كل ضامر في سورة الحج . # وتنوين أمر } للتعظيم ، أي بأنواع الثواب على الأعمال في تلك الليلة . ~~وهذا الأمر غير الأمر الذي في قوله تعالى : { فيها يفرق كل أمر حكيم } ( ~~الدخان : 4 ) مع أن { أمرا من عندنا في سورة الدخان متحدة مع اختلاف شؤونها ~~، فإن لها شؤونا عديدة . # ويجوز أن يكون هو الأمر المذكور هنا فيكون هنا مطلقا وفي آية الدخان ~~مقيدا . # واعلم أن موقع قوله : تنزل الملائكة والروح فيها } إلى قوله : { من كل ~~أمر } ، من جملة : { ليلة القدر خير من ألف شهر } ( القدر : 3 ) موقع ~~الاستئناف البياني أو موقع بدل الاشتمال فلمراعاة هذا الموقع فصلت الجملة ~~عن التي قبلها ولم تعطف عليها مع أنهما مشتركتان في كون ms9451 كل واحدة منهما ~~تفيد بيانا لجملة : { وما أدراك ما ليلة القدر } ( القدر : 2 ) ، فأوثرت ~~مراعاة موقعها الاستئنافي أو البدلي على مراعاة اشتراكهما في كونها بيانا ~~لجملة : { وما أدراك ما ليلة القدر } لأن هذا البيان لا يفوت السامع عند ~~إيرادها في صورة البيان أو البدل بخلاف ما لو عطفت على التي قبلها بالواو ~~لفوات الإشارة إلى أن تنزل الملائكة فيها من أحوال خيريتها . # وجملة : { سلام هي حتى مطلع الفجر } بيان لمضمون { من كل أمر } وهو ~~PageV30P464 كالاحتراس لأن تنزل الملائكة يكون للخير ويكون للشر لعقاب ~~مكذبي الرسل قال تعالى : { ما تنزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا ~~منظرين } ( الحجر : 8 ) وقال : { يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ~~} ( الفرقان : 22 ) . وجمع بين إنزالهم للخير والشر في قوله : { إذ يوحي ~~ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا ~~الرعب فاضربوا فوق الأعناق } ( الأنفال : 12 ) الآية ، فأخبر هنا أن تنزل ~~الملائكة ليلة القدر لتنفيذ أمر الخير للمسلمين الذين صاموا رمضان وقاموا ~~ليلة القدر ، فهذه بشارة . # والسلام : مصدر أو اسم مصدر معناه السلامة قال تعالى : { قلنا يا نار ~~كوني بردا وسلاما على إبراهيم } ( الأنبياء : 69 ) . ويطلق السلام على ~~التحية والمدحة ، وفسر السلام بالخير ، والمعنيان حاصلان في هذه الآية ، ~~فالسلامة تشمل كل خير لأن الخير سلامة من الشر ومن الأذى ، فيشمل السلام ~~الغفران وإجزال الثواب واستجابة الدعاء بخير الدنيا والآخرة . والسلام ~~بمعنى التحية والقول الحسن مراد به ثناء الملائكة على أهل ليلة القدر ~~كدأبهم مع أهل الجنة فيما حكاه قوله تعالى : { والملائكة يدخلون عليهم من ~~كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار } ( الرعد : 23 ، 24 ) . # وتنكير { سلام } للتعظيم . وأخبر عن الليلة بأنها سلام للمبالغة لأنه ~~إخبار بالمصدر . # وتقديم المسند وهو { سلام } على المسند إليه لإفادة الاختصاص ، أي ما هي ~~إلا سلام . والقصر ادعائي لعدم الاعتداد بما يحصل فيها لغير الصائمين ~~القائمين ، ثم يجوز أن يكون { سلام هي } مرادا به الإخبار فقط ، ويجوز أن ~~يراد بالمصدر الأمر ، والتقدير : سلموا سلاما ms9452 ، فالمصدر بدل من الفعل وعدل ~~عن نصبه إلى الرفع ليفيد التمكن مثل قوله تعالى : { قالوا سلاما قال سلام } ~~( الذاريات : 25 ) . والمعنى : اجعلوها سلاما بينكم ، أي لا نزاع ولا خصام ~~. ويشير إليه ما في الحديث الصحيح : ( خرجت لأخبركم بليلة القدر فتلاحى ~~رجلان فرفعت وعسى أن يكون خيرا لكم فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة ~~) . # و { حتى مطلع الفجر } غاية لما قبله من قوله : { تنزل الملائكة } إلى { ~~سلام هي } . PageV30P465 # والمقصود من الغاية إفادة أن جميع أحيان تلك الليلة معمورة بنزول ~~الملائكة والسلامة ، فالغاية هنا مؤكدة لمدلول { ليلة } ( القدر : 1 ) لأن ~~الليلة قد تطلق على بعض أجزائها كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم ( من ~~قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ) ، أي من قام ~~بعضها ، فقد قال سعيد بن المسيب : من شهد العشاء من ليلة القدر فقد أخذ ~~بحظه منها . يريد شهدها في جماعة كما يقتضيه فعل شهد ، فإن شهود الجماعة من ~~أفضل الأعمال الصالحة . # وجيء بحرف { حتى } لإدخال الغاية لبيان أن ليلة القدر تمتد بعد مطلع ~~الفجر بحيث أن صلاة الفجر تعتبر واقعة في تلك الليلة لئلا يتوهم أن نهايتها ~~كنهاية الفطر بآخر جزء من الليل ، وهذا توسعة من الله في امتداد الليلة إلى ~~ما بعد طلوع الفجر . # ويستفاد من غاية تنزلل الملائكة فيها ، أن تلك غاية الليلة وغاية لما ~~فيها من الأعمال الصالحة التابعة لكونها خيرا من ألف شهر ، وغاية السلام ~~فيها . # وقرأ الجمهور : { مطلع } بفتح اللام على أنه مصدر ميمي ، أي طلوع الفجر ، ~~أي ظهوره . وقرأه الكسائي وخلف بكسر اللام على معنى زمان طلوع الفجر . # PageV30P466 # | 1 ( سورة البينة ) 1 # وردت تسمية هذه السورة في كلام النبي صلى الله عليه وسلم ( لم يكن الذين ~~كفروا ) . روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال لأبي بن كعب : ( إن الله أمرني أن أقرأ عليك : { لم يكن الذين كفروا } ~~قال : وسماني لك ؟ قال : نعم . فبكى ) فقوله : أن أقرأ عليك { لم يكن الذين ~~كفروا ms9453 } واضح أنه أراد السورة كلها فسماها بأول جملة فيها ، وسميت هذه ~~السورة في معظم كتب التفسير وكتب السنة سورة { لم يكن } بالاقتصار على أول ~~كلمة منها ، وهذا الاسم هو المشهور في تونس بين أبناء الكتاتيب . # وسميت في أكثر المصاحف ( سورة القيمة ) وكذلك في بعض التفاسير . وسميت في ~~بعض المصاحف ( سورة البينة ) . # وذكر في ( الإتقان ) أنها سميت في مصحف أبي ( سورة أهل الكتاب ) ، أي ~~لقوله تعالى : { لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب } ( البينة : 1 ) ، ~~وسميت سورة ( البرية ) وسميت ( سورة الانفكاك ) . فهذه ستة أسماء . # واختلف في أنها مكية أو مدنية قال ابن عطية : الأشهر أنها مكية وهو قول ~~جمهور المفسرين . وعن ابن الزبير وعطاء بن يسار هي مدنية . # وعكس القرطبي فنسب القول بأنها مدنية إلى الجمهور وابن عباس والقول بأنها ~~مكية إلى يحيى بن سلام . وأخرج ابن كثير عن أحمد بن حنبل بسنده إلى أبي حبة ~~البدري قال : ( لما نزلت : { لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب } إلى آخرها ~~قال جبريل : يا رسول الله إن الله يأمرك أن تقرئها أبيا ) الحديث ، أي وأبي ~~من أهل المدينة . وجزم البغوي وابن كثير بأنها مدنية ، وهو الأظهر لكثرة ما ~~فيها من تخطئة PageV30P467 أهل الكتاب ولحديث أبي حبة البدري ، وقد عدها ~~جابر بن زيد في عداد السور المدنية . قال ابن عطية : إن النبي صلى الله ~~عليه وسلم إنما دفع إلى مناقضة أهل الكتاب بالمدينة . # وقد عدت المائة وإحدى في ترتيب النزول نزلت بعد سورة الطلاق وقبل سورة ~~الحشر ، فتكون نزلت قبل غزوة بني النضير ، وكانت غزوة النضير سنة أربع في ~~ربيع الأول فنزول هذه السورة آخر سنة ثلاث أو أول سنة أربع . # وعدد آياتها ثمان عند الجمهور ، وعدها أهل البصرة تسع آيات . # أغراضها # توبيخ المشركين وأهلل الكتاب على تكذيبهم بالقرآن والرسول صلى الله عليه ~~وسلم # والتعجيب من تناقض حالهم إذ هم ينتظرون أن تأتيهم البينة فلما أتتهم ~~البينة كفروا بها . # وتكذيبهم في ادعائهم أن الله أوجب عليهم التمسك بالأديان التي هم عليها . # ووعيدهم بعذاب الآخرة ms9454 . # والتسجيل عليهم بأنهم شر البرية . # والثناء على الذين آمنوا وعملوا الصالحات . # ووعدهم بالنعيم الأبدي ورضى الله عنهم وإعطائه إياهم ما يرضيهم . # وتخلل ذلك تنويه بالقرآن وفضله على غيره باشتماله على ما في الكتب ~~الإلاهية التي جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم من قبل وما فيه من فضل ~~وزيادة . # $ 2 ( { لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم ~~البينة * رسول من الله يتلو صحفا مطهرة * فيها كتب قيمة * وما تفرق الذين ~~أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جآءتهم البينة * ومآ أمرو & # 1764 ا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفآء ويقيموا الصلواة ويؤتوا ~~الزكواة وذلك دين القيمة * إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين فى نار ~~جهنم خالدين فيهآ أولائك هم شر البرية * إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات ~~أولائك هم خير البرية * جزآؤهم عند ربهم جنات عدن تجرى من تحتها الانهار ~~خالدين فيهآ أبدا رضى الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشى ربه } ) 2 $ استصعب ~~في كلام المفسرين تحصيل المعنى المستفاد من هذه الآيات الأربع PageV30P468 ~~من أول هذه السورة تحصيلا ينتزع من لفظها ونظمها ، فذكر الفخر عن الواحدي ~~في ( التفسير البسيط ) له أنه قال : هذه الآية من أصعب ما في القرآن نظما ~~وتفسيرا وقد تخبط فيها الكبار من العلماء . قال الفخر : ( ثم إنه لم يلخص ~~كيفية الإشكال فيها . # وأنا أقول : وجه الإشكال أن تقدير الآية : لم يكن الذين كفروا منفكين حتى ~~تأتيهم البينة التي هي الرسول صلى الله عليه وسلم ثم إنه تعالى لم يذكر ~~أنهم منفكون عماذا لكنه معلوم إذ المراد هو الكفر والشرك اللذين كانوا ~~عليهما فصار التقدير : لم يكن الذين كفروا منفكين عن كفرهم حتى تأتيهم ~~البينة التي هي الرسول صلى الله عليه وسلم ثم إن كلمة { حتى } لانتهاء ~~الغاية فهذه الآية تقتضي أنهم صاروا منفكين عن كفرهم عند إتيان الرسول صلى ~~الله عليه وسلم ثم قال بعد ذلك : { وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ~~ما جاءتهم البينة } ( البينة : 4 ) وهذا يقتضي ms9455 أن كفرهم قد ازداد عند مجيء ~~الرسول صلى الله عليه وسلم فحينئذ حصل بين الآية الأولى والآية الثانية ~~مناقضة في الظاهر ) اه كلام الفخر . # يريد أن الظاهر أن قوله : { رسول من الله } بدل من { البينة } وأن متعلق ~~{ منفكين } حذف لدلالة الكلام عليه لأنهم لما أجريت عليهم صلة الذين كفروا ~~دل ذلك على أن المراد لم يكونوا منفكين على كفرهم ، وأن حرف الغاية يقتضي ~~أن إتيان البينة المفسرة ب { رسول من الله } هي نهاية انعدام انفكاكهم عن ~~كفرهم ، أي فعند إتيان البينة يكونون منفكين عن كفرهم فكيف مع أن الله يقول ~~: { وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة } ( البينة : ~~4 ) فإن تفرقهم راجع إلى تفرقهم عن الإسلام وهو ازدياد في الكفر إذ به تكثر ~~شبه الضلال التي تبعث على التفرق في دينهم مع اتفاقهم في أصل الكفر ، وهذا ~~الأخير بناء على اعتبار قوله تعالى : { وما تفرق الذين أوتوا الكتاب } ( ~~البينة : 4 ) الخ كلاما متصلا بإعراضهم عن الإسلام وذلك الذي درج عليه ~~المفسرون ولنا في ذلك كلام سيأتي . # ومما لم يذكره الفخر من وجه الإشكال : أن المشاهدة دلت على أن الذين ~~كفروا لم ينفكوا عن الكفر في زمن ما ، وأن نصب المضارع بعد { حتى } ينادي ~~على أنه منصوب ب ( أن ) مضمرة بعد { حتى } فيقتضي أن إتيان البينة مستقبل ~~وذلك لا يستقيم فإن البينة فسرت ب { رسول من الله } وإتيان الرسول وقع قبل ~~PageV30P469 نزول هذه الآيات بسنين وهم مستمرون على ما هم عليه : هؤلاء على ~~كفرهم ، وهؤلاء على شركهم . # وإذ قد تقرر وجه الإشكال وكان مظنونا أنه ملحوظ للمفسرين إجمالا أو ~~تفصيلا فقد تعين أن هذا الكلام ليس واردا على ما يتبادر من ظاهره في ~~مفرداته أو تركيبه ، فوجب صرفه عن ظاهره ، إما بصرف تركيب الخبر عن ظاهر ~~الإخبار وهو إفادة المخاطب النسبة الخبرية التي تضمنها التركيب ، بأن يصرف ~~الخبر إلى أنه مستعمل في معنى مجازي للتركيب . وإما بصرف بعض مفرداته التي ~~اشتمل عليها التركيب عن ظاهر معناها إلى ms9456 معنى مجاز أو كناية . # فمن المفسرين من سلك طريقة صرف الخبر عن ظاهره . ومنهم من أبقوا الخبر ~~على ظاهر استعماله وسلكوا طريقة صرف بعض كلماته عن ظاهر معانيها وهؤلاء ~~منهم من تأول لفظ { منفكين } ومنهم من تأول معنى { حتى } ومنهم من تأول { ~~رسول } ، وبعضهم جوز في { البينة } وجهين . # وقد تعددت أقوال المفسرين فبلغت بضعة عشر قولا ذكر الآلوسي أكثرها وذكر ~~القرطبي معظمها غير معزو ، وتداخل بعض ما ذكره الآلوسي وزاد أحدهما ما لم ~~يذكره الآخر . # ومراجع تأويل الآية تؤول إلى خمسة : # الأول : تأويل الجملة بأسرها بأن يؤول الخبر إلى معنى التوبيخ والتعجيب ، ~~وإلى هذا ذهب الفراء ونفطويه والزمخشري . # الثاني : تأويل معنى { منفكين } بمعنى الخروج عن إمهال الله إياهم ~~ومصيرهم إلى مؤاخذتهم ، وهو لابن عطية . # الثالث : تأويل متعلق { منفكين } بأنه عن الكفر وهو لعبد الجبار ، أو عن ~~الاتفاق على الكفر وهو للفخر وأبي حيان . أو منفكين عن الشهادة للرسول صلى ~~الله عليه وسلم بالصدق قبل بعثته وهو لابن كيسان عبد الرحمن الملقب بالأصم ~~، أو منفكين عن الحياة ، أي هالكين ، وعزي إلى بعض اللغويين . PageV30P470 # الرابع : تأويل { حتى } أنها بمعنى ( إن ) الاتصالية . والتقدير : وإن ~~جاءتهم البينة . # الخامس : تأويل { رسول } بأنه رسول من الملائكة يتلو عليهم صحفا من عند ~~الله فهو في معنى قوله تعالى : { يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من ~~السماء } ( النساء : 153 ) وعزاه الفخر إلى أبي مسلم وهو يقتضي صرف الخبر ~~إلى التهكم . # هذا والمراد ب { الذين كفروا من أهل الكتاب } أنهم كفروا برسالة محمد صلى ~~الله عليه وسلم مثل ما في قوله تعالى : { ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون ~~لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب } ( الحشر : 11 ) . # وأنت لا يعوزك إرجاع أقوال المفسرين إلى هذه المعاقد فلا نحتاج إلى ~~التطويل بذكرها فدونك فراجعها إن شئت ، فبنا أن نهتم بتفسير الآية على ~~الوجه البين . # إن هذه الآيات وردت مورد إقامة الحجة على الذين لم يؤمنوا من أهل الكتاب ~~وعلى المشركين بأنهم متنصلون من الحق متعللون للإصرار على الكفر عنادا ، ~~فلنسلك ms9457 بالخبر مسلك مورد الحجة لا مسلك إفادة النسبة الخبرية فتعين علينا ~~أن نصرف التركيب عن استعمال ظاهره إلى استعمال مجازي على طريقة المجاز ~~المرسل المركب من قبيل استعمال الخبر في الإنشاء والاستفهامم في التوبيخ ~~ونحو ذلك الذي قال فيه التفتزاني في ( المطول ) : إن بيان أنه من أي أنواع ~~المجاز هو مما لم يحم أحد حوله . والذي تصدى السيد الشريف لبيانه بما لا ~~يبقي فيه شبهة . # فهذا الكلام مسوق مساق نقل الأقوال المستغربة المضطربة الدالة على عدم ~~ثبات آراء أصحابها ، فهو من الحكاية لما كانوا يعدون به فهو حكاية بالمعنى ~~كأنه قيل : كنتم تقولون لا نترك ما نحن عليه حتى تأتينا البينة ، وهذا ~~تعريض بالتوبيخ بأسلوب الإخبار المستعمل في إنشاء التعجيب أو الشكاية من ~~صلفف المخبر عنه ، وهو استعمال عزيز بديع وقريب منه قوله تعالى : { يحذر ~~المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزئوا إن الله ~~مخرج ما تحذرون } ( التوبة : 64 ) إذ عبر بصيغة يحذر وهم إنما تظاهروا ~~بالحذر ولم يكونوا حاذرين حقا ولذلك قال الله تعالى : { قل استهزئوا } . ~~PageV30P471 # فالخبر موجه لكل سامع ، ومضمومه قول : ( كان صدر من أهل الكتاب واشتهر ~~عنهم وعرفوا به وتقرر تعلل المشركين به لأهل الكتاب حتى يدعونهم إلى اتباع ~~اليهودية أو النصرانية فيقولوا : لم يأتنا رسول كما أتاكم قال تعالى : { أن ~~تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين ~~أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم } ( الأنعام : 156 ، ~~157 ) . # وتقرر تعلل أهل الكتاب به حين يدعوهم النبي صلى الله عليه وسلم للإسلام ، ~~قال تعالى : { الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا ~~بقربان تأكله النار } ( آل عمران : 183 ) الآية . # وشيوعه عن الفريقين قرينة على أن المراد من سياقه دمغهم بالحجة وبذلك كان ~~التعبير بالمضارع المستقبل في قوله : { حتى تأتيهم البينة } مصادفا المحز ~~فإنهم كانوا يقولون ذلك قبل مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم # وقريب منه قوله تعالى في أهل الكتاب : { ولما جاءهم ms9458 كتاب من عند الله ~~مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا ~~كفروا به } ( البقرة : 89 ) . # وحاصل المعنى : أنكم كنتم تقولون لا نترك ما نحن عليه من الدين حتى ~~تأتينا البينة ، أي العلامة التي وعدنا بها . # وقد جعل ذلك تمهيدا وتوطئة لقوله بعده : { رسول من الله يتلوا صحفا مطهرة ~~} الخ . # وإذ اتضح موقع هذه الآية وانقشع إشكالها فلننتقل إلى تفسير ألفاظ الآية . # فالانفكاك : الإقلاع ، وهو مطاوع فكه إذا فصله وفرقه ويستعار لمعنى أقلع ~~عنه ومتعلق { منفكين } محذوف دل عليه وصف المتحدث عنهم بصلة { الذين كفروا ~~} والتقدير : منفكين عن كفرهم وتاركين له ، سواء كان كفرهم إشراكا بالله ~~مثل كفر المشركين أو كان كفرا بالرسول صلى الله عليه وسلم فهذا القول صادر ~~من اليهود الذين في المدينة والقرى التي حولها ويتلقفه المشركون بمكة الذين ~~لم ينقطعوا عن الاتصال بأهل الكتاب منذ ظهرت دعوة الإسلام يستفتونهم في ~~ابتكار مخلص يتسللون به PageV30P472 عن ملام من يلومهم على الإعراض عن ~~الإسلام . وكذلك المشركون الذين حول المدينة من الأعراب مثل جهينة وغطفان ، ~~ومن أفراد المتنصرين بمكة أو بالمدينة . # وقد حكى الله عن اليهود أنهم قالوا : { إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول ~~حتى يأتينا بقربان تأكله النار } ( آل عمران : 183 ) ، وقال عنهم : { ولما ~~جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين ~~كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به } ( البقرة : 89 ) ، وحكى عن النصارى ~~بقوله تعالى حكاية عن عيسى : { ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما ~~جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين } ( الصف : 6 ) . وقال عن الفريقين : { ~~ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم ~~من بعد ما تبين لهم الحق } ( البقرة : 109 ) ، وحكى عن المشركين بقوله : { ~~فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى } ( القصص : 48 ~~) وقولهم : { فليأتنا بآية كما أرسل الأولون } ( الأنبياء : 5 ) . # ولم يختلف أهل الكتابين في أنهم أخذ عليهم ms9459 العهد بانتظار نبيء ينصر الدين ~~الحق وجعلت علاماته دلائل تظهر من دعوته كقول التوراة في سفر التثنية : ( ~~أقيم لهم نبيئا من وسط إخوتهم مثلك وأجعل كلامي في فمه ) . ثم قولها فيه : ~~( وأما النبي الذي يطغى فيتكلم كلاما لم أوصه أن يتكلم به فيموت ذلك النبي ~~وإن قلت في قلبك كيف نعرف الكلام الذي لم يتكلم به الرب فما تكلم به النبي ~~باسم الرب ولم يحدث ولم يصر فهو الكلام الذي لم يتكلم به الرب ( الإصحاح ~~الثامن عشر ) . وقول الإنجيل : ( وأنا أطلب من الأب فيعطيكم معزيا آخر ~~ليمكث معكم إلى الأبد ( أي شريعته لأن ذات النبي لا تمكث إلى الأبد ) روح ~~الحق الذي لا يستطيع العالم أن يقبله لأنه لا يراه ولا يعرفه ( يوحنا ~~الإصحاح الرابع عشر الفقرة 6 ) ( وأما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الأب ~~باسمي فهو يعلمكم كل شيء ويذكركم بكل ما قلته لكم ( يوحنا الإصحاح الرابع ~~عشر فقرة 26 ) . # وقوله : ويقوم أنبياء كذبة كثيرون ، ( أي بعد عيسى ) ويضلون كثيرين ولكن ~~الذي يصبر إلى المنتهى ( أي يبقى إلى انقراض الدنيا وهو مؤول ببقاء دينه إذ ~~لا يبقى أحد حيا إلى انقراض الدنيا ) فهذا يخلص ويكرر ببشارة الملكوت هذه ~~في كل PageV30P473 المسكونة شهادة لجميع الأمم ثم يأتي المنتهى ) ، أي ~~نهاية الدنيا ( متى الإصحاح الرابع والعشرون ) ، أي فهو خاتم الرسل كما هو ~~بين . # وكان أحبارهم قد أساءوا التأويل للبشارات الواردة في كتبهم بالرسول ~~المقفي وأدخلوا علامات يعرفون بها الرسول صلى الله عليه وسلم الموعود به هي ~~من المخترعات الموهومة فبقي من خلفهم ينتظرون تلك المخترعات فإذا لم يجدوها ~~كذبوا المبعوث إليهم . # و { البينة } : الحجة الواضحة والعلامة على الصدق وهو اسم منقول من الوصف ~~جرى على التأنيث لأنه مؤول بالشهادة أو الآية . # ولعل إيثار التعبير بها هنا لأنها أحسن ما تترجم به العبارة الواقعة في ~~كتب أهل الكتاب مما يحوم حول معنى الشهادة الواضحة لكل متبصر كما وقع في ~~إنجيل متى لفظ ( شهادة لجميع الأمم ) ، ( ولعل التزام هذه الكلمة هنا مرتين ~~كان ms9460 لهذه الخصوصية ) وقد ذكرت مع ذكر الصحف الأولى في قوله : { وقالوا لولا ~~يأتينا بآية من ربه أو لم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى } ( طه : 133 ) . # والظاهر أن التعريف في { البينة } تعريف العهد الذهني ، وهو أن يراد ~~معهود بنوعه لا بشخصه كقولهم : ادخل السوق ، لا يريدون سوقا معينة بل ما ~~يوجد فيه ماهية سوق ، ومنه قول زهير : # وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم # ولذلك قال علماء البلاغة : إن المعرف بهذه اللام هو في المعنى نكرة فكأنه ~~قيل حتى تأتيهم بينة . # ويجوز أن يكون التعريف لمعهود عند المخبر عنهم ، أي البينة التي هي وصايا ~~أنبيائهم فهي معهودة عند كل فريق منهم وإن اختلفوا في تخيلها وابتعدوا في ~~توهمها بما تمليه عليه تخيلاتهم واختلاقهم . # وأوثرت كلمة { البينة } لأنها تعبر عن المعنى الوارد في كلامهم ولذلك نرى ~~مادتها متكررة في آيات كثيرة من القرآن في هذا الغرض كما في قوله : { أولم ~~تأتهم بينة ما في الصحف الأولى } ( طه : 133 ) وقوله : { فلما جاءهم ~~بالبينات قالوا هذا سحر PageV30P474 مبين } ( الصف : 6 ) وقوله : { من بعد ~~ما تبين لهم الحق } ( البقرة : 109 ) وقال عن القرآن : { هدى للناس وبينات ~~من الهدى والفرقان } ( البقرة : 185 ) . # و { من } في قوله : { من أهل الكتاب } بيانية بيان للذين كفروا . # وإنما قدم أهل الكتاب على المشركين هنا مع أن كفر المشركين أشد من كفر ~~أهل الكتاب لأن لأهل الكتاب السبق في هذا المقام فهم الذين بثوا بين ~~المشركين شبهة انطباق البينة الموصوفة بينهم فأيدوا المشركين في إنكار نبوة ~~محمد صلى الله عليه وسلم بما هو أتقن من ترهات المشركين إذ كان المشركون ~~أميين لا يعلمون شيئا من أحوال الرسل والشرائع ، فلما صدمتهم الدعوة ~~المحمدية فزعوا إلى اليهود ليتلقوا منهم ما يردون به تلك الدعوة وخاصة بعد ~~ما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة . # فالمقصود بالإبطال ابتداء هو دعوى أهل الكتاب ، وأما المشركون فتبع لهم . # واعلم أنه يجوز أن يكون الكلام انتهى عند قوله : { حتى تأتيهم البينة } ، ~~فيكون الوقف هناك ويكون قوله ms9461 : { رسول من الله } إلى آخرها جملة مستأنفة ~~استئنافا بيانيا وهو قول الفراء ، أي هي رسول من الله ، يعني لأن ما في ~~البينة من الإبهام يثير سؤال سائل عن صفة هذه البينة ، وهي جملة معترضة بين ~~جملة { لم يكن الذين كفروا . . . منفكين } إلى آخرها وبين جملة : { وما ~~تفرق الذين أوتوا الكتاب } ( البينة : 4 ) . # ويجوز أن يكون { رسول } بدلا من { البينة } فيقتضي أن يكون من تمام لفظ ( ~~بينة ) فيكون من حكاية ما زعموه . أريد إبطال معاذيرهم وإقامة الحجة عليهم ~~بأن البينة التي ينتظرونها قد حلت ولكنهم لا يتدبرون أو لا ينصفون أو لا ~~يفقهون ، قال تعالى : { فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به } ( البقرة : 89 ) . # وتنكير { رسول } للنوعية المراد منها تيسير ما يستصعب كتنكير قوله تعالى ~~: { أياما معدودات } ( البقرة : 184 ) وقول : { المص كتاب أنزل إليك } ( ~~الأعراف : 1 ، 2 ) . # وفي هذا التبيين إبطال لمعاذيرهم كأنه قيل : فقد جاءتكم البينة ، على حد ~~قوله تعالى : { أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير ~~} ( المائدة : 19 ) ، وهو يفيد PageV30P475 أن البينة هي الرسول وذلك مثل ~~قوله تعالى : { قد أنزل الله إليكم ذكرا رسولا يتلو عليكم آيات الله } ( ~~الطلاق : 10 ، 11 ) . # فأسلوب هذا الرد مثل أسلوب قوله تعالى : { وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر ~~لنا من الأرض ينبوعا أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها ~~تفجيرا أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا ~~أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا ~~كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا وما منع الناس أن يؤمنوا ~~إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا } ( الإسراء : 90 94 ) . # وفي هذا تذكير بغلطهم فإن كتبهم ما وعدت إلا بمجيء رسول معه شريعة وكتاب ~~مصدق لما بين يديه وذلك مما يندرج في قولة التوراة : ( وأجعل كلامي في فمه ~~) . # وقول الإنجيل : ( ويذكركم بكل ما قلته لكم ) كما تقدم آنفا ، وهو ما ms9462 أشار ~~إليه قوله تعالى : { وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من ~~الكتاب } ( المائدة : 48 ) لأن التوراة والإنجيل لم يصفا النبي الموعود به ~~إلا بأنه مثل موسى أو مثل عيسى ، أي في أنه رسول يوحي الله إليه بشريعة ، ~~وأنه يبلغ عن الله وينطلق بوحيه ، وأن علامته هو الصدق كما تقدم آنفا . قال ~~حجة الإسلام في كتاب ( المنقذ من الضلال ) : ( إن مجموع الأخلاق الفاضلة ~~كان بالغا في نبينا إلى حد الإعجاز وأن معجزاته كانت غاية في الظهور ~~والكثرة ) . # و { من الله } متعلق ب { رسول } ولم يسلك طريق الإضافة ليتأتى تنوين { ~~رسول } فيشعر بتعظيم هذا الرسول . # وجملة { يتلوا صحفا } الخ صفة ثانية أو حال ، وهي إدماج بالثناء على ~~القرآن إذ الظاهر أن الرسول الموعود به في كتبهم لم يوصف بأنه يتلو صحفا ~~مطهرة . # والتلاوة : إعادة الكلام دون زيادة عليه ولا نقص منه سواء كان كلاما ~~مكتوبا أو محفوظا عن ظهر قلب ، ففعل { يتلو } مؤذن بأنه يقرأ عليهم كلاما ~~لا تبدل ألفاظه وهو الوحي المنزل عليه . PageV30P476 # والصحف : الأوراق والقراطيس التي تجعل لأن يكتب فيها ، وتكون من رق أو ~~جلد ، أو من خرق . وتسمية ما يتلوه الرسول { صحفا } مجاز بعلاقة الأيلولة ~~لأنه مأمور بكتابته فهو عند تلاوته سيكون صحفا ، فهذا المجاز كقوله : { إني ~~أراني أعصر خمرا } ( يوسف : 36 ) . وهذا إشارة إلى أن الله أمر رسوله صلى ~~الله عليه وسلم بكتابة القرآن في الصحف وما يشبه الصحف من أكتافف الشاء ~~والخرق والحجارة ، وأن الوحي المنزل على الرسول سمي كتابا في قوله تعالى : ~~{ أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم } ( العنكبوت : 51 ) لأجل ~~هذا المعنى . # وتعدية فعل { يتلو } إلى { صحفا } مجاز مرسل مشهور ساوى الحقيقة قال ~~تعالى : { وما كنت تتلو من قبله من كتاب } ( العنكبوت : 48 ) ، وهو باعتبار ~~كون المتلو مكتوبا ، وإنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلو عليهم ~~القرآن عن ظهر قلب ولا يقرأه من صحف فمعنى { يتلو صحفا } يتلو ما هو مكتوب ~~في صحف والقرينة ظاهرة وهي اشتهار كونه ms9463 صلى الله عليه وسلم أميا . # ووصف الصحف ب { مطهرة } وهو وصف مشتق من الطهارة المجازية ، أي كون ~~معانيه لا لبس فيها ولا تشتمل على ما فيه تضليل ، وهذا تعريض ببعض ما في ~~أيدي أهل الكتاب من التحريف والأوهام . # ووصف الصحف التي يتلوها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن فيها كتبا ، ~~والكتب : جمع كتاب ، وهو فعال اسم بمعنى المكتوب ، فمعنى كون الكتب كائنة ~~في الصحف أن الصحف التي يكتب فيها القرآن تشتمل على القرآن وهو يشتمل على ~~ما تضمنته كتب الرسل السابقين مما هو خالص من التحريف والباطل ، وهذا كما ~~قال تعالى : { مصدق لما بين يديه } ( البقرة : 97 ) وقال : { إن هذا لفي ~~الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى } ( الأعلى : 18 ، 19 ) ، فالقرآن زبدة ما ~~في الكتب الأولى ومجمع ثمرتها ، فأطلق على ثمرة الكتب اسم كتب على وجه مجاز ~~الجزئية . # والمراد بالكتب أجزاء القرآن أو سوره فهي بمثابة الكتب . # والقيمة : المستقيمة ، أي شديدة القيام الذي هو هنا مجاز في الكمال ~~والصواب وهذا من تشبيه المعقول بالمحسوس تشبيها بالقائم لاستعداده للعمل ~~النافع ، وضده العوج قال تعالى : { الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ~~ولم يجعل له عوجا PageV30P477 قيما } ( الكهف : 1 ، 2 ) ، أي لم يجعل فيه ~~نقص الباطل والخطأ ، فالقيمة مبالغة في القائم مثل السيد للسائد والميت ~~للمائت . # وتأنيث الوصف لاعتبار كونه وصفا لجمع . # ارتقاء في الإبطال وهو إبطال ثان لدعواهم بطريق النقض الجدلي المسمى ~~بالمعارضة وهو تسليم الدليل والاستدلال لما ينافي ثبوت المدلول ، وهذا ~~إبطال خاص بأهل الكتاب اليهود والنصارى ، ولذلك أظهر فاعل { تفرق } ولم يقل ~~: وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءتهم البينة ، إذ لو أضمر لتوهمت إرادة ~~المشركين من جملة معاد الضمير ، بعد أن أبطل زعمهم بقوله : { رسول من الله ~~يتلوا صحفا مطهرة } ( البينة : 2 ) ارتقى إلى إبطال مزاعمهم إبطالا مشوبا ~~بالتكذيب وبشهادة ما حصل في الأزمان الماضية . # فيجوز أن تكون الواو للعطف عاطفة إبطالا على إبطال ، ويجوز أن تكون واو ~~الحال . # والمعنى : كيف يزعمون أن تمسكهم بما هم عليه من ms9464 الدين مغيا بوقت أن ~~تأتيهم البينة والحال أنهم جاءتهم بينة من قبل ظهور الإسلام وهي بينة عيسى ~~عليه السلام فتفرقوا في الإيمان به فنشأ من تفرقهم حدوث ملتين اليهودية ~~والنصرانية . # والمراد بهذه البينة الثانية مجيء عيسى عليه السلام فإن الله أرسله كما ~~وعدهم أنبياؤهم أمثال إلياس واليسع وأشعياء . وقد أجمع اليهود على النبي ~~الموعود به تجديد الدين الحق وكانوا منتظرين المخلص ، فلما جاءهم عيسى ~~كذبوه ، أي فلا يطمع في صدقهم فيما زعموا من انتظار البينة بعد عيسى وهم قد ~~كذبوا ببينة عيسى ، فتبين أن الجحود والعناد شنشنة فيهم معروفة . # والمراد بالتفرق : تفرق بني إسرائيل بين مكذب لعيسى ومؤمن به وما آمن به ~~إلا نفر قليل من اليهود . PageV30P478 # وجعل التفرق كناية عن إنكار البينة لأن تفرقهم كان اختلافا في تصديق بينة ~~عيسى عليه السلام ، فاستعمل التفرق في صريحه وكنايته لقصد إدماج مذمتهم ~~بالاختلاف بعد ظهور الحق كقوله : { وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من ~~بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم } ( آل عمران : 19 ) . # فالتعريف في { البينة } المذكورة ثانيا يجوز أن يكون للعهد الذهني ، أو ~~للمعهود بين المتحدث عنهم ، وهي بينة أخرى غير الأولى وإعادتها من إعادة ~~النكرة نكرة مثلها إذ المعرف بلام العهد الذهني بمنزلة النكرة ، أو من ~~إعادة المعرفة المعهودة معرفة مثلها ، وعلى كلا الوجهين لا تكون المعادة ~~عين التي قبلها . # وقد أطبقت كلمات المفسرين على أن معنى قوله تعالى : { وما تفرق الذين ~~أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة } أنهم ما تفرقوا عن اتباع ~~الإسلام ، أي تباعدوا عنه إلا من بعد ما جاء محمد صلى الله عليه وسلم وهذا ~~تأويل للفظ التفرق وهو صرف عن ظاهره بعيد فأشكل عليهم وجه تخصيص أهل الكتاب ~~بالذكر مع أن التباعد عن الإسلام حاصل منهم ومن المشركين ، وجعلوا المراد ب ~~{ البينة } الثانية عين المراد بالأولى وهي بينة محمد صلى الله عليه وسلم ~~سوى أن الفخر ذكر كلمات تنبىء عن مخالفة المفسرين في محمل تفرق الذين أوتوا ~~الكتاب فإنه بعد أن قرر المعنى ms9465 بما يوافق كلام بقية المفسرين أتى بما يقتضي ~~حمل التفرق على حقيقته ، وحمل البينة الثانية على معنى مغاير لمحمل { ~~البينة } الأولى ، إذ قال : ( المقصود من هذه الآية تسلية محمد صلى الله ~~عليه وسلم أي لا يغمنك تفرقهم فليس ذلك لقصور في الحجة بل لعنادهم فسلفهم ~~هكذا كانوا لم يتفرقوا في السبب وعبادة العجل إلا بعد ما جاءتهم البينة ، ~~فهي عادة قديمة لهم ) ، وهو معارض لأول كلامه ، ولعله بدا له هذا الوجه ~~وشغله عن تحريره شاغل وهذا مما تركه الفخر في المسودة . # هذا إبطال ثالث لتنصلهم من متابعة الإسلام بعلة أنهم لا يتركون ما هم ~~عليه حتى تأتيهم البينة وزعمهم أن البينة لم تأتهم . PageV30P479 # وهو إبطال بطريق القول بالموجب في الجدل ، أي إذا سلمنا أنكم موصون ~~بالتمسك بما أنتم عليه لا تنفكون عنه حتى تأتيكم البينة ، فليس في الإسلام ~~ما ينافي ما جاء به كتابكم لأن كتابكم يأمر بما أمر به القرآن ، وهو عبادة ~~الله وحده دون إشراك ، وذلك هو الحنيفية وهي دين إبراهيم الذي أخذ عليهم ~~العهد به ، فذلك دين الإسلام وذلك ما أمرتم به في دينكم . # فلك أن تجعل الواو عاطفة على جملة : { وما تفرق الذين أوتوا الكتاب } ( ~~البينة : 4 ) الخ . # ولك أن تجعل الواو للحال فتكون الجملة حالا من الضمير في قوله : { حتى ~~تأتيهم البينة } ( البينة : 1 ) . والمعنى والحال أن البينة قد أتتهم إذ ~~جاء الإسلام بما صدق قول الله تعالى لموسى عليه السلام : ( أقيم لهم نبيئا ~~من وسط إخوتهم وأجعل كلامي في فمه ) ، وقول عيسى عليه السلام : ( فهو ~~يعلمكم كل شيء ويذكركم بكل ما قلته لكم ) . # والتعبير بالفعل المسند للمجهول مفيد معنيين ، أي ما أمروا في كتابهم إلا ~~بما جاء به الإسلام . فالمعنى : وما أمروا في التوراة والإنجيل إلا أن ~~يعبدوا الله مخلصين إلى آخره . فإن التوراة أكدت على اليهود تجنب عبادة ~~الأصنام ، وأمرت بالصلاة ، وأمرت بالزكاة أمرا مؤكدا مكررا . وتلك هي أصول ~~دين الإسلام قبل أن يفرض صوم رمضان والحج ، والإنجيل لم يخالف التوراة أو ~~المعنى ms9466 وما أمروا في الإسلام إلا بمثل ما أمرهم به كتابهم ، فلا معذرة لهم ~~في الإعراض عن الإسلام على كلا التقديرين . # ونائب فاعل { أمروا } محذوف للعموم ، أي ما أمروا بشيء إلا بأن يعبدوا ~~الله . # واللام في قوله : { ليعبدوا الله } هي اللام التي تكثر زيادتها بعد فعل ~~الإرادة وفعل الأمر وتقدم ذكرها عند قوله تعالى : { يريد الله ليبين لكم } ~~في سورة النساء وقوله : { وأمرنا لنسلم لرب العالمين } في سورة الأنعام ، ~~وسماها بعض النحاة لام ( أن ) . # والإخلاص : التصفية والإنقاء ، أي غير مشاركين في عبادته معه غيره . ~~PageV30P480 # والدين : الطاعة قال تعالى : { قل الله أعبد مخلصا له ديني } ( الزمر : ~~14 ) . # وحنفاء : جمع حنيف ، وهو لقب للذي يؤمن بالله وحده دون شريك قال تعالى : ~~{ قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان ~~من المشركين } ( الأنعام : 161 ) . # وهذا الوصف تأكيد لمعنى : { مخلصين له الدين } مع التذكير بأن ذلك هو دين ~~إبراهيم عليه السلام الذي ملئت التوراة بتمجيده واتباع هديه . # وإقامة الصلاة من أصول شريعة التوراة كل صباح ومساء . # وإيتاء الزكاة : مفروض في التوراة فرضا مؤكدا . # واسم الإشارة في قوله : { وذلك دين القيمة } متوجه إلى ما بعد حرف ~~الاستثناء فإنه مقترن باللام المسماة ( لام أن ) المصدرية فهو في تأويل ~~مفرد ، أي إلا بعبادة الله وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ، أي والمذكور دين ~~القيمة . # و { دين القيمة } يجوز أن تكون إضافته على بابها فتكون { القيمة } مرادا ~~به غير المراد بدين مما هو مؤنث اللفظ مما يضاف إليه دين أي دين الأمة ~~القيمة أو دين الكتب القيمة . ويرجح هذا التقدير أن دليل المقدر موجود في ~~اللفظ قبله . وهذا إلزام لهم بأحقية الإسلام وأنه الدين القيم قال تعالى : ~~{ فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق ~~الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون منيبين إليه واتقوه ~~وأقيموا الصلاة } ( الروم : 30 31 ) . # ويجوز أن تكون الإضافة صورية من إضافة الموصوف إلى الصفة وهي كثيرة ~~الاستعمال ، وأصله الدين القيم ، فأنث الوصف ms9467 على تأويل دين بملة أو شريعة ، ~~أو على أن التاء للمبالغة في الوصف مثل تاء علامة والمآل واحد ، وعلى كلا ~~التقديرين فالمراد بدين القيمة دين الإسلام . # والقيمة : الشديدة الاستقامة وقد تقدم آنفا . # فالمعنى : وذلك المذكور هو دين أهل الحق من الأنبياء وصالحي الأمم وهو ~~عين ما جاء به الإسلام قال تعالى في إبراهيم : { ولكن كان حنيفا مسلما } ( ~~آل عمران : 67 ) وقال PageV30P481 عنه وعن إسماعيل : { ربنا واجعلنا مسلمين ~~لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك } ( البقرة : 128 ) . وحكى عنه وعن يعقوب ~~قولهما : { فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون } ( البقرة : 132 ) وقال سليمان : { ~~وكنا مسلمين } ( النمل : 42 ) . # وقد مضى القول في ذلك عند قوله تعالى : { فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون } ~~في سورة البقرة . # والإشارة بذلك إلى الذي أمروا به أي مجموع ما ذكر هو دين الإسلام ، أي هو ~~الذي دعاهم إليه الإسلام فحسبوه نقضا لدينهم ، فيكون مهيع الآية مثل قوله ~~تعالى : { قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد ~~إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن ~~تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون } ( آل عمران : 64 ) وقوله : { قل يا أهل ~~الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل } ~~( المائدة : 59 ) . # والمقصود إقامة الحجة على أهل الكتاب وعلى المشركين تبعا لهم بأنهم ~~أعرضوا عما هم يتطلبونه فإنهم جميعا مقرون بأن الحنيفية هي الحق الذي أقيمت ~~عليه الموسوية والعيسوية ، والمشركون يزعمون أنهم يطلبون الحنيفية ويأخذون ~~بما أدركوه من بقاياها ويزعمون أن اليهودية والنصرانية تحريف للحنيفية ، ~~فلذلك كان عامة العرب غير متهودين ولا متنصرين ويتمسكون بما وجدوا آباءهم ~~متمسكين به وقل منهم من تهودوا أو تنصروا ، وذهب نفر منهم يتطلبون آثار ~~الحنيفية مثل زيد بن عمرو بن نفيل ، وأمية بن أبي الصلت . # وخص الضمير ب ( أهل الكتاب ) لأن المشركين لم يؤمروا بذلك قبل الإسلام ~~قال تعالى : { لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك } ( القصص : 46 ) . # بعد أن أنحى على ms9468 أهل الكتاب والمشركين معا ثم خص أهل الكتاب بالطعن في ~~تعللاتهم والإبطال لشبهاتهم التي يتابعهم المشركون عليها . أعقبه بوعيد ~~الفريقين PageV30P482 جمعا بينهما كما ابتدأ الجمع بينهما في أول السورة ~~لأن ما سبق من الموعظة والدلالة كاف في تدليل أنفسهم للموعظة . # فالجملة استئناف ابتدائي ، وقدم أهل الكتاب على المشركين في الوعيد ~~استتباعا لتقديمهم عليهم في سببه كما تقدم في أول السورة ، ولأن معظم الرد ~~كان موجها إلى أحوالهم من قوله : { وما تفرق الذين أوتوا الكتاب } إلى قوله ~~: { دين القيمة } ( البينة : 4 ، 5 ) ، ولأنه لو آمن أهل الكتاب لقامت ~~الحجة على أهل الشرك . # و { من } بيانية مثل التي في قوله : { لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ~~والمشركين } ( البينة : 1 ) . # وتأكيد الخبر ب { إن } للرد على أهل الكتاب الذين يزعمون أنهم لا تمسهم ~~النار إلا أياما معدودة ، فإن الظرفية التي اقتضتها { في } تفيد أنهم غير ~~خارجين منها ، وتأكد ذلك بقوله : { خالدين فيها } ، وأما المشركون فقد ~~أنكروا الجزاء رأسا . # والإخبار عنهم بالكون في نار جهنم إخبار بما يحصل في المستقبل بقرينة ~~مقام الوعيد فإن الوعيد كالوعد يتعلق بالمستقبل وإن كان شأن الجملة الاسمية ~~غير المقيدة بما يعين زمان وقوعها أن تفيد حصول مضمونها في الحال كما تقول ~~: زيد في نعمة . # وجملة : { أولئك هم شر البريئة } كالنتيجة لكونهم في نار جهنم خالدين ~~فيها فلذلك فصلت عن الجملة التي قبلها وهو إخبار بسوء عاقبتهم في الآخرة ~~وأريد بالبريئة هنا البريئة المشهورة في الاستعمال وهم البشر ، فلا اعتبار ~~للشياطين في هذا الاسم وهذا يشبه الاستغراق العرفي . # والبريئة : فعيلة من برأ الله الخلق ، أي صورهم . # ومعنى كونهم { شر البريئة } أنهم أشد الناس شرا ، ف { شر } هنا أفعل ~~تفضيل أصله أشر مثل خير الذي هو بمعنى أخير ، فإضافة { شر } إلى { البريئة ~~} على نية { من } التفضيلية . # وإنما كانوا كذلك لأنهم ضلوا بعد تلبسهم بأسباب الهدى ، فأما أهل الكتاب ~~فلأن لديهم كتابا فيه هدى ونور فعدلوا عنه ، وأما المشركون فلأنهم كانوا ~~PageV30P483 على الحنيفية فأدخلوا فيها عبادة الأصنام ثم إنهم أصروا ms9469 على ~~دينهم بعدما شاهدوا من دلائل صدق محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به ~~القرآن من الإعجاز والإنباء بما في كتب أهل الكتاب ، وذلك مما لم يشاركهم ~~فيه غيرهم فقد اجتنوا لأنفسهم الشر من حيث كانوا أهلا لنوال الخير فحسرتهم ~~على أنفسهم يوم القيامة أشد من حسرة من عداهم فكان الفريقان شرا من ~~الوثنيين والزنادقة في استحقاق العقاب لا فيما يرجى منهم من الاقتراب . # وأقحم اسم الإشارة بين اسم { إن } وخبرها للتنبيه على أنهم أحرياء بالحكم ~~الوارد بعد اسم الإشارة من أجل الأوصاف التي قبل اسم الإشارة كما في قوله : ~~{ أولئك على هدى من ربهم } ( البقرة : 5 ) . وتوسيط ضمير الفصل لإفادة ~~اختصاصهم بكونهم شر البريئة لا يشاركهم في ذلك غيرهم من فرق أهل الكفر لما ~~علمت آنفا . ولا يرد أن الشياطين أشد شرا منهم لما علمت أن اسم البريئة ~~اعتبر إطلاقه على البشر . # و { البريئة } قرأه نافع وحده وابن ذكوان عن ابن عامر بهمز بعد الياء ~~فعيلة من برأ الله ، إذا خلق . # وقرأه بقية العشرة بياء تحتية مشددة دون همز على تسهيل الهمزة بعد الكسرة ~~ياء وإدغام الياء الأولى في الياء الثانية تخفيفا . # وإثبات الهمزة لغة أهل الحجاز ، والتخفيف لغة بقية العرب ، كما تركوا ~~الهمز في الدرية والنبي . قال سيبويه : ليس أحد من العرب إلا ويقول : تنبأ ~~مسيلمة بالهمز غير أنهم تركوا الهمز في النبي كما تركوه في : الدرية ~~والبرية إلا أهل مكة فإنهم يهمزونها ويخالفون العرب في ذلك . PageV30P484 # ( 7 ، 8 ) # . # قوبل حال الكفرة من أهل الكتاب وحال المشركين بحال الذين آمنوا بعد أن ~~أشير إليهم بقوله : { وذلك دين القيمة } ( البينة : 5 ) ، استيعابا لأحوال ~~الفرق في الدنيا والآخرة وجريا على عادة القرآن في تعقيب نذارة المنذرين ~~ببشارة المطمئنين وما ترتب على ذلك من الثناء عليهم ، وقدم الثناء عليهم ~~على بشارتهم على عكس نظم الكلام المتقدم في ضدهم ليكون ذكر وعدهم كالشكر ~~لهم على إيمانهم وأعمالهم فإن الله شكور . # والجملة استئناف بياني ناشىء عن تكرر ذكر الذين كفروا من أهل ms9470 الكتاب ~~والمشركين فإن ذلك يثير في نفوس الذين آمنوا من أهل الكتاب والمشركين ~~تساؤلا عن حالهم لعل تأخر إيمانهم إلى ما بعد نزول الآيات في التنديد عليهم ~~يجعلهم في انحطاط درجة ، فجاءت هذه الآية مبينة أن من آمن منهم هو معدود في ~~خير البريئة . # والقول في اسم الإشارة ، وضمير الفصل والقصر وهمز البريئة كالقول في ~~نظيره المتقدم . # واسم الإشارة والجملة المخبر بها عنه جميعها خبر عن اسم { إن } . # وجملة : { جزاؤهم عند ربهم جنات عدن } إلى آخرها مبينة لجملة : { أولئك ~~هم خير البريئة } . # و { عند ربهم } ظرف وقع اعتراضا بين { جزاؤهم } وبين { جنات عدن } ~~للتنويه بعظم الجزاء بأنه مدخر لهم عند ربهم تكرمة لهم لما في { عند } من ~~الإيماء إلى الحظوة والعناية ، وما في لفظ ربهم من الإيماء إلى إجزال ~~الجزاء بما يناسب عظم المضاف إليه { عند } ، وما يناسب شأن من يرب أن يبلغ ~~بمربوبه عظيم الإحسان . # وإضافة : { جنات } إلى { عدن } لإفادة أنها مسكنهم لأن العدن الإقامة ، ~~أي ليس جزاؤهم تنزها في الجنات بل أقوى من ذلك بالإقامة فيها . PageV30P485 # وقوله : { خالدين فيها أبدا } بشارة بأنها مسكنهم الخالد . # ووصف الجنات ب { تجري من تحتها الأنهار } لبيان منتهى حسنها . # وجري النهر مستعار لانتقال السيل تشبيها لسرعة انتقال الماء بسرعة المشي ~~. # والنهر : أخدود عظيم في الأرض يسيل فيه الماء فلا يطلق إلا على مجموع ~~الأخدود ومائه . وإسناد الجري إلى الأنهار توسع في الكلام لأن الذي يجري هو ~~ماؤها وهو المعتبر في ماهية النهر . # وجعل جزاء الجماعة جمع الجنات فيجوز أن يكون على وجه التوزيع ، أي لكل ~~واحد جنة كقوله تعالى : { يجعلون أصابعهم في آذانهم } ( البقرة : 19 ) ~~وقولك : ركب القوم دوابهم ، ويجوز أن يكون لكل أحد جنات متعددة والفضل لا ~~ينحصر قال تعالى : { ولمن خاف مقام ربه جنتان } ( الرحمن : 46 ) . # وجملة : { رضي الله عنهم } حال من ضمير { خالدين } ، أي خالدين خلودا ~~مقارنا لرضى الله عنهم ، فهم في مدة خلودهم فيها محفوفون بآثار رضى الله ~~عنهم ، وذلك أعظم مراتب الكرامة قال تعالى : { ورضوان من الله أكبر ms9471 } ( ~~التوبة : 72 ) ورضى الله تعلق إحسانه وإكرامه لعبده . # وأما الرضى في قوله : { ورضوا عنه } فهو كناية عن كونهم نالهم من إحسان ~~الله ما لا مطلب لهم فوقه كقول أبي بكر في حديث الغار : ( فشرب حتى رضيت ) ~~، وقول مخرمة حين أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم قباء : ( رضي مخرمة ) ~~. وزاده حسن وقع هنا ما فيه من المشاكلة . # . # تذييل آت على ما تقدم من الوعد للذين آمنوا والوعيد للذين كفروا بين به ~~سبب العطاء وسبب الحرمان وهو خشية الله تعالى بمنطوق الصلة ومفهومها . # والإشارة إلى الجزاء المذكور في قوله : { جزاؤهم عند ربهم } يعني أن ~~السبب الذي أنالهم ذلك الجزاء هو خشيتهم الله فإنهم لما خشوا الله توقعوا ~~غضبه إذا لم PageV30P486 يصغوا إلى من يقول لهم : إني رسول الله إليكم ، ~~فأقبلوا على النظر في دلائل صدق الرسول فاهتدوا وآمنوا ، وأما الذين آثروا ~~حظوظ الدنيا فأعرضوا عن دعوة رسول من عند الله ولم يتوقعوا غضب مرسله فبقوا ~~في ضلالهم . # فما صدق : ( من خشي ربه ) هم المؤمنون ، واللام للملك ، أي ذلك الجزاء ~~للمؤمنين الذين خشوا ربهم فإذا كان ذلك ملكا لهم لم يكن شيء منه ملكا ~~لغيرهم فأفاد حرمان الكفرة المتقدم ذكرهم وتم التذييل . # وفي ذكر الرب هنا دون أن يقال : ذلك لمن خشي الله ، تعريض بأن الكفار لم ~~يرعوا حق الربوبية إذ لم يخشوا ربهم فهم عبيد سوء . # PageV30P487 PageV30P488 # | 1 ( سورة الزلزال ) 1 # سميت هذه السورة في كلام الصحابة سورة : { إذا زلزلت } روى الواحدي في ( ~~أسباب النزول ) عن عبد الله بن عمرو : ( نزلت إذا زلزلت ) وأبو كبر قاعد ~~فبكى ) الحديث . وفي حديث أنس بن مالك مرفوعا عند الترمذي : ( إذا زلزلت ) ~~تعدل نصف القرآن ) ، وكذلك عنونها البخاري والترمذي . # وسميت في كثير من المصاحف ومن كتب التفسير ( سورة الزلزال ) . # وسميت في مصحف بخط كوفي قديم من مصاحف القيروان ( زلزلت ) وكذلك سماها في ~~( الإتقان ) في السور المختلف في مكان نزولها ، وكذلك تسميتها في ( تفسير ~~ابن عطية ) ، ولم يعدها في ( الإتقان ) في عداد السور ذوات أكثر من اسم ms9472 ~~فكأنه لم ير هذه ألقابا لها بل جعلها حكاية بعض ألفاظها ولكن تسميتها سورة ~~الزلزلة تسمية بالمعنى لا بحكاية بعض كلماتها . # واختلف فيها فقال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وعطاء والضحاك : هي مكية . ~~وقال قتادة ومقاتل : مدنية ، ونسب إلى ابن عباس أيضا . والأصح أنها مكية ~~واقتصر عليه البغوي وابن كثير ومحمد بن الحسن النيسابوري في تفاسيرهم . ~~وذكر القرطبي عن جابر أنها مكية ولعله يعني : جابر بن عبد الله الصحابي لأن ~~المعروف عن جابر بن زيد أنها مدنية فإنها معدودة في نزول السور المدنية ~~فيما روي عن جابر بن زيد . وقال ابن عطية : آخرها وهو : { فمن يعمل مثقال ~~ذرة خيرا يره } ( الزلزلة : 7 ) الآية نزل في رجلين كانا بالمدينة اه . ~~وستعلم أنه لا دلالة فيه على ذلك . PageV30P489 # وقد عدت الرابعة والتسعين في عداد نزول السور فيما روي عن جابر بن زيد ~~ونظمه الجعبري وهو بناء على أنها مدنية جعلها بعد سورة النساء وقبل سورة ~~الحديد . # وعدد آيها تسع عند جمهور أهل العدد ، وعدها أهل الكوفة ثماني للاختلاف في ~~أن قوله : { يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم } ( الزلزلة : 6 ) ~~آيتان أو آية واحدة . # أغراضها # إثبات البعث وذكر أشراطه وما يعتري الناس عند حدوثها من الفزع . # وحضور الناس للحشر وجزائهم على أعمالهم من خير أو شر وهو تحريض على فعل ~~الخير واجتناب الشر . # # | 2 ( { إذا زلزلت الارض زلزالها * وأخرجت الأرض أثقالها * وقال الإنسان ~~ما لها * يومئذ تحدث أخبارها * بأن ربك أوحى لها * يومئذ يصدر الناس أشتاتا ~~ليروا أعمالهم * فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ~~} ) 2 # افتتاح الكلام بظرف الزمان مع إطالة الجمل المضاف إليها الظرف تشويق إلى ~~متعلق الظرف إذ المقصود ليس توقيت صدور الناس أشتاتا ليروا أعمالهم بل ~~الإخبار عن وقوع ذلك وهو البعث ، ثم الجزاء ، وفي ذلك تنزيل وقوع البعث ~~منزلة الشيء المحقق المفروغ منه بحيث لا يهم الناس إلا معرفة وقته وأشراطه ~~فيكون التوقيت كناية عن تحقيق وقوع الموقت . # ومعنى { زلزلت } : حركت تحريكا شديدا ms9473 حتى يخيل للناس أنها خرجت من حيزها ~~لأن فعل زلزل مأخوذ من الزلل وهو زلق الرجلين ، فلما عنوا شدة الزلل ضاعفوا ~~الفعل للدلالة بالتضعيف على شدة الفعل كما قالوا : كبكبه ، أي كبه ولملم ~~بالمكان من اللم . # والزلزال : بكسر الزاي الأولى مصدر زلزل ، وأما الزلزال بفتح الزاي فهو ~~اسم PageV30P490 مصدر كالوسواس والقلقال ، وتقدم الكلام على الزلزال في ~~سورة الحج . # وإنما بني فعل { زلزلت } بصيغة النائب عن الفاعل لأنه معلوم فاعله وهو ~~الله تعالى . # وانتصب { زلزالها } على المفعول المطلق المؤكد لفعله إشارة إلى هول ذلك ~~الزلزال فالمعنى : إذا زلزلت الأرض زلزالا . # وأضيف { زلزالها } إلى ضمير الأرض لإفادة تمكنه منها وتكرره حتى كأنه عرف ~~بنسبته إليها لكثرة اتصاله بها كقول النابغة : # أسائلتي سفاهتها وجهلا # على الهجران أخت بني شهاب # أي سفاهة لها ، أي هي معروفة بها ، وقول أبي خالد القناني : # والله أسماك سمى مباركا # آثرك الله به إيثاركا # يريد إيثارا عرفت به واختصصت به . وفي كتب السيرة أن من كلام خطر بن مالك ~~الكاهن يذكر شيطانه حين رجم ( بلبله بلباله ) أي بلبال متمكن منه . وإعادة ~~لفظ الأرض في قوله : { وأخرجت الأرض أثقالها } إظهار في مقام الإضمار لقصد ~~التهويل . # والأثقال : جمع ثقل بكسر المثلثة وسكون القاف وهو المتاع الثقيل ، ويطلق ~~على المتاع النفيس . # وإخراج الأرض أثقالها ناشىء عن انشقاق سطحها فتقذف ما فيها من معادن ~~ومياه وصخر . # وذلك من تكرر الانفجارات الناشئة عن اضطراب داخل طبقاتها وانقلاب أعاليها ~~أسافل والعكس . # والتعريف في { الإنسان } تعريف الجنس المفيد للاستغراق ، أي وقال الناس ~~ما لها ، أي الناس الذين هم أحياء ففزعوا وقال بعضهم لبعض ، أو قال كل أحد ~~في نفسه حتى استوى في ذلك الجبان والشجاع ، والطائش والحكيم ، لأنه زلزال ~~تجاوز الحد الذي يصبر على مثله الصبور . PageV30P491 # وقول : { ما لها } استفهام عن الشيء الذي ثبت للأرض ولزمها لأن اللام ~~تفيد الاختصاص ، أي ما للأرض في هذا الزلزال ، أو ما لها زلزلت هذا الزلزال ~~، أي ماذا ستكون عاقبته . نزلت الأرض منزلة قاصد مريد يتساءل الناس عن قصده ~~من ms9474 فعله حيث لم يتبين غرضه منه ، وإنما يقع مثل هذا الاستفهام غالبا مردفا ~~بما يتعلق بالاستقرار الذي في الخبر مثل أن يقال : ما له يفعل كذا ، أو ما ~~له في فعل كذا ، أو ما له وفلانا ، أي معه ، فلذلك وجب أن يكون هنا مقدر ، ~~أي ما لها زلزلت ، أو ما لها في هذا الزلزال ، أو ما لها وإخراج أثقالها . # وجملة : { يومئذ تحدث أخبارها } الخ جواب { إذا } باعتبار ما أبدل منها ~~من قوله : { يومئذ يصدر الناس } فيومئذ بدل من { يومئذ تحدث أخبارها } . # واليوم يطلق على النهار مع ليله فيكون الزلزال نهارا وتتبعه حوادث في ~~الليل مع انكدار النجوم وانتثارها وقد يراد باليوم مطلق الزمان . # و { تحدث أخبارها } هو العامل في { يومئذ } وفي البدل ، والتقدير يوم إذ ~~تزلزل الأرض وتخرج أثقالها ويقول الناس : ما لها تحدث أخبارها الخ . # و { أخبارها } مفعول ثانن لفعل { تحدث } لأنه مما ألحق بظن لإفادة الخبر ~~علما ، وحذف مفعوله الأول لظهوره ، أي تحدث الإنسان لأن الغرض من الكلام هو ~~إخبارها لما فيه من التهويل . # وضمير { تحدث } عائد إلى { الأرض } . # والتحديث حقيقته : أن يصدر كلام بخبر عن حدث . وورد في حديث الترمذي عن ~~أبي هريرة قال : ( قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية { يومئذ ~~تحدث أخبارها } قال : أتدرون ما أخبارها ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم قال : ~~فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها تقول : عمل كذا ~~وكذا فهذه أخبارها ) اه . # وجمع { أخبارها } باعتبار تعدد دلالتها على عدد القائلين { ما لها } ~~وإنما هو خبر واحد وهو المبين بقوله : { بأن ربك أوحى لها } . PageV30P492 # وانتصب { أخبارها } على نزع الخافض وهو باء تعدية فعل { تحدث } . # وقوله : { بأن ربك أوحى لها } يجوز أن يتعلق بفعل { تحدث } والباء ~~للسببية ، أي تحدث أخبارها بسبب أن الله أمرها أن تحدث أخبارها . # ويجوز أن يكون بدلا من { أخبارها } وأظهرت الباء في البدل لتوكيد تعدية ~~فعل { تحدث } إليه ، وعلى كلا الوجهين قد أجملت أخبارها وبينها الحديث ~~السابق . # وأطلق الوحي على أمر التكوين ms9475 ، أي أوجد فيها أسباب إخراج أثقالها فكأنه ~~أسر إليها بكلام كقوله تعالى : { وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال ~~بيوتا } ( النحل : 68 ) الآيات . # وعدي فعل { أوحى } باللام لتضمين { أوحى } معنى قال كقوله تعالى : { فقال ~~لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها } ( فصلت : 11 ) ، وإلا فإن حق { أوحى } أن ~~يتعدى بحرف ( إلى ) . # والقول المضمن هو قول التكوين قال تعالى : { إنما قولنا لشيء إذا أردناه ~~أن نقول له كن فيكون } ( النحل : 40 ) . # وإنما عدل عن فعل : قال لها إلى فعل { أوحى لها } لأنه حكاية عن تكوين لا ~~عن قول لفظي . # وقوله : { يومئذ يصدر الناس أشتاتا } بدل من جملة : { يومئذ تحدث أخبارها ~~} والجواب هو فعل { يصدر الناس } وقوله : { يومئذ } يتعلق به ، وقدم على ~~متعلقه للاهتمام . وهذا الجواب هو المقصود من الكلام لأن الكلام مسوق ~~لإثبات الحشر والتذكير به والتحذير من أهواله فإنه عند حصوله يعلم الناس أن ~~الزلزال كان إنذارا بهذا الحشر . # وحقيقة { يصدر الناس } الخروج من محل اجتماعهم ، يقال : صدر عن المكان ، ~~إذا تركه وخرج منه صدورا وصدرا بالتحريك . ومنه الصدر عن الماء بعد الورد ، ~~فأطلق هنا فعل { يصدر } على خروج الناس إلى الحشر جماعات ، أو انصرافهم من ~~المحشر إلى مآويهم من الجنة أو النار ، تشبيها بانصراف الناس عن الماء بعد ~~الورد . PageV30P493 # وأشتات : جمع شت بفتح الشين وتشديد الفوقية وهو المتفرق ، والمراد : ~~يصدرون متفرقين جماعات كل إلى جهة بحسب أعمالهم وما عين لهم من منازلهم . # وأشير إلى أن تفرقهم على حسب تناسب كل جماعة في أعمالها من مراتب الخير ~~ومنازل الشر بقوله : { ليروا أعمالهم } ، أي يصدرون لأجل تلقي جزاء الأعمال ~~التي عملوها في الحياة الدنيا فيقال لكل جماعة : انظروا أعمالكم ، أو ~~انظروا مآلكم . # وبني فعل { ليروا } إلى النائب لأن المقصود رؤيتهم أعمالهم لا تعيين من ~~يريهم إياها . وقد أجمع القراء على ضم التحتية . # فالرؤية مستعملة في رؤية البصر والمرئي هو منازل الجزاء ، ويجوز أن تكون ~~الرؤية مستعملة في العلم بجزاء الأعمال فإن الأعمال لا ترى ولكن يظهر ~~لأهلها جزاؤها . # ( 7 ، 8 ) # تفريع ms9476 على قوله : { ليروا أعمالهم } ( الزلزلة : 6 ) تفريع الفذلكة ، ~~انتقالا للترغيب والترهيب بعد الفراغ من إثبات البعث والجزاء ، والتفريع ~~قاض بأن هذا يكون عقب ما يصدر الناس أشتاتا . # والمثقال : ما يعرف به ثقل الشيء ، وهو ما يقدر به الوزن وهو كميزانن زنة ~~ومعنى . # والذرة : النملة الصغيرة في ابتداء حياتها . # و { مثقال ذرة } مثل في أقل القلة وذلك للمؤمنين ظاهر وبالنسبة إلى ~~الكافرين فالمقصود ما عملوا من شر ، وأما بالنسبة إلى أعمالهم من الخير فهي ~~كالعدم فلا توصف بخير عند الله لأن عمل الخير مشروط بالإيمان قال تعالى : { ~~والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده ~~شيئا } ( النور : 39 ) . PageV30P494 # وإنما أعيد قوله : { ومن يعمل } دون الاكتفاء بحرف العطف لتكون كل جملة ~~مستقلة الدلالة على المراد لتختص كل جملة بغرضها من الترغيب أو الترهيب ~~فأهمية ذلك تقتضي التصريح والإطناب . # وهذه الآية معدودة من جوامع الكلم وقد وصفها النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالجامعة الفاذة ففي ( الموطأ ) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( الخيل ~~لثلاثة ) الحديث . فسئل عن الحمر فقال : لم ينزل علي فيها إلا هذه الآية ~~الجامعة الفاذة : { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا ~~يره } . وعن عبد الله بن مسعود أنه قال : هذه أحكم آية في القرآن ، وقال ~~الحسن : قدم صعصعة بن ناجية جد الفرزدق على النبي صلى الله عليه وسلم ~~يستقرىء النبي القرآن فقرأ عليه هذه الآية فقال صعصعة : حسبي فقد انتهت ~~الموعظة لا أبالي أن لا أسمع من القرآن غيرها . وقال كعب الأحبار : ( لقد ~~أنزل الله على محمد آيتين أحصتا ما في التوراة والإنجيل والزبور والصحف : { ~~فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره . # وإذ قد كان الكلام مسوقا للترغيب والترهيب معا أوثر جانب الترغيب ~~بالتقديم في التقسيم تنويها بأهل الخير . # وفي الكشاف } : يحكى أن أعرابيا أخر خيرا يره فقيل قدمت وأخرت فقال : # خذا بطن هرشى أو قفاها فإنه # كلا جانبي هرشى لهن طريق ا ه ms9477 # وقد غفل هذا الأعرابي عن بلاغة الآية المقتضية التنويه بأهل الخير . # روى الواحدي عن مقاتل : أن هذه الآية نزلت في رجلين كانا بالمدينة أحدهما ~~لا يبالي من الذنوب الصغائر ويركبها ، والآخر يحب أن يتصدق فلا يجد إلا ~~اليسير فيستحيي من أن يتصدق به فنزلت الآية فيهما . # ومن أجل هذه الرواية قال جمع : إن السورة مدنية . ولو صح هذا الخبر لما ~~كان مقتضيا أن السورة مدنية لأنهم كانوا إذا تلوا آية من القرآن شاهدا ~~يظنها بعض السامعين نزلت في تلك القصة كما بيناه في المقدمة الخامسة . # PageV30P495 PageV30P496 # | 1 ( سورة العاديات ) 1 # سميت في المصاحف القيروانية العتيقة والتونسية والمشرقية ( سورة العاديات ~~) بدون واو ، وكذلك في بعض التفاسير فهي تسمية لما ذكر فيها دون حكاية لفظه ~~. وسميت في بعض كتب التفسير ( سورة والعاديات ) بإثبات الواو . # واختلف فيها فقال ابن مسعود وجابر بن زيد وعطاء والحسن وعكرمة : هي مكية ~~. وقال أنس بن مالك وابن عباس وقتادة : هي مدنية . # وعدت الرابعة عشرة في ترتيب نزول السور عند جابر بن زيد بناء على أنها ~~مكية نزلت بعد سورة العصر وقبل سورة الكوثر . # وآيها إحدى عشرة . # ذكر الواحدي في ( أسباب النزول ) عن مقاتل وعن غيره أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بعث خيلا سرية إلى بني كنانة وأمر عليها المنذر بن عمرو ~~الأنصاري فأسهبت أي أمعنت في سهب وهي الأرض الواسعة شهرا وتأخر خبرهم فأرجف ~~المنافقون وقالوا : قتلوا جميعا ، فأخبر الله عنهم بقوله : { والعاديات ~~ضبحا } ( العاديات : 1 ) الآيات ، إعلاما بأن خيلهم قد فعلت جميع ما في تلك ~~الآيات . # وهذا الحديث قال في ( الإتقان ) رواه الحاكم وغيره . وقال ابن كثير : روى ~~أبو بكر البزار هنا حديثا غريبا جدا وساق الحديث قريبا مما للواحدي . # وأقول غرابة الحديث لا تناكد قبوله وهو مروي عن ثقات إلا أن في سنده حفص ~~بن جميع وهو ضعيف . فالراجح أن السورة مدنية . PageV30P497 # أغراضها # ذم خصال تفضي بأصحابها إلى الخسران في الآخرة ، وهي خصال غالية على ~~المشركين والمنافقين ، ويراد تحذير المسلمين منها . # ووعظ الناس بأن ms9478 وراءهم حسابا على أعمالهم بعد الموت ليتذكره المؤمن ويهدد ~~به الجاحد . وأكد ذلك كله بأن افتتح بالقسم ، وأدمج في القسم التنويه بخيل ~~الغزاة أو رواحل الحجيج . # # | 2 ( { والعاديات ضبحا * فالموريات قدحا * فالمغيرات صبحا * فأثرن به ~~نقعا * فوسطن به جمعا * إن الإنسان لربه لكنود * وإنه على ذلك لشهيد * وإنه ~~لحب الخير لشديد * أفلا يعلم إذا بعثر ما فى القبور * وحصل ما فى الصدور * ~~إن ربهم بهم يومئذ لخبير } ) 2 # أقسم الله ب { العاديات } جمع العادية ، وهو اسم فاعل من العدو وهو السير ~~السريع يطلق على سير الخيل والإبل خاصة . # وقد يوصف به سير الإنسان وأحسب أنه على التشبيه بالخيل ومنه عداؤو العرب ~~، وهم أربعة : السليك بن السلكة ، والشنفرى ، وتأبط شرا ، وعمرو بن أمية ~~الضمري . يضرب بهم المثل في العدو . # وتأنيث هذا الوصف هنا لأنه من صفات ما لا يعقل . # والضبح : اضطراب النفس المتردد في الحنجرة دون أن يخرج من الفم وهو من ~~أصوات الخيل والسباع . وعن عطاء : سمعت ابن عباس يصف الضبح أح أح . # وعن ابن عباس ليس شيء من الدواب يضبح غير الفرس والكلب والثعلب ، وهذا ~~قول أهل اللغة واقتصر عليه في ( القاموس ) . روى ابن جرير بسنده إلى ابن ~~عباس قال : ( بينما أنا جالس في الحجر جاءني رجل فسألني عن { العاديات ضبحا ~~} فقلت له : الخيل حين تغير في سبيل الله ثم تأوي إلى الليل فيصنعون طعامهم ~~ويورون نارهم ، فانفتل عني فذهب إلى علي بن أبي طالب وهو تحت PageV30P498 ~~سقاية زمزم فسأله عنها ، فقال : سألت عنها أحدا قبلي ؟ قال : نعم ، سألت ~~ابن عباس فقال : الخيل تغزو في سبيل الله ، قال : اذهب فادعه لي ، فلما ~~وقفت عند رأسه . قال : تفتي الناس بما لا علم لك به والله لكانت أول غزوة ~~في الإسلام لبدر وما كان معنا إلا فرسان فرس للزبير وفرس للمقداد فكيف تكون ~~العادياتت ضبحا ، إنما العاديات ضبحا الإبل من عرفة إلى المزدلفة ومن ~~المزدلفة إلى منى ( يعني بذلك أن السورة مكية قبل ابتداء الغزو الذي أوله ~~غزوة بدر ) قال ابن ms9479 عباس : فنزعت عن قولي ورجعت إلى الذي قال علي ) . # وليس في قول علي رضي الله عنه تصريح بأنها مكية ولا مدنية وبمثل ما قال ~~علي قال ابن مسعود وإبراهيم ومجاهد وعبيد بن عمير . # والضبح لا يطلق على صوت الإبل في قول أهل اللغة . فإذا حمل { العاديات } ~~على أنها الإبل ، فقال المبرد وبعض أهل اللغة : من جعلها للإبل جعل { ضبحا ~~} بمعنى ضبعا ، يقال : ضبحت الناقة في سيرها وضبعت ، إذا مدت ضبعيها في ~~السير . وقال أبو عبيدة : ضبحت الخيل وضبعت ، إذا عدت وهو أن يمد الفرس ~~ضبعيه إذا عدا ، أي فالضبح لغة في الضبع وهو من قلب العين حاء . قال في ( ~~الكشاف ) : ( وليس بثبت ) . ولكن صاحب ( القاموس ) اعتمده . وعلى تفسير { ~~العاديات } بأنها الإبل يكون الضبح استعير لصوت الإبل ، أي من شدة العدو ~~قويت الأصوات المترددة في حناجرها حتى أشبهت ضبح الخيل أو أريد بالضبح ~~الضبع على لغة الإبدال . # وانتصب { ضبحا } فيجوز أن يجعل حالا من { العاديات } إذا أريد به الصوت ~~الذي يتردد في جوفها حين العدو ، أو يجعل مبينا لنوع العدو إذا كان أصله : ~~ضبحا . # وعلى وجه أن المقسم به رواحل الحج فالقسم بها لتعظيمها بما تعين به على ~~مناسك الحج . واختير القسم بها لأن السامعين يوقنون أن ما يقسم عليه بها ~~محقق ، فهي معظمة عند الجميع من المشركين والمسلمين . # والموريات : التي توري ، أي توقد . PageV30P499 # والقدح : حك جسم على آخر ليقدح نارا ، يقال : قدح فأورى . وانتصب { قدحا ~~} على أنه مفعول مطلق مؤكد لعامله . وكل من سنابك الخيل ومناسم الإبل تقدح ~~إذا صكت الحجر الصوان نارا تسمى نار الحباحب ، قال الشنفرى يشبه نفسه في ~~العدو ببعير : # إذا الأمعز الصوان لاقى مناسمي # تطاير منه قادح ومفلل # وذلك كناية عن الإمعان في العدو وشدة السرعة في السير . # ويجوز أن يراد قدح النيران بالليل حين نزولهم لحاجتهم وطعامهم ، وجوز أن ~~يكون { الموريات قدحا } مستعار لإثارة الحرب لأن الحرب تشبه بالنار . قال ~~تعالى : { كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله } ( المائدة : 64 ) ، فيكون ~~{ قدحا } ترشيحا لاستعارة { الموريات } ومنصوبا ms9480 على المفعول المطلق ل { ~~الموريات } وجوز أن يكون { قدحا } بمعنى استخراج المرق من القدر في القداح ~~لإطعام الجيش أو الركب ، وهو مشتق من اسم القدح ، وهو الصحفة فيكون { قدحا ~~} مصدرا منصوبا على المفعول لأجله . # والمغيرات : اسم فاعل من أغار ، والإغارة تطلق على غزو الجيش دارا وهو ~~أشهر إطلاقها فإسناد الإغارة إلى ضمير { العاديات } مجاز عقلي فإن المغيرين ~~راكبوها ولكن الخيل أو إبل الغزو أسباب للإغارة ووسائل . # وتطلق الإغارة على الاندفاع في السير . # و { صبحا } ظرف زمان فإذا فسر ( المغيرات ) بخيل الغزاة فتقييد ذلك بوقت ~~الصبح لأنهم كانوا إذا غزوا لا يغيرون على القوم إلا بعد الفجر ولذلك كان ~~منذر الحي إذا أنذر قومه بمجيء العدو نادى : يا صباحاه ، قال تعالى : { ~~فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين } ( الصافات : 177 ) . # وإذا فسر ( المغيرات ) بالإبل المسرعات في السير ، فالمراد : دفعها من ~~مزدلفة إلى منى صباح يوم النحر وكانوا يدفعون بكرة عندما تشرق الشمس على ~~ثبير ومن أقوالهم في ذلك : ( أشرق ثبير كيما نغير ) . PageV30P500 # ( وأثرن به نقعا ) : أصعدن الغبار من الأرض من شدة عدوهن ، والإثارة : ~~الإهاجة ، والنقع : الغبار . # والباء في { به } يجوز أن تكون سببية ، والضمير المجرور عائد إلى العدو ~~المأخوذ من { العاديات } . ويجوز كون الباء ظرفية والضمير عائدا إلى { صبحا ~~} ، أي أثرن في ذلك الوقت وهو وقت إغارتها . # ومعنى : ( وسطن ) : كن وسط الجمع ، يقال : وسط القوم ، إذا كان بينهم . # و { جمعا } مفعول : ( وسطن ) وهو اسم لجماعة الناس ، أي صرن في وسط القوم ~~المغزوون . فأما بالنسبة إلى الإبل فيتعين أن يكون قوله : { جمعا } بمعنى ~~المكان المسمى { جمعا } وهو المزدلفة فيكون إشارة إلى حلول الإبل في مزدلفة ~~قبل أن تغير صبحا منها إلى عرفة إذ ليس ثمة جماعة مستقرة في مكان تصل إليه ~~هذه الرواحل . # ومن بديع النظم وإعجازه إيثار كلمات ( العاديات وضبحا والموريات وقدحا ، ~~والمغيرات وصبحا ، ووسطن وجمعا ) دون غيرها لأنها برشقاتها تتحمل أن يكون ~~المقسم به خيل الغزو ورواحل الحج . # وعطفت هذه الأوصاف الثلاثة الأولى بالفاء لأن أسلوب العرب في عطف الصفات ~~وعطف ms9481 الأمكنة أن يكون بالفاء وهي للتعقيب ، والأكثر أن تكون لتعقيب الحصول ~~كما في هذه الآية ، وكما في قول ابن زيابة : # يا لهف زيابة للحارث الص # ابح فالغانم فالآيب # وقد يكون لمجرد تعقيب الذكر كما في سورة الصافات . # والفاء العاطفة لقوله : { فأثرن به نقعا } عاطفة على وصف ( المغيرات ) . ~~والمعطوف بها من آثار وصف المغيرات . وليست عاطفة على صفة مستقلة مثل ~~PageV30P501 الصفات الثلاث التي قبلها لأن إثارة النقع وتوسط الجمع من آثار ~~الإغارة صبحا ، وليسا مقسما بهما أصالة وإنما القسم بالأوصاف الثلاثة ~~الأولى . # فلذلك غير الأسلوب في قوله : { فأثرن به نقعا فوسطن به جمعا } فجيء بهما ~~فعلين ماضيين ولم يأتيا على نسق الأوصاف قبلهما بصيغة اسم الفاعل للإشارة ~~إلى أن الكلام انتقل من القسم إلى الحكاية عن حصول ما ترتب على تلك الأوصاف ~~الثلاثة ما قصد منها من الظفر بالمطلوب الذي لأجله كان العدو والإيراء ~~والإغارة عقبه وهي الحلول بدار القوم الذين غزوهم إذا كان المراد ب { ~~العاديات } الخيل ، أو بلوغ تمام الحج بالدفع عن عرفة إذا كان المراد ب { ~~العاديات } رواحل الحجيج ، فإن إثارة النقع يشعرون بها عند الوصول حين تقف ~~الخيل والإبل دفعة ، فتثير أرجلها نقعا شديدا فيما بينهما ، وحينئذ تتوسطن ~~الجمع من الناس . وعلى هذا الوجه يجوز أن يكون المراد بقوله : { جمعا } اسم ~~المزدلفة حيث المشعر الحرام . # ومناسبة القسم بهذه الموصوفات دون غيرها إن أريد رواحل الحجيج وهو الوجه ~~الذي فسر به علي بن أبي طالب هو أن يصدق المشركون بوقوع المقسم عليه لأن ~~القسم بشعائر الحج لا يكون إلا بارا حيث هم لا يصدقون بأن القرآن كلام الله ~~ويزعمونه قول النبي صلى الله عليه وسلم # وإن أريد ب { العاديات } وما عطف عليها خيل الغزاة ، فالقسم بها لأجل ~~التهويل والترويع لإشعار المشركين بأن غارة تترقبهم وهي غزوة بدر ، مع ~~تسكين نفس النبي صلى الله عليه وسلم من التردد في مصير السرية التي بعث بها ~~مع المنذر بن عمرو إذا صح خبرها فيكون القسم بخصوص هذه الخيل إدماجا ~~للاطمئنان . # وجملة ms9482 : { إن الإنسان لربه لكنود } جواب القسم . # والكنود : وصف من أمثلة المبالغة من كند ولغات العرب مختلفة في معناه فهو ~~في لغة مضر وربيعة : الكفور بالنعمة ، وبلغة كنانة : البخيل ، وفي لغة كندة ~~وحضرموت : العاصي . والمعنى : لشديد الكفران لله . # والتعريف في { الإنسان } تعريف الجنس وهو يفيد الاستغراق غالبا ، أي أن ~~PageV30P502 في طبع الإنسان الكنود لربه ، أي كفران نعمته ، وهذا عارض يعرض ~~لكل إنسان على تفاوتت فيه ولا يسلم منه إلا الأنبياء وكمل أهل الصلاح لأنه ~~عارض ينشأ عن إيثار المرء نفسه وهو أمر في الجبلة لا تدفعه إلا المراقبة ~~النفسية وتذكر حق غيره . وبذلك قد يذهل أو ينسى حق الله ، والإنسان يحس ~~بذلك من نفسه في خطراته ، ويتوانى أو يغفل عن مقاومته لأنه يشتغل بإرضاء ~~داعية نفسه والأنفس متفاوتة في تمكن هذا الخلق منها ، والعزائم متفاوتة في ~~استطاعة مغالبته . # وهذا ما أشار إليه قوله تعالى : { وإنه على ذلك لشهيد وإنه لحب الخير ~~لشديد } فلذلك كان الاستغراق عرفيا أو عاما مخصوصا ، فالإنسان لا يخلو من ~~أحوال مآلها إلى كفران النعمة ، بالقول والقصد ، أو بالفعل والغفلة ، ~~فالإشراك كنود ، والعصيان كنود ، وقلة ملاحظة صرف النعمة فيما أعطيت لأجله ~~كنود ، وهو متفاوت ، فهذا خلق متأصل في الإنسان فلذلك أيقظ الله له الناس ~~ليريضوا أنفسهم على أمانة هذا الخلق من نفوسهم كما في قوله تعالى : { إن ~~الإنسان خلق هلوعا } ( المعارج : 19 ) وقوله : { خلق الإنسان من عجل } ( ~~الأنبياء : 37 ) وقوله : { إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى } ( العلق : 6 ، ~~7 ) وقد تقدمت قريبا . # وعن ابن عباس : تخصيص الإنسان هنا بالكافر فهو من العموم العرفي . # وروي عن أبي أمامة الباهلي بسند ضعيف قال : قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ( الكنود هو الذي يأكل وحده ويمنع رفده ويضرب عبده ) وهو تفسير لأدنى ~~معاني الكنود فإن أكله وحده ، أي عدم إطعامه أحدا معه ، أو عدم إطعامه ~~المحاويج إغضاء عن بعض مراتب شكر النعمة ، وكذلك منعه الرفد ، ومثله : ضربه ~~عبده فإن فيه نسيانا لشكر الله الذي جعل العبد ملكا له ولم يجعله ms9483 ملكا ~~للعبد فيدل على أن ما هو أشد من ذلك أولى بوصف الكنود . # وقيل التعريف في { الإنسان } للعهد ، وأن المراد به الوليد بن المغيرة ، ~~وقيل : قرطة بن عبد عمرو بن نوفل القرشي . # واللام في { لربه } لام التقوية لأن ( كنود ) وصف ليس أصيلا في العمل ، ~~وإنما يتعلق بالمعمولات لمشابهته الفعل في الاشتقاق فيكثر أن يقترن مفعوله ~~بلام التقوية ، ومع تأخيره عن معموله . PageV30P503 # وتقديم { لربه } لإفادة الاهتمام بمتعلق هذا الكنود لتشنيع هذا الكنود ~~بأنه كنود للرب الذي هو أحق الموجودات بالشكر وأعظم ذلك شرك المشركين ، ~~ولذلك أكد الكلام بلام الابتداء الداخلة على خبر ( إن ) للتعجيب من هذا ~~الخبر . # وتقديم { لربه } على عامله المقترن بلام الابتداء وهي من ذوات الصدر ~~لأنهم يتوسعون في المجرورات والظروف ، وابن هشام يرى أن لام الابتداء ~~الواقعة في خبر ( إن ) ليست بذات صدارة . # وضمير { وإنه على ذلك لشهيد } عائد إلى الإنسان على حسب الظاهر الذي ~~يقتضيه انتساق الضمائر واتحاد المتحدث عنه وهو قول الجمهور . # والشهيد : يطلق على الشاهد وهو الخبر بما يصدق دعوى مدع ، ويطلق على ~~الحاضر ومنه جاء إطلاقه على العالم الذي لا يفوته المعلوم ، ويطلق على ~~المقر لأنه شهد على نفسه . # والشهيد هنا : إما بمعنى المقر كما في ( أشهد أن لا إلاه إلا الله ) . # والمعنى : أن الإنسان مقر بكنوده لربه من حيث لا يقصد الإقرار ، وذلك في ~~فلتات الأقوالل مثل قول المشركين في أصنامهم : { ما نعبدهم إلا ليقربونا ~~إلى الله زلفى } ( الزمر : 3 ) . فهذا قول يلزمه اعترافهم بأنهم عبدوا ما ~~لا يستحق أن يعبد وأشركوا في العبادة مع المستحق للانفراد بها ، أليس هذا ~~كنودا لربهم ، قال تعالى : { وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين } ( ~~الأنعام : 130 ) ، وفي فلتات الأفعال كما يعرض للمسلم في المعاصي . # والمقصود من هذه الجملة تفظيع كنود الإنسان بأنه معلوم لصاحبه بأدنى تأمل ~~في أقواله وأفعاله . وعلى هذا فحرف { على } متعلق ب ( شهيد ) واسم الإشارة ~~مشار به إلى الكنود المأخوذ من صفة ( كنود ) . # ويجوز أن يكون ( شهيد ) بمعنى ( عليم ) كقول الحارث بن حلزة في ms9484 عمرو بن ~~هند : # وهو الرب والشهيد على يو # م الخيارين والبلاء بلاء PageV30P504 # ومتعلق ( شهيد ) محذوفا دل عليه المقام ، أي عليم بأن الله ربه ، أي ~~بدلائل الربوبية ، ويكون قوله : { على ذلك } بمعنى : مع ذلك ، أي مع ذلك ~~الكنود هو عليم بأنه ربه مستحق للشكر والطاعة لا للكنود ، فحرف { على } ~~بمعنى ( مع ) كقوله : { وآتى المال على حبه } ( البقرة : 177 ) و { يطعمون ~~الطعام على حبه } ( الإنسان : 8 ) وقول الحارث بن حلزة : # فبقينا على الشناءة تنم # نا حصون وعرة قعساء # والجار والمجرور في موضع الحال وذلك زيادة في التعجيب من كنود الإنسان . # وقال ابن عباس والحسن وسفيان : ضمير { وإنه } عائد إلى ( ربه ) ، أي وأن ~~الله على ذلك لشهيد ، والمقصود أن الله يعلم ذلك في نفس الإنسان ، وهذا ~~تعريض بالتحذير من الحساب عليه . وهذا يسوغه أن الضمير عائد إلى أقرب مذكور ~~ونقل عن مجاهد وقتادة كلا الوجهين فلعلهما رأيا جواز المحملين وهو أولى . # وتقديم { على ذلك } على ( شهيد ) للاهتمام والتعجيب ومراعاة الفاصلة . # والشديد : البخيل . قال أبو ذؤيب راثيا : # حذرناه بأثواب في قعر هوة # شديد على ما ضم في اللحد جولها # والجول بالفتح والضم : التراب ، كما يقال للبخيل المتشدد أيضا قال طرفة : # عقيلة مال الفاحش المتشدد # واللام في { لحب الخير } لام التعليل ، والخير : المال قال تعالى : { إن ~~ترك خيرا } ( البقرة : 18 ) . # والمعنى : إن في خلق الإنسان الشح لأجل حبه المال ، أي الازدياد منه قال ~~تعالى : { ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون } ( الحشر : 9 ) . # وتقديم { لحب الخير } على متعلقه للاهتمام بغرابة هذا المتعلق ولمراعاة ~~الفاصلة ، وتقديمه على عامله المقترن بلام الابتداء ، وهي من ذوات الصدر ~~لأنه مجرور كما علمت في قوله : { لربه لكنود } . # وحب المال يبعث على منع المعروف ، وكان العرب يعيرون بالبخل وهم مع ~~PageV30P505 ذلك يبخلون في الجاهلية بمواساة الفقراء والضعفاء ويأكلون ~~أموال اليتامى ولكنهم يسرفون في الإنفاق في مظان السمعة ومجالس الشرب وفي ~~الميسر قال تعالى : { ولا تحاضون على طعام المسكين وتأكلون التراث أكلا لما ~~وتحبون المال حبا جما } ( الفجر : 18 20 ) . # ( 9 ، 10 ms9485 ) { } # فرع على الإخبار بكنود الإنسان وشحه استفهام إنكاري عن عدم علم الإنسان ~~بوقت بعثرة ما في القبور وتحصيل ما في الصدور فإنه أمر عجيب كيف يغفل عنه ~~الإنسان . وهمزة الاستفهام قدمت على فاء التفريع لأن الاستفهام صدر الكلام ~~. # وانتصب { إذا } على الظرفية لمفعول { يعلم } المحذوف اقتصارا ، ليذهب ~~السامع في تقديره كل مذهب ممكن قصدا للتهويل . # والمعنى : ألا يعلم العذاب جزاء له على ما في كنوده وبخله من جناية ~~متفاوتة المقدار إلى حد إيجاب الخلود في النار . # وحذف مفعولا { يعلم } ولا دليل في اللفظ على تعيين تقديرهما فيوكل إلى ~~السامع تقدير ما يقتضيه المقام من الوعيد والتهويل ويسمى هذا الحذف عند ~~النحاة الحذف الاقتصاري ، وحذف كلا المفعولين اقتصارا جائز عند جمهور ~~النحاة وهو التحقيق وإن كان سيبويه يمنعه . # و { بعثر } : معناه قلب من سفل إلى علو ، والمراد به إحياء ما في القبور ~~من الأموات الكاملة الأجساد أو أجزائها ، وتقدم بيانه عند قوله تعالى : { ~~وإذا القبور بعثرت } في سورة الانفطار . # و { حصل } : جمع وأحصي . و { ما في الصدور } : هو ما في النفوس من ضمائر ~~وأخلاق ، أي جمع عده والحساب عليه . PageV30P506 # جملة مستأنفة استئنافا بيانيا ناشئا عن الإنكار ، أي كان شأنهم أن يعلموا ~~اطلاع الله عليهم إذا بعثر ما في القبور ، وأن يذكروه لأن وراءهم الحساب ~~المدقق ، وتفيد هذه الجملة مفاد التذييل . # وقوله : { يومئذ } متعلق بقوله : { لخبير } ، أي عليم . # والخبير : مكنى به عن المجازى بالعقاب والثواب ، بقرينة تقييده بيومئذ ~~لأن علم الله بهم حاصل من وقت الحياة الدنيا ، وأما الذي يحصل من علمه بهم ~~يوم بعثرة القبور ، فهو العلم الذي يترتب عليه الجزاء . # وتقديم { بهم } على عامله وهو { لخبير } للاهتمام به ليعلموا أنهم ~~المقصود بذلك . وتقديم المجرور على العامل المقترن بلام الابتداء مع أن لها ~~الصدر سائغ لتوسعهم في المجرورات والظرف كما تقدم آنفا في قوله : { لربه ~~لكنود } ( العاديات : 6 ) وقوله : { على ذلك لشهيد } ( العاديات : 7 ) ~~وقوله : { لحب الخير لشديد } ( العاديات : 8 ) . وقد علمت أن ابن هشام ~~ينازع في وجوب صدارة لام الابتداء ms9486 التي في خبر { إن } . # PageV30P507 PageV30P508 # | 1 ( سورة القارعة ) 1 # اتفقت المصاحف وكتب التفسير وكتب السنة على تسمية هذه السورة ( سورة ~~القارعة ) ولم يرو شيء في تسميتها من كلام الصحابة والتابعين . # واتفق على أنها مكية . # وعدت الثلاثين في عداد نزول السور نزلت بعد سورة قريش وقبل سورة القيامة ~~. # وآيها عشر في عد أهل المدينة وأهلل مكة ، وثمان في عد أهل الشام والبصرة ~~، وإحدى عشرة في عد أهل الكوفة . # أغراضها # ذكر فيها إثبات وقوع البعث وما يسبق ذلك من الأهوال . # وإثبات الجزاء على الأعمال وأن أهل الأعمال الصالحة المعتبرة عند الله في ~~نعيم ، وأهل الأعمال السيئة التي لا وزن لها عند الله في قعر الجحيم . # # | 2 ( { القارعة * ما القارعة * ومآ أدراك ما القارعة * يوم يكون الناس ~~كالفراش المبثوث * وتكون الجبال كالعهن المنفوش * فأما من ثقلت موازينه * ~~فهو فى عيشة راضية * وأما من خفت موازينه * فأمه هاوية * ومآ أدراك ما هيه ~~* نار حامية } ) 2 # الافتتاح بلفظ { القارعة } افتتاح مهول ، وفيه تشويق إلى معرفة ما سيخبر ~~به . # وهو مرفوع إما على الابتداء و { ما القارعة } خبره ويكون هناك منتهى ~~الآية . PageV30P509 # فالمعنى : القارعة شيء عظيم هي . وهذا يجري على أن الآية الأولى تنتهى ~~بقوله : { ما القارعة } . # وإما أن تكون { القارعة } الأول مستقلا بنفسه ، وعد آية عند أهل الكوفة ~~فيقدر خبر عنه محذوف نحو : القارعة قريبة ، أو يقدر فعل محذوف نحو أتت ~~القارعة ، ويكون قوله : { ما القارعة } استئنافا للتهويل ، وجعل آية ثانية ~~عند أهل الكوفة ، وعليه فالسورة مسمطة من ثلاث فواصل في أولها وثلاث في ~~آخرها وفاصلتين وسطها . # وإعادة لفظ { القارعة } إظهار في مقام الإضمار عدل عن أن يقال : القارعة ~~ماهيه ، لما في لفظ القارعة من التهويل والترويع ، وإعادة لفظ المبتدأ أغنت ~~عن الضمير الرابط بين المبتدأ وجملة الخبر . # والقارعة : وصف من القرع وهو ضرب جسم بآخر بشدة لها صوت . وأطلق القرع ~~مجازا على الصوت الذي يتأثر به السامع تأثر خوف أو اتعاظ ، يقال : قرع ~~فلانا ، أي زجره وعنفه بصوت غضب . وفي المقامة الأولى : ( ويقرع الأسماع ~~بزواجر ms9487 وعظه ) . # وأطلقت { القارعة } على الحدث العظيم وإن لم يكن من الأصوات كقوله تعالى ~~: { ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة } ( الرعد : 31 ) وقيل : ~~تقول العرب : قرعت القوم قارعة ، إذا نزل بهم أمر فظيع ولم أقف عليه فيما ~~رأيت من كلام العرب قبل القرآن . # وتأنيث { القارعة } لتأويلها بالحادثة أو الكائنة . # و { ما } استفهامية ، والاستفهام مستعمل في التهويل على طريقة المجاز ~~المرسل المركب لأن هول الشيء يستلزم تساؤل الناس عنه . # ف { القارعة } هنا مراد بها حادثة عظيمة . وجمهور المفسرين على أن هذه ~~الحادثة هي الحشر فجعلوا القارعة من أسماء يوم الحشر مثل القيامة ، وقيل : ~~أريد بها صيحة النفخة في الصور ، وعن الضحاك : القارعة النار ذات الزفير ، ~~كأنه يريد أنها اسم جهنم . PageV30P510 # وهذا التركيب نظير قوله تعالى : { الحاقة ما الحاقة وما أدراك ما الحاقة ~~} ( الحاقة : 1 3 ) وقد تقدم . # ومعنى { وما أدراك ما القارعة } زيادة تهويل أمر القارعة و { ما } ~~استفهامية صادقة على شخص ، والتقدير : وأي شخص أدراك ، وهو مستعمل في تعظيم ~~حقيقتها وهولها لأن هول الأمر يستلزم البحث عن تعرفة . وأدراك : بمعنى ~~أعلمك . # و { ما القارعة } استفهام آخر مستعمل في حقيقته ، أي ما أدراك جواب هذا ~~الاستفهام . وسد الاستفهام مسد مفعولي { أدراك } . # وجملة : { وما أدراك ما القارعة } عطف على جملة { ما القارعة } . # والخطاب في { أدراك } لغير معين ، أي وما أدراك أيها السامع . # وتقدم نظير هذا عند قوله تعالى : { الحاقة ما الحاقة وما أدراك ما الحاقة ~~} ( الحاقة : 1 3 ) وتقدم بعضه عند قوله تعالى : { وما أدراك ما يوم الدين ~~} في سورة الانفطار . # ( 4 ، 5 ) # { يوم } مفعول فيه منصوب بفعل مضمر دل عليه وصف القارعة لأنه في تقدير : ~~تقرع ، أو دل عليه الكلام كله فيقدر : تكون ، أو تحصل ، يوم يكون الناس ~~كالفراش . # وجملة : { يوم يكون الناس } مع متعلقها المحذوف بيان للإبهامين اللذين في ~~قوله : { ما القارعة } ( القارعة : 2 ) وقوله : { وما أدراك ما القارعة } ( ~~القارعة : 3 ) . # وليس قوله : { يوم يكون الناس } خبرا عن { القارعة } إذ ليس سياق الكلام ~~لتعيين يوم وقوع القارعة . # والمقصود بهذا ms9488 التوقيت زيادة التهويل بما أضيف إليه { يوم } من الجملتين ~~المفيدتين أحوالا هائلة ، إلا أن شأن التوقيت أن يكون بزمان معلوم ، وإذ قد ~~كان هذا الحال الموقت بزمانه غير معلوم مداه . كان التوقيت له إطماعا في ~~تعيين وقت PageV30P511 حصوله إذ كانوا يسألون متى هذا الوعد ، ثم توقيته ~~بما هو مجهول لهم إبهاما آخر للتهويل والتحذير من مفاجأته ، وأبرز في صورة ~~التوقيت للتشويق إلى البحث عن تقديره ، فإذا باء الباحث بالعجز عن أخذ ~~بحيطة الاستعداد لحلوله بما ينجيه من مصائبه التي قرعت به الأسماع في آي ~~كثيرة . # فحصل في هذه الآية تهويل شديد بثمانية طرق : وهي الابتداء باسم القارعة ، ~~المؤذن بأمر عظيم ، والاستفهام المستعمل في التهويل ، والإظهار في مقام ~~الإضمار أول مرة ، والاستفهام عما ينبىء بكنه القارعة ، وتوجيه الخطاب إلى ~~غير معين ، والإظهار في مقام الإضمار ثاني مرة ، والتوقيت بزمان مجهولل ~~حصوله وتعريف ذلك الوقت بأحوال مهولة . # والفراش : فرخ الجراد حين يخرج من بيضه من الأرض يركب بعضه بعضا وهو ما ~~في قوله تعالى : { يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر } ( القمر : 7 ) . ~~وقد يطلق الفراش على ما يطير من الحشرات ويتساقط على النار ليلا وهو إطلاق ~~آخر لا يناسب تفسير لفظ الآية هنا به . # و { المبثوث } : المتفرق على وجه الأرض . # وجملة : { وتكون الجبال كالعهن المنفوش } معترضة بين جملة { يوم يكون ~~الناس كالفراش المبثوث } وجملة : { فأما من ثقلت موازينه } ( القارعة : 6 ) ~~الخ . وهو إدماج لزيادة التهويل . # ووجه الشبه كثرة الاكتظاظ على أرض المحشر . # والعهن : الصوف ، وقيل : يختص بالمصبوغ الأحمر ، أو ذي الألوان ، كما في ~~قول زهير : # كأن فتات العهن في كل منزل # نزلن به حب الفنا لم يحطم # لأن الجبال مختلفة الألوان بحجارتها ونبتها قال تعالى : { ومن الجبال جدد ~~بيض وحمر مختلف ألوانها } ( فاطر : 27 ) . # والمنفوش : المفرق بعض أجزائه عن بعض ليغزل أو تحشى به الحشايا ، ووجه ~~PageV30P512 الشبه تفرق الأجزاء لأن الجبال تندك بالزلازل ونحوها فتتفرق ~~أجزاء . # وإعادة كلمة { تكون } مع حرف العطف للإشارة إلى اختلاف الكونين فإن ~~أولهما كون إيجاد ، والثاني كون ms9489 اضمحلال ، وكلاهما علامة على زوال عالم ~~وظهور عالم آخر . # وتقدم قوله تعالى : { وتكون الجبال كالعهن } في سورة المعارج . # ( 6 11 ) { } # تفصيل لما في قوله : { يوم يكون الناس كالفراش المبثوث } ( القارعة : 4 ) ~~من إجمال حال الناس حينئذ ، فذلك هو المقصود بذكر اسم الناس الشامل لأهل ~~السعادة وأهل الشقاء فلذلك كان تفصيله بحالين : حال حسن وحال فظيع . # وثقل الموازين كناية عن كونه بمحل الرضى من الله تعالى لكثرة حسناته ، ~~لأن ثقل الميزان يستلزم ثقل الموزون وإنما توزن الأشياء المرغوب في ~~اقتنائها ، وقد شاع عند العرب الكناية عن الفضل والشرف وأصالة الرأي بالوزن ~~ونحوه ، وبضد ذلك يقولون : فلان لا يقام له وزن ، قال تعالى : { فلا نقيم ~~لهم يوم القيامة وزنا } ( الكهف : 105 ) ، وقال النابغة : # وميزانه في سورة المجد ماتع # أي راجح وهذا متبادر في العربية فلذلك لم يصرح في الآية بذكر ما يثقل ~~الموازين لظهور أنه العمل الصالح . # وقد ورد ذكر الميزان للأعمال يوم القيامة كثيرا في القرآن ، قال ابن ~~العربي في ( العواصم ) : لم يرد حديث صحيح في الميزان . والمقصود عدم فوات ~~شيء من الأعمال ، والله قادر على أن يجعل ذلك يوم القيامة بآلة أو بعمل ~~الملائكة أو نحو ذلك . PageV30P513 # والعيشة : اسم مصدر العيش كالخيفة اسم للخوف . أي في حياة . # ووصف الحياة ب { راضية } مجاز عقلي لأن الراضي صاحبها راض بها فوصفت به ~~العيشة لأنها سبب الرضى أو زمان الرضى . # وقوله : { فأمه هاوية } إخبار عنه بالشقاء وسوء الحال ، فالأم هنا يجوز ~~أن تكون مستعملة في حقيقتها . وهاوية : هالكة ، والكلام تمثيل لحال من خفت ~~موازينه يومئذ بحال الهالك في الدنيا لأن العرب يكنون عن حال المرء بحال ~~أمه في الخير والشر لشدة محبتها ابنها فهي أشد سرورا بسروره وأشد حزنا بما ~~يحزنه . صلى أعرابي وراء إمام فقرأ الإمام : { واتخذ الله إبراهيم خليلا } ~~( النساء : 125 ) فقال الأعرابي : ( لقد قرت عين أم إبراهيم ) ومنه قول ابن ~~زيابة حين تهدده الحارث بن همام الشيباني : # يا لهف زيابة للحارث الصا # بح فالغانم فالآيب # ويقولون في الشر : هوت أمه ms9490 ، أي أصابه ما تهلك به أمه ، وهذا كقولهم : ~~ثكلته أمه ، في الدعاء ، ومنه ما يستعمل في التعجب وأصله الدعاء كقول كعب ~~بن سعد الغنوي في رثاء أخيه أبي المغوار : # هوت أمه ما يبعث الصبح غاديا # وماذا يرد الليل حين يؤوب # أي ماذا يبعث الصبح منه غاديا وما يرد الليل حين يؤوب غانما ، وحذف منه ~~في الموضعين اعتمادا على قرينة رفع الصبح والليل وذكر : غاديا ويؤوب و ( من ~~) المقدرة تجريدية فالكلام على التجريد مثل : لقيت منه أسدا . # فاستعمل المركب الذي يقال عند حال الهلاك وسوء المصير في الحالة المشبهة ~~بحال الهلاك ، ورمز إلى التشبيه بذلك المركب ، كما تضرب الأمثال السائرة . # ويجوز أن يكون ( أمه ) مستعارا لمقره ومآله لأنه يأوي إليه كما يأوي ~~الطفل إلى أمه . # و { هاوية } المكان المنخفض بين الجبلين الذي إذا سقط فيه إنسان أو دابة ~~هلك ، يقال : سقط في الهاوية . # وأريد بها جهنم ، وقيل : هي اسم لجهنم ، أي فمأواه جهنم . PageV30P514 # ويجوز أن يكون ( أمه ) على حذف مضاف ، أي أم رأسه ، وهي أعلى الدماغ ، و ~~{ هاوية } ساقطة من قولهم سقط على أم رأسه ، أي هلك . # { وما أدراك ما هيه } : تهويل كما تقدم آنفا . # وضمير { هيه } عائد إلى { هاوية } ، فعلى الوجه الأول يكون في الضمير ~~استخدام ، إذ معاد الضمير وصف هالكة ، والمراد منه اسم جهنم كما في قول ~~معاوية بن مالك الملقب معوذ الحكماء : # إذا نزل السماء بأرض قوم # رعيناه وإن كانوا غضابا # وعلى الوجه الثاني يعود الضمير إلى { هاوية } وفسرت بأنها قعر جهنم . # وعلى الوجه الثالث يكون في { هيه } استخدام أيضا كالوجه الأول . # والهاء التي لحقت ياء ( هي ) هاء السكت ، وهي هاء تجلب لأجل تخفيف اللفظ ~~عند الوقف عليه ، فمنه تخفيف واجب تجلب له هاء السكت لزوما ، وبعضه حسن ، ~~وليس بلازم وذلك في كل اسم أو حرف بآخره حركة بناء دائمة مثل : هو ، وهي ، ~~وكيف ، وثم ، وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى : { فأما من أوتي كتابه بيمينه ~~فيقول هاؤم اقرأوا كتابيه في سورة الحاقة . # وجمهور القراء أثبتوا النطق بهذه ms9491 الهاء في حالتي الوقف والوصل ، وقرأ ~~حمزة وخلف بإثبات الهاء في الوقف وحذفها في الوصل . # وجملة : نار حامية } بيان لجملة : { وما أدراك ما هيه } ، والمعنى : هي ~~نار حامية . وهذا من حذف المسند إليه الذي اتبع في حذفه استعمال أهل اللغة ~~. # ووصف { نار } ب { حامية } من قبيل التوكيد اللفظي لأن النار لا تخلو عن ~~الحمي فوصفها به وصف بما هو من معنى لفظ { نار } فكان كذكر المرادف كقوله ~~تعالى : { نار الله الموقدة } ( الهمزة : 6 ) . # PageV30P515 PageV30P516 # | 1 ( سورة التكاثر ) 1 # قال الألوسي : أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن أبي هلال : كان أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يسمونها ( المقبرة ) اه . # وسميت في معظم المصاحف ومعظم التفاسير ( سورة التكاثر ) وكذلك عنونها ~~الترمذي في ( جامعه ) وهي كذلك معنونة في بعض المصاحف العتيقة بالقيروان . ~~وسميت في بعض المصاحف ( سورة ألهاكم ) وكذلك ترجمها البخاري في كتاب ~~التفسير من ( صحيحه ) . # وهي مكية عند الجمهور ، قال ابن عطية : هي مكية لا أعلم فيها خلافا . # وعن ابن عباس والكلبي ومقاتل : أنها نزلت في مفاخرة جرت بين بني عبد مناف ~~وبني سهم في الإسلام كما يأتي قريبا وكانوا من بطون قريش بمكة ولأن قبور ~~أسلافهم بمكة . # وفي ( الإتقان ) : المختار أنها مدنية . قال : ويدل له ما أخرجه ابن أبي ~~حاتم أنها نزلت في قبيلتين من الأنصار تفاخروا ، وما أخرجه البخاري عن أبي ~~بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لو أن لابن آدم واديا من ~~ذهب أحب أن يكون له واديان ولن يملأ فاه إلا التراب ويتوب الله على من تاب ~~) . قال أبي : كنا نرى هذا في القرآن حتى نزلت : { ألهاكم التكاثر } ( ~~التكاثر : 1 ) اه . يريد المستدل بهذا أن أبيا أنصاري وأن ظاهر قوله : حتى ~~نزلت : { ألهاكم التكاثر ، أنها نزلت بعد أن كانوا يعدون : لو أن لابن آدم ~~واديا من ذهب الخ من القرآن وليس في كلام أبي دليل ناهض إذ يجوز أن يريد ~~بضمير كنا } المسلمين ، أي كان من سبق منهم يعد ذلك من القرآن حتى ms9492 نزلت ~~سورة التكاثر وبين لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن ما كانوا يقولونه ليس ~~بقرآن . PageV30P517 # والذي يظهر من معاني السورة وغلظة وعيدها أنها مكية وأن المخاطب بها فريق ~~من المشركين لأن ما ذكر فيها لا يليق بالمسلمين أيامئذ . # وسبب نزولها فيما قاله الواحدي والبغوي عن مقاتل والكلبي والقرطبي عنهما ~~وعن ابن عباس : أن بني عبد مناف وبني سهم من قريش تفاخروا فتعادوا السادة ~~والأشراف من أيهم أكثر عددا فكثر بنو عبد مناف بني سهم ، ثم قالوا نعد ~~موتانا حتى زاروا القبور فعدوا القبور فكثرهم بنو سهم بثلاثة أبيات لأنهم ~~كانوا أكثر عددا في الجاهلية . # وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي بريدة الجرمي قال : نزلت في قبيلين من الأنصار ~~بني حارثة وبني الحارث تفاخروا وتكاثروا بالأحياء ثم قالوا : انطلقوا بنا ~~إلى القبور فجعلت إحدى الطائفتين تقول : فيكم مثل فلان ، تشير إلى القبر ، ~~ومثل فلان ، وفعل الآخرون مثل ذلك ، فأنزل الله : { ألهاكم التكاثر } . # وقد عدت السادسة عشرة في ترتيب نزول السور ، نزلت بعد سورة الكوثر وقبل ~~سورة الماعون بناء على أنها مكية . # وعدد آياتها ثمان . # أغراضها # اشتملت على التوبيخ على اللهو عن النظر في دلائل القرآن ودعوة الإسلام ~~بإيثار المال والتكاثر به والتفاخر بالأسلاف وعدم الإقلاع عن ذلك إلى أن ~~يصيروا في القبور كما صار من كان قبلهم وعلى الوعيد على ذلك . # وحثهم على التدبر فيما ينجيهم من الجحيم . # وأنهم مبعوثون ومسؤولون عن إهمال شكر المنعم العظيم . PageV30P518 # # | 2 ( { ألهاكم التكاثر * حتى زرتم المقابر * كلا سوف تعلمون * ثم كلا ~~سوف تعلمون * كلا لو تعلمون علم اليقين * لترون الجحيم * ثم لترونها عين ~~اليقين * ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم } ) 2 # { ألهاكم } أي شغلكم عما يجب عليكم الاشتغال به لأن اللهو شغل يصرف عن ~~تحصيل أمر مهم . # و { التكاثر } : تفاعل في الكثر أي التباري في الإكثار من شيء مرغوب في ~~كثرته . فمنه تكاثر في الأموال ، ومنه تكاثر في العدد من الأولاد والأحلاف ~~للاعتزاز بهم . وقد فسرت الآية بهما قال تعالى : { وقالوا نحن أكثر أموالا ~~وأولادا ms9493 وما نحن بمعذبين } ( سبأ : 35 ) . # وقال الأعشى : # ولست بالأكثر منهم حصى # وإنما العزة للكاثر # روى مسلم عن عبد الله بن الشخير قال : ( انتهيت إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهو يقول : { ألهاكم التكاثر } قال : يقول ابن آدم مالي مالي ، ~~وهل لك يا بن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت ~~فأمضيت ) فهذا جار مجرى التفسير لمعنى من معاني التكاثر اقتضاه حال الموعظة ~~ساعتئذ وتحتمله الآية . # والخطاب للمشركين بقرينة غلظة الوعيد بقوله : { كلا سوف تعلمون ثم كلا ~~سوف تعلمون } وقوله : { لترون الجحيم ) التكاثر : 6 ) إلى آخر السورة ، ~~ولأن هذا ليس من خلق المسلمين يومئذ . # والمراد بالخطاب : سادتهم وأهل الثراء منهم لقوله : ثم لتسئلن يومئذ عن ~~النعيم } ( التكاثر : 8 ) ، ولأن سادة المشركين هم الذين آثاروا ما هم فيه ~~من النعمة على التهمم بتلقي دعوة النبي صلى الله عليه وسلم فتصدوا لتكذيبه ~~وإغراء الدهماء بعدم الإصغاء له . فلم يذكر الملهى عنه لظهور أنه القرآن ~~والتدبر فيه ، والإنصاف بتصديقه . وهذا الإلهاء حصل منهم وتحقق كما دل عليه ~~حكايته بالفعل الماضي . # وإذا كان الخطاب للمشركين فلأن المسلمين يعلمون أن التلبس بشيء من هذا ~~PageV30P519 الخلق مذموم عند الله ، وأنه من خصال أهل الشرك فيعلمون أنهم ~~محذرون من التلبس بشيء من ذلك فيحذرون من أن يلهيهم حب المال عن شيء من فعل ~~الخير ، ويتوقعون أن يفاجئهم الموت وهم لاهون عن الخير ، قال تعالى يخاطب ~~المؤمنين : { اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم ~~وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته } ( الحديد : 20 ) ~~الآية . # وقوله : { حتى زرتم المقابر } غاية ، فيحتمل أن يكون غاية لفعل { ألهاكم ~~} كما في قوله تعالى : { قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى } ~~( طه : 91 ) ، أي دام إلهاء التكاثر إلى أن زرتم المقابر ، أي استمر بكم ~~طول حياتكم ، فالغاية مستعملة في الإحاطة بأزمان المغيا لا في تنهيته وحصول ~~ضده لأنهم إذا صاروا إلى المقابر انقطعت أعمالهم كلها . # ولكون زيارة المقابر على هذا الوجه عبارة ms9494 عن الحلول فيها ، أي قبور ~~المقابر . وحقيقة الزيارة الحلول في المكان حلولا غير مستمر ، فأطلق فعل ~~الزيارة هنا تعريضا بهم بأن حلولهم في القبور يعقبه خروج منها . # والتعبير بالفعل الماضي في { زرتم } لتنزيل المستقبل منزلة الماضي لأنه ~~محقق وقوعه مثل : { أتى أمر الله } ( النحل : 1 ) . # ويحتمل أن تكون الغاية للمتكاثر به الدال عليه التكاثر ، أي بكل شيء حتى ~~بالقبور تعدونها . وهذا يجري على ما روى مقاتل والكلبي أن بني عبد مناف ~~وبني سهم تفاخروا بكثرة السادة منهم ، كما تقدم في سبب نزولها آنفا ، فتكون ~~الزيارة مستعملة في معناها الحقيقي ، أي زرتم المقابر لتعدوا القبور ، ~~والعرب يكنون بالقبر عن صاحبه قال النابغة : # لئن كان للقبرين قبر بجلق # وقبر بصيداء الذي عند حارب # وقال عصام بن عبيد الزماني ، أو همام الرقاشي : # لو عد قبر وقبر كنت أقربهم # قبرا وأبعدهم من منزل الذام # أي كنت أقربهم منك قبرا ، أي صاحب قبر . PageV30P520 # و { المقابر } : جمع مقبرة بفتح الموحدة وبضمها . والمقبرة الأرض التي ~~فيها قبور كثيرة . # والتوبيخ الذي استعمل فيه الخبر أتبع بالوعيد على ذلك بعد الموت ، وبحرف ~~الزجر والإبطال بقوله : { كلا سوف تعلمون } فأفاد { كلا } زجرا وإبطالا ~~لإنهاء التكاثر . # و { سوف } لتحقيق حصول العلم . وحدف مفعول { تعلمون } لظهور أن المراد : ~~تعلمون سوء مغبة لهوكم بالتكاثر عن قبول دعوة الإسلام . # وأكد الزجر والوعيد بقوله : { ثم كلا سوف تعلمون } فعطف عطفا لفظيا بحرف ~~التراخي أيضا للإشارة إلى تراخي رتبة هذا الزجر والوعيد عن رتبة الزجر ~~والوعيد الذي قبله ، فهذا زجر ووعيد مماثل للأول لكن عطفه بحرف { ثم } ~~اقتضى كونه أقوى من الأول لأنه أفاد تحقيق الأول وتهويله . # فجملة : { ثم كلا سوف تعلمون } توكيد لفظي لجملة : { كلا سوف تعلمون } ~~وعن ابن عباس : { كلا سوف تعلمون } ما ينزل بكم من عذاب في القبر : { ثم ~~كلا سوف تعلمون } عند البعث أن ما وعدتم به صدق ، أي تجعل كل جملة مرادا ~~بها تهديد بشيء خاص . وهذا من مستتبعات التراكيب والتعويل على معونة ~~القرائن بتقدير مفعول خاص لكل من فعلي { تعلمون ms9495 } ، وليس تكرير الجملة ~~بمقتض ذلك في أصل الكلام . ومفاد التكرير حاصل على كل حال . # أعيد الزجر ثالث مرة زيادة في إبطال ما هم عليه من اللهو عن التدبر في ~~أقوال القرآن لعلهم يقلعون عن انكبابهم على التكاثر مما هم يتكاثرون فيه ~~ولهوهم به عن النظر في دعوة الحق والتوحيد . وحذف مفعول { تعلمون } للوجه ~~الذي تقدم في { كلا سوف تعلمون } وجواب { لو } محذوف . # وجملة : { لو تعلمون علم اليقين } تهويل وإزعاج لأن حذف جواب { لو } يجعل ~~النفوس تذهب في تقديره كل مذهب ممكن . والمعنى : لو تعلمون علم اليقين ~~PageV30P521 لتبين لكم حال مفظع عظيم ، وهي بيان لما في { كلا } من الزجر . # والمضارع في قوله : { لو تعلمون } مراد به زمن الحال . أي لو علمتم الآن ~~علم اليقين لعلمتم أمرا عظيما . ولفعل الشرط مع { لو } أحوال كثيرة ~~واعتبارات ، فقد يقع بلفظ الماضي وقد يقع بلفظ المضارع وفي كليهما قد يكون ~~استعماله في أصل معناه . وقد يكون منزلا منزلة غير معناه ، وهو هنا مستعمل ~~في معناه من الحال بدون تنزيل ولا تأويل . # وإضافة { علم } إلى { اليقين } إضافة بيانية فإن اليقين علم ، أي لو ~~علمتم علما مطابقا للواقع لبان لكم شنيع ما أنتم فيه ولكن علمهم بأحوالهم ~~جهل مركب من أوهام وتخيلات ، وفي هذا نداء عليهم بالتقصير في اكتساب العلم ~~الصحيح . وهذا خطاب للمشركين الذين لا يؤمنون بالجزاء وليس خطابا للمسلمين ~~لأن المسلمين يعلمون ذلك علم اليقين . واعلم أن هذا المركب هو { علم اليقين ~~} نقل في الاصطلاح العلمي فصار لقبا لحالة من مدركات العقل وقد تقدم بيان ~~ذلك عند تفسير قوله تعالى : { وإنه لحق اليقين في سورة الحاقة فارجع إليه . # ( 6 ، 7 ) } # استئناف بياني لأن ما سبقه من الزجر والردع المكرر ومن الوعيد المؤكد على ~~إجماله يثير في نفس السامع سؤالا عما يترقب من هذا الزجر والوعيد فكان قوله ~~: { لترون الجحيم } جوابا عما يجيش في نفس السامع . # وليس قوله : { لترون الجحيم } جواب ( لو ) على معنى : لو تعلمون علم ~~اليقين لكنتم كمن ترون الجحيم ، أي لترونها بقلوبكم ، لأن ms9496 نظم الكلام صيغة ~~قسم بدليل قرنه بنون التوكيد ، فليست هذه اللام لام جواب ( لو ) لأن جواب ( ~~لو ) ممتنع الوقوع فلا تقترن به نون التوكيد . # والإخبار عن رؤيتهم الجحيم كناية عن الوقوع فيها ، فإن الوقوع في الشيء ~~يستلزم رؤيته فيكنى بالرؤية عن الحضور كقول جعفر بن علبة الحارثي : ~~PageV30P522 # لا يكشف الغماء إلا ابن حرة # يرى غمراتت الموتت ثم يزورها # وأكد ذلك بقوله : { ثم لترونها عين اليقين } قصدا لتحقيق الوعيد بمعناه ~~الكنائي . وقد عطف هذا التأكيد ب { ثم } التي هي للتراخي الرتبي على نحو ما ~~قررناه آنفا في قوله : { ثم كلا سوف تعلمون } ( التكاثر : 4 ) ، وليس هنالك ~~رؤيتان تقع إحداهما بعد الأخرى بمهلة . # و { عين اليقين } : اليقين الذي لا يشوبه تردد . فلفظ عين مجاز عن حقيقة ~~الشيء الخالصة غير الناقصة ولا المشابهة . # وإضافة { عين } إلى { اليقين } بيانية كإضافة { حق } إلى { اليقين } في ~~قوله تعالى : { إن هذا لهو حق اليقين } ( الواقعة : 95 ) . # وانتصب { عين } على النيابة عن المفعول المطلق لأنه في المعنى صفة لمصدر ~~محذوف ، والتقدير . ثم لترونها رؤية عين اليقين . # وقرأه الجمهور : { لترون الجحيم } بفتح المثناة الفوقية ، وقرأه ابن عامر ~~والكسائي بضم المثناة من ( أراه ) . # وأما { لترونها } فلم يختلف القراء في قراءته بفتح المثناة . # وأشار في ( الكشاف ) إلى أن هذه الآيات المفتتحة بقوله : { كلا سوف ~~تعلمون } ( التكاثر : 3 ) والمنتهية بقوله : { عين اليقين } ، اشتملت على ~~وجوه من تقوية الإنذار والزجر ، فافتتحت بحرف الردع والتنبيه ، وجيء بعده ~~بحرف { ثم } الدال على أن الإنذار الثاني أبلغ من الأول . وكرر حرف الردع ~~والتنبيه ، وحذف جواب { لو تعلمون } ( التكاثر : 5 ) لما في حذفه من مبالغة ~~التهويل ، وأتي بلام القسم لتوكيد الوعيد . وأكد هذا القسم بقسم آخر ، فهذه ~~ستة وجوه . # وأقول زيادة على ذلك : إن في قوله : { عين اليقين } تأكيدين للرؤية بأنها ~~يقين وأن اليقين حقيقة . والقول في إضافة { عين اليقين } كالقول في إضافة { ~~علم اليقين } ( التكاثر : 5 ) المذكور آنفا . PageV30P523 # أعقب التوبيخ والوعيد على لهوهم بالتكاثر عن النظر في دعوة الإسلام من ~~حيث إن التكاثر صدهم عن قبول ms9497 ما ينجيهم ، بتهديد وتخويف من مؤاخذتهم على ما ~~في التكاثر من نعيم تمتعوا به في الدنيا ولم يشكروا الله عليه بقوله تعالى ~~: { ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم } ، أي عن النعيم الذي خولتموه في الدنيا ~~فلم تشكروا الله عليه وكان به بطركم . # وعطف هذا الكلام بحرف { ثم } الدال على التراخي الرتبي في عطفه الجمل من ~~أجل أن الحساب على النعيم الذي هو نعمة من الله أشد عليهم لأنهم ما كانوا ~~يترقبونه ، لأن تلبسهم بالإشراك وهم في نعيم أشد كفرانا للذي أنعم عليهم . # و { النعيم } : اسم لما يلذ لإنسان مما ليس ملازما له ، فالصحة وسلامة ~~الحواس وسلامة الإدراك والنوم واليقظة ليست من النعيم ، وشرب الماء وأكل ~~الطعام والتلذذ بالمسموعات وبما فيه فخر وبرؤية المحاسن ، تعد من النعيم . # والنعيم أخص من النعمة بكسر النون ومرادف للنعمة بفتح النون . # وتقدم النعيم عند قوله تعالى : { لهم فيها نعيم مقيم في سورة براءة . # والخطاب موجه إلى المشركين على نسق الخطابات السابقة . # والجملة المضاف إليها ( إذ ) من قوله : يومئذ } محذوفة دل عليها قوله : { ~~لترون الجحيم } ( التكاثر : 6 ) أي يوم إذ ترون الجحيم فيغلظ عليكم العذاب ~~. # وهذا السؤال عن النعيم الموجه إلى المشركين هو غير السؤال الذي يسأله كل ~~منعم عليه فيما صرف فيه النعمة ، فإن النعمة لما لم تكن خاصة بالمشركين ~~خلافا للتكاثر كان السؤال عنها حقيقا بكل منعم عليه وإن اختلفت أحوال ~~الجزاء المترتب على هذا السؤال . # ويؤيده ما ورد في حديث مسلم عن أبي هريرة قال : ( خرج رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ذات يوم فإذا هو بأبي بكر وعمر فقاما معه فأتى رجلا من الأنصار ~~فإذا هو ليس في بيته . إذ جاء الأنصاري فنظر إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وصاحبيه ثم قال : الحمد PageV30P524 لله ما أحد اليوم أكرم أضيافا مني ~~فانطلق فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب وأخذ المدية فذبح لهم فأكلوا من ~~الشاة ومن ذلك العذق وشربوا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي ~~بيده لتسألن عن نعيم هذا ms9498 اليوم يوم القيامة ) الحديث . فهذا سؤال عن النعيم ~~ثبت بالسنة وهو غير الذي جاء في هذه الآية . والأنصاري هو أبو الهيثم بن ~~التيهان واسمه مالك . # ومعنى الحديث : لتسألن عن شكر تلك النعمة ، أراد تذكيرهم بالشكر في كل ~~نعمة . وسؤال المؤمنين سؤال لترتيب الثواب على الشكر أو لأجل المؤاخذة ~~بالنعيم الحرام . # وذكر القرطبي عن الحسن : لا يسأل عن النعيم إلا أهل النار ، وروي ( أن ~~أبا بكر لما نزلت هذه الآية قال : يا رسول الله أرأيت أكلة أكلتها معك في ~~بيت أبي الهيثم بن التيهان من خبز شعير ولحم وبسر قد ذنب وماء عذب ، أنخاف ~~أن يكون هذا من النعيم الذي نسأل عنه ؟ فقال عليه السلام : ذلك للكفار ثم ~~قرأ : { وهل يجازى إلا الكفور } ( سبأ : 17 ) . # قال القشيري : والجمع بين الأخبار أن الكل يسألون ، ولكن سؤال الكافر ~~سؤال توبيخ لأنه قد ترك الشكر ، وسؤال المؤمن سؤال تشريف لأنه شكر . # والجملة المضاف إليها ( إذ ) من قوله : { يومئذ } محذوفة دل عليها قوله : ~~{ لترون الجحيم } ( التكاثر : 6 ) أي يوم إذ ترون الجحيم فيغلظ عليكم ~~العذاب . # PageV30P525 PageV30P526 # | 1 ( سورة العصر ) 1 # ذكر ابن كثير أن الطبراني روى بسنده عن عبيد الله بن حصين قال : ( كان ~~الرجلان من أصحاب رسول الله إذا التقيا لم يفترقا إلا على أن يقرأ أحدهما ~~على الآخر سورة العصر ) الخ ما سيأتي . # وكذلك تسميتها في مصاحف كثيرة وفي معظم كتب التفسير وكذلك هي في مصحف ~~عتيق بالخط الكوفي من المصاحف القيروانية في القرن الخامس . # وسميت في بعض كتب التفسير وفي ( صحيح البخاري ) ( سورة والعصر ) بإثبات ~~الواو على حكاية أول كلمة فيها ، أي سورة هذه الكلمة . # وهي مكية في قول الجمهور وإطلاق جمهور المفسرين . وعن قتادة ومجاهد ~~ومقاتل أنها مدنية . وروي عن ابن عباس ولم يذكرها صاحب ( الإتقان ) في عداد ~~السور المختلف فيها . # وقد عدت الثالثة عشرة في عداد نزول السور نزلت بعد سورة الانشراح وقبل ~~سورة العاديات . # وآيها ثلاث آيات . # وهي إحدى سور ثلاث هن أقصر السور عدد آيات : هي ، والكوثر وسورة النصر ms9499 . # أغراضها # واشتملت على إثبات الخسران الشديد لأهل الشرك ومن كان مثلهم من أهل ~~PageV30P527 الكفر بالإسلام بعد أن بلغت دعوته ، وكذلك من تقلد أعمال ~~الباطل التي حذر الإسلام المسلمين منها . # وعلى إثبات نجاة وفوز الذين آمنوا وعملوا الصالحات والداعين منهم إلى ~~الحق . # وعلى فضيلة الصبر على تزكية النفس ودعوة الحق . # وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اتخذوها شعارا لهم في ~~ملتقاهم . روى الطبراني بسنده إلى عبيد الله بن عبد الله بن الحصين ~~الأنصاري ( من التابعين ) أنه قال : ( كان الرجلان من أصحاب رسول الله إذا ~~التقيا لم يفترقا إلا على أن يقرأ أحدهما على الآخر سورة العصر إلى آخرها ~~ثم يسلم أحدهما على الآخر ( أي سلام التفرق وهو سنة أيضا مثل سلام القدوم ) ~~. # وعن الشافعي : لو تدبر الناس هذه السورة لوسعتهم . وفي رواية عنه : لو لم ~~ينزل إلى الناس إلا هي لكفتهم . وقال غيره : إنها شملت جميع علوم القرآن . ~~وسيأتي بيانه . # # | 2 ( { والعصر * إن الإنسان لفى خسر * إلا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات ~~وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر } ) 2 # أقسم الله تعالى بالعصر قسما يراد به تأكيد الخبر كما هو شأن أقسام ~~القرآن . # والمقسم به من مظاهر بديع التكوين الرباني الدال على عظيم قدرته وسعة ~~علمه . # وللعصر معانن يتعين أن يكون المراد منها لا يعدو أن يكون حالة دالة على ~~صفة من صفات الأفعال الربانية ، يتعين إما بإضافته إلى ما يقدر ، أو ~~بالقرينة ، أو بالعهد ، وأيا ما كان المراد منه هنا فإن القسم به باعتبار ~~أنه زمن يذكر بعظيم قدرة الله تعالى في خلق العالم وأحواله ، وبأمور عظيمة ~~مباركة مثل الصلاة المخصوصة أو عصر معين مبارك . # وأشهر إطلاق لفظ العصر أنه علم بالغلبة لوقتت ما بين آخر وقت الظهر وبين ~~PageV30P528 اصفرار الشمس فمبدؤه إذا صار ظل الجسم مثله بعد القدر الذي كان ~~عليه عند زوال الشمس ويمتد إلى أن يصير ظل الجسم مثلي قدره بعد الظل الذي ~~كان له عند زوال الشمس . وذلك وقت اصفرار الشمس ، والعصر مبدأ العشي . ~~ويعقبه الأصيل ms9500 والاحمرار وهو ما قبل غروب الشمس ، قال الحارث بن حلزة : # آنست نبأة وأفزعها القن # اص عصرا وقد دنا الإمساء # فذلك وقت يؤذن بقرب انتهاء النهار ، ويذكر بخلقة الشمس والأرض ، ونظام ~~حركة الأرض حول الشمس ، وهي الحركة التي يتكون منها الليل والنهار كل يوم ~~وهو من هذا الوجه كالقسم بالضحى وبالليل والنهار وبالفجر من الأحوال الجوية ~~المتغيرة بتغير توجه شعاع الشمس نحو الكرة الأرضية . # وفي ذلك الوقت يتهيأ الناس للانقطاع عن أعمالهم في النهار كالقيام على ~~حقولهم وجناتهم ، وتجاراتهم في أسواقهم ، فيذكر بحكمة نظام المجتمع ~~الإنساني وما ألهم الله في غريزته من دأب على العمل ونظامم لابتدائه ~~وانقطاعه . وفيه يتحفز الناس للإقبال على بيوتهم لمبيتهم والتأنس بأهليهم ~~وأولادهم . وهو من النعمة أو من النعيم ، وفيه إيماء إلى التذكير بمثل ~~الحياة حين تدنو آجال الناس بعد مضي أطوار الشباب والاكتهال والهرم . # وتعريفه باللام على هذه الوجوه تعريف العهد الذهني أي كل عصر . # ويطلق العصر على الصلاة الموقتة بوقت العصر . وهي صلاة معظمة . قيل : هي ~~المراد بالوسطى في قوله تعالى : { حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى } ( ~~البقرة : 238 ) . وجاء في الحديث : ( من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله ~~وماله ) . وورد في الحديث الصحيح : ( ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ) ~~فذكر ( ورجل حلف يمينا فاجرة بعد العصر على سلعة لقد أعطي بها ما لم يعط ) ~~وتعريفه على هذا تعريف العهد وصار علما بالغلبة كما هو شأن كثير من أسماء ~~الأجناس المعرفة باللام مثل العقبة . # ويطلق العصر على مدة معلومة لوجود جيل من الناس ، أو ملك أو نبيء ، أو ~~دين ، ويعين بالإضافة ، فيقال : عصر الفطحل ، وعصر إبراهيم ، وعصر الإسكندر ~~، وعصر الجاهلية ، فيجوز أن يكون مراد هذا الإطلاق هنا ويكون PageV30P529 ~~المعني به عصر النبي صلى الله عليه وسلم والتعريف فيه تعريف العهد الحضوري ~~مثل التعريف في ( اليوم ) من قولك : فعلت اليوم كذا ، فالقسم به كالقسم ~~بحياته في قوله تعالى : { لعمرك } ( الحجر : 72 ) . قال الفخر : فهو تعالى ~~أقسم بزمانه في هذه الآية وبمكانه في قوله تعالى : { وأنت حل ms9501 بهذا البلد } ~~( البلد : 2 ) وبعمره في قوله : { لعمرك } . اه . # ويجوز أن يراد عصر الإسلام كله وهو خاتمة عصور الأديان لهذا العالم وقد ~~مثل النبي صلى الله عليه وسلم عصر الأمة الإسلامية بالنسبة إلى عصر اليهود ~~وعصر النصارى بما بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس بقوله : ( مثل المسلمين ~~واليهود والنصارى كمثل رجل استأجر أجراء يعملون له يوما إلى الليل فعملت ~~اليهود إلى نصف النهار ثم قالوا : لا حاجة لنا إلى أجرك وما عملنا باطل ، ~~واستأجر آخرين بعدهم فقال : أكملوا بقية يومكم ولكم الذي شرطت لهم فعملوا ~~حتى إذا كان حين صلاة العصر قالوا : لك ما عملنا باطل ولك الأجر الذي جعلت ~~لنا ، واستأجر قوما أن يعملوا بقية يومهم فعملوا حتى غابت الشمس واستكملوا ~~أجر الفريقين كليهما فأنتم هم ) . فلعل ذلك التمثيل النبوي له اتصال بالرمز ~~إلى عصر الإسلام في هذه الآية . # ويجوز أن يفسر العصر في هذه الآية بالزمان كله ، قال ابن عطية : قال أبي ~~بن كعب : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العصر فقال : أقسم ربكم ~~بآخر النهار . وهذه المعاني لا يفي باحتمالها غير لفظ العصر . # ومناسبة القسم بالعصر لغرض السورة على إرادة عصر الإسلام ظاهرة فإنها ~~بينت حال الناس في عصر الإسلام بين من كفر به ومن آمن واستوفى حظه من ~~الأعمال التي جاء بها الإسلام ، ويعرف منه حال من أسلموا وكان في أعمالهم ~~تقصير متفاوت ، أما أحوال الأمم التي كانت قبل الإسلام فكانت مختلفة بحسب ~~مجيء الرسل إلى بعض الأمم ، وبقاء بعض الأمم بدون شرائع متمسكة بغير دين ~~الإسلام من الشرك أو بدين جاء الإسلام لنسخه مثل اليهودية والنصرانية قال ~~تعالى : { من يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من ~~الخاسرين في سورة آل عمران . # وتعريف الإنسان } تعريف الجنس مراد به الاستغراق وهو استغراق عرفي ~~PageV30P530 لأنه يستغرق أفراد النوع الإنساني الموجودين في زمن نزول الآية ~~وهو زمن ظهور الإسلام كما علمت قريبا . ومخصوص بالناس الذين بلغتهم الدعوة ~~في بلاد العالم على تفاوتها . ولما ms9502 استثني منه الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~بقي حكمه متحققا في غير المؤمنين كما سيأتي . . . # والخسر : مصدر وهو ضد الربح في التجارة ، استعير هنا لسوء العاقبة لمن ~~يظن لنفسه عاقبة حسنة ، وتلك هي العاقبة الدائمة وهي عاقبة الإنسان في ~~آخرته من نعيم أو عذاب . # وقد تقدم في قوله تعالى { فما ربحت تجارتهم في سورة البقرة وتكررت نظائره ~~من القرآن آنفا وبعيدا . # والظرفية في قوله : لفي خسر } مجازية شبهت ملازمة الخسر بإحاطة الظرف ~~بالمظروف فكانت أبلغ من أن يقال : إن الإنسان لخاسر . # ومجيء هذا الخبر على العموم مع تأكيده بالقسم وحرفف التوكيد في جوابه ، ~~يفيد التهويل والإنذار بالحالة المحيطة بمعظم الناس . # وأعقب بالاستثناء بقوله : { إلا الذين آمنوا } الآية فيتقرر الحكم تاما ~~في نفس السامع مبينا أن الناس فريقان : فريق يلحقه الخسران ، وفريق لا ~~يلحقه شيء منه ، فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لا يلحقهم الخسران بحال إذا ~~لم يتركوا شيئا من الصالحات بارتكاب أضدادها وهي السيئات . # ومن أكبر الأعمال الصالحات التوبة من الذنوب لمقترفيها ، فمن تحقق فيه ~~وصف الإيمان ولم يعمل السيئات أو عملها وتاب منها فقد تحقق له ضد الخسران ~~وهو الربح المجازي ، أي حسن عاقبة أمره ، وأما من لم يعمل الصالحات ولم يتب ~~من سيئاته فقد تحقق فيه حكم المستثنى منه وهو الخسران . # وهذا الخسر متفاوت فأعظمه وخالده الخسر المنجر عن انتفاء الإيمان ~~بوحدانية الله وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم ودون ذلك تكون مراتب الخسر ~~متفاوتة بحسب كثرة الأعمال السيئة ظاهرها وباطنها . وما حدده الإسلام لذلك ~~من مراتب الأعمال PageV30P531 وغفران بعض اللمم إذا ترك صاحبه الكبائر ~~والفواحش وهو ما فسر به قوله تعالى : { إن الحسنات يذهبن السيئات } ( هود : ~~114 ) . # وهذا الخبر مراد به الحصول في المستقبل بقرينة مقام الإنذار والوعيد ، أي ~~لفي خسر في الحياة الأبدية الآخرة فلا التفات إلى أحوال الناس في الحياة ~~الدنيا ، قال تعالى : { لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم ~~مأواهم جهنم وبئس المهاد } ( آل عمران : 196 ، 197 ) . # وتنكير { خسر } يجوز أن يكون للتنويع ms9503 ، ويجوز أن يكون مفيدا للتعظيم ~~والتعميم في مقام التهويل وفي سياق القسم . # والمعنى : إن الناس لفي خسران عظيم وهم المشركون . # والتعريف في قوله : { الصالحات } تعريف الجنس مراد به الاستغراق ، أي ~~عملوا جميع الأعمال الصالحة التي أمروا بعملها بأمر الدين وعمل الصالحات ~~يشمل ترك السيئات . وقد أفاد استثناء المتصفين بمضمون الصلة ومعطوفها إيماء ~~إلى علة حكم الاستثناء وهو نقيض الحكم الثابت للمستثنى منه فإنهم ليسوا في ~~خسر لأجل أنهم آمنوا وعملوا الصالحات . # فأما الإيمان فهو حقيقة مقول على جزئياتها بالتواطىء . وأما الصالحات ~~فعمومها مقول عليه بالتشكك ، فيشير إلى أن انتفاء الخسران عنهم يتقدر ~~بمقدار ما عملوه من الصالحات وفي ذلك مراتب كثيرة . # وقد دل استثناء الذين آمنوا وعملوا الصالحات من أن يكونوا في خسر على أن ~~سبب كون بقية الإنسان في خسر هو عدم الإيمان والعمل الصالح بدلالة مفهوم ~~الصفة . وعلم من الموصول أن الإيمان والعمل الصالح هما سبب انتفاء إحاطة ~~الخسر بالإنسان . # وعطف على عمل الصالحات التواصي بالحق والتواصي بالصبر وإن كان ذلك من عمل ~~الصالحات ، عطف الخاص على العام للاهتمام به لأنه قد يغفل عنه ، يظن أن ~~العمل الصالح هو ما أثره عمل المرء في خاصته ، فوقع التنبيه على أن من ~~العمل المأمور به إرشاد المسلم غيره ودعوته إلى الحق ، فالتواصي بالحق يشمل ~~تعليم PageV30P532 حقائق الهدى وعقائد الصواب وإراضة النفس على فهمها بفعل ~~المعروف وترك المنكر . # والتواصي بالصبر عطف على التواصي بالحق عطف الخاص على العام أيضا وإن كان ~~خصوصه خصوصا من وجه لأن الصبر تحمل مشقة إقامة الحق وما يعترض المسلم من ~~أذى في نفسه في إقامة بعض الحق . # وحقيقة الصبر أنه : منع المرء نفسه من تحصيل ما يشتهيه أو من محاولة ~~تحصيله ( إن كان صعب الحصول فيترك محاولة تحصيله لخوف ضر ينشأ عن تناوله ~~كخوف غضب الله أو عقاب ولاة الأمور ) أو لرغبة في حصول نفع منه ( كالصبر ~~على مشقة الجهاد والحج رغبة في الثواب والصبر على الأعمال الشاقة رغبة في ~~تحصيل مال أو سمعة أو نحو ms9504 ذلك ) . # ومن الصبر الصبر على ما يلاقيه المسلم إذا أمر بالمعروف من امتعاض بعض ~~المأمورين به أو من أذاهم بالقول كمن يقول لآمره : هلا نظرت في أمر نفسك ، ~~أو نحو ذلك . # وأما تحمل مشقة فعل المنكرات كالصبر على تجشم السهر في اللهو والمعاصي ، ~~والصبر على بشاعة طعم الخمر لشاربها ، فليس من الصبر لأن ذلك التحمل منبعث ~~عن رجحان اشتهاء تلك المشقة على كراهية المشقة التي تعترضه في تركها . # وقل اشتمل قوله تعالى : { وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر } على إقامة ~~المصالح الدينية كلها ، فالعقائد الإسلامية والأخلاق الدينية مندرجة في ~~الحق ، والأعمال الصالحة وتجنب السيئات مندرجة في الصبر . # والتخلق بالصبر ملاك فضائل الأخلاق كلها فإن الارتياض بالأخلاق الحميدة ~~لا يخلو من حمل المرء نفسه على مخالفة شهوات كثيرة ، ففي مخالفتها تعب ~~يقتضي الصبر عليه حتى تصير مكارم الأخلاق ملكه لمن راض نفسه عليها ، كما ~~قال عمرو بن العاص : # إذا المرء لم يترك طعاما يحبه # ولم ينه قلبا غاويا حيث يمما PageV30P533 # فيوشك أن تلفى له الدهر سبة # إذا ذكرت أمثالها تملأ الفما # وكذلك الأعمال الصالحة كلها لا تخلو من إكراه النفس على ترك ما تميل إليه ~~. وفي الحديث : ( حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات ) . وعن علي بن ~~أبي طالب : ( الصبر مطية لا تكبو ) . # وقد مضى الكلام على الصبر مشبعا عند قوله تعالى : { استعينوا بالصبر ~~والصلاة في سورة البقرة . # وأفادت صيغة التواصي بالحق وبالصبر أن يكون شأن حياة المؤمنين قائما على ~~شيوع التآمر بهما ديدنا لهم ، وذلك يقتضي اتصاف المؤمنين بإقامة الحق ~~وصبرهم على المكاره في مصالح الإسلام وأمته لما يقتضيه عرف الناس من أن ~~أحدا لا يوصي غيره بملازمة أمر إلا وهو يرى ذلك الأمر خليقا بالملازمة إذ ~~قل أن يقدم أحد على أمر بحق هو لا يفعله أو أمر بصبر وهو ذو جزع ، وقد قال ~~الله تعالى توبيخا لبني إسرائيل : أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم ~~تتلون الكتاب أفلا تعقلون } ( البقرة : 44 ) ، وقد تقدم هذا المعنى عند ~~قوله تعالى : { ولا تحاضون على طعام ms9505 المسكين في سورة الفجر . # PageV30P534 # | 1 ( سورة الهمزة ) 1 # سميت هذه السورة في المصاحف ومعظم التفاسير سورة الهمزة بلام التعريف ، ~~وعنونها في صحيح البخاري } وبعض التفاسير : ( سورة ويل لكل همزة ) . وذكر ~~الفيروز آبادي في ( بصائر ذوي التمييز ) أنها تسمى ( سورة الحطمة ) لوقوع ~~هذه الكلمة فيها . # وهي مكية بالاتفاق . # وعدت الثانية والثلاثين في عداد نزول السور نزلت بعد سورة القيامة وقبل ~~سورة المرسلات . # وآيها تسع بالاتفاق . # روي أنها نزلت في جماعة من المشركين كانوا أقاموا أنفسهم للمز المسلمين ~~وسبهم واختلاق الأحدوثات السيئة عنهم . وسمي من هؤلاء المشركين : الوليد بن ~~المغيرة المخزومي ، وأمية بن خلف ، وأبي بن خلف ، وجميل بن معمر من بني جمح ~~( وهذا أسلم يوم الفتح وشهد حنينا ) والعاص بن وائل من بني سهم . وكلهم من ~~سادة قريش . وسمي الأسود بن عبد يغوث ، والأخنس بن شريق الثقفيان من سادة ~~ثقيف أهل الطائف . وكل هؤلاء من أهل الثراء في الجاهلية والازدهاء بثرائهم ~~وسؤددهم . وجاءت آية السورة عامة فعم حكمها المسمين ومن كان على شاكلتهم من ~~المشركين ولم تذكر أسماؤهم . # أغراضها # فغرض هذه السورة وعيد جماعة من المشركين جعلوا همز المسلمين ولمزهم ضربا ~~PageV30P535 من ضروب أذاهم طمعا في أن يلجئهم الملل من أصناف الأذى ، إلى ~~الانصراف عن الإسلام والرجوع إلى الشرك . # # | 2 ( { ويل لكل همزة لمزة * الذى جمع مالا وعدده * يحسب أن ماله أخلده * ~~كلا لينبذن فى الحطمة * ومآ أدراك ما الحطمة * نار الله الموقدة * التى ~~تطلع على الافئدة * إنها عليهم مؤصدة * فى عمد ممددة } ) 2 # كلمة ( ويل له ) دعاء على المجرور اسمه باللام بأن يناله الويل وهو سوء ~~الحال كما تقدم غير مرة منها قوله تعالى : { فويل للذين يكتبون الكتاب ~~بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله في سورة البقرة . # والدعاء هنا مستعمل في الوعيد بالعقاب . # وكلمة ( كل ) تشعر بأن المهددين بهذا الوعيد جماعة وهم الذين اتخذوا همز ~~المسلمين ولمزهم ديدنا لهم أولئك الذين تقدم ذكرهم في سبب نزول السورة . # وهمزة ولمزة : بوزن فعلة صيغة تدل على كثرة صدور الفعل المصاغ منه ms9506 . وأنه ~~صار عادة لصاحبه كقولهم : ضحكة لكثير الضحك ، ولعنة لكثير اللعن ، وأصلها : ~~أن صيغة فعل بضم ففتح ترد للمبالغة في فاعل كما صرح به الرضي في شرح ~~الكافية } يقال : رجل حطم إذا كان قليل الرحمة للماشية ، أي والدواب . # ومنه قولهم : ختع ( بخاء معجمة ومثناة فوقية ) وهو الدليل الماهر ~~بالدلالة على الطريق فإذا أريدت زيادة المبالغة في الوصف ألحق به الهاء كما ~~ألحقت في : علامة ورحالة ، فيقولون : رجل حطمة وضحكة ومنه همزة ، وبتلك ~~المبالغة الثانية يفيد أن ذلك تفاقم منه حتى صار له عادة قد ضري بها كما في ~~( الكشاف ) ، وقد قالوا : إن عيبة مساو لعيابة ، فمن الأمثلة ما سمع فيه ~~الوصف بصيغتي فعل وفعلة نحو حطم وحطمة بدون هاء وبهاء ، ومن الأمثلة ما سمع ~~فيه فعلة دون فعل نحو رجل ضحكة ، ومن الأمثلة ما سمع فيه فعل دون فعلة وذلك ~~في الشتم مع حرف النداء يا غدر ويا فسق ويا خبث ويا لكع . # قال المرادي في ( شرح التسهيل ) قال : بعضهم ولم يسمع غيرها ولا يقاس ~~PageV30P536 عليها ، وعن سيبويه أنه أجاز القياس عليها في النداء اه . قلت ~~: وعلى قول سيبويه بنى الحريري قوله في ( المقامة السابعة والثلاثين ) : ( ~~صه يا عقق ، يا من هو الشجا والشرق ) . # وهمزة : وصف مشتق من الهمز . وهو أن يعيب أحد أحدا بالإشارة بالعين أو ~~بالشدق أو بالرأس بحضرته أو عند توليه ، ويقال : هامز وهماز ، وصيغة فعلة ~~يدل على تمكن الوصف من الموصوف . # ووقع { همزة } وصفا لمحذوف تقديره : ويل لكل شخص همزة ، فلما حذف موصوفه ~~صار الوصف قائما مقامه فأضيف إليه ( كل ) . # ولمزة : وصف مشتق من اللمز وهو المواجعة بالعيب ، وصيغته دالة على أن ذلك ~~الوصف ملكة لصاحبه كما في همزة . # وهذان الوصفان من معاملة أهل الشرك للمؤمنين يومئذ ، ومن عامل من ~~المسلمين أحدا من أهل دينه بمثل ذلك كان له نصيب من هذا الوعيد . # فمن اتصف بشيء من هذا الخلق الذميم من المسلمين مع أهل دينه فإنها خصلة ~~من خصال أهل الشرك . وهي ذميمة تدخل في أذى ms9507 المسلم وله مراتب كثيرة بحسب ~~قوة الأذى وتكرره ولم يعد من الكبائر إلا ضرب المسلم . وسب الصحابة رضي ~~الله عنهم وإدمان هذا الأذى بأن يتخذه ديدنا فهو راجع إلى إدمان الصغائر ~~وهو معدود من الكبائر . # وأتبع { الذي جمع مالا وعدده } لزيادة تشنيع صفتيه الذميمتين بصفة الحرص ~~على المال . وإنما ينشأ ذلك عن بخل النفس والتخوف من الفقر ، والمقصود من ~~ذلك دخول أولئك الذين عرفوا بهمز المسلمين ولمزهم الذين قيل إنهم سبب نزول ~~السورة لتعيينهم في هذا الوعيد . # واسم الموصول من قوله : { الذي جمع مالا } نعت آخر ولم يعطف { الذي } ~~بالواو لأن ذكر الأوصاف المتعددة للموصوف الواحد يجوز أن يكون بدون عطف ~~PageV30P537 نحو قوله تعالى : { ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم مناع ~~للخير معتد أثيم عتل بعد ذلك زنيم } ( القلم : 10 13 ) . # والمال : مكاسب الإنسان التي تنفعه وتكفي مؤونة حاجته من طعام ولباس وما ~~يتخذ منه ذلك كالأنعام والأشجار ذات الثمار المثمرة . وقد غلب لفظ المال في ~~كل قوم من العرب على ما هو الكثير من مشمولاتهم فغلب اسم المال بين أهل ~~الخيام على الإبل قال زهير : # فكلا أراهم أصبحوا يعقلونه # صحيحاتت مال طالعات بمخرم # يريد إبل الدية ولذلك قال : طالعات بمخرم . # وهو عند أهل القرى الذين يتخذون الحوائط يغلب على النخل يقولون خرج فلان ~~إلى ماله ، أي إلى جناته ، وفي كلام أبي هريرة : ( وإن أخواني الأنصار ~~شغلهم العمل في أموالهم ) وقال أبو طلحة : ( وإن أحب أموالي إلي بئر حاء ) ~~. # وغلب عند أهل مكة على الدراهم لأن أهل مكة أهل تجر ومن ذلك قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم للعباس : ( أين المال الذي عند أم الفضل ) . # وتقدم في قوله تعالى : { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون سورة آل ~~عمران . # ومعنى : عدده } أكثر من عده ، أي حسابه لشدة ولعه بجمعه فالتضعيف ~~للمبالغة في ( عد ) ومعاودته . # وقرأ الجمهور { جمع مالا } بتخفيف الميم ، وقرأه ابن عامر وحمزة والكسائي ~~وأبو جعفر ورويس عن يعقوب وخلف بتشديد الميم مزاوجا لقوله : { عدده } وهو ~~مبالغة ms9508 في { جمع } . وعلى قراءة الجمهور دل تضعيف { عدده } على معنى تكلف ~~جمعه بطريق الكناية لأنه لا يكرر عده إلا ليزيد جمعه . # ويجوز أن يكون { عدده } بمعنى أكثر إعداده ، أي إعداد أنواعه فيكون كقوله ~~تعالى : { والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام ~~والحرث } ( آل عمران : 14 ) . # وجملة : { يحسب أن ماله أخلده } يجوز أن تكون حالا من همزة فيكون ~~PageV30P538 مستعملا في التهكم عليه في حرصه على جمع المال وتعديده لأنه لا ~~يوجد من يحسب أن ماله يخلده ، فيكون الكلام من قبيل التمثيل ، أو تكون ~~الحال مرادا بها التشبيه وهو تشبيه بليغ . # ويجوز أن تكون الجملة مستأنفة والخبر مستعملا في الإنكار ، أو على تقدير ~~همزة استفهام محذوفة مستعملا في التهكم أو التعجيب . # وجيء بصيغة المضي في { أخلده } لتنزيل المستقبل منزلة الماضي لتحققه عنده ~~، وذلك زيادة في التهكم به بأنه موقن بأن ماله يخلده حتى كأنه حصل إخلاده ~~وثبت . # والهمزة في { أخلده } للتعدية ، أي جعله خالدا . # وقرأ الجمهور : { يحسب } بكسر السين . وقرأه ابن عامر وعاصم وحمزة وأبو ~~جعفر بفتح السين وهما لغتان . # ومعنى الآية : أن الذين جمعوا المال يشبه حالهم حال من يحسب أن المال ~~يقيهم الموت ويجعلهم خالدين لأن الخلود في الدنيا أقصى متمناهم إذ لا ~~يؤمنون بحياة أخرى خالدة . # و { كلا } إبطال لأن يكون المال مخلدا لهم . وزجر عن التلبس بالحالة ~~الشنيعة التي جعلتهم في حال من يحسب أن المال يخلد صاحبه ، أو إبطال للحرص ~~في جمع المال جمعا يمنع به حقوق الله في المال من نفقات وزكاة . # . # استئناف بياني ناشىء عن ما تضمنته جملة : { يحسب أن ماله أخلده } من ~~التهكم والإنكار ، وما أفاده حرف الزجر من معنى التوعد . # والمعنى : ليهلكن فلينبذن في الحطمة . # واللام جواب قسم محذوف . والضمير عائد إلى الهمزة . PageV30P539 # والنبذ : الإلقاء والطرح ، وأكثر استعماله في إلقاء ما يكره . قال صاحب ( ~~الكشاف ) في قوله تعالى : { فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم } ( القصص : ~~40 ) شبههم استحقارا لهم بحصيات أخذهن آخذ بكفه فطرحهن اه . # والحطمة : صفة بوزن فعلة ، مثل ما تقدم في ms9509 الهمزة ، أي لينبذن في شيء ~~يحطمه ، أي يكسره ويدقه . # والظاهر أن اللام لتعريف العهد لأنه اعتبر الوصف علما بالغلبة على شيء ~~يحطم وأريد بذلك جهنم ، وأن إطلاق هذا الوصف على جهنم من مصطلحات القرآن . ~~وليس في كلام العرب إطلاق هذا الوصف على النار . # فجملة : { وما أدراك ما الحطمة } في موضع الحال من قوله : { الحطمة } ~~والرابط إعادة لفظ الحطمة ، وذلك إظهار في مقام الإضمار للتهويل كقوله : { ~~الحاقة ما الحاقة وما أدراك ما الحاقة } ( الحاقة : 1 3 ) وما فيها من ~~الاستفهام ، وفعل الدراية يفيد تهويل الحطمة ، وقد تقدم { ما أدراك } غير ~~مرة منها عند قوله : { وما أدراك ما يوم الدين في سورة الانفطار . # وجملة : نار الله الموقدة } جواب عن جملة { وما أدراك ما الحطمة } مفيد ~~مجموعهما بيان الحطمة ما هي ، وموقع الجملة موقع الاستئناف البياني ، ~~والتقدير هي ، أي الحطمة نار الله ، فحذف المبتدأ من الجملة جريا على طريقة ~~استعمال أمثاله من كل إخبار عن شيء بعد تقدم حديث عنه وأوصاف له ، وقد تقدم ~~عند قوله تعالى : { صم بكم عمي في سورة البقرة . # وإضافة نار } إلى اسم الجلالة للترويع بها بأنها نار خلقها القادر على ~~خلق الأمور العظيمة . # ووصف { نار } ب ( موقدة ) ، وهو اسم مفعول من : أوقد النار ، إذا أشعلها ~~وألهبها . والتوقد : ابتداء التهاب النار فإذا صارت جمرا فقد خف لهبها ، أو ~~زال ، فوصف { نار } ب ( موقدة ) يفيد أنها لا تزال تلتهب ولا يزول لهيبها . ~~وهذا كما وصفت نار الأخدود بذات الوقود ( بفتح الواو ) في سورة البروج ، أي ~~النار التي يجدد اتقادها بوقود وهو الحطب الذي يلقى في النار لتتقد فليس ~~الوصف بالموقدة هنا تأكيدا . PageV30P540 # ووصفت { نار الله } وصفا ثانيا ب { التي تطلع على الأفئدة } . # والاطلاع يجوز أن يكون بمعنى الإتيان مبالغة في طلع ، أي الإتيان السريع ~~بقوة واستيلاء ، فالمعنى : التي تنفذ إلى الأفئدة فتحرقها في وقت حرق ظاهر ~~الجسد . # وأن يكون بمعنى الكشف والمشاهدة قال تعالى : { فاطلع فرآه في سواء الجحيم ~~} ( الصافات : 55 ) فيفيد أن النار تحرق الأفئدة إحراق العالم بما تحتوي ms9510 ~~عليه الأفئدة من الكفر فتصيب كل فؤاد بما هو كفاؤه من شدة الحرق على حسب ~~مبلغ سوء اعتقاده ، وذلك بتقدير من الله بين شدة النار وقابلية المتأثر بها ~~لا يعلمه إلا مقدره . # ( 8 ، 9 ) # هذه جملة يجوز أن تكون صفة ثالثة ل { نار الله } ( الهمزة : 6 ) بدون ~~عاطف ، ويجوز أن تكون مستأنفة استئنافا ابتدائيا وتأكيدها ب ( إن ) لتهويل ~~الوعيد بما ينفي عنه احتمال المجاز أو المبالغة . # وموصدة : اسم مفعول من أوصد الباب ، إذا أغلقه غلقا مطبقا . ويقال : آاصد ~~بهمزتين إحداهما أصلية والأخرى همزة التعدية ، ويقال : أصد الباب فعلا ~~ثلاثيا ، ولا يقال : وصد بالواو بمعنى أغلق . # وقرأ الجمهور : { موصدة } بواو بعد الميم على تخفيف الهمزة ، وقرأه أبو ~~عمرو وحمزة وحفص عن عاصم ويعقوب وخلف بهمزة ساكنة بعد الميم المضمومة . # ومعنى إيصادها عليهم : ملازمة العذاب واليأس من الإفلات منه كحال ~~المساجين الذين أغلق عليهم باب السجن تمثيل تقريب لشدة العذاب بما هو ~~متعارف في أحوال الناس ، وحال عذاب جهنم أشد مما يبلغه تصور العقول المعتاد ~~. # وقوله : { في عمد ممددة } حال : إما من ضمير { عليهم } أي في حال كونهم ~~في عمد ، أي موثوقين في عمد كما يوثق المسجون المغلظ عليه من رجليه في فلقة ~~ذاتت ثقب يدخل في رجله أو في عنقه كالقرام . وإما حال من ضمير { إنها } ، ~~PageV30P541 أي أن النار الموقدة في عمد ، أي متوسطة عمدا كما تكون نار ~~الشواء إذ توضع عمد وتجعل النار تحتها تمثيلا لأهلها بالشواء . # و { عمد } قرأه الجمهور بفتحتين على أنه اسم جمع عمود مثل : أديم وأدم . ~~وقرأه حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم وخلف ( عمد ) بضمتين وهو جمع عمود ، ~~والعمود : خشبة غليظة مستطيلة . # والممددة : المجعولة طويلة جدا ، وهو اسم مفعول من مدده ، إذا بالغ في ~~مده ، أي الزيادة فيه . # وكل هذه الأوصاف تقوية لتمثيل شدة الإغلاظ عليهم بأقصى ما يبلغه متعارف ~~الناس من الأحوال . # PageV30P542 # | 1 ( سورة الفيل ) 1 # وردت تسميتها في كلام بعض السلف سورة { ألم تر . روى القرطبي في تفسير ~~سورة قريش عن عمرو بن ms9511 ميمون قال : صليت المغرب خلف عمر بن الخطاب فقرأ في ~~الركعة الثانية ألم تر } ( الفيل : 1 ) و { لإيلاف قريش } ( قريش : 1 ) . ~~وكذلك عنونها البخاري . وسميت في جميع المصاحف وكتب التفسير : سورة الفيل . # وهي مكية بالاتفاق . # وقد عدت التاسعة عشرة في ترتيب نزول السور نزلت بعد سورة { قل يا أيها ~~الكافرون } ( الكافرون : 1 ) وقبل سورة الفلق . وقيل : قبل سورة قريش لقول ~~الأخفش إن قوله تعالى : { لإيلاف قريش } ( قريش : 1 ) متعلق بقوله : { ~~فجعلهم كعصف مأكول } ( الفيل : 5 ) ، ولأن أبي بن كعب جعلها وسورة قريش ~~سورة واحدة في مصحفه ولم يفصل بينهما بالبسملة ولخبر عمرو بن ميمون عن عمر ~~بن الخطاب المذكور آنفا روى أن عمر بن الخطاب قرأ مرة في المغرب في الركعة ~~الثانية سورة الفيل وسورة قريش ، أي ولم يكن الصحابة يقرأون في الركعة من ~~صلاة الفرض سورتين لأن السنة قراءة الفاتحة وسورة فدل أنهما عنده سورة ~~واحدة . ويجوز أن تكون سورة قريش نزلت بعد سورة الفلق وألحقت بسورة الفيل ~~فلا يتم الاحتجاج بما في مصحف أبي بن كعب ولا بما رواه عمرو بن ميمون . # وآيها خمس . # أغراضها # وقد تضمنت التذكير بأن الكعبة حرم الله وأن الله حماه ممن أرادوا به سوءا ~~أو PageV30P543 أظهر غضبه عليهم فعذبهم لأنهم ظلموا بطمعهم في هدم مسجد ~~إبراهيم وهو عندهم في كتابهم ، وذلك ما سماه الله كيدا ، وليكون ما حل بهم ~~تذكرة لقريش بأن فاعل ذلك هو رب ذلك البيت وأن لا حظ فيه للأصنام التي ~~نصبوها حوله . # وتنبيه قريش أو تذكيرهم بما ظهر من كرامة النبي صلى الله عليه وسلم عند ~~الله إذ أهلك أصحاب الفيل في عام ولادته . # ومن وراء ذلك تثبيت النبي صلى الله عليه وسلم بأن الله يدفع عنه كيد ~~المشركين فإن الذي دفع كيد من يكيد لبيته لأحق بأن يدفع كيد من يكيد لرسوله ~~صلى الله عليه وسلم ودينه ويشعر بهذا قوله : { ألم يجعل كيدهم في تضليل } ( ~~الفيل : 2 ) . # ومن وراء ذلك كله التذكير بأن الله غالب على أمره ، وأن ms9512 لا تغر المشركين ~~قوتهم ووفرة عددهم ولا يوهن النبي صلى الله عليه وسلم تألب قبائلهم عليه ~~فقد أهلك الله من هو أشد منهم قوة وأكثر جمعا . # ولم يتكرر في القرآن ذكر إهلاك أصحاب الفيل خلافا لقصص غيرهم من الأمم ~~لوجهين : أحدهما أن إهلاك أصحاب الفيل لم يكن لأجل تكذيب رسول من الله ، ~~وثانيهما أن لا يتخذ منه المشركون غرورا بمكانة لهم عند الله كغرورهم ~~بقولهم المحكي في قوله تعالى : { أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام ~~كمن آمن بالله واليوم الآخر } ( التوبة : 19 ) الآية وقوله : { وهم يصدون ~~عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون } ( الأنفال : 34 ) . # # | 2 ( { ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل * ألم يجعل كيدهم فى تضليل * ~~وأرسل عليهم طيرا أبابيل * ترميهم بحجارة من سجيل * فجعلهم كعصف مأكول } ) ~~2 # استفهام تقريري وقد بينا غير مرة أن الاستفهام التقريري كثيرا ما يكون ~~على نفي المقرر بإثباته للثقة بأن المقرر لا يسعه إلا إثبات المنفي وانظر ~~عند قوله تعالى : { ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم في سورة البقرة . ~~والاستفهام التقريري هنا مجاز بعلاقة اللزوم وهو مجاز كثر استعماله في ~~كلامهم فصار كالحقيقة لشهرته . وعليه فالتقرير مستعمل مجازا في التكريم ~~إشارة إلى أن ذلك كان إرهاصا للنبيء فيكون من باب قوله : لا أقسم بهذا ~~البلد وأنت حل بهذا البلد } ( البلد : 1 ، 2 ) ، PageV30P544 وفيه مع ذلك ~~تعريض بكفران قريش نعمة عظيمة من نعم الله عليهم إذ لم يزالوا يعبدون غيره ~~. # والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم كما يقتضيه قوله : { ربك } . فمهيع ~~هذه الآية شبيه بقوله تعالى : { ألم يجدك يتيما فآوى } ( الضحى : 6 ) ~~الآيات وقوله : { لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد } ( البلد : 1 ، 2 ~~) على أحد الوجوه المتقدمة . # فالرؤية يجوز أن تكون مجازية مستعارة للعلم البالغ من اليقين حد الأمر ~~المرئي لتواتر ما فعل الله بأصحاب الفيل بين أهل مكة وبقاء بعض آثار ذلك ~~يشاهدونه . وقال أبو صالح : رأيت في بيت أم هاني بنتت ms9513 أبي طالب نحوا من ~~قفيزين من تلك الحجارة سودا مخططة بحمرة . وقال عتاب بن أسيد : أدركت سائس ~~الفيل وقائده أعميين مقعدين يستطعمان الناس . وقالت عائشة : لقد رأيت قائد ~~الفيل وسائقه أعميين يستطعمان الناس . وفعل الرؤية معلق بالاستفهام . # ويجوز أن تكون الرؤية بصرية بالنسبة لمن تجاوز سنه نيفا وخمسين سنة عند ~~نزول الآية ممن شهد حادث الفيل غلاما أو فتى مثل أبي قحافة وأبي طالب وأبي ~~بن خلف . # و { كيف } للاستفهام سد مسد مفعولي أو مفعول { تر } ، أي لم تر جواب هذا ~~الاستفهام ، كما تقول : علمت هل زيد قائم ؟ وهو نصب على الحال من فاعل { تر ~~} . ويجوز أن يكون { كيف } مجردا عن معنى الاستفهام مرادا منه مجرد الكيفية ~~فيكون نصبا على المفعول به . # وإيثار { كيف } دون غيره من أسماء الاستفهام أو الموصول فلم يقل : ألم تر ~~ما فعل ربك ، أو الذي فعل ربك ، للدلالة على حالة عجيبة يستحضرها من يعلم ~~تفصيل القصة . # وأوثر لفظ { فعل ربك } دون غيره لأن مدلول هذا الفعل يعم أعمالا كثيرة لا ~~يدل عليها غيره . # وجيء في تعريف الله سبحانه بوصف ( رب ) مضافا إلى ضمير النبي صلى الله ~~عليه وسلم PageV30P545 إيماء إلى أن المقصود من التذكير بهذه القصة تكريم ~~النبي صلى الله عليه وسلم إرهاصا لنبوءته إذ كان ذلك عام مولده . # وأصحاب الفيل : الحبشة الذين جاءوا مكة غازين مضمرين هدم الكعبة انتقاما ~~من العرب من أجل ما فعله أحد بني كنانة الذين كانوا أصحاب النسيء في أشهر ~~الحج . وكان خبر ذلك وسببه أن الحبشة قد ملكوا اليمن بعد واقعة الأخدود ~~التي عذب فيها الملك ذو نواس النصارى ، وصار أمير الحبشة على اليمن رجلا ~~يقال له : ( أبرهة ) وأن أبرهة بنى كنيسة عظيمة في صنعاء دعاها القليس ( ~~بفتح القاف وكسر اللام بعدما تحتية ساكنة ، وبعضهم يقولها بضم القاف وفتح ~~اللام وسكون التحتية ) . وفي ( القاموس ) بضم القاف وتشديد اللام مفتوحة ~~وسكون الياء . وكتبه السهيلي بنون بعد اللام ولم يضبطه وزعم أنه اسم مأخوذ ~~من معاني القلس للارتفاع . ومنه القلنسوة واقتصر ms9514 على ذلك ولم أعرف أصل هذا ~~اللفظ فإما أن يكون اسم جنس للكنيسة ولعل لفظ كنيسة في العربية معرب منه ، ~~وإما أن يكون علما وضعوه لهذه الكنيسة الخاصة وأراد أن يصرف حج العرب إليها ~~دون الكعبة فروي أن رجلا من بني فقيم من بني كنانة وكانوا أهل النسيء للعرب ~~كما تقدم عند قوله تعالى : { إنما النسيء زيادة في الكفر في سورة براءة ، ~~قصد الكناني صنعاء حتى جاء القليس فأحدث فيها تحقيرا لها ليتسامع العرب ~~بذلك فغضب أبرهة وأزمع غزو مكة ليهدم الكعبة وسار حتى نزل خارج مكة ليلا ~~بمكان يقال له المغمس ( كمعظم موضع قرب مكة في طريق الطائف ) أو ذو الغميس ~~( لم أر ضبطه ) وأرسل إلى عبد المطلب ليحذره من أن يحاربوه وجرى بينهما ~~كلام ، وأمر عبد المطلب آله وجميع أهل مكة بالخروج منها إلى الجبال المحيطة ~~بها خشية من معرة الجيش إذا دخلوا مكة . فلما أصبح هيأ جيشه لدخول مكة وكان ~~أبرهة راكبا فيلا وجيشه معه فبينا هو يتهيأ لذلك إذ أصاب جنده داء عضال هو ~~الجدري الفتاك يتساقط منه الأنامل ، ورأوا قبل ذلك طيرا ترميهم بحجارة لا ~~تصيب أحدا إلا هلك وهي طير من جند الله فهلك معظم الجيش وأدبر بعضهم ومرض ( ~~أبرهة ) فقفل راجعا إلى صنعاء مريضا ، فهلك في صنعاء وكفى الله أهل مكة أمر ~~عدوهم . وكان ذلك في شهر محرم الموافق لشهر شباط ( فبراير ) PageV30P546 ~~سنة 570 بعد ميلاد عيسى عليه السلام ، وبعد هذا الحادث بخمسين يوما ولد ~~النبي على أصح الأخبار وفيها اختلاف كثير . # والتعريف في الفيل } للعهد ، وهو فيل أبرهة قائد الجيش كما قالوا للجيش ~~الذي خرج مع عائشة أم المؤمنين أصحاب الجمل يريدون الجمل الذي كانت عليه ~~عائشة ، مع أن في الجيش جمالا أخرى . وقد قيل : إن جيش أبرهة لم يكن فيه ~~إلا فيل واحد ، وهو فيل أبرهة ، وكان اسمه محمود . وقيل : كان فيه فيلة ~~أخرى ، قيل ثمانية وقيل : اثنا عشر . وقال بعض : ألف فيل . ووقع في رجز ~~ينسب إلى عبد المطلب : # أنت ms9515 منعت الحبش والأفيالا # فيكون التعريف تعريف الجنس ويكون العهد مستفادا من الإضافة . # والفيل : حيوان عظيم من ذوات الأربع ذواتت الخف ، من حيوان البلاد الحارة ~~ذات الأنهار من الهند والصين والحبشة والسودان ، ولا يوجد في غير ذلك إلا ~~مجلوبا ، وهو ذكي قابل للتأنس والتربية ، ضخم الجثة أضخم من البعير ، وأعلى ~~منه بقليل وأكثر لحما وأكبر بطنا . وخف رجله يشبه خف البعير وعنقه قصير جدا ~~له خرطوم طويل هو أنفه يتناول به طعامه وينتشق به الماء فيفرغه في فيه ~~ويدافع به عن نفسه يختطف به ويلويه على ما يريد أذاه من الحيوان ، ويلقيه ~~على الأرض ويدوسه بقوائمه . وفي عينيه خزر وأذناه كبيرتان مسترخيتان ، ~~وذنبه قصير أقصر من ذنب البعير وقوائمه غليظة . ومناسمه كمناسم البعير ~~وللذكر منه نابان طويلان بارزان من فمه يتخذ الناس منها العاج . وجلده أجرد ~~مثل جلد البقر ، أصهب اللون قاتم كلون الفار ويكون منه الأبيض الجلد . وهو ~~مركوب وحامل أثقال وأهل الهند والصين يجعلون الفيل كالحصن في الحرب يجعلون ~~محفة على ظهره تسع ستة جنود . ولم يكن الفيل معروفا عند العرب فلذلك قل أن ~~يذكر في كلامهم وأول فيل دخل بلاد العرب هو الفيل المذكور في هذه السورة . # وقد ذكرت أشعار لهم في ذكر هذه الحادثة في السيرة . ولكن العرب كانوا ~~يسمعون أخبار الفيل ويتخيلونه عظيما قويا ، قال لبيد : # ومقامم ضيق فرجته # ببيان ولسان وجدل PageV30P547 # لو يقوم الفيل أوفياله # زل عن مثل مقامي ورحل # وقال كعب بن زهير في قصيدته : # لقد أقوم مقاما لو يقوم به # أرى وأسمع ما لو يسمع الفيل # لظل يرعد إلا أن يكون له # من الرسول بإذن الله تنويل # وكنت رأيت أن . . . . قال إن أمه أرته أو حدثته أنها رأت روث الفيل بمكة ~~حول الكعبة ولعلهم تركوا إزالته ليبقى تذكرة . # وعن عائشة وعتاب بن أسيد : رأيت قائد الفيل وسائسه بمكة أعميين مقعدين ~~يستطعمان الناس . # والمعنى : ألم تعلم الحالة العجيبة التي فعلها الله بأصحاب الفيل ، فهذا ~~تقرير على إجمال يفسره ما بعده . # ( 2 5 ) { } # هذه الجمل ms9516 بيان لما في جملة { ألم تر كيف فعل ربك } ( الفيل : 1 ) من ~~الإجمال . وسمى حربهم كيدا لأنه عمل ظاهره الغضب من فعل الكناني الذي قعد ~~في القليس . وإنما هو تعلة تعللوا بها لإيجاد سبب لحرب أهل مكة وهدم الكعبة ~~لينصرف العرب إلى حج القليس في صنعاء فيتنصروا . # أو أريد بكيدهم بناؤهم القليس مظهرين أنهم بنوا كنيسة وهم يريدون أن ~~يبطلوا الحج إلى الكعبة ويصرفوا العرب إلى صنعاء . # والكيد : الاحتيال على إلحاق ضر بالغير ومعالجة إيقاعه . # والتضليل : جعل الغير ضالا ، أي لا يهتدي لمراده وهو هنا مجاز في الإبطال ~~وعدم نوال المقصود لأن ضلال الطريق عدم وصول السائر . # وظرفية الكيد في التضليل مجازية ، استعير حرف الظرفية لمعنى المصاحبة ~~PageV30P548 الشديدة ، أي أبطل كيدهم بتضليل ، أي مصاحبا للتضليل لا يفارقه ~~، والمعنى : أنه أبطله إبطالا شديدا إذ لم ينتفعوا بقوتهم مع ضعف أهل مكة ~~وقلة عددهم . وهذا كقوله تعالى : { وما كيد فرعون إلا في تباب } ( غافر : ~~37 ) أي ضياع وتلف ، وقد شمل تضليل كيدهم جميع ما حل بهم من أسباب الخيبة ~~وسوء المنقلب . # وجملة : { وأرسل عليهم طيرا أبابيل } يجوز أن تجعل معطوفة على جملة { فعل ~~ربك بأصحاب الفيل } ( الفيل : 1 ) ، أي وكيف أرسل عليهم طيرا من صفتها كيت ~~وكيت ، فبعد أن وقع التقرير على ما فعل الله بهم من تضليل كيدهم عطف عليه ~~تقرير بعلم ما سلط عليهم من العقاب على كيدهم تذكيرا بما حل بهم من نقمة ~~الله تعالى ، لقصدهم تخريب الكعبة ، فذلك من عناية الله ببيته لإظهار ~~توطئته لبعثة رسوله صلى الله عليه وسلم بدينه في ذلك البلد ، إجابة لدعوة ~~إبراهيم عليه السلام ، فكما كان إرسال الطير عليهم من أسباب تضليل كيدهم ، ~~كان فيه جزاء لهم ، ليعلموا أن الله مانع بيته ، وتكون جملة : { ألم يجعل ~~كيدهم في تضليل } معترضة بين الجملتين المتعاطفتين . # ويجوز أن تجعل { وأرسل عليهم } عطفا على جملة { ألم يجعل كيدهم في تضليل ~~} فيكون داخلا في حيز التقرير الثاني بأن الله جعل كيدهم في تضليل ، وخص ~~ذلك بالذكر لجمعه بين ms9517 كونه مبطلا لكيدهم وكونه عقوبة لهم ، ومجيئه بلفظ ~~الماضي باعتبار أن المضارع في قوله : { ألم يجعل كيدهم في تضليل } قلب ~~زمانه إلى المضي لدخول حرف { لم } كما تقدم في قوله تعالى : { ألم يجدك ~~يتيما فآوى ووجدك ضالا فهدى في سورة الضحى ( 6 ، 7 ) ، فكأنه قيل : أليس ~~جعل كيدهم في تضليل . # والطير : اسم جمع طائر ، وهو الحيوان الذي يرتفع في الجو بعمل جناحيه . ~~وتنكيره للنوعية لأنه نوع لم يكن معروفا عند العرب . وقد اختلف القصاصون في ~~صفته اختلافا خياليا . والصحيح ما روي عن عائشة : أنها أشبه شيء بالخطاطيف ~~، وعن غيرها أنها تشبه الوطواط . # وأبابيل } : جماعات . قال الفراء وأبو عبيدة : أبابيل اسم جمع لا واحد له ~~من لفظه مثل عباديد وشماطيط وتبعهما الجوهري ، وقال الرؤاسي والزمخشري : ~~واحد PageV30P549 أبابيل إبالة مشددة الموحدة مكسورة الهمزة . ومنه قولهم ~~في المثل : ( ضغث على إبالة ) وهي الحزمة الكبيرة من الحطب . وعليه فوصف ~~الطير بأبابيل على وجه التشبيه البليغ . # وجملة { ترميهم } حال من { طيرا } وجيء بصيغة المضارع لاستحضار الحالة ~~بحيث تخيل للسامع كالحادثة في زمن الحال ومنه قوله تعالى : { والله الذي ~~أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت } ( فاطر : 9 ) الآية . # وحجارة : اسم جمع حجر . عن ابن عباس قال : طين في حجارة ، وعنه أن سجيل ~~معرب سنك كل من الفارسية ، أي عن كلمة ( سنك ) وضبط بفتح السين وسكون النون ~~وكسر الكاف اسم الحجر وكلمة ( كل ) بكسر الكاف اسم الطين ومجموع الكلمتين ~~يراد به الآجر . # وكلتا الكلمتين بالكاف الفارسية المعمدة وهي بين مخرج الكاف ومخرج القاف ~~، ولذلك تكون { من } بيانية ، أي حجارة هي سجيل ، وقد عد السبكي كلمة سجيل ~~في ( منظومته في المعرب الواقع في القرآن ) . # وقد أشار إلى أصل معناه قوله تعالى : { لنرسل عليهم حجارة من طين } ( ~~الذاريات : 33 ) مع قوله في آيات أخر { حجارة من سجيل } فعلم أنه حجر أصله ~~طين . # وجاء نظيره في قصة قوم لوط في سورة هود : { وأمطرنا عليها حجارة من سجيل ~~منضود وفي سورة الحجر : فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من ms9518 سجيل ~~فتعين أن تكون الحجارة التي أرسلت على أصحاب الفيل من جنس الحجارة التي ~~أمطرت على قوم لوط ، أي ليست حجرا صخريا ولكنها طين متحجر دلالة على أنها ~~مخلوقة لعذابهم . # قال ابن عباس : كان الحجر إذا وقع على أحدهم نفط جلده فكان ذلك أول ~~الجدري . وقال عكرمة : إذا أصاب أحدهم حجر منها خرج به الجدري . ~~PageV30P550 # وقد قيل : إن الجدري لم يكن معروفا في مكة قبل ذلك . # وروي أن الحجر كان قدر الحمص . روى أبو نعيم عن نوفل بن أبي معاوية ~~الديلمي قال : رأيت الحصى التي رمي بها أصحاب الفيل حصى مثل الحمص حمرا ~~بحتمة ( أي سواد ) كأنها جزع ظفار . وعن ابن عباس : أنه رأى من هذه الحجارة ~~عند أم هاني نحو قفيز مخططة بحمرة بالجزع الظفاري . # والعصف : ورق الزرع وهو جمع عصفة . والعصف إذا دخلته البهائم فأكلته ~~داسته بأرجلها وأكلت أطرافه وطرحته على الأرض بعد أن كان أخضر يانعا . وهذا ~~تمثيل لحال أصحاب الفيل بعد تلك النضرة والقوة كيف صاروا متساقطين على ~~الأرض هالكين . # PageV30P551 PageV30P552 # | 1 ( سورة قريش ) 1 # سميت هذه السورة في عهد السلف : سورة لإيلاف قريش قال عمرو بن ميمون ~~الأودي صلى عمر بن الخطاب المغرب فقرأ في الركعة الثانية : ألم تر كيف ~~ولإيلاف قريش وهذا ظاهر في إرادة التسمية ، ولم يعدها في الإتقان } في ~~السور التي لها أكثر من اسم . # وسميت في المصاحف وكتب التفسير ( سورة قريش ) لوقوع اسم قريش فيها ولم ~~يقع في غيرها ، وبذلك عنونها البخاري في ( صحيحه ) . # والسورة مكية عند جماهير العلماء . وقال ابن عطية : بلا خلاف . وفي ~~القرطبي عن الكلبي والضحاك أنها مدنية ، ولم يذكرها في ( الإتقان ) مع ~~السور المختلف فيها . # وقد عدت التاسعة والعشرين في عداد نزول السور ، نزلت بعد سورة التين وقبل ~~سورة القارعة . # وهي سورة مستقلة بإجماع المسلمين على أنها سورة خاصة . # وجعلها أبي بن كعب مع سورة الفيل سورة واحدة ولم يفصل بينهما في مصحفه ~~بالبسملة التي كانوا يجعلونها علامة فصل بين السور ، وهو ظاهر خبر عمرو بن ~~ميمون عن ms9519 قراءة عمر بن الخطاب . والإجماع الواقع بعد ذلك نقض ذلك . # وعدد آياتها أربع عند جمهور العادين . وعدها أهل مكة والمدينة خمس آيات . # ورأيت في مصحف عتيق من المصاحف المكتوبة في القيروان عددها أربع آيات مع ~~أن قراءة أهل القيروان قراءة أهل المدينة . PageV30P553 # أغراضها # أمر قريش بتوحيد الله تعالى بالربوبية تذكيرا لهم بنعمة أن الله مكن لهم ~~السير في الأرض للتجارة برحلتي الشتاء والصيف لا يخشون عاديا يعدو عليهم . # وبأنه أمنهم من المجاعات وأمنهم من المخاوف لما وقر في نفوس العرب من ~~حرمتهم لأنهم سكان الحرم وعمار الكعبة . # وبما ألهم الناس من جلب الميرة إليهم من الآفاق المجاورة كبلاد الحبشة . # ورد القبائل فلا يغير على بلدهم أحد قال تعالى : { أولم يروا أنا جعلنا ~~حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون } ( ~~العنكبوت : 67 ) فأكسبهم ذلك مهابة في نفوس الناس وعطفا منهم . # $ 2 ( { لإيلاف قريش * إيلافهم رحلة الشتآء والصيف * فليعبدوا رب هاذا ~~البيت * الذى & # 1764 أطعمهم من جوع وءامنهم من خوف } ) 2 $ افتتاح مبدع إذ كان بمجرور ~~بلام التعليل وليس بإثره بالقرب ما يصلح للتعليق به ففيه تشويق إلى متعلق ~~هذا المجرور . وزاده الطول تشويقا إذ فصل بينه وبين متعلقه ( بالفتح ) بخمس ~~كلمات ، فيتعلق { لإيلاف } بقوله : { فليعبدوا } . # وتقديم هذا المجرور للاهتمام به إذ هو من أسباب أمرهم بعبادة الله التي ~~أعرضوا عنها بعبادة الأصنام والمجرور متعلق بفعل ( ليعبدوا ) . # وأصل نظم الكلام : لتعبد قريش رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من ~~خوف لإيلافهم رحلة الشتاء والصيف ، فلما اقتضى قصد الاهتمام بالمعمول ~~تقديمه على عامله ، تولد من تقديمه معنى جعله شرطا لعامله فاقترن عامله ~~بالفاء التي هي من شأن جواب الشرط ، فالفاء الداخلة في قوله : { فليعبدوا } ~~مؤذنة بأن ما قبلها في قوة الشرط ، أي مؤذنة بأن تقديم المعمول مقصود به ~~اهتمام PageV30P554 خاص وعناية قوية هي عناية المشترط بشرطه ، وتعليق بقية ~~كلامه عليه لما ينتظره من جوابه ، وهذا أسلوب من الإيجاز بديع . # قال في ( الكشاف ) : دخلت الفاء لما في الكلام ms9520 من معنى الشرط لأن المعنى ~~إما لا فليعبدوه لإيلافهم ، أي أن نعم الله عليهم لا تحصى فإن لم يعبدوه ~~لسائر نعمه فليعبدوه لهذه الواحدة التي هي نعمة ظاهرة اه . # وقال الزجاج في قوله تعالى : { وربك فكبر } ( المدثر : 3 ) دخلت الفاء ~~لمعنى الشرط كأنه قيل : وما كان فلا تدع تكبيره اه . وهو معنى ما في ( ~~الكشاف ) . وسكتا عن منشإ حصول معنى الشرط وذلك أن مثل هذا جار عند تقديم ~~الجار والمجرور ، ونحوه من متعلقات الفعل وانظر قوله تعالى : { وإياي ~~فارهبون في سورة البقرة ، ومنه قوله تعالى : فبذلك فليفرحوا في سورة يونس ~~وقوله : فلذلك فادع واستقم في سورة الشورى . وقول النبي للذي سأله عن ~~الجهاد فقال له : ألك أبوان ؟ فقال : نعم . قال : ففيهما فجاهد . # ويجوز أن تجعل اللام متعلقة بفعل ( اعجبوا ) محذوفا ينبىء عنه اللام ~~لكثرة وقوع مجرور بها بعد مادة التعجب ، يقال : عجبا لك ، وعجبا لتلك قضية ~~، ومنه قول امرىء القيس : فيا لك من ليل لأن حرف النداء مراد به التعجب ~~فتكون الفاء في قوله : فليعبدوا } تفريعا على التعجيب . # وجوز الفراء وابن إسحاق في ( السيرة ) أن يكون { لإيلاف قريش } متعلقا ~~بما في سورة الفيل من قوله : { فجعلهم كعصف مأكول قال القرطبي : وهو معنى ~~قول مجاهد ورواية ابن جبير عن ابن عباس . قال الزمخشري : وهذا بمنزلة ~~التضمين في الشعر وهو أن يتعلق معنى البيت بالذي قبله تعلقا لا يصح إلا به ~~ا ه . يعنون أن هذه السورة وإن كانت سورة مستقلة فهي ملحقة بسورة الفيل ~~فكما تلحق الآية بآية نزلت قبلها ، تلحق آيات هي سورة فتتعلق بسورة نزلت ~~قبلها . # والإيلاف : مصدر أألف بهمزتين بمعنى ألف وهما لغتان ، والأصل هو ألف ، ~~وصيغة الإفعال فيه للمبالغة لأن أصلها أن تدل على حصول الفعل من الجانبين ، ~~فصارت تستعمل في إفادة قوة الفعل مجازا ، ثم شاع ذلك في بعض الأفعال حتى ~~ساوى الحقيقة مثل سافر ، وعافاه الله ، وقاتلهم الله . PageV30P555 # وقرأه الجمهور في الموضعين لإيلاف } بياء بعد الهمزة وهي تخفيف للهمزة ~~الثانية . وقرأ ابن عامر ( لإلاف ) الأول ms9521 بحذف الياء التي أصلها همزة ثانية ~~، وقرأه { إيلافهم } بإثبات الياء مثل الجمهور . وقرأ أبو جعفر ( ليلاف ~~قريش ) بحذف الهمزة الأولى . وقرأ ( إلافهم ) بهمزة مكسورة من غير ياء . # وذكر ابن عطية والقرطبي أن أبا بكر عن عاصم قرأ بتحقيق الهمزتين في ( ~~لإألاف ) وفي ( إألافهم ) ، وذكر ابن عطية عن أبي علي الفارسي أن تحقيق ~~الهمزتين لا وجه له . قلت : لا يوجد في كتب القراءات التي عرفناها نسبة هذه ~~القراءة إلى أبي بكر عن عاصم . والمعروف أن عاصما موافق للجمهور في جعل ~~ثانية الهمزتين ياء ، فهذه رواية ضعيفة عن أبي بكر عن عاصم . # وقد كتب في المصحف ( إلافهم ) بدون ياء بعد الهمزة وأما الألف المدة التي ~~بعد اللام التي هي عين الكلمة فلم تكتب في الكلمتين في المصحف على عادة ~~أكثر المدات مثلها ، والقراءات روايات وليس خط المصحف إلا كالتذكرة للقارىء ~~، ورسم المصحف سنة متبعة سنها الصحابة الذين عينوا لنسخ المصاحف وإضافة ( ~~إيلاف ) إلى { قريش } على معنى إضافة المصدر إلى فاعله وحذف مفعوله لأنه ~~هنا أطلق بالمعنى الاسمي لتلك العادة فهي إضافة معنوية بتقدير اللام . # وقريش : لقب الجد الذي يجمع بطونا كثيرة وهو فهر بن مالك بن النضر بن ~~كنانة . هذا قول جمهور النسابين وما فوق فهر فهم من كنانة ، ولقب فهر بلقب ~~قريش بصيغة التصغير وهو على الصحيح تصغير قرش ( بفتح القاف وسكون الراء ~~وشين معجمة ) اسم نوع من الحوت قوي يعدو على الحيتان وعلى السفن . # وقال بعض النسابين : إن قريشا لقب النضر بن كنانة . وروي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ( أنه سئل من قريش ؟ فقال : من ولد النضر ) . وفي رواية أنه ~~قال : ( إنا ولد النضر بن كنانة لا نقفو أمنا ولا ننتفي من أبينا ) . فجميع ~~أهل مكة هم قريش وفيهم كانت مناصب أهل مكة في الجاهلية موزعة بينهم وكانت ~~بنو كنانة بخيف منى . ولهم مناصب في أعمال الحج خاصة منها النسيء . # وقوله : { إيلافهم } عطف بيان من ( إيلاف قريش ) وهو من أسلوب ~~PageV30P556 الإجمال ، فالتفصيل للعناية بالخبر ليتمكن في ذهن السامع ومنه ms9522 ~~قوله تعالى : { لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات } ( غافر : 36 ) حكاية ~~لكلام فرعون ، وقول امرىء القيس : # ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة # والرحلة بكسر الراء : اسم للارتحال ، وهو المسير من مكان إلى آخر بعيد ، ~~ولذلك سمي البعير الذي يسافر عليه راحلة . # وإضافة رحلة إلى الشتاء من إضافة الفعل إلى زمانه الذي يقع فيه فقد يكون ~~الفعل مستغرقا لزمانه مثل قولك : سهر الليل ، وقد يكون وقتا لابتدائه مثل ~~صلاة الظهر ، وظاهر الإضافة أن رحلة الشتاء والصيف معروفة معهودة ، وهما ~~رحلتان . فعطف { والصيف } على تقدير مضاف ، أي ورحلة الصيف ، لظهور أنه لا ~~تكون رحلة واحدة تبتدأ في زمانين فتعين أنهما رحلتان في زمنين . # وجوز الزمخشري أن يكون لفظ { رحلة } المفرد مضافا إلى شيئين لظهور المراد ~~وأمن اللبس . وقال أبو حيان : هذا عند سيبويه لا يجوز إلا في الضرورة . # و { الشتاء } : اسم لفصل من السنة الشمسية المقسمة إلى أربعة فصول . وفصل ~~الشتاء تسعة وثمانون يوما وبضع دقائق مبدؤها حلول الشمس في برج الجدي ، ~~ونهايتها خروج الشمس من برج الحوت ، وبروجه ثلاثة : الجدي ، والدلو ، ~~والحوت . وفصل الشتاء مدة البرد . # و { الصيف } : اسم لفصل من السنة الشمسية ، وهو زمن الحر ومدته ثلاثة ~~وتسعون ويوما وبضع ساعات ، مبدؤها حلول الشمس في برج السرطان ونهايته خروج ~~الشمس من برج السنبلة ، وبروجه ثلاثة : السرطان ، والأسد ، والسنبلة . # قال ابن العربي : قال مالك : الشتاء نصف السنة والصيف نصفها ولم أزل أرى ~~ربيعة ابن أبي عبد الرحمن ومن معه لا يخلعون عمائمهم حتى تطلع الثريا ( ~~يعني طلوع الثريا عند الفجر وذلك أول فصل الصيف ) وهو اليوم التاسع عشر من ~~( بشنس ) وهو يوم خمسة وعشرين من عدد الروم أو الفرس اه . وشهر بشنس هو ~~التاسع من أشهر السنة القبطية المجزأة إلى اثني عشر شهرا . PageV30P557 # وشهر بشنس يبتدىء في اليوم السادس والعشرين من شهر نيسان ( أبريل ) وهو ~~ثلاثون يوما ينتهي يوم 25 من شهر ( أيار مايه ) . # وطلوع الثريا عند الفجر وهو يوم تسعة عشر من شهر بشنس من أشهر القبط . ~~قال أيمة اللغة : فالصيف عند ms9523 العامة نصف السنة وهو ستة أشهر والشتاء نصف ~~السنة وهو ستة أشهر . # والسنة بالتحقيق أربعة فصول : الصيف : ثلاثة أشهر ، وهو الذي يسميه أهل ~~العراق وخراسان الربيع ، ويليه القيظ ثلاثة أشهر ، وهو شدة الحر ، ويليه ~~الخريف ثلاثة أشهر ، ويليه الشتاء ثلاثة أشهر . وهذه الآية صالحة ~~للاصطلاحين . واصطلاح علماء الميقات تقسيم السنة إلى ربيع وصيف وخريف وشتاء ~~، ومبدأ السنة الربيع هو دخول الشمس في برج الحمل ، وهاتان الرحلتان هما ~~رحلتا تجارة وميرة كانت قريش تجهزهما في هذين الفصلين من السنة إحداهما في ~~الشتاء إلى بلاد الحبشة ثم اليمن يبلغون بها بلاد حمير ، والأخرى في الصيف ~~إلى الشام يبلغون بها مدينة بصرى من بلاد الشام . # وكان الذين سن لهم هاتين الرحلتين هاشم بن عبد مناف ، وسبب ذلك أنهم ~~كانوا تعتريهم خصاصة فإذا لم يجد أهل بيت طعاما لقوتهم حمل رب البيت عياله ~~إلى موضع معروف فضرب عليهم خباء وبقوا فيه حتى يموتوا جوعا ويسمى ذلك ~~الاعتفار ( بالعين المهملة وبالراء وقيل بالدال عوض الراء وبفاء ) فحدث أن ~~أهل بيت من بني مخزوم أصابتهم فاقة شديدة فهموا بالاعتفار فبلغ خبرهم هاشما ~~لأن أحد أبنائهم كان تربا لأسد بن هاشم ، فقام هاشم خطيبا في قريش وقال : ~~إنكم أحدثتم حدثا تقلون فيه وتكثر العرب وتذلون وتعز العرب وأنتم أهل حرم ~~الله والناس لكم تبع ويكاد هذا الاعتفار يأتي عليكم ، ثم جمع كل بني أب على ~~رحلتين للتجارات فما ربح الغني قسمه بينه وبين الفقير من عشيرته حتى صار ~~فقيرهم كغنيهم ، وفيه يقول مطرود الخزاعي : # يا أيها الرجل المحول رحله # هلا نزلت بآل عبد مناف # الآخذون العهد من آفاقها # والراحلون لرحلة الإيلاف # والخالطون غنيهم بفقيرهم # حتى يصير فقيرهم كالكافي PageV30P558 # ولم تزل الرحلتان من إيلاف قريش حتى جاء الإسلام وهم على ذلك . # والمعروف المشهور أن الذي سن الإيلاف هو هاشم ، وهو المروي عن ابن عباس ، ~~وذكر ابن العربي عن الهروي : أن أصحاب الإيلاف هاشم ، وإخوته الثلاثة ~~الآخرون عبد شمس ، والمطلب ، ونوفل ، وأن كان واحد منهم أخذ حبلا ، أي عهدا ms9524 ~~من أحد الملوك الذين يمرون في تجارتهم على بلادهم وهم ملك الشام ، وملك ~~الحبشة ، وملك اليمن ، وملك فارس ، فأخذ هاشم هذا من ملك الشام وهو ملك ~~الروم ، وأخذ عبد شمس من نجاشي الحبشة وأخذ المطلب من ملك اليمن وأخذ نوفل ~~من كسرى ملك فارس ، فكانوا يجعلون جعلا لرؤساء القبائل وسادات العشائر يسمى ~~الإيلاف أيضا يعطونهم شيئا من الربح ويحملون إليهم متاعا ويسوقون إليهم ~~إبلا مع إبلهم ليكفوهم مؤونة الأسفار وهم يكفون قريش دفع الأعداء فاجتمع ~~لهم بذلك أمن الطريق كله إلى اليمن وإلى الشام وكانوا يسمون المجيرين . # وقد توهم النقاش من هذا أن لكل واحد من هؤلاء الأربعة رحلة فزعم أن الرحل ~~كانت أربعا ، قال ابن عطية : وهذا قول مردود ، وصدق ابن عطية ، فإن كون ~~أصحاب العهد الذي كان به الإيلاف أربعة لا يقتضي أن تكون الرحلات أربعا ، ~~فإن ذلك لم يقله أحد ، ولعل هؤلاء الأخوة كانوا يتداولون السفر مع الرحلات ~~على التناوب لأنهم المعروفون عند القبائل التي تمر عليهم العير ، أو لأنهم ~~توارثوا ذلك بعد موت هاشم فكانت تضاف العير إلى أحدهم كما أضافوا العير ~~التي تعرض المسلمون لها يوم بدر عير أبي سفيان إذ هو يومئذ سيد أهل الوادي ~~بمكة . # ومعنى الآية تذكير قريش بنعمة الله عليهم إذ يسر لهم ما لم يتأت لغيرهم ~~من العرب من الأمن من عدوان المعتدين وغارات المغيرين في السنة كلها بما ~~يسر لهم من بناء الكعبة وشرعة الحج وأن جعلهم عمار المسجد الحرام وجعل لهم ~~مهابة وحرمة في نفوس العرب كلهم في الأشهر الحرم وفي غيرها . # وعند القبائل التي تحرم الأشهر الحرم والقبائلل التي لا تحرمها مثل طيء ~~وقضاعة وخثعم ، فتيسرت لهم الأسفار في بلاد العرب من جنوبها إلى شمالها ، ~~ولاذ PageV30P559 بهم أصحاب الحاجات يسافرون معهم ، وأصحاب التجارات ~~يحملونهم سلعهم ، وصارت مكة وسطا تجلب إليها السلع من جميع البلاد العربية ~~فتوزع إلى طالبيها في بقية البلاد ، فاستغنى أهل مكة بالتجارة إذ لم يكونوا ~~أهل زرع ولا ضرع إذ كانوا بواد غير ذي ms9525 زرع وكانوا يجلبون أقواتهم فيجلبون ~~من بلاد اليمن الحبوب من بر وشعير وذرة وزبيب وأديم وثياب والسيوف اليمانية ~~، ومن بلاد الشام الحبوب والتمر والزيت والزبيب والثياب والسيوف المشرفية ، ~~زيادة على ما جعل لهم مع معظم العرب من الأشهر الحرم ، وما أقيم لهم من ~~مواسم الحج وأسواقه كما يشير إليه قوله تعالى : { فليعبدوا رب هذا البيت } ~~. # فذلك وجه تعليل الأمر بتوحيدهم الله بخصوص نعمة هذا الإيلاف مع أن لله ~~عليهم نعما كثيرة لأن هذا الإيلاف كان سببا جامعا لأهم النعم التي بها قوام ~~بقائهم . # وقد تقدم آنفا الكلام على معنى الفاء من قوله : { فليعبدوا رب هذا البيت ~~} على الوجوه كلها . # والعبادة التي أمروا بها عبادة الله وحده دون إشراك الشركاء معه في ~~العبادة لأن إشراك من لا يستحق العبادة مع الله الذي هو الحقيق بها ليس ~~بعبادة أو لأنهم شغلوا بعبادة الأصنام عن عبادة الله فلا يذكرون الله إلا ~~في أيام الحج في التلبية على أنهم قد زاد بعضهم فيها بعد قولهم : لبيك لا ~~شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك . # وتعريف { رب } بالإضافة إلى { هذا البيت } دون أن يقال : فليعبدوا الله ~~لما يومىء إليه لفظ { رب } من استحقاقه الإفراد بالعبادة دون شريك . # وأوثر إضافة { رب } إلى { هذا البيت } دون أن يقال : ربهم للإيماء إلى أن ~~البيت هو أصل نعمة الإيلاف بأن أمر إبراهيم ببناء البيت الحرام فكان سببا ~~لرفعة شأنهم بين العرب قال تعالى : { جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما ~~للناس } ( المائدة : 97 ) وذلك إدماج للتنويه بشأن البيت الحرام وفضله . # والبيت معهود عند المخاطبين . PageV30P560 # والإشارة إليه لأنه بذلك العهد كان كالحاضر في مقام الكلام على أن البيت ~~بهذا التعريف باللام صار علما بالغلبة على الكعبة ، و ( رب البيت ) هو الله ~~والعرب يعترفون بذلك . # وأجري وصف الرب بطريقة الموصول { الذي أطعمهم من جوع } لما يؤذن به من ~~التعليل للأمر بعبادة رب البيت الحرام بعلة أخرى زيادة على نعمة تيسير ~~التجارة لهم ، وذلك مما جعلهم أهل ثراء ، وهما نعمة إطعامهم ms9526 وأمنهم . وهذا ~~إشارة إلى ما يسر لهم من ورود سفن الحبشة في البحر إلى جدة تحمل الطعام ~~ليبيعوه هناك . فكانت قريش يخرجون إلى جدة بالإبل والحمر فيشترون الطعام ~~على مسيرة ليلتين . وكان أهل تبالة وجرش من بلاد اليمن المخصبة يحملون ~~الطعام على الإبل إلى مكة فيباع الطعام في مكة فكانوا في سعة من العيش بوفر ~~الطعام في بلادهم ، وكذلك يسر لهم إقامة الأسواق حول مكة في أشهر الحج وهي ~~سوق مجنة ، وسوق ذي المجاز ، وسوق عكاظ ، فتأتيهم فيها الأرزاق ويتسع العيش ~~، وإشارة إلى ما ألقي في نفوس العرب من حرمة مكة وأهلها فلا يريدهم أحد ~~بتخويف . وتلك دعوة إبراهيم عليه السلام إذ قال : { رب اجعل هذا بلدا آمنا ~~وارزق أهله من الثمرات } ( البقرة : 136 ) فلم يتخلف ذلك عنهم إلا حين دعا ~~عليهم النبي صلى الله عليه وسلم بدعوته : ( اللهم اجعلها عليهم سنين كسنين ~~يوسف ) ، فأصابتهم مجاعة وقحط سبع سنين وذلك أول الهجرة . # و { من } الداخلة على { جوع } وعلى { خوف } معناها البدلية ، أي أطعمهم ~~بدلا من الجوع وآمنهم بدلا من الخوف . ومعنى البدلية هو أن حالة بلادهم ~~تقتضي أن يكون أهلها في جوع فإطعامهم بدل من الجوع الذي تقتضيه البلاد ، ~~وأن حالتهم في قلة العدد وكونهم أهل حضر وليسوا أهل بأس ولا فروسية ولا شكة ~~سلاح تقتضي أن يكونوا معرضين لغارات القبائل فجعل الله لهم الأمن في الحرم ~~عوضا عن الخوف الذي تقتضيه قلتهم قال تعالى : { أولم يروا أنا جعلنا حرما ~~آمنا ويتخطف الناس من حولهم } ( العنكبوت : 67 ) . # وتنكير { جوع } و { خوف } للنوعية لا للتعظيم إذ لم يحل بهم جوع وخوف من ~~قبل ، قال مساور بن هند في هجاء بني أسد : PageV30P561 # زعمتم أن إخوتكم قريش # لهم إلف وليس لكم إلاف # أولئك أومنوا جوعا وخوفا # وقد جاعت بنو أسد وخافوا # PageV30P562 # | 1 ( سورة الماعون ) 1 # سميت هذه السورة في كثير من المصاحف وكتب التفسير ( سورة الماعون ) لورود ~~لفظ الماعون فيها دون غيرها . # وسميت في بعض التفاسير ( سورة أرأيت ) وكذلك في مصحف من مصاحف ms9527 القيروان ~~في القرن الخامس ، وكذلك عنونها في ( صحيح البخاري ) . # وعنونها ابن عطية ب ( سورة أرأيت الذي ) . وقال الكواشي في ( التلخيص ) ( ~~سورة الماعون والدين وأرأيت ) ، وفي ( الإتقان ) : وتسمى ( سورة الدين ) ~~وفي ( حاشيتي الخفاجي وسعدي ) تسمى ( سورة التكذيب ) وقال البقاعي في ( نظم ~~الدرر ) تسمى ( سورة اليتيم ) . وهذه ستة أسماء . # وهي مكية في قول الأكثر . وروي عن ابن عباس ، وقال القرطبي عن قتادة : هي ~~مدنية . وروي عن ابن عباس أيضا . وفي ( الإتقان ) : قيل نزل ثلاث أولها ~~بمكة إلى قوله : { المسكين } ( الماعون : 3 ) وبقيتها نزلت بالمدينة ، أي ~~بناء على أن قوله : { فويل للمصلين } ( الماعون : 4 ) إلى آخر السورة أريد ~~به المنافقون وهو مروي عن ابن عباس وقاله هبة الله الضرير وهو الأظهر . # وعدت السابعة عشرة في عداد نزول السور بناء على أنها مكية ، نزلت بعد ~~سورة التكاثر وقبل سورة الكافرون . # وعدت آياتها ستا عند معظم العادين . وحكى الآلوسي أن الذين عدوا آياتها ~~ستا أهل العراق ( أي البصرة والكوفة ) ، وقال الشيخ علي النوري الصفاقسي ~~PageV30P563 في ( غيث النفع ) : وآيها سبع حمصي ( أي شامي ) وست في الباقي ~~. وهذا يخالف ما قاله الآلوسي . # أغراضها # من مقاصدها التعجيب من حال من كذبوا بالبعث وتفظيع أعمالهم من الاعتداء ~~على الضعيف واحتقاره والإمساك عن إطعام المسكين ، والإعراض عن قواعد ~~الإسلام من الصلاة والزكاة لأنه لا يخطر بباله أن يكون في فعله ذلك ما يجلب ~~له غضب الله وعقابه . # # | 2 ( { أرءيت الذى يكذب بالدين * فذلك الذى يدع اليتيم * ولا يحض على ~~طعام المسكين * فويل للمصلين * الذين هم عن صلاتهم ساهون * الذين هم يرآءون ~~* ويمنعون الماعون } ) 2 # الاستفهام مستعمل في التعجيب من حال المكذبين بالجزاء ، وما أورثهم ~~التكذيب من سوء الصنيع . فالتعجيب من تكذيبهم بالدين وما تفرع عليه من دع ~~اليتيم وعدم الحض على طعام المسكين ، وقد صيغ هذا التعجيب في نظم مشوق لأن ~~الاستفهام عن رؤية من ثبتت له صلة الموصول يذهب بذهن السامع مذاهب شتى من ~~تعرف المقصد بهذا الاستفهام ، فإن التكذيب بالدين شائع فيهم فلا يكون مثارا ~~للتعجب فيترقب السامع ms9528 ماذا يرد بعده وهو قوله : { فذلك الذي يدع اليتيم } . # وفي إقحام اسم الإشارة واسم الموصول بعد الفاء زيادة تشويق حتى تقرع ~~الصلة سمع السامع فتتمكن منه كمال تمكن . # وأصل ظاهر الكلام أن يقال : أرأيت الذي يكذب بالدين فيدع اليتيم ولا يحض ~~على طعام المسكين . # والإشارة إلى الذي يكذب بالدين باسم الإشارة لتمييزه أكمل تمييز حتى ~~يتبصر السامع فيه وفي صفته ، أو لتنزيله منزلة الظاهر الواضح بحيث يشار ~~إليه . # والفاء لعطف الصفة الثانية على الأولى لإفادة تسبب مجموع الصفتين في ~~PageV30P564 الحكم المقصود من الكلام ، وذلك شأنها في عطف الصفات إذا كان ~~موصوفها واحدا مثل قوله تعالى : { والصافات صفا فالزاجرات زجرا فالتاليات ~~ذكرا } ( الصافات : 1 3 ) . # فمعنى الآية عطف صفتي : دع اليتيم ، وعدم إطعام المسكين على جزم التكذيب ~~بالدين . # وهذا يفيد تشويه إنكار البعث بما ينشأ عن إنكاره من المذام ومن مخالفة ~~للحق ومنافيا لما تقتضيه الحكمة من التكليف ، وفي ذلك كناية عن تحذير ~~المسلمين من الاقتراب من إحدى هاتين الصفتين بأنهما من صفات الذين لا ~~يؤمنون بالجزاء . # وجيء في { يكذب } ، و { يدع } ، و { يحض } بصيغة المضارع لإفادة تكرر ذلك ~~منه ودوامه . # وهذا إيذان بأن الإيمان بالبعث والجزاء هو الوازع الحق الذي يغرس في ~~النفس جذور الإقبال على الأعمال الصالحة حتى يصير ذلك لها خلقا إذا شبت ~~عليه ، فزكت وانساقت إلى الخير بدون كلفة ولا احتياج إلى آمر ولا إلى مخافة ~~ممن يقيم عليه العقوبات حتى إذا اختلى بنفسه وآمن الرقباء جاء بالفحشاء ~~والأعمال النكراء . # والرؤية بصرية يتعدى فعلها إلى مفعول واحد ، فإن المكذبين بالدين معروفون ~~وأعمالهم مشهورة ، فنزلت شهرتهم بذلك منزلة الأمر المبصر المشاهد . # وقرأ نافع بتسهيل الهمزة التي بعد الراء من { أرأيت } ألفا . وروى ~~المصريون عن ورش عن نافع إبدالها ألفا وهو الذي قرأنا به في تونس ، وهكذا ~~في فعل ( رأى ) كلما وقع بعد همزة استفهام ، وذلك فرار من تحقيق الهمزتين ، ~~وقرأه الجمهور بتحقيقهما . # وقرأه الكسائي بإسقاط الهمزة التي بعد الراء في كل فعل من هذا القبيل . ~~واسم الموصول وصلته ms9529 مراد بهما جنس من اتصف بذلك . وأكثر المفسرين درجوا على ~~ذلك . # وقيل : نزلت في العاص بن وائل السهمي ، وقيل : في الوليد بن المغيرة ~~PageV30P565 المخزومي ، وقيل : في عمرو بن عائذ المخزومي ، وقيل : في أبي ~~سفيان بن حرب قبل إسلامه بسبب أنه كان ينحر كل أسبوع جزورا فجاءه مرة يتيم ~~فسأله من لحمها فقرعه بعصا . وقيل : في أبي جهل : كان وصيا على يتيم فأتاه ~~عريانا يسأله من مال نفسه فدفعه دفعا شنيعا . # والذين جعلوا السورة مدنية قالوا : نزلت في منافق لم يسموه ، وهذه أقوال ~~معزو بعضها إلى بعض التابعين ولو تعينت لشخص معين لم يكن سبب نزولها مخصصا ~~حكمها بمن نزلت بسببه . # ومعنى { يدع } يدفع بعنف وقهر ، قال تعالى : { يوم يدعون إلى نار جهنم ~~دعا } ( الطور : 13 ) . # والحض : الحث ، وهو أن تطلب غيرك فعلا بتأكيد . # والطعام : اسم الإطعام ، وهو اسم مصدر مضاف إلى مفعوله إضافة لفظية . ~~ويجوز أن يكون الطعام مرادا به ما يطعم كما في قوله تعالى : { فانظر إلى ~~طعامك وشرابك } ( البقرة : 259 ) فتكون إضافة طعام إلى المسكين معنوية على ~~معنى اللام ، أي الطعام الذي هو حقه على الأغنياء ويكون فيه تقدير مضاف ~~مجرور ب ( على ) تقديره : على إعطاء طعام المسكين . # وكنى بنفي الحض عن نفي الإطعام لأن الذي يشح بالحض على الإطعام هو ~~بالإطعام أشح كما تقدم في قوله : { ولا تحاضون على طعام المسكين } في سورة ~~الفجر وقوله : { ولا يحض على طعام المسكين } في سورة الحاقة . # والمسكين : الفقير ، ويطلق على الشديد الفقر ، وقد تقدم عند قوله تعالى : ~~{ إنما الصدقات للفقراء والمساكين في سورة التوبة . # موقع الفاء صريح في اتصال ما بعدها بما قبلها من الكلام على معنى التفريع ~~والترتب والتسبب . PageV30P566 فيجيء على القول : إن السورة مكية بأجمعها ~~أن يكون المراد بالمصلين عين المراد بالذي يكذب بالدين ، ويدع اليتيم ، ولا ~~يحض على طعام المسكين ، فقوله { للمصلين } إظهار في مقام الإضمار كأنه قيل ~~: فويل له على سهوه عن الصلاة ، وعلى الرياء ، وعلى منع الماعون ، دعا إليه ~~زيادة تعداد صفاته الذميمة بأسلوب سليم ms9530 عن تتابع ست صفات لأن ذلك التتابع ~~لا يخلو من كثرة تكرار النظائر فيشبه تتابع الإضافات الذي قيل إنه مناكد ~~للفصاحة ، مع الإشارة بتوسط ويل له إلى أن الويل ناشىء عن جميع تلك الصفات ~~التي هو أهلها وهذا المعنى أشار إليه كلام ( الكشاف ) بغموض . # فوصفهم ب ( المصلين ) إذن تهكم ، والمراد عدمه ، أي الذين لا يصلون ، أي ~~ليسوا بمسلمين كقوله تعالى : { قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين ~~} ( المدثر : 43 ، 44 ) وقرينة التهكم وصفهم ب { الذين هم عن صلاتهم ساهون ~~} . # وعلى القول بأنها مدنية أو أن هذه الآية وما بعدها منها مدنية يكون ~~المراد { بالمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون } المنافقين . وروى هذا ابن ~~وهب وأشهب عن مالك ، فتكون الفاء في قوله : { فويل للمصلين } من هذه الجملة ~~لربطها بما قبلها لأن الله أراد ارتباط هذا الكلام بعضه ببعض . # وجيء في هذه الصفة بصيغة الجمع لأن المراد ب { الذي يكذب بالدين } : جنس ~~المكذبين على أظهر الأقوال . فإن كان المراد به معينا على بعض تلك الأقوال ~~المتقدمة كانت صيغة الجمع تذييلا يشمله وغيره فإنه واحد من المتصفين بصفة ~~ترك الصلاة ، وصفة الرياء ، وصفة منع الماعون . # وقوله : { الذين هم عن صلاتهم ساهون } صفة { للمصلين } مقيدة لحكم ~~الموصوف فإن الويل للمصلي الساهي عن صلاته لا للمصلي على الإطلاق . # فيكون قوله { الذين هم عن صلاتهم ساهون } ترشيحا للتهكم الواقع في إطلاق ~~وصف المصلين عليهم . # وعدي { ساهون } بحرف { عن } لإفادة أنهم تجاوزوا إقامة صلاتهم وتركوها ~~ولا علاقة لهذه الآية بأحكام السهو في الصلاة . PageV30P567 # وقوله : { الذين عن صلاتهم ساهون } يجوز أن يكون معناه الذين لا يؤدون ~~الصلاة إلا رياء فإذا خلوا تركوا الصلاة . # ويجوز أن يكون معناه : الذين يصلون دون نية وإخلاص فهم في حالة الصلاة ~~بمنزلة الساهي عما يفعل فيكون إطلاق { ساهون } تهكما كما قال تعالى : { ~~يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا في المنافقين في سورة النساء . # و ( يراءون ) يقصدون أن يرى الناس أنهم على حال حسن وهم بخلافه ليتحدث ~~الناس لهم بمحاسن ما ms9531 هم بموصوفين بها ، ولذلك كثر أن تعطف السمعة على ~~الرياء فيقال : رياء وسمعة . # وهذا الفعل وارد في الكلام على صيغة المفاعلة ولم يسمع منه فعل مجرد لأنه ~~يلازمه تكرير الإراءة . # والماعون } : يطلق على الإعانة بالمال ، فالمعنى : يمنعون فضلهم أو ~~يمنعون الصدقة على الفقراء . فقد كانت الصدقة واجبة في صدر الإسلام بغير ~~تعيين قبل مشروعية الزكاة . # وقال سعيد بن المسيب وابن شهاب : الماعون : المال بلسان قريش . # وروى أشهب عن مالك : الماعون : الزكاة ، ويشهد له قول الراعي : # قوم على الإسلام لما يمنعوا # ماعونهم ويضيعوا التهليلا # لأنه أراد بالتهليل الصلاة فجمع بينها وبين الزكاة . # ويطلق على ما يستعان به على عمل البيت من آنية وآلات طبخ وشد وحفر ونحو ~~ذلك مما لا خسارة على صاحبه في إعارته وإعطائه . وعن عائشة : الماعون الماء ~~والنار والملح . وهذا ذم لهم بمنتهى البخل . وهو الشح بما لا يزرئهم . # وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي في قوله : { هم يراءون } لتقوية ~~الحكم ، أي تأكيده . # فأما على القول بأن السورة مدنية أو بأن هذه الآيات الثلاث مدنية يكون ~~المراد بالمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون والصلاتت بعدها : المنافقين ، ~~PageV30P568 فإطلاق المصلين عليهم بمعنى المتظاهرين بأنهم يصلون وهو من ~~إطلاق الفعل على صورته كقوله تعالى : { يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة ~~} ( التوبة : 64 ) أي يظهرون أنهم يحذرون تنزيل سورة . # { ويمنعون الماعون } أي الصدقة أو الزكاة ، قال تعالى في المنافقين : { ~~ويقبضون أيديهم } ( التوبة : 67 ) فلما عرفوا بهذه الخلال كان مفاد فاء ~~التفريع أن أولئك المتظاهرين بالصلاة وهم تاركوها في خاصتهم هم من جملة ~~المكذبين بيوم الدين ويدعون اليتيم ولا يحضون على طعام المسكين . # وحكى هبة الله بن سلامة في كتاب ( الناسخ والمنسوخ ) : أن هذه الآيات ~~الثلاث نزلت في عبد الله بن أبي ابن سلول ، أي فإطلاق صيغة الجمع عليه مراد ~~بها واحد على حد قوله تعالى : { كذبت قوم نوح المرسلين } ( الشعراء : 105 ) ~~أي الرسول إليهم . # والسهو حقيقته : الذهول عن أمر سبق علمه ، وهو هنا مستعار للإعراض والترك ~~عن عمد استعارة تهكمية مثل قوله ms9532 تعالى : { وتنسون ما تشركون } ( الأنعام : ~~41 ) أي تعرضون عنهم ، ومثله استعارة الغفلة للإعراض في قوله تعالى : { ~~بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين في سورة الأعراف وقوله تعالى : ~~والذين هم عن آياتنا غافلون في سورة يونس ، وليس المقصود الوعيد على السهو ~~الحقيقي عن الصلاة لأن حكم النسيان مرفوع على هذه الأمة ، وذلك ينادي على ~~أن وصفهم بالمصلين تهكم بهم بأنهم لا يصلون . # واعلم أنه إذا أراد الله إنزال شيء من القرآن ملحقا بشيء قبله جعل نظم ~~الملحق مناسبا لما هو متصل به ، فتكون الفاء للتفريع . وهذه نكتة لم يسبق ~~لنا إظهارها فعليك بملاحظتها في كل ما ثبت أنه نزل من القرآن ملحقا بشيء ~~نزل قبله منه . # PageV30P569 PageV30P570 # | 1 ( سورة الكوثر ) 1 # سميت هذه السورة في جميع المصاحف التي رأيناها وفي جميع التفاسير أيضا ~~سورة الكوثر وكذلك عنونها الترمذي في كتاب التفسير من جامعه } . وعنونها ~~البخاري في ( صحيحه ) سورة : { إنا أعطيناك الكوثر } ولم يعدها في ( ~~الإتقان ) مع السور التي لها أكثر من اسم . ونقل سعد الله الشهير بسعدي في ~~( حاشيته على تفسير البيضاوي ) عن البقاعي أنها تسمى ( سورة النحر ) . # وهل هي مكية أو مدنية ؟ تعارضت الأقوال والآثار في أنها مكية أو مدنية ~~تعارضا شديدا ، فهي مكية عند الجمهور واقتصر عليه أكثر المفسرين ، ونقل ~~الخفاجي عن كتاب ( النشر ) قال : أجمع من نعرفه على أنها مكية . قال ~~الخفاجي : وفيه نظر مع وجود الاختلاف فيها . # وعن الحسن وقتادة ومجاهد وعكرمة : هي مدنية ويشهد لهم ما في ( صحيح مسلم ~~) عن أنس بن مالك : ( بينا رسول الله ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة ثم ~~رفع رأسه وقال : أنزلت علي آنفا سورة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم : { إنا ~~أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر } ( الكوثر : 1 3 ) ثم ~~قال : أتدرون ما الكوثر ؟ قلنا : الله ورسوله أعلم . قال : فإنه نهر وعدنيه ~~ربي عز وجل ، عليه خير كثير هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة ) الحديث . ~~وأنس أسلم في صدر الهجرة فإذا كان لفظ ( آنفا ) في كلام ms9533 النبي صلى الله ~~عليه وسلم مستعملا في ظاهر معناه وهو الزمن القريب ، فالسورة نزلت منذ وقت ~~قريب من حصول تلك الرؤيا . # ومقتضى ما يروى في تفسير قوله تعالى : { إن شانئك هو الأبتر أن تكون ~~السورة مكية ، ومقتضى ظاهر تفسير قوله تعالى : وانحر من أن النحر في الحج ~~أو يوم الأضحى تكون السورة مدنية ويبعث على أن قوله تعالى : إن شانئك هو ~~PageV30P571 الأبتر } ليس ردا على كلام العاصي بن وائل كما سنبين ذلك . # والأظهر أن هذه السورة مدنية ، وعلى هذا سنعتمد في تفسير آياتها . # وعلى القول بأنها مكية عدوها الخامسة عشرة في عداد نزول السور ، نزلت بعد ~~سورة العاديات وقبل سورة التكاثر . وعلى القول بأنها مدنية فقد قيل : إنها ~~نزلت في الحديبية . # وعدد آيها ثلاث بالاتفاق . # وهي أقصر سور القرآن عدد كلمات وعدد حروف ، وأما في عدد الآيات فسورة ~~العصر وسورة النصر مثلها ولكن كلماتهما أكثر . # أغراضها # اشتملت على بشارة النبي صلى الله عليه وسلم بأنه أعطي الخير الكثير في ~~الدنيا والآخرة . # وأمره بأن يشكر الله على ذلك بالإقبال على العبادة . # وأن ذلك هو الكمال الحق لا ما يتطاول به المشركون على المسلمين بالثروة ~~والنعمة وهم مغضوب عليهم من الله تعالى لأنهم أبغضوا رسوله ، وغضب الله بتر ~~لهم إذا كانوا بمحل السخط من الله . # وأن انقطاع الولد الذكر ليس بترا لأن ذلك لا أثر له في كمال الإنسان . # # | 2 ( { إنآ أعطيناك الكوثر * فصل لربك وانحر * إن شانئك هو الابتر } ) 2 # افتتاح الكلام بحرف التأكيد للاهتمام بالخبر . والإشعار بأنه شيء عظيم ~~يستتبع الإشعار بتنويه شأن النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم في { إنا ~~أنزلناه في ليلة القدر } ( القدر : 1 ) . والكلام مسوق مساق البشارة وإنشاء ~~العطاء لا مساق الإخبار بعطاء سابق . # وضمير العظمة مشعر بالامتنان بعطاء عظيم . # و { الكوثر } : اسم في اللغة للخير الكثير صيغ على زنة فوعل ، وهي من صيغ ~~PageV30P572 الأسماء الجامدة غالبا نحو الكوكب ، والجورب ، والحوشب والدوسر ~~، ولا تدل في الجوامد على غير مسماها ، ولما وقع هنا فيها مادة الكثر ms9534 كانت ~~صيغته مفيدة شدة ما اشتقت منه بناء على أن زيادة المبنى تؤذن بزيادة المعنى ~~، ولذلك فسره الزمخشري بالمفرط في الكثرة ، وهو أحسن ما فسر به وأضبطه ، ~~ونظيره : جوهر ، بمعنى الشجاع كأنه يجاهر عدوه ، والصومعة لاشتقاقها من وصف ~~أصمع وهو دقيق الأعضاء لأن الصومعة دقيقة لأن طولها أفرط من غلظها . # ويوصف الرجل صاحب الخير الكثير بكوثر من باب الوصف بالمصدر كما في قول ~~لبيد في رثاء عوف بن الأحوص الأسدي : # وصاحب ملحوب فجعنا بفقده # وعند الرداع بيت آخر كوثر # ( ملحوب والرداع ) كلاهما ماء لبني أسد بن خزيمة ، فوصف البيت بكوثر ~~ولاحظ الكميت هذا في قوله في مدح عبد الملك بن مروان : # وأنت كثير يا ابن مروان طيب # وكان أبوك ابن العقايل كوثرا # وسمي نهر الجنة كوثرا كما في حديث مسلم عن أنس بن مالك المتقدم آنفا . # وقد فسر السلف الكوثر في هذه الآية بتفاسير أعمها أنه الخير الكثير ، ~~وروي عن ابن عباس ، قال سعيد بن جبير فقلت لابن عباس : إن ناسا يقولون هو ~~نهر في الجنة ، فقال : هو من الخير الكثير . وعن عكرمة : الكوثر هنا : ~~النبوءة والكتاب ، وعن الحسن : هو القرآن ، وعن المغيرة : أنه الإسلام ، ~~وعن أبي بكر بن عياش : هو كثرة الأمة ، وحكى الماوردي : أنه رفعة الذكر ، ~~وأنه نور القلب ، وأنه الشفاعة ، وكلام النبي صلى الله عليه وسلم المروي في ~~حديث أنس لا يقتضي حصر معاني اللفظ فيما ذكره . # وأريد من هذا الخبر بشارة النبي صلى الله عليه وسلم وإزالة ما عسى أن ~~يكون في خاطره من قول من قال فيه : هو أبتر ، فقوبل معنى الأبتر بمعنى ~~الكوثر ، إبطالا لقولهم . # وقوله : { فصل لربك } اعتراض والفاء للتفريع على هذه البشارة بأن يشكر ~~ربه PageV30P573 عليها ، فإن الصلاة أفعال وأقوال دالة على تعظيم الله ~~والثناء عليه وذلك شكر لنعمته . # وناسب أن يكون الشكر بالازدياد مما عاداه عليه المشركون وغيرهم ممن قالوا ~~مقالتهم الشنعاء : إنه أبتر ، فإن الصلاة لله شكر له وإغاظة للذين ينهونه ~~عن الصلاة كما قال تعالى : { أرأيت الذي ينهى عبدا ms9535 إذا صلى } ( العلق : 9 ، ~~10 ) لأنهم إنما نهوه عن الصلاة التي هي لوجه الله دون العبادة لأصنامهم ، ~~وكذلك النحر لله . # والعدول عن الضمير إلى الاسم الظاهر في قوله : { فصل لربك } دون : فصل ~~لنا ، لما في لفظ الرب من الإيماء إلى استحقاقه العبادة لأجل ربوبيته فضلا ~~عن فرط إنعامه . # وإضافة ( رب ) إلى ضمير المخاطب لقصد تشريف النبي صلى الله عليه وسلم ~~وتقريبه ، وفيه تعريض بأنه يربه ويرأف به . # ويتعين أن في تفريع الأمر بالنحر مع الأمر بالصلاة على أن أعطاه الكوثر ~~خصوصية تناسب الغرض الذي نزلت السورة له ، ألا ترى أنه لم يذكر الأمر ~~بالنحر مع الصلاة في قوله تعالى : { ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون ~~فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين } في سورة الحجر ( 97 ، 98 ) . # ويظهر أن هذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن صد المشركين إياه ~~عن البيت في الحديبية ، فأعلمه الله تعالى بأنه أعطاه خيرا كثيرا ، أي قدره ~~له في المستقبل وعبر عنه بالماضي لتحقيق وقوعه ، فيكون معنى الآية كمعنى ~~قوله تعالى : { إنا فتحنا لك فتحا مبينا } ( الفتح : 1 ) فإنه نزل في أمر ~~الحديبية فقد قال له عمر بن الخطاب : أفتح هذا ؟ قال : نعم . # وهذا يرجع إلى ما رواه الطبري عن قول سعيد بن جبير : أن قوله : { فصل ~~لربك وانحر } أمر بأن يصلي وينحر هديه وينصرف من الحديبية . # وأفادت اللام من قوله : { لربك } أنه يخص الله بصلاته فلا يصلي لغيره . ~~ففيه تعريض بالمشركين بأنهم يصلون للأصنام بالسجود لها والطواف حولها . # وعطف { وانحر } على { فصل لربك } يقتضي تقدير متعلقه مماثلا لمتعلق ~~PageV30P574 { فصل لربك } لدلالة ما قبله عليه كما في قوله تعالى : { أسمع ~~بهم وأبصر } ( مريم : 38 ) أي وأبصر بهم ، فالتقدير : وانحر له . وهو إيماء ~~إلى إبطال نحر المشركين قربانا للأصنام فإن كانت السورة مكية فلعل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حين اقترب وقت الحج وكان يحج كل عام قبل البعثة ~~وبعدها قد تردد في نحر هداياه في الحج بعد بعثته ، وهو يود أن يطعم ms9536 ~~المحاويج من أهل مكة ومن يحضر في الموسم ويتحرج من أن يشارك أهل الشرك في ~~أعمالهم فأمره الله أن ينحر الهدي لله ويطعمها المسلمين ، أي لا يمنعك ~~نحرهم للأصنام أن تنحر أنت ناويا بما تنحره أنه لله . # وإن كانت السورة مدنية ، وكان نزولها قبل فرض الحج كان النحر مرادا به ~~الضحايا يوم عيد النحر ولذلك قال كثير من الفقهاء إن قوله : { فصل لربك } ~~مراد به صلاة العيد ، وروي ذلك عن مالكك في تفسير الآية وقال : لم يبلغني ~~فيه شيء . # وأخذوا من وقوع الأمر بالنحر بعد الأمر بالصلاة دلالة على أن الضحية تكون ~~بعد الصلاة ، وعليه فالأمر بالنحر دون الذبح مع أن الضأن أفضل في الضحايا ~~وهي لا تنحر وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يضح إلا بالضأن تغليب للفظ ~~النحر وهو الذي روعي في تسمية يوم الأضحى يوم النحر وليشمل الضحايا في ~~البدن والهدايا في الحج أو ليشمل الهدايا التي عطل إرسالها في يوم الحديبية ~~كما علمت آنفا . ويرشح إيثار النحر رعي فاصلة الراء في السورة . وللمفسرين ~~الأولين أقوال أخر في تفسير ( انحر ) تجعله لفظا غريبا . # استئناف يجوز أن يكون استئنافا ابتدائيا . ويجوز أن تكون الجملة تعليلا ~~لحرف { إن } إذا لم يكن لرد الإنكار يكثر أن يفيد التعليل كما تقدم عند ~~قوله تعالى : { قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم ~~الحكيم } في سورة البقرة . # واشتمال الكلام على صيغة قصر وعلى ضمير غائب وعلى لفظ الأبتر مؤذن بأن ~~PageV30P575 المقصود به رد كلام صادر من معين ، وحكاية لفظ مراد بالرد ، ~~قال الواحدي : قال ابن عباس : إن العاصي بن وائل السهمي رأى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في المسجد الحرام عند باب بني سهم فتحدث معه وأناس من ~~صناديد قريش في المسجد فلما دخل العاصي عليهم قالوا له : من الذي كنت تتحدث ~~معه فقال : ذلك الأبتر ، وكان قد توفي قبل ذلك عبد الله ابن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بعد أن مات ابنه القاسم قبل عبد ms9537 الله فانقطع بموت عبد الله ~~الذكور من ولده صلى الله عليه وسلم يومئذ ، وكانوا يصفون من ليس له ابن ~~بأبتر فأنزل الله هذه السورة ، فحصل القصر في قوله { إن شانئك هو الأبتر } ~~لأن ضمير الفصل يفيد قصر صفة الأبتر على الموصوف وهو شانىء النبي صلى الله ~~عليه وسلم قصر المسند على المسند إليه ، وهو قصر قلب ، أي هو الأبتر لا أنت ~~. # و { الأبتر } : حقيقته المقطوع بعضه وغلب على المقطوع ذنبه من الدواب ~~ويستعار لمن نقص منه ما هو من الخير في نظر الناس تشبيها بالدابة المقطوع ~~ذنبها تشبيه معقول بمحسوس كما في الحديث : ( كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ~~باسم الله فهو أبتر ) يقال : بتر شيئا إذا قطع بعضه وبتر بالكسر كفرح فهو ~~أبتر ، ويقال للذي لا عقب له ذكورا ، هو أبتر على الاستعارة تشبيه متخيل ~~بمحسوس شبهوه بالدابة المقطوع ذنبها لأنه قطع أثره في تخيل أهلل العرف . # ومعنى الأبتر في الآية الذي لا خير فيه وهو رد لقول العاصي بن وائل أو ~~غيره في حق النبي صلى الله عليه وسلم فبهذا المعنى استقام وصف العاصي أو ~~غيره بالأبتر دون المعنى الذي عناه هو حيث لمز النبي صلى الله عليه وسلم ~~بأنه أبتر ، أي لا عقب له لأن العاصي بن وائل له عقب ، فابنه عمرو الصحابي ~~الجليل ، وابن ابنه عبد الله بن عمرو بن العاص الصحابي الجليل ولعبد الله ~~عقب كثير . قال ابن حزم في ( الجمهرة ) عقبه بمكة وبالرهط . # فقوله تعالى : { هو الأبتر } اقتضت صيغة القصر إثبات صفة الأبتر لشانىء ~~النبي صلى الله عليه وسلم ونفيها عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو الأبتر ~~بمعنى الذي لا خير فيه . PageV30P576 # ولكن لما كان وصف الأبتر في الآية جيء به لمحاكاة قول القائل : ( محمد ~~أبتر ) إبطالا لقوله ذلك ، وكان عرفهم في وصف الأبتر أنه الذي لا عقب له ~~تعين أن يكون هذا الإبطال ضربا من الأسلوب الحكيم وهو تلقي السامع بغير ما ~~يترقب بحمل كلامه على خلاف مراده تنبيها على أن ms9538 الأحق غير ما عناه من كلامه ~~كقوله تعالى : { يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج } ( البقرة : ~~189 ) . وذلك بصرف مراد القائل عن الأبتر الذي هو عديم الابن الذكر إلى ما ~~هو أجدر بالاعتبار وهو الناقص حظ الخير ، أي ليس ينقص للمرء أنه لا ولد له ~~لأن ذلك لا يعود على المرء بنقص في صفاته وخلائقه وعقله . وهب أنه لم يولد ~~له البتة ، وإنما اصطلح الناس على اعتباره نقصا لرغبتهم في الولد بناء على ~~ما كانت عليه أحوالهم الاجتماعية من الاعتماد على الجهود البدنية فهم ~~يبتغون الولد الذكور رجاء الاستعانة بهم عند الكبر وذلك أمر قد يعرض ، وقد ~~لا يعرض أو لمحبة ذكر المرء بعد موته وذلك أمر وهمي ، والنبي صلى الله عليه ~~وسلم قد أغناه الله بالقناعة ، وأعزه بالتأييد ، وقد جعل الله له لسان صدق ~~لم يجعل مثله لأحد من خلقه ، فتمحض أن كماله الذاتي بما علمه الله فيه إذ ~~جعل فيه رسالته ، وأن كماله العرضي بأصحابه وأمته إذ جعله الله أولى ~~بالمؤمنين من أنفسهم . # وفي الآية محسن الاستخدام التقديري لأن سوق الإبطال بطريق القصر في قوله ~~: { هو الأبتر } نفي وصف الأبتر عن النبي صلى الله عليه وسلم لكن بمعنى غير ~~المعنى الذي عناه شانئه فهو استخدام ينشأ من صيغة القصر بناء على أن ليس ~~الاستخدام منحصرا في استعمال الضمير في غير معنى معاده ، على ما حققه ~~أستاذنا العلامة سالم أبو حاجب وجعله وجها في واو العطف من قوله تعالى : { ~~وجاء ربك والملك } ( الفجر : 22 ) لأن العطف بمعنى إعادة العامل فكأنه قال ~~: وجاء الملك وهو مجيء مغاير لمعنى مجيء الله تعالى ، قال : وقد سبقنا ~~الخفاجي إلى ذلك إذ أجراه في حرف الاستثناء في ( طراز المجالس ) في قول ~~محمد الصالحي من شعراء الشام : # وحديث حبي ليس بال # منسوخ إلا في الدفاتر # والشانىء : المبغض وهو فاعل من الشناءة وهي البغض ويقال فيه : الشنآن ، ~~وهو يشمل كل مبغض له من أهل الكفر فكلهم بتر من الخير ما دام فيه شنآن ~~للنبيء صلى ms9539 الله عليه وسلم فأما من أسلموا منهم فقد انقلب بعضهم محبة له ~~واعتزازا به . # PageV30P577 PageV30P578 # | 1 ( سوة الكافرون ) 1 # عنونت هذه السورة في المصاحف التي بأيدينا قديمها وحديثها وفي معظم ~~التفاسير ( سورة الكافرون ) بإضافة ( سورة ) إلى { الكافرون } وبثبوت واو ~~الرفع في { الكافرون } على حكاية لفظ القرآن الواقع في أولها . # ووقع في ( الكشاف ) و ( تفسير ابن عطية ) و ( حرز الأماني ) ( سورة ~~الكافرين ) بياء الخفض في لفظ ( الكافرين ) بإضافة ( سورة ) إليه أن المراد ~~سورة ذكر الكافرين ، أو نداء الكافرين . وعنونها البخاري في كتاب التفسير ~~من ( صحيحه ) سورة : { قل يأيها الكافرون } ( الكافرون : 1 ) . # قال في ( الكشاف ) و ( الإتقان ) : وتسمى هي وسورة { قل هو الله أحد ~~المقشقشتين لأنهما تقشقشان من الشرك أي تبرئان منه يقال : قشقش : إذا أزال ~~المرض . # وتسمى أيضا سورة الإخلاص فيكون هذان الاسمان مشتركين بينها وبين سورة قل ~~هو الله أحد . # وقد ذكر في سورة براءة أن سورة براءة تسمى المقشقشة لأنها تقشقش ، أي ~~تبرىء من النفاق فيكون هذا مشتركا بين السور الثلاث فيحتاج إلى التمييز . # وقال سعد الله المعروف بسعدي عن جمال القراء } أنها تسمى ( سورة العبادة ~~) وفي ( بصائر ذوي التمييز ) للفيروزابادي تسمى ( سورة الدين ) . # وهي مكية بالاتفاق في حكاية ابن عطية وابن كثير ، وروي عن ابن الزبير ~~أنها مدنية . PageV30P579 # وقد عدت الثامنة عشرة في عداد نزول السور ، نزلت بعد سورة الماعون وقبل ~~سورة الفيل . # وعدد آياتها ست . # أغراضها # وسبب نزولها فيما حكاه الواحدي في ( أسباب النزول ) وابن إسحاق في ( ~~السيرة ) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يطوف بالكعبة فاعترضه الأسود ~~بن المطلب بن أسد ، والوليد بن المغيرة وأمية بن خلف ، والعاص بن وائل . ~~وكانوا ذوي أسنان في قومهم فقالوا : يا محمد هلم فلنعبد ما تعبد سنة وتعبد ~~ما نعبد سنة فنشترك نحن وأنت في الأمر ، فإن كان الذي تعبد خيرا مما نعبد ~~كنا قد أخذنا بحظنا منه وإن كان ما نعبد خيرا مما تعبد كنت قد أخذت بحظك ~~منه فقال : معاذ الله أن أشرك به غيره ، فأنزل الله ms9540 فيهم : { قل يأيها ~~الكافرون } السورة كلها ، فغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد ~~الحرام وفيه الملأ من قريش فقرأها عليهم فيئسوا منه عند ذلك ( وإنما عرضوا ~~عليه ذلك لأنهم رأوا حرصه على أن يؤمنوا فطمعوا أن يستنزلوه إلى الاعتراف ~~بإلاهية أصنامهم ) . # وعن ابن عباس : فيئسوا منه وآذوه وآذوا أصحابه . # وبهذا يعلم الغرض الذي اشتملت عليه وأنه تأييسهم من أن يوافقهم في شيء ~~مما هم عليه من الكفر بالقول الفصل المؤكد في الحال والاستقبال وأن دين ~~الإسلام لا يخالط شيئا من دين الشرك . # # | 2 ( { قل ياأيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون * ولا أنتم عابدون مآ ~~أعبد * ولا أنآ عابد ما عبدتم * ولا أنتم عابدون مآ أعبد * لكم دينكم ولى ~~دين } ) 2 # افتتاحها ب { قل } للاهتمام بما بعد القول بأنه كلام يراد إبلاغه إلى ~~الناس بوجه خاص منصوص فيه على أنه مرسل بقول يبلغه وإلا فإن القرآن كله ~~مأمور بإبلاغه ، ولهذه الآية نظائر في القرآن مفتتحة بالأمر بالقول في غير ~~جواب عن PageV30P580 سؤال منها : { قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم ~~أولياء لله } في سورة الجمعة . والسور المفتتحة بالأمر بالقول خمس سور : { ~~قل أوحي } ( الجن : 1 ) ، وسورة الكافرون ، وسورة الإخلاص ، والمعوذتان ، ~~فالثلاث الأول لقول يبلغه ، والمعوذتان لقول يقوله لتعويذ نفسه . # والنداء موجه إلى الأربعة الذين قالوا للنبيء صلى الله عليه وسلم فلنعبد ~~ما تعبد وتعبد ما نعبد ، كما في خبر سبب النزول وذلك الذي يقتضيه قوله : { ~~ولا أنتم عابدون ما أعبد } كما سيأتي . # وابتدىء خطابهم بالنداء لإبلاغهم ، لأن النداء يستدعي إقبال أذهانهم على ~~ما سيلقى عليهم . # ونودوا بوصف الكافرين تحقيرا لهم وتأييدا لوجه التبرؤ منهم وإيذانا بأنه ~~لا يخشاهم إذا ناداهم بما يكرهون مما يثير غضبهم لأن الله كفاه إياهم وعصمه ~~من أذاهم . قال القرطبي : قال أبو بكر بن الأنباري : إن المعنى : قل للذين ~~كفروا يا أيها الكافرون أن يعتمدهم في ناديهم فيقول لهم : يا أيها الكافرون ~~، وهم يغضبون من أن ينسبوا إلى الكفر . # فقوله : { لا أعبد ما تعبدون ms9541 } إخبار عن نفسه بما يحصل منها . # والمعنى : لا تحصل مني عبادتي ما تعبدون في أزمنة في المستقبل تحقيقا لأن ~~المضارع يحتمل الحال والاستقبال فإذا دخل عليه ( لا ) النافية أفادت ~~انتفاءه في أزمنة المستقبل كما درج عليه في ( الكشاف ) ، وهو قول جمهور أهل ~~العربية . ومن أجل ذلك كان حرف ( لن ) مفيدا تأكيد النفي في المستقبل زيادة ~~على مطلق النفي ، ولذلك قال الخليل : أصل ( لن ) : لا أن ، فلما أفادت ( لا ~~) وحدها نفي المستقبل كان تقدير ( أن ) بعد ( لا ) مفيدا تأكيد ذلك النفي ~~في المستقبل فمن أجل ذلك قالوا إن ( لن ) تفيد تأكيد النفي في المستقبل ~~فعلمنا أن ( لا ) كانت مفيدة نفي الفعل في المستقبل . وخالفهم ابن مالك كما ~~في ( مغني اللبيب ) ، وأبو حيان كما قال في هذه السورة ، والسهيلي عند ~~كلامه على نزول هذه السورة في ( الروض الأنف ) . PageV30P581 # ونفي عبادته آلهتهم في المستقبل يفيد نفي أن يعبدها في الحال بدلالة فحوى ~~الخطاب ، ولأنهم ما عرضوا عليه إلا أن يعبد آلهتهم بعد سنة مستقبلة . # ولذلك جاء في جانب نفي عبادتهم لله بنفي اسم الفاعل الذي هو حقيقة في ~~الحال بقوله : { ولا أنتم عابدون } ، أي ما أنتم بمغيرين إشراككم الآن ~~لأنهم عرضوا عليه أن يبتدئوا هم فيعبدوا الرب الذي يعبده النبي صلى الله ~~عليه وسلم سنة . وبهذا تعلم وجه المخالفة بين نظم الجملتين في أسلوب ~~الاستعمال البليغ . # وهذا إخباره إياهم بأنه يعلم أنهم غير فاعلين ذلك من الآن بإنباء الله ~~تعالى نبيئه صلى الله عليه وسلم بذلك فكان قوله هذا من دلائل نبوءته نظير ~~قوله تعالى : { فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا } ( البقرة : 24 ) فإن أولئك ~~النفر الأربعة لم يسلم منهم أحد فماتوا على شركهم . # وما صدق { ما أعبد } هو الله تعالى وعبر ب { ما } الموصولة لأنها موضوعة ~~للعاقل وغيره من المختار وإنما تختص ( من ) بالعاقل ، فلا مانع من إطلاق ( ~~ما ) على العاقل إذا كان اللبس مأمونا . وقال السهيلي في ( الروض الأنف ) : ~~إن ( ما ) الموصولة يؤتى بها لقصد الإبهام لتفيد المبالغة في التفخيم كقول ~~العرب ms9542 : سبحان ما سبح الرعد بحمده ، وقوله تعالى : { والسماء وما بناها } ~~كما تقدم في سورة الشمس . # عطف على { ولا أنتم عابدون ما أعبد } ( الكافرون : 3 ) عطف الجملة على ~~الجملة لمناسبة نفي أو يعبدوا الله فأردف بنفي أن يعبد هو آلهتهم ، وعطفه ~~بالواو صارف عن أن يكون المقصود به تأكيد { لا أعبد ما تعبدون } فجاء به ~~على طريقة : { ولا أنتم عابدون ما أعبد } بالجملة الإسمية . للدلالة على ~~الثبات ، وبكون الخبر اسم فاعل دالا على زمان الحال ، فلما نفى عن نفسه أن ~~يعبد في المستقبل ما يعبدونه بقوله : { لا أعبد ما تعبدون } كما تقدم آنفا ~~، صرح هنا بما تقتضيه دلالة الفحوى على نفي أن يعبد آلهتهم في الحال ، بما ~~هو صريح الدلالة على ذلك لأن المقام يقتضي مزيد البيان ، فاقتضى الاعتماد ~~على دلالة المنطوق إطنابا في الكلام ، لتأييسهم مما راودوه عليه ولمقابلة ~~كلامهم المردود بمثله في إفادة الثبات . وحصل من ذلك تقرير PageV30P582 ~~المعنى السابق وتأكيده ، تبعا لمدلول الجملة لا لموقعها ، لأن موقعها أنها ~~عطف على جملة : { ولا أنتم عابدون ما أعبد } وليست توكيدا لجملة : { لا ~~أعبد ما تعبدون } بمرادفها لأن التوكيد للفظ بالمرادف لا يعرف إلا في ~~المفردات ولأن وجود الواو يعين أنها معطوفة إذ ليس في جملة : { لا أعبد ما ~~تعبدون } واو حتى يكون الواو في هذه الجملة مؤكدا لها . # ولا يجوز الفصل بين الجملتين بالواو لأن الواو لا يفصل بها بين الجملتين ~~في التوكيد اللفظي . والأجود الفصل ب ( ثم ) كما في ( التسهيل ) مقتصرا على ~~( ثم ) . وزاد الرضي الفاء ولم يأت له بشاهد ولكنه قال : ( وقد تكون ( ثم ) ~~والفاء لمجرد التدرج في الارتقاء وإن لم يكن المعطوف مترتبا في الذكر على ~~المعطوف عليه وذلك إذا تكرر الأول بلفظه نحو : بالله ، فالله ، ونحو والله ~~ثم والله ) . # وجيء بالفعل الماضي في قوله : { ما عبدتم } للدلالة على رسوخهم في عبادة ~~الأصنام من أزمان مضت ، وفيه رمز إلى تنزهه صلى الله عليه وسلم من عبادة ~~الأصنام من سالف الزمان وإلا لقال : ولا أنا عابد ما كنا ms9543 نعبد . # عطف على جملة : { ولا أنا عابد ما عبدتم } ( الكافرون : 4 ) لبيان تمام ~~الاختلاف بين حاله وحالهم وإخبار بأنهم لا يعبدون الله إخبارا ثانيا تنبيها ~~على أن الله أعلمه بأنهم لا يعبدون الله ، وتقوية لدلالة هذين الإخبار على ~~نبوءته صلى الله عليه وسلم فقد أخبر عنهم بذلك فمات أولئك كلهم على الكفر ~~وكانت هذه السورة من دلائل النبوءة . # وقد حصل من ذكر هذه الجملة بمثل نظيرتها السابقة توكيد للجملة السابقة ~~توكيدا للمعنى الأصلي منها ، وليس موقعها موقع التوكيد لوجود واو العطف كما ~~علمت آنفا في قوله : { ولا أنا عابد ما عبدتم } . # ولذلك فالواو في قوله هنا : { ولا أنتم عابدون ما أعبد } عاطفة جملة على ~~جملة لأجل ما اقتضته جملة : { ولا أنتم عابدون ما أعبد } من المناسبة . # ويجوز أن تكون جملة { ولا أنتم عابدون ما أعبد } تأكيدا لفظيا لنظيرتها ~~PageV30P583 السابقة بتمامها بما فيها من واو العطف في نظيرتها السابقة ~~وتكون جملة : { ولا أنا عابد ما عبدتم } معترضة بين التأكيد والمؤكد . # والمقصود من التأكيد تحقيق تكذيبهم في عرضهم أنهم يعبدون رب محمد صلى ~~الله عليه وسلم # تذييل وفذلكة للكلام السابق بما فيه من التأكيدات ، وقد أرسل هذا الكلام ~~إرسال المثل وهو أجمع وأوجز من قول قيس بن الخطيم : # نحن بما عندنا وأنت بما # عندك راض والرأي مختلف # ووقع في ( تفسير الفخر ) هنا : ( جرت عادة الناس بأن يتمثلوا بهذه الآية ~~عند المتاركة وذلك غير جائز لأنه تعالى ما أنزل القرآن ليتمثل به بل ليتدبر ~~فيه ثم يعمل بموجبه ) ا ه . # وهذا كلام غير محرر لأن التمثل به لا ينافي العمل بموجبه وما التمثل به ~~إلا من تمام بلاغته واستعداد للعمل به . وهذا المقدار من التفسير تركه ~~الفخر في المسودة . # وقدم في كلتا الجملتين المسند على المسند إليه ليفيد قصر المسند إليه على ~~المسند ، أي دينكم مقصور على الكون بأنه لكم لا يتجاوزكم إلى الكون لي ، ~~وديني مقصور على الكون بأنه لا يتجاوزني إلى كونه لكم ، أي لأنهم محقق عدم ~~إسلامهم . فالقصر قصر إفراد ms9544 ، واللام في الموضعين لشبه الملك وهو الاختصاص ~~أو الاستحقاق . # والدين : العقيدة والملة ، وهو معلومات وعقائد يعتقدها المرء فتجري ~~أعماله على مقتضاها ، فلذلك سمي دينا لأن أصل معنى الدين المعاملة والجزاء ~~. # وقرأ الجمهور { دين } بدون ياء بعد النون على أن ياء المتكلم محذوفة ~~للتخفيف مع بقاء الكسرة على النون . وقرأه يعقوب بإثبات الياء في الوصل ~~والوقف . وقد كتبت هذه الكلمة في المصحف بدون ياء اعتمادا على حفظ الحفاظ ~~لأن الذي يثبت الياء مثل يعقوب يشبع الكسرة إذ ليست الياء إلا مدة للكسرة ~~فعدم رسمها في الخط لا يقتضي إسقاطها في اللفظ . PageV30P584 # وقرأ نافع والبزي عن ابن كثير وهشام عن ابن عامر وحفص عن عاصم بفتح الياء ~~من قوله : { ولي } . وقرأه قنبل عن ابن كثير وابن ذكوان عن ابن عامر وأبو ~~بكر عن عاصم وحمزة والكسائي وأبو جعفر ويعقوب وخلف بسكون الياء . # PageV30P585 PageV30P586 # | 1 ( سورة النصر ) 1 # سميت هذه السورة في كلام السلف ( سورة إذا جاء نصر الله والفتح ) . روى ~~البخاري : ( أن عائشة قالت : لما نزلت سورة إذا جاء نصر الله والفتح ) ~~الحديث . # وسميت في المصاحف وفي معظم التفاسير ( سورة النصر ) لذكر نصر الله فيها ، ~~فسميت بالنصر المعهود عهدا ذكريا . # وهي معنونة في ( جامع الترمذي ) ( سورة الفتح ) لوقوع هذا اللفظ فيها ~~فيكون هذا الاسم مشتركا بينها وبين سورة : { إنا فتحنا لك فتحا مبينا . # وعن ابن مسعود أنها تسمى سورة التوديع في الإتقان } لما فيها من الإيماء ~~إلى وداعه صلى الله عليه وسلم ا ه . يعني من الإشارة إلى اقتراب لحاقه ~~بالرفيق الأعلى كما سيأتي عن عائشة . # وهي مدنية بالاتفاق . واختلف في وقت نزولها فقيل : نزلت منصرف النبي صلى ~~الله عليه وسلم من خيبر ( أي في سنة سبع ) ، ويؤيده ما رواه الطبري ~~والطبراني عن ابن عباس : ( بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ~~نزلت { إذا جاء نصر الله والفتح قال رسول الله : الله أكبر جاء نصر الله ~~والفتح وجاء نصر أهل اليمن فقال رجل : يا رسول الله وما أهل اليمن ؟ قال : ~~قوم رقيقة ms9545 قلوبهم ، لينة طباعهم ، الإيمان يمانن والفقه يمانن والحكمة ~~يمانية اه ، ومجيء أهل اليمن أول مرة هو مجيء وفد الأشعريين عام غزوة خيبر ~~. # ولم يختلف أهل التأويل أن المراد بالفتح في الآية هو فتح مكة ، وعليه ~~فالفتح PageV30P587 مستقبل ودخول الناس في الدين أفواجا مستقبل أيضا وهو ~~الأليق باستعمال ( إذا ) ويحمل قول النبي : جاء نصر الله والفتح على أنه ~~استعمال الماضي في معنى المضارع لتحقق وقوعه أو لأن النصر في خيبر كان ~~بادرة لفتح مكة . # وعن قتادة : نزلت قبل وفاة رسول الله بسنتين . وقال الواحدي عن ابن عباس ~~: نزلت منصرفه من حنين ، فيكون الفتح قد مضى ودخول الناس في الدين أفواجا ~~مستقبلا ، وهو في سنة الوفود سنة تسع ، وعليه تكون ( إذا ) مستعملة في مجرد ~~التوقيت دون تعيين . # وروى البزار والبيهقي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن ابن عمر أنها نزلت ~~أواسط أيام التشريق ( أي عام حجة الوداع ) . وضعفه ابن رجب بأن فيه موسى بن ~~عبيدة وهو ضعيف . وقال أحمد بن حنبل : لا تحل الرواية عنه وإن صحت هذه ~~الرواية كان الفتح ودخول الناس في الدين أفواجا قد مضيا . # وعن ابن عمر أن رسول الله عاش بعد نزولها نحوا من ثلاثة أشهر وعليه تكون ~~( إذا ) مستعملة للزمن الماضي لأن الفتح ودخول الناس في الدين قد وقعا . # وقد تظافرت الأخبار رواية وتأويلا أن هذه السورة تشتمل على إيماء إلى ~~اقتراب أجل رسول الله وليس في ذلك ما يرجح أحد الأقوال في وقت نزولها إذ لا ~~خلاف في أن هذا الإيماء يشير إلى توقيت بمجيء النصر والفتح ودخول الناس في ~~الدين أفواجا فإذا حصل ذلك حان الأجل الشريف . # وفي حديث ابن عباس في صحيح البخاري } : هو أجل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أعلمه له قال : { إذا جاء نصر الله والفتح } ( النصر : 1 ) وذلك علامة ~~أجلك : { فسبح بحمد ربك واستغفره } ( النصر : 3 ) . # وفي هذا ما يؤول ما في بعض الأخبار من إشارة إلى اقتراب ذلك الأجل مثل ما ~~في حديث ابن عباس عند البيهقي ms9546 في ( دلائل النبوة ) والدارمي وابن مردويه : ~~لما نزلت : { إذا جاء نصر الله والفتح } دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فاطمة وقال : إنه قد نعيت إلي نفسي فبكت ) الخ ، فإن قوله : ( لما نزلت ) ~~مدرج من الراوي ، وإنما هو PageV30P588 إعلام لها في مرضه كما جاء في حديث ~~الوفاة في ( الصحيحين ) فهذا جمع بين ما يلوح منه تعارض في هذا الشأن . # وعدها جابر بن زيد السورة المائة والثلاث في ترتيب نزول السور ، وقال : ~~نزلت بعد سورة الحشر وقبل سورة النور . وهذا جار على رواية أنها نزلت عقب ~~غزوة خيبر . # وعن ابن عباس أنها آخر سورة نزلت من القرآن فتكون على قوله السورة المائة ~~وأربع عشرة نزلت بعد سورة براءة ولم تنزل بعدها سورة أخرى . # وعدد آياتها ثلاث وهي مساوية لسورة الكوثر في عدد الآيات إلا أنها أطول ~~من سورة الكوثر عدة كلمات ، وأقصر من سورة العصر . وهاته الثلاث متساوية في ~~عدد الآيات . وفي حديث ابن أبي شيبة عن أبي إسحاق السبعي في حديث : ( طعن ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه فصلى عبد الرحمن بن عوف صلاة خفيفة بأقصر ~~سورتين في القرآن : { إنا أعطيناك الكوثر } ( الكوثر : 1 ) و { إذا جاء نصر ~~الله والفتح } ( النصر : 1 ) . # أغراضها # والغرض منها الوعد بنصر كامل من عند الله أو بفتح مكة ، والبشارة بدخول ~~خلائق كثيرة في الإسلام بفتح وبدونه إن كان نزولها عند منصرف النبي صلى ~~الله عليه وسلم من خيبر كما قال ابن عباس في أحد قوليه . # والإيماء إلى أنه حين يقع ذلك فقد اقترب انتقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى الآخرة . # ووعده بأن الله غفر له مغفرة تامة لا مؤاخذة عليه بعدها في شيء مما يختلج ~~في نفسه الخوف أن يكون منه تقصير يقتضيه تحديد القوة الإنسانية الحد الذي ~~لا يفي بما تطلبه همته الملكية بحيث يكون قد ساوى الحد الملكي الذي وصفه ~~الله تعالى في الملائكة بقوله : { يسبحون الليل والنهار لا يفترون } ( ~~الأنبياء : 20 ) . PageV30P589 # # | 2 ( { إذا جآء نصر الله والفتح * ورأيت الناس ms9547 يدخلون فى دين الله ~~أفواجا * فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا } ) 2 # { إذا } اسم زمان مبهم يتعين مقداره بمضمون جملة يضاف إليها هو . ف { إذا ~~} اسم زمان مطلق ، فقد يستعمل للزمن المستقبل غالبا . ولذلك يضمن معنى ~~الشرط غالبا ، ويكون الفعل الذي تضاف إليه بصيغة الماضي غالبا لإفادة ~~التحقق ، وقد يكون مضارعا كقوله تعالى : { وهو على جمعهم إذا يشاء قدير } ( ~~الشورى : 29 ) . # ويستعمل في الزمن الماضي وحينئذ يتعين أن تقع الجملة بعده بصيغة الماضي ، ~~ولا تضمن { إذا } معنى الشرط حينئذ وإنما هي لمجرد الإخبار دون قصد تعليق ~~نحو : { وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها } ( الجمعة : 11 ) . # و { إذا } هنا مضمنة الشرط لا محالة لوجود الفاء في قوله : { فسبح بحمد ~~ربك } وقضية الاستقبال وعدمه تقدمت . # والنصر : الإعانة على العدو . ونصر الله يعقبه التغلب على العدو . و { ~~الفتح } : امتلاك بلد العدو وأرضه لأنه يكون بفتح باب البلد كقوله تعالى : ~~{ ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون } ( المائدة : 23 ) ، ~~ويكون باقتحام ثغور الأرض ومحارسها فقد كانوا ينزلون بالأرضين التي لها ~~شعاب وثغور قال لبيد : # وأجن عوراتت الثغور ظلامها # وقد فتح المسلمون خيبر قبل نزول هذه الآية فتعين أن الفتح المذكور فيها ~~فتح آخر وهو فتح مكة كما يشعر به التعريف بلام العهد ، وهو المعهود في قوله ~~تعالى : { إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ~~ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما وينصرك الله نصرا عزيزا } ( الفتح : ~~1 3 ) . # فإضافة { نصر } إلى { الله } تشعر بتعظيم هذا النصر وأنه نصر عزيز خارق ~~للعادة اعتنى الله بإيجاد أسبابه ولم تجر على متعارف تولد الحوادث عن ~~أمثالها . # و { جاء } مستعمل في معنى : حصل وتحقق مجازا . PageV30P590 # والتعريف في ( الفتح ) للعهد وقد وعد الله رسوله صلى الله عليه وسلم به ~~غير مرة من ذلك قوله تعالى : { إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد } ( ~~القصص : 85 ) وقوله : { لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين ~~رؤوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم ms9548 تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا } ~~( الفتح : 27 ) . وهذه الآية نزلت عام الحديبية وذلك قبل نزول سورة { إذا ~~جاء نصر الله } على جميع الأقوال . # وقد اتفقت أقوال المفسرين من السلف فمن بعدهم على أن الفتح المذكور في ~~هذه السورة هو فتح مكة إلا رواية عن سعيد بن جبير عن ابن عباس هو فتح ~~المدائن والقصور ، يعنون الحصون . وقد كان فتح مكة يخالج نفوس العرب كلهم ~~فالمسلمون كانوا يرجونه ويعلمون ما أشار به القرآن من الوعد به وأهل مكة ~~يتوقعونه وبقية العرب ينتظرون ماذا يكون الحال بين أهل مكة وبين النبي صلى ~~الله عليه وسلم ويتلومون بدخولهم في الإسلام فتح مكة يقولون : إن ظهر محمد ~~على قومه فهو نبيء . وتكرر أن صد بعضهم بعضا ممن يريد اتباع الاسلام عن ~~الدخول فيه وإنظاره إلى ما سيظهر من غلب الإسلام أو غلب الشرك . # أخرج البخاري عن عمرو بن سلمة قال : ( لما كان الفتح بادر كل قوم ~~بإسلامهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت الأحياء تتلوم بإسلامها ~~فتح مكة فيقولون دعوه وقومه فإن ظهر عليهم فهو نبيء ) . # وعن الحسن : لما فتحت مكة أقبلت العرب بعضها على بعض فقالوا : أما إذ ظفر ~~بأهل الحرم فليس لنا به يدانن فكانوا يدخلون في الإسلام أفواجا . فعلى قول ~~الجمهور في أن الفتح هو فتح مكة يستقيم أن تكون هذه السورة نزلت بعد فتح ~~خيبر وهو قول الأكثرين في وقت نزولها . # ويحتمل على قول القائلين بأنها نزلت عقب غزوة حنين أن يكون الفتح قد مضى ~~ويكون التعليق على مجموع فتح مكة ومجيء نصر من الله آخر ودخول الناس في ~~الإسلام وذلك بما فتح عليه بعد ذلك ودخول العرب كلهم في الإسلام سنة الوفود ~~. # وعلى ما روي عن ابن عمر : ( أنها نزلت في حجة الوداع ) يكون تعليق جملة : ~~{ فسبح بحمد ربك } على الشرط الماضي مرادا به التذكير بأنه حصل ، أي إذا ~~PageV30P591 تحقق ما وعدناك به من النصر والفتح وعموم الإسلام بلاد العرب ~~فسبح بحمد ربك ، وهو مراد ms9549 من قال من المفسرين { إذا } بمعنى ( قد ) ، فهو ~~تفسير حاصل المعنى ، وليست { إذا } مما يأتي بمعنى ( قد ) . # والرؤية في قوله : { ورأيت الناس } يجوز أن تكون علمية ، أي وعلمت علم ~~اليقين أن الناس يدخلون في دين الله أفواجا وذلك بالأخبار الواردة من آفاق ~~بلاد العرب ومواطن قبائلهم وبمن يحضر من وفودهم . فيكون جملة { يدخلون } في ~~محل المفعول الثاني ل { رأيت } . # ويجوز أن تكون رؤية بصرية بأن رأى أفواج وفود العرب يردون إلى المدينة ~~يدخلون في الإسلام وذلك سنة تسع ، وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم ببصره ~~ما علم منه دخولهم كلهم في الإسلام بمن حضر معه الموقف في حجة الوداع فقد ~~كانوا مائة ألف من مختلف قبائل العرب فتكون جملة { يدخلون } في موضع الحال ~~من الناس . # و { دين الله } هو الإسلام لقوله تعالى : { إن الدين عند الله الإسلام } ~~( آل عمران : 19 ) وقوله : { فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر ~~الناس عليها } ( الروم : 30 ) . # والدخول في الدين : مستعار للنطق بكلمة الشهادة والتزام أحكام الدين ~~الناشئة عن تلك الشهادة . فشبه الدين ببيت أو حظيرة على طريقة المكنية ورمز ~~إليه بما هو من لوازم المشبه به وهو الدخول ، على تشبيه التلبس بالدين ~~بتلبس المظروف بالظرف ، ففيه استعارة أخرى تصريحية . # و { الناس } : اسم جمع يدل على جماعة من الآدميين ، وقد تقدم عند قوله ~~تعالى : { ومن الناس من يقول آمنا بالله } في سورة البقرة . وإذا عرف اسم ~~ناس باللام احتملت العهد نحو : { الذين قال لهم الناس } ( آل عمران : 173 ) ~~، واحتملت الجنس نحو : { إن الناس قد جمعوا لكم } ( آل عمران : 173 ) ~~واحتملت الاستغراق نحو : { ومن الناس من يقول } ( البقرة : 8 ) ونحو : { قل ~~أعوذ برب الناس } ( الناس : 1 ) . # والتعريف في هذه الآية للاستغراق العرفي ، أي جميع الناس الذين يخطرون ~~بالبال لعدم إرادة معهودين معينني ولاستحالة دخول كل إنسان في دين الله ~~بدليل PageV30P592 المشاهدة ، فالمعنى : ورأيت ناسا كثيرين أو ورأيت العرب ~~. # قال ابن عطية : ( قال أبو عمر بن عبد البر النمري رحمه الله في كتاب ( ~~الاستيعاب ) في ms9550 باب خراش الهذلي : لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي ~~العرب رجل كافر بل دخل الكل في الإسلام بعد حنين والطائف ، منهم من قدم ~~ومنهم من قدم وافده ) ا ه . وإنما يراد عرب الحجاز ونجد واليمن لأن من عرب ~~الشام والعراق من لم يدخلوا في الإسلام ، وهم : تغلب وغسان في مشارف الشام ~~والشامم ، وكذلك لخم وكلب من العراق فهؤلاء كانوا نصارى ولم يسلم من أسلم ~~منهم إلا بعد فتح الشام والعراق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلون في دين الله رؤية بصرية . # ويجوز أن يكون الله أعلمه بذلك إن جعلنا الرؤية علمية . # والأفواج : جمع فوج وهو الجماعة الكثيرة ، وتقدم عند قوله تعالى : { هذا ~~فوج مقتحم معكم في سورة ص ، أي يدخلون في الإسلام قبائل ، وانتصب أفواجا } ~~على الحال من ضمير { يدخلون } . # وجملة : { فسبح بحمد ربك } جواب { إذا } باعتبار ما تضمنته من معنى الشرط ~~، وفعل { فسبح } هو العامل في { إذا } النصب على الظرفية ، والفاء رابطة ~~للجواب لأنه فعل إنشاء . # وقرن التسبيح بالحمد بباء المصاحبة المقتضية أن التسبيح لاحق للحمد لأن ~~باء المصاحبة بمعنى ( مع ) فهي مثل ( مع ) في أنها تدخل على المتبوع فكان ~~حمد الله على حصول النصر والفتح ودخول الناس في الإسلام شيئا مفروغا منه لا ~~يحتاج إلى الأمر بإيقاعه لأن شأن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قد فعله ، ~~وإنما يحتاج إلى تذكيره بتسبيح خاص لم يحصل من قبل في تسبيحاته وباستغفار ~~خاص لم يحصل من قبل في استغفاره . # ويجوز أن يكون التسبيح المأمور به تسبيح ابتهاج وتعجب من تيسير الله ~~تعالى له ما لا يخطر ببال أحد أن يتم له ذلك ، فإن سبحان الله ونحوه يستعمل ~~في التعجب كقول الأعشى : PageV30P593 # قد قلت لما جاءني فخره # سبحان من علقمة الفاخر # وفي تقديم الأمر بالتسبيح والحمد على الأمر بالاستغفار تمهيد لإجابة ~~استغفاره على عادة العرب في تقديم الثناء قبل سؤال الحاجة كما قال ابن أبي ~~الصلت : # إذا أثنى ms9551 عليك المرء يوما # كفاه عن تعرضه الثناء # فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يخلو عن تسبيح الله فأريد تسبيح ~~يقارن الحمد على ما أعطيه من النصر والفتح ودخول الأمة في الإسلام . # وعطف الأمر باستغفار الله تعالى على الأمر بالتسبيح مع الحمد يقتضي أنه ~~من حيز جواب { إذا } ، وأنه استغفار يحصل مع الحمد مثل ما قرر في { فسبح ~~بحمد ربك } فيدل على أنه استغفار خاص لأن الاستغفار الذي يعم طلب غفران ~~التقصير ونحوه مأمور به من قبل وهو من شأن النبي صلى الله عليه وسلم فقد ~~قال : ( إنه ليغان على قلبي فأستغفر الله في اليوم والليلة مائة مرة ) فكان ~~تعليق الأمر بالتسبيح وبالاستغفار على حصول النصر والفتح إيماء إلى تسبيح ~~واستغفار يحصل بهما تقرب لم ينو من قبل ، وهو التهيؤ للقاء الله ، وأن ~~حياته الدنيوية أوشكت على الانتهاء ، وانتهاء أعمال الطاعات والقربات التي ~~تزيد النبي صلى الله عليه وسلم في رفع درجاته عند ربه فلم يبق إلا أن يسأل ~~ربه التجاوز عما يعرض له من اشتغال ببعض الحظوظ الضرورية للحياة أو من ~~اشتغال بمهم من أحوال الأمة يفوته بسببه أمر آخر هو أهم منه ، مثل فداء ~~أسرى بدر مع فوات مصلحة استئصالهم الذي هو أصلح للأمة فعوتب عليه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى : { ما كان لنبيء أن يكون له أسرى } ( ~~الأنفال : 67 ) الآية ، أو من ضرورات الإنسان كالنوم والطعام التي تنقص من ~~حالة شبهه بالملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون ، فكان هذا ~~إيذانا باقتراب وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بانتقاله من حياة تحمل ~~أعباء الرسالة إلى حياة أبدية في العلويات الملكية . # والكلام من قبيل الكناية الرمزية وهي لا تنافي إرادة المعنى الصريح بأن ~~يحمل الأمر بالتسبيح والاستغفار على معنى الإكثار من قول ذلك . وقد دل ذوق ~~الكلام بعض ذوي الأفهام النافذة من الصحابة على هذا المعنى وغاصت عليه مثل ~~أبي بكر وعمر والعباس وابنه عبد الله وابن مسعود ، فعن مقاتل : ( لما نزلت ms9552 ~~قرأها PageV30P594 النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه ففرحوا واستبشروا ~~وبكى العباس فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ما يبكيك يا عم ؟ قال : نعيت ~~إليك نفسك . فقال : إنه لكما تقول ) . وفي رواية : ( نزلت في منى فبكى عمر ~~والعباس فقيل لهما ، فقالا : فيه نعي رسول الله فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم صدقتما نعيت إلي نفسي ) . # وفي ( صحيح البخاري ) وغيره عن ابن عباس : ( كان عمر يأذن لأهل بدر ويأذن ~~لي معهم فوجد بعضهم من ذلك ، فقال لهم عمر : إنه من قد علمتم . قال : فأذن ~~لهم ذات يوم وأذن لي معهم ، فسألهم عن هذه السورة : { إذا جاء نصر الله ~~والفتح } فقالوا : أمر الله نبيئه إذا فتح عليه أن يستغفره ويتوب إليه فقال ~~: ما تقول يا ابن عباس ؟ قلت : ليس كذلك ولكن أخبر الله نبيئه حضور أجله ~~فقال : { إذا جاء نصر الله والفتح } ، فذلك علامة موتك ؟ فقال عمر : ما ~~أعلم منها إلا ما تقول ) فهذا فهم عمر والعباس وعبد الله ابنه . # وقال في ( الكشاف ) : روي أنه لما نزلت خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال : ( إن عبدا خيره الله بين الدنيا وبين ما عند الله فاختار ما عند ~~الله عز وجل . فعلم أبو بكر فقال : فديناك بأنفسنا وأموالنا وآبائنا ~~وأولادنا ) اه . # قال ابن حجر في ( تخريج أحاديث الكشاف ) : الحديث متفق عليه إلا صدره دون ~~أوله من كونه كان عند نزول السورة ا ه . ويحتمل أن يكون بكاء أبي بكر تكرر ~~مرتين أولاهما عند نزول سورة النصر كما في رواية ( الكشاف ) والثانية عند ~~خطبة النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه . # وعن ابن مسعود أن هذه السورة ( تسمى سورة التوديع ) أي لأنهم علموا أنها ~~إيذان بقرب وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم # وتقديم التسبيح والحمد على الاستغفار لأن التسبيح راجع إلى وصف الله ~~تعالى بالتنزه عن النقص وهو يجمع صفات السلب ، فالتسبيح متمحض لجانب الله ~~تعالى ، ولأن الحمد ثناء على الله لإنعامه ، وهو أداء العبد ما يجب عليه ~~لشكر المنعم فهو ms9553 مستلزم إثبات صفات الكمال لله التي هي منشأ إنعامه على ~~عبده فهو جامع بين جانب الله وحظ العبد ، وأما الاستغفار فهو حظ للعبد وحده ~~لأنه طلبه الله أن يعفو عما يؤاخذه عليه . PageV30P595 # ومقتضى الظاهر أن يقول : فسبح بحمده ، لتقدم اسم الجلالة في قوله : { إذا ~~جاء نصر الله } فعدل عن الضمير إلى الاسم الظاهر وهو { ربك } لما في صفة ( ~~رب ) وإضافتها إلى ضمير المخاطب من الإيماء إلى أن من حكمة ذلك النصر ~~والفتح ودخول الناس في الإسلام نعمة أنعم الله بها عليه إذا حصل هذا الخير ~~الجليل بواسطته فذلك تكريم له وعناية به وهو شأن تلطف الرب بالمربوب ، لأن ~~معناه السيادة المرفوقة بالرفق والإبلاغ إلى الكمال . # وقد انتهى الكلام عند قوله : { واستغفره } . وقد روي : ( أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان في قراءته يقف عند { واستغفره } ثم يكمل السورة ) . # . # تذييل للكلام السابق كله وتعليل لما يقتضي التعليل فيه من الأمر باستغفار ~~ربه باعتبار الصريح من الكلام السابق كما سيتبين لك . # وتواب : مثال مبالغة من تاب عليه . وفعل تاب المتعدي بحرف ( على ) يطلق ~~بمعنى : وفق للتوبة ، أثبته في ( اللسان ) و ( القاموس ) ، وهذا الإطلاق ~~خاص بما أسند إلى الله . # وقد اشتملت الجملة على أربع مؤكدات هي : إن ، وكان ، وصيغة المبالغة في ~~التواب ، وتنوين التعظيم فيه . # وحيث كان توكيد ب ( إن ) هنا غير مقصود به رد إنكار ولا إزالة تردد إذ لا ~~يفرضان في جانب المخاطب صلى الله عليه وسلم فقد تمحض ( إن ) لإفادة ~~الاهتمام بالخبر بتأكيده . وقد تقرر أن من شأن ( إن ) إذا جاءت على هذا ~~الوجه أن تغني غناء فاء الترتيب والتسبب وتفيد التعليل وربط الكلام بما ~~قبله كما تفيده الفاء ، وقد تقدم غير مرة ، منها عند قوله تعالى : { إنك ~~أنت العليم الحكيم } في سورة البقرة ، فالمعنى : هو شديد القبول لتوبة ~~عباده كثير قبوله إياها . # وإذ قد كان الكلام تذييلا وتعليلا للكلام السابق تعين أن حذف متعلق { ~~توابا } يقدر بنحو : على التائبين . وهذا المقدر مراد به العموم ، وهو عموم ~~PageV30P596 مخصوص بالمشيئة تخصصه ms9554 أدلة وصف الربوبية ، ولما ذكر دليل ~~العموم عقب أمره بالاستغفار أفاد أنه إذا استغفره غفر له دلالة تقتضيها ~~مستتبعات التراكيب ، فأفادت هذه الجملة تعليل الأمر بالاستغفار لأن ~~الاستغفار طلب لغفر ، فالطالب يترقب إجابة طلبه ، وأما ما في الجملة من ~~الأمر بالتسبيح والحمد فلا يحتاج إلى تعليل لأنهما إنشاء تنزيه وثناء على ~~الله . # ومن وراء ذلك أفادت الجملة إشارة إلى وعد بحسن القبول عند الله تعالى ~~حينما يقدم على العالم القدسي ، وهذا معنى كنائي لأن من عرف بكثرة قبول ~~توبة التائبين شأنه أن يكرم وفادة الوافدين الذين سعوا جهودهم في مرضاته ~~بمنتهى الاستطاعة ، أو هو مجاز بعلاقة اللزوم العرفي لأن منتهى ما يخافه ~~الأحبة عند اللقاء مرارة العتاب ، فالإخبار بأنه تواب اقتضى أنه لا يخاف ~~عتابا . # فهذه الجملة بمدلولها الصريح ومدلولها الكنائي أو المجازي ومستتبعاتها ~~تعليل لما تضمنته الجملة التي قبلها من معنى صريح أو كنائي يناسبه التعليل ~~بالتسبيح والحمد باعتبارهما تمهيدا للأمر بالاستغفار كما تقدم آنفا لا ~~يحتاجان إلى التعليل ، أو يغني تعليل الممهد له بهما عن تعليلهما ولكنهما ~~باعتبار كونهما رمزا إلى مداناة وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون ما ~~في قوله : { إنه كان توابا } من الوعد بحسن القبول تعليلا لمدلولهما ~~الكنائي ، وأما الأمر بالاستغفار فمناسبة التعليل له بقوله : { إنه كان ~~توابا } ناهضة باعتبار كلتا دلالتيه الصريحة والكنائية ، أي إنه متقبل ~~استغفارك ومتقبلك بأحسن قبول ، شأن من عهد من الصفح والتكرم . # وفعل { كان } هنا مستعمل في لازم معنى الاتصاف بالوصف في الزمن الماضي . ~~وهو أن هذا الوصف ذاتي له لا يتخلف معموله عن عباده فقد دل استقراء القرآن ~~على إخبار الله عن نفسه بذلك من مبدأ الخليقة قال تعالى : { فتلقى آدم من ~~ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم } ( البقرة : 37 ) . # ومقتضى الظاهر أن يقال : إنه كان غفارا ، كما في آية : { فقلت استغفروا ~~ربكم إنه كان غفارا } ( نوح : 10 ) فيجرى الوصف على ما يناسب قوله : { ~~واستغفره } ، فعدل عن ذلك تلطفا مع النبي صلى الله عليه وسلم ms9555 بأن أمره ~~بالاستغفار ليس مقتضيا إثبات ذنب له لما علمت آنفا من أن وصف ( تواب ) جاء ~~من تاب عليه الذي يستعمل بمعنى وفقه PageV30P597 للتوبة إيماء إلى أن أمره ~~بالاستغفار إرشاد إلى مقام التأدب مع الله تعالى ، فإنه لا يسأل عما يفعل ~~بعباده ، لولا تفضله بما بين لهم من مراده ، ولأن وصف ( تواب ) أشد ملاءمة ~~لإقامة الفاصلة مع فاصلة { أفواجا } لأن حرف الجيم وحرف الباء كليهما حرف ~~من الحروف الموصوفة بالشدة ، بخلاف حرف الراء فهو من الحروف التي صفتها بين ~~الشدة والرخوة . # وروي في ( الصحيح ) عن عائشة قالت : ( ما صلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم صلاة بعد أن نزلت عليه سورة : { إذا جاء نصر الله والفتح } إلا يقول : ~~سبحانك ربنا وبحمدك ، اللهم اغفر لي يتأول القرآن ) أي يتأول الأمر في قوله ~~: { فسبح بحمد ربك واستغفره } على ظاهره كما تأوله في مقام آخر على معنى ~~اقتراب أجله صلى الله عليه وسلم # PageV30P598 # | 1 ( سورة المسد ) 1 # سميت هذه السورة في أكثر المصاحف ( سورة تبت ) وكذلك عنونها الترمذي في ( ~~جامعه ) وفي أكثر كتب التفسير ، تسمية لها بأول كلمة فيها . # وسميت في بعض المصاحف وبعض التفاسير ( سورة المسد ) . واقتصر في ( ~~الإتقان ) على هذين . # وسماها جمع من المفسرين ( سورة أبي لهب ) على تقدير : سورة ذكر أبي لهب . ~~وعنونها أبو حيان في ( تفسيره ) ( سورة اللهب ) ولم أره لغيره . # وعنونها ابن العربي في ( أحكام القرآن ) ( سورة ما كان من أبي لهب ) وهو ~~عنوان وليس باسم . # وهي مكية بالاتفاق . # وعدت السادسة من السور نزولا ، نزلت بعد سورة الفاتحة وقبل سورة التكوير ~~. # وعدد آيها خمس . # روي أن نزولها كان في السنة الرابعة من البعثة . وسبب نزولها على ما في ( ~~الصحيحين ) عن ابن عباس قال : ( صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ~~على الصفا فنادى : ( يا صباحاه ) ( كلمة ينادى بها للإنذار من عدو يصبح ~~القوم ) فاجتمعت إليه قريش فقال : إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد أرأيتم ~~لو أني أخبرتكم أن العدو ممسيكم أو مصبحكم أكنتم تصدقوني ؟ قالوا ms9556 : ما ~~جربنا عليك كذبا ، فقال أبو لهب : تبا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا ؟ فنزلت ~~: { تبت يدا PageV30P599 أبي لهب } ( المسد : 1 ) . ووقع في ( الصحيحين ) ~~من رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : لما نزلت : { وأنذر عشيرتك ~~الأقربين وقومك منهم المخلصين } خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صعد ~~الصفا ) إلى آخر الحديث المتقدم . # ومعلوم أن آية : { وأنذر عشيرتك الأقربين } من سورة الشعراء ، وهي متأخرة ~~النزول عن سورة تبت ، وتأويل ذلك أن آية تشبه آية سورة الشعراء نزلت قبل ~~سورة أبي لهب لما رواه أبو أسامة يبلغ ابن عباس لما نزلت : { وأنذر عشيرتك ~~الأقربين وقومك منهم المخلصين } ( ولم يقل من سورة الشعراء ) خرج رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حتى صعد الصفا ) فتعين أن آية سورة الشعراء تشبه صدر ~~الآية التي نزلت قبل نزول سورة أبي لهب . # أغراضها # زجر أبي لهب على قوله : ( تبا لك ألهذا جمعتنا ؟ ووعيده على ذلك ، ووعيد ~~امرأته على انتصارها لزوجها ، وبغضها النبي صلى الله عليه وسلم # # | 2 ( { تبت يدآ أبى لهب وتب * مآ أغنى عنه ماله وما كسب * سيصلى نارا ~~ذات لهب * وامرأته حمالة الحطب * فى جيدها حبل من مسد } ) 2 # افتتاح السورة بالتبات مشعر بأنها نزلت لتوبيخ ووعيد ، فذلك براعة ~~استهلال مثل ما تفتتح أشعار الهجاء بما يؤذن بالذم والشتم ومنه قوله تعالى ~~: { ويل للمطففين } ( المطففين : 1 ) إذ افتتحت السورة المشتملة على وعيد ~~المطففين للفظ الويل ومن هذا القبيل قول عبد الرحمن بن الحكم من شعراء ( ~~الحماسة ) : # لحا الله قيسا قيس عيلان إنها # أضاعت ثغور المسلمين وولت # وقول أبي تمام في طالعة هجاء : # النار والعار والمكروه والعطب # ومنه أخذ أبو بكر بن الخازن قوله في طالع قصيدة هناء بمولد : # مجشري فقد أنجز الإقبال ما وعد PageV30P600 # والتب : الخسران والهلاك ، والكلام دعاء وتقريع لأبي لهب دافع الله به عن ~~نبيئه بمثل اللفظ الذي شتم به أبو لهب محمدا صلى الله عليه وسلم جزاء وفاقا ~~. # وإسناد التب إلى اليدين لما روي من أن أبا لهب لما قال ms9557 للنبيء : ( تبا لك ~~سائر اليوم ألهذا جمعتنا ) أخذ بيده حجرا ليرميه به . وروي عن طارق ~~المحاربي قال : ( بينا أنا بسوق ذي المجاز إذا أنا برجل حديث السن يقول : ~~أيها الناس قولوا : لا إلاه إلا الله تفلحوا ، وإذا رجل خلفه يرميه قد أدمى ~~ساقيه وعرقوبيه ويقول : ( يا أيها الناس إنه كذاب فلا تصدقوه ) . فقلت : من ~~هذا ؟ فقالوا : هذا محمد يزعم أنه نبيء ، وهذا عمه أبو لهب ، فوقع الدعاء ~~على يديه لأنهما سبب أذى النبي صلى الله عليه وسلم كما يقال للذي يتكلم ~~بمكروه : ( بفيك الحجارة أو بفيك الكثكث ) . # وقول النابغة : # قعود الذي أبياتهم يثمدونهم # رمى الله في تلك الأكف الكوانع # ويقال بضد ذلك للذي يقول كلاما حسنا : لا فض فوك ، وقال أعرابي من بني ~~أسد : # دعوت لما نابني مسورا # فلبى فلبي يدي مسور # لأنه دعاه لما نابه من العدو للنصر ، والنصر يكون بعمل اليد بالضرب أو ~~الطعن . # وأبو لهب : هو عبد العزى بن عبد المطلب وهو عم النبي صلى الله عليه وسلم ~~وكنيته أبو عتبة تكنية باسم ابنه ، وأما كنيته بأبي لهب في الآية فقيل : ~~كان يكنى بذلك في الجاهلية ( لحسنه وإشراقق وجهه ) وأنه اشتهر بتلك الكنية ~~كما اقتضاه حديث طارق المحاربي ، ومثله حديث عن ربيعة بن عباد الديلي في ( ~~مسند أحمد ) ، فسماه القرآن بكنيته دون اسمه لأن في اسمه عبادة العزى ، ~~وذلك لا يقره القرآن ، أو لأنه كان بكنيته أشهر منه باسمه العلمم ، أو لأن ~~في كنيته ما يتأتى به التوجيه بكونه صائرا إلى النار ، وذلك كناية عن كونه ~~جهنميا ، لأن اللهب ألسنة النار إذا اشتعلت وزال عنها الدخان . والأب : ~~يطلق على ملازم ما أضيف إليه كقولهم : ( أبوها وكيالها ) وكما كني إبراهيم ~~عليه السلام : أبا الضيفان وكنى النبي صلى الله عليه وسلم عبد PageV30P601 ~~الرحمن بن صخر الدوسي : أبا هريرة لأنه حمل هرة في كم قميصه ، وكني شهر ~~رمضان : أبا البركات ، وكني الذئب : أبا جعدة والجعدة سخلة المعز لأنه ~~يلازم طلبها لافتراسها ، فكانت كنية أبي لهب صالحة موافقة لحاله من ~~استحقاقه ms9558 لهب جهنم فصار هذا التوجيه كناية عن كونه جهنميا لينتقل من جعل ~~أبي لهب بمعنى ملازم اللهب إلى لازم تلك الملازمة في العرف ، وهو أنه من ~~أهل جهنم وهو لزوم ادعائي مبني على التفاؤل بالأسماء ونحوها كما أشار إليه ~~التفتزاني في مبحث العلمية من ( شرح المفتاح ) وأنشد قول الشاعر : # قصدت أبا المحاسن كي أراه # لشوق كان يجذبني إليه # فلما أن رأيت رأيت فردا # ولم أر من بنيه ابنا لديه # وقد يكون أبو لهب كنيته الحطب كما أنبأ عنه ما روي عن أبي هريرة : ( إن ~~ابنة أبي لهب قالت للنبيء صلى الله عليه وسلم إن الناس يصيحون بي ويقولون ~~إني ابنة حطب النار ) الحديث . # وقرأ الجمهور لفظ { لهب } بفتح الهاء ، وقرأه ابن كثير بسكون الهاء وهو ~~لغة لأنهم كثيرا ما يسكنون عين الكلمة المتحركة مع الفاء ، وقد يكون ذلك ~~لأن { لهب } صار جزء علم والعرب قد يغيرون بعض حركات الاسم إذا نقلوه إلى ~~العلمية كما قالوا : شمس بضم الشين ، لشمس بن مالك الشاعر الذي ذكره تأبط ~~شرا في قوله : # إني لمهد من ثنائي فقاصد # به لابن عم الصدقق شمس بنن مالك # قال أبو الفتح بن جني في كتاب ( إعراب الحماسة ) : ( يجوز أن يكون ضم ~~الشين على وجه تغيير الأعلام نحو معد يكرب . وتهلك وموهب وغير ذلك مما غير ~~عن حال نظائره لأجل العلمية الحادثة فيه اه . # وكما قالوا : أبو سلمى بضم السين كنية والد زهير بن أبي سلمى لأنهم نقلوا ~~اسم سلمى بفتح السين من أسماء النساء إلى جعله اسم رجل يكنى به لأنهم لا ~~يكنون بأسماء النساء غالبا . PageV30P602 ولذلك لم يسكن ابن كثير الهاء من ~~قوله تعالى : { ذات لهب } وقراءة ابن كثير قراءة أهل مكة فلعل أهل مكة ~~اشتهرت بينهم كنية أبي لهب بسكون الهاء تحقيقا لكثرة دورانها على الألسنة ~~في زمانه . # وجملة : { وتب } إما معطوفة على جملة : { تبت يدا أبي لهب } عطف الدعاء ~~على الدعاء إذا كان إسناد التبات إلى اليدين لأنهما آلة الأذى بالرمي ~~بالحجارة كما في خبر ms9559 طارق المحاربي ، فأعيد الدعاء على جميعه إغلاظا له في ~~الشتم والتقريع ، وتفيد بذلك تأكيدا لجملة : { تبت يدا أبي لهب } لأنها ~~بمعناها ، وإنما اختلفتا بالكلية والجزئية ، وذلك الاختلاف هو مقتضي عطفها ~~، وإلا لكان التوكيد غير معطوف لأن التوكيد اللفظي لا يعطف بالواو كما تقدم ~~في سورة الكافرون . # وإما أن تكون في موضع الحال ، والواو واو الحال ولا تكون دعاء إنما هي ~~تحقيق لحصول ما دعي عليه به كقول النابغة : # جزى ربه عني عدي بن حاتم # جزاء الكلاب العاويات وقد فعل # فيكون الكلام قبله مستعملا في الذم والشماتة به أو لطلب الازدياد ، ويؤيد ~~هذا الوجه قراءة عبد الله بن مسعود ( وقد تب ) فيتمحض الكلام قبله لمعنى ~~الذم والتحقير دون معنى طلب حصول التبات له ، وذلك كقول عبد الله بن رواحة ~~حين خروجه إلى غزوة مؤتة التي استشهد فيها : # حتى يقولوا إذا مروا على جدثي # أرشدك الله من غاز وقد رشدا # يعني ويقولوا : وقد رشدا ، فيصير قوله : أرشدك الله من غاز ، لمجرد ~~الثناء والغبطة بما حصله من الشهادة . # استئناف ابتدائي للانتقال من إنشاء الشتم والتوبيخ إلى الإعلام بأنه آيس ~~من النجاة من هذا التبات ، ولا يغنيه ماله ، ولا كسبه ، أي لا يغني عنه ذلك ~~في دفع شيء عنه في الآخرة . PageV30P603 # والتعبير بالماضي في قوله : { ما أغنى } لتحقيق وقوع عدم الإغناء . # و { ما } نافية ، ويجوز أن تكون استفهامية للتوبيخ والإنكار . # والمال : الممتلكات المتمولة ، وغلب عند العرب إطلاقه على الإبل ، ومن ~~كلام عمر : ( لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ) الخ في اتقاء دعوة ~~المظلوم ، من ( الموطأ ) ، وقال زهير : # صحيحات مالل طالعات بمخرم # وأهل المدينة وخيبر والبحرين يغلب عندهم على النخيل ، وقد تقدم عند قوله ~~تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } في سورة ~~النساء وفي مواضع . # { وما كسب } موصول وصلته والعائد محذوف جوازا لأنه ضمير نصب ، والتقدير : ~~وما كسبه ، أي ما جمعه . والمراد به : ما يملكه من غير النعم من نقود وسلاح ~~وربع وعروض وطعام ، ويجوز أن يراد بماله : جميع ms9560 ماله ، ويكون عطف { وما كسب ~~} من ذكر الخاص بعد العام للاهتمام به ، أي ما أغنى عنه ماله التالد وهو ما ~~ورثه عن أبيه عبد المطلب وما كسبه هو بنفسه وهو طريفه . # وروي عن ابن مسعود أن أبا لهب قال : ( إن كان ما يقول ابن أخي حقا فأنا ~~أفتدي نفسي يوم القيامة بمالي وولدي ) فأنزل الله : { ما أغنى عنه ماله وما ~~كسب } وقال ابن عباس : { ما كسب } هو ولده فإن الولد من كسب أبيه . # بيان لجملة : { ما أغنى عنه ماله وما كسب } أي لا يغني عنه شيء من عذاب ~~جهنم . ونزل هذا القرآن في حياة أبي لهب . وقد مات بعد ذلك كافرا ، فكانت ~~هذه الآية إعلاما بأنه لا يسلم وكانت من دلائل النبوءة . # والسين للتحقيق مثل قوله تعالى : { قال سوف أستغفر لكم ربي } ( يوسف : 98 ~~) . # و ( يصلى نارا ) يشوى بها ويحس بإحراقها . وأصل الفعل : صلاه بالنار ، ~~إذا PageV30P604 شواه ، ثم جاء منه صلي كأفعال الإحساس مثل فرح ومرض . ونصب ~~{ نارا } على نزع الخافض . # ووصف النار ب { ذات لهب } لزيادة تقرير المناسبة بين اسمه وبين كفره إذ ~~هو أبو لهب والنار ذات لهب . # وهو ما تقدم الإيماء إليه بذكر كنيته كما قدمناه آنفا ، وفي وصف النار ~~بذلك زيادة كشف لحقيقة النار وهو مثل التأكيد . # وبين لفضي { لهب } الأول و { لهب } الثاني الجناس التام . # ( 4 ، 5 ) # أعقب ذم أبي لهب ووعيده بمثل ذلك لامرأته لأنها كانت تشاركه في أذى النبي ~~صلى الله عليه وسلم وتعينه عليه . # وامرأته : أي زوجه ، قال تعالى في قصة إبراهيم : { وامرأته قائمة } ( هود ~~: 71 ) وفي قصة لوط : { إلا امرأته كانت من الغابرين } ( الأعراف : 83 ) ~~وفي قصة نسوة يوسف : { امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه } ( يوسف : 30 ) . # وامرأة أبي لهب هي أم جميل ، واسمها أروى بنت حرب بن أمية وهي أخت أبي ~~سفيان بن حرب ، وقيل : اسمها العوراء ، فقيل هو وصف وأنها كانت عوراء ، ~~وقيل : اسمها ، وذكر بعضهم : أن اسمها العواء بهمزة بعد الواو . # وكانت أم جميل هذه تحمل حطب العضاه ms9561 والشوكك فتضعه في الليل في طريق النبي ~~صلى الله عليه وسلم الذي يسلك منه إلى بيته ليعقر قدميه . # فلما حصل لأبي لهب وعيد مقتبس من كنيته جعل لامرأته وعيد مقتبس لفظه من ~~فعلها وهو حمل الحطب في الدنيا ، فأنذرت بأنها تحمل الحطب في جهنم ليوقد به ~~على زوجها ، وذلك خزي لها ولزوجها إذ جعل شدة عذابه على يد أحب الناس إليه ~~، وجعلها سببا لعذاب أعز الناس عليها . PageV30P605 # فقوله : { وامرأته } عطف على الضمير المستتر في { سيصلى } ( المسد : 3 ) ~~أي وتصلى امرأته نارا . # وقوله : { حمالة الحطب } قرأه الجمهور برفع { حمالة } على أنه صفة ~~لامرأته فيحتمل أنها صفتها في جهنم ويحتمل أنها صفتها التي كانت تعمل في ~~الدنيا بجلب حطب العضاه لتضعه في طريق النبي صلى الله عليه وسلم على طريقة ~~التوجيه والإيماء إلى تعليل تعذيبها بذلك . # وقرأه عاصم بنصب { حمالة } على الحال من { امرأته } . وفيه من التوجيه ~~والإيماء ما في قراءة الرفع . # وجملة : { في جيدها حبل من مسد } صفة ثانية أو حال ثانية وذلك إخبار بما ~~تعامل به في الآخرة ، أي جعل لها حبل في عنقها تحمل فيه الحطب في جهنم ~~لإسعار النار على زوجها جزاء مماثلا لعملها في الدنيا الذي أغضب الله تعالى ~~عليها . # والجيد : العنق ، وغلب في الاستعمال على عنق المرأة وعلى محل القلادة منه ~~فقل أن يذكر العنق في وصف النساء في الشعر العربي إلا إذا كان عنقا موصوفا ~~بالحسن وقد جمعهما امرؤ القيس في قوله : # وجيد كجيد الرئم ليس بفاحش # إذا هي نصته ولا بمعطل # قال السهيلي في ( الروض ) : ( والمعروف أن يذكر العنق إذا ذكر الحلي أو ~~الحسن فإنما حسن هنا ذكر الجيد في حكم البلاغة لأنها امرأة والنساء تحلي ~~أجيادهن وأم جميل لا حلي لها في الآخرة إلا الحبل المجعول في عنقها فلما ~~أقيم لها ذلك مقام الحلي ذكر الجيد معه ، ألا ترى إلى قول الأعشى : # يوم تبدي لنا قتيلة عن جي # د أسيل تزينه الأطواق # ولم يقل عن عنق ، وقول الآخر : # وأحسن من عقد المليحة جيدها ms9562 # ولم يقل عنقها ولو قال لكان غثا من الكلام . ا ه . PageV30P606 # قلت : وأما قول المعري : # الحجل للرجل والتاج المنيف لما # فوق الحجاج وعقد الدر للعنق # فإنما حسنه ما بين العقد والعنق من الجناس إتماما للمجانسة التي بين ~~الحجل والرجل ، والتاج والحجاج ، وهو مقصود الشاعر . # والحبل : ما يربط به الأشياء التي يراد اتصال بعضها ببعض وتقيد به الدابة ~~والمسجون كيلا يبرح من المكان ، وهو ضفير من الليف أو من سيور جلد في طول ~~متفاوت على حسب قوة ما يشد به أو يربط في وتد أو حلقة أو شجرة بحيث يمنع ~~المربوط به من مغادرة موضعه إلى غيره على بعد يراد ، وتربط به قلوع السفن ~~وتشد به السفن في الأرض في الشواطىء ، وتقدم في قوله تعالى : { واعتصموا ~~بحبل الله جميعا ، وقوله : إلا بحبل من الله وحبل من الناس } كلاها في سورة ~~آل عمران ( 103 112 ) ، ويقال : حبله إذا ربطه . # والمسد : ليف من ليف اليمن شديد ، والحبال التي تفتل منه تكون قوية وصلبة ~~. # وقدم الخبر من قوله : { في جيدها } للاهتمام بوصف تلك الحالة الفظيعة ~~التي عوضت فيها بحبل في جيدها عن العقد الذي كانت تحلي به جيدها في الدنيا ~~فتربط به إذ قد كانت هي وزوجها من أهل الثراء وسادة أهل البطحاء ، وقد ماتت ~~أم جميل على الشرك . # PageV30P607 PageV30P608 # | 1 ( سورة الاخلاص ) 1 # المشهور في تسميتها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وفيما جرى من لفظه ~~وفي أكثر ما روي عن الصحابة تسميتها ( سورة قل هو الله أحد ) . # روى الترمذي عن أبي هريرة ، وروى أحمد عن أبي مسعود الأنصاري وعن أم ~~كلثوم بنت عقبة ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( قل هو الله تعدل ~~ثلث القرآن ) وهو ظاهر في أنه أراد تسميتها بتلك الجملة لأجل تأنيث الضمير ~~من قوله : ( تعدل ) فإنه على تأويلها بمعنى السورة . # وقد روي عن جمع من الصحابة ما فيه تسميتها بذلك ، فذلك هو الاسم الوارد ~~في السنة . # ويؤخذ من حديث البخاري عن إبراهيم عن أبي سعيد الخدري ms9563 ما يدل على أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال : ( الله الواحد الصمد ) ثلث القرآن فذكر ~~ألفاظا تخالف ما تقرأ به ، ومحمله على إرادة التسمية . وذكر القرطبي أن ~~رجلا لم يسمه قرأ كذلك والناس يستمعون وادعى أن ما قرأ به هو الصواب وقد ~~ذمه القرطبي وسبه . # وسميت في أكثر المصاحف وفي معظم التفاسير وفي ( جامع الترمذي ) : ( سورة ~~الإخلاص ) واشتهر هذا الاسم لاختصاره وجمعه معاني هذه السورة لأن فيها ~~تعليم الناس إخلاص العبادة لله تعالى ، أي سلامة الإعتقاد من الإشراك بالله ~~غيره في الإلاهية . # وسميت في بعض المصاحف التونسية ( سورة التوحيد ) لأنها تشتمل على إثبات ~~أنه تعالى واحد . # وفي ( الإتقان ) أنها تسمى ( سورة الأساس ) لاشتمالها على توحيد الله وهو ~~PageV30P609 أساس الإسلام . وفي ( الكشاف ) : روى أبي وأنس عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أست السماوات السبع والأرضون السبع على { قل هو الله أحد . ~~يعني ما خلقت إلا لتكون دلائل على توحيد الله ومعرفة صفاته . # وذكر في الكشاف } : أنها وسورة الكافرون تسميانن المقشقشتين ، أي ~~المبرئتين من الشرك ومن النفاق . # وسماها البقاعي في ( نظم الدرر ) ( سورة الصمد ) ، وهو من الأسماء التي ~~جمعها الفخر . وقد عقد الفخر في ( التفسير الكبير ) فصلا لأسماء هذه السورة ~~فذكر لها عشرين اسما بإضافة عنوان سورة إلى كل اسم منها ولم يذكر أسانيدها ~~فعليك بتتبعها على تفاوت فيها وهي : التفريد ، والتجريد ( لأنه لم يذكر ~~فيها سوى صفاته السلبية التي هي صفات الجلال ) ، والتوحيد ( كذلك ) ، ~~والإخلاص ( لما ذكرناه آنفا ) ، والنجاة ( لأنها تنجي من الكفر في الدنيا ~~ومن النار في الآخرة ) ، والولاية ( لأن من عرف الله بوحدانيته فهو من ~~أوليائه المؤمنين الذين لا يتولون غير الله ) والنسبة ( لما روي أنها نزلت ~~لما قال المشركون : أنسب لنا ربك ، كما سيأتي ) ، والمعرفة ( لأنها أحاطت ~~بالصفات التي لا تتم معرفة الله إلا بمعرفتها ) والجمال ( لأنها جمعت أصول ~~صفات الله وهي أجمل الصفات وأكملها ، ولما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال : ( إن الله جميل يحب الجمال ) فسألوه عن ذلك فقال : أحد صمد لم ms9564 يلد ~~ولم يولد ) ، والمقشقشة ( يقال : قشقش الدواء الجرب إذا أبرأه لأنها تقشقش ~~من الشرك ، وقد تقدم آنفا أنه اسم لسورة الكافرون أيضا ) ، والمعوذة ( لقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم لعثمان بن مظعون وهو مريض فعوذه بها وبالسورتين ~~اللتين بعدها وقال له : ( تعوذ بها ) . والصمد ( لأن هذا اللفظ خص بها ) ، ~~والأساس ( لأنها أساس العقيدة الإسلامية ) والمانعة ( لما روي : أنها تمنع ~~عذاب القبر ولفحات النار ) والمحضر ( لأن الملائكة تحضر لاستماعها إذا قرئت ~~) . والمنفرة ( لأن الشيطان ينفر عند قراءتها ) والبراءة ( لأنها تبرىء من ~~الشرك ) ، والمذكرة ( لأنها تذكر خالص التوحيد الذي هو مودع في الفطرة ) ، ~~والنور ( لما روي : أن نور القرآن قل هو الله أحد ) ، والأمان ( لأن من ~~اعتقد ما فيها أمن من العذاب ) . PageV30P610 # وبضميمة اسمها المشهور : { قل هو الله أحد } تبلغ أسماؤها اثنين وعشرين . ~~وقال الفيروز آبادي في ( بصائر التمييز ) : إنها تسمى الشافية فتبلغ واحدا ~~وعشرين اسما . # وهي مكية في قول الجمهور ، وقال قتادة والضحاك والسدي وأبو العالية ~~والقرظي : هي مدنية ونسب كلا القولين إلى ابن عباس . # ومنشأ هذا الخلاف الاختلاف في سبب نزولها فروى الترمذي عن أبي بن كعب ، ~~وروى عبيد العطار عن ابن مسعود ، وأبو يعلى عن جابر بن عبد الله : ( أن ~~قريشا قالوا للنبيء صلى الله عليه وسلم ( انسب لنا ربك ) فنزلت قل هو الله ~~أحد إلى آخرها ) فتكون مكية . # وروى أبو صالح عن ابن عباس : ( أن عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة ( أخا ~~لبيد ) أتيا النبي صلى الله عليه وسلم فقال عامر : إلام تدعونا ؟ قال : إلى ~~الله ، قال : صفه لنا أمن ذهب هو ، أم من فضة ، أم من حديد ، أم من خشب ؟ ( ~~يحسب لجهله أن الإلاه صنم كأصنامهم من معدن أو خشب أو حجارة ) فنزلت هذه ~~السورة ، فتكون مدنية لأنهما ما أتياه إلا بعد الهجرة . # وقال الواحدي : ( إن أحبار اليهود ( منهم حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف ) ~~قالوا للنبيء صلى الله عليه وسلم صف لنا ربك لعلنا نؤمن بك ، فنزلت ) . # والصحيح أنها مكية فإنها جمعت أصل التوحيد وهو الأكثر ms9565 فيما نزل من القرآن ~~بمكة ، ولعل تأويل من قال : إنها نزلت حينما سأل عامر بن الطفيل وأربد ، أو ~~حينما سأل أحبار اليهود ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ عليهم هذه ~~السورة ، فظنها الراوي من الأنصار نزلت ساعتئذ أو لم يضبط الرواة عنهم ~~عبارتهم تمام الضبط . # قال في ( الإتقان ) : وجمع بعضهم بين الروايتين بتكرر نزولها ثم ظهر لي ~~ترجيح أنها مدنية كما بينته في ( أسباب النزول ) اه . # وعلى الأصح من أنها مكية عدت السورة الثانية والعشرين في عداد نزول السور ~~نزلت بعد سورة الناس وقبل سورة النجم . PageV30P611 # وآياتها عند أهل العدد بالمدينة والكوفة والبصرة أربع ، وعند أهل مكة ~~والشام خمس باعتبار { لم يلد } آية { ولم يولد } آية . # أغراضها # إثبات وحدانية الله تعالى . # وأنه لا يقصد في الحوائج غيره وتنزيهه عن سمات المحدثات . # وإبطال أن يكون له ابن . # وإبطال أن يكون المولود إلاها مثل عيسى عليه السلام . # والأحاديث في فضائلها كثيرة وقد صح أنها تعدل ثلث القرآن . وتأويل هذا ~~الحديث مذكور في شرح ( الموطأ ) و ( الصحيحين ) . # # | 2 ( { قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له ~~كفوا أحد } ) 2 # افتتاح هذه السورة بالأمر بالقول لإظهار العناية بما بعد فعل القول كما ~~علمت ذلك عند قوله تعالى : { قل يا أيها الكافرون } ( الكافرون : 1 ) # ولذلك الأمر في هذه السورة فائدة أخرى ، وهي أنها نزلت على سبب قول ~~المشركين : انسب لنا ربك ، فكانت جوابا عن سؤالهم فلذلك قيل له : { قل } ~~كما قال تعالى : { قل الروح من أمر ربي } ( الإسراء : 85 ) فكان للأمر بفعل ~~{ قل } فائدتان . # وضمير { هو } ضمير الشأن لإفادة الاهتمام بالجملة التي بعده ، وإذا سمعه ~~الذين سألوا تطلعوا إلى ما بعده . # ويجوز أن يكون { هو } أيضا عائدا إلى الرب في سؤال المشركين حين قالوا : ~~انسب لنا ربك . # ومن العلماء من عد ضمير { هو } في هذه السورة اسما من أسماء الله تعالى ~~وهي طريقة صوفية درج عليها فخر الدين الرازي في ( شرح الأسماء الحسنى ) ~~نقله PageV30P612 ابن عرفة عنه في ( تفسيره ms9566 ) وذكر الفخر ذلك في ( مفاتيح ~~الغيب ) ولا بد من المزج بين كلاميه . # وحاصلهما قوله : { قل هو الله أحد } فيه ثلاثة أسماء لله تعالى تنبيها ~~على ثلاثة مقامات . # الأول : مقام السابقين المقربين الناظرين إلى حقائق الأشياء من حيث هي هي ~~، فلا جرم ما رأوا موجودا سوى الله لأنه هو الذي لأجله يجب وجوده فما سوى ~~الله عندهم معدوم ، فقوله : { هو } إشارة مطلقة . ولما كان المشار إليه ~~معينا انصرف ذلك المطلق إلى ذلك المعين فكان قوله : { هو } إشارة من هؤلاء ~~المقربين إلى الله فلم يفتقروا في تلك الإشارة إلى مميز فكانت لفظة { هو } ~~كافية في حصول العرفان التام لهؤلاء . # المقام الثاني : مقام أصحاب اليمين المقتصدين فهم شاهدوا الحق موجودا ~~وشاهدوا الممكنات موجودة فحصلت كثرة في الموجودات فلم تكن لفظة { هو } تامة ~~الإفادة في حقهم فافتقروا معها إلى مميز فقيل لأجلهم { هو الله } . # والمقام الثالث : مقام أصحاب الشمال وهم الذين يجوزون تعدد الإلاه فقرن ~~لفظ { أحد } بقوله : { هو الله } إبطالا لمقالتهم ا ه . # فاسمه تعالى العلم ابتدىء به قبل إجراء الأخبار عليه ليكون ذلك طريق ~~استحضار صفاته كلها عند التخاطب بين المسلمين وعند المحاجة بينهم وبين ~~المشركين ، فإن هذا الاسم معروف عند جميع العرب فمسماه لا نزاع في وجوده ~~ولكنهم كانوا يصفونه بصفات تنزه عنها . # أما { أحد } فاسم بمعنى ( واحد ) . وأصل همزته الواو ، فيقال : وحد كما ~~يقال : أحد ، قلبت الواو همزة على غير قياس لأنها مفتوحة ( بخلاف قلب واو ~~وجوه ) ومعناه منفرد ، قال النابغة : # كأن رحلي وقد زال النهار بنا # بذي الجليلل على مستأنسس وحد # أي كأني وضعت الرجل على ثور وحشش أحس بأنسي وهو منفرد عن قطيعه . # وهو صفة مشبهة مثل حسن ، يقال : وحد مثل كرم ، ووحد مثل فرح . ~~PageV30P613 # وصيغة الصفة المشبهة تفيد تمكن الوصف في موصوفها بأنه ذاتي له ، فلذلك ~~أوثر { أحد } هنا على ( واحد ) لأن ( واحد ) اسم فاعل لا يفيد التمكن . ف ( ~~واحد ) و { أحد } وصفان مصوغان بالتصريف لمادة متحدة وهي مادة الوحدة يعني ~~التفرد . # هذا هو أصل إطلاقه وتفرعت ms9567 عنه إطلاقات صارت حقائق للفظ ( أحد ) ، أشهرها ~~أنه يستعمل اسما بمعنى إنسان في خصوص النفي نحو قوله تعالى : { لا نفرق بين ~~أحد من رسله في البقرة ، وقوله : ولا أشرك بربي أحدا } في الكهف وكذلك ~~إطلاقه على العدد في الحساب نحو : أحد عشر ، وأحد وعشرين ، ومؤنثه إحدى ، ~~ومن العلماء من خلط بين ( واحد ) وبين { أحد } فوقع في ارتباك . # فوصف الله بأنه { أحد } معناه : أنه منفرد بالحقيقة التي لوحظت في اسمه ~~العلم وهي الإلاهية المعروفة ، فإذا قيل : { الله أحد } فالمراد أنه منفرد ~~بالإلاهية ، وإذا قيل : الله واحد ، فالمراد أنه واحد لا متعدد فمن دونه ~~ليس بإلاه . ومآل الوصفين إلى معنى نفي الشريك له تعالى في إلاهيته . # فلما أريد في صدر البعثة إثبات الوحدة الكاملة لله تعليما للناس كلهم ، ~~وإبطالا لعقيدة الشرك وصف الله في هذه السورة ب { أحد } ولم يوصف ب ( واحد ~~) لأن الصفة المشبهة نهاية ما يمكن به تقريب معنى وحدة الله تعالى إلى عقول ~~أهل اللسان العربي المبين . # وقال ابن سينا في تفسير له لهذه السورة : إن { أحد } دال على أنه تعالى ~~واحد من جميع الوجوه وأنه لا كثرة هناك أصلا لا كثرة معنوية وهي كثرة ~~المقومات والأجناس والفصول ، ولا كثرة حسية وهي كثرة الأجزاء الخارجية ~~المتمايزة عقلا كما في المادة والصورة . والكثرة الحسية بالقوة أو بالفعل ~~كما في الجسم ، وذلك متضمن لكونه سبحانه منزها عن الجنس والفصل ، والمادة ~~والصورة ، والأعراض والأبعاض ، والأعضاء ، والأشكال ، والألوان ، وسائر ما ~~يثلم الوحدة الكاملة والبساطة الحقة اللائقة بكرم وجهه عز وجل عن أن يشبهه ~~شيء أو يساويه سبحانه شيء . وتبيينه : أما الواحد فمقول على ما تحته ~~بالتشكيك ، والذي لا ينقسم بوجه أصلا أولى بالوحدانية مما ينقسم من بعض ~~الوجوه ، والذي لا ينقسم PageV30P614 انقساما عقليا أولى بالوحدانية من ~~الذي ينقسم انقساما بالحس بالقوة ثم بالفعل ، ف { أحد } جامع للدلالة على ~~الوحدانية من جميع الوجوه وأنه لا كثرة في موصوفه اه . # قلت : قد فهم المسلمون هذا فقد روي أن بلالا كان إذا عذب على الإسلام ~~يقول ms9568 : أحد أحد ، وكان شعار المسلمين يوم بدر : أحد أحد . # والذي درج عليه أكثر الباحثين في أسماء الله تعالى أن { أحد } ليس ملحقا ~~بالأسماء الحسنى لأنه لم يرد ذكره في حديث أبي هريرة عند الترمذي قال : ( ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل ~~الجنة ) . وعدها ولم يذكر فيها وصف أحد ، وذكر وصف واحد وعلى ذلك درج إمام ~~الحرمين في كتاب ( الإرشاد ) وكتابب ( اللمع ) والغزالي في ( شرح الأسماء ~~الحسنى ) . # وقال الفهري في ( شرحه على لمع الأدلة ) لإمام الحرمين عند ذكر اسمه ~~تعالى ( الواحد ) . وقد ورد في بعض الروايات الأحد فلم يجمع بين الاسمين في ~~اسم . # ودرح ابن برجان الإشبيلي في ( شرح الأسماء ) والشيخ محمد بن محمد الكومي ~~( بالميم ) التونسي ، ولطف الله الأرضرومي في ( معارج النور ) ، على عد ( ~~أحد ) في عداد الأسماء الحسنى مع اسمه الواحد فقالا : الواحد الأحد بحيث هو ~~كالتأكيد له كما يقتضيه عدهم الأسماء تسعة وتسعين ، وهذا بناء على أن حديث ~~أبي هريرة لم يقتضض حصر الأسماء الحسنى في التسعة والتسعين ، وإنما هو ~~لبيان فضيلة تلك الأسماء المعدودة فيه . # والمعنى : أن الله منفرد بالإلاهية لا يشاركه فيها شيء من الموجودات . ~~وهذا إبطال للشرك الذي يدين به أهل الشرك ، وللتثليث الذي أحدثه النصارى ~~الملكانية وللثانوية عند المجوس ، وللعدد الذي لا يحصى عند البراهمة . # فقوله : { الله أحد } نظير قوله في الآية الأخرى : { إنما الله إلاه واحد ~~} ( النساء : 171 ) . وهذا هو المعنى الذي يدركه المخاطبون بهذه الآية ~~السائلون عن نسبة الله ، أي حقيقته PageV30P615 فابتدىء لهم بأنه واحد ~~ليعلموا أن الأصنام ليست من الإلاهية في شيء . # ثم إن الأحدية تقتضي الوجود لا محالة فبطل قول المعطلة والدهريين . # وقد اصطلح علماء الكلام من أهل السنة على استخراج الصفات السلبية ~~الربانية من معنى الأحدية لأنه إذا كان منفردا بالإلاهية كان مستغنيا عن ~~المخصص بالإيجاد لأنه لو افتقر إلى من يوجده لكان من يوجده إلاها أول منه ~~فلذلك كان وجود الله قديما غير مسبوق بعدم ولا محتاج إلى مخصص ms9569 بالوجود بدلا ~~عن العدم ، وكان مستعينا عن الإمداد بالوجود فكان باقيا ، وكان غنيا عن ~~غيره ، وكان مخالفا للحوادث وإلا لاحتاج مثلها إلى المخصص فكان وصفه تعالى ~~: ب { أحد } جامعا للصفات السلبية . ومثل ذلك يقال في مرادفه وهو وصف واحد ~~. # واصطلحوا على أن أحدية الله أحدية واجبة كاملة ، فالله تعالى واحد من ~~جميع الوجوه ، وعلى كل التقادير فليس لكنه الله كثرة أصلا لا كثرة معنوية ~~وهي تعدد المقومات من الأجناس والفصول التي تتقوم منها المواهي ، ولا كثرة ~~الأجزاء في الخارج التي تتقوم منها الأجسام . فأفاد وصف { أحد } أنه منزه ~~عن الجنس والفصل والمادة والصورة ، والأعراض والأبعاض ، والأعضاء والأشكال ~~والألوان وسائر ما ينافي الوحدة الكاملة كما إشار إليه ابن سينا . # قال في ( الكشاف ) : ( وفي قراءة النبي صلى الله عليه وسلم { الله أحد } ~~بغير { قل هو } اه ، ولعله أخذه مما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~من قرأ : { الله أحد } كان بعدل ثلثث القرآن ، كما ذكره بأثر قراءة أبي ~~بدون { قل } كما تأوله الطيبي إذ قال : وهذا استشهاد على هذه القراءة . # وعندي إن صح ما روي من القراءة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقصد بها ~~التلاوة وإنما قصد الامتثال لما أمر بأن يقوله ، وهذا كما كان يكثر أن يقول ~~: ( سبحان ربي العظيم وبحمده اللهم اغفر لي ) يتأول قوله تعالى : { فسبح ~~بحمد ربك واستغفره } ( النصر : 3 ) . PageV30P616 # جملة ثانية محكية بالقول المحكية به جملة : { الله أحد } ، فهي خبر ثان ~~عن الضمير . والخبر المتعدد يجوز عطفه وفصله ، وإنما فصلت عن التي قبلها ~~لأن هذه الجملة مسوقة لتلقين السامعين فكانت جديرة بأن تكون كل جملة مستقلة ~~بذاتها غير ملحقة بالتي قبلها بالعطف ، على طريقة إلقاء المسائل على ~~المتعلم نحو أن يقول : الحوز شرط صحة الحبس ، الحوز لا يتم إلا بالمعانية ، ~~ونحو قولك : عنترة من فحول الشعراء ، عنترة من أبطال الفرسان . # ولهذا الاعتبار وقع إظهار اسم الجلالة في قوله : { الله الصمد } وكان ~~مقتضى الظاهر أن يقال : هو الصمد . # و { الصمد } : السيد الذي لا يستغنى ms9570 عنه في المهمات ، وهو سيد القوم ~~المطاع فيهم . # قال في ( الكشاف ) : وهو فعل بمعنى مفعول من : صمد إليه ، إذا قصده ، ~~فالصمد المصمود في الحوائج . قلت : ونظيره السند الذي تسند إليه الأمور ~~المهمة . والفلق اسم الصباح لأنه يتفلق عنه الليل . # و { الصمد } : من صفات الله ، والله هو الصمد الحق الكامل الصمدية على ~~وجه العموم . # فالصمد من الأسماء التسعة والتسعين في حديث أبي هريرة عند الترمذي . ~~ومعناه : المفتقر إليه كل ما عداه ، فالمعدوم مفتقر وجوده إليه والموجود ~~مفتقر في شؤونه إليه . # وقد كثرت عبارات المفسرين من السلف في معنى الصمد ، وكلها مندرجة تحت هذا ~~المعنى الجامع ، وقد أنهاها فخر الدين إلى ثمانية عشر قولا . ويشمل هذا ~~الاسم صفاتت الله المعنوية الإضافية وهي كونه تعالى حيا ، عالما ، مريدا ، ~~قادرا ، متكلما ، سميعا ، بصيرا ، لأنه لو انتفى عنه أحد هذه الصفات لم يكن ~~مصمودا إليه . PageV30P617 # وصيغة { الله الصمد } صيغة قصر بسبب تعريف المسند فتفيد قصر صفة الصمدية ~~على الله تعالى ، وهو قصر قلب لإبطال ما تعوده أهل الشرك في الجاهلية من ~~دعائهم أصنامهم في حوائجهم والفزع إليها في نوائبهم حتى نسوا الله . قال ~~أبو سفيان ليلة فتح مكة وهو بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وقال له ~~النبي صلى الله عليه وسلم أما آن لك أن تشهد أن لا إلاه إلا الله : ( لقد ~~علمت أن لو كان معه إلاه آخر لقد أغنى عني شيئا ) . # جملة : { لم يلد } خبر ثانن عن اسم الجلالة من قوله : { الله الصمد } ، ~~أو حال من المبتدأ أو بدل اشتمال من جملة { الله الصمد } ، لأن من يصمد ~~إليه لا يكون من حاله أن يلد لأن طلب الولد لقصد الاستعانة به في إقامة ~~شؤون الوالد وتدارك عجزه ، ولذلك استدل على إبطال قولهم : { اتخذ الله ولدا ~~} بإثبات أنه الغني في قوله تعالى : { قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو ~~الغني له ما في السماوات الأرض } ( يونس : 68 ) فبعد أن أبطلت الآية الأولى ~~من هذه السورة تعدد الإلاه بالأصالة والاستقلال ، أبطلت هذه الآية تعدد ~~الإلاه ms9571 بطريق تولد إلاه عن إلاه ، لأن المتولد مساو لما تولد عنه . # والتعدد بالتولد مساو في الاستحالة لتعدد الإلاه بالأصالة لتساوي ما يلزم ~~على التعدد في كليهما من فساد الأكوان المشار إليه بقوله تعالى : { لو كان ~~فيهما آلهة إلا الله لفسدتا } ( الأنبياء : 22 ) ( وهو برهان التمانع ) ~~ولأنه لو تولد عن الله موجود آخر للزم انفصال جزء عن الله تعالى وذلك مناف ~~للأحدية كما علمت آنفا وبطل اعتقاد المشركين من العرب أن الملائكة بنات ~~الله تعالى فعبدوا الملائكة لذلك ، لأن البنوة للإلاه تقتضي إلاهية الابن ~~قال تعالى : { وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون } ( الأنبياء ~~: 26 ) . # وجملة { لم يولد } عطف على جملة { لم يلد } ، أي ولم يلده غيره ، وهي ~~بمنزلة الاحتراس سدا لتجويز أن يكون له والد ، فأردف نفي الولد بنفي الوالد ~~. وإنما قدم نفي الولد لأنه أهم إذ قد نسب أهل الضلالة الولد إلى الله ~~تعالى ولم ينسبوا PageV30P618 إلى الله والدا . وفيه الإيماء إلى أن من ~~يكون مولودا مثل عيسى لا يكون إلاها لأنه لو كان الإلاه مولودا لكان وجوده ~~مسبوقا بعدم لا محالة ، وذلك محال لأنه لو كان مسبوقا بعدم لكان مفتقرا إلى ~~من يخصصه بالوجود بعد العدم ، فحصل من مجموع جملة : { لم يلد ولم يولد } ~~إبطال أن يكون الله والدا لمولود ، أو مولودا من والد بالصراحة . وبطلت ~~إلاهية كل مولود بطريق الكناية فبطلت العقائد المبنية على تولد الإلاه مثل ~~عقيدة ( زرادشت ) الثانوية القائلة بوجود إلاهين : إلاه الخير وهو الأصل ، ~~وإلاه الشر وهو متولد عن إلاه الخير ، لأن إلاه الخير وهو المسمى عندهم ( ~~يزدان ) فكر فكرة سوء فتولد منه إلاه الشر المسمى عندهم ( أهرمن ) ، وقد ~~أشار إلى مذهبهم أبو العلاء بقوله : # قال أناس باطل زعمهم # فراقبوا الله ولا تزعمن # فكر ( يزدان ) على غرة # فصيغ من تفكيره ( أهرمن ) # وبطلت عقيدة النصارى بإلاهية عيسى عليه السلام بتوهمهم أنه ابن الله وأن ~~ابن الإلاه لا يكون إلا إلاها بأن الإلاه يستحيل أن يكون له ولد فليس عيسى ~~بابن لله ، وبأن الإلاه يستحيل ms9572 أن يكون مولودا بعد عدم . فالمولود المتفق ~~على أنه مولود يستحيل أن يكون إلاها فبطل أن يكون عيسى إلاها . # فلما أبطلت الجملة الأولى إلاهية إلاه غير الله بالأصالة ، وأبطلت الجملة ~~الثانية إلاهية غير الله بالاستحقاق ، أبطلت هذه الجملة إلاهية غير الله ~~بالفرعية والتولد بطريق الكناية . # وإنما نفي أن يكون الله والدا وأن يكون مولودا في الزمن الماضي ، لأن ~~عقيدة التولد ادعت وقوع ذلك في زمن مضى ، ولم يدع أحد أن الله سيتخذ ولدا ~~في المستقبل . # في معنى التذييل للجمل التي قبلها لأنها أعم من مضمونها لأن تلك الصفات ~~المتقدمة صريحها وكنايتها وضمنيها لا يشبهه فيها غيره ، مع إفادة هذه ~~انتفاء PageV30P619 شبيه له فيما عداها مثل صفات الأفعال كما قال تعالى : { ~~إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له } ( الحج : 73 ~~) . # والواو في قوله : { ولم يكن له كفؤا } اعتراضية ، وهي واو الحال ، كالواو ~~في قوله تعالى : { وهل يجازى إلا الكفور } ( سبأ : 17 ) فإنها تذييل لجملة ~~{ ذلك جزيناهم بما كفروا } ( سبأ : 17 ) ، ويجوز كون الواو عاطفة إن جعلت ~~الواو الأولى عاطفة فيكون المقصود من الجملة إثبات وصف مخالفته تعالى ~~للحوادث وتكون استفادة معنى التذييل تبعا للمعنى ، والنكت لا تتزاحم . # والكفؤ : بضم الكاف وضم الفاء وهمزة في آخره . وبه قرأ نافع وأبو عمرو ~~وأبو بكر عن عاصم وأبو جعفر ، إلا أن الثلاثة الأولين حققوا الهمزة وأبو ~~جعفر سهلها ويقال : ( كفء ) بضم الكاف وسكون الفاء وبالهمز ، وبه قرأ حمزة ~~ويعقوب ، ويقال : { كفوا } بالواو عوض الهمز ، وبه قرأ حفص عن عاصم وهي ~~لغات ثلاث فصيحة . # ومعناه : المساوي والمماثل في الصفات . # و { أحد } هنا بمعنى إنسان أو موجود ، وهو من الأسماء النكرات الملازمة ~~للوقوع في حيز النفي . # وحصل بهذا جناس تام مع قوله : { قل هو الله أحد } . # وتقديم خبر ( كان ) على اسمها للرعاية على الفاصلة وللاهتمام بذكر الكفؤ ~~عقب الفعل المنفي ليكون أسبق إلى السمع . # وتقديم المجرور بقوله : { له } على متعلقه وهو { كفؤا } للاهتمام ~~باستحقاق الله نفي كفاءة أحد له ، فكان هذا ms9573 الاهتمام مرجحا تقديم المجرور ~~على متعلقه وإن كان الأصل تأخير المتعلق إذا كان ظرفا لغوا . وتأخيره عند ~~سيبويه أحسن ما لم يقتض التقديم مقتضض كما أشار إليه في ( الكشاف ) . # وقد وردت في فضل هذه السورة أخبار صحيحة وحسنة استوفاها المفسرون . وثبت ~~في الحديث الصحيح في ( الموطأ ) و ( الصحيحين ) من طرق عدة : أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال : ( { قل هو الله أحد } تعدل ثلث القرآن ) . ~~PageV30P620 # واختلفت التأويلات التي تأول بها أصحاب معاني الآثار لهذا الحديث ويجمعها ~~أربعة تأويلات : # الأول : أنها تعدل ثلث القرآن في ثواب القراءة ، أي تعدل ثلث القرآن إذا ~~قرىء بدونها حتى لو كررها القارىء ثلاث مرات كان له ثواب من قرأ القرآن كله ~~. # الثاني : أنها تعدل ثلث القرآن إذا قرأها من لا يحسن غيرها من سورة ~~القرآن . # الثالث : أنها تعدل ثلث معاني القرآن باعتبار أجناس المعاني لأن معاني ~~القرآن أحكام وأخبار وتوحيد ، وقد انفردت هذه السورة بجمعها أصول العقيدة ~~الإسلامية ما لم يجمعه غيرها . # وأقول : إن ذلك كان قبل نزول آيات مثلها مثل آية الكرسي ، أو لأنه لا ~~توجد سورة واحدة جامعة لما في سورة الإخلاص . # التأويل الرابع : أنها تعدل ثلث القرآن في الثواب مثل التأويل الأول ولكن ~~لا يكون تكريرها ثلاث مرات بمنزلة قراءة ختمة كاملة . # قال ابن رشد في ( البيان والتحصيل ) : أجمع العلماء على أن من قرأ : { قل ~~هو الله أحد } ثلاث مرات لا يساوي في الأجر من أحيا بالقرآن كله اه . فيكون ~~هذا التأويل قيدا للتأويل الأول ، ولكن في حكايته الإجماع على أن ذلك هو ~~المراد نظر ، فإن في بعض الأحاديث ما هو صريح في أن تكريرها ثلاث مرات يعدل ~~قراءة ختمة كاملة . # قال ابن رشد : واختلافهم في تأويل الحديث لا يرتفع بشيء منه عن الحديث ~~الإشكال ولا يتخلص عن أن يكون فيه اعتراض . # وقال أبو عمر بن عبد البر السكوت على هذه المسألة أفضل من الكلام فيها . # PageV30P621 PageV30P622 # | 1 ( سورة الفلق ) 1 # سمى النبي صلى الله عليه وسلم هذه السورة : { قل أعوذ برب ms9574 الفلق } . روى ~~النسائي عن عقبة بن عامر قال : اتبعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~راكب فوضعت يدي على قدمه فقلت : أقرئني يا رسول الله سورة هود وسورة يوسف ، ~~فقال : لن تقرأ شيئا أبلغ عند الله من ( قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب ~~الناس ) . # وهذا ظاهر في أنه أراد سورة : { قل أعوذ برب الفلق } لأنه كان جوابا عن ~~قول عقبة : أقرئني سورة هود الخ ، ولأنه عطف على قوله : { قل أعوذ برب ~~الفلق } ( الفلق : 1 ) قوله : و { قل أعوذ برب الناس } ( الناس : 1 ) ولم ~~يتم سورة : { قل أعوذ برب الفلق } . # عنونها البخاري في ( صحيحه ) : سورة قل أعوذ برب الفلق ) بإضافة سورة إلى ~~أول جملة منها . # وجاء في كلام بعض الصحابة تسميتها مع سورة الناس ( المعوذتين ) . روى أبو ~~داود والترمذي وأحمد عن عقبة بن عامر قال : ( أمرني رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن أقرأ بالمعوذات ( بكسر الواو المشددة وبصيغة الجمع بتأويل ~~الآيات المعوذات ، أي آيات السورتين ) وفي رواية : ( بالمعوذتين في دبر كل ~~صلاة ) . ولم يذكر أحد من المفسرين أن الواحدة منهما تسمى المعوذة بالإفراد ~~، وقد سماها ابن عطية سورة المعوذة الأولى ، فإضافة ( سورة ) إلى ( المعوذة ~~) من إضافة المسمى إلى الاسم ، ووصف السورة بذلك مجاز يجعلها كالذي يدل ~~الخائف على المكان الذي يعصمه من مخيفه أو كالذي يدخله المعاذ . # وسميت في أكثر المصاحف ومعظم كتب التفسير ( سورة الفلق ) . # وفي ( الإتقان ) : أنها وسورة الناس تسميان ( المشقشقتين ) ( بتقديم ~~الشينين PageV30P623 على القافين ) من قولهم خطيب مشقشق ا ه . ( أي مسترسل ~~القول تشبيها له بالفحل الكريم من الإبل يهدر بشقشقة وهي كاللحم يبرز من ~~فيه إذا غضب ) ولم أحقق وجه وصف المعوذتين بذلك . # وفي ( تفسير القرطبي ) و ( الكشاف ) أنها وسورة الناس تسميان ( ~~المقشقشتين ) ( بتقديم القافين على الشينين ) زاد القرطبي : أي تبرئان من ~~النفاق ، وكذلك قال الطيبي ، فيكون اسم المقشقشة مشتركا بين أربع سور هذه ، ~~وسورة الناس ، وسورة براءة ، وسورة الكافرون . # واختلف فيها أمكية هي أم مدنية ، فقال جابر بن زيد والحسن وعطاء وعكرمة : ~~مكية ms9575 ، ورواه كريب عن ابن عباس . وقال قتادة : هي مدنية ، ورواه أبو صالح ~~عن ابن عباس . # والأصح أنها مكية لأن رواية كريب عن ابن عباس مقبولة بخلاف رواية أبي ~~صالح عن ابن عباس ففيها متكلم . # وقال الواحدي : قال المفسرون : إنها نزلت بسبب أن لبيد بن الأعصم سحر ~~النبي صلى الله عليه وسلم وليس في ( الصحاح ) أنها نزلت بهذا السبب ، وبنى ~~صاحب ( الإتقان ) عليه ترجيح أن السورة مدنية وسنتكلم على قصة لبيد بن ~~الأعصم عند قوله تعالى : { ومن شر النفاثات في العقد } ( الفلق : 4 ) . # وقد قيل : إن سبب نزولها والسورة بعدها : أن قريشا ندبوا ، أي ندبوا من ~~اشتهر بينهم أنه يصيب النبي صلى الله عليه وسلم بعينه فأنزل الله المعوذتين ~~ليتعوذ منهم بهما ، ذكره الفخر عن سعيد بن المسيب ولم يسنده . # وعدت العشرين في عداد نزول السور ، نزلت بعد سورة الفيل وقبل سورة الناس ~~. # وعدد آياتها خمس بالاتفاق . # واشتهر عن عبد الله بن مسعود في ( الصحيح ) أنه كان ينكر أن تكون ( ~~المعوذتان ) من القرآن ويقول : إنما أمر رسول الله أن يتعوذ بهما ، أي ولم ~~يؤمر PageV30P624 بأنهما من القرآن . وقد جمع أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على القراءة بهما في الصلاة وكتبتا في مصاحفهم ، وصح أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قرأ بهما في صلاته . # أغراضها # والغرض منها تعليم النبي صلى الله عليه وسلم كلمات للتعوذ بالله من شر ما ~~يتقى شره من المخلوقات الشريرة ، والأوقاتت التي يكثر فيها حدوث الشر ، ~~والأحوال التي يستر أفعال الشر من ورائها لئلا يرمى فاعلوها بتبعاتها ، ~~فعلم الله نبيئه هذه المعوذة ليتعوذ بها ، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان يتعوذ بهذه السورة وأختها ويأمر أصحابه بالتعوذ بهما ، فكان ~~التعوذ بهما من سنة المسلمين . # # | 2 ( { قل أعوذ برب الفلق * من شر ما خلق * ومن شر غاسق إذا وقب * ومن ~~شر النفاثات فى العقد * ومن شر حاسد إذا حسد } ) 2 # الأمر بالقول يقتضي المحافظة على هذه الألفاظ لأنها التي عينها الله ~~للنبيء صلى الله ms9576 عليه وسلم ليتعوذ بها فإجابتها مرجوة ، إذ ليس هذا المقول ~~مشتملا على شيء يكلف به أو يعمل حتى يكون المراد : قل لهم كذا كما في قوله ~~: { قل هو الله أحد } ( الإخلاص : 1 ) ، وإنما هو إنشاء معنى في النفس تدل ~~عليه هذه الأقوال الخاصة . # وقد روي عن ابن مسعود في أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن المعوذتين ~~فقال : ( قيل لي قل فقلت لكم فقولوا ) . يريد بذلك المحافظة على هذه ~~الألفاظ للتعوذ وإذ قد كانت من القرآن فالمحافظة على ألفاظها متعينة ~~والتعوذ يحصل بمعناها وبألفاظها حتى كلمة { قل . # والخطاب بقل } للنبيء صلى الله عليه وسلم وإذ قد كان قرآنا كان خطاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم به يشمل الأمة حيث لا دليل على تخصيصه به ، فلذلك ~~أمر النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه بالتعوذ بهذه السورة ولذلك أيضا ~~كان يعوذ بهما الحسن والحسين كما ثبت في ( الصحيح ) ، فتكون صيغة الأمر ~~الموجهة إلى المخاطب مستعملة في معنيي الخطاب من توجهه إلى معين وهو الأصل ~~، ومن إرادة كل من يصح خطابه وهو PageV30P625 طريق من طرق الخطاب تدل على ~~قصده القرائن ، فيكون من استعمال المشترك في معنييه . # واستعمال صيغة التكلم في فعل { أعوذ } يتبع ما يراد بصيغة الخطاب في فعل ~~{ قل } فهو مأمور به لكل من يريد التعوذ بها . # وأما تعويذ قارئها غيره بها كما ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~يعوذ بالمعوذتين الحسن والحسين ، وما روي عن عائشة قالت : ( إن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان ينفث على نفسه في المرض الذي مات فيه بالمعوذات ، فلما ~~ثقل كنت أنفث عليه بهن وأمسح بيد نفسه لبركتها ) ، فذلك على نية النيابة ~~عمن لا يحسن أن يعوذ نفسه بنفسه بتلك الكلمات لعجز أو صغر أو عدم حفظ . # والعوذ : اللجأ إلى شيء يقي من يلجأ إليه ما يخافه ، يقال : عاذ بفلان ، ~~وعاذ بحصن ، ويقال : استعاذ ، إذا سأل غيره أن يعيذه قال تعالى : { فاستعذ ~~بالله إنه سميع عليم } ( الأعراف : 200 ) . وعاذ من كذا ، إذا ms9577 صار إلى ما ~~يعيذه منه قال تعالى : { فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم } ( النحل : 98 ) ~~. # و { الفلق } : الصبح ، وهو فعل بمعنى مفعول مثل الصمد لأن الليل شبه بشيء ~~مغلق ينفلق عن الصبح ، وحقيقة الفلق : الانشقاق عن باطن شيء ، واستعير ~~لظهور الصبح بعد ظلمة الليل ، وهذا مثل استعارة الإخراج لظهور النور بعد ~~الظلام في قوله تعالى : { وأغطش ليلها وأخرج ضحاها } ( النازعات : 29 ) ، ~~واستعارة السلخ له في قوله تعالى : { وآية لهم الليل نسلخ منه النهار } ( ~~يس : 37 ) . # ورب الفلق : هو الله ، لأنه الذي خلق أسباب ظهور الصبح ، وتخصيص وصف الله ~~بأنه رب الفلق دون وصف آخر لأن شرا كثيرا يحدث في الليل من لصوص ، وسباع ، ~~وذوات سموم ، وتعذر السير ، وعسر النجدة ، وبعد الاستغاثة واشتداد آلام ~~المرضى ، حتى ظن بعض أهل الضلالة الليل إلاه الشر . # والمعنى : أعوذ بفالق الصبح منجاة من شرور الليل ، فإنه قادر على أن ~~ينجيني في الليل من الشر كما أنجى أهل الأرض كلهم بأن خلق لهم الصبح ، فوصف ~~الله بالصفة التي فيها تمهيد للإجابة . PageV30P626 # عطف أشياء خاصة هي مما شمله عموم { من شر ما خلق } ( الفلق : 2 ) ، وهي ~~ثلاثة أنواع من أنواع الشرور : # أحدها : وقت يغلب وقوع الشر فيه وهو الليل . # والثاني : صنف من الناس أقيمت صناعتهم على إرادة الشر بالغير . # والثالث : صنف من الناس ذو خلق من شأنه أن يبعث على إلحاق الأذى بمن تعلق ~~به . # وأعيدت كلمة { من شر } بعد حرف العطف في هذه الجملة . وفي الجملتين ~~المعطوفتين عليها مع أن حرف العطف مغنن عن إعادة العامل قصدا لتأكيد الدعاء ~~، تعرضا للإجابة ، وهذا من الابتهال فيناسبه الإطناب . # والغاسق : وصف الليل إذا اشتدت ظلمته يقال : غسق الليل يغسق ، إذا أظلم ~~قال تعالى : { إلى غسق الليل } ( الإسراء : 78 ) ، فالغاسق صفة لموصوف ~~محذوف لظهوره من معنى وصفه مثل الجواري في قوله تعالى : { ومن آياته الجوار ~~في البحر } ( الشورى : 32 ) وتنكير { غاسق } للجنس لأن المراد جنس الليل . # وتنكير { غاسق } في مقام الدعاء يراد به العموم لأن مقام الدعاء يناسب ~~التعميم . ومنه قول ms9578 الحريري في المقامة الخامسة : ( يا أهل ذا المعنى وقيتم ~~ضرا ) أي وقيتم كل ضر . # وإضافة الشر إلى غاسق من إضافة الاسم إلى زمانه على معنى ( في ) كقوله ~~تعالى : { بل مكر الليل والنهار } ( سبأ : 33 ) . # والليل : تكثر فيه حوادث السوء من اللصوص والسباع والهوام كما تقدم آنفا ~~. # وتقييد ذلك بظرف { إذا وقب } أي إذا اشتدت ظلمته لأن ذلك وقت يتحينه ~~الشطار وأصحاب الدعارة والعيث ، لتحقق غلبة الغفلة والنوم على الناس فيه ، ~~يقال : أغدر الليل ، لأنه إذا اشتد ظلامه كثر الغدر فيه ، فعبر عن ذلك بأنه ~~أغدر ، أي صار ذا غدر على طريق المجاز العقلي . PageV30P627 # ومعنى { وقب } دخل وتغلغل في الشيء ، ومنه الوقبة : اسم النقرة في الصخرة ~~يجتمع فيها الماء ، ووقبت الشمس غابت ، وخص بالتعوذ أشد أوقات الليل توقعا ~~لحصول المكروه . # هذا النوع الثاني من الأنواع الخاصة المعطوفة على العام من قوله : { من ~~شر ما خلق } ( الفلق : 2 ) . وعطف { شر النفاثات في العقد } على شر الليل ~~لأن الليل وقت يتحين فيه السحرة إجراء شعوذتهم لئلا يطلع عليهم أحد . # والنفث : نفخ مع تحريك اللسان بدون إخراج ريق فهو أقل من التفل ، يفعله ~~السحرة إذا وضعوا علاج سحرهم في شيء وعقدوا عليه عقدا ثم نفثوا عليها . # فالمراد ب { النفاثات في العقد } : النساء الساحرات ، وإنما جيء بصفة ~~المؤنث لأن الغالب عند العرب أن يتعاطى السحر النساء لأن نساءهم لا شغل لهن ~~بعد تهيئة لوازم الطعام والماء والنظافة ، فلذلك يكثر انكبابهن على مثل ~~هاته السفاسف من السحر والتكهن ونحو ذلك ، فالأوهام الباطلة تتفشى بينهن ، ~~وكان العرب يزعمون أن الغول ساحرة من الجن . وورد في خبر هجرة الحبشة أن ~~عمارة بن الوليد بن المغيرة اتهم بزوجة النجاشي وأن النجاشي دعا له السواحر ~~فنفخن في إحليله فصار مسلوب العقل هائما على وجهه ولحق بالوحوش . # و { العقد } : جمع عقدة وهي ربط في خيط أو وتر يزعم السحرة أنه سحر ~~المسحور يستمر ما دامت تلك العقد معقودة ، ولذلك يخافون من حلها فيدفنونها ~~أو يخبئونها في محل لا يهتدى إليه . أمر ms9579 الله رسوله صلى الله عليه وسلم ~~بالاستعاذة من شر السحرة لأنه ضمن له أن لا يلحقه شر السحرة ، وذلك إبطال ~~لقول المشركين في أكاذيبهم إنه مسحور ، قال تعالى : { وقال الظالمون إن ~~تتبعون إلا رجلا مسحورا } ( الفرقان : 8 ) . # وجملة القول هنا : أنه لما كان الأصح أن السورة مكية فإن النبي صلى الله ~~عليه وسلم مأمون من أن يصيبه شر النفاثات لأن الله أعاذه منها . ~~PageV30P628 # وأما السحر فقد بسطنا القول فيه عند قوله تعالى : { يعلمون الناس السحر } ~~في سورة البقرة . # وإنما جعلت الاستعاذة من النفاثات لا من النفث ، فلم يقل : إذا نفثن في ~~العقد ، للإشارة إلى أن نفثهن في العقد ليس بشيء يجلب ضرا بذاته وإنما يجلب ~~الضر النافثات وهن متعاطيات السحر ، لأن الساحر يحرص على أن لا يترك شيئا ~~مما يحقق له ما يعمله لأجله إلا احتال على إيصاله إليه ، فربما وضع له في ~~طعامه أو شرابه عناصر مفسدة للعقل أو مهلكة بقصد أو بغير قصد ، أو قاذورات ~~يفسد اختلاطها بالجسد بعض عناصر انتظام الجسم يختل بها نشاط أعصابه أو ~~إرادته ، وربما أغرى به من يغتاله أو من يتجسس على أحواله ليري لمن يسألونه ~~السحر أن سحره لا يتخلف ولا يخطىء . # وتعريف { النفاثات } تعريف الجنس وهو في معنى النكرة ، فلا تفاوت في ~~المعنى بينه وبين قوله : { ومن شر غاسق } ( الفلق : 3 ) وقوله : { ومن شر ~~حاسد } ( الفلق : 5 ) . وإنما أوثر لفظ { النفاثات } بالتعريف لأن التعريف ~~في مثله للإشارة إلى أن حقيقة معلومة للسامع مثل التعريف في قولهم : ( ~~أرسلها العراك ) كما تقدم في قوله تعالى : { الحمد لله } في سورة الفاتحة . # وتعريف { النفاثات } باللام إشارة إلى أنهن معهودات بين العرب . # عطف شر الحاسد على شر الساحر المعطوف على شر الليل ، لمناسبة بينه وبين ~~المعطوف عليه مباشرة وبينه وبين المعطوف عليه بواسطته ، فإن مما يدعو ~~الحاسد إلى أذى المحسود أن يتطلب حصول أذاه لتوهم أن السحر يزيل النعمة ~~التي حسده عليها ولأن ثوران وجدان الجسد يكثر في وقت الليل ، لأن الليل وقت ~~الخلوة وخطور الخواطر ms9580 النفسية والتفكر في الأحوال الحافة بالحاسد وبالمحسود ~~. # والحسد : إحساس نفساني مركب من استحسان نعمة في الغير مع تمني زوالها عنه ~~لأجل غيرة على اختصاص الغير بتلك الحالة أو على مشاركته الحاسد فيها . وقد ~~يطلق اسم الحسد على الغبطة مجازا . PageV30P629 # والغبطة : تمني المرء أن يكون له من الخير مثل ما لمن يروق حاله في نظره ~~، وهو محمل الحديث الصحيح : ( لا حسد إلا في اثنتين ) ، أي لا غبطة ، أي لا ~~تحق الغبطة إلا في تينك الخصلتين ، وقد بين شهاب الدين القرافي الفرق بين ~~الحسد والغبطة في الفرق الثامن والخمسين والمائتين . # فقد يغلب الحسد صبر الحاسد وأناته فيحمله على إيصال الأذى للمحسود بإتلاف ~~أسباب نعمته أو إهلاكه رأسا . وقد كان الحسد أول أسباب الجنايات في الدنيا ~~إذ حسد أحد ابني آدم أخاه على أن قبل قربانه ولم يقبل قربان الآخر ، كما ~~قصه الله تعالى في سورة العقود . # وتقييد الاستعاذة من شره بوقت : { إذا حسد } لأنه حينئذ يندفع إلى عمل ~~الشر بالمحسود حين يجيش الحسد في نفسه فتتحرك له الحيل والنوايا لإلحاق ~~الضر به . والمراد من الحسد في قوله : { إذا حسد } حسد خاص وهو البالغ أشد ~~حقيقته ، فلا إشكال في تقييد الحسد ب { حسد } وذلك كقول عمرو بن معد يكرب : # وبدت لميس كأنها # بدر السماء إذا تبدى # أي تجلى واضحا منيرا . # ولما كان الحسد يستلزم كون المحسود في حالة حسنة كثر في كلام العرب ~~الكناية عن السيد بالمحسود ، وبعكسه الكناية عن سيىء الحال بالحاسد ، وعليه ~~قول أبي الأسود : # حسدوا الفتى أن لم ينالوا سعيه # فالقوم أعداء له وخصوم # كضرائر الحسناء قلن لوجهها # حسدا وبغضا إنه لمشوم # وقول بشار بن برد : # إن يحسدوني فإني غير لائمهم # قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا # فدام لي ولهم ما بي وما بهم # ومات أكثرنا غيظا بما يجد PageV30P630 # # | 1 ( سورة الناس ) 1 # تقدم عند تفسير أول سورة الفلق أن النبي صلى الله عليه وسلم سمى سورة ~~الناس : { قل أعوذ برب الناس } . # وتقدم في سورة الفلق أنها وسورة الناس ms9581 تسميان ( المعوذتين ) ، و ( ~~المشقشقتين ) بتقديم الشينين على القافين ، وتقدم أيضا أن الزمخشري ~~والقرطبي ذكر أنهما تسميان ( المقشقشتين ) بتقديم القافين على الشينين ، ~~وعنونها ابن عطية في ( المحرر الوجيز ) ( سورة المعوذة الثانية ) بإضافة ( ~~سورة ) إلى ( المعوذة ) من إضافة الموصوف إلى الصفة ، وعنونهما الترمذي ( ~~المعوذتين ) ، وعنونها البخاري في ( صحيحه ) ( سورة قل أعوذ برب الناس ) . # وفي مصاحفنا القديمة والحديثة المغربية والمشرقية تسمية هذه السورة ( ~~سورة الناس ) وكذلك أكثر كتب التفسير . # وهي مكية في قول الذين قالوا في سورة الفلق إنها مكية ، ومدنية في قول ~~الذين قالوا في سورة الفلق إنها مدنية . والصحيح أنهما نزلتا متعاقبتين ، ~~فالخلاف في إحداهما كالخلاف في الأخرى . # وقال في ( الإتقان ) : إن سبب نزولها قصة سحر لبيد بن الأعصم ، وأنها ~~نزلت مع ( سورة الفلق ) وقد سبقه إلى ذلك القرطبي والواحدي ، وقد علمت ~~تزييفه في سورة الفلق . # وعلى الصحيح من أنها مكية فقد عدت الحادية والعشرين من السور ، نزلت عقب ~~سورة الفلق وقبل سورة الإخلاص . PageV30P631 # وعدد آيها ست آيات ، وذكر في ( الإتقان ) قولا : إنها سبع آيات وليس ~~معزوا لأهل العدد . # أغراضها # إرشاد النبي صلى الله عليه وسلم لأن يتعوذ بالله ربه من شر الوسواس الذي ~~يحاول إفساد عمل النبي صلى الله عليه وسلم وإفساد إرشاده الناس ويلقي في ~~نفوس الناس الإعراض عن دعوته . وفي هذا الأمر إيماء إلى أن الله تعالى ~~معيذه من ذلك فعاصمه في نفسه من تسلط وسوسة الوسواس عليه ، ومتمم دعوته حتى ~~تعم في الناس . ويتبع ذلك تعليم المسلمين التعوذ بذلك ، فيكون لهم من هذا ~~التعوذ ما هو حظهم من قابلية التعرض إلى الوسواس ، ومع السلامة منه بمقدار ~~مراتبهم في الزلفى . # # | 2 ( { قل أعوذ برب الناس * ملك الناس * إلاه الناس * من شر الوسواس ~~الخناس * الذى يوسوس فى صدور الناس * من الجنة والناس } ) 2 # شابهت فاتحتها فاتحة سورة الفلق إلا أن سورة الفلق تعوذ من شرور ~~المخلوقات من حيوان وناس ، وسورة الناس تعوذ من شرور مخلوقات خفية وهي ~~الشياطين . # والقول في الأمر بالقول ، وفي المقول ، وفي أن الخطاب للنبيء صلى ms9582 الله ~~عليه وسلم والمقصود شموله أمته ، كالقول في نظيره من سورة الفلق سواء . # وعرف { رب } بإضافته إلى { الناس } دون غيرهم من المربوبين لأن الاستعاذة ~~من شر يلقيه الشيطان في قلوب الناس فيضلون ويضلون ، فالشر المستعاذ منه ~~مصبه إلى الناس ، فناسب أن يستحضر المستعاذ إليه بعنوان أنه رب من يلقون ~~الشر ومن يلقى إليهم ليصرف هؤلاء ويدفع عن الآخرين كما يقال لمولى العبد : ~~يا مولى فلان كف عني عبدك . # وقد رتبت أوصاف الله بالنسبة إلى الناس ترتيبا مدرجا فإن الله خالقهم ، ~~ثم هم غير خارجين عن حكمه إذا شاء أن يتصرف في شؤونهم ، ثم زيد بيانا بوصف ~~PageV30P632 إلاهيته لهم ليتبين أن ربوبيته لهم وحاكميته فيهم ليست كربوبية ~~بعضهم بعضا وحاكمية بعضهم في بعض . # وفي هذا الترتيب إشعار أيضا بمراتب النظر في معرفة الله تعالى فإن الناظر ~~يعلم بادىء ذي بدء بأن له ربا يسبب ما يشعر به من وجود نفسه ، ونعمة تركيبه ~~، ثم يتغلغل في النظر فيشعر بأن ربه هو الملك الحق الغني عن الخلق ، ثم ~~يعلم أنه المستحق للعبادة فهو إلاه الناس كلهم . # و { ملك الناس } عطف بيان من { رب الناس } وكذلك { إله الناس } فتكرير ~~لفظ { الناس } دون اكتفاء بضميره لأن عطف البيان يقتضي الإظهار ليكون الاسم ~~المبين ( بكسر الياء ) مستقلا بنفسه لأن عطف البيان بمنزلة علم للاسم ~~المبين ( بالفتح ) . # و { الناس } : اسم جمع للبشر جميعهم أو طائفة منهم ولا يطلق على غيرهم ~~على التحقيق . # و { الوسواس } : المتكلم بالوسوسة ، وهي الكلام الخفي ، قال رؤبة يصف ~~صائدا في قترته : # وسوس يدعو مخلصا رب الفلق # فالوسواس اسم فاعل ويطلق الوسواس بفتح الواو مجازا على ما يخطر بنفس ~~المرء من الخواطر التي يتوهمها مثل كلام يكلم به نفسه قال عروة بن أذينة : # وإذا وجدت لها وساوس سلوة # شفع الفؤاد إلى الضمير فسلها # والتعريف في { الوسواس } تعريف الجنس وإطلاق { الوسواس } على معنييه ~~المجازي والحقيقي يشمل الشياطين التي تلقي في أنفس الناس الخواطر الشريرة ، ~~قال تعالى : { فوسوس إليه الشيطان } ( طه : 120 ) ، ويشمل الوسواس كل من ms9583 ~~يتكلم كلاما خفيا من الناس وهم أصحاب المكائد والمؤامرات المقصود منها ~~إلحاق الأذى من اغتيال نفوس أو سرقة أموال أو إغراء بالضلال والإعراض عن ~~الهدى ، لأن شأن مذاكرة هؤلاء بعضهم مع بعض أن تكون سرا لئلا يطلع عليها من ~~يريدون الإيقاع به ، وهم الذين يتربصون برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الدوائر ويغرون الناس بأذيته . PageV30P633 # و { الخناس } : الشديد الخنس والكثيره . والمراد أنه صار عادة له . ~~والخنس والخنوس : الاختفاء . والشيطان يلقب ب { الخناس } لأنه يتصل بعقل ~~الإنسان وعزمه من غير شعور منه فكأنه خنس فيه ، وأهل المكر والكيد والتختل ~~خناسون لأنهم يتحينون غفلات الناس ويتسترون بأنواع الحيل لكيلا يشعر الناس ~~بهم . # فالتعريف في { الخناس } على وزان تعريف موصوفه ، ولأن خواطر الشر يهم بها ~~صاحبها فيطرق ويتردد ويخاف تبعاتها وتزجره النفس اللوامة ، أو يزعه وازع ~~الدين أو الحياء أو خوف العقاب عند الله أو عند الناس ثم تعاوده حتى يطمئن ~~لها ويرتاض بها فيصمم على فعلها فيقترفها ، فكأن الشيطان يبدو له ثم يختفي ~~، ثم يبدو ثم يختفي حتى يتمكن من تدليته بغرور . # ووصف { الوسواس الخناس } ب { الذي يوسوس في صدور الناس } لتقريب تصوير ~~الوسوسة كي يتقيها المرء إذا اعترته لخفائها ، وذلك بأن بين أن مكان إلقاء ~~الوسوسة هو صدور الناس وبواطنهم فعبر بها عن الإحساس النفسي كما قال تعالى ~~: { ولكن تعمى القلوب التي في الصدور } ( الحج : 46 ) وقال تعالى : { إن في ~~صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه } ( غافر : 56 ) . وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم ( الإثم ما حاك في الصدر وتردد في القلب ) ، فغاية الوسواس من وسوسته ~~بثها في نفس المغرور والمشبوكك في فخه ، فوسوسة الشياطين اتصالات جاذبيه ~~النفوس نحو داعية الشياطين . وقد قربها النبي صلى الله عليه وسلم في آثار ~~كثيرة بأنواع من التقريب منها : ( أنها كالخراطيم يمدها الشيطان إلى قلب ~~الإنسان ) وشبهها مرة بالنفث ، ومرة بالإبساس . وفي الحديث : ( إن الشيطان ~~يجري من ابن آدم مجرى الدم وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما ) . # وإطلاق فعل { يوسوس } على هذا العمل الشيطاني مجاز ms9584 إذ ليس للشيطان كلام ~~في باطن الإنسان . وأما إطلاقه على تسويل الإنسان لغيره عمل السوء فهو ~~حقيقة . وتعلق المجرور من قوله : { في صدور الناس } بفعل { يوسوس } بالنسبة ~~لوسوسة الشيطان تعلق حقيقي ، وأما بالنسبة لوسوسة الناس فهو مجاز عقلي لأن ~~وسوسة الناس سبب لوقوع أثرها في الصدور فكان في كل من فعل { يوسوس } ~~ومتعلقه استعمال اللفظين في الحقيقة والمجاز . PageV30P634 # و { من } في قوله : { من الجنة والناس } بيانية بينت { الذي يوسوس في ~~صدور الناس } بأنه جنس ينحل باعتبار إرادة حقيقته ، ومجازه إلى صنفين : صنف ~~من الجنة وهو أصله ، وصنف من الناس وما هو إلا تبع وولي للصنف الأول ، وجمع ~~الله هذين الصنفين في قوله : { وكذلك جعلنا لكل نبيء عدوا شياطين الإنس ~~والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا } ( الأنعام : 112 ) . # ووجه الحاجة إلى هذا البيان خفاء ما ينجر من وسوسة نوع الإنسان ، لأن ~~الأمم اعتادوا أن يحذرهم المصلحون من وسوسة الشيطان ، وربما لا يخطر بالبال ~~أن من الوسواس ما هو شر من وسواس الشياطين ، وهو وسوسة أهل نوعهم وهو أشد ~~خطرا وهم بالتعوذ منهم أجدر ، لأنهم منهم أقرب وهو عليهم أخطر ، وأنهم في ~~وسائل الضر أدخل وأقدر . # ولا يستقيم أن يكون { من } بيانا للناس إذ لا يطلق اسم { الناس } على ما ~~يشمل الجن ومن زعم ذلك فقد أبعد . # وقدم { الجنة } على { الناس } هنا لأنهم أصل الوسواس كما علمت بخلاف ~~تقديم الإنس على الجن في قوله تعالى : { وكذلك جعلنا لكل نبيء عدوا شياطين ~~الإنس والجن } ( الأنعام : 112 ) لأن خبثاء الناس أشد مخالطة للأنبياء من ~~الشياطين ، لأن الله عصم أنبياءه من تسلط الشياطين على نفوسهم قال تعالى : ~~{ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين } ( الحجر : 42 ) ~~فإن الله أراد إبلاغ وحيه لأنبيائه فزكى نفوسهم من خبث وسوسة الشياطين ، ~~ولم يعصمهم من لحاق ضر الناس بهم والكيد لهم لضعف خطره ، قال تعالى : { وإذ ~~يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله ~~خير الماركين } ( الأنفال : 30 ms9585 ) ولكنه ضمن لرسله النجاة من كل ما يقطع ~~إبلاغ الرسالة إلى أن يتم مراد الله . # والجنة : اسم جمع جني بياء النسب إلى نوع الجن ، فالجني الواحد من نوع ~~الجن كما يقال : إنسي للواحد من الإنس . # وتكرير كلمة { الناس } في هذه الآيات المرتين الأوليين باعتبار معنى واحد ~~إظهار في مقام الإضمار لقصد تأكيد ربوبية الله تعالى وملكه وإلاهيته للناس ~~كلهم PageV30P635 كقوله تعالى : { يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب ~~وما هو من الكتاب } ( آل عمران : 78 ) . # وأما تكريره المرة الثالثة بقوله : { في صدور الناس } فهو إظهار لأجل بعد ~~المعاد . # وأما تكريره المرة الرابعة بقوله : { من الجنة والناس } فلأنه بيان لأحد ~~صنفي الذي يوسوس في صدور الناس ، وذلك غير ما صدق كلمة { الناس } في المرات ~~السابقة . # والله يكفينا شر الفريقين ، وينفعنا بصالح الثقلين . # تم تفسير ( سورة الناس ) وبه تم تفسير القرآن العظيم . # يقول محمد الطاهر ابن عاشور : قد وفيت بما نويت ، وحقق الله ما ارتجيت ~~فجئت بما سمح به الجهد من بيان معاني القرآن ودقائق نظامه وخصائص بلاغته ، ~~مما اقتبس الذهن من أقوال الأيمة ، واقتدح من زند لإنارة الفكر وإلهاب ~~الهمة ، وقد جئت بما أرجو أن أكون وفقت فيه للإبانة عن حقائق مغفولل عنها ، ~~ودقائق ربما جلت وجوها ولم تجل كنها ، فإن هذا منال لا يبلغ العقل البشري ~~إلى تمامه ، ومن رام ذلك فقد رام والجوزاء دون مرامه . # وإن كلام رب الناس ، حقيق بأن يخدم سعيا على الرأس ، وما أدى هذا الحق ~~إلا قلم المفسر يسعى على القرطاس ، وإن قلمي طالما استن بشوط فسيح ، وكم ~~زجر عند الكلالل والإعياء زجر المنيح ، وإذ قد أتى على التمام فقد حق له أن ~~يستريح . # PageV30P636 ms9586